######OpenITI# #META# URI: 1381MarunCabbud.WujuhWaHikayat.Hindawi53097092 #META# Tags: literature #META# ID: 53097092 #META# Title: وجوه وحكايات #META# AuthorID: 36051407 #META# Author: مارون عبود #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # معلم‏ # جبور بك‏ # معاز الضيعة‏ # الناس‏ # دايم دايم‏ # جان أفندي‏ # أم لطوف‏ # وجه غريب‏ # موعظة القيامة‏ # لص جواد‏ # أم نخول‏ # صلاة نائب‏ # وعظة وديك‏ # وجه مقيت‏ # مهاجرة‏ # نفخ نفخ‏ # معلم‏ # جبور بك‏ # معاز الضيعة‏ # الناس‏ # دايم دايم‏ # جان أفندي‏ # أم لطوف‏ # وجه غريب‏ # موعظة القيامة‏ # لص جواد‏ # أم نخول‏ # صلاة نائب‏ # وعظة وديك‏ # وجه مقيت‏ # مهاجرة‏ # نفخ نفخ‏ # | وجوه وحكايات # | وجوه وحكايات # تأليف # مارون عبود # | معلم # عرفته في عنفوان شبابه، صدر كالصندوق على فخذين كعضادتين، وهامة تثبت للعلماء أنه ~~كان على وجه الأرض عمالقة، في مشيته شيء من الخيلاء يبرئ تسميتها غطرسة، كأن خطواته ~~موقعة إيقاعا أو مقسمة بالبيكار، مشي السحابة لا ريث ولا عجل، ولكن ليس إلى بيت ~~جاراته. # يتزيا بزي العلماء ويتوقر مثلهم، فأبداه غنبازه «الديما» أطول مما هو، هو ~~متأنق في كل شيء حتى الحديث، كان يرطل كل كلمة ويروزها قبل أن تنطلق في الهواء، رأسه ~~ثقيل كما يعبر العوام عن الرصانة، يدور على قدميه بكل مهابة، إن التفت كأنه مصراع ~~بوابة الدير المصفحة، فلا تسمع منه جلنبلق كما أكد لنا أبو عثمان المازني إذ حدثنا ~~عما يقوله مصراعا الباب عند الغلق والإصفاق. # فحصت ضميري فحص مؤمن موسوس قبل الاعتراف لأتذكر ابتسامته فأصفها، فما تذكرت قط أني ~~رأيته باسما، أذكر أن لثته كانت محمرة، ولهذا حكاية رأيتها وأنا ابن خمس حين كان يعلمنا ~~الألفباء؛ قال لأحد رفقائنا النجباء: قاف. فانتصب بوجهه كالمارد، فغضب المعلم لهذه ~~البلادة، هو يريد الحرف المعروف لا الوقوف، فرفع شفته العليا وأرخى السفلى، وربسه بيديه ~~ساخطا. # استيقظت في المعلم الجرثومة اللبنانية فهاجر إلى فلسطين، وعاد بعد سنوات ومعه عروس، ~~كان عرسه أول الأعراس التي شهدتها، جماهير زاحفة بتلك الهدية العسلية، غناء وحداء ~~وزغردة، الملبس والرز والقمح تتناثر من كل بيت تمر به العروس، وأيد لطيفة تلوح ~~بالقماقم راشة عليها وعلى موكبها ماء الزهر والورد. العريس على السطح منتصب فوق ~~الباب الذي تدخل منه العروس، لصقت العروس الخميرة على العتبة، وانهالت عليها ضربا بالرمان ms01 ~~ورشقت به الناس، ثم نزلت عن الفرس ودخلت عشها الجديد. كانت أم العريس تصطنع الابتسام ~~وترحب بكنتها العتيدة طائفة حولها بصحن البخور؛ كانت تبخرها وتدرسها درسا ~~فيزيولوجيا. الثياب جميلة والزي طريف، العروس بنت مدرسة ولكن وجهها الديناري يدل على ~~أنها قليلة جدا؛ ذراع كالمسلكة، وساق كالمغزل، ويد كأص الكبا. # كانت أم العريس في تلك الساعة نهبا مقسما، تجيب الجميع على عباراتهم التقليدية ~~بالأجوبة المعدة لها، وتؤهل بحرارة بربة البيت العتيدة، وقد سمعتها فيما بعد تشكر ~~ربها على خروجها من تلك الهمكة ظافرة، يشهد لها الناس بالفصاحة وضبط النفس ... # وصمدت العروس فوق صندوق وإلى جانبها شبينتها وما حولها بنات جنسها، وتصدر العريس ~~المجلس، وقعد الناس حوله وبين يديه في السماطين، وافتتح شاعر العرس سوق عكاظ، فقال «ردة» ~~- هي أول محفوظاتي - مدح فيها العريس، فسرى عن والديه بعض الهم. نقر الدف نقر مدل فتطاولت ~~إليه الأعناق وكان صمت، وما هتف «أوف» حتى صاح الجمهور بصوت واحد كالرعد «أوف»، ولم ~~يقل: # كلن غابوا وما جابوا # السبع غاب وجاب # حتى تماوج الجمهور. أخذت الردة بالعقول كأنها السيما المحكي عنها أنها تحول الأشياء عن ~~حقيقتها، فرددها الجميع متحمسين وصارت زيارة - اسم العروس - أخت الزهرة وبلقيس، إلا ~~ثرثارة سمعتها تقول: لولا يرجع وحده، كان أحسن، الله يساعد أمه! وقالت امرأة أخرى: هذي ~~زيارة، هذي زيار يا طنوس! وبعد أخذ ورد بين القوالة لعبت الخمرة في رءوس الشباب، فكان الرقص ~~على قرع الطبل وعزف القصب، وهموا أن «يدبكوا» فمنعوهم لأن البيت علية أرضها خشب. أما نحن ~~الصغار فعمنا في النقولات: ملبس، وقضامي، وفستق العبيد شيخ النقل الدائم، وفزنا علاوة ~~بتحف مقدسية: مسابح، وصلبان، وصور، وأيقونات من أورشليم المقدسة، فترنحت نفوسنا بنعمة ~~الله، وامتلأت بطون الكبار لحما وخمرا. # كان عرس المعلم أميريا، دام أسبوعين فأجهز على كيسه، أنفق في شهر ما جمعه في سنوات، ولم ~~يبال لأنه ما تعود أن يبالي؛ نشأ وحيدا مدللا في بيت كان غنيا فافتقر، أمه أنوف ~~ولكنها لا تستحي بالعمل، تأكل طورا من ms02 المغزل وتارة من الرفش، مشهود لها بالترتيب ~~والنظافة، فبيتها دائما مسنون الأرض لا يدخله الناس إلا حفاة لئلا تخدش نعالهم وجه الطين، ~~فهي تحمره كل سبت وتدلكه. كانت خبازة عبقرية تسهر على الرغيف سهر أكثر نساء اليوم على ~~وجوههن وأناملهن ... يهمها أن يخرج الخبز من عندها بدون لو، أما زوجها أبو طنوس فكان جمالا ~~ولكنه جمال أبي أمين، دستوره: «أعطنا خبزنا كفاف يومنا.» جعل وكده تعليم ولده ليعتز ~~ويستريح، فشبع فخرا ولم يأكل خبزا. # لم يكن المعلم غير بر بوالديه، ولكنه كان والرغيف فرسي رهان، لا يدركه حتى يقطع في ~~الجري أنفاسه، حال علمه وتربيته الأولى دون رضاه بالخسيس من العيش، وأصيب بمرض الكرسي ~~فسعى وراء المثل الأعلى، هاجر في طلبه إلى البرازيل، وكان آخر العهد به. # كان جميل الخط حلو الإنشاء، إذا ظفر والده منه بمكتوب أقرأه معلم الأولاد، فيعجب ~~بتعابيره وينسخها ليتعلمها ويعلمها، يتمنى المسكين لو يوفق مرة في العمر إلى واحدة ~~مثلها. لم يكن يؤلم أبا طنوس هجران ابنه مثلما يؤلمه سؤال الناس عن أخباره، وما يسألون إلا ~~عن الفلوس، وشاع يوما في الضيعة أنه تناول حوالة فسألوه على أي بنك، فقال بكل برودة: على ~~بنك «من علمني حرفا كنت له عبدا.» # تلك كلمة ابنه عند افتخاره بالكرسي، فكانت رمية من غير رام. # وأخيرا ورد المكتوب المضمون، فتجمهر الناس على تلك البشارة، فإذا بتلك الرسالة الحبلى ~~تلد قصاصات من صحف المهجر كالمناظر والمنارة وأبي الهول، كلها تثني على المعلم ثناء ~~عاطرا، وتعظم إقدامه على إنشاء مدرسة لأبناء الجالية بعدما كادوا أن يتأمركوا، فعلمهم ~~لغتهم التي تربطهم بوطنهم، وفيها أيضا مختارات من شعره ونثره وصورته بين أكابر الجالية، ~~فاستقامت قناة أبيه بعدما حناها الهرم، وكاد يسمن بعد أن اخترم جسمه الهم، فاقعنسس بين ~~القوم متعزيا متغذيا، «الصيت الجيد خير من المال المجموع.» هكذا كان يقول إذا ذكر ~~المال، ثم يخرج من عبه الكيس المخملي ليقدم إلى كل قارئ أوراق اعتماده، أي قصائد ~~ولده ومقالاته وما قيل عنه، كان ms03 أحب شيء إلى قلبه أن يتلى على مسامعه شيء منها، ~~فيترنح ترنح فاهم، ثم يردها إلى مستقرها. # وعند نشوب الحرب الكبرى، ورد من المعلم كتاب على إثر نعي أمه، يعد فيه أباه بمبلغ من ~~المال متى غلا «الرايش»، ولكن الأحلام لم تصح، فالرايش لم يرتفع ... وأطبقت الحرب كماشتها ~~على الشرق والغرب، فقصر أبو طنوس مع من قصروا من القرية عن إدراك المعاش، فباع أول المقتنى ~~وآخر المبيع أي البيت. كان يجول في القرية صامتا كأبي الهول لا يشكو ولا يتذمر، جلس ~~قبالتي يوما مطبقا شفتيه إطباقة صارمة، تأملته مليا فرأيت شفتيه تتحركان وصدره ~~يخر كزمارة؛ علمت أنه يحدث نفسه، أما ماذا كان يفكر ... طبعا لم يكن يفكر باختراع ~~البارود! هو عي يعمل بقول المثل: «خليها في القلب تجرح، ولا تخرج من الفم تفضح.» وبعد ~~فترة رأيته يتهيأ لحركة ثم يعدل عنها ويغرق في أحلامه، وأخيرا دنا مني وابتسم ابتسامة ~~مخيفة وقال: يا ترى، ابن خالتك نسينا بالمرة، أم بعث لنا شيئا وضاع؟ اقرأ تفرح، جرب ~~تحزن، هذا الذي صار فينا. # فقلت له: أنت محتاج اليوم؟ # قال: لا، معي بقوي من ثمن البيت ... ثم تنهد وقال: راحوا من خلف البقر واغتنوا، قبروا الفقر ~~ونحن نشتهي العضة بالرغيف، أنا صرت على حفة قبري ولكن البنت! رطل الطحين بنصف عسملي، ~~أكلنا خبزا «حاف»، ويا ليته قمح. # وفي غد ذلك اليوم استيقظنا على عويل البنية، مضى جدها لسبيله ولم يترك لها إلا ذاك الكيس ~~المخملي، وجاءنا الجدري، فمن لم يمت بالجوع مات بغيره، فألحقت البنت بجدها، وانقطعت عنا ~~أخبار المعلم حتى نعته إلينا صحف المهجر منذ أربعة أعوام، مات كأبيه ميتة كريم مضطر، فأجمعت ~~صحف المهجر على تقديس جهاده القومي في تعليم مواطنيه لغتهم فما نسوا أمتهم، وشكرت جريدة أبي ~~الهول رجلا - لا أتذكر اسمه - واساه في مرضه الأخير، وجهزه للرحلة الكبرى تجهيزا لائقا ~~به. # لم يكن هذا الجندي المجهول كسلانا، ولكنه كان يعتقد أن الدينار شر جار، واعتقاله جريمة ~~لا تغتفر، وبالاختصار لم ms04 يكن من أصحاب الجمع والمنع، فمات ميتة جاحظية، وهذا معنى قولنا: ~~«أدركته حرفة الأدب.» # | جبور بك # 1 # كان جبور ينتظر ويفتكر، فتداعت أسراب الذكريات حتى أمست كما قال النابغة: «عصائب طير ~~تهتدي بعصائب.» # أصغى إلى أحاديث حوائج بيته البليغة، فذكرته السجادة النادرة بتلك الحصيرة ~~المقطعة الموروثة عن جده ... وذكرته المرآة الكبرى يوم كان ينحني فوق أجران «الصفوة» ~~ليفتل شاربيه فتلا مغارا، ولمس طوق معطفه المجلل بفرو السمور، فتذكر العباءة البلدية ~~القصيرة الكمين ولقب «دحدوح». # وتحرك جبور على الصفة فماج كرشه وترجرج، وأبرقت سلسلة ساعته الغليظة المدلدلة على ~~صديريته، فتذكر «الكمر» العتيق الذي أعطاه إياه أبو خليل حلوانا، فشد وسطه به سنين ~~وألقاه عنه في فندق أنطون فارس بمرسيليا، حيث كان يحتفل بإلباس «أولاد العرب» الثياب ~~الفرنجية. # وحكت جبور رجله فانطوى بعناء مزعج، وكاد ينبج بطنه، ولما تبلغ يده رجله، ذكره ~~الجورب الحريري والحذاء اللماع بالمداس الذي يرى إخوته في أرجل معازة الضيعة ~~وبقارتها. # وسمع جبور حس رجل فقال: هذا هو. وحبس أنفاسه يتنصت، فإذا بالحس يبتعد ثم يضمحل، ~~وعاد جبور إلى أحلام يقظته الرائعة، فجره تفكيره بالقادم إلى مئات الليرات التي أعدها ~~برطيلا، فهز برأسه وقال: «هاي ما شا الله هاي، حصلت يا جبور مدير ناحية جبيل فرخ ~~قائمقام، غدا تضع رجلا على رجل في العربة؛ سق يا عربجي. وحد العربجي نفر عسكري ~~يأخذ سلامك، ويخدمك، ويقول لك: هنيئا يا سيدي. يقول لك الناس «يا صاحب العزة»، إن لم ~~يقولوا «سعادتك»، وبعد أن كنت «دحدوح» تصير جبور بك، وإذا أمحلت جبور أفندي.» فتنحنح ~~وأحكم قعدته، ثم أخرج ساعته الذهبية الضخمة وقلب شفته وقال: الغائب عذره معه. والتفت ~~إلى كتفيه لفتة غريبة، فبش ثم عبس؛ عبس إذ رأى كتفه اليسرى نازلة عن أختها، ~~فتذكر الكشة الثقيلة التي رجحتها، وحاول إصلاح ما أفسده الدهر فما قدر، فاعتصم بحمد ~~الله، وتناسى الماضي وقال: «كثر الله خيرك يا ربي، ربيت على معجن هذا وذاك، واليوم صار ~~بيتي مفتوحا للرائح والجائي ... أهلا وسهلا، كلوا يا ms05 بشر ، ربك طعمك، كل ~~واطعم.» # ودرى المسكين أنه تمادى في تحديث نفسه فضحك ثم قهقه، لوى رأسه صوب الشمال فبص القلم ~~الذهبي، فقال: وهذه نعمة نشكر الله عليها، صرنا نمضي ونكتب بالهندي، الذكي لا يخاف ~~عليه، يخلص حاله، من رآني يخمن أني تلميذ بولاق. # وجاءته الخادمة بالقهوة فأخذها بلا شعور، ولما اقتربت من الباب ناداها مشيرا بأصابعه ~~الخمس، فبدت يده كالمذرى: من عندنا يا ناهيل؟ ~~- جمهور يا معلمي، الضيعة عندك. قالت هذا وأشارت بيسراها إشارة قلة اكتراث، ~~واستقبلت الباب، فقال: «احم.» فالتفتت، فأومأ إليها، فعادت. ~~- قولي لهم معلمي مشغول جدا، عنده ناس غرباء، وإذا اهتموا، بالغي وزيدي، قولي لهم ~~عنده ناس من قبل الحكومة ومعهم أوراق أوراق، اسقيهم قهوة، اعتذري عني، قدمي لهم ~~سواكير. # وأشعل هو سيكارة من نوع إكسترا إكسترا، فاستطيبها على القهوة، تذكر كيف كان يشحذها ~~من الناس، واحتار جبور كيف يعلل جمعه الثروة الضخمة وهو ذاك الرجل، بينما فلان الفلاني، ~~وهو معلم مشهور، تركه في البرازيل وهو جوعان عريان. «سر، سر عظيم، سبحان الخالق!» ~~هكذا قال. كان يسكن بيتا دون بيوت الضيعة جميعا، فصار بيته قصرا. # وهذا ممن؟ طرح هذا السؤال ثم أجاب عليه بصوت مفخم: من الله، نشكرك يا رب ~~ونحمدك. # وتذكر أنه ينتظر فانبرى يتمشى، وطال الانتظار فسئم وخرج يتنزه، مر أمام بيت الجيران ~~فوقع اسمه في أذنيه؛ سمع امرأة وولدها يتعالجان، فتقول المرأة: جبور رجل ما كان عليه من ~~الخام ريحه، فصار أمير زمانه، بيته قصر، الخيل مربطة قدام بابه، والحكام تزوره، بنات ~~الضيعة ماتت عليه ونقى أحسنهن، كان يتنقل من بيت إلى بيت وقت الغدا والعشا حتى يأكل ~~اللقمة، وصار أغنى الضيعة والجوار. وأنت يا بغل، قاعد على سكين ظهرك تقشط أمك البشلك ~~والمتليك، باب البحر مفتوح، تغرب يا بهيم، الله يقصف عمرك، ما أبلدك! ليتني خلفت جرو ~~كلب وما خلفتك! # فضحك الشاب ضحكة سامة ثارت لها أمه وهاجت، ولكن ضحكته وقعت على جبور كجلمود صخر حطه ~~السيل من عل، وقال الفتى لأمه ms06 ساخرا : ومن يعمل مثل جبور؟ عاش بين عبيد أميركا عيشة ~~«نور» وجاء يتبغدد ويتفرعن على الضيعة، هذا مال رائح، مال مول، لا تنغري بالظواهر، ~~رغوه رغوه يا أمي. فصاحت الأم: ليتني أقبرك بجاه السيدة! تفلسف يا جحش. وأتم الشاب ~~كلامه: بعد سنة أو سنتين يعود جبور كما كان. # فصرخت الأم: وإذا صار جبور مثلنا اغتنينا نحن؟ يا حسرتي عليك! بعد يومين ثلاثة يصير ~~جبور مدير جبيل، وتقف له الناس على الصفين. ~~- لو صار متصرف جبل لبنان يظل عندي أقل من دحدوح، قصريها لا تطوليها. # فامتعض جبور تحت الشباك وكاد يزفر زفرة رنانة لو لم يتذكر الموقف، سمع لقبه القديم ~~فكاد ينشق من الغيظ. # وضاق صدر الأم فأسرعت إلى الشباك ففتحته، فاضطرب جبور، ومشى مفكرا بما سمع، تنبه ~~وحسب عن ظهر قلب ماذا صرف من مال أميركا، وبعد تعبيس دام هنيهة ضحك ضحكة استهزاء وقال: ~~لعن الله الحسد، ما ترك بيتا عامرا، غدا يعرف طنوس أين صار جبور، غدا نكتفه ونفرك ~~رقبته ويزور بيت خالته. # قال هذا وتمشى يتخطر كالأعيان، وأفاق من نجواه على صوت خادمته الراكضة وهي تصيح: يا ~~معلمي، عندك ناس. فانفتل راجعا. # وبعد عبارات المجاملة والترحيب دخل جبور وزائره الموضوع، فأجاب السمسار: مديرية جبيل ~~أمر بسيط، تصير قائمقام كسروان إذا كنت تريد، الواسطة تعمل عجائب، خمسمائة ليرة عثمانية ~~تعمل أكثر من مدير. # فالتفت إليه جبور التفاتة استغراب وقال: السر بيننا، أنا لا أصدق، هذا ضحك على ذقني، ~~مدير بالكد يعلق إمضاه. # فقال الوسيط محتدا: بلى، صدق يا سيدي. ثم ضحك وقال: تريد رئاسة القلم التركي محل ~~ناصيف بك الريس؟ ادفع، يا خواجا جبور أنت فيلسوف، بالنسبة إلى فلان وفلان. # فقال جبور: قالوا ننتظر «حلة». ~~- لا تصدقهم يا سيدي، الحلة عندك، حل عقدة كيسك تنحل ظهورهم. # فأطرق جبور ثم قال: الخمسمائة ليرة حاضرة. ثم حك رأسه وقال: نسيت أن أذكرك بواحدة، ~~أخاف أن يحتجوا أن ابن عمي موظف. # فضحك السمسار بملء فكيه وقال: حيف عليك يا خواجا جبور، ما ms07 مت ، ما رأيت من مات؟ ~~تأمل بعينيك عيال بأسرها موظفة، تغيرت الأيام ... الاستحقاق قبل كل شيء، أنت مستحق، ~~أنت رجل ربيت في بلاد العالم، تعرف كيف تحكم، الغربة مدرسة عظيمة. # فزهي جبور وتنفش كالديك على مزبلته، وتذكر هجرته ورفع رأسه بأبهة الموظف الكبير وقال: ~~«سي، سي سنيور.» # فضحك الرجل غصبا عنه وقال: هذا قليل عليك، أنت تستحق قائمقامية، نسيت أنك تحكي ~~باللسان الأسبنيولي، الخير قدام إن شاء الله، هيئ المبلغ، بعد ثلاثة أيام تصدر ~~البيلوردي - المرسوم. # والتفت إليه فرأى الشك في وجهه فقال: أريد أن أفهمك بالقلم العريض، فلوسك تصيرك ~~رئيس مجلس الإدارة، أفندينا مظفر باشا ينظر إلى الأهلية، أنت مستأهل، أفهمت؟ ادفع ولا ~~تخف، صدقني إذا قلت لك إن الوظيفة في أيامنا خير من سفرتين إلى أميركا، من انتخاب ~~شيخين ثلاثة، وتعيين أربعة خمسة مخاتير ورئيس بلدية تحصل أكثر من المبلغ، وإذا كنت ~~صاحب بخت وسياسة تحصل المبلغ من جناية واحدة ... الوظيفة بقرة درتها مثل الجرة، والحلاب ~~القدير مثلك يمسطها. # حسب جبور كلام السمسار تعريضا بماضيه يوم كان يحلب قطيعا كاملا لقاء رغيفين وصحن ~~طبيخ فانقبض، وتابع الوسيط حديثه فقال: إذن الدفع غدا، أهنئك سلفا يا جبور ~~بك. # فانبسط جبور وقال: ولقب بك أيضا؟ ~~- نعم إذا زدت المبلغ مئتين. # فقال جبور: أظن ذلك أليق. ~~- بدون شك، ومع نيشان أحسن وأحسن. # ففكر جبور قليلا وقال: نؤجل النيشان لنعمل فرحة ثانية. # فقال الرجل: «طيب، أوريفوار.» فارتبك جبور، ولكنه تماسك وتذكر ما يقال فصاح: ~~«آديوس.» وهز يد الوسيط هزة كادت تخلعها من الكتف. # وكانت ناهيل بمسمع من سيدها جبور، فاغتبطت حتى كادت تطلع من ثيابها، وتخيلت الناس ~~يسألونها قضاء حاجاتهم، ويدسون في يدها الريالات المجيدية، وهي تأبى أولا ثم ترضى، ~~فصاحت: «آهيك، يحرز دينك يا جبور بك!» # فزأرها البك الطازج قائلا لها: على مهل يا ناهيل، هس، لا تفسدي الطبخة، لا تقولي فول ~~حتى يدخل المكيول. # فرقصت ناهيل ابتهاجا وقالت: صارت في العب. وزغردت: «آووها» ... فهف إليها جبور ~~وسد بوزها بيده. # 2 ms08 # كانت مديرية جبيل - على عهد لبنان الدولي - أغلى المديريات مهرا ... لجودة مناخها ~~وجود أهلها، يدر على مرعاها اللبن، ويسمن من يطول له في ضواحيها فيستكمل شحما ~~ولحما ... # وكان المدير في ذلك العهد السعيد أطول باعا من المحافظ اليوم، يشغل مناصب شتى؛ فهو ~~مستنطق، وقاض، ومدع عام، وهو قائد «الضابطية» - الدرك - يقول لضابط المركز ~~اليوزباشي رتبة: رح فيروح، وتعال فيأتي. يأخذ الناس بالظنة إذا شاء، ويجتاحهم كالعاصفة ~~إذا كان قوي الظهر، لا كبير عنده إلا الجمل ... يبث الضابطية في القرى للجباية، فيذبحون ~~عنزة هذا وخروف ذاك ودجاجات تلك، وقد يذبحون البقر إذا كانت «الأوامر شديدة»، ويمسحون ~~- كما يعبرون - بفروة المدير. # يتولى «عزته» التحقيق في الجرائم حتى الجنايات، وإذا أذنب «شيخ صلح» فهو المحقق، ثم ~~يشرف على انتخاب الخلف، وإذا كرجت الليرات في الساحة ضرب «الصندوقة» بقضيبه السحري ~~فيصير الأبيض أسود، والأخضر أحمر. وخير تعبير عن تلك السلطة الهوجاء قول العامة: كان ~~يقضي ويمضي. # فلا بدع إذن إن تبرجت أسكلة جبيل - أورشليم العالم القديم - وازينت كالعروس يوم ~~الزفة؛ ففي الساحة العمومية، وعند سيدة البوابة، وأمام مدخل القلعة عقدت أقواس نصر ~~احتفاء بقراءة «البيلوردي» - المرسوم - لجبور بك الذي أصاب عصفورين بحجر واحد: البكوية ~~والمديرية ... # هبط المدينة شيوخ القرى، والمختارون ومن يحلمون بمشيخة الضيعة أو المختارية ... كانت ~~توجه الدعوات إلى الأعيان فيأتون من كل فج، وأكثرهم يهنئ عزة المدير بالمبلغ ~~المرقوم ... احتياطا ... من يدري فربما احتاج إلى معونته لينكي جاره أو ابن عمه أو أخاه، ~~فالمشيخة والمختارية والناطور والوقف والمشاع والمقابر والطرقات أجل وأعظم خطرا ~~عندهم من الممر البولوني ... # ماجت جبيل بالخلائق، فضاقت الخانات على الخيل والبغال والحمير، لم يكن في ذلك العهد ~~طرقات ولا سيارات، فجاء أكثر المدعوين مساء السبت، ولم يتأخر إلى صباح الأحد غير وفود ~~القرى القريبة. # كان قلب جبور يضرب مائة وما فوق، تعروه لذكرى الموعد اهتزازة العصفور بلله القطر، ~~ولا غرو فالوظيفة سيدة المعشوقات ... أخذت جبور رجفة سماها «تشة برد»، وكان ينهض كل ~~دقيقة ليعرض «بكويته» الطريئة على المرآة، ms09 فيعادل في كل لحظة ميزان شاربيه، جاعلا ~~القب على العاتق ... وأتت الساعة فمشى يختال في أبراده إلى القلعة، والأعيان حوله ~~وحواليه. أخذت سلامه على الدرج شرذمة ضابطية المركز فارتعد، فضحك البعض ضحكات مستورة ~~إلا واحدة أفلتت من فم مدير قديم، فاحمر وجه جبور بك ... لم يرد جبور التحية، فأراح ~~الجنود بندقياتهم ضاحكين، وقال جندي عتيق اسمه رجب: راح السلام طعام القرد! # كانت بيارق القرى تتطاول في الهواء، والقوالة يتنافسون في الحداء والهزج و«القول»، ~~وكلمة «يا بيكنا يا عزنا» كانت أحلى «القول» وقعا في قلب جبور، يتمنى لو ظلوا يرددونه، ~~وجاء وفد يعطعط: # جبور متى يا ملك # من سطوتك رج الفلك # فازبأر جبور وقال: هذا قول! هذا طق حنك، سكتوهم. # وأطل المدير على الناس وعن يمينه ضابط المركز، ومن عن شماله قارئ «البيلوردي»، فقرأ ~~ما كتب على الظرف بصوت بين بين: لحضرة صاحب الرفعة جبور بك متى مدير ناحية جبيل ~~المحترم. # فامتعض جبور وقال له بنبرة: