######OpenITI# #META# URI: 1381SalimHasan.FajrDamir.Hindawi30704240 #META# Tags: history #META# ID: 30704240 #META# Title: فجر الضمير #META# AuthorID: 51859046 #META# Author: جيمس هنري برستيد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 60304038 #META# Translator: سليم حسن #META# Related_books: 1351JamesHenryBreasted.DawnOfConscience (TRANSL) #META#Header#End# # مقدمة المعرب‏ # تمهيد‏ # مقدمة‏ # إيضاح‏ # 1 - الأساس والماضي الجديد‏ # 2 - آلهة الطبيعة والمجتمع الإنساني‏ # 3 - إله الشمس وفجر المبادئ الأخلاقية‏ # 4 - العقيدة الشمسية ومكافحة الموت‏ # 5 - متون الأهرام وصعود فرعون إلى السماء‏ # 6 - المذهب الشمسي والآخرة السماوية‏ # 7 - آلهة الطبيعة والمجتمع الإنساني: أوزير‏ # 8 - نور الشمس والخضرة‏ # 9 - السلوك، والمسئولية، وظهور النظام الخلقي‏ # 10 - انهيار المذهب المادي وأقدم عهد للتخلص من الأوهام‏ # 11 - الأنبياء الاجتماعيون الأوائل وفجر المسيحية (التبشير)‏ # 12 - أقدم جهاد في سبيل العدالة الاجتماعية وتعميم المسئولية الخلقية‏ # 13 - إقبال عامة الشعب على اعتناق مثل الآخرة الملكية وانتشار السحر‏ # 14 - الحساب في الآخرة والسحر‏ # 15 - السيادة العالمية وأقدم عقيدة للتوحيد‏ # 16 - سقوط «إخناتون»‏ # 17 - مصادر إرثنا الخلقي‏ # الخاتمة‏ # الصور والأشكال‏ # مقدمة المعرب‏ # تمهيد‏ # مقدمة‏ # إيضاح‏ # 1 - الأساس والماضي الجديد‏ # 2 - آلهة الطبيعة والمجتمع الإنساني‏ # 3 - إله الشمس وفجر المبادئ الأخلاقية‏ # 4 - العقيدة الشمسية ومكافحة الموت‏ # 5 - متون الأهرام وصعود فرعون إلى السماء‏ # 6 - المذهب الشمسي والآخرة السماوية‏ # 7 - آلهة الطبيعة والمجتمع الإنساني: أوزير‏ # 8 - نور الشمس والخضرة‏ # 9 - السلوك، والمسئولية، وظهور النظام الخلقي‏ # 10 - انهيار المذهب المادي وأقدم عهد للتخلص من الأوهام‏ # 11 - الأنبياء الاجتماعيون الأوائل وفجر المسيحية (التبشير)‏ # 12 - أقدم جهاد في سبيل العدالة الاجتماعية وتعميم المسئولية الخلقية‏ # 13 - إقبال عامة الشعب على اعتناق مثل الآخرة الملكية وانتشار السحر‏ # 14 - الحساب في الآخرة والسحر‏ # 15 - السيادة العالمية وأقدم عقيدة للتوحيد‏ # 16 - سقوط «إخناتون»‏ # 17 - مصادر إرثنا الخلقي‏ # الخاتمة‏ # الصور والأشكال‏ # | فجر الضمير # | فجر الضمير # تأليف # جيمس هنري برستد # ترجمة # سليم حسن # يعترف بفضل الرجل الذي يتخذ العدالة نبراسا له، فينهج نهجها. # من أقوال الوزير الأكبر «بتاح حتب» المنفي الأصل ~~في القرن السابع والعشرين ق.م # إن فضيلة الرجل المستقيم أحب (عند الله) من ثور الرجل الظالم (أي من قربان الرجل ~~الظالم). # من النصيحة الموجهة للأمير «مريكارع» من ~~والده فرعون أهناسي الأصل عاش في القرن الثالث ~~والعشرين ق.م # إن العدالة خالدة الذكرى، فهي تنزل مع من يقيمها إلى القبر ... ولكن ms001 اسمه لا يمحى من ~~الأرض، بل يذكر على مر السنين بسبب العدل. # من قصة الفلاح الفصيح الأهناسي الذي عاش في ~~القرن الثالث والعشرين ق.م # إن فضيلة الرجل هي أثره، ولكن الرجل السيئ الذكر منسي. # من شاهد قبر مصري عاش حوالي القرن الثاني ~~والعشرين ق.م # قد يفرح أهل زمان الإنسان وقد يعمل ابن الإنسان على تخليد اسمه أبد الآبدين ... إن ~~العدالة ستعود إلى مكانها والظلم ينفى من الأرض. # من أقوال «نفرروهو» وهو نبي مصري عاش حوالي ~~عام 2000ق.م # يا آمون أنت أيها الينبوع العذب الذي يروي الظمأ في الصحراء، إنه لينبوع موصد لمن ~~يتكلم ومفتوح لمن يتذرع بالصمت، فإنه حينما يأتي الصامت، تأمل! فإنه هنالك يجد ~~الينبوع. # عن حكيم مصري قديم عاش حوالي 1000ق.م # | مقدمة المعرب # مثل الباحث في تاريخ الحضارة المصرية القديمة، كمثل السائح الذي يجتاز مفازة مترامية ~~الأطراف، يتخللها بعض وديان ذات عيون تتفجر المياه من خلالها، وتلك الوديان تقع على مسافات ~~في أرجاء تلك المفازة الشاسعة، ومن عيونها المتفجرة يطفئ ذلك السائح غلته ويتفيأ في ظلال ~~واديها؛ فهو يقطع الميل تلو الميل عدة أيام، ولا يصادف في طريقه إلا الرمال القاحلة ~~والصحارى المالحة، على أنه قد يعترضه الفينة بعد الفينة بعض الكلأ الذي تخلف عن جود ~~السماء بمائها في فترات متباعدة، وهكذا يسير هذا السائح ولا زاد معه ولا ماء إلا ما حمله من ~~آخر عين غادرها، إلى أن يستقر به المطاف في واد خصيب آخر، وهناك ينعم مرة أخرى بالماء ~~والزاد. وهذه هي نفس حال المؤرخ الذي يؤلف تاريخ الحضارة المصرية القديمة، فالمصادر الأصلية ~~لديه ضئيلة سقيمة جدا لا تتصل حلقات حوادثها بعضها ببعض، فإذا أتيح له أن يعرف شيئا عن ~~ناحية من عصر معين من مجاهل ذلك التاريخ؛ فإن النواحي الأخرى لنفس ذلك العصر قد تستعصي ~~عليه، وقد تكون أبوابها موصدة في وجهه؛ لأن أخبار تلك النواحي قد اختفت إلى الأبد، أو لأن ~~أسرارها لا تزال دفينة تحت تربة مصر لم يكشف عنها بعد. # فالمؤرخ في ms002 مثل هذا الموقف الحرج، لا يجد مندوحة من أن يصول ويجول ويشفي غلته بما لديه من ~~المعلومات عن الناحية المعروفة، ثم يمر مر الكرام بالنواحي المجهولة له، وقد يستعين أحيانا ~~بما لديه من قوة الخيال، وما فطر عليه من تجارب على ملء ذلك الفراغ المقفر الذي يعترضه في ~~طريقه، وهو في ذلك لا يأمن شر العثار، وبخاصة إذا تغالى في إرخاء العنان لخياله الخصب. ثم ~~نرى هذا المؤرخ بعد التقدم في سيره في تلك الفجوة المقفرة، يستقر به المقام كرة أخرى في ~~واد آخر تتفجر عيونه بالمعلومات الممتعة، فيتحفنا بها بقدر ما يجود به ماء ذلك الوادي، ~~وهكذا يتابع المؤرخ السير من واد خصيب إلى واد غير ذي زرع، حتى يصل إلى نهاية ~~المطاف. # على أنه عندما يتصفح مثل هذا المؤلف أحد المؤرخين المحدثين، أو الذين لم يجربوا الكتابة ~~في التاريخ القديم وما فيه من فجوات كبيرة، لا يسعه إلا أن يكيل اللوم جزافا للمؤرخ القديم ~~ويصب عليه جام انتقاداته، ويرميه بالتقصير في بعض المواضيع وفي التطويل في غيرها، وما شابه ~~ذلك من الانتقادات التي يجب أن توجه بحق لمؤرخ التاريخ الحديث الذي لا عذر له في التقصير ~~عن إيفائها حقها. # والواقع أننا لا نبالغ إذا قررنا أن المؤرخ الذي يؤلف في التاريخ القديم، يشبه من كان ~~على سفر ليلا في مركبة بخارية تشق به المسافات الشاسعة في ظلمة حالكة يتخللها بعض أقباس ~~ضئيلة من النور هنا وهناك، إلى أن يصل المسافر إلى محط مضاء بالأنوار الساطعة، فيستيقظ ~~على ضوئه ويرى ما حوله من أناس ومبان وسلع، وبعد أن يقضي لحظة بها يتابع سيره ثانية في ~~ظلمة حالكة إلى أن يصل إلى محط آخر، وهكذا حتى يلقي عصا تطوافه، فهذه الظلمة هي مجاهل ~~التاريخ القديم، وتلك المحاط هي المعلومات التي جاء بها الزمن، وأبقى عليها الدهر. # وخلاصة القول: أن المؤرخ في التاريخ القديم، لا يستطيع أن يكتب كتابا متصلة أفكاره بعضها ~~ببعض تمام الاتصال في تاريخ أية بلدة قديمة قد ms003 ضاعت معظم آثارها، أو كانت لا تزال دفينة تحت ~~تربتها لم يكشف عنها بعد. وتنحصر براعة المؤرخ الذي يتصدى لكتابة تاريخ دولة قديمة في سعة ~~اطلاعه وقوة خياله، وقدرته على استنباط الحوادث العظيمة وربطها بما لديه من المعلومات ~~الضئيلة الهزيلة التي أبقت عليها يد الدهر، فهو بتلك المقدرة يمكنه أن يتغلب على الفجوات ~~التي تعترض سيره. # ولست مبالغا إذا قررت هنا أن خير كتاب أخرج للناس في هذا العصر من ذلك الطراز هو كتاب ~~«فجر الضمير» الذي وضعه الأستاذ «برستد» في عام 1934، وهو في الواقع مؤلف يدلل على أن مصر ~~أصل حضارة العالم ومهدها الأول؛ بل في مصر شعر الإنسان لأول مرة بنداء الضمير، فنشأ الضمير ~~الإنساني بمصر وترعرع، وبها تكونت الأخلاق النفسية. وقد أخذ الأستاذ «برستد» يعالج تطور هذا ~~الموضوع منذ أقدم العهود الإنسانية، إلى أن انطفأ قبس الحضارة في مصر حوالي عام 525 قبل ~~الميلاد. فمصر في نظره حسب الوثائق التاريخية التي وصلتنا عن العالم القديم إلى الآن، هي ~~مهد حضارة العالم؛ وعن هذه الحضارة أخذ العبرانيون، ونقل الأوروبيون عن العبرانيين حضارتهم، ~~وبذلك يكون الأستاذ «برستد» قد هدم بكتابه الخالد هذا، النظريات الراسخة في أذهان الكثيرين ~~القائلة بأن الحضارة الأوروبية أخذت عن العبرانيين. على أن هذا الرأي لا يزال يعتنقه بعض من ~~لم يقرأ كتاب «برستد» إلى الآن، وكأن هذا الأثري العظيم بكتابه هذا قد أظهر للعالم أجمع بأن ~~المصدر الأصلي لكل حضارات الإنسانية، هي مصرنا العزيزة. # لذلك يخيل إلي أن «مصطفى كامل» حينما قال: «لو لم أولد مصريا لوددت أن أكون مصريا» ~~كان يحس في أعماق قلبه وفي دمه ما سيظهره الأستاذ «برستد» للعالم عما كان لمصر من السيادة ~~المطلقة والقدم السابقة، في تكوين ثقافة العالم، وفي وضع أسس الأخلاق وانبثاق فجر الضمير ~~الذي شع على جميع العالم. ولا غرابة في إحساس «مصطفى كامل» بهذا الشعور، وبتلك العزة ~~القومية والعظمة النفسية التي عزز صدقها «برستد» عام 1934، وهو العام الذي ظهر فيه كتابه ~~«فجر الضمير»؛ فإن البلاد العريقة ms004 في المجد كالشجرة المباركة الطيبة، تؤتي أكلها كل حين، ~~وتنبت بين آونة وأخرى أفذاذا تجري في دمائهم قوة العزة القومية والمجد التليد؛ فيشعرون ~~بعظمة بلادهم، وما كان لها من تاريخ مجيد ، فتنطلق ألسنتهم معبرة عن ذلك بالإلهام ~~المحض. # والعظيم يقدر العظيم؛ فالأستاذ «برستد» قد شغف في بادئ حياته بدرس تاريخ الشرق القديم ~~عامة، ولكن لما اشتد ساعده مال بكل نفسه وروحه لدرس تاريخ مصر وحضارتها، وأنفق في سبيل ~~الوصول إلى معرفة مكانة مصر بين دول العالم القديم ما يربي على ألف ألف جنيه، جمعها من ~~رجالات أمريكا الذين يشجعون العلم والبحوث القديمة. وقد انتهى به البحث بعد درس حضارات ~~الأمم الشرقية القديمة كلها؛ إلى أن مصر أصل مدنيات العالم، ومنبت نشوء الضمير، والبيئة ~~الأولى التي نمت فيها الأخلاق؛ فهو إذن رجل عظيم كشف عن ماضي أمة عظيمة. # ولعمري لقد قضى الأستاذ «برستد» بكتابه «فجر الضمير» على الخرافات والترهات التي كانت ~~شائعة بين السواد الأعظم من علماء التاريخ القديم والحديث قضاء مبرما، ففريق منهم ظن أن ~~الصين والهند ثم بلاد اليونان كانت مهد الحضارة العالمية وعنها أخذ العالم الحديث، والواقع ~~أن مصر - كما ذكرنا آنفا - هي التي أخذ عنها العالم حضارته عن طريق فلسطين التي ليس لها ~~فضل في ذلك سوى أنها كانت نقطة الاتصال بين الحضارة الأوروبية والحضارة المصرية. # على أن العبرانيين قد نقلوا الحضارة المصرية إلى أوروبا مشوهة بعض الشيء، ثم صقلها ~~الأوروبيون بطورهم حسب أمزجتهم وألبسوها ثوبا جديدا كل نسجه من خيوط المدنية المصرية، فما ~~نراه الآن من روائع المؤلفات اليونانية القديمة، وما نسج على منواله الكتاب الأوروبيون ~~قديما وحديثا، يرجع في عنصره إلى أصل مصري قديم. كل ذلك قد شرحه الأستاذ «برستد» شرحا ~~فياضا مستفيضا تدعمه الوثائق الأصلية القديمة مما لا يترك مجالا لأي ناقد يفهم الحقائق ~~على وجهها الصحيح ولا يتعصب إلى فريق دون فريق. # إن الذي يتصفح كتاب الأستاذ «برستد»، وبخاصة الفصل الأول منه، يلحظ لأول وهلة أنه يريد أن ~~يلفت نظر العالم إلى أهمية ms005 ضرورة البحث والتنقيب عن تاريخ الشرق القديم ووضعه أمام أعين ~~العالم وتدوينه بصورة واضحة، حتى يكون وسيلة لمعرفة أصل الحضارة الحديثة. وفي الحق قد أفلح ~~الأستاذ «برستد» فلاحا منقطع النظير بقدر ما وصلت إليه معلوماته في تجديد الماضي القديم ~~وجعله حيا أمامنا يتكلم ويناقش، وسيجد القارئ أن الأستاذ هو أول من قسم تاريخ الإنسانية ~~عصرين بارزين؛ الأول عصر كفاح الإنسان مع المادة والقوى الطبيعية والتغلب عليها نهائيا، ~~والعصر الثاني هو عصر الكفاح بينه وبين نفسه الباطنة، وذلك حينما أخذ ضميره يبزغ وأخلاقه ~~تتكون، ويقدر «برستد» زمن كفاحه المادي بنحو مليون سنة، أما عصر بزوغ ضميره فقد بدأ يحس ~~به منذ أن عرف كيف يدون أفكاره بالكتابة، ويقدر عمره بنحو 5000 سنة تقريبا. ويعتقد الأستاذ ~~«برستد» أننا لا نزال في مستهل عصر تكوين أخلاقنا، وأننا ما زلنا على أبواب مملكتها الشاسعة ~~المترامية الأطراف، التي لم نرد مجالها بعد، وأنه بيننا وبين الوصول إلى نهاية حدود تلك ~~المملكة أهوال ومصاعب شاقة ربما استغرق التغلب عليها مئات الآلاف من السنين، ويعني بذلك ~~الوقت الذي يصل الإنسان فيه إلى التحلي بالمثل العليا من الأخلاق، ويقلع عن المادة وما ~~يجلبه حب الاستحواذ عليها من المشاحنات والحروب والأحقاد التي يغلي مرجلها في كل نواحي ~~العالم ولا يزال يشتد غليانه الآن. # ولعمري إذا سما الإنسان إلى تلك المرتبة المنشودة، فإن أرضنا تكون الجنة التي وعد بها ~~المتقون، ولكن أنى للإنسان أن يصل إلى تلك المرتبة، ونحن كلما تقدمنا خطوة نحو الأخلاق ~~الفاضلة رجعناها ثانية، بل تقهقرنا إلى ما وراءها! وهل نحلم بأن ننتقل إلى تلك المنزلة ~~العالية التي تلحقنا بالملائكة ونحن لا نزال نتفنن في إجادة آلات القتل والفتك والتدمير؟ ~~والواقع أن العالم الآن في درك خلقي مشين ونشاط مادي قتال، وأن أخلاقنا تنجذب بقوة نحو ~~المادة والوحشية حتى ارتمت في أحضانهما، وسيبقى الحال كذلك إلى أن يتيح الله للعالم من يطفئ ~~تغلغل نار المادة في قلوب الشعوب، ويمطرنا من فيضه سيلا من الأخلاق الفاضلة يسير بالعالم ms006 ~~ويتقدم به في مجاهل مملكة الأخلاق والضمير الحي إلى أن يصل به إلى الغاية المنشودة. # ولا إخال القارئ الكريم بعد هذه المقدمة الطويلة إلا قد فهم القصد الذي من أجله ترجمت ~~كتاب الأستاذ «برستد» هذا، وفضلا عما بينت من مناقب هذا الكتاب فإنه لو رزقني الله علم ~~الأستاذ «برستد» وطول خبرته بدراسة أمم الشرق القديمة عامة، ودراسة آثار مصر خاصة، لما كان ~~في وسعي أن أدون خيرا من هذا الكتاب في فصاحته وبيانه وانسجام عباراته وقوة منطقه وأخذه ~~بتلابيب القارئ، حتى ليجعل مجاهل التاريخ المصري القديم المقفر من المعلومات كأنها رياض ~~وحدائق غناء لا تسأم النفس قراءته، ولا يمل النظر تصفح فصوله. # وإذا قدر وكانت لي تلك الهبات العظيمة التي وهبها الله الأستاذ «برستد» في إخراج كتابه ~~بما فيه من فصاحة وبيان وحسن تعبير وعلم فياض، فإني قد أتهم بمحاباة بلادي، ويكون كتابي ~~لذلك موضع ريبة وشك عند جمهرة العلماء عامة ومن لا يميلون للمصرية أو يتنصلون منها خاصة؛ ~~لأنه أتى على لسان من يحب بلاده فينسب إليها ما يرفع قدرها تعصبا منه ومحاباة وإشادة ~~بذكرها وتغاليا في إعلاء شأنها. من أجل ذلك اعتقدت في قرارة نفسي أن أكبر خدمة أقدمها ~~لوطني العزيز أن أترجم كتاب «فجر الضمير» للأستاذ «برستد» إلى لغتنا العربية، وأنا على علم ~~بما سألاقيه من مشقة وجهد في إبرازه في ثوب عربي مقبول لا أخرج فيه عن الأصل الإنجليزي في ~~معناه وثوبه الفلسفي. # وقد ساعدني على حل غوامض بعض فقرات هذا الكتاب وجم غفير من تعبيراته العويصة الملغزة ~~دراساتي المصرية القديمة التي بدونها ما استطعت أن أصل إلى ترجمة هذا الكتاب، ولا يفوتني ~~هنا أن ألفت النظر إلى أن القارئ الكريم إذا أراد أن يقرن بين الأصل الإنجليزي والترجمة ~~العربية فإنه سيجد أحيانا بعض الفوارق الدقيقة قد حتمتها الفروق بين التعبير في اللغتين، ~~أو قد يكون منشؤها أن الأستاذ «برستد» يشير إلى حوادث وأشخاص تاريخية لا يفهم كنهها إلا من ~~له دراية بالآثار المصرية خاصة والآثار ms007 الشرقية القديمة عامة، ولقد حرصت دائما على شرح تلك ~~الأشياء الغامضة في هوامش طويلة أو قصيرة حسب المقام. # وفي ختام هذه المقدمة أحب أن أذكر أن الأستاذ «برستد» قد قال في مقدمة كتابه: # إنه يجب على نشء الجيل الحاضر أن يقرءوا هذا الكتاب الذي يبحث في تاريخ نشأة ~~الأخلاق بعد بزوغ فجر الضمير في العالم المصري. # لذلك رأيت أنه إذا كان المؤلف يحتم على شباب العالم الغربي أن يقرءوا هذا الكتاب فإنه ~~يكون من ألزم الواجبات على كل مصري مثقف أن يستوعب ما احتواه؛ لأنه تاريخ نشأة الأخلاق في ~~بلاده التي أخذ عنها كل العالم. # وإني أرجو في النهاية أن أكون قد قمت ببعض ما يجب علي نحو بلادي، كما أرجو أن يهتم كل ~~مصري يحترم نفسه ويقدر منزلة بلاده بقراءة هذا الكتاب؛ لعل في ذلك باعثا لإحياء الماضي ~~المجيد الذي لا يزال العالم الغربي يرد مناهله ويسير على هداه منذ أقدم عهده حتى يومنا هذا ~~دون أن يشعر أحد منا بذلك حتى أبرزه لنا الأستاذ «برستد» في «فجر الضمير»، أو كما أسميه ~~«مصر أصل مدنيات العالم». # سليم حسن # يناير سنة 1956 # | تمهيد # لقد أصبح من الآراء العامة المؤسفة الشائعة بين أبناء الجيل الذي أعقب الحرب العالمية، أن ~~الإنسان لم يتورع يوما ما عن استعمال قوته الآلية المتزايدة من الفتك بأبناء جنسه، وقد ~~برهنت الحرب العالمية على إمكان وصول قدرة الإنسان الميكانيكية الهائلة على القيام بأعمال ~~التخريب إلى حد مروع، فليست هناك إذن إلا قوة واحدة في استطاعتها أن تقف في وجه هذا ~~التدمير: هي الضمير الإنساني. وهو شيء اعتاد نشء الجيل الحديث أن يعده مجموعة محددة من ~~الوساوس البالية؛ إذ كل فرد يعلم أن قوة الإنسان الآلية المدهشة ليست إلا نتاج تطور طويل، ~~ولكن لسنا كلنا ندرك أن هذه الحقيقة نفسها تنطبق كذلك على القوة الاجتماعية التي نسميها ~~الضمير، مع التسليم بفارق واحد هام بينهما وهو: أن الإنسان بصفته أقدم المخلوقات صنعا ~~للآلات، كان مجدا في صنع أسلحة فتاكة ms008 منذ نحو مليون سنة، في حين أن الضمير لم يبرز في شكل ~~قوة اجتماعية إلا منذ مدة لا تزيد على خمسة آلاف سنة؛ أي إن أحد التطورين قد سبق الآخر بشوط ~~بعيد؛ فأحدهما عتيق، والآخر وليد عهد قريب لا يزال أمامه ممكنات لا حصر لها. أليس في ~~مقدورنا أن نعمل بجد لإنماء هذا الضمير الحديث الميلاد حتى يصير مظهرا من مظاهر حسن النية، ~~ويصبح من القوة بحيث يخمد أنفاس القوة الوحشية الباقية في نفوسنا؟ إن القيام بهذا الواجب ~~يكون بالطبع أقل صعوبة بكثير مما عاناه أجدادنا المتوحشون في هذا المضمار؛ لأنهم خلقوا ~~ضميرا في عالم لم يكن فيه أول الأمر أي شعور بالضمير. # إن أعظم ظاهرة أساسية في تقدم حياة الإنسان هو نشوء المبادئ الخلقية وظهور عنصر ~~«الأخلاق»، وهو تحول في حياة الإنسان، يدلنا التاريخ على أنه وليد الأمس فقط، وقد يكون من ~~الخير أن نعيد الإشادة بتلك القيم القديمة التي أصبحت في زوايا الإهمال لاستخفافنا بها، ~~وبخاصة في هذا الوقت الذي أصبح فيه الجيل الحديث ينبذ الأخلاق الموروثة ظهريا. ولكي نتمثل ~~صورة حقة لقيمة الأخلاق الفاضلة وتأثيرها في الحياة الإنسانية يجب أن نجتهد في الكشف عن ~~الطريقة التي وصل بها الإنسان للمرة الأولى إلى إدراك الأخلاق وتقدير قيمتها. # فحينما نلقي بنظرنا إلى الوراء في بداية وجود بني البشر ينكشف لنا في الحال أن الإنسان قد ~~بدأ حياته متوحشا مجردا من الأخلاق، فكيف أصبح في وقت ما صاحب وازع خلقي؟ وكيف خضع في ~~النهاية للوازع الخلقي عندما أحس به وتلقى وحيه؟ وكيف ينهض عالم خال من أي تصور للأخلاق ~~إلى التمسك بالمثل الاجتماعية، ويتعلم أن يستمع باحترام إلى الأصوات الباطنة المنبعثة من ~~قرارة نفسه؟ وكيف أنه رغم الفوائد الظاهرة الملموسة التي تفيدها الفتوح المادية ظهر الجيل ~~الأول من الناس مدركين القيم الباطنة التي لا ترى؟ ولماذا لا يكون من واجب شباب اليوم ~~رجالا ونساء أن ينبذوا المبادئ الأخلاقية الموروثة عن الماضي باعتبارها مبادئ؛ تلك ~~المبادئ التي لا نعرف أي شيء ms009 عن أصلها؟ # فالوثائق القديمة التي تمدنا بالجواب على هذه الأسئلة، وتكشف لنا عن أصول مثلنا ~~الوراثية، قد عرضناها في هذا الكتاب مترجمة ومصحوبة بتعليقات وشروح تجعلها سهلة الفهم، إلى ~~حد لا بأس به . والواقع أن هذه الوثائق تكشف لنا عن فجر الضمير ونشوء أقدم مثل للسلوك، وما ~~نتج عن ذلك من ظهور عصر الأخلاق، وهو تطور لا تنحصر أهميته في كونه خلابا لمن يتتبعه خطوة ~~فخطوة، بل لأنه يعد فضلا عن ذلك رؤيا جديدة للأمل في مثل زماننا هذا. وبعض هذه المصادر ~~القديمة عبارة عن قصص شرقية مشوقة قد تجعل القارئ يتنقل في أرجائها براحة وبهجة وغبطة، ~~وبعضها الآخر مصادر لا يمكن تناولها ولا هضمها بسهولة، فإذا كان القارئ الناشئ الذي وضع ~~هذا الكتاب من أجله خاصة يجد نفسه متعثرا في سيره في تفهم هذه الأصول الأخيرة، ويجنح إلى ~~التخلي عن متابعتها، فإني أقترح عليه أن يقرأ على الأقل الخاتمة التي قصد بها أن تضع ~~التقدم الإنساني المدهش من حالة الوحشية إلى عصر الأخلاق - كما يظهر في هذا الكتاب - في ~~موضعه الصحيح، وعلى أساسه التاريخي المناسب. # لقد حفظت في طفولتي مثل إخواني من الصبية «الوصايا العشر»، وعلمت أن أحترمها؛ لأنه ~~أكد لي أنها أنزلت من السماوات على «موسى»، وأن اتباعها كان من أجل ذلك لزاما علي، ~~وإني أذكر أنني كلما كذبت كنت أجد لنفسي سلوة في أنه لا توجد وصية تقول: «يجب عليك ألا ~~تكذب»، وإن الوصايا العشر لا تحرم الكذب إلا في شهادة الزور فقط؛ أي عندما يؤدي الإنسان ~~شهادة أمام المحاكم يمكن أن تضر بجاره. ولما اشتد ساعدي بدأت أشعر في نفسي بشيء من القلق، ~~وأخذت أحس بأن قانون الأخلاق الذي لا يحرم الكذب هو قانون ناقص، وبقيت هذه الفكرة تجول ~~بخلدي زمنا طويلا قبل أن أضع لنفسي السؤال الهام التالي: كيف ظهر في نفسي الشعور بهذا ~~النقص؟ ومن أين حصلت بنفسي على المقياس الخلقي الذي كشفت به عن هذا النقص في الوصايا ~~العشر؟ ولقد كان يوما أسود ms010 على احترامي الموروث للعقيدة الدينية القائلة «بنزول الوحي» ~~حينما بدأت عندي تلك التجربة النفسية، بل قد ظهرت أمامي تجارب أشد إقلاقا لنفسي؛ وذلك ~~عندما كشفت وأنا مستشرق مبتدئ أن المصريين كان لهم مقياس خلقي أسمى بكثير من الوصايا ~~العشر، وأن هذا المقياس ظهر قبل أن تكتب تلك الوصايا بألف سنة. # على أن أمثال هذه التجارب الشخصية قد أصبحت الآن في مخيلتي من الذكريات الضعيفة كلما ~~التفت إلى الوراء ناظرا إليها بعد أن قضيت أكثر من أربعين عاما في البحث محاولا تحديد ~~الأدلة التي وصلت إلينا بين الآثار القديمة الشرقية عن هذه المسألة الأساسية الخاصة بأصل ~~الأخلاق. وعندما تقدمت في هذه البحوث، ازداد اقتناعي بأن نتائج تلك البحوث ستصبح سهلة ~~التناول لأي قارئ عادي، وأن الجيل الحالي من الشباب الذين قد يشغل بالهم بمثل تلك المسائل ~~الأساسية كما حدث لي، يجب أن يكون في متناولهم وسيلة للتثبت من هذه الحقائق. # ولقد وضعت من وقت لآخر موجزات تاريخية عن ارتقاء حياة الإنسان المبكرة قبل ظهور أوروبا ~~المتحضرة، وبخاصة عن الحقائق التي استقيتها من الآثار المصرية، ففي عام 1912 وضعت بعض هذه ~~النتائج في صورة كتاب تاريخ للمدارس الأمريكية، ثم قدمت في نفس العام بحثا أنضج من سابقه ~~عن التطور الأخلاقي والديني عند الإنسان القديم، إلى طلاب اتحاد المعهد الديني في ~~محاضرات «مورس» # Morse Lectures # ثم إلى طلبة ~~جامعة كورنل # Cornell university # في أبحاث تحضيرية ~~عرفت بمحاضرات «مسنجر» # Messenger Lectures # تحت رعاية ~~مؤسسة جديدة خصصت للبحث في «التطور» أسسها الدكتور «مسنجر». من هاتين السلسلتين من ~~المحاضرات طبعت «محاضرات مورس» في ذلك الوقت. # وأخيرا أخذ المؤلف على عاتقه في كلية برين نور # Bryn Nawr College # في سلسلة دروس تمهيدية تحت رعاية مؤسسة محاضرات ماري فلكستر الجديدة بأن يقدم ~~صورة أوسع من الصور السابقة عن الموضوع كله، غير أنها لم تطبع قط مثلها في ذلك مثل محاضرات ~~«مسنجر» في «كورنل». ويجد القارئ في هذا الكتاب بعض النتائج الأساسية المستخلصة من تلك ~~المحاضرات وبعض متون محاضرات ms011 «مورس» نفسها بدون نص على الاقتباس. وإني مدين هنا بالشكر ~~دينا عظيما للدكتور إديث ويليمز وير # Edith Williams Ware # لما قام به من المساعدة في ترتيب تلك المواد القديمة، وفي وضع التصميم ~~الإيضاحي، وفي تحضير الفهرس وقراءة تجارب الطبع وغير ذلك. # وقد سجل المؤلف اعتقاده من زمن يرجع إلى عام 1912 في محاضرات «مورس» أن مجموعة من ورق ~~البردي المصري ألفت في العهد الإقطاعي حوالي 2000ق.م، تدل محتوياتها على أنها أكثر من إنتاج ~~أدبي مزخرف الألفاظ، مخالفا في ذلك الفكرة التي كانت سائدة عن تلك الأوراق عند جمهرة علماء ~~الآثار حتى ذلك الوقت. ويرى المؤلف أن هذه المقالات تحوي في ثناياها آراء اجتماعية تعتبر ~~أقدم بحوث معروفة في الاجتماع كتبها مؤلفوها الأقدمون لتكون حملة دعاية لأول جهاد مقدس في ~~سبيل العدالة الاجتماعية؛ ولذلك يعد مؤلفوها أول المصلحين الاجتماعيين. وقد قضى المؤلف ~~أكثر من عشرين عاما في تأمل هذه الوثائق، فلم يزده ذلك إلا تثبتا من صدق رأيه، وأن قبول ~~هذا التفسير الاجتماعي للمصادر المذكورة إنما هو بالنسبة لنظرية تطور المدنية المصرية مثل ~~العمل الذي قام به منذ عهد بعيد النقاد المؤرخون المستنيرون الذين يطلق عليهم نقاد دار ~~الكتاب المقدس في سبيل تطور الحضارة العبرانية، مع فارق واحد هو أنه في خدمة قضية تطور ~~الحضارة العبرانية كان النقد التاريخي يسير ببطء نحو فهم وقبول هذه التصوير والتفسير ~~الاجتماعيين. # ولقد كان الحال كذلك في تصوير المؤلف للتطور الاجتماعي في الديانة والمبادئ الأخلاقية ~~بمصر القديمة، وبخاصة ما كان أساسه أوراق بردي العهد الإقطاعي السالفة الذكر. وعلى كل حال ~~فإن تفسير المؤلف لما تقدم قد وجد صدرا رحبا في فرنسا؛ إذ قبل هذا التفسير واستعمله ~~صديقه المأسوف عليه «جورج بنديت» أمين متحف اللوفر وعضو معهد فرنسا، وكذلك سار على نهجه ~~وأتقن التعقيب عليه «إسكندر موريه» خلف «مسبرو» في كلية فرنسا وخلف «بنديت» في معهد فرنسا. ~~ومما لا يتطرق إليه الشك أن هذا التفسير الاجتماعي للمصادر المصرية وتصوير الديانة المصرية ~~تصويرا اجتماعيا بجعلها أقدم مصدر ms012 عرف حتى الآن عن تطور الأخلاق والمثل الاجتماعية، ~~سينال ذلك القبول العام الذي ناله نظيره في تفسير التاريخ العبري. # ومنذ إلقاء المحاضرات التي نوهنا عنها فيما سلف كشف عن وثائق أثرية جديدة (وخاصة في ~~مصر) لم تزد فقط في معلوماتنا زيادة ملموسة، بل إنها أثبتت لنا كذلك أهمية أوراق البردي ~~الاجتماعية التي ترجع إلى العهد الإقطاعي. وقد كان أعظم كشف جاوز حد المألوف في هذه الناحية ~~هو أننا عرفنا أن حكمة «أمينموبي» التي حفظت لنا في ورقة مصرية بالمتحف البريطاني، قد ~~ترجمت إلى العبرية في الأزمان الغابرة، وأنه بذيوعها في فلسطين صارت مصدرا استقى منه جزء ~~بأكمله من كتاب الأمثال في التوراة. # فكم من قس حديث طلب إليه أن يعظ جماعة من رجال الأعمال قد قوى موعظته باقتباسه ~~العبارة التالية من كتاب الأمثال: «هل ترى رجلا جادا في التجارة، إنه سيحظى بالمثول أمام ~~الملوك؟» على أنه ليس من المحتمل أن أي قس من هؤلاء قد مهد لعظته بملاحظة تدل على أن ما ~~اقتبسه قد نقله ناشر الأمثال العبرية عن كتاب مصري في الحكمة الخلقية أقدم من التوراة ~~بكثير. لقد أضاف هذا الكشف أهمية بعيدة المدى إلى الحقيقة القائلة بأن التقدم الحضاري في ~~الممالك التي تحيط بفلسطين كان أقدم بعدة آلاف من السنين من التقدم العبري، ولقد أصبح الآن ~~من الواضح الجلي أن التقدم الاجتماعي والخلقي الناضج الذي أحرزه البشر في وادي النيل الذي ~~يعد أقدم من التقدم العبري بثلاثة آلاف سنة، قد ساهم مساهمة فعلية في تكوين الأدب العبري ~~الذي نسميه نحن «التوارة». وعلى ذلك فإن إرثنا الخلقي مشتق من ماض إنساني واسع المدى أقدم ~~بدرجة عظيمة من ماضي العبرانيين، وأن هذا الإرث لم ينحدر إلينا من العبرانيين، بل جاء عن ~~طريقهم. والواقع أن نهوض الإنسان إلى المثل الاجتماعية قد حدث قبل أن يبدأ ما يسميه رجال ~~اللاهوت بعصر الوحي بزمن طويل، وأن هذا النهوض نتيجة للخبرة الاجتماعية التي مارسها الإنسان ~~نفسه، ولم يزج إلى هذا العالم من الخارج. # إن ms013 الحقيقة القائلة بأن أفكار الإنسان الأول الخلقية أتت نتيجة لخبرته الاجتماعية الشخصية ~~تعد من أعمق المعاني لرجال الفكر في عصرنا؛ فالإنسان قد نهض إلى مرئيات الأخلاق من وحشية ~~عصر ما قبل التاريخ على أساس تجاربه الشخصية، فإن ذلك العمل العظيم الذي أوجد على كرتنا ~~الأرضية تلك الحياة المستمرة الرقي، سواء أكان ذلك في حياة الإنسان أم في حياة الحيوان، كان ~~عمل انتقال من عالم يجهل الأخلاق إلى دنيا ذات قيم باطنة تسمو على المادة؛ أي إلى دنيا تشعر ~~لأول مرة بمثل تلك القيم، ولأول مرة تحس بالأخلاق وتسعى للوصول إليها. وبهذا العمل العظيم ~~وصل الإنسان إلى الكشف عن مملكة جديدة لم يرد مجاهلها بعد. على أن الكشف عنها في حد ذاته ~~كان أصعب منالا بالنسبة إلى ارتياد مجاهلها المقبل، ويعد هذا الكشف حادثا قريب العهد، أما ~~ارتياد تلك المملكة فإن الإنسان لا يزال في بدايته. فهو إذن منهاج لم يتم قطع مراحله بعد، ~~ويجب أن تستمر فيه على يد كل جيل مقبل. # وعلى ذلك فإن ما نحتاج إليه نحن أبناء الجيل الحاضر أكثر من أي شيء آخر هو الثقة في ~~الإنسان، وإني أعتقد أن قصة نهوضه تعتبر قاعدة لا مثيل لها للثقة التامة به. ويعد الكشف عن ~~الأخلاق أسمى عمل تم على يد الإنسان من بين كل الفتوح التي جعلت نهوضه في حيز الإمكان. وقد ~~انبثق عصر فجر الضمير والأخلاق على العالم دون أن يزج به من العالم الخارجي عن طريق منهاج ~~خفي يسمى الإلهام أو الوحي، بل كان منشؤه حياة الإنسان نفسه، ويرجع ذلك الانبثاق إلى مدة ~~ألفي سنة قبل بداية عصر وحي رجال اللاهوت، فأضاء ظلمة الحيرة الاجتماعية، والكفاح الباطني ~~في نفس الإنسان، فكان بذلك دليلا قاطعا على قيمة الإنسان. ومهما قيل إن نورا سماويا ~~ساقته القدرة الإلهية على فلسطين خاصة فإن ذلك لم يحرم الإنسان من التحلي بتاج فخار حياته ~~الذي ناله على الأرض؛ وأعني بذلك التاج كشفه للأخلاق، فإنه يعد على ما نعلم أعظم كشف حدث ms014 في ~~مجال حياة التطور البشري. # وقد حددت الآن مكانة العبرانيين في هذا التطور من الوجهة التاريخية، وسيحاول المؤلف في ~~هذا الكتاب أن يجعل تلك المكانة أكثر وضوحا وجلاء. # ولهذه المناسبة يهم المؤلف أن يسترعي الأنظار إلى أمر واقع؛ وهو اهتمامه طول حياته ~~بالدراسات العبرية؛ فقد درس اللغة العبرية سنين عدة لفصول جامعية، ويوجد الآن من بين ~~تلاميذه كثيرون ممن أصبحوا ربانيين (حاخامات)، وله من يهود الجيل الحاضر أصدقاء كثيرون من ~~ذوي المكانة العالمية في المجتمع. لقد اعتمدنا في تدوين الآراء الخاصة بمكانة الحضارة ~~العبرانية في التاريخ على استنباطات سليمة استنبطت من الوثائق القديمة؛ ولذلك نرى من الحكمة ~~أن نشير هنا، وبخاصة في عصر لا يزال يوجد فيه بكل أسف شيء من التعصب ضد الجنس السامي، إلى ~~أن هذا الكتاب قد ألف بروح خالية من كل شعور مضاد للساميين، بل على العكس من ذلك، قد كان ~~إعجاب المؤلف بالأدب اليهودي الذي أخذ في دراسته منذ صغره عاملا مؤثرا في نفسه لدرجة أن ~~حكمه عليه كان دائما تحت تأثير عامل المحبة دون أي عامل آخر. # إن في تاريخ الحضارة العبرانية القديمة دليلا ساطعا على تقدم الحياة البشرية، وعلى رقي ~~الإنسان نحو مرئيات جديدة من الأخلاق والمثل العليا الاجتماعية، ~~وعلينا الآن أن نتعرف منهاج التطور البشري في مداه ~~الواسع الذي يسمو على الفواصل الجنسية - ذلك المنهاج الذي احتل فيه اليهود مكانة وسطى - وأن ~~ندرك الأهمية العظمى للحقيقة التاريخية الثابتة؛ وهي أن الإنسان قد سما إلى تصور خلقي عال ~~قبل أن تظهر الأمة العبرانية في عالم الوجود بألفي سنة. # جيمس هنري برستد # جبل يورو همستد نيومكسيكو # 27 يونيو سنة 1933 # | مقدمة # أعتقد أن «ديدرو» هو الذي حاول أن يوضح لابنته الأصول الفلسفية للأخلاق الفاضلة حينما ~~كانت تنتقل في مجال حياتها من مرحلة الطفولة إلى سن الشباب، فلما أخفق في كشف مثل هذه الأسس ~~وجد نفسه في ورطة محيرة، ومع ذلك فإن «ديدرو» في ممارسته لشئون الحياة الواقعية لم يتنح ~~عن اعتقاده الجريء في قيمة ms015 السلوك الفاضل. # ففي عصر كالذي نعيش فيه - وهو العصر الذي نجد فيه خلقا كثيرا لا ينكرون عقيدة «ديدرو» ~~كل الإنكار، وإنما يتمسكون بمقاييسهم الشخصية للفضيلة - يشعر الإنسان بحاجته إلى وسيلة ~~تمكنه من النظر إلى الوراء في الأجيال الغابرة من حياة البشر، ليتدبر بعين بصيرته بعض الأسس ~~التاريخية التي بنيت عليها آراؤنا في السلوك الفاضل. # ولقد مرت على الإنسان فترة من الزمن كان لا يحس فيها مطلقا بعنصر السلوك، وذلك حينما كان ~~كل ما يأتيه من الأعمال يأتي عن طريق الغريزة؛ لذلك يعد شعوره لأول مرة بالسلوك أو الأخلاق ~~تقدما هائلا في حياة البشر، وقد صار هذا التقدم أعظم خطرا عندما سما الإنسان إلى درجة ~~أدرك فيها أن من السلوك ما يستحسن وما يستهجن، فكان ظهور هذا الإدراك خطوة نحو انبثاق ~~الضمير. فلما أخذ الضمير في النمو أصبح في النهاية قوة اجتماعية عظيمة، وصار له بدوره أثر ~~في ذلك المجتمع الذي أخرجه من قبل إلى عالم الوجود. # ففي حياة الصياد في عصر ما قبل التاريخ الذي كان يكافح بين ذوات الثدي المتوحشة الهائلة ~~التي كانت تحيط به، بدأ يسمع همسا من عالم جديد كان ينبثق فجره في باطنه، وكان هذا الهمس ~~بمثابة بوق جديد يختلف عن همس ألم الجوع أو الخوف الذي ~~يشعر به الإنسان للمحافظة على كيانه؛ إذ لم يكن يقتصر هذا البوق على تحريك إحساس واحد فحسب ~~تاركا كل المشاعر الأخرى هادئة مطمئنة، بل حرك لأول مرة كل العوامل النفسية معا. فما هو ~~المنبع الذي خرجت منه كل هذه الأصوات الباطنة؟ وكيف اكتسبت تلك القوة الآمرة في حياة ~~الإنسان الفردية؟ وكيف أنها نهضت حتى أصبحت قوة راسخة مسيطرة في المجتمع الإنساني؟ لا شك أن ~~ذلك كان تقدما عظيما وتغييرا أساسيا. ونحن نكرر هنا أن كل هذا التقدم كان رحلة ~~اجتماعية تقع مراحلها الأخيرة في متناول مدى ملاحظاتنا؛ لأنها حدثت في العصر التاريخي؛ أي ~~في العصر الذي ظهرت فيه الوثائق المدونة. وقد ساعدنا حل رموز اللغات الشرقية القديمة على ~~قراءة ms016 ما وصل إلينا من السجلات المكتوبة، فكشفت لنا عن فجر الضمير، وعن الأطوار التي صار ~~بها قوة اجتماعية، وتمخضت لنا عن عصر الأخلاق؛ ذلك العصر الذي ما زلنا نقف عند أول مرفأة ~~فيه. والأرجح أن هذا التطور استغرق أمدا طويلا لا يقل عن مليون سنة، استطاع الإنسان في ~~نهايته أن يبني تلك الحياة الراقية التي بدأ يبرز منها عصر الأخلاق. ولم يبلغ هذا الانتقال ~~البطيء ذروته إلا بالأمس، وإن كان الإنسان في يومنا لا يشعر حتى الآن بأنه دخل حديثا جدا ~~في مملكة جديدة لم يتعلم حتى الآن كيفية الاستيلاء عليها. # على أن إخفاق الإنسان في إدراك أنه يتجول في مملكة مجهولة له لم يدخلها إلا حديثا، يرجع ~~بعض الشيء إلى مؤرخيه، فإنهم يعلمونه أن التاريخ البشري ينقسم إلى عصور عظيمة مثل عهد ~~الملكية وعهد الإمبراطوريات وعهد الديموقراطيات إلخ. إن التقسيم على هذا النمط مفيد مهذب ~~للأذهان، غير أنه مع ذلك لا يتعمق بعيدا في طبيعة حياة الإنسان السائرة نحو الرقي. ويوجد ~~طراز آخر من المؤرخين يعترفون بأهمية «عصر الآلات وما يتبعه من الانقلاب الصناعي» في حين أن ~~المهندسين المتحمسين ينشدون للحكم (الآلي) الميكانيكي؛ يلخصون رقي الإنسان بتعبيرات كلها ~~تتعلق باستخدام القوة. ومن جهة أخرى يجد علماء الآثار أنه من السهل عليهم أن يقسموا تاريخ ~~حياة الإنسان إلى عصور عدة: العصر الحجري، وعصر استعمال النحاس، وعصر استعمال الشبه ~~(البرنز)، وعصر استعمال الحديد. # في حين أن مؤرخ علم الأحافير النباتية ~~والحيوانية Paleontologists # بعد أن يعدد سلسلة عظيمة تشمل الأطوار المتتالية لحياة الحيوان ~~الناهضة، ويقص علينا أننا نقترب الآن من ختام عصر ذوات الثدي، ومع أن هذه التقسيمات ملائمة ~~أو ضرورية فإنها من غير شك لا تزال من بعض الوجوه سطحية، بل إن الاصطلاحين: «عصر ~~الديموقراطية» و«عصر الميكانيكا» على حسنهما لا يدلان إلا على القليل من التحرر الفكري الذي ~~كان سببا في وجودهما. أما التقسيمات التي تكون أكثر فائدة وأعظم أهمية، وتدل في آن واحد ~~على أطوار التقدم الإنساني، فهي التي تكون ms017 على نحو «عصر الضمير والأخلاق» (الذي بدأ منذ نحو ~~خمسة آلاف سنة)، وعصر العلوم الذي جاء به «جليليو» منذ أكثر من ثلاثمائة سنة. # والواقع أن كتابة التاريخ حتى الآن لم تعط سوى القليل من العناية لهذه التطورات ~~الإنسانية الأساسية. # لقد صار الإنسان أول صانع للأشياء بين مخلوقات الكون كله قبل حلول عصر الجليد، والأرجح أن ~~ذلك كان منذ مليون سنة، بل ربما قبل ذلك الأمد. وقد صار في نفس الوقت أول مخترع للأسلحة، ~~وعلى ذلك بقي نحو مليون سنة يحسن هذه الآلات، ولكنه من جهة أخرى لم يمض عليه إلا أقل من ~~خمسة آلاف سنة منذ أن بدأ يشعر بقوة الضمير إلى درجة جعلته قوة اجتماعية فعاله. أي إن القوة ~~الجسمانية تشد أزرها قوة العلم السامية مدة الثلاثة القرون الأخيرة بقيت تعمل في صنع ~~الآلات الحربية الدقيقة الصنع فيزداد تحسنها باستمرار، حوالي مليون سنة؛ في حين أن قوة ~~الإنسان الباطنة التي تفوق تلك القوة المادية في رفعتها؛ وأعني بها القوة التي نهضت من ~~التجارب الاجتماعية، لم تعمل في المجتمع إلا منذ حوالي خمسة آلاف سنة فقط. فلا شك إذن في أن ~~عصر السلاح يبلغ عمره مليون سنة مع أن عصر الأخلاق قد شق طريق بدايته البطيئة تدريجا منذ ~~نحو أربعة آلاف أو خمسة آلاف سنة. وقد حان الوقت الذي يجب فيه على العالم الحديث أن يدرك ~~شيئا من أهمية هذه الحقيقة البالغة، بل يجب أن تصبح دراسة ذلك جزءا من التربية الحديثة. ~~لذلك كان الغرض من هذا الكتاب هو إبراز الحقائق التاريخية، واستعراض المصادر القديمة الهامة ~~التي استقيت منها أمام القارئ، فيظهر لنا بذلك أننا ما زلنا واقفين في غبش فجر عصر الأخلاق. ~~لا بأس أن يكون ذلك قاعدة لأحلام ضحى لا يزال في الواقع بعيدا جدا عنا، ولكنه لا محالة ~~آت وراء ذلك الفجر. # وبعد الفراغ من وضع هذا المؤلف فطنت إلى ملاحظة «إمرسون» في مقاله السياسي؛ تلك الملاحظة ~~المتنبئة التي وضعتها على صفحة عنوان هذا الكتاب، وهي ملاحظة ms018 غابت عن ذاكرتي منذ عدة سنين ~~مضت. ولقد أصاب «إمرسون» (قس مقاطعة نيو إنجلند) كبد الحقيقة بما أوتيه من قوة التصور ~~الإلهامية بهذه الكلمة التي قالها، والتي تعد أبرز حقيقة في مدى الحياة العصرية قاطبة؛ وذلك ~~أنه في عصر «إمرسون» كانت تلك الحقيقة التي فاه بها لا يمكن أن يدلل على صحتها بأكثر من ~~كونها مجرد اعتقاد أو إحساس شخصي، ولكن منذ أن تواري ذلك الحكيم كشفت لنا بحوث تاريخ الشرق ~~القديم أنها حقيقة تاريخية. ولذلك كان الغرض من هذا الكتاب أن يجعل في متناول القارئ ~~المتوسط الاطلاع الأدلة التاريخية التي كانت أساسا لمعرفتنا الجديدة لهذه الحقيقة العظيمة ~~الشأن. # | إيضاح # | عن ترجمة النبذ المقتبسة في هذا الكتاب # لقد كان هم المؤلف أن يضع في هذا المجلد الترجمة الإنجليزية لكل المصادر الهامة التي ~~أخذ عنها، أو ترجمة النبذ التي وجدت ضرورية لتدعيم التدرج التاريخي اللازم. على أن القارئ ~~لم يثقل كاهله في معظم الكتاب بذكر أسماء المصادر، وفيما يختص بمتون الأهرام العظيمة فإن ~~القارئ الذي يريد أن يرجع إلى تحقيق مصادرها فإنه يجدها في «محاضرات مورس» المطبوعة للمؤلف. ~~وقد أخذ عنها المؤلف بكثرة دون أن يضع علامات اقتباس، ويجب على القارئ أن يلاحظ في الترجمة ~~الإنجليزية ما يأتي: # الكلمات التي وضعت بين نصفي قوسين [هكذا] تدل على أن معناها ليس محققا في ~~الأصل. # الكلمات التي وضعت بين قوسين تعتبر تصحيحا مفروضا فيه، إما أنه قد كان ~~موجودا في الأصل ثم فقد الآن، وإما أن يكون هو المعنى الذي يفهم من الأصل ~~بالتغليب. # الكلمات التي توضع بين شرطتين هي تفسيرات من عند المؤلف ولا وجود لها في ~~الأصل. # الفصل الأول # | الأساس والماضي الجديد # تطالعنا الصدف أحيانا في بعض بقاع أوروبا بوجود أثرين متجاورين - بصورة تدعو إلى الغرابة ~~- أحدهما ينتسب إلى أقدم عصور متوحشي ما قبل التاريخ، والثاني ينتسب إلى ما يسمى المدنية ~~الحديثة، وكلا الأثرين يمثل تاريخ الجنس البشري في عصره. فأولهما يمثل التاريخ القديم ~~وثانيهما يتحدث عن التاريخ الجديد؛ أي أقدم ms019 عصر وأحدث عصر يمكن اقتفاؤهما في مجال حياة بني ~~البشر. ففي شمال فرنسا وعلى أديم تلك التلال المشرفة على «نهر السوم» والتي كانت مسرحا ~~لكثير من المواقع الحربية، انغرست الألوف من شظايا قذائف الفولاذ على عمق كبير في المنحدرات ~~والمستويات التي مهدها النهر لنفسه منذ أزمان خلت، واليوم بعد أن سكتت المدافع الضخمة التي ~~كانت ترمي تلك القذائف، يستطيع المرء بعد أن يعمل بفأسه بضع دقائق في حافة الوادي، أن يرى ~~«البرت» (البلطة) المصنوعة من الظران، وهي من أقدم ما خلفه الإنسان من الأسلحة تجاور ~~نثارا من شظايا مسننة، لقذائف الفولاذ المفرقعة، فبالآلة الأولى كان يستطيع أول أجدادنا ~~المتوحشين أن يهشم جمجمة خصمه فيودي بحياته، وبالمهلكات الثانية اعتاد نسله المتحضر أن ينسف ~~عدوه ويمزقه إربا. # وفيما بين الجارتين (البرت والشظايا) يقع تاريخ حياة بني الإنسان، وهو قصة لا يقل عمرها ~~عن عدة مئات من آلاف السنين، بل ربما بلغ مليون سنة. وقد كان المجهود البشري خلال هذه ~~السنين يسير بالإنسان من طور إلى طور حتى انتقل من الطرق الفطرية للهلاك إلى تلك الطرق ~~البالغة حد التفنن في السحق والتدمير. # إن تاريخ حياة الإنسان هو في الغالب قصة التغلب على القوى المادية بتدابير منوعة لا حصر ~~لها من الآلات والعدد، ولكن لا ننسى بجانب ذلك النتائج الصناعية والاجتماعية والسياسية ~~والفنية والعقلية التي نجمت عن اختراعها؛ فأسطوانة الآلة البخارية أو آلة الغاذولين هي رمز ~~العصر الحاضر، كما أن «البرت» المصنوعة من الحجر هي العلامة الدالة على حياة العصر الحجري ~~الذي يرجع عهده إلى ألف ألف سنة على الأرجح، # 1 # على أن العثور على تاريخ الماضي بهذا المعنى الواسع يحتاج إلى بحاثة من طراز ~~جديد، بحاثة عالمي يجمع إلمامة بين علم الإنسان وعلم الآثار وعلم الأجناس وعلم الديانة ~~المقارن، ويكون مع ذلك متضلعا في الفن والأدب متفقها في كل من اللغات القديمة من أوروبية ~~وشرقية. # وعلى الرغم مما يقتضيه تكوين عالم من هذا الطراز من جهود مضنية وسنين كثيرة في الدرس ~~والتعليم، فإنه ms020 يوجد الآن بعض علماء من هذا النوع يقومون بهذه البحوث فعلا، فتطلع علينا ~~جهودهم المخلصة بقصة ذلك المنهاج الطويل العمر الذي أفضى في النهاية إلى حلول مداخن المعامل ~~الحديثة، وكل ما نتج عنها من أمراض اجتماعية واقتصادية، محل تلك الأحراج الفطرية التي كان ~~يجول فيها صياد العصر الحجري. ومع ذلك فإن المجهود الجدي في البحث عن تاريخ ماضي الإنسان لم ~~يكد يتعدى مراحله الأولى، فإنه لم يمض قرن على عثور «بوشيه دي برت» # Boucher des perthes # 2 ~~- الذي يعد طليعة الباحثين في علم الآثار ما قبل التاريخ - في حصباء نهر ~~«السوم» على «البرت» الذي يرجع تاريخها إلى أقدم إنسان أولي متوحش، وبجانبها عظام بعض ~~الحيوانات الهائلة من ذوات الثدي التي انقرضت منذ زمن سحيق، فأعلن «دي برت» إذ ذاك أنها ~~معاصرة لتلك البرت المصنوعة من الظران. ومنذ جيلين تقريبا زار العلماء الإنجليز ~~«هكسلي» # Huxley ~~، # 3 # و«برستويتش» Prestwich # و«السير شارلس ليل» # Sir Charles Lyell # 4 # وغيرهم وادي «السوم»، وتأكدوا من الحقائق التي لاحظها «بوشيه دي برت»، وكانت ~~نتيجة هذه الزيارة أن نشر «ليل» مجلده الذي يعد بداية عصر جديد وسماه «قدم الإنسان» # The antiquity of Man ~~، وقد ظهر أثناء حروب أمريكا الأهلية # American Civil war ~~. وكلنا يعرف الهزيمة التي ~~ألحقها «هكسلي» بأساقفة الإنجليز على أثر الاعتراف بعظم قدم عمر الإنسان؛ لأن بعضنا قد قرأ ~~المناقشة في أيامنا الأولى في المجلات السائرة. # ومن الأشياء الحديثة كذلك إماطة اللثام عن التاريخ الشرقي لعدة آلاف السنين الخوالي مما ~~لم يكن معروفا من قبل عن الشرق القديم. # فلا يزال كتاب التاريخ القديم الذي ألفه رلن # 5 # Rollin Ancient History # معروضا للبيع في ~~المكتبات مترجما إلى الإنجليزية مع أنه لم يكن بين يدي مؤلفه كثير من المصادر فوق تاريخ ~~«هردوت» والتوراة، وفي حداثة سني كان هذا الكتاب لا يزال يقرأ بكثرة. ونسخة والدي من كتاب «ليرد» # 6 # نينوه وبابل # Leyard, Nineveh and Babylon # التي أدهشني منها في طفولتي ما رسم على غلافها من الثيران الرمزية المجنحة ms021 ذات الرأس الآدمي ~~- أخذت مكانها في مكتبته سنة 1869 كما ينبئ بذلك التاريخ المكتوب على ورقة الغلاف، على حين ~~كانت صفحة عنوان الكتاب تحمل تاريخ سنة 1859م. # وكان حل رموز الخط المسماري للبابلية والآشورية قد تم قبل ذلك التاريخ ببضع سنين فقط، أما ~~أول نقش مصري فقد حل عام 1822؛ أي قبل حل الخط المسماري بنحو ربع قرن. والحقيقة أن معرفتنا ~~بهذه اللغات ونظم كتابتها لا تزال بعيدة عن حد الكمال، وإن كانت تسير في سبيل التقدم المطرد ~~كما يبرهن على ذلك حل رموز الخط المسماري الحيثي حديثا، والتقدم المحسوس كذلك في فك ~~هيروغليفي الحيثيين. وبذلك أصبح فحص الوثائق القديمة الكثيرة العدد والتي بدأ العالم يفهمها ~~بسهولة، والحفائر التي أحيت فصولا بأكملها من حياة الإنسان، مصدرين يكشفان الآن بوضوح ~~متزايد عن رواية تمثيلية خطيرة في تاريخ التقدم البشري. وهكذا قد أزيح الستار في أيامنا ~~تقريبا وبسرعة مدهشة فتيسر لنا النظر إلى الوراء في أعماق ماض متغلغل في القدم لم يتسن ~~للفكر ولا للتعليم حتى الآن أن ينسجم معه. ولندع الآن أبصارنا تسبح في هذا المدى الرهيب ~~من التقدم البشري الذي كشف لنا عنه البحث في إنسان ما قبل التاريخ، وفي مدنيات الشرق التي ~~كنا قد فقدناها. # ويكاد كل امرئ يعرف قدرتنا الآن على تعقب الخطوات التي خطاها أقدم إنسان في أوروبا إلى ~~الأمام خلال آلاف من السنين قضاها في نضال مع دنيا المادة، فالغطاء الجليدي القطبي الذي ~~انحدر أربع مرات على الجانب الشمالي للبحر الأبيض المتوسط فأجلى متوحشي أوروبا أهل العصر ~~الحجري القديم إلى الجنوب، ثم تقهقر بعد ذلك ببطء نحو الشمال ثانية، وهكذا في كل من الدفعات ~~الأربع جعل هذه الظاهرة في نظرنا بمثابة ساعة جيولوجية هائلة يدل تذبذب (رقاصها) الضخم أربع ~~مرات متتالية منتظمة على مرور فترة عظيمة من الزمن ظهر فيها ذلك التحسن المتدرج في أسلحة ~~الإنسان الحجرية وآلاته وتقدمه البطيء في قطع الطريق الطويل من الوحشية إلى المدنية. # على أن الخيال يقف حائرا أمام هذه الكشوف التي ms022 تنبئنا عن المعركة الطويلة الأمد التي خاض ~~غمارها جدنا المتوحش، وذلك حينما نرى في تغلبه البطيء على القوى التي تحيط به مشهدا ~~دنيويا يملؤنا بنفس العاطفة الدنيوية التي نشعر بها أمام حدوث ظاهرة عظيمة من ظواهر ~~الطبيعة. # وإذا فرضنا أن كثيرا من المتعلمين في عصرنا يعرفون الحقائق البارزة الآنفة الذكر فإنه من ~~غير المعلوم لدى الجميع أن كشوف السنين القلائل الأخيرة قد أماطت اللثام عن تفاصيل حياة ~~العصر الحجري التي وجدت حول جميع البحر الأبيض وانتشرت على شواطئه كما انتشرت حكومة الدولة ~~الرومانية حوله بعد ذلك بآلاف من السنين، فكانت على ذلك تشمل شمال أفريقيا وغرب آسيا. # 7 # وعلى ذلك كانت هناك «دنيا شرق أدنى» شاسعة لإنسان العصر الحجري القديم، تشمل شمال أفريقيا ~~وغرب آسيا مكونة بذلك مسرحا شاسعا تمتد جبهته من البحر الأسود شمالا مخترقة سوريا ~~وفلسطين إلى الشلالات النائية في أعالي النيل جنوبا، وأما الجزء الخلفي لهذا المسرح فتحده ~~الجبال الفارسية. # وهذه الصورة عميقة في القدم عمقها في المساحة؛ إذ لا يقل عمرها عن مئات الآلاف من السنين، ~~وقد يصل إلى ألف ألف سنة، منذ بدأ الغطاء الجليدي القطبي يزحف جنوبا على أوروبا، وكان ~~الناس قد بدءوا فعلا يعيشون عيشة الصيد على مسرح الشرق الأدنى هذا. وإذا جاز لنا أن نحكم ~~من شكل إنسان ما قبل التاريخ الذي كان يعيش في شرق آسيا قريبا من «بكين» الحالية؛ فإن مخ ~~صيادنا الغربي كان أقل حجما بمقدار الثلث من مخ سلفه الذي عاش في العصر التاريخي في نفس ~~الإقليم، وقد ترك أسلحته الحجرية منتشرة على سطح الأرض في الشمال الشرقي من أفريقيا، وعلى ~~تلال آسيا المجاورة ووراء جبال فارس. # وحري بفترات الزمن التي تضمها هذه العهود أن تقاس بمراحل جيولوجية لا بالسنين، فأولى ~~مراحل هذه العصور الجيولوجية كان عصر تكوين أودية الأنهر العظمى للإقليم، ولا شك أن أناس ~~الشرق الذين عاشوا في عصر ما قبل التاريخ كانوا بطبيعة الحال يجهلون أنهم يرقبون تكوين وادي ~~النيل ووادي الدجلة والفرات في وقت ms023 كانت فيه دلتا النيل الحالية لا تزال خليجا للبحر ~~الأبيض المتوسط، كما كان الخليج الفارسي يمتد شمالا فوق ما هو معروف الآن بسهل «بابلون» ~~إلى خط عرض الركن الشمالي الشرقي للبحر الأبيض المتوسط. # أما ثاني تلك المراحل الزمنية فقد تحدد لنا الآن (وقد كان يسير جنبا لجنب مع تقدم حياة ~~الإنسان) ونعني به عصر «نضوب الماء»؛ ذلك النضوب الذي كان ينتشر تدريجا، فالصحارى المعروفة ~~لنا تمام المعرفة في هذه الأقطار لم تكن قد ظهرت بعد؛ إذ كان كل شمال أفريقيا إقليما ذا ~~أمطار غزيرة ونباتات وفيرة مكونا ميدان صيد أنموذجيا، وقد عثرت على ثلاثة قوارب نيلية ~~لصيادي الهضبة محفورة على الصخور الواقعة في مجاهل صحراء النوبة فيما وراء «أبو سنبل»، وقد ~~كشف حديثا الدكتور «سندفورد» مدير مساحة المعهد الشرقي أسلحة الظران التي كان يستعملها ~~هؤلاء الصيادون مبعثرة في أقاصي الصحراء الجنوبية على مسافة ألف ميل أو أكثر من النيل، ولا ~~تزال هذه الآلات والأسلحة الحجرية الملقاة حيث فقدها أصحابها منذ مئات الآلاف من السنين ~~شاهدا صامتا على المجال الفسيح الذي كان يرتع فيه الصيادون والحيوانات التي كانوا يقتفون ~~أثرها في وقت كان فيه جميع شمال أفريقيا ممرعا خصب الجناب. ولا يغرب عن ذهننا أن الأماكن ~~التي توجد فيها تلك الأدلة الصامتة عن حياة الإنسان الغابر، هي الآن مناطق منعزلة قاحلة ~~موحشة لا يجسر أي صياد حديث أن يدلف إليها في الصحراء؛ لأنه لا يأمل أن يعود على قيد الحياة ~~بعد أن يخترق تلك المجاهل الماحلة. # وقد كان منتصف زمن العصر الحجري القديم مبدأ انحسار المطر، وفي أثره حل الجفاف العظيم ~~الذي حول هضبة شمالي أفريقيا الخصبة إلى تلك البيداء الشاسعة التي نسميها الآن «الصحراء العظمى». # 8 # ولقد كانت العوامل الجيولوجية في ذلك الوقت آخذة منذ زمن بعيد تعد موطنا ~~جديدا أكثر ملاءمة وأحسن موقعا لصيادي العصر الحجري في الركن الشمالي الشرقي من أفريقيا، ~~فهنا كانت أفريقيا الحارة تمتد عبر الصحراء إلى الركن الجنوبي الشرقي من البحر المتوسط، وهو ~~ممر خصب ms024 منبطح زاخر بالأعشاب النضرة وبحيوان أفريقيا الداخلية مما أعطى صيادي العصر الحجري ~~مأوى لا تنفد موارده في موقع لا مثيل له من الأمن والحماية من الدخلاء المغيرين. # ولا بد أن حيوانات أفريقيا الشمالية الشرقية بعد أن طردها من الهضبة تناقص الطعام ~~المستمر عندما أصبحت النباتات قليلة جدا لا تكفي دفع غائلة الجوع وحفظ الحياة، قد لجأت ~~إلى شواطئ النهر العظيم عند الجزء السفلي من وادي النيل، فجعلت منه مرتعا للصيد منقطع ~~النظير، وجنة الخلد هذه الواقعة في الجزء السفلي من وادي النيل، والتي نسميها الآن مصر، ~~كانت تجذب إليها أحيانا منذ البداية صيادي العصر الحجري الذين كانوا يسكنون هضبة شمال ~~أفريقيا، ولكن لما اضطرهم الجفاف في النهاية إلى اقتفاء حيوان الصيد في هذا الاتجاه بدءوا ~~يتخذون وادي النيل الضيق موطنا مختارا لهم. وقد أقام الجفاف في النهاية حول جنة الصياد ~~هذه حاجزا منيعا من الصحراء لا يمكن اختراقه من ثلاثة جوانب من حدود مصر - الشرق والغرب ~~والجنوب - وحول وادي النيل الأسفل إلى معمل اجتماعي منعزل لا مثيل له في سائر بقاع ~~العالم؛ لأن النيل هو النهر الوحيد على كرتنا الأرضية الذي ينبع من المناطق الحارة وينساب ~~نحو الشمال مخترقا نحو 700 ميل في «المنطقة الإقليمية» التي ظهرت فيها أول النظم القومية ~~العظيمة، وهي المنطقة المعتدلة للدول القديمة بين خطي عرض 25، 45 شمالا، وفيها نمت، # 9 # كل العاهليات القديمة، هذا فضلا عن أن وادي النيل في عصور ما قبل التاريخ كان ~~يتمتع بمزية فريدة؛ إذ لم يكن معرضا لشدائد عصر الجليد، بل كان منفصلا عنها ومحتميا ~~منها بمياه البحر الأبيض المتوسط الملطفة الواسعة الأرجاء، على حين أن حياة صيادي العصر ~~الحجري الأوروبي في شماله قد عاقها عن التقدم الرياح القطبية واندفاع الثلوج التي لا ~~تقاوم. # ولقد كان غربي آسيا على تمام النقيض من مصر، تحوط دائرته الشمالية تلك الهضبة الجبلية ~~الممتدة من البوسفور حتى بلاد إيران، فكان معرضا بدرجة عظيمة لأخطار ذوبان الجليد المخربة ~~وزمهرير برده القارس، وقد ترجع قصة الطوفان ms025 العام التي ورد ذكرها في «بابل» ثم في التوراة ~~إلى فيضان جليدي من هذا النوع. ولقد كانت هذه القوة الطبيعية المزعجة المغيرة من المرتفعات ~~الشمالية الواقعة في غرب آسيا نذيرا لغارات بشرية متتابعة كانت كذلك تنزح من هذه المرتفعات ~~وتغمر الإقليم في دورات معلومة؛ فتقلب النظام الاجتماعي والحكومي القائم. ولذلك كان التقدم ~~البشري في الإقليم إذا خطا خطوته الأولى نحو التطور الاجتماعي لا يلبث أن يعثر وتزل به ~~قدمه، فيرجع إلى سيرته الأولى فيحاول النهوض مرة أخرى ويعاني نفس العملية المرة بعد المرة. ~~بمثل هذا تناوبت القوى المغيرة من طبيعية وإنسانية على وقف التطور الاجتماعي في بابل، وقد ~~كان لزاما علينا أن نعتبر دوافع الغزو الأجنبي قوة مجددة لولا ما ظهر لنا من أن تلك الفكرة ~~قد غالى في تقديرها بعض المؤرخين؛ فالشجرة الضخمة تقف في وجه الرياح بفضل قوة تلك الحلقات ~~الصلبة التي تنمو في جذعها سنويا، والتي ربما كانت تنمو فيها منذ قرون وتبقى متأصلة في ~~داخل تركيب جذعها العظيم، فالقوة في مثل هذه الشجرة يمكن أن تتخذ مثالا لتوضيح نمو النظام ~~القومي الذي اكتسب زيادة قوته بالبناء المستمر، ولكن الشجرة التي تعصف بها الريح مرارا ~~وتزعزعها من الأرض أحيانا تبقى دائما قصيرة عارية. ولم يكن من باب الصدفة أن سقوط المدنية ~~البابلية في القرن الثامن عشر قبل الميلاد وغزوها على يد الدولة الكاسيلية بعد أن بلغت ~~قوتها في عهد أسرة «حمورابي» أعقبه نضوب ثقافي استمر مدة ألف سنة أو يزيد. # وعلى العكس من ذلك نرى - كما أسلفنا - أن الجفاف الذي حدث في شمال أفريقيا قد جعل وادي ~~النيل في معزل، وكون منه ذلك الممر الضيق المحمي الذي لا مثيل له على سطح عالمنا، وهو ~~يمتد شمالا وجنوبا، فأحد طرفيه في المناطق الحارة، والطرف الآخر يشرف على بحر داخلي عظيم ~~في المنطقة المعتدلة، وكان يتمتع بميزات طبيعية فريدة في نوعها، فقد كان منعزلا ومحميا ~~بشكل جعل التطور البشري فيه سهلا؛ ذلك التطور الذي رغم بعض الغزوات الأجنبية ظل ms026 مستمرا ~~آلافا من السنين دون أي عائق جدي. وفي أيامنا هذه تتكشف التربة المصرية على حدود الصحراء ~~عن قبور أقدم الجبانات المعروفة في العالم كله، ونجد في هذه القبور خلف صيادي العصر الحجري ~~في وادي النيل عندما كانوا في بداية الانتقال إلى عصر المعادن، وذلك قبل 4000 سنة ق.م بزمن ~~يذكر، ومن الجائز أن يكون قبل هذا العهد بكثير، وكانوا قد استأنسوا أهم الحيوانات المنزلية، ~~وانتقلوا إلى دور حياة الفلاح. # والدلائل تؤيد رأي من قال إن هؤلاء المصريين الذين عاشوا في عصر ما قبل التاريخ المدفونين ~~في أقدم الجبانات، هم وأجدادهم كانوا أقدم مجتمع عظيم على الأرض استطاع أن يضمن لنفسه غذاء ~~ثابتا باستئناس الموارد البرية من نبات وحيوان، على حين أن تغلبهم على المعادن فيما بعد ~~وتقدمهم في اختراع أقدم نظام كتابي، قد جعل في أيديهم السيطرة على طريق التقدم الطويل نحو ~~الحضارة. # فيتضح مما تقدم أن وادي النيل المعشب الواقع شرقي أرض الصحراء لم يجذب إلى داخل جدرانه ~~الصخرية المنكمشة صيادي ما قبل التاريخ المشتتين على ساحل أفريقيا الشمالي فحسب، بل هيأ لهم ~~مجتمعين التسلط على كل الموارد اللازمة للتقدم الإنساني في أحوال حسنة جدا، لدرجة جعلت ~~الجماعات المحلية التي كانت تتألف منها البلاد تتوحد تدريجيا، حتى أصبحت أول مجتمع عظيم ~~مؤلف من عدة ملايين يحكمهم ملك واحد وفي أيديهم كل الأسس الرئيسية اللازمة للحضارة. ففي ~~القرون التي تقع بين 5000، 3500ق.م قامت أول دولة متحضرة كبيرة في وقت كانت فيه أوروبا ~~ومعظم غربي آسيا لا تزال مسكونة بجماعات مشتتة من صيادي العصر الحجري. # والأرجح أن أول اندماج تألفت به أمة واحدة حدث في وقت لا يتجاوز سنة 4000ق.م، وقد كان من ~~نتائجه أن بقيت البلاد متحدة مدة بضعة قرون أطلق أنا عليها الآن اسم «الاتحاد الأول». ~~وكان من نتيجته تأسيس حكومة مركزية قوية تعد أقدم نظام إنساني معروف يضم عدة ملايين من الأنفس. # 10 # ولما تألف «الاتحاد الثاني» فيما بعد بدأ تطور قومي في شكل هائل في نظام ms027 الحكم ~~ونواحي الاقتصاد والاجتماع والدين والعمارة والفن والأدب، أخذ يسير بخطى ثابتة مدة ألف سنة ~~من القرن الخامس والثلاثين إلى القرن الخامس والعشرين ق.م. وهذا العصر البالغ ألف سنة هو ~~مرحلة فريدة في حياة الإنسان على الأرض؛ لأنه يوضح لنا أن أول فصل في تقدم الحياة البشرية ~~إنما هو عملية اجتماعية، تكشف لنا عن مبدأ ظهور العوامل الاجتماعية وتأثيرها في المجتمع ~~الإنساني. ومن المهم أن نؤكد كلمة «فريدة» التي استعملناها في العبارة السابقة؛ لأنه لم يكن ~~في هذا العصر البعيد نمو مطرد متعاقب في أية بقعة أخرى من بقاع العالم القديم، وإن مدة ~~الألف السنة هذه هي التي وضعت مصر من الوجهة الخلقية والثقافية في مرتبة تفوق بكثير ما كان ~~في بابل، حيث كانت الشحناء قائمة بين بعض المدن وبعضها الآخر؛ تلك المدن التي كانت تؤلف ~~ممالك صغيرة تناضل عن شئون محلية ضئيلة، واستغرق نضالها مدة الألف السنة السابقة بعينها، بل ~~بقي بعضها على هذا النحو بعد ذلك مدة طويلة. ولقد كان الاتجاه الرئيسي في معترك الحياة فيما ~~قبل السنين الألف المذكورة التي تعد أساسية وهامة في التقدم الاجتماعي، هو العمل على تقدم ~~الإنسان في التغلب على عالم المادة، وعلى ذلك يكون وادي النيل في نظرنا هو أول مسرح اجتماعي ~~يمكننا أن نلاحظ فيه الإنسان خارجا منتصرا من كفاح طويل مع الطبيعة، وداخلا مسرح العوامل ~~الاجتماعية الجديدة ليبدأ كفاحه الشاق بينه وبين نفسه، وهو كفاح لم يكد يتخطى بدايته حتى ~~يومنا هذا. # وإنا معشر الأمريكيين على استعداد خاص لندرك ونقدر الانقلاب العجيب الذي جعل من الأرض ~~القاحلة أرضا ذات مدن زاهرة ... فإن آباءنا الذين قامت مجهوداتهم بإنشاء مدن عظيمة ثرية على ~~طول أراضينا الشاسعة، إنما تسلموا الفن والعمارة والصناعات والتجارة والتقاليد الحكومية ~~والاجتماعية بطريق الوراثة عن أجدادنا الأوروبيين، ولكن في ذلك العصر السحيق الذي نحن بصدده ~~بدأ الانتقال من الوحشية إلى المدنية بكل مظاهره الخارجية في الفن والعمارة من لا شيء. ~~وليست أهمية ظهور المدنية في وادي النيل منحصرة في ms028 بهاء مبانيها فحسب، بل لأنه كان أيضا ~~تطورا اجتماعيا مستمرا دون أي عائق أكثر من ألف سنة، أشرق لأول مرة على كرتنا الأرضية، ~~مقدما لنا أول برهان على أن الإنسان الذي هو أرقى المخلوقات الفقرية التي ظهرت على وجه ~~البسيطة أمكنه أن يخرج من الوحشية إلى المثل الاجتماعي الأعلى، ويظهر الحياة الإنسانية ~~بمظهر لم ير الكون كله - على ما نعلم - أرقى منه. # وفي أيامنا يدخل السائح وادي النيل وكأنه دخل أرض العجائب، على أبوابها تلك الأهرام ~~الضخمة التي طالما تخيل منظرها منذ نعومة أظفاره. وعندما يصعد في الوادي مع النهر يرى فيها ~~وراء الشواطئ الي تحفها النخيل أسوار معابد واسعة توصل إليها من الشاطئ طرق مزينة بتماثيل ~~أبي الهول، ويشرف عليها مسلات ضخمة شاهقة الارتفاع وقاعات وعمد فخمة، ولكن قلما يخطر ببال ~~ذلك السائح أنه في أمريكا ووادي النيل سواء بسواء يسبق القفر كل ما يرى من فن وعمارة. فحيث ~~تقوم الآن هذه الآثار الحجرية العظيمة كانت تمتد يوما ما تلك الغابات الكثيفة التي كانت ~~تمتد في أودية النيل الضيقة، وكانت خالية من السبل آلافا من السنين، اللهم إلا مسالك ~~الصيادين الضيقة التي كانت ترى ملتوية بين الأعشاب ومؤدية إلى حافة الماء. ولم يكن لسكان ~~وادي النيل في عصر ما قبل التاريخ أجداد متحضرون يرثون منهم أية ثقافة، ولا بد أن تجد أن في ~~خبرة هؤلاء القوم التي كانت آخذة في التعمق، وفي أفقهم الذي كان آخذا في الاتساع؛ ذلك ~~السحر الذي حول هؤلاء الصيادين السذج ومساكنهم الصغيرة المصنوعة من الطين وأخصاص من الخوص ~~إلى مجتمع عظيم يسيطر عليه رجال ذوو سلطان وخيال واسع وأصحاب آمال ضخمة، أحرار لم تغل ~~أيديهم التقاليد فعمرت تلك البقاع التي كانت يوما غابة، ولم يكتفوا بنشر هذه الآثار فيها ~~على طول النهر وعرضه، بل أدركوا كذلك المعنى السامي لقيم الأشياء الاجتماعية والأخلاق ~~البعيدة عن الأنانية، مما لم ينبثق فجره على العالم من قبل. وإن الذي يعرف قصة تحول صيادي ~~عصر ما قبل التاريخ في ms029 غابات النيل إلى ملوك ورجال سياسة وعمارة ومهندسين وصناع وحكماء ~~وأنبياء اجتماعيين في جماعة منظمة عظيمة مشيدين تلك العجائب على ضفاف النيل في وقت كانت ~~أوروبا لا تزال تعيش في همجية العصر الحجري، ولم يكن فيها من يعلمها مدنية الماضي؛ من يعرف ~~كل هذا يعرف قصة ظهور أول مدينة على وجه الكرة تحمل في ثناياها صورا خلقية ذات بال. # فالمدنية في أعلى معانيها قد ولدت إذن في الركن الجنوبي الشرقي في البحر الأبيض المتوسط، ~~ومع ذلك قد كان هناك منذ البداية تقدم هام نحو المدنية في غرب آسيا المجاورة؛ وبخاصة في ~~بابل، حيث ظهرت في نهاية الأمر ثقافة ما تمتاز بتقدمها المطرد في الشئون العملية والتجارية ~~والقضائية، وفي الوقت نفسه كان من عناصرها البارزة الاعتقاد بأن مصير الإنسان يمكن قراءته ~~في النجوم، حتى إن حذقها المدهش لدرس الأجرام السماوية وضع مقدمة أصبحت في يد الإغريق ~~أساسا لعلم الفلك، غير أن الحضارة البابلية كانت تسودها في جميع أدوارها روح الاقتصاد ~~التجاري والكد في الحاجيات الآلية؛ مما حرم التطور الاجتماعي البابلي حتى من الأسس الأولية ~~للتدرج نحو مراعاة الغير، والعمل على نفعهم، فكان الأساس الخلقي اللازم للعدالة بين الجميع ~~معدوما كلية، حتى إن دستور قوانين «حمورابي» يقضي في العدالة حسب المركز الاجتماعي للمدعي ~~أو المذنب. أما الانعدام التام للفوارق الاجتماعية أمام القانون الذي هو من أرقى مظاهر ~~الحضارة المصرية فلم يكن معروفا في بابل، وكان نتيجة ذلك أن المبادئ الأخلاقية في بابل لم ~~تساهم إلا بالنزر اليسير - إن لم تكن لم تساهم بشيء مطلقا - في الإرث الأخلاقي الذي ورثه ~~العالم الغربي. # وقد أدى اندماج المدنيات القديمة في الشرق الأدنى إلى نشوء ما يمكن تسميته الثقافة ~~المصرية البابلية، أو نواة ثقافة الشرق الأدنى، وظلت أمم الغرب لا تكاد تحس حتى جيلنا ~~الحاضر بالحقيقة البالغة الأهمية، وهي أن كلا الحضارة المصرية والحضارة البابلية قد بلغت ~~قمتها ثم أخذت في التدهور قبل قيام الحضارة العبرانية. كلنا نعلم أن الثقافة المصرية ~~البابلية قد دفعت الحضارة الأوروبية ms030 نحو السير، ولكن ليس من بين أهل العصر الحديث إلا ~~القليلون ممن يعرفون تلك الحقيقة البالغة الخطورة في تاريخ الأخلاق والدين، وهي أن كلا من ~~الثقافة المصرية والبابلية قد غذت ودفعت الحضارة العبرانية إلى السير. ونجد فيما بعد تيارا ~~من المؤثرات الشرقية القديمة التي تعد المسيحية من أظهرها مستمرا في المسير نحو أوروبا، ~~وانتهى به الأمر أن قلب الدولة الرومانية في القسطنطينية إلى حكومة استبدادية شرقية بقي ~~أثرها ظاهرا إلى ما بعد الحروب الصليبية بزمن بعيد. # ومثل هذه التأملات تميط لنا اللثام في الحال عن الوحدة العجيبة في تاريخ حياة الإنسان، ~~فإن تاريخ الشرق الأدنى يقع وراء تاريخ أوروبا، كما أن تاريخ أوروبا يقع وراء تاريخ أمريكا. ~~وبالرجوع إلى الوراء بالشرق الأدنى القديم خلف الأزمان التاريخية نصل إلى عصور تطور إنسان ~~ما قبل التاريخ، فيطول بذلك مدى المراحل المكونة لحياة الإنسان المتصلة هكذا بأمريكا ~~فأوروبا فالشرق الأدنى فإنسان ما قبل التاريخ فالأزمان الجيولوجية. وهذا التقسيم الحديث ~~جدا الذي هو من وضع أحدث المؤرخين يكشف لنا لأول مرة أن حياة الإنسان وحدة لا تتجزأ ظلت ~~تتطور تطورا متعاقبا من «البرت» (البلطة) الحجرية إلى شظايا قنبلة سنة 1914، وكلاهما ~~مدفونتان جنبا لجنب في ميدان قتال السوم. لذلك فإن بحثا شاملا للشرق الأدنى القديم نقوم ~~به بأعين مفتوحة وبأغراض أرقى من حذق الأرقام التاريخية التي كانت محببة منذ زمن طويل إلى ~~قلوب زملائنا المؤرخين القدامى، تظهر لنا لأول مرة العصور التاريخية المعروفة في حياة ~~الإنسان الأوروبي كمنظر مرتكز إلى لوحة عظيمة تتناول مئات الآلاف من السنين. وفي هذا المنظر ~~الضخم الذي لا يمكن تصوره إلا بدرس تاريخ الشرق، تنكشف أمامنا صورة شاملة بهيجة كمجال حياة ~~البشر في عصورها المتعاقبة مما لم يستطع أن يتصور مثله أي جيل سبق، هذا هو «الماضي ~~الجديد». # ومهما يكن من أمر العلوم والفلسفة فإن التاريخ والأخلاق وعلم اللاهوت لم يكن لها شأن يذكر ~~في هذا البحث الضخم؛ ففي تاريخ علم الأخلاق يكشف لنا «الماضي الجديد» فجأة تلك الحقيقة التي ms031 ~~ظلت مجهولة منذ زمن بعيد؛ وهي أن المدنية العبرانية بكل ما اشتملت عليه من وثائق ذات تأثير ~~عميق في المبادئ الدينية والخلقية، ليست إلا مرحلة من المراحل النهائية للرقي البشري ~~القديم، ذلك الرقي الذي سبقته عصور تجريبية منتجة ومبدعة في الناحيتين الاجتماعية والخلقية ~~على ضفاف النيل والفرات. ويجب علينا إذن أن نمهد أذهاننا إلى قبول الحقيقة القائلة بأن ~~الإرث الخلقي الذي ورثه المجتمع المتمدين الحديث يرجع أصله إلى زمن أقدم بكثير جدا من زمن ~~استيطان العبرانيين فلسطين، وإن ذلك الإرث قد وصل إلينا من عهد لم يكن فيه الأدب العبراني ~~المدون في التوراة قد وجد بعد. # وفي خطبة وعظ ألقاها حديثا واعظ من أقدر الوعاظ الأمريكان، أجد أن اللمحة الآتية تتطلع ~~إلى وقت إذا تصفح فيه مؤرخو المستقبل أخبار عصرنا رحبوا به «كعصر خطير» أشرقت فيه شمس ~~العدالة بالشفاء من جناحيها. # 11 # وهذه الاستعارة المتداولة مأخوذة بلا شك من الأدب العبراني، ولكن كما سنرى قد ~~استعارها العبرانيون من مصر حيث أشرقت «شمس العدالة» قبل أن تشرق على فلسطين بأكثر من ألفي ~~سنة. وإذا قدر لهذه الشمس أن تشرق ثانية على جيلنا الحالي فإنها ستكون القمة لنهج الرقي ~~البشري الذي ظل يرقى بحياة الإنسان منذ آلاف السنين قبل عصر «الأنبياء» المعترف به من زمن ~~بعيد عند رجال اللاهوت. # وسنرى الآن ماذا يكشف لنا «الماضي الجديد» كما أظهرته لنا أحدث البحوث الجديدة عما يختص ~~بالخبرة الإنسانية القديمة التي وصلت بالإنسان لأول مرة إلى الشعور بأعلى القيم، حتى انتهت ~~مغامرته بانبثاق فجر الضمير وفتح عصر الأخلاق. # الفصل الثاني # | آلهة الطبيعة والمجتمع الإنساني # إله الشمس # مما هو جدير بالاهتمام أن نلاحظ ما صار إليه الجنس البشري في مصر التي كانت تعتبر «جزيرة ~~المنعمين» في مدة خمسة آلاف سنة، وأن نقتفي - كما هو في صدورنا الآن - آثاره وهو متطور خلال ~~بضعة أجيال كان يستعمل فيها الآلات والأسلحة الحجرية العتيقة إلى استعمال الأزميل النحاسي، ~~وبلوغه تلك الدقة البنائية العجيبة التي تتجلى لنا في بناء الأهرام مع ms032 ضخامتها المدهشة، ~~وارتقائه من سكنى الكوخ المصنوع من غصون الشجر إلى إقامة القصور الفاخرة الزاهية المجملة ~~بالقيشاني والمؤثثة بالرياش الفاخر والذهب المرصع، ثم بعد ذلك نأخذ في تفصيل تلك الخيوط ~~الذهبية التي حيكت منها حياته المتعددة النواحي التي صارت في النهاية تؤلف نسيجا متينا ~~فخما من المدنية. وإننا نحاول هنا اقتفاء أثر خيط واحد فقط من تلك الخيوط التي حيك منها ~~هذا النسيج؛ وذلك لأنه يتعرج هنا وهناك بالتواءاته الدقيقة المعقدة في كل جهاته. # والواقع أنه لا توجد قوة أثرت في حياة الإنسان القديم مثل قوة «الدين»؛ لأن تأثيرها يشاهد ~~واضحا في كل نواحي نشاطه، ولم يكن أثر هذه القوة في أقدم مراحلها الأولى إلا محاولة بسيطة ~~ساذجة يتعرف بها الإنسان ما حوله في العالم، ويخضعه بما فيه الآلهة لسيطرته، فصار وازع ~~الدين هو المسيطر الأول عليه في كل حين، فما يولده الدين من مخاوف هي شغله الشاغل، وما يوحي ~~به من آمال هي ناصحه الدائم، وما أوجده من أعياد هي تقويمه السنوي، وشعائره - برمتها - هي ~~المربية له والدافعة له على تنميته الفنون والآداب والعلوم. # على أن الدين لم يمس حياته في جميع نواحيها فحسب، بل الواقع أن الحياة والفكر والدين ~~امتزجت عنده بعضها ببعض امتزاجا لا انفصام له يتكون منها كتلة واحدة تتداخل بعضها في بعض ~~مؤلفة من المؤثرات الخارجية والقوى الإنسانية الباطنة. ولذلك كان طبعيا ألا يقف الدين ~~جامدا من غير أن يتمشى مع هذه العوامل الدائمة التطور من مرحلة إلى مرحلة. هكذا كان الحال ~~منذ أقدم العصور التي وصل إليها علمنا، وكل الأسباب تحملنا على الاعتقاد بأن الحال ستستمر ~~كذلك: تطور وارتقاء. وسنرى الآن شيئا من هذا التطور الذي ظل فيه الكفاح قائما بين العالم ~~الظاهري المحيط بالإنسان، والعالم الباطني الكامن في نفسه، حتى تكون الدين وتحدد وأفضى ~~بالتدريج في نهاية الأمر إلى ظهور المبادئ الأخلاقية عند أقدم مجتمع بشري عظيم في خلال مدة ~~تربو على ثلاثة آلاف سنة. # وسيكون في قدرتنا تتبع سير هذا المنهاج بأظهر ms033 بيان إذا ابتدأنا باستعراض ملخص تاريخي بسيط ~~يكون بمثابة نظرة عجلى على مراحل تطور الرقي الأخلاقي عند المصريين الأقدمين. وجدير بنا؛ إذ ~~وصلنا إلى هذا المكان، ألا ننسى الحقيقة المتفق عليها الآن وهي: أن الدين في طوره الأول لم ~~تكن له علاقة بالأخلاق كما نفهمها الآن، كما أن المبادئ الأخلاقية الأولى لم تكن سوى عادات ~~شعبية قد لا تكون لها علاقة بالشعور بالآلهة أو الدين. وقد كانت مظاهر الطبيعة أول ما أشعر ~~المصري بوجود الآلهة، مثله في ذلك مثل الشعوب الأخرى القدامى؛ فكانت الأشجار والينابيع ~~والأحجار، وقمم التلال، والطيور والحيوانات في نظره مخلوقات مثله أو مخلوقات حلت فيها قوى ~~طبيعية غريبة لا سلطان له عليها، ومن ثم كانت الطبيعة أول مؤثر مبكر في عقل الإنسان، فوصف ~~له العالم الظاهري أولا بعبارات دينية رهيبة، وصارت مظاهر الإلهية الأولى في نظره هي القوى ~~المسيطرة على العالم المادي، فلم يكن في تصورات الإنسان القديم بادئ أمره معنى لمملكة ~~اجتماعية أو سياسية، بل ولا معنى لمملكة روحية تكون السيادة العليا فيها للآلهة، وكان أبعد ~~ما يتوهمه عباد إله من هذه الآلهة أن إلههم يحمل في نفسه فكرة الحق أو الباطل، أو أنه ~~يرغب في وضع هذه المطالب على كاهل عباده الذين كانوا يرون من جانبهم أن غاية ما يطلبه إلههم ~~منهم هو تقديمهم القرابين زلفى له كما كانوا يفعلون لرئيسهم المحلي سواء بسواء. على أن ~~أمثال هذه الآلهة كانت في جملتها آلهة محلية كل منها معروف لدى منطقة معينة فقط، ولكن ~~كثيرا ما كان يمتد الاعتقاد في إله ما إلى جهات بعيدة في العالم القديم بسبب الهجرة أو ~~انتشار السكان. # وفي العهد الذي جاء بعد سنة 4000ق.م بدأت الحكومة؛ أي النظام السياسي الذي كانت البلاد ~~تحكم به في عهد الاتحادين المتعاقبين، تحوز مكانة في أذهان القوم بجانب ما حازته دنيا ~~المظاهر الطبيعية. وهذان الاتحادان اللذان يعدان أقدم ما عرف من الأنظمة القومية العظيمة في ~~تاريخ الإنسان قد وضعا أمام أعين الناس صورا خلابة لمظاهر ms034 الحكومة، فكان لذلك على ممر ~~الزمن أعمق أثر في الدين، ومن ثم بدأت المظاهر الحكومية تنتقل إلى عالم الإلهية حتى صار ~~الإله العظيم يسمى في بعض الأحيان «ملكا». # وفي الوقت نفسه كانت علاقات الحياة الاجتماعية تؤثر تأثيرها في الدين من زمن بعيد أيضا، ~~فوصلت دائرة حياة الأسرة إلى درجة سامية من الرقي تزينها العواطف الرقيقة التي أوشكت على ~~التعبير عن مظاهر الرضى أو السخط، وأفضت إلى تصورات عن السلوك الحميد والسلوك المعيب. وبذلك ~~بدأت المشاعر الباطنية «للضمير» تسمع صوتها للإنسان، ولأول مرة صار الإنسان يدرك القيم ~~الأخلاقية كما نعرفها نحن الآن. وعلى ذلك أصبحت قوة الإنسان الظاهرة المنظمة، وقوة الوازع ~~الخلقي الباطنة فيه، تؤلفان قوتين مبكرتين في تشكيل الديانة المصرية. وتدل المصادر التي ~~وصلت إلينا على أن الوازع الخلقي قد شعر به المصريون الأقدمون قبل أن يوجد الشعور به في أي ~~صقع آخر، فإن أقدم بحث عرف عن «الحق والباطل» في تاريخ الإنسان عثر عليه في ثنايا مسرحية ~~«منفية» تشيد بعظمة مدينة «منف» وسيادتها، ويرجع تاريخها إلى منتصف الألف الرابع ~~ق.م. # ويدل شكل هذه المسرحية بداهة على أنها بحث في أصول العالم ما بين ديني وفلسفي، وهي من ~~تأليف طائفة مفكرة من الكهنة في المعابد المصرية، غير أن موضوعها لم يتناول ما كانت عليه ~~حياة الشعب المصري بأسره في ذلك الحين، وسنرى كذلك كيف أن عامة الشعب أخذت بدورها فيما بعد ~~تشعر بالوازع الخلقي الذي يصرفها في حياتها. وعلى ذلك يكون الشعور الخلقي قد انحدر ~~تدريجا من طبقة أشراف رجال البلاط الملكي وطائفة كهنة المعابد إلى أشراف رجال الأقاليم ~~أولا ثم إلى عامة أفراد الشعب ثانيا. # وقد ظهرت أقدم فكرة عن النظام الخلقي تجري على قواعد راسخة في عهد الاتحاد الثاني تحت ~~سيطرة حكومية ثابتة، وهذا النظام كان يعبر عنه في اللغة المصرية القديمة بكلمة مصرية ~~قديمة واحدة جامعة لها خطرها هي كلمة «ماعت»، ويراد بها الحق أو العدالة أو الصدق. وقد مكث ~~هذا النظام راسخا مدة ألف سنة من ms035 القرن الخامس والثلاثين إلى القرن الخامس والعشرين ق.م. ~~وقد كان لهذا النظام الأثر العميق في العقل البشري، فلما سقط هذا النظام في نهاية ألف السنة ~~المذكورة حلت بالحياة البشرية كارثة تشبه الكارثة التي حلت بالمدينة الخالدة في أوروبا، # 1 # وغيرت نظر بني البشر نحو الحياة؛ إذ في فترة الضعف السياسي التي جاءت عقب سقوط ~~هذا النظام بدأت القيم الخلقية الباطنة التي لا يمكن محوها تدرك من جديد بحالة واضحة أكثر ~~من ذي قبل. ففي القرن الثالث والعشرين قبل الميلاد كتب أحد ملوك «أهناس» (وهو مجهول الشخصية ~~فيما عدا ذلك) لابنه وخلفه كتابا يذكر فيه ما للقيمة الخلقية من سمو المنزلة. # ولما أصبحت الأخلاق منبوذة أثر سقوط النظام الخلقي القديم، وتدهورت الفضيلة نفسها «ماعت» ~~حتى صارت لا تدرك إلا بشعور خلقي أكثر حساسية عن ذي قبل، ظهر المجتمع الفاسد الأخلاق المنحل ~~النظام الذي جاء بعد عصر الأهرام بشكل لا أمل في إصلاحه في نظر بعض فلاسفة الاجتماع الذي ~~هالهم ما رأوه من تداعي ذلك النظام الخلقي القديم، ثم ظهر على أثر ذلك لأول مرة في التاريخ ~~عصر التشاؤم وزوال الوهم، فإن رسل الاجتماع في ذلك الوقت رسموا لنا صورة بشعة عما كان ~~موجودا من الفساد والفوضى في ذلك العهد، فأظهروها بعبارات مملوءة بالتهديد والتوعد، ~~وبالغوا في وصف ذلك أيما مبالغة، حتى إنهم في إحدى الحالات وجهوا تلك التهديدات لشخصية ~~الملك نفسه. غير أنه على الرغم من ذلك كان لا يزال هناك نفر من بين هؤلاء الحكماء المصريين ~~ممن لم يفقدوا الأمل في الإصلاح، فقاموا بأول جهاد مقدس لإنقاذ العدالة الاجتماعية. ومن ~~المدهش حقا أن كان المثل الأعلى لحكماء الاجتماع هؤلاء آخذا شكل رسالة التبشير بقدوم ~~المخلص التي جاءت فيما بعد، وهي الاعتقاد بمجيء حاكم عادل يكون فاتحة عصر ذهبي لإقامة ~~العدالة بين جميع بني البشر، وقد ورث عنهم العبرانيون هذا الاعتقاد فيما بعد. # وفي العهد الذي عادت فيه الحكومة المنظمة للبلاد وتقدم المجتمع الإقليمي في العهد ~~الإقطاعي الذي ابتدأ قبل حلول ms036 عام 2000ق.م ظهر تأثير هذا الجهاد المقدس في شكل المطالبة ~~بالعدالة الاجتماعية، وتمثل ذلك في تصور نظام ملكي سمح أبوي رحيم يحمي المثل العليا ~~للمساواة الاجتماعية. ولما كان عالم الآلهة لا يزال على اتصال وثيق بشئون الأمة السياسية، ~~فإنها لم تلبث أن أحست بهذا التأثير الجديد، فانتقلت صفات العدالة الاجتماعية من وصفها ~~للحكومة الملكية الفاضلة إلى صفات إله الدولة، فازدادت بذلك المزايا الخلقية التي كانت تنسب ~~إلى حد ما للإله طوال مدة تربو على ألف سنة، فقد كان الإله في نظر أتباعه من زمن بعيد يعتبر ~~«ملكا»، فأصبح الآن زيادة على ذلك «ملكا فاضلا» بالمعنى الاجتماعي، يريد من أتباعه أيضا ~~أن يعيشوا عيشة فاضلة. # وإننا نجد الاعتقاد بوجود إله يهب الحياة للطيب ويقدر الموت للخبيث، واردا في «المسرحية ~~المنفية» التي كتبت في منتصف الألف الرابع قبل الميلاد، أما فكرة المحاكمة في «الحياة ~~الآخرة»، وقد أخذت تتحدد بوضوح مطرد امتد إلى ما بعد عام 3000ق.م؛ فلم تكن الفكرة في أقدم ~~أشكالها تفترض حضور جميع الناس أمام المحكمة، إنما افترضت محكمة عدالة كالتي توجد على وجه ~~الأرض يحضر أمامها الأفراد لإصلاح الخطأ، فكان في أول الأمر لزاما على الشخص المتهم فقط أن ~~يحضر أمام المحكمة في «الحياة الآخرة» ليظهر براءة نفسه. على أن فكرة المحاكمة العامة نشأت ~~في باكورة العهد الإقطاعي قبل عام ألفين قبل الميلاد، ثم أصبحت المحاكمة فيما بعد في أوائل ~~عهد الدولة الحديثة (حوالي 1600ق.م) لا تقتصر على حصر تفصيلي لكل المخالفات الخلقية، وإنما ~~صارت امتحانا خلقيا قاسيا، بل معيارا شاملا للقيمة الخلقية لحياة كل إنسان. # وقد أصبح الشعور بمثل هذه المحاكمة وازعا خلقيا قويا كما أراده أولئك الحكماء الذين ~~خلقوه، غير أن سلطان تلك المحاكمة ما لبث أن مسخ مبكرا بالعوامل السحرية التي جاءت في ~~كتاب الموتى الذي ألفه كهنة المعابد للكسب منه؛ إذ زعموا فيه أن يكون وسيلة تساعد الميت على ~~التخلص من العقوبة بمخادعة وتضليل ذلك القاضي الرهيب. # وفي القرن السادس عشر ق.م ابتدأ عصر الفتوحات ms037 الدولية: السياسية منها والدينية، فاتسع ~~بذلك أفق التفكير الديني حتى وصل بعد عام 1400ق.م إلى قمته بظهور أول عقيدة للتوحيد عرفها ~~التاريخ. على أن وجود السيادة لإله واحد عالمي لم تزد شيئا في الرقي الخلقي عند المصريين ~~الأقدمين؛ لأن ثروة العاهلية قد أفسدت أخلاق الكهنة. وإن آخر تطور خلقي عظيم في الديانة ~~المصرية مما حدث فيما بعد، نشأ على ما يظهر خارج المعابد بعيدا عن ديانة الحكومة؛ إذ ذاك ~~[1300-1000ق.م]، وكان ذلك التطور يرمي إلى الشعور بالخطيئة؛ أي إلى اعتراف المؤمن بحقارة ~~نفسه مع امتزاج ذلك بالثقة الشخصية العميقة في رحمة الله وعدله وعنايته الأبوية إلى أن يؤدي ~~ذلك به إلى اتصال روحي بالله. ولقد أحدثت تعاليم الحكماء المصريين في ذلك العصر بوجه خاص ~~تأثيرا عميقا في التفكير العبراني الديني، وباستيطان هذه التعاليم في فلسطين قطعت المرحلة ~~الأولى في انتقالها الطويل من مصر لتصل إلينا نحن أهل هذا العالم الحديث. على أنه في مصر ~~نفسها أخذت هذه الحال التي تعتبر أقدم ما عرف عن الزهد والورع الشخصي في معناه الروحي ~~العميق تنحط بالتدريج بتأثير رجال الكهانة الذين تطرفوا بتغاليهم في دينهم في أيام الحكم ~~الإغريقي الروماني في مصر. # وهكذا يمر أمامنا دور عظيم من الخبرة البشرية كاشفا لنا في مدى ثلاثة آلاف سنة من حوالي ~~4000 سنة ق.م، عن ظهور أول مجتمع إنساني عظيم وانتقاله من مرحلة إلى مرحلة أخرى في أطول ~~تطور أخلاقي يمكن للباحث تعقبه في مدة حياة أي مجتمع بشري. وتظهر لنا خطورة هذا التطور بوجه ~~خاص إذا راعينا أنه على ما نعلم كان أول شيء في بابه، وأنه بذلك أثبت وجود حقيقة لم تكن ~~معلومة من قبل؛ وهي: أن أرقى ذوات الثدي التي برزت على هذا الكوكب لم يكن في مقدورها فحسب ~~أن ترقى إلى ذلك الأفق من التمدن الذي عيناه من قبل، بل إن هذا الرقي كان يشتمل كذلك على ~~إدراك قيم جديدة سامية انتقلت بالتطور الإنساني إلى أسمى عالم خلقي لم يسبق له نظير. ms038 ~~وبإماطة اللثام عن ذلك العالم الجديد للإنسان دخلت لأول مرة أمثال هذه العناصر الخلقية في ~~ذلك التطور العظيم في حياة البشر الأولى في مصر وخارجها. ولا بد أن تطور حياة مثل هذه الأمة ~~العظيمة وآدابها خلال ثلاثة آلاف من السنين قد أثر تأثيرا عميقا مطردا على أقرب جيرانها ~~في فلسطين خاصة، بل على كل أنحاء الشرق الأدنى، وأن النهضة التي أوجدتها هذه الحركة بين ~~العبرانيين قد أفضت إلى تقليد خلقي وديني انتقل فيما بعد إلى المدنية الغربية، واستمرت بذلك ~~مراحله الأخيرة عاملا خلقيا قويا في حياتنا إلى اليوم. # ويمكننا الآن بعد أن استوعبنا المختصر العاجل أن نتعقب بحثا أوسع عن ذلك التطور الطويل ~~المدى الذي ارتقى به أهل وادي النيل إلى المثل العليا في الأخلاق. على أن المصادر التي ~~لدينا لدرس الرقي الخلقي في العصور الأولى لمثل هذا الشعب القديم ضئيلة جدا، ونجدها كذلك ~~إلى أن نصل إلى عصر اختراع الكتابة التي أفضت إلى وجود «المصادر المدونة». # وأقدم هذه «المصادر» لا تبدأ تفيدنا في مصر إلا بعد عام 3000ق.م، مع أنه توجد لدينا ~~«مصادر» متأخرة عن ذلك تلقي ضوءا هاما على ما سبق هذا العهد من مراحل رقي الأجداد ~~وتقدمهم، ولكن «المصادر» المكتوبة وحدها لا يمكن أن ترجع بنا قط إلى بداية التطور. # أما ما نعتمد عليه في معلوماتنا عن أقدم حياة عرفت للإنسان في وادي النيل فهو الوثائق ~~المادية المحضة، وهي تكاد تنحصر في الأسلحة والآلات الحجرية، وفيما يلي ذلك تكشف لنا ~~«جبانات عصر ما قبل التاريخ» التي تحتوي على الآلاف من القبور العتيقة المنتشرة على حافة ~~الصحراء شيئا عن المعتقدات الدينية التي كان سكان وادي النيل يدينون بها في الأيام الخالية ~~التي يرجع عهدها إلى العصر الحجري الأخير. والزمن الذي بين أقدم أمثال هذه المصادر التي هي ~~من عصر ما قبل التاريخ إلى أحدثها زمن يقدر بمئات آلاف السنين، وذلك على أقل تقدير ~~ممكن. # ولا نكون مخطئين إذا قررنا هنا أن أقدم المصريين عهدا كانوا يعبدون آلهة ليست ms039 لهم صفات ~~خلقية، كما كانت لهم طائفة من العادات لم تكن قد بلغت بعد مرحلة الأخلاق؛ فهم في ذلك ~~كالأقوام الذين لا يزالون يعيشون في طور السذاجة الفطرية البحتة، وإذا فحصنا الديانة ~~المصرية كما نجدها في أقدم الوثائق التي وصلت إلينا، وحاولنا أن نستخلص من تحليل أهم ~~الانطباعات التي نجدها مصورة هنالك، تلك الانطباعات التي أخذها المصريون عن عالم الطبيعة، ~~فإن ذلك يلقي بعض الضوء على الآراء التي كانت متداولة في العصر الذي سبق الاهتداء إلى ~~الكتابة. # فمن الواضح أن ظاهرتين عظيمتين طبيعيتين قد أثرتا أعظم تأثير في سكان وادي النيل، فقد ~~تصور القوم في هاتين الظاهرتين إلهين اثنين كان لهما السيطرة على كل من التطور الديني ~~والعقلي منذ أقدم العهود التي عرفت؛ وهاتان الظاهرتان هما الشمس والنيل [أو الخضرة التي ~~تروى من مائه]، وأما الإلهان فهما إله الشمس «رع» وإله الخضرة «أوزير»، وكانا الإلهين ~~العظيمين في الحياة المصرية القديمة. وقد دخلا في دور تنافس منذ عهد مبكر جدا، فكان كل ~~واحد منهما يبغي لنفسه أسمى مكانة في ديانة القوم، ولم ينقطع هذا التنافس قط إلا عندما محيت ~~الديانة المصرية في ختام القرن الخامس المسيحي. ومن يقف على أصول قصة هذا التنافس الطويل ~~يقف على المنهاج الرئيسي في تاريخ الديانة المصرية القديمة، بل لا نكون مغالين إذا قلنا إنه ~~يقف على دور عظيم من أهم الأدوار في تاريخ حياة الإنسان. # وإن أبرز حقيقة هيمنت على وادي النيل هي قوة الشمس في مصر وجلالها الشامل لكل الكون، ولا ~~يزال ذلك ماثلا إلى أيامنا هذه يشاهده السائح الحديث العهد بالبلاد المصرية عندما ينظر إلى ~~الشمس لأول مرة. ولا شك أن المصري شاهدها في أشكال متنوعة كانت في الأصل أشكالا ~~محلية. # ومن المحتمل جدا أن أقدم صورة تخيلها المصري لإله الشمس يرجع تاريخها إلى العهد الذي ~~كان لا يزال فيه مصريو عصر ما قبل التاريخ يعيشون عيشة الصيد في مناقع الدلتا، وذلك عندما ~~تخيلوا إله الشمس في شكل صياد يدفع أو يجدف في ms040 زورق يشبه الرمث مؤلف من حزمتين من الغاب ~~ليعبر به مستنقعات الغاب. ولا تزال لمحات عن هذا التصور العتيق محفوظة لنا في أقدم فقرات ~~«متون الأهرام»؛ إذ كثيرا ما نجد فيها إله الشمس مصورا بصورة إنسان يجدف عبر المستنقعات ~~السماوية في زورق الغاب المزدوج. وهذا هو «رع»؛ أي الشمس المجسمة التي تصورها أقدم سكان ~~وادي النيل من قبل في شكل إنسان جعلوا مقره «هليوبوليس» (عين شمس) حيث حل محل إله شمس قديم ~~يدعى «آتوم» وأصبح أعظم إله في مصر. # وفي «إدفو » بالوجه القبلي تقمص إله الشمس صقرا؛ لأن تحليق هذا الطائر المرتفع كان يخيل ~~للقوم أنه يكاد يكون رفيق الشمس في علوها، وهذا ما ساق خيال فلاحي وادي النيل المبكرين ~~الأول إلى أن الشمس لا بد أن تكون صقرا مثله، يقوم بطيرانه اليومي عبر السماوات، ومن أجل ~~ذلك أصبح قرص الشمس ذو الجناحين المنشورين أعم رمز في الديانة المصرية القديمة. وقد انحدرت ~~إلينا هذه الفكرة عن طريق الأدب العبراني في تشابيهه التي منها «جناح الصباح» و«شمس ~~العدالة» ... التي تحمل الشفاء في جناحيها. وكان إله الشمس بصفته صقرا يسمى «حور» [حوريس أو ~~حوروس أو «حور أختي»]؛ أي حور الأفق، ولا تزال توجد آثار بعض المميزات بين آلهة الشمس ~~المحلية العتيقة في متون الأهرام، وقد ابتدأت عملية مزج في عهد مبكر بين هذه الآلهة فضمتها ~~كلها بعضها إلى بعض ووحدتها، حتى إن إله الشمس كان يسمى «رع حور أختي» أو «رع آتوم»، وقد ~~أسرع كبراء رجال المعابد المحلية إلى التعجيل بهذه العملية؛ إذ كان كل من تلك المعابد ~~يجري وراء نيل الشرف بادعائه أن مكانه هو الذي ولد فيه إله الشمس. # وقد بقي إله الشمس إلها يمثل الطبيعة عصورا طويلة فيما قبل التاريخ، فكان بذلك إله ~~الشمس في أقدم العصور الغابرة مقصورا على الوظائف المادية؛ ولذلك كان يظهر في أقدم معابد ~~الشمس بأبي صير بأنه منبع الحياة والخير، وقالت عنه الناس: «لقد أبعدت العاصفة وأزجيت ~~المطر وحطمت السحاب.» وكانت هذه الظواهر في ms041 نظرهم أعداء له، وكانت بطبيعة الحال مجسمة ~~كذلك في أساطير العامة؛ إذ ورد في إحدى الأساطير أن إله الشمس فقد عينه بيد عدوه. # ولما كان وادي النيل الذي ظهر فيه إله الشمس منذ زمن بعيد بمظهر قوة من قوى الطبيعة قد ~~أخذ ينتقل بالتدريج إلى مكانة أمة عظيمة، فإن ميدان عمل إله الشمس أصبح بالضرورة ميدان ~~الحياة البشرية والشئون القومية. # أما الخطوات التي نتج عنها الاتحاد الأول للبلاد فلا نعلم عنها شيئا، غير أنه من المؤكد ~~أن أميرا من مدينة «إيوان» - وهي التي أطلق عليها الإغريق فيما بعد اسم «هليوبوليس» - قام ~~بإخضاع الإمارات المصرية الأخرى في عهد ما قبل التاريخ، ووحد المملكة لأول مرة تحت حكم ملك ~~واحد. ومن المحتمل أن هذا العمل حدث قبل سنة 4000ق.