######OpenITI# #META# URI: 1381MuhammadShafiqGhurbal.MinZawiyatQahira.Hindawi26859690 #META# Tags: history #META# ID: 26859690 #META# Title: من زاوية القاهرة #META# AuthorID: 26391794 #META# Author: محمد شفيق غربال #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # 1 - نظرات في التاريخ العربي‏ # 2 - رجال غيروا وجه التاريخ‏ # 1 - نظرات في التاريخ العربي‏ # 2 - رجال غيروا وجه التاريخ‏ # | من زاوية القاهرة # | من زاوية القاهرة # تأليف # محمد شفيق غربال # الفصل الأول # | نظرات في التاريخ العربي # ذكر الكندي، صاحب كتاب فضائل مصر أن أميرا من أمرائها قال يوما، وهو بالميدان الذي ~~يلي الفسطاط: أتتأملون الذي أرى؟ # قالوا: وما الذي يرى الأمير؟ # قال: أرى ميدان رهان، وجنان نخل، وبستان شجر، ومنازل، وذروة جبل، ونهرا عجاجا، وأرض ~~زرع، ومرعى ماشية، ومرتع خيل، وصائد بحر، وقانص وحش، وملاح سفينة، وحادي إبل، ومغارة ~~رمل، سهلا وجبلا في أقل من ميل في ميل. # في هذه الرقعة صورة مصر، وفي هذا المركز - الفسطاط القاهرة - قلب مصر، ومصر تتوسط ~~العالم العربي، ومن زاوية القاهرة نطلع فنرى حلقاته وأدواره متناسبة متوازنة، كل حلقة ~~في مكانها، وكل دور في موضعه، لا يطغى شيء على شيء، الضوء موزع التوزيع العادل، والظلال ~~كذلك. # وكانت مصر المركز لأسباب، منها: توسطها الجغرافي الظاهر، ومنها: أنها المرآة الصادقة ~~لظاهرة عربية عامة، ظاهرة التركيب العجيب للأصل والوافد من عناصر الحضارة العربية «وهذه ~~ظاهرة سيزداد تفصيلها فيما يلي بعد قليل»، ومنها ثالثا: أن مصر وحدها، مصر دون سائر ~~الأقطار العربية اتصلت أدوار تاريخها في نسق محكم مسبوك. # أما والأمر كذلك فلنا أن ننظر من زاوية القاهرة، وهذا دون افتئات ودون ~~تجن. # فإذا ما فعلنا ذلك فماذا ينطبع في الذهن بعد نظرة شاملة نافذة فاحصة ...؟ تنطبع حقيقة ~~يمكن التعبير عنها بالقول: # إن تاريخ الأمة العربية هو ملتقى تواريخ الأمم، هو من تلك التواريخ بمثابة ~~النهر الكبير تصب فيه الجداول، وتلتقي في مائه أمواه الفروع. ألا ترى أصحاب ~~الكتب العربية التاريخية العامة يبدءون بشتى الأمم والشعوب، ثم يسيرون بها ~~رويدا رويدا إلى أن يبلغوا زمن الرسالة وقيام الدولة العربية، وحينئذ يسلكون ~~تواريخ الأمم في تاريخ الأمة العربية. # ولنتأمل قليلا تركيب تلك الدولة العربية، وتركيب تاريخها. في هذا التاريخ يندمج كل ~~ما يتعلق بالجزيرة العربية قبل الإسلام، بقبائلها وممالكها ms01 وأيامها وأحوالها وآدابها، ~~هذه جزء لا يتجزأ من تاريخ الأمة العربية، ثم إذا ما انتقلنا من الجزيرة نحو البلاد ~~التي فتحها العرب، والتي انتشروا فيها، والتي استعربت شعوبها بأقدار متفاوتة من ~~الاستعراب، فإننا نجد تلك الشعوب متحضرة بحضارات، هي في ذاتها تتركب أيضا من عناصر ~~أصيلة وطارئة، وفي مختلف الأقطار التي استوطنها العرب يتنوع امتزاج عناصر الحضارة ~~تنوعا كبيرا. # وتلك العناصر هي: الهندية، الإيرانية، الأرامية، اليونانية، المصرية، الإفريقية، ~~البربرية، اللاتينية، الجرمانية، الكلنية ... إلخ، وتركبت في مختلف الأقطار من هذه ~~العناصر تراكيب متعددة، ففي أقصى الشرق يقل الأثر الإفريقي البربري الجرماني اللاتيني، ~~وفي أقصى الغرب يقل الأثر الهندي الإيراني، ولكنها دخلت جميعا في تركيب الحضارة ~~العربية، وإن تلونت تلك الحضارة في مختلف الأقطار العربية بألوان متأثرة بموقع القطر ~~وبظروفه التاريخية السابقة للفتح العربي. # ترى إذن أن لا بد لفهم التاريخ العربي من فهم التواريخ التي التقت به، والعجيب في ~~أمر حضارة هذه الأمة العربية أن تناسب أجزائها، وانتظام عناصرها في نسق محبوك مسبوك ~~يرجع إلى وضوح الملامح، وبروز التقاسيم، فلا يصعب على الناظر تبين كل جزء وكل تفصيل. ~~كتب أحد الأقدمين في صفة أهل الأندلس كتابة تطلعنا على تلك الخاصية من خصائص الحضارة ~~العربية قال: (وقد روى كلامه الأستاذ محمد كرد علي في كتابه: الإسلام والحضارة العربية) ~~«أهل الأندلس عرب في الأنساب، والعزة والأنفة، وعلو الهمم، وفصاحة الألسن، وطيب النفوس، ~~وإباء الضيم، وقلة احتمال الذل، والسماحة بما في أيديهم، والنزاهة عن الخضوع وإتيان ~~الدنية، وهنديون في إفراط عنايتهم بالعلوم، وحبهم فيها، وضبطهم لها ورواياتهم، ~~وبغداديون في ثقافتهم، وظرفهم، ورقة أخلاقهم، ونباهتهم، وذكائهم، وحسن نظرهم، وجودة ~~قرائحهم، ولطافة أذهانهم، وحدة أفكارهم، ونفوذ خواطرهم، يونانيون في استنباتهم للمياه، ~~ومعاناتهم لضروب الغراسات، واختيارهم لأجناس الفواكه، وهم أصبر الناس على مطاولة التعب ~~في تجويد الأعمال وتحسين الصنائع، وأحذق الناس بالفروسية، وأبصرهم بالطعن ~~والضرب.» # وإذا سألنا: لم صفت عقول الفاتحين ذلك الصفاء الذي مكنها من تلقي ما تلقت من ~~مختلف الثقافات على ذلك النحو الرائع الذي ms02 لم ير له التاريخ فيما نعرف نظيرا؟ وإذا ~~سألنا: لم حافظوا على التراث الإنساني تلك المحافظة الباهرة؟ أجبنا بأن ذلك يرجع أولا ~~لما فرضه عليهم دينهم نصا وروحا، لما رسمته أوامره ونواهيه، شريعة وأحكاما ومثلا، ~~كما أنه يرجع ثانيا إلى ظروف الفتوح، وإلى ظروف الاستيطان في الأقاليم، فكانوا حقا ~~أمة وسطا. # ومن الصور المشرفة في التاريخ العربي توسط مقوماته بين طرفي الإفراط والتفريط، ~~فارتقاء الحسيات يقابله ارتقاء مماثل للمعنويات، والعناية بالزراعة وما يتصل بها من ~~الغراسات، والتفنن في الاستنبات، والبراعة في جر المياه وصرفها، لا تقل عن العناية ~~بالصناعات، والزراعة والصناعة شأنهما لا يقل عن شأن التجارة وما يتصل بها من تنظيم ~~وطرائق إنهاء الحقوق والادخار والائتمان، والألفاظ المتصلة بهذا والتي دخلت اللغات ~~الأجنبية تدل على ما كان للعرب من أصالة في هذه الشئون. # وإذا ما انتقلت من هذا إلى الحياة العقلية، ترى أن ما صرف من العناية في الأبحاث ~~النظرية وازنه الانتباه إلى التطبيقات العملية، مثل ذلك يقال عن الحياة الروحية، ~~فلا إسراف عموما في رعاية ما يوجبه حق الجماعة، وما يقتضيه حق الفرد. # هذا وإذا كان التاريخ العربي ملتقى التواريخ، فإن الحرية العربية حياة الأمة العربية ~~اتصفت هي أيضا بصفة أساسية، هي التنوع في إطار الوحدة، وإلى هذه الصفة ترجع قوتها في ~~الماضي، وهذه الصفة هي التي تفسر كيف أنه كلما ازداد عرب اليوم تقاربا، كلما كانت ~~خصائصهم الإقليمية سببا من أسباب التكامل، وعاملا من عوامل تبادل المنافع. # وبعد؛ فما لب الأمة العربية، ما خلاصة تاريخها، ما جماع عقلها أو روحها؟ إن أردنا ~~إجابة في كلمة واحدة قلنا: اللغة العربية، والعربية بصفة أساسية شأنها شأن التاريخ ~~العربي، أنزل بها كتاب الله، وبنى الأوائل علومها على القواعد وبالأساليب التي أقاموا ~~عليها وبها سائر المرافق والأدوات والرسائل، وقد نقل المرحوم الأستاذ/محمد كرد علي في ~~كتابه الإسلام والحضارة العربية رأيا في العربية لعالم اللغات السامية «رنان» يصح ~~الاستماع إليه، ولم يكن رنان هذا ممن يحبون العرب، قال: «من أغرب ما وقع ms03 في تاريخ البشر ~~وصعب حل سره، انتشار اللغة العربية، فقد كانت هذه اللغة غير معروفة بادئ بدء، فبدت فجأة ~~على غاية الكمال، سلسلة أية سلاسة، غنية أي غنى، كاملة بحيث لم يدخل عليها منذ ذلك ~~العهد إلى يومنا هذا أدنى تعديل مهم، فليس لها طفولة ولا شيخوخة، ظهرت لأول أمرها تامة ~~مستحكمة، ولا أدري هل وقع مثل ذلك للغة من لغات الأرض قبل أن تدخل في أطوار أو أدوار ~~مختلفة؟» وقال: أيضا: «ما عهدت قط فتوحا أعظم من الفتوح العربية، ولا أشد سرعة منها، ~~فإن العربية - ولا جدال - قد عمت أجزاء كبرى من العالم، ولم ينازعها الشرف في كونها لغة ~~عامة، أو لسان فكر ديني أو سياسي أسمى من اختلاف العناصر، إلا لغتان: اللاتينية ~~واليونانية، وأين مجال هاتين اللغتين في السعة من الأقطار التي عم انتشار اللغة العربية ~~فيها؟ وأضيف واليونانية واللاتينية ميتتان والعربية حية، لغة أحياء.» # وكلما أطال الإنسان التفكر كلما آمن بأن لغة العرب كانت أعظم ما خلق العرب، لماضيهم ~~ولحاضرهم ولمستقبلهم. # العرب بين الأمم # ما مقام العرب بين الأمم ... ما أقدميتهم؟ ما أصالتهم؟ وماذا قدموا لأجيال الإنسانية؟ ~~وبماذا ولماذا استحقوا أن يوصفوا بالأمة الوسط؟ والكلام عن مقام العرب بين الأمم يستدعي ~~الحديث عن تطور المحيط العالمي، الذي أحاط بهم وبغيرهم، كما أنه يستدعي بيان مقام ~~الجزيرة العربية مهد العروبة - في تاريخ الأمة الكبرى - أمة العرب في المشارق ~~والمغارب. # وأقوم المسالك ألا نوغل في القدم إلى ما هو أبعد عن تمايز الألسنة، وعن اختصاص الشعوب ~~شعبا شعبا بحصص من الأرض، فلنترك إذن ما سبق المسطور من البيان، ولنترك أمر ما كان ~~وما لم يكن بين الساميات والحاميات إلى من يحسنونه من العلماء، وإلى من يحبون أن يخوضوا ~~فيه دون أن يكونوا من أهله، ولنبدأ حيث تحضر الإنسان في أرض النيل وأرض الرافدين وما ~~بينهما؛ حيث قامت الدول العامة الأولى، المصرية، البابلية، إلخ. - وهنا كان أحد أصلي ~~الحضارة قاطبة - أي هذا الأصل المصري السوري العراقي، وكان الآخر الأصل الهندي ms04 الصيني، ~~وفي ذلك الأصل المصري السوري العراقي مبدأ تواريخ الأمم، بما في ذلك مبدأ تاريخ العرب - ~~ويصعب نعته بنعت واحد فإذا نعت بالشرقي - الوسيط أو الأدنى أو ما إلى ذلك، كان معنى ذلك ~~أنه فرع على أصل يقع غربيا، وهذا لا يجوز، فهو الأصل وأوربا الفرع، كما أنه لا يجوز ~~نسبته إلى آسيا أو إفريقيا أو إليهما معا، كما لا يجوز ربطه بالبحر المتوسط وحده، أو ~~بالنيل وحده، وجمع هذه المعالم الجغرافية في جملة يعقد الوصف - فإذا شئنا نعتا جامعا ~~مشتقا قلنا: إنه ملتقى الحضارات أو مهد الوحدانية. # ولنا أن نتصور نوعين من التغير كانا يحدثان في نطاق ذلك الملتقى: أحدهما: ما كان يحدث ~~داخل كل وحدة من وحداته، كانتقال الحكم في مصر الفرعونية مثلا، من أسرة إلى أسرة، وما ~~إلى ذلك، أما النوع الآخر فتأثيره أعم، وكان مما يترتب على حركات الشعوب والجماعات ~~المتصلة بملتقى الحضارات، هذا على وجه أو أكثر من أوجه الاتصال، دون أن ينتهي بها ~~الاتصال به إلى الاندماج فيه - وكان من هذه الشعوب اليونان والفينيقيون وعرب الجزيرة ~~وامتداداتها في البحار العربية وما يليها وفي بادية الشام - وقد مارس اليونان تجارتهم ~~ومغامراتهم ونشاطهم الاستعماري في مختلف مواطن هذه الحضارة، وفي خارج مواطنها، وتعلموا ~~من أصحابها ما تعلموا، وصاغوا ما تعلموا في الأسلوب الذي شاءته شخصيتهم، وكذلك ~~الفينيقيون - وكذلك العرب - أثروا كثيرا وتأثروا كثيرا بأمم الحضارة، إلا أن شخصية ~~الجزيرة في بداوتها وحضرها، في علاقاتها بجيرانها الأقربين، في وساطاتها التجارية ~~الممتدة في مسالك البحار بقيت على ما هي عليه، إلى أن كان ما قدر الله للإنسانية ~~والعرب: الدعوة للإسلام. # وبالدعوة - وبإنشاء الدولة العربية جد معنى آخر للعرب والعروبة، وجد طور ~~آخر لمقام العرب بين الأمم - على أن هذا الطور الجديد لا يفهم على وجهه الحق إلا إذا ~~بينا ما سبق إنشاء دولة العرب من أحداث خطيرة، فإن هذه الأحداث وما ترتب عليها من نتائج ~~شكلت البيئة التي قامت فيها الدولة العربية، والتي أدى فيها العرب رسالتهم ~~للحضارة. ms05 # لقد سبق قيام الدولة العربية أن خضعت مواطن الحضارة العراقية السورية المصرية لفارس، ~~وأكسبها ذلك ما انتقل إليها عن طريق فارس من عناصر هندية، فزادها هذا غنى، بل وحاول ~~الفرس مزج العناصر المختلفة في نتاج مشترك، إلا أن انعدام التوحيد الديني حال دون إيجاد ~~ذلك النتاج المشترك، مثل هذا يقال عن محاولة الإسكندر لما غزا الولايات الفارسية وبلغ ~~السند وأنشأ دولته المشهورة، ولما خلفه الرومان وضموا من ممالك الإسكندر، جدت ظروف ~~جديدة، فاستطاعت فارس أن تستقل بحياتها القومية، كما أن الرومان أدخلوا في نطاق الحضارة ~~جزءا كبيرا من أواسط أوربا وغربيها، وانصرف هم الرومان لتدبير رغد العيش أكثر من ~~انصرافه للحياة العقلية، وعلى الرغم من الاضطهاد الحكومي الرسمي فقد تمكنت الدعوة ~~المسيحية من الانتشار والانتصار على العبادات الوثنية، وأصبحت في القرن الرابع الدين ~~الرسمي للقياصرة، ثم حدث انقسام الدولة الرومانية إلى غربية وشرقية، ثم وقوع أكثر ~~الولايات الغربية في حكم الشعوب المتبربرة الأوربية، كما حدث أيضا ظهور الفرق ~~المسيحية، وما كان بينها من مجادلات. # وقد قامت الدولة العربية فيما كان لفارس، وفيما كان للروم المتبربرين من ممالك، ومع ~~الزمن كانت الدولة العربية تواجه ملك الروم في البلقان والأناضول، وممالك الأوربيين في ~~شمال البحر المتوسط، ثم تواجه ما كانت تواجهه فارس في الهند والصين وأواسط آسيا، ويمتد ~~نفوذها عبر الصحراء الكبرى وعبر البحار الإفريقية الآسيوية إلى ما يقع وراءها من قبائل ~~وشعوب ومجتمعات، ومع الزمن أيضا انتشر الإسلام، وانتشرت اللغة العربية، فكانت الأمة ~~العربية الكبرى، واللغة العربية فيها ضربان، لغة حضارة الدولة كلها، يستخدمها أبناؤها ~~جميعا لأغراض الحضارة، وإن احتفظ منهم من احتفظ بلغته أو بلهجته لأغراض المعيشة ~~المنزلية، أو للتقاليد القومية الخاصة، أو للطقوس الدينية، ويستخدمها أكثر أبنائها ~~لكافة الأغراض، فلم تكن لهؤلاء لغة أخرى، وفي تاريخ المجتمع العربي تلتقي تواريخ الشعوب ~~التي تتكون منها، والحضارة التي ازدهرت في ذلك المجتمع تجمع بين القديم الذي ورث ~~والجديد الذي أوجد، والعلاقات بين ذلك المجتمع وما حوله من الأمم تتكون من معاملات ms06 ~~يومية سلمية دائمة ، يتخللها قدر من الحرب يرمي في حقيقة الأمر إلى أن يحافظ كل فريق على ~~ما بيده، فنشأ بذلك نوع من توازن القوى. # يوازي ذلك التوازن بين المجتمع العربي وغيره من المجتمعات توازن داخلي في المجتمع ~~نفسه، ثم حدث أن اختل ذلك التوازن الداخلي، وتعرض المجتمع بذلك لعوامل التفرق بين ~~وحداته وأقاليمه - القديمة التاريخية - كيف حدث هذا؟ كان من أسبابه تعدد الفرق الدينية، ~~وكان من أسبابه أيضا أن الوحدات والأقاليم القديمة التاريخية استعادت في ظل الدولة ~~العربية حيويتها، وهذه الحيويات الإقليمية نزعت نحو اكتمال الاستقلال الإقليمي، يضاف ~~إلى هذا ما تعرضت له الدولة العربية من حركات الجماعات البدوية الآسيوية من أتراك وتتار ~~ومن إليهم، ولا بد أن نلاحظ أخيرا أن المجتمع العربي في تلك الأيام لم يتح له ما بلغته ~~المجتمعات في أنحاء العالم، منذ ذلك العهد من خبرة في شئون التنظيم الدستوري، الذي يوفق ~~بين النزعات الإقليمية المشروعة ومقتضيات الوحدة السلمية، على أن ذلك العهد من التاريخ ~~العربي، وهو يستغرق القرون من الثالث عشر للسادس عشر، كانت له مفاخرة، فيه تألفت الجبهة ~~المصرية السورية اليمنية، فيه تألفت ما يصح أن أطلق عليه دولة البرين والبحرين (البر ~~المصرية والبر الشامي والبحر المتوسط والبحر الأحمر)، قلب العروبة، وفيه ردت هذه الدولة ~~التتار والصليبيين على أعقابهم خاسرين، وقد حفظ أهلوها التراث العربي سليما ~~حيا. # هذا على الرغم مما كان من محو الكثير من معالم الثقافة العربية في فارس وما يتصل به، ~~وعلى الرغم أيضا من جلاء العرب عن الأندلس، فقد كان للعرب من أهل الجزيرة فخر بناء ~~مجتمع عربي حر في جزائر البحار الآسيوية الإفريقية وسواحلها، وفيما يلي الصحراء من ~~الأقطار الإفريقية. # وفي القرن السادس عشر يبدأ للعرب عهد جديد، اجتمع فيه عليهم التغلغل الأوربي من جهة، ~~والسيادة التركية العثمانية من جهة أخرى، إلا أنهم استطاعوا متفرقين أن يحتفظوا بمقومات ~~شخصيتهم حية، وإن خفيت مظاهرها، ثم اشتد التغلغل الأوربي في القرنين التاسع عشر ~~والعشرين متخذا أشكالا شتى من الهيمنة السياسية، ms07 والتوجيه الاقتصادي، والعرقلة ~~الاجتماعية، وتضييق الآفاق العلمية، وبعث هذا في العرب روح الكفاح من أجل الاستقلال ~~السياسي والاقتصادي، وبالجملة من أجل حرية بناء مجتمعهم على النحو الذي يشتهون، ونصب ~~أعينهم الآن تحرر كامل ووحدة كاملة، ومهمتهم في عالم اليوم، أن يكونوا أولا أقوياء، ~~فالقوي لا ينفع نفسه فحسب، ولكنه ينفع الناس جميعا بقوته، وأن يحيلوا، ثانيا، كما كان ~~يفعل آباؤهم والعناصر المتباينة، أن يحيلوها نتاجا إنسانيا مثمرا، نتاجا خير نتاج، # وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا ~~شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم ~~شهيدا ~~. # تعبير الفن عن الشخصية العربية # إذا شاء أحدنا أن يبحث عن مظهر تتجلى فيه الشخصية العربية - شخصية الفرد وشخصية ~~الجماعة - فأظنه لن يجد خيرا من فنون العرب وصناعاتهم، في تلك الفنون وفي تلك الصناعات ~~تلاقت فنون الشعوب التي كونت الأمة العربية، تلاقت لتكون فنونا جديدة قديمة؛ لما فيها ~~من محافظة على تراث منتقل من سلف لخلف، وجديدة لما طرأ عليها من تحوير اقتضاه الانتقال ~~إلى الطور الإسلامي من التاريخ، ففي الفن العربي إذن ملتقى فنون، وفي الصناعة العربية ~~ملتقى صناعات، وتاريخ الفن العربي وتاريخ الصناعات العربية يجمعان القضايا والمسائل ~~التي ترد في التاريخ العربي عموما - وإذن كان الفن العربي مرآة المجتمع العربي - وكان ~~مرآة جلية؛ لأن المؤرخين لم يهتموا بأمره، ولم يخشوا دلالاته فتركوه أو نسوه، ولذا ~~نستطيع أن نبدأ استخدامه في فهم الماضي العربي دون أن نبدأ بتقدير الاعتبارات النقدية، ~~والتوجيهات الاجتماعية النظرية التي شكلت التعبير الأدبي العربي. # والمجتمع العربي لا يفرق بين فنون جميلة أو رفيعة، وفنون ليست كذلك، ولا يفرق بين ~~الفنان والصانع، قد يكون ما يصنع أنيقا أو ساذجا، يرضي الذوق أو لا يرضيه، وقد تكون ~~مادة المصنوع معدنا نفيسا أو طينا، هذا ما كان يميز مصنوعا عن مصنوع آخر، ولكنهم ~~كانوا لا يعرفون التمييز الذي نعرفه في الوقت الحاضر، التمييز الذي يقوم على إنتاج ~~أشياء لمجرد الرمز أو لمجرد النظر أو لمجرد التعبير عن خاطر أو ما إلى ذلك، وإنتاج ~~أشياء هي أدوات ms08 العيش. # ومن أجل ذلك لا نجد الفن العربي موضوعا يشتغل به النقاد، يعرضون قضاياه الفلسفية، ~~ويبسطون آراءهم في معاييره ومقاييسه، مثلما فعلوا في الصناعتين - النظم والنثر - ولا ~~يتحدثون في الفن إلا حينما يعرضون للحلال والحرام، للمباح والمحظور والمكروه، أو لآداب ~~الحياة الاجتماعية، أو لشئون الصناع وأهل الحرف في المدن وهكذا، وبذلك خلا تاريخ الفن ~~العربي من تعقيد أصاب غيره من أدوات التعبير، وانطلق أداة حرة. # لقد وصفته بالعربي: أكان كذلك؟ أيهما الأصح، الإسلامي أو العربي؟ سؤال يتكرر في مواضع ~~أخرى، ومنذ سنوات غيروا رسميا اسم دار الآثار العربية، وجعلوه دار الفن الإسلامي، ما ~~وجه الحق في ذلك؟ والذين غيروا اسم دار الآثار العربية قالوا: إن الفن كان فن الشعوب ~~الإسلامية عربية وغير عربية، فالإسلامي إذن وصف أعم وأصدق، ونفس الشبهة تقع عند تسمية ~~الفلسفة أو العلم، فما الرأي؟ لا أرى إشكالا كبيرا، فإنك تقول العلوم الإسلامية إذا ~~أردت الدين، وتقول العلوم العربية إذا أردت علوم اللغة العربية، أو إذا أردت طورا ~~عربيا من أطوار التاريخ والعلم عموما؛ أي تاريخ منحى معين من مناحي الفكر الإنساني، ~~معبر عنه باللغة العربية بصرف النظر عن المشتغلين به. # وقد عرف كذلك في التواريخ التي صنفها الأوروبيون لتاريخ العلم عموما، والفلسفة لا ~~جدال في تسميتها بالإسلامية، فكذلك سماها الذين اشتغلوا بها من العرب وغير العرب، من ~~المسلمين ومن اللاإسلاميين. # وأما الفن، فلا جدال في عظم تأثير العقيدة والمثل العليا في تشكيله، ولا جدال في أن ~~ذلك التأثير أسبغ على الفن في مختلف بلاد المسلمين لونا من الوحدة عظيم الشأن، ومع ذلك ~~فيوجد في التعبير الفني في مختلف تلك البلاد قدرا من الاختلاف، يبرر كل التبرير أن ~~نتكلم عن الفن العربي، والفن الإيراني، والفن الهندي، وهكذا، بل يوجد في الحياة الفنية ~~العربية بالذات في مختلف أقاليم العالم العربي ما يوجب الاهتمام بمظاهره الإقليمية في ~~العراق، أو في مصر وسوريا، أو في الأندلس والمغرب. # تتصل قضية الأمم أو الوصف على هذا النحو بقضية أساسية من قضايا التاريخ ms09 العربي: ~~الوحدة والإقليمية ، لا جدال - كما قلت - في أن العقيدة أكسبت الفن ذلك القدر من الوحدة، ~~الذي حدا ببعض العلماء إلى تفضيل وصفه بالإسلامي، فعلى أي وجه كان تأثير العقيدة؟ كان ~~ذلك عن طريق إسلام الوجه لله، وعن طريق الابتكار الفني مظنة محاكاة الخلق - وإسلام ~~الوجه لله وحده يجنب المخلوق الترفع، ويحتم عليه معرفة قدر نفسه، فالتواضع أخلق به ~~- وقد ترتب على التزام التواضع في اختيار مادة المصنوع، الآجر للبناء، الجص للزخرفة: ~~الفخار أو النحاس أو الزجاج للآنية، والطريف أن زيادة الغنى واكتساب عادات المترفين أدى ~~إلى أسلوب من الفن يجمع بين تواضع الأساس، ومقتضيات الرفاهية والتنعيم، فيبقى الفخار ~~ولكن تكسوه طبقة من المعدن البراق، بقي النحاس ولكنه يذهب أو يفضض، يبقى ~~الآجر مادة البناء ولكن يكسوه القيشاني الخلاب أو الفسيفساء الباهرة، وهكذا الزجاج ~~الموشى بالمينا أو النحاس أو الخشب المطعم، وأما عن تجنبه مظنة محاكاة الخلق فآثاره ~~معروفة، إحالة المجسات مسطحات، إحالة الحيوانات أزهارا، المنحنيات مستقيمات ~~والمستقيمات منحنيات، قطع الصلة بين السبب والمسبب. # وأما عن المثل العليا، وما كان من أثرها، فواضح أنها كسبت الصناعة والعاملين فيها ~~شرفا ونبلا، ويكفي في هذا أن نذكر كيف كان الأنبياء يكسبون رزقهم من عمل أيديهم ~~صناعا، وانتشار الخط العربي كان أيضا عاملا من عوامل وحدة الفن، هو في ذاته فن عمل ~~فيه المسلمون جميعا ما شاء لهم حبهم له وإعجابهم به، وهو أيضا أساس من عناصر الزخرفة، ~~لا يقتصر انتشاره على أقطار العالم الإسلامي، ولكن انتقل إلى الأقطار الأوربية، ~~فاستخدمه الصناع فيها لأغراض الزخرفة، دون أن تؤدي الحروف أو الكلمات كلاما مفيدا، ~~وهكذا كانت قضية وحدة الفن. # وأما قضية إقليميته: فإنها ترجع لأسباب ندرجها في الكلام على ثلاث مسائل: المسألة ~~الأولى: نوع الفن السائد في أقاليم الدولة العربية، المسألة الثانية: تطور الفن في ~~المجتمع العربي الذي تكون في تلك الأقاليم، والمسألة الثالثة: مصير هذا الفن ~~العربي. # أبدأ بنوع الفن السائد في أقاليم الدولة العربية عند الفتح: كان فن الآثار الضخمة ~~الشامخة التي ms10 خلفها المصريون القدماء ، أو البابليون، أو الآشوريون وأمثالهم، آثارا ~~ضخمة شامخة حقا، لا يمكن إلا معاينتها، ولكن لم يزد الأمر عن المعاينة ~~والتعجب. # أما فنون العمارة والزخرفة، فهي الفنون اليونانية الرومية في طورها المسيحي، مطعمة في ~~أقدار متباينة بالفن الساساني، وأما الفنون الصغرى، فهذه تتنوع بطبيعة الحال بتنوع ~~البيئات من إقليم إلى إقليم، وظاهر أن مادة الفن يتخذها الناس في الأغلب مما يكون في ~~متناول أيديهم، وظاهر كذلك أن الأساليب تتنوع طبقا لحاجات الناس، وهذه الحاجات هي مما ~~تمليه ظروف المناخ وما يتصل به، مثال ذلك الفنون المنزلية الخاصة بالأثاث والآنية ~~والفنون الشخصية الكساء ... إلخ. # وهكذا نرى أن الفنون التي كانت تسود الأقاليم العربية كانت من أسباب اتخاذ الفن ~~العربي المتطور، منها وجهات إقليمية متباينة داخل إطار الوحدة التي أشرت إليها. # وإذا انتقلنا من هذا إلى تطور الفن في العهد العربي من تاريخ تلك الأقاليم، تبينا أن ~~الخاصية الرئيسية لهذا التطور ترتبت على دخول الشعوب العربية الأصيلة في تلك الأقاليم ~~في المجتمع الجديد، بمواهبها وأذواقها وأساليبها، فنشأ من ذلك الفن الجديد، تلتقي فيه - ~~كما قلت في مستهل الحديث - العناصر القديمة بالعناصر الجديدة. # ذكر المؤرخون أن الزخارف الجصية في دير السوريان بوادي النطرون هي الزخارف العباسية ~~العراقية المنتشرة في أرجاء الدولة العربية، وذكر المؤرخون أيضا أن الأبواب الخشبية في ~~كنيسة السيدة بربارة لا تختلف في شيء عن مثيلاتها في العصر الفاطمي. # نرى إذن أن الفن يوضح كيف أثمر التفاعل والتداخل في بناء الحضارة الجديدة في جو ~~السماحة، في جو الكرامة؟ على أن الأقاليم العربية لم تجر الأمور فيها على وتيرة واحدة؛ ~~فمنها ما عمه طوفان البداوة كما في المغرب، أو المتبربرين كما في العراق، أو انقطع نموه ~~وتطوره كما في الأندلس بجلاء العرب. # ومن تلك الأقطار ما بقيت فيه حلقات التطور متصلة؛ وهذا بصفة خاصة في سوريا ~~ومصر. # ولكن هل تعني اتصال الحلقات أننا نستطيع أن نصف الفن في طوره الراهن بأنه امتداد للفن ~~العربي، الذي كان موضوع هذا الحديث، لا ms11 جدال في أنه توجد في وقتنا الحاضر، في حياتنا ~~الفنية، وفي مطالب الحياة عموما من النزعات والمؤثرات والمشكلات ما يبرر القول بأن ~~الفن قد دخل طورا جديدا قليل الصلة بالفن كما ورثناه، ليس معنى ذلك أنه مات؛ فالفن ~~القوطي في أوربا مثلا له بداية وله نهاية معروفتان - ولكن تأثيره لم ينته بتلك النهاية ~~- يؤثر إذا ما استدعى الذوق محاكاته، ويؤثر إذا ما تدخل عنصرا أو أسلوبا في تركيب ~~فني معين، وقد يصدق هذا على الفن العربي: أنه بعد أن أدى ما أدى في المجتمع العربي قد ~~تحول إلى طراز أو أسلوب تاريخي له حيويته وله رسالته. # تعبير العلم عن الشخصية العربية # وكيف يعبر العلم عن الشخصية العربية؟ # نفهم أن الفن أو الأدب يفعل ذلك، ولكن العلم؟ لقد قيل: إنه لا وطن له، وإذا صح ذلك، ~~فهو شائع في الأوطان وشائع في الأزمنة. # ولكن هذا لا يصح، أن العلم الذي ينتقل من وطن إلى وطن، أو من زمن إلى زمن لاحق، هو ~~العلم المستخدم في تسخير القوى الطبيعية والحية لمنفعة الإنسان. # وحتى هذا التسخير القائم على التجربة والملاحظة، أو على تطبيق ما يصح بالقوانين ~~العلمية، حتى هذا نجده يختلف من مكان لآخر ومن زمان لآخر، فمن المجتمعات الإنسانية ما ~~كان أسبق من غيره في هذا المضمار، ومن المجتمعات أيضا ما كان في بعض أجياله سباقا، ~~وفي بعضها محافظا جامدا قانعا، أو محاكيا ناقلا عن الغير. # وأما عن العلم بالمعنى الخاص، أي بمعنى استخدام مناهج معينة لإيجاد صلات تربط حقائق ~~متماثلة متفرقة بعضها بالبعض، ولا يهتم الباحث في عمله هذا بالتساؤل عما إذا كان لعمله ~~هذا فائدة عملية تطبيقية في الحال أو الاستقبال، أو العلم بالمعنى الخاص الآخر، أي ~~بمعنى استخدام العلم لتعليل أو تفسير أو وصف هذا العالم أو هذا الكون، العلم ~~بمعنييه هذين وثيق الصلة بمجتمع أو مجتمعات معينة، أو بزمن واحد دون سائر ~~الأزمنة، هو الزمن الذي ابتدأ على نحو ما بالإيطالي جاليليو منذ ثلاثمائة سنة، ابتدأ ~~متمهلا، ثم ms12 اشتدت حركته منذ نحو قرن ونصف قرن من السنين. # لنا إذن أن نقول: إن العلم بمعانيه المختلفة يعبر عن الشخصية العربية، ولكن على أي ~~وجه أو على أي وجوه كان التعبير؟ كان سبيلنا إلى معرفة ذلك أن نسجل للعلماء الذين كتبوا ~~بالعربية أسماء كتبهم ورسائلهم وما ورد عنهم في أخبار الحكماء والأطباء وطبقاتهم من ~~مآثر، وهذا كله دون تحقيق، إلا فيما ندر، ثم نلحق بهذا فضل هؤلاء العلماء على أوربا، ~~وهذا كله - أيضا - لا يدل على أكثر من أن الحركة العلمية في المجتمع العربي كان لها ~~خطرها، وكان لها مقامها في الحضارة الإنسانية. # ولكن، على أي وجه أو على أي وجوه كان ذلك الخطر وذلك المقام؟ السبيل التي اتخذناها لم ~~تهدنا إلى معرفة ذلك، وبعد، فما الذي ينبغي أن نصنع. الذي ينبغي على كل باحث أن يبدأ به ~~هو أن يسأل الأسئلة الصحيحة، والسؤلان الصحيحان هما: # أولا: # إلى أي حد أقيم المجتمع العربي على العلم؟ # وثانيا: # هل استخدم العلم في تعليل وتفسير ووصف العالم أو الكون. # للإجابة على السؤال الأول - إلى أي حد أقيم المجتمع العربي على العلم - يجب أن ندرس ~~الآلات والأدوات التي استخدمها العرب مما ورثوا ومما استحدثوا، أي يجب أن ندرس ماذا ~~استخدموا في بناء البيئة المادية التي عاشوا فيها؟ # وفي الوقت نفسه، يجب أن ندرس الأسس العلمية التي أقاموا عليها علاقاتهم المدنية ~~والروحية، أي ما استخدموا في بناء البيئة المعنوية التي عاشوا فيها، وما نعرفه عما ~~ورثوا وما استحدثوا من آلات وأدوات ضئيل لا يعتد به، بالرغم من أن دراسة الأدوات ~~والآلات هي الوسيلة الوحيدة لمعرفة ما اهتدوا إليه من تطبيقات علمية سواء أكان ذلك ~~بالملاحظة والتجربة، أو باستعمال قوانين عرفوها عن طريق النظر. # والملم بتاريخ المكتشفات قبل زماننا الحالي، يعلم أن أكثر من أوجدوها كانوا صناعا ~~مهرة لا يعلمون علما، والأقل كانوا علماء كان لهم ولع بالصناعة؛ منهم الحاذق، ومنهم ~~الذي يستطيع أن يشرف على عمل الصانع اليدوي. # ولهذه الحقيقة سر، سرها أن قوانين العلم ms13 في تلك الأزمنة يشوبها الكثير من الوهم أو من ~~الرجاء الكاذب أو الخوف، وكلما خلا عقل الصانع من التربية العلمية المشوبة على هذا ~~النحو، كلما كان أقدر على الانتفاع من دروس الملاحظة والتجربة، كلما صنع شيئا ينفع ~~الناس. # ومن رجع إلى طبقات الحكماء والأطباء قل أن يجد رجلا منهم لم ينسب إليه المترجم صناعة ~~آلة أو أداة، بل لم نذهب بعيدا؟ التراجم التي أوردها الجبرتي للرياضيين والفلكيين ~~والمهندسين والكيميائيين، قل أن تجد فيها ترجمة لم يستحدث صاحبها آلة أو ما أشبه أو ~~أشربة أو عقاقير، بما فيهم أبوه هو نفسه. # وفي كتاب وصف مصر بحث مفصل مصحوب بالرسم والمقاييس لكل ما استخدمه أهل البلاد في آخر ~~القرن الثامن عشر من أدوات وآلات، ودرسها يدلنا على مقدار العلم التطبيقي الذي أقيم ~~عليه المجتمع في الجانب المادي من حياته. # جانب مادي آخر نختاره من مصر، الحياة الطبية فيها لا تقوم إلا على أساس من العلم، ~~عرف العرب هذا تمام المعرفة، نصح أحد الحكماء ولي الأمر في زمنه بقوله: «وعليك بحفظ أهل ~~الكيميا العظمى وهم الفلاحون.» الذي يصف الفلاحين بأنهم أهل الكيمياء العظمى يدرك تمام ~~الإدراك سر الفلاحة. # وعرف العرب أيضا الأساس العلمي للحياة المصرية عندما نسبوا إلى أحد الحكماء الأقدمين ~~أنه هو الذي أردم أراضي أكثر قرى مصر، وأسس الجسور المتوصل بها من قرية إلى قرية في زمن ~~النيل، وسبب ذلك أن أكثر القرى بمصر كان أهلها إذا جاء النيل تركوها وصعدوا إلى الجبال ~~المقابلة لها، فأقاموا بها إلى أن يذهب النيل خوفا من الغرق، فيذهب بذلك مغل كثير، ~~ولما علم الحكيم بذلك قاس أراضي أكثر القرى على أعلى ما يكون من النيل، وأردم ردوما ~~وبنى عليها القرى، وعمل بها بجسورة ما بين القرى، وفي أوساط الجسورة قناطر ينفذ الماء ~~فيها من أرض قريبة إلى أخرى، فزرع كل واحد منهم الزرع في وقته من غير فوات، ووقف من كل ~~ضيعة أرضا معينة يصرف مغلها في كل سنة إلى إصلاح هذه الجسورة، وفي ms14 العهد العربي بقيت ~~العناية بهذا، بهذا الأساس العلمي للحياة المصرية، ويذكر القفطي صاحب أخبار الحكماء أن ~~أباه عهد إليه بديوان فدن الجسورة (كما كان يعرف) وكان له نواب وضمان ومشدون، وكان ~~العمل فيها أتعب من جميع الأعمال، ويذكرون أن العالم المشهور «ابن الهيثم» أنه قال: لو ~~كنت بمصر لعملت في نيلها عملا يحصل به النفع في كل حالة من حالاته من زيادة ونقص، ~~وقيل: إن الخليفة الحاكم استدعاه لينفذ ما وعد، وقيل: إنه عجز، وقيل: إنه تظاهر بالجنون ~~ليتقي شر الحاكم، ولما أمن انصرف إلى عمله العلمي على النحو الرائع الذي أرخه ~~الأستاذ مصطفى نظيف. # هذا كله قليل عن البيئة المادية - أما البيئة المعنوية فشأن العلم فيها جد خطير - ~~تكفي الإشارة إلى الأسس العلمية من منطقية ولغوية ونفسانية وفقهية لضبط عمليات الفكر ~~والبيان والنقد، والروابط المدنية بين الأفراد والجماعات، والحقوق والواجبات، وأخيرا ~~وليس آخرا التهجد والتعبد ومجاهدة النفس، فالنظرة العربية كانت محيطة نافذة، والعلم ~~واحد متعدد الجوانب، قالوا: إن دعائمه ثلاث: المجسطى في علم هيئة الفلك وحركات النجوم ~~لبطليموس القلوذي، وصناعة المنطق لأرسطاطاليس، وكتاب سيبويه البصرى في علم النحو ~~العربي. # وننتقل لسؤالنا الثاني: هل استخدم العلم في تعليل وتفسير ووصف العالم أو الكون؟ كان ~~من العرب من تحدث حديث المنجم في تأثيرات الكواكب وحركات الأفلاك، ومن تحدث حديث صاحب ~~الطبيعة الناظر في آثارها، وما يتعلق بالحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، وما الفاعل ~~وما المنفعل منها، وكيفية تمازجها وتنافرها، ومن تحدث حديث المهندس الباحث عن مقادير ~~الأنباء ولوازمها، ومن تحدث حديث المنطقي الباحث عن مراتب الأقوال ومناسب الأسماء ~~والحروف والأفعال. # ومن هذه الأحاديث وما إليها كان الخوض في الشئون الكونية خوضا لا يرجع إليه الآن ~~لذاته، إنما يرجع إليه من يحب أن يعرف تعبير العلم عن الشخصية العربية في مختلف عصور ~~التاريخ العربي، وهو تعبير إذا أضفنا إليه تعبير الفن وتعبير الأدب، كانت لدينا الصورة ~~الكاملة بالقدر المستطاع. # يقابل هذه الصورة للحياة العلمية العربية صورة الحياة العلمية في أوربا، ثم جد مع ms15 ~~هذه الحياة الأوربية فصل لم يجد على حياتنا العلمية، ألا وهو النهضة العلمية التي ~~تسيطر على عصرنا الحاضر، لم لم يجد هذا الفصل على مجتمعنا؟ # سؤال قد نستطيع الإجابة عنه إذا أكدنا من جديد الصلة الوثيقة التي تصل بين مجتمع ~~وحياته العلمية، إن المجتمع إذا لم تجد عليه مشكلات تقتضي تجديد حياته، فإنه يبقى ~~على ما هو عليه، ومجتمعنا لم يتسع الاتساع الذي اتسعه المجتمع الأوربي في العصور ~~الحديثة، ومن ثم فلم تجد عليه مشكلات، ولم تجد عليه أسئلة، فبقي على ما هو عليه ~~حتى هذه الأيام، أيام الحضارة العلمية، وها هو ذا مجتمعنا يتحفز لإنشاء صلاته بها؛ ~~ليستفيد ويفيد، يشارك في تقويم معوجها، وفي إشاعة خيرها بإذن الله. # الشعوبية القديمة والشعوبية الجديدة # خصوم العرب بالأمس وحاسدوهم على ما آتاهم الله من فضله عرفوا في الكتب القديمة باسم ~~الشعوبية، وأعداؤهم اليوم وكارهو ارتقائهم لنا أن نعرفهم هم أيضا باسم الشعوبية، ~~فلنميز في هذا الحديث إذن بين شعوبية قديمة وشعوبية جديدة. # والكلمة - في ذاتها - إن دلت على إيمان منتجاتها بحق الشعوب جميعا في البقاء، وبأن ~~لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، إن دلت على الإيمان بهذا فلا غبار عليها، لكنها ~~قديما ... وحديثا تعبر عن بغضاء وعن حقد، وترمي إلى الحط من قدر العرب، وإلى هدم البناء ~~الذي أقاموه في ماضيهم، والبناء الذي يعملون في حاضرهم في تشييده. # وفي القديم ركز الشعوبيون القدماء مهاجمة العرب في تأكيد ما كانت الحياة في الجزيرة ~~من شظف وخشونة، وفي جمع ما تفرق في دواوين الشعراء من المثالب والنقائض، ومن هذا كله ~~رسموا الصورة التي شفت صدورهم وأطفأت نار حسدهم، من ذلك قول أحدهم، الجيهاني يسب العرب ~~ويتناول أعراضها ويحط من قدرها: يأكلون اليرابيع والضباب والجرذان والحيات، ويتعاورون ~~ويتساورون ويتهاجمون ويتفاحشون، وكأنهم قد سلخوا من فضائل البشر، ولبسوا أهب الخنازير، ~~ويقول أيضا: وليس للعرب كتاب أقليدس، ولا أنجسطس، ولا الموسيقى، ولا كتاب الفلاحة، ولا ~~الطبيعة، ولا العلاج، ولا ما يجري في مصالح الأبدان، ويدخل في ms16 خواص الأنفس، ويقول ~~أيضا: ومما يدل على شرفنا وتقدمنا وعزنا وعلو مكاننا أن الله أفاض علينا النعم، ووسع ~~لدينا القسم، وبوأنا الجنات والأرياف، ونعمنا وأترفنا، ولم يفعل هذا بالعرب؛ بل أشقاهم ~~وعذبهم، وضيق عليهم، وحرمهم. # هذه أمثلة من تجني الشعوبية القديمة، ذكروا خشونة العيش في الجزية، وأغفلوا ما كان ~~بأماكن كثيرة فيها من نعومة الحياة وترفها، وأثبتوا التساور والتهاجي والتفاحش، وحذفوا ~~ما كان هناك من طيب الأعراق وصفاء الأحلام والمروءة، وزعموا أن العرب لم يكن لهم كتاب ~~أقليدس وغيره مما عددوا، ونسوا أن استخدمه العرب، وما إليه في النظري والتطبيقي من ~~العلم، فارتقوا بالعلم درجات فوق ما بلغ أصحاب أقليدس، وأغرب من هذا كله ادعاء الشعوبية ~~أن ما أفاض الله عليهم من النعم يدل على شرفهم وتقدمهم وعزهم وعلو مكانهم، وهو لم يفعل ~~هذا بالعرب، بل أشقاهم وعذبهم وضيق عليهم وحرمهم، يقولون هذا ويغفلون عما كان من نعمة ~~الله على العرب بإخراجهم من ظلمات الشرك به إلى نور التوحيد، ثم أورثهم المشارق ~~والمغارب، ولأحد البلغاء من الأقدمين وصف جامع لما حدث في جملة ~~رائعة: # وقد رأيت حين هبت ريحهم (أي العرب) وأشرقت دولتهم ~~بالدعوة، وانتشرت دعوتهم بالملة، وعزت ملتهم بالنبوة، وغلبت نبوتهم بالشريعة، ~~ورسخت شريعتهم بالخلافة، ونضرت خلافتهم بالسياسة الدينية والدنيوية كيف تحولت ~~محاسن الأمم إليهم، وكيف وقعت فضائل الأجيال عليهم؟ # هذا وقد أخذ المنصفون من العرب على أهل تلك النحلة الشعوبية القديمة انصرافهم عن ~~معرفة أخلاق الأمم بالبحث عن علل اختلاف إشارات أبنائها وشمائلهم وهيئاتهم، ولكنهم ~~بدلا من التزام جادة الإنصاف والتحري طاوعوا الهوى، فشقوا به، وطال نصبهم، وقل ~~غنمهم. # بيد أن الشعوبية الجديدة تدبر أمرها وتحبك دسها على وجه آخر، وهذه الشعوبية الجديدة ~~وإن نبعت من منابع البغضاء القديمة، إلا أنها نوعت أساليبها وخططها، وتجنبت الظهور ~~متجمعة في فرقة واحدة، أو تحت راية واحدة، على أن الغاية واحدة وإن تعددت الوسائل، ~~والشعوبية الجديدة عرب وأعاجم، والأعاجم منهم الشرقيون، الذين يناصبون العرب العداء ~~منتسبون للفرنجة، ولنختر أمثلة توضح أساليبهم، ms17 وقد يقول قائل : وما الذي يدعو لسوء الظن ~~بهم إلى هذا الحد، ولم لا تختلف النظرات إلى التاريخ، ولم لا تختلف التقديرات؟ والرد ~~على ذلك أن النظر إذا صدر عن البغضاء انكشف أمره، وفقد ما يجب أن يكون للحكم العملي، من ~~حصانة تضمن للعالم احترام اختلاف وجهة النظر، كما أن العالم أو الذي يدعي العلم إذا ~~نطق بما أجمعت القرائن والأدلة على ضده مستجيبا في نطق هذا لنزوات الأهواء والمصالح، ~~ليس له أن يعترض على ضمه لشعوبية اليوم. # وليس يصح في الأفهام شيء # إذا احتاج النهار إلى دليل # من أقوالهم: لا فضل للعرب ولا أصالة: ما هم إلا نقلة العلوم، ما هم إلا حملتها لمن ~~أثبتوا فيما بعد أنهم أولى بها منهم، وفي هذا للعرب كل الفضل وكل الأصالة، فنقل العلم ~~يفيد تحصيله ثم درسه ثم نشره، والعلم يتطور بانتقاله في المراحل، فأمر العلم إذن عند ~~العرب جد مختلف عما يصوره «ما هم إلا نقلة العلوم» وإلى هذا ينبغي أن نفهم شيئا ~~آخر، أن المنابع التي نهل منها العرب كانت هندسية فارسية نبطية آرامية مصرية يونانية، ~~وأن العرب خلقوا من هذه العناصر المتباينة مركبا، وكانت أصالتهم الحقيقية في إجراء هذا ~~التركيب، وبه كان انتفاع الإنسانية أتم وفخر العرب أعظم. # ويقول قائلهم أيضا: ولنسلم بفضل العرب، ولكن أكانوا عربا حقا؟ حقيقة كتبوا ~~تصانيفهم بالعربية، ولكن كانت الأصول غير عربية، بل كان فضلهم على علوم اللسان العربي، ~~وعلى الآداب العربية ظاهرا، وهذا صحيح، ولكني أعتبره مفخرة العرب؛ لأنهم نجحوا في أن ~~يلحقوا بأنفسهم الشعوب التي تكون منها في النهاية مجتمعهم، ونجحوا في أن يلحقوهم ~~بمجتمعهم العربي مبتكرين، خالقين، مبدعين، والابتكار والخلق والإبداع لم تكن أبدا صفات ~~الأذلاء؛ والذين اندمجوا من الأعاجم في هذا المجتمع العربي الجديد بدءوا بهذا الاندماج ~~عهدا جديدا، أساسه تراثهم القومي متفاعلا مع تراث غيرهم من شعوب الأمة ~~العربية. # هذا وجه الحق في معنى العربي والمستعرب والأعجمي، وكان علينا أن نثبته، وقد استخدمه ~~شعوبيو اليوم في بناء حركاتهم الطائفية ms18 الإقليمية التي أحبوا أن يخفوها تحت طلاء ~~الوطنية، والدعوة الوطنية التي يستخدمها شعوبيو اليوم حق يراد به باطل، حق؛ لأن ~~الاعتزاز بالوطن خير يثمر كل خير، ويراد به الباطل؛ لأن المنادين به يدعون إلى التفرقة، ~~إلى التفتيت، التشتيت، وقد عرف العرب الأقدمون ما للخصائص الإقليمية من قيمة في تبادل ~~المنافع والفوائد الثقافية والفكرية، فلم ينكروا الإقليمية الخاصة، ولكنهم عرفوا كيف ~~ينشئون الصلات التي جعلت من خصائص الأقاليم مصدر قوة وغنى وتكامل؟ أما أن يقوم بين ~~ظهرانينا من يزعم أن أربعة عشر قرنا مرت منذ الفتح العربي على أقاليم الدولة ~~العربية دون أن تؤثر في أبنائها، فسخف القول ظاهر، وأما أن يدعو إلى نقض ما كان، فدعوة ~~لها ما وراءها من حقد وتعصب وبغضاء، وقد تلتقي في صورة الهدم هذه معاول داخلية وأخرى ~~خارجية. # ولندع الكلام عن الهدم فهو كريه، ولنتركه لحديث البناء؛ لنقرر أن تاريخ المجتمع ~~العربي في المغرب، في مصر، في سوريا، في العراق، في فلسطين، في أي قطر من أقطار الدولة ~~العربية، ما هو إلا فصل جديد من فصول تواريخ تلك الأقطار، وأن تاريخها في عهدها العربي ~~لا يفهم دون الرجوع إلى ما سبقه. # وإن تاريخ المجتمع العربي لا يمكن فهمه دون فهم نصيب كل من عناصر هذا المجتمع وطوائفه ~~في بنائه، فالارتباط بينهم - بين الوطنيين والمستوطنين المستعربين والعرب - وثيق، ففي ~~مصر مثلا، كان لأبنائها الأصليين سواء منهم من احتفظ بدينه أو من تحول للإسلام، فضل ~~تعليم الوافدين من العرب كيف يعيشون خير عيشة تلائم الظروف الجديدة؟ من حيث أساليب ~~الزراعة وطرائقها، ونظام حيازة الأرض ومسحها وريها، وما يستتبع هذا كله من نظم مالية ~~وإدارية، ومن حيث الصناعات القائمة، مع استخدام المواد الأولية التي بين أيديهم على ~~أحسن ما يتفق وأحوال البلاد الطبيعية، هذا إلى جانب وضع الأنماط والرسوم التي ترضي ~~الأذواق المتوازنة، نجد ما يماثل هذا إذا ما انتقلنا إلى الأثر الفعلي والفني والروحي ~~في الأدب الشعبي العربي، وفي حياة النسك والزهد. # وجملة القول أن المجتمع العربي ms19 التقت فيه العناصر الوافدة والأصلية وتفاعلت وأثمرت، ~~وأن هذا المجتمع مجتمع الجميع، وأن التاريخ العربي ملتقى التواريخ، والشعوبية الجديدة ~~لن تنال منه أكثر مما نالت الشعوبية القديمة، ولن يكون حظ الجديدة إلا حظ القديمة، فلا ~~يعدو أن يكون أثرا من الآثار الأدبية. # المدينة العربية: حكومتها في الماضي والحاضر # منذ مائة عام، أو تزيد تغيرت أوضاع الحكم والإدارة في المدينة العربية تغيرا ~~كبيرا، فانتقل الإشراف على شئون المدن إلى مجالس أو هيئات بلدية، يشترك فيها ممثلون ~~لأبناء البلد مع موظفين تعينهم الحكومة، ويحال على المجالس النظر في مرافق المدينة ~~ومصالحها، ويوضع تحت تصرفها المال اللازم لمراعاة تلك المصالح. # هذا ما تتفق فيه المدن العربية الآن، إلا أن بينها اختلافات؛ اختلافات في تكوين ~~المجالس، وفي القدر الذي أتيح لها من التصرف، وفي طبيعة المرافق المحالة عليها، وغير ~~ذلك، وعلى هذا فبين الأنظمة والأوضاع البلدية أو الحضرية العربية من الفروق ما يبرر سعي ~~المدن المختلفة؛ ليفيد بعضها من البعض الآخر، بإيفاد البعثات واستقبالها، وعقد ~~المؤتمرات من الفنيين والمهتمين بالشئون الحضرية، من نواحي العمارة والاجتماعيات ~~والثقافيات وما إليها، وقد يكون من المفيد ومن الممتع فيما نحن بصدده أن أحاول إطلاع ~~المستمعين على كيفية مباشرة السلف لتلك الشئون في المدن العربية، أو بعبارة أخرى: على ~~أحكام المدن العربية. # والغاية من هذه الأحكام: حفظ الدين وسياسة الدنيا، فيتعين على صاحب السلطان أن ينشئ ~~الوظائف اللازمة لبلوغ هذه الغاية، أو المؤدية - كما نقول في اصطلاح عصرنا الحاضر - ~~للخدمات المختلفة الضرورية والكمالية لحياة المجتمع المدني، وهذه الوظائف كانوا في ~~الماضي يعبرون عنها بالخطط، وسأقتصر في الحديث على الخطط المتعلقة بالقضاء والمظالم، ~~الحسبة، محاولين إظهار ما بينها من فروق، ومختتمين الحديث ببيان وجوه القوة والضعف في ~~النظام في جملته. # هذا، ومما هو جدير بالملاحظة أن «الحسبة» بالذات نالت من انتباه الناظرين في التاريخ ~~العربي حظا كبيرا، كما لو كانت أهم الخطط، أو أن متوليها - المحتسب - أهم من في ~~المدينة، وأدى هذا إلى اهتمام المشتغلين بذلك التاريخ بالبحث عن الكتب ms20 التي وضعت في ~~مختلف العصور؛ لتمكين المحتسبين من حسن القيام بما ندبوا من أجله. ~~(ومن هذه ما نشره الدكتور العريني، من أساتذة كلية الآداب بجامعة القاهرة، باسم ~~«نهاية الرتبة في طلب الحسبة».) # ولا جدال في أن كتب الحسبة هذه تستحق كل عناية؛ وفي كونها من خير ما يصور لنا الحياة ~~اليومية - إن صح التعبير - في المدن العربية، إلا أنها تقل أهمية في نظر الراغب في فهم ~~الأوضاع والأحكام في تلك المدن عن المراجع الفقهية؛ فلم اجتذب إذن المحتسب - لا ~~القاضي - نظر الجمهور؟ بالضبط لأن عمل المحتسب كان مع الجمهور، وعلى مرأى ومسمع من ~~الجمهور، فالحسبة هي أمر بالمعروف إذا ظهر تركه، ونهي عن المنكر إذا ظهر فعله، وينبغي ~~على كل إنسان أن يتطوع لهذا ولذاك كلما استطاع إلى ذلك سبيلا، ولكن بين المتطوع ~~والمحتسب فرقا؛ فالأمر بالمعروف متعين على المحتسب بحكم ولايته الحسبة، لا يجوز له أن ~~يتشاغل عنه، وعليه أن يجيب من استعداه. # وليس ذلك على المتطوع، وله أن يبحث وأن يفحص وأن يتخذ أعوانا وأن يرتزق على حسبته، ~~وأن يعزر في المنكرات الظاهرة، وله أن يجتهد برأيه فيما تعلق بالعرف دون الشرع. # وقد شرح الماوردي في الأحكام السلطانية أن الدعاوى التي ترفع إلى المحتسب تتعلق ببخس ~~وتطفيف في كيل أو وزن، أو بغش وتدليس في مبيع أو ثمن، أو بمطل الدين لمستحقه مع ~~المكنة. # وبالجملة فمهمته إلزام الحقوق والمعونة على استيفائها، قيل: والأمر بالمعروف في حقوق ~~الآدميين ضربان: عام وخاص؛ فأما العام فكالبلد إذا تعطل شربه أو انهدم سوره أو كأن ~~يطرقه بنو السبيل من ذي الحاجات، ومهمته - المحتسب - في هذه وغيرها أن يحمل الناس على ~~المصالح العامة في المدينة؛ مثل المنع، ومن المضايقة في الطرقات، ومنع الحمالين وأهل ~~السفن من الإكثار في الحمل، والحكم على أهل المباني المتداعية للسقوط بهدمها، وإزالة ما ~~يتوقع من ضررها على السابلة. # وأما الخاص، فالحقوق إذا مطلت، والنهي عن المنكر يتناول المحظورات والمعاملات ~~المنكرة، ومما يؤخذ ولاة الحسبة بمراعاته من أهل الصنائع ms21 في الأسواق ثلاثة أصناف؛ منهم ~~من يراعي عمله في الوفور والتقصير، ومنهم من يراعي حاله في الأمانة والخيانة، ومنهم من ~~يراعي الجودة والرداءة، فأما من يراعي عمله في الوفور والتقصير فكالطبيب والمعلم؛ لأن ~~للطبيب إقداما على النفوس يقضي التقصير فيه إلى تلف أو سقم. # وللمعلمين من الطرائق التي ينشأ الصغار عليها ما يكون نقلهم عنها بعد الكبر عسيرا، ~~فيقر منهم من توفر علمه وحسنت طريقته، ويمنع من قصر وأساء من التصدي لما تفسد به ~~النفوس، وتخبث به الآداب. # وأما من يراعي حاله في الأمانة والخيانة فمثل الصياغة والحياكة والقصابين والصباغين؛ ~~لأنهم ربما هربوا بأموال الناس، فيراعي أهل الثقة والأمانة منهم فيقربهم، ويبعد من ~~ظهرت خيانته ويشهر أمره؛ لئلا يغتر به من لا يعرفه. # وأما من يراعي عمله في الجودة والرداءة، فلولاة الحسبة أن ينكروا عليهم في