######OpenITI# #META# MULTIVOLUME: IDs 685, 686 #META# المؤلف: الشيخ محمّد حسين المظفّر #META# الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي #META# المطبعة: مؤسسة النشر الإسلامي #META# الطبعة: ٤ #META# الموضوع : #META# تاريخ النشر : ١٤٠٩ هـ.ق #META# الصفحات: ٢٦٨ #META#Header#End# PageV01P003 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # @QUR@043 الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين إياك نعبد ~~وإياك نستعين اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب ~~عليهم ولا الضالين وإن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا ~~صلوا عليه وسلموا تسليما وسلام على إل ياسين. PageV01P004 ### | الإهداء # سيدي أبا عبد الله : # أرفع بكلتا يدي هذه الصحائف الوجيزة ، لأهديها إلى رفيع قدسك موقنا أني ~~لست ممن يقوى على الرقي لأمثال هذه المعارج العالية ، أو تنفق بضاعته في ~~مثل هذه السوق الغالية ، غير أني مستمسك بعروة هذه العترة الطاهرة ، ومتعلق ~~بأغصان هذه الشجرة المباركة ، وأرغب جهدي في أن أحسب في عداد من أدركه الحظ ~~بإسداء الخدمة إليهم. وهذا الذي بين يدي ما انتهى إليه عرفاني ، ووصل إليه ~~علمي ، من الجمع والتأليف والتعليق وقيمة كل امرئ ما يحسنه ، فإن كانت فيه ~~حسنة فهي منك وإليك ، وإن كانت فيه كبوة فتلك من قلمي الجموح ، ومن أولى ~~منك بالإقالة من العثرات ، وقلما يسلم منها أحد مثلي ، وما أملي إلا أن تمن ~~بابتياع هذه البضاعة المزجاة من وليك ، وثمنها القبول ، وما أغلاه من ثمن. ||رقك محمد الحسين المظفر| PageV01P005 ### | الطليعة # لما كان الوقوف على حياة هذا الامام يتطلب درسا لشؤون الدولتين الاموية ~~والعباسية اللتين عاصرهما أبو عبد الله عليه السلام ، وموقف هاتين السلطتين ~~من أهل البيت ، ومعرفة من هم أهل البيت ، ومعرفة ما كان في عهده من المذاهب ~~والنحل ، وما رأته الناس في الإمامة ، حق أن نذكر هذه الشؤون في الطليعة ، ~~فإن بها تعرف ما كان من حياته السياسية والعلمية والاجتماعية ، والسبب الذي ~~من أجله بث العلوم والمعارف ، وندب إلى الأخلاق والمحاسن وحث على التكتم في ~~نشر هذه الفضائل وكتمان نسبتها إلى أهل البيت ، كما منع أولياءهم عن إظهار ~~الولاء لهم والاعلان في التردد عليهم ، وهو ما نسميه ب « التقية ». # فهذه الطليعة يكون القارئ على بصيرة من حياة هذا الامام قبل أن يستعرض ~~تفاصيلها. # * * * PageV01P006 ### | أهل البيت ### ||| من هم أهل البيت؟ # يأتينا الكتاب الكريم ناطقا مبينا بقوله ms001 جل شأنه « إنما يريد الله ليذهب ~~عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا » (1) إنها لفضيلة لهم لا يدانيهم ~~فيها أحد من الناس كافة. # ولا كرامة أنفس من إذهاب الرجس عنهم وتطهيرهم من العيوب كافة ، ذلك ~~التطهير الذي يريده اللطيف تعالى لهم بعنايته ، وهو غير مقيد برجس خاص ولا ~~من شيء معين ، فيدل على عموم التطهير من كل عيب وذنب. # ويستفاد من هذه الآية الجليلة عصمة أهل البيت النبوي ، لأن كل ذنب رجس ، ~~وارتكاب الذنوب لا يجتمع مع إذهابها عنهم وطهارتهم منها ، فهم إذن بحكم هذه ~~الآية مطهرون من الأرجاس والذنوب ، وهل العصمة شيء وراء هذا؟ # نعم وإنما الشأن كله في المعني بهذه الفضيلة التي امتازوا بها على جميع ~~الامة. أهم الذين كانوا في البيت حين نزلت هذه الآية الكريمة؟ أم كل من يمت ~~إلى الرسول الأطهر بسبب أو نسب؟ فإن قيل بالثاني فالواقع شاهد على خلافه ، ~~لأنا نجد في نسائه من خالفته وتظاهرت عليه ، ولا رجس أعظم من ذلك. فلا بد ~~من أن يكون نساؤه غير معنيات بها ، واستثناء بعض النساء دون PageV01P007 # بعض تحكم. # هذا فيمن يمت إليه بالسبب ، ونجد البعض ممن يمت إليه بالنسب يداني ~~الموبقة ، ويقارب الجريمة ، ولا يصح أن يريد القدير سبحانه شيئا بالإرادة ~~التكوينية (1) ثم لا يقع ، فلما كان مستحيلا أن يريد تكوين شيء فلا يكون ~~عرفا أن النساء وعامة الهاشميين غير مقصودين من الآية ، لإتيانهن وإتيانهم ~~ما ينافي التطهير ، على أنه لم يقل أحد بعصمة نسائه والهاشميين عامة. # ولو كان المقصود بها الإرادة التشريعية فلا وجه لارادة التطهير من أهل ~~البيت خاصة ، لأنه تعالى يريده من الناس كافة ، فاختصاصه بهم على وجه ~~الميزة والفضيلة يدلنا على تكوينه فيهم ، ثم ان الإرادة التشريعية إنما ~~تتعلق بفعل الغير ، ومتعلقها في الآية فعل الله تعالى نفسه ، ولو كانت ~~الإرادة تشريعية لقال : لتذهبوا وتطهروا أنفسكم. # فلا شك في أن المعني من الآية هو المعنى الأول ، أعني أن المقصود منها ~~أناس مخصوصون ، وهم الذين كانوا في بيت سيد الرسل صلى الله ms002 عليه وآله وسلم وقد ~~جللهم بكسائه والتحف معهم به ، فنزلت هذه الآية عليهم وفيهم ، وهم علي ~~وفاطمة وابناهما عليهم السلام ، وعلى ذلك صحاح الأحاديث من طرق الفريقين (2). # ولو لم يكن هناك نقل يدل بصراحته على اختصاص هذه الصفوة الكريمة # وحاول الآلوسي في تفسيره روح المعاني بعد أن ذكر الأحاديث الجمة الواردة ~~في اختصاصها بأهل الكساء أن يعمم الآية لهم وللنساء وللمؤمنين من بنى هاشم ~~، وما ذكرناه كاف في رده. PageV01P008 # بهذه الآية الشريفة لكان من آثارهم اكبر برهان على هذا الاختصاص ، فان ~~أفعالهم وأقوالهم ترغمنا على الاعتراف بتلك النزاهة لهم. # وما خفيت هذه الحقيقة الناصعة على أهل البصائر من بدء نزول هذه الآية ~~المحكمة حتى اليوم ، فكان أهل البيت عندهم أهل الكساء ، خاصة ، الذين حبوا ~~بمكارم لا يأتي عليها الحصر ، وكان منها الطهارة من العيوب ، وذهاب الأرجاس ~~والذنوب. # نعم ربما استغل بعض الهاشميين ومنهم العباسيون ظاهر عموم كلمة أهل البيت ~~لتحقيق مآربهم والوصول إلى العروش ، فكان الهاشميون عامة يدلون على الناس ~~بهذه الآية. # كما كان اسم التشيع أيضا قد يستغل فيراد به ولاء علي وأهل البيت بالمعنى ~~العام ، لا خصوص أصحاب الكساء والأئمة من أولاد الحسين عليهم السلام إلا عند ~~الذين لا تجرفهم سيول الرعاع ، ولا يعدل بهم عن الحق الصخب أو الضغط ، وما ~~عرفت الناس التشيع بولاء هؤلاء الأئمة خاصة إلا بعد أن خيم السكون على ~~الناس بعد الثلث الأول من الدولة العباسية ، حين قرت شقشقة العلويين ~~وثوراتهم ، فتمخض القول وقتذاك بأهل البيت لهؤلاء السادة الأئمة. # وشاهدنا على ذلك أن بني العباس ما دبوا دبيب النمل على الصفا لارتقاء ~~عروش الملك وتحطيم دعائم الدولة المروانية إلا بذلك الاسم ، بزعم أنهم أهل ~~البيت الأقربون إلى صاحب الرسالة ، ليعطفوا بذلك عليهم قلوب الشيعة ويتخذوا ~~منهم فعلة لبناء الكيان لسلطانهم ، وهدم بناء الدولة الاموية التي قاومت ~~أهل البيت وشيعتهم طيلة أيامها ، وصبغت وجه الأرض من دمائهم المسفوحة. PageV01P009 # وما كان ليتم لبني العباس ما أملوه لو لا ادعاؤهم ذلك ، ولو لم يكن الذين ~~نهضوا ms003 بهم واتخذوا منهم جسرا عبروا عليه إلى مآربهم شيعة لأهل البيت ، من ~~دون تفريق بين العباسي والطالبي ، ولا بين العلوي والجعفري والعقيلي ، ولا ~~بين الحسني والحسينى. # وهكذا كانت الدعوة والنهضة من كل هاشمي كنهضة عبد الله بن معاوية بن عبد ~~الله بن جعفر بالكوفة ثم بفارس وفيهما أولياء لأهل البيت ، وقد قضى عليه ~~أبو مسلم بعد تفرق الناس عنه والتجائه إليه ، وما كان من زيد وابنه يحيى من ~~النهضة ، ولا من الأخوين محمد وإبراهيم من الدعوة إلا لأنهم من أهل البيت ~~وأن غاياتهم من الدعوة أخذ التراث من أعداء أهل البيت. # ولكن قد وضح للناس بعد ذلك أن بني العباس ليسوا من أهل البيت ، حين سلوا ~~سيف البغي على أهل البيت قربى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وعرف الناس أن ~~الدعوة من بني العباس لقلب دولة أمية باسم الثأر لقتلى الطف وصليب الكناسة ~~والجوز جان وغيرهم كانت سبيلا للوصول إلى أمنيتهم المقصودة ، لأنه بعد أن ~~بنوا من جماجم اولئك الاغرار من محبي أهل البيت قواعد سلطانهم ظهرت كوامن ~~صدورهم ، وما قصدوه من الوليجة إلى غاياتهم ، حتى أن محمدا وإبراهيم اختفيا ~~عند قبض السفاح عن أعنة الحكم ، وما اختفيا إلا لما يعلمانه من سوء نواياه ~~مع الادنين من الرسول ، والشواهد على ذلك من ضغطهم على أهل البيت وشيعتهم ~~اكثر من أن تحصر ، وفي ثنايا الكتاب سيمر عليك من هذا القبيل ما فيه مقنع. # * * * PageV01P010 ### | بنو أمية ### ||| من هم بنو أمية؟ # يفصح القرآن الكريم معلنا بقوله : « وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا ~~فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن » (1) ويحدثنا التفسير في سبب نزول ~~هذه الآية الكريمة أن النبي رأى في المنام أن قردة تنزو على منبره فأعلمه ~~جبرئيل أنهم بنو أمية يتغلبون على الأمر فيتنازعون على منبره وأنهم هم ~~الشجرة الملعونة ، ثم ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يستجمع ضاحكا بعد ~~ذلك حتى مات (2). # وجاء في ذم بني أمية والطعن فيهم كثير من التنزيل ، انظر الحاكم في حديث ~~علي في ms004 قوله « وأحلوا قومهم دار البوار » (3) قال : هما الأفجران من قريش ~~بنو أمية وبنو المغيرة ، وتفسير ابن جرير في قوله : « وجاهدوا في الله حق ~~جهاده » (4) فإنه قال : إن الذين أمر تعالى بجهادهم مخزوم وأمية (5)، إلى ~~غير ذلك. # ثم ان الرسول الصادق الأمين صلى الله عليه وآله وسلم يتبع القرآن المجيد ~~بقوله : اللهم العن بني أمية قاطبة ، وبأمثال ذلك ، لا سيما فيما يخص أبا ~~سفيان وابنيه PageV01P011 # يزيد ومعاوية ، ولا تنس ما جاء عنه في آل أبي العاص ولا سيما في الحكم ~~وابنه مروان. (1) # أترى لما ذا يمنح الكتاب المبين أهل البيت بذلك الثناء الجزيل ويذكر بني ~~أمية بذلك السوء والذم ، أيكيل العادل تعالى لأولئك المدح جزافا ، ولهؤلاء ~~الذم اعتداء ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. # نعم إن الطاعة هي التي تقرب الخلق من الخالق ، وإن المعصية هي التي تبعد ~~العبيد عن البارىء ، وإلا فان عباده لديه بالعطف واللطف وبالرحمة للمطيع ~~وبالنقمة على العاصي شرع سواء ، فإنه يدخل الجنة من أطاعه وإن كان عبدا ~~حبشيا ، والنار من عصاه وإن كان سيدا قرشيا. # فما كان دنو أهل البيت من حظيرة القدس حتى منحهم تعالى بذلك الوسام ~~الأرفع الذي لم يحظ به بشر سواهم إلا لتقواهم وامتثالهم لأوامره ، وما كان ~~بعد بني أمية عن ساحة الرحمة حتى صاروا الشجرة الملعونة في القرآن ، وحتى ~~عمتهم لعنة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مرة ، وخصت الكثير منهم اخرى ، ~~مشفوعة بالدعاء عليهم ، إلا لعصيانهم لجبار السموات والأرضين ، واستمرارهم ~~على العصيان. # ولو لم يقرئنا التاريخ قدر تلك الطاعة ، التي كان عليها أهل البيت ومبلغ ~~ذلك العصيان الذي استقام عليه الامويون ، لكفى ذلك التقديس من الجليل في ~~كتابه لأولئك ، وهذا الحظ من هؤلاء ، كاشفا عما عليه الآل من الطاعة PageV01P012 # والانقياد ، وأمية من التمرد والابتعاد. # وهذه النتيجة تلمسها من هذه النصوص الفرقانية والأحاديث النبوية من دون ~~شحذ قريحة وغور في التفكير ، نعم لو سبرت السيرة الاموي ة قبل الاسلام ~~وبعده الى انقراض دولتهم ، لعرفت أن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه ms005 وآله وسلم ~~إنما كشفا بالكتاب والسنة عن تلك السيرة والسريرة الفائتتين ، وأنبأ عن ~~الآتيتين ، وما كان ليخفى على الناس حالهما ، ولكن كان هذا التصريح قطعا ~~لاعتذار أوليائهم ودحضا لمكابرات مشايعيهم ، ومع هذه الصراحة من الكتاب ~~والحديث ما زال للقوم حتى اليوم أولياء وأشياع ، ومدافعون وأتباع. # ولأجل أن تطمئن القلوب بهذه الحقيقة ، نستطرد نبذا من أعمال أمية وبنيه ~~أخبرنا عنها التاريخ الموثوق به. # مات عبد مناف وترك عدة بنين ، كان منهم هاشم والمطلب ونوفل وعبد شمس ، ~~وكان هاشم أرجحهم عقلا وأسماهم فضيلة فاصطلحت قريش على أن توليه الرفادة ~~والسقاية (1) وكانتا لأبيه عبد مناف ، فكان هاشم حيث رأت قريش ، وزاد في ~~شرف أبيه أن سن الرحلتين رحلة الشتاء إلى اليمن ، ورحلة الصيف إلى الشام ، ~~وقد ذكر هاتين الرحلتين الكتاب الكريم (2)، وما كانت غاية هاشم من ~~الرحلتين إلا أن يكثر المال في قريش فيقووا به على إطعام الحاج ، وهذه ~~فضيلة سامية أرادها هاشم لقومه ، وهذا شأن العظام الذين ينحون بقومهم عظائم ~~الامور ، ومراقي الشرف الرفيعة. # ثم تقدم هو في الاطعام ليكون قدوة لقومه ، فأطعم وأجزل حتى غنت PageV01P013 # الركبان بجوده ، وحتى قال شاعره : # عمرو العلى هشم الثريد لقومه %~% ورجال مكة مسنتون عجاف # في أبيات مشهورة ، فصار يلقب بهاشم لذلك ، وغلب على اسمه عمرو (1) فكان ~~الجود بعض فضائل هاشم التي سودته على قريش سادات العرب. # وانشطرت اخوته فصار المطلب الى جنب هاشم ، وصار نوفل وعبد شمس في جانب ، ~~وهما ينافسانه ويحاولان أن يجارياه في مفاخره ، فيقصر بهما العمل ، فكان ~~هاشم لكرم فعاله وجميل خصاله سيد البطحاء غير مدافع. # ولما مات عبد شمس وظهر أمية حاول أن يلحق بهاشم في شأنه بما عجز عنه أبوه ~~من قبل ، وأين أمية من هاشم في سنه وشأنه ، وما ساد هاشم إلا لأنه مجمع ~~الفضائل ، ولم يكن لأمية ما يسود به الفتى خلا المال والولد ولا يكفيان ~~للسيادة اذا لم تكن الأعمال تلحقه بالمعارج السامية. # وطمع أمية يوما أن ينافر هاشما ، وذلك إقدام لم يرتقب من مثله لمثل هاشم ~~؛ ولا ms006 نعرف سببا في قناعة هاشم بهذه المنافرة وهو سيد الأبطح وشيخ قريش سوى ~~علمه بأنه سوف ينفر أمية ، وبذلك كبح لجماع أمية وإذلال لنفسه المتطلعة لما ~~ليس له كما كان ذلك ، فإنه قد نفره هاشم فأخرجه من مكة عشر سنين ، ولعل ~~أمية كان يعتقد أن هاشما سيد الأبطح لا محالة ينفره ، إلا انه قنع من الشرف ~~أن يقال ان أمية نافر سيد الحرم وجرى في مضماره. # ولما نبغ عبد المطلب بعد أبيه هاشم وعمه المطلب ، علا على شرف أهله ~~ومفاخر آبائه ، فانبط ماء زمزم ولم يتوفق لها قرشي من قبل ، فحسدته قريش PageV01P014 # وراموا أن يشاركوه في هذه الكرامة والسقاية منها ، فأبى عليهم ، وطلبوا ~~محاكمته عند كاهنة هذيل في الشام ، وعند ما رأوا منه الكرامات في طريقهم ~~الى الشام عدلوا عن محاكمته ، وتركوا له زمزما وسقاية الحاج. # وهو الذي أنذر أبرهة قائد الأحباش والأمير على اليمن من قبل النجاشي ملك ~~الحبشة حين جاء من اليمن بجيش كثيف قاصدا هدم البيت ليتحول العرب عن الحج ~~إليه ، ولم يخرج عبد المطلب من البيت كما خرجت قريش هاربة من سطوة الأحباش ~~، فكان آخر أمر الأحباش الدمار ، كما أفصح عن ذلك الكتاب المجيد (1) فجاء ~~الحال وفقا لما أنذرهم به سيد الأبطح. # فكانت قريش تحسده لهذه المفاخر ، وصاحب الفضيلة محسود ، وما اكتفى أمية ~~بما لقيه من منافرة هاشم حتى حاول منافسة عبد المطلب ، فحمل أمية عبد ~~المطلب على المسابقة ، فسبقه عبد المطلب واستعبده عشر سنين. # وكان حرب بن أمية أيضا يفاخر عبد المطلب بوفره وبأهله ، تجاهلا منه بأن ~~الشرف إنما هو بالفضيلة ، والأعمال الجليلة ، حتى طلب منافرة عبد المطلب ، ~~وتلك جرأة كبرى يدفعه إليها الحسد والغرور ، وإن علم يقينا أنه لا يشق غبار ~~شيخ قريش ، غير انا نحسبه انه كان يعتقد أن المنافرة وحدها تجعل له المكانة ~~العالية وإن نفره عبد المطلب ، ولقد تعجب النافر من طمع حرب في منافرة شيخ ~~البطحاء ، والأعمال وجدها كافلة بخسران حرب ، فقال النافر لحرب : # أبوك معاهر وأبوه عف %~% وذاد الفيل ms007 عن بلد حرام # وهذا شاهد على ما كان عليه عبد المطلب وأهله ، وحرب وآباؤه من خلتين ~~شهيرتين دعت وجوه الناس على الحكم لهاشم وولده في كل منافرة ومنافسة. PageV01P015 # ولا تنس حلف الفضول الذي هو خير حلف عقدته قريش بل العرب كلها ، لرد ~~عادية الظلم ، والانتصار للمظلوم ، قد دخل فيه الرسول عليه وعلى آله السلام ~~وذلك قبل الاسلام ، وقال فيه بعد ذلك : « لو دعيت إلى مثله لأجبت ». ذلك ~~حلف هدد بالهتاف به الحسين عليه السلام معاوية بن أبي سفيان ، ووقف للطغاة ~~الغاصبين بالمرصاد. فكم رد من مال نهب ، وعرض غصب ، وكان السبب فيه الزبير ~~بن عبد المطلب ، ولم يدخل فيه النوفليون والعبشميون ، ويحق للسائل أن يسأل ~~عن سبب امتناعهم عن الدخول فيه ، ألأن سببه الهاشميون؟ أم لأنه فضيلة ~~سامية؟ أم لما ذا؟ # هذه حال أمية لو استطردت بعضها قبل بزوغ شمس الاسلام. وأما لو نظرت الى ~~مواقفهم بعد بزوغ تلك الشمس النيرة ، لأيقنت كيف كانت هذه الشجرة جديرة ~~بنزول ذلك الكتاب الكريم ، لا لأن الايمان لم يدخل أعماق قلوبهم فحسب ، ~~لأنهم لم يتركوا ذريعة لستر ذلك النور الساطع إلا توسلوا بها ، ولا معولا ~~لهدم بنائه الشامخ إلا حملوه ، سوى ما كان منهم من أعمال يأباها العدل ~~والمروءة ويمقتها الشرف والفضيلة. # وهل ينسى أحد ما قام به أبو سفيان من إيذاء الرسول قبل الهجرة ، وما ألبه ~~عليه بعدها ، هذه أحد والأحزاب والحديبية وما سواها من أعمال خلدها التاريخ ~~تنبئك عن حاله ، ومن صاحب العير وصاحب النفير غيره وغير بني أبيه العبشميين ~~، وكيف ينسى ابن الاسلام تلك الوقائع والتاريخ يذكره بها كل حين ، وما دخل ~~أبو سفيان وابنه معاوية في الاسلام إلا حين أخذ الاسلام منهما بالخناق ، ~~ولم يجدا مفرا منه ، وقد ألفهما النبي الحكيم بعد الفتح بالعطاء الوفر من ~~غنائم حنين ، فأعان الطمع الخوف على ذلك التظاهر والقلوب منطوية على ~~وثنيتها القديمة وعلى الحسد والحقد وانتهاز الفرصة للوثبة وأخذ تراث ~~الأبناء PageV01P016 # والأخوال والأجداد ، الذين فرت أوداجهم سيوف الاسلام الصارمة. # ولم يطلق أبو ms008 سفيان أن يكتم تلك الضغائن النفسية ، فكانت تطفح على فلتات ~~لسانه ، وكان اكثرها أيام عثمان (1) لأمانه من المؤاخذة على كلامه ، ومن ~~أمن العقوبة أساء الأدب ، وكيف لا يأمن والأمر بأيدي صبيانهم على حد تعبيره ~~حين ركل قبر حمزة بن عبد المطلب برجله. # وأما ابنه معاوية (2) فانه عند ما رأى الاسلام قد ضرب بجرانه الأرض ، ~~ووشجت أصوله ، وبسقت فروعه ، تذرع به إلى اقتلاع جذوره وقد ملك معاوية ~~ناصية البلاد والاسلام غض جديد ، فخالف كل شريعة من شرائعه ، وناصب كل حكم ~~من أحكامه ، سوى أنه لم يخلع عند الظاهر ربقة الاسلام ، وكيف يخلعها وهي ~~الوسيلة لنيله ذلك الملك الفسيح الأرجاء ، الملك الذي ما كان يحلم به صخر ~~بن حرب بل ولا أمية من قبل ، وما كان يضره من تلك الظاهرة إذا كانت الذريعة ~~لاقتناص مآربه الواسعة ، ولتحطيم قواعد الاسلام الرفيعة. # وكفى من حربه لسيد الرسل حربه لأمير المؤمنين عليه السلام وقد قال فيه ~~الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : « سلمك سلمي وحربك حربي » (3) وقال فيه : PageV01P017 # « تحارب من بعدي الناكثين والقاسطين والمارقين » (1) ولو كان القصد من ~~حربه لأبي الحسن عليه السلام الطلب بقتلة عثمان لما أغضى عنهم حين انتهى ~~الأمر إليه ، ولا أدري كيف كان معاوية ولي عثمان والمرتضى هو أمير المؤمنين ~~ووليهم. # لعمر الحق ما كان شأن معاوية خافيا لندلل ونأتي بالشواهد عليه ، ولو لم ~~يكن حربا للاسلام ولرسوله لما سن الشفرة للقضاء على آل الرسول ، والقرآن ~~يهتف باحترامهم ومودتهم ، والرسول يدعو إلى ولائهم والتمسك بهم ، وما ذنبهم ~~لدى معاوية إلا أنهم عترة الرسول ورهطه ، ورعاة الدين ودعاته ، ولو صافحهم ~~أو صفح عنهم لم ينل مأربه من الزعامة ، ومقصده من حرب الرسول وشريعته. (2) # ولم يهلك معاوية مستوفيا لأمانيه من محاربة الرسول والرسالة حتى أرجأ ذلك ~~إلى دعيه يزيد ، غير أن يزيد لم يكن لديه دهاء أبيه معاوية فيدس السم ~~بالدسم لكيد الاسلام ، فمن ثم برزت نواياه على صفحات أعماله واضحة من دون ~~غشاء ولا غطاء ، فما أصبح إلا وأوقع بالحسين سبط الرسول ms009 وريحانته وسيد شباب ~~أهل الجنة ، وبرهطه صفوة الناس في الصلاح والفضيلة ، وما أمسى إلا وتحكم ما ~~يشاء في دار الهجرة وبقايا الصحابة ، من دون أن يحول عن العبث بها دين أو ~~مروة أو عفاف ، وما عتم إلا وهو محاصر للبيت ترميه حجارته وتفتك بأهليه ~~ورمايته. # وأي رهط أذب عن الاسلام وأحمى لحوزته من الحسين وأهله؟ وأي بلد PageV01P018 # أظهر في اتباع الاسلام من الحرمين يوم ذاك؟ وهل أبقى ابن ميسون شيئا من ~~مقدوره في مبارزة الاسلام لم يصنعه ، ومحاربة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~وعترته وصحابته لم يفعله؟! ولو أردنا استقصاء أعمال أمية التي حاربت بها ~~الشريعة وصاحبها الأمين لكثر عليك العد ، وخرجنا عن القصد ، أجل لا ضير لو ~~أوردنا نتفا أشار إليها المقريزي صاحب الخطط في رسالته « النزاع والتخاصم » ~~والجاحظ في رسالته التي ضربها مثلا للمفاخرة بين بني أمية وبني هاشم ، فكان ~~مما أورداه : # إن بني أمية كانوا يختمون أعناق الصحابة ، وينقشون أكف المسلمين علامة ~~استعبادهم ، وجعلوا الرسول دون الخليفة ، ووطئوا المسلمات في دار الاسلام ~~بالسباء ، وأخروا الصلاة تشاغلا بالخطبة ، وكانوا يأكلون ويشربون على منبر ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويبيعون الرجل في الدين يلزمه (1). # وهذا بعض ما ذكراه من المنكر منهم ومخالفتهم للشريعة ، وهل يا ترى خفي ~~عليهم الدين وحدوده ، وأنظمته وقيوده ، وكفى من تلك الحرب الشعواء التي ~~أقاموها لمنازلة الشريعة الأحمدية زيادة على ما سبق أنهم اعتبروا الرسالة ~~ملكا تلعب به هاشم ، وجعلوا الكتاب غرضا للنبال ، وجاهدوا أن يحولوا الحج ~~إلى بيت المقدس ثم إلى المسجد الذي بنوه بدمشق ، ورميهم من على المجانق ~~البيت الحرام. # ولا تسل عما لقيته العترة الطاهرة الأحمدية منهم ، فمن صليب الكناسة ~~وصليب الجوزجان زيد وابنه يحيى إلى قتيل بالسم كالحسن والسجاد والباقر ~~عليهم السلام وأبي هاشم بن الحنفية وإبراهيم بن محمد أخ السفاح ، PageV01P019 # ونظائرهم. هذا سوى المشردين في الآفاق ، والمغيبين في قعر السجون. # وكان خيرة القوم في سيرته عمر بن عبد العزيز ، فانه عرف ما عليه الناس من ~~بغضهم لأهله ، فحاول ms010 أن يغير الرأي فيهم ، والقول عنهم. (1) # ولا غرابة لو رضي الناس بحكومة هؤلاء القوم ، لأن الناس إلى أمثالهم أميل ~~وبأشباههم أرغب. # إن الدين يتطلب من الناس التقوى سرا وإعلانا ، والسيرة العادلة فى القريب ~~والبعيد ، كما يتطلب الانتهاء عن الفحشاء ما ظهر منها وما بطن ، والكف عن ~~الاعتداء في الرضى والغضب ، وما أبعد الناس عما يتطلبه منهم الدين ، وأين ~~من تقوده نفسه والنفس أمارة بالسوء إلى اتباع الشريعة وإن ضيقت عليه سبل ~~الشهوات وحرمت عليه الظلم والاعتداء. # ولو أراد الناس الهدى لما خفي عليهم الرعاة أرباب العدل والحق والايمان ~~والصدق ، ولما ارتضى منهم أولئك الرعاة غير هذه الخلال الكريمة ، وإن الناس ~~لتبتعد عن هذه الفضائل العلوية ابتعاد الوحش من الملائك ، والحصباء من نجوم ~~السماء. # ولو سبرت أحوال الناس لأيقنت بصدق تلك الكلمة النبوية الخالدة : « كيفما ~~تكونون يولى عليكم » (2)، وهل يرتضي ذو العلم أن يحكمه الجاهل ، والعادل ~~أن يقوده الفاسق. PageV01P020 # ولو لم يجد رعاة الجهل والجور والفجور أعضادا من أمثالهم وسكوتا عن ~~أعمالهم ، لم تطمع نفوسهم بالانقياد إلى الهوى ، والاسترسال مع الشهوات ، ~~ولم تطمح إلى الغض من كرامة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ومنابذة رسالته ~~ومحاربة عترته. # إن درس نفسيات اولئك الأقوام وسبر أعمالهم تجسم لك الغدر والخيانة ~~والتحزب للضلال على الهدى ، وللباطل على الحق ، حتى لتكاد أن تعجب كيف لم ~~يندرس الحق ، وتنطمس أعلام الهداية إلى اليوم ، ما دام أنصار الحق في كل ~~عصر ومصر قليلين جدا « وقليل من عبادي الشكور ». (1) # وأين تغيب عن هذه الحقيقة ، ونظرة واحدة في عصرنا الحاضر تريك كيف تتمثل ~~المنافسة بين الباطل والحق ، وتغلب الأول بأنصاره على الثاني وأعوانه ، ~~وليس الغريب ذلك إنما الغريب أن يتفق انتصار أرباب الحق في بعض الأعصار ~~وينخذل الباطل ، ولو انتصر أبو الحسن والحسن على معاوية ، والحسين على يزيد ~~لكان بدعا في الزمن دون العكس في الحال ، وما كان انتصار الرسول ~~صلى الله عليه وآله وسلم بعد تلك الحروب الدامية إلا إقامة للحجة ، « ليحيى من ~~حي عن بينة ، ويهلك من ms011 هلك عن بينة » (2) ولو غلب الكفر على الاسلام لم يتم ~~نوره ، ولا قامت حجته. # إن الرسول الأمين جاء للناس بكل فضيلة وسعادة وخلق كريم وقد وقفوا دون ~~أداء رسالته ، وتنفيذ دعوته ، وما رسالته إلا لخيرهم ، وما دعوته إلا ~~لسعادتهم ، ولأي شيء أبت نفوسهم عن الاستسلام لتلك الفضائل غير مخالفتهم ~~لها في السيرة والسريرة دأب البشر في كل عصر ، وهل خضع الناس لقبول تلك PageV01P021 # السعادة إلا بعد أن علا رءوسهم بالسيف ، وضرب خراطيمهم بالسوط ، وما أسرع ~~ما انقلبوا على الاعقاب بعد انتقاله إلى حظيرة القدس ناكصين عن سنن الطريق ~~، حين وجدوا مناصا للعدول « وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن ~~مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا » (1). # بيد أن الأموية مخضت عن أفذاذ ثبت الايمان في قلوبهم ، ونهضوا مع الحق ~~حربا للباطل ، ولا عجب فإنه تعالى : « يخرج الحي من الميت » (2) ولا شك أن ~~اللعن لا يعمهم ، والكتاب الكريم يقول : « لا يضركم من ضل إذا اهتديتم » ~~(3) « ولا تزر وازرة وزر اخرى » (4) « من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ~~» (5) « ما على المحسنين من سبيل » (6). # * * * PageV01P022 ### | بنو العباس # ساد ظلم الأمويين الناس عامة ، وما اختص بالأبرار ، ولا بعترة المختار ~~صلى الله عليه وآله وسلم فمقتهم آخر الأمر أهل السوء كما أبغضهم أهل الصلاح ، ~~فقام الباكيان باك يبكي على دينه وباك يبكي على دنياه ، وصار الناس تتطلب ~~المهرب من جورهم ، وتريد الخلاص من حكمهم ، كانت أمية تهدد بلاد الاسلام ~~كافة بأهل الشام ، لأن الشام جندهم الطيع الذي لا يحيد عن رأيهم ، ولا ~~يتخلف عن أمرهم ، وبأهل الشام واجتماعهم ملك معاوية مصر والعراق والحجاز ، ~~مع ما في الحجاز والعراق من رجال الرأي والشجاعة الذين كان افتراقهم مطمعا ~~للشام باجتماعهم ، وما ساق ابن زياد الكوفة على ابن الرسول ~~صلى الله عليه وآله وسلم بغير الوعيد بأجناد دمشق والوعد بالمال ، وما تغلب عبد ~~الملك على العراقين والحرمين واستلبها من آل الزبير إلا بتلك الأجناد ، ~~كانت الشام لا تعرف غير ms012 أمية للملك بل للخلافة ، بل لكل دعوة وطاعة وما ~~زالت أمية مهيمنة على البلاد الوسيعة. # حتى إذا اختلف بنو أمية بينهم وصار بعضهم يقتل بعضا اختلف أهل الشام ~~باختلافهم ، وافترقت كلمتهم لافتراق القادة الذين ضللوهم وأضلوا بهم. # ولما اختلفت كلمة الأمويين اشرأبت الأعناق لسلطانهم ، وطمعت PageV01P023 # النفوس في بلادهم ، ولكن من الذي يجهر بتلك الأماني والرعب من الشام آخذ ~~بالقلوب ، وكيف ينسى الناس تلك القسوة والسطوة وجندهم أهل الشام ولم يطل ~~العهد على حادثة الطف التي أظهر فيها الأمويون فنون الارهاب وضروب اللؤم ~~والانتقام ، ولا على واقعة الحرة التي أبانوا فيها غرائب الخسة والدعارة ~~والهتك للحرمات والمحارم والسفك للدماء البريئة ، ولا على حصار البيت من ~~يزيد مرة ، ومن عبد الملك أخرى حتى رمته المجانيق وأضرموا فيه النار فهدموه ~~، ولا على قتل زيد وصلبه وإحراقه ، وقتل يحيى وصلبه ، والحوادث المثيرة ~~التي أنزلوها بالناس ، من دون أن يجدوا حرمة لحريم ولا رادعا عن محرم ، ~~فكأن النفوس والنفائس والأعراض والعروض لم تكن إلا طعمة لهم ، ومنفذا ~~لشهواتهم ، فكيف والحال هذه يجهر ابن حرة بعداء بني أمية ، أو يتظاهر ~~بالكيد لدولتهم. # نعم لم تأمل الناس من أحد أن ينتزع منهم التيجان ، ويسلبهم السلطان غير ~~بني هاشم ، لأنهم أرباب ذلك العرش ، سواء كانت الخلافة بالنص أو القربى أو ~~الفضيلة فصارت الناس تستنهضهم سرا ، وتحثهم على الوثبة همسا. # غير أن في الهاشميين رجالا كثيرة تصلح للرئاسة ، وتقوى على التدبير ~~والسياسة ، أفيثب بهم رب الخلافة وربيب الامامة أبو عبد الله جعفر بن محمد ~~الصادق عليهما السلام ، أم عبد الله بن الحسن فاضل بني الحسن وشيخهم أم ابنه ~~محمد من جمع من المكارم كل خلة ، أم أخوه ابراهيم أبي الضيم ، أم ابراهيم ~~بن محمد العباسي ، أم أخواه السفاح والمنصور ، أرباب الهمم والشمم ، أم عبد ~~الله بن معاوية الجعفري الذي أهلته المفاخر والمكارم لذلك المقام ، أم ~~سواهم وهم عدة كاملة ، لو رشح نفسه كل فرد منهم لتلك الزعامة لزانها بجميل خصاله. PageV01P024 # بيد أن الصادق عليه السلام لو تقدم لها لم ms013 يسبقه إليها أحد ، لفضله وكثرة ~~شيعته ، ولكنه كان يدافع من يستحثه ، ولا يجيب من يستنهضه. # ولما لم يجدوا عنده أملا للنهوض عدلوا عنه إلى غيره ، فتارة يبايعون ~~محمدا وفي طليعتهم أبوه وأخوه وينو الحسن وبنو العباس ، وأخرى يدعو أبو ~~مسلم في خراسان للعباسيين وأبو سلمة الخلال بالكوفة للرضا من آل محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم وطورا يثب ابن جعفر في كوفان فلا يتم له أمر ، وتارة ~~يظهر في فارس فلا يستقيم له شأن ، فيهرب إلى أبي مسلم في خراسان ، فكان ~~كالمستجير من الرمضاء بالنار ، لأن حتفه كان على يديه ، ولم تمض برهة طويلة ~~على تلك الأعاصير الهائجة ، والأجواء المضطربة ، حتى استقر الأمر في بني ~~العباس. # تلك الأقدار هي التي طوحت بالأمر حتى جعلته في أحضان السفاح والمنصور ، ~~وإلا فمن الذي كان يحتسب أن الأخوين اللذين كانا يتنقلان فى الأحياء يرويان ~~للناس فضائل أبي الحسن ذريعة للاستعطاف والاستجداء واللذين بايعا ابن الحسن ~~يوم اجتماعهم بالأبواء من دون تلكؤ وأمل بالملك واللذين كانا تحت راية ابن ~~جعفر وفي جنده يوم ظهر في فارس ينيلهما من وفره ، هما اللذين يتواليان على ~~دست الحكم ، ويكونان السالبين لعروش أمية ، ومن الذي كان يخال أن ابن جعفر ~~فارس الوثبة يكون قتيل داعيتهما أبي مسلم ، وما هما إلا بعض جنده ، ومن ~~الذي كان يظن أن ابن الحسن الذي أمل نفسه وأملته الناس بالخلافة وبايعته ~~على الموت يصبح وأخوه إبراهيم صريعين بسيف المنصور. # شاءت الأقدار ومن يغلب القدر أن يثب على كرسي الحكم بنو العباس ، وتصبح ~~الدولة الاموية أثرا بعد عين ، وخبرا بعد حس ، فلا أسف على من فات ، ولا ~~فرح بالآت ، تذهب أمة فاجرة وتأتي دولة جائرة. PageV01P025 # ارتقى السفاح منصة الحكم فضحكت له الدنيا بعد تقطيب وأقبلت عليه بعد ~~إدبار ، ولكن هل يسلم المرء وإن أقبلت عليه الدنيا بأسرها من نوازل الهم؟ ~~أصبح ابن عباس بين همين هم تطهير البلاد من الأمويين لتخلص له الأمة ، وهم ~~المنافسة على العرش من بني علي ، العرش الذي لم ترسخ ms014 أسسه بعد ، ولم تثبت ~~قوائمه ، وما أسرع ما يميد إذا عصفت أعاصير الوثبات عليه ، ولم يسترح بعد ~~من همه الأول حتى أقلقه الثاني ، وكيف يأمن من العلويين ، وأبو عبد الله ~~الصادق عليه السلام إمام مفترض الطاعة عند شطر من هذه الامة ، وعند كثير من ~~أجنادهم الذين قلبوا بهم عروش بني مروان ، وهل قتلوا أبا سلمة الخلال إلا ~~لأنهم أحسوا منه أنه يريدها لبني علي ، وأن البيعة للسفاح كانت بالغلبة ~~عليه وإعجاله عليها. # وكيف يأمن ألا ينافسه العلويون ومحمد بن الحسن كانت له البيعة يوم ~~الأبواء ، وهو الذي صفق السفاح والمنصور بيديهما على يده ، وهو الذي كان ~~المؤهل للعرش الذي وثبوا عليه ، وما زالت تلك الأماني تخالج نفسه ولأي شيء ~~اختفى يوم ظهر السفاح؟ أليس الليث قد يربض للوثبة؟ # حاول ابن عباس أن يستريح من هذا الهم فأرسل خلف الصادق عليه السلام إلى ~~الحيرة ليوقع به وإن لم يظهر ما يتخوفه على سلطانهم ، فلما وصلها ضيق عليه ~~، ولكن لما لم يجد عنده هاتيك المخاوف سرحه إلى المدينة راجعا والهواجس ~~تساوره. # ثم صار يتطلب ابني عبد الله بن الحسن ، وهما مختفيان خوفا من بطشه وكلما ~~جد في العثور عليهما جدا في الاختفاء. # انقضى دور السفاح القصير والصادق عليه السلام وادع في المدينة وابنا الحسن ~~خلف ستور الخفاء ، وما جاءت أيام المنصور إلا واشتد على العلويين ، PageV01P026 # فما ترك الصادق يقر في دار الهجرة بل صار يجلبه إليه مرة بعد أخرى ~~ويلاقيه بالاساءة عند كل جيئة ، ويهم بقتله في كل مرة ، وما زال معه على ~~هذه الحال إلى أن قضى عليه بالسم. # وأما محمد وإبراهيم فكان يفحص عنهما بكل ما أوتي من حول وحيلة فكان يعلن ~~بالأمان لهما مرة ، ويشتد على أبيهما وبني الحسن اخرى ، فلم تنفعه هذه ~~الوسائل للوصول إليهما ، والعثور عليهما ، ثم حمل بني الحسن إلى العراق ، ~~واستودعهم غياهب السجون ، حتى قضى أكثرهم بأشنع قتلة وما فتئ أن فوجئ بوثبة ~~محمد بالمدينة والبصرة ، وهذا ما كان يرقبه ويتذرع بالوسائل لصده ، ويتخوف ~~عقباه ms015 ، غير أن القضاء غالب. # ملك بنو العباس فظهر مكرهم وغدرهم ، بايعوا ابن الحسن ثم جدوا في طلبه ~~وطلب أخيه للقضاء عليهما ، حاول ابن عباس أن يضعا يديهما بيده استسلاما ، ~~وكيف يستسلمان وفي النفوس إباء وعزة وآمال تؤيدها الناس في طلب الوثبة ، ~~وإن خمدت فيهما تلك الروح الوثابة استفزها الناس بالحث على النهضة ، فما ~~زالوا بهما حتى وثبا بعد ذاك الاختفاء الطويل. # وما كانت تلك الغدرة من بني العباس ببني الحسن الوحيدة في سلطانهم ، غدر ~~المنصور بأبي مسلم باني كيان دولتهم ، وقتلوا أبا سلمة الخلال وحبسوا يعقوب ~~بن داود ، وقتلوا الفضل بن سهل ، وما سوى هؤلاء وكم هموا بعلي بن يقطين ~~وجعفر بن محمد الأشعث الوزيرين. # وغدر المنصور أيضا بعيسى بن موسى العباسي وعزله عن ولاية العهد وولى ~~مكانه ابنه المهدي ، وكانت الولاية لعيسى جعلها له المنصور بدلا عن بلائه ~~في حرب محمد وإبراهيم وقضائه عليهما وعلى نهضتها ، تلك النهضة التي أقلقت ~~المنصور وجعلته يعتقد بزوال سلطانه. PageV01P027 # وغدر الرشيد بوزرائه البرامكة وبيحيى الحسني بعد الأمان ، وغدر الأمين ~~بأخيه المأمون حين عزله عن العهد ، والمأمون بالرضا عليه السلام حين سمه بعد ~~بيعته بولاية عهده ، إلى ما لا يحصى مما كان منهم من غدرة وفجرة وإن أعظم ~~غدر منهم ما كان مع بني الحسين عليه السلام ، كانت شيعة بني علي جند بني ~~العباس في إزالة دولة بني مروان كما تقدم ، وكان شعارهم الطلب بثأر القتلى ~~من أهل البيت ، وهل قتل بسيف الأمويين غير الطالبيين؟ وهل لقى الشدة والضيق ~~من الامويين غير العلويين؟ ولئن لاقى سواهم من الهاشميين شيئا من ذلك فلا ~~يشبه ما حل بآل أبى طالب. # ندب العباسيون الناس لطلب الثأر بل ندبهم الناس إليه ، وكانت هذه أمضى ~~وسيلة لنيل إربهم ، فما استقرت أقدامهم في حظيرة الملك إلا وراحوا يتتبعون ~~آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فكأن العترة هم الذين جنوا في تلك الحوادث ~~القاسية يوم الطف ، وسبوا عقائل النبوة ، وأنزلوا بزيد ويحيى وغيرهما هاتيك ~~الفظائع المؤلمة ، وكأنما القتلى والأسرى كانت ms016 من بني العباس والجناة عليهم ~~العلويون ، وكأن لم يكن العلويون هم الذين نهض الناس انتقاما لهم ، وللأخذ ~~بتراتهم. # ما انجلت الحوادث عن طرد الأمويين إلا وأهل البيت صرعى تلك الحوادث بدلا ~~من أن ينالوا العطف من بني العباس لما حل بهم من فواجع دامية من الأمويين ، ~~ولما ناله العباسيون أنفسهم من الملك الفسيح بهم. # هكذا انجلت الغبرة بعد استلام العباسيين أزمة الحكم ، فما نسيت الناس ~~حوادث أهل البيت من الأمويين حتى كانت المقارع على رءوسهم من بني العباس ~~يتبع بعضها بعضا من دون رحمة ، ولا هوادة ، ولا فترة ، لما ذا هذا كله ، ~~ولما ذا كان أهل البيت دون غيرهم بيت المصائب والنوائب؟ فلنبحث عن السبب في ~~الفصل الآتي : PageV01P028 ### | ما جناية أهل البيت؟ # هتف القرآن المجيد بآيات كثيرة في شأن أهل البيت ، آمرا بمودتهم مخبرا عن ~~طهارتهم ، حاثا على الاعتصام بهم ، حاضا على طاعتهم ، معلنا عما لهم من ~~جزيل الفضل وعظيم المنزلة. # وأتبعه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم طيلة حياته كاشفا عما جمعه آله من ~~الفضائل ، وحبوا به من المفاخر ، يوجب تارة طاعتهم واتباعهم ، ويلزم أخرى ~~بمودتهم ويعطف طورا للقلوب عليهم ويستميل مرة النفوس إليهم إلى ما سوى ذلك. (1) # وما كان ذلك إلا لسعادة الناس أنفسهم ليأخذوا الدين من أهله والعلم من ~~معدنه ، فكان الحق على الناس احترامهم ، والانقطاع إليهم والانصراف عن غيرهم. # كان أهل البيت أعني عليا والزهراء وابنيهما وأبناء الحسين عليهم السلام ~~مثالا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في شمائله وفضائله وخصاله وفعاله ، فمن ~~أراد علم الرسول كانوا باب مدينته ، ومن أراد منطقه كانوا مظهر فصاحته ~~وبلاغته ، ومن أراد خلقه وجدهم أمثلة سيرته ، ومن أراد دينه وجدهم مصابيح ~~شريعته ، PageV01P029 # ومن أراد زهده وجد فيهم منهاج طريقته ، ومن أراد البر بعترته كانوا صفوة ~~ذريته ، ومن أراد النظر إليه كانوا جمال صورته ، هكذا كان أهل البيت إن ~~قستهم إلى صاحب البيت ، وهذا بعض ما كانوا فيه مثالا لشخصيته الكريمة ~~صلى الله عليه وآله وسلم . # ومن كانت له عند الرسول ms017 صلى الله عليه وآله وسلم ترة فمنهم الأخذ بترته ، أو ~~كان له مع الاسلام عداء فهم للاسلام أقوم عدته ، أو كان له مع الدين غضاضته ~~فإنهم للدين أوقى جنته ، أو كان له مع المعروف حرب فهم للمعروف أبناء دعوته ~~أو كان له مع المنكر ولاء فهم أعداء خطته. # وإن ذكر الخير كانوا أدلاءه ، أو سار الفضل كانوا لواءه ، أو نشر العدل ~~كانوا أخلاءه ، أو خاض الناس في المفاخر كانوا أبعدهم قعرا وأثمنهم درا ، ~~أو تسابق أهل الفخر إلى المكارم كانوا أسبقهم جولة ، وأبعدهم شوطا ، وإن ~~تنافسوا في الشرف كان عندهم الوقوف والاحجام ، فما من فضيلة إلا وإليهم ~~مآلها ، ومنهم انتقالها. # فاذا كان أهل البيت كما وصفنا فكيف لا يقف معهم بنو أمية موقف العدو ~~اللدود ، والخصم العنود ، ألم يكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد قتل منهم ~~في الله من قتل ، فمتى يأخذون منه تراتهم ، ولو أغضوا عن حماة الاسلام ، ~~ودعاة الدين لعاد النبي بدعوته ، كأنه لم يمت ولم يمت ذكره ، ولسار الاسلام ~~وأحكامه ونظامه كما أراده الجليل تعالى والرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، ولو ~~وقفوا معهم موقف المحايد لعرف الناس فضل أهل البيت وبأن للعالم حقهم ، ولما ~~بقيت عندئذ لأمية وسيلة لارتقاء منابر الاسلام ، وذريعة للاستيلاء على ~~البلاد واسترقاق العباد. # ما برحت أمية تظهر وتضمر العدل للرسول الأطهر صلى الله عليه وآله وسلم فلا PageV01P030 # بدع لو كانت مواقفهم مع آل الرسالة تلك المواقف المشهودة ولو كانوا على ~~غير ما عرفته الأيام منهم لكان ذلك بدعا من خلائقهم وأخلاقهم. # وأما بنو العباس ، فإنهم حين ملكوا الأمر ، وعبروا الجسر إلى مآربهم ، ~~الجسر الذي أقاموه على أكتاف الشيعة ، ورفعوا أعمدته من جماجم أولئك السذج ~~، عرفوا أن الحال إن هدأت سوف يحاسبهم الناس على الحق وموضعه والخلافة ~~وأهلها ، لأنهم لم ينهضوا معهم إلا لهدم عروش أمية ، وللأخذ بترات الدماء ~~الزكية التي أريقت من غير جرم ، ولبناء خلافة الرضا من آل محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم وما قاموا وقاوموا لأن يقيموا ms018 عرشا لبني العباس دون ~~بني علي فارتأى العباسيون أن يفتكوا بالرجال الذين عبدوا لهم السبل ، ~~ووطدوا لهم الطريق لاعتلاء أسرة الحكم ، كأبي سلمة الخلال وغيره ، حذرا من ~~ذلك الحساب ورأوا أن يضيقوا على أبناء علي ، ويضعوا عليهم العيون والرصد ، ~~خوفا من تلك النزعات التي تخالج نفوسهم أو يحملهم عليها الناس ، ورأوا أن ~~يكموا أفواه الشيعة بالإرهاب خشية من ذلك السؤال والحساب. # فما كانت جناية أبناء علي لديهم إلا أنهم أهل الحق والمقام ، وأهل البيعة ~~والخلافة ، بالقرابة أو بالنص أو بالفضيلة. # ولم يكن شيء يدعوهم لإنزال الضربات بالعلويين سوى أن العلويين أجدر ~~بالخلافة التي غلب عليها العباسيون ، وأن العباسيين لا يأمنون من وثباتهم ~~ما برح لأبناء علي مكانة سامية بين الناس ، وما برح فيهم قروم تطمح إليهم ~~الأنظار وتهوى إليهم القلوب ، فاتخذ العباسيون الغض من كرامة آل الرسول ~~صلى الله عليه وآله وسلم والفتك باولئك القروم ذريعة لميل النفوس وانكفاء ~~الأهواء عنهم ، ولو حذرا من الفتك والبطش ، كما كان دأبهم الإرغام لمعاطس ~~شيعة أهل البيت والتنكيل بهم ، لئلا تكون لهم قوة وشوكة يستعين بها أهل ~~البيت على النهضة. PageV01P031 # والفرق بين الأمويين والعباسيين هو أن الذي دعا الأمويين لحرب الهاشميين ~~شيئان : الانتقام من الرسول ، والتسلق للزعامة ، والذي دعا العباسيين : نيل ~~العروش والذب عنها فقط ، دون أن يكون منهم حرب مع النبي وشريعته بقصد ، وإن ~~كان حربهم لعلماء الشريعة حربا للشريعة وللصادع بها. # ولو ألقيت نظرة مستعجلة على ما لقيه أهل البيت من أجل تقمصهم بالفضائل ~~لعرفت كيف تحارب الدنيا الدين ، وكيف انطبع الناس على حب الدنيا وحلفائها ، ~~وعلى عداء الدين وحلفائه ، ولأبصرت أن بني العباس جروا في مضمار بني أمية ، ~~وإن سبقوهم شوطا بعيدا في حرب أهل البيت. # قتل بنو أمية الحسين بن علي عليهما السلام في الطف ومعه صفوة زاكية من أهل ~~بيته ، ونخبة صالحة من أصحابه ، حين وثب منكرا عليهم تلاعبهم بالدين حسب ~~الأهواء ، وقتل بنو العباس الحسين بن علي بفخ ومعه غرانيق من العلويين عز ~~على وجه الأرض نظيرهم ms019 ، حين نهض منكرا عليهم ما ارتكبوه من الأعمال التي ~~أغضبوا بها الدين وأهله. # سم بنو أمية من الأئمة ثلاثة : الحسن والسجاد والباقر عليهم السلام ، وسم ~~بنو العباس منهم ستة : الصادق والكاظم والرضا والجواد والهادي والعسكري ~~عليهم السلام . # أرسل هشام بن عبد الملك على الباقر والصادق عليهما السلام إلى الشام لينال ~~منهما سوء فحين حلا بالشام لم يجد بدا من إكرامهما وتسريحهما إلى المدينة ~~حذرا من أن يفتتن بهما الناس ، وأما بنو العباس فلم يتركوا إماما يقر في ~~بيته ، أرسل السفاح خلف الصادق ، وأرسل المنصور أيضا خلفه مرات عديدة ، ~~وأرسل الرشيد خلف الكاظم وحبسه ثم أطلقه ، ولم يطل العهد حتى أرسل عليه مرة ~~أخرى ، فما خرج من الحبس إلا وهو قتيل السم ، ولا تسل عما ارتكبه معه حين PageV01P032 # إخراجه من السجن والنداء عليه على الجسر ، وأرسل المأمون خلف الرضا إلى ~~طوس ، فما عاد إلى أهله بل عاجله بالسم وهو في خراسان ، وأرسل خلف الجواد ~~ثم سرحه من دون أن يأتي إليه بسوء ، وما قبض المعتصم زمام الأمر إلا وأرسل ~~خلف أبي جعفر الجواد عليه السلام وحبسه ، وما أطلقه من السجن حتى دبر الحيلة ~~في قتله بالسم ، وأرسل المتوكل خلف أبي الحسن الهادي عليه السلام وجد في ~~النيل من كرامته إلى أن هلك ، وما زال يلاقي من ملوك العباسيين ضروب الأذى ~~والتضييق ، يسجن مرة ويطلق أخرى إلى أن سقاه المعتز السم ، وبقى ولده أبو ~~محمد الحسن عليه السلام في سامراء ، لا يأذنون له بالإياب إلى المدينة ، ولا ~~يتركونه قارا في بيته ، بل يحبسونه مرة ويطلقونه أخرى ، إلى أن قضي بسم ~~المعتمد ، وصار يفحص عن ابنه أبي القاسم حين علم أن له ولدا ابن خمس يريد ~~أن يقبضه ليقضي عليه ، فتغيب هاربا من جورهم وفتكهم حتى اليوم. # أباد الامويون جماعة من العلويين بالسم والحبس والقتل والصلب أمثال زيد ~~ويحيى وفئة أخرى يوم الحرة ، وعبد الله أبي هاشم بن محمد بن الحنفية على ~~قول وغيرهم ، وأين هؤلاء من تلك العدة التي أبادها العباسيون وكفى ms020 منهم ~~قتلى فخ والعصابة التي قضوا في قعر السجون ، وما ارتقى العرش عباسي إلا ~~وقتل جماعة من العلويين. # هرب من جور الامويين أمثال يحيى وعبد الله الجعفري وعدة أخرى ولكن أنى ~~تقاس كثرة بالذين هربوا واختفوا خوفا من العباسيين ، وأين أنت عن القاسم ~~وأحمد ابني الامام الكاظم عليه السلام وعيسى بن زيد وغيرهم ، بل لم ينتشر ~~العلويون فى الأقطار النائية كالهند وايران إلا هربا من بني العباس وحذرا ~~من بطشهم ، وكان الكثير منهم يخفي نسبه حذرا من ولاتهم. PageV01P033 # ولئن غدر الامويون ببعض العلويين والعباسيين فقتلوهم سما فلا تسل عمن غدر ~~به العباسيون من العلويين ، ولو تصفحت « مقاتل الطالبيين » لعرفت ما ارتكبه ~~منهم بنو العباس. # ولئن أحرق الامويون بيوت أبناء الرسالة يوم الطف ، فلقد أحرق العباسيون ~~دار الصادق عليه وعلى عياله ، حتى خرج الصادق إليها فأطفأها وقد سرت في ~~الدهليز. # ولئن سلب الأمويون بنات الرسالة يوم الطف ، فلقد أرسل الرشيد قائده ~~الجلودي إلى المدينة ليسلب ما على الطالبيات من حلي وحلل ، فكان الجلودي ~~أقسى من الجلمد في إمضاء ما أراده فلم يترك لعلوية ولا طالبية حلة ولا حلية. # وسير هشام بعد حادثة زيد كل علوي من العراق إلى المدينة وأقام لهم ~~الكفلاء ألا يخرجوا منها ، وسير موسى الهادي بعد حدثة فخ كل علوي من ~~المدينة إلى بغداد حتى الأطفال فأدخلوا عليه وقد علتهم الصفرة مما شاهدوه ~~من الرعب والتعب والأحداث. # وهكذا لو أردنا أن نقايس بين أعمال الدولتين ، فلا نجد للامويين حدثا في ~~الإساءة لأهل البيت إلا وللعباسيين مثله مضاعفا ، فكأنما اتخذوا تلك الخطة ~~مثالا لهم يسيرون عليها ، وزاد العباسيون أن اختصوا بأشياء من فوادحهم مع ~~العلويين لم يكن للامويين مثلها ، كجعلهم العلويين بالأبنية والاسطوانات ~~حتى جعل المنصور أساس بغداد عليهم ، ولا تنسل عمن وضعه الرشيد في تلك ~~المباني من الفتية العلوية البهاليل. # وقطع الرشيد شجرة عند قبر الحسين عليه السلام كان يستظل بها زائروه ، وهدم ~~المتوكل قبره وما حوله من الأبنية والبيوت ، وحرث أرض كربلاء وزرعها ليخفي ~~القبر وتنطمس آثاره ms021 ، حتى قيل في ذلك : PageV01P034 تالله إن كانت أمية قد أتت %~% قتل ابن بنت نبيها مظلوما فلقد أتته بنو أبيه بمثله %~% فغدا لعمرك قبره مهدوما أسفوا على ألا يكونوا شاركوا %~% في قتله فتتبعوه رميما # ولقد كانت أيام بني أمية ألف شهر وقد قتلوا فيها الأماثل من العلويين ولو ~~حسبت من بدء أيام بني العباس إلى ألف شهر لوجدت إن العباسيين قد قتلوا من ~~العلويين أضعاف ما قتله الأمويون ، وما قتلوهم إلا وهم عالمون بما لهم من ~~فضل وقربى ، وهذا موسى بن عيسى الذي حارب أهل فخ يقول عن الحسين صاحب فخ ~~وأصحابه : هم والله أكرم خلق الله وأحق بما في أيدينا منا ولكن الملك عقيم ~~، لو أن صاحب هذا القبر يعني النبي صلى الله عليه وآله وسلم نازعنا الملك ضربنا ~~خيشومه بالسيف. (1) # على أن هذا الآثم الجريء اعترف بذنبه ، ولكنه لم يذكر الحقيقة كلها لأن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والصفوة من آله لم يطلبوا الملك للملك ، ~~وإنما يطلبونه للدين وللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولإزالة البدع ~~والضلالات ولو طلبوا الملك للملك لما رشقنا الامويين والعباسيين بنبال ~~اللوم على ما جنوه مع الطالبيين ، وهل يلام الظافر بقرينه إذا تجالدا على ~~السلطان. # أترى أن الحسين في نهضته ، وزيدا في وثبته ، ويحيى في جهاده ، والحسين ~~بفخ في دفاعه ، وأمثالهم من الطالبيين أهل الدين والبصائر ، كانوا يضحون ~~بالنفس والنفائس لأجل السلطان ، وكيف يتطلبون الدنيا محضا وهم دعاة الدين ، ~~وأدلاء الهدى ، ومصابيح الرشاد ، وكيف يتطلبون الملك وهم يعلمون أن ما ~~لديهم من قوة لا يفوز بها الناهض بالظفر والنصر ، نعم ضحوا بتلك النفوس PageV01P035 # الثمينة والنفائس لما عرفوه من أن الدين أنفس من نفوسهم ، ومن استغلى ~~الثمن هان عليه البيع ، وهل عرف الناس الحق صراحا ، والدين يقينا ، إلا بعد ~~تلك القرابين ، وهل ظهر الحق على الباطل في الحجة والبرهان إلا بعد ذلك ~~الفداء. # كانت واقعة الطف وتضحيات العلويين مثالا لأرباب الدين وتعليما لرجال الحق ~~عند المنافسة بين الهدى والضلال ، والحق والباطل ، ولم تدع عذرا ms022 لدعاة ~~الدين عن الفداء في سبيل النصرة ، فإنهم بأعمالهم علموهم كيف يكون الانتصار ~~في هذه التضحية ، وكيف تكون الحياة في هذا الممات ، وإن تلك التجارب للجام ~~الأفواه عن العذر بالعجز ، إذ ليس النصر لفوز العاجل وإلا فإن يوم الحسين ~~وأيام العلويين كانت أيام الظفر لأعدائهم ، ولكن ما عرف الناس إلا بعد حين ~~أن الظفر والفوز كانا لأولئك العلويين الناهضين الذين بذلوا ما لديهم في ~~سبيل الدين ، وأن الخسران في الدنيا والدين لأعدائهم الظافرين في يومهم. # وبتلك الحوادث بان للعالم ما كان عليه أهل البيت من الدين والجهاد في ~~إحياء الشريعة ، وما كان عليه أعداؤهم من الدنيا والحرب للدين ، واتضحت ~~نوايا الفريقين ، وبانت أقصى غاياتهم من أعمالهم هاتيك ، وإلا فأي ذنب ~~للطفل الرضيع وقد جف لبنه وذبلت شفتاه عطشا أن يقتل على صدر أبيه ، حتى ~~يتركه السهم يرفرف كالطير المذبوح. # وأي ذنب للأطفال الذين لم يحملوا السلاح ، ولم يلجوا حومة الحرب أن ~~يذبحوا صبرا ، أو يداسوا بالخيل قسرا. # وأي ذنب للنساء عقائل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن تسبى على الهزل بعد ~~السلب والسب الضرب ، ولما ذا تحمل من بلد لآخر كما تساق الإماء. # ولو أن الحسين ورهطه قد حاربوا طلبا للسلطان لما استحق بعد القتل أن PageV01P036 # يداس جسمه ويرفع على القناة رأسه ، وتسبى على المهازيل أهله ، أترى أن ~~قطع الرءوس ، ورض الصدور والظهور بسنابك الخيل ، وسلب الجثث وتركها عارية ، ~~وإبقاءها بالعراء بلا دفن ، وأخذ النساء أسارى مما يجازى به القتيل الناهض ~~للملك والسلطان. # إن الذي يذر الملح على الجرح ، وينكأ القرحة ، ويزيد في النكبة أن القوم ~~لم يفعلوا بالحسين وأهله تلك الفعلة النكراء الفظيعة عن جهل بمقامه ، ~~واعتقاد بخروجه عن الدين ، بل إنهم ليعلمون أنه صاحب الدين ، ورب الخلافة ~~والامامة ، وسيد شباب أهل الجنة ، وريحانة الرسول ، بل يعلمون بكل ما له من ~~سابقة وفضل. # وهكذا لو فتشت عن الأمر في غير الحسين عليه السلام فإنك لتجد الحال في زيد ~~ويحيى وأهل فخ ، وما سواهم من أمثال أهل البيت الذين ms023 كانوا طعمة للسيوف ، ~~ومنتجعا للسم ، ووقفا على الحبوس ، كالحال في الحسين في المعرفة بهم والعمد ~~على ظلمهم. # فلا بدع إذن لو وضح للعالم من تلك المواقف المشهودة ، والمشاهد المعلومة ~~، أن الحرب بين أهل البيت وبين أعدائهم من نوع حرب الفضيلة والرذيلة ، وأن ~~الذين يريدون العروش لا يستطيعون نيلها إلا بمحاربة أهل البيت ومحوهم من ~~صفحة الوجود ، لأنهم يعتقدون أنهم لا يصلون إلى الغاية ولأهل البيت شبح ~~قائم ، وظل يتفيؤه الناس ، فما كانت جناية أهل البيت إذن لدى الناس إلا ~~أنهم أهل الدين ، وأرباب الفضائل ، فلا ترتقي الناس أرائك الخلافة وأهل ~~البيت أكفاؤها الذين خلقت لهم وخلقوا لها تعرفهم الأمة قياما بين أبناء ~~الاسلام. # * * * PageV01P037 ### | المذاهب والنحل # كانت أيام أبي عبد الله الصادق عليه السلام أيام نحل ومذاهب ، وآراء ~~وأهواء ، وكلام وبحث ، وبدع وأضاليل ، وشبه وشكوك ، ونحن الآن نذكر أصول ~~تلك الفرق والمذاهب موجزا ، جريا على السنن الذي درجنا فيه ، لأن التبسط في ~~البحث يخرجنا عن خطة الكتاب ، وفي كتب الملل والنحل المعدة لهذا الشأن بعض ~~الاغناء. ### ||| اصول الفرق الإسلامية : # إن الأمة الاسلامية قد افترقت ثلاث وسبعين فرقة كما أنبأ عن ذلك نبينا ~~الصادق الأمين صلى الله عليه وآله وسلم بقوله : ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين ~~فرقة (1)، وتلك من أعلام نبوته وما أكثرها. # والذي نريد أن نبحث عنه في هذا الفصل هو ما كان من الفرق في عصر الصادق ~~بارزا يعرف ، ونخص البحث في الأصول التي ترجع إليها الفرق المتشعبة ، وقد ~~نشير إلى بعض تلك الشعب بعد ذكر الأصل ، وذلك أقرب للقصد ، وأمس بالخطة. PageV01P038 # إن جميع أصول الفرق الاسلامية ، التي إليها المرجع والمآل أربعة : ~~المرجئة ، المعتزلة ، الشيعة ، الخوارج (1) فإن كل فرقة تنتمي إلى أحد هذه ~~الأصول ، وأما الغلاة وإن رمتهم الفرق الأخرى بالكفر إلا أنهم أيضا من شعب ~~هذه الأصول ولو بزعمهم فالكلام في هذه الأصول الأربعة عنوان البحث. ### || 1 المرجئة : # يمكننا أن نقول : إن المرجئة اليوم يقصد منها الأشاعرة فحسب ، وهم عامة ~~أهل السنة في الاعتقاد في هذه الآونة ، إذ لم ms024 يبق على مذهب أهل الاعتزال في ~~هذه الأزمنة أحد معروف. # كانت المرجئة قبل الأشعري فرقا متكثرة ، وكلها قسم من أهل السنة المقابل ~~للشيعة والخوارج ، غير أنه لما حدث مذهب الأشعري في الاعتقاد أصبح عنوان ~~المرجئة عنوانا آخر لأهل السنة ، أو للمذهب الأشعري بوجه عام ، قال ~~الشهرستاني في الملل والنحل (2): « وقيل الارجاء تأخير علي عليه السلام عن ~~الدرجة الأولى إلى الرابعة » انتهى. وهذا كما ترى هو ما عليه أهل السنة أجمع. # وليس من قصدنا أن نبحث عن جهة اجتماع هذه العناوين في المذهب الأشعري أو ~~افتراقها عنه ، وإنما القصد الأولي أن نعرف ما كان عليه المرجئة في ذلك ~~اليوم ، وليس من شك بأن المرجئة في ذلك العهد كانت فرقا ومذاهب يجمعها ~~قولهم بالاكتفاء في الايمان بالقول وإن لم يكن عمل ، حتى لو ارتكب مدعي ~~الايمان من الجرائم والمآثم كل موبقة لما أخرجه ذلك عندهم عن ربقة PageV01P039 # الايمان ، بل كان على ايمان جبرئيل وميكائيل ، ورجوا لهؤلاء مرتكبي ~~الكبائر المغفرة ، ولعله من هنا سموا المرجئة أو من جهة أن الله تعالى أرجأ ~~تعذيبهم ، من الارجاء التأخير أو لتأخيرهم عليا عليه السلام عن الدرجة ~~الأولى إلى الرابعة ، كما ينقله الشهرستاني. # إن أقصى ما يمكن استفادته في القول الجامع لفرق المرجئة هو ما أشرنا إليه ~~، وهو الذي تفيده كتب الفريقين ، التي تذكر اجتماع الفرق وافتراق النحل. # وهل كان أبو حنيفة ونظراؤه من المرجئة الماصرية (1) وهم مرجئة أهل العراق ~~، والشافعي والثوري ومالك بن أنس وابن أبي ليلى وشريك بن عبد الله ونظراؤهم ~~من المرجئة الذين يسمون الشكاك ، أو البترية ، وهم أهل الحشو والجمهور ~~العظيم المسمون بالحشوية؟ ذلك ما لا نستطيع البت به ، لأن كتب الفرق اختلفت ~~في تلك النسب ، ولم تستند في تحقيق ما تقوله إلى مصدر صريح لنتعرف صحة ~~الأقاويل ، فإن تعصب أولئك المؤلفين لنحلهم ومذاهبهم يجعل النحل الأخرى ~~هدفا لهم ، وساعد على هذه الجناية رجال السلطات الزمنية في تلك العصور ، ~~لأنهم إذا حاولوا ترويج فرقة أو محاربة أخرى استأجروا لهذا الغرض أقلاما ~~ومحابر ، وخطباء ms025 ومنابر ، فمن هنا قد تضيع الحقيقة على من لا دراية له وتتبع. # ولربما أوقعت تلك المؤلفات كثيرا من الكتاب في أشراك الخبط والخلط وصفوة ~~القول ان الاعتماد على تلك الكتب في صحة النسب ليس بالسهل ، PageV01P040 # فمن ثم لا يصح لدينا من تلك الفرق التي نسبت إلى المرجئة إلا الجهمية ~~أصحاب جهم بن صفوان لصراحة اعتقادهم بما ذكرناه عنهم ولإجماع المؤلفين. # كما أنه قد رووا في لعن المرجئة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما نحن ~~براء من تبعته مثل قوله : لعنت المرجئة على لسان سبعين نبيا ، قيل : من ~~المرجئة يا رسول الله؟ قال : الذين يقولون : الايمان كلام (1). # والخلاصة : أن المرجئة كانت ولا شك في ذلك العهد ، كما أنها كانت وهي ذات ~~فرق ، ويجمعها في الاعتقاد ما ذكرناه من كفاية القول في الايمان وإن لم يكن ~~عمل يطابق ذلك الاعتقاد ، بل حتى لو كان العمل على نقيض ذلك القول ، ولسنا ~~في حاجة إلى الغور في تشعباتها وخصوصيات ما اعتقدته تلك الشعب لجواز ألا ~~نصيب شاكلة الهدف ، ونحن في فسحة من الوقوع في أمثال هذه المزالق ، نسأله ~~تعالى العصمة من الخطأ ، والأمان من العثار. ### || 2 المعتزلة : # لا نشك في أن الاعتزال وليد عصر الصادق عليه السلام ، وفي ذلك العصر نشأ ~~وشب ، وذلك حين اعتزل عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء وغيرهما حوزة الحسن ~~البصري فنبذوهم بهذا اللقب ، وما قيل من أنه وليد عصر أمير المؤمنين ~~عليه السلام حينما اعتزل سعد بن أبي وقاص وابن عمر وأسامة بن زيد حروب أمير ~~المؤمنين فلا وجه له ، لأن ذلك الاعتزال لم يكن اعتزالا مذهبيا على أساس في ~~الرأي أو شبهة في الدين ، وما كان إلا انحرافا عن أمير المؤمنين عليه السلام ~~ولذا لم يكن اسم الاعتزال معروفا في ذلك العهد ، ولا سمي هؤلاء بالمعتزلة في ذلك PageV01P041 # اليوم ، ولا أن المعتزلة ينتمون إلى أولئك في المذهب. # والمعتزلة افترقت فرقا كثيرة بعد أن اتفقت على الاعتزال ، وليس في يومنا ~~الحاضر أحد معروف النسبة إليه على ما ms026 أحسب ، والذي يجمع عقيدة الاعتزال ما ~~نقله صاحب « الفرق بين الفرق » ص 94 عن الكعبي في مقالاته : إن المعتزلة ~~أجمعت على أن الله عز وجل شيء لا كالأشياء ، وأنه خالق الأجسام والاعراض ، ~~وأنه خلق كل ما خلقه من لا شيء ، وأن العباد يفعلون أعمالهم بالقدر التي ~~خلقها الله سبحانه وتعالى فيهم ، قال : وأجمعوا على أن الله لا يغفر ~~لمرتكبي الكبائر بلا توبة. # هذا ما حكاه عن الكعبي في القول الجامع في الاعتقاد لفرق المعتزلة ، ~~ونكتفي به عن الكلام عما يعتقدون ، ولسنا بصدد التمحيص لنضع هذا الكلام في ~~ميزان النقد ، ونتعرف صحة ما صوبه صاحب الفرق نحو هذا الزعم كما دعانا هذا ~~لإغفال ما ينسبه إليهم ابن حزم والشهرستاني وصاحب الفرق من الأقوال ~~الكثيرة. # ثم اننا بعد هذا لا نتبسط في البحث عن فروع ذلك الأصل ، وما يمتاز به كل ~~فرع منها في الاعتقاد فيما يزيد على الجامع ، فإن التبسط خروج عن الخطة ~~الموسومة ، مع اننا لا نأمن من العثار. # وهل القدرية هم هؤلاء المعتزلة؟ أو هم نفس الأشاعرة؟ ذلك موضع الشك ، ~~لأنا إن أردنا من القدرية من يقول : بأن أفعال العباد مخلوقة لهم وأنها من ~~صنعهم وتقديرهم وإنما خلق الله فيهم قوة وقدرة بها يفعل العباد أعمالهم فهم ~~المعتزلة ، على ما نقل عنهم من القول الجامع السابق ، ولا يكونون على هذا ~~نفس الأشاعرة ، لأن الأشاعرة على العكس من ذلك يرون أن الأفعال كلها من صنع ~~الله تعالى وتقديره دون العبد. PageV01P042 # وإن أردنا من القدرية من يقول بأن القدر خيره وشره من الله تعالى فيكونون ~~حينئذ هم الأشاعرة يقينا. # وقد روى الشهرستاني عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قوله : القدرية مجوس ~~هذه الأمة ، وقوله : القدرية خصماء الله في القدر. (1) # ولا ندري إن صحت الرواية أين يتوجه هذا الذم الصريح ، والسمة الفاضحة. ### || 3 الشيعة : # كان التشيع على عهد صاحب الشريعة الغراء وسمى بعض الصحابة بالشيعة من ذلك ~~اليوم ، أمثال سلمان وأبي ذر والمقداد وعمار وحذيفة وخزيمة وجابر وأبي سعيد ~~الخدري وأبي ms027 أيوب وخالد بن سعيد بن العاص وقيس بن سعد وغيرهم (2). # والشيعة لغة : الأتباع والأنصار والأعوان ، وأصله من المشايعة المطاوعة ~~والمتابعة ، ولكن هذا اللفظ اختص بمن يوالي عليا وأهل بيته عليهم السلام (3). # وأول من نطق بلفظ الشيعة قاصدا به من يتولى عليا والأئمة من بنيه هو صاحب ~~الشريعة سيد الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم وقد جاءت عنه في ذلك عدة أحاديث (4). PageV01P043 # وأما فرق الشيعة فهي كثيرة ، وقد أنهتها بعض كتب الملل والنحل إلى أكثر ~~مما نعرفه عنها ، فذكرت فرقا كثيرة ، ورجالا تنسب الفرق إليهم ، أمثال ~~الهشامية نسبة إلى هشام بن الحكم ، والزرارية نسبة إلى زرارة بن أعين ، ~~والشيطانية نسبة إلى مؤمن الطاق محمد بن النعمان الأحول ، واليونسية نسبة ~~إلى يونس بن عبد الرحمن ، إلى غيرها ، والحق اننا من أهل البيت وأهل البيت ~~أدرى بما فيه لا نعرف عينا ولا أثرا لهذه الفرق ، ولا للبدع التي نسبت ~~لهؤلاء الرجال. # وإن من نظر في كتب الحديث وكتب الرجال للشيعة عرف أن هؤلاء من خواص ~~الأئمة الذين يعتمدون عليهم ويرجعون الشيعة إليهم ، ولو كان لهم آراء ~~ومذاهب لا يرتضيها الأئمة لسخطوا عليهم وأبعدوهم عنهم ، ومن سبر ما جاء ~~عنهم في الرجال الذين انتحلوا البدع لعلم أن هؤلاء برآء مما نسبوه إليهم ، ~~فإنهم برءوا من ابن سبأ ولعنوه وحذروا من بدعه ، وبرءوا من المغيرة بن سعيد ~~حين صار يكذب على الباقر عليه السلام ويدعي الأباطيل ، كما برىء الصادق ~~عليه السلام من أبي الخطاب وجماعته ، ومن أبي الجارود وكما قالوا في بني ~~فضال : خذوا ما رووا ودعوا ما رأوا ، وكما برىء الحجة المغيب من جماعة ~~خلطوا في الدين وادعوا أنهم أبوابه ، إلى غير هؤلاء (1) ولو كان مثل هؤلاء ~~الصفوة على مثل تلك الضلالات التي نسبت إليهم لكان نصيبهم من الأئمة نصيب ~~غيرهم من الضالين البراءة منهم والذم واللعن لهم. # نعم كانت للشيعة فرق قبل عصر الصادق عليه السلام وبعده وقد ذهبت ذهاب أمس ~~الدابر ، ولم يبق منها اليوم شيء معروف إلا ثلاث فرق : PageV01P044 # 1 الإمامية ms028 : وهم القائلون بإمامة الاثنى عشر ، وولادة الثاني عشر ووجوده ~~اليوم حيا ويترقبون كل حين ظهوره. # 2 الزيدية : وهم الذين يرون إمامة زيد وكل من قام بالسيف من بني فاطمة ، ~~وكان مجمعا للخصال الحميدة. # 3 الاسماعيلية : وهم الذين يجعلون الامامة بعد الصادق عليه السلام في ابنه ~~إسماعيل دون موسى وبنيه عليهم السلام . # هذا ما بقي من فرق الشيعة ظاهرا يعرف منذ عهد بعيد حتى الزمن الحاضر ، ~~وأما ما كان منهم في الزمن الماضي ، فقد بحث عنه النوبختي في كتابه « فرق ~~الشيعة » وليس اليوم منها فرقة معروفة عدا ما ذكرناه. # والذي يهمنا ذكره من بينها هو ما كان في أيام الصادق عليه السلام وإن لم ~~يبق اليوم منهم نافخ ضرمة. ### ||| الكيسانية : * # فمن فرق الشيعة في عهد الصادق عليه السلام ( الكيسانية ) وهم الذين قالوا ~~بإمامة محمد بن الحنفية ، وقد اختلفوا في سبب تسميتهم بهذا الاسم ، وهم ~~ينتهون إلى فرق : # فرقة قالت بأن محمدا ، هو المهدي ، وهو وصي أمير المؤمنين عليه السلام ~~وليس لأحد من أهل بيته مخالفته ، وأن مصالحة الحسن عليه السلام لمعاوية كانت ~~بإذنه ، وخروج الحسين عليه السلام أيضا بإذنه ، كما أن خروج المختار PageV01P045 # طالبا بالثأر أيضا بإذنه ، وفرقة قالت بإمامته بعد أخويه الحسنين ~~عليهما السلام ، وإنه هو المهدي وبذلك سماه أبوه ، وإنه لم يمت ولا يموت ولا ~~يجوز ذلك ، ولكنه غاب ولا يدري أين هو ، وسيرجع ويملك الأرض ، ولا إمام بعد ~~غيبته إلى رجوعه وهم أصحاب ابن كرب ويسمون « الكربية ». # وفرقة قالت : بأنه مقيم بجبال رضوى بين مكة والمدينة ، وهو عندهم الإمام ~~المنتظر. # وفرقة قالت : بأنه مات والامام بعده ابنه عبد الله ، ويكنى أبا هاشم وهو ~~أكبر ولده ، وإليه أوصى أبوه ، وسميت هذه الفرقة « الهاشمية » بأبي هاشم ، ~~وهذه الفرقة قالت فيه كما قالت الفرق الاول في أبيه ، بأنه المهدي وأنه حي ~~لم يمت بل غلوا فيه وقالوا إنه يحيي الموتى ، ولكن لما توفي أبو هاشم ~~افترقت أصحابه إلى فرق. # وكان من الكيسانية رجال لهم ذكر ونباهة ، منهم كثير عزة وله بذلك ms029 شعر يروى. # وكان منهم السيد إسماعيل الحميري الشهير. وله أيضا شعر يشهد بما نسبوه ~~إليه ، ولكنه عدل عن ذلك إلى القول بإمامة الصادق عليه السلام بعد أن ناظره ~~الصادق وأقام الحجة عليه ، وله في العدول والذهاب إلى إمامة الصادق شعر مذكور. # ومنهم حيان السراج ، وقد دخل يوما على الصادق عليه السلام فقال له أبو عبد ~~الله : يا حيان ما يقول أصحابك في محمد بن الحنفية؟ قال : يقولون : إنه حي ~~يرزق ، فقال الصادق عليه السلام : حدثني أبي عليه السلام : إنه كان فيمن عاده ~~في مرضه وفيمن غمضه وأدخله حفرته وزوج نساءه وقسم ميراثه ، فقال : يا أبا ~~عبد الله إنما مثل محمد في هذه الأمة كمثل عيسى بن مريم شبه أمره PageV01P046 # للناس ، فقال الصادق عليه السلام : شبه أمره على أوليائه أو على أعدائه؟ ~~قال : بل على أعدائه ، فقال عليه السلام : أتزعم أن أبا جعفر محمد بن علي ~~عليهما السلام عدو عمه محمد بن الحنفية؟ فقال : لا ، ثم قال الصادق ~~عليه السلام : يا حيان إنكم صدفتم (1) عن آيات الله وقد قال تبارك وتعالى « ~~سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون » (2). # وقال بريد العجلي (3): دخلت على الصادق عليه السلام فقال لي : لو سبقت ~~قليلا لأدركت حيان السراج ، واشار إلى موضع في البيت ، فقال : كان هاهنا ~~جالسا ، فذكر محمد بن الحنفية وذكر حياته ، وجعل يطريه ويقرضه ، فقلت له : ~~يا حيان أليس تزعم ويزعمون ، وتروي ويروون : لم يكن في بني إسرائيل شيء إلا ~~وهو في هذه الأمة مثله؟ قال : بلى ، فقلت : هل رأينا ورأيتم ، وسمعنا ~~وسمعتم بعالم مات. على أعين الناس ، فنكحت نساؤه وقسمت أمواله ، وهو حي لا ~~يموت؟ فقام ولم يرد علي شيئا (4). # والكيسانية من الفرق البائدة ، ولا نعرف اليوم قوما ينتسبون إليها. ### ||| الزيدية : # ومن الفرق التي تنسب إلى التشيع ( الزيدية ) نسبة إلى زيد بن علي بن ~~الحسين عليهما السلام ، لأنهم قالوا بإمامته. PageV01P047 # وزيد عليه السلام ما ادعى الامامة لنفسه بل ادعتها الناس له ، وما دعاه ~~للنهضة إلا نصرة الحق وحرب الباطل ms030 ، وزيد أجل شأنا من أن يطلب ما ليس له ، ~~ولو ظفر لعرف أين يضعها ، وقد نسبت بعض الأحاديث ادعاءه الإمامة لنفسه ، ~~ولكن الوجه فيها جلي ، لأن الصادق عليه السلام كان يخشى سطوة بني أمية ، ولا ~~يأمن من أن ينسبوا إليه خروج زيد ، وإن قيامه بأمر منه ، فيؤخذ هو وأهله ~~وشيعته بهذا الجرم ، فكان يدفع ذلك الخطر بتلك النسبة ، ولو كان زيد كما ~~تذكره هذه الأحاديث لم يبكه قبل تكوينه جداه المصطفى والمرتضى عليهما ~~وآلهما السلام ، ولم تبلغ بهما ذكريات ما يجري عليه مبلغا عظيما من الحزن ~~والكآبة ، كما هو الحال في آبائه عند ما يذكرون مقتله وما يجري عليه بعد القتل. # وكفى في إكبار نهضته وبراءته مما يوصم به بكاء الصادق عليه السلام عليه ~~وتقسيمه الثائرين معه بالمؤمنين ، والمحاربين له بالكافرين. # وكيف يكون قد طلب الامامة لنفسه والصادق عليه السلام يقول : رحمه الله أما ~~أنه كان مؤمنا وكان عارفا وكان عالما وكان صدوقا ، أما أنه لو ظفر لوفى ، ~~أما أنه لو ملك لعرف كيف يضعها (1). ويقول : ولا تقولوا خرج زيد فإن زيدا ~~كان عالما ، وكان صدوقا ، ولم يدعكم إلى نفسه ، إنما دعاكم إلى الرضا من آل ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم (2) ولو ظفر (3) لوفى بما دعاكم إليه ، وإنما خرج ~~إلى سلطان مجتمع لينقضه (4). PageV01P048 # ويقول الرضا عليه السلام للمأمون : لا تقس أخي زيدا إلى زيد بن علي ~~عليهما السلام فإنه كان من علماء آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم غضب لله عز ~~وجل فجاهد أعداءه حتى قتل في سبيله ، إلى أن يقول : إن زيد بن علي ~~عليه السلام لم يدع ما ليس له بحق ، وإنه كان أتقى لله من ذلك ، إنه قال : ~~أدعوكم للرضا من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم (1). # ولم تكن هذه الصراحة من الرضا عليه السلام إلا لأن العهد عهد العباسيين ~~ويقول ابنه يحيى : رحم الله أبي كان أحد المتعبدين قائما ليلة صائما نهاره ~~جاهد في سبيل الله حق جهاده ، فقال عمير بن المتوكل البلخي ms031 : فقلت : يا بن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هكذا يكون الامام بهذه الصفة ، فقال : يا ~~عبد الله إن أبي لم يكن بإمام ، ولكن كان من السادة الكرام وزهادهم ، وكان ~~من المجاهدين في سبيل الله ، قال : قلت : يا بن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم إن أباك قد ادعى الامامة لنفسه وخرج مجاهدا في سبيل ~~الله ، وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيمن ادعى الامامة كاذبا ~~، فقال : مه مه يا عبد الله إن أبي كان أعقل من أن يدعي ما ليس له بحق ، ~~إنما قال : أدعوكم إلى الرضا من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، عنى بذلك ~~ابن عمي جعفرا عليه السلام ، قال : قلت : فهو اليوم صاحب فقه ، قال : نعم هو ~~أفقه بني هاشم. (2) # وهذا الحديث كما كشف عن منزلة زيد الرفيعة في الدين والفضيلة وبطلان ما ~~نسبوه إليه ، فقد أثبت ليحيى مقاما عليا في الورع والعلم والفقه. # والأحاديث عن نزاهة زيد عن تلك الدعوى وافرة جمة ، فهو أتقى وأنقى من PageV01P049 # أن يلوث نفسه الطاهرة بدعوى الامامة ، وإنما ادعتها له بعض الناس بعد ~~وفاته فعرفوا بالزيدية لتلك المقالة. # والزيدية فرق يجمعها القول : بأن الامامة في أولاد فاطمة عليها السلام ولم ~~يجوزوا ثبوت إمامة في غيرهم ، إلا أنهم جوزوا أن يكون كل فاطمي عالم زاهد ~~شجاع سخي خرج بالسيف إماما واجب الطاعة سواء كان من أولاد الحسن عليه السلام ~~أو من أولاد الحسين عليه السلام ، ومن ثم قالت طائفة منهم بإمامة محمد ~~وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن بن الحسن عليه السلام (1) أحسب أن اشتراط ~~الامامة في بني فاطمة إنما كان منهم فيمن يكون إماما بعد زيد ، لأن بعض ~~الفرق منهم رأت ثبوت الامامة للشيخين كما ستعرف. ### ||| البترية : # فمن فرق الزيدية ( البترية ) وهم أصحاب كثير النواء ، والحسن بن صالح بن ~~حي ، وسالم بن أبي حفصة ، والحكم بن عيينة ، وسلمة بن كهيل ، وأبي المقدام ~~ثابت الحداد ، وهم الذين دعوا إلى ولاية علي عليه السلام ثم ms032 خلطوها بولاية ~~أبي بكر وعمر وأثبتوا لهما الامامة ، وطعنوا في عثمان وطلحة والزبير ~~وعائشة. وقيل : سموا بالبترية لأن زيد بن علي قال لهم عند ما أخذوا يذكرون ~~معتقداتهم : بترتم أمرنا بتركم الله ، وقيل : سموا بذلك لأنهم منسوبون إلى ~~كثير النواء وكان أبتر اليد (2). # ولو صحت هذه النسبة لكان الأصح فيها أن يقال الأبترية لا البترية. PageV01P050 ### ||| السليمانية : # ومنهم ( السليمانية ) نسبة إلى سليمان بن جرير ، وكانوا يرون إمامة ~~الشيخين ، ولكن يطعنون في عثمان وطلحة والزبير وعائشة ، وينسبونهم إلى ~~الكفر ، ويرون أن الامامة شورى ، وتنعقد بعقد رجلين من خيار الأمة ، ~~وأجازوا إمامة المفضول مع وجود الأفضل وزعموا أن الأمة تركت الأصلح في ~~البيعة لما بايعوا أبا بكر وعمر ، وتركوا عليا عليه السلام لأن عليا كان ~~أولى بالامامة منهما ، إلا أن الخطأ في بيعتهما لا يوجب كفرا ولا فسقا (1). # ومن هاهنا نستظهر أن ما ينسب إلى الزيدية من الدعوى بأن الامامة لا تثبت ~~في غير أولاد فاطمة إنما هو فيمن بعد زيد من القائمين بالسيف. # كما اننا لا نعرف وجها في عد هاتين الفرقتين في عداد فرق الشيعة. ### ||| الجارودية : # ومنهم ( الجارودية ) نسبة إلى زياد بن المنذر أبي الجارود السرحوب الأعمى ~~الكوفي ، وقد يسمون السرحوبية ، وقيل : إن السرحوب اسم شيطان أعمى يسكن ~~البحر فسمي أبو الجارود به ، وكان أبو الجارود من أصحاب الباقر والصادق ~~عليهما السلام ، ولما خرج زيد تغير ، وجاء عن الصادق عليه السلام لعنه ~~وتكذيبه وتكفيره ومعه كثير النواء وسالم بن أبي حفصة وجاء فيه أيضا أعمى ~~البصر أعمى القلب (2). # والجارودية يرون أن الناس قصروا في طلب معرفة الامام لأنه كان PageV01P051 # بإمكانهم معرفته ، بل كفروا حين بايعوا أبا بكر ، فهم لا يرون إمامة ~~الخلفاء الثلاثة ، بل يرون كفرهم ، حيث ادعوا الامامة ولم يبايعوا عليا ~~عليه السلام . (1) ### ||| الصالحية : # وقيل : إن منهم ( الصالحية ) نسبة إلى الحسن بن صالح ، وقد عرفت انهم من ~~البترية ، لأن الحسن هذا من رجال البترية ، فلا وجه لعدهم فرقة مستقلة ، ~~نعم هناك فروق طفيفة بينه وبين كثير النواء أول رجال البترية ms033 لا تستدعي أن ~~تكون فرقته فرقة تباين البترية. # وقد ذكر الزيدية النوبختي في كتابه فرق الشيعة على غير هذا النهج ، وزاد ~~فيها : غير أننا رأينا أن ما سطرناه أقرب إلى ما ذكرته كتب الملل والنحل ، ~~فراجع إن طلبت الاستيضاح. ### ||| الإسماعيلية : # ومن فرق الشيعة ( الإسماعيلية ) وقد نشأ القول بإمامة إسماعيل أيام ~~الصادق عليه السلام ، إلا أنه كان من بعضهم على سبيل الظن لأن الامامة في ~~الاكبر وإسماعيل اكبر اخوته ، مع ما كان عليه من الفضل ، فلما مات أيام ~~أبيه انكشف لهم الخطأ. # وأما من بقي مصرا على إمامته فهم على فرق ، لأنهم بين من أنكر موته في ~~حياة أبيه عليه السلام ، وقالوا : كان ذلك على وجه التلبيس من أبيه على ~~الناس ، لأنه خاف عليه فغيبه عنهم ، وزعموا أن إسماعيل لا يموت حتى يملك PageV01P052 # الأرض ويقوم بأمر الناس ، وأنه هو القائم ، لأن أباه أشار إليه بالامامة ~~بعده ، فلما ظهر موته علمنا أنه قد صدق ، وأنه القائم لم يمت. # وبين من قال بموته وأن الامامة انتقلت الى ابنه محمد ، لأن الامامة لا ~~تكون إلا في الأعقاب ، ولا تكون في الاخوة إلا في الحسن والحسين ~~عليهما السلام فلما مات إسماعيل وجب أن يكون الامام بعد جعفر عليه السلام ~~محمد بن إسماعيل ، ولا يجوز أن يكون أحد من اخوة إسماعيل هو الامام ، كما ~~لم يكن لمحمد بن الحنفية حق مع علي بن الحسين عليهما السلام ، وأصحاب هذا ~~القول يسمون « المباركة » برئيس لهم يسمى المبارك. # وأما ( الخطابية ) أصحاب أبي الخطاب محمد بن أبي زينب الأسدي الأجدع فقد ~~دخلوا في الفرقة التي قالت بإمامة محمد بن إسماعيل بعد قتل أبي الخطاب ، ~~وهم من الأصناف الغالية ، وتشعبوا على فرق والقرامطة منهم (1). # وكان أبو الخطاب من أصحاب الصادق عليه السلام ، ولما بلغ الصادق أنه يكذب ~~عليه طرده وتبرأ منه ولعنه. # ثم أنه ادعى النبوة واولوهية جعفر بن محمد عليهما السلام ، وأنه مرسل من ~~قبله ، وظهرت منه ومن جماعته بدع وأهواء وإباحات ، ولما بلغ عيسى بن موسى ~~عامل المنصور على ms034 الكوفة ما عليه أبو الخطاب وجماعته وكانوا سبعين رجلا ~~مجتمعين في مسجد الكوفة حاربهم فقتلهم جميعا ، فلم يفلت منهم إلا رجل واحد ~~أصابته جراحات فعد في القتلى فتخلص ، وحمل أبو الخطاب أسيرا فقتله عيسى ابن ~~موسى على شاطئ الفرات ، وصلبه مع جماعة منهم ثم أمر بإحراقهم فأحرقوا ، ~~وبعث برءوسهم إلى المنصور فصلبها على باب مدينة بغداد ثلاثة أيام ، ثم PageV01P053 # أحرقت (1). ### ||| الإمامية : # ومن فرق الشيعة ( الإمامية ) ويعرفون بالجعفرية نسبة إلى جعفر بن محمد ~~عليهما السلام ، لأنه المذهب الذي ينسبون إليه ، وسيأتي أنه كيف صار مذهبا ~~دون سائر الأئمة وكلهم مذهب في الأحكام. # والإمامية هم الذين يرون الامامة في الاثنى عشر : علي ، والحسن والحسين ، ~~وعلي بن الحسين ، ومحمد بن علي ، وجعفر بن محمد ، وموسى بن جعفر ، وعلي ابن ~~موسى ، ومحمد بن علي ، وعلي بن محمد ، والحسن بن علي ، وابنه المهدي المغيب ~~الذي يترقبون ظهوره كل حين صلوات الله عليهم أجمعين. # ويعتقدون أن إمامتهم بالنص الصريح الجلي من النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ~~الله عز شأنه ، وأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نص على خلافة علي أمير ~~المؤمنين وإمامته كما نص على اخوته ووصايته ، وكان النص منه في مواطن عديدة ~~، منها يوم الغدير ، كما أنه صلى الله عليه وآله وسلم أخبر بأسماء الخلفاء ~~والأئمة الذين هم بعد أمير المؤمنين عليه السلام واحدا بعد آخر ، على نحو ما ~~ذكرناه من أسمائهم ، وأكدوا ذلك النص من بعضهم على بعض ، فنص علي على الحسن ~~، والحسن على الحسين ، والحسين على ابنه علي ، وهكذا الأب على ابنه إلى أن ~~انتهت إلى ابن الحسن المنتظر ، كما أنهم يعتقدون حياته ووجوده بعد ولادته ~~عام 255 ، ليلة النصف من شعبان ، وأنه تغيب فرقا من فراعنة عصره ، وأنه هو ~~المهدي الذي يملأ الأرض قسطا وعدلا بعد ما ملئت ظلما وجورا. (2) PageV01P054 # ويعتقدون أيضا في هؤلاء الأئمة أنهم معصومون عن الذنب وعن الخطأ والنسيان ~~والغفلة كما في نبينا وجميع الأنبياء عليهم السلام وأن علمهم ليس باكتسابي ~~وإنما هو إلهامي ووارثة ms035 من النبي صلى الله عليه وآله وسلم يورثه الأب لابنه ~~والأخ لأخيه كما في الحسن للحسين ، ولما كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ~~وارث علم الأنبياء والمرسلين ، وعنده علم الأولين والآخرين ، كان أمير ~~المؤمنين واجدا لهذا العلم كله ، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم : أنا مدينة ~~العلم وعلي بابها ، ولغير ذلك من الأحاديث وآي الكتاب (1) وورث أولاده ~~الأئمة هذا العلم جميعه. # ويعتقدون فيهم أيضا أنهم عبيد لله سبحانه مخلوقون له ، مرزوقون منه ليس ~~لهم تصرف في شيء من أمر العباد من حياة أو موت ، وعطاء أو منع وشيء سوى ذلك ~~، إلا باذن منه تعالى على حد ما كان عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في شأن ~~الخليقة ، وقد جاء في الكتاب عن عيسى عليه السلام « ويخلق من الطين كهيئة ~~الطير فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله ». # واستدلوا على ذلك كله بالبراهين العقلية ، وبالأخبار والآثار ، وقد يأتي ~~شيء من هذا طي هذا السفر. # كما استدلوا على النص عليهم بالخصوص ، بالوارد عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم من طرق الفريقين من قوله صلى الله عليه وآله وسلم : الأئمة ~~من قريش وانهم PageV01P055 # اثنى عشر (1) وانهم من ولد علي وفاطمة عليهما السلام ، وتسميتهم بأسمائهم ~~واحدا بعد آخر. (2) # هذا فضلا عن الاستدلال على الامامة باللطف ، وانحصارها فيهم لو كان ثمة ~~إمام تجب إمامته وطاعته ومعرفته. # والامامية ترجع إلى هؤلاء الأئمة في أحكام الدين ، فما ثبت عن النبي أو ~~عنهم أخذوا به ، وما اختلفت فيه الأخبار أعملوا فيه قواعد التعادل ~~والتراجيح ، حسبما هو مقرر عندهم في أصول الفقه. # وعندهم من الأدلة على الأحكام غير الكتاب والسنة الاجماع وحكم العقل ~~القطعي ، وعند فقدان الأدلة الأربعة يرجعون إلى الأصول العملية ، حسبما ~~تقتضيه المقامات وهي قواعد فقهية عامة تثبت بالأدلة. # ويرون أن الأحاديث المروية عنهم من السنة ، لأنهم حملة علم النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم وحفاظ شريعته ، فما عندهم فهو عن الرسول ~~صلى الله عليه وآله وسلم لا عن اجتهاد ورأي منهم ، والسنة أحد الأدلة ms036 الأربعة ~~في استنباط الأحكام الفرعية ، والأدلة الأربعة كما أشرنا إليها : الكتاب ، ~~والسنة ، والإجماع ، والعقل ، والبيان عن حجيتها وكيفية الرجوع إليها مذكور ~~في كتب أصول الفقه. # وأما اعتقادهم في الله تعالى شأنه ، فهو أنه سبحانه شيء لا كالأشياء ليس ~~بجسم ولا صورة ، ولا تقع عليه الرؤية في الدنيا ولا الآخرة ، لا تدركه ~~الأبصار وهو يدرك الأبصار ، وأن صفاته عين ذاته ، وأنه تعالى عادل لا يظلم ~~أحدا من عبادة لقبح الظلم بحكم العقل ، وأنه خلق الأشياء لا من شيء. PageV01P056 # وأما اعتقادهم في نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم فهو أنه معصوم من الخطأ ~~والزلل والنسيان والغفلة والذنوب الكبائر والصغائر ، وأنه ما ارتكب شيئا ~~منها قبل النبوة ولا بعدها ، وأنه مرسل إلى العالم كله وهكذا اعتقادهم في ~~الرسل والأنبياء من جهة العصمة. # ويرون أن الامامة من الاصول ويجب إثباتها بالأدلة العقلية عدا النصوص ~~النقلية ، ومن البراهين العقلية قاعدة اللطف. # وأما المعاد فيعتقدون فيه أن الله جل اسمه يعيد الناس للحساب بتلك ~~الأجسام التي كانت في الدنيا ، وهي التي تنعم في الجنان ، أو تعذب في ~~النيران. # وأما أفعال العباد فيعتقدون أنها أمر بين أمرين لا جبر ولا تفويض أي أن ~~الله تعالى لم يجبر الخلق على أفعالهم حتى يكون قد ظلمهم في عقابهم على ~~المعاصي ، بل لهم القدرة والاختيار فيما يفعلون ، ولا فوض الله إليهم خلق ~~أفعالهم حتى يكون قد خرج من سلطان قدرته على عباده ، بل له الحكم والأمر ~~وهو قادر على كل شيء ومحيط بالعباد. # وربما يهيىء الله تعالى للعبد أسباب الطاعة والهداية ، كما يصد عنه أسباب ~~العصيان والضلالة ، لطفا منه بعبده ، وهذا ما نسميه بالتوفيق. # وهذا بعض ما تعتقده الامامية في الوجود والوحدانية ، والصفات ، وفي ~~النبوة والامامة والمعاد ، وفي أفعال العباد. # وذكرنا لذلك كان استطرادا على سبيل الايجاز ، واستيفاء الكلام على هذه ~~المعتقدات في كتب الكلام والاعتقاد. # والإمامية اليوم هم السواد الأعظم من الشيعة في جميع الأقطار الاسلامية ~~وكتبهم في العلوم كافة من أول يوم ابتدأ فيه التأليف حتى اليوم ms037 مبثوثة بين PageV01P057 # الامم يقرأها الحاضر والبادي ، والعالم والجاهل. # وليس اليوم غير الامامية ، والزيدية ، والاسماعيلية ، فرقة ظاهرة تعرف ~~اللهم سوى بعض الفرق الغالية التي تنتمي إلى التشيع. # ولما كان كلامنا عن الفرق التي كانت في عهد الصادق عليه السلام أهملنا عن ~~بعض الفرق التي حدثت بعد الصادق عليه السلام أمثال الفطحية والناووسية ~~والواقفية. ### || 4 الخوارج : # ظهرت هذه الفرقة يوم صفين بخدعة ابن العاص ، حين أشار على معاوية وقد عجز ~~عن المناهضة برفع المصاحف ، والدعوة لتحكيمها ، فلما رفعوها مرقت طائفة من ~~أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام وقالوا هؤلاء يدعوننا إلى كتاب الله وأنت ~~تدعوننا إلى السيف ، فعذلهم عن ذلك ، وحاول رجوعهم عن الاغترار بهذه الخدعة ~~، وقال لهم ويحكم أنا أعلم بكتاب الله ، فلم ينفع معهم عذل وردع ، ولا ~~إقامة حجة وبرهان ، بل قالوا لترجعن مالكا عن قتال المسلمين ، أو لنفعلن بك ~~كما فعلنا بعثمان ، فاضطر إلى ارجاع مالك بعد أن هزم الجمع وولوا الدبر ، ~~فحملوه على التحكيم ، فأراد أن يبعث عبد الله بن عباس فأبوا إلا أن يبعث ~~أبا موسى الأشعري ، فلما كان التحكيم قالت الخوارج : لم حكمت في دين الله ~~الرجال؟ لا حكم إلا لله ، فمن هنا سموا ( المحكمة ) وبعد أن رجع أمير ~~المؤمنين من صفين وهم مصرون على المروق والعصيان اجتمعوا بحروراء قرب ~~الكوفة فسموا ( الحرورية ). # وكان آخر أمرهم أن قتل أمير المؤمنين بالنهروان من أصر منهم على المروق ، ~~بعد أن أقام عليهم الحجج ، وقطع المعاذير ، وبعد أن عاثوا في الأرض فسادا ، PageV01P058 # وقتلوا خبابا أحد خيار الصحابة ، وبقروا بطون الحبالى. # ولم يستأصل تلك الروح استئصالهم بالنهروان ، وما زال في كل عصر وزمن قوم ~~على ذلك الرأي والمروق ، وقد أزعجوا الملوك والولاة في تلكم الأعصر ، وكلما ~~فني قوم منهم نبغ آخرون ، وكانت الناس منهم على رهبة ووجل لما يلاقونه منهم ~~من الفتك الذريع والعمل الفظيع ، والقسوة وانتهاك الحرمة ، وكانوا يحاربون ~~الملوك والولاة عن عقيدة واطمئنان ، فمن ثم تجدهم يستبسلون ويحاربون بشجاعة ~~ورباطة جأش ، فلا تقف الناس لهم وإن كانوا أضعافهم ، إذ ms038 لا يحملون عقيدة ~~يناهضون بها تلك العقيدة ، ولكنهم إذا عرفوا من أنفسهم الضعف قوضوا ليلا ~~وبعدوا شاحطين ، ومن ذاك لا تسلم بلدة من وبالهم وسوء أعمالهم. # وكان لهم ظاهر نسك وعبادة ، وما زالوا يستميلون الهمج الرعاع بتلك ~~المظاهر الصالحة ، ودعوى الخروج على سلطان الباطل ، والدعوة للعمل بالكتاب ~~والسنة ، وإن ناقضوا تلك المظاهر والدعاية بشدة الوطأة والعيث فسادا ، إلا ~~أن السذج من الناس ربما انخذعوا بظاهرة النسك والصلاح ، وقد خدعوا بهاتيك ~~الظواهر الجميلة بعض أهل الكتاب ومن لا يعتقد صحة دين الاسلام ، فضموهم ~~إليهم ، وكاثروا بهم. # وقد ضعفت بعد ذلك شوكتهم ، وهدرت شقاشقهم ، واستراح الناس منهم برهة من ~~الزمن ، ولكن ظهر لهم شأن أيام الصادق عليه السلام فإن أحد رؤسائهم عبد الله ~~بن يحيى الكندي الملقب بطالب الحق نهض في حضرموت بعد ما استشار الأباضية في ~~البصرة وأوجبوا عليه النهوض ، وشخص إليه منهم أبو حمزة المختار بن عوف ~~الأزدي وبلخ بن عقبة المسعودي في رجال من الأباضية ، وقد بايعه ألفان وبهم ~~ظهر ، ولما كثر جمعه توجه إلى صنعاء وكتب PageV01P059 # بذلك إلى من بها من الخوارج ، فجرت بينه وبين عاملها حروب انتصر فيها عبد ~~الله واستولى على خزائن الأموال ، ثم استولى على اليمن ، فلما كان وقت الحج ~~وجه أبا حمزة وبلخا وأبرهة بن الصباح إلى مكة والأمير عليهم أبو حمزة في ~~ألف ، وأمره أن يقيم بمكة إذا صدر الناس ، ويوجه بلخا إلى الشام ، فدخلوا ~~مكة يوم التروية وعليها وعلى المدينة عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك في ~~خلافة مروان الحمار ، فكره عبد الواحد قتالهم وفزع الناس منهم فراسلهم عبد ~~الواحد في ألا يعطلوا على الناس حجهم ، وأنهم جميعا آمنون بعضهم من بعض حتى ~~ينفر الناس النفر الأخير ، فلما كان النفر الأخير نفر عبد الواحد وترك مكة ~~لأبي .. حمزة من غير قتال ، ولما دخل عبد الواحد المدينة جهز له جيشا منها ~~فالتقوا بقديد فكانت الدبرة على جيش المدينة والنصرة للشراة ، فبلغ قتلى ~~أهل المدينة ألفين ومائتين وثلاثين رجلا ثم دخل بلخ المدينة ms039 بغير حرب ، ~~ورحل عبد الواحد إلى الشام فجهز مروان لهم جيشا عدده أربعة آلاف في فرسان ~~عسكره ووجوههم ، ومعهم العدة الوافرة ، وعليه عبد الملك بن عطية السعدي ، ~~فلما بلغ الشراة توجه جند الشام إليهم خفوا إليه في ستمائة وعليهم بلخ بن ~~عقبة المسعودي فالتقوا بوادي القرى لأيام خلت من جمادي الاولى سنة ثلاثين ~~ومائة فتواقفوا ثم كانت الدبرة على الخوارج فقتل بلخ والشراة ولم يبق منهم ~~إلا ثلاثون ، فهربوا إلى المدينة ، وكان على المدينة المفضل الأزدي ، فدعا ~~عمر بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب الناس الحرب الشراة بالمدينة فلم يجبه ~~أحد ، واجتمع عليه البربر والزنوج وأهل السوق ، فقاتل بهم الشراة فقتل ~~المفضل وعامة أصحابه وهرب الباقون ، فأقبل ابن عطية إلى المدينة وأقام بها ~~شهرا ، وأبو حمزة بمكة ، ثم توجه إليه إلى مكة فوقعت بينهما حرب شعواء قتلت ~~فيها الشراة قتلا ذريعا وقتل أبو حمزة وأبرهة بن الصباح وأسر منهم أربعمائة ~~ثم قتلوا كلهم ، وصلب ابن عطية PageV01P060 # أبا حمزة وأبرهة وعلي بن الحصين على شعب الخيف ، إلى أن أفضى الأمر إلى ~~العباسيين فأنزلوا أيام السفاح ، ثم أن ابن عطية خرج الى الطائف وقد بلغ ~~عبد الله بن يحيى طالب الحق وهو بصنعاء ما آل إليه أمر أبي حمزة وجماعته ~~فتوجه الى حرب ابن عطية ، فشخص ابن عطية إليه ، ولما التقوا قتل من ~~الفريقين جمع كبير ، وترجل عبد الله في ألف مقاتل ، فقاتلوا حتى قتلوا كلهم ~~وقتل عبد الله ، وبعث ابن عطية رأسه الى مروان ، ثم أقام ابن عطية بحضر موت ~~بعد ظفره بالخوارج ، فأتاه كتاب مروان بالتعجيل الى مكة ليحج بالناس ، فشخص ~~الى مكة متعجلا مخففا في تسعة عشر فارسا ، فندم مروان وقال : قتلت ابن عطية ~~سوف يخرج متعجلا مخففا من اليمن ليدرك الحج فيقتله الخوارج ، فكان كما قال ~~، فإنه صادفه جماعة متلفقة من الخوارج وغيرهم فعرفه الخوارج فحملوا عليه ~~وقتلوه (1). # ثم لم يكن الخروج بعد هذا إلا عقيدة ورأيا من دون أن يكون لهم شأن في ~~محاربة الملوك ، وما ms040 زال حتى اليوم منهم أناس على ذلك المروق ، ومنهم قوم ~~في عمان ، ولكن لا شأن لهم يرعى ولا سطوة تهاب. # والخوارج هم المارقون الذين أنبأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمير ~~المؤمنين عليه السلام بأنه سيحاربهم ويظفر بهم. # وكانوا فرقا كثيرة يجمعها القول بتكفير علي وعثمان والحكمين وأصحاب الجمل ~~وكل من رضي بتحكيم الحكمين ، وتكفير مرتكبي الذنوب ، ووجوب الخروج على ~~الامام الجائر ، كما حكاه في ( الفرق بين الفرق ) عن الكعبي ص 55. PageV01P061 # لكن حكى عن أبي الحسن الأشعري إنكار إجماعهم على تكفير مرتكبي الذنوب ، ~~ونقل عنهم تفصيلا في ذلك ، وانتهوا في التفريع على هذا الأصل إلى فرق كثيرة ~~، ولكن أخنى عليها الدهر ، والموجودون اليوم منهم في عمان من الأباضية ، ~~على ما يظهر منهم ويسمع عنهم. ### ||| الغلاة ومن خرج عن الاسلام ببعض العقائد : # قد ذكرنا في بدء هذا الفصل أن اصول الفرق الاسلامية أربعة ، ومنها تتفرع ~~الفرق جميعا ، وأن فرق الغلاة من فروع تلك الاصول ، فلا تجد أصلا إلا وله ~~بعض الفروع الغالية. # وهكذا الشأن فيمن ينتحل شيئا كالتناسخ والحلول والتشبيه أو غير ذلك مما ~~يرجع الى الكفر عند فرق المسلمين ، ولكن التهجم عليهم بالكفر لما ينسب ~~إليهم من الاعتقاد ليس بالأمر السهل ، فإن تكفير من يعترف بالشهادتين لا ~~ينبغي أن يقدم عليه من له حريجة في الدين ، دون أن يعتمد على ركن وثيق وما ~~دمنا في فسحة من ذلك فلا نلج هذا الباب ، ولا نلقي بأنفسنا من شاهق ثم نفحص ~~عن سلم النجاة ، ولا سيما أن تلك الفرق التي رميت بالخروج عن ربقة الاسلام ~~الصحيح بانتحالها بعض العقائد الباطلة قد أصبحت في خبر كان ، ولم يبق منها ~~إلا شواذ لا مقام لهم يلحظ بين أبناء الاسلام ، ولا يخاف من تسرب معتقداتهم ~~الفاسدة بل أصبحوا يتكتمون فيما يعتقدون حذرا من سطوة بني الدين في الحجج ~~والبراهين وإبطال ما يدينون به أو نبزهم بالكفر والمروق عن الاسلام. # والحذر من سراية ذلك الداء الى أرباب الجهل أهم ما كان لدى الأوائل ممن ~~قاوم ms041 تلك البدع والضلالات بكل ذريعة ، ونحن اليوم في أمان من الانخداع PageV01P062 # بضلالات فرقهم الحاضرة ، فكيف ببدع هاتيك الفرق البائدة التي أصبحت دائرة ~~العين والأثر. ### ||| شبه الإلحاد : # إنما الحذر اليوم من سراية شبه الإلحاد ، وشكوك عبدة الدهر وأبناء ~~الطبيعة الذين تسول لهم أنفسهم التخلص من قيود الدين بكل وسيلة ، تلك ~~القيود التي تجعل الانسان في صفوف الملائكة والروحيين ، وتخرجه عن الوحشية ~~الكاسرة ، والشهوات الفاتكة ، كما تجعله في أمان من اعتداء أحد على أثمن ما ~~يجده في هذه الحياة : النفس والعرض والمال ، كما تجعل الناس في أمان منه ~~على نفائسهم تلك ، وتلك الحرية التي ينشدونها ، والتي خرجوا بها عن ربقة ~~أهل العقول والعفاف الى أسراب الوحوش وأرباب الخلاعة والدعارة هي التي خدعت ~~بعض الشباب ، وجعلته يقع في تلك الفخاخ ، وتصيده هاتيك الشباك ، والشباب ~~سريع الانجذاب الى الشهوات ونزع القيود المزعومة ، من دون أن يرجع الى رشده ~~ويحكم قبل الانخداع عقله. # * * * PageV01P063 ### | الإمامة # إن المسلمين على مذاهب في الإمامة بعد أن أجمعوا على وجوبها ، باعتبار أن ~~الإمام هو الجامع لشتاتها ، والهادي لضلالها ، والناهض بها لنشر أعلام ~~الشريعة ، وبث روح تعاليمها الحية. # ومن سياسة صاحب الشريعة وبدائع حكمة أمره بمعرفة الإمام ، حتى أنه جعل « ~~من مات ولم يعرف إمام زمانه ميتا على الجاهلية » (1)، كأن لم يدخل في ربقة ~~الاسلام. # فهذا الفرض لو عمل به المسلمون ، وقاموا بما يحتمه الواجب من معرفته ~~والاستماع لقوله بعد الوصول إليه لأصبحوا جيشا واحدا وقائدهم الإمام ، فلا ~~يبقى عند ذاك امرؤ مسلم يجعل أحكام الدين ، أو يعلمها ولا يعمل بها ، ولا ~~يبقى بلد في العالم لا تخفق عليه بنود الاسلام. # كانت الخلافة والإمامة ميدانا للسباق ، لا يقبض على ناصيتها إلا من حاز ~~قصب السبق ، ولو بالدماء المراقة ، والحرمات المنتهكة ، بل حتى لو كان ~~الخليفة نفسه بعد استلامه زمام الحكم ما جنا خليعا لا يبالي بما فعل. PageV01P064 # غير أن الشيعة الإمامية كانت من العهد الأول لا تقيم وزنا لمثل هذه ~~الخلافة ولا تعترف بمثل هذه الإمامة ، بل ترى أن الخليفة والإمام ms042 من كان ~~جامعا لصفات الكمال كلها ، عاريا عن خصال النقص جميعا ، عاملا بأوامر ~~الشريعة في السر والعلن آمرا بها ، مرتدعا عن نواهيها فيما ظهر وبطن ناهيا ~~عنها ، منصوصا عليه من صاحب الشريعة ، أو من الإمام قبله أمرا من الله ~~سبحانه ، لأنه تعالى أنظر لعباده ، وأبصر بمن يصلح لهذا المنصب الخطير. # ولا ترى الإمام من قام بالناس بل الإمام من قامت الدلالة عليه ، ودلت ~~الاشارة إليه ، وإن قعد الناس عن اتباعه ، بل وإن قاموا في وجهه صدا له عن ~~أدائه فروض إمامته وواجبات زعامته. # وإن قعودهم عن طاعته أو قيامهم في معارضته لا تخدش في كفايته للنهوض ~~بأعباء الإمامة ، بل حظهم أخطئوه وسبيل هدى أضاعوه. # فالإمام على ما تراه الإمامية هو الحامل لأعباء الإمامة قام أو قعد ، نطق ~~أو سكت ، تقدم للسباق أو تأخر ، لأن إمامته ليست باللباس المستعار يلبسه إن ~~استلبه من غيره ، ويتعرى عنه إن استلبوه منه. # ولما كان الإمام هو الحجة البالغة ، وجب عليه إعلام الناس بإمامته وإقامة ~~الأدلة عليها عند الحاجة الماسة ، كما وجب على الامة معرفته وطاعته إذا عرفوه. # وأما إقامته الدلالة على إمامته فبالتصريح مرة وبالتلويح اخرى ، وكفى في ~~الدلالة أن يدلي بالكرامات والمعجزات ، ويبدي من العلم ما يعجز الناس عن ~~الحصول على مثله ، إلا أن تحجز السيوف دون بيانه ، ولكن أعماله وسجاياه ~~ناطقة بمقامه وإن صمت لسانه. # والإمامة من الأبحاث التي ما زالت موضع الجدل والخصام بين المسلمين من PageV01P065 # يوم مضى صاحب الدعوة الاسلامية ، قلما ولسانا ، وسيفا وسنانا ، وإنما ~~تبتني اسسها اليوم على أنقاض الماضي ، وهي اليوم وغدا كما كانت أمس الفارق ~~بين الفرق ، مع وحدتهم في النبي والكتاب والقبلة ، وفي الفرق اليوم وأمس من ~~ذوي العقول الراجحة والآراء السديدة رجال بإمكانها أن يجمعوها تحت لواء ~~واحد ، كاشفين لهم الستار عما حدا بالامامة إلى التخالف والتنابز ، ~~ويعرفوها فوائد الالفة ، وينذروها سوء الفرقة ، ويلمسوها ما أنزله ذلك ~~الخصام بالاسلام من الويلات والتدمير والشتات. # ولما كانت الامامة هي المفترق للطرق ، وجب أن يكون عندها اجتماع ذلك ms043 ~~الافتراق ، فلو عرف الناس اليوم حقيقة الامامة ومن الامام ، لأوشك أن يهب ~~ولو بعضهم إلى وحدة عندها مجتمع الفرق ، ولم الشتات ، في هذه الساعة ~~العصيبة التي سادت فيها الفوضوية وانشقاق الكلمة. # وإني لأحاول أن أرمز إلى بعض ما يجب في الامام ، وإن ذهبت كلمتي أدراج ~~الرياح ، لا تسترعي انتباه غافل ، ولا هبة يقظان ، ولا يغيظني ذلك ما دام ~~القصد صحيحا والغاية غالية ، وهي طلب مراضيه سبحانه. # أقول : إن النظام الذي جاء به خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم نظام ~~عام يجمع بين السيرتين ، سيرة المرء مع الخالق ، وسيرته مع المخلوق ، وإن ~~من جاء بهذا النظام وجب أن يكون قديرا على تطبيقه وتنفيذه حتى لو ثنيت له ~~الوسادة ، فانبسطت دعوته على المعمورة جمعاء ، وخيمت شريعته على العالم كله ~~، فالنبي عند تطبيق شريعته وتنفيذها يكون ذا سلطتين زمنية وروحية ، ولما ~~دعاه الله إليه ، انتبهت الامة إلى الضرورة التي دعته إلى عقد الامامة في ~~حياته ، فرأوا أن القيام بوظائف صاحب الدعوة حتمي ولا يقوم بها إلا إمام ~~تكون له الزعامة العامة على الامة الاسلامية كلها وتكون له السلطتان اللتان ~~كانتا للرسول PageV01P066 # الأمين صلى الله عليه وآله وسلم وإلا بقي ذلك النظام الكافل للسعادتين بلا ~~تنفيذ ، فلا تتم الفوائد من تلك الجهود التي قاساها صاحب الرسالة. # فلما كانت الامامة على الامة واجبة بحكم الضرورة ، فمن الأليق بتلك ~~الوظيفة الكبرى؟ أترى الأليق بها من هو كصاحب الرسالة وصورة حاكية له في ~~العلم والعمل ، ومهدي في نفسه هاد لغيره ، يقوم بالحجة فيقطع الحجج ، لا ~~يعتري برهانه وهن ، ولا حجته فلل ، إن طلب الناس منه المعجز في الفعل ~~والقول استطاع الإتيان به من غير مطل وعناء ، وإن احتيج لقطع العذر من ~~المسترشد أو المتعند على المجيء بالكرامة الباهرة قوي عليها من دون كد وجهد ~~، يعلم كل ما جاء به صاحب الشريعة عاملا به ، يعرف القرآن تنزيله وتأويله ، ~~مرتديا بجميل الخصال لا تفر عنه منها واحدة ، بل هو أفضل في كل خصلة من ~~الناس كافة ، عاريا عن ms044 ذميم الصفات لا يرتدي منها واحدة ولو لحظة ، وجملة ~~القول أنه المثال الصادق للرسول في جميع ملكاته وصفاته وخصاله وفعاله. # أو الأليق بها من لا يعرف هذه الخلال ولا تعرفه ، أو يتقمص ببعض ويتعرى ~~عن بعض ، لا ريب في أنك سوف تقول : إن الأول أليق وأحق بهذا المنصب الرفيع ~~، وهل يقدم بصير على القول بأحقية الثاني. # ولكني أحسبك تقول : إن الشأن كله في إثبات أمرين في هذا الباب الأول وجوب ~~نصب إمام على هاتيك السجايا والمزايا ، الثاني وجوده جامعا لهذه الخلال ~~والخصال في الامة الاسلامية ، ولو ثبت لدينا أن الامام يجب أن يجمع هذه ~~الصفات ، وأنه يوجد في الامة ذلك الجامع ، لكان التخلف عن القول بإمامته ، ~~لأوامره عنادا محضا لا يرتضيه ذو دين وبصيرة. # فأقول : إني سأثبت لك هذين الأمرين ، راجيا أن تكون ممن ألقى السمع PageV01P067 # وهو شهيد. # أما الدليل على الأول فموجزه : إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان عليما ~~بما صدع به ، لا يجهل ما يسأل عنه ، شريعته واحدة ليس فيها اختلاف ، وخالدة ~~إلى يوم البعث ، حلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم ~~القيامة ، فلو ألقى الحبل على الغارب للامة في ارتياد الامام القائم ~~بوظائفه لألفينا الامة جاهلة بأحكام الشريعة لا تعرف الحرام من الحلال ، ~~ولا الحلال من الحرام إذ ليس لديها حكم فصل في علم الشريعة ترجع إلى قوله ، ~~وحاكم عدل في إمضاء الحدود تخضع لأمره ، فتتشعب لذلك إلى مذاهب ونحل ، وكل ~~يقوم بالحجة على صحة رأيه ويقيم الأدلة على صدق عقيدته كما كان ذلك كله حين ~~اختار بعض الناس من أنفسهم لأنفسهم إماما وخليفة اختاروا خلفاء لا يعلمون ~~جميع ما جاء به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ويجهلون كثيرا مما يسألون عنه ، ~~ولما كانوا بعد الاختيار لهم هم الحكم الفصل والحاكم العدل ، ولما لم يجد ~~الناس عند هؤلاء القائمين بالأمر مطلوبهم في الحكومة والأحكام صار كل يبدي ~~مذاهبه وآراءه ، وليس عند أحد حجة قاهرة ، وبرهان نير يصدع به شبه تلك ~~المذاهب ms045 ، وشكوك هذه الآراء ، وتعارضت النحل ، وكل ينسب ما لديه إلى ~~الشريعة ، وما عنده إلى الدين ، فأين الحلال والحرام اللذان لا يتبدلان إلى ~~الساعة الأخيرة من هذا الوجود ، وأين الشريعة الواحدة الخالدة عمر الدهر ، ~~وقد أصبح في الاسلام بعد نبيه مشرعون وشرائع ، وأديان ومذاهب. # ولما كان هذا التبديل والتحريف طارئا عن اختيار الناس لمن لا يعلم جميع ~~ما جاء في الشريعة ليكون العالم والحاكم في ساعة واحدة ، يقطع حجج ~~المتأولين وألسنة المتقولين بالبرهان مرة وحدود الشفار اخرى فلا تخالفه ~~الناس بعد ذاك ولا تختلف في الآراء والأهواء ، وجب على الامة أن تختار لها إماما PageV01P068 # عالما بكل ما جاءت به الشريعة الأحمدية ، عاملا في تنفيذ علمه ، عنده علم ~~ما يسأل عنه ولديه الحجة على إزالة الأوهام والأباطيل والجهالات والأضاليل ~~، لتبقى الشريعة الغراء على ما صدع بها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أبد ~~الدهر وحلاله وحرامه لا يتبدلان مدى العمر ، فلا شرائع ولا مشرعين ولا ~~مذاهب ولا أديان. # ولكن أين للأمة اختيار ذلك الحاكم العالم؟ ومن أين تعرفه؟ ولو عرفته فمن ~~أين له اتفاق الكلمة عليه ، والناس مختلفو النزعات متباينو الأغراض؟ # فوجب عليه تعالى أن ينصب لهم هذا الامام ، ويعرفهم بواسطة الرسول ذلك ~~الخلف العادل ، والعالم العامل ، لأن الله سبحانه أنظر لعباده ، وأدرى بمن ~~يليق لهذا المنصب الخطير ، والمقام العظيم. # فاذا كان نصب الامام واجبا عليه تعالى استحال في العقول أن يهمل سبحانه ~~الواجب فيما يصلح عباده ، ويهدي خليقته ، كما يستحيل على الرسول أن يترك ~~التبليغ عنه تعالى بنصب هذا الامام ، ولو جاز عليه ترك هذا الواجب لجاز ~~عليه غيره. # فمتى وجب الرسول وجب الامام ، ومتى بعث الله رسولا نصب الامام ، فلا رسول ~~بلا إمام ، ولا شريعة بغير تفسير وتنفيذ. # وأما الدليل على الثاني وهو وجود هذا الامام فالأمر فيه سهل بعد ما تقدم ~~، لأنا إذا اعتقدنا بوجوب نصب الامام على تلك الصفات وأنه قد نصبه الله ~~تعالى لخلقه اعتقدنا أنه تعالى لا يجعله مجهول الاسم والنسب ويعسر على ~~الامة معرفته ، ولا ms046 نعرف في الامة أئمة ادعي فيهم ذلك وادعوها لأنفسهم غير ~~علي وبنيه عليهم السلام ، فلو لم يكونوا هم الأئمة لكانت الامامة وذلك ~~الوجوب لغوا. # فلم يبق إذن إلا أن نعرف عنهم أنهم اولئك العلماء الذين لا يجهلون ، PageV01P069 # والعدول الذين لا يجورون ، أما العدل فلم يحكم منهم أحد غير أمير ~~المؤمنين وشأنه لا يحتاج إلى إيضاح ، وأما العلم فآثارهم ناطقة به فتتبع ~~تجد صدق ما قيل ويقال وهذا الكتاب بين يديك رشحة من ذلك العلم الغمر (1). # * * * PageV01P070 ### | من هو الصادق؟ # حقا على الكاتب أن يعطي صورة إجمالية للمترجم له قبل أن يتغلغل في أعماق ~~الترجمة ، لئلا يكون غريبا عن القارئ عند قراءته لكل فصل من حياته. # وهنا رأيت أن أنقل شطرا من آراء العلماء في كلماتهم عن الصادق جعفر ~~عليه السلام ، لأنها تعبر عن آراء أجيال في هذه الشخصية الكريمة ، وإليك ~~شيئا منها : فهذا الذهبي (1) في ميزان الاعتدال ( 1 : 192 ) يقول عند ذكره ~~للامام : « جعفر بن محمد بن علي بن الحسين الهاشمي أبو عبد الله أحد الأئمة ~~الأعلام بر صادق كبير الشأن ». # ومما قاله النووي (2) في تهذيب الأسماء واللغات ( 1 : 149 150 ): « روى ~~عنه محمد بن إسحاق ، ويحيى الأنصاري ، ومالك ، والسفيانان ، وابن جريح ، ~~وشعبة ، ويحيى القطان ، وآخرون ، واتفقوا على إمامته وجلالته وسيادته ، قال ~~عمرو بن أبي المقدام : كنت إذا نظرت إلى جعفر بن محمد علمت أنه من سلالة ~~النبيين ». PageV01P071 # وابن خلكان (1) يقول : « أحد الأئمة الاثنى عشر على مذهب الامامية ، وكان ~~من سادات أهل البيت ، ولقب بالصادق لصدقه في مقالته ، وفضله أشهر من أن ~~يذكر ». وقال : « وكان تلميذه أبو موسى جابر بن حيان الصوفي الطرطوسي (2) ~~قد الف كتابا يشتمل على ألف ورقة تتضمن رسائل جعفر الصادق وهي خمسمائة ~~رسالة ، وقال : ودفن بالبقيع في قبر فيه أبوه محمد الباقر ، وجده زين ~~العابدين ، وعم جده الحسن بن علي عليهم السلام ، فلله دره من قبر ما أكرمه ~~وأشرفه ». # والشبلنجي (3) في نور الأبصار ص 131 يقول : « ومناقبه كثيرة تكاد تفوت حد ~~الحاسب ، ويحار في أنواعها فهم اليقظ ms047 الكاتب » وقال : وفي حياة الحيوان ~~الكبرى فائدة قال ابن قتيبة في كتاب أدب الكاتب : وكتاب الجفر كتبه الامام ~~جعفر الصادق ابن محمد الباقر ، فيه كل ما يحتاجون الى علمه الى يوم القيامة ~~، والى هذا الجفر أشار أبو العلاء بقوله : # لقد عجبوا لآل البيت لما %~% أتاهم علمهم في جلد جفر فمرآة المنجم وهي صغرى %~% تريه كل عامرة وقفر # وقال محمد الصبان (4) في كتابه إسعاف الراغبين المطبوع على هامش نور PageV01P072 # الأبصار ص 208 : « وأما جعفر الصادق فكان إماما نبيلا. وقال : وكان مجاب ~~الدعوة إذا سأل الله شيئا لا يتم قوله إلا وهو بين يديه ». # والشعراني (1) في لواقح الأنوار يقول : « وكان سلام الله عليه اذا احتاج ~~الى شيء قال : يا رباه أنا أحتاج الى كذا ، فما يستتم دعاؤه إلا وذلك الشيء ~~بجنبه موضوع ». # وسبط ابن الجوزي (2) في تذكرة خواص الامة ص 192 يقول : « قال علماء السير ~~: قد اشتغل بالعبادة عن طلب الرئاسة » وقال : « ومن مكارم أخلاقه ما ذكره ~~الزمخشري في كتابه ربيع الأبرار عن الشقراني مولى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال : خرج العطاء أيام المنصور ومالي شفيع ، فوقفت على ~~الباب متحيرا وإذا بجعفر بن محمد قد أقبل فذكرت له حاجتي ، فدخل وخرج واذا ~~بعطائي في كمه فناولني إياه ، وقال : إن الحسن من كل أحد حسن وأنه منك أحسن ~~لمكانك منا ، وأن القبيح من كل أحد قبيح وأنه منك أقبح لمكانك منا ، وإنما ~~قال له جعفر ذلك لأن الشقراني كان يشرب الشراب ، فمن مكارم أخلاق جعفر أنه ~~رحب به وقضى له حاجته مع علمه بحاله ، ووعظه على وجه التعريض ، وهذا من ~~أخلاق الأنبياء ». # ومحمد بن طلحة (3) في مطالب السؤل ص 81 يقول : « وهو من عظماء أهل البيت ~~وساداتهم ذو علوم جمة ، وعبادة موفرة ، وأوراد متواصلة ، وزهادة PageV01P073 # بينة ، وتلاوة كثيرة ، يتبع معاني القرآن الكريم ، ويستخرج من بحره ~~جواهره ، ويستنتج عجائبه ، ويقسم أوقاته على أنواع الطاعات ، بحيث يحاسب ~~عليها نفسه ، رؤيته تذكر الآخرة ، واستماع حديثه يزهد في الدنيا ، ~~والاقتداء بهديه يورث الجنة ، نور ms048 قسماته شاهد أنه من سلالة النبوة ، ~~وطهارة أفعاله تصدع بأنه من ذرية الرسالة. وقال : وأما مناقبه وصفاته فتكاد ~~تفوت عدد الحاصر ، ويحار في أنواعها فهم اليقظ الباصر ، حتى أنه من كثرة ~~علومه المفاضة على قلبه من سجال التقوى صارت الأحكام التي لا تدرك عللها ~~والعلوم التي تقصر الأفهام عن الاحاطة بحكمها ، تضاف إليه ، وتروى عنه ». # وفي صواعق ابن حجر (1): « ونقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان ~~، وانتشر صيته في جميع البلدان ». # وفي ينابيع المودة (2) طبع اسلامبول ص 380 « ومن أئمة أهل البيت أبو عبد ~~الله جعفر الصادق » وقال : « وكان من سادات أهل البيت » وقال : « وقال ~~الشيخ أبو عبد الرحمن السالمي في طبقات المشايخ الصوفية : جعفر الصادق فاق ~~جميع أقرانه من أهل البيت ، وهو ذو علم غزير ، وزهد بالغ في الدنيا ، وورع ~~تام في الشهوات ، وأدب كامل في الحكمة ». # وإليك ما يقوله الحافظ أبو نعيم (3) في حلية الأولياء ( 3 : 192 ): « ~~ومنهم الامام الناطق والزمام السابق ، أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق ~~أقبل على العبادة PageV01P074 # والخضوع ، وآثر العزلة والخشوع ، ونهى (1) عن الرئاسة والجموع » ثم روى ~~عن عمرو بن أبي المقدام كلامه السابق ، وروى عن الهياج بن بسطام (2) قوله : ~~« وكان جعفر بن محمد يطعم حتى لا يبقى لعياله شيء ». # ويقول ابن الصباغ المالكي (3) في الفصول المهمة : « كان من بين اخوته ~~خليفة أبيه ووصيه ، والقائم بالامامة من بعده برز على جماعته بالفضل وكان ~~أنبههم ذكرا ، وأجلهم قدرا ، نقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان ، ~~وانتشر صيته وذكره في سائر البلدان » ، وقال في أخريات كلامه : « مناقب أبي ~~عبد الله جعفر الصادق فاضلة ، وصفاته في الشرف كاملة ، وشرفه على جهات ~~الأيام سائلة ، وأندية المجد والعز بمفاخره ومآثره آهلة ». # وهذا السويدي (4) في سبائك الذهب ص 72 يقول : « كان من بين اخوته خليفة ~~أبيه ووصيه ، نقل عنه من العلوم ما لم ينقل عن غيره ، وكان إماما في الحديث ~~» وقال : « ومناقبه كثيرة ». # وفي عمدة الطالب (5) ص 184 : « ويقال له عمود الشرف ، ومناقبه متواترة ~~بين ms049 الأنام ، مشهورة بين الخاص والعام ، وقصده المنصور الدوانيقي بالقتل ~~مرارا فعصمه الله منه ». PageV01P075 # والشهرستاني (1) في الملل والنحل : « وهو ذو علم غزير في الدين والأدب ، ~~كامل في الحكمة ، وزهد بالغ وورع تام في الشهوات ، وقد أقام بالمدينة مدة ~~يفيد الشيعة المنتمين إليه ، ويفيض على الموالين أسرار العلوم ، ثم دخل ~~العراق وأقام بها مدة ما تعرض للامامة قط (2) ولا نازع أحدا في الخلافة ، ~~ومن غرق في بحر المعرفة لم يطمع في شط ، ومن تعلى إلى ذروة الحقيقة لم يخف ~~من حط ، وقيل من آنس بالله توحش عن الناس ، ومن استأنس بغير الله نهبه ~~الوسواس ». # واليافعي (3) في مرآة الجنان ( 1 : 304 ) فيمن توفي عام 148 ، يقول : « ~~وفيها توفي الامام السيد الجليل سلالة النبوة ومعدن الفتوة ، أبو عبد الله ~~جعفر الصادق ، ودفن بالبقيع في قبر فيه أبوه محمد الباقر ، وجده زين ~~العابدين وعم جده الحسن ابن علي رضوان الله عليهم أجمعين ، وأكرم بذلك ~~القبر وما جمع من الأشراف الكرام اولي المناقب ، وإنما لقب بالصادق لصدقه ~~في مقالته ، وله كلام نفيس في علوم التوحيد وغيرها ، وقد الف تلميذه جابر ~~بن حيان الصوفي كتابا يشتمل على ألف ورقة يتضمن رسائله وهي خمسمائة رسالة ». # والصدوق طاب ثراه (4) يروي في أماليه المجلس ال 42 عن سليمان بن داود PageV01P076 # المنقري (1) عن حفض بن غياث (2) انه كان إذا حدثنا عن جعفر بن محمد ~~عليه السلام قال : « حدثني خير الجعافرة ». # وروى الصدوق أيضا فيه مسندا عن علي بن غراب (3) انه كان إذا حدثنا عن ~~جعفر بن محمد قال : « حدثنا الصادق عن الله ، جعفر بن محمد ... ». # وروى أيضا في ال 32 مسندا عن محمد بن زياد الأزدي (4) قال : سمعت مالك ~~ابن أنس (5) يقول : أدخل الى الصادق جعفر بن محمد عليه السلام فيقدم لي مخدة ~~، ويعرف لي قدرا ، وكان لا يخلو من إحدى ثلاث خصال إما صائما وإما قائما ~~وإما ذاكرا ، وكان من عظماء العباد واكابر الزهاد ، الذين يخشون الله عز ~~وجل وكان كثير الحديث ، طيب المجالسة ، كثير الفوائد ، فإذا قال : قال رسول ms050 ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم اخضر مرة ، واصفر اخرى ، حتى ينكره من يعرفه ، ولقد PageV01P077 # حججت معه سنة فلما استوت به راحلته عند الاحرام كان كلما هم بالتلبية ~~انقطع الصوت في حلقه ، وكاد أن يخر عن راحلته ، فقلت : يا بن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ولا بد لك من أن تقول ، فقال : يا بن عامر كيف أجسر أن ~~أقول لبيك اللهم لبيك ، وأخشى أن يقول عز وجل : لا لبيك ولا سعديك. # وابن شهر اشوب (1) في كتابه المناقب في أحوال الصادق عليه السلام يروي عن ~~مالك بن أنس أيضا قوله : ما رأت عين ولا سمعت اذن ولا خطر على قلب بشر أفضل ~~من جعفر الصادق فضلا وعلما وعبادة وورعا ، وزاد الصدوق في أماليه في ال 81 ~~قوله : كان والله إذا قال صدق. # وقال أيضا : وذكر أبو القاسم البغار في مسند أبي حنيفة (2) قال الحسن بن ~~زياد : سمعت أبا حنيفة وقد سئل : من أفقه من رأيت؟ قال : جعفر بن محمد ، ~~لما أقدمه المنصور بعث إلي فقال : يا أبا حنيفة إن الناس قد فتنوا بجعفر بن ~~محمد فهيئ له مسائلك الشداد ، فهيأت له أربعين مسألة ، ثم بعث إلي أبو جعفر ~~وهو في الحيرة فأتيته فسلمت عليه ، فأورد إلي المجلس فجلست ثم التفت إليه ~~فقال : يا أبا عبد الله هذا أبو حنيفة ، قال : نعم أعرفه ، ثم التفت إلي ~~فقال : الق على أبي عبد الله من مسائلك ، فجعلت القي عليه فيجيبني فيقول : ~~أنتم تقولون كذا ، وأهل المدينة يقولون كذا ، ونحن نقول كذا ، فربما ~~تابعناكم ، وربما تابعناهم ، وربما خالفنا جميعا ، حتى أتيت على الأربعين ~~مسألة ، فما أخل منها PageV01P078 # بشيء ، ثم قال أبو حنيفة : أليس أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس. # بل ان المنصور نفسه وهو من علمت كيف يحرق الارم (1) على أبي عبد الله ~~عليه السلام قد ينطق بالحق ، عند ذكره أو مقابلته ، فيقول : هذا الشجي ~~المعترض في حلقي من أعلم الناس في زمانه (2) ويقول أخرى : وإنه ممن يريد ~~الآخرة. # لا الدنيا (3) ويقول تارة : إنه ms051 ليس من أهل بيت نبوة إلا وفيه محدث ، وإن ~~جعفر بن محمد محدثنا اليوم (4) ويقول مخاطبا للصادق عليه السلام : لا نزال ~~من بحرك نغترف ، وإليك نزدلف ، تبصر من العمى ، وتجلو بنورك الطخياء (5) ~~فنحن نعوم في سحاب قدسك ، وطامي بحرك (6)، ويقول لحاجبه الربيع : وهؤلاء ~~من بني فاطمة لا يجهل حقهم إلا جاهل لا حظ له في الشريعة (7). # ويقول إسماعيل بن علي بن عبد الله بن العباس : دخلت على أبي جعفر المنصور ~~يوما وقد اخضلت لحيته بالدموع ، وقال لي : ما علمت ما نزل بأهلك فقلت : وما ~~ذاك يا أمير المؤمنين ، قال : فإن سيدهم وعالمهم وبقية الأخيار منهم توفي ، ~~فقلت ومن هو؟ قال : جعفر بن محمد ، فقلت : أعظم الله أجر أمير المؤمنين ~~وأطال لنا بقاءه ، فقال لي : إن جعفرا كان ممن قال الله فيه « ثم اورثنا ~~الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا » وكان ممن اصطفى الله ، وكان من السابقين في PageV01P079 # الخيرات (1). # هذا وهو المنصور العدو الألد للصادق ، الذي كان مجاهدا في النيل من ~~كرامته والقضاء عليه. # بل أن الملاحدة على كفرهم وعدائهم للاسلام ورجاله كانوا يعظمونه ويعترفون ~~له بغزارة العلم ، والميزة بالصفات الروحية والملكات القدسية ، أمثال ابن ~~المقفع وابن أبي العوجاء والديصاني وغيرهم ، فهذا ابن المقفع يقول : ترون ~~هذا الخلق وأومأ بيده الى موضع الطواف ما منهم أحد أوجب له اسم الانسانية ~~إلا ذلك الشيخ الجالس ، يعني الصادق عليه السلام ، وقال ابن أبي العوجاء : ~~ما هذا ببشر ، وإن كان في الدنيا روحاني يتجسد اذا شاء ويتروح اذا شاء ~~باطنا فهو هذا ، يعني الصادق عليه السلام . (2) # وكان ابن أبي العوجاء اذا سأل أحد أصحاب الصادق عليه السلام عن شيء غامض ~~واستمهله ، ثم أتاه بالجواب بعد حين واستحسنه ، قال : هذه نقلت من الحجاز. # وهكذا كان الديصاني مع أصحاب الصادق عليه السلام ، وما يقوله فيم يحملون ~~إليه جوابه. # وهذه قطرة من غيث مما نطق به أهل الفضل في شأن الصادق عليه السلام مع ~~اختلاف الزمن والبلد والذوق والرأي في القائلين ، اقدمها أمام الدخول في ~~حياته التفصيلية لتعطيك ms052 صورة إجمالية عن هذه الشخصية الفذة ، فإن هذه ~~الكلمات مع وجازتها تعلم القارئ عما لأبي عبد الله عليه السلام من فضيلة بل ~~فضائل ، وعما له من آثار ومآثر. PageV01P080 ### | التقية ### ||| تمهيد : # مني الامام الصادق عليه السلام من بين الأئمة بمعاصرة الدولتين المروانية ~~والعباسية ، اللتين حاربتا الشريعة وصاحبها النبي الأمين بمطاوعة الشهوات ~~والتفنن باللذات. # ثم تنبغ من بين هاتيك المعازف والقيان وذلك الجور والفجور رجالات البدع ~~والمذاهب ، والآراء والأهواء ، ناصبين فخاخهم لصيد السمعة والصيت حين لا ~~محاسب ولا معاقب ، ولا ناهي ولا آمر ، بل كانت السلطة قد تروج تلك ~~الاختلافات ، فيما يضعف من مذهب أهل البيت ويقلل من أنصاره. # ولقد كان أبو عبد الله الصادق عليه السلام يشاهد ذلك الصراع القائم بين ~~الدين والحكومتين ، وبين الحق وأرباب هاتيك البدع. # فما ذا تراه سيتخذ من موقف في وسط هذا المحيط المائج؟ أيعلن الحرب على ~~السلطة والبدع وهو يعرف الناس وتخاذلهم عن الحق. # وكم شاهد وسمع من غدرة بعلوي ، ونكثة بهاشمي ، ولا يهمه ذلك لو كان يصل ~~الى غرضه كما فعل الحسين عليه السلام ، فليست نفسه بأعز من الدين عليه ، ~~ولكنه يعلم يقينا بأن ذلك سيقضي على نفيس حياته ، دون أن يسدي إلى الدين ~~نفعا ، ويجر له مغنما أو أنه يلتزم الصمت أمام ذلك الصراع وفيه PageV01P081 # مسئولية كبرى أمام الله وأمام صاحب الشريعة فلا بد إذن من مخرج لتخليص ~~الدين من هذا الصراع ، مع سلامة نفسه وصفوة رجاله من مخالب تلك الاسود ~~الضارية. # فكانت سياسته الرشيدة في سبيل ذلك نشر العلوم والمعارف وبث الأحكام ~~والحكم وافشاء الفضائل ، وكبح الضلالات بالحجة في ظل ( التقية ) التي اتخذ ~~منها جنة ودريئة لتنفيذ سياسته الحكيمة ، فكانت تعاليمه خدمة للشريعة ، ~~وعباداته إرشادا للناس ، ومناظراته مناهضة للبدع ، فاستقام مجاهدا على ذلك ~~الى أن وافاه الأجل. # فوجب أن نتكلم عن التقية لأجل ذلك في فصل مستقل. ### ||| دليل التقية : # إن التقية من الوقاية ، فهي جنة تدرأ بها المخاوف والأخطار وموردها الخوف ~~على النفيس من نفس وغيرها. # ودليلها : الكتاب ، والسنة ، والعقل ، والاجماع عند ms053 الشيعة ، أما الكتاب ~~فيكفي منه قوله تعالى « لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ~~ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله ~~نفسه » (1) فجوز تعالى للمؤمنين أن يتظاهروا في ولاء الكافرين عند التقية ~~والخوف من شرهم ، الى غيرها من الآيات التي سيرد عليك بعضها. # وأما السنة فما جاء عن أهل البيت وغيرهم أكثر من أن يحصر ، وسنذكر شطرا ~~منه في طي هذا المبحث ، وكفى من السنة ما رواه الفريقان في قصة عمار ، حتى ~~عذره الله سبحانه PageV01P082 # في كتابه العزيز فنزل في حقه « إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان » (1). # وأما إجماع الشيعة على المشروعية بل الوجوب فلا نقاش فيه ، لنذكر مصادره ~~، لأن أمر التقية ولزومها عند أهل البيت وشيعتهم لا يختلف فيه اثنان. # وأما العقل فلأنه بالبداهة يحكم بوجوب المحافظة على النفس والنفيس ما ~~استطاع المرء إليها سبيلا ، ويمنع من إلقاء النفس بالمهالك ، وقد نهى عن ~~ذلك الكتاب العزيز أيضا فقال تعالى : « ولا تلقوا بأيديكم الى التهلكة » ~~(2) وقال سبحانه « ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما » (3). # وسيرة أرباب العقول جارية على وفق هذا الحكم العقلي ، بل ان غريزة البشر ~~على التقية ، فإنك لو حللت بدار قوم يخالفونك في المذهب أو المبدأ السياسي ~~، وتخشى منهم لو علموا ما أنت عليه لكنت تسر ما عندك بطبعك وفطرتك ما ~~استطعت ، من دون أن تعرف حكم العقل أو الشرع في هذا الشأن. # ولو استعرضت تأريخ الاسلام من البدء لوجدت أن التقية كانت ضرورة يلتجأ ~~إليها ، فقد أخفى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بدء الدعوة أمره حتى دعا بني ~~هاشم وأمره الله سبحانه أن يصدع بأمره (4)، وتكتم المسلمون في إسلامهم قبل ~~ظهوره وانتشاره ، وتستر أبو طالب في إسلامه ليتسنى له الدفاع عن الرسول ~~صلى الله عليه وآله وسلم وليبعد عنه التهمة في دفاعه. # وكيف عاد الأمر عكسا يوم ارتفع منار الإسلام فصار أهل الكفر في مكة ~~والمدينة يظهرون الاسلام ويبطنون الكفر. PageV01P083 ### ||| ابتداء التقية ومبرراتها : # ما كانت ms054 تقية الشيعة مبتدأة من عصر الصادق عليه السلام بل كانت من عهد ~~أمير المؤمنين عليه السلام حتى أنه كان قد استعمل التقية بنفسه في اكثر ~~أيامه ، إنك لتعلم أنه من بدء الخلافة كان يرى أن الخلافة له ، ويراها ثلة ~~من الناس فيه ، ولكنه لما لم يجد أنصارا وادع وصمت هو وأصحابه ، ولو وجد ~~أربعين ذوي عزم منهم لناهض القوم على حد تعبيره نفسه وان الناس حتى من ~~يخالفه لتعلم أن له رأيه في القوم ومن ثم أرادوه للبيعة في الشورى على ~~اتباع سيرة السلف فأبى إلا على كتاب الله وسنة رسوله. # وكان يتكتم كثيرا بما يرى التقية في إبدائه حتى بعد ما صار الأمر إليه ~~لعلمه بأن في الناس من يخالفه ويناوئه ، فلو باح بكل ما عنده لم يأمن خلاف ~~الناس عليه ، كيف وقد نكثت طائفة ، وقسطت اخرى ، ومرق آخرون ، فلو صارح بكل ~~ما يعلم ويرى لانتقضت عليه أطراف البلاد. # ومع أن الكوفة يغلب عليها الولاء والتشيع وهي عاصمة ملكه ما استطاع أن ~~يغير فيها كل ما ورثوه من العهد السابق ، كما لم يطق أن يبوح فيها بكل ما ~~يعلم إلا القليل ، هذا وهو صاحب السلطتين : الروحية والزمنية ، فكيف إذن به ~~يوم كان أعزل ، وكيف بأولاده والسطوة والقوة عليهم. # لم يتخذوا التقية جنة إلا لما يعلمون بما يجنيه عليهم وعلى أوليائهم ذلك ~~الإعلان ، وقد أمر بها أمير المؤمنين قبل بنيه ، فإنه قال في بعض احتجاجاته ~~كما يرويه الطبرسي (1) في الاحتجاج : وآمرك أن تستعمل التقية في دينك إلى أن PageV01P084 # يقول : وتصون بذلك من عرف من أوليائنا واخواننا فإن ذلك أفضل من أن تتعرض ~~للهلاك ، وتنقطع به عن عمل في الدين وصلاح إخوانك المؤمنين ، وإياك ثم إياك ~~أن تترك التقية التي أمرتك بها فإنك شاحط بدمك ودماء إخوانك ، متعرض لنفسك ~~ولنفسهم للزوال ، مذل لهم في أيدي أعداء الدين وقد أمرك الله بإعزازهم ، ~~فإنك إن خالفت وصيتي كان ضررك على إخوانك ونفسك أشد من ضرر الناصب لنا ~~الكافر بنا. # فانظر كيف يأمر أمير ms055 المؤمنين وليه بالتقية ، ويكشف له عن فوائدها والضرر ~~في خلافها. # ظهر التشيع والشيعة أيام أمير المؤمنين ، لأن السلطان بيده مرجعه ومآله ~~حتى عرفتهم أعداؤهم في كل مصر وقطر ، فما ذا ترى سيحل بهم بعد تقويض ~~سلطانه؟ # لقد حاربهم معاوية بكل ما اوتي من حول وقوة وحيلة وخديعة ، فكان من تلك ~~الوسائل سبابه لأبي الحسن وأمره به ليربو عليه الصغير ويهرم عليه الكبير ~~كما يقول هو ، وفي ذلك أي حرب لهم و # إذلال ، ثم قتل المعروفين من رجالهم ، والمشهورين من أبدالهم وكان أكثرهم ~~بالكوفة فاستعمل عليهم زيادا وضم إليه البصرة وهو بهم عارف ، يقول المدائني ~~: فقتلهم تحت كل حجر ومدر وأخافهم وقطع الأيدي والأرجل وسمل العيون وصلبهم ~~على جذوع النخل وطردهم وشردهم عن العراق فلم يبق بها معروف منهم (1). # وأما الذين لم يتمكنوا من الهرب لمعروفيتهم في البلاد أو هربوا وأدركهم ~~الطلب فكان نصيبهم الموت الأحمر ، أمثال حجر بن عدي وأصحابه ، PageV01P085 # وعمرو بن الحمق وأضرابه. # ويقول العبري في تاريخه ص 87 : وكان معاوية قد أذكى العيون على شيعة علي ~~فقتلهم أين أصابهم. # ويقول الباقر عليه السلام عند ذكرى النوازل بهم وبأوليائهم : وكان عظم ذلك ~~وكبره زمن معاوية بعد موت الحسن عليه السلام فقتلت شيعتنا بكل بلدة ، وقطعت ~~الأيدي والأرجل على الظنة ، وكان من يذكر بحبنا والانقطاع إلينا سجن ونهب ~~ماله وهدمت داره (1). # كان معاوية يخشى الحسن عليه السلام ، لأن الناس منتظرة لنهضته ، وما .. # صالح معاوية إلا على شروط ، منها أن تعود الخلافة إليه بعده ومن ثم عاجله ~~بالسم ، فالناس طامحة الأنظار لأبي محمد ، ما دام أبو محمد في قيد الحياة ~~ومع تلك الرهبة من أبي محمد وخشيته جانبه كان تلك فعاله ، فكيف حاله مع ~~الشيعة بعد موت الحسن عليه السلام . # ولما عاد الأمر ليزيد وابن زياد كانا أقوى في الفتك وأجرأ في السفك من ~~معاوية وزياد ، فقد قتل ابن زياد مسلما وهانيا ورشيدا الهجري وميثما التمار ~~وفتية شيعية ، وملأ من الشيعة ووجوهها السجون ، حتى بلغت في حبسه اثني عشر ~~ألفا ، ثم ms056 لحق ذلك حادثة الطف. # وما نسيت هذه المشانق والمرازئ حتى جاء دور الحجاج وفتكه ، ولنترك إمامنا ~~الباقر عليه السلام يحدثنا عن هذا الدور الذي شاهده بنفسه ، فيقول : ثم جاء ~~الحجاج فقتلهم يعني الشيعة كل قتلة وأخذهم بكل ظنة وتهمة ، حتى أن الرجل ~~ليقال له زنديق أو كافر أحب إليه من أن يقال له شيعة علي PageV01P086 # عليه السلام (1). # فكان هذا دأب الأمويين مع العلويين وشيعتهم ، وقد عرفت شطر تلك السيرة ~~مما سبق. # ولو استطردت أنباء العصر العباسي لعلمت أن الدولة العباسية اقتدت بالامة ~~الاموية في سيرتها القاسية مع العلوية وأوليائهم ، وأمامك ما سلف مما ~~حدثناك به عن الاموية والعباسية وما جنتاه على أهل البيت من قسوة واعتداء. # أفيستطيع بعد تلك النوائب والمصائب أن يجهر أهل البيت أو شيعتهم بما ~~يرونه من الدين ومعارضة السلطة في المبدأ والمعتقد والسيرة والعمل؟ # بوجدانك أيها البصير ما كنت صانعا لو تمر عليك وعلى أتباعك أمثال تلك ~~الوقائع وأتت رائد ومسئول ، أفتغريهم بإعلان ما يجعلهم مجزرة للأعداء وهدفا ~~للناقمين ، أم تحتم عليهم الكتمان والتستر هربا من تلك المجازر ، وفرارا من ~~مرارة العذاب والتنكيل؟ # واذا كانت العترة أحد الثقلين الذين بهما حفظ الدين ونواميسه تستأصلهم ~~الحراب والحروب فهل يبقى للدين منار مرفوع أو ظل ممدود. # إذن لا محيص من التقية إذا أرادت العترة ملازمة القرآن وتعليم ما فيه حتى ~~يردا الحوض معا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وإذا أرادوا كشف ما ~~عليه اولئك المسيطرون على الناس من الظلم وبيان ما عليه اولئك المبتدعون في ~~الدين من الضلالة والجهالة. # ولذلك يقول الصادق عليه السلام : التقية ديني ودين آبائي ولا دين لمن لا PageV01P087 # تقية له ، وإن المذيع لأمرنا كالجاحد به ، وقال عليه السلام لجماعة من ~~أصحابه كانوا عنده يحدثهم : لا تذيعوا أمرنا ولا تحدثوا به إلا أهله فإن ~~المذيع علينا سرنا أشد مؤونة من عدونا ، انصرفوا رحمكم الله ولا تذيعوا ~~سرنا (1). # ويقول عليه السلام : نفس المهموم لظلمنا تسبيح ، وهمه لنا عبادة ، وكتمان ~~سرنا جهاد في سبيل ms057 الله (2). # ويقول عليه السلام لمدرك بن الهزهز (3): يا مدرك إن أمرنا ليس بقبوله فقط ~~ولكن بصيانته وكتمانه عن غير أهله ، أقرأ أصحابنا السلام ورحمة الله ~~وبركاته ، وقل لهم رحم الله امرأ اجتر مودة الناس إلينا فحدثهم بما يعرفون ~~وترك ما ينكرون (4). # وكانوا دائبين على تلك الوصايا لأصحابهم حتى أن جابرا الجعفي الثقة الثبت ~~الراوية عن الباقر والصادق يقول : رويت خمسين ألف حديث ما سمعها أحد مني ، ~~بل قيل كانت سبعين وقيل تسعين ألفا عن الباقر فحسب ولم يحدث بها أحدا من ~~الناس (5). # ولذلك يقول الصادق عليه السلام للمعلى بن خنيس : لا تكونوا أسرى في أيدي ~~الناس بحديثنا ، إن شاءوا أمنوا عليكم ، وإن شاءوا قتلوكم. وكان يقول ~~عليه السلام : ما قتل المعلى إلا من جهة إفشائه لحديثنا الصعب (6). PageV01P088 # وما اكثر ما جاء عنه من الردع عن إذاعة سرهم والإفشاء لحديثهم وأن المذيع ~~له قاتلهم عمدا لا خطأ (1)، فهذه الأحاديث وغيرها تكشف لك سر أمرهم ~~بالتقية ، فكأنهم يعلمون بأن الناس سوف تستهدف الشيعة على التقية فأبانوا ~~الوجه في إلزامهم بها واستمرارهم عليها. ### ||| أثر التقية في خدمة الدين : # وأما أثر التقية في خدمة الدين والمجتمع الشيعي فلا يكاد يجهل ، فإن ~~الكوفة أيام زياد ضعف فيها التشيع حتى لم يبق بها من الشيعة معروف وبلغ ~~الحال بها أيام الحجاج إلى أن ينسب الرجل إلى الكفر والزندقة أحب إليه من ~~أن ينسب إلى التشيع ، ولكن لم تمض برهة على تشديدهم على الشيعة في اعتزال ~~الناس والسياسة واختفائهم وراء حجب التقية حتى بلغ رواة الصادق عليه السلام ~~أربعة آلاف أو يزيدون كما أحصاهم ابن عقدة ، والشيخ الطوسي طاب ثراه في ~~كتاب الرجال ، والطبرسي في أعلام الورى ، والمحقق الحلي في المعتبر ، وكان ~~اكثرهم من أهل الكوفة ، وكان الحسن بن علي الوشاء (2) يقول : لو علمت أن ~~هذا الحديث يكون له هذا الطلب لاستكثرت منه فإني أدركت في هذا المسجد يعني ~~مسجد الكوفة تسعمائة شيخ كل يقول : حدثني جعفر بن محمد عليهما السلام ، على ~~أن الوشاء لم يدرك من ms058 تلك الطبقة إلا قليلا. # فهنا تعرف السر لما ذا كثرت الرواية عنه عليه السلام ؟ ولما ذا صار منهل ~~العلوم والمعارف ومصدر الأحكام والحكم؟ ولما ذا صار مذهبا لأهل التشيع؟ PageV01P089 # ولما ذا روى عنه حتى أئمة القوم وأعلامهم ، أمثال مالك وأبي حنيفة ~~والسفيانين وأيوب السختياني وشعبة وابن جريح وغيرهم؟ ، كل ذلك لما كان عليه ~~من البعد عن مجتمع الناس الذي يجلب التهمة إليه بطلب الرئاسة والخلافة ، ~~ولتستره في نشر العلم والأخلاق ، ولو لا ذلك لما ظهرت علومه وفضائله ، ولو ~~لا ذلك لما عرف الناس شأن أهل البيت وحقيقة القرآن وعلوم الدين ، ولو لا ~~ذلك لما وضح ما كان عليه أرباب السلطتين ، ولو لا ذلك لما بادت كثير من ~~الفرق الباطلة ، وقامت الحجة عليها من ذوي الفقه والكلام ، ولو لا ذلك لما ~~بلغت الشيعة سبعين مليونا ، وحلت في كل صقع واحتلت كثيرا من البلاد (1). # فمن هاهنا تعرف أثر التقية في خدمة الدين والشريعة ، ورد عوادي الظلم ~~والضلالة ، وتعريف الناس حقائق الايمان ، وبطلان الشبهات والمبتدعات. # فلا أخالك بعد هذا البيان تصغي إلى شيء من الغمز في التقية ونسبة الشيعة ~~إلى الباطنية من جراء ذلك التكتم في الاعتقاد ، والتستر في المذاهب. # وما كان هذا الإسهاب إلا لرفع النقاب عن محيا الحقيقة لمن يزعم أن التقية ~~مجهولة المحاسن ، لأنها حجاب كثيف وعسى أن يكون ما وراء الحجاب ألف عيب ~~وألف نقص ، ومن يتقي في عقيدته كيف يعرف الناس ما لديه ويرون جمال ما يضمره ~~، أترى يصح هذا الغمز والنبز بعد ما ألمسناك فوائدها ، وأريناك منافعها؟ # على أن اليوم بفضل المطابع قد انتشرت علوم الشيعة وعقائدهم ، فأين ~~الكتمان وأين الاتقاء؟ وما كان الاتقاء إلا في ذلك العهد يوم كانت الشيعة PageV01P090 # قليلي العدد والاهبة ، ولو مسحهم السيف لم يبق للبيت وأهله ذكر وعلم وحجة ~~ورواية ، وأما اليوم فهم في جنة واقية من نشر هاتيك الكتب التي ملأت ~~الخافقين ، ولم تدع عذرا لكاتب وقارىء يزعمان أن مذهب الامامية باطنيا ~~يتستر بالتقية ، لا نعرف مباديه وعقائده ، ولا اصوله وفروعه ms059 ، فإن كتبهم ~~بالأيدي ، في كل علم وفن ، ومصادرهم مقروة ومداركهم مبثوثة. # * * * PageV01P091 ### | الصادق والمحن # كفى في امتحان أهل الدين هذا التصارع الدائم بين الدين والدنيا وقلما ~~ائتلفا في عصر ، ولولاه لما كانت التقية ، ولما كانت تلك الفوادح النازلة ~~بساحة أهل البيت. # ليس الصراع بين أهل البيت وبين امية والعباس غريبا ما دام أهل البيت مثال ~~الدين ، واولئك مثال الدنيا. # يعلم المروانيون والعباسيون أن الصادق عليه السلام زعيم هذا التصارع ولئن ~~صمت عن مصارعتهم بالحراب فلا يكفيهم أمانا من حربه لهم ، ولربما كان الصمت ~~نفسه أداة الصراع أو هو الصراع نفسه ، فإن السكوت قد يكون جوابا كما ~~يقولون. # فمن ثم تجدهم يوجهون إليه عوادي المحن كل حين ، وما كفهم عن تعاهده ~~بالأذى ذلك الانعزال والانشغال بالعبادة والعلم ، فإن هذا الشغل هو سلاح ~~الحرب ، لأنه ظاهرة الدين وبه تتجه الأنظار إليه ، وكلما ارتفع مقام الصادق ~~قويت شوكة الدين ، وإذا قوي الدين انصرع أهل الدنيا. # ولو لا تشاغل الامويين بالفتن بينهم لما أبقوا على الصادق عليه السلام ، ~~كما لم يبقوا على آبائه ، أجل كأنهم تركوا ذلك إلى أبناء عمه الأقربين ، PageV01P092 # « واولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض »! (1) # كانت أيام السفاح أربع سنين ، وهذا الزمن لا يكفي لتطهير الأرض من أمية ، ~~ولبناء اس الملك وترسيخ دعائمه ، فلم يشغله ذلك عن الصادق عليه السلام ، ~~فإنه لم يطمئن بعد من أمية والروح الموالية لهم ، ولم يفرغ من تأسيس ذلك ~~البناء حتى أرسل على الصادق من المدينة إلى الحيرة ، ليفتك به ، ولكن كفى ~~بالأجل حارسا. # ولما ذا كان الصادق إحدى شعب همه ، وهو ابن عمهم الذي اشتغل بالعبادة ~~والتعليم والارشاد ، والذي أخبرهم بما سيحظون به من الملك دون بني الحسن ، ~~وقد كانوا بأضيق من جحر الضب من بني أمية ، وأقلق من الريشة في مهب الريح ~~خوفا منهم. # ما كان يدفع السفاح على ذلك العمل الشائن إلا ما قلناه من ذلك الصراع ~~حذرا من أن يتجه الناس إلى الصادق عليه السلام ، ويعرفوا منزلته ، والناس ~~إلى ذلك العهد كانت ترى أن الخلافة ms060 مجمع السلطتين الروحية والزمنية ، ولا ~~تراها سلطانا خالصا لا علاقة لها بالدين ، فلا يصرف الناس عن الصادق أنه ~~رجل الدين الخالص ، بل أن هذا ادعى عند بعض الناس للامامة ، ليكونوا منه في ~~أمان على دنياهم ، كما هم في أمان على دينهم. # وبذلك الحذر وقف المنصور بمرصد للصادق عليه السلام ، فشاهد عليه السلام منه ~~ضروب الآلام والمكاره ، وما كف ولا عف عنه حتى أذاقه السم. # ولا عجب مما كان يلاقيه أبو عبد الله عليه السلام من تلك المكاره ، فإن PageV01P093 # محن المرء على قدر ما له من فضيلة وكرامة ، وعلى قدر مقامه بين الناس ~~وطموحه إلى الرتب العالية. # كان بين ولاية المنصور ووفاة الصادق عليه السلام اثنتا عشرة سنة لم يجد ~~الصادق فيها راحة ولا هدوء على ما بينهما من البعد الشاسع ، الصادق في ~~الحجاز ، والمنصور في العراق ، وكان يتعاهده بالأذى ، كما يتعاهد المحب ~~حبيبه بالطرف والتحف. # يقول ابن طاوس أبو القاسم علي طاب ثراه (1) في كتاب « مهج الدعوات » في ~~باب دعوات الصادق عليه السلام : إن المنصور دعا الصادق سبع مرات كان بعضها ~~في المدينة والربذة حين حج المنصور ، وبعضها يرسل إليه إلى الكوفة وبعضها ~~إلى بغداد ، وما كان يرسل عليه مرة إلا ويريد فيها قتله ، هذا فوق ما ~~يلاقيه فيها من الهوان وسوء القول ، ونحن نذكرها بالتفصيل : ### |||| ** الاولى : روى ابن طاوس عن الربيع حاجب المنصور قال : لما حج المنصور (2) وصار ~~بالمدينة سهر ليلة فدعاني فقال : يا ربيع انطلق في وقتك هذا على أخفض جناح ~~وألين مسير ، وإن استطعت أن تكون وحدك فافعل حتى يأتي أبا عبد الله جعفر بن ~~محمد فقل له : هذا ابن عمك يقرأ عليك السلام ويقول PageV01P094 # لك : إن الدار وإن نأت والحال وإن اختلفت فإنا نرجع إلى رحم أمس من يمين ~~بشمال ، ونعل بقبال (1) وهو يسألك المصير إليه في وقتك هذا ، فإن سمح ~~بالمصير معك فأوطئه خدك ، وإن امتنع بعذر أو غيره فاردد الأمر إليه في ذلك ~~، وإن أمرك بالمصير إليه في تأن فيسر ولا تعسر ، واقبل العفو ms061 ولا تعنف في ~~قول ولا فعل ، قال الربيع : فصرت إلى بابه فوجدته في دار خلوته فدخلت عليه ~~من غير استئذان ، فوجدته معفرا خديه مبتهلا بظهر كفيه قد أثر التراب في ~~وجهه وخديه ، فأكبرت أن أقول شيئا حتى فرغ من صلاته ودعائه ، ثم انصرف ~~بوجهه فقلت : السلام عليك يا أبا عبد الله فقال : وعليك السلام يا أخي ، ما ~~جاء بك ، فقلت : ابن عمك يقرأ عليك السلام ، حتى بلغت إلى آخر الكلام ، ~~فقال : ويحك يا ربيع « ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما ~~نزل من الحق ولا يكونوا كالذين اوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست ~~قلوبهم » (2) ويحك يا ربيع « أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم ~~نائمون ، أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون ، أفأمنوا مكر ~~الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون » (3) قرأت على أمير المؤمنين ~~السلام ورحمة الله وبركاته ، ثم أقبل على صلاته ، وانصرف إلى توجهه ، فقلت ~~: هل بعد السلام من مستعتب أو اجابة ، فقال : نعم ، قل له : « أفرأيت الذي ~~تولى ، وأعطى قليلا واكدى ، أعنده علم الغيب فهو يرى ، أم لم ينبأ بما في ~~صحف موسى ، وإبراهيم الذي وفى ، ألا تزر وازرة وزر أخرى ، وأن ليس للانسان ~~إلا ما سعى ، وأن سعيه سوف يرى » (4) إنا والله PageV01P095 # يا أمير المؤمنين قد خفناك وخافت بخوفنا النسوة اللاتي أنت أعلم بهن ، ~~ولا بد لنا من الايضاح به (1) فإن كففت وإلا أجرينا اسمك على الله عز وجل ~~في كل يوم خمس مرات (2) وأنت حدثتنا عن أبيك عن جدك أن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال : أربع دعوات لا يحجبن عن الله تعالى : دعاء ~~الوالد لولده ، والأخ بظهر الغيب لأخيه ، والمخلص ... # قال الربيع : فما استتم الكلام حتى أتت رسل المنصور تقفوا أثري وتعلم ~~خبري فرجعت فأخبرته بما كان فبكى ، ثم قال : ارجع إليه وقل له : الأمر في ~~لقائك إليك والجلوس عنا ، وأما النسوة اللاتي ذكرتهن فعليهن السلام فقد آمن ~~الله روعتهن وجلى همهن ms062 ، قال : فرجعت إليه فأخبرته بما قال المنصور فقال : ~~قل له : وصلت رحما ، وجزيت خيرا ، ثم اغرورقت عيناه حتى قطر من الدموع في ~~حجره قطرات. # ثم قال : يا ربيع إن هذه الدنيا وان أمتعت ببهجتها ، وغرت بزبرجها (3) ~~فقلت : يا أبا عبد الله أسألك بكل حق بينك وبين الله جل وعلا إلا عرفتني ما ~~ابتهلت به إلى ربك تعالى ، وجعلته حاجزا بينك وبين حذرك وخوفك فلعل الله ~~يجبر بدوائك كسيرا ، ويغني به فقيرا ، والله ما اعني غير نفسي ، قال الربيع ~~: فرفع يده وأقبل على مسجده كارها أن يتلو الدعاء صفحا ، ولا يحضر ذلك بنية ~~، فقال : قل : اللهم إني أسألك يا مدرك الهاربين ، ويا ملجأ الخائفين ، ~~الدعاء. (4) PageV01P096 # ليس في استدعاء المنصور للصادق عليه السلام في هذه الدفعة ظاهرة سوء ، فما ~~الذي أقلق أبا عبد الله وروع نساءه ، وجعله يتوسل إلى الله تعالى في كف شر ~~المنصور ، إن أبا عبد الله أبصر بقومه وأدرى بنواياهم ، ومن الدفعات الآتية ~~تتضح لك جليا مقاصد المنصور مع الصادق عليه السلام ، وأنه ما كان يقصد من ~~هذا الإرسال إلا السوء. ### |||| ** الثانية : وروى ابن طاوس عن الربيع أيضا ، قال حججت مع أبي جعفر المنصور فلما صرت في ~~بعض الطريق قال لي المنصور : يا ربيع إذا نزلت المدينة فاذكر لي جعفر بن ~~محمد بن علي بن الحسين بن علي عليهم السلام فو الله العظيم لا يقتله أحد ~~غيري ، احذر أن تدع أن تذكرني به ، قال : فلما صرنا إلى المدينة أنساني ~~الله عز وجل ذكره ، فلم صرنا إلى مكة قال لي : يا ربيع ألم آمرك أن تذكرني ~~بجعفر بن محمد إذا دخلنا المدينة ، قال : فقلت : نسيت يا مولاي يا أمير ~~المؤمنين ، فقال لي : فاذا رجعنا إلى المدينة فذكرني به فلا بد من قتله ، ~~فإن لم تفعل لأضربن عنقك ، قال : فقلت له : نعم يا أمير المؤمنين ، ثم قلت ~~لأصحابي وغلماني : ذكروني بجعفر بن محمد إذا دخلنا المدينة إن شاء الله قال ~~: فلم يزل أصحابي وغلماني يذكروني به في كل منزل ندخله وننزل ms063 فيه حتى قدمنا ~~المدينة ، فلما نزلنا المدينة دخلت الى المنصور فوقفت بين يديه وقلت : يا ~~أمير المؤمنين جعفر بن محمد ، قال : فضحك وقال لي : نعم اذهب يا ربيع فأتني ~~به ولا تأتني به إلا مسحوبا ، قال : فقلت له : يا مولاي حبا وكرامة ، وأنا ~~أفعل ذلك طاعة PageV01P097 # لأمرك ، قال : ثم نهضت وأنا في حال عظيم من ارتكابي ذلك ، قال : فأتيت ~~الامام الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام وهو جالس في وسط داره ، فقلت له ~~جعلت فداك : إن أمير المؤمنين يدعوك إليه ، فقال : السمع والطاعة ، ثم نهض ~~وهو معي يمشي ، قال : فقلت له : يا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنه ~~أمرني ألا آتيه بك إلا مسحوبا ، قال : فقال الصادق عليه السلام : امتثل يا ~~ربيع ما أمرك به ، قال الربيع : فأخذت بطرف كمه أسوقه ، فلما أدخلته عليه ~~رأيته وهو جالس على سريره وفي يده عمود من حديد يريد أن يقتله به ، ونظرت ~~الى جعفر بن محمد يحرك شفتيه فلم أشك أنه قاتله ، ولم أفهم الكلام الذي كان ~~جعفر بن محمد يحرك به شفتيه ، فوقفت أنظر إليهما ، قال الربيع : فلما قرب ~~منه جعفر بن محمد قال له المنصور : ادن مني يا ابن عمي ، وتهلل وجهه ، ~~وقربه حتى أجلسه معه على السرير ، ثم قال : يا غلام ائتني بالحقة ، فأتاه ~~بالحقة وفيها قدح الغالية فغلفه (1) منها ، ثم حمله على بغلة وأمر له ببدرة ~~وخلعة ثم أمره بالانصراف ، قال : فلما نهض من عنده خرجت بين يديه حتى وصل ~~الى منزله ، فقلت له : بأبي أنت وأمي يا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~إني لم أشك فيه ساعة تدخل عليه أنه يقتلك ، ورأيتك تحرك شفتيك في وقت دخولك ~~عليه فما قلت؟ قال لي : نعم يا ربيع اعلم أني قلت : حسبي الرب من المربوبين ~~، حسبي الخالق من المخلوقين ، الدعاء. ### |||| ** الثالثة : قال ابن طاوس في استدعائه مرة ثالثة بالربذة (2): يقول مخرمة PageV01P098 # الكندي : لما نزل أبو جعفر المنصور الربذة وجعفر بن محمد عليه السلام ~~يومئذ بها ms064 ، قال : من يعذرني من جعفر هذا ، يقدم رجلا ويؤخر أخرى يقول : ~~انتجى (1) عن محمد (2) فإن يظفر فإن الأمر لي وإن تكن الاخرى فكنت قد أحرزت ~~(3) نفسي ، أما والله لأقتلنه ، ثم التفت الى إبراهيم بن جبلة فقال : يا ~~ابن جبلة قم إليه فضع في عنقه ثيابه ثم ائتني به سحبا ، قال إبراهيم : ~~فخرجت حتى أتيت منزله فلم أصبه ، فطلبته في مسجد أبي ذر فوجدته على باب ~~المسجد ، قال : فاستحييت أن أفعل ما امرت به ، فأخذت بكمه فقلت : أجب أمير ~~المؤمنين ، فقال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، دعني حتى اصلي ركعتين ثم بكى ~~بكاء شديدا وأنا خلفه ، ثم قال : اللهم أنت ثقتي في كل كرب ورجائي في كل ~~شدة. الدعاء ، ثم قال : اصنع ما امرت به ، فقلت : والله لا أفعل ولو ظننت ~~أني اقتل ، فذهبت به لا والله ما أشك إلا أنه يقتله قال : فلما انتهيت الى ~~باب الستر قال : يا إله جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وإله إبراهيم وإسحاق ~~ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم تول في هذه الغداة عافيتي ولا تسلط علي أحدا من ~~خلقك بشيء لا طاقة لي به ، قال إبراهيم : ثم أدخلته عليه ، قال : فاستوى ~~جالسا ، ثم أعاد عليه الكلام ، فقال : قدمت رجلا وأخرت أخرى ، أما والله ~~لأقتلنك ، فقال : يا أمير المؤمنين ما فعلت فارفق بي لقلما أصحبك ، فقال له ~~أبو جعفر : انصرف ، قال : ثم التفت الى عيسى بن علي (4) فقال : يا أبا ~~العباس الحقه فاسأله أبي أم به ، قال : فخرج يشتد حتى لحقه ، PageV01P099 # فقال : يا أبا عبد الله إن أمير المؤمنين يقول لك : أبك أم به؟ فقال : لا ~~بل بي ، فقال أبو جعفر : صدق (1). # قال إبراهيم بن جبلة : ثم خرجت فوجدته قاعدا ينتظرني يتشكر لي صنيعي به ~~واذا به يحمد الله ويقول : الحمد لله الذي أدعوه فيجيبني وإن كنت بطيئا حين ~~يدعوني ، الدعاء. ### |||| ** الرابعة : يقول الشريف ابن طاوس : إن هذه المرة الرابعة هي التي استدعاه بها الى ~~الكوفة ، قال : يقول الفضل بن الربيع بعد أن ذكر سند الرواية إليه ms065 : قال ~~أبي الربيع : بعث المنصور إبراهيم بن جبلة الى المدينة ليشخص جعفر بن محمد ~~، فحدثني إبراهيم بعد قدومه بجعفر أنه لما دخل إليه فخبره برسالة المنصور ~~سمعته يقول : اللهم أنت ثقتي في كل كرب ، ورجائي في كل شدة ، الدعاء. # فلما قدموا راحلته وخرج ليركب سمعته يقول : اللهم بك أستفتح وبك أستنجح ، ~~الدعاء ، قال : فلما دخلنا الكوفة نزل فصلى ركعتين ثم رفع يده الى السماء ~~فقال : اللهم رب السموات وما أظلت ورب الأرضين السبع وما أقلت ، الدعاء ، ~~قال الربيع : فلما وافى الى حضرة المنصور دخلت فأخبرته بقدوم جعفر وإبراهيم ~~فدعا المسيب بن زهير الضبي فدفع إليه سيفا وقال له : اذا دخل جعفر بن محمد ~~فخاطبته وأومأت إليه فاضرب عنقه ولا تستأمر (2)، فخرجت إليه وكان صديقا ~~الاقيه واعاشره اذا حججت فقلت : يا ابن رسول الله صلى الله PageV01P100 # عليه وآله إن هذا الجبار قد أمر فيك بأمر اكره أن ألقاك به فإن كان في ~~نفسك شيء تقوله وتوصيني به ، فقال : لا يروعك ذلك فلو قد رآني لزال ذلك كله ~~، ثم أخذ بمجامع الستر فقال : يا إله جبرئيل وميكائيل وإسرافيل ، وإله ~~إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم تولني في هذه ~~الغداة ولا تسلط علي أحدا من خلقك بشيء لا طاقة لي به ، ثم دخل فحرك شفتيه ~~بشيء لم أفهمه ، فنظرت إلى المنصور فما شبهته إلا بنار صب عليها ماء فخمدت ~~، ثم جعل يسكن غضبه حتى دنا منه جعفر بن محمد عليهما السلام وصار مع سريره ، ~~فوثب المنصور ، وأخذ بيده ورفعه على سريره ، ثم قال له يا أبا عبد الله يعز ~~علي تعبك ، وإنما أحضرتك لأشكو إليك أهلك قطعوا رحمي ، وطعنوا في ديني ، ~~وألبوا الناس علي ، ولو ولي هذا الأمر غيري ممن هو أبعد رحما مني لسمعوا له ~~وأطاعوا ، فقال له جعفر عليه السلام : فأين يعدل بك عن سلفك الصالح أن أيوب ~~عليه السلام ابتلي فصبر ، وأن يوسف عليه السلام ظلم فغفر ، وأن سليمان ~~عليه السلام اعطي فشكر ، فقال المنصور : قد ms066 صبرت وغفرت وشكرت. # ثم قال : يا أبا عبد الله حدثنا حديثا كنت سمعته منك في صلة الأرحام قال ~~: نعم سمعت أبي عن جدي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : البر وصلة ~~الأرحام عمارة الديار وزيادة الأعمار ، قال : ليس هذا هو ، قال : حدثني أبي ~~عن جدي ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من أحب أن ينسأ (1) في ~~أجله ، ويعافى في بدنه ، فليصل رحمه ، قال : ليس هذا هو ، قال : نعم حدثني ~~أبي عن جدي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : رأيت رحما متعلقة ~~بالعرش تشكو إلى الله عز وجل قاطعها فقلت : يا جبرئيل وكم بينهم؟ قال : ~~سبعة آباء ، PageV01P101 # فقال : ليس هذا هو ، قال : نعم حدثني أبي عن جدي قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم : احتضر رجل بار في جواره رجل عاق ، فقال الله عز وجل ~~لملك الموت : يا ملك الموت كم بقي من أجل العاق؟ قال : ثلاثون سنة قال : ~~حولها إلى هذا البار (1) فقال المنصور : يا غلام ائتني بالغالية ، فأتاه ~~بها فجعل يغلفه بيده ، ثم دفع إليه أربعة آلاف دينار ، ودعا بدابته فأتى ~~بها فجعل يقول : قدم قدم ، إلى أن أتي بها عند سريره فركب جعفر بن محمد ~~عليهما السلام وغذوت بين يديه ، فسمعته يقول : الحمد لله الذي أدعوه ~~فيجيبني. الدعاء ، فقلت : يا ابن رسول الله إن هذا الجبار يعرضني على السيف ~~كل قليل ، ولقد دعا المسيب بن زهير فدفع إليه سيفا وأمره أن يضرب عنقك وأني ~~رأيتك تحرك شفتيك حين دخلت بشيء لم أفهمه عنك ، فقال : ليس هذا موضعه فرحت ~~إليه عشيا ، قال : نعم حدثني أبي عن جدي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~لما البت عليه اليهود وفزارة وغطفان وهو قوله تبارك وتعالى « إذ جاؤكم من ~~فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله ~~الظنونا » (2) وكان ذلك اليوم أغلظ يوم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~فجعل يدخل ويخرج وينظر ms067 إلى السماء فيقول : ضيقي تتسعي ، ثم خرج في بعض ~~الليل فرأى شخصا فقال لحذيفة : انظر من هذا ، فقال : يا رسول الله هذا علي ~~بن أبي طالب ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يا أبا الحسن أما ~~خشيت أن تقع عليك عين ، قال : وهبت نفسي لله ولرسوله وخرجت حارسا للمسلمين ~~في هذه الليلة ، فما انقضى كلامهما حتى نزل جبرئيل ، قال : يا محمد إن الله ~~يقرأ عليك السلام PageV01P102 # ويقول لك : قد رأيت موقف علي منذ الليلة وأهديت إليه من مكنون علمي كلمات ~~لا يتعوذ بها عند شيطان مارد ، ولا سلطان جائر ، ولا حرق ولا غرق ، ولا هدم ~~ولا ردم ، ولا سبع ضار ، ولا لص ، إلا آمنه الله من ذلك ، وهو أن يقول : ~~اللهم احرسنا بعينك التي لا تنام ... الدعاء. ### |||| ** الخامسة : وقد استدعاه بها المنصور إلى بغداد قبل قتل محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن ~~الحسن (1) روى ذلك الشريف رضي الدين بسنده عن محمد بن الربيع الحاجب ، قال ~~: قعد المنصور يوما في قصره بالقبة الخضراء ، وكانت قبل قتل محمد وإبراهيم ~~تدعى الحمراء ، وكان له يوم يقعد فيه ويسمى ذلك اليوم يوم الذبح ، وقد كان ~~أشخص جعفر بن محمد من المدينة ، فلم يزل في الحمراء نهاره كله حتى جاء ~~الليل ومضى اكثره قال : ثم دعا الربيع فقال له : يا ربيع إنك تعرف موضعك ~~مني وأنه يكون بي الخير ولا تظهر عليه امهات الأولاد وتكون أنت المعالج له ~~، قال : قلت : يا أمير المؤمنين ذلك فضل الله علي وفضل أمير المؤمنين وما ~~فوقي في النصح غاية ، قال : كذلك أنت صر الساعة إلى جعفر بن محمد بن فاطمة ~~فائتني به على الحال التي تجده فيها لا تغير شيئا مما عليه ، فقلت : إنا ~~لله وإنا إليه راجعون ، هذا والله هو العطب ، إن أتيت به على ما أراه من ~~غضبه قتله وذهبت الآخرة ، وإن لم أذهب في أمره قتلني وقتل نسلي وأخذ أموالي ~~، فميزت بين الدنيا والآخرة فمالت نفسي إلى الدنيا ، قال محمد بن الربيع : ~~فدعاني ms068 أبي وكنت أفظ ولده وأغلظهم قلبا ، فقال لي : امض إلى PageV01P103 # جعفر بن محمد فتسلق عليه حائطه ولا تستفتح عليه بابه فيغير بعض ما هو ~~عليه ولكن انزل عليه نزلا ، فأت به على الحال التي هو فيها ، قال : فأتيته ~~وقد ذهب الليل إلا أقله ، فأمرت بنصب السلاليم وتسلقت عليه الحائط ونزلت ~~داره فوجدته قائما يصلي وعليه قميص ومنديل وقد ائتزر به ، فلما سلم من ~~صلاته قلت : أجب أمير المؤمنين فقال : دعنى أدعو وألبس ثيابي ، فقلت : ليس ~~إلى ذلك من سبيل ، قال لي : فأدخل المغتسل فأتطهر ، قال : قلت : وليس إلى ~~ذلك أيضا سبيل ، فلا تشغل نفسك فإني لا أدعك تغير شيئا ، قال : فأخرجته ~~حافيا حاسرا في قميصه ومنديله ، وكان قد جاوز السبعين (1) فلما مضى بعض ~~الطريق ضعف الشيخ فرحمته فقلت له : اركب ، فركب بغل شاكري (2) كان معنا ، ~~ثم صرنا إلى الربيع فسمعته وهو يقول : ويلك يا ربيع قد أبطأ الرجل ويستحثه ~~استحثاثا شديدا ، فلما أن وقعت عين الربيع على جعفر وهو بتلك الحال بكى ، ~~وكان الربيع يتشيع ، فقال له جعفر عليه السلام : يا ربيع أنا أعلم ميلك ~~إلينا فدعنى أصلي ركعتين وأدعوا ، قال : شأنك وما تشاء ، فصلى ركعتين ~~خففهما ثم دعا بعدهما بدعاء لم أفهمه إلا أنه دعاء طويل ، والمنصور في ذلك ~~كله يستحث الربيع ، فلما فرغ من دعائه على طوله أخذ الربيع بذراعه فأدخله ~~على المنصور فلما صار في صحن الايوان وقف ثم حرك شفتيه بشيء ما أدري ما هو ~~، ثم أدخلته فوقف بين يديه ، فلما نظر إليه قال : وأنت يا جعفر ما تدع حسدك ~~وبغيك وفسادك على أهل هذا البيت من بني العباس وما يزيدك الله بذلك إلا شدة ~~حسد ونكد ، ما تبلغ به ما تقدره ، فقال له : والله يا أمير المؤمنين ما ~~فعلت شيئا من PageV01P104 # ذلك ، هذا ولقد كنت في ولاية بني امية وأنت تعلم أنهم أعدى الخلق لنا ~~ولكم ، وأنهم لا حق لهم في هذا الأمر فو الله ما بغيت عليهم ، ولا بلغهم ~~عني مع جفائهم الذي كان ms069 لي ، وكيف يا أمير المؤمنين أصنع الآن هذا وأنت ابن ~~عمي وأمس الخلق بي رحما ، واكثرهم عطاء وبرا ، فكيف أفعل هذا ، فأطرق ~~المنصور ساعة ، وكان على لبد (1) وعن يساره مرفقة خز معانية (2) وتحت لبده ~~سيف ذو الفقار (3) كان لا يفارقه إذا قعد في القبة ، فقال : أبطلت وأثمت ، ~~ثم رفع ثني الوسادة فأخرج منها إضبارة كتب فرمى بها إليه ، وقال : هذه كتبك ~~إلى أهل خراسان تدعوهم إلى نقض بيعتي وأن يبايعوك دوني ، فقال : والله يا ~~أمير المؤمنين ما فعلت ولا أستحل ذلك ولا هو من مذهبي ، واني ممن يعتقد ~~طاعتك في كل حال ، وقد بلغت من السن ما قد أضعفني عن ذلك لو أردته فصيرني ~~في بعض حبوسك حتى يأتيني الموت فهو منى قريب ، فقال : لا ولا كرامة ، ثم ~~أطرق وضرب يده على السيف فسل منه مقدار شبر وأخذ بمقبضه ، فقلت : انا لله ~~ذهب والله الرجل ، ثم رد السيف وقال : يا جعفر أما تستحي مع هذه الشيبة ومع ~~هذا النسب أن تنطق بالباطل وتشق عصى المسلمين ، تريد أن تريق الدماء وتطرح ~~الفتنة بين الرعية والأولياء ، فقال : لا والله يا أمير المؤمنين ما فعلت ~~ولا هذه كتبي ولا خطي ولا خاتمي ، فانتضى من السيف ذراعا ، فقلت : إنا لله ~~مضى الرجل وجعلت في نفسي إن أمرني فيه بأمر أن أعصيه ، لأني ظننت أنه ~~يأمرني أن آخذ السيف فأضرب به جعفرا ، فقلت إن أمرني ضربت المنصور وإن أتى ~~ذلك علي وعلى ولدي وتبت إلى الله عز وجل مما كنت نويت فيه أولا ، فما PageV01P105 # زال يعاتبه وجعفر يعتذر إليه ، ثم انتضى السيف كله إلا شيئا يسيرا منه ، ~~فقلت : إنا لله مضى والله الرجل ، ثم أغمد السيف وأطرق ساعة ، ثم رفع رأسه ~~وقال له : اظنك صادقا ، يا ربيع هات العيبة من موضع فيه في القبة ، فأتيت ~~بها ، فقال : ادخل يدك فيها وكانت مملوءة غالية وضعها في لحيته ، وكانت ~~بيضاء فاسودت ، وقال لي : احمله على فاره من دوابي التي أركبها واعطه عشرة ~~آلاف درهم وشيعه إلى منزله ms070 مكرما وخيره إذا أتيت به المنزل بين المقام ~~عندنا فنكرمه ، أو الانصراف إلى مدينة جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ~~فخرجنا من عنده وأنا مسرور فرح لسلامة جعفر عليه السلام ومتعجب مما أراده ~~المنصور وما صار إليه من كفايته ودفاعه ، ولا عجب من أمر الله عز وجل فلما ~~صرنا في الصحن قلت : يا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا عجب مما عمل ~~عليه هذا في بابك ، وما أصارك الله إليه من كفايته ودفاعه ، ولا عجب من أمر ~~الله عز وجل ، وقد سمعتك تدعو عقيب الركعتين بدعاء لم أدر ما هو إلا أنه ~~طويل ، ورأيتك حركت شفتيك هاهنا اعني الصحن بشيء لم أدر ما هو ، فقال لي : ~~أما الأول فدعاء الكرب والشدائد ، لم أدع به على أحد قبل يومئذ ، جعلته ~~عوضا ، من دعاء كثير أدعو به إذا قضيت صلاتي ، لأني لم أترك أن أدعو ما كنت ~~أدعو به ، وأما الذي حركت به شفتي فهو دعاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~يوم الأحزاب ، حدثني أبي عن أبيه عن جده عن أمير المؤمنين صلوات الله عليهم ~~عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : لما كان يوم الأحزاب كانت المدينة ~~كالاكليل من جنود المشركين وكانوا كما قال الله عز وجل : « إذ جاءوكم من ~~فوقكم ومن أسفل منكم » (1) ثم ذكر الدعاء ، ثم قال : لو لا الخوف من أمير ~~المؤمنين PageV01P106 # لرفعت إليك هذا المال ، ولكن قد كنت طلبت مني أرضي بالمدينة وأعطيتني بها ~~عشرة آلاف دينار فلم أبعك وقد وهبتها لك ، قلت : يا ابن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم إنما رغبتي في الدعاء الأول والثاني ، فاذا فعلت هذا ~~فهو البر ولا حاجة لي الآن في الأرض ، فقال لي : إنا أهل بيت لا نرجع في ~~معروفنا ، نحن ننسخك الدعاء ونسلم إليك الأرض صر معي إلى المنزل فصرت معه ~~كما تقدم المنصور به ، وكتب لي بعهد الأرض وأملى علي دعاء رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ms071 وأملى علي الذي دعاه بعد الركعتين ثم قال : فقلت : يا ~~ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقد كثر استحثاث المنصور واستعجاله إياي ~~وأنت تدعو بهذا الدعاء الطويل متمهلا كأنك لم تخفه ، قال : فقال لى : نعم ~~قد كنت أدعو بعد صلاة الفجر بدعاء لا بد منه ، فأما الركعتان فهما صلاة ~~الغداة خففتهما ودعوت بذلك الدعاء بعدهما ، فقلت له : ما خفت أبا جعفر وقد ~~أعد لك ما أعد ، قال : ما أعد! خيفة الله دون خيفته ، وكان الله عز وجل في ~~صدري أعظم. منه ، قال الربيع : كان في قلبي ما رأيت من المنصور ومن غضبه ~~وحنقه على جعفر ومن الجلالة في اتساعه ما لم أظنه يكون في بشر ، فلما وجدت ~~منه خلوة وطيب نفس قلت : يا أمير المؤمنين رأيت منك عجبا ، قال : ما هو؟ ~~قلت : يا أمير المؤمنين رأيت غضبك على جعفر غضبا لم أرك غضبته على أحد قط ، ~~ولا على عبد الله بن الحسن ولا على غيره من كل الناس حتى بلغ بك الأمر أن ~~تقتله بالسيف وحتى أنك أخرجت من سيفك شبرا ثم أغمدته ، ثم عاتبته ثم أخرجت ~~منه ذراعا ، ثم عاتبته ثم أخرجته كله إلا شيئا يسيرا ، فلم أشك في قتلك له ~~، ثم انحل ذلك كله ، فعاد رضى حتى أمرتني فسودت لحيته بالغالية التي لا ~~يتغلف منها إلا أنت ولا تغلف منها ولدك المهدي ولا من وليته عهدك ، ولا ~~عمومتك ، وأجزته وحملته وأمرتني بتشييعه مكرما ، فقال : ويحك يا ربيع ، ليس ~~هو مما ينبغي أن PageV01P107 # تحدث به وستره أولى ، ولا أحب أن يبلغ ولد فاطمة فيفخرون ويتيهون بذلك ~~علينا ، حسبنا ما نحن فيه ولكن لا اكتمك شيئا ، انظر إلى من في الدار فنحهم ~~، قال : فنحيت كل من في الدار ، ثم قال لي : ارجع ولا تبق أحدا ، ففعلت ، ~~ثم قال : ليس إلا أنا وأنت ، والله لئن سمعت ما ألقيه عليك من أحد لأقتلنك ~~وولدك وأهلك أجمعين ، ولآخذن مالك ، قال : قلت : يا أمير المؤمنين أعيذك ~~بالله ، قال : يا ربيع كنت مصرا ms072 على قتل جعفر ، ولا أسمع له قولا ، ولا ~~أقبل له عذرا ، فلما هممت به في المرة الاولى تمثل لي رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم فإذا هو حائل بيني وبينه باسط كفيه حاسر عن ذراعيه قد ~~عبس وقطب في وجهي ، فصرفت وجهي عنه ، ثم هممت به في المرة الثانية وانتضيت ~~من السيف اكثر مما انتضيت منه في المرة الاولى فإذا أنا برسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم قد قرب مني ودنا شديدا وهم بي لو فعلت لفعل فأمسكت ، ~~ثم تجاسرت وقلت : هذا من فعل الربيء (1) ثم انتضيت السيف في الثالثة فتمثل ~~لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم باسطا ذراعيه قد تشمر واحمر وعبس وقطب ، ~~حتى كاد أن يضع يده علي فخفت والله لو فعلت لفعل ، وكان مني ما رأيت ، ~~هؤلاء من بني فاطمة لا يجهل حقهم إلا جاهل لا حظ له في الشريعة ، فإياك أن ~~يسمع هذا منك أحد ، قال محمد بن الربيع : فما حدثني به حتى مات المنصور ، ~~وما حدثت به حتى مات المهدي ، وموسى (2) وهارون (3) وقتل محمد (4). PageV01P108 ### |||| ** السادسة : يقول الشريف رضي الدين ابن طاوس : وقد استدعاه بها المنصور إلى بغداد مرة ~~ثانية بعد قتل محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن (1) وقد روى ذلك عن ~~صفوان بن مهران الجمال (2) قال : رفع رجل من قريش المدينة من بني مخزوم إلى ~~أبي جعفر المنصور ، وذلك بعد قتله لمحمد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن ، ~~إن جعفر بن محمد بعث مولاه المعلى بن خنيس (3) لجباية الأموال من شيعته ، ~~وأنه كان يمد بها محمد بن عبد الله ، فكاد المنصور أن يأكل كفه على جعفر بن ~~محمد غيظا ، وكتب إلى عمه داود بن علي ، وداود أمير المدينة (4) أن يسير ~~إليه جعفر بن محمد لا يرخص له في التلوم (5) والبقاء فبعث إليه داود بكتاب ~~المنصور ، وقال له : اعمل في المسير إلى أمير المؤمنين في غد ولا تتأخر ، ~~قال صفوان : وكنت بالمدينة يومئذ فأنفذ إلى جعفر عليه السلام فصرت إليه فقال ms073 ~~لي : تعهد راحلتنا فإنا غادون في غد إن شاء الله إلى العراق ، ونهض من وقته ~~وأنا معه إلى مسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكان ذلك بين الاولى والعصر ~~فركع فيه ركعات ، ثم رفع يديه فحفظت يومئذ من دعائه : « يا من ليس له ~~ابتداء ولا انتهاء (6) يا من ليس له أمد ولا نهاية » الدعاء. PageV01P109 # قال صفوان : فلما أصبح أبو عبد الله عليه السلام رحلت له الناقة وسار ~~متوجها إلى العراق حتى قدم مدينة أبي جعفر (1) وأقبل حتى استأذن فأذن له ، ~~قال صفوان : فأخبرني بعض من شهده عند أبي جعفر ، قال : فلما رآه قربه ~~وأدناه ، ثم استدعى قصة الرافع على أبي عبد الله عليه السلام ، يقول في قصته ~~: إن المعلى بن خنيس مولى جعفر بن محمد يجبي له الأموال من جميع الآفاق ، ~~وإنه مد بها محمد بن عبد الله ، فدفع إليه القصة فقرأها أبو عبد الله فأقبل ~~عليه المنصور فقال : يا جعفر بن محمد ما هذه الأموال التي يجبيها لك المعلى ~~بن خنيس؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام : معاذ الله من ذلك يا أمير ~~المؤمنين ، قال له : ألا تحلف على براءتك من ذلك بالطلاق والعتاق ، قال : ~~نعم أحلف بالله إنه ما كان من ذلك شيء ، قال أبو جعفر : لا بل تحلف بالطلاق ~~والعتاق فقال أبو عبد الله عليه السلام : أما ترضى بيميني بالله الذي لا إله ~~إلا هو ، قال له أبو جعفر : لا تتفقه علي ، فقال أبو عبد الله : وأين يذهب ~~بالفقه مني يا أمير المؤمنين (2) قال له : دع عنك هذا فإنني أجمع الساعة ~~بينك وبين الرجل الذي رفع عليك حتى يواجهك ، فأتوا بالرجل وسألوه بحضرة ~~جعفر عليه السلام فقال : نعم هذا صحيح ، وهذا جعفر بن محمد ، والذي قلت فيه ~~كما قلت ، فقال أبو عبد الله عليه السلام : تحلف أيها الرجل إن هذا الذي ~~رفعته صحيح ، قال : نعم ، ثم ابتدأ الرجل باليمين فقال : والله الذي لا إله ~~إلا هو الطالب الغالب الحي القيوم ، فقال PageV01P110 # له جعفر عليه السلام : لا ms074 تعجل في يمينك ، فإنني أستحلفك ، قال المنصور : ~~ما أنكرت من هذه اليمين؟ قال : إن الله تعالى حي كريم يستحي من عبده إذا ~~أثنى عليه أن يعاجله بالعقوبة لمدحه له ، ولكن قل أيها الرجل : أبرأ إلى ~~الله من حوله وقوته وألجأ إلى حولي وقوتي إني لصادق بر فيما أقول ، فقال ~~المنصور للقرشي : احلف بما استحلفك به أبو عبد الله فحلف الرجل بهذه اليمين ~~فلم يستتم الكلام حتى أجذم وخر ميتا ، فراع أبا جعفر ذلك وارتعدت فرائصه ، ~~فقال : يا أبا عبد الله : سر من غد إلى حرم جدك إن اخترت ذلك ، وإن اخترت ~~المقام عندنا لم نأل في إكرامك وبرك ، فو الله لا قبلت قول أحد بعدها أبدا ~~» (1). ### |||| ** السابعة : ذكر الشريف أبو القاسم في المرة السابعة رواية عن محمد بن عبد الله ~~الاسكندري (2) وأنه كان من ندماء المنصور وخواصه ، يقول محمد ، دخلت عليه ~~يوما فرأيته مغتما وهو يتنفس نفسا باردا ، فقلت : ما هذه الفكرة يا أمير ~~المؤمنين ، فقال لي : يا محمد لقد هلك من أولاد فاطمة مقدار مائة أو يزيدون ~~(3) وقد بقي سيدهم وإمامهم ، فقلت له : من ذلك؟ قال : جعفر بن محمد الصادق ~~، فقلت : يا أمير المؤمنين إنه رجل أنحلته العبادة واشتغل بالله عن طلب ~~الملك والخلافة ، فقال : يا محمد لقد علمت أنك تقول به وبإمامته ولكن الملك PageV01P111 # عقيم ، وقد آليت على نفسي ألا امسي عشيتي هذه أو أفرغ منه ، قال محمد : ~~فو الله لقد ضاقت علي الأرض برحبها ، ثم دعا سيافا وقال له : إذا انا أحضرت ~~أبا عبد الله الصادق وشغلته بالحديث ووضعت قلنسوتي عن رأسي فهي العلامة ~~بينى وبينك فاضرب عنقه ، ثم أحضر أبا عبد الله عليه السلام في تلك الساعة ~~ولحقته في الدار وهو يحرك شفتيه فلم أدر ما الذي قرأ ، فرأيت القصر يموج ~~كأنه سفينة في لجج البحار ، ورأيت أبا جعفر المنصور وهو يمشي بين يديه حافي ~~القدمين مكشوف الرأس قد اصطكت أسنانه وارتعدت فرائصه ، يحمر ساعة ويصفر ~~اخرى ، وأخذ بعضد أبي عبد الله وأجلسه على سرير ملكه ms075 وجثا بين يديه كما ~~يجثو العبد بين يدي مولاه ، ثم قال : يا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~ما الذي جاء بك في هذه الساعة؟ قال : جئتك يا أمير المؤمنين طاعة لله ~~ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم ولأمير المؤمنين أدام الله عزه (1). # قال : ما دعوتك ، والغلط من الرسول ، ثم قال : سل حاجتك ، فقال : أسألك ~~ألا تدعوني لغير شغل ، قال : لك ذلك وغير ذلك ، ثم انصرف أبو عبد الله ~~عليه السلام سريعا ، وحمدت الله عز وجل كثيرا ، ودعا أبو جعفر المنصور ~~بالدواويج (2) ونام ولم ينتبه إلا في نصف الليل ، فلما انتبه كنت عند رأسه ~~جالسا فسره ذلك ، وقال : لا تخرج حتى أقضي ما فاتنى من صلاتي فاحدثك بحديث ~~، فلما قضى صلاته أقبل على محمد وحدثه بما شاهده من الأهوال التي افزعته ~~عند مجيء الصادق ، وكان ذلك سببا لانصرافه عن قتله وداعيا لاحترامه ~~والاحسان إليه. # يقول محمد : قلت له : ليس هذا بعجيب يا أمير المؤمنين ، فإن أبا عبد الله PageV01P112 # وارث علم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجده أمير المؤمنين عليه السلام وعنده ~~من الأسماء وسائر الدعوات التي لو قرأها على الليل لأنار ، ولو قرأها على ~~النهار لأظلم ، ولو قرأها على الأمواج في البحور لسكنت (1). # قال محمد : فقلت له بعد أيام : أتأذن لي يا أمير المؤمنين أن أخرج إلى ~~زيارة أبي عبد الله الصادق؟ فأجاب ولم يأب ، فدخلت عليه وسلمت وقلت له : ~~أسألك يا مولاي بحق جدك محمد رسول رب العزة صلى الله عليه وآله وسلم أن تعلمني ~~الدعاء الذي كنت تقرأه عند دخولك على أبي جعفر المنصور ، قال : لك ذلك ، ثم ~~أخذ الصادق يصف لمحمد شأن الدعاء قبل أن يورده له ، ثم ذكر الدعاء وهو طويل (2). # هذه بعض المحن التي شاهدها الصادق عليه السلام من المنصور وتخلص فيها مما ~~أراده فيه بدعائه ، وقد ذكر ابن طاوس طاب ثراه دفعتين اخريين يهم بهما ~~المنصور في قتل الصادق فيدفع الله عنه فيهما سوءه. # وذكر بعض هذه المحن وسلامة الصادق من ms076 القتل فيها بدعائه جملة من أرباب ~~التأليف عند استطرادهم لأحوال الصادق عليه السلام ، أمثال الشبلنجي في نور ~~الأبصار ، والسبط في التذكرة ، وابن طلحة في مطالب السؤل ، وابن الصباغ في ~~الفصول المهمة ، وابن حجر في الصواعق ، والشيخ سليمان في الينابيع ، ~~والكليني في الكافي في كتاب الدعاء ، والمجلسي في البحار ج 11 ، وابن ~~شهرآشوب في المناقب ، والشيخ المفيد في الإرشاد ، وغيرهم. PageV01P113 ### | مواقفه مع المنصور وولاته # رزق أهل البيت فيما رزقوا الحكمة وكفى بها فضيلة ، ولربما تعجب من مواقف ~~الصادق مع المنصور ورجاله فإنك تارة تجده يلين بالقول ويجهد في براءته ~~واخرى يلاقيهم بالشدة والعنف دون أن يعترف بشيء وإن أساءهم موقفه. # والصادق أعرف بما يقول ويفعل ، فقد يلين اذا عرف أن اللين أسلم ، وقد ~~يخشن إذا عرف أن الخشونة ألزم ، وليس اللين محمودا في جميع الأوقات ~~والحالات ، غير أن التمييز بين المواقف يحتاج إلى حكمة وعرفان ، فبينا تجده ~~يخاطب المنصور بقوله : « والله ما فعلت ولا أستحل ذلك ولا هو من مذهبي وإني ~~ممن يعتقد طاعتك في كل حال وقد بلغت من السن ما قد أضعفني عن ذلك لو أردته ~~فصيرني في بعض حبوسك حتى يأتيني الموت فهو مني قريب » واذا به يقول للمنصور ~~على لسان الرسول : « فإن كففت وإلا أجريت اسمك على الله عز وجل في كل يوم ~~خمس مرات » إلى كثير من الموقفين ، كما عرفت كثيرا من مواقف اللين ، وستعرف ~~الآن بعض المواقف من الشدة. # إنا وإن غبنا عن ذلك العهد لكننا لم نغب عن معرفة نفسية الامام الصادق ~~عليه السلام ونفسية الدوانيقي ، كما لم نغب عن تأريخ الحوادث في ذلك العهد. # إن المنصور وإن ملك البلاد باسم الخلافة لكنه يعلم أن صاحبها حقا هو ~~الصادق عليه السلام ، وأنه صاحب كل فضيلة وأنه لو أراد الأمر لم يطق المنصور PageV01P114 # أن يحول دونه ، فمن ثم تراه أحيانا يصفح عن وخزات الصادق عليه السلام لا ~~يريد أن تزداد الملاحاة في الكلام فتثير كوامن النفوس فتهيج ما يخافه من ~~وثبة وثورة ، غير أن شدة ms077 الحب للملك والملك عقيم ، والحب يعمي ويصم ، تبعث ~~المنصور على الاساءة للصادق والسعي لإهلاكه ، فاذا عرف الصادق أن الموقف من ~~الأول انبعث لإظهار الحق ، وأن الموقف من الثاني قابله بلين ليكف بغيه ~~وعدوانه. # وها نحن أولا نورد بعض ما كان من الصادق مع المنصور وولاته من المواقف ~~التي يعلن فيها بالحق غير مكترث بما له من سطوة ولولاته من قسوة. # سأل المنصور الصادق عليه السلام يوما عن الذباب وهو يتطايح على وجهه حتى ~~أضجره فقال له : يا أبا عبد الله لم خلق الله الذباب؟ فقال الصادق ~~عليه السلام : ليذل به الجبابرة (1) فسكت المنصور علما منه أنه لو رد عليه ~~لوخزه بما هو أمض جرحا ، وأنفذ طعنا. # وكتب إليه المنصور مرة : لم لا تغشانا كما تغشانا الناس؟ فأجابه الصادق ~~عليه السلام : « ليس لنا ما نخافك من أجله ، ولا عندك من أمر الآخرة ما ~~نرجوك له ، ولا أنت في نعمة فنهنيك ، ولا تراها نقمة فنعزيك ، فما نصنع ~~عندك » فكتب إليه : تصحبنا لتنصحنا ، فأجابه : « من أراد الدنيا لا ينصحك ، ~~ومن أراد الآخرة لا يصحبك » فقال المنصور : والله لقد ميز عندي منازل من ~~يريد الدنيا ممن يريد الآخرة ، وانه ممن يريد الآخرة لا الدنيا (2). # أقول : إن المنصور ما أراد النصيحة لما يصلحه ، ولو أراد صلاح نفسه PageV01P115 # لاعتزل الأمر لئلا يبوء بإثم هذه الامة ، ولكنه أراد أن يستصفي الصادق ~~ويجعله من أتباعه ، فيعلم الناس أنه الامام غير مدافع ، وتنقطع الشيعة عن ~~مراجعة الصادق ، ويظهر لهم أنه تبع للمنصور ، والامام لا يكون تبعا لأرباب ~~السلطان باختياره ، والصادق لا يخفى عليه قصد المنصور. # وكلمته هذه تعطينا درسا بليغا عن مواقف الناس مع الملوك والامراء وعن ~~منازل المتزلفين إليهم ، وكيف يجب أن تكون مواقف رجال الدين معهم. # واستقدمه المنصور مرة وهو غضبان عليه ، فلما دخل عليه الصادق عليه السلام ~~، قال له : يا جعفر قد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال. # لأبيك علي بن أبي طالب عليه السلام : لو لا أن تقول فيك طوائف من ms078 أمتي ما ~~قالت النصارى في المسيح لقلت فيك قولا لا تمر بملإ إلا أخذوا من تراب قدميك ~~يستشفون به ، وقال علي عليه السلام : يهلك في اثنان ولا ذنب لي : محب غال ~~ومبغض مفرط ، قال ذلك اعتذارا منه أنه لا يرضى بما يقول فيه الغالي والمفرط ~~، ولعمري أن عيسى بن مريم عليه السلام لو سكت عما قالت النصارى فيه لعذبه ~~الله ، ولقد تعلم ما يقال فيك من الزور والبهتان ، وإمساكك عن ذلك ورضاك به ~~سخط الديان ، زعم أوغاد الحجاز ورعاع الناس أنك حبر الدهر وناموسه ، وحجة ~~المعبود وترجمانه ، وعيبة علمه وميزان قسطه ، ومصباحه الذي يقطع به الطالب ~~عرض الظلمة إلى ضياء النور ، وأن الله لا يقبل من عامل جهل حدك في الدنيا ~~عملا ، ولا يرفع له يوم القيامة وزنا ، فنسبوك إلى غير حدك ، وقالوا فيك ما ~~ليس فيك ، فقل فإن أول من قال الحق جدك ، وأول من صدقه عليه أبوك ، وأنت ~~حري أن تقتص آثارهما ، وتسلك سبيلهما. # فقال عليه السلام : أنا فرع من فروع الزيتونة ، وقنديل من قناديل بيت PageV01P116 # النبوة ، وأديب السفرة ، وربيب الكرام البررة ، ومصباح من مصابيح المشكاة ~~التي فيها نور النور ، وصفوة الكلمة الباقية في عقب المصطفين إلى يوم الحشر. # فالتفت المنصور إلى جلسائه فقال : هذا قد حالني على بحر مواج لا يدرك ~~طرفه ولا يبلغ عمقه ، تحار فيه العلماء ، ويغرق فيه السبحاء (1) ويضيق ~~بالسابح عرض الفضاء ، هذا الشجى المعترض في حلوق الخلفاء ، الذي لا يجوز ~~نفيه ، ولا يحل قتله ، ولو لا ما تجمعني وإياه شجرة طاب أصلها وبسق فرعها ، ~~وعذب ثمرها ، وبوركت في الذر ، وقدست في الزبر ، لكان مني ما لا يحمد في ~~العواقب ، لما يبلغني عنه من شدة عيبه لنا وسوء القول فينا. # فقال الصادق عليه السلام : لا تقبل في ذي رحمك وأهل الرعاية من أهل بيتك ~~قول من حرم الله عليه الجنة ، وجعل مأواه النار ، فإن النمام شاهد زور ، ~~وشريك إبليس في الإغراء بين الناس فقد قال الله تعالى : ( @QUR@020 « يا ~~أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق ms079 بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة ~~فتصبحوا على ما فعلتم نادمين » ) (2) ونحن لك أنصار وأعوان ، ولملكك دعائم ~~وأركان ، ما أمرت بالمعروف والاحسان ، وأمضيت في الرعية أحكام القرآن ، ~~وأرغمت بطاعتك لله أنف الشيطان ، وإن كان يجب عليك في سعة فهمك ، وكثرة ~~علمك ، ومعرفتك بآداب الله أن تصل من قطعك ، وتعطي من حرمك ، وتعفو عمن ~~ظلمك ، فإن المكافي ليس بالواصل ، إنما الواصل من إذا قطعته رحمه وصلها ، ~~فصل رحمك يزد الله في عمرك ، ويخفف عنك الحساب يوم حشرك ، فقال المنصور : ~~قد صفحت عنك لقدرك ، وتجاوزت عنك لصدقك ، فحدثني عن نفسك بحديث PageV01P117 # أتعظ به ويكون لي زاجر صدق عن الموبقات ، فقال الصادق عليه السلام : عليك ~~بالحلم فإنه ركن العلم ، واملك نفسك عند أسباب القدرة فإنك إن تفعل ما تقدر ~~عليه كنت كمن شفى غيظا ، أو تداوى حقدا أو يحب أن يذكر بالصولة ، واعلم ~~بأنك إن عاقبت مستحقا لم تكن غاية ما توصف به إلا العدل ، والحال التي توجب ~~الشكر أفضل من الحال التي توجب الصبر ، فقال المنصور : وعظت فأحسنت ، وقلت ~~فأوجزت (1). # أقول : إن أمثال هذه المواقف تعطيك دروسا وافيه عما كان عليه أهل ذلك ~~العصر من سياسة وعلم واعتقاد وغيرها ، وهنا نستطيع أن نتعرف عدة امور. # 1 إن المنصور يريد ألا يظهر الصادق بمظهر الامامة فحاول أن يخدعه أمام ~~الناس بتلك الكلمات اللينة ، وهنا تعرف دهاء المنصور ، لأن العباسيين إنما ~~تربعوا على الدست باسم الامامة والخلافة ، فلو كان هناك إمام آخر يرى شطر ~~من الامة أنه صاحب المنبر والتاج لا يتم لهم أمر ، وهو يريد ألا يعارضه أحد ~~في سلطانهم ، فكان المنصور يدفع عن عرشه بالشدة مرة وباللين اخرى فكان من ~~سياسته أن جابه الصادق أمام ملأ من الناس بهذا القول وحسب أن الصادق سوف ~~يبطل ما يقوله الناس فيه ، وبه يحصل ما يريد ، وهو يعلم أن الصادق لا يجبهه ~~بالرد ، حذرا من سطوته. # 2 إن الصادق إمام بجعل إلهي كما يرى ذلك ويراه الشيعة فيه ، والامامة في ~~أهل البيت وفي الصادق ليست ms080 وليدة عصر المنصور ، وإنما هي من عهد صاحب ~~الرسالة ، فالامام الصادق عليه السلام وقع بين لحيي لهذم فإنه إن PageV01P118 # جارى المنصور فقد أبطل إمامة إلهية ، وإن عارضه لا يأمن من شره ، ثم ~~أجابه بكلمات مجملة لا تصرح بالامامة ولا تبطل قول الناس فيه ، ولذا قال ~~المنصور « هذا قد حالني على بحر مواج لا يدرك طرفه ». # 3 إن قول الشيعة في الامام من ذلك اليوم على ما هو عليه اليوم ، وهذا ما ~~تقتضيه اصول المذهب ، وتدل عليه أخبار أهل البيت وآثارهم. # 4 إن سكوت الامام الصادق وعدم إبطاله لأن يكون كما يقول الناس برهان على ~~أن حقيقة الامامة كما يحكيها المنصور عن الناس ، ولو كانت حقيقتها غير هذا ~~لقال الصادق : إن هذا الرأي والقول باطل ، بل لوجب عليه إعلام الناس ~~ببطلانه وردعهم عن هذا المعتقد. # 5 إن القائل بإمامة الصادق عليه السلام خلق كثير من الناس ، مما جعل ~~المنصور يفكر فيه ويخشى من اتساعه ومن عقباه ، فحاول أن يتذرع بالصادق ~~لمكافحته. # 6 إن المرء بأصغريه ، فالامام الصادق لو لم تسبق الأخبار والآثار عن ~~منزلته ، لكان في مثل كلامه ومثل موقفه هذا دلالة على ما له من مقام ، ~~أتراه كيف حاد عن جواب المنصور بما حيره ، دون أن يصرح بخلاف ما حكاه عن ~~الشيعة ، ودون أن يصرح بصحة ما يرون ، وكيف وعيت ذلك البيان منه عن نفسه ، ~~ببليغ من القول ، وجليل من المعنى ، وكيف وعظ المنصور بما يوافق شأن الملوك ~~، وما يتفق وابتلاءهم كثيرا؟ # وهذا بعض ما يمكن استنباطه من هذا الموقف وفهم حال الناس ذلك اليوم ، ~~وكفى به عن سواه. # ودخل على المنصور في إحدى جيئاته فاستقبله الربيع بالباب وقال له : يا ~~أبا عبد الله ما أشد تلظيه عليك لقد سمعته يقول : والله لا تركت له نخلا إلا PageV01P119 # عقرته ، ولا مالا إلا نهبته ، ولا نهبته ، ولا ذرية إلا سبيتها ، فلما ~~دخل وسلم وقعد قال له المنصور : أما والله لقد هممت ألا أترك لكم نخلا إلا ~~عقرته ، ولا مالا إلا أخذته ، فقال ms081 له الصادق عليه السلام : يا أمير ~~المؤمنين إن الله عز وجل ابتلى أيوب فصبر ، وأعطى داود فشكر ، وقدر (1) ~~يوسف فغفر ، وأنت من ذلك النسل ولا يأتي ذلك النسل إلا بما يشبهه ، فقال : ~~صدقت قد عفوت عنكم ، فقال الصادق : إنه لم ينل أحد منا أهل البيت دما إلا ~~سلبه الله ملكه ، فغضب لذلك واستشاط ، فقال : على رسلك إن هذا الملك كان في ~~آل أبي سفيان فلما قتل يزيد حسينا عليه السلام سلبه الله ملكه ، فورثه آل ~~مروان فلما قتل هشام زيدا سلبه الله ملكه فورثه مروان بن محمد ، فلما قتل ~~مروان إبراهيم الامام سلبه الله ملكه وأعطاكموه فقال : صدقت. (2) # أقول : إن الصادق عليه السلام ما اعتذر عن قوله الأول ، وإنما جاء ~~بالشواهد عليه ، سوى إنه استعرض ذكر أخيه إبراهيم ليكف بذلك شره. # وللصادق عليه السلام مواقف كثيرة على غرار ما ذكرناه اجتزينا عنها بما ~~أوردناه. # وكانت للصادق عليه السلام مواقف مع بعض ولاة المنصور رجاله تشبه مواقفه مع ~~المنصور في الشدة ، جاء إلى المدينة واليا من قبل المنصور بعد مقتل محمد ~~وإبراهيم رجل يقال له شيبة بن عفال ، يقول عبد الله بن سليمان التميمي : ~~فلما حضرت الجمعة صار إلى مسجد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فرقى المنبر ~~وحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أما بعد فإن علي بن أبي طالب شق عصا PageV01P120 # المسلمين وحارب المؤمنين ، وأراد الأمر لنفسه ، ومنعه أهله ، فحرمه الله ~~عليه ، وأماته بغصته ، وهؤلاء ولده يتبعون أثره في الفساد وطلب الأمر بغير ~~استحقاق له فهم في نواحي الأرض مقتولون ، وبالدماء مضرجون. # فعظم هذا الكلام منه على الناس ، ولم يجسر أحد منهم أن ينطق بحرف فقام ~~إليه رجل فقال : ونحمد الله ونصلي على محمد خاتم النبيين وسيد المرسلين ~~وعلى رسل الله وأنبيائه أجمعين ، أما ما قلت من خير فنحن أهله ، وأما ما ~~قلت من سوء فأنت وصاحبك به أولى ، فاختبر يا من ركب غير راحلته واكل غير ~~زاده ارجع مأزورا. # ثم أقبل على الناس فقال : ألا أنبئكم بأخلى الناس ms082 ميزانا يوم القيامة ~~وأبينهم خسرانا ، من باع آخرته بدنيا غيره ، وهو هذا الفاسق ، فأسكت الناس ~~وخرج الوالي من المسجد لم ينطق بحرف ، فسألت عن الرجل ، فقيل لي : هذا جعفر ~~بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم أجمعين (1). # وعن الصادق عليه السلام أنه قال : كنت عند زياد بن عبد الله وجماعة من أهل ~~بيتي ، فقال : يا بني فاطمة ما فضلكم على الناس؟ فسكتوا ، فقلت : إن من ~~فضلنا على الناس إنا لا نحب أن نكون من أحد سوانا ، وليس أحد من الناس لا ~~يحب أن يكون منا. (2). # أقول : لقد جاءه بالمسكت وهذه الكلمة على اختصارها جمعت الفضائل واغنت عن ~~الدلائل. PageV01P121 # وكان داود بن علي بن عبد الله بن العباس واليا على المدينة من قبل ~~المنصور ، فأرسل خلف المعلى بن خنيس مولى الصادق عليه السلام ، وأراد أن ~~يدله على أصحاب الصادق عليه السلام وخواصه ، فتجاهل عليه المعلى بمعرفتهم ، ~~فألح عليه ثم هدده بالقتل ، فقال له المعلى : أبالقتل تهددني والله لو ~~كانوا تحت قدمي ما رفعت قدمي عنهم ، وإن أنت قتلتني تسعدني وأشقيتك ، فلما ~~رأى داود شدة امتناع المعلى قتله واستلب أمواله وكانت للصادق عليه السلام . # فلما بلغ الصادق ذلك قام مغضبا يجر رداءه ودخل على داود وقال له : قتلت ~~مولاي وأخذت مالي ، أما علمت أن الرجل ينام على الثكل ولا ينام على الحرب. # ثم أن الصادق عليه السلام طلب منه القود ، فقدم له قاتله فقتله به ، وهو ~~صاحب شرطته ، ولما قدموه ليقتل اقتصاصا جعل يصيح : يأمروني أن أقتل لهم ~~الناس ثم يقتلونني. # ثم أن داود بعد ذلك أرسل خمسة من الحرس خلف الصادق عليه السلام وقال لهم : ~~ائتوني به فإن أبى فائتوني برأسه ، فدخلوا عليه وهو يصلي فقالوا : أجب داود ~~، قال : فإن لم اجب ، قالوا : امرنا بأمر ، قال : فانصرفوا فإنه خير لكم في ~~دنياكم وآخرتكم ، فأبوا إلا خروجه ، فرفع يديه فوضعهما على منكبيه ثم ~~بسطهما ، ثم دعي بسبابته فسمع يقول : الساعة الساعة ، حتى سمع صراخ عال ms083 ، ~~فقال لهم : إن صاحبكم قد مات فانصرفوا. # أقول : هذه بعض مواقفه من رجال المنصور دعاه إلى الشدة فيها الغضب للحق ، ~~حين وجد أن الكلام أولى من السكوت ، وإن أبدى فيها صفحته للسيف. PageV01P122 ### | الصادق في العراق # قضت السياسة العباسية وحذق رجالها العاملين والقدر من ورائهم بتقويض ملك ~~بني مروان ، والحيلولة دون نجاح الحسنيين ، وانتشار روح الامامة. # في الناس للحسينيين ، بيد أنهم أخطئوا في سياسة الإرهاق والإرهاب مع ~~الصادق عليه السلام ، وحملهم إياه إلى العراق عدة مرات ، لأنهم بهذا خدموا ~~الإمامة وأظهروا أمر أهل البيت اكثر مما لو تركوه وادعى في مكانه. # ما زجت تربة العراق مودة أهل البيت من بدء دخول الاسلام فيه ، لا سيما ~~وقد صار برهة عاصمة سلطانهم ، وبه مدفن عدة من أعاظم رجالهم ، وبه حوادث ~~لهم لا ينساها الناس والتأريخ ما دام بشر على وجه الأرض ، وما دام تأريخ ~~مسطور ، كحادثة الطف وحادثة زيد. # وإن للنظر والمشاهدة أثرا لا يبلغه السماع ، فإن الجمال اذا اجتذب ~~الأرواح الشفافة ، والعواطف الرقيقة ، فبالعيان لا بالآذان ، نعم رب شيء ~~يكون لسماعه أثر والاذن تعشق قبل العين أحيانا إلا أن السماع لا يماثل ~~المشاهدة مهما بلغ تصويره مبلغا يجذب القلوب والمشاعر. # كما أن للمظلومية عاطفة في القلوب ، ورحمة في النفوس ، لا سيما اذا كان ~~المظلوم من أماثل الناس ، وأعاظم العلماء. # فإذا غلب على القلوب حب الصادق عليه السلام بالسماع ، واعتقد الناس PageV01P123 # إمامته بالبرهان ، فأين ذلك من مبلغ العيان ، ومشاهدة البرهان ، وسماع ~~البيان ، فكان لقدوم الصادق العراق بلاد الولاء للعترة ، ولمشاهدة شمائله ~~وفضائله ، ولسماع عظاته ونوادر آياته أثر بليغ في ميل النفوس إليه ، ~~وانعطافهم عليه ، فوق ما يجدونه من السماع عنه ، وما كان الناس كلهم يذهب ~~للحج فيجتمع به ، فكانت جملة من الأحاديث أخذوها عنه في جيئاته إلى العراق. # وربت على هذا كله مظلوميته ، فإن الناس كلهم أو جلهم يعلمون بأن الصادق ~~مظلوم مقهور على هذا المجيء ، ويعلمون بما ينالون منه من سوء أذى في مجيئه ~~، هذا فوق ما يعتقدونه من غضب مقامه والتضييق ms084 عليه ، والحيلولة دون نشر ~~علومه ومعارفه. # وما كان حتى الشيعة يعرفون عن الإمام من الشأن والقدر والعلم والكرامة ~~مثلما عرفوه عنه بعد مجيئه ، لأن التقية وعداء السلطة حواجز دون نشر فضائله ~~والصادق عليه السلام كما يقول عمرو بن أبي المقدام : كنت إذا نظرت إليه علمت ~~أنه من سلالة النبيين ، وكما يقول ابن طلحة في مطالب السؤل : رؤيته تذكر ~~الآخرة ، واستماع حديثه يزهد في الدنيا ، والاقتداء بهديه يورث الجنة ، نور ~~قسماته شاهد أنه من سلالة النبوة ، وطهارة أفعاله تصدع بأنه من ذوي ~~الرسالة. # ومن ثم تجد هشام بن الحكم وكان جهميا يعدل إلى القول بالإمامة لمحاورة ~~الصادق له ونظره إليه ، ذلك النظر الذي امتلأت نفسه منه جلالا وهيبة فأحس ~~أن ذلك لشأن لا يكون إلا للأنبياء والأوصياء ، فكان من آثار مجيئه إلى ~~العراق هداية هشام ، وأنت تعرف من هشام ، وما آثاره في خدمة أهل البيت ، ~~وخدمة الدين (1). PageV01P124 # ومن آثار مجيئه إلى العراق إشادته لموضع قبر أمير المؤمنين عليه السلام ~~ودلالته خواص الشيعة عليه ، وكان اكثرهم لا يعلمون موضعه على اليقين ، سوى ~~أنه على ظهر الكوفة في النجف لأن أولاده جهدوا في إخفائه خوفا من أعدائه ~~فصارت الشيعة تقصده زائرين ، وكان الصادق عليه السلام يصحب في كل زيارة بعض ~~خواص أصحابه ، وهو الذي أمر صفوان بن مهران الجمال بالبناء عليه. # وقد ذكر شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي في كتابه التهذيب ، في كتاب ~~المزار منه ، في باب فصل الكوفة عدة زيارات للصادق عليه السلام . # كما ذكر مثل ذلك الشيخ الكليني طاب ثراه في الكافي ، والسيد ابن طاوس في ~~فرحة الغري ، والمجلسي في مزار البحار وهو الجزء الثاني والعشرون ، والشيخ ~~الحر العاملي في وسائل الشيعة في كتاب المزار الجزء الثاني إلى كثير غيرهم. # ونحن نورد لك بعض تلك الزيارات والدلالات منه ، قال الشيخ أبو جعفر ~~الطوسي : إن الصادق عليه السلام زار قبر أمير المؤمنين عليه السلام عدة مرات ~~، منها يوم أقدمه السفاح الحيرة ، ومنها ما يرويه عبد الله بن طلحة النهدى ~~(1) يقول : دخلت ms085 على أبي عبد الله عليه السلام ثم قال فمضينا معه حتى ~~انتهينا إلى الغري فأتى موضعا فصلى فيه. # وذكر أيضا مجيئه مرة اخرى من الحيرة ومعه يونس بن ظبيان (2) ودعا عند ~~القبر وصلى وأعلم يونس أنه قبر أمير المؤمنين عليه السلام بعد أن كان يونس ~~لا يدري أين هو سوى أنه في الصحراء. PageV01P125 # وروى الكليني طاب ثراه عن يزيد بن عمرو بن طلحة (1) قال : قال أبو عبد ~~الله عليه السلام وهو بالحيرة : أما تريد ما وعدتك ، قلت : بلى ، يعني ~~الذهاب إلى قبر امير المؤمنين عليه السلام ، قال : فركب وركب إسماعيل وركبت ~~معهما حتى اذا جاء الثوية وكان بين الحيرة والنجف عند ذكوات بيض (2) نزل ~~ونزل إسماعيل ونزلت معهما فصلى وصلى إسماعيل وصليت. # وروى عن أبان بن تغلب (3) قال : كنت مع أبي عبد الله عليه السلام فمر بظهر ~~الكوفة فنزل فصلى ركعتين ، ثم تقدم قليلا فصلى ركعتين ، ثم سار قليلا فنزل ~~فصلى ركعتين ، ثم أخبر أبان أن الصلاة الاولى عند قبر أمير المؤمنين ~~عليه السلام ، والثانية عند موضع رأس الحسين عليه السلام ، والثالثة عند منزل ~~القائم. # وذكر الشيخ الحر أن الصادق عليه السلام زار قبر أمير المؤمنين نوبا عديدة ~~منها ما عن الصدوق رحمه الله عن صفوان بن مهران الجمال قال : سار الصادق ~~عليه السلام وأنا معه في القادسية حتى أشرف على النجف فلم يزل سائرا حتى أتى ~~الغري فوقف به حتى أتى القبر ، فساق السلام من آدم على كل نبي وأنا أسوق ~~معه السلام حتى وصل السلام إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم خر على القبر ~~فسلم عليه وعلا نحيبه ، فقلت : يا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ما ~~هذا القبر ، فقال : قبر جدي علي بن أبي طالب. # وذكر المجلسي زيادة على ما سبق زيارات أخر ، وذكر زيارة صفوان معه بصورة ~~أخرى ، وفيها أن الصادق شم تربة أمير المؤمنين فشهق شهقة ظننت أنه PageV01P126 # فارق الدنيا ، فلما أفاق قال : هاهنا والله مشهد أمير المؤمنين ، ثم خط ~~تخطيطا ms086 ، فقلت يا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ما منع الأبرار من ~~أهل البيت من إظهار مشهده؟ قال : حذرا من بني مروان والخوارج أن تحتال في أذاه. # وروى عن عمر بن يزيد (1) انه أتى عبد الله بن سنان (2) فركب معه فمضيا ~~حتى أتيا منزل حفص الكناسي (3) فاستخرجه وركب معهما فمضوا حتى أتوا الغري ، ~~فانتهوا إلى قبر ، فقال : انزلوا هذا قبر أمير المؤمنين ، فقال له عبد الله ~~: من أين علمت هذا؟ قال : أتيته مع أبي عبد الله عليه السلام حيث كان ~~بالحيرة غير مرة ، وخبرني أنه قبره. # وروى عن يونس بن ظبيان أنه كان عند الصادق عليه السلام بالحيرة أيام مقدمه ~~على أبي جعفر في ليلة صحيانة مقمرة ، إلى أن قال : فركب وركبت معه وسار حتى ~~انتهينا إلى الذكوات الحمر ، قال : ثم دنا من اكمة فصلى عندها ثم مال عليها ~~وبكى ، إلى أن قال : قال : هو قبر أمير المؤمنين عليه السلام ولعل هذه ~~الرواية رواية يونس الاولى. # وروى عن أبي الفرج السندي (4) أنه جاء من الحيرة مع الصادق عليه السلام ~~إلى الغري وزار قبر أمير المؤمنين عليه السلام . # وروى مثل ذلك عن عبد الله بن عبيد بن زيد (5) وذكر ان عبد الله بن PageV01P127 # الحسن كان معه ، وأن عبد الله أذن وأقام وصلى مع الصادق عليه السلام . # وظاهر هذا أن الزيارة كانت في عهد السفاح ، لأنه استقدم عبد الله بن ~~الحسن كما استقدم الصادق عليه السلام . # وروى أيضا عن أبي العلاء الطائي (1) حديثا طويلا يذكر فيه مجيء الصادق ~~الى الحيرة ، وذيوع الخبر بالكوفة ، وقعوده لانتظاره ، وسؤاله عن القبر ~~الذي في الظهر عندهم وأنه قبر أمير المؤمنين عليه السلام وقول الصادق : اي ~~والله يا شيخ حقا وروى عن صفوان أنه كان يأتي القبر بعد ما عرفه به الصادق ~~عليه السلام ويصلي عنده مدة عشرين سنة. # وقد ذكر السيد الجليل عبد الكريم بن طاوس في فرحة الغري ما تقدم ذكره من ~~الزيارات وغيرها شيئا كثيرا ، وليس القصد أن نوافيك بكل زيارة رويت ms087 له ، ~~وإنما كان القصد أن نوقفك على تلك السياسة الخرقاء التي صنعها العباسيون مع ~~أبي عبد الله عليه السلام وما كان لتلك الجيئات من آثار أظهرت أمر أهل البيت. # كان الصادق عليه السلام يصحب في كل زيارة واحدا أو اكثر من أصحابه ليدلهم ~~على القبر ، ويصحب غيرهم في الزيارة الاخرى ليكثر عارفوه وزائروه ، فروى ~~كثير من رجاله هذه الزيارات منهم صفوان الجمال ومحمد بن مسلم الثقفي ، وأبو ~~بصير ، وعبد الله بن عبيد بن زيد ، وأبو الفرج السندي ، وأبان بن تغلب ، ~~ومبارك الخباز (2) ومحمد بن معروف الهلالي (3) وأبو العلاء الطائي ، PageV01P128 # والمعلى بن خنيس ، وزيد بن طلحة ، وعمر بن يزيد ، ويزيد بن عمرو ، وعبد ~~الله بن طلحة النهدي ، ويونس بن ظبيان ، الى غير هؤلاء. # وقد أعطى الصادق عليه السلام صفوان الجمال دراهم لتجديد بنائه وكان قد ~~جرفه السيل ، فمن هذا تعرف أن القبر كان ظاهرا وإنما كانوا يتكتمون في ~~زيارته والاشارة إليه ليبقى مخفيا على الخوارج وبني مروان ، ومن هاهنا ~~يسأله أبو العلاء عن القبر الذي عندهم بالظهر أهو قبر أمير المؤمنين ~~عليه السلام ؟ فلو لم يكن عندهم قبر ظاهر لما كان وجه لسؤاله ، ويسأله صفوان ~~حين خر على القبر ، قائلا : يا ابن رسول الله ما هذا القبر؟ # وفي عهد الصادق عليه السلام عرف الناس القبر ودلوه من تلك الزيارات وصاروا ~~لا يسألونه عنه وإنما يسألون عن الآداب في زيارته ، كما سأله محمد بن مسلم ~~وصفوان ويونس بن ظبيان وغيرهم. # ومن آثار الصادق عليه السلام في العراق من تلك الجيئات محرابه في مسجد ~~الكوفة ، ويقع شرقي المسجد قريبا من سوره ، بالقرب من قبر مسلم عليه السلام ~~وهو بين معروف في المسجد ليس في جواره محراب سواه وله صلاة ودعاء ومحرابه ~~في مسجد سهيل ( السهلة ) ويقع في وسط المسجد وله صلاة ودعاء والسبب في ذلك ~~معروف ، وهو أن الصادق عليه السلام كان في الكوفة ودخل عليه بشار المكاري ~~(1) فأعلم الصادق أن جلوازا (2) يضرب رأس امرأة يسوقها الى الحبس وهي تنادي ~~بأعلى صوتها : المستغاث ms088 بالله ورسوله ، ولا يغيثها أحد ، وقال : ولم فعل ~~بها ذلك؟ قال : سمعت الناس يقولون : إنها عثرت فقالت : لعن الله ظالميك يا ~~فاطمة ، فارتكب منها ما ارتكب ، فقطع الصادق الأكل ، PageV01P129 # وكان بين يديه رطب طبرزد (1) ولم يزل يبكى حتى ابتل منديله ولحيته وصدره ~~بالدموع ، ثم ذهب الصادق من فوره ومعه بشار الى مسجد السهلة ، فصلى ركعتين ~~ودعا (2) فلما خرج جاء الرسول فأعلمه أنها اطلق سراحها ، فاستر لذلك ، وبعث ~~لها بصلة ، وكانت قد أبت أن تقبل من الوالي شيثا وقد أعطاها مائتي درهم ~~وكانت محتاجة (3) وما زال الناس يقصدون المسجد والمحراب ويدعون بذلك الدعاء ~~في طلب الحوائج. # وعلى ضفة نهر الحسينية في كربلاء محراب وعليه بنية ينسب إلى الصادق ولعله ~~صلى في هذا المكان يوم زار الحسين عليه السلام وقد ذكر زيارته للحسين ~~عليه السلام الحسين ابن أبي العلاء الطائي في خبره الطويل الذي أشرنا إليه ~~وقد ذكره ابن طاوس في الفرحة ، والمجلسي في البحار في مزاره ، وفي الحديث ، ~~فقلت له : جعلت فداك بأبي وامي هذا القبر الذي أقبلت منه قبر الحسين؟ قال : ~~اي والله يا شيخ حقا. # وفي الجانب الغربي من بغداد على ضفة النهر شمال جسره الغربي اليوم ~~المعروف بالجسر القديم مكان يعرفه الناس بمدرسة الصادق وليس فيه اليوم أثر ~~بين ولعله أفاد بعض الناس فيه عند مجيئه الى بغداد على عهد المنصور. # ومن الغريب أن الخطيب في تأريخه لم يذكر الصادق عليه السلام فيمن قدم ~~بغداد ، مع أنه ذكر ابنه الكاظم وحفيده الجواد عليهما السلام . # وكفى ما ذكرناه من آثار الصادق في مجيئه الى العراق عند إرسال السفاح ~~والمنصور عليه وازدياد شأن أهل البيت به ، والعود يذكو بالاحراق. # أقول : ولعل هذا الرطب سمي بالطبرزد لشدة حلاوته أو لتشابه الطعم بالسكر ~~، ولعله ما يسمى اليوم عندنا بالطبرزل وهو من جيد الرطب. PageV01P130 ### | حياته العلمية ### ||| علمه إلهامي : # لا فضيلة كالعلم ، فإن به حياة الامم وسعادتها ، ورقيها وخلودها ، وبه ~~نباهة المرء وعلو مقامه وشرف نفسه. # ولا غرابة لو كان العلم أفضل من العبادة ms089 أضعافا مضاعفه ، لأن العابد صالح ~~على طريق نجاة قد استخلص نفسه فحسب ، ولكن العالم مصلح يستطيع أن يستخرج ~~عوالم كبيرة من غياهب الضلال ، وصالح في نفسه أيضا ، وقد فتح عينيه في ~~طريقه ، ومن فتح عينه أبصر الطريق وليس في الفضائل ما يصلح الناس وينفعهم ~~ويبقى أثره في الوجود مثل العلم ، فإن العبادة والشجاعة والكرم وغيرها اذا ~~نفعت الناس فإنما نفعها ما دام صاحبها في الوجود ، وليس له بعد الموت إلا ~~حسن الاحدوثة ، ولكن العالم يبقى نفعه ما دام علمه باقيا ، وأثره خالدا. # وقد جاء في السنة الثناء العاطر على العلم وأهله ، كما جاء في الكتاب ~~آيات جمة في مدحه ومدح ذويه ، وهذا أمر مفروغ عنه ، لا يحتاج الى استشهاد ~~واستدلال. # نعم إنما الشأن في أن هذا الثناء خاص بالعلم الديني وعلمائه ، أو عام لكل ~~علم وعالم؟ إخال أن الاختصاص بعلم الدين وعلمائه لا ينبغي الريب فيه PageV01P131 # فإن الأحاديث صرحت به ، وكفى من الكتاب قوله تعالى : « إنما يخشى الله من ~~عباده العلماء » (1) وقد لا تجد خشية عند علماء الصنعة وما سواهم غير علماء ~~الدين ، بل إن بعضهم قد لا تجده يعترف بالوجود أو بالوحدانية. # وما استحق علماء الدين هذا الثناء إلا لأنهم يريدون الخير للناس ويسعون ~~له ما وجدوا سبيلا ومتى كانوا وجدتهم أدلاء مرشدين هداة منقذين. # وعلم الدين إلهامي وكسبي ، والكسبي يقع فيه الخطأ والصواب والصحة والغلط ~~، وغلط العالم وخطأه يعود على العالم كله بالخطإ والغلط ، لأن الناس أتباع ~~العلماء في الأحكام والحلال والحرام ، والله جل شأنه لا يريد للناس إلا ~~العمل بالشريعة التي أنزلها ، والأحكام التي شرعها ، فلا بد إذن من أن يكون ~~في الناس عالم لا يخطأ ولا يغلط ، ولا يسهو ولا ينسى ، ليرشد الناس الى تلك ~~الشريعة المنزلة منه جل شأنه ، والأحكام المشرعة من لدنه سبحانه ، فلا تقع ~~الامة في أشراك الأخطاء وحبائل الأغلاط ، ولا يكون ذلك إلا اذا كان علم ~~العالم وحيا أو إلهاما. # فمن هنا كان حتما أن يكون علم الأنبياء وأوصياءهم من العلم الإيحائي ms090 أو ~~الإلهامي صونا لهم وللامم من الوقوع في المخالفة خطأ. # والله تعالى قد أنزل شريعة واحدة لا شرائع ، وفي كل قضية حكما لا أحكاما ~~، ونصب للامة في كل عهد مرشدا لا مرشدين ، ونجدها اليوم شرائع ولها مشرعون ~~لا شريعة واحدة ومشرعا واحدا ، ونرى في كل قضية أحكاما لا حكما واحدا ، وفي ~~كل زمن مرشدين متخالفين متنابذين بل يكفر بعضهم بعضا ، ويبرأ بعضهم من بعض ~~لا مرشدا واحدا ، وليس هذا ما جاء به المصلح PageV01P132 # الأكبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا ما أراده لامته. # فلا غرابة لو حكم العقل بأن الواجب عليه سبحانه أن ينصب في كل عهد عالما ~~يدل الناس على الشريعة كما جاءت ، ويأتيهم بالأحكام كما نزلت ، وهل يجوز ~~ذلك على أحد سوى علي وبنيه؟ وهذه آثارهم العلمية بين يديك فاستقرئها ، لعلك ~~تجد على النور هدى ، ولو لم يكن لدنيا أثر أو دليل إلا قوله ~~صلى الله عليه وآله وسلم : « أنا مدينة العلم وعلي بابها (1)» ، وقوله : « إني ~~تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي » (2)، لكفى في كون أهل ~~البيت علماء الشريعة والكتاب ، الذين أخذوا العلم من معدنه ، واستقوه من ~~ينبوعه ، ولو كان علمهم بالاكتساب لما جعلهم الرسول علماء الكتاب عمر الدهر ~~دون الناس ، وما الذي ميزهم على الناس اذا كانوا والناس في العلم سواء. # ومما يسترعي الانتباه أن الناس كانوا محتاجين الى علمهم أبدا ، وكلما ~~رجعوا إليهم في أمر وجدوا علمه عندهم ، وما احتاجوا إلى علم الناس أبدا. # ولا نريد أن نلمسك هذه الحقيقة بالأخبار دون الآثار ، فإن في الآثار ما ~~به غنى للبصر ، وهذه آثارهم شاهدة على صدق ما ادعوه وادعي فيهم ، وأمر حقيق ~~بأن تنتبه إليه ، وهو أن الجواد عليه السلام انتهت إليه الامامة وهو ابن سبع ~~، ونهض بأعبائها ، وقام بما قام به آباؤه من التعليم والإرشاد ، وأخذ منه ~~العلماء خاضعين مستفيدين ، وما وجدت فيه نقصا عن علوم آياته وهذا علي بن ~~جعفر شيخ العلويين في عهده سنا وفضلا اذا أقبل الجواد يقوم فيقبل ms091 يده ، ~~وإذا خرج يسوي له نعله ، وسئل عن الناطق بعد الرضا عليه السلام فقال : أبو ~~جعفر ابنه PageV01P133 # فقيل له : أنت في سنك وقدرك وأبوك جعفر بن محمد تقول هذا القول في هذا ~~الغلام ، فقال ما أراك إلا شيطانا ثم أخذ بلحيته وقال : فما حيلتي إن كان ~~الله رآه أهلا لهذا ولم ير هذه الشيبة لها أهلا (1) هذا وعلي بن جعفر أخ ~~الكاظم عليه السلام والكاظم جد الجواد ، فما ذا ترى بينهما من السن ، وعلي ~~أخذ العلم من أبيه الصادق وأخيه الكاظم وابن أخيه الرضا ، فلو كان علمهم ~~بالتحصيل لكان علي اكثر تحصيلا ، أو الإمامة بالسن لكان علي اكبر العلويين سنا. # على أن الجواد قد فارقه أبوه يوم سافر الى خراسان وهو ابن خمس ، فمن الذي ~~كان يؤدبه ويثقفه بعد أبيه حتى جعله بتلك المنزلة العلية لو كان ما عندهم ~~عن تعلم وتأدب؟ ولم لا يكون المعلم والمثقف هو صاحب المنزلة دونه. # ومات الجواد وهو ابن خمس وعشرين سنة وأنت تعلم أن ابن هذا السن لم يبلغ ~~شيئا من العلم لو أنفق عمره هذا كله في الطلب فكيف يكون عالم الامة ومرشدها ~~، ومعلم العلماء ومثقفهم ، وقد رجعت إليه الشيعة وعلماؤها من يوم وفاة أبيه ~~الرضا عليه السلام ؟ # وهكذا الشأن في ابنه علي الهادي عليه السلام ، فقد قضى الجواد وابنه ~~الهادي ابن ست أو ثمان ، فمن الذي ثقفه وجعله بذلك المحل الأرفع؟ وكيف رجعت ~~إليه العلماء والشيعة وهو ابن هذا السن؟ وما ذا يحسن من كان هذا عمره لو ~~كان علمه بالكسب؟ # فالصادق كسائر الأئمة لم يكن علمه كسيبا وأخذا من أفواه الرجال ومدارستهم ~~، ولو كان فممن أخذ وعلى من تخرج؟ وليس في تأريخ واحد من الأئمة ~~عليهم السلام أنه تلمذ أو قرأ على واحد من الناس حتى في سن الطفولة فلم PageV01P134 # يذكر في تأريخ طفولتهم أنه دخلوا الكتاتيب أو تعلموا القرآن على المقرئين ~~كسائر الأطفال من الناس ، فما علم الامام إلا وراثة عن أبيه عن جده عن ~~الرسول عن جبرئيل عن ms092 الجليل تعالى ، وسوف نشير الى بعض آثاره العلمية والى ~~تعليمه لتلامذته ، وما سواها مما هو دخيل في حياته العلمية. ### ||| مدرسته العلمية : # ما كان أخذ العلم عنه على الطراز الذي تجده اليوم من الحوزات العلمية ~~والنقاش في الدليل والمأخذ ، بل كان تلامذته يرون إمامته عدا قليل منهم ، ~~والامامية كما تقدم ترى أن علم الامام لا يدخل فيه الرأي والاجتهاد فيحاسب ~~الامام على المصدر والمستند ، وإنما علمه إلهي موروث ، نعم ربما يسأله ~~السائل عن علة الحكم سؤال تعلم واستفاده لا سؤال رد وجدل. # على أن من أخذوا عنه العلم من غير الامامية كانوا يرون جلالته وسيادته ~~وإمامته (1) وقد عدوا أخذهم عنه منقبة شرفوا بها وفضيلة اكتسبوها (2). # وهذا ابن أبي الحديد قد أرجع علم المذاهب الأربعة إليه في الفقه (3). # فكان السائل يأتي إليه ويستعلمه عما أشكل عليه ، وكان الكثير منهم قد ~~استحضر الدواة والقرطاس ليكتب ما يمليه عليه الامام ليرويه عنه عن تثبت. # وإذا أردت أن تعرف مبلغ علمه فانظر إلى كثرة من استقى منه العلم فقد بلغ ~~من عرفوه منهم أربعة آلاف أو يزيدون ، ولما ذا روى هؤلاء كلهم عنه ولم ~~يرووا عن غيره ، مع وفرة العلماء في عصره ، ولما ذا إذا روى أحد منهم عنه وقف PageV01P135 # عليه ، ولا يسأل عمن يروي ما أملاه ، إلا أن يخبر هو أن ما أملاه عن ~~آبائه عن جده الرسول صلى الله عليه وآله وسلم . # وما كانت تلك المدرسة التي خرجت ذلك العدد الجم مدرسة تريد أن تعلم ~~العلوم للذكر والصيت والفخر والشرف ، وما كانت غاية تلامذتها إلا أن ~~يتعلموا العلم للعلم وخدمة الدين والشريعة ، ومن خالف هذه السيرة أبعده ~~الامام عن حوزته ، فكم طرد اناسا ولعن قوما خالفوه في سيرته وسريرته وما ~~زالت عظاته وارشاداته تسبق تعاليمه ، أو تطرد مع بيانه. ### ||| تعاليمه لتلاميذه : # ما اكثر تعاليمه واكثر عظاته ونصائحه ، وستأتي لها فصول خاصة ، وإنما ~~نذكر منها هاهنا ما يخص طلب العلم. # قال عمرو بن أبي المقدام (1): قال لي أبو عبد الله عليه السلام في أول ms093 ~~مرة دخلت عليه : تعلموا الصدق قبل الحديث (2). # أقول : ما أثمنها نصيحة ، وما زال يوصي كل من دخل عليه من أوليائه بالصدق ~~وأداء الأمانة ، ولا بدع فإن بهما سعادة المرء في هذه الحياة ، ووفرة المال ~~والجاه ، والطمأنينة إليه ، والرضى به للحكومة بين الناس. # وأما إرشاده الى طلب العلم فما اكثر قوله فيه ، فتارة يقول عليه السلام : ~~لست أحب أن أرى الشاب منكم إلا غاديا في حالين ، إما عالما أو متعلما ، فان ~~لم يفعل فرط ، وإن فرط ضيع ، وإن ضيع أثم (3). PageV01P136 # واخرى يقول : اطلبوا العلم وتزينوا معه بالحلم والوقار (1) وما اقتصر على ~~حثهم على طلب العلم ، بل حثهم على ما يزدان به من الحلم والوقار ، بل ~~والتواضع كما في قوله عليه السلام : « وتواضعوا لمن تعلمونه العلم ، ~~وتواضعوا لمن طلبتم منه العلم ، ولا تكونوا علماء جبارين ، فيذهب باطلكم ~~بحقكم » (2). # أقول : ما أدقها نصيحة ، وأسماه تعليما ، فإن العلم لا ينفع صاحبه ولا ~~الناس ما لم يكن مقرونا بالتواضع ، سواء كان المتحلي به معلما أو متعلما ، ~~وأن الناس لتنفر من ذي الكبرياء ، فيكون الجبروت ذاهبا بما عنده من حق. # ويقول عليه السلام في إرشاده لطالب العلم : ولا تطلب العلم لثلاث : لترائي ~~به ، ولا لتباهي به ، ولا لتماري به ، ولا تدعه لثلاث : رغبة في الجهل ~~وزهادة في العلم ، واستحياء من الناس ، والعلم المصون كالسراج المطبق عليه (3). # أقول : إن الصادق عليه السلام يريد أن يكون طلب العلم للعلم ولنفع الامة ، ~~فلو طلبه المرء للرياء أو المباهاة أو المجادلة لما انتفع ونفع ، بل لتضرر ~~وأضر ، كما أن تركه للرغبة في الجهل والزهد في العلم كاشف عن الحمق ، ولا ~~خير في حياء يقيمك على الرذيلة ويبعد عنك الفضيلة ، ولا يكون انتفاع الناس ~~بالعلم إلا بنشره ، وما فائدة السراج اذا اطبق عليه. # ولنفاسة العلم حض على طلبه وإن كلف غاليا ، فقال : اطلبوا العلم ولو بخوض ~~المهج وشق اللجج (4). PageV01P137 # ولما كان للعلم أوعية ومعادن نهاهم عن أخذ العلم من غير أهله فقال ~~عليه السلام : اطلبوا العلم من معدن العلم وإياكم والولائج ms094 فهم الصادون عن ~~الله (1). # أقول : إننا لنجد عيانا أن المتعلم يتغذى بروح معلمه ، ويتشبع بتعاليمه ، ~~فالتلميذ الى الضلالة أدنى إن كان المعلم ضالا ، والى الهداية أقرب إن كان ~~هاديا ، لأن غريزة المحاكاة تقوى عند التلميذ بالقياس الى معلمه. # وما حث على طلب العلم فحسب ، بل أراد منهم اذا تعلموه أن يعملوا به فقال ~~عليه السلام : تعلموا العلم ما شئتم أن تعلموا فلن ينفعكم الله بالعلم حتى ~~تعملوا به ، لأن العلماء همهم الرعاية ، والسفهاء همهم الرواية (2) وقال : ~~العلم الذي لا يعمل به كالكنز الذي لا ينفق منه أتعب نفسه في جمعه ولم يصل ~~الى نفعه (3) وقال : مثل الذي يعلم الخير ولا يعمل به مثل السراج يضيء ~~للناس ويحرق نفسه (4) وقال : إن العالم اذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن ~~القلوب كما يزل المطر عن الصفا (5). # وقد دلهم على ما يحفظون به ما يتعلمونه فقال عليه السلام : اكتبوا فإنكم ~~لا تحفظون حتى تكتبوا (6). # ومما قاله للمفضل بن عمر : اكتب وبث علمك في إخوانك فإن مت PageV01P138 # فورث كتبك بنيك ، فإنه يأتي زمان هرج ما يأنسون فيه إلا بكتبهم (1). # وقال : احتفظوا بكتبكم فإنكم سوف تحتاجون إليها. (2) # إنه عليه السلام ما أراد فضيلة العلم لأهل زمانه فحسب ، بل أرادها لكل جيل ~~وعصر ، كما أنه ما أوصاهم بالتعلم إلا لأن يجمعوا كل فضيلة معه كما ستعرفه ~~من وصاياه ، وكما تعرفه من قوله عليه السلام . # فإن الرجل منكم اذا ورع في دينه وصدق الحديث ، وأدى الأمانة وحسن خلقه مع ~~الناس ، قيل هذا جعفري ، ويسرني ذلك ويدخل علي منه السرور ، وإن كان على ~~غير ذلك دخل علي بلاؤه وعاره ، وقيل هذا أدب جعفر (3). # إن الصادق وآباءه من قبل وأبناءه من بعد جاهدوا في حسن تربية الامة ~~وتوجيههم الى الفضائل ، وردعهم عن الرذائل بشتى الوسائل ، ولكن ما حيلتهم ~~اذا كان الناس يأبون أن يسيروا بنهج الحق ، وأن يتنكبوا عن جادة الباطل. # وما حض على طلب العلم إلا وحض على العناية بشأن العلماء والعطف عليهم ، ~~فقال عليه السلام : إني لأرحم ms095 ثلاثة ، وحق لهم أن يرحموا : عزيز أصابته ذلة ~~، وغني أصابته حاجة ، وعالم يستخف به أهله والجهلة (4). # وقال عليه السلام : ثلاثة يشكون الى الله عز وجل : مسجد خراب لا يصلي به ~~أهله ، وعالم بين جهال ، ومصحف معلق قد وقع عليه غبار لا يقرأ فيه (5). # وقال إسحاق بن عمار الصيرفي (6): قلت للصادق عليه السلام : من قام من PageV01P139 # مجلسه تعظيما لرجل ، قال عليه السلام : مكروه إلا لرجل في الدين. وقال ~~عليه السلام : من اكرم فقيها مسلما لقي الله يوم القيامة وهو عنه راض ، ومن ~~أهان فقيها مسلما لقي الله يوم القيامة وهو عليه غضبان (1). # وما اكثر ما جاء عنه عليه السلام في رعاية أهل العلم وتقديرهم ، واكرام ~~العلماء وتوقيرهم ، وهكذا كان مجاهدا في تثقيف أتباعه وتهذيبهم وتعليمهم ~~الأخلاق الفاضلة. ### ||| الحديث : # عرفت أن الذي روى عنه الحديث أربعة آلاف راوية أو يزيدون وكان التدوين ~~قبل عهده وكثر في أوانه ، وكان الحديث المدون عنه في كل علم. # وكان الشيعة يأخذون عنه الحديث كمن يتلقاه عن سيد الرسل ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، لأنهم يعتقدون أن ما عنده عن الرسول من دون تصرف ~~واجتهاد منه ، ولذا كانوا يأخذون منه مسلمين من دون شك واعتراض ، ويسألونه ~~عن كل شيء يحتاجون إليه فكان حديثه المروي يجمع كل شيء. # واذا كان الرواة أربعة آلاف أو اكثر ، فما كان عدد الرواية؟ ولقد ذكر ~~أرباب الرجال أن أبان بن تغلب وحده روى عنه ثلاثين ألف حديث ، ومحمد بن ~~مسلم ستة عشر ألف حديث وعن الباقر ثلاثين ألفا ، ولا تسل عن مقدار ما رواه ~~جابر الجعفي ، فهل يحصى إذن عدد الرواية ، والفنون المروية عنه؟ # ولقد بقي بالأيدي من تلك الرواية بعد ضياع الكثير وإهمال البعض ما ملأ ~~الصحف والطوامير. PageV01P140 # وقد جمعت شطرا من تلك الأحاديث التي رويت عنه وعن آبائه وأبنائه في ~~الأخلاق والآداب والأحكام فحسب ، الكتب الأربعة ( الكافي ، ومن لا يحضره ~~الفقيه ، والتهذيب ، والاستبصار ) ثم جمعها الملا محسن الفيض الكاشاني (1) ~~في كتاب ( الوافي )، ولما وجد الحر العاملي (2) كتبا اخرى تصلح لأن ms096 تكون ~~مصدرا للأحكام خاصة ضمها الى ما في الكتب الأربعة فألف كتابه ( تفصيل وسائل ~~الشيعة ) فكان ما روى عنه بلا واسطة ثمانين كتابا وبواسطة سبعين كتابا. # ثم جاء أخيرا العلامة النوري ميرزا حسين (3) وقد وقف على عدة كتب اخرى ~~صالحة لأن تكون مصدرا ، فجمع منها الشيء الوافر في الأحكام خاصة ، وألفه ~~على نهج كتاب الوسائل للحر وسماه ( مستدرك الوسائل ). # هذا ما كان في الأحكام خاصة ، وأما في الأخلاق والآداب ، فلم يجمع فيهما ~~من الكتب الأربعة إلا الكافي ، واكثر ما روي فيها كان عنه عليه السلام خاصة ~~، ولو شئت أن تحصي الكتب التي روت عنهم وعنه لأعياك العد ، فهذا الشيخ ~~الصدوق محمد بن علي بن بابويه وحده قد ألف عشرات الكتب التي اشتملت على ~~أحاديثهم. PageV01P141 # وكفى في وفرة الحديث عنهم ما جمعه بحار الأنوار للعلامة المجلسي (1). # وإن اشتمل على الغث والسمين شأن المؤلفات الواسعة ، غير أنك اذا استقريت ~~بعض كتبه عرفت وفرة ما فيه ، ومن الغريب أن يكون هذا الكتاب الجامع الذي لم ~~يؤلف مثله حتى اليوم قد فاته الشيء الكثير من حديثهم ، فتصدى بعض علماء ~~العصر وفقه الله (2) لجمع كتاب مستدرك للبحار وقد جمع الى اليوم فيه الشيء ~~الكثير. # وكان الصادق عليه السلام يرغب أصحابه في رواية الحديث فيقول لمعاوية بن ~~وهب (3) الراوية للحديث : المتفقه في الدين أفضل من ألف عابد لا فقه له ولا رواية. # أقول : ولا إخالك تستغرب من هذا التفضيل ، لأن الله تعالى يريد من عباده ~~أن ينفع بعضهم بعضا ، ويصلح بعضهم بعضا ، والعابد صالح ، والمحدث المتفقه ~~مصلح وصالح. ### ||| الفقه : # إن الفقه هو معرفة الأحكام الفرعية من الطهارات الى الديات ، وهذه ~~الأحكام مأخوذة من الأدلة الأربعة واكثرها شرحا وبسطا السنة وهي PageV01P142 # حديث الرسول وأهل بيته عند الشيعة ، فكتب الشيعة في الفقه مأخوذة من هذه ~~الأدلة الأربعة ، واكثر السنة حديثا هو الحديث الصادقي ، ولو لا حديثه ~~لأشكل على العلماء استنباط اكثر تلك الأحكام. # وما كان فقهاء الشيعة عيالا عليه فحسب ، بل أخذ كثير من فقهاء السنة ~~الذين عاصروه ms097 الفقه عنه ، أمثال مالك وأبي حنيفة والسفيانين وأيوب وغيرهم ، ~~كما ستعرفه في بابه ، بل ان ابن أبي الحديد في شرح النهج ( 1 : 6 ) أرجع ~~فقه المذاهب الأربعة إليه ، وهذا الآلوسي في مختصر التحفة الاثنى عشرية ص 8 ~~يقول : وهذا أبو حنيفة وهو بين أهل السنة كان يفتخر ويقول بأفصح لسان : لو ~~لا السنتان لهلك النعمان ، يريد السنتين اللتين صحب فيها الامام جعفر ~~الصادق عليه السلام لأخذ العلم. # فكان الحق أن يصبح أبو عبد الله عليه السلام فقيه الاسلام الوحيد ، وكفى ~~من فقهه كثرة الرواية والرواة عنه ، ومن سبر كتب الحديث عرف كثرة الحديث ~~الصادقي ، وكثرة رواته وقد عاصره فقهاء كثيرون ، فما بلغ رواة أحدهم ما ~~بلغه رواته ، وما أنفق في هذه السوق أحد مثلما أنفقه من علم وفقه ، وما سئل ~~عن شيء فتوقف في جوابه. # إن الفقه النظام العام للناس ، ولا يعرف الدين بسواه ، ومن هنا أمر ~~الصادق رجاله بالتفقه في الدين فقال عليه السلام : « حديث في حلال وحرام ~~تأخذه من صادق خير من الدنيا وما فيها من ذهب أو فضة ». # وقال عليه السلام : « لا يشغلك طلب دنياك عن طلب دينك فان طالب الدنيا ~~ربما أدرك وربما فاتته فهلك بما فاته منها ». # وقال حرصا على التفقه في الدين : « ليت السياط على رءوس أصحابي PageV01P143 # حتى يتفقهوا في الحلال والحرام ». # وقال عليه السلام : « تفقهوا في الدين ، فإنه من لم يتفقه منكم فهو اعرابي ~~» (1). # وسئل عن الحكمة في قوله تعالى : « ومن اوتي الحكمة فقد اوتي خيرا كثيرا » ~~(2) فقال : « إن الحكمة المعرفة والتفقه في الدين » (3). # والفقيه عنده العارف بالحديث ، فقال عليه السلام : « اعرفوا منازل شيعتنا ~~بقدر ما يحسنون من رواياتهم عنا ، فإنا لا نعد الفقيه منهم فقيها حتى يكون ~~محدثا ». (4) ### ||| الأخلاق : # إن علم الأخلاق لم يكن بدء الأمر مبوبا ، وإنما كانت الأخلاق تلتقط من ~~تلك الآيات الكريمة التي جاء بها الكتاب الحكيم (5) ومن كلام سيد الأنبياء ~~وسيد الأوصياء وأبنائهما الحكماء عليهم جميعا سلام الله ، وإنما ابتدأ ~~التأليف فيه عند الشيعة في أخريات القرن الثاني ms098 من إسماعيل بن مهران بن أبي ~~نصر السكوني وكان من أصحاب الرضا عليه السلام وثقات الرواة وله كتاب صفة ~~المؤمن والفاجر ، ثم ألف فيه من رجال القرن الثالث أبو جعفر أحمد بن محمد ~~بن خالد البرقي ، وكان من ثقات الرواة وأبوه محمد من أصحاب الرضا ~~عليه السلام PageV01P144 # وثقات رواته ، وكتاب أبي جعفر ( المحاسن ) من محاسن الكتب ، وكانت وفاته ~~عام 274 أو 280 في قم ، ومن رجال هذا القرن المؤلفين في الأخلاق الحسن ابن ~~علي بن شعبة ، وكتابه تحف العقول وهو كتاب نفيس يشتمل على الحكم والمواعظ ~~والأخلاق لكل إمام إمام ، ثم اتسع التأليف في الأخلاق فكان من أفضله اصول ~~الكافي لثقة الاسلام الكليني طاب ثراه المتوفى عام 329 ، الذي جاهد طوال ~~السنين في تأليف هذا الكتاب حتى جعله منتخبا في أحاديثه وأسانيده ، ولو ~~ألقيت نظرة على كتبه وأبوابه لعرفت ما هي الأخلاق وما علم الصادق وأهل ~~البيت في الأخلاق. # ولو أمعن الناظر في هذا الكتاب لعرف أن أفضل مصدر لعلم الأخلاق بعد ~~الكتاب الحكيم كلام من كان على خلق عظيم ، وكلام من ورثوا عنه كل علم وفضل ~~، وسوف تجد صدق ذلك اذا قرأت المختار من كلام الصادق عليه السلام في هذا ~~الكتاب. ### ||| التفسير : # كان في الحديث عن أهل البيت الذي أشرنا إليه موارد جمة للتفسير حتى أن ~~بعض المفسرين جعلوا تفسيرهم كله مبنيا على الحديث ، واذا شئت أن تعرف شيئا ~~من كلام الصادق عليه السلام في التفسير فدونك ( مجمع البيان ) فإنه قد أورد ~~شيئا من أحاديثه في تفسيره ، وقد يشير الى رأي أهل البيت مستظهرا ذلك من ~~حديثهم. # وأن هناك مؤلفات عديدة في آيات الأحكام ، وقد علق عليهما المؤلفون ما جاء ~~في تفسيرها والاشارة الى مفادها من طريق أهل البيت وأحاديثهم ، والحديث ~~الوارد عن سيد الرسل في عدة مقامات ومن عدة طرق : « إني تارك PageV01P145 # فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا ~~بعدي أبدا فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض » يعرفنا مبلغ علمهم ~~بالقرآن ms099 ، وان في كل زمن عالما منهم بالقرآن ، وتشفع لهذا الحديث الأخبار ~~الكثيرة الواردة عن أهل البيت في شأن علمهم بالقرآن ، والصادق نفسه يقول : ~~والله إني لأعلم كتاب الله من أوله الى آخره كأنه في كفي ، فيه خبر السماء ~~وخبر الأرض ، وخبر ما كان وخبر ما هو كائن ، قال الله عز وجل « فيه تبيان ~~كل شيء » (1). # ويفرج أصابعه مرة اخرى فيضعها على صدره ويقول : « وعندنا والله علم ~~الكتاب كله » (2) الى كثير أمثال ذلك. # ولا بد في كل زمن من عالم بالقرآن الكريم على ما نزل ، كما يشهد لذلك ~~حديث الثقلين ، ولأن القرآن إمام صامت وفيه المحكم والمتشابه ، والمجمل ~~والمبين ، والناسخ والمنسوخ ، والعام والخاص ، والمطلق والمقيد ، الى غير ~~ذلك مما خفي على الناس علمه ، وكل فرقة من الاسلام تدعي أن القرآن مصدر ~~اعتقادها وتزعم أنها وصلت الى معانيه واهتدت الى مقاصده وتأتي على ذلك ~~بالشواهد ، فالقرآن مصدر الفرق بزعم أهل الفرق ، فمن هو الحكم الفصل ليرد ~~قوله وتفسيره شبه هاتيك الفرق ، ومزاعم هذه المذاهب؟ وقد دل حديث الثقلين ~~على أن علماء القرآن هم العترة أهل البيت خاصة ومنهم يكون العالم به في كل عصر. # وفي عصره عليه السلام اذا لم يكن هو العالم بالقرآن فمن غيره؟ ليس في ~~الناس من يدعي أن في أهل البيت أعلم من الصادق في عهده في التفسير أو في PageV01P146 # سواه من العلوم. ### ||| علم الكلام : # نعني من علم الكلام العلم الذي يبحث عن الوجود والوحدانية والصفات وما ~~يلزم هذه المباحث من نبوة وإمامة ومعاد ، بالأدلة العقلية المبتنية على اسس ~~منطقية صحيحة ، ولا نعني به علم الجدل الذي تاه فيه كثير من الناس ~~لاعتمادهم فيه على خواطر توحيها إليهم نفوس ساقها الى الكلام حب الغلبة في ~~المجادلة ، ، دون أن يستندوا الى ركن وثيق أو يأخذوا هذا العلم من معدنه ~~الصحيح. # وإن جاء ذم على ألسنة الأحاديث للمتكلمين فيعني بهم الذين تعلموا الجدل ~~للظهور والغلبة ولم يستقوا الماء من منبعه ، ولم يعبئوا بما يجرهم إليه ~~الكلام من لوازم فاسدة ، وأما ms100 الذين انتهلوه من مورده الروي وبنوه على اسس ~~صحيحة ودعائم وجدانية فإنهم ألسنة الحق وهداته ودعاة الايمان وأدلاؤه. # وإن أول من برهن على الوجود ولوازم الوجود بالأدلة العقلية والآثار ~~المحسوسة أمير المؤمنين عليه السلام حتى كاد أن يشك في تلك الخطب بعض من ~~يجهل أو يتجاهل مقام أبي الحسن من العلم الرباني بدعوى أن العلم على تلك ~~الاصول لم يكن معهودا في ذلك الزمن ، وليت شعري إن لم يعترف هذا الجاهل بأن ~~علم أبي الحسن إلهامي يستقيه من المنبع الفياض فإنه لا يجهل ما قاله النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم فيه : أنا مدينة العلم وعلي بابها. # ونسج على منوال أبي الحسن بنوه في هذا العلم فإنهم ما زالوا يفيضون على ~~الناس من علمهم الزاخر عن الوجود ولوازمه ، وكيف يعبد الناس ربا لا يعرفونه ~~ويطيعون نبيا يجهلونه ويتبعون إماما لا يفقهون مقامه ، فالمعرفة قبل كل علم PageV01P147 # وأفضل كل علم ، يقول الصادق عليه السلام : أفضل العبادة العلم بالله (1). # وليس للسمع في تلك القواعد والاصول مدخل ، لأن التقليد في العقليات لا ~~يصح عند أرباب العقول. # بلى قد يجيء النقل دليل ولكنه من الارشاد الى حكم العقل ، أو الاشارة الى ~~الفطرة كما في قوله تعالى : « أفي الله شك فاطر السموات والأرض » (2) ~~وأمثاله من القرآن المجيد ، فإن هذه الآية الكريمة لم تحملك على القول ~~بالوجود حتما ، بل لفتتك إليه من جهة الأثر ومشاهدته. # فاذا جاء عن الرسول وعترته أدلة على هذه الاصول فما كلامهم في هذا إلا ~~إرشاد الى حكم العقل ، فإنهم ما زالوا يدلون على العقل ويهدون الى دلالته ، ~~وهذا الصادق نفسه يقول : العقل دليل المؤمن ، ويقول : دعامة الانسان العقل ~~، ويقول : لا يفلح من لا يعقل (3)، ولو قرأت ما أملاه الكاظم عليه السلام ~~على هشام بن الحكم في شأن العقل والعقلاء (4) لعرفت كيف عرفوا حقيقة العقل ~~، ودلوا عليه وحثوا على الاستضاءة بنوره. # ولقد جاء في كلامهم الشيء الكثير من الاستدلال على هذه الاصول ، وهذا نهج ~~البلاغة قد جمع من البراهين ما أبهر العقول ms101 وحير الألباب ، كما جمعت كتب ~~الحديث والكلام كثيرا من تلك الحجج ، ومن تلك الكتب احتجاج الطبرسي ، واصول ~~الكافي ، وتوحيد الصدوق ، والأول والثاني من البحار ، وفي كتبه الاخرى التي ~~يترجم فيها الأئمة عليهم السلام ويذكر كلامهم طي PageV01P148 # تراجمهم ، الى نظائر هذه الكتب الجليلة. # ونحن الآن نوافيك بشيء مما جاء عن الصادق عليه السلام في بعض هذه الاصول. ### ||| الوجود والتوحيد : # إن للصادق عليه السلام فصولا جمة في التدليل على وجوده ووحدانيته تعالى ، ~~منها توحيد المفضل ، وهو الدروس التي ألقاها على المفضل بن عمر الجعفي ~~الكوفي أحد أصحابه الذين جمعوا بين العلم والعمل ، ورسالته المسماة ~~بالاهليلجة ، المروية عن المفضل أيضا ، غير أن التوحيد أخذه منه شفاها ، ~~والرسالة رواها مكاتبة وهاتان الرسالتان وإن كانتا مقطوعتي السند غير أن ~~البيان يفصح لك عن صدق النسبة ، ولو لا أن نخرج عن خطتنا المرسومة لأتينا ~~بهما جميعا مع بعض التعاليق الوجيزة ، غير أننا نأتي بشيء منهما لئلا يخلو ~~هذا السفر من تلك العقود النفيسة. ### ||| توحيد المفضل : # سمع المفضل ابن أبي العوجاء والى جانبه رجل من أصحابه في مسجد النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم وهما يتناجيان في ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~ويستغربان من حكمته وحظوته ، ثم انتقلا الى ذكر الأصل فأنكر وجوده ابن أبي ~~العوجاء وزعم أن الاشياء ابتدأت بإهمال ، فأزعج ذلك المفضل فلم يملك نفسه ~~غضبا وغيظا ، ثم أنحى عليه يسبه ، وبعد مناظرة جرت بينهما قام المفضل ودخل ~~على الصادق عليه السلام ، والحزن لائح على شمائله ، يفكر فيما ابتلى به ~~الاسلام وأهله من كفر هذه العصابة وتعطيلها ، فسأله الصادق عليه السلام عن شأنه PageV01P149 # حين رأى الانكسار باديا على وجهه ، فأخبره بما سمعه من الدهرتين ، وبما ~~رد عليهما به ، فقال الصادق عليه السلام : لألقين إليك من حكمة الباري جل ~~وعلا في خلق العالم والسباع والبهائم والطير والهوام وكل ذي روح من الأنعام ~~، والنبات والشجرة المثمرة وغير ذات الثمر والحبوب والبقول المأكول وغير ~~المأكول ما يعتبر به المعتبرون ، ويسكن إلى معرفته المؤمنون ويتحير فيه ~~الملحدون ms102 فبكر علي غدا. # حقا لقد ألقى الصادق عليه السلام على المفضل من البيان ما أنار به الحجة ~~وأوضح الشبهة ، ولم يدع للشك مجالا ، وللشبهة سبيلا ، وأبدى من الكلام عن ~~بدائع خلائقه ، وغرائب صنائعه ، ما تحار منه الألباب ، وتندهش منه العقول ، ~~وأظهر من خفايا حكمه ما لا يهتدي إلا أمثاله ممن اوتي الحكمة وفصل الخطاب. # وكلما حاولت أن أنتخب فصولا خاصة من تلك البدائع لم أطق ، لأني أجدها ~~كلها منتخبة ، وأن أقتطف من كل روضة زهرتها اليانعة لم أستطع لأني أراها ~~كلها وردة واحدة في اللون والعرف ، فما رأيت إلا أن أذكر من كل فصل أوله ، ~~واشير إلى شيء منه ، والفصول أربعة : ### ||| * 1 # قال عليه السلام بعد أن ذكر عمى الملحدين وأسباب شكهم وتهيئة هذا العالم ~~وتأليف أجزائه وانتظامها : نبتدئ يا مفضل بذكر خلق الانسان فاعتبر به ، ~~فأول ذلك ما يدبر به الجنين في الرحم وهو محجوب في ظلمات ثلاث : ظلمة البطن ~~وظلمة الرحم ، وظلمة المشيمة (1) حيث لا حيلة عنده في طلب PageV01P150 # غذاه ، ولا دفع أذى ، ولا استجلاب منفعة ، ولا دفع مضرة ، فإنه يجري إليه ~~من دم الحيض ما يغذوه كما يغذو الماء النبات ، فلا يزال ذلك غذاءه حتى اذا ~~كمل خلقه واستحكم بدنه ، وقوي أديمه (1) على مباشرة الهواء وبصره على ~~ملاقاة الضياء هاج الطلق بامه فأزعجه أشد إزعاج وأعنفه حتى يولد ، واذا ولد ~~صرف ذلك الدم الذي كان يغذوه من دم امه الى ثديها ، فانقلب الطعم واللون ~~الى ضرب آخر من الغذاء ، وهو أشد موافقة للمولود من الدم ، فيوافيه في وقت ~~حاجته إليه ، فحين يولد قد تلمظ وحرك شفتيه طلبا للرضاع ، فهو يجد ثدي أمه ~~كالأداوتين (2) المعلقتين لحاجته إليه ، فلا يزال يغتذي باللبن ما دام رطب ~~البدن رقيق الأمعاء لين الأعضاء ، حتى اذا تحرك واحتاج الى غذاء فيه صلابة ~~ليشتد ويقوى بدنه طلعت له الطواحن من الأسنان والأضراس ، ليمضغ بها الطعام ~~فيلين عليه وتسهل له إساغته ، فلا يزال كذلك حتى يدرك ، فاذا أدرك وكان ~~ذكرا طلع الشعر في وجهه فكان ms103 ذلك علامة الذكر وعز الرجل الذي يخرج به من حد ~~الصبي وشبه النساء ، وإن كانت انثى يبقى وجهها نقيا من الشعر لتبقى لها ~~البهجة والنضارة التي تحرك الرجال لما فيه دوام النسل وبقاؤه. # اعتبر يا مفضل فيما يدبر الانسان في هذه الأحوال المختلفة ، هل ترى يمكن ~~أن يكون بالإهمال؟ أفرأيت لو لم يجر إليه ذلك الدم وهو في الرحم ، ألم يكن ~~سيذوي ويجف كما يجف النبات اذا فقد الماء؟ ولو لم يزعجه المخاض عند ~~استحكامه ، ألم يكن سيبقى في الرحم كالموؤد في الأرض؟ ولو لم يوافقه اللبن ~~مع ولادته ، ألم يكن سيموت جوعا أو يغتذي بغذاء لا يلائمه ولا يصلح عليه بدنه؟ PageV01P151 # ولو لم تطلع عليه الأسنان في وقتها ، ألم يكن سيمتنع عليه مضغ الطعام ~~وإساغته ، أو يقيمه على الرضاع فلا يشد بدنه ولا يصلح لعمل ، ثم كان تشتغل ~~امه بنفسه عن تربية غيره من الأولاد؟ ولو لم يخرج الشعر في وجهه في وقته ، ~~ألم يكن سيبقى في هيئة الصبيان والنساء ، فلا ترى له جلالا ولا وقارا؟ فمن ~~هذا الذي يرصده حتى يوافيه بكل شيء من هذه المآرب إلا الذي أنشأه خلقا بعد ~~أن لم يكن ، ثم توكل له بمصلحته بعد أن كان ، فإن كان الإهمال يأتي بمثل ~~هذا التدبير فقد يجب أن يكون العمد والتقدير يأتيان بالخطإ والمحال لأنهما ~~ضد الإهمال ، وهذا فظيع من القول وجهل من قائله ، لأن الإهمال لا يأتي ~~بالصواب ، والتضاد لا يأتي بالنظام ، تعالى الله عما يقول الملحدون علوا كبيرا. # أقول : إن الإهمال دوما يأتي بالخطإ كما نشاهده عيانا ، أرأيت لو وجهت ~~الماء الى الزرع وأهملت تقسيمه على الألواح أيسقي الألواح كلها من دون خلل ~~، أو إذا نثرت البذر في الأرض من دون مناسبة أيخرج الزرع بانتظام ، أو إذا ~~جمعت قطعا من خشب وواصلتها بمسامير أتكون كرسيا أو بابا من دون تنسيق. # ثم قال عليه السلام : ولو كان المولود يولد فهما عاقلا لأنكر العالم عند ~~ولادته ، ولبقي حيران تائه العقل إذا رأى ما لم يعرف ms104 ، وورد عليه ما لم ير ~~مثله من اختلاف صور العالم من البهائم والطير إلى غير ذلك مما يشاهده ساعة ~~بعد ساعة ويوما بعد يوم ، واعتبر ذلك بأن من سبي من بلد إلى بلد وهو عاقل ~~يكون كالواله الحيران فلا يسرع في تعلم الكلام وقبول الأدب كما يسرع الذي ~~يسبى صغيرا غير عاقل ، ثم لو ولد عاقلا كان يجد غضاضة إذا رأى نفسه محمولا ~~مرضعا معصبا بالخرق مسجى في المهد ، لأنه لا يستغني عن هذا كله لرقة بدنه ~~ورطوبته حين يولد ، ثم كان لا يوجد له من الحلاوة والوقع من القلوب ما يوجد ~~للطفل ، فصار يخرج الى الدنيا غبيا غافلا عما فيه أهله فيلقي الأشياء بذهن ضعيف PageV01P152 # ومعرفة ناقصة ثم لا يزال يتزايد في المعرفة قليلا قليلا وشيئا بعد شيء ~~وحالا بعد حال ، حتى يألف الأشياء ويتمرن ويستمر عليها ، فيخرج من حد ~~التأمل لها والحيرة فيها الى التصرف والاضطراب في المعاش بعقله وحيلته والى ~~الاعتبار والطاعة والسهو والغفلة والمعصية ، وفي هذا أيضا وجوه أخر فإنه لو ~~كان يولد تام العقل مستقلا بنفسه لذهب موضع حلاوة تربية الأولاد ، وما قدر ~~أن يكون للوالدين في الاشتغال بالولد من المصلحة ، وما يوجب التربية للآباء ~~على الأبناء من المكافاة بالبر والعطف عليهم عند حاجتهم الى ذلك منهم ، ثم ~~كان الأولاد لا يألفون آباءهم ولا يألف الآباء أبناءهم ، لأن الأولاد كانوا ~~يستغنون عن تربية الآباء وحياطتهم فيتفرقون عنهم حين يولدون ، فلا يعرف ~~الرجل أباه وأمه ولا يمتنع من نكاح امه واخته وذوات المحارم منه إذ لا ~~يعرفهن ، وأقل ما في ذلك من القباحة ، بل هو أشنع وأعظم وأفظع وأقبح وأبشع ~~لو خرج المولود من بطن امه وهو يعقل أن يرى منها ما لا يحل له ، ولا يحسر ~~به أن يراه ، أفلا ترى كيف اقيم كل شيء من الخلقة على غاية الصواب وخلا من ~~الخطأ دقيقه وجليله. # أقول : إن بعض هذا البيان البديع من الامام عن تدرج الانسان في نموه ، ~~ونموه في أوقاته كاف في حكم العقل ms105 بأن له صانعا صنعه عن علم وحكمة وتقدير ~~وتدبير. # ثم أن الصادق عليه السلام جعل يذكر فوائد البكاء للأطفال من التجفيف ~~لرطوبة الدماغ وأن في بقاء الرطوبة خطرا على البصر والبدن. # ثم ساق البيان الى جعل آلات الجماع في الذكر والانثى على ما يشاكل أحدهما ~~الآخر ، ثم ذكر أعضاء البدن والحكمة في جعل كل منها على الشكل الموجود ، ~~وهاهنا يقول له المفضل : يا مولاي إن قوما يزعمون أن هذا من فعل PageV01P153 # الطبيعة ، فيقول له الامام : سلهم عن هذه الطبيعة أهي شيء له علم وقدرة ~~على مثل هذه الأفعال ، أم ليست كذلك؟ فإن أوجبوا لها العلم والقدرة فما ~~يمنعهم من إثبات الخالق ، فإن هذه صفته ، وإن زعموا أنها تفعل هذه الأفعال ~~بغير علم ولا عمد وكان في أفعالها ما قد تراه من الصواب والحكمة علم أن هذا ~~الفعل للخالق الحكيم وأن الذي سموه طبيعة هو سنة في خلقه الجارية على ما ~~أجراه عليه. # أقول : انظر إلى قول أهل الطبيعة فإنهم جروا على نسق واحد من عهد الصادق ~~عليه السلام إلى اليوم ، وكأنهم لم يتعقلوا هذا الجواب القاطع لحججهم أو ~~أغضوا عنه إصرارا على العناد والجحود. # إن الامام حصر الطبيعة بين اثنين لا ثالث لهما ، وذلك لأنها إما أن تكون ~~ذات علم وحكمة وقدرة ، أو تكون خالية عن ذلك كله ، فإن كان الأول فهي ما ~~نثبته للخالق ، ولا فارق إذن بينهم وبيننا إلا التسمية ، وإن كان الثاني ~~كان اللازم أن تكون آثارها مضطربة لا تقدير فيها ولا تدبير شأن من لا يعقل ~~ويبصر ويسمع في أفعاله ، ولكننا نشاهد الآثار مبنية على العلم والحكمة ~~والقدرة والتقدير ، فلا تكون إذن من فعل الطبيعة العمياء الصماء وكانت ~~الطبيعة غير الله العالم القادر المدبر ولا تكون الطبيعة إذن إلا سنته في ~~خلقه ، لا شيء آخر له كيان مستقل عن خالق الكون. # ثم أن الامام عليه السلام عاد الى كلامه الأول فتكلم عن وصول الغذاء الى ~~البدن وكيفية انتقال صفوه من المعدة الى الكبد في عروق رقاق ms106 واشجة بينها قد ~~جعلت كالمصفى للغذاء ، ثم صيرورته دما ونفوذه الى البدن كله في مجار مهيأة ~~لذلك ، ثم كيفية تقسيمه في البدن وبروز الفضلة منه ، فكأنما الامام كان ~~الطبيب النطاسي الذي لم يماثله أحد في الطب ، والعالم الماهر في التشريح الذي PageV01P154 # قضى عمره في عملية التشريح ، بل كشف الامام في هذا البيان ( الدورة ~~الدموية ) التي يتغنى الغربيون باكتشافها وقد سبقهم إليها بما يقارب اثنى ~~عشر قرنا. # ثم ساق كلامه الى نشوء الأبدان ونموها حالا بعد حال ، وما شرف الله به ~~الانسان من الميزة في الخلقة على البهائم ، ثم استطرد الكلام الى الحواس ~~التي خص الله بها الانسان وفوائد جعلها على النحو الموجود ، واختصاص كل ~~منها بأثر لا تؤديه الثانية ، وهكذا يفيض في بيانه عن الأعضاء المفردة ~~والمزدوجة والأسباب التي من أجلها جعلها على هذا التركيب ، إلى أن يطرد في ~~بيانه عما منحه الجليل من النعم في المطعم والمشرب ، وما جعل فيه من ~~التمايز في الخلقة حتى لا يشبه أحد الآخر. # إلى أن يقول عليه السلام : لو رأيت تمثال الانسان مصورا على حائط فقال لك ~~قائل : إن هذا ظهر هاهنا من تلقاء نفسه لم يصنعه صانع ، أكنت تقبل ذلك؟ بل ~~كنت تستهزئ به ، فكيف تنكر هذا في تمثال مصور جماد ولا تنكر في الانسان ~~الحي الناطق. # أقول : ما أقواها حجة ، وأسماه بيانا ، وأن كل ناظر فيه من أهل كل قرن ~~يكاد أن يقول : إنه أتى به لأهل زمانه وقرنه في الحجة والاسلوب لما يجده من ~~ملائمة البيان والبرهان. ### ||| * 2 # ثم أنه في اليوم الثاني أورد على المفضل الفصل الثاني وهو في خلقة ~~الحيوان فقال عليه السلام : أبتدئ لك بذكر الحيوان ليتضح لك من أمره ما وضح لك PageV01P155 # من غيره ، فكر في أبنية أبدان الحيوان وتهيئتها على ما هي عليه ، فلا هي ~~صلاب كالحجارة ، ولو كانت كذلك لا تنثني ولا تتصرف في الأعمال ولا هي على ~~غاية اللين والرخاوة ، فكانت لا تتحامل ولا تستقل بأنفسها ، فجعلت من لحم ~~رخو ينثني تتداخله عظام ms107 صلاب يمسكه عصب وعروق تشده وتضم بعضه الى بعض ، ~~وعليت (1) فوق ذلك بجلد يشتمل على البدن كله. # ومن أشباه ذلك هذه التماثيل التي تعمل من العيدان وتلف بالخرق وتشد ~~بالخيوط ويطلى فوق ذلك بالصمغ ، فتكون العيدان بمنزلة العظام والخرق بمنزلة ~~اللحم ، والخيوط بمنزلة العصب والعروق ، والطلاء بمنزلة الجلد ، فإن جاز أن ~~يكون الحيوان المتحرك حدث بالإهمال من غير صانع ، جاز أن يكون ذلك في هذه ~~التماثيل الميتة ، فإن كان هذا غير جائز في التماثيل فبالحري ألا يجوز في ~~الحيوان. # وفكر بعد هذا في أجساد الأنعام فإنها خلقت على أبدان الإنس من اللحم ~~والعظم والعصب اعطيت أيضا السمع والبصر ، ليبلغ الانسان حاجياته منها ، ولو ~~كانت عميا صما لما انتفع بها الانسان ، ولا تصرفت في شيء من مآربه ، ثم ~~منعت الذهن والعقل لتذل للانسان ، فلا تمتنع عليه إذا كدها الكد الشديد ، ~~وحملها الحمل الثقيل ، فإن قال قائل : إنه قد يكون للانسان عبيد من الإنس ~~يذلون ويذعنون بالكد الشديد وهم مع ذلك غير عديمي العقل والذهن ، فيقال في ~~جواب ذلك : إن هذا الصنف من الناس قليل ، فأما اكثر البشر فلا يذعنون بما ~~تذعن به الدواب من الحمل والطحن وما أشبه ذلك ، ولا يقومون بما يحتاجون ~~إليه منه ، ثم لو كان الناس يزاولون مثل هذه الأعمال بأبدانهم لشغلوا بذلك عن PageV01P156 # سائر الأعمال ، لأنه كان يحتاج مكان الجمل الواحد والبغل الواحد الى عدة ~~اناسي ، فكان هذا العمل يستفرغ الناس حتى لا يكون فيهم عنه فضل لشيء من ~~الصناعات ، مع ما يلحقه من التعب الفادح في أبدانهم والضيق والكد في ~~معاشهم. # ثم أنه عليه السلام أخذ يذكر المميزات ، لكل نوع من الأنواع الثلاثة ~~للحيوان وهي : الانسان ، وآكلات اللحوم ، وآكلات النبات ، وما يقتضي كل نوع ~~منها حاجته من كيفية الأعضاء والجوارح ، فيأتيك بلطائف الحكمة ، وبدائع ~~القدرة ، ومحاسن الطبيعة. # ويدلك على الحكمة في جعل العينين في وجه الدابة شاخصتين والفم مشقوقا شقا ~~في أسفل الخطم (1) ولم يجعل كفم الانسان ، الى غير ذلك من خصوصيات الأعضاء ~~والجوارح. # ويرشدك الى ms108 الفطنة في بعضها اهتداء لمصلحته كامتناع الايل (2) الآكل ~~للحيات عن شرب الماء ، لأن شرب الماء يقتله ، واستلقاء الثعلب على ظهره ~~ونفخ بطنه اذا جاع ، حتى تحسبه الطير ميتا ، فإذا وقعت عليه لتنهشه وثب ~~عليها ، الى غيرهما من الحيوانات ، فيقول الصادق عليه السلام : من جعل هذه ~~الحيلة طبعا في هذه البهيمة لبعض المصلحة؟ # ثم أنه عليه السلام تعرض في كلامه للذرة والنملة والليث ، وتسميه العامة ~~أسد الذباب وتمام خلقة الذرة مع صغر حجمها ، والنملة وما تهتدي إليه ~~لاقتناء قوتها ، والليث وما يهتدى إليه في اصطياد الذباب ، ثم يقول : فانظر ~~الى هذه PageV01P157 # الدويبة كيف جعل في طبعها ما لا يبلغه الانسان إلا بالحيلة واستعمال ~~الآلات ، فلا تزدر بالشيء اذا كانت العبرة فيه واضحة كالذرة والنملة وما ~~أشبه ذلك ، فإن المعنى النفيس قد يمثل بالشيء الحقير فلا يضع منه ذلك ، كما ~~لا يضع من الدينار وهو ذهب أن يوزن بمثقال من حديد. # ثم أنه عليه السلام استطرد ذكر الطائر وكيف خفف جسمه وأدمج خلقه وجعل له ~~جؤجؤا ليسهل عليه أن يخرق الهواء الى غير ذلك من خصوصيات خلقته ، والحكمة ~~في خلق تلك الخصوصيات ، وهكذا يستطرد الحكمة في خصوصيات خلقة الدجاجة ، ثم ~~العصفور ، ثم الخفاش ، ثم النحل ، ثم الجراد ، وغيرها من صغار الطيور ، وما ~~جعله الله فيها من الطبائع والفطن والهداية لطلب الرزق ، وما سوى ذلك مما ~~فيها من بدائع الخلقة. # ثم استعرض خلق السمك ومشاكلته للأمر الذي قدر أن يكون عليه ، ثم يقول ~~عليه السلام : فاذا أردت أن تعرف سعة حكمة الخالق وقصر علم المخلوقين ، ~~فانظر الى ما في البحار من ضروب السمك ودواب الماء والاصداف والأصناف التي ~~لا تحصى ولا تعرف منافعها إلا الشيء بعد الشيء يدركه الناس بأسباب تحدث ... ~~إلى آخر كلامه ، وبه انتهى هذا الفصل. # أقول : ليس العجب من خالق أمثال هذه الذرة والدودة وأصناف الأسماك ~~الغريبة ، التي اختلفت اشكالها ، وتنوعت الحكمة فيها وليس العجب ممن يهتدي ~~الى الحكمة في كل واحد من تلك المصنوعات بعد وجودها وتكوينها ، وإنما العجب ms109 ~~ممن ينكر فاطر السموات والأرضين وما فيهن وبينهن مع اتقان الصنعة ، وإحكام ~~الخلقة ، وبداعة التركيب ، ولو نظر الجاحد الى نفسه مع غريب الصنع وتمام ~~الخلق لكان اكبر برهان على الوجود ووحدانية الموجود. PageV01P158 ### ||| * 3 # ثم بكر المفضل في اليوم الثالث فقال له الصادق عليه السلام : قد شرحت لك ~~يا مفضل خلق الانسان وما دبر به وتنقله في أحواله وما فيه من الاعتبار ~~وشرحت لك أمر الحيوان ، وأنا ابتدئ الآن بذكر السماء والشمس والقمر والنجوم ~~والفلك والليل والنهار والحر والبرد والرياح والمطر والصخر والجبال والطين ~~والحجارة والمعادن والنبات والنخل والشجر وما في ذلك من الأدلة والعبر. # فكر في لون السماء وما فيه من صواب التدبير ، فإن هذا اللون أشد الألوان ~~موافقة وتقوية للبصر ، حتى أن من وصفات الأطباء لمن أصابه شيء أضر ببصره ~~إدمان النظر الى الخضرة ، وما قرب منها الى السواد ، وقد وصف الحذاق منهم ~~لمن كل بصره الاطلاع في إجانة (1) خضراء مملوءة ماء ، فانظر كيف جعل الله ~~جل وتعالى أديم السماء بهذا اللون الأخضر الى السواد ، ليمسك الأبصار ~~المنقلبة (2) عليه ، فلا تنكأ (3) فيها بطول مباشرتها له ، فصار هذا الذي ~~أدركه الناس بالفكر والروية والتجارب يوجد مفروغا عنه في الخلقة ، حكمة ~~بالغة ليعتبر بها المعتبرون ، ويفكر فيها الملحدون قاتلهم الله أنى يؤفكون. # فكر يا مفضل في طلوع الشمس وغروبها لإقامة دولتي الليل والنهار فلو لا ~~طلوعها لبطل أمر العالم كله ، فلم يكن الناس يسعون في معايشهم ، وينصرفون PageV01P159 # في أمورهم والدنيا مظلمة عليهم ولم يكن يتهنئون بالعيش مع فقدهم لذة ~~النور وروحه ، والارب في طلوعها ظاهر مستغن بظهوره عن الاطناب في ذكره ، ~~والزيادة في شرحه ، بل تأمل المنفعة في غروبها ، فلو لا غروبها لم يكن ~~للناس هدوء ولا قرار مع عظم حاجتهم الى الهدوء والراحة لسكون أبدانهم ، ~~ووجوم (1) حواسهم ، وانبعاث القوة الهاضمة لهضم الطعام وتنفيذ الغذاء الى ~~الأعضاء ، ثم كان الحرص يستحملهم من مداومة العمل ومطاولته على ما يعظم ~~نكايته في أبدانهم ، فإن كثيرا من الناس لو لا جثوم (2) هذا الليل لظلمته ms110 ~~عليهم لم يكن لهم هدوء ولا قرار حرصا على الكسب والجمع والادخار ، ثم كانت ~~الأرض تستحمي (3) بدوام الشمس ضياءها ، وتحمي كل ما عليها من حيوان ونبات ~~فقدرها الله بحكمته وتدبيره تطلع وقتا وتغرب وقتا ، بمنزلة سراج يرفع لأهل ~~البيت تارة ليقضوا حوائجهم ثم يغيب عنهم مثل ذلك ليهدءوا ويقروا ، فصار ~~النور والظلمة مع تضادهما منقادين متظاهرين على ما فيه صلاح العالم وقوامه. # إلى أن يقول عليه السلام في آخر هذا الفصل : فكر في هذه العقاقير وما خص ~~بها كل واحد منها من العمل في بعض الأدواء ، فهذا يغور في المفاصل فيستخرج ~~الفضول مثل الشيطرج (4) وهذا ينزف المرة السوداء مثل الافتيمون (5) وهذا ~~ينفي الرياح مثل السكبينج (6) وهذا يحلل الأورام وأشباه هذا من أفعالها ، PageV01P160 # فمن جعل هذه القوى فيها إلا من خلقها للمنفعة ، ومن فطن الناس بها إلا من ~~جعل هذا فيها. # إلى أن يقول : واعلم أنه ليس منزلة الشيء على حسب قيمته بل هما قيمتان ~~مختلفتان بسوقين ، وربما كان الخسيس في سوق المكتسب نفيسا في سوق العلم ، ~~فلا تستصغر العبرة في الشيء لصغر قيمته ، فلو فطن طالبو الكيمياء لما في ~~العذرة لاشتروها بأنفس الأثمان وغالوا بها. ### ||| * 4 # ثم أن المفضل بكر إليه في اليوم الرابع ، فقال له الصادق عليه السلام : يا ~~مفضل قد شرحت لك من الأدلة على الخلق والشواهد على صواب التدبير والعمد في ~~الانسان والحيوان والنبات والشجر وغير ذلك ما فيه عبرة لمن اعتبر ، وأنا ~~أشرح لك الآن الآفات الحادثة في بعض الأزمان التي اتخذها أناس من الجهال ~~ذريعة إلى جحود الخالق والخلق والعمد والتدبير ، وما انكرت المعطلة ~~والمانوية من المكاره والمصائب ، وما أنكروه من الموت والفناء ، وما قاله ~~أصحاب الطبائع ، ومن زعم أن كون الأشياء بالعرض والاتفاق ليتسع ذلك القول ~~في الرد عليهم ، قاتلهم الله أنى يؤفكون. # اتخذ أناس من الجهال هذه الآفات الحادثة في بعض الأزمان كمثل الوباء ~~واليرقان والبرد والجراد ذريعة الى جحود الخلق والتدبير والخالق ، فيقال في ~~جواب ذلك : إنه إن لم يكن خالق ومدبر ms111 فلم لا يكون ما هو اكثر من هذا وأفظع؟ ~~فمن ذلك أن تسقط السماء على الأرض وتهوى الأرض فتذهب سفلا ، وتتخلف الشمس ~~عن الطلوع أصلا ، وتجف الأنهار والعيون حتى لا يوجد ماء PageV01P161 # للشفة ، وتركد الريح حتى تحم الأشياء وتفسد ، ويفيض ماء البحر على الأرض ~~فيغرقها. # ثم هذه الآفات التي ذكرناها من الوباء والجراد وما أشبه ذلك ما بالها لا ~~تدوم وتمتد حتى تجتاح كل ما في العالم بل تحدث في الأحايين ثم لا تلبث أن ~~ترفع؟ أفلا ترى أن العالم يصان ويحفظ من تلك الأحداث الجليلة ، التي لو حدث ~~عليه شيء منها كان فيه بواره ، ويلدغ أحيانا بهذه الآفات اليسيرة لتأديب ~~الناس وتقويمهم ، ثم لا تدوم هذه الآفات بل تكشف عنهم عند القنوط منهم ، ~~فيكون وقوعها بهم موعظة ، وكشفها عنهم رحمة؟ وقد أنكرت المعطلة ما انكرت ~~المانوية من المكاره والمصائب التي تصيب الناس فكلاهما يقول إن كان للعالم ~~خالق رءوف رحيم فلم يحدث فيه هذه الامور المكروهة؟ والقائل بهذا القول يذهب ~~به الى أنه ينبغي أن يكون عيش الانسان في هذه الدنيا صافيا من كل كدر ، ولو ~~كان هكذا كان الانسان يخرج من الأشر والعتو الى ما لا يصلح في دين ودنيا ، ~~كالذي ترى كثيرا من المترفين ومن نشأ في الجدة والأمن يخرجون إليه ، حتى أن ~~أحدهم ينسى أنه بشر أو أنه مربوب أو أن ضررا يمسه أو أن مكروها ينزل به أو ~~أنه يجب عليه أن يرحم ضعيفا أو يواسي فقيرا أو يرثي لمبتلى أو يتحنن على ~~ضعيف أو يتعطف على مكروب ، فاذا عضته المكاره ووجد مضضها اتعظ وأبصر كثيرا ~~مما كان جهله وغفل عنه ، ورجع الى كثير مما كان يجب عليه ، والمنكرون لهذه ~~الأدوية المؤذية بمنزلة الصبيان الذين يذمون الأدوية المرة البشعة ، ~~ويتسخطون من المنع من الأطعمة الضارة ويتكرهون الأدب والعمل ، ويحبون أن ~~يتفرغوا للهو والبطالة وينالوا كل مطعم ومشرب ، ولا يعرفون ما تؤديهم إليه ~~البطالة من سوء النشو والعادة ، وما تعقبهم الأطعمة اللذيذة الضارة من ~~الأدواء والأسقام ms112 ، وما لهم في الأدب من الصلاح ، PageV01P162 # وفي الأدوية من المنفعة ، وإن شاب ذلك بعض المكاره. # أقول : وعلى هذا ومثله مثل الصادق عليه السلام أقوال اولئك الملحدين في ~~شأن الآفات وأجاب عنها بنير البرهان ، الى أن انتهى في البيان إلى ذات ~~الخالق تعالى في شبه الملحدين ، فقال : وأنه # كيف يكلف العبد الضعيف معرفته بالعقل اللطيف ولا يحيط به. # فيقول في الجواب : إنما كلف العباد من ذلك ما في طاقتهم أن يبلغوه وهو أن ~~يوقنوا به ويقفوا عند أمره ونهيه ، ولم يكلفوا الإحاطة بصفته ، كما أن ~~الملك لا يكلف رعيته أن يعلموا أطويل هو أم قصير ، أبيض هو أم أسمر وإنما ~~يكلفهم الإذعان بسلطانه والانتهاء الى أمره ، ألا ترى أن رجلا لو أتى الى ~~باب الملك فقال : اعرض علي نفسك حتى أتقصى معرفتك وإلا لم أسمع لك ، كان قد ~~أحل نفسه العقوبة ، فكذا القائل أنه لا يقر بالخالق سبحانه حتى يحيط بكنهه ~~متعرض لسخطه. # أقول : وعلى مثل هذا البديع من البيان ، والساطع من البرهان ، أتم الصادق ~~عليه السلام دروسه التي ألقاها على المفضل بن عمر ، فقال في آخر كلامه : يا ~~مفضل خذ ما أتيتك وكن من الشاكرين ، ولآلائه من الحامدين ، ولأوليائه من ~~المطيعين ، فقد شرحت لك من الأدلة على الخلق والشواهد على صواب التدبير ~~والعمد قليلا من كثير وجزء من كل ، فتدبره وفكر فيه واعتبر به. # يقول المفضل : فانصرفت من عند مولاي بما لم ينصرف أحد بمثله (1). PageV01P163 # أقول : حقيق بأن يغتنم أرباب المعارف جلائل هذه الحكم كما اغتنمها المفضل ~~، فقد أوضح فيها أبو عبد الله من حكم الأسرار وأسرار الحكم ما خفي على ~~الكثير علمه وصعب على الناس فهمه. # وهذه الدروس كما دلتنا على الحكيم في صنائعه تعالى أرشدتنا الى إحاطته ~~عليه السلام بفلسفة الخلقة ، بل تراه في هذه الدروس فيلسوفا إلهيا ، وعالما ~~كلاميا ، وطبيبا نطاسيا ، ومحللا كيمياويا ، ومشرحا فنيا ، وفنانا في ~~الزراعة والغرس ، وعالما بما بين السماء والأرض من مخلوقاته ، وقادرا على ~~التعبير عن أسرار الحكم في ذلك الخلق. ### ||| الإهليلجة : # سمي ms113 هذا التوحيد بالاهليلجة لأن الصادق عليه السلام كان مناظرا فيه لطبيب ~~هندي في إهليلجة كانت بيد الطبيب ، وذلك أن المفضل بن عمر كتب الى الصادق ~~عليه السلام يخبره أن أقواما ظهروا من أهل هذه الملة يجحدون الربوبية ~~ويجادلون على ذلك ، ويسأله أن يرد عليهم قولهم ويحتج عليهم فيما ادعوا بحسب ~~ما احتج به على غيرهم. # فكتب إليه الصادق فيما كتب : وقد وافاني كتابك ورسمت لك كتابا كنت نازعت ~~فيه بعض أهل الأديان من أهل الإنكار ، وذلك أنه كان يحضرني طبيب من بلاد ~~الهند ، وكان لا يزال ينازعني في رأيه ويجادلني عن ضلالته ، فبينا هو يوما ~~يدق إهليلجة ليخلطها دواء احتجت إليه من أدويته إذ عرض له شيء PageV01P164 # من كلامه الذي لم يزل ينازعني فيه ، من ادعائه أن الدنيا لم تزل ولا تزال ~~شجرة تنبت واخرى تسقط ، ونفس تولد وأخرى تتلف ، وزعم أن انتحالي المعرفة ~~لله دعوى لا بينة عليها ولا حجة لي فيها ، وأن ذلك أمر أخذه الآخر عن الأول ~~والأصغر عن الأكبر ، وأن الأشياء المختلفة والمؤتلفة والباطنة والظاهرة ~~إنما تعرف بالحواس الخمس : النظر والسمع والشم والذوق واللمس ، ثم قاد ~~منطقه على الأصل الذي وضعه ، فقال : لم يقع شيء من حواسي على خالق يؤدي الى ~~قلبي إنكار الله تعالى. # ثم قال : أخبرنى بم تحتج في معرفة ربك الذي تصف قدرته وربوبيته وإنما ~~يعرف القلب الأشياء كلها بالدلالات التي وصفت لك؟ # قلت : بالعقل الذي في قلبي ، والدليل الذي أحتج في معرفته ، قال : فأنى ~~يكون ما تقول وأنت تعرف أن القلب لا يعرف شيئا بغير الحواس ، فهل عاينت ربك ~~ببصر ، أو سمعت صوته بإذن ، أو شممته بنسيم ، أو ذقته بفم ، أو مسسته بيد ، ~~فأدى ذلك المعرفة الى قلبك؟ # قلت : أرأيت اذا أنكرت الله وجحدته لأنك زعمت أنك لا تحسه بحواسك التي ~~تعرف بها الأشياء وأقررت أنا به هل بد من أن يكون أحدنا صادقا ، والآخر ~~كاذبا ، قال : لا ، قلت : أرأيت إن كان القول قولك ، فهل تخاف علي شيء مما ~~اخوفك به من ms114 عقاب الله ، قال : لا ، قلت : أفرأيت إن كان كما أقول والحق في ~~يدي ، ألست قد أخذت فيما كنت أحاذر من عقاب الله بالثقة ، وإنك قد وقعت ~~بجحودك وإنكارك في الهلكة ، قال : بلى ، قلت : فأينا أولى بالحزم وأقرب من ~~النجاة ، قال : أنت ، إلا أنك من أمرك على ادعاء وشبهة وأنا على يقين وثقة ~~، لأني لا أرى حواسي الخمس أدركته ، وما لم تدركه حواسي فليس عندي بموجود ، ~~قلت : إنه لما عجزت حواسك عن إدراك الله أنكرته ، وأنا لما PageV01P165 # عجزت حواسي عن إدراك الله صدقت به ، قال : وكيف ذلك؟ قلت : لأن كل شيء ~~جرى فيه أثر التركيب لجسم أو وقع عليه بصر للون (1) فما أدركته الأبصار ~~ونالته الحواس فهو غير الله سبحانه لأنه لا يشبه الخلق ولا يشبهه الخلق ، ~~وأن هذا الخلق ينتقل بتغيير وزوال ، وكل شيء أشبه التغيير والزوال فهو مثله ~~، وليس المخلوق كالخالق ، ولا المحدث كالمحدث (2). # ثم أن الصادق عليه السلام قال : قلت له : أخبرنى هل أحطت بالجهات كلها ~~وبلغت منتهاها؟ قال : لا ، قلت : فهل رقيت الى السماء التي ترى ، أو انحدرت ~~الى الأرض السفلى فجلت في أقطارها؟ أو هل خضت في غمرات البحور واخترقت ~~نواحي الهواء فيما فوق السماء أو تحتها إلى الأرض وما أسفل منها ، فوجدت ~~ذلك خلاء من مدبر حكيم عالم بصير؟ قال : لا ، قلت : فما يدرك لعل الذي ~~انكره قلبك هو في بعض ما لم تدركه حواسك ولم يحط به علمك ، قال : لا أدري ~~لعل في بعض ما ذكرت مدبرا وما أدري لعله ليس في شيء من ذلك شيء. # أقول : ربما يتوهم بأن في كلام الصادق هذا إشعارا بالتجسيم لأنه جوز أن ~~يكون في جهة معينة وهو من شئون الجسم ، ولكن ذلك كان منه إنكارا على الطبيب ~~الذي يريد أن يستدل على عدم الوجود بعد الوجدان ، وإنما أراد الصادق أن ~~يكذب دعواه بعدم الوجدان فيورد عليه احتمال وجوده في جهة لم يصل إليها ~~الطبيب ، وأن احتمال وجوده في جهة كاف في رد دعواه بعدم الوجدان ، وهذا من ms115 ~~باب الإلزام للخصم وإبطال حجته لا من باب إثبات وجوده في جهة ، وقد PageV01P166 # سبق من كلامه إنكار إدراكه بالحواس ، والمثبت في جهة خاصة مدرك بالحواس. # ثم قال الصادق عليه السلام : قلت : أما إذ خرجت من حد الإنكار الى منزلة ~~الشك فإني أرجو أن تخرج الى المعرفة ، قال : فإنما دخل علي الشك لسؤالك ~~إياي عما لم يحط به علمي ، ولكن من أين يدخل علي اليقين بما لم تدركه ~~حواسي؟ قلت : من قبل إهليلجتك هذه ، قال : ذاك إذن أثبت للحجة ، لأنها من ~~آداب الطب الذي اذعن بمعرفته. # ثم أن الصادق عليه السلام صار يلقي عليه الأسئلة عما يخص الاهليلجة من ~~كيفية صنعتها ، ومن وجود أمثالها في الدنيا ، والطبيب يراوغ في الجواب حذرا ~~من الالتزام بالصنعة الدالة على الصانع ، الى أن ألزمه بما لا يجد محيصا من ~~الاعتراف به وهو أنها خرجت من شجرة. # ثم قال الصادق : أرأيت الاهليلجة قبل أن تعقد ، إذ هي في قمعها ماء بغير ~~نواة ولا لحم ولا قشر ولا لون ولا طعم ولا شدة ، قال : نعم ، قال الصادق ~~عليه السلام : قلت له : أرأيت لو لم يرقق الخالق ذلك الماء الضعيف الذي هو ~~مثل الخردلة في القلة والذلة ولم يقوه بقوته ويصوره بحكمته ويقدره بقدرته ، ~~هل كان ذلك الماء يزيد على أن يكون في قمعه غير مجموع بجسم ولا قمع ولا ~~تفصيل ، فإن زاد زاد ماء متراكبا غير مصور ولا مخطط ولا مدبر بزيادة أجزاء ~~ولا تأليف أطباق. # قال : أريتني من تصوير شجرتها وتأليف خلقتها وحمل ثمرتها وزيادة أجزائها ~~وتفصيل تركيبها أوضح الدلالات وأظهر البينات على معرفة الصانع ، ولقد صدقت ~~بأن الأشياء مصنوعة ، ولكني لا أدري لعل الاهليلجة والأشياء صنعت نفسها. PageV01P167 # ثم أن الصادق عليه السلام أثبت له أنها مصنوعة لغيرها ، لسبقها بالعدم ~~ولأن صنعتها تدل على أن صانعها حكيم عالم ، الى غير ذلك من البراهين. # ثم ما زال الصادق يسايره في الكلام ، ومحور الكلام الاهليلجة ، إلى أن ~~أرغمه الدليل على الاعتراف بالصانع الواحد ، بعد أن صار كلامهما إلى ms116 النجوم ~~والمنجمين. # ثم صار الصادق يدلي عليه بالبيان عن تلك العلامات على ذلك الصانع الواحد ~~، والدلالات على ذلك الحكيم القدير والعالم البصير ، من مصنوعاته من السماء ~~والأرض والشجر والنبات والأنعام وغيرها وكيفية دلالتها عليه. # ثم أخذ في بيان صفاته من اللطف والعلم والقوة والسمع والبصر والرأفة ~~والرحمة والإرادة (1). # أقول : وما حداني على الاشارة الى مواضع هذه الرسالة دون إيرادها إلا ~~رعاية الإيجاز ، على أن هذه الرسالة جمعت فنونا من العلم الى قوة الحجة ~~وجودة البيان ، وما كان محور المناظرة فيها إلا اهليلجة ، وهي من أضعف ~~المصنوعات ، وأصغرها جرما وشأنا. ### ||| موجز براهينه على الوجود والوحدانية : # تعرف المواهب الغزيرة من المقدرة في البيان ، فبينا تجده يطنب في الدليل ~~كما في توحيد المفضل وغيره إذ تراه يأتي بأوجز بيان في البرهان مع الوفاء ~~بالقصد ، وذلك حين يسأل عن الدليل على الخالق فيقول عليه السلام : ما بالناس ~~من حاجة (2). PageV01P168 # أقول : ما أوجزها كلمة ، واكبرها حجة ، فإنا نجد الناس في حاجة مستمرة في ~~كل شأن من شئون الحياة ، وهذه الحاجة تدل على وجود مآل لهم في حوائجهم غني ~~عنهم بذاته ، وأن ذلك المآل واحد ، إلا لاختلف السير والنظام. # ويسأله مرة هشام بن الحكم بقوله : ما الدليل على أن الله تعالى واحد؟ # فيقول عليه السلام : اتصال التدبير ، وتمام الصنع (1). # أقول : إن كل واحدة من هاتين الكلمتين تصلح لأن تكون دليلا برأسه ، وذلك ~~لأن اتصال التدبير شاهد على وحدانية المدبر ، إذ لو كان اثنين أو اكثر لكان ~~الخلاف بينهما سببا لحدوث فترة أو تضارب ، فلا يكون التدبير متصلا ، ~~والتقدير دائما ، كما أن تمام الصنعة في الخلقة دائما شاهد آخر على ~~الوحدانية ، لأن استمرار الاتفاق في الاثنين مع التكافؤ في كل شأن لا يكون ~~أبدا ، كما نشاهده في الذين يديرون دولاب البلاد ، فإن حصل اختلاف ولو برهة ~~فسد المخلوق ، فأين تمام الصنع؟ فالتمام دليل الوحدة أيضا. # ويسأله أبو شاكر الديصاني بقوله : ما الدليل على أن لك صانعا؟ فيقول ~~عليه السلام : وجدت نفسي لا تخلو من إحدى جهتين إما ms117 اكون صنعتها أنا أو ~~صنعها غيري ، فإن كنت صنعتها فلا أخلو من إحدى معنيين ، إما أن أكون صنعتها ~~وكانت موجودة فقد استغنت بوجودها عن صنعتها ، وإن كانت معدومة فإنك تعلم أن ~~المعدوم لا يحدث شيئا ، فقد ثبت المعنى الثالث أن لي صانعا وهو رب العالمين ~~، فقام وما أحار جوابا (2). # وسأل الصادق مرة ابن أبي العوجاء فقال له : أمصنوع أنت أم غير مصنوع؟ PageV01P169 # فقال له ابن أبي العوجاء : أنا غير مصنوع ، فقال له الصادق عليه السلام : ~~فصف لي لو كنت مصنوعا كيف كنت تكون؟ فبقي مليا لا يحير جوابا وولع بخشبة ~~كانت بين يديه وهو يقول : طويل عريض عميق قصير متحرك ساكن ، كل ذلك من صفة ~~خلقه ، فقال له الصادق عليه السلام : فإن كنت لم تعلم صفة الصنعة من غيرها ~~فاجعل نفسك مصنوعا لما تجد في نفسك مما يحدث من هذه الامور ، فقال ابن أبي ~~العوجاء : سألتني عن مسألة لم يسألني أحد عنها قبلك ، ولا يسألني أحد بعدك ~~عن مثلها (1). # أقول : إن إثبات هذه العوارض على الانسان لكونه مصنوعا ظاهر ، لأن طوله ~~بعد القصر واختلافه في العمق والعرض آنا بعد آخر ، وسكونه مرة وحركته اخرى ~~أحداث دلت على وجوده بعد العدم ومصنوعيته بعد أن لم يكن ، ولا بد للمصنوع ~~من صانع وللمخلوق من خالق. ### ||| نفي التجسيم : # لعل شبهة التجسيم جاءت من قبل بعض الزنادقة فدخلت في بعض معتقدات أهل ~~الآراء والمذاهب من المسلمين ، الذين يجمدون في الدين على الظواهر ، فإن ~~أهل الزندقة لما خابوا في الدعوة الى التعطيل والإلحاد أفلحوا في دس هذه ~~الشبهة ، لأنا نجد الكلام عنها كثيرا في ذلك العصر ، ونقرأ الكثير عنها في ~~الأسئلة التي توجه الى الإمام ، فمن ذلك قوله في الجواب عن هذه الشبهة : إن ~~الجسم محدود متناه ، والصورة محدودة متناهية ، فاذا احتمل الحد احتمل ~~الزيادة والنقصان ، واذا احتمل الزيادة والنقصان كان مخلوقا. PageV01P170 # قال السائل : فما أقول؟ قال عليه السلام : لا جسم ولا صورة وهو مجسم ~~الأجسام ، ومصور الصور ، لم يتجزأ ولم يتناه ، ولم يتزايد ولم ms118 يتناقص ، لو ~~كان كما يقولون لم يكن بين الخالق والمخلوق فرق ، ولا بين المنشئ والمنشأ ، ~~لكن هو المنشئ فرق بين جسمه وصوره وأنشأه ، إذ لا يشبهه شيء ولا يشبه هو ~~شيئا (1). # أقول : كاد أن يسيل هذا البيان رقة ولطفا مع قوة الحجة ومتانة التركيب ~~وقد أغنى بوضوحه عن ايضاحه. # وقال مرة اخرى : فمن زعم أن الله في شيء أو على شيء أو يحول من شيء الى ~~شيء أو يخلو منه شيء أو يشتغل به شيء فقد وصفه بصفة المخلوقين والله خالق ~~كل شيء لا يقاس بالقياس ، ولا يشبه بالناس ، لا يخلو منه مكان ولا يشتغل به ~~مكان ، قريب في بعده بعيد في قربه ، ذلك الله ربنا لا إله غيره (2). # أقول : ما أبدع هذا الوصف منه عليه السلام ، وما أدق معنى قوله « قريب في ~~بعده بعيد في قربه » ويحتاج إدراكه الى لطف قريحة وفطرة ثانية. # وما اكثر ما جاء عنه عليه السلام في هذا المعنى ونجتزي عنه بهذا القدر. ~~ومما يجب أن يعلم أن نفي الجسم والصورة عنه تقدست ذاته مما يقتضيه حكم ~~العقل ، وقد استوفت البيان عنه كتب الكلام ، وأن النبي وأهل بيته ~~عليهم السلام جميعا أجمعوا على هذا التنزيه إرشادا الى حكم العقل ، وما اكثر ~~ما جاء عن سيد الرسل صلى الله عليه وآله وسلم من البيان عن هذا التنزيه ، ومن ~~التأويل لما جاء ظاهرا في التجسيم من التنزيل ، أمثال قوله تعالى : « على العرش PageV01P171 # استوى » وقوله « يد الله فوق أيديهم » وقوله : « فثم وجه الله » وغيرها ، ~~ولو لا أن نخرج عن الصدد لوافيناك ببعض كلامه ، بيد أننا نذكر كلمة واحدة ~~فحسب وهو ما يروى عن ابن عباس ، قال : قدم يهودي على رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم يقال له نعثل فقال : يا محمد إني أسألك عن أشياء تلجلج ~~في صدري منذ حين ، فإن أنت أجبتني عنها أسلمت على يدك ، قال : سل يا أبا ~~عمارة ، فقال : يا محمد صف لي ربك ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : إن الخالق ~~لا ms119 يوصف إلا بما وصف به نفسه ، وكيف يوصف الخالق الذي تعجز الحواس أن تدركه ~~، والأوهام أن تناله ، والخطرات أن تحده ، والأبصار عن الاحاطة به جل عما ~~يصفه الواصفون ، نأى في قربه ، وقرب في نأيه ، كيف الكيفية فلا يقال له كيف ~~، وأين الأين فلا يقال له أين ، فهو الأحد الصمد ، كما وصف نفسه ، ~~والواصفون لا يبلغون نعته ، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد. # قال : صدقت يا محمد ، أخبرني عن قولك : أنه واحد لا شبيه له ، أليس الله ~~واحدا والانسان واحدا ، فوحدانيته أشبهت وحدانية الانسان ، فقال ~~صلى الله عليه وآله وسلم : الله واحد واحدي المعنى ، والانسان ثنوي المعنى ، ~~جسم وعرض وبدن وروح ، فإنما التشبيه في المعاني لا غير ، قال : صدقت يا ~~محمد (1). # أقول : فهذه الكلمة من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم صريحة في تنزيهه تعالى ~~عما يشابه الخليقة في الذات والصفات ، والقرآن ينادي بفصيحه في ذلك التنزيه ~~بأمثال قوله تعالى : « لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار » (2) فليت شعري ~~أما يكفي في تأويل هاتيك الآيات الظاهرة مثل هذه الآيات الصريحة ، PageV01P172 # ومثل كلام الرسول السالف ، ومثل ما جاء عنه وعن آله في تفسير تلك الظواهر ~~، ومن ورائها جميعا حكم العقل بنزاهته تعالى عن مشابهة الحوادث ومجانسة ~~الممكنات. # ولا أدري كيف نفث ذلك السحر فأعمى بعض الأبصار والبصائر ، فجعل ناسا من ~~الأوائل يخبطون خبط عشواء في التوحيد؟ ### ||| صفات الحدوث : # إن هناك صفات تستلزم الحدوث مثل المكان والزمان والكيف والحيث والحركة ~~والانتقال ، وما سواها ، فقد يتوهم بعضهم من ظاهر بعض الآيات هذه الصفات ~~اللازمة للجسمية ، فكان الصادق عليه السلام يدفع أمثال هذه التوهمات ببالغ ~~حجته ، كما توهم بعضهم أنه تعالى جسم من قوله جل شأنه في كتابه المجيد « ما ~~يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم » (1) الآية ، ~~فقال الصادق عليه السلام في جوابه : هو واحد واحدي الذات بائن من خلقه ، ~~وبذلك وصف نفسه ، وهو بكل شيء محيط بالإشراف والإحاطة والقدرة ، لا يعزب ~~عنه ذرة في السموات ولا ms120 في الأرض ، ولا أصغر ولا اكبر ، بالاحاطة والعلم لا ~~بالذات ، لأن الأماكن عنده محدودة تحويها حدود أربعة ، فإذا كان بالذات ~~لزمها الحواية (2). # وأجاب عليه السلام آخر بأوجز من هذا البيان فقال : من زعم أن الله تعالى ~~من شيء فقد جعله محدثا ، ومن زعم أنه في شيء فقد جعله محصورا ، ومن زعم أنه PageV01P173 # على شيء فقد جعله محمولا (1). # وسأله محمد بن النعمان عن قوله تعالى : « وهو الله في السموات وفي الأرض ~~» (2) فقال الصادق عليه السلام : كذلك هو في كل مكان ، قال : بذاته؟ # قاله عليه السلام : ويحك إن الأماكن أقدار فاذا قلت في مكان بذاته لزمك أن ~~تقول في أقدار وغير ذلك ، ولكن هو بائن من خلقه محيط بما خلق علما وقدرة ~~وإحاطة وسلطانا ، وليس علمه بما في الأرض بأقل مما في السماء ، لا يبعد منه ~~شيء ، والأشياء له سواء علما وقدرة وسلطانا وملكا وإحاطة (3). # وسأله سليمان بن مهران الأعمش (4) بقوله : هل يجوز ان تقول إن الله عز ~~وجل في مكان؟ فقال عليه السلام : سبحان الله وتعالى عن ذلك أنه لو كان في ~~مكان لكان محدثا ، لأن الكائن في مكان محتاج الى المكان ، والاحتياج من ~~صفات المحدث لا من صفات القديم (5). # ويقول لأبي بصير (6): إن الله تبارك وتعالى لا يوصف بزمان ولا مكان ولا ~~حركة ولا انتقال ولا سكون ، بل خالق الزمان والمكان والحركة والسكون ، ~~تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا (7). # وقال عليه السلام لعبد الله بن سنان (8): ولا يوصف بكيف ولا أين ولا PageV01P174 # حيث ، وكيف أصفه وهو الذي كيف الكيف حتى صار كيفا فعرفت الكيف بما كيف ~~لنا من الكيف ، أم كيف أصفه بأين وهو الذي أين الأين حتى صار أينا فعرفت ~~الأين بما أين لنا من الأين ، أم كيف أصفه بحيث وهو الذي حيث الحيث حتى صار ~~حيثا فعرفت الحيث بما حيث لنا من الحيث ، فالله تبارك وتعالى داخل في كل ~~مكان ، وخارج من كل شي ( @QUR@08 « لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار » ) (1). # أقول : إن المراد بالكيف والأين والحيث السؤال أو ms121 الإخبار عن ذي الحيز من ~~الممكنات. # ولازم هذا أن يكون تعالى اذا استفسر عنه بالكيف والأين أن يكون ذا جسم أو ~~مكان ، واذا اخبر عنه بالحيث أن يكون متحيزا في محل ، وإذا كان كذلك ~~فالأبصار تدركه لأن ذا الجسم المتحيز الحال بمكان لا بد أن تدركه الأبصار ، ~~والله تعالى لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار. # وجرت بينه عليه السلام وبين ابن أبي العوجاء (2) محاورة ، فمنها قول ابن ~~أبي العوجاء للصادق : ذكرت الله فأحلت على غائب ، فقال أبو عبد الله ~~عليه السلام : ويلك كيف يكون غائبا من هو مع خلقه شاهد وإليهم أقرب من حبل ~~الوريد ، يسمع كلامهم ويرى اشخاصهم ويعلم أسرارهم ، فقال ابن أبي العوجاء : ~~أهو في كل مكان ، أليس اذا كان في السماء كيف يكون في الأرض ، واذا كان في ~~الأرض كيف يكون في السماء ، فقال أبو عبد الله عليه السلام : إنما وصفت ~~المخلوق اذا انتقل عن مكان اشتغل به مكان فخلا منه مكان ، فلا يدري في PageV01P175 # المكان الذي صار إليه ما حدث في المكان الذي كان فيه ، فأما الله العظيم ~~الشأن الملك الديان فلا يخلو منه مكان ولا يشتغل به مكان ولا يكون الى مكان (1). # أقول : وما اكثر ما جاء عنه من أمثال هذا الكلام في تنزيه البارىء تعالى ~~شأنه عن صفات صنائعه ، واجتزينا بما أوردناه. ### ||| لا تدركه الأبصار : # ذهب بعض أبناء الفرق الاسلامية الى أنه جل شأنه يرى بالبصر في الآخرة فقط ~~، أو في الدنيا والآخرة معا وما زال أهل البيت لا سيما الصادق عليه السلام ~~يبطلون هذه النسبة ويمنعون عليه تعالى الرؤية ، وسوف نورد عليك بعض الحجج ~~من كلامه. # قال هشام : كنت عند الصادق عليه السلام إذ دخل عليه معاوية بن وهب وعبد ~~الملك بن أعين (2) فقال له معاوية بن وهب : يا ابن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ما تقول في الخبر الذي روي أن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم رأى ربه ، على أي صورة رآه؟ وعن الحديث الذي رووه أن ~~المؤمنين ms122 يرون ربهم في الجنة على أي صورة يرونه؟ فتبسم عليه السلام ثم قال : ~~يا معاوية ما أقبح بالرجل يأتي عليه سبعون سنة أو ثمانون سنة يعيش في ملك ~~الله ويأكل من نعمه ثم لا يعرف الله حق معرفته ، ثم قال عليه السلام : يا ~~معاوية إن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم لم ير الرب تبارك وتعالى بمشاهدة ~~العيان وأن الرؤية على وجهين : رؤية PageV01P176 # القلب ، ورؤية البصر ، فمن عنى برؤية القلب فهو مصيب ومن عنى برؤية البصر ~~فقد كفر بالله وبآياته لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من شبه الله ~~بخلقه فقد كفر ، ولقد حدثني أبي عن أبيه عن الحسين بن علي عليهم السلام قال ~~: سئل أمير المؤمنين عليه السلام فقيل : يا أخا رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم هل رأيت ربك؟ فقال : وكيف أعبد من لم أره ، لم تره ~~العيون بمشاهدة العيان ، ولكن رأته القلوب بحقائق الايمان ، فإذا كان ~~المؤمن يرى ربه بمشاهدة البصر فإن كل من جاز عليه البصر والرؤية فهو مخلوق ~~، ولا بد للمخلوق من الخالق ، فقد جعلته إذن محدثا مخلوقا ، ومن شبهه بخلقه ~~فقد اتخذ مع الله شريكا ، ويلهم أو لم يسمعوا بقول الله تعالى « لا تدركه ~~الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير » (1) وقوله « لن تراني ولكن ~~انظر الى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا » ~~(2) وإنما طلع من نوره على الجبل كضوء يخرج من سم الخياط فدكدكت الأرض ~~وصعقت الجبال فخر موسى صعقا أي ميتا فلما أفاق ورد عليه روحه قال : سبحانك ~~تبت إليك من قول من زعم أنك ترى ورجعت الى معرفتي بك أن الأبصار لا تدركك ، ~~وأنا أول المؤمنين وأول المقرين بأنك ترى ولا ترى وأنت بالمنظر الأعلى. # ثم قال عليه السلام : إن أفضل الفرائض وأوجبها على الإنسان معرفة الرب ، ~~والإقرار له بالعبودية ، وحد المعرفة أن يعرف أنه لا إله غيره ، ولا شبيه ~~له ولا نظير ، وأن يعرف أنه قديم مثبت موجود غير فقيد ، موصوف ms123 من غير شبيه ~~ولا مبطل ، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، وبعده معرفة الرسول والشهادة PageV01P177 # بالنبوة ، وأدنى معرفة الرسول الإقرار بنبوته وأن ما أتى به من كتاب أو ~~أمر أو نهي فذلك من الله عز وجل ، وبعده معرفة الإمام الذي تأتم به بنعمته ~~وصفته واسمه ، في حال العسر واليسر ، وأدنى معرفة الإمام أنه عدل النبي إلا ~~درجة النبوة ووارثه وأن طاعته طاعة الله وطاعة رسول الله والتسليم له في كل ~~أمر ، والرد إليه والأخذ بقوله. # ثم أنه أورد على معاوية ذكر الأئمة وأسمائهم ، ثم قال : يا معاوية جعلت ~~لك أصلا في هذا فاعمل عليه ، فلو كنت تموت على ما كنت عليه لكان حالك أسوأ ~~الأحوال ، فلا يغرنك قول من زعم أن الله تعالى يرى بالبصر. # ثم ذكر لمعاوية أعاجيب ما نسبوه من المكروه والباطل للأنبياء ولأبويه ~~النبي وعلي عليهم السلام جميعا. # وهذا بعض ما جاء عن الصادق في استحالة الرؤية البصرية عليه تعالى وبما ~~سبق غنى ، كما وأن للصادق عليه السلام كلاما في كل باب من أبواب التوحيد ، ~~وفي كل آية من الآيات المتشابهة وما كان القصد أن نأتي بكل ماله من بيان في ~~ذلك لأن بسط البحث والإتيان بكل شاردة وواردة له يبعدنا عن الغاية ، وبما ~~وافيناك به كفاية. ### ||| الطب : # نزل الله تعالى الكتاب تبيانا لكل شيء ، وقد جمع الكتاب الطب كما يقولون ~~في كلمتين وهما قوله تعالى : « كلوا واشربوا ولا تسرفوا » (1) فلا غرابة ~~إذن لو كان العلماء بما في القرآن علماء في الطب أيضا ، وكان ما يظهر منهم ، من PageV01P178 # البيان عن طبائع الأشياء والأمزجة والمنافع والمضار يرشدنا الى وجود هذا ~~العلم لديهم ، ولقد جمع بعض علماء السلف شيئا كثيرا من كلامهم في ذلك وسماه ~~« طب الأئمة » وإخال أن الكتاب لا وجود له اليوم ، غير أن المجلسي طاب ثراه ~~يروي عنه كثيرا في بحار الأنوار ، كما يروي عنه الحر العاملي في الوسائل. # وكفى دلالة على علم الصادق بالطب ما جاء في توحيد المفضل من الأخبار عن ~~الطبائع وفوائد الأدوية ms124 وما جاء فيه من معرفة الجوارح التي تكفل بها علم ~~التشريح ، وسيأتي ما في بعض مناظراته مع الطبيب الهندي مما يدل على ذلك ، ~~ويسع الكاتب أن يجمع كتابا فيما ورد عنه في خواص الأشياء وفوائدها ، وفي ~~علاج الأمراض والأوجاع وفي الحمية والوقاية ، وهي متفرقة في غضون كتب ~~الأحاديث ونحوها ، وربما لم يكشف عنها إلا العلم الحديث مثل مداواة الحمى ~~بالماء البارد ، فإنه ذكروا له الحمى فقال عليه السلام : « إنا أهل بيت لا ~~نتداوى إلا بإفاضة الماء البارد يصب علينا ». # ومثل وجوب غسل الفاكهة قبل الأكل ، قال عليه السلام : « إن لكل ثمرة سما ~~فاذا أتيتم بها فأمسوها الماء واغمسوها في الماء ». # ونحن نحيلك على كتاب الأطعمة والأشربة من الوسائل : 3 / من 276 311 لترى ~~الشيء الكثير من ذلك. ### ||| الجفر : # الجفر في الأصل ولد الشاة اذا عظم واستكرش ، ولعل مبدأ هذا العلم كان ~~يكتب على جلد ولد الشاة فسمي به ، وعلم الجفر علم الحروف الذي تعرف به ~~الحوادث المستقبلة ، وجاء عن الصادق عليه السلام أن عندهم الجفر وفسره بأنه ~~وعاء من أدم فيه علم النبيين وعلم العلماء الذين مضوا من بني إسرائيل ، وجاء PageV01P179 # عنهم الشيء الكثير عن الجفر الذي عندهم ، وإنا وإن لم نعرف هذا العلم وما ~~القصد منه إلا أننا نعرف من هاتيك الأحاديث التي ذكرت الجفر وأنه من ~~مصادرهم أن هذا العلم شريف منحهم الله إياه ، وجاء في الكافي أحاديث كثيرة ~~عن الجفر الذي عندهم. # وذكر بعض علماء أهل السنة الجفر وأنه مما يعلمه الصادق عليه السلام ، قال ~~الشبلنجي في نور الأبصار ص 131 : وفي حياة الحيوان الكبرى فائدة ، قال ابن ~~قتيبة في كتاب أدب الكاتب : وكتاب الجفر كتبه الامام جعفر الصادق بن محمد ~~الباقر ، فيه كل ما يحتاجون الى علمه الى يوم القيامة ، والى هذا الجفر ~~أشار أبو العلاء بقوله : # لقد عجبوا الآل البيت لما %~% أتاهم علمهم في جلد جفر فمرآة المنجم وهي صغري %~% تريه كل عامرة وقفر # وقال في الفصول المهمة : نقل بعض أهل العلم أن كتاب الجفر ms125 الذي بالمغرب ~~يتوارثونه بنو عبد المؤمن بن علي من كلام جعفر الصادق ، وله فيه المنقبة ~~السنية ، والدرجة التي في مقام الفضل عليه. ### ||| الكيمياء وجابر بن حيان : # ذكر علم الصادق عليه السلام بالكيمياء كثير من المؤلفين ، وأن تلميذه جابر ~~بن حيان الصوفي الطرطوسي أخذ عنه هذا العلم ، وألف خمسمائة رسالة فيه في ~~ألف ورقة ، وهي تتضمن رسائل جعفر الصادق عليه السلام (1). # وللقدماء والمتأخرين من المستشرقين كلام كثير في شأن جابر وقد ذكره PageV01P180 # ابن النديم في الفهرست ص 498 503 ، وأطال فيه الكلام وذكر له من الكتب ~~والرسائل في مختلف العلوم لا سيما الكيمياء والطب والفلسفة والكلام شيئا ~~كثيرا لا يكاد يتسع وقت الانسان في العمر الطبيعي لتأليفها ، نعم إلا ~~لأفذاذ في الدهر منحوا ذكاء وفطنة مفرطين وانكبوا على الكتابة والتأليف ، ~~وذكر أن له تآليف على مذاهب الشيعة ومن ثم استظهر تشيعه ولعل أخذه عن ~~الصادق وائتمان الصادق به على هذا العلم شاهد على تشيعه. # وذكره في الذريعة في عداد مؤلفي الشيعة في 2 / 451 452 عند ذكره لكتابه ( ~~الايضاح ) في الكيمياء. # ولو تصفحت شيئا من رسائله التي نشرها المستشرق « كراوس » لأيقنت بتشيعه ~~وأخذه عن الامام الصادق ، لأنه أخذ عنه كإمام مفترض الطاعة متبع الرأي ، ~~ولعرفت أنه لم يأخذ عنه الكيمياء فحسب ، بل الكلام وغيره. # وقد اكبر مؤلفو الاسلام منزلة جابر وعدوه مفخرة من مفاخر الاسلام ولا بدع ~~فإن من تزيد مؤلفاته على ثلاثة آلاف كتاب ورسالة في مختلف العلوم ، وجلها ~~من العلوم النظرية والطبيعية التي تحتاج الى زمن طويل في تجاربها وتطبيقها ~~هذا عدا الفلسفة والكلام لجدير بالتقدير والإكبار وأن يكون مفخرة يعتز به. # وقد كبر على المستشرقين أن يكون عربي مسلم ومن أهل القرن الثاني للهجرة ~~يمتاز بتلك الآراء السديدة وتكون نظرياته الاسس العامة التي قام عليها علم ~~الكيمياء قديمه وحديثه ، فصاروا يخبطون في تعرضهم لكتبه كحاطب ليل ، فمرة ~~يشكون في وجوده ، وتارة في زمانه ، واخرى فيما نسب إليه من تلك الكتب ، ~~ورابعة في نسبة البعض مما يرويه عن استاذه ms126 الصادق عليه السلام ، وخامسة في ~~التبويب والوضع والاسلوب لأنه لم يكن يعرفه أهل ذلك العصر ، الى غير ذلك ، PageV01P181 # وقد فند بعض تلك الشكوك والمزاعم الكاتب إسماعيل مظهر صاحب مجلة العصور ~~فيما نشره في المقتطف ( 68 / 544 551 ومن 617 625 ) وجلى في هذه الحلبة ~~الاستاذ أحمد زكي صالح فيما كتبه في مجلة الرسالة المصرية السنة الثامنة ( ~~ص 1204 1206 ومن 1235 1237 ومن 1268 1270 ومن 1299 1302 )، ولقد فند تلك ~~الأوهام والمزاعم تفنيدا حكيما علميا. # وصرح مرارا بتشيعه ، وقال في مناقشة رأي الاستاذ ( كراوس ) ص 1299 : ومن ~~الجلي الواضح لدى كل من درس علم الكلام أن فرق الشيعة كانت أنشط الفرق ~~الاسلامية حركة ، وكانت أولى من أسس المذاهب الدينية على اسس فلسفية ، حتى ~~أن البعض ينسب فلسفة خاصة لعلي بن أبي طالب. # وكان هذا الكلام من أحمد زكي لتصحيح ما ينسب الى جابر من المقارنة بين ~~الآراء الكلامية والفلسفية. # وجملة القول أنه قد أصبح من الواضح تشيع جابر وتقدمه في عدة علوم لا سيما ~~الكلام والفلسفة والطب والكيمياء والطبيعيات عامة ، وما كادت لتكون آراؤه ~~الاس العام لدعائم علم الكيمياء إلا لأنه أخذ ذلك من معدنه الصحيح الامام ~~الصادق عليه السلام . # وكنت قد جمعت عدة مصادر عن جابر لا تبسط في ترجمته غير أني اكتفيت بهذا ~~الوجيز عن الإطالة فيها ، فإنا لو استقصينا الكلام على كل ما يقتضي التوسعة ~~في البحث عنه لكان هذا الكتاب عدة أجزاء ، وهو وإن كان لا يخلو من فائدة ، ~~غير أنه يكون أبعد عن حياة الصادق الخاصة. ### ||| سائر العلوم : # لا نعني بما ذكرناه من العلوم التي كتبنا عنها وأوضحنا أخذ الناس عن PageV01P182 # الصادق فيها أن تلك جميع ما لديه ، بل إن الامام على رأي الإمامية يجب أن ~~يكون عالما بكل شيء وأعلم الناس في كل علم وفن ولسان ولغة ، كما يقتضيه حكم ~~العقل (1) ولو نظرنا الى الدليل السمعي من دون أن نثبت له الإمامة الإلهية ~~لفهمنا منه أن في كل زمان عالما من العترة بالكتاب ms127 والسنة كما هو مفاد حديث ~~الثقلين وأن عالم الكتاب الذي نزل على الرسول تبيانا لكل شيء يجب أن يكون ~~عالما بكل شيء ، وما دام الكتاب موجودا فالعالم به من العترة موجود الى يوم ~~الحشر ، ولا يعدو أن يكون ذلك العالم في عهد الصادق نفسه ، إذ ليس في زمانه ~~من هو أعلم منه في العترة ، وكفت آثاره دلالة على ذلك العلم. # فصادق أهل البيت إذن عالم أهل البيت في عصره وعالم العترة بالكتاب الجامع ~~للعلوم والفنون ، فمن ثمة نستغني بما سلف عن التعرض لبقية العلوم والشواهد ~~على علمه فيها ، فليس غريبا لو جاء الحديث أن الصادق كلم الفرس بلسانهم ~~وأهل اللغات بلغاتهم وناظر أهل كل علم وفن فخصمهم مثل علماء النجوم والفلك ~~والطبيعيات والطب وما عداها ، وكل ذلك نطقت به الأخبار ودلت عليه الآثار. # * * * PageV01P183 ### | كيف صار مذهبا؟ # إن المذهب في عرف أهل الاسلام هو المرجع في أحكام الدين ، وهذا لا يقتضي ~~أن يكون الصادق عليه السلام دون الأئمة الاثنى عشر مذهبا ، لأن الشيعة ~~الإمامية ترى أن كل إمام من اولئك الأئمة من علي أمير المؤمنين الى الغائب ~~المنتظر يجب الأخذ بقوله والعمل برأيه ، لأن علمهم كما يرون علم واحد موروث ~~من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لا يختلفون في أخذه ولا يروون عن غيره ، ~~وعلمهم سلسلة واحدة يرثه الابن عن أبيه من دون اجتهاد فيه ولا تحريف في ~~أخذه ونقله. # بيد أن الفرص لم تسنح لواحد منهم في إظهار ما استودعهم الرسول ~~صلى الله عليه وآله وسلم وإبلاغ ما استحفظهم عليه ، كما سنحت للصادق جعفر ~~عليه السلام فإن الذي ساعد على بثه للمعارف ونشره للعلوم الموروثة لهم من ~~سيد الرسل صلى الله عليه وآله وسلم اجتماع عدة امور : # 1 إن زمن استقلاله بالإمامة قد طال حتى جاوز الثلاثين عاما ، ولئن كان ~~جده زين العابدين وابنه موسى الكاظم وحفيده علي الهادي عليهم السلام قد ~~شاركوه في طول الزمن ، وكانت أيام إمامتهم تجاوزت الثلاثين عاما أيضا فإنه ~~لم يتفق لهم ما اتفق ms128 له مما يأتي. PageV01P184 # 2 إن أيامه كانت أيام علم وفقه ، وكلام ومناظرة ، وحديث ورواية ، وبدع ~~وضلالة ، وآراء ومذاهب ، وهذه فرصة جديرة بأن يبدي العالم فيها علمه ، ~~ليقمع بذلك الأضاليل والأباطيل ، ويبطل الآراء والأهواء ، ويصدع بالحق ، ~~وينشر الحقيقة. # 3 إنه مرت عليه فترة من الرفاهية على بني هاشم لم تمر على غيره من الأئمة ~~، فلم يتفق له على الأكثر ما كان يحول دون آبائه وأبنائه من الجهر بمعارفهم ~~بالتضييق عليهم ومنع الناس عنهم ومنعهم عن الناس من ملوك أيامهم. # ولم يملك من الأئمة زمام الأمر سوى أمير المؤمنين عليه السلام ، ولكن كانت ~~أيامه على قصرها بين حرب وكفاح وبين مناهضة للبدع والضلالات فحملوه على ~~السير في محجة لا يجد مناصا من السلوك فيها ، على أنه لم تكن في أيامه ما ~~كان في عهد الصادق من انتشار العلم بين طبقات الناس وظهور الأهواء والآراء ~~والنحل والمذاهب. # أما الصادق فقد عاصر الدولتين المروانية والعباسية ووجد فترة لا يخشى ~~فيها سطوة ظالم ولا وعيد جبار ، وتلك الفترة امتزجت من اخريات دولة بني ~~مروان واوليات دولة بني العباس ، لأن الأمويين وأهل الشام لما أجهزوا على ~~الوليد بن يزيد وقتلوه انتقضت عليهم أطراف البلاد وتضعضعت أركان سلطانهم ، ~~وكانت الدعوة لبني هاشم قد انتشرت في جهات البلاد فكانت تلك الامور كلها ~~صوارف لبني مروان عما عليه الصادق عليه السلام من الحياة العلمية ، ولما ~~انكفأ بهم الزمن وسالم بني العباس اشتغل بنو العباس بتطهير الأرض من أمية ~~وبتأسيس الدولة الجديدة ، وأنت تعلم بما يحتاجه الملك الغض من الزمن ~~لتأسيسه ورسوخه ، فكان انصرافهم لبناء الملك وإحاطته شاغلا لهم برهة من PageV01P185 # الزمن عن شأن الصادق في بثه العلوم والمعارف وإن لم يتناسه السفاح ولكن ~~لم يجد عنده ما يخشاه ، ولما جاء دور المنصور وصفى الملك له ناصب العداء ~~للصادق فكان يضيق عليه مرة ويتغاضى عنه اخرى. # روى العلامة ابن شهر اشوب (1) في كتابه المناقب في أحوال الصادق عن ~~المفضل بن عمر : « أن المنصور قد هم بقتل أبي عبد الله عليه ms129 السلام غير مرة ~~، فكان اذا بعث إليه ودعاه ليقتله فاذا نظر إليه هابه ولم يقتله ، غير أنه ~~منع الناس عنه ومنعه عن القعود للناس واستقصى عليه أشد الاستقصاء حتى أنه ~~كان يقع لأحدهم مسألة في دينه في نكاح أو طلاق أو غير ذلك ، فلا يكون علم ~~ذلك عندهم ولا يصلون إليه فيعتزل الرجل أهله ، فشق ذلك على شيعته وصعب ~~عليهم ، وحتى ألقى الله عز وجل في روع المنصور أن يسأل الصادق عليه السلام ~~ليتحفه بشيء من عنده لا يكون لأحد مثله ، فبعث إليه بمخصرة (2) كانت للنبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم طولها ذراع ، ففرح بها فرحا شديدا وأمر أن تشق أربعة ~~أرباع ، وقسمها في أربعة مواضع ، ثم قال له : ما جزاؤك عندي إلا أن اطلق لك ~~وتفشي علمك لشيعتك ، ولا أتعرض لك ولا لهم فاقعد غير محتشم (3) وافت الناس ~~ولا تكن في بلد أنافيه ، ففشى العلم عن الصادق ، وأجاز في المنتهى ». # فلهذا وغيره قد فشى عن الصادق عليه السلام من العلوم ما لم تسمح الظروف به ~~لسواه من الأئمة ، وهذه كتب الحديث والفقه والأخلاق والاحتجاج وغيرها من ~~كتب المعارف والعلوم ترشدك الى ما كان منه ، وكفت كثرة رواته والرواية عنه ~~، ولقد كتب عن رواته جملة من المؤلفين وذكروا أن PageV01P186 # عددهم أربعة آلاف أو يزيدون ، ومن المؤلفين ابن عقدة (1)، فإذا كانت ~~الرواة عنه أربعة آلاف فكم كانت الرواية؟ واذا كان راو واحد يروي عنه ~~ثلاثين ألف حديث فكم تكون رواية الباقين؟ وكم هي العلوم والمعارف التي ~~اسندت إليه؟ # وجملة القول أن الصادق عليه السلام إنما عرف بأنه مذهب تنتسب إليه ~~الامامية والجعفرية ، لما انتشر عنه من العلم وحفظ منه من الحديث حتى أن ~~اكثر ما في كتب الحديث الشيعية مروي عنه. # وما كانت الرواية عنه مقصورة على الشيعة بل أخذ عنه اكابر معاصريه من أهل ~~السنة ، ومنهم مالك وأبو حنيفة والسفيانان وأيوب وابن جريح وشعبة وغيرهم ، ~~بل أرجع ابن أبي الحديد فقه المذاهب الأربعة إليه ، كما في شرح النهج : ( 1 / 6 ms130 ). # وكان انتساب الشيعة إليه من عهده ، وهو القائل في وصاياه لأصحابه : فإن ~~الرجل منكم اذا ورع في دينه وصدق الحديث وأدى الأمانة وحسن خلقه مع الناس ~~قيل : هذا جعفري ويسرني ذلك ، وإذا كان على غير ذلك دخل علي بلاؤه وعاره ~~وقيل : هذا أدب جعفر (2). # وكانت هذه النسبة معروفة في ذلك العهد حتى أن شريكا القاضي شهد PageV01P187 # عنده شيعيان وهما محمد بن مسلم الثقة الشهير المعروف بصحبته للصادق وأبو ~~كريبة الأزدي ، فنظر شريك في وجهيهما مليا ثم قال : جعفريان فاطميان (1). # فنعرف من هذا أن النسبة كانت من أيامه واستمرت الى هذا اليوم. # * * * PageV01P188 ### | مناظراته # لأبي عبد الله عليه السلام الكثير من الحجج البوالغ التي أظهر فيها الحق ~~وقطع فيها العذر ، نوافيك بشطر منها لأنها ناحية من نواحي حياته العلمية ~~المليئة بالعبر والعظات لا يستغني المسلم عن الوقوف عليها. ### ||| مناظراته في التوحيد : # سبق شيء من كلامه عليه السلام في التوحيد ، وكان في طيه بعض المناظرات ، ~~ونورد هاهنا شيئا منها غير ما سلف. # فمن تلك المناظرات ما يروى عن هشام بن الحكم ، قال : كان بمصر زنديق ~~يبلغه عن أبي عبد الله عليه السلام أشياء ، فخرج الى المدينة ليناظره فلم ~~يصادفه بها ، وقيل : إنه خارج بمكة ، فخرج الى مكة ونحن مع أبي عبد الله ~~عليه السلام فصادفنا ونحن مع أبي عبد الله في الطواف وكان اسمه عبد الملك ~~وكنيته أبو عبد الله ، فضرب كتفه كتف أبي عبد الله عليه السلام ، فقال له : ~~ما اسمك؟ قال : عبد الملك ، قال : فما كنيتك؟ قال : أبو عبد الله ، فقال ~~أبو عبد الله عليه السلام : فمن هذا الملك الذي أنت عبده؟ أمن ملوك الأرض أم ~~ملوك السماء؟ واخبرنى عن ابنك عبد إله السماء أم عبد إله الأرض؟ قل ما شئت PageV01P189 # تخصم. فلم يحر جوابا. # ثم أن الصادق عليه السلام قال له : اذا فرغت من الطواف فأتنا ، فلما فرغ ~~أبو عبد الله عليه السلام أتاه الزنديق فقعد بين يدي أبي عبد الله ~~عليه السلام ونحن مجتمعون عنده ، فقال أبو عبد الله ms131 للزنديق : أتعلم أن ~~للأرض تحتا وفوقا؟ قال : # نعم ، قال : فدخلت تحتها؟ قال : لا ، قال : فما يدريك ما تحتها؟ قال : لا ~~أدري إلا أني أظن أن ليس تحتها شيء ، فقال أبو عبد الله عليه السلام : فالظن ~~عجز فلم لا تستيقن ، ثم قال أبو عبد الله عليه السلام : أفصعدت الى السماء؟ ~~قال : لا ، قال : أفتدري ما فيها؟ قال : لا ، قال : عجبا لك لم تبلغ المشرق ~~ولم تبلغ المغرب ، ولم تنزل الى الأرض ولم تصعد الى السماء ، ولم تجز هناك ~~فتعرف ما خلفهن ، وأنت جاحد بما فيهن ، فهل يجحد العاقل ما لا يعرف؟ قال ~~الزنديق : ما كلمني بها أحد غيرك. # فقال أبو عبد الله عليه السلام : فأنت من ذلك في شك فلعله هو ولعله ليس هو ~~، فقال الزنديق : ولعل ذلك ، فقال أبو عبد الله عليه السلام : أيها الرجل ~~ليس لمن لا يعلم حجة على من يعلم ، ولا حجة للجاهل ، يا أخا أهل مصر تفهم ~~عني فإنا لا نشك في الله أبدا ، أما ترى الشمس والقمر والليل والنهار يلجان ~~فلا يشتبهان ويرجعان ، قد اضطرا ليس لهما مكان إلا مكانهما فإن كانا يقدران ~~على أن يذهبا فلم يرجعان؟ وإن كانا غير مضطرين فلم لا يصير الليل نهارا ~~والنهار ليلا؟ اضطرا والله يا أخا أهل مصر الى دوامهما والذي اضطرهما أحكم ~~منهما واكبر (1) فقال الزنديق : صدقت. # ثم قال أبو عبد الله عليه السلام : يا أخا أهل مصر إن الذي تذهبون إليه PageV01P190 # وتظنون أنه الدهر إن كان الدهر يذهب بهم فلم لا يردهم؟ وإن كان يردهم لم ~~لا يذهب بهم؟ القوم مضطرون يا أخا أهل مصر ، لم السماء مرفوعة والأرض ~~موضوعة؟ لم لا تنحدر السماء على الأرض؟ لم لا تنحدر الأرض فوق طباقها؟ # ولا يتماسكان ولا يتماسك من عليها؟ قال الزنديق : أمسكهما الله ربهما ~~سيدهما. # قال : فآمن الزنديق على يدي أبي عبد الله عليه السلام ، فقال حمران بن ~~أعين (1): جعلت فداك إن آمنت الزنادقة على يدك فقد آمن الكفار على يد أبيك ~~، فقال المؤمن الذي آمن على ms132 يدي أبي عبد الله عليه السلام : اجعلني من ~~تلامذتك ، فقال أبو عبد الله : يا هشام بن الحكم خذه إليك ، فعلمه هشام ، ~~وكان معلم أهل الشام وأهل مصر الايمان ، وحسنت طهارته حتى رضي بها أبو عبد ~~الله عليه السلام (2). # وجاء إليه زنديق آخر وسأله عن أشياء نقتطف منها ما يلي : قال له : كيف ~~يعبد الله الخلق ولم يروه؟ قال أبو عبد الله عليه السلام : رأته القلوب بنور ~~الايمان ، وأثبتته العقول بيقظتها إثبات العيان ، وأبصرته الأبصار بما رأته ~~من حسن التركيب وإحكام التأليف ، ثم الرسل وآياتها ، والكتب ومحكماتها ، ~~واقتصرت العلماء على ما رأت من عظمته دون رؤيته ، قال : أليس هو قادر أن ~~يظهر لهم حتى يروه فيعرفونه فيعبد على يقين؟ قال عليه السلام : ليس للمحال جواب. # أقول : إنما الرؤية تثبت للأجسام وإذا لم يكن تعالى جسما استحالت رؤيته ، ~~والمحال غير مقدور لا من جهة النقص في القدرة بل النقص في المقدور. PageV01P191 # قال الزنديق : فمن أين أثبت أنبياء ورسلا ، قال عليه السلام : إنا لما ~~أثبتنا أن لنا خالقا صانعا متعاليا عنا وعن جميع ما خلق ، وكان ذلك الصانع ~~حكيما لم يجز أن يشاهده خلقه ولا أن يلامسوه ولا أن يباشرهم ويباشروه ~~ويحاجهم ويحاجوه ، ثبت أن له سفراء في خلقه وعبادة يدلونهم على مصالحهم ~~ومنافعهم وما به بقاؤهم وفي تركه فناؤهم ، فثبت الآمرون والناهون عن الحكيم ~~العليم في خلقه ، وثبت عند ذلك أن لهم معبرين وهم الأنبياء وصفوته من خلقه ~~، حكماء مؤدبين بالحكمة ، مبعوثين عنه ، مشاركين للناس في أحوالهم على ~~مشاركتهم لهم في الخلق والتركيب ، مؤيدين من عند الحكيم العليم بالحكمة ~~والدلائل والبراهين والشواهد من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص. # ثم قال الزنديق : من أي شيء خلق الأشياء؟ قال عليه السلام : من لا شيء ، ~~فقال : كيف يجيء شيء من لا شيء؟ قال عليه السلام : إن الأشياء لا تخلو إما ~~أن تكون خلقت من شيء أو من غير شيء فإن كانت خلقت من شيء كان معه ، فإن ذلك ~~الشيء قديم ، والقديم لا يكون حديثا ، ولا ms133 يتغير ولا يخلو ذلك الشيء من أن ~~يكون جوهرا واحدا ولونا واحدا ، فمن أين جاءت هذه الألوان المختلفة ~~والجواهر الكثيرة الموجودة في هذا العالم من ضروب شتى؟ ومن أين جاء الموت ~~إن كان الشيء الذي انشئت منه الأشياء حيا؟ أو من أين جاءت الحياة إن كان ~~ذلك الشيء ميتا؟ ولا يجوز أن يكون من حي وميت قديمين لم يزالا ، لأن الحي ~~لا يجيء منه ميت وهو لم يزل حيا ، ولا يجوز أيضا أن يكون الميت قديما لم ~~يزل لما هو به من الموت ، لأن الميت لا قدرة به ولا بقاء. # أقول : إن هذا الأمر على دقته قد أوضحه الامام بأحسن بيان وردده بين امور ~~لا يجد العقل سواها عند الترديد ، وحقا إن كان الشيء الذي خلقت الأشياء منه ~~قديما لزم أن يكون مع الله تعالى شيء قديم غير مخلوق له ، ولو فرض أنه PageV01P192 # مخلوق له عاد الكلام الأول أنه من أي شيء كان مخلوقا ، هذا غير أن القديم ~~لا يكون حادثا ، والميت لا يكون منه الحي ، والحي لا يكون منه الميت ، ~~والحياة والممات لا يتركبان ، ولو تركبا عاد الكلام السابق ، فإن الموت لا ~~يصلح أن يكون في الأشياء الحية ، ولا بقاء ولا دوام ليكون باقيا إلى أن خلق ~~الله منه الأشياء الحية ، فلا بد إذن من أن يكون تعالى قد خلق الأشياء من ~~لا شيء. # ثم قال : من أين قالوا إن الأشياء أزلية؟ قال عليه السلام : هذه مقالة قوم ~~جحدوا مدبرا الأشياء فكذبوا الرسل ومقالتهم ، والأنبياء وما أنبئوا عنه ، ~~وسموا كتبهم أساطير ، ووضعوا لأنفسهم دينا بآرائهم واستحسانهم ، وإن ~~الأشياء تدل على حدوثها من دوران الفلك بما فيه وهي سبعة أفلاك ، وتحرك ~~الأرض ومن عليها ، وانقلاب الأزمنة ، واختلاف الحوادث التي تحدث في العالم ~~من زيادة ونقصان ، وموت وبلى ، واضطرار الأنفس الى الإقرار بأن لها صانعا ~~ومدبرا ، ألا ترى الحلو يصير حامضا ، والعذاب مرا ، والجديد باليا ، وكل ~~الى تغير وفناء (1). # أقول : إن الاستدلال بانقلاب الأزمنة ودوران الفلك من أدق الأدلة العلمية ~~على ms134 حدوث العالم ، الذي قصرت عنه أفهام كثير من الفلاسفة العظام كما أنه ~~جعل الفلك الدائر فلكا واحدا ثم تفسيره بالأفلاك السبعة لا ينطبق إلا على ~~نظرية الهيئة الحديثة إذ يراد به النظام الشمسي ، ومثله تصريحه بحركة الأرض ~~التي لم يكن يحلم بها أحد من السابقين ، وهي من مكتشفات العلم الحديث. # وللصادق عليه السلام مناظرات جمة مع ابن أبي العوجاء ، وكان بعضها في ~~التوحيد ، وكان ابن أبي العوجاء واسمه عبد الكريم من الملاحدة المشهورين PageV01P193 # واعترف بدسه الأحاديث الكاذبة في أحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكفى ~~في معرفة حاله هذه المناظرات ، وقد قتل على الإلحاد كما قتل صاحبه ابن ~~المقفع (1). # فمن تلك المناظرات أنه كان يوما هو وعبد الله بن المقفع في المسجد الحرام ~~فقال ابن المقفع : ترون هذا الخلق وأومأ بيده الى موضع الطواف ما منهم أحد ~~أوجب له اسم الانسانية إلا ذلك الشيخ الجالس يعني أبا عبد الله جعفر بن ~~محمد عليهما السلام وأما الباقون فرعاع وبهائم ، فقال له ابن أبي العوجاء : ~~وكيف أوجبت هذا الاسم لهذا الشيخ دون هؤلاء ، فقال : لأني رأيت عنده ما لم ~~أره عندهم ، فقال ابن أبي العوجاء : لا بد من اختبار ما قلت فيه منه ، فقال ~~له ابن المقفع : لا تفعل فإني أخاف أن يفسد عليك ما في يدك ، فقال : ليس ذا ~~رأيك لكن تخاف أن يضعف رأيك عندي في إحلالك إياه هذا المحل الذي وصفت ، ~~فقال ابن المقفع : أما اذا توسمت علي فقم إليه وتحفظ من الزلل ولا تثن ~~عنانك الى استرسال فيسلمك الى عقال ، وسمة ما لك وعليك ، فقام ابن أبي ~~العوجاء فلما رجع قال : ويلك يا ابن المقفع ما هذا ببشر وإن كان في الدنيا ~~روحاني يتجسد اذا شاء ظاهرا ويتروح اذا شاء باطنا فهو هذا ، فقال له : كيف ~~ذلك؟ فقال : جلست إليه فلما لم يبق عنده أحد غيري ابتدأني فقال : إن يكن ~~الأمر على ما يقول هؤلاء وهو على ما يقولون يعني أهل الطواف فقد سلموا ~~وعطبتم ، وإن يكن ms135 الأمر كما تقولون ، وليس كما تقولون ، فقد استويتم PageV01P194 # وهم ، فقلت : يرحمك الله وأي شيء نقول وأي شيء يقولون ، ما قولي وقولهم ~~إلا واحد ، فقال : وكيف يكون قولك وقولهم واحدا ، وهم يقولون إن لهم معادا ~~وثوابا وعقابا ، ويدينون بأن للسماء إلها وأنها عمران ، وأنتم تزعمون أن ~~السماء خراب ليس فيها أحد ، قال : فاغتنمتها منه فقلت له : ما منعه إن كان ~~الأمر كما يقولون أن يظهر لخلقه يدعوهم الى عبادته حتى لا يختلف فيه اثنان؟ ~~لم احتجب عنهم وأرسل إليهم الرسل؟ ولو باشرهم بنفسه كان أقرب الى الإيمان ~~به ، فقال لي : ويلك كيف احتجب عنك من أراك قدرته في نفسك؟ نشوك (1) ولم ~~تكن ، وكبرك بعد صغرك ، وقوتك بعد ضعفك ، وضعفك بعد قوتك ، وسقمك بعد صحتك ~~، وصحتك بعد سقمك ، ورضاك بعد غضبك ، وغضبك بعد رضاك ، وحزنك بعد فرحك ، ~~وفرحك بعد حزنك ، وحبك بعد بغضك وبغضك بعد حبك ، وعزمك بعد إنابتك (2)، ~~وإنابتك بعد عزمك ، وشهوتك بعد كراهتك ، وكراهتك بعد شهوتك ، ورغبتك بعد ~~رهبتك ، ورهبتك بعد رغبتك ، ورجاءك بعد يأسك ، ويأسك بعد رجائك ، وخاطرك ~~لما لم يكن في وهمك ، وغروب (3) ما أنت معتقده عن ذهنك وما زال يعد (4) علي ~~قدرته التي هي في نفسي التي لا أدفعها ، حتى ظننت أنه سيظهر فيما بيني ~~وبينه (5). # ودخل على الصادق عليه السلام يوما فقال : أليس تزعم أن الله تعالى خالق كل ~~شيء؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام : بلى ، فقال : أنا أخلق ، فقال له : PageV01P195 # كيف تخلق؟ فقال : أحدث في الموضع ثم ألبث عنه فيصير دوابا فكنت انا الذي ~~خلقتها ، فقال أبو عبد الله عليه السلام : أليس خالق الشيء يعرف كم خلقه؟ ~~قال : بلى ، قال عليه السلام : فتعرف الذكر من الانثى وتعرف عمرها؟ # فسكت. # وللصادق عليه السلام نظير ذلك مع الجعد بن درهم ، وكان من أهل الضلال ~~والبدع ، وقتله والي الكوفة يوم النحر لذلك ، قال ابن شهر اشوب : قيل إن ~~الجعد بن درهم جعل في قارورة ماء وترابا فاستحال دودا وهواما فقال لأصحابه ~~: أنا خلقت ذلك لأني كنت سبب ms136 كونه ، فبلغ ذلك جعفر بن محمد عليهما السلام ، ~~فقال : ليقل كم هي؟ وكم الذكران منه والاناث إن كان خلقه ، وكم وزن كل ~~واحدة منهن ، وليأمر الذي سعى الى هذا الوجه أن يرجع الى غيره ، فانقطع وهرب. # ثم أن ابن أبي العوجاء عاد إليه في اليوم الثاني فجلس وهو ساكت لا ينطق ~~فقال أبو عبد الله عليه السلام : كأنك جئت تعيد بعض ما كنا فيه ، فقال : ~~أردت ذلك يا ابن رسول الله ، فقال أبو عبد الله عليه السلام : ما أعجب هذا ~~تنكر الله وتشهد أني ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ! فقال : العادة ~~تحملني على ذلك ، فقال له الصادق عليه السلام : فما يمنعك من الكلام ، قال : ~~إجلال لك ومهابة ، ما ينطق لساني بين يديك ، فإني شاهدت العلماء وناظرت ~~المتكلمين فما تداخلني هيبة قط مثلما تداخلني من هيبتك ، قال عليه السلام : ~~يكون ذلك ، ولكن أفتح عليك سؤالا ، وأقبل عليه فقال له : أمصنوع أنت أم غير مصنوع؟ # فقال له ابن أبي العوجاء : أنا غير مصنوع ، فقال له الصادق عليه السلام : ~~فصف لي لو كنت مصنوعا كيف كنت تكون؟ فبقي عبد الكريم مليا لا يحير جوابا ~~وولع بخشبة كانت بين يديه وهو يقول : طويل عريض عميق قصير متحرك ساكن PageV01P196 # كل ذلك من صفة خلقه ، فقال له الصادق عليه السلام فإن كنت لم تعلم صفة ~~الصنعة من غيرها فاجعل نفسك مصنوعا لما تجد في نفسك مما يحدث من هذه الامور ~~، فقال له عبد الكريم : سألتني عن مسألة لم يسألني أحد عنها قبلك ، ولا ~~يسألني أحد بعدك عن مثلها ، فقال له أبو عبد الله : هبك علمت أنك لم تسأل ~~فيما مضى فما علمك إنك لم تسأل فيما بعد؟ على أنك يا عبد الكريم نقضت قولك ~~، لأنك تزعم أن الأشياء من الأول سواء فكيف قدمت وأخرت؟ ثم قال : يا عبد ~~الكريم : أنزيدك وضوحا؟ أرأيت لو كان معك كيس فيه جواهر ، فقال لك قائل : ~~هل في الكيس دينار فنفيت كون الدينار في الكيس ، فقال لك قائل ms137 : صف لي ~~الدينار؟ وكنت غير عالم بصفة ، هل لك أن تنفي كون الدينار في الكيس وأنت لا ~~تعلم؟ قال : لا ، فقال أبو عبد الله عليه السلام : فالعالم اكبر وأطول وأعرض ~~من الكيس ، فلعل في العالم صنعة من حيث لا تعلم ، لا تعلم صفة الصنعة من ~~غير الصنعة ، فانقطع عبد الكريم ، وأجاب إلى الإسلام بعض أصحابه وبقي معه بعض. # فعاد في اليوم الثالث فقال : أقلب السؤال ، فقال أبو عبد الله عليه السلام ~~سل عما شئت فقال : ما الدليل على حدوث الأجسام؟ فقال : إني ما وجدت صغيرا ~~ولا كبيرا إلا واذا ضم إليه مثله صار اكبر ، وفي ذلك زوال وانتقال عن ~~الحالة الاولى ، ولو كان قديما ما زال ولا حال ، لأن الذي يزول ويحول يجوز ~~أن يجود ويبطل ، فيكون بوجوده بعد عدمه دخول في الحدث ، وفي كونه في الاولى ~~دخوله في العدم ، ولن يجتمع صفة الأزل والعدم في شيء واحد. # فقال عبد الكريم : هبك علمت في جري الحالين والزمانين على ما ذكرت ~~واستدللت على حدوثها ، فلو بقيت الأشياء على صغرها من أين كان لك أن تستدل ~~على حدوثها؟ فقال الصادق عليه السلام : إنما نتكلم على هذا العالم PageV01P197 # الموضوع فلو رفعناه ووضعنا عالما آخر كان لا شيء أدل على الحدث من رفعنا ~~إياه ووضعنا غيره ، ولكن أجبت من حيث قدرت إنك تلزمنا وتقول : إن الأشياء ~~لو دامت على صغرها لكان في الوهم أنه متى ما ضم شيء منه الى مثله كان اكبر ~~، وفي جواز التغير عليه خروجه من القدم كما بان في تغيير دخوله في الحدث ، ~~ليس وراءه شيء يا عبد الكريم ، فانقطع وخزي. # أقول : إن خلاصة كلام الصادق عليه السلام : أن هذا العالم إذا ضم شيء منه ~~إلى شيء آخر حدث شيء اكبر ، وفي ذلك زوال عن الحالة الاولى وانتقال الى حال ~~اخرى ، والقديم لا تطرأ عليه هذه التحولات ، ولو كان ذلك التأليف بالفرض ~~والوهم ، كما لو كانت الأشياء حسب فرض ابن أبي العوجاء باقية على صغرها لا ~~تكبر ، لأنه من الامور ms138 البديهية بل أبده البديهيات أنه بضم شيء إلى شيء ~~تحصل زيادة على كل من الشيئين ، وهذه إحدى بديهيات أربع هي أساس العلوم ~~الرياضية كلها ، فقد أرجع الإمام الدليل على حدوث العالم الى أوضح بديهية ~~في العقول التي لا يختلف فيها اثنان ، على أنه عليه السلام مع ذلك أجاب على ~~تقدير هذا الفرض المحال وهو أن الأشياء تبقى على ما هي عليه بضم بعضها الى ~~بعض أجاب بأن هذا الفرض نفسه هو فرض جواز التغيير عليه وخروجه من القدم ~~ودخوله في الحدث ، لأن المفروض أن العالم تقبل الأشياء فيه الزيادة بضم ~~بعضها الى بعض ، فلو فرضناه عالما آخر لا يقبل ذلك فقد فرضنا رفع هذا ~~العالم وتغييره ، فيتحقق فيه الاستدلال على المطلوب. ما أدق هذا الدليل ~~وأبدعه ، ولذلك انقطع به ابن أبي العوجاء وخزي. # ولما كان في العام القابل التقى معه في الحرم ، فقال له بعض شيعته : إن ~~ابن أبي العوجاء قد أسلم ، فقال الصادق عليه السلام : هو أعمى من ذلك لا ~~يسلم ، فلما بصر بالصادق عليه السلام قال : سيدي ومولاي ، فقال له : ما جاء PageV01P198 # بك الى هذا الموضع؟ فقال : عادة الجسد وسنة البلد ولنبصر ما الناس فيه من ~~الجنون والحلق ورمي الحجارة ، فقال له الصادق عليه السلام : أنت بعد على ~~عتوك وضلالك يا عبد الكريم ، فذهب يتكلم ، فقال له : لا جدال في الحج ونفض ~~رداءه من يده ، وقال : إن يكن الأمر كما تقول وليس كما تقول نجونا ونجوت ، ~~وإن يكن الأمر كما نقول وهو كما نقول نجونا وهلكت (1). # وناظر الصادق عليه السلام يوما في تبديل الجلود في النار ، فقال : ما تقول ~~في هذه الآية « كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها » (2) هب هذه الجلود ~~عصت فعذبت فما بال الغير يعذب؟ قال أبو عبد الله عليه السلام : ويحك هي هي ~~وهي غيرها ، قال : اعقلني هذا القول ، فقال له : أرأيت لو أن رجلا عهد الى ~~لبنة فكسرها ثم صب عليها الماء وجبلها (3) ثم ردها الى هيئتها الأولى ، ألم ~~تكن هي هي وهي غيرها؟ ms139 فقال : بلى أمتع الله بك (4). # أقول : هذا ما توصل إليه عظماء الفلاسفة بعد جهد وبحوث طويلة في تحليل ~~صحة عذاب الانسان المجرم ، مع أن ذرات جسمه الذي وقع منه الجرم تتبدل ~~وتتحول دائما ( @QUR@07 بل هم في لبس من خلق جديد ) (5). وبهذا البيان ~~الدقيق يجاب عن شبهة الآكل والمأكول المعروفة ، فمن أين تعلم هذه الفلسفة ~~الدقيقة في تلك العصور التي ما شمت رائحتها؟ إنه الامام ، وكفى. # وكان لأبي شاكر الديصاني أحد ملاحدة العرب مع الصادق عليه السلام PageV01P199 # مناظرات وأسئلة ، واخرى بينه وبين هشام بن الحكم ويفزع هشام بها الى ~~إمامه الصادق عليه السلام ، قال يوما لهشام : إن في القرآن آية هي من قولنا ~~، قال هشام : وما هي؟ فقال : « وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله » (1) ~~قال هشام : فلم أدر بم اجيبه ، فحججت فخبرت أبا عبد الله عليه السلام ، قال ~~: هذا كلام زنديق خبيث ، اذا رجعت إليه فقل له ما اسمك بالكوفة؟ فإنه يقول ~~لك فلان فقل له : ما اسمك بالبصرة؟ فإنه يقول فلان ، فقل له : كذلك ربنا في ~~السماء إله ، وفي الأرض إله ، وفي البحار إله ، وفي القفار إله ، وفي كل ~~مكان إله ، قال : فقدمت فأتيت أبا شاكر فأخبرته ، فقال : هذه نقلت من ~~الحجاز (2). # وسأل أبو شاكر هشام بن الحكم يوما فقال : ألك رب؟ فقال : بلى ، فقال : ~~أقادر هو؟ قال : نعم قادر ، قال : يقدر أن يدخل الدنيا كلها البيضة لا تكبر ~~البيضة ولا تصغر الدنيا؟ قال هشام : النظرة ، فقال له : قد أنظرتك حولا ، ~~ثم خرج عنه ، فركب هشام الى أبي عبد الله عليه السلام فاستأذن عليه فأذن له ~~، فقال له يا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتاني عبد الله الديصاني ~~بمسألة ليس المعول فيها إلا على الله وعليك ، فقال له أبو عبد الله ~~عليه السلام : يا هشام كم حواسك؟ قال : خمس ، قال : أيها أصغر؟ قال : الناظر ~~، قال : وكم قدر الناظر؟ # قال : مثل العدسة أو أقل منها ، فقال له : يا هشام فانظر أمامك وفوقك ~~واخبرني بما ترى ، فقال ms140 : أرى سماء وأرضا ودورا وقصورا وبراري وجبالا ~~وأنهارا ، فقال له أبو عبد الله : إن الذي قدر أن يدخل الذي تراه العدسة أو ~~أقل منها قادر أن PageV01P200 # يدخل الدنيا كلها البيضة لا تصغر الدنيا ولا تكبر البيضة ، فأكب هشام ~~عليه يقبل يديه ورأسه ورجليه ، وقال : حسبي يا ابن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، وانصرف الى منزله. # أقول : إن هذا الجواب صدر عن الإمام عليه السلام على سبيل الإسكات ~~والإقناع ، والجواب البرهاني أن يقال : إن الله تعالى لا يقدر على مثل ذلك ~~لأنه محال والمحال غير مقدور له ، كما أنه لا يقدر على إيجاد شريك له وعلى ~~الجمع بين النقيضين والضدين ، وهذا ليس من النقص في القدرة بل للنقص في ~~المقدور ، لأن القدرة تحتاج الى أن يكون متعلقها ممكنا في ذاته ، والفرق ~~واضح بين النقص في القدرة والنقص في المقدور ، ولعل الديصاني لو أجيب بمثل ~~هذا لما اقتنع به أو لما عقله. # وروي أن أمير المؤمنين عليه السلام سئل عن مثل ذلك ، فأجاب بأن الله لا ~~ينسب إلى العجز ، والذي سألتني لا يكون ، وهذا هو الجواب الحقيقي ، ومفاده ~~ما أوضحناه. # ثم إن الديصاني غدا على هشام ، فقال له هشام : إن كنت جئت متقاضيا فهاك ~~الجواب ، فقال له : إني جئتك مسلما ولم أجئك متقاضيا للجواب ، فخرج ~~الديصاني عنه حتى أتى باب أبي عبد الله عليه السلام فاستأذن عليه فأذن له ، ~~فلما قعد قال له : يا جعفر بن محمد دلني على معبودي ، فقال له أبو عبد الله ~~: ما اسمك؟ فخرج عنه ولم يخبره باسمه ، فقال له أصحابه : كيف لم تخبره ~~باسمك؟ قال : لو كنت قلت له عبد الله كان يقول من الذي أنت له عبد؟ # فقالوا : عد إليه وقل له يدلك على معبودك ولا يسألك عن اسمك ، فرجع إليه ~~وقال : يا جعفر بن محمد دلني على معبودي ولا تسألني عن اسمي ، فقال أبو عبد ~~الله عليه السلام : اجلس ، واذا غلام له صغير في كفه بيضة يلعب بها PageV01P201 # فقال أبو عبد الله عليه ms141 السلام : يا ديصاني هذا حصن مكنون له جلد غليظ ، ~~وتحت الجلد الغليظ جلد رقيق وتحت الجلد الرقيق ذهبة مائعة وفضة ذائبة ، فلا ~~الذهبة المائعة تختلط بالفضة الذائبة ، ولا الفضة الذائبة تختلط بالذهبة ~~المائعة ، فهي على حالها لم يخرج منها خارج مصلح فيخبر عن صلاحها ، ولا دخل ~~فيها مفسد فيخبر عن فسادها ، لا يدرى للذكر خلقت أم للانثى ، تنفلق عن مثل ~~ألوان الطواويس أترى لهذا مدبرا؟ قال : فأطرق مليا ، ثم قال : أشهد أن لا ~~إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، وأنك إمام وحجة من ~~الله على خلقه ، وأنا تائب مما كنت فيه (1). ### ||| مناظرته مع طبيب : # حضر أبو عبد الله عليه السلام مجلس المنصور يوما وعنده رجل من الهند يقرأ ~~كتب الطب فجعل أبو عبد الله الصادق عليه السلام ينصت لقراءته ، فلما فرغ ~~الهندي قال له : يا أبا عبد الله أتريد مما معي شيئا؟ قال : لا ، فإن معي ~~ما هو خير مما معك ، قال : وما هو؟ قال : أداوي الحار بالبارد والبارد ~~بالحار ، والرطب باليابس واليابس بالرطب ، وأرد الأمر كله الى الله عز وجل ~~، وأستعمل مما قاله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، واعلم أن المعدة بيت ~~الداء وأن الحمية هي الدواء ، واعود البدن ما اعتاد ، فقال الهندي : وهل ~~الطب إلا هذا؟ فقال الصادق : أفتراني عن كتب الطب أخذت ، قال : نعم ، قال : ~~لا والله ما أخذت إلا عن الله سبحانه ، فأخبرني أنا أعلم بالطب أم أنت؟ ~~فقال الهندي : لا بل أنا ، فقال الصادق عليه السلام : فأسألك شيئا ، قال : سل. PageV01P202 # قال : أخبرني يا هندي لم كان في الرأس شؤن؟ (1) قال : لا أعلم ، قال : ~~فلم جعل الشعر عليه من فوقه؟ قال : لا أعلم. # قال : فلم خلت الجبهة من الشعر؟ قال : لا أعلم ، قال : فلم كان لها تخطيط ~~وأسارير؟ (2) قال : لا أعلم ، قال : فلم كان الحاجبان من فوق العينين؟ # قال : لا أعلم ، قال : فلم جعل العينان كاللوزتين؟ قال : لا أعلم ، قال : ~~فلم جعل الأنف فيما بينهما؟ قال : لا أعلم ، قال ms142 : فلم كان ثقب الأنف في أسفله؟ # قال : لا أعلم ، قال : فلم جعل الشفة والشارب من فوق الفم؟ قال : لا أعلم ~~، قال : فلم احتد السن وعرض الضرس (3) وطال الناب؟ قال : لا أعلم ، قال : ~~فلم جعلت اللحية للرجال؟ قال : لا أعلم ، قال : فلم خلت الكفان من الشعر؟ ~~قال : لا أعلم ، قال : فلم خلا الظفر والشعر من الحياة؟ قال : لا أعلم ، ~~قال : فلم كان القلب كحب الصنوبر (4) قال : لا أعلم ، قال : فلم كانت الرئة ~~قطعتين ، وجعل حركتها في موضعها؟ قال : لا أعلم ، قال : فلم كانت الكبد ~~حدباء؟ قال : لا أعلم ، قال : فلم كانت الكلية كحب اللوبياء؟ قال : لا أعلم ~~، قال : فلم جعل طي الركبتين الى خلف؟ قال : لا أعلم ، قال : فلم تخصرت ~~القدم؟ (5) قال : لا أعلم ، فقال الصادق عليه السلام : لكني أعلم ، قال : فأجبا. PageV01P203 # قال الصادق عليه السلام : كان في الرأس شؤن لأن المجوف إذا كان بلا فصل ~~أسرع إليه الصداع ، فاذا جعل ذا فصول كان الصداع منه أبعد وجعل الشعر من ~~فوقه لتوصل بوصوله الأدهان الى الدماغ ويخرج بأطرافه البخار منه ، ويرد ~~الحر والبرد عليه ، وخلت الجبهة من الشعر لأنها مصب النور الى العينين (1) ~~وجعل فيها التخطيط والأسارير ليحتبس العرق الوارد من الرأس الى العين قدر ~~ما يميطه الانسان عن نفسه وهو كالأنهار في الأرض التي تحبس المياه ، وجعل ~~الحاجبان من فوق العينين ليردا (2) عليهما من النور قدر الكفاية ، ألا ترى ~~يا هندي أن من غلبه النور جعل يده على عينيه ليرد عليهما قدر كفايتهما منه ~~، وجعل الأنف فيما بينهما ليقسم النور قسمين الى كل عين سواء ، وكانت العين ~~كاللوزة ليجري فيها الميل بالدواء ويخرج منها الداء ولو كانت مربعة أو ~~مدورة ما جرى فيها الميل وما وصل إليها دواء ولا خرج منها داء ، وجعل ثقب ~~الأنف في أسفله لتنزل منه الأدواء المتحدرة من الدماغ ويصعد فيه الأراييح ~~الى المشام ، ولو كان في أعلاه لما نزل منه داء ولا وجد رائحة ، وجعل ~~الشارب والشفة فوق الفم لحبس ما ينزل من الدماغ الى ms143 الفم لئلا يتنغص على ~~الانسان طعامه وشرابه فيميطه عن نفسه ، وجعلت اللحية للرجال ليستغنى بها عن ~~الكشف (3) في المنظر ويعلم بها الذكر من الانثى ، وجعل السن حادا لأنه به ~~يقع العض ، وجعل الضرس عريضا لأنه به يقع الطحن والمضغ ، وكان الناب طويلا ~~ليسند (4) الأضراس والأسنان كالاسطوانة في البناء ، وخلا الكفان من الشعر ~~لأن بهما يقع PageV01P204 # اللمس ، فلو كان فيهم شعر ما درى الانسان ما يقابله ويلمسه ، وخلا الشعر ~~والظفر من الحياة لأن طولهما سمج يقبح وقصهما حسن فلو كانت فيهما حياة لألم ~~الانسان قصهما ، وكان القلب كحب الصنوبر لأنه منكس فجعل رأسه دقيقا ليدخل ~~في الرئة فيتروح عنه ببردها لئلا يشيط الدماغ بحره (1)، وجعلت الرئة ~~قطعتين ليدخل (2) بين مضاغطها (3) فيتروح عنه بحركتها ، وكانت الكبد حدباء ~~لتثقل المعدة ويقع جميعها عليها فيعصرها ليخرج (4) ما فيها من البخار ، ~~وجعلت الكلية كحب اللوبياء لأن عليها مصب المني نقطة بعد نقطة ، فلو كانت ~~مربعة أو مدورة احتبست النقطة الاولى الى الثانية فلا يلتذ بخروجها الحي ، ~~إذ المني ينزل من فقار الظهر الى الكلية ، فهي كالدودة تنقبض وتنبسط ترميه ~~أولا فأولا الى المثانة كالبندقة من القوس ، وجعل طي الركبة الى خلف لأن ~~الانسان يمشي الى ما بين يديه فتعتدل الحركتان (5) ولو لا ذلك لسقط في ~~المشي ، وجعلت القدم مخصرة (6) لأن المشي اذا وقع على الأرض جميعه ثقل ثقل ~~حجر الرحى ، فإذا كان على طرفه (7) دفعه الصبي ، واذا وقع على وجهه صعب ~~نقله على الرجل. # فقال له الهندي : من أين لك هذا العلم؟ فقال عليه السلام : أخذته عن آبائي ~~عليهم السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن جبرئيل عن رب PageV01P205 # العالمين جل جلاله الذي خلق الأبدان والأرواح ، فقال الهندي : صدقت وأنا ~~أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وعبده وأنك أعلم أهل زمانه (1). ### ||| تفضيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم : # قال أبو خنيس الكوفي : حضرت مجلس الصادق عليه السلام وعنده جماعة من ~~النصارى ، فقالوا : فضل موسى وعيسى ومحمد سواء ، لأنهم ms144 عليهم السلام أصحاب ~~الشرائع والكتب ، فقال عليه السلام : محمد أفضل منهما عليهما السلام وأعلم ، ~~ولقد أعطاه الله تبارك وتعالى من العلم ما لم يعط غيره ، فقالوا : آية من ~~كتاب الله تعالى نزلت في هذا؟ قال عليه السلام : نعم قوله تعالى « وكتبنا له ~~في الألواح من كل شيء » (2) وقوله تعالى لعيسى : « وليبينن لكم بعض الذي ~~تختلفون فيه » (3) وقوله تعالى للسيد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم « جئنا ~~بك شهيدا على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء » (4) وقوله تعالى : ~~« ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا » (5) ~~فهو والله أعلم منهما ، ولو حضر موسى وعيسى محضرتي وسألاني لأجبتهما ، ~~وسألتهما ما أجابا (6). # أقول : إذا كان أمير المؤمنين باب مدينة علم الرسول وأولاده ورثة علمه فهم PageV01P206 # إذن أعلم الناس كلهم ، الأنبياء وغيرهم. ### ||| العدل بين النساء : # سأل رجل من الزنادقة أبا جعفر الأحول (1) فقال : أخبرني عن قول الله ~~تعالى : « فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا ~~تعدلوا فواحدة » (2) وقال تعالى في آخر السورة « ولن تستطيعوا أن تعدلوا ~~بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل » (3) فبين القولين فرق؟ فقال ~~أبو جعفر الأحول : فلم يكن عندي جواب فقدمت المدينة فدخلت على أبي عبد الله ~~عليه السلام فسألته عن الآيتين ، فقال : أما قوله « فان خفتم ألا تعدلوا ~~فواحدة » فإنما عنى في النفقة ، وقوله « ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ~~ولو حرصتم » فإنما عنى في المودة ، فإنه لا يقدر أحد أن يعدل بين امرأتين ~~في المودة ، فرجع أبو جعفر الى الرجل فأخبره ، فقال : هذا حملته من الحجاز (4). # أقول : حاول هذا الزنديق أن يناقض بين الآيتين لأن الثانية جعلت العدل ~~غير مستطاع ، ولكن هذا التناقض إنما يصح اذا كان متعلق الآيتين واحدا ، ~~وأما اذا كان متعلق الاولى النفقة والثانية المودة فلا تناقض بين العدلين. ### ||| رؤساء المعتزلة في البيعة لمحمد : # دخل عليه أناس من المعتزلة ، وفيهم عمرو بن عبيد ، وواصل بن عطاء PageV01P207 # وحفص بن سالم (1) وأناس من رؤساء المعتزلة ms145 ، وذلك حين قتل الوليد واختلف ~~أهل الشام بينهم ، فتكلموا وأكثروا ، وخطبوا فأطالوا ، فقال لهم الصادق ~~عليه السلام : إنكم قد أكثرتم علي فأطلتم فأسندوا أمركم الى رجل منكم ، ~~فليتكلم بحجتكم وليوجز ، فأسندوا أمرهم الى عمرو بن عبيد فأبلغ وأطال ، ~~فكان فيما قال : قتل أهل الشام خليفتهم ، وضرب الله بعضهم ببعض وتشتت أمرهم ~~، فنظرنا فوجدنا رجلا له دين وعقل ومروة ومعدن لخلافة ، وهو محمد بن عبد ~~الله بن الحسن ، فأردنا أن نجتمع معه فنبايعه ثم نظهر أمرنا معه ، وندعو ~~الناس إليه ، فمن بايعه كنا معه وكان معنا ، ومن اعتزلنا كففنا عنه ، ومن ~~نصب لنا جاهدناه ، ونصبنا له على بغيه ، ونرده الى الحق وأهله ، وقد أحببنا ~~أن نعرض ذلك عليك فإنه لا غناء لنا عن مثلك ، لفضلك وكثرة شيعتك. # فلما فرغ قال أبو عبد الله عليه السلام : أكلكم على مثل ما قال عمرو؟ # قالوا : نعم ، فحمد الله وأثنى عليه ، وصلى على النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ثم قال : إنما نسخط اذا عصي الله فاذا اطيع الله رضينا ~~، أخبرني يا عمرو لو أن الامة # وأما واصل فشهرته أيضا تغني عن بيان حاله ، وكان بليغا فصيحا وهو من ~~رؤساء المعتزلة ، وكان يلتغ بالراء ويتجنبها في كلامه ، ولد عام 80 ومات 131. # وأما حفص فلم أظفر بترجمته غير أن في ميزان الاعتدال ذكر حفص بن سلم أبا ~~مقاتل السمرقندي وقد طعن فيه. # قال أبو الفرج في المقاتل : كان اجتماعهم في دار عثمان بن عبد الرحمن ~~المحزومي للمذاكرة في أمر من يقوم بالناس فرجحوا محمدا قبل أن يغدوا على ~~الصادق عليه السلام . PageV01P208 # قلدتك أمرها فملكته بغير قتال ولا مؤونة فقيل لك : ولها من شئت ، من تولي؟ # قال : كنت أجعلها شورى بين المسلمين ، قال : بين كلهم؟ قال : نعم ، قال : ~~بين فقهائهم وخيارهم؟ قال : نعم ، قال : قريش وغيرهم؟ قال : العرب والعجم ، ~~قال : يا عمرو أتتولى أبا بكر وعمر أو تتبرأ منهما؟ قال : أتولاهما ، قال : ~~يا عمرو إن كنت رجلا تتبرأ منهما فإنه يجوز لك الخلاف عليهما ، وإن كنت ~~تتولاهما ms146 فقد خالفتهما ، قد عهد عمر الى أبي بكر فبايعه ولم يشاور أحدا ، ~~ثم ردها أبو بكر عليه ولم يشاور أحدا ، ثم جعلها عمر شورى بين ستة ، فأخرج ~~منها الأنصار غير اولئك الستة من قريش ، ثم أوصى الناس فيهم بشيء ما أراك ~~ترضى به أنت ولا أصحابك ، قال : وما صنع؟ قال : أمر صهيبا أن يصلي بالناس ~~ثلاثة أيام ، وأن يتشاور اولئك الستة ليس فيهم أحد سواهم إلا ابن عمر ~~يشاورونه وليس له من الأمر شيء ، وأوصى من بحضرته من المهاجرين والأنصار إن ~~مضت الثلاثة أيام ولم يفرغوا ويبايعوا أن يضرب أعناق الستة جميعا ، وإن ~~اجتمع أربعة قبل أن يمضي ثلاثة أيام وخالف اثنان ، أن يضرب أعناق الاثنين ، ~~أفترضون بذا فيما تجعلون من الشورى في المسلمين؟ قالوا : لا ، قال : يا ~~عمرو دع ذا ، أرأيت لو بايعت صاحبك هذا الذي تدعو إليه ، ثم اجتمعت لكم ~~الامة ولم يختلف عليكم منهم رجلان ، فأفضيتم الى المشركين؟ # قالوا : نعم ، قال : فتصنعون ما ذا؟ قال : ندعوهم الى الاسلام فإن أبوا ~~دعوناهم الى الجزية ، قال : فإن كانوا مجوسا وعبدة النار والبهائم وليسوا ~~بأهل كتاب؟ # قال : سواء. # قال عليه السلام : فأخبرني عن القرآن أتقرءونه؟ قال : نعم ، قال : # اقرأ : « قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما ~~حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين اوتوا الكتاب حتى يعطوا ~~الجزية عن يد وهم PageV01P209 # صاغرون » (1). قال : فاستثنى عز وجل واشترط من الذين اوتوا الكتاب فيهم ~~والذين لم يؤمنوا سواء ، قال عليه السلام : عمن أخذت هذا؟ قال : سمعت الناس ~~يقولونه. # قال : فدع ذا فإنهم إن أبوا الجزية فقاتلتهم فظهرت عليهم ، كيف تصنع ~~بالغنيمة؟ قال : اخرج الخمس واقسم أربعة أخماس بين من قاتل عليها ، قال : ~~تقسمه بين جميع من قاتل عليها؟ قال : نعم ، قال عليه السلام : فقد خالفت ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في فعله وسيرته ، وبيني وبينك فقهاء المدينة ~~ومشيختهم فسلهم فإنهم لا يختلفون ولا يتنازعون في أن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم إنما ms147 صالح الأعراب على أن يدعهم في ديارهم وألا ~~يهاجروا على أنه إن دهمه من عدوه دهم فيستنفرهم فيقاتل بهم وليس لهم من ~~الغنيمة نصيب وأنت تقول بين جميعهم ، فقد خالفت رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم في سيرته في المشركين. # دع ذا ، ما تقول في الصدقة؟ قال : فقرأ الآية : « إنما الصدقات للفقراء ~~والمساكين والعاملين عليها » (2) الى آخرها ، قال : نعم فكيف تقسم بينهم؟ ~~قال : اقسمها على ثمانية أجزاء ، فاعطي كل جزء من الثمانية جزء ، فقال ~~عليه السلام إن كان صنف منهم عشرة آلاف ، وصنف رجلا واحدا أو رجلين أو ثلاثة ~~جعلت لهذا الواحد مثلما جعلت لعشرة آلاف؟ قال : نعم ، قال : وتصنع بين ~~صدقات أهل الحضر والبوادي فتجعلهم سواء؟ قال : نعم ، قال : فخالفت رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم في كل ما به قلت في سيرته ، كان رسول الله PageV01P210 # صلى الله عليه وآله وسلم يقسم صدقة البوادي في أهل البوادي ، وصدقة الحضر في ~~أهل الحضر ، ولا يقسمها بينهم بالسوية ، إنما يقسمها قدر ما يحضره منهم ، ~~وعلى ما يرى وعلى ما يحضره ، فإن كان في نفسك شيء مما قلت فإن فقهاء أهل ~~المدينة ومشيختهم كلهم لا يختلفون في أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كذا ~~كان يصنع. # ثم أقبل على عمرو وقال : اتق الله يا عمرو وأنتم أيها الرهط فاتقوا الله ~~فإن أبي حدثني وكان خير أهل الأرض وأعلمهم بكتاب الله وسنة رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : من ضرب الناس ~~بسيفه ودعاهم الى نفسه وفي المسلمين من هو أعلم منه فهو ضال متكلف (1). # أقول : قد يخال الناظر عند أول نظرة أن أسئلة الامام بعيدة عن القصد ~~أجنبية عن شأن البيعة لمحمد ، ولكن بعد الروية يعرف أن القصد منها جلي ~~والمناسبة بارزة ، وذلك لأنه يريد أن يفهمهم أنهم جهلاء بالشريعة وأحكامها ~~وأن إمامهم الذي يدعون له مثلهم في الجهل بقواعد الدين ، وكيف يتولى الجاهل ~~امور الامة وفيهم الأعلم الأفضل. ms148 ### ||| مناظرته في الزهد : # دخل سفيان الثوري على الصادق عليه السلام فرأى ثيابه بيضا كأنها غرقى ~~البيض (2) فقال له : إن هذا اللباس ليس من لباسك ، فقال له : اسمع مني ما ~~أقول لك ، فإنه خير لك عاجلا وآجلا ، إن أنت مت على السنة والحق PageV01P211 # ولم تمت على البدعة. # اخبرك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان في زمان مقفر جدب فأما إذا ~~أقبلت الدنيا فأحق أهلها بها أبرارها لا فجارها ، ومؤمنوها لا منافقوها ، ~~ومسلموها لا كفارها ، فما أنكرت يا ثوري ، فو الله أنني لمع ما ترى علي منذ ~~عقلت ما مر صباح ولا مساء ولله في مالي حق أمرني أن أضعه موضعا إلا وضعته. # وأتاه قوم ممن يظهر التزهد ويدعو الناس أن يكونوا معهم على مثل الذي هم ~~عليه من التقشف ، فقالوا له : إن صاحبنا حصر عن كلامك ولم تحضره حججه ، ~~فقال لهم : فهاتوا حججكم ، فقالوا له : حجتنا من كتاب الله ، فقال لهم : ~~فادلوا بها ، فإنها أحق ما اتبع وعمل به ، فقالوا : يقول الله تبارك وتعالى ~~مخبرا عن قوم من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم : « ويؤثرون على أنفسهم ~~ولو كان بهم خصاصة (1) ومن يوق شح نفسه فاولئك هم المفلحون » (2) فمدح ~~فعلهم ، وقال في موضع آخر : « ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا ~~» (3) فنحن نكتفي بهذا. # فقال رجل من الجلساء : إنا رأيناكم تزهدون في الأطعمة الطيبة ومع ذلك ~~تأمرون الناس بالخروج من أموالهم حتى تمتعوا أنتم بها ، فقال لهم أبو عبد ~~الله : دعوا عنكم ما لا ينتفع به ، أخبروني أيها النفر ، ألكم علم بناسخ ~~القرآن من منسوخه ، ومحكمه من متشابهه ، الذي في مثله ضل من ضل وهلك من هلك ~~من هذه الامة؟ فقالوا له : أو بعضه فأما كله فلا ، فقال عليه السلام لهم : ~~فمن هاهنا PageV01P212 # أتيتم ، وكذلك أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأما ما ذكرتم من ~~أخبار الله إيانا في كتابه عن القوم الذين أخبر عنهم بحسن فعالهم فقد كان ~~مباحا جائزا ولم يكونوا نهوا عنه ms149 ، وثوابهم منه على الله عز وجل ، وذلك أن ~~الله جل وتقدس أمر بخلاف ما عملوا به فصار أمره ناسخا لفعلهم وكان نهى ~~تبارك وتعالى رحمة منه للمؤمنين ، ونظرا لكي لا يضروا بأنفسهم وعيالاتهم ، ~~منهم الضعفة الصغار والوالدان والشيخ الفاني والعجوزة الكبيرة الذين لا ~~يصبرون على الجوع ، فان تصدقت برغيفي ولا رغيف لي غيره ضاعوا وهلكوا جوعا ، ~~فمن ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : خمس تمرات أو خمسة قرص أو ~~دنانير أو دراهم يملكها الانسان وهو يريد أن يمضيها ، فأفضلها ما أنفقه ~~الانسان على والديه ، ثم الثانية على نفسه وعياله ، ثم الثالثة على قرابته ~~من الفقراء ، ثم الرابعة على جيرانه الفقراء ، ثم الخامسة في سبيل الله وهو ~~أفضلها أجرا. # وقال صلى الله عليه وآله وسلم للأنصاري حين أعتق عند موته خمسة أو ستة من ~~الرقيق ولم يملك غيرهم وله أولاد صغار : لو أعلمتموني أمره ما تركتكم ~~تدفنونه مع المسلمين ، يترك صبيانه يتكففون الناس (1). # ثم قال : حدثني أبي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ابدأ بمن ~~تعول الأدنى فالأدنى. # ثم قال عليه السلام : هذا ما نطق به الكتاب ردا لقولكم ونهيا عنه مفروضا ~~من الله العزيز الحكيم قال : « والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا ~~وكان بين ذلك قواما » (2) أفلا ترون أن الله تبارك وتعالى قال غير ما أراكم ~~تدعون إليه من PageV01P213 # الاثرة على أنفسكم وسمى من فعل ما تدعون إليه مسرفا ، وفي غير آية من ~~كتاب الله يقول : « إنه لا يحب المسرفين » (1) فنهاهم عن الإسراف ونهاهم عن ~~التقتير لكن أمر بين أمرين ، لا يعطي جميع ما عنده ثم يدعو الله أن يرزقه ~~فلا يستجيب له ، للحديث الذي جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : أن أصنافا ~~من أمتي لا يستجاب لهم دعاؤهم ، رجل يدعو على والديه ، ورجل يدعو على غريم ~~ذهب له بمال فلم يكتب عليه ولم يشهد عليه ، ورجل يدعو على امرأته وقد جعل ~~الله عز وجل تخلية سبيلها بيده ، ورجل يقعد في ms150 بيته ويقول رب ارزقني ولا ~~يخرج ولا يطلب الرزق ، فيقول الله عز وجل له : عبدي ألم أجعل لك السبيل الى ~~الطلب والضرب في الأرض بجوارح صحيحة فتكون قد اعذرت فيما بيني وبينك في ~~الطلب لاتباع أمري ولكي لا تكون كلا على أهلك ، فإن شئت رزقتك وإن شئت قترت ~~عليك ، وأنت معذور عندي. # ورجل رزقه الله مالا كثيرا فأنفقه ثم أقبل يدعو يا رب ارزقني ، فيقول ~~الله عز وجل : ألم أرزقك رزقا واسعا فهلا اقتصدت فيه كما أمرتك ، ولم تسرف ~~فيه وقد نهيتك عن الإسراف. # ورجل يدعو في قطيعة رحم ، ثم علم الله جل اسمه نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ~~كيف ينفق ، وذلك أنه كان عنده اوقية من الذهب فكره أن تبيت عنده فتصدق بها ~~، فأصبح وليس عنده شيء ، وجاء من يسأله ولم يكن عنده ما يعطيه فلامه السائل ~~، واغتم هو حيث لم يكن عنده ما يعطيه وكان رحيما رقيقا فأدب الله عز وجل ~~نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأمره فقال : « ولا تجعل يدك مغلولة الى عنقك ولا ~~تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا » (2) يقول : إن الناس قد PageV01P214 # يسألونك ولا يعذرونك ، فاذا أعطيت جميع ما عندك من المال كنت قد حسرت من المال. # فهذه أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصدقها الكتاب ، والكتاب ~~يصدقه أهله من المؤمنين ، ثم من علمتم من بعده في فضله وزهده سلمان ~~رضياللهعنه وأبو ذر رضياللهعنه فأما سلمان فكان اذا أخذ عطاءه رفع منه قوته ~~لسنة ، حتى يحضر عطاؤه من قابل ، فقيل له : يا أبا عبد الله أنت في زهدك ~~تصنع هذا وأنت لا تدري لعلك تموت اليوم أو غدا ، فكان جوابه أن قال : مالكم ~~لا ترجون لي البقاء كما خفتم علي الفناء ، أما علمتم يا جهلة أن النفس قد ~~تلتاث (1) على صاحبها اذا لم يكن لها من العيش ما تعتمد عليه فاذا أحرزت ~~معيشتها اطمأنت. # وأما أبو ذر رحمه الله فكانت له نويقات وشويهات يحلبها ويذبح منها اذا ~~اشتهى اللحم أو نزل ms151 به ضيف ، أو رأى بأهل الماء الذين هم معه خصاصة ، نحر ~~لهم الجزور أو من الشاة على قدر ما يذهب عنهم بقرم اللحم (2) فيقسمه بينهم ~~ويأخذ هو كنصيب واحد منهم لا يتفضل عليهم ، ومن أزهد من هؤلاء؟ وقد قال ~~فيهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما قال ، ولم يبلغ من أمرهما أن صار لا ~~يملكان شيئا البتة ، كما تأمرون الناس بإلقاء أمتعتهم وشيئهم ويؤثرون على ~~أنفسهم وعيالاتهم. # واعلموا أيها النفر أني سمعت أبي يروي عن آبائه عليهم السلام أن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال يوما : ما عجبت من شيء كعجبي من المؤمن PageV01P215 # انه اذا قرض جسده في دار الدنيا بالمقاريض كان خيرا له ، وإن ملك ما بين ~~مشارق الأرض ومغاربها كان خيرا له ، وكل ما يصنع به فهو خير له ، فليت شعري ~~هل يحق فيكم ما قد شرحت لكم منذ اليوم أم أزيدكم؟ # أما علمتم أن الله عز وجل قد فرض على المؤمنين في أول الأمر أن يقاتل ~~الرجل منهم عشرة من المشركين ليس له أن يولي وجهه عنهم ، ومن ولاهم يومئذ ~~دبره فقد تبوأ (1) مقعده من النار ، ثم حولهم من حالهم رحمة منه لهم ، فصار ~~الرجل منهم عليه أن يقاتل رجلين من المشركين تخفيفا من الله عز وجل ~~للمؤمنين فنسخ الرجلان العشرة. # أقول : لما هاجر المسلمون من مكة الى المدينة بدء الهجرة كانوا لا يجدون ~~مأوى ولا مطعما ، فكان الإيثار من الأنصار أمرا لازما إلى أن يتم للمهاجرين ~~ما يحتاجون إليه ، ولما أن تم له ما احتاجوه نسخ الإيثار بالتوسط في ~~الإنفاق فكان كلام الصادق عليه السلام عن العشرة بدء الجهاد ، وعند ما كثر ~~المسلمون وأحسن منهم الضعف والعجز ونسخه بالرجلين تنظيرا لكلامه الأول. # ثم قال عليه السلام : واخبروني أيضا عن القضاة أجورة (2) هم حيث يقضون على ~~الرجل منكم نفقة امرأته اذا قال : إني زاهد وإني لا شيء لي؟ فإن قلتم جورة ~~ظلمتم أهل الاسلام ، وإن قلتم بل عدول خصمتم أنفسكم ، وحيث يردون صدقة ms152 من ~~تصدق على المساكين عند الموت باكثر من الثلث. # أقول : وذلك فيما اذا أوصى أحد باكثر من ثلث ماله بعد الموت ، فإنها لا ~~تمضي الوصية إلا في الثلث دون ما زاد ، وقوله « وحيث يردون » أي يرد PageV01P216 # القضاة. # ثم قال عليه السلام : أخبروني لو كان الناس كلهم كالذين تريدون زهادا لا ~~حاجة لهم في متاع غيرهم ، فعلى من يصدق بكفارة الأيمان والنذور والصدقات من ~~فرض الذهب والفضة والتمر والزبيب وسائر ما أوجب فيه الزكاة من الإبل والبقر ~~والغنم وغير ذلك؟ اذا كان الأمر كما تقولون لا ينبغي لأحد أن يحبس شيئا من ~~عرض الدنيا إلا قدمه وإن كان به خصاصة ، فبئس ما ذهبتم فيه وحملتم الناس ~~عليه من الجهل بكتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وأحاديثه ~~التي يصدقها الكتاب المنزل ، وردكم إياها بجهالتكم وترككم النظر في غرائب ~~القرآن من الناسخ والمنسوخ ، والمحكم والمتشابه والأمر والنهي. # واخبروني أين أنتم عن سليمان بن داود عليهما السلام حيث سأل الله ملكا لا ~~ينبغي لأحد من بعده ، فأعطاه الله عز وجل اسمه ذلك ، وكان يقول الحق ويعمل ~~به ، ثم لم نجد الله عز وجل عاب عليه ذلك ولا أحد من المؤمنين ، وداود ~~النبي قبله في ملكه وشدة سلطانه. # ثم يوسف النبي عليه السلام حيث قال لملك مصر : اجعلني على خزائن الأرض إني ~~حفيظ عليم ، فكان من أمره الذي كان أن اختار مملكة الملك وما حولها الى ~~اليمين ، وكانوا يمتارون الطعام من عنده لمجاعة أصابتهم وكان يقول الحق ~~ويعمل به ، ثم لم نجد احدا عاب عليه ذلك. # فتأدبوا أيها النفر بآداب الله عز وجل للمؤمنين ، اقتصروا على أمر الله ~~ونهيه ، ودعوا عنكم ما اشتبه عليكم مما لا علم لكم به ، وردوا العلم إلى ~~أهله تؤجروا وتعذروا عند الله تبارك وتعالى ، وكونوا في طلب علم ناسخ ~~القرآن من منسوخه ومحكمه من متشابهه ، وما أحله الله فيه مما حرم فإنه أقرب ~~لكم من الله ، وأبعد PageV01P217 # لكم من الجهل ، ودعوا الجهالة لأهلها ، فإن أهل ms153 الجهل كثير ، وأهل العلم ~~قليل ، وقد قال الله عز وجل : « وفوق كل ذي علم عليم » (1). # أقول : ما أوقع الناس في مهامه الجهالة ، ومتائه الضلالة إلا الاعتماد ~~على آرائهم وخواطرهم دون ان يراجعوا في الكتاب والسنة الى الثقل الثاني ~~العترة علماء الكتاب والسنة ، وقد رأيت كيف أوضح لهم الحق في شأن الزهد. ### ||| مناظرته في صدقة : # لا ريب في أن الناس تقع بالجهل والتيه اذا اعتمدوا على أنفسهم دون أن ~~يرجعوا الى أهل العلم الصادق ، فيكون الجاهل تائها في قفار الجهل ويحسب أنه ~~عالم بالشريعة ، ومن الذي يرشده الى الهدى والناس مثله اذا لم يكن المرشد ~~العالم بالشريعة كما جاءت. # ولقد كانت بين الصادق عليه السلام وبين جاهل يدعي العلم مناظرة في صدقة ~~يحدثنا عنها الصادق نفسه فيقول : إن من اتبع هواه واعجب برأيه كان كرجل ~~سمعت غثاء الناس تعظمه وتصفه ، فأحببت لقاءه حيث لا يعرفني ، فرأيته قد ~~أحدق به كثير من غثاء العامة ، فما زال يراوغهم حتى فارقهم ولم يقر فتبعته ~~، فلم يلبث أن مر بخباز فتغفله وأخذ من دكانه رغيفين مسارقة ، فتعجبت منه ، ~~ثم قلت في نفسي : لعله معاملة ، ثم أقول : وما حاجته إذن الى المسارقة ، ثم ~~لم أزل أتبعه حتى مر بصاحب رمان ، فما زال به حتى تغفله فأخذ من عنده ~~رمانتين مسارقة ، فتعجبت منه ثم قلت في نفسي : لعله معاملة ، ثم أقول : وما ~~حاجته إذن إلى المسارقة ، ثم لم أزل PageV01P218 # أتبعه حتى مر بمريض فوضع الرغيفين والرمانتين بين يديه. # ثم سألته عن فعله فقال : لعلك جعفر بن محمد ، قلت : بلى ، فقال لي : وما ~~ينفعك شرف أصلك مع جهلك؟ فقلت : وما الذي جهلت منه؟ قال : قول الله عز وجل ~~« من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها » ~~(1) وإني لما سرقت الرغيفين كانت سيئتين ، ولما سرقت الرمانتين كانت سيئتين ~~، فهذه أربع سيئات فلما تصدقت بكل واحدة منها كان لي أربعين حسنة ، فانتقص ~~من أربعين حسنة أربع سيئات وبقي لي ست وثلاثون حسنة ، فقلت : ثكلتك امك ms154 أنت ~~الجاهل بكتاب الله ، أما سمعت الله تعالى يقول « إنما يتقبل الله من ~~المتقين » إنك لما سرقت رغيفين كانت سيئتين ، ولما سرقت رمانتين كانت أيضا ~~سيئتين ، ولما دفعتها الى غير صاحبها بغير أمر صاحبها كنت إنما أضفت أربع ~~سيئات الى أربع سيئات ، ولم تضف أربعين حسنة الى أربع سيئات ، فجعل يلاحظني ~~فانصرفت وتركته. # قال الصادق عليه السلام : بمثل هذا التأويل القبيح المستكره يضلون ويضلون (2). # أقول : وما اكثر أمثال هذا المتأول ولا غرابة بعد أن أعرضوا عن المنهل ~~واستقوا من السراب. # وهذه شذرات من مناظرات الصادق عليه السلام ومحاججاته مع من تنكب عن سبيل ~~الهدى ، وحاد عن سنن الحق ، وهي قطرة من غيث ، جئنا بها نموذجا من تلك ~~الحياة العلمية في الحجج والأدلة. PageV01P219 ### | سيرته وأخلاقه ### ||| تمهيد : # إن سيرة المرء تفصح عن سريرته ، وسريرته مطوية في سيرته. # قد يحاول غواة التدليس والرياء بحسن السمت والهدي إخفاء ما انطوت عليه ~~ضمائرهم وأجنته سرائرهم من الخديعة والاغواء ، بيد أنه ما أسرع ما تفضح ~~الأعمال تلك الطوايا ، والأقوال هاتيك النوايا ، فإن ما في القلب تظهره ~~فلتات اللسان وحركات الأعمال. # ثوب الرياء يشف عما تحته %~% فاذا التحفت به فإنك عار # وقد يروم رجال من ذوي الأخلاق الفاضلة وأرباب العرفان ألا تظهر منهم تلك ~~السرائر النقية والضمائر الزكية ، حذر الافتتان أو الشهرة ، فلا يلبث دون ~~أن تضوع تلك النفحات الذكية ، ويضيء سنا تلك النفس القدسية. # ومهما تكن عند امرئ من خليقة %~% وإن خالها تخفى على الناس تعلم # وهذه ألسنة الخلق فإنها في الكشف عن الحقائق أقلام الحق. # نعم ربما تنبري فئة للدفاع عن تلك الشرذمة الخادعة عصبية أو اغترارا ~~بظاهر تلك الشؤون الصالحة ، أو تندفع زمرة للمس بكرامة هؤلاء الأبدال ~~أتباعا لقوم فتكت فيهم أدواء الحسد والأحقاد ، أو الجهل والعناد ، ولكن ~~الحقيقة لا يجهلها البصير ، وأن الشمس لا يسترها الغربال. PageV01P220 # وها هو ذا الصادق عليه السلام تدلنا سيرته وتعلمنا عن سريرته ، أنه من أهل ~~البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، ومن العترة التي تركها ~~النبي ms155 صلى الله عليه وآله وسلم في امته لتكون بيانا عن كتابه الصامت ، وليكونا ~~معا العروة الوثقى التي لا انفصام لها والتي ينجو المستمسك بها من مهاوي ~~الضلال. # فكانت سيرته القويمة تريد بالناس إخراجهم من الغواية الى الهداية ، ومن ~~العمى الى البصر ، ومن الجهل الى العلم ، وتلك السريرة مطوية في هذه ~~السيرة. # ونحن نورد من سيرته ما يعرب عن تلك الأخلاق العظيمة والنفسية القدسية ~~العلوية ، التي لا ترى غير الجهاد في الإرشاد والإصلاح هما ولا همة. ### ||| آدابه في العشرة : # إن الأخلاق الحميدة قد تكون غرائز نفسية ، وطبائع فطرية ، أمثال السماحة ~~والشجاعة والبشاشة والبلاغة ، وقد تكون بالتعلم والاكتساب مثل العبادة ~~والزهادة والمعارف والعلوم والآداب. # وإن من يسبر سيرة هاشم وبنيه يجدهم قد جمعوا الفضائل بقسميها ، والأخلاق ~~بشطريها ، حتى اذا نبغ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من بينهم وأخذ من كل ~~فضيلة بأسماها كما يقتضيه منصبه الإلهي كان بنوه أحق من درج على سنته واتبع ~~جميل أثره لا سيما والفضيلة شعار قبيلتهم قبل هذا التراث من رسول الأخلاق ~~والفضائل. # ومن يستقص سيرة أبي عبد الله عليه السلام يعرف أنه الشخصية المثالية لأبيه ~~المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم وما المرء إلا بعمله ، ولئن سكت عن بيان حاله ~~فأعماله ترجمان ذاته وصفاته. PageV01P221 # ولقد مر عليك ما قاله العلماء في شأنه ، وكفى عن تعريف شخصيته ما قرأته ~~من حياته العلمية ، وسوف تقرأ المختار من كلامه فتتمثل له منزلته في ~~الأخلاق والفضيلة من تلك النوادر الغالية ، وكان الجدير أن يكون مثالا ~~لكلامه قبل أن يحمل عليه رجاله والآخذين عنه. # فلا نستكبر منه إذن أن يكون بين أصحابه كأحدهم لا تظهر عليه آثار العزة ~~وحشمة الإمامة ، فقد خرج يوما وهو يريد أن يعزي ذا قرابة بفقد مولود له ، ~~ومعه بعض أصحابه فانقطع شسع نعله ، فتناول نعله من رجله ، ثم مشى حافيا ، ~~فنظر إليه ابن أبي يعفور (1) فخلع نعل نفسه من رجله وخله الشسع منها ~~وناولها أبا عبد الله عليه السلام ، فأعرض عنه كهيئة المغضب ثم أبى ms156 أن يقبله ~~، وقال : لا ، صاحب المصيبة أولى بالصبر عليها ، فمشى حافيا حتى دخل على ~~الرجل الذي أتاه ليعزيه. # وكان اذا بسط المائدة حثهم على الأكل ورغبهم فيه ، ولربما يأتيهم بالشيء ~~بعد الشبع ، فيعتذرون فيقول : ما صنعتم شيئا إن أشدكم حبا لنا أحسنكم أكلا ~~عندنا ، ثم يروي لهم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمثال ذلك لتطيب نفوسهم ~~بالأكل وترغب بالزيادة ، ويروي لهم هذا القول ، أعني « أشدكم حبا لنا ~~أحسنكم أكلا عندنا » عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع سلمان والمقداد وأبي ذر. # وقد يجيء بالقصعة من الارز بعد انتهائهم من الأكل ، فاذا امتنع أحدهم من ~~الأكل قال له : يعتبر حب الرجل لأخيه بانبساطه في طعامه ، ثم يجوز له حوزا ~~ويحمله على أكله ، واذا رآهم يقصرون في الأكل خجلا قال لهم : تستبين PageV01P222 # مودة الرجل لأخيه في أكله (1). # وكان اذا أطعم أصحابه يأتيهم بأجود الطعام ، قال بعضهم : كان أبو عبد ~~الله عليه السلام ربما أطعمنا الفراني والأخبصة ، ثم أطعمنا الخبز والزيت ~~فقيل له : لو دبرت أمرك حتى يعتدل يوماك ، فقال : إنما نتدبر بأمر الله اذا ~~وسع وسعنا واذا قتر قترنا. # وقال أبو حمزة : كنا عند أبي عبد الله عليه السلام جماعة فاتينا بطعام ما ~~لنا عهد بمثله لذاذة وطيبا ، وأتينا بتمر ننظر فيه وجوهنا من صفائه وحسنه (2). # وكان مع ذلك الشأن والسن يمنع ضيفه من القيام لبعض الحوائج فإن لم يجد ~~أحدا قام هو بنفسه ، ويقول : نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن أن ~~يستخدم الضيف (3). # ولرغبته في بقاء الضيف عنده كان لا يساعده على الرحيل عنه ، كما صنع ذلك ~~مع قوم من جهينة ، فإنه أمر غلمانه ألا يعينوهم على الرحلة ، فقالوا له : ~~يا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقد أضفت فأحسنت الضيافة ، وأعطيت ~~فأجزلت العطية ، ثم أمرت غلمانك ألا يعينونا على الرحلة ، فقال عليه السلام ~~: إنا أهل بيت لا نعين أضيافنا على الرحلة من عندنا (4). # وكان من حبه للبر والإطعام والتزاور أن يأمر بها ms157 أصحابه تصريحا وتلويحا ، ~~ولربما كان التلويح أجمل في الترغيب بالعمل ، حيث يخبر عن حبه لتلك الخصال ~~الكريمة ، فيقول : لئن آخذ خمسة دراهم وأدخل الى سوقكم هذه فأبتاع PageV01P223 # بها الطعام وأجمع نفرا من المسلمين أحب إلي من أن أعتق نسمة (1). # ويقول : لئن أطعم مؤمنا محتاجا أحب إلي من أن أزوره ، ولئن أزوره أحب إلي ~~من أن أعتق عشر رقاب (2). وما أكثر ما جاء عنه من أمثال ما أوردناه. # وإخال أن السر في تقديم بعض هذه الامور على بعض هو رعاية الالفة والتوادد ~~فما كان أدخل في الاجتماع كان أفضل. # وانظر كيف يقرب لك حسن الصنيعة والافضال ليحملك على هذا العمل الجميل ~~فيقول : ما من شيء أسر إلي من يد أتبعتها الاخرى ، لأن من الأواخر يقطع شكر ~~الأوائل (3). # أقول : إن الوجدان شاهد صدق على ذلك ، لأن اليد الواحدة اذا اتبعها ~~الانسان بقطيعة فوتت القطيعة شكر تلك الصنيعة ، فلا يدوم الشكر إلا إذا ~~تتابعت الأيدي. # وإن شئت أن تقف على عمله الذي يمثل لك العطف والبر فانظر الى ما كان ~~يعمله في ( عين زياد ) وهي ضيعة كانت له حول المدينة فيها نخل كثير ، فإن ~~بعض أصحابه طلب منه أن يذكر لهم ذلك. # قال عليه السلام : كنت آمر اذا أدركت الثمرة أن يثلم في حيطانها الثلم ~~ليدخل الناس ويأكلوا ، وكنت آمر في كل يوم أن يوضع عشر ثبنات (4) يقعد على ~~كل ثبنة عشرة ، كلما أكل عشرة جاء عشرة اخرى ، يلقي لكل منهم مد من PageV01P224 # رطب ، وكنت آمر لجيران الضيعة كلهم الشيخ والعجوز والصبي والمريض والمرأة ~~ومن لا يقدر أن يجيء فيأكل منها ، لكل إنسان مد ، فاذا كان الجداد (1) وفيت ~~القوام والوكلاء والرجال أجرتهم ، وأحمل الباقي الى المدينة ، ففرقت في أهل ~~البيوتات والمستحقين الراحلتين والثلاث والأقل والأكثر على قدر استحقاقهم ، ~~وحصل لي بعد ذلك ألف دينار ، وكان غلتها أربعة آلاف دينار (2). # وهذا الإنفاق وإن بلغ ثلاثة آلاف دينار لا يستكثر على سماحة أهل البيت ، ~~وإنما الجميل فيه اهتمامه في صلة المعوزين ومواصلة البر لهم. # وإن ms158 الأفضل في الأخلاق ما يحكيه عن نفسه بقوله : إنه ليعرض لي صاحب ~~الحاجة فابادر الى قضائها مخافة أن يستغني عنها صاحبها (3). # هذه بعض أخلاقه العالية التي تمثل لك البر والعاطفة وتجسم لك الحنان ~~والرأفة ، فكأنما الناس كلهم عياله وإخوانه وآله ، ولا بدع فذلك شأن الإمام ~~في الامة. ### ||| سخاؤه : # إن السخاء وإن كان خلة كريمة في نفسه ، وفائدة لمن يجىء بالعطاء ، إلا أن ~~فيه عدا هذا فوائد اخرى اجتماعية ملموسة ، إن الكريم يحمل الناس على حب ~~الكريم ، والحب داعية الائتلاف ، بل ربما كان الحب سلما لرئاسة ذي الجود ~~والإصغاء لقوله ، وكم تكون من جدوى زعامة المرء واستماع كلامه اذا كان من ~~أهل الصلاح والخير. PageV01P225 # وهو القائل للمعلى بن خنيس : يا معلى تحبب الى إخوانك بصلتهم ، فان الله ~~تعالى جعل العطاء محبة والمنع مبغضة ، فأنتم والله إن تسألوني واعطيكم أحب ~~إلي من ألا تسألوني فلا اعطيكم فتبغضوني (1). # فكان الصادق عليه السلام يعطي العطاء الجزيل ، العطاء الذي لا يخاف صاحبه ~~الفقر ، وقد سبق في الأخلاق بعض هباته ، كما سيأتي الوفر من صلاته. # وقد أعطى مرة فقيرا أربعمائة درهم فأخذها وذهب شاكرا ، فقال لعبده : ~~ارجعه ، فقال : يا سيدي سئلت فأعطيت فما ذا بعد العطاء؟ فقال له : قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم : خير الصدقة ما أبقت غنى وإنا لم نغنك ، فخذ هذا ~~الخاتم فقد أعطيت فيه عشرة آلاف درهم فإذا احتجت فبعه بهذه القيمة (2). # أحسب أن الصادق عليه السلام إنما زاده للشكر ، والشكر داعية المزيد يقول ~~تعالى : « ولئن شكرتم لأزيدنكم » ولقد زاد سائلا من ثلاث حبات عنب الى كفين ~~الى نحو من عشرين درهما الى قميص ، وما ذاك إلا لأن السائل قنع في الاولى ~~وحمد الله تعالى وما كف عن عطائه إلا بعد أن كف عن الحمد ودعا للصادق ~~عليه السلام (3). # ودخل عليه أشجع السلمي (4) فوجده عليلا فجلس وسأل عن علة مزاجه ، فقال ~~الصادق له : تعد عن العلة واذكر ما جئت له ، فقال : # ألبسك الله منه عافية %~% في نومك المعتري وفي أرقك ms159 PageV01P226 يخرج من جسمك السقام كما %~% أخرج ذل السؤال من عنقك # فقال : يا غلام أي شيء معك ، قال : أربعمائة ، قال : اعطها لأشجع (1) ~~ودخل عليه المفضل بن قيس بن رمانة ، وكان من رواته الثقات وأصحابه الأخيار ~~فشكا إليه بعض حاله وسأله الدعاء ، فقال : يا جارية هاتي الكيس الذي وصلنا ~~به أبو جعفر ، فجاءت بكيس ، فقال : هذا كيس فيه أربعمائة دينار فاستعن به ، ~~فقال له : لا والله جعلت فداك ما أردت هذا ولكن أردت الدعاء ، فقال له : ~~ولا أدع الدعاء ، ولكن لا تخبر الناس بكل ما أنت فيه فتهون عليهم (2). # وهذه بعض نفحاته الجزيلة ، وما ذكرناها إلا مثالا لذلك الخلق السامي ~~وتدليلا على تخلقه بهذه الخلة الحميدة ، ولا نريد أن نذكر له كل نفحة طيبة ~~وبما مضى ويأتي كفاية. ### ||| هباته السرية : # إن الصلة وإن كانت من الأب أو ممن هو أرفق منه كالإمام قد تحدث في القابل ~~انكسارا وذلة ، لأنها تنبئ عن تفضل المعطي وحاجة الآخذ ، والحاجة نقص ، ~~والشعور به يحدث الانكسار في النفس. # وقد تحدث في المعطي هزة الإفضال ، وتبجح المتفضل ، هذا سوى ما قد يكون ~~للعطية في بعض النفوس من حب الذكر والفخر والسمعة أو الرياء أو ما سوى ذلك ~~مما تكرم عنه النفوس النزيهة النقية. PageV01P227 # فلهذا أو لغيره كان دأب أرباب الأخلاق الفاضلة التكتم في الصلة وشأن أهل ~~البيت خاصة التستر في صلاتهم ، فلا تكاد تمر عليك سيرة إمام منهم إلا وتجد ~~فيها ترقبه للغلس ليتخذه سترا في الهبات والصلات. # فلا أرى ذلك الإصرار على الأسرار إلا لأنهم لا يريدون أن يشاهدوا على ~~الآخذ ذلة الحاجة والخضوع للمتفضل المحسن ، وإنهم أزكى نفسا وأعلى شأنا من ~~أن يخافوا الفتنة في الإعلان. # ومن ثم تجد الصادق اذا جاء الغلس أخذ جرابا فيه الخبز واللحم والدراهم ~~فيحمله على عاتق ، ثم يذهب الى أهل الحاجة من أهل المدينة فيقسمه فيهم وهم ~~لا يعرفونه ، وما علموا ذلك حتى مضى لربه فافتقدوا تلك الصلات ، فعلموا ~~أنها كانت من أبي عبد الله عليه السلام (1). # وهذه السيرة درج ms160 عليها آباؤه من قبل ، ونهج عليها بنوه من بعد. # وما كانت سيرته تلك مع أهل المدينة خاصة بل يعمل ذلك حتى مع الهاشميين ، ~~فإنه كان يتعاهدهم بالصلة ويتخفى في نسبتها إليه ، وكان يرسل إليهم بصرر ~~الدنانير ويقول للرسول : قل لهم إنها بعث بها من العراق ، ثم يسأل الرسول ~~بعد عودته عما قالوه فيقول : إنهم يقولون : أما أنت فجزاك الله خيرا بصلتك ~~قرابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأما جعفر فحكم الله بيننا وبينه فيخر ~~أبو عبد الله عليه السلام ساجدا ويقول اللهم أذل رقبتي لولد أبي (2). # وأعطى يوما صرة لأبي جعفر الخثعمي (3) وأمره بأن يدفعها الى رجل من بني ~~هاشم وأمره بكتمان الأمر ، فلما أوصله بالصرة قال : جزاه الله خيرا ما يزال PageV01P228 # كل حين يبعث بها فنعيش بها الى قابل ، ولكني لا يصلني جعفر بدرهم مع كثرة ~~ماله (1). # وكان لا يترك صلاته حتى لقاطعيه منهم ، وحتى ساعة الاحتضار ، فإنه حين ~~دنا أجله وكان في سكرات الموت أمر بإجراء العطاء ، وأمر للحسن بن علي ~~الأفطس (2) بسبعين دينارا فقيل له : أتعطي رجلا حمل عليك بالشفرة ليقتلك؟ ~~فقال عليه السلام : ويحكم أما تقرءون : « والذين يصلون ما أمر الله به أن ~~يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب » (3). إن الله خلق الجنة فطيبها ~~وطيب ريحها ليوجد من مسيرة ألفي عام ولا يجد ريحها عاق ولا قاطع رحم (4). # هذه نفحات من هباته السرية ، وصلاته الخفية ، التي تمثل لك الرحمة ~~والرأفة. ### ||| حلمه : # وكان التجاوز عليه يأتيه من القريب والبعيد ، فلا يقابله إلا بالصفح بل ~~ربما قابله بالبر والإحسان. # وقد مر عليك شطر منه في العنوان الماضي وكثير في حياته السياسية في محنه ~~وسيأتي في أبواب كثيرة ، ونحن نورد لك الآن بعض ما ينبيك عن هذا الخلق PageV01P229 # الكريم. # فكان اذا بلغه نيل منه ووقيعة وشتم يقوم فيتهيأ للصلاة فيصلي ثم يدعو ~~طويلا ملحا في الدعاء سائلا ربه ألا تؤاخذ ذلك الجاني بظلمه ولا يقايسه على ~~ما جنى ، لأن الحق حقه ، وقد وهبه للجاني غافرا له ظلمه ms161 (1). # بل يزيد على ذلك في ذوي رحمه فيقول : إني لا حب أن يعلم الله أني أذللت ~~رقبتي في رحمي ، وأني لأبادر أهل بيتي أصلهم قبل أن يستغنوا عني (2). # إن الحوادث محك ، وبها تعرف مقادير الرجال ، وبها تبلى السرائر ومن ثم ~~تعرف الفرق بين أبي عبد الله وبين ذوي قرابته ، فكان يجفوه أحدهم ، بل ينال ~~منه الآخر شتما ونبزا ، بل يحمل عليه الثالث بالشفرة عامدا على قتله ، وليس ~~هناك ما يدعوهم الى تلك الجفوة والقسوة والقطيعة فيعاملهم على عكس ما فعلوه ~~معه ، فتراه واصلا بدل القطيعة ، وبارا عوض الجفاء ، وعاطفا بدل القسوة. # لقد أحزنته تلك النكبات التي أوقعها المنصور ببني الحسن حتى لقد بكى وظهر ~~عليه الجزع والاستياء بل حم أياما حين حمل المنصور شيوخ بني الحسن ورجالهم ~~من المدينة الى الكوفة ، وهم قد لاقوه بسيئ القول بالابواء يوم أرادوا ~~البيعة لمحمد ، وما زال محمد وأبوه عبد الله يلاقيانه بالقول السيئ زعما ~~منهما أنه كان حجر عثرة في سبيل البيعة لمحمد ، ولما أن ظهر محمد بالمدينة ~~أرسل على الصادق يريد منه البيعة ، وحين امتنع عليه قابله بسوء القول ~~والفعل ، وكم تجرع غصصا من بني العباس ورجالهم ، ولو لم يكن قادرا على شيء ~~ينتقم به منهم إلا الدعاء لكفى به سلاحا ماضيا. PageV01P230 # وما كان الحلم شعاره مع الأقربين من أهله فحسب ، بل كان مع مواليه وسائر ~~الناس ، فقد بعث غلاما له في حاجة فأبطأ فخرج على أثره فوجده نائما فجلس ~~عند رأسه يروح له حتى انتبه ، فلما انتبه لم يكن منه معه إلا أن قال : يا ~~فلان ما ذلك لك تنام الليل والنهار ، لك الليل ولنا منك النهار (1). # وبعث مرة غلاما له أعجميا في حاجة ثم جاء الغلام فاستفهم الصادق ~~عليه السلام الجواب والغلام يعني عن إفهامه ، حتى تردد ذلك منه مرارا ~~والغلام لا ينطق لسانه ولا يستطيع إفهامه ، فبدلا من أن يغضب عليه أحد ~~النظر إليه وقال : لئن كنت عيي اللسان فما أنت بعيي القلب ، ثم قال ~~عليه السلام : إن الحياء ms162 والعفاف والعي عي اللسان لا عي القلب من الإيمان ، ~~والفحش والبذاءة والسلاطة (2) من النفاق (3). # ونهى أهل بيته عن الصعود فوق البيت فدخل يوما فإذا جارية من جواريه ممن ~~تربي بعض ولده قد صعدت في سلم والصبي معها ، فلما بصرت به ارتعدت وتحيرت ~~وسقط الصبي الى الأرض فمات ، فخرج الصادق وهو متغير اللون فسئل عن ذلك فقال ~~: ما تغير لوني لموت الصبي وإنما تغير لوني لما أدخلت على الجارية من الرعب ~~، وكان قد قال لها : أنت حرة لوجه الله لا بأس عليك ، مرتين (4). # وما كان هذا رأيه مع أهله وغلمانه فحسب بل كان ذلك شأنه مع الناس كافة ، ~~فإنه نام رجل من الحاج في المدينة فتوهم أن هميانه سرق فخرج فرأى PageV01P231 # الصادق مصليا ولم يعرفه فتعلق به وقال : أنت أخذت همياني ، قال : ما كان ~~فيه؟ قال : ألف دينار ، فحمله الى داره ووزن له ألف دينار ، وعاد الرجل الى ~~منزله ووجد هميانه ، فعاد الى الصادق معتذرا بالمال ، فأبى قبوله ، وقال : ~~شيء خرج من يدي لا يعود إلي ، فسأل الرجل عنه ، فقيل : هذا جعفر الصادق ، ~~قال : لا جرم هذا فعال مثله (1). # بل دأب على هذه الخلة حتى مع ألد أعدائه ، فإنه لما سرحه المنصور من ~~الحيرة خرج ساعة أذن له وانتهى الى موضع السالحين في أول الليل فقال له : ~~لا أدعك أن تجوز فألح عليه وطلب إليه فأبى إباء شديدا وكان معه من أصحابه ~~مرازم (2) ومن مواليه مصادف (3) فقال له مصادف : جعلت فداك إنما هذا كلب قد ~~آذاك ، وأخاف أن يردك ، وما أدري ما يكون من أمر أبي جعفر ، وأنا ومرازم ~~أتأذن لنا أن نضرب عنقه ثم نطرحه في النهر ، فقال : كيف يا مصادف ، فلم يزل ~~يطلب إليه حتى ذهب من الليل اكثره ، فأذن له فمضى ، فقال : يا مرازم هذا ~~خير أم الذي قلتما؟ قلت : هذا جعلت فداك ، فقال : يا مرازم إن الرجل يخرج ~~من الذل الصغير ذلك في الذل الكبير (4). # أقول : لعله عنى من الذل الكبير القتل ، والذل الصغير الطلب ، والخطاب ~~خطاب ms163 إنكار. # هذا بعض ما كان منه مما دلك على ذلك الحلم العظيم ، الذي كان يلاقي به ~~تلك الاعتداءات والمخالفات لقوله ولأمره. PageV01P232 ### ||| عطفه : # إن الإمام لا يعرف فرقا في البر والعطف بين الناس ، فالناس قريبهم ~~وبعيدهم لديه شرع سواء ، وما كل من ينيلهم بذلك البر والصلة في جوف الليل ، ~~ويسعفهم من التمر من عين زياد ، ممن يرى إمامته وولاءه ، فالمسلمون كلهم لو ~~استطاع مغرس بره ، ومنال عطفه. # فمن بوادر عطفه ما كان منه مع مصادف مولاه ، فإنه دعاه فأعطاه ألف دينار ~~، وقال له : تجهز حتى تخرج الى مصر فإن عيالي قد كثروا فتجهز بمتاع وخرج مع ~~التجار الى مصر ، فلما دنوا من مصر استقبلتهم قافلة خارجة من مصر ، فسألوهم ~~عن المتاع الذي معهم ما حاله في المدينة ، وكان متاع العامة ، فأخبروهم أن ~~ليس بمصر منه شيء ، فتحالفوا وتعاقدوا على ألا ينقصوا من ربح دينار دينارا ~~، فلما قبضوا أموالهم انصرفوا الى المدينة ، فدخل مصادف على أبي عبد الله ~~عليه السلام ومعه كيسان في كل واحد ألف دينار ، فقال : جعلت فداك هذا رأس ~~المال وهذا الآخر ربح ، فقال عليه السلام : إن هذا الربح كثير ، ولكن ما ~~صنعتم في المتاع ، فحدثه كيف صنعوا وكيف تحالفوا ، فقال : سبحان الله ~~تحلفون على قوم مسلمين ألا تبيعوهم إلا بربح الدينار دينارا ، ثم أخذ أحد ~~الكيسين ، فقال : هذا رأس مالي ، ولا حاجة لنا في الربح ، ثم قال : يا ~~مصادف مجالدة السيوف أهون من طلب الحلال (1). # أقول : إن هذا الربح الذي أخذه مصادف ما كان حراما حسب القواعد الشرعية ، ~~ولكن الصادق عليه السلام لا يريد من الناس إلا الإرفاق من بعضهم PageV01P233 # ببعض ، شأن الاخوة المتحابين لا سيما ساعة العسرة ، وكان ذلك التحالف ~~والتعاقد على خلاف ما تدعو إليه المروة ، وذلك الربح على غير ما يتطلبه ~~الإرفاق ، ومن ثم استنكر الصادق هذا العمل حتى عد الربح بهذا الوجه غير ~~حلال فسماه حراما على نحو المجاز ، وكان ذلك تعليما منه لمصادف ومن سمع منه ~~من أوليائه. # وتشاجر أبو حنيفة سائق الحاج ms164 (1) مع ختنه (2) فيه ميراث فمر عليهما ~~المفضل بن عمر ، وكان وكيلا للصادق عليه السلام في الكوفة ، وبعد ساعة من ~~وقوفه عليهما أمرهما بالمجيء معه الى الدار وأصلح أمرهما بأربعمائة درهم ~~ودفعها من عنده ، وبعد استيثاق كل واحد من صاحبه قال لهما : أما أنها ليست ~~من مالي ، ولكن أبو عبد الله عليه السلام أمرني اذا تنازع رجلان من أصحابنا ~~في شيء أن أصلح بينهما وافتديهم من ماله ، فهذا مال أبي عبد الله ~~عليه السلام (3). # أجل ما أفضل إصلاح ذات البين ، ولكن الأفضل فيه أن يفتدي المصلح من ماله ~~، وهذه هي العاطفة حقا التي تريك الرأفة والرحمة ملموستين. # وما كان حاله مع الغلامين والجارية فيما سبق في الحلم حلما فحسب ، بل حلم ~~وعطف ، فإنه لم يقنع بأن يصفح عما كان منهم دون أن يعطف على الأول فيروح له ~~، وهو إمام الامة ، ويمدح الثاني بأنه غير عيي القلب ، ويهب للجارية جرمها ~~، وما اكبره ، بل يزيد في الإحسان لها أن يحررها من رق العبودية. # وما أوفر عطفه فكم دعا لسجين بإطلاق سراحه كما في دعائه لسدير وعبد ~~الرحمن وهما من أصحابه وكانا في السجن ، وعلم أم داود الحسني ، وكان في PageV01P234 # سجن المنصور مع بني الحسن ، دعاء وعملا وصوما في الأيام البيض من رجب ، ~~فعملت ما قال فاطلق سراحه وما زال العمل يعرف الى اليوم بعمل أم داود ، الى ~~كثير سواهم. # وكم دعا لمريض بالعافية فعوفي ، كما في دعائه لحبابة الوالبية وكانت من ~~النساء الفاضلات ، وليونس بن عمار الصيرفي وهو من رجال الصادق الثقات ، ~~ولرجل عرض له وقد سئل له الدعاء ، ولا مرأة بها وضح في عضدها ، ولرجل جاءه ~~في البيت متعوذا وبه بلاء شديد ، الى غير هؤلاء. # وكم دعا لناس بسعة الحال فأصابوا الدعوة ، كما في طرخان النخاس وحماد بن ~~عيسى وغيرهما ، وسنذكر ذلك في استجابة دعائه. # ولا غرابة أن يكون أبو عبد الله عليه السلام على تلك العاطفة النبيلة ، ~~وما هي إلا بعض ما يجب أن يستشعره. ### ||| جلده : # إن من يلمس في أبي ms165 عبد الله عليه السلام تلك العاطفة الرقيقة التي تدر ~~دمعته وتذكي النار في قلبه رحمة ، وتختطف الدم من وجهه ، يستغرب كيف يكون ~~له الجلد الذي لا توازنه الجبال الشم في احتماله. # كان ابنه إسماعيل اكبر أولاده ، وهو ممن جمع الفضيلة والعقل والعبادة ~~فكان الصادق عليه السلام يحبه حبا شديدا ، حتى حسب بعض الناس أن الامامة فيه ~~بعد أبيه ، فلما مات وكان الصادق عند مرضه حزينا عليه جمع أصحابه وقدم لهم ~~المائدة وجعل فيها أفخر الأطعمة وأطيب الألوان ، ودعاهم الى الأكل وحثهم ~~عليه لا يرون للحزن أثرا عليه ، وكانوا يحسبون أنه سيجزع ويبكي ويتأثر ~~ويتألم ، فسألوه عن ذلك فقال لهم : وما لي لا اكون كما ترون PageV01P235 # وقد جاء في خبر أصدق الصادقين : إني ميت وإياكم. # ومات ابن له من غصة اعترته وهو يمشي بين يديه فبكى وقال : لئن أخذت لقد ~~أبقيت ، ولئن ابتليت لقد عافيت ، ثم حمله الى النساء فصرخن حين رأينه ، ~~فأقسم عليهن ألا يصرخن ، ثم أخرجه الى الدفن وهو يقول : سبحان من يقتل ~~أولادنا ولا نزداد له إلا حبا ، ويقول بعد الدفن : إنا قوم نسأل الله ما ~~نحب فيمن نحب فيعطينا ، فاذا أحب ما نكره فيمن نحب رضينا (1). # لا أدري من أيها يعجب المرء أمن جلد أبي عبد الله عليه السلام على هذه ~~المفاجأة المشجية ، أم من هذا الشكر المتوالي على مثل هذه النوائب المؤلمة ~~، أم من ذلك الحب للخالق على كل حال ، والرضى بما يصنع في كل أمر ، أم من ~~تلك البلاغة والفصاحة وتدافع الحكم البليغة ومطاوعتها له ساعة الدهشة ~~والذهول؟ # أجل لو لا هذه الملكات القدسية ، والأحوال المتضادة في شخصية أبي عبد ~~الله عليه السلام لم تكن الشخصية الوحيدة في خصالها وصفاتها. # وكفى إكبارا لجلده سقوط الولد من يد الجارية وموته ، وتغير لونه لفزع ~~الجارية وارتهابها ، ولم يظهر عليه الحزن والجزع لهذه المفاجأة بموت الصبي ~~على هذه الصور المشجية. # وما زال يشاهد الآلام والنوائب والمكاره طيلة أيامه من الدولتين ولم يعرف ~~التاريخ عنه تطامنا وخضوعا وجزعا وذهولا ms166 بل ما زال يظهر عليه الصبر والجلد ~~وتوطين النفس. ### ||| هيبته : # قد تكون الهيبة للرجال العظام من تلك الكبرياء التي يرتديها المرء نفسه ، PageV01P236 # أو من الذين حوله من خدم وأهل وقبيلة ، أو جند ودولة ، وهذه الهيبة لا ~~تختص بقوم ، فإن كل من تلبس بأحد هذه الشؤون اكتسى هذه الهيبة ، وهذه ~~الهيبة جديرة بأن تسمى الهيبة المصطنعة. # وقد تكون للمرء من دون أن يحاط بجيش وخدم وعشيرة ودولة وإمرة وكبرياء ، ~~تلك الهيبة التي لا تكون باللباس المستعار ، بل هي التي يفيضها الله تعالى ~~على من يشاء من عباده ، تلك الهيبة التي لا يزيلها التواضع وحسن الخلق ~~والانبساط ، تلك التي يلبسها العلم والعمل به ، من أراد عزا بلا عشيرة ~~وهيبة بلا سلطان ، فليخرج من ذل معصية الله الى عز طاعته ، وإن من خاف الله ~~أخاف منه كل شيء ، ومن لم يخف الله أخافه من كل شيء ، وهذه الهيبة جديرة ~~بأن تسمى الهيبة الذاتية. # إن المنصور كان صاحب تلك الهيبة المصطنعة ، ومن أوسع منه ملكا ، وأكثر ~~جندا ، وأقوى فتكا؟ ولكنه كان اذا نظر الى جعفر بن محمد الصادق عليه السلام ~~وهو عازم على قتله هابه وانثنى عن عزمه. # يقول المفضل بن عمر : إن المنصور قد هم بقتل أبي عبد الله عليه السلام غير ~~مرة فكان اذا بعث إليه ودعاه ليقتله فاذا نظر إليه هابه ولم يقتله (1) ولا ~~تختلف هذه الهيبة لأبي عبد الله عليه السلام باختلاف الناس معه فإن كل واحد ~~يشعر من نفسه بتلك الهيبة له ، سواء الولي والعدو ، والمؤالف والمخالف ، ~~فهذا هشام بن الحكم كان جهميا قبل أن يقول بالإمامة ، ولما التقى بالصادق ~~عليه السلام في صحراء الحيرة سكت وأطرق هيبة وإجلالا وهو اللسن المفوه ، ~~فأحس أن هذه الهيبة هي الهيبة التي يجلل الله بها أنبياءه وأوصياءهم PageV01P237 # عليهم السلام (1). # وهذه الهيبة التي أحسها هشام يوم كان جهميا كان يحسها يوم كان إماميا ~~وكانت بين هشام وبين عمرو بن عبيد مناظرة في الإمامة ، وقد قصد هشام عمروا ~~الى البصرة ، فسأله الإمام عما كان ms167 بينهما ليحكي له ما كان ، فقال هشام : ~~يا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إني أجلك وأستحييك ولا يعمل لساني ~~بين يديك (2). # وهذا ابن أبي العوجاء مع إلحاده كان أحيانا يحجم عن مناظرة الصادق ~~عليه السلام لتلك الهيبة ، فإنه حضر يوما لمناظرة الصادق ولكنه بعد أن جلس ~~سكت ، فقال له الصادق : فما يمنعك من الكلام؟ قال : إجلال لك ومهابة ، ما ~~ينطق لساني بين يديك ، فإني شاهدت العلماء ، وناظرت المتكلمين فما تداخلني ~~هيبة قط مثلما تداخلني من هيبتك (3). # على أن الصادق عليه السلام كان بين أصحابه وجلسائه كواحد منهم لا يتظاهر ~~بالعظمة وحشمة الإمامة ، وينبسط لهم بالكلام ، ويجلس معهم على المائدة ، ~~ويؤنسهم بالحديث ، ويحثهم على زيادة الأكل ، لئلا تمنعهم الهيبة من ~~الانبساط على المائدة واكل ما يشتهونه ، غير أن تلك الهيبة التي كانت شعاره ~~من الهيبة الذاتية التي تمنع العيون من ملاحظته والألسنة من الانطلاق بين ~~يديه ولم يكن محاطا بخدم ولا حجاب. PageV01P238 ### ||| عبادته : # إن المفهوم من العبادة عند إطلاق هذه الكلمة ، هو العبادة البدنية من ~~الصوم والصلاة والحج وما سواها ، مما يحتاج الى نية القربة ، وكان الصادق ~~عليه السلام في هذه العبادات زين العباد. # وهذا السبط في التذكرة يقول : قال علماء السير : قد اشتغل بالعبادة عن ~~طلب الرئاسة ، وابن طلحة في المطالب يقول : ذو علوم جمة وعبادة موفرة ~~وأوراد متواصلة ، ويقول : ويقسم أوقاته على أنواع الطاعات ، وهذا أبو نعيم ~~في الحلية يقول : أقبل على العبادة والخضوع ، وآثر العزلة والخشوع ولها عن ~~الرئاسة والجموع ، ومالك بن أنس يقول : كان جعفر بن محمد لا يخلو من إحدى ~~ثلاث خصال : إما صائما ، وإما قائما ، وإما ذاكرا ، وكان من عظماء العباد ، ~~واكابر الزهاد ، الذين يخشون الله عز وجل ، ولقد حججت معه سنة فلما استوت ~~به راحلته عند الإحرام كان كلما هم بالتلبية انقطع الصوت في حلقه ، وكاد أن ~~يخر من راحلته ، وقال : ما رأت عين ولا سمعت اذن ولا خطر على قلب بشر أفضل ~~من جعفر الصادق علما وعبادة وورعا ، الى سوى ms168 هؤلاء ممن ذكره بالعبادة ، وقد ~~مرت عليك هذه الكلمات وغيرها من ص 72 الى 80. # ولا بدع اذا كان أبو عبد الله أفضل الناس عبادة وزهادة وورعا ، فإن عبادة ~~المرء على قدر علمه بالخالق تعالى « إنما يخشى الله من عباده العلماء » ~~وأنت على يقين بما كان عليه الصادق من العلم والمعرفة. # هذا شأن الصادق عليه السلام في العبادة البدنية ، وأما شأنه في العبادة ~~الفضلى التي هي أزكى أثرا ، وأذكى نشرا ، وهي عبادة العلم ونشره وتعليمه ~~والإرشاد والإصلاح ، فلا يخفى على أحد ، وقد عرفت من حياته العلمية ومن PageV01P239 # الفصول الماضية من سيرته وأخلاقه قدر جهاده في التعليم والتثقيف وجهوده ~~في البر والعطف والتربية الأخلاقية ، وستعرف في المختار من كلامه عظيم ~~اهتمامه في حمل الناس على جدد الطريق ، والعمل بالشريعة الغراء ، والاتصاف ~~بفاضل الأخلاق. ### ||| شجاعته : # لم تكن في أيام الصادق عليه السلام حروب يحتم الدين عليه الولوج في ~~ميادينها ليعرف الناس عنه تلك الملكة النفسية ، نعم إن هناك ظواهر تدل على ~~تلك القوى الراسخة ، أمثال قوة القلب واطمئنان الجأش ، ومر عليك في مواقفه ~~مع المنصور وولاته من ص 114 122 ، وفي جلده ما ينبيك عن تلك القوى الغريزية ~~، والجبن إنما يكون من ضعف القلب وضعة النفس. # ومن ثم يجب أن يكون المؤمن شجاعا غير هياب ولا نكل في سبيل الدين والحق ، ~~وكلما كان أقوى إيمانا كان أبسل وأشجع ولذلك تجد أنصار الحسين عليه السلام ~~وأهل بيته أبهروا العالم في موقفهم يوم الطف ، وما كانوا أشجع الناس لو لا ~~ذلك الإيمان الثابت واليقين الراسخ والتوطين على معانقة الرماح والسيوف ، ~~ولو كان أهل الكوفة على مثل ذلك اليقين والتوطين والإيمان لما استقامت ~~الحرب الى ما بعد الظهر في ذلك اليوم القايض وهم سبعون ألفا والأنصار سبعون ~~نفرا ، ولما كان قتلى أهل الكوفة لا يحصون عدا. # ومن هاهنا يستبين لنا أن الصادق لا بد أن يكون أشجع الناس وأربطهم جأشا ~~اذا دارت رحى الحرب ، الحرب التي يفرضها الدين وتدعو إليها الشريعة. PageV01P240 ### ||| زهده : # إن الزهد في الشيء ms169 الإعراض عنه ، وإنما يكون للزهد شأن يكسب الزاهد فضلا ~~اذا كان المزهود فيه ذا قيمة وثمن كبير ، وأما اذا كان المزهود فيه بخسا لا ~~شأن له يحتسب ، ولا قدر يعرف فلا فضل في الزهد فيه ، أترى أن الزهد في ~~الشابة النضرة الخلوق التي جمعت ضروب المحاسن والجمال وفنون الآداب والكمال ~~، مثل الزهد في الشوهاء السوداء العجوز؟ ولا سواء. # فإنما يكون الزهد في الدنيا والإعراض عن لذائذها وشهواتها ذا شأن يزيد ~~المرء قدرا ورفعة ، ويكشف عن نفس زكية نقية ، إذا نظرها فوجدها حسناء فاتنة ~~الشمائل ، فولاها ظهره معرضا عن جمالها ، صافحا عن محاسنها طالبا بهذا ~~الإعراض ما هو أفضل عند الله وأطيب ، وأما اذا تجلت لديه سافرة النقاب ~~مجردة الثياب ، واختبرها معاشرة وصحبة ، فرآها شوهاء عجفاء ، بارزة العيوب ~~، قبيحة المنظر ، سيئة المخبر والمعشر ، لا تفي بوعد ، ولا تركن الى عهد ، ~~ولا تصدق بقول ، ولا تدوم على حال ، ولا يسلم منها صديق ، فكيف لا يقلاها ~~ساخطا عليها متوحشا منها ، وكيف لا ينظرها بمؤخر عينيه نظر المحتقر الملول. # وإننا على قصر نظرنا ، وقرب غورنا ، لنعرف حقا أن حياتنا هذه وإن طالت ~~صائرة إلى فناء ، وعيشنا وإن طاب آئل الى نكد ، وإننا سوف ننتقل من هذه ~~الدار البائدة الى تلك الدار الخالدة ، ومن هذا العيش الوبيل الى ذلك العيش ~~الرغيد ، وإن كل لذة في هذه الحياة محفوفة بالمكاره ، وكل عيش مشوب بالكدر ~~، وإن هذه الأيام الزائلة مزرعة لهاتيك الأيام الباقية ، وهل يحصد المرء ~~غير ما يزرع ، ويجازي بغير ما يفعل ، وهل يجمل بالعاقل البصير أن يفتن بمثل ~~هذه الحياة واللذائذ؟. PageV01P241 # نعم إنما يحملنا على الافتتان بهذه العاجلة والصفح عن تلك الحياة الآجلة ~~مع فناء هذه وبقاء تلك ، امور لا يجهلها البصير وإن لم تكن عذرا عند مناقشة ~~الحساب ، ألا وهي حب العاجل ، وضعف النفس ، ونضارة هذه المناظر والزينة ~~اللتان نصبتهما الدنيا فخاخا وحبائل ، ولو شاء الانسان وإن كان أضعف الناس ~~بصرا وبصيرة أن ينجو من هذه الشباك لكان في مقدوره ، فكيف بأقوى الناس عقلا ms170 ~~وأثبتهم يقينا ، وأدراهم بالحقائق ، حتى كأن الأشياء لديه مكشوفة الغطاء بل ~~لو كشف لهم الغطاء لما ازدادوا يقينا. # فإعراض محمد وآل محمد عليه وعليهم الصلاة والسلام عن هذه الحياة الدانية ~~ورغائده إلا بقدر البلغة لتلك الحياة الباقية ، إنما هو لأنهم يرونها أخس ~~من حثالة القرظ وأنجس من قراضة الجلم (1) فما كانوا عليه شيء غير الزهد ، ~~بل هو أعلى من الزهد ، غير أن ضيق المجال في البيان يلجئونا الى تسميته ~~بالزهد ، تنظيرا له بما نعرفه من نفائس هذا الوجود ومن الإعراض عنها. # فلا نستكبر بعد أن نعرف هذا عن محمد وعترته ما يرويه أهل الحديث والسيرة ~~والتأريخ عن صادقهم أنه كان يلبس الجبة الغليظة القصيرة من الصوف على جسده ~~والحلة من الخز على ثيابه ، ويقول : نلبس الجبة لله والخز لكم (2). # أو يرى وعليه قميص غليظ خشن تحت ثيابه ، وفوقه جبة صوف ، وفوقها قميص غليظ. # أو يطعم ضيفه اللحم ينتفه بيده ، وهو يأكل الخل والزيت ويقول : إن هذا PageV01P242 # طعامنا وطعام الأنبياء (1) الى أمثال ذلك من مظاهر الزهد. # إن من قبض عنان نفسه بيده وتجرد عن هذه الفتن الخداعة في هذه الحياة ، ~~واتجه بكل جوارحه لرضى خالقه يستكثر منه اذا روت الثقات عنه هذا وأشباهه. # وما كان غريبا ما يروى من دخول سفيان الثوري (2) عليه ، وكان على الصادق ~~عليه السلام جبة من خز ، وقول سفيان منكرا عليه : إنكم من بيت نبوة تلبسون ~~هذا ، وقول الصادق عليه السلام : ما تدري أدخل يدك ، فاذا تحته مسح من شعر ~~خشن ، ثم قال عليه السلام : يا ثوري أرني ما تحت جبتك ، فإذا تحتها قميص أرق ~~من بياض البيض ، فيخجل سفيان ثم يقول له الصادق عليه السلام : يا ثوري لا ~~تكثر الدخول علينا تضرنا ونضرك (3). # وأمثال هذا مما روي عنه جم كثير ، نحن في غنى عن سرده ، فإن سادات أهل ~~البيت أعلى كعبا ، وأرفع شأنا ، من أن تحسب مثل هذه الشؤون فضائلهم ~~الجليلة. # وأما سفيان فجدير بالامام ألا يرغب في دنوه ما دام يخالفه في رأيه وسيره ~~وعمله ms171 وعلمه ، وأما الضرر على الامام وعليه من دخوله على الامام ، فلأن ~~السلطان قد وقف للإمام بالمرصاد ، لا يريد أن يظهر له شأن ولا أن يكثر عليه ~~التردد ، فالدخول عليه يجعل الإمام معرضا للخطر ، ويجعل الداخل معرضا للأذى ~~، لا سيما اذا كان الداخل ذا شأن ومقام بين الناس كسفيان الثوري. PageV01P243 ### | كراماته # إن الله تعالى أراد بخلقه لخلقه أن يعرفوه ، ومن معرفته أن يعبدوه « وما ~~خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون » (1) وكانت مخلوقاته آية وجوده ، وجمال ~~الصنع ، واتصال التدبير دلالة وحدانيته ، وجعل من أنفسهم مرشدا الى ذلك كله ~~، وهو العقل. # غير أن العقل لا يهتدي بنفسه الى كيفيات عبادته ، وخصوصيات طاعته ، لأن ~~ذلك لا يعلم إلا من قبله تعالى ، ومن ثم وجب عليه تعالى حين أراد منهم ~~عبادته أن يرسل إليهم من يدلهم على ما أراد ، ويعرفهم ما أوجب. # ولا يصح للعقل أن يصدق دعوى كل من يدعي النبوة من دون بينة ومعجز ، فكان ~~على الأنبياء أن يأتوا بالبرهان على تلك الدعوى ، ولا نعرف أن المدعي نبي ~~مرسل إذا لم تكن لديه حجة بالغة ، بل شأن اكثر الناس الجحود والإنكار مع ~~الآيات والدلالات ، فكيف إذا لم تكن آية أو دلالة ، فإن لم تكن لتلك الدعوى ~~حجة كانت الحجة على رفضها قائمة بل هي تخصم نفسها بنفسها. ### ||| ما الآية؟ # جدير بهذا السؤال العناية والنظر ، لأن تصديق النبوة متوقف على صحة PageV01P244 # الآية. # وإخال أن الجواب عنه سهل جدا ، نظرا الى ما جاء في الكتاب المنير من ~~استطراد آيات الأنبياء والرسل ، فإنك اذا نظرت الى آية موسى وهي اليد ~~البيضاء والعصا ، وآية عيسى وهي إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى وخلق ~~الطير ، وآية محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهي القرآن نفسه ، لعرفت أن آيات ~~الأنبياء ما يعجز البشر بما هو بشر وبما له من علم وقوة عن الإتيان بمثلها ~~، ومن الذي يقدر بعلمه وقوته وقدرته أن يجعل النار بردا وسلاما ، ويقطع ~~الطير أجزاء ويفرقها على الجبال فيدعوها فتأتي إليه فتأتلف بيده بعد ما ~~كانت أجزاء متفرقة ms172 ويجعل يده بيضاء من غير سوء متى أراد ، وعصاه حية تسعى ~~تلقف ما يأفك الساحرون ، ويبرئ الأكمه والأبرص ، ويحيي الموتى ، ويجعل من ~~الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا ، ويجاري القرآن في خصوصياته أجمع ~~، الى غير ذلك من آيات الأنبياء التي نطق بها القرآن الحكيم. # وبذلك تعرف الفارق بين المعجزة والسحر ، وبينها وبين هذه الصناعة في هذا ~~العصر ، لأن المعجزة ما جرت على غير النواميس الطبيعية ، غير أن الشيء ~~المعجز لا بد أن يكون في نفسه ممكنا ذاتيا لأن المحال لا يقع ، ولا تجري ~~المعجزة إلا على أيدي أفذاذ من البشر عند الدعوة إليه تعالى ، والدلالة ~~عليه سبحانه ، لأن المفروض أنها فوق مستوى قدرة البشر فلا تكون إلا من ~~موهبة من الله تعالى يمنحها من يشاء من عباده المقربين. # وأما السحر فإنما هو فن يقوى عليه كل أحد اذا تعلمه إذ هو تخييل وتضليل ، ~~وليس له واقع وحقيقة. # وأما الصناعة فإنما هي أيضا علم تجري على النواميس الطبيعية ، يقوى عليها ~~من تعلمها ، ويعرف طبائع الأشياء وتركيبها. PageV01P245 # ولربما يقال : إن العلم يرفض المعجز اذا كان جاريا على غير النواميس ~~الطبيعية ، لأن به جريا على غير الأسباب العادية ، وكيف يمكن أن تجري ~~الامور على غير أسباب اعتيادية ، والجواب عنه من وجوه : # 1 إن القرآن صريح بإتيان الأنبياء بتلك الآيات الخارقة للعادة الجارية ~~على غير النواميس الطبيعية ، مثل سلامة إبراهيم من النار ، وإتيان الطيور ~~له بعد تقطيعها ، وجعل موسى يده بيضاء من غير سوء وعصاه حية تسعى ، وإبراء ~~عيسى الأمراض التي عجز الطب عن إبرائها كالأكمه والأبرص وأعظم منه إحياؤه ~~الموتى ، وخلقه الطير ، الى ما سوى هذه الآيات ، وما قيمة العلم اذا خالف ~~صريح القرآن ، بل لا يكون هذا علما صحيحا لوجود الخطأ في بعض مقدماته. # 2 إن هذه الآيات إن كانت ممكنة في حد ذاتها فلأي شيء نجحدها وهي غير ~~مستحيلة ، مع أن الحاجة ماسة إليها ، وقدرة الله تعالى شاملة لا يشوبها نقص ~~ولا عجز ، إنه على كل شيء قدير. # نعم إنما ms173 نمنع الأشياء المستحيلة بالذات والعرض كإيجاده لشريك له ، وجمعه ~~بين النقيضين والضدين ، وجعله الدنيا على كبرها في البيضة على صغرها ، لأن ~~المحل غير صالح ، فالنقص من جهة المقدور لا من جهة القدرة ، وأما مثل تكلم ~~الحصا وانشقاق القمر ومشي الشجر ، وما ضارع هذا ، فلا مانع فيه من جهة ~~المحل وقابليته ، ولا من جهة القدرة منه تعالى عليه. # 3 اذا أحلنا هذه الآيات عليه تعالى ، فأي شيء يكون المصدق لدعوى الأنبياء ~~النبوة ، واذا جازت النبوة بلا دليل فكل أحد يمكن أن يدعيها ، فأي فرق إذن ~~بين النبي الصادق وبين النبي الكاذب. # واذا قيل : إن النبوغ والذكاء والفصاحة والعلم والأمانة والصدق اذا كانت ~~متوفرة في مدعي النبوة على الوجه الأكمل الذي يمتاز به عن سائر البشر PageV01P246 # كافية في تصديق دعوى النبوة منه. # فإنا نقول : إن اكثر الناس لا يقيم وزنا لهذه الامور ، بل لا يستطيع ~~تمييزها فيمن هي فيه حق التمييز ، فضلا أن يعرف أنها موجودة في النبي على ~~الوجه الأكمل فلا بد من ظهور شيء محسوس على يده يعجز عنه البشر يكون قاطعا ~~لعذرهم وبرهانا نيرا يستوي في الخضوع له وإدراكه العالم والجاهل والنبيه ~~والعاقل. # 4 لما ذا يمنع العلم عن الامور الجارية على غير النواميس الطبيعية؟ أليس ~~خالق النواميس العادية وغير العادية واحدا؟ ومن اقتدر على إجراء الامور ~~بأسبابها العادية يقتدر على إجرائها بأسباب فوق مستوى قدرتنا وعلمنا. # واذا نظرنا بعض مصنوعاته تعالى وجدناها جارية على غير نواميس العادة وذلك ~~في بدء الخلقة فإنه ما النواميس الطبيعية في صنعة آدم وحواء وابتداء خلق ~~السماوات والأرضين والأشجار والأنهار والمعادن والفلزات وما سواها فإنه ~~خلقها لا من شيء سبق ، ولا على مثال احتذاه ، واذا كان ناموسها الطبيعي هو ~~تلك العناصر التي كان منها تركيبها ، فما كان الناموس الطبيعي لخلق تلك ~~العناصر أنفسها. # نعم إنما صرنا نتطلب النواميس الطبيعية في المصنوعات لما اعتدناه في ~~الخليقة من جريانها مستمرة على تلك النواميس ، ولكن ذلك لا يجب في كل شيء ~~ما دام خالق النواميس على ms174 غير النواميس موجودا ، وكانت له في خلقها على غير ~~النواميس الحجة على عباده والإرشاد لهم على ألوهيته وقدرته ونبوة رسله. # بيد أننا نحتاج الى تصديق تلك الآيات التي جرت على غير العادة في الأسباب ~~مع إمكانها الى المشاهدة مع الحضور ، والى صحة النقل مع الغيبة. PageV01P247 # وهذه الآيات والكرامات كما تكون للأنبياء تكون لأوصيائهم بذلك الغرض الذي ~~دعا الأنبياء الى الإتيان بها ، فإن إرسال الأنبياء ما كان إلا لإرشاد ~~الناس الى معرفة الخالق جل شأنه والى عبادته ، وإن نصب الأوصياء ما كان إلا ~~لدلالة على تلك المعرفة ، والإشارة الى الصحيح من تلك العبادة ، فالحجة إذن ~~كما تدعو الى المعجزة في النبي تدعو إليه في الامام الوصي. # ولا فرق في المعجز عند الحاجة إليه في الإمكان عليه بين إحياء الموتى ~~وخلق الطير وبين إنطاق الحجر والشجر ، ولا بين غيرهما مما هو أقل شأنا لأن ~~القدرة منه تعالى على الجميع واحدة ، ولا فرق لديه سبحانه في الخلق بين ~~الذرة والطود ولا بين السماوات والحشرات ، فلا ينبغي لذي بصر أو بصيرة أن ~~يستنكر أمثال إحياء الأموات وجعل التراب ذهبا والإخبار عن الغيب من ~~الأنبياء والأوصياء بعد ثبوت النبوة والإمامة الإلهيتين ، في حين أنه لا ~~يستنكر منهم إنباط الماء وإنزال الغيث وإطعام الناس العنب لغير أوانه ~~وأشباه ذلك ، وما هما إلا واحد في القدرة ، وسواء في الإمكان وسيان عند ~~الحاجة. # فالصادق عليه السلام اذا كان إماما معصوما منصوبا منه تعالى لتنفيذ شريعة ~~الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وجب عليه الدلالة على إمامته بالمعجز عند ~~الحاجة إليه ، وعند الأمن من الخطر ، كما وجب على النبي عند الدعوة ، هذا ~~عند الإمامية ، وأما أهل السنة فالصادق لديهم من العترة الطاهرة الذي جمع ~~الفضائل كلها ، كما أفصحت به كلماتهم ، ورويناه عنهم في عنوان من هو الصادق ~~ص 71 ، فلا غرابة لديهم لو ظهرت له الآيات والكرامات بل لقد رووها عنه ~~وآثروا نقلها ، فلا بدع إذن لو استطردنا من كراماته ومناقبه ما ينبيك عن ~~علو مقامه وسمو منزلته لديه ms175 جل شأنه. # ولقد ذكر له صاحب مدينة المعاجز ما ينوف على ثلاثمائة كرامة ومنقبة PageV01P248 # وها نحن اولاء نذكر شيئا مما روته الكتب الجليلة والمؤلفات القيمة ، وما ~~اتفق على الكثير منها الفريقان ، وتسالمت عليه الفرقتان. ### ||| دعاؤه المجاب : # يقول الصبان في « إسعاف الراغبين » : وكان مجاب الدعوة اذا سأل الله شيئا ~~لا يتم قوله إلا وهو بين يديه ، ويقول الشعراني في « لواقح الأنوار » : ~~وكان سلام الله عليه اذا احتاج الى شيء قال : يا رباه أنا محتاج الى كذا ~~فما يستتم دعاؤه إلا وذلك الشيء بجنبه موضوع. # وهذا القول منهما لا يدل على استجابة دعائه فحسب بل وعلى سرعة الإجابة ، ~~حتى لكأن المسئول عنه كان الى جنبه أو بين يديه ، وما كان جزم هؤلاء ~~المؤلفين بإجابة دعائه بسرعة الإجابة إلا لكثرة ما تناقلته الطروس والسطور ~~وحفظته الصدور من ذلك ، حتى صار لديهم شيئا محسوسا وأمرا معلوما. # ومما ذكروه له عليه السلام ما كان من قصد المنصور له بالقتل مرارا عديدة ، ~~فيحول الله تعالى بينه وبين ما عزم عليه ببركة دعائه ، بل ينقلب حاله الى ~~ضد ما نواه وعزم عليه ، فينهض لاستقباله ويبالغ في إكرامه (1). # ومن ذلك : أن الحكم بن العباس الكلبي قال : # صلبنا لكم زيدا على جذع نخلة %~% ولم نر مهديا على الجذع يصلب وقستم بعثمان عليا سفاهة %~% وعثمان أزكي من علي وأطيب PageV01P249 # ولما بلغ الصادق ذلك غضب ودعا عليه ، فقال : اللهم سلط عليه كلبا من ~~كلابك يأكله ، فبعثه بنو أمية الى الكوفة فافترسه الأسد في الطريق (1). # ولما كان داود بن علي العباسي واليا على المدينة من قبل المنصور بعث على ~~المعلى بن خنيس مولى الصادق عليه السلام فقتله ، ولم يقنع بذلك حتى أراد ~~السوء مع الامام ، فغضب الامام لذلك ودعا على داود حتى سمعوه يقول : الساعة ~~الساعة ، فما استتم دعاؤه حتى سمعت الصيحة في دار داود وقالوا : إنه مات ~~فجأة (2). # ومن دعائه المستجاب ما حدث به الليث بن سعد (3) قال : حججت سنة 113 ، ~~فلما صليت العصر رقيت أبا قبيس فإذا رجل جالس يدعو ms176 فقال : يا رب يا رب حتى ~~انقطع نفسه ، ثم قال : يا حي يا حي يا حي حتى انقطع نفسه ، ثم قال : إلهي ~~أشتهي العنب فأطعمنيه ، وإن بردي قد خلقا فاكسني ، قال الليث : فما تم ~~كلامه حتى نظرت الى سلة مملوءة عنبا ، وليس على الشجر يومئذ عنب ، واذا ~~ببردين لم أر مثلهما ، فأراد الأكل فقلت أنا شريكك لأنك دعوت وأنا أؤمن ، ~~قال : كل ولا تخبئ ولا تدخر ، ثم دفع إلي أحد البردين ، فقلت : لي عنه غنى ~~، فاتزر بأحدهما وارتدي بالآخر ، ثم أخذ الخلقين ونزل ، فلقيه رجل فقال : ~~اكسني يا ابن رسول الله ، فدفعهما إليه فقلت : من هذا ، قال : جعفر الصادق ~~(4) وفي رواية مطالب السؤل : فتقدمت فأكلت شيئا لم آكل مثله قط ، PageV01P250 # واذا عنب لا عجم (1) له فأكلت حتى شبعت والسلة لم تنقص. # أقول : إن هذه الكرامة كانت منه على عهد أبيه الباقر عليه السلام قبل رجوع ~~الإمامة إليه لأن وفاة الباقر كانت عام 114 ، أو عام 117. # وكانت الناس تستشفع بدعائه لما تجد فيه من الإجابة ، وهذه حبابة الوالبية ~~دخلت عليه وهي من فاضلات النساء ، فسألته عن مسائل في الحلال والحرام فتعجب ~~الحضور من تلك المسائل ، لأنهم ما رأوا سائلا أحسن منها ، ثم سالت دموعها ، ~~فقال الصادق عليه السلام : مالي أرى عينيك قد سالت ، قالت : يا ابن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم داء قد ظهر بي من الأدواء الخبيثة التي كانت تصيب ~~الأنبياء عليهم السلام والأولياء ، وأن أهل قرابتي وأهل بيتي يقولون : قد ~~أصابتها الخبيثة ، ولو كان صاحبها كما قالت مفروض الطاعة لدعا لها ، وكان ~~الله يذهب عنها ، وأنا والله سررت بذلك ، وعلمت أنه تمحيص وكفارات ، وأنه ~~داء الصالحين ، فقال لها الصادق عليه السلام : وقد قالوا : أصابك الخبيثة؟ # قالت : نعم يا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فحرك شفتيه بشيء فلا ~~يدرى أفي دعاء كان ، فقال : ادخلي دار النساء حتى تنظري الى جسدك ، فدخلت ~~وكشفت عن ثيابها فلم تجد في صدرها ولا جسدها شيئا فقال : اذهبي الآن وقولي ms177 ~~لهم : هذا الذي يتقرب الى الله بإمامته (2). # وحبابة هذه هي ابنة جعفر الأسدي ، والوالبية نسبة الى بني والبة بطن من ~~أسد ، وهي صاحبة الحصاة التي طبع فيها أمير المؤمنين عليه السلام علامة PageV01P251 # للإمامة ، وعمرت حتى أدركت الرضا عليه السلام وماتت في أيامه وكفنها في ~~قميصه ، ولم تكن هذه الكرامة الاولى التي شاهدتها من أئمة أهل البيت ، بل ~~جاءت الى الحسين عليه السلام وبها برص فعوفيت منه والى السجاد عليه السلام ~~وهي تعد يومئذ 113 عاما وقد بلغ بها الكبر حتى أرعشت فرأته راكعا وساجدا ~~فيئست من الدلالة فأومأ إليها بالسبابة فعاد إليها شبابها ، ولما جاءت الى ~~الرضا أعاد عليها شبابها في رواية ، ولكنها اختارت الموت فماتت في داره. # وجاءته امرأة اخرى فقالت له : جعلت فداك ، أبي وأمي وأهل بيتي نتولاكم ، ~~فقال : صدقت فما الذي تريدين؟ قالت : جعلت فداك يا ابن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم أصابني وضح (1) في عضدي فادع الله أن يذهبه عني فقال ~~عليه السلام : اللهم إنك تبرئ الأكمه والأبرص وتحيي العظام وهي رميم ، ~~ألبسها عفوك وعافيتك ما ترى أثر إجابة دعائي ، فقالت المرأة : والله لقد ~~قمت وما بي منه قليل ولا كثير (2). # وقال بكر بن محمد الأزدي (3): عرض (4) لقرابة لي ونحن في طريق مكة ، ~~فلما صرنا الى أبي عبد الله عليه السلام ذكرنا ذلك له وسألناه الدعاء له ~~ففعل ، قال بكر : فرأيت الرجل حيث عرض له ، ورأيته حيث أفاق (5). PageV01P252 # وجاءه شيخ وهو تحت الميزاب في البيت ومعه جماعة من أصحابه فسلم عليه ، ثم ~~قال : يا ابن رسول الله إني احبكم أهل البيت وأبرأ من عدوكم وإني بليت ~~ببلاء شديد ، وقد أتيت البيت متعوذا به مما أجد ، ثم بكى واكب على الصادق ~~يقبل رأسه ورجليه والصادق يتنحى عنه فرحمه وبكى ، ثم قال : هذا أخوكم وقد ~~أتاكم متعوذا بكم فارفعوا أيديكم ، فرفع الصادق يديه ورفع القوم أيديهم ، ~~ثم قال : اللهم إنك خلقت هذه الأنفس من طينة أخلصتها ، وجعلت منها أولياءك ~~وأولياء أوليائك ، وإن شئت أن تنحي عنهم ms178 الآفات فعلت ، اللهم وقد تعوذنا ~~ببيتك الحرام الذي يأمن به كل شيء وقد تعوذ بنا ، وأنا أسألك يا من احتجب ~~بنوره عن خلقه أسألك بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين يا غاية كل محزون ~~وملهوف ومكروب ومضطر مبتلى أن تؤمنه بأماننا مما يجد ، وأن تمحو من طينته ~~مما قدر عليها من البلاء ، وأن تفرج كربته يا أرحم الراحمين ، فلما فرغ من ~~الدعاء انطلق الرجل فلما بلغ باب المسجد رجع وبكى ، ثم قال : الله أعلم حيث ~~يجعل رسالته ، والله ما بلغت باب المسجد وبي مما أجد قليل ولا كثير (1). # واستحال وجه يونس بن عمار (2) الى البياض فنظر الصادق عليه السلام الى ~~جبهته فصلى ركعتين ، ودعا ببعض الدعوات فما خرج من المدينة حتى ذهب ما كان ~~بوجهه من البياض (3). PageV01P253 # وقال طرخان النخاس (1): مررت بأبي عبد الله عليه السلام وقد نزل الحيرة ، ~~فقال : ما علاجك؟ قلت : نخاس ، قال : اصب لي بغلة فضخاء ، قلت : جعلت فداك ~~وما الفضخاء؟ قال : دهماء بيضاء البطن بيضاء الأفخاذ بيضاء الجحفلة (2) ~~فقلت : والله ما رأيت مثل هذه الصحيفة ، فرجعت من عنده فساعة دخلت الخندق ~~اذا أنا بغلام قد أسقى بغلة على هذه الصفة ، فسألت الغلام : لمن هذه ~~البغلة؟ قال : لمولاي ، قلت يبيعها؟ قال : لا أدري ، فتبعته حتى أتيت مولاه ~~فاشتريتها منه وأتيته فقلت : هذه الصفة التي أردتها جعلت فداك ادع الله لي ~~، فقال : اكثر الله مالك وولدك ، قال : فصرت من اكثر أهل الكوفة مالا وولدا (3). # وسأله حماد بن عيسى (4) أن يدعو الله بأن يرزقه ما يحج به كثيرا وأن ~~يرزقه ضياعا حسنة ودارا حسنة وزوجة من أهل البيوتات صالحة وأولادا أبرارا ، ~~فدعا له الصادق عليه السلام بما طلب ، وقيد الحج بخمسين حجة ، فرزقه الله ~~جميع ما سأله ، وحج خمسين حجة ، ولما ذهب في الواحدة والخمسين وانتهى الى ~~وادى الجحفة بين مكة والمدينة جاء السيل فأخذه فأخرجه غلمانه ميتا ، فسمي ~~حماد غريق الجحفة (5). # وقال زيد الشحام (6): إني لأطوف حول الكعبة وكفي في كف أبي عبد الله PageV01P254 # عليه السلام ، فقال ودموعه ms179 تجري على خديه : يا شحام ما رأيت ما صنع ربي ~~إلي ، ثم بكى ودعا ، ثم قال : يا شحام إني طلبت الى إلهي في سدير وعبد ~~السلام بن عبد الرحمن (1) وكانا في السجن فوهبهما لي وخلى سبيلهما (2). # وسجن المنصور عبد الحميد (3) فأخبروا الصادق عليه السلام بذلك وهو في ~~الموقف بعد صلاة العصر ، فرفع يديه ساعة ، ثم التفت الى محمد بن عبد الله ~~(4) وقال عليه السلام : قد والله خلى سبيل صاحبك ، قال محمد : فسألت عبد ~~الحميد أي ساعة خلاك أبو جعفر المنصور؟ قال : يوم عرفة بعد العصر (5). # وهذه الكرامة الجليلة جمعت بين استجابة دعائه وإعلامه عن الإفراج عن عبد ~~الحميد ، كسابقتها. # هذه بعض دعواته المستجابة التي سجلتها الكتب ، وحفظتها الرواة ، وما كانت ~~دعواته إلا لخير الناس ، نعم قد يدعو على أحد اذا كان في ذلك صلاح وإلا ~~فإنه الحليم الأواه الذي لاقى من أعدائه أذى تسيخ عن حمله متون الرواسي ولم ~~يدع على واحد منهم ، اللهم إلا على داود بن علي والحكم الكلبي لأمر هو أعرف ~~به ، كما دعا على بعض غلمان زمزم. # كان أبو عبد الله عليه السلام ومعه بعض أصحابه يتغذون فقال لغلامه : انطلق ~~وآتنا بماء زمزم ، فانطلق الغلام فما لبث أن جاء وليس معه ماء ، فقال : PageV01P255 # إن غلاما من غلمان زمزم منعني الماء وقال : أتريد الماء لإله العراق ، ~~فتغير لون أبي عبد الله عليه السلام ورفع يده عن الطعام وتحركت شفتاه ، ثم ~~قال للغلام : ارجع فجئنا بالماء ، ثم أكل فلم يلبث أن جاء الغلام بالماء ~~وهو متغير اللون ، فقال : ما وراك؟ فقال : سقط ذلك الغلام في بئر زمزم ~~فتقطع وهم يخرجونه ، فحمد الله عليه (1). # وأرسل غلامه مرة الى بئر زمزم ليأتيه بالماء ثم سمعوه يقول : اللهم اعم ~~بصره ، اللهم أخرس لسانه ، اللهم أصم سمعه ، فرجع الغلام يبكي ، فقال : # مالك؟ قال : إن فلانا القرشي ضربني ومنعني من السقاء ، قال : ارجع فقد ~~كفيته ، فرجع وقد عمي وصم وخرس وقد اجتمع عليه الناس (2). ### ||| إعلامه عن الحوادث : # كم أعلم عليه السلام عن حادثة ms180 وقعت بعد حين ، وعن أمر حدث كما أخبر عن ملك ~~بني العباس مرارا قبل أن يكون ، جاءه أبو مسلم الخراساني وناجاه سرا ~~بالدعوة له ، وأعلمه أن خلقا كثيرا أجابوه ، فقال له الصادق عليه السلام : ~~إن ما تؤمي إليه غير كائن لنا حتى يتلاعب بها الصبيان من ولد العباس ، فمضى ~~الى عبد الله بن الحسن فدعاه ، فجمع عبد الله أهل بيته وهم بالأمر ، ودعا ~~أبا عبد الله عليه السلام للمشاورة ، فلما حضر جلس بين السفاح والمنصور ، ~~وحين استشير ضرب على منكب السفاح ، فقال : لا والله أو يملكها هذا أولا ، ~~ثم ضرب بيده الاخرى على منكب المنصور وقال : وتتلاعب بها الصبيان من ولد ~~هذا ، ووثب PageV01P256 # وخرج من المجلس (1). # ودعاه عبد الله بن الحسن مرة اخرى للبيعة لابنه محمد ، فقال له : إن هذا ~~الأمر والله ليس لك ولا لابنيك ، وإنما هو لهذا يعني السفاح ثم لهذا يعني ~~المنصور ثم لولده من بعده ، ولما خرج تبعه أبو جعفر فقال : أتدري ما قلت يا ~~أبا عبد الله؟ قال عليه السلام : اي والله أدريه وأنه لكائن (2) وما اكثر ما ~~أنبأ عن ملك بني العباس. # كما أخبر عن مقتل محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن في مواطن عديدة ، ~~فقد قال يوما : مروان خاتم بني امية ، وإن خرج محمد بن عبد الله قتل (3). # وقال لمحمد يوما وقد فاخره : فكأني أرى رأسك وقد جيء به ووضع على حجر ~~بالزنابير ، يسيل منه الدم الى موضع كذا وكذا ، فصار محمد إلى أبيه فأخبره ~~بمقالة الصادق عليه السلام فقال أبوه : آجرني الله فيك ، إن جعفرا أخبرني ~~أنك صاحب الزنابير (4). # وأخبر بذلك يوما أم الحسين بنت عبد الله بن محمد بن علي بن الحسين ~~عليهم السلام وقد سألته عن أمر محمد فقال عليه السلام : فتنة يقتل فيها محمد ~~عند بيت رومي ، ويقتل أخوه لامه وأبيه بالعراق ، وحوافر فرسه في الماء (5). PageV01P257 # وقال لعبد الله بن جعفر بن المسور (2): أرأيت صاحب الرداء الأصفر يعني ~~أبا جعفر؟ قلت : نعم ، قال عليه السلام : فإنا والله نجده ms181 يقتل محمدا ، قلت ~~: أو يقتل محمد؟ قال : نعم ، قلت في نفسي : حسده ورب الكعبة ، ثم ما خرجت ~~والله من الدنيا حتى رأيته قتل. # وأخبر بذلك أباهما عبد الله بن الحسن وقال له : إن هذا يعني المنصور يقتل ~~محمدا على أحجار الزيت ، ثم يقتل أخاه بعده بالطفوف (3) وقوائم فرسه في ~~الماء (4). # فكان كل ما أخبر به من أمر العباسيين ومحمد وإبراهيم قد وقع لم يفلت منه شيء. # وأخبر شعيبا بن ميثم (5) بدنو أجله معرضا به ، قال له أبو عبد الله ~~عليه السلام : يا شعيب ما أحسن بالرجل يموت وهو لنا ولي ويعادي عدونا ، فقال ~~له شعيب : والله إني لأعلم أن من مات على هذا أنه لعلى حال حسنة ، قال ~~عليه السلام : يا شعيب أحسن الى نفسك ، وصل قرابتك ، وتعاهد إخوانك ، ولا ~~تستبدل بالشيء تقول : أدخر لنفسي وعيالي ، إن الذي خلقهم هو الذي يرزقهم ، ~~قال شعيب : قلت في نفسي نعى إلي والله نفسي ، فما لبث بعد ذلك إلا شهرا ~~فمات (6). PageV01P258 # وأخبر أيضا إسحاق بن عمار الصيرفي الثقة الجليل بأنه سيموت في شهر ربيع ، ~~وذلك أن إسحاق قال للصادق عليه السلام يوما : إن لنا أموالا ونحن نعامل ~~الناس ، وأخاف إن حدث أن تفرق أموالنا ، فقال عليه السلام : اجمع أموالك في ~~شهر ربيع ، فمات إسحاق في شهر ربيع (1). # وأخبر عن قتل مولاه المعلى بن خنيس ، الذي قتله داود بن علي قبل أن يقتله ~~بسنة وأخبر بجميع ما يجري عليه (2). # وسأل أبا بصير عن أبي حمزة الثمالي فقال : خلفته صالحا ، قال عليه السلام ~~: إذا رجعت إليه فاقرأه السلام واعلمه أنه يموت كذا من شهر كذا ، قال أبو ~~بصير : فرجعت ، فما لبث أبو حمزة أن مات في تلك الساعة من ذلك اليوم (3). # ولما بلغه خبر قتل زيد وصلبه وهرب ابنه يحيى الى خراسان واجتماع الناس ~~عليه ، قال عليه السلام : إنه يقتل كما قتل أبوه ويصلب كما صلب أبوه ، فقتل ~~بالجوزجان وصلب (4). # هذا بعض إعلامه عن حوادث لم تقع فوقعت كما أعلم ، وأما إعلامه عن حوادث ~~وقعت ms182 فما أوفرها ، وهاك شيئا منها : وقع شجار بين مهزم بن أبي بريدة الأسدي ~~الكوفي وهو من رواة الامام عليه السلام وبين امه ، وقد جاء بها حاجا ، وكان ~~كلامه معها في المدينة وقد أغلظ لها فيه ، فلما أصبح ودخل على الصادق ~~عليه السلام ابتدأه قائلا : يا مهزم مالك وللوالدة أغلظت لها البارحة ، أو ~~ما علمت أن بطنها منزل سكنته ، وأن PageV01P259 # حجرها مهد قد مهدته ، وأن ثديها وعاء قد شربته ، فلا تغلظ لها (1). # ودخل عليه رجل فقال له الصادق عليه السلام : تب الى الله مما صنعت البارحة ~~، وكان الرجل نازلا بالمدينة في دار وفيها وصيفة أعجبته ، فلما انصرف ليلا ~~ممسيا واستفتح الباب وفتحت له مد يده الى ثديها وقبض عليه (2). # وقدم رجل من أهل الكوفة على أهل خراسان يدعوهم الى ولاية الصادق ~~عليه السلام ، فاختلفوا في الأمر ، فبين مطيع مجيب ، وبين جاحد منكر ، وبين ~~متورع واقف ، فأرسلوا من كل فرقة رجلا الى الصادق عليه السلام لاستيضاح ~~الحال ، ولما كانوا في بعض الطريق خلا واحد منهم بجارية كانت مع بعض القوم ~~، وعند ما وصلوا الى الصادق عليه السلام عرفوه بالذي أقدمهم ، فقال للمتكلم ~~وكان الذي وقع على الجارية : من أي الفرق الثلاث أنت؟ قال : من الفرقة التي ~~ورعت ، قال عليه السلام : فأين كان ورعك يوم كذا وكذا مع الجارية؟ فسكت ~~الرجل (3). # وهذه لعمر الحق اكبر دلالة على الامامة لو كان القوم طالبين للحق ~~وللدلالة على الامامة. # وكان عبد الله النجاشي (4) زيديا منقطعا الى عبد الله بن الحسن فدخل يوما PageV01P260 # على الصادق عليه السلام فقال له : ما دعاك الى ما صنعت ، تذكر يوم مررت ~~على باب قوم فسال عليك الميزاب من الدار فسألتهم فقالوا : إنه قذر ، فطرحت ~~نفسك في النهر بثيابك فكانت منشغة (1) عليك فاجتمع عليك الصبيان يضحكون منك ~~ويصيحون عليك ، فلما خرج من عند الصادق عليه السلام قال : هذا صاحبي دون ~~غيره (2). # وجاء من عده طرق دخول أبي بصير على الصادق عليه السلام وهو جنب ، وردع ~~الصادق إياه ، ومن ذلك ما قاله أبو ms183 بصير ، قال : دخلت على أبي عبد الله ~~عليه السلام وأنا اريد أن يعطيني من دلالة الامامة مثلما أعطاني أبو جعفر ~~عليه السلام ، فلما دخلت وكنت جنبا قال : يا أبا محمد تدخل علي وأنت جنب ، ~~فقلت : ما عملته إلا عمدا ، قال : أو لم تؤمن؟ قلت : بلى ولكن ليطمئن قلبي ~~، فقلت عند ذلك : إنه إمام (3). ### ||| إعلامه عما في النفس : # إن نفس المؤمن اذا زكت من درن الرذائل عادت كالمرآة الصافية ، ينطبع فيها ~~كل ما يكون أمامها ، ولذا قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : اتقوا فراسة ~~المؤمن فإنه ينظر بنور الله ، هذا شأن المؤمن فكيف بإمام المؤمنين؟ # وهذا الخضر عليه السلام أعاب السفينة وأقام الجدار وقتل الغلام ، وما PageV01P261 # كان ذلك منه إلا علما منحه به العليم سبحانه. # فلا عجب إذن لو أعلم الامام الصادق عليه السلام عن أشياء تتلجلج في النفوس ~~عند إظهار الكرامة. # دخل عمر بن يزيد (1) على الصادق وهو وجع وقد ولاه ظهره ووجهه للحائط ، ~~وقد قال عمر في نفسه : ما أدري ما يصيبه في مرضه لو سألته عن الامام بعده ، ~~فبينا يفكر في ذلك إذ حول الصادق إليه وجهه ، فقال : الأمر ليس كما تظن ليس ~~علي من وجعي هذا بأس (2). # ودخل عليه الحسن بن موسى الحناط (3) وجميل بن دراج (4) وعائذ الأحمسي (5) ~~وكان عائذ يقول : إن لي حاجة اريد أن أسأله عنها ، فلما سلموا وجلسوا أقبل ~~بوجهه على عائذ فقال عليه السلام : من أتى الله بما افترض عليه لم يسأله عما ~~سوى ذلك ، فغمزهم فقاموا ، فلما خرجوا قالوا له : ما كانت حاجتك؟ قال : ~~الذي سمعتم ، لأني رجل لا اطيق القيام بالليل فخفت أن اكون مأخوذا به فأهلك (6). # ودخل عليه شهاب بن عبد ربه (7) وهو يريد أن يسأله عن الجنب يغرف PageV01P262 # الماء من الحب فلما صار عنده انسي المسألة ، فنظر إليه أبو عبد الله ~~عليه السلام فقال : يا شهاب لا بأس أن يغرف الجنب من الحب (1). # وكان جعفر بن هارون الزيات (2) يطوف بالكعبة وأبو عبد الله عليه السلام في ~~الطواف ms184 ، فنظر إليه الزيات وحدثته نفسه فقال : هذا حجة الله ، وهذا الذي لا ~~يقبل الله شيئا إلا بمعرفته ، فبينا هو في هذا التفكير إذ جاءه الصادق من ~~خلفه فضرب بيده على منكبه ثم قال : « أبشرا واحدا منا نتبعه إنا إذن لفي ~~ضلال وسعر » (3) ثم جازه (4). # ودخل عليه خالد بن نجيح الجواز (5) وعنده ناس فقنع رأسه وجلس ناحية وقال ~~في نفسه : ويحكم ما أغفلكم عند من تتكلمون ، عند رب العالمين ، فناداه ~~الصادق عليه السلام : ويحك يا خالد إني والله عبد مخلوق ولي رب أعبده ، إن ~~لم أعبده والله عذبني بالنار ، فقال خالد : لا والله لا أقول فيك أبدا إلا ~~قولك في نفسك (6). # هذا قليل من كثير مما روته الكتب الجليلة من الكرامات والمناقب لأبي عبد ~~الله الصادق عليه السلام ، ولا غرابة لو ذكرت له الكتب أضعاف ما PageV01P263 # استطردناه بعد أن أوضحنا في صدر البحث أمر الكرامة. # أجل بعد أن فاتتنا المشاهدة فلا طريق لنا لإثبات الكرامة غير النقل وإن ~~المشاهدة لا تكون إلا لأفراد من معاصري النبي أو الامام ، فكيف حال الناس ~~مع الكرامة من أهل الأجيال المتأخرة ، هذا سوى الناس من أهل زمانه ممن لم ~~يحضر الكرامة ، فهل طريق إذن لإثباتها غير النقل ، فالنقل إن صح لاعتبار ~~المؤلف والراوي فذلك المطلوب ، وإلا فاعتباره اذا بلغ التواتر لقضية خاصة ~~أو لقضايا يحصل من جميعها الاعتقاد بصدور الكرامة من النبي أو الوصي وإن لم ~~يحصل الاعتقاد بواحدة منها خاصة. # * * * PageV01P264 ![](https://books.rafed.net/Books/686_emam-sadeq-02/images/image001.gif) PageV02P001 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي من علينا بالإسلام ، وعرفنا خيرته من الأنام ، وصلاته ~~وسلامه على خاتم الأنبياء وعلى آله الأئمة الأوصياء. PageV02P002 ### | المختار من كلامه # إن كلام أبي عبد الله عليه السلام لا تنزفه الدلاء ، ولا تلم به صحائف ، ~~وما اكثر اصوله ، وأوفى فروعه ، وإنما نريد هاهنا أن نذكر منه فصولا أربعة ، هي : # الخطب ، والعظات ، والوصايا ، والحكم ، فإن بها نجعة الرائد ورواء الظمآن ~~، وحياة النفس ، اجتهدت في جمعها واختيارها من خيرة الكتب وصفوة المؤلفات. ### || 1 خطبه # لم يعرف عنه أنه رقى الأعواد للإرشاد ms185 ولم تكن ظروفه تواتيه أن يخطب على ~~الجماهير ، ومع ذلك فقد عثرت قدر الوسع في التنقيب على خطبتين إحداهما ~~طويلة ، والاخرى قصيرة. # أما الاولى فهي على فصلين : [ الفصل ] ( الأول ) في صفة النبي خاصة وهو ~~قوله (1): فلم يمنع ربنا لحلمه وأناته وعطفه ما كان من عظيم جرمهم وقبيح ~~أفعالهم أن انتجب لهم أحب أنبيائه إليه واكرمهم عليه ، محمد بن عبد الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، في PageV02P003 # حومة العز (1) مولده ، وفي دومة الكرم محتده (2) غير مشوب حسبه ، ولا ~~ممزوج نسبه ، ولا مجهول عند أهل العلم صفته ، بشرت به الأنبياء في كتبها ، ~~ونطقت به العلماء بنعتها ، وتأملته الحكماء بوصفها ، مهذب لا يدانى ، هاشمي ~~لا يوازى ، أبطحي لا يسامى ، شيمته الحياء وطبيعته السخاء ، مجبول على ~~أوقار (3) النبوة وأخلاقها ، مطبوع على أوصاف الرسالة وأحلامها الى أن ~~انتهت به أسباب مقادير الله الى أوقاتها وجرى بأمر الله القضاء فيه الى ~~نهاياتها ، أدى محتوم قضاء الله الى غاياتها يبشر به كل أمة من بعدها ، ~~ويدفعه كل أب الى أب من ظهر الى ظهر ، لم يخلط في عنصره سفاح ، ولم ينجسه ~~في ولادته نكاح ، من لدن آدم إلى أبيه عبد الله في خير فرقة ، واكرم سبط ، ~~وأمنع رهط ، وأكلأ حمل ، وأودع حجر ، اصطفاه الله وارتضاه واجتباه ، وآتاه ~~من العلم مفاتيحه ، ومن الحكم ينابيعه ، ابتعثه رحمة للعباد ، وربيعا ~~للبلاد ، وأنزل الله إليه الكتاب ، فيه البيان والتبيان ، قرآنا عربيا غير ~~ذي عوج لعلهم يتقون ، قد بينه للناس ونهجه بعلم قد فصله ، ودين قد أوضحه ، ~~وفرائض قد أوجبا ، وحدود حدها للناس وبينها ، وامور قد كشفها لخلقه وأعلنها ~~، فيها دلالة الى النجاة ومعالم تدعو الى هداة ، فبلغ رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ما ارسل به ، وصدع بما امر به ، وأدى مما حمل من أثقال ~~النبوة ، وصبر لربه ، وجاهد في سبيله ، ونصح لامته ، ودعاهم الى النجاة ، ~~وحثهم على الذكر ، ودلهم على سبيل الهدى ، بمناهج ودواع أسس للعباد أساسها ~~، ومنازل رفع لهم أعلامها ، كي لا يضلوا من بعده ، وكان بهم رءوفا ms186 PageV02P004 # رحيما (1). # ( الفصل الثاني ) ما كان منها في صفة الأئمة عليهم السلام ، ذكره الكليني ~~طاب ثراه في الكافي ، كتاب الحجة ، باب نادر جامع في فصل الإمام وصفاته ، ~~وذكره المسعودي علي بن الحسين (2) في كتاب الوصية ص 139 ، قال : ولما أفضى ~~أمر الله عز وجل إليه يعني الصادق عليه السلام جمع الشيعة وقام فيهم خطيبا ، ~~فحمد الله وأثنى عليه وذكرهم بأيام الله ، ثم ذكر الفصل الذي سنذكره ، وبين ~~رواية الكليني ورواية المسعودي اختلاف قليل ، ونحن نورده على رواية الكليني ~~لأن فيها زيادات. # قال عليه السلام : إن الله تعالى أوضح بأئمة الهدى من أهل بيت نبينا عن ~~دينه ، وأبلج (3) بهم عن سبيل منهاجه ، وفتح بهم عن باطن ينابيع علمه ، فمن ~~عرف من أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم واجب حق إمامه وجد طعم حلاوة إيمانه ، ~~وعلم فضل طلاوة (4) إسلامه ، لأن الله تعالى نصب الإمام علما لخلقه ، وجعله ~~حجة على اهل مواده (5) وعالمه ، وألبسه تعالى تاج الوقار ، وغشاه من نور ~~الجبار ، يمد بسبب من السماء لا ينقطع عنه مواده (6) ولا ينال ما عند الله ~~إلا بجهة PageV02P005 # أسبابه ، ولا يقبل الله أعمال العباد إلا بمعرفته (1) فهو عالم بما يرد ~~عليه من ملتبسات الدجى ، ومعميات السنن ، ومشتبهات الفتن ، فلم يزل الله ~~تعالى مختارهم لخلقه من ولد الحسين عليه السلام من عقب كل إمام إماما ، ~~يصطفيهم لذلك ويجتبيهم ، ويرضى بهم لخلقه ويرتضيهم ، كلما مضى منهم إمام ~~نصب لخلقه من عقبه إماما ، علما بينا ، وهاديا نيرا ، وإماما قيما ، وحجة ~~عالما ، أئمة من الله يهدون بالحق وبه يعدلون ، حجج الله ودعاته ورعاته على ~~خلقه ، يدين بهداهم العباد وتستهل بنورهم البلاد ، وينمو ببركتهم التلاد ~~(2) جعلهم الله حياة للأنام ، ومصابيح للظلام ، ومفاتيح للكلام ، ودعائم ~~للاسلام ، جرت بذلك فيهم مقادير الله على محتومها ، فالامام هو المنتجب ~~المرتضى ، والهادي المنتجى (3) والقائم المرتجى (4) اصطفاه الله بذلك ~~واصطنعه على عينه في الذر حين ذرأه ، وفي البرية حين برأه ، ظلا قبل خلق ~~الخلق نسمة عن يمين عرشه ، محبوا بالحكمة في عالم (5) الغيب عنده ، اختاره ~~بعلمه ms187 ، وانتجبه لطهره ، بقية من آدم عليه السلام ، وخيرة من ذرية نوح ، ~~ومصطفى من آل إبراهيم ، وسلالة من إسماعيل ، وصفوة من عترة محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، لم يزل مرعيا بعين الله يحفظه ويكلأه بستره ، مطرودا ~~عنه حبائل إبليس وجنوده ، مدفوعا عنه وقوب الغواسق (6) ونفوث كل فاسق (7)، PageV02P006 # مصروفا عنه قوارف السوء (1) مبرأ من العاهات ، معصوما من الفواحش كلها ، ~~معروفا بالحلم والبر في يفاعه (2) منسوبا الى العفاف والعلم والفضل عند ~~انتهائه ، مسندا إليه أمر والده ، صامتا عن المنطق في حياته ، فاذا انقضت ~~مدة والده الى أن انتهت به مقادير الله الى مشيته ، وجاءت الإرادة من الله ~~فيه الى محبة (3) وبلغ منتهى مدة والده صلى الله عليه فمضى وصار أمر الله ~~إليه من بعده ، وقلده دينه وجعله الحجة على عباده ، وقيمه في بلاده وأيده ~~بروحه وآتاه علمه وأنبأه فصل بيانه ، ونصبه علما لخلقه ، وجعله حجة على أهل ~~عالمه ، وضياء لأهل دينه ، والقيم على عباده ، رضي (4) الله به إماما لهم ، ~~استودعه سره ، واستحفظه علمه ، واستخبأه حكمته ، واسترعاه لدينه ، وانتدبه ~~لعظيم أمره ، وأحيى به مناهج سبيله ، وفرائضه وحدوده ، فقام بالعدل عند ~~تحير أهل الجهل ، وتحيير أهل الجدل ، بالنور الساطع ، والشفاء النافع ، ~~بالحق الأبلج ، والبيان اللائح من كل مخرج ، على طريق المنهج الذي مضى عليه ~~الصادقون من آبائه عليهم السلام ، فليس يجهل حق هذا العالم إلا شقي ، ولا ~~يجحده إلا غوي ، ولا يصد عنه إلا جريء على الله تعالى. # أقول : لعلك تخال بأن هذه النعوت كبيرة على الإنسان بحكم العادة ، وأين ~~من يحمل هذه الصفات ولكنك لو نظرت الى أن الإمامة خلافة الرسول ، وأن ~~خليفته يجب أن يقوم بوظائفه ، مرشدا لامته ، مصلحا للناس عامة ، لا يقنت أن ~~هذه النعوت لا تنفك عنه ، وأنه لا بد أن يكون في الامة من يتحلى بهذه PageV02P007 # السمات (1). # ( الخطبة الثانية ) هي المروية في مناقب ابن شهر اشوب « 1 / 183 184 » ~~قال : لما دخل هشام بن الوليد المدينة أتاه بنو العباس وشكوا من الصادق ~~عليه السلام أنه أخذ تركات ماهر الخصي ms188 دوننا ، فخطب أبو عبد الله عليه السلام ~~فكان مما قال : # إن الله لما بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان أبونا أبو طالب ~~المواسي له بنفسه والناصر له ، وأبوكم العباس وأبو لهب يكذبان ويوليان عليه ~~شياطين الكفر وأبوكم يبغي له الغوائل ، ويقود إليه القبائل في بدر ، وكان ~~في أول رعيلها وصاحب خيلها ورجلها ، المطعم يومئذ ، والناصب له الحرب ، ثم قال : # فكان أبوكم طليقنا وعتيقنا ، وأسلم كارها تحت سيوفنا ، ولم يهاجر إلى ~~الله ورسوله هجرة قط ، فقطع الله ولايته منا بقوله : « الذين آمنوا ولم ~~يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء » (2) ثم قال : # مولى لنا مات فخرنا تراثه ، إذ كان مولانا ولأنا ولد رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، وأمنا فاطمة أحرزت ميراثه. # أقول : إن الصادق أرفع من أن يواقف بني العباس من جراء المال ، ولكن إخال ~~أنه يريد أن يكشف حالا للعباس كانت مجهولة ، لأن الملك سوف يوافي بنيه ~~فيعلم الناس شأن من يملك منهم الرقاب. # وهذه الكلمات على وجازتها تفيد التاريخ فوائد جمة ، ولا أحسب أن التاريخ ~~يذكر للعباس تلك المواقف. PageV02P008 # وقد سبق أن قلت : إني لم أجد حسب الجهد في التتبع خطبا لصادق أهل البيت ~~غير ما ذكرنا ، نعم إلا أن يكون وقوفه في وجه شيبة بن عفال والي المنصور ~~على المدينة يعد من الخطب ، فتكون ثلاثا ، وقد أوردناها في مواقفه مع ~~المنصور وولاته في الجزء الأول. # * * * PageV02P009 ### || 2 عظاته # ما زال إمامنا عليه السلام ينشر مواعظه الخالدة بين الناس لتهذيبهم ~~وإرشادهم الى طريق الله تعالى اللاحب ، وحرصا على سعادتهم في الدارين ، ~~والذي وصل إلينا منها الشيء الكثير الذي يفوت الحصر وهو مبثوث في غضون ~~الكتب التي بين أيدينا. # وقد رأينا أن نورد أهم ما وصل إلينا من هذه المواعظ مرتبا على الأبواب ~~على نحو ما يأتي : ### ||| المعرفة : # معرفة الله تعالى أول الواجبات ، وأساس الفضائل والأعمال ، بل هي غاية ~~الغايات ، ومنتهى كمال الانسان ، وعلى قدر التفاضل فيها يكون التفاضل بين ~~الناس ، ولأجله جعلناها في طليعة مواعظه ms189 ، وكفى من كلامه فيها أن نورد هذه ~~الشذرات الآتية التي يدعو فيه الى المعرفة ، ويحث عليها كاشفا عن جليل ~~آثارها وعظيم لذتها ، فقال عليه السلام : # « لو يعلم الناس ما في فضل معرفة الله عز وجل ما مدوا أعينهم الى ما متع ~~الله به الأعداء من زهرة هذه الحياة الدنيا ونعيمها ، وكانت دنياهم أقل ~~عندهم مما يطؤونه بأرجلهم ، ولنعموا بمعرفة الله عز وجل وتلذذوا به تلذذ من ~~لم يزل في PageV02P010 # روضات الجنات مع أولياء الله ، إن معرفة الله عز وجل أنس من كل وحشة ، ~~وصاحب من كل وحدة ، ونور من كل ظلمة ، وقوة من كل ضعف ، وشفاء من كل سقم ». # ثم قال عليه السلام : « قد كان قبلكم قوم يقتلون ويحرقون وينشرون ~~بالمناشير ، وتضيق عليهم الأرض برحبها فما يردهم عما عليه شيء مما هم فيه ، ~~من غير ترة وتروا من فعل ذلك بهم ولا أذى ، بل ما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا ~~بالله العزيز الحميد ، فاسألوا درجاتهم ، واصبروا على نوائب دهركم تدركوا ~~سعيهم » (1). # إنه عليه السلام يصف المعرفة كمن ذاقها ، فيحبذ هذا الطعم الشهي للناس ، ~~ونحن لاسترسالنا في الغفلة لا نعرف ذلك المذاق ، سوى أننا نفقه أن من اتجه ~~الى معرفة الله تعالى ودنا من حظيرة القدس شبرا بعد عن متاع هذا الوجود ~~ميلا ، وكلما تجرد عن زخرف هذا الوجود استزهد ما دون معرفة واجب الوجود. ### ||| الخوف والرجاء : # إن الله سبحانه جمع بين العظمة والرأفة ، وبين الغضب والرضى ، فعلى سعة ~~رحمته عظيم سخطه ، وعلى جزيل ثوابه كبير عقابه ، ومن كانت رحمته واسعة كان ~~الأمل بشمولها للمجرم قريبا ، ومن كان عقابه شديدا كان الخوف من سخطه أكيدا ~~، فلا بد للمؤمن إذن أن يكون دائما بين الخوف والرجاء ، لأنه لا يدري بأية ~~زلة يؤخذ فيكتب في ديوان المجرمين ، ولا يعلم على أية حسنة يثاب PageV02P011 # فيحسب من المحسنين ، فيجب عليه أبدا أن يحذر الزلة فيتقيها ، ويرعى ~~الحسنة فيوافيها ، وتعاليم الصادق عليه السلام الواردة عنه هي من أعظم ما ~~ورد في هذا الباب تشرح حقيقة الخوف ms190 والرجاء وكيف يجتمعان وضرورة اجتماعهما ~~في المؤمن وأثر انعدامهما على الانسان ، وما الى ذلك ، فقال في الخوف : # « خف الله كأنك تراه وإن كنت لا تراه فانه يراك ، وإن كنت ترى أنه لا ~~يراك فقد كفرت ، وإن كنت تعلم أنه يراك ثم بدرت له بالمعصية فقد جعلته من ~~أهون الناظرين عليك » (1). # أقول : أما الكفر بإنكار رؤيته للناس فلأن معناه إنكار علمه بالموجودات ~~وهو يساوق إنكار خلقه بل إنكار وجوده. # وأما أنه يكون أهون الناظرين فواضح لأن المرء إذا أحس أن أحدا ذا شأن ~~وبطش وقوة مشرف على عمله ساخط عليه قادر على الفتك به ، فإنه لا محالة يكف ~~عن العصيان خجلا أو حذرا وخوفا ، وإنما يكون التهاون بالناظر والمطلع إذا ~~كان ممن لا يتقى أو يخشى أو كان ممن يستهان برضاه وغضبه وثوابه وعقابه ، ~~فالمبادر بالمعصية مع علمه بأنه تعالى يراه لا محالة قد جعله أهون ~~الناظرين. # وقال عليه السلام أيضا : من عرف الله خافه ، ومن خاف الله سخت نفسه عن ~~الدنيا (2). # وقال عليه السلام : إن من العبادة شدة الخوف من الله عز وجل ، يقول الله ~~عز وجل : « إنما يخشى الله من عباده العلماء » (3) وقال جل ثناؤه : « فلا ~~تخشوا الناس واخشون » (4) وقال تبارك وتعالى : « ومن يتق الله يجعل له ~~مخرجا » (5)، إن PageV02P012 # حب الشرف والذكر لا يكونان في قلب الخائف الراهب (1). # وقال عليه السلام في قوله عز وجل : « ولمن خاف مقام ربه جنتان » (2): من ~~علم أن الله يراه ويسمع ما يقول ، ويعلم ما يعمله من خير أو شر فيحجزه ذلك ~~عن القبيح من الأعمال فذلك الذي خاف مقام ربه ، ونهى النفس عن الهوى. # وقال عليه السلام : المؤمن بين مخافتين ، ذنب قد مضى لا يدري ما صنع الله ~~فيه ، وعمر قد بقى لا يدري ما يكتسب فيه من المهالك ، فهو لا يصبح إلا ~~خائفا ولا يصلحه إلا الخوف (3). # أقول : كذلك صلاح المؤمن يكون بالخوف أبدا ، لأنه إذا خاف اتجه بكل جارحة ~~وجانحة لدفع ما يخاف منه ، فينصرف عن العصيان ويقبل على الطاعة. # وقال ms191 عليه السلام : من خاف الله أخاف الله منه كل شيء ومن لم يخف الله ~~أخافه من كل شيء (4). # وقال عليه السلام في الخوف والرجاء معا : ينبغي للمؤمن أن يخاف الله تعالى ~~خوفا كأنه مشرف على النار ، ويرجو رجاء كأنه من أهل الجنة ثم قال : إن الله ~~تعالى عند ظن عبده إن خيرا فخيرا ، وإن شرا فشرا (5). # أقول : كذلك ينبغي للمؤمن أن يكون بين الخوف والرجاء كما قال تعالى : # « يدعون ربهم خوفا وطمعا » (6) لأن الخوف وحده قد يبعث على اليأس والقنوط ، PageV02P013 # واليأس من رحمة الله مذموم يثبط العبد عن العمل الصالح ، والرجاء وحده قد ~~يدفع بالعبد على الأمن من مكر الله وهو ضلال وخيبة يقعد بالعبد عن النشاط ~~للعبادة ، وأما المراد من أن الله تعالى عند ظن عبده فلا يبعد أن يكون أنه ~~في رعاية العبد ومكافاته على حسب ما يظن ، لا أنه يكون كذلك بمجرد الظن وإن ~~عمل ما لا يرتضيه الله تعالى من السوء وهو يظن فيه الخير ، كما سينبه عليه. # وقال عليه السلام : لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يكون خائفا راجيا ، ولا يكون ~~خائفا راجيا حتى يكون عاملا لما يخاف ويرجو (1). # أقول : لأن العمل مظهر الخوف والرجاء فإن لم يعمل كان كاذبا في دعوى ~~الخوف والرجاء ، وعليه الوجدان ، فإن من خاف أحدا على نفسه أو نفيسه اجتهد ~~في الحيطة والحذر ، ومن رجا توسل بالذرائع التي تقربه من المرجو. # وقال عليه السلام : حسن الظن بالله ألا ترجو إلا الله ولا تخاف إلا ذنبك (2). # أقول : لأن رجاء غير الله لا يكون إلا عن شكه في قدرة الله ورحمته لعباده ~~أو عن توهم أن غير الله له قدرة مستغنية عنه تعالى وهذا سوء ظن بالقادر ~~الرحيم ، وكذلك خوف غير الذنب من نحو الخوف من الموت والانسان والمخلوقات ~~الأخرى فإنه يستلزم الشك في قدرة الله ورحمته. # وقيل له : قوم يعملون بالمعاصي ويقولون نرجو ، فلا يزالون كذلك حتى ~~يأتيهم الموت ، فقال عليه السلام : هؤلاء يترجحون (3) في الأماني ، كذبوا ليسوا PageV02P014 # براجين ، من رجا شيئا ms192 طلبه ومن خاف من شيء هرب منه (1). # أقول : فإن المرجو لا ينال بغير السعي والطلب إلا صدفة ، والمخاف لا يسلم ~~منه بغير الهرب إلا صدفة ، وهل يتكل العاقل الرشيد في أمريه على الصدف. ### ||| الورع والتقوى : # إن من آثار معرفته تعالى والخوف منه تقواه والورع عن محارمه ، ولذلك حذر ~~أبو عبد الله عليه السلام من التورط في المخالفة ورغب في الإحاطة بالتقوى ، ~~والورع في الدين. # فيقول مرة : « اتقوا الله وصونوا دينكم بالورع » واخرى بعد أن رغب في ~~الزهد : « عليكم بالورع » (2) وثالثة : « من أشد ما فرض على خلقه ذكر الله ~~كثيرا ، ولا أعني سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله اكبر ، وإن ~~كان منه ، ولكن ذكر الله عند ما أحل وحرم ، فإن كان طاعة عمل بها ، وإن كان ~~معصية تركها » (3). # أقول : حقا أن موقف الإنسان لشديد أمام الواجب والمحرم ، بأن يجعل الله ~~نصب عينيه عندهما ، فيعمل ما يجب ، ويرفض ما حرم ، وان الورع ليعلم في هذه ~~المواقف حين لم يكن القاهر غير النفس والدين. # وسئل مرة عن تعريف الورع من الناس ليعرفوا بذلك حقيقة الورع فقال ~~عليه السلام : الذي يتورع عن محارم الله عز وجل (4) PageV02P015 # وسئل عن قوله الله عز شأنه : « وقدمنا الى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء ~~منثورا (1)» فقال عليه السلام : أما والله إن كانت أعمالهم أشد بياضا من ~~القباطي (2) ولكن اذا عرض لهم حرام لم يدعوه (3). # وقال المفضل بن عمر (4) يوما : أنا ما أضعف عملي ، فقال عليه السلام له : ~~مه استغفر الله ، إن قليل العمل مع التقوى خير من كثير بلا تقوى ، فقال له ~~: كيف يكون كثيرا بلا تقوى؟ قال عليه السلام : نعم مثل الرجل يطعم طعامه ، ~~ويرفق جيرانه ، ويوطىء رحله (5) فاذا ارتفع له الباب من الحرام دخله (6). # وهذا نظير قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : إن من قال لا إله إلا الله ~~غرست له شجرة في الجنة ، فقال له بعض أصحابه : إذن إن شجرنا في الجنة لكثير ~~، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ms193 : ولكن لا ترسلوا عليها نارا ~~فتحرقوها. ### ||| الزهد : # الزهد : هو الإعراض عن الدنيا بقلبه وجوارحه ، رغبته في الآخرة وفي ما ~~عند الله تعالى ، وهو أحد منازل الدين وأعلى مقامات العارفين. # وحقا أن العارف بالله لا ينبغي أن يعبأ بالدنيا إن أقبلت عليه أو أدبرت ~~عنه ، لأن الإقبال عليها يشغله عن التماس تلك الرتب ، التي لا يحس بحلاوتها إلا PageV02P016 # من تجرد عن هذه الشواغل. # ولذلك يقول صادق أهل البيت عليهم السلام : جعل الخير كله في بيت وجعل ~~مفتاحه الزهد في الدنيا. # ويروي هو لنا عن المرشد الاكبر جده النبي صلى الله عليه وآله وسلم قوله : لا ~~يجد الرجل حلاوة الإيمان حتى لا يبالي من أكل الدنيا. # ثم يقول الصادق عليه السلام : حرام على قلوبكم أن تعرف حلاوة الإيمان حتى ~~تزهد في الدنيا. # ويقول مرة ترغيبا في الزهد : ما أعجب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيء ~~من الدنيا إلا أن يكون فيها جائعا خائفا. # ويقول تارة : إذا أراد الله بعبده خيرا زهده في الدنيا ، وفقهه في الدين ~~وبصره عيوبها ، ومن اوتيهن فقد أوتي خير الدنيا والآخرة. # أقول : حقا أن الخير كله في هذه الثلاث ، لأن فيها الراحة والطمأنينة ~~والبصيرة ، وهذا هو الخير في هذه العاجلة ، والحظوة بالرتب العلية في تلك ~~الآجلة كما وعد الله. # ويقول أيضا : لم يطلب أحد الحق بباب أفضل من الزهد في الدنيا ، وهو ضد ~~لما طلب أعداء الحق من الرغبة فيها ، ألا من صبار كريم ، فإنما هي أيام قلائل. # أقول : إن الذي يحول بين المرء وبين الحق هو الحب للدنيا والرغبة فيها ، ~~فإن الرغبة في وفرة المال تمنعه عن أداء حقه ، والحب للجاه يحجزه عن القول ~~بالحق ، والميل الى الراحة يصده عن القيام بالفرض ، فلا يطيق المرء إذن أن ~~يقول الحق أو يعمله أو يبلغه إن لم يعرض عن هاتيك الأماني النفسية ، نعم إن ~~الإعراض عن هذه الرغائب يحتاج الى صبر وسخاء نفس ، ومن ثم ندب الصادق الى ~~هذا الصفح أرباب الصبر والكرم ثم أشار الى أن ms194 الصبر والكرم لا ينبغي أن PageV02P017 # يكونا عزيزين في الناس اذا انتبهوا الى أن البقاء في الدنيا لا يكون إلا ~~أياما قلائل ، لأن الانسان اذا عرف أن الشدة لا تدوم وطن نفسه على السخاء ~~والصبر على تلك المكاره. # ثم أنه عليه السلام رغب في الزهد من طريق نفعه العاجل ، وهو أحسن ذريعة ~~للرغبة في الشيء ، لأن المرء يريد أبدا أن يكون لعمله نتيجة عاجلة ، فقال : ~~ومن زهد في الدنيا أثبت الله الحكمة في قلبه ، وانطلق بها لسانه ، وبصره ~~عيوب الدنيا داءها ودواءها وأخرجه الله سالما الى دار السلام (1). # نعم يجب أن نعرف الزهد وحقيقته ، لئلا نخبط في التلبس به خبط عشواء ، فقد ~~سأله بعض العارفين من أصحابه عن حد الزهد في الدنيا ، فقال عليه السلام : ~~فقد حده الله في كتابه ، فقال عز من قائل : « لكي لا تأسوا على ما فاتكم ~~ولا تفرحوا بما آتاكم » (2) ثم قال : إن أعلم الناس أخوفهم لله ، وأخوفهم ~~له أعلمهم به ، وأعلمهم به أزهدهم فيها (3). # أقول : إن تحديده للزهد بما في الآية الكريمة يفهمنا أن الزهد في الدنيا ~~ليس كما يتبادر الى بعض الأفهام من الجشوبة في العيش والخشونة في الملبس ، ~~وإن كانتا من آثاره أحيانا ، وإنما هو أعلى وأرفع من ذلك. # إن المرء اذا كان معرضا عن الدنيا هانت عليه فلا يحزن بما فات ، ولا يفرح ~~بما هو آت ، ولو كان مقبلا عليها لأحزنه الفائت وأسره الآتي ، فأحسن كاشف ~~عن حقيقة الزهد في الدنيا هذا الحزن والفرح. # ولو كان الزهد الصفح عن نعيم هذا الوجود وما فيه من ملذات كما PageV02P018 # تصنع المتصوفة لما خلق الله هذه الطيبات منة على العباد ، أفهل يا ترى ~~يمن عليهم بشيء وهو الجواد ويكره أن ينالوا منه البلغة ، فلمن إذن خلق تلك ~~الطيبات من الرزق « قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من ~~الرزق » (1). # ويكشف لنا عن جلية الحال بقوله عليه السلام : « فأما اذا أقبلت الدنيا ~~فأحق أهلها بها أبرارها لا فجارها ، ومؤمنوها لا منافقوها ، ومسلموها لا ~~كفارها » وقد ms195 قال ذلك عند ما رأوه وعليه ثياب بيض وعابوا عليه تلك البزة ~~وحسبوها من الرغبة في الدنيا ، وكان شعار آبائه الزهد. # نعم إنما يراد من العبد ألا يكون شغله الطيبات وهمه هذه الحياة ، بل أن ~~يكون شغله ما هو أرفع ، وهمه فيما هو أبقى وأنفع. # إن الله سبحانه قد فرض فرائض ، وحدد حدودا لم يسأل العباد عما وراءها ، ~~ولذلك تجد الصادق عليه السلام يرشدنا الى تلك الحقيقة فيقول : أورع الناس من ~~وقف عند الشبهة ، وأعبد الناس من أقام الفرائض ، وأزهد الناس من ترك الحرام ~~، وأشد الناس اجتهادا من ترك الذنوب (2). ### ||| الدنيا : # ليست دنيا الانسان إلا نفسه وما فيها من غرائز وشهوات وأفكار واعتقادات ، ~~وكل شيء ما عدا نفسه فهو خارج عن ذاته أجنبي عنه ، بل ليس من دنياه في شيء ~~، ولا يرتبط به إلا بمقدار ما يرتبط في أفكاره وآرائه وإشباع شهواته وتحقيق ~~ما تدفع إليه الغرائز. # فاذا اشبعت شهواته كلها فقد حاز على كل ما في دنياه بحذافيرها وإلا فهو PageV02P019 # محروم منها بمقدار بقاء بعض شهواته جائعة أو مكبوتة. # غير أن إشباع جميع الشهوات من المستحيل على الانسان في هذه الحياة الدنيا ~~، ولنضرب مثلا بشهوة حب الاستعلاء والسيطرة التي هي أشد الشهوات عرامة وقوة ~~، فإن الإنسان مهما بلغ من السلطان والاستطالة لا بد أن تكون هنا جهات اخرى ~~لم يشملها سلطانه أو تزاحمه عليه وتضايقه أو متمردة عليه ، فشهوة السلطان ~~والحال هذه لا تشبع أبدا مهما حاول صاحبها إشباعها ، على أنها كلما غذيت ~~تقوى وتشتد ولا تصل الى حد الإشباع ، ومثلها أيضا من هذه الناحية شهوة ~~التملك والحيازة ، فإن كل ما تحقق لصاحبها التملك من الأموال فإن الأموال ~~بطبيعة الحال لا يحوزها كلها بل الأكثر يبقى ممتنعا عليه ، وهو يزيد كلما ~~زادت أمواله شهوة وحرصا على جمعها. # مضافا الى أن إشباع مثل شهوة السيطرة والتملك لا يتم حتى بعضه إلا ~~بالتنازل عن كثير من الشهوات مثل شهوة الراحة والاستقرار والأمن لأن ~~الاحتفاظ بالسيطرة والتملك أو توسعتهما يستدعي كثيرا من ms196 مدافعة المزاحمين ~~ومناهضة المتمردين ، وكلما زادت سيطرته وتملكه زادت المزاحمة فتزيد ~~محروميته من اشباع كثير من الشهوات ، وهكذا كلما زاد الإنسان انغمارا في ~~الشهوات وحرصا على دنياه زادت شهواته عرامة وقوة وبقيت اكثر شهواته بلا ~~إشباع تلح عليه وتؤلمه وتنغص عليه عيشه وراحته حتى يموت في سبيل ذلك. # وما أعظم تصوير هذه الناحية في الإنسان في كلمات إمامنا عليه السلام إذ ~~يقول : « إن مثل الدنيا كمثل ماء البحر كلما شرب منه العطشان ازداد عطشا ~~حتى يقتله » (1). PageV02P020 # ويقول عليه السلام : « مثل الحريص على الدنيا مثل دودة القز كلما ازدادت ~~من القز على نفسها لفا كان أبعد لها من الخروج حتى تموت غما » (1). # ويقول عليه السلام في التحذير من الدنيا : « إن مثل الدنيا مثل الحية مسها ~~لين وفي جوفها السم القاتل ، يحذرها الرجل العاقل ، ويهوى إليها الفتيان ~~بأيديهم » (2). # أقول : إن الرجل العاقل هو المجرب الذي خبر الدنيا فعرف أنها لا تصفو من ~~الكدر وأنها تخبئ كثيرا من الآلام والآفات والنكبات ، أما الغر غير المجرب ~~فهو كالطفل يرى حلاوتها ولم يشعر بمرارتها ، فيغتر بها كما يغتر بلين مس ~~الحية وإن كان فيها السم القاتل ، والامام عليه السلام وجميع المصلحين ~~يحذرون من الاغترار بنعيم الدنيا ، لأنه يسبب طغيان الانسان وعتوه ونسيان ~~الآخرة وما يجب من العمل لها في فرصة الحياة الدنيا. وإن شئت أن تبعد غورا ~~في عرفانها فتبصر بقوله في صفتها : # « إن هذه الدنيا وإن أمتعت ببهجتها ، وغرت بزبرجها ، فإن آخرها لا يعدو ~~أن يكون كآخر الربيع ، الذي يروق بخضرته ثم يهيج (3) عند انتهاء مدته ، ~~وعلى من نصح لنفسه وعرف ما عليه وله أن ينظر إليها نظر من عقل عن ربه جل ~~وعلا وحذر سوء منقلبه ، فإن هذه الدنيا خدعت قوما فارقوها أسرع ما كانوا ~~إليها ، وأكثر ما كانوا اغتباطا بها ، طرقتهم آجالهم بياتا وهم نائمون ، أو ~~ضحى وهم يلعبون ، فكيف أخرجوا عنها ، والى ما صاروا بعدها ، أعقبتهم الألم ~~، وأورثتهم PageV02P021 # الندم ، وجرعتهم مر المذاق وغصصتهم بكأس الفراق ، فيا ويح من رضي عنها أو ms197 ~~أقر عينا ، أما رأى مصرع آبائه ، ومن سلف من أعدائه وأوليائه أطول بها حيرة ~~، وأقبح بها كرة ، وأخسر بها صفقة ، واكبر بها ترحة ، اذا عاين المغرور بها ~~أجله وقطع بالأماني أمله ، وليعمل على أنه اعطي أطول الأعمار وأمدها ، وبلغ ~~فيها جميع الآمال ، هل قصاراه إلا الهرم ، وغايته إلا الوخم (1) نسأل الله ~~لنا ولك عملا صالحا بطاعته ، ومآبا الى رحمته ، ونزوعا عن معصيته ، وبصيرة ~~في حقه ، فإنما ذلك له وبه » (2). # وتأمل قوله في نعتها ونعت ذويها : « كم من طالب للدنيا لم يدركها ، ومدرك ~~لها قد فارقها ، فلا يشغلنك طلبها عن عملك ، والتمسها من معطيها ومالكها ، ~~فكم من حريص على الدنيا قد صرعته ، واشتغل بما أدرك منها عن طلب آخرته حتى ~~فني عمره وأدركه أجله » (3). # وما أصدق قوله في تحليلها وأطوار الناس فيها : « ما الدنيا وما عسى أن ~~تكون ، هل الدنيا إلا اكل اكلته ، أو ثوب لبسته ، أو مركب ركبته ، إن ~~المؤمنين لم يطمئنوا في الدنيا ولم يأمنوا قدوم الآخرة ، دار الدنيا دار ~~زوال ، ودار الآخرة دار قرار ، أهل الدنيا أهل غفلة ، إن أهل التقوى أخف ~~أهل الدنيا مؤونة واكثرهم معونة ، إن نسيت ذكروك ، وإن ذكروك أعلموك ، ~~فانزل الدنيا كمنزل نزلته فارتحلت عنه ، أو كمال أصبته في منامك فاستيقظت ~~وليس في يدك شيء منه ، فكم من حريص على أمر قد شقي به حين أتاه ، وكم PageV02P022 # من تارك لأمر قد سعد به حين أتاه » (1). # وانتبه الى قوله عليه السلام : « ما أنزلت الدنيا من نفسي إلا بمنزلة ~~الميتة ، اذا اضطررت إليها اكلت منها ، إن الله تبارك وتعالى علم ما العباد ~~عاملون والى ما هم إليه صائرون ، فحلم عنهم عند أعمالهم السيئة لعلمه ~~السابق فيهم ، فلا يغرنك حسن الطلب ممن لا يخاف الفوت » ثم تلا قوله تعالى ~~: « تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا » ~~(2) وجعل يبكي ويقول : « ذهبت والله الأماني عند هذه الآية » ثم قال ~~عليه السلام : « فاز والله الأبرار ، الذين لا يؤذون الذر ، كفى بخشية الله ~~علما ، وكفى بالاغترار ms198 جهلا » (3). # أقول : أراد بقوله « ذهبت والله الأماني » أماني أهل الأعمال السيئة إذ ~~يحلم الله عنهم فيظنون أنهم في نجاة من عذاب الله في الآخرة ، ولكن الآية ~~دالة على أن الدار الآخرة مقصورة على هؤلاء الذين لا يريدون العلو ولا ~~الفساد ، إذن فلا نصيب لغيرهم فيها ، وأين تكون أماني أهل الآمال الذين ~~ليسوا من اولئك ، وقد قطعت الآية تلك الأماني من نفوسهم. # وشكا إليه رجل الحاجة ، فقال عليه السلام : « اصبر فإن الله سيجعل لك فرجا ~~» ثم سكت ساعة ، ثم أقبل على الرجل فقال : « اخبرني عن سجن الكوفة كيف هو؟ ~~فقال : أصلحك الله ، ضيق منتن ، وأهله بأسوإ حال ، فقال عليه السلام : إنما ~~أنت في السجن فتريد أن يكون فيه سعة أما علمت أن الدنيا سجن المؤمن ». # وتأمل قوله عليه السلام : « من أصبح وأمسى والدنيا اكبر همه جعل الله PageV02P023 # الفقر بين عينيه ، وشتت أمره ولم ينل من الدنيا إلا ما قسم له ، ومن أصبح ~~وأمسى والآخرة اكبر همه جعل الغنى في قلبه وجمع أمره » (1). # أقول : لأن من كان همه الدنيا فإن شهواته تلح عليه وهو لا يستطيع إشباعها ~~أبدا فهو دائما في حاجة ، وما يزال الفقر نصب عينيه ، ويكون همه متشعبا ، ~~لتشعب شئون هذه الحياة ، فيتشتت عندئذ أمره ، ومع ذلك لا ينال من الدنيا ~~الواسعة إلا ما قسم له ، وأما من كان همه الآخرة فيجعل الله القناعة في ~~قلبه ، ومن قنع استغنى ، فلا يكون همه عندئذ متشعبا بتشعب جهات الحياة ، ~~وبهذا يكون اجتماع أمره وهدوء فكره. # ويمثل لك حسرة طلاب هذه الفانية أيضا فيقول عليه السلام : « من كثر ~~اشتباكه في الدنيا كان أشد لحسرته عند فراقها » (2). # وأحسن ما مثل فيه المنهمكين بالدنيا في قوله : « من تعلق قلبه بالدنيا ~~تعلق قلبه بثلاث خصال : هم لا يفنى ، وأمل لا يدرك ، ورجاء لا ينال » (3). # أقول : هذا نموذج من كلامه عن الدنيا والمغرورين بها ، أرسله عليه السلام ~~إيقاظا للغافلين ، وتحذيرا من زخارفها الخداعة. ### ||| الرياء : # الرياء : طلب المنزلة في قلوب الناس بخصال الخير أو ما يدل من الآثار ms199 ~~عليها باللباس والهيئة والحركات والسكنات ونحوها. # وهو من الكبائر الموبقة والمعاصي المهلكة ، وقد تعاضدت الآيات والأخبار PageV02P024 # على ذمه. وقد ورد عن الصادق عليه السلام الكثير من الأحاديث في ذمه وتنقص ~~صاحبه ، فقال مرة : # كل رياء شرك (1) إنه من عمل للناس كان ثوابه على الناس ، ومن عمل لله كان ~~ثوابه على الله (2). # وقال اخرى في قوله تعالى : « فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ~~ولا يشرك بعبادة ربه أحدا » (3): الرجل يعمل شيئا من الثواب لا يريد به ~~وجه الله ، إنما يطلب تزكية الناس ، يشتهي أن تسمع به الناس ، فهذا الذي ~~أشرك بعبادة ربه. ثم قال عليه السلام : ما من عبد أسر خيرا فذهبت الأيام حتى ~~يظهر الله له خيرا ، وما من عبد يسر شرا فذهبت به الأيام حتى يظهر الله له ~~شرا » (4). # وقال طورا : « ما يصنع أحدكم أن يظهر حسنا ويسر سيئا ، أليس يرجع الى ~~نفسه فيعلم أن ليس كذلك ، والله عز وجل يقول : « بل الانسان على نفسه بصيرة ~~» (5) إن السريرة اذا صحت قويت العلانية » (6). # أقول : ما أغلاها كلمة ، لأن المرائي يرجع الى نفسه فيعرف أنه يظهر غير ~~ما يضمر ، فيظهر ذلك على أعماله من حيث يدري ولا يدري ، لأنه بالرجوع الى ~~نفسه يشعر بهذا الضعف والخداع ولا بد أن يبدو الضعف على عمله فيختلج فيه. PageV02P025 # أما الذي توافق عنده السر والعلن في الصلاح فإنه يكون قويا في عمله لأنه ~~مطمئن من نفسه شاعر بقوتها ، والشعور بالقوة يسيطر على أقوال الإنسان ~~وأفعاله. # وقال أيضا عليه السلام : من أراد الله بالقليل من عمله أظهر الله له اكثر ~~مما أراد ، ومن أراد الناس بالكثير من عمله في تعب من بدنه ، وسهر من ليله ~~، أبى الله عز وجل إلا أن يقلله في عين من سمعه. # وقال أيضا : ما يصنع الانسان أن يعتذر بخلاف ما يعلم الله منه ، إن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول : من أسر سريرة ألبسه الله رداها إن ~~خيرا فخيرا ، وإن شرا فشرا. # وقال عليه السلام : إياك ms200 والرياء ، فإنه من عمل لغير الله وكله الله الى ~~من عمل له (1). # أقول : هذه شذرات من كلامه في الرياء ، أبان فيها عن سوء هذه النية ~~الفاشلة ، وخيبة من يريد منها رضى الناس ، فتفضحه الأيام فلا عمله زكاه ولا ~~حصل على ما رائى لأجله. ### ||| الظلم : # قبح الظلم بمعنى الجور والاعتداء على الغير من أشهر ما تطابقت عليه آراء ~~العقلاء وتسالمت عليه العقول ، وهو من الواضحات التي لا يشك فيها واحد ، ~~ولذا أن الله تعالى لما أراد ذم الشرك واستهجانه ذمه لأنه ظلم فقال : « إن ~~الشرك لظلم عظيم » (2). PageV02P026 # وقد وردت الآيات والآثار الكثيرة في ذمه وحرمته ومنها ما سيأتي عن إمامنا ~~الصادق عليه السلام . # غير أنه يختلف كثرة وقلة ، وشدة وضعفا ، كما دلت عليه الآية ، ولذلك يقول ~~عليه السلام : ما من مظلمة أشد من مظلمة لا يجد صاحبها عليها عونا إلا الله. (1) # أقول : وآية ذلك أن الضعيف عاجز عن الانتصاف لنفسه ، فيكون الله تعالى ~~نصيره والآخذ بحقه ، وكيف حال من كان الله خصمه والمنتصف منه ، وهذا مثل ما ~~يروى عن زين العابدين عليه السلام من قوله : إياك وظلم من لا يجد عليك ناصرا ~~إلا الله (2). # ولا تحسبن أن الظالم هو المباشر فقط ، بل كما قال أبو عبد الله ~~عليه السلام : # العامل بالظلم ، والمعين له ، والراضي به ، كلهم شركاء ثلاثتهم (3). # بل زاد على هؤلاء الثلاثة بقوله عليه السلام : من عذر ظالما بظلمه سلط ~~الله عليه من يظلمه ، إن دعا لم يستجب له ، ولم يؤجره الله على ظلامته. # ولشدة قبح الظلم يكون من لا ينوي الظلم مأجورا ، كما قال عليه السلام : من ~~أصبح لا ينوي ظلم أحد غفر الله له ما أذنب ذلك اليوم ، ما لم يسفك دما أو ~~يأكل مال يتيم حراما. # ودخل عليه رجلان في مداراة (4) بينهما ومعاملة ، فلم يسمع لهما كلاما بل ~~قال عليه السلام : « أما إنه ما ظفر أحد بخير من ظفر بالظلم ، أما إن ~~المظلوم يأخذ من دين الظالم اكثر مما يأخذه الظالم من مال المظلوم » ثم قال ~~عليه ms201 السلام : « من PageV02P027 # يفعل الشر بالناس فلا ينكر الشر إذا فعل به ، أما إنه إنما يحصد ابن آدم ~~ما يزرع ، وليس يحصد أحد من المر حلوا ، ولا من الحلو مرا » فاصطلح الرجلان ~~قبل أن يقوما. # أقول : ما أبلغها عظة وما أصدق التمثيل ، غير أن النفوس طبعت على السوء ~~وحب الاعتداء والغلبة فتعمى عن مثل هذه الآثار ، وإلا كيف يأمل أحد أن يحصد ~~الحلو من المر والخير من الشر ، وهو نفسه لا يجازي المسيء بالإحسان والظلم ~~بالصفح ، فكيف يرجو أن يكافأ وحده بغير ما يعمل دون الناس؟ # ودخل عليه زياد القندي (1) فقال عليه السلام له : يا زياد وليت لهؤلاء؟ # قال : نعم يا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لي مروة ، وليس وراء ~~ظهري مال ، وإنما اواسي اخواني من عمل السلطان ، فقال عليه السلام : يا زياد ~~أما اذا كنت فاعلا ذلك ، فاذا دعتك نفسك الى ظلم الناس عند القدرة على ذلك ~~فاذكر قدرة الله عز وجل على عقوبتك ، وذهاب ما أتيت إليهم عنهم ، وبقاء (2) ~~ما أتيت الى نفسك عليك والسلام (3). # أقول : إن الوالي معرض للظلم ، ولكن الله تعالى أقدر على عقوبة الظالم ~~والانتصاف منه ، ويستطيع أن يذهب عن المظلوم الظلامة وإرجاعها على الظالم ، ~~فلو أن الانسان ساعة يريد الظلم يخطر هذه الحقائق بباله لكف عما أراد ، PageV02P028 # وهذه أجمل الوسائل للارتداع عن الظلم. # ولعظم جريمة الظلم عند الله سبحانه يستجيب دعوة المظلوم على ظالمه كما ~~قال أبو عبد الله عليه السلام : اتقوا الظلم ، فإن دعوة المظلوم تصعد الى ~~السماء (1). # أقول : إن صعود الدعوة الى السماء كناية عن الإجابة وعدم الرد. ### ||| المؤمن : # الإيمان بكل شيء هو تمكن العقيدة من النفس ، فيخلص لها ويتفانى في سبيلها ~~، لأن العقيدة اذا تمكنت من الانسان تكون جزء لا يتجزأ من نفسه لا ينفك ~~عنها ، بل هي نفسه حقيقة ، فاذا جاز أن يتخلى الانسان عن نفسه ولا يخلص لها ~~، جاز أن يتخلى عن عقيدته ولا يخلص لها. # والعقيدة الدينية خاصة بالاستقراء ولا سيما الإيمان بالله أقوى من كل ms202 ~~عقيدة تمكنا من النفس ، فاذا عرف الانسان ربه مؤمنا بقدرته وتدبيره وعدله ~~لا بد أن يكون مستهينا بجميع شهوات الدنيا غير حافل بحوادثها ، ولا بد أن ~~يتصف بالخصال التي سنقرؤها عن الصادق عليه السلام التي ينبغي أن يتصف بها ~~المؤمن. # ومن رأيته لا يتحلى بها فاعلم أنه ليس بمؤمن حقا ، أو أنه ضعيف الإيمان ~~لم تتمكن العقيدة من نفسه. # قال أبو عبد الله عليه السلام في صفة المؤمن : ينبغي للمؤمن أن يكون فيه ~~ثمان خصال : وقورا عند الهزاهز ، صبورا عند البلاء ، شكورا عند الرخاء ، ~~قانعا بما رزقه الله ، لا يظلم الأعداء ، ولا يتحامل للأصدقاء ، بدنه منه ~~في تعب ، PageV02P029 # والناس منه في راحة. # ثم قال : إن العلم خليل المؤمن ، والحلم وزيره ، والصبر أمير جنوده ، ~~والرفق أخوه ، واللين والده (1). # أقول : إن الانسان إلا ما ندر يجد نفسه على جانب كبير من فاضل الصفات من ~~أجل حبه لذاته ورضاه عن نفسه فيتعامى عن عيوبها. # وفي الحقيقة إن هذا أول الرذائل ، بل مبدأ كل رذيلة ، ولكنه اذا قرأ ~~أمثال هذه الكلمات عن صادق أهل البيت في صفة المؤمن متدبرا فيها وفاحصا ~~بحرية وإخلاص عما عليه ذاته من الأخلاق والصفات لا بد أن يتطامن ويسخط على ~~نفسه بعد عرفانها ، ثم لا بد أن يعرف لما ذا قال الله تعالى : « وما اكثر ~~الناس ولو حرصت بمؤمنين » (2). # وقال عليه السلام أيضا : المؤمن له قوة في دين ، وحزم في لين ، وإيمان في ~~يقين ، وحرص في فقه ، ونشاط في هدى ، وبر في استقامة ، وعلم في حلم ، وكيس ~~في رفق ، وسخاء في حق ، وقصد في غنى ، وتجمل في فاقة ، وعفو في مقدرة ، ~~وطاعة لله في نصيحة ، وانتهاء في شهوة ، وورع في رغبة ، وحرص في جهاد ، ~~وصلاة في شغل ، وصبر في شدة ، في الهزاهز وقور ، وفي الرخاء شكور ، لا ~~يغتاب ، ولا يتكبر ، ولا يقطع الرحم ، وليس بواهن ، ولا فظ ، ولا غليظ ، ~~ولا يسبقه بصره ، ولا يفضحه بطنه ، ولا يغلبه فرجه ، ولا يحسد الناس ، ولا ~~يعير (3) ولا يعير (4)، ولا يسرق ، ينصر المظلوم ms203 ، ويرحم المسكين ، نفسه ~~منه في عناء ، والناس PageV02P030 # منه في راحة ، لا يرغب في عز الدنيا ، ولا يجزع من ذلها ، للناس هم قد ~~أقبلوا عليه ، وله هم قد شغله ، لا يرى (1) في حكمه نقص ، ولا في رأيه وهن ~~، ولا في دينه ضياع ، يرشد من استشاره ، ويساعد من ساعده ، ويكيع (2) عن ~~الخناء والجهل (3). # أقول : أترى أن إمام المؤمنين الصادق عليه السلام يعني بهذا الوصف الأئمة ~~من أهل البيت ، وإلا فأين يوجد مثل هذا المؤمن الكامل؟ وهل عرف مؤمن من ~~المسلمين على مثل هذه الصفة وإن كان الأحرى بكل من يدعي الايمان بالله ~~ورسوله حقا أن يكون متحليا بهذه الخصال الحميدة ، ولكن « وما اكثر الناس ~~ولو حرصت بمؤمنين » (4). # وقال عليه السلام أيضا : لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يكون كامل العقل ، ولا ~~يكون كامل العقل حتى تكون فيه عشر خصال : الخير منه مأمول ، والشر منه ~~مأمون ، يستقل كثير الخير من نفسه ، ويستكثر قليل الخير من غيره ، ويستكثر ~~قليل الشر من نفسه ، ويستقل كثير الشر من غيره ، ولا يتبرم (5) بطلب ~~الحوائج قبله (6)، ولا يسأم من طلب العلم عمره ، الذل أحب إليه من العز ~~(7)، والفقر أحب إليه من الغنى ، حسبه من الدنيا القوت ، والعاشرة وما ~~العاشرة لا يلقي أحدا إلا PageV02P031 # قال هو خير مني وأتقى ، إنما الناس رجلان ، رجل خير منه وأتقى ، ورجل شر ~~منه وأدنى ، فإذا لقي الذي هو خير منه تواضع له ليلحق به ، وإذا لقي الذي ~~هو شر منه وأدنى قال لعل شر هذا ظاهر وخيره باطن فاذا فعل ذلك علا وساد أهل ~~زمانه (1). ### ||| عظاته في امور شتى : # ومن بليغ عظاته الجميل وقعها في النفس قوله عليه السلام وقد سأله رجل أن ~~يعلمه موعظة : # « إن كان الله قد تكفل بالرزق فاهتمامك لما ذا ، وإن كان الرزق مقسوما ~~فالحرص لما ذا ، وإن كان الحساب حقا فالجمع لما ذا ، وإن كان التواب عن ~~الله حقا فالكسل لما ذا ، وإن كان الخلف من الله عز وجل حقا فالبخل لما ذا ~~، وإن كان العقوبة من الله عز ms204 وجل النار فالمعصية لما ذا ، وإن كان الموت ~~حقا فالفرح لما ذا ، وإن كان العرض على الله حقا فالمكر لما ذا ، وإن كان ~~الشيطان عدوا فالغفلة لما ذا ، وإن كان الممر على الصراط حقا فالعجب لما ذا ~~، وإن كل شيء بقضاء وقدر فالحزن لما ذا ، وإن كانت الدنيا فانية فالطمأنينة ~~إليها لما ذا ». (2) # أقول : كل هذا إنكار على الانسان في اتصافه بتلك الصفات غير المحمودة من ~~الاهتمام والحرص والجمع والكسل الى آخرها مع علمه ومعرفته بأن الله تعالى ~~متكفل بالرزق وأنه مقسوم وأن الحساب حق ... إلى آخر ما ذكره الامام PageV02P032 # عليه السلام . # ولكن الذي أوقع الناس في تلك السيئات مع علمهم ومعرفتهم هو حبهم لنفوسهم ~~وتغلب شهواتهم على عقولهم. # ومن بديع مواعظه قوله عليه السلام : إنكم في آجال مقبوضة وأيام معدودة ، ~~والموت يأتي بغتة ، من يزرع خيرا يحصد غبطة ، ومن يزرع شرا يحصد ندامة ، ~~ولكل زارع زرع ، لا يسبق البطيء منكم حظه ، ولا يدرك حريص ما لم يقدر له ، ~~من اعطي خيرا فالله أعطاه ، ومن وقي شرا فالله وقاه (1). # و ( منها ) قوله عليه السلام : تأخير التوبة اغترار ، وطول التسويف حيرة ، ~~والاعتلال على الله هلكة ، والإصرار على الذنب أمن لمكر الله ، ولا يأمن ~~مكر الله إلا القوم الخاسرون (2). # و ( منها ) قوله عليه السلام : من اتقى الله وقاه ، ومن شكره زاده ، ومن ~~أقرضه جزاه (3). # و ( منها ) قوله لأبي بصير : أما تحزن؟ أما تهتم؟ أما تتألم؟ قال : بلى ، ~~قال عليه السلام : اذا كان ذلك منك فاذكر الموت ووحدتك في قبرك ، وسيلان ~~عينيك على خديك ، وتقطع أوصالك ، وأكل الدود من لحمك ، وبلاك وانقطاعك عن ~~الدنيا ، فإن ذلك يحثك على العمل ويردعك عن كثير من الحرص على الدنيا (4). # أقول : إن هذه الفكرة لو تمثلها الانسان في نفسه لكانت اكبر رادع عن PageV02P033 # ارتكاب الموبقة ، وأعظم دافع على اكتساب الطاعة ، وكيف يحرص على الدنيا ~~ويقترف السيئة ولا يأتي بالحسنة من يتمثل له تلك الحال الفظيعة في قبره ~~التي لو شاهدها المرء لجزع من هذه الحياة ، ولمقت حتى ms205 نفسه. # و ( منها ) قوله عليه السلام : ليس من أحد وإن ساعدته الامور بمستخلص غضارة ~~عيش (1) إلا من خلال مكروه ، ومن انتظر بمعاجلة الفرصة مؤاجلة الاستقصاء ~~سلبته الأيام فرصته ، لأن من شأن الأيام السلب وسبيل الزمن الفوت (2). # أقول : إن هذا الكلم من أبلغ الجمل الحكيمة المعبرة عن حقائق الكون ~~الواقعية ، أما القسم الأول وهو غضارة العيش فإن كل منا يستطيع أن يجرب في ~~نفسه وفي غيره أن الدعة والغضارة لا تتم لنا خالصة من النكد والتنغيص مهما ~~بلغت سلطتنا أو مقدرتنا المالية ، والسر أن الإنسان يعجز أبدا من اشباع كل ~~شهواته ، وان واتته الحياة الدنيا ، وكذلك « الجنة حفت بالمكاره ». # وأما فيما يتعلق بالقسم الثاني وهو « الفرصة » فإنها لا تمر على الإنسان ~~إلا باجتماع آلاف الأسباب الخارجة عن اختياره فاذا مرت وانتظر استقصاءها ~~ففاتت عليه أي أنه لم يعمل السبب الأخير وهو اختياره وإرادته الجازمة فإنه ~~على الأغلب لا يواتيه اجتماع الأسباب مرة اخرى في نظام الكون وجمعها ثانيا ~~ليس تحت اختياره ، ولأجل هذا سميت فرصة ، فعلى الحازم الكيس أن ينتهزها عند ~~سنوحها. # و ( منها ) قوله عليه السلام : إن المنافق لا يرغب فيما سعد به المؤمنون ، ~~فالسعيد PageV02P034 # يتعظ بموعظة التقوى ، وإن كان يراد بالموعظة غيره (1). # هذه عقود من نفائس عظاته حلينا بها هذا السفر عسى أن يسعدنا الحظ بالأخذ ~~بها والعمل بنصائحها ، ومن هذه العظات تعرف موقفه عليه السلام من النصح ~~للامة واهتمامه بحملهم على المحجة البيضاء إصلاحا لهم وتزكية لنفوسهم. # * * * PageV02P035 ### || 3 وصاياه # إن قيمة المرء الاجتماعية بما يصنعه للمجتمع من خير ، كما أن قيمته ~~الذاتية بما يحسنه ، ولو لم يكن للصادق عليه السلام إلا ما اخترناه من كلامه ~~لكفى به دلالة على مقامه العلمي الإلهي وعلى اهتمامه بإصلاح الامة ، وقد ~~قرأت شطرا من مواعظه ، وهنا نقرؤك شيئا من وصاياه ، وستجد فيها جهد ما ~~يبلغه رعاة الامم الربانيون وهداتها من الإرشاد الى مواطن الخير والرفق في ~~الدعوة والإخلاص في التوجيه. ### ||| وصيته لابنه الكاظم : # دخل عليه بعض شيعته وموسى ولده بين يديه وهو ms206 يوصيه ، فكان مما أوصاه به ~~أن قال : # يا بني اقبل وصيتي ، واحفظ مقالتي ، فإنك إن حفظتها تعش سعيدا ، وتمت ~~حميدا ، يا بني إن من قنع استغنى ، ومن مد عينيه إلى ما في يد غيره مات ~~فقيرا ، ومن لم يرض بما قسمه الله له اتهم الله في قضائه ، ومن استصغر زلة ~~نفسه استكبر زلة غيره ، يا بني من كشف حجاب غيره انكشف عورته ، ومن سل سيف ~~البغي قتل به ، ومن احتفر لأخيه بئرا سقط فيها ، ومن داخل السفهاء PageV02P036 # حقر ، ومن خالط العلماء وقر ، ومن دخل مداخل السوء اتهم ، يا بني قل الحق ~~لك أو عليك ، وإياك والنميمة فإنها تزرع الشحناء في قلوب الرجال ، يا بني ~~إذا طلبت الجود فعليك بمعادنه ، فإن للجود معادن ، وللمعادن أصولا ، ~~وللاصول فروعا ، وللفروع ثمرا ، ولا يطيب ثمر إلا بفرع ، ولا أصل ثابت إلا ~~بمعدن طيب ، يا بني إذا زرت فزر الأخيار ، ولا تزر الأشرار ، فإنهم صخرة ~~صماء لا ينفجر ماؤها ، وشجرة لا يخضر ورقها ، وأرض لا يظهر عشبها (1). # أقول : وقد جاء بعض هذه الفقرات في نهج البلاغة ، ولا بدع فإن علمهم بعضه ~~من بعض ، ولعل الصادق عليه السلام ذكرها استشهادا أو اقتباسا. ### ||| وصيته لأصحابه : # بعد البسملة : أما بعد فاسألوا الله ربكم العافية ، وعليكم بالدعة ~~والوقار والسكينة ، وعليكم بالحياء والتنزه عما تنزه عنه الصالحون قبلكم ، ~~واتقوا الله وكفوا ألسنتكم إلا من خير ، وإياكم أن تذلقوا (2) ألسنتكم بقول ~~الزور والبهتان والإثم والعدوان ، فإنكم إن كففتم ألسنتكم عما يكرهه الله ~~مما نهاكم عنه كان خيرا لكم عند ربكم من أن تذلقوا ألسنتكم به ، فإن ذلق ~~اللسان فيما يكرهه الله وفيما ينهي عنه مرداة للعبد عند الله ، ومقت من ~~الله ، وصمم وبكم وعمي يورثه الله إياه يوم القيامة ، فتصيروا كما قال الله ~~: « صم بكم عمي فهم لا يعقلون » (3) يعني لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون ~~، وعليكم بالصمت إلا فيما ينفعكم الله به من أمر آخرتكم ويؤجركم عليه ، ~~اكثروا من أن تدعوا الله فإن PageV02P037 # الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه ms207 ، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة ~~، والله مصير دعاء المؤمنين يوم القيامة عملا يزيدهم في الجنة ، فاكثروا ~~ذكر الله ما استطعتم في كل ساعة من ساعات الليل والنهار ، فإن الله أمر ~~بكثرة الذكر له ، والله ذاكر من ذكره من المؤمنين ، واعلموا أن الله لم ~~يذكره أحد من عباده المؤمنين إلا ذكره بخير ، فاعطوا الله من أنفسكم ~~الاجتهاد في طاعته ، فإن الله لا يدرك شيء من الخير عنده إلا بطاعته ~~واجتناب محارمه التي حرم الله في ظاهر القرآن وباطنه ، قال في كتابه وقوله ~~الحق : « وذروا ظاهر الإثم وباطنه » (1) واعلموا أن ما أمر الله به أن ~~تجتنبوه فقد حرمه. # ولا تتبعوا أهواءكم وآراءكم فتضلوا ، فإن أضل الناس عند الله من اتبع ~~هواه ورأيه بغير هدى من الله ، وأحسنوا الى أنفسكم ما استطعتم ، فإن أحسنتم ~~أحسنتم لأنفسكم وان أسأتم فلها ، واعلموا أنه لن يؤمن عبد من عبيده حتى ~~يرضى عن الله فيما صنع الله إليه وصنع به على ما أحب وكره ، ولن يصنع الله ~~بمن صبر ورضي عن الله إلا ما هو أهله ، وهو خير له مما أحب وكره. # وعليكم بالمحافظة على الصلوات والصلاة الوسطى ، وقوموا لله قانتين كما ~~أمر الله به المؤمن في كتابه من قبلكم. # وإياكم والعظمة والكبر ، فإن الكبر رداء الله عز وجل ، فمن نازع الله ~~رداءه قصمه الله وأذلة يوم القيامة ، وإياكم أن يبغي بعضكم على بعض ، فإنها ~~ليست من خصال الصالحين ، فإن من بغى صير الله بغيه على نفسه ، وصارت نصرة ~~الله لمن بغى عليه ، ومن نصره الله غلب ، وأصاب الظفر من الله ، وإياكم أن ~~يحسد بعضكم بعضا ، فإن الكفر أصله الحسد (2)، وإياكم أن تعينوا على مسلم ~~مظلوم ، PageV02P038 # فيدعو الله عليكم فيستجاب له فيكم ، فإن أبانا رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول : إن دعوة المسلم المظلوم مستجابة ، وليعن ~~بعضكم بعضا ، فإن أبانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول : إن ~~معاونة المسلم خير وأعظم أجرا من صيام شهر واعتكافه في المسجد الحرام. # واعلموا إن ms208 الاسلام هو التسليم ، والتسليم هو الاسلام ، فمن سلم فقد أسلم ~~، ومن لم يسلم فلا إسلام له ، ومن سره أن يبلغ الى نفسه في الإحسان فليطع ~~الله ، فإن من أطاع الله فقد أبلغ إلى نفسه في الإحسان ، وإياكم ومعاصي ~~الله أن ترتكبوها ، فإنه من انتهك معاصي الله فركبها فقد أبلغ في الإساءة ~~إلى نفسه ، وليس بين الإحسان والإساءة منزلة ، فلأهل الإحسان عند ربهم ~~الجنة ولأهل الإساءة عند ربهم النار ، فاعملوا لطاعة الله واجتنبوا معاصيه. # أقول : وهذه الوصية طويلة وقد اقتطفنا منها هذه الزهر النفاحة ، وهي ~~مروية في بدء روضة الكافي للكليني طاب ثراه ، وقال : وقد كتب بها الصادق ~~عليه السلام إلى أصحابه ، وأمرهم بمدارستها والنظر فيها ، وتعاهدها والعمل ~~بها ، فكانوا يضعونها في مساجد بيوتهم ، فاذا فرغوا من الصلاة نظروا فيها. # أجل هكذا يجب أن نتعاهد مثل هذه الوصية فإن فيها جماع مكارم الأخلاق ~~العالية. ### ||| وصيته لعبد الله بن جندب : # عبد الله بن جندب البجلي الكوفي صحب الصادق والكاظم والرضا عليهم السلام ، ~~وتوكل للكاظم والرضا ، وكان عابدا رفيع المنزلة عندهما ، روى الكشي في ~~رجاله أنه قال لأبي الحسن عليه السلام : ألست عني راضيا؟ قال : اي والله ، ~~ورسول الله والله راض. PageV02P039 # وقد أوصاه الصادق بوصية جمعت نفائس من العظات والنصائح ، التقطنا منها ~~الشذرات الآتية ، قال عليه السلام : # يا ابن جندب ، يهلك المتكل على عمله ، ولا ينجو المجتري على الذنوب برحمة ~~الله ، قال : فمن ينجو؟ قال : الذين هم بين الخوف والرجاء كأن قلوبهم في ~~مخلب طائر ، شوقا إلى الثواب وخوفا من العذاب. # يا ابن جندب ، من سره أن يزوجه الله من الحور العين ويتوجه بالنور فليدخل ~~على أخيه المؤمن السرور. # يا ابن جندب ، إن للشيطان مصائد يصطاد بها ، فتحاموا شباكه ومصائده ، قال ~~: يا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما هي؟ قال : أما مصائده فصد عن ~~بر الاخوان ، وأما شباكه فنوم عن أداء الصلاة التي فرضها الله ، أما أنه ما ~~يعبد الله بمثل نقل الأقدام الى بر الاخوان وزيارتهم ، ويل للساهين عن ms209 ~~الصلاة النائمين في الخلوات المستهزئين بالله وآياته في القرآن ، اولئك ~~الذين لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم ~~عذاب أليم. # يا ابن جندب ، الساعي في حاجة أخيه كالساعي بين الصفا والمروة ، وقاضي ~~حاجته كالمتشحط بدمه في سبيل الله يوم بدر واحد ، وما عذب الله أمة إلا عند ~~استهانتهم بحقوق فقراء إخوانهم. # يا ابن جندب ، إن أحببت أن تجاور الجليل في داره ، وتسكن الفردوس في ~~جواره ، فلتهن عليك الدنيا ، واجعل الموت نصب عينيك ، ولا تدخر لغد ، واعلم ~~أن لك ما قدمت ، وعليك ما أخرت. # يا ابن جندب ، من حرم نفسه كسبه فإنما يجمع لغيره ، ومن أطاع هواه فقد ~~أطاع عدوه ، ومن يتق الله يكفه ما أهمه من أمر دنياه وآخرته ، ويحفظ له ما ~~غاب عنه ، وقد عجز من لم يعد لكل بلاء صبرا ، ولكل نعمة شكرا ، ولكل عسر PageV02P040 # يسرا ، اصبر نفسك عند كل بلية ، وفي ولد أو مال أو ذرية ، فإنما يقبض ~~عاريته ، ويأخذ هبته ، ليبلو فيهما شكرك وصبرك ، وارج الله رجاء لا يجرئك ~~على معصيته ، وخفه خوفا لا يؤيسك من رحمته ولا تغتر بقول الجاهل ولا بمدحة ~~فتكبر وتجبر وتغتر بعملك ، فإن أفضل العمل العبادة والتواضع ، ولا تضيع ~~مالك وتصلح مال غيرك ما (1) خلفته وراء ظهرك ، واقنع بما قسمه الله لك ، ~~ولا تنظر إلا ما عندك ، ولا تتمن ما لست تناله ، فإن من قنع شبع ، ومن لم ~~يقنع لم يشبع ، وخذ حظك من آخرتك ، ولا تكن بطرا في الغنى ، ولا جزعا في ~~الفقر ، ولا تكن فظا غليظا يكره الناس قربك ، ولا تكن واهنا يحقرك من عرفك ~~، ولا تشار (2) من فوقك ، ولا تسخر بمن هو دونك ، ولا تنازع الأمر أهله ، ~~ولا تطع السفهاء ، وقف عند كل أمر حتى تعرف مدخله ومخرجه قبل أن تقع فيه ~~فتندم ، واجعل نفسك عدوا تجاهده ، وإن كانت لك يد عند إنسان فلا تفسدها ~~بكثرة المن والذكر لها ، ولكن اتبعها بأفضل منها ، فإن ذلك أجمل في أخلاقك ~~وأوجب للثواب في آخرتك ms210 ، وعليك بالصمت نعد حليما ، جاهلا كنت أو عالما ، ~~فإن الصمت زين عند العلماء وسترة لك عند الجهال. # ومن هذه الوصية حكايته لكلام عيسى عليه السلام لأصحابه وهو قوله : # وإياكم والنظرة فإنها تزرع في القلب الشهوة ، وكفى بها لصاحبها فتنة ، ~~طوبى لمن جعل بصره في قلبه ، ولم يجعل بصره في عينه ، لا تنظروا في عيوب ~~الناس كالأرباب وانظروا في عيوبهم كهيئة العبيد ، إنما الناس مبتلى ومعافى ~~، فارحموا المبتلى ، واحمدوا الله على العافية. PageV02P041 # ثم قال عليه السلام : يا ابن جندب ، صل من قطعك ، واعط من حرمك ، وأحسن ~~الى من أساء إليك ، وسلم على من سبك ، وانصف من خاصمك ، واعف عمن ظلمك كما ~~أنك تحب أن يعفي عنك ، فاعتبر بعفو الله عنك ، ألا ترى أن شمسه أشرقت على ~~الأبرار والفجار ، وأن قطره ينزل على الصالحين والخاطئين. # يا ابن جندب ، الاسلام عريان فلباسه الحياء ، وزينته الوقار ، ومروته ~~العمل الصالح ، وعماده الورع ، ولكل شيء أساس وأساس الاسلام حبنا أهل البيت (1). # أقول : ما أجمع هذه الوصية لجلائل الحكم ونفائس المواعظ ، ولا تمر عليك ~~وصية ولا عظة إلا وحسبت عندها منتهى البلاغة وأقصى التذكير والتنبيه ، ~~وتقول : هل وراءها من قول ، وإن أمثال هذه الوصايا جديرة بالتعليق والشرح ~~إلا ان ذلك أبعد عن الغاية ، فنوكل التدبر بها الى القارئ الكريم. ### ||| وصيته لعبد الله النجاشي في كتابه (2): # قال عبد الله بن سليمان النوفلي : كنت عند جعفر بن محمد الصادق ~~عليه السلام ، فاذا بمولى لعبد الله النجاشي ورد عليه فسلم وأوصل إليه كتابا ~~ففضه وقرأه ، فاذا أول سطر فيه. # بسم الله الرحمن الرحيم ، أطال الله بقاء سيدي وجعلني من كل سوء فداه ، ~~إني بليت بولاية الأهواز فإن رأى سيدي أن يحد لي حدا أو يمثل لي مثلا لأستدل PageV02P042 # به على ما يقربني الى الله جل وعز والى رسوله ، ويلخص في كتابه ما يرى لي ~~العمل به وفيما يبذله وأبتذله ، وأين أضع زكاتي ، وفيمن أصرفها ، وبمن آنس ~~، والى من أستريح ، ومن أثق وآمن وألجأ إليه في سري ، فعسى أن يخلصني الله ms211 ~~بهدايتك ودلالتك ، فإنك حجة الله على خلقه ، وأمينه في بلاده لا زالت نعمته عليك. # قال عبد الله بن سليمان : فأجابه أبو عبد الله عليه السلام : # بسم الله الرحمن الرحيم ، جاملك الله بصنعه ، ولطف بك بمنه ، وكلأك ~~برعايته ، فإنه ولي ذلك ، أما بعد فقد جاء إلي رسولك بكتابك فقرأته وفهمت ~~جميع ما ذكرته وسألت عنه وزعمت أنك بليت بولاية الأهواز فسرني ذلك وساءني ، ~~فأما سروري بولايتك فقلت : عسى أن يغيث الله بك ملهوفا من أولياء آل محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم ويعزبك ، وساءني من ذلك فإن أدنى ما أخاف عليك أن تعثر ~~بولي لنا فلا تشم حظيرة القدس. # فإني ملخص لك جميع ما سألت عنه إن أنت عملت به ولم تجاوزه رجوت أن تسلم ~~إن شاء الله تعالى ، أخبرني أبي عن آبائه عن علي بن أبي طالب عليهم السلام ~~عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : من استشاره أخوه المؤمن فلم ~~يمحضه النصيحة سلبه الله لبه ، واعلم أني سأشير عليك برأي إن أنت عملت به ~~تخلصت مما أنت متخوفه ، واعلم أن خلاصك ونجاتك من حقن الدماء وكف الأذى من ~~أولياء الله والرفق بالرعية والتأني وحسن المعاشرة ، مع لين في غير ضعف ، ~~وشدة في غير عنف ، ومداراة صاحبك ومن يرد عليك من رسله ، وارتق فتق رعيتك ~~بأن توافقهم على ما وافق الحق والعدل إن شاء الله. # إياك والسعاة وأهل النمائم فلا يلتزقن منهم بك أحد ، ولا يراك الله يوما ~~وليلة وأنت تقبل منهم صرفا ولا عدلا فيسخط الله عليك ويهتك سترك. PageV02P043 # فأما من تأنس به وتستريح إليه وتلج امورك إليه فذلك الرجل الممتحن ~~المستبصر الأمين الموافق لك على دينك ، وميز عوامك وجرب الفريقين فإن رأيت ~~هنالك رشدا فشأنك وإياه. # وإياك أن تعطي درهما أو تخلع ثوبا أو تحمل على دابة في غير ذات الله ~~لشاعر أو مضحك أو ممتزح إلا أعطيت مثله في ذات الله. # ولتكن جوائزك وعطاياك وخلعك للقواد والرسل والأحفاد وأصحاب الرسائل ~~وأصحاب الشرط والأخماس ، وما ms212 أردت أن تصرفه في وجوه البر والنجاح والفتوة ~~والصدقة والحج والمشرب والكسوة التي تصلي فيها وتصل بها والهدية التي ~~تهديها الى الله عز وجل والى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم من أطيب كسبك. # يا عبد الله ، اجهد ألا تكنز ذهبا ولا فضة فتكون من أهل هذه الآية التي ~~قال الله عز وجل : « الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله ~~» (1). # ولا تستصغرن من حلو أو فضل طعام تصرفه في بطون خالية ليسكن بها غضب الله ~~تبارك وتعالى ، واعلم أني سمعت من أبي يحدث عن آبائه عن أمير المؤمنين ~~عليه السلام أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول يوما : ما آمن بالله ~~واليوم الآخر من بات شبعانا وجاره جائع ، فقلنا : اهلكنا يا رسول الله ، ~~فقال : من فضل طعامكم ومن فضل تمركم ورزقكم وخلقكم وخرقكم تطفون بها غضب الرب. # فخرج أمير المؤمنين من الدنيا وليس في عنقه تبعة لأحد حتى لقي الله ~~محمودا غير ملوم ولا مذموم ، ثم اقتدت به الأئمة من بعده بما قد بلغكم ، لم ~~يتلطخوا PageV02P044 # بشيء من بوائقها صلوات الله عليهم أجمعين وأحسن مثواهم. # وقد وجهت إليك بمكارم الدنيا والآخرة ، فإن أنت عملت بما نصحت لك في ~~كتابي هذا ثم كانت عليك من الذنوب والخطايا كمثل أوزان الجبال وأمواج ~~البحار رجوت الله أن يتحامى عنك جل وعز بقدرته. # يا عبد الله إياك أن تخيف مؤمنا فإن أبي محمد حدثني عن أبيه عن جده علي ~~بن أبي طالب عليهم السلام أنه كان يقول : من نظر الى مؤمن نظرة ليخيفه بها ~~أخافه الله يوم لا ظل إلا ظله ، وحشره في صورة الذر لحمه وجسده وجميع ~~أعضائه حتى يورده مورده. # وحدثني أبي عن آبائه عن علي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : من ~~أغاث لهفانا من المؤمنين أغاثه الله يوم لا ظل إلا ظله ، وآمنه الله يوم ~~الفزع الاكبر ، وآمنه عن سوء المنقلب ، ومن قضى لأخيه المؤمن حاجة قضى الله ~~له حوائج كثيرة إحداها الجنة ms213 ، ومن كسا أخاه المؤمن من عري كساه الله من ~~سندس الجنة واستبرقها وحريرها ، ولم يزل يخوض في رضوان الله ما دام على ~~المكسو منها سلك ، ومن أطعم أخاه من جوع أطعمه الله من طيبات الجنة ، ومن ~~سقاه من ظمأ سقاه الله من الرحيق المختوم ، ومن أخدم أخاه أخدمه الله من ~~الولدان المخلدين وأسكنه مع أوليائه الطاهرين ، ومن حمل أخاه المؤمن من ~~رحله حمله الله على ناقة من نوق الجنة وباهى به الملائكة المقربين يوم ~~القيامة ، ومن زوج أخاه المؤمن امرأة يأنس بها وتشد عضده ويستريح إليها ~~زوجه الله من الحور العين ، وآنسه بمن أحب من الصديقين من أهل بيته واخوانه ~~وآنسهم به. # ومن أعان أخاه المؤمن على سلطان جائر أعانه الله على إجازة الصراط عند ~~زلزلة الأقدام ، ومن زار أخاه المؤمن إلى منزله لا لحاجة منه إليه كتب من ~~زوار الله ، وكان حقيقا على الله أن يكرم زائره. PageV02P045 # يا عبد الله وحدثني أبي عن آبائه عن علي عليه السلام أنه سمع من رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم يقول لأصحابه يوما ، معاشر الناس إنه ليس بمؤمن من لعن ~~بلسانه ولم يؤمن بقلبه (1) فلا تتبعوا عثرات المؤمنين ، فإنه من اتبع عثرة ~~مؤمن اتبع الله عثراته يوم القيامة وفضحه في جوف بيته. # وحدثني أبي عن علي عليه السلام قال : أخذ الله في ميثاق المؤمن ألا يصدق ~~(2) في مقالته ، ولا ينتصف من عدوه ، ولا يشفي غيظه إلا بفضيحة نفسه ، لأن ~~كل مؤمن ملجم ، وذلك لغاية قصيرة وراحة طويلة. # أخذ الله ميثاق المؤمن على أشياء أيسرها مؤمن مثله يقول بمقالته يتعبه ~~ويحسده ، والشيطان يغويه ويعينه ، والسلطان يقفو أثره ويتبع عثراته ، وكافر ~~بالذي هو مؤمن به يرى سفك دمه دينا ، وإباحه حريمه غنما ، فما بقاء المؤمن ~~بعد هذا. # يا عبد الله وحدثني أبي عن آبائه عن علي عليه السلام عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال : نزل جبرئيل عليه السلام فقال : يا محمد إن الله ~~يقرأ عليك السلام ويقول : اشتققت للمؤمن اسما من ms214 أسمائي سميته مؤمنا ~~فالمؤمن مني وأنا منه ، من استهان بمؤمن فقد استقبلني بالمحاربة. # يا عبد الله وحدثني أبي عن آبائه عليهم السلام عن علي عليه السلام عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال يوما : يا علي لا تناظر رجلا حتى تنظر في ~~سريرته ، فإن كانت سريرته حسنة فان الله عز وجل لم يكن ليخذل وليه ، وإن ~~كانت سريرته ردية فقد يكفيه مساويه ، فلو جهدت أن تعمل به اكثر مما عمله من ~~معاصي الله عز وجل ما قدرت عليه. PageV02P046 # يا عبد الله وحدثني أبي عن آبائه عن علي عليه السلام عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : أدنى الكفر أن يسمع الرجل عن أخيه الكلمة ~~ليحفظها عليه يريد أن يفضحه بها ، اولئك لا خلاق لهم. # يا عبد الله وحدثني أبي عن آبائه عن علي عليه السلام أنه قال : من قال في ~~مؤمن ما رأت عيناه وسمعت اذناه ما يشينه ويهدم مروته فهو من الذين قال الله ~~عز وجل ( @QUR@012 إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب ~~أليم ). # يا عبد الله وحدثني أبي عن آبائه عن علي عليه السلام أنه قال : من روى عن ~~أخيه المؤمن رواية يريد بها هدم مروته وثلبه أو بقه الله بخطيئته حتى يأتي ~~بمخرج مما قال ، ولن يأتي بالمخرج منه أبدا ، ومن أدخل على أخيه المؤمن ~~سرورا فقد أدخل على أهل البيت عليهم السلام سرورا ، ومن أدخل على أهل البيت ~~سرورا فقد أدخل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سرورا ، ومن أدخل على ~~رسول الله سرورا فقد سر الله ، فحقيق عليه أن يدخله الجنة حينئذ. # ثم إني اوصيك بتقوى الله وإيثار طاعته والاعتصام بحبله ، فإنه من اعتصم ~~بحبل الله فقد هدي الى صراط مستقيم ، فاتق الله ولا تؤثر أحدا على رضاه ~~وهواه ، فإنه وصية الله عز وجل الى خلقه ، لا يقبل منهم غيرها ولا يعظم ~~سواها ، واعلم أن الخلائق لم يوكلوا بشيء أعظم من التقوى فإنه وصيتنا أهل ms215 ~~البيت ، فإن استطعت ألا تنال شيئا من الدنيا تسأل عنه غدا فافعل. # قال عبد الله بن سليمان : فلما وصل كتاب الصادق عليه السلام الى النجاشي ~~نظر فيه فقال : صدق والله الذي لا إله إلا هو مولاي ، فما عمل أحد بما في ~~هذا الكتاب إلا نجا فلم يزل عبد الله يعمل به في أيام حياته (1). PageV02P047 # فكر أيها القارئ الكريم في هذه النصائح القدسية ، وأعد النظر في فقراتها ~~، وانظر ما ذا سيبلغه البشر من نهاية السعادة لو وضع الامراء وأرباب الدولة ~~هذا الكتاب نصب أعينهم ، ودرج عليه الناس في معاملاتهم بعضهم مع بعض ، ولكن ~~البشر لا يزال في سكرته لا يستيقظ لسماع مثل هذه المواعظ. ### ||| ومن وصاياه لشيعته : # قال زيد الشحام : قال لي أبو عبد الله عليه السلام : اقرأ من ترى أنه ~~يطيعني منكم ويأخذ بقولي السلام ، واوصيكم بتقوى الله عز وجل والورع في ~~دينكم ، والاجتهاد لله ، وصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وطول السجود ، وحسن ~~الجوار ، فبهذا جاء محمد صلى الله عليه وآله وسلم . # أدوا الأمانة الى من ائتمنكم عليها برا أو فاجرا ، فإن رسول الله كان ~~يأمر بأداء الخيط والمخيط ، صلوا عشائركم ، واشهدوا جنائزهم ، وعودوا ~~مرضاهم ، وأدوا حقوقهم ، فإن الرجل منكم اذا ورع في دينه وصدق الحديث وأدى ~~الأمانة وحسن خلقه مع الناس قيل : هذا جعفري ، ويسرني ذلك ، ويدخل علي منه ~~السرور ، وقيل : هذا أدب جعفر ، وإذا كان غير ذلك دخل علي بلاؤه وعاره وقيل ~~: هذا أدب جعفر ، فو الله لحدثني أبي أن الرجل كان يكون في القبيلة من شيعة ~~علي عليه السلام فيكون زينها ، أداهم للأمانة ، وأقضاهم للحقوق ، وأصدقهم ~~للحديث ، إليه وصاياهم وودائعهم ، تسأل العشيرة عنه ، ويقولون : # من مثل فلان؟ إنه أدانا للأمانة ، وأصدقنا للحديث (1). PageV02P048 ### ||| وصيته لمؤمن الطاق (1): # نقتطف من وصيته لمؤمن الطاق زهرا غضة ، قال عليه السلام : يا ابن النعمان ~~إياك والمراء فإنه يحبط عملك ، وإياك والجدال فإنه يوبقك ، وإياك وكثرة ~~الخصومات فإنها تبعد من الله ، إن من كان قبلكم يتعلمون الصمت وأنتم ~~تتعلمون الكلام ، كان أحدهم اذا أراد التعبد ms216 يتعلم الصمت قبل ذلك بعشر سنين ~~، فإن كان يحسنه ويصير عليه تعبد ، وإلا قال : ما أنا لما أروم بأهل ، إنما ~~ينجو من أطال الصمت عن الفحشاء ، وصبر في دولة الباطل على الأذى ، اولئك ~~النجباء الأصفياء الأولياء حقا وهم المؤمنون ، والله لو قدم أحدكم ملء ~~الأرض ذهبا على الله ثم حسد مؤمنا لكان ذلك الذهب مما يكوى به في النار. # يا ابن النعمان من سئل عن علم فقال : لا ادري فقد ناصف العلم ، والمؤمن ~~يحسد في مجلسه فإذا قام ذهب عنه الحقد. # يا ابن النعمان إن أردت أن يصفو لك ود أخيك فلا تمازحنه ولا تمارينه ولا ~~تباهينه ولا تشارنه (2) ولا تطلع صديقك من سرك إلا على ما لو اطلع عليه ~~عدوك لم يضرك ، فإن الصديق قد يكون عدوك يوما. # يا ابن النعمان ليست البلاغة بحدة اللسان ، ولا بكثرة الهذيان ، ولكنها ~~أصابة المعنى وقصد الحجة (3). ### ||| وصيته لحمران بن أعين (4): # قال عليه السلام : يا حمران انظر الى من هو دونك ، ولا تنظر إلى من هو PageV02P049 # فوقك في المقدرة فإن ذلك أقنع لك بما قسم لك ، وأحرى أن تستوجب الزيادة ~~من ربك ، واعلم أن العمل الدائم القليل على اليقين أفضل عند الله من العمل ~~الكثير على غير يقين ، واعلم أنه لا ورع أنفع من تجنب محارم الله والكف عن ~~أذى المؤمنين واغتيابهم ، ولا عيش أهنأ من حسن الخلق ، ولا مال أنفع من ~~القنوع باليسير المجزي ، ولا جهل أضر من العجب (1). ### ||| وصيته للمفضل بن عمر (2): # قال عليه السلام للمفضل بن عمر : اوصيك ونفسي بتقوى الله وطاعته ، فإن من ~~التقوى الطاعة والورع والتواضع لله والطمأنينة والاجتهاد والأخذ بأمره ~~والنصيحة لرسله ، والمسارعة في مرضاته ، واجتناب ما نهى عنه ، فإن من يتق ~~الله فقد أحرز نفسه من النار بإذن الله وأصاب الخير كله في الدنيا والآخرة ~~ومن أمر بتقوى الله فقد أفلح الموعظة جعلنا الله من المتقين برحمته (3). ### ||| وصيته لجميل بن دراج (4): # قال عليه السلام لجميل بن دراج : خياركم سمحاؤكم وشراركم بخلاؤكم ، ومن ~~صالح الأعمال البر بالاخوان ms217 والسعي في حوائجهم ، وذلك مرغمة للشيطان وتزحزح ~~عن النيران ، ودخول في الجنان ، يا جميل اخبر بهذا الحديث PageV02P050 # غرر أصحابك قال : فقلت له : جعلت فداك ومن غرر أصحابي؟ قال عليه السلام : ~~هم البارون بالاخوان في العسر واليسر. # قال : يا جميل أما أن صاحب الجميل يهون عليه ذلك ، وقد مدح الله عز وجل ~~صاحب القليل فقال : « ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح ~~نفسه فاولئك هم المفلحون » (1). ### ||| وصيته للمعلى بن خنيس : # قال للمعلى بن خنيس وقد أراد سفرا : يا معلى أعزز بالله يعززك ، قال : ~~بما ذا يا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ قال عليه السلام : يا معلى ~~خف الله تعالى يخف منك كل شيء ، يا معلى تحبب الى اخوانك بصلتهم ، فإن الله ~~تعالى جعل العطاء محبة ، والمنع مبغضة ، فأنتم والله إن تسألوني وأعطيكم ~~أحب إلي من ألا تسألوني فلا أعطيكم فتبغضوني ، ومهما أجرى الله عز وجل لكم ~~من شيء على يدي فالمحمود هو الله تعالى ولا تبعدون من شكر ما أجرى الله لكم ~~على يدي (2). ### ||| وصيته لسفيان الثوري (3): # قال سفيان : لقيت الصادق ابن الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام ، فقلت : ~~يا ابن رسول الله أوصني ، فقال لي : يا سفيان لا مروة لكذوب ، ولا أخ PageV02P051 # لملول ، ولا راحة لحسود ، ولا سؤدد لسيئ الخلق. # فقلت : يا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زدني ، فقال لي : يا سفيان ~~ثق بالله تكن مؤمنا ، وارض بما قسم الله لك تكن غنيا ، وأحسن مجاورة من ~~جاورك تكن مسلما ، ولا تصحب الفاجر يعلمك من فجوره ، وشاور في أمرك الذين ~~يخشون الله عز وجل. # فقلت : يا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : زدني ، فقال لي : يا ~~سفيان من أراد عزا بلا عشيرة ، وغنى بلا مال : وهيبة بلا سلطان فلينتقل من ~~ذل معصية الله إلى عز طاعته (1). # وقال للصادق مرة : لا أقوم حتى تحدثني ، قال له : أنا أحدثك وما كثرة ~~الحديث لك بخير ، يا سفيان اذا أنعم الله عليك بنعمة فأحببت ms218 بقاءها ودوامها ~~فاكثر من الحمد والشكر عليها ، فإن الله عز وجل قال في كتابه : « لئن شكرتم ~~لأزيدنكم » (2) واذا استبطأت الرزق فاكثر من الاستغفار فإن الله تعالى قال ~~في كتابه : « استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ~~ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا » (3). # يا سفيان اذا أحزنك أمر من سلطان أو غيره فاكثر من : لا حول ولا قوة إلا ~~بالله ، فإنها مفتاح الفرج وكنز من كنوز الجنة ، فعقد سفيان بيده وقال : ~~ثلاث وأي ثلاث (4). PageV02P052 ### ||| وصيته لعنوان البصري (1): # كان عنوان البصري يختلف الى مالك بن أنس فأحب أن يأخذ عن الصادق ~~عليه السلام فلما ورد عليه قال له الصادق عليه السلام : إني رجل مطلوب ومع ~~ذلك لي أوراد في كل ساعة من آناء الليل والنهار فلا تشغلني عن وردي وخذ عن ~~مالك واختلف إليه كما كنت تختلف إليه ، يقول : فاغتممت ، فدخلت مسجد الرسول ~~صلى الله عليه وآله وسلمت عليه ثم رجعت من الغد الى الروضة وصليت فيها ركعتين ~~وقلت : أسألك يا الله يا الله أن تعطف علي قلب جعفر وترزقني من علمه ما ~~أهتدي به الى صراطك المستقيم ، ولما عيل صبري وضاق صدري قصدت جعفرا فلما ~~حضرت بابه استأذنت عليه فخرج خادم له فقال : حاجتك؟ فقلت : السلام على ~~الشريف ، فقال : هو قائم في مصلاه ، فجلست بحذاء بابه ، فما لبثت إلا يسيرا ~~إذ خرج خادم فقال : ادخل على بركة الله ، فدخلت وسلمت عليه فرد السلام وقال ~~: اجلس غفر الله لك ، فجلست فأطرق مليا ثم رفع رأسه وقال : أبو من؟ قلت : ~~أبو عبد الله ، قال ثبت الله كنيتك ووفقك يا أبا عبد الله ، ما مسألتك؟ ~~فقلت في نفسي لو لم يكن لي من زيارته والتسليم غير هذا الدعاء لكان كثيرا ، ~~ثم رفع رأسه وقال : ما مسألتك؟ فقلت : # سألت الله أن يعطف قلبك علي ويرزقني من علمك ، وأرجو أن الله تعالى ~~أجابني في الشريف ما سألته ، فقال : يا أبا عبد الله ليس العلم بالتعلم ~~إنما هو نور يقع في قلب ms219 من يريد الله تبارك وتعالى أن يهديه ، فإن أردت ~~العلم فاطلب أولا في نفسك حقيقة العبودية واطلب العلم باستعماله واستفهم ~~الله يفهمك ، قلت : PageV02P053 # يا شريف فقال : قل يا أبا عبد الله ، قلت : يا أبا عبد الله ما حقيقة ~~العبودية؟ قال : # ثلاثة أشياء ، ألا يرى العبد لنفسه فما خوله الله ملكا ، لأن العبيد لا ~~يكون لهم ملك ، يرون المال مال الله يضعونه حيث أمرهم الله به ولا يدبر ~~العبد تدبيرا ، وجملة اشتغاله فيما أمره الله تعالى به ونهاه عنه ، فإذا لم ~~ير العبد لنفسه فيما خوله الله تعالى ملكا هان عليه الانفاق فيما أمره الله ~~تعالى أن ينفق فيه ، وإذا فوض العبد تدبير نفسه على مدبره هانت عليه مصائب ~~الدنيا وإذا اشتغل العبد بما أمره الله تعالى ونهاه لا يتفرغ منهما الى ~~المراء والمباهاة مع الناس ، فإذا اكرم الله العبد بهذه الثلاث هانت عليه ~~الدنيا وابليس والخلق ، ولا يطلب الدنيا تكاثرا وتفاخرا ، ولا يطلب ما عند ~~الناس عزا وعلوا ، ولا يدع أيامه باطلا ، فهذا أول درجة التقى ، قال الله ~~تبارك وتعالى : « تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ~~ولا فسادا والعاقبة للمتقين ». (1) # قلت : يا أبا عبد الله أوصني ، قال : اوصيك بتسعة أشياء ، فإنها وصيتي ~~لمريدي الطريق الى الله تعالى ، والله أسأل أن يوفقك لاستعمالها ، ثلاثة ~~منها في رياضة النفس ، وثلاثة منها في الحلم ، وثلاثة منها في العلم ، ~~فاحفظها وإياك والتهاون بها ، قال عنوان : ففرغت قلبي له ، فقال : أما ~~اللواتي في الرياضة فإياك أن تأكل ما لا تشتهيه ، فإنه يورث الحماقة والبله ~~، ولا تأكل إلا عند الجوع ، واذا اكلت فكل حلالا وسم الله واذكر حديث ~~الرسول صلى الله عليه وآله وسلم « ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطنه » ، فاذا كان ~~ولا بد فثلث لطعامه ، وثلث لشرابه ، وثلث لنفسه ، وأما اللواتي في الحلم ، ~~فمن قال لك : إن قلت واحدة سمعت عشرا ، فقل له : إن قلت عشرا لم تسمع واحدة ~~، ومن شتمك فقل له : إن كنت PageV02P054 # صادقا فيما تقول فاسأل الله ms220 أن يغفر لي ، وإن كنت كاذبا فيما تقول فالله ~~أسأل أن يغفر لك ، ومن وعدك بالخناء فعده بالنصيحة والرعاء ، وأما اللواتي ~~في العلم ، فاسأل العلماء ما جهلت ، وإياك أن تسألهم تعنتا وتجربة ، وإياك ~~أن تعمل برأيك شيئا ، وخذ بالاحتياط في جميع ما تجد إليه سبيلا ، واهرب من ~~الفتيا هربك من الأسد ، ولا تجعل رقبتك للناس جسرا. قم عني يا أبا عبد الله ~~فقد نصحت لك ولا تفسد علي وردي فإني امرؤ ضنين بنفسي ، والسلام على من اتبع ~~الهدى » (1). ### ||| من ثمين وصاياه : # ما اكثر الغالي من نصائحه والثمين من وصاياه ، فإنه لم يترك نهجا للنصح ~~إلا سلكه ، ولا بابا للارشاد إلا ولجه ، فتارة يحثنا على التقوى والورع ~~والاجتهاد وطول السجود والركوع ، ويقول : كونوا دعاة الى انفسكم بغير ~~ألسنتكم ، وكونوا زينا ولا تكونوا شينا (2). # واخرى يريد منا أن نرتقي فوق تلك الرتب فنكون من أرباب الشكر والدعاء ~~والتوكل فيقول : من أعطي ثلاثا لم يمنع ثلاثا ، من اعطي الدعاء اعطي ~~الاجابة ، ومن اعطي الشكر اعطي الزيادة ، ومن اعطى التوكل اعطي الكفاية ، ~~ثم قال : أتلوت كتاب الله عز وجل : « ومن يتوكل على الله فهو حسبه » (3) ~~وقال : « ولئن شكرتم لأزيدنكم » (4) وقال : « ادعوني أستجب لكم ». (5) PageV02P055 # ويرشدنا الى الأرفع من هذا منزلة فيقول : اذا أراد أحدكم ألا يسأل الله ~~شيئا إلا أعطاه فلييأس من الناس كلهم ، ولا يكون له رجاء إلا عند الله ، ~~فإذا علم الله عز وجل ذلك من قلبه لم يسأل الله شيئا إلا أعطاه (1). # وطورا يرغبنا في الأخلاق الكريمة والصفات الفاضلة فيشير الى التواضع ويصف ~~لنا بعض مواضعه فيقول : من التواضع أن ترضى من المجلس دون المجلس ، وأن ~~تسلم على من تلقى ، وأن تترك المراء (2) وإن كنت محقا ، ولا تحب أن تحمد ~~على التقوى (3). # ويذكر عدة خصال يزدان بها المرء ويسمو بها مرتقى عليا فيقول لأصحابه : # اسمعوا مني كلاما هو خير من الدهم الموقفة (4) لا يتكلم أحدكم بما لا ~~يعنيه ، وليدع كثيرا من الكلام فيما يعنيه ، حتى يجد له موضعا ، فرب متكلم ~~في غير ms221 موضعه جنى على نفسه بكلامه ، ولا يمارين أحدكم سفيها ولا حليما ، ~~فإن من مارى حليما أقصاه ، ومن مارى سفيها أرداه ، واذكروا أخاكم اذا غاب ~~عنكم بأحسن ما تحبون أن تذكروا به اذا غبتم ، واعملوا عمل من يعلم أنه ~~مجازى بالإحسان (5). # ويصف لنا حسن الخلق بما يدفعنا على المسارعة بالتخلق به فيقول : اذا ~~خالطت الناس فإن استطعت ألا تخالط أحدا منهم إلا كانت يدك العليا عليه PageV02P056 # فافعل ، فإن العبد يكون فيه بعض التقصير من العبادة ويكون له حسن الخلق ، ~~فيبلغه الله بخلقه درجة الصائم القائم (1). # وما اكثر ما يحث به على التجمل بلباس الخلق الحسن ، وقرينه السخاء ومن ~~ذلك قوله : إن الله ارتضى لكم الاسلام دينا فاحسنوا صحبته بالسخاء وحسن ~~الخلق (2). # وأوصانا على لسان المفضل بن عمر الجعفي بخصال ست لا توزن بقيمة ، قال له ~~: اوصيك بست خصال تبلغهن شيعتي ، قال : وما هي يا سيدي؟ قال عليه السلام : « ~~أداء الأمانة الى من ائتمنك ، وأن ترضى لأخيك ما ترضى لنفسك ، واعلم أن ~~للامور أواخر فاحذر العواقب ، وأن للامور بغتات فكن على حذر ، وإياك ومرتقى ~~جبل سهل اذا كان المنحدر وعرا ، ولا تعدن أخاك وعدا ليس في يدك وفاؤه » (3) ~~قل لي بربك أي خصال هذه!! وكم حملنا على أمثالها مما يجعلنا في مصاف ~~الملائكة المقربين؟ ولكن أين السامع. # ونهانا عن خصال بارتكابها الضعة والسقوط ، فقال عليه السلام : لا تمزح ~~فيذهب نورك ، ولا تكذب فيذهب بهاؤك. وإياك وخصلتين : الضجر والكسل ، فإنك ~~إن ضجرت لا تصبر على حق ، وإن كسلت لم تؤد حقا. # وقال عليه السلام : وكان المسيح عليه السلام يقول : من كثر همه سقم بدنه ، ~~ومن ساء خلقه عذب نفسه ، ومن كثر كلامه كثر سقطه ، ومن كثر كذبه ذهب بهاؤه ~~، ومن لاحى الرجال ذهبت مروته (4). PageV02P057 # ومما أوصى به أصحابه قوله : تزاوروا فإن في زيارتكم إحياء لقلوبكم وذكرا ~~لأحاديثنا ، وأحاديثنا تعطف بعضكم على بعض ، فإن أخذتم بها رشدتم ونجوتم ، ~~وإن تركتموها ظللتم وهلكتم ، فخذوا بها وأنا بنجاتكم زعيم (1). # أقول : حقا إن الرشد والنجاة بالتمسك بأقوالهم ms222 ، والضلال والهلاك بالصفح ~~عن نصائحهم ، لأنهم لم يدعوا سبيلا للإرشاد إلا دلوا عليه ، ولا طريقا ~~للإضلال إلا نهوا عنه. # وقال عليه السلام : اجعلوا أمركم هذا لله (2) ولا تجعلوه للناس ، فإنه ما ~~كان لله فهو لله ، وما كان للناس فلا يصعد الى السماء ، ولا تخاصموا بدينكم ~~، فإن المخاصمة ممرضة للقلب ، إن الله عز وجل قال لنبيه ~~صلى الله عليه وآله وسلم « إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء » (3) ~~وقال « أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين » (4) ذروا الناس فإن الناس قد ~~أخذوا عن الناس وإنكم أخذتم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعن علي ~~عليه السلام ولا سواء ، وأني سمعت أبي يقول : اذا كتب الله على عبد أن يدخله ~~في هذا الأمر كان أسرع إليه من الطير الى وكره. (5) # أقول : فكم كانت محاججات مبتنية على اصول صحيحة يفحم بها أحد الجانبين ~~فلا ينقلب عما كان عليه مع وضوح الحق لديه وتجلي الحقيقة ، وكم من ملحد أو ~~كافر اعتنق دين الاسلام بأقل دلالة ، وأدنى سبب. PageV02P058 # وقال عليه السلام وهو يريد من أصحابه التوطين والنظر الى الأمر من بعيد : # اصبروا على الدنيا فإنما هي ساعة ، فما مضى منه فلا تجد له ألما ولا ~~سرورا ، وما لم يجىء فلا تدري ما هو ، وإنما هي ساعتك التي أنت فيها ، ~~فاصبر فيها على طاعة الله ، واصبر فيها عن معصية الله (1). # أقول : إن هذه الكلمة تصور لك حال المرء في هذه الحياة ، لأن الماضي منسى ~~حزنا كان أو سرورا ، ولآتي مجهول لا يدرى ، وإنما المرء ابن ساعته ، وصبر ~~ساعة سهل ، سواء كانت طاعة فيأتي بها ، أو معصية فيصفح عنها ، فالإنسان في ~~كل ساعة هو لتلك الساعة ، والى هذا أشار الشاعر بقوله : # ما مضى فات والمؤمل غيب %~% ولك الساعة التي أنت فيها # وقال عليه السلام : اجعل قلبك (2) قريبا برا ، وولدا مواصلا ، واجعل عملك ~~والدا تتبعه ، واجعل نفسك عدوا تجاهده ، واجعل مالك عارية تردها (3). # وقال عليه السلام : إن قدرت ألا تعرف فافعل ، ما عليك ألا ms223 يثني عليك الناس ~~، وما عليك أن تكون مذموما عند الناس إذا كنت محمودا عند الله (4). # وقال يحث على الدعاء : الدعاء يرد القضاء ما ابرم ابراما ، فاكثر من ~~الدعاء فإنه مفتاح كل رحمة ، ونجاح كل حاجة ، ولا ينال ما عند الله عز وجل ~~إلا بالدعاء ، وأنه ليس باب يكثر قرعه إلا ويوشك أن يفتح لصاحبه (5). # وقال ، وما أشرفها كلمة : لا تطعنوا في عيوب من أقبل إليكم بمودته ولا PageV02P059 # توقفوه على سيئة يخضع لها ، فإنها ليست من أخلاق رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ولا من أخلاق أوليائه (1). # وقال عليه السلام ، وما أنفعها كلمة : احسنوا النظر فيما لا يسعكم جهله ~~وانصحوا لأنفسكم ، وجاهدوا في طلب ما لا عذر لكم في جهله ، فإن لدين الله ~~أركانا لا تنفع من جهلها شدة اجتهاده في طلب ظاهر عبادته ، ولا يضر من ~~عرفها فدان بها حسن اقتصاده ، ولا سبيل الى أحد الى ذلك إلا بعون من الله ~~عز وجل (2). ### ||| العشرة : # كان من الجميل النافع أن نجمع وصاياه ومواعظه حسب الموضوعات. # ولئن فاتنا ذلك كله فلا يفوتنا بعضه ، فنحن ذاكرون الآن نبذا في بعض ~~الموضوعات مما هو في متناول أيدينا. ونبتدئ بالعشرة. # لا شك أن الانسان من غريزته المحاكاة والتقليد لمعاشريه وأقرانه ، فإن ~~كانوا أخيارا اقتبس منهم محاسنهم ، وإن كانوا أشرارا انطبع بمساوئهم وذلك ~~طبعا في الأكثر الغالب من البشر ، ولأجله وجه إمامنا نصيحته الى الناس فقال ~~عليه السلام : # إياكم وعشرة الملوك وأبناء الدنيا ففي ذلك ذهاب دينكم ويعقبكم نفاقا ، ~~وذلك داء ردي لا شفاء له ، ويورث قساوة القلب ويسلبكم الخشوع. # وعليكم بالإشكال من الناس (3) والأوساط من الناس فعندهم تجدون PageV02P060 # معادن الجواهر ، وإياكم أن تمدوا أطرافكم الى ما في أيدي أبناء الدنيا ، ~~فمن مد طرفه الى ذلك طال حزنه ولم يشف غيظه واستصغر نعمة الله عنده ، فيقل ~~شكره لله ، وانظر الى من هو دونك فتكون لأنعم الله شاكرا ، ولمزيده مستوجبا ~~، ولجوده ساكنا (1). ### ||| الاستباق الى الخيرات : # إن تهيئة العمل الصالح فرصة لا ينبغي إضاعتها ، ولربما كان تقويتها ms224 مدعاة ~~للندم ، وشئون الحياة كلها فرص تمر ليس في أيدينا إعادتها ، لأن آلاف ~~الأسباب المهيأة لظرف العمل اكثرها خارج عن قدرتنا وإرادتنا ، ولكن حث أبو ~~عبد الله عليه السلام على انتهاز مثل هذه الفرص السوانح فقال : # « إذا هممت بشيء من الخير فلا تؤخره ، فإن الله عز وجل ربما اطلع على ~~العبد وهو على شيء من الطاعة فيقول : وعزتي وجلالي لا اعذبك بعدها أبدا » ~~والكلمات الواردة عنه في ذلك كثيرة. # وكما حث على المسارعة الى الخير عند العزيمة عليه نهى عن امضاء العزيمة ~~اذا كانت في المعصية فقال عليه السلام : # « واذا هممت بسيئة فلا تعملها فإنه ربما اطلع على العبد وهو على شيء من ~~المعصية فيقول : وعزتي وجلالي لا أغفر لك بعدها أبدا » (2). # ووصاياه في مثل ذلك لا يحيط بها الحصر. PageV02P061 ### ||| التفقه في الدين : # إن التفقه في الدين طريق لعبادته تعالى ، وبه الاحتفاظ بنظام الشريعة ~~الاسلامية وقوانينها ، بل الدين الاسلامي إنما يقوم ويدوم بفقهاء شريعته ~~العالمين بأحكامه المناضلين عنه ، ومن هاهنا جاء عن الصادق عليه السلام حديث ~~جم عن التفقه وقد سلف في ( 1 143 ) شيء من ذلك ونضيف هنا أحاديث اخرى ، قال ~~عليه السلام : # « العامل على غير بصيرة كالساير على السراب بقيعة لا يزيده سرعة سيره إلا ~~بعدا » وقال : « لا خير فيمن لا يتفقه من أصحابنا » وعنه « لا يسع الناس ~~حتى يسألوا ويتفقهوا » (1) وقال عليه السلام : « اذا أراد الله بعبد خيرا ~~فقهه في الدين » وقال : « الكمال كل الكمال : التفقه في الدين ، والصبر على ~~النائبة ، وتقدير المعيشة » (2). # ولعظم خطر الفقاهة وأثرها في الدين الاسلامي قال عليه السلام عن شأن ~~الفقيه وموته : « ما من أحد يموت من المؤمنين أحب إلى ابليس من موت فقيه » ~~وعنه : « اذا مات المؤمن الفقيه ثلم في الاسلام ثلمة لا يسدها شي » (3). ### ||| النعم وشكرها : # ومن وصاياه في النعم والمحافظة عليها ابقاء لها قوله عليه السلام : احسنوا ~~جوار النعم واحذروا أن تنتقل عنكم الى غيركم ، أما أنها لم تنتقل عن أحد قط PageV02P062 # فكادت ترجع إليه ، وكان أمير المؤمنين عليه ms225 السلام يقول : « قلما أدبر شيء ~~فأقبل » (1) وعلمهم كيف يحافظون على النعم فقال لسدير الصيرفي : ما كثر مال ~~رجل قط إلا عظمت الحجة لله تعالى عليه ، فإن قدرتم أن تدفعوها فافعلوا ، ~~فقال : يا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بما ذا؟ قال عليه السلام : ~~بقضاء حوائج اخوانكم من أموالكم ، ثم قال : تلقوا النعم يا سدير بحسن ~~مجاورتها ، واشكروا من أنعم عليكم ، وأنعموا على من شكركم ، فإنكم اذا كنتم ~~كذلك استوجبتم من الله الزيادة ومن إخوانكم المناصحة. ثم تلا قوله : « ولئن ~~شكرتم لأزيدنكم » (2). # ومن طرق الشكر أن يتظاهر العبد بما أفاض المولى سبحانه عليه من سوابغ ~~النعم ، ومن ثم تجد الامام المرشد أبا عبد الله عليه السلام يلفتنا الى هذه ~~الخلة الحميدة فيقول : إن الله يحب الجمال والتجمل ، ويكره البؤس والتباؤس ~~، فان الله عز وجل اذا أنعم على عبد نعمة أحب أن يرى عليه أثرها ، قيل : ~~وكيف ذلك؟ قال عليه السلام : ينظف ثوبه ، ويطيب ريحه ، ويكنس افنيته ، ويجصص ~~داره حتى أن السراج قبل مغيب الشمس ينفي الفقر ، ويزيد في الرزق (3). # هذه بعض تلك الطرق التي هي مظهر للشكر ولإظهار النعم وفسروا التحدث النعم ~~« وأما بنعمة ربك فحدث » بما أشار إليه الإمام وبأمثاله. ### ||| حسن الصحبة : # ليس حسن الصحبة أمرا يأتيك عفوا دون ترويض النفس وكبح جماحها ، PageV02P063 # لأنها كثيرا ما تتطلب منك التنازل لصاحبك عن بعض رغائبك وشهواتك ، ~~وإيثاره ببعض ما عندك ، ولذا قال أبو عبد الله عليه السلام : # « وطن نفسك على حسن الصحابة لمن صحبت ». # ولما كان حسن الصحبة كثير المسالك ، وقد يجهل المرء أفضلها سلوكا ، علمنا ~~كيف نحسن صحبة من نصحب ، فقال عليه السلام : حسن خلقك ، وكف لسانك ، واكظم ~~غيظك ، وأقل لغوك ، وتغرس عفوك ، وتسخو نفسك (1). # بل أراد أن نجعل حسن الصحبة شعارا دائميا ، مع كل من نصحبه فقال : يا ~~شيعة آل محمد ليس منا من لم يملك نفسه عند غضبه ، ومن لم يحسن صحبة من صحبه ~~(2). الى كثير من أمثال هذا. # وألزم بالتحري عن الصاحب بعد فراقه ومعرفة شأنه ms226 وحاله فقال للمفضل بن عمر ~~بعد ما دخل عليه من سفر : من صحبك؟ فقال : رجل من اخواني ، قال : # فما فعل؟ قال : منذ دخلت لم أعرف مكانه ، فقال له : أما علمت أن من صحب ~~مؤمنا أربعين خطوة سأله الله عنه يوم القيامة (3). ### ||| الصحبة في السفر : # إن للسفر آدابا خاصة لا تضارعها الآداب في الحضر وقد تجد عند أول نظرة أن ~~من الفتوة وشرف النفس وعلو الهمة بل حسن الصحبة أن تتوسع في النفقة ~~والإطعام بما يربو على رفاقك ، ولكن الصادق عليه السلام ينهي عن ذلك في ~~السفر ، لأنه تكليف للرفيق بما لا يقدر عليه إن أراد المباراة أو PageV02P064 # إذلال له إن أمسك عن المجاراة ، وليس من الأدب وجميل العشرة أن تكلف ~~رفيقك أو تذله ، فيقول لشهاب بن عبد ربه (1): لا تفعل يا شهاب إن بسطت ~~وبسطوا أجحفت بهم ، وإن هم أمسكوا أذللتهم ، فاصحب نظراءك ، اصحب نظراءك. # هذا بعد أن قال شهاب للإمام : قد عرفت حالي وسعة يدي وتوسيعي على إخواني ~~، فأصحب النفر منهم في طريق مكة فأوسع عليهم (2). # أقول : وكما يذل المرء سواه اذا ربا عليه بالإنفاق ، يذل نفسه اذا ربا ~~عليه غيره ، وكما نهى الإمام في الأول عن صحبة الأضعف حالا ، نهى في الثاني ~~عن صحبة الأقدر مالا ، فقال لأبي بصير : ما احب أن يذل نفسه ، ليخرج مع من ~~هو مثله. # وهذا بعد أن سأله أبو بصير عن الرجل يخرج مع القوم المياسير ، وهو أقلهم ~~شيئا فيخرج القوم النفقة ، ولا يقدر هو أن يخرج مثلما أخرجوا. # وقال لهشام بن الحكم وقد سأله عن مثل ذلك : « اصحب مثلك » (3) فالإمام قد ~~جعل المحور في الحالين صحبة النظير ، لئلا يذل غيره أو يذل نفسه ، وهذه ~~إحدى حكمه البليغة ، ورغباته في حسن الأدب للناس. ### ||| حسن الجوار : # من أدب المرء ورجحان نهاه حسن الجوار ، وهو خلق فاضل يدعو إليه PageV02P065 # العقل ، وكانت العرب تتفاخر فيه وتناضل عن الجار ما استطاعت ، وقد أقر ~~الاسلام تلك السجية النبيلة ، وزاد في تقديرها والحث عليها ، فكانت وصايا ~~النبي صلى الله ms227 عليه وآله وسلم متوالية فيه ، حتى قال أمير المؤمنين عليه السلام ~~: ما زال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوصينا بالجار حتى ظننا أنه ~~سيورثه. # وعلى هذا المنوال نسج بنوه فقال صادقهم عليه السلام في وصية له : عليكم ~~بتقوى الله إلى أن قال وحسن الخلق وحسن الجوار (1). # وتكررت منه هذه الوصية في عدة مواطن حتى عير تاركيه ، فقال عليه السلام : ~~أما يستحي الرجل منكم أن يعرف جاره حقه ولا يعرف حق جاره (2). # بل أخرج عنهم من لم يحسن مجاورة جاره ، فقال عليه السلام من حديث : # وليس منا من لم يحسن مجاورة من جاوره (3). ### ||| قبول النصح : # إن رجاحة عقل الفتى تعرف بالإصغاء للنصح ، والأخذ بقول الناصح ، لأن ~~الجاهل تأخذه الحمية فلا يستمع للنصح ، ظنا منه أن الناصح يكشف له عن عيوبه ~~، ولا يرضى الجاهل أن يقف على نقص في نفسه ، وقد فاته أن انكشاف عيوبه لديه ~~يحثه على سترها بالإصلاح ، ولذا قال الصادق عليه السلام تعليما لنا وإلا فهو ~~المنزه عن النقص : أحب اخواني إلي من أهدى إلي عيوبي (4). PageV02P066 # أقول : وكيف لا يكون أحبهم إليه ، وهو يريد به أن يتخلى عن الرذيلة ~~ويتحلى بالفضيلة ، والحسن تلك الخلة من الأخ جعل ذلك الكشف عن العيوب هدية ~~، وهذه هي الغاية القصوى بالترغيب في هذه الخلة للاخوان وتبادلها بينهم. # وقد جعل قبول النصح للمؤمن أمرا لا غنى عنه ، فقال عليه السلام : لا ~~يستغني المؤمن عن خصلة به ، والحاجة الى ثلاث خصال : توفيق من الله عز وجل ~~، وواعظ من نفسه ، وقبول من ينصحه (1). ### ||| المشاورة : # إن من يشاور ذوي البصائر تتجلى له أوجه المداخل والمخارج ، وينكشف له ~~الحجاب عن سبل النجاح ، وينحاد عن مزالق الأخطار ، وقد كشف لنا أبو عبد ~~الله عليه السلام عن هذه الحقيقة فقال : « لن يهلك امرؤ عن مشورة » (2) ~~وأرشدنا الى المستشار في الغوامض من العوارض فقال : « ما يمنع أحدكم اذا ~~ورد عليه ما لا قبل له به أن يستشير رجلا عاقلا له دين وورع » (3). # وزاد في شروط الاستشارة والمستشار فقال عليه ms228 السلام : إن المشورة لا تكون ~~إلا بحدودها فمن عرفها بحدودها وإلا كانت مضرتها على المستشير اكثر من ~~منفعتها ، فأولها أن يكون الذي تشاوره عاقلا ، والثانية أن يكون حرا متدينا ~~، والثالثة أن يكون صديقا مواخيا ، والرابعة أن تطلعه على سرك فيكون علمه ~~به كعلمك بنفسك ، ثم يسر لك ويكتمه ، فإنه اذا كان عاقلا انتفعت بمشورته ، PageV02P067 # واذا كان حرا متدينا أجهد في النصحية لك ، واذا كان صديقا مواخيا كتم سرك ~~اذا اطلعته عليه ، واذا اطلعته على سرك فكان علمه به كعلمك به ، تمت ~~المشورة ، وكملت النصيحة (1). # وحذر عليه السلام من مخالفة المستشار اذا كان جامعا للشروط فقال : # استشر العاقل من الرجال الورع ، فإنه لا يأمر إلا بخير ، وإياك والخلاف ~~فإن مخالفة الورع العاقل مفسدة في الدين والدنيا (2). # وألزم المستشار بالنصح وحذره المغبة إن لم ينصح فقال عليه السلام : من ~~استشار أخاه فلم ينصحه محض الرأي سلبه الله عز وجل رأيه (3). # وهذه طرف مما اتحف به المستشير والمستشار ، اكتفينا بها عن الكثير من ~~كلامه في هذا الباب. ### ||| الإكثار من الاخوان : # إن المرء كثير بأخيه ، لأنه عون في النوائب ، ومواس في البأساء وأنيس في ~~الوحشة ، وأليف في الغربة ، ومشير عند الحيرة ، ومسدد عند السقطة ، حافظ ~~عند الغيبة ، الى ما يعجز القلم عن العد لفوائده ، ولهذا أمر الصادق ~~عليه السلام بالإكثار منهم ، وأشار الى الجدوى من اتخاذهم ، فقال عليه السلام : # اكثر من الأصدقاء في الدنيا فإنهم ينفعون في الدنيا والآخرة ، أما الدنيا ~~فحوائج يقومون بها ، وأما الآخرة فإن أهل جهنم قالوا : فما لنا من شافعين ~~ولا صديق حميم (4). PageV02P068 # ولعل قصده عليه السلام من النفع في الآخرة أن الصديق في الله صاحب العقل ~~والدين لا يرشد صديقه إلا إلى صالح الدارين ، فيستنقذه بالهداية والنصح من ~~العطب ، وأي نفع في الآخرة اكبر من هذا. # أو لأنه يستفيد من دعائه لاخراه كما قال في حديث آخر : استكثروا من ~~الاخوان فإن لكل مؤمن دعوة مستجابة. # أو لأنه يستشفع به كما قال عليه السلام : استكثروا من الاخوان فإن لكل ~~مؤمن ms229 شفاعة ، وقال عليه السلام : اكثروا من مؤاخاة المؤمنين فإن لهم عند ~~الله يدا يكافيهم بها يوم القيامة (1). # بل إن الأخ المؤمن جدير بأن يجمع هذه الخلال كلها في هذه الدانية وتلك ~~الباقية. ### ||| الإغضاء عن الاخوان : # إن العصمة لا تكون في البشر كلهم ، فمن الذي لا يخطأ ولا يسهو ولا يغفل ~~ولا ينسى ، فيستحيل أن تظفر بصديق خال من عيب أو رفيق منزه عن سقطة ، فمن ~~أراد الاكثار من الأصدقاء لا بد له من أن يتغاضى عن عيوبهم ويتغافل عن ~~مساوئهم ومن هنا قال عليه السلام : وأنى لك بأخيك كله أي الرجال المهذب (2) ~~وقال : من لم يواخ من لا عيب فيه قل صديقه (3). # واذا أراد المرء بقاء المودة من أخيه فلا يستقص عليه كما قال عليه السلام : PageV02P069 # الاستقصاء فرقة (1) وكما قال : لا تفتش الناس فتبقى بلا صديق (2). # بل يجب على ذي الخبرة والتجارب أن يقنع من أخيه بما دون ذلك إبقاء للود ، ~~كما قال عليه السلام : ليس من الإنصاف مطالبة الاخوان بالإنصاف ، ومن لم يرض ~~من صديقه إلا بإيثاره على نفسه دام سخطه (3). # نعم إن العتاب لا يخدش في بقاء الالفة والوداد ، بل ربما جلا درن الصدور ~~، وأزاح الحقد الكامن في القلوب ، إلا أن يكثر فينعكس الحال فلذلك قال ~~عليه السلام : من كثر تعتيبه قل صديقه ، وقال : ومن عاتب على كل ذنب دام ~~تعتيبه (4). ### ||| حقوق الاخوان : # إن للاخوان حقوقا جمة يفوت حصرها ، ولا نريد الاستقصاء لما جاء عنها في ~~هذا الصدد ، ولكن نذكر حديثا واحدا فحسب ، وبه الكفاية لو عمل به الأخ في ~~شأن أخيه ، قال للمعلى بن خنيس بعد أن ذكر أن له سبع حقوق : # أيسر حق منها : أن تحب له ما تحب لنفسك وتكره له ما تكره لنفسك ، والحق ~~الثاني : أن تجتنب سخطه ، وتتبع مرضاته ، وتطيع أمره ، والحق الثالث : أن ~~تعينه بنفسك ومالك ولسانك ويدك ورجلك ، والحق الرابع ، أن تكون عينه ودليله ~~ومرآته ، والحق الخامس ، ألا تشبع ويجوع ، ولا تروى ويظمأ ، ولا تلبس ويعرى ~~، والحق السادس : أن يكون لك ms230 خادم وليس لأخيك خادم فواجب أن PageV02P070 # تبعث خادمك فتغسل ثيابه وتصنع طعامه وتمهد فراشه ، والحق السابع : أن تبر ~~قسمه ، وتجيب دعوته ، وتعود مريضه ، وتشهد جنازته ، وإذا علمت أن له حاجة ~~تبادر إلى قضائها ، ولا تلجئه الى أن يسألكها ، ولكن تبادره مبادرة ، فاذا ~~فعلت ذلك وصلت ولايتك بولايته ، وولايته بولايتك (1). # أقول : وأنى لنا بالقيام بهذه الحقوق ، ولئن كنا قادرين على أدائها وعلى ~~العمل بها فإن النفوس لأمارة بالسوء ، وحب الذات والأنانية تحول دون الشعور ~~بمثل هذه الفضائل فضلا عن فعلها. ### ||| مواساة الاخوان # ذكرنا في العنوان السالف حقوق الاخوان ومنها المواساة ، غير أنه جاء لها ~~ذكر خاص في أحاديثه فقال عليه السلام : انظر ما أصبت فعد به على اخوانك (2) ~~وقال عليه السلام : تقربوا الى الله بمواساة إخوانكم (3). # ولما كانت المواساة شديدة على النفوس جدا قال أبو عبد الله عليه السلام : # وإن من أشد ما افترض الله على خلقه ثلاثا : إنصاف المؤمنين من نفسه حتى ~~لا يرضى لأخيه المؤمن من نفسه إلا بما يرضى لنفسه ، ومواساة الأخ المؤمن في ~~المال ، وذكر الله على كل حال ، وليس سبحان الله والحمد لله ، ولكن عند ما ~~حرم الله عليه فيدعه (4). # أقول : وحقا أن تكون هذه الثلاث من أشق الأعمال على المرء ، لأنها PageV02P071 # تصادم أشد الغرائز والشهوات النفسية صرامة وقوة ، من نحو حب الذات وحب ~~المال والاستعلاء ، ولعظم الانصاف والمواساة جعلهما من الفرائض تنزيلا ، ~~وإن كانا ليسا من الفرض حقيقة. ### ||| البر بالإخوان : # إن البر غصن من دوحة المواساة ، وقد جاء عن الصادق عليه السلام الحث ~~الكثير عليه فقال في وصيته لجميل بن دراج : ومن خالص الايمان البر بالإخوان ~~، والسعي في حوائجهم ، وأن البار بالإخوان ليحبه الرحمن الى أن يقول يا ~~جميل اخبر بهذا غرر أصحابك ، قال : قلت : جعلت فداك ومن غرر أصحابي؟ قال : ~~هم البارون بالإخوان في العسر واليسر (1). # ويقول في وصية لعبد الله بن جندب السالفة : أما أنه ما يعبد الله بمثل ~~نقل الأقدام الى بر الإخوان. # ولعظم البر بالإخوان عند الله تعالى يجهد الشيطان في ms231 الحيلولة دونه ، قال ~~عليه السلام في هذه الوصية : يا ابن جندب إن للشيطان مصائد يصطاد بها ~~فتحاموا شباكه ومصائده ، قال : يا ابن رسول الله وما هي؟ قال : أما مصائده ~~فصد عن بر الاخوان. # وما اكثر ما جاء عنه في بر الإخوان والحث عليه وبما ذكرناه كفاية. ### ||| صدق الحديث وأداء الأمانة : # كان أبو عبد الله عليه السلام يوصي من دخل عليه من أصحابه ومن فارقه PageV02P072 # بصدق الحديث وأداء الأمانة ، وقد سبق بعضه. # وهاتان الخلتان وإن كانتا من أفضل الصفات بذاتيهما إلا أن لهما أثرا في ~~الدين جليا ، وهو المحبوبية في النفوس وكثرة التعامل وثقة الناس به وفي ذلك ~~الغنى والثروة ، ونذكر لذلك حادثه واحدة وكفى. # قال عليه السلام لعبد الرحمن بن سيابة وقد دخل على الصادق بعد موت أبيه ~~وهو شاب : ألا اوصيك؟ فقال : بلى جعلت فداك ، قال : عليك بصدق الحديث وأداء ~~الأمانة تشرك الناس في أموالهم هكذا وجمع بين أصابعه قال : # فحفظت الحديث فزكيت ثلاثمائة الف درهم (1). # أقول : وهذا آخر ما أردت جمعه من وصايا الصادق ونصائحه في شتى الشؤون ~~التي أرادها لسعادة الناس في الدارين ، وفوزهم في الحياتين. # * * * PageV02P073 ### || 4 حكمه # إن له عليه السلام من طرائف الحكم وشوارد الكلمات ما يسمو بالنفوس الخيرة ~~الى صفوف الملائكة ويجلب الناس الى الفضيلة والسعادة وذلك لمن عمل بها ~~وتدبرها ، وقد جمعت شطرا منها مجاهدا في الجمع والانتقاء ، قال عليه السلام : # 1 : العقل ما عبد به الرحمن واكتسب به الجنان. # 2 : إن الثواب على قدر العقل. # 3 : أكمل الناس عقلا أحسنهم خلقا. # 4 : دعامة الإنسان العقل. # 5 : العقل دليل المؤمن (1). # 6 : كمال العقل في ثلاث : التواضع لله ، وحسن اليقين ، والصمت إلا من خير. # 7 : الجهل في ثلاث : الكبر ، وشدة المراء (2) والجهل بالله. # 8 : أفضل طبائع العقل العبادة ، وأوثق الحديث له العلم ، وأجزل حظوظه PageV02P074 # الحكمة (1). # 9 : كثرة النظر في العلم يفتح العقل (2). # 10 : العلم جنة ، والصدق عز ، والجهل ذل ، والفهم مجد ، والجواد نجح ، ~~وحسن الخلق مجلبة للمودة ، والعالم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس ، والحزم ms232 ~~مساءة الظن. # 11 : إن شئت أن تكرم (3) فلن ، وإن شئت أن تهان فاخشن. # 12 : من كرم أصله لان قلبه ، ومن خشن عنصره غلظ كبده. # 13 : من فرط تورط ، ومن خاف العاقبة تثبت عن الدخول فيما لا يعلم. # 14 : من هجم على أمر بغير علم جدع أنف نفسه (4). # 15 : العلماء امناء ، والأتقياء حصون ، والأوصياء سادة (5). # 16 : إن هذا العلم عليه قفل ومفتاحه المسألة (6). # 17 : العامل على غير بصيرة كالسائر على غير الطريق ، لا يزيده سرعة السير ~~إلا بعدا. # 18 : لا يقبل الله عملا إلا بمعرفة ، ولا معرفة إلا بعمل ، فمن عرف دلته ~~المعرفة على العمل ، ومن لم يعمل فلا معرفة له ، ألا إن الايمان بعضه من بعض. # 19 : لا يتم المعروف إلا بثلاثة : بتعجيله ، وتصغيره ، وستره (7). PageV02P075 # 20 : ما كل من رأى شيئا قدر عليه ، ولا كل من قدر على شيء وفق له ، ولا ~~كل من وفق له أصاب موضعا ، فإذا اجتمعت النية والمقدرة والتوفيق والإصابة ~~فهناك السعادة. # 21 : أربعة أشياء القليل منها كثير : النار ، والعداوة ، والفقر ، ~~والمرض. # 22 : صحبة عشرين يوما قرابة. # 23 : من لم يستح عند الغيب ، ويرعو عند الشيب ، ويخش الله بظهر الغيب فلا ~~خير فيه. # 24 : من اكرمك فاكرمه ، ومن استخف بك فأكرم نفسك عنه. # 25 : منع الجود سوء ظن بالمعبود. # 26 : إن عيال المرء اسراؤه ، فمن انعم عليه فليوسع على اسرائه ، فإن لم ~~يفعل يوشك أن تزول تلك النعمة عنه. # 27 : ثلاثة لا يزيد الله بها الرجل المسلم إلا عزا : الصفح عمن ظلمه ، ~~والإعطاء لمن حرمه ، والصلة لمن قطعه. # 28 : المؤمن إذا غضب لم يخرجه غضبه عن حق ، وإذا رضي لم يدخله رضاه في باطل. # 29 : للصداقة خمسة شروط ، فمن كانت فيه فانسبوه إليها ، ومن لمن تكن فيه ~~فلا تنسبوه الى شيء منها ، وهي أن يكون زين صديقه زينه ، وسريرته له ~~كعلانيته ، وألا يغيره عليه مال ، وأن يراه أهلا لجميع مودته ، ولا يسلمه ~~عنا النكبات (1). # 30 : أربع لا ينبغي لشريف أن يأنف منها : قيامه من مجلسه لأبيه ms233 ، PageV02P076 # وخدمته لضيفه ، وقيامه لدابته ولو أن له مائة عبد ، وخدمته لمن يتعلم منه. # 31 : العلماء امناء الرسل ما لم يأتوا أبواب السلاطين (1). # 32 : وكان يتردد عليه رجل من أهل السواد فانقطع عنه ، فسأل عنه ، فقال ~~بعض القوم : إنه نبطي ، يريد أن يضع منه ، فقال عليه السلام : أصل الرجل ~~عقله ، وحسبه دينه ، وكرمه تقواه ، والناس في آدم مستوون (2). # 33 : المكارم عشر ، فإن استطعت أن تكون فيك فلتكن فإنها تكون في الرجل ~~ولا تكون في ولده ، وتكون في الولد ولا تكون في أبيه ، وتكون في العبد ولا ~~تكون في الحر قيل : وما هي؟ قال عليه السلام : صدق الناس ، وصدق اللسان ، ~~وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وإقراء الضيف ، وإطعام السائل ، والمكافاة ~~على الصنائع ، والتذمم للجار ، والتذمم للصاحب ، ورأسهن الحياء (3). # 34 : من صحة يقين المرء المسلم ألا يرضي الناس بسخط الله ، ولا يلومهم ~~على ما لم يؤته الله ، فإن الرزق لا يسوقه حرص حريص ، ولا يرده كراهة كاره ~~، ولو أن أحدكم فر من رزقه كما يفر من الموت لأدركه رزقه كما يدركه الموت. # 35 : إن الله بعدله وقسطه جعل الروح والراحة في اليقين والرضا ، وجعل ~~الهم والحزن في الشك والسخط (4). # 36 : رأس طاعة الله الصبر والرضا عن الله فيما أحب الله للعبد أو كره ، ~~ولا يرضى عبد عن الله فيما أحب أو كره ، إلا كان له خيرا فيما أحب أو كره. PageV02P077 # 37 : إن أعلم الناس بالله أرضاهم لقضاء الله (1). # 38 : لا تغتب فتغتب (2)، ولا تحفر لأخيك حفرة فتقع فيها ، فإنك كما تدين ~~تدان (3). # 39 : إياكم والمزاح فإنه يذهب بماء الوجه ومهابة الرجال. # 40 : لا تمار فيذهب بهاؤك ؛ ولا تمزح فيجترأ عليك (4). # 41 : إياكم والمشارة (5) فإنها تورث المعرة (6) وتظهر العورة (7). # 42 : من لم يستح من طلب الحلال خفت مؤونته ، ونعم أهله (8). # 43 : عجبت لمن يبخل بالدنيا وهي مقبلة عليه ، أو يبخل عليها وهي مدبرة ~~عنه ، فلا الإنفاق مع الاقبال يضره ، ولا الإمساك مع الإدبار ينفعه (9). # 44 : المسجون من سجنته دنياه عن آخرته (10) 45 : لا تشعروا قلوبكم ms234 ~~الاشتغال بما قد فات ، فتشغلوا أذهانكم عن الاستعداد لما لم يأت (11). # 46 : استنزلوا الرزق بالصدقة ، وحصنوا أموالكم بالزكاة ، وما عال من PageV02P078 # اقتصد ، والتدبير نصف المعيشة ، والتودد نصف العقل ، وقلة العيال أحد ~~اليسارين ، ومن أحزن والديه فقد عقهما ، والصنيعة لا تكون صنيعة إلا عند ذي ~~حسب ودين ، والله تعالى منزل الصبر على قدر المصيبة ، ومنزل الرزق على قدر ~~المئونة ، ومن قدر معيشته رزقه الله تعالى ، ومن بذر معيشته حرمه الله ~~تعالى (1). # أقول : وبعض هذه الفقرات منسوبة الى أمير المؤمنين في نهج البلاغة ولعل ~~الصادق عليه السلام ذكرها استشهادا. # 47 : أغنى الغنى من لم يكن للحرص أسيرا (2). # 48 : لا شيء أحسن من الصمت ، ولا عدو أضر من الجهل ، ولا داء أدوى من ~~الكذب (3). # 49 : ثلاثة لا يضر معهن شيء : الدعاء عند الكرب ، والاستغفار عند الذنب ، ~~والشكر عند النعمة (4) 50 : المؤمن مألوف ، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف (5). # 51 : قيل : ما حد حسن الخلق؟ فقال عليه السلام : تلين جناحك ، وتطيب كلامك ~~، وتلقي أخاك ببشر. # 52 : من صدق لسانه زكا عمله ، ومن حسنت نيته زيد في رزقه ، ومن حسن بره ~~بأهل بيته مد له في عمره (6). PageV02P079 # 53 : الحياء من الايمان. # 54 : من رق وجهه رق علمه. # 55 : لا إيمان لمن لا حياء له (1). # 56 : ثلاث من مكارم الدنيا والآخرة : تعفو عمن ظلمك ، وتصل من قطعك ، ~~وتحلم اذا جهل عليك (2). # 57 : أيما أهل بيت اعطوا حظهم من الرفق فقد وسع الله عليهم في الرزق ، ~~والرفق في تقدير المعيشة خير من السعة في المال ، والرفق لا يعجز عنه شيء ، ~~والتبذير لا يبقي معه شيء ، إن الله عز وجل رفيق يحب الرفق. # 58 : من كان رفيقا في أمره نال ما يريد من الناس (3). # 59 : من قنع بما رزقه الله فهو أغنى الناس. # 60 : وشكا إليه رجل أنه يطلب فيصيب ولا يقنع ، وتنازعه نفسه الى ما هو ~~اكثر منه ، وقال : علمني شيئا أنتفع به ، فقال أبو عبد الله عليه السلام : ~~إن كان ما يكفيك يغنيك فأدنى ما ms235 فيها يغنيك ، وإن كان ما يكفيك لا يغنيك ~~فكل ما فيها لا يغنيك (4). # 61 : العدل أحلى من الماء يصيبه الظمآن. # 62 : ما أوسع العدل وإن قل. # 63 : من أنصف الناس من نفسه رضي به حكما لغيره (5). PageV02P080 # 64 : شرف المؤمن قيام الليل ، وعزه استغناؤه عن الناس. # 65 : طلب الحوائج الى الناس استلاب للعز ومذهبة للحياء ، واليأس مما في ~~أيدي الناس عز للمؤمن في دينه ، والطمع هو الفقر الحاضر (1). # 66 : صلة الأرحام تحسن الخلق ، وتطيب النفس ، وتزيد في الرزق وتنسىء في ~~الأجل (2). # 67 : كفى بالحلم ناصرا. # 68 : إذا لم تكن حليما فتحلم (3). # 69 : من كف يده عن الناس فإنما يكف يدا واحدة ويكفون أيدي كثيرة (4). # 70 : كفى بالمرء اعتمادا على أخيه أن ينزل به حاجته (5). # 71 : صدقة يحبها الله : إصلاح بين الناس اذا تفاسدوا ، وتقارب بينهم اذا ~~تباعدوا (6). # 72 : من عامل الناس فلم يظلمهم ، وحدثهم فلم يكذبهم ، ووعدهم فلم يخلفهم ~~، كان ممن حرمت غيبته ، وكملت مروته ، وظهر عدله ، ووجبت اخوته (7). PageV02P081 # 73 : من طلب الرئاسة هلك (1). # 74 : من زرع العداوة حصد ما بذر (2). # 75 : الغضب مفتاح كل شر. # 76 : الغضب ممحقة (3) الحكيم. # 77 : من لم يملك غضبه لم يملك عقله (4). # 78 : إن الحسد يأكل الايمان كما تأكل النار الحطب. # 79 : آفة الدين الحسد ، والعجب ، والفخر (5). # 80 : ما من أحد يتيه إلا من ذلة يجدها في نفسه (6). # 81 : ما أقبح بالمؤمن تكون له رغبة تذله (7). # 82 : إن السفه خلق لئيم ، يستطيل على من دونه ، ويخضع لمن فوقه (8). # 83 : إن مما أعان الله على الكذابين النسيان (9). # 84 : إياك وسقطة الاسترسال فإنها لا تقال. PageV02P082 # 85 : إن خير العباد من يجتمع فيه خمس خصال : إذا أحسن استبشر ، واذا أساء ~~استغفر ، واذا أعطي شكر ، واذا ابتلي صبر ، واذا ظلم غفر. # 86 : وقال له أبو حنيفة : يا أبا عبد الله ما أصبرك على الصلاة ، فقال ~~عليه السلام : ويحك يا نعمان أما علمت أن الصلاة قربان كل تقي ، وأن الحج ~~جهاد كل ضعيف ، ولكل شيء زكاة وزكاة البدن الصيام ، وأفضل ms236 الأعمال انتظار ~~الفرج من الله ، والداعي بلا عمل كالرامي بلا وتر ، فاحفظ هذه الكلمات يا نعمان. # 87 : ثلاثة اقسم بالله إنها لحق ، ما نقص مال من صدقة ولا زكاة ، ولا ظلم ~~أحد بظلامة بقدر أن يكافئ بها فكظمها إلا أبدله الله مكانها عزا ، ولا فتح ~~عبد على نفسه باب مسألة إلا فتح لله عليه باب فقر. # 88 : مروة المرء في نفسه نسب لعقبه وقبيلته (1). # 89 : سبعة يفسدون أعمالهم : الرجل الحليم ذو العلم الكثير لا يعرف بذلك ~~ولا يذكر به ، والحكيم الذي يدير (2) ماله كل كاذب منكر لما يؤتى إليه ، ~~والرجل الذي يأمن ذا المكر والخيانة ، والسيد الفظ الذي لا رحمة له ، والام ~~التي لا تكتم عن الولد السر وتفشي عليه ، والسريع الى لائمة إخوانه ، والذي ~~لا يزال يجادل أخاه مخاصما له (3). # 90 : لا يطمع ذو الكبر في الثناء الحسن ، ولا الخب (4) في كثرة الصديق ، ~~ولا السيئ الأدب في الشرف ، ولا البخيل في صلة الرحم ، ولا المستهزئ بالناس في PageV02P083 # صدق المودة ، ولا القليل الفقه في القضاء ، ولا المغتاب في السلامة ، ولا ~~الحسود في راحة القلب ، ولا المعاقب على الذنب الصغير في السؤدد ، ولا ~~القليل التجربة المعجب برأيه في رئاسة (1). # 91 : من كان الحزم حارسه ، والصدق جليسه ، عظمت بهجته ، وتمت مروته. # 92 : جاهل سخي أفضل من ناسك بخيل. # 93 : من سأل فوق حقه استحق الحرمان. # 94 : أولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة ، وأنقص الناس عقلا من ظلم من ~~دونه ، ولم يصفح عمن اعتذر إليه. # 95 : لا تكونن أول مشير ، وإياك والرأي الفطير (2). # 96 : الاستقصاء فرقة. # 97 : الانتقاد عداوة. # 98 : قلة الصبر فضيحة. # 99 : إفشاء السر سقوط. # 100 : السخاء فطنة. # 101 : اللؤم تغافل. # 102 : ثلاثة من فرط فيهن كان محروما : استماحة جواد ، ومصاحبة عالم ، ~~واستمالة سلطان. # 103 : ثلاثة تورث المحبة : الدين والتواضع والبذل. PageV02P084 # 104 : من برىء من ثلاثة نال ثلاثة : من برىء من الشر نال العز ، ومن برىء ~~من الكبر نال الكرامة ، ومن برىء من البخل نال الشرف. # 105 : ثلاثة مكسبة للبغضاء : النفاق ms237 ، والعجب ، والظلم. # 106 : من لم يكن فيه خصلة من ثلاث لم يعد نبيلا ، من لم يكن له عقل يزينه ~~، أو جدة تعينه ، أو عشيرة تعضده. # 107 : ثلاثة تزري بالمرء : الحسد ، والنميمة ، والطيش. # 108 : ثلاثة لا تعرف إلا في ثلاثة مواطن : لا يعرف الحليم إلا عند الغضب ~~، ولا الشجاع إلا عند الحرب ، ولا أخ إلا عند الحاجة. # 109 : ثلاثة من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى : من إذا حدث كذب ، وإذا ~~وعد أخلف ، وإذا ائتمن خان. # 110 : احذر من الناس ثلاثة : الخائن ، والظلوم ، والنمام ، لأن من خان لك ~~خانك ، ومن ظلم لك سيظلمك ، ومن نم إليك سينم عليك. # 111 : لا يكون الأمين أمينا حتى يؤتمن على ثلاثة فيؤديها : على الأموال ، ~~والأولاد ، والفروج ، وإن حفظ اثنين وضيع واحدة فليس بأمين. # 112 : لا تشاور أحمق ، ولا تستعن بكذاب ، ولا تثق بمودة ملول ، فإن ~~الكذاب يقرب لك البعيد ويبعد لك القريب ، والأحمق يجهد نفسه ولا يبلغ ما ~~يريد ، والملول أوثق ما كنت به خذلك ، وأوصل ما كنت له قطعك. # 113 : أربعة لا تشبع من أربعة : أرض من مطر ، وعين من نظر ، وانثى من ذكر ~~، وعالم من علم. # 114 : أربعة تهرم قبل أوان الهرم : اكل القديد (1)، والقعود على النداوة ، PageV02P085 # والصعود في الدرج ، ومجامعة العجوز. # 115 : النساء ثلاث : واحدة لك ، وواحدة لك وعليك ، وواحدة عليك لا لك ، ~~فأما التي لك فالمرأة العذراء ، وأما التي لك وعليك فالثيب ، وأما التي ~~عليك فهي المتبع (1) التي لها ولد من غيرك. # 116 : ثلاثة من كن فيه كان سيدا : كظم الغيظ ، والصفح عن المسيء ، والصلة ~~بالنفس والمال. # 117 : ثلاثة فيهن البلاغة : التقرب من معنى البغية ، والتبعد من حشو ~~الكلام ، والدلالة بالقليل على الكثير. # 118 : الجهد في ثلاثة : في تبدل الإخوان ، والمنابذة بغير بيان ، والتجسس ~~عما لا يعني. # 119 : ثلاثة يحجزن عن طلب المعالي : قصر الهمة ، وقلة الحياء ، وضعف الراي. # 120 : الحزم في ثلاثة : الاستخدام للسلطان ، والطاعة للوالد ، والخضوع ~~للمولى. # 121 : الانس في ثلاثة : في الزوجة الموافقة ، والولد البار ، والصديق ~~المصافي. ms238 # 122 : من رزق ثلاثا نال الغنى الأكبر : القناعة بما اعطي ، واليأس مما في ~~أيدي الناس ، وترك الفضول. # 123 : ثلاثة لا يعذر المرء فيها : مشاورة ناصح ، ومداراة حاسد ، والتحبب ~~إلى الناس. PageV02P086 # 124 : من لم يرغب في ثلاث ابتلي بثلاث : من لم يرغب السلامة ابتلي ~~بالخذلان ، ومن لم يرغب في المعروف ابتلي بالندامة ، ومن لم يرغب في ~~الاستكثار من الاخوان ابتلي بالخسران. # 125 : ثلاث يجب على كل إنسان تجنبها : مقارنة الأشرار ، ومحادثة النساء ، ~~ومجالسة أهل البدع. # 126 : ثلاثة تدل على كرم المرء : حسن الخلق ، وكظم الغيظ ، وغض الطرف. # 127 : من وثق بثلاثة كان مغرورا : من صدق بما لا يكون ، وركن الى من لا ~~يثق به ، وطمع فيما لا يملك. # 128 : ثلاثة من استعملها أفسد دينه ودنياه : من ساء ظنه ، وأمكن من سمعه ~~، واعطى قياده حليلته (1). # 129 : أفضل الملوك من اعطي ثلاث خصال : الرأفة ، والجود ، والعدل. # 130 : وليس يجب للملوك أن يفرطوا في ثلاثة : في حفظ الثغور ، وتفقد ~~المظالم ، واختيار الصالحين لأعمالهم. # 131 : العاقل لا يستخف بأحد ، وأحق من لا يستخف به ثلاثة : # العلماء ، والسلطان ، والاخوان ، لأنه من استخف بالعلماء أفسد دينه ، ومن ~~استخف بالسلطان أفسد دنياه ، ومن استخف بالاخوان أفسد مروته. # 132 : ثلاثة أشياء يحتاج إليها الناس طرا ، الأمن ، والعدل ، والخصب. # 133 : ثلاثة تكدر العيش : السلطان الجائر ، والجار السوء ، والمرأة ~~البذية. # 134 : لا تطيب السكنى إلا بثلاثة : الهواء الطيب ، والماء الغزير ، PageV02P087 # والأرض الخوارة (1). # 135 : ثلاث خصال من رزقها كان كاملا : العقل ، والجمال والفصاحة. # 136 : ثلاثة تورث الحرمان : الإلحاح في المسألة ، والغيبة ، والهزء. # 137 : من طلب ثلاثة بغير حق حرم من ثلاثة بحق : من طلب الدنيا بغير حق ~~حرم الآخرة بحق ، ومن طلب الرئاسة بغير حق حرم الطاعة له بحق ، ومن طلب ~~المال بغير حق حرم بقاءه له بحق. # 138 : ثلاثة لا ينبغي للمرء الحازم أن يقدم عليها : شرب السم للتجربة وإن ~~نجا منه ، وإفشاء السر للقرابة الحاسد وإن نجا منه ، وركوب البحر وإن كان ~~الغنى فيه. # 139 : لا يستغني أهل كل بلد ms239 عن ثلاثة يفزع إليهم في أمر دنياهم وآخرتهم ، ~~فإن عدموا ذلك كانوا همجا : فقيه عالم ورع ، وأمير خير مطاع ، وطبيب بصير ثقة. # 140 : إن يسلم الناس من ثلاثة أشياء كانت سلامة شاملة : لسان السوء ، ويد ~~السوء ، وفعل السوء. # 141 : إذا لم يكن في المملوك خصلة من ثلاث فليس لمولاه في إمساكه راحة : ~~دين يرشده ، أو أدب يسوسه ، أو خوف يردعه. # 142 : إن المرء يحتاج في منزله وعياله الى ثلاث خلال يتكلفها وإن لم يكن ~~في طبعه ذلك : معاشرة جميلة ، وسعة بتقدير ، وغيرة بتحصن. # 143 : ثلاثة من ابتلى بواحدة منهن كان طائح العقل : نعمة مولية ، PageV02P088 # وزوجة فاسدة ، وفجيعة بحبيب. # 144 : جعلت الشجاعة على ثلاث طبائع ، لكل واحدة منهن فضيلة ليست للاخرى : ~~السخاء بالنفس ، والأنفة من الذل ، وطلب الذكر ، فإن تكاملت في الشجاع كان ~~البطل الذي لا يقام في سبيله ، والموسوم بالاقدام في عصره ، وإن تفاضلت ~~بعضها على بعض كانت شجاعته في ذلك الذي تفاضلت في اكثر. # 145 : يجب للوالدين على الولد ثلاثة أشياء : شكرهما على كل حال ، ~~وطاعتهما فيما يأمرانه به وينهانه عنه في غير معصية الله ، ونصيحتهما في ~~السر والعلانية. # 146 : ويجب للولد على والده ثلاث خصال : اختيار والدته ، وتحسين اسمه ، ~~والمبالغة في تأديبه. # 147 : السرور في ثلاث خلال : في الوفاء ، ورعاية الحقوق ، والنهوض في ~~النوائب. # 148 : ثلاثة يستدل بها على إصابة الرأي : حسن اللقاء ، وحسن الاستماع ، ~~وحسن الجواب. # 149 : الرجال ثلاثة : عاقل ، وأحمق ، وفاجر ، فالعاقل إن كلم أجاب ، وإن ~~نطق أصاب ، وإن سمع وعى ، والأحمق إن تكلم عجل ، وإن حدث ذهل ، وإن حمل على ~~القبيح فعل ، والفاجر إن ائتمنته خانك ، وإن حدثته شانك. # 150 : ثلاثة ليس معهن غربة : حسن الأدب ، وكف الأذى ، ومجانبة الريب. # 151 : الأيام ثلاثة : فيوم مضى لا يدرك ، ويوم الناس فيه فينبغي أن ~~يغتنموه ، وغدا إنما في أيديهم أمله. PageV02P089 # 152 : من لم يكن فيه ثلاث خصال لم ينفعه الايمان : حلم يرد جهل الجاهل ، ~~وورع يحجزه عن طلب المحارم ، وخلق يداري به الناس. # 153 : الاخوان ثلاثة : مواس ms240 بنفسه ، وآخر بماله ، وهما الصادقان في ~~الإخاء ، والآخر يأخذ منك البلغة ، ويريدك لبغض اللذة ، فلا تعده من أهل الثقة. # 154 : لا يستكمل عبد حقيقة الايمان حتى تكون فيه خصال ثلاث : الفقه في ~~الدين ، وحسن التقدير في المعيشة ، والصبر على الرزايا (1). # 155 : اشكر من أنعم عليك ، وأنعم على من شكرك ، فإنه لا إزالة للنعم اذا ~~شكرت ، ولا إقالة (2) لها اذا كفرت. # 156 : وقيل له : ما المروة؟ فقال عليه السلام : ألا يراك الله حيث ينهاك ، ~~ولا يفقدك حيث أمرك. # 157 : فوت الحاجة خير من طلبها من غير أهلها ، وأشد من المصيبة سوء الخلف منها. # 158 : قد عجز من لم يعد لكل بلاء صبرا ، ولكل نعمة شكرا ، وكل عسر يسرا. # 159 : لم يستزد بمحبوب بمثل الشكر ، ولم يستنقص من مكروه بمثل الصبر. # 160 : أنفع الأشياء للمرء سبقه الناس الى عيب نفسه ، وأشدها مؤونة إخفاء ~~الفاقة ، وأشد الأشياء عناء النصيحة لمن لا يقبلها ، ومجاورة الحريص ، ~~وأروح الروح اليأس من الناس. PageV02P090 # 161 : من وقف نفسه موقف التهمة فلا يلومن من أساء الظن به. # 162 : من كتم سره كانت الخيرة في يده ، وكل حديث جاوز اثنين فاش. # 163 : ضع أمر أخيك على أحسنه ، ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك سوء وأنت تجد ~~لها في الخير محملا. # 164 : عليك بإخوان الصدق ، فإنهم عدة عند الرخاء ، وجنة عند البلاء. # 165 : من زين الايمان الفقه ، ومن زين الفقه الحلم ، ومن زين الحلم الرفق ~~، ومن زين الرفق اللين ، ومن زين اللين السهولة. # 166 : الصفح الجميل ألا تعاتب على الذنب ، والصبر الجميل الذي ليس فيه شكوى. # 167 : وسأله المفضل بن عمر عن الحسب ، فقال عليه السلام : المال ، قال : ~~فالكرم ، قال عليه السلام : التقوى ، قال : فالسؤدد ، قال عليه السلام : # السخاء ، ويحك أما رأيت حاتم طي كيف ساد قومه وما كان بأجودهم موضعا. # 168 : المعروف زكاة النعم ، والشفاعة زكاة الجاه ، والعلل زكاة الأبدان ~~والعفو زكاة الظفر ، وما أدي زكاته فهو مأمون السلب. # 169 : من أخلاق الجاهل الإجابة قبل أن يسمع ، والمعارضة قبل أن ms241 يفهم ، ~~والحكم بما لا يعلم. # 170 : سرك من دمك فلا تجره في غير أوداجك. # 171 : صدرك أوسع لسرك. # 172 : من لم يواخ من لا عيب فيه قل صديقه ، ومن لم يرض من صديقه إلا ~~بايثاره على نفسه دام سخطه ، ومن عاتب على كل ذنب دام تعتيبه. # 173 : لو علم السيئ الخلق أنه يعذب نفسه لتسمح في خلقه. PageV02P091 # 174 : ما أرتج على امرئ ، وأحجم عليه الرأي ، وأعيت به الحيل إلا كان ~~الرفق مفتاحه. # 175 : ثلاثة لا يصيبون إلا خيرا : أولو الصمت ، وتاركو الشر ، والمكثرون ~~ذكر الله عز وجل ، ورأس الحزم التواضع. # 176 : امتحن أخاك عند نعمة تجدد لك ، أو نائبة تنوبك. # 177 : من ظهر غضبه ظهر كيده ، ومن قوى هواه ضعف حزمه. # 178 : من لم يقدم الامتحان قبل الثقة ، والثقة قبل الانس ، أثمرت مودته ندما. # 179 : لحظ الانسان طرف من خبره. # 180 : المستبد برأيه موقوف على مداحض (1) الزلل (2). # 181 : من لم يسأل الله من فضله افتقر (3). # 182 : إن الدعاء أنفذ من السنان (4). # 183 : وكان عنده قوم يحدثهم ، إذ ذكر رجل منهم رجلا فوقع فيه وشكا منه ، ~~فقال له أبو عبد الله عليه السلام : وأنى لك بأخيك كله ، أي الرجال المهذب (5). # 184 : التواصل بين الاخوان في الحضر التزاور ، وفي السفر التكاتب (6). # 185 : جبلت القلوب على حب من ينفعها ، وبغض من أضرها (7). PageV02P092 # 186 : الدين غم بالليل وذل بالنهار. # 187 : بروا آباءكم يبركم أبناؤكم ، وعفوا عن نساء الناس تعف نساؤكم. # 188 : المرء كثير بأخيه ، ولا خير في صحبة من لم ير لك مثل الذي ترى لنفسه. # 189 : وتخاصم رجلان بحضرته ، فقال عليه السلام لهما : أما إنه لم يظفر ~~بخير من ظفر بالظلم ، ومن يفعل السوء بالناس فلا ينكر السوء إذا فعل به. # 190 : لا عيش أهنأ من حسن الخلق ، ولا مال أنفع من القناعة باليسير ~~المجزي ، ولا جهل أضر من العجب. # 191 : تصافحوا فإنها تذهب السخيمة (1). # 192 : اتق الله بعض التقى وإن قل ، ودع بينك وبين الله سترا وإن رق. # 193 : كثرة النظر بالحكمة ms242 تلقح العقل. # 194 : وسئل عن صفة العدل من الرجل ، فقال عليه السلام : إذا غض طرفه عن ~~المحارم ، ولسانه عن المآثم ، وكفه عن المظالم. # 195 : من لا يعرف لأحد الفضل فهو المعجب برأيه. # 196 : خصلتان لا يجتمعان في منافق : سمت حسن ، وفقه في سنة. # 197 : ليس من أحد وإن ساعدته الامور بمستخلص غضارة عيش (2) إلا من خلال ~~مكروه ، ومن انتظر بمعاجلة الفرصة مؤاجلة الاستقصاء سلبته الأيام فرصته ، ~~لأن من شأن الأيام السلب ، وسبيل الزمن الفوت (3). PageV02P093 # 198 : كم من مغرور بما قد أنعم الله عليه وكم من مستدرج بستر الله عليه ، ~~وكم من مفتون بثناء الناس عليه (1). # 199 : العافية نعمة خفية : اذا وجدت نسيت ، واذا فقدت ذكرت. # 200 : العافية نعمة يعجز الشكر عنها (2). # 201 : الشؤم في ثلاثة : في المرأة ، والدابة ، والدار ، فأما الشؤم في ~~المرأة فكثرة صداقها وعقوق زوجها ، وأما الدابة فسوء خلقها ومنعها ظهرها ، ~~وأما الدار فضيق ساحتها وشر جيرانها وكثرة عيوبها (3). # 202 : وقيل له : أي الخصال بالمرء أجمل؟ فقال عليه السلام : وقار بلا ~~مهابة ، وسماح بلا طلب مكافاة ، وتشاغل بغير متاع الدنيا. # 203 : خمس من لم تكن فيه لم يكن فيه كثير مستمتع ، قيل : وما هي يا ابن ~~رسول صلى الله عليه وآله وسلم ؟ فقال عليه السلام : الدين ، والعقل ، والحياء ، ~~وحسن الخلق ، وحسن الأدب. وخمس من لم تكن فيه لم يهن بالعيش : الصحة ، ~~والأمن ، والغنى ، والقناعة ، والأنيس الموافق (4). # 204 : كم من صبر ساعة قد أورثت فرحا طويلا ، وكم من لذة قد أورثت حزنا ~~طويلا (5). # 205 : ليس من الإنصاف مطالبة الاخوان بالإنصاف (6). PageV02P094 # 206 : ليس لحاقن رأي ، ولا لملول صديق ، ولا لحسود غنى ، وليس بحازم من ~~لم ينظر في العواقب ، والنظر في العواقب تلقيح القلوب. # 207 : عليك بالسخاء وحسن الخلق ، فإنهما يزينان الرجل كما تزين الواسطة ~~القلادة. # 208 : ثلاثة من السعادة : الزوجة المواتية ، والولد البار ، والرجل يرزق ~~معيشته يغدو على اصلاحها ويروح الى عياله (1). # 209 : النوم راحة للجسد ، والنطق راحة للروح ، والسكوت راحة للعقل (2). # 210 : لا تسم الرجل صديقا سمة معرفة حتى ms243 تختبره بثلاثة : تغضبه فتنظر ~~غضبه يخرجه من الحق الى الباطل ، وعند الدينار والدرهم ، وحتى تسافر معه (3). # 211 : كم من نعمة الله عز وجل على عبده في غير عمله ، وكم من مؤمل أملا ~~والخيار في غيره ، وكم من ساع الى حتفه وهو مبطئ عن حظه (4). # 212 : من الجور قول الراكب للراجل : الطريق. # 213 : من حب الرجل دينه حبه إخوانه. # 214 : شرف المؤمن صلاته بالليل ، وعزه كف الأذى عن الناس (5). # 215 : تقربوا الى الله بمواساة إخوانكم. # 216 : ضمنت لمن اقتصد ألا يفتقر. # 217 : اصبر على أعداء النعم ، فإنك لن تكافىء من عصى الله فيك PageV02P095 # بأفضل من أن تطيع الله فيه. # 218 : من رضي القضاء أتى عليه القضاء وهو مأجور ، ومن سخط القضاء أتى ~~عليه القضاء وأحبط الله عمله. # 219 : تهادوا تحابوا ، فإن الهدية تذهب بالضغائن (1). # 220 : ما عبد الله بأفضل من الصمت والمشي الى بيته. # 221 : أنهاك عن خصلتين فيهما هلك الرجال : أن تدين الله بالباطل ، أو ~~تفتي الناس بما لا تعلم. # 222 : من حقيقة الايمان أن تؤثر الحق وإن ضرك ، على الباطل وإن نفعك ، ~~وألا يجوز منطقك عملك. # 223 : حرم الحريص خصلتين ولزمته خصلتان : حرم القناعة فافتقد الراحة ، ~~وحرم الرضا فافتقد اليقين (2). # 224 : مع التثبت تكون السلامة ، ومع العجل تكون الندامة. # 225 : من ابتدأ بعمل في غير وقته كان بلوغه في غير حينه. # 226 : الرجال ثلاثة : رجل بماله ، ورجل بجاهه ، ورجل بلسانه ، وهو أفضل ~~الثلاثة. # 227 : لا تصلح المسألة إلا في ثلاث : في دم مقطع (3) أو غرم مثقل (4) أو ~~حاجة مدقعة (5). PageV02P096 # 228 : إن أحق الناس أن يتمنى للناس الغنى البخلاء ، لأن الناس إذا ~~استغنوا كفوا عن أموالهم ، وأحق الناس أن يتمنى للناس الصلاح أهل العيوب ، ~~لأن الناس اذا صلحوا كفوا عن تتبع عيوب الناس ، وأحق الناس أن يتمنى للناس ~~الحلم أهل السفه ، الذين يحتاجون الى أن يعفى عن سفههم ، فأصبح أهل البخل ~~يتمنون فقر الناس ، وأصبح أهل العيوب يتمنون معايب الناس ، وأصبح أهل السفه ~~يتمنون سفه الناس ، وفي الفقر الحاجة الى ms244 البخيل ، وفي الفساد طلب عورة أهل ~~العيوب ، وفي السفه المكافاة بالذنوب. # 229 : ثلاثة من عاداهم ذل : الوالد ، والسلطان ، والغريم (1). # 230 : مطلوب الناس في الدنيا الفانية أربعة : الغنى ، والدعة ، وقلة ~~الاهتمام ، والعز ، فأما الغنى فهو موجود في القناعة ، فمن طلبه في كثرة ~~المال لم يجدها ، وأما قلة الاهتمام فموجودة في قلة الشغل ، فمن طلبها مع ~~كثرته لم يجدها ، وأما العز فموجود في خدمة الخالق ، فمن طلبه في خدمة ~~المخلوق لم يجده. # 231 : وجدت علم الناس كلهم في أربعة : أولها أن تعرف ربك ، والثاني أن ~~تعرف ما صنع بك ، والثالث أن تعرف ما أراد منك ، والرابع أن تعرف ما يخرجك ~~من دينك. # 232 : اذا فشت أربعة ظهرت أربعة : اذا فشا الزنا ظهرت الزلازل ، وإذا ~~أمسكت الزكاة هلكت الماشية ، وإذا جار الحاكم في القضاء امسك القطر من ~~السماء ، وإذا خفرت الذمة نصر المشركون على المسلمين. # 233 : إن الصبر والبر والحلم وحسن الخلق من أخلاق الأنبياء. # 234 : أربعة تذهب ضياعا : الأكل بعد الشبع ، والسراج في القمر ، PageV02P097 # والزرع في السبخة ، والصنيعة عند غير أهلها. # 235 : أربعة تذهب ضياعا : مودة تمنحها من لا وفاء له ، ومعروف عند من لا ~~شكر له ، وعلم عند من لا استماع له ، وسر تودعه من لا حصانة له (1). # 236 : خمس من خمسة محال : النصيحة من الحاسد محال ، والشفقة من العدو ~~محال ، والحرمة من الفاسق محال ، والوفاء من المرأة محال ، والهيبة من ~~الفقر محال. # 237 : خمس هن كما أقول : ليست لبخيل راحة ، ولا لحسود لذة ، ولا لملول ~~وفاء ، ولا لكذاب مروة ، ولا يسود سفيه. # 238 : خمسة لا ينامون : الهام بدم يسفكه ، وذو المال الكثير لا أمين له ، ~~والقائل في الناس الزور والبهتان عن عرض من الدنيا يناله ، المأخوذ بالمال ~~الكثير ولا مال له ، والمحب حبيبا يتوقع فراقه (2). # 239 : من لم يكن له واعظ من قبله ، وزاجر من نفسه ، ولم يكن له قرين ~~مرشدا ، استمكن عدوه من عنقه (3). # 240 : لن يهلك امرؤ عن مشورة (4) 241 : مجاملة الناس ثلث العقل (5). # 242 : من التواضع أن ms245 تسلم على من لقيت (6). PageV02P098 # 243 : المن يهدم الصنيعة (1). # 244 : المعروف ابتداء ، فأما ما أعطيته بعد المسألة فإنما كافيته بما بذل ~~لك من وجهه (2). # 245 : أفضل الصدقة ابراد كبد حراء (3). # 246 : من استوى يوماه فهو مغبون ، ومن كان يومه الذي هو فيه خيرا من أمسه ~~الذي ارتحل عنه فهو مغبوط (4). # 247 : المؤمن يداري ولا يماري (5). # 248 : من لم يتفقد النقص في نفسه دام نقصه ، ومن دام نقصه فالموت خير له. # 249 : من أذنب من غير عمد كان للعفو أهلا (6). # 250 : الخشية ميراث العلم ، والعلم شعاع المعرفة وقلب الايمان ، ومن حرم ~~الخشية لا يكون عالما وإن شق الشعر في متشابهات العلم (7). # 251 : إن من أجاب عن كل ما يسأل لمجنون (8). # 252 : من لاحى الرجال ذهبت مروته (9). PageV02P099 # 253 : لا تفتش الناس فتبقى بلا صديق. # 254 : من لم يرض بصديقه إلا بايثاره على نفسه دام سخطه (1). # 255 : كفى بخشية الله علما وكفى بالاغترار جهلا. # هذا آخر ما تيسر لي جمعه واختياره من طرائف حكمه ، وجوامع كلمه وعساني ~~توفقت لإيقاف القارئ على كنز من الحكم لا يعادل بثمن ، ولا يساوى بقيمة. # * * * PageV02P100 ### | ولادته ووفاته ### ||| ولادته # المعروف بين أهل الحديث والتأريخ أن ولادته عليه السلام كانت في السابع ~~عشر من ربيع الأول ، إما عام 80 للهجرة ، أو 83 ، وكلا القولين مشهوران بينهم. # ولكن تقدم أنه عليه السلام قال في بعض وقفاته أمام المنصور : « وها أنا ذا ~~قد ذرفت على السبعين » أي زدت عليها ، وروى عن محمد بن الربيع حاجب المنصور ~~لما جاء بالصادق ليلا الى المنصور وقال عنه : وكان قد جاوز السبعين ، وذكر ~~المجلسي طاب ثراه في أحواله عليه السلام رواية عن محمد بن سعيد أنه ~~عليه السلام قبض وهو ابن إحدى وسبعين سنة ، وهذا كما ترى لا يتفق مع القول ~~الثاني ، ولا الأول ، لأنهم متفقون على أن وفاته كانت عام 148 ، فعليه تكون ~~ولادته قبل الثمانين بثلاث سنين أو اكثر. # وبهذا تكون الروايات في سنة وفاته ثلاثا ، وأوسطها رواية الثمانين ، ~~ولعلها أولاها. ### ||| وفاته : # وقيل : كانت وفاته ms246 عليه السلام في الخامس والعشرين من شوال ، وقيل : PageV02P101 # في النصف من رجب ، والأول هو المشهور ، واتفق المؤرخون من الفريقين على ~~أن وفاته كانت عام 148 كما قلنا. # كما اتفق مؤلفو الشيعة على أن المنصور اغتاله بالسم على يد عامله ~~بالمدينة ، وقيل أن السم كان في عنب كما ذكر ذلك الكفعمي في المصباح. # وذكر بعض أهل السنة أيضا موته بالسم ، كما في « إسعاف الراغبين » و « نور ~~الأبصار » و « تذكرة الخواص » و « الصواعق المحرقة » وغيرها. ### ||| عند الموت : # ولما كاد أن يلفظ النفس الأخير من حياته أمر أن يجمعوا له كل من بينه ~~وبينهم قرابة ، وبعد أن اجتمعوا عنده فتح عينيه في وجوههم فقال مخاطبا لهم : # إن شفاعتنا لا تنال مستخفا بالصلاة (1). # وهذا يدلنا على عظم اهتمام الشارع الأقدس بالصلاة ، فلم تشغل إمامنا ~~عليه السلام ساعة الموت عن هذه الوصية ، وما ذاك إلا لأنه الإمام الذي يهمه ~~أمر الامة وإرشادها الى الصلاح حتى آخر نفس من حياته ، وكانت الصلاة أهم ما ~~يوصي به ويلفت إليه. # وأحسب إنما خص أقرباءه بهذه الوصية ، لأن الناس ترتقب منهم الإصلاح ~~والإرشاد فيكون تبليغ هذه الوصية على ألسنتهم أنفذ ، ولأنهم عترة الرسول ~~فعسى أن يتوهموا أن قربهم من النبي وسيلة للشفاعة بهم وإن تسامحوا في بعض ~~أحكام الشريعة ، فأراد الصادق أن يلفتهم الى أن القرب لا ينفعهم ما لم يكونوا PageV02P102 # قائمين بفرائض الله. # وكانت زوجته أم حميدة (1) تعجب من تلك الحال وأن الموت كيف لم يشغله عن ~~الاهتمام بشأن هذه الوصية ، فكانت تبكي اذا تذكرت حالته تلك (2). # وأمر أيضا وهو بتلك الحال لكل واحد من ذوي رحمه بصلة ، وللحسن الأفطس (3) ~~بسبعين دينارا ، فقالت له مولاته سالمة : أتعطي رجلا حمل عليك بالشفرة يريد ~~أن يقتلك؟ قال : تريدين ألا أكون من الذين قال الله عز وجل فيهم : « والذين ~~يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب » (4) نعم يا ~~سالمة إن الله خلق الجنة فطيب ريحها ، وإن ريحها ليوجد من مسيرة ألفي عام ، ~~ولا يجد ريحها عاق ms247 ولا قاطع رحم (5). # وهذا أيضا يرشدنا الى أهمية صلة الأرحام بعد الصلاة وقد كشف في بيانه عن ~~أثر القطيعة. # وما اكتفى عليه السلام بصلة رحمه فقط بل وصل من قطعه منهم بل من هم بقتله ~~، تلك الأخلاق النبوية العالية. ### ||| بعد الموت : # ولما قبض عليه السلام كفنه ولده الكاظم عليه السلام في ثوبين شطويين (6) PageV02P103 # كان يحرم فيهما ، وفي قميص من قمصه ، وفي عمامة كانت لعلي بن الحسين ~~عليه السلام ، وفي برد اشتراه بأربعين دينارا (1). # وأمر بالسراج في البيت الذي كان يسكنه أبو عبد الله عليه السلام الى أن ~~اخرج الى العراق كما فعل أبو عبد الله عليه السلام من قبل في البيت الذي كان ~~يسكنه أبوه الباقر عليه السلام (2). # وقال أبو هريرة (3) لما حمل الصادق عليه السلام على سريره واخرج الى ~~البقيع ليدفن : # أقول وقد راحوا به يحملونه %~% على كاهل من حامليه وعاتق أتدرون ما ذا تحملون الى الثرى %~% ثبير ثوى (4) من رأس علياء شاهق غداة حثا الحاثون فوق ضريحه %~% ترابا وأولى كان فوق المفارق أيا صادق ابن الصادقين إليه %~% بآبائك الأطهار حلفة صادق لحقا بكم ذو العرش أقسم في الورى %~% فقال تعالى الله رب المشارق نجوم هي اثنى عشرة كن سبقا %~% الى الله في علم من الله سابق # ودفن عليه السلام في البقيع مع جده لامه الحسن وجده لأبيه زين العابدين ، ~~وأبيه الباقر عليهم جميعا صلوات الله ، وهو آخر من دفن من الأئمة في البقيع ، فإن PageV02P104 # أولاده دفنوا بالعراق إلا الرضا في خراسان. ### ||| كناه وألقابه : # كان يكنى بأبي عبد الله ، وأبي إسماعيل ، وأبي موسى ، وأولها أشهرها ، ~~ويلقب بالصادق ، والفاضل ، والقائم ، والكافل ، والمنجي ، وغيرها وأولها ~~أيضا أشهرها لقبه بالصادق أبوه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، كما في ~~الخرائج والجرائح ، وكما في البحار ج 11 في أحواله عليه السلام عن علل ~~الشرائع ، وكما في كفاية الأثر لعلي بن محمد بن علي الخزاز عند ترجمة ~~الصادق عليه السلام مسندا عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ~~حديث ms248 طويل ، ومنه أنه قال صلى الله عليه وآله وسلم : ويخرج الله من صلبه أي صلب ~~محمد الباقر كلمة الحق ، ولسان الصدق ، فقال له ابن مسعود : فما اسمه يا ~~نبي الله؟ قال : # يقال له جعفر ، صادق في قوله وفعله ، الطاعن عليه كالطاعن علي ، والراد ~~عليه كالراد علي ، الحديث. # وبلغ من شهرته بهذا اللقب أنه صار كالاسم له ، حتى أنه ليستغنى به عن ذكر ~~اسمه ، ويعرف به اذا اطلق ، ومن ثم جعلناه عنوان كتابنا. # وكذلك كنيته بأبي عبد الله صارت كالاسم له يستغنى بها عن اسمه ولقبه لا ~~سيما في الأحاديث. ### ||| صفته : # قال ابن شهرآشوب في المناقب في أحواله : وكان عليه السلام ربع القامة PageV02P105 # أزهر الوجه ، حالك الشعر جعده (1) أشم الأنف (2) أنزع (3) رقيق البشرة ~~(4) على خده خال اسود على جسده خيلان حمرة (5). ### ||| زيارته : # إن لزيارة المؤمن في الله حيا وميتا من الفضل ما لا يبلغ مداه ، كما يشهد ~~به النقل ، فكيف بإمام المؤمنين ، على أن في زيارة مراقد الأنبياء ~~والأوصياء إحياء لذكرهم واشادة بفضلهم ، وجمعا للقلوب عليهم ، وترغيبا ~~للناس على الاقتداء بأعمالهم ، وذلك ما تحبذه جميع عقلاء الامم لإحياء مآثر ~~العظماء وتجديد ذكرى فضلهم والتشجيع على الاحتذاء بهديهم ، مضافا الى أن في ~~زيارة مراقد النبي والأئمة تعظيما لشعائر الله تعالى وهو من تقوى القلوب. # والنقل في فضل زيارته عليه السلام من وجهين ، الأول : مما جاء في فضل ~~زيارة قبورهم عامة ، الثاني : مما جاء في فضل زيارة قبره خاصة. # أما الأول فكثير جدا ، ومنه قول الرضا عليه السلام : إن لكل إمام عهدا في ~~عنق أوليائه وشيعته ، وإن من تمام الوفاء بالعهد زيارة قبورهم ، فمن زارهم ~~رغبة في زيارتهم وتصديقا بما رغبوا فيه كان أئمتهم شفعاءهم يوم القيامة (6). PageV02P106 # وقول أمير المؤمنين عليه السلام : أتموا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~اذا خرجتم الى بيت الله الحرام ، فإن تركه جفاء ، وبذلك أمرتم ، وأتموا ~~بالقبور التي ألزمكم الله حقها وزيارتها واطلبوا الرزق عندها (1). # وقول الصادق عليه السلام : من زار إماما مفترض الطاعة وصلى عنده أربع ms249 ~~ركعات كتب الله له حجة وعمرة (2) الى ما لا يحصى من أمثال هذه الأحاديث ، ~~وقد ذكرت كثيرا منها كتب المزارات. # وأما الثاني فمثل قول الصادق عليه السلام : من زارني غفرت له ذنوبه ولم ~~يمت فقيرا (3). # وقول العسكري عليه السلام : من زار جعفرا أو أباه لم تشتك عينه ، ولم يصبه ~~سقم ، ولم يمت مبتلى (4)، الى كثير سواها. # * * * PageV02P107 ### | أولاده # اختلفوا في عدد أولاده والمشهور فيهم ما ذكره الشيخ المفيد طاب ثراه في ~~الإرشاد ، قال : وكان أولاد أبي عبد الله عليه السلام عشرة : إسماعيل وعبد ~~الله وأم فروة امهم فاطمة بنت الحسين بن الحسن بن علي عليهما السلام وموسى ~~عليه السلام وإسحاق ومحمد لأم ولد (1) والعباس وعلي وأسماء وفاطمة لامهات شتى. ### ||| إسماعيل : # كان إسماعيل اكبر أولاد الصادق عليه السلام ، وكان شديد المحبة له والبر ~~به والاشفاق عليه (2). # حتى أنه عليه السلام قال للمفضل بن عمر وهو من وكلائه وخواص أصحابه الثقات ~~وأبو الحسن موسى عليه السلام غلام : هذا المولود يعني موسى الكاظم الذي لم ~~يولد فينا مولود أعظم بركة على شيعتنا منه ، ثم قال : لا تجف PageV02P108 # إسماعيل (1). # إن هذا الكلام يدل على صرف الإمامة عن إسماعيل الى موسى ، ولكن لما خشي ~~أن يكون ذلك أيضا صارفا عن اكرامه قال : لا تجف إسماعيل. # وقال عليه السلام : كان القتل قد كتب على إسماعيل مرتين فسألت الله تعالى ~~في رفعه عنه فرفعه (2) وأقواله وأعماله التي كانت تنبئ عن ذلك الحب والعطف ~~كثيرة ، وحتى ظن قوم من الشيعة أنه القائم بعد أبيه بالإمامة لذلك البر ~~وتلك الرعاية ولأنه اكبر اخوته سنا ، واكبر الاخوة سنا أحد علائم الإمامة ، ~~ولكن موته أيام أبيه أزال ذلك الظن. # وأظهر الصادق عليه السلام بموت إسماعيل عجبا ، فإنه بعد أن مات وغطي أمر ~~بأن يكشف عن وجهه وهو مسجى ، ثم قبل جبهته وذقنه ونحره ، ثم أمر به فكشف ~~وفعل به مثل الأول ، ولما غسل وادرج في اكفانه أمر به فكشف عن وجهه ثم قبله ~~في تلك المواضع ثالثا ، ثم عوذه بالقرآن ، ثم أمر ms250 بإدراجه. # وفي رواية اخرى أنه أمر المفضل بن عمر فجمع له جماعة من أصحابه حتى صاروا ~~ثلاثين ، وفيهم أبو بصير وحمران بن أعين وداود الرقي ، فقال لداود : # اكشف عن وجهه ، فكشف داود عن وجه إسماعيل ، فقال : تأمله يا داود فانظره ~~أحي هو أم ميت؟ فقال : بل هو ميت ، فجعل يعرض على رجل رجل حتى أتى على ~~آخرهم ، فقال : اللهم اشهد ، ثم أمر بغسله وتجهيزه ، ثم قال : يا مفضل احسر ~~عن وجهه ، فحسر عن وجهه ، فقال : حي هو أم ميت؟ انظروه PageV02P109 # جميعكم ، فقالوا : بل هو يا سيدنا ميت ، فقال : شهدتم بذلك وتحققتموه؟ ~~قالوا : # نعم ، وقد تعجبوا من فعله ، فقال : اللهم اشهد عليهم ، ثم حمل الى قبره ~~فلما وضع في لحده قال : يا مفضل اكشف عن وجهه ، فكشف فقال للجماعة : # انظروا أحي هو أم ميت؟ فقالوا : بل ميت يا ولي الله ، فقال : اللهم اشهد ~~، ثم أعاد عليهم القول في ذلك بعد دفنه ، فقال لهم : الميت المكفن المحنط ~~المدفون في هذا اللحد من هو؟ فقالوا : إسماعيل ولدك ، فقال اللهم اشهد (1). # قد يعجب المرء من إصرار الإمام على أن يعرف الناس موت إسماعيل حتى لا ~~تبقى شبهة ولا ريب بموته ، ولكن لا عجب من أمر الإمام العالم بما سيحدث في ~~هذا الشأن ، إنه يعلم أن قوما سيقولون بإمامته لأنه الأكبر زعما منهم أنه ~~لم يمت ، فما فعل ذلك إلا ليقيم الحجة عليهم ، وقد كشف بنفسه عليه السلام عن ~~هذا السر ، فإنه قال بعد أن وضع إسماعيل في لحده وأشهد القوم على موته : ~~فإنه سيرتاب المبطلون ، يريدون إطفاء نور الله ، ثم أومى الى موسى ~~عليه السلام ، ولما أن دفن إسماعيل وأشهدهم أخذ بيد موسى فقال : هو حق والحق ~~معه الى أن يرث الله الأرض ومن عليها (2). # وظهر على الصادق الحزن الشديد حين حضر إسماعيل الموت وسجد سجدة طويلة ، ~~ثم رفع رأسه فنظر الى إسماعيل قليلا ونظر الى وجهه ، ثم سجد اخرى أطول من ~~الاولى ، ثم رفع رأسه فغمضه وربط لحييه وغطى عليه ملحفته ، ثم قام ms251 ووجهه قد ~~دخله شيء عظيم حتى أحس ذلك منه من رآه ، وعلى أثر ذلك دخل المنزل فمكث ساعة ~~، ثم خرج على القوم مدهنا مكتحلا وعليه ثياب PageV02P110 # غير التي كانت عليه ، ووجهه قد تسرى عنه ذلك الأثر من الحزن فأمر ونهى ، ~~حتى اذا فرغ من غسله دعا بكفنه فكتب في حاشيته : إسماعيل يشهد أن لا إله ~~إلا الله (1). # فتعجب الناس من انقلاب حاله وذهاب ذلك الحزن الشديد فبدر إليه بعض أصحابه ~~قائلا : جعلت فداك لقد ظننا أننا لا ننتفع بك زمانا لما رأيناه من جزعك ، ~~فقال عليه السلام : إنا أهل بيت نجزع ما لم تنزل المصيبة فاذا نزلت صبرنا. # وقدم لأصحابه المائدة وعليها أفخر الأطعمة وأطيب الألوان ودعاهم الى ~~الأكل وحثهم عليه ، ولا يرون للحزن أثرا على وجهه ، فقيل له في ذلك ، فقال : # ومالي لا اكون كما ترون وقد جاء في خبر أصدق الصادقين : إني ميت وإياكم. # ولكنه لما حمل ليدفن تقدم سريره بغير حذاء ولا رداء ، وهذا أعظم شعار ~~للحزن ، وكان يأمر بوضع السرير على الأرض يكشف عن وجهه يريد بذلك تحقيق ~~موته لدى الناس ، فعل ذلك مرارا الى أن انتهوا به الى قبره (2). # ولما فرغ من دفنه جلس والناس حوله وهو مطرق ، ثم رفع رأسه فقال : # أيها الناس إن هذه الدنيا دار فراق ، ودار التواء ، لا دار استواء على أن ~~لفراق المألوف حرقة لا تدفع ، ولوعة لا ترد ، وإنما يتفاضل الناس بحسن ~~العزاء وصحة الفكرة ، فمن لم يثكل أخاه ثكله أخوه ، ومن لم يقدم ولدا كان ~~هو المقدم دون الولد ، ثم تمثل بقول أبي خراش الهذلي : # ولا تحسبن أني تناسيت عهده %~% ولكن صبري يا اميم جميل (3) PageV02P111 # ولما مات إسماعيل استدعى الصادق عليه السلام بعض شيعته وأعطاه دراهم وأمره ~~أن يحج بها عن ابنه إسماعيل ، وقال له : إنك اذا حججت عنه لك تسعة أسهم من ~~الثواب ولإسماعيل سهم واحد (1). # ومات إسماعيل بالعريض (2) وحمل على الرقاب الى المدينة (3) وقبره فيها ~~معروف ، وهدمه ابن السعود كما هدم قبور آبائه الأئمة في البقيع ms252 والى اليوم ~~لم يسمح بإعادة البناء عليها. # فتلك الأعمال من الصادق عليه السلام مع ابنه إسماعيل تدلنا على كبير ما ~~يحمل له من الحب والبر والعطف ، وعلى ما كان عليه إسماعيل من التقوى والفضل ~~، ولكن هناك أحاديث قدحت في مقامه ووصمت قدسي ذاته ، وإني لا أراها تعادل ~~تلك الأحاديث السالفة ، بل إن بعض الأخبار كشفت لنا النقاب عن كذب هذه ~~الأخبار القادحة ، أو انها صدرت لغايات مجهولة لنا ، فمن تلك الأحاديث ~~الكاشفة ، ما رواه في الخرائج والجرائح عن الوليد بن صبيح (4) قال : جاءني ~~رجل فقال لي : تعال حتى اريك ابن إلهك (5) فذهبت معه فجاء بي الى قوم ~~يشربون ، فيهم إسماعيل بن جعفر ، فخرجت مغموما فجئت الى الحجر فاذا إسماعيل ~~بن جعفر متعلق بالبيت يبكي قد بل أستار الكعبة PageV02P112 # بدموعه ، فرجعت أشتد فاذا إسماعيل جالس مع القوم ، فرجعت فاذا هو آخذ ~~بأستار الكعبة قد بلها بدموعه ، قال : فذكرت ذلك لأبي عبد الله عليه السلام ~~، فقال : لقد ابتلي ابني بشيطان يتمثل على صورته. # فهل يا ترى زكاة لإسماعيل أفضل من هذا الحديث ، فلا بد إذن من طرح ~~الأحاديث القادحة أو حملها على غايات غير ما دلت عليه بظاهرها ، ولو كان ~~إسماعيل كما قدحت فيه تلك الأحاديث لما لازمه الصادق عليه السلام في الحضر ~~والسفر ، ولنحاه كما نحى ابنه عبد الله. # ولما مات إسماعيل انصرف عن القول بإمامته من كان يظن أن الإمامة فيه بعد ~~أبيه وحدث القول بإمامته بعد أبيه الصادق ، والقائلون بإمامته يسمون ~~بالاسماعيلية ، وقد أشرنا الى هذه الفرقة في 1 : 52. # وذكر هنا الشيخ المفيد طاب ثراه في الإرشاد أن الذين أقاموا على حياته ~~شرذمة لم تكن من خاصة أبيه ولا من الرواة عنه وكانوا من الأباعد والأطراف ، ~~ولما مات الصادق عليه السلام انتقل فريق منهم الى القول بإمامة موسى ~~عليه السلام بعد أبيه ، وافترق الباقون فريقين ، ففريق منهم رجعوا عن حياة ~~إسماعيل ، وقالوا بإمامة ابنه محمد بن إسماعيل ، لظنهم أن الامامة كانت في ~~أبيه ، وأن الابن أحق بمقام الأب من ms253 الأخ ، وفريق ثبتوا على حياة إسماعيل ، ~~وهم اليوم شذاذ لا يعرف منهم أحد يومى إليه ، وهذان الفريقان يسميان ~~بالاسماعيلية ، والمعروف منهم الآن من يزعم أن الامامة بعد إسماعيل في ولده ~~وولد ولده الى آخر الزمان. ### ||| عبد الله الأفطح : # كان عبد الله اكبر ولد الصادق عليه السلام بعد إسماعيل ، ومن ثم اشتبه PageV02P113 # الأمر على فئة فقالوا بإمامته ، لأن الإمامة في الأكبر وجهلوا أنها في ~~الأكبر ما لم يكن ذا عاهة ، وعبد الله كان أفطح الرجلين ، ولذا سمي الأفطح ~~، والقائلون بإمامته الفطحية . # وكان متهما في الخلاف على أبيه في الاعتقاد ، ويقال أنه يخالط الحشوية ~~ويميل الى مذهب المرجئة ، ولذلك لم تكن منزلته عند أبيه كمنزلة غيره من ~~ولده في الإكرام (1). # ولربما عاتبه أبوه ولامه ووعظه ، ولكن ما كان ليجدي معه ذلك الوعظ والعتب ~~، وقد قال له يوما : ما منعك أن تكون مثل أخيك فو الله إني لأعرف النور في ~~وجهه ، فقال عبد الله : لم أليس أبي وأبوه واحدا؟ وامي وامه واحدة ، فقال ~~له الصادق عليه السلام : إنه من نفسي وأنت ابني (2). # أحسب أنه أراد الصادق عليه السلام من قوله أخيك إسماعيل خاصة ولذا أجابه ~~عبد الله بقوله : أليس أبي وأبوه واحدا؟ وأمي وامه واحدة؟ لأن أخاه من ~~الأبوين هو إسماعيل لا موسى. # وكفى بهذا الحديث دلالة على فضل إسماعيل وعلو مقامه عند الله وعند أبيه ، ~~وعلى جهل عبد الله وانحطاط منزلته عند الله وعند أبيه. # وادعى عبد الله الإمامة بعد أبيه محتجا بأنه اكبر اخوته ، ولقد أنبأ ~~الصادق ولده الكاظم عليهما السلام بأن عبد الله سوف يدعي الإمامة بعده ويجلس ~~مجلسه ، وأمره ألا ينازعه ولا يكلمه لأنه أول أهله لحوقا به ، فكان الأمر ~~كما أنبأ عليه السلام (3). PageV02P114 # ولما ادعى الإمامة تبعه جماعة من أصحاب الصادق عليه السلام رجع اكثرهم بعد ~~ذلك الى القول بإمامة موسى الكاظم عليه السلام ، لما تبينوا ضعف دعواه ، ~~وقوة الحجة من أبي الحسن عليه السلام ودلالة إمامته (1). # وممن دخل عليه مستعلما صحة دعواه هشام بن سالم ومؤمن الطاق ms254 ، والناس ~~مجتمعون حوله محدقون به ، فسألاه عن الزكاة في كم تجب؟ فقال : في مائتين ~~خمسة ، قالا : ففي مائة؟ قال : درهمان ونصف ، فقالا له : فو الله ما تقول ~~المرجئة هذا ، فرفع يده الى السماء فقال : لا والله ما أدري ما تقول ~~المرجئة ، فعلما أنه ليس عنده شيء ، فخرجا من عنده ضلالا لا يدريان أين ~~يتوجهان فقعدا في بعض أزقة المدينة باكيين حيرانين وهما يقولان : لا ندري ~~الى من نقصد الى من نتوجه الى المرجئة ، الى القدرية ، الى الزيدية ، الى ~~المعتزلة ، الى الخوارج ، فبيناهما كذلك إذ رأى هشام شيخا لا يعرفه يومئ ~~إليه بيده ، فخاف أن يكون من عيون المنصور ، لأنه كان له جواسيس وعيون ~~بالمدينة ينظرون على من اتفق شيعة جعفر عليه السلام فيضربون عنقه ، فقال ~~لمؤمن الطاق : تنح عني فإني أخاف على نفسي وعليك ، وإنما يريدني ليس يريدك ~~، فتنح عني لا تهلك وتعين على نفسك ، فتنحى أبو جعفر غير بعيد ، وتبع هشام ~~الشيخ ، فما زال يتبعه حتى أورده باب أبي الحسن موسى عليه السلام ، ثم خلاه ~~ومضى ، فاذا خادم بالباب ، فقال له : ادخل رحمك الله ، فلما دخل قال له أبو ~~الحسن عليه السلام ابتداء : إلي إلي إلي ، لا إلى المرجئة ، ولا الى القدرية ~~، ولا الى الزيدية ، ولا الى المعتزلة ، ولا الى الخوارج. # ثم خرج هشام من عند الكاظم عليه السلام ولقي أبا جعفر مؤمن الطاق PageV02P115 # فقال له : ما وراك؟ قال : الهدى ، فحدثه بالقصة ، ثم لقي المفضل بن عمر ~~وأبا بصير فدخلوا عليه وسلموا وسمعوا كلامه وسألوه ثم قطعوا عليه ، ثم لقي ~~هشام الناس أفواجا فكان كل من دخل عليه قطع عليه إلا طائفة مثل عمار ~~الساباطي وأصحابه ، فبقي عبد الله لا يدخل عليه إلا قليل من الناس ، فلما ~~علم عبد الله أن هشاما هو السبب في صد الناس عنه أقعد له بالمدينة غير واحد ~~ليضربوه # (1). # وبقي عبد الله مصرا على دعوى الإمامة الى أن مات ، وما كانت أيامه بعد ~~أبيه إلا سبعين يوما ، فلما مات رجع الباقون الى القول بإمامة ms255 أبي الحسن ~~عليه السلام إلا شاذا منهم (2) وهم الذين لزمهم لقب الفطحية ، وإنما لزمهم ~~هذا اللقب لقولهم بإمامة عبد الله وهو أفطح الرجلين (3) أو أفطح الرأس ، ~~وانقطع أثر هذه الطائفة بعد ذلك العهد بقليل ، وكان آخرهم بنو فضال. ### ||| إسحاق : # كان من أهل الفضل والصلاح ، والورع والاجتهاد ، وروى عنه الناس الحديث ~~والآثار ، وكان ابن كاسب (4) اذا حدث عنه يقول : # حدثني الثقة الرضي إسحاق بن جعفر ، وكان يقول بإمامة أخيه موسى PageV02P116 # عليه السلام ، وروى عن أبيه النص على أخيه موسى عليه السلام ، كما روى النص ~~بها عليه من اخوته علي بن جعفر أيضا ، وكانا من الفضل والورع على ما لا ~~يختلف فيه اثنان (1). # وكان إسحاق من شهود الوصية التي أوصي بها الكاظم عليه السلام الى ابنه ~~الرضا عليه السلام ، ومما يشهد لفضله وورعه مدافعته عن الرضا عليه السلام ، ~~فإنه لما مضى الكاظم عليه السلام قدم أبناء الكاظم أخاهم الرضا الى القاضي ~~فقال العباس بن موسى عليه السلام : أصلحك الله وأمتع بك إن في أسفل الكتاب ~~كنزا وجوهرا ، ويريد أن يحتجبه ، ويأخذه هو دوننا ، ولم يدع أبونا رحمه الله ~~شيئا إلا ألجأه إليه وتركنا عالة ، ولو لا أني اكف نفسي لأخبرتك بشيء على ~~رءوس الملأ ، فوثب إليه إبراهيم بن محمد (2) فقال : إذن والله تخبر بما لا ~~نقبله منك ، ولا نصدقك عليه ، ثم تكون عندنا ملوما مدحورا ، نعرفك بالكذب ~~صغيرا وكبيرا ، وكان أبوك أعرف بك لو كان فيك خير ، وإن كان أبوك لعارفا بك ~~في الظاهر والباطن ، وما كان ليأمنك على تمرتين ، ثم وثب إليه عمه إسحاق بن ~~جعفر هذا فأخذ بتلبيبه فقال له : إنك لسفيه ضعيف أحمق ، أجمع هذا مع ما كان ~~بالأمس منك ، وأعانه القوم أجمعون (3). # وممن روى عنه غير ابن كاسب وابن عيينة جماعة : منهم بكر بن محمد الأزدي ، ~~ويعقوب بن جعفر الجعفري ، وعبد الله بن إبراهيم الجعفري ، والوشاء (4). PageV02P117 ### ||| محمد : # كان محمد سخيا شجاعا ، وكان يصوم يوما ويفطر يوما ، وقالت زوجته خديجة ~~بنت عبد الله بن الحسين (1): ما خرج من عندنا ms256 محمد يوما قط في ثوب فرجع ~~حتى يكسوه ، وكان يذبح كل يوم كبشا لأضيافه (2) وكان يسمى الديباجة لحسن ~~وجهه وجماله (3). # وكان يرى رأي الزيدية في الخروج بالسيف ، وخرج على المأمون في سنة 199 ~~بمكة واتبعته الزيدية الجارودية (4). # ولما بويع له بالخلافة ودعا لنفسه ، ودعي بأمير المؤمنين ، دخل عليه ~~الرضا عليه السلام فقال له : يا عم لا تكذب أباك وأخاك ، فإن هذا الأمر لا ~~يتم ، ثم لم يلبث قليلا حتى خرج لقتاله عيسى الجلودي فلقيه فهزمه ، ثم ~~استأمن إليه ، فلبس السواد (5) وصعد المنبر فخلع نفسه وقال : إن هذا الأمر ~~للمأمون وليس لي فيه حق (6). PageV02P118 # ولما أراد الموافقة مع جيش الجلودي أرسل الرضا إليه مولاه مسافرا وقال له ~~: قل له لا تخرج غدا فإنك إن خرجت غدا هزمت وقتل أصحابك ، وإن قال لك من ~~أين علمت غدا فقل رأيت في النوم ، فلما أتاه ونهاه عن الخروج وسأله عن سبب ~~علمه بذاك وقال له رأيت في النوم ، قال محمد : نام العبد فلم يغسل استه ، ~~فكان الأمر كما أعلمه به مسافر عن الامام (1). # ولما خلع نفسه وتخلى عن الأمر أنفذه الجلودي الى المأمون ولما وصل إليه ~~اكرمه المأمون وأدنى مجلسه منه ، ووصله وأحسن جائزته ، فكان مقيما معه ~~بخراسان يركب إليه في موكب من بني عمه ، وكان المأمون يحتمل منه ما لا ~~يحتمله السلطان من رعيته. # وأنكر المأمون يوما ركوبه إليه في جماعة من الطالبيين ، الذين خرجوا على ~~المأمون في سنة 200 فأمنهم ، فخرج التوقيع إليهم : لا تركبوا مع محمد بن ~~جعفر واركبوا مع عبد الله بن الحسين ، فأبوا أن يركبوا ولزموا منازلهم ، ~~فخرج التوقيع : # اركبوا مع من أحببتم ، فكانوا يركبون مع محمد بن جعفر عليه السلام اذا ركب ~~الى المأمون وينصرفون بانصرافه (2). # ولما خرج على المأمون جفاه الرضا عليه السلام وقال : إني جعلت على نفسي ~~ألا يظلني وإياه سقف بيت ، ويقول عمر بن يزيد وكان حاضرا عند أبي الحسن ~~عليه السلام : فقلت في نفسي هذا يأمر بالبر والصلة ، ويقول هذا لعمه ، فنظر ~~إلي فقال ms257 : هذا من البر والصلة ، إنه متى يأتيني ويدخل علي فيقول في فيصدقه ~~الناس ، واذا لم يدخل علي ولم أدخل عليه لم يقبل قوله اذا قال (3). PageV02P119 # ومن معاجز أبي الحسن الرضا عليه السلام في شأن محمد أن محمدا مرض فأخبروا ~~الرضا عليه السلام أنه قد ربط ذقنه ، فمضى إليه ومعه بعض أصحابه ، واذا ~~لحياه قد ربطا واذا إسحاق أخو محمد وولده وجماعة آل أبي طالب يبكون ، فجلس ~~أبو الحسن عند رأسه ونظر في وجهه فتبسم ، فنقم من كان في المجلس على أبي ~~الحسن ، فقال بعضهم : إنما تبسم شامتا بعمه ، ولما خرج ليصلي في المسجد قال ~~له أصحابه : جعلنا فداك قد سمعنا فيك من هؤلاء ما نكرهه حين تبسمت ، قال ~~أبو الحسن عليه السلام : إنما تعجبت من بكاء إسحاق وهو والله يموت قبله ~~ويبكيه محمد ، فبرئ محمد ومات إسحاق (1). # ولما كانت خراسان دار مقره لم تخضع نفسه لوجود ذي الشوكة والتاج فيها ~~أعني المأمون فكان إباؤه يأبى له من الرضوخ وإن كان سجين البلد ومغلوبا على ~~أمره ، فإنه أخبر يوما بأن غلمان ذي الرئاستين (2) قد ضربوا غلمانه على حطب ~~اشتروه ، فخرج متزرا ببردين ومعه هراوة (3) يرتجز ويقول : الموت خير لك من ~~عيش بذل وتبعه الناس حتى ضرب غلمان ذي الرئاستين وأخذ الحطب منهم ، فرفعوا ~~الخبر الى المأمون ، فبعث الى ذي الرئاستين فقال : ائت محمد بن جعفر فاعتذر ~~إليه وحكمه في غلمانك ، فخرج ذو الرئاستين الى محمد ، فقيل لمحمد : هذا ذو ~~الرئاستين قد أتى ، فقال : لا يجلس إلا على الأرض ، وتناول بساطا كان في ~~البيت فرمى به هو ومن معه ناحية ، ولم يبق في البيت إلا وسادة جلس عليها ~~محمد ، فلما دخل عليه ذو الرئاستين وسع له محمد على الوسادة فأبى أن يجلس ~~عليها وجلس على الأرض فاعتذر إليه وحكمه في غلمانه. PageV02P120 # وتوفي محمد بن جعفر في خراسان فركب المأمون ليشهده فلقيهم وقد خرجوا به ، ~~فلما نظر الى السرير نزل فترجل ومشى حتى دخل بين العمودين فلم يزل بينهما ~~حتى وضع ، فتقدم وصلى ms258 عليه ، ثم حمله حتى بلغ به القبر ، ثم دخل قبره فلم ~~يزل فيه حتى بني عليه ، ثم خرج فقام على القبر حتى دفن ، فقال له عبد الله ~~ابن الحسين ودعا له : يا أمير المؤمنين إنك قد تعبت اليوم فلو ركبت ، فقال ~~المأمون : إن هذه رحم قطعت من مائتي سنة. # وكان عليه دين كثير فأراد إسماعيل بن محمد اغتنام هذه الفرصة من المأمون ~~ليسأله قضاء دينه ، فقال لأخيه وهو الى جنبه والمأمون قائم على القبر : لو ~~كلمناه في دين الشيخ ، فلا نجده أقرب منه في وقته هذا ، فابتدأهم المأمون ~~فقال : كم ترك أبو جعفر من الدين؟ فقال له إسماعيل : خمسة وعشرين ألف دينار ~~، فقال له : قد قضى الله عنه دينه ، الى من أوصى؟ فقالوا له : الى ابن له ~~يقال له يحيي بالمدينة ، فقال : ليس هو بالمدينة هو بمصر ، وقد علمنا بكونه ~~فيها ولكن كرهنا أن نعلمه بخروجه من المدينة لئلا يسوؤه ذلك ، لعلمه ~~بكراهتنا لخروجه عنها (1) ### ||| علي : # بلغ علي بن جعفر من الجلالة شأوا لا يلحق ، ومن الفضل محلا لا يسبق ، ~~وأما حديثه وثقته فيه ، فهو مما لا يختلف فيه اثنان ، ومن سبر كتب الحديث ~~عرف ما له من أخبار جمة يرويها عن أخيه الكاظم عليه السلام تكشف عن علم ~~ومعرفة. PageV02P121 # وقال فيه الشيخ المفيد طاب ثراه في إرشاده : وكان علي بن جعفر راوية ~~للحديث ، سديد الطريق ، شديد الورع ، كثير الفضل ، ولزم أخاه موسى ~~عليه السلام ، وروى عنه شيئا كثيرا من الأخبار ، وقال في النص عليه ، وكان ~~شديد التمسك به ، والانقطاع إليه ، والتوفر على أخذ معالم الدين منه ، وله ~~مسائل مشهورة عنه ، وجوابات سماعا عنه ، والنص على أخيه الكاظم عليه السلام ~~روى من أخويه إسحاق وعلي ابني جعفر ، وكانا من الفضل والورع على ما لا ~~يختلف فيه اثنان. # ومن شدة ورعه اعترافه بالأئمة بعد أخيه الكاظم عليه السلام مع كبر سنه ~~وجلالة قدره ، وكبير فضله ، ولم تثنه هذه الشؤون عن الاعتراف بالحق والعمل ~~به ، بل زادته بصيرة وهدى. # كان رجل يظن ms259 فيه علي بن جعفر أنه من الواقفة سأله عن أخيه الكاظم فقال له ~~علي : إنه قد مات ، فقال له السائل : وما يدريك بذلك؟ قال له : # اقتسمت أمواله ، ونكحت نساؤه ، ونطق الناطق بعده ، قال : ومن الناطق ~~بعده؟ قال علي : ابنه ، قال : فما فعل؟ قال له : مات ، قال : وما يدريك أنه ~~مات؟ قال علي : قسمت أمواله ، ونكحت نساؤه ، ونطق الناطق من بعده ، قال : ~~ومن الناطق من بعده؟ قال علي : ابنه أبو جعفر ، فقال له الرجل : أنت في سنك ~~وقدرك وأبوك جعفر بن محمد عليهما السلام ، تقول هذا القول في هذا الغلام ، ~~فقال له علي : ما أراك إلا شيطانا ، ثم أخذ علي بلحيته فرفعها الى السماء ~~ثم قال : فما حيلتي إن كان الله رآه أهلا لهذا ولم ير هذه الشيبة لهذا أهلا (1). PageV02P122 # هذا لعمر الحق هو الورع ، ورضوخ النفس للحق ، وعدم الاغترار بشئون التقدم ~~من الفضل والسن والجلالة ، التي قد تغتر النفس الأمارة بما دونها من الخصال ~~العالية. # وكان يعمل أبدا مع أبي جعفر عمل المأموم العارف بمنزلة الإمام ، دون أن ~~يحجزه عن هذا أنه عم أبيه ، بل ربما تمنى أن يفديه بنفسه ، أراد أبو جعفر ~~عليه السلام ليفتصد ودنا الطبيب ليقطع له العرق ، فقام علي بن جعفر فقال : ~~يا سيدي يبد أني لتكون حدة الحديد في قبلك ، ثم أراد أبو جعفر عليه السلام ~~النهوض فقام علي بن جعفر فسوى له نعليه حتى يلبسهما (1). # ودخل أبو جعفر عليه السلام يوما مسجد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فلما بصر ~~به علي بن جعفر وثب بلا حذاء ولا رداء فقبل يده وعظمه فقال له أبو جعفر : # يا عم اجلس رحمك الله ، فقال : يا سيدي كيف أجلس وأنت قائم ، فلما رجع ~~أبو جعفر الى مجلسه جعل أصحابه يوبخونه ويقولون : أنت عم أبيه ، وأنت تفعل ~~به هذا الفعل ، فقال : اسكتوا اذا كان الله عز وجل وقبض على لحيته لم يؤهل ~~هذه الشيبة وأهل هذا الفتى ووضعه حيث وضعه أنكر فضله ، نعوذ بالله مما ~~تقولون ، بل أنا ms260 له عبد (2). # هذه هي النفس القدسية التي عرفت الحق فاتبعته ، وما اقتفت أثرا الحمية ~~والعصبية ، واغترت بالنفس ، بل كان من حب النفس أن يطيع المرء خالقه جل ~~شأنه في أوليائه واولي الأمر من عباده. # هذه بعض حال علي بن جعفر التي تكشف عما انطوى عليه ضميره من PageV02P123 # القدس والنسك والطاعة والعلم بالله وبالحجج من خلقه. # وكان رضوان الله عليه يسمى بالعريضي ، نسبة الى العريض بضم وفتح محل قرب ~~المدينة كان يسكنه ، وبه مات إسماعيل ، ولعلي أولاد ينسبون إليه بعنوان ~~العريضي. ### ||| العباس : # قال الشيخ المفيد رحمه الله في إرشاده : وكان العباس بن جعفر رحمه الله ~~فاضلا نبيلا (1) قلت : ولم أظفر بشيء من أحواله غير هذه النبذة التي أوردها ~~الشيخ المفيد طاب رمسه. ### ||| موسى الكاظم عليه السلام : # وهو الامام بعد أبيه الصادق عليه السلام على رأي الامامية وعسى أن نتوفق ~~يوما لتأليف كتاب في حياته ، ومنه تعالى نستمد المعونة والتوفيق. # * * * PageV02P124 ### | رواته # كان رواة أبي عبد الله عليه السلام أربعة آلاف أو يزيدون كما أشرنا إليه ~~غير مرة ، قال الشيخ المفيد طاب ثراه في الإرشاد : فإن أصحاب الحديث قد ~~جمعوا أسماء الرواة عنه من الثقات على اختلافهم في الآراء والمقامات ، ~~فكانوا أربعة آلاف رجل (1)، وذكر ابن شهرآشوب أن الجامع لهم ابن عقدة وزاد ~~غيره أن ابن عقدة ذكر لكل واحد منهم رواية ، وأشار الى عددهم الطبرسي في ~~أعلام الورى ، والمحقق الحلي في المعتبر ، وذكر أسماءهم الشيخ الطوسي طاب ~~رمسه في كتاب الرجال. # ولا يزيده كثرة الرواة عنه رفعة وجلالة قدر ، وإنما يزداد الرواة فضلا ~~وعلو شأن بالرواية عنه ، نعم إنما يكشف هذا عن علو شأنه في العلم وانعقاد ~~الخناصر على فضله من طلاب العلم والفضيلة على اختلافهم في المقالات والنحل. ### ||| أعلام السنة : # أخذ عنه عدة من أعلام السنة وأئمتهم ، وما كان أخذهم عنه كما يأخذ ~~التلميذ عن الاستاذ ، بل لم يأخذوا عنه إلا وهم متفقون على إمامته وجلالته PageV02P125 # وسيادته ، كما يقول الشيخ سليمان في الينابيع ، والنووي في تهذيب الأسماء ~~واللغات ، بل عدوا أخذهم ms261 عنه منقبة شرفوا بها ، وفضيلة اكتسبوها كما يقول ~~الشافعي في مطالب السؤل ، ونحن اولاء نورد لك شطرا من اولئك الأعلام. ### ||| أبو حنيفة : # منهم أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطي من الموالي وأصله من كابل ولد ~~بالكوفة ، وبها نشأ ودرس ، وكانت له فيها حوزة وانتقل الى بغداد وبها مات ~~عام 150 ، وقبره بها معروف ، وهو أحد المذاهب الأربعة عند أهل السنة ، ~~وحاله أشهر من أن يذكر. # وأخذه عن الصادق عليه السلام معروف ، وممن ذكر ذلك الشبلنجي في نور ~~الأبصار ، وابن حجر في الصواعق ، والشيخ سليمان في الينابيع ، وابن الصباغ ~~في الفصول ، الى غير هؤلاء ، وقال الآلوسي في مختصر التحفة الاثنى عشرية ص ~~8 : وهذا أبو حنيفة وهو هو بين أهل السنة كان يفتخر ويقول بأفصح لسان : « ~~لو لا السنتان لهلك النعمان » يريد السنتين اللتين صحب فيها لأخذ العلم ~~الامام جعفر الصادق عليه السلام . ### ||| مالك بن أنس : # ومنهم مالك بن أنس المدني أحد المذاهب الأربعة أيضا ، قال ابن النديم في ~~الفهرست : هو ابن أبي عامر من حمير وعداده في بني تيم بن مرة من قريش ، ~~وحمل به ثلاث سنين ، وقال : وسعى به الى جعفر بن سليمان العباسي وكان والي ~~المدينة فقيل له : إنه لا يرى ايمان بيعتكم. فدعى به وجرده وضربه أسواطا ~~ومدده فانخلع كتفه وتوفى عام 179 عن 84 سنة ، وذكر مثله ابن خلكان. PageV02P126 # وأخذه عن أبي عبد الله عليه السلام معلوم مشهور ، وممن أشار الى ذلك ~~النووي في التهذيب ، والشبلنجي في نور الأبصار ، والسبط في التذكرة ، ~~والشافعي في المطالب ، وابن حجر في الصواعق ، والشيخ سليمان في الينابيع ، ~~وأبو نعيم في الحلية ، وابن الصباغ في الفصول ، الى ما سوى هؤلاء. ### ||| سفيان الثوري : # ومنهم سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي ، ورد بغداد عدة مرات ، وروى ~~عن الصادق عليه السلام جملة أشياء ، وأوصاه الصادق بأمور ثمينة مرت في ~~الوصايا ، وناظر الصادق في الزهد كما سلف ، وارتحل الى البصرة وبها مات عام ~~161 ، وولادته في نيف وتسعين ، قيل شهد وقعة زيد الشهيد ms262 وكان في شرطة هشام ~~بن عبد الملك. # جاء أخذه عن الصادق عليه السلام في التهذيب ، ونور الأبصار ، والتذكرة ، ~~والمطالب ، والصواعق ، والينابيع ، والحلية ، والفصول المهمة ، وغيرها ، ~~وذكره الرجاليون من الشيعة في رجاله عليه السلام . ### ||| سفيان بن عيينة : # ومنهم سفيان بن عيينة بن أبي عمران الكوفي المكي ولد بالكوفة عام 107 ~~ومات بمكة عام 198 ، ودخل الكوفة وهو شاب على عهد أبي حنيفة. # ذكر أخذه عن الصادق عليه السلام في التهذيب ، ونور الأبصار ، والمطالب ، ~~والصواعق ، والينابيع ، والحلية ، والفصول ، وما سواها ، وذكر ذلك ~~الرجاليون من الشيعة أيضا. PageV02P127 ### ||| يحيى بن سعيد الأنصاري : # ومنهم يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري من بني النجار تابعي ، كان قاضيا ~~للمنصور في المدينة ، ثم قاضي القضاة ، مات بالهاشمية عام 143. # انظر المصادر المتقدمة في روايته عن الصادق عليه السلام وما عداها كما ذكر ~~ذلك الرجاليون من الشيعة. ### ||| ابن جريح : # ومنهم عبد الملك بن عبد العزيز بن جريح المكي ، سمع جمعا كثيرا من ~~العلماء ، وكان من علماء العامة ، الذين يرون حلية المتعة كما رأى حليتها ~~آخرون منهم ، وجاء في طريق الصدوق في باب ما يقبل من الدعاوى بغير بينة ، ~~وجاء في الكافي في باب ما أحل الله من المتعة سؤال أحدهم من الصادق ~~عليه السلام عن المتعة فقال : الق عبد الملك بن جريح فاسأله عنها فإن عنده ~~منها علما ، فأتاه فأملى عليه شيئا كثيرا عن المتعة وحليتها. # وقال ابن خلكان : عبد الملك أحد العلماء المشهورين ، وكانت ولادته سنة 80 ~~للهجرة وقدم بغداد على أبي جعفر المنصور ، وتوفى سنة 149 وقيل 150 ، وقيل 151. # وذكرت المصادر السابقة أخذه عن الصادق عليه السلام ، كما ذكرته رجال ~~الشيعة. ### ||| القطان : # ومنهم أبو سعيد يحيى بن سعيد القطان البصري ، كان من أئمة الحديث بل PageV02P128 # عد محدث زمانه ، واحتج به أصحاب الصحاح الستة وغيرهم ، توفى عام 198 ، ~~وحكي عن ابن قتيبة عداده في رجال الشيعة ، ولكن الشيعة لا تعرفه من رجالها. # ذكره في رجال الصادق عليه السلام التهذيب ، والينابيع ، وغيرهما من السنة ~~، والشيخ ، وابن داود ، والنجاشي ، وغيرهم من ms263 الشيعة. ### ||| محمد بن إسحاق : # ومنهم محمد بن إسحاق بن يسار صاحب المغازي والسير ، ومدني سكن مكة ، أثنى ~~عليه ابن خلكان كثيرا ، وكان بينه وبين مالك عداء ، فكان كل منهما يطعن في ~~الآخر ، قدم الحيرة على المنصور فكتب له المغازي. # وقدم بغداد وبها مات عام 151 على المشهور ، ذكر أخذه عن الصادق في ~~التهذيب ، والينابيع ، وغيرهما من السنة ، والشيخ في رجاله ، والعلامة في ~~الخلاصة ، والكشي في رجاله ، وغيرهم من الشيعة. ### ||| شعبة بن الحجاج : # ومنهم شعبة بن الحجاج الأزدي كان من أئمة السنة وأعلامهم وكان يفتي ~~بالخروج مع إبراهيم بن عبد الله بن الحسن ، وقيل كان ممن خرج من أصحاب ~~الحديث مع إبراهيم بن عبد الله. # وعده في أصحاب الصادق عليه السلام جماعة من السنة منهم صاحب التهذيب ، ~~والصواعق ، والحلية ، والينابيع ، والفصول ، والتذكرة وغيرها ، وذكرته كتب ~~الشيعة في رجاله أيضا. PageV02P129 ### ||| أيوب السجستاني : # ومنهم أيوب بن أبي تميمة السجستاني البصري ، وقيل السختياني ، والأول ~~أشهر ، مولى عمار بن ياسر وعدوه في كبار الفقهاء التابعين ، مات عام 131 ~~بالطاعون بالبصرة عن 65 سنة. # عده في رجال الصادق عليه السلام في نور الأبصار ، والتذكرة ، والمطالب ، ~~والصواعق ، والحلية ، والفصول ، وغيرها ، وذكرته كتب رجال الشيعة في أصحابه أيضا. # وهؤلاء بعض من نسبوه الى تلمذة الصادق عليه السلام من أعلام السنة ~~وفقهائهم البارزين ، وقد عدوا غير هؤلاء فيهم أيضا ، انظر في ذلك حلية ~~الأولياء ، على أن غير أبي نعيم أشار الى غير هؤلاء بقوله وغيرهم ، أو ما ~~سوى ذلك مما يؤدي هذا المفاد. # * * * PageV02P130 ### | مشاهير الثقات من رواته ### ||| * من الشيعة # اذا كان الرواة الثقات الذين أحصتهم كتب الرجال أربعة آلاف أو يزيدون ~~فليس من الصواب أن نذكرهم جميعا هاهنا ، على أن كتب الرجال قد استقصت ~~اكثرهم ذكرا وترجمة ، كما أنه ليس من الصحيح إهمالهم فإن استطراد ذكرهم ~~دخيل في القصد ، فرأينا أن نذكر المشاهير عن ثقاتهم خاصة فإن به إيرادا ~~لناحية من نواحي حياته عليه السلام ، وبعدا عن السعة المملة. ### ||| ** أبان بن تغلب : # أبو سعد أبان بن تغلب الكبرى الجريري ms264 ، روى عن السجاد والباقر والصادق ~~عليهم السلام ومات أيام الصادق عليه السلام 141 ، وقيل عام 140 ، ولما بلغ ~~نعيه أبا عبد الله عليه السلام قال : « أما والله لقد أوجع قلبي موت أبان » ~~وهذا ينبيك عن كبير مقامه لديه ، وعظيم منزلته عنده ، يا ترى ما شأن من ~~يوجع موته قلب الصادق عليه السلام ؟ # وكان غزير العلم قوي الحجة ، ويشهد لذلك قول الباقر عليه السلام له : اجلس ~~في مسجد المدينة وافت الناس فإني احب أن يرى في شيعتي مثلك. وقول الصادق ~~عليه السلام له : ناظر أهل المدينة فإني احب أن يكون مثلك من PageV02P131 # رجالي. # فلو لم يكن بتلك الغزارة من الفضل ، والقوة في الحجة ، لما عرضاه لتلك ~~المآزق والمخاطر ، فإن فشله فشل لهما. # وقد روى عن الصادق فحسب ثلاثين ألف حديث ، كما أخبر عن ذلك الصادق نفسه ، ~~وأمر أبان بن عثمان أن يرويها عنه. # وما كان متخصصا بالحديث والكلام فحسب بل كان متضلعا في عدة علوم جليلة ، ~~كالتفسير والأدب واللغة والنحو والقراءة ، وسمع من العرب وحكى عنهم وصنف ~~كتاب الغريب في القرآن ، وذكر شواهده من الشعر. # ومن سمو مقامه اتفاق الفريقين على وثاقته ، فقد وثقه جهابذة القوم في ~~الحديث مع اعترافهم بتشيعه ، منهم أحمد ويحيى وأبو حاتم والنسائي وابن عدي ~~وابن عجلان والحاكم والعقيلي وابن سعد وابن حجر وابن حيان وابن ميمونة ~~والذهبي في ميزان الاعتدال ، وعدوه في التابعين ، وكفى بهذا دلالة على ~~بلوغه من الوثاقة والفضل حدا لا يسع أحدا إنكاره. ### ||| أبان بن عثمان : # أبان بن عثمان الأحمر البجلي الكوفي ، كان يسكن الكوفة مرة ، والبصرة ~~اخرى ، وقد أخذ عنه أهل البصرة أمثال أبي عبيدة معمر بن المثنى ، وأبي عبد ~~الله محمد بن سلام ، واكثروا الحكاية عنه في أخبار الشعراء والنسب والأيام. # روى عن الصادق والكاظم عليهما السلام ، وله كتاب كبير حسن يجمع المبتدأ ~~والمغازي والوفاة والردة ، هكذا قال النجاشي. # وهو من الستة أصحاب أبي عبد الله عليه السلام ، الذين أجمعت العصابة على ~~تصحيح ما يصح عنهم والإقرار لهم بالفقه ، وهم جميل ms265 بن دراج ، وعبد الله PageV02P132 # بن مسكان ، وعبد الله بن بكير ، وحماد بن عيسى ، وحماد بن عثمان ، وأبان ~~بن عثمان هذا. ### ||| إسحاق الصيرفي : # إسحاق بن عمار بن حيان الصيرفي الكوفي ، كان من الثقات الذين رووا الحديث ~~عن الصادق وابنه الكاظم عليهما السلام ، واخوته يونس ويوسف وإسماعيل ، وهو ~~بيت كبير من الشيعة ، وابنا أخيه علي وبشير ابنا إسماعيل كانا من وجوه من ~~روى الحديث ، وكان الصادق اذا رآه ورأى أخاه إسماعيل قال : « وقد يجمعهما ~~لأقوام » يعني الدنيا والآخرة ، لأنهما كانا من ذوي الثروة والمال الوافر ~~ويصلان به أصحابهما وينيلان منه ، ورويت فيه مدائح اخرى. ### ||| السكوني : # إسماعيل بن أبي زياد السكوني ، والسكون حي من عرب اليمن ، قيل إنه كان ~~قاضيا في الموصل ، وكان ثقة في الرواية وقد أجمع أصحابنا على العمل بروايته ~~وذكر بعض الرجاليين أنه عامي ولم يثبت ، وله حديث كثير في الفقه ، وكله ~~معمول به اذا صحت الرواية إليه. ### ||| إسماعيل الصيرفي : # إسماعيل بن عمار بن حيان الصيرفي الكوفي ، أخو إسحاق المتقدم الذكر ، وقد ~~سبق في إسحاق قول الصادق عليه السلام اذا رآهما : « وقد يجمعهما لأقوام » ~~والذي يزيد في علو شأنه ما رواه في الكافي في باب البر بالوالدين في الصحيح ~~عن عمار بن حيان أبي إسماعيل هذا ، قال : أخبرت أبا عبد الله عليه السلام ببر PageV02P133 # إسماعيل ابني فقال عليه السلام : « لقد كنت أحبه ولقد ازددت له حبا » ~~وكفاه هذا فضلا وعلوا. ### ||| بريد العجلي : # بريد بن معاوية العجلي ، كان ممن روى عن الباقر والصادق عليهما السلام معا ~~، ومات في أيام الصادق عليه السلام ، وقد بلغ من الجلالة وعظم الشأن عند أهل ~~البيت حدا فوق الوثاقة ، وارتقى مقاما لديهم يعجز القلم عن وصفه ، وكيف ترى ~~منزلة من يقول الصادق عليه السلام في حقه : « أوتاد الأرض وأعلام الدين ~~أربعة : محمد بن مسلم ، وبريد بن معاوية ، وليث بن البختري المرادي ، ~~وزرارة بن أعين » ، ويقول في حديث : « إن أصحاب أبي كانوا زينا أحياء ~~وأمواتا ، أعني زرارة بن أعين ، ومحمد بن مسلم ، ومنهم ليث المرادي ، وبريد ~~العجلي ms266 ، هؤلاء القوامون بالقسط ، هؤلاء القوامون بالصدق ، هؤلاء السابقون ~~السابقون اولئك المقربون » وقال فيهم في حديث آخر : « أربعة نجباء امناء ~~الله على حلاله وحرامه » ويقول في آخر : « هؤلاء حفاظ الدين وامناء أبي على ~~حلال الله وحرامه ، وهم السابقون إلينا في الدنيا والسابقون إلينا في ~~الآخرة » الى كثير أمثال هذا من التقريظ والمدح ، وهو من أصحاب الباقر ~~عليه السلام الذين أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنهم والإقرار لهم ~~بالفقه. ### ||| بكير بن أعين : # بكير بن أعين الشيباني أخو زرارة ، روى عن الباقر والصادق معا ~~عليهما السلام ، ومات في حياة الصادق ، ولما بلغه خبر موته قال كما رواه ~~الكشي ص 120 « أما والله لقد أنزله الله بين رسول الله وأمير المؤمنين صلوات PageV02P134 # الله عليهما وعلى آلهما الطاهرين » وذكره الصادق عليه السلام يوما فقال : ~~« رحم الله بكيرا وقد فعل » يقول عبيد الله بن زرارة : فنظرت إليه وقد كنت ~~يومئذ حديث السن ، فقال عليه السلام : اني أقول إن شاء الله ، وكفى هذا ~~شهادة له بعلو الدرجة ، وسمو المقام ، وهو من ثقات أولاد أعين وصلحائهم وما ~~اكثر فيهم الثقات الصلحاء ، وقد روى عنه عدة من الثقات. ### ||| أبو حمزة الثمالي : # أبو حمزة الثمالي ثابت بن دينار ، روى عن السجاد والباقر والصادق ~~عليهم السلام ، وبقي الى زمن الكاظم عليه السلام ، قيل مات عام 150 ، فتكون ~~وفاته بعد مضي سنتين من إمامة الكاظم وقيل أدرك موت المنصور عام 158. # وكان أبو حمزة من جلالة القدر وعظم المنزلة بالمحل الأرفع حتى قال فيه ~~الرضا عليه السلام « أبو حمزة في زمانه كلقمان في زمانه ، وذلك أنه خدم ~~أربعة منا : علي بن الحسين ، ومحمد بن علي ، وجعفر بن محمد ، وبرهة من عصر ~~موسى ابن جعفر عليهم السلام » وفي اخرى « كسلمان الفارسي في زمانه ». # وأرسل إليه الصادق عليه السلام وكان أبو حمزة بالبقيع فقال له بعد أن جاء ~~: « إني لأستريح اذا رأيتك » وقال فيه أبو الحسن موسى عليه السلام : « كذلك ~~يكون المؤمن اذا نور الله قلبه » الى ما سوى هذه من كلمات الأئمة فيه ms267 ، ~~التي دلت على تقديرهم له وإعجابهم به. # وهو الراوي للدعاء الطويل العظيم الشأن في بلاغته ومقاصده العالية عن زين ~~العابدين عليه السلام الذي يقرأ في سحر شهر رمضان ، المعروف بدعاء أبي حمزة. ~~وقد وثقه أهل السنة أيضا ورووا عنه. PageV02P135 ### ||| جابر الجعفي : # جابر بن يزيد الجعفي الكوفي ، روى عن الباقر والصادق عليهما السلام وقضي ~~نحبه أيام أبي عبد الله عليه السلام عام 128 وقيل عام 132 ، وقد روى عن ~~الباقر خاصة سبعين ألف حديث ، ومن تتبع أحاديثه عرف أنه كان ممن يحمل ~~أسرارهما ، ويروي الكرامات الباهرة لهما. # أمره الباقر عليه السلام بإظهار الجنون فأظهره ، فكان يدور في رحبة مسجد ~~الكوفة والصبيان حوله وهو يقول : أجد منصور بن جمهور أميرا غير مأمور ، فما ~~مضت الأيام حتى ورد من هشام بن عبد الملك الى واليه بالكوفة أن انظر رجلا ~~يقال له جابر بن يزيد الجعفي فاضرب عنقه وابعث إلي برأسه ، فالتفت الى ~~جلسائه وسألهم عن جابر ، فقالوا : كان رجلا له فضل وعلم وحديث وحجة فجن ، ~~وهو ذا في الرحبة مع الصبيان على القصب فأشرف عليه فاذا هو مع الصبيان يلعب ~~على القصب ، فقال : الحمد لله الذي عافاني من قتله ، ومن ثم انكشف السر في ~~أمر الباقر عليه السلام له بإظهار الاختلاط ، ثم لما اطمأن عاد الى حالته ~~الاولى ، ولم تمض الأيام حتى كان ما قاله في منصور بن جمهور. # وذكر اليعقوبي في تاريخه ( 3 : 81 ) حديثا عن جابر وإخباره عما سيقع من ~~أمر بني العباس والدعوة لهم وشأن قحطبة فيها ، وكان قحطبة بالقرب منهم ~~يستمع فأشار إليه جابر ، وقال : لو أشاء أن أقول هو هو لقلت. # ومن هذا ومثله تعرف أنه كان مستودع الأسرار ، وجاءت فيه مدائح جمة وترحم ~~عليه الصادق عليه السلام ، وقيل إنه ممن انتهى إليه علم الأئمة عليهم السلام ~~، ولذلك ترى أرباب الحديث والرجال من العامة بين موثق له وطاعن فيه بأنه ~~رافضي غال يقول بالرجعة ، مع اعتراف الذهبي بأنه من اكبر PageV02P136 # علماء الشيعة. ### ||| جميل بن دراج : # جميل بن دراج ms268 بن عبد الله النخعي روى عن الصادق والكاظم عليهما السلام ، ~~وكف بصره آخر عمره ، ومات أيام الرضا عليه السلام وهو من الستة أصحاب الصادق ~~عليه السلام الذين أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنهم والإقرار لهم بالفقه ~~، وسبق في أبان بن عثمان عدهم وقيل إن جميلا كان أفقههم. # وجاءت فيه مدائح تكشف عن علو في الدرجة ، منها أن الصادق عليه السلام تلا ~~هذه الآية : « فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين » ~~(1) ثم أهوى بيده الى جماعة كانوا عنده وفيهم جميل بن دراج ، فقالوا : # أجل جعلنا الله فداك لا نكفر بها ، وكان معروفا بالعبادة وطول السجود. ### ||| الحارث بن المغيرة النصري : # الحارث بن المغيرة النصري ، روى عن الباقر والصادق والكاظم عليهم سلام ~~الله ، وكان من ذوي الدرجات الرفيعة ، كما شهدت بذلك عدة أحاديث ، منها قول ~~الصادق عليه السلام لجماعة منهم يونس بن يعقوب : « أما لكم من مستراح ~~تستريحون إليه ، ما يمنعكم من الحارث بن المغيرة النصري » على أن يونس بن ~~يعقوب كان من ذوي المنازل العالية ، ومع علو شأنه أمره الصادق بالرجوع الى ~~الحارث ، والشواهد على جلالته وعلو منزلته كثيرة. PageV02P137 ### ||| حريز : # حريز بن عبد الله الأزدي الكوفي السجستاني ، ونسب الى سجستان لإكثاره ~~السفر والتجارة إليها فعرف بها ، وكان من فقهاء الرواة وله عدة كتب في ~~الفقه وقد روى عن الصادق عليه السلام مشافهة وبالواسطة أخبارا كثيرة ، وقيل ~~إنه لم يرو عن الصادق عليه السلام مشافهة إلا حديثين ، ولكن هذا الزعم يخالف ~~ما هو مروي عنه في كتب الفقه بلا واسطة ، ومن سبر كتب الحديث عرف أنه كثير ~~الرواية عنه مشافهة ، وكتبه تعد من الاصول ، وقد قتل في سجستان في جماعة من ~~الشيعة ، وسبب ذلك أن له أصحابا يقولون بمقالته ، وكان الغالب على أهل ~~سجستان الشراة الخوارج وكان أصحاب حريز يسمعون منهم ثلب أمير المؤمنين ~~عليه السلام وسبه ، فيخبرون حريزا ويستأمرونه في قتل من يسمعون منه ذلك ~~فيأذن لهم ، فلا يزال الشراة يجدون منهم القتيل بعد القتيل ، فلا يتوهمون ms269 ~~على الشيعة لقلة عددهم ، ويطالبون المرجئة ويقاتلونهم ، وما زال الأمر هكذا ~~حتى وقفوا على الأمر فطلبوا الشيعة ، فاجتمع أصحاب حريز إليه في المسجد ، ~~فهدموا عليهم حيطان المسجد وقلبوا أرضه عليهم ، رحمة الله عليهم. ### ||| حفص بن سالم : # أبو ولاد الحناط حفص بن سالم الجعفي مولاهم الكوفي ، كان ممن روى عن ~~الصادق عليه السلام ، وله أصل رواه عنه عدة من الثقات ، وهو متفق على وثاقته ~~، ولم يغمز فيه أحد بشيء. # وقيل : خرج مع زيد وصوب خروجه الصادق عليه السلام وليس تصويبه بمستغرب ، ~~وإنما كان يدع أمر زيد لئلا ينسب إليه فيكون هدفا لبلاء نبي امية. PageV02P138 ### ||| حفص بن غياث القاضي : # حفص بن غياث النخعي الكوفي القاضي ، ولى القضاء لهارون الرشيد ببغداد ~~الشرقية ، ثم ولاه قضاء الكوفة ، وبها مات عام 194 كما ذكر ذلك النجاشي ، ~~وذكر أن كتابه الذي يرويه عن جعفر بن محمد عليهما السلام مائة وسبعون حديثا ~~أو نحوهما. # وهو على الأشهر عامي المذهب ثقة في الرواية ، وقد أجمعت الطائفة على ~~العمل برواية جماعة ليسوا من الشيعة ، وحفص أحدهم وليس التشيع السبب الوحيد ~~لقبول الرواية ، وإنما المدار على وثاقة الراوي مهما كان مذهبه. # وربما استظهر بعضهم من رواياته أنه شيعي إمامي ، ولكن العامية عنه أشهر ، ~~وكان اذا حدث عن الإمام الصادق عليه السلام يقول : « حدثني خير الجعافرة ~~جعفر بن محمد » ولا يخفى عليك أن مثل هذا البيان من الراوي يرشدنا الى عدم ~~تشيعه ، إلا أن يريد إخفاء تشيعه. ### ||| حماد بن عثمان : # حماد بن عثمان بن زياد الرواسي الكوفي الملقب بالناب ، روى عن الصادق ~~والكاظم والرضا عليهم السلام ، مات بالكوفة عام 190 وله كتاب يرويه عنه عدة ~~من الثقات ، وهو من أصحاب الصادق عليه السلام الذين أجمعت العصابة على تصحيح ~~ما يصح عنهم ، والإقرار لهم بالفقه ، وقد مر عدهم في أبان بن عثمان ، ~~ولحماد اخوان وهما الحسين وجعفر ولدا عثمان ، وهما أيضا من الرواة الثقات ~~الأخيار الأفاضل. PageV02P139 ### ||| حماد بن عيسى : # أبو محمد حماد بن عيسى الجهني البصري غريق الجحفة ، روى عن الصادق ~~والكاظم ms270 عليهما السلام وعاش الى زمن الجواد عليه السلام ولم تعرف له رواية عن ~~الرضا والجواد عليهما السلام ، وهو من الستة أصحاب الصادق عليه السلام الذين ~~أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنهم والإقرار لهم بالفقه كما سلف في أبان ~~بن عثمان ، وكان صدوقا متحرزا في حديثه ، فقد روي عنه أنه قال : سمعت من ~~أبي عبد الله عليه السلام سبعين حديثا فلم أزل أدخل الشك على نفسي حتى ~~اقتصرت على هذه العشرين ، وقد سبق في استجابة دعائه عليه السلام « ج 1 : 254 ~~» أن حمادا سأله في أن يدعو له بكثرة الحج ، وأن يرزقه ضياعا حسنة ودارا ~~حسنة ، وزوجة من أهل البيوتات صالحة ، وأولادا أبرارا ، فدعا له الصادق بما ~~طلب ، وقيد الحج بخمسين حجة ، فاستجاب الله دعاء الصادق عليه السلام له ، ~~فكان حاله كما طلب ، ولما حج في الحادية والخمسين أيام الجواد عليه السلام ~~ووصل الى الجحفة وأراد أن يحرم دخل وادي قناة ليغتسل ويحرم ، وهو واد يسيل ~~من الشجرة فأخذه السيل ومر به ، فتبعه غلمانه وأخرجوه من الماء ميتا ، فمن ~~ثم سمي غريق الجحفة. # وقيل : إن الذي دعا له بتلك الطلبات هو الامام الكاظم عليه السلام وكان ~~غرقه عام 209. ### ||| حمران بن أعين : # حمران بن أعين الشيباني مولاهم أخو زرارة ، روى عن الباقر والصادق ~~عليهما السلام ، منزلته عندهم لا يضارعه فيها من رجالهم إلا نادر ، وكيف ترى PageV02P140 # مقام من يقول له الباقر عليه السلام : « أنت من شيعتنا في الدنيا والآخرة ~~» ويقول فيه : « حمران من المؤمنين حقا لا يرجع أبدا » ويقول فيه الصادق ~~عليه السلام : « مات والله مؤمنا » ويقول فيه : « حمران مؤمن من أهل الجنة ~~لا يرتاب أبدا ، لا والله لا والله » ويقول فيه : « ما وجدت أحدا أخذ بقولي ~~، وأطاع أمري ، وحذا حذو أصحاب آبائي غير رجلين رحمهما الله ، عبد الله بن ~~أبي يعفور ، وحمران بن أعين ، أما إنهما مؤمنان خالصان من شيعتنا » ويقول فيه : # « حمران مؤمن لا يرتد أبدا » ويقول فيه : « نعم الشفيع أنا وآبائي لحمران ~~بن أعين يوم القيامة نأخذه بيده ms271 ولا نزايله (1) حتى ندخل الجنة جميعا » الى ~~نظائر هذه الكلمات الواردة فيه عنهما عليهما السلام ، وهذه كما ترى تنبئ عن ~~ارتفاع مقامه عندهم درجة لا يشاركه فيها إلا قليل ، على كثرة رجالهم ، ~~وكثرة أهل الورع والهدى فيهم ، كما قرأت وستقرأ ، وكما دلت هذه الكلم على ~~ارتفاع منزلته لديهم دلت على رسوخ إيمانه ، وثبات يقينه ، الى حد يؤمن من ~~تضعضعه ، وإن مرت على العواصف وساورته المحن ونهشته النوائب ، على أن عصره ~~من أهم العصور التي اختبرت المحن والفتن فيها سرائر الرجال ، لا سيما أهل ~~العلم والفضيلة منهم لما لهم من المكانة بين الناس يوم ذاك. # وما كان حمران فقيها فحسب ، بل كان من علماء الكلام ، وحملة الكتاب ، ~~ويذكر اسمه في أهل القراءات ، وكان أيضا من علماء اللغة والنحو فهو جامع ~~لجهات الفضل. ### ||| حمزة بن الطيار : # حمزة بن الطيار كان ثقة عظيم الشأن ، من رجال الفقه والكلام ، مات PageV02P141 # أيام الصادق عليه السلام ، وجاءت فيه أحاديث تعرب عن إيمان راسخ ، وولاء ~~ثابت لأهل البيت عليهم السلام ، وقوة دفاع عنهم ، وحجة قاطعة ، مثلما رواه ~~الكشي ص 223 عن هشام بن الحكم « قال : قال لي أبو عبد الله عليه السلام : # ما فعل ابن الطيار؟ قال : قلت : مات ، فقال عليه السلام : رحمه الله ولقاه ~~نضرة وسرورا فقد كان شديد الخصومة عنا أهل البيت ». # ومثله ما رواه عن مؤمن الطاق أيضا ، وما رواه عن أبان الأحمر عن الطيار « ~~قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام : بلغني أنك كرهت مناظرة الناس وكرهت ~~الخصومة ، فقال : أما كلام مثلك فلا يكره ، من اذا طار أحسن أن يقع ، وان ~~وقع أحسن أن يطير ، فمن كان هكذا فلا نكره كلامه ». # والطيار لقب له ولأبيه محمد بن عبد الله مولى فزارة ، وكان من أصحاب ~~الباقر عليه السلام وكان الباقر يفاخر به ، روى الكشي ص 22 عن حمزة ابنه « ~~قال : سألني أبو عبد الله عليه السلام عن قراءة القرآن ، فقلت : ما أنا بذلك ~~، قال : لكن أبوك ، قال : وسألني عن الفرائض ، فقلت : وما أنا بذلك ms272 ، فقال : # لكن أبوك ، ثم قال : إن رجلا من قريش كان لي صديقا وكان عالما قاريا ~~فاجتمع هو وأبوك عند أبي جعفر عليه السلام ، وقال : ليقبل كل واحد منكما على ~~صاحبه ، ويسأل كل واحد منكما صاحبه ، ففعلا ، فقال القرشي لأبي جعفر ~~عليه السلام : قد علمت ما أردت ، أردت أن تعلمني أن في أصحابك مثل هذا ، قال ~~: هو ذاك ، فكيف رأيت ». # فكيف ترى من يحمله الباقر عليه السلام على المناظرة؟ ومن يحمله الصادق ~~عليه السلام على المخاصمة؟ فهما إذن من ذوي الحجج النواصع ، والقوة في ~~الخصومة. PageV02P142 ### ||| داود بن فرقد : # داود بن فرقد الأسدي الكوفي ، روى عن الصادق والكاظم عليهما السلام ، وله ~~كتاب يرويه عنه عدة من الثقات ، وله كلام مع بعض الزيدية دل على اشتهاره ~~بالتشيع وسرعة جوابه وحسنه حتى ضحك منه أبو عبد الله عليه السلام ، وذلك ما ~~رواه الكشي ص 221 عنه « قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام : إن رجلا خلفي ~~حين صليت المغرب في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : # « ما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من ~~أضل الله » (1) فعلمت أنه يعنيني ، فالتفت إليه وقلت : « إن الشياطين ~~ليوحون الى أوليائهم ليجادلوكم » (2) فاذا هو هرون بن سعد (3) قال : فضحك ~~أبو عبد الله عليه السلام ، ثم قال : أصبت الجواب قبل الكلام بإذن الله ، ~~وقال داود : # جعلت فداك لا جرم والله ما تكلم بكلمة ، فقال أبو عبد الله عليه السلام : ~~ما أحد أجهل منهم ، إن في المرجئة فتيا وعلما وفي الخوارج فتيا وعلما ، وما ~~أحد أجهل منهم ». ### ||| داود الرقي : # داود بن كثير الرقي الكوفي الأسدي مولاهم ، روى عن الصادق والكاظم ~~عليهما السلام وعاش الى أيام الرضا عليه السلام ، وله حديث كثير لا سيما في ~~الكرامات والفضائل ، وله أصل رواه عنه جماعة من الثقات ، ولكثرة ما رواه PageV02P143 # من كراماتهم نسبوه الى الغلو وهو سهو. # وجاء فيه حديث كثير يدل على علو منزلته مثلما رواه الكشي ص 254 عن أبي ~~عبد الله عليه السلام ms273 قال : « أنزلوا داود الرقي مني بمنزلة المقداد من رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم » ونظر الى داود الرقي وقد ولى فقال : « من سره ~~أن ينظر الى رجل من أصحاب القائم عليه السلام فلينظر الى هذا » وفي موضع آخر ~~: « أنزلوه فيكم بمنزلة المقداد » فهذا ومثله يرشدنا الى سمو منزلته في ~~الدين واليقين سوى الوثاقة في الرواية. ### ||| زرارة # زرارة بن أعين الشيباني مولاهم ، روى عن الباقر والصادق عليهما السلام ، ~~ومات عام 150 ، فأدرك من أيام الكاظم عليه السلام سنتين. # وما ذا يقول القائل في زرارة؟ وهل يستطيع ذو براعة ويراعة أن يأتي بكلمة ~~تجمع فضل زرارة؟ وكفى عن بيان مقامه ، ورفيع شأنه ، ما جاء فيه عن أئمة ~~الهدى عليهم السلام ، وكفى منه ما سبق ذكره في بريد العجلي ، بيد أننا نذكر ~~هاهنا شيئا لم يسبق ذكره هناك ، فإن الصادق عليه السلام قال له مرة : « يا ~~زرارة إن اسمك في اسامي أهل الجنة بغير ألف » قال : « نعم جعلت فداك اسمي ~~عبد ربه ولكني لقبت زرارة » وقال : « لو لا زرارة لظننت أن أحاديث أبي ~~ستذهب » وقال للفيض بن المختار (1): « فاذا أردت حديثنا فعليك بهذا الجالس ~~واومىء بيده الى زرارة » وقال في حديث آخر : « رحم الله زرارة (2) لو لا PageV02P144 # زرارة ونظراؤه لاندرست أحاديث أبي » وقال الرضا عليه السلام : « أترى أن ~~أحدا أصدع بحق من زرارة » الى أمثال هذه الأحاديث ، وهذه الأحاديث تغنيك عن ~~قول كل فصيح يريد أن يترجم زرارة معربا عما له من فضل وعلم ومقام لدى أهل البيت. # وما كان زرارة فقيها فحسب بل كان يجمع عدة فضائل حتى قال ابن النديم في ~~الفهرست في شأنه : زرارة أكبر رجال الشيعة فقها وحديثا ومعرفة بالكلام ~~والتشيع. # وقال النجاشي : شيخ أصحابنا في زمانه ومتقدمهم ، وكان قارئا فقيها متكلما ~~شاعرا أديبا ، قد اجتمعت فيه خلال الفضل والدين ، وقال أبو غالب الزراري ~~كما حكي عنه : روي أن زرارة كان وسيما جسيما أبيض ، فكان يخرج الى الجمعة ~~وعلى رأسه برنس أسود وبين عينيه سجادة وفي يده عصا ms274 فيقوم الناس سماطين ~~ينظرون إليه لحسن هيئته فربما رجع من طريقه ، وكان خصما جدلا لا يقوم أحد ~~بحجته صاحب إلزام وحجة قاطعة إلا أن العبادة أشغلته عن الكلام ، والمتكلمون ~~من الشيعة تلاميذه. # فزرارة قد جمع الفضل كله ولكن شهرته في الفقه غلبت على فضائله الأخر ، ~~ومن غاض في بحر الفقه عرف ما لهذا الرجل من حديث ، حتى لتكاد لا تجد بابا ~~من أبواب الفقه إلا وله فيه حديث أو أحاديث ، وهو أحد الستة الاول أصحاب ~~أبي جعفر عليه السلام الذين أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنهم ، والإقرار ~~لهم بالفقه ، ولا غرو لو عد زرارة أفقههم. # وكان زرارة معروفا بالعلم والفضيلة والقرب من أهل البيت وهذا اكبر جرم ~~عند أعدائهم ، فما زال في خطر من جراء ذلك ، فكان الإمام ينال منه أحيانا ~~ليدفع بذلك عنه الخطر ، ومن ثم جاءت أحاديث تطعن فيه ، وقد كشف PageV02P145 # عن سبب ذلك القدح الصادق نفسه ، فقال في حديث طويل رواه الكشي ص 91 : إني ~~أنا أعيبك دفاعا مني عنك فإن الناس والعدو يسارعون الى من قربناه وحمدنا ~~مكانه لإدخال الأذى في من نحبه ونقربه الى أن قال فأحببت ان أعيبك ليحمدوا ~~أمرك في الدين بعيبك ونقصك ويكون بذلك منا دافع شرهم عنك ، الحديث ، فمن ~~هاهنا نعرف مكانة زرارة لديهم وشأن تلك الأحاديث القادحة. ### ||| زيد الشحام : # أبو اسامة زيد الشحام الازدي الكوفي ، روى عن الباقر والصادق ~~عليهما السلام ، وقيل : وعن الكاظم أيضا ، وهو من الوثاقة وجلالة القدر ~~بمكان رفيع ، وقد حكي عن الشيخ المفيد طاب رمسه قوله فيه : إنه من فقهاء ~~أصحاب الصادقين عليهما السلام الأعلام المأخوذ عنهم الحلال والحرام والفتيا ~~وأحكام الدين. # وجاءت فيه أحاديث تشهد له بعلو الدرجة ، منها ما رواه الكشي ص 216 عن زيد ~~نفسه « قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام : اسمي في تلك الأسامي؟ # يعني في كتاب أصحاب اليمين قال : نعم » وما رواه أيضا عنه : « قال : دخلت ~~على أبي عبد الله عليه السلام فقال لي : يا زيد جدد التوبة واحدث ms275 عبادة ، قال : # قلت : نعيت إلي نفسي ، قال : فقال : يا زيد ما عندنا لك خير وأنت من ~~شيعتنا الى أن قال : يا زيد كأني أنظر إليك في درجتك في الجنة ، ورفيقك ~~فيها الحارث بن المغيرة النصري » (1) الى غير هذا مما يرشدنا الى علو مقامه ورفيع PageV02P146 # درجته. ### ||| زيد الشهيد : # زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام ، روى عن أبيه ~~السجاد عليه السلام وكفي من روايته عنه روايته للصحيفة السجادية التي جمعت ~~فنونا من العلم والأدب والفصاحة والبلاغة والتي تعرفك كيف الخضوع للمولى في ~~دعائه ومسألته والتي هي وحدها دلالة واضحة على إمامة الأئمة من أهل البيت ، ~~لأن ديباجتها تدلك على أن الناطق بها ليس من أمثال البشر ، الذين يقع عليهم البصر. # وروى عن أخيه الباقر وابن أخيه الصادق أيضا عليهما السلام وكان يرى إمامة ~~الصادق ويدعو له في السر ، وما ادعى الإمامة لنفسه أيام حياته وجهاده قط ، ~~وإنما ادعيت فيه بعد وفاته ، وقد استشهد في الكوفة عام 121 فبكاه الصادق ~~عليه السلام وترحم عليه ، وأنفق على عيال من قتل معه ، وقد جمع زيد صفات ~~فاضلة قلما تجتمع برجل سوى المعصومين ، كالفقه والورع والسخاء والشجاعة ~~والزهادة والعبادة وغيرها ، ولكن بأعلى مراتب هذه الصفات ، وقد سبقت ~~الاشارة الى شيء من حاله « 1 : 48 » ### ||| سدير الصيرفي : # سدير بن حكيم بن صهيب الصيرفي الكوفي مولى ، روى عن ثلاثة من الأئمة ~~عليهم السلام السجاد والباقر والصادق ، وروى عن كثير من الثقات ، وبعض منهم ~~من أصحاب الإجماع ، جاء فيه مدائح وتقدير له مثل قول الصادق عليه السلام ~~لزيد الشحام : « يا شحام إني طلبت الى إلهي في سدير وعبد السلام PageV02P147 # ابن عبد الرحمن وكانا في السجن فوهبهما الله لي وخلى سبيلهما » وقوله ~~وكان عنده سدير : « إن الله اذا أحب عبدا غته (1) بالبلاء غتا ، وإنا ~~وإياكم يا سدير لنصبح به ونمسي » فاستيهابه من الله دلالة على كبر منزلة ~~عنده وتقدير له ، وكفى بعلو درجته أنه ممن يحبه الله ويغمره بألطاف بلائه ، ~~الى ما سوى ذلك ms276 من الأحاديث. ### ||| الأعمش : # أبو محمد سليمان بن مهران الاعمش الأسدي الكوفي ، اتفقت الخاصة والعامة ~~على وثاقته وفضله وجلالته ، وقد أثنى العامة عليه الثناء الجميل ، واعترفوا ~~له بالمزايا الحميدة مع اعترافهم بتشيعه ، فهذا الذهبي في ميزان الاعتدال ~~يقول : « أبو محمد أحد الأئمة الثقات عداده في صغار التابعين » ويقول : « ~~فالأعمش عدل صادق ثبت ، صاحب سنة وقرآن » الى غيره من مؤلفي الرجال ~~والتراجم. # وكان راوية لفضائل أمير المؤمنين عليه السلام ، حتى أن الخاصة والعامة روت ~~أن المنصور سأله : كم تحفظ من الحديث في فضائل علي عليه السلام ؟ قال له : ~~عشرة آلاف حديث ، وفي بعض الروايات على بعض النسخ أو ألف حديث ، ولعل هذا ~~الترديد منه كان حذرا من المنصور لعلمه بما يحقده على أولاد علي عليه السلام ~~، ولما انتبه المنصور لقصد الأعمش من الترديد أراد أن يطمئنه عما اختلج في ~~نفسه ، فقال له : بل عشرة آلاف كما قلت أولا. # قيل : إن ولادته كانت سنة قتل الحسين عليه السلام وهي سنة 61 ، PageV02P148 # ووفاته في الخامس والعشرين من ربيع الأول عام 148 ، وهي سنة وفاة الصادق ~~عليه السلام . ### ||| سماعة # سماعة بن مهران الحضرمي الكوفي ، روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن ~~عليهما السلام ، مات بالمدينة ، وله حديث كثير في الفقه وروى كثيرا من ~~زيارات الأئمة ومن دعاء الصادق عليه السلام ، وله كتاب رواه عنه ثقات الرواة ~~، ومنهم جماعة ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنهم ، وقد نسبوه الى ~~الوقف ولم يثبت ، وعلى أي حال فهو ثقة في الرواية من دون ريب. ### ||| صفوان الجمال : # صفوان بن مهران الجمال الأسدي الكاهلي الكوفي ، روى عن الصادق والكاظم ~~عليهما السلام ، وكان جمالا فلزمه هذا اللقب ، وكان شديد التمسك بأهل البيت ~~عليهم السلام ، عاملا بأوامرهم ، مواظبا على القيام بخدماتهم وقد سبق في ~~عنوان الصادق في العراق ( 1 : 129 ) ما يشهد لذلك كما يدل عليه بيعه لجماله ~~امتثالا لأمر الكاظم عليه السلام ، وأنبه الرشيد على ذلك وقال له : # إني لأعلم من أشار إليك بهذا ، أشار عليك موسى بن جعفر ، فو ms277 الله لو لا ~~حسن صحبتك لقتلتك. # وكفى هذا العمل منه استماعا لأمر إمامه وإن عرض نفسه للهلاك ، وكان من ~~أجلة الرواة وأعلامهم الثقات ، وحديثه جم كثير يرويه عنه الثقات الأعلام ، ~~وله كتاب رواه عنه رجال الوثاقة والإجماع. PageV02P149 ### ||| عبد الرحمن بن الحجاج : # عبد الرحمن بن الحجاج البجلي الكوفي ، روى عن الصادق والكاظم ~~عليهما السلام وعاش حتى لقي الرضا عليه السلام ، ومات في أيامه ، وكان من ~~شيوخ أصحاب أبي عبد الله عليه السلام وخاصته وبطانته وثقاته الفقهاء ~~الصالحين ، وجاء الشيء الكثير في إطرائه والثناء عليه من الأئمة ~~عليهم السلام وقد بشروه بالموت بالمدينة وبحسن المنقلب ، وله كتب يرويها عنه ~~الثقات الأعلام ، وبعضهم من أهل الإجماع ، وكان من رجال الكلام البارزين ~~ذوي الحجة اللازمة والقوة في العارضة ، حتى قال له أبو عبد الله عليه السلام ~~: « يا عبد الرحمن كلم أهل المدينة فإني أحب أن يري في رجال الشيعة مثلك » ~~على أنه ما كان ليسمح بالكلام لأصحابه إلا لقليل منهم أمثال أبان بن تغلب ~~والطيار ونفر سواهما ، حذرا من العثار والخروج عن ربقة التقية ، فلا يسمح ~~لأحد إلا لمن يعتمد على حجته وحسن أدبه في المناظرة. ### ||| عبد السلام بن سالم : # عبد السلام بن سالم البجلي الكوفي ، روى عن أبي عبد الله عليه السلام وله ~~كتاب يرويه ثقات الرواة ، وكان من فقهاء أصحاب الصادقين عليهما السلام ~~والرؤساء الأعلام والمأخوذ عنهم الحلال والحرام والفتيا والأحكام ، والذين ~~لا يطعن عليهم ، ولا طريق الى ذم أحد منهم ، كما عن الشيخ المفيد طاب ثراه. ### ||| ** عبد السلام بن عبد الرحمن : # عبد السلام بن عبد الرحمن بن نعيم الأزدي ، عده ابن شهر اشوب في المناقب PageV02P150 # من خواص الصادق عليه السلام ، وقد سبق في سدير قول الصادق عليه السلام لزيد ~~الشحام ودموعه تجري على خديه : يا شحام إني طلبت الى إلهي في سدير وعبد ~~السلام بن عبد الرحمن وكانا في السجن فوهبهما لي وخلى سبيلهما ، وهذا مما ~~ينبىء عن تقدير أبي عبد الله عليه السلام وحبه لهما ، وعطفه عليهما وكفاهما هذا. # شأنا ms278 وعلو منزلة. ### ||| عبد الله بن أبي يعفور : # عبد الله بن أبي يعفور العبدي الكوفي ، كان من أصحاب الصادقين ~~عليهما السلام ، ومات زمن أبي عبد الله ، ولا تحضرني كلمة تفرغ عن علو مقامه ~~، وتفصح عن جلالة قدره ، وما كان عليه من صلابة الايمان ، وقوة اليقين ، ~~والاستقامة في العقيدة ، ولنترك ذلك الى مخرجه ومثقفه الإمام الصادق ~~عليه السلام ليعرب لنا عن حاله ، فإنه أعلم بشأنه وبسيرته وسريرته فإنه كتب ~~الى المفضل بن عمر الجعفي حين مضى لربه عبد الله بن أبي يعفور : « يا مفضل ~~عهدت إليك عهدي ، كان الى عبد الله بن أبي يعفور ، فمضى رضياللهعنه موفيا ~~لله جل وعز ولرسوله ولإمامه بالعهد المعهود لله ، وقبض صلوات الله على روحه ~~محمود الأثر ، مشكور السعي ، مغفورا له ، مرحوما برضى الله ورسوله وإمامه ~~عنه ، بولادتي من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما كان في عصرنا أحد أطوع ~~لله ولرسوله ولإمامه منه ، فما زال كذلك حتى قبضه الله إليه برحمته ، وصيره ~~الى جنته ، ساكنا فيها مع رسول الله وأمير المؤمنين صلوات الله عليهما ، ~~أنزله الله بين المسكنين ، مسكن محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومسكن أمير ~~المؤمنين عليه السلام وإن كانت المساكن واحدة ، والدرجات واحدة فزاده الله ~~رضى من عنده ومغفرة من فضله برضاي عنه ». PageV02P151 # لو لا أن الصادق عليه السلام هو المخبر عن عبد الله وعما كان عليه من تقوى ~~وطاعة لما كنا نعتقد بأن أحدا من البشر يبلغ تلك المرتبة وذلك الرضى. # ولقد جاء فيه من الإطراء والإفصاح عن علو مقامه وثبات يقينه ما لم يجىء ~~في أحد سواه إلا القليل ، وقد سبق شيء منه في حمران ، وهو القائل لإمامه ~~الصادق : لو فلقت رمانة بنصفين ، فقلت هذا حلال وهذا حرام لشهدت أن الذي ~~قلت حلال حلال ، وأن الذي قلت حرام حرام ، فقال : رحمك الله ، رحمك الله. # وهذا التسليم والتفويض والطاعة والامتثال هو الذي صيره بتلك الرتبة ~~الرفيعة ، وإن كان من عرف إمامه وجب أن يكون كما كان عليه عبد الله ولكن ms279 ~~أنى لنا بتلك النفوس الزكية المطيعة. ### ||| عبد الله بن بكير : # عبد الله بن بكير بن أعين الشيباني مولاهم ، روى عن الباقر والصادق ~~عليهما السلام وهو من الستة أصحاب الصادق الذين أجمعت العصابة على تصحيح ما ~~يصح عنهم كما سبق في أبان بن عثمان ، وعد في أجلة الفقهاء والعلماء ، ومن ~~أصحاب الاصول المدونة والمصنفات المشهورة ، وقد رمي بالفطحية ، فإن صح فلا ~~يضر فساد عقيدته في وثاقته في روايته ، وعلى أي حال فهو ثقة في الرواية من ~~دون ريب ، وقد سبق ذكر أبيه بكير وجلالة شأنه. ### ||| عبد الله بن سنان : # عبد الله بن سنان بن طريف الكوفي مولى قريش أو بني هاشم خاصة ، روى عن ~~الصادق عليه السلام ، وقيل : وعن الكاظم أيضا وهو غير بعيد لأنه قد عاصره ، ~~وكان خازنا للمنصور والمهدي والهادي والرشيد ، ومع ذلك فقد كان PageV02P152 # من شيعة أهل البيت والفقهاء الصلحاء ، والثقات الأجلاء ، الذين لا يطعن ~~عليهم بشيء ، ولقد قال فيه الصادق عليه السلام : « أما أنه يزيد على السن ~~خيرا ». # وقد شاهد من الصادق عليه السلام كرامة باهرة دلت على كريم مقامه عند أبي ~~عبد الله عليه السلام ، وأنه من حملة أسراره ، وله كتب يرويها عنه أجلة ~~الرواة ومشاهير الثقات. ### ||| عبد الله بن شريك : # أبو المحجل عبد الله بن شريك العامري ، صحب الباقر والصادق عليهما السلام ~~، وكان عندهما وجيها مقدما ، وعدوه في حواريهما ، وروي عن الصادق ~~عليه السلام أنه يخرج لنصرة القائم المهدي عجل الله فرجه ، وهذا هو الفضل ~~والفوز ، والرفعة والجلال ، نسأله جل شأنه أن نكون ممن يخفق على رأسه لواؤه ~~المنصور. ### ||| عبد الله بن مسكان : # عبد الله بن مسكان الكوفي مولى ، روى عن الصادق والكاظم عليهما السلام وهو ~~من الستة أصحاب الصادق عليه السلام الذين أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح ~~عنهم والإقرار لهم بالفقه كما مر في أبان بن عثمان ، ويعد من أجلة الفقهاء ~~العظام والرؤساء الأعلام ، والمأخوذ عنهم الحلال والحرام والفتيا والأحكام ~~، الذين لا طريق للطعن عليهم بشيء ، وله كتب عديدة يرويها عنه أجلة الثقات ms280 ~~وأعلام الرواة. PageV02P153 ### ||| عبد الله بن النجاشي : # أبو بحير عبد الله النجاشي الأسدي ، كان زيديا ثم عدل الى القول بإمامة ~~الصادق عليه السلام حين شاهد كرامة منه ، انظر ذلك في « 1 : 260 » ، وكان ~~واليا على الأهواز من قبل المنصور ، وكتب الى الصادق عليه السلام يسأله عن ~~السيرة في العمل ، وعما يصنعه في أمواله وعن غير ذلك من شئون ولايته ، ~~وأجابه الصادق بكتاب طويل وهي الرسالة المعروفة برسالة عبد الله النجاشي ، ~~وقد اقتطفنا منها فقرات ثمينة ، ذكرناها في وصاياه من هذا الجزء ص 44 ، ~~وكان محمود السيرة في ولايته مرضيا عند الإمام ، موثقا عند العلماء الأعلام ~~، حتى أن شيخ الطائفة الطوسي طاب ثراه في التهذيب كتاب المكاسب منه عده من ~~الزهاد على أنه عامل المنصور على الأهواز. ### ||| عبد الله الكاهلي : # عبد الله بن يحيى الكاهلي الكوفي ، روى عن الصادق والكاظم عليهما السلام ، ~~وكان ابو الحسن يرعاه ويحبه ، حتى قال لعلي بن يقطين : اضمن لي الكاهلي ~~أضمن لك الجنة ، فضمن للإمام ما أراد ، حتى أن نعمته كانت تعم الكاهلي ~~وقراباته ، وكان يجرى عليهم النفقات مستغنين حتى بعد موت الكاهلي. # وقد بشره أبو الحسن عليه السلام بحسن المآل ، فقد قال له يوما : اعمل خيرا ~~في سنتك هذه فإن أجلك قد دنا ، فبكى الكاهلي ، فقال له أبو الحسن ~~عليه السلام : ما يبكيك؟ قال له : جعلت فداك نعيت إلي نفسي ، قال : ابشر ~~فإنك من شيعتنا وأنت الى خير ، ثم ما لبث بعدها إلا يسيرا حتى مات. # فمن هذا ومثله تعرف كرامة الكاهلي عليهم وارتفاع محله عندهم ، وله كتاب PageV02P154 # رواه عنه أعيان الثقات وبعض أهل الإجماع. ### ||| عبد الملك بن أعين : # أبو ضريس عبد الملك بن أعين الشيباني مولاهم أخو زرارة وحمران ، روى عن ~~الباقر والصادق عليهما السلام ، ومات أيام الصادق ، ولما بلغه خبر وفاته وهو ~~بمكة رفع يده ودعا له واجتهد في الدعاء وترحم عليه ، ولما قدم المدينة زار ~~قبره بالمدينة مع أصحابه ، وقال زرارة : قال أبو عبد الله عليه السلام بعد ~~موت عبد الملك : اللهم إن ms281 أبا الضريس كنا عنده خيرتك من خلقك فصيره في ثقل ~~محمد صلوات الله عليه وآله يوم القيامة ، الى غير هذا مما ورد في حقه ، ~~وهذا كما ترى يرشدك الى علو درجته ، ورفيع محله ، كما يرشد الى معرفته ~~بأئمته. # وأما ابنه ضريس الذي يكنى به فكان من رواة الصادق أيضا وثقاتهم وروى عنه ~~الثقات ، وكانت تحته ابنة عمه حمران. ### ||| عبيد بن زرارة : # عبيد بن زرارة بن أعين الشيباني مولاهم ، ممن أخذ عن أبي جعفر وأبي عبد ~~الله عليهما السلام ، وله كتاب رواه عنه أجلة الرواة ، وبعض أهل الإجماع ، ~~وهو من عيون الثقات الذين لا لبس فيهم ولا شك ، ومن الفقهاء البارزين ، ~~والأعلام الرؤساء الذين اخذ عنهم الحلال والحرام ، ومن أرباب الاصول ~~المدونة ، والمصنفات المشهورة. ### ||| عبيد الله الحلبي : # عبيد الله بن علي بن أبي شعبة الكوفي الحلبي ، وآل أبي شعبة بيت معروف PageV02P155 # من الشيعة بالكوفة كان متجرهم الى حلب فنسبوا إليها ، وقد روى جدهم أبو ~~شعبة عن الحسن والحسين عليهما السلام وكانوا جميعهم ثقات ، وكان عبيد الله ~~هذا كبيرهم ووجههم ، واذا اطلق الحلبي فعلى الغالب يراد به عبيد الله هذا ، ~~وإن كان قد يراد به أحيانا أخوه محمد ، وهو أول من صنف من أصحاب أبي عبد ~~الله عليه السلام ، ولما صنف كتابه المعروف في الفقه عرضه على أبي عبد الله ~~عليه السلام فاستحسنه وصححه ، وقال عند قراءته له : أترى لهؤلاء مثل هذا؟ # وقد رواه عنه عدة من أعلام الرواة وثقاتهم جزاهم الله عن الدين وأهله خير ~~جزاء المحسنين. ### ||| العلاء بن رزين : # العلاء بن رزين القلا الكوفي مولى ثقيف ، روى عن الصادق عليه السلام وكان ~~وجها جليل القدر ضبطا متقنا لم يرد غمز فيه من أحد ، بل متفق على جلالته ~~ووثاقته ، صحب محمد بن مسلم وتفقه عليه ، وله كتب رواها عنه أعيان الثقات ~~من الرواة ، وبعضهم من أصحاب الإجماع. ### ||| علي بن يقطين : # علي بن يقطين بن موسى الكوفي البغدادي ، روى عن الصادق والكاظم ~~عليهما السلام ، وشأنه في الوثاقة والوجاهة والجلالة معروف ، ومقامه عند ms282 ~~الرشيد لا يجهل ، وأخباره معه مسطورة ، وما اكثر ما جاء فيه من الثناء ~~والإطراء والبشارة بحسن العقبى ، والانقلاب الى رضوانه وجنانه ، مثل قول ~~أبي الحسن عليه السلام : ضمنت لعلي بن يقطين الجنة وألا تمسه النار ، وقوله ~~عليه السلام وقد أقبل علي بن يقطين : من سره أن يرى رجلا من أصحاب رسول الله PageV02P156 # صلى الله عليه وآله وسلم فلينظر الى هذا المقبل ، فقال له رجل من القوم : هو ~~إذن من أهل الجنة ، فقال أبو الحسن : أما أنا فأشهد أنه من أهل الجنة ، ~~وقوله : من سعادة علي بن يقطين أنه ذكرته في الموقف ، وقوله : إني استوهبت ~~علي بن يقطين من ربي جل وعز فوهبه لي ، إن علي بن يقطين بذل ماله ومودته ، ~~فكان لذلك مستوجبا ، الى كثير من أمثال هذه الأحاديث. # وأعماله الصالحة ، وخدماته لأهل البيت ، وقضاؤه لحوائج أوليائهم لا تحصر ~~بحساب ، كان ينيب في كل سنة من يحج عنه واحصي له بعض السنين ثلاثمائة ملب ~~له ، وكان يعطي بعضهم عشرين ألف وبعضهم عشرة آلاف للحج ، مثل الكاهلي وعبد ~~الرحمن بن الحجاج وغيرهما ، ويعطي أدناهم ألف درهم ، وكان يحمل الأموال في ~~كل سنة لأبي الحسن عليه السلام من مائة ألف الى ثلاثمائة ألف درهم ، وزوج ~~أبو الحسن ثلاثة أو أربعة من بنيه منهم أبو الحسن الرضا عليه السلام ، فكتب ~~له علي بن يقطين : وإني قد صيرت مهورهم إليك وزاد عليه ثلاثة آلاف دينار ~~للوليمة ، فبلغ ثلاثة عشر ألف دينار في دفعة واحدة (1). # وكفى من قضائه لحوائج أوليائهم قيامه بنفقات الكاهلي وعيالاته وقراباته ، ~~وقيامه بحوائج كل من يأتيه من اولئك الأولياء. # وكفى في علو شأنه ورفيع قدره قول أبي الحسن عليه السلام له : يا علي إن ~~لله تعالى أولياء مع أولياء الظلمة ليدفع بهم عن أوليائه وأنت منهم يا علي ~~، قال له ذلك حين قدم أبو ابراهيم موسى العراق ، وقال له علي بن يقطين : ~~أما ترى حالي وما أنا فيه (2). PageV02P157 # وجملة القول أن علي بن يقطين كان عينا لله وملجأ لأولياء الله بين ms283 أعدائه ~~، يقوم بأداء حقوقهم ، ويدفع عادية السوء عنهم ، هذا سوى صلاحه في أعماله ~~الأخر ، وروايته لأحكام الدين ، وإن مثله ليعجز القلم عن استيفاء محاسنه ~~وجميل خصاله. # كانت ولادة علي بالكوفة عام 124 ، وكان أبوه يقطين من وجوه الدعاة للدولة ~~الهاشمية ، فطلبه مروان الحمار فهرب ، وهربت زوجته بولديها علي وعبيد من ~~الكوفة الى المدينة ، الى أن ظهرت الدولة العباسية ، فلما قامت ظهر يقطين ، ~~فلم يزل بخدمة السفاح والمنصور ، وهو مع ذلك كان يتشيع ويقول بالإمامة ، ~~وكذلك كان ولده ، وكان يقطين يحمل الأموال الى الصادق عليه السلام ونما خبره ~~الى المنصور والمهدي فصرف الله كيدهما عنه. # وتوفي علي بن يقطين بمدينة السلام بغداد عام 182 ، وصلى عليه ولي العهد ~~محمد الأمين بن الرشيد ، وتوفي أبوه يقطين من بعده عام 185 فرحمة الله ~~عليهما. ### ||| عمار الدهني : # أبو معاوية عمار بن خباب البجلي الدهني الكوفي ، ودهن حي من بجيلة ، كان ~~من عيون أصحاب الصادق عليه السلام الثقات وبيته من بيوتات الشيعة المعروفة ~~في الكوفة في يومهم ، وقيل : إن أباه يسمى بمعاوية أيضا. # قيل للصادق عليه السلام : إن عمارا الدهني شهد اليوم عند ابن أبي ليلى (1) PageV02P158 # قاضي الكوفة شهادة فقال له القاضي : قم يا عمار فقد عرفناك ، لا نقبل ~~شهادتك لأنك رافضي ، فقام عمار وقد ارتعدت فرائصه ، وقد استغرقه البكاء ، ~~فقال له ابن أبي ليلى : أنت رجل من أهل العلم والحديث إن كان ليسوؤك أن ~~يقال لك رافضي فتبرأ من الرفض وأنت من اخواننا ، فقال له عمار : ما ذهبت ~~والله حيث ذهبت ، ولكن بكيت عليك وعلي ، أما بكائي على نفسي فنسبتني الى ~~مرتبة شريفة لست من أهلها ، زعمت أني رافضي ، ويحك لقد حدثني الصادق ~~عليه السلام إن أول من سمي السحرة الذين شهدوا أنه موسى في عصاه ، ثم آمنوا ~~به واتبعوه ورفضوا أمر فرعون واستسلموا لكل ما نزل بهم ، فسماهم فرعون ~~الرافضة لما رفضوا دينه ، فالرافضي من رفض كلما كرهه الله ، وفعل كلما أمره ~~الله ، وأين في الزمان هذا ، فإنما بكيت علي خشية أن يطبع ms284 على قلبي وقد ~~تقبلت هذا الاسم الشريف على نفسي ، فيعاتبني ربى ويقول : يا عمار كنت رافضا ~~للأباطيل؟ عاملا للمطاعات كما قال لك؟ فيكون ذلك مقصرا لي في الدرجات أن ~~يسامحني ، موجبا لشديد العقاب على أن ناقشني ، إلا أن يتداركه مولى ~~بشفاعتهم ، وأما بكائي عليك فلعظم كذبك في تسميتي بغير اسمي وشفقتي الشديدة ~~عليك عذاب الله تعالى إن صرفت أشرف الأسماء إلي أن جعلتها أرذلها ، كيف ~~تصبر بذلك على عذاب كلمتك هذه ، فقال الصادق عليه السلام « لو أن على عمار ~~من الذنوب ما هو أعظم من السموات والأرضين لمحيت عنه بهذه الكلمات ، وأنها ~~لتزيد في حسناته عند ربه » الحديث. # وهذا كما ترى كاشف عن صلابة إيمانه ، وثباته في عقيدته وأن العواصف لم ~~تمل به ، وله كتاب يرويه جماعة من الثقات. PageV02P159 # وروى عن جماعة من أعلام السنة ، كما روى عنه منهم جماعة ومن ثم وثقوه مع ~~اعترافهم بتشيعه ، وذكره ابن النديم في الفهرست وعده من فقهاء الشيعة ، ~~وذكر في القاموس في دهن بني دهن وقال : بالضم حي منهم معاوية بن عمار ، ~~فقال في التاج : أبوه عمار يكنى أبا معاوية روى عن مجاهد وأبي الفضل وعدة ، ~~وعن شعبة والسفيانان ، وكان شيعيا ثقة مات سنة 133. ### ||| عمار الساباطي : # أبو اليقظان عمار بن موسى الساباطي ، كوفي سكن المدائن ، روى عن أبي عبد ~~الله وأبي الحسن عليهما السلام ، وقد نسب إلى الفطحية فإن صح فلا يخدش ذلك ~~في وثاقته في الرواية ، لا سيما بعد أن ورد فيه عن الكاظم عليه السلام قوله : # « استوهبت عمارا من ربي فوهبه لي » وقد ذكر ذلك الكشي في ثلاثة مواطن ص ~~164 و256 و313 ، وقد عدوه في الرؤساء الأعلام المأخوذ عنهم الحلال والحرام ~~، وقد عمل الأصحاب بأحاديثه ، وهو كثير الرواية ، ومن سبر كتب الحديث عرف ~~كثرة روايته ، وقال الشيخ في الفهرست : له كتاب كبير جيد معتمد. # وإن له أخوين هما قيس وصباح ، وقد رويا عن الصادق والكاظم عليهما السلام ~~وهما من ثقات رواتهما أيضا. ### ||| عمرو بن أبي المقدام : # عمرو بن أبي المقدام ms285 ثابت بن هرمز العجلي الكوفي ، روى عن السجاد والباقر ~~والصادق عليهم السلام ، وعداده في التابعين ، وقد سبق ( 1 : 136 ) قوله : ~~قال لي أبو عبد الله عليه السلام في أول دخلة دخلت عليه « تعلموا الصدق PageV02P160 # قبل الحديث ». # وهو القائل : اذا نظرت الى جعفر بن محمد عليهما السلام علمت أنه من سلالة ~~النبيين ، وقد روى الفريقان عنه هذه الكلمة ، وله مقام معروف عند الفرقتين ~~، وجاء عن الصادق عليه السلام فيه قول يدل على صلاحه وارتفاع مقامه عند الله ~~تعالى ، فقد قيل والصادق قاعد بفناء الكعبة : ما اكثر الحاج ، فقال ~~عليه السلام : ما أقل الحاج ، فمر عمرو بن أبي المقدام فقال : هذا من الحاج ~~، انظر الكشي ص 248. # وله كتاب يرويه عنه الثقات ، قال النجاشي : وله كتاب لطيف ، ثم ذكر سنده إليه. ### ||| ابن أبي نصر السكوني : # عمرو بن أبي نصر الأنماطي السكوني الشرعبي ، كان من الثقات الذين لا غمز ~~فيهم بوجه ، وله كتب يرويها عنه جماعة من الثقات وبعضهم من أصحاب الإجماع ، ~~وعداده في أصحاب الصادق عليه السلام . ### ||| عمر بن اذينة : # عمر بن اذينة ، روى عن الصادق عليه السلام مكاتبة ، وروى عن الكاظم ~~عليه السلام سماعا ، وكان شيخ أصحابنا البصريين وو جهم كما قال النجاشي ، ~~وكان قد هرب من المهدي ومات باليمن ، ولذا لم يرو عن الكاظم عليه السلام كثيرا. # وقال الكشي ص 215 : ويقال اسمه محمد بن عمر بن اذينة غلب عليه اسم أبيه ، ~~غير أنه ذكر أنه كوفي وهو ينافي ما ذكره النجاشي إلا أن يكون كوفي PageV02P161 # الأصل سكن البصرة وله كتاب الفرائض رواه عنه جماعة من الثقات. ### ||| عمر بن حنظلة : # أبو صخر عمر بن حنظلة العجلي البكري الكوفي ، روى عن الباقر والصادق ~~عليهما السلام ، وله عند أهل البيت منزلة رفيعة دلت على علو كعبه في الايمان ~~والوثاقة ، وقد قال فيه الصادق عليه السلام : إذن لا يكذب علينا هذا حين قال ~~للصادق عليه السلام يزيد بن خليفة (1) أن عمر بن حنظلة أتانا عنك بوقت ، كما ~~في فروع الكافي ، باب وقت الصلاة ، وقال ms286 له الصادق أيضا يا أبا صخر أنتم ~~والله على ديني ودين آبائي لنشفعن والله ، ثلاث مرات ، حين يقول عدونا : « ~~فما لنا من شافعين ولا صديق حميم » الى ما سوى ذلك مما جاء فيه ، فهو كما ~~ترى وتقرأ صادق عند الصادق عليه السلام ، وعلى دينه ودين آبائه ، وهم ~~الشفعاء له ولأمثاله ، وأي مقام أرفع من هذا؟ # وله عن الصادقين عليهما السلام حديث كثير ، رواه عنه أعيان الثقات ومنهم ~~بعض أصحاب الإجماع. ### ||| عمر بن علي بن الحسين عليهما السلام : # عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام مات وله 65 سنة ، ~~وقيل 70 ، قال الشيخ المفيد في إرشاده : كان فاضلا جليلا ، ولي صدقات النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم وصدقات أمير المؤمنين عليه السلام وكان ورعا PageV02P162 # سخيا وعن الباقر عليه السلام أنه قال : عمر بصري الذي أبصر به ، وهو جد ~~الشريفين المرتضى والرضي من قبل الأم ، وعن علم الهدى في شرح المسائل ~~الناصرية عند ترجمة أجداده من قبل أمة : وأما عمر بن علي بن الحسين ~~عليهما السلام ولقبه الأشرف فإنه كان فخم السيادة ، جليل القدر والمنزلة في ~~الدولتين معا الأموية والعباسية ، وكان ذا علم وقد روي عنه الحديث ، الى ~~غير هذا مما جاء في تقريظه وإطرائه. ### ||| الفضيل بن يسار : # الفضيل بن يسار النهدي عربي بصري ، روى عن الباقر والصادق عليهما السلام ، ~~ومات في أيام الصادق عليه السلام ، وهو ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح ~~عنهم ، والإقرار لهم بالفقه من الستة أصحاب أبي جعفر عليه السلام ، وكان أبو ~~عبد الله اذا نظر إليه مقبلا قال : بشر المخبتين ، وكان يقول : إن فضيلا من ~~أصحاب أبي ، وإني لأحب الرجل أن يحب أصحاب أبيه ، والأحاديث في فضله وصلاحه ~~كثيرة حتى قال الصادق عليه السلام : رحم الله الفضيل بن يسار وهو منا أهل ~~البيت ، وذلك حين أخبروه أن يده لتبقى الى عورته عند غسله ، ودلت بعض ~~الأحاديث أنه مستودع أسرار له ، وهل بعد هذا من كرامة وجلالة ووثاقة؟ رضوان ~~الله عليه. ### ||| أبو ms287 بصير : # ليث بن البختري أبو بصير المرادي الكوفي ، روى عن الباقر والصادق ~~عليهما السلام ، ومقامه أرفع من أن يطرى ، وكان من المقدمين عند الصادقين ~~عليهما السلام ، وللصادق فيه كلمات تكشف عن محل لا ينال ، ودرجة لا يساوقه PageV02P163 # فيها إلا قلائل من نخبة رجالهم ، وقد تقدم البعض منها في بريد العجلي مثل ~~قوله : أوتاد الأرض وأعلام الدين أربعة ، وعد منهم ليثا هذا ، وقوله : ~~أصحاب أبي كانوا زينا أحياء وأمواتا ، وعد منهم ليثا هذا ، وقوله : بشر ~~المخبتين بالجنة ، وعده منهم ، الى كثير سوى هذا ، وقد رأى في نفسه كرامات ~~من الصادق عليه السلام ، منها مسحه على عينيه حتى أبصر ثم إعادته الى حاله ~~الاولى ، ومنها نهيه عن دخوله عليه جنبا ، وكان قد دخل عليه وهو جنب ~~اختبارا. # وصفوة القول أن الرجل كان من أعاظم المحدثين ، وأعيان الفقهاء ، ومن نظر ~~في كتب الحديث عرف كثرة ما له من الحديث ، وهو من الستة أصحاب الباقر ~~عليه السلام الذين أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنهم والإقرار لهم بالفقه ~~، وشأنه اكبر من أن يذكر بوثاقة وجلالة قدر. ### ||| مؤمن الطاق # (1) محمد بن علي بن النعمان أبو جعفر والأحول الصيرفي الكوفي ، الملقب ~~بمؤمن الطاق عند الخاصة ، وبشيطان الطاق عند العامة ، ومن عرف مواقفه في ~~مناظرات أعلامهم في الإمامة اتضح له المنشأ في تلقيبهم إياه بهذا اللقب ، ~~وبغضهم له ، فإن الحق ثقيل على النفس. # وهو يروي عن الصادقين عليهما السلام ، وجاء فيه ثناء جميل وتقريظ ومدح من ~~إمامه ومثقفه الصادق عليه السلام ، منها قوله : زرارة بن أعين ، ومحمد بن ~~مسلم ، وبريد بن معاوية العجلي ، والأحول أحب الناس إلي أحياء وأمواتا ، ~~الى ما سوى ذلك. PageV02P164 # وحديثه شائع في كتب الحديث ، ومن نظر في مناظراته عرف كيف كان قوي الحجة ~~، شديد العارضة ، سريع الجواب ، نبيه الخاطر ، ذكي القلب ، وكان في طليعة ~~متكلمي الامامية ، على أن له القدح المعلى في الفقاهة. # وشأنه أرفع من أن يطنب في إطرائه ، وأعرف من أن يكثر الكلام في تعريفه. ### ||| محمد بن مسلم : # محمد بن مسلم ms288 الثقفي الكوفي القصير ، روى عن الصادقين عليهما السلام وأدرك ~~زمن الكاظم عليه السلام ، وكان من الأفذاذ الذين لا يأتي بهم الدهر إلا صدفة ~~، وقد كان المثل الأعلى في الصلاح والطاعة لأئمته ، والامتثال لأوامرهم ، ~~والاقتداء بسيرتهم ، والأمين عند جماعة الناس ، فكان فضله وصلاحه معروفين ~~حتى عند من يخالفه في سيرته وسريرته ، غير أنهم طعنوا فيه بالرفض ، الذي ~~كان يراه وأهل طريقته سمة جميلة ، ومفخرة سامية ، ولربما رجعوا إليه فيما ~~أشكل عليهم أمره ، وجهلوا الحكم فيه ، ولو لا الإطالة لأوردنا من ذلك أمثلة. # وقد عد فقيه عصره ، الذي هو خيرة العصور في الفقه والفقهاء حتى قال فيه ~~عبد الرحمن بن الحجاج ، وحماد بن عثمان ، وهما من علمت : ما كان أحد من ~~الشيعة أفقه من محمد بن مسلم ، وأن فقهاء عصره هم الذين حفظوا شرع أحمد ~~المختار صلى الله عليه وآله وسلم كما قال ذلك إمامهم الصادق عليه السلام ، وكيف ~~لا يكون الفقيه الأوحد وقد سمع من أبي جعفر عليه السلام ثلاثين ألف حديث ، ~~ومن أبي عبد الله عليه السلام ستة عشر ألف حديث ، ومن ألقى نظرة على كتب ~~الحديث عرف كيف بلغت روايته كثرة ووفرة. # وأما ثناء أئمته عليه فهو جم كثير ، وقد سبق بعضه في بريد العجلي ، ولو أردنا PageV02P165 # استيفاء ما جاء فيه لخرجنا عن الصدد ، وهو من الستة أصحاب أبي جعفر ~~عليه السلام الذين أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنهم والإقرار لهم ~~بالفقه. # وكانت وفاته عام 150 ، وله نحو من سبعين سنة ، فيكون قد أدرك من عصر أبي ~~الحسن عليه السلام سنتين ، فرضوان الله عليه. ### ||| مرازم : # مرازم بن حكيم الأزدي المدائني ، روى عن الصادق والكاظم عليهما السلام ، ~~وقتل أيام الرضا عليه السلام ، وكان مرازم هذا مع الصادق هو ومصادف مولى ~~الصادق لما بعث عليه المنصور الى الحيرة ، ولما سمح له بالعودة سار من ~~الحيرة في أول الليل فعارضه عاشر ، وحال بينه وبين المسير فطلب مصادف من ~~الإمام أن يستعين هو ومرازم هذا على قتله ، فأبى عليه الإمام ، وما زال ms289 ~~الإمام بالعاشر حتى رضي بعد أن ذهب اكثر الليل ، وهذا يدلنا على اختصاصه ~~بالإمام وشدة حبه وولائه له ، وامتثاله لأمره. # وقال النجاشي وغيره : إنه ممن بلي باستدعاء الرشيد له وأخوه (1) أحضرهما ~~الرشيد مع عبد الحميد بن غواص (2) فقتله وسلما ، فرحمة الله عليه وألحقه الله PageV02P166 # بالرفيق الأعلى مع أئمته الأطهار. ### ||| مسمع كردين : # مسمع كردين أبو سيار بن عبد الملك ، عربي صميم من بكر بن وائل ومسمع اسمه ~~وكردين لقبه ، قال النجاشي ص 298 : شيخ بكر بن وائل بالبصرة ووجهها وسيد ~~المسامعة ، روى عن أبي جعفر عليه السلام رواية يسيرة وروى عن أبي عبد الله ~~عليه السلام واكثر واختص به ، وقال له أبو عبد الله عليه السلام : إني لأعدك ~~لأمر عظيم يا أبا سيار ، وروى عن أبي الحسن موسى عليه السلام وله نوادر ~~كثيرة ، انتهى. # وله أخبار كثيرة تشهد بتمسكه الشديد بأهل البيت عليهم السلام وإطاعته ~~لإمامه ، وإخراجه لحقوق أمواله على كثرتها ، بل أراد أن يجمع كل ماله ~~ويحمله الى الإمام ولكن الإمام أبى عليه ذلك ، بل سمع له بحق ماله الذي ~~حمله إليه. ### ||| معاوية بن عمار : # معاوية بن عمار بن خباب البجلي الدهني الكوفي ، وقد سبق ذكر أبيه عمار ، ~~وكان معاوية وجها من أصحابنا مقدما كبير الشأن ، فوق عظم المحل والوثاقة ، ~~وفي الوسائل كتاب النكاح باب نظر المملوك الى مالكه قول الصادق عليه السلام ~~له : « يا بني » وهذا مما يرشدك الى عطفه عليه وحبه له وعنايته به ، وهل ~~اكبر مقاما من إحلاله له هذا المحل. # وقد سبق في عمار ذكر صاحب القاموس له في دهن وصاحب التاج لأبيه عمار ، ~~وهذا مما يدل على معروفية معاوية وأبيه عمار ، وشهرتهم بالتشيع. PageV02P167 ### ||| معروف بن خربوذ : # معروف بن خربوذ المكي ، روى عن السجاد والباقر والصادق عليهم السلام ، وهو ~~من الستة أصحاب أبي جعفر الذين أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنهم ~~والإقرار لهم بالفقه ، وقد جاءت فيه أحاديث دلت على جلالته وكبير مقامه ، ~~بل وكونه من أهل الأسرار ، وكان من العباد الطويل سجودهم. ### ||| المعلى بن ms290 خنيس : # المعلى بن خنيس مولى أبي عبد الله عليه السلام ، إن من تتبع أحاديثه عرف ~~أنه من أهل الفقه والمعرفة بمنزلة الإمام ، ومن أعيان الأصحاب ، والذي يدل ~~على علو مقامه عند الإمام حزن الإمام على قتله ، وخروجه من داره مغضبا يجر ~~رداءه وإسماعيل ابنه خلفه ، وهو يقول « إن المرء يصبر على الثكل ولا يصبر ~~على الحرب » حتى دخل على قاتله داود بن علي العباسي والي المنصور ، وقال له ~~: يا داود قتلت مولاي وأخذت مالي ، وما هدأ حاله حتى اقتص ممن قتله ، وهو ~~السيرافي صاحب شرطة داود ، ولما قدموه لأن يقتل اقتصاصا جعل يصيح : يأمروني ~~أن أقتل لهم الناس ثم يقتلونني. # وقال الصادق عليه السلام لما قتل المعلى : أما والله لقد دخل الجنة ، وقال ~~: أف للدنيا ، سلط الله فيها عدوه على وليه ، الى ما سوى ذلك مما يشهد له ~~بالمنزلة الرفيعة ، وما قتله داود إلا لأنه كان من قوام أبي عبد الله ~~عليه السلام ، وبعث عليه ليدله على شيعة الصادق وأصحابه ، فأبى عليه المعلى ~~فهدده بالقتل إن لم يخبره فأصر على الكتمان ، وهذا شاهد على تحرجه في الدين ~~، وسخائه بنفسه PageV02P168 # دون تلك الصفوة المنتجبة ، فرضوان الله عليه وعليهم ، وقد سبق ذكره في « ~~1 : 122 و259 ». ### ||| المفضل بن عمر : # أبو عبد الله المفضل بن عمر الجعفي الكوفي ، روى عن الصادق والكاظم ~~عليهما السلام وجمع من فواضل الخصال ما قل أن يجمعه سواه من فقهاء الرواة ~~وأعيان الثقات ، فهو قد جمع الى العلم الجم ، والفضل الغزير ، والصلاح ~~والورع ، الوكالة عن الإمامين عليهما السلام ، يجمع لهما حقوق الأموال ، ~~ويصلح ما بين الناس من أموالهما ، ويداري الضعفاء امتثالا لأمرهما ، الى ~~غير هذا من كريم الصفات ، وكفى به نبلا ومعرفة أن يعتمدا عليه في هذه ~~المهمة الكبرى ، التي يحتاج القائم بها الى سعة صدر ، وعلو همة ، وجد في ~~قضاء حوائج إخوانه ، وإيمان كامل ، وأن أعماله لتشهد بكفاءته للاعتماد ، ~~وقد جعله الصادق وكيله بعد مضي عبد الله بن أبي يعفور كما سلف في عبد الله ~~، وكيف ترى ms291 أهلية من يكون خلفا عن مثل ذلك السلف ، وما زال مضطلعا بأعباء ~~هذه الوكالة مع كثرة رجالهما في الكوفة الى أن وافاه القدر المحتوم ، وهو ~~محمود السيرة زكي السريرة. # وكفى من رفيع مقامه أن يقول فيه أبو عبد الله عليه السلام « نعم العبد ~~والله الذي لا إله إلا هو المفضل بن عمر الجعفي » حتى أحصي عليه بضعا ~~وثلاثين مرة يقولها ويكررها ، ويقول فيه أبو الحسن عليه السلام بعد موته « ~~إن المفضل كان انسي ومستراحي » وقال أيضا « رحم الله المفضل قد استراح » ~~الى كثير من أمثال هذا البيان ، وجملة القول إن الرجل أرفع شأنا من أن يذكر ~~بتوثيق ، وأجل مقاما من أن يزان بثناء. # وله كتب رواها عنه جملة من الثقات ، وإليه تنسب رواية التوحيد PageV02P169 # والاهليلجة عن الصادق عليه السلام ، كما سبق « 1 : 149 و164 ». ### ||| ميسر بن عبد العزيز : # ميسر بن عبد العزيز النخعي الكوفي المدائني ، روى عن الصادقين ~~عليهما السلام ، وروى عنه عدة من أعيان الثقات ، وكثير منهم من أصحاب ~~الإجماع ، وعده ابن شهر اشوب في المناقب من خواص الصادق عليه السلام وقيل ~~إنه توفي أيام الصادق عام 136. # والثناء عليه كثير كقول أبي جعفر عليه السلام « يا ميسر أما أنه قد حضر ~~أجلك غير مرة ولا مرتين ، كل ذلك يؤخر الله بصلتك لقرابتك » وجاء مفاد هذا ~~الحديث مكررا ، وكقوله أيضا له « إني لأحب ريحكم وأرواحكم ، وإنكم على دين ~~الله ودين ملائكته » الى ما سوى هذه الأحاديث الشاهدة له بالكرامة ~~والجلالة. ### ||| هشام بن الحكم : # (1) أبو محمد هشام بن الحكم مولى كندة ، وقد يكنى بأبي الحكم ، روى عن ~~أبي عبد الله وأبي الحسن عليهما السلام ، وله كتب كثيرة ذكرها الرجاليون في ~~ترجمته. # وكان سابقا في الكلام لا يشق غباره ، ومجليا قد أمن فيه عثاره ، ~~ومناظراته في فنونه ترشدك الى تلك القوة في الحجة ، وفله لحجج مناظريه ، ~~وكان الصادق عليه السلام يمنع أصحابه من المناظرة والخصام إلا شاذا منهم ، ~~وكان هشام في طليعة من سمح له ، وكان الصادق عليه السلام يحترمه ويقدمه وهو ms292 ~~شاب على PageV02P170 # شيوخ أصحابه ذوي الرتب العلية ويقول فيه « هذا ناصرنا بقلبه ولسانه ويده ~~» ويقول فيه أيضا « هشام بن الحكم رائد حقنا ، وسائق قولنا ، المؤيد لصدقنا ~~، والدامغ لباطل أعدائنا ، من تبعه وتبع أثره تبعنا ، ومن خالفه وألحد فيه ~~فقد عادانا وألحد فينا » الى كثير سوى ذلك. # وقد اثنى عليه غير الصادق عليه السلام من أئمة أهل البيت كالرضا ~~عليه السلام في قوله « كان عبدا صالحا » وكالجواد عليه السلام في قوله : « ~~رحمه الله ما كان اذبه عن هذه الناحية » الى كثير من أمثال هذا. # وإن أمثال هذه الكلمات من أئمة أهل البيت في شأنه لتغني الفطن اليقظ عن ~~تنميق كل ثناء ، ونسج كل مدح ، وإن هذه الكلم الفارطة تريك موقف الرجل في ~~الذب عن الحق ، ومحاربة الباطل ، وإن صارم مقوله في الدفاع عن الإمامة أمضى ~~من مائة ألف سيف ، كما يقول الرشيد ، وهل هو إلا الرجل الفرد الذي فتق ~~الكلام في الإمامة وهذب المذاهب بالنظر ، وقد أسرع إليه الموت من جراء تلك ~~المناظرات في الإمامة ، وذلك حين علم بمكانه الرشيد وخافه على نفسه ، فهرب ~~الى الكوفة فزع القلب ، فمات بهذا الفزع ، وقيل إن موته كان عام 179. # وجاءت فيه بعض المطاعن ، ومثله بتلك المنزلة في الذب عن أهل البيت ذلك ~~الذب الذي ما زال أثره حيا حتى اليوم ، كيف لا يحتال حساده وأعداؤه في ~~إنقاصه ، وهدم ما بناه ، على أنه قد يطعن فيه الإمام نفسه ليدفع بذلك عنه السوء. ### ||| هشام بن سالم : # هشام بن سالم الجواليقي الجعفي العلاف ، روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن PageV02P171 # عليهما السلام ، وكان من المجلين في الكلام ، الذين أشرقوا أعداءهم بالريق ~~، وألزموهم الحجة ، وأوضحوا للناس المحجة ، وكان ممن سمحوا له بالمناظرة ~~والكلام ، ولو كان يخشى من عثاره ، ويخاف من سقوطه ، ما سمحوا له بتلك ~~المخاصمات في يوم فيه العلم قد حلق بأعلى الجو ، والسلطة عدوة أهل البيت ~~ونصيرة مخاصميهم في الإمامة ، بل وفي كل فن وعلم. # وما كان متخصصا بالكلام فحسب ، بل كان من أجلة الفقهاء الكرام ms293 وجاءت فيه ~~مدائح دلتنا على علو مقامه ، ورفيع قدره. # وجاءت فيه مطاعن كما جاءت في غيره من أجلة أنصار أهل البيت وأصحابهم ~~الثقات ، والجواب عنها عامة مفهوم ، كما أنهم يذكرون الجواب عن كل طعن طعن ~~، وكيف يصح في أمثال هؤلاء الأعاظم قدح ، وهل قام دين الحق ، وظهر أمر أهل ~~البيت إلا بصوارم حججهم ، وقواطع براهينهم ، فهم من المجاهدين في الله ~~الذين لا تنهض لمواضي ألسنتهم وأدلتهم الجيوش والعساكر ، والسلطان ~~والإرهاب. ### ||| يونس بن يعقوب : # يونس بن يعقوب البجلي الدهني الكوفي ، روى عن الصادق والكاظم ~~عليهما السلام ، ومات في عهد الرضا عليه السلام بالمدينة ، فبعث إليه بحنوطه ~~وكفنه وجميع ما يحتاج إليه ، وأمر مواليه وموالي أبيه وجده أن يحضروا ~~جنازته ، وأمر بدفنه بالبقيع ، وأي كرامة أعظم من هذه. # وكان من أعلام الفقهاء ورؤسائهم الذين يؤخذ عنهم الحلال والحرام وكان ~~وكيلا لأبي الحسن موسى عليه السلام وذا حظوة عند الأئمة عليهم السلام ، ووردت ~~فيه عنهم عدة أحاديث تدل على جليل منزلته عندهم ، وكبير عنايتهم PageV02P172 # به ، مثل قول الكاظم عليه السلام « فنحن لك حافظون » وقول الصادق أو ~~الكاظم عليهما السلام « إنما أنت منا أهل البيت ، فجعلك الله مع رسوله وأهل ~~بيته ، والله فاعل ذلك إن شاء الله » الى ما سوى هذه ، فبهذا ومثله تتجلى ~~حاله من الجلالة وعظم المقام ، فضلا عن الوثاقة في الرواية. # وبهذا نختم الكلام عن المشاهير من ثقات الرواة لأبي عبد الله عليه السلام ~~، الذين أخذوا عنه معالم الدين ومكارم الأخلاق وسائر العلوم ، ومن ذلك تعرف ~~قدر الرواة والرواية عنه ، ومبلغ العلوم والفنون المروية عنه ، والمأخوذة منه. # * * * PageV02P173 ### | مواليه # كان لأبي عبد الله عليه السلام موال كثيرة ، ولكن الذي جاء في ترجمة معتب ~~الآتي ذكره أنهم عشرة وقال عليه السلام « وفيهم خائن فاحذروه وهو صغير » ولم ~~يضبط أنه بالفاء ، أو بالعين المهملة فيكون اسما ، أو بالغين المعجمة فيكون ~~وصفا ، على أنه يحتمل أن يكون اسما أيضا ، وعلى أي حال فإن الذي وجدته منهم ~~يتجاوز العشرة ، ولعلهم كانوا عشرة في وقت من الأوقات ms294 ، ونحن نستطرد ذكر من ~~عثرنا عليه منهم : ### ||| 1 المعلى بن خنيس : # كان المعلى بن خنيس من موالي أبي عبد الله عليه السلام الذين يعتمد عليهم ~~في تدبير شئونه ، ومن الثقات الذين قد يفضي إليهم بسره ، وكان من مشاهير ~~الثقات من رواته ، كما ذكرناه فيهم. ### ||| 2 معتب (1) # ومنهم معتب ، وقد عده الرجاليون في أصحاب الصادق والكاظم PageV02P174 # عليهما السلام ، وعن الصادق أن مواليه عشرة ، وأن خيرهم وأفضلهم معتب وقال ~~: وفيهم خائن فاحذروه ، وهو صغير ، وفي آخر قال عليه السلام : موالي عشرة ~~خيرهم معتب ، وما يظن معتب إلا أني أحق الناس. # وروى عنه من مشاهير الثقات وأعيانهم أمثال يونس بن يعقوب والمعلى بن خنيس ~~، وإسحاق بن عمار ، وغيرهم ، ومن هذا ومثله تعرف أنه من أهل المعرفة ~~والفضيلة ، والوثاقة في الحديث ، وقد وثقه العلامة في الخلاصة من دون ريب وتوقف. ### ||| 3 مسلم : # ومنهم مسلم ، وعن أبي الحسن عليه السلام أن مسلما سندي ، وأن الصادق جعفر ~~عليه السلام قال له « أرجو أن تكون وفقت الاسم » وعنه عليه السلام « إن مسلما ~~علم القرآن في النوم وأصبح قد علمه » ، وروى عن الرضا عليه السلام مثله ، ~~وبعض الأحاديث تدل على موالاته للإمام بل ومن أهل سره. ### ||| 4 مصادف : # ومنهم مصادف ، وعده أرباب الرجال في أصحاب الصادق والكاظم عليهما السلام ، ~~وروى عنه من أعلام الثقات أمثال الحسن بن محبوب ، وعلي بن رئاب وغيرهما ، ~~وهذا شاهد على وثاقته وعرفانه بالحديث ومقام الإمامة. # وهو الذي أرسله الصادق عليه السلام الى مصر ببضاعة قدرها ألف دينار ، وعاد ~~وربحها ألف دينار ، فاستكثر الصادق الربح ، فأعلمه مصادف أن المتاع الذي ~~معهم ليس منه شيء في مصر ، فحلفوا ألا يبيعوه إلا بربح دينار دينارا ، PageV02P175 # فأنكر الصادق عليه السلام هذا الحلف وهذا الربح وعده حراما ، فأخذ الأصل ~~وترك الربح ، وقال له : يا مصادف مجالدة السيوف أهون من طلب الحلال ، وقد ~~ذكرنا هذا في عطفه « 1 : 233 ». # وهو الذي كان مع الإمام عليه السلام ومرازم معهما لما استدعاه المنصور الى ~~الحيرة ، ولما سمح له المنصور بالرجوع الى ms295 المدينة خرج ليلا فمنعه عاشر ~~هناك عن الذهاب فحاول مصادف ومرازم أن يقتلاه فأبى عليهما الإمام ، وما زال ~~الإمام بالعاشر حتى اقتنع فخلا عن السبيل ، وقد مضى اكثر الليل فقال الصادق ~~: يا مرازم هذا خير أم الذي قلتماه ، وقد ذكرنا ذلك في حلمه « 1 : 232 » ~~وفي مرازم من هذا الجزء. ### ||| 5 سعيد الرومي : # ومنهم سعيد الرومي ، وعده الشيخ طاب ثراه في رجاله من أصحاب الصادق ~~عليه السلام ، وروى عنه ابن مسكان وأبان وحماد وهؤلاء ممن أجمعت العصابة على ~~تصحيح ما يصح عنهم والإقرار لهم بالفقه ، كما سبق في تراجمهم ، وهذا دليل ~~واضح على وثاقته في الرواية ، واعتماد هؤلاء الأعيان الثقات عليه ، وعلى ~~معرفته بالحديث والأحكام ، وأخذه عن الإمام. ### ||| 6 صباح : # ومنهم صباح ، والظاهر أنه بتخفيف الباء الموحدة ، وكان عداده في أصحاب ~~الصادق عليه السلام ، وهذا يدل أن له رواية عنه ، وحظا للأخذ منه ، ودلالة ~~على المعرفة بالإمام وكفى بها توفيقا وسعادة ، زيادة على السعادة بخدمه PageV02P176 # الإمام عليه السلام ، والقيام بحوائجه. ### ||| 7 طاهر : # ومنهم طاهر ، ولم يذكر في ترجمته غير أنه من أصحاب الصادق عليه السلام ، ~~وهذا كما ذكرناه في صباح كاشف عن أخذه عن سيده وروايته عنه وهو سعادة وحظوة ~~، ودلالة على المعرفة. # والظاهر أن طاهرا الذي روى عتاب الصادق عليه السلام لابنه عبد الله الأفطح ~~وتوبيخه على ما لا يرضاه الإمام من فعله ، هو طاهر هذا مولى الصادق ~~عليه السلام . ### ||| 8 عباس بن زيد : # ومنهم عباس بن زيد وهو مدني ، وعداده في أصحاب الصادق عليه السلام ، وأن ~~له أحاديث ، ولم يذكر فيه اكثر من هذا. # وإن خدمة الإمام حظوة كبرى ، والنظر الى وجهه الكريم كل حين من أسعد ~~الطوالع ، والأخذ عنه والانتهال من نميره من أفضل الباقيات الصالحات ، لو ~~كان يفعله المرء عن بصيرة ومعرفة وقصد وإرادة ، منتبها الى هذه الكرامة ~~العظمى ، شاكرا الله على بلوغ هذه النعمة السابغة. ### ||| 9 الفضيل : # ومنهم الفضيل ، وعداده أيضا في أصحاب الصادق ، وقد وقع في طريق الصدوق في ~~باب نوادر الوصايا ، ولم يذكر ms296 بشيء اكثر من هذا. PageV02P177 ### ||| 10 المغيرة # ومنهم المغيرة ، وعدوه في أصحابه عليه السلام وأن له رواية وهذا كل ما ~~يذكر فيه. ### ||| 11 موسى # ومنهم موسى ، وعداده في أصحابه عليه السلام ، وهذا كل ما يذكر فيه ، وهذا ~~كما عرفت حظ سعيد ، وتوفيق رفيع يسوقه ولي التوفيق جل شأنه. ### ||| 12 نصر بن ساعد # ومنهم نصر بن ساعد ، وقد ذكروا فيه أن له رواية عن أبي عبد الله ~~عليه السلام وهو كسوابقه ممن حظي بالكرامة والتوفيق. ### ||| 13 سالمة # ومنهم سالمة ، وقد عدها الشيخ طاب ثراه في رجاله من أصحاب الصادق ~~عليه السلام ، وهي التي روت أنها كانت عند أبي عبد الله عليه السلام حين ~~حضرته الوفاة وقد اغمي عليه ، ولما أفاق قال « اعطوا الحسن الأفطس سبعين ~~دينارا ، واعطوا فلانا كذا ، وفلانا كذا » فقلت : أتعطي رجلا حمل عليك ~~بالشفرة يريد أن يقتلك ، قال : أتريدين ألا اكون من الذين قال الله عز وجل ~~فيهم : « والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء ~~الحساب » (1) وقد سبق ذلك في هباته السرية « 1 : 229 » وفي حاله PageV02P178 # عند الموت من هذا الجزء ص 104. # ومن هذه الرواية يستفاد أن سالمة كانت مقربة لدى الإمام عليه السلام يصغي ~~لكلامها ، ويجيب عنه من دون زجر وردع بل بالتعليم والوعظ. # هذا آخر ما توفقت له من التحبير عن شخصية الإمام الصادق عليه السلام ، ~~راجيا منه جل شأنه أن يجعله خالصا لوجهه الكريم وأن يعفو عما زل به القلم ، ~~ويسمح لي ما خالط قصدي فيه ما لا يرتضيه. # كما أرجو من سيدي أبي عبد الله عليه السلام أن يغمرني بألطاف قبوله لهذه ~~الهدية المزجاة التي أرفعها لمقامه الكريم ، فإن الهدايا على مقدار مهديها. # وله الحمد كما بدأ يعود ، والصلاة والسلام على خيرته من العباد ، محمد ~~المصطفى ، وعترته الأطايب الأمجاد. # * * * PageV02P179 ### ||| * الى القارئ الكريم # لعلك تجد كما أجد هذه الصحائف غير كافلة بالابانة عن تلك الشخصية الفذة ~~الكريمة الإمام الصادق ولا بدع فإن المرتقى ليس بسهل فالقصور عذري الذي ~~سجلته واسجله على ms297 نفسي أبدا ، ولا أدفع التقصير. # وأرجو أن تتحفني بعد أن تجيل الطرف فيها بما يحضرك من ملاحظات ، فإن أحب ~~اخواني من أهدى إلي عيوبي ، لنتدارك ذلك في طبعة اخرى. # محمد الحسين المظفر PageV02P180 ms298