م. ومع أنه لم يصلنا عن اسم هذا الملك ~~صدى واحد في خلال الفترة التي انقضت منذ ذلك العهد، وتقدر بنحو 6000 سنة، فإن عمله قد ترك ~~أثرا خالدا في حياة مصر ومدنيتها؛ لأنه أسس وأدار أول نظام قومي عظيم خضعت له حياة عدة ~~ملايين من الأنفس. # ولا يفوتنا أن نعيد إلى ذاكرتنا هنا أن هذا الاتحاد الأول ظل ثابتا في البلاد بضعة قرون، ~~وبعد انهياره عمت البلاد ثانية فترة انحلال أعقبها حوالي 3400ق.م فتح آخر للإقطاعات ~~السياسة، فانضم بعضها إلى بعض، وتألف منها جميعا ما نسميه «بالاتحاد الثاني». وقد أعطت ~~زعامة «هليوبوليس» في عهد الاتحاد الأول نفوذا وشهرة لهذه المدينة لم تفقدهما قط فيما بعد؛ ~~فقد أثرت على المدنية المصرية تأثيرا عميقا كانت فيه المكانة السامية لإله الشمس، وإلى ~~تأثير عهد الاتحاد الأول يرجع السبب في انتقال الأوضاع والمميزات الحكومية الدنيوية التي ~~كانت تسير عليها الحكومة المصرية إلى أنظمة إله الشمس في «هليوبوليس» بصفته الإله القومي، ~~فأصبح ملك كل الآلهة، وخاطبه الناس بقولهم: «إنك أنت الذي تشرف على كل الآلهة ولا يشرف عليك ~~إله ما.» وكذلك أصبح هو في الوقت نفسه الحاكم الأعلى المتصرف في مصير كل الناس. بذلك انتقل ~~إله الشمس من ms042 عالم الطبيعة إلى عالم الناس، فأصبح فيه ملكا قديما كان قد حكم مصر يوما ~~ما، كما حكمها الفراعنة من بعده، وقد تغيرت مظاهره الخارجية تبعا لهذا التحول، فتحول زورق ~~الغاب المزدوج الذي كان يسبح فيه إله الشمس فيما قبل التاريخ إلى سفينة ملكية فاخرة مثل ~~سفينة فرعون الأرضية، وكان الاعتقاد أن إله الشمس يعبر بأبهته في هذه السفينة الشمسية ~~الساطعة المحيط السماوي كما كان فرعون يعبر النيل، وكانت له سفينتان: واحدة للصباح وأخرى ~~للمساء. وقد ظهرت أساطير عدة تتحدث عن حكم إله الشمس على الأرض، غير أنه لم يبق منها إلا ~~قطع صغيرة، فمنها الأسطورة التي تقص علينا ما أظهره نحوه بنو البشر بصفتهم رعاياه من نكران ~~الجميل نحوه، حتى إنه اضطر إلى معاقبتهم، وكان يفنيهم قبل أن يترك الأرض ويعتزل في ~~السماء. # ومع أن المصريين ظلوا يشيرون بغبطة وسرور إلى حوادث هذه الأساطير الساذجة، وامتلأ أدبهم ~~الديني بالتلميحات إلى تلك الخرافات حتى آخر عهده، فإنهم عندما ظهروا في شكل أمة موحدة ~~كانوا قد أدركوا أن إله الشمس يقوم بوظائف رفعته فوق مثل هذه التخيلات الصبيانية، وجعلته ~~المتصرف والحاكم العظيم على الأمة المصرية. # وهذا الانتقال الأساسي الذي يعد أول ما عرف في التاريخ من نوعه قد نقل بذلك نشاط إله ~~الشمس الذي كان منحصرا في دنيا المادة وحدها إلى مملكة الشئون البشرية. ولدينا أنشودة ~~للشمس في متون الأهرام يحتمل أنها نشأت في ذلك العهد للاتحاد الأول؛ ونجد في هذه الأنشودة ~~التي تعد أقدم ما وصل إلينا من نوعه، أن موضع الإشادة بإله الشمس هو سيادته على «شئون مصر»؛ ~~إذ تبسط لنا الأنشودة المعاونة الصالحة التي يقوم بتقديمها الإله لأرض مصر والإشراف عليها، ~~بل إنها تنشر أمامنا في أسطر متعاقبة عقود المدح لما يقوم به هذا الإله العظيم لحماية مصر ~~من أعدائها. # وكذلك كان إله الشمس حليفا لفرعون وحاميا له، فإن متون الأهرام تقول عنه: # إنه يمكن له مصر العليا، ويمكن له مصر السفلى، ويهدم له معاقل آسيا، ويخضع ~~له كل ms043 الناس # 2 ~~[المصريين] الذين سواهم بأصابعه. # وهكذا فإنه بدخول إله الشمس في عالم الشئون البشرية أخذ هذا الإله (في عرف ~~القوم) يشعر كأي فرد تابع لحكومة بشرية، أو كأي عضو في جماعة دنيوية، بتأثيرات المجتمع ~~الإنساني؛ تلك التأثيرات التي صارت عاملا يعمل على تهيئة الإله وتسويته في نهاية الأمر ~~ليجعل منه أول إله خلقي عادل عرفه التاريخ. # الفصل الثالث # | إله الشمس وفجر المبادئ الأخلاقية # لم يعثر للآن على أثر ملكي واحد من عهد الاتحاد الأول، وإذا كان لا يزال في الوجود شيء من ~~هذه الآثار فلا بد أن تكون مدفونة على عمق بعيد تحت غرين النيل المشبع بالماء في مصر ~~السفلى؛ ذلك الغرين الذي ظل يتراكم مدة آلاف من السنين على بقايا ودمن بلدة «هليوبوليس» ~~(عين شمس) التي وجدت في عصر ما قبل التاريخ. ومع ذلك فإن الأزمان التي تلت تلك العصور قد ~~حفظت لنا ذكريات عن تلك العهود القديمة كما سبق أن أشرنا إلى ذلك، بل إنها حفظت لنا ذكريات ~~عن تلك الأزمان السحيقة جدا التي سبقعت عهد توحيد مصر تحت حكم ملك واحد. والواقع أنه قد ~~وصل إلينا صورة من المتن الحقيقي لوثيقة دونت في بداية عهد الاتحاد الثاني، وهذه الصورة ~~منقوشة على حجر أسود محفوظ الآن بالمتحف البريطاني، وذلك الحجر كان قد استعمله بعض القرويين ~~أخيرا قاعدة لحجر طاحون لطحن غلالهم، وقد استمروا في إدارة حجر الطاحون الأعلى عليه مدة ~~أعوام دون أن يفقهوا شيئا مما كانوا يمحونه بذلك من النقوش. # على أن ما بقي مقروءا على ذلك الحجر الهام من الفقرات المشوهة، له أهمية لا تقدر بثمن. ~~على أننا نفهم في الحال شيئا عن أصل ذلك الحجر من سطر في أعلاه، نقوشه الهيروغليفية غاية ~~في الوضوح، فنجد فيه اسم «شبكا» ذلك الفرعون الإثيوبي الذي حكم مصر خلال القرن الثامن قبل ~~الميلاد، ويلي اسم ذلك الفرعون نقوش تقول: «إن جلالته [يعني نفسه] نقل هذه الكتابات من جديد ~~في بيت والده «بتاح جنوبي جداره» وقد وجدها جلالته بمثابة ms044 عمل خلفه الأجداد قد أكله الدود ~~حتى أصبح لا يمكن قراءته من البداية للنهاية، وإذ ذاك قام جلالته بكتابته ~~من جديد حتى أصبح أكثر جمالا مما كان عليه من قبل.» ومن ~~ذلك نرى أن ملك مصر الإثيوبي الذي عاش في القرن الثامن قبل الميلاد اهتم بالمحافظة على ~~الكتابة القديمة التي خلفها «الأجداد»، ولا بد أنها كانت مدونة على ورق البردي، وإلا لما ~~استطاع الدود أن يأكلها. # وقد نقل «شبكا» لحسن حظنا نسخته الجديدة على الحجر لتبقى محفوظة على الدوام، ومع ذلك لو ~~بقي هذا الحجر يطحن عليه بضع سنين أخرى لقضي على أقدم مسرحية في العالم، وعلى أول بحث ~~فلسفي وصل إلينا من العالم القديم. # وقد انقضى الآن جيل على الفترة التي كنت أقضي فيها أيام الصيف الخانقة جالسا على كرسي ~~منخفض تحت نافذة في المتحف البريطاني أحاول أن أعكس بعض الضوء من النافذة التي كانت فوقي ~~بمرآة يد على الحجر الذي كان موضوعا تحت عتبة تلك النافذة بشكل لم يترك مجالا لسقوط نور ~~تلك النافذة عليه، وقد كان ذلك قبل ظهور كشافات اليد الكهربية القوية؛ ولذلك كان نقل مثل ~~هذه النقوش يسير ببطء وبصعوبة لتآكلها، حتى إنها كانت أحيانا لا يمكن الاهتداء لقراءتها ~~كلية، ولا سيما أنها نقشت على حجر أسود حالك. وكانت نقوش ذلك الحجر موزعة في أعمدة أو أسطر ~~عمودية، ويجوز في الكتابة المصرية القديمة أن يكون ترتيب الأعمدة عند قراءة مثل تلك النقوش ~~من اليمين إلى الشمال أو من الشمال إلى اليمين؛ وذلك حسب اتجاه وجوه الحروف الهيروغليفية ~~التي تواجه عادة بداية النقش. وكانت كل الإشارات في ذلك النقش تواجه اليمين دالة على أن ~~بدايته كانت من جهة اليمين. وعلى ذلك بدأت بنقل المتن من العمود الأول على اليد اليمنى، ~~وكنت أتدرج في النقل من عمود إلى عمود متجها نحو الشمال، ولكن لاحظت مع ذلك بغتة عند أسفل ~~عمود من الأعمدة، أن معنى إحدى الجمل كان مستمرا في العمود التالي من اليمين لا في العمود ~~التالي ms045 من اليسار كما كان متوقعا. # ومن ذلك ظهر لي فجأة أن هذا النقش كان من النقوش القليلة المعروفة التي كتبت بإشارات ~~معكوسة [أي إن الإشارات لم تتجه الاتجاه العادي]. وعلى ذلك كان العلماء يقرءونها إلى الآن ~~بوضع مقلوب نتجت منه سلسلة فقرات متقطعة يتبع بعضها بعضا بدون أي ارتباط بينها من النهاية ~~إلى البداية. فلما قرأت هذه الأعمدة بترتيبها الصحيح بدأت تقص علي قصة من أروع القصص، ~~غير أنها قصة مؤلفة من نتف، وبعض أجزائها لم تمكن قراءته مطلقا، حتى إنه كان من العسير ~~جدا فهمها. ويرجع السبب في ذلك إلى أن حجر الطاحون العلوي كان يلف على وسط قاعدة حجر ~~الطاحون المكتوبة، فضلا عن أن الطحان كان قد حفر حفرة في وسط هذه القاعدة تتفرع منها قنوات ~~تشبه الأشعة التي تخرج من قطب العجلة، وقد محا ذلك الطحان الغشوم تماما ثلث النقش القديم ~~من جهة الوسط تاركا ثلثا ضئيلا منه على اليسار عند البداية وثلثا آخر عند الطرف الأيمن؛ ~~ولذلك أصبح من المستحيل أن ندرك أي اتصال في المعنى بين الأعمدة التي على اليسار والأعمدة ~~التي على اليمين. # ومن يوم أن نشرت متن النقش مع محاولة مبدئية لترجمته قضى العلماء في البحث جيلا بأكمله ~~حتى أمكن الوصول إلى فهم صحيح لنوع المتن ومحتوياته، بل لتحديد تاريخه. ونخص بالذكر من بين ~~هؤلاء العلماء الذين درسوا هذا النقش: «إرمان» ثم «زيته». وقد سمى «شبكا» الإثيوبي هذا ~~المتن في القرن الثامن قبل الميلاد «تأليف الأجداد»، وهو تعبير مبهم يوحي لنا أن كتاب هذا ~~الملك المتفقهين لم يكن لديهم فكرة عن أن الكتابة التي كانوا ينسخونها كان عمرها إذ ذاك ~~يزيد عن 2500 سنة. ولكن لغة هذه الكتابة القديمة ومحتوياتها لم تدع مجالا لأي شك عن شدة ~~قدم أصلها؛ لأن لغة الوثيقة تحتوي على اصطلاحات تدل على أنها قديمة جدا، كما أن المتن ~~يكشف لنا عن موقف تاريخي يدل بداهة على أن وقوعه لا يمكن إلا من بداية الاتحاد الثاني [أي ~~في عهد ms046 تأسيس الأسرة الأولى على يد مينا حوالي سنة 3400ق.م]. وعلى ذلك يكون ذلك المتن من ~~إنتاج الحضارة المصرية في منتصف الألف الرابع قبل الميلاد، وبذلك يكون قد أعطى لنا صورة من ~~أفكار أقدم بني البشر لم يصل إلينا مثلها مدونة إلى الآن. # وقد تركت لنا الفجوة المؤلمة التي في وسط الحجر - كما أسلفت - جزءا من المتن على اليسار ~~هو البداية، وجزءا على اليمين هو الخاتمة، ويقسم المتن الذي في البداية فواصل متكررة تجعله ~~على صورة فصول صغيرة معظمها في شكل عبارات يخاطب بها الآلهة المختلفون بعضهم بعضا، ونجد ~~غالبا عند بداية كل عبارة من تلك العبارات علامتين هيروغليفيتين تدلان على اسمي إلهين، ~~والعلامتان مرتبتان في وضع يجعل كلا منهما تواجه الأخرى كأن كلا الإلهين يحادث أحدهما ~~الآخر، وهذا يطابق محتويات المتن؛ فإنها تثبت أنهما كانا يتحادثان فعلا. # وقد عثر الأستاذ «زيته» فيما بعد على مجموعة محادثات منظمة على مثل هذا النمط ومدونة على ~~بردية يرجع تاريخها إلى سنة 2000ق.م، وتلك المحادثات مصحوبة بملاحظات وصور يستدل منها على ~~أنها لا بد أن تكون تعليمات مسرحية؛ # 1 # أي إن البردية التي درسها الأستاذ «زيته» هي مسرحية قديمة، ونجد أن ترتيب ~~أعمدتها مطابق تماما لمتن حجر المتحف البريطاني - الذي نحن بصدده - وهذا جعل الأستاذ «إرمان» # 2 # يظن أن المدون على هذا الحجر هو مسرحية قديمة أيضا. وقد محيت خاتمة هذه ~~المسرحية التي تعد بلا شك أقدم ما عرف من نوعها، من جراء الثقب الذي حفر في وسط حجر ~~الطاحون المذكور. وفيما وراء الفجوة تجاه الطرف الأيمن من الحجر نجد بحثا فلسفيا يبدو من ~~الصعب أن نربطه بالمسرحية، ويرى «زيته» أنه من الضروري أن نفهم أن أحد رجال الدين المشهورين ~~أو كاهنا مرتلا كان يلقي جزءا كبيرا من الرواية التمثيلية في شكل خطبة مطولة يظهر ~~الآلهة المقصودون خلال إلقائها عند قص حادثة في الأسطورة فيلقون أقوالهم في شكل محاورة، ~~وذلك هو السبب الذي من أجله نجد المحاورات التي كان يقوم بإلقائها الآلهة المختلفون الذين ms047 ~~ساهموا في التمثيل منتشرة بين أجزاء المسرحية، بشكل جعل أمثال هذه المحاورات أيضا تمثيلية ~~في شكلها. والوثيقة تشبه كل الشبه بحالة تلفت النظر القصص المقدسة التي مثلت في المسرحيات ~~المسيحية الرمزية في القرون الوسطى، والمسرحية المنفية التي تعد أقدم سلف لها. # ونجد في كل من الجزء المسرحي والبحث الفلسفي أن «بتاح» إله منف يقوم بدور إله الشمس ~~الذي يعتبر إله مصر الأسمى، وذلك يفسر لنا العادة التي أشرنا إليها من قبل في الفصل الثاني ~~[آلهة الطبيعة والمجتمع الإنساني]، والتي كان يسعى بها الإله المحلي للحصول على عظمة إله ~~الشمس وبهائه، بأن يتقلد مركزه ويلعب الدور الذي لعبه في تاريخ مصر الخرافي ومنشئه. وإن ~~سيادة «بتاح» في تلك المسرحية تدل بوضوح على تزعم مدينة «منف» تزعما سياسيا، وتلك ~~الزعامة ترجع في هذه الحالة إلى انتصارات «مينا» مؤسس الأسرة الأولى. وذلك الملك - وإن كان ~~مولده في تنيس بمصر العليا - هو الذي أسس «منف» لتكون عاصمة له ومقرا لملكه. وبالرغم من ~~ظهور أصل تلك المسرحية في منف فإن المنبع الأصلي لمحتوياتها العجيبة كان بلا شك بلدة ~~«هليوبوليس»؛ فإننا نجد فيها تلك الفلسفة اللاهوتية التي اشتهر بها كهنة «عين شمس»، والتي ~~وصلوا بها في عهد الاتحاد الأول إلى المرحلة التي أخذ عنها كهنة «منف» في تمجيد إلههم ~~«بتاح». # فهذه المسرحية تبرز لنا إذن إله الطبيعة القديم وهو إله الشمس «رع» متحولا تماما إلى ~~قاض يحكم في شئون البشر؛ تلك الشئون التي أصبحت ينظر إليها من الناحية الخلقية، فهو يحكم ~~عالما يرى من واجبه توجيه حياة البشر فيه طبقا لقواعد تفصل بين الحق والباطل. وإنه من ~~المدهش جدا أن نجد أن أمثال هذه الأفكار كانت قد ظهرت فعلا في منتصف الألف الرابع قبل ~~الميلاد. # ويمكن تلخيص محتويات هذه المسرحية بأنها محاولة لتفسير أصل جميع الأشياء، ويدخل في ذلك ~~نظام العالم الخلقي، وأن هذه الأصول جميعا ترجع إلى «بتاح» إله «منف»، أما كل العوامل ~~الأخرى التي ساعدت على خلق العالم أو المخلوقات التي كان لها نصيب ms048 في ذلك فلم تكن إلا مجرد ~~صور أو مظاهر لبتاح إله «منف» المحلي المسيطر على أصحاب الحرف والصناعات، والذي يعتبر إله ~~كل الحرف. # وتدلك المسرحية على أن فتح «مينا» مصر واتخاذه «منف» الواقعة في الوسط بين الوجه القبلي ~~والوجه البحري، عاصمة له ومقرا لملكه لم يكن إلا خطوة نحو إظهار بتاح بمظهر الصانع الأعظم ~~الذي خلق العالم. وقد ساعد على إلباس بتاح ثوب هذا الدور مساعدة جدية ما نسب إليه من ~~استيلائه على السلطة والسيادة الفريدة التي كان يتمتع بها الإله «رع» الذي ظل يتزعم مدة ~~قرون طويلة آلهة مصر من مقره الزاهر الممتاز في مدينة هليوبوليس. وتبرز لنا هذه المسرحية ~~المنفية المكانة السامية التي احتلها «بتاح» في الفقرات الختامية التي يجب علينا فحصها ~~الآن، فنجد فيها أولا أن («بتاح» العظيم هو قلب الآلهة ولسانهم). وهذا التعبير الخارق ~~للمألوف يصير أكثر وضوحا لنا عندما نعلم أن القلب معناه «العقل» أو «الفهم»، أما «اللسان» ~~فهو رمز للنطق؛ أي للأداة التي تبرز أفكار العقل وتعبر عن أوامره؛ أي إنها تخرج ما فيه ~~إلى حيز عالم الحقيقة الملموس. ونصبح الآن في مركز يمكننا من تعقب معنى هذه القصة القديمة ~~عندما تشرع القصة في التحدث عن أصل الأشياء: ~~(1) # الفكر والتعبير عنه بصفتهما الأصل والقوة المساعدة لكل من نظام الأرض ونظام السماء: # حدث أن القلب واللسان تغلبا على كل عضو في الجسم، وعلما الإنسان أن ~~«بتاح» كان في كل صدر على هيئة القلب، وعلى هيئة اللسان في كل فم، سواء ~~في ذلك جميع الآلهة وجميع الناس وجميع الماشية وجميع الزواحف وسائر ~~الأحياء، وفي الوقت نفسه يفكر «بتاح» فيما يشاء، ويأمر بكل ما ~~يريد. # وبعد أن تقص علينا الوثيقة كيف أن مجموعة آلهة «منف» لا تزال في فم «بتاح»، ~~«الذي نطق بأسماء كل الأشياء»، # 3 # فعلمنا أن هؤلاء الآلهة الذين كانوا يعرفون من قبل بأنهم صور ~~لبتاح قد أوجدوا بصر الأعين وسمع الآذان وتنفس الأنف لتصل جميعا إلى القلب، ~~وأن القلب هو الذي يصدر كل قرار، ms049 وأن اللسان هو الذي يعلن فكر القلب. وبمثل ذلك ~~فطرت كل الآلهة؛ أي «آتوم» وتاسوعه الإلهي [مجموعة تسعة آلهة] على حين أن كل ~~كلمة مقدسة خرجت إلى الوجود عن طريق ما فكره القلب وأمر به اللسان، وكذلك ~~المراكز [الوظائف الرسمية] فإنها أنشئت، والمناصب [الحكومية] وزعت (وهي التي ~~قدمت جميع الغذاء وجميع الطعام) بواسطة هذا النطق المتقدم [أي طبقا للنظرية ~~السالفة الذكر]. ~~(2) # النظام الدنيوي: ~~[أما من جهة] الذي يفعل ما هو محبوب والذي يفعل ما هو مكروه فإن ~~الحياة تعطى للمسالم، والموت يحيق بالمجرم. # وبذلك يسير كل عمل وكل حرفة؛ ~~فنشاط الذراعين وسير الساقين وحركة كل عضو تكون حسب هذا الأمر ~~الذي يديره القلب، والذي يخرج من اللسان، وهو الذي يجعل لكل شيء ~~قيمة. ~~(3) # النظام السماوي: # وحدث أنه قيل عن «بتاح» أنه خلق «آتوم» (إله الشمس القديم في ~~هليوبوليس) وأوجد الآلهة، وهو «تاتن» [اسم قديم لبتاح] مصور الآلهة، ~~ومنه خرج كل شيء سواء أكان طعاما أم غذاء أم مئونة للآلهة أم أي شيء ~~طيب في الوجود، وبذلك أصبح من الظاهر المفهوم أن قوة «بتاح» هي أعظم من ~~قوة كل الآلهة، وبذلك اطمأن بتاح بعد أن خلق كل شيء وكل كلمة مقدسة. ~~وهو الذي صور الآلهة وأقام المدن وأسس المقاطعات، فأقام الآلهة في ~~أماكنهم المقدسة وثبت دخلهم المقدس وأعد محاريبهم ونحت تماثيل لأجسامهم ~~كما تحب قلوبهم، وبذلك حلت الآلهة في أجسامها المصنوعة من كل نوع من ~~الخشب، ومن كل صنف من المعادن، ومن كل نوع من الطين، ومن كل ما ينمو ~~عليه (أي على بتاح بصفته إله الأرض) من الأشياء التي صنعت منها هذه ~~التماثيل. # وبذلك أصبحت في قبضة «بتاح» (المحب للسلام والصلح) الآلهة ووظائفها بصفته رب ~~الأرضين (مصر). وكانت مخازن الغلال المقدسة «هي العرش العظيم» «منف» التي تدخل ~~السرور على قلب الآلهة الذين في بيت بتاح، وهي سيدة كل الحياة، ومنها تستمد ~~الأرضان (مصر) حياتها. # وعند هذه النقطة تنتقل بنا القصة إلى أسطورة «أوزير» لتفسر لنا السبب الذي من أجله أصبحت ms050 ~~«منف» مخزنا لغلال مصر، غير أننا سنضطر هنا لإرجاء فحص موضوع «أوزير» في هذه المسرحية ~~المنفية إلى أن نتم فحص وظائف إله الشمس التي رأينا أن بتاح قد انتحلها لنفسه. وإذا أنعمنا ~~النظر في محتويات بحث موضوع «بتاح» - الذي سبق ذكره - اتضح لنا أن الكثير من الأفكار قد ~~تكررت بنفسها مرات عدة. وعلى ذلك نجد أن الأقسام الثلاثة التي حاولت فيما سلف أن أفصل ~~بعضها عن بعض، وأميزها بعناوين فرعية ليست بحال ما مستقلة عن بعضها، بل متداخلا بعضها ببعض ~~بشكل واضح، فلم يكن في مقدور فكر الكهانة العتيق أن يعدل عن إقحام ذكر إنتاج الطعام في أية ~~مناسبة تمس النظام السماوي، بالرغم من أن موضوع إنتاج الطعام في الأصل خاص بالنظام الدنيوي؛ ~~وذلك لأنه إجراء يرتكن إلى قوة الآلهة. ويرجع الأساس المدهش لهذا النظام الأرضي المبكر إلى ~~الغرض الرئيسي الذي يرجع منبع كل شيء إلى العقل أو الفكر؛ لأن جميع الأشياء ظهرت إلى حيز ~~الوجود بما فكره القلب (العقل) وأمر به اللسان (الكلام). وقد استعمل المصري كلمة «قلب» ~~لتدل على «العقل» أو «الفهم»؛ وذلك لا لأنه كان معتادا استعمال المعنويات، بل كان يعتقد أن ~~القلب هو مركز الفهم. أما الأداة التي أصبح بها العقل قوة منشئة فهي الكلمة التي تلفظ ~~فتعلن الفكرة وتلبسها ثوب الحقيقة، وبذلك تظهر الفكرة إلى حيز الوجود في عالم الكون ~~الملموس، بل صار الإله نفسه هو القلب الذي يفكر واللسان ~~الذي يتكلم. # 4 # فهل بعد ذلك يمكننا أن نتعرف الأساس التاريخي السحيق في القدم لعقيدة «الكلمة» ~~في أيام كتاب العهد الجديد [الإنجيل]؟ «في البدء كانت «الكلمة»، وكانت الكلمة مع الله ~~والكلمة كانت الله.» وهل نجد هنا صدى لتجارب إنسانية عتيقة على شاطئ النيل؟ # من البدهي أن هذه الفكرة الهائلة التي ظهرت في عصر مبكر كهذا في تاريخ البشر - أو بتعبير ~~أحسن في عصر ما قبل التاريخ - هي في حد ذاتها برهان على تقدم ناضج بدرجة مدهشة للعقل ~~الإنساني في مثل هذا التاريخ البعيد؛ إذ ننتقل ms051 فجأة وبدون وجود مراحل انتقال تدريجية من ~~عالم آلهة الطبيعة إلى عهد حضارة ناضجة نامية ينتج فيها منظمو الديانة والحكومة تفكيرا ~~معنويا ناضجا. وقد رأوا أن العالم الذي يحيط بهم يعمل بعقل، فاستخلصوا من ذلك أنه مخلوق ~~ومحمي الآن بعقل عظيم محيط بكل شيء، وأنه قد صبغ بالعقيدة القائلة بحلول الإله في كل شيء؛ ~~ولذلك كانوا يعتقدون أن هذا الإله لا يزال يعمل عمله في كل صدر وفي كل فم في جميع الكائنات ~~الحية. وقد استمرت هذه الفكرة موجودة مدة طويلة، ولذلك نجد أن المصري الذي عاش بعد ذلك ~~العهد بألفي سنة كان يعتقد في «وحي الإله الذي في كل الناس»، أو يشير مخاطبا غيره إلى ~~«الإله الذي فيك». # ومن الظاهر جدا أن الجماعة المنسقة والحكومة المنظمة كان لهما أثر عظيم على عقول هؤلاء ~~المفكرين القدامى؛ إذ كان الاعتقاد بأن المركز السامي والمراتب الرسمية والوظائف الحكومية ~~التي يسير بمقتضاها المجتمع الإنساني هي من وضع عقل سام، وإنها برزت إلى الوجود بكلمة هذا ~~العقل السامي، ولذلك كانت الشئون العملية في الحياة العامة والحرف الصناعية تسير حسب «الأمر ~~الذي يفكره القلب ويخرج من اللسان». # والواقع أنه في هذه المرحلة السحيقة من التقدم البشري أخذ الإنسان يدرك أن بعض السلوك ~~ممدوح وبعضه مذموم، وأن كل إنسان يعامل بحسب ذلك، فالحياة تمنح للمسالم (الذي يحمل السلام) ~~ويحيق الموت بالمجرم (الذي يحمل الجريمة). على أنه مما يلفت النظر جدا أن هؤلاء المفكرين ~~القدامى لم يستعملوا في هذا المقام الكلمتين «طيب» و«خبيث»؛ فالمسالم في نظرهم هو الذي يفعل ~~ما هو محبوب، و«المجرم» هو الذي يفعل ما هو مكروه. وهاتان العبارتان هما حكمان اجتماعيان ~~يحددان ما هو ممدوح (محبوب) وما هو مذموم (مكروه)، وفي هذين التعبيرين («ما هو محبوب» و«ما ~~هو مذموم») نجد أقدم برهان عرف على مقدرة الإنسان على التمييز بين الخلق الحسن والخلق ~~السيئ؛ لأنهما ذكرا هنا لأول مرة في تاريخ البشر، ولهما تاريخ طويل فيما يلي ذلك الزمن، وظل ~~استعمالهما مستمرا قرونا عديدة، ولم ms052 يحل محلهما كلمتا «الحق» و«الباطل» إلا بعد ذلك بزمن ~~طويل. وهناك بعض الغموض بشأن أصل الجمل الافتتاحية للفقرة القصيرة الخاصة بالنظام الخلقي ~~مما جعل إنشاءها من جديد معلقا، فقد رتبت الكلمات على الحجر نفسه هكذا: # ويظهر أن هذا التركيب مفصول عما يتلوه من المتن بأداه فصل، والآن نتساءل عما إذا كانت تلك ~~الترجمة السالفة (أو الإنشاء الجديد) قد أدت كل المعنى المطلوب أم لا؟ فنجد أولا أن الكلمة ~~التي ترجمت بلفظ «يفعل» تعني أيضا «يصنع»، ولما كانت هذه الكلمة هنا في صيغة اسم الفاعل ~~«الذي يفعل» فإنه يمكن أن تعني أيضا الذي يصنع؛ أي الصانع، وبذلك تنسب إلى الإله أنه صانع ~~ما يحب وما يكره. وإذا كان الأمر كذلك فيكون لدينا هنا نص بتسمية الإله «خالق كل من الطيب ~~والخبيث». # غير أن الأستاذ «إرمان» رأى أن هذا التفسير غير مقبول، وترجم التعبيرين المتقابلين ~~«بالنعم» و«النقم». # ومن جهة أخرى لاحظ الأستاذ «زيته» أن هذه الترجمة غير سائغة مع التعبيرين المتضادين ~~«مسالم ومجرم»، وهما بجلاء تعبيران خلقيان، يضاف إلى ذلك أن لهذين التعبيرين تاريخا لاحقا ~~- كما ذكرنا - يظهران فيه مستعملين بمعنى خلقي لا يقبل الجدل. # وأراد الأستاذ «زيته» أن يربط هذين التعبيرين أحدهما بالآخر بعض الربط، فقرر أنه سقطت بعض ~~الألفاظ من الكاتب القديم عند قيامه بالنسخ، ولذلك يقترح أن الكلمات المحذوفة يمكن إعادتها ~~بالاستعانة بفقرة وردت عن مثل ذلك في كتاب الموتى، فيكون الترتيب هكذا: # والاعتراض المهم على هذا التصحيح هو إدخال التعبيرين «حق» و«باطل» المأخوذين عن «مصدر» ~~متأخر عن ذلك بكثير «ككتاب الموتى»، على أن خلو مسرحيتنا من هذين التعبيرين الأخيرين يشعر ~~بحقيقة هامة جدا؛ وهي أن وجودهما جاء متأخرا، وفيما عدا ذلك نجد تصحيح الأستاذ «زيته» ~~مغريا رغم أنه يدل على منتهى الجرأة، كما أنه في نفس الوقت يمدنا بموازنة تامة للتعبيرين ~~المذكورين في ذلك التركيب المصحح. # ومن بين الصفات أو المميزات - التي يمكننا إدراكها بوضوح عن إله الشمس بعد سنة 3000ق.م - ~~ميزتان اثنتان تسميان «الأمر» و«الفهم»، ويمثل كل ms053 منهما في صورة إله كما مثل ~~العبرانيون «الحكمة» في شكل إله، ولذلك كان رجال البلاط يحيون الفرعون بصفته خليفة إله ~~الشمس هكذا: «الأمر في فمك، والفهم في قلبك.» # وقد رأى العالم «جاردنر» في ذلك رأيا جذابا فقال: إنه عندما انتحل الإله «بتاح» هذه ~~الصفة لنفسه قام مؤلفو المسرحية المنفية بتعديل التعبيرين اللذين وجدوهما في اللاهوت الشمسي ~~فوضعوا كلمة «قلب» بدل كلمة «فهم» الشمسية، وكلمة «لسان» بدل كلمة «أمر» الشمسية، وبذلك ~~يكون لدينا زوجان متوازيان من الألفاظ هكذا: ~~(1) # الصفتان الأصليتان لإله الشمس: الفهم - الأمر. ~~(2) # الصفتان اللتان حلتا محليهما للإله بتاح: «القلب» - «اللسان». # ومن ذلك يتضح أن فكرة وجود شخصية عليا قد أخذ فجرها ينبثق في هذا العهد على العقل البشري ~~لأول مرة في التاريخ. # وكان هؤلاء المفكرون الأوائل يكافحون في تصور تلك الفكرة الخطيرة الشاملة محاولين أن ~~يتعرفوا ويحللوا الخصائص الأصلية التي تميز مثل هذه الشخصية، وقد كان لهذه الفكرة أثر عميق ~~في الحياة الإنسانية، ومن الواضح أنها نبتت من الملكية، أو بعبارة أصح: من نفس حكم الملك ~~الفعلي وإدارته للبلاد، حيث كانت الفكرة مجسمة فيه بحذافيرها؛ فرأى الناس في فرعون لأول مرة ~~في تاريخ البشر صورة فاخرة لشخصية بارزة وسلطان مجسم، وبذلك أخذت الفكرة تتحول إلى قوة، وقد ~~ظهر تأثير رد فعلها أولا في النواة الصغيرة التي يتألف منها رجال الفكر، وأخيرا في ~~المجتمع الإنساني. # وتكشف لنا المسرحية المنفية عن أقدم تقدير للسلوك بصفته مرضيا أو غير مرضي، وهاتان ~~الصفتان المتقابلتان كانتا - كما أسلفنا - صفتين اجتماعيتين، وكان ظهورهما نتيجة للتطور ~~الاجتماعي. غير أن الذي يعوقنا عن إدراك كنه هذا التطور ومنشئه افتقارنا التام «لمصادر ~~معاصرة». وسنجد في الأدوار المتأخرة من الرقي عدة براهين لا تزال باقية تكشف لنا عن أصل تلك ~~العوامل التي حدت بالناس القدامى إلى أن يدركوا أن بعض السلوك «محبوب» وبعضه «مذموم»، وهذه ~~مرحلة من الأخلاق كانت في بادئ الأمر عادة من العادات، وكان التقدم حتى في تلك المرحلة ~~المبكرة قد خطا خطوات بعيدة لدرجة أن السلوك ms054 صار موضوع تفكير في أذهان أقدم المفكرين ~~المعروفين لدينا من عهد القرون السحيقة التي ترجع إلى عصر الاتحاد الأول. وبعبارة أخرى: نجد ~~في تلك المسرحية المنفية إشارة وجيزة عن أقدم مبادئ جاءت عن طريق التفكير والتأمل، فالرجل ~~الفاضل يسمى «محبا للسلام»، وبالنص الحرفي «حامل السلام»، وهو تعبير أخلاقي بلا شك يعرف ~~الرجل الفاضل بعلاقاته بمن حوله. وعلى النقيض منه «حامل الجريمة» أو «المجرم»؛ فهو الذي ~~يخطئ في حق من حوله. والواقع أنه كان لا بد أنه قد وجد في ذلك الوقت قانون مسنون يعترف ~~بهذين النوعين من السلوك، ويقرر إحاقة الموت بالمسيء، ومنح الحياة لغير المسيء. # ولا شك في أن كل ما سبق من الأبحاث دليل على ظهور رقي اجتماعي وخلقي يقع في أفق سابق ~~بكثير لأقدم أفق تاريخي عرف لدينا إلى الآن. # ومن المهم أن نحدد بالضبط آخر مدى وصل إليه ذلك الرقي عندما ظهر لأول مرة في فجر التاريخ، ~~فإن الأحوال التي أتت فيما بعد توضح لنا تماما أن فرعون كان مصدر القانون ومنبع الحياة، ~~وأن تأثير السلوك كان مجرد أمر ظاهري خاص بهذه الحياة الأرضية، وأن فرعون وحده كان في ~~مقدوره أن يتطلع إلى آخرة فاخرة فيقلع فيها في المحيط السماوي مع إله الشمس والده. أما فيما ~~يختص بأي إنسان آخر فإن سلوكه سواء أكان مقبولا أم مذموما ليست له سوى عواقت أرضية محضة، ~~وليس لها أي تأثير على أية حياة في الآخرة؛ ولذلك كان الحق والباطل أمرين يقررهما فرعون، ~~فكان يقوم بفحصهما كما يرى من المسرحية المنفية رجال الفكر من طائفة الكهنوت، ولذلك كان ~~لا بد من الانتظار طويلا إلى أن تصبغ هذه الأفكار بصبغة إنسانية اجتماعية، وتصير قوة ~~اجتماعية عظيمة مهدت لفاتحة «عصر الضمير» والأخلاق بعد ذلك بعدة قرون. # الفصل الرابع # | العقيدة الشمسية ومكافحة الموت # لقد كنا أثناء تعقبنا لظهور أقدم الآلهة المصرية نلاحظ عهودا من التقدم البشري قبل العصر ~~التاريخي في وادي النيل، فرأينا أن دنيا الطبيعة قد تركت أثرها تدريجا في عقول أقدم ms055 سكان ~~وادي النيل، فكان نور الشمس والخضرة النباتية مظهرين طبيعيين بارزين أثرا باستمرار على ~~أفكار أقدم مصري وحياته. ورأينا أن ذلك المصري صور هاتين القوتين الطبيعيتين الخفيتين في ~~صورة إلهين عظيمين، ونذكر أن هذين الإلهين كانا في بادئ أمرهما مجرد قوتين طبيعيتين، ~~واستمرا يعملان عملهما في دنيا الطبيعة بهذه الصفة فقط على الوجه الأغلب. ورأينا كيف أن إله ~~الشمس انتقل تدريجا إلى عالم الشئون الاجتماعية المنظمة، وسنلاحظ فيما بعد كيف أن إله الخضرة # 1 # أيضا سار على نفس المنهاج الذي سار عليه إله الشمس، فكان على كل من هذين ~~الإلهين أن يدخل مع زميله في علاقات أخرى بعد أن اشتركا في ميدان عمل واحد. # وصارت الدنيا التي أصبحا مندمجين فيها معا دنيا جديدة عظيمة؛ فصياد عصر ما قبل ~~التاريخ، الذي كان يكتفي في التعبير عن عمله بآلة حفر مصنوعة من الظران ينحت بها خطوطا ~~منتظمة على مقبض عاج لسكين حجرية لتمثل حيوانات الصيد، قد انتقل بعد مرور خمسين جيلا من ~~التقدم الاجتماعي، إلى مهندس ملكي يستخدم جماعات عظيمة من أصحاب الحرف المنظمين في محاجر ~~ضفاف النيل، فاستخرجوا منها أعمدة فخمة منسقة ومعابد للآلهة العظيمة، وأسوارا للأهرام ~~الضخمة التي تعتبر أعظم مقابر أقامتها يد الإنسان قاطبة. والآن نتساءل: ماذا كان من أمر ~~إلهي الطبيعة القديمين في مثل تلك الدنيا التي وصفناها؟ إن تلك الدنيا لم يقتصر تغيرها ~~العظيم على مظهرها الخارجي ومجرد أساليبها المادية التي تدل على تقدم أنظمتها الاجتماعية ~~والحكومية، بل تعدى رقيها إلى نمو حياة الإنسان الباطنة، فإن هذه الحياة كانت تسير بلا ريب ~~بخطى متساوية مع تلك الحقائق الظاهرة التي لم تدون. وظهور أقدم بناء عرف من الحجر وأول ~~مبنى ذي عمد لا يعد فقط برهانا على تقدم كفاءة حياة الجماعة الإنسانية المنظمة، بل يعد ~~كذلك دليلا على ظهور أفق جديد للشعور البشري يزداد اتساعه باطراد، فكان بناءو هذا العصر ~~أول شعراء؛ إذ مدوا أيديهم بين خمائل النخيل ومستنقعات النيل وقطفوا منها أزهار البشنين ~~والبردي وسعف النخيل، ونسقوا ms056 بها أروقة ذات عمد على طول مساحات المعابد، فهم بذلك يعدون أول ~~الفنانين الذين حملوا إلى ردهات المعابد شيئا مقتبسا من جمال العالم الخارجي المنير ~~اليانع، وبذلك صارت المعابد تجمع بين نور الشمس والخضرة لتجميل أشكالها من الخارج، كما أثرت ~~هاتان القوتان في عقائد ذلك العصر الدينية من الداخل. # ولما بدأت عظمة الحكومة تظهر في أشكال العمارة ذات الأبهة والبهاء كان معظم تلك الأشكال ~~دينية، وإن المظهر الفخم للديانة المنظمة يعتبر مقياسا للأثر البالغ الذي أحدثته الحكومة ~~الجديدة في الديانة، وإن تنظيم الديانة رسميا بتلك الكيفية الطريفة جعل المؤثرات ~~الاجتماعية بطيئة الأثر في الديانة، ولكن تلك المظاهر الدينية الحكومية كانت صالحة لتبادل ~~التأثيرات بين رجال جماعة من الكهنة أو رجال طوائف المعابد وجماعة أخرى. وعلى ذلك نجد أن ~~الاعتقادات المحلية أخذ بعضها يندمج في البعض، وقد تبينت لنا هذه الظاهرة في حالة إله الشمس ~~ببلدة عين شمس، والإله الصانع «بتاح» ببلدة «منف»، غير أن حقيقة هذا الاندماج تظهر بشكل ~~أوضح في حالة نور الشمس والخضرة؛ أي حالة إله الشمس و«أوزير». # وإن حقيقة الموت قد تركت تأثيرا عظيما في الديانة المصرية، كما أنها أثرت تأثيرا ~~عميقا في كل من اللاهوت الشمسي، واللاهوت الأوزيري. # وإذا بحثنا الاعتقادات المصرية الجنازية القديمة بوجه خاص أمكننا أن ندرك ذلك الامتزاج ~~الذي حدث بين المذهب الشمسي والمذهب الأوزيري، على أنه لن يكون في وسعنا فهم امتزاج هذين ~~المذهبين إلا إذا وجهنا نظرنا قليلا إلى تصورات المصري للحياة بعد الموت، وإلى التقاليد ~~المدهشة التي تولدت عن تلك التصورات. # والواقع أنه لا يوجد شعب قديم أو حديث بين شعوب العالم احتلت في نفسه فكرة الحياة بعد ~~الموت المكانة العظيمة التي احتلتها في نفس الشعب المصري القديم. ومن الجائز أن ذلك ~~الاعتقاد الملح في الحياة بعد الموت كان يعضده كثيرا ويغذيه تلك الحقيقة المعروفة عن ~~تربة مصر ومناخها؛ وهي أنها تحفظ الجسم الإنساني بعد الموت من البلى إلى درجة لا تتوافر في ~~أي بقعة أخرى من بقاع العالم. فعندما ms057 كنت أشتغل بنقل نقوش بلاد النوبة منذ سنين طويلة (مضت) ~~كانت الأحوال كثيرا ما تضطرني إلى المرور بطرف جبانة فيها قدما إنسان ميت مدفون في حفرة ~~قريبة الغور، وقد حسر عن هاتين القدمين وصارتا ممتدتين في عرض الطريق الذي كنت أمر به، ~~والواقع أنهما كانتا تشبهان كل الشبه الأقدام الخشنة للعمال الذين كانوا يعملون معنا في ~~حفائرنا في تلك الجهة، ولست أعرف عمر ذلك القبر، ولكن كل إنسان خبير بجبانات مصر قديمها ~~وحديثها لا بد أنه عثر على جثث بشرية كاملة (أو على أجزاء منها) قديمة جدا، ولكنها باقية ~~محفوظة أحيانا إلى درجة تجعلها تشبه تماما أجسام البشر الأحياء. ولا بد أن مثل تلك ~~المشاهدات حصلت كثيرا للمصريين الأقدمين أيضا. ولعمري كان مثل المصري في ذلك كمثل «هملت» # 2 # وهو يحمل في يده جمجمة «يورك»، فلا بد أنه فكر من أعماق نفسه عندما تأمل هؤلاء ~~الأشهاد الصامتين. # ولا بد أن حالة الحفظ التامة المدهشة للأجساد البشرية التي وجد المصري عليها أجداده الذين ~~كان يكشف عنهم عندما يقوم بحفر قبر جديد في ذاك الوقت، قد زادت اعتقاده في بقاء تلك الجثث ~~البشرية إلى الأبد، وأيقظت في خياله صورا عظيمة في تفاصيلها عن عالم الأموات الذين رحلوا ~~إلى الآخرة وعن حياتهم فيها. # وقد بدأ أقدم تلك الاعتقادات وأبسطها في زمن سحيق في القدم، حتى إنه لم يبق لها ذكر بين ~~الآثار التي وصلت إلينا. على أن جبانات سكان وادي النيل فيما قبل التاريخ، وهي التي كشفت ~~عنها وقامت فيها الحفائر منذ سنة 1894 ميلادية، تدل على أن الاعتقاد بالحياة الآخرة بعد ~~الموت قد وصل إلى مرحلة متقدمة من الرقي، وقد حفرت آلاف من هذه القبور الواقعة على طول حافة ~~وادي النيل الخصب مما يرجع تاريخ أقدمها وجودا بلا شك إلى الألف الخامسة قبل الميلاد، فكان ~~يوجد الجسم البشري فيها راقدا في قاع حفرة لا يزيد عمقها على بضع أقدام وركبتاه مطويتان ~~تجاه ذقنه، ويحيط به متاع ضئيل من أواني الفخار وآلات الظران ms058 والأسلحة الحجرية والأدوات ~~المنزلية الأخرى، فضلا عن بعض الحلي الساذجة، وكان المفروض من وضع كل هذه الأشياء بجانبه ~~هو بطبيعة الحال إعداد المتوفى لحياة أخرى مقبلة بعد الموت. # والمفروض أنه قد مضى ما لا يقل عن 1500 سنة من عهد المعتقدات القديمة الممثلة في أقدم هذه ~~المدافن إلى وقت ظهور أقدم الوثائق المدونة التي وصلت إلينا، وهي الوثائق التي اعتمدنا ~~عليها في أبحاثنا السابقة: تلك الوثائق التي تكشف لنا عن عقيدة دينية نامية لشعب يسمو بسرعة ~~نحو حضارة مادية راقية؛ إذ يمكننا بما لدينا من المصادر المدونة أن نتتبع طريق هذا الرقي ~~أثناء عهد الاتحاد الثاني الذي ابتدأ حوالي سنة 3000ق.م. # وإذا ذاك نجد أمامنا نتائج معقدة جاءت من اختلاط معتقدات كانت في أصلها مميزة، ثم اندمج ~~بعضها بالبعض الآخر وتدوولت بذلك الشكل عدة قرون حتى صارت تشبه حزمة خيوط معقدة، مما يجعل ~~حلها الآن صعبا جدا، بل يكاد يكون مستحيلا. # ويزيد تلك الصعوبات تعقيدا الصورة التي كان يتصورها المصري القديم لطبيعة الإنسان، فإنه ~~كان يتصور أن شخصية الإنسان الحقيقية في الحياة تحتوي على الجسم المادي الظاهر وعلى الفهم ~~الباطن، ومقره في اعتقاده هو «القلب» أو «الجوف»؛ وهما التعبيران الرئيسيان عن «العقل». ~~وتحتوي هذه الشخصية أيضا على الجوهر الحيوي المحرك للجسم، ويقصد به «النفس» كما يلاحظ عند ~~الكثير من الشعوب الأخرى. غير أن هذا الجوهر الحيوي لم يكن مميزا بشكل ظاهر عن «العقل»، ~~وكان الاثنان يمثلان معا في رمز واحد هو طائر له رأس إنسان وذراعاه، ونجد مصورا في ~~المناظر التي على القبور وعلى توابيت الموتى يرفرف على المومية، ويمد لأنفها بإحدى يديه ~~صورة شراع منشور، وهذا الشراع هو الرمز المصري القديم «للهواء» أو «للنفس»، ويحمل في يده ~~الأخرى علامة هيروغليفية ترمز للحياة، # 3 # والمصريون يسمون هذا الطائر الصغير الممثل برأس إنسان وجسم طائر «با». # ومما يدعو للدهشة أن المؤرخين فاتتهم الحقيقة الهامة؛ وهي أن «البا» تظهر للمرة الأولى في ~~الوجود عند موت الإنسان، فقد التجأ القوم إلى كل أنواع ms059 الحيل والاحتفالات الدينية ليصبح ~~المتوفى «با» عند موته. # ولما كان من الواضح أن المصري القديم مثلنا نحن معشر الأحياء لم يكن في مقدوره أن ينتزع ~~شخصا آخر من جسمه، وذلك باعتبار الجسم وسيلة للإحساس، فإن المصريين لجئوا إلى استعمال حيل ~~متقنة لتزويد الجسم الميت بكل وسائل الإحساس المختلفة بعد أن تنفصل عنه الروح (با) التي تضم ~~كل هذه الإحساسات. وكان المصري القديم يعتقد أن صاحبه المتوفى موجود في داخل جسمه، أو على ~~أقل تقدير لا يزال يملك جسما له مظهره الخارجي كما يملك كل منا جسمه، هذا إذا حاولنا أن ~~نصور المتوفى بصورة ما في نظر المصري القديم، ومن ثم كان يظهر المتوفى عندما كان يمثل في ~~الرسوم الجنازية كما كان يظهر في الحياة الدنيا. وكانت رغبة أقارب المتوفى مطابقة لهذه ~~الأفكار؛ وهي أن يضمنوا بعث المتوفى بجسمه الذي كان عليه مرة أخرى. ومن أجل ذلك كان يقف ~~الكاهن الجنازي مع أقارب المتوفى وأصدقائه عند قبره مجتمعين عند جسمه الهامد، ويخاطب ~~المتوفى الراحل هكذا: «إن عظامك لن تفنى، ولحمك لن يمرض، وأعضاءك ليست بعيدة عنك.» ومهما ~~تكن هذه الوسائل فعالة فإنها لم تكن تعتبر كافية؛ إذ كان من الضروري للجسم الهامد البعث مرة ~~أخرى والعودة لاستعمال أعضائه وحواسه، وقد كان يتم ذلك البعث على يد إله معين # Favouring God # أو آلهة مقربة كالإله «حور» أو الإلهة ~~«إزيس»، أو كان الكاهن يخاطب المتوفى مؤكدا له أن آلهة السماء ستبعثه مرة أخرى: «إنها تعيد ~~لك رأسك ثانية، وتجمع لك عظامك، وتضم لك أعضاءك، وتحضر قلبك لجسمك.» غير أن المتوفى - حتى ~~عندما يبعث بهذه الكيفية - لم يكن مالكا لحواسه وقواه العقلية، ولم تكن لديه قوة لضبط ~~جسمه وأعضائه واستعمالها، ولذلك كان من الضروري أن تخترع عدة حيل حتى تصير موميته الصامتة ~~إنسانا حيا قادرا على المعيشة في الحياة الآخرة. # ولما كان المتوفى يعجز عن أن يكون «با» أو روحا بعد الموت كان من الضروري مساعدته حتى ~~يصير «با». وكان «أوزير» قد صار روحا ms060 بعد موته، وذلك بعد أن تسلم من ابنه «حور» عينه التي ~~انتزعها من محجرها «ست» أثناء الشجار الذي قام بينهما، ولكن «حور» لما استرد عينه أعطاها ~~والده «أوزير»، فلما تسلمها الأخير صار روحا، ومن ذلك العهد صارت العادة المألوفة أن يسمى ~~أي قربان يقدم للمتوفى «عين حور»، وبتلك الكيفية صارت تحدث تلك العين للمتوفى نفس ذلك ~~المفعول كما حدث «لأوزير»، ولذلك يقول الكاهن: «قم لخبزك هذا الذي لا يمكن أن يجف، وجعتك ~~التي لا يمكن أن تصير فاسدة؛ إذ بها تصبح روحا.» # فكأن هذا الطعام الذي قدمه الكاهن يحتوي على القوة الخفية التي تحول المتوفى إلى روح ~~كما حدث أن حولت «عين حور» «أوزير» روحا. # ومن تلك الحقائق السابقة، يتضح أن المصريين قد ابتدعوا للمتوفى فلسفة نفسية ساذجة حاولوا ~~بها أن يعيدوا إليه حياة الفرد بطرق وعوامل خارجية عن ذاته، وذلك بإشراف الأحياء؛ وبخاصة ~~الكاهن الجنازي الذي كان يعرف الاحتفالات الدينية الضرورية للوصول إلى ذلك الغرض. # ويمكن تلخيص كل هذه النظريات في أنه بعد بعث الجسم لا بد من إعادة قوى الإنسان العقلية ~~إليه واحدة فواحدة، ويتم حصوله عليها بوجه خاص بصيرورة المتوفى روحا «با». وبتلك الكيفية ~~يعود المتوفى إلى الحياة مرة أخرى وهو حائز لجميع قواه التي تساعده على المعيشة في الحياة ~~الآخرى. فليس من الصواب إذن بعد ظهور تلك الحقيقة أن نعزو إلى قدماء المصريين الاعتقاد ~~بخلود الروح، أو أنهم عبروا عن الروح بأنها لا تفنى، أو أن نتكلم عن «آراء المصري في ~~الخلود» بعد الموت. # وعندما يبتدئ المتوفى حياة جديدة في الآخرة لا يعرفها كان يساعده في ذلك ملاك يحرسه يسمى ~~«كا» يظهر في الوجود مصاحبا لكل إنسان من وقت ولادته، ويرافقه في كل حياته حتى ينتقل قبله ~~إلى عالم الآخرة. لذلك نجد مرسوما على جدران معبد الأقصر التي مثل عليها ولادة «أمنحتب ~~الثالث» في مناظر محفورة يرجع تاريخها إلى أواخر القرن الخامس عشر قبل الميلاد، الأمير ~~الصغير «أمنحتب» محمولا على ذراع إله النيل تتبعه صورة طفل ms061 آخر، وهذه الصورة التي تنطبق ~~تمام الانطباق في شكلها الظاهري على صورة الأمير هي الكائن الذي يسميه المصريون الأقدمون ~~«كا»، وهو نوع من الملائكة سام كان الغرض منه على الأخص إرشاد المتوفى إلى ما قدر له في ~~الحياة الآخرة التي يجد فيها كل متوفى من المصريين ملاكه «الكا» في انتظاره. وجدير بنا أن ~~نلاحظ في هذا المقام أن «الكا» يحتمل أنها كانت في الأصل خاصة بالملوك فقط، فكان كل ملك ~~يعيش في حراسة ملاكه الحارس، ثم صار هذا الامتياز الملكي بطريق التطور التدريجي حقا ~~مشاعا لكل عامة الشعب. # ولا يمكننا أن نشك في أن أسلحة ذلك الصائد الفطري وأواني طعامه وشرابه مضافا إلى ذلك ~~حليه الشخصية قد وضعت كلها في قبره قبل وجود أي ملك أو قيام أية مملكة في وادي النيل ~~بآلاف من السنين. وقد أخرج للناس تدريجا عهد الملكية والحضارة الراقية التي كانت تصحبها ~~عتادا ماديا متقن الصنع في صورة قبر ضخم مشتمل على أثاثه الجنازي. وأقدم قبر ضخم بناه ~~القوم كان يشبه هرما ناقصا، جوانبه شديدة الانحدار - ويطلق المصريون الآن على مثل ذلك ~~البناء لفظة «مصطبة». # وهذا القبر وليد كومة الدفن ذات الشكل المستطيل التي نراها في مدافن ما قبل التاريخ، ~~وحوطت فيما بعد بجدار حاجز، وكان يصنع أولا من الأحجار الخشنة، فصار في ذلك الوقت الذي ~~نحن بصدده يصنع من الأحجار المنحوتة المرصوصة بعناية وإتقان. وقد صارت المصطبة منحدرة بعض ~~الانحدار على غرار ما كانت عليه سابقتها كومة الرمل، أو الرابية التي لا تزال تشاهد محصورة ~~في داخل جدران المصطبة. وفي الجانب الشرقي للبناء الخارجي من المصطبة الذي كان في الغالب ذا ~~حجم عظيم كانت توجد حجرة مستطيلة الشكل، يستحسن أن نسميها «مزارا»، وكان يقدم فيها ~~القربان للمتوفى كما كانت تؤدى فيها الاحتفالات الخاصة به؛ وذلك لأنه لم يكن في مقدور ~~المتوفى بالرغم من بعثه من جديد إنسانا حيا أن يعول نفسه في الحياة الآخرة من غير مساعدة ~~أقاربه الأحياء. وكانت جميع تلك الاحتفالات الجنازية ترجع ms062 في معظم طقوسها إلى المذهب ~~الأوزيري؛ لأن إله الشمس في المذهب الشمسي لم يقض نحبه بين الناس مثل «أوزير»، ولم يترك ~~بعده أسرة تحزن عليه وتقيم له الاحتفالات الجنازية، فكان من الطبيعي إذن أن يوضع المتوفى ~~في حماية «أوزير» بصفته ابن «جب» إله الأرض. # وقد صار من المعتاد من القرن الرابع والثلاثين قبل الميلاد فصاعدا أن يدفن الموظفون ~~المقربون وأشياع فرعون في الجبانة الملكية كما نشاهد ذلك في مقابر الأسرة الأولى بالعرابة ~~المدفونة. فكان هؤلاء المذكورون يؤلفون بذلك نوعا من البلاط الجنازي حول قبر مليكهم الذي ~~خدموه مدة حياتهم الدنيا، وقد صار الملك بذلك مقيدا شيئا فشيئا بالتزامات لمساعدة رجاله ~~الأشراف في بناء مقابرهم، ومدهم من خزانة الدولة بما يساعد على بهاء جنائزهم وكمالها، فكان ~~طبيب الملك المقرب يتسلم إذنا على الخزانة والمحاجر الملكية ليعمل له «باب وهمي» عظيم فخم ~~من الحجر الجيري الأبيض الضخم وينقل إلى مقبرته. ويقص علينا المتوفى تلك الحقائق بسرور عظيم ~~وتفصيل مبين في نقوش قبره. # وفي نقوش أخرى نشاهد فرعون محمولا في محفته الملكية على الطريق الصاعد من الوادي إلى ~~هضبة الصحراء ليشرف على بناء هرمه، فيشاهد هناك مقبرة لم يكمل بناؤها بعد لأحد أشراف رجاله ~~المقربين «دبحن» الذي ربما كان يعتمد على سنوح فرصة رضا ملكي مثل هذه تلفت نظره إلى قبره ~~الذي لم يتم بناءه بعد، ويخصص الملك في الحال خمسين عاملا يقومون بالعمل في مقبرة ذلك ~~الشريف، ثم أمر فيما بعد المهندسين الملكيين والحجارين الذين كانوا يعملون في معبد الملك ~~المجاور للمقبرة أن يحضروا «لدبحن» الذي أسعده الحظ «بابين وهميين» وأحجارا لواجهة ~~مقبرته، وكذلك تمثالا ليقام في قبره. # ويقص علينا أحد مشهوري الزعماء # 4 # في تاريخ حياته الذي كتبه بنفسه في ختام القرن السابع والعشرين قبل الميلاد، ~~كيف أنه كان كذلك صاحب حظوة فيقول: «وبعد ذلك تضرعت ... إلى جلالة الملك ليأمر بجلب تابوت لي ~~من أحجار طرة البيض [وهي محاجر ملكية بالقرب من القاهرة أخذ منها الكثير من الأحجار لأهرام ~~الجيزة]، فأمر ms063 الملك خازن مالية الإله [خازن فرعون] أن يعبر النهر ومعه فصيلة من الجنود ~~البحارة تحت إمرته ليحضروا لي هذا التابوت من طرة، وعاد بالحجر في سفينة كبيرة تابعة للبلاط ~~[أي إحدى النقالات الملكية]، وأحضر مع التابوت غطاءه والباب الوهمي ... [وقطعا أخرى عدة ليست ~~أسماؤها المصرية واضحة المعنى] ومائدة قربان واحدة.» # وفي مثل تلك المناسبات التي كانت كثيرة الحدوث كان ينتظر من الملك أن يقوم بتحنيط الشريف ~~المقرب ودفنه من أمواله الخاصة؛ فمن ذلك أن الفرعون بعث طائفة موظفيه الجنازيين من كهنة ~~ومحنطين لاستقبال الشريف «سبني» عند عودته من السودان حاملا جثمان والده. # 5 # وبمثل ذلك أرسل الملك أحد قواده لإنقاذ جثمان شريف منكود الطالع كان قد ذبح مع كل جنوده ~~عن بكرة أبيهم بيد البدو عند شاطئ البحر الأحمر أثناء بناء سفينة كان يراد الرحلة بها إلى ~~بلاد «بنت»؛ أي ساحل الصومال، ويحتمل أن «بنت» هذه هي أرض «أوفير» الوارد ذكرها في ~~التوراة. ومن الواضح أن الفرعون قد رغب في إنقاذ جثمان ذلك الشريف لكي يجهزه بعناية إلى ~~الدار الآخرة، وإن كان منقذه لم يذكر لنا شيئا عن ذلك في نقوشه القصيرة. ويرجع السبب في ~~اهتمام الملك بذلك كل هذا الاهتمام إلى ما كان بينه وبين أي موظف مقرب من المودة الشخصية، ~~وقد ظهر ذلك واضحا في حادث «وشبتاح» أحد كبار وزراء الأسرة الخامسة حوالي سنة 2700ق.م؛ إذ ~~حدث أن الملك وأسرته وحاشيته كانوا ذات يوم يتفقدون مباني عمارة جديدة لا يزال العمل جاريا ~~فيها تحت إشراف «وشبتاح» الذي كان رئيسا للوزراء ورئيسا لمهندسي العمارة أيضا، فيعجب ~~جميع الحاضرين من المبنى، وعندئذ يلتفت الملك إلى رئيس وزارته الأمين مثنيا عليه، ولكنه ~~يلاحظ أن «وشبتاح» لا يعي كلمات العطف الملكي، فيصيح الملك حتى يزعج صياحه رجال حاشيته، ثم ~~ينقل ذلك الوزير الذي أصيب بالفالج سريعا إلى البلاط، ويطلب الملك على عجل الكهنة وكبار ~~الأطباء لإسعافه، ويحضر الملك صندوقا به قراطيس طبية، غير أن كل ذلك لم يجد شيئا؛ لأن ~~الأطباء أعلنوا ms064 أن حالة الوزير موئسة. وعند ذلك ينزل بالملك الحزن ويعتزل في حجرته مصليا ~~«لرع»، ثم يقوم بكل الترتيبات اللازمة لدفن «وشبتاح»، ويأمر له بصنع تابوت من الأبنوس، ~~ويأمر بتضميخ الجثة بالعطور في حضرته شخصيا، ثم أذن ابن ذلك الشريف المتوفى في بناء القبر ~~الذي منحه الملك المتوفى وحبس عليه الأوقاف. # كذلك تمتع بشبه هذا العطف الملكي شريف آخر كان قد أراد أن يدفن ابنه البار معه في نفس ~~المقبرة، فيقول الابن: «لقد التمست من جلالة سيدي الملك «بيبي الثاني» عاش إلى الأبد أن ~~يمن علينا بتابوت وملابس وعطور من عطور الأعياد لأجل «زاو» [والده المتوفى].» فأمر جلالته ~~مدير الأوقاف الملكية بإحضار تابوت من الخشب وعطور من عطور الأعياد، وزيت وملابس بما يقدر ~~بنحو 200 قطعة من نسيج الكتان الجيد، ومن كتان الجنوب الجميل ... على أن تؤخذ كلها من البيت ~~الأبيض [الخزانة الملكية] التابع للبلاط لأجل «زاو» هذا. # وبعد أن يحتفل بدفن المتوفى بتلك الأبهة الملكية، ويجهز بمثل ذلك الأثاث الفاخر، تبقى ~~مسألة: من يعوله بعد ذلك؟ لقد كان الشعور في جميع العصور - ولو نظريا - أن المتوفى ما كان ~~ليجسر على وضع كل تلك المسئولية في يد الأحياء من أسرته؛ إذ كانت الأسرة تئول في النهاية ~~إلى فرع منها تفتر عنايته بالأمر حتما، ثم تأخذ في الزوال حتى تختفي جملة واحدة، ومن أجل ~~ذلك كان الشريف يقوم بعمل وصايا مدونة بعناية، وهبات يوقف دخلها كله لتموين قبره وتقديم ~~القرابين من البخور والدهان والطعام والشراب والملابس بمقادير وفيرة وفي فترات متعددة. ومن ~~الجائز أن يكون هذا الدخل مصدره أملاك الشريف نفسه، وقد يكون من المربوط على وظائفه السابقة ~~ومرتباته الإضافية التي تقتضيها مرتبته في الدولة. وعلى كل حال كان يخصص من كل ذلك الدخل ~~جزء ثابت لصيانة قبر المتوفى وإقامة شعائره اليومية. # وقد شاهدنا في عدة أحوال أن الوثيقة القانونية الضامنة لتلك الأوقاف، قد نقشت على جدار ~~مزار القبر نفسه، ومن ثم حفظت لنا حتى الآن؛ فقد خلف لنا «حبزافي» [حاكم المقاطعة ms065 وأميرها] ~~في أسيوط عشر وثائق مدونة بإتقان على الجدار الداخلي لمزار قبره، وكان الغرض منها تخليد ~~بيان الخدمات التي كان يرغب في استمرار إقامتها في قبره أو من أجله بوجه عام. # وكان ذلك الوقف يبلغ أحيانا مقدارا عظيما من المال بحالة مدهشة؛ ففي القرن التاسع ~~والعشرين قبل الميلاد أوقف على قبر الأمير «نكاورع» ابن الملك «خفرع» ما لا يقل عن اثنتي ~~عشرة بلدة من أملاكه الخاصة، وربط كل دخلها على الصرف على صيانة قبره. وفي عهد الملك ~~«وسركاف» في منتصف القرن الثامن والعشرين ق.م، عين مدير قصره ثمانية من الكهنة الجنازيين ~~لخدمة قبره، وبعد ذلك بقرنين نجد أن أميرا من الوجه القبلي وقف على قبره محاصيل إحدى عشرة ~~قرية وضيعة. وفي قبر من تلك القبور نجد أن دخل كاهن جنازي كان وحده يكفي للصرف على قبر ~~ابنته على النمط الذي سنه صاحب القبر لنفسه، يضاف إلى هذه المخصصات التي هي من موارد ~~الشريف الخاصة ما كان يهبه الملك في كثير من الأحوال من هبات جديدة لأي شريف بعد وفاته، ~~وبذلك كان يزيد في المخصصات التي ربطها الشريف بنفسه على قبره أثناء حياته، أو كان الملك ~~يقوم بصرف كل المخصصات اللازمة للقبر من الدخل الملكي. # والظاهر أن هذه المخصصات فضلا عن كونها تقي المتوفى شر مخاوف الجوع والعطش والبرد في ~~الحياة الآخرة كان يقصد بها أكثر من أي شيء مساعدته على الاشتراك في إقامة أهم أعياد السنة، ~~واحتفالاتها الدينية، فإن شأن المصري في ذلك كشأن أي شرقي آخر يجد السرور العظيم في ~~الاحتفالات الدينية، فلم يرض أن يتخلى بعدما فارق الحياة الدنيا عن الملاذ الجميلة التي ~~كانت تتاح له كثيرا في مثل هذه الفرص. لذلك كان تقويم الأعياد عنده بمكان عظيم من الأهمية، ~~فكان مستعدا لتخصيص دخل وفير يساعده على إقامة تلك الاحتفالات الخاصة بكل أيام التقويم ~~الهامة في عالم الآخرة، كما كان ينفق عليها بسخاء بين أصدقائه في حياته الدنيا، بل إنه كان ~~في الواقع ينتظر أن يشترك في الاحتفال ms066 بهذه الفرص المرحة بين أصدقائه في المعبد كما كان ~~معتادا فعل ذلك في حياته الدنيا، فكان يأمر تنفيذا لذلك أن يشاد له تمثال في ردهة المعبد، ~~وكان الملك أحيانا يأمر حفاريه بنحت هذا التمثال وإقامته داخل المعبد؛ ليكون منه بمثابة ~~عطف سام يميز به من يشاء من أشراف رجاله العظماء. # وكذلك كان شريف عصر الأهرام ينصب في قبره أيضا تمثالا من الحجر أو الخشب يمثل صورته ~~الحقيقية تمثيلا تاما في حجمه الطبيعي وملونا بالألوان الطبيعية، وكان هذا التمثال يخفى ~~في حجرة سرية مخبوءة في أصل بناء المزار. وكثيرا ما كان الملك يهدي أمثال هذه التماثيل ~~لزعماء الأشراف الممتازين من رجال حكومته وبلاطه. ومن البدهي أن ذلك التمثال الذي يمثل ~~المتوفى [وهو أقدم شيء عرف من نوعه في الفن] كان الغرض منه أن يقوم مقام المتوفى الذي ضاع ~~جسمه، وبذلك يكون في مقدوره أن يعود إلى المعبد ليتمتع على الأقل بشبه حضور جثماني [بتقمصه ~~هذا التمثال]، ثم يعود بنفس تلك الطريقة إلى مزار قبره حيث يحتمل أن يجد صورا أخرى لجسمه ~~في الحجرة السرية الملاصقة للمزار فيتقمصها. # من مثل هذه الطقوس نرى ظهور الحياة الآخرة في شكل أكثر تقدما وأحب إلى الناس من ذي قبل، ~~وقت أن كانوا يتصورونها في شكل ساذج بسيط. وتدل هذه الآراء الجديدة على ظهور أو ميل نحو ~~الاعتراف بشخصية الفرد كما يلاحظ ذلك في تلك التماثيل التي تصور هيئة صاحبها بالضبط، والتي ~~تعد أقدم ما عرف من نوعها. وهي تمثل لنا علية القوم المتعاظمين فقط [أي تمثل طبقة الأشراف ~~رجالا ونساء]، أما عامة الشعب فكانوا وقتئذ لا يزالون من غير شك يعتقدون أن موتاهم يسكنون ~~القبر أو يعيشون في عالم الغرب المظلم؛ أي في تلك المملكة السفلية التي يحكمها الآلهة ~~الجنازيون القدامى الذين صار زعيمهم في النهاية «أوزير». أما عظماء البلاد؛ أي الملك ~~وبطانته على الأقل، فقد انبثق أمامهم الآن فجر مصير أسعد حالا من مصير عامة الشعب؛ إذ كان ~~في مقدورهم أن يسكنوا حسب رغبتهم ms067 مع إله الشمس في مملكته السماوية الفاخرة، ومن ذلك الوقت ~~فصاعدا نجد في القبور الملكية ما يدل على هذه الآخرة الشمسية. # وقد كان من المعقول أن الملك نفسه ينتظر أن قبره العظيم يتغلب على عوامل الدمار والفناء ~~التي قد تصيب مقابر أشراف رجاله التي هي أقل متانة من قبره، وكذلك كان يعنى بتنظيم أوقافه ~~لتبقى ثابتة أكثر من أوقاف معاصريه الذين هم أقل منه قوة. والواقع أن الهرم اعتبر في كل ~~الأزمان أثبت شكل هندسي في البناء؛ فقد كان الفرعون الراقد تحت هذا الجبل الضخم من الأحجار ~~المنيعة يتطلع إلى خلود جسمه وشخصيته التي كانت مرتبطة به ارتباطا وثيقا لا انفصام له. ~~وقد يمتد بنا البحث إذا فحصنا أصل الهرم من جهة هندسة بنائه، ولكن من المهم أن نلاحظ في هذا ~~المقام أن القبر الهرمي الشكل كان رمزا شمسيا بالغا حد الغاية في التقديس قد أقيم فوق ~~جثمان الملك ليحيي مطلع الشمس التي كان الفرعون من سلالتها. # والواقع أن الملك كان يدفن قديما تحت نفس رمز إله الشمس الذي كان منصوبا في حجرة قدس ~~الأقداس بمعبد «عين شمس»، وهذا الرمز الهرمي الشكل كان إله الشمس قد اعتاد أن يظهر جاثما ~~فوقه في هيئة الطائر مالك الحزين (فنكس) منذ اليوم الذي خلق فيه الآلهة. لذلك لما ظهر الهرم ~~الملكي بشكل جبل شاهق فوق ضريح الملك، وقد أشرف على المدينة الملكية التي كانت مبنية في ~~أسفله، وعلى الوادي الممتد إلى ما بعده بعدة أميال، كان من غير شك يعد أسمى شيء يرحب بإله ~~الشمس في كل البلاد عندما يرسل أشعته الصباحية الساطعة على قمة الهرم الوهاجة قبل أن ينشر ~~ظلاله على مساكن الفقراء المنتشرة بأسفله ببرهة طويلة. وقد عثرنا فعلا على قمة هرم، وهي ~~قطعة من الجرانيت المصقول البديع هرمية الشكل ملقاة عند قاعدة هرم الملك «أمنمحات» الثالث ~~بدهشور، وقد نقش على أحد جوانب هذا الحجر - وهو من غير شك الجانب الذي كان يواجه الشرق - ~~رسم شمس مجنحة فوق صورة عينين نقش ms068 تحتهما هاتان الكلمتان: «جمال الشمس». فالعينان تشيران ~~هنا بطبيعة الحال إلى فكرة المشاهدة التي تفهم من تينك الكلمتين «جمال الشمس»، ونجد أسفل ~~ذلك نقشا آخر يتألف من سطرين يبتدئ بقوله: «لقد فتح وجه الملك «أمنمحات الثالث» ليتمكن من ~~رؤية رب الأفق عندما يقلع في عرض السماء.» [انظر شكل # 6 ~~]. # ويجب أن نرى في اختيار الشكل الهرمي - الذي يعد أعظم رمز شمسي - لقبر الملك برهانا آخر ~~على سيادة المذهب الشمسي في البلاط الفرعوني. ومما يجدر بنا ملاحظته في هذا المقام أن من ~~أهم دواعي المحافظة على الشكل الهرمي عند إهداء قبر ملكي، الاحتماء من «أوزير» بوجه خاص ~~وطائفة آلهته. # ولم يكن الهرم مبنى منعزلا قائما بذاته، بل كان جزءا من مجموعة، وبعبارة أدق: الجزء ~~الأعظم من مجموعة رائعة من البناء تشغل موقعا بارزا على حافة هضبة الصحراء المشرفة على ~~وادي النيل؛ إذ كان قائما على الجانب الشرقي للهرم معبد منخفض ملاصق لمبنى الهرم نفسه، له ~~رواق ذو عمد جميلة قائم بمقدمته، يؤدي إلى ردهة ذات عمد خلابة تحيط بها حجرات المعبد على ~~كلا الجانبين، وكان يقوم في مؤخرة المعبد مكان مقدس، وكان الجدار الذي خلف «قدس الأقداس» ~~هذا، هو واجهة الهرم نفسه الشرقية، وقد أقيم أمام هذا الجدار باب وهمي ملاصق له يمكن للملك ~~المتوفى الخروج منه من ضريحه ليتسلم القرابين المقدمة له، ويتمتع بها في ذلك المكان. # ويلي ذلك طريق مؤدية من وادي النيل إلى حيث مستوى الهضبة المقام فوقها الهرم أو المعبد، ~~وكانت تلك الطريق مسقوفة ذات طول عظيم، وكانت مقامة من أحجار صلبة ضخمة وممتدة إلى نفس باب ~~المعبد، وكان يقوم عند الطرف الأسفل من ذلك الطريق معبد آخر فخم ذو عمد، يعتبر بمثابة باب ~~هائل للطريق، وقد سمى الأستاذ «ريزنر» هذا المعبد بحق «معبد الوادي». ومن المحتمل أن ذلك ~~المعبد كان يوجد بداخل جدران مدينة المقر الملكي التي كانت في أسفل الوادي. وبهذين المعبدين ~~كانت بطبيعة الحال تقام الشعائر الدينية الجنازية التي كانت تجرى بنظام على روح ms069 الملك، ~~فهما شبيهان في أصلهما بمزار قبر الشريف الذي تكلمنا عنه فيما سبق. # وتؤلف مجموعة العمائر المركبة من الهرم والمعبد الجنازي والطريق المسقوفة ومعبد الوادي ~~أعظم فكرة في هندسة البناء ظهرت في ذلك العصر المبكر، وقد أضاف ما بقي من آثارها المكشوفة ~~في السنوات الأخيرة إلى معلوماتنا فصلا جديدا في تاريخ العمارة. # وقد أنفق كل من فراعنة الأسرتين الثالثة والرابعة [حوالي 3000-2750ق.م] جزءا كبيرا من ~~ثروتهم في إقامة ذلك القبر الشاسع ليحوي جثمان الفرعون ويضمن بقاءه بعد الموت، وبتلك ~~الكيفية صار الهم الأكبر لبقاء الملك في الحياة الآخرة الشغل الشاغل للحكومة ودولاب ~~أعمالها. وكثيرا ما عجز الملك عن إتمام تلك المجموعة البنائية قبل موته، وبذلك كان يلقى ~~على عاتق خلفاء الملك أعباء إتمامها، كما كانوا يعملون كل ما في وسعهم في الوقت نفسه لإتمام ~~مقابرهم أنفسهم. وكان الكهنة عند الفراغ من بناء تلك المجموعة يهدون صيغا منظمة لتحفظ ~~المعبد والهرم، أما لوازم الملك وهو راقد تحت بناء الهرم فكانت تراعى بكل عناية؛ وذلك ~~بإقامة الشعائر الرائعة في المعبد الملاصق لقبره، ولا نعرف من تلك الشعائر شيئا سوى ~~الأجزاء التي حفظت لنا منها في متون الأهرام، وهي تدلنا على أن ما كان مألوفا إقامته في ~~الحياة من الأعياد كان يقام مثله للملك المتوفى، وبطبيعة الحال يكون ذلك بأعظم درجة من ~~البهاء. # ومن البدهي أن تلك الشعائر كانت تتناول بوجه خاص تقديم الطعام الوفير والملابس وما أشبه ~~ذلك، وكانت الصيغ التي يلقيها الكهنة الجنازيون تقدر بمائة وثمان وسبعين صيغة؛ أي إنها ~~كانت تشغل # من متون الأهرام، وكانت تشمل أسماء ما يقدم من الطعام والشراب والملابس ~~والدهان والروائح العطرية والبخور، ويظهر لنا من تلك الأسماء ما كانت تحويه مائدة الملك من ~~الألوان التي لا يحصيها العد - ومثل ذلك عن ملابسه ومواد زينته، وغير ذلك من لوازمه في ~~الحياة الآخرة. # ونجد في الأواني الفاخرة التي كشفها الأستاذ «برخارت» في معبد الملك «نفرار كارع» بأبي ~~صير [من القرن الثامن والعشرين قبل الميلاد] دليلا آخر على ms070 الأبهة الملكية التي كانت تقام ~~بها شعائر القربان، في حين أن جمال معبدي الهرم وعظمتهما قد هيئا في حد ذاتهما مكانا ~~فريدا تؤدى في داخله كل تلك الفخامة الجنازية، فكان الكاهن بتلاوة نحو ثمانين صيغة من ~~تعاويذ قربان الشعائر الجنازية يضع أمام الملك المتوفى تلك الملاذ الصورية التي كان يتمتع ~~بحقيقتها في الحياة الدنيا، ذلك إلى تلاوة بعض تعاويذ أخرى مبعثرة في متون الأهرام. # وفي أثناء تأدية هذا العمل كان الكاهن يدخل إلى الحجرة السرية الواقعة خلف ردهة المعبد ~~والمؤدية إلى واجهة الهرم نفسه، وهنا يواجه الكاهن الباب الوهمي العظيم الذي كان يمكن روح ~~الملك أن تأتي منه لتدخل المعبد ثانية عند خروجها من الضريح الملكي الذي يقع على عمق بعيد ~~تحت ذلك المبنى الشامخ المقام فوقه. وكان الكاهن وهو واقف أمام هذا الباب الوهمي يخاطب ~~الملك كأنه حاضر أمامه، مقدما له معرضا عظيما من أثمن الهدايا، ويصحب كل هدية منها بصيغة ~~معينة عند تقديمها طبقا لم ذكرناه عن ذلك فيما سبق. # غير أن حقيقة الموت الصارخة كان من المستحيل تجاهلها في تلك الصيغ التي لم توضع إلا ~~للاعتقاد بأن الملك المتوفى لا يزال حيا، ويشعر بكل ما يحتاجه الأحياء في الدنيا؛ إذ نجد ~~أن الكاهن كان يشعر وهو في تلك الحجرة التي كان السكون مخيما عليها شعورا شديدا بصمت ذلك ~~الملك الراقد المدفون تحت ذلك الهرم الهائل. ومن أجل ذلك كان يناديه من وقت لآخر ليستيقظ من ~~سباته العميق ويشاهد الطعام والهدايا المبسوطة أمامه. وخوفا من سقوط شيء من هذه المواد ~~المقربة كان الكاهن يلخصها كلها في وعده للملك فيقول: «ها تقدم لك كل القرابين وكل الضحايا ~~وكل ما ترغب فيه وكل حسن لك إلى الأبد مع الآلهة.» وعلاوة على كل هذه الصيغ الخاصة بالهدايا ~~الجنازية كانت توجد بعض تعاويذ لطرد الجوع من أعضاء جثمان الملك، فكان الكاهن يرتل هذه ~~التعاويذ للملك من وقت لآخر أيضا. # ولما كان ملوك عصر الأهرام المبكر [أي في القرن الثلاثين قبل الميلاد] يعتقدون ms071 في صيانة ~~جثمانهم بالمحافظة على تلك الإجراءات، فإنه كان بالبديهة أن يتطلعوا بثقة إلى أنهم سيعيشون ~~عيشة خالدة في الحياة الآخرة. ولكن هل كانت سلالة ذلك الملك الشرقي لا تسأم من استمرار ~~تقديم تلك القرابين الجنازية له دائما أبدا؟ سنرى! # والواقع أن مثل هذه الصيانة تحتاج في استمرارها إلى توظيف طائفة عظيمة من الكهنة ليظلوا ~~قائمين بأعباء تلك الخدمة في معبد الهرم على الدوام، ولم يبق لنا التاريخ أية قائمة تتضمن ~~أسماء كهنة أي معبد ملكي كان، وكان أولئك الكهنة يعيشون على الهبات السخية التي كان في وسع ~~سلطة البيت المالك أن يضمن استمرار بقائها مدة طويلة. # فمن ذلك أن هيئة كهنة هرم الملك «سنفرو» بدهشور وأوقافه [القرن الثلاثين ق.م] قد بقيا ~~محترمين حتى لقد أعلن إعفاء طائفتهم من كل الرسوم والضرائب الحكومية بمقتضى مرسوم ملكي ~~أصدره الملك «بيبي الثاني» في عهد الأسرة السادسة؛ أي بعد وفاة الملك «سنفرو» المذكور ~~بثلاثمائة سنة، وذلك بالرغم من حدوث تغيير في الأسرة المالكة مرتين منذ وفاة الملك «سنفرو»، ~~وكان من المحتم في أمثال هذه الأوقاف المتراكمة من جيل إلى جيل أن يظل توزيعها قائما إلى ~~أن تبطل في نهاية أمرها وتزول من جراء ذلك. # ففي القرن الثلاثين ق.م مثلا حول الملك «سنفرو» نفسه إلى أحد أشراف رجاله مائة رغيف ~~يوميا من أوقاف المعبد الجنازي الخاص بأم أولاد الملك المسماة «نيما عتحب»، وكانت هذه ~~الملكة قد توفيت في ختام الأسرة الثانية؛ أي قبل العهد الذي عاش فيه «سنفرو» المذكور بنحو ~~جيلين. وبذلك نرى أن الملك «سنفرو» نفسه، إن لم يكن قد اغتصب دخل تلك الملكة الجنازي، فإنه ~~قد تصرف فيه بمكافأة أحد رجاله من دخل ذلك الوقف، بعد أن أدى الدخل المهمة التي خصص من ~~أجلها نحو قبر تلك الملكة. # وكذلك نجد بنفس تلك الطريقة أن الملك «سحورع» عندما أراد أن يكافئ «برسن» (أحد رجال ~~الأشراف المقربين إليه)، حول إليه دخلا من الخبز والزيوت التي كانت فيما سبق تصرف كل يوم ~~للملكة «نفرحتبس»، وقد ms072 اضطر الملك إلى اتخاذ ذلك الإجراء لعدم وجود أي مورد آخر تحت ~~تصرفه. # ومن تلك الإجراءات السالفة الذكر يتضح لنا أن القرابين الجنازية لم تمح من الوجود، بل ~~كانت مستمرة سارية الاستعمال بعد وقفها قربة لأي قبر كان. غير أننا نجد فيما فعله كل من ~~الملك «سنفرو» والملك «سحورع» تلميحا للطريقة الوحيدة الممكنة الحصول للتخلص من تلك ~~الالتزامات المورطة التي نشأت من تضاعف عدد المقررات الموقوفة على القبور، وذلك بتحويل ~~القرابين التي كانت ملتزمة فيما مضى لقبور عتيقة تقادمت عليها العهود إلى قبور أخرى جديدة ~~حديثة العهد ، وحتى مع اتباع تلك الطريقة فإن عدد القبور الملكية الذي كان آخذا في الازدياد ~~جعل استعمالها باطراد أمرا صعبا، بل كان مجرد الإشراف على تلك القبور ومباشرة إدارتها ~~بقصد المحافظة عليها أمرا صعبا أيضا، ومن ثم وجد كهنة الملك «سحورع» في ختام القرن ~~الثامن والعشرين قبل الميلاد عندما أصبحوا غير قادرين على المحافظة على معبد هرم الملك، أن ~~الأفضل والأكثر اقتصادا أن يقيموا جدرانا على مداخل المعبد الجانبية، ويتركوا للدخول ~~بابا واحدا هو الذي في طرف الطريق المؤدي للمعبد، والظاهر أن ذلك كان في اعتقادهم عملا ~~صالحا؛ لأنهم دونوا أسماء طائفة الكهنة الذين قاموا بهذا العمل على جدران الأبواب التي ~~سدوها بهذه الطريقة، ثم عثر بعد ذلك على صورة للإلهة «سخمت» رسمت في المعبد فقدست عرضا؛ ~~إذ كانت تلك الإلهة موضع احترام وعبادة من أهالي القرى المحيطة بالمعبد، وقد بقيت تلك القرى ~~تقوم باحترام تلك الإلهة وعبادتها عدة قرون، فكان ذلك سببا في صيانة جزء كبير من المعبد ~~كان لا بد من مصيره إلى الخراب والدمار منذ زمن طويل لولا حرمة تلك الإلهة. وقد كان حظ ~~الملك «نفر أركا رع» خلف «سحورع» أسوأ من ذلك؛ إذ هدم أحد خلفائه «نوسررع» بعد وفاته ببضع ~~سنين، الطريق المؤدية إلى المعبد الجنازي حتى يتمكن من تحويلها إلى طريق لمعبده القريب من ~~تلك الجهة. وقد نتج من ذلك أن كهنة «نفر أركا رع» لما صاروا غير قادرين ms073 على الإقامة في أسفل ~~الوادي هاجروا إلى الهضبة، وأقاموا مساكنهم المبنية من اللبن حول ذلك المعبد تارة أو ملاصقة ~~لواجهته تارة أخرى، وكانوا لا يزالوا يقومون بتأدية وظائفهم بالمعبد، ولما كانت مواردهم ~~آخذة في النقصان والتقلص فقد كانت مساكنهم المذكورة تتحول تبعا لذلك إلى أكواخ حتى انتهى ~~أمرها بالزحف إلى ردهة المعبد وحجراته. ولما صار الكهنة إذ ذاك في حالة فقر باد فقد ~~استولوا على جميع المعبد وجعلوه حيا لهم، ولما صاروا في نهاية الأمر ولا عائل لهم هجروا ~~أكواخهم المتداعية نهائيا، فاختلطت أنقاضها بأنقاض المعبد نفسه ، ولما جاء عصر الدولة ~~الوسطى بعد وفاة الملك «نفر أركا رع» بنحو 600 سنة كان معبد هذا الملك قد صار مدفونا على ~~عمق عدة أمتار من التراب المتراكم فوقه، ثم استعملت تلك الأكوام التي تعلوه جبانة للدفن، ~~وقد كشفت الحفائر لنا فيها عن مدافن على عمق متر أو مترين من رقعة ذلك المعبد. # وقد أصاب نفس ذلك المصير جبانة الأسرة الرابعة العظيمة بالجيزة، وذلك أن الكهنة الجنازيين ~~الذين كان أجدادهم يديرون الأوقاف الفخمة التي حبست على أعظم الأهرامات حجما، قد حشروا ~~مدافنهم في الطرقات والمساحات الخالية بين المقابر الملكية القديمة الخاصة بالسلالة ~~البائدة، على أن أولئك الكهنة أنفسهم قد انقرضوا أيضا حوالي سنة 2500ق.م؛ أي بعد أن أسس ~~الملك «خوفو» جبانة بالجيزة بنحو 400 سنة. والواقع أنه لم يمض زمن طويل بعد سنة 2500ق.م ~~حتى صارت منطقة أهرامات الدولة القديمة البالغ طولها نحو 60 ميلا من «ميدوم» جنوبا إلى ~~«الجيزة» شمالا خلاء مقفرا. # وإننا ندرك كنه هذه الحالة المحزنة من آراء رجال الفكر في العهد الإقطاعي الذي جاء بعد ~~ذلك بنحو 500 سنة، وذلك عندما تأملوا في انهيار تلك المقابر الضخمة. # على أن ما صار أمرا واضحا جدا بعد انقراض فراعنة عصر الأهرام العظيم كان أمرا قد أخذ ~~العقل يدركه قبل سقوط الدولة القديمة بزمن طويل؛ فإن أهرامات مصر تمثل ذروة الاعتقاد في ~~كفاءة العتاد المادي التامة لضمان سعادة المتوفى في الحياة الآخرة، ms074 فهي المظهر الرائع ~~للكفاح الطويل للتغلب على القوى المادية المحضة، وهذا الكفاح ربما ترجع بدايته إلى نحو ~~مليون سنة قام به صيادو عصر ما قبل التاريخ بمفردهم، أما في ذلك العهد الذي نحن بصدده فقد ~~قامت به قوى أمة مدربة بأسرها؛ فأهرام الجيزة الكبيرة التي تمثل لنا جهودا جبارة استنفدت ~~كل موارد دولة عظيمة ترمي جميعها إلى غرض واحد سام؛ هو وقاية جثمان رجل واحد هو رئيس ~~الدولة، وقاية أبدية داخل غطاء من المباني الضخمة جدا، حتى يتسنى لذلك الجثمان الملكي أن ~~يقاوم بتلك الطريقة المادية المحضة غائلة كل الآباد، ويقهر بتلك القوة الآلية الأسباب ~~المانعة من الخلود. # على أن التخلي عن بناية الأهرام الضخمة مثل أهرام الجيزة، والاكتفاء في نهاية الأمر ~~بكتابة متون الأهرام منذ عهد آخر ملك في الأسرة الخامسة حوالي سنة 2625 قبل الميلاد داخل ~~أهرام صغيرة، يؤكد لن الاعتقاد بوجود السعادة في الحياة الآخرة في مكان ما آخر؛ أي الاعتقاد ~~في وجود نعيم في مكان ما بعيد لا يعتمد في إدراكه على الوسائل المادية فقط. فهذا الاعتقاد ~~الجديد يؤكد إلى حد ما أن الأكوام من المباني لا يمكنها أن تهب الإنسان الحياة الأبدية، بل ~~يجب أن ينالها بروحانيته؛ وبذلك أخذ أقدم أتباع عقيدة القوة المادية يتعلمون أول درس لهم، ~~وأوشك عصر الأخلاق يظهر ويشل ما عمله بناة الأهرام. # الفصل الخامس # | متون الأهرام وصعود فرعون إلى السماء # تمدنا متون الأهرام والمسرحية المنفية بأقدم مصدر وصل إلينا عن التفكير البشري عند ~~الأقدمين، فلدينا في هذين المصدرين أقدم مدى يمكن لنا الآن إدراكه عن تاريخ الإنسان العقلي، ~~وكان الظن السائد أن كل الأهرام كانت عارية من النقوش إلى أن اقتحم العمال المصريون الذين ~~كانوا يعملون في الحفائر تحت إشراف «مريت» في سنة 1880 ميلادية - وهي السنة السابقة لوفاته ~~- هرم «بيبي الأول» ثم دخلوا فيما بعد هرم الملك «مرنرع»، فوجدوا جدران أروقة هذين الهرمين ~~وممراتهما وحجراتهما مغطاة بآلاف الأسطر من النقوش الهيروغليفية، وهذه النقوش هي التي يطلق ~~عليها الآن اسم ms075 «متون الأهرام». # وتوجد هذه المتون منقوشة في خمسة من أهرام سقارة التي كانت تعد جبانة «منف» القديمة، # 1 # وقد قام بوضعها هنالك طائفة من الفراعنة وهم: الملك الأخير في الأسرة الخامسة، ~~ثم الملوك الأربعة الأول الذين خلفوه في الأسرة السادسة. وقد حكموا حسب ترتيبهم المذكور مدة ~~تقرب من قرن ونصف قرن تبتدئ حوالي 2625ق.م وتنتهي حوالي سنة 2475ق.م؛ أي إنهم حكموا طوال ~~القرن السادس والعشرين، وعلى الأرجح ربع قرن قبل هذا التاريخ أيضا، وربع قرن آخر بعده. # غير أنه يظهر لنا أن محتويات هذه المتون تشتمل على مادة أقدم من عصر النسخ التي وصلت ~~إلينا، وتشير النسخ الخمس التي بأيدينا إلى مادة كانت موجودة فيما مضى، ثم اختفت بعد، فإنك ~~تقرأ فيها عن «فصل أولئك الذين يصعدون» و«الفصل الخاص بأولئك الذين يرفعون أنفسهم». وذلك ~~يدل على أن هذين الفصلين كانا مستعملين قديما في مناسبات لحوادث مختلفة في أساطير ذلك ~~العهد القومية، وبذلك يعتبر هذان الفصلان أقدم عهدا من متون الأهرام التي بأيدينا. # وكذلك توجد في هذه المتون إشارات إلى الخصومات التي كانت قائمة بين ملوك الشمال [الوجه ~~البحري] وملوك الجنوب [الوجه القبلي] مما يدل على أنها كتبت قبل عهد الاتحاد الثاني؛ أي ~~قبل القرن الرابع والثلاثين ق.م. هذا إلى فقرات أخرى يرجع تاريخ عهدها إلى باكورة عهد ~~الاتحاد الثاني؛ أي في الوقت الذي كانت فيه تلك الخصومات ما زالت مستمرة، وكان فيه ملوك ~~الجنوب بالرغم من تلك الخصومات قابضين على زمام الحكم في الشمال ومحافظين على وحدة الدولة، ~~وقد كتبت كل هذه الفقرات بوجهة نظر أهل الجنوب. # على أننا نرى من ناحية أخرى أن بعض متون الأهرام قد ألفت في زمان متأخر معاصر لنفس الدولة ~~القديمة، مثل الصيغ التي وضعت لحماية الهرم، والتي لم تكن بطبيعة الحال أقدم من ظهور الشكل ~~الهرمي في القرن الثلاثين ق.م. وظهر كذلك في خلال مدة القرن ونصف القرن المذكورة التي كتبت ~~في أزمنتها نسخ متون الأهرام الخمسة اختلاف بين بعض النسخ وبعضها الآخر؛ فإن ms076 لدينا حججا ~~قاطعة تدل على إدخال تنقيح ظاهر على النسخ المتأخرة العهد منها ليس له نظير في النسخ ~~القديمة، وذلك يدل أيضا على أن مراحل التفكير ونمو العادة والاعتقادات التي أخرجت هذه ~~المتون إلى حيز الوجود كانت لا تزال مستمرة في تطورها حتى ظهرت النسخة الأخيرة منها في ~~باكورة القرن الخامس والعشرين ق.م. لذلك تمثل لنا هذه المتون حال عصر لا يقل عن ألف سنة، ~~ولا يعزب عن الذهن أن ألف السنة هذه كانت قد انتهت بالنسبة إلينا من نحو أربعة آلاف ~~وخمسمائة سنة. والواقع أن مثل هذا القدر العظيم من الوثائق الباقية لنا عن العالم القديم ~~ليس له مثيل في أي مكان آخر من العالم، وهذه المتون تؤلف خزانة من التجاريب التي كانت تدور ~~في حياة الإنسان القديم، ومعظمها مما لا يزال ينتظر دوره تحت محك الدرس والبحث. # ولقد كانت الغاية المطلوبة من متون الأهرام على وجه عام هي ضمان السعادة للملك في الحياة ~~الآخرة، لكنها مع ذلك تصور لنا دائما جزر الحياة المحيطة بها ومدها، شأنها في ذلك شأن كل ~~أدب قومي، فإنها تنطق بعبارات تدل على خبرة القوم الذين أخرجوها، وهذه العبارات تتناول ~~الحياة القومية في القصور والطرق والأسواق، وبعضها عبارات أنشأتها العزلة والعكوف في ~~المعابد المقدسة. وإن صاحب الخيال السريع ليجد في هذه العبارات صورا كثيرة عن ذلك العالم ~~الذي تقادمت عليه الدهور وبقيت هي مرآته. # ومع أن هذه الصور تهتم بوجه خاص بذكر أحوال «الملك» فإنها لم توصد في وجوهنا باب العالم ~~المحيط بها؛ فمثلا عندما تعبر عن سعادة الملك في الحياة الآخرة تقول: «هذا الذي سمعته في ~~البيوت وتعلمته في الطرقات في هذا اليوم الذي طلب فيه الملك بيبي للحياة.» ومنها نلتقط ~~لمحات عاجلة عن تلك الحياة في البيوت وفي الطرقات التي مضى عليها خمسة آلاف سنة: «فالخطاطيف ~~تشقشق على الجدار، والراعي يعبر الترعة خائضا في الماء حتى الحزام حاملا عبر الماء رضيع ~~قطيعه الضعيف، والأم تدلل رضيعها عند الغسق، ويشاهد الصقر عند الغروب ms077 مخترقا السماء، ~~وتشاهد البطة البرية مخلصة قدميها فارة من يد الصياد الذي فشل في اقتناصها في المستنقع، ~~وعابر الماء واقف عند زورق العبور ولا مال معه يقدمه للنوتي مقابل مقعد في الزورق المزدحم ~~بالمسافرين، ولكن يسمح له أخيرا بالنزول إلى الزورق على أن يعمل مقابل نقله في نزح الماء ~~من الزورق المثقوب، ويشاهد الشريف جالسا عند حافة بركته في حديقته تحت ظلال الخميلة ~~المصنوعة من سيقان الغاب.» # وهذه الصور وكثير غيرها هي مما تزخر به الحياة الدنيوية لغمار سكان وادي النيل، أما ~~الحياة في القصور فقد انعكست صورتها في تلك المتون بشكل أتم وأبهج من حياة العالم الخارجية ~~عنها وعما يحيط بها، فإن الملك يشاهد في بعض الأوقات مثقلا بأعباء مهام الدولة، وبجانبه ~~أمين سره يحمل محبرة وقلمين أحدهما للمداد الأسود والآخر للمداد الأحمر لكتابة العناوين، ~~وكذلك نراه في أوقات فراغه متكئا بدون كلفة على كتف صديقه الحميم أو مستشاره، أو يشاهدان ~~وهما يستحمان معا في بركة القصر والحاجب الملكي يقترب حتى يجفف جسميهما. وكثيرا ما يشاهد ~~على رأس موكب باهر مخترقا طرق مدينته يتقدمه السعاة والمقدمون مفسحين أمامه الطريق، وعندما ~~يعبر إلى الشاطئ الثاني وينزل من الزورق الملكي الوهاج يشاهد عامة الشعب ملقين أحذيتهم ~~وملابسهم راقصين أمامه رافعين أصواتهم بتهليلات الفرح عند ~~رؤيتهم طلعته، أو يرى عند باب قصره وقد أحاطت به فخامة البلاط وبهاؤه، أو يشاهد مرتقيا ~~عرشه العظيم المزين برءوس الأسود وحوافر الثيران، وفي ذلك تقول المتون: # يشاهد الملك في قاعة قصره وهو جالس على عرشه العجيب وصولجانه المدهش في قبضته، ثم ~~يرفع يده نحو أولاده ليقفوا أمام هذا الملك، ثم ينزل يده مشيرا نحوهم فيجلسون ~~ثانية. # والحقيقة أن هذه المشاهد قد صورت على أنها حوادث تنتظره في الحياة الأخروية، غير أن عناصر ~~الحوادث والألوان التي صورت بها تلك الحياة مأخوذة من الحياة الدنيا والتجاريب الدنيوية، ~~فمن ذلك أن أولئك الذي مر وصفهم بأنهم كانوا يلقون نعالهم وملابسهم ليرقصوا أمامه فرحا ~~عند وصول الملك حينما يعبر النيل ms078 السماوي هم الآلهة، ولكنهم مثلوا طبعا كأنهم يفعلون في ~~السماء ما اعتاد رعاياه فعله فوق وادي النيل الأرضي، وكذلك هم الآلهة الذين نراهم يجففون ~~أعضاء فرعون عندما يستحم مع إله الشمس في «بحيرة البردي»، فهم هنا أيضا يفعلون لفرعون ما ~~كان حجابه يفعلون له على الأرض. # ولكن بالرغم من أن هذه المتون العتيقة غاصة بمناظر الحياة الدنيوية التي نقلت عنها، فإنها ~~في مجموعها تصور أرضا غير معروفة لنا تقريبا، فإنه عندما يحاول الإنسان ارتياد مجاهل هذه ~~الأرض يحس كأنه يرود غابة فطرية شاسعة الأرجاء كأنها غياض مسحورة مفعمة بأشكال غريبة وأشباح ~~مخيفة تتراءى كأنها تقطن في تيه لا منفذ فيه، فإننا نجد فيها كتابة عتيقة التهجية تضم في ~~ثناياها كلمات ذات معنى غامض، قد يجوز أن يكون القارئ قد عرفها وهي مرتدية لباسها المعتاد ~~الذي لبسته فيما بعد، وكذلك كانت تستعمل تلك الكلمات في مواقف ومعان غريبة عن القارئ ~~الحديث غرابة تهجيتها. # ويوجد في هذه المتون مجموعة أخرى كبيرة من الكلمات البالغة حد الغرابة المخالفة لتلك ~~الكلمات المعروفة المتنكرة، وأعني بذلك طائفة من الكلمات العتيقة المهجورة التي عاشت حياة ~~طويلة دائرة في الاستعمال في دنيا قد محيت تماما وصارت نسيا منسيا، فهي بعد أن وخطها ~~المشيب كانت كالعداء المنهوك القوى تترنح على مرأى منا مدة قصيرة في أقدم أفق معروف ~~لدينا، فقد ظهرت فقط في هذه المتون العتيقة ثم اختفت اختفاء أبديا بعد عصر تلك المتون، ~~ومن ثم لا نصادفها مرة ثانية في متون مصرية أخرى، فهي تكشف لنا في شيء من الإبهام عن دنيا ~~من التفكير والكلام بادت من الوجود، ويعتبر عهدها آخر العصور العديدة التي لا تحصى، والتي ~~مرت بها حياة الإنسان فيما قبل التاريخ حتى صار قاب قوسين أو أدنى من الدخول في العصر ~~التاريخي. ولكن هذه الكلمات الغريبة التي وخطها الشيب، وهي البقية الباقية لنا من عصر منسي ~~مهجور، استمرت مستعملة مدة جيل أو جيلين في متون الأهرام، وتستمر غرابتها بالنسبة إلينا ~~عادة حتى يزول استعمالها ms079 نهائيا. وليس لدينا من الوسائل ما نعرف به معناها أو إرغامها على ~~أن تبوح لنا بأسرارها أو عن الرسالة التي كانت تحملها في غضونها، وليس لدينا من فنون معرفة ~~اللغات القديمة ما نحاول به إرغامها على كشف ما تكنه من الأسرار. ويوجد بجانب تلك الكلمات ~~أيضا طائفة أخرى من التراكيب العويصة التي زاد في صعوبتها طبيعة ما تشير إليه من المعاني ~~المبهمة الغامضة، فهي مفعمة بتلميحات عن حوادث أساطير ضاعت معالمها عنا، وعادات ومعاملات قد ~~فات زمانها منذ عهد بعيد، وقوامها عناصر حياة وفكر وتجارب ضاعت معالمها كلها في بيداء ~~المجهول التام. # ذكرنا فيما سلف أن الغاية المهمة من متون الأهرام هي في الأصل ضمان سعادة الملك في الحياة ~~الأخروية؛ لذلك نجد أبرز شيء في هذه المتون الاحتجاج الملح، بل الاحتجاج الحماسي ضد الموت، ~~ويمكن اعتبارها صورة لأقدم ثورة عظيمة قام بها الإنسان ضد الظلمة والسكون العظيمين اللذين ~~لم يعد منهما أحد. وكلمة الموت لم تذكر قط في متون الأهرام إلا في صيغة النفي أو مستعملة ~~للعدو، فترى التأكيد القاطع مرة بعد الأخرى أن المتوفى حي يرزق: «الملك تيتي لم يمت ~~موتا، بل جاء معظما في الأفق»، «هيا أيها الملك «وناس»، إنك لم تسافر ميتا بل سافرت ~~حيا، لقد سافرت لكي يمكنك أن تعيش، وإنك لم تسافر لكي تموت»، «إنك لن تموت، هذا الملك ~~بيبي لن يموت»، «الملك بيبي لا يموت بسبب أي ملك ... ولا بسبب أي ميت. هل قلت إنه مات؟ إنه لن ~~يموت، هذا الملك «بيبي» يعيش أبدا، عش! إنك لن تموت»، «وإذا رسوت [استعارة للموت] فإنك ~~تحيا [ثانية]»، «هذا الملك «بيبي» قد فر من موته.» # وهكذا نجد تجنب ذكر الموت باستمرار في هذه المتون، وكثيرا ما تحتم صيغة نفي الموت ~~بالتأكيد الآتي: «إنك تعيش، إنك تعيش، ارفع نفسك، إنك لن تموت فقم، ارفع نفسك» أو «ارفع ~~نفسك أيها الملك بيبي السامي بين النجوم التي لا تفنى [وهي النجوم الثوابت]، إنك لن تفنى ~~أبدا.» وإذا لم يكن بد ms080 من الإشارة إلى حقيقة الموت المرة فإنه يسمى «النزول من البحر» أو ~~ربط حبال السفينة في المرساة كما سبق ذكر ذلك، أو كان يفضل في مثل هذه الحالة ذكر كلمة ~~الحياة منفية، ولذلك كان يستحب قول: «ليس حيا» بدلا من النطق بالكلمة المشئومة. أو كانت ~~هذه المتون القديمة تعيد إلى الذاكرة ذكريات حزينة لسعادة مفقودة قد تمتع بها الناس ذات مرة ~~«قبل أن يأتي الموت». # ومع أن أسمى موضوع في متون الأهرام كان الحياة؛ أي حياة الملك الأبدية، فإن هذه المتون ~~كانت تتألف من مصادر متنوعة جدا، ولما كانت كل طريقة وكل نفوذ يستعمل للوصول للغرض ~~المقصود (الحياة بعد الموت)، فإن الكهنة الذين وضعوا تلك المجموعة من الأدب القديم، والتي ~~هي أقدم ما وصل إلينا للآن، ضمنوها كل أنواع التعاويذ القديمة التي كانت تعد في نظرهم ~~مرعية مستجابة، أو التي وجدوا أنها تفيد لذلك الغرض. # ويمكن القول بأن متون الأهرام تحتوي بوجه خاص على ستة موضوعات: شعائر جنازية - وشعائر ~~خاصة بالقرب المأتمية عند القبور - وتعاويذ سحرية - وشعائر قديمة خاصة بالعبادة - وأناشيد ~~دينية قديمة - وأجزاء من أساطير قديمة - وصلوات وتضرعات لفائدة الملك المتوفى. وتقع هذه ~~المتون في طبعتها الحديثة الآن في مجلدين من القطع الكبير يشتملان على القراءات والتوجيهات ~~المختلفة لنصوصها، وهذان المجلدان يحتويان من المتون أكثر من ألف صفحة، وقد قسمها الناشر ~~الأول إلى أربع عشرة وسبعمائة صيغة. # وإذا أمكننا الإشارة إلى متون الأهرام بصفة عامة - كما فعلنا - فلا يمكننا معرفة معانيها ~~معرفة تامة، فإن ذلك يعد من أصعب الأمور، ولكن لحسن الحظ يمكن فهم شكل الأدب الذي تحويه هذه ~~المتون واستساغته، فمن بين أقدم القطع الأدبية في هذه المتون الأناشيد الدينية، وهي عبارة ~~عن تركيب شعري قديم بهيئة أبيات من الشعر الموزون المقفى ظاهر فيه التوازن بين كلماته ~~ومعانيه. وقد نقل العبرانيون هذا التركيب الشعري إلى أدبهم بعد ذلك بألفي سنة، وهو التركيب ~~المعروف لنا في «المزامير» باسم «توازن الأعضاء». ويرجع استعمال ذلك التركيب في متون ~~الأهرام إلى الألف ms081 الرابعة ق.