العموم ~~فساد العمل ورداءته، وإن لم يستعدهم أحد من الناس في ذلك، كما أن لهم هذا الإنكار ~~في عمل مخصوص اعتاد الصانع فيه الفساد والتدليس، فإذا استعداه رجل وتعلق بدعواه عزم، ~~وافتقر العزم إلى تقدير أو تقويم لم يكن للمحتسب أن ينظر فيه لافتقاره إلى اجتهاد حكمه، ~~وكان القاضي بالنظر فيه أحق، أما إذا لم يفتقر العزم إلى تقدير أو تقويم واستحق فيه ~~المثل الذي لا اجتهاد فيه ولا تنازع، فللمحتسب أن ينظر فيه بإلزام الغرم، ولتأديب ~~الصانع على فعله؛ لأنه أخذ بالتناصف وزجر عن التعدي. # هذا وقد عبروا عن الفرق بين الحسبة والقضاء أجمل تعبير، قالوا: إن للناظر في الحسبة ~~من سلاطة السلطة فيما يتعلق بالمنكرات ما ليس للقضاء؛ لأن الحسبة موضوعة للرهبنة، ~~والقضاء موضوع للمناصفة، فهو بالوقار أحق، وعلى هذا فبين الحسبة والنظر في المظالم شبه ~~من حيث إن موضوعهما مستقر على الرهبنة المختصة بسلاطة السلطة وقوة الصرامة، ومن حيث ~~جواز التعرض فيهما لأسباب المصالح والتطلع إلى انكسار العدوان الظاهر، والفرق بينهما أن ~~النظر في المظالم موضوع لما عجز عنه القضاء، والنظر في الحسبة موضوع لما رفه عنه ~~القضاة. # والقاضي - لا المحتسب ms22 - ينظر في الحقوق التي يتداخلها التجاهد والتناكر؛ لأن الحاكم ~~في هذه يقف على سماع بين وإحلاف يمين، ولا يجوز للمحتسب أن يسمع بينة على إثبات الحق، ~~ولا أن يحلف يمينا على نفي الحق. # وقد استقر الأمر في المدن العربية على أن يجمع القاضي على الفصل بين الخصوم استيفاء ~~بعض الحقوق العامة للمسلمين؛ مثل النظر في أموال المحجور عليهم من المجانين واليتامى ~~والمفلسين وأهل السفه، وفي وصايا المسلمين وأوقاتهم، وتزويج الأيامى عند الأولياء على ~~رأي من رآه، والنظر في مصالح الطرقات والأبنية، وتصفح الشهود والأمناء والنواب، ~~واستيفاء العلم والخبرة فيهم بالعدالة والحق؛ ليحصل له الوثوق بهم، وصارت هذه كلها من ~~تعلقات وظيفته ونوابغ ولايته. # وأما النظر في المظالم فكانت وظيفته ممتزجة من سطوة السلطنة ونصفة القضاء، وتحتاج إلى ~~علو يد وعظيم رهبة، ومن الخلفاء من باشرها بنفسه، ومنهم من أضافها للقضاء، كما أن منهم ~~من جعلها لصاحب الشرطة، ثم جعلت فيما بعد في يد من عرف بالوالي، وهي في خلال هذه ~~الأطوار فيها توسع عن أحكام القضاء، وأصبح فيها للتهمة في الحكمة مجال، وأصبحت تفوق ~~العقوبات الزاجرة قبل ثبوت الجرائم، ويحكم فيها - كما قالوا - بموجب السياسة دون مراجعة ~~الأحكام الشرعية. # وبعد؛ فهذا وصف موجز لحكومة المدينة العربية في ماضيها الطويل، فما هي كلمة الحق في ~~أمرها ... لا جدال في أنها حققت الخير للناس، وبدأت المدينة العربية مكانا عظيما وذكرا ~~حسنا، ولا جدال في أن قضاتها أقاموا بأحكامهم صرحا للعدالة جليل الشأن، وأنهم عرفوا ~~كيف يصونون الحقوق، ويتوخون المصالح العامة. # ولا جدال في أن محتسبيها صحوا المستهلك، أي مجموع الناس، وضربوا على أيدي المطففين ~~والغشاشين والمدلسين والخائنين، ولا جدال في أن الناظرين في المظالم حفظوا الأمن ~~وصانوه، لا جدال في هذا كله، ولكن للصورة جانب آخر، كما يقولون، فهذا المحتسب قد يجاوز ~~حدود المصلحة، وقد ينتهي به الأمر إلى إرهاق الناس باسم الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر. # ولنا أن نسأل: أكان من المستطاع دائما أن يكون للمدينة محتسب يعرف من أسرار الطب ms23 ~~وطرائق المعلمين والصناع ما يمكنه من أداء عمله على الوجه المعقول؟ # وهذا الناظر في المظالم لا نستطيع إلا أن نقول عنه: إنه صان الأمن بالإرهاب، لا ~~بإنفاذ القانون، وربما جاز لنا أن نقول: إن الناظرين في المظالم على تنوع أسمائهم هؤلاء ~~أساءوا إلى الحياة الإسلامية كما عرفها التاريخ أكبر إساءة، وكانوا أسوأ من هدر الحقوق ~~وهدم القانون وضيع الكرامات الإنسانية. # والمدينة العربية لم تملك أداة واحدة وهيئة واحدة للإشراف على مصالحها ومرافقها، كما ~~تملك الآن في مجالسها البلدية، كما أنها لم تملك طرائق منتظمة للرقابة على أصحاب ~~الوظائف فيها، أو للانتصاف من جورهم وتعسفهم، وجملة القول أن حكومة المدينة العربية ~~افترضت ثبات الظروف المادية والمعنوية، افترضت عدم النمو وعدم التغيير، فإذا ما عرض لها ~~عارض من قحط أو وباء أو تغلب عدو انهارت انهيارا تاما، على أن تاريخها ترك لنا في ~~الوقت نفسه فصولا مجيدة من السعي للخير وفعله، من حفظ الدين وسياسة الدنيا، ومن ~~قدر لا يستهان به من التوفيق بين سعادة الفرد ومصلحة الجماعة. # الفصل الثاني # | رجال غيروا وجه التاريخ # سقراط ... حياته وموته # لنا في حياة سقراط عظات وهو - ميتا - أوعظ منه حيا، هذا الرجل الدميم الفقير ابن ~~البناء والقابلة غير التاريخ دون أن يعمد إلى شيء من ذلك، ودون أن يخطر على عقله أنه ~~يفعل ما يؤدي إلى ذلك، كان كل ما فعل أن يسأل الناس أسئلة معدودات، ويسألها صباح مساء، ~~ويوجهها لرجل السياسة وللصانع وللمتصدي للتعليم، ولا يثنيه عن توجيهها شيء يهمل شأنه ~~ويهمل ذويه، سخرية المرحين لا تزعجه كثيرا، وغضب الذين يكشف عن جهلهم أو سوء رأيهم أو ~~ارتباك تفكيرهم أو مغالطاتهم لا يخيفه، وكيف يخاف من لا يخشى الموت؟ وكيف يخشى الموت من ~~يؤمن بأن الله آتاه الحكمة، وأنه أمره أن يحث قومه صغيرهم وكبيرهم على أن يعرفوا ~~أنفسهم، على ألا يهتموا إلا بما هو جدير بالاهتمام، وأي دليل يجب على الإنسان أن يستصحب ~~في سفره الطويل، أيسترشد بإلهام من ضميره، أو عليه أن ms24 يبحث عن المرشد فيما حوله؟ ~~والكمال أين يطلبه الإنسان، أيطلبه بمجاراة نفسه يترك لها العنان لتبلغ به ما شاء لها ~~هواها؟ أم يكون الكمال بكبح جماح النفس والعمل الطيب؟ أهو مما يمليه العقل أو هو مما ~~يفرضه سلطان خارجي؟ # إن الفضيلة وحدها هي الجديرة بالطلب، وهي التي تؤتي جميع الخيرات، لقد كان سقراط في ~~حياته وفي موته حدثا فريدا في تاريخ الإنسانية، كان مواطنا أثينيا يؤدي ما يفرضه ~~نظام المدينة، خدم في الجيش وفي هيئات الحكم المختلفة، ولكنه كان أيضا وفي نفس ~~الوقت مثال الإنسان المتحلي بالسمو الخلقي المنجذب نحو الكمال، وبين المواطن والحكيم ~~تنازع وتجاذب تولدت فيهما فكرته الأخلاقية السياسية، والفكرة في مبتدئها ثابتة الأصل ~~فيما هو واقع، وهي في منتهاها تتجه نحو أسمى ما يكون - وقد تمثل التنازع بين المبتدأ ~~والمنتهى في حياته، وتمثل أيضا في موته - فهو شهيد التنازع بين ما يجب على المواطن من ~~إطاعة لقانون المدينة الوضعي، وما يجب على الإنسان من طاعة الله. # قال سقراط: في مستهل حياتي أولعت ولعا شديدا بذلك الفرع من فروع المعرفة، الذي ~~نعرفه باسم العلم الطبيعي، فعددت حينذاك علما ساميا أن أتعرف على الظواهر، وأن أتحرى ~~علة وجود كل واحدة منها، وعلة انحلالها، وكنت أجهد عقلي باحثا في صدق النظرية القائلة ~~بأن الكائنات الحية تنشأ عن تفاعل الحرارة والبرودة تفاعلا من نوع التخمر، أو في القول ~~بأن أداة الفكر هي الدم أو الهواء أو النار، أو في القول الآخر بأن المخ هو الذي يمكننا ~~من السمع والبصر والشم، كما أني كنت كثير التفكير في التاريخ الطبيعي للمجموعة الشمسية ~~ولكوكبنا بالذات، وقد انتهى بي كل هذا إلى اليقين بأني لا أحسن هذه البحوث وأمثالها، بل ~~إني أقل الناس جميعا إحسانا لها، ثم حدث في يوم من الأيام أني سمعت الفيلسوف أناكسا ~~جوراس يقرأ من كتاب له قوله: إن العقل هو مدبر الكون، وأنه علة كل شيء، فقبلت هذا وفرحت ~~به، وبدا لي أنه الحق، وبدا لي أن نظام الكون يدل ms25 على أن عقلا يدبره نحو أسمى غاية ~~ممكنة. # وهكذا عرف سقراط أن العلم الطبيعي لا يفسر كل شيء، بل عرف أن أهم الأشياء لا يعرض لها ~~هذا العلم بالمرة، وهكذا انتقل من البحث الطبيعي للبحث الروحي، للبحث عن الخير ~~والحق. # واضطرب الأمر في أثينا، انقطع ما سادها زمنا من وئام بين السياسة والثقافة، وغلب على ~~أهلها حب التغلب، فحاولوا الاستبداد بالمدن الأخرى، وأخفقوا في ذلك آخر الأمر إخفاقا ~~شديدا، وأفسدت الهزيمة على الناس أصالة الرأي وسداد النظر، فمنهم من خشي التعرض ~~للقديم، واستنكر جميع الدعوات صالحها وطالحها، من ذلك ما فعله أريستوفانين في مسرحيته ~~المشهورة «السحب» من الجمع بين سقراط والسفسطائيين في كفة واحدة، وقد صور الكاتب سقراط ~~في تلك المسرحية رجلا غريب الأطوار، سخيف التصرف، مهملا لشأنه، مبشرا بالتقدم، ~~جاحدا بوجود الآلهة، ومنهم - وهذه كثرتهم - اندفعوا في تيار الخصومات السياسية، وكان ~~سقراط ضحية هؤلاء وأولئك. # وهذه الحال التي آلت إليها الديمقراطية الأثينية هي ما حمل أفلاطون وأرسطاطاليس على ~~أن يقفا منها الموقف المشهور في فلسفتهما السياسية، كرها منها موقفها المعادي ~~للثقافة، وكرها منها تفضيلها التسلط على المدن الأخرى على انتشار آدابها وفنونها ومثلها ~~العليا، وكرها هزيمتها في حربها، وكرها - أخيرا - إعدام سقراط. # حمل هذا كله الفيلسوفين على التبرؤ من كل ما أدى في القرنين الماضيين إلى عظمة ~~أثينا الاقتصادية والسياسية، وأخذا يدعوان إلى أن السبيل الوحيد لبقاء المدن اليونانية ~~هو تعاون خصمي الديمقراطية الأثينية اللدودين: الفلسفة الأثينية من جهة، والنظام ~~الاجتماعي الأسبرطي من جهة أخرى. # واتهم سقراط بأنه يخوض في كل شيء، يخوض في كل ما هو فوق الثرى وما تحت الثرى، ولا ~~يؤمن بآلهة المدينة، ويلبس الحق بالباطل، ويضلل الشباب، وقدم للمحاكمة، وقضاته مئات ~~يختارون بالقرعة طبقا لنظام المدينة. # ووقف سقراط أمام قضاته والحاضرين قال: يقول متهمي: إني خطيب بارع، فخذوا حذركم ~~مني، إن كانوا يعنون ببراعة الخطاب قول الحق فأنا حقيقة خطيب بارع، ولا يليق بي وقد ~~بلغت من السن السبعين أن أختلق، أو أن أموه، أو ms26 أن أكذب كما لو كنت حدثا طائشا، ~~لقد قالوا عني: إني رجل يجيل الفكر في العلويات وفي السفليات، وإني أزين للناس الباطل ~~عامدا، وأسوأ ما في هذا الاتهام أنه قد يحمل الناشئين على سوء الظن بالباحثين عن ~~الحقيقة، فيتصورونهم جاحدين، والواقع أنني لا أخوض في تلك العلويات وتلك السفليات، وليس ~~هذا لأنني أحتقرها، ولكن لأنني لا أخوض فيما ليس لي به علم، ولقد حاولت أن أتبين من هم ~~متهمي، فلم أستدل عليهم، وحاولت أن أستدل على من أضللت فلم أهتد إلى واحد منهم، ~~وأنا أتقاضى على تعليمي أجرا، وشاهدي على صحة قولي فقري. # وقد تقولون: إذا كنت لا تختلف عن سائر الناس فما الذي أدى إلى وقوفك اليوم موقفك هذا؟ ~~سؤال في محله، وإليكم جوابي: لقد اشتهرت بالحكمة، بل وقد شهد بأني أحكم الناس من استخار ~~الآلهة في دلفي، وأخذت بناء على هذا أفتش عمن هو أحكم مني، فتشت عنهم بين رجال السياسة، ~~وبين أصحاب الصناعة، أي عند جميع الذين اشتهروا بها وبحذقهم صناعاتهم، فكرهني الناس؛ ~~لأني كشفت عن حقيقة باطنهم، وقد تقولون: ألا تستحي من كونك حييت حياة انتهت بك إلى موقف ~~سينتهي إلى الموت؟ وأنا أقول: إن المهم هو ما وقف من أجله الإنسان هذا الموقف، وليس ~~المهم هو أن تكون خاتمته الموت ... والوقع أيضا أنه ليس من المحقق أن الموت هو أسوأ ما ~~يمكن أن يصيب الإنسان، وليس من المحقق أنه خير ما يصيبه، والأكيد أن أسوأ ما يصيب ~~الإنسان الجهل الذي يحمله على أن يتوهم أنه يعلم ما لا يعلم. # وقد تطلقون سراحي مشترطين على أن أكف عما أنا فيه، ولكني أرفض ذلك، وليس هذا لأني لا ~~أحبكم أو لا أتمنى خيركم، ولكنني أطيع الله ولا أطيعكم، فما دمت حيا فإني أبقى محبا ~~للحكمة، أبقى حاثا صباح مساء الصغير والكبير على عدم الاهتمام بالمال أو بالجسد؛ ~~لأن المال لا يثمر الفضيلة، بل إن الفضيلة تؤتي جميع الخيرات. # إني أعرف أني سأموت أو أنفى أو أحرم من ms27 حقوق المواطنين، ولكني لا أعد هذه ~~شرورا عظيمة، إن متهمي لن يسيئوا إلي بقدر ما سيسيئون إلى أنفسهم بقتلهم ~~رجلا ظلما، وأنا لا أدافع إذن عن نفسي بقدر ما أنا أدافع عنكم، وما أنا إلا كدابة ~~الأرض توقظ النائم والغافل - رسالة إلهية - أهملت في سبيل القيام بها أمري وأمر ~~ذوي. # وقضت أغلبية غير كبيرة إدانته، وطلب إليه أن يقترح لنفسه عقوبة غير الموت، وألح عليه ~~أصحابه أن يفعل ذلك، فاقترح أن يحكم عليه بغرامة مالية صغيرة - وكأنه كان في مجلس ~~الحاكم لا مجلس المحكوم عليه - أو كأنه تعمد ألا يجد القضاة مناصا من الحكم بالإعدام، ~~قال: إن الغرامة المالية لا يستطيع دفعها لفقره، وقال: إنه يكره الحبس ويكره الإبعاد عن ~~وطنه أثينا، فالموت أفضل. # وختم كلامه: والآن قد حانت ساعة الفراق، أنا إلى الموت وأنتم إلى الحياة، وأي ~~النهايتين أفضل، علم هذا عند الله وحده. # الرواقيون وسيادة العقل # يقرر مؤرخو الحكمة من العرب أن حكماء اليونان سبع فرق، سميت بأسماء اشتقت لها من سبعة ~~أشياء؛ أحدها: من اسم الرجل المعلم للحكمة، والثاني: من البلد الذي فيه مبدأ ذلك العلم، ~~والثالث: من اسم الموضع الذي كان يعلم فيه، والرابع: من التدبير الذي كان يتدبر به، ~~والخامس: من الآراء التي كان يراها في علم الفلسفة، والسادس: من الآراء التي كان يراها ~~في الغرض الذي كان يقصد إليه في تعلم الفلسفة، والسابع: من الأفعال التي كانت تظهر عليه ~~في تعليم الفلسفة. والفرقة المسماة من اسم الموضع الذي اتخذه مؤسسها الحكيم زينون ~~للتعليم هي فرقة أصحاب المظلة أو الرواق، سموا بذلك؛ لأن تعليمهم كان في رواق هيكل ~~بمدينة أثينا - فهم الرواقيون - وفي عداد الرواقيين رجال نعتبرهم ممن غيروا التاريخ، ~~طبع كل واحد منهم الرواقية بطابع خاص، وكانت الرواقية أكبر بناء فكري روحي عرفه ~~العالم اليوناني الروماني الشرقي ابتداء من فتوح الإسكندر، إلى ما بعد انتشار المسيحية ~~في ذلك العالم، وامتلاكها ألباب أمة قاطبة، بل وبقي الوصف رواقي في اللغات الأوربية ~~دالا حتى الآن على ms28 طراز من السلوك الجدير بالإعجاب، سلوك الرجل لا يجزع ولا ~~يهاب. # والرواقية كانت فلسفة خلت من الخوارق، ولكنها بعثت في قلوب معتنقيها ما يبعثه الدين ~~في معتنقيه من تعلق وإيمان، وهذا ما حملنا على أن نعتبر قادتها رجالا غيروا التاريخ - ~~فالأديان وما في حكمها من مذاهب الفكر هي التي غيرت التاريخ حقا - وما سواها فأثره قد ~~يكون جليلا في وقته، ولكنه محدود بزمان وبمكان معينين. # ومذاهب الفكر منها ما يصلح لأزمنة الضراء ومنها ما يصلح لأزمنة النعماء، وأعظم ~~المذاهب ما صلح للضراء والنعماء معا، أعظمها ما يدرع الإنسان لاحتمال الملمات، ولكنه ~~يقيه في الوقت نفسه ما قد يجلبه الرخاء من بطر النعمة، أو من شره أو من أثرة، وكانت ~~الرواقية كذلك، وأهم من هذا أنها نسبت الإنسان لا لمدينة بعينها، ولكن للعالم، بل ~~للكون، ولا عجب فقد قام المذهب الرواقي في طور جديد من أطوار التاريخ، طور الفتح ~~الإسكندري، وزوال المدينة العتيقة، وارتقاء العلوم الطبيعية. # ولا عجب أن نجد بين قادة المذهب حكيما يعلم في أثينا، ولكنه ولد في قبرص، وينتسب ~~فيما يقال إلى أصل فينيقي، أي أصل غير يوناني، وهو زينون مؤسس الرواق على المشهور، ~~كما نجد أيضا بينهم عبدا أعرج هو أبيقستيتوس، وكما نجد أيضا شيشرون أخطب خطباء ~~الجمهورية الرومانية، وكما نجد أخيرا القيصر الروماني مارك أرويل، حكيم معلم، ورجل جرى ~~عليه الرق وعذبه مولاه، والخطيب العالي الصيت الذي شهد الفصول الأخيرة من الجمهورية، ~~وقتله الذين قتلوها، والقيصر المطلق السلطان يعنو لسلطان الواجب، ويطيل النظر في طبيعة ~~الإنسان والكون، ويتخذ من نظره هذا نبراسا يهتدي به في سلوكه، ولكنه لا يحاول أن يتخذ ~~من ذلك مذهبا رسميا يفرضه على المتعلمين أو على أصحاب المناصب، على أن الرواقية ~~اتخذت سبيلها إلى الفقهاء العاملين في الشرائع الرومانية، وعلى أساس نظريتها في القانون ~~الطبيعي بنى الفقهاء الكثير من شروحهم وتأويلاتهم، فأكسبوا تلك الشرائع ما اشتهرت به من ~~خصائص المعقولية، وكان هذا مما أعان على جعلها قابلة لأن تكون شرائع عالمية، لا ms29 تتأثر ~~إلا بعض التأثر بظروف الزمان والمكان. # انتقل زينون - مؤسس المذهب - إلى أثينا قرب ختام القرن الرابع قبل الميلاد، وأخذ يعلم ~~الفلسفة في طور جديد من أطوار التاريخ، لقد زالت المدينة العتيقة بمواطنيها وآلهتها ~~وشرائعها الخاصة، يجد الفرد من أبنائها في المدينة وفي العشيرة كل ما يلزم حياته، وحل ~~محل المدن دولة الإسكندر ثم العالم الإسكندري المتحد حضاريا، المنقسم سياسيا، ثم ~~العالم الروماني في أيام الجمهورية وفي أيام القيصرية - وهذا كله لم يحقق السلم الذي ~~خطر على عقل الإسكندر وعلى عقل الحكماء - فقد كان في الواقع يقوم في الكثير من حقيقته ~~على الاستعباد وعلى الاستغلال، ولكنه في الوقت نفسه أوجد إطارا اتسع لتقارب الشعوب ~~والعقول، ومهد لعواطف التراحم والتعاطف وللأخوة الإنسانية التي تسمو على كل شيء، وتبقى ~~حسية على الرغم من كل شيء، فاستطاع مذهب كالرواقية أن يجد في ذلك العالم اليوناني ~~الروماني الشرقي المجال لانتشاره، واستطاع دين كالنصرانية وكالإسلام فيما بعد أن يجد ~~العقول والقلوب مهيأة لرسالة الوحدانية. # ولما زالت المدينة العتيقة بدا كما لو أن المواطن قد فقد الدليل المرشد، وفقد بفقدانه ~~أنظمة المدينة وقوانينها، ولكن الغنم كان أكبر من الخسارة، فحلت فكرة الإنسان محل فكرة ~~المواطن، وحل الالتجاء إلى الضمير تستمد منه الهداية محل قانون الجماعة، وحل قران ~~الحياة بالطبيعة محل الفصل بينهما، بحيث أصبحت القوانين الطبيعية هي قوانين الحياة، وهي ~~بذلك أساس جديد للأخلاق وللسلوك عند الرواقيين. # اطمأن الرواقيون اطمئنانا إلى حقيقة وجود الأشياء، بل والمعاني، وإلى أن الإدراك ~~بالحواس خليق بأن يعتمد عليه، وقالوا بأن لا خير إلا ما هو خير وأن لا شر إلا ما هو ~~شر، ومعنى هذا أن ما يهم حقا هو الإنسان وحده، وما التشاريف وما المال وما الصحة إلا ~~إضافات تضاف إلى الإنسان، وتقديرها لا يتوقف عليه، بل على غيره، وقد يقال: ولكن الناس ~~يطلبونها ويغالون في شأنها، ألا يدل ذلك على قيمتها؟ لا يدل على شيء، فإن حكم الإنسان ~~عليها تثوب بتأثره بها كالقاضي بحكمه متأثرا برشوة أو ما ms30 ينيبه وإن شئت حكما عادلا، ~~فارجع إلى التاريخ، هل سمعت عن رجل يطريه المؤرخون لأن عمره طال مثلا؟ لا: إن التاريخ ~~يسجل بالحمد للرجال بطولتهم ومآثرهم، وتفاوت الناس في الدرجات أو الألقاب مثلا؟ أيسجل ~~التاريخ مثلا بطولة القائد وحده فيهمل بطولة الجندي البسيط؟ لا، وقد يستطيع إنسان أن ~~يؤذي إنسانا آخر، ولكن لا يستطيع أن يجعل منه رجلا خيرا أو رجلا شريرا، وكيف ~~يكون الإنسان خيرا؟ يكون ذلك بأداء وظيفة الإنسان على وجهها الحق، ووجهها الحق هو ~~نتيجة حركة الطبيعة نحو ما هو خير، وهي حركة تتجلى في نماء البذرة الدقيقة إلى شجرة ~~باسقة، ونماء الجرو الأعمى إلى كلب الصيد، ونماء القبيلة الوحشية إلى الشعب المتحضر، ~~فعالم الطبيعة إذن يدبره عقل شائع في كل جزئيات الكون، يسوده النظام والتعاطف. # لقد أخذوا على الرواقيين مآخذ، أخذوا على الأوائل منهم نوعا من التعالي على الناس؛ ~~إذ كانوا يميزون بين الحكماء وغير الحكماء، وأخذوا عليهم قدرا من الغلو في الترفع عن ~~المشاعر والعواطف الإنسانية العامة، من ذلك ما زعموه من أن الذي يهم وحده في العمل هو ~~الاجتهاد في أدائه لا نتيجته، مثال ذلك: أنك إذا أضنيت نفسك في مكافحة وباء اكتسح قرينك ~~فليس المهم نجاحك أو إخفاقك، إنما المهم ما بذلت في تلك المكافحة، وإذا ما ألم بصديق ~~لك علة فأنت تعطف عليه أو تبذل له العون، والمهم هو بذل العطف والعون، وقد شبه أحد ~~النقاد الرواقيين في هذا بالرسول يحمل هدية لرجل لا يعرف عنوانه على وجه التحديد، ويبحث ~~الرسول عن المهدى إليه ويجهد نفسه، ولكنه لا يستطيع أن يهتدي إليه، فيعود بالهدية ~~لصاحبها غير مكترث بالنتيجة بعد أن أدى واجبه تماما، وفي هذا التشبيه شيء من القسوة، ~~وإنا لو ذهبنا إلى أقوال أكثر قادتهم لوجدنا فيها بساطة نبيلة: جاء في تأملات مارك ~~أوريل، ولنذكر أنه سطر أغلبها في خيمته في ميادين القتال، فقد قضى العشرين عاما التي ~~جلس فيها على عرش القيصرية محاربا لحشود القبائل المتبربرة، ولنذكر أيضا أن ساعات ms31 ~~العمل كانت في أكثر أيامه لا تنقص عن ست عشرة ساعة، نقرأ منها: «من الناس من إذا أسدى ~~آخر إليه يدا يسجل عليه هذا، ومنهم من إذا أسدى إليه يدا لا يسجلها ولكنه لا ينساها، ~~ومنهم ثالث يسدي إليه دون أن يلحظ أنه يفعل شيئا، هو كالكرم تثمر قطف العنب دون أن ~~تعرف أنها تفعل ذلك، وهي على استعداد دائما لأن تثمر من جديد.» # الحسن البصري وأهل السنة والجماعة # أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن البصري، نحفظ عنه عظات بليغة مثل: بع دنياك بآخرتك ~~تربحهما جميعا، ولا تبع آخرتك بدنياك فتخسرهما جميعا، ومثل: أمتكم آخر الأمم، وأنتم ~~آخر أمتكم، ولقد رأيت أقواما كانوا فيما أحل الله لهم من الدنيا أزهد منكم فيما حرم ~~الله عليكم منها، ومثل: ما رأيت يقينا لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه إلا الموت، أرسل ~~إليه ابن هبيرة وإلى الشعبي، فقال له: ما ترى أبا سعيد في كتب تأتينا من عند يزيد بن ~~عبد الملك فيها بعض ما فيها، فإن أنفذتها وافقت سخط الله، وإن لم أنفذها خشيت على دمي؟ ~~فقال له الحسن: هذا عندك الشعبي فقيه أهل الحجاز، فسأله، فرقق له الشعبي، وقال له: قارب ~~وسدد، فإنما أنت عبد مأمور، ثم التفت ابن هبيرة إلى الحسن، وقال: ما تقول يا أبا ~~سعيد؟ فقال الحسن: يا بن هبيرة، خف الله في يزيد، ولا تخف يزيد في الله، يا بن هبيرة، ~~إن الله مانعك من يزيد، وإن يزيد لا يمنعك من الله، يا بن هبيرة، لا طاعة لمخلوق في ~~معصية الخالق، فانظر ما كتب إليك فيه يزيد فاعرضه على كتاب الله تعالى، فما وافق كتاب ~~الله فأنفذه، وما خالف كتاب الله فلا تنفذه، فإن الله أولى بك من يزيد، وكتاب ~~الله أولى بك من كتابه. # فضرب ابن هبيرة بيده على كتف الحسن، وقال: هذا الشيخ صدقني ورب الكعبة، وأمر للحسن ~~بأربعة آلاف درهم، وأمر للشعبي بألفين، فقال الشعبي: رققنا له فرقق لنا، فأما الحسن ~~فأرسل ms32 إلى المساكين، فلما اجتمعوا فرقها، وأما الشعبي فإنه قبلها وشكر عليها. له من هذا ~~وأمثاله الكثير، ولكن ليس هذا كل ما هنالك، فإن أكثر المبادئ التي حركت الرجال ~~والجماعات في تاريخ الأمة تتصل بعصر الحسن البصري، وبالحسن البصري في عصره، وأهم من هذا ~~الاتصال أن الحسن البصري وقف من هذه المبادئ التي فرقت الناس موقف من استطاع أن يجمع ~~أكثر هذه الأمة على موقف وسط، هو أصل ما نعرفه في التاريخ باسم موقف أهل السنة ~~والجماعة. # ولم يكن التوسط عند الحسن يفيد التلفيق أو الأخذ من كل شيء بطرف، لا، لم يكن الأمر ~~كذلك، بل كان التوسط عنده يرجع إلى أن يرتفع الحكم على الأحداث وعلى الرجال عما هو زائل ~~من الأغراض متفقا مع أثر الطبقة الأولى من السلف، مبتعدا عن عوامل الفرقة. # فرفع الحسن بذلك كله للحق راية، قد يكثر الرافعون لها وقد يقلون، ولكنها تظل أبدا ~~مرفوعة حتى لو حال حائل - أحيانا - دون أن يراها جيل من الأجيال. # وقد تهيأ للحسن البصري أن يكون الرجل الذي كان له في عصره هذا الموقف بحكم ظروف ~~وأسباب، كان من الموالي، وكان من التابعين، وكان من أهل البصرة، وعاش في عصر الفتن ~~الكبرى، سبي أبوه إبان الفتوح العظمى من ميسان إلى المدينة المنورة، وأصبح مولى ~~لزيد بن ثابت الأنصاري من علماء الصحابة الستة أو السبعة المشهورين، وتزوج المولى من ~~أمة لأم سلمة، إحدى أمهات المؤمنين، فأنجبا الحسن في السنة الحادية والعشرين من ~~الهجرة، وشب في وادي القرى، ثم سكن البصرة، وعرفه الناس سيدا من سادات التابعين، أدرك ~~سبعين رجلا ممن شهدوا بدرا، وعرفوه ورعا تقيا قوي الخلق فصيحا، اعترض على ~~استخلاف معاوية ابنه يزيد، وأنكر على الحجاج وعلى عبد الملك بعض أعمالهما، كان في ~~الخطابة ندا للحجاج وراوية ثبتا للحديث، قاصا من طراز غير طراز قصاص ذلك ~~الزمان، يجلس في آخر المسجد بالبصرة وحوله الناس يسألونه في الفقه، وفي حوادث الفتن ~~التي كانت في عهده، ويحدثهم بما صح عنده من حديث، ms33 ويقص عليهم فيعظهم ويذكرهم ويحذرهم ~~وينذرهم. # وكانت الدنيا إذ ذاك في إقبال، وحب الترف قد غزا جميع طبقات المجتمع. # ومسلك الحسن بوأه مكان الصدارة بين الزهاد من التابعين، والعصر - كما قلت - عصر فتن ~~بدأت بمقتل عثمان رضي الله عنه، وقد صدق الجاحظ حين قال في قتل عثمان وفي قاتليه: «لا ~~جرم لقد احتلبوا به، وما لا تطير رغوته، ولا تسكن فورته، ولا يموت ثائره، ولا يكل طالبه ~~... وما سمعنا بدم بعد دم يحيى بن زكريا - عليهما السلام - غلا غليانه، وقتل سافحه كدمه ~~رحمة الله عليه.» # ثم ما كان بين الإمام علي - عليه السلام - وبعض كبار الصحابة، وما سفك من دماء في ~~واقعة الجمل، وفي صفين، وفي النهروان، وما صحب هذا كله من خلاف على مبادئ ~~أساسية. # وقد وقع هذا أو أكثره في العراق، يتساءل الناس من المخطئ ومن المصيب؟ وانتقلوا من ~~الحكم عما هو واقع إلى أبحاث دينية في مصير مقترف الكبيرة، في الجبر والاختيار، وما إلى ~~ذلك، وتفرق الناس فرقا؛ خوارج وشيعة ومرجئة وزيدية ومعتزلة، وهذه ستتطور وتتفرع، كل ~~هذا والإضراب منتشر حول المطالبة بحقوق أهل البيت، وحركات ابن الزبير، والمختار، وابن ~~الأشعث، وزياد والحجاج ومن شاكلهما من عمال بني أمية يمعنون في القمع بيد من حديد، وفي ~~تلك الظروف عاش الحسن البصري عاملا على رأب الصدع، باذلا الجهد في جمع القلوب، سأله ~~سائل ما تقول في هذا الطاغية، يعني الحجاج، فقال: لا تكن مع هؤلاء ولا مع هؤلاء، فقال ~~رجل متشيع لبني أمية: ولا مع أمير المؤمنين، فقال الحسن: ولا ومع أمير المؤمنين، أي أنه ~~اتخذ موقفا مستقلا نجح في النهاية في جعله موقف الكثرة في هذه الأمة. # ولم يعتمد في اتخاذ موقفه المستقل هذا على جاه أو مال أو عصبية، بل كان اعتماده على ~~النفوذ المعنوي الذي اكتسب في مصره وفي عصره، فلم يقدر ذو سلطان على مسه بسوء، ولما ~~توفي عام 110ه خرج أهل البصرة جميعا لتشييعه. # وقد قلت: إن أكثر المبادئ التي حركت الرجال والجماعات ms34 في تاريخ الأمة تتصل بعصر الحسن ~~البصري، وبالحسن البصري في عصره. # ولذا قيل: إن أكثر الحركات الدينية في الإسلام يمكن ردها إليه. # وإنا إذ نردها إليه علينا أن نبدأ بتقرير حقيقة طالما غفل عنها الباحثون، فكثيرا ما ~~كان همهم أن يلتمسوا أصولا لجميع المبادئ الفكرية والدينية الإسلامية في الثقافات ~~الأجنبية التي اتصل بها المجتمع الإسلامي، وقد أدى بهم الإغراق في ذلك إلى سوء تصوير ~~وسوء تأويل. # ومما لا شك فيه أن المنبع الذي نهل منه الحسن كان كتاب الله، وأن بذور التصوف التي ~~بذرها كانت قابلة لأن تنمو نموا مستقلا عن المؤثرات الخارجية، وهذه البذور هي التي ~~نما منها علم القلوب والخواطر، وله في الحياة الروحية الإسلامية ما له من مكانة. # وبهذه الذخيرة المعنوية أمكن للحسن أن يواجه الظروف القاسية التي واجهت الرجال في ~~عصره: أيستطيع الرجل أن يصدر أحكاما على رجال كانوا من خيرة الرجال، من الصحابة ~~الأجلاء، كان الحسن لا يتهرب من الحكم، ولكن كانت العبرة عنده في الأعمال طمأنينة ~~الجماعة وراحة القلوب، وبذلك رفض أن يفعل فعل الخوارج، فيحمل السلاح ولو كان حمل السلاح ~~لأجل تحقيق العدالة، أو أن يفعل فعل من خرج على الأمويين لغصبهم حق من هم أولى منهم ~~بالخلافة، فتأليف القلوب عنده وجمعها على الحق لا يقتضي حتما العمل السياسي المشترك ~~وما يماثله. # والشهادة عند الحسن تنال فيما به تنال، في الجهاد الأكبر، مجاهدة النفس، وهو بهذا ~~يؤكد معنيين: يؤكد أولا وجوب إبلاغ الفرد كماله الخلقي بمجاهدته نفسه، ويؤكد ثانيا ~~الصلات بين الفرد وبين الجماعة، فأما المعنى الأول فالطريق إليه واضحة المعالم: أداء ~~الفرائض، التحلي بفضائل وبآداب تهذيبية، ورياضات روحية، وبمناسك خيرية، ومن هذه كلها ~~يتكون أدب الدين، وأما المعنى الثاني: الصلات بين الفرد والجماعة، فيجمعه عند الحسن ~~فكرة الصحبة بين أفراد الجماعة، وهي تتسع لتشمل لا الأحياء فحسب، ولكن لتشمل الأحياء ~~والأموات والأجيال المتعاقبة، واتسعت عند بعض المتصوفة لتشمل أجيال الإنسانية ~~جميعا. # وهكذا وضع الحسن البصري راية أهل السنة والجماعة، وهي راية مرفوعة ms35 دائما في هذه ~~الأمة ، بالقوة أو بالفعل؟ # أبو العلاء المعري ومعرفة الإنسان بالإنسان # أبو العلاء المعري يرى نفسه في ثلاثة سجون؛ لفقده ناظريه، ولزومه بيته، ولكون النفس ~~في الجسم الخبيث كما قال، ومن الناس من يظن أنه كان في سجن رابع من أساليب التعبير ~~المتكلفة التي صنعها لمنظومه ومنثوره. # وإلى هذه السجون نضيف سجنا آخر ليس لأبي العلاء، ولكن للفكر العربي عن أبي العلاء، ~~وما أضيق هذا الفكر وما أتفهه في كل ما يتعلق بأبي العلاء ... رجل فذ، رجل موهوب حصل كل ~~ما يستطيع زمانه أن يعلمه، وعمل على أن يعرف الإنسان على أن يصل إلى كنه الظاهرة ~~الإنسانية، ظاهرة الإنسان في هذا الكوكب وفي هذا الكون، ومحاولته المعرفة يعبر عنها ~~أولا فأول - إن صح القول - كالإنسان يفكر بصوت مسموع، رجل هذا شأنه وهذا جده وهذا ~~جهاده، فماذا كان من أمره؟ # كان هم النقاد الأقدمين التنقيب عن سرقاته وعن سرقات غيره منه، وهذا ضرب من النقد ~~أراه مما أفسد، وأراه مما صرف الناس عما هو أجدى. # وكان هم اللغويين أن يتخذوا من منظوم أبي العلاء ومنثوره مادة نحوية صرفية، أو مادة ~~كلامية، وهو ضرب من النقد نافع دون شك، بشرط أن يفهم على أنه أداة، على أنه وسيلة ~~للتحقيق من المعنى الذي أراده الشاعر. # وكان هم المؤرخين والمترجمين مقصورا على التحقيق من كفره أو من إيمانه. # وهذا ولا شك أمر له خطورته وله ضرورته، ولكن بشرط أن يتسع البحث لبيان علاقات فكر أبي ~~العلاء بصنوف التفكير الكلامية والفلسفية والتصوفية. # وهذا الاتساع لم يحدث، بل الذي حدث أن يستحضر المؤرخ بيتا من الشعر يستدل به على ~~إيمان أبي العلاء بعقيدة من العقائد، ويستحضر آخر بيتا يستدل به على إنكاره إياها ~~وهكذا. # ألا ترى إذن، أن الفكر العربي عن الرجل في سجن؟ # ولقد ظل الأمر كذلك إلى أن أطلق طه حسين الفكر من ذلك السجن، إلى أن صنف العقاد ~~فصولا قيمة نقدية، إلى أن درست بنت الشاطئ رسالة الغفران دراسة محررة، إلى ms36 أن حبب أديب ~~جم التواضع أبا العلاء إلى الناس ... أديب فقدناه منذ عهد قريب: هو المرحوم كامل ~~كيلاني. # لقد أطلق هؤلاء الفكر العربي فيما يتعلق بأبي العلاء، فبدأنا ندرك أن سجونه الثلاثة ~~كانت سبيله للحرية أو سبيله للمعرفة. # فسبيل المعرفة هي سبيل الحرية، ومعرفة الظاهرة الإنسانية استمدها من نفسه، ولا يستطيع ~~أن يستمدها من نفسه إلا بلزوم البيت، إلا بأخذ نفسه بما أخذها به من زهد ومن ~~نسك. # وهذا يختلف عما نشاهده الآن من محاولات لتحليل أو شرح الظاهرة الإنسانية. # إن الذين يحاولون هذا الآن يقدمون عليه ولديهم ما كشف عنه العلم من أسرار الفضاء، وما ~~جمعه الجيولوجيون والبيولوجيون عن أطوار الأرض وأطوار الكائنات الحية، وما يتصوره ~~النفسيون عن أغوار النفس الإنسانية، وما كتبه الأثريون عن الحضارات القديمة، ~~والإنثروبولوجيون عن مختلف الجماعات الإنسانية. # هذه الذخيرة العظيمة لم يكن لدى أبي العلاء وأضرابه منها إلا القليل الذي لا يعتد به، ~~ولكن كان لديه ذخيرة من نفاذ البصر إلى خبايا الباطن لا يغني عنها أي علم بظروف الحياة ~~الإنسانية الخارجية. # وصح بهذا ما يقال الآن عن أن شرح الظاهرة الإنسانية ينبغي ألا يقدم عليه إلا من ~~كان في وقت واحد أخا دين وفلسفة وطب. # وتختلف البواعث التي تبعث الناس لطلب المعرفة؛ منهم من يطلبها للتحكم في الطبيعة ~~وقهرها لخدمة الإنسان، ومنهم من يطلبها مدفوعا بالغرور والكبرياء، ومنهم من لا يملك ~~إلا التأمل في الكون، لا يملك أن يستخدم عقله وأن يستنطق كل ما حوله؛ محاولة من جانبه ~~لإخضاع الظواهر لقوانين وضوابط معقولة، وكان أبو العلاء على ما أرى من هؤلاء، كان لا ~~يستطيع إلا أن يعرف، وقد وجد في نفسه وفيما حوله ما يدعو إلى المعرفة. # هو من شمال الشام من المعرة القريبة من حلب قاعدة الحمدانيين، مات سيف الدولة قبل ~~مولد الشاعر بثمان سنوات، ولكن كانت آثار عهده لا تزال قائمة؛ شعر المتنبي، فلسفة ~~الفارابي، نحو ابن جني، الجوار العربي الرومي القائم على تبادل المنافع في ظل حرب ~~الإمامة الفاطمية في ms37 القاهرة، وسعيها نحو نشر مذهبها وسلطانها، القرامطة وحركاتهم في ~~الجزيرة العربية وفي العراق والشام، جموع العشائر البدوية ومحاولات شيوخها إنشاء إمارات ~~تقوم على العصبية القبلية، وفي المعرة وغيرها من الأمصار قدر من العصبية المحضرية، يجمع ~~الأهلين في كل منها حول ما يقرب من الحكم الذاتي. # والعصر الذي ولد فيه أبو العلاء كان كما نرى عصر اضطراب، ولكنه كان يحتوي على جميع ما ~~يصلح لتركيب ثقافة شاملة، وشرط هذا وجود المدرسة الجامعية تتولى التأليف. # ولم يقدر لأبي العلاء العمل في المدرسة الجامعية؛ كما أتيح فيما بعد للغزالي فعمل ~~وحيدا. # اختار العزلة منذ أن قرر العودة إلى المعرة من بغداد، ولا يعرف على وجه التحقيق أكانت ~~عودته لما بلغه من مرض أمه، أم لمهانة أصابته. # عاد معتزما لزوم داره، أبلغ أهل المعرة عزمه هذا، وطلب إليهم ألا يخفوا للقائه إذا ~~بلغ القرية، ولا لزيارته إذا استقر في داره. # فاجأهم بهذا عندما انصرف عن العراق مجتمع أهل الجدول، وموطن بقية السلف، كما قال، على ~~أنه لم يبين لم فعل ذلك، بل اكتفى بالقول بأنه بعد أن قضى الحداثة فانقضت، وودع الشبيبة ~~فمضت، وحلب الدهر أشطره، وجرب خيره وشره، وجد العزلة في أوفق ما يصنع في أيام ~~الحياة. # وقال: إنه استخار الله فيه بعد جلاته على نفر يوثق بخصائلهم، فكلهم رآه حزما، وعده ~~إذا تم رشدا، وفرض على نفسه عدم الزواج والنسل، وحظر عليها أكل الحيوان وما يخرج منه، ~~وعاش على العدس والزيت والتين والدبس، مع خشونة الملبس والفراش على أن الناس لم يتركوه، ~~فأقبل عليه الطلاب من أبعد الأقطار الإسلامية، يطلبون عنده العلم والأدب، ومات وسنه ~~الرابعة والثمانون. # وبعد: أفله رسالة؟ أكل ما خلف تشاؤم ونقد وسخرية فقط من قبيل المقام؟ # مل المقام فكم أعاشر أمة # أمرت بغير صلاحها وأمراؤها # ظلموا الرعية واستجازوا كيدها # ويشربها على عمد مساء # يحرم فيكم الصهباء صبحا # ويشربها على عمد مساء # ما فيهم بر ولا ناسك # إلا إلى نفع له يجذب # أفضل من أفضلهم صخرة # لا تظلم الناس ms38 ولا تكذب # تظلموا الموتى وإن طال المدى # إني أخاف عليكموا أن تلقفوا # وكيف صعود إلى الثر # يا بلا سلم # كذب الظن لا إمام سوى العقل مشي # را في صبحه والمساء # وروم الفتى ما قد طوى الله علمه # يعد جنونا أو شبيه جنون # والذي حارت البربة فيه # حيوان مستحدث من جماد # إنما هذه المذاهب أسبا # ب لجذب الدنيا إلى الرؤساء # كان في هذا وأمثاله شفاء لما في صدره، ولكن ماذا كانت رسالة حياته، كانت السعي الدائب ~~لفهم حقائق الأشياء، الاستناد إلى قوة المعنويات في عصر سادته القوة الغشوم، ~~الطهارة والنقاء والبراءة من الإثم، الحرص على التقرب إلى الله، والإمعان في تسبيحه ~~والثناء عليه، الضعف في القوة والقوة في الضعف، رد الأمور إلى بسطائها ... # وهل هناك أجمل من العصر الذي يذكر فيه أباه ليصلي عليه ويهدي إليه التحية، ويعلن ~~اليأس من لقائه: أدعوك وعملي سيئ ليحسن، وقلبي مظلم لكي ينير، وقد عدلت عن المحجة إلى ~~بنيات الطريق، وأنت العدل ومن عدلك أخاف يا من سبح له زرقة الأفق وزرقة الماء ~~وحمرة الفجر وحمرة شفق الغروب، وإن كان الدمع يطفئ غضبك فهب لي عينين كأنهما غمامتا شتا ~~تبلان الصباح والمساء، واجعلني في الدنيا منك وجلا لأفوز في الآخرة بالأمان، وارزقني ~~في خوفك بر والدي وقد فاد بره إعداد الدعوة له بالغدو والآصال، فاهد اللهم له تحية أبقى ~~من عروة الجدب وأذكى من ورد الربيع، وأحسن من بوارق الغمام تسفر لها ظلمة الجدث، ويحضر ~~أغير السفاة، ويارح ثرى الأرض تحية رجل للقيا ليس براج: «يقول هنا إنه للقيا ليس براج، ~~ولكنه يقول في موضع آخر»: # خلق الناس للبقاء فضلت # أمة يحسبونهم للنفاد # الغزالي وميزان العمل # حجة الإسلام أبو حامد الغزالي، أثره في التاريخ الإسلامي، هذا إن لم أقل في التاريخ ~~الإنساني عامة، أن يضع للناس ميزان العمل، وهو التعبير الذي استخدم في الدلالة على ~~التوازن الذي يجب أن يكون بين العلم والعمل، وهما معا طريق السعادة، على أن من العمل ~~ما هو مسعد ومنه ms39 ما هو مشق، وعلى أن من العلم ما هو نظري ومنه ما هو عملي، فالعلوم ~~كثيرة وكذلك الأعمال، فهي مختلفة بالنوع ثم بالمقدار، وكذلك أيضا الخيرات والسعادات، ~~فهي أنواع، وسعادة كل شيء في وصوله إلى كماله الخاص به، والكمال الخاص بالإنسان هو ~~إدراك حقيقة العقليات على ما هي عليه، دون المتوهمات والحسيات التي يشاركه الحيوانات ~~فيها، ولا يدرك شيء من هذا كله إلا بتزكية النفس وقواها وأخلاقها، وذلك بمجاهدة الهوى ~~وتحري الخيرات والصوارف عنها. # فالسعادة مما ينبغي أن يطلب وأن يسعى إليه، والفتور عن طلب السعادة - كما قال - ~~حماقة، والمجاهدة لا تكون بقهر النفس وجمعها على اعتزال العالم الزهاد والنساك، أو ~~بتعذيب الأبدان، لكي تتخلص من علائق الدنيا وشواغلها، وإنما تكون المجاهدة بمعالجة ~~النفس لتفضي إلى الفلاح، الفلاح هو الاهتداء إلى العلم وطريق تحصيله، وإلى العمل المسعد ~~وطريقه، وهذا بتهذيب الأخلاق، وترويض النزوات النفسانية وبضبط الغضب، فتصير النفس مذعنة ~~للعقل غير مستولية عليه، ويعرف الفرق بين الحق والباطل في الاعتقادات، وبين الصدق ~~والكذب في المقال، وبين الجميل والقبيح في الأفعال. # هذا ومن الناس من يتوهم أن مجاهدة النفس لا تحدث إلا في أحوال الأزمات، أي عندما ~~يتعرض الإنسان لضغط طارئ، على أن الأمر أعم من ذلك، فالمجاهدة موقف مستمر يقوم على ~~التيقظ والمجالدة والمرابطة - والحالتان كلتاهما يوجدان في حياة الإمام الغزالي نفسه، ~~وقد وصفهما هو في كتابه «المنقذ من الضلال» - وهو من أجمل كتب حكاية الحال ~~إطلاقا. # عاش الغزالي في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري في خراسان والعراق، وفي عصر اشتد ~~فيه اضطراب الفكر الاجتماعي، تشعبت فيه آراء الفرق تشعبا كبيرا، ومنها من دعت إلى ~~انقلابات اجتماعية، وقد بلغ من شدة الخلاف أن الدول الإسلامية قام بينها ما نسميه الآن ~~الحرب الباردة، وأنها أخذت إذ ذاك تحاول أن تقيم نظامها على أساس ضيق من الفرق بدلا من ~~إقامته على أساس السنة الجامعة، وكان لا بد لمواجهة أزمة الأمة إذ ذاك من ظهور إمام ~~يسمو على الفرق، إمام يرتفع من ms40 حضيض النقلية إلى بقاع الاستبصار، إمام خير الطريقين؛ ~~طريق الاشتغال بتحصيل العلوم، وطريق الاقبال بكل الهمة على الله تعالى - فأما عن ~~اشتغاله بتحصيل العلوم فكان اشتغالا متوازنا، أدرك أن النفس إن لم تكن قد ارتاضت ~~بالعلوم الحقيقة البرهانية، فإنها تكتسب بالخاطر خيالات تظنها حقائق تترك عليها، وأما ~~الإقبال على الله، فمؤداه محو الصفات المذمومة والإخلاص. # وقد قدر الله أن يكون الغزالي إمام المائة الخامسة، على أنه لم ينهض بما ينهض به إلا ~~بعد أن اجتاز أزمة نفسانية عنيفة، هي التي وصفها - كما تقدم - في كتاب المنقذ من ~~الضلال، وكان لا بد قبل أن يتصدى لما تصدى له من أن يعرف نفسه وقواها وخواصها، فكيف - ~~كما قال - يشتغل بمخالطة زيد من لا يعرف زيدا؟ # أعد الغزالي ليتولى التدريس في مدرسة من المدارس الجامعية التي اهتمت الدولة ~~السلجوقية بإنشائها؛ للمحافظة على سلامة الاعتقاد، وتولى التدريس أستاذا لامعا يختلف ~~إليه من الطلاب ثلاثمائة طالب، ويرضى عنه أولو الأمر من أصحاب السلطان، ولكنه أخذ لا ~~يرضى عن نفسه، قال: لاحظت أحوالي فإذا أنا منغمس في العلائق الدنيوية، ولاحظت أعمالي ~~وأحسنها التدريس والتعليم؛ فإذا أنا مقبل على علوم غير مهمة ولا نافعة في طريق الآخرة، ~~ثم تفكرت في نيتي في التدريس، فإذا هي غير خالصة لوجه الله، بل باعثها ومحركها طلب ~~الجاه وانتشار الصيت، فتيقنت أني على شفا جرف هار إن لم أشتغل بتلافي الأحوال، فلم أزل ~~أتفكر فيه مدة، أصمم على الخروج من بغداد، أقدم فيه رجلا وأؤخر عنه أخرى، فلم أزل ~~أتردد بين تجاذب شهوات الدنيا ودواعي الآخرة قريبا من ستة أشهر، أولها رجب سنة ثمان ~~وأربعمائة، وفي هذا الشهر جاوز الأمر حد الاختيار إلى الاضطرار؛ إذ أثقل الله علي ~~لساني حتى أعتقل عن التدريس، وأورثت العقلة في اللسان حزنا في القلب وضعفا في القوى، ~~حتى قطع الأطباء طمعهم من العلاج، وقالوا: هذا أمر نزل بالقلب، ومنه سرى إلى المزاج، ~~فلا سبيل إليه بالعلاج إلا بأن يتروح السر من المهم، ثم لما أحسست ms41 بعجزي التجأت إلى ~~الله تعالى التجاء المضطر الذي لا حيلة له، فأجابني الذي يجيب المضطر إذا دعاه، وسهل ~~على قلبي الإعراض عن الجاه والمال والأولاد والأصحاب. # وتلطف الغزالي بلطائف الحيل في الخروج من بغداد، ودخل الشام وأقام بها قريبا من ~~سنتين، لا شغل له إلا العزلة والخلوة والرياضة، اشتغالا بتزكية النفس، وتهذيب الأخلاق، ~~وتصفية القلب لذكر الله تعالى، واعتكف مدة في مسجد دمشق، ورحل منها إلى بيت المقدس، ثم ~~تحركت فيه داعية الحج فأداه، وخفت حدة الأزمة، واستجاب إلى دعوة عياله ودعوة وطنه، وكان ~~يحب أن تصفو له الخلوة، ولكنها كانت لا تصفو له إلا في أوقات متفرقة، ولكنه مع ذلك لا ~~يقطع طمعه منها، تدفعه عنها العوائق، ولكنه يعود إليها، ودام على ذلك مقدار عشر ~~سنين. # وقد كتب في خلالها كثيرا من كتبه، كما كتب فيها قسما كبيرا من أهم كتبه إطلاقا: ~~إحياء علوم الدين، والكتاب رسم كامل شامل للحياة الكاملة المتوازنة التي يصورها ~~الغزالي، وهو ثمرة اجتهاده ومجاهدته، جاهد نفسه فقدر على سياستها وضبطها وحصلت له بذلك ~~الحكمة التي يسرت له التمييز بين الحق والباطل في الاعتقادات، وبين الصدق والكذب في ~~المقال، وبين الجميل والقبيح في الأفعال، وتكونت له شخصية متكاملة على أتم ما يكون ~~التكامل، يسعى ليعطي كل ذي حق حقه، راعى اختلاف الخلق والأديان والملل، وأحب أن يعرف ما ~~لدى كل حزب، فلم يعتمد على ما يقال عنه، بل توغل وتقحم وتفحص بنفسه، وقد قال في ذلك: لا ~~يقف على فساد نوع من العلوم من لا يقف على منتهى ذلك العلم، حتى يساوي أعمالهم في أصل ~~العلم، ثم يزيد عليه ويجاوز درجته، فيطلع على ما لم يطلع عليه صاحب العلم من غور ~~وغائلة، وبناء على ذلك لم يغادر باطنيا إلا وأحب أن يطلع على بطانته، ولا ظاهريا ~~إلا وأراد أن يعلم حاصل ظهارته، ولا فلسفيا إلا وقصد الوقوف على كنه فلسفته، ولا ~~متكلما إلا واجتهد في الاطلاع على غاية كلامه ومجادلته، ولا صوفيا إلا وحرص على ms42 ~~العثور على صوفيته، ولا متعبدا إلا وترصد ما يرجع إليه حاصل عبادته، ولا زنديقا ~~معطلا إلا وتجسس وراءه للتنبيه لأسباب جرأته في تعطيله وزندقته. # ولم يكتف بالتوغل والتقحم والتفحص، بل انتقل إلى تشييد صرح شامخ على أساس من العلم ~~الذي يوثق به، وهو العلم الذي ينكشف فيه المعلوم انكشافا لا يبقى معه ريب، ولا يقارنه ~~إمكان الغلط والوهم، وعلى أساس من العمل - والعمل عنده اجتماعي الغاية دائما - لا يتم ~~إلا في الحياة الاجتماعية، ففيها وحدها يمكن التعليم والتعلم، النفع والانتفاع، التأدب ~~والتأديب، الاستئناف والإيناس، نيل الثواب وإنالته، التواضع والتجارب. # والفضيلة عنده وسط بين الإفراط والتفريط، فالشجاعة مثلا وسط بين الجبن والتهور، ~~فالكمال في الاعتدال، ومعيار الاعتدال العقل والشرع معا، والخير ليس ما يقرره العقل ~~وحده، بل ما يقرره العقل المتأدب بالشرع، وبعد؛ فهذا قليل في موضوع خطير؛ حجة الإسلام ~~الغزالي وميزان العمل. # شيخ الإسلام ابن تيمية # رسالات الإصلاح التي انتشرت في أرجاء العالم الإسلامي، في الشرق وفي الغرب في الزمن ~~الحديث، يمكن إرجاعها لشيخ الإسلام ابن تيمية. إمام القرنين السابع والثامن الهجريين، ~~فهو - بحق - مؤسس حركات التجديد الإسلامي الحديث، ولا يصعب على الباحث أن يجد ~~سلسلة الأستاذ متصلة بينه وبين الشيخ محمد بن عبد الوهاب، صاحب دعوة الإصلاح المشهورة ~~في الجزيرة العربية، أساس الإمارة ثم المملكة العربية السعودية، كما لا يصعب عليه أيضا ~~أن يصل بين ابن تيمية وبين الدعوة التي اضطلع بها في أيامنا القريبة الأستاذ الإمام ~~الشيخ محمد عبده، وهذا كله على النحو الذي سيبين في هذا الحديث. # وابن تيمية كان من ذلك الطراز من الأئمة الذين قيل عنهم: «هم قوم خشن، تقلصت أخلاقهم ~~عن المغالطة، وغلظت طباعهم عن المداخلة، وغلب عليهم الجد وقل عندهم الهزل، وعرت نفوسهم ~~عن ذل المراءاة، وفزعوا عن الآراء إلى الروايات، وتمسكوا بالظاهر تحرجا عن التأويل، ~~وغلبت عليهم الأعمال الصالحة، فلم يدققوا في العلوم الغامضة، بل وقفوا في الورع، وأخذوا ~~ما ظهر من العلوم، وما وراء ذلك، قالوا: الله أعلم بما فيها من ms43 خشية بارئها.» # ولد تقي الدين أبو العباس أحمد في حراز في إحدى وستين وستمائة، ورحل به والداه عنها ~~عند قدوم التتار - وكانوا إذ ذاك يعيثون في الأقطار الإسلامية فسادا - هم في شرقيها، ~~والصليبيون والغلاة من أصحاب الفرق في ربوع الشام، ولم يكن في العالم الإسلامي يومذاك ~~مكان يصلح أن يولي المسلمون وجوههم نحوه سوى مصر والشام يجتمعان في ظل سلطان واحد، ~~ويحيا فيهما وحدهما التراث العربي. # ففي الشرق سلطان المغول، وفي الغرب كان قد قضي على البقية الباقية من سلطان المسلمين ~~في الأندلس. # وكان آل ابن تيمية أفراد عائلة اشتهرت كابرا عن كابر بالعلم والخطابة والوعظ وخدمة ~~القرآن، ولم يترك ابن تيمية ناحية من نواحي الثقافة إلا وقد كتب فيها - وكثيرا ما كتب ~~وألف وهو نزيل السجون - وما أكثر ما نزل السجون - ألف الكثير من رسائله في السجن، أو في ~~الطريق منه أو إليه، بعيدا عن المراجع والمصادر فهو - كما وصفت - من قوم خشن أنكر ما ~~يرى وجوب إنكاره، لا تأخذه في الحق لومة لائم، وجاهد بقلمه ولسانه، وهو جهاد شاركه ~~ويشاركه فيه كثير من الفقهاء من أمثاله، وجاهد في صفوف المقاتلة، وهو جهاد انفرد به دون ~~فقهاء زمانه، فاشترك في مقاتلة التتار وفي مقاتلة أهل البغي المنتسبين لبعض الفرق، وكان ~~في رأيه أن هؤلاء سهلوا على الصليبيين النزول في ثغور الساحل، كما سهل نظراؤهم اجتياح ~~التتار أراضي الخلافة في الشرق، وشغف ابن تيمية بالتفسير شغفا عظيما، وتعلق بالسنة ~~تعلقا كبيرا، وعنده أن الاستعصام بالكتاب والسنة يهيئ لصاحب اليقين النظر الواثق إلى ~~شئون الفرد، وشئون المجتمع، ويمضي به النظر إلى الفصل في تلك الشئون على الوجه الذي ~~تقتضيه المصلحة العليا للجماعة. # وبهذا استطاع هذا السلفي أن يضع أسس التجديد في المجتمع الحديث، وانتفى عنه بذلك ما ~~وصفوه به من جمود ومن صلابة، وكان على استعداد ليقبل الكثير في سبيل الاجتماع تحت راية ~~الكتاب