######OpenITI# #META# URI: 1381MuhammadShafiqGhurbal.MuhammadCaliKabir.Hindawi27372714 #META# Tags: history #META# ID: 27372714 #META# Title: محمد علي الكبير #META# AuthorID: 26391794 #META# Author: محمد شفيق غربال #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # مقدمة‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # | محمد علي الكبير # | محمد علي الكبير # تأليف # محمد شفيق غربال # | مقدمة # مما ذاع بيننا نقلا عن المصطلح الفرنجي تقييد استعمال الكلمة «إسلامي»، فكما أن ~~العلماء الأوروبيين لا يستخدمون في دراساتهم التاريخية الوصف «نصراني»، إلا على الأزمنة ~~السابقة للعصور الحديثة والمعاصرة، أو لا يطلقونه إلا على ما يتصل بالعقائد، فإنا أيضا ~~أخذنا عنهم تحديد طور «إسلامي» داخل أطوار نمو الأمم الإسلامية، هذا الاستعمال الفرنجي له ~~ما يبرره عندهم؛ هو نتيجة الفصل بين ما سموه السياسة وما سموه الدين، أما عندنا، فما ~~وجه تبريره؟ وما مقياس «الإسلامية»؟ أهو وقوع الشيء في عصر سابق للقرن الثالث عشر أو ~~الرابع عشر الهجري مثلا؟ أو أن المؤثر الفلاني في حياة المسلمين كان مصدره أوروبيا ~~معاصرا؟ # إنا نعلم جميعا أن الحضارة الإسلامية التاريخية كانت مزيجا من عناصر متباينة، شرقية ~~وغربية، فليس من سبب معقول لاستبعاد الوصف «إسلامي» عن الحياة الفكرية للمسلمين في دور ~~تأثرها بفلسفة ديكارت أو سبنسر، بينما لا نجردها من هذا الوصف في دور تأثرها بفلسفة ~~أفلاطون أو أرسططاليس، مثل ذلك يقال عن الحكومة الإسلامية، لا يمنعنا تأثرها بنظم ~~الساسانيين أو الروم من أن نحتفظ لها بإسلاميتها، بينما ننزع عنها ذلك عندما يكون التأثير - ~~كما هو حالنا الآن - مصدره الثورة الفرنسية أو البرلمانية الإنجليزية. # والواقع أننا لا نستطيع بحال أن نعتبر الحضارة الإسلامية أمرا طواه الزمان كما طوى ~~حضارة الفراعنة طيا تاما، أو أن التطور الإسلامي قد وقف عند حد معين، بل - على العكس ~~- نعتبره مستمرا متصل الأدوار، ويحق لنا - على هذا الأساس - أن نحاول الترجمة لمحمد علي، ~~على الرغم من أنه عاش في القرن الثالث عشر الهجري، وعلى الرغم من أنه ولى وجهه صوب ~~الحضارة الأوروبية؛ علما من أعلام الإسلام. # وكانت دار الإسلام وقت مولد محمد علي؛ أي في ms001 القرن الثاني عشر الهجري (الثامن عشر ~~الميلادي) قد اكتسبت مظاهرها الخارجية وحياة أهليها الداخلية حدودا ومعالم وصبغات يرجع ~~أهمها لحوادث القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادي)، ففي ذلك القرن الحافل في تاريخ ~~دار الإسلام، وفي تاريخ أوروبا حدث في العالم الإيراني من دار الإسلام الانفجار الهائل ~~الذي سببته ثورة الشاه إسماعيل الصفوي الدينية، وكان من جرائه تفكك أوصال ذلك العالم ~~الإيراني، وانقطع عن أممه ودوله في الهند والأناضول والبلقان وفيما وراء النهر الدم الذي ~~غذى ثقافة إيرانية إسلامية حية زاهرة. # وإيران نفسها اتخذت لحياتها منذ أيام إسماعيل أساسا مذهبيا ضيقا، وكان من جراء ذلك ~~الانفجار أيضا طغيان الدولة العثمانية - وكانت حتى ذلك القرن جزءا هاما من العالم ~~الإيراني - على العالم العربي وضمته لحكمها قسرا؛ ففسد أمر العثمانيين وفسد أمر ~~العرب. # وفي القرن السادس عشر أيضا كان انفجار آخر أثر آثارا قوية في دار الإسلام، وكان من ~~جراء حركة الكشف الجغرافي وانتشار النفوذ الأوربي، ولم يبسط الأوربيون حكمهم حتى نهاية ~~القرن الثامن عشر إلا على مسلمي الهند وجزائر المحيط الهندي، ولم يمسوا بعد إلا الإمارات ~~والشياخات والسلطنات الإسلامية القريبة من الطرق التجارية البحرية الكبرى، ولكن وضعت في ~~خلال تلك القرون - من السادس عشر إلى الثامن عشر - أسس علاقات المستقبل بين دار الإسلام ~~وأوروبا، وخرجت في أثناء تلك القرون دار الإسلام عن دور المساهمة والمشاركة في الحركات ~~العالمية الثقافية والاقتصادية (دورها أيام عز الإسلام) إلى دور آخر: دور مناطق الاستغلال ~~والاستعمار، دور الأمم التي تترقب من يوم لآخر نزول العدو. # ولم تستطع الدولة العثمانية ولا غيرها من دول دار الإسلام في خلال تلك القرون من السادس ~~عشر للثامن عشر منع نزول تلك الكوارث، كما أنها لم تستطع إذ ذاك أن تحول من أنظمتها؛ بحيث ~~تستطيع المساهمة في التطورات العالمية الجديدة، والواقع أن فتوح العثمانيين على عظمتها - ~~وعلى الرغم من أنهم وضعوا أيديهم على مفاتيح الطرق الكبرى - حدثت متأخرة عن أوانها، ففاتتهم ~~فرصة تعطيل الانقلاب التجاري الكبير؛ نزلوا بساحل الجزائر من أقطار المغرب ms002 الإسلامي فيما ~~بين 1512-1519، ولو بكروا قليلا لاستطاعوا أن يمدوا أيديهم لشد أزر ما بقى للمسلمين في ~~الأندلس، ولمنعوا بذلك انصراف فرديناند وإيزابلا إلى حركة الاستعمار الإسباني. وقصروا ~~نفوذهم على الجزائر ولم يبسطوه على السواحل المراكشية، ولو فعلوا لاستطاعوا أن يعرقلوا ~~تقدم البرتغاليين في اتجاه رأس الرجاء الصالح حول الساحل الإفريقي الغربي، كذلك كان ~~فتحهم لمصر في 1517، وللعراق في 1534 متأخرا عن وقته، ولو بكروا فيه لسبقوا ~~البرتغاليين إلى المحيط الهندي. # مثل ذلك يقال عن فشلهم في الوصول في الوقت المناسب لما وراء النهر، وعن عدم انتفاعهم من ~~ضعف إمارة موسكو لتثبيت أقدامهم في المناطق شمالي البحر الأسود، ولم تحاول الدولة العثمانية ~~- فيما نعلم - أن تنتفع من امتلاكها أقصر الطرق بين الشرق وأوروبا للمشاركة في الحركة ~~التجارية الكبيرة، ولكنها على العكس كانت تعمل على أن يكفي العالم العثماني نفسه بنفسه، وأن ~~يقل الاتصال بينه وبين بقية الدنيا بقدر الإمكان. # وإذا بحثنا عن سر رضا العثمانيين عن أنفسهم واطمئنانهم إلى ما هم عليه نجده في نجاحهم ~~الباهر في إنشاء أداة قوية للحكم والحرب، بهذه الأداة استطاعوا أن ينشئوا ملكا عريضا وأن ~~يحافظوا عليه قرونا عديدة وأن يقودوا - كما يقود الراعي قطيعه - أمما وأقواما وقبائل من ~~سلالات بشرية مختلفة وعلى أديان ومذاهب متعادية، وعلى درجات متفاوتة من الثقافة نحو الطاعة ~~والانقياد. # حقيقة أنه مما سهل على السلطان العثماني وأعوانه قيادة رعاياه أن هؤلاء الرعايا كانوا عند ~~دخولهم في طاعة السلطان على نوع من الإعياء؛ نتيجة للاضطراب الذي ساد أقطار الشرقين الأدني ~~والمتوسط، على أثر انهيار الدولة العباسية ودولة الروم الشرقية، ولكن براعة القيادة ~~العثمانية كانت أيضا حقيقة ينبغي التسليم بها، والظاهر أن مشقات الحرب والحكم استنفدت من ~~السلاطين كل جهدهم، وأنهم خشوا عواقب التغيير والتعديل، فأوصدوا الأبواب دون كل فكرة ~~سياسية اجتماعية جديدة ولم يتيحوا لرعاياهم العديدين المختلفين فرصة تنظيم علاقاتهم ~~المختلفة فيما بينهم وفيما بينهم وبين دولتهم على غير ما عرفوا من المبادئ، فضاعت عليهم ~~بذلك الإفادة مما كان لهذا الملك ms003 من موقع جغرافي فريد في نوعه، ومن ميزات اشتماله على أمم ~~لها ما لها من نصيب وافر في تقدم الإنسانية. # | الفصل الأول # وفي الأرض الأوروبية من العالم العثماني ولد ونشأ محمد علي. # وقد نقل الترك الإسلام إلى أوروبا الجنوبية الشرقية كما نقله العرب والبربر إلى أوروبا ~~الجنوبية الغربية وإلى صقلية وجنوبي إيطاليا، وانتشر الإسلام في البلقان بين بعض أصحاب ~~البلاد الأصليين من الألبانيين والصرب والبلغار واليونان، كما حل في البلقان أيضا جماعات ~~من الترك استقرت في الإقطاعات الحربية وفي المدن المختلفة جندا وحكاما، وكان مسلمو ~~البلقان ومسلمو الأناضول أكثر رعايا السلطان مساهمة في حكومة الدولة وحروبها. # كما أن الحياة الدينية الإسلامية في الجزيرة البلقانية والأناضولية قد اتسمت بسمات خاصة ~~تجعلها مختلفة عن الحياة الدينية في العالم العثماني العربي؛ في روحها وفيما تتجلى فيه ~~الروح الدينية من مظاهر، وقد شارك مسلمو البلقان في إعزاز الإسلام بسيوفهم ودمائهم، كما ~~كان الكثير منهم مثالا حسنا للتقوى الشخصية والتمسك المطمئن بأوامر الدين ونواهيه؛ كل ~~ذلك هادئ بسيط لا يتطرق إليه التحليل العقلي ولا يهيجه الهيام التصوفي، يميل للاعتدال ~~والاتزان، ويستنكر الاندفاع والانزلاق من جانب الأفراد ومن جانب الجماعات، وينظر للمسائل ~~بعين الحاكم المسئول الذي يخشى ما قد يجره الحماس أو الشذوذ من إثارة الحزازات، أو «يخدش ~~الأذهان» في اصطلاح إدارة الأمن العام العثمانية. # وقد اختلف مسلمو البلقان فيما بينهم تبعا لاختلاف بيئاتهم؛ فمنهم الألبانيون؛ رجال حرب ~~وعصابات تنظمهم قبائلهم ويقودهم رؤساؤهم؛ إما في خدمة الدولة أو في خدمة أنفسهم، ومنهم ~~أصحاب الأرض وفلاحوها في بعض الأراضي البلغارية والصربية والمقدونية واليونانية، كما أن ~~منهم سكان المدن المختلفة جنودا وحكاما وصناعا وتجارا. # في إحدى المدن الإسلامية البلقانية، في مدينة قولة - وهي مدينة بحرية صغيرة ذات أسوار ~~- ولد محمد علي، وتاريخ مولده على المشهور سنة 1183 الهجرية/1769 الميلادية، وهو تركي ~~عثماني مسلم، لا يمت للألبانيين ولا لصقالبة مقدونيا ويونانها بسبب ولا نسب، والثابت أن ~~أباه «إبراهيم أغا» كان على رأس كتيبة من رجال الحفظ في المدينة، وأنه ms004 مات وابنه لا يزال ~~صغيرا، وأن والي المدينة كفل محمد علي بعد موت أبيه؛ ونشأ محمد علي نشأة علمية صرفة: تعلم ~~أصول دينه، وركوب الخيل، واستعمال السلاح، ولما ترعرع كان يشترك في التجريدات التي توجهها ~~حكومة المدينة لتعقب قاطعي الطريق، أو لتحصيل أموال الدولة، وقد تولى قيادة بعض هذه ~~التجريدات، وأظهر فهما لفن المباغتة، وإدراكا لصفات الرياسة، وقوة قلب، وقوة احتمال بدني ~~يسترعي النظر. # ولما بلغ الثامنة عشرة من عمره، تزوج بسيدة من قريبات الوالي ورزقه الله منها بخمسة من ~~أبنائه وبناته، ويقال: إنه عمل بعد زواجه في تجارة الدخان (والأرض حول قولة تنتج أفضل ~~أنواع الدخان التركي)، تلك بعض حقائق حياة محمد علي في قولة، وكانت حياة مرح ونشاط ومغامرات ~~وسعادة، وكان محمد علي - العاهل العظيم - كثير الحنين إلى سنوات الطفولة والشباب، وكان كثير ~~الإشارة في أحاديثه إلى بعض وقائع تلك الأيام؛ أيام الحرية والبساطة والمغامرات، وقد زار - ~~كما نعلم - عند اقتراب النهاية معالم صباه في قولة، وأغدق على أهلها وأنشأ فيها منشآت ~~خيرية وحبس عليها مالا. # وشاء القدر أن يخرج محمد علي من وطنه الأول في قولة إلى ميدان خليق بالأبطال؛ إلى مصر، ~~وأن يدخلها في ساعة هي أيضا خليقة بالبطولة. # | الفصل الثاني # وكان الآذن بذلك الخروج نزول جيش فرنسي يقوده الجنرال بونابرت بأرض مصر في صيف سنة ~~1798، وتصميم الدولة العثمانية على إجلائهم عنها. # ولم يكن ذلك الغزو أول إغارة للفرنسيين عليها؛ فقد حاولوا في القرنين الثاني عشر والثالث ~~عشر امتلاكها، وتلاقت صفوة فرسانهم بمماليك مصر في أكثر من موقعة. # ولكن شتان ما بين مصر بيبرس ومصر مراد وإبراهيم، وشتان ما بين فرنسيي الملك القديس لويس ~~وفرنسيي الثورة الفرنسية وبونابرت! # مصر بيبرس محور ذلك العالم العربي الذي اكتسب مقوماته وانفرد بشخصيته على أثر انهيار ~~الخلافة العباسية، وهو اجتماع يتركب من طوائف وجماعات لها شخصيتها وقانونها وعرفها ~~ووظيفتها، فمن أصحاب السيوف إلى أصحاب الأقلام، ومن أهل الفلاحة للأصناف (أصحاب الصناعات)، ~~ومن أرباب السجاجيد إلى هيئات التدريس وهلم جرا، ويكتسب ms005 ذلك الاجتماع الصاخب حيويته ~~من حكم الجماعات نفسها بنفسها، كما يكتسب لونا من التنسيق والانسجام من شخصية السلطان، ~~يدفع الناس بعضهم ببعض ويحاول أن يخضع الأهواء والمصالح لجهود عامة في تحقيق مثل عليا تهم ~~الناس جميعا. # ولكن كانت آفة ذلك الاجتماع ما صحبه من سرف وتبديد كان من شأنهما - على توالي الزمن - وضع ~~أعباء على الطوائف المنتجة من أهل الفلاحة والصناعة والتجارة، أنهكت قواها الحسية ~~والمعنوية، وكانت آفته الأخرى - من أول الأمر - انصراف الناس نحو شئونهم الخاصة بأشخاصهم ~~وجماعاتهم وابتعادهم عن الشئون العامة واعتبارهم إياها «سياسة عليا» كما نقول الآن، هي مما ~~ينبغي النظر فيه للسلطان والأمراء، وليست مما ينبغي للرعية، وقد وجدوا في تعليم أئمتهم ما ~~يبرر إيثارهم العافية. # هذا حجة الإسلام نفسه «الإمام الغزالي» يقول في رده المشهود على الباطنية: «إنا لسنا نقدم ~~إلا من قدمه الله تعالى، فإن الإمامة عندنا تنعقد بالشوكة، والشوكة تقوم بالمبايعة، ~~والمبايعة لا تحصل إلا بصرف الله تعالى القلوب قهرا إلى الطاعة والموالاة، وهذا لا يقدر ~~عليه البشر، ويدلك عليه أنه لو أجمع خلق كثير لا يحصى عددهم على أن يصرفوا وجه الخلق ~~عن الموالاة للإمامة العباسية عموما وعن المشايعة للدولة المستظهرية - أيدها الله على ~~الدوام - خصوصا لأفنوا أعمارهم في الحيل والوسائل وتهيئة الأسباب والوصائل ولم يحصلوا ~~بالآخرة إلا على الخيبة والحرمان.» # وهاك في موضع آخر من الرسالة نفسها وصف الإمام لاغتصاب الترك سلطان الخلافة، قال: «قد سخر ~~الله رجال العالم وأبطالهم لموالاة هذه الحضرة وطاعتها حتى تبددوا في أقطار الدنيا - كما ~~نشاهد ونرى»، إن ثمن الحرية - كما يقول الإنجليز - هو الكدح والدأب والمراقبة، ولما كانوا ~~يكرهون النصب أكثر مما يحبون الحرية؛ فقد عاشوا يستبد بأمرهم كل ذي همة وعزيمة. # وبينما كان العالم العربي على هذه الحالة، حدث تحول التجارة الكبرى إلى الطرق البحرية، ~~كما حدث أيضا انقسام العالم الإيراني على نفسه واستيلاء الدولة العثمانية على مصر وسوريا ~~والجزيرة العربية والعراق والمغرب، والأمران لهما أسوأ الآثار في الأقطار العربية وأهليها، ~~فالأول: أدى إلى ms006 نقصان الموارد، وأسوأ من هذا: أدى إلى ضيق الأفق - وهو شر من ضيق ذات اليد ~~- إلى اعتزال الغير، إلى الركود، أما الثاني: فإن أهل مصر وسائر العرب لم يجدوا في الملك ~~العثماني ما يعوضهم عما فاتهم: السلطان المستقل والمساهمة في الحياة الاقتصادية العامة، فلم ~~يفتح لهم هذا الملك بابا لأي جديد نظير ما أضافه الفتح العثماني من أعباء إلى أعبائهم ~~السابقة، وإن شقاء أهل الأقطار العربية بعد ذلك الفتح لا يرجع إلى أن سلاطين الدولة ~~وأمراءها لم يرغبوا رغبة صادقة في إحقاق الحق وفعل الخير وتثبيت العدل. # وهذا مؤرخ النظم العثمانية في مصر - وهو حسين أفندي من رجال الروزنامة، وقد كتب في أثناء ~~الاحتلال الفرنسي لمصر - يقول عندما سئل عن انتفاع السلطان بملك مصر: إن هذه المملكة ~~جميعها ملكة وإنه لا ينظر إلى الانتفاع منها، بل رتب مصرفها على قدر جبايتها، وقرر أن ما ~~فاض من الجباية يبقى لينفق منه في عمارتها وما ينعم به على الناس، إنما يرجع سوء الحال إلى ~~الركود وانعدام الحوافز، وهما مما اقتضته طبيعة الحكم العثماني، هذا إلى ما جره تراخي قبضة ~~الحكومة السلطانية من نمو العصبيات المختلفة في مصر، وقد عاثت هذه العصبيات في البلاد ~~فسادا، وزادت في فقر الأهلين، ونزلت بالمستويات الثقافية والفنية والمعنوية إلى أضعف ما ~~عرفت مصر في تاريخها الطويل. # ولم تكن تلك العصبيات مما قصد السلطان سليم إلى خلقه بعد أن فتح مصر، كما يتوهم البعض ~~عندما يزعمون أن ذلك السلطان أنشأ هيئة تسمى هيئة المماليك توازن باشا مصر العثماني من جهة، ~~والحامية العثمانية من جهة أخرى، ولعل من يزعم ذلك اختلط عليه أمر عفو السلطان وإبقائه على ~~بقايا مماليك السلطنة المصرية، وظن أن السلطان سليم وضع بذلك أساس هيئة المماليك. # والواقع أن النظم العثمانية لا تعرف شيئا عن هذا، إنما تعرف أن اختلال أمر الجند ~~العثماني أتاح لكل من يملك مالا أن يجمع حوله عصابة من رجال الحرب، ولم يكونوا دائما ~~مماليك يشتريهم بماله، بل ربما كان أكثرهم من ms007 مرتزقة بربر المغرب أو بدو الصحراء أو السودان ~~أو اليونان أو البشناق، وما إلى ذلك، كما أن «المملوكية» لم تكن خاصة بالأمراء وعصاباتهم ~~فهي سارية أيضا على رجال المناصب الحربية والإدارية الذين احتفظت السلطنة بحق إرسالهم من ~~القسطنطينية نفسها، ويماثل هذا النوع من العصبيات العصبيات العربية القبلية المنبعثة في ~~الصعيد والدلتا. # وقد توهم الأستاذ الشيخ محمد عبده في مقالة ظالمة عن محمد علي نشرها الشيخ في مجلة المنار ~~في سنة 1902، وهي مقالة سياسية صرفة، يود كل مقدر له أن لو لم يخطها؛ توهم الأستاذ أن ~~العصبيات السائدة في مصر عند الاحتلال الفرنسي تقابل بالضبط أمراء الإقطاعات الأوربية، وأن ~~الأمراء المصريين اضطروا إلى أن يتخذوا من الأهلين أنصارا، وأن ذلك «أحدث بطبعه في النفوس ~~شمما وفي العزائم قوة، وأكسب القوى البدنية والمعنوية حياة حقيقية مهما احتقرت نوعها، ~~فكانت العناصر جميعها في استعداد لأن يتكون منها جسم حي واحد يحفظ كونه، ويعرف العالم ~~بمكانته لولا محمد علي!» # هذا كله لا أصل له، لا في أوربا ولا في مصر، وقد غفل الأستاذ عن حقيقة مهمة: أن فعال تلك ~~العصبات وفسادها في الأرض وقلة حيلتها في الحرب الجدية هي التي أغرت الفرنسيين بغزو مصر في ~~1798، وأن الذي أخرج الفرنسيين من مصر لم تكن العصابات بل الأسطول الإنجليزي والجيش ~~الإنجليزي، وأن الذي خلق من مصر الجسم الحي هو محمد علي، وأن مصر محمد علي - لا مصر أبي ~~الذهب ومراد وإبراهيم والشيخ همام والشيخ سويلم بن حبيب - هي التي بطل التفكير الأوروبي في ~~امتلاكها بل وفي استغلالها في ظلال السلم! ~~••• # اصطدم أمراء مصر في صيف 1798 بغربيين غير الغربيين الذين عرفهم السلاطين أيام الحروب ~~الصليبية؛ ففي القرون الخمسة التالية لتلك الحروب تحول فارس العصور الوسطى - كما عرفه سان ~~لويس وبيبرس - إلى الرجل الغربي الذي عرفه مراد والألفي والبرديسي في 1798، خمسة قرون زال ~~فيها النظام الإقطاعي وما ترتب عليه من طرق الحكم والحرب وعلاقات طبقات الأمة بعضها ببعض، ~~خمسة قرون رأت انفصام وحدة الغرب الدينية والسياسية وظهور ms008 مناهج العلم الحديثة وطرق التنظيم ~~السياسي والاقتصادي الجديدة، ولم يبلغ أهل مصر عن انقلابات الغرب إلا أضعف الأنباء، ولكن ~~سرعان ما رأى الأمراء أن لا أساس لما زعموه: من أنه إذا جاءت جميع الإفرنج لا يقفون في ~~مقابلتهم وأنهم يدوسونهم بخيولهم، وتمكن الفرنسيون من احتلال مصر. # وقد حكم الفرنسيون مصر مدة تزيد قليلا على ثلاثة أعوام، وقد تخللت هذه المدة محاولة من ~~جانبهم لفتح الولايات السورية، وضيق عليهم أثناءها حصار بحري إنجليزي، وقام المصريون ضدهم ~~كلما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، وأباد منهم الطاعون وغيره من الأمراض الوبائية عددا لا ~~يستهان به، وظل مراد ومماليكه ومن انضم إليه من عرب مصر والجزيرة شهورا عديدة ينازعونهم ~~ملك الصعيد شبرا شبرا، وأخدت تبطل التجارة البحرية ويقل ورود قوافل دارفور وسنار وفزان ~~وبرقة وغيرهما من بلاد الغرب. # ولم تطب للفرنسيين الإقامة بمصر؛ فقد وجدوها دون ما توقعوا وشق عليهم البعد عن وطنهم ~~وبخاصة بعدما بلغهم من تألب الدول الأوروبية - من جديد - ضد فرنسا وإرغامها على التخلي عن ~~فتوحها في إيطاليا وغيرها، وحتى مصر نفسها عرفوا معرفة أكيدة أن السلطان قد اعتزم ألا ~~يتخلى عنها، وأرسل نحوها من ناحيتي البحر والشام جموعا من جنده قد لا تكون قيمتها الحربية ~~مما يأبه له الغربيون، ولكنها - ولا بد - لها مع الزمن أثر. # لا بد من تذكر هذه الظروف عند الحكم على الاحتلال الفرنسي، ولا بد إذن من الفصل بين ~~أمرين مختلفين تماما: الحكم الفرنسي كما كان، والحكم الفرنسي كما يمكن أن يكون لو خلص مما ~~انتابه من ظروف الحرب والفتن، واتسع له الزمن ليجري على أسس الاستعمار الحديث. # ولا يمكن الشك في أن الفرنسيين لو خلص لهم ملك مصر لحكموها كما ينتظر من حكومة ~~جمهورية قائمة على قواعد الثورة الفرنسية، أتيح لها - في عصر بدأ فيه الانقلاب الاقتصادي ~~الكبير - أن تحكم قطرا زراعيا خصبا ذا مركز جغرافي فذ، كوادي النيل، وأمة عربية إسلامية ~~ذات تاريخ مفعم بعبر الدهر كالأمة المصرية، لو خلص لهم حكم مصر لبذلوا جهدا ms009 كبيرا في ~~تنمية الموارد بتنظيم الرى وضبط النيل، وقد كتب بونابرت في مذكراته فصلا رائعا عن ضبط ~~النيل بإنشاء قناطر على فرعيه عند رأس الدلتا، ولو دامت مدتهم لعملوا كل ما يستطيعون ~~للاستفادة من مركز مصر الجغرافي، ولوصلوا بين البحرين الأحمر والمتوسط. # واستعمار مصر كان لا بد له أن يؤدي إلى اتساع النفوذ الفرنسي إلى ساحلي البحر الأحمر ~~وإلى ما وراء سيناء من ناحية فلسطين والشام، وأن يؤدي أيضا إلى التقدم نحو منابع النيل، ~~وجعل مصر المدخل والمخرج لتلك الأرجاء الأفريقية الواسعة وحل اللغز الجغرافي القديم: أين ~~ينبع النيل؟ وقد سجل التاريخ تحقيق الكثير من هذا على يد محمد علي وخلفائه؛ مما يدل على أن ~~الكثير من خطط الحكومات إنما هي مما يمليه الواقع الجغرافي ويكرره التاريخ في أدواره ~~المتباينة. # ولو دام الاحتلال الفرنسي لسلك نحو المصريين مسلكا يكون من أثره تحسين كثير من ~~أحوالهم، ثم يعمد بعد هذا التحسين إلى إبطال النمو، أو إلى إبطاله في بعض النواحي وتوجيهه ~~في الاتجاه الذي يريد، ولم يكن بد من اهتمام الفرنسيين بهذا التحسين الأبتر بحكم الإنسانية ~~المشتركة وبحكم منفعتهم: يقاوم الأوبئة بإنشاء المستشفيات وما تستلزمه من مدارس الطب ~~والمحاجر الصحية؛ حفظا للقوى العاملة في الإنتاج الزراعي الذي يغذي الخزانة العامة ويمون ~~التجارة، ومنعا لانتقال المرض إلى الفرنسيين، يصلح الأداة الحكومية وينوع الإدارات صيانة ~~للأمن وضبطا للأموال العامة. # ويستلزم هذا إصلاح نظام الضرائب والجباية، ويتبعه إلغاء الالتزام واستقرار ملكية الزارع ~~للأرض، يفتح الأبواب لرءوس الأموال الفرنسية ولنظم التجارة والمعاملات الغربية، ويؤدي ~~هذا لتنظيم القضاء على أسس غربية ولدخول القوانين الغربية، ويعنى بإعداد طائفة من ~~أبناء البلاد تسد حاجة الإدارة من صغار الموظفين. # ولو دام الاحتلال الفرنسي لاعتمد بعض الاعتماد في الدفاع عن البلاد على جيش وطني من ~~أبنائها. # ولو دام الاحتلال الفرنسي لاحتاط أشد الحيطة في كل ما له علاقة بالدين من المسائل ~~الاجتماعية وموضوعات البحث العلمي، فالحاكم الغربي يحب أن تكون قواعد الإنتاج المادي ~~غربية صرفة؛ لأن هذه القواعد تزيد الإنتاج ms010 والزيادة مما يهمه، ولكنه يكره من المحكومية ~~الشرقيين الانقلاب الاجتماعي والبحث العلمي الحر، وذلك لأسباب: منها حرصه على أن لا يظهر ~~للعامة في مظهر الهادم للعادات المشجع على التحرر من قواعد الدين، ومنها ظنه أن تلك ~~الانقلابات لا بد وأن تؤدي في النهاية إلى الرغبة في الاستقلال، ومنها الميل إلى المحافظة ~~على المظاهر الشرقية من قبيل الاحتفاظ باللطائف والتحف. # أما عن نظام الحكم فالمنتظر من الاحتلال الفرنسي - لو أن أيامه دامت - أن يبقي حكم ~~القرى على ما عرفته مصر في عصورها المختلفة في أيدي العمد والمشايخ، وأن يعهد لفرنسيين ~~في إدارة الأقاليم، وأن تسود المركزية الشديدة، وأن يبقي الفرنسيون الدواوين التي أنشأها ~~فعلا بونابرت، ولم يرم بها إلى خلق النظام البرلماني - كما توهم البعض - فبونابرت لم يكن ~~ممن يعجبون به أو يرتضيه لفرنسا، دع عنك مصر، بل رمى بها إلى إنشاء وسائل تمكنه من ~~الاتصال بأعيان المصريين وتفهم ما يجري في أنفسهم وتفهيمهم حقيقة مشروعاته ونواياه حتى لا ~~يبقى مجال لدس الدسائس وسوء الفهم. # هذا بعض ما نتصوره عن تطور الحكم الفرنسي في مصر لو استقام للفرنسيين أمرها، وليس ~~هذا التصور مما لا يقوم على أساس من الواقع؛ فأكثره مستمد مما كتبه بونابرت وغيره عن ~~نواياهم، ومما شرعوا في تحقيقه فعلا، ومما رأيناه من طرق الحكم الفرنسي في غير مصر من ~~الأقطار الإسلامية، وليس هذا التصور مما يخلو من الفائدة التاريخية، فمن النافع حقا أن ~~نضع في كفتي الموازنة معالجة الحاكم الفرنسي لمسائل مصر الداخلية والخارجية، ومعالجة الحاكم ~~العثماني المسلم محمد علي لنفس المسائل. # ولكن الزمن لم يتسع للفرنسيين لتحقيق ما كانوا يأملون، ووجد القواد الثلاثة الذين ~~تعاقبوا على حكم مصر - بونابرت وكليبر ومينو - أنفسهم مضطرين لتوجيه كل جهدهم للتغلب على ~~الأخطار الداخلية والخارجية المحدقة بجيشهم وحكمهم، ولم يكن ما قام به أولهم بونابرت ~~وثالثهم مينو من التجارب الإدراية الأداة الحقيقية لحكم البلاد، ولم تتغير - في أيامهم كلها ~~- طرق الجباية ولا الضرائب ولا العمال، بل ظلت كما كانت قبل قدومهم. ms011 # ولذلك لم تكن الأعوام الثلاثة التي قضاها الفرنسيون في حكم مصر عهدا سعيدا لسكانها، ~~حقيقة أن المصريين اعتادوا - قبل قدومهم - الانقلابات والاضطراب: اعتادها أهل الريف في بعض ~~المناطق وأهل الحواضر، وعرفها - بصفة خاصة - أهل القاهرة، وكانت الانقلابات التي عرفوها ~~مما يصحبه الشيء الكثير من اختلال الأمن وضروب العنف والتعسف وإعادة الطلب عليهم فيما ~~أدوه من الضرائب والمغارم. # إلا أن هذه الانقلابات كلها كانت على نمط واحد، لا يأتي واحد منها بجديد ولا يصطدم ~~بمألوف لديهم: فمثلا يتغلب علي بك الكبير على خصومه ويحكم البلاد كما حكمها خصومه، ثم ~~يتغلب عليه أبو الذهب ويحكم كما حكم علي، وهكذا دواليك، ولم يكن للمصريين من نصيب في هذه ~~الانقلابات إلا عمال الإدارة المالية من الأقباط ورؤساء العصابات العربية والشيوخ من ~~العلماء. فالفريق الأول - بحكم اضطرار الأمراء جميعا لاستخدامه - يعمل للمنتصرين كما عمل ~~للمنهزمين، ورؤساء العربان بسبب قوتهم الحربية قد يرجحون كفة طائفة من الأمراء على كفة ~~خصومها، والشيوخ العلماء - بحكم تصدرهم ونفوذهم في الناس وتحلي بعضهم بصفات الفضل ~~والاعتدال - يلجأ إليهم الناس للوساطة في رفع الحيف إذا ضاقوا به ذرعا، وقد يحتكم إليهم ~~المتخاصمون من الأمراء، وكان تدخل الشيوخ عادة لرفع الضيم وإحلال الوئام محل الخصام أو ~~للتخفيف من عنف الانقلابات. # أما الحكم الفرنسي فكان انقلابا من نوع لم يعرفه المصريون؛ إذ لما زال حكم مراد ~~وإبراهيم حل محلهما بونابرت ولم يكن مسلما ولا عثمانيا، كذلك ترك الباشا العثماني مصر ~~عند قدوم الفرنسيين، وزال بغيابه مظهر التبعية للسلطان خليفة المسلمين وسمع المصريون عن ~~تبعية بلادهم لدولة غربية فرنجية، سمي لهم نظامها السياسي بأسماء شتى لا تدلهم تجاربهم ~~على معانيها ... فنشر عليهم منشور «من طرف الفرنساوية المبني على أساس الحرية والتسوية»، ~~وأرخت لهم الحوادث بشهور غربية من سنة تبدأ «من انتشار الجمهور الفرنساوي.» # وكانت للفرنسيين طرقهم في مخالطة النساء، وكانت هذه الطرق مما كرهته الخاصة كرها ~~شديدا، وأدى انتشار العسكر في أنحاء المدن والأقاليم، وتشتت شمل أسرات الأمراء وانطلاق ~~جواريهم عقب تركهم القاهرة إلى ms012 ضروب غير مألوفة من الفساد والرذيلة، وفي أيام الاحتلال ~~الفرنسي حرر غير المسلمين من وطنيين وأجانب أنفسهم من قيود مختلفة كان المسلمون - إذ ذاك - ~~يعدونها شروطا من شروط بقاء الإسلام، وهذا التحرر كان مما يقتضيه حكم غربي جمهوري ~~شعاره المساواة والحرية الدينية، هذا إلى حاجة الاحتلال الفرنسي لغير المسلمين: لأموالهم ~~ودرايتهم بأحوال