م، وعلى ذلك يعد وجوده في هذه المتون أقدم من وجوده في أية ~~بقعة أخرى من العالم بمراحل بعيدة. والواقع أنه أقدم صورة أدبية بين جميع أنواع الأدب ~~المعروف لدينا. # وهذا النوع من الأدب لا ينحصر استعماله في الأناشيد المذكورة فقط، بل يوجد كذلك في نبذ ~~أخرى من متون الأهرام، ولكنها لم تصل هنالك إلى درجة الكمال الذي نلمسه في هذه ~~الأناشيد. # وزيادة على ما ذكر من التركيب الشعري الذي يرتفع بهذه النبذ إلى مرتبة الأدب بالمعنى ~~المعروف لدينا الآن؛ فإننا كثيرا ما نجد بعض كتابات مبعثرة تحمل في مظهرها صفات الأدب من ~~الوجهة الفكرية واللغوية، فمثلا نجد أثرا دقيقا من مجال الخيال في أحد الأوصاف الكثيرة ~~التي وردت عن بعث «أوزير»؛ إذ جاء فيه: «فك لفائفك إنها ليست لفائف، بل هي خصلات شعر ~~«نفتيس».» و«نفتيس» هي الإلهة المنتحبة المنثنية على جسم أخيها المتوفى. فالكاهن القديم ~~الذي كتب ذلك السطر قد رأى في اللفائف التي تلف الصورة الجامدة خصلات الشعر الغزيرة التي ~~تتدلى من شعر الإلهة وتختلط باللفائف، ونجد كذلك قوة عنصرية في ذلك الخيال الوثاب الذي يلمح ~~العواطف الودية لكل العالم فيجعل العناصر الطبيعية تشعر بالنازلة الرهيبة التي تتمثل في موت ~~الملك، وفي حلوله بين آلهة السماء؛ إذ يقول المحزونون على الملك: «السماء تبكي من أجلك، ~~والأرض تزلزل من أجلك.» ويقول الناس عندما يرونه في الخيال صاعدا إلى القبة السماوية: ~~«السحب تظلم السماء - والنجوم تمطر الأرض - والأقواس [مجموعة النجوم] تترنح - وعظام كلاب ~~جهنم ترتعد - والبوابون واجمون عندما يرون الملك «وناس» يشرق في شكل روح.» # وليس لدينا شك في أن الغرض من تلك المتون الجنازية كلها هو لمصلحة الملك، بل هي بوجه عام ~~تحتوي على معتقدات لا تنطبق إلا عليه وحده، وبخاصة عندما نذكر أنها لم تكتب إلا في المقابر ~~الملكية فقط. فمن الحقائق الهامة التي يجب التنبيه عليها أن رجال أشراف ذلك العصر لم ~~يستعملوا أبدا متون الأهرام في نقوش مقابرهم. # ولما لم يكن في مقدور متون الأهرام ms082 زعزعة العقيدة السائدة في وجود الحياة في القبور، ~~فإنها لم تعر هذا الرأي اهتماما كبيرا، بل وجهت جميع همها تقريبا إلى حياة في نعيم تقع ~~في مملكة بعيدة. ومما يستحق الذكر والاهتمام أن تلك المملكة البعيدة لا يراد بها إلا ~~«السماء»، وأن متون الأهرام لا تعرف شيئا تقريبا عن الحياة الأخروية المظلمة التي توجد في ~~العالم السفلي؛ ولذلك فإن عالم الأموات عندهم لا يراد به إلا «العالم السماوي»، ونحن في ~~التعبير عنه بهذه الصيغة لا نعبر عن أي معنى من معاني كلمة السماء اللاهوتية المتكررة في ~~اللغة الإنجليزية . على أنه لا يكاد يوجد عندنا شك في أن فكرة تصور جنة سماية - وهي تلك ~~الفكرة التي شاعت فيما بعد في العهد المسيحي - يرجع أصلها إلى نفس هذا الاعتقاد المصري ~~القديم المتوغل في القدم. # وقد اختلط في تلك الآخرة السماوية المذكورة في متون الأهرام مذهبان قديمان: أولهما يتصور ~~المتوفى في صورة نجم، والثاني يتصور المتوفى حالا في إله الشمس، أو هو إله الشمس نفسه. ~~وبدهي أن هذين المذهبين اللذين يمكن تسميتهما: بالآخرة النجمية والآخرة الشمسية على التوالي ~~كانا في وقت ما مستقلين، ثم دخل كل منهما في شكل «آخرة سماوية» هي التي نجدها في متون ~~الأهرام. ولقد كان من التصورات الطبيعية عند ساكن وادي النيل ذي السماء الصافية أن يرى في ~~سماء مصر ليلا جموع أولئك الذين سبقوه إلى الحياة الأخروية ماثلين أمامه، فقد طاروا إلى ~~السماء كالطيور مرتفعين فوق كل أعداء الهواء، فكانوا عند حلول الظلام في كل ليلة يجتازون ~~أقطار السماء بصفتهم نجوما أبدية. وخص المصري، في تخيله جمهور الموتى، تلك النجوم التي ~~تسمى «غير الفانية»، وكان يعتقد أن تلك النجوم تقع في الجهة الشمالية من السماء، ولذلك لا ~~يكاد يوجد شك في أن النجوم المقصودة بالذكر هي النجوم المحيطة بالقطب التي لا تغرب ولا ~~تغيب. وقد قام جدال كبير بين علماء التاريخ القديم عن سر اتجاه ممر مدخل الهرم المنحدر شطر ~~النجمة القطبية، ثم بينت نقوش متون الأهرام السر ms083 في هذا الاتجاه الذي لم يهتد إليه أحد ~~قبل ذلك؛ وهو أن روح الملك عندما تخرج من ذلك الممر يحملها هذا الاتجاه فورا نحو النجوم ~~القطبية. # ومع أن المذهبين المذكورين؛ النجمي والشمسي، يوجدان معا جنبا لجنب في متون الأهرام، ~~فإننا نجد أن المذهب الشمسي هو السائد فيها بدرجة عظيمة حتى يصح لنا بوجه عام أن نصف متون ~~الأهرام بأنها شمسية الأصل. ومن المحتمل أن الاعتقاد بالمصير الشمسي قد نشأ في عقيدة قدماء ~~المصريين عن طريق شروق الشمس ثانية كل يوم بعد غروبها، فكأن الموت إنما يحدث على الأرض ، أما ~~الحياة فتكتسب في السماء فقط، وهو المكان الأعلى الذي يرفع إليه الملك فوق المكان المحتوم ~~الذي يصير إليه عامة البشر، «الناس يفنون وأسماؤهم تمحى، فأمسك أنت بذراع الملك «تيتي» وخذ ~~أنت الملك تيتي إلى السماء حتى لا يموت على الأرض بين الناس.» # وتلك الفكرة القائلة بأن الحياة توجد في السماء هي الرأي السائد، وهي أقدم بكثير من ~~المذهب الأوزيري في متون الأهرام. وقد بلغ هذا الرأي درجة من القوة جعلت نفس «أوزير» يمنح ~~بضرورة الحال آخرة سماوية شمسية، وكان ذلك في المرحلة الثانية التي دخلت فيها أسطورته في ~~متون الأهرام. والموضوع الهام في متون الأهرام هو تطلع المتوفى لحياة أخروية فاخرة في حضرة ~~إله الشمس، حتى إن نفس القبر الملكي قد اتخذ من أقدس شكل يرمز به إلى إله الشمس، كما أوضحنا ~~ذلك فيما سبق. # وقد عمد لاهوت الحكومة الذي جعل الملك الابن المجسم للإله «رع» وممثله على الأرض، إلى ~~تصوير الملك يسبح في السماء عند الموت ليسكن مع والده إلى الأبد، أو ليحل محله ويكون خلفه ~~في السماء كما كان خليفته في الأرض. وعلى ذلك نجد أن الآخرة الشمسية هي في الواقع المصير ~~الملكي، ولا يحظى به إلا فرعون وحده، ثم صار ذلك المصير فيما بعد بالتدريج حقا لسائر ~~البشر يشاركونه فيه. غير أنه لم يكن في الإمكان - كما سنرى - إعطاء ذلك الحق لهم إلا بعد أن ~~يتصف كل مطالب ms084 بذلك المصير بالصفة الملكية أيضا. # وبانتقال الفرعون إلى تلك المملكة العتيدة التي مقرها في السماء [بالرغم من عدم انسجام ~~الآراء الخاصة بموقفه هناك] كان يدعى للقيام بعملية تطهير فرضتها وأكدتها المتون بتكرار ~~مملول. وكان ذلك التطهير في العادة بالماء بصبه فوق البدن، # 2 # أو بالاستحمام في البحيرة المقدسة الواقعة في الحقول المباركة، حتى إن الآلهة ~~كانت تقوم بخدمة الملك في وقت إنجاز ذلك الاستحمام، فيقدمون إليه المناشف ثم الملابس. ومن ~~المحتمل أن يكون ذلك التطهير ذا مغزى خلقي هام، وخاصة إذا رأينا هذا الاحتفال التطهيري ~~الشرقي العتيق قد استمر معمولا به إلى عصرنا الحالي في الاحتفال التعميدي الموجود إلى الآن ~~عند المسيحيين. # وكانت القبلة التي يتجه إليها الملك في المذهب الشمسي هي الإقليم الواقع شرقي السماء، حيث ~~لم تكن الشمس وحدها هي التي تولد في تلك الجهة، بل كانت كذلك الآلهة الأخرى تولد هناك. وفي ~~تلك الجهة المقدسة توجد أبواب السماء العظيمة التي تقوم أمامها تلك «الجميزة العالية شرقي ~~السماء التي يجلس فوقها الآلهة»، وكذلك نسمع عن الجميزتين اللتين في الجانب الأقصى من ~~السماء، وهما اللتان يمسك بهما الملك عندما «يعبرون به إلى الشاطئ الثاني ويجلسونه في ~~الجانب الشرقي من السماء.» ويجد الملك المتوفى في ذلك المكان المقدس أيضا إله الشمس، أو ~~يجده إله الشمس، ومن ذلك المكان يرتفع إلى السماء، وكذلك يرسو في هذا المكان القارب الذي ~~يعبر به. # ولا يكاد الملك المتوفى يولي وجهه شطر الجهة الشرقية نحو ذلك الإقليم المقدس حتى تعترضه ~~بحيرة واقعة في الشرق، وكان لا بد له أن يعبرها حتى يصل إلى مملكة إله الشمس، وكانت عين ~~«حور» قد سقطت على الشاطئ الأقصى؛ أي الشاطئ الشرقي لهذه البحيرة خلال شجاره مع «ست»، وكانت ~~تسمى «بحيرة السوسن»، وهي طويلة إلى حد يجعلها تحتوي على «متعرجات»، ولا بد أنها تمتد إلى ~~مسافة بعيدة شمالا وجنوبا على طول الأفق الشرقي. وكان يوجد خلف تلك البحيرة أرض العجب ~~الزاخرة بالقوى الشريرة في كل جهاتها، وكان كل شيء فيها ms085 حيا، من ذلك المقعد الذي يجلس ~~فوقه الملك، إلى السكان الذي كان يقبض عليه بيده، إلى القارب الذي نزل فيه، إلى الأبواب ~~التي يمر بها، ولذلك كان في مقدوره أن يتحدث مع كل هذه الأشياء أو مع أي شيء آخر يحبه هناك. ~~وهذه الأشياء الشريرة كان في قدرتها أن تتكلم معه، مثل قارب «بجعة لوهنجرن» # Lohengrin ~~. # 3 # والواقع أن تلك الأرض كانت أرض «عجائب» كالتي نجدها في قصص البجعة أو في قصص ~~«نبلونجن» # Nibelungen # 4 # في الخرافات الألمانية، وهي تشبه دنيا «مورت ~~د أرثر» # Morte D’Arthur # 5 # التي يقابل فيها ابن السبيل العجائب في كل منعطف . # وكان أوضح طريق في نظر سكان ضفاف النيل لعبور «بحيرة السوسن» أن يركب الإنسان قارب ~~العبور، وهذا ما يجده الملك المتوفى بين سيقان غاب شاطئ البحيرة، وملاحه واقف عند السكان ~~يدفعه بسرعة، وكان على الملاح أن يلفت وجهه خلفه عند دفع القارب، ولذلك سمي «انظر إلى ~~الخلف» أو «الناظر إلى الخلف»، وهو لا يتكلم إلا نادرا، وإنما يقف صامتا في انتظار راكبه. ~~وما كان أكثر التوسلات والتضرعات اللينة التي يحاول بها الملك المنتظر تملق ذلك الملاح صاحب ~~الوجه الملفوت، فنسمعه وهو يؤكد له تأكيدا قاطعا يدل على المكر والخداع فيقول له: «إن هذا ~~الملك «بيبي»؛ هو راعي قطيعك والمشرف على حظيرة ماشيتك.» ولذلك كان من الضروري لمصلحة ~~الملاح نفسه أن يعبر به في الحال. وقد يحضر الملك معه إناء سحريا لا يقوى الملاح على ~~مقاومته، أو يقال للملاح بصفة قاطعة إن الملك طاهر من كل ذنب في السماء والأرض والجزيرة ~~التي هم ذاهبون إليها، أو كان الملك يتقمص شكل القزم المهرج الذي كان يأخذ مكانه بين ~~الراقصين أمام الملك في الدنيا ليسري بذلك عن قلبه أمام العرش العظيم. وكان حتما على ~~الملاح إذن أن يعبر به سريعا إلى قصر «رع» وبلاطه ليسر بذلك إله الشمس. والواقع أن ذلك كله ~~كان من المعلومات العامة الشائعة؛ إذ كان الملاح يخاطب بعد ذلك هكذا: «هذا ما سمعته ms086 في ~~البيوت وما تعلمته في الطرقات في اليوم الذي طلب فيه هذا الملك بيبي للحياة.» # ونجد كذلك معارضة الملاح للقادم العتيد (المراد به الملك) فيقول له: «من أين أتيت؟» وعند ~~ذلك كان حتما مقضيا على الملك أن يقيم الحجة على أنه من أصل ملكي، فإذا اتفق أن كان ~~الملاح عنيدا رغم ما بذل معه من الجهد، وأبى أن يرسو بقاربه إلى الشاطئ؛ فإن الملك عندئذ ~~يخاطب المجداف الذي في يده قائلا: «هيا أنت يا من في قبضة الملاح.» فإذا كانت كلماته قوية ~~مستجابة فإن المجداف يأتي بالقارب إلى الملك. # وكان في مقدور ملاح عصر ما قبل التاريخ منذ أقدم العهود أن يعبر النيل على رمثين من ~~الغاب مربوطين معا بإحكام جنبا لجنب كأنهما لفافتا دخان ضخمتين. # 6 # وقد صورت لنا أسطورة من أقدم الأساطير الخاصة بسياحة إله الشمس كيفية عبوره ~~المياه السماوية على زوج من تلك الأرماث التي اتخذها إله الشمس لعبوره رغم سذاجتها ~~وبساطتها، وصار استعمالها من الاعتقادات التي لا مناص منها، فلم يبق للاعتقاد باتباعها إلا ~~نقل قوة استعمالها عن طريق التآلف من «رع» إلى فرعون المتوفى حتى يضمن الأخير لنفسه سياحة ~~ناجحة كالتي قام بها إله الشمس. وهكذا نجد أن رمثي السماء قد هيئا للملك «وناس» ليعبر بهما ~~إلى الأفق حتى يصل إلى «رع» كما هيئا «لرع» ليعبر بهما حتى يصل إلى الأفق. # ومن الجائز أن تخفق جميع تلك الحيل المتعددة التي تعمل لعبور البحر الشرقي، وحينئذ يكون ~~محتما على الملك أن يسلم نفسه إلى الهواء حتى يصعد به إلى السماء، فيقول متكلم مختف ~~للملك: «جناحاك منشوران مثل الصقر ذي الريش الكثيف، ومثل الباشق الذي يرى مساء يخترق القبة ~~الزرقاء»، «إن الطائر يطير وهذا «الملك» بيبي يطير بعيدا عنكم أيها الأنام. إنه ليس من أهل ~~الأرض، بل هو من أهل السماء ... هذا الملك «بيبي» يطير كسحابة في السماء مثل الطائر # Masthead ~~. هذا الملك «بيبي» يصل إلى السماء على هيئة ~~صقر، هذا الملك «بيبي» يصل إلى السماء مثل ms087 إله الأفق [حار أختي].» وكذلك يراه المتكلم ~~مفلتا من أيدي الناس كما تفلت الإوزة البرية من يد الصائد الذي يقبض على ساقيها وتطير إلى ~~السماء؛ «إن أطراف جناحيه هي أطراف جناحي إوزة عظيمة.» وبتلك الكيفية يطير كإوزة ويرفرف كما ~~يرفرف الجعل، «ووجهه وجه صقر وجناحاه جناحا إوزة.» إن الملك «وناس» يرفرف بجناحيه كالطائر ~~«زرت» # Zeret ~~، والهواء يحمله مرتفعا به إلى ~~السماء. ~~«إن الملك «وناس» يذهب إلى السماء! إن الملك وناس يذهب إلى السماء على الريح!» «إن سحب ~~السماء قد حملته بعيدا، وهي تعظم الملك «وناس» عند «رع»»، «لقد صعد الملك على سحب المطر.» ~~أو كان الكاهن يرى أشباحا غريبة في سحابة دخان البخور التي تتصاعد فوقه فيصيح قائلا: «إنه ~~يصعد على دخان البخور العظيم.» # وكذلك رأى القوم في أشعة الشمس سلما إليها، هو تلك الأشعة المائلة المصوبة نحو الأرض ~~من بعض فتحات في السحاب، وهذا السلم المشع أدلي من السماء لكي يصعد عليه الملك. «إن الملك ~~«بيبي» قد وضع هذا الشعاع بمثابة سلم تحت قدميه، وصعد عليه الملك «بيبي» ليصل به إلى أمه ~~وهي الصل الحي على رأس رع.» وكذلك تظهر أشعة الشمس الشاسعة التي تنحدر تجاه الأرض كأنها ~~مصعد قد تخيله أولئك القوم القدامى، ولذلك يقولون: «إن الملك «وناس» يصعد على السلم الذي ~~صنعه له والده «رع» [إله الشمس].» وكان منظر صعود الملك يدعو إلى إعجاب الآلهة، ولذلك ~~يقولون: «ما أجملها من رؤية! وما ألذها من مشاهدة عندما يصعد هذا الإله (يقصدون الملك) إلى ~~السماء؛ إذ يحمل هيبته على رأسه، وبجانبه الفزع منه، وتعاويذه السحرية موضوعة أمامه!» ثم ~~تدعى الناس والآلهة معا بواسطة تعاويذ قوية التأثير ليرفعوا الملك: «أيها الرجال، وأيتها ~~الآلهة، ضعوا أذرعتكم تحت الملك «بيبي»! ارفعوه، اصعدوا به إلى السماء كذراعي «شو» (الجو) ~~اللتين وضعتا تحت السماء، وهو (أي «شو») يرفعها، إلى السماء! إلى السماء! إلى الكرسي العظيم ~~بين الآلهة.» # غير أنه كان لا يزال محتملا أن أبواب المملكة السماوية قد لا تفتح للقادم العتيد، ومن ~~أجل ms088 ذلك نجد تأكيدا مكررا بأن أبواب السماء المزدوجة مفتوحة أمام فرعون: «إن أبواب الأفق ~~المزدوجة مفتوحة ومزاليجها مزاحة.» ونقابل هذا النداء دائما في متون الأهرام، ولا شك أن ~~نفس الوسيلة التي فتحت الباب «لعلي بابا» والأربعين لصا - كما وردت في كتاب ألف ليلة ~~وليلة - قد فتحت لغيره أبوابا كثيرة في الشرق القديم قبل أن تصير معروفة لنا نحن معشر ~~العالم الغربي عن طريق قصة ألف ليلة وليلة بآلاف من السنين. # وكذلك نرى أنه بالرغم من اقتناع أولئك القوم بوجود الحياة الأخروية، بل بوجود حياة عظيمة ~~قد ملئت بذكرها متون الأهرام، فإن هذه المتون نفسها تكشف لنا عن حالة الخوف من تلك الحياة، ~~ذلك الخوف الذي كان يملأ قلوب سكان ذلك الشرق القديم، كلما تأملوا في أخطار عالم تلك الآخرة ~~التي لم يكونوا يعرفونها ولم يسبق لهم أن جربوها، فإنه كان يعترض ذلك القادم الملكي مخاوف ~~احتمال عدوان الآلهة عليه أينما ولى وجهه وهو ينظر في عرض البحر الشرقي، حيث كانت تزدحم ~~بمخيلته آلاف الأخطار والمعارضات التي يكون من شأنها تكدير صفو تلك الصورة الجميلة التي كان ~~يتخيلها في نعيم الحياة الأخروية، كما نجد في الشجاعة الجريئة التي يظهرها الملك مسحة ~~قصصية، فإن الملك، وقد صار وحيدا في السماء، ينهض فجأة في شكل مارد هائل مدعيا السيادة ~~على الآلهة أنفسهم، وبمواجهته المملكة السماوية يخاطب إله الشمس هكذا: «إني أعرف اسمك، إني ~~لست جاهلا اسمك، فاسمك هو «غير المحدود»، واسم والدك هو «مالك العظمة»، واسم أمك «الرضى» ~~وهي التي تحملك في كل صباح وستمنع ولادة «غير المحدود» في الأفق إذا منعت هذا الملك «بيبي» ~~من المجيء إلى المكان الذي أمنت فيه.» فكان الملك باستعماله قوته السحرية بتلك الكيفية يجعل ~~نفسه ملكا على العالم ويهدد بوقف شروق «ولادة» الشمس نفسها إذا حجز هو عند الباب العظيم ~~لمملكة إله الشمس. # وهكذا يقترب الملك الراحل أخيرا من الشاطئ الشرقي «لبحيرة السوسن»، «وهذا الملك يجد ~~المعظمين بسبب «تسلح أفواههم» # 7 # جالسين على شاطئ تلك البحيرة ... وهو ms089 مكان مورد الشرب لكل من صار معظما بسبب ~~تسلح فمه.» ولكنهم عندئذ يعارضون القادم العتيد (أي الملك) فيجيبهم: «إني واحد من المبجلين ~~بسبب فمه المسلح.» فيقولون للملك بيبي: «كيف حدث ذلك؟ وكيف وصلت إلى هذا المكان الأفخم ومن ~~أي مكان؟» عندئذ يقول قارب الصباح: «إن «بيبي» قد أتى إلى هذا المكان الأفخم من مكان ما؛ ~~لأن رمثي السماء هيئا لأجل «رع».» وعندما يقص الملك خبر عبوره الناجح كما قد عبر من قبله ~~«رع» يصيح أهل السماوات مهللين بالفرح والسرور، وعندئذ ينزل فرعون معهم ويعيش عيشتهم ويجلس ~~أمام القصر الذي يحكمون منه. وبعد ذلك يسمع الملك مرة أخرى صوتا منفردا يخرج من عالم ~~الأموات معترضا الملك عندما ينزل ويمر بالأبواب العظيمة للسماء يقوده «جب»: «هيا! من أين ~~أتيت أنت يا ابن أبي؟» فيجيبه صوت آخر: «إنه أتى من عند التاسوع المقدس الذي في السماء حتى ~~يمكنه أن يشبعهم بالخبز.» ثم تعود المعارضة مرة ثانية: «هيا! من أين أنت آت يا ابن أبي؟» ~~وعنذئذ يسمع الجواب: «إنه أتى من عند التاسوع المقدس الذي على الأرض ليمكنه أن يشبعهم ~~بالخبز.» غير أن ذلك السائل لا يزال غير مقتنع بالجواب: «هيا! من أين أتيت أنت يا ابن أبي؟» ~~«إنه أتى من قارب «زند زندر».» وبعد ذلك يسمع السائل لآخر مرة يسأل: «هيا! من أين أتيت أنت ~~يا ابن أبي؟» «إنه آت من والدتيه هاتين الرخمتين ذواتي الشعر الطويل والثدي المتدلية، ~~وهما اللتان يوجدان على جبل «سهسه»، لقد ضمتا ثدييهما حول فم الملك «بيبي» غير أنهما لم ~~يفطماه ولن يفطماه إلى الأبد.» وبعد ذلك ينقطع الصوت المعارض ويدخل الفرعون مملكة السماء ~~الأبدية. # الفصل السادس # | المذهب الشمسي والآخرة السماوية # لقد تتبعنا ذلك الراحل الملكي أثناء مروره بالأبواب السماوية حيث كان ينتظر إعلان قدومه ~~إلى إله الشمس الذي كان لا بد للملك أن يحاوره من الآن في مملكته، عند ذلك يرى حجاب ~~الملك متسابقين لإعلان مقدمه: «إن رسلك يذهبون، ورسلك المسارعين يعدون، وحجابك يسرعون في ~~سيرهم وهم ms090 يعلنون «رع» إنك قد أتيت يا هذا الملك بيبي.» ثم نسمع رسالتهم عندما يصيحون فيقول ~~«سبهو»: «صه! تفرس أنه يأتي!» ثم يقول «سبهو»: «تفرس إن ابن رع يأتي! محبوب «رع» يأتي.» ثم ~~تزدحم الآلهة عند الشاطئ. لقد وجد هذا الملك بيبي الآلهة واقفين مزملين في ملابسهم، وفي ~~أقدامهم نعالهم البيضاء فيخلعون نعالهم البيضاء على الأرض ويلقون بملابسهم بعيدا ويقولون: ~~«إن قلبنا لم يدخله الفرح حتى مجيئك.» ثم تستولي عليهم الرهبة عندما يسمعون نداء الحجاب ~~ويشاهدون الملك يقترب منهم، فيقف «رع» أمام أبواب الأفق متكئا على صولجانه والآلهة من ~~حوله، وعندئذ ينادي صوت الحاجب: «إن الآلهة صامتون أمامك، إن تاسوع الآلهة قد وضعوا أيديهم ~~على أفواههم.» # إننا نحن أبناء الجيل القديم من أهل هذا العصر الحديث نشأنا نعتقد منذ صغرنا بوجود مملكة ~~أخرى وراء السماوات تسكنها كائنات سماوية تعيش في نعيم مقيم، فمن ألذ الأمور لدينا أن نطلع ~~على أقدم التأملات العقلية للإنسان، تلك التأملات التي صورت له حياة أخروية كالتي وصفناها، ~~والواقع أننا نجد في متون الأهرام أقدم صور بقيت لنا عن هذه الآخرة السماوية؛ وهي آراء نشأت ~~ونمت منذ خمسة آلاف سنة مضت، ولكنها تحملنا على أن نرى فيها الأساس الأصلي الذي نبع منه ~~الاعتقاد بوجود مملكة فيها نعيم مقيم مقرها السماوات، ذلك الاعتقاد الذي لقنه لنا آباؤنا ~~وأساتذتنا في طفولتنا. # والواقع أن السماء كان لها دائما التأثير العميق على عقول البشر، وأن ذلك الشعور بوجود ~~سر خفي في السماء ذات القبة الزرقاء المكونة أرضها من السحب قد ترك أثره بشكل ما في ~~الآداب القومية، من العصر الذي وجدت فيه تلك الصورة الرهيبة التي نشاهدها في متون الأهرام ~~إلى زمن القصيدة الرائعة التي أبدعها خيال الشاعر الإنجليزي «شلي» وهو يتأمل جمال سحب ~~الصيف. # ولقد وجد قدماء المصريين الذين نمت على أيديهم متون الأهرام أعظم السرور في تدوينهم تلك ~~الصور، حيث نراهم يذكرون بتنميق وترديد ذلك النعيم المقيم الذي كان يلقاه ويتمتع به الملك ~~وهو في حماية وصيانة وتكريم في ms091 مملكة إله الشمس السماوية، فكان خيالهم ينتقل بهم من منظر ~~إلى منظر ومن صورة إلى صورة. ولما كان المجال الخيالي فسيحا أمام أفكارهم أمكن لخيالهم ~~الانطلاق فيه دون أن يلقى ما يمانعه أو يعارضه، كنبات البردي لا يجد ما يعوقه عن الظهور ~~بنفسه فوق الأرض، فكان خيالهم بسبب ذلك ينسج نسيجا معقدا ضم من الألوان ألف لون بحيث صار ~~غير قابل للاندماج في وحدة منسجمة متماسكة متجانسة. # فنرى الملك مرة معتليا عرشه في بهاء شرقي مماثل لما كان يحدث في عالم الأرض، ومرة ثانية ~~تجده يهيم في حقول البردي طالبا للقوت؛ ثم يظهر في بعض الجهات فوق مقدمة سفينة الشمس ، وفي ~~مرة أخرى يظهر كأنه أحد النجوم الثوابت قائما في خدمة إله الشمس. ومع أننا لا نجد أية ~~محاولة تنسجم بها تلك الصور المتناقضة، فإننا نخرج منها في الجملة بفكرة عامة؛ هي السعادة ~~الأبدية لملك يشبه الإله: فهو يضع تواريخه (سجل أعماله) بين شعبه وحبه بين الآلهة: «إن ~~الملك يصعد إلى السماء بين الآلهة الساكنين في السماء، ويقف على المنصة العظيمة ويستمع (في ~~جلسة قضائية) لشئون الناس (القضائية) ... إن «رع» يمد لك ذراعه على السلم المؤدي إلى السماء.» ~~وتقول الآلهة: «إن من يعرف مكانه يأتي. يا أيها الواحد الطاهر تربع على عرشك في سفينة «رع» ~~واسبح في السماء ... اسبح أنت مع النجوم الثوابت ... اسبح أنت مع النجوم السيارة (التي لا تغيب) ~~... عش أنت هذه الحياة اللذيذة التي يحياها رب الأفق» ... «إن هذا الملك «بيبي» يذهب إلى (حقل ~~الحياة) الذي هو مكان ولادة «رع» في السماء، ويجد «قبحت» مقتربة منه ومعها هذه الأواني ~~الأربع التي تنعش بها قلب الإله الأعظم «رع» في اليوم عندما يستيقظ (أو بالنهار عندما ~~يستيقظ)، فتنعش بها قلب هذا الملك «بيبي» ليحيا وهي تطهره وتنظفه، ويتسلم رزقه مما في هري ~~(مخزن غلال) الإله العظيم، وتكسوه النجوم الثوابت.» ثم ينادي الصوت «رع» و«تحوت» (وهما إلها ~~الشمس والقمر): «خذا أنتما هذا الملك «وناس» معكما ليأكل مما تأكلان ويشرب مما ms092 تشربان ويعيش ~~على ما تعيشان عليه ويجلس فيما تجلسان فيه، وليصير قويا بما صرتما به قويين ويسبح [في ~~السماء] فيما تسبحان فيه. إن خص الملك «وناس» مجدول (مبني) من الغاب، وبركة الملك «وناس» ~~موجودة في (حقل القرابين) وقرابينه موجودة بينكم أنتم أيها الآلهة، وماء الملك «وناس» خمر ~~مثل خمر «رع». والملك «وناس» يدور في السماء مثل «رع» ويخترق السماء مثل «تحوت».» ثم يطلب ~~الصوت الغذاء الإلهي للملك: «أحضروا لبن «إزيس» للملك «تيتي» وفيضان «نفتيس»، ومنطقة ~~البحيرة وأمواج البحر والحياة والفلاح والعافية والسعادة والخبز والجعة والملابس والطعام ~~ليعيش الملك «تيتي» عليها.» «تأمل! إن الاثنين اللذين على عرش الإله العظيم «رع » يطلبان ~~الملك «بيبي» للحياة والسرور إلى الأبد، وهذان الاثنان هما الفلاح والصحة.» وبهذه الكيفية ~~يجد الملك أن «الحال معه اليوم أحسن مما كانت عليه بالأمس.» ثم نسمع الصوت يناديه: «هيا ~~أيها الملك «بيبي» الواحد الطاهر! إن «رع» يجدك واقفا مع أمك «نوث» [إلهة السماء] وهي ~~تقودك على صراط الأفق حيث تستقر في مكان إقامتك هناك، فما أجمل تلك الإقامة مع روحك «كا» ~~أبد الآبدين!» # وتأتي أمامنا قصة انتقال الملك إلى السماء مرارا وتكرارا في صور مقنعة وتأكيد ملح، مما ~~يجعلنا نعتقد أن المقصود من ذلك هو أن تصير كلمات تلك العبارات ذات قوة وسلطان نافذين. ~~وتعرض أمامنا في كل حين حياة الملك في السماء مختصرة في فقرة واحدة تشتمل على تلميحات قليلة ~~عاجلة كل منها يشبه شعاع الشمس الذي يبدو لحظة على مرتفعات منظر طبيعي على مدى ~~البصر. # ولدينا من تلك الفقرات معرض عظيم تدافع فيه إحداها الأخرى تدافع الأمواج المتلاحقة تريد ~~الغلبة لنفسها فتكتسح كأنها الطوفان الحقيقة «البحتة» القائلة بوجود الموت حتى تقضي عليها ~~قضاء مبرما. ومن الصعب أن ننقل إلى ذهن القارئ الحديث، التأثير الذي تتركه تلك الآلاف من ~~الأسطر المنقوشة وهي تمر أمام أعيننا تستخف عبارتها بمناعة حقيقة الموت استخفاف المنتصر ~~الظافر بأعدائه، ونخص بالذكر تلك المختصرات الخاصة بحياة الملك السماوية، وهي التي نصادفها ~~كثيرا ونعني بها تلك ms093 الفقرات التي نبحثها الآن. # ولأن ما تدين تلك الفقرات في سلطانها هو لمجرد حجمها الذي قد أقيم أمام وجه الموت كأنه ~~السد المنيع، فإننا لا يمكننا فهم هذا السلطان إلا إذا قرأنا المجموعة «متون الأهرام» ~~جميعها. # ولعل أدق قطعة أدبية حفظت لنا في متون الأهرام هي أنشودة الشمس التي تجد فيها الملك وإله ~~الشمس نفسا واحدة، وهذه الأنشودة تخاطب مصر بإسهاب معددة لها المنافع التي تتمتع بها كنف ~~حماية إله الشمس وسيادته، ومن ثم تقدم مصر «لرع» ثروتها ومحصولها. ولما كان فرعون وإله ~~الشمس نفسا واحدة كان فرعون يهب تلك المنافع لمصر، وهي من جانبها تقدم له نفس العطايا التي ~~تقدمها لإله الشمس، ولهذا السبب نجد أن الأنشودة بأكملها معادة مع ذكر اسم فرعون مكان اسم ~~«رع» أو «حور» حيثما وجدا في الأنشودة الأصيلة، وبتلك الكيفية كان الملك يستحوذ لنفسه على ~~كل الاحترام، وعلى كل القرابين التي كان يتسلمها إله الشمس من مصر. # غير أن خيال الكهنة لم يقف عند هذا الحد؛ إذ لم يكن كافيا في نظرهم مساواة الفرعون برع ~~واتحادهما، بل نرى الفرعون المنتقل إلى السماء يصور بصورة مشعة شاسعة الأرجاء تفوق أهمية ~~إله الشمس في الظلمة الأزلية. لهذا نسمع ذلك الصوت الخفي يناديه: «يا والد الملك «تيتي»! يا ~~والد الملك «تيتي» في الظلمة! يا والد الملك «تيتي»، يا «آتوم» في الظلمة! أحضر الملك ~~«تيتي» إلى جانبك حتى يشعل لك النور وليحميك كما حمى «نون» (المحيط الأزلي) هذه الإلهات ~~الأربع في اليوم الذي حمت فيه العرش وهي: «إزيس» و«نفتيس» و«نيت» و«سركت».» ويجتاز الملك ~~المتوفى السماء في شكل نار ملتهمة على أثر صعود الملك «وناس» على ذراع أشعة الشمس؛ كذلك نرى ~~الملك يحتل مكانة سامية واصلة بين الأرض والسماء: «هذه ذراعه اليمنى تحمل السماء في رضا، ~~وهذه ذراعه اليسرى تحمل الأرض في سرور.» # وكذلك نجد خيال القوم يبالغ في تصور صور ذات قوة كونية فيصير الملك «نتيجة المطر؛ أي إنه ~~خرج من منبع الماء»، أو نجده يفوز بسر الأشياء ms094 وقوتها بصفته «مدون كتابة الإله الذي يقول ما ~~هو كائن ويسبب خلق ما لم يكن.» وقد ولد قبل أن توجد الدنيا أو الموت: «إن أم الملك «بيبي» ~~أصبحت حاملا فيه أنتم يا سكان «السماء السفلى»، إن هذا الملك «بيبي» قد ولد من أبيه «آتوم» ~~قبل أن توجد السماء وقبل أن توجد الأرض، وقبل أن توجد الناس وقبل أن توجد الآلهة، وقبل أن ~~يوجد الموت. إن هذا الملك «بيبي» يفر من يوم الموت كما فر «ست» من يوم الموت. إن هذا الملك ~~من زمرتكم أنتم يا آلهة السماء السفلي الذين لا يمكنهم أن يموتوا بيد أعدائهم. إن هذا الملك ~~«بيبي» لا يموت بيد أعدائه وأنتم لا تموتون بيد ملك، هذا الملك «بيبي» لن يموت بيد ملك ~~وأنتم يا من لا تموتون بأي ميت، # 1 # هذا الملك «بيبي» لن يموت بأي ميت، ولذلك كان الملك حاضرا وقت ولادة الآلهة ~~حينما كانوا يولدون في خلال سير الزمان.» # على أن حلول الملك في نفس جسم «رع» واتحادهما في نفس واحدة يشبه امتزاجه بكل الآلهة ~~كمجموعة. ومن أهم فقرات متون الأهرام الفقرة التي تتلى عند الاحتفال بحرق البخور، وما يقوم ~~به هذا البخور باعتباره عاملا مسيطرا له جاذبية متبادلة تحمل غالبا شذى الملك العطر ~~حينما يصعد البخور العميق من الأرض إلى الآلهة ليختلط بشذاهم؛ ولذلك كان يجذبهم ذلك الشذى ~~إليه بتوثيق عرى الروابط الصادقة والاتحاد بينه وبينهم. # وتلك الفقرة لها أهميتها؛ لأنها تعتبر تفسيرا كهنيا مبكرا جدا لأهمية البخور بصفته ~~رابطة الألفة بين الآلهة، وهذه الفكرة انتقلت إلى أوروبا، ولا تزال باقية في بعض فروع ~~الكنائس المسيحية إلى الآن. وها هي الفقرة بنصها: # إن النار تهيأ والنار تضيء. # إن البخور يوضع على النار والبخور يضيء. # وشذاك يأتي للملك «وناس» يا أيها البخور. # وشذى الملك «وناس» يأتي إليك يا أيها البخور. # وشذاكم يأتي للملك «وناس» أنتم أيها الآلهة. # وشذى الملك «وناس» يأتي إليكم أيها الآلهة. # إن الملك «وناس» معكم يا آلهة. # وأنتم مع الملك «وناس» يا ms095 أيها الآلهة. # والملك «وناس» يعيش معكم يا أيها الآلهة. # وأنتم تعيشون مع الملك «وناس» يا أيها الآلهة. # والملك «وناس» يحبكم يا أيها الآلهة. # فحبوه يا أيها الآلهة. # على أن هذه الألفة التي رمز إليها فيما تقدم تتضارب تضاربا بينا مع صورة مظلمة بغيضة ~~بقيت لنا من عصور ما قبل التاريخ السحيقة في القدم، وهي الصورة التي نشاهد فيها الفرعون ~~المتوحش ينقض بوحشيته على الآلهة كصياد في الغابة متعطش للدماء كأنه لا يزال يباشر حياة ~~الصيد في عصر ما قبل التاريخ، بل إن هذه الصورة قد تعيد إلى أذهاننا ذكرى تلك العادة ~~الوحشية القديمة وهي أكل لحوم البشر ، مع أنه ليس لدينا برهان آخر يقوم دليلا على وجود هذه ~~العادة بمصر القديمة، والنص المشار إليه يبتدئ بوصف وصول الملك المخيف إلى السماء ~~هكذا: # السحب تظلم الدنيا. # والنجوم تمطر على الأرض. # والأقواس [مجموعة نجوم] تترنح. # وعظام كلاب جهنم ترتعد. # والبوابون واجمون. # عندما يرون الملك «وناس» يشرق في صورة روح. # بصفته إلها يعيش بأكل آبائه. # ويتغذى بأكل أمهاته. # إن الملك «وناس» هو رب الحكمة. # وأمه لا تعرف اسمه. # إن مجد الملك «وناس» موجود في السماء. # مثل والده آتوم الذي أنجبه. # وحينما أنجبه كان «وناس» أقوى منه. ~~... ... ... ... # إن الملك «وناس» يأكل الرجال ويتغذى بالآلهة. # وهو رب الرسل ومرسل رسالاته. # وإن «قابض خصل الشعر الأمامية» القاطن في «كهو» هو. # الذي يشد وثاقهم للملك «وناس». # وإن الثعبان «الرأس الفاخرة» هو الذي يحرسهم له ويكبح جماحهم له. # وإن الذي على «الصفصاف» هو الذي يوقعهم في الأحبولة له. # وإن «معاقب كل الآثمين» هو الذي يطعنهم للملك «وناس». # وهو ينتزع أحشاءهم له. ~~... ... ... ... # ويقطعها «شسمو» للملك «وناس». # ويطهو له جزءا منها في قدور المساء (أو كقدور مسائه؛ أي وجبته وقت ~~المساء). # والملك «وناس» هو الذي يلقف سحرهم. # ويلتهم آحادهم الأجلاء (أي أرواحهم). # وتكون كبارهم لوجبته في الصباح. # ومتوسطو الحجم منهم يكونون لوجبته في المساء. # وصغارهم لوجبته في العشاء. # والمسنون من الرجال والعجائز من النساء لحرق بخوره. # وأما (الآحاد العظام الذين ms096 يوجدون في شمال السماء). # فهم الذين يوقدون له النار تحت القدور التي تحتويهم. # وأرجل أكبرهم سنا (هي الوقود). # والساكنون في السماء يختلفون على الملك «وناس» (في خدمته). # والقدور مفعمة له بأرجل نسائهم. # وقد أحاط بجميع السماوات [مقابل الأرضين]. # ودار حول القطرين. # والملك «وناس» هو (الواحد العظيم القوي). # الذي يهزم (الآحاد الأقوياء). ~~... ... ... ... # وقد استولى على قلوب الآلهة. # وأكل الأحمر. # وابتلع الأخضر. # والملك «وناس» يتغذى من أعضاء ممتلئة. # وإنه شبعان؛ إذ يعيش على قلوبهم وسحرهم. ~~... ... ... ... # وتعاويذهم في جوفه. # ورتب الملك «وناس» لم تسلب منه. # فإنه ابتلغ علم كل إله. # ومدة حياة الملك «وناس» هي الأبدية. # وحده هو ما لا نهاية في مكانته هذه. ~~(إذا أراد فعل، وإذا لم يرد لم يفعل). # وهو الذي يسكن في حدود الأفق أبد الآبدين. # تأمل، إن أرواحهم [الآلهة] في جوف «وناس». # وآحادهم الأجلاء مع الملك «وناس». # وعظم نصيبه أكبر من (نصيب) الآلهة. ~~... ... ... ... # تأمل! إن روحهم موجودة مع الملك «وناس». # ويظهر لنا بوضوح تام في هذه الصورة العجيبة الدافع لوجود عادة أكل لحم الإنسان الممقوتة، ~~فنجد أن الآلهة يصادون وتنصب لهم الشباك ويوثقون ويذبحون كالماشية المتوحشة لكي يلتهم الملك ~~أجسادهم، وبخاصة أعضاءهم الداخلية كالقلب الذي هو مقر العقل، وذلك اعتقادا منه بأنه يمكنه ~~أن يستولي بذلك لنفسه على صفات الآلهة وقواهم، «فمتى استولى على قلوب الآلهة فقد ابتلع علم ~~كل الآلهة، وتعاويذهم تصبح في جوفه.» ومن جهة أخرى فإنه لما كانت أعضاء الآلهة التي قد ~~التهمها الملك مشبعة تماما بالطعام؛ فإنه أصبح بذلك غير قابل للجوع؛ لأنه أكل حتى امتلأ ~~تماما. # على أن الذي سبق بيانه يفتح أمامنا باب موضوع قد خصصت له متون الأهرام مكانا فسيحا؛ ~~وأعني به موضوع توريد الطعام في مملكة إله الشمس النائية البعيدة. # ولأجل أن نفسر تقديم الطعام للمتوفى عند قبره، ذلك الأمر الذي يبدو في ظاهره عديم الجدوى ~~بعد أن صار المتوفى بمقتضى المذهب الشمسي لا يمكث في قبره بعد الدفن حتى يصعد إلى السماء، ~~نقول إن المفروض عند قدماء المصريين أن ms097 ذلك الطعام المقدم عند القبر كان ينقل إلى المتوفى ~~بطرق شتى متنوعة. # وكان المتعارف أكثر من أي شيء آخر في هذا الموضوع أن الإقليم السماوي الذي كان يمكث فيه ~~المتوفى هو الذي يمده بكل حاجاته، فكان الملك بصفته ابن «رع» ومولودا من آلهة السماء ~~يمثل وهو يرضع منها أو من آلهة أخرى لها علاقة «برع»؛ وبخاصة الإلهتين المتقادمتين ~~لمملكتي الجنوب والشمال في عصر ما قبل التاريخ. وهاتان الإلهتان تظهران بشكل رخمتين لهما ~~شعر طويل وثدي مدلاة ... وهما تمدان يديهما إلى فم الملك «بيبي» ولكنهما لا يفطمانه أبدا. ~~ويسمع الصوت من أجل هذا يقول: «إيه يا أم هذا الملك «بيبي» ... أعطي ثديك لهذا الملك «بيبي»، ~~أرضعي منها هذا الملك «بيبي».» وتجيب الإلهة على هذا قائلة: «يا بني بيبي، يا مليكي، إن ~~ثديي ممدودة لك لترضع منها يا مليكي، فعش يا مليكي ما دمت صغيرا.» # وهذا الموقف يظهر لنا العاطفة الإنسانية الطبيعية الحارة أكثر من أي موقف آخر في اللاهوت ~~الشمسي. # وعلاوة على هذا المصدر الغذائي ومصدر التغذي بأجساد الآلهة أنفسهم يوجد مصدر آخر وهو ~~قرابين كل مصر، كما جاء ذكر ذلك في أنشودة «رع»، وقد كان من المسلم به أن الدخل السماوي كان ~~ملكا للملك، وأنه كفيل بسد كل حاجاته. # وأخيرا كان من أهم المصادر العدة التي يستمد منها المتوفى قوته في مملكة «رع» إن لم يكن ~~أهمها كلها «شجرة الحياة» الواقعة في الجزيرة السرية وسط «حقول القربان»، وهي التي كان ~~الملك يبحث عنها وبصحبته نجم الصباح. ونجم الصباح هذا هو صقر أخضر فاخر، وهو إله شمسي، ~~ويعتبر هو والإله «حور دوات» نفسا واحدة، وله أربعة أوجه مقابلة لصقور الشرق الأربعة، وكان ~~نجم الصباح بلا شك موحدا معها أيضا، فنجده واقفا على مقدمة زورقه السماوي الذي يبلغ طوله ~~770 ذراعا، وهناك يخاطبه الصوت قائلا: «خذ هذا الملك «بيبي» معك في حجرة زورقك ... وخذ أنت ~~خطافك هذا المحبب إليك وهو عصاك التي تخترق الترع، وهي التي في طرفيها أشعة الشمس وأسنانها ~~مخالب ms098 «مفدت»، وبها يقطع الملك «بيبي» رءوس الأعداء القاطنين في «حقول القرابين» حينما يكون ~~قد نزل في البحر. فأحن رأسك يا أيها البحر وأثن ذراعيك، فإن ابني «نوت» (إلهة الشمس) ~~هما هذان: «بيبي» و«نجم الصباح» اللذان نزلا فيك لابسين أكاليل الزهر على رأسيهما ومتقلدين ~~تيجان الزهر حول نحريهما.» وقد طلب هنا خضوع البحر؛ لأن كلا من «بيبي» و«نجم الصباح» كان ~~عاكفا على القيام برسالة كريمة لأجل «إزيس» و«حور». وبعد ذلك تستمر القصة قائلة: «إن هذا ~~الملك «بيبي» قد فتح طريقه مثل صائدي الطيور، وتبادل التحيات مع أرباب الأرواح، وذهب إلى ~~الجزيرة العظيمة الواقعة في وسط «حقل القرابين» الذي تهيئ فيه الآلهة للبجع التحليق فوقه. ~~والبجع هي النجوم التي لا تفنى (النجوم الثوابت)، وهي التي تعطي هذا الملك «بيبي» شجرة ~~الحياة التي تعيش منها حتى يتسنى لكما «بيبي» و«نجم الصباح» في الوقت نفسه أن تعيشا ~~منها.» # ومن الممكن إضافة تفاصيل عدة لهذه الصورة التي تمثل الآخرة السماوية، ولكن الصورة ~~الإجمالية التي رسمناها فيما سبق تدل في أقل مظاهرها على العناصر الهامة للمعتقدات التي كان ~~يعتنقها قدماء المصريين عن الآخرة الشمسية في عهد الدولة القديمة [حوالي ~~3000-2500ق.م]. # وليس لدينا شك في أن عقائد هذا المذهب كانت تؤلف في وقت ما مجموعة معينة، ليس لها علاقة ~~مباشرة بمجموعة عقائد المذهب الأوزيري، بل كانت المجموعتان فضلا عن هذا تناقض إحداهما ~~الأخرى. وقد بقي لنا بعض البراهين الدالة على عدم تلاؤم هذين المذهبين، بل إن تلك البراهين ~~تدل أيضا على تعاديهما؛ فقد قيل عن إله الشمس إنه: «لم يعطه [أي الملك] لأوزير وأنه [أي ~~الملك] لم يمت الموت [الحقيقي]، وأنه وصل مبجلا إلى الأفق.» وفيما يأتي أبين من ذلك: «أن ~~«رع» آتوم لم يعطك لأوزير، وأنه [أي أوزير] لا يحاسب قلبك ولا يملك سلطانا على ~~قلبك.» # ومن الواضح جدا أن «أوزير» كان في نظر أتباع المذهب الشمسي في زمن ما يمثل مملكة الموت ~~وسلطانها، وهي المملكة التي لم يكن أتباع «رع» ممن يحشرون إليها. فطبقا لهذه ms099 الفكرة كان ~~يخاف أن تدخل طائفة «أوزير» إلى الهرم بأجمعها لقصد سيئ، فكان من اللازم إذن الأخذ ~~بالمحافظة على الهرم بصفته الرمز العظيم للشمس، خوفا من حدوث عادية من «أوزير»، أو من ~~«حور» الأوزيري أو الآلهة الأخرى الذين هم من عصابة «أوزير». # ولقد كان من المحتم في تلك الآونة الشروع في إيجاد بعض التوفيق بين هذه المعتقدات الشمسية ~~وبين تلك المعتقدات الأوزيرية، وحينما نتعقب سير هذا التوفيق بين المذهبين فيما بعد، ندرك ~~كيف أن هذا السبيل قد أدى إلى فوز أوزير في النهاية. # الفصل السابع # | آلهة الطبيعة والمجتمع الإنساني: أوزير # لقد تتبعنا إله الشمس منذ بداية ملكه القديم الذي كان يعد فيه مجرد قوة طبيعية عظيمة إلى ~~وقت الانتقال الذي دخل به إلى المجتمع الإنساني بصفته ملكا أرضيا مسيطرا على الحياة ~~البشرية، وبذلك صار ميدان نشاطه هو ميدان الشئون البشرية. وقد حدث من جراء سيره في ذلك ~~الميدان بفخار لا يدانى وسر ليس في الإمكان اختراق حجبه، أن حياته اليومية لم تترك مجالا ~~لأن يشاركه الإنسان في أي عمل من أعماله أو حركاته. على أننا نجد بجانب ذلك مملكة طبيعية ~~أخرى بدأ الإنسان يسهم فيها، ويقوم بأعمال الآلهة التي يصعب تحديدها ويوجه قواها الخفية، ~~فتمكن بذلك من القيام بنصيبه في أعمالها الخيرة، وتلك القوة الطبيعية التي أسلمت قيادها ~~للإنسان أكثر من غيرها، والتي مكنته من القيام فيها بنوع من المساهمة؛ هي قوة الحياة ~~النباتية. # فقد ذكرنا فيما مر أن استنبات الإنسان للقمح البري والشعير قد غير مجرى حياة أهل ما قبل ~~التاريخ تغييرا كليا؛ إذ انتقل الإنسان بذلك من حياة الصيد والقنص الداعية للتجوال إلى ~~حياة الزراعة الداعية للاستقرار والإقامة، وقد ترجع بداية ذلك العهد إلى نحو 8000 أو 10000 ~~سنة مضت، وقد خلق هذا التحول عالما جديدا ترجع أقدميته إلى العصر الحجري الأخير. # ولما انتهى الأمر بأن صارت الزراعة تشغل المساحات الشاسعة في كافة أرجاء الشرق الأدنى، ~~مكونة بذلك أول إقليم زراعي ظهر في حياة التقدم البشري المديد، أدى ms100 ذلك إلى ظهور شعور قوي ~~بحاجة الناس في كل بقعة إلى الاعتماد في معايشهم على ثمرات الأرض الخضراء. وهذا الشعور أنشأ ~~في الناس عواطف يمكن مضاهاتها بتلك العواطف التي حدت بآبائنا إلى تعيين يوم من أيام الخريف ~~لتقديم الشكر فيه لله على إنعامه عليهم بخيرات الحقول. # وعندما انتقل الإنسان القديم من معيشة الصيد إلى معيشة الزراعة صار شعوره بالاعتماد على ~~قوة استنبات الأرض هو العنصر الناطق في تعبيره الديني عما يخالجه بشأن التغير البين الذي ~~حدث في حالة معيشته؛ فإن الحياة الدائمة التي يراها في الأرض المثمرة التي تموت ثم تحيا ~~ثانية مرات عديدة لا نهاية لها قد مثلت في شكل إله يموت ثم يحيا وهكذا دائما أبدا. # ولذلك لم يكن هذا الاعتقاد وقفا على «أوزير»، أحب الآلهة المصرية إلى قدماء المصريين، بل ~~تخطاه إلى كثير من الآلهة المحلية في غرب آسيا، حيث كان هذا الإله يعرف هناك باسم «تاموز» ~~أو «أدونيس»، وقد اعتقد القوم فيها أنها عاشت ثم ماتت ثم بعثت مرة أخرى، ولم ينس قدماء ~~المصريين قط تلك العلاقة العتيقة التي أحدثها هذا الاعتقاد مع آسيا، وهي التي عبر عنها في ~~النهاية في أسطورة «أوزير» التي تقص علينا كيف طفا جسد الإله الميت على وجه البحر وسار إلى ~~شاطئ «جبيل»، ببلوص، الواقعة على الشاطئ الفينيقي في آسيا، وقد عاد هذا الإله هناك إلى ~~الحياة مرة أخرى متقمصا جسم شجرة خضراء؛ ولذا صار رمز رجوع الحياة التي تنبعث ثانية بعد ~~الموت: شجرة خضراء. ونشأ عن ذلك الحادث عيد جميل كان يقام في كل سنة تذكرة لتلك المناسبة؛ ~~وذلك برفع شجرة مقتلعة وغرسها في الأرض في محفل عظيم، وكانت تجمل فتغطى بالأوراق ~~الخضراء عند إرجاعها إلى الحياة على ذلك الوجه المذكور، وتلك الشجرة هي التي انحدرت إلينا ~~في صورة «عمود مايو» # 1 # الذي لا نزال نقيمه ونزينه بالابتهاج والرقص احتفالا بعودة الربيع. # ومع أن هذا الحادث العظيم - حادث الاهتداء للزراعة - غير مدون بالطبع في وثائق تاريخية، ~~لوقوعه قبل عصر الاهتداء ms101 إلى الكتابة بعصور طويلة، فإننا نستطيع بلا ريب أن نتعرف في مذهب ~~«أوزير» صدى ذلك التغير العظيم الذي تمخض عن ظهور أقدم الزراع في الأرض، وذلك لما تتضمنه ~~العقيدة الأوزيرية من سماع أول صوت ديني يتحدث عن نعمة التمتع بالزراعة، وإن ذلك الإلهام ~~الذي ألهمه عقل الإنسان حينما صار متصلا اتصالا وثيقا بحياة الأرض الخضراء ومتعاونا ~~فيها تعاونا فعليا يعد الآن من أقدم الأفكار التي خطرت في الفكر الإنساني. وقد كان لذلك ~~أثر عميق في الآراء البشرية عن الحياة فيما بعد الموت؛ فانتقلت تلك الفكرة إلى العقائد ~~الإغريقية حيث صار من أصول تدشين المتدين الجديد أن تقدم له حزمة من سنابل القمح أو سنبلة ~~منه واحدة، كما نجد صدى هذه الفكرة حتى في كتاب العهد الجديد: «الحق الحق أقول لكم، إن حبة ~~الحنطة التي تقع على الأرض إن لم تمت فإنها تبقى وحدها، وإن ماتت أتت بثمر كثير.» [يوحنا ~~12-24]. # وقد امتزجت تلك الفكرة عند قدماء المصريين في النهاية بطائفة من المعتقدات الخاصة بالثواب ~~والعقاب في الحياة الآخرة، ومن ثم تغيرت الآراء الخلقية المصرية القديمة من أساسها بسبب تلك ~~الفكرة. # على أنه لا بد لنا قبل الانتقال إلى بحث الخلق الأوزيري أن نسبر غور أهمية موضوع «أوزير» ~~بصفته إله طبيعة ولو إلى حد ما، وبينما لا نجد شكا في كنه الظاهرة الطبيعية التي كان يقوم ~~بتمثيلها كل من «رع» و«آتوم» و«حور» وآلهة الشمس الأخرى؛ فإننا من جهة أخرى نلقى شكا ~~عظيما وجدالا شديدا في الظاهرة التي كان «أوزير» يقوم بتمثيلها. # إن أوضح بيان عن أصل «أوزير» هو حادثة العثور على ذلك الإله المتوفى بوساطة ابنه «حور» ~~كما جاءت في متون الأهرام: «إن «حور» يأتي ويتعرف والده فيك، شابا باسمك «الماء العذب».» ~~وبمثل ذلك الوضوح نجد الفكرة نفسها بادية في كلمات «رعمسيس الرابع» إذ يقول للإله: «إنك ~~النيل حقا، عظيم في الحقول في باكورة الفصول، فالآلهة والناس يعيشون بالندى الذي فيك.» ~~ففي هذين المصدرين القديمين قد وحد «أوزير» والماء؛ وبخاصة ماء ms102 النيل. # ومع أن «أوزير» صار مع الماء، بل مع ينابيع الماء العظيمة نفسا واحدة فإنه من الواضح أن ~~وظيفة خاصة للماء هي التي امتزج بها، فالماء بوصفه مصدرا للخصب وبوصفه مانحا للحياة هو ~~الذي وحد به أوزير، وهو الذي يسبغ الحياة على التربة، ومن ثم فإن «أوزير» كان يتصل بالتربة ~~أيضا اتصالا وثيقا. وقد أيد هذا الرأي وأكثر منه ما جاء في أنشودة من عهد القرن الثاني ~~عشر ق.م؛ إذ إنها لم تقتصر على تأحيد «أوزير» بالتربة، بل أحدته هو والأرض كلها، فتقول عنه ~~تلك الأنشودة: «أما أنت فإن النيل ينبع من عرق يديك وأنك تنفث الهواء الذي في حلقومك إلى ~~أنوف الناس فوهبت القداسة لما تعيش عليه الناس. وكذلك توجد في أنفك الشجرة وخضرتها والأعشاب ~~والنباتات والشعير والقمح وشجرة الحياة. وعندما تحفر الترع ... وتبنى البيوت والمعابد، ~~وعندما تنقل الآثار وتزرع الحقول، وعندما تنحت المقابر ومزاراتها فإنها ترتكز عليك كلها، ~~وأنت الذي تصنعها فهي على ظهرك رغم أنها أكثر من أن تدون، وظهرك لا يوجد عليه مكان خلو؛ ~~لأنها جميعها موضوعة فوقه ...» فكاتب هذه الأنشودة يعتبر أن «أوزير» هو الأرض نفسها؛ وبخاصة ~~الأرض المنتجة للخضرة. # ولذلك فإن الإشارات إلى أوزير المعروفة لنا تقرنه بحياة النبات أو توحده معها، ولعلنا ~~نذكر أن المسرحية المنفية (التي يرجع عهدها إلى بداية «الاتحاد الثاني» حينما كانت قيادة ~~الأمة في عاصمتها «منف») أطلقت على تلك البلدة اسم «مخزن غلال الإله»، ومن أجل ذلك أدخل ~~رجال الفكر في «منف» إلى «أوزير» في مسرحيتهم المقدسة توضيحا للسبب الذي من أجله صارت ~~«منف» «مخزن غلال الإله». ولما كان القوم لا يزالون متجهين بتفكيرهم إلى صفات «أوزير» ~~الطبيعية فإنهم يقولون إن إطلاق هذا الاسم على «منف» نشأ من أن «أوزير» «أغرق في مياهه عند ~~منف»، وبذلك صارت «مخزن غلال الإله». # ثم إن الآراء الواردة في متون الأهرام المبكرة التي تعتبر أقدم من تلك المسرحية تمثل ~~«أوزير» مرتبطا ارتباطا وثيقا بالحياة النباتية. # ويؤحد «أوزير» أيضا في أقدم نسخة من كتاب ms103 الموتى مع الحنطة؛ إذ يقول المتوفى معبرا عن ~~نفسه: «إني «أوزير»، وإني أعيش كحبة # 2 # حنطة وأنمو كحبة حنطة ... وإني شعير.» # ويجب أن نقرن بهذه الأقوال المبكرة تلك الصور المتكررة التي تمثل القمح نابتا من جسد ~~«أوزير» الراقد فوق الأرض، كما تمثل شجرة نابتة من قبره أو تابوته، أو تجعل تماثيل الإله ~~المصورة على هيئة مومية في قالب مكون من الدشيشة والتراب مدفونة مع المتوفى أو موضوعة في ~~حقل القمح ليضمن به الزارع محصولا موفورا من أرضه. # وعلى ذلك فقد صار واضحا في أقدم المصادر التاريخية التي عرفت للآن أن «أوزير» والمياه ~~(وبخاصة في الفيضان) والتربة والنبات كانت جميعا نفسا واحدة، وتبدو لنا تلك نتيجة للاتجاه ~~المصري إلى التفكير بالصور الواقعية. # فهذا الإله في التفكير المصري القديم كان من غير شك عنصر الحياة الذي لا يفنى أبدا أينما ~~كان، وكثيرا ما نرى له صورا تظهره حتى في حالة الموت محتفظا بالقوة التناسلية؛ فحياة ~~الأرض التي تموت ثم تحيا، والتي تتصل أحيانا بالمياه التي تمنحها الحياة وأحيانا أخرى ~~بالتربة الخصبة، والتي تظهر في النبات نفسه، كل أولئك وأوزير شيء واحد. # ولما كان النيل مثل النبات الذي يسقيه وينميه يعلو وينخفض في كل سنة؛ فقد كان من السهل ~~تصور «أوزير» ممثلا في النيل، الذي يعد أهم ظاهرة في الإقليم المصري، أكثر من تصوره في أي ~~شكل آخر غيره. # 3 # والواقع أن النيل لم يكن في نظر القوم سوى المنبع الظاهر والرمز لهذه الخصوبة ~~التي كان يمثلها «أوزير». # ثم إن وظائف «أوزير» بحكم طبيعتها قد أدمجته منذ القدم في دائرة الشئون البشرية مما جعله ~~يتصف سريعا بالصفات البشرية والاجتماعية؛ ولهذا فإن هذا الإله الذي كان من شأنه أن يموت ثم ~~يحيا وهكذا دواليك، والذي ظهر بأنه عرضة لمصير البشر من الموت وغيره، قد كان لا محالة ~~ينبوعا صالحا لا ينضب لوضع الأساطير والخرافات وتأليفها، فكان مثل «أوزير» كمثل إله ~~الشمس، قد صار ملكا من ملوك مصر الأقدمين بعد أن ظهر الملوك فوق الأرض. ms104 وكان في العادة ~~يسمى «وارث جب» إله الأرض، «الذي أعطاه قيادة البلاد لفائدتها، ووضع في قبضته هذه الأرض ~~وماءها وهواءها وخضرتها وكل ماشيتها، وكل ما يطير وكل ما يرفرف فوقها وحشراتها وحيوانات ~~الصيد في صحاريها، فصار كل ذلك مملوكا شرعا لابن «نوت» # 4 ~~[أي أوزير].» # بتلك الكيفية بدأ «أوزير» حكمه الصالح بصفته ملكا على مصر، «وكانت البلاد راضية بذلك ~~عندما أشرق على عرش والده، مثل «رع» حينما يطلع في الأفق.» ولكن بعد أن مر زمن طويل على ~~«أوزير» وهو ملك على مصر انحصر ملكه على وجه خاص في الإشراف على استنبات الأرض (كما تؤكد ~~ذلك الأدلة السالفة)، ثم دخل بعد ذلك بالتدريج إلى الميدان السياسي أيضا، فتقول عنه نفس ~~الأنشودة السالفة الذكر: «إنه هزم أعداءه وذبح مناهضيه بساعد قوي، وجعل خوفه يدب بين خصومه ~~ومد تخوم بلاده.» # ويبرز لنا بوجه خاص «أوزير» مصبوغا بصبغة إنسانية في العلاقات الأسرية التي نجدها مذكورة ~~في الأسطورة التي نسجت حوله، فنجد «إزيس» أخته وزوجه في آن واحد قد وقفت إلى جانبه في ولاء ~~لتصد عنه أعداءه، وحافظت عليه «بأن طردت أعداءه وصدت عنه [الخطر].» ومع ذلك فإن أعداءه ~~استدرجوه إلى الموت بالحيلة إن لم يكن جهارا حتى تغلبوا في النهاية عليه كما قص ذلك المؤرخ ~~«بلوتارخ»، ولو أنه لا توجد لدينا أية وثيقة في المصادر المصرية القديمة عن قصة الصندوق ~~التي رواها «بلوتارخ» وذكر فيها أن خصوم «أوزير» المتآمرين عليه قد أغروه حتى دخل في ~~الصندوق ثم أغلقوه عليه حتى مات بداخله، وكان رأس أعداء «أوزير» الطيب، أخاه «ست» الذي كان ~~مع ذلك يخاف الملك الطيب. # وقد نصت متون الأهرام التي تعد من أقدم المصادر القديمة على قتله، فإنها قالت: «وصرعه ~~أخوه «ست» على الأرض في «نديت».» أو تقول: «وطرحه أخوه «ست» على جنبه على الشاطئ الأقصى ~~لأرض جحستي.» # ولكننا من جهة أخرى نجد أن المسرحية المنفية التي تعد أقدم ما وصل إلينا من المصادر ~~القديمة لدرجة أنها أقدم من عصر الأهرام تقول: «إن ms105 «أوزير» أغرق في مائه الجديد [أي ماء ~~الفيضان].» # وعندما وصلت الأخبار إلى «إزيس» التعسة عن مقتل أخيها هامت على وجهها في حزن شديد باحثة ~~عن جثة سيدها: «باحثة عنه بلا كلل، فسارت في أنحاء هذه الأرض محزونة غير هادئة البال إلى أن ~~عثرت عليه.» # وزيادة على ما ذكر فإن أقدم ما وصل إلينا من الأدب المصري القديم مفعم بالإشارات عن تلك ~~الزوجة المخلصة التي كانت لا تزال تواصل البحث عن زوجها القتيل: «لقد أتيت باحثة عن أخيك ~~«أوزير» بعد أن هزمه أخوه «ست».» # أما قصة «بلوتارخ» فإنها تجعل «إزيس» تواصل السير في بحثها حتى عرض البحر الأبيض المتوسط ~~إلى أن تصل إلى «جبيل» (ببلوص)، وهو المكان الذي حملت إليه المياه جثة «أوزير» كما مر ذكره. ~~غير أن متون الأهرام تشير إلى أن «أوزير» وجد أخيرا فوق شاطئ «نديت»، وهو المكان الذي ذبح ~~فيه «أوزير» بيد «ست»، ويجوز أن «نديت» كان في الأصل اسما قديما لإقليم «ببلوص»، وإن كان ~~موقع «نديت» المذكورة قد حدد فيما بعد في «العرابة المدفونة» بمصر، ولذلك كان أحد فصول ~~رواية «أوزير» يمثل على شاطئ «نديت» القريبة من «العرابة المدفونة» بمصر. # أما الإلهة «نفتيس» فكانت غالبا ترافق أختها «إزيس» في هذا البحث الطويل عن جثة «أوزير»، ~~وكانت كل منهما ممثلة في شكل طائر: إن «إزيس» تأتي «ونفتيس» تأتي إحداهما على اليمين ~~والأخرى على الشمال ... وقد وجدتا «أوزير» كما صرعه أخوه «ست» على الأرض في «نديت»، وعندما ~~رأتاه قالت «نفتيس»: «لقد وجدته صريعا على جنبه على الشاطئ ... يا أخي لقد بحثت عنك ... ابكي ~~أخاك يا «إزيس»! ابكي أخاك يا «نفتيس»! ابكي أخاك.» ومن ثم صار عويل «إزيس» و«نفتيس» على ~~أخيهما «أوزير» أقدس تعبير معروف عن الحزن لدى قلب المصري القديم، وقد تقلب ذلك العويل في ~~صور متنوعة شتى حتى ظهر أخيرا في الأساطير الأوزيرية الأوروبية فيما بعد ذلك العهد الذي ~~نحن بصدده الآن بنحو ثلاثة آلاف سنة. # وبعد ذلك قامت الأختان بتحنيط جثمان أخيهما حفظا له من الفناء، ms106 وبعد أن وضعتاه في قبره ~~نبتت به شجرة جميز، ثم أحاطت بجسد ذلك الإله المتوفى. والجميزة المذكورة هي مثل شجرة ~~«الأريكا» التي ورد ذكرها في قصة «بلوتارح»، وتلك الشجرة المقدسة تمثل الرمز الظاهر لحياة ~~«أوزير» الخالدة التي لا تفنى، وقد كانت في أقدم المصادر القديمة مقدسة أيضا، وكانت تخاطب ~~كأنها إلهة. # وهكذا كانت قصة حياة «أوزير» وموته. على أن حياته التي كانت تمثل لنا دورة من الظواهر ~~الطبيعية لم تكن تقف طبعا عند ذلك الحد، فإنها استمرت في بعثه من جديد كما استمرت أيضا في ~~قصة أخرى أضيفت فيما بعد مأخوذة عن اللاهوت الشمسي، وهذه هي قصة «حور» بن «أوزير» المذكور ~~والنزاع الشمسي الذي قام بين «حور» و«ست»، مع أن هذا النزاع لم يكن «أوزيريا» في ~~الأصل. # وكذلك نلاحظ أن القوة الحيوية عند «أوزير» لم تنقطع أبدا حتى في حالة الموت؛ إذ إن ~~«إزيس» المخلصة قد اقتربت من سيدها المتوفى ثم احتضنته «وأسدلت عليه بريشها فيئا وبجناحيها ~~نسيما ... وبذلك بعثت الحياة ثانية في أعضاء صاحب القلب الساكن المتعبة فوضع فيها نطفته، ~~وبذلك أنجبت منه وريثا له، ثم ربت هذا الطفل في مكان منعزل لم يعرف بعد موضعه، وعندما اشتد ~~ساعده قدمته أمام القاعة العظيمة في عين شمس.» # وقد كان خيال عامة الشعب مغرما بتأمل صورة الأم التي أخفت نفسها في مستنقعات الدلتا التي ~~قامت فيها بتربية «حور» الشاب، حتى إذا «ما اشتد ساعده» صار قادرا على الانتقام من قاتل ~~أبيه. وفي خلال تلك المدة التي ولد وتربى فيها «حور» لم يقعد «ست» مكتوف اليدين طبعا، فقد ~~لقي ذلك الطفل «حور» على يده كثيرا من المخاطرات والمآزق، وقد حفظت لنا من هذه الحوادث ~~نتف صغيرة جدا لا يمكن تأليف قصة متصلة منها، ولكن حتى بعد بلوغ ذلك الصبي أشده وارتفاع ~~قامته ثمانية أذرع (نحو 14 قدما) اضطر مع ذلك لصنع صندوق صغير طوله نحو نصف ذراع يكون مخبأ ~~له يتقي بالاختفاء فيه شرور «ست» وعاديته، وعندما بلغ ذلك الإله الشاب سن ms107 الرجولة وصار في ~~مكنته مدافعة الأخطار خرج من مكمنه الذي كان فيه بالدلتا، وأتى مطهرا ليتمكن من الانتقام ~~لأبيه. # وكذلك كان موضوع بر «حور» بوالده محببا إلى عامة الشعب، يسرح خيالهم ويجول مبتدئا بحادث ~~تصدي «حور» لمحاربة أعداء أبيه والانتقام له من «ست». وقد اشتد وطيس الموقعة التي نشبت بين ~~«حور» و«ست» (وهي كما ذكرنا فيما مر، مأخوذة عن المذهب الشمسي) حتى إن ذلك الإله الشاب فقد ~~عينه بيد «ست» عدوه وعدو أبيه، ثم غلب «ست» على أمره، واسترد الإله «تحوت» أخيرا عين «حور» ~~المفقودة بأن تفل ذلك الإله الحكيم على الجرح فصحت وشفيت. وتلك الطريقة التي سلكها الإله ~~«تحوت» لشفاء العين هي بطبيعة الحال نوع من التطبيب الشعبي، تردد ذكره في تلك الأسطورة فنال ~~شهرة وذيوعا ثم تحول إلى آسيا؛ حتى لقد يلوح لنا أن استعماله ظهر مرة أخرى في كتاب العهد ~~الجديد عند ذكر الحادث الذي يصور لنا المسيح مستعملا تلك الطريقة نفسها لإبراء الأعمى، وفي ~~ذلك بلا شك إذعان لعادة منتشرة بين العامة في مثل تلك الحالة. # ثم إننا بعد ذلك نجد «حور» قد أخذ يبحث عن والده القتيل عابرا البحر في سبيل البحث عنه ~~حتى يرفعه من بين الموتى، ويقدم له عينه المصابة التي ضحى بها من أجله. وهذا العمل الذي يدل ~~على البر بالوالد - كما جاء مذكورا في متون الأهرام - ضاعف تقديس «عين حور» التي كانت ~~مقدسة من قبل في التقاليد وفي الشعائر المصرية القديمة حتى صارت رمزا لكل تضحية؛ ولذلك ~~صارت كل هبة أو قربة يصح أن تسمى «عين حور»، وخاصة إذا قدمت باسم القربان لمتوفى. وإذا ~~استثنينا «الجعل المقدس» فإن «العين المقدسة» كانت تعتبر أعظم رمز منتشر نال احتراما ~~عظيما في الديانة المصرية القديمة، ولذلك نرى عشرات الآلاف من الأعين المصنوعة من الفخار ~~المطلي ذات اللون الأزرق أو الأخضر وغيرها مما صنع من الأحجار النفيسة الغالية، ولقد ملئت ~~بتلك الأعين متاحفنا، هذا فضلا عما كان يحضره آلاف السياح معهم إلى بلادنا، وما كانت ms108 تلك ~~الأعين في الواقع إلا تذكارات ورموزا لتلك القصة القديمة التي تحدثنا عن «حور» وبره ~~بوالده. # ولدينا فصل في متون الأهرام يحدثنا عن جميع ما جاء في قصة بعث ذلك الإله القتيل، نجد فيه ~~حادث بعث «أوزير» مرددا مرارا وتكرارا؛ وذلك لأن معارضة الإنسان للموت قد عبر عنها ~~بإلحاح بترديد ذكر تلك الحقيقة القاطعة القائلة ببعث «أوزير»، فنرى في تلك المتون أن القبر ~~فتح له: «لقد أخرج لأجلك اللبن # 5 # من القبر العظيم.» بعد ذلك يستيقظ «أوزير» ويفيق الإله المتعب من رقدته، ويقف ~~الإله منتصبا ويتمالك جسمه، «قف إنك لن تفنى، إنك لن تفنى.» # غير أن حقد «ست» على «أوزير» لم ينته بعد هزيمته النكراء على يد «حور»، وحتى بعد إحياء ~~«أوزير»؛ بل إنه دخل إلى محكمة الآلهة في «عين شمس»، وأودع لدى هؤلاء الآلهة اتهامات باطلة ~~ضد «أوزير»، وليس لدينا بيان واضح عن تلك الخصومة أو عن نوع تلك الاتهامات التي اختلقت ضده، ~~إلا أن «ست» قد اتخذ منها وسيلة للاستيلاء على عرش مصر. ولا بد أنه كانت توجد ولو رواية ~~واحدة تدل على أن المحاكمة كان موضوعها جريمة قتل «ست» لأخيه «أوزير»، ولكن «أوزير» فاز في ~~النهاية بالحكم لصالحه وأعيد عرشه إليه؛ ذلك العرش الذي كان ادعاه «ست» بالباطل. # وكان الحكم الذي صدر لصالح «أوزير» في قالب يعبر عنه في الحقيقة بكلمة «صادق» أو «حق» أو ~~«عدل» أو «صوت الحق» ... ولا بد أن ذلك التعبير كان اصطلاحا رسميا مستعملا بمعنى يضاهي في ~~الغالب كلمة «منتصر» أو «نصر»، وذلك المعنى يحمل في ثناياه المعنى الأصيل لكلمة «فائز» أو ~~«فوز» عند استعمالهما في معنييهما الخلقي والمادي. وتدل الخصومة بين «أوزير» و«ست» بعد ~~تطورها على أنها قد اكتسبت معنى خلقيا في تلك المناسبة إن لم يكن لها ذلك في بادئ الأمر. ~~على أنه ستأتي هنا الفرصة الكافية فيما بعد لاستقراء وملاحظة سير ذلك التطور الخلقي الذي ~~حمله في ثناياه انتشار تلك الواقعة وذيوعها في أسطورة «أوزير». # ومع أن «أوزير» تسلم في ms109 النهاية زمام مملكته بعد بعثه من الموت وانتصاره على أعدائه بعد ~~المحاكمة، فإنه بالرغم من كل ما ذكر لم يكن في الواقع من أهل مملكة الأحياء، بل كان ملكه هو ~~العالم السفلي المظلم الواقع تحت الأرض، وكان لا بد له من النزول إليه فورا. # وتقول المسرحية المنفية إنه بعد أن مات «دخل الأبواب السرية في بهاء أرباب الأبدية، ~~مقتفيا أثر ذلك الذي يشرق في الأفق، بل أثر «رع» في العرش العظيم [يعني منف] ... وهكذا حضر ~~«أوزير» إلى الأرض «في قصر الملك» بالجهة البحرية من تلك الأرض التي وصل إليها (منف)، وطلع ~~ابنه «حور» كالفجر ملكا على الوجه القبلي، وطلع ملكا على الوجه البحري، بين ذراعي والده «أوزير».» # 6 # وبذلك صار ابن «أوزير» خليفته على دنيا الأحياء، وأما ما كان تحت حكم «أوزير» ~~فهو مملكة الأموات السفلية، وقد نال «أوزير» مكانته العظيمة السامية في الديانة المصرية ~~القديمة باعتباره بوجه خاص صديق الأموات وحاميهم. # الفصل الثامن # | نور الشمس والخضرة # امتزاج «رع» مع «أوزير» وظفر «أوزير» # إن الذي تزرعه بنفسك لا يحيا إلا ليموت. ~~(يا جاهل، إن ما تزرعه أنت لا يحيا إلا إذا مات.) # ليست هذه الكلمات التي فاه بها القديس بولص إلا تلميحا لما تركته الدورة السنوية في ~~الحياة النباتية (التي من شأنها الموت ثم الحياة) من التأثير العميق في عقول ~~الأقدمين. # ونحن نذكر أن الأساطير الإغريقية كانت مفعمة بمثل تلك الأفكار، كذلك كانت دنيا البحر ~~الأبيض المتوسط في كل مكان متحفزة لاعتناق الآراء الشرقية التي من هذا النوع، فكان تأثيرها ~~من أجل ذلك ظاهرا في الإنجيل، وإن أقدم مظهر لتأثير الخضرة في آراء الأقدمين التي لها ~~علاقة بشأن الموت نراه بحالة واضحة في ذلك الانتصار الباهر الذي أحرزته تلك «العقائد ~~الأوزيرية» على ما سبقها من العقائد الخاصة بالحياة في الآخرة، وليست «صلاة عيد الفصح» ~~الحالية - طبعا - إلا أحدث المظاهر الباقية لتلك القوة الملحة التي نشأت عن أقدم تأثير ~~للطبيعة في روح الإنسان. # وقد ذكرنا من قبل أن كل المعتقدات الشمسية ms110 والأوزيرية قد اندمج بعضها ببعض منذ عصر مبكر، ~~ومع أنه يمكن تمييز نواة كل مجموعة من أساطير كل عقيدة بسهولة، فإننا من جهة أخرى نجد أن ~~اندماج الآراء الشمسية بالآراء الأوزيرية عن الحياة الآخرة قد ترك لنا مشكلة صعبة الحل ~~جدا إذا نحن حاولنا فصلها من ذلك الاندماج لتتميز كل عقيدة منها عن الأخرى. # وذلك أن كلا من نور الشمس والخضرة كانا مندمجين في الديانة المصرية القديمة بعضها ببعض ~~بحالة لا يمكن معها فصلهما من ذلك الاندماج، مثلهما في ذلك كمثلهما في الطبيعة لا يمكن ~~فصلهما من ذلك الامتزاج. ولهذا كانت توجد مجموعة معتقدات خاصة بالحياة الآخرة يمكن تسميتها ~~«معتقدات شمسية» ومجموعة أخرى خاصة بالحياة الآخرة أيضا تسمى بلا نزاع «معتقدات أوزيرية»، ~~غير أن هذين المذهبين قد اندمج بعضهما ببعض حتى صار لدينا مناطق محايدة عن ذلك الاندماج لا ~~يمكننا اعتبارها لواحدة منهما خاصة دون الأخرى، ومع ذلك يمكن تمييز المذهبين، من الأنظمة ~~الخاصة بكل منهما، بسهولة أكثر. # فمن الواضح أن المذهب الشمسي كان لاهوت الدولة تحيط به أبهة الملك ونفوذه، على حين أننا ~~نواجه في مذهب أوزير ديانة الشعب التي اجتذبت إليها كل فرد متدين. # ومن المحتمل أن التاريخ القديم لتتابع هذين المذهبين كان كما يأتي: كان المصريون في عهد ~~ما قبل التاريخ يعتقدون اعتقادا ساذجا بوجود عالم سفلي للأموات مآل كل الناس إليه حتما، ~~وخص الملوك بآخرة سماوية جليلة خصوا بها في أول الأمر ثم شملت فيما بعد جميع عظماء القوم ~~وأشرافهم - وقد تكلمنا عنها فيما سبق - ثم انتهى أمرها أخيرا بأن صارت عالما شمسيا ~~لهؤلاء الموتى. # ولما حل نفوذ «أوزير» الذي كان آخذا في الازدياد محل الآلهة الجنازيين الذين كانوا أقدم ~~منه صار هو بذلك رب العالم السفلي. # وكان من نتائج ذلك أن أخذ «أوزير» وعالمه السفلي يناهضان الآخرة الشمسية السماوية في ~~سلطانها. وندرك في ظهور هذين المذهبين جنبا لجنب الكفاح الطويل الذي قام بين دين حكومي ~~ودين شعبي لأول مرة في تاريخ العالم البشري. # والآن يجب ms111 علينا أن نبتدئ بتحديد أصل معتقد «أوزير» عن الحياة الآخرة بقدر ما نستطيع، ثم ~~نقتفي بعد ذلك أثر سير الكفاح الذي لا يزال حتى الآن غير محدد بينه وبين ذلك اللاهوت ~~السماوي العظيم الخاص بعقيدة الملك المتوفى، وهي التي فحصناها فيما سبق. وربما كان أعظم شيء ~~في حياة سكان وادي النيل الأقدمين يكسبهم تقديرنا الخاص هو أن المذهب الأوزيري قد علق في ~~الحال بعد بخيال الشعب ثم انتشر بين طبقاته، وبذلك أخذ يناهض المذهب الشمسي الذي كان ~~يعتنقه رجال البلاط الملكي وكهنة الحكومة. ويتضح ذلك بوجه خاص فيما يتعلق بعقائد الحياة ~~الآخرة التي ندرك من أدوار تطورها صبغ الديانة المصرية القديمة بالتدريج بالصبغة ~~«الأوزيرية»، وبوجه خاص في التعاليم الشمسية عن الحياة الآخرة. # على أنه لا يوجد في أسطورة «أوزير» ولا في أخلاقه ولا في المتأخر من تاريخه ما يشعر بوجود ~~حياة أخروية سماوية، بل إننا نذكر أنه لا يزال يوجد بعض نصوص واضحة لا يتطرق إليها الشك ~~ترجع إلى عصور كان فيها «أوزير» يعتبر عدو الموتى الذين يعتنقون المذهب السماوي الشمسي، ~~وهذه النصوص لا يزال في مقدورنا تعرفها بين متون الأهرام، وهي تشتمل على تعاويذ كان الغرض ~~منها منع «أوزير» وأقاربه من دخول الهرم - وهو قبر شمسي - بقصد سيئ. وفيما قبل التاريخ كان ~~مذهب «أوزير» (الذي كان في وقت ما مذهبا محليا في الدلتا) يحمل في ثناياه عقائد تقول بأن ~~الحياة الآخرة ممقوتة يخشى شرها كما كانت في الوقت نفسه معادية للعقائد السماوية الخاصة ~~بعالم الحياة الآخرة وما فيها من نعيم. # ولما هاجر «أوزير» من الدلتا إلى «أبيدوس» تصور القوم أن ملكه يقع في الغرب أو تحت الأفق ~~الغربي، ومن ثم أخذ «أوزير» مكانه في العالم السفلي وأصبح ملكا على عالم الأموات تحت ~~الأرض؛ وتلاحظ تلك الظاهرة حتى في متون الأهرام. وبلغ «أوزير» قمة فوزه بصفته رب مملكة ~~الأموات السفلية. # ولما لم يكن في أسطورة «أوزير» ووظائفه ما يجعله يرتفع إلى السماء؛ فإننا كذلك نجد أن ~~أبسط صيغ متون الأهرام ms112 لا تقول برفعه إلى عالم السماء، وتشتمل قصة المصير «الأوزيري» على ~~صور متنوعة كالتي نجدها في اللاهوت الشمسي، ولكن الخضرة التي كان يمثلها «أوزير» تستمر بعد ~~موتها، ولذلك كان من المحتم أن يبعث «أوزير» من بين الموتى أيضا، وكانت قيامته تعد فوزا ~~على الموت وقوة لا يعدلها شيء في العقائد الجنازية المصرية القديمة. وكان من نتيجة ذلك أن ~~الملك و«أوزير» قد أحدا، ولذلك كان الملك المتوفى يفعل كل ما كان يفعله «أوزير»؛ فكان ~~يتسلم قلبه وأعضاءه كما فعل ذلك «أوزير»، أو كان يتحول إلى «أوزير» نفسه، وكان ذلك أحب ~~معتقدات القوم في المذهب الأوزيري؛ أي أن يتحول الملك إلى «أوزير» ويقوم من الموت ثانية كما ~~قام «أوزير» نفسه من الموت. # ويبدأ تأحيد الملك بأوزير عند ولادة الملك، وقد جاء وصف ذلك في متون الأهرام مشتملا على ~~كل العجائب والمعجزات الخاصة بالمولد الإلهي، ولم يقتصر الحال على تقمص الملك شكل «أوزير» ~~فحسب، بل إنه أحد معه تأحيدا تاما، وذلك ما نجده مدونا عن تلك العقيدة في متون ~~الأهرام. ولذلك نرى «أوزير» نفسه تستحلفه الملوك على اختلاف أسمائها: «إن جسمك هو جسم هذا ~~الملك «وناس»، ولحمك هو لحم هذا الملك «وناس»، وعظامك هي عظام هذا الملك «وناس»، وكما أنه ~~(أي أوزير) يعيش فإن هذا الملك «وناس» يعيش، وكما أنه لا يموت فإن هذا الملك «وناس» لا ~~يفنى.» وعلى هذا الفرض يتسلم الملك المتوفى عرش «أوزير» ويصير مثله ملك الموت: «هيا أيها ~~الملك «نفر كارع» (بيبي الثاني)! ما أجمل هذا! ما أجمل هذا الذي صنعه لك والدك «أوزير»! إنه ~~أعطاك عرشه، وأنت تحكم أولئك الذين في الأماكن الخفية (أي الموتى). إنك تقود الصالحين منهم ~~ويتبعك كل الأجلاء.» # ولقد كان أسمى نفع نتج عن تأحيد الملك و«أوزير» أنه ضمن للفرعون المتوفى الخدمات الطيبة ~~التي كان يقوم بتقديمها «حور» الذي يتمثل فيه البر البنوي لوالده «أوزير»؛ فقد صارت كل ~~الرعاية الصالحة التي كان قد نالها «أوزير» يوما ما على يد ابنه «حور» من نصيب الملك ms113 ~~المتوفى أيضا. وفي متون الأهرام مجموعة طويلة من الصيغ تشرح لنا تلك المناضلة التي قام بها ~~«حور» ذلك الابن الشجاع لنصرة والده الملك المتوفى بصفته «أوزير»، ولكننا لا نكاد نجد في كل ~~ذلك أثرا للمصير السماوي، ولا إشارة إلى ذلك المكان الذي حدث فيه ذلك النضال ~~العنيف. # ومع أنه من الواضح أن كهنة عين شمس هم الذين صبغوا بادئ الأمر العقائد الجنازية بصبغة ~~شمسية وسماوية، برغم أنها كانت في أول أمرها أرضية في أصلها وصبغتها، فإن هؤلاء الكهنة ~~الشمسيين لم يكن في مقدورهم أن يقاوموا النفوذ القوي الذي نشأ من انتشار مذهب «أوزير» بين ~~الشعب ، وانتهى الحال بأن صبغت متون الأهرام بصبغة «أوزيرية». # وإن التطور المستمر الذي نتعرف منه في ذلك البحث سير الكفاح بين المذهب الشمسي الذي كان ~~متبعا في معابد الحكومة وبين المعتقدات الشعبية لديانة «أوزير»، كما يتضح من متون الأهرام، ~~يعد من أهم ما بقي لنا من أخبار العالم القديم، فقد حفظ لنا حقا أقدم مثال للصراع الروحي ~~والعقلي بين ديانة الحكومة وديانة الشعب، وذلك الصراع يسوقنا إلى موازنته بالكفاح الذي حصل ~~فيما بعد في عهد الدولة الرومانية وهو اعتقاد الشعب في «عيسى» الذي رفع إلى السماء، وهو ~~المذهب الشعبي من جهة، وبين عبادة الحكومة المنظمة لقيصر الذي كان يعتبر في نظر القوم أنه ~~«الشمس التي لا تقهر» من جهة أخرى. ولا نزاع في أن الديانة المسيحية المبكرة قد حملت في ~~ثناياها صدى ذلك الكفاح القديم الذي قام على ضفاف النيل بين الخضرة التي تحيا ثانية ~~باستمرار وبين إله الشمس، فكان إله الخضرة [أي أوزير] البشري في نظر الشعب هو الذي استمال ~~قلوبهم حتى إنه لم يكن في مقدور كهنة الشمس مع ما هم فيه من ثراء أن يقاوموا قوة ذلك ~~الميل. # ويمكننا أن نتتبع سير عملية صبغ العقائد بالمذهب «الأوزيري» في متون الأهرام حسب النسخ ~~التي نشرتها الكهنة من حكم إلى حكم خلال عهد خمسة ملوك متتالين تمثلهم خمسة أهرامات تحتوي ~~على خمس نسخ مختلفة من ms114 متون الأهرام تختلف كل منها عن الأخرى في قراءتها. وقد يكون في ~~إيراد بعض الأمثلة ما يظهر البرهان على ذلك، ويوضح سير عملية هذا التطور. # فالسلم الذي يؤدي إلى السماء كان في أصله عنصرا من عناصر المذهب الشمسي. والدليل على أنه ~~لم تكن له أية علاقة بأوزير، يظهر بأمور؛ منها: أن إحدى الروايات الخاصة بقصة السلم تمثله ~~في حيازة «ست» عدو «أوزير» التقليدي. ويمكننا اقتفاء صبغ قصة السلم بالصبغة الأوزيرية ~~بسهولة في أربع روايات ذكرت عنه، وتلك الروايات في الحقيقة روايات مختلفة مأخوذة عن أصل ~~واحد قديم، وتمثل هذه الروايات الأربع عصرا يمتد إلى نحو قرن من الزمان أو على أقل تقدير ~~نحو 85 سنة، فيظهر أمامنا في أقدم هذه الروايات التي حفظت لنا أن السلم لا يظهر منه إلا جزء ~~يسير والصاعد عليه هو فرعون نفسه. على أننا نجد أن قصة السلم قد تم تطورها بعد مضى جيل؛ إذ ~~كان الصاعد الأصلي الأول عليه هو «آتوم» إله الشمس، ولكننا نجد أن الإلهتين «إزيس» و«نفتيس» ~~الأوزيريتين قد ضمتا إلى القصة. وفي آخر رواية عرفت من هذه الروايات، وهي التي جاءت بعد ~~الرواية الأولى في متون الأهرام بنحو 85 سنة، نرى أنه قد وضع في فم «إزيس» و«نفتيس» ذلك ~~الترحيب الذي كانت ترحب به الآلهة القدامى عندما كانوا يشاهدون الفرعون صاعدا إلى السماء، ~~وصار الصاعد هو «أوزير» نفسه، ومن ذلك نرى أن «أوزير» قد انتحل لنفسه الرواية الشمسية ~~القديمة الخاصة بالسلم ونسب لنفسه المتن الشمسي القديم. # ومما هو جدير بالملاحظة هنا أن هذا التغيير قد حدث بالرغم من وجود تعقيدات محيرة، فقد ~~مثلت تلك العقيدة الشمسية القديمة كلا من «ست» و«حور» مساعدين للملك عند صعوده في السلم ~~الذي نصبه «رع» و«حور» وذلك وفقا لفكرة اشتراك «حور» و«ست» في خدمة المتوفى، ولكن يظهر أن ~~الكاتب لهذه النسخة لم يشعر بالتضارب الذي ينجم عن ذلك عندما يتحول الملك المرفوع إلى ~~السماء إلى «أوزير»، وهو تضارب واضح؛ إذ إن «ست» هو عدو «أوزير» الخلقي ms115 وقاتله فصار يساعده ~~على الوصول إلى مقره السماوي. # ولم يظهر تدخل «أوزير» في أي مكان آخر من متون الأهرام بصورة تلفت النظر أكثر من ظهوره في ~~الصيغ الخاصة بالخدمات التي تقدمها للمتوفى الآلهة الشمسية الأربعة المعروفون بصقور الشرق ~~الأربعة. وكانت الطريقة المحببة لصعود السماء، وفتح أبواب السماء، والعبور من شاطئ إلى ~~شاطئ، وعملية التطهير، وما شاكل ذلك، هي أن تعمل كل تلك الأمور أولا لكل من الصقور ~~الأربعة بالتوالي، ومن ثم تعمل للملك بجاذبية محتمة. وقد كتبت أربع صيغ عظيمة بهذه ~~الكيفية، يحتوي كل منها على بيان للإجراءات التي كانت تجرى لكل من أولئك الصقور الأربعة ~~المذكورين، ثم بيان لما يعمل مثلها للملك. ونجد في أقدم تلك الصيغ أن أولئك الآلهة الأربعة ~~كانوا جميعا آلهة شمسين وهم: ~~(1) # حور الآلهة. ~~(2) # حور الأفق. ~~(3) # حور «شزمت». ~~(4) # حور الشرق. # وبعد ذلك العهد بجيلين نجد الصقور الأربعة أنفسهم لم يتغيروا، ثم نجد بعد ذلك تطورا آخر ~~حصل في تلك المجموعة بظهور متطفل جديد حل محل أولئك الصقور الأربعة، فتبدو مجموعة من ~~الآلهة هكذا: ~~(1) # حور الآلهة. ~~(2) # حور الشرق. ~~(3) # حور «شزمت». ~~(4) # أوزير. # وبذلك نجد أن «أوزير» قد حشر نفسه في تلك الطائفة الشمسية باحتلاله مكان «حور الأفق» الذي ~~هو أقرب الآلهة الأربعة نسبة إلى الشمس. ويعد دخول «أوزير» هنا أكبر مثل مقنع لعظم قوته، ~~كما يعد أظهر مثل لخطوات صبغ متون الأهرام بالصبغة الأوزيرية. # ويوازي ذلك المثل أيضا بحالة تلفت النظر تاريخ مولد الشمس؛ فإنها يحتفل بوقوفها في ~~سيرها جنوبا وبداية عودتها شمالا، وكان مولد الشمس هذا في باكورة عهد المسيحية قد تحول ~~إلى مولد الإمبراطور الروماني الذي كان مؤحدا من إله الشمس، ولا شك أن اتخاذ المسيحيين ~~لذلك العيد الشمسي القديم والاحتفاء به في 25 ديسمبر يقابل بالضبط حلول «أوزير» محل إله ~~الشمس في متون الأهرام منذ ثلاثة آلاف سنة قبل ذلك العهد المسيحي. # وبمثل ذلك صبغ بالصبغة الأوزيرية من زمن بعيد كل من السلم وقارب العبور والعوامات ~~البردية، وبالاختصار كل العتاد الذي كان لازما للوصول ms116 إلى السماء، مع أنه لم يكن لأوزير ~~بالسماء أية صلة، فلا عجب بعد ذلك إذا اندمجت السماء وسكانها في «أوزير» حتى صارت النجوم ~~الثوابت (التي لا تفنى) تسمى «أتباع أوزير». وكذلك صار من الممكن أن نجد الملك ينقل إلى ~~السماء بنفس الطريقة عندما يولد مثل «أوزير» ممثلا في صورة نيل السماء، ويفيض على السماوات ~~كفيضان النيل على الأرض فيجعل كل السماء يانعة خضراء: «إن الملك «وناس» يأتي إلى بركته التي ~~في إقليم الفيضان عند النيل العظيم، إلى مكان السلام ذي الحقول الخضراء التي في الأفق، ~~و«وناس» يجعل الخضرة نضرة في إقليمي الأفق .» # وبالرغم من أن كل ذلك قد أدى إلى صبغ العقائد الجنازية الشمسية والسماوية بصبغة ~~«أوزيرية»، فإن الحياة الآخرة مع ذلك بقيت سماوية، لذلك كان من الواضح أن إله الشمس عندما ~~كان يأخذ «أوزير» إلى جواره فإن معنى ذلك أن مكانة إله الشمس في تلك العقائد الجنازية ~~المركبة كانت لا تزال هي المكانة الأولى، وحينئذ تبقى الحقيقة القائلة بأن العقائد السماوية ~~عن الحياة الآخرة هي السائدة في متون الأهرام كلها، أما عالم «أوزير» السفلي الذي ظهر فيما ~~بعد، وكذلك سياحة إله الشمس فيه، فإنهما كانا ولا يزالان يعدان في مركز ثانوي بصفة قاطعة في ~~تلك العقائد الجنازية الملكية، أما عامة الشعب فكان إله الشمس فيما بعد في نظرهم ينزل إلى ~~العالم السفلي ليضيء على قوم «أوزير» في مملكة الأموات. ويعتبر ذلك من أهم البراهين الدامغة ~~الدالة على قوة «أوزير» عند عامة الشعب، أما في لاهوت الملك والمعابد الحكومية فكان «أوزير» ~~يرفع إلى السماء، ومع أنه كان مصبوغا هناك بالصبغة الشمسية فإن مذهبه كان هو الآخر يصبغ ~~العقائد الشمسية الخاصة بمملكة الأموات السماوية بعض الشيء بصبغة العقائد الأوزيرية؛ فكانت ~~نتيجة ذلك أن حدث ارتباك كان لا بد من حدوثه عند اختلاط تينك العقيدتين إحداهما ~~بالأخرى. # فنحن نذكر أن الملك في كلا المذهبين قد تأحد مع الإله، وعلى ذلك نراه يسمى من غير تردد ~~«رع» و«أوزير» في الفقرة الواحدة من فقرات ms117 متون الأهرام. # وتوجد في متون الأهرام فقرات كبيرة تدل على الارتباك والتعقيد الذي نتج من امتزاج تلك ~~العناصر التي لا انسجام بينها، إذا كان التوفيق غير ممكن في مثل تلك الفقرات بين ظهور كل ~~من «رع» و«أوزير» بمظهر الملك الأعلى في الحياة الآخرة. على أن مثل تلك المعتقدات الدينية ~~المتضاربة لم يكن يشعر المصري القديم من جراء تضاربها بأي قلق أكثر مما كانت تشعر به أية ~~حضارة قديمة أخرى باستبقاء طائفة من عقائدها الدينية جنبا لجنب مع عقائد أخرى تخالفها أو ~~تتناقض معها كل التناقض. ولم تفلت العقائد المسيحية نفسها من تلك المتناقضات، كما أنها لم ~~تفلت من تغلغل نفوذ الآراء المصرية القديمة عن الحياة الآخرة فيها؛ فنجد الآراء المصرية ~~القديمة عن العالم السفلي وأبوابه الجهنمية وبحار اللهيب قد قامت بدورها في تصوير جهنم ~~الحامية في الديانة المسيحية، كما أنه من المحتمل أن مملكة إله الشمس السماوية بما فيها من ~~شجرة الحياة هي أصل فكرتنا نحن معاشر أهل الغرب عن الجنة التي في السماوات، وهي التي ظهرت ~~فيما بعد في الصور المسيحية الفنية واضحة خلابة. # وعلى أية حال فإنه يوجد فرق ملموس بين «أوزير» و«رع»؛ فأوزير يعتبر ملك الأموات دون ~~غيرهم، ووظيفته سلبية، حتى إنه يندر أن يقوم بعمل إيجابي حتى ولو كان لصالح عالم الأموات. ~~ونعمة المصير الأوزيري ينحصر معظمها في التمتع بالخدمات الطيبة التي كان يقدمها «حور» ~~قائما بدور ابن المتوفى حينما يتحول الأخير إلى «أوزير»؛ فالخدمات التي كان يقوم بها ~~الآخرون (أي التي لا يقوم بها هو) هي التي يتمتع بها المتوفى (كما تمتع بها «أوزير» من ~~قبل)، وبذلك بقي «أوزير» إلها للموتى. # أما «رع» فإنه كان صاحب قوة عظيمة في شئون عالم الأحياء، ومع أنه كثيرا ما يشفع للموتى ~~فإن سلطانه الأعظم في هذا العالم الدنيوي، حيث يمتد وينمو حتى يسيطر على مملكة ذات قيم ~~أدبية؛ وهي مملكة سنحصل منها على أقدم لمحات سنحت لنا عن كل هذا العالم، وذلك حينما نحاول ~~الكشف عن عوامل هي ms118 فوق العوامل والمقاصد المادية التي رأينا أنها كانت فيما استعرضناه من ~~المراحل صاحبة السيادة والسلطان على التصور المصري القديم عن الحياة الآخرة. # الفصل التاسع # | السلوك، والمسئولية، وظهور النظام الخلقي # كان غرضنا من ذكر ما جاء في الفصول السالفة أن نضع أساسا نبني فوقه تلخيصا معقولا ~~لأبحاثنا عن تطور الحياة الخلقية عند قدماء المصريين، تلك الحياة التي بدأت في التطور من ~~عهد الاتحاد الثاني؛ أي في الفترة التي وصلت فيها مدنية الدولة القديمة إلى أوج عظمتها بعد ~~سنة 3000ق.م. وقد لاحظنا فيما تقدم أنه منذ عهد الاتحاد الأول [أي قبل منتصف الألف الرابع ~~ق.م] كان موضوع الخلق الإنساني تحت محك البحث، فكان يعبر عن هذا الخلق أو ذاك في المجتمع ~~بأنه محبوب أو مكروه (أي ممدوح أو مذموم)، ولعلنا نذكر أن تلك الحقيقة قد كشفتها لنا وثيقة ~~يرجع تاريخها إلى بداية الاتحاد الثاني؛ وهي المسرحية المنفية، فقد رأينا فيها ترديدا ~~لأصداء من العصر السابق لذلك وهو ما قبل نهاية الاتحاد الأول. # والواقع أن نتف المصادر الضئيلة المدونة التي وصلتنا من القرون الأربعة الأولى من عصر ~~الاتحاد الأول لم تزد معلوماتنا إلا الشيء القليل عن المعتقدات المصرية القديمة، ولكننا نجد ~~بعد عام 3000ق.م (أي عندما بدأ عصر الأهرام) أن المقابر الضخمة الواقعة في جبانتي الجيزة ~~ومنف (سقارة)، وهي معروفة لكل من ساح في مصر في عصرنا هذا، قد بدأت تبدو من نقوشها صور عن ~~المجتمع المصري المستحدث في عهد الدولة القديمة، وصرنا نرى منها بعض لمحات عن معتقداتهم ~~الخاصة بالخلق الإنساني وبواعثه. # وأهم ما تكشفه لنا هذه اللمحات التطورات الظاهرية؛ وذلك لأن الحياة المصرية القديمة كانت ~~تشغلها في ذاك الوقت تلك الانتصارات المادية التي لم يسبق لها مثيل؛ إذ لم يوجد شعب آخر في ~~بقاع العالم القديم نال من السيطرة على عالم المادة بحالة واضحة للعيان تنطق بها آثاره ~~الباقية للآن مثل ما ناله المصريون الأقدمون في وادي النيل، فقد بنى المصريون القدماء ~~بنشاطهم الجم صرحا من المدنية المادية يظهر أن الزمن ms119 يعجز عن محوه محوا تاما. وأما ~~الأخلاق فهي اتجاه جوهر الحياة المنوع، الذي لا يدرك باللمس واللون، من العادات والتقاليد ~~والصفات الشخصية المشكلة بتأثير القوى الاجتماعية والاقتصادية والحكومية التي تعمل باستمرار ~~في مناهج الحياة اليومية. # وهذه الأشياء التي تكون اتجاه الفرد وتدفع بالنفس الباطنة إلى اتخاذ موقف وقتي حاسم ~~تكون جوا أسمى للعالم القديم يصعب تحديده، ولم يصل إلينا عنها سوى لمحات جزئية نراها في ~~مبنى القبر واتجاه باب الهرم. وقد وجدنا عنها بعض إشارات ضئيلة في متون الأهرام وفي نصائح ~~«بتاح حتب» المشهورة، وحتى هذه الإشارات تدور كما شاهدنا بوجه خاص حول ذكر حالة الرفاهية ~~المادية والنعيم المقيم الذي ينعم به المتوفى في عالم الحياة الآخرة. وعلى أية حال فإن ما ~~تكشفه لنا المصادر الباقية يعد ذا فائدة فريدة في بابها؛ إذ تظهر لنا هذه المصادر الخطوة ~~التالية في التطور الخلقي، بعد المسرحية المنفية التي تؤلف مع تلك المصادر أقدم دور في ~~تطور الإنسان الخلقي كما هو معروف لنا، وهو الدور الذي كون أعظم الخطوات الأساسية في تطور ~~الحضارة. يضاف إلى ذلك أن تلك المصادر التي من عصر الأهرام لم تجمع # 1 # معا قط من قبل؛ ولذلك فإنني عندما جمعتها لتدوينها من أجل وضع هذا الكتاب لم ~~تكن دهشتي لكثرتها فقط، بل كانت دهشتي أكثر عندما أدركت أنها تصور لنا الحياة في الأسرة عند ~~قدماء المصريين بصورة لا تدع مجالا للشك في أنها هي العامل الأول في ظهور الأفكار الخلقية ~~ونموها؛ فقد كان المصري في عصر الأهرام يشعر بوجود جو من الوازع الخلقي يزعه، حتى إن متون ~~الأهرام قد أظهرت لنا الآن ذلك الوازع مطلا على ما قد مضى من تلك العصور التي لم تكن تعرف ~~معنى للخطيئة والشجار بين «أفراد تلك الجماعة الأولى» من طائفة الأبرياء الذين ولدوا قبل ~~أن يوجد «الشجار» و«الصوت» و«السب» و«النزاع» أو «التشويه المروع» # 2 # الذي ارتكبه كل من «حور» و«ست» ضد الآخر. على أن الاعتقاد بوجود عصر للمثال ~~الأعلى، أو على الأقل بوجود ms120 عصر للعدالة والسلام يجب أن نربط بينه وبين ذلك العصر الذي يشار ~~إليه في متون الأهرام بأنه العصر الذي «قبل أن يظهر فيه الموت». # وفي ذلك العصر المبكر لأقدم جماعة بشرية وصلت إلينا أخبارها، ساد الاعتقاد بأن حق كل فرد ~~في التحلي بالأخلاق الفاضلة يمكن أن يقوم على أساس النهج والسلوك اللذين يعامل بهما أفراد ~~أسرته، وهم والده ووالدته وإخوته وأخواته. وهذه الحقيقة تعتبر ذات قيمة بالغة ومكانة عظيمة ~~في ذلك البحث الجليل، وقد أكدها لنا أحد أشراف رجال الوجه القبلي الذي كان يعيش في القرن ~~السابع والعشرين ق.م؛ إذ قال في نقوش قبره بعد أن عدد لنا كثيرا من أعماله الطيبة: «إني ~~لا أقول كذبا؛ لأني كنت إنسانا محبوبا من والده، ممدوحا من والدته، حسن السلوك مع أخيه، ~~ودودا لأخته.» كما نجد بعد فترة من تاريخ هذا النقش أن أحد المقربين من الملك من أهل ~~الصعيد الأقصى يؤكد أيضا: «إن الملك مدحني، وترك والدي وصية لمصلحتي؛ لأني كنت طيبا ... ~~وإنسانا محبوبا من والده ممدوحا من والدته ويحبه كل إخوته.» وكثيرا ما نرى الأشراف في ~~عهد الأهرام يجمعون صفاتهم الحسنة في العبارة الآتية: «كنت إنسانا محبوبا من والده ~~وممدوحا من أمه، محبوبا من إخوته وأخواته.» # وكان البر بالوالدين من أهم الفضائل البارزة في عصر الأهرام، فإننا نجد مذكورا في النقوش ~~القديمة مرارا وتكرارا في جبانات الأهرام أن المقابر الضخمة التي بها، كانت من صنع ~~الأبناء البررة لآبائهم المتوفين، وأن الابن كان يعد لوالده مدفنا فاخرا، بل إن أحد ~~الأبناء من أهالي ذلك العصر قد فاق كل من كان سواه من الأبناء في بره بوالده، فقد ذكر في ~~نقوش قبره ما يأتي: # والآن قد عملت على أن أدفن في نفس القبر مع «زاو» هذا (يعني والده) لكي أكون معه ~~في مكان واحد، على أني لم أفعل ذلك لأني لست في مكانة تؤهلني لبناء قبر ثان، بل ~~فعلته حتى أتمكن من رؤية «زاو» هذا كل يوم، ولكي أكون معه في المكان عينه. ms121 # ولدينا حالة أخرى أعظم من هذا في بر الابن بأبيه أيضا، وهي قصة «سبني» (حارس الباب ~~الجنوبي)؛ أي المحافظ على الحدود المصرية من جهة السودان عند شلال النيل الأول، فقد حدث أن ~~«مخو» والد «سبني» قد قام برحلة خطيرة في قلب السودان طلبا للاتجار، وهناك انقض عليه بعض ~~القوم من الهمج وذبحوه، فلما سمع ابنه «سبني» بذبح والده قام على الفور برحلة تحفها المخاطر ~~في قلب ذلك الإقليم المعادي، واستخلص منه جثمان والده بعد أن تعرضت حياته خلال ذلك للموت، ~~وأحضر جثمان والده ليحفظ في مصر. ولا يزال قبر «سبني» باقيا في أسوان حتى الآن، ويحتوي ~~ذلك القبر على النقوش الدالة على ما قام به الابن «سبني» نحو أبيه «مخو» من ضروب الشجاعة ~~لاستخلاص جثمان والده المذكور من أيدي أولئك الأعداء الهمج في زمن عصر الأهرام ~~العتيق. # على أن الأدلة المنقوشة على تلك الآثار التي تركتها لنا أقدم طائفة أرستقراطية عرفت في ~~التاريخ القديم يؤيد صحتها وجود تلك الرسوم الجميلة الزاهية الألوان التي كانت تلك الأسر ~~الشريفة قد اعتادت أن تزين بها جدران مزارات القبو، وبخاصة تلك التي بقيت إلى يومنا هذا ~~بجبانات منف المترامية الأطراف. وتعرف تلك الجبانات الآن بجبانة «سقارة»، وإن تلك المناظر ~~الفخمة التي نجدها أحيانا حافظة لألوانها الأصلية الزاهية للآن ليست في الواقع إلا بيانا ~~خلابا عن الحياة اليومية لأشراف عصر الأهرام. # وتلك المناظر المذكورة تؤلف في وقتنا هذا صورة جذابة يتمتع بمشاهدتها للآن غالب رواد وادي ~~النيل، والسائحون الذين يفدون زرافات ووحدانا في كل شتاء إلى مصر لمشاهدة آثارها القديمة. ~~غير أني أشك كثيرا في أن واحدا من أولئك السائحين الذين يمتطون ظهور الحمير فتسير بهم وسط ~~خمائل النخيل التي تغطي الآن طرقات مدينة «منف» القديمة وبيوتها يفقه أن ما يراه ويشاهده ~~الآن في أطلال جبانة مدينة «منف» يعد أقدم مظهر عرف لنا في التاريخ عن حياة الأسرة، وعندما ~~يجتاز ذلك الزائر الحديث خمائل النخيل المذكورة يقع بصره على منحدرات من كثبان الرمال ~~المنتهية إلى ms122 قمة هضبة صحراوية تغطيها الرمال. تلك هي جبانة «منف» القديمة، ومن ثم يمكنه أن ~~يطل على ما بقي من آثار تلك المدينة الشاسعة الأطراف التي تغطيها الآن الحقول الزاخرة ~~بالزرع والنخيل الدانية القطوف. # ففي هذه البقعة كان يسكن أهل أولئك الأجيال الأقدمون البائدون في مدينة عظيمة أقاموها منذ ~~آلاف مضت من السنين، وعند نهاية أجلهم كانوا يحملون إلى تلك الهضبة التي يصعد إليها الآن ~~ذلك الزائر الحديث، حيث كانوا يدفنون فيها في مقابر فسيحة مبنية بالحجر الجيري الضخم، وتلك ~~المقابر القديمة التي يبلغ عمرها الآن حوالي خمسة آلاف من السنين ترى الآن صامتة خربة ~~تغطيها الرمال القاحلة، غير أنه ما زال في مكنتنا أن ندخل مزارات تلك المقابر ونتجول في ~~حجراتها. # وجدران تلك الحجرات مغطاة بكثير من النقوش والمناظر ذات الألوان الزاهية التي تمثل لنا ~~صورا من الحياة القديمة، # 3 # ففي تلك المناظر المحفورة نشاهد صاحب إحدى تلك الضياع التي كانت تحيط بمدينة ~~«منف» منقوشا على الجدار بحجم عظيم وهو يقوم بالإشراف على رجال ضيعته الذين نقشوا معه في ~~الصورة بحجم أصغر منه كثيرا، فنراه يتفقدهم وهم يبذرون الحبوب أو يحصدون محاصيل الحقول أو ~~يسوقون الماشية والقطعان غادين أو رائحين، أو يخوضون ترع الري أو يعملون في أحواض بناء ~~قواربهم أو حوانيت تجارتهم أو مصانع عمل النحاس أو مكان صنع الفخار، وغير ذلك من مئات الصور ~~التي تنبئنا عن كثير من نواحي نشاطهم وأعمالهم في حياتهم الدنيوية. # بهذا قد صورت على تلك الجدران جميع مظاهر حياتهم الواسعة النطاق من زراعة وتربية ماشية ~~وصناعة مما درجت على أساسه تلك المدنية القديمة وترعرعت. وترى فيها الشريف المصري القديم ~~يصحب معه زوجته في كل تلك الجولات الفسيحة في أرجاء ضيعته الشاسعة، فكانت ترى تتهادى ~~بجانبه حينما كان يدخل من الباب العظيم المؤدي إلى حديقته الغناء التي أقيمت في وسطها كرمته ~~البهيجة، فكانت زوجته في الواقع تشاطره كل حياته وكل أعماله كما كانت ترافقه في الوقت نفسه ~~في كل لحظة، وكانت أطفالهما في صحبتهما ms123 دائما. ومن أمتع المناظر التي نشاهدها بين تلك ~~الصور المنقوشة على جدران تلك القبور منظر يصور لنا طفلا صغيرا يجري بجانب والده ويقبض ~~بإحدى يديه على هدهد صغير، كما نشاهد رب البيت يصطاد في المستنقعات المخصصة لذلك الغرض ~~وبجانبه زوجته وطفله، وكلهم في قارب من القصب يسبح بهم بين أزهار البردي الطويلة. ويلاحظ في ~~هذه الصورة أن الطفل كان منحنيا نحو الماء ليقطف زهور السوسن المائية. أو نشاهد كذلك ~~الشريف مرسوما جالسا بحديقته، وأطفاله أمامه يلعبون الكرة أو يعبثون في ماء بركة الحديقة ~~وهم يصطادون السمك . # وهذه النقوش التي نشاهدها على مقابر «منف» تمثل حياة نحو 500 سنة؛ أي من 3000ق.م إلى ~~2500ق.م أو بعد ذلك، وهي تؤلف أول مظهر معبر عن حياة الأسرة بقي لنا من العالم القديم. وكان ~~الاعتبار الأول في اهتمامنا بتلك الرسوم حتى الآن أنها آثار فنية، ومصادر نستقي منها ~~معلوماتنا عن حياة المصريين الأقدمين في الزراعة والرعاية والصناعة، ثم إلى حد ما عن الحياة ~~الاجتماعية عندهم. على أن العلاقات الأسرية المرحة المنطوية على الود، التي تنطق بها تلك ~~النقوش تعد كشفا جديدا ذا أهمية أساسية في تاريخ الأخلاق؛ وذلك لأن هذه الصورة، مضافا ~~إليها النقوش المدونة فوق جدران القبور، مع حكم «بتاح حتب» التي سنرود مجاهلها بعد، تقدم ~~لنا برهانا تاريخيا قاطعا على أن الإدراك الخلقي نبتت جذوره من حياة الأسرة. # ومن ذلك يتضح أنه هنا، في المصادر المصرية التي يرجع عهدها إلى النصف الأول من الألف ~~الثالث لما قبل الميلاد، نجد مجموعة من الأدلة تظهر لنا تاريخيا لأول مرة ما وصل إليه ~~علماء النفس الاجتماعيون المحدثون من ملاحظاتهم عن حياة الإنسان كما نجده في عصرنا الحاضر. ~~وإني أشير بذلك إلى ما وصلوا إليه من «أن الوازع الخلقي في حياة الإنسان نبت من المؤثرات ~~التي تعمل في العلاقات الأسرية.» وفي ذلك يقول مكدوجال: # 4 ~~«فمن هذه العاطفة (أي حنان الوالدين)، ومن الدافع الذي يحدو بها إلى الحب ~~والرعاية، ينشأ الكرم والاعتراف بالجميل والحب والشفقة وحب ms124 الخير الحقيقي وكل أنواع الخلق ~~المجردة عن الأنانية، ففي تلك العاطفة تنبت الجذور الرئيسية لكل تلك الصفات التي لولا هذه ~~العاطفة ما وجدت قط.» ويشير «مكدوجال» وهو يناقش التطور الذي تمر به مثل تلك العواطف إلى ~~الحقيقة القائلة: «إن كل غلطة ترتكب ضد الطفل الذي يعد موضع حنان والديه يكون من نتائجها ~~المحتومة إثارة الغضب والحقد.» ثم يستمر فيقول: «وهذه الرابطة الوثيقة بين عاطفتي الحنان ~~والغضب تعد من الأهمية بمكان في حياة الإنسان الاجتماعية، ويعد فهمها على حقيقتها أمرا ~~أساسيا لتكوين نظرية صحيحة عن العواطف الخلقية؛ وذلك لأن الغضب الذي يثار بتلك الكيفية هو ~~جرثومة كل سخط خلقي. وعلى السخط الخلقي بنيت بصفة عامة أركان العدالة، والجزء الأكبر من ~~القوانين العامة؛ ولذلك يتضح بالرغم مما قد يظهر من تضارب، أن كلا من الرأفة والعقاب تضرب ~~بوشائجها العريقة في الغريزة الأبوية.» # وعلى ذلك نجد أن كلا من آثار مقابر عصر الأهرام و«حكم بتاح حتب» التي سنأتي على ذكرها، ~~بالرغم من أنهما لا يمثلان إلا مرحلة ثانوية في التطور الخلقي عند الإنسان في العالم ~~القديم، يلقيان بالبديهة ضوءا مفيدا على المرحلة الأولى التي سبقت عصرهما من التقدم ~~الإنساني من تلك الوجوه، وذلك حينما نلاحظ أن تلك المصادر تمثل لنا صورة حقة عن عواطف ~~المحبة في حياة الأسرة من جهة علاقتها الوثيقة بالشعور الأخلاقي، وأن معلوماتنا عن الحياة ~~البشرية البدائية نجدها اليوم لها أهمية عظيمة جدا من هذه الناحية بالذات. وقد لخص «وستر ~~مارك» بدقة ملاحظات علماء الجنس البشري عند فحص ما بقي لنا من الحياة الفطرية في قوله: ~~«توجد حقائق كثيرة جدا يمكن في الواقع اقتباسها للدلالة على أن حنان الوالدين لم يكن ~~نتيجة من نتائج المدنية الحديثة، بل هو ظاهرة طبيعية للعقل البشري المتوحش كما هو معروف لنا.» # 5 # فمنذ العصور المتوغلة في القدم كانت مثل تلك المشاعر موجودة بلا أقل شك، وذلك وقت أن كان ~~نضوب المياه في هضبة شمال أفريقيا يضطر الصيادين المتوحشين إلى النزول إلى وادي النيل، ~~وكانت ms125 تلك المشاعر تنمو في ظلال فترة ذلك التطور التاريخي الذي انتهى بالاتحاد الأول للبلاد ~~الذي لم يتجاوز عمره سنة 4000ق.