والسنة، لا يسأل عن أصل السلطان أو طبيعته إذا قام صاحبه أو أصحابه بتحقيق ~~المصلحة، وكذلك لا ms44 يرى بأسا في اختلاف الأقاليم، وفي اختلاف المعاملات، وأحوال ~~الطوائف، إن لم تمس المصلحة العليا للجماعة. # بل وعمل على أن يجعل من تنوع العناصر أداة القوة، مثال ذلك: قبوله نظام العشائر في ~~البوادي، وتوليه شيوخها بالإرشاد والتهذيب وحثهم على الهدوء والاستقرار، فخرج على ~~الجمود الذي كان يسود إذ ذاك، والذي أذهب كثيرا من جلال الفقه الإسلامي. # وقد ظهر هذا بارزا في دراسته المشهورة للسياسة الشرعية، وقد ظهرت آثار هذه الحرية في ~~آرائه الاقتصادية، وأصول المعاملات، وقد بين للناس في رسالته «الحلال» الأصول التي يجب ~~أن يتبعوها في معاملتهم، وأنحى باللائمة على أولئك الفقهاء والمتصوفة الذين أرادوا ~~نوعا من الورع أفرطوا فيه بغير دليل شرعي، حتى كاد يقلب وجوه المعاملات، ويصم ~~الجماعة الإسلامية بأنها تتعامل في غير حل، وتعيش في غير مل، (على حد قول المرحوم ~~الأستاذ عبد العزيز المراغي في ترجمته الجميلة لابن تيمية) وبالجملة فقد حاول أن يتحلل ~~من الربقة التي وضعها بعض الفقهاء من التقيد بحرفية النص دون الرجوع إلى الروح التي ~~أملته والظروف التي أحاطت به. # ولكن لا يكون ذلك إلا بالاستمساك بالعروة الوثقى، بالاعتصام بالكتاب والسنة، والتقدير ~~لآراء السلف الذين حرصوا على نقل الدين إلى الخلف خاليا من كل شائبة. # يوضح موقفه عامة رأيه مثلا في الخوارج فإنه على الرغم من رميه لهم بالمروق عن الدين، ~~نجده يقدرهم ويثني على حرصهم على مبادئهم وجهادهم فيما اعتقدوه سبيل الله، وهو يراهم ~~المثل الأعلى لنشر المبادئ والقيام عليها واحتفاظهم بالقرآن الكريم، وإن كان ينعي عليهم ~~إفراطهم في مجافاة السنة وفصلها عن القرآن، وعدم استغلالها استغلالا حسنا لو قاموا به ~~لكانوا خير الناس تمثيلا لمبادئ المسلمين. # وقد عرض ابن تيمية في كفاحه لآراء من سبقه ومن عاصره، وتتبعها بالدرس والتمحيص، فكان ~~عالما أصوليا فقيها محدثا خبيرا بالملل والنحل، مطلعا على الفلسفة، عالما ~~بالتاريخ. # ووجه عنايته بالملل والنحل اعتقاده أن مبادئها كانت سببا في تلك الحركات الثورية ~~الهدامة التي أدت إلى تفكك عرى الوحدة الإسلامية، على أنه استغل ما ورد ms45 في مقالات ~~اللاإسلاميين أحسن استغلال، وصاغ على ضوء آرائهم وظيفة الإمام العادل، وفتح باب ~~الاجتهاد والقواعد العامة لإصلاح الراعي والرعية، متكلما في كل هذا بلغة إسلامية على ~~نهج الإسلام والسنة، شارحا إياه بما وسعه بيانه من القرآن وأحاديث الرسول وآراء السلف ~~الصالح من الصحابة والتابعين، وبما تقتضيه مصلحة المسلمين، وما تمليه روح الشريعة على ~~أن الكفاح في سبيل الحق أثار عليه من أثار، وأغضب عليه من أغضب، وأوغر أعداؤه عليه صدر ~~أولي الأمر، فأوهموهم أن ابن تيمية لا يخشى منه من الناحية الدينية فحسب، بل إن خطره من ~~الناحية السياسية أبعد أثرا، وإنه لو أرخي له العنان لكان خاتمة مطافه إخراج المماليك ~~من الحكم، كما فعل المهدي ابن تومرت في بلاد المغرب، فبدأ اضطهاد الحكام له سنة ثمان ~~وتسعين وستمائة، وكان قد قارب الثلاثين. # وكان ذلك في دمشق، وفي السنة الخامسة من القرن الثامن بدأت المدة التي قضاها في سجون ~~القاهرة والإسكندرية، ثم كانت الخاتمة في قلعة دمشق وفيها كانت وفاته. # قيل: ولما دخل الحبس وجد المحابيس مشتغلين بأنواع من اللهو، مضيعين بها الصلوات فأنكر ~~الشيخ ذلك عليهم، وألزمهم بالأعمال الصالحة، وعلمهم من الدين ما يحتاجون إليه، حتى صار ~~الحبس بما فيه من الاشتغال بالعلم خيرا من المدارس والزوايا، وصار خلق من المحابيس إذا ~~أطلقوا يختارون الإقامة عنده، وقد نقل أحد مؤرخيه رسالة منه لوالدته تطلعنا على جانب ~~آخر من جوانب تلك الشخصية العظيمة، كتب إليها: «كتابي إليكم عن نعم من الله عظيمة ~~ومنن كريمة وآلاء جسيمة، نشكر الله عليها، ونسأله المزيد من فضله، وتعلمون أن ~~مقامنا الساعة في هذه البلاد إنما هو لأمور ضرورية، متى أهملناها فسد علينا أمر الدين ~~والدنيا، ولسنا - والله - مختارين للبعد عنكم، ولو حملتنا الطيور لسرنا إليكم، ولكن ~~الغائب عذره معه، وأنتم لو اطلعتم على باطن الأمور، فإنكم - والحمد لله - لا تختارون ~~الساعة إلا ذلك، ونسأل الله العظيم أن يخير لنا ولكم وللمسلمين ما فيه الخيرة، ولا يظن ~~الظان أنا نؤثر على قربكم شيئا من ms46 أمور الدنيا قط، بل ولا نؤثر من أمور الدين ما ~~يكون قربكم أرجح منه، ولكن ثم أمور كبار نخاف الضرر الخاص والعام من إهمالها، ~~والشاهد يرى ما لا يرى الغائب.» # وعلى الرغم من مخاطبة والدته بأنتم، وهذا أثر من آثار التحفظ في التحدث إلى الأمهات ~~والآباء وعنهم، فالحنو العذب ظاهر في هذه الرسالة الجميلة، تطلعنا على الشيخ شديد ~~الشكيمة ابنا بارا رضيا. # تولستوي بين الواقع والواجب # عندما مات رجل روسيا الكبير - تولستوي - منذ ما يقرب من خمسين سنة، حزن لموته قادة ~~الفكر في بلادنا حزنا صادقا، رثاه شوقي، ورثاه حافظ، ورثاه نثرا في الجريدة الأستاذ ~~أحمد لطفي السيد، وكان عنوان مقال الأستاذ: «مات الرجل». # لم حزن القادة لموت تولستوي حزنا صادقا؟ ما المناقب وما المآثر التي ذكروها له؟ ما ~~العبر، ما العظات، ما المعاني التي استخرجوها من حياته ومن موته؟ # تحدث شوقي عن بكاء العالم تولستوي، عن فقد الشعب نصيره، عن طوافه كعيسى بالحنان ~~وبالرضى، عن أن لب الدين كان لديه، بينما لم يكن للمتصدين لخدمة الدين سوى القشور، ثم ~~تخيل التقاء تولستوي بأبي العلاء في دار البقاء، وما كان من حديث القادم الجديد إلى ~~المقيم القديم، يذكر تولستوي أنه سلك سبيل المترفين، وأنه نعم بمال وبنين، تمتع في ~~الشتاء بالدفء في ظل شاهق، وفي الصيف بالجنة والغدير، ويذكر كضوء الشمس في كل بلدة ... ثم ~~أجاب عما تساءل عنه أبو العلاء: هل غير الناس ما بهم؟ قال له: إن الناس هم كما عرفهم، ~~وأضاف إلى ذلك وصفه لنفوذ المال في كل الأمور، ولحرص الناس على السلاح مع كثرة كلامهم ~~على السلم، وفي ظل هذا الكلام كانوا إذا صادفوا شعبا آمنا أغاروا عليه، وختم الرثاء ~~بالإشارة إلى ابتداء عصر الطيران إذ ذاك، فقال: إن العصر لما استقل البر والبحر مذهبا ~~تعلق بأسباب السماء يطير ... # وكتب الأستاذ أحمد لطفي السيد كلمته عن تولستوي، حيث كان في قريته تحيط به أشباه ~~المناظر التي كان يحبها تولستوي، ويعاشر أشباه الناس الذين كان يحبهم تولستوي، ms47 فلا شك ~~أنه كتب في أليق ظرف من الزمان والمكان بالكتابة عنه، فرثاه كما يرثي المرء هذه الأرض ~~الواسعة، ورثاه شاعرا بأن المصيبة بفقد هذا الحكيم لا تدمع عينا، كأنما هي تقع على ~~العقول لا على القلوب، فأولى بوفاته أن تشبه بكسوف الشمس أو بخسوف القمر، أو بأية ظاهرة ~~من تلك الظواهر الطبيعية التي أكثر ما تهتم لها عقولنا لتدبرها، وتعرف آثارها في ~~الوجود، ومع ذلك فقد أكد الأستاذ إنسانية تولستوي، وحبه للسلام، وسماحة مسيحيته، ~~ومواقفه الفلسفية والسياسية والاجتماعية، وختم مقاله، حسب تولستوي في أنه خالد الأثر في ~~حكمته وتعاليمه. # وأما حافظ فقد بدأ قصيدته بالإشارة إلى رثاء أمير الشعر في الشرق لتولستوي، ومن مدح ~~كثير من كتاب مصر له، وحافظ لا يبالي أن يقال عنه بعد أن أتى بعدهما «قد رثاه صغير» لا ~~يبالي بذلك، فقد كان تولستوي عونا للضعيف، وحافظ ضعيف، وما له في الحياة نصير. # ولا يبالي أيضا باختلاف الناس في دعوته لعيسى: أهي قول ملحد أم قول بشير، على أن ~~حافظ وهو صفر اليدين يقرر أن ثراء تولستوي رد عنه كيد أعدائه، وحافظ أيضا يصف التقاء ~~تولستوي بشيخ المعرة ولكنه - على عكس شوقي - يجعل أبا العلاء هو المتكلم العارف بكل ما ~~جرى من زائره، وبكل ما جرى عليه: تكلم عن بره وتقواه، وعن إحسانه وإجارته، وعن زهده، ~~وعن كون إرادته السلام، وحياة الورى حرب، وعن محاولته دفع الشر والشر واقع، وعن طلبه ~~محض الخير - ولا مناص من امتزاج الخير بالشر في هذه الدنيا - وختم كلامه: # أفاض كلانا في النصيحة جاهدا # ومات كلانا والقلوب صخور # فكم قيل عن كهف المساكين باطل # وكم قيل عن شيخ المعرة زور # وما رد عن فعل الأذى قول مرسل # وما راع مفتون الحياة نذير # وهكذا كانت نظرة شاعرين وفيلسوف لتولستوي عند موته، في ختام العقد الأول من القرن ~~العشرين - وماذا نحن عنه قائلون بعد حروب عالمية طاحنة، وثورات اجتماعية شاملة، ~~ومغامرات في عالم الفضاء مذهلة - نقول: إن قادة الفكر إذ ذاك والآن ms48 اهتموا بجانب ~~الأعمال من حياة تولستوي أكثر من اهتمامهم بجانب أدبه؛ بل ومنهم من ظن أنه يمكن الفصل ~~بين التعبير الأدبي عن شخصيته، واشتغاله بالدين أو الفلسفة، ومحاولته أن يحيا الحياة ~~التي رآها وحدها جديرة بإنسانيته، وهذا الأديب الروسي الكبير الذي كان معاصرا له ~~تورجينيف، هو نفسه يظن أن ذلك العمل مستطاع وواجب، ووجه له من فراش المرض مرض الموت ~~نداء: أن اترك ما أنت فيه من اشتغال بالتصوف الأخلاقي، يا أكبر من أنجبت الروسيا - وعد ~~للأدب - كان ذلك النداء بعد انقضاء خمس سنوات على الأزمة النفسية الكبرى التي انتابت ~~تولستوي، عندما بلغ الخمسين من عمره، والتي صرفته إلى الفلسفة وإلى الكتب المقدسة، ~~يلتمس فيها شفاء من علته، ومن حيرته، ومن عجزه، على أن الأسئلة والمشكلات التي أثارتها ~~الأزمة النفسية عند بلوغه الخمسين بصورة محيرة معجزة لم تكن جديدة تماما، فقد سبق له ~~أن عرض في قصصه الكبرى وعلى أفواه أشخاصها للأسئلة الكبرى، لم نحيا؟ ما سر حياتي، وما ~~سر حياة الغير؟ كيف يجب أن أحيا؟ ما الموت؟ ماذا يجب أن أفعل لكي أنجو بنفسي ... وما إلى ~~ذلك - لقد أثيرت هذه المسائل في أكبر قصصه الحرب والسلام، وقد ألفها ولما يبلغ الأربعين ~~- وذهب فيها إلى ما أن يتوهمه الناس وما يتوهمه الذين يعرضون لتعليل أفعال الأفراد ~~والجماعات من المؤرخين وغيرهم، لا يستقيم عند ذوي النظر السليم - واختار أن يصف مذهبه ~~هذا بما يحدث في وقائع الحروب الكبرى - إذ الحرب أكثر إظهارا للعلاقات بين الأفراد ~~والجماعات، وأوضح بيانا للعلل وللقوى من شئون حياة السلم. # وإذا وجب علينا أن ننظر إلى حياة تولستوي وحده، فإنه يتعين علينا أن نتعرض ونعترف بما ~~كان للأزمة التي انتابته عند بلوغه الخمسين من أثر حاسم في تلك الحياة. # ينتمي إلى أسرة أرستقراطية غنية، والأرستقراطية لا تملك الأرض فحسب، ولكن تملك أيضا ~~ما على ظهرها من بني الإنسان. # ونشأ يتيما ودرس بجامعة فازان، ثم لحق بالجيش ضابطا، واشترك في حروب القرم بين ~~بلاده والدولة العثمانية وحليفتيها إذ ms49 ذاك بريطانيا وفرنسا، وترك الجيش وعرف لهو ~~المدينة، وعرف سعادة الأسرة، وساح خارج بلاده، ودرس وأحب حياة الأرستقراطية الريفية، ~~وأقبل عنها وعن حياة الكتابة، قوي البدن قوي العقل لا يفوته شيء، قوة خارقة تنفذ من ~~خلال وصف العمل العادي للإنسان أو الحيوان إلى ما وراء العمل من خصال، قوة تذهل ~~وتخيف. # فماذا حدث عندما بلغ الخمسين، قال: إنه لا يدري لهذا سببا، فقد كان سعيدا، وفجأة ~~أحس بأن ما كان يدفعه للحياة أصبح يدفعه للموت، وعندما أحب أن يشرح لنا ما كان، رجع ~~للأمثولة البديعة التي نقرأها في كليلة ودمنة: فالتمست للإنسان مثلا، فإذا مثله مثل ~~رجل نجا من خوف فيل هائج إلى بئر، فتدلى وتعلق بغصنين كانا على سمائها، فوقعت رجلاه على ~~شيء في طي البئر، فإذا حيات أربع قد أخرجن رءوسهن من أجحارهن، ثم نظر فإذا في قاع البئر ~~تنين فاتح فاه، فنظر له ليقع فيأخذه، فرفع بصره إلى الغصنين فإذا في أصلهما جرذان أسود ~~وأبيض، وهما يقرضان الغصنين دائبين لا يفتران، فبينما هو في النظر لأمره والاهتمام ~~لنفسه، إذ أبصر قريبا منه كوارة فيها عسل نحل فذاق العسل فشغلته حلاوته وألهته لذاته ~~عن الفكرة في شيء من أمره، وأن يلتمس الخلاص لنفسه، ولم يزل لاهيا حتى سقط في فم ~~التنين فهلك، وعند تولستوي أن من الناس من هو أعمى بنهل العسل ولا يرى التنين ولا ~~الحيات ولا الجرذين، ومنهم من يرى ولكنه لا يبالي فله لذة الساعة الحاضرة، ومنهم من يرى ~~ويدعو الله أن يوجد مخرجا، والتمس الشفاء عند الفلاسفة وعند رجال الأديان. # وعرف بعد سنتين من أزمته أن الإيمان يستمد من منابعه الصافية، وأن الحضارة هي سر ~~الشقاء، وأن الطبقات العليا حياتها مشوبة بالنفاق والغرور، وأن فقر الفقراء يرجع إلى ~~غنى الأغنياء، ولكنه لم يدع إلى عنف، بل دعا إلى مقابلة السيئة بالحسنة، وحاول أن ~~يحيا الحياة التي تتفق ومبادئه، وهنا كانت مأساته الكبرى، حاول أن يتجرد مما يملك، وأن ~~يعيش من عمل يده، وليس من ms50 ملبس الفلاحين - وخشي أصحاب السلطان السياسي والديني أمر ~~دعوته، فقاوموها بأساليبهم، وكره أهله منه ما حاول، ولم يرض عن عمله إلا بنته الصغرى، ~~فأرادوا أن ينزلوه عما اعتاد وعلى ما اعتادوا، فكان عذابه، علائق الدنيا - كما يقولون - ~~كانت أقوى وأشد، هرب من منزله، وأدركه الموت يائسا شقيا، كان له من حب ذويه ومن ~~إعجاب العالم بأسره ما يهيئ له الحياة الهنية، لو قبلها، ولكنه رفضها وضحى بها في سبيل ~~التوفيق بين الواقع والواجب، فكان أعظم من حاولوا ذلك التوفيق، وكان أيضا أعظم أولئك ~~الذين رفضوا أن يسلموا بعجزهم عن ذلك. # جمال الدين الأفغاني والعروة الوثقى # إن أحببنا أن نتخذ شعارا لجمال الدين الأفغاني، فخير ما نفعل هو أن نستعير الاسم ~~الذي اختاره للجريدة المشهورة التي أصدرها هو والشيخ محمد عبده في باريس، الجريدة ~~القصيرة العمر العظيمة التأثير: «العروة الوثقى» والعروة الوثقى أصدق تعبيرا عن أماني ~~جمال الدين وأحلامه عن مساعيه وكفاحه من أي اسم من الأسماء التي اعتاد مؤرخوه إيرادها: ~~الجامعة أو الوحدة أو ما إليها، العروة الوثقى أصح دلالة على قصده؛ لأنها لا تفيد ~~نظاما بعينه، ولا تقيده بفكرة سياسية معينة، هي أصح دلالة؛ لأنها تدل على التضامن ~~المتين الوثيق الذي يتنوع ويتطور وفق ما تقتضيه ظروف الزمان والمكان، وهذا التضامن يكون ~~بين أفراد الجماعة الواحدة، أفراد الشعب الواحد، وهو في هذه الحالة يؤثر العمل المشترك ~~في دائرة القطر الواحد، كما كان الحال من سعيه في أفغانستان أو إيران أو مصر، ويكون ~~التضامن ثالثا في مجال أعم يشمل الشعوب الإسلامية، ويكون التضامن رابعا في مجال أقرب ~~للعالمية يشمل الشعوب الشرقية والآسيوية والإفريقية في كفاحها ضد النفوذ الأوربي؛ عدو ~~الجميع. # أدرك جمال الدين من غائلة ذلك النفوذ الأوربي - وخصوصا النفوذ البريطاني - ما لم ~~يدركه إذ ذاك أبناء الأقطار العربية في الغرب، وذلك لأنه شهد في الهند زوال الحكم ~~الوطني، وبناء الإمبراطورية البريطانية الهندية - فقد كان في الهند في وقت الثورة ~~الكبرى في سنة سبع وخمسين - كما أدرك جمال الدين مدى ms51 ابتعاد كل من الثقافتين الفارسية ~~الهندية والعربية إحداهما عن الأخرى، كان يمثل ثمرة الثقافة الفارسية الهندية، وكانت ~~رسالته نقل تراثها لأبناء الثقافة العربية في مصر، وجعل تلك الثمرات عاملا في نهضة تلك ~~الثقافة في إحيائها في الارتفاع بها عن حضيض التقليد، في الاشتغال بالحقائق وترك ~~الانهماك في الصيغ والألفاظ، تقول العروة الوثقى: «والعلماء لا تواصل بينهم ولا تراسل، ~~فالعالم التركي في غيبة عن حال العالم الحجازي فضلا عمن يبعد عنهم، وأليس بعجيب ألا ~~تكون سفارة للعثمانيين في مراكش، ولا لمراكش عند العثمانيين، أليس بغريب ألا تكون ~~للدولة العثمانية صلات صميمة مع الأفغانيين وغيرهم من أهل الشرق ...» # وتقول العروة الوثقى في بيان ما كان للسلف: «ما كان يهزم لهم جيش، ولا ينكس لهم علم، ~~ولا يرد قول على