البلاد ونظمها وعادات أهلها ولإمكان الوثوق بهم بفضل اتفاق ~~المنافع. # ولم يكن للحكم الفرنسي، في مدته القصيرة، وفي ظروف الحرب والفتن الملابسة له من المآثر ~~ما يحمل الخاصة والعامة من أهل مصر على الإغضاء عما صحبه من الانقلاب الاجتماعي، فقد ~~كان حكما عسكريا شديدا عنيفا، ولم يكن الإصلاح الذي فكر فيه الفرنسيون، وما ~~استحدثوه من الدواوين وغيرها، والبحث العلمي الذي شرعوا في إقامة قواعده؛ مما يجتذب إليهم ~~المحكومين إلا بعد زمان طويل؛ ذلك لأن النظم الحكومية التي اعتادها المصريون وغيرهم إذ ذاك ~~كانت ترمي لأغراض ثلاثة أساسية: جمع الأموال المفروضة، والأيدي العاملة اللازمة لصيانة ~~الأعمال العامة، واستتباب الأمن، وفيما عدا هذه الأمور الثلاثة لا تتدخل الحكومة في أحوال ~~الرعية؛ بل تدع كل ما يتعلق من هذه الأحوال بأغراضها تنظمه الجماعات أو لا تنظمه كما ~~جرت به العادات. # وإذا شئنا إجمال وصف ما اختص به نظام الحكم القائم قبل الاحتلال الفرنسي قلنا: إنه يمتاز ~~بقلة التدخل الحكومي - كما نفهمه الآن - وبالعنف والتعسف، ويجب ألا يحملنا ما نراه ~~من جنوح الحكام لهذا العنف والتعسف إلى تصور نظم الحكم على غير ما صورناها من ~~ترك الرعية وشأنها في كل ما يتعلق بأغراض الحكومة الأساسية. # ويجب كذلك ألا يحملنا ما نسمع عنه من الظلم على الظن بأنه لم تكن أمام المحكومين وسائل ~~مختلفة لتجنبه أو لتخفيفه، فإن ارتباك الإدارة الذي نجم عن الانقلابات المتتابعة ~~وسوء ذمة العمال وفوضى السجلات، وما إلى ذلك؛ فتح للرعية أبواب الخلاص من الفرض شرعية وغير ~~شرعية. # فلا ينبغي إذن أن ننتظر أن يرحب المصريون في سنة 1798 بالتدخل الحكومي وبما يصحبه من ~~النظم الدقيقة، ولا أن يعدوها ms013 - كما نعدها الآن - ضمانا لحقوقهم ، فكرهوا ضبط ~~الدفاتر واعتبروه اشتطاطا في الطلب، ولم يروا فيما اتخذته الحكومة من الوسائل لمنع ~~الأمراض إلا استبدادا لا يطاق، وفضولا لا يفهم. # كره المصريون الحكم الفرنسي وقاوموه؛ ثار أهل القاهرة ثورتين عنيفتين، وقام الفلاحون في ~~الريف كلما أتيحت لهم فرصة، وقد ذكرنا من الأسباب ما يكفي لتفسير هذا الكره دون أن نلجأ ~~إلى تعليله بانتحال تعبيرات من استعمال أيامنا، والتاريخ الصحيح لا يجد في الفتن الشعبية ~~بالقاهرة والأقاليم إلا باعثا إيجابيا واحدا، هو: العودة لما ألفه الناس. إن مصر ~~أكرم على بنيها من أن يلتمسوا سندا لحقوقها في «الدفاتر القديمة». ~~••• # وابتهج أهل مصر لما أخرج العثمانيون والإنجليز الجيوش الفرنسية من بلادهم، وسمى ~~الجبرتي مؤلفه في حوادث الاحتلال الفرنسي وما سبقه: «مظهر التقديس بذهاب دولة ~~الفرنسيس»، بل وسجل اعتقاده: «وإذا تأمل العاقل في هذه القضية يرى فيها أعظم الاعتبارات ~~والكرامة لدين الإسلام، حيث سخر الطائفة الذين هم أعداء للملة هذه لدفع تلك الطائفة، ~~ومساعدة المسلمين عليهم، وذلك مصداق الحديث الشريف وقوله # صلى الله عليه وسلم ~~: «إن الله يؤيد هذا الدين ~~بالرجل الفاجر»، فسبحان القادر الفعال!» # ولكن عيني «الرجل الفاجر» انفتحتا واسعتين صوب مصر وما يجري في مصر، فلن يكون الأمر بعد ~~1798 ما كان قبلها. # | الفصل الثالث # تسلم مصر من الفرنسيين ممثلا الدولة الصدر الأعظم يوسف ضيا والقبطان باشا حسين، وسلطان ~~الزمان - على حد تعبير الوقت - سليم الثالث، وهو السلطان الذي بدأ خطة الإصلاح التي سار ~~عليها خلفاؤه سلاطين القرن التاسع عشر: محمود وعبد المجيد وعبد العزيز وعبد الحميد، ومحور ~~الإصلاح عندهم إنشاء قوة عسكرية برية بحرية نظامية، مدربة على نمط الجيوش الأوروبية، ~~وهذه القوة يستخدمونها في غرضين: في دفع الاعتداء الخارجي، وفي استرداد حقوق السلطان من ~~مغتصبيها؛ أي في إقامة الحكومة المركزية المطلقة. # وها هي مصر شاءت العناية الإلهية أن تعود لصاحبها بعد أن قام الفرنسيون بعمل نافع؛ زحزحوا ~~الأمراء وشردوهم، وانتزعوا ما كان في أيديهم، وفتكوا بالكثير منهم، أفيعقل بعد ذلك ألا ~~يكمل ms014 الوزيران العثمانيان ما بدأه بونابرت بإقصاء الأمراء البارزين عن مصر؟ وبذلك يخلص ~~للسلطان ملك مصر، وتكون قصتها بعد ذلك قصة غيرها من الولايات التي خلص ملكها للسلطان في ~~القرن التاسع عشر إلى أن يأتي اليوم الموعود: يوم انحلال الملك العثماني. # وكاد تنفيذ تلك الخطة أن يتم لولا تدخل السلطات العسكرية الإنجليزية - ولم يكن الجيش ~~الإنجليزي قد غادر مصر بعد - وقد تدخلت تلك السلطات وأرغمت ممثل السلطان على إطلاق سراح ~~الأمراء؛ وكان تدخلها لأسباب: أحدها؛ الاشمئزاز من عنصري المكيدة والغدر اللذين قام ~~عليهما القبض على الأمراء. وثانيها: الاعتقاد الراسخ بأن القوات العسكرية العثمانية سواء ~~منها الآتية من الولايات الآسيوية أو الآتية من الولايات الأوروبية لا تصلح لشيء ما، بل إن ~~عدمها خير من وجودها؛ فما هي إلا شراذم من النهابيين الهمج، وأن الدفاع عن مصر إذا ما ~~حاول بونابرت إعادة الكرة عليها يقتضي إعادة الأمراء - وقد أعجب القواد الإنجليز مظهرهم ~~وفروسيتهم - إلى ما كانوا عليه. # وثالثها: وعد سبق أن أعطاه القائد الإنجليزي في أثناء الأعمال الحربية ضد الجيش الفرنسي ~~للأمراء بأن انضمامهم للحليفتين إنجلترة والدولة لن يضيرهم في شيء، بل على العكس يضمن لهم ~~حقوقهم بعد الانتهاء من الحرب، وقد توهم الإنجليز - إذ ذاك - أن نظام الأمراء ~~وقواتهم الخاصة عنصر أصيل في الحكومة المصرية، وما دروا أنه ليس من جوهرها في شيء، وأنه ~~يكفي جدا لاجتثاثه من جذوره قطع التجارة في الرقيق الأبيض، وأن كل مشكلة الأمراء في مصر ~~لم تكن البحث عن اتخاذهم أساسا لنظام حكومي مصري جديد - كما توهم الإنجليز - بل تنحصر في ~~تدبير أمر أشخاص بالذات مدى أعمارهم الطبيعية، وهذا التدبير لا يستلزم أكثر من توفير العيش ~~الهنيء لمن يريده من الأمراء - وأكثرهم لا يطلب القوة ولا يجمع الأتباع إلا لذلك - وفتح ~~وظائف الجندية والإدارة لمن يريدها من تابعيهم، والضرب على أيدي من يأبى الاستقرار ~~منهم. # ولو خلص الأمر لمحمد علي في السنوات الأولى من حكمه لتم حل المشكلة على هذا الوجه، ولكن ~~جرى كل شيء على عكس ms015 ذلك تماما؛ فبينما رجال الدولة يدركون حقيقة مركز الأمراء فيعملون ~~على منع إرسال الغلمان لأسواق الرقيق في القاهرة؛ نراهم في نفس الوقت يتعجلون حل المشكلة ~~دفعة واحدة بالقبض على الأمراء لإقصائهم عن مصر، ولما أخفقوا في ذلك؛ لتدخل السلطات ~~الإنجليزية عجزت القوات العسكرية العثمانية الباقية في مصر عن إخضاعهم، فكانت الحوادث ~~الممهدة لبلوغ محمد علي باشوية مصر. # قدم محمد علي لمصر مع القوة العثمانية التي جمعت في تركية أوروبا، وقد اصطلح على تسميتها ~~بالقوة الألبانية؛ لأن أكثر رجالها كان منهم، وخدم محمد علي في تلك القوة العثمانية ~~الأوروبية وترقى سريعا في رتبها العسكرية، ولكنه لم يكن منها ولا فيها في أكثر من ذلك؛ ~~فلا هو ألباني ولا ارتباط وثيق بيننا وبينهم، بل كان الارتباط الوثيق - قبل تولية محمد ~~علي وبعد توليته إلى أن تلاشى أمر القوة الألبانية تماما - بين الألبانين وزعمائمم ~~الطبيعيين من رجال العشائر الألبانية ورؤساء العصابات في بلادهم، أمثال: طاهر باشا وحسن ~~باشا وصالح قوج ومن إليهم، وكان محمد علي وحيدا فريدا في أوانه، لم يصطنعه أمير ولا وزير، ~~بل ولا سلطان، ولم يقدمه سفير أو قنصل، بل ولا إمبراطور، ولم يكن مخلوق حزب أو أداة ~~جماعة: # نفس عصام سودت عصاما # وعودته الكر والإقداما # وصيرته ملكا هماما # لم يدبر حوادث ارتقائه، ولم يرتب فصولها ترتيب المؤلف القطع المسرحية، ولم يداهن ولم ~~يتظاهر بما ليس في نفسه ولا من طبعه، ولكنهم هم الذين يتجهون إليه، هم الذين يرون فيه رجل ~~الموقف، ولكنهم أيضا إذا حدثتهم أنفسهم بأن يتخذوا منه وسيلة لغايات في أنفسهم، فسرعان ما ~~تنكشف لهم الحقيقة وأن ما حدثتهم به أنفسهم من استخدام مواهبه لأغراضهم كان وهما؛ فقد ~~قبل محمد علي إجماع الناس أو شبه إجماعهم عليه وتولى أمر الباشوية على مشقاتها وميزاتها، ~~وذاق حلو السلطة ومرها ولكن على أن يسير فيها على نهج من وضعه هو، على أن يحمل كل ~~مسئولياتها، على أن لا تزيحه عنها قوة بشرية: «ها هنا ثبتت قدمي، وها هنا سأبقى!» # كان ms016 أول ولاة مصر بعد جلاء الفرنسيين محمد خسرو باشا، وأصله من مماليك القبطان باشا، ~~وكان هذا أول عهده بالمناصب، لم يصب بعد الشهرة التي اكتسبها في خدمة الدولة، ولم يفهم بعد ~~من فن التنظيم العسكري أكثر من جمع «أنفار» من أخلاط الناس ووضع أبدانهم في ثياب «مقمطة» ~~تشبها بالجيش الفرنسي، ومن فن الإدارة إلا قطع الرءوس وما إليه من قواعد ~~«البوليتيقا». # ولم يقو خسرو على إعادة تنظيم شئون الإدارة المالية بعد الاضطراب والاختلال والحروب، ~~كما أنه لم يقو على إخضاع الأمراء وقد وضعوا أيديهم على الصعيد بعد أن أطلق الإنجليز ~~سراحهم، وعذره في ذلك العجز أن ما تحت إمرته من القوات العثمانية - آسيوية أو أوروبية - ~~لا تملك فرسانا يستطيعون مقابلة الأمراء مقابلة الند للند؛ فملك الأمراء الصعيد وتطرق ~~نفوذهم للدلتا؛ وأدى هذا إلى نقصان موارد خسرو المالية نقصانا كبيرا كما أدى إلى اختلال ~~تموين أهل القاهرة، وكان من جراء ذلك أن اختل دفع مرتبات الجنود؛ فهاجوا وأنزلوا خسرو عن ~~كرسيه، ولكنه استطاع أن يهرب وأن يستقر في دمياط مترقبا فرصة الرجوع، وتولى طاهر باشا كبير ~~الألبانيين «قائمقامية» مصر انتظارا لقرار الدولة. # وطاهر هذا أصله من قطاع الطريق في بلاده، وصفه الجبرتي بأنه كان أسمر اللون، نحيف ~~البدن، أسود اللحية، قليل الكلام بالتركي فضلا عن العربي ويغلب عليه لغة الأرنئوديه، وفيه ~~هوس وانسلاب وميل للمسلوبين والمجاذيب والدراويش. # ولم تطل مدته أكثر من ستة وعشرين يوما؛ فقد وثب عليه رجلان من الإنكشارية وقطعا رأسه؛ ~~انتقاما مما جرى لخسرو واحتجاجا على محاباته أبناء جنسه في أمر دفع المرتبات المتأخرة، ~~إلا أن طاهر هذا أدرك في مدته القصيرة - على الرغم من هوسه وانسلابه - أن لا بد للألبانيين ~~من حلفاء إذا أرادوا الاحتفاظ بثمرة ثورتهم على خسرو؛ فكاتب الأمراء في الصعيد وأعلن ~~استعداده لفتح أبواب العاصمة لهم ومقاسمتهم مغانم الحكم، وقد قبل الأمراء المحالفة ودخلوا ~~القاهرة قبل أن يتمكن رجال خسرو من استرداد الباشوية له أو لعثماني آخر من نوعه. # وفي أثناء مدة هذا التحالف ms017 بين الأمراء الألبانيين، اكتفى هؤلاء بجمع كل ما يستطيعون ~~اغتصابه من الأموال العامة والخاصة، وتركوا للأولين أبهة السلطة ونكدها، وسرت نشوتها إلى ~~رأس كبيرهم عثمان البرديسي فتوهم عودة العصر الذهبي وصفاء الأيام، فتحرك ضد خسرو في دمياط ~~وحاصرها وعاد به أسيرا للقلعة، ثم لما عينت الدولة واليا جديدا على مصر، هو علي باشا ~~الجزايرلي أو الطرابلسي - رجل قبيح السيرة، من رجال المغرب العثماني، صديق قديم للأمراء - ~~استدرجه البرديسي نحو القاهرة وقتله في الطريق، ثم كانت عودة الألفي - زميله ومنافسه في ~~الرياسة - من إنجلترة، وكان قد سافر إليها عند خروج الجيش الإنجليزي أملا في وساطة ~~الحكومة الإنجليزية لدى الدولة لترضى عن الأمراء، وبدلا من الاتحاد به قرر الغدر بأخيه، ~~ونجا الألفي من الكمين الذي أرصده له البرديسي بشق الأنفس، وأضاف إلى هذا كله الضغط ~~الشديد على أهل القاهرة فقيرهم وغنيهم لأجل المال؛ ولما لم يبق له صديق تحرك الألبانيون ~~ضده وأخرجوا الأمراء ورجالهم من القاهرة إخراجا شنيعا. # وقد نبهنا إلى أننا عندما نقول: «الألبانيون» لا يستدعي هذا «محمد علي» بالمرة، فهم - ~~كما قدمنا - لهم كيانهم ولهم رياستهم الخاصة بهم، والواقع أنه في كل هذه الحوادث يقف وحده، ~~لا وقفة المتفرج أو غير المهتم، على العكس، له مكانته، وله آراؤه، إنما نعني أنه منفصل عن ~~الجميع ظاهرا وباطنا، لا يحرك جماعة ولا تحركه جماعة، وكان رأيه عند إخراج الأمراء من ~~القاهرة إعادة الوالي الشرعي خسرو ورد الأمور إلى نصابها، ولكن الألبانيين أبوا ذلك، ~~وأخيرا أقاموا حاكم الإسكندرية من قبل الباب العالي خورشيد قائمقاما إلى أن تقضي حكومة ~~الدولة في الأمر. # وكانت صعوبات خورشيد هي بالضبط صعوبات سابقيه، وحلوله هي بالضبط حلول سابقيه. صعوباته: ~~اكتساح الأمراء الصعيد، وعجز رجاله عن إخضاعهم، ونقصان الموارد باستيلاء الأمراء على ~~الصعيد، وعبث الجنود وتمردهم واعتداؤهم على الأرواح والأموال، أما حلوله: فالتجريدات ~~السخيفة، والمفاوضات الكيدية والدس والضغط على الرعية لأجل المال، والاستعانة بأشقياء من ~~أكراد أعالي سوريا يدعون «الدلاة» أو «الدلاتية»، كانوا شر من رأى أهل مصر، وإذا ms018 ~~قلنا ذلك أمكننا تصور حقيقتهم. # وقد أحس خورشيد بارتفاع شأن محمد علي واتجاه الأنظار إليه فنال له من الباب العالي ولاية ~~جدة، وقبل محمد علي الأمر جريا على ما سار عليه، إلا أن الكوارث المتوالية أخرجت أهل ~~القاهرة عن حد الاحتمال فالتفوا حول شيوخهم وأعيانهم وبخاصة نقيب الأشراف السيد عمر مكرم ~~وانضموا إلى طوائف من الجند وطالبوا بوضع حد لسوء الحال. ثم انتهى الرؤساء إلى مطالبة ~~الباشا باعتزال منصبه، ولما رفض حاصروه في القلعة وترامى الفريقان بالقنابل، وقد ~~اعتبر السيد عمر مكرم وأصحابه الباشا معزولا بإرادة قادة الرأي. # وفي يوم الاثنين 13 من صفر سنة 1220 / 13 مايو سنة 1805 توجهت الجموع «وذهبوا إلى محمد ~~علي، وقالوا له: إنا لا نريد هذا الباشا حاكما علينا ولا بد من عزله من الولاية، فقال: ومن ~~تريدونه يكون واليا؟ قالوا له: لا نرضى إلا بك وتكون واليا علينا بشروطنا لما نتوسمه ~~فيك من العدالة والخير؛ فامتنع أولا ثم رضى، وأحضروا له كركا وعليه قفطان، وقام إليه ~~السيد عمر والشيخ الشرقاوي فألبساه إياه، وذلك وقت العصر، ونادوا بذلك في تلك الليلة في ~~المدينة»، وكان هذا على الرغم من معارضة فريق الألبانيين الذين «يغرضون لصالح أغا قوج وعمر ~~أغا»، وفي ربيع الثاني سنة 1220/يولية سنة 1805 «وصل مرسوم الدولة ومضمونه الخطاب لمحمد علي ~~باشا والي جدة سابقا ووالي مصر حالا من ابتداء عشرين من ربيع الأول حيث رضي بذلك العلماء ~~والرعية، وأن أحمد باشا خورشيد معزول عن مصر وأن يتوجه إلى الإسكندرية بالإعزاز والإكرام ~~حتى يأتيه الأمر بالتوجه إلى بعض الولايات.» # وهكذا بلغ محمد علي باشوية مصر، ولا جديد في هذه القصة؛ فإن مقدماتها ووقائعها تكاد تكون ~~سنوية في تاريخ مصر منذ الفتح العثماني، والجديد تماما هو أن الذي تولى الباشوية كان محمد ~~علي ولم يكن غيره، هذا وحده هو وجه الأهمية في الأمر كله؛ فقد أدرك محمد علي منذ أيامه ~~الأولى في مصر أنه لم يتول أمر باشوية عثمانية عادية، بل جلس على عرش ms019 مملكة عظيمة كل ما ~~حوله فيها يشهد بما كان لملوكها وسلاطينها ، وأن عناية الله سلمته حكم أمة واحدة يدر ~~نيلها وأرضها الفيض العميم، وأن الميدان خليق بالأبطال. # كما أدرك بالفكر الثاقب الذي وهبه الله أن لا بد لحكم مصر من انتهاج مناهج جديدة وأن طرق ~~الباشوات والأمراء وإنفاقهم العمر في جمع المال وبعثرته، وتوطيدهم أقدامهم بصلم الآذان وخزم ~~الأنوف، وقطع الرءوس، لم تؤد إلا إلى الخراب الشامل؛ فهدته مواهبه لسياسة من نوع آخر، ~~يحقق بها رجاء الناس فيه؛ فيصون أرواحهم وأعراضهم وأموالهم، ويرتقي بهم درجات إلى ما لم ~~يكونوا يعهدون. # وكانت الساعة أيضا حقيقة بالبطولة: فقد فتحت الحوادث أعين السياسة الأوروبية لمصر ~~ولغيرها من البلاد الإسلامية، ألم يسبق توليته نزول الفرنسيين بمصر؟ ألم يكن إجلاؤهم عنها ~~إلا بشق الأنفس وبفضل معاونة دولة أوروبية أخرى؟ ألم تتداع القوة الإسلامية في الهند نحو ~~الانهيار النهائي؟ ألا يحس كل عثماني بضغط الدول الأوروبية على السلطنة العثمانية وتوغل ~~الروسيين في اتجاه فارس والإمارات الإسلامية الآسيوية؟ فالأمر إذن لا يحتمل التأجيل، وإعزاز ~~مصر والإسلام يتطلب: العمل السريع، الإصلاح الشامل، القوة التي تصون الكرامة؛ قوة الحديد ~~والمال والعلم. # | الفصل الرابع # جاشت في صدر محمد علي هذه المعاني ومثيلاتها من أول الأمر، وجال بصره في الميدان حوله ~~فوجده ممتلئا بأنقاض الماضي، فكان لا بد له من شق طريقه بينها وحولها قبل أن يستطيع أن ~~يزيح الأنقاض ويمهد الأرض للبناء. # وقد ورث محمد علي فيما ورث عن الماضي القريب والبعيد أن تكون مصر مما يهم بعض الدول ~~امتلاكه ومما يهم البعض منع ذلك الامتلاك وقد خفي ذلك الوضع المؤلم الجارح للكرامة في ~~السنوات الواقعة بين جلاء الفرنسيين عن مصر وولاية محمد علي أمرها (أي بين 1801 و1805)؛ ففي ~~تلك السنوات كانت وقائع الكفاح بين فرنسا - وقد قبض الجنرال بونابرت على أزمة حكمها - وحلف ~~أوروبي قوي يرمي إلى نقض ما أبرمه بونابرت في داخل فرنسا وخارجها، وانصرف جهد بونابرت كله ~~إلى إفساد خطة أعدائه وتوطيد نظامه الجديد. # وقد نجح ms020 في ذلك نجاحا كبيرا؛ فتوج عمله الداخلي بإعلان الإمبراطورية، وهزم النمسا ~~والروسيا هزائم مضعضعة، وربط فتوح فرنسا بشخصه عن طريق أقاربه، ولكن النجاح لم يكن تاما ~~والتسوية لم تكن نهائية؛ فإنجلترة لم يتغلب عليها بعد (وما بقيت إنجلترة قائمة فلا سيادة ~~لأحد على أوروبا)، وضرباته الحربية لأعدائه في القارة كانت مضعضعة ولكنها لم تكن قاتلة، ~~ولم يظهر بعد أن أواصر الرحم بين الحاكمين أقوى على ربط الفتوح بفرنسا من اتفاق المصالح ~~والعواطف بين المحكومين، وكان من شأن انهماك كل من فرنسا وأعدائها - فيما وصفنا - أن ~~انعدم التأثير الأوروبي انعداما يكاد يكون تاما في الحوادث التي جرت في مصر فيما بين ~~1801-1805 والتي انتهت - كما رأينا - ببلوغ محمد علي ولاية الأمر. # ولا صحة لما اختلقوه من بحث القنصل الفرنسي عن رجل جدير بعطف الحكومة الفرنسية واهتدائه ~~إلى محمد علي وكتابته لحكومته بهذا «الترشيح» وتأييد فرنسا لذلك لدى الباب العالي، لم يحدث ~~شيء من هذا قطعا، ولم يتجاوز هم القنصل الفرنسي حماية نفسه ومواطنيه في الاضطراب ~~السائد في القاهرة، وقد ضعف النفوذ الفرنسي في القسطنطينية في تلك السنوات لدرجة أن ~~حكومة الباب العالي رفضت الاعتراف بنابليون إمبراطورا على الفرنسيين، وكان ذلك تحت إملاء ~~الروسيا، وانسحب السفير الفرنسي وانقطعت العلاقات بين الدولتين زمنا، ولكن انتصار نابليون ~~في أوسترلتز قرب نهاية سنة 1805، وتمزيقه التأليب الأوروبي بإخراج النمسا من الحرب؛ غير ~~الموقف للدولة العثمانية ولمصر تغييرا كبيرا وواجه محمد علي بعد 1805 نتائج ذلك ~~التغيير. # فقد اتخذ نابليون ابتداء من سنة 1806 من الميدان العثماني الفسيح عنصرا هاما في خططه ~~السياسية والحربية وعمل على ما سماه: «إحياء ما لأراضي السلطان من أهمية حربية وسياسية»، ~~وسعى إلى بث روح التحمس في السلطان وحكومته ضد الروسيا، وأن يقنع السلطان بربط مصيره ~~بالإمبراطورية الفرنسية لإحياء مجد الدولة، وقد قبلت الدولة أن «تتحمس» ولكن بقدر وحساب؛ ~~بالقدر الذي يدفع عنها الضغط الروسي دون أن يربطها بالتنظيم النابليوني الأوروبي ربطا ~~محكما أو نهائيا. # ورأت الحكومة البريطانية - بإزاء ذلك - أن تضغط ms021 هي أيضا على الدولة العثمانية لتعاونها ~~على التخلص من النفوذ الفرنسي والبقاء داخل نطاق النفوذ الروسي ، واختارت إنجلترة القيام ~~«بمظاهرة بحرية» أمام العاصمة يتلوها احتلال عسكري لثغر الإسكندرية إن أخفقت المظاهرة في ~~حمل الدولة العثمانية على إبعاد السفير الفرنسي وقطع علاقاتها بفرنسا، وكانت حجة الإنجليز ~~أن رفض قطع العلاقات معناه الخضوع العثماني لفرنسا، وتكون إنجلترة إذن في حل من أن ~~تستولي على ما يهمها من أرض السلطان حذر وقوع الكل في أيدي الفرنسيين. # وأخفقت المظاهرة، واحتلت قوة إنجليزية ثغر الإسكندرية، سلمها للإنجليز دون قتال حاكمها ~~العثماني المستقل بها عن محمد علي، وعلى الرغم من أن تعليمات الحكومة الإنجليزية لقائدها في ~~الإسكندرية كانت تقضي بألا يحاول التوغل فيما وراءها، وبألا يتدخل فيما كان يجري بين ~~الأحزاب المختلفة في مصر، فإن القنصل الإنجليزي - وكان يود أن يكون احتلال الإسكندرية ~~ممهدا لاستقرار إنجلترة نهائيا في المناطق الساحلية المصرية - أقنع القائد بأن تموين ~~الإسكندرية بما يلزم أهلها من الماء والغذاء يستلزم احتلال رشيد وإنشاء مواصلات محمية بين ~~الثغرين؛ فحاول القائد ذلك مرتين ومني بهزيمتين قبيحتين على يد ألبانيي رشيد وأهلها، ~~ثم على يد القوات التي أرسلها محمد علي من القاهرة. # واستقر القائد في الإسكندرية إلى أن أمرته حكومته بالانسحاب منها بعد أن زالت البواعث ~~التي دعت إلى احتلالها بتغير الموقف في أوروبا تغيرا تاما؛ فخرجت الروسيا من الحرب ضد ~~فرنسا، ولم تكتف بذلك بل قامت بين نابليون والإسكندر معاهدة تحالف؛ هي معاهدة تلست ~~المشهورة، ولم تعد هناك أسباب تحمل الإنجليز على الضغط على الدولة العثمانية إرضاء ~~للروسيا، فسعت إنجلترة لتسوية علاقاتها بالدولة العثمانية؛ وقررت أن تعمل على المحافظة على ~~كيانها. # أما إذا تحقق ما ذاع من أن الإمبراطور والقيصر قد اتفقا على تقسيم الدولة العثمانية؛ فإن ~~إنجلترة في تلك الحالة تؤيد الحكومة الشرعية العثمانية في أي مكان تقوم فيه إذا اضطرت ~~لمغادرة العاصمة، وتنشئ من جهة أخرى علاقات تأييد ومعاونة مع الولاة العثمانيين في ~~ألبانيا وفي مصر مثلا لدفع الفرنسيين أو الروسيين عن ولاياتهم، ms022 وقد سارت الحكومة ~~الإنجليزية إلى حد ما على هذه الخطة في السنوات التالية لعقد معاهدة تلست فزاد اتصالها ~~المباشر بمحمد علي وخصوصا في أمر العلاقات التجارية، وفي أمر تطبيق قوانين الحرب البحرية ~~وما إلى ذلك، ولكنها حذرت أن تزيد على ذلك وذلك؛ لأن الشرط الأساسي لاتخاذ سياسة الاعتراف ~~بكيان خاص للوحدات العثمانية لم يتحقق؛ فإن معاهدة تلست لم يتبعها تقسيم الدولة العثمانية ~~بل - على العكس - تبعها شيء من التوازن مكن الدولة العثمانية من التماسك واجتياز فترة ~~الاضطراب النابليوني بسلام. # وذلك أن التحالف الروسي الفرنسي لم يكن في نظر الإسكندر ونابليون مقدمة لمشروعات سياسية ~~مبهمة كتقسيم العالم بين العاهلين وما إلى ذلك، بل كان على العكس وسيلة تحقيق أهداف عظيمة ~~حقا، ولكنها محددة تماما، فمن جهة نابليون: حرمان إنجلترة من حليفتها الأوروبية الكبرى ~~وإغلاق ما ينفذ منه الإنجليز إلى القارة، وإقامة الروسيا رقيبا على النمسا؛ لكي يفرغ ~~لإتمام إخضاع وتنظيم غربي أوروبا ووسطها. وثمن هذه الخدمات الروسية؟ أحب طبعا أن يكون ~~الثمن زهيدا ما استطاع، وأن يكون «كلاما» أكثر منه حقائق، ولكن كان لا بد من أن يدفع ~~شيئا ما، وأقصى ما فعل أن ترك للروسيين إمارتي البغدان والأفلاخ وأن أشار على الدولة ~~العثمانية - برفق فهمته تماما - أن تسلم للروسيا بملكها. # ومن جهة الإسكندر: وضع حد لمشروعات نابليون في بولونيا وفي العالم العثماني، وثمن هذه ~~الخدمات: الاكتفاء مؤقتا بملك الولايتين الدانوبيتين والتسليم لفرنسا بمنطقة نفوذ وقواعد ~~في الجزائر اليونانية وعلى الساحل الألباني، وراقب الحليفان أحدهما الآخر إلى أن حان وقت ~~إسدال الستار على هذا الفصل الممتع من تاريخ الرجلين، وأغار نابليون على الروسيا في سنة ~~1812 وكانت بداية النهاية. # أتاح هذا كله نوعا من التوازن - كما قدمنا - وهيأ لمحمد علي أول اختباراته ~~للسياسة الكبرى، وقد عرفها في طور خاص من التاريخ الأوروبي لا يمثل حياتها الطبيعية أو ~~العادية أصدق تمثيل، فكأنه رآها بعين الرجل يرى الآلات في مصنع من المصانع تدور دورانا ~~جنونيا والصناع يلهثون لحفظ سرعة الدوران على حالتها، أو ms023 كأنه رآها بعين الميكروسكوب ~~يكبر أجزاءها ويظهر كل ما دق من معالمها، وقد تأثر محمد علي بنظرته الأولى تلك طول ~~حياته وانتفع بها وخسر. # انتفع بها لأنه فهم سر الحركة وأنها تستطيع أن تغير كل شيء؛ هذه خريطة أوروبا، الظاهر ~~أن نابليون يستطيع أن يفعل بها ما يشاء، هذه عروش قديمة تزول كأن لم تغن بالأمس، وهذه ~~الإمبراطورية النابليونية نفسها زالت بعد حين، وانتفع أيضا لأن في مدى تلك السنوات الضيق ~~يتجمع الشيء الكثير من القواعد الأساسية في تشكيل العلاقات السياسية الكبرى: التفوق البحري ~~الإنجليزي، موقع الروسيا ومواردها، تسخير قوى الإنتاج وتنظيمها وتنسيقها لخدمة غايات ~~معنوية، بهرته الحركة تماما، وصادف ذلك هوى في نفس مشرئبة طموحة. # وخسر لأنه لم ير أن السكون هو أيضا لازم لتلك الحياة السياسية الكبرى وأنه أيضا ~~عامل فعال وأن في الحياة السياسية الكبرى ما يدفع نحو منع التغيير ونحو محاسبة من ~~يسببه. # ومهما يكن فإن وسائل محمد علي في السنوات الأولى لم تتح أكثر من فرص التطلع من ~~نافذته المصرية، حقيقة أن النظر ينفذ من النافذة المصرية لآفاق بعيدة جدا، ولكن الوسائل ~~إذ ذاك لا تسمح بأكثر من استطلاعها، وكان مما لا بد منه في أول الأمر أن يجمع تلك الوسائل ~~في يده على الأقل وأن يقيم بناء الحكومة الجديدة على أساس جديد. ~~••• # وكانت فكرته فيما يجب أن تكون عليه حكومة مصر واضحة له تمام الوضوح، أن مصر لا بد أن ~~تتولى أمورها سلطة عامة واحدة؛ فإن تجزئة السلطان وتشتيته السائدين قبل أيامه أديا إلى ~~انعدام فكرة الحكومة انعداما يكاد يكون تاما، فنتج عن ذلك تكوين العصابات الخاصة ~~المسلحة، ونتج عن ذلك إهمال العمال المرافق العامة إهمالا ذريعا، ونتج عن ذلك أن كل من ~~يستطيع وضع يده على أموال عامة يفعل ذلك دون تردد، بل نتج نوع من التفكير يعتبر أن ~~الحكومة ما هي إلا مشاركة ومقاسمة في «الأرزاق» وإن شئت قل: نهبا، وليس توضيح ذلك بعسير. ~~ومرجعنا في وصف هذا التشتيت والتجزئة رسالة حسين ms024 أفندي في ترتيب الديار المصرية، ومرجعنا في ~~وصف عقلية المشاركة والمقاسمة الجبرتي. # المثل الأول: ~~«سئل حسين أفندي : من أين كان إيراد الباشا ~~وعوائده؟ فأجابه المذكور: إن حضرة السلطان سليم رتب للباشا إيرادا وعوائد معلومة على ~~أصناف البهار في كل فرق بين أربعمائة فضة وعوائد على الأمراء والصناجق وقت تلبيسهم وعلى ~~كشاف الولايات وقت توليتهم، وعلى الجمارك مثل ديوان إسكندرية ورشيد ودمياط وبولاق ومصر ~~القديمة، وعوائد على أمين البحرين وأمين الخردة وعلى الضربخانة وعلى أرباب المناصب، وجعل له ~~حلوان بلاد الأموات، وربط عليها أموالا أميرية في كل سنة تدفع إلى ديوان السلطان وقدرها ~~خمسمائة وستة وخمسون كيسا مصريا. وأضاف إلى هذا أن الباشا يؤدي ميريا نظير عوائده في ~~مال البهار في كل فرق بن أربعمائة فضة وفي نظير الحلوان ... إلخ.» # اخترنا هذا المثل؛ لأنه يمثل فكرة الحكومة ونظامها في أمر عادي مألوف لنا تماما، أمر ~~مرتب الوظيفة، عندنا أمره بسيط للموظف مرتب محدد يتسلمه في مواعيد محددة وينتهي الأمر عند ~~ذلك، أما عندهم فالأمر معقد كل التعقيد ... هاك - في مثلنا الحاضر - باشا مصر وكيل السلطان ~~فيها وهو رأس الإدارة كلها، لمرتبه مصادر متعددة: عوائد على البن، وعوائد على الأمراء ~~والصناجق وقت تلبيسهم كسوة مناصبهم، وكذلك على الكشاف عند تعيينهم في الأقاليم وكذلك على ~~الجمارك وعلى بعض أصحاب المناصب وعلى دار الضرب وعندما يموت أحد الملتزمين فيصبح التزامه ~~«بلد أموات» يتقاضى باشا مصر لنفسه رسما خاصا على نقل الالتزام لورثة المتوفى، وهذا هو ~~الحلوان، ثم يأتي بعد ذلك الأمر الأغرب وهو أن الباشا لا يأخذ فحسب ... بل يؤدي من جانبه ~~للخزانة «ميريا» أو - كما يسمونه كشوفية - يؤدي مالا نظير تمتعه بالعوائد السابقة ~~الذكر. # معنى ذلك أن باشا مصر بدلا من أن ينصرف لإدارة شئون مصر يصرف وقته في التحصيل لنفسه ~~والمساومة والمحاسبة والتخادع والتحايل والتناهب مع «المستحقين الآخرين» في البن ~~والخردة والحلوانات وما إليها. ثم الباشا إيراده يزيد وينقص لظروف؛ منها ما هو فوق ~~استطاعته ومنها ما يستطيع أن يوجده. خذ حلوان ms025 بلاد الأموات مثلا؛ قد يفشو وباء فيكثر ~~الموت بين الملتزمين وتكثر بلاد الأموات ويكثر الحلوان، وقد لا يحدث شيء منه فتطول أعمارهم ~~وينكمش دخل الباشا السيئ الحظ، وكذلك أمر العوائد على تعيين الكشاف ألا يستتبع هذا أن ~~الباشا لا يكره - على الأقل - إخلاء وظائف الكشاف وملئها في فترات لا تطول كثيرا؟! ~~وهكذا. # وسئل حسين أفندي عن القاضي وخدمته، فأجاب ببيان اختصاصه وأن تحت يده قضاة نوابا عنه، ~~ولهم عوائد على الناس بحسب الوقائع والبيع والشراء وأن القاضي له عوائد على نوابه في ~~كل شهر، وهكذا. # وقس على ذلك سائر الموظفين العموميين كبارا وصغارا. # المثل الثاني: # ونقصد به توضيح ناحية أخرى من التشتيت؛ ~~نعرف أن القاعدة العمومية عندنا اليوم أن الحكومة لا تربط وجها معينا من المصروفات بوجه ~~معين من الإيرادات، أما عندهم فالعكس هو السائد - كما ترى فيما يلي: # سئل حسين أفندي عن مال الكوركجي الذي هو مضاف بالمال ما معناه: «فأجابه: إن مال الكوركجي ~~كان يقبض من البلاد خارجا عن الميري، ويصرف في أجرة المراكب وغيره ولنقل التراب من مصر ~~ويرمى في البحر المالح، وكان قدر مبلغه في كل سنة نحوا من ثمانية وعشرين كيسا مصريا، ~~واستمر ذلك الحال مدة سنين وهم ينقلون التراب من القاهرة وكانت نظيفة، ولم يكن فيها من ~~الوخم شيء، ومن بعد ذلك حصل تراخ وكسل وعدم التفات من الحكام، فصاروا يأكلون ذلك القدر في ~~كل سنة ولم يصرفوه، فبلغ ذلك إلى السلطان وحضر منه أمر إلى وكيله بإضافة ذلك المبلغ على ~~خزينته التي بقيت له في ذلك الوقت من الميري بعد المصاريف التي رتبها.» # وشرح ذلك أن مال الكركشي (من كلمة كورك التركية، وهي آلة الجرف) ضريبة فرضت على ~~الملتزمين وخصصت للإنفاق على إزالة الأتربة وما إليها من القاهرة، وعلى مرور الزمن بطل ~~إنفاق هذا المال فيما خصص له وأضيف إلى خزينة السلطان (والخزينة أو الخزنة - في ~~اصطلاحهم - هي مجموع المال الذي يبقى بعد أداء جميع المصروفات ويرسل للقسطنطينية)، وبقوا ~~يجمعون مال الكركشي من ms026 الناس وإن كان قد بطل إنفاقه فيما فرض من أجله، وهذا هو السر في ~~تراكم وتكون الكيمان التي كانت تحيط بالقاهرة واستمرت يؤذي غبارها وما ينبعث من رائحتها ~~أهل المدينة إلى أن أزالتها حكومة محمد علي. # المثل الثالث: # ونقصد به توضيح ناحية أخرى من التشتيت ~~والخلط، القاعدة عندنا أن مهمة الجنود الجندية، أما عندهم فالجندية ربما كانت أقل ما ~~شغل جنود الأوجاقات (الفرق) العثمانية، ولنخير وصف أوجاقين منها: سئل حسين أفندي عن ~~أوجاق جاوشان وخدمتهم وأنفارهم؛ فأجاب: إنهم من أرباب الديوان العمومي، ومنهم كتخدا جاوشان ~~وأمين الشون ومحتسب واختيارية، وخدمتهم أن يحضروا في كل ديوان لتحصيل الأموال الأميرية، ~~وكتخدا جاوشان عوائده على طرف حكام الولايات وعلى حلوان بلاد الأموات على كل كيس مصري ألف ~~فضة، وله عوائد على جانب الموجبات، وعوائد على طرف الباشا، وعليه ميري يدفعه إلى ديوان ~~السلطان في كل سنة وأمين الشون عوائده على غلال الميري، وعليه ميري يدفعه إلى ديوان ~~السلطان، والمحتسب عوائده على المسببين الذين لم يضبطوا الميزان، وعليه ميري يدفعه إلى ~~ديوان السلطان ... إلخ. # من هذا نفهم أن أهم ما شغل فرقة جاوشان كان تحصيل الأموال الأميرية عينا ونقدا، وأن ~~حسبة القاهرة كانت من اختصاصه أيضا، وعلينا أن نلاحظ أيضا ما لاحظناه من قبل عن موارد ~~إيراد كبار رجال الأوجاق وتنوعها وتعددها، فها هو كتخذا جاوشان شريك آخر للباشا في ~~حلوان بلاد الأموات، وها هو المحتسب رزقة مما يفرضه على المطففين، وهكذا. # وسئل حسين أفندي عن أوجاق الإنكشارية وخدمته، فأجاب: «إن الأوجاق المذكور أوجاق السلطان، ~~منهم الأغا حاكم مصر وسيفه مطلوق، ومنهم كتخدا الوقت وهو المتكلم بمصر، ومنهم سردار الحج ~~والخزنة والكواخي الاختيارية والجوربجية واليولداشات وهم مقيمون بالقلعة وهم تحت طلب ~~السلطان وعوائدهم مال الدواوين بعد الميري ومنهم الأوضباشية وعوائدهم على الخمامير، وعوائد ~~الأوجاق المذكور على طرف الميري من أصل موجبات العساكر وله أيضا عوائد على الباشا وعوائد ~~على الملاحة والسلاخانة ... إلخ»، ومنه نفهم أن بعض كبار أصحاب المناصب الإدارية كالكتخدا (وهو ~~يلي الباشا) ms027 ينتمون لهذا الأوجاق كما نفهم أيضا أن الكثير من شئون الأمن في القاهرة ومدن ~~الريف في أيدي رجال الأوجاق، ونلاحظ أيضا تنوع موارد الإيراد فمن رسوم الجمارك ~~«الدواوين» إلى الرسوم على الخمامير والملاحات. # ننتقل من هذه الصورة إلى صورة أخرى تتصل بها وتوضح «العقلية» التي تمت في تلك ~~البيئة. # ولم يكن بد من أن يكون أول ما عمل محمد علي لتجميع عناصر السلطان وجزئياته بعضها إلى ~~بعض وإقامة السلطة العامة التي لا بد لها من أن تكون في يدها كل الموارد حتى تستطيع أن تقوم ~~بواجبات السلطة العامة، كان لا بد من أن يكون أول ما عمل لتحقيق ذلك متسما بمظهر الاعتداء ~~على الحقوق المكتسبة، بمظهر الطمع في أيدي الناس، بمظهر «المخرب» للبيوت العامرة، القاطع ~~لأرزاق العباد، كان لا بد من أن يتسم العمل في أوله بهذه المظاهر، ولكنه كان في حقيقته غير ~~ذلك، كان وسيلة الخروج من الفوضى والفقر والضعف إلى النظام واليسر والقوة. # وإذا شئنا أن نجمل وصف مراحل إنشاء السلطة العامة مستخدمين لغة ذلك العصر قلنا: إن ~~المراحل الأولى كانت مراحل الضبط والكشف والتحقيق والتصفية وبخاصة في أمور الالتزامات ~~وإلغاء ما لا يستند منها إلى سند شرعي أو تحول إلى منفعة أشخاص أو هيئات. وفي تلك المراحل ~~الأولى أعيد منح بعض الالتزامات بشروط أصلح لولي الأمر، أما المراحل الثانية فكان فيها ~~الانتقال من الالتزام إلى الحجز، ثم يأتي بعد ذلك الدور الباهر دور تحويل الحجر إلى وسيلة ~~قوية للإنتاج الجديد، للثورة الاقتصادية المصرية، ونقتصر في موضعنا الحالي على وصف المراحل ~~الأولى مرجئين دور الإنتاج والخلق لموضع آخر أولى به. # وكان دور الضبط والكشف والتحقيق عنيفا شاقا مؤلما، هو إجراء قاس، ولكن لا بد منه، ~~كان قاسيا؛ لأنه أصاب «ذوي البيوت والمساتير من الناس»، ولكن كان لا بد منه؛ لأن الفساد ~~القديم أدى إلى فقر الجميع حكاما ومحكومين، وإلى وجود نوع من الحكومة لا تملك مالا ~~يمكنها من أن تنشئ قوة حربية مطيعة نافعة أو تطهر ترعة أو ms028 تصون جسرا. # خذ مثلا «الرزق»، وأصلها أراض مرصدة على البر والصدقة ولأهل المساجد والأسبلة والمكاتب ~~والخيرات، وتؤدي ضرائب قليلة جدا، ما الذي وجد محمد علي عند الفحص؟ وجد أن تلك الرزق ~~الإحباسية قد زادت مساحتها لدرجة أضعفت إيرادات الخزانة إضعافا، بينا كما وجد أن إنفاق ~~غلتها فيما رصدت له كاد ينعدم تماما، بل وضع الناس أيديهم عليها واستغلوها لمنفعتهم ~~تماما، ولننقل في هذا عن الجبرتي؛ فهو المتألم جد التألم من خطة قطع أرزاق الناس، قال: «إن ~~الواضعين أيديهم لا يدفعون لجهاتها ولا لمستحقيها إلا ما هو مرتب ومقرر من الزمن الأول ~~السابق، وهو شيء قليل، وليتهم لو دفعوه ... بل يضن ويبخل بدفع القدر اليسير لجهة وقفه ويكسر ~~السنة على السنة ... # والذي يكون تحت يده شيء من أطيان هذا الأوقاف وورثها من بعده ذريته فزرعوها وتقاسموها ~~معتقدين ملكيتها تلقوها بالإرث من مورثهم ولا يرون لأحد سواهم فيها حقا ولا يهون عليهم ~~دفع شيء لأربابه ولو قل إلا قهرا، وبالجملة ما أصاب الناس إلا ما كسبت أيديهم ولا جنوا إلا ~~ثمرات أعمالهم، وكان معظم إدارات دوائر عظماء النواحي وتوسعاتهم ومضايفهم من هذه الأرزاق ~~التي كانت تحت أيديهم بغير استحقاق، إلى أن سلط الله عليهم من استحوذ على جميع ذلك وسلب ~~منهم ما كانوا فيه من النعمة، وتشتتوا في النواحي وتغربوا عن أوطانهم وخربت ديارهم وذهبت ~~سيادتهم»، # وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس ~~منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا ~~. # وأضاف إلى ذلك واقعة لها دلالتها، قال: «وفي بعض الأرزاق من مات أربابه وخربت جهاته ونسي ~~أمره وبقي تحت يد من هو تحت يده من غير شيء أصلا، وقد أخبرني بنحو ذلك شمس الدين بن ~~حمودة، من مشايخ برما بالمنوفية، عندما أحضر إلى مصر في وقت هذا النظام أنه كان في حوزهم ~~ألف فدان لا علم للملتزم ولا غيره بها، وذلك خلاف ما بأيديهم من الرزق التي يزرعونها بالمال ~~اليسير وخلاف المرصد على مساجد بلادهم التي لم يبق لها أثر، وكذلك الأسبلة ms029 وغيرها ~~وأطيانهم تحت أيديهم من غير شيء، وخلاف فلاحتهم الظاهرة بالمال القليل لمصارف الحج؛ لأنها ~~كانت من جملة البلاد الموقوفة على مهمات أمير الحج وقد انتسخ ذلك كله.» # لنترك هذا ولننتقل لمفاسد ملتزمي الأرض ومشايخ القرى والجباة والأقباط، وننقل في هذا ~~أيضا عن الجبرتي المتألم من طريقة محمد علي كل التألم: «كان الفلاحون مع الملتزمين أذل ~~من العبد المشترى فربما أن العبد يهرب من سيده إذا كلفه فوق طاقته أو أهانه بالضرب، وأما ~~الفلاح فلا يمكنه ... وكان من طرائفهم أنه إذا آن وقت الحصاد والتخضير طلب الملتزم أو ~~قائمقامه الفلاحين، فمن تخلف لعذر أحضره الغفير أو المشد وسحبه من شنبه وأشبعه سبا ~~وشتما وضربا، وهو المسمى عندهم بالعونة والسخرة ... وهذا خلاف ما يلقونه من الإذلال والتحكم ~~من مشايخهم والشاهد والنصراني الصراف وهو العمدة والعهدة، خصوصا عند قبض المال فيغالطهم ~~ويناكرهم وهم له أطوع من أستاذهم وأمره نافذ فيهم فيأمر القائمقام بحبس من شاء أو ضربه؛ ~~محتجا عليهم ببواق لا يدفعها، وإذا غلق أحدهم ما عليه من المال الذي وجب عليه في قائمة ~~المصروف وطلب من المعلم ورده وهي ورقة الغلاق وعده ولوقت آخر حتى يحرر حسابه، فلا يقدر ~~الفلاح على مراددته خوفا منه، فإذا سأله من بعد ذلك قال: له بقي عليك حبتان من فدان أو ~~خروبتان أو نحو ذلك ولا يعطيه الغلاق حتى يستوفي منه قدر المال أو يصانعه بالهدية ~~والرشوة. # وغير ذلك أمور وأحكام خارجة عن إدراك البهيمية فضلا عن البشرية، كالشكاوى ونحوها؛ ~~وذلك كما إذا تشاجر أحدهم مع آخر على أمر جزئي بادر أحدهم بالحضور إلى الملتزم وتمثل بين ~~يديه قائلا: أشكو إليك فلانا بمائة ريال، فبمجرد قوله ذلك يأمر بكتابة ورقة إلى قائمقام ~~أو المشايخ بإحضار ذلك الرجل المشتكى واستخلاص القدر الذي ذكره الشاكي قليلا أو كثيرا أو ~~حبسه وضربه حتى يدفع ذلك القدر ...» # وأضاف الجبرتي إلى ذلك ملاحظة لا ندهش لها: أن ذلك الفساد أنزل الفلاحين من تفكير ~~الآدميين إلى تفكير آخر فأصبحوا - كما قال ms030 - «إذا التزم بهم ذو رحمة ازدروه في أعينهم ~~واستهانوا به وبخدمه، وماطلوه في الخراج، وسموه بأسماء النساء ، وتمنوا زوال التزامه بهم ~~وولاية غيره من الجبارين الذين لا يخافون ربهم ولا يرحمونهم؛ لينالوا بذلك أغراضهم بوصول ~~الأذى لبعضهم. وكذلك أشياخهم إذا لم يكن الملتزم ظالما لا يتمكنون هم أيضا من ظلم ~~فلاحيهم؛ لأنهم لم يحصل لهم رواج إلا بطلب الملتزم الزيادة والمغارم، فيأخذون لأنفسهم في ~~ضمنها ما أحبوا، وربما وزعوا خراج أطيانهم وزراعاتهم على الفلاحين» ثم ختم كلامه: «وقد انخرم ~~هذا الترتيب بما حدث في هذه الدولة من قياس الأراضي والفدن.» # ولننتقل إلى ناحية أخرى من نواحي خطة الكشف والضبط والتحقيق، وفي هذا ننقل أيضا عن ~~الجبرتي الناقم على طريقة محمد علي، قال: «إن ديوان المكس ببولاق الذي يعبرون عنه بالكمرك ~~لم يزل يتزايد فيه المتزايدون حتى أوصلوه إلى ألف وخمسمائة كيس في السنة وكان في زمن ~~المصريين، أي في زمن الأمراء، يؤدي من يلتزمه ثلاثين كيسا مع محاباة الكثير من الناس ~~والعفو عن كثير من البضائع لمن ينسب إلى الأمراء وأصحاب الوجاهة من أهل العلم وغيرهم، فلا ~~يتعرضون له ولو تحامى في بعض أتباعهم ولو بالكذب ويعاملون غيرهم بالرفق مع التجاوز الكثير ~~ولا ينبشون المتاع ولا رباط الشيء المحزوم بل على الصندوق أو المحزوم قدر يسير معلوم، فلما ~~ارتفع أمره إلى هذه المقادير صاروا لا يعنون من شيء مطلقا ولا يسامحون أحدا ولو كان ~~عظيما من العلماء أو من غيرهم، وكان من عادة التجارة إذا بعثوا إلى شركائهم محزونا من ~~الأقمشة الرخيصة مثل العاتكي والنابلسي جعلوا بداخل طيها أشياء من الأقمشة الغالية في الثمن ~~مثل المقصبات الحلبي والكشميري والهندي، ونحو ذلك، فتندرج معها في قلة الكمرك وفي هذا ~~الأوان يحلون رباط المحزوم ويفتحون الصناديق وينبشون المتاع ويهتكون ستره ... إلخ.» ~~••• # وقد آن وضع حد لهذا العبث كله واشتد محمد علي في خطة الضبط والكشف والتحقيق بقدر حاجته ~~الشديدة للموارد المالية؛ لمواجهة طلبات الجند الألباني المستمرة المتزايدة ولشراء تأييد ~~رجال الدولة له ms031 وإبقائه في منصبه ولتنفيذ خطته لحل مشكلة الأمراء، وكانت تقوم على جملم على ~~الاستقرار في القاهرة والجيزة في عيش هنيء، وكان من وسائله لزيادة الموارد بعض الاحتكارات ~~الصناعية والقيام بعمليات تجارية في نطاق واسع. # أما الاحتكارات الصناعية فأمرها في أول الأمر مالي صرف، وهي في هذا لا تخرج عن ~~الاحتكارات التي عرفتها مصر في كل أدوار تاريخها تقريبا، ولكنها ستنقلب على يد محمد علي ~~لأمر آخر لم تعرفه مصر قبله - ستنقلب أساسا لنهضة صناعية وسياسية اقتصادية جديدة تماما - ~~وأما العمليات التجارية فترجع إلى أن السنوات 1809 و1810 و1811 كانت سنوات قحط في بلاد ~~البحر المتوسط، ولما كان للإنجليز جيوش في شبه جزيرة أيبريا ومالطة وصقلية والجزائر ~~اليونانية؛ فقد اتجهوا نحو مصر لتموين الجيوش وأهل تلك البلاد، ووجدوا أن محمد علي يملك ~~مقادير كبيرة من الحبوب؛ وذلك أن ضرائب الصعيد كانت تجبى غلالا، وأنه وحده يستطيع أن يجمع ~~بالشراء مقادير كبيرة من المنتجين وأنه على استعداد لأن يبيعها بالثمن الملائم، فتمت ~~الصفقات. # ووجه الأهمية في هذا الموضوع ما ظهر لمحمد علي من فوائد توسيع نطاق التجارة الخارجية ~~بعد أن تضاءل شأنها في الاقتصاد المصري كل التضاؤل، فقرر أن يتخذ من هذا قاعدة أخرى ~~لسياسته الاقتصادية. # والوجه الثاني لأهمية هذا الأمر هو تولي ولي الأمر بنفسه شئون التجارة الخارجية، وهو في ~~نظرنا ثانوي بالنسبة للوجه الأول اقتضته ظروف خاصة؛ أهمها أن مصر إذ ذاك - بما في ذلك ~~البيوت التجارية الأوروبية في مصر - لم تملك شيئا من أدوات تمويل وتنظيم تجارة خارجية ~~واسعة النطاق، ولا يرجع ذلك بالمرة لميل غريزي أو مكتسب في نفس محمد علي للتجارة وما ~~إليها، بل يرجع لضرورات الموقف التي دامت تقريبا طول مدته. # وقد مكنته هذه الموارد من مواجهة موقفه الصعب إلا أنها زادت في وحدته وانعزاله، ينظر ~~حوله في تلك الأيام فلا يجد من يستطيع إشراكه معه في أمانيه ومشروعاته، فضلاء العلماء من ~~زمن قديم يميلون للابتعاد عن مسائل الحياة العامة، وهم بعد آسفون على انهيار عالم ms032 نشئوا ~~فيه، المنصف منهم يعرف عيوب ذلك العالم القديم كل المعرفة ولكنه لا يعرف بعد ما هو سائر ~~إليه، فإن قلت له: لم لا تتقدم وتساهم في البناء الجديد، أجاب: وهل هذا من شأني، إني رجل ~~علم ودين وللدنيا رجالها. # يمثل ذلك الجبرتي أصدق تمثيل؛ الرجل أمين ودقيق الفهم ومنصف، يعترف حتى للفرنسيين ~~بمحاسنهم ولكنه حزين وناقم؛ حزين على زوال ما ألف، وناقم على ارتفاع أناس وانخفاض آخرين، ~~يؤلمه خمول الفضلاء وتقدم من لا خلاق لهم، ولكن - نسأل - ماذا فعل؟ وماذا حاول، وهو ~~أول من سجل حتى على إخوانه العلماء نواحي الضعف فيهم وفي عصرهم؟ ألا يستطيع أن يرى - ~~وهو الطلعة المهتم بما يجري حوله - أن محمد علي حقيقة جمع في يديه كل شيء ولكنه أيضا أخذ ~~يضطلع بكل شيء، بضبط الأمن والأعمال العامة والصناعة والتجارة والتعليم؟ نعم، رآه تماما ~~فكتب عندما أتم محمد على إصلاح السد الأعظم الممتد من الإسكندرية، وقد كان اتسع أمره وتخرب ~~من مدة سنين وزحف منه البحر المالح وأتلف أراضي كثيرة وخربت منه قرى ومزارع وتعطلت بسببه ~~الطرق والمسالك وعجزت الدولة في أمره ولم يزل يتزايد في التهور وزحف المياه المالحة على ~~الأراضي حتى وصلت إلى خليج الأشرفية التي يمتلئ منها صهاريج الإسكندرية، عندما أتم محمد علي ~~إصلاح ما عجزت عنه الدول السابقة حتى تممه؛ كتب الجبرتي: «وكان له - أي لمحمد علي - مندوحة ~~لم تكن لغيره من ملوك هذه الأزمان، فلو وفقه الله لشيء من العدالة على ما فيه من العزم ~~والرياسة والشهامة والتدبير والمطاولة لكان أعجوبة زمانه وفريد أوانه.» # شيء من العدالة! هي في نظره عدم مس الحقوق المكتسبة على ما قامت عليه من غصب وتبديد ~~وإسفاف وعبث رأينا شيئا منه في كلام الجبرتي نفسه، ولكن شاء الجبرتي أن يزداد انعزالا وأن ~~يقف موقف الآسف الحزين نافثا مرارة فؤاده في قلمه، وابتلي في آخر أيامه بفقد ابنه ~~قتيلا، فبكاه حتى فقد بصره ومات تاركا صغارا كفلهم صديقه حسن العطار ونالوا شيئا من ~~نعمة محمد ms033 علي. # وحديث هذا الرجل الفاضل غير حديث الكثير من أقرانه وزملائه من أهل العلم، إن خلافهم مع ~~محمد علي غير خلافه، وإن ابتعاد محمد علي عنهم غير ابتعاده عن أمثال الجبرتي، إنهم لم ~~يكرهوا عمل التحقيق والفحص والضبط الذي قام به لذاته، إنما كرهوا أن يكون ذلك معهم أو - على ~~الأقل - توهموا أن العمل ما هو إلا تكرار لاغتصابات الماضي لا بأس به إن شاركوا فيه، فلما ~~اكتشفوا أنه ليس مقدمة مقاسمة جديدة بل هو بناء السلطة العامة تتولى الجمع لتتولى الإنفاق ~~على المصالح العامة؛ نفروا واحتجوا، فلم يأبه محمد علي لنفورهم واحتجاجهم علما منه بما ~~وراء ذلك النفور وذلك الاحتجاج، وسهل عليه فض الإجماع بشيء من الإخافة هنا وهناك وبشيء من ~~فضلات الأرزاق هنا وهناك. # قال الجبرتي يصف تلك الحالة: «إن محمد علي عندما فرض فرضه المختلفة جعل ذلك عاما على ~~جميع الالتزامات والحصص التي بأيدي جميع الناس حتى أكابر العسكر وأصاغرهم ما عدا البلاد ~~والحصص التي للمشايخ خارجة عن ذلك ولا يؤخذ منها نصف ألفاظ ولا ثلثه ولا ربعه، وكذلك من ~~ينتسب إليهم أو يحتمي فيهم»، وماذا كانت النتيجة؟ كانت النتيجة أنهم «أخذوا يأخذون الجعلات ~~والهدايا من أصحابها ومن فلاحيهم تحت حمايتها ونظير صيانتها واغتروا بذلك واعتقدوا ~~دوامه وأكثروا من شراء الحصص من أصحابها المحتاجين بدون القيمة»، أرأيت ~~النتيجة؟ # وبعد ... أيلام محمد علي على إلغاء ذلك الإعفاء الذي أسيء استعماله؟ أنلومه أن لم ير ~~فيهم إلا «رجال أعمال» لا رجال علم؟ وهذا الجبرتي يقول: «إنهم هجروا مذاكرة المسائل ~~ومدارسة العلم إلا بمقدار حفظ الناموس مع ترك العمل بالكلية، وصار بيت أحدهم مثل بيت أحد ~~الأمراء الأقدمين، واتخذوا الخدم والمقدمين والأعوان، وأجروا الحبس والتعزير والضرب بالفلقة ~~والكرابيج، واستخدموا كتبة الأقباط وقطاع الجرائم في الإرساليات للبلاد، وقدروا حق طرق ~~لأتباعهم، وصارت لهم استعجالات وتحذيرات وإنذارات عن تأخر المطلوب مع عدم سماع شكاوى ~~الفلاحين ومخاصمتهم القديمة مع بعضهم بموجبات التحاسد والكراهية المجبولة والمركوزة في ~~طباعهم الخبيثة، وانقلب الوضع فيهم بضده، وصار ms034 ديدنهم واجتماعهم ذكر الأمور الدنيوية والحصص ~~والالتزام وحساب الميري والفائض والمضاف والرماية والمراسلات والمرافقات والتشكي والتناجي ~~مع الأقباط ...» إلى آخر ما قال. # أناس هذه حالهم لا يعطفون على الملك الجديد ولا يفهمونه، وكان لا بد من أن يمضي زمن ~~قبل أن يكون محمد علي جيلا آخر، وأن يظهر أمثال رفاعة يفهمون النظام الجديد ويعملون في ~~ظله ويسبكون قواعده وطرائقه وأهدافه في القالب النظري الفلسفي. ~~••• # تغلب محمد علي على أصحاب الحقوق المكتسبة، ولكن التغلب التام على العشائر الألبانية ~~وزعمائها لم يكن ميسورا بلا قوة حربية نظامية تحت أمره، ولا يستطاع خلق مثل هذه القوة في ~~يوم وليلة، فاستخدم لكبح جماح العشائر الألبانية وزعمائها كل ما أوتي من سحر الشخصية ومن ~~مقدرة على دفع بعض الأغاوات بالبعض الآخر وكل ما بيده من موارد المال، ولم ينجح في ذلك إلا ~~نجاحا محدودا، فاستمر الألبانيون في نهبهم وتمردهم وتقاتلهم وفتنهم. # وأسوأ من ذلك أن زعماءهم هم الذين دبروا الغدر بالأمراء المصريين فلطخوا يديه - وهو الرجل ~~الذي يمقت المذابح ويستنكر الوحشية والقوة في كل مظاهرها - بدمائهم في مذبحة القلعة في ~~سنة 1811، ولما كان محمد علي أكبر من أن يحمل غيره مسئولية عمل تم بموافقته فقد التزم ~~السكوت ولم يشر إلى أصل الغدر وحقيقته، إن ذلك الغدر كان الشرط الأساسي لقبول الزعماء ~~الألبانيين السفر لمحاربة الوهابيين في بلاد العرب، فقد كانوا على وجلهم القديم من الأمراء، ~~وكانوا لا يستطيعون الابتعاد عن القاهرة وقد أسسوا فيها البيوت واقتنوا ما اقتنوه تاركين ~~منهوباتهم وحريمهم تحت رحمة الأمراء، ولما كانوا أعجز عن محاربة الأمراء في الميدان فقد ~~ارتئوا الغدر والمكيدة - وهما عنصران أساسيان في نوع حربهم - وألزموا محمد علي بالموافقة، ~~ونقول: إنه لو كان نصيب محمد علي في هذه الواقعة نصيب الآمر المنظم لما تم التنفيذ ~~بالدقة التي تم بها. # إن عدم إفشاء سر المكيدة وحده - مع اشتراك عدد كبير في التدبير - يدل على أن المنظمين ~~كانوا ينفذون تدبيرهم هم، وأن نصيب محمد علي لم يكن إلا الإذعان لما ms035 يأباه طبعه ويخالف ما ~~جرى عليه حتى 1811 في حل مشكلة الأمراء. # انتهت بهذا الفصل الدموي السنوات الأولى من حكومة محمد علي، وهي سنوات كفاح وعنف وهدم ~~وتبديل وتعديل، وهي سنوات لم يحبها هو وفي بعض وقائعها لا نحبها له. # وعندما زاره - فيما بعد - الأمير بكلر مسكاو ولاحظ أن وقائع تاريخه الأولى ليست معروفة ~~تماما قال له محمد علي: «أنا لا أحب تلك الفترة من حياتي، إن تاريخي الحقيقي يبدأ عندما ~~فككت قيودي وأخذت أوقظ هذه الأمة من سبات الدهور.» # | الفصل الخامس # اختلفت المشكلات التي واجهت أعلام الإسلام، سواء أكانوا من رجال الفكر أو من رجال العمل، ~~باختلاف عصورهم وبيئاتهم، باختلاف أزمنتهم وأمكنتهم، كما اختلفت المشكلات أيضا باختلافها ~~في الخطورة أو في التعقيد، في كونها إسلامية عمومية أو إسلامية خصوصية، وكانت المشكلة التي ~~واجهها محمد علي من أعظم ما واجه أي علم من هؤلاء الأعلام؛ تطلبت منه البت في أمور ~~خطيرة: على أي القواعد يقيم مجتمعه، أعلى القواعد القديمة التقليدية أم على القواعد ~~التي يشير تقدم المجتمع الغربي وقوته باتخاذها؟ وبأي مقياس يقيس عند الاختيار بين الأمرين؟ ~~أبمجرد المنفعة البحتة؟ أو بملاحظة القرب أو البعد عن التفكير الإسلامي الجديد أو القديم؟ ~~إنا نعلم أن الحلال بين والحرام بين، قاعدة عملية جيدة، ولكنها لا تحل كل مشكلة التمييز ~~بين أنواع الحلال، كما أن المشكلة تطلبت منه أن يبت في تحديد خطته نحو مكان أهل الذمة في ~~مجتمعه هذا وفي تحديد علاقته بالمعاهدين. # وأخيرا: كان لا بد من أن يصل إلى البت في أمر آخر: أي مكان يشغل في العالم ~~العثماني؟ # ولنبدأ بحثنا من آخر ما وصلنا إليه، ولنثبت ما نراه فيه بلا لبس: إن محمد علي بدأ وعاش ~~وانتهى عثمانيا مسلما وإن مهمته - كما حددها من أول الأمر إلى آخره - كانت إحياء القوة ~~العثمانية في ثوب جديد، وهو في موقفه هذا شبيه كل الشبه بصلاح الدين وأمثاله من الأعلام ~~الذين حاولوا أن يحيوا قسما أو عالما من الأقسام أو العوالم التي ms036 تتكون منها دار ~~الإسلام، ولكنه يختلف عنه وعنهم في أمر مهم؛ هم قاموا بالإحياء أو حاولوه لغرض غير ~~غرضه، كان غرضهم مواصلة الجهاد ضد دار الحرب، أما هو فقد تلاشت عنده فكرة دار الحرب هذه، ~~ورمى إلى أن يجد مكانا لعالمه العثماني الحي في الدنيا الجديدة التي خلقها الانقلاب ~~الاقتصادي، فوصل بين أجزائها وصيرها وحدة حقيقية على الرغم من المنافسات القومية. # لقد مرت علاقات محمد علي بالحكومة المركزية في العالم العثماني في أدوار متباينة ولا ~~يهمنا الآن بيان تلك الأدوار، ولكن يهمنا الآن أن نقول: إن تباين أدوارها لا يضعف شيئا مما ~~ذهبنا إليه من سعيه المتواصل لأن يحيي بيديه القوة العثمانية، ولم يهتم في دور ما من أدوار ~~حياته بما يجب أن يكون عليه مركزه الرسمي، أيكون سلطان الدولة أو وصيا أو قيما أو ~~وكيلا؟ لا؟ لم يهتم إلا بشيء واحد؛ أيستطيع أن يقوم بعمله أو لا يستطيع؟ ولم يطالب إلا ~~بشيء واحد: أن يتمكن من تحقيق غرضه دون اهتمام بالألقاب والمظاهر. # وللمصري أن يسأل: وما قدر مصر في تفكيره وغاياته؟ والجواب على ذلك: أن قدرها في عينه ~~عظيم عظم المشروع كله، هي القلب من الجسم الحي الذي يروم أن يرى، وأبناؤها أعوانه في ~~البناء الكبير، نالت من حبه ونالوا من حبه القدر الأكبر وواصل العمل آناء الليل وأطراف ~~النهار في تفهم حاجاتها وتلبية نداء تاريخها ومقتضيات موقعها، ولكنه رفض أن يتخذ منها ~~عالما صغيرا ضيقا محدود الآفاق ضعيف الآمال، كما رفض أن يكون معول الهدم في العالم ~~العثماني حتى ولو كان الهدم اسمه الاستقلال والباعث المحرك له اسمه العصبية القومية. وكان ~~خير من يعلم أن انفصام الوحدة العثمانية معناه تشتت قوتها وأجزائها ووقوع الأجزاء جزءا ~~جزءا في حكم الدول الغربية، وكان التعصب بكل أشكاله أكره الأشياء إليه. # وقد حدد محمد علي ميدان عمله بالعالم العثماني ولم يلق نظرة إلى ما وراء ذلك ~~العالم من دار الإسلام إلا في حدود العاطفة وما يقتضيه وقوع الحرمين في نطاق حكمه من ms037 تيسير ~~أداء فريضة الحج وإدرار الخير على فقراء المسلمين، وأمره في هذا أمر أعلام الإسلام كلهم منذ ~~القرن الأول تقريبا، قبلوا الواقع وعملوا في حدوده، ومن يدري ما كان يحدث لو امتد الزمن ~~لمحمد علي لتحقيق إحياء العالم العثماني على الوجه الذي تصوره؟ إننا نستطيع أن نوقن على ~~الأقل بأن ذلك العقل المتوقد والنفس التي تأبى إلا الكرامة كان لا بد لها عندئذ من تدبير ~~الوسائل لخدمة الإسلام والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها لا على أساس وحدة الملك - فقد ~~أصبح مستحيلا - ولكن على الأساس الذي أجاد الأستاذ الشيخ عبده في إجماله: «أن يكون سلطانهم ~~جميعا القرآن ووجهة وحدتهم الدين، وكل ذي ملك على ملكه، يسعى بجهده لحفظ الآخر ما استطاع؛ ~~فإن حياته بحياته وبقاءه ببقائه»، هذا قول الحق فيما ذاع عن مشروعات إحياء الخلافة وما ~~يتصل بها، نجمله الآن لنعود إليه تفصيلا في موضع التفصيل. # أما الحديث في وسائل إحياء العالم العثماني فهو في حيز آخر؛ حيز المتجسم البارز الواضح ~~المعالم، أجملنا تصوير هذه الوسائل عندما قلنا: إنها اصطناع قوة الحديد والعلم والمال، يتخذ ~~منها ما ينشئ به قاعدة الارتكاز - كما نسمع في هذه الأيام - في مصر وما يتصل بها من المناطق ~~المكملة أو اللازمة لحياتها أو المناطق المجاورة، ومن هذه القاعدة يكون التأثير فيما ليس ~~تحت يده من أراضي العالم العثماني، كما يكون التأثير في خطط الحكومة السلطانية المركزية نحو ~~الإصلاح والتقدم، نحو العزة والاستقلال، نحو المساهمة والمشاركة في حوادث العالم وحركاته ~~بالأخذ والعطاء والتبادل، ويتيح بذلك لأمم العالم العثماني أساسا لاتحادهم فيه، ويجعل من ~~ذلك العالم مجتمعا يستطيع أن يحيا فيه العربي والتركي واليوناني والصقلبي حياة العمل ~~والكرامة وأن يجد فيه المسلم وغير المسلم النطاق الذي لا يمنع اختلاف الدين من العمل فيه ~~والتعاون فيه لمنفعة الجميع. # وبعد، فما الذي دفع الرجل نحو تلك الغايات التي أضنى في كسبها بدنه وعقله؟ وثكل في سبيلها ~~ابنين في مقتبل الشباب والكثير ممن كانوا في حكم أبنائه؟ قال رفاعة «مفلسف» النهضة ms038 المحمدية ~~العلوية: # كان محمد علي سليم القلب، صادق اللهجة، أمينا في تصرفه، حكيما في أعماله، ~~كريما إلى الغاية، حريصا على عمار البلاد، وفيا في معاشرته، حريصا على ود ~~عشيرته وجنوده ورعيته، متحببا إليهم، وإن كان في بعض المواطن سريع الغضب، فقد كان ~~قريب الرضا، حليف الحلم، صفوحا عن الجاني، مقداما على اقتحام الأهوال، صبورا على ~~الشدائد، شديد الحرص على شرف ناموسه، قوي الفطنة، سريع الإدراك، يجول فكره في ~~الأمور البعيدة، بصيرا في الحساب الهوائي العقلي، عجيب البديهة، غريب الروية، ~~تعلم القراءة والكتابة في أقرب وقت وعمره خمس وأربعون سنة إذ ذاك؛ جبرا لما فاته ~~في زمن الصغر وتداركا لما يزيد في مجده في زمن الكبر، فرغب في مطالعة التواريخ ~~ولا سيما تواريخ الفاتحين كتاريخ إسكندر وبطرس ونابليون، مع المواظبة على الاطلاع ~~على الكازيتات (الصحف) الإفرنجية. # وكان صاحب فراسة؛ إذا تكلم أحد أمامه بلغة أجنبية فهم من النظر إلى حركته ~~وإشارته مقصده، يستشير العقلاء والعلماء في جل أموره، وكان نشيطا يحب الحركة ~~ويكره الكسل والبطالة، قليل النوم، سريع اليقظة، يستيقظ غالبا عند الفجر يسمع ~~بنفسه العرضحالات التي تعرض له يوميا عند الصباح ويعطي عنها جوابا ثم يذهب ~~لمناظرة العمارات الأميرية التي كان مغرما بها. # وكان متدينا إلى حد الاعتدال بدون حمية عصبية ولا تشديد، فكان يغتفر لأهل ~~الملل والدول في بلاده التمسك بعقائدهم وعوائدهم مما أباحته الشريعة المطهرة، ~~وهو أول من أعطى للعيسويين الداخلين في الخدمات الأميرية لمنافعهم الاقتضائية مزايا ~~المراتب المدنية، وكان يؤثر الفعل على القول، بمعنى أنه إذا أراد ترتيب لائحة ~~فيها منفعة للأمة شرع فيها بقصد التجريب وأجراها شيئا فشيئا على طريق الإصلاح ~~والتهذيب، فإذا سلكت في الرعية وصارت قابلة لعوامل المفعلولية كساها ثوب الترتيب ~~والانتظام وأخرجها من القوة إلى الفعل في ضمن قانون الأصول والأحكام؛ لما أنه كان ~~يقال: أحسن المقال ما صدق بحسن الفعال. # وكان مولعا ببناء العمائر وإنشاء الأغراس وتمهيد الطرق وإصلاح المزارع وإتقان ~~الصنائع والأعمال، يرغب في توسيع دائرة التجارة ويستميل عقول الأهالي ليجذبهم ms039 إلى ~~ما فيه كسب البراعة والمهارة ... كالملتقط لليتيم المفارق أبويه لينقذه من التهلكة ... ~~وما حصل له في الاستيلاء على مصر من التسخير والتيسير يدل على حسن النية وصفاء ~~الطوية، فكأنما أرشده إلى بلوغ هذه المنزلة مصداق حديث: «اعملوا فكل ميسر ~~لما خلق له»؛ فكان دأبه في العناية بشئون تقديم مصر الإخلاص وحسن النية، فأعماله ~~صارت على ذلك مبنية، وقد خلصت نيته فهبت صوبه نسمات القبول وأصاب بشرف النفس ~~وعلو الهمة وإخلاص العمل وإدراك المأمول. # ولنستخرج من كلام رفاعة هذه الأصول، ربما كان أساس صفاته جميعا ما عبر عنه رفاعة بقوله: ~~«شدة الحرص على شرف ناموسه»، فهي الصفة التي أبت له إلا المجد والترفع عن الدنايا ~~والانصراف إلى عظائم الأمور، وجعلته وفيا صفوحا صادق اللهجة أمينا، كما جعلته ~~مقداما صبورا محبا للحركة كارها للكسل والبطالة، أما أظهر صفاته العقلية فما عبر عنه ~~في قوله: «قوة الفطنة وسرعة الإدراك.» # كره محمد علي الإسراف والتبديد والإهمال كرها بلغ منه أن اعتبرها بمثابة الكفر بنعمة ~~الله. # قال في منشور له من تلك المنشورات الممتعة التي يعبر بها عن كل ما يجول في نفسه: «إن ~~نيلنا لوطن عديم النظير كهذا هو من النعم الجسيمة، وعدم القيام بالسعي والاجتهاد في ~~عمارتها يكون عين الكفران بالنعمة، وهذا ما لا تقبله شيم جبلتي وتأبى نفسي أن أكون شريكا ~~لكم في ذلك»، ولعلك قد لحظت إطلاق الوصف «الخيري أو الخيرية» على الكثير من منشآته، فقد رام ~~بها الخير بمعنى أوسع جرى به الاستعمال، ويكاد يرتفع في نظره بناء القنطرة أو صيانة الجسر ~~من «الأعمال العامة» أو «الأشغال» إلى مرتبة العبادة والاعتراف بأنعم الخالق - عز وجل - ~~وندرك بهذا سر ما لاحظه رفاعة من «أن منافع مصر العمومية قد تمكنت كل التمكن في الذات ~~المحمدية العلوية وتسلطنت على قلبه وأخذت بمجامع لبه»، وأنه عمل تماما بما روي عن النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «من لم يحمل هم المسلمين فليس منهم.» # وقد اهتم - في ذلك العصر - سلاطين الدولة العثمانية بدولتهم: سليم ومحمود ms040 وعبد المجيد، ~~ولكن على أي أساس؟ أعلى الأساس المحمدي العلوي اصطناع قوة الحديد والمال والعلم؟ لم ~~يحاولوا إلا اصطناع قوة الحديد : إنشاء القوة العسكرية المدربة على النمط الأوروبي وإقامة ~~الحكم المطلق بسحق عوامل الانفصال، أما تنمية الموارد فسبيلها خطة منح الماليين الأجانب ~~هذا الامتياز وذلك، باستغلال منجم أو إدارة مرفأ أو سكة حديدية أو بريد، وهذه أغلال ~~يغل بها السلاطين أيديهم وأيدي رعاياهم. # وبالجملة لم يجد السلاطين حلا لمشكلة دولتهم الأساسية، وهي - كما قدمنا - تحويلها إلى ~~مجتمع تتضافر فيه الأمم على تحقيق غايات مشتركة وتتعاون - حرة مختارة راغبة - على البأساء ~~والنعماء، وهذا يفسر موقف السلاطين من خطة محمد علي: استغلال الرجل ما أمكن والكيد له ما ~~أمكن ثم المحاولة الصريحة لسحقه، ولم يتم لهم سحقه، ولكن تم لهم إفساد مشروعه، وسارت الدولة ~~نحو ما قدره لها محمد علي: الانحلال التام، وتفرقت كلمة هذا العالم العثماني إلى ما نراه ~~اليوم. # وفي جزيرة العرب - في ذلك العصر - وفي أنحاء أخرى منعزلة من دار الإسلام كانت حركات أخرى ~~إسلامية لها شأنها وخطرها، كالوهابية وما انبعث عنها من الجداول التي انسابت في أقطار ~~قديمة وأقطار جديدة من دار الإسلام. وكانت غايتها الكبرى إحياء الحياة السلفية، والغاية ~~لها قدرها، وكل مجتمع جدير بهذا الاسم لا يستغني عما يدفعه نحو السلف كما أنه لا يستطيع ~~أن يبقى إذا اعتبر نفسه في حرب دائمة ضد حاضره وضد مستقبله، وقد احترم محمد علي، بل ~~واستخدم، الجماعات الدينية التي أخذت تتكون وتنشط في وقت بعث الوهابية في نشر الإسلام ~~وتهذيب حياة الشعب وترقيتها في الأقطار السودانية. ولكن الوهابية وخططها في عصره كانت مما ~~لا يحتمل، وما جرى من نهب مزارات الشيعة بالعراق والروضة النبوية بالمدينة والاعتداء على ~~الآمنين في الجزيرة وفي العراق والشام وفي البحار العربية؛ مما لا يمكن التجاوز عنه، فلا ~~مناص من الحرب. # وإن شئت مثالا يوضح لك ذلك «الضيق» الذي لا يطاق - وبخاصة إذا كان يحمل سيفا - تجده ~~فيما صرح به الشيخ محمد رشيد رضا في ms041 المنار من استنكار الاحتفال بذكرى محمد علي المئوية في ~~المساجد مبينا «سيئات محمد علي وأكبرها قتاله للوهابية وقضاؤه على ذلك الإصلاح !» # وأوروبا أيضا اهتمت بالإسلام والمسلمين عموما وبالعالم العثماني خصوصا، اهتمت به وبهم ~~بداعي اشتباك المصالح الحسية والمعنوية التي أملت أحيانا سياسة الاستحواذ وأحيانا سياسة ~~الابتعاد، وليست مظاهر الاهتمام الأوروبي مما يمكن إجماله في الصيغة الواحدة، وإنما هي ~~مما يزداد وضوحا عند دراستها مقترنة بالوقائع في موضع التفصيل، ولكن يصح أن نقف في موضعنا ~~الحاضر عند مسألة مهمة من مسائلها، وهي الآتية: هل اتسع الفكر الأوروبي في ذلك العصر للبحث ~~عن أسس يصح أن يقوم عليها تعاون حقيقي جدير بهذا الاسم بين دار الإسلام وأوروبا؟ إن من ~~المسلمين إذ ذاك من خطا هذه الخطوة ورآه أمرا ممكنا لازما، فهل خطاها أحد في أوروبا إذ ~~ذاك؟ # إنا لا ندخل في عناصر المسألة سعي بعض العلماء وغير العلماء من الأوروبيين لفهم الإسلام ~~والمسلمين؛ من أجل تيسير مهمة الحاكم الأوروبي في القطر الإسلامي، أو إمداد وزارات ~~الخارجية بالحقائق النزيهة وما إلى ذلك، ولا ندخل فيها سعي أصحاب الدعوات إلى مذاهب ~~اجتماعية تستند إلى التطور الاجتماعي الأوروبي وتروم أن تجد في دار الإسلام ميدانا ~~لانتشارها. بل ولا ندخل فيها ما تلوح عليه مسحة عدم الاتصال بمنفعة أوروبية أو فكرة ~~أوروبية بحتة؛ كاشتغال بعض الأوروبيين بمسائل الخلافة، أو إنشاء وحدات داخل نطاق دار ~~الإسلام تقوم على قواعد من وحدة اللغة أو الجوار أو الثقافة، أو ما شابه، أو إحياء فنون أو ~~عادات إسلامية تقليدية. # إننا نخرج هذه الحركات من تحديدنا المسألة، لا لأننا لا نرى ما فيها من حسن النية، ولا ~~لأننا لا نعتد بأهميتها، ولا لأننا لا نعتقد أن في بعضها ما يوجد وجها للتعاون بين ~~المسلمين وغير المسلمين؛ إنما نخرجها لسبب واحد: لأنها جميعا تندرج تحت باب المنفعة ~~الأوروبية بمعناها الشامل، وقد أرجأنا بحث المنافع الأوروبية بأنواعها ونتائجها إلى موضع ~~التفصيل، ومسألتنا تقوم على الاعتراف بالإسلام لذاته وكما هو وقبوله كما هو في ms042 تنظيم ~~عالمي، وجوابنا على ذلك: أن أوروبا في عصر محمد علي لم تكن مستعدة لذلك. وإن نظرتها وخططها ~~نحو الإسلام والمسلمين كلها مما يقوم على قاعدة المصالح الأوروبية المختلفة، ويرجع ذلك ~~لسببين: يرجع أولا؛ لاعتقاد الأوروبيين إذ ذاك أن رسالة الإسلام قد قضيت، وألا رجاء ~~للمسلمين إلا بأن يأخذوا عن المجتمع الأوروبي فكرة «الحركة» والتخلي عن فكرة المحافظة ~~والسكون، كما يرجع ثانيا: لأن فكرة التنظيم العالمي كانت إذ ذاك لم تنتقل إلى حيز المباحث ~~السياسية العملية. # | الفصل السادس # وقد قبل محمد على الأخذ بفكرة «الحركة» لا على أن رسالة الإسلام قد قضيت، بل تحقيقا ~~لقانون قديم من قوانين تطور الأمة الإسلامية، وهو وجوب بعث حافز من دعوة أو عصبية يخرج ~~الأمة من طور سكون إلى طور حركة، وقد يكون مصدر الحافز داخليا وقد يكون خارجيا، ولكن ~~أثره دائما أشبه ما يكون بأثر الخميرة في العجينة تكسبها سرا من أسرار الحركة. # وقد عبر هو نفسه عن الأخذ بفكرة الحركة، وعن كونها تتم على يد صفوة القوم يقودون ولا ~~يقادون يعرفون وجهتهم ويتجهون نحو الوجهة؛ أحسن تعبير، قال في خطبة له في آخر أيامه: «إن ~~الذي أذكره من أحوال العالم لا بد من أن يكون معلوما لديكم إجمالا، وذلك أن أهل الملل ~~الموصوفين بالقدرة والقوة لم يكونوا في الأصل من أصحاب الاقتدار واليسار الذي هم عليه الآن، ~~بل كان كل منهم جاريا على طراز قديم، ثم ظهر فيهم بعد ذلك ذوات من أصحاب الانتباه فأخذوا ~~يجهدونهم بوسائل حتى إنهم بسبب ما أثمر من سعيهم واجتهادهم في حقهم علموا قيمة محبة الوطن ~~فكان ذلك سببا في تقدمه.» # وعلى هذا فما يعمل له من اصطناع قوة الحديد والعلم والمال لتأسيس ما سميناه «قاعدة ~~الارتكاز» في العالم العثماني له شروط: أولها؛ الاستعداد لقبول ما يلائم المصلحة من مناهج ~~الغير، ويتأتى ذلك بالمخالطة على نحو ما والاستعداد - داخل حدود طبعا - لدفع ثمن تلك ~~المخالطة «فالغير» لا يخدم حبا في سواد العيون فقط. وثانيها: العمل على خلق ms043 «الصفوة» ~~بمختلف وسائل التربية والتكوين. وثالثها: ابتكار «أدوات التثبيت» أو اتخاذ كل ما يمكن ~~اتخاذه لجعل المستحدثات جزءا لا يتجزأ من كيان المجتمع معاونة لفعل الزمن. # و«المخالطة» شرط أساسي للنقل عن الغير، عدها رفاعة «مفلسف النهضة» من أكبر ما أقدم ~~عليه محمد علي، قال: فلو لم يكن للمرحوم محمد علي من المحاسن إلا تجديد المخالطات المصرية ~~مع الدول الأجنبية بعد أن ضعفت الأمة المصرية بانقطاعها المدد المديدة والسنين العديدة؛ ~~لكفاه ذلك؛ فقد أذهب عنها داء الوحشة والانفراد وآنسها بوصال أبناء الممالك الأخرى ~~والبلاد لنشر المنافع العلمية واكتساب السبق في ميدان «التقدمية»، وأكسبت المخالطة وضعا ~~جديدا للجاليات الأجنبية ورثته مصر فيما ورثت عن عصر محمد علي. # سكن الأوروبيون مصر قبل عصر محمد علي لأغراض محدودة وفي ظل نظم معينة، وكانت بيوتهم ~~التجارية قبل ذلك العصر مهمتها الأصلية الوكالة عن الشركات والهيئات الأوروبية المختلفة ~~المرخص لها وحدها من جانب الدول الكبرى بالتصدير إلى مصر والاستيراد منها، وقد خضعت إقامة ~~هؤلاء الأوروبيين لمجموعتين من النظم، أما المجموعة الأولى: فتشتمل على اللوائح المختلفة ~~التي أصدرتها الشركات والهيئات المحتكرة للتجارة الشرقية، وتتناول هذه اللوائح تنظيم شئون ~~المعيشة والعمل لمن رخصت لهم من الأوربيين بسكنى مصر وتمثيلها فيها تنظيما مفصلا، وعهد ~~إلى القناصل - وهم لسنوات عديدة من حكم محمد علي تجار تحت إشراف الشركات والهيئات ~~المحتكرة - تنفيذ تلك اللوائح. # أما المجموعة الثانية: فتتكون من منطوق العهود الصادرة من السلطان، المتخذة شكل معاهدات ~~بين حكومة الدولة والدول الأوروبية الخاصة بالامتيازات التي منحها السلطان لرعايا تلك الدول ~~عندما ينزلون أرضه ويتاجرون مع رعاياه. ومما طرأ عليها فعلا في اتجاهي التعطيل الكلي أو ~~الجزئي أو التنفيذ في الأيام السابقة لعهد محمد علي (وكان التعطيل هو الأغلب). # وكلتا المجموعتين أصابهما تعديل جوهري في أيام محمد علي، فالمجموعة الأولى هدمتها ~~الثورة الفرنسية والانقلاب الاقتصادي الكبير؛ فقد ترتب على الانقلابين إلغاء الشركات ~~والهيئات المحتكرة للتجارة الشرقية (وأهمها شركة الليفانت الإنجليزية وغرفة مرسيليا ~~التجارية) وجعل تلك التجارة حرة للأفراد يشتغلون بها ويسكنون مصر ms044 وغيرها من أقطار الدولة ~~العثمانية بلا قيود سوى ما تصدره الحكومات من جانبها أو بالاتفاق مع السلطات العثمانية ~~لأغراض الأمن العام في أوروبا وفي مصر. # وترتب على ذلك أن اكتسب قناصل الدول الكبرى على الأخص صفة الممثلين الرسميين لحكوماتهم ~~وحرم عليهم مزاولة التجارة، وفتحت بذلك الأبواب للتشجيع على الهجرة لمصر والاستيطان بها ~~وكسب الرزق واستثمار الأموال بها، وصار للجاليات الأجنبية في حياة مصر وأهلها شأن جديد ~~تماما. # أما المجموعة الأخرى من النظم فأمرها غير أمر الأولى، لم تمتد يد لنصوصها بالحذف أو ~~الإضافة أو التعديل، ولكنها أصبحت تطبق في ظروف تختلف تماما عما وضعت له، فقد وضعت في ~~ظروف لا تعرف فيها هجرة الألوف من الأجانب لمصر، ولا يعرف فيها الاستيطان الدائم وطلب ~~الرزق من كل الوجوه، ولا يعرف فيها قدوم المهندس والطبيب والصحفي والمعلم للعمل الحر أو في ~~خدمة الحكومة المصرية، ولا يعرف فيها «اللاجئ السياسي» أو صاحب الدعوة لمذهب سان سيمون وما ~~إليه، ولا يعرف صاحب الحانوت الصغير أو الكبير أو المصنع الصغير أو الكبير ولا المصارف ولا ~~«الأعمال» الكبرى، ولا يعرف فيها انتشار الأجانب في ريف مصر وحواضرها ولا الأجنبي الذي يفلح ~~الأرض أو يقتني العزب أو العمارات، ولا تعرف فيها المطبعة أو المدرسة أو الملجأ أو المستشفى ~~الأجنبي. # بهذا كله أصبح للجاليات شأن في حياة مصر لم تعرفه قبل محمد علي، وقد أدرك محمد علي ما ~~في هذه المخالطة من نفع لخططه في اصطناع الحديد والمال والعلم، بل أدرك أنها ضرورية كل ~~الضرورة، واعتقد أن سطوته الشخصية تغني عن وضع اتفاقات دولية جديدة، تنطبق على الظروف ~~الجديدة وتقي أمته وخلفاءه الأضرار البالغة التي نجمت عن تطبيق معاهدات القرن السادس ~~عشر في ظروف القرن التاسع عشر. # كما أن نظام الاحتكار الذي سار عليه طول مدة حكمه تقريبا كان قيدا شديدا للنشاط ~~الأجنبي في مصر، إلا أن عصره شهد البوادر الدالة على المستقبل، وقد قاومها بسطوته الشخصية، ~~مثلا عندما اعتدى قنصل سردينيا (مملكة بيدمنت: نواة الوحدة الإيطالية) على ms045 أرسلان أغا أمين ~~جمرك بولاق كتب محمد علي: «إن أرسلان أغا صبر وتحمل هذا الأحمق ضرب القنصل وعدم مقابلته ~~بالمثل في محل الواقعة، فأوجب ذلك اضطراب ضميري، وحيث إني قد نبهت أكيدا على القنصل ~~الجنرال بعزل المذكور وإبعاده عن مصر فإذا استعلم من الديوان عن أشغال تتعلق بالميري قبل ~~مخابرة القنصل الجنرال فلا يلتفت إلى ما يرد منه، وإنه لا تعطى إليه أية إجابة من الديوان، ~~وأن ينبه على المعاون الأول بالقبض على الياساقجي خارج منزل القنصلاتو وإحضاره إلى الديوان ~~وضربه خمسمائة نبوت أدبا له على ما وقع منه في ديوان جمرك بولاق، وإفهامه أن الغرض من ~~إعطاء الياسقجية للقناصل هو لصيانتها والمحافظة عليها وليس لمساعدتهم في فعل أعمال مغايرة ~~كهذه، وإن أمكن إيجاد من يليق لأمانة جمرك بولاق بدل أرسلان أغا فيرفع عن وظيفته جزاء ~~على عدم محافظته على شرف وناموس الحكومة لقبوله الضرب وعدم مقابلة القنصل المذكور ~~بالمثل.» # وإنا نحمد لمحمد علي أنه لم يفكر في تقييد حرية أفراد شعبه في الانتفاع أو عدم الانتفاع ~~من تلك المخالطة الأوروبية، وامتنع عنهم بسماحته بذلك اللون الممقوت من ألوان الاستبداد ~~الذي يأبى إلا أن يصب حياة الأمة الروحية في القالب الذي تشاؤه الدولة لها، وبقى المصريون ~~إلى يومنا أحرارا يتجهون نحو ما يرتضون لأنفسهم من شتى المثل العليا، كما بقى الباب ~~مفتوحا يلجه من يريد العمل على خلق ثقافة غنية بتباين أصولها وتنوع ~~عناصرها. # ذلك لأنه أحب لشعبه ما أحب لنفسه، فكما أنه لا يرفض النظر في شيء ما لمجرد أجنبيته، وكما ~~أنه دءوب على التعلم، شغوف بالاستعلام من كل من يعلم شيئا ما، كذلك أحب أن يكون شعبه ~~عموما و«الصفوة» التي عمل على تكوينها خصوصا. ~~«تلك الصفوة» هي «الأرستقراطية المتكلمة بالتركية» من أصحاب المناصب الحربية والإدارية ~~والفنية، وهي من خلق محمد علي، عرفنا تحديده لمهمتها في مشروعه، وعلينا الآن أن نلم ~~بأشياء أخرى عنها، كونها محمد علي من شتى العناصر، فمن رجالها من جمعهم أحداثا من ~~المماليك والأحرار من ms046 أبناء العالم العثماني ومن مصر وأقاليمها السودانية أو من سبي المورة ~~أو اللاجئين منها، كفلهم محمد علي منذ نعومة أظفارهم ورباهم وعلمهم في مدارسه في مصر وبعث ~~منهم من بعث إلى أوروبا، كما أن من هذه الأرستقراطية من لحقوا بها كبارا، تعلقوا به وتعلق ~~بهم وأئتمنهم على أعز ما لديه: قيادة أمته سواء السبيل. # وعلى ذلك فلم تكن تلك الصفوة تركية لحما ودما، بل كان لسانها التركية إما طبعا وإما ~~اكتسابا، وانطبع أعضاؤها على تباين الأصول بالطابع العثماني - أو، كما عرفناه، العثمانلي ~~- في آداب السلوك وتنظيم المنزل وما إليه من طرق المعيشة، وذلك أن محمد علي فتح مصر للغة ~~الترك وآدابهم مفنونهم وعاداتهم، وانتشرت التركية في مصر انتشارا جديدا تبعا لأنها لغة ~~ولي الأمر ولغة الحكومة ولغة «الصفوة» من القوم، إلا أن تأثير ذلك في الثقافة المصرية كان ~~ضئيلا؛ فلم تتأثر العربية بالنماذج التركية تأثرا يعتد به، اللهم إلا في ~~«الرسائل». # واستمر الكتاب على اتصالهم القديم بالنماذج العربية الأصيلة، ولما ابتدءوا التطلع ~~إلى غيرها من المناهل اتجه نظرهم إلى باريس لا إلى القسطنطينية، ولم يكن رجال الصفوة أيضا ~~كلهم من المسلمين، فمنهم من كان قبطيا أو من نصارى السوريين والأرمن، إلا أنهم كانوا ~~جميعا يتفقون في شيء واحد، في أن محمد علي بالنسبة لهم جميعا هو «ولي النعم»، تعهدهم ~~بالتعليم وقلدهم مناصب الدولة وأنعم عليهم بالأرزاق السخية من مال وأرض وشرفهم ~~ورفع قدرهم بين الناس، بل وكان يختار لهم من بنات القصر وجواريه زوجات نشأن في ظل الحشمة ~~والكمال والعز، لا غرو إذن أنه وحده «ولي النعم». # استفسر يوما السياسي الفرنسي بوالكمت من بوغوص بك الأرمني المشهور عن صحته فأجابه: «إنني ~~بخير لأن ولي النعم بخير»، إن صحته لا يمكن أن تكون إلا بخير ما دامت صحة سيده جيدة، ولكن ~~محمد علي وضع علاقته بهم لا على أساس السيد والمسود بل على أساس آخر: علاقة الأب بأبنائه، ~~وما أجمل تعبيره هو عن ذلك، جمع مرة مأموري الحكومة للمباحثة في شئون ms047 الدولة، وكان ذلك في ~~سنة 1263، في السنوات الأخيرة من حكمه، ولما أتموا عملهم دعاهم للطعام، وجمعهم بعد ذلك ~~بأيام وخطب فيهم خطبة يصح أن نعتبرها «عهده السياسي» - ولنا لها عودة - جاء فيها: # فلتعلموا أني قد ناهزت سن الثمانين ولست في تمني شيء لنفسي، بل كان تركي للنوم ~~والراحة وبذلي لاجتهادي ليلا ونهارا إنما هو من أجل سعادتكم وإصلاح حالكم، وحيث ~~إني قد ربيتكم جميعا من صغر سنكم وعلمتكم القراءة والكتابة في المكاتب وأوصلتكم ~~إلى ما أنتم فيه من الدرجات وقبلتكم أولادا لي وصرت لكم أبا بحق؛ وجب أنكم ~~لا تمتنعون من قبولي أبا لكم، بل تقبلونني. # يرجو لهم ومنهم كل ما يرجوه الأب لأبنائه ومن أبنائه، ويأخذهم باللين أحيانا وبالغلظة ~~أحيانا كما يأخذ الأب أبناءه باللين وبالغلظة، وكان عندما يحسن أحد رجاله يبتهج لهذا ~~الإحسان ابتهاج الأب لإحسان ابنه لا ابتهاج الرئيس لإحسان المرءوس فحسب، كما كان عندما ~~يقصر أحدهم يقع هذا التقصير في نفسه وقع تألم الأب وأساه لقصور ابنه عن أمله، ولنسمع ~~تعبيره عما ينتظره منهم: «إنه لترادف تقلبات الأحوال وتنوع تيار صعوباتها وشدائدها من زمن ~~بعيد بعكس وجهة آمالي، وكلما أتأمل لها بإمعان النظر، ولما يحصل من وخامة عواقبها بالنسبة ~~لجسامة تلك الخطوب كنت أتجلد بعزم ونيات خيرية لمقابلة شدائد تلك الصعوبات، ومضت علي ~~الأوقات العديدة وأنا متحمل المشاق تاركا للراحة. # وبديهي أنه لا يتأتي لشخص بمفرده مصادمة تلك الخطوب وإذلالها، بل يحتاج لأعوان ~~ومساعدين ذوي عزيمة حتى ينجح في نياته وأعماله، وإنه من الأمور المسلمة أن أصحاب ~~الفتوحات وواضعي القوانين في الأعصر الماضية مع ما كان لديهم من الثروة كانت الشدائد ~~تلجئهم إلى أعوان لبث قوانينهم وتوطيد دعائمهم حالة كونهم محفوفين بنفوذ الكلمة، ومما لا ~~ارتياب فيه أنكم لو اتحدتم كشخص واحد وبذلتم الهمم بساعد الجد وتعودتم على ترك الراحة ~~وأبرزتم الغيرة بالنشاط وتحمل المشاق بالتجلد لبث العدل وتشييد العمران للأعقاب ~~والأخلاف ليكون سببا للفوز والنجاح ونيل السعادة.» # وماذا يحدث عند التقصير؟ قال: «ولتعلموا أنكم إذا ms048 لم تحولوا من خصالكم القديمة من الآن ~~فصاعدا، ولم ترجعوا من طرق المداراة والمماشاة، ولم تقولوا الحق في كل شيء، ولم تجتهدوا ~~في طريق الاستواء، ولم تسلكوا سبيل الصواب لصيانة ذات المصلحة؛ فلا بد لي من أن أغتاظ منكم ~~جميعا. وإذا كنت موقنا بتقدم هذا الوطن العزيز على أي صورة كانت وملتزما فريضته علي ~~صرت مجبورا على قهر كل من لم يسلك هذا الطريق المستقيم اضطرارا مع حرقه كبدي وسيل الدموع ~~من عيني، فالذي أرجوه من الخالق - سبحانه وتعالى - أن يجعل نصيحتي هذه مؤثرة في قلوبكم؛ حتى ~~أشاهد منكم حسن الحركة آنا فآنا، وأعاين ما تستحقونه من الخير، وتقر عيناي بامتياز كل ~~منكم حسب أقصى أملي.» # فلم يكن محمد علي في علاقاته برجاله الحاكم المطلق، بل كان الأب الخير الحازم، يسعى ~~لأن يجعل منهم رجالا يستطيعون فهم مقاصده ومعاونته على تحقيق آماله، وهذه أوامره الحكومية ~~قل أن تجد لها شبيها في أوامر الحكومات، فكانت في جمعها للنصح والترغيب والترهيب وضرب ~~الأمثال والإشارة إلى أن منفعة الرعية أو مجد الوطن متوقف على ما نيط بعمال الحكومة ~~أداؤه؛ صورة صادقة لشخصية هذا العاهل الكريم. وهذه أيضا طريقته الإدارية، جعل لكل شأن من ~~الشئون العامة ديوانا وكان لا يتخذ قرارا في مسألة ما إلا بعد أن يستمع لآراء المجلس ~~المختص بها؛ ذلك لأنه لم يكن حاكما فحسب، بل كان طوال مدته مربيا ومكونا للرجال، وأن ~~مجالس الإدارة لم تكن في نظره هيئات إدارية فحسب، بل كان لها غرض آخر هو تكوين الصفوة ~~من الرجال، وتشجيعهم على التفكير المستقل. # وقد بدأ محمد علي بتأليف هذه الأرستقراطية طورا جديدا من أطوار تنظيم الحكومة ~~الإسلامية، بدأت تلك الحكومة - كما نعرف - باستعانة ولي الأمر برفقائه من صحابة رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم ~~، ثم دخلت في طور إنشاء الدواوين وظهور طائفة الكتاب، يتلوه طور التوحيد بين ~~الرياسات المختلفة وبين خدمة ولي الأمر الشخصية، وتأكدت هذه الصفة في الدول التركية بصفة ~~خاصة. # ثم جاءت الدول العثمانية ونما فيها ms049 نظام دقيق مفصل لتكوين الأداة التي استخدمها ~~السلطان لحكم رعاياه، أو بعبارة أصح: لقيادة الرعية. فكان رجال الحرب والحكم في تلك ~~الدولة عبيد السلطان، اشتراهم بماله أو سباهم في حروبه وغزواته أو جمعهم قسرا من ~~أبناء الذميين، وفرض عليهم جميعا أنواعا من التدريب والإعداد، كل منهم بحسب ما يؤهله له ~~استعداده العقلي والبدني. وحاول أن يضع كلا منهم فيما يصلح له، كما حاول أن يحيط ~~كلا منهم - طول حياته - بما اخترع من القيود؛ ليبقى كل منهم في نوع الحياة ونوع العمل ~~الذي رسم السلطان. # وقد شبهه أستاذنا أرنولد توينبي بالكلاب التي يدقق الراعي - كل التدقيق - في اختيارها ~~وإعدادها وتناسلها وهي (...) الأيمن في قيادة القطيع، في حفظه من التردي في المهالك وفي ~~منع الضواري عنه، وبالجملة في منع القطيع من الشرود عن جادة الطاعة والانقياد. والمطلعون ~~على تاريخ النظم العثمانية يعرفون كيف خرج «الكلاب» على راعيهم وأبوا - على توالي الزمن ~~- إلا أن يملوا هم شروطهم وأن يعيشوا عيشتهم على النحو الذي يرضيهم، فكان فساد الحكومة ~~العثمانية، وكان بحث السلاطين ابتداء من القرن الثامن عشر عن أسس جديدة لتنظيم الحكومة ~~العثمانية. # أخذ محمد علي عن النظم العثمانية الأولى ضرورة خلق الصفوة الفعالة، كما أخذ عنها أيضا ~~ضرورة ربطها بولي الأمر بأقوى الروابط، ولكن الشبه يقف عند هذين الحدين، فالصفوة المحمدية ~~العلوية لا تتكون إلا لحد محدود من المماليك والعتقاء والسبي، وحتى هذا كان في أوائل عهده ~~فقط، وفيما بعد جرى محمد علي على طريقة الاختيار - أو الفرز، في اصطلاح ذلك الوقت - من ~~بين تلاميذ معاهده الدراسية. # أما عن الروابط بين الأرستقراطية وولي الأمر فقد رأينا كيف وضعها محمد علي على أساس علاقة ~~المحبة والتضامن في اكتساب المجد وفعل الخير والإصلاح المعمر، وكان أمله أن يبقى هذا ~~بعد موته بين أبنائه وأبناء رجاله، وعلى هذا الأمل بنى عهده السياسي، واكتفى - في أمر ~~الناحية التنظيمية بمعناها الضيق - بما سنه من لوائح تنظيم الإدارة متعلقا بواجبات ~~الرؤساء والمرءوسين وما إليها - ونظر إليهم - كما رأينا - نظرة ms050 تغاير نظرة السلطان إلى ~~أعوانه - أو بعبارة أصح إلى أداته - فلم يعتبرهم مجرد آلات للتنفيذ، بل أشركهم في ~~وضع الخطة وفي تنفيذها على اعتبار أن الخطة خطتهم وأن النجاح أو الفشل مما يهمهم ~~مباشرة. # قال في الخطبة التي سبق أن أشرنا إليها واعتبرناها عهده السياسي: «المحاشاة والموافقة في ~~الأمور المضرة بالمصلحة والأصول الموضوعة من أعظم الجرائم، فيجب الاجتناب عن ذلك حتى إذا ~~كنت آمرا أحدكم شفاها أو تحريرا بقولي له: أجر المادة الفلانية بهذه الصورة وحصل منه ~~اعتراض علي وذكرني وأفادني شفاها أو تحريرا بأن المادة المذكورة مضرة فهذا يكون منه ~~عين ممنونيتي الزائدة، وقد أثبت لكم مرارا كسب محظوظيتي من الإخطارات الواقعة حتى الآن ~~التي يترتب عليها ممنونيتي في أعلى درجة وها أنا مرخص لكم في ذلك الرخصة التامة، المرة بعد ~~المرة.» # ولم تتكون الأرستقراطية المحمدية العلوية - كما كان الحال في الهيئات الحاكمة الإسلامية ~~القديمة - من رجال السيف ورجال القلم فقط بل هي أرستقراطية الفنيين، وذلك بحكم ما أخذته ~~الدولة المحمدية العلوية على نفسها من الشئون التي لم تر الدولة الإسلامية - أو الدولة ~~الأوروبية حتى عصر الانقلاب الاقتصادي الكبير - أنها من شأنها، وبحكم القاعدة التي أخذت ~~تسود في القرن التاسع عشر وقضت بوجوب إسناد تلك الشئون الجديدة إلى فنيين قد أعدوا ~~إعدادا خاصا لمواجهة التطورات الجديدة وتعقيداتها، وهذا فن القيادة العسكرية مثلا، كان ~~حتى ذلك العهد يكفي للإعداد له حسن الاستعداد الطبيعي وإتقان ركوب الخيل واللعب بالسيف، فقد ~~أصبح فنا معقدا، يقتضي من أصحابه دراسات علمية نظرية تقوم عليها أخرى تطبيقية بالإضافة ~~إلى ما كان يقتضيه من التدريب الجسماني والخلقي. وقس على ذلك ما اقتضته دائما خطة ~~محمد علي الشاملة من اصطناع قوة الحديد والمال والعلم. # وإذ قد أصبح «للفنية» هذا الشأن في تكوين رجال الصفوة، فلم يبق محل لاشتراط الإسلام ~~فيهم. والواقع أن استخدام محمد علي لغير المسلمين يختلف تماما عما جرى من استخدام الكثير ~~من الحكام المسلمين القدماء لهم، فظروف هؤلاء الحكام لا تقتضيه، بل تقتضي ألا ms051 يكون، ~~والدواعي التي دعتهم إليه حقيقية بالاستنكار، ما هي تلك الدواعي؟ سلطان يشتط في جمع ~~المال فيسلط على رعاياه «من لا يخشى الله ولا يرحمهم» من أهل الذمة ثم يجزيه في النهاية ~~جزاء سنمار، أو سلطان يخشى اغتيال أقرب الناس إليه من أهله فلا يركن إلا إلى طبيب نصراني ~~وهلم جرا. # فما جرى من استخدام أهل الذمة إذ ذاك كان في الواقع مما بعثه فساد المجتمع وأدى إليه، ~~والأمر على عكس ذلك تماما في دولة محمد علي ومجتمعه، من شئون الدولة ما هو فني صرف لا ~~معنى لأن تشترط في من يقوم به سوى الكفاية الفنية، واشتراط غيرها من الشروط تضييق وضيق لا ~~يتفقان مع مصلحة المسلمين ولا تستسيغهما نفسه السمحة، ولا ترفعه عن هذا اللون من التعصب، ~~ولم يكن محمد علي بالرجل الذي يسترد باليسرى ما يعطيه باليمنى، فكان إذا أحسن غير المسلم ~~الخدمة وأخلص لولي النعم وخدمة مصر أحسن إليه محمد علي جزاء إحسانه وأعطاه كل حقه حيا ~~وميتا، علم أن محافظ الإسكندرية لم يقم بواجبه في الاحتفال بتشييع جنازة بوغوص بك، مدير ~~الأمور الخارجية والتجارية الأمين فساءه ذلك وكتب إليه موبخا «لعدم إرسال العساكر وخلافه: ~~ولا أدري ما الداعي لذلك ولا يخفى عليكم الخدم المبرورة التي أداها بوغوص بك في نحو 41 سنة» ~~ونبه عليه بتدارك ما فاته. # وإذا كان هذا شأنه في تقدير الكفاية - على الرغم من اختلاف الدين - أفيعقل أن تتأثر خططه ~~بالتعصب لجنس على جنس؟ كان أرجح حلما من أن يعتد بما ليس في الواقع من اجتهاد أو فضل أي ~~إنسان، كأن يكون مولده في الموطن الفلاني لا في غيره، ومثل هذا التعصب يؤدي إلى حرمان العمل ~~ممن يصلحون له، وهذا إسراف، والرجل يمقته، وهذا التعصب أيضا مما يصرف الناس عن الجد ~~ويصرفهم إلى السفاسف، ويثير فيما بينهم البغضاء والحزازات والوقت وقت الجد وفي خدمة الوطن ~~متسع للجميع، فلا تعصب على المصريين ولا إيثار لغيرهم عليهم، وأبواب «الأرستقراطية» مفتوحة ~~لهم - وولجوا إليها فعلا - وما ms052 ذاع عن حرمانهم من مناصب القيادة في الجيش والأسطول ~~لمصريتهم وهم يحتاج أمره إلى تبديد، لم يعرف جيش من جيوش العالم في ذلك الوقت حتى جيوش ~~الثورة الفرنسية - على عكس ما يتوهم الناس - شيوع خطة الترقية من تحت السلاح إلى رتب ~~القيادة ولا تعرفها جيوش وقتنا الحاضر إلا في حدود ضيقة جدا نسبيا، وهذا على الرغم من ~~شيوع التعليم والاستنارة في جيوش المعسكرين. # والحال أن ضباط الجيوش الأوروبية في وقت محمد علي وفي وقتنا الحاضر ينتمون للطبقة الوسطى ~~أو لطبقة الأشراف، من شباب الطبقتين - كما هو الحال في مصرنا الآن - من يختار العسكرية ~~ويلحق بمعاهدها اختارها ليعد لوظائف القيادة، وهذا صحيح على الأمم التي اختارت سياسة ~~الجندية الإجبارية لتكوين قوتها العسكرية؛ كفرنسا مثلا، وعلى الأمم التي اختارت سياسة ~~التطوع لتأليف قواتها الحربية كإنجلترة في معظم أدوار تاريخها العسكري. إذا تحققنا ذلك ~~وعرفنا أن ذوي اليسار الكبير أو الصغير من أهل مصر، الذين يصح أن نقابلهم بالطبقة الوسطى في ~~الأمم الأوروبية، لم يقبلوا بعد في عهد محمد علي على اختيار العسكرية لأبنائهم لابتعادهم ~~عنها قرونا عديدة. # كما أننا إذا تحققنا أن جيوش العالم كلها لا تعرف الترقية من تحت السلاح أساسا لتكوين ~~الضباط؛ إذا تحققنا هذا كله أدركنا لم خلت وظائف القيادة في الجيش المصري في عهده من ~~المصريين - وأن لا أساس لم زعموه من تعصبه للترك عليهم - بل إن كبار رجال العسكرية ~~الأوروبيين كثيرا ما عبروا له ولإبراهيم عن رأيهم بأن أضعف ما في جيشه ضباطه غير ~~المصريين، وشاركهم في هذا الرأي مؤرخ الجيش المصري الجنرال فيجان المشهور، ونسب ضعف الضباط ~~إلى عدم إقبال أبناء الطبقة الوسطى في مصر إذ ذاك على احتراف العسكرية، وهذا النفور مما لا ~~يمكن علاجه بالإجبار. # أما التعصب الضيق فلا ظل له، نقرأ في أمر من أوامره، أصدره إلى محافظ دمياط «بأنه علم ~~بالاحتفالات التي قوبل بها الآي حسين بك من الأهالي والقناصل وبما تفوه به علي أغا ~~ناظر السلخانة، وقوله في محفل الاستقبال: صار ms053 الفلاحون العمي عساكر! مهما كانوا لا يكونون ~~مثل عساكرنا الترك. وعليه فاضربوه 100 نبوت على أليته وينفى وإن عاد يصلب»، هذا ما حدث ~~لعلي أغا عندما أخذته النعرة القومية، وعندما تحرج الأمر بين مصر والدول العظمى، وتحمس ~~الناس في حاضرتيها - القاهرة والإسكندرية - لدفع العدوان عن وطنهم وألفوا «حرسا ~~وطنيا» أسند محمد علي لرؤسائهم - وهم من أبناء البلد - رتبا عسكرية نظامية؛ فالرجل ~~لا يتردد في إعطاء من يقبل على العسكرية أو غيرها حقه كاملا. ~~••• # وكيف يغمط محمد علي للمصريين حقا أو يطوي لهم فضلا وقد عز عليه أن يرى العقول المصرية ~~تضيع هباء، كما عز عليه أن يرى الموارد المصرية يبددها الجهل والفوضى، فعول على أن ~~ينقذ لمصر تلك الثروة العقلية التي لا تعدلها ثروة. ~~«ابتكر حسين جلبي عجوة - من أهل رشيد - بفكره صورة دائرة، وهي التي يدقون بها الأرز، ~~وعمل لها مثالا من الصفيح، تدور بأسهل طريقة بحيث إن الآلة المعتادة إذا كانت تدور بأربعة ~~أثوار فيدير هذه ثوران، وقدم ذلك المثال للباشا فأعجبه وأنعم عليه بدراهم»، ثم استمر ~~الجبرتي في روايته، قال: «ولما رأى الباشا هذه النكتة من حسين جلبي قال: إن في أولاد مصر ~~نجابة وقابلية للمعارف، فأمر ببناء مكتب بحوش السراية ورتب فيه جملة من أولاد ~~البلد ومماليك الباشا، وجعل عليهم حسن أفندي المعروف بالدرويش الموصلي يقرر لهم قواعد ~~الحساب»، أي أن إنشاء المدارس بدأ لما رآه محمد علي من نجابة المصريين وقابليتهم ~~للمعارف. # ولم يكن العلم غريبا عن مصر؛ فقد كان طلبه فريضة على المسلمين. # وكان لعلماء الأزهر - كما قال رفاعة - «اليد البيضاء في إتقان الأحكام الشرعية العملية ~~والاعتقادية، وما يجب من العلوم الآلية كعلوم العربية الاثني عشر وكالمنطق والوضع وآداب ~~البحث والمقولات وعلم الأصول المعتبر، ولمثل هذا فليعمل العاملون»، وقد أثمرت أعمالهم في ~~ذلك العصر وما سبقه بقليل ثمرتين عظيمتين: «تاج العروس» و«تاريخ الجبرتي». # ولكن من الباحثين من يرى أن الحملة الفرنسية أثرت أثرا سيئا في الحركة العلمية، لا ~~لأن الفرنسيين عارضوها أو مسوها بأذى، ms054 ولكن لما أحدثه قدومهم وخروجهم من الاضطراب ~~الفكري، والثابت على كل حال أن النصف الأول من القرن التاسع عشر قل - أو انعدم - فيه ~~التصنيف المبتكر في علوم اللغة والدين، ولكن فرق بين هذا وبين ما زعمه المستشرق الطبيب ~~«برون» من أن علماء القاهرة في زمنه - منتصف القرن التاسع عشر - لا يعرفون حتى أسماء أمهات ~~الكتب العربية، وإن كانوا يظنون أنهم يعرفون كل شيء، وأن ليس فيهم عشرة يستطيعون استخدام ~~معجم لغوي، وليس من شك في أن علماء ذلك الزمان ضيقوا على أنفسهم دائرة المعرفة. # علم بذلك رفاعة وقرر وجوب «معرفة سائر المعارف البشرية المدنية التي لها مدخل في تقدم ~~الوطنية ... لا سيما وأن هذه العلوم الحكمية العملية التي يظهر الآن أنها أجنبية هي علوم ~~إسلامية نقلها الأجانب إلى لغاتهم من الكتب العربية»، ثم أضاف إلى هذا «أن من اطلع على سند ~~شيخ الجامع الأزهر الشيخ أحمد الدمنهوري - ولم يكن العهد به إذ ذاك بعيدا، فقد أدركه ~~الجبرتي وكانت وفاته في عام 1192 هجرية - رأى أنه قد أحاط من دوائر هذه العلوم بكثير»، وهذا ~~رفاعة نفسه نعلم كيف اصطفاه الشيخ حسن العطار، وكيف رسم له خطة الدرس في أوروبا، وقد تحدث ~~رفاعة في رسالة للعلامة الفرنسي جومير بعد عودته من فرنسا عن حسن استقبال العلماء له، وعن ~~قراءة شيخ الإسلام لرسالته في وصف رحلته، وعن عزم الشيخ علي رجاء الوالي أن يطبع الرسالة ~~ليحبب للمسلمين التغرب في طلب العلم من أجل منفعة مواطنيهم. # الحق أن من علماء ذلك الزمان من أوجس خيفة من ذلك الاتصال بعلم الغرب؛ لا استنكارا لذلك ~~العلم في حد ذاته ولكن إشفاقا مما يؤدي إليه الاتصال من النتائج الوخيمة، فاتخذوا خطة ~~سلبية وسمها من درسها من الأوروبيين باسم «الخطة الوهابية». # وقد روى مؤرخ الحرب الصليبية «ميشو» في رسائله من مصر في سنة 1831م حديثه مع عالم من من ~~هذا الطراز وهو مفتي المنصورة، قال المفتي: «إن مثل الشرقيين في محاكاتهم الغربيين والنقل ~~عنهم مثل الرجل الكفيف الذي ms055 ارتطم في وهدة يدعو المارة إلى مده بقبس من النار، وماذا ينفعه ~~القبس؟ أنتم معشر الغربيين تتهمون الشرقيين بأنهم جامدون وأنهم دائما حيث كانوا، ولكنكم ~~أنتم لا تعرفون متى وأين تقفون، وبذلك تذهبون إلى أبعد مما تقصدون، وعندي أن مجاوزة الهدف ~~أسوأ من العجز عن بلوغه، هذه مثلا نظرياتكم السياسية الجديدة، هل نفعت عامتكم حقا؟ ~~أنشرت النور حقا؟ لا، لم تؤد - فيما سمعت - إلا إلى الثوران والاضطراب، فما أشبه ~~مدينتكم بتلك الوسائل المتخمرة التي تحطم الإناء الذي نصبها فيه.» # وهذا المستشرق «لين» يصور لنا سوء ظن العامة بمن عاشر الأوروبيين من المسلمين، قال: «كنت ~~جالسا يوما عند أحد باعة الكتب فأتى رجل يطلب نسخة من رحلة رفاعة، فسأل أحد الحاضرين عما ~~في هذا الكتاب، فتطوع رجل لإجابته بطريقة تهكمية تبين رأي العامة فيه، قال ذلك المتطوع: أنا ~~أقص عليك نبأ هذه الرحلة بالحق، إنها تحتوي على وصف سفر رفاعة من الإسكندرية لمرسيليا وعلى ~~ما جرى له في أثناء هذا السفر عندما سكر وعربد، عند ذلك أمر الربان بشد وثاقه إلى صاري ~~السفينة وجلده، ثم نزل بلاد الإفرنج حيث طاب له لحم الخنزير ومعاشرة النساء الإفرنجيات، ثم ~~بعد أن ارتكب من الموبقات كل ما يعد له مقعده من النار عاد إلى مصر.» # تلك الحالة التي تصورها هذه الأحاديث هي ما حدا ببعض الباحثين الأوروبيين - في ذلك ~~الزمان - إلى الاعتقاد بأن أول واجب على الحاكم المصلح في البلاد الشرقية هو أن يهدم ~~البناء القديم؛ فلا خير فيه لأهله، وأن ينبذ تلك العلوم والمعارف التي طلبوها مئات السنين ~~دون أن يحققوا بها لأنفسهم أو للإنسانية نفعا، ثم ينشئ بعد ذلك معاهد جديدة تعلم فيها ~~العلوم الأوروبية باللغات الأوروبية، قال بذلك قائلون منهم في المغرب الإسلامي، وقد دخل في ~~حكم الفرنسيين وفي الهند البريطانية، وليس أوضح في بيان هذه المشكلة الإسلامية الكبرى مما ~~جرى في الهند سنة 1835. # اشتد الخلاف في تلك السنة بين أعضاء لجنة التعليم على ماذا تكون عليه خطتها، أتستمر ~~الحكومة على ms056 ما جرت عليه حتى ذلك الوقت من الإنفاق على المعاهد القديمة التي تدرس فيها ~~معارف الوثنيين بالسنسكريتيه ومعارف المسلمين بالعربية والفارسية، أم تعدل عن ذلك وتخصص ~~المال لإنشاء معاهد جديدة تدرس فيها العلوم الأوروبية باللغة الإنجليزية؟ انقسم الأعضاء إلى ~~فريقين: فريق انتصر للسياسة القديمة وعرف أصحابه باسم المستشرقين أو أنصار الثقافة ~~الشرقية، وفريق انتصر للسياسة الجديدة وعرف أصحابه باسم أنصار الثقافة الغربية، وتولى ~~زعامة الفريق الثاني الكاتب المشهور «ماكولي» وكان إذ ذاك في الهند يعمل في جمع القوانين، ~~وقد فوضت إليه الحكومة رياسة لجنة التعليم وأعد للدفاع عن قضيته مذكرة مشهورة، اعترف ~~فيها ماكولي بجهله اللغات الهندية واللغتين العربية والفارسية، ولكنه استعاض عن ذلك بأن قرأ ~~كل ما تيسرت له قراءته مما نقل من آداب تلك اللغات إلى اللغات الأوروبية، وتحدث في أمرها ~~مع أهل العلم بها من الأوروبيين، وقال: إنه لم يجد من المستشرقين من ينكر أن ما يحمله رف ~~واحد من الكتب الأوروبية يساوي كل آداب الهنود والعرب، وحتى دواوين الشعر التي هي أفضل ما ~~في تلك الآداب هي دون الشعر الأوروبي في نظره، ثم إذا انتقل الباحث إلى التصانيف التي تتعلق ~~بجمع الحقائق واستخلاص النواميس الكونية فإنه لا يستطيع إلا إيثار التصانيف الغربية من هذا ~~النوع، مثل هذا يقال عن كتب التاريخ والأخلاق والطبيعة وغيرها. # ثم تساءل: أما والأمر كذلك، أيجوز لنا أن نفضل على تعليم العلم الصحيح باللغة ~~الإنجليزية تعليم لغات لا تؤدي إلى علم خليق بهذا الاسم؟ أيجوز لنا ألا نعلم العلم الصحيح ~~والفلسفة الصحيحة والتاريخ الصحيح وأن نشجع من أموال الدولة طلب نوع من الطب يستحي بيطار ~~إنجليزي أن ينسب إليه، ونوع من الفلك يثير قهقهة البنات في مدرسة إنجليزية ريفية، ونوع من ~~التاريخ هو عبارة عما جرى لملوك طول قامة الواحد منهم ثلاثون قدما وعمر الواحد منهم يزيد ~~على ثلاثين ألف سنة، ونوع من الجغرافيا تتكون من وصف بحار من العسل أو من الزبدة؟ وكيف يحق ~~للمشرفين على حكم الهنود من الإنجليز أن ms057 يفعلوا هذا والتاريخ كفيل بهدايتهم السبيل ~~السوي؟ # فهذه الأمم الأوروبية نفسها في أواخر القرن الخامس عشر وأوائل القرن السادس عشر أدركت أو ~~أدرك زعماؤها أن لغاتها الوطنية لا تفتح لها خزائن العلوم والآداب، بل إنها لن تدرك بغيتها ~~إلا بدراسة ما خلفه اليونان والرومان باليونانية واللاتينية، فأقبلوا على تلك الدراسات ~~القديمة، وكانت ثمرة هذا الإقبال النهضة الأوروبية المشهورة. وهذه الروسيا في القرن السابع ~~عشر، أحس ملكها العظيم «بطرس الأكبر» بما هي عليه من التأخر فعمل على إنهاض أمته عن ~~طريق إنشاء أرستقراطية مستنيرة متحضرة بحضارة الغرب، لا عن طريق تشجيع رعيته على الاستمرار ~~في خزعبلاتها وصرف العمر في تقرير مسائل من نوع «هل خلق الله العالم يوم 13 سبتمبر أم ~~لا.» # وقد رد المستشرقون على «ماكولي» بحجج يزينها رجحان العقل وبعد النظر واتساع أفق ~~التفكير، فأشاروا إلى تأصل الحضارة والثقافة في أرض الهنود، وإلى أن علومهم وآدابهم ~~ليست السخافات التي صورها «ماكولي» ثم قرروا أن البريطانيين قد قطعوا على أنفسهم عهدا ~~باحترام عادات الهنود ونظمهم الاجتماعية، فكيف يجوزون لأنفسهم أن يهدموا ما تعهدوا ~~باحترامه، وبينوا أن إحياء العربية والسنسكريتيه هو بالضبط مقابل لإحياء اللاتينية ~~واليونانية في تاريخ الثقافة الأوروبية، وختموا كلامهم بالحجة الدامغة، وهي: أن لا خير ~~لأمة في إبعادها عن الجو الروحي الذي نمت فيه نفسها، وأن نظم التربية والتعليم إن لم تقم ~~قواعدها على ثقافة القوم بقيت أمرا سطحيا، لا نفع فيه ولا دوام له. # هذه أوجه تلك المشكلة العامة، أوضحنا شيئا من عموميتها واختلاف الآراء فيها، فكيف واجهها ~~محمد علي؟ اتخذ بين المستشرقين والمستغربين خطة وسطا، يدلك على ذلك أن «ماكولي» استشهد بما ~~علمه محمد علي في مصر لتأييد ما ذهب إليه من ضرورة تعليم العلوم الحديثة، كما أن خصوم ~~«ماكولي» من أنصار الثقافة الشرقية استشهدوا أيضا بمحمد علي لتأييد ما ذهبوا إليه من ضرورة ~~وصل حاضر الأمة بغابرها، فقالوا - وكان حقا قولهم: إن مصلح مصر يعلم العلوم الحديثة، ~~ولكنه يعلمها باللغة العربية وإن التعليم الذي صح ms058 أن يوصف بأنه التعليم القومي وهو التعليم ~~المنتشر في قرى مصر وحواضرها قد أبقاه محمد علي على أوضاعه المألوفة. # أي أن محمد علي واجه مشكلة الثقافة عموما ومسائل التربية والتعليم خصوصا بروح الاعتدال ~~وتغليب المنفعة على النظريات، فتجنب الإملاء على الناس كما تجنب الفصل بين نظم ونظم، فلم ~~يخلق «ثنائية» في معهد التعليم بل تمت تلك الثنائية في أيام الجيلين الحاضر والسابق من ~~المصريين، وبرضاء أبناء الجيلين الحاضر والسابق تماما فكان الانقسام إلى معسكري القديم ~~والجديد، ولم تعرف أيام محمد علي «الشهادة» مفتاحا وحيدا لولوج معهد ما، كما أنها لم ~~تعرف إلا ثقافة عربية إسلامية في كل مكان، أضاف إليها إعدادا فنيا في أمكنة ~~معينة. # وأثبت محمد علي أمرا أساسيا آخر، هو: أن التربية والتعليم شأن من شئون الدولة، تتكفل ~~به مهما كلفها، وأن زمان ترك شئون التعليم للأفراد والطوائف تقوم به أو تهمله قد انقضى، ~~ولكنه ترك للأفراد وللطوائف قدرا عظيما من الحرية، هو أثمن ما خلفه في سياسته ~~التعليمية. ~~••• # تلك السياسة التعليمية كانت - فضلا عما ترمى إليه من نشر الاستنارة العامة - أداة مهمة ~~من أدوات خلق الفنيين من رجال الأرستقراطية المحمدية العلوية، وتلك الأرستقراطية قد ~~ألممنا بمهمتها في نظر محمد علي، ونصيبها في اصطناع قوة الحديد والعلم والمال. # والمال - بأعم معانيه - ينال بتنمية الموارد للإنتاج، وقد رأينا فيما سبق كيف رفع محمد ~~علي تنمية الموارد واستغلال المرافق إلى مرتبة عرفان نعمة الله - سبحانه وتعالى - وحمده ~~عليها، ينمى الموارد؛ لأنه لا يستطيع أن يحتمل رؤية الخراب أو الصائر إلى الخراب، وينميها ~~لأنه يريد أن يعلم وأن ينشئ جيوشا وأساطيل ليحيي عالما راكدا ليوقظ أمما من سبات ~~الدهور، ولا يطلب شيئا لنفسه، فذوقه ذوق البساطة الأنيقة، تملأ العيون هيبته بإشعاع من ~~خلقه وخلقه متلائما مع اختفاء الجواهر والألوان، تلك هيئته في ركوبه وفي منزله، يفيض ~~على من حوله من سحر الحديث وأدب المجلس ما بهر القريب والغريب وفعل في النفوس ما لا تفعل ~~أبهة الحراس والحاشية والهيئات المبهرجة والسيوف المنتضاة، ms059 قال مرة لزائر أجنبي: انظر ماذا ~~ترى حولي من هيئة الباشوات؟ لم يبق منها الكثير: بعض القواسين، أصحاب العصي المفضضة وبعض ~~الدواوين، ولكن نقش خاتمي كان دائما: «محمد علي». # فطلب المال للعمران (أو كما كانوا يقولون إذا ذاك للعمارية)، ولقوة المال ويهمنا - جريا ~~على خطتنا - أن نضع سياسته الاقتصادية موضعها الصحيح في التطور الإسلامي. # حدد الأستاذ ماسينيون المثل الأعلى الإسلامي في أمور الاقتصاد على الوجه الآتي قال: «إن ~~الإسلام له ميزة إقامة مساهمة الأفراد في موارد بيت مال الأمة على قاعدة المساواة وإنه يكره ~~التبادل الطليق من كل قيد، واكتناز المال للأعمال المصرفية البحتة، واقتراض الدولة للمال، ~~وفرض المكوس على السلع اللازمة للحياة، وهو - من الجهة الأخرى - يؤيد حقوق الأب والزوج وحق ~~الملكية وتنمية المال للتجارة، فيقف في الواقع موقفا وسطا بين الرأسمالية ~~والشيوعية.» # ولا ينبغي أن نفهم الجزء الأخير من قول الأستاذ على وجه التحديد الحرفي أو الضيق، فإن ~~مراد الأستاذ أن يقول: إن المثل الأعلى الإسلامي يؤكد الناحية الاجتماعية أو مصلحة الأمة في ~~حكمه على نواحي الجهود الفردية الاقتصادية، ولا يرجع ذلك إلى بقية بقت عن اعتبار المال ~~عرضا زائلا، وأن الباقيات الصالحات خير عند الله وأبقى فحسب بل يرجع أيضا إلى توكيد ~~مصلحة الجماعة، ومن ثم كان استنكار فرض المكوس على لوازم المعيشة، ومن ثم المحاولات العديدة ~~لتحديد السعر العادل والأجر العادل في المعاملات، هذا من ناحية. # وأما من الناحية الأخرى فالموقف الإسلامي يشبه الرأسمالية في طور من أطوارها من حيث ~~عدم قيام الدولة بالمشروعات الاقتصادية وتركها الحرية (المحدودة طبعا بحدود ضرورة المراقبة ~~وحماية المصالح العامة) للجماعات والأفراد، فليس للدولة الإسلامية - كما كانت - خطة تنمية ~~الموارد وزيادة الإنتاج على ما نألفه الآن، إلا من حيث التدخل في أوقات الأزمات أو ~~المجاعات لحفظ الأرواح أو التدخل لصيانة موارد الخزانة بصيانة المنشآت العامة وقطع دابر ~~الفتن والبغي أو ما تقتضيه مصالح التجارة الخارجية من المفاوضات والاتفاقات مع الدول ~~الأجنبية أو ما يلجئ إليه إسراف أصحاب السلطان وجشعهم من اتخاذ ms060 الحيل والألاعيب لملء ~~الخزانة (بالمعنى الحرفي) كأنواع المصادرات والتلاعب بالسكة ودخول السوق للمتاجرة، وما إلى ~~هذا كله. # وشئون الزراعة وما يتصل بها لها مقام خاص في الاقتصاد الإسلامي في بعض أقطار الإسلام ~~كمصر والعراق والهند، فالزراعة يتوقف عليها قوت الرعية، والأموال المفروضة على الأرض ~~الزراعية مربوطة عليها عطاءات الأجناد، سواء أكانوا أحرارا كما في صدر الإسلام أم عبيدا ~~أو في حكم العبيد كما هو الحال فيما بعد، فاكتسبت الزراعة وأرض الزراعة وأهل الزراعة؛ وضعا ~~خاصا جامدا في الاقتصاد الإسلامي، أخرج الزراعة وأرض الزراعة من نطاق التجارب والتبادل ~~الحر، وأخرج أهلها من نطاق التمتع بالأهلية الكاملة وأدخلهم في نطاق الأدوات البشرية، ~~قصرت الزراعة بصفة أساسية على إنتاج ما يلزم لغذاء الأهليين وملبسهم وامتنع التفكير فيما ~~عدا ذلك (كالإنتاج الزراعي للتصدير للخارج مثلا) حذر نقصان الضروريات، وامتنع التداول ~~الحر في الأرضين حذر نقصان الغلة وتأثر أرزاق الأجناد بذلك، وخضع الفلاحون لنظام مقيد ~~لحريتهم، معطل لشخصيتهم خضوع الجندي للقانون العسكري، فأمر الفلاح وأمر الجندي سواء في ~~نظر المصلحة العامة. # لهذه الأسباب جمدت الزراعة على الحالة التي اطمأن المجتمع بالخبرة والواقع إلى أنها ~~الحالة الملائمة لظروف التربة والمناخ وما إليهما من عوامل الإنتاج الزراعي، وانعدم ~~التداول الحر في الأرضين ونشأ التزام الأموال المفروضة على الأرض الزراعية، وتولى ~~الملتزمون تنفيذ قانون الفلاحة، والباحثون في تاريخ الاقتصاد الزراعي المصري يغفلون عادة عن ~~الوجه الصحيح لتحديد موضوعهم، فيدور كلامهم عادة على محاولات لا تجدي للبحث عن نظريات ~~للملكية مختلطا بأحكام مستخرجة من التاريخ الأوروبي أو من القانون المدني النابليوني، ~~وهذه الأشياء وأشباهها لا تتصل بالموضوع فهو - كما رأينا - أعم من نظريات الملكية ومن ~~طرق جمع الضرائب ومن تاريخ حاصلات زراعية بعينها، وهو - كما رأينا - نظام خاص لا يستند ~~إلى تشريع إسلامي بعينه، بل تكون وتجمد ليلائم ظروف البيئة الطبيعية ~~والاجتماعية - وهو في الجملة - نظام واجبات «لا نظام حقوق». # تحطيم هذا النظام الذي خلقته أجيال عديدة جدا من الحياة المصرية تم على يد محمد علي، ~~وسهل عليه التحطيم ms061 لأن القوة التي وجد من أجلها النظام والتي كانت تقف دائما دون مسه ~~كانت قد تلاشت في وقت محمد علي، ذلك أن الأصل - كما شرحنا - ربط أرزاق الأجناد على ~~الأموال الأميرية المفروضة على الأطيان، ولما ضعف أمر الأجناد في العهد السابق للفتح ~~الفرنسي تطرق الضعف والاختلال للنظام الزراعي كله، فاختل أمر الضرائب، ووضع كل من ~~يستطيع يده على ما يستطيع من الأرضين أو من الحقوق الأميرية، وخرجت مساحات واسعة من نطاق ~~الضرائب لتكون رزقا إحباسية وهكذا. حقيقة بقي من النظام: جمود الزراعة على ما هي عليه، ~~منع التداول الحر في الأرض، وقانون الفلاحين، ولكن كان قد زال عنه حماته الطبيعيون: ~~الأجناد. # وأول ما مسه محمد علي كان في مرحلة الفحص والتحقيق عن الحقوق الأميرية، وبخاصة في شأن ~~الأموال الأميرية، وكشف له التحقيق عن ضرورة وضع حد لتشتيت السلطان، فقرر إلغاء نظام ~~التزام الأموال على الأرض مع بعض التعويض للملتزمين عن خسارة حقوق مكتسبة، وأدى ذلك إلى ~~عودة الأرضين لولي الأمر وإتالة المباشر بالفلاحين، ثبتهم فيما كان في أيديهم وزادهم على ~~توالي الزمن حقوقا في أراضيهم، وإن بقوا طوال مدته على خضوعهم القديم لقانون الفلاحة، ~~وتصرف في مساحات واسعة بالإنعام على رجال أرستقراطيته وأفراد بيته بشروط مختلفة أيضا أهمها ~~شرط الإصلاح والاستغلال. # واستطاع محمد علي بذلك أن يشرف على تنفيذ السياسة الزراعية الجديدة التي رسمها، والتي ~~كانت ترمي إلى عدم الاكتفاء بإنتاج ما يحتاج إليه السوق المحلي فقط، بل ترمي أيضا إلى ~~إنتاج حاصلات للتصدير، وبخاصة القطن المصري الجديد. # أما التداول الحر في الأرضين فلم يتم في عهده؛ لما سنشرحه بعد قليل، ولكن تغيرت طريقة ~~النظر إلى الأرض تغيرا تاما عما كانت عليه الحالة، وكانت الممهدات للنتائج التي ظهرت ~~فيما بعد وأخصها نزول الأرض في سوق البيع والشراء وشتى أنواع المعاملات ~~والاستغلال. # والظاهر من كل هذا أن محمد علي أحدث ثورة أو انقلابا في نظام عتيد، وهذا صحيح لحد ~~ما، ولكنه ليس بالصحيح في أمر أساسي يشترك فيه التنظيم الجديد والنظام ms062 القديم؛ فكلاهما يقوم ~~على قاعدة واحدة وإن اختلفت وسائلها لبلوغ الهدف، هذه القاعدة لا تزال في عهد محمد علي ~~كما كانت في النظام القديم: إن شئون الزراعة لها من المقام في الاقتصاد القومي ما يجعلها ~~على حدة، وإن خطورة تلك الشئون لمما يستدعي هيمنة خاصة من جانب الدولة عليها. # حقيقة بطل في عهد محمد علي ربط أرزاق الأجناد بها، ولكن لا تزال هناك من الأسباب القوية ~~ما يحمل على الاحتفاظ بالسيطرة التامة عليها؛ فهي لا تزال - كما كانت قديما - مصدر القوت ~~اللازم للحياة، وهي - كما كانت قديما - مصدر أهم موارده من حيث الضرائب، وزاد على هذا في ~~أيامه أنها أصبحت أهم مصدر لتغذية التجارة الخارجية، وزاد على هذا أيضا اعتقاده بأن ~~الاستمرار في سياسة التحسين والإصلاح يقتضي بقاء الهيمنة في يده ولو إلى حين، وهذا يقتضي ~~بقاء قيود الفلاحة على أهلها. # وقد قام محمد علي في - سبيل تنمية الثروة الزراعية - بصيانة منشآت الري والصرف وتجديدها، ~~ولم يكتف بهذا بل أحدث الانقلاب الكبير المعروف في نظام الري المصري، ومجمل تاريخ هذا ~~الانقلاب ينحصر في تدبير حل لمسألتين: الأولى؛ زيادة الإنتاج الزراعي، الثانية: ضرورة تدبير ~~ماء لري القطن - على الأخص - في غير زمن الفيضان، ولمنع الماء من أن يفيض على حقول ~~القطن في زمن الفيضان. فالمسألة إذن