م. وبعد ذلك التاريخ بخمسمائة سنة؛ أي في القرن الخامس ~~والثلاثين ق.م ظهرت أمامنا أقدم الحقائق المدونة؛ ونعني بذلك المسرحية المنفية، وبعد سنة ~~3000ق.م كشفت لنا جبانة «منف» وحكمة «بتاح حتب» عن مرحلة أكثر تقدما من سابقتها في حياة ~~الإنسان الخلقية التي كان يتسع مجالها باطراد. # وعلى ذلك فإننا نتناول في مصادر الدولة القديمة أقدم طائفة من البيانات التي تكشف لنا ~~تاريخيا أن آراء الإنسان الخلقية هي من ثمرات معالجته للشئون الاجتماعية، وتكون جزءا من ~~التطور الاجتماعي. وهذا الاستنتاج التاريخي يتفق تمام الاتفاق مع الملاحظات الاجتماعية ~~الحديثة، كما ذكرنا ذلك فيما تقدم بالنسبة للأسرة. وقد أصاب «جرين» # 6 # حيث قال: «إنه لا يمكن لإنسان ما أن يكون لنفسه ضميرا، وإنه يحتاج دائما إلى ~~الجماعة لتكونه له.» # فنحن إذن نرقب في هذا العصر العتيق النواحي الراقية لمنهاج في التطور لا يمكن أن نلاحظ ~~مثله في أي عهد آخر قديم من تاريخ حياة الإنسان بأية جهة أخرى، ونتأمل ظهور شعور بالمسئولية ~~الخلقية في الوقت الذي كانت فيه تلك المسئولية قد بدأت تأخذ تدريجا شكل قوة وازعة متزايدة ~~تسيطر على سلوك الإنسان، وهو تطول يسير متجها نحو توطيد مكانة «الضمير» حتى يصير قوة ~~اجتماعية ذات نفوذ في حياة البشر أجمعين. # يدل على ذلك أنه في الوقت الذي كان فيه مدى السلوك الحسن محصورا على الأرجح في أول الأمر ~~في دائرة الأسرة، فإن نطاقه قد أخذ يتسع حتى صار يشمل الجيرة أو الطائفة قبل عصر الأهرام ~~بزمن طويل. فمن ذلك أننا نجد أن أحد الموتى يقص علينا في نقوش قاعدة تمثال جنازي له منصوب ~~في قبره، وقد صوره المثال بصورة ناطقة له كأنها هو: «لقد طلبت إلى المثال أن ينحت لي ~~هذه التماثيل، وقد كان مرتاحا للأجر الذي دفعته إليه.» كما يقول مدير ضيعة يدعى «مني» في ~~نقوش مأخوذة من مقبرته التي من عهد الأسرة ms126 الرابعة (2900-2750ق.م) وموجودة الآن في متحف ~~«جلبتوتيك» بمدينة مونيخ ما يأتي: «أما فيما يخص كل رجل عمل هذا لي (أي ساهم في إقامة هذا ~~القبر) فإنه لم يكن قط غير مرتاح، سواء أكان صانعا أم حجارا، فإني قد أرضيته.» فمن ~~الواضح جدا أن كلا من ذينك الرجلين أراد أن يعلن أنه حصل على معداته الجنازية من طريق ~~شريف، وأن كل من عمل في إعدادها قد تسلم أجره كاملا غير منقوص. # وكذلك ترك لنا أحد حكام المقاطعات ممن عاشوا في القرن السابع والعشرين ق.م البيان التالي ~~عن حياته الصالحة حيث يقول: «لقد أعطيت خبزا لكل الجائعين في «جبل الثعبان» (ضيعته) وكسوت ~~كل من كان عريانا فيها، وملأت الشواطئ بالماشية الكبيرة وأراضيها المنخفضة بالماشية ~~الصغيرة، وأشبعت كل ذئاب الجبل وطيور السماء بلحوم الحيوان الصغير ... ولم أظلم أحدا قط في ~~ممتلكاته حتى يدعوه ذلك إلى أن يشكوني لإله مدينتي، ولكني قلت وتحدثت بما هو خير. ولم يوجد ~~إنسان كان يخاف غيره ممن هم أقوى منه حتى جعله ذلك يشكو للإله. ولقد كنت محسنا لأهل ضيعتي ~~بما في حظائر ماشيتي وفي مساكن صيادي الطيور، وإني لم أنطق كذبا؛ لأني كنت امرأ محبوبا من ~~والده ممدوحا من والدته رفيع الأخلاق مع أخيه، وودودا [لأخته].» # ونجد مرارا وتكرارا أن أولئك الناس القدماء الذين مضى على انقضاء زمنهم نحو 4000 أو ~~5000 سنة يؤكدون لنا براءتهم من عمل السوء؛ فيقص علينا رئيس أطباء الملك «سحورع» في منتصف ~~القرن الثامن والعشرين ق.م ما يأتي: «إني لم آت أي سوء قط ضد أي إنسان.» # وبعد ذلك العهد بقليل نجد كاهنا يقول نفس ذلك الكلام أيضا: «إني لم أرتكب أي عنف ضد أي ~~إنسان.» وبعد ذلك العهد بقرن أيضا نجد كذلك مدنيا رقيق الحال قد أقام نصبا على واجهة ~~قبره ليقرأه الأحياء منقوشا عليه الخطاب التالي: # أنتم أيها الأحياء الذين على وجه الأرض المارون بهذا القبر، جودوا بقربان جنازي ~~مما عندكم فيؤتى به إلي؛ لأني كنت إنسانا محبوبا من الناس، ms127 فلم أجلد قط في ~~حفرة أي موظف منذ ولادتي، ولم أستول على متاع أي شخص قسرا، وكنت أفعل ما يرضي ~~جميع الناس. # ونرى مثل ذلك في نقش قبر آخر لإنسان كان على ما يظهر موضع اهتمام جيرانه؛ إذ يقول: # لقد فعلت ما كان يحبه الناس ويرضي الآلهة حتى يجعلوا بيت أبديتي (أي قبره) يبقى، ~~واسمي موضع الحمد على ألسنة الناس. # ويتضح من مثل تلك الخطابات التي كانت توجه إلى الأحياء أن أهم غرض كان يرجوه المتوفى من ~~الإدلاء بتلك التأكيدات الدالة على حسن سيرته في المجتمع؛ هو استدرار عطف الأحياء من جيرانه ~~عليه حتى يقدموا له القرابين الجنازية من الطعام والشراب عند قبره. # وقد كان المتوفى في اعتقاد القوم عرضة لأن يطلب للمحاسبة فيما بعد الموت عن أي خطأ يكون ~~قد ارتكبه أو ظلم اقترفه أثناء حياته الدنيوية، فيقف هناك أمام إله الشمس الذي كان يجلس ~~بصفته القاضي الأعلى لمحكمة العدل أسوة بمحاكم عالم الدنيا، ولذلك وضع «مني» مدير الضيعة - ~~الذي سبق أن لاحظنا عنه فيما تقدم اهتمامه بدفع أجور العمال ممن قاموا ببناء قبره - ~~التحذير الآتي على واجهة باب قبره: «إن التماسيح ستكون ضده في الماء! والثعابين ضده على ~~اليابس، جزاء لكل من يقترف أي سوء ضده (أي ضد قبره)، فإن الإله العظيم هو الذي سيحاكمه من ~~أجل ذلك.» وعلى ذلك يتضح أن القيم الأخلاقية كان لها تقديرها في نظر الآلهة مما يجوز أن ~~يؤثر ماديا على سعادة المتوفى في الحياة الآخرة. # وكلا الباعثين قد وجدا مجتمعين في خطاب واحد موجه للأحياء على باب مقبرة «حرخوف» ~~الألفنتيني الموطن، الذي توغل في السودان في القرن السادس والعشرين ق.م، والذي يعتبر أكبر ~~الرواد القدامى الذين جابوا مجاهل أفريقيا، وقد نحت قبره في الصخور الغربية المطلة على بلدة ~~«أسوان» الحالية، حيث يمكن لأي سائح قوي الساقين أن يتسلقها لزيارة ذلك القبر. ومن بين ما ~~نقشه على واجهة ذلك القبر قصة حياته المليئة بالمخاطرات، ومنها قوله: «كنت ... محبوبا من ~~والده، ممدوحا من والدته، ms128 يحبه كل إخوته، ولقد أعطيت خبزا للفقير وملابس للعريان وعديت من ~~لا قارب له. وأنتم أيها الأحياء الذين على وجه الأرض والمارون بهذا القبر، سواء أكنتم ~~نازلين مع النهر أم صاعدين فيه، قولوا: ألف رغيف وألف إناء جعة (تقدم) لصاحب هذه المقبرة؛ ~~وإني في مقابل ذلك سأشفع لكم في العالم السفلي؛ لأني إنسان مجهز «بالسحر»، وكاهن مرتل فمه ~~على علم. وأما من يدخل هذا القبر مدعيا ملكيته الجنازية فإني سأقبض عليه كما يقبض على طائر ~~بري، وسيحاكم على ذلك أمام الإله العظيم. وإني كنت إنسانا يقول الحسن ويردد المحبوب، ولم ~~أنطق قط بأي شيء قبيح لرجل صاحب سلطان ضد أي إنسان، وقد كانت غايتي أن تكون حالتي حسنة أمام ~~الإله العظيم، على أني لم أفصل بين أخوين بما يحرم ابنا متاع والده.» # ويلاحظ في ذلك الخطاب أن التهديد بالمحاكمة لم يستعمل فقط لمنع الإنسان الخارج على ~~القانون من الاستيلاء على قبر المتوفى، بل إن له، فضلا عن ذلك، مغزى آخر هو فكرة المحاكمة ~~التي تعبر عن المسئولية الخلقية فيما بعد الموت، وإنها بالتأكيد هي الباعث الذي حدا بذلك ~~الرائد العظيم أن يعيش عيشة فاضلة؛ أي إن غرض المتوفى أن يتوقف مصيره على حياته اليومية في ~~عالم الدنيا؛ مثال ذلك قوله: «لقد رغبت في أن يحسن حالي في حضرة الإله العظيم.» ومن ذلك ~~نعرف أنه كان ينتظر طوال حياته احتمال وقوفه أمام الحضرة الرهيبة فيما بعد الموت ليحاسب على ~~كل سيئة يكون قد ارتكبها في أثناء حياته الدنيوية. # ولا شك أن تدوين مثل تلك الأقوال في جبانات عصر الأهرام (أي منذ خمسة آلاف سنة) لم يكن ~~أمرا قليل الأهمية والجدوى؛ لأنه أقدم برهان على الشعور بالمسئولية الخلقية عند قدماء ~~المصريين في عالم الحياة الآخرة؛ إذ نجد في بلاد أخرى - بعد مرور ما يربو على ألفي سنة من ~~ذلك التاريخ - أن الخير والشر كانا يحالان معا إلى عالم واحد من عالم الأموات من غير أن ~~يكون بينهما أي تمييز، فكأن ما ذكرناه ms129 عن ذلك فيما تقدم كان مشهدا خلقيا فريدا لا نظير ~~له ننظر من خلاله ذلك التسامي رغم ما يحيط به من حالك الظلام الكثيف، فكان مثله مثل شعاع ~~الشمس ينفذ في حوالك الظلمات. # على أن الوازع الخلقي لم يبق منحصرا نفوذه في العوامل الشخصية، مقتصرا على علاقة ~~الإنسان بأسرته وجيرانه أو المجتمع الذي يعيش فيه فحسب، بل كان قد بدأ تأثيره يظهر في ذلك ~~الزمان في الأوساط العليا من المجتمع البشري، حتى صار تأثيره يظهر في واجبات الحكومة نحو ~~عامة جميع الشعب ولو أدى تنفيذ تلك الواجبات إلى عدم رعاية حقوق الأسرة أصلا. فقد وجدنا في ~~عصر مبكر مثل عصر الأهرام أن الوزير العادل «خيتي» قد صار مضرب الأمثال بسبب الحكم الذي ~~أصدره ضد أقاربه عندما كان يرأس جلسة للتقاضي كانوا فيها أحد الطرفين المتخاصمين؛ إذ أصدر ~~حكمه ضد قريبه دون أن يفحص وقائع الحال، وكان ذلك منه تورعا عن أن يتهم بمحاباة أسرته أو ~~ممالأتها ضد خصومها. وقد جاء في أحد النقوش القديمة التي تعرضت لإعادة ذكر الحادث: «وحينما ~~أراد واحد منهم أن يستأنف الحكم ... فإنه (أي الوزير) صمم على رأيه الأول.» وبعد مضي ألف ~~وخمسمائة سنة على ذلك الحادث كان اسم «خيتي» المذكور يقتبس في الحياة الحكومية مثلا ~~للإجحاف بالغير يجب ألا يحتذى حذوه. وقد أخبر الفرعون وزراء القرن الخامس عشر ق.م «أن الحكم ~~المشهور الذي أصدره «خيتي» السالف الذكر كان أكثر من العدالة»؛ لما فيه من الشطط في التحرز ~~عن محاباة الأقارب. # وتحتوي متون الأهرام أيضا على أدلة قاطعة لا تقبل الشك على أن طلبات «العدالة» و«الحق» ~~كانت قوتهما أقوى من سلطان الملك نفسه، فلم يكن الملك معفى من القيام بما تحتاجه قبور ~~الأشراف، التي تنطق نقوشها بأنهم كانوا مهتمين بإقامتها كل اهتمام، وكان الإله الذي يعمل ~~الملك على إرضائه هو «رع»، وهو نفس الإله الذي كانت تعمل الرعية على إرضائه. وإليك ما جاء ~~في أحد النقوش: «لا توجد سيئة اقترفها الملك «بيبي»، وهذه الكلمة ذات وزن ms130 في نظرك يا «رع».» ~~ونجد في صيغة شمسية الطراز أن نوتي «ع» يخاطب هكذا: «أنت يا من تعبر بالبريء الذي لا سفينة ~~له، يا نوتي حقل القصب، إن الملك «مريرع» (بيبي الأول) عادل أمام السماء والأرض.» ومن ذلك ~~أيضا: «إن هذا الملك «بيبي» بريء، إن هذا الملك «بيبي» ممدوح.» وكذلك كان «نجم الصباح» ~~(وهو إله شمس) يقدر المركز الخلقي لفرعون المتوفى، فترى في النقش ما يأتي: «أنت يا «نجم ~~الصباح» اجعل «بيبي» هذا يجلس لأنه بريء، واجعله يرتفع لأنه مبجل.» وكان لا بد بالطبع من ~~تحديد قيمة المتوفى الخلقية بصفة قانونية وإجراء قانوني طبقا لما وهبه المصري القديم من ~~الإدراك القانوني الحاد؛ فقد رأينا أن الأشراف يشيرون إلى المحاكمة في نقوش قبورهم، وأن ~~الملك نفسه عرضة لهذه المحاكمة، بل إن الآلهة لا يفلتون منها؛ إذ قد ذكر أن كل إله يساعد ~~الفرعون في رفعه إلى السماء يبرأ أمام «جب» (إله الأرض). # على أن الفرعون الذي أعلنت براءته ورفع إلى السماء بتلك الكيفية كان يستمر في إظهار نفس ~~الصفات الحسنة في القيام بأعمال ملكه السماوي الذي يسند إليه: «إنه يقضي بالعدل أمام «رع» ~~في يوم العيد (المسمى) رأس السنة، فالسماء في سرور، والأرض في حبور حينما سمعا أن الملك ~~«نفر كارع» (بيبي الثاني) قد أقام العدل [مكان الباطل]، والذين يجلسون مع الملك «نفر كارع» ~~في قاعة العدل مرتاحون للقول الحق الذي خرج من فمه.» ومما يلفت النظر أن الملك كان يقضي ~~بتلك العدالة في حضرة «رع» إله الشمس، وكذلك نجد تصريحا شمسيا يؤكد بأن الملك «وناس» قد ~~«أقام العدل فيها (أي في الجزيرة التي استقر فيها) مكان الباطل.» # ونجد في القرن الثامن والعشرين ق.م أن أحد ألقاب الملك «وسركاف» الرسمية لقب «مقيم ~~العدالة» (ماعت)، وعلى ذلك نرى أن اعتبار الملك الراحل إلى السماء حاكما بها (أي بالعدالة ~~«ماعت») في الحياة الآخرة إن هو إلا استقرار للنظام الخلقي الذي كان يرعاه فوق الأرض، ولذلك ~~تقص علينا متون الأهرام: «أن الملك «وناس» يخرج ms131 للعدالة (يعني ماعت) ليأخذها معه (أي ~~ماعت).» # وكذلك تقص علينا متون الأهرام: «أن الملك «وناس» يخرج في يومه هذا ليتمكن من إحضار ~~العدالة (ماعت) معه.» # ولمناسبة التأمل في لقب الملك «وسركاف» الملكي السالف الذكر يتجه نظرنا إلى ذكرى أخرى ~~ممتعة؛ وهي أنه في خلال حكم تلك الأسرة ختم أحد وزرائها العظام مجموعة من حكمه الطريفة ~~بالكلمات الآتية: «لقد بلغت من العمر العاشرة بعد المائة، منحني الملك في خلالها هبات تفوق ~~هبات الأجداد؛ لأني أقمت العدل للملك حتى القبر.» فهذا الوزير الأول الذي فاه بذلك البيان ~~هو «بتاح حتب» الذي اعتزل منصب الوزير الأول للملك «إسيسي» أحد ملوك الأسرة الخامسة في ~~القرن السابع والعشرين ق.م. وليس من شك في أن «بتاح حتب» هذا بلغ سن الرجولة الناضجة في عهد ~~الفرعون «وسركاف»، وبذلك يمكننا أن نرى بعض الصلة بين قول ذلك الوزير الحكيم: «إني أقمت ~~العدل» وبين لقب «وسركاف» الرسمي وهو «مقيم العدالة». # وإن حكم «بتاح حتب» تمدنا بأقدم نصوص موجودة في أدب العالم كله للتعبير عن السلوك ~~المستقيم، وفي حين أنه لم يصلنا من العهود السابقة لها سوى نتف مبعثرة للتعبير عن السلوك ~~الخلقي، وعن التقدم المدهش في مجاري الإدراك الخلقي الذي وصل إليه الإنسان في عهد الاتحاد ~~الثاني، فإننا نجد أن حكم «بتاح حتب» الغزيرة المادة تلخص لنا مقدارا كبيرا من أدب ذلك ~~العصر. وحينما شعر ذلك الوزير المسن بضعفه الناشئ من تقدمه في السن، كما ذكره هو في مقدمة ~~حكمه، طلب إلى الملك أن يسمح له بتعليم ابنه (أي ابن الوزير) ليعده للقيام بأعباء ~~الواجبات الحكومية حتى يكون مساعدا لوالده وخلفا له، وقد وافقه الملك على ذلك، وحينئذ قام ~~الوزير الكبير بالنصح لابنه بألا يسيء استعمال الحكمة التي سيلقنه إياها، بل ينتهج سبيل ~~التواضع، فيقول: «لا تكونن متكبرا بسبب معرفتك، فشاور الجاهل والعاقل؛ لأن نهاية العلم لا ~~يمكن الوصول إليها، وليس هناك عالم بلغ في فنه حد الكمال، وإن الكلام الحسن أكثر اختفاء من ~~الحجر الأخضر الكريم، ومع ذلك ms132 فإنه يوجد مع الإماء اللائي يعملن في إدارة حجر الطاحون.» ثم ~~يعقب ذلك ثلاث وأربعون فقرة تحتوي على نصائح مختلفة المواضيع، لم يبذل أي جهد لترتيبها أو ~~تنظيمها، بل كتبت كل فقرة منها عفو الخاطر بحسب ما كان يخطر في ذهن رجل مسن حنكته تجاريب ~~الحياة ومسئولياتها التي أراد أن يطرحها عن كاهله إلى كاهل غيره. # ويؤكد في حكمه التأكيد القوي وجوب مراعاة حسن الذوق واستعمال الذهن الذي أطلق عليه ~~كالمعتاد كلمة «القلب»، وأحسن الصفات القيمة التي يجب على الشاب أن يتحلى بها أن يكون ~~قادرا على الإصغاء أو الطاعة [يقابلها حرفيا: يستمع] فنجده يقول: «إن المستمع هو الذي ~~يحبه الإله، أما الذي لا يستمع فإنه هو الذي يبغضه الإله. والعقل (القلب حسب النص الأصلي) ~~هو الذي يجعل صاحبه مستمعا أو غير مستمع، إن ثروة المرء العظيمة هي عقله ... فما أفضل الابن ~~عندما يصغي لأبيه، والابن إذا وعى لما يلقيه عليه والده فإنه لن يخيب في مشروع من مشروعاته. ~~وعليك أن تعلم من يستمع إليك كأنه ابنك، ومن سيكون ناجحا في نظر الأمراء، ومن يوجه فهمه ~~حسبما يقال له ... ما أكثر المصائب التي تنزل بمن لا يستمع. والرجل العاقل يبكر في الصباح ~~ليصلح من شأن نفسه، أما الجاهل فإنه يصبح في حالة ارتباك، كما أن الأحمق الذي لا يستمع، ~~فإنه لم يسئ إليه أحد، بل هو يعتبر الحكمة جهلا، وما يفيد كما لا نفع يرجى منه. والابن ~~المطيع (الذي يستمع) ... يصل إلى الشيخوخة وينال الاحترام، وهو يتكلم بدوره لأولاده معيدا ~~لهم نصائح والده ... فهو إذن يتحدث لأولاده وهم بعد ذلك يتحدثون لأولادهم.» # من ذلك يتضح أنه منذ القرن السابع والعشرين ق.م كان السلوك قد أصبح أمرا تقليديا وحكمة ~~ذات معيار يرثها الابن عن أبيه. # وكان للنجاح الدنيوي المكانة السامية؛ إذ ذاك، وكانت السبل للتحقق من الوصول إليه عظيمة ~~الأهمية؛ ولذلك شغلت هذه الأمور نحو ثلث نصائح ذلك الوزير المسن (أي 14 فقرة من 43 فقرة). ~~وبعض هذه النصائح يوصي بالتخلق ms133 بالحذر في حضرة العظماء، حتى إن بعض فقراتها تعرفنا آداب ~~المائدة في حضرة الرئيس، فتقول: «خذ ما يقدم لك حينما يوضع أمامك دون أن تنظر إلى ما هو ~~أمامه، ولا تصوبن لحظات كثيرة إلى الرئيس؛ أي لا تحملق فيه، وانظر بمحياك إلى أسفل إلى أن ~~يحييك، وتكلم فقط بعد أن يرحب بك، واضحك حينما يضحك، فإن ذلك يدخل السرور على قلبه، وما ~~تفعله يكون مقبولا؛ لأن الإنسان لا يعلم ما في القلب.» ومن المهم جدا ألا يكون الإنسان ~~كثير الكلام في أي موقف، وأن يتجنب على وجه خاص السلوك العدائي والتعجرف على الناس. # وقد خصص جزء أكبر بكثير مما تقدم إلى الحكمة الصائبة في تسيير أعمال الإنسان الرسمية، فمن ~~ذلك قوله: «إذا كان رئيسك فيما مضى من أصل وضيع فعليك أن تتجاهل وضاعته السابقة واحترمه ~~طبقا لما وصل إليه؛ لأن الثمرة لا تأتي عفوا، ولا تعيدن قط كلمات حمقاء خرجت من غيرك في ~~ساعة غضب، والزم الصمت فإنه أحسن من أزهار «تفتف»، وتكلم فقط إذا كنت تعلم بأنك ستحل ~~المعضلات، وإن الذي يتكلم في المجالس لفنان (يعني في الكلام) وصناعة الكلام أصعب من أية ~~حرفة أخرى، وعليك أن تقدم للأمير النصيحة التي تساعده؛ لأن قوتك يتوقف على مزاجه، وبطن ~~الرجل المحبوب تملأ وظهره يكسى تبعا لذلك. كن عميق القلب نزر الكلام ... وكن ثابت الجنان ~~طوال كلامك، فعسى أن يقول الأمير الذي يسمع كلامك: ما أصوب الكلام الذي يخرج من ~~فمه!» # والدافع البديهي لمثل تلك النصيحة هو اتباع سياسة دنيوية مبنية على اليقظة والتفطن. ومن ~~المدهش أنها لم تلوث بشيء يذكر من العقيدة الميكيافلية # 7 # في مثل ذاك العهد العريق في القدم. ومن الواضح أن ذلك السياسي المسن كان ذا ~~نظرة خارقة في انتهاز الفرصة الهامة لمصلحته، مع أنه في الوقت نفسه لم يحرم حاسة الإدراك ~~لما هو أثمن من ذلك، وعلمه بتقلبات ظروف الحياة الإنسانية قد علمه التواضع، ولذلك قال ~~ينصح ابنه: «إذا أصبحت عظيما بعد أن كنت صغير القدر ms134 وصرت صاحب ثروة بعد أن كنت محتاجا ... ~~فلا تنسين كيف كانت حالك في الزمن الماضي، ولا تفخر بثروتك التي أتت إليك منحة من الإله ~~(أي الملك)، فإنك لست بأفضل من غيرك من أقرانك الذين حل بهم ذلك.» وفضلا عن ذلك فإن حياة ~~الموظف المدني محفوفة بالمخاطر، ولذلك يقول: «احذر الأيام التي يمكن أن يأتي بها المستقبل.» ~~وإذن من الحكمة أن تكون سخيا مع غيرك بحسن نية عملا للمستقبل؛ وفي ذلك يقول: «أشبع ~~أصدقاءك بما جد لك بسبب نيلك الحظوة عند الإله (أي الملك)؛ إذ لا أحد يعرف مصيره إذا فكر في ~~الغد، وإذا اعتور حظوته لدى الملك شيء، فإن الأصدقاء هم الذين لا يفتئون يقولون: مرحبا ... ~~فعليك أن تستبقي ودهم لوقت السخط الذي يهدد الإنسان، ولكن سترى فيما بعد: أنه حينما تسوء ~~حالك فإن فضيلتك ستكون فوق أصدقائك.» # ويجب على المرء أن يتحرى أخلاق أصدقائه: «فإذا كنت تبحث عن أخلاق من تريد مصاحبته فلا ~~تسألنه عن شيء، ولكن اقترب منه وتعامل معه، على انفراد معه، وامتحن قلبه بالمحادثة، فإذا ~~أفشى شيئا قد رآه أو أتى أمرا يجعلك تخجل له، فعندئذ احذر حتى من أن تجاوبه.» # على أن مسئوليات الأسرة كانت في نظره أهم من الأصدقاء؛ فتراه يقول: «إذا كنت رجلا ~~ناجحا، وطد حياتك المنزلية، وأحب زوجتك في البيت كما يجب.» # وبعد أن ذهب هذا الكتاب إلى المطبعة أحضر إلي أحد فلاحي «الأقصر» الذين يستخرجون السماد ~~من وسط الخرائب الأثرية بشظية من الحجر الجيري الأبيض عثر عليها في تلك الخرائب، فوجدت ~~عليها كتابات يرجع عهدها إلى أكثر من ثلاثة آلاف سنة كتبت بالحبر، وهي بضعة أسطر اقتبسها ~~كاتبها من نصائح «بتاح حتب» التي كان قد انقضى على وضعها إذ ذاك نحو 1500 سنة، وكان المداد ~~الذي كتبت به لا يزال أسود يقرأ بوضوح. وتلك الأسطر هي صورة معدلة من نصائح ذلك الوزير ~~المسن عن الزوجة، فخيل لي أن ذلك الحكيم القديم قد دخل فجأة إلى حجرتي في الأقصر ليزودني ~~بشيء أكثر ms135 مما علمت عن أفكاره؛ لأن إحدى الفقرات المعدلة كانت جذابة في محتوياتها؛ إذ جاء ~~فيها: «إذا كنت رجلا ناجحا فأسس لنفسك بيتا، واتخذ لنفسك زوجة تكون سيدة قلبك.» ولكننا ~~نجد في المتن القديم الذي كان أقل من ذلك شاعرية: «وأحب زوجك كما يجب.» وقد عرف «الحب الذي ~~يجب أن يكون» بأنه حب يحمل في ثناياه الحب العملي الذي يجب على الزوج لزوجته؛ إذ يقول: ~~«أشبع جوفها واستر ظهرها.» ومع أنه لا يوجد حد لمتع الحياة الكمالية تقف عنده مطالب المرأة ~~فإن ما تعزه المرأة الحديثة وتشاركها فيه أختها القديمة فوق ضفاف النيل من العطور ينحصر في ~~الروائح والدهان الغالية، وهي التي لم ينس ذلك الحكيم السياسي المسن أن يضمها إلى قائمة ~~حاجات زوج ابنه؛ إذ يقول: «إن علاج أعضائها هو الدهان.» # وبذلك يرى ذلك الوزير المسن العاقل أن الزوج الكيس هو الذي يجعل زوجته سعيدة أولا ~~بالمحبة التي يلزمه أن يفسح لها في قلبه الاعتبار الأول، ثم يأتي بعد ذلك بمستلزمات الجسم ~~من غذاء وملابس، ثم بالكماليات كالعطور والدهان؛ فنراه يقول: «اجعل قلبها فرحا ما دمت ~~حيا، فهي حقل مثمر لسيدها.» وهذه الملاحظة الأخيرة قد سبقت ما جاء في القرآن المنزل على ~~الرسول محمد - عليه الصلاة والسلام - بعد مضي خمسة وثلاثين قرنا. # 8 # أما عن الأبوة فقد كان فيها «لبتاح حتب» آراء حاسمة، ففي ذلك يقول: «إذا كنت رجلا ناجحا ~~وأسست لك بيتا وأنجبت ولدا اكتسب رضا الإله (يقصد الملك)، فإذا عمل صالحا ومال إلى طبعك ~~وسمع نصائحك وكانت خططه ذات نتائج حسنة في بيتك، ومعتنيا بمالك كما يجب، فابحث له عن كل ~~شيء حسن، فهو ابنك الذي ولدته لك «كا» (نفسك)، ولا ينفرن قلبك منه، ولكن إذا جنح إلى السوء ~~وأعرض عن خططك (يعني أوامرك)، ولم يعمل حسب نصائحك وصارت خططه لا خير فيها وتحدى كل ما ~~تقوله ... فعندئذ أقصه عنك؛ لأنه ليس ابنك ولم يولد لك ...» # ومع أن ذلك الوزير المسن كان يقدر تماما قيمة النجاح الدنيوي وإحراز ms136 الثروة؛ فإنه كان ~~يرى من الواجب ألا تطغى على روابط الأسرة، فتراه يقول: «لا تكونن شرها في القسمة، وانبذ ~~الطمع حتى في حقك، ولا تطمعن في مال أقاربك؛ فإن الالتماس اللين يجدي أكثر من القوة ... وإن ~~القليل الذي يؤخذ بالخداع يولد العداوة (حتى) عند صاحب الطبع اللين (يعني الحليم).» # ولما كان الطمع من أكبر الصفات الذميمة الداعية لتفكيك روابط الأسرة المتماسكة، تراه يحذر ~~من ذلك فيقول: «إذا أردت أن يكون خلقك محمودا، وأن تحرر نفسك من كل قبيح؛ فاحذر الشراهة ~~فإنها مرض عضال لا يرجى شفاؤه والصداقة معها مستحيلة؛ لأنها تجعل الصديق العذب مرا، ~~وتقصي ذا الثقة من سيده، وتجعل كلا الأبوين كالغرباء، وكذلك تفعل في أخوة الأمهات، وتفصل ~~الزوج من زوجه، فهي حزمة من أنواع الشر، وعيبة بها كل شيء مرذول، والشره لا قبر ~~له.» # وقد شفع «بتاح حتب» هذا البحث الذي ينطق بما للروابط الخاصة بالأسرة من القيمة العظيمة في ~~بيت الإنسان، بوجوب احترام أهل بيوت غيره ولو كانوا من غير ذوي قرباه، فنجده يحذر الزائر ~~تحذيرا شديدا من محاولته الاقتراب من النساء، بل يحتم عليه أن يتباعد عنهن بقدر المستطاع، ~~فيقول في ذلك: «إذا أردت أن تحافظ على الصداقة في بيت تدخله سواء أكنت سيدا أم أخا أم ~~صاحبا، فاحذر القرب من النساء، فإن المكان الذي يكن به ليس بالحسن، ومن الحكمة إذن ألا ~~تحشر نفسك معهن، ومن أجل ذلك يذهب ألف رجل إلى الهلاك بسبب متعة برهة قصيرة تضيع كالحلم، ~~ولا يجني الإنسان من معرفتهن غير الموت.» # على أنه توجد من تلك النصيحة صورة أخرى مستحدثة تصف طريق معاملة النساء بطلاوة أكثر مما ~~سلف، هذا نصها: «وعندما يفتتن الإنسان بأعضائهن البراقة [النص الحرفي: أعضاء من الزجاج] ~~فإنها بعد ذلك تصير مثل حجر «هرست»؛ أي شيئا تافها، والأمر لحظة وجيزة مثل الحلم والموت ~~يأتي بعده في النهاية.» وإننا نعلم أن جريمة الزنا [الخيانة الزوجية] كانت عقوبتها الموت في ~~الأزمان التي تلت ذلك العصر الذي عاش فيه «بتاح ms137 حتب»، ولا يبعد أن ذلك العقاب كان متبعا في ~~عهد الدولة القديمة. # ولقد كان رأي ذلك الوزير المسن في الحظيات يمثل عصره طبعا، فقد خصهن بفقرة قصيرة يحض ~~فيها على معاملة الحظية بالرفق، ويضاف إلى ذلك أيضا أن ذلك الوزير قد حض ابنه في تلك ~~المناسبة على ألا يحاول قط إفساد الصبية. # وتسود جميع حكم ذلك الوزير السياسي المسن روح الشفقة الكريمة، وهي تبتدئ في نظره أولا ~~ببيت الرجل وأسرته التي كانت تعد رابطتها على أعظم جانب من الأهمية والمكانة، ثم تمتد إلى ~~من توجد بينه وبينهم أية معاملة أو علاقة رسمية، يبدو لنا ذلك مما يوصي به هذا الحكيم المسن ~~ابنه بأن يتوخى في مسلكه المرح والابتهاج؛ إذ يقول له: «كن باش الوجه ما دمت حيا.» ثم ~~يستمر في كلامه متأثرا بروح تشعر بأنها هي أصل للمثل المشهور لدينا: «لا فائدة من النحيب ~~على لبن مهراق.» # وذلك المرح البالغ البادي من روح تلك الكلمات يتفق مع إلحاح ذلك الوزير المسن في طلبه ~~للراحة والترفيه. # ومن المحتمل أن «بتاح حتب» لا يشير فيما يأتي من كلامه إلى شيء أكثر من الحث على الاهتمام ~~باقتناص الفرص للتمتع بألوان الطعام اللذيذة وتشنيف الأسماع بالموسيقى ومزاولة الرقص ~~والتلهي بلعب الداما، والتلذذ بمشاهدة الحديقة الغناء والرياضة بالصيد في المستنقعات، أو ~~الذهاب إلى ضيعته مستريضا محمولا في محفة فوق أكتاف خدمه، وحوله الذين يتحببون إلى سيدهم ~~في أغانيهم وهم يرددونها على سمعه: «ما أسعد الذين يحملون المحفة! خير لنا أن تكوني مملوءة ~~من أن تكوني خالية.» # على أن «بتاح حتب» يحض ابنه بقوله له: «اتبع لبك (أي روحك) ما دمت حيا، ولا تفعلن ~~أكثر مما قيل لك، ولا تنقص من الوقت الذي تتبع فيه قلبك، ولا تشغلن نفسك يوميا بغير ما ~~يتطلبه بيتك، وعندما يواتيك الثراء متع نفسك؛ لأن الثراء لا تتم (فائدته) إذا كان صاحبه ~~معذبا.» # ولا غرابة في أن تكون الشفقة عند رجل بمثل هذه الروح من الأمور المألوفة؛ ولهذا نرى ذلك ~~الوزير ms138 المسن يقول لابنه: «إذا كنت حاكما فكن شفيقا حينما تسمع كلام المتظلم، ولا تسئ ~~إليه قبل أن يغسل بطنه ويفرغ من قول ما قد جاء من أجله ... وإنها لفضيلة يزدان بها القلب أن ~~يستمع مشفقا.» # وليس هناك من شك في أن تكون هذه الشفقة ذات علاقة وطيدة بالمعاملة الحسنة المبنية على ~~الحق، ولا غرابة إذن إذا وجدنا الحق والعدالة قد اتخذا لهما مكانة في «حكم بتاح حتب» تسامت ~~على كل مكانة، حيث يقول: «إذا كنت حاكما تصدر الأوامر للشعب فابحث لنفسك عن كل سابقة حسنة ~~حتى تستمر أوامرك ثابتة لا غبار عليها. إن الحق جميل وقيمته خالدة، ولم يتزحزح من مكانه منذ ~~خلق؛ لأن العقاب يحل بمن يعبث بقوانينه، وقد تذهب المصائب بالثروة، ولكن الحق لا يذهب بل ~~يمكث ويبقى، والرجل المستقيم يقول عنه: «إنه متاع والدي قد ورثته عنه».» # ومن ثم كان نصح ذلك الشاب بأنه عندما يقوم بأية مهمة يجب أن: «يتعلق بأهداب الصدق (أو ~~الحق) ولا يتخطاه حتى ولو كان التقرير الذي يقدمه لا يسر القلب.» ولذلك كان لزاما على ذلك ~~الشاب أيضا أن يبلغ رئيسه الحقائق حتى ولو كانت مرة. # ولا شك في أن هذه السبيل كانت تتطلب قوة خلق عظيمة، وهذا ما كان يرجوه ذلك الحكيم لابنه؛ ~~إذ يقول له: «حصل الأخلاق ... واعمل على نشر العدالة وبذلك تحيا ذريتك.» # وكذلك يذكر ابنه: «بأن الفضيلة التي يتحلى بها الابن لها قيمتها عند الأب، والخلق الحسن ~~يبقى شيئا مذكورا.» ويقول له أيضا: «فإذا استمعت ووعيت ما ألقيته عليك فإن كل صنيع لك ~~سيكون على غرار عمل الأجداد، أما انطباق هذه الأشياء على العدالة فالفضل فيه يرجع لهم (أي ~~للأجداد)، وذكراها لن تمحى من أفواه الناس؛ لأن نصائحهم جديرة بالتقدير، وكل كلمة ستنقل ولن ~~تمحى من هذه الأرض أبدا، وسيكون للكلام قيمته حسبما تنطق به الأمراء ... وعندما يصيب رئيسك ~~شهرة جديرة بالتقدير فإنها ستبقى حسنة أبد الدهر وستخلد كل مزاياها. وإن الرجل الحكيم تنعم ~~روحه باستمرار بقاء فضله ms139 على الأرض، والرجل العاقل يعرف بعمله، وقلبه ميزان لسانه، وشفتاه ~~تصيبان القول عندما يتكلم، وعيناه تبصران عندما ينظر، وأذناه تسمعان ما يفيد ابنه الذي يقيم ~~العدل ويبرأ من الكذب.» وربما كان ذلك الوزير المسن قد عبر عن روحه الخلقية أحسن تعبير ~~حينما حذر من الطمع فيما سلف، وإننا نجده الآن في صورة المنتصر الظافر؛ إذ يقول من غير كبير ~~مناسبة بما تقدم: «إن الرجل الذي اتخذ العدالة معيارا له وصار وفقا لجادتها يكون ثابت ~~المكانة.» ولا نزاع في أننا نجد في هذا الكلام نغمة الحكمة العبرانية كما وصلت إلينا في ~~كتاب «العهد القديم» وإن كانت حكمتنا هنا (يريد حكمة بتاح حتب) أقدم من حكمة العبرانيين ~~بألفي سنة. # وقد ختم ذلك الوزير المسن نصائحه لابنه بعبارة تحبب إلى نفسه العدالة؛ إذ يقول له في ~~منتهاها: «تأمل! إن الولد النجيب الذي يهبه الإله يقوم بأداء أكثر مما يؤمر؛ فهو يقيم الحق ~~وقلبه يسير على صراطه، وبقدر ما تصل إلى ما وصلت أنا إليه سيكون جسمك سليما، ويكون الملك ~~مرتاحا إليك في كل ما يجري، وكذلك تصل إلى السن التي وصلت إليها، وأن السنين التي عشتها ~~على الأرض ليست بالقليلة، فقد بلغت العاشرة بعد المائة، والملك قد حباني بمكافأة تفوق كل ~~مكافآت الأجداد؛ لأني أقمت العدل للملك حتى الممات.» وقد لاحظنا فيما تقدم ذكره أن أحد ~~ألقاب الملك «وسركاف» كان لقب «مقيم العدالة»، وهذا يدل على أن حكم «بتاح حتب» المذكورة ~~كانت ذات مكانة راجحة لدى الجهات العليا حتى في أيام شبابه. # ويتناول أكثر من نصف حكم «بتاح حتب» أخلاق الإنسان وسلوكه، وما بقي منها يختص بشئون ~~الإدارة وسلوك الإنسان الرسمي، ويلاحظ بوجه عام أن تلك الحكم تحث على توخي اللطف والاعتدال ~~وتأكيد الذات الذي تصحبه الحكمة واللباقة، وكل ذلك في الواقع ينم عما كان عليه ذلك الوزير ~~من منتهى حسن الذوق وسلامته في تقدير الأمور ووزنها بالميزان الصحيح، مما عنى بتوصية ذلك ~~الشاب باتباعه والسير على نهجه؛ فالحياة فيها الكثير مما يجعلنا ms140 نحبها، ويجب أن يحظى فيها ~~الإنسان بقسط وافر من الاستمتاع البريء، وأن يحافظ على ساعات الراحة والدعة حتى لا تطغى ~~عليها أعباء الوظيفة أو غيرها، ذلك إلى أنه يجب على المرء أيضا أن يكون دائم البشاشة ~~والطلاقة؛ لأنه لا فائدة من النحيب على ما فات. وبالجملة فإن النغمة التي تغلب على فلسفة ~~نصائح ذلك الوزير المسن هي شدة اهتمامه بالأخلاق والوازع الخلقي، وأبرز واجب تنطق به سطورها ~~هو: «ارع الحق وعامل الجميع بالعدالة.» # وخليق بهذا الحكيم القديم أن يؤكد لنا مرارا أن أعظم فضيلة دائمة يتحلى بها الإنسان في ~~الحياة هي العدالة والخلق العظيم، فإنهما يبقيان بعد موته؛ ولذلك تبقى ذكراه خالدة. # على أنه ليس من باب الصدفة أن تذكر مثل هذه الحقائق المقنعة في ملف بردي قديم يكشف لنا في ~~الوقت نفسه عن جو مشبع بالرحمة والمحبة يسود حياة الأسرة، ويوحي باحترام الوالدين وبرهما، ~~والتحذير بوجه خاص من وخامة عاقبة الشره الذي تقضي على وئام الأسرة بالتفكك، فإن كل تلك ~~العواطف وليدة عالم اجتماعي واحد ونمت وترعرعت في بيئة واحدة؛ فالأسرة هي العامل الأول في ~~تلك العواطف، وما بقي فهو الثمرة الطبيعية لتلك الروابط الأسرية؛ لذلك نجد في حكم «بتاح ~~حتب» تأكيدا قاطعا لما نستنبطه من نقوش المقابر، ومن الصور التي رسمت على جدرانها، من أن ~~حياة الأسرة هي التي هيأت للإنسان في بادئ الأمر الشعور بالمسئوليات الخلقية. # وفي نفس ذلك العصر صارت أمثال تلك المسئوليات موضوعا للتفكير والبحث، وفيه أيضا بدأ ~~التأمل الفكري في الطبيعة البشرية يعمل عمله، فكانت المقارنة بين الرجل العاقل والرجل ~~الأحمق، وحصلت الموازنة بين صفتي الخير والشر، فكان ذلك فجر عالم جديد قوامه هذه القيم ~~الجديدة، كما نشأ في ذلك العصر الشعور بالشخصية المسئولة، وصار العالم الإنساني ميدانا ~~جديدا لتطاحن المشاعر الخلقية المختلفة الغاية، فكانت تتصادم فيه قوى جديدة بأسلحة جديدة. ~~وفي ذلك العصر الذي يعتبر أقدم العصور إدراكا لقيمة الفرد الإنساني الأخلاقية برزت ~~الشخصيات الممتازة فسمت على دهماء القوم من النكرات التي غمرها ms141 جوف الماضي القديم، فاستطاع ~~الرجل القوي أن يحدث تأثيرا في المجتمع بما كان يتحلى به من المزايا العقلية والصفات ~~الخلقية البارزة. # وقد حفظت لنا آثار ذلك العصر التاريخي العظيم أسماء بعض أصحاب تلك الشخصيات الممتازة، ففي ~~خلال القرن الثلاثين ق.م نجد «أمحوتب»، وهو وزير عظيم في الأسرة الثالثة استبدل لأول مرة في ~~التاريخ ببناء اللبن والخشب والغصون - وهو الذي كان سائدا في عصره - البناء بالأحجار ~~الضخمة، وأوجد بذلك أول عمارة بالحجر في العالم، وصار يعد بذلك أول فرد بارز الشخصية في ~~التاريخ البشري. وأما كلماته الحكيمة الغالية ومعارفه الطبية فقد صيرت اسمه ذا شهرة متداولة ~~في البيوت مدى آلاف السنين، ولكونه طبيبا عظيما صار موضعا للتعظيم والإجلال، واسمه لا ~~يزال يذكر بعد اسم «إسكلبويس» الإغريقي، وهو المعروف باسم «إسكولابيس» # Aesculapius # وهو إله الطب في كل العصور، وبالرغم من ضياع كلماته الحكيمة ~~للآن فإن أخلافه ظلوا يقتبسونها مدة خمسة عشر قرنا بعد وفاته. # وهنالك وزير آخر من الحكماء يدعى «كاجمني» عاش في القرن الثلاثين ق.م (أي إنه كان ~~موجودا بعد زمن «أمحوتب» بمدة قصيرة)، ويعرف أن له وصايا حكمية أيضا كان قد ألقاها على ~~ابنه، غير أنها أيضا لم تصل إلينا، وكذلك كان يعيش بعد «أمحوتب» بقرن واحد الحكيم ~~«حردادف» ابن الفرعون «خوفو» باني الهرم الأكبر بالجيزة، وقد بقيت أمثاله الحكيمة على ~~أفواه الناس بجانب أمثال «أمحوتب» أكثر من 1500 سنة في الأزمان الغابرة. # غير أنه لم يبق لنا من أقوال أولئك الحكماء الذين عاشوا في عصر الأهرامات إلى يومنا هذا ~~إلا نصائح «بتاح حتب» التي لم تكن إلا جزءا ضئيلا مما خلفه ذلك العصر الأول العظيم عن ~~العقل البشري. # ويجب أن نضع مع أصحاب تلك الشخصيات أول عالم مجهول في العلوم الطبيعية، وهو مؤلف أقدم ~~رسالة علمية تبحث في الجراحة، وربما يرجع عهده إلى عهد «أمحوتب» نفسه. ومؤلف تلك الرسالة ~~الذي هو أقدم عالم طبعي عرف لنا للآن، يعد أول إنسان ميز بين القوى الطبيعية والقوى ~~الإلهية؛ إذ ذكر في ms142 بيانه عندما كان يفحص إصابة في رأس إنسان أن أصلها يرجع إلى سبب خارجي، ~~وعبر عنها بألفاظه التي كتبها فقال: «إنها شيء طرأ من الخارج.» أي إن الحادث جاء من ~~الخارج. ولكن بالرغم من الاعتراف بأن الإصابة قد نتجت من سبب طبيعي خارجي فإنها اعتبرت في ~~الوقت نفسه إصابة تحتمل في ثناياها «سر حسن الحظ» أو «سوء الحظ». وقد عبر الجراح العتيق ~~عن ذلك بقوله: «يعني نفس إله خارجي أو الموت، لا من حدوث شيء قد تولد من لحم المريض.» وقد ~~ميز هنا بين مجال الأسباب الطبيعية في نظام جسم الإنسان الداخلي، وبين دائرة «حسن الحظ» أو ~~«سوء الحظ» الأمر الذي كانت تسيطر عليه الآلهة. # وهذه الملاحظة العويصة هي - على ما أعلم - أول شيء من نوعه عثرنا عليه في مخلفات التفكير ~~الإنساني الذي بقي للآن. # 9 # كذلك بدأ في ذلك العهد التعبير عن قوة الشخصية والقوى التي نعبر عنها بقوى ~~الأخلاق، لا في المؤلفات المدونة التي وضعها رجال الفكر والتأمل مثل «بتاح حتب» فقط، بل ~~صارت كذلك تلمس بوضوح في منتجات الفن في ذلك العصر، وبخاصة في إنتاج أعظم المثالين ~~العباقرة الذين أنتجوا أقدم تماثيل وصلت إلينا للآن، فكان قد نتج عن اتباع الخطة الثابتة ~~المتفق عليها في فن النحت لمدة طويلة أن استجد طراز في نحت تماثيل الأشخاص في الدولة ~~القديمة يكاد ينقصه أو ينقصه كلية إبراز الصفات المميزة لشخصية صاحب التمثال، ومن الجائز أن ~~مثالي ذلك العصر كانوا يظهرون لنا في التماثيل التي نحتوها أقدم المعايير للصور البشرية ~~ليكشفوا لنا عن وحدة الأشكال الناتجة من التأثيرات التي أوجدها ذلك النظام الخلقي الطويل ~~المدى الذي محا ما كان بين طبقات المجتمع من الفوارق. # على أن هذه الظاهرة لذلك النوع من النحت قد بالغ في تأكيدها النقاد الأحداث، يدل على ذلك ~~أن أعظم ما أخرجه نحاتو عصر الدولة القديمة يظهر لنا أنهم كانوا قد بدءوا يبرزون قوة ~~الشخصية الممتازة واستقلالها حينما أخذت تبرز لنا لأول مرة في شخص الفرعون المهيب، ms143 يظهر لنا ~~ذلك بوضوح مؤثر في صور ذلك العصر المعبرة التي في مقدمتها تمثال «خفرع» باني الهرم الثاني ~~بالجيزة، مما كان له بلا شك تأثير عميق في التصورات الخاصة بالإلهية، ويضاف إلى ذلك مجموعة ~~كبيرة من الصور تنقل إلى مخيلتنا تأثيرات هامة عن شخصيات تلك الطائفة من عظماء الرجال الذين ~~كانوا يحيطون بالفرعون في عصر الأهرامات، من رجال السياسة والحكماء والفنانين ورجال العمارة ~~والمهندسين، وهم الذين جعلوا من مصر منذ خمسة آلاف سنة مضت بلدا يضم عجائب المباني التي لا ~~تزال إلى يومنا هذا تعد من عجائب الدنيا ، في حين أن مباني غرب آسيا أقيم معظمها من الطوب ~~طوال العصر الذي سبق بناء القصور الإمبراطورية في فارس، وقد محيت الآن عن آخرها، وهذه ~~الموازنة لا تخلو من الأهمية وتؤيد الاعتقاد بأن مصر كانت البلد الذي ولد فيه أول عصور ~~الشخصيات العظيمة. # على أن ظهور أولئك الرجال ذوي الشخصيات العظيمة لم يكن وليد الساعة، بل كان ثمرة التجاريب ~~والحياة النظامية مدى ألف سنة من تاريخ البشر، فكانوا أول رجال أمكنهم الرجوع بالبصر ~~ليجيلوا أنظارهم في ذلك الماضي حيث يشرفون على مشهد عميق من حياة الإنسان الأولى. ولا بد ~~أنهم كانوا أثناء قيامهم بذلك يتلمسون في الظلام أحسن تعبير يعبرون به عن آرائهم نحو نظام ~~بني البشر، على أن يكون ذلك التعبير متضمنا سر تلك الأعمال العظيمة التي ورثوها عن أسلافهم ~~السابقين. # وقد انتهى بهم الأمر فعثروا على بغيتهم التي نشدوها في التعبير عن ذلك بكلمة واحدة جامعة ~~حوت في ثناياها كل معاني السمو والرفعة في الحياة البشرية، تلك الكلمة هي «ماعت»، التي تعد ~~من أقدم التعابير المعنوية ذات المعاني المتعددة التي وصلت إلينا من كلام بني الإنسان منذ ~~الأزمان الغابرة، وهي التي سبق لنا التعبير عنها هنا بالكلمات الآتية: «الحق» و«العدل» ~~و«الصدق»؛ وذلك لأن تلك المعاني كلها قد انتهى الأمر بأن مثلت في لغة المصريين الأقدمين ~~بهذه الكلمة الواحدة «ماعت»، وتلك الكلمة كانت تستعمل عند أجدادهم في أول الأمر لأداء معنى ms144 ~~واحد فقط هو «الحق» بمعنى «الصواب»، كما نستعمل نحن كلمة «صواب» هذه في العلوم الرياضية ~~والأخلاقية معا. # ثم إنه في بداية عصر الدولة القديمة أخذ معنى كلمة «ماعت» هذه يتسع تدريجا حتى صار يشمل ~~معنى واسعا عظيما، فلم تكن تعني نقيض الباطل فقط، بل تعني نقيض الأخطاء الخلقية على وجه ~~عام أيضا، على أننا لا نعلم متى بدأ هذا التطور في معنى تلك الكلمة، غير أن الذي يجدر بنا ~~ملاحظته هنا أن كلمة «ماعت» هذه لم ترد في الجزء الذي عثرنا عليه من المسرحية المنفية، وإن ~~كان من الجائز أن عدم ذكرها في هذا الجزء راجع إلى مجرد المصادفة المحضة. # وبعد سنة 3000ق.م بدأ عظماء رجال الدولة القديمة يجدون في معاني كلمة «ماعت» ما يعبر عن ~~الأمور التي جاءت وليدة التجارب القومية، والتي كان لها أثرها في الحياة العامة للأمة، فمع ~~أن تلك الكلمة العظيمة لم تفقد شيئا من دلالتها على صفات الإنسان الخلقية الشخصية، فإنها ~~صارت تعبر أيضا في نظر عقول رجال الفكر في الدولة القديمة عن معنى النظام القومي؛ أي ~~النظام الخلقي للأمة والكينونة القومية التي تسير تحت سلطان إله الشمس. # ولنعد بذاكرتنا الآن قليلا إلى ذلك الماضي الذي أمكن حكماء الدولة القديمة أن يرجعوا ~~البصر للتأمل فيه، ذلك الماضي المتسع الذي كان في أنظارهم سببا لاتساع معنى كلمة «ماعت» ~~أيضا حتى ألبسها كل تلك المعاني الآنفة، فقد كان لدى أولئك الحكماء قوائم بأعمال الملوك ~~الأوائل الذين حكموا البلاد المصرية قديما قبل العهد الذي تأسس فيه الاتحاد الأول، فكانوا ~~على علم بأن ذلك الاتحاد قد مهد له حكم الدويلات المحلية الصغيرة، وأنه بما تم فيه من توطيد ~~أركان النظام في مصر قد أفضى مرة ثانية إلى قيام الاتحاد الثاني الذي دام عهده ألف سنة؛ أي ~~من حوالي القرن الخامس والثلاثين إلى حوالي القرن الخامس والعشرين ق.م. # ومن المهم جدا أن نلاحظ أن هذه هي أول مرة في تاريخ البشر نجد فيها ألفا كاملا من ~~السنين المتصلة الحلقات دون ms145 أن يمس فيها اتصال الخبرة القومية، أو بعبارة أخرى اتصال التطور ~~البشري في هيئة قومية موحدة، فقد كان تطورا ثابتا قامت فيه أمة يبلغ تعدادها بضعة ملايين ~~من النسمات البشرية لأول مرة فوق الكرة الأرضية بتأسيس بناء ضخم من الحياة البشرية المنظمة ~~دام مدة ألف سنة متوالية لا انفصام لها. # وقد كان التأثير البالغ الذي استولى على نفوس أولئك الحكماء من تأملهم في حالة تلك ~~الحكومة الراسخة الأركان ونظامها الدقيق الذي كان يسير بدون انقطاع طوال مدة ذلك العصر هي ~~التي جعلت كلمة «ماعت» المصرية القديمة تتسع وتزيد زيادة محسوسة فتحمل من المعاني أكثر مما ~~كانت تحمل من قبل، حتى صارت في نهاية الأمر لا تدل فقط على معنى «العدل» أو «الصدق» أو ~~«الحق»، مما كان يتصور رجال عصر الأهرام أنه شيء يترسمه ويسير بمقتضاه الفرد الإنساني، بل ~~صارت أيضا تدل على معنى الحقيقة الواقعة التي تسود الناحية الاجتماعية والحكومية، بل أصبحت ~~تلك الكلمة تعبر عن النظام الخلقي للعالم، وصار هذا النظام وحكومة الفرعون يدلان على معنى ~~واحد. وقد كان كبير القضاة في المحاكم المصرية القديمة يحلي صدره بصورة من اللازورد رمزا ~~للإلهة «ماعت»، وكان من عادة القاضي أن يشير إلى المحق من المتخاصمين الواقفين أمامه ~~بتوجيه ذلك الرمز إليه. # وكان الحكيم «بتاح حتب» يفخر بسيادة «ماعت» وخلودها فيقول: «إن ماعت عظيمة، وتصرفها باق، ~~فلم تخذل منذ زمن بارئها.» # وكثيرا ما نجد على الآثار القديمة أن ماعت هي الشيء الذي يعتبره الفرعون شخصا يشد أزره ~~أمام الفوضى والظلم والخداع الذي كان يقع ضده من مناهضيه للاستيلاء على العرش، ممن كانوا ~~يبتلون الشعب بما يحدثونه من سوء النظام. ولقد كانت ألف السنة التي قضتها الحكومة المنظمة ~~بتلك الكيفية هي التي وضعت أمام أعين حكماء الدولة القديمة تلك الصورة الجليلة التي تمثل ~~الأثر الفعال والإحسان البالغ اللذين أسدتهما «ماعت»، مما أسبغ عليها معنى تاريخيا لم يكن ~~من الممكن اكتسابه بطريقة أخرى. # ومن الواضح أن المجتمع والحكومة معا، وكذلك التأثيرات الاجتماعية والحكومية معا، ms146 قد أدت ~~جميعها إلى ذلك النظام الذي قام بتلخيصه الحكماء المصريون القدماء في كلمة جامعة واحدة هي ~~«ماعت». # فإن «ماعت» قد نشأت في أول أمرها بمثابة أمر شخصي خاص بالفرد للدلالة على الخلق العظيم في ~~الأسرة أو في البيئة التي تحيط بالإنسان مباشرة، ثم انتقلت بالتدريج في سيرها إلى ميدان ~~أوسع فصارت تمثل الروح والنظام للإرشاد القومي والإشراف على شئون البشر بحيث تكون الإدارة ~~المنظمة مفعمة بالاقتناع الخلقي. # وبتلك الكيفية وجدت لأول مرة بيئة ذات قيم عالمية، وحينما بدأ المصريون يتصورون الحاكم ~~الإلهي لهذه البيئة كانوا في الحقيقة يسيرون في الطريق المؤدي إلى عقيدة التوحيد السامية، ~~وكان ذلك الحاكم الإلهي هو إله الشمس، وقد تخيل القوم روح حكمه في شكل شائق، بأن تصوروا ~~«ماعت» في هيئة إلهة وجعلوها بنت الشمس. وبالسير في هذه السبيل وصل المصريون في النهاية - ~~كما سيأتي - إلى عقيدة التوحيد الرفيعة، فلم يكن من مجرد الصدفة أن بلغوها قبل أن تهتدي ~~إليها أية أمة أخرى بزمن طويل، وكذلك لم يكن من باب المصادفة أن كان ثاني الشعوب اهتداء إلى ~~عقيدة التوحيد المذكورة أقرب جيران مصر عبر حدود آسيا في فلسطين، وقد قال أحد أنبيائهم: ~~«إليكم يا من تخافون اسمي، ستشرق شمس العدالة تحمل الشفاء في جناحيها.» # 10 ~~(ملاخي 4-2)، ويشير هذا التعبير بداهة إلى إله الشمس المصري القديم الذي يرسم ~~عادة بصورة قرص الشمس المجنح. # وبذلك يتضح لنا على الفور عندما ننظر إلى الأمام متجهين نحو آسيا، لماذا أتت حضارة غربي ~~آسيا متأخرى في مثل هذا التطور. # فالتصور المصري للنظام الإداري والخلقي العظيم، الذي أطلق عليه اسم «ماعت»، والذي صار ~~أسمى مظهر للحضارة الشرقية القديمة، كان - كما رأينا - نتيجة للتطور الاجتماعي الحكومي مدة ~~ألف سنة من حياة أمة عظيمة موحدة ثابتة منظمة كانت تخطو دائما في خلالها نحو الارتقاء ~~والتقدم، في حين أن فكرة ذلك النظام الإداري والخلقي، بالرغم من تمثيله إلى حد ما في الصورة ~~الجميلة التي ظهر بها الملك العادل بعد ذلك العهد بألفي سنة ms147 على يد الأنبياء العبرانيين، ~~فإنه لم يظهر بشكل واضح في غربي آسيا إلى أن جاء «زروستر» يحمل نظامه الخلقي العظيم، وذلك ~~بعد أن علت كلمة بلاد فارس في عهد «قورش» وخلفائه. وفي تاريخ غربي آسيا ما ينبئنا بوضوح عن ~~سر استحالة ظهور هذا التطور فيه قبل ذلك العهد؛ إذ نجد في مصر التي كانت تعرج في مراقي ~~التقدم في عهد الاتحاد الثاني وعصر الدولة القديمة، حضارة كانت ثمرة عهد لا يقل عن ألف سنة ~~من التجارب الاجتماعية، يقودها نظام قومي ذو أسس ثابتة نشطة، فيها من القوة الحيوية ما ~~مكنها من الدوام أكثر من ألف السنة التي مكثتها، في حين أن بابل التي كانت تعتبر أشهر ممالك ~~غربي آسيا وقتئذ قد استمرت خلال ألف السنة هذه ترزح تحت عبء الفوضى من جراء الحروب الصغيرة ~~التي كانت في معظم ذلك الوقت تشتعل نيرانها بين دويلات المدن التي كانت تتألف منها ~~وقتئذ. # أما في مصر، فإنها كانت حتى قبل بداية هذه الألف من السنين قد انتهت من الشحناء التي كانت ~~قائمة بين دويلات مقاطعاتها بزمن طويل. حقا إن الحضارة المادية كانت متساوية في أعمارها ~~في كل من غربي آسيا ومصر، ولكن الحضارة في أوسع نواحيها ليست إلا نتيجة لتطور اجتماعي ~~طويل، ومن ثم نجد أن البراهين التي يتمسك بها الأثريون للاستدلال على أن المدنية البابلية ~~(التي لم يكن لديها الفرصة الكافية للنمو والتطور الاجتماعي المطرد) كانت أقدم من المدنية ~~المصرية، بحجة ما عثر عليه من البرت النحاسية وصناعة صياغة الذهب، ليست إلا براهين سطحية ~~لا تستحق النقد والتفنيد. ولا جدال في أن التقدم السياسي والاجتماعي وتطور الحضارة البشرية ~~على وجه عام، كان ظهورها كلها في وادي النيل متقدما بعدة قرون على أمثاله في غربي آسيا. ~~والحقيقة أن الحضارة في «بابل» أتت متأخرة في تطورها الديني والاجتماعي والسياسي عن حضارة ~~مصر بما لا يقل عن ألف سنة. # وتلك الحقيقة لها أهميتها؛ إذ تعدنا لفهم الأهمية الفريدة لمدة ألف السنة العظيمة التي ~~تطورت فيها ms148 الحضارة في مصر ذلك التطور الخطير؛ فعلى ضفاف النيل بالذات نرى طليعة التقدم ~~البشري؛ أي بوادر شعور الإنسان لأول مرة بكنه الفتح الذي بدأه، وبعد أن جنى ثمرة التجارب ~~القومية التي استمرت ألف سنة أخذ يعد نفسه لخوض معركة الشئون الاجتماعية التي كانت تتهيأ ~~لمهاجمته من الداخل، فقد ظفر هو فيها في تلك المدة بأعظم الانتصارات الباهرة على أعدائه ~~الخارجين، في عالم القوى المادية، ولكنه الآن أمام الوازع الداخلي الذي صار هو الآخر بدوره ~~يطلب منازلته لدخول ميدان جديد أسمى من ميدان المادة، بعد أن كان ذلك الميدان السامي لا ~~يعرف عنه المصري القديم شيئا إلا القليل. # وتوجد عندنا الأدلة القاطعة على أن أقدم المبادئ الخلقية عند قدماء المصريين أخذت دورها ~~في النمو وهي مقرونة بإله الشمس لا بالإله «أوزير»؛ لأن نصائح «بتاح حتب» تقول بجلاء إن إله ~~الشمس هو خالقها (أي خالق العدالة). نجد ذلك واضحا في فقرة من وثيقة يرجع عهدها إلى الدولة ~~الوسطى حيث حشر أتباع «أوزير» فيها اسمه حشرا، وهذا دليل هام على اشتعال نار الحرب الدينية ~~التي كان يزكيها أتباع «أوزير» في ذلك العصر. ومما يؤسف له في هذا الصدد أن أول إله تخيله ~~المصريون قاضيا خلقيا في عالم الحياة الآخرة لم يذكر اسمه بالنص، وإنما وصف بأنه «الإله ~~العظيم» فقط من غير أن يذكر له اسم. وقد وردت هذه الصفة بتوسع في فقرة واحدة بالعبارة ~~التالية: «الإله العظيم رب السماء.» ولذلك لا يكاد يوجد مجال لأن يكون المقصود من هذه ~~العبارة أي إله آخر غير إله الشمس. وهذا الاستنتاج يؤيده جميع ما وجدناه من الكتابات في ~~متون الأهرام، حيث يعبر مرارا وتكرارا عن إله الشمس بأنه «رب المحاسبة في الآخرة»، ولا ~~نزاع في أن هذا الإله هو الذي يقصده «إني» أحد أشراف «دشاشة» في قوله: «أما من جهة كل ~~الناس الذين سيعملون السوء ضد هذا (يريد القبر)، والذين يعملون أي شيء يسبب خراب هذا القبر، ~~والذين يتلفون الكتابة التي فيه؛ فإنهم سيحاسبون على ذلك ms149 أمام الإله العظيم رب الحساب في ~~المكان الذي تحاكم فيه الناس.» # أما التطور السريع الذي ظهر فيما بعد في النصائح الخلقية في مذهب «أوزير» وكذلك استيلاء ~~«أوزير» على مكانة القاضي في المحاكمة الأخروية، فلم يكن قد ظهر بعد في متون الأهرام؛ لأن ~~التطور الذي جعل تلك العناصر تظهر بوضوح في عهد الدولة الوسطى كان قد بدأ في ذلك العصر ~~المظلم الذي جاء إثر انتهاء عصر الأهرام. وعلى ذلك يكون إله الشمس - خلافا للرأي السائد - ~~هو أقدم الحامين للخلق الفاضل، وأول من سمي بالقاضي العظيم في عالم الحياة ~~الآخرة. # وأما «أوزير» فإنه ظهر بعد ذلك العهد بألف سنة قاضيا خلقيا عظيما في الحياة الآخرة، ~~على إثر اعتباره المدعي المنتصر في محاكمة عين شمس وحامي الأموات الذي تغلب على كل أعدائه. ~~على أن اغتصاب «أوزير» لهذه المكانة يعد دليلا آخر على التطور الذي لم يكن في الإمكان ~~مقاومته في صبغ الديانة المصرية القديمة بالصبغة الأوزيرية، وإلى هذه الأحداث التي جاءت ~~متأخرة، والتي استقى منها العلماء الأحداث آراءهم، يرجع السبب في النتيجة الشائعة القائلة ~~بسيادة «أوزير» الخلقية من عهد بعيد، وعلى أية حال فإن أقدمية المذهب الشمسي واضحة تماما ~~في هذا الموضوع كما هي واضحة في تفاصيل أخرى. # على أن هذه المطامح الخلقية المبكرة كانت لها حدودها؛ إذ لا ننسى أننا نتناول البحث في ~~عصر مضى عليه الآن ما بين 55، 45 قرنا من الزمان. وقد رأينا أن أهم الانتصارات التي قام ~~بها الإنسان في ذلك العصر القديم كانت في منازلة القوى المادية، وقد خرج منها خروج الظافر ~~الغالب، في حين أن الإنسان القديم وهو في وسط طائفة من الارتباكات ذات المؤثرات المضللة قد ~~أخذ يرى قبسا صغيرا من القيم الجديدة التي تسمو فوق الأعمال المادية المجردة. # ولا نزاع في أن سيطرة «ماعت» بقيت في جملتها المثل السامي في نظر الحكماء، ولكن الفساد في ~~الجهات الرسمية جعلت تحقيقه أمرا مستحيلا، شأنه في ذلك شأن الفساد الذي لا يزال للآن ~~العقبة القائمة في وجه العدالة ms150 عند الحكومات الشرقية إلى أيامنا هذه. # 11 # فيجب ألا نتخيل إذن أن الواجبات التي كان يفرضها ذلك التصور الخلقي كانت شاملة عامة، أو ~~أنه كان في مقدوره أن يشمل كل ما ندركه نحن في معناه من الصفات؛ فمثلا نجد أن مستلزمات ~~القاضي العظيم في عالم الآخرة كانت لا تتناقض مع أفظع الملاذ الشهوانية؛ إذ لم تكن تلك ~~اللذات الشهوانية المباحة في عالم الآخرة مقصورة على ما صورته لنا متون الأهرام، بل نص ~~على الطرق الفعلية التي يحصل بها إشباع تلك الشهوات؛ ولذلك كان يؤكد للملك المتوفى حيازته ~~على اللذة البهيمية في أشنع معانيها؛ من ذلك ما جاء في بعض النقوش من: «أنه هو الرجل الذي ~~يغتصب النساء من أزواجهن من أين شاء وحينما يشتهي قلبه.» # ومهما يكن من أمر فإن نشأة الاعتقاد بأن النعيم في جميع صوره يتوقف على ما للإنسان من ~~الصفات الخلقية في الحياة الدنيا، تعد من الخطوات الخطيرة، ولا بد أن يكون الشعور القوي ~~بالوازع الخلقي هو الذي جعل الفرعون نفسه، المقدس المعتبر فوق كل قانون أرضي، معرضا للحضور ~~أمام ذلك القاضي السماوي، ومكلفا بأن يتزود لذلك بالزاد الخلقي. وهذه الخطوة لا يمكن ~~الوصول إليها طفرة واحدة، ومن الممكن أن نرى حتى في مدة القرن ونصف القرن التي شغلتها عصر ~~متون الأهرام بعض أثر التقدم في الشعور الخلقي، وهو يشمل بأحكامه الشديدة حتى الملك نفسه؛ ~~فنجد مثلا في فقرة من متون الأهرام البيان التالي عن الملك: «إن هذا الملك «بيبي» بريء.» ~~وقد حدث أن تلك الفقرة التي وردت بها هذه العبارة قد وجدت بصورة مختلفة في نقوش هرمي ~~«وناس» و«تيتي»، وكانا ملكين حكما قبل «بيبي». ففي كل من النصين المعدلين لا نجد ذكرا ~~لعبارة البراءة، وينتج من ذلك أنه بعد مضي مدة تترواح بين الستين والثمانين سنة رأى كاتبو ~~تلك المتون أن إضافتها من الصواب فأضافوها. # على أنه ليس من السهل أن يقرأ الإنسان تقدم شعب ما ورقيه الروحي والعقلي في آثار هي ~~قبل كل شيء مادية، ms151 كما لو كان يقرؤها في الوثائق الأدبية؛ إذ من السهل أن يضل الإنسان ويخطئ ~~في ترجمة تلك الإشارات الضئيلة التي تمدنا بها تلك الآثار المادية المحضة. والواقع أن هذه ~~الآثار تخفي وراءها طائفة من القوى الإنسانية والتفكير البشري لا يمكننا الاهتداء إلى ~~معظمها، ومع ذلك فإنه يكاد يكون مستحيلا على الإنسان أن يتأمل مقابر ملوك الأسرة الرابعة ~~الهائلة المعروفة بأهرام الجيزة، ثم يوازنها بالمقابر الملكية الصغيرة التي أقامها ملوك ~~الأسرتين التاليتين بعدها دون أن يرى وراء هذا التغيير المفاجئ والمدهش معا أسبابا فوق ~~الأسباب السياسية المحضة، فأهرام الجيزة العظيمة - كما قلنا من قبل - تمثل حرب القوى ~~المادية الهائلة بغية الوصول بالعوامل المادية المحضة إلى تخليد جثمان الملك المادي بإحاطته ~~بغطاء هائل من المباني ليس في الإمكان اختراقه حتى يحفظ فيه إلى الأبد مع كل ما كان يربط ~~روح الملك بالحياة المادية قبل الموت. ومع أن أهرامات الجيزة العظيمة تدل بعظمتها على أنها ~~أكبر شاهد باق ينطق بظهور أقدم إنسان منظم، وبانتصار الجهود المتضافرة، فإنها في الوقت ~~نفسه برهان صامت يعبر تعبيرا فصيحا عن محاولة الإنسان الحصول على نعيم مقيم خالد بالقوة ~~المادية المحضة. # ولم يكن من الممكن لمثل ذلك النضال الهائل ضد قوى التحلل والفناء أن يستمر في طريقه إلى ~~غير نهاية، وذلك لأسباب طبيعية محضة انضمت إليها اتجاهات سياسية أيضا، ولكن مع كل هذه ~~الأسباب مجتمعة فإن مجرد إدخال متون الأهرام في المقابر الملكية خلال القرن ونصف القرن ~~الأخير من عصر الأهرام كان على وجه التقريب في حد ذاته تخليا عن ذلك الصراع الهائل المعتمد ~~على القوى المادية والتجاء ظاهرا إلى عوامل أخرى أقل ظهورا من ذلك. كما أن الاعتراف ~~بالحساب في الآخرة وبحاجة الإنسان إلى قيم خلقية يتصف بها في الحياة الآخرة يعد في الواقع ~~أعظم من ذلك أهمية في نفس هذا الاتجاه، فهذه الخطوة تعلم لنا التحول من الارتكان على ~~العوامل الظاهرية الخارجة عن شخصية المتوفى إلى الاعتماد على القيم النفسية الباطنة، وبذلك ~~بزغ فجر عقيدة خلود ms152 الروح لأول مرة على عقول البشر، باعتبار الأبدية أمرا يحصل عليه ~~الإنسان بالروح لا بالجثمان. # وقد كان ذلك فاتحة عهد انتقال من المزايا المادية الظاهرة إلى الصفات الروحية الباطنة؛ ~~ولذلك كان أيضا خطوة من الخطوات الهامة التي كنا نترقبها في ذلك المنهج الطويل، وهي ابتداء ~~ظهور الشخصية المستقلة بعد أن كان كل شيء ينسب إلى جملة الشعب؛ أي إن فجر ظهور كفاية ~~الشخصيات الفردية وتفوقها قد طلع على عقول أولئك الناس الذين عاشوا في ذلك العالم القديم، ~~وصارت مثلهم العليا تنتمي إلى أخلاق أكبر الآلهة عندهم، كما اعتبر ملك ذلك الإله عالما ~~خلقيا عظيما يتولى الملك في الأرض إدارته وتدبير أموره نائبا عن الإله لفائدة الأمة ~~المصرية. # بذلك الفوز السامي القويم تم هذا التطور الذي أحرزه عصر ألف السنة التي بدأت مع بداية ~~الاتحاد الثاني وانتهت بعد حلول سنة 2500ق.م بقليل. # الفصل العاشر # | انهيار المذهب المادي وأقدم عهد للتخلص من الأوهام # تعد أهرام الجيزة دليلا قويا على السيطرة والثروة اللتين كانتا متجمعتين في أيدي ~~فراعنة الأسرة الرابعة، وبقاء تلك المباني الرائعة مدة تقرب من خمسة آلاف سنة يعتبر دليلا ~~آخر يعزز ذلك؛ إذ إن الفرعون الذي كان في مقدوره أن يجمع كل ثروة رعاياه ومجهودهم وهم عدة ~~ملايين لإقامة ضريح يبلغ ارتفاعه 481 قدما، ومساحته لا تزال تشغل نحو 13 فدانا من المباني ~~الصلبة، لا بد أنه كان قد جمع في يده زمام حكومة قوية مركزة. ولا شك أنه كان يستعمل تلك ~~السلطة دون أن يكترث كثيرا بالآلام التي كانت تعانيها الإنسانية من تسخيره إياها في تلك ~~الأعمال الشاقة. ونحن نعلم الآن أن كبار الموظفين الذين كانوا يديرون دفة تلك الإدارة ~~العظيمة قد أثروا منها تدريجا، وبخاصة من الأراضي التي كان الملك يهبها إياهم، وبذلك أسسوا ~~لأنفسهم ضياعا عظيمة حتى صاروا يعيشون كما يعيش حكام الإقطاعيات في مقاطعاتهم، وبعد انقضاء ~~بضعة قرون وصل أولئك الموظفون إلى درجة عظيمة من الاستقلال؛ أي إن حكومة البلاد التي كانت ~~مركزة في يد الملك، ms153 والتي تنطق بها ضخامة المقابر الملكية الشاسعة الأرجاء بالجيزة أخذت ~~تنحدر نحو اللامركزية التامة، ولم يأت عام 2500ق.م حتى صارت الدولة المصرية القديمة مؤلفة ~~من مجموعة من الإقطاعات المفككة الأوصال مهددة بفقد كل رابطة بينها، تكاد تقضي عليها عوامل ~~التمزيق والتفريق. # وبذلك نرى أنه في فترة تقدر بأقل من ألفي سنة قامت أولى المدنيات بدورة التطور كاملة، من ~~توحيد كلمة رؤساء المقاطعات المحليين في عصر ما قبل التاريخ إلى تأليف حكومة متحدة من تلك ~~المقاطعات جميعا عن طريق أقصى درجات تركيز السلطة، ثم عادت ثانية إلى اللامركزية بخطى ~~متوالية إلى أن رجعت سيرتها الأولى، حيث صارت مكونة من مقاطعات محلية مستقلة، فكانت هذه أول ~~دورة في تجارب البشرية. وقد رأينا أنها تركت أثرا بالغا عميقا في عقول رجال الفكر؛ إذ ~~صار في مقدورهم لأول مرة عند نهاية الدولة القديمة أن يرجعوا بأبصارهم إلى ذلك الماضي ~~القديم والتأمل في ذلك المنهج الطويل من تطور النظام البشري. وقد تبين لهم كيف أن أخلافهم، ~~بتأثير سير هذا الموكب العظيم الممثل لأقدم حياة بشرية منظمة في التاريخ، قد نقلوا تدريجا ~~آلهة الطبيعة القدامى إلى مملكة الشئون الاجتماعية، وسنرى الآن تأثير التجارب الاجتماعية ~~النامي على أفكار هؤلاء الحكماء بشأن الإنسان والسلوك البشري وعن الإله. # والأرجح أنه بعد سنة 2500ق.م بقليل انهارت حكومة الدولة القديمة؛ أي الاتحاد الثاني، ~~ومزقت أوصال البلاد شر ممزق، وخلال أوقات الشجار الذي كان قائما بين الأشراف المحليين على ~~أثر ذلك الانهيار ظهر عميد أسرة من حكام الإقطاعات كان يقطن «أهناسية المدينة» الواقعة على ~~مسافة 25 فرسخا جنوبي «منف»، واستولى على السلطة التي كانت لملوك «منف» مدة طويلة، وأقام ~~نفسه فرعونا على البلاد، غير أن هذه الأسرة الأهناسية التي كانت ضعيفة في سياستها لم تترك ~~لنا عنها إلا شيئا ضئيلا من آثارها يحدثنا عن أخبار ذلك العصر، فقد انفصل عنها النصف ~~الجنوبي من الوجه القبلي ونال استقلاله، كما أن المناوشات كانت قائمة أحيانا ضدها على ~~الحدود في مصر الوسطى. ومع أن التأثير ms154 العظيم الذي نتج عن هذا الانهيار التام في حكم ~~الاتحاد الثاني بعد أن عمر ألف سنة لم يظهر في أول الأمر ظهورا تاما؛ فإنه كان في ذلك ~~مثله كمثل سقوط «رومة»؛ إذ ترك أثرا قويا على عقول القوم الذين شاهدوه، فقد أقلع رجال ~~الفكر عن التفكير في الأبهة الظاهرة الكاذبة، وتحولوا إلى التأمل العميق في القيم الباطنة. ~~ولا بد أن الحياة المتحضرة في أمهات مدن الدولة القديمة مثل «منف» و«عين شمس»، وهي التي ~~كانت مركزا للقوة والثقافات، كانت لا تزال باقية فيها على ما هي عليه، هذا فضلا عما في ~~«أهناسية» نفسها، فإننا تعلم على الأقل أن أحد ملوكها كان حكيما ذا عقل مفكر راجح، ومما ~~يؤسف عليه أن اسم ذلك الملك مجهول لنا للآن، ولكنه لما قارب حكمه النهاية كتب رسالة في سلوك ~~الملك ليعلم بها ابنه «مريكارع»، وقد سميت هذه الرسالة «تعليم موجه إلى «مريكارع»». # وتلك الوثيقة الهامة مدونة على بردية محفوظة الآن بمتحف «لنينجراد»، وهي تحمل بين سطورها ~~أدلة قاطعة تثبت أنها كتبت في العصر الذي تنسب إليه، ويمكن أن نعتبرها صوتا حقيقيا لملك ~~«أهناسية» المسن الذي كان يرجع بنظره إلى الوراء للاستفادة من ماضي تلك الدولة القديمة؛ ~~وذلك لعظيم احترامه للحكمة التي تمخضت عنها تلك الأزمان؛ إذ نرى ذلك السياسي المحنك يتحدث ~~عن الرجل الحكيم فيقول: «إن الحق (يعني «ماعت») يأتي إليه مختمرا حسبما كان عليه الأجداد، ~~فعليك إذن أن تقتدي بآبائك وأسلافك ... تأمل؛ لأن كلماتهم مدونة في المخطوطات فافتحها لتقرأها ~~واقتد بمعرفتهم، وبتلك الكيفية يصير صاحب الصناعة على علم بها.» ونحن من جانبنا يمكننا أن ~~نلحظ في تلك الكلمات تأثير نصائح «بتاح حتب» الذي عرف في نصائحه الكلام بأنه صناعة، وعرف ~~المتكلم الماهر بأنه محترف. ولا بد أنه كان بين تلك المخطوطات ملف البردي الذي يحتوي على ~~نصائح «بتاح حتب»، والذي كان الملك الأهناسي يأمر ابنه بفتحه وقراءته حتى يمكنه التبصر فيما ~~يحويه من الحكم التي مضى عليها وقتذاك نحو 400 سنة. ويقول ذلك الملك ms155 المسن: «كن ممن يحسنون ~~صناعة الكلام لتكون قوي البأس؛ لأن قوة الإنسان هي اللسان، والكلام أعظم بأسا من كل حرب.» ~~وهذا القول أشبه بقولنا: «القلم أشد بأسا من السيف.» # غير أن ذلك السياسي المصري - كما أظهر لنا ذلك «بتاح حتب» - كان يعرف معرفة تامة أن ~~اللسان الذرب يحتاج إلى توجيه حكيم؛ إذ يضيف إلى ما سبق قوله: «إن الرجل الفطن لا يجد من ~~يفحمه، كما أن الذين يعرفون أنه أوتي الحكمة لا يعارضونه، وبذلك لا تحدث مصيبة في زمانه.» ~~وكان من المستحيل بداهة أن يتجاهل الإنسان الصعوبات القائمة في موقف البلاد السياسي إذ ذاك، ~~ولذلك أسديت النصيحة إلى الأمير الصغير بالمحافظة على العلاقات السلمية بينه وبين جنوب ~~الوجه القبلي المستقل في ذاك الوقت. وقد خصص جزء كبير من تلك النصيحة للعناية بحدود البلاد ~~المصرية المكشوفة من جهة آسيا شرقا ولوبيا غربا. # ولقد برزت فطنة ذلك السياسي المسن بوجه خاص في سياسة البلاد الداخلية؛ إذ نجده يعترف ~~اعترافا صريحا بقوة الأسر الشريفة العظيمة؛ ولذلك فإنه يوصي بمعاملتها بتلك السياسة التي ~~اتبعها كثير من ملوك أوروبا فيما بعد؛ وهي سياسة المهادنة والتعاون. كما أبدى فطنة عظيمة في ~~الوقت نفسه لتقديره ضرورة البحث عن الكفايات المغمورة في الأوساط الدنيا، وتكوين رجال جدد ~~يمكن استخدامهم ضد رجال الإقطاع القدامى؛ ولذلك نراه يقول: «أعل من شأن الجيل الجديد ليحبك ~~أهل الحاضرة ... إن مدينتك ملأى بالشباب المدرب الذين هم في سن العشرين. ضاعف الأجيال الجديدة ~~من أتباعك، على أن يكونوا مزودين بالأملاك، وقد منحت لهم الحقول وجعلت في حيازتهم قطعان ~~الماشية. وإياك أن ترفع من شأن ابن العظيم على ابن الوضيع، بل اتخذ لنفسك الرجل من أجل ~~كفايته.» ومع ذلك فإنه ليس من الفطنة أن تهمل الأسر الشريفة العريقة؛ ولذلك يقول: «عظم من ~~شأن أشرافك لينفذوا قوانينك؛ لأنهم إذا لم يكونوا أهل يسار فإنهم لا يقيمون العدل في ~~إدارتهم للأمور. إن الرجل الغني في بيته لا يتحيز (يعني في حكمه)؛ لأنه صاحب عقار وليس ~~محتاجا، ولكن ms156 الرجل الفقير (وهو في وظيفته) لا يتكلم حسب العدالة (يعني ماعت)؛ لأن الرجل ~~الذي يقول: «ليت لي» لن يكون محايدا، بل ينحاز إلى الشخص الذي يحمل في يده العطية # reward ~~، فالعظيم من كانت أشرافه عظماء، والملك الخطير من ~~كانت له حاشية، والرفيع من كان حوله أشراف كثيرون. وإذا تكلمت الصدق (يعني ماعت) في بيتك ~~فإن الأشراف المتسلطين على الأرض سيهابونك. والملك ذو العقل المحايد يفلح حاله؛ لأن داخل ~~(القصر) هو الذي يبعث الاحترام في الخارج.» # وفضلا عن المسئولية فيما يختص بالعدالة الدنيوية يؤكد الملك المسن لابنه بأنه على الملك ~~واجبات هامة في المعبد، وأنه محتم عليه أن يوجه كل عنايته لإقامة جميع الشعائر المقدسة مما ~~يظهر بكل جلاء اعتماده التام على العطف الإلهي. على أن فضيلة الملك على أية حال لا تظهر ~~بإقامة أمثال هذه الشعائر الخارجية الظاهرة وحدها، كما أنها ليست ضمانا كافيا لرضى الإله؛ ~~فإن أخلاق المعطي أعظم خطرا من الهبة التي يبذلها؛ ولذلك نجد الملك المسن يأتي في وصيته ~~بما يعد من أنبل ما جاء به التفكير الخلقي بمصر القديمة؛ إذ يأمر ابنه بأن يحفظ في ذهنه: ~~«أن فضيلة الرجل المستقيم أحب (يعني عند الإله) من ثور (أي الذي يقدم قربانا) الرجل ~~الظالم.» فلا بد إذن لذلك الشاب عندما يتربع فوق العرش أن يحكم طبقا للصفات الخلقية ~~الباطنة؛ ولذلك يقول له والده: «أقم العدل لتوطد به مكانتك فوق الأرض، وواس الحزين ولا ~~تسئ إلى الأرملة، ولا تحرمن رجلا من ميراث والده، ولا تضرن الأشراف في مراكزهم، ولا ~~تقم بالعقاب (يعني بنفسك) فإن ذلك لا يفيدك، بل عاقب بواسطة الجلادين ومن غير إسراف، وبذلك ~~تستتب لك الأرض ... والله عليم بالرجل الثائر، والله يجازي عسفه بالدم ... ولا تقتلن رجلا ~~تعرف قدره وتكون قد جودت معه الكتابة (يعني في المدرسة بطبيعة الحال).» # أما التخلق بالوداعة التي طالما وصى بها «بتاح حتب» فقد أفاض في الحض عليها ذلك المسن ~~حكيم «أهناسية»؛ إذ يقول مستحلفا ابنه: «لا تكونن فظا؛ لأن الشفقة محبوبة، ms157 وليكن أكبر ~~أثر لك محبة الناس لك ... وسيحمد الناس الله على مكافأتك لهم مقدمين الشكر على عطفك وطالبين ~~لك العافية في صلواتهم.» # وقد ذكرنا فيما مر أن «بتاح حتب» كان كثير الاهتمام بالمستقبل في هذه الدنيا بسبب تقلبات ~~الحظ التي تحف بمركز الإنسان في هذه الحياة، والملك في تلك الوثيقة ينصح ابنه «مريكارع» بأن ~~يفكر في المستقبل في الحياة الآخرة، فيقول له في ذلك: «إنك تعلم أن محكمة القضاة الذين ~~يحاسبون المذنب لا يرحمون الشقي يوم مقاضاته ولا ساعة تنفيذ القانون ... ولا تتحدثن عن طول ~~العمر؛ لأنهم (يعني القضاة) ينظرون إلى مدة الحياة كأنها ساعة؛ فإن الإنسان يبعث ثانية بعد ~~الموت وتوضع أعماله بجانبه كالجبال. إن الخلود مثواه هناك (يعني في الآخرة) والغبي من لا ~~يكترث لذلك، أما الإنسان الذي يصل إلى الآخرة دون أن يرتكب خطيئة فإنه سيثوى هناك ويمشي ~~مرحا مثل الأرباب الخالدين (يعني الأبرار المتوفين).» # ويرى ذلك الملك المسن أن الحياة الصالحة فوق الأرض هي العماد الأعظم الذي ترتكز عليه ~~الحياة الآخرة؛ إذ يقول في ذلك: «إن الروح تذهب إلى المكان الذي تعرفه، ولا تحيد في سيرها ~~عن طريق أمسها.» ولا شك أنه يقصد بذلك طريقها المعتاد للخلق القيم الكريم. على أن القبر كان ~~في نظره في الوقت نفسه من الأشياء الهامة، حيث يقول: «زين مثواك (يعني قبرك) الذي في ~~الغرب، وجمل مكانك في الجبانة بصفتك رجلا مستقيما مقيما للعدالة (يعني ماعت)؛ لأن ذلك ~~هو الشيء الذي تركن إليه قلوب أهل الاستقامة.» # ولما كان أهم أمر في حياة الإنسان هو علاقته بربه، سواء أكان ذلك في هذا العالم أم الحياة ~~الآخرة، فإنه يقول في ذلك أيضا: «يمر الجيل إثر الجيل الآخر بين الناس والله العليم ~~بالأخلاق، قد أخفى نفسه ... وهو الذي لا يعبأ بما تراه الأعين، فاجعل الإله يخدم بالصورة ~~التي سوي فيها سواء أكانت من الأحجار الكريمة أم من النحاس، كالماء الذي يحل محله الماء؛ إذ ~~لا يوجد مجرى ماء يرضى لنفسه أن يبقى مختفيا بل ms158 يكتسح السد الذي يخفيه.» # وهذا التصريح الهام الذي جاء على لسان رجل من رجال الفكر في مصر منذ أكثر من أربعة آلاف ~~سنة مضت ليس إلا محاولة منه للتمييز بين الإله وبين صنم المعبد التقليدي الذي كان يظهر في ~~احتفالات المعبد وتهتف له الجماهير، ولكن كينونة الإله - كما قال - كالماء الذي يكتسح السد ~~أمامه، لا يمكن أن تبقى محبوسة في الصورة المحسوسة، وهو الشيء الذي عبر عنه بأنه «لا يعبأ ~~بما تراه العيون»، على حين أن الإله الخفي العليم بالأخلاق قد أخفى نفسه فلا يمكن إدراكه ~~كجسم من الماء يمتزج في جسم آخر مثله من الماء. على أنه من الصعب جدا أن يدرك الإنسان ~~معنى أمثال هذه التشبيهات، وبخاصة في لغة فقيرة جدا في التعابير المعنوية. # ولكن من الواضح أن لدينا في تلك البردية سلسلة أفكار عن إله الشمس نجد فيها المفكر المصري ~~القديم يقترب من عقيدة التوحيد؛ # 1 # إذ نجد أنه يعترف بوجود طائفة من الآلهة يقومون مقام القضاة في عالم الآخرة، ~~وبذلك يبتعد بعدا واضحا عن الاعتراف بوحدانية الإله، ولكنه من جهة أخرى كان يقترب جدا ~~من الاعتراف بالتسلط الخلقي لإله واحد لدرجة أن كلمة إله صارت تدل في بعض المواضع - مع شيء ~~من التناقض - على مدلولها الحقيقي، ونلاحظ زيادة الإمعان في صوغ هذه التأملات بصيغة التوحيد ~~في الصورة الآتية التي صور فيها الحكيم الأهناسي الخالق الحاكم الرءوف، في خاتمة تأملاته؛ ~~إذ يقول: «إن الله قد عني عناية حسنة برعيته، فقد خلق السماوات والأرض وفق رغبتهم، وأطفأ ~~الظمأ بالماء، وخلق لهم الهواء حتى تحيا به أنوفهم، وهم صور منه خرجت من أعضائه، وهو يرتفع ~~إلى السماء حسب رغبتهم، وخلق النبات والماشية والطير والسمك غذاء لهم، وقد ذبح أعداءه وعاقب ~~أطفاله بسبب ما دبروه حينما عصوا أمره، وصنع النور حسب رغبتهم كي يسبح في السماء ليراهم، ~~كذلك أحاطهم بسياج من حمايته، وهو يسمعهم عندما يكون، وجعل لهم حكاما وهم في الأرحام ~~ليحموا ظهر الضعفاء منهم.» # والإشارة هنا إلى أن ms159 الإله ذبح أعداءه تنويه بأسطورة إله الشمس وعهد حكمه على الأرض ~~بصفته فرعونا عليها، وذلك عندما تآمرت رعيته عليه فإنه اضطر أن يوقع بهم الهلاك، فنجد في ~~تلك الأسطورة ناحية خلقية تدل على حرمان الإنسان من العطف الإلهي، وكذلك نتعرف فيها تعرفا ~~تاما سيادة إله الشمس الخلقية. ومن الواضح أن ذهن الملك الأهناسي المسن اتجه إلى محاولة ~~الموازنة بين فكرته السامية للحاجات الخلقية وبين التقاليد الموروثة الخاصة بقيمة الوسائل ~~المادية؛ ولذلك يقول لابنه: «أقم آثارا باقية للإله؛ لأنها تجعل اسم صانعها يبقى، ودع ~~المرء يعمل ما فيه صلاح روحه بتأدية الطهر الشهري وبأخذ النعلين الأبيضين وزيارة المعبد، ~~وإماطة اللثام عن الرموز الدينية، والدخول في قدس الأقداس، وأكل الخبز في المعبد. وضاعف ~~القربان، وأكثر من عدد الرغفان، وزد في القربان الدائم؛ لأن في ذلك خيرا لفاعله، واجعل ~~آثارك فيه حسب ثروتك؛ لأن يوما # 2 # واحدا قد يبقى أثره إلى الأبد، ورب ساعة واحدة تنفع للمستقبل، والله عليم بكل ~~من يقوم له بأية خدمة.» على أن محاولة الموازنة بين المادية والحاجات الأخلاقية ظاهرة في ~~التصريح القيم الذي اقتبسناه فيما سبق عندما قال الملك المسن لابنه: «إن فضيلة الرجل ~~المستقيم أحب عند الله من ثور الظالم، ومع ذلك قرب القربان للإله - ليكافئك بالمثل - ولتحفل ~~به مائدة القربان، وكذلك بالنقوش؛ لأن ذلك هو ما يخلد اسمك، والله يعلم من يقرب له ~~القربان.» # فنجد هنا اعترافا صريحا بقيمة الحياة الصالحة في نظر الإله، وهو الذي لا يقبل أن تقوم ~~الهدايا عنده مقام الأخلاق، وهذا الاعتراف يفوق بمراحل كثيرة أعظم المثل العليا في عصر ~~الأهرام. وبالرغم من ذلك فإن تقاليد الأجداد فيما يتعلق بقيمة الوسائل المادية، سواء أكان ~~ذلك في العمارة أم في تقديم القربان، كانت لا تزال تجد قبولا عند ذلك الملك المسن، ~~وبتصريحه هذا قد استخلص الملك نتيجة من ذلك - قد تكون بغير قصد منه - لا يمكن أن تترك هكذا ~~معلقة ودون أن يفصل فيها، فكان كر القرون يثبت بدون هوادة بطلان الاعتماد على ms160 العوامل ~~المادية البحتة للحصول على النعيم الأخروي لروح الإنسان، كما كان سير الزمان ينحسر بلا شفقة ~~عن انهيار العقيدة المادية، وكذلك بدأت الظلال القاتمة التي تنم عن أقدم صورة لعدم الانخداع ~~بالأوهام تخيم على سماء مصر. # على أن حكمة ذلك الحكيم الأهناسي المتوج لم تفقد تأثيرها بعد انقراض أسرته بزمن طويل، وقد ~~رأينا صداها في ترجمة حياة أحد الأشراف كتبها لنفسه على شاهد قبره في عهد الأسرة الحادية ~~عشرة؛ إذ يقول: «لقد سمعت أفواه الناس تنطق بتلك الحكمة التي توجد في أفواه العظماء: إن ~~فضيلة الرجل هي أثره الباقي، ولكن الرجل صاحب السمعة الرديئة يصير نسيا منسيا.» والواقع ~~أننا بعد انقضاء بضعة قرون على ذلك نجد ذكريات لعظات ذلك الملك الأهناسي وردت بعبارة واحدة ~~تقريبا في نقش كل من مقبرتي شريفين نقشا عليهما تاريخ حياتهما، وكانا يعيشان في عهد ~~الملك «سنوسرت الأول»؛ أي بعد سنة 2000ق.م # 3 # بجيل واحد، وكان أحدهما شريفا من أغنياء «أسيوط» رأى الفخر كل الفخر في أن ~~يقول: «إنه كان إنسانا يفصل بين المتخاصمين دون محاباة؛ لأني كنت ثريا وما أكرهه هو ~~الكذب، وكنت متزن العقل من غير ميل.» # وأما ترجمة حياة الثاني فإنها منقوشة على لوحة جميلة من الحجر الجيري الأبيض محفوظة الآن ~~بمتحف المترو بوليتان للفن، وصاحبها هو الشريف «منتووسر» يقول فيها: # لقد كنت امرأ يستمع للقضايا حسب الحقائق دون إظهار محاباة لمن يحمل الهدية (يعني ~~الرشوة)؛ لأني كنت صاحب ثراء أرفل في بحبوحة النعيم. # 4 # ونجد هنا حالة يكاد يحاول بها الإنسان أن يعتبر الثراء عونا على معاملة الناس بالحق في ~~تصريف العدالة. على أن بطلان الاعتماد على العوامل المادية كان قد أخذ في الظهور للعيان ~~بازدياد مطرد بعد انتهاء عصر الاتحاد الثاني؛ فإن ارتكان الملوك العظام الذين حكموا في عهد ~~الأهرام على مثل هذه الوسائل المادية قد جعلهم يكافحون بلا طائل ضد الموت مدة قرون عدة، ~~وهذا الكفاح قد أخذت آثاره المتداعية تدل في كل يوم على خيبة الطرق المادية في أداء ms161 الغرض ~~منها. فقد كان صراع أولئك الجبابرة الذي استمر نحو خمسمائة سنة، يتمثل جليا أمام الأعين ~~في هيئة سور عظيم من الأهرام يمتد نحو ستين ميلا على حافة الصحراء الغربية، وكأنه خط من ~~الحصون الأمامية الصامتة يشرف على حدود الموت، وكان قد انقضى إذ ذاك ما يقرب من ألف سنة على ~~بناء أول هرم منها، وكذلك قد انطوت قرون عدة منذ أن طوى رجال العمارة سجلاتهم البردية ~~الحاوية لرسوم آخر هرم منها، وجمع طوائف العمال آلاتهم وانصرفوا إلى أوطانهم، كما هجر ~~الكهنة منذ زمن بعيد تلك المعابد الفاخرة والأبواب العظيمة الأنيقة التي كانت مقامة على ~~جانب الوادي حينما صاروا ولا عائل يعولهم، فأصبحت تلك الجبانة الهرمية التي يبلغ امتدادها ~~ستين ميلا ثاوية في صمت مقفر مدفونة في الرمال إلى عمق كبير، يغطي نصف حجم مبانيها الخربة ~~بما تحويه من تيجان الأعمدة الملقاء على الأرض والأعمدة المطروحة فوق أديم الغبراء، فهي ~~خرائب مهجورة، لا يرى بينها إلا شبح ابن آوى المنقرض يتسلل بين دمنها، وكأن رؤية هذا ~~الحيوان المقدس «لأنوبيس» إله الموتى العتيق تشير إلى فشل الحماية التي كان يقوم بها آلهة ~~الصحراء الجنازيون القدامى. # على أنه حتى في يومنا هذا لا يجد الإنسان منظرا رائعا مثل منظر جبانات الأهرام المصرية ~~القديمة في أية بقعة من بقاع العالم القديم، ونحن لا نزال نذكر ما شعرنا به من الاحترام ~~الرهيب الذي تركته تلك الجبانات في نفوسنا عندما زرناها للمرة الأولى. ولكن هل كان ذلك ~~التأثير الذي ألم بنفوسنا يحس به خلفاء بناة الأهرام بعد انقضاء بضعة قرون على تشييدها؟ ~~وهل صارت تلك الأهرام من الآثار القديمة في نظر أولئك الأقوام الذين كانوا يعيشون في سنة ~~2000ق.م؟ # نعم إن جبانة الأهرام قد تركت أثرا عميقا في عقول الحكماء المصريين القدامى الذين ظهروا ~~بعد انتهاء عهد الاتحاد الثاني. على أنه إذا كان قد وجد في نفس عصر الأهرام بعض الفتور في ~~الاعتقاد بأن الإنسان بالقوة المادية المحضة يمكنه أن يتحكم في الخلود، فإن منظر ms162 تلك ~~الخرائب الهائلة الآن قد أيقظ هذه الشكوك عند هؤلاء الحكماء وزاد فيها حتى جعلها شكا ~~علنيا. وهذا التشكيك قد عبر عنه بعد ذلك العهد بزمن قصير في صورة أدبية ذات تأثير ~~ظاهر. # ولا شك أن ذلك العصر قد بعد كل البعد عن عهد التسليم بالعقائد التقليدية دون معارضة فيها ~~كما ورثت عن الآباء، فإن عقيدة التشكك تعني تجربة طويلة للعقائد الموروثة، وبحثا مستمرا ~~فيما كان معترفا به حتى ذاك الوقت دون تفكير، ثم الشعور بالمقدرة الشخصية على الاعتقاد في ~~الشيء أو إنكاره، وهي تعد خطوة مميزة إلى الأمام نحو نمو الوعي النفسي والوازع ~~الشخصي. # على أن عقيدة التشكك هذه لا تنمو إلا بين أفراد الشعب الذي له مدنية ناضجة، ولا تنبت قط ~~في الأحوال الفطرية؛ ولذلك فإن ذلك العصر، البالغ نحو خمسمائة سنة، والذي يمثل قمته أولئك ~~المتشككون الذين جاءوا عقب سقوط الاتحاد الثاني، يعد عصرا هاما في تاريخ التقدم العقلي ~~عند البشر. وقد عبر هؤلاء الحكماء عن حالتهم العقلية في مرثية كانت تغنى غالبا في نوع ~~من الأعياد (يشبه عيد «كل الأرواح») كان يحتفل به في الجبانة أهالي الموتى وأقاربهم عند ~~قبور أجدادهم الراحلين. # فلدينا روايتان لهذه الأنشودة غير كاملتين: إحداهما مدونة على بردية، والثانية كانت ~~منقوشة على جدران أحد القبور بطيبة. غير أن النسخة التي دونت على البردية كانت منقولة عن ~~نقوش قبر، بدليل أن عنوانها هكذا: «الأغنية التي في مثوى (مزار القبر) الملك «إنتف» # 5 # المرحوم وهي المواجهة للضارب على العود.» # وإنه لمن المدهش حقا أن نجد ملكا من ملوك الأسرة الحادية عشرة (أي حوالي سنة 2100ق.م) ~~يأمر بنقش هذه الأنشودة فوق جدار مزار قبره، غير أنه يمكننا أن نستنتج من قراءة سطورها أن ~~المغني عندما كان ينشد أغنيته كان يقف على مكان مرتفع يشرف منه على جبانة أهرام الدولة ~~القديمة. # وها هي ذه الأنشودة: # ما أسعد هذا الأمير الطيب! # 6 # إن المقدر الجميل قد وقع # وتذهب الأجيال من الناس # وتبقى أخرى # منذ عهد الذين كانوا ms163 من قبلنا # والآلهة الذين وجدوا في غابر الزمان # والذين يرقدون في أهرامهم # وكذلك الأشراف والمبجلون قد رحلوا # ودفنوا في أهرامهم # وأولئك الذين بنوا مزارات لقبورهم # فإن أماكنهم أصبحت كأن لم تكن # تأمل ماذا جرى فيها # لقد سمعت أحاديث «أمحتب» و«حردادف» # وهي كلمات لها شهرة عظيمة مثل أقوالهم # تأمل مساكنهم هنالك # فإن جدرانها قد هدمت # وأماكنها قد أصبحت لا وجود لها # كأنها لم تكن قد وجدت قط # ولم يأت أحد من هنالك # ليحدثنا كيف حالهم # وليخبرنا عن حظوظهم # لتطمئن قلوبنا # إلى أن نرحل نحن أيضا # إلى المكان الذي رحلوا إليه # شجع فؤادك على أن ينسى ذلك # ولتسر باتباع رغبتك # وأنت على قيد الحياة # وضع العطور على رأسك # وارتد ملابس من الكتان الرقيق # وضمخها بالعطور العجيبة # وهي أشياء الإله الأصيلة # وزد كثيرا من مسراتك # ولا تجعلن قلبك يبتئس # واتبع ما تشتهي وما يطيب لك # وهيئ شئونك على الأرض # حسبما يمليه عليك قلبك # إلى أن يأتي يوم مغيبك # حينما لا يسمع صاحب القلب الساكن نعيهم # ولا الذي في القبر يصغي للعويل # اغتنم التمتع السعيد # ولا تجهدن نفسك فيه # أصغ! لم يأخذ إنسان متاعه معه # ولم يعد إنسان ثانية ممن رحلوا إلى هنالك. # هكذا كان شعور بعض المفكرين المصريين عن ذلك العصر العتيد حينما كانوا يشرفون بأعينهم على ~~مقابر أجدادهم ويدركون عدم فائدة جبانات أهرام الدولة القديمة الشاسعة الأرجاء، ونلاحظ هنا ~~أنه حتى بعض أسماء الحكماء الذين عاشوا قبل ذلك العهد بألف سنة مثل «أمحتب» «وحردادف» ~~اللذين صارت أقوالهما مضربا للأمثال، ونالا بذكرهما في الأنشودة تخليدا لذكراهما أكثر من ~~تخليد الذكر بالقبور الضخمة، قد جاءت ثانية على لسان ذلك المغني. ومن الصعب أن نعتقد أن ~~ذكر «أمحتب»، وهو أول الاثنين اللذين ورد ذكرهما على لسان المغني، كان من باب المصادفة ~~المحضة؛ فإن «أمحتب» كان أول مهندس للعمارة أقام المباني بالأحجار في نطاق واسع؛ أي إنه أول ~~منشئ للمباني الحجرية. فقد كان «أمحتب» مهندس العمارة للملك «زوسر» الذي عاش في القرن ~~الثلاثين ق.م المشيد لأقدم ms164 مبنى كبير بالحجر لا يزال باقيا إلى الآن من آثار العالم ~~القديم، وهو الذي يسمى «هرم سقارة المدرج». ومن المواضيع البارزة الغريبة في هذه الأنشودة ~~أن يرجع المغني بالإشارة إلى مقبرة ذلك المهندس العظيم، ويذكر أنها في حالة خراب حتى صارت ~~كأنها لم تغن بالأمس. والواقع أن مكانها لا يزال مجهولا إلى يومنا هذا، وكذلك نجد أن ~~«حردادف» الحكيم الثاني الذي جاء ذكره أيضا في هذه الأنشودة كان ابن الملك «خوفو»، ولهذا ~~كان له اتصال بالهرم الأكبر. وكون تخليد اسمي هذين الحكيمين أتى فقط عن طريق مداومة ذكرهما ~~والتحدث عن حكمتهما دليل آخر على بطلان تأثير العوامل المادية التي كانت معتبرة وسيلة ~~للخلود والبقاء، كما أن اختفاء أرواح أمثال هذين الرجلين في عالم آخر لا يرون فيه ولا يرجع ~~إلى الدنيا منه أحد يحدثنا عن مصيره، يعد من أعظم النغمات المشجية الحزينة التي نراها في ~~سطور تلك الأنشودة العتيقة، وكأننا نسمع تلك النغمة يتردد صداها ويتجاوب ترجيعها في الشرق ~~(بعد أن انقضى على عهدها ثلاثة آلاف سنة) في بعض مواضع من رباعيات «عمر الخيام»؛ إذ ~~يقول: # إنه أمر عجيب! أليس كذلك؟ حينما نرى أنه من عشرات الآلاف الذين مروا قبلنا بباب ~~الظلمة لم يعد أحد منهم ليخبرنا عن الطريق التي إن أردنا أن نكشف عنها لا بد أن نمر ~~فيها أيضا. # وهنا ينكشف لنا الغطاء عن عقيدة التشكك التي تشك في جميع الطرق، المادية وغير المادية، ~~التي كان يرى أنها تؤدي إلى السعادة أو أنها على الأقل تؤدي للحياة بعد الموت. ولم يكن ~~لمثل تلك الشكوك من جواب، بل كانت هناك طريقة واحدة فقط يستطيع بها الإنسان إزالتها من ذهنه ~~مؤقتا؛ وذلك بأن ينغمس في الملاذ الشهوانية التي قد تغطي على أمثال تلك الشكوك وقتا ما ~~ولو بنسيانها: «كل واشرب وكن فرحا؛ لأننا سنموت في الغد.» # وأما الرواية الثانية التي كتبت بها تلك الأنشودة فإنه قد عثر عليها في قبر كاهن آمون ~~«نفر حتب» في «طيبة»، غير أنها لا تكاد ms165 تماثل الأولى ولا تعادلها في التأثير، ومما يؤسف ~~عليه أنها ممزقة، ولكنها على أية حال تحتوي على بعض أسطر قيمة يجب الالتفات إليها، ~~منها: # كيف يرقد هذا الأمير العادل؟ # إن المصير الطيب قد نزل به # والأجيال من الناس تموت # منذ زمن الإله «رع» # ويحل مكانها أجيال أخرى # إن «رع» يشرق بنفسه في الصباح المبكر # ويغرب «آتوم» ليستريح في «منو» # 7 # والرجال تلقح والنساء يحملن # وكل أنف يستنشق الهواء # والإصباح يأتي ويلدن كثيرا # وهم (المواليد) يأتون في الأماكن (المخصصة لهم) # احتفل باليوم المرح يا أيها الوالد المقدس # وضع أحسن العطور كلها عند أنفك # وتيجان البشنين على كتفيك وحول نحرك # وأختك # 8 # التي تسكن في قلبك # تجلس إلى جانبك # وضع الغناء والموسيقى أمامك # واترك ظهريا كل شيء كريه # ولا تذكر إلا ما يبهج نفسك # إلى أن يأتي يوم الوصول إلى البر (يعني الموت) # في الأرض التي تحب الصمت # لقد سمعت كل ماحدث # لأولئك ... # فبيوتهم قد نهبت # ومكانها لا أثر له # فكأنها لم تكن بالأمس قط # منذ زمن الإله # وأولئك السادة ... # أتريد أن تغرس لنفسك شجرا محبوبا # على شاطئ بركتك # لتجلس روحك تحته # ولتشرب من مائها؟ # أشبع رغباتك كلها # وأعط الخبز لمن لا حقل له # وبذلك تنال اسما طيبا # للمستقبل # 9 # ويبقى إلى الأبد. # ثم تستمر الأغنية فتورد تأملات عن الاغترار بالثراء، وكأن ذلك بمثابة تفسير للسطر الوحيد ~~الذي ورد في النسخة الأولى مشيرا إلى أنه لا يوجد إنسان في قدرته أن يأخذ متاعه عند رحيله ~~عن هذه الدار، فالثراء لا فائدة منه؛ لأن نفس القدر قد دهم: # أولئك الذين كان لهم مخازن غلال # فضلا عما كان لديهم من الخبز للقربان # وكذلك (دهم) من لم يكن لديهم شيء من ذلك. # ومن ثم حذر الرجل الغني بما يأتي: # اذكر أنت اليوم # حينما تجر (في الزحافة الجنازية) # إلى أرض ... # فاتبع رغباتك كلها # فلا يوجد إنسان يعود ثانية. # فالمغني الذي يرتل هذه الأنشودة الثانية لا يجد أملا في التفكير في الموت ومصيره. غير ~~أنه يرى من ms166 الخير أن يترك الإنسان وراءه سمعة حسنة دائمة، لا لأن ذلك ينفعه حتما في عالم ~~الآخرة، بل لكي تبقى ذكراه في الدنيا على الألسنة وفي أذهان من يأتون بعده. والواقع أن واجب ~~الإنسان من جهة الحياة الخلقية التي فرضها الإله العظيم الذي ستأتي محاسبته للبشر فيما بعد، ~~وكذلك الفوائد التي يجنيها الفرد من دنيا الأموات، وهي التي تأتي بطبيعة الحال بنتيجة ~~للقيام بهذا الواجب، لم يرد لها ذكر في هذه الأغنية التي تتمثل فيها عقيدة التشكك؛ فهي ~~تتجاهل الآلهة بوجه عام، والإله الواحد الذي تذكره هو إله الشمس «رع» أو «آتوم»، وهو الذي ~~يظهر حتى في مناسبة ذكر المومية حيث كنا ننتظر في ذلك ذكر الإله «أوزير». وعلى ذلك يمكن ~~تلخيص تعليم طائفة المتشككين هؤلاء الذين ألقوا تعاليم آبائهم ظهريا في أنها إشباع ~~الرغبات النفسية وحسن الأحدوثة بعد الموت. # ولا نزاع في أن بداية التفكير الأخلاقي يرجع تاريخها إلى عهد المسرحية المنفية، غير أن ~~المصريين الأقدمين لم يصلوا إلى الاستقلال النفسي الذي مكنهم لأول مرة من تصور المجتمع ~~البشري في كليته، حتى صار بذلك في أنظارهم مملكة يمكن تأملها بإنعام وتدبر، إلا بعد عصر ~~تاريخ تلك المسرحية بنحو 1500 سنة ق.