قائلهم، قلاعهم وصياصيهم متلاقية، ومنابتهم ومغارسهم في سهوبهم ~~وأخيافهم رابية، مزدهية بأنواع النبات، حالية بأصناف الأشجار، ومدنهم كانت آهلة مؤسسة ~~على أمتن قواعد العمران، تباهي مدن العالم بصنائع سكانها وبدائعهم، وتفاخرها ~~بشموس الفضل، وبدور العلم، ونجوم الهداية من رجال لهم المكان الأعلى في العلوم والآداب، ~~كان في نقطة الشرق من حكمائهم: ابن سينا والفارابي والرازي ومن يشاكلهم، وفي المغرب: ~~ابن باجة وابن رشد وابن الطفيل ومماثلوهم، وما بين ذلك أمصار تتزاحم فيها أقدام العلماء ~~في الحكمة والطب والهيئة والهندسة وسائر العلوم، هذا فضلا عن العلوم الشرعية.» وتقول ~~العروة الوثقى: «ألم تر أن الله جعل اتفاق الرأي في المصلحة العامة والاتصال بصلة ~~الألفة في المنافع الكلية سببا للقوة في هذه الحياة الدنيا، والتمكن من الوصول لخير ~~الأبد في الآخرة، إن الله جعل الركون إلى من لا يصح الركون إليه، والثقة بمن لا تنبغي ~~الثقة به سببا في اختلال الأمر وفساد الحالة، فمن وثق في عمله بمن ليس منه في شيء، ولا ~~تجمعه به جامعة حقيقية، ولا تصله به رابطة صحيحة، وليس في طبعه ما يبعثه على رعاية ~~مصلحته أو كتم سره، ولا ما يحمله على بذل الجهد في جلب منفعته ودفع المضار عنه، يفسد ms52 ~~حاله ويسوء مآله.» # وكانت هذه الأقوال وما صحبها من أعمال ثمرة خبرات وتجارب، بدأت من أيام نشأته الأولى ~~في أفغانستان، وما شهد فيه من فتن وحروب ونزاع على الملك، كان للإنجليز دخل فيه، وما ~~رآه في الهند فيما سبق الثورة الكبرى، وفيما لحقها من المآسي، أدى الفريضة، وزار مصر ~~زيارته الأولى القصيرة، ثم انتقل للقسطنطينية، وأحسن القوم استقباله، وعين عضوا في ~~مجلس المعارف، إلا أنه حدث ما أحفظ عليه قلب شيخ الإسلام حسن أفندي فهمي، وانتهز الشيخ ~~فرصة أتاحتها له محاضرة ألقاها السيد جمال الدين بدار الفنون، فادعى أن السيد وصف ~~النبوة بأنها صنعة، وأثار عليه العامة، ولم يسكت السيد، فصدر الأمر إليه بالسفر فهبط ~~أرض مصر، وأجرت عليه الحكومة راتبا سنويا إكراما له لا في مقابل عمل، والأيام كانت ~~أيام أزمات اقتصادية وفكرية وسياسية، أيام تصادم بين القديم والحديث، أيام دسائس سياسية ~~وتدخل أجنبي، كل ذلك، كما قال الأستاذ مصطفى عبد الرازق تلميذ تلميذه الشيخ محمد عبده، ~~هيأ الوسائل لمواهب رجل أوتي حظا عظيما من سمو النفس، ومتانة الخلق، وتوقد الذكاء، ~~وقوة الذاكرة، ودقة الملاحظة، إلى علم غزير ونشاط لا يكل، وشجاعة لا تعرف الخوف، وبلاغة ~~في الكتابة والخطابة خارقة للعادة مع نفوذ ساحر، وصمت مهيب جليل جذبت إليه قلوب أرباب ~~المقامات العالية، وأهل العلم والأدب، والتف حوله أذكياء الطلاب، فكان يلقي عليهم ~~دروسا في الأدب والمنطق والتوحيد والفلسفة وعلم التصوف وأصول الفقه والفلك، ويحمل ~~تلاميذه على العمل في الكتابة، وإنشاء الفصول الأدبية والاجتماعية والسياسية، فاشتغلوا ~~على نظره، وبرعوا بين يديه، وكانوا طليعة النهضة الأدبية في مصر، وكانوا مؤسسي بنيانها ~~أين. # واتصل بالحركات السياسية، وأمرت الحكومة المصرية بإخراجه من مصر، فإن نشاطه أوغر عليه ~~قنصل إنجلترا من جهة، كما هيج عليه من الجهة الأخرى الجامدين، وبعد إقامة في الهند سمح ~~له بالانتقال إلى أوربا، وبدأت فترة الجهاد ضد الاستعمار فترة إصدار جريدة العروة ~~الوثقى في باريس. # وانتقل الشيخ محمد عبده من منفاه في بيروت لمشاركة أستاذه في العمل فيها، ms53 والجريدة ~~كانت ذات أثر في كل ما وجد من حركات وطنية، وحرية في بلاد المشرق. # وتنبه إلى خطرها أعداء الحرية والوطنية، فصادروها في مصر والهند، وهدد من توجد لديه ~~بالعقاب، فلم ينشر منها في ثمانية أشهر إلا ثمانية عشر عددا، وخفت صوتها، وعاد محمد ~~عبده إلى سورية، وبقي جمال الدين يواصل جهاده بالاتصال بالعلماء والكتاب ورجال ~~السياسة. # وكتب عنه إذ ذاك تلميذه الكاتب المشهور أديب إسحاق (وهو أديب مسيحي، نفذت إلى قلبه ~~دعوة جمال الدين الناس إلى حياة العزة والكرامة، كما نفذت إلى قلوب المسلمين). # قال أديب: عمره الآن خمس وأربعون سنة، تبحر في المعقول والمنقول، وبقي مجهول الشأن ~~عند العامة حتى ظهرت آثاره وآثار مريديه في جريدة مصر. # صورته: أسمر اللون ربعة ممتلئ، قوي البنية، جذاب المنظر، نافذ اللحظ، خفيف العارضين، ~~غريب عفيف النفس، قانت كثير القيام، لا ينام إلا الغلس إلى الضحى، ولا يأكل غير مرة ~~واحدة في اليوم، على أنه يكثر من شرب الشاي والتدخين، وهو قوي المعارضة، ميال إلى ~~المعارضة، طويل الحجة، واسع المحفوظ نسبية يكاد يكشف حجب الضمائر، ويهتك أسرار السرائر، ~~ولكنه مع فضله لا يسلم من حدة المزاج. # وانتهت فترة العمل في العواصم الأوربية بانتقاله إلى إيران بدعوة من الشاه ناصر ~~الدين، وفي إيران التف حوله الناس كما التفوا حوله في مصر، وأثار ذلك حفيظة حساده، ~~فدسوا له وغادر إيران، وعاد إليها من جديد بإلحاح من الشاه عليه، وفي هذه المرة تنكر له ~~الشاه نفسه تنكرا شديدا، وأخرجه بالقوة إلى العراق وهو معتل الجسم. # وقد ألب السيد على الشاه أعداء الحكم المطلق والناقمين على الفساد، والمطالبين ~~بالإصلاح، فأودى ذلك بالشاه نفسه، وبسقوط الحكومة الاستبدادية في النهاية. # ثم حدث بعد ذلك أن قبل السيد دعوة السلطان عبد الحميد للإقامة بالقسطنطينية، ولم يفسر ~~مترجمو حياته حتى الآن لم انخدع وقبل تلك الدعوة التي أدت إلى وقوعه في إسار مموه ~~بالذهب كما قيل، أيرجع القبول إلى شدة وثوقه بنفسه، وبمقدرته على توجيه سياسة عبد ~~الحميد، وباستطاعته الاحتفاظ ms54 بحريته، أو يرجع القبول إلى بقية من حسن الظن في الملوك ~~والسلاطين وإلى الأمل، وكان كثيرا ما يقتبس # إنه لا ييأس ~~من روح الله إلا القوم الكافرون ~~. # وقضى خمس سنين من حياته يعيش بين مظاهر خداعة من عطف السلطان ودسائس لا تحصى، وكم ~~تضرع أن يسمحوا له بالسفر، فأمسكوه بقية عمره في إسار مموه بالذهب، بل ومن المؤرخين من ~~ذهب إلى أنه لقح شفته بمادة سامة سببت له حالة مرضية تشبه السرطان. # وسواء ما صح في ذلك، فهو في تاريخ الشرق من شهداء الحرية، وهو في تاريخ الشرق أول من ~~دعا إلى الاستمساك بالعروة الوثقى. # معركة غيرت وجه التاريخ: عين جالوت # البطولة التي أتحدث عنها اليوم، هي البطولة التي بدت في عين جالوت، في رمضان منذ نحو ~~سبعمائة سنة، وكانت البطولة التي أبدتها مصر ممثلة في سلطانها الملك المظفر سيف الدين ~~قطز، وأمرائها وأجنادها من أصحاب السيوف، وعلمائها من القاطعين بالأحكام الشرعية، ~~والمفتين، والمتصدرين للتدريس، ورجال دواوينها من أصحاب الأقلام، وأهل الفلاحة والصناعة ~~والتجارة، وهم عماد الدولة، وهم الذين جهزوا الجيوش، وهم الذين بثوا روح التساند ~~والتكافل، وهم جميعا الذين أنقذوا مصر في عين جالوت، سواء منهم الذين حضروها بأنفسهم ~~وبأشخاصهم، والذين كانوا في حكم الحاضرين؛ لأنهم هم الذين مكنوا المقاتلين من ~~القتال. # وعلى هذا فالبطولة يمكن أن تكون عمل فرد، ويمكن أن تكون عمل مجموعة، وممكن أن تتجلى ~~في عمل يحدث بارزا قائما بنفسه، ويمكن أن تتجلى في عصر بأكمله أو في حياة طائفة من ~~الشعب، ويمكن أن تكون عملا حربيا، كما يمكن أن تكون نشاطا مدنيا؛ فالأبطال، كما ~~صورهم كاتب غربي مشهور (وقد نقل كتابه للغة العربية أديب مشهور: السباعي) فهم الأدباء ~~ورجال الحرب، وغيرهم من القادة، والبطولة أوسع من بطولات الملاحم، وزمانها يعم جميع ~~أدوار التاريخ، وإن أحبت الأمم أن تمجد أبطالها الأقدمين، وأحيانا أبطالها الخرافيين، ~~مع أن الواقع كما نعرف أعجب من الخرافة، فلنلتمس بطولاتنا في الواقع، وعين جالوت التي ~~بدت فيها بطولة مصر ممثلة على ms55 النحو الذي وصفت، شهدت في القديم بطولة من نوع آخر، ~~ففيها، كما ورد في المأثور، قتل الصبي داوود العملاق جالوت، وقد قدر الله لداوود أن ~~يقتل به جالوت ووهبه ما وهب. # وفيها تقابل جيش مصر بجموع المغول والتتر، فحطم تلك الجموع، وكانت هذه أول مرة انكسر ~~فيها هؤلاء منذ أن دخلوا أقطار العالم الإسلامي، وضربوا العراق والجزيرة والديار ~~العربية والسورية، فكانت من الوقائع الحاسمة في التاريخ. # والبطولة التي تجلت فيها مرت في ثلاثة أدوار: في الدور الأول كانت بطولة التغلب على ~~النزوع إلى التفرق، بطولة جمع الكلمة مع تقليد الحكم والزعامة للرجل الذي يستطيع مواجهة ~~الشر والخطر، وفي الدور الثاني: كانت بطولة القرار العظيم؛ قرار الخروج إلى مواجهة ~~البرابرة الزاحفين، وعدم انتظارهم، وفي أرض الوطن، وبطولة الخروج ينبغي أن ننوه ~~بخطورتها وذلك لسببين؛ أولا: لأن المغول كانوا منذ خروجهم من بلادهم يعتمدون أكثر ما ~~يعتمدون على نشر الرعب، وتحطيم أي عزم على المقاومة، وقد بلغ من إرهابهم أن الأسرى ~~كانوا يستسلمون وهم كثيرون لتتري واحد، بل وقيل: إنهم كانوا ينتظرون دورهم هادئين ~~مطمئنين حتى يفرغ التتري لقتلهم صبرا، وهم في ذلك كالضواري يقال إنها تسحر فريستها، ~~فلا تحاول فرارا أو مقاومة، فكان الخروج لهم بطولة الجرأة، وكان أيضا بطولة الحكمة، ~~ذلك أن البقاء في مصر انتظارا لقدومهم كان من شأنه أن يؤدي إلى تفرق الكلمة بعد أن ~~اجتمعت، وإلى نشر روح التخاذل، وإلى التعلق بالآمال الكاذبة، ورجاء حدوث المعجزات التي ~~تغني الناس عن البذل والتضحية. # وفي الدور الثالث: كانت البطولة التي بدت في القتال، في الواقعة نفسها، وللجميع أن ~~يفخروا بما كان منهم، ولكن الفخر الأكبر لقطز نفسه. # ما الذي أحضر تلك الجموع من أقصى آسيا شرقا إلى أدناها لمصر غربا؟ ما الذي دفعها ~~إلى التحطيم والتخريب، وإلى تمزيق الدول الإسلامية دولة دولة، هل نصدق ما قاله هولاكو ~~في رسالته لسلطان مصر عن نفسه وعن قومه، وعما تصدى هو وهم لتحقيقه؟ قال: «إنا نحن جند ~~الله في أرضه، خلقنا من ms56 سخطه وسلطنا على من حل به غضبه ... نحن لا نرحم من بكى ولا نرق ~~لمن شكى ... فتحنا البلاد وطهرنا الأرض من الفساد، وقتلنا معظم العباد ... فالحصون لدينا لا ~~تمنع، والعساكر لقتالنا لا تنفع، ودعاؤكم علينا لا يسمع ... فإنكم أكلتم الحرام ... وخنتم ~~العهود والأيمان ... ونشأ فيكم العقوق والعصيان، وقد ثبت عندكم أنا نحن الكفرة، وقد ثبت ~~عندنا أنكم الفجرة، وقد سلطنا عليكم من له الأمور المقدرة، والأحكام المدبرة» ... إلى ~~آخره، هذا مثال مما كان يكتبه على لسانهم رجال الأقلام المسلمين الذين سخروهم لخدمتهم، ~~ويصعب أن نصدق أنهم آمنوا بأن لهم رسالة من نوع ما وصفوا، وكل ما كانوا يرمون إليه هو ~~أن يلقوا في روع الناس أن لا خلاص منهم أبدا، كما يصعب أن نصدق أن النسطورية التي ~~انتشرت في بعض قبائلهم وشعوبهم، ودان لها بعض كبرائهم (فكان كتبوغا قائدهم في عين جالوت ~~نسطوريا، وكانت إحدى زوجات هولاكو نسطورية أيضا) كانت النسطورية هي المحرك لهم نحو ~~غزو بلاد الإسلام، وتخريبها، وإذلال أهلها. # والأصدق أن نتصور أنهم استغلوا النسطورية في استمالة من استمالوا إليهم من الطوائف ~~غير الإسلامية، وذلك للتفرقة، وجعل الكل يتجه إليهم للاحتماء بهم، ويصعب أخيرا أن نصدق ~~أنهم قدموا غربا استجابة لدعوات التحالف التي وجهها إليهم بعض ملوك الفرنجة ورؤسائها ~~الدينيين، والذي نعرفه أنهم استقبلوا سفراء الفرنجة واستمعوا إليهم، ولكنهم طلبوا إليهم ~~أن يدخلوا في طاعتهم. # والأصدق من كل هذا هو الأبسط، أن تلك الجموع التي زحفت في أيام جنكيز خان، ثم زحفت من ~~جديد في أيام أحفاده هولاكو وغيره، استجابت في زحفها لحاجات المجتمعات البدوية الوحشية، ~~وأن الزحف نفسه نظمه بيت زعامة، هو بيت جنكيز خان، عرف رجاله كيف يقيمون على أسس بدوية ~~ملكا يستخدمون في تنظيمه ما استخلصوه من نظم الصين والدول الإسلامية، ويستخدمون في ~~إدارته من جمعوا من صينيين ومسلمين ومتنصرة من قومهم ومن الفرنجة. # وكانت سياستهم تقضي هدم السلطات العليا الدينية، من نوع الخلافة العباسية أو الرياسية ~~الإسماعيلية، وتحطيم الملوك والأمراء الذين يرفضون الإذعان، وأما ms57 بالنسبة للإمارات ~~المسيحية القائمة في دار الإسلام، فمن هذه ما دخل في حمايتهم مثل أرمينية الصغرى حاتم ~~أو حاطوم، ومن هذه من اختار سياسة الحياد، وينطبق هذا بصفة خاصة على ما بأيدي الصليبيين ~~إذ ذاك من مدن الساحل مثل عكا وطرابلس وصيدا وأنطاكية ... إلخ. # وآثر هؤلاء تلك الخطة؛ لأنهم كانوا أضعف من أن يتخذوا غيرها، ولأنهم أخذوا يدركون إذ ~~ذاك معنى اشتراكهم والمسلمين في حضارة واحدة، وأن قدوم الآسيويين ينذر بخراب تلك ~~الحضارة، والواقع أن صليبي الساحل وأيوبي الداخل كانوا جميعا يرجون أن يتركوا آمنين، ~~والواقع أيضا أن الإمارات الصليبية أخذت تتحول - وقد تركت لنفسها - إلى جاليات تجارية ~~دينية، أي أخذت تتخذ الوضع الذي انتقلت به إلى الأزمنة الحديثة، وانتشر المغول في ~~الديار السورية يخربون ويرهبون، وأنذروا السلطة المصرية وحذروها، ثم توقعوا أن يفعل ~~الإرهاب فعله فتسلم، والإرهاب من أدوات حربهم، فكأن المتنبي كان ينظر إليهم حين ~~قال: # بعثوا الرعب في قلوب الأعادي # فكان القتال قبل التلاقي # ولما تحقق قطز مجيء التتار إلى البلاد الشامية، وعلم أنه لا بد من خروجه من الديار ~~المصرية بالعساكر للذب عن المسلمين، فرأى أنه لا يقع له ذلك، فإن الآراء مشلولة لصغر ~~السلطان ولاختلاف الكلمة، فجمع الأعيان والعلماء والأمراء، وعرفهم أن الملك المنصور هذا ~~صبي لا يحسن التدبير في مثل هذا الوقت الصعب، فوافقوا على خلع المنصور ومبايعة قطز، ~~وخرج بجيوشه وقد بلغت غارات التتار مدينة الخليل وغزة، قال أحد المؤرخين: وألقى الله ~~تعالى في قلب قطز الخروج لقتالهم، بعد أن كانت القلوب قد أيست من النصرة على التتار، ~~وأجمعوا فقط على حفظ مصر لا غير؛ لكثرة عددهم واستيلائهم على معظم بلاد المسلمين، وأنهم ~~ما قصدوا إقليما إلا فتحوه، ولا عسكرا إلا هزموه، ولم يبق خارج حكمهم في الجانب ~~الشرقي إلا الديار المصرية والحجاز واليمن. # وجرت المعركة في عين جالوت، وقاد المغول أميرهم كتبغا النسطوري، فإن هولاكو كان قد ~~اضطر للعودة للشرق لشقاق بين أفراد بيت جنكيز خان، وفي الموقعة تجلت بطولة المحاربين ~~وبطولة ms58 قطز بالذات، فعندما اضطرب جناح عسكر السلطان ألقى خوذته عن رأسه إلى الأرض، وصرخ ~~بأعلى صوته: واإسلاماه، وحمل بنفسه وبمن معه حملة صادقة، فأيده الله بنصره، وقتل كتبغا، ~~وانهزم باقيهم، ومنح الله ظهورهم للمسلمين يقتلون ويأسرون، ثم رجع التتار فتجمعوا من ~~جديد قرب بيسان، وكانت معركة ثانية، وتزلزل المسلمون زلزالا شديدا، وصرخ السلطان صرخة ~~عظيمة سمعها معظم العسكر وهو يقول: «وا إسلاماه ثلاث مرات، يا الله انصر عبدك قطز على ~~التتار» فلما انكسر التتار الكسرة الثانية، نزل السلطان عن فرسه، ومرغ وجهه على الأرض ~~وقبلها، وصلى ركعتين شكرا لله، ثم ركب فأقبلت العسكر وقد امتلأت أيديهم بالمغانم، ~~وانتهى بذلك أمر التتار من الديار الشامية. # وعين جالوت هذه من معارك التاريخ الحاسمة، لا لأنها أنقذت الحضارة الإسلامية، فإن ~~التتار بعد أن استقر ملوكهم في فارس وما يتبعها، تحضروا بتلك الحضارة الإسلامية، وإنما ~~كانت عين جالوت من المعارك الحاسمة لأسباب أخرى؛ أولا: لأنها أنقذت الشام ومصر من ~~الخراب الذي حل بالعراق، وثانيا: لأنها أنقذت مصر والشام وحفظت لهما موضعهما من ~~العروبة، وثالثا: لأن المعركة أدت إلى تصفية أمر التفرقة السائدة في الشام والجزيرة، ~~فانتهى بها ما كان من أيام الأيوبيين، وما كان باقيا من ملك الصليبيين، وقامت بتلك ~~الوحدة المصرية السورية، وابتدأ فصل رائع من فصول ازدهار الحضارة العربية. ms59