هي ضبط النيل - كما نقول الآن - على وجه جديد، وكان ~~حله الأول حفر الترع الطويلة العريضة العميقة؛ يجري فيها الماء معظم أيام السنة، وترتب على ~~ذلك الحاجة الشديدة إلى تطهير مستمر شاق. # وقد وصف لنا المهندس لينان دي بلفون في تاريخه للأعمال العامة في عهد محمد علي ما استلزمه ~~هذا التطهير من جهد وما قاساه الفلاحون من الشدة في أدائه، واتجه التفكير إلى تخفيف هذا ~~العناء ببناء قناطر الدلتا، ولم يتم بناؤها في عهد محمد علي، وحتى عندما تم بناؤها لم تكن ~~في حالة تسمح لها بأداء عملها على الوجه المقدر لها، ولجأ الخديو إسماعيل لاستخدام الآلات ~~الرافعة، وعلى كل حال فقد بدأ محمد علي ms063 سياسة الري الدائم التي سارت عليها مصر منذ تلك ~~الأيام. # وأمر الاحتكارات الصناعية يشبه أمر السياسة الزراعية؛ في كونها ابتدأت من أجل زيادة ~~موارد الخزانة، ثم تحولت إلى خطة عمرانية جريئة لإدخال الصناعة الكبرى بمصر، وهاك مثالا من ~~الاحتكار الصناعي في أول مراحله - كما جاء في الجبرتي، قال: «وفي أواخر سنة 1232 حجر وضبط ~~جميع أنواع الحياكة، وكل ما يصنع بالمكوك، وما ينسخ على نول أو نحوه من جميع الأصناف، من ~~إبريسم وحرير أو كتان، إلى الخيش والحصير في سائر الإقليم المصري. # وانتظمت لهذا الباب دواوين ورتبوا لذلك كتابا ومباشرين بالنواحي والبلدان فيحصون ~~ما يكون موجودا على الأنوال بالناحية من القماش والأكسية الصوفية المعروفة بالزعابيط ~~والدفافي ويكتبون عدده على ذمة الصانع، حتى إذا تم نسجه دفعوا لصاحبه ثمنه بالفرض الذي ~~يفرضونه وإن أرادها صاحبها أخذها من الموكلين بالثمن الذي يقدرونه بعد الختم عليها من ~~طرفيها بعلامة الميري، فإن ظهر عند شخص شيء من غير علامة الميري أخذ منه وعوقب وغرم، ~~ويطوف الموكلون بمباشرة الأنوال على النساء اللاتي يغزلن الكتان فيشترون ذلك بالثمن المفروض ~~ويسلمونه للنساجين ثم تجمع أصناف الأقمشة في أماكن للبيع بالثمن الزائد ...» إلى ~~آخره. # ثم حدث بعد هذا العدول عن هذا وأشباهه والشروع في تشييد المنشآت الصناعية الكبرى ~~المجهزة بالآلات الجديدة، والتي بفضلها تمكن محمد علي من كسوة جيشه وتسليحه وبناء ~~أسطول ضخم في الإسكندرية، فعل هذا في وقت قيام أصحاب مذهب «مانشستر» البريطانيين الداعين ~~إلى ضرورة تخصص كل إقليم بما يصلح له بحكم الطبيعة، فلا ينبغي للإقليم الزراعي بطبيعته أن ~~يحاول أن يكون صناعيا وهلم جرا، وكانوا قوما يكرهون تولي الدولة القيام بأي مشروع ~~صناعي، كما تحمسوا أشد التحمس للتبادل التجاري الطليق، فلا عجب أن كره من زار منهم مصر ~~(مثل: كوبدن المشهور أو الدكتور بورنج) سياسة محمد علي الصناعية، بل وبينوا له أن الأولى به ~~أن يصرف جهده في تنمية ما تصلح له مصر (كزراعة القطن مثلا)، كما أن شراء المصنوعات المتقنة ~~من أوروبا يكلفه أقل ms064 من صنع مثيلاتها في بلاده، وأظهروا نواحي الضعف في إدارة المصانع ~~وانتقدوا توجيه الأيدي العاملة من الحقول للمدن. # والواقع أن كل هذا واضح لمحمد علي وضوحه لزواره الأجانب، والرد عليه ليس عسيرا؛ فإن هناك ~~اعتبارات تتعلق بسلامة الوطن يهون بجانبها حساب الربح والخسارة، وهناك مصلحة قومية في ~~تنويع الإنتاج وفي تكوين الصناع الماهرين، تقتضي تنمية الصناعة مهما كلف ذلك، هذا من حيث ~~الاعتبارات القومية العامة، أما من حيث هذه المنشآت الصناعية بالذات فقد ثبت أنها لم تصرف ~~الأيدي العاملة عن الحقول، حقيقة كانت أزمة الأيدي اللازمة في الريف مستمرة طول عهده، ولكن ~~ذلك لا يرجع للصناعة الجديدة وإنما يرجع للتجنيد، أما تولي الدولة المشروعات الصناعية ~~فتفسيره أنه - في ظروف مصر إذ ذاك - إن لم تقم بها الدولة فلا يقوم بها أحد. # والصناعة الكبرى لم تخفق في مصر - كما يتوهم الكثيرون - إن الذي حدث كان عدول محمد علي ~~عن الاستمرار في منشآته الصناعية بعد إنقاص جيشه ومحو أسطوله. # ولكن الصناعة الكبرى الحرة ظلت على شيء من الحياة، والجذوة التي أشعلها لم تخمد، بل ظلت ~~في انتظار من يشعلها من جديد. # وكان في تدبير محمد علي أن يضيف الإنتاج الصناعي إلى الإنتاج الزراعي؛ لتنمية مادة ~~التجارة المصرية الخارجية، وقد أدرك إدراكا عجيبا أن موقع بلاده فريد في نوعه، ووجوب ~~استغلال ذلك الموقع كل الاستغلال، ولنسمع تعبيره عن هذه الحقيقة في وثيقة من وثائق حكمه: ~~«إنه بالنسبة لموقعها الجغرافي إقليم ومرسى لأهالي بلاد المسكونة البالغ نفوسها 600 مليون ~~تقريبا.» # أما وهذا شأن التجارة الخارجية؛ فكان مما لا بد منه أن تتولاها الحكومة، وأن يوليها ~~العناية الكبيرة والإشراف الدقيق، كان لا بد من ذلك في زمان انعدمت فيه الأدوات اللازمة ~~للمعاملات التجارية الكبرى، فأين المصارف التي تمول التاجر، بل أين الأموال اللازمة لهذا ~~التمويل، وأين أدوات النقل والتأمين، بل وأين أدوات تحديد الأسعار متصلة بمثيلاتها في ~~الأقطار الأخرى، فلا غنى إذن في ذلك الطور من نمو مصر عن مباشرة ولي الأمر شئون التجارة ~~الكبرى ms065 وخاصة أنه استطاع بتلك المباشرة أن يوجه الاستيراد نحو حاجاته الأساسية. # أتريد مثالا لطريقة محمد علي وأهداف محمد علي؟ عندما صدر «القطفة» الأولى من القطن ~~الجديد إلى لانكشير كان ذلك بواسطة بيت بريجز المستقر في مصر وإنجلترة، وقد كلف بيت بريجز ~~أن يخصم على ثمن بيع القطن نفقات تعليم الشبان المصريين بإنجلترة واسكتلندة وإصلاح سفينة ~~حربية له في إنجلترة، ألا ترى الجمع بين الحديد والعلم، ألا ترى أن الوسيلة المال؟ هذا شأن ~~التجارة الخارجية يغذيها الإنتاج الزراعي الجديد وقس على ذلك معاملاته مع مرسيليا ~~وتريستا ومع بمباي وامتدادها للأقطار الأفريقية والجزيرة العربية وأقاليم العالم ~~العثماني. # وقد فهم التجارة الخارجية على وجهها الصحيح، أنها تقوم على تبادل المنافع، ولكنه كان ~~حريصا على أن يحدد هو وجه انتفاعه منها، لا أن يحدد له، أو قل: إنه كان حريصا على أن ~~ينفع وأن ينتفع ولكن لا على أن يستغل، وقد فهم أيضا العناصر السياسية في نمو العلاقات ~~التجارية، فأدرك أنها طريق من طرق استرداد الشرق احترامه لنفسه وثقته في نفسه، واحترام ~~النفس والثقة في النفس مظهر تلك «المحافظة على شرف الناموس» التي ذكرها رفاعة ضمن صفات ~~محمد علي، والتي قلنا: إنها جماع خلقه. # تحيي التجارة الخارجية - محوطة بشروطه وضماناته - قيمة العالم العثماني، وهذا الإحياء ~~يكسبه وسائل الأخذ والعطاء، يمكنه من أن يساوم مساومة القوي السخي، وأن ينال نظير ما ~~يعطي وكان لا يهاب الأخذ والعطاء، ولا يخشى نمو العلاقات وتوكيدها، ولا يختفي وراء ~~كثبان صحاري مصر حذر عواقب الاتصال والمخالطة، فعل الضعفاء، بل يعامل ويخالط - مرفوع الرأس ~~- وبيده ما يحافظ به على شرف ناموسه تمام المحافظة؛ ففي يده قوة الحديد. ~~••• # ولم تكن القوة في نظره إلا وسيلة لا غاية، لم تكن إلا آلة العيش الكريم، فقد كان بطبعه ~~كارها لسفك الدماء، مؤثرا للاعتدال، لا يضع سيفه حيث يكفيه سوطه، ولا سوطه حيث يكفيه ~~لسانه (كما قيل عن علم آخر من أعلام الإسلام)، قال رفاعة - مفلسف النهضة: «وقد كان السلف ~~لا يعملون شيئا إلا ms066 أن تتقدمه النية الخالصة، ومع ذلك فقد نص العلماء أن من حج بنية ~~التجارة كان له ثواب بقدر قصده للحج، فكذلك الفاتح لمملكة إذا نوى إصلاح حالها وتربية ~~أهلها وتهذيب أخلاقهم وإسعادهم وتنعيم بالهم وتحسين أحوالهم برفع الظلم عنهم، كما يقضي به ~~حسن الظن في حق المرحوم محمد علي، وكما هو الواقع فهو مثاب قطعا، ولو داخله قصد منفعة ~~دنيوية مما لا يفارق الملوك من حب المحمدة في غالب الأحيان.» # ثم مضى رفاعة في عرض سريع لحروبه، وانتهى به إلى الملاحظة الدقيقة، وهي أن تلك الحروب ~~«لم تكن من محض العبث، ولا من ذميم تعدي الحدود؛ إذ كان جل مقصوده تنبيه أعضاء ملة ~~عظيمة، تحسبهم أيقاظا وهم رقود»، لم يعبث بالقوة ولم يله بالحرب وبالعسكرية، بل الأمر ~~كله جد وكله أعباء. # فقد حل محمد علي مشكلة تكوين القوة العسكرية على الوجه الذي أوجدته الديمقراطية ~~الفرنسية وليدة الثورة الفرنسية؛ أي التجنيد العام، وسوى بذلك أمرا استعصى على الحكومة ~~الإسلامية منذ صدور الإسلام، فمن استخدام لأهل المناطق الجدباء إلى جمع العبيد بيضا ~~وسودا، حاولت الحكومة الإسلامية هذا الحل أو ذاك، وكان سر اضطرابها وتزعزع كرسيها ونفاد ~~مواردها، وجال فكر محمد علي في المشكلة واهتدى إلى اقتباس الحل الفرنسي، واستخدم للتدريب ~~ضباطا أوروبيين وأنشأ معاهد الدراسات العسكرية، ولكن ذلك الجيش المصري الأول لم يكن - ~~كمثيله الفرنسي - وليد الفكرة الديمقراطية القائمة على المشاركة التامة في الحقوق ~~والواجبات. # بل أضاف محمد علي عبء الجندية على الأعباء الأخرى التي حملها الفلاح المصري، ولكننا لا ~~نستطيع أن نقول: إن جيلنا نحن قد جعلها بعد خدمة قومية عامة، فلنكن في نقدنا حذرين! ولعل ~~حمل الفلاحين المصريين وحدهم أعباء الجندية واستحقاقهم وحدهم شرف المباهاة بالانتصارات ~~الإبراهيمية كانا باعثين على اتجاه التفكير السياسي المصري في أطواره التالية لعصر محمد علي ~~نحو تقرير المساواة في الحقوق. # ولما كان نطاق السياسة المحمدية العلوية العالم العثماني كله؛ فقد ظهرت له أهمية القوة ~~البحرية أجلى ظهور، عرف ضرورتها، سواء أكان ذلك للحماية أم للعمل ms067 السياسي، فبذل أموالا جمة ~~لشراء السفن وتسليحها وجمع رجال البحر القدامى، وإعداد الجدد، ولما تحطم ذلك الأسطول ~~الأول في خليج نافارينو استقر رأيه توا على بناء أسطول جديد في دار الصناعة بالإسكندرية، ~~كان له نصيبه في حروبه مع حكومة السلطنة. # وخط بحرية محمد علي غير خط الجيش، تلك اختفت بعد حوادث سنة 1840، ونستطيع أن نتصور كيف حز ~~هذا في نفسه، وقد شهد بعينيه في ساعات الفجر والضحى والزوال وفي أيام الحر والقر؛ كتل ~~الخشب والحديد ولفات الحبال والقماش تتحول في أيدي صناعه المصريين غلايين وفرقاطات، ~~وكان يوم إنزال السفينة في البحر كاملة العدد والعدة من أيامه المشهودة. # والجيش بقي، إلى أن صدر دكريتو من مادة واحدة في سنة 1882 والمادة هي: إلغاء الجيش ~~المصري. ~~••• # رأي أصحاب الاشتراكي سان سيمون في محمد علي مصطنع الحديد والمال والعلم، محقق الحلم الذي ~~حلموه، فاتحة العصر الذهبي الذي رجوه، أشادوا بالرجل الذي جمع في يد واحدة السيف والآلة، ~~واتخذ منهما معا أداة واحدة، الذي خلق من آلات القتال وآلات الإنتاج نظاما واحدا ~~منسجما، قال رئيسهم انفانتان: «في أوروبا القوة السياسية تكافح القوة الصناعية، أما في مصر ~~فلا كفاح، ففيها منع امتزاج القوتين عن المجتمع الفتن والاضطراب، يسيطر ولي أمرها على ~~الزراعة والصناعة والتجارة والعلوم والفنون والجيش والبحرية، وبهذا يستطيع أن يكبح جماح ~~عناصر الجمود أو الرجعية وأن يطلق العنان للقوى المنتجة»، هذا رأي، وهذا الفيلسوف بنتام ~~يبدي إعجابه بالحاكم المسلم الذي حرر نفسه من خزعبلات الماضي وأوهامه، ويشير عليه «بتطعيم» ~~نظمه بشيء من «البنتامية»: في نظم الحكم وفي طرق تدريب ولي العهد، بذلك يكتسب لمنشآته قوة ~~على مغالبة الأيام. # وليس محمد علي بالرجل الذي لا يعرف للفلسفة حقها أو للفلاسفة قدرهم، على قلة ممارسته ~~لبضاعتهم، والواقع أنه أقام على المعنويات أكثر مما أقام على الحسيات (شأن الرجال ~~العمليين)، وأن دوافعه وحوافزه كانت كلها أخلاقية: الكرامة، الجد، الرفعة، العمران، إيقاظ ~~الهمم، إلا أن تعبيره هو عن عمله أصدق وأبسط من تعبير أنفانتان، قال في حديث ms068 مع بوالكمت: # لقد وضعت يدي على كل شيء، ولكن لكي أجعل كل شيء مثمرا. # والمسألة مسألة إنتاج، وإذا لم أقم به أنا، فمن يقوم به غيري ؟ أين الذي كان يقدم ~~الأموال اللازمة ويشير بالخطط التي تتبع والمزروعات التي تزرع؟ أين الذي كان ~~يستطيع أن يأخذ الناس (ولو على الرغم عنهم) بطلب العلوم والمعارف التي ترتب عليها ~~تفوق أوروبا؟ أتعتقد أن أحدا في هذه المملكة خطر له أن يجلب القطن والحرير ~~والتوت؟ لا أحد، كان لا بد لي أن أقود هذه البلاد قيادة الأطفال، وإن تركها لنفسها ~~يسلمها للفوضى التي أخرجتها منها. # وقد نوه المنوهون بتمكن محمد علي من القيام بكل ما قام به بدون أن يستدين، وقد ~~كان معاصروه يتوقعون له الإفلاس المالي سنة بعد أخرى، وفي كل سنة لا يحدث ما توقعوه، تلك ~~حقيقة تستحق التنويه، وقد نسبوها إلى أنه «كان لا يخرج القرش قبل أن يعرف أين سيضعه»، وهذا ~~صحيح، ولكن الأمر أعمق من شئون التدبير المنزلي، لم يستدن محمد علي ولم يفلس؛ لأنه حرم ~~نفسه ورعيته من أكثر أرباحه وأرباحهم، من الكد في الزراعة والصناعة والتجارة، فكان شأنه ~~شأن المشتغل بعمل صناعي يضيف ربح كل سنة لرأس المال أو ينفقه في إضافات وتحسينات ولا يمسك ~~منه إلا قدرا يسيرا، هذا هو السر، نذكره لنذكر معه محمد علي وجيل محمد علي من الفلاحين ~~المصريين بالشكر وعرفان الجميل؛ فقد شقوا لنسعد، وكدوا لنهنأ. # | الفصل السابع # وحمل أيضا ذلك الجيل من الفلاحين المصريين أعباء تنفيذ المشروع الخطير: مشروع إحياء ~~العالم العثماني، رسمه محمد علي منذ الأيام الأولى وسار في تنفيذه بخطى ثابتة متئدة، ~~رسمه حاضر في ذهنه وإن خفى على معاصريه ومؤرخيه، وسعيه إلى تحقيقه متواصل وإن بدا ~~أحيانا في لغة الكلام أو لغة الفعل منحرفا عنه إلى هدف آخر، ولم يكن ذلك الانحراف ~~الظاهري إلا أسلوب السياسي الحاذق يعدل المظهر ليكسب الجوهر، أو القائد الماهر يولي وجهه ~~وجهة أخرى في حركة التفاف توصله إلى غرضه الأصلي. # والسر في خفاء ms069 المشروع على معاصري محمد علي الأوروبيين ومؤرخيه المحدثين يرجع إلى أن ~~القاعدة التي اتخذها محمد علي أساسا لعمله - وهي مصر - عظيمة في حد ذاتها، يصح جدا أن ~~تكون ملكا قائما بنفسه ولنفسه، من حقه أن يملك ولكن لنفسه وبمقتضى حاجاته، وهي جزء - إذ ~~ذاك - من كل، ولكنه جزء يستطيع ويحق له أن يكون الكل، هذا الوضع للمسألة كلها هو الوضع ~~الأوروبي المعاصر لمحمد علي، أخذه المؤرخون المحدثون - وإن أدهشهم هذا. # وكل الفرق في الصياغة وفي إضافة حقوق الفتح والتغلب «للكل» المصري، وهي مسألة نسبية: تريد ~~أوروبا المعاصرة أن يكون الفتح والتغلب «للكل» المصري في المجاهل الأفريقية، أو - عندما ~~تسخو - في بعض «الباشويات» العثمانية الشرقية والغربية حينا ما، وتفضل - على كل حال - أن ~~ينصرف «الباشا» لإسعاد رعيته البائسة، ويريد مؤرخوه أن يكون «للكل» المصري كل ما يستطيع أن ~~يمد إليه يده، ويتفقون جميعا في أن مصر عالم قائم بنفسه. # ولم تستطع أوروبا المعاصرة أن تجعل محمد علي كما تريد، ولا نستطيع نحن أن نجعله كما ~~نريد، فالرجل - كما كان - لم يكن جماع باشويات، بل كان رجلا عبقريا نشأ في عالم ذي موقع ~~فذ وسمت همته لأن يعيد لذلك العالم حيويته ومكانته وسيرته، موفقا بين غابره ~~وحاضره، ملائما بين حاجاته وحاجات الإنسانية جمعاء، ورأت أوروبا المعاصرة أن مصالحها تقتضي ~~بقاء ذلك العالم على حاله، فكان تألبها على إفساد المشروع وفشله. # ينتمي محمد علي لطور من أطوار التفكير الإنساني لا يعرف لتنظيم الحياة السياسية إلا ~~أساسا واحدا، هو: وحدة الحضارة، أو ما يمكننا أن نسميه: وحدة التمسك التاريخي. وهذه ~~الوحدة لا تتنافى مع انفصال الأوطان بل ولا تتعارض مع تعلق الناس بأوطانهم الخاصة، ولا ~~تشترط إلا عدم فناء الكل في الأجزاء، فلا يضيرها نماء جزء لإحياء الكل، وهذا النوع من ~~التنظيم لا يستلزم حتما وحدة الحكومة فيكتفي أحيانا بغير الحكومة من النظم العامة، وقد ~~تكون دينية أو ثقافية أو قانونية، وهكذا. # وفي ظل هذا النوع من التنظيم السياسي تتنوع طرق زعمائه تبعا لظروف ms070 أزمنتهم؛ فمنهم من ~~يحاول منع قيام الوحدة السياسية؛ حرصا منه على استقلال جزئه، ومنهم من يحاول تقوية الجزء ~~ليؤثر به أو يسير بواسطته في السلطة العامة السياسية عند وجودها، كما أن منهم من قد ~~يهدم تلك السلطة العامة أو ينقلها لنفسه، هذا من حيث العلاقات الداخلية في الوحدة، أما عن ~~العلاقات الخارجية فوجهة نظر الزعماء إليها تتنوع هي الأخرى بحكم ظروف الأحوال، منهم من ~~يتأثر بفكرة المحافظة على نوع الحضارة فيتجه عمله للجهاد، ومنهم من يتأثر بفكرة بسط ~~سلطان الحضارة بالاستعمار، كما أن منهم من يحاول - في ظلال السلم - تنمية العلاقات ~~الاقتصادية والثقافية، وما إلى ذلك. # هذا مثل العالم الذي نما فيه محمد علي وغيره من أعلام الإسلام، اخترنا منهم صلاح الدين ~~لتقريب فكرتنا عن محمد علي، وقد لاحظنا عند ذاك أنه اتخذ من مصر قاعدة لإحياء دار الإسلام ~~للحرب، وفرقنا بينه وبين محمد علي لذلك، والآن نعرض مثلا آخر، نختاره من عالم آخر: ~~العالم اليوناني بعد موت الإسكندر، والعلم الذي سندرسه يتفق مع محمد علي في أن القاعدة التي ~~عمل منها كانت مصر. # قال مؤرخ مصر البطليموسية الرومانية الأستاذ بييرجوجيه في تحليله لسياسة بطليموس الأول: ~~«لكي يخلق من مصر ملكا غنيا قويا عمل بطليموس على أن يضم إليها مكملاتها الطبيعية، ~~برقة في غربيها وسوريا (وعلى الأخص أجزاؤها الجنوبية) شرقيها؛ ذلك لأن مصر كانت تستورد من ~~سوريا ما تحتاج إليه من الأخشاب والمعادن، كما أنه عمل على أن يهيمن على الطرق التجارية ~~التي كانت تنتهي عند الإسكندرية أو مراسي البحر الأحمر، كطريق النيل الآتي من قلب القارة ~~الأفريقية ومسالك الصحراء التي تنتهي عند مراسي البحر الأحمر ... وهذه المراسي كانت تصل إليها ~~أيضا حاصلات بلاد العرب وسواحل أفريقية والشرق الأقصى، وكطرق البحر المتوسط بصفة خاصة، ~~وقد ترتب على ذلك أنه سعى لربط مملكته بالجزائر القريبة: كريد وقبرص ورودس وجزائر بحر ~~الأرخبيل، وذلك بواسطة التحالف والصداقة أو السيطرة والحماية، كما ترتب على ذلك أيضا ~~محاولته بسط نفوذه في مدن الساحل الفينيقي والأناضولي؛ ms071 إذ كانت تلك المدن نهايات الطرق ~~الآسيوية الكبرى الآتية من بلاد الحرير والتوابل. ويتضح من هذا كله أن تلك السياسة تتنافى ~~مع بقاء وحدة الإمبراطورية المقدونية سياسيا، وتعمل دائما على منع عودة تلك الوحدة ~~بمحاربة كل من يسعى لإقامة دولة الإسكندر من جديد»، وآثر البطالسة وحدة من نوع آخر، وحدة ~~الثقافة، فكانت جامعة الإسكندرية. # هذا إلى أن الفواصل بين البطالسة وأهل مصر ألزمت الملوك بتأكيد المظاهر الفرعونية في ~~ملكهم المنفصل عن العالم اليوناني، كما أن ذلك العالم لم يشهد بعد انتشار قوة الجمهورية ~~الرومانية في البحر المتوسط، فلم تكن الحاجة إلى العمل لتوحيده سياسيا ظاهرة ظهور ~~الحاجة لبقائه مشتتا، وفي الأمرين يختلف موقف محمد علي عن موقف بطليموس؛ يختلف أولا: ~~في أن محمد علي ورعيته ينتميان إلى عالم واحد، ويختلف ثانيا: في أن العالم العثماني متصل ~~بأوروبا من جهة وبالأقطار الأخرى من دار الإسلام من جهات أخرى، فكانت السلامة في الوحدة ~~لا في التجزئة، وكانت القوة والرفاهية في إدارة عقل واحد لملك متنوع الموارد، متنوع السكان، ~~يملك أقصر الطرق بين الشرق والغرب. # وإنا بهذا التصور للخطة المحمدية العلوية؛ نذلل كل الصعوبات التي تعترضنا في فهم أعماله ~~ونستغني عن «اختراع» تفسيرات لها، فلا نحتاج عندما نتكلم على شرح حملته على بلاد العرب أو ~~إخماده الثورة اليونانية أو فتوحه في السودان إلى أن نقول: إنه لم يستطع عصيان أمر السلطان ~~إذ ذاك فلم يسعه إلا الرضوخ، أو أنه أحب أن يتخلص من هذه الجماعة أو تلك من العسكر، أو أحب ~~أن يجد ذهبا ... هذا كله - وأمثاله - موضعه تاريخ «الدايات والبايات والباشويات والزعامات» ~~لا تاريخ محمد علي. # فهو يقضي على البغاة أو الثائرين؛ لأنه يعمل على إحياء العالم العثماني، ولأن الإحياء ~~خطته هو، والعمل عمله هو، ولا نحتاج عندما نتكلم على حروبه مع حكومة السلطنة إلى البحث فيما ~~وعد السلطان ولم ينجز، أو إلى الفصل فيما بينه وبين والي عكا من خصام، بل نرتفع بالبحث إلى ~~مرتبة أرقى فنقول: أتعذر على محمد علي ms072 أم لم يتعذر المضي في عمله بلا إرغام لحكومة ~~السلطنة على التسليم له بحرية العمل؟ وهكذا نتصور الأمر. ~~••• # في فترة توازن القوى التالية لمعاهدة تلست، وفي سواحل وأراضي البحار العربية التي كانت ~~تكون الحدود المبهمة للعالم العثماني؛ كانت أعمال محمد علي الأولى لإحياء القوة ~~العثمانية، وكانت الدولة منذ أن عجزت عن إقصاء البرتغاليين ومن جاء بعدهم من رجال البحر ~~والتجارة الأوروبيين عن البحار العربية، ومنذ أن تخلت عن سواحل اليمن في منتصف القرن السابع ~~عشر قد تركت - فيما عدا الاهتمام الذي لا غنى لها عنه بالحجاز - شئون البحار العربية ~~ومناطقها لأهلها وللاستعمار الأوروبي، فنمت أنواع مختلفة من السلطان العربي في مناطق ~~الخليج الفارسي، وسواحل بلاد العرب الجنوبية وسواحل البحر الأحمر والمحيط الهندي في أفريقية ~~وآسيا، وانعزلت تلك الشياخات والإمارات والسلطنات عن الحياة العثمانية العامة السياسية ~~والاقتصادية، واضطرت إلى تدبير معاشها والاحتفاظ بكيانها بالعمل في التجارة البعيدة ~~والقريبة وفي مناطق الاستعمار العربي، على الساحل الأفريقي أو في الجزائر والسواحل الهندية ~~وما وراءها، كما سعت إلى إنشاء صلات نظامية بالأمم الأوروبية صاحبة المستعمرات والوكالات ~~التجارية في تلك المناطق. # وكان لحكومة السلطنة نوع مبهم من حقوق السيادة، تباشرها وتتولاها من عدة قواعد: ~~القاعدة الأولى؛ ولاية جدة، وتلحق بها الدولة عادة ولاية الحبش (والطريف أن بعض المطلعين ~~على وثائق ذلك العهد «يصححون» لقب إبراهيم باشا والي الحبش إلى والي الجيش) والمفهوم أن ~~ولاية الحبش تمتد امتدادا لا يمكن تحديده على ما نعرفه الآن بسواحل السودان وإريترية ~~والصومال الفرنسي، أما مقدار امتدادها للأراضي الداخلية فلا تحديد له، وينبغي أن نلاحظ هنا ~~أن وصل فتوح محمد علي السودانية بمناطق النفوذ العثماني على البحر الأحمر أضبط تاريخيا ~~وأدق من وصل تلك الفتوح - كما يفعل المحدثون - بالفكرة النيلية البحتة، وكانت ولاية ~~جدة أيضا إحدى قواعد العمل في الحجاز، قلنا العمل؛ لأن الدولة لم تستطع أن تمنع قيام نوع ~~من الحكم الثنائي في مكة يتركب من حكم بيوت من الأشراف والنفوذ العثماني. # أما القاعدة الثانية للسياسة العربية: فباشوية مصر، ms073 ففي تلك الباشوية الأرزاق والخيرات ~~التي رصدها السلاطين على الحرمين، ومن تلك الباشوية أيضا تجهيز التجريدات الكبيرة أو ~~الصغيرة التي تضطر السلطنة من وقت لآخر لإرسالها للحجاز لضبط أحواله، وباشوية مصر أيضا ~~كانت النافذة التي أطل منها الباب العالي على البحر الأحمر، وراقب منها حركات ~~الأوروبيين أو ما هموا به من الحركات. والقاعدة الثالثة: باشوية دمشق، ومهمتها مهمة ~~القاهرة، لحد ما؛ فهي أيضا مركز تجميع لأرزاق أهل الحرمين، وهي أيضا قاعدة تجريدات ~~عثمانية لضبط الأمن، ولكنها ليست مركزا للعمل ذي الصبغة السياسية. # أما القاعدة الرابعة: فكانت باشوية بغداد، لا تقل شأنا عن القاهرة إن لم تفقها؛ ففي ~~نطاقها الخليج الفارسي وطريق الفرات إلى حلب والبحر المتوسط، ومن مهماتها الأساسية مراقبة ~~ما يجري في نجد (وما يخرج من نجد)، وفي أرضها مزارات الشيعة، وهي النافذة التي أطل ~~منها الباب العالي على العالم الإيراني وما وراءه، وراقب منها حركات الإيرانيين والأوروبيين ~~أو ما هموا به من الحركات. # من هذه القواعد الأربع عملت الحكومة العثمانية على ألا تكون تلك البحار العربية شريانا ~~من شرايين الحركة التجارية، بل على أن تكون «بركا» آسنة، شأن حكومات الضعف تخشى أبدا ~~سياسة الحركة، وكانت الدولة قد حصلت في القرن الثامن عشر على درجة من السكون أو الركود في ~~تلك المناطق قرت بها عين السلطان، ولكن حدث ما عكر الصفو ونبه السلطان إلى تلك ~~المناطق المتعبة، فها هم الأوروبيون قد تركت الدولة لهم تلك البحار يتاجرون فيها، وينشئون ~~الوكالات على سواحلها ويحاربون أو يسالمون شيوخ العرب وأمراءهم، ورخصت لهم بنقل بريدهم ~~وما خف من متاجرهم من البصرة إلى حلب والإسكندرية، ولم تطلب منهم إلا أن لا يتعدوا جدة ~~شمالا، فهل قنعوا بذلك؟ لم يقنعوا بذلك؛ شأن الأوروبيين، لا يستريحون ولا يريحون، بل حدثت ~~لهم محاولات ومساع لفتح طريق آخر للسويس ثم القاهرة ثم الإسكندرية، وهذا سيئ في حد ذاته، ~~وأسوأ منه دخول هؤلاء الأوروبيين في مفاوضات ومساومات مع العصاة في القاهرة ~~«الأمراء». # وليت المحاولات كانت من جانب دولة ms074 أوروبية واحدة أو حتى من جهة أوروبية متحدة؛ فيستطيع ~~الباب العالي أن يعرف أين هو، ولكنه وجد منافسة أوروبية قوية حول استعمال الطريق بين ~~الإنجليز والفرنسيين والهولنديين بل والنمسويين، كأن هؤلاء قد أدركوا - على آخر الزمان - ~~أنهم ورثة جمهورية البندقية! وأشق من هذا أن الإنجليز أنفسهم أو الفرنسيين أنفسهم؛ ~~انقسموا فيما بينهم واختلفت آراؤهم فيما يجب أن يكون الأمر عليه بحكم المصالح الخاصة لكل ~~فريق، فمن الإنجليز من كره الفتح المطلق لطريق البحر الأحمر ومصر وآثروا عليه الطريق ~~الطويل، طريق المحيط، هذا رأي «شركة الهند الشرقية» سلطانة الهند البريطانية، وصاحبة ~~الاحتكار في التجارة الهندية، وكل ما ترجوه الشركة طريقا لبريدها وموظفيها أقصر وأسلم من ~~طريق الخليج الفارسي والفرات وبخاصة بعد ازدياد الاضطراب في باشوية بغداد وفي بحارها، ~~وعملت على فتح البحر الأحمر ومصر لذلك الغرض المحدود، ولم يرض هذا جماعة الناقمين على ~~الاحتكارات الهندية من الإنجليز، فعملوا بالاتفاق مع الأمراء على فتح الطريق المصري كاملا ~~لكل شيء. # وتود الحكومة البريطانية - فهي أيضا حكومة محافظة وسكون يسرها سكون السلطان - أن لو ~~بقى كل شيء على حاله، ولكنها لا تستطيع أن تترك مشروعات رعاياها دون رعاية، إن فعلت ذلك ~~تغلب عليهم منافسوهم من الفرنسيين، هذا والشركة نفسها يرضيها العمل على نيل الترخيص بنقل ~~البريد في الأرض المصرية، فلم يسع الحكومة إلا التدخل رسميا؛ لتأييد ذلك على الأقل، ودارت ~~الحوادث في الأعوام الأخيرة من القرن الثامن عشر على هذا النحو من الاضطراب والتصديع لرجال ~~الدولة، تسوءهم تلك البوادر، وقد أثبتت التجربة أن لها دائما ما بعدها، وحرص السلطان على ~~أن يحذر الشريف في مكة والأمراء في القاهرة من عواقب التورط مع الأوروبيين، وقال لهم بصريح ~~العبارة: تذكروا الهند وما جرى فيها؛ نزلها الأوروبيون، تجارا ثم انقلبوا لها سادة، ~~وأنذرهم بنتائج اقتراب غير المسلمين من ساحل الحجاز. # ثم نزل بونابرت في مصر واحتلها، وتحالفت الحكومة العثمانية مع الروسيا وإنجلترة لإجلاء ~~بونابرت ورجاله عن مصر، وتقدمت السفن الحربية البريطانية نحو السويس، وقدم قسم من الجيش ms075 ~~البريطاني الهندي للبحر الأحمر للاشتراك في الحرب ضد الفرنسيين في مصر، ونزلت حامية ~~إنجليزية هندية في جزيرة بريم في مضيق باب المندب للسيطرة على مدخل البحر الأحمر، أدى هؤلاء ~~الإنجليز والهنود جميعا واجبهم ورجعوا لقواعدهم، ولكن هل زالت بذلك ذكرى ما حدث؟ ذكرى ما ~~يستطيع هذا الطريق أن يؤديه، ذكرى وجوب المراقبة والاستعداد. # وعلاج الباب العالي لذلك الاضطراب في البحار العربية الصبر والمطاولة وفرصة الانقسام فيما ~~بين الأوروبيين، ولكن جد في البر اضطراب آخر من نوع آخر، تطلب أكثر من الصبر وطول ~~البال، ذلكم كان الانفجار الوهابي؛ لم تستطع حكومة السلطنة أن تغمض عينها عن تلك الحركة ~~وآثارها كما كانت تفعل بإزاء حركات القبائل وما جرى على نمطها، فالدعوة الوهابية والإغارات ~~الوهابية في جميع الاتجاهات في البر وعلى البحر، والسيطرة الوهابية على الحرمين، كل هذا كان ~~شيئا جديدا لا يمكن تركه يجري مجراه، ولا تستطيع الدولة بصفتها حكومة نظامية إلا أن ~~تقمعه، فأصدرت أوامرها لأصحاب القواعد في دمشق وبغداد والقاهرة للقيام به، وتقاعس أو ~~عجز صاحبا بغداد ودمشق، وتولاه صاحب القاهرة ابتداء من سنة 1811م. # لم يتقاعس صاحب القاهرة ولم يعجز؛ وقد انفتح أمامه ميدان فسيح الأرجاء خليق ببذل الهمة ~~وبالنظرة النافذة وبالأمل الواسع، فالبحار العربية وسواحلها أجزاء أساسية من العالم ~~العثماني، أهملها السلاطين إهمالا معيبا، وهي شرايين الحياة بين الشرق والغرب، تصلبت ولا ~~بد من أن يجري فيها الدم من جديد، وخلف تلك السواحل في أفريقية أجزاء من دار الإسلام، ~~مشتتة فاترة الحياة، لا بد من وصلها بعضها ببعض وبالعالم العثماني ومن جعل ذلك العالم وحدة ~~حية، انفتحت أمام محمد علي هذه الآفاق منذ سنواته الأولى في مصر، شهد بعينيه في القاهرة ~~الجنود الهنود القادمين عن طريق البحر الأحمر والقصير والسويس لطرد الفرنسيين من مصر، وتحدث ~~إلى رجال أوروبيين وعرب حضروا عهد الأمراء واشتركوا في محاولات القرن الثامن عشر لإحياء ~~الطريق المصري لأوروبا، ولهم بالتجارة الهندية والعربية صلات، وفي الواقع سعى محمد علي في ~~تلك السنوات الأولى ليوجد صلات ms076 بينه وبين السلطات البريطانية في الهند. # ولكن الواجب الأول كان تأمين الحجاز ورد القوة الوهابية لموطنها الأصلي، وعهد لابنه طوسون ~~قيادة تجريدة من الأخلاط الذين كانوا يكونون جيشه في ذلك العهد، وأبدى محمد علي من ~~الهمة في الاستعداد والتموين وأدوات النقل وتنظيم «المخابرات» ما أدهش معاصريه، وحدث لطوسون ~~ورجاله ما يمكننا أن نتوقعه لشاب لا يملك خبرة عسكرية ما على رأس شراذم الألبانيين والدلاة ~~ومن على شاكلتهم، واضطر محمد علي للسفر لبلاد الحجاز بنفسه، وقد قضى فيها وقتا طويلا تم ~~فيه استخلاص الحرمين، وهذه الأشهر التي قضاها في بلاد العرب أكسبته علما وثيقا بمختلف ~~الشئون العربية في الحجاز وغير الحجاز: شئون الحكم، علاقات الإمارات والقبائل، مدن السواحل، ~~مصالح الأوروبيين، ومكة المكرمة - نعم المركز للدراسة والاستطلاع. # وبعد عودته من الحجاز واستقرار الأحوال في القاهرة - بعد أن اضطربت بعض الشيء في أثناء ~~غيابه - انتقل للمرحلة الثانية من خطته العربية، وكانت المهمة فيها إزالة السلطان السياسي ~~والحربي للوهابية بالاستيلاء على نجد، وتولى هذه المهمة ابنه الأكبر إبراهيم؛ وقام ~~بها قياما فيه كل الدلالة على ما سيقوم به في المستقبل، كتب القنصل الإنجليزي هنري صولت في ~~رسالة من القاهرة في أوائل 1817: «لقد دلت معاملة إبراهيم للقبائل البدوية على امتلاكه ثلاث ~~ميزات تبشر بالفوز في النهاية: حزم في معاملة أعدائه، سخاء في البذل، وفاء بالعهد»، وفاز ~~إبراهيم - كما توقع له صولت - ودخل الدرعية قاعدة السلطان الوهابي. # تلت هذا الانتصار سنوات استقرار واستعداد في مناطق النفوذ المصري من الجزيرة العربية، ~~وقف التقدم فيها نحو الشرق إلى الخليج الفارسي ونحو الجنوب إلى اليمن أمران: أولهما؛ انتظار ~~تأليف قوات عسكرية نظامية (وهذا كان مما يعمل فيه إذ ذاك)، وأما الثاني: فاستخدامه قواته ~~غير النظامية في فتوح أخرى أوحت بها - كما قدمنا - سياسة البحر الأحمر؛ إذ هي ~~ألصق بها، فقصد للفتوح في المناطق الممتدة خلف ما عرفناه باسم ولاية الحبش أو مايعرفه ~~المحدثون باسم فتوح السودان. # يعرفها المحدثون بهذا الاسم؛ لأنهم ينظرون إليها في ضوء ما يزيد على مائة ms077 سنة للتطور ~~المصري السوداني، أما نحن فنحاول أن ننظر إليها بعين ذلك العصر، ولا نستطيع أن نغفل اتجاه ~~تلك الإمارات العربية في السودان، إذ ذاك نحو البحر الأحمر، والجزيرة العربية عموما، ومكة ~~المكرمة خصوصا: مصدر حياتها الروحية، وسوقها للحاجات الحسية، فوصل فتوح السودان بنمو الخطة ~~المحمدية العلوية في الجزيرة العربية وبحارها أدق وأضبط تاريخيا من وصلها بأية ~~فكرة عامة أخرى نحاول أن ننسبها لتلك الأيام، بل إن الدارس المتعمق لخطط الخديو إسماعيل ~~فيما بعد لا يسعه إلا أن يرى عظم شأن البحر الأحمر وخليج عدن في إمبراطوريته الأفريقية: ~~في نواحي التقدم الاقتصادي، والمواصلات ما بين مصر والمناطق الداخلية، وسلامة تلك ~~الإمبراطورية ووحدتها. # وقد يعترض علينا بأن محمد علي اختار لتجريدته الأولى طريق النيل على وعورته، والرد على ~~هذا الاعتراض وجيز: اختار محمد علي السير من أسوان جنوبا؛ لأن التجريدة كانت مهمتها ~~الأولى (من حيث الزمن) تشتيت ملك بقايا الأمراء المصريين في حلفا ودنقلة نهائيا وتأمين ~~حدود مصر الجنوبية تماما، أتمت التجريدة هذه المهمة ثم أوغلت في فتح الإمارات العربية في ~~الشرق والغرب، وفيما بين النهرين، وكان على رأسها ابناه إسماعيل وإبراهيم وصهره الدفتردار، ~~ولم تطل إقامة إبراهيم في السودان؛ ألزمه المرض بالعودة لوطنه، وها هنا أيضا أبناء محمد ~~علي في الطليعة دائما. # عاد إبراهيم ولكن إسماعيل لم يعد؛ فقد راح ضحية اجتهاده في الوفاء بحاجات الجريدة ~~الملحة للمال والرجال، وكتب أبوه للدفتردار: «إنه علم من إفادته فقد ولده إسماعيل باشا، ~~وهذا قضاء مبرم لا حيلة فيه خلاف الصبر، ثم السعي بالتبصر والتدبر في أمور ~~المصالح.» # ونود لو اتسع أفق المؤرخ (من أي أمة كان) عند كتابته تاريخ الاتصال ما بين مصر ~~والسودان الذي أنشأه محمد علي على اتساع الآفاق التي فتحها الفتح المصري؛ نود ألا ينحصر ~~الأمر في أن ما أتى بعد كان خيرا مما فات قبل، أليس المعقول أن يكون الأمر كذلك؟ أليس ~~المعقول أن الإدارة التي تملك السكك الحديدية والسفن البخارية، والتلغراف والتلفون، وطب ~~المناطق الحارة، والأخصائيين في ms078 الدراسات الاجتماعية والعلمية النظرية والتطبيقية، ~~والمهندسين، والمعلمين، وغيرهم من الفنيين والجنود النظاميين؛ لديها أدوات ووسائل لم ~~تملكها إدارة ما في كل أنحاء المعمورة في سنة 1820؟ # وإن كانت هناك حاجة لموازنات ومقارنات ألا يقتضي الإنصاف أن تكون الموازنة بين ~~إدارات سنة 1820 بعضها ببعض، وبين حظ فلاحي مصر والسودان وصناع مصر والسودان في تلك ~~السنة وحظ أمثالهم في الوقت نفسه في سهول الروسيا والمجر وألمانيا، بل وفي غربي أوروبا ~~أيضا وفي مدن إنجلترة الصناعية الجديدة، وبين تجارة الرق وأحوال الرقيق في العالم ~~العثماني وبين تجارة الرق وأحوال الرقيق في نفس الوقت في الجمهوريات والمستعمرات الأمريكية ~~السكسونية واللاتينية، وفي المستعمرات الأوروبية في أفريقية وفي آسيا وفي الأقيانوسية؟ لا ~~نخشى شيئا من الموازنة والمقارنة، ولكننا نود أن نرتفع عنها وأن ندعو للارتفاع عنها، ذلك ~~لا لأننا نتجنب الحقائق التي نكرهها؛ بل لأننا نحب أن نضع كل حقيقة مما نحب ومما نكره ~~موضعها الجدير بها فلا تختل المقاييس ولا تضطرب النسب بين الأشياء، ومن أجل ذلك نود لو ~~قل الكلام في مقدار ما أفاده محمد علي من فتوحه السودانية، ومقدار الذهب والعبيد وريش ~~النعام والعاج وارتقى إلى الأشياء الجوهرية. # أول تلك الأشياء أن محمد علي الحاكم المسلم بعث جيشا من المسلمين للفتح في بلاد إسلامية ~~تجاورها بلاد الزنوج الوثنيين وبلاد الحبش، ومنهم مسلمون ومنهم نصارى أو يهود، ومثل هذا ~~الفتح ليس امتلاكا ولا استعمارا؛ فالمسلمون لا يملكون رقاب المسلمين، فالفتح هنا ضم جزء ~~من دار الإسلام إلى الأمة الإسلامية لإحياء ذلك الجزء بإشراكه في الحياة الإسلامية الكبرى، ~~ولنزد تحديد ذلك بيانا (ولننقل في هذا عن رجل نقلنا عنه في مواضع أخرى: رفاعة، وقد سكن ~~السودان منفيا في أيام عباس الأول)، لاحظ رفاعة على الأهلين «قبولهم للتمدن الحقيقي؛ ~~لدقة أذهانهم؛ فإن أكثرهم قبائل عربية»، كما لاحظ «أن اشتغالهم بما ألفوه من العلوم الشرعية ~~شغل رغبة واجتهاد، ولهم مآثر عظيمة في حسن التعلم والتعليم؛ حتى إن البلدة إذا كان بها ~~عالم شهير يرحل إليه من البلاد ms079 المجاورة من طلبة العلم العدد الكثير والجم الغفير ~~فيعينه أهل بلدته على ذلك بتوزيع المجاورين على البيوت بحسب الاستطاعة؛ فكل إنسان من ~~الأهالي يحتضن الواحد أو الاثنين فيقومون بشئونهم مدة التعلم والتعليم.» # وعرف رفاعة سيدة تسمى «السيدة أمونة، تقرأ القرآن الشريف ومؤسسة مكتبين أحدهما: ~~للغلمان، والثاني: للبنات كل منهما لقراءة القرآن وحفظ المتون تنفق على المكتبين من كسبها ~~بزراعة القطن وحلجه وغزله وتشغيله، ولا ترضى أن يشوبه شيء من مال زوجها، وبجانب المكتبين ~~خلوات لمن يختلي من العباد والزهاد الحاضرين من أقصى البلاد لأداء فريضة الحج الشريف، ~~ومنزلها كالتكية للفقراء وأبناء السبيل والقاصدين بيت الله الحرام وأمثال ذلك كثير هناك»، ~~ثم قال: إن تلك البلاد «لم تخل قراها عن نوع التقدم في الحضارة، مع مساعدة الوارد والمتردد ~~إليها في هذه الأيام لقصد الزيارة أو التجارة؛ فإنها أقرب للتمدن من أقاليم أفريقية بكثير ~~وجميع أهلها - ما عدا بعض سكان الجبال - لسانهم عربي فصيح؛ حيث إن جلهم من نسل العرب ~~المنتجعة القبائل قديما، يحفظون أحسابهم وأنسابهم وفيهم كمال الاستعداد وذكاء الفطنة، ~~وإنما يحتاجون في حصول المطلوب إلى اطمئنان النفوس وتأليف القلوب من حكام أرباب صداقة وعفاف ~~وعدل وإنصاف ...» # فلا نستطيع أن نزعم إذن أن الحكم المحمدي العلوي في السودان نقل قوما من الظلمات إلى ~~النور، ولكنه أدى إلى ما لا يقل أهمية عن ذلك؛ خلق من إمارات وقبائل متفرقة وطنا إسلاميا ~~جديدا، وهيأ لهذا الوطن مستقبلا ووجودا بين مناطق الأحباش والقبائل البدائية ومناطق ~~الزحف الأوروبي الذي كان قد أخذ في الاقتراب نحو قلب القارة من الأطراف الساحلية، ثم ربط ~~هذا الوطن الجديد بالعالم العثماني الأكبر وبحياة الإنسانية الحاضرة، وكانت مصر الصلة في ~~ذلك الربط، هذا ما قدم محمد علي وهذا ما قدمت مصر - صنع الله له ولها جزاء ما قدما. ~~••• # عمل محمد علي في الأقطار العربية في الجزيرة وفي السودان طليقا من كل قيد؛ لا دخل لحكومة ~~السلطان في خططه ومشروعاته إلا بقدر بذل ألقاب التشريف وسيوفه وجواهره وحلله وتنميق عبارات ~~الإطراء ms080 والحمد له ولابنه إبراهيم، ولا دخل أيضا للسياسة الأوروبية فيها إلا بقدر الانتباه ~~إلى أن دور السكون والركود في الأقطار العربية قد انتهى، وأنها قد أخذت تضطرب بحياة جديدة، ~~واكتفت السياسة الإنجليزية إذ ذاك بهذا التنبه، ثم أضافت إليه تنبيها بالابتعاد عن بلاد ~~الحبش. # ثم قام اليونان بثورتهم، وتحركت جيوش السلطنة وأساطيلها وجيوش محمد علي وأساطيله لقمع تلك ~~الثورة، وبدأ بذلك فصل جديد في سياسة محمد علي؛ فصل يمكنه من أن يتبين أمرين أساسيين، ~~الأول: مدى إمكان التعاون بينه وبين حكومة السلطنة في إحياء القوة العثمانية، الثاني: موقف ~~الدول الأوروبية منه ومن حكومة السلطنة، ولم تكف حوادث الثورة اليونانية وحدها لجلاء ~~الأمرين وإنارة الطريق أمام محمد علي وأمام السلطنة والدول الأوروبية، بل احتاج ذلك أيضا ~~لمفاوضاته مع فرنسا بشأن إخضاع داي الجزائر، ويشغل هذا الفصل - فصل التبين - السنوات من ~~1824 إلى 1830 تقريبا، وسنبحث حوادثه من هذه الوجهة. ~~••• # في أبريل سنة 1821 انتهز يونان المورة فرصة عصيان علي باشا والي يانينا لإعلان استقلالهم، ~~وأكدوا عزمهم وكشفوا عن خططهم بإبادة الحاميات الإسلامية المنبثة في أنحاء بلادهم، وبالفتك ~~بكل من فيها من المسلمين غير الجنود شيوخا ونساء وأطفالا وامتدت الثورة للجزائر ~~اليونانية، وانضم رجالها وسفنهم لتأييد الحركة، وأصبح بذلك لدى الحكومة الوطنية اليونانية ~~أداة قوية جدا لمنع السلطان من استخدام المواصلات البحرية لنقل جيوشه لبلاد اليونان، وفي ~~البحر أيضا أكد اليونان عزمهم وكشفوا عن خططهم، فسلطوا سفنهم ومحرقاتهم على تجارة العدو ~~وتجارة الصديق على حد سواء. # قابلت حكومة السلطنة خطط الثائرين بمثلها، وأجابت على ذبح غير المحاربين بمثلة أو بأحسن ~~- أو بأسوأ - منه، ولم يغن هذا عن السلطنة شيئا ولم يرد لها ولاياتها المفقودة، ~~فاستنجدت بمحمد علي، وقبل أن ينجد السلطان في إخضاع جزيرة كريد أولا ثم في إخضاع بلاد ~~اليونان كلها ثانيا، قبل أن يتولى ذلك؛ لأن محيي العالم العثماني لا يستطيع أن يتجاوز عن ~~حركات العصيان في أقطاره وعما صحبها من ذبح الأبرياء ومن تعطيل التجارة في حوض البحر ~~المتوسط ms081 الشرقي، ولأن ذلك المحيي أراد أن يثبت لأهل العالم العثماني ولأوروبا قدرته، ولأنه ~~أيضا يتمكن بذلك من أن يتبين مدى إمكان نجاح توجيه تشترك فيه القاهرة والقسطنطينية للخطط ~~الحربية والسياسية، ولأنه أخيرا يستطيع أن يزيد في تقوية قاعدته (مصر) بوضع جزيرة كريد تحت ~~إدارته المباشرة. # ولم يخش عندما قبل أي اصطدام بأوروبا؛ فإن الدول إذ ذاك لما عرفت أن اتخاذ أية خطوة ~~إيجابية لتسوية ما بين السلطان واليونان يكشف عن انقسامها، ويفتح الباب لما لا تحمد ~~عقباه؛ آثرت السلامة في إعلان حياد رسمي، وتركت حرية العمل لمن يريد من رعاياها شفاء ~~غليل من المسلمين، أو رد جميل اليونان الأقدمين لأبنائهم الثائرين، أو رفع صوت الحرية ~~عاليا في ركن من أوروبا عل صداه يتجاوب في أركانها الأخرى. # أخضع محمد علي جزيرة كريد وما اقترب منها من الجزائر الصغرى بوسيلتي اللين في موضعه ~~والشدة في موضعها، ثم وجه الحملة الكبرى بقيادة ابنه إبراهيم: جيشه المصري الجديد ~~وأسطوله الأول، وهدف الحملة الأول (وهذه خطة وضعها محمد علي بنفسه) تطهير الجزائر، وتنظيف ~~الجيوب والأوكار المنبثة فيها لتأمين المواصلات البحرية، ثم محاولة النزول في أرض المورة ~~بعد ذلك، ولكنه سرعان ما اكتشف أمرا له دلالته؛ اكتشف أن الحكومة العثمانية فصلت عن ~~القيادة العامة للقوات البرية والبحرية (قيادة إبراهيم) قيادة أسطولها، ولم تكتف بهذا ~~الإجراء المعرقل الضار فاختارت لرياسة أسطولها عدوا شخصيا لمحمد علي هو محمد خسرو باشا ~~صديقنا القديم في مستهل القرن التاسع عشر. # وليت خسرو كان قد أثبت مقدرة في حرب البحر تبرر تعيينه، أو استطاع أن ينزع من صدور ~~رجاله الرعب الذي كان يملأها من المحرقات اليونانية، فكانت خططه كلها تدور على تجنب ~~اللقاء، ولم يتجنب اللقاء بأعدائه اليونان فحسب بل بأصدقائه المصريين أيضا بدعوى الإصلاح ~~والتجديد والاحتفال بانتصار صغير جدا ناله على الأسطول اليوناني، فترك خسرو البحر ~~لإبراهيم، وأنزل هذا عسكره في كريد مترقبا فرصة نقله لبلاد المورة وتجول في تلك البحار، ~~وكانت لأسطوله منازلات مع الأسطول اليوناني خرج منها سالما، ولنذكر ms082 أنه ينازل برجال - لم ~~يطل عهدهم لا بحرب البحر فحسب بل بسفر البحر أيضا - رجالا ركوب البحار وتجارة البحار ~~والتلصص في البحار في دمهم آلاف السنين، ثم انتهز فرصة تمرد رجال البحرية اليونانية على ~~حكومتهم لتأخرها في دفع مرتباتهم ونقل جيوشه لبلاد المورة، وهنا أيضا أول عهد الجيش ~~الجديد بالحرب الجدية، وسار إبراهيم من نصر إلى آخر إلى أن أتم اكتساح بلاد المورة ~~وانتقل منها إلى الأقطار اليونانية الأخرى شماليها. # واتهمه الأوروبيون بأنه عمل على استئصال الأمة اليونانية وتطهير أرضها قضا وقضيضا ~~لينزل بها عربا أو سودانا مسلمين، وقد دفع المؤرخون الأوروبيون المحدثون هذه التهمة ~~عنه وبينوا أنها فرية لا أصل لها، وشرحوا أن في مثل حرب المورة؛ أي في الحرب ضد ثورة ~~قومية؛ يصعب على القائد - أو يستحيل عليه - أن يفرق في عملياته الحربية بين أعدائه ~~المحاربين من الجنود وأعدائه المحاربين من غير الجنود، كما أن سلامة عسكره قد تقتضي تخريب ~~القرى والحقول، وشرحوا أيضا ما أدت إليه طبيعة تلك الحرب من أن الأسر لا يسري على الجنود ~~فقط بل يمتد إلى نسائهم وصغارهم، ثم بينوا ما بذله محمد علي - من الجهد والمال - لجمع من ~~بيع بمصر من سبي المورة وتحريره ورده إلى بلاده، وأشادوا بحسن معاملته لليونان المقيمين ~~بمصر، وتركه لهم حرية كاملة لكسب رزقهم، بل وللعمل لأغراض ثورتهم أحيانا، وذلك في أوقات ~~تقدمت فيها السفن اليونانية نحو الإسكندرية للاستيلاء على السفن التجارية الخارجة منها أو ~~الداخلة إليها، بل ولمحاولة إحراق ما في مينائها من السفن التجارية والحربية، كما أشادوا ~~باستطاعته بث الهدوء والطمأنينة في أهل كريد مسلميهم ونصاراهم، وباستطاعته اجتذاب ~~بحريين من اليونان غير قليلين للعمل في أسطوله! # ولما ظهر للأوروبيين أن لهيب الحرية اليونانية سوف ينطفئ في بحر من الدم؛ تحركت الدول ~~للعمل الإيجابي الذي حاولت تجنبه زمنا، وآن لها أن تفعل شيئا فقد أصبح اعتداء البحرية ~~اليونانية على التجارة أمرا لا يكفي الاحتجاج عليه لدى السلطان ولي الأمر الرسمي ولدى ~~اليونان أصحاب الأمر الفعلي في ms083 البحار، ثم حدث أن توفى الإسكندر قيصر الروسيا وكان حريصا ~~على ألا ينفصل عن الدول الأخرى من أجل اليونان وتولى بعده أخوه نيقولا وكان رجلا من طراز ~~آخر، لا يتردد في تنفيذ ما يراه إما بالاتفاق مع أوروبا - إن أمكن - وإما وحده إذا لم يكن ~~من ذلك مناص، فقامت مفاوضات انتهت باتفاق يولية 1827 بين الروسيا وإنجلترة وفرنسا، مؤداه ~~السعي لإقناع الفريقين المتحاربين بوقف القتال، وإذا لم ينجح المسعى تستخدم الدول الثلاث ما ~~تشير به ظروف الحال من الوسائل لمنع استمرار الحرب، ومن هذه الوسائل إعلان الحصار البحري ~~للسواحل اليونانية بواسطة أسطول أوروبي مشترك. # وقد رفض السلطان رفضا تاما أن يقبل أي تدخل أوروبي فيما اعتبره شأنا داخليا ~~عثمانيا صرفا، بل وأقسم ودموعه تسيل على خديه ليقتلن كل يوناني في مملكته، وإذا لم يصد ~~هذا الأوروبيين، ليقتلن الأرمن وغيرهم من رعاياه، بل ليخلطن دماء الفرنجة بدماء الرعايا من ~~أهل الذمة، والظاهر أن محمودا لم يتوقع بقاء الجبهة الأوروبية دون تصدع، والثابت أن ~~الحكومة النمسوية - وكانت غير راضية عن سياسة اتفاق يولية - شجعت محمودا على رفض التدخل ~~الأوروبي، وعملت من جانبها على الحض على الإسراع في سحق الثورة قبل أن يتحول التدخل ~~الأوروبي إلى حقيقة. # وسحق الثورة أو عدم سحقها قد خرج من يد السلطان وانتقل إلى يد محمد علي، صاحب الجيوش ~~والأساطيل، فاتجه السعي نحوه، خطر ذلك للإنجليز أولا، وأدركوا أن انسحاب محمد علي من ~~الميدان يبطل القتال توا. # وتحدث إليه قنصلهم في مصر بتعليمات من السفير في القسطنطينة معرضا بأن الأولى به أن ~~يقنع بباشوية سورية لإبراهيم بدلا من تبديد جنوده وأمواله في مشروع تكرهه أوروبا، ورد عليه ~~محمد علي رافعا الحديث من مستوى الباشويات إلى مستوى سياسة الممالك، ومن النطاق الضيق: ~~نطاق الجلاء من المورة إلى النطاق الفسيح العالمي الذي يسع مصالح إنجلترة ومصالحه، وختم ~~كلامه بالإشارة إلى أنه سوف يؤجل رحيل النجدات البرية والبحرية التي طلبها إبراهيم لتصفية ~~الثورة نهائيا حتى يعرف مبلغ استعداد الحكومة الإنجليزية للعمل ms084 معه، ثم حضر بعد ذلك رسول ~~نمسوي لسعي آخر، لدعوة محمد علي للإسراع في سحق، الثورة وحذره من أن الإنجليز لا غرض لهم ~~إلا استغلاله في هذه المسألة اليونانية بالذات وكفى، ومضت الأيام، وعمل محمد علي في فترة ~~الانتظار على أن يرغم حكومة السلطنة على عزل خسرو وجعل مقاليد القيادة بحذافيرها في يد ~~ابنه، وتم له ذلك. # وأخيرا لما طال الانتظار أمر بالرحيل، فسافر الأسطول في 6 أغسطس، وبعد يومين من سفره ~~وصل ضابط إنجليزي موفدا من قبل حكومته، وأبلغ هذا الضابط محمد علي - متجنبا التهديد - ~~ضرورة الجلاء عن بلاد اليونان؛ لأن الدول قد أجمعت كلمتها على فض الموضوع، وأنها سوف ترسل ~~للبحار اليونانية قوات كفيلة بتحقيق ذلك، هذا رد إنجلترة على نطاق التعاون الواسع وسع ~~العالم، وهذا درس آخر يتلقاه محمد علي من حوادث تلك الثورة اليونانية الكاشفة عن الخفايا ~~المنيرة لمعالم الطريق، وأخذ يعمل على تجنب كارثة الاصطدام بالقوات الأوروبية في اليونان ~~وبحارها مستخدما كل ما يستطيع استخدامه لدى رجال السلطنة من حجج الإقناع والتحذير ~~والإنذار، ولكن بدون جدوى: وهذا درس ثان من دروس حوادث تلك الثورة في إمكان توجيه سياسة ~~واحدة للعالم العثماني من القاهرة والقسطنطينية، وحدث ما كان يخشاه: صمم قواد الحلفاء على ~~وقف القتال وأرغموا الأساطيل المصرية والتركية على البقاء داخل خليج نافارينو ثم انتهزوا ~~فرصة اصطدام بين رجال البحر لتحطيم تلك الأساطيل التي حاربت إلى أن انتهت، لم ترفع سفينة ~~منها علما أبيض، ولم يغادرها رجل واحد من رجالها، وأعلنت الروسيا الحرب على الدولة ~~العثمانية ودخلت جيوشها الولايات العثمانية؛ وأنزلت فرنسا تجريدة فرنسية على ساحل المورة، ~~فلم يبق لمحمد علي من سبب للبقاء فيها فأمر إبراهيم بالانسحاب والعودة. # ومضت الثورة اليونانية بعبرها، وبان لمحمد علي أن حكومة السلطنة تفهم العمل معه على وجه ~~استغلاله إلى أقصى حدود الاستغلال، وليتها تحسن ذلك، فهو لا يكره إطاعة حكومة عليا رشيدة ~~تعمل على بلوغ أهداف العزة والكرامة والرفاهية، ولكن ماذا أثبت السلطان ورجاله في أزمة ~~نافارينو وفيما ms085 قبلها وبعدها؟ أثبت السلطان - كما قال محمد علي - أنه يتشبث تشبث الخنزير، ~~وأثبت رجاله أنهم أبلد من الحمير، وبان له أيضا أن أوروبا على اختلاف الأهواء قد تتحد، ~~وبان له ثالثا أنه لكي يساوم ينبغي أن يكون بيديه ما يساوم به وعليه، فلم يكفه الاستعداد ~~للجلاء عن المورة للمساومة، وبان له أخيرا أن إنجلترة لا تتحمس كثيرا في الأحوال السياسية ~~العادية لإخراج المباحثات السياسية من نطاق المسائل المحددة إلى نطاق المبادئ السياسية ~~العامة، وكان شعارها: ليكف كل يوم شره. ~~••• # وأما المفاوضات بين فرنسا ومحمد علي في أمر إخضاع داي الجزائر فحديثها طريف، تختلط فيه ~~الأوهام بالحقائق اختلاطا عجيبا، ولم يكن فيه من رجل فصل بين الحقائق والأحلام سوى محمد ~~علي. # وأصل الموضوع فساد العلاقة بين حسين داي الجزائر والقنصل الفرنسي، واحتد الداي يوما ما ~~وضرب وجه القنصل بمذبته، فانسحب القنصل ورفض الداي إعطاء الترضية المطلوبة وحاصرت القوات ~~البحرية الفرنسية بلاده، وهاج الرأي العام في فرنسا مطالبا باتخاذ ما ينبغي اتخاذه لغسل ~~الإهانة ... إلى آخره، وحكومة فرنسا إذ ذاك حكومة شارل العاشر، بينها وبين الأمة حساب آخر ~~على مسائل أخرى لا تتعلق بحسين ولا بمذبته، بل تتعلق بأصول السلطان: أهو بتفويض من الله لا ~~شأن لأحد به - كما يزعم شارل - أم بإرادة الأمة كما تزعم الأمة، فالأعصاب متوترة، والقلوب ~~متنافرة، ولا بأس في صرف الخواطر عن المسائل الدستورية إلى طلب المجد، لا نقصد طلب المجد ~~الرخيص عن طريق تأديب حسين، بل طلب مجد براق لامع عن طريق محو ما فرض الحلفاء المتألبون ~~ضد إمبراطورية نابليون على فرنسا في سنتي 1814 و1815 وأن الحكومة التي تستطيع نيل ذلك تزيل ~~عن تاج شارل العاشر وصمة ما فتئ خصوم بيته منذ 1815 يكررونها، وصمة اقتران عودة البيت ~~المالك للعرش بهزيمة فرنسا، ومما يزيد الأمر جاذبية أنه لن يكلف الأمة تضحية ما؛ فهو يقوم ~~على العقل وحده ولا دخل للقوة فيه إلا من بعيد. # افترض بولينياك وزير خارجية الملك شارل العاشر أن الروسيا والنمسا سوف ms086 تقتسمان فيما ~~بينهما الولايات العثمانية في أوروبا - وهذه دائما نقطة البدء في مثل هذه المشروعات - ولا ~~بد من أن تعوض فرنسا عن ذلك لحفظ التوازن؛ وليكن التعويض ضم الأراضي البلجيكية حتى حدي ~~الماز والرين - وكانت تلك الأراضي إذ ذاك في مملكة الأراضي المنخفضة وعلى عرشها الملك وليم ~~الهولندي - هنا تحتج بروسيا: فلتعط الأراضي السكسونية وما بقى من مملكة الأراضي المنخفضة، ~~وهنا لا بد من تدبير شيء ما للملك وليم، فليعط عرش القسطنطينية وشيئا من الأراضي التركية ~~الأوروبية، بعد ذلك لا بد من الفصل في أمر مستعمرات الهولنديين في الشرق، هذه تعرض على ~~الإنجليز، وهم أحرار في القبول أو الرفض. أما طريقة التنفيذ فأمرها هين؛ تتفق الروسيا ~~وفرنسا أولا على المشروع ثم تجردان جيوشهما، فلا يسع النمسويين والبروسيين إلا الإذعان ~~والاقتناع، أما إنجلترة فلتفعل ما تشاء، إن أرادت أن تنتفع فلها المستعمرات الهولندية وإن ~~أرادت غير ذلك فهي حرة. # إن الاشتغال بهذه السياسة العالية علوا كبيرا يقتضي من بولينياك ألا ينصرف إلى تأديب ~~الداي حسين وأن يبقي الجيوش الفرنسية والأساطيل الفرنسية متجمعة مستعدة لما هو أهم، ولكن لا ~~بد من تأديب الداي، فليؤدبه محمد علي «على حساب» فرنسا. # والظاهر أن هذا كان من بنات أفكار قنصل فرنسا في مصر، الإيطالي الأصل دروفتي، وملك ~~المشروع عليه قلبه ولسانه، ولكننا لا ندري أشغله عن الإتجار في الآثار المصرية فقد كان ~~من أكبر تجارها، وعرض الأمر على حكومته وعلى محمد علي، بل وذهب إلى ما هو أبعد من ذلك؛ ~~أبلغ حكومته موافقة محمد علي على المشروع بشرط. والواقع أن محمد علي لم يوافق ولم يرفض بل ~~أصغى إلى كل ما قيل ولم يقفل الباب؛ شأن الرجل العاقل، ولا بد أن دهشته كانت كبيرة لما عرف ~~أن الملك شارل العاشر قد أقر فكرة استخدام قوات محمد علي لإخضاع الداي؛ بناء على ما عرضه ~~عليه وزيره بولينياك بدون علم زملائه في الحكومة، وأنه أمر سفيره في القسطنطينية بنيل ~~موافقة الباب العالي على اشتراك محمد علي - كأن ms087 الباب العالي يمكن استئذانه في مثل هذا ~~الأمر - كما أمر قنصله في مصر، القنصل ميمو - وقد حل محل دروفتي - أن يبلغ محمد علي استعداد ~~فرنسا لإعطائه 10 مليونات من الفرنكات ومعاونة الأسطول الفرنسي إذا قام بالأمر بدون ~~إبطاء. # اندهش محمد علي وحق له أن يندهش لهذا الخلط كله؛ اندهش لفتح الموضوع في القسطنطينية، ~~واندهش من منع فرنسا في عرضها الشيء الوحيد في نظره الذي أعطى الموضوع أية قيمة «أربع سفن ~~حربية كبيرة يضمها لأسطوله» ودارت المفاوضات من جديد وانتهت إلى عرض مبلغ 20 مليون فرنك على ~~محمد علي ومبلغ 8 ملايين لبناء السفن الأربع في فرنسا له. # وكانت الحكومة الإنجليزية تعلم بكل هذا في وقته، علمته من تقارير قنصلها بالقاهرة، فإن ~~دروفتي لم يطق إلا أن يتحدث فيه مع زميله الإنجليزي، وعلمته من صور للوثائق الأصلية ~~الفرنسية أهدتها إياها الحكومة النمسوية، وعلمته أخيرا من الباب العالي نفسه وقد أسرع ~~لإفساد المشروع بإبلاغه للإنجليز، فاعترضت عليه لدى الحكومة الفرنسية ولدى محمد علي، وكتب ~~وزير الخارجية للسفير الإنجليزي بالقسطنطينية: «سواء وافقت الحكومة العثمانية المشروع أو لم ~~توافق فإن الحكومة الإنجليزية لا يسعها إلا أن تهتم بتغيير خطير يحدث في الولايات الأفريقية ~~تحت النفوذ الفرنسي وبواسطة وسائل فرنسية ومن أجل مصالح فرنسية، فيما يصح لنا أن ~~نفترض.» # وكتب للقنصل الإنجليزي بالقاهرة ليبلغ محمد علي «اعتراض الحكومة الإنجليزية على أخذه على ~~عاتقه تنفيذ هذا المشروع تحت الرعاية الفرنسية»، وعلى القنصل أيضا أن يؤكد لمحمد علي ~~الصداقة التي أملت هذه النصيحة، ولما أبلغه القنصل الرسالة أجاب محمد علي بأن الاعتراض ~~لا لزوم له، وشرح له موقفه في الأمر كله، وكان مشروع بولينياك الكبير في تلك الأثناء قد ~~انتهى إلى لا شيء، فلم تؤد المفاوضات الأساسية مع الروسيا إلى نتيجة ما، كما أن بروسيا ~~أعلنت أنها يستحيل عليها أن توافق على امتداد فرنسا لحد الرين الأيسر، وانصرف الوزير إلى ~~تصفية أمر الداي مستغنيا عن محمد علي كما كان محمد علي مستغنيا عن المشروع كله. # ولكن الفصل ms088 لم يخل من فائدة: زادت السياسة الإنجليزية له وضوحا، انجلى له مقتها لسياسة ~~الحركة وإيثارها بقاء كل شيء على حاله وتأجيل التغيير فيه ما أمكن التأجيل، فهم ذلك فعدل، ~~وما ألبقه أسلوب الحديث! إنجلترة تريد المحافظة، تريد بقاء السلطنة ، تعمل على أن تقيها ~~غوائل الزمن وأن تدفع عنها شر المطامع الروسية، ومن تستطيع أن تجد ليتولى ذلك سوى محمد ~~علي، قال للقنصل الإنجليزي عندما قدم ليحدثه في موضوع الداي: ألا ترى استحالة المحافظة على ~~الدولة العثمانية، قد ترقع هنا وقد ترقع هناك ولكن بلا جدوى، وماذا تتوقع لحكومة فقدت ثقة ~~شعبها بها؟ ومن إضاعة الوقت أن تنتظر منها أن تحول دون التقدم الروسي، وفي منع تقدم ~~الروسيين مصلحة إنجليزية كبرى، وليست هناك وسيلة لتقوية السلطنة سوى تأييدي أنا، أنا الذي ~~يستطيع أن يضع تحت طلب السلطان مائة وخمسة وعشرين ألف جندي على أهبة الاستعداد لصد الروسيين ~~تحت أسوار القسطنطينية وفي إيران ... إن الدولة قد انتهت وعلى إنجلترة أن تؤلف قوة أخرى ~~لمواجهة الروسيا، وأين تجد هذه القوة إلا في وفي ابني من بعدي؟ # ثم أفاض في شرح موارده وأن الحكومة الإنجليزية تنقص من قدرها، وختم حديثه بأنه أينما ~~اتجه يجد إنجلترة أمامه، وهذا الحديث أيضا لا يخرج إنجلترة عن مقت سياسة الحركة، لم تتعهد ~~بشيء ما، لم تقيد حرية العمل، لم تسابق الحوادث «ليكف كل يوم شره»، ومحمد علي أيضا من ~~جانبه لم يتعهد بشيء ولم يقيد حريته في شيء. ~~••• # وقد تكونت لديه في خلال السنوات العشر التي عرضنا حوادثها وعبرها اعتبارات أساسية، ~~يسترشد بها في وضع خططه وتنفيذها في السنوات العشر الأخرى التي بدأت بسنة 1830، قل وثوقه ~~بإمكان وضع سياسة مشتركة بين القاهرة والقسطنطينية، وزاد إيمانه بأن محمودا ورجاله يسيرون ~~قدما نحو الهاوية، وتأكد من أن نجاح اليونان في نيل استقلالهم ستتلوه حركات وثورات في ~~الولايات الأوروبية من العالم العثماني، وأن العطف الأوروبي على هذه الحركات سيكون عاملا ~~هاما في نجاحها، ورأى أن فرنسا قد أخذت في توسيع دائرة ms089 الفتح في الجزائر، فانتقل العمل من ~~تأديب الداي حسين إلى فتح منظم لتلك النيابة العثمانية الهامة، ومن يدري أين يقف الفتح؟ كما ~~رأى أن الروسيا توطد نفوذها وتملي إرادتها على الباب العالي، ولا يتردد القيصر نقولا لحظة ~~في اتخاذ ما يراه كفيلا بإعلاء كلمته في القسطنطينية، الحرب إن كان لا بد منها، الوعد بوضع ~~السلطان في كنفه وفي ظله الظليل إن كان هذا أجدى، وفي حالتي الحرب والسلم - على حد سواء - ~~يتقدم النفوذ الروسي فيما بين البحرين الأسود والقزويني في اتجاه إيران والخليج الفارسي ~~بالإضافة إلى توغله في أواسط آسيا نحو أفغانستان والهند، أما والأمور كذلك ماذا يصنع محمد ~~علي؟ # يشير عليه الإنجليز ويشير عليه الفرنسيون ألا يكون هو الفاتح للأزمات الشرقية، ويشير عليه ~~الأول - بصفة خاصة - أن يقبع في داره، وأن يوجه مواهبه التي لا شك فيها في تنمية الموارد ~~ورفع لواء العدل والإنسانية وحسن الإدارة وإسعاد شعبه، أن يتجنب الحركة، وأن يخلد للسكون، ~~وحسن جدا أن تلزم إنجلترة خطة المحافظة، وحسن جدا أن تفعل ذلك عندما يكون بين يديك كل ~~ما تريد، فهل ينطبق ذلك الوصف على محمد علي؟ لم يكن لديه كل ما يلزمه، بل لم يكن لديه ما ~~يلزمه لسلامة بلاده وإنقاذ عمله، كانت تملأه الحسرة ويتقطع فؤاده أسى كلما تقدمت به السن ~~وكلما خطر أمام عينيه شبح الزوال! زوال ماذا؟ زوال دور الصناعة والأساطيل والمصانع والمدارس ~~والمعاهد والترع والجسور والقناطر، وزوال كل ما أنشأه هو وشعبه بعرق الجبين بل بعرق الدم، ~~أيستطيع أن يسمح بانتقال هذا التراث لباشا من بشاوات السلطنة يبدده ويخربه كعادة الباشوات، ~~لا بد من الضمانات ضد الزوال، لا بد من الحركة. # هذه الضمانات حسية ومعنوية؛ توطيد النفوذ المعنوي في العالم العثماني، ولدى الحكومات ~~الأوروبية بالاستمرار في سياسته العمرانية، ونشر سلطانه المباشر في أقطار أخرى من العالم ~~العثماني يقيه ملكها شر حكومة السلطنة وخبث طويتها نحوه ونحو عمله، ويعطيه ملكها الموقع ~~الآمن والموارد التي يستطيع بها أن يكون على حال من القوة ms090 والاستعداد تمنع عنه أطماع ~~الطامعين، ويخرج بذلك أقواما من عبث الحكام وفسادهم، ومن ركود الفقر والفوضى إلى حركة ~~اليسر والنظام، لا بد له من أن يتخذ هذه الضمانات سريعا إن أراد أيضا أن يسبق اتجاه الدول ~~الأوروبية نحو تلك الأقطار. # ما هي تلك الأقطار؟ الولايات الشامية الأربع: حلب وطرابلس ودمشق وصيدا وبعض المناطق ~~الساحلية في الجزيرة العربية على البحر الأحمر والخليج الفارسي، هذا أكيد، والعراق والمناطق ~~فيما بين الشام والأناضول هذا مما يترك للظروف، والأقطار - كما ترى - هي في الجملة مما يكون ~~- على حد تعبير محمد علي - عربستان أو ما نسميه دار العروبة، فهل تصور لها كيانا سياسيا، ~~أو ما نسميه وحدة عربية؟ سؤال كبير، إن أجبنا عنه سلبا عدونا الصواب ونسبنا إليه قلة إدراك ~~لعناصر وروابط بارزة؛ لغة واحدة وثقافة واحدة، ودين واحد ومصالح مشتركة، وبالنسبة لحياة ~~العالم الاقتصادية كتلة واحدة. وإن أجبنا عنه إيجابا عدونا الصواب أيضا بعض الشيء ونسبنا ~~لعصر سابق ما هو - على وجه التحقيق - من خلق العصور اللواحق، وأخفينا إخفاء لا يبرره ~~الواقع عناصر وعوامل تدفع نحو التفرقة؛ اختلافات جغرافية واجتماعية، اختلافات في طرق ~~التفكير وفي مستوى المعيشة، اختلافات مذهبية طائفية، صعوبات المواصلات، ضعف وسائل الاتصال ~~العقلي والحسي، وهكذا. # وقد لا نعدو الصواب إن قلنا: إن محمد علي أدرك الفكرة في عمومها، وأنها مما يمكن التشييد ~~عليه في حالة الانفصال عن السلطنة، وهذا ما لم يقرره بعد، بل ترك تقريره تبعا لظروف الحال، ~~إن حتمت تلك الظروف تقسيم العالم العثماني أمكنه نقض ما حدث في القرن السادس عشر ~~وبناء العالم العربي من جديد، ولكنه لم يكن قد يئس بعد من مستقبل الوحدة العثمانية وإن كان ~~قد يئس من مستقبل السلطنة، فلنقتصر إذن على الباعث الأول الدافع لاتخاذ العمل الإيجابي، ~~باعث الاستيلاء على الضمانات. # دخل الجيش المصري بقيادة إبراهيم أراضي ولاية صيدا - وقاعدتها عكا - ومهمته الصغرى وضع حد ~~لخطة «وخز الإبر» على طريقة الباشوات التي سار عليها عبد الله الجزار صاحب تلك الولاية، ~~ومهمته الكبرى الاستيلاء ms091 على الباشويات الأربع، كان ذلك في سنة 1831 وتقدم الجيش والأسطول ~~نحو عكا وحاصراها حصارا طويلا، وقاوم عبد الله ببسالة وقوة قلب، وفي مايو اقتحم إبراهيم ~~الأسوار ودخل المدينة واستولى على دمشق في يونيه بدون مقاومة، ومنها تقدم شمالا وهاجم ~~الجيش العثماني عند حمص - مفاجأة - وهزمه بعد واقعة قصيرة، واحتل حلب بعد ذلك بقليل، ثم ~~هزم جيشا عثمانيا ثانيا في بيلان. أمام محمد علي إحدى خطتين؛ إما التقدم لتهديد ~~السلطان في قاعدة ملكه وحمله على التسليم بما يريد، أو التريث وانتظار تسوية ~~تقرها الدول الأوروبية. # نصح إبراهيم بالخطة الأولى وبالانفصال، واقترح أن تضرب السكة باسم أبيه، وأن يدعى له على ~~المنابر، ورد عليه أبوه أنه بلغ ما بلغه بالاعتدال وأنه ليس بحاجة لألقاب التشريف، وذكر ~~ابنه بأن هناك دولا أقوى من السلطنة وأنه لا بد من نيل موافقتها إذا أراد تسوية مستقرة، ~~وأن تقدم إبراهيم نحو القسطنطينية لا بد وأن يلزم الدول بالتدخل، وقد سبق ذلك في المسألة ~~اليونانية، أما الخطة الثانية، فضررها أنها تتيح للسلطنة فرصة الإفاقة من غشيتها فتجمع ~~جيوشها لحماية العاصمة، عرف ذلك محمد علي ولكنه يعرف أيضا أنه يستطيع أن يتغلب على تلك ~~الجيوش كما تغلب على أخواتها من قبل، وهذا ما حدث. # ابتدأت السياسة الأوروبية تتحرك وابتدأت السلطنة مفاوضات وهمية مع محمد علي لكسب الوقت، ~~ولما ظنت أنها قد استعدت تحركت، وحدث ما توقعه محمد علي، فإن إبراهيم هزم الصدر الأعظم رشيد ~~محمد هزيمة ساحقة عند قونية في ديسمبر 1832 وانفتح طريق القسطنطينية، وتقدم إبراهيم ولكنه ~~عندما بلغ كوتاهية أمره أبوه بالوقوف، وكان الداعي لذلك تدخل الروسيا في الأمر، عرض ~~القيصر على السلطنة مساعدتها بقواته البرية والبحرية، وطلب إلى محمد علي الكف عن ~~القتال. # وكف إبراهيم عن التقدم، واستنجد السلطان بإنجلترة قبل أن يقبل ما عرضه عليه القيصر، طلب ~~منها أن تعينه بأسطولها، ورفضت الحكومة الإنجليزية المعاونة المادية؛ لحاجتها إذ ذاك لكل ~~قواتها بسبب مشكلة الحركة الاستقلالية البلجيكية، وسعت هي وفرنسا لحمل محمد علي والسلطان ms092 ~~على تصفية ما بينهما آملتين أنهما بذلك يجعلان العرض الروسي لا لزوم له، أعلنت كل من فرنسا ~~وإنجلترة تمسكها بسياسة المحافظة على الدولة العثمانية، «ولكن - كما قال بالمرستون وزير ~~الخارجية لوكيله في القاهرة - لما كان من غير المستطاع إعادة الأمور إلى ما كانت عليه، ~~فالحل الوحيد في هذه الظروف أن تعهد حكومة السلطنة حكم ولايات الشام إلى محمد علي بشرط أن ~~يؤدي الجزية عنها وأن يعين السلطان حربيا إذا اقتضى الحال ذلك، وبهذا الحل تصان مصالح ~~السلطنة ولا تنقص مواردها المالية والعسكرية»، وسلم السلطان في النهاية بهذا الحل مضيفا ~~على الولايات الأربع جزيرة كريد ومنطقة أضنه. # سلم السلطان بهذا، ولكنه نفث في الاتفاق وجو الاتفاق سما، فعقد مع القيصر معاهدة ~~انكيار اسكله سي (يولية 1833) في ظاهرها معاهدة تحالف وفي جوهرها معاهدة حماية، كرهتها ~~فرنسا وإنجلترة، وكرهت إنجلترة معها محمد علي، واعتبرت أن حركته التي لا تبطل وطموحه الذي ~~لا حد له حملا السلطان على أن يضع نفسه في هذا الموضع المذل، ثم رتبت على ذلك النتيجة ~~الظالمة: يجب أن أنافس الروسيا في حماية السلطان بكل سبيل، ويجب أن أقف في وجه محمد علي في ~~كل مكان، يجب أن أعاديه بحيث يعرف السلطان أني أنا - لا الروسيا - الصديقة الصدوقة. # وقفت له في اليمن، ثم وضعت يدها على عدن، وهددته ألا يقترب من الفرات ومن الخليج الفارسي، ~~وتصدى قناصلها للحكومة المصرية في سوريا؛ يعرقلون عملها ويسفهون عمالها ويبذرون بذور الشقاق ~~والاستياء في بلاد علم الله قلة حاجتها للشقاق والكراهية، وكانت القنصليات الإنجليزية في ~~الشام والسفارة الإنجليزية في القسطنطينية قواعد تلك الحملة العدائية، وإذا ما شذ قنصل عن ~~ترداد النغمة التي تحبها وزارة الخارجية كان نصيبه العزل كما حدث لقنصل القاهرة كامبل عندما ~~حاول أن يكون أمينا لخدمة بلاده بقول الحق. # وحاولت الحكومة الإنجليزية أن تهدم قوة محمد علي من الأساس بحمل الباب العالي على إلغاء ~~الاحتكارات التجارية في معاهدة تجارية كرهها التجار الإنجليز في مصر - وهم أعرف بمصالحهم - ~~ولم يروا فيها إلا ms093 عملا سياسيا مستترا بثوب تجاري، وهذا كله بأسلوب خلا من كل ما اصطلح ~~عليه الناس في الغرب والشرق من أدب التعبير وحسن الخطاب، موجه إلى عصامي عرف الناس جميعا ~~قدره، وقدره خصومه كما قدره أصدقاؤه، رجل قد يحارب وقد يعادي ولكنه رجل لا يهان، ويأتي ~~المؤرخ ددويل وينكر - بعد كل ما أورد - على من قال من المؤرخين المصريين، بأن الحكومة ~~الإنجليزية حاربت عظمة مصر في عهد محمد علي، قولهم. # قابل محمد علي البذاءة بالتغاضي عنها؛ فهي لم تجر أبدا على لسانه، وقابل العداوات ~~الصغيرة بالترفع عنها؛ فهمته أسمى من العداوات الصغيرة، وفي أسوأ الأوقات عندما تحرجت ~~الأحوال واستخدمت الدول قوة السلاح ضده حافظ على مصالح رعاياها أدق محافظة، فلم يمسس لهم ~~بريدا ولا مالا ولا شخصا، بل وذهب مرة في المجاملة إلى حد أن وضع تحت تصرف القنصل ~~الإنجليزي باخرة من بواخره لتحمل إلى مالطة نبأ انتصار عسكري إنجليزي في الشرق كان يهم ~~الحكومة الإنجليزية سرعة إرساله! # وعندما قطعت الدول علاقاتها به وانسحب القناصل من مصر، أتدري ما حدث؟ رفض التجار وغيرهم ~~من الإنجليز أن يتبعوا قنصلهم ويغادروا مصر، فالحرب حرب اللورد بالمرستون، وبعثت إليه غرفة ~~التجارة البريطانية ببنغالة في الهند برسالة تحيي فيها المثل الذي رسمه للأمم المسيحية في ~~ضبط النفس المطمئن، وفي سنة 1842 ضرب التجار الإنجليز ميدالية ذهبية نقشوا عليها رسمه ~~وسجلوا عليها حمايته النبيلة للمصالح الإنجليزية. # ومضى محمد علي في السنوات التالية لتسوية سنة 1833 في سبيل الجد، حاول أن يصنع في ~~الولايات الشامية ما صنعه في مصر؛ أن يقيم سلطة عامة واحدة شعارها السماحة، وشغلها إحياء ~~الموات، ودرعها الجيش الوطني، تصرف الناس عما درجوا عليه من تناهب الأموال العامة وترك ~~الخراب يطغى رويدا رويدا على ما هو عامر، وكره لحمل السلاح في خدمة السلطان وإن كانوا ~~يحملونه لشفاء الأحقاد الطائفية والشخصية، ولو خلص له الأمر في الولايات الشامية لتغلب على ~~تلك الصعوبات تغلبه على مثيلاتها في مصر، ولكن الأمر لم يخلص له؛ تصدى له القناصل ms094 ~~وترحموا على زمان سهل رغيد كانت لهم فيه مساهمة فيما سميناه حكومة التناهب، وتصدى له كل ~~أصحاب «الحقوق» المكتسبة من أنصار زمان المذابح، وخلف الجميع السفارة الإنجليزية في ~~القسطنطينية «والمابين الهمايوني» والسلطان عينه لا تنام، وقلبه دائم الخفقان، مستعد لأن ~~يفعل كل شيء وأن ينزل لأي حضيض وأن يبذل أي تضحية لشفاء ما في نفسه، فأخذ يجيش الجيوش ويعد ~~العدة؛ واستقدم فون ملكته البروسي ونفرا من أبناء جنسه لتدريب الجيش واستخدم ضابطا من ~~الإنجليز في الأسطول. # وكان لا بد لمحمد علي من أن يكون أيضا مستعدا، حذرت الدول محمودا ومحمد علي من عواقب ~~التمادي فيما هما فيه، وإن اختلفت لغة الخطاب في الحالتين، اختلفت لدرجة أن محمودا فهم ~~من الثنايا «أن استمر فيما أنت فيه وأن الهزيمة نفسها لن تضيرك»، وقال القنصل كامبل في هذا ~~الأمر كلاما معقولا، قال: إن الإنصاف يقتضي ألا يرغم محمد علي على نزع سلاحه دون أن تضمن ~~له الدول الاحتفاظ بما في يديه، وتعمل عملا جديا على أن تحمل السلطان على نزع سلاحه هو ~~أيضا. # وقبل محمد علي تلك الضمانة؛ فقد ضاق في تلك السنوات ذرعا بثقل أعباء التسليح والجزية مع ~~التقدم نحو الشيخوخة دون أن يصل إلى نظام ثابت مستقر للمستقبل، فهم في سنة 1838 بإعلان ~~الانفصال مهما كانت نتائجه، ثم غلب عليه اعتداله الطبيعي فتريث، وأخيرا عبر الجيش العثماني ~~الفرات في إبريل سنة 1839 وطلبت الروسيا من إبراهيم أن ينسحب إلى دمشق واعدة بمخاطبة ~~السلطان في الارتداد عن حدود الشام، فأجاب محمد علي بأنه على استعداد للانسحاب إذا عاد ~~الجيش العثماني إلى ما وراء الفرات، وضمنت له الدول عدم اعتداء السلطان عليه وحق وراثة مصر ~~لأبنائه من بعده، إن فعلت ذلك قبل تخفيض جيشه في الشام وتسوية نهائية مع السلطنة، ولما ~~مل الانتظار، وسئم دسائس حافظ باشا - قائد الجيش العثماني - بين أهل الشام أمر إبراهيم ~~بالهجوم، فهاجم إبراهيم معسكر حافظ باشا في نزيب «نصيبين» وحطم الجيش العثماني (يونيه من ~~1839)، وحدث بعد هذا بقليل ms095 موت السلطان وتسليم الأسطول العثماني لمحمد علي على يد قائده ~~الأعلى، وقد خشى انهيار السلطنة نهائيا فسلم الأسطول إلى من ينبغي أن يكون رجلها. # حل محل محمود ابنه عبد المجيد، وبدأ بالدخول في مفاوضات مع محمد علي، وسارت المحادثات نحو ~~الاتفاق على قاعدة الوراثة في ملك كل ما في يده، ولكن الدول الخمس قدمت مذكرة مشتركة تنص ~~فيها على وجوب عدم اتخاذ قرار فيما بين السلطنة ومحمد علي إلا بموافقتها (يولية 1839)، هذا ~~الاشتراك مما رحبت به الدول فقد اعتبرته إحلالا للهيمنة الدولية على الشئون الشرقية محل ~~الهيمنة الروسية، فهو تتويج لما بذلته إنجلترة من جهود في السنوات الأخيرة ضد محمد علي، ~~ولكن شذت فرنسا وخرجت عن الجادة - وليتها لم تشترك في مذكرة يولية من أول الأمر - وعملت ~~من ناحيتها على حث السلطنة ومحمد علي على تسوية الخلاف فيما بينهما، الأمر الذي قتلته ~~المذكرة المشتركة، ولما أحس بالمرستون بذلك ضرب ضربته؛ فعقد المعاهدة الرباعية المشهورة من ~~إنجلترة والروسيا والنمسا وبروسيا (15 يولية 1840). # وتنص المعاهدة على منح محمد علي باشوية مصر وراثية في بيته، ومنحه جنوبي الشام مدة حياته، ~~ثم تدرجت في نقص المنح إلى حد استرداد كل شيء منه بقوة السلاح إذا لم يذعن في الأوقات ~~المحددة. # وقابلت فرنسا المعاهدة التي عقدت بالرغم عنها بعاصفة من الاحتجاج، لم يأبه لها بالمرستون ~~كثيرا لاعتقاده الصحيح أن ملك فرنسا لوي فيليب لن يوافق على إعلان الحرب إذا جد ~~الجد، واعتقد رئيس وزرائه تيير أن إجماع أوروبا لن يطول فنصح لمحمد علي بألا يذعن، ولكن لا ~~يهاجم، بل يقف موقف الدفاع، وبئست النصيحة، كان الأولى بمحمد علي إما أن يقبل عرض الدول ~~الأول «مصر وراثية وجنوبي الشام مدة حياته» أو يتخذ خطة الهجوم، قبل تأهب الدول للعمل ~~المشترك، على قاعدة السلطنة: القسطنطينية. # لو فعل ذلك لأصبح في موقف لا تسهل زحزحته عنه، فهو بهذا يفتح باب المسألة الشرقية على ~~مصراعيه، وهذا الفتح التام يصدع أي جبهة أوروبية مهما بلغ من اتحادها، أما خطة المقاومة ms096 ~~السلبية فكانت فيها بذور الهزيمة، والنقد سهل من بعيد، وأجمل منه أن نبعث على البعد بتحية ~~إعجاب وعطف للشيخ الذي صمد للمحنة مرفوع الرأس يستعد للوقفة الأخيرة؛ فأخذ يستدعي جنوده من ~~الجزيرة العربية، ويؤلف فرقا جديدة وينشئ معسكرا دفاعيا في دمنهور، ويشجع على تأليف ~~الحرس الوطني . # وأدرك رجال السياسة أن قد آن وضع حد لما هم فيه من استخدام القوة المجردة الغشوم، ~~أدركوا أن خصمهم وراءه قوة تؤيده من الرأي الأوروبي المستنير؛ لذلك - وعلى الرغم من انهيار ~~الدفاع المصري عن الشام، رحب رجال السياسة بالاتفاق الذي عقده الضابط البحري ناييير - دون ~~تفويض له من حكومته بذلك - مع محمد علي في نوفمبر من سنة 1840، وبموجبه تعهد محمد علي ~~بإخلاء الشام وإعادة الأسطول العثماني نظير منحه حكومة مصر بصفة وراثية، وعلى أساس هذا ~~الاتفاق صدرت في سنة 1841 الفرمانات السلطانية المحددة لمركز مصر. # بدأ بتلك الفرمانات عهد الخديوية المصرية، ولكن الخديوية لم تتخذ شكلها في التأريخ إلا ~~بعد موت محمد علي، ذهبت فتوحه واختفى أسطوله وانكمش جيشه ولكنه لا يزال مهيب الجانب، عالي ~~الصيت، يتألق من جبينه جلال المشيب ونور المجد، فمنع عن مصر في السنوات التي بقيت له النزول ~~إلى ما قدره لها أصحاب تسوية سنة 1841، إلى مرتبة النيابات العثمانية الراكدة ومناطق ~~المشروعات الاستغلالية الأوروبية. # ولئن أخفق محمد علي في تحقيق مشروعه الخطير: إحياء القوة العثمانية؛ فقد نجح في وضع قواعد ~~الدولة المصرية على أساس مكين. # | الفصل الثامن # قضى محمد علي على تشتيت السلطان وتجزئته وأقام الدولة الجديدة، يخضع لها الجميع، وتتكفل ~~بواجبات الدولة في العصر الحديث، شعارها - بل وروحها - السماحة، لا لأنها تجردت من الصفة ~~الدينية، أو قصرت دائرة عملها على حد المصالح الدنيوية أو قامت على نوع من الفصل فيما بين ~~الدين وبين السياسة؛ بل كان ذلك لاعتبارها أن الحياة الاجتماعية في العصر الحديث قد تطورت ~~تطورا يسمح عمليا بقبول فكرة التعاون لتحقيق أغراض سياسية واجتماعية بين أناس يختلفون ~~دينا ولكن تربطهم روابط إسلامية في حقيقتها، وبقيت القيم التي ms097 يعتد بها في تشكيل سلوك ~~الأفراد وعمل الحكومة قيما إسلامية. # وقضى محمد علي على فكرة المشاركة والمقاسمة في الأموال العامة وتناهبها، وأقام مكانها ~~العمل على إحياء الموات، فوقف الخراب عند حد، ثم ارتد أمام تقدم العمران، واستلزم هذا في ~~أوله تقييد حرية الفرد، فإن محمد علي رفض الفكرة القائلة بأن الإنسان يستطيع أن يفعل ما ~~يشاء بما تملكه يمينه، وأكد واجب ولي الأمر في توجيه الجهود الفردية نحو غايات اجتماعية، ~~فخرج في ذلك عن الحد الذي رسمه بعض مفكري عصره عندما قصروا واجب الحكومة على مهمة ~~المراقبة والحماية عند الاقتضاء فحسب، وقد عرفنا أن الاعتبارات العملية السائدة بررت موقفه ~~تمام التبرير، وأدركنا أن خططه كان من شأنها في النهاية، وعلى الرغم مما اتخذته من حيطة أن ~~تؤدي إلى فك القيود، وإزالة العقبات من طريق التبادل الحر والجهود الفردية الطليقة. # وقد اقتصر تقييد حرية الفرد لمصلحة الجماعة على الدائرة الاقتصادية ولم يتجاوزها إلى ~~دائرة الحياة الروحية في أية ناحية من نواحيها، فتركها ولي الأمر طليقة من كل القيود، لا ~~سلكان فيها إلا للضمير وللدين، أليست هذه أنفس أنواع الحرية؟ بل أليست هي الحرية؟ # وقضى على العصابات المسلحة، وأقام مكانها الجيش الوطني، وكانت فكرته أن الفرد لا ينبغي له ~~أن يحمل سلاحا إلا بإذن السلطان ولأغراض السلطان، وتخلصت الجماعة بذلك من الاضطراب والفتن ~~والحرب الداخلية، وأصبحت أمة تملك أداة العيش الكريم. # أما أدوات السلطان، فالإدارات الحكومية الكبرى والصغرى المعروفة، أما قانونه الأساسي ~~فدستور غير مكتوب، يتركب من مبادئ قديمة ومن مبادئ جديدة، ويستمد وحدته من إرادة محمد علي، ~~تسري هذه الإرادة في العمال، كبيرهم وصغيرهم على يد الصفوة من الرجال التي عمل على خلقها ~~وإحكام أمرها طول أيامه، ولكن ماذا يكون الحال بعد موته؟ اكتسب لأبنائه حق وراثة ملكه، ~~حقيقة كان هذا أقل مما كان يرجو ولكنه احتفظ لهم بما يستطعيون في ظروف أكثر مواتية أن يبنوا ~~عليه، وكان أمله أن يسير أبناؤه على النهج الذي نهج وأن تعاونهم الصفوة التي خلق، ms098 ~~وهذا عهده السياسي ولنضعه في عبارته، قال مخاطبا رجال الحكومة: «سيحصل لكم من عائلتي كما ~~حصل لكم مني من جهة الالتفات وترفيع الدرجات لكم ما دامت الحياة، وكلما شاهدوا أطواركم ~~وأحوالكم جارية على ما سبق بيانه من الكيفيات علموا قيمتكم وقتا فوقتا، وأخذوا يقولون: ~~إنهم خدموا في زمان آبائنا وأجدادنا هكذا، وسلكوا مسلك الحق والاستقامة حتى كان منهم أنهم ~~إذا رأوا أمرا غير لائق يخالفونهم في إجراءاته رعاية لأصول الحق، وهذا برهان ساطع على ~~خدمتهم في أيامنا بهذا الشكل، وما فعلوا ذلك إلا لأملهم الخدمة والاستقامة في أيامنا ~~ويعرفون درجتكم وقيمتكم ويكثرون شرفكم طبيعة كواجب اللازم والملزوم.» # أيفترض محمد علي في عهده هذا أن خلفاءه سينسجون على منواله، وأنهم سيجدون من صفوتهم ما ~~وجده من صفوته؛ من عرفان الجميل، والأمانة، وتوافق الميول والأهداف، فهل هذا مما يمكن ~~البناء عليه؟ قبل أن نجيب عن هذا السؤال ينبغي ألا يفوتنا تقرير حقيقة، هي: أن القوانين ~~الأساسية المكتوبة لا يكفي لبقائها ولا يكفي لحيوتها - والحيوية تفضل مجرد البقاء - ~~كونها مكتوبة، فقد تبقى وقد لا تبقى، وقد تكون حية وقد لا تكون حية، والمهم أن تستند إلى ~~قوى معنوية وحسية، فعلام استند قانون محمد علي غير المكتوب؟ استند إلى انتشار أفكاره ~~العمرانية في العقول، وإلى أن تلك الأفكار قد تحولت من برنامج رجل واحد إلى برنامج وطني، ~~واستند أيضا إلى أن معاني العزة والكرامة والشرف قد اتسعت لتفيد عزة الوطن، وكرامة الوطن ~~وشرف الوطن. تلك هي القوى المعنوية والحسية، وقد أصبحت حقائق، وهي نعم الأساس لأي ~~دستور. # ذلكم محمد علي، وعمل محمد علي. # قال مرة لصديقه الدكتور بورنج الإنجليزي: «لا تعجب إذا رأيتني أحيانا عجولا قليل الصبر، ~~فقد كنت في حياتي كلها موفقا ميمون النقيبة، لا بد أني ولدت والطالع سعيد والنجم مبتسم، ثم ~~لم تفارقني بعد سعادة الطالع وابتسامة النجم»، فهو شخصية مشرقة؛ مشرقة في حالتي الرضا ~~والغضب، في العمل في المصالح الكبرى وفي شئون كل يوم، وهو شخصية إنسانية لا تتكلف ما ms099 ليس من ~~سجيتها، دقيقة الحس مرهفته، تتجلى في المآثر الكبرى وفي المجاملات الصغرى. # كتب لابنه سعيد أن يقتدي بأستاذه فارس أفندي وأن يتطبع بأخلاقه؛ لاتصافه بحسنها، ثم ~~نبه على ابنه ألا يتناول الطعام معه؛ لأن فارس أفندي كان يستنكر بدعة استعمال الشوكة ~~والسكين، فينبغي على ابنه أن يتجنب ما يؤلم شعور الأستاذ، أرأيت رقة المجاملة؟ # ولما تقدمت السن بحبيب أفندي مدير الديوان الخديوي اضطر محمد علي لإعفائه من الخدمة وأسند ~~عمله لحفيده عباس، وكتب للأمير عباس: «ولكون الأفندي المومى إليه من أعز أصدقائي المحبوبين ~~فلا ينبغي التوجه للديوان ورفعه منه وتوجهه لمنزله على ملأ العالم، بل اللازم هو إرسال ~~الأمر داخل مظروف إليه بمنزله ليلا أو المخابرة معه»، وكتب لحبيب أفندي نفسه ما يأتي: «إنه ~~في علمك ممنونيتي لجهتك بالنسبة لخدماتك التي أديتها بكل صدق واستقامة في هذه المدة ~~المديدة، ولا بد عندك إحساسات قلبية بذلك، إنما لمعاناة المشقات في السعي والاهتمام في سبيل ~~تلك الخدم طرأ على جسمك فتور وهزال؛ ولذلك كان مأموري وموظفي الديوان إدارتك طرأ عليهم ~~أمور مغايرة في شئون وظائفهم وعدم قيامهم بالواجبات، فلأجل تأليف هؤلاء على السير بالحسنى ~~تراءى لي تعيين ذات ذي كفاءة مديرا لذلك وإن حفيدي عباس باشا شوهد فيه الكفاية لهذا ~~المنصب؛ فقد عينته مديرا عليه بعنوان «كتخدا»، ومكافأة لك صار تقاعدك بكامل ماهيتك، ~~وحائزا لنشانك، والحضور لطرفي في أيام التشريفات كما كنت»، أرأيت أيضا رقة ~~المجاملة؟ # كتب إلى أحد كبار الحكومة أنه علم أن حفيده عباس قتل رجلا خبازا «على أن جده سبق أن أكد ~~عليه بعدم غدر الأهالي، وبأنه تأثر من ذلك؛ لأنه من المعلوم أن المشار إليه حفيده ووارث ~~ملكه بعده، فإن كانت هذه أفعاله في حال شبوبيته فكيف يمكنه الحكم بالعدل عندما يتولى مسند ~~الحكومة، ويؤكد على هذا الكبير بإيقاظه وإلقاء تلك العبارات للمشار إليه رحمة بشيخوخته وإلا ~~فليتحققا بمحوهما وإزالتهما»، فلم تكن الأرواح رخيصة عنده. # وكتب لابنه سعيد: «واللازم عليك الائتلاف بمن لهم معرفة بالأصول الجديدة، العارفين ms100 ~~بالحالة والوقت، والاهتمام في تعلم تلك الأصول منهم؛ حتى لا يقال إن محمد علي سيئ ~~الخلق.» # قال محمد علي في أواخر أيامه: «ما كنت أؤمل ولا أتعشم في الوصول إلى المراكز التي وصلنا ~~إليها اليوم، وصارت آمالي الآن آخذة في الازدياد؛ ولذلك يسهل علي إتلاف أحد أسرتي ~~الحاكمة على ثلاثة ملايين من النفوس في سبيل عمارة وإصلاح الوطن الذي هو أقصى ~~مرغوبي.» # ولنختم كلامنا عند هذا، عند الأمل الذي يزداد دائما والعمل الذي لا يقف عند حد ~~التضحية. # وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله ~~والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة ~~فينبئكم بما كنتم تعملون ~~. ms101