م؛ أي في العهد الإقطاعي، وبخاصة بعد سنة 2000ق.م. وقد ~~كانت نتيجة مثل هذا التأمل عند بعض الناس أنهم وقعوا في حالة تشاؤم فظيع. ألم تكن أخلاق ~~المجتمع قد بلغت من الظلم درجة أصبحت معها الرغبة في «السمعة الحسنة» أقل مما تصوره مغني ~~أنشودة الضارب على العود؟ وماذا يجني الإنسان من ذلك لو أن سمعته الحسنة ضاعت ظلما من غير ~~جرم جناه؟ أو لو أن فرص تمتعه بالملاذ قد قطعت بالمرض أو سوء الحظ؟ والحقيقة أن هذا الموقف ~~بذاته هو الذي مثل أمامنا في ورقة محفوظة الآن بمتحف برلين، ربما كانت أهم وثيقة وصلت ~~إلينا من ذلك العهد السحيق. ويمكننا أن نسميها «محاورة بين إنسان يائس سئم الحياة وبين ~~روحه»؛ لأن عنوانها القديم مفقود. وموضوع هذه المحاورة العام هو اليأس ms167 المستحكم الذي نتج من ~~مثل الحالة السالفة الذكر، فأفضى الشعور به إلى أن الموت هو الخلاص الوحيد من الحياة. وغني ~~عن البيان أن اختيار مثل هذا الموضوع في مثل ذلك العهد السحيق هو أمر من أعجب الأمور؛ إذ هو ~~في الواقع موضوع يصف الحالة العقلية والتجارب الباطنة لنفس معذبة تتألم مما حاق بها من ~~الظلم وسوء الطالع، وبذلك يعد هذا الموضوع أقدم قطعة أدبية تناول موضوعها الخبرة الروحية، ~~وهي في نظرنا تعد أقدم مقال يمثل لنا صورة مما ورد في سفر نبي الله «أيوب» - عليه السلام. ~~وقد كتب المقال طبعا قبل أن تظهر التجربة المماثلة الحاوية لمثل هذا الشعور في شعر مماثل ~~بين العبرانيين بنحو ألف وخمسمائة سنة. # ومن المؤسف أن المقدمة التي تقص علينا الأحوال التي دعت إلى ذلك الاضطراب الروحاني قد ~~فقدت، ومع أنه بذلك تنقصنا مقدمة الكتاب فإن بعض الحقائق التي كانت تحتويها تلك المقدمة ~~حتما، وتضع أمامنا الأسباب التي أدت إلى تلك المحاورات التي يقدمها ذلك الكتاب، يمكن ~~استنباطها من تلك المحاورات ذاتها. والبائس الذي نحن بصدده (لأننا لم نعرف له اسما) كان ~~رجلا لطيف الروح، ولكنه بالرغم من ذلك قد دهمه الحظ العاثر من كل ناحية، فما كاد يصيبه ~~المرض حتى ابتعد عنه أصدقاؤه حتى إخوته الذين كان من الواجب عليهم القيام بمواساته في مرضه، ~~وبالجملة لم يجد خلا وفيا، وفي وسط تلك المصائب سرق جيرانه متاعه أيضا، وما عمله من ~~صالح بالأمس قد نسي. وبالرغم من أنه كان صاحب حكمة فإنه كان يصد كلما أراد أن يدافع عن ~~حقه، وقد حكم عليه ظلما، واسمه الذي كان يجب أن يكون محل احترام صار نتنا في أنوف ~~الناس. # والجزء من الوثيقة الباقي الذي وصل إلينا يبدأ بذلك الوقت العصيب عندما كان يضرب في ظلمات ~~اليأس وصمم على الانتحار، فتراه وهو واقف على حافة القبر وروحه فزعة من الظلمة تأبى عليه ~~اتباعه في فعلته، ويلي ذلك محاورة طويلة نرى منها أن ذلك التعس كان يناقش نفسه؛ أي ms168 يتحدث مع ~~شخص جرده من روحه كأنه يتحدث مع ذات أخرى. وقد كان أول الأسباب في عصيان روحه له ~~وامتناعها عن متابعته إلى الحياة الآخرة خوفها ألا تجد قبرا تقر فيه بعد الموت. # وقد يظهر ذلك غريبا جدا لأول وهلة من رجل اتضح أنه يشك كثيرا في فائدة مثل تلك ~~المعدات المادية التي كانت تعد للمتوفى عند ترحيله إلى آخرته، ولكننا لا نلبث أن نكشف عن سر ~~ذلك على الفور، فنرى أن هذه كانت حيلة أدبية (كغيرها مما سيأتي ذكره فيما بعد) أراد الكاتب ~~أن يتخذ منها فرصة للتنديد بتلك المعدات الجنازية. # والظاهر أن روحه نفسها قد اقترحت عليه في أول الأمر الانتحار حرقا، ولكنها فرت بنفسها من ~~تلك النهاية الفظيعة. # ولما لم يكن - من بين الأحياء - صديق أو قريب حميم لتلك النفس يقف بجانب التابوت ويحتفل ~~بجنازته، أخذ يستحلف روحه أن تقوم له بكل ذلك، ولكن الروح أبت عليه الموت في أي شكل كان، ثم ~~أخذت تصف له فظائع القبر: ثم «فتحت روحي فمها وأجابت عما قلته: «إذا تذكرت الدفن فإنه حزن ~~وذكراه تثير الدمع وتفعم القلب حزنا، فهو ينتزع الرجل من بيته ويلقي به على الجبل (أي ~~الجبانة)، ولن تصعد قط ثانية لترى الشمس. على أن هؤلاء الذين بنوا بالجرانيت الأحمر المبنى ~~الجميل وشيدوا قبورهم في الأهرام وصاروا مثل الآلهة ترى هناك موائد قربانهم خاوية كموائد ~~أولئك المتعبين الذين يموتون فوق الجسر من غير خلف لهم فيبتلع الفيضان ناحية من أجسامهم، ~~وتلفحهم حرارة الشمس أيضا، ويلتهمهم سمك شاطئ النهر ويعبث بهم، أصغ إلي! وإنه لجدير ~~بالناس أن يصغوا، تمتع بيوم السرور وانس الهموم».» # هذا إذن هو جواب الروح عندما تمثل أمامها منظر الموت المعتاد، وقد أكد ذلك البائس أن: «من ~~كان في هرمه، ومن وقف أحد الأحياء بجوار سرير موته، يكون سعيدا.» وقد سعى أن تقوم روحه ~~«بدفنه وبتقديم القرابين له، وتقف عند القبر يوم الدفن لتجهز السرير في الجبانة.» # ولكن كان مثله مثل ضارب العود في الأنشودة ms169 السالفة الذكر؛ إذ تذكرت روحه قبور العظماء ~~التي خربت، وموائد قربانهم التي صارت خاوية مثل موائد العبيد التعساء الذين ماتوا كالذباب ~~في وسط الأعمال العامة على جسور الري، وقد صارت أجسامهم عرضة للحر اللافح والسمك الملتهم، ~~في انتظار الدفن، فلم يكن هنالك إلا حل واحد للتخلص من كل ذلك وهو: «أن يعيش الإنسان ناسيا ~~حزنه منغمسا إلى آذانه في السرور.» # ويلاحظ أنه إلى هنا لم تختلف هذه المحاورة التي تنحصر كل فلسفتها في أن «يأكل الإنسان ~~ويشرب، ويكون مرحا؛ لأنه سيموت في غده» عما جاء في أغنية الضارب على العود، ولكننا بعد ذلك ~~نجدها تأخذ في الخروج والافتراق عن زميلتها بنتيجة خطيرة تجاوزت بها حد تلك الأنشودة بكثير؛ ~~إذ أخذت تبين أن الحياة فوق أنها ليست فرصة للسرور والإسراف في اللذات، فهي عبء أثقل حملا ~~من الموت. وقد وضح ذلك في أربع مقطوعات شعرية خاطب بها ذلك التعس روحه، وتلك المقطوعات ~~تؤلف الجزء الثاني من تلك الوثيقة، ولحسن الحظ نجدها أوضح كثيرا من الجزء الأول، والمقطوعة ~~الأولى تصف لنا مقت العالم بغير حق لاسم ذلك التعس، ويكون كل ثلاثة أبيات منها مقطوعة ~~تبتدئ بالمقطع التالي: «إن اسمي ممقوت.» ثم يرى الكاتب بعد ذلك أن يقوي ذلك المقطع بذكر ~~شيء ممقوت مما يوجد في حياة الشعب المصري اليومية، وبخاصة رائحة السمك والطير النتنة ~~السارحة في حياة سكان وادي النيل، وهاك ذكر ذلك: # مقت اسمه ظلما # انظر، إن اسمي ممقوت أكثر من رائحة الطير في أيام الصيف عندما تكون السماء ~~حارة # انظر، إن اسمي ممقوت أكثر من مقت مصايد السمك في يوم صيد تكون السماء فيه ~~حارة # انظر، إن اسمي ممقوت أكثر من رائحة الطيور فوق تل الصفصاف المملوء بالإوز # انظر، إن اسمي ممقوت أكثر من رائحة الصيادين على شواطئ المستنقعات بعد ~~الصيد. # ثم يتلو ذلك ست مقطوعات بنفس الأسلوب. ومع أن ذلك الشعر مركز على وتيرة واحدة لحقيقة أن ~~اسم ذلك الرجل التعس قد صار نتنا في أنوف أصدقائه، فإننا نجده ms170 في الشعر الثاني يترك ذكر ~~نفسه ليصور لنا أولئك الذين كانوا سببا في بؤسه؛ فنراه يلقي نظرة على مجتمع أهل عصره فلا ~~يجد فيه إلا الفساد والخيانة والظلم وعدم الإخلاص، حتى بين أهل أسرته. # وهذا الشعر أيضا اتهام رهيب، وكان يستهل كل مقطوعة دائما بجملة استفهامية يتردد فيها ~~قوله: «لمن أتكلم اليوم؟» # وربما كان يقصد بذلك: أي صنف من الناس هؤلاء الذين أخاطبهم؟ وقد كان الجواب الذي يعقب كل ~~استفهام برهانا جديدا لمقاصده، وهاك ما قاله في ذلك: # فساد الناس # لمن أتكلم اليوم؟ الإخوة سوء، وأصدقاء اليوم ليسوا جديرين بالحب # لمن أتكلم اليوم؟ القلوب تميل إلى اللصوصية، فكل إنسان يغتصب متاع جاره # لمن أتكلم اليوم؟ فالرجل المهذب يهلك والصفيق الوجه يذهب في كل مكان # لمن أتكلم اليوم؟ فإن سمح الوجه قد صار بائسا وصار الخير لا يحفل به في أي ~~مكان # لمن أتكلم اليوم؟ فإن الذي كان يظن أنه يثير الغضب بأخلاقه الشريرة، يسر منه ~~الناس جميعا رغم أن خطيئته فظيعة # لمن أتكلم اليوم؟ فإن الناس يسرقون، وكل إنسان يغتصب متاع جاره # لمن أتكلم اليوم؟ فإن الخائن صار أمينا، ولكن الأخ الذي يأتي بها (يعني الأمانة) ~~يصير عدوا # لمن أتكلم اليوم؟ لا يوجد رجل عادل # وقد تركت الأرض لأولئك الذي يرتكبون الظلم. # لقد تنحت روح ذلك المتألم عن الموت، ثم أخذت تقترح عليه أن يعيش عيشة اللهو والملاذ ~~كطريق للخلاص مثل الذي جاء في أنشودة الضارب على العود، ولما أحس ذلك التعس من أعماق قلبه ~~بفظاعة الموت وأخذ يفهم عدم فائدة العتاد المادي المحض لدفع غائلة الموت، نكص على عقبيه مدة ~~قصيرة ثم عاد يتأمل الحياة. والقصيدتان اللتان دونهما هنا تصوران لنا ماذا رأى عندما رجع ~~لبحث الحياة، أما ما يلي فهو وثبة منطقية، بعد العلم بأنه ليس هناك أي بصيص من الأمل في ~~الحياة، إلى الاقتناع التام بأن الموت هو الخلاص الوحيد من ذلك البؤس الذي انغمر فيه. # فالقصيدة الثالثة إذن أنشودة قصيرة في مدح الموت، غير أنها ليست ms171 بحثا ساميا في مزايا ~~الموت مثل الذي نطق به «أفلاطون» بعد 1500 سنة في قصة موت «سقراط»، كما أنه لا يمكن ~~مقارنتها بالتشاؤم الفلسفي السامي الذي نراه في سفر ابتلاء «أيوب» النبي صلوات الله عليه. ~~ولكنها تعد أقدم صيغة وصلت إلينا عبر بها الفرد عما أصابه من العذاب ظلما، وأول صرخة من ~~متألم بريء وصل إلينا صداها من عصور ذلك العالم القديم، وهي تعد بحق ذات فائدة فريدة، ولا ~~تخلو من جمال بما احتوته من حرارة نفسية خلابة. # ومما يلفت النظر أنها لا تحتوي على أية فكرة عن الإله، بل تتناول فقط موضوع التخلص السار ~~من آلام الماضي التي لا تحتمل، دون أن تتطلع للمستقبل. وقد كان من خصائص العصر والجو الذي ~~نظمت فيه تلك القصيدة أن يصور ذلك الخلاص السار في شكل صور محسوسة مأخوذة من الحياة اليومية ~~لسكان وادي النيل الأقدمين، وهاك ما قاله في ذلك: # الموت خلاص سار # إن الموت أمامي اليوم، كالمريض الذي أشرف على الشفاء، وكالذهاب إلى حديقة بعد ~~المرض # إن الموت أمامي اليوم، كرائحة بخور المر، أو كالجلوس تحت الشراع في يوم شديد ~~الريح # إن الموت أمامي اليوم، كرائحة زهرة السوسن، أو كجلوس الإنسان على شاطئ ~~السكر # إن الموت أمامي اليوم، مثل مجرى الماء العذب! ومثل عودة الرجل من سفينة حربية إلى ~~داره # إن الموت أمامي اليوم، كسماء صافية، ومثل رجل يصطاد طيورا لا يعرفها # إن الموت أمامي اليوم، كمثل رجل يتوق لرؤية منزله، بعد أن أمضى سنين عدة في ~~الأسر. # وبالرغم من أن تلك الصور مأخوذة من الحياة في عالم متوغل في القدم، ومعظمها يكاد يكون غير ~~مألوف لنا، فإنها لم تفقد كل تأثيرها في أنفسنا؛ إذ نجد فيها الحياة مشبهة بمرض طويل نشفى ~~منه بالموت، مثلما يدخل الناقه حديقة جميلة، وأن الموت مثل عبير المر يحمله ريح النيل ~~العذب بينما المسافر يجلس تحت الشراع الذي يزجيه الريح، وأن الموت مثل أوبة المحارب المنهوك ~~القوى الذي كان يسير في المياء البعيدة ثم يقترب ms172 من وطنه، أو مثل السرور الذي يحدث في نفس ~~الأسير العائد من المنفى النائي إلى الوطن السعيد. فتلك الصور لها تأثير شامل يؤثر في نفس ~~كل إنسان في أي عصر وفي أي جو. # 10 # وموضوع المنظومة الرابعة هو النظرة العاجلة إلى المستقبل النهائي، الذي لم تتعرض لذكره ~~الأنشودة السابقة قط، فإننا نجد في كل من مقاطعها الثلاثة أنه يبتدئ بقوله: «إن الذي ~~هنالك»، وهو تعبير عادي، وبخاصة إذا ورد بصيغة الجمع. «إن الذي هنالك» يقصد به الأموات، وقد ~~سبق أن رأيناه في النصيحة الموجهة إلى «مريكارع». فمن ذلك «أن الذي هنالك» سيكون نفسه إلها ~~«ويوقع عقاب الشر على مرتكبه» لا على البريء كما هو الحال في حياة ذلك التعس الذي نحن الآن ~~بصدده. ومن ذلك أيضا «أن الذي هنالك ينزل في السفينة السماوية مع إله الشمس، وسيرى أن أحسن ~~القرابين تقدم لمعابد الآلهة ولا تصرف (عبثا) في الرشوة أو يسلبها السراق من الموظفين.» ~~ومنه أيضا: «إن الذي هنالك» هو حكيم محترم لا يطرد عندما يشكو إلى الموظفين الفاسدين، بل ~~يوجه شكايته إلى إله الشمس «رع» ويهيئ له تلك الفرصة وجوده يوميا مع الإله. # وقد سبق أن أعلن ذلك التعس في بداية شجاره مع روحه أنه مقتنع بتبرئته في عالم الآخرة، ثم ~~هو يعود مرة ثانية إلى ذكر ذلك الاقتناع في المنظومة الرابعة التي هي خاتمة تلك الوثيقة ~~المهمة، وبذلك تكون قد اختتمت بحل كالحلول التي تصورها نبي الله «أيوب» - عليه السلام؛ أي ~~الالتجاء إلى العدالة في الحياة الآخرة (ولو أن «أيوب» - عليه السلام - لم يتخذ من ذلك ~~مبررا لطلب الموت). وبذلك يكون الموت طريقا إلى الدخول ~~في قاعة المحاكمة الإلهية؛ ولذلك وجب السعي إلى بلوغ تلك النهاية سعيا سريعا، ~~فيقول: # الميزات السامية للقاطنين هنالك (يعني في الآخرة) # إن الذي هنالك، سيقبض على المجرم كإله حي، ويوقع عقاب السوء على من اقترفه # إن الذي هنالك، سيقف في سفينة الشمس، ويجعل أحسن القرابين هنالك تقدم ~~للمعابد # إن الذي هنالك، سيكون رجلا عاقلا ms173 غير منبوذ، مصليا «لرع» حينما يتكلم. # ولما كان هذا التعس يتوق للخلاص السار الذي يهيئه له الموت، وكان يظهر عليه أنه قد استعاد ~~بعض الثقة بما سينعم به من الميزات السامية في عالم الآخرة، فإننا نرى روحه تستسلم في ~~النهاية، فيدخل في ظلال الموت ويسير في طريقه ليكون مع «أولئك الذين هنالك». # على أننا نحن بدورنا نرقب بشيء من التأثر هذا الرجل المجهول (الذي يعد أقدم روح بشرية ~~معروفة لنا) يذهب إلى تلك الحجرات الداخلية التي سمحت لنا الأحوال بأن نلقي عليها نظرة ~~سريعة، بعد أن مر عليها أربعة آلاف من السنين. # وكان رجال ذلك العهد الإقطاعي يجدون لذة عظيمة في مثل تلك المؤلفات الأدبية، وقد قام بنقل ~~هذه الورقة التي نحن بصددها، المحفوظة في برلين، كاتب لا تزال ملاحظته الختامية ظاهرة تقرأ ~~بوضوح في نهاية تلك الوثيقة، وهي: «لقد انتهيت من نسخها من البداية إلى النهاية طبق الأصل ~~المكتوب.» فيكون قد نقلها إذن من أصل قديم، ولا شك أنه كانت توجد عدة صور منقولة مثلها على ~~رفوف مكتبات رجال الفكر في ذلك العصر. # وإن قصة ذلك التعس ترجع في أصلها إلى التجاريب الشخصية التي كان يعانيها فعلا رجال ذلك ~~الزمان، ولذلك كانوا يجدون فائدة من مطالعتها؛ لأنها في الواقع علامة واضحة في نمو الشعور ~~الذاتي الطويل المدى، وهو التطور البطيء الذي انتهى بظهور الفرد باعتباره قوة خلقية، فصار ~~الفرد يشعر بأن له ضميرا مسيطرا يستطيع بإيحائه أن يواجه المجتمع وينتقده. # وذلك الموقف الذي يقفه الرجال الشاعرون بالمسئولية الخلقية العظيمة معروف لنا نحن أهل هذا ~~العالم الحديث من الأمثلة التاريخية العديدة؛ مثل الأنبياء العبرانيين وعيسى ومحمد - صلوات ~~الله عليهم أجمعين - وعدد عظيم أيضا من الأنبياء الأوروبيين من «سفونارولا» # 11 # إلى «جون ويزلي». # 12 # غير أن تجاريب البشر لغاية عصر الإقطاع المذكور (أي منذ 4000 سنة مضت إلى الآن) ~~لم تكن قد أنتجت لنا حتى ذلك الوقت شبيها لرجل من هؤلاء، فكان ظهور أشباههم في وادي النيل ~~في ذلك الوقت يعد ms174 حادثا هاما من الحوادث التاريخية الخطيرة الشأن، كما يعد دليلا قاطعا ~~على ظهور ميدان جديد للفكر الإنساني، والمسئولية الإنسانية، ولنستعرض الآن ذلك بشيء من ~~التفصيل. # فبالرغم من أن قصة ذلك التعس هي قصة تجربة شخصية لفرد واحد؛ فإنها مع ذلك تحمل في ثناياها ~~ما يصح أن يكون تحليلا لأحوال ذلك المجتمع، الذي ترجع إلى نقائصه بوجه عام تلك التجربة ~~الفردية التي مرت بها حياة ذلك التعس. # وفي نصائح «بتاح حتب»، وفي خلال عصر الدولة القديمة كله، وحتى إلى عصر النصيحة الموجهة ~~إلى «مريكارع»، كان المفكرون المصريون الاجتماعيون يجدون سرورا عظيما في البحث في المثل ~~العليا للخلق العظيم برزانة وتدبر، وقد أدى بهم ذلك إلى تصورات سامية ونبيلة حقا، غير ~~أنهم لم يوجهوا فكرهم إلى موازنة تلك التصورات السامية بالمستوى الخلقي المنحط الذي كان ~~يعيش به المجتمع البشري بالفعل. # وفي النصيحة الموجهة إلى «مريكارع» نجد ذم «ثور الذي يقترف الظلم»، كما نجد بعض الشعور ~~بأن خطايا الإنسان تكدست بجانبه يوم الحساب مثل الجبال، ولكننا بجانب ذلك لا نجد شعورا ~~بانحطاط المجتمع الخلقي. وها نحن الآن نقترب من الدخول في عصر صار فيه الحكماء المصريون على ~~علم بالفرق الشاسع بين المثل العليا الموروثة للأخلاق العظيمة وبين الانحطاط الخلقي المخيف ~~الظاهر في المجتمع الذي يحيط بهم. وليس هناك من جديد في تجاربنا المشابهة لذلك في العصر ~~الحاضر، ولكن في تجربة التعس المنكود دار البحث أو كاد يقصر على شخص الكاتب، ومن ناحية أخرى ~~نجد اهتماما عظيما بأمر الانحطاط الخلقي قد أخذ يبدو، مضافا إليه قدرة الباحث على تأمل ~~وإدراك ما كان عليه الناس من حقارة ومهانة، يتضح ذلك من موضوع تناول الأفكار المحزنة ~~المشبعة بروح التشاؤم عن ذلك العصر العظيم، عصر الوعي النفسي النامي، وأول عصر كشفت فيه ~~الأوهام من المجتمع. # وقد عبر لنا عن تأملاته المحزنة عن المجتمع كاهن من كهنة عين شمس يدعى «خع خبر رع ~~سنب» كان يعيش في ذلك العصر، وذلك في مؤلف كان لا يزال متداولا بعد تأليفه ms175 بقرون طويلة ~~حينما نقله كاتب من عصر الأسرة الثامنة عشرة على لوحة من الخشب محفوظة الآن بالمتحف ~~بالبريطاني. وهذا المؤلف له أهمية خاصة؛ إذ يدلنا بمجرد الشروع في تلاوته على أن أمثال ~~أولئك الرجال الذين عاشوا في العهد الإقطاعي كانوا يشعرون شعورا تاما بأنهم يفكرون على ~~نمط جديد، وأنهم قد أقلعوا عن التلطف التقليدي الذي كانت تتميز به حكمة آبائهم. ويفتتح كاهن ~~عين شمس هذا مقاله القصير بما يأتي: # ليتني كنت أعرف صيغا للكلام لا يعلمها أحد وأمثالا غير معروفة أو حتى أحاديث ~~جديدة لم تذكر (يعني من قبل) خالية من التكرار، لا ذلك الكلام الذي جرت به الألسن ~~من زمن بعيد مضى، وهو ما تكلم به الأجداد ... # إني أقول ذلك بحسب ما قد رأيت، مبتدئا بأقدم الناس حتى وصلت إلى أولئك الذين ~~سيأتون بعد ... # إن العدالة قد نبذت وأخذ الظلم مكانه في وسط قاعة المجلس، وخطط الآلهة قد ~~انتهكت حريتها وأهملت نظمها، والبلاد صارت في هم، والحزن عم كل مكان، وصارت المدن ~~والأقاليم في عويل، وكل الناس صاروا على السواء يرزحون تحت عبء الظلم. أما الاحترام ~~فإن أجله قد انتهى ... # وعندما أريد أن أتحدث عن كل ذلك تنوء أعضاء جسمي بحمله، وإني في بؤس من أجل قلبي ~~المحزون، وإنه لألم أن أهدئ روعي من جهته. ولو كان قلب آخر لانثنى، (ولكن) القلب ~~الشجاع في الملمات يكون رفيقا لسيده. ليت لي قلبا يتحمل الألم، فعندئذ كنت أركن ~~إليه ... فتعال إذن يا قلبي لأتكلم إليك، ولتجيبني عن كلامي ولتفسر لي ما هو كائن في ~~الأرض ... إني أفكر فيما قد حدث. إن المصائب تقع اليوم، ومصائب الغد لم تأت بعد، وكل ~~الناس لاهون عن ذلك، مع أن كل البلاد في اضطراب عظيم، وليس إنسان خاليا من الشر، ~~فإن جميع الناس على السواء يأتونه، والقلوب بالحزن مفعمة، فالآمر والمأمور صارا ~~سواسية، وقلب كل منهما راض بما حصل، والناس عليه (يعني الشر) يستيقظون في صباح كل ~~يوم، ولكن القلوب لا تنبذه، ولا تزال اليوم ms176 على ما فعلته في ذلك بالأمس؛ فلا يوجد ~~إنسان عاقل يدرك، ولا إنسان يدفعه الغضب إلى الكلام، والناس تستيقظ في الصباح كل ~~يوم لتتألم. إن مرضي ثقيل وطويل، والرجل الفقير ليس له حول ولا قوة لينجو ممن هو ~~أشد منه بأسا. وإنه لمؤلم أن يستمر الإنسان ساكتا على الأشياء التي يسمعها، ولكنه ~~مؤلم أن يجيب الإنسان الرجل الجاهل. # ففي ذلك المقال نجد إنسانا قد تحركت نفسه من أعماقها بما شاهده من فساد بني قومه، فهو ~~يتأمل هذا المجتمع بصفة كونه وحدة كاملة، ومع أنه كان دائما يشير إلى بؤسه فيما ذهب إليه، ~~فإن شقاءه لم يكن هو العبء الرئيسي الذي يقصده بكلامه، بل كان كل همه منصرفا إلى المجتمع ~~الذي كان مكبلا بالخمود غير قادر على إدراك شقائه، وحتى لو كان شاعرا به بأية حال فإنه لم ~~يكن لديه الكفاية التي تمكنه من إصلاح ذاته. وإن كثيرا من تأملاته خليقة بأن نجد لها ~~المقام اللائق بها بين أقوال الناقدين الاجتماعيين في عصرنا هذا ممن امتازوا بحساسيتهم ~~الخلقية. فمن الواضح إذن أن الإنسان قد وصل وقتئذ إلى عصر استيقظ فيه القوم لأول مرة في ~~تاريخ البشر، وشعروا بإحساس عميق بما أصاب المجتمع البشري من الانحطاط الخلقي. # وقد كان هذا الاتجاه الجديد في تفكير أولئك المفكرين الاجتماعيين راجعا إلى حد ما إلى ~~ظهور إدراك خلقي حساس متزايد، ولكن أسبابا أخرى ساعدت على انقشاع الوهم؛ فهؤلاء المفكرون ~~كانوا قد تأثروا تأثرا عميقا بتأملهم للحياة البشرية الاجتماعية فوق الأرض والمصير ~~الإنساني للحياة الآخرة فيما بعد الموت. وقد لاحظنا فيما سبق بعض ما شعروا به من خيبة الأمل ~~عندما انكشفت لهم عدم فائدة العوامل المادية المحضة لضمان سعادة الروح في الدار الآخرة. ~~فهذه الأمور المادية التي كانت تقليدا للأجداد يرجع تاريخه إلى أزمان غابرة قد انهدمت، ~~وبانهيارها ذهب معها كل ما كان يعتبر ضمانا لحياة الإنسان في عالم الآخرة. # ومن المحتمل أن ثقتهم التقليدية المتينة في حكمة أجدادهم كانت قد انهارت من أساسها ~~انهيارا عنيفا؛ ms177 لأنه إذا كان ذلك موقفهم من التقاليد الموروثة الخاصة بالحياة في عالم ~~الآخرة، فإنهم صاروا أقل اقتناعا بما يتعلق بالحياة الراهنة؛ فقد قام لمدة ألف سنة نظام ~~قومي ثابت الأركان كان يمثله ويحافظ عليه الفرعون، وكان اسم ذلك النظام «ماعت» (أي الصدق - ~~الحق - العدالة)، ولكن هذا النظام كذلك قد أخذ هو الآخر ينهار إذ ذاك؛ فقد رأينا بالفعل في ~~النصيحة الموجهة إلى «مريكارع» أن الأمة قد انقسمت قسمين، شمالي وجنوبي، وأن الملك كان همه ~~منصرفا إلى تحصين مملكة الشمال من خطر الغزاة الأجانب. وقد انحلت تدريجا قوة الأمة ~~النظامية التي دامت مدة طويلة، حتى كشف الغزاة الأجانب عن مواطن الضعف في البلاد التي كانت ~~في يوم ما أمة عظيمة، وتدفق الغزاة الأجانب إلى الدلتا من جهة آسيا شرقا، ومن جهة لوبيا ~~غربا، وهكذا سادت الفوضى في البلاد تماما. ولا بد أن تلك النكبة هي التي وصفها لنا كاهن ~~عين شمس المتقدم ذكره في الرثاء الذي أوردناه. # وقد أظلم تفاؤل حكماء الدولة القديمة الهادئ، الذي عبرت عنه حكم «بتاح حتب»، على أثر ~~وقوع نكبة مزدوجة، كانت أولا ضياع الأمل جملة في الحياة الأخرى؛ ذلك الأمل القائم على ~~إعداد العتاد المادي الوفير للحياة الأبدية؛ وثانيا الانهيار المحزن لذلك النظام الإداري ~~الخلقي الذي كان يبدو خالدا، والذي كان الدعامة التي قامت عليها حياة المجتمع البشري للأمة ~~المصرية القديمة. وقد هوى في ظلام شامل أمل الرجال المفكرين - مثل كاهن عين شمس - في هذه ~~الحياة والحياة المقبلة، ولم يكن في مقدور أحد حتى إله الشمس نفسه كشف هذه الغمة؛ إذ في ~~خلال حياة قومية دامت نحو ألفي سنة قد أقامت الإنسانية المنظمة بعض القيم الخلقية التي كان ~~ينتظر لها الدوام والاستمرار، ولكن ما كان يعتز به القوم من تلك القيم الخلقية قد محي ~~كلية. # وقد كان ذلك أول عصر معروف في التاريخ كشف فيه عن الأوهام الاجتماعية، على أن مثل ذلك ~~الانهيار التام الظاهري قد حاق بالآمال البشرية مرارا عدة منذ ذلك العهد، وكان آخر ms178 تلك ~~الانهيارات ما حدث بنا بعد الحرب العالمية مما لا يزال يخيم علينا للآن بويلاته. فهل كان ~~العويل على تلك الحال هو الجواب الوحيد الذي أجاب به المصريون الأقدمون حينما كانت تلك ~~الأشباح التي تقشعر منها الأبدان تخيم حولهم؟! # وإننا نرى من ناحيتنا نحن الذين لا نزال نحارب الفساد ونعالج سوء الإدارة الموجودين للآن ~~في الحكومة البشرية في جميع العالم، أنه من الأمور الهامة في نظرنا أن نتتبع ما أجاب به ~~أولئك القوم، الذين مضى على زمنهم 4000 سنة، من جواب جريء وأفكار صائبة عندما وجدوا أنفسهم ~~قد أصبحوا مغمورين في مثل تلك النكبة التاريخية الأولى التي حفظتها لنا الوثائق الإنسانية ~~القديمة المدونة. # الفصل الحادي عشر # | الأنبياء الاجتماعيون الأوائل وفجر المسيحية (التبشير) # إن ما أبرزه لنا كل من ذلك الرجل التعس وكاهن عين شمس المسمى «خع خبرو رع سنب» من ~~سوء الظن المطلق بالحياة الدنيا، لم يكن أمرا عاما؛ إذ كان يوجد رجال مفكرون لا يزالون ~~يمنون أنفسهم بدنو الأيام ذات الأحلام السعيدة في المستقبل القريب، وذلك بالرغم مما يعرفونه ~~عن فساد المجتمع، وما ترتب على سوء الحكم في البلاد من النتائج الوخيمة (يعني خسوف ~~ماعت). # ولما كان تدهور البلاد الإداري نفسه له دخل عظيم في وقوع تلك النكبة الاجتماعية بالبلاد، ~~فقد جعل ذلك بعض المتفائلين يعتقدون بأن قيام حكومة أحسن حالا مما هم فيه خليق بأن يعيد ~~النظام المندثر ويعلن قدوم يوم أكثر إشراقا، بل انبثاق فجر «عهد ذهبي»، وإذا كانت الحال ~~كذلك فهلموا إلى حكومة حسنة وليخسأ الفساد! # تلك هي الألفاظ التي ذاعت وشاعت إذ ذاك، على أنه لو كان في مقدور أولئك المفكرين الذين ~~يرجع تاريخهم إلى نحو 4000 سنة مضت للآن، أن ينظروا إلى المستقبل البعيد، وهم بحسب ما وصلت ~~إليه معلوماتنا أول من حاولوا أن يوجدوا حكومة صالحة، لفقدوا شيئا من شجاعتهم عند إنعام ~~النظر في تحقيقات نظام «تماني» # 1 # أو محاكمة «كابون». # 2 # وكيف على كل حال يستطاع الوصول إلى حكومة أحسن حالا مما ms179 كان؟ # إن الجواب عن ذلك كان واضحا جليا عند المفكر الاجتماعي القديم، فقد كان بعض أولئك ~~المفكرين مقتنعا بإمكان الدخول في عصر جديد على أساس جيل من الموظفين الأمناء العدول، ورأى ~~آخرون أن تحقيق ذلك يتأتى على يد ملك عادل مخلص مجدد ينقذ المجتمع مما فيه. # فعندما فحص رجال الطائفة الأولى الحياة رأوا وجوب التمسك بالمبادئ العملية السليمة للحياة ~~الحقة التي يمكن أن تطبق على الحياة اليومية لطائفة الموظفين، وهؤلاء المفكرون كانوا لا ~~يزالون يؤمنون بوجوب سيادة الحق الخالد؛ الذي هو «ماعت» القديمة، وقد استمروا على تمسكهم ~~بأهداب ذلك الأمل ووجوب إعادتها للسيطرة على الحياة المصرية. وهذه الآراء قد عبر عنها في ~~مقال يمكننا أن نسميه «الفلاح الفصيح »، ومن حسن الحظ أن ذلك المقال لم يصل إلينا عن طريق ~~نسخة متأخرة محرفة مثل الكثير غيرها من وثائق ذلك العصر التي وقعت بأيدينا، بل بقيت ~~محفوظة حتى وصلت إلينا في لفافة من البردي الفخم الذي كتب في ذلك العصر الإقطاعي، وتلك ~~اللفافة محفوظة الآن بمتحف «برلين». # على أننا لم نهتد إلى معرفة اسم مؤلفها، وهو أمر جرت به العادة في مخلفات ذلك العصر ~~المجهول. وقد وضع المؤلف بين أيدينا في ذلك المقال مناقشاته في هيئة قصة شرقية ممتعة مؤلفة، ~~ضمنها وهي في شكلها المسرحي سلسلة من الأبحاث عن خلق الموظف المستقيم وما انطوت عليه ~~روحه، وما ينجم عن ذلك من إقامة العدالة الاجتماعية والإدارية نحو الفقير. # ولعلنا بهذه المناسبة نذكر الكلمات الدالة على اليأس التي فاه بها «خع- خبرو-رع-سنب» حيث ~~قال: «وصار الرجل الفقير لا قوة له تحميه ممن هو أقوى منه.» ولعلنا كذلك نذكر أن «مريكارع» ~~قد حدثه والده فيما نصحه به قائلا له: «إن الموظف الذي يقول: «ليت لي» ليس عادلا، بل يظهر ~~التحيز إلى جانب الفرد الذي بيده الهدية (يعني الرشوة).» وقد كان العلاج الذي نصح به ~~الأمير «مريكارع» من والده في «أهناسية» لإصلاح تلك الحال هو أن يجعل لكل موظف مرتبا ~~وفيرا. # وسنرى الآن أن ذلك العلاج وحده ms180 كان غير ناجع؛ لأننا سنجد فيما يأتي بعد، أنه وقع على مشهد ~~من القصر الملكي بجوار «أهناسية» اضطهاد غاشم أقدم على ارتكابه موظف فاسد الأخلاق في ضيعة ~~«المدير العظيم لبيت الملك» في ذلك الزمن، وهو يدل دلالة قاطعة على أن الوظيفة ذات المرتب ~~الضخم لا تغرس في نفس صاحبها العدالة، ولن تغني الفقير شيئا من اضطهاد رجال الحكومة ~~له. # ومن الأمور الشائقة أن نرى ذلك المفكر القديم الذي كتب «قصة الفلاح الفصيح» منذ 4000 سنة ~~وهو يجاهد ليظفر بالتغلب على تلك العقبة الكأداء، عقبة فساد الحكم التي بقيت منذ ذلك العصر ~~من أعقد المسائل المستعصية على المشرفين على الإدارة في الشرق، وهي في الواقع مسألة لم ~~يهتد إلى حلها حلا كاملا للآن في مصر الحديثة حتى بعد وجودها تحت الإدارة الإنجليزية ~~الحاذقة المجربة. # ومجمل هذه القصة أن فلاحا من أهالي إقليم «الفيوم» في منطقة وادي النطرون الواقعة في ~~الصحراء الغربية كان يقطن قرية تسمى «حقل الملح»، وجد أن مخزن غلال أسرته أشرف على النفاد، ~~فحمل قطيعا صغيرا من الحمير بحاصلات قريته وسار به نحو مدينة «أهناسية» الواقعة بالقرب من ~~مدخل «الفيوم»، يريد أن يستبدل بحاصلاته غلالا، وكانت الحالة تحتم عليه المرور من طريق به ~~منزل رجل يدعى «تحوتي ناخت»، وهو موظف صغير من موظفي «رنزي» الذي كان إذ ذاك من الأشراف، ~~وكان يحمل لقب «المدير العظيم لبيت الفرعون». وكانت بلدة «أهناسية» مقرا للملك، فعندما ~~رأى «تحوتي ناخت» حمير الفلاح تقترب منه دبر حيلة لاغتصابها بما عليها، فأرسل على الفور ~~أحد الخدم إلى منزله فجاء بصندوق مملوء من نسيج الكتان، فأخرج النسيج ونشره على الطريق ~~العامة حتى غطاها كلها، من حافة حقله المزروع قمحا الواقع على الجانب الأعلى من الطريق إلى ~~ماء الترعة الذي يقع في الجانب المنخفض منها. # وكان ذلك الفلاح البريء - كما تقول القصة - يتقدم في سيره «على الطريق العامة لكل الناس» ~~وهي التي سدها «تحوتي ناخت» المذكور بنسيجه ذلك - ويلاحظ هنا ما تكشف عنه عبارة كاتب القصة ~~من ms181 الغضب - ولما كان الفلاح يخشى السير في الماء الذي في الجهة المنخفضة من الطريق فإنه آثر ~~السير بحميره المحملة في الجهة العليا منها محازيا حافة حقل القمح، وفي أثناء السير التقم ~~أحد الحمير بضع سيقان من جذور ذلك القمح المغري، فتهيأت بذلك في الحال الفرصة المدبرة التي ~~تمناها «تحوتي ناخت» الماكر الذي كان يترقب ذلك عن كثب. وفي هذا اللحظة تقدم الفلاح إلى ~~«تحوتي ناخت» مقدما له الاحترام والخضوع بكلامه وهيئته، ولكن بما لا يحط من كرامته، فما ~~كان من «تحوتي ناخت» المذكور إلا أن زمجر وسخط وقبض على الحمير. عند ذلك عاود الفلاح إيضاح ~~ظروفه في أدب واحتشام، ثم أردفه باحتجاج جريء فانبرى يقول: «إن طريقي مستقيمة، وقد سد أحد ~~جانبيها، وعلى ذلك سرت بحميري على تلك الحافة. أتغتصب حميري لأن واحدا منها التقم ملء فيه ~~من سيقان قمحك؟ إني أعرف رب هذه الصيغة، فهي ملك «مدير البيت العظيم» «رنزي بن مرو»، وأعرف ~~أنه هو الذي يقضي على كل سارق في أنحاء هذه البلاد، فهل أسرق في ضيعته؟» # فلما أحفظت «تحوتي ناخت» جسارة هذا الفلاح أمسك بغصن من الأثل الأخضر وأخذ يضرب فريسته ~~بدون رحمة ولا مبالاة بصياح الفلاح واحتجاجاته المتكررة، واستاق كل الحمير إلى منزله، وقضى ~~الفلاح المسكين أربعة أيام يرجوه فيها إرجاع الحمير بدون جدوى، وطوال هذه المدة كان يتألم ~~لبعده عن أسرته التي أشرفت على الموت من الجوع، فصمم على رفع شكواه إلى «مدير البيت العظيم» ~~نفسه الذي حدث في ضيعته ذلك الاعتداء الصارخ، وزاد الفلاح شجاعة في رفع شكايته إليه ما ~~اشتهر به «مدير البيت العظيم» من حبه للعدالة حتى صار مضربا للأمثال في عدالته. وبينما ~~يقترب الفلاح من المدينة إذ قابله لحسن حظه «مدير البيت العظيم» المقصود خارجا من باب ~~ضيعته الواقعة على النهر وهو يسير في طريقه للركوب في قاربه الرسمي في الترعة. وعند ذاك ~~استطاع الفلاح، بما أوتيه من أدب جم وسيطرة على أساليب البيان وتوجيه للأقوال الحسنة التي ~~تليق لمثل ذلك ms182 المقام، أن يسترعي أذن ذلك الرجل العظيم، فأصغى إليه بعض لحظات في أثناء ~~مسيره لركوب قاربه، ثم أرسل بأحد خدمه ليسمع قصة ذلك الفلاح، فلما رجع الخادم وأخبر «رنزي» ~~بتلك السرقة التي ارتكبها «تحوتي ناخت» لم يسع «مدير البيت العظيم» إلا أن يبسط ذلك الأمر ~~على حاشيته من الموظفين، فكان جوابهم إزاء ما حصل هو بيت القصيد الذي احتال المؤلف بمهارته ~~حتى جعله فرصته لأن يضع أمام القارئ - بدون تعليق - صورة واضحة للمعاملة الشائعة التي كانت ~~تقابل بها مثل شكاية ذلك الفقير في الدوائر الحكومية؛ إذ انحاز في الحال زملاء مدير البيت ~~إلى جانب مرءوسهم «تحوتي ناخت» السارق؛ ولذلك كان جوابهم على «رنزي» جوابا ملؤه عدم ~~المبالاة، قائلين له: «إن القضية يحتمل أن تكون قضية فلاح قد دفع ما يستحق عليه من الضرائب ~~إلى رئيس غير رئيسه خطأ، وإن «تحوتي ناخت» قد استولى على ما يستحقه من الضرائب بحق من ~~الفلاح.» ثم تساءلوا بغضب: «هل يعاقب «تحوتي ناخت» بسبب قليل من النطرون والملح؟ أو على ~~أكثر تقدير في موضوع كهذا، يصدر إليه الأمر بإعادتها، وهو بلا شك معيدها له!» ومما يلفت ~~النظر هنا وينطبق على ما اعتادته طبقة أولئك الموظفين أنهم تجاهلوا الحمير كلية، وهي التي ~~كان ضياعها معناه موت ذلك الفلاح وأسرته جوعا. # وفي ذلك الوقت نفسه كان الفلاح واقفا على مقربة يسمع بضياع ماله وخرابه المحتم، يتغاضى ~~عنه رجال السلطة ويتجاهلون أمره. وفي تلك الأثناء كان «مدير البيت العظيم» يجلس شبه حالم في ~~صمت. وهذا المشهد يمثل لنا باختصار طابعا طبعت به عصور كاملة من التاريخ الاجتماعي في ~~الشرق، فمن ناحية نرى تلك الطائفة المنعمة من أتباع ذلك الرجل العظيم، بما نشئوا عليه من ~~المطاوعة والملق، وهم في ذلك يمثلون الطراز الغالب في طبقة الموظفين. هذا من جهة، ومن جهة ~~أخرى نشاهد صورة ذلك الفلاح المنكود الحظ الذي لا صديق له ينصره وقد اغتصب متاعه فتتمثل ~~فيه صورة مؤثرة للمطالبة بالعدالة الاجتماعية. وهذا المنظر يعد من أقدم الأمثلة ms183 الدالة على ~~المهارة الشرقية في تصوير المبادئ المعنوية في شكل مواقف ملموسة، وهي التي صورت فيما بعد ~~أبدع تصوير في أقوال «عيسى» - عليه السلام. # أما ما كان من شأن ذلك الفلاح، فإنه لما رأى أن «مدير البيت العظيم» لم يحر جوابا، حاول ~~مرة أخرى أن ينجي نفسه وأسرته من الموت الذي كان يتهددهم جميعا بسبب الجوع، فتقدم إلى ~~الأمام خطوة وخاطب بفصاحة مدهشة ذلك الرجل العظيم الذي كانت قضيته الآن بين يديه، متمنيا ~~له سياحة طيبة عند نزوله في قاربه الذي كان في الترعة، ثم لهج بشهرة «مدير البيت العظيم» في ~~فعل الخير، مما كان يعلل به نفسه عند رفع قضيته إليه، فكان من قوله له : «لأنك والد اليتيم ~~وزوج الأرملة وأخ لمن هجره الأهلون وستر من لا أم له، دعني أضع اسمك في هذه الأرض فوق كل ~~قانون عادل. يا أيها القائد الذي لا يشوبه طمع، ويا أيها الرجل العظيم الذي يتجنب الصغائر ~~ويحطم الظلم ويثبت الحق، أجب إلى الصيحة التي ينطق بها فمي، فإذا تكلمت فعليك أن تسمع، ~~أقم العدل أنت يا من قد مدحت، ويا من يمتدحه الممدوحون. اكشف عني الضر، انظر إلي فإني ~~أحمل أثقالا فوق أثقال. حقق أمري، انظر، فإني في حيرة.» # 3 # وقد شعر «مدير البيت العظيم» بسرور عظيم من لباقة الفلاح، الخارقة للعادة، البادية في حسن ~~منطقه وفصاحة لسانه، حتى إنه تركه دون أن يقطع في قضيته برأي، وذهب على الفور إلى البلاط ~~حيث قال للملك: «يا مولاي، لقد عثرت على أحد أولئك الفلاحين يحسن القول بحق.» فسر الملك ~~سرورا عظيما، وكلف «مدير البيت العظيم» أن يصحب الفلاح معه دون أن يقطع في قضيته برأي؛ ~~رغبة في أن يرتجل له الفلاح خطبا أخرى أيضا. وكذلك أمر الملك بتدوين أقواله بدقة، وأن ~~يقدم له الطعام وكل ما يلزمه، وأن يرسل خادم إلى قريته ليتحقق أن أسرته ليست في حاجة إلى ~~شيء ما خلال تلك الفترة التي يقضيها عند الملك. وقد نتج عن تلك الإجراءات ms184 أن أخذ الفلاح ~~يلقي على أسماع «رنزي» ما لا يقل عن ثماني شكايات. # وعند هذه النقطة تنتهي هذه المقدمة التمثيلية، وهي التي كان الغرض منها أن تسبغ على ذلك ~~المقال الاجتماعي ثوبا يجعله في صورة قصة، وبعد ذلك تبتدئ الخطب الثمانية التي يتألف منها ~~جميعا ذلك المقال الاجتماعي. # وتلك الخطب الموجهة إلى «مدير البيت العظيم» «رنزي» تصور لنا في أول الأمر خيبة الأمل ~~المحزنة التي صادفها الفلاح في اعتقاده بما اشتهر به ذلك الرجل العظيم من أنه لا يحيد عن ~~العدل. # وعلى ذلك يبتدئ خطابه الثاني بالتقريع، فيقاطعه «رنزي» في ذلك بالتهديد، فلا يثني ذلك من ~~عزم الفلاح ويواصل تقريعه. # أما خطابه الثالث فيعود فيه إلى مدائح كالتي كان ذكرها في أول شكاياته «إلى رنزي»، فتراه ~~يقول: «يا أيها المدير العظيم للبيت الملكي، مولاي، إنك «رع» رب السماء مع حاشيتك، إن أقوات ~~بني الإنسان منك؛ لأنك كالفيضان، وأنت إله النيل الذي يخلق المراعي الخضراء ويمد الأراضي ~~القاحلة، ضيق الخناق على السراق، واحم التعس، ولا تكونن كالسيل ضد الشاكي. احذر، فإن ~~الأبدية تقترب، وفضل أن تعمل حسب المثل القائل: «إن نفس الأنف إقامة العدل أو الحق ~~(ماعت)»، ونفذ العقاب في من يستحق العقاب، وليس هناك شيء يعادل استقامتك. هل يخطئ ~~الميزان؟ وهل تميل عارضة الميزان إلى أحد الجانبين؟ ... لا تنطقن كذبا؛ لأنك عظيم (وأنت بذلك ~~مسئول)، لا تكن خفيفا؛ لأنك ذو وزن، ولا تتكلمن بهتانا؛ لأنك الموازين، ولا تحيدن؛ لأنك ~~الاستقامة. افهم أنك والموازين سيان، فإذا مالت فإنك تميل (كذبا)، ولسانك هو المؤشر ~~العمودي للميزان، وقلبك هو المثقال، وشفتاك هما ذراعاه.» # وهذه المقارنات بين أخلاق «مدير البيت العظيم» وبين الموازين تظهر مرات متكررة في خطب ذلك الفلاح. # 4 # والعبرة التي تؤخذ من ذلك واضحة؛ إذ إن مفتاح الطريق الحق بأيدي الطبقة ~~الحاكمة، فإذا هم أخفقوا في اتباعه ففي أي مكان آخر يمكن الحصول عليه؟ إذ كان المرجو منهم ~~أن يوازنوا بين الحق والباطل ثم يفصلوا فيه بقرار عادل كالموازين الدقيقة التي ms185 لا تخطئ. ~~وبتلك الكيفية كانت الموازين تؤلف رمزا شاع تداوله في الحياة المصرية حتى صارت كفتا ~~الميزان تظهران (في النقوش) بمثابة رمز مجسم لتصوير محاكمة كل روح في عالم الحياة ~~الآخرة. # وقد وجدت الموازين في ذلك المقال لأول مرة في تاريخ الأخلاق، وقد بقيت صورتها وهي منصوبة ~~في يد إلهة العدالة العمياء رمزا لذلك إلى يومنا هذا. # والحقيقة أن ذلك الرمز ترجع نشأته إلى ظهوره بين رجال الفكر في العهد الإقطاعي بمصر منذ ~~أربعة آلاف سنة، ولم يكن الأمر قاصرا على تصوير الميزان بأكمله بمثابة رمز للاستقامة في ~~ذلك العهد الإقطاعي، بل كانت أجزاؤه كذلك تستعمل على الدوام لذلك الغرض أيضا؛ فنجد ~~«العامود» الذي يرتكز عليه الميزان، كما نجد «عارضة» الميزان التي تتدلى منها كفتاه، وكذلك ~~نجد بوجه خاص «خيط الميزان»، ونجد «الثقل» المربوط فيه، وهو الذي يتدلى من قطعة خشبية بارزة ~~عند قمة العامود الذي يرتكز عليه الميزان، ونجد كذلك «لسان» الميزان (المؤشر) الذي يمتد ~~عموديا إلى أسفل من وسط العارضة التي تحمل كفتي الميزان ويتحرك معها كلما تحركت. وعند ~~الوزن يمكن موازنة اللسان دائما بخيط الوزن المعلق من خلفه، حتى إذا ما كان طرف اللسان على ~~استقامة واحدة مع خيط الثقل؛ فإن عارضة الميزان تكون أفقية تماما وتكون الكفتان متوازنتين ~~ومستويتين، وعلى هذا يكون خيط الميزان الذي لا يحيد هو الضابط الصحيح الذي يحفظ الميزان عن ~~الخطأ. # ولا يفوتنا أن نلاحظ هنا أن الفلاح كان يذكر «مدير البيت العظيم» بظهوره أمام محاسبة ~~الموازين التي لا تتحيز إلى جهة دون الأخرى؛ إذ يقول له: «احذر لأن يوم الآخرة يقترب.» وهذا ~~المثل من الأمثلة القليلة التي يلتجأ إليها في الشكايات بتحذير الظالم مما يتعرض له من ~~المسئولية في الحياة الآخرة، ويوجد كذلك مثال آخر من ذلك النوع في تلك الوثيقة بالخطبة ~~الثانية من خطب الفلاح. # وقد صارت الآن تهديدات الفلاح «لمدير البيت العظيم» أكثر مما يحتمل في شدتها أثناء وقوفه ~~أمام القصر، ومن أجل ذلك أرسل خادمين ليجلدا ذلك الرجل ms186 التعس، ولكن بالرغم من ذلك فإن ~~الفلاح انتظر قدوم «رنزي» من غير خوف وهو خارج من معبد العاصمة وواجهه بخطبة رابعة، ثم ~~تلاها بخطبة خامسة. وبالرغم من أن هذه كانت أقصر خطبه كلها فإنها ألذعها في الاتهام؛ إذ ~~يقول: «لقد نصبت لتسمع الشكاوى، وتفصل بين المتخاصمين، وتضرب على يد السارق، ولكنك ~~تتحالف مع السارق، والناس تحبك رغم أنك معتد، ولقد نصبت لتكون سدا للرجل الفقير يحميه ~~من الغرق، ولكن انظر فإنك أنت فيضانه الجارف.» # كل هذا و«رنزي» كان لا يزال ملازما للصمت، فيبتدئ الفلاح خطابه السادس لاجئا من جديد ~~إلى عاطفة العدالة التي اتصف بها «مدير البيت العظيم» وما اشتهر به من حب الخير، فيقول له: ~~«يا مدير البيت العظيم، اقض على الظلم وأقم العدل وقدم كل ما هو خير، وامح كل سيئ، حتى ~~تكون كالشبع الذي يقضي على الجوع، أو كاللباس الذي يخفي العري، أو كالسماء الصافية بعد سكون ~~العاصفة الشديدة، أو كالنار التي تطهو الطعام، أو كالماء الذي يطفئ الغلة.» # ولما استمر «رنزي» لا يحير جوابا أيضا على ذلك الاستعطاف اهتاج الفلاح الشقي وعاد إلى ~~نغمة القدح من جديد، فأخذ يقول له: «إنك متعلم، إنك مهذب، لقد تعلمت ولكن لا لتكون سارقا، ~~إنك متعود لأن تفعل ما يفعله كل الناس، وقد وقع مثلك أقاربك في نفس الأحبولة. وأنت يا من ~~تمثل الاستقامة بين كل الناس قد صرت على رأس البغاة في كل البلاد، إن البستاني الذي يزرع ~~الشر، يروي حقله بالعسف ليثمر زرعه البهتان، وبذلك تغمر الضيعة بالشر.» # ومع ذلك فإن هذه الاتهامات لم تحرك ساكنا قط عند «مدير البيت العظيم»، فأخذ الفلاح يفتتح ~~خطبته السابعة، فيبدأ بالمديح المعتاد، فنراه يصف «مدير البيت العظيم» بأنه «السكان الذي ~~توجه بأمره سفينة كل البلاد»، ثم يرجع فجأة إلى وصف حالته التعسة، فيقول: «إن جوفي # 5 # مفعم، وقلبي مثقل، وإن في السد لكسرا يتدفق منه الماء، ولهذا فإن فمي مفتوح ~~ليتكلم.» غير أن استمرار تغاضي ذلك الحاكم وعدم اكتراثه، وهو ذو ms187 الشهرة الذائعة بالعدل ~~والرأفة، قد زاد في غيظ ذلك الفلاح التعس وبلغ مبلغا جعله يرى أن في صمت مدير البيت العظيم ~~ما يطلق ألسنة أكثر الناس غباء وعيا، فنراه يقول له: «لا يوجد فرد صامت لا تحفزه حالتك ~~إلى الكلام، ولا من نائم لا تجعله حالتك يستيقظ من رقدته، ولا من إنسان مكتئب إلا جعلته ~~يثور، ولا من فم أرتج عليه إلا افترت شفتاه، ولا من جاهل إلا صيرته حالتك حكيما، ولا من ~~غبي إلا جعلته حالتك يتعلم.» # ولما لم يكن في مقدور ذلك الفلاح أن يكبح جماح غضبه، فإنه أخذ يلقي خطبته الثامنة، واستمر ~~في قدحه فيقول: «إن قلبك جشع، وذلك لا يليق بك، إنك تسرق، وذلك لا ينفعك ... إن الموظفين ~~الذين نصبوا لدرء الظلم هم مأوى لمطلقي العنان، وحتى الموظفين الذين أقيموا لمنع الظلم ~~أصبحوا أنفسهم ظالمين.» # ومع كل ذلك فإن ذلك الفلاح لم ين عن المطالبة بتحقيق العدالة؛ ولذلك يعود من جديد إلى ~~المطالبة بها في أعظم عبارات فاه بها في ذلك المقال العظيم؛ إذ يقول: «أقم العدل لرب العدل ~~وهو الذي أصبح عدله حقا. أنت يا من تمثل القلم والقرطاس واللوح، بل تمثل «تحوت»؛ # 6 # لأنك بعيد عن عمل السوء، على أن العدل عندما يكون قائما يكون حقيقة عدلا؛ لأن ~~العدالة (يعني ماعت) أبدية، فهي تنزل مع من يقيمها إلى القبر عندما يوضع في تابوته ويثوى ~~على الأديم، واسمه لا يمحى من الأرض بل يذكر بسبب عدله، وهكذا تكون استقامة كلمة ~~الله.» # على أن السؤال الذي ينشأ عن ذلك طبعا بعد ذكر هذه الكلمات المؤثرة هو: هل لا يزال هناك ~~مجال للظلم رغم ذلك، ولقد أخذ الفلاح (يسأل هذا السؤال) فقال: «هل هو ميزان يد لا يحيد؟ هل ~~هو ميزان ثابت لا ينحرف؟» أو هل مجرد العجز عن الوصول إلى تصحيح الخطأ المشين الذي حاق به ~~هو الدافع إلى هذا الموقف، مع أن الحاكم العادل الذي في قدرته أن يصلح هذا الخطأ كان حاضرا ~~منذ البداية؟ ms188 «إنك لم تكن مريضا، إنك لم تفز، إنك لم تمت! [ولكن] لم تجازني حسب الكلمة ~~الطيبة التي خرجت من فم «رع» نفسه وهي: «تكلم الصدق وافعل الصدق؛ # 7 # لأنه عظيم ولأنه قوي ثابت، والجزاء عليه سيلاقيك وسيتبعك حتى الشيخوخة ~~الموقرة».» # ولما لم يفه «رنزي» بجواب على هذه الكلمات السامية، رفع الفلاح صوته عاليا مرة أخرى، ~~وألقى مرافعته النهائية اليائسة وهي خطبته التاسعة، التي يذكر فيها «مدير البيت العظيم» ~~بخطر الانضمام إلى جانب الغش؛ لأن من يأتي فعلا كهذا «لا يرزق أولادا ولا يجد من يرثه على ~~الأرض، ومن يقلع في سفينته (الغش) فلن يرسو على الأرض ولن تربط مراسي سفينته في الميناء ... ~~ومن لا يكترث لا أمن له، ولا صديق لمن يصم أذنه عن الحق، والجشع لا يحظى بيوم سعيد ... انظر ~~فإني أبث شكواي إليك ولكنك لا تنصت، فسأذهب إذن وأبث شكايتي منك إلى «آنوب».» # ولما كان «آنوب» هو إله الموتى فإن الفلاح كان يقصد من ذهابه إليه أنه سينتحر، وعندئذ ~~يرسل «مدير البيت العظيم» خادمه ليجيء بالفلاح ثانية بعد أن هم بالرحيل، وإذ ذاك يتبادلان ~~سويا بعض العبارات المبهمة المعنى. على أن «رنزي» كان في خلال ذلك الوقت قد دون في ~~بردية جديدة كل شكايات الفلاح بحسب ترتيبها، والمفروض أن ما انحدر إلينا من تلك الوثائق هو ~~نسخة من هذه البردية، ولكن مما يؤسف له أن خاتمتها ممزقة أشد التمزيق، ويمكننا أن ندرك أن ~~لفيفة البردي التي أعدها أمناء أسرار «رنزي» قد حملها «رنزي» هذا إلى الملك، وقد وجدها ~~الملك «سارة لقلبه أكثر من أي شيء في كل البلاد.» # وبعد ذلك يأمر الملك «مدير البيت العظيم» أن يفصل في قضية الفلاح، وإذ ذاك يحضر المختصون ~~بهذا العمل سجل الضرائب الذي يحدد الناحية التابع لها ذلك الفلاح بالصفة الرسمية، كما يبين ~~موقفه القانوني والاجتماعي وعدد أفراد أسرته ومقدار ثروته، ثم يعقب ذلك في الوثيقة بعض ~~كلمات مفتتة، يقل عددها عن اثنتي عشرة كلمة، يمكننا أن نفهم منها على وجه التقريب ms189 أن «تحوتي ~~ناخت» قد عوقب، وأن ممتلكات ذلك الموظف الجشع المغتصب قد أعطيت للفلاح. # ومما يسترعي النظر حقا أن نجد أشراف رجال البلاط الفرعوني منذ أربعة آلاف سنة مضت ~~يهتمون بإسعاد حال الطبقات الدنيا لدرجة أنهم كانوا يكلفون أنفسهم مشقة تدوين مثل تلك ~~المقالات، التي لم تكن بداهة إلا بمثابة دعاية إلى نظام قوامه العدل والشفقة بالفقراء. ~~وأمثال أولئك الرجال كانوا حملة أقلام لإعلان حرب مقدسة لنصرة العدالة الاجتماعية، وقد ~~جعلوا ذلك المقال بالذات ممتعا في قراءته لطبقة الأغنياء الموجه إليهم ذلك المقال. وبالرغم ~~من الغموض المستمر في لغته، وأسلوبه الرنان واستعاراته القوية وتشبيهاته الغريبة، مما جعل ~~الكثير من فصاحة ذلك الفلاح مستعصية الفهم على أبناء هذا العالم الحديث، فإن ذلك المقال قد ~~اكتسب في عصره مكانة جعلته أدبا من الطراز الراقي. ولا شك أنه كتب بالأسلوب الذي كان ~~مستحسنا عند أهل ذلك العصر، وأن ذلك التهكم الفكه اللاذع الذي يبدو في بعض نواحيه كان مما ~~يزيد في شهرته الأدبية عند قدماء المصريين الذين كانوا محبين بطبيعتهم للتفكه، ولكنه مع ذلك ~~كان أدبا يرمي إلى غرض خلقي. # وقصة ذلك الفلاح الفصيح تعد تصويرا حيا ناطقا عن عجز أولئك الموظفين الأمناء إذا لم ~~يكن يشد أزرهم ملك عادل رءوف، وقد كان هناك في ذلك العصر مفكرون اجتماعيون يحسون بالحاجة ~~إلى وجود حاكم عادل، وكان من بين الحكماء الذين يتطلعون إلى وجود مثل هذا الملك العادل، ~~الحكيم «إبور»، وهو أحد الأنبياء الاجتماعيين الذين عاشوا في ذلك العصر العظيم، وقد ألف ~~مقالا في شكل تمثيلي مؤثر، لم يقتصر فيه على اتهام أهل عصره بحرارة فحسب، بل ضمن مقاله ~~أيضا وصايا إيجابية يرمي من ورائها إلى إيجاد نهضة يتجدد بها المجتمع، بل ذهب به الأمل ~~أيضا إلى ترقب عصر ذهبي يأتي به ذلك الإصلاح المنشود. # وتلك «الوثيقة» المذكورة تعد من أهم الوثائق التي تسترعي النظر بين كافة مجموعة تلك ~~المقالات الاجتماعية والخلقية التي كتبت في ذلك العهد الإقطاعي، ويصح لنا أن نسميها ~~«تحذيرات إبور». ms190 # 8 # ومما يدعو إلى الأسف أن بداية هذه البردية قد فقدت، وهي الجانب الذي كان يحتوي ~~على بيان الأحوال التي دعت الحكيم إلى الإدلاء بتحذيراته الواردة في هذه الوثيقة، وإن كانت ~~تلك الأحوال في ظواهرها الرئيسية واضحة. # ويمكن تلخيص تلك الوثيقة فيما يأتي: يقوم الحكيم «إبور» بإلقاء اتهام طويل مفعم بالغضب عن ~~حالة عصره أمام ملك (لم يعرف اسمه بالتحقيق الآن)، وبحضور آخرين يحتمل أنهم كانوا حاشية ذلك ~~الملك مجتمعين عنده في ذلك الوقت، وينتهي بالنصيحة والتحذير من الإهمال في الأخذ بالإصلاح، ~~ويلي ذلك رد قصير من جانب الملك، ثم ينتهي المقال بتعقيب قصير للحكيم المذكور على الرد ~~الملكي. # وهذا الخطاب الرئيسي الطويل الذي قام بإلقائه ذلك الحكيم يشغل الجانب الأكبر من المقال، ~~كما أن الاتهام يشغل من الخطاب ما لا يقل عن الثلثين [أي بنسبة نحو عشر صفحات من الأربع ~~عشرة صفحة التي يحتويها الخطاب]، على أنه لم يراع في ذلك الاتهام أي ترتيب منطقي في ~~عناصره، بالرغم مما بذل من الجهد الظاهر في تنسيق أقوال ذلك الحكيم بوضعها على هيئة مقاطع ~~مقفاة، وكل مقطوعة منها تبتدئ بنفس العبارة السابقة لها، على النمط الذي رأيناه في شعر ~~الرجل التعس. # وسنحاول في الفقرات التالية أن نلخص أهم محتويات ذلك الاتهام على أساس المواضيع التي ~~تناولها، كما أننا سنورد بعض العبارات بنصها ليتبين منها نوع الكلام الذي أفضى به ذلك ~~الحكيم. ولما كانت هذه البردية ممزقة، ولغتها عويصة صعبة، فإن ترجمتها ترجمة متصلة من ~~الأمور المستحيلة، حتى ولو توافرت الشروح التي تكفل إزالة هذه الصعوبة. # 9 # يبدأ ذلك الحكيم بإلقاء نظرة ثاقبة على نظم الحياة لأهالي وادي النيل في ذاك الوقت، فيجد ~~أن كل شيء قد آل إلى الفوضى، فالحكومة قد وقفت حركتها تقريبا، «وقوانين قاعة العدل قد ألقي ~~بها ظهريا، فصارت تدوسها الناس بالأقدام في المحال العامة، والفقراء يفضونها على قارعة الطريق.» # 10 # ويرجع السبب في سوء النظام هذا إلى حالة الهياج والحروب الدائرة في داخل البلاد: «فالرجل ~~يضرب أخاه ms191 من أمه، فما العمل في ذلك؟ ... انظر فإن الرجل يذبح وهو بجانب أخيه، في حين أن ~~أخاه يتركه حتى ينجو هو بنفسه ... والرجل ينظر لابنه نظرته إلى عدوه ... ويذهب الرجل إلى الحرث ~~والزرع وهو مسلح بدرعه ...» # ويضاف إلى سوء النظام وإلى الثورة الداخلية أهوال الغارات الأجنبية على البلاد، فإن أملاك ~~مصر بعد أن صارت فريسة لسوء النظام والفتنة الضاربة أطنابها بالبلاد قد صار رجالها أيضا ~~غير قادرين على صد غزوات الآسيويين عن حدود شرق الدلتا، وحاق الهلاك بالأملاك المصرية ووقف ~~سيل الحركة الاقتصادية: «انظر، فإن كل أصحاب الحرف لا يقومون بأي عمل قط، وأعداء البلاد ~~يفقرونها في حرفها، [انظر، إن الذي يحصد] المحصول لا يعرف عنه شيئا، ومن لم يحرث الأرض ~~[يملأ أهراءه ] ... انظر، إن الماشية قد تركت ضالة في السبيل، ولا يوجد أحد يجمعها ويلم ~~شتاتها، فكل إنسان يأخذ لنفسه منها ما يسمه (يعني بالكي) ... والحروب الداخلية لا تأتي بضريبة ~~... وما فائدة بيت المال الذي لا دخل له؟» # والتجارة الخارجية تنحط وتختفي في مثل تلك الأحوال التي كانت عليها داخلية البلاد «فأصبح ~~القوم لا يقلعون بسفنهم شمالا إلى «جبيل»، # 11 # وإذن ماذا نصنع للحصول على خشب الأرز اللازم لمومياتنا، وهو الذي من خراجه تدفن ~~الكهنة، ومن زيته تحنط الأمراء حتى بلاد «كريت»، وقد أصبحت (يعني الأخشاب) لا ترد؟» # والوقوع في مثل تلك الأحوال كان محتملا؛ لأن الأمن العام والتجارة قد اختفى أثرهما، ~~«وبالرغم من أن الطرق كانت محروسة فإن الناس كانوا يترصدون في الأدغال حتى يمر السائح الذي ~~دهمه الليل ويسلبوه ما يحمل ويجردوه مما معه بالعصي ويذبح ذبحا شنيعا.» «وفي الحق أن ~~البلاد كانت تدور على عقبها (أي إن نظام الأشياء مقلوب رأسا على عقب) كما تدور عجلة صانع ~~الفخار، فمن كان لصا صار رب ثروة، والغني صار إذ ذاك إنسانا منهوبا.» وهكذا انقلبت ~~أوضاع كل الأشياء، طبقا لما يدل عليه مفهوم تشبيهها بعجلة صانع الفخار، فانهارت الشئون ~~الاجتماعية انهيارا تاما. # وإننا نجد في أطول مجموعة من فقرات ms192 تلك الوثيقة - التي أنشئت على وتيرة واحدة - أن ذلك ~~الحكيم يضع أمامنا صور تغير الأحوال بالنسبة لأفراد معينين وطبقات خاصة من المجتمع، فيضاهي ~~في الفقرة الواحدة بين ما كان عليه الماضي وما هو جار في ذلك الوقت؛ إذ نراه يقول: «انظر، ~~إن الذي لم يكن يملك زوجا من الثيران صار الآن صاحب قطيع منها، وذلك الذي كان لا يجد ثورا ~~لحرثه صار الآن يملك قطيعا. انظر، إن الذي لم يكن يملك غلالا صار الآن صاحب مخازن من ~~القمح، وذلك الذي كان يذهب للبحث عن الغلال لنفسه صار هو الآن يخرجها من مخزنه.» # ولا شك أن للانحطاط الخلقي شأنا في ذلك الخراب الشامل الذي حاق بالبلاد، وإن كان لم ينص ~~صراحة على أنه هو السبب الظاهري لذلك البؤس العام؛ إذ نراه يقول: «إن المتحلي بالفضائل يسير ~~وهو محزون لما حدث في البلاد.» ويقول آخرون: «لو كنت أعلم أين يوجد الإله لقدمت له قربانا، ~~وفي الحق أن [العدالة] موجودة في البلاد باسمها فقط، وما يلقاه الناس حينما يلتجئون إليها ~~هو العسف.» # 12 # فلا عجب إذن من وجود ذلك اليأس الشامل: «وفي الحق أن السرور قد مات ولم نعد نتذوقه بعد، ~~ولا يوجد في الأرض إلا الأنين الممزوج بالحسرات.» «وفي الحق أن كلا من العظيم والحقير صار ~~يقول: ليتني كنت ميتا. ويقول الأطفال الصغار: ليتنا لم يعلنا أحد ومتنا قبل هذا ...! وفي ~~الحق أن قلوب كل القطعان صارت تبكي، والماشية تئن بسبب حالة البلاد.» # على أنه لم يكن في مقدور ذلك الحكيم أن يشاهد كل ذلك دون أن تثور عواطفه، فكان بدوره ~~متأثرا تأثرا عميقا لتلك الكارثة العامة، ويطلب من الله أن يقضي على كل شيء؛ إذ يقول: ~~«ليت الناس يفنون، فلا يحدث حمل ولا ولادة، وليت البلاد تخلو من الغوغاء حتى يقضى على ~~الشجار.» وكان ذلك الحكيم يقرع نفسه؛ لأنه لم يسع من جهته لإنقاذ ذلك الموقف من قبل؛ إذ ~~يقول أيضا: «ليتني رفعت صوتي في ذلك الوقت، حتى كنت أنقذ نفسي ms193 من الألم الذي أنا فيه الآن، ~~فالويل لي؛ لأن البؤس عم في هذا الزمان.» # تلك هي الصورة القاتمة التي صورها لنا ذلك الحكيم المصري القديم، ويجب أن نعتبر تلك ~~الشكاية، التي سبق أن قلنا إنها تشغل ثلثي الوثيقة كما حفظت لنا، أنها وصفت الحالة عند ~~قدماء المصريين في عهد معين، على أن العلاقة الوثيقة التي بين ذلك المقال والمقالات الأخرى ~~التي من ذلك العهد الإقطاعي، من حيث اللغة والفكر ووجهة النظر، لا تدع للشك مجالا في تحديد ~~تاريخ عهدها بالضبط، ولا شك أن حالة مصر السيئة التي صورها لنا ذلك الحكيم هي ظواهر الحالة ~~التي أعقبت انهيار نظام الحكومة والاعتداء على البلاد الذي جاء إثر سقوط الدولة القديمة؛ أي ~~في نهاية عصر الأهرام، وانحلال الاتحاد الثاني. # ولأن «إبور» كان في شدة التأثر لتلك الحال الموئسة التي صورها، لم يشأ أن يتخلى عن أهل ~~الجيل الذي عاش فيه، بل عمد في النهاية - كما كان منتظرا - إلى تبين السبب الذي يدعو إلى ~~الأمل. ومع أنه تصادفنا عند الوصول إلى هذه النقطة فجوة كبيرة في تلك البردية، فإننا نجد ~~في النهاية أهم فقرة في جميع مقال ذلك الحكيم، وهي تعتبر من أروع ما دون في كل الأدب ~~المصري القديم. # ففي هذه الفقرة العظيمة يتطلع ذلك الحكيم إلى المستقبل، متوقعا إعادة البلاد إلى سيرتها ~~الأولى، وذلك في نظره بلا نزاع نتيجة طبيعية للنصائح الإصلاحية التي كان قد فرغ من غرسها في ~~قلوب مواطنيه، فهو يرى الحاكم الأمثل الذي يتوق إلى قدومه، وهذا الملك المثالي الذي قد حكم ~~مصر في يوم من الأيام باسم إله الشمس «رع». # ولما كان ذلك الحكيم يرى في سلطته المقدسة العصر الذهبي، فإنه يوازن بينه وبين الحكم ~~الغاشم الذي ترزح تحت عبئه البلاد في عصره، فنراه يقول: «فهو يطفئ لهيب (الحريق الاجتماعي)، ~~ويقال عنه إنه راعي كل الناس، # 13 # ولا يحمل في قلبه شرا، وحينما تكون قطعانه قليلة العدد فإنه يصرف يومه في جمع ~~بعضها إلى بعض وقلوبها محمومة # 14 ms194 ~~(من الحزن)، ليته عرف أخلاقها في الجيل الأول، فعندئذ كان في مقدوره أن يضرب ~~الشر، وكان في قدرته أن يمد ذراعه ضده (يعني الشر)، وكان في مقدوره أن يقضي على بذرتهم هناك ~~وعلى وراثتهم ... فأين هو اليوم؟ هل هو بطريق المصادفة نائم؟ ... انظر، إن بأسه لا يرى ~~...» # فنجد في ذلك صورة الملك الأمثل، وهو الحاكم العادل الذي لا يحمل في قلبه شرا، وهو الذي ~~يجول بين رعيته كالراعي يجمع شتات قطيعه المتناقص الظمآن. إن مثل ذلك الحكم العادل الذي نجد ~~له نظيرا في حكم نبي الله «داود» - عليه السلام - عند العبرانيين قد حدث، ويمكن أن يحدث ~~ثانية، على أن عنصر الأمل في ظهور الملك الصالح المنتظر كان في نظره أقرب من حبل الوريد، بل ~~كان محققا عنده ، كما تدل الكلمات الختامية التي وردت بالفقرة السابقة عند قوله: «أين هو ~~اليوم؟ هل هو بطريق المصادفة نائم؟ انظر، إن بأسه لا يرى.» ولا يسعني (لإبراز المعنى ~~المقصود) إلا أن أضيف إلى الجملة الأخيرة لفظي «حتى الآن». # على أن الأهمية الخاصة التي نستنتجها من تلك الصورة تنحصر في أن المثل العليا الاجتماعية ~~أو الحلم الذهبي لمفكري ذلك العصر البعيد على أقل تقدير - إن لم نقل منهجهم الاجتماعي - ~~كانت تشمل الحاكم الأمثل الطاهر النقي الخير المقاصد الذي يعز عشيرته ويحميها ويسحق ~~الأشرار. وسواء أكان التنبؤ بقدوم هذا الحاكم محددا أم لا، فإن صورة أخلاقه وأعماله قد كشف ~~النقاب لنا عنها ذلك الحكيم القديم، وقد كشف النقاب عنها في حضرة الملك الموجود إذ ذاك، وفي ~~حضرة أولئك الذين اجتمعوا حوله حتى يقتبسوا شيئا من بهائه، وذلك بطبيعة الحال هو عين ~~التبشير بالمسيحية قبل أن تظهر بين العبرانيين بما يقرب من 1500 سنة. # وقد أدت الموازنة الفظيعة التي كانت تجول في ذهن ذلك الحكيم المصري القديم بين حكم الملك ~~الأمثل وبين حكم الفرعون الجالس على العرش، الذي يقف في حضرته، إلى أن ينطق الحكيم بأقسى ~~الاتهامات ضد مليكه، فكان مثله في ذلك مثل «ناثان» # 15 # عندما ms195 وجه كلماته اللاذعة إلى «داود» - عليه السلام - قائلا: «أنت هو ~~الرجل.» فلقد وضع الحكيم مسئولية كل ما صوره من مساوئ فوق عاتق الملك؛ إذ يقول لمليكه: «إن ~~الأمر الملكي، والمعرفة، والعدالة (يعني ماعت) في قبضة يدك، ولكن ما تضعه في البلاد هو ~~النزاع وصوت القلاقل. ولقد فعلت ذلك لتشتد علينا هذه الأمور، لقد نطقت زورا ~~وبهتانا.» # وعندما انتهى ذلك الحكيم من خطابه الطويل، أجابه الملك بنفسه على أقواله، غير أنه ليس في ~~وسعنا أن نصل إلى ما قاله الملك في إجابته على الحكيم مما بقي لنا من تلك النتف المفتتة من ~~الصفحة الممزقة التي دونت عليها الإجابة. # وقد وصلت تقريعات ذلك الرجل الحكيم إلى قمتها في قوة التعبير حين أشار إلى أخلاق الفرعون ~~التقليدية، وهي التي كانت تشمل الأمر الملكي والمعرفة والعدالة (يعني ماعت)؛ أي النظام ~~الإداري والخلقي القديم الذي حافظ عليه ملوك الاتحاد الثاني مدة ألف سنة، وهو الذي قد حلت ~~الآن محله الفوضى. # فيتضح الآن تماما من ذلك أن حالة سوء النظام الشاملة التي وصفها في أقواله «إبور» قد ~~ظهرت في فترة من العهد الذي جاء بعد سقوط الدولة القديمة. ويستحيل علينا الآن أن ندرك موقف ~~ملوك «أهناسية» الذين أنتجوا مثل تلك المقالات المثالية المدهشة، أو نحدد علاقتهم بانهيار ~~نظام الحكم. فهل كان احتذاؤهم المثل الأعلى الاجتماعي في مثل ذلك العصر سببا من أسباب ~~ضعفهم السياسي؟ لقد لاحظنا أنه في وسط ذلك الخراب القومي الذي صور لنا بتلك الكيفية من غير ~~تحفظ، أن الحكيم «إبور» كان لا يزال يحمل في نفسه بعض الأمل في إنقاذ البلاد من ذلك الخراب. ~~فهل كان في ذهنه بعض الرجال المعروفين بقوة الشكيمة ممن أبقى عليهم الدهر من أسر الأمراء ~~القدامى؟ على أنه من الجائز أن آماله كانت موجهة إلى قائد كان «بأسه لا يرى»؛ يؤيد ذلك ما ~~فاه به حكيم آخر كان يعيش في نفس ذلك العصر (وسنصغي لكلامه وشيكا) كما يؤيده ما تساءل به ~~حكيمنا المذكور بتدبر وإنعام؛ إذ يقول: «أين ms196 هو اليوم؟ هل هو بطريق المصادفة نائم؟» # والواقع أن حكيما آخر من نفس ذلك العصر كان يجول في ذهنه شخصية الملك المنتظر الذي سيكون ~~فاتحة للعصر الجديد المنتظر؛ لأنه لم يتردد في ذكر اسمه، كما سيأتي الآن قريبا. # ولدينا في بردية أخرى عثر عليها «جولنيشف»، # 16 # وهي موجودة الآن بمتحف «لنينجراد»، نبوءات كاهن مرتل اسمه «نفرروهو»، وهو ~~يدعي أنها ألقيت في حضرة الملك «سنفرو»؛ أي قبل العصر الذي نحن بصدده بما يقرب من ألف ~~سنة. # والواقع أن ذلك مجرد وضع تمثيلي ليسبغ على كلمات «نفرروهو» الهامة قوة التأثير. ومن حسن ~~الحظ أن كاتبا من عهد الدولة الحديثة ممن عاشوا في القرن الخامس عشر ق.م قد ظهرت له أهمية ~~ذلك المقال، حتى إنه لما لم يجد لديه برديا جديدا ينقله فيه أخذ جزءا من بعض أوراق ~~مستعملة في تدوين حسابه هو ونقل تلك النبوءات على ظهرها، وبذلك بقيت نبوءات «نفرروهو» في ~~تلك الصورة التي وصلتنا عفوا بما تحويه من غموض بسبب أغلاطها الكثيرة التي حدثت عند نقله ~~لها بطريق المصادفة كما ذكرنا. # يبدأ «نفرروهو» بالمقدمة التاريخية المزعومة، ثم يصف الخراب والفوضى اللذين كانا يحيطان ~~به، ومثله في ذلك مثل «خع خبرو رع سنب»؛ إذ يتكلم مع قلبه، فتراه يقول: «أنصت يا قلبي وانع ~~تلك الأرض التي فيها نشأت ... لقد أصبحت هذه البلاد خرابا، فلا من يهتم بها، ولا من يتكلم ~~عنها، ولا من يذرف الدمع. فأية حال عليها تلك البلاد؟ لقد حجبت الشمس فلا تضيء حتى يبصر ~~الناس.» وقد كان من جراء تعطيل أعمال الري العظيمة العامة أن «أصبح نيل مصر جافا فيمكن ~~للإنسان أن يخوضه بالقدم، وصار الإنسان عندما يريد أن يبحث عن ماء (يعني النهر) لتجري عليه ~~السفن يجد طريقه قد صار شاطئا والشاطئ صار ماء، وكل طيب قد اختفى، وصارت البلاد طريحة ~~الشقاء بسبب طعام البدو الذين يغزون البلاد. وظهر الأعداء في مصر، فانحدر الآسيويون إلى مصر ~~... وسأريك البلاد وهي مغزوة تتألم، وقد حدث في البلاد ما لم ms197 يحدث قط من قبل ... فالرجل يجلس في ~~عقر داره موليا ظهره عندما يكون الآخر يذبح بجواره ... # سأريك الابن صار مثل العدو، والأخ صار خصما، والرجل يذبح والده، وكل فم ملؤه (حبني) ~~[صياح المتسول؟] وكل الأشياء الطيبة قد ولت، والبلاد تحتضر ... وأملاك الرجل تغتصب منه ~~وتعطى الأجنبي ... # وسأريك أن المالك صار في حاجة والأجنبي في غنى ... وأن الأرض قد نقصت وفي الوقت نفسه تضاعف ~~حكامها، وصارت الحبوب شحيحة في حين أن المكيال صار كبيرا، وتكال الحبوب [أي بجابي الضرائب] ~~حتى يطفح الكيل ... # سأريك البلاد وقد صارت مغزوة تتألم، وأن منطقة عين شمس لن تصير بعد مكان ولادة كل ~~إله.» # وبعد ذلك يتحول «نفرروهو» من غير تردد أو تشكك عن تلك الصورة التي يصف فيها القحط الذي ~~وقعت فيه البلاد، وينادي بالكلمات التالية الهامة معلنا قدوم الملك الذي سيخلص مصر مما حاق ~~بها؛ إذ يقول: «سيأتي ملك من الجنوب اسمه «أميني»، وهو ابن امرأة نوبية الأصل وقد ولد في ~~الوجه القبلي، وسيتسلم التاج الأبيض، ويلبس التاج الأحمر، فيوجد بذلك التاج المزدوج، سينشر ~~السلام في الأرضين (يعني مصر) على الوجه الذي يحبه أهلها ... # وسيفرح أهل زمانه، وسيجعل ابن الإنسان # 17 # اسمه باقيا أبد الآبدين، أما الذين كانوا قد تآمروا على الشر ودبروا الفتنة ~~فقد أطبقوا أفواههم خوفا منه، والآسيويون سيقتلون بسيفه، واللوبيون سيحرقون بلهيبه، ~~والثوار سيستسلمون لنصائحه، والعصاة سيخضعون لبطشه، وسيخضع المتمردون للصل الذي على ~~جبينه. # وسيقيمون «سور الحاكم» حتى لا يتمكن الآسيويون من غزو مصر، وسيستجدون الماء حسب طريقتهم ~~التقليدية لكي تردها أنعامهم. والعدالة (ماعت) ستعود إلى مكانها، والظلم ينفى من الأرض، ~~فهنيئا لمن سيرى ذلك ومن سيكون من نصيبه خدمة ذلك الملك.» # فنرى في ذلك القدوم الفعلي للملك المخلص للبلاد بالفعل، الذي كان مجيئه هو الأمل الذي ~~ينشده الحكيم «إبور»، وقد ذكر «نفرروهو» ذلك الملك بالاسم. ورسم كتابة الاسم «أميني» الذي ~~استعمله «نفرروهو» هو اختصار مشهور للاسم الكامل «أمنمحات»، وواضح أنه المؤسس العظيم للأسرة ~~الثانية عشرة والمصلح الذي أعاد توطيد سلطان ms198 مصر في العهد الإقطاعي حوالي سنة 2000ق.م. وقد ~~ذكر عنه في نقش تاريخي بعد ذلك العصر بثلاثة أجيال بشكل يسترعي الأنظار: «أنه قد محى الظلم؛ ~~لأنه أحب العدل كثيرا (يعني ماعت).» # 18 # وقد كان عرافنا هنا واثقا من أن بطله «أمنمحات» سيستولي على التاجين اللذين ~~يرمزان لحكومة البلاد المتحدة مصر السفلى ومصر العليا، وأنه سيفتح عصرا جديدا، غير أنه ~~يرجئ الإصلاح العظيم على وجه عام إلى المستقبل. وذلك يضع أمامنا سؤالا جديرا بالاهتمام ~~وهو: هل هذا التأكيد الصارخ مجرد نبوءة عن حادثة بعد وقوعها؟ أو كان ذلك إعلانا ناجحا عن ~~بطل منتصر قد نجح نجاحا عظيما في إصلاح مصر العليا حتى إن انتصاره النهائي وإصلاحه لكل ~~مصر كان متوقعا حدوثه؟ أو هل كان «نفرروهو» مرسلا من قبل «أمنمحات» إلى مصر السفلى ليعلن ~~قدومه إليها؟ أو هل كان كأي شخص من أنصار «أمنمحات» يعظم إصلاحاته بتصويرها بجانب صورة ما ~~صارت إليه البلاد من الدمار والخراب قبل مجيئه؟ # وإنه لمن المستحيل أن يعطى الإنسان جوابا شافيا عن تلك الأسئلة، ولكن الأرجح على ما ~~يظهر أن «نفرروهو» كان حقيقة محاطا في زمنه بالخراب الذي صوره لنا في تلك الصورة القوية، ~~وأن تاريخ حياة «أمنمحات» المقرونة بالنجاح في مصر العليا قد جعل نجاحه في إعادة وحدة ~~البلاد إلى ما كانت عليه وإرجاع مجدها القديم متوقعا. وقد يبدو من المدهش حقا أن يذكر ~~«نفرروهو» صراحة أن الفرعون الجديد ليس من سلالة البيت المالك القديم، على أنه لا شك كان في ~~البلاد إذ ذاك مطالبون بالعرش أو مدعون له كثيرون، لدرجة أن ظهور مطالب آخر مثل ~~«أمنمحات» قد أصبح لا يثير تأثيرا يذكر. # كما أن تسمية «أمنمحات» «بابن الإنسان» - كما ذكر ذلك فيما سلف على لسان ذلك المتنبئ - ~~يلفت النظر ويوحي إلينا في الحال بوجود علاقات قد لا نرى لها وجودا؛ إذ إن ذلك التعبير قد ~~استعمل في النصيحة الموجهة إلى «مريكارع» ليدل على «ابن رجل ذي أهمية»، وقد جرى في بلاد ~~بابل القديمة استعمال تعبير ms199 مشابه لذلك التعبير. وذلك الإعلان الذي أعلنه ذلك المتنبئ يشمل ~~قيام مليكه بعملين هما من الأهمية للشعب البائس في مصر الطريحة بمكان، وهما: # أولا: # القضاء على المغيرين وأخذ العدة لدفع الغارات المقبلة. # ثانيا: # إصلاح النظام الداخلي. # أما «سور الحاكم» فكان قلعة قديمة لحماية الدلتا الشرقية واقعة على التخوم الآسيوية، وقد ~~بني لحراسة الطريق من آسيا إلى مصر في عهد بناة الأهرام، وقد أعلن «نفرروهو» أن الملك ~~الجديد سيعيده كما كان من قبل. # والصورة التي رسمها لنا ذلك المتنبئ عن مآل الآسيويين تذكرنا بما ورد في الرواية ~~العبرانية الخاصة برحلة دخول أجدادهم إلى مصر. # وأما إعلان الإصلاح الذي سيحدث في النظام الداخلي فإنه يسترعي الأنظار لقصره وبساطته؛ إذ ~~يقول: «إن العدالة ستعود إلى مكانها والظلم ينفى من الأرض.» إذن هي «ماعت» القديمة التي ~~سيعيدها الملك الجديد في شكل نظام ثابت ليكون مرة أخرى رقيبا ومهيمنا على حياة الشعب ~~المصري الاجتماعية؛ أي إن «ماعت» وهي ذلك النظام القديم الذي مكث ألف سنة مرشدا ومهيمنا ~~على الحاكم وحكومته، ستعود مرة أخرى وتبسط سلطانها من جديد. ومن المفهوم أن الابتهاج الذي ~~يبشر به ذلك المتنبئ العتيق يشير إلى عودة المثل العليا القديمة للأخلاق الفاضلة والسعادة ~~القديمة. # غير أن ذلك كان - مع الأسف - بعيدا عما وقع فعلا؛ فإن «أمنمحات» كان حقا من كبار ~~الإداريين في العالم القديم، وقد استطاع بما وهبه الله من فطنة عظيمة أن يعيد بلا نزاع ذلك ~~النظام القديم بقدر ما سمحت له الأحوال، ولكنه مع ذلك قد حتمت عليه الظروف أن يتخذ عماله ~~وموظفيه في إدارة شئون الأمة من بين أولئك الرجال الذين ترعرعوا وشبوا في عهد ذلك الانحطاط ~~الذي جاء عقب عصر الأهرام، وأشربت قلوبهم بطبيعة الحال الارتياح إلى الفوضى والفساد اللذين ~~هوى إلى حضيضهما الشعب المصري خلال عدة أجيال، بل قرون، حتى أنقذهم «أمنمحات» منهما في ذلك ~~الوقت. # وقد كشفت لنا النظرات الخلقية التي جال بها أمثال «الرجل التعس» و«خع خبرو رع سنب» و«كاهن ~~عين شمس» - ولا يقل عنهم ms200 جميعا «إبور» - عن حالة مزعجة من الانحطاط الاجتماعي، أما ما كان ~~يشعر به «بتاح حتب» القديم من اقتناع واطمئنان نراهما في قوله: «إن كل شيء على ما يرام.» ~~فقد اختفى إلى الأبد. # وقد كان الملك «أمنمحات» نفسه يشعر بهذه الحقيقة؛ إذ إنه وجد بعد حكم طويل ناجح امتد أكثر ~~من جيل من الزمان، أن عدم الثقة بالناس، التي كان يحس بها الملك المسن طوال حياته، حقيقة لا ~~مراء فيها، لمسها لمسا عندما حاول بعض القوم اغتياله. وحينما بدأ يشعر بوطأة كبر السن ~~وجه إلى ابنه «سنو سرت» - وهو أول من سمي بهذا الاسم من ملوك مصر - كلمة في صورة نصيحة ~~مختصرة، جريا على الطريقة التي اتبعها والد الأمير «مريكارع» ولكن بروح تختلف عن تلك، ~~فيقول لابنه معرفا العدالة: «أنصت لما أقوله لك، حتى تصير ملكا على البلاد وحتى تصبح حاكم ~~الشاطئين، وحتى يكون في مقدورك أن تزيد في خيرات البلاد. قو نفسك أمام جميع كل أتباعك؛ ~~لأن الناس يصغون لمن يرهبهم، ولا تقتربن منهم على انفراد، ولا تملأن قلبك بأخ، ولا ~~تعرفن صديقا، ولا تتخذن لنفسك خلانا (تضع فيهم ثقة) لا نهاية لها. وحينما تنام حافظ ~~بنفسك على قلبك؛ لأن الإنسان لا أناسي له يوم الكريهة، لقد أعطيت السائل وأطعمت اليتيم، ~~وقبلت الحقير والعظيم (في حضرتي)، غير أن الذي أكل زادي قد عصاني، ومن مددت له يدي قد بعث ~~فيها الخوف.» # وهذه الصورة التي تدل على سوء الظن بالناس المفعم بالتشاؤم قد أعقبها الملك بقصة محاولة ~~اغتيال حياته، وهي حادثة تفسر إلى حد ما شدة سخط ذلك الملك المسن الحانق على العالم، وعدم ~~اغتراره بالمظاهر. # وتلك الآراء عن المجتمع البشري، بما فيها من دلالة قاطعة على منتهى الريبة وسوء الظن ~~بالناس، كان شعور النفوس بها عميقا إلى حد أنها عكست آثارها على أعظم أنواع الفنون في ذلك ~~العصر، وأعني بذلك فن نحت التماثيل البشرية في العهد الإقطاعي؛ إذ نجد في هيئات التماثيل ~~السامية التي تمثل فراعنة الدولة الوسطى نفس الوجوه ms201 الحزينة التي كانوا يواجهون بها الحياة ~~في عصرهم. # وعندما تنعم النظر في تلك الوجوه التي تتمثل فيها الجرأة والبطولة، والتي ظللتها ظلال ~~اليأس والقنوط، نرى أن نفس هذه الوجوه تعد كشفا جديدا في ميدان الفن، يميط لنا اللثام من ~~غير شك عن روح ذلك العصر الذي يعتبر أقدم عصر معروف تخلص من الأوهام ولم ينخدع ~~بالمظاهر. # الفصل الثاني عشر # | أقدم جهاد في سبيل العدالة الاجتماعية وتعميم المسئولية الخلقية # لم يشاطر كل رجال الفكر الاجتماعيين الذين كانوا في البلاط الملكي في العهد الإقطاعي ~~الفرعون تشاؤمه المطلق الذي كان يشعر به، وقد رأينا بعض أولئك المفكرين قد أدركوا أن الملك ~~العادل الذي يتوقع مجيئه لإنقاذ البلاد قد يكون عاجزا عن أداء رسالته بدون مساعدة طائفة ~~من الموظفين العدول. كما بينا أن الغرض المقصود من المقال المصري القديم الذي سميناه ~~«الفلاح الفصيح» هو المساعدة على إنشاء طائفة من الموظفين المتصفين بالكفاية والأمانة يقوم ~~على أكتافهم بناء العصر الجديد الذي تسوده العدالة الاجتماعية. # والآن نتساءل عما إذا كانت تلك المقالات الاجتماعية التي ظهرت في العهد الإقطاعي قد صارت ~~حقا قوى اجتماعية؟ # والواقع أنني في سنة 1922م، اشتريت من أحد تجار الآثار بمدينة «الأقصر» شظية من الحجر ~~الجيري كبيرة الحجم سطحها مغطى من الوجهين بالكتابة الهيراطيقية، وعلماء الآثار الحاليون ~~يطلقون على مثل تلك الشظية كلمة («ستراكون» # Ostrakon ~~«شقفة»)، وقد لاحظ زميلي الدكتور جاردنر - بين ما لاحظه عندما عرضتها عليه - أن من بين ~~محتويات كتابتها جملة مقتبسة من قصة «الفلاح الفصيح» مع أن تاريخ كتابة تلك الشظية يرجع حسب ~~ما يبدو إلى القرن الثاني عشر أو الثالث عشر ق.م. فذلك الاقتباس إذن يدلنا على أن قصة ذلك ~~الفلاح كانت لا تزال ذات قيمة أدبية إلى أواخر الدولة الحديثة! # والآن فهل المصادر الباقية حتى الآن - مما يكشف لنا عن حالة قدماء المصريين الاجتماعية ~~والحكومية في العهد الإقطاعي - تدل على أن ذلك الجهاد في سبيل العدالة الاجتماعية قد أدى ~~إلى نتيجة ما؟ أو أن الآمال في ظهور المخلص ms202 وقيام المثل العليا للحياة الاجتماعية - وهي ~~التي تكلم عنها المتنبئون الاجتماعيون في ذلك العصر صراحة - قد بقيت مجرد أحلام؟! # وهل استمرت تلك الصور القاتمة المحزنة التي وجدناها في مقالات رجال الفكر المتشائمين ~~أمثال «الرجل التعس» و«خع خبرو رع سنب» والملك «أمنمحات الأول» تدل على الحقيقة ~~الواقعة؟! # وهل أن إدراك عصر الإقطاع لما بدا أنه طبيعة المجتمع الإنساني الحقيقية وما أسفر عنه ذلك ~~من انقشاع الوهم، قد بقي بغير نتائج إنشائية مثمرة؟ # وقد شاهدنا أن آمال الذين ينتظرون ظهور المخلص كانت مؤسسة على ظهور ملك عادل، في حين أن ~~غيرهم من المصلحين الاجتماعيين - ممن امتازوا بالآراء العملية - كانوا يرون قلب نظام ~~المجتمع عن طريق إيجاد جيل جديد من الموظفين العدول. ورغم تشاؤم «أمنمحات الأول» فقد ظهرت ~~لنا أدلة قاطعة على أنه هو نفسه قد قام بمجهودات ومشروعات دبرت بعناية حتى تضمن له عهد حكم ~~عادل، وقد كان رئيس الوزارة أو الوزير الأعظم لسان حال الفرعون، ويعتبر أهم عضو في الحكومة ~~بعده. # وقد حفظت لنا نسخ من خطاب وجهه الملك مشافهة إلى وزيره الأعظم يرجع تاريخها جميعا إلى ~~عهد الدولة الحديثة؛ أي بعد العهد الإقطاعي ببضعة قرون. وقد كان الملك يلقي ذلك الخطاب كلما ~~أسندت مسئولية الحكم إلى وزير أعظم جديد. # ذلك الخطاب العظيم يقدم الدليل على أن أحلام المتنبئين أمثال «إبور» و«نفرروهو» اللذين ~~كانا يتنبئان بظهور مخلص قد تحققت فيما له علاقة بالأخلاق الملكية؛ أي إن روح العدالة ~~الاجتماعية التي كانوا يشعرون بها قد وصلت إلى العرش نفسه ثم انتشرت حتى في نفس كيان ~~الحكومة، والخطاب هو كما سيأتي: # النظام الذي ألقي على كاهل الوزير الأعظم «س» # 1 # اجتمع أعضاء المجلس في قاعة مجلس الفرعون (له الحياة! والفلاح! والعافية!) وقد ~~أمر الواحد (يعني الملك) بإحضار الوزير الأعظم «س» الذي نصب حديثا (إلى قاعة ~~المجلس)، وقال له جلالته: تبصر في وظيفة الوزير الأعظم، وكن يقظا لمهامها كلها، ~~انظر إنها الركن الركين لكل البلاد. # واعلم أن الوزارة ليست حلوة المذاق، بل إنها مرة ms203 ... فالوزير الأعظم هو النحاس الذي ~~يحيط بذهب بيت [سيده] ... واعلم أنها (يعني الوزارة) لا تعني إظهار احترام أشخاص ~~الأمراء والمستشارين، وليس الغرض منها أن يتخذ بها الوزير لنفسه عبيدا من الشعب ~~... # واعلم أنه عندما يأتي إليك شاك من الوجه القبلي أو من الوجه البحري أو من أي ~~بقعة في البلاد، فعليك أن تطمئن إلى أن كل شيء يجري وفق القانون، وأن كل شيء قد تم ~~حسب العرف الجاري، فتعطي كل ذي حق حقه، واعلم أن الأمير يحتل مكانه بارزة، وأن ~~الماء والهواء يخبران بكل ما يفعله، واعلم أن كل ما يفعله لا يبقى مجهولا أبدا ~~... # وبعد ذلك يضع الفرعون لوزيره الأعظم التفاصيل التي يجب أن يسير على نهجها في القضايا التي ~~تقدم إليه، ثم يستشهد له في ذلك بقضية حكم فيها خطأ وزير يسمى «خيتي»، وهو وزير قديم ~~ذائع الصيت من عهد الأهرام؛ إذ يقول له: «انظر، لقد كان ما ألقيه عليك مثلا مدونا في ~~مرسوم تعيين الوزير الأعظم في «منف»، وكان ينطق به الملك ليحث به الوزير على الاعتدال ~~... # احذر ما قد قيل عن الوزير «خيتي»، فإنه يحكى أنه جار في حكمه على بعض عشيرته الأقربين ~~منحازا للغرباء خوفا من أن يتهم بمحاباة أقاربه خيانة منه، وأنه عندما استأنف أحدهم ذلك ~~الحكم الذي أصدره ضدهم أصر على إجحافه. واعلم أن ذلك يعد تخطيا للعدالة (يعني ~~ماعت). # فلا تنس أن تحكم بالعدل؛ لأن التحيز يعد طغيانا على الإله، وهذا هو التعليم (الذي أعلمك ~~إياه) فاعمل وفقا له. # وعامل من تعرفه معاملة من لا تعرفه، والمقرب من الملك كالبعيد عنه. واعلم أن الأمير الذي ~~يعمل بذلك سيستمر هنا في هذا المكان ... ولا تغضبن على رجل لم تتحر الصواب في أمره، بل ~~اغضب على من يجب الغضب عليه. اجعل نفسك مهيبا ودع الناس يهابونك. والأمير لا يكون أميرا ~~إلا إذا هابه الناس ... واعلم أن الخوف من الأمير يأتي من إقامته العدل. # واعلم أن الإنسان إذا جعل الناس يخافونه أكثر مما ينبغي دل ms204 ذلك على ناحية نقص فيه في ~~نظر القوم، فلن يقولوا عنه (إنه رجل بمعنى الكلمة). واعلم أن رهبة الأمير تبعث الرعب في نفس ~~الكاذب عندما يعامله (الأمير) بما يفزعه منه. # واعلم أنك ستصل إلى تحقيق الغرض من منصبك إذا جعلت العدل رائدك في عملك. انظر! إن الناس ~~ينتظرون العدل في كل تصرفات الوزير، وهي سنة العدل المعروفة منذ أيام حكم الإله في الأرض. ~~والناس يقولون عن كاتب الوزير «إنه كاتب عادل»، أما الذي يقيم العدل بين جميع الناس فهو ~~الوزير. # انظر! دع الرجل الذي يؤدي وظيفته يعمل حسبما يؤمر به، واعلم أن نجاح الرجل هو أن يعمل ~~حسبما يقال له، ولا تتوان قط في إقامة العدل، وهو القانون الذي تعرفه، واعلم أنه جدير ~~بالملك ألا يميل إلى المستكبر أكثر من المستضعف. # انظر في القانون الملقى على عاتقك (تنفيذه).» # ويلاحظ هنا أن أهم تشديد في كل هذه الوثيقة الحكومية ينصب على العدالة الاجتماعية، فلم ~~يكن الغرض من الوزارة إظهار تفضيل الأمراء والمستشارين على غيرهم أو استعباد أحد من أفراد ~~الشعب، بل إن كل عدالة تجري يجب أن تكون حسب القانون في كل قضية، على ألا ينسى الوزير أن ~~وظيفته بارزة جدا؛ ولذلك كانت كل تصرفاته معروفة ظاهرة بين الناس، حتى إن المياه والرياح ~~كانت تذيع أخباره بين كل الناس. ولا تعني العدالة أن يقع أي ظلم على من لهم مكانة سامية كما ~~حدث في القضية الشهيرة التي ينسب أمرها إلى الوزير القديم «خيتي» المنفي الأصل، وهو الذي ~~حكم فيها ضد أقاربه مع أن الحق كان في جانبهم، وليس هذا من العدل في شيء. # وتعني العدالة من جهة أخرى الحياد المطلق والتسوية بين الناس دون تمييز فرد على فرد، ~~فيكون سواء لديك من تعرفه ومن لا تعرفه، ومن قرب من الملك ومن لا علاقة له بأحد من بيت ~~الملك. إن إدارة الأمور بتلك الكيفية تضمن للوزير الاستمرار الطويل في منصبه، ومع أن الواجب ~~المحتم على الوزير أن يظهر منتهى الحكمة عند الغضب، ms205 فيجب عليه أن يجعل من موقفه ما يكسبه ~~احترام الشعب له، بل رهبتهم منه، ولكن هذه الرهبة يجب أن يكون عمادها الوحيد إقامة العدل من ~~غير تمييز؛ لأن «الرهبة الحقيقية من الأمير هي إقامته للعدل.» ومن ثم لا يكون في حاجة إلى ~~تكرار إرهاب الناس بالشدة والغطرسة؛ إذ إن ذلك يولد تأثيرا كاذبا عنه بينهم؛ فإقامة العدل ~~كافية وحدها لأن تكون لهم رادعا. والناس يتطلعون إلى العدالة في ديوان الوزير؛ لأن العدالة ~~كانت قانونه المعتاد منذ أن قام بالحكم إله الشمس فوق الأرض. بذلك كان قدماء المصريين في ~~العهد الإقطاعي ينظرون إلى الوراء خلال ألف السنة التي مكثها الاتحاد الثاني وما قبله إلى ~~عهد الاتحاد الأول الذي كان قائما في «هليوبوليس» مدينة الشمس. ومنذ ذلك العهد كان الوزير ~~هو الشخص الذي يذكر في أمثالهم بأنه «الذي سيقيم العدل بين الناس كلهم.» ونجاح الرجل كان ~~يتوقف على مقدرته في تنفيذ التعليمات واتباعها، وعلى ذلك لا يتوانى في تصريف العدالة، ولا ~~ينسى أن الملك يحب الضعيف ومن لا ناصر له أكثر من المستكبر. # أما فيما يختص بالأراضي التي يحتمل أن تكون أملاك الملك، وكذلك ما يتعلق بملاحظة الموظفين ~~المكلفين برعايتها، فإن الملك قد ختم ذلك القانون الذي يعتبر بحق دستور إعلان الحقوق ~~للفقراء # Magna Carta # بالكلمات التالية: «راع القانون الذي ~~ألقي على عاتقك.» # هل هي رؤية الملك الأمثل الذي ذكره «إبور» أمام البلاط؟ أو صورة الفساد القائمة التي ~~صورها «الرجل التعس»؟ أو رؤية ذلك المنظر المؤثر الذي دل على الاضطهاد الرسمي وكشفته لنا ~~قصة «الفلاح الفصيح»؟ أي هذه العوامل هي التي أحاطت أخيرا العرش الملكي بجو من العدالة ~~الاجتماعية حتى إن تنصيب رئيس الوزراء وقاضي القضاة في الدولة - (لأن الوزير الأعظم كان ~~يلقب أيضا بذلك اللقب الأخير) - جعل الملك يلقي خطاب عرش ليكون بمثابة تصريح رسمي من رئيس ~~البلاد الأعلى إلى أكبر موظف في الهيئة التنفيذية يضمنه المبادئ الأساسية التي تقوم عليها ~~العدالة الاجتماعية؟! # إننا الآن بالطبع نستطيع القول بأن تلك الوثيقة ms206 الرسمية المفعمة بروح العدالة الاجتماعية ~~كانت هي النتيجة المباشرة لتلك المقالات المصرية الاجتماعية التي طالعناها فيما تقدم، وتوجد ~~بعض الأدلة على صحة ذلك الاستنتاج؛ إذ إن نفس الرعاية التي أظهرها الملك في هذه التعليمات ~~بتفضيله الضعيف على المستكبر أو العنيف القلب، يوجد مثلها في تحذيرات «إبور». وعلى وجه عام ~~فإن خطاب تنصيب الوزير يتفق تمام الاتفاق مع تعاليم تلك المقالات المصرية ~~الاجتماعية. # وسواء أكان المقصود من سياسة الملك الاجتماعية المذكورة في مقاله ذلك هو استجابة ظاهرة ~~لتلك المقالات أم لا، فليس لذلك أهمية ذات شأن؛ إذ إنه من الظاهر جدا أن موضوع «الضمير» ~~في ذلك العصر الإقطاعي قد صار يعد شيئا أكثر من كونه مجرد تأثير خاص بسلوك الفرد، فقد صار ~~«الضمير» في الواقع قوة اجتماعية ذات تأثير عظيم في الحياة الاجتماعية لأول مرة في التاريخ ~~البشري. # ومن الواضح أن الملك قد صار منقادا لنفوذ المفكرين الأخلاقيين في ذلك العصر، وأن سياسة ~~العدالة الاجتماعية صارت تكون جزءا من هيكل النظام الحكومي. وقد انتهى عهد تلك الأيام ~~الخالية التي كان يعتبر فيها سلوك الإنسان الخلقي مرضيا إذا رضي عنه الأب والأم والإخوة ~~والأخوات، وجاء العهد الذي يصح أن نسميه عصر «الضمير» الاجتماعي، وهو الذي بحلوله بزغ عصر ~~الأخلاق. # وقد رأى أنصار ظهور المخلص الاجتماعي أن حلمهم ذلك قد تحقق فيما يختص بظهور الملك ~~العادل؛ وذلك عندما اعتلى «أمنمحات الأول» # 2 # عرش الملك. فماذا كان من أمر المصلحين الذين كانوا أقل خيالا في مطامحهم وأعني ~~بهم الذين كان أساس آمالهم إنشاء جيل جديد من الموظفين العدول؟ الحقيقة الواقعة أنه لا يمكن ~~فصل أحد المنهجين عن الآخر؛ لأن حكم الملك العادل لا يكون له بمفرده تأثير يذكر إذا لم ~~يعتمد على طائفة من الموظفين العدول ليقوموا بتنفيذ السياسة الملكية العادلة. وقد كان الملك ~~«أمنمحات الأول» يؤمن بتلك الحقيقة إيمانا راسخا، ولعدم ثقته بالناس كان ضعيف الأمل في أن ~~تأتي استقامته بمفرده بالنفع المأمول. على أن مفكرا مثل مؤلف قصة «الفلاح الفصيح» (الذي ~~نجهل ms207 اسمه الآن) كان يتطلع إلى ظهور نتائج ما كتبه، ولدينا بعض الأدلة التي تثبت أنه لم ~~يخب ظنه. # ومع أنه لم يصل إلينا شيء يذكر من الوثائق التي تكشف عن كيفية سير نظام الحكومة المصرية ~~في ذلك العهد، فإننا نجد من جهة أخرى أن النقوش الجنازية التي دونت على مقابر حكام ~~المقاطعات والموظفين في ذلك العهد الإقطاعي قد كشفت لنا من عقائدهم الاجتماعية. وإن ~~السائحين الذين صعدوا في النيل في وقتنا هذا ليذكرون زيارتهم لتلك المقابر؛ إذ كانت تحملهم ~~البواخر النيلية لمقابر «بني حسن»، ومن الجائز أن قبر «أميني»، ذلك الأمير الإقطاعي ورئيس ~~الحكومة الإقطاعية في تلك الجهة، لم يترك إلا أثرا بسيطا في أذهان أمثال أولئك السائحين. ~~ولكن الواقع أن ذلك القبر يعد أثرا جليل القدر في التاريخ الاجتماعي لذلك العهد ؛ إذ نجد ~~فيه على الأقل مثلا يثبت أن الرجال الذين قاموا بالحملة الاجتماعية ~~المقدسة قد كان لحملتهم بعض التأثير على جيل الموظفين ~~الجدد؛ إذ يقص علينا «أميني» هذا في نقش كتب على باب مزار قبره ما يأتي: # لا توجد بنت مواطن قد عبثت بها، ولا أرملة عذبتها، ولا فلاح طردته، ولا راع ~~أقصيته، ولا رئيس خمسة سلبته رجاله مقابل ضرائب (يعني لم تسدد)، ولا يوجد بائس بين ~~عشيرتي، ولا جائع في زمني. وعندما كانت تحل بالبلاد سنون مجدبة كنت أحرث كل حقول ~~مقاطعة «الغزال» (يعني مقاطعته) إلى حدودها الجنوبية وإلى حدودها الشمالية، محافظا ~~بذلك على حياة أهلها ومقدما لهم الطعام، حتى إنه لم يوجد بها جائع قط. وقد أعطيت ~~الأرملة مثل ذات البعل، وإني لم أرفع الرجل العظيم فوق الرجل الحقير في أي شيء ~~أعطيته. ثم أقبل بعد ذلك الفيضان العظيم بالغلال الغنية والخيرات الكثيرة، ولكني مع ~~ذلك لم أجمع المتأخر على الحقول (يعني من الضرائب). # ويخيل إلينا أننا نسمع في ذلك السجل صدى الأوامر التي صدرت إلى الوزير الأعظم عند تنصيبه، ~~وبخاصة في العبارة التي يقول فيها «أميني»: # 3 ~~«إني لم أرفع الرجل العظيم فوق الرجل الحقير ms208 في أي شيء أعطيته.» # وإنه لمن السهل علينا أن نعتقد أن أميرا كذلك الأمير كان حاضرا بالبلاط الملكي وسمع ~~الفرعون وهو يلقي تلك الأوامر على رئيس وزرائه عند تنصيبه. وإذا كانت إدارة «أميني» ~~لمقاطعته قد وصلت إلى أي حد مما يدعيه فيما كتبه فإنه يجب علينا أن نستخلص من ذلك أن تلك ~~التعاليم الاجتماعية التي فاه بها الحكماء أمام البلاط الملكي كانت معروفة لدى العظماء في ~~طول البلاد وعرضها، وإذا وصل بنا الاستنتاج إلى أن ما كتبه «أميني» مغالى فيه حتى جعل حكمه ~~يبلغ درجة عظيمة من المثالية، فإنه لا يزال أمامنا المغزى الذي نستخلصه من رغبته في إحداث ~~مثل ذلك التأثير مما نقرؤه في ترجمة حياته. # وهذه الحالة تنطبق على سجلات بعض حكام المقاطعات الأخرى في نفس ذلك العصر، كالتي نجدها ~~منقوشة فوق محاجر المرمر في «حتنوب»، وهي تحتوي على عدة تأكيدات من ذلك الصنف، تقص علينا ~~أن الشريف كان رجلا «أنقذ الأرملة وواسى المتألم، ودفن المسن، وأطعم الطفل، وعال كل ~~مدينته في زمن الجدب، وهو الذي أطعمها في وقت القحط، وهو الذي زودها بسخاء بلا تمييز، ~~فكان عظماؤها في ذلك مثل أصاغرها.» # كذلك ذكرنا فيما تقدم أنه في عهد «سنوسرت # 4 # الأول» بن «أمنمحات الأول» قد افتخر شريفان في ترجمة حياتهما الجنازية بأنهما ~~كانا قاضيين يقومان بتأدية وظيفتهما بالعدالة وبدون محاباة أو تفكير في أية مكافأة (يعني ~~رشوة) يأخذانها، وقد قصا علينا افتخارهما ذاك بنفس لغة النصائح الموجهة إلى «مريكارع»، ~~فدلا بذلك على أن المثل العليا الاجتماعية التي فاه بها ذلك الحكيم الملكي الأهناسي ~~القديم كانت لا تزال ذات نفوذ، بعد قرون مضت على التفوه بها، في ذلك العصر الإقطاعي. فمن ~~البديهي إذن أن المثل العليا للعدالة الاجتماعية التي تشغل مكانا بارزا جدا في أدب ذلك ~~العصر لم يقتصر تأثيرها على الملك فحسب، بل أحدثت كذلك تأثيرا عميقا بين طبقة الحكام في ~~كل مكان. # ولا شك أننا نجد في ذلك انقلابا عظيما؛ فالتشاؤم الذي كان ينظر به رجال ms209 العصر الإقطاعي ~~الأول إلى الحياة الآخرة، أو يتأملون به مصير الجبانات المخربة التي يرجع تاريخها إلى عصر ~~الأهرام، أو اليأس الذي كان ينظر به بعضهم إلى الحياة الدنيوية، كل ذلك قد قوبل بتيار مضاد ~~في إنجيل من الحق والعدالة الاجتماعية أخرج للناس في نصائح ملؤها الأمل على لسان أولئك ~~المفكرين الاجتماعيين الأكثر تفاؤلا، وهم رجال رأوا الأمل في القيام بجهود إيجابية توصل ~~إلى الأحوال المرضية. # ويجب علينا أن نعتبر تحذيرات «إبور» وتنبؤات «نفرروهو» وقصة «الفلاح الفصيح» أمثلة رائعة ~~للقيام بمثل تلك الجهود، وأن كتاباتهم هي الأسلحة التي استعملتها أقدم طائفة قامت بالجهاد ~~في سبيل الإصلاح الخلقي والاجتماعي. # والواقع أن منتهى ما كان يرغب في الوصول إليه رجل مثل «إبور» يتمثل في خطاب العرش الذي ~~ألقاه الملك عند تنصيب رئيس وزرائه، فإن الملك الذي في قدرته أن يلقي خطابا كهذا يقرب في ~~سموه من ذلك الملك الأمثل الذي كان يحلم بظهوره «إبور»، ومن الملك الذي اعتقد «نفرروهو» أنه ~~قد عثر عليه، ولدينا ما يحملنا من جهة أخرى على الاعتقاد أن «أميني» الذي كان أميرا ~~لمقاطعة «بني حسن» يمثل تمثيلا صادقا جيل الموظفين الجدد العدول الذين كان يأمل مؤلف قصة ~~«الفلاح الفصيح» أن يراهم قائمين بأعباء الحكومة في مصر. # وقد لاحظنا فيما سبق أن مجرد استحسان الأسرة لسلوك الفرد لم يعد بعد كافيا في ذاته؛ فقد ~~أتى عصر التفكير بمثل عليا للسلوك الشخصي يرتبط أمرها بطبقات بأسرها من المجتمع، فصار ~~السلوك عرضة لحكم المجتمع عليه، وهذا الحكم الاجتماعي قد وضع الآن في فم إله الشمس، فقد قال ~~الفلاح الفصيح لمدير البيت العظيم: «أقم العدل لرب العدل.» وكذلك أشار في كلامه إلى «هذه ~~الكلمة الطيبة التي خرجت من فم «رع» نفسه وهي تكلم الصدق وافعل الصدق.» وفيها - كما نذكر - ~~أن «الصدق» معناه كذلك الحق والعدالة «ماعت». # كذلك رأينا في أوامر الملك للوزير الأعظم أن ذلك المنهاج الخاص بالشفقة الاجتماعية ~~والعدالة الاجتماعية، وهو الذي يفضل فيه الملك الرجل الضعيف ومن لا ناصر له على ms210 الرجل القوي ~~المستكبر، كان يرمي بوضوح إلى غرض ديني ينسب إلى الإله، فيقول الملك في ذلك: «إنها لعنة من ~~الإله أن يظهر الإنسان تحيزا.» فنرى من ذلك أن آراء العدالة الاجتماعية عندما وجدت منفذا ~~عمليا لظهورها أولا في الملكية المثلى، ثم بعد ذلك في أخلاق الفرد المكلف بإقامتها، ~~انعكست صورتها على أخلاق إله الشمس ونشاطه، وهو الملك الأمثل؛ أي إن وجوب المحافظة على ~~العدالة الاجتماعية التي أخذ الناس يشعرون به في قرارة أنفسهم قد صار أمرا إلهيا، ~~واعتقدوا في الحال أن مقت أنفسهم للظلم هو نفس مقت الإله للظلم، وبذلك صارت مثلهم العليا في ~~الأخلاق هي كذلك مثل الإله، فاكتسبت بهذا المظهر الجديد قوة مسيطرة جديدة. # وبذلك كان من السهل الاعتقاد - زيادة على ما ذكر - بأن العدالة هي القانون التقليدي ~~لوظيفة الوزير منذ الزمن الذي كان يحكم فيه إله الشمس مصر، وكذلك حكم الفرعون الذي جرى ~~وراثيا مدة ألفي سنة منذ تأسيس الاتحاد الأول، وكان المفروض فيه أنه كان استمرارا لسريان ~~دم «رع» وسلالته، كان كذلك استمرارا لإقامة نظام العدل القديم الذي أقامه إله الشمس على ~~الأرض. وقد ألقى الملك أمره بكل وضوح على الوزير، غير أنه لم يتردد في الوقت نفسه في ~~الالتجاء إلى المحكمة العليا، فكان على الوزير أن يقيم العدل؛ لأن الإله الأعظم الذي يشرف ~~على الدولة يمقت الظلم، وليس ذلك اتباعا لأمر الملك فقط. # ثم إنه بعد انقضاء حوالي اثني عشر أو ثلاثة عشر قرنا من الزمان على ذلك العصر نجد أن ~~أنبياء بني إسرائيل يعلنون بقوة سيادة «يهوه» الخلقية على سيادة الملك عندهم. ولكن كم كان ~~عدد الأجيال التي لا بد أنهم سلخوها في خدمة الدين بغير فائدة ظاهرة قبل أن يتغلب صراع ~~الأنبياء هذا ويحرز النصر حتى عبر عن روح الحكومة العبرانية، وإن كان ذلك التعبير فيها ~~أقل بكثير عما عبر به الملوك في العصر الإقطاعي عند قدماء المصريين، مع أننا لم نعتد ربط ~~مثل تلك المبادئ الحكومية بالشرق القديم، بل ولا بالشرق الحديث. ms211 # ويرجع تأثير تلك المثل العالية للعدالة الاجتماعية التي وجدت سبيلها إلى الحكومة بدرجة ~~عظيمة، إلى الشكل الذي انتشرت به بين كل طبقات الشعب؛ فإن مثل تلك العقائد لو كانت أعلنت ~~بين القوم في شكل مبادئ مجردة لما لفتت إليها الأفكار ولما أحدثت إلا تأثيرا قليلا، بل ~~ربما لم تحدث أي تأثير مطلقا، فإن المصري كان يفكر دائما في الأشياء المعينة والصور ~~المجسمة؛ فهو مثلا لا يفكر في السرقة بل يفكر في السارق نفسه، ولا يفكر في الحب بل في ~~المحب، ولا يفكر في الفقر بل في الرجل الفقير وهلم جرا؛ ولذلك لم ير الفساد الاجتماعي بل ~~شاهد المجتمع الفاسد. ولهذا كان الوزير «بتاح حتب»، وهو رجل يقوم بأعباء الوظيفة بإيمان ~~سليم في قيمة السلوك الحق والإدارة الحقة ليخلق بذلك السعادة، وسلم إرث تلك التجربة إلى ~~ابنه، وكذلك «الرجل التعس» كان رجلا حل به الظلم الاجتماعي فعبر عنه في صورة روح يائسة ~~تعبر عن يأسه وأسبابه، وكذلك أيضا كان «إبور» رجلا تسكن في نفسه الرؤية التي أدركت كلا ~~من الفساد الفتاك بالمجتمع والحلم الذهبي بظهور الملك الأمثل الذي يصلح كل شيء، وكذلك أيضا ~~كان «الفلاح الفصيح» رجلا يتألم من اضطهاد الموظفين له ويصرخ بأعلى صوته مستغيثا من ذلك، ~~وكذلك أيضا كانت أوامر «أمنمحات» صيغت في قالب ملك يتألم من الخيانة المخزية التي حدثت له ~~وجعلته يفقد كل ثقة بالناس؛ فألقى تجاريبه تلك إلى ابنه. # فكانت النتيجة اللازمة لذلك أن تلك العقائد التي تعزى إلى أولئك المفكرين الاجتماعيين قد ~~وضعت في شكل تمثيلي، وأن العقائد نفسها قد عبر عنها في هيئة محاورات نشأت عن تجارب ~~وحوادث مثلت كأنها حقائق واقعية. # وإننا نكرر هنا أن مثل تلك التعاليم كانت بلا شك تلاقي في الشرق، بل ما زالت تلاقي في كل ~~بقاع العالم، أعظم الإقبال والانتشار بوضعها في تلك الصور، وهي الصور التي صورت بها بكل ~~بساطة مشكلة الألم الإنساني التي مثلت لنا بشكل بارز في قصة «أيوب» - عليه السلام؛ كما أن ~~قصة «إحقار» ms212 التي كشف حديثا عن أصلها الآرامي القديم تعد بلا شك مقالا معبرا عن غباوة ~~جحود الجميل ونكرانه، وقد صيغت في نفس ذلك الطراز، في حين أن أمثال «عيسى» - عليه السلام - ~~وهي أجمل تلك القصص جميعا، تتبع في تصويرها نفس الطريقة والصورة اللتين كانتا شائعتين في ~~الشرق مدة أزمان مضت. و«أفلاطون» عندما أراد أن يتحدث عن خلود الروح اتخذ من موت «سقراط» ~~موضوعا مسرحيا عبر فيه عن العقائد التي أراد أن يضعها أمام الناس في تضاعيف محادثة جرت ~~بين «سقراط» وصحبه. # 5 # ومما هو جدير بالنظر هل أن تلك الأبحاث الأخلاقية والفلسفية، التي تلقى في صورة محاورات ~~بعد التمهيد لها بمقدمة تجعل الموضوع كله في هيئة قصة، كان لها أثرها في ظهور الشكل الحواري ~~في آسيا وأوروبا؟ على أن انتشار قصة «إحقار» انتشارا عاما في أنحاء العالم يدل على مدى ~~تنقل مثل ذلك الإنتاج الأدبي، وقد يكون من الأمور الجديرة بالذكر في موضوعنا أن أقدم صورة ~~لقصة «إحقار» هذه قد نبتت في مصر. # وقد لاحظنا من قبل أن المثل العليا الاجتماعية التي نبتت في العهد الإقطاعي قد أضيفت ~~إليها سلطة مقدسة وعزيت إلى أصل إلهي. ومن المهم أن نفحص الدليل على قيام تلك الحقيقة، وأن ~~نثبت بصفة قاطعة شخصية ذلك الإله المقصود الذي كان يلتجئ إلى سلطانه رجال المثل العليا في ~~الاجتماع. إن هذه المثالية الاجتماعية - التي هي أقدم شيء من نوعها - كانت بلا جدال مرتبطة ~~بحكم إله الشمس على الأرض، وقد لاحظنا فيما تقدم أنه كان إلها للشئون البشرية في عالم ~~الأحياء، في حين أن «أوزير» كان إلها للموتى. ولا نزاع في أن الملك الأمثل هو «رع» إله ~~الشمس الذي كانت تجدد فخامة حكمه الخلقي في الفرعون الذي كان خليفة له على الأرض. # ولقد التجأ الملك في أوامره لرئيس وزرائه إلى التصريح بأنها أتت وفقا لحكم إله الشمس ~~وجريا على تقاليده المتبعة؛ فالإله «رع» هو الذي كان صاحب السيادة على أفكار أولئك ~~الفلاسفة الاجتماعيين في العهد الإقطاعي؛ لأننا نجد في ms213 «أغنية الضارب على العود» حتى مومية ~~المتوفى قد وضعت أمام إله الشمس، وإليه كان يتطلع «الرجل التعس» ليبرئه في الآخرة. وقد كان ~~«خع خبرو رع سنب» كاهنا لإله الشمس بمدينة «هليوبوليس»، كما أن رؤية «إبور» للملك الأمثل ~~الذي سيأتي في المستقبل قد برزت إليه من ذكريات النعيم المقيم لحكم «رع» على الأرض بين ~~الناس، في حين أن ملخص كل شكاوى «الفلاح الفصيح» كانت تنحصر في «تلك الكلمة الطيبة التي ~~خرجت من فم «رع» نفسه: تكلم الصدق وافعل الصدق (أو الحق)؛ لأنه عظيم وأنه قوي وأنه ~~دائم.» # فالواجبات الخلقية التي تظهر في اللاهوت الشمسي ليست إذن إلا صورة لأقدم بعث اجتماعي جديد ~~لم نعرف نظيرا له في تاريخ العالم. وقد كان من أهم نتائج الملكية المثلى لحكم إله الشمس ~~الأمل في تكرار مثل ذلك الحكم الطافح بالخير، وكان ذلك الأمل هو الذي جلب معه فكرة انتظار ~~ملك مخلص يأتي فيما بعد. # ومن الواضح هنا - كما في متون الأهرام - أن علاقة «أوزير» بالمثل العليا للحق والعدالة في ~~ذلك الوقت كانت أمرا ثانويا؛ لأن «أوزير» كان قد حوكم ثم اتضحت براءته في قاعة ~~«هليوبوليس» العظمى؛ أي إنه حوكم أمام محكمة الشمس التي كان معترفا بها أنها المحكمة التي ~~لا بد أن يفوز الإنسان ببراءته أمامها، وقد حدث ذلك في الوقت الذي كانت فيه أسطورة «أوزير» ~~لا تزال في دور التكوين والتأليف. # أما رفع «أوزير» إلى منصب قاض فيما بعد، فليس إلا صبغا لوظائفه بالصبغة الشمسية على ~~أساس القضاء الشمسي السائد في متون الأهرام؛ إذ نجد في تلك المتون أن «أوزير» قد صعد بالفعل ~~فوق عرش «رع» السماوي، ثم نراه الآن يستولي على كرسي القضاء الخاص «برع»، وبتلك الكيفية صار ~~إله الشمس المتصرف الخلقي العظيم الذي يحاكم أمامه الجميع بمقتضى العدالة، ولم يستثن من ~~بينهم أحدا حتى ولا «أوزير» هذا. ولا داعي لأن ننكر هنا وجود بعض المبادئ الخلقية في ~~العقيدة الأوزيرية المبكرة، وهي المبادئ التي نجد بعض الدلائل على وجودها في المذاهب ~~المحلية ms214 لعدة آلهة مصرية من عصر الأهرام، ولكن يجب علينا لهذه المناسبة ألا ننسى أن متون ~~الأهرام قد حفظت لنا بعض المتون التي اعتبر فيها «أوزير» بعيدا جدا عن أن يكون ملكا ~~أمثل وصديقا للإنسان؛ لأنها تميط اللثام عن عداوته للموتى وخصومته لجميع الناس. ولم يظهر ~~«أوزير» بمظهر الحامي للعدالة بشكل صريح إلا في العهد الإقطاعي، وسنرى الآن أن «أوزير» ~~و«رع» قد وضعا جنبا إلى جنب في التفكير الخلقي في ذلك العصر. # وكان لا بد في ذلك الوقت لكل عظيم وكل قوي أن ينتظر المحاكمة أمام محكمة العدل، على أن ~~يكون ذلك على قدم المساواة مع الفقير ومن لا ناصر له في المعاملة وفي الأحكام، وتلك ~~المعاملة لم تذكر فقط في الاعتقادات الدينية والمبادئ الاجتماعية، بل ذكرت كذلك رسميا في ~~السياسة الملكية. ولا يكاد يكون هناك أي شك في أن مثل تلك العقائد الخاصة بالعدالة ~~الاجتماعية كما وجدناها في ذلك العصر قد ساعدت مساعدة عظيمة على نمو الاقتناع بأن الإنسان ~~الذي يصير مقبولا أمام محكمة عدالة الإله العظيم ليس هو الرجل الذي يكون صاحب سلطان وثروة، ~~وإنما هو رجل الحق والعدالة. # 6 # وقد تأثر الكهنة الذين كانوا مشتغلين باللاهوت في ذلك العصر تأثرا عظيما بذلك الميل إلى ~~نشر الديمقراطية (أي تعميم المساواة بين الناس). ويكشف لنا عن مبلغ ذلك التأثير خطاب أساسي ~~هام لإله الشمس عثر عليه في متون التوابيت الخشبية التي يرجع تاريخها إلى ذلك العصر ~~الإقطاعي؛ إذ يقول: «لقد خلقت الرياح الأربعة ليتنفس بها الإنسان مثل أخيه الإنسان مدة ~~حياته، ولقد خلقت المياه العظيمة ليستعملها الفقير مثل السيد. # لقد خلقت كل رجل مثل أخيه، وحرمت عليهم إتيان السوء، ولكن قلوبهم هي التي نكثت ما ~~قلته. # لقد جعلت قلوبهم لا تغفل عن الغرب (الموت والقبر) ليقربوا القرابين للآلهة المحلية.» # 7 # وإنه لأمر هام جدا أن نجد في ذلك المتن المساواة التامة بين بني الإنسان في قوله: «لقد ~~خلقت كل إنسان مثل أخيه.» # وقد نظر إلى ذلك البيان فورا من ناحيته ms215 الخلقية في قوله: «ولقد حرمت عليهم إتيان السوء ~~ولكن قلوبهم هي التي نكثت ما قلته.» وإن ظهور مثل تلك النظرة - إلى الإنسانية - التي قضت ~~على كل الفوارق الاجتماعية في نظر الخالق العظيم عند خلقه للناس وجعلهم سواسية أمام ~~المسئولية الخلقية يعد أمرا غريبا، ويزيد في غرابته ظهوره قبل عصر المسيح - عليه السلام - ~~بألفي سنة؛ أي إنه كما نلاحظ كان معاصرا على وجه التقريب لعهد الملك «حمورابي» # 8 # الذي سن في قانونه العظيم: «إن كل العقوبات والأحكام القضائية تدرج حسب مراكز ~~المذنبين الاجتماعية أو مكانة المتخاصمين الاجتماعية.» وهذه الحقيقة تفسر لنا على الفور ~~السبب الذي من أجله نعتبر أن ما أضافته المدنية البابلية إلى إرثنا الخلقي في غربي آسيا، في ~~حكم العدم. # ومن ثم نرى أن الحقوق الخاصة التي كان يدعيها العظماء والأقوياء لأنفسهم من الإجلال ~~والسعادة في عالم الآخرة، أخذت تختفي وتزول، ومن هنا أيضا بدأت عقيدة المساواة بين البشر ~~في التمتع بنعيم الآخرة تأخذ مجراها، بمعنى أن عالم الحياة الآخرة قد صار ديمقراطيا لكل ~~البشر على السواء. # والآن يجب علينا أن نحاول إدراك تأثير الآراء الخاصة بالعدالة الاجتماعية التي ظهرت في ~~العهد الإقطاعي إزاء تطور الاعتقادات المصرية القديمة فيما يتعلق بمصير الأرواح البشرية في ~~عالم الحياة الآخرة. # الفصل الثالث عشر # | إقبال عامة الشعب على اعتناق مثل الآخرة الملكية وانتشار السحر # إن عقيدة التشكك إزاء الاستعداد للحياة الآخرة، بما فيه من بناء قبر ضخم مجهز بالأساس ~~الجنازي الوفير، ثم التسليم بعدم فائدة العتاد المادي للمتوفى، لم يخرج أمرهما عن كونه موجة ~~عكسية صغيرة وسط تيار محيط الحياة المصرية، وذلك بالرغم مما رأيناه من المبالغة في شأنهما ~~في العصر الإقطاعي. والواقع أن مثل تلك الاتجاهات كانت، من جهة، من مستلزمات عقيدة التشاؤم ~~واليأس المطلقين، كما كانت من جهة أخرى من مستلزمات الاعتقاد (الآخذ في النمو) بضرورة ~~التزود بالقيم الخلقية للحياة الآخرة، ولم تخرج تلك الآراء عن كونها ثورية لم تحمل في ~~تيارها الجم الغفير من الشعب المصري؛ ولذلك لما صارت سعادة ms216 الآخرة حقا مشاعا لجميع ~~المتوفين سارع عامة الشعب إلى التعلق بهذا الامتياز الجديد الذي يجعل لهم حق التمتع بذلك ~~المصير السماوي الفخم الذي كان من زمن بعيد موقوفا على الفرعون فقط، فأقبلوا على تلك ~~الشعائر الجنازية وواصلوا القيام بالمحافظة على طقوسها. # وقد استمرت العناية بإقامة تلك الشعائر تزداد وتنتشر دون أي التفات إلى ذلك الصمت البليغ ~~والخراب البادي اللذين كانا يخيمان فوق هضبة الأهرام وفوق جبانات أولئك الأجداد. وباستعراض ~~الماضي نجد أن والد «مريكارع»، بالرغم من أنه كان يشعر شعورا قويا بتلك الأهمية الخطيرة ~~للحياة الفاضلة، لم ير أن يزين لابنه الاستغناء عن القبر؛ إذ يقول له: «زين مثواك (يعني ~~قبرك) الذي في الغرب، وجمل مقعدك في الجبانة.» ولكنه لم يفته في الوقت نفسه أن يضيف إلى ~~ذلك قوله: «كإنسان مستقيم أقام العدالة؛ لأن ذلك هو ما يعتمد عليه القلب.» # ويتضح من ذلك أن هذا الملك المسن لم يكن يعتبر القبر المتين وحده كافيا لضمان السعادة في ~~الحياة الآخرة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى نرى أن «إبور» قد قال للملك: «وفضلا عن ذلك فإنه ~~من الخير أن تقيم أيدي الناس الأهرام وتحفر البحيرات وتغرس خمائل جميز الآلهة.» # وقد كان يعد فقدان القبر في نظر طائفة الموظفين الأثرياء أرهب عاقبة ممكنة لعدم ولاء ~~المتوفى للملك؛ ولذلك قال أحد الحكماء لأولاده: «لا قبر لإنسان خارج على جلالة الملك، بل إن ~~جثته سيلقى بها في الماء.» # 1 # ومن أجل ذلك اتجه الأشراف في ذلك العصر إلى بناء المقابر وتجهيز معداتها طبقا لما كانت ~~عليه الحال قديما. والواقع أنه لم يعد بعد في قبضة يد الملوك ذلك السلطان المطلق على ~~الحكومة حتى يمكنهم أن يتخذوا منها مجرد هيئة منظمة لإقامة المقبرة الملكية الهائلة، ومع ~~ذلك فإن طبقة الموظفين المكلفين بإقامة مثل تلك المباني لم يترددوا في موازنتها بالجيزة ~~(جبانة الجيزة)، فقد أظهر «مرا» أحد مهندسي الملك «سنوسرت الأول» ارتياحا عظيما عندما ~~كلف من قبل الملك «ليقوم له ببناء مثوى أبدي تفوق شهرته «رستا» ms217 (يعني الجيزة) ويكون ~~أثاثه أحسن من أثاث أي مكان آخر، وفي المنطقة الممتازة الخاصة بالآلهة، فكانت عمد ذلك ~~المثوى تخترق السماء، والبحيرة التي حفرت فيه قد وصلت إلى النهر، وأبوابه العظيمة التي ~~تناطح السماء قد أقيمت من أحجار طرة البيضاء، وقد فرح «أوزير»، أول أهل الغرب، بكل آثار ~~سيدي (الملك)، كما سررت أنا نفسي وابتهج قلبي بما قد قمت بإنجازه.» # 2 # و«المثوى الأبدي» المذكور هنا هو قبر الملك، وهو يشمل كذلك المزار أو المعبد ~~الجنازي الذي يكون قبالته، كما يدل على ذلك الوصف المذكور. # ومع أن مقابر أشراف الإقطاعات لم تعد تبنى بعد حول هرم الملك كما كان يفعل الأشراف ~~ورجال الإدارة في زمن عصر الأهرام، وصارت الآن منبثة في إقطاعاتهم في طول البلاد وعرضها، ~~فإنهم استمروا يتمتعون إلى حد ما بالهبات الجنازية التي كانت تصرف من الخزانة الملكية، ~~تشهد بذلك الصيغة الدينية المألوفة: «هي قربان يهديه الملك.» وهي الصيغة التي كانت شائعة في ~~المقابر التي حول الأهرام، فصارت الآن تنقش بكثرة بمقابر الأشراف. # على أن هذه الحال لم تعد مقصورة على مقابر الأشراف؛ إذ إنه بعد التطور الأخير في معتقدات ~~الطبقات الراقية عن الآخرة وانتشارها بين الشعب، صار من العادات المعروفة المرعية أن يتضرع ~~كل إنسان إلى الملك حتى يعطيه نصيبا من تلك الهبات الجنازية الملكية؛ ولذلك نجد كل طبقات ~~المجتمع - حتى أحقر العمال - المدفونين في العرابة المدفونة كانوا يتضرعون لنيل «قربان يهبه ~~إليهم الملك» بالرغم من أنه كان من المستحيل طبعا أن تتمتع غمارة الشعب بامتياز ~~كهذا. # على أننا لا نحصل على فكرة وافية عن تلك العادات الطلية الخاصة بتموين المتوفى في الحياة ~~الآخرة إلا في ذلك العهد الإقطاعي، ولا غرو، فقد صارت تلك العادات الآن متأصلة في حياة ~~الشعب، وقد حفظت لنا المقابر التي لا تزال باقية إلى الآن في مقاطعات الوجه القبلي بعض ~~بقايا تلك الشعائر اليومية والعادية، وكذلك ما كان خاصا منها بالاحتفالات والأعياد، مما ~~كان الشعب يظن أنه بوساطتها يدخل السرور على الذين قد ms218 رحلوا إلى الدار الآخرة حتى تصير ~~حياتهم أكثر مرحا، وذلك على النمط الذي لاحظناه في الاحتياطات التي كان يتخذها الأشراف في ~~عصر الأهرام. # فإن الشريف الثري «حبزافي» الأسيوطي (حاكم مقاطعة أسيوط) الذي كان يعيش في القرن العشرين ~~ق.م، أقام لنفسه قبل وفاته تمثالا في كل من معبدي المدينة الرئيسيين: أحدهما في معبد ~~الإله «وبوات»، وهو إله محلي قديم لذلك المكان في صورة ذئب، ومن ذلك الاسم اشتقت المدينة ~~اسمها «ليكوبوليس» (يعني بلدة الذئب) على يد اليونان. وأما التمثال الآخر فقد أقامه في معبد ~~«أنوبيس»، وهو إله معروف في صورة الكلب أو صورة ابن آوى، وقد كان ذلك الإله يوما ما أحد ~~الآلهة المناهضين «لأوزير». وكان معبد الإله «وبوات» يقع في وسط المدينة، في حين أن معبد ~~الإله «أنوبيس» كان يقع بعيدا عنه على ظاهر حدود الجبانة في سفح الجبل الذي نحت في واجهته ~~على مسافة من ارتفاعه، قبر «حبزافي» الفخم. وقد نصب في ذلك القبر تمثالا ثالثا لنفسه ~~أيضا يقوم برعايته كاهنه الجنازي، ولم يكن له إلا كاهن واحد يعنى بقبره، ويقوم ~~بالاحتفالات التي كان يرغب فيها، ولكن «حبزافي» دبر ما يلزم للكاهن من المساعدة عند ~~الاقتضاء، بأن عهد بهذه المساعدة إلى كهنة المعبدين وبعض موظفي تلك الجبانة، وقد تعاقد على ~~ذلك مع كل أولئك كما تعاقد مع الكاهن الجنازي، معينا بالضبط ما يجب عليهم عمله وما يجب ~~أن يتسلموه من غلات ذلك الشريف في مقابل قيامهم بتلك الخدمات، أو مقابل القربان الذي كان ~~يقدم بانتظام كل يوم وفي المواسم الخاصة فيما بعد موت هذا الشريف. # وتلك العقود البالغ عددها عشرة قد دونها ذلك الشريف في نقوش ظاهرة إلى الآن فوق الجدار ~~الداخلي لمزار قبره، وهي تقدم لنا صورة قريبة جدا من تقويم الأعياد التي كان يحتفل بها ~~في تلك المدينة الإقليمية التي كان يحكمها «حبزافي»، وهي أعياد كان الاحتفال بها يعم ~~الأحياء والأموات على السواء. # فإذا اتخذنا محتويات تلك العقود أساسا فإن الصورة الخيالية التالية التي نستنبطها من ذلك ms219 ~~كفيلة - على ما نأمل - بالتعبير عن الحياة التي توحي بها تلك العقود. # إن أهم تلك الاحتفالات تلك التي كانت تقام بمناسبة مقدم السنة الجديدة، فكانت تقام قبل ~~حلولها، وعند بدايتها وبعد بدايتها؛ فتبدأ الاحتفالات قبل نهاية السنة القديمة بخمسة أيام ~~في أول يوم من أيام النسيء الخمسة التي تنتهي بها السنة، فكان يرى في ذلك اليوم كهنة الإله ~~«وبوات» سائرين في موكب، مخترقين شوارع أسيوط وأسواقها، وكانوا في نهاية المطاف يخرجون من ~~المدينة حاملين إلههم «وبوات» إلى معبد «أنوبيس» الذي كان يقع في سفح جبل الجبانة، وهنالك ~~يذبح ثور للإله الزائر (يعني للإله «وبوات»)، وكان كل كاهن إذ ذاك يحمل بيده رغيفا كبيرا ~~أبيض مخروطي الشكل، وعند دخولهم ساحة معبد «أنوبيس» هذا يضع كل منهم رغيفه عند قاعدة ~~تمثال «حبزافي». # وبعد مضي خمسة أيام من ذلك التاريخ كان ينحدر مدير الجبانة وبصحبته تسعة من موظفيه من ~~فوق تلك الجبال عند حلول المساء، مارين بأبواب القبور المفتوحة، التي كانت حراستها موكلة ~~إلى هؤلاء الموظفين، ثم يدخلون في ظلال المدينة التي في سفح تلك الجبال. وكانت المدينة في ~~تلك الآونة يخيم عليها الظلام؛ إذ كانت تقع في ظلال تلك الجبال المشرفة عليها، وكان هذا في ~~ليلة رأس السنة الجديدة، وكانت الأنوار المبعثرة التي أشعلت ابتهاجا بالعيد قد بدأت تنبعث ~~عند الشفق من داخل البيوت ومن الشرفات. # وحينما تكون تلك الفئة ماضية في سيرها بالشوارع الضيقة الواقعة في أطراف المدينة تعترضهم ~~فجأة الأسوار العالية لمعبد الإله «أنوبيس»، وعندما يدخلون من بابه العالي العظيم يسألون عن ~~«الكاهن العظيم»، فيقدم لهم هذا على الفور حزمة من المشاعل، فيأخذونها ويعودون أدراجهم ~~مصعدين في الجبل بتؤدة ومشرفين على المدينة كلما تسلقوا الجبل في عودتهم. وحينما يشرفون من ~~فوق الجبل على أسقف المدينة الملتفة في الظلام الدامس كانوا يكشفون في وسطها مجموعتين ~~منعزلتين من الأنوار، إحداهما تقع بالضبط تحت أقدامهم في حضيض الجبل، والأخرى تقع على مسافة ~~بعيدة في قلب المدينة، فكانتا تشبهان جزيرتين متلألئتين بالنور في بحر ms220 من الظلمة يمتد إلى ~~مسافة من تحت أرجلهم. وهاتان المجموعتان من النور هما ساحتا المعبدين اللذين كانت الأنوار ~~تسطع في أرجائهما. # وبالرغم من أن سيدهم القديم # 3 ~~«حبزافي» كان مدفونا في بلاد النوبة النائية فإنه كان حاضرا بتمثاله المقام ~~في وسط تلك الأفراح والأعياد التي كانت تعج بهما ساحة ذينك المعبدين، فقد كان تمثاله ~~المنصوب في المعبد ينعم بعينيه اللتين كان يشرف بهما على الجموع التي كانت تزخر بهم هاتان ~~الساحتان المختالتان بجمال أعمدتهما الزاهية. وكان (يعني التمثال) يتمتع مثل أصدقائه ~~الأحياء - الموجودين أسفل منه - بروح ذلك الفيض العميم الذي كان مبسوطا أمامه عندما يشاهد ~~رغفان القربان موضوعة عند قدميه، وهي التي ذكرنا فيما مر أن الكهنة كانت تضعها هناك. وكانت ~~أذناه (يعني التمثال) تملآن بضجيج آلاف الأصوات التي كانت تتعالى بالفرح المنبعثة من ~~جماهير المدينة المجتمعين بمعبدي الإلهين يترقبون انقضاء ذلك العام الراحل ويستقبلون العام ~~الجديد، وكأن أصواتهم اصطفاق بحر يزخر بأمواجه، ينبعث من بعيد فوق الأسقف المظلمة إلى أن ~~يصل جرسه المتضائل إلى آذان طائفة حراس الجبانة المرتفعة القائمة بين ظلمات الجبال وهم ~~يشرفون على المدينة في صمت رهيب. # وكانت تطل من فوق رءوسهم بالضبط واجهة تلك المقبرة التي كانت قد أعدت لتضم جثمان سيدهم ~~الراحل «حبزافي»، وقد كان المتقدمون في السن من بين أولئك الحراس يذكرونه جيدا، ويذكرون ~~الكرم الذي طالما لاقوه على يديه. وأما المحدثون منهم فكان في نظرهم اسم «حبزافي» مجرد اسم ~~لا يحمل معنى ما، فكانوا لا يجيبون إلا متباطئين ومتثاقلين عندما كان شيوخهم يحثونهم على ~~إضاءة أنوار القبر، وحينما كان يتعجلهم صوت كاهن «حبزافي» من أعلى الجبل قائلا: «لا ~~تتأخروا أكثر من ذلك في إضاءة الأنوار»، وعندئذ يخرج الشرر من قدح الزناد، وعلى إثره تضاء ~~أول شعلة ومنها تضاء المشاعل الأخرى بسرعة. وكان الموكب الذي يشمل أولئك الحراس يسير حول ~~مرتفع من الجبل فسيح الأرجاء ثم يعود الموكب ثانية إلى باب القبر العالي، حيث يكون في ~~انتظارهم كاهن «حبزافي» فيدخلون من غير توان ms221 إلى مزار القبر العظيم. # وكان يشاهد انعكاس أنوار تلك المشاعل المتألقة في غير نظام فوق جدار ذلك المزار، فترى ~~عليه صورة ضخمة للسيد الراحل ترتفع عالية حتى تختفي رأسه وسط الظلمة التي لم تصل إليها ~~أنوار تلك المشاعل المتضائلة. ويبدو على صورته كأنها تحثهم على تأدية واجباتهم نحوه بالدقة ~~والعناية عملا بما هو مدون بالعقود العشرة المنقوشة فوق جدار المزار نفسه. وكان «حبزافي» ~~يبدو في الصورة مرتديا لباسا بهيجا ومتوكئا في رقة على عصاه التي بيده، وطالما كان ~~المسنون من تلك الطائفة يرونه قائما على هذا الوضع وهو يفصل في القضايا التي كانت تعرض ~~عليه حينما كان يساق المذنبون إلى داخل باب ديوانه بين صفين من ضباطه المتزلفين، أو كما كان ~~يشاهد في حالة أخرى وهو يراقب سير تقدم العمل في إحدى ترع الري الهامة حتى يفتتح بها حقل ~~زراعة جديد. فكان هؤلاء الحراس يسجدون خضوعا أمام صورته تلك المهيبة، يسوقهم إلى ذلك ~~الدافع الطبيعي الذي ليس لهم فيه اختيار، كما كان يسجد أمامه الكتاب وأصحاب الحرف ~~والفلاحون الذين نشاهد صورهم تملأ الجدران التي أمامه، وقد لونت بالألوان الجميلة البارزة ~~فوق الجدران، وتلك الصور تمثل الصناعات وأسباب الترفيه التي كانت تضمها تلك الضياع العظيمة ~~التي كان يملكها «حبزافي» وقتذاك، وهي تؤلف دنيا مصغرة يرى فيها ذلك الشريف الراحل، عندما ~~يدخل إلى مزار قبره، أنه لا يزال يغدو ويروح بين مناظر حياة الريف ومسراتها التي كان هو ~~السيد المرموق فيها، فقد كان يخيل إليه أن جدران مقبرته قد رجعت واتسعت حتى صارت تشمل حقول ~~الزراعة والأسواق، ومصانع السفن وأحواضها، ومستنقعات صيد الطيور، وردهات الحفلات، وقد عمر ~~النحات والرسام الجدران بتلك المناظر، حتى صارت في الواقع كأن الحياة تدب فيها. # عند ذلك توضع المشاعل الموقدة حول القرابين التي تملأ سطح مائدة القربان العظيمة المصنوعة ~~من الحجر في المزار، وخلف تلك المائدة تمثال «حبزافي» جالس في كوة منحوتة في أصل الجدار، ~~وبعد ذلك تنسحب جماعة الحراس الصغيرة على مهل، ملقين عدة نظرات سريعة ms222 على الباب الوهمي ~~المقام في جدار المزار الخلفي، وكانوا يعتقدون أن «حبزافي» يمكنه في أي وقت شاء أن يبرز منه ~~تاركا عالم الظلام المستتر خلف ذلك الباب الوهمي ليدخل إلى عالم الأحياء، ويحتفل مع ~~الأحياء من أصدقائه بعيد رأس السنة المذكور. # وأما اليوم التالي، وهو اليوم الأول من السنة الجديدة، فيعد أعظم أيام الأعياد في التقويم ~~السنوي، وكان القوم يتبادلون فيه الهدايا فرحين، كما يتوافد أهل الضياع أيضا يحملون ~~الهدايا إلى سيد ضيعتهم، وقد انهمكت سلالة «حبزافي» في ملذاتها وجرت فيها إلى آخر شوطها، ~~ولكن شروطه التي أبرمت بانتباه وحذر، وهي التي كانت ولا تزال مدونة في سجلات المدينة، تضمن ~~له الاهتمام بأمره وعدم إهماله. وفي الوقت الذي كان فيه الفلاحون ومستأجرو الإقطاعية ~~يشاهدون مزدحمين عند الباب العظيم لبيت ذلك الشريف، حاملين هداياهم لسيدهم الحي، غير ~~مفكرين في سيدهم الراحل، كان حراس الجبانة العشرة بقيادة رئيسهم يجتازون أطراف المدينة مرة ~~أخرى سائرين نحو إحدى خزائن الضيعة لتسلم ما كان من حقهم أن يتزودوا به منها، ثم لا ~~يلبثون أن يعودوا أدراجهم حاملين 550 فطيرة مستديرة و55 رغيفا من الخبز الأبيض و11 إناء ~~مملوءة بالجعة، ثم يرجعون من حيث جاءوا مقتحمين طريقهم في تمهل وسط مرح الزحام حتى يبلغوا ~~مدخل الجبانة عند سفح الجبل، فيجدون هناك زحاما عظيما أيضا، وكل واحد من أولئك المزدحمين ~~محمل بمثل ما حملوا به؛ إذ كان الطيبون من أهل «أسيوط» يحملون عطاياهم من الأطعمة ~~والشراب، بين جلبة عظيمة من الأفراح القائمة وسط تلك المناظر الخلابة التي لا عداد لها من ~~صور تلك الحياة الشرقية، كما يشاهد مثل ذلك إلى اليوم بالجبانات الإسلامية في مصر في أيام ~~عيد الفطر (وباقي الأعياد الإسلامية)، ويقصدون إلى الجبل حيث يدخلون بما يحملون إلى أبواب ~~المزارات العديدة التي كانت منتشرة في وجه الجبل على مثال عيون أقراص النحل في خليتها، حتى ~~تتمكن موتاهم من مشاطرتهم تلك الأعياد المرحة. # والواقع أن ذلك العيد يعد أقدم مثال من «عيد كل الأرواح»، # 4 # وكان ms223 حراس الجبانة يسرعون إلى قبر «حبزافي» بما معهم من المؤن فيسلمونها على ~~الفور إلى كاهنه الجنازي ثم يعودون أدراجهم، حتى يحافظوا على النظام بين جمهور أفراد الشعب ~~المرح الذين كانوا يتسلقون الجبل من كل مكان. # وكلما بليت جدة النهار قامت المعدات اللازمة للاحتفالات المسائية على ساق وقدم، من إشعال ~~الأنوار وتمجيد المرحومين الذين ماتوا. وكان حراس الجبانة، مع كثرة تعبهم من تأدية واجباتهم ~~الشاقة طوال اليوم بالجبانة المزدحمة، ينحدرون للمرة الثانية من فوق الجبل إلى معبد الإله ~~«وبوات» بالمدينة حيث يكون جميع كهنة المعبد عن بكرة أبيهم في انتظارهم، فيقوم «الكاهن ~~الأعظم» رئيسهم بتسليم حراس الجبانة عشرة المشاعل اللازمة لإنارة مقبرة «حبزافي»، فكانت ~~تضاء في الحال بالمشاعل التي يحملها الكهنة، ثم يتحرك بعد ذلك الموكب المؤلف من الحراس ~~والكهنة معا، فيسير على مهل مجتازا ساحة المعبد، ثم يخترق السور المقدس سائرا نحو الركن ~~الشمالي للمعبد، كما ينص على ذلك لنا العقد الذي أبرمه «حبزافي» مع الكهنة، وهم يرتلون تفخيم # 5 ~~«حبزافي» (جعله روحا). وكان كل كاهن يحمل معه رغيفا كبيرا مخروطي الشكل من ~~الخبز الأبيض كالذي سبق أن وضعوا مثله أمام تمثال «حبزافي» في معبد «أنوبيس» منذ خمسة أيام ~~مضت، وكان الكهنة عندما يصلون إلى الركن الشمالي من المعبد يعودون ثانية إلى القيام ~~بواجباتهم في وسط المحراب المزدحم بدهماء الشعب، وكانوا بطبيعة الحال يسلمون رغفانهم إلى ~~حراس الجبانة؛ لأن هذه الرغفان كانت كنص العقد خاصة بتمثال «حبزافي» الذي في «قبره». # أما موكب الحراس الصغير المؤلف من عشرة أشخاص فكان يخترق شوارع المدينة المتألقة ~~بالأنوار، والحراس يقتحمون طريقهم بمشقة عظيمة وسط زحام الشعب، وفي النهاية يبلغون الباب ~~العظيم لمعبد «أنوبيس» حيث تكون الأنوار قد بلغت غايتها من البهجة والرواء، ولا ينسى في ذلك ~~تمثال «حبزافي». وحينما يظهر الموكب خارج المدينة ثانية نراهم لا يزالون يشقون طريقهم ~~بصعوبة بسبب دهماء الناس الذين يسيرون في نفس طريقهم، وكانت واجهة الجبل المظلمة التي تشرف ~~عليهم يتخللها هنا وهناك معالم من النور تسير وئيدة مصعدة ms224 فوق الجبل، وكانت تلك الأنوار ~~صادرة من مشاعل أهل المدينة الذين صعدوا مبكرين ووصلوا إلى الجبانة لوضع تلك الأنوار بها ~~أمام تماثيل أمواتهم وقبورهم. وأما الحراس فإنهم يصعدون إلى مقبرة «حبزافي» كما فعلوا في ~~الليلة المنصرمة، ويسلمون المشاعل والخبز الأبيض لكاهن «حبزافي» الذي ينتظرهم. وهكذا يشترك ~~ذلك الشريف المتوفى مع أولاده ورعاياه الأحياء في الاحتفال بأعياد رأس السنة. # وفوق تلك الأعياد وغيرها من الأعياد الكبرى التي كان يتمتع بها المتوفى على الوجه ~~المذكور، فإنه لم ينس في أي عيد من الأعياد الموسمية الصغيرة التي كان يحتفل بها في أول ~~كل شهر وفي منتصف الشهر أو في أي يوم من «الأيام المحتفل بها». # وأما حاجاته اليومية فكان يقوم بأدائها طائفة خارجة عن هيئة الكهنة تخدمه بالتناوب بمعبد ~~«أنوبيس»، ولأن ذلك المعبد كان على مقربة من الجبانة، كان أولئك الخدم يذهبون كل يوم بعد ~~الفراغ من تأدية أعمالهم في المعبد حاملين نصيبا من الخبز مع إناء مملوء بالجعة ويضعونهما ~~أمام تمثال «حبزافي» (الذي يكون منصوبا فوق السلم السفلي لقبره). وعلى ذلك كان لا يمضي يوم ~~واحد من أيام السنة لا يتسلم فيه «حبزافي» ما يلزمه من الطعام والشراب. # 6 # وإن مثل تلك الاعتقادات والعادات لتدل على شدة تمسك قدماء المصريين بتلك ~~التقاليد المادية الخاصة بالحياة في عالم الآخرة، التي هي في نظرهم الضمان الوثيق لاستمرار ~~بقاء جثمان المتوفى بعد الموت، بالرغم مما ظهر من الأفكار التي ألقت ضوءا جديدا على ضرورة ~~التحلي بالأخلاق الفاضلة استعدادا لاستقبال الحياة الآخرة فيما بعد الموت. # على أن بقاء إمداد الأشراف المتوفين بمثل ذلك العتاد المادي إلى الأبد، كان بالطبع من ~~المستحيل؛ ولذلك قال «خنوم حتب» أحد الأمراء الإقطاعيين ذوي البأس في «بني حسن» فيما يختص ~~بأوقافه الجنازية: «وأما فيما يتعلق بالكاهن الجنازي أو أي شخص آخر يعبث بها فإنه لن يستمر ~~بعد وابنه لن يستمر بعده في هذا المكان» (يعني مشرفا على حراسة مدفنه). فيظهر من هذا خوف ~~الشريف المذكور من عدم دوام تقديم العتاد المادي ms225 له بعد الموت، ومثل هذه المخاوف كثيرة، ~~تردد ذكرها الوثائق التي من هذا القبيل. # وكذلك قد شاهدنا أيضا أن «حبزافي» ذاك كان يبدي مخاوفه من انقطاع ذراريه عن تقديم العتاد ~~المادي لحياته الآخرة. وليس ذلك بغريب، فنحن أبناء هذا العصر الحديث لا يكاد يدفعنا البر ~~نحو الاهتمام بقبر جد من أجدادنا الذين رحلوا عنا إلى الحياة الآخرة. وفي بلاد جديدة مثل ~~بلادنا (يقصد الولايات المتحدة بأمريكا) لا يوجد إلا النزر اليسير من بيننا الذين يعرفون ~~أين دفن آباء أجدادهم. # فالمفهوم أن كهنة «أنوبيس» و«وبوات» وحراس الجبانة بأسيوط كانوا يواصلون أداء واجباتهم ما ~~دام كاهن «حبزافي» الجنازي يتسلم مرتباته، وما دام مخلصا في القيام بالتزاماته بأن يذكرهم ~~بالقيام بما عليهم من الواجبات ويلاحظ تنفيذها. # وقد رأينا أن وقفا من مثل تلك الأوقاف استمر نافذ المفعول إلى ما بعد تغيير الأسرة نفسها ~~(من الأسرة الرابعة إلى الخامسة) واستمر على أقل تقدير حوالي ثلاثين أو أربعين سنة في منتصف ~~القرن الثامن والعشرين ق.م. وحتى في الأسرة الثانية عشرة نجد أنه كان لا يزال يوجد احترام ~~عظيم في مصر العليا للأجداد من الدولة القديمة؛ فقد قام حكام مقاطعة «البرشة» # 7 # في القرن التاسع عشر والعشرين من قبل الميلاد، بإصلاح مقابر أجدادهم التي كانت ~~ترجع إلى عصر الأهرام، مع أن تلك المقابر كان قد مضى عليها حينئذ أكثر من 600 سنة، وكانت ~~متداعية خربة. وقد اعتاد الحاكم التقي الورع أن يسجل ما يفعله من مثل هذه الإصلاحات ~~بالكلمات التالية: «إنه (يعني حاكم المقاطعة) قد عملها تخليدا منه لذكرى أجداده الذين في ~~الجبانة، الذين هم أرباب ذلك المرتفع، فأصلح ما وجده مخربا وجدد ما وجده مهدما، ولم يقم ~~أسلافه الذين كانوا قبله بذلك.» ونجد أن أشراف تلك المقاطعة قد استعملوا تلك الصيغة في ~~مقابر أجدادهم خمس مرات، كما نجد أن «أنتف» أمير «أرمنت» قد اتبع نفس تلك الطريقة، حيث ~~يقول: «لقد وجدت مزار الأمير «ناخت يوكر» آل إلى الدمار، فجدرانه قديمة وتماثيله محطمة ولم ~~يعتن به ms226 أي إنسان، فبنيته من جديد وزدت في بنائه، وجددت تماثيله، وأقمت بالحجارة ~~أبوابه، حتى يصير مكانه ممتازا عن أماكن الأمراء العظام الآخرين.» # على أن القيام بمثل ذلك البر للأجداد الراحلين كان نادرا جدا، وفي الحالات التي تم ~~فيها شيء من ذلك لم تكن له فائدة أكثر من تأخير وقوع ذلك اليوم المشئوم الذي تزول فيه تلك ~~الآثار جملة. والمدهش في ذلك أنهم، مع وجود مقابر أجدادهم مخربة أمامهم، كانوا لا يزالون ~~يقيمون لأنفسهم تلك الأضرحة التي كان محتوما عليها أن تلقى مثل ذلك المصير. # ولدينا قبر «خنوم حتب»، وهو أكبر القبور التي تركها لنا أمراء مقاطعة «بني حسن» منذ 4000 ~~سنة مضت، تتضمن جدرانه - بين تلك الرسوم الملونة الجميلة التي تزينها - كتابات حشرت بين ~~النقوش الأصلية، تستغرق مدد كتابتها نحو 120 جيلا من الناس، وقد خطها كاتبوها على عجل، ~~باللغة المصرية القديمة القبطية واليونانية والعربية والفرنسية والإيطالية والإنجليزية. ~~وأقدم هذه الكتابات كانت لكاتب مصري دخل إلى ذلك المزار المذكور منذ 3000 سنة مضت وكتبها ~~باليراع (يعني الغاب) والمداد فوق الجدار، وهذا ما جاء بها من الكلمات: «لقد حضر الكاتب ~~«أمنموسي» ليرى معبد «خوفو»، وقد وجده كالسماء تسطع فيها الشمس.» وكان قد مضى على بناء ~~المزار المذكور نحو 700 سنة عندما زاره ذلك الكاتب المصري. وبالرغم من أن صاحبه الشريف ~~المذكور كان أعظم أشراف عصره، فإن أمره قد صار نسيا منسيا، حتى إن ذلك الزائر لما وجد ~~اسم «خوفو» قد كتب عرضا فوق الجدار في سياق نقش جغرافي، ظن - خطأ - أن ذلك المزار هو ~~مزار الملك «خوفو» باني الهرم الأكبر في الجيزة، وذلك مما يشعر باختفاء كل معرفة تدل على ~~ذلك الشريف أو أوقافه الجنازية التي كانت تمده في العالم الآخر؛ وذلك بالرغم من تلك ~~الاحتياطات التي قام بتسجيلها فوق جدران قبره. فما أتفه قيمة تلك اللعنات # 8 # التي نجدها فوق تلك الجدران التي طمس معالمها الدهر وما أقلها جدوى! # ولكن المصري لم يكن عاجزا العجز كله عن علاج هذه الشدة ms227 البالغة، وحاول مقاومتها بنقش ~~صلوات فوق واجهة قبره كان يعتقد أنها ذات تأثير قوي في إمدادها للمتوفى بكل ما يحتاجه في ~~الآخرة، وضمن هذه الصلوات نصا يستحلف به كل مار - في رجاء حار - أن يتلو فوق قبره تلك ~~الأدعية المنقوشة. # وهذه الأدعية تمثل لنا اعتقاد القوم في تأثير تلك الكلمات النافذ حينما كانت تقرأ من أجل ~~المتوفين. وقد نما هذا الاعتقاد نموا عظيما منذ عصر الأهرام، وهو نمو سار جنبا لجنب مع ~~تعميم تلك العادات الجنازية التي كانت من قبل خاصة بالطبقة العليا من الشعب. وكان مثل تلك ~~الصيغ الدينية في عهد الأهرام ينحصر استعماله - كما سبق ذكره - في عهود الأهرام المتأخرة، ~~كما أنها كانت مقصورة على مصير الفرعون في عالم الآخرة، فصارت الآن تستعملها الطبقة الوسطى ~~مع طائفة الموظفين بكثرة. # وفي الوقت نفسه برز إلى عالم الوجود طائفة أخرى من «الأدب الجنازي»، وهو ما نسميه نحن ~~الآن «متون التوابيت»، وهذه المتون هي صيغ مشابهة لسابقتها وتتحد معها في الغرض الذي ترمي ~~إليه، غير أنها كانت أكثر ملاءمة لحاجات غمارة الناس؛ ولذلك شاع استعمالها بين دهماء الشعب ~~في العهد الإقطاعي، وإن كان بعض أجزائها يرجع عهده إلى زمن أقدم بكثير من ذلك الوقت، كما أن ~~«كتاب الموتى» الذي ظهر فيما بعد لا يخرج عن كونه مؤلفا من منتخبات من «متون ~~التوابيت». # وهذه المتون تتألف من مقتبسات كثيرة أخذ بعضها من «متون الأهرام» وبعضها من الأدب ~~الجنازي الشعبي، وكانت تكتب إذ ذاك على الأوجه الداخلية للتوابيت المصنوعة من خشب الأرز ~~السميك. ولا يزال عدد متون التوابيت آخذا في الازدياد؛ إذ ما زالت تكشف توابيت من ذلك ~~العصر فتضاف متونها إلى المجموعة التي لدينا. وكان كهنة كل بلدة يمدون كل صانع تابوت بنسخ ~~من تلك المتون أو التعاويذ، وقبل تركيب قطع التابوت كان الكتاب التابعين لصانع التابوت ~~يملئون أوجهه بالقلم والمداد نسخا مما قدم لهم من تلك المتون. وكانت كلها تنسخ بإهمال ~~كبير وتحريف؛ إذ كان مجهود الكتاب إذ ذاك منصرفا إلى ms228 ملء تلك الألواح بالكتابة بأسرع ما ~~يمكن، حتى إنهم كانوا في بعض الأحايين يكررون كتابة الفصل الواحد مرتين أو ثلاث مرات في نفس ~~التابوت الواحد، وقد وجدنا مرة أن فصلا واحدا قد كتب ما لا يقل عن خمس مرات في تابوت واحد. # 9 # وفيما يختص بالناحية التي اتحدت فيها متون التوابيت مع متون الأهرام، فإنا قد ألفنا ~~وظيفتها ومحتوياتها على وجه عام، فإن عالم الآخرة الذي كان يتطلع إليه الأهلون في ذلك العهد ~~الإقطاعي كان لا يزال إلى درجة عظيمة عالما سماويا وشمسيا كما كان الحال في عصر ~~الأهرام، فإن «متون التوابيت» تسودها بدرجة مدهشة فكرة الآخرة السماوية؛ إذ نجد نفس توحيد ~~المتوفى مع إله الشمس كما وجدناه في متون الأهرام، بل إنه يوجد فصل عنوانه «صيرورة المتوفى ~~«رع آتوم»»، ثم عدة فصول أخرى عنوانها: «صيرورة المتوفى صقرا» (وهو الطائر المقدس الممثل ~~لإله الشمس). # على أنه كما تدخل «اللاهوت الأوزيري» في متون الأهرام قد تدخل أيضا في متون ~~التوابيت، بل في الواقع استولى عليها، وأحسن مثال لذلك هو المتن الذي صار فيما بعد جزءا من ~~«كتاب الموتى» باسم الفصل السابع عشر المشهور، والذي اعتبر في العصر الإقطاعي الذي نحن ~~بصدده من الفصول المحبوبة؛ إذ نجده يتقدم على كل المتون الأخرى المكتوبة على عدة من ~~التوابيت، وهو في جملته يعبر عن توحيد المتوفى مع إله الشمس، وإن كان يذكر معه بعض الآلهة ~~الآخرين أيضا، فيقول فيه الرجل المتوفى: # إني «آتوم» أنا الذي كنت وحيدا # وإني «رع» عند أول ظهوره # وإني «الإله العظيم» خالق نفسه # والذي سوى أسماءه، ورب الآلهة # والذي لا يدانيه أي إله بين الآلهة # البارحة ملكي، وإني أعرف الغد. # وقد عثر على شرح لهذا المتن الشمسي القديم، يرجع تاريخه إلى العهد الإقطاعي، وعند ~~التعليق في هذا الشرح على السطر الذي جاء به «البارحة ملكي، وإني أعرف الغد» أضيفت جملة ~~«ذلك هو أوزير» مع أنه من الواضح تماما أن ذلك النص كان خاصا بإله الشمس فقط. وقد كان من ~~جراء ms229 صبغ تلك المتون بالصبغة الأوزيرية أن أدخل العالم السفلي الأوزيري حتى في المتون ~~الشمسية والسماوية، وبذلك لم يقتصر الأمر في متون التوابيت على امتزاج مجموعة المعتقدات ~~الشمسية والأوزيرية بعضها ببعض بحالة أتم وأكثر مما كانت عليه من قبل، بل كانت النتيجة أن ~~«رع» قد حشر الآن في عالم الآخرة السفلي. ويمكن التعبير عن مجرى هذه الحوادث (بشيء من ~~المبالغة) بقولنا: إن «أوزير» في متون الأهرام قد رفع إلى السماء، في حين أنه في متون ~~التوابيت وكتاب الموتى قد نزل «رع» إلى الأرض. # غير أن الارتباك الذي نتج عن ذلك كان أدهى وأمر مما جاء في «متون الأهرام»، ويذكرنا ذلك ~~الامتزاج بين المصير السماوي المتألق الفاخر وبين عالم آخرة مظلم واقع في ظلمات العالم ~~السفلي بما جاء في روحيات الأمريكيين السود من النص على الإقامة في مكان ما على نهر الأردن ~~في الأرض الموعودة، وإلى جانب ذلك مثوى في السماوات ، # 10 # أو تذكرنا بالقول بمطهر سفلي يكون بمثابة تمهيد للوصول إلى جنة سماوية. # وإنه لمن الأمور الصعبة أن يكون الإنسان أية فكرة متصلة الحلقات عن الحياة الآخرة التي ~~كان يأمل أهل ذلك العصر في الوصول إليها؛ إذ نجد الصور الشمسية الأوزيرية المركبة التي ذكرت ~~فيما سبق في متون الأهرام، كما نجد أن أولئك الكهنة - الذين يرجع إليهم جمع متون التوابيت - ~~قد أرخوا لخيالهم العنان ليتجول في تحويرها كيف شاءوا؛ فالمتوفى المصري القديم الذي كان ~~يشاطر الآن «أوزير» مصيره - وكان يسمى كذلك «أوزير» باعتراف ابنه «حور» - يسمع بنفسه كلمات ~~الخضوع والوعد بالسعادة الموجهة إليه من ابنه المقدس المذكور، ثم تنتقل تلك الصور الأوزيرية ~~فجأة فتصور الامتيازات الشمسية هكذا: # إنك تطوف حول الأقطار مع «رع» فيجعلك ترى الأماكن الممتعة، وتجد الأودية مفعمة ~~بالمياه لغسلك وإنعاشك، ثم تقطف أزهار البطاح ونور «هني» (؟) وأزهار السوسن ~~والزنبق، وتأتي إليك طيور البرك بالآلاف جاثمة في طريقك، وعندما ترمي خطافك لصيدها ~~يسقط منها ألف برنين صوته، وهي إوز «رو» (؟) والعصفور الأخضر والسمان وطيور ~~«كونوست» (؟) وقد أمرت بأن يؤتى ms230 إليك بالغزلان الصغيرة والعجول البيض، وأمرت بأن ~~يؤتى إليك بالجداء والكباش المسمنة بالحبوب، وقد ربطت لك سلم السماء، والإلهة «نوت» ~~تفتح لك ذراعيها، ثم تبحر بسفينتك في بحيرة الزنبق. # ففي تلك الصورة نشاهد المتوفى يصطاد في البطاح - وهي التسلية المحببة إلى الفرعون وأشرافه ~~- ولكنه ينتقل فجأة إلى بحيرة علوية في السماء. # فيتضح من ذلك أن المصير الذي كنا نراه خاصا بالملوك في كل الصيغ التي جاءت بها «متون ~~الأهرام» قد صار من نصيب كل إنسان، بل إن الحياة التي كانت أبسط من تلك التي وصفناها؛ أي ~~التي كان المواطن المتواضع يصبو إلى دوام استمرارها في عالم الآخرة، صار لها أيضا مكان ~~مرموق في «متون التوابيت»، فكان في وسع المتوفى وهو راقد في التابوت أن يقرأ التعويذة ~~الخاصة «ببناء بيت لرجل في العالم السفلي، وحفر بركة حديقة وغرس أشجار فاكهة.» وعندما يصير ~~المتوفى صاحب بيت تحيط به الحديقة وبه البركة وحولها الأشجار الوارفة، فإنه يجب أن يضمن له ~~استيطانه فيه، ومن ثم أعد له «فصل يتناول وجود الرجل في بيته». غير أن سكناه لذلك البيت ~~منفردا من غير مرافقة أسرته وأصحابه، كانت أمرا لا يمكن للنفس احتماله، ومن ثم أعد فصل ~~آخر لذلك عنوانه «ختم مرسوم خاص بالأسرة لإعطاء الرجل أهل بيته في العالم السفلي». ونجد في ~~هذا المتن أن تفاصيل المرسوم قد ذكرت خمس مرات في صيغ مختلفة؛ فنجد فيه أن: «جب» إله الأرض ~~«قد قرر أن يعطي إلي أهل بيتي وهم أولادي وإخوتي ووالدي ووالدتي وعبيدي وكل مؤسستي.» ~~وخشية أن يصادرها أي تأثير خبيث نجد الفقرة الثانية من ذلك الفصل تؤكد أن: «جب» قد قال: ~~«إنه سيطلق لي في الحال سراح أهل بيتي؛ أي أطفالي وإخوتي وإخواني ووالدي ووالدتي وكل عبيدي ~~وكل مؤسستي ناجين من كل إله، ومن كل إلهة ومن كل موت (أو أي إنسان ميت غيره).» ولضمان تنفيذ ~~ما جاء بذلك المرسوم أعد فصل آخر عنوانه «ضم أهل بيت الرجل إليه في العالم السفلي»، ~~ونص في هذا ms231 الفصل على «اجتماع شمل أهل البيت من الأب والأم والأطفال والأصدقاء والأقارب ~~والأزواج والحظيات والعبيد والخدم، بل وكل ما يملكه الرجل ليكون معه في العالم ~~السفلي.» # ولأن فكرة إعادة بيت الرجل وأهله إليه في عالم الآخرة تتضمن الاعتقاد القديم القائل ~~بضرورة تقديم الطعام باستمرار إلى المتوفى، فقد وجد فصل آخر لذلك عنوانه: «فصل في أكل ~~الخبز في العالم السفلي» أو «أكل الخبز على مائدة «رع» والبذل بسخاء في هليوبوليس». ويصف ~~لنا الفصل الذي يلي هذا الفصل مباشرة كيف «يقعد القاعد ليأكل الخبز عندما يقعد «رع» ليأكل ~~الخبز أيضا ... أعطني خبزا عندما أكون جائعا، وأعطني جعة عندما أكون عطشان.» # وقد ظهر لنا في «متون التوابيت» هاته اتجاه ظاهر جدا بلغ غايته في «كتاب الموتى»، وهذا ~~الاتجاه ينحصر في أن عالم الآخرة هو مكان تحف به الأخطار والمحن التي لا عداد لها، وأن معظم ~~تلك الأخطار مادية، ولو أنها كانت في بعض الأحيان تمس عتاد المتوفى العقلي. وكان السلاح ~~الذي يستعمل للنجاة من تلك الأخطار وأضمن الوسائل التي يمكن الحصول عليها لحماية المتوفى، ~~هو تمكين المتوفى من بعض القوى السحرية بتزويده في العادة برقية خاصة تتلى عند اللحظة ~~الحرجة، وقد عظم شأن هذا الاتجاه بعد ذلك، فجعل من «متون التوابيت»، ومن بعدها «كتاب ~~الموتى» الذي نبت منها، مجموعة من التعاويذ كانت تزداد على ممر الأيام، وكانت تعتبر في نظر ~~القوم ذات أثر فعال لا شك فيه في حماية المتوفى أو تزويده في الحياة الآخرة بما يلزمه من ~~نعيم. # فمن ذلك أنه كانت توجد تعويذة «يصير بها المتوفى ساحرا»، وهي موجهة إلى الأشخاص المعظمين ~~الذين في حضرة «آتوم» إله الشمس، وهذه التعويذة في ذاتها لا تخرج بالطبع عن كونها رقية، ~~وتختتم بالكلمات الآتية: «إني ساحر.» وخوفا من فقدان المتوفى قوته السحرية كان من تقاليد ~~القوم «وضع رقية سحرية مع المتوفى حتى لا تنزع منه قواه السحرية حينما يكون في العالم ~~السفلي.» ولا شك أن أبسط تلك الأخطار التي عملت من أجلها تلك الرقى ms232 كان منشؤه تلك التخيلات ~~الصبيانية الساذجة التي كان دهماء الشعب يتخيلونها، وكانت في الغالب سخيفة إلى أقصى حد؛ إذ ~~نجد تعويذة عن «منع أخذ رأس الرجل منه»، ومن قبل نجد في «متون الأهرام» تلك الرقية ~~القديمة التي تمنع إجبار المتوفى على أكله برازه. ولما كان لا بد لجسم الإنسان من التحلل ~~فقد وجد لمنع ذلك التحلل رقيتان لضمان «أن الرجل لا يتحلل جسمه في العالم السفلي.» # وقد كان من جراء ثقة الناس العمياء بمثل تلك التعاويذ أن صار في يد الكهنة فرصة لا حد لها ~~للكسب، وقد ازداد خصب خيالهم في إنتاج التعاويذ الجديدة باستمرار، وقد كانت تباع بطبيعة ~~الحال للمشترين السذج الذين كان عددهم في ازدياد. وقد ساعدت تلك الوسيلة كثيرا بلا شك على ~~زيادة مخاوف الشعب من أخطار الحياة الآخرة، كما ساعدت على نشر الاعتقاد في كفاية مثل هذه ~~الوسائل لدرئها. # ومما لا يدع مجالا للشك في أن ذلك كله من صنع الكهنة تخيل القوم صورة كاتب سري اسمه ~~«جبجا» عدو للموتى، وعلى ذلك ألفت رقية خاصة لمساعدة المتوفى على تكسير الأقلام وتهشيم ~~أدوات الكتابة وتمزيق الملفات الخاصة «بجبجا» الشرير. # ومثله في ذلك، الخطر الداهم الذي كان أيضا موضعا للخوف في متون الأهرام، وهو مهاجمة ~~الثعابين السامة للمتوفين، فكان أهل العصر الإقطاعي يحبون أن يدرءوه أيضا عن أنفسهم؛ ولذلك ~~كان المتوفى يجد في لفافته، التي تكون صحبته، رقى لأجل «دفع الثعابين ودفع التماسيح ~~عنه.» # وفضلا عن ذلك كانت الطريق الخاصة بالمتوفى تعترضها النيران، وكان لا بد له من الهلاك إذا ~~لم تكن لديه رقية «ليخرج بها من النار» أو يتمكن «بها من الخروج من النار التي خلف الإله العظيم.» # 11 # وعندما كان المتوفى يضطر بالفعل إلى الدخول في النار فقد كان في قدرته أن ~~يدخلها وهو في أمان منها بوساطة «تعويذة لدخول النار والخروج من النار خلف السماء.» # والواقع أن الكهنة قد رسموا للمتوفى مصورا للرحلة التي تنتظره، ليكون مرشدا له عند ~~باب النار العظيم في المدخل، وليريه ms233 الطريقين اللذين يمكنه أن يسلكهما، وكان أحد ذينك ~~الطريقين بريا والآخر مائيا، وبينهما بحيرة من نار، وكان ذلك المصور ملونا بالألوان ~~المختلفة على صفحة قاع التابوت من الداخل حيث يكون جثمان المتوفى فوقها؛ إذ إن ذلك المكان ~~هو الملائم لرسم مصور العالم السفلي. # وكان مع ذلك المصور دليل سحري يسمى «كتاب الطريقين»، وكان أيضا مسجلا فوق التابوت. ~~على أنه كان يخشى بالرغم من كل تلك الإرشادات أن يتجول المتوفى لسوء حظه في مكان إعدام ~~الآلهة، ولكنه كان ينجو من ذلك بتعويذة «عدم الدخول في مكان إعدام الآلهة.» # وخوفا من أن يحكم على المتوفى بالمشي منكوسا على رأسه، فإنه كان يجهز «بتعويذة تمنعه ~~المشي على رأسه منكوسا.» وكان أولئك الموتى التعساء الذين يجبرون على المشي بذلك الوضع ~~المنكوس أشد أعداء الإنسان في عالم الآخرة، ولذلك كانت الحيطة منهم أمرا ضروريا جدا؛ ~~إذ يقال للمتوفى: «إن الحياة تأتي إليك ولكن الموت لا يأتي إليك ... وهي (الجوزاء والشعرى ~~ونجم الصباح) تنجيك من حنق الموتى الذين يمشون ورءوسهم إلى أسفل، وأنت لست منهم ... استيقظ ~~للحياة فإنك لن تموت، قم للحياة فإنك لن تموت.» # وبتلك الكيفية ظل الاعتقاد في قوة تأثير السحر آخذا في الانتشار، وكان بمثابة سلاح لا ~~يخطئ في يد المتوفى. وسنرى السحر في النهاية يسود كل المعتقدات الجنازية الأخرى كما سيكشف ~~لنا ذلك «كتاب الموتى» بعد مضي عدة قرون على ذلك العهد الذي نحن بصدده. # وليس من شك في أن المذهب الأوزيري كان له أثر عظيم في انتشار استعمال تلك الوسائل السحرية ~~الجنازية؛ إذ إن أسطورة «أوزير» التي كانت منتشرة في ذلك الزمن انتشارا عاما قد جعلت لكل ~~طبقات الشعب إلماما بنفس تلك الوسائل التي اتخذتها «إزيس» لإحياء زوجها «أوزير» من الموت، ~~وهي الطرق التي صار كل مصري قديم يعتقد في تأثيرها العظيم في حالته الأخروية كما أثرت في ~~«أوزير» من قبل. # ومع ما كان لمذهب «أوزير» من القوة في عصر الأهرام فإن انتشاره العام الآن في العهد ~~الإقطاعي قد فاق كل ms234 انتشار عرف عنه من قبل، ونرى في ذلك ظفر ديانة الشعب المناهضة إذ ذاك ~~لعبادة «رع» الحكومية التي كانت تشبه العبادات بأية كنيسة معترف بها الآن. وسيادة «رع» ~~تعتبر ظفرا سياسيا، أما ظفر ديانة «أوزير» التي كان يشد أزرها بلا ريب طائفة من مهرة ~~الكهنة، وربما كانوا يقومون لها بدعاية مستمرة وقتئذ، فإنه كان انتصارا لعقيدة شائعة بين ~~جميع طبقات المجتمع، وهو انتصار لم يكن في طاقة أية طائفة صده، ولا في طاقة الحكومة ولا ~~الأشراف مناهضته؛ ذلك لأن النعم التي كان يقوم بإغداقها المصير الأوزيري في الحياة الآخرة ~~على كل الناس جعلها ذات جاذبية قوية شاملة لا تضاهيها أية جاذبية أخرى منافسة لها. وإذا ~~كانت تلك النعم المذكورة في يوم ما مقصورة على الفرعون وحده، كما كان المصير الشمسي في متون ~~الأهرام مقصورا عليه، فإننا قد شاهدنا أنه حتى الآخرة الشمسية الملكية قد صارت الآن من حق ~~الجميع. # ومن بين القبور المبجلة التي يجرع تاريخها إلى عهد الأسرة الأولى في «العرابة المدفونة» ~~قبر كان يعتبره القوم في العصر الذي نحن بصدده، قبر «أوزير» (مع أن عمره كان وقتئذ ما بين ~~13، 14 قرنا)، وقد طار صيته بسرعة حتى صار المقام المقدس في مصر، فكانت تحج إليه كل طبقات ~~الشعب، وكانت أعظم البركات التي يطمع فيها الإنسان أن يدفن بجوار ذلك القبر المقدس؛ ولذلك ~~كان أكثر من موظف ممن قاموا بمأمورية أو رسالة رسمية في هذه الجهة ينتهز الفرصة لإقامة قبر ~~له هنالك، وإذا تعذر بناء قبر حقيقي لمن يريد ذلك كان من الخير أن يقيم لنفسه مقبرة وهمية ~~على الأقل، يكتب عليها اسمه وأسماء باقي أسرته وأقاربه، وإذا تعذر ذلك أيضا أقام لنفسه ~~نصبا تذكاريا أو لوحة ينقش عليها صلوات للإله العظيم توسلا من الزائر وأسرته، وقد فعل ~~ذلك الكثير من الحجاج والزوار من الموظفين، وفي ذلك يقول موظف من عهد الملك «سنوسرت الأول»: ~~«لقد أقمت هذا القبر عند طريق سلم الإله العظيم لأكون من بين أتباعه، ولكي يقدم الجنود ms235 ~~الذين يأتون في ركاب جلالته إلى روحي (يعني الكا) من خبزه ومئونته، وقد فعلت ذلك أسوة بكل ~~رسول ملكي يأتي للتفتيش على حدود جلالته.» # وكان داخل سور معبد «أوزير» وما جاوره مزدحما بتلك التذكارات، وهي كما نجدها اليوم تؤلف ~~جزءا هاما من المصادر التي يصح الاعتماد عليها في تاريخ ذلك العصر. # وأغرب من كل ما تقدم أن بعض حكام المقاطعات الأقوياء كان يأمر بحمل جثمانه إلى «العرابة ~~المدفونة» لتقام له شعائر خاصة هناك، ثم تجلب معه بعض الأشياء المقدسة لتودع معه في قبره ~~المقام له في وطنه، كما يحمل المسلمون الآن معهم الماء من «بئر زمزم» إلى أوطانهم، أو كما ~~كانت تحمل السيدات الرومانيات المياه المقدسة من معبد «إزيس» بفيلة إلى حيث يتبركون بها في ~~بلادهم. # وقد رسم «خنوم حتب» فوق جدران مزار قبره «ببني حسن» هذه الرحلة في النيل، وفي ذلك المنظر ~~نرى جسمه المحنط محمولا فوق قارب جنازي صاعدا في سيره نحو الجنوب، وخلفه الكهنة ~~والمرتلون. وقد أطلق في النقوش على ذلك المنظر اسم «الرحلة صعودا في النهر لمعرفة أشياء العرابة». # 12 # ويوجد مع ذلك المنظر منظر آخر يمثل الرحلة منحدرة في النهر ومعبرا عنها ~~بالكلمات الآتية: «العودة محملين بأشياء العرابة.» ولا ندري بالضبط كنه تلك الأشياء المقدسة ~~التي يؤتى بها من العرابة، ولا سبيل لدينا الآن لمعرفتها، غير أنه من الواضح أنه في تلك ~~الزيارة الخاصة بالإله العظيم في «العرابة المدفونة» يقدم المتوفى نفسه شخصيا للإله ~~العظيم، وبتلك الكيفية يضمن المتوفى المذكور لنفسه عطف الإله في الحياة الآخرة. # وكان الزوار الذين يأتون إلى «العرابة المدفونة» بهذه الصفة، قبل الوفاة أو بعدها، يحملون ~~معهم الكثير من القرابين التذكارية، لدرجة أن الحفارين المحدثين عثروا على قبر «أوزير» ~~المزعوم مدفونا على عمق بعيد تحت أكداس عظيمة من الفخار المهشم وغيره من الهدايا التي ~~تركها الحجاج في هذا المكان منذ آلاف السنين. # ولا بد أنه كان يجتمع هناك في الواقع الجم الغفير من أولئك الحجاج الزائرين لذلك المقام ~~المصري المقدس في ms236 كل الأوقات، وبخاصة في ذلك الموسم الذي كانت تمثل فيه حوادث أسطورة الإله ~~في شكل مسرحي يمكننا أن نسميه بحق «مسرحية الآلام» (المأساة). # وبالرغم من أن تلك المسرحية قد فقدت تماما، فإن لدينا لوحة «إخرنوفرت» التذكارية ~~المحفوظة الآن بمتحف برلين، تمدنا بالملخص الذي يمكننا أن نستخلص منه ولو على الأقل عناوين ~~أهم فصول المسرحية المذكورة. # كان «أخرنوفرت» موظفا من رجال حكومة «سنوسرت الثالث»، أرسله الملك ليقوم ببعض الإصلاحات ~~في معبد «أوزير» بالعرابة المدفونة. # ويتبين لنا من العناوين المدونة بتلك اللوحة التذكارية عن المسرحية المذكورة أن تمثيلها ~~كان حتما يستمر عدة أيام، وأن الأرجح أن تمثيل كل فصل من فصولها الهامة كان يستغرق على أقل ~~تقدير يوما كاملا، وأن الجمهور كان يشترك في كثير مما كان يحدث في تمثيلها. ويتضح لنا من ~~ذلك المختصر المدون على لوحة «أخرنوفرت» أن تلك الرواية كانت ذات فصول ثمانية: فالفصل الأول ~~يكشف لنا عن ذلك الإله الجنازي القديم «وبوات» خارجا في موكب ليشتت أعداء «أوزير» ويفتح له ~~الطريق. # وفي الفصل الثاني يظهر لنا «أوزير» نفسه في قاربه المقدس، فينزل فيه بعض الحجاج، ومنهم ~~«أخرنوفرت» كما يقص ذلك علينا في نقوش لوحته التذكارية بزهو وافتخار. وكان «أخرنوفرت» هذا ~~يساعد «أوزير» في صيد الأعداء الذين يعترضون مسير القارب. ولا شك أنه كانت تحدث من الجمهور ~~إذ ذاك معركة عامة كالتي شاهدها «هردوت» في «بابريميس»، بعد ذلك بألف وخمسمائة سنة، فكان ~~بعضهم يقوم بحماية الإله في القارب، بينما يمثل الآخرون دور أعدائه المزدحمين في خارج ~~القارب، وقد يعودون برأس أحدهم مهشما، في زهو من أجل ذلك الاحتفال. ويلاحظ هنا أن ~~«أخرنوفرت» - مثل «هردوت» - قد مر على موضوع موت الإله مر الكرام دون أن يذكر شيئا عن ~~ذلك، وقد كان ذلك في نظره موضوعا مقدسا لا يصح وصفه، وذكر لنا فقط أنه قام بتنظيم «الموكب ~~العظيم» للإله - وهو احتفال مظفر نوعا ما - عندما لاقى الإله حتفه، وهذا هو موضوع الفصل ~~الثالث. # وفي الفصل الرابع يخرج «تحوت» رب الحكمة، ولا ms237 شك أنه يجد الجثة، وإن كان ذلك لم يرد له ~~ذكر. # ويتألف الفصل الخامس من الاحتفالات المقدسة التي يجهز الإله بوساطتها للدفن. # في حين أن الفصل السادس يشاهد الجمهور يسير في زحام عظيم إلى المقام المقدس بالصحراء ~~الواقعة خلف «العرابة المدفونة»، حيث يضعون جثمان ذلك الإله الرحل في قبره. # وأما الفصل السابع فلا بد أنه كان مشهدا رائعا، فعلى شاطئ (أو ماء) «نديت» القريبة من ~~العرابة المدفونة يهزم أعداء «أوزير» - ومن بينهم طبعا الإله «ست» وأتباعه - في موقعة ~~عظيمة على يد «حور» بن «أوزير»، ولم يذكر لنا «أخرنوفرت» شيئا عن بعث الإله وقيامه ثانية ~~من بين الأموات. # ولكن في الفصل الثامن، وهو الأخير، نشاهد «أوزير» وقد عاد إلى الحياة يدخل معبد «العرابة ~~المدفونة» في موكب مظفر. # فيتضح إذن من كل ما ذكر أن المسرحية المذكورة قد مثلت أهم الحوادث الواردة في أسطورة ~~«أوزير». # وقد كان لمثل ذلك العيد الشعبي الكبير مكانة عظيمة في قلوب القوم؛ إذ نشاهد مرارا ~~وتكرارا في الألواح المنصوبة تضرع الحجاج بالصلاة للإله العظيم لينالوا بعد الموت حظوة ~~الاشتراك في هذا الاحتفال العظيم، وذلك يماثل بالضبط ما رتبه «حبزافي» لنفسه ليشاطر بنصيبه ~~فيما بعد الموت في الاحتفالات بالأعياد الأسيوطية. # وقد كان لصياغة حوادث أسطورة «أوزير» في شكل مسرحي على الوجه المتقدم أثر قوي في أنفس ~~عامة الشعب، واستولت مسرحية آلام «أوزير» هذه في أي شكل من أشكالها على خيال عدة مجتمعات ~~مصرية، وكما أن «هردوت» قد وجدها فيما بعد في «بابريميس»، كذلك ظلت تنتشر من بلدة إلى ~~أخرى حتى حازت المكانة الأولى في تقويم الأعياد السنوية، وبذلك نال «أوزير» مكانة سامية في ~~حياة عامة الشعب وآمالهم لم ينلها أي إله آخر. وقد كان مصير «أوزير» الملكي وانتصاره على ~~الموت كما صور بتلك الصورة المسرحية الناطقة، سببا في انتشار الاعتقاد بين الشعب بأن ذلك ~~المصير، الذي كان في وقت ما وقفا على الملك فقط، قد صار من نصيب كل إنسان، ولم يكن يلزم ~~لأي شخص يرجو مثل ذلك ms238 المصير إلا أن يحصل - كما ذكرنا من قبل - على نفس العوامل السحرية ~~التي استعملتها «إزيس» لإرجاع الحياة إلى زوجها الميت الذي هو «أوزير» المقتول ذبحا، وتلك ~~العوامل تجلب لكل إنسان ذلك المصير المبارك الذي ناله ذلك الإله الراحل. # وقد كان حدوث مثل ذلك التطور في العقيدة المأتمية الشعبية على الوجه الذي شاهدناه مدعاة ~~لازدياد ثقة الناس باطراد في كفاية السحر وقوة تأثيره ونفعه في الحياة الآخرة. # ومن الصعب أن يفهم العقل الحديث كيف أن مرافق الحياة جميعها قد تسرب إليها الاعتقاد في ~~السحر بحالة صيرته صاحب السيطرة على العادات الشعبية، وظاهرا على الدوام حتى في أبسط ~~الأعمال اليومية المنزلية العادية، فصار من الأشياء التي يزاولها الإنسان بطبيعة حياته ~~كالنوم أو تجهيز الطعام، بل لقد صار السحر يتألف منه نفس الجو الذي كان يعيش فيه عالم الشرق ~~القديم. # فكانت الحياة المنزلية في الشرق قديما غير ممكنة في نظر القوم إلا بالالتجاء دائما إلى ~~نفوذ تلك العوامل السحرية، ولولا نفوذها لأبادت القوى المهلكة الخفية الحرث والنسل. # ولاعتقادهم أن مثل تلك الوسائل لا غنى عنها وبخاصة ضد الأمراض، فإن الأمور العادية الخاصة ~~بالحياة المنزلية والاقتصادية كانت توضع دائما تحت حماية السحر؛ فكانت الأم لا يمكنها أن ~~تهدئ من روع طفلها المتألم المريض وتجعله يضطجع طلبا للراحة إلا بعد الاستنجاد بالقوى ~~الخفية لتقوم بتخليص الطفل من المرض ومن الحسد ومن سلطان أشباح الشر السوداء، التي كانت ~~تكمن في جميع الأركان المظلمة من البيت، أو التي كانت تتسلل من الأبواب المفتحة عندما يسدل ~~الظلام خيامه فوق البيت، وتدخل جسم ذلك الطفل الصغير فتنشر فيه الحمى. # وكان من هؤلاء الشياطين من يمكنهم التشكل في صورة محبوبة، فيقترب الواحد منهم من المريض ~~الصغير مظهرا له العمل على شفائه وتخفيف آلامه. ونستطيع أن نسمع صوت الأم وهي تنحني على ~~طفلها وتختلس النظر خلال ذلك الباب المفتوح إلى الظلمة المسكونة بقوى الشر هذه، وتقول: # هرول إلى الخارج أنت يا من تأتي في الظلمة، يا من يدخل إلينا خلسة وأنفه ms239 إلى ~~خلفه، ووجهه فوق ظهره، ويا من تفقد ما قد جئت من أجله. # هرولي إلى الخارج يا من تأتين في الظلمة، ويا من تدخلين إلينا خلسة وأنفها إلى ~~خلفها ووجهها فوق ظهرها، ويا من تفقدين ما قد جئت من أجله. # هل أتيت لتقبل هذا الطفل؟ # إني لن أسمح لك بتقبيله! # هل أتيت لتخفف آلامه؟ # إني لن أسمح لك بتخفيف آلامه # هل أتيت لتلحق به ضرا؟ # إني لن أسمح لك بأن تضره # هل أتيت لتأخذيه؟ # إني لن أسمح لك بأن تأخذيه مني # لقد أعددت له ما يحميه منك: من نبات «إفت» إنه يسبب الآلام، ومن البصل الذي يلحق ~~بك الضرر، ومن الشهد الحلو المذاق (للأحياء) من الرجال ومر المذاق لمن هم هنالك ~~(يعني للموتى)، ومن الأجزاء المؤذية من سمك «إبدو»، ومن فك «مررت»، ومن العمود ~~الفقري للسمكة. # ولم تقتصر الأم الوجلة على ابنها على استعمال التعويذة الآنفة الذكر بمثابة رقية، بل ~~كانت تشفعها بمزيج شهي تعطيه الطفل المريض فيبتلعه، وهو مزيج مصنوع من الأعشاب والشهد ~~والسمك، وكان خاصا بطرد الشياطين الشريرة (ذكورا وإناثا) ممن كانت تصيب الطفل بالمرض أو ~~تهدد باختطافه. وإننا نجد في وصف الشهد بأنه «حلو المذاق (للناس الأحياء) ومر المذاق لمن ~~هنالك (يعني للأموات)» ما يشعر بنوع هذه الشياطين؛ إذ إنه من الواضح أن بعضا من الشياطين ~~التي تشير الأغنية إلى الفزع منها هم نفس الأموات الذين تجردوا من أجسامهم، وعلى ذلك كانت ~~حياة أهل الدنيا في تصادم مع الأموات طول مدة حياتهم من هذه الناحية، فكان من اللازم حينئذ ~~العمل على كبح جماح أولئك الأموات الأشرار ووقفهم عند حدودهم، ومن هنا كانت التعاويذ والحيل ~~السحرية التي دلت على تأثير فعلها ضدهم في الحياة الدنيا، ولا بد أن لها قيمتها في الحياة ~~الآخرة أيضا. # ومن ذلك أن تلك الرقية السالفة الذكر التي منعت خطف الطفل من أمه كان يمكن استعمالها ~~كذلك ضد من يسعى لسلب قلب أي رجل في العالم السفلي، ولكي يتمكن الرجل المتوفى من الدفاع عن ms240 ~~نفسه ما عليه إلا أن يقول: # هل حضرت لتأخذ قلبي هذا الحي؟ # إن قلبي هذا الحي لن يعطى لك! # وعلى ذلك فإن الشيطان الذي كان يريد أخذ قلبه ليفر به يضطر حتما إلى التسلل بعيدا ~~عنه. # وبتلك الطريقة أخذ السحر الذي يستعمل في الحياة الدنيا اليومية يستعمل بحالة مطردة للنفع ~~في الحياة الآخرة، ويوضع تحت طلب الموتى وتصرفهم. # لقد رأينا فيما تقدم ذكره عن عصر الأهرام أن الاعتقاد الديني وقتئذ لم يقل بعد بوجود ~~محاكمة عامة تجري حتما على كل الناس في الحياة الآخرة، وكل ما في الأمر أن الذي اقترف ~~ذنبا خاطئا كان يطلب للمحاسبة في عالم الآخرة على ذنبه، فكان إله الشمس يعقد هنالك محكمة ~~للفصل في مثل تلك القضايا. وفي العهد الإقطاعي صار إله الشمس يؤكد - كما يستدل من متون ~~التوابيت - أن كل إنسان مسئول عن خطيئته: «لقد جعلت كل رجل مثل أخيه، وقد حرمت عليهم إتيان ~~الشر، ولكن قلوبهم هي التي نكثت بما قلت.» كذلك ذكرنا فيما تقدم في النصائح الموجهة إلى ~~«مريكارع»: «أن ذنوب الرجل كانت تكوم بجانبه كالجبال في حضرة القضاة المهيبين في عالم ~~الآخرة.» فنرى من ذلك أنه مهما كانت حياة الإنسان نقية فإنه كان من مستلزمات معتقدات العهد ~~الإقطاعي أن الإنسان لا بد له من اجتياز امتحان المحاكمة الخلقية للحصول على السعادة ~~المنشودة في الحياة الآخرة، وقد صار هذا الشعور بالمسئولية الخلقية فيما بعد الموت من ~~العوامل القوية في حياة الشعب المصري القديم، غير أنه كان هنالك عاملان قويان يعملان على ~~هدم تلك المسئولية، وهما: # أولا: # استمرار اعتقاد عامة الشعب في كفاية العوامل المادية، مثل إقامة القبور ~~وإعداد معداتها، لضمان سعادة المتوفى في الحياة الآخرة. # ثانيا: # ازدياد الاعتماد على نفع قوة السحر في عالم الآخرة، وهو اعتقاد نال تشجيع ~~الكهنة فتطرفوا فيه واشتطوا، إلى حد أنهم حاولوا إنتاج تعاويذ سحرية تضمن ~~للمتوفى قبوله خلقيا عند محاكمته في عالم الآخرة. # الفصل الرابع عشر # | الحساب في الآخرة والسحر # لقد تتبعنا ذلك التطور الطويل الذي ms241 مر فيه الاعتقاد بالمسئولية الخلقية في الحياة الآخرة، ~~وهو اعتقاد - كما نذكر - كان حاضرا في أذهان بناة الأهرام، غير أنه كان منحصرا في ذاك ~~الوقت في تعرض المتوفى للمثول أمام إله الشمس، بصفة كونه قاضيا، وذلك استجابة لطلب إنسان ~~قد أخطأ الميت في حقه، لا ليحاسب حسابا شاملا، فكان الاعتقاد القائم إذ ذاك أنه إذا لم ~~يطلب الإنسان للمحاكمة بتلك الصفة فإنه من المحتمل ألا يتعرض في الآخرة لأي حساب آخر. وبعد ~~عصر الأهرام ببضعة قرون - أي في وقت ظهور النصائح الموجهة إلى الملك «مريكارع» - نجد أن ذلك ~~الاعتقاد قد أخذ يحدد ويعين بحالة أوضح مما كان عليه من قبل. # فإن ذلك الملك المسن الذي ألقى بتلك الكلمات الحكيمة إلى ابنه «مريكارع» كان متأثرا ~~تأثيرا عميقا بالحقيقة القائلة إنه كان حقا حتى على الملك نفسه أن لا يغفل عن تبعته في ~~عالم الآخرة عن حياته في هذه الدنيا من الناحية الأخلاقية، ولعلنا نذكر نصيحته الهامة التي ~~يقول فيها: «إنك تعلم أن محكمة القضاة الذين يحاسبون المخطئ لا يتسامحون في ذلك اليوم الذي ~~يحاسبون فيه الشرير وقت تنفيذ الحكم ... ولا تركنن إلى طول الأيام؛ لأنهم ينظرون (يعني ~~القضاة) إلى مدى حياة الإنسان كأنها ساعة واحدة. # 1 # والإنسان يعيش بعد الموت وأعماله تكوم بجانبه كالجبال؛ لأن الحياة الأخرى ~~أبدية ولا يهمل أمرها إلا الغبي، أما من يصل إليها دون أن يرتكب إثما فإنه سيبقى هناك كإله ~~يسير بخطى واسعة مثل أرباب الخلود (يعني الأموات البررة).» # وإذا كان الإنسان يعد لنفسه قبرا في الجبانة فإن «مريكارع» كان يذكره والده بأن يقيم ~~قبرا لنفسه «بصفته إنسانا مستقيم الحال، وبصفته إنسانا أقام العدل (يعني ماعت)؛ لأن ذلك ~~هو الذي يركن القلب إليه.» # و«الفلاح الفصيح» الذي لا صديق له كان يقول «لمدير البيت العظيم» عند مرافعته عن نفسه ~~مطالبا إياه بتوخي العدالة: «احذر، إن الأبدية تقترب.» # وقد رأينا أن «أميني» أمير مقاطعة «بني حسن» العظيم، نقش على باب قبره سجل أعماله الصادرة ~~عن العدالة الاجتماعية فيما ms242 يختص بمعاملته لرعيته، راجيا أن يكون ذلك السجل خير جواز مرور ~~يتخذه للذهاب في سفره إلى عالم الآخرة. # وقد ملئت محاجر المرمر بجهة «حتنوب» (بيت الذهب)، الواقعة في الصحراء الشرقية خلف «تل ~~العمارنة»، بالنقوش التي دونت فيها حياة أمراء ذلك العهد الإقطاعي الذين جاوروا تلك ~~البقعة، حيث ذكروا مرارا وتكرارا ما كانوا عليه من حب الخير والعدالة. وبمثل هذا التكرار ~~دون أولئك الرجال الذين عاشوا في العهد الإقطاعي فوق مقابرهم ما كانوا يعزونه لأنفسهم من ~~الأخلاق العادلة، فيقول موظف من موظفي ذلك العصر اسمه «سسنبنف» في نقش على ناووسه: ~~«إنه أقام العدالة وكان يمقت الباطل، الذي لم يره.» # وتبين لنا متون التوابيت بجلاء أن الشعور بالمسئولية الخلقية في عالم الآخرة قد تعمق ~~تعمقا عظيما في نفوس القوم منذ عصر الأهرام إلى ذلك الزمن، فنجد أن موازين العدالة، التي ~~كثيرا ما ذكرها ذلك «الفلاح الفصيح» في تظلمه المسرحي ضد «مدير البيت العظيم»، قد صارت إذ ~~ذاك تحتل مكانة واقعية عظيمة، ممثلة في مشاهد حساب الآخرة، حيث يقول قائل للمتوفى: «إن ~~أبواب السماء مفتوحة لجمالك، إنك تصعد ... وذنبك مغفور، وظلمك قد محي بأيدي أولئك الذين ~~يزنون بالموازين في يوم الحساب.» # وكما كان ذلك «الفلاح الفصيح» يسمي «مدير البيت العظيم» في كثير من الأحيان «موازين ~~العدل»، كذلك كان من الممكن أن يكون المتوفى متحليا بالأخلاق الفاضلة الحقة التي تشبه في ~~استقامتها كفتي الميزان اللتين لا تحيدان، ومن ثم نجد «متون التوابيت» تقول: «تأمل، إن ~~فلانا هذا (إشارة إلى المتوفى) هو موازين «رع» التي يوزن بها الصدق (يعني الحق).» وهنا ~~يتضح لنا لمن كانت موازين الصدق هذه، ومن هو ذلك القاضي الذي يشرف عليها، فنجده - كما كان ~~الحال قديما - «إله الشمس» الذي كان قد حوكم أمامه نفس الإله «أوزير». ونجد في مناسبة أخرى ~~خاصة بمحاكمة المتوفى أمام الإله «رع» أن هذه المحاكمة كانت تعقد بحجرة القارب ~~الشمسي. # وقد صار المطلب الخلقي الذي يشترطه القاضي الأعظم من الأمور الطبيعية المفهومة، ولذلك ~~يقول المتوفى: «إنه يحب ms243 الحق ويكره الباطل، وهو الذي تسير الآلهة في سبيل عدالته المحبوبة.» ~~وعندما يدخل المتوفى تلك السبل الإلهية الحقة، يكون بداهة قد ترك وراءه الرذائل الخلقية، ~~ولذلك يقول المتوفى أيضا: «إن خطيئتي قد أقصيت عني ومحي إثمي، ولقد طهرت نفسي في تينك ~~البحيرتين العظيمتين اللتين في أهناس.» # وتلك الحمامات التطهيرية الرسمية التي كثيرا ما نصادفها مذكورة في «متون الأهرام» قد ~~صارت الآن تدل بوضوح على معنى خلقي، حيث يقول المتوفى محدثا عن نفسه: «إني أسير فوق ~~الطريق التي أغسل فيها رأسي في بحيرة الحق.» # وكثيرا ما نجد المتوفى يقرر مرارا أن حياته كانت نقية؛ إذ يقول: # إني إنسان أحب الحق، وما كرهته هو الباطل. # إني أقعد بريئا وأقوم بريئا. # لقد أقمت العدل ومحوت الباطل. # ولقد ذكرنا أن القاضي الذي تقف أمامه كل الأرواح كان في الأصل «رع»، ولكن «أوزير» كذلك ما ~~لبث أن أظهر نفسه من زمن مبكر في موقف ذلك القاضي، حيث نقرأ في «متون التوابيت» عن «المجلس ~~العظيم (أو محكمة العدل) للإله أوزير»، وكان ذلك منذ زمن بعيد يرجع إلى الأسرة التاسعة أو ~~العاشرة (من القرن الرابع والعشرين إلى الثاني والعشرين ق.م) في أيام حكم الملك «مريكارع». ~~ولا شك أن انتشار عبادة «أوزير» التي كانت آخذة في الازدياد له علاقة عظيمة بانتشار ~~الاقتناع - الذي صار الآن عاما - بأن كل روح لا بد أن تلقى ذلك الحساب الخلقي العسير الذي ~~ينتظرها في الآخرة. # وقد صار من المتبع عادة منذ بداية الدولة الوسطى أن يضاف إلى اسم كل متوفى نعت ~~«المبرأ»، وهذا النعت هو الذي كان قد ناله «أوزير» فيما مضى بصفته الخصم الظافر على ~~أعدائه، المبرأ أمام محكمة إله الشمس. وقد كان ذلك النعت - كما نعلم من «متون الأهرام» - ~~لا يضاف إلا إلى اسم الفرعون فقط، غير أنه صار بالتدريج امتيازا تمنحه كل روح، أو على ~~الأقل صار من حق كل روح متسمة بالأخلاق الفاضلة. # وكذلك نجد أنه بعدما نال المذهب الأوزيري القبول عند البلاط الملكي صار الملك يوحد مع ms244 ~~«أوزير المبرأ»، وصار الكهنة يضعون كلمة «أوزير» قبل اسم كل ملك متوفى، وقد رأينا في ~~«متون الأهرام» أن الملك «بيبي» كان يسمى «أوزير بيبي»، كما كان الملك «تيتي» يسمى ~~«أوزير تيتي». # وقد كان من نتائج انتشار عبادة «أوزير» الآخذة في الازدياد أن المنهج الذي كان يرمي إلى ~~صبغ الحياة الأخرى الملكية الفاخرة بالصبغة الديمقراطية قد صار حينئذ يوحد كل متوفى، ~~ذكرا كان أو أنثى، بالإله «أوزير». وعلى ذلك لم يقتصر المتوفى على دخول مملكة «أوزير» - ~~كما كان الحال قديما - ليتمتع بحمايته وعطفه، بل صار المتوفى - ذكرا كان أو أنثى - ~~«أوزير» نفسه واعتبر ملكا. # ولذلك نجد - حتى في دفن الفقراء - أن المومية كانت تصور في شكل «مومية أوزير» وموضوعة ~~مثلها على ظهرها، وكانت التعاويذ التي تمثل شارات الملك الفرعوني ترسم على داخل جوانب ~~التابوت، أو كانت توضع بهيئة تماثيل بجانب جثمان المتوفى. وقد ظهرت قوة عبادة «أوزير» بحالة ~~تلفت النظر في العادة الجديدة ، وهي إضافة اسم «أوزير» قبل اسم المتوفى، فإنه وإن كان من ~~الجائز للمتوفى أن يوحد مع إله الشمس أيضا - كما كان يحدث كثيرا - فإنه بالرغم من ذلك ~~كان ينعت باسم «أوزير» في حين أن اسم إله الشمس «رع» لم يضف قط قبل اسم المتوفى. # وبظهور الدولة المصرية الحديثة بعد سنة 1600ق.