راجع، قو صوتك. # وأخرج الكاتب البيلوردي من الظرف فاحتدم التصفيق حين لاحت الطغراء الهمايونية، وضج ~~الناس فصاح القارئ: اسمعوا يا بشر. ومد صوته في كلمة «بشر» مدا طرب له جبور واهتز، ~~وقال واحد: اسكتوا. وقال ثان: وحوش. فقام عراك بين وفدين من ذوي الحزازات فأخمدته ~~الضابطية إذ صرخ جبور: كيت وكيت من ... خذوهم إلى الحبس. # وساد الهدوء، فقرأ الكاتب بصوت جهوري كما يشتهي جبور: «رفعتلو بك محترم دام ~~بقاه.» # فتطاول لها واشرأب، وغمزه ليعيدها فأعادها، وجر «محترم» جرة تمنى جبور لو أنها ~~«للبك»، وما تلي التوقيع: «مظفر»، حتى هتفت الضابطية: «بادشاهم جوق ياشا.» فتزعزعت ~~أركان جبور ولا سيما حين رد الجمع: الله ينصره! # وجاء دور الشعراء، فقالوا أبياتا لا بأس بها، فاغتبط جبور وبان الفرح في وجهه الأسمر ~~وقال في قلبه: تقبر الليرات، ساعة مجد تسوي الدنيا وما فيها. ثم انتخى ودعا الناس إلى ~~الأكل، فاستأنفوا الشراب والهزج. ~~••• # وظلت أعصاب جبور متوترة، فما ذاق طعم النوم إلا قبل الصبح بقليل، فرأى حلما راعه، ~~وكان مسك ms10 ختامه خوارا مثل خوار الثوار، هرولت ناهيل مذعورة فعثرت بالسجادة وتدحرجت، ثم ~~نهضت وهي تقول: مديرية منحوسة، وبكويه أنحس، ما ذقنا حلاوتها بعد ... وظلت تحبو وتتلمس ~~حتى وقفت عند رأس جبور، فصلبت على وجهه وحوطته باسم الصليب المقدس فعل الأم عند ~~سرير ابنها ساعة الكابوس، وضوأت الغرفة فرأت العرق يتقطر من جلد جبور السمين، وانفتحت ~~عينا البك على ناهيل، فقال لها: لا تخافي يا أختي، حلم بشع، الله يستر. # فصاحت ناهيل: لا تفزع يا بك، الله معنا. # فطرب جبور لسماع كلمة بك منها. أما حرصها جدا على أن تخاطبه دائما بيا بك، وعلمها ~~كيف تجيب الزوار، فإذا قالوا مثلا: الخواجا جبور في البيت. فعليها أن تجيب: نعم، البك ~~في البيت. أو: لا، جناب البك في المدينة. # وبعد تنهد وشهيق قال جبور: أبصرت في نومي أني على ظهر حصان مثل حصان مار جريس ~~وأعظم. فقالت ناهيل على الفور: الخيل عز يا بك! ~~- وأني في سهل مد العين والنظر، الحصان يشخر وينخر وأنا ألهث وأطحر حتى وصلنا إلى ~~رأس جبل عال، فامتد قدامنا سهل جديد، ما بلغت آخره حتى اتصل بسهل آخر أطول منه، ~~سهول أعرفها من قبل، ولكني كنت أتعجب من اتصال بعضها ببعض، وأخيرا انفتحت هوة ~~قدامي وانشقت الأرض وبلعتني. # فوجمت ناهيل، ثم تذكرت أن الأحلام تعبر بالمقلوب، فقالت: عشت عمرا جديدا ~~... # وطلعت الشمس وانصرف جبور إلى سياسة الرعية ... ومرت شهور وما خلف الله عليه بشيء، ~~فتذكر التجارة في البرازيل، رأى أن تحديد الأسعار مريح، فجعل لكل قضية سعرا؛ ناطور ~~لا خلاف عليه: هدية لا بأس بها، وإذا كان خلاف فالسعر من خمس ليرات فصاعدا، والمختار ~~من عشر إلى عشرين، والشيخ من خمسين إلى مائة، والتوقيف في حبس القلعة من خمس وما فوق، ~~تبعا للمدعي والمدعى عليه، وإحضار وجيه تحت الحفظ من عشرين إلى ما يمكن تحصيله، ~~أما «ملحوظات المدير» فيكون سعرها حسب أهمية الدعوى، وحضور المآتم: المدير وحده خمس ~~ذهبات، وإذا كان معه ضابطية يواكبون النعش، فلكل نفر ذهب. ms11 # وكانت آيته الذهبية: الفصاد على قدر الدم. وكان يضحك من مكاتيب التوصية ويسميها «عملة ~~ورق»، ويقول: جواب الورق ورق مثله ... # وحدث حادث مستعجل والكاتب غائب، فأصدر أمره بخط يده فكتب: للفحص عن هذه المسألة ... ~~فكتب «الفحص» بلا حاء والمسألة مسلة ... # وجاء دور الاستثمار والحلب، فبلغوا جبور أنه «مهزوز»، أوعزوا إليه بإعداد هدية إلى ~~رئيس أحد الأقلام ليدعمه عند أفندينا، فاشترى خمسين رأسا من الغنم وساقها راع إلى ~~بعبدا ... استغرب الرئيس تلك الهدية الثرثارة وردها غاضبا، فباعها جبور كما أشير ~~عليه، وحمل ثمنها إلى الرئيس فرحب به، واستضحك عند القبض قائلا: هذي هدية لا ~~«تمعق»، وطيب خاطر البك الطازج. # وجاءت نوبة حرم أفندينا فعولت على زيارة جبيل للتفرج على آثارها؛ لم تكن الزيارة ~~لأنتيكة جبيل بل لدار المدير، فقد بلغت مسامع عصمتها أخبار ثروته وطرفه النفيسة، ~~فانصرفت من عنده ومعها خاتمه الألماسي، و«المضاليون» - بلغة جبور - والقرط النادر الذي ~~أعده لعروسه، وشبعت «الخانم» من اللآلئ، فحولت وجهها نحو السجاد العجمي فأخذت ~~الكبرى، وطولها سبعة وعرضها خمسة. # حلم جبور بالثروة مع الجاه، فخاب خيبة مرة، جمعها حبة حبة، فكانت للجمل غبة، ~~ونفد ماله فأبرق إلى شريكه في «الريو»، فأجابه: «الرايش» هابط ... التجارة واقفة ... ~~ثورة. # وأطل السمسار بعد أيام يسأل جبور أن «يغطي»، فضرب يده إلى أزراره ... فضحك السمسار، ~~ثم أفهمه بعد هدأة الضحك ما معنى التغطية في لغة المضاربات، فاعتذر وأراه التلغراف، ~~فانصرف عنه متهددا. # ونام جبور على مضض فلم يصبح ... واستيقظت الأسكلة على صراخ ناهيل وتفجعها، وقال طنوس ~~حين أذاع الجرس نعي جبور إلى الضيعة: أماه! يسلم رأسك، جاء خبر جبور؛ صدقت ~~أنه مال رائح؟ # فدقت أم طنوس يدا بيد، وبهتت هنيهة، ثم استأنفت شغلها ... # | معاز الضيعة # رأسه كالبطيخة، وحول أنفه الأفطس بثور زرقاء كأنها طلائع الزنجار في ذلك الوجه ~~النحاسي المفلطح، عينان ثعلبيتان فوق شاربين كئيبين، مفركح أفرم يلبس عباءة براقة ~~ذات كمين دون الكوع، ليس يتخلى عن عصاه، أحيانا يعرضها كالرمح، وطورا يمدها فوق ~~كتفيه تحني عليها الأصابع، ما رأيته ms12 يتعكز عليها إلا بعد وقعة الذئاب. # يصف قطيعه كالعسكر المدرب، إذا شردت عنزة يناديها باسمها فتعود إلى مستقرها، ~~رام ماهر إن شاء أصاب القرن، وإن أراد أصاب الفخذ، ويصيب المقتل إن كان قرما إلى ~~اللحم، فالويل للعاصية من حجر جليات، وإذا عصى الكراز فهناك المسئولية العظمى ~~والحساب العسير، عصا زعرور تهتز في الهواء، وراع كأنه متر مكعب يهرول ليلقي على ~~التيس دروسا مسلكية يستفيد منها كل فرد من أفراد الرعية، والتيوس تقبل ~~الآداب. # ما ألذ وقع حوافر القطيع عائدا عند الغروب، فهو كحفيف أوراق الخريف الصفراء، ~~وكتساقط المطر على السطوح في الليلة الخرساء. موكب صامت، القطيع بين مدبرين: الكراز ~~أمامه والراعي خلفه، والكلب يروح ويجيء بينهما. في كتف الراعي سطله وهو مزنر ~~بالجراب يشك في وسطه الناي، ورأس القصبتين المضمومتين باد من عبه. الموكب يمشي ~~الهويناء، والزعيمان لا يتكلمان، لا صوت يسمع إلا رنين الجرس المعلق في عنق ~~الكراز، وعلى الكراز مهابة تفيض على جنبات الدرب، فهو لا يلتفت البتة كأنه يحس ~~طعم الزعامة تحت أضراسه، إذا حاول ربع أو سدس أن يماشيه ينكزه بقرنه العظيم، فيعرف ~~مقامه. أما الأنثى فلا يخاشنها، ولا بأس عليها إن اخترقت خط العظمة. # من رأى الكراز يمشي بأبهة وجلال خاله يفكر بمشاكل خطيرة، كان صوت جرسه ~~يعلن قدومه فأسرع إلى استقباله، ومتى غاب عني شغلني المعاز الظريف، يداعب سائليه عن ~~الحليب واللبن وعينه على رعيته، لسانه مر وحديثه حامض، يعبث الأولاد بقطيعه ليغضب ~~ويسب، ولكنه لا ينثر درره الغوالي ما لم يتحقق أن ليس هناك من يحتشم، كثيرا ما ~~كنت أدعوه إلى السهرة فيجيء، وكنت أوسع عليه في الحديث ليتبسط في مواضيعه؛ مارست ~~ذلك معه مدة، فصار يأتيني بلا دعوة، وسقطت كل كلفة ما بيننا. # عجبت لمعرفته قطيعه واحدا واحدا، فقال: لا تتعجب، أعرفهم مثلما تعرف تلاميذك، ~~ولكل واحدة اسم، وفي عنزاتي المطيعة والعاصية والهادئة والورشة، عندي عنزة شقراء ~~تتلصص مثل البشر، تغافلني وتغزو. السكاء آدمية جدا، بنت حلال لا تتعبني أبدا. وقال ~~بصوت ms13 مسموع: الله يرضى عليها! ولكن الملحاء شيطانة، بنت حرام، لها حركات تشيب الرأس، إذا ~~غفلت عيني عنها تهجم وتنتش، الله يقصف عمرها، هي وحدها سودت وجهي عند الضيعة. # فقلت له: اذبحها. فتهدلت شفته السفلى وقال كالمستهزئ: أذبحها! الحكي هين، كل سنة ~~بطن، تخلف ثلاثة أربعة، اثنين ثلاثة، خلفها اليوم جدي، إن الله أعطاه العمر الكافي، ~~كان أعظم فحل في المسكونة. # وجئنا ليلة على ذكر الجن فتبسم وقال: سمعت عنهم وما ظهر لي شيء منهم، قالوا ~~إنهم اختفوا لما كثرت الأجراس في البلاد، ومع هذا أنا أصلب كثيرا. # ورأيته مرة يضرب الكراز ضربا عنيفا، فقلت له: ما عرفت يا مخايل؟ فأجاب بهزة كتف ~~عنيفة مستغربا، فقلت: الشريعة الحاضرة تغرمك وتحبسك إذا ضربت الكراز كما ضربته ~~اليوم. # فقهقه وجعل يضرب الأرض برجليه ويصفق على ركبتيه، وطفرت الدموع من عينيه، ولما هدأت ~~ثورته قال: ومن يربي الكراز كلما خرب؟ نتشكي إلى المدير! بأية لغة نحاكيه حتى يفهم؟ ~~ثم أغرب في الضحك وقال: كل خطرة يعصي علي الكراز أقيم عليه دعوى! ثم افتكر قليلا ~~وقال: طيب يا سيدي، ومن يشتكي علي؟ الكراز! # قلت: الناطور. فغضب وصاح: الناطور! الناطور يضرب الأولاد ولا نشتكي عليه، شريعة ~~عوجاء. # قال هذا وسكت ينتظر حديثا جديدا، فقلت له: تسمع ما يقول هذا الشاعر الفرنجي عن الراعي؟ ~~فقال وقد هدأت فورته: هات خبرنا. فقلت: يصف الهواء المعطر الذي تتنشقه، وأشعة الشمس ~~المطهرة التي تنسكب عليك حرارتها المحيية ... فقاطعني قائلا: حقا نار الشمس غنيمة، ما كان ~~عندنا خبرها. قلت: والمناظر الجميلة التي تتمتع بها والأعشاب المفيدة التي تأكلها. ~~فقال: قل له يجيء يرعى مع العنزات، عندنا ما يكفينا ويكفيه. # قلت: والقطيع المخلص الذي تسوسه، والكلب الأمين الذي تعاشره. فقال: يحسدنا على عشرة ~~الكلاب، الجنون فنون! # وترجمت له القصيدة كلها بلغة يفهمها، وأسرعت لكيلا يقاطعني، فكان أحيانا يتعجب، ~~وأحيانا يستهزئ، وأحيانا يصدق على قول الشاعر بإحناء الرأس، ولما انتهيت قال لي: ولكن ~~الشاعر نسي زبل المراح وصنة المعزى. # فأجبته: لست أقول لك ms14 شيئا من عندي، هذا المكتوب أمامي. فقال: أنت صادق، ولكن هذا مثلك ~~لا يعرف من حياتنا إلا دق القصب والغناء، لا يعرف أني أنام مرات وما عندي عشاء ~~ليلة، أمس استعرنا عشرة أرغفة. لا يذكر كيف نهرب من وجه «العداد»، ولا ما يصيبنا أيام ~~البرد والثلج، نسي المرض الذي يفني المعزى ونعلق الجرس على الكلب، تعجبكم حياة ~~المعازة في الربيع، ولما يمعكنا المطر ولا نلاقي مغارة نلطي بها، يكون الشاعر قاعدا على ~~النار يتدفأ. # وجاءني يوما بسؤال غريب، سألني إن كان سماع القداس في الراديو يغني عن حضوره في ~~الكنيسة، فعجزت عن الجواب، فوجم ومغمغ: ما ترقينا شيئا. وبعد هنيهة قال: ما يقول كتابك ~~اليوم؟ قلت: فيه حكاية حلوة، حكاية مرأة وأختها. فتربع وأنصت، فقلت: كان لمرأة ~~أخت عزيزة عليها فمرضت وماتت، فركعت أختها قدام فراشها على جلد أسد تسأل ربنا ~~بحرارة أن يحمي جميع من في تلك الغرفة، فسمع ربنا واستجاب. كان على «برنيطتها» ~~عصفور محنط ففرفر وغنى، وكان على رقبتها فرو ثعلب فعاش وأخذ يدور في الغرفة ~~ليهرب، وفتحت أختها الميتة عينيها وطلبت الأكل، ولكن الأسد لم يمهلها فعاش وأكل ~~الجميع. # فأرخى فكه الأسفل تعجبا وقال: يا رب. ونهض، فقلت: ما لك؟ اقعد. فقال: عندي في ~~البيت جلد ذئب وقشرة حية كبيرة، أخاف أن تصلي بنت عمي في ساعة رضا، فيقوموا ~~ويأكلوا العنزات. وخرج من الباب وهو يضحك. # وجاء مرة وكان يلبس فروا، فقلت: فروك يذكرني بعاموس النبي. فقال: من يدري، ربما أصير ~~نبي آخر زمان. فقلت له: أكثر الأنبياء قاموا من بين الرعيان. فضحك وقال: الله يجبر خاطرك، ~~أمس كنت معازا واليوم صرت راعيا، كلنا رعيان، من كبيرنا إلى صغيرنا، منا من يرعى ~~في البيوت، ومنا من يرعى في العب مثل البراغيث، ومنا من يرعى في الجبل الأقرع ~~مثل المعزى. # فتفرست لأثبت إن كان يعني ما يقول، فما تبينت في وجهه دليلا. # وقلت له ذات يوم: في هذا الكتاب، وأشرت إلى مجلة أمامي، بعض سؤالات فهل تجاوب ms15 عليها؟ ~~فقال: اسأل. قلت: ما ألذ ساعة في حياتك؟ # فجاوب فورا: ساعة ترجع المعزى إلى البيت وبطونها مزكرة مثل عرانيس الذرة. # فقلت: وأبشع ساعة؟ ففكر قليلا وقال: ساعة أرجع وتكون حرمتي غائبة، والمعزى عطشانة، ~~وبطني لازق بظهري من الجوع. # فقلت: وأصعب ساعة؟ فضحك وقال: ساعة أنسى الضبوة في البيت وتنسى أن تعطيني سيكارة. # وصعد دخان سيكارته حلقات حلقات، فانبسطت أسرته فقلت: من مع المعزى اليوم؟ فأجاب: ~~الصبي. فقلت: تكثر الوحوش في الأيام الباردة. فأجاب: معه غدارة تفلق الصخر، وهو يصيب عين ~~الدوري، شب يرضي خاطرك. # وفي يوم عم الثلج فيه كنت مستجيرا بالنار فإذا بمناد يصيح: يا مارون عبود. فردوا ~~عليه، فأجاب: قولوا له يطل. فأسرعت إلى الباب فصاح بي من الجبل المقابل: «أيش رأيك بحياة ~~المعاز اليوم؟ قل لشاعرك الفرنجي يعمل نشيدة جديدة.» # ودام الثلج في تلك السنة زهاء شهر، فتضايق أصحاب المواشي وخصوصا المعازة، عز المرعى ~~وتكاثرت عليهم الوحوش، فكان بينها وبين معازنا وابنه معركة حامية، انقض ذئب ضار على ~~المعزى وكاد أن يفترس الراعي، لو لم يغامر ابنه ويصرع الذئب برصاصة من غدارته. # وجاء الناس لنجدتهما، فراح فريق يبحث عن القطيع المذعور المشتت، وفريق حملوا المعاز ~~الجريح، ولما استلقى على قفاه في زاوية بيته قال لي بصوت يرتجف: أتحسد المعازة ~~بعد؟ # فقلت: السلامة غنيمة. # فأجاب: الله يسلمك، وتلحف. # | الناس # لقد أصبحت عبدا للناس منذ تصورت في البطن، وتقيدت بسلاسل مشيئتهم حين رفعت يدي ~~أول مرة نحو السماء. ضايقني فضولهم منذ تحركت في ذلك الزندان، فتهافتوا على والدتي ساعة ~~عرفوا أن عددهم سيزداد واحدا، هذا يدلي برأي طبي ورثه عن جد جده، وتلك تنثر ~~نصائحها وإرشاداتها الصحية، وهكذا توطدت العلاقات بيني وبين أصحاب وصاحبات المروءة؛ أرسلوا ~~إلي نجدة تلو نجدة، قبل تشريفي هذه الدنيا، ليحفظوا حياتي الغالية، فلا أذهب طرحا ~~وتخسر الإنسانية واحدا، ليته لم يكن. # وبعد آلام استمرت ثلاثة أيام غير كاملة ولدت أخيرا ... ولو عرفت أن نساء القرية في ~~انتظاري وأني سأعرض عليهن واحدة واحدة لهربت ms16 ، ولكن أين المفر؟ ما أرسلت أول صرخة ~~حتى وقعت علي عيونهن، وامتدت إلي أيديهن؛ كل واحدة تحاول أن تستلم الحجر الأسود ~~... وكان معرض قصير الأمد عقبه النقد المر، هذه تروزني وتقلب شفتها السفلى، وتلك تنظر ~~إلى التي حدها رافعة حاجبيها وجفنيها إلى العلا، وأخرى تغمز بعينيها، وواحدة تقرص ~~جارتها قرصة خفية وتقول: يا حسرة! هاتيك تقول: دميم. وتلك تقول: مليح - وتجر الياء وتقطم ~~الحاء - وأخرى تقول: بشع ولكن بشاعته حلوة ... وغيرها تقول جبرا لخاطر الوالدة ~~المنكوبة: الولد يتغير ويتقلب، منتحلة لي العذر، كأني أنا أفرغت نفسي في القالب ~~الذي لم يعجبها. # لم تقل «اسم الله حوله وحواليه، يخزي العين عنه» إلا واحدة فقط تعرفون من هي! هذه ~~امتلأ فمها ضحكا وقلبها فرحا، وحشي صدرها رجاء وأملا. وكيف لا، أما صارت ~~أما؟ # وتعددت النذور إلى قديسين وقديسات وسيدات اختصاصيات، فلم ينفعني إلا سيدة ~~«المكبوسين» فاستويت على قدمي. تحننت هذه «السيدة» على الوالدة فمشى ابنها «المكبوس» ~~مشية الجواد المشكول، ولكنه رأى حوله سورا من الناس أطول من سور الصين، سورا لا يفر منه ~~إلا ليصطدم بجدرانه، إن يظن أنه أفلت من بين حيطانه إذا هو فيه، فكأنه عين ضمير ~~قاين. # الناس، وما أشد فضول الناس! هذا يزجرني، وتلك توبخني، وذلك يرشدني، فكيفما ~~اتجهت أضايقهم ويضايقونني، كأني ابنهم جميعا وكأنهم كلهم أولياء علي. # وازداد تقيدي بالناس لما صرت أفهم عن أبي وأمي؛ إن تحركت قال الوالد للوالدة: يا ~~مرأة، ربي ابنك مثل الناس. وإذا توحشت قالت هي: البس ثيابك مثل الناس. أسمع هذا ~~فلا آخذ ولا أعطي، ويعلو صياحي وضجيجي فتصرخ بي: استح من الناس. وألتفت فلا أرى حولي ~~أحدا غيرها، فأرفع عقيرتي هاتفا: وأين الناس يا أمي. فتقول لي: لا ترفع صوتك، أنا ~~«طرشا»؟ احك مثل الناس. وإذا تراقصت في مشية مدفوعا بنزق الصبوة صاحت: امش مثل ~~الناس يا صبي. وأخيرا تنتهرني فأركض وتركض خلفي، فتعجبها خفتي فتقف ضاحكة، فتصيح بها ~~جارتنا العنيفة: عافاك يا أم مارون، اضحكي له اضحكي، ربيه مثل ms17 الناس. # أما الوالد - رحمة الله على ترابه - فكان له أداتان يسبكني بواسطتهما في قالب الناس: ~~قضيب ولسان أمر من القضيب، إذا تحركت في مقعدي وقف حاجباه على سلاحهما استعدادا ~~للطوارئ، ثم يصيح بي: اقعد مثل الناس. وإن ترنمت صباحا - وصوتي رخيم كما تعرفون - ~~انتهرني قائلا: سبح ربك مثل الناس، بهيم أنت؟ وإن مددت يدي إلى الزاد قبلهم ~~أو كبرت لقمتي، انتهرني بقوله: كل مثل الناس. وإذا ضحكت ضحكة ليست على الوزن ~~والقافية المفروضين، قال لي: اضحك مثل الناس. وكثيرا ما كان ينهاني عن الضحك عملا ~~بالمادة المشهورة من قانون آداب المجالس: «ضحك بلا عجب، من قلة الأدب.» # هكذا كانت كلمة «الناس» حملا ثقيلا على ظهري، وشريطا شائكا في طريقي أصطدم به أينما ~~اتجهت، فنشأت عبدا للناس يسيطرون علي ويسيرونني كما تشاء أهواؤهم وعرفهم وتقاليدهم، ~~كأني لا أعيش لنفسي بل لهم، كأني مرتبط بهم بناموس أشد من ناموس الجاذبية، لا يحول ولا ~~يزول ولو مات أحد الأجرام كالقمر مثلا. كلما قلت أحطم هذه السلسلة التي يسمونها الناس، ~~أجدني مقيدا بها من جديد، إنها لأغرب من أساطير ألف ليلة وليلة. # أجل إن كلمة الناس أثقل عبء يلقى على ظهور الناس، فمن منا لا يستجدي إعجابهم، وكم ~~فينا من يحمل نفسه فوق طاقتها ليظهر بمظهر يرضيهم ويلفت أنظارهم إليه، فيقضي العمر ~~وشبح الهم يماشيه كظله، يأكل معه في صحنه، وينام معه في فراشه. وكم من امرأة خربت ~~بيتها لتكون على حد قولها: مثل الناس ولا بأس. # اسمعوها تخاطب زوجها: ماذا يقول عنا الناس إذا رأوا بنطلونك مرفوءا؟ اشتر غيره. وماذا ~~يقول عنا البشر إذا جاء العيد وليس لابننا طقم جديد، ولبنتنا فسطان من أحدث طراز؟ وماذا ~~يقول عنا الناس إذا لم نشتر كذا كذا، ولم نأكل كذا كذا، ولم نعمل # Soirée # و # Aprés-Midi ~~؟ ~~وتظل تقول: الناس ... الناس ... حتى تدك البيت من الأساس. # غريبة كلمة الناس، ما أعظم سلطانها على العقول! لا أقول الناس بلاء الناس كما يقولون، ~~ولكني أقول: الناس تسير الناس، وليس ms18 أحد منا حرا في ذاته، فمن يزعم أنه لا يبالي بهم ~~يخدع نفسه، إنه أشدنا تهافتا عليهم، ومن حسب أنه معلمهم فهو أحد تلاميذ مدرستهم، إن ~~شاءوا منحوه الشهادة بامتياز، وإلا عاد محترق الفؤاد يردد: ما أصعب مرضاة الناس! # إن كلمة «الناس» نطار منصوب في مقثأة الإنسانية ليرد عنها الثعالب، وهي الخفير الدائم ~~على أبواب كهوف التقاليد، حالت وتحول دون رذائل كثيرة ما كنا نتأباها لولا أعين الناس، ~~وأقصرنا نظرا من ظن أنه يتغلب على الناس بغير الناس، ففي كل عبقرية أثر من عبودية ~~الناس، فأنا وأنت وهو جميعنا عبيد الناس ولا نحيا إلا بهم. # أما قال المسيح لتلاميذه: من يقول الناس إني أنا ابن الإنسان؟ فرددوا له أقوالهم فيه، ~~فسألهم: وأنتم من تقولون إني أنا هو؟ فأجابه بطرس: أنت المسيح ابن الله الحي. # إن جواب التلميذ لمعلمه، وهو واحد من الناس، لفجر وردي انبثق منه عهد وعالم ~~جديدان. # فهل ألوم أبي وأمي إذا كانت كلمة الناس نجمة القطب عندهما، يراعيانها في بحر الحياة ~~خوفا من التيه والسقوط في اللجة؟ # ففي خلوتنا الخرساء نسمع ضجيج الناس الصاخب، وفي عزلتنا نحس أنهم حولنا يتجولون في ~~مخيلتنا جولان أشباح الغوغاء على الشاشة البيضاء. كانوا في انتظاري عند المهد، ~~وسيجذفون قاربي ليبلغ ميناء اللحد، وإن حسبت يومذاك أني نجوت منهم لأني نمت عنهم، فشباكهم ~~ستلحقني إلى بحر الظلمات. # كل امرئ رهن غربالهم، سوف ينصبون ميزانهم ساعة ينفضون يدهم من ترابي، ويا ويلي إن شلت في ~~ذلك الميزان. # فإن كنت تخشى ألسنة الخلق، وتصدق أنها أقلام الحق، فاعمل بالمثل القائل: «كل ما ~~تشتهيه نفسك، والبس ما يعجب الناس.» ومعنى هذا وقوف الدولاب وبقاء القديم على قدمه، ليس ~~ذلك من نواميس الطبيعة؛ فالطبيعة تركض وتوصينا لنسرع معها، وإن وقفنا جرفنا تيارها، ~~فلنركض. # إن الطبيعة تهدم اليوم ما بنته أمس، فلا يفزعك هذا الخراب، واعلم أن الحياة ترقص بين ~~النوائح حول التابوت، أما نحن فلسنا نراها لأننا نحب الركود، نؤثر أن نعيش أمواتا على أن ~~نحيد ms19 عن الدرب ليمشي أبناؤنا ولا يعثروا بنا. # أرأيت الولد في عبثه كيف يعمر ويخرب؟ إنه يقلد أمه الطبيعة، فهي لا ترفع عرشا حتى ~~تدكه وتجعله شعلة لإحدى ثورات اليوم الثامن. # قد تقول: وما هو هذا اليوم الثامن؟ اسمع فأعرفك بهذا المخلوق الجديد العجيب. # في ستة أيام خلق ربك السموات والأرض، وفي اليوم السابع استراح الجبار وتنفس الصعداء ... ~~أما اليوم الثامن فهو يومنا نحن، أعني يوم الناس، يوم صباحه الأزل ومساؤه الأبد، فلا ~~يكون صباح ولا يكون مساء حتى تحبل الإرادة الإنسانية وتلد العجائب. # اليوم الثامن جبهة سرمدية، لا تهدأ جنودها ولا ينفد عتادها، تنقض صواعق الأيام السبعة ~~فتقتل حمارا أو تشقق جدارا، وتهبط صواعق اليوم الثامن فيغمر الأرض طوفان الموت ~~والخراب. # لم يسترح ربك إلا حين خلق ابنا على صورته ومثاله، أطلق يده فيما أعد له ميراثا، ~~وخبأ له الكنوز في الماء والهواء، وبين الجمادات والأحياء ليأكل خبزه بعرق جبينه كما ~~وصاه ... فانتزع هذا الابن الذكي تلك الكنوز من مخابئها، وسيظل يجد ما دام ~~يجد. # قل سبحان ربك في ملكه، فهو من جعل كلمة «الناس» قوامة على الناس ... وذر المنطق ~~ودع القياس؛ فالفرض ضروري لحل المعضلات واستخراج المجهولات ... # | دايم دايم # ليلة «الغطاس» ليلة خصبة تحبل فيها العقول بالأحلام والأماني، فتلد العجائب والغرائب، ~~وهنيئا لك يا فاعل الخير. # تربع الخوري نصر الله في تلك الليلة عن يمين الموقدة، وتقرفصت قبالته خوريته كأنها ~~قفة ثياب. # الخوري معبس حيران، تارة يمشط لحيته الطويلة بأصابعه، وطورا يحكش النار وينفخها، ~~فيتطاير الرماد في سماء العلية، ثم يستقر أجلى ما يكون على جبته، وقاووقه، والبلاس، ~~فتصر الخورية فمها المتكرش فيصغر حتى يصير كالخاتم، تتذكر كم حفت ثياب الخوري ليظهر ~~نظيفا يوم عيد الغطاس، فتتنهد وترقص على شفتيها كلمة ثم تتوارى، فتنفض ثيابها وكوفيتها ~~بتأفف كأنه توبيخ لبق للمحترم العكش ولكنه لا يحس. # بماذا كان يفكر الخوري في تلك الساعة؟ أبنسله المقطوع فهو - علم الله - مؤمن ~~بأنه ابن الكنيسة، وكل أبنائها ذرية واحدة لأب واحد هو المسيح، ms20 فسيان عنده أعقب أم لم ~~يعقب؟ ثم ماذا يرتجي ابن الثمانين من مرأة تحبو إلى السبعين؟ ... لو كان علمانيا لترقب ~~الموت فضاض المشاكل، ولكن الخورية كالصنوبرة إذا قطعت لا تفرخ ... فماذا يحير الخوري ~~إذن؟ وما يشغل باله، وهو الحاكم المطلق وليس على الرعية إلا الطاعة؟ أنقول إنه مؤمن ~~كالعوام من الناس بمرور «الفادي» على بيوت النصارى، ومن يعمل ساعة مروره عملا دام ~~عليه، إن حسنا فحسنا، وإن سيئا فسيئا؟! # كل هذا تخمين، أما الثابت فهو أن الخورية لم تر زوجها قط كما رأته الليلة، حاولت أن ~~تنبهه فقامت إلى مغزلها هاتفة: يا يسوع! ثم جاءت به من عن يمين مخدتها وقعدت قائلة: ~~يا مريم! ولكن بلا جدوى. الخوري في دنيا غير هذه الدنيا، فانكبت أخيرا على نفش الصوف ~~وغزله، غير منفكة عن التأمل في خوريها المنتصب أمام وجهها كالوتد. # وبعد صمت طويل فتح الخوري فمه وقال: كم رطلا عجنت؟ # فتنهدت الخورية وأجابت: أربعة أرطال. # فقال: قليل! الضيعة كلها عندك الليلة. # فقالت وهي تعد على أصابعها: القمح، والحمص، والتين، والجوز، واللوز، والزبيب. # فأجابها بهدوء مرح: عاداتك يا مبيضة الوجوه، احسبي حساب الضيعة كلها، أطعمي ولا ~~تبعزقي. # فأجابته وقد هزها ثناؤه: ما عليك، عندنا خير كثير، وبركتك تغنينا عن كل ~~شيء. # فحنا الخوري رأسه اتضاعا، وقال: أنا «خاطي» يا خورية. # فحسبت أن خطايا رجلها تتراءى له في هذه الليلة المباركة، فانغمت وسكتت. # وعاود الخوري الصمت فأخذ يعدل النار وينفخها، فيتطاير الشرار من أرومات التوت التي ~~توقد خصيصا ليلة الغطاس، ومرت فترة لا نفخ فيها، كأنما كانت استعدادا لعاصفة أثارها ~~الخوري في الموقدة، فأخرج الريح من البابين ... وذرى الرماد. # لم تطق الخورية فقالت بنبرة تخالطها ابتسامة مرة: وسخت الدنيا يا خوري، توق ~~ثيابك. # فانبسط وجهه اعتذارا، وطلب السراج فنهضت على الأربع، فقال لها مداعبا: قصرت يا خورية. ~~فاستضحكت، ومشت وهي تقول: نشكر الله، بين الخوري سنه الليلة. # وأجلست المسرجة عن يمينه وقعدت في مبركها تغزل، حول الخوري وجهه نحو الشرق وركع ~~يصلي، ثم ms21 نظر شزرا فرآها تغزل فتنحنح، ثم أح الأحة المعهودة فحلت محل المغزل ~~مسبحة «وردية» طول الحبل. # وأخذ الناس يتوافدون على بيت الخوري، فجلسوا صامتين، لم تكن تخرج كلمة إلا من أفواه ~~الأطفال، فتحبسها الأمهات في تلك الأكمام، ولا يفلت منها إلا القليل، وإن أبطئوا عن إسكات ~~طفل جأر الخوري وهمر، فيسد فم الصبي سدا هرمسيا. # وأطبق الخوري شحيمته وتحرك للقعود، فمسوه جمعيا بصوت واحد، وتكوموا حوله ~~يقبلون يده - والمورد العذب كثير الزحام - فاصطدمت الرءوس بالرءوس كأكر البليار، لم ~~يرتدوا حتى باسوها جميعا، ثم قعدوا سكوتا ينتظرون كلمته، فقال لهم: هذي ليلة شريفة ~~ينتظرها الناس كل عام مرة، هي تذكار حلول الروح القدس على المخلص في نهر الأردن، طوبى ~~لأنقياء القلوب فإنهم يعاينون الله، كما قال مخلصنا وإلهنا له المجد، هل أنتم مستعدون ~~يا أولادي المباركين؟ # فأجابه الذين لا يفكرون بزلابية الخورية: نعم يا معلمي. # فقال الخوري بتواضع: هذا ما أتمناه لي ولكم يا إخوتي. # وجرأهم عليه تلطفه في الحديث، فذكروا له رجلا طرده من الكنيسة لأنه وشوش جاره فيها، ~~فغفر له وأدخلوه. # وعاد الخوري إلى سهوته، وانطلقت ألسن الرعية في الحديث عن شئونهم القروية، فلم ينسوا ~~شيئا منها، أما عيونهم فكانت في الغالب تتجه صوب المعجن والقدر، ولما أتت الساعة تحلحلت ~~الخورية عن موضعها لتضع المعجنة على طرف المصطبة، فامتدت لرفعها عشرون يدا وشمرت ~~الصبايا عن أذرعهن يقرصن العجين. # وعلا صراخ الزلابية في المقلى، وأخذ الصغار ينتشلون ما في أيدي الآباء والأمهات، وألهاهم ~~انتظار النوبة عن الحديث - وعند البطون تضيع العقول - فظل منقطعا حتى قالت صبية وهي ~~تمط قرن زلابية فوق المقلى: عجينك تخ يا عمتي. # فأجاب شاب في نفسه شيء من تلك البنية: إذا كان عجين الخورية لا يتخ، فعجين من ~~يطلع؟ # فأعجبت الكلمة الجمهور، وكان الإيمان بالعجيبة الأولى، # 1 # وامتلأ البيت غبطة ورائحة زيت. # استلذوا زلابية الخورية المقرفلة مغموسة بالدبس، فذكروا «الدايم» الذي يأكلون على ~~ذكره، فقال واحد: هنيئا لمن يركع الليلة على السطح ليباركه المسيح بمروره. # فأجابه ms22 شاب: لا تفوتنا هذه النعمة إن شاء الله. # وصاح شيخ رعشن من الزاوية: يا نسوان، الليلة يتركون خلايا الطحين مفتحة ليباركها الرب. ~~فتنبهت لذلك امرأة خليتها مسدودة، فصفقت كفا على كف، وهرولت إلى بيتها ثم عادت تلهث، ~~خائفة على فوات شيء من زلابية العيد. # وعلى ذكر الخمير قالت امرأة إنها علقت عجينتها بالمشمشة، فأجابها الرعشن، راوية أخبار ~~الدايم: لا يا أم يوسف، هذا غلط، المشمش يركع، علقيها بالتينة أو التوتة، التوت متكبر ~~لا يسجد، والتينة حاقدة على المسيح ... لأنه لعنها. # فقال شاب: نسيت الخروبة يا جدي. # فقال: نعم، نعم، الخروبة تقول للرب: حبلى ومرضعة على كل كتف أربعة. فأعجبوا بفصاحته، ~~وصدقت كلامه امرأة علقت عجينتها بالمشمشة عام أول، فتلوثت بالتراب ... فأسرعت أم يوسف لتنقل ~~عجينتها إلى التينة. # وكان الزيت يغني، والعجين يرقص، والناس يأكلون ويتحدثون، والخوري غارق في بحرانه كأنه ~~لا يرى ولا يسمع، والخورية تتعجب كيف لا يأكل قرنا من زلابية العيد مع أنه يموت عليها. ~~وكان الامتشاط في التبان # 2 # بعد قلي الزلابية، فتطاير الشرار من رءوس بعض البنات، وتراكض الساهرون ليروا، ~~والتفت الخوري التفاتة غير كاملة، ولم يتكلم. # وجاء دور القمح والحمص المسلوقين، فصبت الخورية في صحون الفخار الصفراء، وأعطت كل ~~كومة صحنا، فأقبلوا عليها يغرفون، وقال شاب فمه محشو: مر الدايم في زي فقير على امرأة ~~تسلق قمحا، فقالت له إنها تسلق بحصا - أي حصى - فدعا عليها، ولما كشفت قدرها امتلأ بيتها ~~حجارة، ولو لم يصل الخوري على الباب طمت الحجارة الضيعة ... # فأجابه ثان: وبالعكس حصل لامرأة فقيرة، ولكنها بنت أوادم، فأكل أولادها من الحول ~~إلى الحول. وتذكروا عجائب لا تحصى، أما الخورية فكانت تغمز حبقوق ليحدث الخوري، فقد ~~شغل بالها سكوته الطويل. # فلبى حبقوق الذي هو على سن الخوري وسأله: ما قولك يا معلمي، البحر يحلو الليلة مثلما ~~خبرونا؟ # فلم يجب الخوري، وظل ناظرا إلى الباب الذي يفتحونه خصيصا ليدخل منه الدايم، ولا يدعو ~~على البيت بالتسكير إلى الأبد. # فقال روحانا وهو ابن ستين وما ms23 فوق: مؤكد، عند نصف الليل تماما، أعرف كثيرين جربوا ~~وشربوا فكان أحلى من الدبس. # ونكعت الخورية حبقوق ليسأل الخوري سؤالا آخر، لأنها اعتقدت أن الله ربط لسانه كما عقد ~~لسان زكريا في الهيكل، فقال حبقوق بصوت عال: خوري نصر الله، أين أخبارك الحلوة؟ ما سمعنا ~~منها شيئا الليلة. # فنظر إليه الخوري نصر الله نظرة مفلطحة ولم يتكلم؛ فراع الخورية منظره، وأيقنت أنها ~~سترزق ولدا في الستين، وقد يكون عند الله يوحنا آخر، ولماذا لا فالإنجيل يقول: ليس عند ~~الله أمر عسير، وهذا الخوري مربط اللسان وهو كاهن مثل زكريا، والخورية عاقر كأليصابات، ~~ونقية طاهرة مثلها. # أما الجماعة فلم يدركوا شيئا مما يحدث، وأفاضوا في حديثهم عن «الدايم» لأن ساعة ~~مروره قربت، فقال واحد: طلبت بنت كسيحة من سيدنا يسوع المسيح أن يعمل واحدة من ~~يديها منجلا، والثانية فراعة (فأسا)، فقبل طلبتها، وخلصت من الذين ~~يعذبونها. # وقال غيره: كان لواحد عمة اسمها خرستين غنية بخيلة لا يستنتج منها شيئا، فقالت له: اطلب ~~لي طلبة من الدايم. فقال: يا دايم المجد والطهارة، صير عمتي مثل الكارة. فسأله شاب: ~~صارت كارة؟ فأجابه بإيمان: وأية كارة! فمال ذاك إلى جاره وقال له: هينة عليك، اطلب الليلة ~~من الدايم يعمل عمتك مثلما تريد، واسترح من دينها. # وبينا الشباب يكسرون الجوز واللوز، والشيوخ يضغضغون الزبيب والتين، فر الخوري إلى ~~الباب بغتة، فماج الجمهور متعجبا من فرته الغريبة، وتبعه بعضهم، ثم عادوا معه يسألونه ~~عما رأى، ولكنه لم يتكلم، فتحرك الجنين في بطن الخورية ... # وبعد سكوت غير قليل قال كبير القوم: قوموا يا جماعة، الثريا مالت. فودعوا كما ~~سلموا. # وتعلق نظر الخورية بشفتي الخوري، وإذ لم يتكلم شعرت أن بطنها انتفخ كأنها في شهرها ~~السابع، فمدت فراشها ونامت تتوقى الطرح والإسقاط ... ولكن الخوري بدد حلمها الشهي حين ~~صاح بالناس من الباب: القداس نصف الليل. # فأخذت الخورية تتململ، وتفح في فراشها، سألها الخوري عن مصيبتها فما ردت جوابا، ~~فتوهم أنها آسفة على ما أنفقت لأن حاشية الخوري رقيقة، ms24 فتركها وقعد يصلي صلاة «الستار ~~والليل»، ثم اتكأ قرب الموقد فغفي، وسمع دقا على الباب، فاستيقظ مذعورا يرسم إشارة ~~الصليب ويغمغم، وهب إلى قنديله يشعله، وتلفلف بجبته، وقبل أن يمشي إلى الهيكل نكز ~~الخورية بعصاه، فقعدت تتمطى. # ولم يبتعد عن البيت بضع خطوات حتى أخذته أفكار غريبة، ورأى رؤى مخيفة، فمات فزعا ... ~~وهم بالرجوع إلى البيت ولكنه تجلد، وأكثر من إشارات الصليب والصلاة، فاشتد عزمه ~~وتبدد كل شيء ... وبلغ الكنيسة غير مصدق أنه فيها، وتعلق بحبل الجرس فدقه بعد عناء ~~بضع ضربات، وصعد إلى الخورس وهو يرتل الأناشيد البيعية ليتشجع، أوقد السرج ~~والشموع بيد ترتجف وجلد يقشعر، وكان كلما شجع نفسه ازداد خوفا ورعبا. # وانتقل أخيرا إلى زاوية الكنيسة الشمالية، وأخذ يقلب الكتب البيعية مفتشا عن رتبة ~~الغطاس وقداسه لعله ينسى مخاوفه، فاستوى قدامه شاب غريب رأى فيه ملامح من يسوع، فصاح ~~الخوري بالسريانية: «بار حايو داكاس بت ميته.» فمد الشاب يديه نحو الخوري مفتوحتين، فزاده ~~إيمانا بأنه المسيح، فخر أمامه ساجدا، وأغمي عليه. # وأقبل الشمامسة الذين يلبون دعوة الجرس قبل الرعية، فرأوا الخوري نصر الله منبطحا ~~على البلاط كالميت، فأسرع أحدهم إلى الماء ينضحه به، وأحرق آخر رقعة أدناها من منخريه، ~~وقرع ثالث الجرس قرعا عنيفا، ثم دقه الضربات المعلومة بين الأهالي للاستغاثة، فانصبوا ~~على الكنيسة كالسيل، وكانت الخورية آخر من جاء. # رأت زوجها صريعا فانحنت فوق رأسه تولول وتبربر: راح الخوري، يا ويلي! مات، مات خوري نصر ~~الله، يخرب بيتك يا عزرايل، ومطت ياء عزرايل ولامه مطا طويلا جدا، انتهى بنتف شعرها، ~~وقعدت تزحر وتطحر، وأخيرا أرسلت صوتا رعب السامعين: خرب بيتي يا ناس، يا حسرتي عليك يا ~~خورية نصر الله. # ففتح الخوري عينيه، ولكنه لم يتكلم، فهدأت الخورية وعاودها - حالا - الإيمان ~~بالحبل، وآمنت أكثر من ذي قبل؛ لأن ما أصاب الخوري أصاب زكريا تماما، وفي الهيكل، وعن ~~يمينه أيضا ... # وأشار الخوري بجمع كفه إلى الناس، فتهللت الخورية وكادت ترقص ... وبعد قليل غمغم الخوري ~~بعض كلمات ثم انفك ms25 لسانه، فخبر الشعب كيف رأى الدايم أول مرة في البيت، عندما فر ~~إلى الباب، ثم كيف ظهر له في الهيكل وعاينه وجها لوجه، فسجدوا شاكرين الله إلا الخورية، ~~فالرؤيا لم تعجبها لأنها كانت تحلم بأخرى، غير أنها سلمت وقنعت قائلة في قلبها: ~~تقبر الأولاد، السلامة غنيمة. # وبعد قليل، نشط الخوري وشعر أن شبابه يتجدد كالنسر، فأقام قداسا صارخا رنانا بوجه ~~يقطر منه الإيمان، واحتفل برتبة الغطاس احتفالا دام ساعة وأكثر، فكان يمغط الترانيم ~~والتهاليل، وإن رأى من شماس فتورا أو تراخيا غمزه وانتخى، ثم ختم القداس بمرح يشبه رقص ~~داود أمام التابوت. # وعند الضحى طاف في القرية يرش ماء الغطاس على البيوت، فاستقبلته الرعية بإجلال وفرح ~~عظيمين؛ إن قعد قعدوا حواليه، وإن مشى مشوا خلفه، فعاد إلى بيته عصر النهار فارغا ~~دلوه من الماء، ولكنه مليء بشالك وأنصاف بشالك وزهراويات وأرباع مجيدية، فقد أجزل الجميع ~~عطاءه حتى الأرامل، وابن المذبح من المذبح يعيش. # وتناقلت الألسن خبر العجيبة العظمى، فجاء الزوار من أماكن بعيدة يلتمسون البركة والدعاء، ~~ومن لم يجد الخوري اكتفى بمقابلة الخورية وسمع من فمها حكاية «الدايم»، وكثيرا ما كانت تهم ~~بقص حكاية حبلها، فتبتسم ابتسامة قليلة ثم لا تقول شيئا. # حلت على أبينا الخوري نعمة «الدايم» فصار نافذ الكلمة عند الله، تنتظره الجماهير في ~~المناحات ليفوزوا بلثم يده الطاهرة، وتحل بركته عليهم، وأمسى يصلي على الماء فيطرد ~~الفار والجرذان والحيات، ثم عظم سلطانه الديني، فأضحى يبارك الأرض المجدبة فتستغني عن ~~السماد ويركض نباتها طلوعا. ~~••• # وبعد شهر جاء عيد مار مارون، فطلب الخوري نصر الله الكأس الذهبية فلم يجدها، فطر ~~عقله، ولكنه تجلد وقدس قداسا وجيزا استغربته الرعية، وظنت الخوري مريضا، وجد ~~في البحث سرا عن مرتكب الجريمة العظمى فلم يوفق. # ودرى أهل القرية بسرقة الكأس المخصص بها عيد أبي الطائفة، والميلاد، والفصح، فطولوا ~~ألسنتهم كثيرا، حتى استخفوا بقديس الضيعة واتهموه بالعجز والشيخوخة؛ لأنه لم ~~يخنق السارق قبل أن امتدت يده إلى «بيت الجسد». # وبلغ الخبر الكرسي البطريركي فرشق ms26 السارق «بالحرم الكبير» الذي يخرق العظام كما يخرق ~~الزيت الصوف، وتلاه الكهنة في كنائس عديدة بيوم واحد، فبات المؤمنون يترقبون عودة الكأس ~~ولكنها لم ترجع ... # وفي التاسع عشر من آذار - عيد مار يوسف - دخل الضيعة غريب راكب بغلة، فأطلوا من ~~الأبواب على وقع حوافرها، وتبعه - كعادتهم - نفر منهم، ودخلوا وراءه بيت الخوري، فعلموا من ~~حديثه أنه رسول الوكيل البطريركي - الخوري بطرس ضو - وأن الكأس قد وجدت، فزرعوا الخبر ~~في القرية. # وما بدل الخوري ثيابه ولبس جبته الزرقاء حتى كانوا كلهم متجمعين حول مركوبه قدام ~~الباب، ينتظرون سفره السعيد ليدعوا له بالتوفيق؛ عدوا وجدان الكأس إحدى عجائبه لأنه ~~تغضب على السارق مرتين: بعد تلاوة الحرم الكبير، وفي ختام زياح القربان المقدس. # وبلغ المحترم جبيل فاستقبله الوكيل البطريركي باحترام جزيل يليق بصاحب الغبطة، وخبره ~~أن الكأس محجوزة عند خليل الصائغ، وسارقها محبوس في القلعة، وذهبا معا ليريا الكأس ~~والسارق. # ولما وقعت عين الخوري نصر الله على الحرامي، ارتجف واصفر، عرف به «الدايم»، فأحس في ~~الحال أن قوة خرجت منه ... # | جان أفندي # صاحبنا حنا شاب انسلخ من جميع معاني محيطه، فأصبح كاللفظة الجوفاء، هو ابن بناء ~~قضى عمره يشن على الصخور حربا ضارية، لا تشفيا وانتقاما من تلك المخلوقات الخرساء، ~~بل طلبا للرزق عن طريق التعمير والتجديد، فكم من بيت بان العيب فيه فجاءه أبو حنا ~~بملطاسه - الشاقوف في لغة اليوم - وبيكه ودردبيكه فهدمه، وهذب حجارته ونظمها صفوفا ~~يتمنى الطغاة أن تكون جيوشهم مرصوصة مثلها. إن أزميل بوحنا ومطرقته ثقفا الصخور ~~المتمردة فلانت ملامسها الخشنة وبادت نخاريبها، فلذة بوحنا الكبرى أن ينصب على عمله ~~نهارا ويعود إلى بيته مساء، فيصافح ولي عهده حنا بيده التي كنبت، ثم يصغي إلى حديثه ~~الغريب فيقول: لم تعص علي الصخور الصماء ولكني عجزت عن هذا الولد الخراط ~~الفشاط. # كان حنا منذ نطق لا يعثر بالصدق، وقد يكون كذب في المهد صبيا، فمن يعلم؟ كان يخرج مع ~~لداته - على عادة الصغار في القرى - إلى البرية، ويعود إلى البيت ms27 وفي جعبته أخبار ~~كلها خارجة عن نسق العادة، فكم من حية قتلها بضربة قضيبه، ثم أخذها بذنبها ليقايسها على ~~قامته، فبقي منها على الأرض قدر شبرين، مع أن حنا شال يده اليمنى حتى كادت تنخلع! وكم من ~~ثعلب ضربه بحجر فأصاب مقتله! وكم من عابر سبيل تعرض لرفاقه وابتهر عليهم حتى تصدى له هو، ~~فلف ذنبه ومشى! وخاطره رفاقه يوما - كما زعم - على ربع مجيدي إن دخل مغارة الرصد، فما ~~تلكأ عن ذلك، وفي أعمق أعماق المغارة وجد شيخا قاعدا يفتل شاربيه فطرده منها، ولكنه ~~لم يقع على الكنز، فصاحت أمه: هذا الرصد يا مجنون، إياك ثم إياك أن تعمل هكذا مرة ~~ثانية. # وأرى والده الربع المجيدي الذي كسبه، فكاد يصدقه لو لم تقل عمة حنا العانس: هذا الربع ~~مسروق مني. وأدخله والده المدرسة لعله يستقيم، فلقط الحرف يوم دخلها، ولكنه خرج منها بعد ~~سنين وقد ازدادت أخلاقه سوءا. # كان حنا ملسانا حتى الهذر، كان يتطاول على الناس وبقي كذلك من شب إلى دب، شك ~~الدواة في زناره على نسق القارئ الكاتب من أهل ذلك الزمان، ولم تعد تطيب له الحياة ~~القروية الهادئة، فغير زيه واستبدل الشروال بالغنباز لباس علماء عصره، ثم ارتقى بعد حين ~~فلبس الطقم الفرنجي حين هاجر إلى المدينة، وظل يتتبع سير الأزياء فلبس صديرية حمراء ذات ~~أزرار زجاجية مدورة براقة، شرع يكتب للناس «المعاريض» قدام السراي لقاء نصف بشلك وما ~~دون، ثم علت درجته فصار عنده كرسي وطاولة، وأخيرا اكترى زاوية من دكان عطار تجاه السراي، ~~فكثرت زبائنه وفاض عليه الخير، ففتح مكتبا فرشه فرشا حسنا؛ كراسي منجدة بعد تلك ~~الخشبات التي لمعها الوسخ، وسخ زبائنه من حمالين وفحامين ومكارين. # ووردت الأخبار على الوالد، فكانت تأتيه مضخمة، فصار حنا عنده رجلا مقربا من الباشا، ~~ورجال الحكومة يرتعدون إذا غضب، كلمته تفك المشانق كما يقولون، فيحمد الله على تلك ~~النعمة. # وبعد حين ورد كتاب من حنا إلى والده، المكتوب متوج بسيدي الوالد العزيز، والظرف مكتوب ~~عليه: «جناب ms28 الوجيه الأمثل الهمام الشيخ خليل عبدو.» الإنشاء جميل والخط أجمل وأجمل، ~~والعاطفة تحرق العشب، ولكن أمرين حيرا العم بوحنا: أولا الشيخ خليل عبدو، فهو خليل ~~عبدو «حاف» فمن أين جاءت المشيخة؟ وثانيا توقيع المكتوب «جان» والعهد باسم ابنه حنا وهو ~~بوحنا، ظن أنها ضحكة، وأن في المكتوب سحرا؛ لأن الإمضاء «جان» فلا شك أن للجن يدا في ~~الأمر، فهرع إلى الخوري الذي أقرأه المكتوب وعرض له ما تصور، فضحك الخوري وقال: اسمع يا ~~عمي، حنا وبوحنا ويحيى ويونس وجان وأوهانس، هذه الكلمات كلها معناها حنا. # فقال الرجل: ولماذا نقى ابني جان، وما نقى يحيى مثلا؟ # فأجابه الخوري: «موضة» يحيى بطلت، وجان اسم عصري جديد، فأنت صرت بحسب ناموس الارتقاء ~~بوجان. # فهمهم الرجل: «بوجان، آخرة حلوة.» ثم قال للخوري: لا يا معلمي، خلوني بوحنا، أنا راض ~~باسمي العتيق. # أما جان أفندي فكان يحيا حياة رخاء، أثث بيتا صغيرا صار يدعو إليه صغار رجال الحكومة ~~فيستفيد من تلك الدعوات، وأمسى يكتب العريضة ويقتفي آثارها؛ يدخل على أصحابه صغار الموظفين ~~ساعة يريد، يتعهد بملاحقة القضايا المحبوسة في خزائن المأمورين - لأمر ما - فيطلق سراحها، ~~فورم كيسه، ثم رأى أنه لا بد له من المقامرة ليحتك بذوي الحل والربط، فأخذ يقامر ويربح، ~~وبالاختصار طابت له الريح فذرى، وازداد غرورا. # وفي ذات يوم أخذ يحدث رفاقه في أحد الأندية عن مزارعيه في الضيعة، عن أخبار المواسم ~~الطيبة التي وردت إليه من جناب الوالد الشيخ خليل، وعن الفيلا التي بناها له أبوه وفقا ~~للخريطة المرسومة، وأراهم إياها فهي دائما في جيبه: صورة بيت مسنم مقبب كأنه قصر ~~الحمراء، وتمنى على أصحابه أن يزوروه فيها فوعدوه خيرا، وكان صاحبنا يفتخر بالمرحوم جده ~~عبدو ويزعم أنه من بقايا السلالة الغسانية، أما والده فعالم علامة، وأمه مثقفة، وأبوه ~~أيضا رجل إداري مع أن هذا لا يتفق مع العلم العميق. # إنه يرعى أملاكهم الواسعة بعين يقظى، ويشفق كل الشفقة على «الشركاء» كما يريد جان، ~~وروى لهم عن والده الشيخ أخبار رحمة ms29 وشفقة وعدل تذكر بعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ~~فتاق أصحابه إلى رؤية ذلك الأب الطريف وصاحوا جميعا: في الصيف، في الصيف. # وفيما هو يتدفق «كالنياغرا» إذا بالوالد العلامة الإداري الرحيم يقف بالباب، هو قادم من ~~الضيعة، اضطرب جان أيما اضطراب، فمم يخاف يا ترى؟ إن والده غير بشع الصورة، هيكله ~~فخم، وثيابه نظيفة جديدة، يعلق ساعة «ليبيه» ومفتاحها النحاسي مدلى على زناره الحريري ~~المخطط، وسلسلتها فضة، وصديريته من المخمل الأسود الناعم، وكبرانه مطرز مزركش بخيوط من ~~القصب الفضي، وشرواله من الصوف المارينوس الممتاز، وعلى جيبيه تطريز جميل معقوف من ~~الجانبين، ولستيكه أيضا جميل الشكل جديد. إذن مم يستحي جان أفندي؟ إنه كان يحدث الناس ~~أن والده من رجال الوقت، طقمه دائما من بابة نسيج وحده، أي كوبون. # وهجم الأب ليصافح ولده بعد هجران طويل، فإذا بحاجبي الولد قد قعدا ونونته انكمشت، أدرك ~~الوالد ذلك فوقف مكانه وقال: «يا ذوات، منو منكم جان أفندي ابن الشيخ خليل عبدو؟» فأجابه ~~ابنه: أنا هو، ماذا تريد يا عم؟ # فأجابه: سيدنا الشيخ والدك كلفني بكلمة أقولها لك سرا. وانزويا في الغرفة ... # وجاء تموز فغلى الماء في الكوز، وتلاه آب اللهاب فعنت على بال جان الضيعة بعد غيبة طويلة ~~لمشاهدة أمه العاجزة المشتاقة إليه، كان له استقبال، والكل يخاطبونه بيا أفندي، والكرماء ~~الأسخياء بيا بك، أبوه معجب يضحك له إذا مشى، ويشعل له سيكارته كلما سحبها من جيبه، ~~أمسى يصدق كل ما يرويه له من أخبار، كصداقته للمتصرف، فيقول مثلا: قلت لاوهانس، إذا كان ~~الحديث مع الخاصة، وإذا ذكر دولته قدام العوام يقول: دولة أفندينا، ويعض على كلمة الباشا ~~عضة مشومة فتخرج الباء كضربة الطبل، والشين كرشاش المضخة. # وخبر الضيعة عن ضيوف كرام سيزورونه، فباتت القرية تنتظرهم كل ساعة، وأخيرا صار الهزل ~~جدا، ودنت حقا تلك الساعة الرهيبة. # أقبل الضيوف الكبار يسألون عن بيت جان أفندي، عن بيت الشيخ خليل عبدو، فدلوا على بيت ~~حقير لا يصلح إصطبلا لخيولهم، وطلبوا جان فما وجدوه، أما ms30 والده «الشيخ» فحاول أن يتنكر فما ~~قدر؛ لأن صورة ذلك الرسول اللبق لم تزل مرسومة في ذاكرتهم. # واستراح الزوار في ذلك البيت الحقير ممتعضين، أما جان أفندي فكان مستديرا ~~منطويا على نفسه في قبو البقر، يضرب قلبه فوق المئة، يخاف أن يسألوا عن الجنائن المعلقة ~~التي خبرهم عنها، وعن، وعن، فيعثروا عليه، ولكنهم اشمأزوا مما حدث، فانصرفوا ولم ~~يسألوا عن شيء. # وخرج جان من مزربه ينفض القش اللاصق بطرفه المبلل ... وفيما هو يصلح ما أفسدته من هندامه ~~تلك المفاجأة، جاءه خبيث يقول له: الحمد لله على السلامة. # فأجابه جان وقد أرشدته إلى المنفذ بديهته المعهودة: كيت وكيت من دينهم، الشبعان يفت ~~للجوعان، نحن في انتظار الأوادم لا النصابين مثلهم ... # | أم لطوف # بلغت جميلة الأربعين وحرنت هناك، تكر الأعوام وهي واقفة لا تتزحزح، فكلما سألتها عن عمرها ~~انكسرت عينها وأجابت: حوالي الأربعين. من لا يعرفها يظنها أخت كنتها لا حماتها، لم تخط ~~أقلام السنين في صفحة ذلك الوجه الوضاح خطا واحدا غليظا، فما هنالك غير خطوط دقيقة ~~كأنها جوهر السيف، فأم لطوف كانت نادرة زمانها، جمال جذاب وقامة طويلة مستقيمة، لا ~~سمينة ولا رقيقة، عينان لوزيتان تصدقان أخبار هاروت وماروت، ظلت تترقرق فيهما ماوية ~~الفتوة حتى انطفأتا، من يدقق النظر ير أنها ذات أنف غير قليل، ولكن عظمته ضائعة في ذلك ~~السهل الواسع. # كانت المرحومة جبارة عنيدة، حاكمة بأمرها، مسيطرة على زوجها وبني عمه، لا يعصى لها ~~أمر، وتستشار في المعضلات، كلمة من فمها الصغير تلهب القرية، وهي إذا علق الشر ~~تراشق بالحجارة وتضرب بالعصا، فلولا تكون في غير محيط القرية الضيق لكان لها شأن غير ~~شأنها. # كانت كبنات جيلها تعصب رأسها بعصابة مشكوكة بها الجهاديات - دنانير ذهبية - فلا ~~تكاد تفرق بين الذهب الإبريز وبين ذاك الجبين العريض، تضفر شعرها الطويل فيتدلى حتى ~~خصرها ضفائر ضفائر، وفي رأس كل ضفيرة ثلاثة دنانير، وعلى رأسها كريشة حريرية تعقدها تحت ~~ذقنها الحلوة، تمشي «الغندرة» كأنها بنت خمسة عشر، فاتت الستين وظلت نفسها خضراء، ms31 كانت ~~تقول دائما: لا تأثير للعمر، الدنيا أنفس. كانت بسامة مشهورة بالكرم والجود، ما انشغل ~~بالها قط إلا حين فكرت بزواج ابنها. # حاولت أن تصاهر البيوت الكبيرة فلم تنجح، ابنها شاب جميل، وعقله راجح، ولكن بنات الناس ~~يخفن غطرسة أمه واستبدادها فأحجمن عن اقتحام بيتها. # لم تكن أم لطوف تكف لسانها عن بنات الناس، فكلما ذكر لها ابنها واحدة هزئت وزجرته ~~بقولها: حسبتك تفهم، ولد قليل الذوق، «واطي»؛ هذي أبوها كذا، وتلك أمها كذا وكذا. وهكذا ~~تقضت الأيام فبلغ لطوف الخامسة والثلاثين ولم يتزوج، وما حظيت أمه ببنت أوادم ~~كما كانت تزعم. # لم تكن أم لطوف راغبة في تزويج ولدها، تأبى أن تصير حماة، ويقشعر بدنها حين تتصور ~~أنها صارت جدة تنادى: «يا ستي.» كانت تغضب إذا كنيناها ولم نسمها، من قال لها: ~~«يا جميلة.» أرته سنها وأهلت به فكأنها أحد الفائزين بلقب دكتور في الآداب والفلسفة ~~... # وأخيرا ضجر لطوف ومل، راعه المشيب القادم بطبل وزمر؛ فحمي صاحبنا في إحدى ليالي ~~المرفع فجاء أمه بالبنت التي اختارها، فرحبت به بالنعل سفقا على وجهه وقفاه، ودخل الأب ~~بينهما فزجرته بالعبارة المعدة له: «سد بوزك، اقعد بعيدا.» فيهز رأسه ويسكت، إنه رجل ~~حقل تديره امرأته، وهو أطوع من الخاتم بالخنصر، ولخموله هذا نسب الناس ابنه إلى ~~أمه. # أصرت أم لطوف على إرجاع العروس، ولكن ابنها قال لها: تزوجنا يا أمي، لا تتعبي، ما ~~ربطه الله لا يفكه الإنسان. # فصرخت به: ليتك تتجنز بجاه الرب، صرت من الفلاسفة يا جحش! وأخذت تصفر وتخضر وتحمر ~~وترجف كأنها مصابة بالبرداء، وأخيرا أغمي عليها، ودامت الغيبوبة واختفى النبض فدعي ~~الخوري، واستيقظت بعد حين فرأت المحترم قابعا عند رأسها، فحاولت أن تأخذه بلحيته فانهزم ~~وهو يسمع: إن وقعت عيني على عينه نتحاسب، يكلل ابني ولا يسأل عني، لا بد من حش ~~لحيته. # وصفا على مر الأيام خاطر أم لطوف، ولكن عيشها تنغص، كانت كنتها تحاسنها فتزداد ~~نفورا واشمئزازا، إن مشت انتقدتها، وإن تكلمت تغامزت عليها، وقلما كانت ms32 تذوق طعامها، كل ~~هذا والكنة صابرة عليها تجاملها وتطايبها، فتطغى وتتجبر، وأخيرا اعتدل الميزان وحميت ~~المعارك فكانت ضارية. # وهجم الهرم على أم لطوف فاندحرت أمامه، فارقها مرحها إذ فارقها السلطان، وقل الزحام على ~~المورد الذي كان عذبا، فكانت ترد على الجماعة بقولها: كبرت جميلة، وحنة صبية. # واستعدت السيدة جميلة لهجوم معاكس علها تسترد شيئا من حصون جمالها، فحنت شعرها، ~~وتبودرت وتحمرت وتخططت، كانت ترتاع كلما رأت ذلك الحسن يندحر ويجد في ~~الهرب، فعزمت بغتة على زيارة بيروت، ما درى أحد بما تنويه حتى عادت بعد جمعة وقد بدلت ~~بثيابها الهرقلية أزياء جديدة، ولم تنس الجزدان والشمسية، باعت شكتها وضفائرها واشترت أطرف ~~الأنسجة وأغلاها، وعادت إلى الضيعة كأنها عروس، رمت الزنار وعصبت رأسها المحنى بمنديل ~~وردي كأنها تنافس كنتها وتزهو عليها، ولكنها لم تلق التفاتا من الناس، فكانت تقتلها ~~الضحكات الصفراء الممزوجة باستهزاء مر، فحارت بأمرها ولجت في الخصام. # نفرت من بيتها بل من كل بيت، وخالت الناس كلهم أخصامها، كانت تقعد تحت سنديانة تاريخية ~~طالما قعدت تحتها حماتها من قبل ... فتحدث نفسها كأنها تحدث شخصا آخر، تتذكر أيام ~~العز والمجد وتبكي، الناس عندها غدارون يظاهرون كنتها عليها لأنها صبية، وقد جفاها ~~الجميع حتى الأحباب. # ودخلت علي يوما ومعها حفيدها، أجلسته حدها وقعدت، لا حيا الله ولا سلم الله، ~~كانت ساهية كأنها لا تريد أن تقول شيئا أو أنها تجهل أين هي، فلم أتحرش بها لئلا تقلق ~~الحارة، ولما طال الانتظار قلت لها باسما: يظهر أنك بالعة لسانك، الله معك. # فأجابت بفتور يخالطه نفور: لا الله معك ولا السلام عليك، كلكم علي، المولي ما له ~~صاحب. قالت هذا وأخرجت من عبها كعكة باقية مما تحوجته من بيروت، ناولتها الولد وقالت: ~~تعرف سبب محبتي لهذا الصبي؟ # فهززت كتفي اليسرى نافيا، فقهقهت قهقهة بلهاء وقالت: لأنه غدا يأخذ بثأري، ربيت وما ~~لقيت. # فقلت لها: تريدين الصحيح يا جميلة، الحق كله عليك، اتركي، راح دورك. # فهزت برأسها وقالت: أنا تعبانة، كنتي حمارة وابني جحش، ms33 أنا عمرت البيت وأنا ~~صيرته بيتا، تجيء شقفة دابة، بنت غريبة تتحكم فيه، ولا تسأل عني، هذا ما أنزله الله ~~بكتاب. # فقلت لها: الدنيا أدوار، راح دورك. # فقالت: لا تأكل إلا مثلما تريد، كلامها كله بلا طعمه، حديثها طق حنك، أثقل من المرسنك، لا ~~تشاورني بشيء كأني كلبة، ما افتكرت بنت الحرام أني أنا صاحبة البيت. # فقلت لها: الدنيا أدوار، راح دورك يا جميلة. # فاحتدمت لسماعها: «راح دورك.» كانت قاعدة فوقفت واندفعت في حديثها، تارة تهجم علي فتضع ~~أصابعها في وجهي، وأحيانا تتأخر كالهر، وأخيرا قالت: «ابني يحب امرأته أكثر من أمه، ولد ~~ناكر الجميل، قال المثل: الدنيا أم، المثل كذاب، الدنيا مرأة.» # فقلت لها: لا توروري، راح دورك يا جميلة. # فصرخت كالمجنونة: وعن قريب يروح دورك. وانفتلت غضبانة وسفقت الباب خلفها، وسمعتها تقول: ~~«من يقص من جلد غيره يوسع، كلهم في الهوى سوا، الناس مع الواقف.» # وصرخ الولد حين استحال عليه فتح الباب، فعادت وشفتاها ترقصان «التشارلستون»، ونتشته نتشا ~~وقالت وهي تعض شفتها السفلى: «القرود تسحب روح أمك.» # فاستوقفتها لأقول لها: ابنك يموت يا أم لطوف، صار مثل المسلول. ولكنها لم تقف فرشقتها ~~بما قلت رشقا، فهرولت وهي تقول: «البغل موته أستر له.» # وكان لطوف في جهد جهيد من حياته مع أمه وزوجته، كان دائما صامتا كالسمكة لا يبدي ولا ~~يعيد، يروز مشكلته ولا يهتدي إلى أهون الشرين. # وكانت معركة فاصلة بين الحماة وكنتها، فصوب لطوف مسدسه إلى رأسه متهددا، فصرخت أمه ~~وتعلقت بيده، فانطلق المسدس وبقر البطن الذي حمله تسعة أشهر، فانحلت عقدة الرواية هكذا: ~~الأم في القبر، والابن مات في الحبس، وصارت المرأة تحت رجل آخر. # | وجه غريب # أين هو المولود؛ فإننا رأينا نجمه في المشرق؟ # متى، فصل 2 # في ميلاد الأربعين يبلغ عدد ميلادي أربعة وخمسين، ما عدا الليل فإنه ليس بالحساب، كأن ~~ذاتي ظفر مرضوض ينسلخ ليخلفه غيره؛ ففي كل عام أجدني رجلا آخر، وأنى التفت أرى ~~أشلاء ذواتي مكومة حولي كأنها أسلاخ الحيات، أراها ms34 مبعثرة في غابة العمر فأرثي لها، ثم ~~أحسبني أفلت من شراكها، فإذا أنا كالديك العاثر بمكب من الغزل، فيا من يخلصني من ~~ذواتي! # أحب هذا الجليلي لأنه أحب الحياة، وكم تشجيني ذكرى ميلاده العجيبة، من ميلاد بين ~~البقر والتيوس، إلى معلم يحل الناموس، إلى ذروة العبادة والطقوس، أزعم أن ترياقي في خرجه ~~فأرى أعشاب المجدل مخلوطة بنبات سادوم، فيا ويل العالم من خمير الكتبة والفريسيين! # ختم المعلم قصة عمره ختاما فنيا رائعا، قصر حباله فما اضطربت ولا تذبذبت، أحسنت يا ~~سيدي. # للأستاذ «ألين» مجموعة عنوانها «آراء في الدين» كتب فصولها في ربع قرن، وختامها «ميلاد ~~السلام» المكتوب سنة 1935، ألين زميلنا ولا فخر، فالأساتذة جميعهم مريخيون، تسيطر ~~عاطفتهم على إرادتهم، غرهم الثناء فصدقوا أنهم شركاء الله في تدبير الكون، يدعو ألين إلى ~~السلام العالمي، ويحث على التملص من ضباب اللاهوت، يريد أن تكون هدية المجوس للطفل ~~كتبا لا مدافع، ومدارس لا قلاعا وحصونا. # الفكرة سامية والخيال ناعم كريش النعام، أما الواقع فأخشن من المبرد والمنشار، يقول ~~ألين: أطفال اليوم كأولاد العصر الحجري، فلا الراديو ولا السينما ولا المتراليوز تغير ~~خلية من خلاياهم الزلالية، ولا ذرة من إحساسهم الرخص وفسفور تفكيرهم، والعيون التي ~~تنفتح في الطابق الخامس كالتي انفتحت منذ ألوف السنين في أعماق الكهوف. # هذه حقيقة علمية لا غبار عليها، ولكنها حجة على «ألين»، على أن الإنسان لا يتغير، فمن ~~وحش خام يقتل الفرد بأنيابه وأظافره، إلى رجل متمدن يقتل الألوف بعقله وعلمه. يريد الأستاذ ~~ألين أن ينصت الأولاد إلى أمثال الناس كهومير وشكسبير وغوت وموليير وهيغو وغيرهم ~~ليتعلموا أن الناس إخوة، والدنيا كلها وطنهم؛ فالسربون والهيكل والكنيسة والكنيس تعد ~~أقيسة منطقية ليست أقل قتلا من المدافع، والمرشالون يقدمون سيوفا معللين الفتيان ~~بالشرائط المقصبة؛ فليس من يرجى منه الخير غير المربين - المعلمين - المهددين من بيلاطس ~~وقيافا لأنهم لا يعدون الحمل للمجزرة. # فيا أصدقاء الطفولة هلموا إلى شجرة الميلاد الخضراء، فلنغن حولها: ولد يسوع ~~اليوم، وولد أمس، وسيولد غدا. إنه ينقذ العالم ms35 إن لم يقتله قيافا وبيلاطس قبل ~~الثلاثين من عمره، ولكن قيافا وبيلاطس يحفان بالمهد، يتبجحان بأمجاد عزرائيل، مالئين ~~العلب الحاكية بأناشيد الحرب ليقتلوهم قبل هذا العمر. # إيه يا ألين، أين عيناك؟ لقد أمست شجرة الميلاد ملهاة تعلق في أغصانها المسدسات ~~والطيارات والقذائف، لا الشموع والخراف وملائكة الرحمة. البشرية تعبد ذاتها في شخص يسوع، ~~والذات شر من حوت يونان، وأكثر رءوسا من تنين يوحنا، قد سقط فندق السامري على رأس بانيه، ~~ومات السيد عطشا على بئر يعقوب ... لا تدع الناس إلى الهزل، فلنجد يا صاحبي. ~~••• # ورفعت نظري عن الورقة المبسوطة أمامي، فوهلت إذ رأيت قبالتي رجلا جالسا كأنه الطيف، ~~لم أشعر بدخوله، وعجبت من صبره علي، فتنهدت مبتسما كالمعتذر ولكنه ما بالى، هو ~~مطرق دائما، عربي الزي من قمة رأسه إلى نعله ذات الشراك والسيور، ملتح عليه عباءة ~~رفع ذيلها الأيسر إلى كتفه اليمنى، منكسر الطرف كمن أفاق من النوم، تذكرت أني رأيت ~~وجهه ولكن اسمه لم يدر على لساني، فما تراه جاء يعمل في هذا الليل؟ ولماذا لا ~~يتكلم؟ # دقت أجراس عالية كلها بعيد الميلاد، الأجراس تدق وتطنطن، والرجل جامد، سكوت بليغ، ~~ضغطت على الزر فما لباني البواب، فتحلحلت من مكاني ولكن ضيفي لم ينزل من قمة رصانته. ~~أقول لك الصحيح اقشعر بدني وغرقت في الكرسي، راعني سكوته، وهو لو يتكلم لعرفت ما عنده، ~~وأخيرا هتفت كمن ركبه كابوس: «الله يمسيك بالخير.» # فتزحزح خياله قيد شعرة، وكأني سمعته قال: «مرحبا يا عم.» # مرحبا يا عم! هذه غلاظة، أهكذا يقضي على أبهة كافحت لأجلها كفاح عنترة؟ ولكني تصبرت ~~وقلت في نفسي: هو رجل لا شبح؛ إذن الأمر هين، سأعرفه من أنا، وأؤدبه غير هذا ~~الأدب، ووزنته لأرى إذا كنت أقوى عليه فوجدتني كذلك، ولكن العصا النائمة في حضنه رجحت ~~كفته، ووجدت في الكلام قوة وشجاعة فقلت: «من أين شرف جناب الشيخ؟» # فهز برأسه وقال: «ابني عندكم يا أخي؟» # فامتعضت وتصبرت وقلت: «لهجة السيد فلسطينية.» # فأجاب: «نعم يا بي.» # فظننته يقول: «يا ms36 بك.» فانشرحت وانبسطت وأجبت بلهجة المرتاح: «نعم يا سيدي، المحروس ~~عندنا، اليوم جئتم حضرتكم من الناصرة؟ كيف حال تلاميذنا القدماء؟» # فقال: «يا ليت! طفت الدنيا كلها من أقصاها إلى أقصاها وما وجدته.» # فأكدت له أنه عندنا وصحته جيدة، وهو من الأولين في صفه ... # فرفع بصره قليلا وشال حاجبه الأيسر وتضاحك قائلا: «ابني يتعلم! والأول في ~~صفه!» # فكانت خيبتي مرة، وجرحني حديثه الناشف المتقطع: «ما عرفتني ولا عرفت ابني، حططتم من ~~قدري جدا لتعظموا ابني وأمه، نسيتم فضل المربي.» # وصح عندي أن محدثي آت من العصفورية، فقلت له: «ما اسم ابنك يا عم؟ بحياتك حل هذه ~~العقدة.» # وكأنه أدرك أني تضايقت فقال: «لا تؤاخذني، ثقلت عليك، كنا نضيع هذا الصبي ونجده يناظر ~~العلماء ويجادلهم، أما هذه المرة فما لقيناه، لا في الهيكل ولا في العرس ولا في أي مكان ~~آخر.» # فطفقت أردد من غير قصد: «يناظر العلماء ويجادلهم، أين سمعتها يا ربي؟» # وتطلعت صوبه كمن انفتحت له مغاليق الأسرار، فرأيت عصاه قد برعمت، وفاحت رائحة الزنبق ... ~~تنم عن طهارة الرجل مرة ثانية. # ودخل يعقوب يحمل القهوة فشربتها مرددا: «واصنعوا هذه لذكري.» # | موعظة القيامة # خرج الخوري يوحنا عبود من الاحتفال بدفن المسيح يوم الجمعة، وصدره يكاد ينشق من الحزن، ~~وفي غضون وجهه بقية دمع لم تجف بعد، مشى يتعكز على عصا سنديانية معقوفة المقبض، يجر ~~أذيال جبته الزرقاء وعلى رأسه قاووق الخوري الماروني العتيق الذي لم يرض به بديلا طول ~~العمر. # كاهن شيخ خدم المذبح 65 عاما، تمثلت له مأساة سيده الشاب عند مغيب شمس العمر، حتى خال ~~أنه يراها بعينه في أورشليم سنة 33 مسيحية، انفطر قلبه التياعا فكان يحسب كل زهرة تلقى ~~على الصليب الدفين من أيدي المؤمنين حربة مسمومة، وأمست كل كلمة يسمعها من «السنكسار» عن ~~آلام الابن الوحيد ومهانته تهيج شجونه، فكم صرف بأنيابه حنقا على قيافا ويوحنان، وكم ~~آلمه تذبذب بيلاطس البنطي، ويا لفجيعته إذ رأى السيد - وحده - بين الكهنة ورؤساء ~~الكهنة والكتبة وأذنابهم يبصقون بوجهه ويلطمونه، ms37 وتلاميذه تركوه وخذلوه، تمنى لو أنه ~~كان في ذلك الزمان فينصره ويموت معه شهيدا، فيرث الملكوت بأقرب وسيلة وأضمنها. # هكذا كان الخوري عندما برح الهيكل، كان يسير في طريق بيته منكس الرأس، مكسور الخاطر كأنه ~~قبر أحد بنيه، وسارت رعيته خلفه صامتين كأنهم عائدون من مأتم شاب في ميعة العمر، ولا غرابة ~~فكلهم مسيحيون تغلغل اليقين في قلوبهم حتى الصميم. # بلغ الخوري بيته وليس وراءه غير بنيه ثلاثتهم، لأن الناس ارفضوا عنه شيئا فشيئا، ~~فالوقت الظهر وكلهم صائمون، وبيت الخوري في رأس الضيعة. أفطر الخوري وأولاده، وودع الطبق ~~إلى صباح الأحد، تلك كانت عادته في مثل ذاك اليوم كل عام، يطوي هذين اليومين زهدا وإماتة ~~نفس ابتغاء النعمة والأجر. # تغدى وعاد إلى الكنيسة ليزور قبر الفادي ويتعظ بفاجعة ابن الإنسان ويتألم لآلامه، ~~ويشبع مجاعته الروحية قبل الرحيل، متزودا لآخرته ما يشفع به عند الله. كان يصلي لأجل ~~رعيته، ويحاسب نفسه قبل أن يأتي السارق، ويمحو بدموع التوبة كل لطخة في كتاب أعماله قبل ~~عرضه على ربه في الدينونة الخاصة حين يقف بين يديه حافيا عريان، والموعد قريب، فالخوري ~~يوحنا ابن ثمان وثمانين وإن كان بعد ذا همة. # صرف عصارى الجمعة في الكنيسة، طورا يصلي جاثيا، وتارة يقرأ متأملا في كتاب «مرشد ~~الخاطئ»، وحينا في كتاب «مرشد الكاهن»، ويتبحر في شرح بلرمينوس للعقائد المسيحية، ثم ~~ينتقل إلى منبر التوبة يسمع اعترافات المؤمنين والمؤمنات. # ولما غابت الشمس قرع الجرس حزنا، ولم لا، فالمسيح مات، ثم أسرج قنديلا وفتش عن ~~صلاة المساء في «الحاش» وقلب صفحات السنكسار و«الريش قريان» والأناجيل والإفراميات حتى ~~إذا عثر على الفصول الخاصة بتلك الليلة الرهيبة طوى الكتب ووضعها ناحية، وجاء دور السجدات ~~فنيف عدد ركعاته على المائة. # ولما اجتمع الشعب قامت الصلاة، فمنح رعيته البركة في آخرها وأوصاهم جميعا أن ينقوا ~~ضمائرهم، ويستعدوا لملاقاة الختن السماوي بمصابيح العذارى الحكيمات المملوءة بزيت التقوى ~~المنبثق منها نور الإيمان وحرارة الندامة والرجاء وأشعة المحبة المسيحية الصادقة. # وعاد الناس إلى بيوتهم وظل ms38 الخوري يوحنا يصلي عند القبر، يطيب له الرنين ويلذ له ~~النواح الروحي المرسل من صدر عامر بالإيمان، ومن نفس قانتة ألبسها الله ثوب ندامة لم ~~يلبس داود إبان توبته أجمل منه وأبهى. # وكان يجثو بالقرب منه شقيقه الخوري موسى الضرير، يصلي ويسمع ما يقرأ عليه أخوه، وكان ~~الخوري موسى رقيق القلب تفيض دموعه بغزارة لأقل كلمة تلامس شعوره الديني. # وقبل منتصف الليل أثلث الكهنة، انضم إليهم أخوهم بالمسيح الخوري يوحنا الحداد الذي قام ~~برتبة دفن المسيح في مزرعة مجاورة لا خوري لها، هذا الكاهن طيب القلب اشتهر بالصراحة ~~البريئة من الغمز واللمز، تزينه السلامة المسيحية النقية، فاشترك الآباء الثلاثة في صلاة ~~الليل وحضرها نفر من الشيوخ المتهجدين، وبعد ختام الصلاة ولى الكهنة الثلاثة وجوههم نحو ~~القبر وأخذوا يقومون ويخرون ساجدين إلى الأذقان أمام الضريح حتى بان التعب فيهم. # مشهد رائع: بضعة شيوخ أصغرهم ابن خمس وسبعين يقومون بهذه النافلة الدينية الشاقة، والكهنة ~~الشباب يغطون في مضاجعهم الناعمة. # ثم ودعوا القبر بلثم الغطاء بعد أن ملئوا السرج زيتا. ~~••• # كان نوم الخوري يوحنا عبود تلك الليلة متقطعا، ينتفض بين آونة وأخرى، واستيقظ فجر السبت ~~على صياح الديك فتذكر جحود بطرس فتألم، وسار إلى الكنيسة مارا بأخويه الكاهنين، ومشوا ~~معا إلى الهيكل بخطى الشيوخ ليقيموا صلاة الصبح والذبيحة الإلهية، وبعد إتمام واجباتهم ~~الدينية خرجوا ثلاثتهم وجلسوا ضحى ذلك اليوم الضاحك تحت سنديانة الكنيسة، قرءوا فصلا من ~~كتاب «الاقتداء بالمسيح» وتذاكروا بعد تلاوته شئون القرية. # فتنهد الخوري يوحنا عبود، وتأفف الخوري موسى، وتنحنح الخوري يوحنا صادق، وكان حديث ~~... # قال الخوري يوحنا عبود: خطيئتنا - نحن الكهنة - كبيرة جدا، ولولا ذلك ما تخلى ربنا ~~عنا وعجزنا عن التوفيق بين أقاربنا، الخلاف خرب الضيعة، والشر الكبير قدامنا. # فقال الخوري موسى بنبرة: أوف، أوف، ضيعة شيطانها كبير. # فأجاب الخوري يوحنا صادق: يا معلمي خوري حنا، كل الحق علينا نحن الخوارنة، يا خوري موسى، ~~شيطاننا نحن أكبر من شيطان الضيعة؛ لو كان فينا روح الله طردناه باسم الصليب، وانطفأ ms39 ~~خبره. # فأطرق الخوري يوحنا عبود قليلا وأجاب: الحق معك يا أخي الخوري، ينقصنا كثير من التقوى، ~~لو كنا كما يجب ما عجز المرسل البطريركي عن مصالحة أولاد رعيتنا. # فاحتد الخوري يوحنا صادق وقال: يا معلمي، الحكيم الغريب لا يعرف المرض البلدي، نحن ~~وحدنا نعرف كيف نطبب مرضانا، صدقني قلت لك لا تهز برأسك. # فهز الخوري موسى رأسه كعادته أيضا وقال: مليح، هات يدك يا خوري حنا. # فلم تعجب الخوري يوحنا صادق لهجة الخوري موسى فردد: هات يدك يا خوري حنا، يا خوري ~~موسى، يد واحدة لا تصفق، المسألة بسيطة جدا، اسمعوا: أنا أبو ثلاثة، وأنت يا خوري موسى ~~أبو ثلاثة، ومعلمي خوري حنا أبو ثلاثة، وعم ثلاثة، وجد أربعة، وخال اثنين، «منو» بعيد عنك ~~يا معلمي، ابني صهرك، وابن حنا بشارة صهرك، و«بو أسعد» صهري وابن عمك، من بقي؟ هذي الضيعة ~~يا خوري موسى، لو تجردنا نحن الخوارنة عن الغايات، وحتمنا على أولادنا وأحفادنا وأقاربنا ~~انفض المشكل وارتاحت عين كفاع. # فنظر الكهنة إلى بعضهم مبهوتين كمن حاول طويلا حل عقدة وإذا بها تنفرج بين يديه ~~فجأة، لم يفوهوا بكلمة بعد هذا، ودخلوا الكنيسة ثلاثتهم وصلوا صلاة المساء ورتبة الغفران، ~~ثم انصرفوا إلى بيوتهم، إلا الخوري يوحنا عبود فظل في ساحة الكنيسة يتمشى ذهابا وإيابا ~~وله من نفسه رفيق يحدثه ويناجيه ... ودخل الهيكل بعد ذلك فخلع عن المذبح ثوب الحداد ~~وزينه لاستقبال العريس الذي غلب الموت بالموت، ووهب الحياة لمن في القبور. ~~••• # وقضى الخوري يوحنا عبود ليلة السبت في الكنيسة يعرف ويصلي منتظرا ساعة القيامة ليبتهج ~~بالرب، وركع طويلا أمام القبر يسأل الفادي النعمة للضيعة وللمؤمنين بالمسيح جميعا، وكانت ~~ليلة حزنه تنجلي كلما اقترب نصف الليل، كنت ترى وجهه يشرق رويدا رويدا كجبال لبنان عند ~~دنو طلوع القمر. # وأزفت الساعة فهب الخوري يقرع الجرس كأنه ابن عشرين، وتوارد الناس على الهيكل بيوتا ~~بيوتا، كبارا وصغارا، فامتلأ الهيكل بمصابيحهم وفاض نورا، وكلهم بألبسة العيد. # واشترك الكهنة الثلاثة في إقامة الذبيحة الإلهية بوجوه ms40 تفيض بشرا، كأن هناك قيامة حقيقة ~~وظفرا واقعيا، ويا لغبطة الخوري عندما هتف بصوته الجهوري الذي ملأت اهتزازاته حنية ~~المذبح خشوعا ورهبة: # المسيح حقا قام # فافرحوا أيها الأنام # ورد عليه الشعب: # مريم كفي البكا # المسيح حقا قام # وأقام الكهنة مخلصهم من قبره بحسب المراسيم البيعية المارونية، وطافوا بالصليب والزهور ~~في الكنيسة ثلاثا، وفي أيدي الناس الشموع المضاءة، وبعد انتهاء الطواف وزعت الأزهار ~~المباركة على الشعب، ثم استأنف الكهنة رتبة القداس الاحتفالي. # وشاء الخوري يوحنا عبود أن يلقي موعظة بمناسبة القيامة، فأطبق الإنجيل بعدما تلاه ووضعه ~~في مكانه من عن يمين المذبح، والتفت إلى الشعب فجلسوا جميعا بين يديه وسكتت الكنيسة، فقال: # يا إخوتي المباركين! # القيامة رمز للحياة الجديدة، فسيدنا يسوع المسيح له المجد قال: إن حبة الحنطة ~~إن لم تمت لا تعش، وكذلك نحن إذا ما متنا مع الفادي وقمنا بقيامته، فلا ~~حياة لنا في ذواتنا، إن موت النفوس بالندامة مثل النار التي تنقي القلوب ~~وتصيرها صافية نقية كالفضة الروباص. # ليست القيامة بالتخلص من الصوم والقطاعة والتقشف، وليست القيامة أكل بيض ولحم، ~~بل القيامة أن تخرج من الصوم المقدس كأنك جديد روحا وجسما. # العيد أن يحاسب الرعاة كبارا وصغارا - من الشماس إلى البطرك - ضمائرهم على ~~إهمالهم وتقصيرهم في سياسة الأوقاف والأيتام والقاصرين والقاصرات والأرامل، وأن ~~يسعوا دائما وراء نمو الألفة المسيحية في الطائفة، وأن يسهروا على أعمالنا نحن ~~الكهنة في الضياع، وينصفوا المظلومين منا ومنهم. أنا متأكد يا إخوتي أن أجسادكم ~~نقاها الصوم والانقطاع عن «الزفر»، ولكن من يؤكد لي أن نفوسكم تجددت بالمسيح ~~وتقوت بنعمته؟ # إن الركب المتخلعة لا يشددها إلا الإيمان، ولا يتعلم التضحية والمحبة ~~الحقيقة إلا من حضر آلام السيد المسيح وموته يوم الجمعة العظيمة، فهل استفدتم ~~شيئا من صلب المسيح وموته؟ لم يمت المسيح يا أولادي ألفا وتسعمائة مرة، المسيح ~~مات وقام مرة واحدة فقط، وهو جالس الآن عن يمين أبيه السماوي، نحن نحتفل بتذكار ~~موته وقيامته كل سنة لئلا ننسى آخر درس علمنا إياه من ms41 على الصليب: «يا ~~أبتاه، اغفر لهم.» أعرفتم لمن غفر؟ غفر لصالبيه، فهل غفرتم أنتم لمن أساء إليكم ~~من أقربائكم؟ ألستم كما كنتم حزبين؟ فأين مسيحيتكم يا أولادي؟ # إن الثياب الوسخة تقلع وتغسل كل جمعة، فلماذا لا تقلعون ثيابكم الوسخة؟ يكفي ~~لبسها ثلاث أربع سنين، اقلعوها يا أولادي، أبدلوها بثوب القيامة الأبيض ~~النقي. # إن القدر القذرة لا تشتهي النفس طعامها، بيضوا قدوركم لتقبل نفوسكم على ~~الطعام الذي تطبخون، نحن حاضرون غب الطلب. # إن ما تقدمونه لله بأيد وسخة يسد أنفه إذا رآه، ويحول وجهه عنكم إذا تقدمتم ~~إليه، فلماذا لا تغسلون أيديكم ووجوهكم لتقابلوا ربكم أطهارا أنقياء؟ إن الماء لا ~~ثمن له، فاقتربوا من الماء الحي تتطهروا وتنظفوا، إن دمعة واحدة تمحو ألف ~~خطية. # لا تتعجبوا يا إخوتي، إذا كلمتكم بهذا بلساني ولسان أخوي المشتركين بهذه ~~«التقدمة» التي قدمناها لأجلكم، فنحن مسئولون عنكم كأناس يؤدون حسابكم كما قال ~~بولس الرسول. # وإلا فما معنى الوزنات الخمس في الإنجيل الطاهر؟ أنتم الوزنات الخمس، فالمسيح ~~لم يكن تاجرا، ونحن العبيد الذين ائتمنوا عليها، فإن ربحنا دخلنا فرح سيدنا، ~~وإن دفنا فضته يقول لنا: أخرجوا العبد البطال إلى الظلمة البرانية حيث ~~يكون البكاء وصريف الأسنان. # وإذا أحد أول وفسر لكم غير هذا التأويل والتفسير فهو دجال يكذب على المسيح ~~وكنيسته، لا تصدقوا الذين يتفلسفون على ربهم ليحللوا الربا والتجارة لأنفسهم، ~~فهؤلاء عبيد المال وربنا قال: «لا يمكنكم أن تعبدوا ربين الله والمال.» إن ~~هؤلاء الناس آلهتهم بطونهم كما قال مار بولس، لا يهتمون إلا للغد، ناسين كلام ربهم ~~ومخلصهم. # نحن رجال الدين متجرنا في النفوس، مخازننا كنائسنا، والأسواق والدكاكين محرمة ~~علينا، نحن يجري علينا ما قال ربنا لآدم أبينا الأول: «بعرق جبينك تأكل خبزك.» ~~نحن لا يحل لنا الكسب من الأكياس بل من خيرات الأرض أمنا، فأنا أفلح وأزرع ~~مثلكم، ومتى وضعت يدي على المحراث لا ألتفت ورائي، بل أنبسط إلى ما قدامي كما قال ~~رسول الأمم، ومتى أويت إلى بيتي لا أفكر إلا بخيركم ms42 الروحي، ونحن وأنتم بألف خير ، ~~نشكره تعالى. # أنتم التجارة التي حلت لنا، وواجباتنا أن نعمل ونعلم حتى ندخل ملكوت ~~السماوات، فليس كل من يقول يا رب يا رب يدخل ملكوت السماوات، بل من يعمل إرادة ~~أبي الذي في السماوات، هكذا قال فادينا له المجد. # قال لنا الرب يسوع: أنتم نور العالم، فيا ويلنا إذا كان النور الذي فينا ظلاما، ~~يا ويلنا إذا لم نكن مثلا صالحا لرعيتنا، فالابن يتبع أباه، والتلميذ معلمه، ~~والمسيحي خوريه، والخوري مطرانه وبطركه، ومن لا يعمل بما يعلم لا تسمع ~~كلمته، أما الحجة التي يلتجئ إليها المؤمنون إذا رأوا شكوكا في سيرتنا - نحن ~~الكهنة والرؤساء - فيقولون: اسمعوا أقوالهم ولا تفعلوا أفعالهم. هذا خلط، المثل ~~الصالح مطلوب منا قبل كل شيء آخر، فالمسيح قال: «الويل للعالم من الشكوك، والويل ~~لمن تأتي على يده الشكوك.» ولو يرضى أن نكون كالكتبة والفريسيين والعشارين ما غير ~~الناموس، وما قال لنا: «أنتم ملح الأرض، فإن فسد الملح فبماذا يملح؟» # لا تتبعوا القادة العميان الذين يعفون عن البرغشة ويبلعون الجمل ... # نحن السراج الذي لا يوضع تحت مكيال، بل على منارة ليشاهد الذين في البيت نوره، ~~فيا ويلنا إذا كانت زجاجتنا مسودة بالخطايا والذنوب وسوء السيرة. # أنا أعظكم وأعلم أني خاطئ مثلكم، فالكمال لله يا أبنائي، ولكني أغسل نفسي دائما ~~بعمودية الاعتراف والندامة والتوبة لأصلح مرآة لكم، وإلى الاعتراف والندامة والتوبة ~~دعوتكم وأدعوكم ما عشت، فاقتربوا من مائدة الخلاص تشبعوا وتملئوا عيونكم من ~~خيرات السماء والأرض، والقلب يضحك لكم. # من يعتقد منكم يا أولادي أن يدي ملوثة فلا يقبلها، هكذا يصلح الشعب ~~رؤساءه، إن اليد الوسخة لا تستحق أن تلمس فكيف بالتقبيل، والراعي الذي يبغض ~~غنمه يستحق لعنة الذئاب، نجنا يا رب. والأب الذي يكره أن يكون الفرح عند بنيه ~~شيطان هو، رد عنا غضبك يا الله. # فأروني يا إخوتي الأحباء أن نعمة ربنا يسوع المسيح حلت فيكم، أصلحوا كل ~~خلل بينكم لتقوموا مع المسيح وتستحقوا فرح القيامة، اتركوا النكايات والكيد لبعضكم، ~~اغفروا ms43 للناس زلاتهم ليغفر لكم أبوكم السماوي زلاتكم؛ بهذا تعيشون بغناء عن ~~أبواب الرؤساء والزعماء والمقربين من الحكومة الذين يحملونكم مكاتيبهم للحكام ~~ليساعدوا هذا على ذاك، ويخربوا بيوتكم، السلام المسيحي يغنيكم عن البشر كلهم، ~~كونوا مسيحيين. # وأنا الذي صرت على حافة قبري، ربما أغمض في هذا العام عيني لأفتحهما على عرش ~~الديان الرهيب، فماذا أقول لك يا يسوعنا الحبيب إذا سألتني: كيف تركت رعيتك ~~أهالي عين كفاع؟ # هنالك لا كذب يا أولادي، أقول له تركتهم حزبين يلعب بينهم الغزال ... هذا من حزب ~~بولس، وهذاك من حزب أفلو، وفي الحزبين أولادي وأبناء أخي وبنو أختي وأحفادي وأصهاري ~~وأقربائي، يا خيبتي! أقول له: تركت البغض في القلوب يحرق الأخضر واليابس وما قدرت ~~أن أصالحهم، يا خجلتي منك يا يسوع! أقول له: تركت الضيعة قائمة قاعدة، والشيطان ~~معشش فيها، دق رزة واستبرك، يا ويلتي من تلك الساعة! فأستحلفكم يا أولادي بجراحات ~~وآلام سيدنا يسوع أن لا تبعثوني إلى الدينونة بهذه الخيبة. # وأنتم يا إخوتي الشيوخ، ماذا تحملون إلى القبر؟ فكروا في هذه الكلمة وكونوا ~~قدوة لأبنائكم، تذكروا كلمة الرب يسوع: «من أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك، فخل له ~~رداءك أيضا.» # فإلى التسامح والغفران أيها الأبناء الأعزاء، إذا شئتم أن تقوموا مع المسيح ~~وتتجددوا بروحه، اغفروا لي يا إخوتي جميع ما أخطأت به إليكم بالفكر والقول والفعل، ~~شمسي صارت على الغياب، سامحوني وتذكروني في العام المقبل وصلوا ~~لأجلي. # وأخيرا أسأل الله الذي جمعنا في هذه الدنيا ألا يفرقنا في الآخرة، بشفاعة ~~القديس روحانا صاحب المقام، والقديسين العظيمين مار مارون ومار يوحنا مارون، ~~والرسولين الطاهرين بطرس وبولس، فلتحل عليكم نعمة الثالوث الأقدس الأب ~~والابن والروح القدس، آمين والسلام لجميعكم. # واستأنف الكهنة الذبيحة الإلهية، فصاح الشمامسة منشدين نشيد القيامة: سلاما سلاما ~~للقريبين مع البعيدين ... إلخ. # وبعد أن بخر الكاهن الشعب غسل يديه، ولم يستطع أن يضبط لسانه، فالتفت إلى الشعب ثانية ~~وقال: أكثركم يرى الخوري يغسل يديه في القداس ولا يعرف معنى ذلك، هذا يا أولادي، إشارة ms44 ~~إلى عمل بيلاطس البنطي عندما سلم المسيح إلى قيافا وزمرته، غسل ذلك الظالم يديه وقال: ~~«أنا بريء من دم هذا الصديق.» # أنا يا إخوتي لا أقول ذلك، بل أقول بالعكس، أقول ما قاله النبي داود: «امح يا رب ذنوبهم ~~وخطاياهم، انضحهم بالزوفى فيطهروا، اغسلهم فيبيضوا أكثر من الثلج، قلبا نقيا اخلق فيهم ~~يا الله، وروحا مستقيما جدد في داخلهم.» # وولى وجهه صوب المذبح ومضى في عمله، فصاح الشماس عند أخذ «السلام» من يد الكاهن: ~~ليعط كل واحد قريبه السلام بمحبة وأمانة ترضي الله، هلم بالسلام يا أبانا الكاهن ~~النقي. # فعلت الضجة في الكنيسة، فظن الكهنة أن قد علق الشر، التفتوا فوقعت أعينهم على ~~مشهد لم يسبق له نظير في التاريخ الكنسي، أهل القرية يتصافحون ويتسالمون في صحن الهيكل، ~~كل يفتش عن خصمه ليعطيه السلام ويصافحه ويقبله. # فرفع الكاهنان أيديهما وباركا الشعب. # واضطرب الخوري موسى لأنه أعمى لا يرى ما وقع، فصاح به الخوري يوحنا صادق: بارك يا خوري ~~موسى، دعسنا الشيطان. # | لص جواد # المستر ه. ك. تاجر كبير في نيويورك، أتم الله نعمته عليه فراجت تجارته، يغص مخزنه ~~كل يوم بالناس؛ هذا ينتقي، وهذا يدفع ما عليه، وذاك يساوم ولكن على غير ما ألفناه نحن في ~~البيع والشراء، وتلك تخرج لأنها لم تجد ما يواتيها ويناسبها، فلا يتعلق بأذيالها أحد ~~ليبيعوها ما ليست في حاجة إليه. # فتيان وفتيات، سيدات وسادة، غلمان وشيوخ يزدحمون في ذلك البيت العظيم، يكادون يتدافعون ~~بالمناكب لولا ما تواضع عليه القوم في تلك الديار، وما عرفوا به من الكياسة والتؤدة ~~في آداب الاجتماع، فلا تكاد تسمع ضوضاء في المخزن، فحديثهم كله وشوشة وهمس أشبه بوشوشة ~~الحلي في معصم الحسناء المتأنقة، وهكذا قل عن عمال المخزن، فإنهم في شغل دائم، والابتسامة ~~على أفواههم، لا يتذمرون ولا يجهرون بسآمة ولا ملل، هذا يرزم البضائع ويسلمها، وذاك ~~يعرضها ويعين أثمانها، والقائم على الصندوق يقبض ويدفع، وهكذا دواليك. # المخزن غاص بالمشترين، والمستر ه. ك. على كرسيه يستعرض شئون تجارته، ويراقب ms45 عماله غير ~~متعمد، تارة يقبل على مدير العمل يناقشه في بعض النظريات، وطورا يجالس عميلا كبيرا ~~يجلسه إلى جانبه هنيهة، حتى إذا فرغ من كل هذا تناول صحف النهار ونشرها أمامه يطالعها، وإذا ~~أقبل عليه مشتر - غلطا - صرفه بلطف وكياسة إلى من يعنيه أمره. # هذه الحركة في مخازن المستر ه. ك. تتجدد ما تجدد النهار، وصاحبها ينعم وثروته ~~تنمو. # استسمنه اللصوص فنقبوا مخزنه الذي وصفنا، وافتتحوا معقل ثروته الحصين، ذلك الصندوق ~~الحديدي المصفح، ولا تسل كيف؛ ففي اللصوص في تلك البلاد إخصائيون حذقوا مهنتهم حتى ~~أصبحت فنا قائما برأسه، هم دولة في قلب دولة، وقد عجزت عن مطاردتهم حكومة البلاد فقعدت ~~ويدها مغلولة إلى عنقها، ولنا بفاجعة الطيار لندبرغ بابنه، وبما نقرأه عن خطفهم كبار ~~الأغنياء وتغريم شركة ضمان الحياة بفديتهم - أسطع برهان. # درى المستر ه. ك. بالسرقة فتأثر تأثر راع سرقت له نعجة من مئات، فهز رأسه، وانشقت ~~شفتاه حتى لا يدري الناظر إليه أيبتسم أم يهزأ، وكأنه قال في نفسه: «وما تنقد الطيور من ~~بيدر كالهرم، فكل ما وقع عليه اللصوص دخل ثلاثة أيام، فقط ...» # وأذاعت صحف ذلك النهار في نيويورك خبر السرقة، فهز عارفو متانة البيت التجارية رءوسهم ~~قائلين: مبلغ 50 ألف دولار، لا شيء. # وتطاول شبح الأزمة الراعب وتضخم، فارتعدت البيوت التجارية في الولايات المتحدة، وتناثرت ~~الأوراق والأسهم المالية في الأسواق كأوراق الخريف الصفراء تحت أذيال العاصفة، فهلعت ~~القلوب، ثم أخذت البيوت التجارية والمالية تتداعى واحدا بعد واحد كما يحدث ساعة الزلزلة، ~~ولم يثبت أمام هذا الإعصار المخيف إلا الطويل العمر. # ومن هؤلاء الأفذاذ الذين صمدوا للأزمة المستر ه. ك. فإنه ظل متمتعا بالثقة حتى عام أول، ~~ثم ظهرت الصدوع، فأخذ يسد كل عورة تبدو بما عنده من مال احتياطي، حتى عجز هذا العام فكان من ~~المفلسين، فأوى إلى بيته قانطا. # ارتمى ذات يوم على كرسي في شرفة مسكنه المطل على الطريق، وقد أسبل دموعه ومرت في ~~مخيلته ذكريات الماضي، فساوره الأسف وكاد يخنقه الغم، يفكر ms46 كيف ينقذ عائلته، ويود أن ~~تبتلعه الأرض حين يرى أصحابه، ويتفتت قلبه إذا فكر بزوجته وبنيه أو أبصر أولاد الناس ~~فرحين مرحين، كيف لا والعيد مقبل، ولعيد الميلاد في أميركا شأن عظيم، ونفقات ذات بال: ~~هدايا للأطفال، وألبسة للبنين والبنيات، وحسنات للفقراء، وتبرعات للعيال المستورة، ومآكل ~~فاخرة أهمها الديوك الحبشية، وزيارات ومعايدات ... # تلك ساعة أشد هولا من يوم العرض، مرت عليه، وبينا كان مطرقا كمن ألقي على منكبيه ~~أثقل الأحمال، إذا بكلبه يتمسح به بعدما جفاه الناس وجفاهم، وما كان أشد ألمه إذ رأى هزال ~~كلبه الأمين، وكيف لا يهزل وبنوه أصبحوا ينازعونه زاده، بعد أن كانوا يجودون عليه بألذ ~~المآكل وأشهاها. لم يطق المستر ه. ك. هذا الموقف فأسرع إلى غرفته ليخفي آلامه المبرحة، فنام ~~ولم يستيقظ حتى المساء، وعند الغروب عاد إلى الشرفة فسطعت الكهرباء فصيرت الليل نهارا، ~~فلم ير صاحبنا في اختلاف النهار والليل شيئا جديدا، ماذا يعنيه من شئون الليل، فذاك عهد ~~مضى وراح. # أجل، لم يعد يهتم إلا لقوت الغد، وقد جفاه الأصحاب والخلان، وعند فراغ الكيس ~~يستوحش الحر. # فكر طويلا بصديق يقرضه بضعة دولارات يستعين بها على حاجات الغد، فإذا بنفسه تقول ~~له: هيهات! فهب من شرفته كمن أهين ولا يستطيع دفع الإهانة، فتوجه شطر غرفته، فما كاد ~~يتوسط البهو حتى قرع الباب فتعوذ، ولا أدري ماذا تمتم. # فأسرعت ابنته وفتحت الباب، فإذا بموزع البريد ينتصب أمامه كالمارد ويدفع إليه مكتوبا ~~قائلا: «مضمون يا سيدي.» وناوله السجل. # فوقع بيد مرتجفة، وهو يظن الكتاب إنذارا من أحد الدائنين، ففضه بحنق قائلا: ~~أيلحقونني إلى القبر؟ غدا إن شاء الله. # وانشق الكتاب عن توءمين: عاطفة نبيلة، وإكسير الحياة. # كتاب من لص حاسب ذمته، وأرضى ضميره الحي، وأثلج صدر البشرية، رأى الواجب يدعوه فلبى - ~~والفتوة سجية - فنفح التاجر الذي سرقه من أعوام بألفي ليرة إنكليزية، فجاءت ~~بوقتها. # أما المستر ه. ك. فما أظنه قال شيئا، بل صمت كزكريا بعد خروجه من الهيكل. # أما أولاده وزوجته فكانوا يرقصون فرحا، ms47 مؤمنين أشد الإيمان بحكاية ~~«بابا نويل » ... # | أم نخول # ... قبل هاتيك الحرب # سمعت باسم أم نخول وأنا ابن خمس، فكنت أكبر ويكبر معي، إذا دبرت امرأة تدبيرا فيه ~~صلاح لعيلتها نوهوا باسمها قائلين: «عاشت أم نخول.» وإن عز شيء في الضيعة ووجدوه ~~عند واحدة قالوا: «هذي أم نخول ثانية.» وإن مرت على الطريق امرأة مترجلة لا تبالي بمن ~~يتشمسون قدام الأبواب، تنحنحوا وتغامزوا قائلين: «إحم ... أم نخول.» وهكذا انطبع هذا ~~الاسم في ذهني كالأبانا والسلام؛ فالمرحوم - على قلة تقديره للمرأة - كان يلقبها ~~أخت الرجال فيحفظ أمي ولا يبالي، بل يصب النفط على النار فيقول: «آه على امرأة ~~مثلها!» # ورأيت بيتها وأنا ابن سبع، كنت مع والدتي في طريقنا إلى البترون، فأومأت بأصبعها إلى ~~بيت معلق على صدر جبل وقالت: «هذاك بيت أم نخول.» فمشيت ولكن نظري ظل عالقا بذاك ~~البيت فقلت: «وأين هي أم نخول؟» فضحكت أمي وقالت: «من يعلم؟ أشغالها كثيرة.» فقلت: ~~«حجارة بيتها بيضاء.» فقالت: «عجل يا صبي، امش، هذا كلس.» # لم يخرج كر السنين ذاك الاسم من رأسي، بل قامت إلى جانبه صورة بيتها، وسمعت عنها ~~أحاديث أغرتني بزيارتها، ولكني تهيبت العقاب القائمة دونه. وأخيرا، ولا أدري ~~كيف ... رأيتني على مقربة من بيتها، وكلبها «غبار» يستقبلني استقبالا صارخا كان له ~~النهر والأودية والكهوف كمضخمات الصوت، لو كان «غبار» وحده لاتقيته، ولكن ~~أسرته الكريمة معه، وكانت أشد احتفاء بي منه، تسمرت في مكاني أنتظر العون فإذا ~~براع صغير يصيح من ورائي في الجبل المناوح، ويسألني أين أقصد، فأجبته ~~وركني - خشية الكلب - أزور، فصاح الولد على البيت ~~فردت عليه أنثى بصوت يسمعه من هم على الشط، وما عتمت أن انتصبت بالباب، فقال ~~لها: «ردي الكلاب.» فأجابته: «ما عليك، انتبه لعنزاتك.» ثم نادت قائد الكلاب باسمه، ~~ففهم عنها ولف الذنب الذي كان لرأسه إكليلا، وعاد وجيشه. # وجدتني تلقاء امرأة لا هي طويلة ولا قصيرة، لا ضخمة ولا هزيلة، لا جميلة ولا قبيحة، ~~لا صبية ولا عجوز، تعصب جبهتها بقدة سوداء، وتلف ms48 رأسها بفوطة بيضاء نظيفة كأنها ~~من ممرضات اليوم، تلبس فسطانا منتفخا على كتفيها كأن هناك رمانتين، قماش كثير من ~~الزنار ونازلا، فكأنها خابية من خوابي بيت شباب. # وقبل أن أبلغ البيت الأبيض مررت بين أشجار كلها حوامل، بعضها مؤزر بشباك ترد عنها ~~الطير فلا تفسد ثمارها، وعلى رءوس الغصون الشامخة جماجم غنم ومعزى، وقشور بيض ~~مرفوعة على قصب مغروز في الأرض، وعلى شناخيب مساميك العريش قدد من نسيج مختلفة ألوانه، ~~كأنها سمات أوسمة منحتها أم نخول أشجارها المتفوقة في الحمل، تمائم وتعاويذ تتقي ~~بها عيون الحساد فلا تصيب مزروعاتها. أما الأوابد فلها دواء آخر: هنا نطار على ~~هيئة رجل، وهناك لعين بشكل امرأة، أشكال وألوان تقشعر لرؤيتها جلود البشر، فكيف لا ~~تفزع ابن آوي والعصافير! خلتني وأنا مار بينها كأنني بين خفراء مختلفي السحن، ~~وكلهم فظ غليظ القلب. # وحدجني «غبار» بعينه المحمرة، وكشر عن أنيابه البيضاء، وتحسحس كمن يريد ~~الوثوب فقالت له: «غبار، سد بوزك، هذا ضيف.» فتبدلت ملامحه في الحال، واستخذى وزحف ~~صوبي حتى دنا مني يشمني، فقالت لي: «لا تخف، أهلا وسهلا.» # وغابت ثم آبت وفي يدها كأس، فشربت شرابا استطيبته جدا حتى قلت: «طيب شرابكم.» ~~فقالت: «الليمون بلدي، والسكر بلدي، والماء من رأس العين، وأنت عطشان.» # فضحكت ضحكة فيها تعجب وحيرة، وقلت: «وكيف يكون السكر البلدي؟» فقالت: «نحن ~~نعقده من قصب المص، السكر غال والعصير يمد أكثر وهو ألذ.» # فقلت في نفسي: «هذه إحدى عجائبها، إنها هي.» واستولت أم نخول على المبادرة فأجبتها: ~~«شاب من الجيرة سمعت باسمك، جئت أتعرف بك.» # فقالت بتعجب صادق: «باسمي أنا؟» ~~- «نعم، باسمك أنت.» فسكتت وشاع الابتسام في وجهها قبل أن تقول: «طيب يا حبيبي، ~~شباب كثير في الجيرة، فمن أنت منهم؟» فقلت لها: «فلان ابن فلان.» فتنهدت ~~ورحبت. # ودخلت علينا صبية لا تعلم أني هناك، فارتدت مذعورة فقالت لها أمها: «منا ~~وفينا.» فتقدمت وسلمت علي تسليم من تستلم حيط الكنيسة، وخرجت بعد أن تلقت أمر ~~أمها بإيماءة لم أفهم معناها إلا ms49 عند الظهر. # أما أم نخول فقالت : «ترانا اليوم مهموكين بتقميع اللوز وتشميسه، وغدا لم التين ~~وقطاف العنب، وبعده الزيتون وعصره، الحياة كلها شغل.» # فقلت: «بيتكم منفرد، ألا تضجرون وحدكم؟» فضحكت لأول مرة ضحكة عامرة وقالت: «ما ~~عندنا وقت حتى نضجر.» فقلت: «أنت مستأهلة هذا الصيت يا ست أم النخول.» فجادت بربع ~~ابتسامة وقالت: «ستك العضرا يا روحي، كلمة ست صارت رخيصة في زمانكم.» # وانقطع الحديث، فخلت أني أسأت إليها، ولكنها قالت: «فكري قال لي إنك مأمور حكومة، ~~فأخذت حذري منك.» فقلت لها: «والحكومة تفزع!» فأجابت: «لا، ولكن ضرائبها تخوفنا، ~~الحكومة ملح الأرض ولولاها ما كنا نعيش في لحف هذا الجبل، سمعنا عن الباشا الجديد ~~أنه حط ضرائب على البقر والحمير والدجاج، أخبار لا تصدق.» ~~- لا تخافي يا عمتي، احكي لي عن أحوالكم، عن المواسم عندكم. # فقالت: «أية مواسم تريد؟» وأخذت تعد على أصابعها: «الحرير وسط، والدخان مليح، ~~واللوز عال، والتين ممتاز، والعنب كسر المساميك، والزيتون أكثر مما كنا ننتظر؛ سنة ~~خير، المرعى بحر والمواشي شبعانة، والأسعار لا هي شرف ولا هي طرف.» # فقلت: «وأنت كيف؟» فأجابت: «مثل الناس، ولا باس.» فقلت: «قالوا لي عندك تسعة ~~أولاد.» فأجابت: «وأنت الصادق، عندي عشرة، أربع بنيات وستة صبيان لألله.» ~~- إذن عيلتكم دزينة. # فأجابت: «وعمي وحماتي.» قلت: «إذن بيتكم دير.» فهزت برأسها وقالت: «وأي دير!» # فقلت: «وكيف تعيشون؟» فقالت: «من الأرض، في الأرض خير كثير يلاقيه من يشتغل، انظر ~~البيت خال، واحد مع المعزى، والثاني مع البقر، والثالث يكاري، والبقية مع والدهم ~~ينقبون الأرض، والبنات واحدة تطبخ وتنفخ، والبقية لأشغال البيت، وأنا للحياكة والخياطة ~~والترقيع.» # قلت: «ترتاحون في أيام الشتاء.» فابتسمت وقالت: «ومن أين لنا الراحة! أنا والبنات ~~نغزل ونسدي للحياكة في أيام الشتاء، والرجال للزرع والقلع، من لا يزرع لا ~~يشبع.» # قلت: «وكل هذا من أين؟» فأجابت بنبرة: «من أين؟ من الأرض يا حبيبي، من الأرض، الله ~~يبارك فيها.» قلت: «والخيطان من أين؟» فأجابت: «من صوف الغنم والشرانق، والقطن من ~~البترون، لو كان ms50 البيت يلبس من السوق كان خرب ونزحنا من هذي البرية.» # ثم أخذتني بيدي وأرتني ما في صناديقها من نسيج وقالت: «هذا جهاز البنات.» ثم أرتني ~~نولها باسمة، وكنت أرى في كل مكان قطارميز الدهن، وبراني السمن والعسل، وخوابي الزيت ~~والنبيذ والدبس، وبتيات العرق، وأخيرا أرتني صيرة المعزى، وقبو البقر، ودلتني على ~~قن الدجاج والأرانب. # قلت: «وهل أملاككم واسعة؟» فقالت: «بين بين، ولكن الشغل متواصل، والزبل كثير، وشريك ~~الماء لا يغلب، عندنا مائة رأس معزى وما فوق، عدا الغنم، وراءها السنة أكثر من خمسين ~~جديا، وعندنا ستة رءوس بقر، وعندنا يا سيدي الأكرم دابة مثل البغلة، خلفها جحش يسوى ~~نوم العينين، حلو حلو أكثر مما تتصور.» والتفتت نحو الأرض وقالت: «هذي الأرض نقبها ~~أبو نخول العتيق، عاش فوق المائة، ما دخن ولا شرب أبدا، كان أغلب شغله في ضوء القمر، ~~كانوا يسمعون ضربة مهدته ونحيطه من المدفون، نحن اشتغلنا وزدنا عليه الفواكه، الفواكه ~~لا تنقطع، عندنا من كل شيء حتى الأدوية من أعشابنا، الكينا قنطاريون، والمساهل دبس ~~خروب، قال الله لا تكذب؛ لا نشتري إلا حبة الرز، الأحد مخصص للملح وصيد السمك.» # فقلت: «والسكافة يا أم نخول؟» فهرولت أمامي وأرتني آلات السكافة والجلود، فقلت: ~~«والعلم؟» فهزت كتفيها وقالت باستهزاء: «تقبر العلم، جارنا علم ابنه وعرفنا ~~النتيجة، تعلم أولادي القراءة والكتابة والحساب وهذا كاف، المدرسة مجانا من كيس ~~الوقف.» # ونوديت من خلف الستار فلبت، وفيما هي راجعة دق جرس الظهر فوقفت «تبشر» حيث ~~كانت، ولما أنهت صلاتها أمسكت بيدي وقالت: «تفضل، الغدا حاضر.» فاعتذرت منها، فعزمت ~~علي وقالت لي: «بيننا وبينكم خبز وملح، لو كان لنا نصيب كنت أنت ابن أختي.» # وتغدينا دجاجا وأرانب وبيضا ولبنا وأكثر خضرة الوقت، وكان الحلو عسلا وقريشة ~~وفواكه متنوعة، أما شرابنا فنبيذ عتيق. # وانصرفت قرب العصر أردد قول المثل اللبناني: «فلاح مكفي ملك مخفي.» ورأيت أبا ~~نخول يستريح وأولاده تحت التينة، فذكرتني صلعته النحاسية بصلعة أبي حفص الوراق التي ~~قال فيها ابن الرومي: # كأن ساحتها مرآة ms51 فولاذ # ترن إن قرعت أرجاء بغداذ ~~... بعد هاتيك الحرب # خوى عرش الملكة المخفية فزرت القرية المعلقة مرة ثانية، بهت إذ ~~وجدتني قدام باب هامد كان بالأمس نباضا كقلب العصفور المروع، البيت بلا ~~سكان كجسم بلا دم، والوقوف عنده وعند المقبرة سواء بسواء، كان الجاهليون على حق ~~إذ بكوا على الطلول، فخراب البيوت كموت الأحياء، كان بيت أم نخول دنيا عامرة ~~مؤنسة فإذا به اليوم كهيكل مهجور، لا كلاب تعزف فتنفخ روحا محييا في ذاك ~~المحيط الأعزل، ولا حيوانات أليفة تناجينا عيونها البريئة الحلوة، لا ثور يخور ولا ~~جدي يمعو، ولا حمار ينهق ولا هرة تموء، سكون راعب ناء بكلكله على ذلك ~~البيت كأنه ليل امرئ القيس. # الشجيرات الغضة الشباب نحلت واصفرت فهي قائمة حوالي البيت كالمسلولين ~~يتفرجون حول المصح، والعرائش سقطت عن أرائكها فهي مبعثرة هنا وهناك كأشلاء ~~المحاربين بعد المعركة، الأرض بور منذ سنوات فسيطر الشوك على مملكة أم نخول، ~~فبدت كالحسناء في الأطمار. # دققت الباب دقة يائس فما رد علي أحد، ودفعته فانفتح فخلتني أمام باب ~~قبر، البيت الذي كان لماعا مصقولا كترائب أم الرباب، أمسى منكوتا كأنه وكر ~~قنفذ تنبعث منه روائح العفن وقد فارقه صفاء القرية النقي. # في أرضه الزبالة وعلى حيطانه ستائر من نسج العنكبوت، والرتيلاء تروح في ~~سقفه وتجيء كأنها أم نخول حين كانت تسدي، لم أسمع حس أحد في ذلك البيت ~~القاتم الأعماق، الخالي إلا من الذكريات الصامتة، فصحت محدثا نفسي: «وأين ~~هي أم نخول؟» فإذا بصوت يقول: «من؟» فالتفت حيث نجم الصوت فرأيت في ~~الزاوية الغربية الشمالية لحافا يتحرك، وامرأة تصلب على وجهها ثم تقول: ~~«تفضل، أهلا وسهلا.» # وبعد تسليم شرحه طويل جلست قبالتها على كرسي يصوصي تحتي ويقوقي كلما ~~تحركت، فأحكمت جلستي معتمدا على ركبتي أكثر من اعتمادي على تلك الخشبات ~~المفككة، وقلت لها: «عرفت من أنا يا أم نخول؟» # فتفرست بي بحدقتين منفتحتين وقالت: «أمهلني.» وطالت المهلة فقلت ممهدا ~~طريق المعرفة: وأين «غبار» يستقبلني ذاك الاستقبال الراعب؟ فضحكت وأجابت بحسرة ms52 ~~زادتها ابتسامتها الفاترة وضوحا: «مسكين غبار ! راح مع من راحوا.» وأطرقت تعصر ~~صدغيها بيسراها، أردت أن أكفيها مئونة الجهد وأعرفها بي، فأومأت بجمع يدها ~~أن أمهل، فقلت لها: «لا تكلفي نفسك يا خالتي، يستحيل أن تعرفيني، الدنيا تغيرت، ~~ونحن تغيرنا معها، فكيف تعرفينني؟» # فأجابت: «عرفتك، عرفتك، أنت جئتنا منذ عشرين سنة، نعم نعم، أنت كبرت ونحن ~~شخنا، لا تحسب أنا نسيناك، زيارتك تاريخ للضيعة، كيف حال الوالد؟» # فقلت: «وهبك الله عمره.» # فأجابت: «والقائل: من خلف ما مات.» # والتفت فعلق نظري بالمذبح المنصوب فوق رأسها، وهو رف عليه بضع صور وصليب، ~~كسوته من حياكة أم نخول وكشكشه شغل صنارتها، ودخلت بنية في يمينها إبريق ~~فراعني تطرف الدهر في جوره على هذه المرأة النفيسة. # وعقب الشرب سكوت كصمت المعزين في الخطب المدلهم، قالت: «هنيئا.» ~~وتنهدت وأطرقت كأنها تتذكر الماضي، وأجبت: «هناك الله.» ورحت أفتش عن كلمة لا ~~تثير ذكرى، فما حضرتني واحدة، ولكن أم نخول استولت على الكلام فقالت: «تأمل، ~~أين كنا، وكيف صرنا.» وكرجت دمعات من عينيها ما لبثت أن تكسرت في ثلوم وجنتيها، ~~تمرمرت قليلا ثم قالت: «انفخت الدف وتفرق العشاق، راح جمهور البيت الذي ~~سميته ديرا، ما بقي إلا قريد العش - تعني أصغر أولادها - دب الفنا فينا، ما بقي ~~عندنا شيء يدب على الأربع. بلى، عندنا دابة يكاري عليها الصبي لأنه قليل الجلد ~~كثير الحكي، إذا قلت له حس الدابة ضحك واستهزأ، وتمغط ربع ساعة قبل ~~الوقوف.» # فقلت: «وأين بقية العيلة يا أم نخول؟» فأجابت: «الكبار في ديار البلى، ~~والصغار تاهوا في البلاد.» وشرعت تتوله وتبكي، وبعد دقائق قالت: «قصتنا قصة ~~طويلة، راحوا كلهم وبقيت وحدي مثل البومة العميا، آخرة شنيعة، لا تقل خرفت أم ~~نخول، عشنا مدة الحرب بألف خير، الناس باعوا ما فوقهم وما تحتهم ونحن اشترينا، ~~وبعد الحرب دار الدولاب بالمقلوب، بعض الناس قال حسد، وبعضهم قال إصابة عين.» وسكتت، ~~فاغتنمت الفرصة وقلت: «وأنت أيش قلت؟» فقالت: «أمهل يجئك الخبر.» وأخذت ~~منديلا كان عند مخدتها ومسحت ms53 به دموعها، ثم أحكمت جلستها وقالت : «انتهيت الحرب وتغير ~~كل شيء، أولادنا كانوا طوع والدهم فصاروا يردون الكلمة كلمتين، أعجبتهم عيشة ~~المدن، كان ابن جارنا يقف على بابنا حتى نطعمه لقمة، فترك الضيعة بعد الحرب ورجع ~~إليها كأنه خواجا، لا يحكي إلا عن المغنيات والرقاصات - حاشا قدرك - فأفسد ~~واحدا من أولادنا وأخذه معه، أما البقية فقضوا الأيام متكرهين ~~ومتذمرين، ذاقوا طعم ركوب السيارات فاستخفوا بالدواب، استنكفوا من رعاية ~~المعزى وكرهوا البقر، صاروا متزنترين، فبعنا الطروش - الحيوانات الداجنة - أنفقوا كل ~~ما جمعته أم نخول، والقلة تورث النقار، فصار بيتنا مثل جهنم الحمراء، حديثهم ~~الدائم: فلان ما عنده رزق وعيشته أحسن من عيشتنا، وفلان أفقر أهل الضيعة وثيابه جوخ ~~وحرير شغل البلاد - تعني أوربا - ونحن نلبس من حياكتك! - الله الله من الأيام، ~~فضلوا الشيت والمقصور على الحرير لأنه حياكتي - ابن فلان مستريح أكثر منا لا ~~يمشي ربع ساعة ونحن نقتل من المشي قبل الوصول إلى طريق البحر، قنطار الحطب عندنا بربع ~~ليرة، وعند غيرنا بليرتين، إجاصنا وتفاحنا وسفرجلنا يسقط تحت أمه، الزبل ينفق عند ~~غيرنا ونحن نختار كيف نصرف حاصلاتنا. راحت الأيام التي عرفوا فيها قيمة الزبل، كان ~~عندنا ولد يحب الأرض، أخذه عزرايل، مات موتة بشعة، أبعدها الله عن كل محب، ~~كان يحطب لوليمة أحد التهنئة فهيأ حمل حطب وحزمه بالحبل، وبدلا من أن يحمله ~~خطر له فكر كان سبب موته، دفر الحمل برجله من فوق صخر علوه عشر قامات، فعلق ~~الحبل برجله وسقط مع الحمل إلى الوادي، وصار أحد التهنئة مناحة، البنت التي ~~سقتك هي بنته.» # وطفقت تنوح وتبكي زهاء ربع ساعة، فحاولت أن أحول مجرى الحديث فصاحت: «لا ~~تقاطعني، أنا ألتذ بالبكاء كما يلتذ غيري بالغناء والرقص. وأبو نخول، يا حزني ~~عليه، عضته حية فحملناه إلى جسر المدفون لنعالجه في بيروت فمات في بعشتا، مات ~~بعد ابنه بتسعة أشهر، ليته مات قبله! كان استراح من مصيبته فيه، آخر ولد ترك ~~الضيعة منذ شهرين، قدمنا وأخرنا فما نفع الحكي، خبروني ms54 أنه يخدم في لوكندة، ~~تأمل ضعف العقل، كان يحكم ويأمر في بيته فصار أجيرا للناس، وهكذا تم فينا قول ~~المثل: راح الرزق مع أصحابه.» ~~- ومن أين تأكلون اليوم يا أم نخول؟ ~~- من ظهر الدابة، أجلك الله. كنا نشبع جبيل والبترون من خيرات أرضنا فصرنا ~~نشتهي عنقود العنب في أيدي البشر، ما بقي من العمر أكثر مما مضى، ولكن يقول المثل: ~~«تموت الدجاجة وعينها بفراخها»، عز علي خراب بيتي قدام عيني. # وأخذت تتفجع ولا تدري من تلوم، ثم هدأت ثورتها بغتة وشرعت تبدي نظرات عمرانية ~~اقتصادية، لو عمل بها الناس لصارت كل قرية جنة، ثم عاودتها ذكرى أيامها السالفة، ~~أيام كان بيتها يضيق عن غلة أرضها، فعلقت تعدد عقاراتها قطعة قطعة، وتتفجع ~~على مواسمها واحدا واحدا، وتصفق على ركبتيها توجعا والتياعا، فنهضت إذ ذاك ~~فقالت بانكسار: «اقعد.» فاعتذرت، فقبضت على يدي بيديها الثنتين وقالت: «كل مصائبي ~~هينة عند خروجك من عندنا بلا أكل، آخ من الأيام.» ثم تنهدت وقالت: «ما لك جود إلا من ~~الموجود، لا توآخذنا.» وما بلغت الباب حتى سمعتها تقول لي بصوت يخالطه بكاء: «رد ~~الباب خلفك.» # وبلغت التينة التي رأيت تحتها أبا نخول بين أولاده فإذا هي معصفرة الإزار، ~~بعد أن كانت كعذارى دوار، فخطرت في بالي كلمة قالها جبران: «مصيبة الأمم في من لا ~~يستنبت بذرة، ولا يرفع حجرا، ولا يحوك ثوبا.» # وانتصبت قبالتها كلمة قالتها أم نخول في بحثها العمراني: «ماذا يصير بالبلاد لو هجر ~~الضياع أهلها، ومن أين يأكل الحكام والتجار إذا خربت بيوت القرى مثلما خرب ~~بيتنا؟» # وفي صباح اليوم التالي دق جرس القرية المعلقة حزنا على ربة الحقل، ماتت سيدة ~~الضيعة ولحقت بمن سبقوها إلى ظل السنديانة العظمى. # | صلاة نائب # استيقظ النائب ضحى الإثنين، فانتصب كالنبي بعد هبوط الوحي، والبستاني على أثر ركود ~~العاصفة، أحب أن يذكر الله في تلك الساعة، وكيف لا يذكر ربه وقد صار نائب أمة يكتب ~~كتابها لمن شاء، وإن لم يستطع ما فعل الفرزدق ... أجل أراد النائب ms55 أن يصلي - والنواب كالناس ~~يصلون في الإزم - فلم يقل: اللهم ... حتى قرع ناقوس التليفون، فتناول اللاقطة وأجاب: نعم، ~~نعم، أنا. ~~- صبحك بالخير. ~~- أبو نجيب، الله يسعد صباحك. ~~- كيف الحال؟ ~~- هاه، عال! ~~- يا سيدي، القضية التي عرضناها لك ... ~~- أية قضية؟ ~~- نسيتها؟ ~~- لا لا لا، تذكرت، بهذين اليومين إن شاء الله ... ~~- بحياة جنابك، نحن متكلون عليك. ~~- على الله يا شيخ ... وغير هذا؟ ~~- رضاك وتوفيقك. ~~- الله يحفظك، مع السلامة. # وعاد النائب ليصلي، فلم يقل اللهم أعطنا خبزنا ... حتى دخلت خادمته ملهوفة تعلن مقدم ~~أحد الأعيان، فتلملم وخف لاستقباله، فإذا به يجر وراءه وفدا، فحيوا النائب الجديد وحياهم ~~وهنئوه فشكر لهم، وأديرت عليهم كئوس الشراب فانتدبوا لها بعضهم؛ لأن الخادمة لا تعرف ~~التقاليد، فأخذت الكأس تروح وتجيء بضع دقائق بين: «أستغفر الله.» و«تفضل أنت.» و«هذا لا ~~يصير.» أما النقل فتناولوه محافظين على الكياسة جهدهم، والتفت قيدومهم ليغمز الخطيب ~~فيتكلم، فإذا به لا يراه، فتغمغم وخرج في طلبه، وما عتم أن استرضاه وعاد به وأوقفه في وسط ~~القاعة خطيبا، فأدى خطابه أداء صالحا، وتبرنس النائب بأطول منه ... كما قال بديع الزمان، ~~فصفق الوفد وأجاب النائب واعدا بتحقيق الأماني والوعود ... # وقدمت القهوة فترشفوها، وبعد أن قال كل واحد منهم ما جاء على لسانه لئلا يرمى ~~بالعي، انصرفوا وشيعهم النائب إلى البوابة، وعلى ثغره ابتسامة مسخرة. # وعاد النائب يصلي فلم يقل: ساعدني يا رب على خدمة البلاد ولو عشت بالتقتير ... حتى انتفض ~~لأن التليفون يدعوه، فانفتل عن صلاته متأففا، ظن أن أحد أنصاره يدعوه ليذاكره بحاجة ~~- وصاحب الحاجة أرعن - فإذا به غير من ظن، فاستوى مهابة كأنه في حضرة المتكلم ناسيا أنه ~~يخاطبه تلفونيا وقال: نعم ولدكم ... يا سيدنا ... مستعد يا سيدنا ... نعم سيدنا ... تأمر ... الآن ~~... أمر غبطتكم ... نعم. وختم الحديث بالتماس البركة الرسولية، فمنحها من صميم الفؤاد. # واستعجل النائب خادمته بوقف سيارة مقفلة نظيفة، وأصلح ثيابه وخرج، فما بلغ البوابة حتى ~~أرجعته ابنته إلى التليفون. ~~- نعم. من، من؟ ~~- أنا. # فزرر رداءه احتراما وقال: عفوا، فخامة الرئيس ms56 ... محسوب فخامتكم ... نعم، أمر فخامتكم. ~~وظل يهز رأسه ويهمر بنعم، نعم، نعم ... إلى أن ختم كلامه بقوله: حاضر يا مولانا. # وما ألقى اللاقطة حتى كان في الشارع، فأطل وفد أطول وأعرض من الوفد الذي شيعه منذ ~~هنيهة، وبعد السلام والمصافحة لبعضهم اعتذر لزعيمهم أن فخامة الرئيس وغبطة البطريرك ~~يستعجلان حضوره إلى ناديهما، وأنه سيعود بعد قليل، ودعاهم جميعا ليتغدوا عنده، ثم ~~ودعهم قائلا: البيت بيتكم ... ومضى. # واستحال البيت إلى حانة شرب وقصف، والنائب يطوي الطريق إلى القصرين. # وعاد إلى البيت وقد أدركه الليل، فسأل عن الجماعة فقيل له: تغدوا وراحوا. # فأوى إلى غرفته تعبا منهوكا، ولم يخلع معطفه حتى قرع الباب وانشق عن زميل كريم ~~قال: يا هو، كيف حال الوفود عندكم؟ ~~- العاطفة طيبة، والثقة كبيرة. ~~- والخطب؟ ... والمطالب؟ ~~- هي هي، كل الدنيا مثل بيتك. ~~- أنت عندك من هذه البضاعة، أما أنا ... الله وكيلك مونشير، لا أعرف الألف من ~~«المئذنة». ~~- تمرن، أنت قادم على جلسات حامية الوطيس. ~~- وطيس ... أيش الوطيس؟ ~~- يعني جلسات حامية. ~~- أوه، الآن فهمت، بحياتك قل لي ... والنتيجة؟ ~~- لا تحمل السلم بالعرض. ~~- ماذا قال لك فخامة الرئيس؟ ~~- كما قال لك. ~~- والبطرك؟ ~~- كما قال لك. ~~- وسيادته؟ ~~- أيضا. ~~- والرئيس وال ...، وال ... ~~- كذلك. ~~- وما العمل؟ ~~- ... ~~- إذن قم. ~~- إلى أين؟ ~~- ألست مدعوا؟ ~~- بلى، بلى، كنت نسيت. # وشبكا أيديهما وخرجا. ~~••• # ورجع النائب إلى بيته مجهودا بعدما هدأت العين والرجل، فإذا بأحد «المحترمين» في ~~الانتظار، فحيا بالاحترام وتجلد وجلس، وأخذ المحترم يدل عليه في حديثه، ويريه كيف ~~جاهد وجمهوره ورعيته يومي الانتخاب، وكان النائب يسمع بخشوع، وبعد القهوة تحلحل المحترم ~~للانصراف، فقال له النائب: ابق الليلة عندنا. فاعتذر له، وفي طريقهما إلى الباب ساق ~~المحترم الحديث فقال: لا تنس شعبة طريق ... فهذه حياة الدير. ~~- نعم، ولكن ما رأي قدسكم لو شقت من الجهة الجنوبية فتمر بقرى ومزارع فينتفع أهلها ~~المساكين ... والطريق كما فهمت صارت على باب الدير تقريبا، وهؤلاء محرومون. ~~- نريدها على باب الدير تماما، فالزوار - نشكر الله على هذه النعمة - مثل الجراد، كلهم ~~يتذمرون ms57 من مشي خمس دقائق . قال هذا ماشطا لحيته المقنفشة بأصابعه وضحكت ~~سنه. # فهز النائب رأسه مذعنا، وجر المحترم حديثه إلى ثلاث أربع قضايا فقال: لا تنس ~~المختار فهذا من غير حزبنا، والناطور كفوا يده لأنه حشد لكم في الانتخابات، فاسع جهدك ~~لتبرئته، أما مسألة البلدية فإلى وقتها و... و... وكان النائب الصادق يحرك رأسه كالحرذون، ~~وظل يفعل كذلك حتى توارى المحترم. # وخلا النائب في مخدعه وتجرد وقعد في فراشه، فذكر الصلاة التي لم يتمها فقال مع ~~بشار: «الذي يقبلها تفاريق لا يرفضها جملة.» وأخذ رأسه بيديه وصلى: # الشكوى لغيرك مذلة يا الله، فلتبق في القلب تجرح ولا تخرج من الفم فتفضح، ~~انظر إلينا يا كريم. # استكثروا راتبنا فاقتضبوه حتى مسخوه، فلا ينطوي الشهر وينشر كشف النفقة حتى ~~ترانا مكثورا علينا. # الشعب يصرخ اصلبوه، ونحن نردد: اقتسموا سلطتنا بينهم، وعلى راتبنا ~~اقترعوا. # أيكون راتب النائب أقل من راتب كاتب البلدية يا الله؟ وعلى هذه الغضاضة أغضينا ~~وقلنا خير من «اللاش». # في هذه السنين الضيقة، وإذا لم نكن نحن للوطن فمن له؟ # فنظرة يا رب من أعالي سمواتك تنبت الحنان في قلب العميد، والتفاتة من عليائك ~~تمدد سلطتنا المقرفصة، فنبيض وجهنا ونحقق ولو شيئا من آمال منتخبينا. # رد عنا يا الله الوجوه المقرفة الملحاح التي تتبعنا كظلنا، وتزعج مجالسنا أين ~~كنا، يقولون إننا لا شيء، ويطلبون منا كل شيء. # ارحمنا اللهم، ووقنا عسرات السياسة يوم انتخاب الرئاسة. # اللهم لا تدخل عبيدك النواب في التجارب ... ونجهم من حل المجلس، وخلصهم من ~~ألسنة الجرائد. # آمين! # وما انتهى حتى أغفى، وظل يغط في نومه حتى الصباح. # واستيقظ ضحى الأربعاء فإذا بالقصاب بالباب، فقال: العمى أقبل الضوء يا خليل، يا فتاح يا ~~عليم ... # فأجاب خليل بسذاجة: حمي النهار يا بك. # فتأفف النائب بين الجد والهزل وقال: آخر الشهر يا خليل، آخر الشهر. # ثم ضحك ضحكة مكروب - وشر البلايا ما يضحك - وقال: شباط 28 يوما يا خليل. فقال القصاب: ~~وما عليه لو كان أربعين، أنت في العب ms58 يا سيدنا. وضحك ضحكة بلهاء وانصرف. # وزال الكابوس عن النائب، فاغتسل وامتشط وهندم قوامه وخرج يتوكأ على عصاه، فهو على موعد مع ~~مدير إحدى الشركات ... # | وعظة وديك # كانت الحرب التي مضت حربا مفترسة، غرزت أنيابها في القرية اللبنانية فأثخنتها الجراح، ~~فهاتيك البيوت المتهدمة أفواه من جماد تشهد أن البشر أشد فتكا من إخوانهم في اللحم ~~والعظم. # كنت عام المجاعة - 1917 - في قرية من جرود كسروان أقوم بعمل حكومي، فدهمنا الميلاد فيها، ~~وكان لي في تلك القرية صديق جمعتني وإياه مدرسة الحكمة سنتين، ثم تفارقنا وانقطع الحبل، ~~صار صديقي حارثا في كرم الرب، وتهت أنا كما أراني حتى الساعة، كان صاحبي متمسكا بدينه ~~لا يقبل فيه الجدل، شعاره: «من تمنطق فقد ترندق، الإيمان وكفى.» وإن أحرجته تجمعت أصابعه ~~وصارت يده دبوسا أقطع من برهان ذي حدين ... # بلغ صديقي نبأ قدومي «السعيد» فأرقل إرقال الجمال المصاعب، وأقبل علي بلحيته الوارفة ~~فقال رفيق آخر: احزر من هو؟ فأنكرت منه كل ما كنت أعرف، ولم تنحل المعضلة الكبرى إلا ~~حين تكلم وابتسم. # حبسنا الثلج في تلك الضيعة أياما، فكان صاحبي في أثنائها يتصرف بي كما يتصرف في عقار ~~ورثه عن جد جده: ارحم فلانا فأرحمه، وفلانة أرملة مقطوعة لا تجعل عليها ضريبة وارمة فنأخذ ~~من الجمل أذنه. ~~- مارون، غدا عيد الميلاد، أتسمع وعظتي؟ ~~- وعظتك أنت، أنت تعظ؟ ~~- نعم، ووعظا يرضيك. ~~- حسبتني نسيتك يا زيدان. ~~- أنت مغشوش، تندم إذا لم تحضر. ~~- غيابي وأندم خير من هلاكي بالبردين ... # والتفت فإذا بأصابعه تتجمع فأخذت حذري، فضحك وقال: يا سبحان الله، ما زلت كما كنت. ~~تسمع ما يرضيك إن حضرت، كنيستي ليست كاتدرائية ولكنها خشوعية قديمة من عهد الفينيقيين، ~~فيها رهبة ونور ضئيل، تلهم أشياء أشياء. # قلت: إذا يتضاعف هم القديس هيرونيموس في كنيستك. ورأيته لم يدرك ما عنيت فضحكت وقلت: ~~الكنيسة معتمة ... فأجاب وهو يزعزعني بيديه كأنه يقلع توتة: والقسيس أعمى، احضر يا مارون، ~~واحك ما تريد. # ودقت أجراس القرى تسبح الله نصف الليل، وقرع جرس كنيسة ms59 صاحبي فتغلغلت في فراشي وقلت في ~~نفسي: أعتذر له بغرقي في النوم، ولكن صاحبي لم يحل عن عهدي به فجاء بنفسه، وفتح الباب ~~وهو يقول: المجد لله. فقلت: وعلى الأرض السلام. # فقال: «قم، بلا طق حنك، لا سلام ولا رجا صالح لك، أنا عاجنك وخابزك.» # وساقني أمامه. # حقا إن كنيسته - كما قال - تلقي الرعب في القلوب نهارا، فكيف بها في تلك الليلة ~~القاتمة الأعماق، والثلج على سروات الأشجار كما قال الفرزدق، لم يضئ بها غير فانوس، ويا ~~ليته جاحظ الفتيلة كمصباح راهب امرئ القيس! ولكنه كقنديل بخلاء الجاحظ ... حاول أحد الشمامسة ~~أن يوقد بضع شمعات فزجره الخوري إبراهيم مكتفيا بشمعتين عسليتين، ورفل في ثياب التقديس ~~المزركشة وأسرع في تلاوة قداسه، فبلغ الإنجيل برفة عين، فقلت في نفسي: عافاك يا خوري ~~إبراهيم، هذا قداس! والتفت صاحبي صوب الشعب منكسر الطرف، وبعدما فرك يديه قال: # يا إخوتي المباركين! # عيد الميلاد هو عيد ولادة البشر كل عام، كما قال الرب يسوع لنيقوديمس: الحق الحق أقول ~~لك، إن لم يولد الإنسان ثانية، فلا يقدر أن يعاين ملكوت الله. # فأجاب نيقوديمس: وكيف يمكن هذا؟ فأجابه الرب يسوع: أنت معلم إسرائيل وتجهل هذه؟ ~~أتعلمون ماذا أراد المعلم؟ إن المعلم يريد أن نولد بالروح، أن نولد بالرجاء، ~~أن نولد بالمحبة، أي أن نولد كل عام بتعاليمه، ولو تحققت هذه الولادة لما كانت ~~هذه الحرب العالمية. # إن هيرودس وبيلاطس وقيافا يبرزون كل عام إلى الميدان ليحولوا دون هذا الميلاد كما ~~أرادوا قتله في ذلك الزمان، يريدون إطفاء سراج الإنجيل الذي خلق عالما جديدا، لا ~~أدري ما أقول عن الهيرودسيين والبيلاطسيين أعداء السلام المسيحي الذي ولد في مثل ~~هذا اليوم، الذي لا حياة للدنيا بدونه. # لا أحدثكم عن يسوع الإله، بل عن يسوع ابن الإنسان، فأقول لكم إن عيد ميلاده هو عيد ~~ميلاد حقا، ولحكمة فائقة جعلته أمنا الكنيسة المقدسة في هذا اليوم. إن الطبيعة ~~التي قال لها كوني فكانت تولد اليوم، أليس الشتاء كالميلاد، والربيع مثل الشباب، ~~والصيف ms60 كالكهولة، والخريف مثل الشيخوخة؟ أليست الشمس تولد اليوم من جديد فتصعد إلى ~~أعالي القبة، وكذلك النهار فهو ينمو مع السيد، ومعنى هذا ميلاد النور والحق ~~والحياة. # ثم التفت نحوي وقال كالمتوجع: آه من البشر! كل شيء يتجدد مع الميلاد إلا الإنسان، ~~الإنسان لا يريد أن يولد مع المعلم، لا يريد أن يفهم معنى الميلاد الحقيقي، إن ~~الحيوانات كانت أرأف بالطفل من البشر، الحيوانات أعطته كل ما تملك، ومن كل قلبها، ~~أعطته جزءا من نفسها، أي حرارة تدفئه، بينا ملوك العالم أي المجوس أعطوه من ~~فضلاتهم، مرا وذهبا ولبانا. نعم، إن سجود هؤلاء الملوك السحرة له هو اعتراف بعهد ~~جديد، عهد حرية بني الإنسان، عهد تغلب الحق على الشعوذة، ولكن ما حاجة يسوع إلى ذهبهم ~~وهو القائل: يا بني أعطني قلبك. إن زعماء البشر أعطوه المال الذي أبغضه وداسه، ولم ~~يعطه من قلبه ونفسه إلا البهائم، فكانوا خيرا منا. الحيوان يكتفي بقتل حيوان، أما ~~الإنسان فيقتل إخوانه جملة ولا يكتفي، ألا ترون هذا بأعينكم، أما ندفن كل جمعة ~~أربعة خمسة؟ # يا إخوتي، تعلمون لماذا سمى يوحنا الحبيب الطفل يسوع كلمة الله، إن في ذلك سرا ~~عظيما، فالكلمة هي سر السلام، سر المسرة، سر الرجاء الصالح، ألا يقول المثل: من ~~وطأ كلمة وطأ جبلا؟ ولو نبئت كلمة الله في قلب هيرودوس وبيلاطس لما كان الشر الذي ~~نلقى غبه اليوم. # إن الطفل الذي نحتفل بعيد ميلاده اليوم هو الدائرة التي تضم في قلبها الإنسانية كلها، ~~وإن خرجت الإنسانية منها أكل بعضها بعضا كالوحوش الضارية، والبرهان ما ترون وتسمعون، ~~فكما يخلق البرق والرعد الكمأة في الصحراء كذلك تخلق فينا كلمة الله المحبة، وحيث تكون ~~المحبة يكون الإيمان، وحيث يكون الإيمان كان الرجاء والسلام. # إن النجم الذي هدى المجوس إلى المغارة هو رمز الإنجيل الذي قاد العالم إلى ميناء ~~السلام والاطمئنان، ويا ليت هذا النجم يطلع كل عام في سماء الإنسانية ليهديها إلى ~~القناعة، فمغارة الميلاد استحالت قلعة محصنة بالرشاشات والمدافع والقنابل، وشجرته ~~أمست كتلك ms61 الشجرة الهندية التي يقولون إنها تأكل البشر، وكل هذا من ظلم هيرودوس، وطمع ~~بيلاطس، وجشع يوحانا، وأنانية قيافا، وفتور إيماننا نحن. # فيا ليت الملوك يولدون مع المسيح لتستريح الإنسانية المعذبة الجائعة العارية. إن ~~النفوس التي اشتراها المسيح صارت عندهم أرخص من الزبل. # أيها الأحباء: # إن الميلاد يجب أن يتجدد في كل مكان، في البيوت وفي المدارس وفي الحكومات، وبدون ~~ذلك لا تتقدم البشرية. # سمعنا أن المتحاربين يقفون القتال في مثل هذا اليوم إكراما للميلاد، ولو كانوا ~~يولدون معه لألقوا سلاحهم تحت قدميه. # فاجعل يا ربنا وإلهنا ميلادك ميلادا حقيقيا، وأنهض الإنسانية من سقطتها، إنك ~~أرحم الراحمين، آمين. # وانتقلنا بعد القداس إلى بيت أبينا الخوري، وفيما نحن نأكل ديك الميلاد ونشرب عليه خمرة ~~لم يذق مثلها الأخطل، قال الخوري إبراهيم: كيف وجدتني؟ # فأجبته: المحبة تخلق كل شيء حتى البلاغة، عيد مبارك. # | وجه مقيت # ما رأت عيني مثله رجلا، لو تراه يمشي على الرصيف وفي يده عصا يتوكأ عليها بعظمة وجبروت ~~لحسبته حاويا أو ساحرا من بقايا زمن عبادة العجل والأفعى، شعر مثنى ومرسل كما قال ~~امرؤ القيس، وعينان ساهيتان تحلمان باللاشيء، وجد على الأرض منذ ثلاثين عاما فخالها ~~أوسع مدى من دهر أبي العلاء، أسمر مربوع على كرسي خده خال أشعر تحسبه شاربا، مغتر ~~بجماله يظن أنه فلقة قمر لو بدا لحامل في طور الوحام لجاءت ببدر لم يحلم بمثله الشعراء، ~~يؤمن بملكوت الأدب ويرجو الخلود فيه، فهو في عين نفسه إحدى فلتات الزمان، بل شاعر العرب ~~المسكوني. # عرفته مساء يوم معرفة وجه، فما أصبح حتى شن علي غارة عتادها حقيبة في شهرها التاسع، ~~فيها شعر وفيها نثر، مقالات وقصص، قصائد طوال وقصار، وبالجملة فيها ما في قبوي المعد لسقط ~~المتاع. # صاحبنا مبتلى بملاريا الأدب، ومتى نفضته البرداء يشتد هذيانه فيه. يأنس بأشياء من العلم ~~الحديث فيخيل إليه أنه وجد حجر الفلسفة، إن رأى معازا أو بقارا أو فلاحا ~~ابتسم له وحياه تحية صب مشتاق، حتى إذا استأنس به انهال عليه ms62 بأسواط منظومه ومنثوره، ~~يطمع في أن تعم شهرته جميع الطبقات، فأعار الأرض اهتماما اقتداء بفرجيل، ثم وصف المعارك ~~كهومير ليسد برأس قلمه ثغرة في جدار الأدب العربي. # تقرأ على مسامعه قصيدة لأعظم شاعر، فيفتر عن أسنان مصفرة ولثة مزرقة، ويقول بكل ~~وقاحة: «منو المتنبي؟ ومنو شكسبير؟ أليسا بشرا مثلنا؟» يفتح كشكوله ويخرج منه أفاعي ~~رقطاء ورقشاء دونها حيات أدهى الحواة، فتسمع وأنفك راغم، وإن تثاءبت يحدجك بعين زرقاء لو ~~رآها ابن الرومي للزم بيته شهرا كاملا، عليك عند سماع درره اليتيمة أن تهز برأسك ~~كالضب، وترجع كالحمام، وتنثر زهور الاستحسان عند كل نظرة يلقيها عليك، وعند كل شدة ~~يعض عليها ... ولا تحسب أنك اتقيت شره إن فعلت فصاحبنا مغفل، يخالك طربت حقا ~~فيتمادى حتى يؤنسك ساعات ... لا يدرك أن أحدا مشغول لأنه بطال، أدركته حرفة الأدب فلا عمل ~~له غير النظم والنثر وكب هذا «الزفت» على رأس من يتشبث به، مؤمن بأنه من عباقرة الشرق ~~العربي، ويرجو أن تنصفه الذرية التي تربى تربية حديثة، أما معاصروه فجلهم حساد، ~~ومعظمهم غلاظ الأكباد. # لا يستقر إن جلس فكأنه قاعد على خازوق، فهو يتفنن في جلسته كأنه أمام مصور، وكثيرا ما ~~يدعم ذقنه بإبهامه ويثني السبابة على شفتيه، فيغطي بها السفلى ويسند العليا. # دعاني يوما إلى زيارته وألح علي وأغراني بقوله: تعلم أن كل بلد معروف بلون من ~~الطعام والحلويات، وأنا عندي لون ما ذقت مثله أبدا، ولا أبصرته في نومك، إن زرتني ~~أذقتك إياه وعلمتك صنعه، فتأكله وتبيض به وجهك أحيانا، فقلت في نفسي هذا صياد ماهر ~~يضع في صنارته ذبانة ليصطاد دلفينا ... وارتخت نفسي إذ سمعت بأكلة جديدة، ثم حسبت أنه ~~سيحبسني عنده حتى الغداء، وأنه سيعد لي من مطهماته خيولا تجول في كل ميدان، فجئته بعد ~~الميعاد بساعتين، تذكرت الأكلة الجديدة التي لم أحلم بها، وحياتي كلها أحلام من هذا ~~الضرب، فهان علي سماع سفاسفه ثلاث ساعات. # كان جالسا إلى طاولته جلسة فنية، وقد نشر عليها أوراقا تخال سطورها دروب ms63 النمل على ~~الرمل، أو أعشاش البق في زوايا بيت لم تعرف حيطانه المكانس، انقبض صدري وأحسست بما تحس ~~به النفوس قبل الخطر والنكبات، ولكنني تجلدت وقلت: هما ساعتان ويليهما الغداء. فهب أني ~~في حبس الدم، فما يكون مقدار ويل ساعتين ثلاث في سبيل أكلة نتلذذ بها ونضيفها إلى معجم ~~المطبخ. # وكان رد التحية توبيخا لطيفا على تضييعي ساعتين أخسر بهما مشاهدة أسراب من عذارى ~~الخلود، عنفني كأني غريمه، فاعتذرت بما ألفناه من أكاذيب المعاذير، زعمت له أنني التقيت ~~بأديب آخر استوقفني ليسمعني آية فنية جديدة، فتأفف وتمتم: ما أشد غرور الأدباء! ~~ما أسمجهم! يفلقون الناس بترهاتهم. ثم استعجل حرصا على الوقت وفتح دفترا من قطع ~~شحيم كنيستنا، فرمقت ذلك الدفتر بمؤخرة عيني، فأدركت أنه لا يزيد عن كف، فقلت في نفسي: ~~اللطمة بكف هينة، وقانا الله شر الكفين. # شرع يقرأ ويشرح فقلت له: لا تضيعني، اقرأ وعجل والمناقشة بعدئذ. ومضى هو في ~~نثر درره، وسحت أنا في دنيا اللاوعي، فكنت كالأطرش في الزفة. # ودقت الساعة الثانية وصاحبي لم ينته من قراءة تحليل نفسي من قصة فتاة هجرها ~~صاحبها وأحب غيرها، قال صاحبي: إنها كانت تفكر في مصيرها وخيبة آمالها. أما أنا فكنت ~~أفكر بالأكلة العبقرية التي وعدني بها، لم أسمع قعقعة صحون ولا وسوسة ملاعق، ولم أشم ~~غير رائحة أدبه ... فأدركت أني وقعت في الشرك، وتذكرت المثل القائل: إن الشقي ~~وافد البراجم. # وانتهت القراءة، فجاء دور التعليق، فأخذ يدلني على مواضع الحسن، فيئست من حديث ~~كليل ابن الفارض، وأخذت أتحين الفرصة للفرار وهو يسد علي الدروب، ولا ~~يدع لي مجالا، وشاء القدر فسعل وانقطع سيل كلامه الجارف فوقفت، فأخذ يسعل ويؤمئ ~~إلي: أن اقعد. فحييت وانصرفت لا أسمع نداء ولا ألتفت ورائي. # وبعد عامين قرع صاحبنا باب غرفتي، وكان بطني ماشيا في ذلك النهار، فدخل علي الساعة ~~الثامنة وأخذ ينزع من كنانته الحجاجية سهما إثر سهم ويصوبها إلي، زاعما أنها فتح ~~جديد في الأدب العربي، وأنه قرأها على أئمة العواصم ms64 فقرظوها وأثنوا عليها، وأراني ~~خط كل واحد منهم، وفي نيته أن يظفر بشيء مني، فقلت له وقد شقني: الأدب ذوق يا ~~صاحبي، فلو كنت شيخ أدباء العالم، وهكذا ذوقك، فإنك أفتك من طير أبابيل الرامية بحجارة ~~من سجيل، قم عني يا أخي؛ فجسمي مهدود لا يحتمل مسهلين ... كيت وكيت من الأدب ~~والأدباء، متى كان الأدب حقنة؟ ... ليتك تحلل نفسيتي بدلا من تحليل نفسية تلك المستورة ~~بطلة روايتك، ليتك تدرك هذا فتكتب أروع فصل تحليلي. غفر الله لبورجه وستندال ودوستويفسكي، ~~للطاعون مصل واق أما أنت فهيهات أن يقيني منك واق، ولو هاجرت إلى مدينة النحاس والواق ~~واق. ارحمني يا صاحبي، وخف ربك، فعندي أولاد عيال علي. # فاخضوضر واحمومر، كما عبر أصحابنا الرمزيون، ولكنه كان أدهى مني فشن ~~علي هجوما معاكسا، وسألني كأنه لم يسمع ما قلت: ما قولك في الكلمة؟ فأجبته جبرا ~~لخاطره المكسور وإصلاحا لما أفسده الغيظ وارتفاع الضغط من أدبي معه فقلت: الكلمة! الكلمة ~~بنت سفر التكوين العجيبة وهي أعظم أسرار الله، إن صدرت عن نفس خيرة كانت نعمة وبركة، ~~وإن قذفها قلب أسود كانت لهبا أزرق يلتهم الناس كالهشيم. # الكلمة يا صاحبي، أبدعت كل شيء كان، صارت الكلمة فعلا فكان الكون، أما قال الله ~~للكائنات كوني فكانت؟ ... ألم يقل يسوع للرياح اهدئي اسكتي، فهدأت وسكتت، ومشى على الماء؟ ~~الكلمة وشاح الرسالة والنبوة، ودرع القواد وعدة الساسة وضالة الأديب مثلك، بها اقتاد ~~النوابغ البشرية وبها خلدوا، فأسأل الله أن يقول كلمته، ويكتب اسمك في سفر الخلود. # واستأذنت بالخروج لاستنشاق الهواء وإفراغ ما في صدري وبطني، كنت لا أدري في تلك الساعة ~~أهو عندي أم أنا عنده، وعدت فإذا به يخرج حية من عبه وأنشدنيها فور دخولي، فقلت: لا حول ~~ولا ... آخر الدواء الكي. وإذا بصاحبي يستطرد من واحدة إلى أخرى، فعلمت أنه لا يحس إلا ~~بالمساس، فقلت له: وماذا تبتغي مني بعد هذا الاضطهاد والتنكيل؟ # قال: أريد رأيك. # فقلت: لا رأي لمن لا يطاع، أقسم لي بشرفك أنك تطيعني، ms65 إن هذه الرزم التي شنفت ~~بسواها آذان أئمة العواصم، كما يعبر الكذابون، لا تصلح إلا لذلك الموضع وذاك الغرض ... ~~فتش يا عزيزي عن رزقك، فالله يرزق من يشاء - الضمير يعود إلى المسترزق - ولئن قطع غيري ~~لسانك بثنائه عليك فأنا أصدقك الخبر وسبني ما شئت. أنت تعتمد على عبارات معلوكة ~~معروكة، وعلى صور أبدعها الإنسان الأولي، وتراها كما يراها غيرك ملاك البلاغة العربية، ~~أما أنا فأحاربها، وأحفر الخنادق كل يوم لأقبرها فيها أفواجا، ليس لي رأي في المومياءات، ~~بل أتقزز ممن ينبشون قبورها، وأكاد أتقيأ إذا نظرت إليها. # وبعد شهور حمل إلي البريد كتابا ضخما التأم بين دفتيه شمل تلك الوريقات المشئومة، ~~وفي طليعتها مقدمة فضفاضة كفساتين راقصات النور، كتبها أديب موقر فحشاها ألفاظا ورواسم ~~مألوفة جعل بها المؤلف من قادة الفكر وأصحاب الفتح المبين، فأوهمنا أنا ما سرينا في ظهور ~~جدودنا إلا لنرى هذا الأديب الكبير، كما زعم المتنبي لكافور. # فقلت للذين حولي في تلك الساعة: ما أكثر الدجالين! إن زجاجة عرق من عيار ثلاثين أقل ~~إسكارا من لقب الأديب الكبير، ويا ويل الأدب والأدباء من أشباه ابن القارح! # | مهاجرة # 1 # فرنسيس ابن بيت توارث مشيخة الصلح منذ نشأة المتصرفية، أحب «هدلا» فزاحمه عليها ~~الكثيرون من شباب القرية، فغلبهم ولم يثبت له في الميدان غير شبان غرباء من أبناء ~~وجوه البلاد، فوجدوا لهم أنصارا من المقهورين الحانقين، فانشقت الضيعة حزبين، ~~أخذ أبو هدلا حذره فكان يزرب خيول «الساهرين» عند بنته في القبو، ويشك المفتاح في ~~زناره مظهرا نصفه، كأن لسان حاله يقول لأنصار فرنسيس: المفتاح تحت زنادي، فلا ~~تحلموا بجز أذناب الخيل ونواصيها ... يفرغ بيته صباحا ويمتلئ مساء، فللسهرة عند البنات ~~شروط: منها المجيء بعد المغرب، والرواح قبل الفجر، وعدم النوم في الضيعة لأنه جبن وفزع ~~... # إذا جاء فرنسيس ملأ أنصار مزاحميه البيت، وكبسوا عليه حتى الفجر، وإن جاء راغب آخر ~~أقبل رجال فرنسيس بالعصي والنبابيت، وخناجر بعضهم الجزينية مشكوكة في الزنانير ~~من وراء، وفي الناحية المقابلة من الخصر تعلق ms66 أكياس التتن المخملية المطرزة: هدايا ~~الحبيبات إلى الأحباب. # كهرب جمال «هدلا» جو القرية، وصارت حديث الناس في بيوتهم، وفي حقولهم، وعلى ~~العين، وقدام باب الكنيسة صباح الآحاد والأعياد، فهذه واحدة صادرة عن النبع ~~وجرتها على كتفها، تستوقفها جارتها الواردة لتقول لها: أمس كان عندها شب مثل ~~القمر، سبحان الخالق يا امرأة، صورة بورق. # فتضاحكت أم فنيانس وقالت: بس يا أم ضومط، نسيت قول المثل: «زوان بلدك ولا القمح ~~الصليبي.» صحيح أن فرنسيس أسمر ولكن له هيبة السباع ... # فقاطعتها قائلة: قولي أسود ولا تخافي. فلم تعر مقاطعتها اهتماما وقالت: نعم، هو ~~ضخم الجثة، ولكنه أنعم من الحرير. فصرخت بها أم ضومط: بس، بس، عين الحب عمياء. ~~فتحركت أم فنيانس مظهرة الغضب، فتمسكت أم ضومط بفستانها وقالت لها: ما سمعت قول ~~المثل: «الذي لا يتغرب لا ينال غنائم.» فرنسيس ابن أكبر بيت ولكنه مكثور ~~عليهم. # فضحكت أم فنيانس قائلة: ومن يدريك، ربما كان الذي حكيت عنه مثل قول المثل: «الذي ~~في الصندوق على القفا ملزوق.» ... لا تهوروا البنت، حرام عليكم يا بشر. ما لكم ~~دين! # فاحتدت أم ضومط وقالت: شب في السوق ولا مال في الصندوق. # وامتد الحديث وطال، والجرة ترشح، فغار الماء، ومشى إلى حيث لا تحتمل أم فنيانس ~~فوحوحت وقالت: الطبخة استوت، الميعاد بعد يومين، خميس السكارى. وما مشت خطوات حتى صاحت ~~بأم ضومط: قولي الله يستر. فأجابتها أم ضومط: السالم لأهله. ~~••• # وأخيرا أخذ فرنسيس «هدلا» بعد معركة حمراء أصبحوا يؤرخون بها في الضبعة فيقولون: ~~«خلق فلان سنة شر هدلا ... وجاء سيدنا المطران إلى الضيعة بعد شر هدلا بسنة» مثلا، ~~أما العريس الأحمر، فتنعم بزواجه وأمسى يزيد عدد أبناء آدم واحدا كل عام، ومات أبوه ~~فاستدان ألف ذهب، وصار شيخا، فاجتمع له أمران عظيمان في القرية: زوجة «عيوقة»، ~~والمشيخة. # وخرق في بيته يسهر على كنزه الذي لا يفنى، كان يخبر في النهار مرات كيف كعم ~~الضيعة وأخذ هدلا، فصار يقص عليهم أيضا كيف دعس الرقاب وصار شيخا، وظل ينفق المال ms67 ~~ولا يبالي حتى ركبه الدين، وبانت القلة في البيت فعبس في وجه أهله وزواره، ~~وكان فرنسيس يتشبث بأطواق عابري السبيل ليعشيهم ويغديهم، فسموه مخزق الثياب، فصار ~~يحسب ألف حساب لرغيف يكسره في وجه ضيف ما منه مهرب، وعلا عياطه في البيت، فردد خصومه ~~قول المثل: «القلة تورث النقار.» # ورأت هدلا برودة من زوجها فتساءلت إن كان هنالك حب جديد، فكان الجواب: لا. فرجلها ~~لا يتردد على بيت أحد، من البيت إلى الكنيسة، ومن الكنيسة إلى البيت، حقوق المشيخة ~~محفوظة ... والتفتت حواليها فما رأت غير نسوان آدميات، وسمعت ما قال الرب يسوع يوم الأحد: ~~«الويل للعالم من الشكوك، والويل لمن تأتي على يده.» فصلت بحرارة طول القداس، ~~ورددت بصوت عال سمعته حماتها: يا ربي، لا تجربني. فقلبت شفتها وهزت كتفيها. # وسرى ميكروب القلة إلى الأولاد، فهدءوا وصمتوا، وصارت هدلا تكاد تشمئز حين ~~تنادى: يا شيخة! # ودخل البيت يوما دائن ملحاح، فتجهم وجه فرنسيس؛ كان يغضب لأقل حركة يأتيها بنوه، ~~حتى صفع أصغرهم على هفوة فانطبعت أصابعه الخمس في خده الطري، فاحتجت هدلا على فظاظة ابن ~~عمها بدمعتين قفزتا من وكرهما الفتان وكرجتا على صحن المرمر، أما فرنسيس فما درى بما ~~فعل لأن وجه غريمه سد عليه الأفق، كعراض السماء في الليلة السوداء. # أمسك فرنسيس قلبه بيده، يخاف أن يشق غريمه حديث الدين أمام زوجته والأولاد، فكان ~~يسد الأبواب بلباقة، ولكن الدائن جبار عنيد أن بان له خور في مديونه، وكان واثقا من ~~مناعة الموقف، وحوم الزائر الكريم في آفاق المطالبة، وقبل أن يقع نهض فرنسيس وقال له ~~بنفور: «تفضل إلى الأوضة، هناك نحكي بحرية أكثر.» فأجابه هذا بفتور: هذا سر عن الشيخة ~~والمحروسين؟ # فأهوت يد فرنسيس إلى زند غريمه، فأحس هذا كأن كماشة أطبقت على ذراعه، واقشعر ~~فرنسيس وقال: هذا أمر لا يعني غيري. وأشار برأسه صوب الغرفة قائلا: قم، ~~تفضل. # فنهض الدائن متثاقلا، وانشق شدقه عن ربع ابتسامة نفذت إلى صدر فرنسيس كرصاصة ~~مسدسه المشهور في البلاد ... وكان بين الرجلين ms68 حديث طويل التقطت منه هدلا بضع عبارات ~~أدركت منها أن القصة قصة دين استدانه زوجها بعد معركة الزواج، واستنتجت أيضا أن أكثر ~~زوارهم الذين كان يذبح لهم فرنسيس مواشيه هم دائنوه، وأن فتور الحب ناتج عن ضيق ~~اليد، وأمعنت في الملاوصة فسمعت كلمة أميركا تتردد، ولكنها لم تفهم ما يعنيان ~~فتركتهما وذهبت تعد الغداء؛ لم يبق في البيت معزى، ولا غنم، ولا ديوك، ولا أرانب، ~~فذبحت الدجاجة البياضة العزيزة ... يقول المثل: «أطعم الفم تستح العين.» فما يسد بوز ~~الدائن - مؤقتا - غير هذا. # وكان الحديث على المائدة طريا ناعما، وكانت الوجوه طلقة، وكان الدائن ينظر هدلا ~~كمن عنده سر يتردد في إذاعته، رأى أدلة النجاح الباهر في المهجر متجمعة في ذلك ~~الوجه الحلو، فحلم بالاستيفاء نقدا وعدا، ليرات إنكليزية تكرج على حروفها ... وكان ~~زوجها جالسا قبالته يبتسم ابتسامة أخرق حتى إذا عاودته الفكرة قطب وعبس، ثم يذكر أنه ~~في موقف لا يجوز فيه التعبيس، فينطلق وجهه كجواد يقف لحظة ثم يجري، فقالت هدلا لزوجها: ~~في وجهكم حكي. فمغمغ الدائن كلامه وقال: لا، الأمر بسيط. # فأجابت هدلا: بلى، قولوا ما عندكم بسيطا كان أو مركبا. فأجاب الدائن كالمتلعثم: ~~«أنت ... عارفة أنت ... زوجك ...» وسكت، فاتسعت حدقتا هدلا منتظرة الحكم فقال الرجل: ~~مغلوب. ومغطها، فأطرقت هدلا، فقال: أبديت له رأيا لا أعرف إذا كنت توافقيننا ~~عليه. # انتفضت هدلا انتفاضة مستغرب، وكيف لا تستغرب كلمة «مغلوب» فهي معتقدة أنها تزوجت ~~ابن روكفلر، وازدحمت في رأسها خواطر أعجز عن تحليلها، ودق قلبها دقات أخافتها، ~~فالتفتت إلى الرجل تسأله بسكوتها الإفصاح عما يريد، فقال لها: لا يخلصكم غير ~~أميركا. # فأطرقت المرأة وقالت بصوت ضعيف: أميركا! إذن صرنا مثل غيرنا. # فقال الدائن: نعم أميركا، فلان كان مثلكم وخلصته أميركا، وفلان عمر القصور من مال ~~أميركا، وفلان اشترى الضياع، وفلان لولا مال أميركا ما صار مدير ناحية وتغدى عنده ~~الباشا ... # فقاطعته المرأة قائلة: وفلانة راح زوجها إلى أميركا وانقطع خبره، وفلان باع بيته ~~المرهون لأن زوجته ما ردت له ms69 «الناولون»، وأمس جاء خبر فلان وفلان من أميركا. # وطال الحديث بين هدلا والرجل، وزوجها مطرق كأنه أخرس أطرش، فهزته كالمداعبة: ما ~~قولتك أنت؟ فتنهد وقال: حيران والله، الفرقة صعبة، لا الصبر هين ولا كيد العدا ~~هين. # فصاحت هدلا: قو قلبك، نشحذ ونعيش، رجلي ~~ورجلك، أنتم الرجال لا يركن لكم ... # فضحك فرنسيس وقال: روحي أنت. فاصفر وجه هدلا كالزعفران. # وبعد أسابيع كتب صك الرهن وقبض فرنسيس مبلغا كبيرا جهز «الشيخة» الراحلة، وبقي له ~~قسم ينفق منه إلى أن يفرجها المولى، ويرد المال من خلف البحر. # الباخرة تتهيأ وقد لمت مراسيها، وهدلا تقبض بيسراها على درابزين الباخرة، وتلوح ~~بيمناها تلويحات تزداد شدة وعنفا كلما ازدادت السفينة صفيرا، وزوجها وأولادها على ~~المرفأ يلوحون بالمناديل مثلها، وتحركت الباخرة فصرخت هدلا وهوت، فتلقاها ابن الجيران ~~المسافر أيضا، فارتمت فوق صدره وهوى رأسها على كتفه مستندا إلى خده، وثنى الشاب يديه ~~على خصرها فكانتا له كنطاق. # شاهد ذلك الشيخ فرنسيس، فكادت الغيرة تأكل قلبه، انتظر ختام المشهد العنيف فإذا ~~به يمتد ويتطور ويلح في استفزازه ... تمنى لو تحول السفينة عنه وجهها فيستريح، ولكن ~~السفينة ليست من أبناء ضيعته لتغضي من مهابته، فهي تجري على عينيه وتريه بوضوح كل ~~الحركات الهستيرية المثيرة للشعور. # ولما طال تقلص هدلا وتمددها بين ذراعي ذلك العتل، زفر الشيخ فرنسيس ~~زفرة تحرق العشب وقال: اقبض يا فرنسيس، هذي أول دفعة من مال أمريكا ... # 2 # الفراق مر وأمر منه شماتة الأعداء، رأى فرنسيس الشماتة على جميع وجوه القرية ~~حتى كاد يراها ممزوجة بشيء من الازدراء في عيون أخلص أصحابه، فأمسى يحسب كل ~~ابتسامة هزءا به، رأى في بنيه - وخصوصا بنته - ذلا وانكسارا، فتعاظم اضطرابه، ~~فطفق يفوه في مجلسه بكلمات متقطعة تفلت من محابسها عفوا، وشاء أخلص خلصائه أن ~~يهون عليه فراق زوجته، وحاول فرنسيس أن يتجمل فخانته دموعه. # وتحلحل الناس عن مقاعدهم إيذانا بالانصراف، فما استمهلهم ولا استبقاهم، ولما خلا ~~ببيته شرع يطوف فيه كالمجنون، ينادي بنته فيهتف باسم أمها، ويدرك خطأه فيعبر ms70 عن ~~غيظه بصريف أسنانه، كانت مصيبته أشد لو لم تكن بنته تستطيع قضاء حاجات البيت ~~البسيطة. # وهال فرنسيس موقفه الصعب، فنام على غيظ عازما على أن يبرق إلى هدلا لترجع، وفي ~~الصباح رأى جارته سلطانة منهمكة في تهيئة القهوة والفطور بعدما نظمت ما تشوش من أثاث ~~البيت، فأعجبته منها هذه المروءة فشجعها بالشكر الجزيل، فنظرت إليه بعينين فاترتين ~~مهدتا الطريق لهدلا، فمزق فرنسيس البرقية ... # أما هدلا فكانت مضطربة ساهمة، روعها البحر وآلمها فراق زوجها وأولادها، فما جفت ~~دموعها، لم يرق لها شيء مما حولها من شخوص وأشياء، هل يا ترى نرجع إلى الأوطان، ~~ونرى سنديانة الكنيسة وندبك حولها ليلة العيد؟ قالت هذا عفوا وبصوت مسموع، فوضع الجار ~~المتهيئ للملمات ذراعه الجبارة على كتفيها وكادت تطوق عنقها، فأحست برعشة غير ~~مألوفة وأبدت حركة تملص، ولكنها لم تتملص بل أجهشت إليه، وظل الجار يحاسنها ~~ويطايبها حتى لانت وأفرخ روعها. # كانت هدلا تحسب بيروت سيدة مدن العالم، فإذا بها تتضاءل في نظرها أمام مدينة مرسيليا، ~~ولفتت نظرها طيور غريبة متجهة صوب الشط، فقالت بسذاجة: ترى هذه الطيور مهاجرة ~~مثلنا، وهل الصغيرة منها أولاد لها؟ وكادت تبكي فامتدت ذراع الجار ولكنها ارتدت ~~هذه المرة، وبعد أيام قضتها هدلا في مرسيليا انفكت بضع عقد من جبينها المقطب، ~~فأصبح منظرها طريا لينا مألوفا، فحامت حولها العيون، أرسلت كتابا حاد العواطف، ~~ولكن خط الجار العكش وبيانه المبتذل قلل من روعتها، ولولا بيت «عتابا» أرادت هدلا ~~أن يختم به الكتاب، لكانت الرسالة جوفاء. # ما أخذ فرنسيس المكتوب حتى صرخ: «هذا خطه!» دبت الغيرة إلى قلبه فاحمر وجهه ~~وازرق، وأخذ يتخيل الغرفة التي اختلت بها زوجته بالجار حتى كتبا هذا الكتاب، كان ~~يقف عند كل عبارة ويقول: كيف تناظرا عندما كتبا إلي هذه الجملة؟ وظل يردد مثل ~~هذه العبارات حتى نهاية الكتاب، وأخيرا ألقاه على الطارحة إلى جانبه وقال: «من يسكر ~~لا يعد الأقداح.» ثم صرخ بجارته: «هاتي قهوة مرة، مرة حاذقة يا سلطانة.» وبينا هو ~~يحسو القهوة كالمفكر ms71 ويدخن النارجيلة مع المصطبحين عنده، سمع هتاف صبيان فأصغى، وتعالى ~~الهتاف: «يا يسوع شد طلوع، شيخ الضيعة مات الجوع.» # فزفر زفرة وأظهر أنه لا يسمع شيئا، وأخذ يرفع صوته ليخفي الأغنية عنهم، وأخيرا سكت ~~الصبيان فهدأت أعصاب الشيخ بعد قليل، وتنفس كمصاب بضيق الصدر وقد زالت عنه ~~الأزمة. # يقول المثل اللبناني: «من تزوج بالدين باع أولاده بالفائدة.» الفائدة ترهب الفلاح ~~والرهن أعظم نكبة تحل به، فصاحبنا فرنسيس ينظر إلى جارته نظرة حامية، ولكن تذكر البيت ~~المرهون يبردها، يخاف أن يكتب أولاد الحلال إلى زوجته، كما هي العادة في القرى، فتبرد ~~حرارته، ولا يتمنى على الله إلا توفيق هدلا إلى مبلغ يفك الرهن، فالبيت كما يقول ~~الفلاح اللبناني: «أول المقتنى وآخر المبيع.» كان على فرنسيس أن يرهن كل ما يملك ما ~~عدا البيت، ولكن ما بات فات، وعلى هدلا المعول. # إنها في ميناء نويرك، شدهت لرؤية التمثال العظيم وراعتها ناطحات السحاب، وظلت تضرب في ~~الولايات المتحدة حتى استقرت في مدينة سنسناتي، وبعد لبث أشهر فيها ذهبت عنها ~~سيماء القرية، جمال عربي، شعر كالفحم، وعين سوداء مكحلة تذبح ذبحا، وابتسامة فيها ~~كل ما خلق ربنا من جاذبية، تهبط آيات جمالها على القاسية قلوبهم فتلين وتنفتح لها ~~أبواب الخزائن. # عشقها لأول نظرة فتى من أغنى أغنياء بلاد الدولار، فنصب شراكه في دربها فوقعت الحمامة ~~في الشبكة وتركت «الجار» في بلواه ... كانت الشبكة مرصعة بالذهب والألماس، فرفلت ~~بالحرير والديباج، وسكنت بيتا مفعما بالرياش الثمينة والرسوم الفنية المغرية المثيرة، ~~صار ذلك العش الأدونيسي هيكل عشتروت لبنان، يتركه الشاب صباحا ليأوي إليه مساء، حيث ~~يتهجد ويسجد لدميته، فانتقلت هدلا من دار زعامة الضيعة إلى دار زعامة شامخة تشد بنيانها ~~ملايين الدولارات، وفكرت ليلة بزوجها وبنيها، فبكرت إلى البنك فكانت حوالتها عشرين ~~ألف ريال: عشرة آلاف لفك الرهن، وخمسة آلاف دوطة لبنتها، وخمسة آلاف لمصروف الشيخ ~~فرنسيس وتعليم الأولاد. # وقبض فرانسيس المبلغ وهو لا يشك أبدا بطهارة ذيل بنت عمه، وكان دائما يقول للناس: ~~ما نظرت عيني ms72 امرأة أحرص من بنت عمي هدلا. والتف الناس حوله بعدما جفوه، وعاد ~~الشيخ شيخا، ولم يسمع في القرية بعد ذلك: يا يسوع شد طلوع ... # وطال الأمد فأنفق الشيخ المال - حتى ما اختصت به بنته - على التي حلت محل زوجته بعد ~~هجرتها، وانتظر الحوالة الثانية فإذا بحرب سنة 1914 تعلن، وانسدت أبواب البحر على ~~لبنان، واشتد الضيق ثم كانت المجاعة التي ذهبت بثلث السكان، فبيع باب البيت برغيف خبز ~~شعير، ودونم الأرض بأقة طحين، وأكل الناس الفئران والجراذين والحمير الميتة، وكنت ~~ترى البائسين على طرق العربات صفوفا كالتي تخيلها الفرزدق حول سماط جنوده، صفوفا ~~حول روث الخيل ينقون منه الحب الذي لم يهضم، أما الشيخ فرنسيس فانصرف إلى عقاراته ~~الواسعة يستغلها ويفي من ريعها ما بقي من ديون، كل ليرة ذهبية بليرة ورقا أو ~~أقل. # وانفتح باب جديد، فتسرب مال المهجر عن طريق المطبعة الأميركية، فأصبح اسم المستر ~~دانا والمعلم أسعد خير الله على كل لسان، ثم انفتح باب آخر عن يد القومندان ترابو، كان ~~يرسل الذهبات عينا فيستبدلها عماله بالورق هربا ... من المسئولية، فمات أصحاب المال ~~جوعا، واغتنى السماسرة إلى ولد الولد. # وأخيرا ورد إلى فرنسيس مبلغ ألف ريال عن يد المطبعة الأميركية، فما فرح به كثيرا، ~~أغنته غلة عقاراته عن هدلا وحوالاتها، فكان يقول: نشكر الله كل ساعة، زيادة الخير خير، ~~وانقطع الحبل بين الزوجين، كل يعمل في حقله ... ثم سكنت الحرب، فورد كتاب من أحد أبناء ~~القرية في المهجر يروي خبر اقتران هدلا رسميا برجل أميركي، فألحت سلطانة بدورها ~~على الشيخ فرنسيس أن يتزوجها أيضا رسميا، أفهمها أن ذلك مستحيل، وأن وضح زواج هدلا ~~كعين الشمس، فجفته، ولم يطق صبرا، فنزل أخيرا على إرادتها، وكانت المؤامرة التي ورد ~~على أثرها كتاب إلى فرنسيس من المهجر ينبئه بموت زوجته ويعزيه أحر التعزية، فتسلح ~~فرنسيس بالرسالة وأقام جنازا حافلا جدا، وبعد أشهر التمس إجازة زواج من أسقفه، فتم ~~إكليله باحتفال لم يقل أبهة عن العرس الأول مع أنه أرمل. أما ms73 بنوه فبكوا أمهم ثم ~~نسوها، ولكنهم لم ينسوا بؤسهم ، البنت عنست لأن سمعة أمها ساءت، ولأن أباها أكل ~~دوطتها، فأمست كالخادمة لخالتها سلطانة، وأما إخوتها فهجروا الضيعة بعد اعتداء البكر ~~على أبيه، ورزق فرنسيس غلاما من سلطانة أحبه جدا. # وبعد سنتين شاع - على أثر وصول البريد - خبر مآله: أن هدلا ستعود من «البلاد» في ~~أول أيلول، فاضطرب فرنسيس وارتاعت سلطانة؛ استشارت معلم ذمتها فوجم أيضا ولكنه ~~صدقها الفتوى، فقالت: بأي حق؟ فأجابها الخوري: هذا هو اللاهوت يا بنتي، ما في اليد ~~حيلة، السماء والأرض تزولان وحرف من الناموس لا يزول، الزوجة الأولى أحق ~~برجلها. # فقالت المرأة: والأولاد؟ فتنهد الكاهن وقال: على الله يا بنتي. فنبشت المرأة شعرها ~~وتفجعت ما شاءت، ولكن اللاهوت ظل لاهوتا، ورجعت إلى بيتها كالمجنونة. # ورفعت هدلا الدعوى على زوجها، فاستغرب ذلك راعي الأبرشية وقال لها: يا بنتي، أنت ~~مت، لا تموتوا وترجعوا إلي. # وأثبتت أنها لم تمت، فسمع الديوان دعواها وحكم ببطلان زواج فرنسيس الثاني، وقضى بعودة ~~زوجته الأولى إليه، ولكن القدر فكاك المشاكل، فقضت المسكينة نحبها تحت سقف بيت آخر ~~غير بيتها، فأسرع فرنسيس إلى حيث ماتت واعترف أنه خاضع لأحكام الديوان الأسقفي، بعدما ~~تمرد ورشق بالحرم الكبير. # قعد للعزاء بلا حياء، فعظم الناس أجره وشكر هو سعيهم، ولما دنت ساعة الميراث عثروا ~~على حوالة قيمتها عشرة آلاف ليرة إنكليزية أبرق لها وجه فرنسيس، إلا أنه ما عتم أن ~~اسود عندما قرءوا على قفاها: «وعنا دفع المبلغ إلى ولدينا جميل وأنيس وبنتنا ~~ليلى، والقيمة وصلتنا نقدا.» # | نفخ نفخ # منذ ألف وتسعمائة وأربع وأربعين سنة وقعت حوادث قصة الليلة، أما مكانها فبيت لحم ~~وضواحيها، وكان رعيان يحرسون مواشيهم، ويتحدثون عن شئون وطنهم المقهور، مسهم القر ~~فخصرت أيديهم وأرجلهم، فأوقدوا نارا قدام خيمتهم المنصوبة بين بيت جالا وبيت لحم، ~~ثم عادوا إلى حديث ملكهم المندثر لما استدفئوا، فعللوا النفس «بانتصار الأسد من سبط ~~يهوذا». # العهد عهد هيرودوس، فتذكروا سخرة فرعون ورق سبي بابل، فطفقوا يتمطقون بما في ms74 ~~النبوءات من آمال وأماني معسولة عن عودة ملك إسرائيل ، فقال أحدهم واسمه ناتان ~~مترنما: «وأنت يا بيت لحم، أرض يهوذا، لست الصغيرة في الأمم؛ لأن منك يخرج ~~مدبر يرعى شعبي إسرائيل.» # فقال منسى ضاحكا: أنبياء بسطاء يرجمون في الغيب، ويرشقون في الهواء حجارة طائشة ~~تحار فيها الذرية. # أح، أح، دب للنار بالحطب يا يمين، الليلة باردة جدا، مكتوب علينا الرق ~~لأننا عصينا يهوه، ويهوه رب ثارات، وثارات لا يغفر ولا يرحم. # قال هذا وأخذ يوحوح ويقضقض، ثم أخفى رأسه في لبادة كما تختفي البزاقة في حلزونها، ~~فاستدفأ وأخذ ينعس ويهوم، فصاح به ناتان: أوع يا منسى، يا تعس شعب يغفي رجاله حين ~~يتحدثون عن حريتهم، وعن مصيرهم. # أما يمين فاستضحك وانطوى ينفخ النار من صدر كأنه الكور، والنار تدخن ولا تشتعل، ~~فاصفرت لحيته المبيضة وكساها الرماد طبقة رقيقة، فأضحك منظره رفيقيه. # وبينا هم في حال كالتي يكون فيها المرء بين الغافي والواعي، إذا برجل طلع عليهم بغتة ~~فانشقت أعينهم، ثم انفتحت عليه متفرسة، فإذا بنور عجيب ملأ الوادي وفاض على رءوس القلل، ~~وارتخى الفك الأسفل فانشق الفم نصف شقة، وأصبحت وجوه الرعيان كالزعفران، فقال لهم ~~ملاك الرب: لا تخافوا، ها أنا أبشركم بفرح عظيم يكون لجميع الشعب، ولد لكم اليوم ~~في مدينة داود مخلص هو المسيح الرب، وهذه لكم العلامة: تجدون طفلا مقمطا مضطجعا ~~في مذود. # كان الرعيان الثلاثة يسمعون مشدوهين، لا يفهمون ما يقال لهم لأن عقلهم كان ~~موزعا، كانوا يفكرون بالنور الذي لم يبصروا مثله من قبل، وبالرجل المنتصب أمامهم، ~~وما اطمأنوا إلى المشهد العجيب حتى تلاه أعجب، دهمتهم طغمات منظورة وغير منظورة من ~~الجند السماوي، ظهروا مع الملاك وأنشدوا جميعا النشيد الوطني الدولي: # المجد لله في العلا، وعلى الأرض السلام، وبالناس المسرة. # وأسدل الستار وانتهى الترتيل والتهليل، ورجع سفراء السماء ورسلها أدراجهم، ~~وظل الرعاة مبهوتين مما رأوا وسمعوا، وبعد دقائق معدودات انحلت عقدة لسان ناتان ~~فقال لرفاقه: يا هو، بيت لحم على رمية حجر منا، فهيوا بنا ms75 إليها لننظر ما خبرنا ~~به هؤلاء. # فضحك منسى ولكنه مشى، وسار يمين وراءهما متهدجا، وما كان أشد تعجب منسى حين أبصر ~~ثوره وحماره قد سبقاه إلى الخان المعلوم، فالتفت ناتان إلى منسى التفاتة كاد يأكله بها ~~وكأنه يقول له: تأمل يا قليل الإيمان، حمارك سبقك، لقد صحت بنا كلمة أشعيا القائل: ~~«عرف الثور قانيه والحمار معلف صاحبه، لكن إسرائيل لم يعرف، وشعبي لم يفهم ...» # وقص ناتان حكاية ما رأوا وسمعوا على يوسف النجار، وكان يعرفه من الناصرة وقد عمل له ~~نيرا ممتازا، فتعجب كل الذين سمعوا مما قاله الرعاة، أما أم يسوع فكانت ~~صامتة تسمع الكلام متفكرة في قلبها، وكان نظر منسى لا يتحول عن ثوره وحماره، وقد ~~لحظ أنهما يأتيان عملا كأنهما مندوبان له أو موحى به إليهما. # الثور عن يمين، والحمار عن شمال، وفمواهما في المعلف ينفخان دائما ليدفئا الصبي ~~المقرور، كان على وجه الحيوانين سيماء تفكير عميق، فقال الحمار للثور: ما تقول يا سيد، ~~أصحيح أن عهد هذا الطفل على الأرض عهد سلام ورجاء ومحبة كما سمعنا من الطيور البشرية ~~الخضراء؟ من عادة الطيور أن تنبئنا بأشياء أشياء، ولكن هذه الطيور غريبة، ما رأينا ~~مثلها ولا اختبرناها بعد، فما قولتك؟ في الناس المسرة، هذا أمر مفهوم، ولكن أنا وأنت لا ~~يهمنا أمر الناس، يهمنا أمرنا قبل أمر الآخرين ... يهمنا أن يكون على الأرض سلام صحيح، ~~فأستريح أنا من الأحمال الثقيلة، ولذع المسلات في كتفي ورقبتي، ومن ضرب العصي على ~~كفلي، وتستريح أنت من أثقال النير الذي يحز رقبتك، ومن لذعات المساس الذي ~~صير جلدك كالغربال. # وكان الثور دائبا على التنفيخ والحمار يتدفق في خطابه الاجتماعي ... يتساءل عن خيرات ~~العهد الجديد المرجوة، عهد المولود الذي بشرت به جنود السماء والملائكة ... وتعب ~~الحمار من خطابه الطويل كأذنيه، فقال للثور: لماذا لا تقول كلمة؟ فصاح به الثور: نفخ ~~نفخ، الصبي بردان، أنت لا يهمك إلا بطنك وجلدك، سيعود مجد إسرائيل، أما سمعت بأذنيك ~~الصغيرتين: وبالناس المسرة؟ # فأقبل الحمار ينفخ بحماسة، ms76 فملأ التبن منخريه، فعطس عطسة مشئومة، وعوع منها ~~الصبي . # فأخذ الثور ينفخ تنفيخا ناعما، فغفا الطفل الإلهي، ولم يطق الحمار سكوتا فقال للثور: ~~أنت، يا أخي في العبودية، أخذت حصتك في زمن مضى ... عبدوك وقدسوك وطلبوا شفاعتك ~~فنالوا بإيمانهم خيرا جزيلا على يدك، ولكن أنا المسكين للشط واللط في كل عهد ... فضحك ~~الثور وقال للحمار: وكيف كان عهدي عليك؟ # فقال الحمار: أقول لك الصحيح؟ # فأجاب الثور: نعم. ~~- وبكل حرية؟ ~~- نعم. ~~- أمني، احلف أنك لا تنطحني. ~~- حلفت. # فقال الحمار: كان عهدك أشنع العهود وأبشعها، ضرب وقتل وقلة أكل. # فسدد الثور نحوه قرنه اليمين، ثم ذكر الوعد فارعوى وقال: نفخ نفخ، الصبي ~~بردان. # فقال الحمار: وأنا بطني فرغان ... ثم يا صديقي الحميم، ما عرفت أن تنفيخك لهذا الملك ~~الصغير تنازل عن حقوقك الشرعية الإلهية؟ # انتبه، حافظ على خط الرجعة ... لا تكن مندفعا، فقد يكون عهده أسوأ العهود علي ~~وعليك. # فسدد العجل قرنه وتهيأ للنطاح، فتراجع الحمار قليلا، ولما رأى الثور قد عدل رجع ~~ينفخ. # وظل في نفسه شيء يدفعه إلى الكلام، فعاد يقول: أتظن أن شيئا يتغير في البشر ~~ونرتاح من عبوديتهم؟ أخاف أن ننتقل من سيئ إلى أسوأ، أنت ذقت طعم السيادة طويلا، ولكن ~~أنا المسكين، أنا في كل عهد عبد العصا والمسلة ... جعلني شعراء الناس الذين عبدوك مثلا ~~للذلة والهوان ... # فصاح به العجل: اسكت يا بهلول، اشكر ربك، أنت تموت حتف أنفك على الأقل، لا لحمك ~~يؤكل ولا جلدك يسكف، أما أنا فأنتظر الساطور كل ساعة، ولا أدري متى تأتي ساعتي، لا تحلم ~~بالأماني الكبار، بعدك عنها أوفق. # والتهى الفيلسوفان بالحوار والجدل، فرجف الصبي في المهد، فعج العجل قائلا: نفخ ~~نفخ، الصبي بردان، فلندفئه لعله يغير ما بنا، قد كرهنا قيصر المسوس الهرم، ~~ولكن الناس ناس في كل الدهور، أنا للحراثة والأكل، وأنت للركوب والنقل، نفخ نفخ، ~~الصبي بردان. ms77