م نجد أن الأدلة التي تكشف لنا عن ذلك ~~التطور الخلقي الطويل الأمد - الذي اقتفينا أثره في هذا البحث - قد ازدادت في كميتها وفي ~~أهمية قيمتها، وبخاصة فيما يبين لنا شعور المصري المتزايد بمسئوليته الشخصية عن نوع أخلاقه؛ ~~ذلك بأن مرحلة التفكير لهذا التطور الخلقي قد تقدمت تقدما محسوسا؛ لأن المصري القديم في ~~ذلك الوقت كان قد تعمق في التفكير في طبيعة نفسه البشرية، وكان من نتائج ذلك أن صار ~~المفكرون من المصريين - آنئذ - يرون أن المسئولية الخلقية لكل إنسان مترتبة بصفة قاطعة على ~~إدراكه (فهمه) الشخصي. # ولعلنا نذكر بمناسبة هذا التصور الأخير الهام عن «الفهم» أنه لم يكن للعقل اسم في اللغة ~~المصرية القديمة غير كلمة «القلب» ms245 القديمة؛ ففي عصر الأهرام وجدنا أن «بتاح حتب» ذلك الوزير ~~الحكيم المسن كان يذكر «القلب» على أنه مركز المسئولية والإرشاد؛ إذ قال فيما ذكرناه له ~~سابقا: «إن المستمع (يعني إلى النصيحة الطيبة) هو المرء الذي يحبه الإله، أما الذي لا يصغي ~~فهو الذي يبغضه الإله. والقلب هو الذي يجعل صاحبه مصغيا أو غير مصغ، وحظ الإنسان الحسن هو ~~قلبه.» كما نجد في نصائح «بتاح حتب» أيضا أن قلب الرجل قد صار دليله، بل في الواقع قد صار ~~ضميره. # على أن القلب الإنساني صار في عهد الدولة الحديثة يعتبر أكثر من مستمع مجيب إلى النصيحة ~~الطيبة، بل صار أكثر من مرشد إلى حسن الحظ. # حقا إن آراء «بتاح حتب» عن القلب من حيث نعته له بالمرشد الحكيم قد استمرت؛ إذ في خلال ~~القرن الخامس عشر نرى أحد حجاب بلاط الفاتح «تحتمس الثالث» يذكر خدماته التي أداها للملك، ~~فيقول: «لقد كان قلبي هو الوازع لأن أقوم بها، بإرشاده لي في شئوني، وكان ... كأنه شاهد ~~ممتاز، فلم أهمل كلامه، وخشيت أن أتخطى إرشاده، وبذلك كان الفلاح حليفي لدرجة عظيمة. وقد ~~كنت بسبب ما أوحى إلي [أي قلبي] أن أعمله ناجحا، وكنت بإرشاده نابها. تأمل ... فقد قال ~~القوم إنه وحي من الإله يوجد في كل إنسان، وإن من أرشده إلى الصراط السوي في إنجاز العمل، ~~لسعيد. تأمل ... فإني كنت هكذا.» # على أننا نجد أن أقارب «بحيرى» - وهو أمير من أمراء «الكاب» - قد خاطبوه بعد موته داعين ~~له بقولهم: «ليتك تعيش في الآخرة بقلب فرح وفي كنف الإله الذي فيك.» # كما نجد ميتا آخر يقرر: «أن قلب الإنسان هو إلهه، وقد كان قلبي مرتاحا لأعمالي.» # فكل ذلك يدل على أن المصري القديم قد صار حينئذ شديد الحساسية - بدرجة لم يصل إليها من ~~قبل - لما كان يوحي به إليه ذلك الوازع الباطني المنبعث من قلبه، وهو الذي سمي - ببعد نظر ~~مدهش - «إله المرء». # وذلك لأن القلب قد صار الآن ذا شعور أكثر اتزانا وأكثر سيطرة وسلطانا ms246 على الإنسان مما ~~كان عليه في عهد ذلك الوزير الحكيم «بتاح حتب»، فصار يعلن استحسانه لما يكون عليه المرء من ~~السلوك الحسن أو استياءه لما يكون عليه من السلوك السيئ. # ولما صار المصري القديم يشعر بسلطان ذلك الوازع القلبي شعورا كاملا أخذ - إذ ذاك - يلبس ~~كلمة «القلب» معنى أوفى حتى صار أقرب بكثير مما في عصر الأهرام من مدلول كلمتنا ~~«الضمير». # وقد صرنا الآن في مركز يجعلنا نفهم أهمية التحديد والدقة اللذين بهما صور لنا المصري، عند ~~بزوغ فجر الدولة الحديثة، فكرته النامية عن الحساب في الآخرة. # وهذه الآراء - التي نجد فيها تفصيلا أوسع من قبل عن الحساب في يوم الميعاد - قد وصلتنا ~~عن طريق «كتاب الموتى». وقد اجتمعت عندنا ثلاث روايات مختلفة عن الحساب في الآخرة عثر ~~عليها في أتم وأحسن اللفائف البردية التي وصلت إلينا للآن، وكانت هذه الروايات في الأصل - ~~بلا شك - مستقلا بعضها عن البعض الآخر، وعنوان الرواية الأولى منها هكذا: «فصل في دخول ~~قاعة الصدق (الحق)»، وهي تحتوي على ما يقوله المتوفى عند الوصول إلى قاعة الصدق عندما يطهر ~~فلان (يعني المتوفى) من كل الذنوب التي اقترفها، ثم يوجه نظره إلى وجه الإله ويقول: # سلام عليك أيها الإله العظيم رب الصدق، لقد أتيت إليك يا إلهي وجيء بي إلى هنا ~~حتى أرى جمالك. إني أعرف اسمك، وأعرف أسماء الاثنين والأربعين إلها الذين معك في ~~قاعة الصدق (هذه)، وهم الذين يعيشون على الخاطئين ويلتهمون دماءهم في ذلك اليوم ~~الذي تمتحن فيه الأخلاق أمام «وننفر» (أوزير). # انظر ... لقد أتيت إليك. # إني أحضر العدالة إليك، وأقصي الخطيئة عنك. # إني لم أرتكب ضد الناس أية خطيئة ... # إني لم آت سوءا في مكان الحق، # وإني لم أعرف أية خطيئة. # إني لم أرتكب أي شيء خبيث ... # وإني لم أفعل ما يمقته الإله. # وإني لم أبلغ ضد خادم شرا إلى سيده. # إني لم أترك أحدا يتضور جوعا. # ولم أتسبب في بكاء أي إنسان. # إني لم أرتكب القتل. # ولم آمر بالقتل. # إني لم ms247 أسبب تعسا لأي إنسان. # إني لم أنقص طعاما في المعابد. # ولم أنقص قربان الآلهة. # إني لم أغتصب طعاما من قربان الموتى. # إني لم أرتكب الزنا. # إني لم أرتكب خطيئة تدنس نفسي داخل حرم إله البلدة الطاهر. # إني لم أخسر مكيال الحبوب. # إني لم أنقص المقياس. # إني لم أنقص مقياس الأرض. # إني لم أثقل وزن الموازين. # إني لم أحول لسان كفتي الميزان. # إني لم أغتصب لبنا من فم الطفل. # إني لم أطرد الماشية من مرعاها. # إني لم أنصب الشباك لطيور الآلهة. # إني لم أتصيد السمك من بحيراتهم (أي الآلهة). # إني لم أمنع المياه عن أوقاتها. # إني لم أضع سدا للمياه الجارية. # 2 # إني لم أطفئ النار في وقتها (أي عند وقت نفعها). # 3 # إني لم أستول على قطعان هبات المعبد. # إني لم أتدخل مع الإله في دخله. # والآن ننتقل إلى منظر آخر يمثل الحساب أيضا، حيث نجد القاضي «أوزير» يساعده اثنان ~~وأربعون إلها يجلسون معه لمحاسبة المتوفى، وهم شياطين مخيفة يحمل كل منهم اسما بشعا ~~مزعجا، ويدعي المتوفى أنه يعرف أسماءهم؛ ولذلك يخاطبهم واحدا أسمائهم: ~~«خطوة واسعة - خرجت من عين شمس.» # و«محتضن اللهيب الذي خرج من طرة.» # و«آكل الظل الذي خرج من الكهف.» # و«عينان من لهيب خرجتا من «لتوبوليس» (أوسيم).» # و«كاسر العظام الذي خرج من أهناس.» # و«آكل الدم الذي خرج من مكان الإعدام.» # فكان المتوفى ينادي أصحاب هذه الأسماء وأمثالها من الأسماء التي اخترعها خيال رجال ~~الكهانة المصريين، ويوجه لكل إله منها - بدوره - اعترافا ببراءته من خطيئة معينة. # ومن الظاهر - طبعا - أن أولئك الاثنين والأربعين قاضيا ليسوا إلا أسماء مخترعة، وهم ~~يمثلون - كما هو معروف منذ مدة طويلة - الأربعين مقاطعة أو أكثر، أو الأقسام الإدارية، التي ~~تتألف منها البلاد المصرية. ولا شك أن الكهنة ألفوا تلك المحكمة من اثنين وأربعين قاضيا ~~قصد الإشراف على أخلاق المتوفى من أية ناحية كانت من أنحاء البلاد، حيث يجد المتوفى أن نفسه ~~تواجه قاضيا على الأقل من بين أولئك القضاة قد جاء من «البلدة التي ms248 كانت موطنا له»، فيكون ~~ذلك القاضي على علم بسيرة ذلك المتوفى المحلية وشهرته في أقصى وأدنى «الشارع الرئيسي» في ~~بلدته، وبذلك لم يكن في إمكانه أن يخاتله أو يغشه. # وتتناول هذه الاعترافات الاثنان والأربعون نفس موضوع الإقرارات التي ذكرناها في الخطاب ~~السالف تقريبا. وقد وجد الكهنة الذين حرروا هذه الاعترافات بعض الصعوبة في إيجاد الخطايا ~~الكافية لملء قائمة مؤلفة من اثنين وأربعين خطيئة، ولذلك نجد من بينها عبارات كثيرة معادة، ~~هذا عدا التكرار الظاهر الذي ورد مع تغيير طفيف في بعض الألفاظ. والجرائم التي يمكن ~~اعتبارها من أعمال العنف هي التي يتبرأ منها المتوفى بقوله: # إني لم أقتل رجالا (5). # إني لم أسرق (2). # إني لم أتلصص (4). # إني لم أسرق امرأ ينتحب على متاعه (18). # ولم تكن ثروتي عظيمة إلا من ملكي الخاص (41). # إني لم أغتصب طعاما (10). # إني لم أبعث الخوف (21). # إني لم أزك الشجار (25). # هذا؛ ونجد المتوفى كذلك ينكر الغش وغيره من الصفات المذمومة؛ إذ يقول: # إني لم أنطق كذبا (9). # إني لم أضع الكذب مكان الصدق (40). # ولم أكن أتصام عن كلمات الصدق (24). # إني لم أنقص مكيال الحبوب (6). # ولم أكن طماعا (3). # وقلبي لم يلتهم (يعني لم يطمع؟) (28). # ولم يكن قلبي متسرعا (31). # إني لم أضاعف الكلمات عند التحدث (33). # ولم يكن صوتي عاليا فوق ما يجب (37). # وفمي لم يثرثر (17). # ولم تأخذني حدة الغضب (في طبعي) (23). # إني لم أسب (29). # ولم أكن متسمعا (16). # ولم أكن متكبرا (منفوخا) (39). # كما كان المتوفى أيضا بعيدا عن ارتكاب الرذائل الجنسية؛ إذ يقول: # إني لم أرتكب زنا مع امرأة (9). # إني لم أرتكب ما يدنس عرضي (20، 27). # وكذلك ينكر المتوفى أيضا مجاوزته للحدود الرسمية؛ إذ يقول: # إني لم أعب في الذات الملكية (35). # إني لم أسب الإله (38). # إني لم أذبح الثور المقدس (13). # إني لم أسرق هبات المعبد (8). # إني لم أنقص طعام المعبد (15). # إني لم أرتكب شيئا تكرهه الآلهة (40). # وإن إنكار هذه النقائص وغيرها مما لم يمكننا فهمه هو الذي يتألف منه ذلك الإقرار ~~بالبراءة، ويسمى هذا الجزء المذكور من كتاب الموتى في العادة باسم «الاعتراف». ms249 # ومن الصعب على الإنسان أن يبتدع اسما مخالفا لطبيعة بيان المتوفى الحقيقية أكثر من ~~مخالفة تلك التسمية لها؛ إذ هي إعلان واضح عن براءة المتوفى، فتكون - بطبيعة الحال - عكس ما ~~يفهم من كلمة «اعتراف» هذه. ولهذا السبب قد صار فساد تلك التسمية من الأمور الظاهرة، لدرجة ~~أن بعض محرري ذلك الفصل أضافوا بعد كلمة «اعتراف» كلمة «إنكاري»، وصاروا يسمونه «اعتراف ~~إنكاري»، مع أن هذه التسمية ليس لها أي معنى قط؛ لأن المصري القديم لم يعترف بشيء في تلك ~~المحاكمة. وهذه الحقيقة في غاية الأهمية في تطور المصري الديني القديم كما سيتضح فيما نذكره ~~بعد. # والواقع أن الخطأ في حسبان ذلك الجزء من كتاب الموتى اعترافا معناه الوقوع في خطأ بين ~~في فهم ذلك التطور الذي كان يسير بالمصريين الأقدمين - إذ ذاك - على مهل نحو اعترافهم ~~التام بخطاياهم وإظهارهم لها بتواضع، وهو أمر لا وجود له مطلقا في أية ناحية من نواحي كتاب ~~الموتى. # ثم بعد أن يذكر المتوفى براءة نفسه أمام هيئة المحكمة العظمى يوجه خطابه إليهم بوثوق، ~~فيقول: # سلام عليكم يا أيها الآلهة. # إني أعرفكم وأعرف أسماءكم. # وإني لن أسقط أمام أسلحتكم. # لا تبلغوا عني شرا لذلك الإله الذي تتبعونه. # إن قضيتي لم تأت أمامكم. # قولوا عني الصدق أمام (الرب المهيمن). # لأني أقمت الصدق (يعني العدل) في أرض مصر. # وإني لم أسب الإله. # وإن قضيتي لم تأت أمام الملك الحاكم وقتئذ. # سلام عليكم أيها الآلهة الذين في قاعة الصدق (هذه). # والذين خلت أجسامهم من الخطيئة والكذب. # والذين يعيشون على الصدق في عين شمس ... أمام حور الساكن في قرص شمسه. # 4 # انظروا، إني آت إليكم بدون خطيئة وبدون شر وبدون ذنب. # إني أعيش على الحق. # وأتغذى من عدالة قلبي. # لقد فعلت ما يقول به الناس وما يرضي الآلهة. # ولقد أرضيت الإله بما يرغب فيه. # فأعطيت الجائع خبزا # والصادي ماء # والعريان لباسا # ولمن لا قارب له رمثا. # وصنعت قربانا مقدسا للآلهة وقربانا من الطعام للموتى. # فنجوني أنتم واحموني أنتم. # ولا تقدموا ms250 ضدي أية شكاية أمام الإله العظيم # لأني إنسان طاهر الفم وطاهر اليدين. # وإني من قال له كل من رآه: مرحبا، مرحبا. # وبتلك الكلمات تتحول إدعاءات المتوفى عن خلقه العظيم إلى تأكيدات بأنه قد راعى كل ~~مستلزمات المذهب الأوزيري الرسمية، وهذه يتألف منها أكثر من نصف ذلك الخطاب الختامي الموجه ~~إلى آلهة المحكمة. # وأما الرواية الثالثة عن المحاكمة فهي التي - من غير شك - أثرت أعمق تأثير على نفس ~~المصري، فهي تشبه تمثيلية «أوزير» في «العرابة المدفونة» في قوة تعبيرها وشدة تأثيرها، ~~وتصور لنا المحاسبة في الآخرة عن طريق الموازين؛ فنشاهد الإله «أوزير» - في بردية «آني» ~~الفاخرة المحلاة بالصور - جالسا فوق عرشه في نهاية قاعة المحاكمة، وخلفه كل من الإلهتين ~~«إزيس» و«نفتيس»، وقد اصطف على طول أحد جوانب القاعة الآلهة التسعة المعروفون بتاسوع «عين ~~شمس» يرأسهم إله الشمس، وهم الذين ينطقون فيما بعد بالحكم، دالين بذلك على أن ذلك المنظر ~~الثالث من المحاكمة كان في بدايته شمسي الأصل، وهو الذي احتل فيه «أوزير» الآن المكان ~~الأول، ونشاهد في وسط المنظر «موازين «رع» التي يزن بها الصدق»، طبقا لما سبق ذكره عن ~~تسميتها بذلك الاسم في العهد الإقطاعي. # ولكن المحاكمة التي تظهر فيها تلك الموازين صارت - وقتئذ - أوزيرية الصبغة، حيث كانت ~~الموازين في يد الإله الجنازي القديم «أنوبيس» الممثل برأس ابن آوى، ويقف خلفه «تحوت» كاتب ~~الآلهة ليشرف على الميزان، وفي يده القلم والقرطاس حتى يسجل النتيجة. وخلف «تحوت» يقعي ~~حيوان بشع الهيئة يسمى «الملتهمة»، له رأس التمساح وصدر الأسد ومؤخرة فرس البحر، ويكون ~~متحفزا لالتهام الروح إذا وجدت ظالمة. وقد صور بجوار الميزان بدقة موحية صورة القدر ~~وفي رفقته الإلهتان «رننوث» و«مسخنت»، وهما إلهتا الولادة، على أهبة التأمل والتدبر في مصير ~~تلك الروح التي أشرفتا عليهما حينما جاءت إلى هذا العالم قبل ذلك. ويجلس خلف الآلهة ~~المتربعين فوق عروشهم إلها الأمر والعقل. # على أننا كثيرا ما نجد في لفائف بردية أخرى - في هذا الموضوع - إلهة العدل بنت «رع» ~~قائمة عند مدخل قاعة ms251 المحاكمة، لتقود إلى قاعة المحاسبة الروح التي جاءت حديثا. # وفي بردية «آني» يدخل «آني» وزوجه القاعة التي يقرر فيها المصير مطأطئ الرأس بهيئة تدل ~~على الخضوع، ويطالب «أنوبيس» في الحال بقلب «آني». والإشارة الهيروغليفية التي تدل على ~~القلب - وهي التي تمثل هنا قلب «آني» - تشبه كثيرا الإناء الصغير، ومن ثم نرى هذه الإشارة ~~القلبية موضوعة في إحدى كفتي الميزان، كما نرى في الكفة الأخرى ريشة، وهي الرمز الهيروغليفي ~~الدال على الصدق أو العدالة أو الحق (يعني ماعت). ويخاطب «آني» قلبه في هذه اللحظة الحرجة ~~قائلا: # يا قلبي الذي أتيت من أمي # يا قلبي الخاص بكياني # لا تقفن شاهدا ضدي # ولا تعارضني في المجلس (يعني محكمة العدل) # ولا تكونن حربا علي أمام رب الموازين # ولا تدعن اسمي يصير منتن الرائحة في المحكمة # ولا تقولن ضدي زورا في حضرة الإله. # والظاهر أن هذا الاستعطاف لم يأت بالأثر المطلوب؛ لأن «تحوت » رسول التاسوع العظيم ~~الموجود في حضرة الإله «أوزير» يقول على الفور: # اسمع أنت هذه الكلمة بالحق: # إني قد حاسبت قلب أوزير [آني]. # 5 # إن روحه شاهدة عليه. # وأخلاقه قد وجدت مستقيمة على حسب ما أظهره الميزان العظيم. # ولم يوجد له أي ذنب. # فيجيب الآلهة التسعة على الفور: # ما أحسن ذلك الذي يخرج من فيك العادل! # وقد شهد ذلك «أوزير آني» المبرأ من الذنوب: إنه ليس له ذنب. # فلم نجد أنه اقترف شرا. # ولن يكون للملتهمة سلطان عليه. # وليؤمر بإعطائه الخبز الذي يوضع أمام «أوزير». # والضيعة التي في حقل القربان كما عمل لأتباع «حور». # وبعد أن يحكم له بهذا الحكم المرضي يقود «حور» بن (إزيس) «آني» المحظوظ ويقدمه إلى ~~«أوزير» حيث يقول له في الوقت نفسه: # إني آت إليك يا «وننفر» (أوزير)، وإني أحضر لك «أوزير آني». إن قلبه المحق يخرج ~~من الميزان وليست له خطيئة في أي إله أو إلهة. # لقد حاسبه «تحوت» كتابة. # وقد شهدت له الآلهة التسعة شهادة عادلة جدا. # فليؤمر بإعطائه الخبز والجعة اللتين توضعان أمام «أوزير وننفر» مثل ms252 أتباع ~~«حور». # وبعد ذلك يضع «آني» يده في يد «حور» ويخاطب «أوزير» فيقول: # تأمل، إني أمامك يا رب الغرب. # إن جسمي خال من الذنوب. # إني لم أنطق كذبا على علم مني. # وإذا كان ذلك قد فرط مني فإني لم أكرره ثانية. # دعني أكن مثل أصحاب الحظوة من أتباعك. # وعندئذ يركع أمام الإله العظيم، وعند تقديمه مائدة القربان يصير مقبولا ويدخل في مملكة «أوزير». # 6 # فتلك البيانات الثلاثة عن الحساب في الآخرة، برغم ما فيها من الحواشي والملحقات التي ~~زخرفها بها الكهنة، ذات أثر فعال في النفوس حتى في نظر الباحث الحديث حينما ينعم النظر في ~~تلك اللفائف البردية التي مضى عليها 3500 سنة، ويرى أن تلك المناظر ليست إلا تصويرا مجسما ~~لنفس الشعور بالمسئولية الخلقية ونفس إيحاء الوازع الباطني الذي لا نزال - نحن الآن - نطالب ~~به أنفسنا؛ إذ نجد أن «آني» يتضرع لقلبه - الذي هو الكلمة المعبرة عنده عن «الضمير» - بألا ~~ينم عليه، مما نرى صدى صيحته تنحدر على مدى الآباد والدهور في مثل هذه الكلمات التي قالها ~~«ريتشارد» # Richard # 7 # حيث قال: # إن ضميري له ألف لسان مختلف. # وكل لسان يأتي معه بقصة مختلفة. # وكل قصة تقضي علي بأني شرير. # وقد أصغى المصري إلى نفس ذلك الإيحاء، وخافه وحاول إخفاءه وإسكاته؛ أي إنه اجتهد في إسكات ~~وحي القلب، ولم يعترف إلى ذلك الوقت بذنوبه، بل تشبث في إلحاح ببراءته. ولقد كانت الخطوة ~~الثانية عندما ارتقى في تطوره فصار يظهر - في خضوع - شعوره بخطيئته إلى ربه، وقد وصل إلى ~~تلك الخطوة فيما بعد، ولكن حدث إذ ذاك أن تدخل عامل آخر فعاقه إعاقة شديدة عن تحرير ضميره ~~تحريرا تاما. # وليس هناك من شك في أن هذه المحاكمة الأوزيرية التي صورت لنا بذلك الوضوح المجسم، ~~مضافا إليها ذلك التقدير العام لعبادة «أوزير» في عهد الدولة الحديثة، يرجعان لدرجة كبيرة ~~إلى نشر الاعتقاد بالمسئولية الخلقية فيما بعد الموت، وإلى تعميم تداول تلك الآراء الخاصة ~~بالقيم السامية للأخلاق الطاهرة النقية، مما شاهداناه سائدا ms253 بين علماء الأخلاق والفلاسفة ~~الاجتماعيين الذين نشئوا في البلاط الفرعوني من عدة قرون خلت في العهد الإقطاعي؛ فإنه بتلك ~~الكيفية قد أضفى مذهب «أوزير» على الأخلاق الفاضلة قوة عظيمة في نظر الشعب، ومع أن بابه كان ~~مفتوحا على مصراعيه ليدخله جميع الناس فإنه كان من واجب الجميع أن يبرهنوا على أهليتهم ~~لرضاء الإله «أوزير» من الناحية الخلقية. # فلو أن الكهنة تركوا الأمر على هذه الحال لكان فيه الخير، ولكن - لسوء الحظ - كان انتشار ~~الاعتقاد في نفع قوة السحر وتأثيرها في الحياة الآخرة لا يزال مستمرا؛ إذ كان المعتقد أن ~~كل النعم المادية يمكن الحصول عليها - من غير نزاع - باستعمال الرقية الملائمة، بل كان في ~~الإمكان كذلك أن يعاد إلى الإنسان بتأثير تلك العوامل السحرية كل شيء حتى العتاد العقلي؛ ~~ألا وهو «القلب» الذي معناه - في اللغة المصرية القديمة - «الفهم» أو «العقل». # فقد رأينا - فيما سبق - كيف أن نفس تلك الرقية التي كانت تمكن الأم الهلوع من منع ~~الشيطان الرجيم من خطف طفلها، كان في الإمكان كذلك استعمالها لمنع أخذ قلب الإنسان منه (أي ~~سلب عقله منه). وقد وضعت الكهنة في «متون التوابيت» في عصر العهد الإقطاعي رقية لذلك الغرض ~~عنوانها: «فصل في عدم السماح بأخذ قلب الرجل منه في العالم السفلي»، وقد أضيفت الآن هذه ~~الرقية إلى كتاب الموتى. وبذلك نجد أن السحر قد دخل إلى عالم جديد، وهو عالم «الضمير» ~~والصفات الشخصية والأخلاق. # وقد أغرت الكهنة أبواب الكسب والارتزاق - التي كانت لا تقف حيلتهم فيها عند حد - على ~~اتخاذ خطوة خطيرة للاحتيال على الكسب؛ ألا وهي السماح لمثل تلك العوامل أن تتدخل بتلك ~~الكيفية في القيم الخلقية، بزعمهم أنه في مقدور السحر أن يصير عاملا للوصول إلى الغايات ~~الخلقية. # وسنرى فيما يأتي أن كتاب الموتى هو على الأخص كتاب للرقى والتمائم السحرية، وأنه حتى ~~الجزء الخاص منه بحساب الآخرة لم يستمر طويلا خاليا من ذلك؛ حيث نجد أن تلك الكلمات ~~المؤثرة التي وجهها «آني» إلى قلبه عندما كان يوزن ms254 بالموازين الأخروية، وهي قوله له: «يا ~~قلبي لا تقم شاهدا ضدي»، صارت تدون إذ ذاك على «جعل مقدس» مصنوع من الحجر (وهو ~~«الجعران») يوضع فوق قلب الميت، حتى يكون بمثابة أمر له نفوذ سحري فعال يمنع القلب من أن ~~ينم على أخلاق المتوفى. # وقد صارت ألفاظ تلك الرقية فصلا مستقلا من فصول كتاب الموتى عنوانه: «فصل لمنع قلب ~~الرجل من معارضته له في العالم السلفي». # وكانت مناظر المحاكمة في الآخرة ومتن إعلان البراءة تنسخ بكثرة على صفحات البردي، يقوم ~~بنسخها الكتبة ثم تباع لكل الناس، ولا يكتب اسم المتوفى في هذه النسخ، بل يترك مكانه خاليا ~~ليملأه المشتري بعد حصوله على تلك الوثيقة. # وكانت كلمات الحكم التي تعلن أن المتوفى قد فاز في المحاكمة وبرئ من كل شر تدون في كل ~~بردية من تلك الصحف. وعلى ذلك كان في إمكان كل إنسان مهما كانت أخلاقه في الحياة الدنيا أن ~~يستولي من الكتبة على شهادة تقول بأن فلانا - الذي ترك مكان اسمه خاليا - كان رجلا ~~فاضلا (يعني من قبل أن يعرف من سيكون فلانا هذا). # وقد كان في مقدور الميت أن يحصل حتى على صيغة سحرية شديدة القوة والتأثير لدرجة تجعل «إله ~~الشمس» - الذي يعتبر القوة الحقيقية الكامنة وراء تلك المحاكمة - يسقط من سماواته في النيل ~~إذا لم يخرج ذلك الميت بريء الساحة تماما من محاكمته. # وبذلك نجد أن أقدم انتشار للأخلاق الفاضلة أمكننا تتبعه في حياة الإنسان القديم، قد توقف ~~فجأة، أو على الأقل قد صدم صدمة عنيفة، بتلك الحيل الممقوتة التي كان يستعملها أولئك ~~الكهنة الدجالون جريا وراء الكسب. # ولسنا في حاجة إلى بيان ما أدى إليه تدخل السحر في ذلك الشأن الديني من الخلط بين ~~العوامل الحقيقية وغير الحقيقية، وذلك الارتباك هو بعينه ما كان ينتج قديما من عجز الإنسان ~~عن فهم الفرق بين «ما يدخل في نفس الإنسان» وبين «ما يخرج منها». # فتلك البراءة التي تصدر صدورا آليا بعوامل خارجية لتنجية الإنسان من العقوبات التي ~~مصدرها من ms255 الخارج، لا يمكن - بطبيعة الحال - أن تزيل الأضرار التي نشأت في باطن الإنسان، ~~وإن الإيحاء الباطني، الذي كان يحس به المصريون الأقدمون أكثر من أية أمة أخرى في الشرق ~~القديم، والذي بنيت عليه كل فكرة عن الحساب الخلقي العسير في عالم الآخرة، لا يمكن محوه ~~بمثل تلك الوسائل الخارجية التي ابتدعها لهم السحر، ولا بد أن الاعتقاد العام الذي سرى في ~~الاعتماد على مثل تلك الحيل، للفرار من المسئولية الخلقية عن حياة مرذولة، قد سمم حياة ~~الشعب الفطرية. # ومع أن كتاب الموتى يكشف لنا أكثر من أي مصدر قبله في تاريخ مصر عن صيغة المحاكم الخلقية ~~في عالم الآخرة وكيفيتها وتوخي المصريين الحقيقة في تصوير المسئولية الخلقية، فإنه كذلك ~~مظهر لمدى انحطاط المبادئ الخلقية في ذلك الوقت، بل إنه بتحول كتاب الموتى إلى سلاح لضمان ~~البراءة الخلقية في عالم الآخرة بدون مراعاة لقيمة أخلاق الشخص نفسه قد صار قوة إيجابية ~~مفسدة. # ويزيد من شر هذا الإنتاج الكهاني (أي كتاب الموتى) أنه ينتظم طائفة من الرقى والتعاويذ ~~السحرية التي يعتقد فيها القوم القدرة على جلب ما يرضي الميت من الحاجات المادية والجثمانية ~~في عالم الآخرة. # وقد ازداد عدد تلك الرقى في عهد الدولة الحديثة، وكان لكل منها عنوانها الدال على ما ~~تؤديه للميت من الأعمال. وقد تكون من هذه الرقى السالفة الذكر، مضافا إليها بعض الأناشيد ~~الدينية القديمة في مديح «رع» و«أوزير» مما كان بعضه ينشد أمام الجنائز، ويحتوي عادة على ~~بعض البيانات عن الحساب في الآخرة، مجموعة كانت تدون إذ ذاك بصفتها متونا جنازية على صحف ~~من البردي وتوضع مع الميت في قبره، وهذه الأوراق البردية هي التي صارت تعرف - عندنا عادة - ~~باسم كتاب الموتى. # والواقع أنه لم يكن موجودا - في عهد الدولة الحديثة - كتاب كهذا يعرف بذلك الاسم، بل ~~كانت كل لفافة بردي تحتوي على مجموعة من المتون الجنازية تؤلف حسبما اتفق مما يقع تحت يد ~~الكاتب، أو من المتون التي كانت سوقها رائجة وقتئذ؛ أي المتون التي كانت ms256 محببة إلى الناس ~~أكثر من غيرها. وقد كانت توجد لفائف فخمة ذات بهاء يبلغ طول الواحدة منها من 60 إلى 80 ~~قدما، وتشتمل على فصول أو رقى يتراوح عددها من 75 إلى 125 أو 130، في حين كان الكتبة من ~~جهة أخرى ينسخون لفائف صغيرة متواضعة، لا يزيد طول الواحدة منها على بضعة أقدام، ولا تحتوي ~~إلا على منتخب صغير من تلك الفصول التي تعد أكثر أهمية من غيرها. والواقع أنه لم توجد بين ~~لفائف ذلك الوقت إلا لفافتان تحتوي كل واحدة منهما على نفس مجموعة التعاويذ التي تشتمل ~~عليها الأخرى، وقد بقي الحال كذلك إلى عهد البطالسة (أي بعد القرن الرابع ق.م بقليل) حينما ~~جمع منتخب شبه معتمد من تلك الفصول تقرر استعماله تدريجا. ومن ذلك يتضح - كما ذكرنا فيما ~~سبق - أنه لم يكن هناك كتاب يعرف باسم كتاب الموتى - بصحيح العبارة - في عهد الدولة ~~الحديثة، بل كانت توجد مجاميع متنوعة فقط من الفصول الجنازية تملأ الأوراق البردية الجنازية ~~التي وجدت في ذلك العصر. وقد بلغ مجموع تلك الفصول أو التعاويذ التي كانت تؤلف منها تلك ~~اللفائف ما يربو على مائتين، مع أن أكبر لفافة منها كانت لا تحتوي على تلك الفصول ~~جميعا. # وقد كان استقلال كل فصل بذاته - أو بعبارة أخرى، تمييز كل فصل عن غيره من باقي الفصول - ~~واضحا في ذلك العهد بفضل اتباع العادة التي جرت بوضع عنوان لكل فصل قبله، وقد كانت بداية ~~تلك العادة في متون التوابيت، حيث وضعت عناوين لبعض فصولها. # وكانت توجد مجاميع من الفصول تتألف منها أكبر نواة متداولة لكتاب الموتى، وتسمى غالبا: ~~«فصول للصعود في النهار»، وهي تسمية نجدها مستعملة في متون التوابيت أيضا. وبالرغم من كل ~~ذلك لم يكن هناك عنوان شائع عن لفافة كاملة لكتاب الموتى باعتباره وحدة شاملة. # ومع أن بعض نبذ ضئيلة من متون الأهرام قد استمرت طويلا مستعملة في كتاب الموتى، فإنه ~~يمكننا القول بأن تلك المتون قد اختفت على وجه عام تقريبا، وأما متون التوابيت ms257 فقد ظهرت ~~ثانية بمقدار عظيم جدا، وساهمت مساهمة كبيرة في تكوين المجاميع المتنوعة التي يتألف منها ~~الآن «كتاب الموتى». # وقد ابتدع في هذه المجاميع عنصر لا نرى له إلا أثرا يسيرا فقط في «متون التوابيت»؛ ذلك ~~هو إضافة صور فاخرة في لفائف الموتى من الدولة الحديثة، تصور حياة المتوفى في عالم ~~الآخرة، وقد كان القوم يعتقدون في تأثير مفعولها اعتقادا عظيما، وبخاصة ما شاهدناه فيما ~~سبق من منظر المحاكمة في الآخرة، الذي صار - إذ ذاك - يصور بهيئة متقنة. # ويمكن القول عن تلك الصور الواردة في كتاب الموتى «بأنها ليست إلا مثالا آخر لإحكام ~~الطرق السحرية بقصد تحسين أحوال الحياة الأخرى.» والواقع أن كتاب الموتى نفسه - على وجه عام ~~- ليس إلا مثلا مركبا بعيد المرمى يوضح مدى اعتماد القوم المتزايد على السحر في الحياة ~~الآخرة. # وكانت المكاسب التي تجبى بتلك الطريقة لا حد لها، ومن الواضح أن ذكاء أولئك الكهنة ~~المرتزقة قد لعب دورا عظيما فيما حدث من التطور بعد ذلك؛ إذ إن أشراف الدولة المترفين لم ~~يروا في تصوير الآخرة بمناظر الفلاحة مستقبلا جذابا؛ إذ كان من الممكن للمتوفى أن يحرث ~~فيها، وأن يزرع ويحصد الثمار من حقله السعيد حيث كانت الحبوب تنمو إلى ارتفاع سبعة أذرع ~~(حوالي 12 قدما). # 8 # فلم يعد يروق في نظر أولئك العظماء المنعمين، في عصر يزخر بالثراء، أن يكلفوا ~~القيام بعمل ما، أو أن يجبروا على الذهاب حتى إلى حقول المنعمين ليكدوا وينصبوا. # ولذلك كانت توجد منذ الدولة الوسطى دمى مصنوعة من الخشب تمثل خدم الميت في الحياة الآخرة، ~~توضع معه في القبر لتقوم بدلا منه بأداء ما يلزمه القيام به من العمل بعد الموت، كما كان ~~يقوم له بذلك خدمه في الحياة الدنيا. # وقد تدرجت هذه الفكرة إذ ذاك بعض الشيء في سبيل التطور، فصارت تصنع تماثيل صغيرة للمتوفى ~~يحمل كل منها حقيبة وفأسا، وكان يدون على صدور مثل تلك التماثيل رقية ماكرة هي: # يا أيتها الدمية # 9 # المتخذة لفلان (هنا يكتب اسم ms258 المتوفى)، إذا نوديت أو إذا طلبت ~~للقيام بأي عمل في العالم السفلي ... فإنك تعدين نفسك لي في كل الأزمان لتزرعي الحقول ~~ولتروي الشواطئ ولتنقلي الرمل من الشرق إلى الغرب، ولتقولي إنني ها هنا. # وهذه الرقية كانت ضمن الرقى التي تدون في بردي المتوفى تحت عنوان: «فصل في جعل الدمية ~~تقوم بعمل المرء في العالم السفلي». # 10 # ثم تفنن القوم في إتقان هذه الحيلة فصار يخصص لكل يوم من أيام السنة دمية ~~من تلك الدمى الصغيرة وتوضع جميعا مع الميت في قبره. وقد عثر على تلك الدمى بمقادير عظيمة ~~في الجبانات المصرية القديمة، حتى إن المتاحف (والمجاميع الخاصة) في كل العالم قد صارت الآن ~~آهلة بها. # ولا غرابة إذن إذا كان كهنة ذلك العصر وكتبته قد انتهزوا تلك الفرصة السانحة لابتزاز ~~أموال الناس حبا في الكسب الذي كان يأتي إليهم بتلك الطريقة السهلة؛ ولذلك ضاعفوا أخطار ~~الآخرة وأهوالها إذ ذاك مضاعفة عظيمة، وادعوا أنه كان في مقدورهم إنقاذ المتوفى لدى كل موقف ~~حرج بالتعويذة الفعالة التي تنجيه من ذلك الخطر حتما؛ فإنه فضلا عن التعاويذ العديدة التي ~~تساعد المتوفى على الوصول إلى عالم الآخرة، كانت توجد أيضا تعاويذ تمنع فقدان المتوفى فمه ~~أو رأسه أو قلبه، وأخرى لتساعده على استذكار اسمه، كما كان منها ما يساعده على التنفس ~~والأكل والشرب، ومنها ما يمنعه أكله لبرازه، ومنها ما يمنع الماء الذي يشربه من أن يتحول ~~إلى لهيب، ومنها ما يحول الظلام نورا، كما كان من التعاويذ ما يحجب عن الميت كل الثعابين ~~والوحوش المؤذية، وغير ذلك كثير من تلك التعاويذ. # وكذلك ازداد الآن موضوع التقمصات التي كان يرغب الميت في أن تتقمصها روحه، وقد وضع فصل ~~صغير لكل حالة يرغبها الميت، ليساعده على أن يتقمص في صورة «صقر من الذهب» أو «صقر إلهي» أو ~~«زنبقة» أو «مالك الحزين (فنكس)» أو «بجعة» أو «الثعبان المسمى ابن الأرض» أو «تمساح» أو ~~«إله»، والأدهى من كل ذلك هو اختراع فصل قوي المفعول يمكن الإنسان باستعماله ms259 أن يتخذ لنفسه ~~أي شكل يريده. # فمن مثل ذلك الإنتاج الذي تقدم ذكره يتألف الجزء الأعظم من مجموعة المتون التي نسميها ~~الآن «كتاب الموتى»، فإذا سميناه بعد ذلك «إنجيل المصريين الأقدمين» # 11 # نكون إذن قد أسأنا فهم وظيفة هذه اللفائف ومحتوياتها. # وإن ذلك الاتجاه الذي نتجت عنه تلك المجموعة من التعاويذ أو الرقى، وهي التي يطلق عليها ~~اسم «فصول»، نجده ظاهرا أيضا بشكل مميز في كتابين آخرين يكون كل منهما وحدة متماسكة ~~متصلة؛ وأولهما «كتاب الطريقين»، ويرجع عهده - كما تقدم ذكره - إلى عصر الدولة الوسطى، وقد ~~ساهم ذلك الكتاب من قبل مساهمة عظيمة في تأليف كتاب الموتى فيما يختص بالبوابات النارية ~~التي كان يمر بها المتوفى حتى يصل إلى عالم الآخرة، وإلى الطريقين اللذين كان يسير فيهما في ~~سياحته. # وعلى أساس مثل تلك التصورات أنتج خيال الكهنة أيضا «كتاب الموجودين في العالم السفلي أو ~~ما في العالم السفلي». وهذا الكتاب يصف لنا الرحلة السفلية التي تقوم بها الشمس خلال الليل ، ~~حينما تخترق الممرات ذات الكهوف الاثني عشر التي في أسفل الأرض، وكل منها تمثل مسيرة ~~ساعة. وباجتياز الاثني عشر كهفا تنتهي الشمس من آخر مطافها وتبلغ النقطة التي تطلع منها في ~~الشرق صباحا. # وأما الكتاب الثاني فيسمى عادة باسم «كتاب البوابات»، وهو يمثل الوصول إلى كل من الاثني ~~عشر كهفا بالدخول إلى كل كهف من بوابته، وهو خاص باجيتاز تلك البوابات. # 12 # ومع أن تلك التصانيف لم تنتشر قط الانتشار الذي حظي به «كتاب الموتى» فإنها كانت تعد - مع ~~ذلك - كتب إرشاد سحرية ألفها الكهنة للكسب كما فعلوا في معظم الفصول التي يتألف منها ~~«كتاب الموتى». # والأمر الذي خلص «كتاب الموتى» نفسه من وصمة أنه كتاب سحري وكفى يستعمل في عالم الآخرة، ~~هو بسطه للآراء القديمة الخاصة بالمحاكمة الخلقية في عالم الآخرة وتقديره الظاهر لمسئولية ~~«الضمير». # وقد رأينا فيما تقدم أن علاقة الإنسان بالآلهة كانت قد صارت من قبل حلول العهد الإقطاعي ~~شيئا أكثر من إقامته للشعائر الدينية الظاهرة، فالآن ms260 قد أصبحت هذه العلاقة أمرا يتعلق ~~بالقلب والأخلاق. # ولقد كان الشعور الخلقي عند المصري قويا جدا، لدرجة أنه لم يجعل قيمة الحياة الفاضلة ~~موقوفة على قبوله عند «أوزير» في عالم الآخرة فحسب، ومن ذلك يتضح لنا تقصير النظرية ~~الأخلاقية الأوزيرية، التي تأمر الإنسان بالتفكير في العواقب الخلقية في عالم الآخرة فقط. ~~فإن «أوزير» لم يخرج عن كونه إله الموتى كما ذكرنا ذلك كثيرا فيما تقدم، وقد نادى فلاسفة ~~الاجتماع الأقدمون في العهد الإقطاعي بالفضائل التي شرعها «رع» إله الشمس، وطالبوا بالعدالة ~~الاجتماعية في هذا العالم كما طالب بها «رع». # ولم يعدم أولئك الفلاسفة بعض الأخلاف في عهد الدولة الحديثة، ممن رأوا في المذهب الشمسي ~~واجبا يحتم عليهم أن يحيوا حياة حقة في هذه الدنيا، كما أدركوا أنه ينالهم الثواب في ~~الدنيا إذا عاشوا عيشة صالحة، فإله الشمس لم يكن - بوجه خاص - إله الموتى، بل كان الإله ~~الذي يحكم في شئون البشر الدنيوية، وقد شعر الناس بالمسئولية الخلقية التي فرضها عليهم «رع » ~~في كل ساعة من حياتهم الدنيوية؛ فحوالي سنة 1400ق.م وجه أحد مهندسي الملك «أمنحتب الثالث» ~~أنشودة مدح إلى إله الشمس، قال: # لقد كنت قائدا مغوارا بين آثارك، مقيما العدل لقلبك # وإني أعلم أنك مستريح للعدالة # وأنك تجعل من يقيمها على الأرض عظيما # ولقد أقمتها، ولذلك جعلتني عظيما. # وكذلك حينما كان الفرعون يعقد يمينا، فإنه كان يحلف «بحب «رع» لي وبمقدار عطف والدي ~~«آمون» علي» (وقد وحد «آمون» مع «رع» منذ زمن بعيد). # كما أن الفاتح «تحتمس الثالث»، عندما كان يقسم بذلك القسم توكيدا لما يقوله وتعظيما ~~لاحترامه للصدق عند الإله، يشير عند حلفه إلى وجود إله الشمس، هكذا: # لأنه يعرف السماء ويعرف الأرض # ويرى جميع العالم في كل ساعة. # ومع أنه من الأمور المسلم بها أن عالم الآخرة السفلي في المذهب الأوزيري يصور لنا إله ~~الشمس بأنه ينتقل من كهف إلى كهف تحت الأرض، مارا في عالم «أوزير» السفلي وجالبا معه ~~النور والفرح إلى الساكنين هناك، فإن تلك الفكرة ms261 لم تكن معروفة في اللاهوت الشمسي كما هو ~~مذكور في «متون الأهرام». # والواقع أن إله الشمس كان يعتبر في عهد الدولة الحديثة قبل كل شيء إله عالم الأحياء من ~~البشر، حاضرا معهم، نشطا في مراقبة شئونهم الدنيوية على الدوام؛ ولذلك كان الناس يشعرون ~~بمسئوليتهم أمامه الآن وفي هذه الحياة الدنيا. وكانت سيطرته تلك قد تعمقت في قلوب الناس ~~واتسع أمامها المجال باتساع أفق ذلك العهد الإمبراطوري، إلى أن انبثق لأول مرة في تاريخ ~~العالم، لأعين سكان وادي النيل القدامي، فجر رؤية الإله العالمي. # الفصل الخامس عشر # | السيادة العالمية وأقدم عقيدة للتوحيد # لقد ترك النفوذ الاجتماعي مدة العهد الإقطاعي في مصر أعظم أثر له في الدين والأخلاق، كما ~~فعل ذلك من قبل النفوذ السياسي؛ أي الحكومة المصرية في عصر الأهرام. وكلا الأثرين كانا ~~منحصرين في القطر المصري. # حقا إن عصر الأهرام قد اهتدى إلى فكرة - مبهمة نوعا - عن دولة إله الشمس ذات الاتساع ~~الشاسع المدى، وخوطب إله الشمس في «متون الأهرام» مرة باللقب الطنان «الذي لا حد له». كما ~~رأينا أن عصر الأهرام كان قد أوجد، بالإدراك الاجتماعي الذي قام به أمثال «بتاح حتب» دولة ~~للقيم الخلقية العامة، وفي إعطاء إله الشمس السيادة على مثل هذه الدولة دليل على أن ~~المصريين كانوا قد بدءوا يسيرون بالفعل في الطريق المؤدي إلى «التوحيد». كما أننا نتذكر مما ~~سبق أن نصائح الملك الأهناسي المجهول الاسم قد سارت بالمصريين شوطا بعيدا في ذلك الطريق، ~~وقد كان وقتئذ في مقدور المصريين بما تصوروه من النظام الإداري الخلقي العظيم، الذي أوجدوا ~~له من قبل كلمة تدل عليه، أن يتقدموا نحو الوصول إلى المعرفة التامة للوحدانية. # ولكن على الرغم من ذلك قد بقي هذا النظام الخلقي في عصر الأهرام فكرة قومية لم يمتد ~~نظامها حتى يشمل العالم كله. # فقد كان إله الشمس يحكم مصر فحسب، حيث نجده في أنشودة الشمس العظيمة بمتون الأهرام يقف ~~حارسا على الحدود المصرية، فيقيم هناك الأبواب التي تمنع الأجانب من دخول مملكته ~~المحروسة. ms262 # وكان إله الشمس في عصر الأهرام أيضا قد بدأ عملية إدماج آلهة مصر الآخرين في ذاته، وهي ~~عملية استحالت حتى في ذلك العصر السحيق إلى صورة قومية من العقيدة الحلولية القومية التي ~~تقول بأن الإله يحل في كل شيء، وبأن جميع الآلهة تستحيل في النهاية من حيث الأشكال والوظائف ~~إلى وحدة واحدة، ولكنه مع تلك العملية وبالرغم من استمرارها طويلا، فقد تركت دولة ذلك ~~الإله العظيم مقصورة على مصر؛ ولذلك كان هذا الإله بعيدا كل البعد عن أن يكون إلها ~~عالميا. # والواقع أن المصريين ظلوا إلى ذلك العهد غير مدركين للفكرة العالمية؛ أي لفكرة ~~الإمبراطورية العالمية، التي يمكنهم أن يسيطروا عليها بحاكم دنيوي واحد. # ولكن تأثيرات البيئة المقصورة على حدود وادي النيل كانت قد امتدت إلى أقصى مداها، وإذا ~~بمسرح الفكر والعمل ينفسح للقوة القومية، بتلك التوسعات الخارجية الرائعة؛ فإن اللاهوت ~~الشمسي السريع الاندماج والتجاوب مع أحوال ذلك العالم الصغير المكون من وادي النيل، قد دل ~~على أنه لا يقل حساسية وتجاوبا مع ذلك العالم الأكبر الجديد الذي وصل الأفق المصري إلى ~~مداه. # وإن توسع مصر الإمبراطوري شمالا وجنوبا، إلى أن شمل سلطان الفرعون الأقطار الآسيوية ~~والأفريقية المجاورة، وكون منها أول إمبراطورية ثابتة الأركان في التاريخ، لهو أبرز حقيقة ~~في تاريخ الشرق في القرن السادس عشر قبل الميلاد. كما يعد توطيد تلك السلطة على يد «تحتمس ~~الثالث» في مدى عشرين سنة بما قام به من الغزوات في آسيا، حادثا عظيما في تاريخ العاهليات ~~الحربية، نرى فيه لأول مرة في تاريخ الشرق مدى ما تستطيعه القوات العاملة المنظمة لدولة ~~عظيمة. # إذ إن تلك القوات بهجومها المتواصل على ممالك آسيا الغربية قد جعلت السيادة المصرية لا ~~ينازعها منازع، من الجزر الإغريقية فسواحل آسيا الصغرى ومرتفعات أعالي نهر الفرات شمالا، ~~إلى الشلال الرابع لنهر النيل جنوبا. # وقد ذكر ذلك القائد الحربي العظيم نفسه تلك الملاحظة التي اقتبسناها آنفا عن إلهه، وهي ~~التي قال عنه فيها: «إنه يرى جميع العالم في كل ساعة.» # وإذا ms263 كان ذلك القول صحيحا فما ذلك إلا لأن سيف ذلك الفرعون كان قد مد سلطان إله مصر حتى ~~نهاية حدود الإمبراطورية المصرية، بل إن «تحتمس الأول» قد أعلن قبل ذلك العهد بخمسين سنة أن ~~ملكه يمتد «إلى نهاية ما تحيط به الشمس». وقد كان القوم في عهد الدولة القديمة يتصورون أن ~~إله الشمس هو فرعون، ومملكته في مصر، فلما اتسع نطاق المملكة المصرية وصارت عاهلية عالمية ~~كان من المحتم كذلك أن يمتد سلطان الإله بهذا القدر. ولما كانت الملكية قد انبثت مظاهرها في ~~العقائد الدينية منذ زمن بعيد، فكان لا بد للإمبراطورية كذلك من أن تؤثر تأثيرا قويا في ~~الفكر الديني. # ومع أن ذلك قد جرى بكيفية آلية لا تكاد تحس، فإنه ~~كان مصحوبا باستيقاظ عقلي هز التقاليد المصرية القديمة من أساسها، وجعل رجال ذلك العصر ~~يفكرون في عالم من التفكير أوسع أفقا من قبل، فقد مضى على إله الشمس ألفا سنة وخمسمائة وهو ~~فرعون مصري؛ أي فرعون حاكم لمصر، ولكن بعد سنة 1600ق.م صار ذلك الفرعون سيدا على العالم ~~المتحضر إذ ذاك. وكان «تحتمس الثالث» الفاتح أول شخصية ظهرت لها نواح عالمية في التاريخ ~~البشري، ويعتبر بذلك أول بطل عالمي، ومن ثم كان له تأثير عميق في عصره، وتمثلت فكرتا ~~السيطرة والإمبراطورية العالميتين مجتمعتين بصورة ظاهرة ملموسة في حياته، وقد ظهرت آنئذ ~~بوادر للعالمية في لاهوت الدولة يرجع سببها المباشر إلى تلك التأثيرات التي أحدثتها شخصية ~~«تحتمس الثالث» وأخلاقه. وقد اضطرت مصر إلى الخروج من عزلتها العريقة في القدم في أحضان ~~واديها الضيق والاشتراك في العلاقات العالمية التي كان لا بد أن يحسب لها في لاهوت ذلك ~~العصر حساب فعال؛ إذ إنها - كما أوضحنا - علاقات كان لإله الشمس بها صلة لا انفصام ~~لها. # أما العلاقات التجارية التي كانت قائمة منذ أزمان سحيقة جدا فلم تكن كافية لإدخال ~~العالم الخارجي في دائرة التفكير المصري بدرجة محسوسة، فقد كانت أطراف ممتلكات الآلهة محددة ~~ومحصورا أقصاها في تخوم وادي النيل الخارجية، وذلك ms264 منذ زمن بعيد، وقبل أن يصير العالم ~~الخارجي مألوفا لسكان وادي النيل، فلم يكن في مقدور المعاملات التجارية وحدها مع عالم أوسع ~~من مصر أن يزحزح تقاليد البلاد عما كانت عليه، فكم من تاجر رأى حجرا يسقط في «بابل» ~~النائية كما رأى مثله يسقط في «طيبة» المصرية أيضا، ولكنه مع ذلك لم يخطر بباله، ولا ببال ~~أي رجل آخر في ذلك العصر العتيق، أن القوة الطبيعية التي تجذب الحجر الساقط هي واحدة في ~~كلتا هاتين المملكتين اللتين تفصلهما مسافات شاسعة؛ إذ كان العالم في الواقع وقتئذ لا يزال ~~بعيدا جدا عن زمن ذلك الصبي الراقد تحت شجرة التفاح، # 1 # الذي كشف عن قوة عالمية وراء سقوط التفاحة. وكم من تاجر في ذاك العصر أيضا قد ~~رأى الشمس تبزغ خلف معابد «بابل» البرجية كما كانت تبزغ بين المسلات المتجمعة في «طيبة»، ~~ولكن تفكير ذلك العصر لم يكن قد وصل بعد إلى إدراك مثل هذه الحقائق ذات الأثر البعيد، وذلك ~~بالرغم مما قاله «تحتمس » الفاتح عن إله الشمس: «إنه يرى جميع العالم في كل ساعة.» # فإن العالمية التي تصورها أولا خيال رجال الإمبراطورية المفكرين وكشفت لهم المجال ~~العالمي الطبيعي لدولة إله الشمس هي العالمية كما بدت في السلطة العاهلية، أما التوحيد فليس ~~إلا العاهلية في الدين. # وعلى ذلك لم يكن من باب الحدس أو الصدفة أن نجد أن أول هذه التصورات حوالي سنة 1400ق.م في ~~عهد «أمنحتب» # 2 # الثالث الذي كان أعظم أباطرة مصر أبهة؛ إذ نجد أن توأمين من رجال العمارة هما ~~«سوتي» و«حور» كانا يعملان في «طيبة» لحساب الملك «أمنحتب» الثالث، وقد تركا لنا أنشودة ~~للشمس على لوحة توجد الآن في المتحف البريطاني، وهذه الأنشودة توضح لنا مدى ميل ذلك العصر ~~والمجال الآخذ في الاتساع، والذي كان ينظر به رجال الإمبراطورية إلى العالم مدركين مبلغ ~~امتداد دولة إله الشمس التي لا حد لها. # وهذه الأنشودة الشمسية تحتوي على الأسطر الآتية الجليلة المعنى، وهي: # إنك صانع مصور لأعضائك بنفسك # ومصور دون ms265 أن تصور # منقطع القرين في صفاته مخترق الأبدية # مرشد الملايين إلى السبل. # وعندما تقلع في عرض السماء يشاهدك كل البشر ~~(رغم أنك) في ذهابك خفي عن أنظارهم # إنك تجتاز سياحة مقدارها فراسخ # بل مئات الآلاف وملايين المرات # وكل يوم تحتك (تحت سلطانك) # وحينما يأتي وقت غروبك، # فإن ساعات الليل تصغي إليك أيضا # وعندما تجتازها فإن ذلك لا يكون نهاية كدك # وكل الناس تنظر بواسطتك # أنت خالق الكل ومانحهم قوتهم # أنت أم نافعة للآلهة والبشر # وأنت صانع مجرب ... # وراع شجاع يسوق ماشيته # وأنت ملجؤها ومانحها قوتها ~~... ... ... ... # هو الذي يرى ما خلق # والسيد الأحد الذي يأخذ جميع الأراضي أسرى كل يوم # بصفته واحدا يشاهد من يمشون عليها # مضيء في السماء وكائن كالشمس # وهو يخلق الفصول والشهور # فالحرارة عندما يريد # والبرد عندما يشاء # فكل بلاد في فرح عند بزوغه كل يوم، لكي تسبح له. # ومن الواضح في مثل هذه الأنشودة أن مدى جولة إله الشمس الشاسع حول كل البلاد، وفوق كل ~~شعوب الأرض، قد لقي في النهاية اهتماما ... وأنه قد اتخذت الخطوة الأخيرة وهي مد سلطان إله ~~الشمس على كل الأراضي والشعوب. # ولم تصل إلينا وثيقة أقدم منها مما أنتجه التفكير المصري تضم تعبيرات صريحة يتمثل فيها ~~ذلك التفكير كالتي نجدها هنا في قوله: # السيد الأحد الذي يأخذ جميع الأراضي أسرى كل يوم # بصفته واحدا يشاهد من يمشون عليها. # ومن الأمور الهامة أن نلاحظ أيضا أن ذلك الاتجاه كانت له علاقة مباشرة بالحركة ~~الاجتماعية في العصر الإقطاعي المصري؛ إذ نجد أن النعوت التي نعت بها إله الشمس، نحو ~~قوله: # الراعي الشجاع الذي يسوق ماشيته # وهو ملجؤها ومانحها قوتها. # ترجع بنا إلى عهد النصائح التي وجهت إلى «مريكارع»، وهي التي سميت فيها الناس «قطعان ~~الإله»، كما ترجع بنا أيضا إلى أفكار «إبور» حيث يقول: «إنه راع لجميع الناس.» # ومثله النعت الآخر الخطير الشأن وهو قوله: «أم نافعة للآلهة والبشر.» فإنه يحمل في ثناياه ~~فكرة مشابهة تشعر بالاهتمام ببني البشر؛ أي إن النواحي الإنسانية في ms266 سلطان إله الشمس، التي ~~اشترك في إيجادها بوجه خاص رجال الفكر في العهد الإقطاعي، لم تختف بين العوامل السياسية ~~القوية لذلك التسلط العالمي الجديد. # وحدث أنه عندما خلف «أمنحتب الرابع» والده «أمنحتب الثالث» حوالي سنة 1370ق.م، قام نزاع ~~شديد بين البيت المالك من جهة وبين نظام الكهانة الذي كان على رأسه الإله «آمون» من الجهة ~~الأخرى. وقد كان من الواضح أن ذلك الملك الشاب ينحاز إلى معاضدة جانب إله الشمس القديم ضد ~~الجانب المنتصر للإله «آمون»، الذي كان رجال كهانته الطيبيون الأقوياء قد أخذوا يدعون ~~إلههم الذي كان من قبل إلها محليا خامل الذكر باسم مركب هو «آمون رع»، مدللين بذلك على ~~أنه صار موحدا مع إله الشمس «رع». وقد أخذ «أمنحتب الرابع» في باكورة حكمه يناصر في ~~حماسة فكرة جديدة للمذهب الشمسي ربما كانت نتيجة أريد بها التوفيق بين المذهبين. # وفي الوقت الذي كان فيه موقف البلاد المصرية السياسي في آسيا في غاية الحرج، أخذ الملك ~~ينهمك بكل حماسة في تعضيد التسلط العالمي لإله الشمس الذي أدركنا كنهه في أيام والده، ~~فأعطى هذا الملك إله الشمس اسما جديدا خلص به المذهب الجديد من التقاليد المحفوفة بخطر ~~الشرك في اللاهوت الشمسي القديم، فصار إله الشمس يسمى «آتون»، وهو اسم قديم يطلق على الشمس ~~المجسمة. # ومن المحتمل أن هذه التسمية لا تدل إلا على قرص الشمس فقط. وهذا الاسم الجديد ذكر مرتين ~~في أنشودة رجلي عمارة «أمنحتب الثالث» التي اقتبسنا منها جزءا فيما تقدم، كما لاقى بعض ~~الإقبال في عهد ذلك الملك؛ إذ قد سمى به أحد قواربه الملكية «آتون يسطع». # ولم يقتصر الحال على إعطاء إله الشمس اسما جديدا، بل منحه ذلك الملك الشاب كذلك رمزا ~~جديدا؛ فقد ذكرنا فيما مر سابقا أن أقدم رمز لإله الشمس كان الشكل الهرمي، كما كان يرمز ~~له كذلك بالصقر؛ لأن الصقر من أسمائه. # على أن هذين الرمزين كانا مفهومين بين سكان وادي النيل فقط، ولكن «أمنحتب الرابع» كان في ~~مخيلته وقتئذ مسرح أفسح ms267 وأوسع من القطر المصري؛ إذ إن الرمز الجديد قد مثل لنا الشمس بقرص ~~تخرج منه أشعة متفرقة متجهة إلى أسفل، كل شعاع منها ينتهي طرفه بصورة يد بشرية. # 3 # وقد كان ذلك الرمز يشعر بالسيادة، ويدل على السيطرة القوية الخارجية من منبعها السماوي ~~وهي تضع أيديها فوق العالم وعلى شئون البشر الأرضية، هذا فضلا عن أن أشعة إله الشمس منذ ~~عصر متون الأهرام قد شبهت بذراعين له، واعتبرها الناس إذ ذاك نائبة عنه في الأرض: # إن ذراع أشعة الشمس قد رفعت مع الملك «وناس». # صاعدة به إلى السماوات. # وقد كان ذلك الرمز الجديد سهل الفهم لكل البشر الذين يسيطر عليهم الفرعون، كما كان معناه ~~واضحا كل الوضوح، حتى إنه كان في استطاعة سكان نهر الفرات أو رجال بلاد النوبة على النيل ~~السوداني أن يدركوا عظم شأنه على الفور، بمعنى أن ذلك الرمز لم تقتصر دلالته على السيطرة ~~العالمية فحسب، بل صار خليقا أن يكون رمزا عالميا إلى أقصى حد. # وكذلك بذلت بعض الجهود لتعريف القوة الشمسية التي رمز لها بتلك الصورة، فقد كان اسم ~~إله الشمس الكامل: «حور أختي» (حور الأفق) فرحا في الأفق باسمه (الحرارة التي في «آتون»). # وكان ذلك الاسم يوضع في طغراءين ملكيين، مثل اسم الفرعون المزدوج (يعني اسمه ولقبه). وهذا ~~الوضع مأخوذ من مشابهة سلطان آتون لسلطان الفرعون، كما أنه برهان آخر يدل بوضوح على التأثير ~~الذي أوجدته الإمبراطورية المصرية بصفتها الحكومية في مذهب اللاهوت الشمسي. غير أن الاسم ~~الموضوع في الطغراءين حدد لنا بوجه عام مقدار القوة المحسوسة الواقعية للشمس في العالم ~~الظاهر، ولم تكن له أية دلالة سياسية قط. # والكلمة المصرية القديمة التي ترجمتها في اسم ذلك الملك «حرارة» قد يكون معناها أحيانا ~~«نورا» أيضا، ومن الواضح أن ما كان الملك يعبده هو قوة الشمس التي نشعر بها على الأرض. ~~وهذه النتيجة تنسجم مع العبارات العديدة التي سنجدها في أناشيد «آتون»، وهي التي نرى فيها ~~«آتون» نشطا باسطا أشعته على كل مكان فوق وجه ms268 الأرض. # ومع أنه من الواضح أن ذلك المذهب الجديد قد استقى ~~وحيه من مدينة «هليوبوليس»، حتى إن الملك الذي اتخذ لنفسه منصب الكاهن الأعظم للإله «آتون» ~~سمى نفسه «الناظر الأعظم»، وهو نفس لقب كاهن «هليوبوليس» العظيم، فإنه بالرغم من ذلك كان ~~قد أزال معظم سقط المتاع القديم من الطقوس التي كانت تتألف منها ظواهر اللاهوت التقليدية، ~~ولذلك نرانا نبحث عبثا في ذلك اللاهوت الجديد عن القوارب الشمسية، كما نرانا نبحث عبثا عن ~~باقي الإضافات التي أدخلت فيما بعد على المذهب الشمسي مثل السياحة في كهوف الأموات ~~السفلية، وغير ذلك، فإنها كلها قد محيت منه جملة. # فإذا كان الغرض الذي رمت إليه حركة مذهب «آتون» هو التوفيق بينها وبين كهنة «آمون» فإنها ~~قد فشلت، وقام بينهم ألد الخصام، الذي اشتد وبلغ الذروة عندما صمم الملك على أن يتخذ من ~~«آتون» إلها واحدا للإمبراطورية المصرية ويقضي على عبادة «آمون». وقد نتج عن ذلك المجهود ~~الذي بذل لمحو كل الآثار الدالة على وجود «آمون» (ذلك الإله الحديث العهد) أن اتخذت ~~إجراءات غاية في التطرف؛ إذ نجد أن الملك قد غير اسمه من «أمنحتب» (يعني «آمون» مرتاح أو ~~راض) إلى «إخناتون» (يعني «آتون» راض)، وذلك الاسم الجديد الذي اتخذه الملك لنفسه هو ~~ترجمة للاسم القديم للملك إلى ما يماثله في المعنى في مذهب «آتون»، هذا من جهة، وكان اسم ~~«آمون» من الجهة الأخرى يمحى أينما وجد فوق آثار «طيبة» العظيمة، حتى إن الملك، تنفيذا ~~لفكرته هذه، لم يحترم في ذلك حتى ولا اسم والده الملك «أمنحتب الثالث»، مع أن الأمر لم يكن ~~قاصرا على محو اسم «آمون»، بل تعداه حتى إلى كلمة الآلهة (بصفتها جمع إله) فكانت تمحى ~~أيضا أينما وجدت (كأنه رأى أن الجمع مظنة لتعدد الآلهة فمحاه)، وكذلك عوملت أسماء سائر ~~الآلهة الآخرين معاملة «آمون» فكان مصيرها المحو. # وقد هجر الملك «إخناتون» طيبة برغم ما كان لها من السيادة والأبهة عندما وجد الارتباك ~~فيها بالتقاليد اللاهوتية القديمة أكثر مما يحتمل، وأقام لنفسه ms269 حاضرة جديدة في منتصف الطريق ~~بين «طيبة» والبحر تقريبا، في بقعة تعرف في وقتنا هذا باسم «تل العمارنة»، وسماها ~~«أخيتاتون» (أفق آتون)، كما أسس في بلاد النوبة مدينة لآتون مشابهة لها، ومن المحتمل جدا ~~أنه أقام مدينة أخرى لذلك الإله في آسيا، وبذلك صار لكل من الثلاثة الأجزاء العظيمة التي ~~تتألف منها الدولة؛ وهي مصر والنوبة وسوريا، مقر لمذهب «آتون»، وقد بنيت كذلك معابد أخرى ~~لآتون في أماكن مختلفة من مصر نفسها. # ولم يتم ذلك طبعا دون تأليف حزب قوي من رجال البلاط الملكي يمكن للملك به أن يناهض أولئك ~~الكهنة المنبوذين، وبخاصة كهنة «آمون». وقد أثرت الفتنة التي نتجت عن ذلك الانقلاب بلا شك ~~تأثيرا خطيرا في قوة البيت المالك؛ إذ كان حزب ذلك البلاط الذي نما إذ ذاك في ظل ~~«إخناتون» يعمل معه متضامنين على نشر ذلك المذهب الديني الجديد، الذي يصح أن تعد قصته أروع ~~الفصول وأكثرها إمتاعا في تاريخ الشرق القديم، يدلنا على ذلك ما بقي من نقوشه على جدران ~~تلك المقابر التي نحتها الملك في الصخر لأشراف رجاله قبالة الجبال المنخفضة التي تقع في ~~الهضبة الشرقية القائمة خلف تلك المدينة الجديدة. والواقع أننا مدينون لمقابر مثل هؤلاء من ~~أعوان الملك بمعلوماتنا عن مشتملات تلك التعاليم الهامة التي كانت تنشر في تلك الآونة، وهي ~~تحتوي على سلسلة أناشيد في مدح إله الشمس، كما تحتوي على مديح إله الشمس والملك بالتبادل. ~~وهذه التعاليم تمدنا على الأقل بلمحة عن عالم الفكر الجديد، الذي نشاهد فيه ذلك الملك الشاب ~~وأعوانه رافعين أعينهم نحو السماء محاولين بذلك إدراك مجالي الذات الإلهية في بهائها الذي ~~لا حد لقوته ولا نهاية، وهي الإلهية التي لم يعد سلطانها منحصرا في وادي النيل، بل امتد ~~بين جميع البشر وفي العالم كله. # ولا يمكننا الآن أن نأتي بشيء عن هذه السانحة أفصح من تلك الأناشيد، التي تقص علينا ~~بنفسها شيئا عن تلك التعاليم، وأطول أنشودة بينها وأهمها هي الآتية: # 4 # بهاء «آتون» وقوته العالمية تشرق ms270 وتضيء # أنت تبزغ بجمالك في أفق السماء # أنت يا «آتون» الحي الذي كنت في أزلية الحياة # فحينما كنت تطلع في الأفق الشرقي # كنت تملأ كل البلاد بجمالك # أنت جميل وعظيم ومتلألئ ومشرق فوق كل أرض # وأشعتك تحيط بالأرضين حتى نهاية جميع مخلوقاتك # أنت «رع»، # 5 # وأنت تخترق حتى نهايتها القصوى (يعني الأرضين) # وأنت توثقهم (يعني البشر) لابنك المحبوب (الفرعون) # ورغم أنك قصي جدا فإن أشعتك فوق الأرض # ورغم أنك تجاه البشر فإن خطواتك خفية (عنهم). # الليل والإنسان # الأنشودة # وحينما تغيب في أفق السماء الغربي فإن الأرض تظلم كالموات # فينامون في حجراتهم # ورءوسهم ملفوفة # ومعاطسهم مسدودة # ولا يرى إنسان الآخر # في حين أن أمتعتهم تسرق # وهي تحت رءوسهم # وهم لا يشعرون بذلك. # المزامير # تجعل ظلمة فيكون ليل فيه يدب كل حيوان وعر. ~~(المزمور 104-20) # الليل والحيوان # الأنشودة # وكل أسد يخرج من عرينه (ليفترس) # وكل الثعابين تنساب لتلدغ # والظلام يخيم # والعالم في صمت # في حين أن الذي خلقهم ق في أفقه. # المزامير # الأشبال تزمجر لتخطف ولتلتمس من الله طعامها. ~~(المزمور 104-21) # النهار والإنسان # الأنشودة # الأرض زاهية حينما تشرق في الأفق # وعندما تضيء بالنهار مثل «آتون» # فإنك تقصي الظلمة إلى بعيد # وحينما ترسل أشعتك # تصير الأرضان (مصر) في عيد # والناس يستيقظون ويقفون على أقدامهم # عند إيقاظك لهم # وبعد غسلهم لأجسامهم يلبسون ثيابهم # ثم يرفعون أذرعتهم تعبدا لطلعتك # ثم بعد ذلك يقومون إلى أعمالهم في كل العالم. # المزامير # تشرق الشمس فتنصرف وفي مأويها تربض، الإنسان يخرج إلى عمله وإلى شغله إلى ~~المساء. ~~(المزمور 104-22 و23) # النهار والحيوان والنبات # الأنشودة # وجميع الماشية ترتع في مراعيها # والأشجار والنباتات تينع # والطيور في مستنقعاتها ترفرف # وأجنحتها منتشرة تعبدا لك # وجميع الغزلان ترقص على أقدامها # وجميع المخلوقات التي تطير أو تحط # تحيا عندما تضيء عليها. # النهار والمياه # الأنشودة # والسفن تقلع في النهر صاعدة # أو منحدرة فيه على السواء # وكل فج مفتوح؛ لأنك أشرقت # والسمك يثب في النهر أمامك # وأشعتك تنفذ إلى وسط البحر # الأخضر العظيم # هذا البحر الكبير الواسع ms271 الأطراف # هناك دبابات بلا عدد. # المزامير # صغار حيوان مع كبار. # هناك تجري السفن، لوياثان # هذا خلقته ليلعب فيه. ~~(المزمور 104-25 و26) # خلق الإنسان # الأنشودة # أنت خالق الجرثومة في المرأة # والذي يذرأ من البذرة أناسيا # وجاعل الولد يعيش في بطن أمه # ومهدئا إياه حتى لا يبكي # مرضعا إياه حتى في الرحم # وأنت معطي النفس حتى تحفظ الحياة على كل إنسان خلقته # وحينما ينزل من الرحم (أمه) في يوم ولادته # فأنت تفتح فمه كلية # وتمنحه ضروريات الحياة. # خلق الحيوان # الأنشودة # وحينما يصير الفرخ في لحاء البيضة # فأنت تعطيه نفسا ليحفظه حيا في وسطها # وقد قدرت له ميقاتا في البيضة ليخرج منها # وهو يخرج من البيضة في ميقاته (الذي قدرته له) # فيصيح ويمشي على رجليه حينما يخرج منها. # الخلق العالمي # الأنشودة # ما أكثر تعدد أعمالك # إنها على الناس خافية # يا أيها الإله الأحد # الذي لا يوجد بجانبه إله آخر # لقد خلقت الأرض حسب رغبتك # وحينما كنت وحيدا (لا شيء غيرك) # خلقت الناس وجميع الماشية والغزلان # وجميع ما على الأرض # مما يمشي على رجليه # وما في عليين مما يطير بأجنحته # وفي الأقطار العالمية سوريا # وكوش وأرض مصر # فإنك تضع كل إنسان في موضعه # وتمدهم بحاجاتهم # وكل إنسان لديه قوته # وأيامه معدودات # والألسنة في الكلام مختلفة # وكذلك تختلف أشكالهم وجلودهم # لأنك تخلق الأجانب مختلفين. # الأنشودة # ما أعظم أعمالك يا رب # كلها بحكمة صنعت # ملآنة الأرض من غناك. ~~(المزمور 104-24) # ري الأراضي في مصر وخارجها # الأنشودة # أنت تخلق النيل في العالم السفلي # وأنت تأتي به كما تشاء # ليحفظ أهل مصر أحياء (كلمة أهل التي استعملت هنا مقصورة في اللغة على أهل ~~مصر) # لأنك خلقتهم لنفسك # وأنت سيدهم جميعا # وأنت الذي تنهك # 6 # نفسك من أجلهم # وأنت رب كل قطر # و(أنت) الذي تشرق من أجلهم # وأنت شمس النهار عظيم الافتخار # وجميع الأقطار العالية القاصية # أنت تخلق حياتها أيضا # لقد وضعت نيلا في السماء # وحينما ينزل لهم يصنع أمواجا فوق الجبال # مثل البحر الأخضر العظيم # فيروي حقولهم في ms272 مدنهم # ما أكرم مقاصدك يا رب الأبدية! # ويوجد نيل في السماء للأجانب # ولأجل غزلان كل الهضاب التي تتجول على أقدامها # أما النيل فإنه يأتي من العالم السفلي لمصر. # فصول السنة # الأنشودة # أشعتك تغذي كل بستان (كلمة التغذية هنا تعني تغذية الأم لطفلها) # وعندما تبزغ فإنها تحيا # فهي تنمو بك # أنت تخلق الفصول # لأجل أن ينمو كل ما صنعت # فالشتاء يأتي إليهم بالنسيم العليل # والحرارة لأجل أن يذوقوا أثرك (أي أن يكون لها طعم لذيذ في فمهم). # السيطرة العالمية # الأنشودة # أنت خلقت السماوات العلى لتشرق فيها # ولتشاهد كل ما صنعت حينما كنت لا تزال وحيدا (لا شيء غيرك) # مضيئا في صورتك أنت «آتون» الحي # وبازغا وساطعا وذاهبا بعيدا وآيبا (في الغدو والآصال) # أنت تخلق الملايين من الصور وحدك بنفسك # من مدن وقرى وحقول وطرق عامة وأنهار # وجميع العيون تراك تجاهها # لأنك «آتون» (شمس) النهار فوق الأرض # وحينما تغيب # فإن جميع الناس الذين سويت وجوههم # لكي لا ترى نفسك بعد وحيدا # يغشاهم النعاس حتى لا يرى واحد منهم ما قد خلقته # ومع ذلك فإنك لا تزال في قلبي. # وحي الملك # الأنشودة ~~«ليس هناك واحد آخر يعرفك إلا ابنك «إخناتون» # لقد جعلته عليما بمقاصدك وبقوتك.» # الرعاية العالمية # الأنشودة # العالم يعيش بصنيع يدك، أنت الذي خلقتهم # فيحيا حينما تشرق # ويموت حينما تغيب # لأن حياتك طول مدى نفسك # والناس يعيشون بواسطتك # إن أعين الناس لا ترى إلا جمالك حتى تغيب # وكل عمل يطرح جانبا # حينما تغيب في الغرب # وحينما تشرق ثانية # فإنك تجعل كل كف تنشط لأجل الملك # والخير في أثر كل قدم # لأنك خلقت العالم # وأوجدتهم لابنك # الذي ولد من لحمك # ملك الوجهين القبلي والبحري # العائش في الصدق، رب الأرضين ~~«نفر خبرو رع وان رع» (إخناتون) # ابن «رع» العائش في الصدق، رب التيجان ~~«إخناتون» ذو الحياة الطويلة ~~(ولأجل) كبرى الزوجات الملكية محبوبته # سيدة الأرضين «نفر نفرو آتون» (نفرتيتي) # عاشت وازدهرت أبد الآبدين. # ويحتمل ألا تمثل هذه الأنشودة الملكية العظيمة إلا قطعة منتخبة أو سلسلة ms273 منتخبة من شعائر ~~«آتون» كما كانت تقام من يوم لآخر في معبد «آتون» بتل العمارنة. # ومما يؤسف له أن هذه الأنشودة لم تدون في تلك الجبانة إلا بمقبرة واحدة فقط، وقد فقد ~~منها نحو ثلثها من جراء تعدي المخربين من الأهالي الحاليين، ولذلك لم يصلنا من الجزء ~~المفقود إلا نسخة حديثة نقلت من غير اعتناء وعلى عجل منذ خمسين سنة (أي في سنة ~~1883م). # وأما المقابر الأخرى فقد كتبت نقوشها الدينية بالنقل عن الفقرات والجمل التي كانت شائعة ~~الاستعمال وقتئذ، والتي تكون منها مجمل مذهب «آتون» كما فهمه الكتاب والرسامون الذين ~~قاموا بزخرفة تلك المقابر. وعلى ذلك يجب علينا ألا ننسى أن البقايا التي وصلت إلينا عن طريق ~~جبانة «تل العمارنة» من مذهب «آتون»، وهي مصدرنا الرئيسي، قد مرت بشكل آلي بأيدي فئة ~~قليلة من الكتبة المهملين غير المدققين ذوي العقول الخاوية الفاترة، ممن لم يخرجوا عن كونهم ~~أذنابا لحركة عقلية دينية عظيمة. وفيما عدا هذه الأنشودة الملكية نجد أن أولئك الرسامين ~~كانوا يقنعون في كل مكان بالقطع والنتف، التي نقلت في بعض الأحوال من تلك الأنشودة ~~الملكية نفسها أو عن قطع أخرى، ويضعونها مرقعة في هيئة أنشودة قصيرة، ثم ينقشونها كلها أو ~~بعضها بدون أدنى تصرف، وهم يتنقلون من قبر إلى آخر. # ولما كانت المواد التي في متناولنا عن ذلك المذهب ضئيلة إلى هذا الحد، مع أهمية الحركة ~~التي أماطت لنا عنها اللثام، فإن تلك المعلومات الجديدة القليلة التي تمدنا بها تلك ~~الأنشودة القصيرة، تعتبر ذات قيمة عظيمة. # 7 # وقد عزيت تلك الأنشودة في أربع حالات إلى الملك نفسه؛ أي إن الملك يشاهد وهو ينشدها أمام ~~«آتون». وهاك نصها كما جاءت: # أنت تشرق بجمالك يا «آتون» الحي يا رب الأبدية # إنك ساطع وقوي وجميل # وحبك عظيم وكبير # أشعتك تمد بالبصر كل واحد من مخلوقاتك # ولونك الملتهب يجلب الحياة إلى قلوب البشر # عندما تملأ بحبك الأرضين # إيه أيها الإله الذي سوى نفسه بنفسه # خالق كل أرض # وبارئ كل من عليها ms274 # حتى الناس وكل قطعان الماشية والغزلان # وكل الأشجار التي تنمو فوق التربة # فإنها تحيا عندما تشرق عليهم # وأنت الأب والأم لكل من خلقته # وعندما تشرق فإن عيونهم # ترى بواسطتك # إن أشعتك تضيء كل العالم # وينشرح بسبب رؤيتك كل قلب # عندما تشرق بصفتك سيدهم # وعندما تغيب في أفق السماء الغربي # فإنهم ينامون كأنهم أموات # رءوسهم ملفوفة بالغطاء # وتقف معاطسهم # حتى يعود شروقك في الصباح # في أفق السماء الشرقي # وعندئذ يرفعون أذرعتهم إليك تعبدا # فإنك تجعل قلوب البشر تحيا بجمالك # لأن الناس تحيا عندما ترسل أشعتك # ويكون جميع الكون في عيد # فالغناء والموسيقى وتهليل الفرح # تكون في قاعة بيت بنبن # 8 # في معبدك في «أخيتاتون» مكان الصدق (ماعت) # الحائز لرضاك # فيه يقدم لك الطعام والمئونة # ويؤدي لك ابنك الطاهر احتفالاتك السارة # يا «آتون» الحي في مواكبه البهجة # كل ما خلقته يطرب أمامك # ويفرح ابنك الجليل وقلبه في حبور # آه يا «آتون» الحي المولود كل يوم في السماء! # إنه يلد ابنه الجليل «وان رع» (إخناتون) # مثل نفسه دائما # ابن «رع» اللابس جماله «نفر خبرو رع وان رع» (إخناتون ) # فأنا ابنك الذي تسر به # والذي يحمل اسمك # قوتك وبطشك يسكنان في قلبي # أنت يا «آتون» العائش على الدوام ... # لقد خلقت السماء العليا لتشرق فيها # لكي تشاهد كل ما صنعته # عندما كنت لا تزال وحيدا (لا شيء غيرك) # آلاف الألوف من الأنفس موجودة فيك لتحفظها حية # لأن مشاهدة أشعتك # 9 # هو نفس الحياة في المعاطس # وجميع الأزهار تحيا وكل ما تنبت الأرض # يصير ناميا لأنك تشرق # فهي نشوى أمامك # وجميع الماشية تطفر على أقدامها # والطيور تطير في المستنقع من الفرح # وأجنحتها التي كانت مطوية تنتشر # مرفوعة لآتون الحي تعبدا # أنت يا خالق ... # 10 # ففي هذه الأناشيد نرى قوة عالمية ملهمة لم توجد من قبل، لا في الفكر المصري القديم ولا في ~~فكر أية مملكة أخرى، فهي تشمل في مداها العالم كله، ويقول الملك: إن الاعتراف بسيادة إله ~~الشمس العالمية كان هو كذلك أمر عالمي، وإن ms275 جميع البشر يعترفون بسلطانه. وكذلك قال الملك ~~عنهم في لوحة الحدود العظيمة: # إن «آتون» خلقهم (لنفسه هو) # فجميع الأراضي وأهل بحر إيجة يحملون # ضرائبهم وجزيتهم فوق ظهورهم إلى الذي # أوجد حياتهم والذي بأشعته تحيا البشر # وتستنشق الهواء. # فمن الواضح أن «إخناتون» كان يريد بذلك دينا عالميا، يحاول أن يحله محل القومية ~~المصرية التي سبقته، وسارت عليها البلاد مدة عشرين قرنا مضت. # وبجانب تلك القوة العالمية، نجد كذلك أن «إخناتون» كان متأثرا تأثرا عميقا بأزلية ~~إلهه، وكان الملك نفسه يتقبل - بسكينة واطمئنان - أنه نفسه مصيره للفناء، فنراه في باكورة ~~حكمه في «تل العمارنة» يعلن التعليمات الدقيقة الخاصة بدفنه فيما بعد الموت، ويسجلها ~~باستمرار فوق اللوحات التي أقامها على الحدود المصرية، ولكنه مع ذلك كان يعتمد على علاقته ~~الوثيقة بآتون ليضمن له شيئا من خلود إله الشمس، ومن أجل ذلك كان يحتوي لقبه الرسمي دائما ~~- بعد ذكر اسمه - على النعت الآتي: «ذو الحياة الطويلة». # على أنه في بداية كل شيء قد برأ «آتون» نفسه من الوحدة الأزلية - أي إنه الخالق لكينونة ~~نفسه - إذ نجد في إحدى لوحات # 11 # حدود «تل العمارنة» العظيمة أن الملك يسميه هكذا: # سوري المكون من مليون ذراع # ومذكري بالأبدية # وحجتي في إدراك الأشياء الأبدية # وهو الذي سوى نفسه بنفسه بيده هو # والذي لا يعرفه صانع. # ونجد أن الأناشيد تبدي انسجاما مع هذه الفكرة وتميل إلى ترديد تلك الحقيقة ~~القائلة: # بأن خلق العالم الذي يلي ذلك قد حدث # حينما كان الإله لا يزال وحيدا (لا شيء غيره). # وتكاد الكلمات: «حينما كنت لا تزال وحيدا (لا شيء غيرك)» تكون نداء يردد في تلك ~~الأناشيد. # وهو الخالق العالمي الذي ذرأ كل أجناس البشر وميز بعضهم عن بعض في لغاتهم وألوان ~~جلودهم، ولا تزال قوته المنشئة مستمرة تأمر بالخروج من العدم إلى الحياة حتى من البيضة ~~الجامدة. # ولم يظهر عجب الملك من قوة إله الشمس المانحة الحياة بشكل بارز في أي مكان آخر أكثر مما ~~نجده مذكورا بسذاجة في تعبيره عن تلك ms276 المعجزة، التي تتمثل في أنه داخل لحاء البيضة الذي ~~يسميه الملك «حجر البيضة» - أي إنه في هذا الحجر الذي لا حياة فيه - تجيب أصوات الحياة نداء ~~أمر «آتون» فيخرج مخلوق حي بعد أن أنعشه النفس الذي يمنحه إياه (ذلك الإله). # وتلك القوة المانحة الحياة هي مصدر الحياة والزاد الدائم، والواسطة المباشرة لها هي أشعة ~~الشمس التي تجلب النور والحرارة إلى الناس، وهذا الإدراك المدهش لقوة الشمس بصفتها منبع كل ~~الحياة فوق الأرض يردد باستمرار دائم؛ إذ نرى الأناشيد تميل إلى الإمعان في ذكر أن أشعة ~~الشمس قوة عالمية عتيدة على الدوام: # أنت في السماء ولكن أشعتك فوق الأرض # أشعتك تنفذ إلى أعماق البحر الأخضر العظيم # أشعتك فوق ابنك المحبوب # ذلك الذي يجعل بأشعته الإبصار كاملا # إن مشاهدة أشعتك هي نفس الحياة في المعاطس # وطفلك (يعني الملك) الذي ولد من أشعتك # لقد سويته (يعني الملك) من أشعة نفسك # أشعتك تحمل مليونا من الأفراح الملكية # وحينما ترسل أشعتك فإن الأرضين # تكون في فرح # أشعتك تشمل الأرضين وحتى كل ما صنعته # وسواء أكان في السماء أم في الأرض فإن كل الأعين تشاهده دائما # وهو يملأ (كل الكون) بأشعته # ويجعل كل البشر يعيشون. # كما أن اعتماد مصر في حياتها على النيل بداهة جعل من المستحيل تجاهل ذلك المنبع الحيوي في ~~عقيدة الملك «إخناتون». والواقع أنه لا شيء يكشف لنا بوضوح قيمة عقيدة «إخناتون» وميله إلى ~~الاعتماد على العقل، أكثر من أنه محا بلا تردد طائفة الأساطير والتقاليد التي كانت محترمة، ~~والتي كانت تقول بأن النيل هو الإله «أوزير» عدة أزمان، ثم نسب الفيضان في الحال إلى قوى ~~طبيعية يسيطر عليها ذلك الإله الذي يعبده، وهو الذي خلق - بمثل ذلك الاهتمام - للبلاد ~~الأخرى نيلا آخر في السماء. # وقد تجوهل الإله «أوزير» كلية، فلم يذكر قط في كل الوثائق الإخناتونية، بل ولا في أي قبر ~~من قبور «تل العمارنة». # بهذه الآراء الأخيرة ينتقل تفكير «إخناتون» إلى ما وراء الإدراك المادي المحض لنشاط الشمس ~~فوق الأرض، ويقدر ms277 مبلغ اهتمام «آتون» الأبوي بجميع المخلوقات. # وهذا التفكير هو الذي يرفع من شأن الحركة التي قام بها «إخناتون» إلى حد بعيد فوق كل ما ~~كانت قد وصلت إليه ديانة قدماء المصريين أو ديانات الشرق بأجمعه قبل ذلك الوقت، فقد كان إله ~~الشمس في نظر «إبور» راعيا شفيقا، كما تقدم ذكره فيما سبق، كما كان الناس في نظر ~~«مريكارع» - كما سبق ذكره أيضا - قطعانه التي من أجلها صنع الهواء والماء والطعام. ولكننا ~~نجد أن «إخناتون» يذهب إلى أبعد من ذلك، حيث يقول لإله الشمس: «أنت أب وأم لكل ما صنعت.» ~~وهذا التعليم هو الذي مهد الطريق لكثير من التطور الذي ظهر في الديانة فيما بعد حتى إلى ~~عصرنا الحالي. # فكان جميع العالم الحي، في نظر تلك الروح الحساسة التي كانت تدب في نفس ذلك الخيالي ~~المصري، يملؤه شعور قوي بوجود «آتون» مع التقدير لشفقته الأبوية، فمستنقعات السوسن، ~~بأزهارها النشوانة التي تينع بإشعاع «آتون» الأخاذ، وطيورها التي تنشر أجنحتها تعبدا ~~«آتون» الحي، والماشية التي تطفر فرحة في ضوء الشمس، والسمك الذي يثب في النهر مرحبا ~~بالنور العالمي الذي تنفذ أشعته ، حتى في وسط البحر الأخضر العظيم، كل أولئك يكشف لنا عن مدى ~~إدراك «إخناتون» لذلك الوجود العالمي للإله وسيطرته على الطبيعة، وعن إدراك باطني لذلك ~~الوجود عند كل المخلوقات. # وهذا التقدير لتجلي قوة الله في العالم الحسي هو مثل الذي نجده بعد ذلك العهد بنحو 700 أو ~~800 سنة في المزامير العبرية، ومثل ما جاء على لسان شعراء الطبيعة بيننا منذ عصر ~~«وردزورث» # Wordsworth ~~، # 12 # ومن الظاهر أن أعمق المصادر لقوة تلك الثورة العظيمة - بالرغم من أصلها السياسي ~~- يرجع إلى اعتمادها على التأمل في عالم الطبيعة، كما نراه في الحض على «تأمل سوسن الحقول». ~~ولأن «إخناتون» كان رجلا مأخوذا بالإله، فقد انقاد عقله بحساسية وإدراك مدهشين إلى ما ~~حوله من المظاهر المرئية الدالة على وجود الإله؛ فقد كان مأخوذا بجمال النور الأبدي ~~العالمي، ولذلك نرى أشعته تغمره في كل أثر صور عليه ms278 من آثاره التي بقيت لنا. واقتصر في ذلك ~~على شخصه وعلى الملكة وأولاده؛ لأنه كان يدعي لنفسه علاقة مع إلهه لا يشاركه فيها أحد، فهو ~~الذي يدعو ربه بقوله: # ليت عيني تقران بمشاهدته يوميا # حينما يشرق في بيت «آتون» هذا ويملؤه # هو بأشعته هذه، هذا الجميل في حبه # ويرسلها علي في حياة راضية أبد الآبدين. # ويمرح الملك في ذلك النور، الذي وحده أكثر من مرة مع الحب، كما هو الحال هنا، أو مع ~~الجمال باعتباره البرهان الظاهر الدال على وجود الإله، وذلك بنشوة قل أن يكون لها نظير، ~~وفرح يبلغ حد الوله كالذي كانت تشعر به روح كروح «رسكن» # 13 # عندما كان ينعم النظر في النور، فقد وصف «رسكن» النور وهو يسطع فوق المناظر ~~الطبيعية الجميلة، قال: # النور المتنفس الحي المبتهج # الذي يشعر ويتسلم ويفرح ويعمل # ويختار شيئا وينبذ آخر # ويبحث ويجد ويفقد ثانية # متنقلا من صخرة إلى صخرة # ومن ورقة شجر إلى ورقة # ومن موجة إلى موجة # متوهجا أو بارقا أو متلألئا # بحسب ما يصيب أو (كما في أقدس مظاهره) يكون ممتصا ساترا لكل # شيء في كمال سكونه العميق # وعندئذ نراه يفقد ثانية في حيرة وشك وظلمة # أو يمحى ويختفي واقعا في حبائل الضباب الجارف # أو يذوب في الهواء مكتئبا # ولكنه - سواء أكان متأججا # أما خافتا، لامعا أم ساكنا # هو النور الحي، الذي يتنفس في أعمق سكونه # وهو النور الذي ينام ولكنه لا يموت أبدا. # فنجد في هذا الوصف الافتنان الحديث ببهجة النور، وهو الإنجيل الحقيقي لجمال النور، الذي ~~كان أول مبشر به هو ذلك الخيالي الوحيد «إخناتون» الذي عاش في خلال القرن الرابع عشر ق.م. ~~وقد كان من الجائز كذلك في نظر «إخناتون» أن النور ينام، كما يتضح من قوله: «يذهب خالق ~~الأرض ليستريح في أفقه.» غير أنه كان (في نظره كما كان في نظر «رسكن») # 14 ~~«ينام ولكن لا يموت قط.» # وقد نجح الأستاذ «زيته» في ترجمة فقرة مهشمة في الأنشودة الكبرى فأظهر معناها بأنها ~~بالرغم من ms279 أن الظلمة قد خيمت والناس قد نامت فإن «إخناتون» يمكنه أن يشعر به، حيث يقول: ~~«ومع ذلك فإنك لا تزال في قلبي.» # فتلك الناحية من حركة «إخناتون» تدل إذن على أنها إنجيل الجمال والرأفة في نظام الطبيعة، ~~وإدراك لرسالة الطبيعة إلى روح الإنسان، مما جعلها تعتبر أقدم النهضات التي نسميها «الرجوع ~~إلى الطبيعة»، وهي التي ظهرت في إنتاج أمثال الفنانين «ملت» # Millet # و«بربيزون» # Barbizon ~~، أو في آراء ~~«وردزورث» # Wordsworth # وأخلافه، فالرسامون في ذلك الوقت ~~كانوا يصورون حياة المستنقعات البرية بروح جديدة تختلف عن روح السرور الهادئ الذي صور به ~~رسامو «مصاطب الأهرام»، تلك الصور الهادئة التي تمثل نزهات الأشراف في حقول البردي، مما ~~تتحلى به جدران مزارات قبورهم بالجبانة المنفية الكائنة «بسقارة». # وأما الصور التي رسمت فوق الجص وتزين رقعة قاعة قصر «إخناتون» ذات الأعمدة «بتل ~~العمارنة»، فمفعمة بروح مرح جديدة تسود الحياة، وتشعرنا عند رؤيتها بشيء من العاطفة القوية ~~التي أنارت يد الفنان، وهو يرى بعيني ذهنه الثور الوحشي يقفز في أدغال البردي ضاربا برأسه ~~نحو الطيور الهلوعة المشقشقة فوق يراع المستنقع كأنها تؤنب ذلك الطفيلي الفظ الذي ينزل ~~الضرر بأوكارها. # ولكن مما يؤسفنا أشد الأسف أن تلك النقوش الفاخرة التي كانت تتألق فيها الحياة والحركة، ~~والتي طالما تمتعت بهما أعين الناظرين في عصرنا الحالي «بتل العمارنة»، قد دمرت إلى الأبد ~~بأيدي أولئك المخربين الأحداث من أهالي القرى المجاورة لبلدة «تل العمارنة». # وهذه الروح الجديدة - في عصر إخناتون - التي استمدت إلهامها من جمال الطبيعة وفيضها، كانت ~~كذلك ذات حساسية شديدة لحقيقة الحياة الإنسانية والعلاقات البشرية، دون تأثر بشيء من العرف ~~أو التقاليد؛ إذ مثلت بدون تكلف أو تحفظ علاقات «إخناتون» الطبيعية البهيجة بأسرته، وظهر ~~ذلك حتى فوق الآثار العامة، فقد عثر على تمثال صغير غير تام الصنع في مصنع أحد المثالين ~~الملكيين «بتل العمارنة»، لم يقتصر فيه صانعه على تمثيل الملك جالسا وابنته الصغيرة فوق ~~حجره وهو يضمها كما يضم الأب الملكي أميرة صغيرة، بل مثل الفرعون وهو يقبل ms280 ابنته ~~الصغيرة كما يفعل ذلك أي والد معتاد. وليس من الصعب على الإنسان أن يتصور الحنق والهلع ~~اللذين أثارتهما مثل تلك الصورة الملكية في شعور طائفة المحافظين على التقاليد في عصر ~~«إخناتون»، وهم أولئك الأشراف من رجال التقاليد في البلاط الملكي الذين يرون وجوب تصوير ~~الفرعون كما جرى تصويره من ألفي سنة في هيئة حضرة سامية جالسة في جلال جامد؛ أي في صورة ~~شخصية رزينة مقدسة لا يشوبها أي مظهر من مظاهر المشاعر البشرية أو جهات الضعف الإنسانية. ~~وقد بقي محفوظا لنا للآن ذلك الكرسي الجميل الذي جيء به من قصر «تل العمارنة» وأودع في ~~مقبرة «توت عنخ آمون»، وهو مزين بمنظر يظهر فيه الملك الشاب جالسا في استرخاء بحالة تدل ~~على التبسط وعدم التكلف؛ إذ نشاهد إحدى ذراعيه ملقى بها في استهتار فوق ظهر كرسيه، وأمامه ~~الملكة الشابة الجميلة واقفة وفي يدها إناء صغير من العطور تصب منه برشاقة أنيقة بضع نقط من ~~الطيب فوق ملابس زوجها الملك. ونجد ها هنا لأول مرة في تاريخ الفن منظرا موضوعه العلاقات ~~الإنسانية، اتخذ فيه الفن المعبر الحياة الإنسانية موضعا لبحثه. وهذان مثلان فقط من ~~بين الأمثلة العديدة التي يمكن ذكرها للاستدلال على شخصية «إخناتون» القوية، واستعداده لطرح ~~قيود التقاليد بغير أدنى تردد في سبيل تأسيس عالم من الأشياء على حقيقتها الفطرية ~~السليمة. # ولذلك نرى من المهم أن نلاحظ أن «إخناتون» كان رسولا لكل من عالمي الطبيعة والحياة ~~الإنسانية، فكان مثله في ذلك مثل «عيسى» استقى دروسه من سوسن الحقل وطيور الهواء وسحب ~~السماء من جهة، ومن المجتمع الإنساني الذي يحيط به من جهة أخرى، كما يتمثل في مثل قصة ~~«الابن المبذر» # 15 # أو «الطيب السامري» # 16 # أو «المرأة التي أضاعت قطعة نقودها». # 17 # وعلى ذلك النمط استقى ذلك الرسول المصري القديم الثائر تعاليمه من التأمل في ~~مشاهد عالمي الطبيعة والحياة الإنسانية معا. # ومع أن الفن المعبر عن تلك الحركة الثورية التي كان زمامها في يد «إخناتون» قد وجد مرتعا ~~جديدا في ms281 حياة الإنسانية، فقد كان هناك شيء كثير لم يكن في مقدور «إخناتون» أن يتجاهله من ~~التجاريب المصرية عن المجتمع البشري، فقد قبل «إخناتون» عن طيب خاطر المذهب الشمسي الموروث ~~الذي ينطوي على نظام خلقي عظيم، وإذا كنا قد خصصنا في هذا المختصر التاريخي للأخلاق عند ~~قدماء المصريين جزءا لا بأس به عن «عقيدة التوحيد» الإخناتونية الثورية، فما ذلك إلا لأن ~~تلك الحركة التوحيدية هي ذروة التقدير القديم للنظام الخلقي الذي نودي به على لسان المفكرين ~~المصريين القدماء الذين عاشوا في عهد الأهرام وأسسوا مملكة عظيمة من القيم الخلقية العالمية ~~التي تتمثل في تلك الكلمة الشاملة الجامعة «ماعت» (العدالة) التي أوجدها إله الشمس في ~~«هليوبوليس»، وقد بني هذا التوحيد الجديد على أسس ثلاثة: # أولها: # كما رأينا، كان سياسيا، حتى إن اسم إله الشمس الجديد كان يوضع في ~~الطغراء الفرعوني باعتباره شعارا ملكيا مزدوجا. # والثاني: # اعتبار سلطان إله الشمس وسيطرته العالمية قوة طبيعية ملموسة حاضرة في كل ~~مكان تتمثل في حرارة الشمس ونورها. # والثالث: # كان التطور المنطقي لمذهب «هليوبوليس» الخاص بالنظام الخلقي، الذي كان ~~أقدم من عهد «إخناتون» بنحو ألفي سنة. # بقي علينا الآن أن نفحص آخر هذه الأسس الرئيسية التي قام عليها التوحيد عند «إخناتون»، ~~على أننا عند هذه النقطة نشعر بقلة ما لدينا من المصادر المدونة وضآلتها، وإن كانت هذه ~~المصادر النادرة التي بقيت لنا من ذلك العصر تكشف لنا عن مدى التقدم في تفكير ذلك الملك ~~الشاب خلال نصف الجيل الذي حكمه. # ولا يمكن الباحث أن يظن أن حركة حية نامية ذات تقدم مثل الحركة التي قام بها «إخناتون» لم ~~تكن قد أنتجت أبحاثا دونت فيها تعاليمه، بل إن لدينا من الدلائل ما يثبت وجود مثل تلك ~~الأبحاث؛ ففي مقابر «تل العمارنة» التي ولع أصحابها من أشراف رجال البلاط الإخناتوني بأن ~~يرسموا فوق جدرانها ما كانت عليه علاقاتهم مع مليكهم، نجد أنهم كانوا يشيرون باستمرار إلى ~~ذلك المذهب الجديد، ولم يكن لديهم للتعبير عنه إلا كلمة واحدة وهي كلمة ms282 «التعليم»، وهذا ~~التعليم منسوب للملك وحده، ولا يمكن أن يتسرب إلينا شك في أن ذلك التعليم هو الاسم العام ~~للبيان الرسمي لمذهب «إخناتون» الذي كتب طبعا في رسالة من نوع ما على أوراق البردي. # على أنه بعد سقوط «إخناتون» لم يترك أعداؤه حجرا واحدا لم يقلبوه لإزالة كل أثر باق ~~يدل على حكمه الممقوت عندهم، وقد دمروا بطبيعة الحال مخطوطات الملك هذه المدونة على البردي. ~~وأما معلوماتنا عن تلك الحركة من ناحية العقائد الدينية فهي مستقاة بأجمعها من نتف وقطع ~~وقعت لنا عرضا، وبخاصة تلك الأناشيد التي زين بها أشراف رجاله جدران مقابرهم. # وحينما نقرأ أنشودة «آتون» العظمى لأول مرة يدهشنا أن مثل هذه الأنشودة التي تعبر عن ~~الوحي الديني، لا تشتمل إلا على إشارات قليلة عن موضوع الأخلاق والسلوك الإنساني، وهو الذي ~~كان قد احتل مكانة بارزة - كما نعلم - بين عناصر الديانة الشمسية الهليوبوليسية التي تضرب ~~إليها حركة «إخناتون» الدينية بوشائج قوية، ويرجع السبب في ذلك إلى أن القوة الرئيسية التي ~~حركت روح «إخناتون» كانت العاطفة. # والواقع أن ثورة «إخناتون» كانت في روحها أولا وقبل كل شيء عاطفية بدرجة قوية، نجد هذه ~~الحقيقة ظاهرة جلية في الأناشيد ، كما نجدها كذلك بارزة جدا في الفن. فعندما يرسم لنا أحد ~~فناني «تل العمارنة» صورة «إخناتون» أو أحد رعاياه وهو يتعبد، رافعا ذراعيه تضرعا إلى إله ~~الشمس، فإن وسائله العاطفية في مثل تينك الذراعين المرفوعتين تبلغ في شدة جاذبيتها روعة ~~ذراعي «إلونورا دوز» # Eleonora Duse # 18 # حينما تبسطهما باستعطاف لاستقبال محبوبها «أرماندو» # Armando ~~. فالذي كان يعبده «إخناتون» هو جمال إله الشمس وفيضه، وهذه ~~العاطفة هي التي نقلتها إلينا أناشيد «تل العمارنة»؛ فهي لذلك لا تحتوي على لاهوت أو خلقيات ~~اجتماعية. وبالرغم من ذلك فإنه من الواضح تماما أن «إخناتون» قد قبل قبولا شاملا اعتناق ~~الخلقيات الهليوبوليسية، التي كانت قد بلغت الذروة في سموها، بل إنه في الواقع أبرز النظام ~~الخلقي للتعاليم الشمسية القديمة في شكل أوضح مما كان عليه في أي وقت ms283 كان قبل حكم ~~«إخناتون». # على أن علاقة حركة «إخناتون» هذه الوثيقة باللاهوت الهليوبوليسي ظاهرة في كل نواحيها؛ فقد ~~كان توحيد السلالة الملكية بسلالة إله الشمس على يد كهنة «هليوبوليس» في متون الأهرام، وما ~~ترتب عليه من اعتبار كل فرعون ابنا لإله الشمس، قد نقل إلى الإله «رع» - كما ذكرنا من قبل ~~- صفات الحكم الكريمة التي تشبع بها فراعنة العهد الإقطاعي؛ ففي ذلك الحين كان الفرعون قد ~~صار «الراعي الطيب» أو «راعي الماشية الطيب». وهذه الصورة التي تنطق بعطف الملك الأبوي ~~وحمايته لرعاياه قد نقلت إلى «رع»، وبذلك اكتسب «رع» لنفسه، بشكل مدهش، صفات إنسانية وعطفا ~~أبويا نتيجة لذلك التطور الذي حدث في تصوير الملكية في العهد الإقطاعي. # وبذلك كانت تلك القوى الاجتماعية التي أوجدت هذا المثل الأعلى للملكية، هي المؤثرات ~~النهائية التي - بمعونة الملكية - قد زادت من سلطان «رع» وأكسبته صبغة إنسانية، بعد أن كان ~~مركزه قبل ذلك سياسيا لا يخرج عن كونه فكرة آلية مهملة، فكأن هذه الصفة الإنسانية التي ~~كسبها «رع» كانت قريبة من التي كان ينشدها «أوزير» نفسه. # وكانت التعاليم الإخناتونية منجذبة بكليتها نحو هذا الميل الذي ينعطف إليه المذهب الشمسي؛ ~~إذ قد عثرنا على أنشودة للشمس من عهد والد «إخناتون» سمي فيها إله الشمس «الراعي الشجاع ~~الذي رعى قطعانه»، وهذه إشارة تربط بوضوح مذهب «آتون» بالحركة الاجتماعية الخلقية التي ظهرت ~~في العهد الإقطاعي. # وحينما نعيد إلى ذاكرتنا الآن الأصل الهليوبوليسي لماعت (الحق، الصدق، العدالة) التي صارت ~~تمثل في إلهة، هي بنت إله الشمس، يجب أن نلاحظ ما جاء في كتاب الموتى من أن جماعة الآلهة ~~الذين يجلسون في قاعة «ماعت» لا يوجد بأجسامهم إثم ولا بهتان، وأنهم يعيشون على الصدق ~~«ماعت»، وهناك يؤكد الميت براءته لأولئك الآلهة بقوله: «إني أعيش على الصدق وأتزود من صدق ~~(أو عدالة) قلبي.» # فهذا المذهب الشمسي الذي كان يشد أزره أولئك الآلهة في «هليوبوليس» قد اعتنقه الآن ~~«إخناتون» بجوارحه، حتى إنه كان على الدوام يذيل اسمه الملكي الرسمي في كل آثار ms284 الدولة ~~العظيمة بهذه الكلمات: «العائش على الصدق (ماعت)»، وهذا النعت الهام الذي ألحق باسم ~~«إخناتون» جعله الممثل الرسمي والمعاضد للنظام الخلقي القومي العظيم، الذي تصوره كهنة ~~المذهب الشمسي قديما في «هليوبوليس» في عهد يرجع تاريخه إلى عصر الأهرام، وألبسه المفكرون ~~الاجتماعيون والرسل في العهد الإقطاعي المصري أهمية خلقية فاقت ما كان عليه في أي زمن من ~~قبل. فإذا أعدنا إلى ذاكرتنا ما كان يدعيه «إخناتون» من التسلط على سائر العالم بلا برهان، ~~ظهر لنا أن ما كان يرمي إليه من وراء إضافته تلك الكلمات إلى اسمه الملكي إنما هو امتداد ~~سلطان النظام الخلقي القديم القومي حتى يصير نظاما مسيطرا على سائر العالم الدولي العظيم ~~الذي كان هو سيده إذ ذاك. # وبذلك نجد أن سيطرة مملكة الشمس القديمة للقيم الخلقية، وقد امتدت إلى حدودها العالمية ~~المنطقية، وأن «التوحيد» الذي كان منطويا في ثنايا تعليم كهنة هليوبوليس، قد نطق بهما ~~«إخناتون» نطقا لا إبهام فيه ولا خفاء. # وتمشيا مع هذه الحقيقة قد سمى «إخناتون» عاصمة ملكه الجديدة في تل العمارنة «مقر الصدق ~~(ماعت)»، كما جاء في الأنشودة القصيرة، وقد كان أتباعه على علم تام باعتقاده المتين في ~~«ماعت»؛ ولذلك كان رجال البلاط الملكي يعظمون «الصدق» كثيرا؛ إذ يقول أحد أعلام أعوان ~~الملك، وهو «آي» الذي قام بخلع الملك «توت عنخ آمون» فيما بعد عن عرشه: # إنه (يعني الملك) أحل الصدق في جسمي # وإن الذي أمقته هو الكذب # وإني أعلم أن «وان رع» (يعني إخناتون) يمرح # فيه (يعني الصدق). # ثم يؤكد نفس هذا الرجل أن إله الشمس: «قلبه مرتاح للصدق وأن الذي يلعنه هو الكذب.» # كما يذكر لنا موظف آخر فوق جدران قبره في «تل العمارنة»: # سأتكلم لجلالته (لأني) أعلم أنه يعيش فيه (أي في الصدق) # وإني لا أفعل ما يكرهه جلالته؛ لأن الذي أمقته # هو حلول الكذب في جسمي # ولقد قررت الصدق لجلالته؛ لأني أعرف أنه يعيش فيه # إنك «رع» والد الصدق ... # وإني لم آخذ رشوة للكذب # كما أني لم أقص الصدق ms285 لأجل الرجل العسوف. # ويجب أن نذكر هنا مرة ثانية - كدليل هام على تفاني «إخناتون» في الصدق - أنه لم يقصر ~~فضيلة الصدق على السلوك الشخصي فحسب، بل أدخله كذلك في ميدان الفن، حيث صارت له فيه نتائج ~~ذات آثار بارزة في التاريخ. # وعلى ذلك كان «رع» لا يزال في ذلك الانقلاب الذي قام به «إخناتون» المنشئ المعاضد للصدق ~~أو الحق (ماعت)؛ أي لذلك النظام الخلقي والإداري كما كان الحال منذ أكثر من ألفي سنة مضت. ~~وإذا كنا لم نسمع عن حساب الآخرة في مقابر «تل العمارنة»، فمن الواضح أن ذلك إنما يرجع إلى ~~نبذ سحابة الآلهة وأنصاف الآلهة وعلى رأسهم «أوزير»، ممن كانوا يؤلفون هيئة المحاكمة في ~~حساب الآخرة بشكلها الموضح في كتاب الموتى. فأولئك الآلهة قد بادوا الآن، واختفى - على ما ~~يظهر - منظر المحاكمة التمثيلي باختفائهم، وإن كان من الواضح أن المستلزمات الخلقية في ~~المذهب الشمسي - الذي نشأت فيه فكرة المحاكمة في الآخرة وانتشرت - لم تنته المطالبة بها في ~~التعاليم الإخناتونية ولم تفتر. # وكذلك الحملة التي قام بها الكهنة على عالم الأخلاق بالعوامل السحرية الآلية لضمان براءة ~~الميت فيما بعد الموت، فقد أقصاها «إخناتون» بداهة عن تعاليمه، فصارت الجعل القلبية ~~(الجعارين)، التي كانت مألوفة من قبل، لا ينقش فوقها التعاويذ السحرية لإخماد وحي «الضمير» ~~عند المتهم، بل صارت آنئذ ينقش فوقها أدعية بسيطة موجهة إلى «آتون» طلبا لحياة طويلة وعطف ~~وطعام. وما ذكرناه عن «الجعل» (الجعارين) ينطبق تماما على الدمى (يوشبتي)، التي هي تماثيل ~~صغيرة كان الغرض منها القيام بالأعمال بدلا من الميت إذا طلب لذلك فيما بعد الموت في ~~الحياة الآخرة. # وإذا فكرنا مليا فيما ذكر نجد أن أمثال تلك التغييرات الأساسية تبسط أمامنا عظم المد ~~الجارف، من الفكر والعادات والتقاليد الموروثة عن الأقدمين، الذي تحول عن مجراه على يد ذلك ~~الملك الشاب الذي كان يقود ذلك الانقلاب، وأننا إنما نبدأ في تقدير قوة شخصية «إخناتون» ~~العظيمة عندما ندرك هذه الناحية من حركته الدينية إدراكا واضحا؛ فقد كانت الوثائق ms286 الدينية ~~قبل عهده تنسب عادة إلى الملوك القدامى والحكماء الأولين، وكانت قوة أية عقيدة ترتكز بوجه ~~خاص على ما يعزى إليها من الأقدمية الساحقة وعلى قدسية العادة العريقة في القدم. وقد كان ~~معظم تاريخ العالم حتى عهد «إخناتون» عبارة عن سير الحوادث بمجرد سطوة التقليد الذي كان ~~سلطانه لا يعارض، وليس لدينا استثناء بارز في هذا المجال إلا ذلك الطبيب النطاسي والمهندس ~~العظيم «إمحتب» الذي أدخل على فن العمارة البناء بالأحجار فأقام أول مبنى من الحجر، وهو ذلك ~~القبر الهرمي الشكل الذي يرجع تاريخه إلى القرن الثلاثين قبل الميلاد، وفيما عدا هذه ~~الشخصية من المصريين الأقدمين لم يكن الناس سوى نقط من الماء في تيار الحياة الجارف ~~العظيم. # فإذا استثنينا «إمحتب» هذا كان «إخناتون» أول شخصية مستقلة ظهرت في التاريخ، فإنه قد أحرز ~~مكانته السامية بنفاذ بصيرته وحسن تدبيره وتفكيره العقلي، ثم نهض بنفسه علانية وقام في وجه ~~كل التقاليد ونبذها ظهريا، ولم يلجأ في توطيد مذهبه الجديد إلى أية وسيلة من وسائل ~~الأساطير والروايات العتيقة السائدة عن سلطان الآلهة، ولا إلى شيء من العادات القديمة التي ~~اكتسبت قداسة بمر الدهور، بل اعتمد فقط على البراهين العتيدة الظاهرة الدالة بنفسها على ~~سلطان إلهه وهي أدلة ظاهرة للعيان أمام الجميع. # وأما من جهة التقاليد، فإنه اجتهد في القضاء عليها أينما وجد في السجلات التي يمكن ~~الوصول إليها أي مظهر مادي للآلهة الأخرى. على أن هذه السياسة، التي كان قوامها الهدم إلى ~~هذا الحد، كان لا بد حتما من أن تصادف معارضة قوية فتاكة، وسنفحص الآن بعض عوامل تلك ~~المعارضة. # الفصل السادس عشر # | سقوط «إخناتون» # عصر انتشار التنسك الشخصي: الكهانة وخاتمتها # قامت حركة «إخناتون» بين شعب عظيم ما لبث أن وقف مجرى حياته فجأة، وحول إلى اتجاه غريب ~~عنه بالرغم من قوة اندفاعه التي كانت لا تكاد تقاوم، فأصبحت أماكنه المطهرة وقد عبث بها، ~~ومزاراته المقدسة المحاطة بذكريات آلاف السنين وقد أوصدت وطردت كهنتها، كما صودرت الأموال ~~المربوطة على القرابين والمعابد، ومحي ms287 ذلك النظام العتيق جملة واحدة، ففي كل مكان كانت ~~طوائف بأجمعها تسير مدفوعة بالغرائز التي تجري في أجسامهم منذ قرون لا يحصيها العد وفق ~~عادات وأخلاق موروثة، فإذا ذهبوا إلى أماكنهم المقدسة وجدوها كأن لم تغن بالأمس، وهناك ~~يقفون ذاهلي العقول أمام تلك المعابد القديمة الموصدة الأبواب، وتلك القاعات المبجلة عند ~~القوم منذ الطفولة الأولى، والتي كانت فيما مضى تزخر بأفراح الجماهير أيام الأعياد المقدسة ~~في «أسيوط»، قد صارت الآن صامتة خاوية. # وفي كل يوم، عندما كانت المواكب الجنازية تعرج على حافة الصحراء وفوق هضبة الجبانة، كانت ~~تفاجأ بأن «أوزير» ذلك المعزي والصاحب العظيم والمحامي عن الأموات أمام كل خطر، قد نفي من ~~البلاد ولم يعد في إمكان أي إنسان أن يذكر اسمه، وحتى في الأيمان التي كان يعقدها القوم، ~~وهي التي اختلطت بدمائهم مع ألبان أمهاتهم في الرضاعة، فإنه كان محظورا عليهم أن تخرج من ~~شفاههم تلك الأسماء التي تكاد تنطق بها ألسنتهم عفوا، فكان لا بد ألا يشتمل اليمين القديم ~~أمام القاضي في المحكمة إلا على اسم الإله «آتون» فقط، فكان كل ذلك في نظر القوم كما لو ~~طلب الآن إلى رجل من عصرنا أن يعبد «س» ويحلف باسم «ص ». # ولا بد أن كثيرا من الكهنة المتذمرين الذين كانوا يكظمون غيظهم الشديد في صدورهم، قد ~~مزجوا سخطهم ذلك بسخط طوائف بأسرها من الباعة وأصحاب الحرف الحانقين، كالخبازين الذين لم ~~يعودوا يكسبون عيشهم من بيع «فطائر الشعائر» - كما كان قديما - خلال أيام الأعياد التي ~~كانت تقام في المعابد، وكالصناع الذين لم يعد في مقدورهم الآن بيع تعاويذ الآلهة القدامى ~~عند أبواب المعابد، وكالحفارين المرتزقة الذين أصبح ما صنعوه من تماثيل الإله «أوزير» ~~مكدسا تحت الأتربة المتراكمة في عدة من المعامل التي صار عاليها سافلها، أو كحجاري ~~الجبانة الذين وجدوا أن ما صنعوه من شواهد القبور المزخرفة بالنقوش الزاهية المنقولة من ~~كتاب الموتى قد استبعد من مدينة الأموات، وكالكتاب الذين كانت لفائفهم البردية المخطوطة ~~المنقولة من كتاب الموتى أيضا - تعد ms288 إذ ذاك - لعنة لمن يستعملها إذا كانت مملوءة بأسماء ~~الآلهة القدامى، أو إذا كانت تحمل كلمة الإله بصيغة الجمع، وكرجال الكهانة المسرحيين ~~والممثلين الذين صاروا يطردون من تلك الأماكن المقدسة في الأيام التي اعتادوا فيها أن ~~يمثلوا للشعب تمثيلية «المأساة الأوزيرية»، وكطوائف الحجاج المتذمرين في «العرابة ~~المدفونة» ممن كانوا يعتزمون الاشتراك في تلك التمثيلية التي تعبر عن حياة «أوزير» وموته ~~ثم بعثه بعد الموت، وكالمشعوذين الذين حرموا كل أسهم تجارتهم الخاصة بالاحتفالات السحرية ~~التي كانت تستعمل بنجاح منذ أيام أقدم الملوك منذ ألفي سنة، وكالرعاة الذين صاروا لا يجسرون ~~بعد أن يضعوا رغيفا وإناء من الماء تحت شجرة راجين بذلك الفرار من غضب الإلهة التي تسكن ~~تحت الشجرة، والتي كان في مقدورها أن تنزل المرض بأهل المنزل عند غضبها، وكالفلاحين الذين ~~صاروا يخافون أن ينصبوا تمثالا ساذجا «لأوزير» في الحقل ليطردوا به الشياطين المؤذية ~~المسببة للجدب والقحط، وكالأمهات اللائي يخشين وهن يدللن أطفالهن عند الشفق أن ينطقن بتلك ~~الأسماء المقدسة القديمة وبالصلوات التي تعلمنها في طفولتهن ليبعدن عن صغارهن شياطين الظلام ~~الراصدة لاختطافهم. # وفي وسط هذه البلاد جميعها، وقد عمتها ظلمة سحب التذمر الخانق، ضرب ذلك الملك الشاب ~~المدهش هو ومن حوله من تلك الطائفة المؤيدة له، سرادق دينه في رائعة النهار، وفي هدوء لا ~~شعور معه بذلك الظلام الدامس، الذي شمل كل ما يحيط به، والذي يزداد في كل يوم ظلمة منذرة ~~بعظيم الخطر. # فإذا رسمنا حركة «إخناتون»، ومن خلفها ذلك التذمر الشعبي الذي سبق وصفه، ثم أضفنا إلى تلك ~~الصورة ما هو أقرب من ذلك خطرا؛ وهو معارضة الكهانة القديمة السرية، ومعارضة حزب «آمون» ~~الذي لم يكن بعد قد غلب على أمره تماما، وطائفة الجنود الأشداء الذين كانوا ساخطين على ~~سياسة الملك السلمية في آسيا وعدم اهتمامه بإدارة أملاكه الدولية والمحافظة عليها، أدركنا ~~شيئا عن تلك الشخصية القوية لذلك القائد الأول في عالم الفكر في التاريخ. # ويعد حكمه أقدم محاولة لسيطرة آراء الحاكم التي لا تحفل بحالة الشعب ms289 الذي فرضت عليه تلك ~~الآراء ومدى استعداده لقبولها. وقد عبر عن مثل ذلك «ماثيو أرنولد» # Mathew ~~Arnold # تعبيرا حسنا عند ~~تعليقه على الثورة الفرنسية بقوله: «ولكن شدة الولع بالإسراع في القيام بتطبيق سياسي لكل ~~تلك الآراء الجميلة التي يمليها العقل كان سيئ العاقبة ... فالأفكار لا يمكن أن تقدر فوق ~~قيمتها ولا تعشق لذاتها، كما أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش في حدودها أكثر مما يجب، ولكن ~~إذا نقلت الأفكار فجأة إلى عالم السياسة والحياة العملية بقصد قلب نظام العالم بما تحويه من ~~الأوامر، فإن هذا شيء آخر من جميع الوجوه.» # ولكن «إخناتون» لم يكن لديه سابقة ما مثل الثورة الفرنسية للرجوع إليها والاعتبار منها، ~~بل كان هو نفسه أول ثائر عالمي، وقد كان مقتنعا كل الاقتناع بأن في مقدوره أن يضع في قالب ~~جديد عالم الديانة والفكر والفن والحياة بعزم ثابت لا يقهر، وأن يجعل آراءه في الحال ذات ~~تأثير عملي فعال. # وعلى ذلك قامت مدينة سهل «تل العمارنة» الجميلة، فكانت جزيرة خيالية للنعيم في وسط بحر من ~~التذمر، بل كانت حلما مملوءا بالآمال الخيالية في عقل غاب عنه تماما أن الماضي لا يمكن ~~محوه. والعجب أن ظهور مثل ذلك الرجل لأول مرة لم يكن إلا في الشرق، وفي مصر بالذات، حيث لم ~~يكن يوجد رجل آخر يستطيع نسيان الماضي غير «إخناتون». على أن عالم أمم البحر الأبيض المتوسط ~~العظيم، الذي كانت مصر تسوده حينذاك، لم يكونوا أحسن استعدادا لقبول ديانة دولية أكثر من ~~سادتهم المصريين. ويذكرنا خيال «إخناتون» الدولي بآمال «الإسكندر الأكبر» الذي جاء بعده ~~بألف عام، ولكنه كان سابقا لعصر الإسكندر بعدة قرون. # على أن الحقيقة التي كانت تحيط به والمركز المهدد، اللذين كان «إخناتون» يدعو حزبه ~~لتبصرهما كل يوم، قد صورا في وصف كتبه زوج ابنته «توت عنخ آمون» بعد موته بمدة، حيث قال: # وأغلقت معابد الآلهة من «إلفنتين» (يعني الشلال الأول) إلى مستنقعات ~~الدلتا ... # وهجرت أماكنهم المقدسة ونبت فوق دمنها المرعى. # وصارت معابدهم كأن لم تغن ms290 بالأمس، وبيوتهم صارت طرقا معبدة والبلاد كانت في ~~مأزق سيئ. # وأما الآلهة فقد هجرت هذه الأرض. # وإذا أرسل قوم إلى سوريا لمد حدود مصر لم يكن الفوز حليفهم قط. # وإذا دعا الناس إلها لإنقاذهم لم يجب دعوته، وكذلك إذا استعطف الناس إلهة لم ~~تجب قط، فكانت قلوبهم في أجسامهم عليها أقفالها. # وكان أتباع «إخناتون» في مثل هذه الأحوال يدعون أن يستمر حكمه حتى «تصير البجعة سوداء ~~ويصير الغراب أبيض، وإلى أن تتحرك الجبال وتسير ويجري الماء من أسفل إلى أعلى.» # أما سقوط ذلك الثوري العظيم فيحوطه الغموض التام، وكانت النتيجة المباشرة لسقوطه هي إعادة ~~عبادة «آمون» والآلهة القدامى، فرضها كهنة «آمون» على «توت عنخ آمون»، ذلك الشاب الضعيف زوج ~~ابنة «إخناتون»، ثم أعادوا النظام القديم إلى ما كان عليه. ونجد في بيان «توت عنخ آمون» عن ~~إعادة عبادة الآلهة إيضاحا شائقا للحالة العقلية والدينية لقادة رجال الحكم بعدما اختفى ~~«إخناتون»، وقد أشار الملك الجديد إلى نفسه في هذا البيان بقوله: # إنه الحاكم الطيب الذي قام بأعمال عظيمة لوالد كل الآلهة (يعني «آمون»). # والذي أصلح له كل ما كان مخربا حتى صار آثارا خالدة. # ومحيت من أجله الخطيئة في الأرضين (مصر) وبذلك دامت العدالة (يعني ماعت) ... # وجعل الظلم شيئا تمقته البلاد كما كان الحال في البداية. # ويتضح من ذلك أن سقوط «إخناتون» اعتبر في نظر أعدائه المنتصرين إعادة للنظام الخلقي ~~القديم «العدالة» (يعني ماعت) وإقصاء للظلم. وبعد ذلك أخذ «توت عنخ آمون» يصف الحالة التي ~~ورثها، في فقرة ذكرناها فيما تقدم. # وهكذا لعنت ذكرى ذلك الرجل العظيم صاحب المثل الأعلى، ولم يظهر اسم إخناتون قط في ~~القوائم الملكية العظمى المسجلة فوق الآثار بين أسماء كل ملوك مصر الماضين، وعندما كانت ~~الإشارة إلى اسمه ضرورية في الوثائق الحكومية في عهد الفراعنة الذين أتوا فيما بعد كان ~~يسمى «مجرم أخيتاتون». # وقد كان فرح كهنة «آمون» باسترداد سلطانهم فرحا عظيما، ولدينا أنشودة لآمون من ذلك ~~العصر تصف لنا فوز أتباعه وتنطق بشماتتهم عندما كانوا ms291 ينشدونها، حيث جاء فيها: # إنك تصل إلى من يبغي عليك # والويل لمن يهاجمك # مدينتك تبقى # ولكن من يهاجمك يهوي # وشمس من لا يعرفك تغيب ... يا آمون! # وأما من يعرفك فإنه يضيء # ومعبد من هاجمك في ظلمة # بينما جميع الأرض في نور. # ففي هذه الأنشودة يظهر جليا حقد أعداء «إخناتون» المشبع بالتشفي والسخرية المملوءة ~~بالشماتة عندما تقول: # وشمس من لا يعرفك (يعني إخناتون) تغيب ... يا آمون! # ومعبد من هاجمك (يعني إخناتون) في ظلمة. # وهكذا كانت حالة معبد الشمس «بتل العمارنة» الذي كان فنانو «إخناتون» يصورونه دائما ~~مغمورا ببحر من ضوء الشمس، بينما كان «آتون» المشع يشرق من فوقه وقد ضمه في أحضان أشعته ~~الفياضة. # ولم يبق الآن شيء من معبد ذلك النور الأبدي، الذي كان يوما ما ساطعا، إلا بقايا ضئيلة ~~من أساسه، فهل بقي أي شيء آخر؟ وهل تجري أقدم ثورة للعقل البشري مجراها ولا تترك خلفها ~~نتيجة باقية؟ # إن ثورة «إخناتون» كانت عنيفة في طرقها أكثر مما يجوز، فلم يخلد شيء مما أحدثته من ~~الانقلاب؛ فالفن المدهش الذي أحدثته كان مهذبا أكثر مما كان يلزم في التصور وقوة التعبير ~~فلم يعش طويلا، وقد كشفت لنا معامل الملك التي كانت في «تل العمارنة» عن منزلة حب ذلك ~~الفن المدهش عند أولئك الفنانين الملكيين، وقد ترك عملهم هذا أثره في فن العصر الذي جاء ~~بعده، غير أن فني النحت والتلوين لم يستردا قط تلك الحرية التامة التي نعما بها في عهد ~~«إخناتون»، كما أنهما لم يلقيا ثانية جو تلك الحقيقة الدقيقة التي كانت تسود فن معامل «تل ~~العمارنة». # وأما في الأخلاق فلم يعد تعظيم الصدق بتلك الدرجة السامية التي بلغها في تصور «إخناتون»، ~~ومما لا شك فيه أن تقديره العاطفي للجمال والفيض اللذين شاهدهما في صنع الإله قد ترك أثرا ~~لم ينس قط بأكمله، وليس من شك مطلقا في أن تلك الأنشودة المصرية قد بقيت في شكل ما بعد ~~موت «إخناتون»، حتى عرفها العبرانيون بعد قرون مضت واستعملها مؤلف المزمار الرابع ms292 بعد ~~المائة، وبذلك لم تختف جملة روح مذهب «آتون»، وسنجد فيما بعد برهانا آخر على تأثيرها، ~~وعلى أن عنف هجوم إخناتون التعصبي على التقاليد قد جعل من الطبيعي أن ينزل عليه وعلى حركته ~~الانتقام الجزائي الذي كانت خاتمته الدمار التام. # فلا غرابة إذن في أن تلك العاصفة حينما هبت اكتسحت على وجه التقريب كل أثر لأقدم باحث عن ~~المثل الأعلى. وليس لدينا ما ينبئنا عنه إلا القليل فوق ما عثر عليه من بقايا مدينته، التي ~~كانت بمثابة مركز منعزل للمثل العالية، التي لم يدركها غيره أو يعرفها، إلا بعد مضي قرون ~~عدة، حينما تألف أولئك البدو الذين كانوا إذ ذاك ينزحون إلى أقاليم «إخناتون» الفلسطينية ~~وكونوا أمة، كان لها من المطامح الاجتماعية والخلقية والدينية ما كان من نتائجه ظهور أولئك ~~الرسل العبرانيين وأصحاب المزامير، ليواصلوا السير بالروح والرؤيا اللتين سبقهم فيهما أصحاب ~~الأحلام الاجتماعيون من المصريين الأقدمين. # وكان من جراء انهماك «إخناتون» في معنويات ثورته العظيمة أن عكفته على التأمل والتيه في ~~الأحلام بقصر الشمس في «تل العمارنة»، في حين أن الحيثيين، وهم الأعادي الجدد أصحاب البأس ~~الشديد في غربي آسيا، كانوا قد قاموا بفتح سريع لدولة مصر الآسيوية، وفي حين أن الكهنة ~~والجنود بين شعبه نفسه قد قوضوا سلطان الأسرة الثامنة عشرة تقويضا تاما، وهي أسرة ذلك ~~الفرعون ذات الصولة التي سادت الشرق القديم نحو مائتين وثلاثين سنة. وبهدم سلطان «إخناتون» ~~بدأت مصر عصرا جديدا يختلف عما قبله. حقا إن بهاء عظمتها الظاهري وذلك المظهر الرائع ~~لثباتها الطويل المدى كان ذكرهما لا يزال يتردد في تعابير الافتخار اللفظية التقليدية، ولكن ~~الحالة الواقعية أخذت تضمحل بعض الشيء عندما اقترب القرن الرابع عشر ق.م من نهايته. # وكان أصداء المذهب الإخناتوني لم ينقطع ترددها بعد، كما كانت علاقته بالتعليم الشمسي ~~الهليوبوليسي القديم لا يزال معترفا بها، بل إن نفس الأنشودة المعبرة عن الفوز (المفعم ~~بالشماتة) الذي أحرزه كهنة «آمون» ضد مذهب «إخناتون»، تنم عن اتصالها بالمذهب الشمسي ~~القديم، وعن تعبيرها عن أبوة ms293 «رع» عندما تنتقل إلى مديح «آمون» وتصنفه بأنه «الراعي الطيب» ~~و«النوتي»، وهي أفكار نبتت في أثناء الحركة الاجتماعية للعهد الإقطاعي المصري كما تقدم ذكره ~~فيما سبق. # والواقع أنه بالرغم من العودة إلى عبادة «آمون» فإن الأفكار والاتجاهات التي نشأت منها ~~ثورة «إخناتون» لم تختف جملة. حقا لم يكن في الإمكان اتباعها على أنها توحيد يشمل القضاء ~~على الآلهة الأقدمين، غير أن نواحي «آتون» الإنسانية والخيرية التي تتمثل في عنايته بكل ~~البشر كانت قد استولت على خيال الطبقة المفكرة؛ ولذلك نجد نفس تلك الصفات التي كانت لآتون ~~تنسب آنئذ إلى «آمون»، حيث كان الناس يرتلون له ما يأتي: # 1 # رب الصدق ووالد الآلهة # خالق الناس وبارئ الحيوان # رب كل كائن # ومنشئ شجرة الحياة # خالق الأعشاب ورازق الماشية لتحيا. # وهذه الأنشودة التي اقتبسنا منها هذه الأسطر لا تتردد في تسمية ذلك الإله الممدوح باسم ~~«رع» أو «آتوم»، دالة بذلك على أن حركة «آتون» قد تركت السيادة التقليدية لإله الشمس «رع» ~~الهليوبوليسي دون مساس بها، وكذلك نجد فيها قطعة أخرى تحتوي على ترديد لأصداء مذهب «آتون»، ~~حيث جاء بها ما يأتي: # سلام لك! يا رع يا رب الصدق # الذي أمر فوجدت الآلهة # يا آتوم الذي خلق الناس # والذي حدد صورهم # وخلق أرزاقهم # والذي ميز لون (كل جنس) عن الآخر # والذي يسمع دعوة من في الأسر # والذي تتدفق من قلبه الرحمة عندما يدعوه إنسان # والذي يخلص الضعيف من المستكبر # والذي يفصل بين الضعيف والقوي # رب المعرفة الذي في فمه الأمر السائد # والذي يأتي النيل حبا فيه # رب الحسن عظيم الحب # الذي بمجيئه يحيا البشر. # وكذلك بقيت الجمل الدالة على التوحيد منبثة بين سطور هذه الأنشودة بلا تردد، وإن كانت ~~الأنشودة دائما تشير إلى الآلهة، فتقول: # الفريد في ذاته، الخالق لكل كائن # الواحد الأحد، خالق كل موجود # والذي نشأ الناس من عينيه # وخرجت من فمه الآلهة # خالق الأعشاب للماشية # وشجرة الحياة لبني الإنسان # والذي يضع قوت السمك (في) النهر # والطيور التي تجوب السماء # والذي يمنح ms294 النفس ما يوجد في البيضة # ويجعل ابن الدودة يعيش # والذي يضع ما يعيش عليه البعوض # وكذلك الدود والحشرات # والذي يمد الفيران بحاجاتها في أجحارها # والذي يعول الطيور في كل شجرة فتعيش # سلام عليك يا من خلقت كل ذلك # أنت يا واحد يا أحد يا ذا الأذرع العديدة # وأنت (يا نائم) صاح بينما كل الناس تنام # ساع في البحث عن الأشياء الطيبة لماشيته # فالماشية جميعها تقول: السلام عليك # وكل مملكة تقول: العزة لك # بمقدار علو السماء وعرض الأرض وعمق البحر. # على أنه توجد أنشودة لأوزير من نفس ذلك العصر، يخاطب فيها بما يأتي: # أنت أب الناس وأمهم # وهم يعيشون من نفسك. # وفي كل ذلك نجد روح التضرع الإنساني، التي سبق أن ظهرت كما ذكرنا آنفا، إبان التعليم ~~الاجتماعي في العهد الإقطاعي المصري، فإن تفضيل المستضعف على المستكبر المتجبر، والأمر ~~السائد والمعرفة، وهي صفات مقصورة على الملكية والإلهية، قد عثرنا عليها كلها من قبل في تلك ~~المقالات الاجتماعية لأمثال «إبور»، بل أيضا في الوثائق الحكومية مثل الوثيقة الخاصة بنصيب ~~الوزير الأكبر في الأسرة الثانية عشرة من ملوك المصريين القدماء، وكذلك القول بأن الإله هو ~~الأب والأم لمخلوقاته يرجع بالطبع إلى ما كان عليه الاعتقاد في مذهب «آتون». # ومع أن أمثال تلك الأناشيد لا تزال كذلك تحتفظ في ثناياها بالعقيدة العالمية، والتغاضي عن ~~فكرة القومية، وبالنظر الواسع البعيد المرمى، مما كان شأنه بارزا في تعاليم «إخناتون»، ~~فإنها بالرغم من ذلك تكشف لنا عن ثقة فردية بطيبة الإله، فهي بذلك برهان هام على ظهور ~~الوجدان الشخصي، وتكشف لنا عن بداية عصر جديد ساد فيه التدين الانفرادي الذاتي. # وعندما نمضي في إنعام النظر في المعتقدات البسيطة الخالية من تعقيدات رجال الدين في خلال ~~القرنين الثالث عشر والثاني عشر؛ أي في القرنين اللذين أعقبا عصر «إخناتون»، نجد أن ثقة ~~المتعبد في عناية إله الشمس بكل المخلوقات حتى بأقل مخلوقاته قد تطورت إلى روح تعبدية وشعور ~~فياض بالاتصال الذاتي بالإله، مما ظهرت بوادره من قبل في قول ms295 «إخناتون» لإلهه: «وإلى الآن ~~فإنك ما زلت في قلبي.» # وعلى ذلك نجد أن التأثير الباقي لمذهب «آتون» وعقائد العدالة الاجتماعية للعهد الإقطاعي، ~~قد بلغ أوجه في أعمق تعبير، عن الروح الدينية الخالصة، وصل إليه رجال مصر. ويضاف إلى ذلك أن ~~هذه المعتقدات، ذات العلاقة الوثيقة الشخصية بين المتعبد وإلهه، بالرغم من تأصلها أولا في ~~تعاليم فئة قليلة محصورة، قد صارت آنئذ بمرور القرون، ومع التطور التدرجي البطيء، منتشرة ~~انتشارا واسعا بين طبقات الشعب، وكانت النتيجة انبثاق فجر عصر التقوى الانفرادية والإلهام ~~الباطني الذي يناجي به المرء ربه. # والواقع أنه تطور هام، وأنه كالكثير من الانقلابات التي تعقبناها في هذا الكتاب، يعد أقدم ~~تطور رأيناه من نوعه في تاريخ الشرق القديم، وبالنسبة لهذا الموضوع بالذات، في تاريخ ~~البشرية جميعا. # وفي مقدورنا أن نتعقبه في «طيبة» وحدها، ولا يخفى ما في ذلك من الإمتاع الشائق، ما دام في ~~مقدورنا أن نتعرف ما كان يجول في نفوس عامة الشعب الذين كانوا يملئون الطرقات والأسواق، ~~والذين حرثوا الحقول وزرعوها ونهضوا بالصناعات، والذين أمسكوا بدفاتر الحسابات وقاموا ~~بأعمال السجلات الرسمية، والذين قطعوا الأخشاب ورفعوا المياه، وغيرهم من الرجال والنساء ~~الذين وقع على كواهلهم عبء الحياة المادية العظيم في تلك الحاضرة الشاسعة للدولة المصرية ~~القديمة في خلال القرنين الثالث عشر والثاني عشر ق.م. # فنجد - مثلا - أن كاتبا في أحد مخازن الخزانة في جبانة «طيبة» يدعو «آمون» ~~فيقول: # الذي يأتي إلى الصامت # 2 # الذي ينجي الفقير # ويعطي النفس لكل إنسان يحبه ~~... ... ... ... # امدد إلي يدك # نجني، اسطع علي # لأنك تخلق قوتي ~~... ... ... ... # أنت الإله الأحد لا إله غيرك # فأنت نفس رع الذي يشرق في السماء # وآتوم خالق البشر # الذي يسمع دعاء من يدعوه # والذي ينجي الإنسان من المتكبر # والذي يجري النيل لأجل من هو بينهم # والهادي لجميع الأنام # وعندما يشرق يعيش البشر # وقلوبهم تحيا عندما يرونه # والذي يمنح النفس ما في البيضة # والذي يجعل البشر والطيور تعيش # والذي يرزق الفيران بحاجاتها في أجحارها # وكذلك الديدان والحشرات. # فالإله الذي يوجه ms296 عنايته إلى كل شيء حتى المحافظة على العصافير، مثل إله «عيسى»، رأى فيه ~~أهل «طيبة» موئلا يشكون إليه مصائبهم وهمومهم في حياتهم اليومية، واثقين في شفقته وحنانه ~~وفيضه. كذلك نصب أحد الرسامين الذين يقومون برسم المناظر الجنازية في جبانة «طيبة» لوحة ~~تذكارية في أحد مزارات الجبانة، تبين كيفية نجاة نجله من مرض ألم به بفضل «آمون» وشفقته ~~العظيمة، فكان «آمون» في نظره الإله الجليل الذي يسمع شكاية الشاكين، ويجيب الفقير المعذب ~~إذا استغاث به، ويمنح النفس من قوس الدهر قناته، ويقص علينا قصة رحمة الإله «آمون» فيما ~~يأتي: # الحمد لآمون # إني أنظم الأناشيد باسمه # وإني أقدم له الحمد # بقدر علو السماء # وعرض الأرض # وأتحدث عن قوته # إلى الذي يسير في النهر منحدرا # والذي يسير في النهر صاعدا # احذره! # وكرر ذلك للابن والبنت # وللصغير والكبير # وخبر بذلك الجيل بعد الجيل # من الذين لم يولدوا بعد # وأخبر بذلك السمك في النهر # والطيور في السماء # وكرره لمن لا يعرفه حتى الآن # وللذي يعرفه # احذره! # أنت يا آمون إنك رب الصمت # الذي يأتي عند استغاثة الفقير # وعندما أستغيث بك في كربتي # ففي الحال تأتي وتنجيني # ليتك تمنح نفسا من يقوس الدهر قناته # وليتك تنجيني وأنا في الأغلال # وعندما يستغيث الناس بك # فإنك أنت الذي تأتي إليهم من بعيد. # إن «نب رع» رسام «آمون» في مدينة الأموات، وهو ابن «باي» رسام «آمون» في مدينة الأموات، ~~قد أقام هذه اللوحة التذكارية باسم ربه «آمون» رب «طيبة» الذي يأتي لإجابة الفقير المستغيث ~~به، مقدما له التسبيحات باسمه لعظم قوته ومقدما التحميدات أمامه وأمام كل الأرض لأجل ~~الرسام «نخت آمون»، وذلك عندما رقد مريضا مشرفا على الموت، وكان في قبضة «آمون» بسبب ~~خطيئته. ~~«لقد وجدت أن رب الآلهة أتى كريح الشمال وأمامه الهواء العطر حتى ينجي الرسام «نخت آمون» ~~ابن رسام «آمون» في الجبانة «نب رع» وابن سيدة البيت «بشد».» # ويقول: «بالرغم من أن العبد اعتاد ارتكاب الخطيئة فإن الرب من شأنه الرحمة؛ لأن رب «طيبة» ~~لا يصرف ms297 كل اليوم غاضبا، فإذا غضب لحظة فإن ذلك الغضب لا يدوم طويلا ... بل يلتفت إلينا في ~~شفقة. إن «آمون» يلتفت إلينا بنفسه.» # ثم يقول: «سأضع هذه اللوحة باسمك وسأسجل هذه الأنشودة بكتابتها فوقها، إذا شفيت لي الرسام ~~«نخت آمون». هكذا خاطبتك وقد أجبتني، والآن انظر إلي وقد أنجزت وعدي، إنك رب من يدعوك، ~~أنت الذي ترضى عن الحق والعدالة، أنت رب «طيبة».» # صنعها الرسام «نب رع» وابنه «خاي».» # وهكذا صار إله الشمس أو «آمون» الذي قام مقامه، ملاذا للمحزونين، فهو الذي يسمع الشكوى ~~ويجيب دعاء من يستغيث به، والذي يحضر عند ذكر اسمه، وهو الإله المحب الذي يسمع الصلوات، ~~والذي يمد يده إلى الفقير وينجي اليائس، وبمثل ذلك الأم المصابة التي أهملها ابنها «ترفع ~~ذراعيها للإله فيسمع استغاثتها.» # وصارت آنئذ العدالة الاجتماعية التي نشأت في عهد الدولة الوسطى المصرية حقا يطالب به كل ~~فقير أمام الإله، الذي صار هو نفسه قاضيا عادلا لا يقبل الرشوة، رافعا للحقير، حاميا ~~للفقير، غير باسط يده للغني. # وعلى ذلك يدعوه الفقير فيقول: «يا آمون، أصغ لمن يقف وحيدا في المحكمة فقيرا وخصمه ~~غني، فتضطهده المحكمة (حيث تقول): «فضة وذهبا للكتاب! وثيابا للخدم» ولكن «آمون يستحيل ~~بنفسه إلى وزير أول # 3 # ليجعل الفقير فائزا، فيتضح أن الفقير على حق وينتصر الفقير على الغني. فأنت يا ~~«آمون» أنت النوتي في المقدمة الذي يعرف الماء، وأنت ساكن السفينة، والذي يعطي الخبز لمن لا ~~خبز عنده، ويحفظ خادم بيته حيا.» ولأن الإله وقتئذ هو «آمون رع» الذي كان في الصورة ~~الأولى ملكا فإننا نجده يخاطب هكذا: «يا إله الأزلية، أنت يا وزير الفقير الذي لا يأخذ ~~المكافأة الدنيئة، والذي لا يقول: «إيت بشهود»، أنت «آمون رع» الذي يعدل على الأرض بأصبعه، ~~والذي كلماته أمام القلب، فيجعل النار مأوى لمن يرتكب الخطيئة في حقه، والمحق مثواه في ~~الغرب (يعني النعيم في الدار الآخرة).» # فالغني والفقير يحيق بهما غضب الإله على السواء إذا وقعت منهما الخطيئة، واليمين الذي ~~يصدر استخفافا ms298 أو كذبا يجلب غضب الإله فيصيب الحانث المرض أو العمى، وذلك ما لا يمكن ~~النجاة منه - كما ذكرنا - إلا إذا أتبع المذنب ذلك بالتوبة والندم والتجأ إلى التذلل ~~والخضوع راجيا عطف إلهه. # وهذه أول مرة نجد فيها أن «الضمير» قد تحرر تماما، فيعتذر المذنب ويندم على جهله ~~وارتكابه الإثم، فنراه يقول: # أنت يا واحد يا من لا أحد غيره # أنت يا إله الشمس الذي لا مثيل له # يا حمى الملايين ومخلص مئات الألوف # الذي يحمي من يستغيث به # أنت يا رب «هليوبوليس» (عين شمس) # لا تعاقبني على ذنوبي العديدة # فإني أمرؤ جاهل بنفس جسمه # إني رجل لا عقل له؛ لأني طيلة اليوم أتبع أهوائي # كما يتبع الثور علفه. # ونلاحظ هنا على الفور الفرق الشاسع بين هذا الاعتراف وكتاب الموتى الذي لا تعترف الروح ~~فيه بأية خطيئة، بل تدعي البراءة التامة. على أنه في هذا الموقف الذي يعترف فيه الإنسان ~~الآن بخطيئته مع إبداء غاية التذلل والخضوع، نجد أنه على اتصال باطني بالإله ليلا ونهارا، ~~كما نرى فيما يأتي: # تعال إلي يا رع حور أختي حتى ترشدني. # وكما أننا نجد العبري التقي يحب «بيت المقدس» موطن ربه منذ القدم، كذلك كان ذلك المصري ~~القديم يولي وجهه في تعبده شطر مدينة الشمس العظيمة التي نشأ فيها مذهب آبائه منذ حوالي ~~ثلاثة آلاف سنة، حيث يقول: # إن قلبي يتطلع إلى «هليوبوليس» # فإن قلبي ينشرح وصدري يفرح # وتضرعاتي يستمع إليها # وحتى صلواتي اليومية وأناشيدي الليلية # وتوسلاتي ستزدهر في فمي؛ لأنها سمعت هذا اليوم. # فالأناشيد القديمة كانت تتألف من أوصاف الحوادث الخرافية، وكلها أمور خارجية بالنسبة ~~لحياة المتعبد، حتى إنه كان في مقدور كل إنسان أن يبتهل إلى الإله بنفس الصيغة التي يبتهل ~~بها غيره، فصارت الابتهالات آنئذ مظهرا لإحساسات باطنية؛ أي إنها تعبير يراد به الاتصال ~~الذاتي بالإله، وهو اتصال يرى فيه المتعبد أن إلهه يغذي الروح كما يغذي الراعي قطيعه، ونجد ~~ذلك في القول الآتي: # يا آمون أنت يا مخرج القطعان في الصباح ms299 # ومرشد المتألم إلى المرعى # وكما يقود الراعي القطعان إلى المرعى فأنت كذلك تفعل # يا آمون خذ بزمام المتألم إلى الطعام؛ لأن آمون رع يرعى من يتكل عليه # يا «آمون رع» إني أحبك وقد ملأت قلبي بك # وستنجيني من أفواه الناس في اليوم الذي يفترون فيه علي الكذب # لأن رب الحق يعيش في الحق # وإني لن أستسلم للخوف الذي في قلبي # لأن ما قاله «آمون» يعلو ويزدهر. # حقا إنه كانت توجد وسائل ظاهرية ومادية تزيد في هذا الاتصال الروحي بالإله، وقد رأينا ~~الرجل العاقل يحث غيره بحكمة على «الاحتفال بعيد إلهه، وأن يعيد الاحتفال في مواسمه؛ لأن ~~الإله يغضب على من يتعدى حدوده.» # ومع ذلك فقد كانت أعظم الوسائل تأثيرا لكسب عطف الإله ورضاه هو التدبر والتفكر في أناة ~~وصمت مع الاتصال الباطني، وهو ما كان يراه حتى الحكماء الذين يميلون إلى عدم الخروج جملة ~~على العادات التقليدية، كما نرى فيما يأتي: # لا تكن كثير الكلام، فبالصمت تنال الخير ... # أما من جهة أمر الإله فلعنته في رفع الصوت # تعبد بقلب سليم كل كلمة من كلماته باطنة # فبذلك تنال ما تحتاجه ويسمع كلماتك # ويتقبل قربانك. # بمثل هذه الروح كان يتجه المتعبد إلى ربه كأنه عين ماء روحانية منعشة. ومن ذلك ~~أيضا: # أنت أيتها البئر العذبة للصادي في الصحراء # إنها موصدة لا تفتح للثرثار - ولكنها مفتوحة للصامت # فعندما يأتي الصامت فإنه يجد البئر. # على أن هذه الروح - روح الاتصال الصامت - التي يرجى بها طيبة الإله الرحيمة، لم تكن وقفا ~~على فئة قليلة مختارة، ولا على جماعات الكهنة المتعلمين، فإننا نجد فوق أحقر الآثار لعامة ~~الشعب أن «آمون» كان يدعى بالذي «يأتي للصامت» أو «رب الصامت» كما لاحظنا ذلك فيما ~~تقدم. # وقد كان من جراء ذلك التطور النهائي للشعور الديني الذي توجت به ثورة «إخناتون» الدينية ~~والعقلية، كما توجت به كذلك عقائد العدالة الاجتماعية التي ظهرت في العهد الإقطاعي، أن وصلت ~~الديانة المصرية القديمة إلى أسمى تطوراتها. # وأما في الأخلاق وفي موقف الإنسان تجاه ms300 الحياة فإن الحكماء استمروا في المحافظة على روح ~~الاحترام لأسمى المثل العليا العملية، وهو موقف ندرك فيه تقدما محسوسا على التعاليم ~~العتيقة للآباء، فصاروا يحفلون بحسن الذكر وطيب الأحدوثة ويتشددون في المحافظة على السمعة، ~~فيقول الحكيم (آني): «دع كل مكان تحبه نفسك معروفا عند الناس.» # وكانت أحوال السكر وعيشة الخلاعة تعرض بكل نتائجها الوخيمة أمام الشباب، كما كانت ~~أخطار الفحش والفجور تعرض للشباب بدون تحفظ وبصراحة عارية من كل ستر أو حجاب، حيث ~~يقول: # احذر المرأة الأجنبية التي لا تعرف في بلدتها # ولا تنظرن إليها # ولا تعرفنها في جسدها # لأنها فيضان (من الشر) عظيم وعميق لا يعرف الرجل دورانه # والمرأة التي يكون زوجها بعيدا جدا، تقول لك في كل يوم إني جميلة # وعندما تكون بعيدة عن الأعين تقف (أمامك) لتوقعك # في أحابيلها ... يا لعظم الجريمة التي تستحق الموت # عندما يرتكبها الإنسان ولو لم يعلم بذلك الملأ # لأن الإنسان يسهل عليه بعد ارتكاب # هذه الخطيئة أن يرتكب كل خطيئة. # أما أطايب الحياة ومتاعها فيجب على الإنسان أن ينظر إليها بتحفظ فلسفي، ومن الحماقة أن ~~يعتمد الإنسان على الثروة الموروثة ويظنها مجلبة للسعادة: «لا تقل إن جدي من أمي له بيت في ~~ضيعة كذا وكذا، فإنه حين تأتي للقسمة حسب الوصية مع أخيك لا يكون نصيبك إلا حظيرة ~~فقط.» # فإن مثل هذه الأشياء في الواقع لا دوام لها ولا ثبات: # وهكذا نجد أن الناس إلى الأبد لا شيء # فواحد غني وآخر فقير ... # ومن كان غنيا في السنة الماضية قد صار شريدا هذا العام # ومجرى الماء في العام المنصرم قد صار هذا العام مكانا آخر # والبحار العظيمة تصير جافة والشواطئ تصبح بحارا. # فنجد في هذا الكلام مثلا لذلك الاستسلام الشرقي للمقابلة بين أحوال الحياة الدنيوية الذي ~~كان على ما يظهر قد نما وانتشر بين كل الشعوب الشرقية القديمة. # 4 # ولما انتقل الشعب المصري القديم إلى ألف السنة الأخيرة ق.م كان نمو الضمير الذي تتبعنا ~~مجراه في نحو ألفي عام، قد وصل إلى نهايته ms301 بتحقيق هذا الانتقال العميق الهام، الذي كان يمهد ~~لمجيئه من عدة قرون، فإن الوازع الباطني الذي نما في الأصل من المؤثرات الاجتماعية ثم زاد ~~تطوره خلال قرون مضت في التفكير العميق، قد صار المتعبدون يعترفون الآن من غير تحفظ بأنه ~~أمر الإله نفسه. # وقد رأينا أن هذه الفكرة كانت قد ظهرت قبل ذلك بنحو 500 سنة؛ أي في بداية عهد ~~الإمبراطورية المصرية، ولكن في هذا العصر الذي هو عصر الورع الشخصي، صار الضمير هو صوت ~~الإله بدون أدنى شك، وذلك ما لم يحدث من قبل مطلقا. # وإزاء ذلك لم يكن هناك بالطبع مجال لإخفاء الخطيئة أو إنكارها بعد وقوعها من المخطئ، وإذ ~~كان المؤمن يشعر بأن كل أمره معلوم عند ربه فقد أصبح يضع نفسه - بدون أدنى تحفظ - في يد ~~الله المرشد والمهيمن على كل حياته وحظوظه. ومع أن رضاء المجتمع كان لا يزال أمرا هاما، ~~وضغط المؤثرات الاجتماعية محسوسا، فإن ذلك صار في المرتبة الثانية إزاء الإله العليم بكل ~~شيء. # وهذا الموقف الجديد قد كشف لنا غطاؤه في رسالة عظيمة يمكننا أن نسميها «حكم ~~«أمينموبي»»، وبرديتها محفوظة الآن بالمتحف البريطاني. # 5 # وكما كان يحدث كثيرا في مثل تلك النصائح التي كانت تصدر من رجال الحكمة المصريين ~~القدماء، قد اعتبرت حكم «أمينموبي» أيضا ملقاة من هذا الحكيم على ابنه. وهي في نظمها ~~ووضعها تعد أكثر ترتيبا من أية وثيقة أخرى من نوعها مما فحصناه من تلك الوثائق للآن، فقد ~~قسمت بنظام إلى ثلاثين فصلا، وكل فصل منها خاص بموضوع معين، وتبدو مقسمة إلى مقطوعات كل ~~منها يشتمل على أربعة أسطر أو ستة أو ثمانية، كما يوجد بعض مقطوعاتها مؤلفا من سطرين فقط. ~~ويلاحظ أنه لم يبذل في تأليف تلك الحكم أي جهد لتنسيق فصولها أو ترتيبها ترتيبا ~~منطقيا. # ولقد قال الأستاذ «لنج» # 6 # أحد أساتذة جامعة كوبنهاجن، وهو ممن لهم الفضل الأكبر في فهم ذلك المقال ~~المدهش، عند تناوله الموازنة بين «أمينموبي» وغيره من أسلافه السابقين: «إن آراء «أمينموبي» ~~الدينية ms302 أعمق بكثير من سابقاتها، كما أنها تنفذ إلى الأعماق بدرجة عظيمة تفوق فيها آراء ~~أسلافه من الحكماء؛ إذ كانت التقوى في نظر أصحاب الحكمة الآخرين تعد فضيلة، وأن فكرة الموت ~~والخلود الأبدي قوة دافعة للمرء على السلوك الفاضل، وأن الله وحده هو الذي يعطي الغنى ~~والحظ، في حين أن الشعور بالإدانة لله وحده هو في نظر «أمينموبي» العامل الفاصل في كل ~~تصوراته عن الحياة وسلوكه فيها.» # ولذلك كان «أمينموبي» يتمسك أمام ابنه دائما بهذه النظرة إلى الحياة الدنيا في المعاملات ~~الشخصية والرسمية، مع الشعور التام بتلك المسئولية أمام الإله في كل حين. ومما يزيد في ~~أهميته تلك النصائح ووصولها إلى هذه القمة من تقدير الضمير والإحساس برقابة الله، وذلك في ~~تعاليم مفكر مصري في القرن العاشر ق.م، وقبل أن يكتب أي شيء من التوارة، أننا نعرف الآن أن ~~حكم «أمينموبي» هذه قد ترجمت إلى العبرية وقرأها العبرانيون، وأن قسما هاما منها قد وجد ~~سبيله إلى كتاب العهد القديم. # وإننا نجد حكيمنا هذا عند تناوله موضوع تهيئة ابنه للانخراط في سلك الوظائف الحكومية ~~المصرية، يبين له تلك المغريات التي قد تدفعه إلى استغلال الفرص الرسمية ابتغاء المكسب من ~~ورائها، فنراه يعددها الواحدة تلو الأخرى، ويحذر ابنه الشاب من الاستسلام لمثل تلك ~~المغريات، فإذا كان في وظائف مسح الأرض فنصيحته له هي: # لا تزحزحن الحد الفاصل الذي يفصل (بين) الحقول. # ولا تكن جشعا من أجل ذراع من الأرض. # ولا تتعدين على حد أرملة. # وارقب أنت من يفعل ذلك فوق الأرض. # فبيته عدو للبلد # وأهراؤه تخرب # وأملاكه تؤخذ من أيدي أطفاله # ومتاعه يعطاه غيره. # لا تطأن حرث الغير # وخير لك أن تبقى بعيدا عنه. # احرث الحقول حتى تجد حاجتك # وتتسلم خبزك من جرنك الخاص بك. # وإن المكيال الذي يعطيكه الله خير لك # من خمسة آلاف تكسبها بالبغي. # والفقر مع القناعة والرضا عند الله خير # من الثروة (المغصوبة بالعداون) القابعة في الخزائن. # وأرغفة لديك مع قلب فرح خير لك # من الثروة مع التعاسة. # ومن ms303 المهم أن نلاحظ أن أمينموبي كان لا يزال يحترم الرأي العام في مثل تلك المواقف؛ لأنه ~~عندما ينصح ابنه بمراعاة الأمانة في السجلات المالية يقول له: # وخير لك المدح (تناله) كفرد يحبه الناس # من الثروة (المجموعة) في الخزائن. # وذلك لأن الغنى مع (الضمير) الشاعر بالذنب لا قيمة له. # وما فائدة الملابس الجميلة # إذا كان الإنسان باغيا (متعديا على غيره) أمام الله؟ # ولما كان موظفو بيت المال عند المصريين القدماء لهم علاقة كبيرة بالموازين والمكاييل، فقد ~~اهتم بها «أمينموبي» كثيرا، حيث يقول لابنه: # لا تجعلن إحدى كفتي الميزان تحيد غشا. # ولا تعبث بالموازين. # ولا تنقصن من عدد (أنصبة أو مقادير) مكاييل القمح. # ولا ترغبن في مكاييل الحقل (لأنها ربما كانت عظيمة كما في أيامنا). # ولا ترغبن عن مكاييل الخزانة (لأنها كانت بالطبع أنقص من مكاييل الحقل). # فقوة الجرن أكبر # من القسم (اليمين الرسمية للحكومة) بالعرش العظيم. # وهذه المقارنة المبهمة الواردة في السطر الأخير «ضرب مثل» يحتمل أنه يعني به أن قوة ~~المخزن الملكي الضارة المفسدة أكبر في تأثيرها من «يمين الإخلاص الرسمي للعرش» الذي يقسم به ~~الموظف عند تسلمه عمله. والاستقامة في الأعمال الرسمية لا بد من مراعاتها بالدقة في الصغيرة ~~والكبيرة؛ ولذلك يبدأ الحكيم فصلا آخر بالكلمات الآتية: # لا تطمعن في متاع رجل حقير. # ثم يعقبه مباشرة بابتداء آخر قال فيه: # لا تطمعن في متاع رجل عظيم. # ثم نجد كذلك أن «أمينموبي» كان يهتم كثيرا بمحافظة ابنه على الاستقامة التي لا تراخي ~~فيها ولا هوادة في المعاملات الشرعية وفي التقاضي أمام المحكمة، حيث يقول: # لا تجبرن رجلا على الذهاب أمام المحكمة # لأنك لن تجعل العدالة تلتوي. # فلا يتجه وجهك نحو الملابس البراقة (يعني التي يلبسها الخصم) # بينما تطرد من تكون ملابسه قذرة بالية. # لا تأخذن العطايا من القوي. # ولا تضطهدن الضعيف من أجله. # فالعدالة هبة عظيمة من الله يهبها من يشاء. # فقوة من كان مثله (أي مثل الله) # تنجي المكتئب من ضرباته (يعني ضربات القاضي). # أعط المتاع أصحابه # وبذلك تبغي ms304 لنفسك الحياة. # ومع أن قلبك يعمر في بيتهم (يعني في بيت الملاك الذي تحابيهم) # يكون جسمك مصيره لمقصلة الجلاد. # وإن الكلام الرزين والأخلاق السلسة تعتبران من الأمور الهامة في نظر حكيمنا، كما أن ~~التهديدات الصاخبة الجوفاء لا يقوم لها وزن أمام تدابير الله ضد أعدائنا: # ولا تقولن: لقد وجدت رئيسا قويا # والآن يمكنني أن أهاجم رجلا في مدينتك. # ولا تقولن: لقد وجدت حاميا # والآن يمكنني أن أهاجم الرجل الممقوت. # فالحقيقة أنك لا تعلم تدبير الله # وأنك لا تدرك الغد. # ضع نفسك بين يدي الله # إلى أن يهزمهم صمتك (أي إلى أن يهزم الله أعداءك بسبب صمتك). # ثم يستمر «أمينموبي» في نصائحه حاضا ابنه على التباعد عن الصراحة الخارجة عن الحد، بل ~~إنه يعود كثيرا فيحذره من هذه العادة الخطرة في كل مقاله، فمن ذلك قوله: # إذا سمعت خيرا أو شرا # فاتركه وراءك غير مسموع. # وضع الكلام الحسن على لسانك. # وأما الكلام السيئ فأبقه مخفيا في جوفك. # وبنفس هذه الفكرة التي تجول في ذهن الحكيم نراه ينصح ابنه بألا يسترق السمع في البيوت ~~العظيمة، وأخذ يحثه بهذه المناسبة على مراعاة التواضع في مسلكه إذا كان على مائدة رجل عظيم. ~~وقد قدمت مثل هذه النصيحة وببعض تعبيراتها قبل مقال «أمينموبي» بنحو ثمانية عشر قرنا، وهي ~~تلك الحكم التي ألقاها «بتاح حتب» على ابنه في عهد الأسرة الخامسة، ولأنها حكمة بالغة في ~~السلوك الواجب نحو الرؤساء، ظل المصريون القدماء يحترمونها مدة تنوف على ألفي سنة، فقد وجدت ~~سبيلها إلى الحياة العبرانية، وهي تعد من غير شك أقدم قطعة جاءت في التوراة. # ونجده كذلك يحذر ابنه الشاب من المراءاة والمعاملة ذات الوجهين في كل علاقاته مع العظماء، ~~حيث يقول: # لا تطلقن قلبك من لسانك # فإنك بذلك تحظى بنجاح كل مقاصدك. # وسينجم عن ذلك أنك تكون رجلا ذا وزن أمام الجمهور # ومقبولا بين يدي الله. # لأن الله يمقت الرجل صاحب القول الكاذب. # وأكبر ما يمقته الرجل ذو القلبين. # 7 # وإذا كانت مصاحبة العظيم تغري بالنفاق، ms305 فإن مصاحبة المتسرع والأحمق خطرة أيضا؛ لأنها ~~تؤدي بالإنسان إلى فحش القول وهجره: # لا تؤاخين الرجل الأحمق # ولا تلحفن عليه في المحادثة. # والمقال على هذه الوتيرة مفعم بالتحذير من الرجل المشاغب والرجل المستهتر. وأما الأخلاق ~~الفاضلة فهي أخلاق الرجل المتحلي بالرقة والتواضع وضبط النفس، على عكس تلك الأخلاق الذميمة ~~التي تعرف عن الرجل الأحمق. وقد وضع «أمينموبي» في بداية نصائحه مقابلة بين الأخلاق ~~وأضدادها الذميمة بهيئة شجرتين، إحداهما شجرة برية نشأت ~~في الغابة ولا يتعهدها أحد، والأخرى تزدان بها الحديقة، وفي ذلك يقول: # إن الرجل الأحمق، الذي يخدم في المعبد # مثله كمثل شجرة نامية في الغابة. # ففي لحظة يفقد أغصانه # ويكون مصيره إلى مرفأ الأخشاب # وينقل بعيدا عن مكانه # والنار مثواه. # وأما الرجل الحازم حقا! الذي يضع نفسه جانبا (حيث يجب) # فمثله كمثل شجرة باسقة في الحديقة # يفلح وتتضاعف ثمرته # ويثمر في حضرة سيده # فظله وارف وثمرته أكلها حلو # ويجد في الحديقة مصيره. # وينهى «أمينموبي» عن الاشتباك مع السفيه، فيقول: «لا تشتبكن في نزاع مع سفيه ~~اللسان.» # ويحض الشاب على عدم الدخول في علاقة ما مع أمثال أولئك الرجال، والكلمة التي عبر بها ~~ذلك الحكيم عن الرجل الطائش والمشاغب والأحمق هي النعت «حار»، وفيها ما يوضح المعنى وزيادة. ~~وهذه الكلمة المصرية القديمة معادلة للكلمة العبرية التي ترجمت بها في كتاب الأمثال من ~~الكتاب المقدس وهي «المستخف»، هذا من جهة. # ومن جهة أخرى نجد أن التسمية التي استعملها ذلك الحكيم أيضا للدلالة على «المتواضع» ~~و«الضابط لنفسه» هي «الصامت حقا» الذي يعامل الجميع بلطف وتواضع. وهذا المعنى يتصل ~~اتصالا وثيقا بالعابد المتبتل الصامت الذي تقدم ذكره فيما مضى، وهو يماثل على ما يظهر ~~«الرجل الحازم» الذي نجده في الأمثال العبرية. ومثل ذلك الرجل يعامل الأرملة التي يجدها ~~تتلقط فضلات الحقل برفق وأناة، كما ذكر «أمينموبي» ابنه بأن: # الله يحب الذي يدخل السرور على الرجل المتواضع # أكثر من الذي يحترم الرجل العظيم. # وهذه الروح الرقيقة العطوفة هي التي تنصح بأن الفقير والمحزون لا ms306 يعاملان بالقسوة، كما ~~يقول الحكيم: # لا تضحكن من رجل أعمى ولا تهزأن بقزم. # ولا تؤذين زمنا (يعني مقعدا). # ولا تستهزئن برجل يكون في يد الله (يعني بين يدي الله). # ولا تقسون عليه عندما يبغي (يعني يجور أو يذنب). # وأما البشر فهم من طين وقش (يعني اللبن المصنوع من الطين مخلوطا بالتبن) # والله هو بانيهم. # فهو يهدم ويبني ثانية كل يوم # فيخفض ألفا كما يشاء # وألفا يجعلهم مشرفين # ما داموا في الحياة الدنيا. # وإنه لسعيد من يصل إلى الغرب (يعني الدار الآخرة) # وهو ناج في يد الله. # وإن عدم ثبات أحوال الإنسان، وتوقفها على مشيئة الله تعالى، قد حدا «بأمينموبي» إلى تحذير ~~ابنه من الاعتزاز بالثروة الزائلة: حيث قال له: # لا تدعن قلبك يجري وراء الثروة # ولا تجهدن نفسك في طلب المزيد # عندما تكون قد حصلت (بالفعل) على حاجتك. # وإذا جاءت إليك الثروة من طريق السرقة # فإنها لا تمكث عندك زمن الليل. # فحينما ينبلج الصباح فإنها لم تكن في بيتك بعد # لأنها تكون قد صنعت لنفسها أجنحة مثل الإوز وصعدت إلى السماء. # اعبد «آتوم» إله الشمس عندما يشرق # وقل امنحني سلامة وصحة # وسيمنحك ما تحتاجه مدى الحياة # وتأمن من الخوف. # والواقع أن هذه النتيجة الحكيمة التي يقول فيها «أمينموبي» إن «الثروة (المغصوبة) تصنع ~~لنفسها أجنحة» وتطير بعيدا، وصورها لنا في تلك الصورة البارزة عن الثروة الأرضية التي لا ~~تدوم وتكون عرضة للزوال والفناء، نعرف لها مثيلا في صورة أخرى انحدرت إلينا عن طريق محرر ~~«كتاب الأمثال» العبري وانتشرت في حياة العالم الغربي بعد ظهورها بين سكان مصر بثلاثة آلاف ~~سنة. # ويرى حكيمنا أن الاعتماد على مثل تلك الموارد الدنيوية الزائلة لا يجدي نفعا، وأن الضمان ~~الوحيد لذلك هو الله، فيجب أن نعبده، وبذلك «تنجو من الخوف»، وعلى هذا فإن راحة البال ~~والتخلص من الخوف يمكن الحصول عليهما بالاعتماد على الله وحده فقط. # وعلى ذلك نجد هذا الحكيم المصري القديم يقول في أنبل فقرة من نصائحه لابنه: # لا تنم في الليل وأنت ms307 خائف من الغد # لأننا لا ندري عندما ينبثق الفجر ماذا يكون عليه الحال في الغد! # فالإنسان لا يعلم ما سيكون عليه الغد. # الله في كماله # والإنسان في عجزه # والكلمات التي يتكلمها الناس تختلف في اتجاهها # على حين أن أعمال الله مختلفة الاتجاه. # 8 # لا تقولن: لست أحمل خطيئة # ولا تجهدن نفسك في إثارة النزاع. # أما الخطيئة فأمرها عند الله # وهو الذي يختمها بأصبعه. # وليس في يد الله إنسان كامل # ولا يقف العجز حائلا أمامه # فإذا أجهد الإنسان نفسه ليصل إلى الكمال # فإنه في لحظة يهدمه (بنفسه). # كن رزينا في عقلك، وثبت قلبك # ولا تجعلن من لسانك سكانا # فإن كان لسان الإنسان كسكان السفينة # فإن رب الجميع هو ربانها. # فهل كان هناك عندما نصح السيد المسيح - عليه السلام - تلاميذه بقوله: «لا تفكروا في ~~الغد»؟ أي صدى لتلك الحكمة المصرية القديمة في تلك الكلمات؟ إنه من المحتمل ألا يكون في ~~مقدورنا قط الإجابة على هذا السؤال، غير أن حكم «أمينموبي» قد قدمت لنا مساعدة جوهرية في ~~الكشف عن مدى انتشار التعاليم الخلقية المصرية القديمة فيما وراء شواطئ النيل وبخاصة في ~~فلسطين. على أن أعظم الأجزاء انتشارا من حكم «أمينموبي» قد تجاوزت فلسطين إلى مدى شاسع ~~ولا تزال مستعملة بين ظهرانينا. # وقد أوضح الأستاذ «زيته» أن السطرين الغامضين في ظاهرهما، وهما الخاصان باختلاف اتجاه ~~كلمات الناس وأعمال الله، لا يمكن أن يكون المقصود منهما سوى الفرق الشاسع بين كلمات الناس ~~(أي مقاصدهم) وما يتلوها من أفعال الله - سبحانه وتعالى. وعلى ذلك تكون الترجمة ببعض التصرف ~~هكذا: «الكلمات التي يتكلمها الناس تختلف في اتجاهها وأعمال الله تختلف في اتجاهها.» وتكون ~~المقابلة هنا على البديهة هي بين «كلمات الناس» و«أعمال الإله». وعندما يذكر أنهما ~~«يختلفان» فإن المعنى المقصود يكون بداهة «أنهما يختلفان عن بعضهما». وعلى ذلك يكون لدينا ~~هنا المثل العالمي في أقدم صورة له: «الإنسان يريد والله يفعل ما يريد.» # وإن مثل ذلك الانتشار الواسع للرأي المصري القديم عن علاقة الله بالإنسان يفتح لنا ms308 ذلك ~~الموضوع الواسع، وهو تأثير التطور الخلقي المصري القديم لا في تاريخ الإنسان القديم فحسب، ~~بل في تاريخ المدنية الغربية أيضا. ولما كان بحث ذلك الموضوع يجب أن تتألف منه خاتمة هذا ~~الكتاب، فيجب قبل أن نتناوله بالبحث أن نلقي نظرة قصيرة على المراحل الأخيرة من ذلك التفكير ~~الخلقي المصري القديم قبل أن يحشر سكان وادي النيل إلى معمعة عاهليات البحر الأبيض المتوسط ~~الآسيوية. # ذلك بأنه بعد سقوط العاهلية المصرية في القرن الثاني عشر قبل المسيح كانت قوى حياة البلاد ~~الداخلية والخارجية قد اضمحلت وفقدت كل تأثير لها في إزكاء نار التفكير الخلقي مرة أخرى حتى ~~يقوم بأي نشاط حيوي يسمو به إلى أكثر مما وصل إليه، بل قد حل مكان ذلك ركود وجمود قاتلان لا ~~يأبهان لشيء من عوامل النمو والنشاط، وكأنما اعترى حياة تلك الأمة التي كانت ممتلئة نشاطا ~~وحيوية ذهول خامد؛ ولذلك نجد أن التطور الذي أعقب ذلك الأوان كان مجرد ظواهر رسمية آلية لا ~~تتناول أي تقدم في التفكير والإنتاج العقلي، وكانت قوة الكهانة بصفتها ذات نفوذ سياسي قد ~~جعلت الملك «تحتمس الثالث» في القرن الخامس عشر ق.م ينصب رئيس كهنة «آمون» رئيسا لجميع ~~كهنة مصر في ذلك الزمان؛ أي إنه صار الرئيس الديني للدولة. # ومع أن هذه «البابوية الآمونية» قد قاست عنفا شديدا على يد «إخناتون» فإنها قد استردت ~~فيما بعد كل ما فقدته، بل زادت عليه كثيرا حتى إن «رعمسيس الثاني» سمح لوحي «آمون» أن ~~يرشده في تعيين الكاهن الأعظم للإله؛ ولذلك كان من السهل في تلك الأحوال على الكاهن الأعظم ~~لآمون أن يجعل منصبه هذا وراثيا. # ولما لم يكن في مقدور البلاد أن تقاوم تلك القوة السياسية الكهنية، التي كانت بمثابة دولة ~~داخل الدولة، وكانت البلاد دائما فريسة لتعديها الاقتصادي، فإن مصر هوت بذلك إلى الانحطاط ~~بسرعة، إلى أن صارت حكومة كهانة فقط، حتى إنه حوالي سنة 1100ق.م سلم الفرعون صولجانه إلى ~~رئيس القوة الحاكمة التي صارت وقتئذ هي حكومة المعبد. # وفي خلال ms309 التطور الطويل، الذي كان من جرائه استيلاء طائفة الكهنة على إدارة شئون العرش، ~~لبست المظاهر الخارجية والرسمية للتدين من حلل الفخامة والأبهة ما لم تصل إليه من قبل أي ~~قوة دينية في تاريخ التدين القديم؛ ولذلك فإن معابد ذلك العصر ستبقى دائما من أروع الآثار ~~الباقية من العالم القديم. # والواقع أن تلك القصور «الإلهية» الضخمة قد رفعت من قيمة الشعائر الدينية الظاهرية إلى ~~مستوى لم تتمتع به من قبل، لا في فخامة مبانيها فحسب، بل في معداتها العظيمة الرائعة ~~أيضا. # وقد صار آنئذ «آمون طيبة» وهو متوج بتاج من العظمة لم يسمع بمثله في بذخ الشرق قط، في ~~أيدي كهنته الماكرين، مجرد مصدر للقرارات السياسية والإدارية، بل إن الأحكام القضائية ~~المعتادة كان يصدر الفصل فيها بإيحاء من الإله، كما كان غير ذلك من أمور الوصايا والهبات ~~خاضعا كذلك لما يوحي به الإله، فكأن الدعاء القديم الذي كان يبتهل به المظلوم إلى الإله ~~«آمون» أن يستحيل بنفسه إلى وزير للرجل الفقير قد نفذ تنفيذا حرفيا بحتا، وأفضى إلى ~~نتائج لم تكن في حسبان الذين قاموا بتأليف هذا الدعاء. # أما الدين بصفته قوة شخصية خلقية فقد بقي في قلوب الفقراء وحثالة الشعب من المتدينين فقط، ~~من أمثال أولئك الذين عثرنا على أدعيتهم الناطقة بورع أصحابها وإيمانهم الشخصي على أحقر ~~اللوحات المقدمة للنذر في جبانة «طيبة»، وهذه الألواح المنذورة، مجتمعة مع نصيحة «آني» ~~وحكم «أمينموبي»، قد كشفت لنا عن روح عصر ساد فيه الورع الشخصي، وكان خاتمة تطور الآراء ~~الخلقية عند قدماء المصريين، وكان ذلك بعد مرور بضعة أجيال من ألف السنة الأخيرة ق.م، وفي ~~نفس الوقت الذي انهارت فيه المملكة العبرانية المتحدة، التي لم يقم بالحكم فيها غير ثلاثة ~~ملوك ثم انقسمت إلى مملكتين. ومن المهم جدا أن نلاحظ أن التطور الخلقي عند قدماء المصريين ~~- كسائر عناصر ثقافتهم - قد وقف وانتهى أمره تقريبا قبل بداية الحياة القومية العبرانية، ~~بعد أن سار في تدرجه نحو خمسة وعشرين قرنا. # وعندما انتقل ذلك الانحطاط المصري ms310 القديم الذي دام نحوا من خمسمائة سنة إلى دور إصلاح ~~ونهضة بعد سنة 700ق.م، كان عصر الابتكار والتجديد في النمو الباطني للتدين والأخلاق قد مضى ~~وقضي عليه قضاء أبديا. # فبدلا من أن نجد نشاطا فياضا يبدو من تلقاء نفسه في شكل آراء ومظاهر جديدة، كما كان ~~الحال في بداية كل تلك العصور العظيمة التي مرت بها البلاد، فإننا نجد أن مصر قد رجعت إلى ~~الماضي للأخذ بما كان لها فيه من مجد تالد، وحاولت عن رغبة أن تصلح الحكومة وتعيدها إلى ما ~~كانت عليه حال المملكة المنقرضة في تلك الأيام الخالية قبل أن تحدث عصور الإمبراطورية ~~المصرية تلك التغييرات والتجديدات؛ إذ كانت مصر القديمة في نظر هؤلاء القوم - كما بدت لهم ~~من خلال ضباب ألفي سنة مضت - صورة أسبغت عليها نعمة الكمال المثالي الذي سادها من قبل في ~~عهد حكم الآلهة. ولا شك أن جماعة الرجوع إلى القديم، عند محاولتهم بعث الديانة والمجتمع ~~والحكومة من جديد على الأسس القديمة، كان لا بد أن يعترضهم على الدوام ذلك التقلب الذي لا ~~مناص من حدوثه - سواء أشعروا به أم لم يشعروا - بسبب أحوال الشعب الاجتماعية والسياسية ~~والاقتصادية؛ فإنه لم يكن في الإمكان محو ألفي السنة التي انقضت منذ عصر الأهرام، ولذلك ~~كانت الأحوال الواقعية الجديدة تبدو صارخة من خلال ذلك الستر القديم الزائف الذي أحيطت به ~~الشئون الحاضرة. ولما عثر على حل تلك المعضلة، كان العلاج مماثلا لما حاوله العبرانيون ~~فيما بعد عندما وقعوا في مثل هذا المأزق، فنسب القوم للعناصر الجديدة كذلك ماضيا مجيدا ~~سحيقا، كما نسبت كل مجموعة التشريعات العبرية إلى سيدنا «موسى» - عليه السلام؛ وبذلك ~~أنقذوا هذا الإحياء النظري. # فكتابات الأهرام الجنازية القديمة - وهي ما نسميه «متون الأهرام» - بعثت من جديد، ~~وبالرغم من أنها لم تكن في الغالب مفهومة كانت تنقش فوق التوابيت الحجرية الضخمة، وكذا ~~«كتاب الموتى» الذي كان لا يزال يحدث في تأليفه بعض التغيير، قد ظهرت فيه آثار واضحة تنم ~~على هذه الحركة. وفي مزارات المقابر ms311 أيضا ذات الصور الجديدة نجد المناظر السارة المأخوذة ~~من حياة الشعب في المستنقعات والمراعي وفي المعامل ومرافئ بناء السفن، وكلها صورة نقلت بدقة ~~مدهشة عن المناظر المنقوشة في مقابر عصر الأهرام التي بنيت على هيئة المصاطب. وقد وصلت ~~الدقة في نقلها لدرجة أن الباحث لأول وهلة كثيرا ما يشك في تاريخ الأثر الذي نقشت فوقه. ~~والواقع أن شخصا من رجال «طيبة» يدعى «آبا» أرسل فنانيه الرسامين إلى أحد القبور التي من ~~عهد الدولة القديمة بالقرب من «أسيوط» لينقلوا عنه النقوش التي يريدها في القبر الذي كان ~~يعده لنفسه في «طيبة»، وكان كل السبب في ذلك أن صاحب القبر القديم كان يسمى هو الآخر ~~«آبا» أيضا. # كذلك رأينا فيما تقدم في الفصل الثالث من هذا الكتاب أن «المسرحية المنفية» قد وصلت ~~إلينا؛ لأن الفرعون الإثيوبي الذي وجد في القرن الثامن ق.م أخذته روح التقوى فأمر بإعادة ~~تدوين كتاب قديم، كان مكتوبا على بردية من عهد الأسر القديمة، باعتبار «أنه من صنع الأجداد ~~وأنه قد أكله الدود»، فنقش على حجر من البازلت الأسود يوجد الآن بالمتحف البريطاني. # وهكذا جرى البحث وقتئذ بشغف عن الكتابات واللفائف القديمة المقدسة التي بقيت من عهد تلك ~~الأيام الخالية، حيث كانت تجمع وفوقها تراب تلك العصور الماضية ثم تفرز وترتب. لقد صار ~~الماضي القديم صاحب السيادة العليا، ولا شك أن الكاهن الذي كان يحبذ ذلك الماضي العتيق كان ~~في الحقيقة يعيش في عالم من الخيالات، حيث لم يكن لكل ذلك أي معنى حيوي لأهل العصر الذي ~~يعيش فيه. وبمثل ذلك كانت نفس الروح الرجعية في «بابل» هي السائدة، وقت أن كانت إمبراطورية ~~«نبو خاد نزر» (بختنصر) هي الأخرى تقوم بحركة بعث جديد. كما سادت نفس تلك الفكرة أيضا فيما ~~بعد بين العبرانيين العائدين من المنفى، فكأن العالم قد أخذ يطعن في السن، وكان القوم ~~يتحدثون بولوع وشغف عن أيام شبابه الغابر. على أن هذا المنهاج الذي كان يجري مجراه للاحتفاظ ~~بالقديم هوى بذلك التدين العتيد عند المصريين ms312 القدماء من حضيض إلى حضيض أبعد منه غورا نحو ~~الانحلال والجمود، حتى آل أمره إلى ما وجده عليه المؤرخ الإغريقي «هردوت» من مجرد شعائر ~~ظاهرية جامدة وتقاليد كهنوتية لا حصر لها، كانت تؤدى بحذق ودقة، اشتهر المصريون بسببهما ~~بأنهم أكثر شعوب العالم تمسكا بالدين. غير أن تلك الشعائر لم تعد بعد تعبر عن حياة باطنية ~~نامية متطورة، كما كانت عليه الحال في تلك الأيام الخالية، وقبل أن تخمد الحيوية المبتكرة ~~عند الجنس المصري. # هذا؛ وقد كنا نتتبع فيما تقدم على وجه عام نمو تلك الأفكار الخلقية عند ذلك الشعب المصري ~~العظيم، الذي ظل يتطور خلال مدة تنوف على ثلاثة آلاف سنة تتنازعه فيها القوى الباطنة في ذلك ~~الإنسان القديم مع العوامل المحيطة، حتى هيأت تصوره للقوى الإلهية وتكييفه لمقاييس السلوك ~~البشري. فالإلهية كما كان يدركها الإنسان في كل مكان من العالم الشرقي القديم، هي من نتائج ~~الخبرة البشرية، والآراء القديمة عن الإله ليست إلا تعبيرا عن أحسن ما أحس به الإنسان ~~وتخيله ممثلا في أرقى كائن تصوره. والواقع على ما أظن أن ما قصده «روبرت ج. إنجرسول» عندما ~~قال في سخرية لاذعة: «إن أسمى عمل قام به الإنسان هو صنعه لإله أمين» هو قول - بالرغم من كل ~~ذلك - صادق حتى الأعماق؛ فقد رأينا كيف وصل المصريون القدماء في تطوراتهم البطيئة إلى ~~«إيجادهم للإله الأمين»، ونحن # 9 # بدورنا قد حصلنا على إلهنا بالوراثة عن العبرانيين. # وقد وصلنا الآن إلى مركز يمكننا من الإجابة عن كنه تلك الوراثة للأفكار الخلقية والدينية. ~~أهي من صنع وإنتاج المدنية العبرانية فقط؟ أم أن التاريخ يكشف لنا أن إرثنا الخلقي قد ~~تكون إلى درجة عظيمة في عصر أقدم بكثير من العهد العبراني، وأنه قد انحدر إلينا على شكل ~~إنتاج تألف من طائفة من المدنيات العظيمة، وعلى ذلك يعد أعلى وأسمى تعبير أنتجته الحياة ~~الإنسانية القديمة برمتها؛ أي إنه يعد أسمى رسالة قام بتقديمها إلينا والدنا «الإنسان ~~القديم»؟ # الفصل السابع عشر # | مصادر إرثنا الخلقي # لقد فحصنا بشيء ms313 من الإيجاز - في الفصول السابقة - أهم المصادر الأصلية التي تكشف لنا عن ~~ظهور المبادئ الخلقية وتطورها في أفريقيا الشمالية الشرقية منذ منتصف الألف الرابع قبل ~~الميلاد إلى أن انطوت مصر في غمار عاهليات البحر الأبيض المتوسط الآسيوية في القرن السادس ~~ق.م. وعلى ذلك قد استغرق التطور الخلقي الذي كشفت لنا عنه هذه الوثائق الأصلية مدة تقرب من ~~ثلاثة آلاف سنة، وكان غربي آسيا في خلال تلك المدة الطويلة كذلك يتمخض بدوره هو الآخر عن ~~طائفة من المدنيات العظيمة، كانت لها أهمية أساسية في مستقبل تقدم الجنس البشري. وأقدم تلك ~~المدنيات هي المدنية البابلية، التي يمكننا الآن أن نتتبع نشأتها خلال بضعة القرون الأولى ~~من الألف السنة الرابعة ق.م. ولقد أحرزت الحضارة البابلية بعض التقدم السامي في عالم الفن ~~في خلال ألف السنة الثالثة ق.م؛ فإن استعمالها المبدع للصور الحيوانية المتباينة الأشكال في ~~تراكيب متزنة تكاد تنطق بما تمثله من مناظر القوة والحركة، قد أثر في الفن الزخرفي في جميع ~~أدوار العالم التاريخية التالية لذلك. # وقد كان هذا الفن متأثرا تأثرا عميقا بالأساطير العتيقة التي نشأت في غربي آسيا، ولا ~~سيما البابلية منها، مما عبر عنه الأدب المبكر أبلغ تعبير وظهرت له حيوية مدهشة، حتى صارت ~~هذه الأساطير شائعة الانتشار إلى ما وراء تخوم «بابل» بمسافة بعيدة، وكانت ذخرا كبيرا ~~لموضوعات الفن الزخرفي المبكر في غربي آسيا. على هذا النحو شقت أسطورة الطوفان البابلي ~~طريقها متجهة غربا شطر البحر الأبيض المتوسط حتى انتشرت في سوريا وفلسطين، إلى أن فتحت في ~~النهاية طريقا لها إلى الأدب العبراني، ومن ثم وصلت إلينا عن طريق «العهد القديم»، وتوجد ~~في جميع الأدب العبراني إشارات لتلك الأساطير، وبخاصة في الأناشيد الدينية التي نسميها ~~«المزامير». # على أننا إذا استثنينا اهتمام الحضارة البابلية الأولى بالفن، نجد أن تلك الحضارة بقيت ~~مادية محضة لدرجة مدهشة، وأنه إنما كان بعد ظهور المملكة الكلدانية (بابل الجديدة) في القرن ~~السادس ق.م وما تبع ظهورها من سيادة الفرس بعد عهد «كورش»، أن كشف ms314 لنا البابليون عن نشاط ~~ذهني بارز، حيث وضع فلكيوهم العظماء الأسس التي شاد عليها علماء اليونان فيما بعد علم ~~الفلك. # وكان البابليون - بطبعهم - شعبا تجاريا على الأخص، وجل اهتمامه منصرفا إلى المعاملات ~~وتنظيم شئونها حسب القانون، وقد قال أحد علماء الإنجليز البارزين في التاريخ الآشوري # 1 # عن ذلك الشعب: «لم يوجد شعب آخر كان منصرفا على الدوام إلى طلب المال والحصول ~~عليه ومنهمكا بكلياته في البحث وراء النجاح في هذه الحياة (أكثر من البابليين).» فقد كانت ~~قافلاتهم وقافلات «الآشوريين» تتوغل غربا في آسيا الصغرى وسوريا وفلسطين من أزمان سحيقة ~~ترجع إلى الألف الثالث ق.م، وكانت وثائق المعاملات المكتوبة بالخط المسماري متداولة ~~الاستعمال قبل سنة 2000ق.م في آسيا الصغرى، كما كان استعمال تلك الكتابة المسمارية في ~~فلسطين أمرا مألوفا ذائعا عند حلول القرن الخامس عشر ق.م، وقد سرت بجانب هذه المعاملات ~~البابلية التقاليد والقوانين التجارية التي كان التجار البابليون يسيرون على مقتضاها. وبعض ~~هذه القوانين نفسها - مما انحدر إلينا عن طريق «قانون حمواربي» - كانت متداولة الاستعمال ~~كذلك في فلسطين قبل عهد العبرانيين، ثم وصلت عن طريق «العهد القديم» إلى الحضارة الغربية، ~~حيث يقابل للمرة الثانية، فوق مكتب دراسات المستشرق الحديث ، القانون العبراني قوانين ~~«حمورابي» البابلية. ولا شك في أن مثل نظام عطلة يوم السبت قد دب إلى الحياة الفلسطينية عن ~~طريق مثل هذه الاتصالات العملية التي كانت تستند عليها المعاملات التجارية، فإنه سواء أراد ~~رجل الأعمال الغربي الذي يعيش اليوم في الشرق الأدنى أم لم يرد، فإنه يتحتم عليه مراعاة ~~السير في المعاملات التجارية حسب التقويم المتبع، فيما يختص بالأيام المقدسة التي لا يجري ~~فيها بيع ولا شراء. ولا بد أن مثل هذه الحال هي ما كان يسير عليه التجار الفلسطينيون حينما ~~كانوا يتعاملون مع التجار البابليين. # وعلى ذلك نجد أن الفلسطينيين لم يأخذوا عن البابليين شيئا يذكر من معتقداتهم وآرائهم ~~الدينية سوى ما يتعلق بالأوضاع الظاهرية والشعائر المرعية، أما العقائد الجوهرية المكونة ~~لأركان الدين فلم يكن الأخذ عنها بمثل هذه ms315 السهولة. وقد تصور البابليون الأوائل آلهتهم ~~ممثلة في القوى الطبيعية، وهم في ذلك مثل المصريين القدماء، فكانت أقدم معبوداتهم من آلهة ~~الطبيعة؛ ولذلك نجد في أنشودة عظيمة - كانت لا بد مستعملة في عبادة «سن» إله القمر في ~~معبده بمدينة «أور» - أن مؤلفها الكاهن كشف فيها عن أصل عالم الطبيعة حيث رأى عفوا إله ~~القمر يقوم بعمله، ثم يذكر أن عمل ذلك الإله ينتقل في الوقت نفسه إلى دائرة الشئون البشرية. ~~وهو في ذلك لم يسند إليه خلق كل الأشياء المادية فحسب، بل عزا إليه أيضا تأسيس كل النظم ~~البشرية - كتأسيس الدولة - بما في ذلك من الحكومة والديانة الرسمية، وبخاصة حياة الشعب ~~الخلقية، حيث يقول: # إن كلمتك يتولد منها الصدق والعدالة # وعلى ذلك يتكلم الشعب الصدق. # وهذه الأنشودة الرائعة، بما تحويه من صورة سامية تنطق بسؤدد إله القمر، بما في ذلك من ~~إنشائه الحياة الطاهرة وصيانتها، تدل على أنه كانت توجد هناك عقول مفكرة بين الكهنة الذين ~~كانوا يقومون بالواجبات الدينية الرسمية في «بابل» القديمة. على أنه من المؤكد أن الكاهن ~~الذي ألف هذه الأنشودة لم يخصص منها غير جزء يسير جدا لسلطان القمر من الناحية الخلقية؛ ~~فقد كان أكثر اهتمامه موجها لما لذلك الإله من السلطان الذي لا حد له على موارد البلاد ~~المادية، ولذلك كان معظم الأنشودة منصرفا إلى تلك الناحية من الصورة التي صورها لنا. فمن ~~بين الثمانية والأربعين سطرا التي تشملها تلك الأنشودة لا يوجد إلا نحو سطرين - بل سطر ~~واحد على وجه التأكيد - خصصه ذلك المؤلف الكاهن «للصدق والعدالة». والأنشودة هي كما يأتي ~~بعد حذف بعض سطورها: # أيها الأب الرحيم الشفيق # الذي في قبضته # 2 # حياة الأرض قاطبة # أيها الرب، إن ألوهيتك كالسماء العالية: # نهر عريض مفعم بالأثمار # هو الذي يخلق الأرض ويؤسس المعابد # ويسمي أسماءها # والوالد الذي يلد الآلهة والناس # ويجعل المساكن تقام وينشئ القرابين # وهو الذي يدعو الملكية ويعطي الصولجان # ويحدد ما هو مقدر للإنسان في الأيام البعيدة # وهو الأمير ذو البطش لا يرى ms316 ما في قلبه الفسيح أي إله ~~... ... ... ... # والرب الذي يقرر حكم السماء والأرض # والذي لا مبدل لأمره # والقابض على النار والماء والمرشد للمخلوقات # الأحياء، فمن ذلك الإله الذي يعادلك؟ # من المعظم في السماء؟ # إنك أنت وحدك المعظم # ومن المعظم فوق الأرض؟ # إنك أنت وحدك المعظم # وحينما يتردد صدى كلمتك في السماء فإن آلهة العالم العلوي يسجدون لك # وحينما يتردد صدى كلمتك فوق الأرض فإن آلهة العالم الدنيوي يقبلون الأرض ~~لك # وحينما ترتفع كلمتك إلى عليين كالهواء فإنها تجعل المراعي تنمو وعيون الماء ~~تغزر # وحينما تنزل كلمتك إلى الأرض فإن الكلأ يخرج شطأه # وكلمتك تصير الحظائر بما فيها من قطعان سمينة # وتنشر المخلوقات الحية # وكلمتك يتولد منها الصدق والعدالة، وعلى ذلك يتكلم الناس الصدق # وكلمتك السماء العلا، والأرض المستورة التي لا يخترق حجبها نظر # ومن يفهم كلمتك؟ ومن يضارعها؟ # اشمل بنظرك بيتك! انظر إلى مدينتك! انظر إلى «أور». # 3 # فنجد في هذه الأنشودة طموحا دينيا في مستوى عال، لا بد أنه كان قد أحدث تأثيرا واسع ~~النطاق في آسيا الغربية. والواقع أن هذه الأنشودة تذكرنا بالمزامير العبرانية، مع أنها ترجع ~~إلى ما قبل ظهور الدين العبراني بزمن بعيد. وعلى أية حال فإن مهمتنا الخاصة هنا لا شأن لها ~~بالدين على وجه عام، بل تتعلق خاصة بالآراء والمبادئ الخلقية. وإذن ما الذي كانت تشتمل عليه ~~الحياة البابلية من المبادئ الخلقية؟ وما الأفكار الخلقية التي تركها لنا البابليون؟ # والواقع أن فن النحت عندهم لا يمدنا بأي برهان محسوس على براعتهم في رسم الصور الإنسانية، ~~وهو دليل على قلة اهتمامهم بالتعبير عن أخلاق الإنسان عن طريق الرسم أو بتصوير الملامح ~~البشرية، ذلك بأنهم لم يهتموا بالتفكير في الفروق بين مختلف أنواع الأخلاق كما تبرز لنا ~~عندما نقابل بين حياة الطيبين وحياة الأشرار، والدليل الذي يلفت النظر لتلك الحالة العقلية ~~هو عدم معرفتهم شيئا عن المحاكمة في عالم الآخرة فيما بعد الموت، فكل الناس عندهم، الطيب ~~والخبيث، كان مرجعهم إلى «شول» الذي هو نفس المثوى السفلي ms317 المظلم للجميع. # وبالرغم من ذلك فإن شعب بابل قد تقدم في معتقداته فصار يؤمن بأن «شماش» إله الشمس، الذي ~~يمثل عندهم إله العدل - كما كانت الشمس تمثل إله العدل عند المصريين القدماء - كان يبغض ~~السلوك الذي لا ينطوي على المودة. وهذا المذهب قد عبر عنه في أنشودة «لشماش» جاء ~~فيها: # يا شماش، أنت الذي لا يفلت من شباكك شرير # ولا يفر من فخك خاطئ # أما من يحنث في يمينه فإنك تعجل له العقاب # ومن لا يحترم كل مقدس فلن يستطيع الفرار منك # شباكك العريضة مطروحة لمن يقترف الشر # ولمن يرفع بصره إلى زوجة رفيقه ... # إذا أشهرت سلاحك عليه فلا منجى له # فإذا وقف أمام المحكمة فليس في استطاعة أحد مساعدته ولو كان والده # وليس هناك من يعارض كلمة القاضي حتى إخوته # فهو يحبس في فخ نحاسي لا مناص له منه # وأما من يضمر السوء فإنك # 4 # تحطم قرنه # ومن يتحيز إلى المسيء فإن الأرض التي تحت قدميه تميد به ~~... ... ... ... # والقاضي الجائر تجعله يشاهد الإغلال # ومن يقبل الرشوة ويلتوي في الحق # فإنك تثقله بالعقاب # أما من يأبى الرشوة ويتحيز إلى جانب الضعيف # فإنه يدخل السرور العظيم على «شماش» ويعيش طويلا # والقاضي الحذر الذي يقضي بالعدل # يعد لنفسه قصرا ويكون مثواه مقرا ملكيا ... # كمثل ماء الينبوع الأبدي فيه بذرة لا تنفد # لمن يعمل بتقى وطيبة ولا يعرف الغش ... # أما المرء الدنيء العقل فإنه يسجل (على نفسه) ذلك بالقلم # أما الذين يرتكبون الشر فإن بذرتهم لا بقاء لها. # فنجد في هذه الأنشودة مبدأ الجزاء الحسن للرجل الفاضل والعقاب للمذنب، مع الاعتراف بالصفة ~~الاجتماعية للأخطاء. غير أن مثل هذا الاعتراف لم يسد تيار الحياة العريض في «بابل»، ولم ~~تميز به الآراء المنبثة في أنحاء الأدب البابلي عن كنه الشر، ومع أن المزامير البابلية ~~الخاصة بالتوبة يستشهد بها عادة على أنها تعبر عن شعور البابليين المرهف من جهة الخطيئة، ~~فإنه يتضح منها في الحقيقة، أنها لا تحتوي على أي بيان يدل على أن الخطيئة هي ms318 ضد المجتمع ~~الإنساني. # وقد لاحظ الأستاذ فستر مارك # Wester marck # 5 # بنظر ثاقب أنه لا يوجد في أي «مزمار» معروف لنا من التي وضعت للتوبة أية دلالة ~~على أن فكرة الخطيئة فيها تشتمل الذنوب التي ترتكب ضد بني البشر، فقد كان شعور البابليين أن ~~الذنوب لم تكن إلا مجرد تعد ظاهري على حقوق الإله، وقد لا يكون فيها في الواقع ما يدعو ~~إلى غضب الإله. وتدل مزامير التوبة صراحة على أن العاقبة الوخيمة التي يتضرع المذنب بحرارة ~~للنجاة منها لا يرجع سببها إلى سخط الإله على الأخلاق الشريرة، بل كانت ترجع - كما لاحظ ~~الأستاذ «فستر مارك» - إلى «اللعنات التي كان يصبها على المذنب من حاق به الضر.» وهذا ~~الاستنتاج يتفق تمام الاتفاق مع ما لوحظ بوجه عام من أن المبادئ الخلقية عند الشعب البابلي ~~- وهي التي لم نر إلى الآن ما يدل بصفة قاطعة على نموها وتطورها - لم تكن من العناصر ~~الجوهرية في حياة الشعب أو حياة حكامه. وهذه الحقيقة تتضح لنا صحتها - بصورة بارزة - من ~~قانون «حمورابي» الشهير، الذي وردت فيه الجرائم والأحكام مدرجة حسب الدرجات الاجتماعية التي ~~يشغلها المتقاضون أو المذنبون، فكان الرجل صاحب المنزلة السامية ينال فيه رعاية ظاهرة أكثر ~~من الرجل الوضيع الأصل. # وقد رأينا فيما سبق أن الحكماء المصريين الأقدمين ووجهاء القوم كانوا دائما يكررون ذكر ~~عدم اكتراثهم للفوارق الاجتماعية بين طبقات الناس؛ فقد جاء في قول أحدهم: «إني لم أرفع من ~~شأن العظيم على الوضيع.» وهو تعبير يدل على الرجل صاحب المكانة العظيمة ومقارنته بمواطنه ~~«المعتاد»، وبالنص الحرفي «الرجل الصغير». والواقع أن المنزلة الاجتماعية أو المرتبة ~~العالية لم تعط المصري القديم أية ميزة في نظر القانون. ونذكر بهذه المناسبة ما أوردناه ~~فيما سبق من أن الفرعون قد نبه وزيره الأكبر إلى أن واجبه يقضي عليه: «بألا يظهر احترامه ~~للأفراد بصفة كونهم أمراء أو مستشارين.» أي إن هذا المبدأ كان من صلب دستور الدولة المصرية ~~قديما، أما عند البابليين فكانت العدالة الاجتماعية التي هي بعينها ms319 الأساس الذي يقوم عليه ~~الرقي الخلقي، ناقصة جدا، بل معدومة بالمرة، وعلى ذلك لم تساهم مدنيتهم مساهمة جوهرية في ~~تاريخ آسيا الغربية الخلقي. # وهناك مصدر آخر يمكن اعتباره من أمثال تلك المؤثرات في تاريخ آسيا الغربية المبكر - ويجب ~~علينا أن نعيره التفاتا حتى في مثل هذه النظرة العاجلة - وهو يستمد من الشعور الخلقي ~~السامي عند الحيثيين، وبين أيدينا الآن قطع من قوانينهم. وإن أبرز مثل نذكره في هذا الشأن ~~ما نراه من تقديرهم للمسئولية الخلقية في الالتزامات الدولية التي أقرها أحد الملوك ~~الحيثيين في القرن الثالث عشر، حيث يعترف هذا الملك بهجوم - لا مبرر له - قام به ضد الدولة ~~المصرية في عهد «رعمسيس الثاني». ولما كان هذا الملك يشعر بالخطأ الخلقي الذي ارتكبه، فقد ~~نسب الوباء الذي كان شعبه يعانيه إذ ذاك إلى غضب إلهه عليهم بأن أرسل عليهم هذا الوباء ~~بمثابة عقاب على تلك الخطيئة التي ارتكبها. كما يلاحظ أيضا نمو شعورهم بالحق والاعتدال في ~~الصورة المنقحة من القانون الحيثي التي أحدثها الملك «خاتشيل» وجعلها أكثر رأفة من قبل، حيث ~~قد قابل الملك ذلك التنقيح بالصرامة التي كان عليها القانون القديم المعمول به قبل حكمه. ~~وقد بقي لنا من هذا القانون نحو 200 فقرة، وهي تكون جزءا كبيرا منه، مدونة على لوحات ~~من الطين. # ومما تجدر بنا ملاحظته أن الحيثيين كانوا كذلك قد جعلوا العقوبات القانونية مدرجة حسب ~~المركز السياسي الذي يشغله المذنب، فكانت تخف وطأة العقاب إذا كان المجرم من أهل البيئة ~~المحلية، فيكون أقل من العقاب الذي يوقع على أحد رعايا الحكومات المجاورة. # 6 # على أنه لا يزال أمامنا مقدار عظيم من الحفائر والأبحاث التي لا بد من درسها ~~وإتمامها قبل أن تكون لدينا المعلومات الوافية عن كنه المدنية الحيثية، وإلى أن يتم ذلك، ~~تشير الدلائل إلى القول بأن الحيثيين كان لهم بعض التأثير في التقدم الخلقي في آسيا ~~الغربية، على أنه من المهم أن نلاحظ هنا أن المدنية الحيثية بقيت ضئيلة التأثير إلى أواخر ~~الألف الثاني ms320 قبل الميلاد، وهو وقت متأخر بالنسبة إلى تاريخ المدنية الشرقية ~~القديمة. # وقد اتصل العبرانيون خلال أسرهم في الشرق - وهم في مرحلة متأخرة من مراحل تقدمهم الديني - ~~اتصالا وثيقا بالمدنية الفارسية ووقفوا على الكثير من ديانة «زروستر». ومذهب «زروستر» ~~هذا مذهب مزدوج يدعو كل إنسان أن يقف إلى جانب قوة من اثنتين؛ فإما أن يملأ روحه بالخير ~~والنور، وإما أن يخلد إلى الشر والظلمة. وقد مثلت هذه القوى جميعها في كائنات حية، وأية ~~طريقة منها يسلكها الإنسان لا بد أن ينتظر بعد موته حسابا عنها في عالم الآخرة، وإن ظهور ~~فكرة الحساب في الآخرة - وهو شيء لم يعرف في آسيا الغربية قبل «زروستر» - قد أوجد نظرية ~~قوية أن «زروستر» قد أخذ الكثير من ديانته عن الديانة المصرية القديمة. # وبعد فوات ستة أسابيع على كتابة البيان المتقدم - وكان تحت الطبع بالفعل - كنت قائما ~~لأول مرة بين الدمن الضئيلة الباقية من قصر «كورش» الأكبر، وهو واقع على مسيرة أقل من نصف ~~ساعة من قبره في «بازارجادة» Pasargadae ~~، ولم يبق من هذا ~~المبنى (الذي كاد أن يختفي) إلا عمود مربع أو عمودان من الأحجار كانا لا يزالان قائمين، ~~منقوشا عليهما بالخط المسماري باللغة الفارسية القديمة العبارة الموجزة الآتية: «أنا ~~«كورش» [قد أقمته ].» وأحد هذين العمودين عبارة عن قائمة باب ولا يزال ظاهرا فوقه نقش بارز ~~يمثل صورة إنسان طويل القامة - في شكل أحد أنصاف الآلهة له زوجان من الأجنحة المنتشرة في ~~وضع رائع - كأنه واحد من سلالة الملائكة المذكورين في التوراة. وقد عرفت فيه نقشا رأيته ~~من قبل في بعض المطبوعات، # 7 # غير أنني حققت النظر بدقة فيما كان متآكلا من النقش ظهر لي في الحال شيء لم ~~يسبق أن جذب نظري من قبل قط؛ ذلك أن رأس تلك الصورة المجنحة كان يعلوها تاج «أوزير» إله ~~الحساب المصري في عالم الآخرة عند قدماء المصريين، ولمثل هذا الرمز دائما أهمية في الفن ~~الشرقي القديم؛ فهذا النذر (بحساب الآخرة) ذو الجناحين، بقي قائما في مدخل قصر ms321 «كورش» نحو ~~2500 سنة، وكل زائر دخل القصر كان يشاهده لابسا تاج الحساب لعالم الآخرة عند قدماء ~~المصريين، وعلى ذلك يكاد يكون من الأمور التي لا شك فيها أن المحاكمة الزروستورية في الآخرة ~~مأخوذة عن قدماء المصريين، كما أخذ الفرس الكثير غيرها في العمارة والفن عن المصريين ~~القدماء. # وبعد أن غادرت بلاد الفرس كتب إلي الأستاذ «أرنست هرزفلد» # Ernest ~~Herzfeld # 8 # في تقرير عن أعماله في الآثار الفارسية القديمة أنه كان ينقل نقوشا طويلة، لم ~~تكن قد نشرت بعد، على واجهة قبر الملك «دارا الأكبر» وأن هذا النقش يحتوي على بيان خلقي، ~~وعلى المثل الأعلى للسلوك، فيقول «دارا» مثلا: # لقد أحببت الصواب، وأما الخطأ فلم أحبه. # وكانت إرادتي عدم ارتكاب أي ظلم ضد أية أرملة أو يتيم. # ولم تكن إرادتي أن يحيق ظلم باليتامى أو الأرامل. # ولقد عاقبت الكاذب عقابا صارما. # وأما الذي يكد فإني كافأته مكافأة حسنة. # ويجب علينا أن ننتظر نشر النص الكامل لهذه الرسالة الجديدة المدهشة التي جاءتنا من الملك ~~«دارا الأكبر»، غير أنه من المدهش أن المقتطفات التي أرسل بها إلي الأستاذ «هرزفلد» يشبه ~~رنينها في الأذن صدى التعاليم الاجتماعية التي نطق بها الحكماء المصريون القدماء، هذا ~~ولدينا الآن الأدلة الوافرة على أن التطور الديني الذي أحرزه العبرانيون بعد عودتهم من ~~المنفى (في بابل) كان متأثرا بتعاليم «زروستر»، وأنه يجب لذلك أن نضيف إلى المؤثرات ~~الدولية التي تعرضت لها الخلقيات العبرانية، التعاليم التي جاء بها هذا النبي «الميدي ~~الفارسي» العظيم «زروستر». # وكان قد نما قبل ظهور الملكية العبرانية في أواخر القرن الحادي عشر، مجموعة كبيرة من ~~الأمم المتحضرة على طول الطرف الشرقي للبحر الأبيض، تقع بين بلاد الحيثيين شمالا وتخوم مصر ~~جنوبا. والأرجح أن أهم هذه الشعوب من وجهة تاريخ المدنية هم الفينيقيون، وقد كانت بعض ~~العناصر الهامة في المدنيتين البابلية والمصرية القديمة عاملا جوهريا في تكييف الحياة ~~والثقافة في مدن الساحل الفينيقي الزاهرة التي كانت تتألف منها المراكز التجارية الفينيقية، ~~ومن ثم كان من السهل ms322 أن تدخل هذه الخيوط الأجنبية في نسيج ثوب الحياة العبرانية. وعلى أية ~~حال فنحن لا نعلم شيئا تقريبا عن نوع التطور الخلقي عند الفينيقيين. # وأما في بلاد فلسطين التي احتلها العبرانيون فيما بعد، فإن الكنعانيين، الذين كانوا ~~يسكنون هذه البلاد قبل العبرانيين، كانوا قد اجتازوا مرحلة من النمو المتحضر تبلغ أكثر من ~~ألف سنة حينما غزا العبرانيون البلاد. # وقد عرفنا من النقوش التاريخية البابلية والمصرية القديمة، وكذلك من الحفائر الأثرية، ~~شيئا كثيرا عن هذه المدنية الفلسطينية الراقية النامية السابقة لعهد العبرانيين، كما أنه ~~كان للثقافة البابلية - كما ذكرنا - من قبل أثر هام خالد في فلسطين الكنعانية، وعن طريق ~~الكنعانيين - بوجه خاص - وصل أثر البابليين في الفن والأدب والدين إلى العبرانيين. يضاف إلى ~~ذلك أن هذا الإقليم كان منذ زمن بعيد واقعا تحت نفوذ الحضارة المصرية القديمة؛ فقد بدأ ~~المصريون يبسطون سيطرتهم على الساحل الفينيقي قبل أن يطأ العبرانيون فلسطين بأكثر من ألفي ~~سنة؛ إذ اقتحمت الجيوش المصرية فلسطين قبل سنة 2500ق.م، ولما فتح الفراعنة المصريون آسيا ~~الغربية ووصلوا في فتحهم إلى نهر الفرات في خلال القرن السادس عشر ق.م، بقيت فلسطين مستعمرة ~~في أيديهم أكثر من أربعة قرون. والواقع أنهم حكموا فلسطين مدة قرنين بعد دخول العبرانيين ~~فيها، وبذلك بلغت المدنية الكنعانية مرتبة سامية في القرون التي احتلتها فيها مصر، فلما ~~غزاها العبرانيون كانت قد صبغت مرارا وتكرارا بالعناصر المصرية. # وكان من نتائج ذلك أن العبرانيين حيثما دخلوا فلسطين صاروا على اتصال مباشر بتلك الحضارة ~~الكنعانية المركبة، التي أنشئ معظمها من العناصر البابلية والمصرية القديمة معا، هذا فضلا ~~عن أن تلك المدنية الكنعانية، بمرورها في تجاريب اجتماعية طويلة، كسبت كذلك عناصر ثقافية ~~كثيرة من صنع الكنعانيين أنفسهم. والواقع الذي لا شك فيه أن اللغة التي وجدها العبرانيون ~~الفاتحون، وهي اللغة الكنعانية لغة البلاد وقتئذ، قد اتخذها العبرانيون أنفسهم لغة لهم، وهي ~~التي انحدرت إلينا فيما بعد في ثوب اللغة العبرانية التي كتبت بها التوراة. ومما يؤسف له ~~أننا لا نعرف ms323 شيئا يذكر عن التاريخ الخلقي لذلك الشعب قبل الغزو الإسرائيلي. # وبتلخيصنا لموقف فلسطين من نواحيه المختلفة، نرى أن تلك البلاد من الوجهة الجغرافية تقع ~~على جسر طبيعي ضيق بين البحر الأبيض المتوسط من جهة والصحراء العربية من جهة أخرى، وهو جسر ~~يقع بين قارتين طالما اتخذ طريقا عاما لربط أفريقيا بآسيا منذ عهد ما قبل ~~التاريخ. # أما من الوجهة السياسية فإن فلسطين كانت قديما كما هي الآن: كرة قدم دولية. # وأما من الناحية الثقافية فإنها - كما أوضحنا الآن - كانت داخلة ضمن الإقليم التجاري الذي ~~طالما كانت المعاملات البابلية تسيطر عليه، كما كانت في الوقت نفسه تقع مباشرة في ظل صرح ~~المدنية المصرية العظيمة، فالقوم الذين استقروا في أرض فلسطين لم يجدوا أنفسهم في وسط حضارة ~~قديمة تكونت بالإقليم نفسه ومصبوغة إلى حد كبير بالصبغة المصرية القديمة فحسب، بل كانوا ~~يطلون أيضا على مدنيات أعرق منها بكثير على كلا الجانبين في آسيا وأفريقيا، فمن هذه البيئة ~~الدولية البعيدة الأثر بالشرق الأدنى الذي كان يضم فلسطين بين جوانحه نشأت تلك الأفكار ~~الخلقية التي غذت العالم الغربي في النهاية بالآراء الخلقية السائدة فيه الآن؛ إذ وصلت ~~إلينا عن طريق بقايا الأدب العبراني، وهو الذي كانت محتوياته الخلقية كما أسلفنا بعيدة كل ~~البعد عن أن تكون من أصل عبراني محض. # ومن الحقائق المدهشة أن يكون ذلك الإرث الخلقي العظيم قد وصل إلى المدنية الغربية من شعب ~~خامل الذكر سياسيا منزو في الركن الجنوبي الشرقي من حوض البحر الأبيض المتوسط، فإن هذا ~~الشعب لم يقم له نظام قومي خاص به إلا منذ العشر أو العشرين سنة السابقة لعام 1000ق.م، ولم ~~يبق أمة موحدة إلا نحو قرن واحد على أكبر تقدير، وعلى إثر انحلال تلك الدولة الصغيرة نجد ~~أن الجزأين اللذين قاما على تراثها ظلا يكافحان البقاء، فاستمر أحدهما مدة قرنين تقريبا، ~~وأما الجزء الآخر فإنه بعد أن مكث مدة قرن وربع قرن من سقوط الجزء الأول قضاها في حياة قلقة ~~شبه مستقلة، تداولته فيها أيدي ms324 ممالك الشرق العظيمة قديما، قد حاق به كذلك الفناء التام ~~بعد سنة 600ق.م بزمن قليل. بذلك تكون حياة العبرانيين القدامى القومية المستقلة - أو حياة ~~جزء منهم - التي بدأت لأقل من ثلاثين سنة قبل عام 1000ق.م، قد مكثت حوالي أربعة قرون وربع ~~قرن، وختمت في باكورة القرن السادس ق.م؛ أي إن هذا العهد من الحياة العبرانية القومية قد ~~وقع بأكمله تقريبا في النصف الأول من ألف السنة الأخيرة قبل الميلاد المسيحي. وفي تلك ~~الفترة كان تقدم الثقافة في مصر وفي بابل قد نضب معينه، وصار يعد خبرا من أخبار التاريخ ~~القديم. # وإنه لمن المستحيل علينا طبعا أن نضمن هذا الكتاب المحدود الحجم التاريخ الديني ~~والخلقي للعبرانيين القدامى حتى ولو بطريق التلخيص، على أن مهمتنا في هذا الكتاب تضطرنا إلى ~~الكشف عن العوامل الأجنبية الهامة التي عملت في التطور الخلقي عندهم. ولكي نتمكن من القيام ~~بذلك يجب أن نعيد إلى ذاكرتنا بعض الحقائق البارزة في التاريخ العبراني، إذا كنا نريد حقا ~~معرفة العناصر الأجنبية في التطور الخلقي العبراني. # كان ظهور العبرانيين لأول مرة في ميدان التاريخ في خطابات «تل العمارنة» التي يرجع تاريخ ~~أقدمها إلى ما بعد سنة 1400ق.م بقليل؛ أي في عهد يسبق بكثير أي أدب عبراني وصل ~~إلينا. # وهذه الخطابات المسمارية تكشف لنا عن وجود جماعات من العبرانيين الرحل كانوا ينزحون إلى ~~فلسطين، التي كانت وقتئذ تحت سيطرة مصر، حيث كانوا يدخلون هناك في سلك الجنود المرتزقة، ولا ~~نعرف من شأنهم بعد ذلك شيئا مدة قرنين من الزمان، إلى أن كان وقت ذلك الأثر المصري الذي ~~أقامه في «طيبة» (الأقصر) «مرنبتاح» بن «رعمسيس الثاني» قبل سنة 1200ق.م بنحو عشر سنين أو ~~عشرين سنة، فقد حفظت لنا فيه أنشودة نصر نجد فيها ذلك الملك يفتخر بقوله: «وإسرائيل قد دمرت ~~وبذرتها محيت.» # وقد كان ذلك الحادث في «عهد القضاة»، # 9 # وقت أن كانت الحياة العبرانية القومية لا تزال خاملة لا تكاد تعرف شيئا من ~~الحكم المركزي أو النظام القومي، فقد كان العبرانيون ms325 لا يزالون متأثرين كل التأثر بحياة ~~القرون الطويلة التي قضوها في الرعي وتلمس الكلأ على حدود الصحراء قبل أن يدخلوا فلسطين، ~~فكانوا لا يزالون متمسكين بالعادات الساذجة المتبربرة الشائعة بين قبائل الصحراء، بل ببعض ~~التقاليد القريبة من الوحشية التي تلازم الحياة الفطرية، مثل ذبحهم الولد البكر قربانا ~~لإله القبيلة. وهذه الآلهة المحلية قد تكون مثل الشيطان الرجيم الذي كان في ظنهم يسكن فوق ~~قمة الجبل أو عند غدير الماء، على غرار جني الليل المعتم الذي صارعه «يعقوب» - عليه ~~السلام - عند غدير «جابوك» حتى أجبره على الفرار فزعا قبل انبثاق الفجر. # ومثل هذا الجني المحلي كان يطلق عليه في الصحراء الواقعة جنوبي «يهودة» اسم «إيل»، وهذا ~~اللفظ ليس اسم علم، وإنما هو الكلمة السامية القديمة التي كانت تطلق على أي إله محلي. وقد ~~انحدر إلينا في اسم «إسرائيل»، وهو الاسم الذي أطلقه على «يعقوب» الكائن الذي صارعه، وقد ~~بقي لنا كذلك في طائفة من الأسماء مثل «ميخائيل»، ومعناه «الذي يشبه الإله». وفي الأنحاء ~~الشمالية من «كنعان» كانت الآلهة المحلية عند الكنعانيين تسمى «بعولا» أو ~~«أربابا». # ومن الواضح أن بعض العبرانيين الرحل كانوا قد استعبدوا بعد لجوئهم إلى مصر في زمن قحط ~~حدث عندهم، وقد قام من بينهم عبراني امتاز بحسن سياسته وقوة قيادته البارعة، ونصب نفسه ~~عليهم وخلصهم من العبودية، وبذلك صار يعد أول قائد عبراني عظيم وصل إلينا اسمه. # ومن المهم أن نلاحظ أن «موسى» - وهو اسم ذلك القائد - كان اسما مصريا، بل هو نفس ~~الكلمة المصرية القديمة «مس» ومعناها «طفل»، وهي مختصرة من اسم مركب كامل كالأسماء «أمن ~~مس» ومعناه «آمون الطفل» أو «بتاح مس» ومعناه «بتاح طفل». وهذه الأسماء المركبة نفسها هي ~~الأخرى مختصرات للتركيب الكامل «آمون (أعطى) طفلا» أو «بتاح (أعطى) طفلا». وقد لقي اختصار ~~الاسم إلى كلمة «طفل» قبولا منذ زمن مبكر؛ إذ كان سريع التداول والتناول بدلا من الاسم ~~الكامل الثقيل. # على أن الاسم «مس» (طفل) نجده كثير الانتشار على الآثار المصرية القديمة، ولا شك ms326 في أن ~~والد «موسى» كان قد وضع قبل اسم ابنه اسم إله مصري مثل «آمون» أو «بتاح»، ثم زال ذلك الاسم ~~الإلهي تدريجا بكثرة التداول حتى صار الولد يسمى «موسى». # على أن ما أظهره «موسى» من الحذق في القيادة مع الشجاعة والمهارة في تخليص شعبه من ~~العبودية الأجنبية، وكذلك حادثة التخليص نفسها التي صاحبتها بعض الكوارث الطبيعية التي قضت ~~على الجيش المصري المقتفي لآثار «موسى» ومن تبعه، كل ذلك لقي مكانة لا تمحى في المعتقدات ~~العبرانية وجعل للعبرانيين إرثا أصليا من الفخار كان هو أقدم الأسباب التي ألفت بينهم ~~وجعلت منهم أمة واحدة. # وفي خلال مرحلة مبكرة من مراحل تلك الأحداث تخلف «موسى» في الصحراء جنوبي فلسطين عند ~~قبيلة من القبائل البدوية التي تعرف بأهل «مدين»، وكان مكثه هناك كثيرا؛ وبخاصة مع ~~أحد خدامهم المقدسين الذي يدعى «شعيب» # Jethro ~~، حتى إنه عرف ~~منه شيئا عن إلههم المحلي «يهوه». # 10 # وهذا الإقليم الممتد من «سيناء» شمالا، وبخاصة على طول الأخدود العظيم الذي نتج فيه ~~«البحر الميت» ووادي نهر الأردن، تتوافر فيه البينات الجيولوجية الدالة على وقوع ثوران ~~بركاني حديث نوعا. ولا شك في أن الرواية العبرانية التي ذكرت في سفر التكوين (19: 23-28) ~~عن تخريب «سدوم» و«عمورة»، وهما مدينتان كانتا في تلك البقعة، «بالنار والكبريت» من السماء ~~ليست إلا إشارة مبهمة عن حدوث انفجار بركاني لم تنس ذكراه القبائل المحلية في العهد ~~العبراني المبكر. # وقد صحب خروج العبرانيين من مصر خوارق جاء وصفها في كتاب العهد القديم، لا شك في أنها ذات ~~صبغة بركانية، فالمظهر الغريب الذي ظهر به «يهوه» في صورة «عمود نار» أو «عمود من دخان»، ثم ~~تجليه فوق «طور سينا» نهارا محدثا «للرعد والبرق والسحاب الكثيف»، هي بالبداهة ظواهر ~~بركانية، وعلى ذلك كان من المعترف به منذ زمن بعيد أن «يهوه» ليس إلا إلها محليا ~~للبراكين، وكان مقره المختار «طور سينا»، ولكن العبرانيين تخلوا بتأثير من «موسى» عن آلهتهم «إلوهيم» # 11 # القدامى واتخذوا «يهوه» لهم إلها واحدا. # على أنه ms327 لا بد من باعث آخر دعا إلى ذلك الانقلاب العظيم أقوى من تأثير «موسى» قائدهم ~~الكبير، فمن الواضح أن التخلص من النير المصري كان مصحوبا ببعض الظواهر الرهيبة التي عزيت ~~إلى بطش «يهوه» الشديد، وإن الرأي القائل بحدوث انفجار بركاني في «سينا» حينما ضاق الخناق ~~على العبرانيين في خروجهم يجد من الأسباب ما يبرره؛ إذ يمكن أن نفرض أن الزلزال الذي صحب ~~ذلك الانفجار، وموجة المد التي نتجت عن ذلك، هما اللذان أفضيا إلى ابتلاع الجنود المصريين ~~الذين كانوا يتعقبون أثر القوم الفارين. # ومهما يكن من أمر فإن الاعتقاد بأن العبرانيين عندما دخلوا منطقة «يهوه» الواقعة بالقرب ~~من جبل سينا نجاهم هو ببعض المظاهر العظيمة لقوته وعطفه، قد احتل مكانة ثابتة في المعتقدات ~~العبرانية المأثورة، وحينما أقيم محراب ذلك الإله بعد مضي زمان طويل على ذلك في «بيت ~~المقدس» صوره عباده من الإسرائيليين بأنه آت من «سينا» في قوة وأبهة ليتخذ مثواه فوق ~~جبل «صهيون». # أما آلهة العبرانيين القدامى «إيل» التي لم يكن لها لون ولا أسماء أعلام يستدل بها على ~~كل منها، وليس لها شخصية ولا أصل تاريخي، فإنهم استمروا طويلا منافسين ضعفاء لإلههم ~~«يهوه» بعد أن استوطن الإسرائيليون فلسطين، وأما الآلهة التي كانت أشد بأسا في مناهضة ~~«يهوه» فهم «البعول» الكنعانيون، وبالرغم من أن العبرانيين كانوا قد اتخذوا «يهوه» إلههم ~~القومي فإنه كان يوجد الكثير من بينهم من تمسك باعتقاده في الآلهة الأخرى مثل البعول، ~~وكثيرا ما كانوا يتخذونها معبودات لهم من دون إلههم. على أن وجود نفس اسم «يهوه» كأنه ~~علم مثل «أبولو» أو «المريخ» لدليل على وجود آلهة أخرى لها أسماء أعلام مثله، ونجد في ~~التعليم الأول الذي وضعه «يهوه» نفسه لبني إسرائيل أنه كان يعلم بوجود الآلهة الأخرى، ولذلك ~~قال: «لن تكون لكم آلهة أخرى قبلي.» # وقد كان سير الإسرائيليين في الانتقال من عبادة آلهة عدة إلى عبادة إله واحد لجميع العالم ~~بطيئا وتدريجيا حتى لقد استغرق عدة قرون، كما نجد كذلك أن تصور العبرانيين ms328 فيما يختص ~~بأخلاق إلههم قد مر في عدة أطوار، منذ الوقت الذي كانوا فيه مبتهجين بقوة إلههم الطبيعي ~~التي كانت تحطم الكنعانيين وتذبحهم، إلى أن وصلوا إلى تصور الإله أبا رحيما عادلا. وإن ~~الذي يجعل في استطاعتنا للآن أن نتعرف بعض الخطوات في ذلك التطور، الذي به تخطى ~~الإسرائيليون في تفكيرهم إله الطبيعة، هو كتابات الأنبياء العبرانيين بوجه خاص، حيث يتبين ~~لنا أن ذلك الإله، مع استمراره في حمل اسم إله البركان القديم «يهوه»، فإن الشعب العبراني ~~أخذ ينظر إليه تدريجا بمثابة قوة فعالة في المجتمع البشري. # ولا بد أن النشأة المصرية القديمة التي يرجع إليها الفضل في جعل موسى قائدا قوميا ~~عظيما قد ساهمت في إدراكه لتلك الصورة الواجبة «ليهوه» في حياة قومه، فإننا نرى مثلا أن ~~نشأة «موسى» في مصر وتسميته باسم مصري جعلاه يحض مواطنيه على الأخذ بشعيرة الختان، وهي عادة ~~مصرية قديمة جدا كانت مراعاتها عامة في أيامه بين سكان وادي النيل، ويرجع عهدها إلى ما لا ~~يقل عن ثلاثة آلاف سنة أو تزيد قبل عصره. # 12 # وتنسب المعتقدات العبرانية دائما أصل تلك الشعيرة إلى «موسى» - عليه السلام. ~~هذا وإن اتخاذ «موسى» لعادة مصرية مقدسة واعتبارها علامة لبني إسرائيل، مع أنها شعيرة ألفها ~~بداهة في مصر منذ نعومة أظفاره، يعد في الوقت نفسه برهانا قاطعا على أنه كان يستقي تعاليم ~~مما كان يعرفه عن الديانة المصرية القديمة. على أن «موسى» لم يكن عبدا لمحاكاة التقليد ~~المصري القديم، يظهر لنا ذلك عندما نراه اتخذ عن أهل «مدين» «يهوه» إلها له. ولما كان أهل ~~«مدين» قوم بدو سذج ليس لهم من المهارة في الفنون ما يمكنهم من صنع تماثيل لإلههم، فإنه ترك ~~«يهوه» دون أن يصنع له صورة أو تمثالا ما، كما كان الحال عند أهل «مدين» من قبل. # على أننا نجد أن «موسى» كان يتمسك ببعض الذكريات عن التماثيل الدينية المصرية، فقد كان هو ~~نفسه يحمل عصا سحرية عظيمة، لا شك في أنها كانت في صورة ثعبان، ms329 تسكن فيها قوة «يهوه»، كما ~~كان ينصب ثعبانا من النحاس البراق ليشفي به الناس، وكان هذا الثعبان بطبيعة الحال أحد تلك ~~الثعابين المقدسة العديدة في مصر، وقد بقيت صورة ذلك الإله المصري القديم عند العبرانيين ~~إلى ما بعد استيطانهم فلسطين بزمن طويل، واستمروا في إطلاق البخور له مدة خمسة قرون بعد عهد ~~«موسى»، ولم يبعد من البيت المقدس إلا في حكم «حزقيائيل» في أواخر القرن الثامن ق.م (سفر ~~الملوك الثاني 18: 4). # على أنه قد احتفظ العبرانيون إلى العهد المسيحي بقول مأثور عندهم يقرر أن «موسى» كان ~~متفقها «في كل حكمة المصريين» (الإصحاح السابع الآية 22)، وهو قول لا يكاد يوجد ما يدعو ~~إلى الشك في صحته. على أنه لم يكن في مقدورنا إلا في السنين الأخيرة أن نفهم المصادر التي ~~وصلت إلينا عن حياة المصريين القدماء فهما كافيا ندرك به أن «حكمة المصريين» كانت قبل كل ~~شيء عبارة عن التأملات والتدبرات الاجتماعية. ولا شك أن «موسى» كان ملما بأقوال أولئك ~~الأنبياء الاجتماعيين الذين كانت أقدم كتاباتهم - كما ذكرنا فيما سبق - متداولة بين ~~المصريين منذ 1500 سنة عندما ابتدأ موسى في تعليم قومه. ومن البديهي أن رجلا مثله نشأ ~~محاطا بمثل ذلك النوع من الأدب كان لزاما عليه أن يشعر بالحاجة إلى دين يشتمل على تعاليم ~~خلقية يزود به قومه. # وإنه من الصعب علينا الآن أن نعين بالضبط مقدار ما خلفه «موسى» لقومه من التعاليم الخلقية ~~والأدبية، على أن الباحث يمكنه أن يحكم بنفسه فيما إذا كان القائد الذي أقام تمثال ثعبان ~~نحاسي ليعبده قومه - وهو صورة بقيت محفوظة تعبد عدة قرون في معابد القوم - في مقدوره كذلك ~~أن يفرض على كل صاحب بيت من العبرانيين الأمر التالي: # محظور عليك أن تصنع لنفسك تمثالا منحوتا أو (صورة) أي شكل في السماء أو في ~~الأرض أو في الماء الذي تحت الأرض. # ويلاحظ أن كل وصية من الوصايا العشر موجهة إلى صاحب كل بيت، وأنها في صيغة المفرد المخاطب ~~«أنت». # ومن الواضح أنه حينما كتبت ms330 الوصايا العشر كان العبرانيون قد انتقلوا فعلا من حياة ~~المرعى في الأرض الصحراوية ذات الكلأ إلى حياة الزراعة المستقرة في المدن، حيث كانت ~~المؤثرات الاجتماعية تعمل في تكوين الاعتقاد الديني وتزيد في موارده، ثم إن الملكية، التي ~~يجهلها البدو، وكذلك الحياة التجارية إلى حد ما في المدن، قد أخذتا في تكوين طبقة صغيرة من ~~الأثرياء في المدن، في حين أن أكثرية الشعب كانت لا تزال على حالتها الأولى من الفقر، ومن ~~ثم بدأ ظهور المناقشات بين طبقات الشعب، وما نجم عنها من الأحقاد التي لا مفر منها، وما نشأ ~~عن ذلك من اكتساب خبرة اجتماعية مفيدة. # وقد كانت الفوارق الاجتماعية بعد تأسيس المملكة العبرانية تلاحظ بدرجة أكثر من ذي قبل، ~~كما ظهر ميل القوم للثراء والحياة التجارية حتى عند ملوك العبرانيين الجدد؛ وذلك أن ملوك ~~فينيقية الأغنياء قد أثروا بطبيعة الحال في مطامح الحكام الإسرائيليين، فاشترك «سليمان» - ~~عليه السلام - في تجارة مع «هيرام» ملك «صور»، وكان هو نفسه يتجر في الخيول فيجلب نسل ~~الخيول الجياد المنسبة من مصر، حيث كان يتمتع هنالك بامتياز خاص عن طريق الفرعون حميه، ~~ومن ثم كان يصدر هذه الخيول شمالا ويبيعها في أسواق الخيل الحيثية. وقد كانت له حظائر ~~للخيل في جهات متعددة في طول البلاد وعرضها، ويتضح لنا ذلك الأمر جليا ملموسا حينما نقف ~~بين دمن حظائر خيول سليمان الأصلية التي كشف عنها بين أطلال قلعته الإقليمية القوية بمدينة ~~«مجدو» (أرما جدون) # 13 # الواقعة فوق هضبة الكرمل. # وقد انبسط في هذا الموقف الذي نمت فيه الطبقات الاجتماعية وتباينت تباينا شديدا، ميدان ~~اجتماعي كالذي شاهدنا ظهوره على ضفاف النيل قبل ذلك بنحو ألفي سنة، فقد كانت أمثال هذه ~~الأحوال هي التي أيقظت في مصر إحساسا جديدا بالقيم الأخلاقية الثابتة، وبمثل ذلك ظهر بين ~~العبرانيين رجال توافرت لهم الروح الإنسانية والنظرة الاجتماعية، فأخذوا يشعرون بإيحاء ~~«الضمير» كقوة اجتماعية، واستجابة لندائهم أخذ عصر الأخلاق في الظهور بين بني إسرائيل كما ~~سبق ظهوره في مصر قبل ذلك بزمن ms331 طويل؛ ولذلك نجد أن الشعائر العتيقة والعادات الدينية ~~البالية، بما فيها من الطقوس والضحايا، أخذت تنحط في قيمتها بموازنتها بالأخلاق ~~الفاضلة. # وبهذه المناسبة نذكر تلك الكلمات السامية التي وجهها ذلك الملك الأهناسي المجهول الاسم ~~إلى ابنه «مريكارع» قبل عهد «موسى» - عليه السلام - بألف سنة، وهي: «إن فضيلة الرجل ~~المستقيم أكثر قبولا من ثور الرجل الذي يرتكب الظلم.» # على أن ما أظهره ذلك الفرعون المسن من قوة البصيرة في تعمقه الخلقي لم يكن أثره بالبداهة ~~قاصرا على مصر، ولا بد أن لفافة البردي التي كانت تشتمل على نصائحه الحكيمة الموجهة إلى ~~ابنه قد وجدت سبيلا لها إلى فلسطين؛ لأن نفس هذه المعاني، مكتوبة بكلمات مشابهة جدا ~~للكلمات السابقة، قد ظهرت في أوائل التطور الخلقي العبراني بالنص الآتي: # انظر، إن الطاعة أفضل من التضحية # والإصغاء أفضل من الكبش السمين. # وهذا الحث على حسن الإصغاء يتردد صداه في الآذان كأنه صدى نصائح «بتاح حتب» الذي نصح بها ~~ابنه منذ أكثر من 1500 سنة قبل عهد صموئيل وبين له فيها قيمة الإصغاء. # وأما تفضيل الأخلاق على الشعائر الدينية فقد أورده حكماء العبرانيين في «كتاب الأمثال» في ~~كلمات ليست هي أيضا إلا صدى لكلمات ذلك الحكيم الأهناسي المصري القديم، فقد جاء في سفر الأمثال: # فعل العدل والحق أفضل عند الرب (يهوه) من الذبيحة . # من سفر الأمثال 21: 3 # ومما يوضح لنا أن الحكيم العبراني كان مقتفيا أثر الفكر المصري القديم في هذه النقطة ما ~~ذكر قبل تلك الآية مباشرة (من سفر الأمثال 21: 2) حيث جاء فيها: # والرب (يهوه) وازن القلوب. # إذ لم يكن في الشرق القديم إلا عقيدة دينية واحدة تقول بأن الإله يزن القلب الإنساني، وهي ~~الديانة المصرية القديمة بما تشتمل عليه من المحاكمة الأوزورية، وقد رأينا فيما تقدم أن ذلك ~~التمييز بين قيمة الخلق ومجرد الشعائر الدينية الظاهرية كان من غير شك نتيجة للخبرة ~~الاجتماعية في مصر، فهذه الخبرة الاجتماعية نفسها كانت سائرة في تكونها بين الإسرائيليين ~~بخطى سريعة، ويرجع ذلك إلى الإرث الأدبي والخلقي ms332 الذي ورثه العبرانيون؛ إذ قد وجدوا تلك ~~الحقائق الأساسية في كتابات وتجاريب جارتهم الأفريقية العظيمة، وأخذوا يعملون بسرعة أيضا ~~على تهيئة هذه الخبرة لتكون ملكا لهم؛ إذ من الواجب أن يكون إدراك الشعب نفسه للقيم ~~الخلقية الإنسانية الثابتة هو حجر الزاوية لبناء أي تقدم خلقي ثابت مضمون، ومن المعلوم ~~بطبيعة الحال أن دائرة القيم الخلقية السامية فقط هي التي توجد البواعث وتهيئ الأحوال لظهور ~~أدب ذي قوة حقيقية، ولذلك لم يكن من باب الصدفة أن نرى القرون الثلاثة الأولى من حياة الشعب ~~العبراني بعد تأسيس الملكية قد أنتجت أرقى فن أدبي عرفه العالم القديم إلى ذلك ~~الوقت. # وأعظم مثل مقنع يدل على مهارة العبرانيين الجدد في القصص المسرحي الخلاب الذي تنجذب إليه ~~النفس البشرية هو قصة يوسف - عليه السلام. ويبلغ مغزى هذه القصة الجميلة قمته في الثبات ~~الخلقي الذي كانت تنطوي عليه نفسية ذلك الشاب المبعد عن وطنه، فنراه وهو غريب في بلدة ~~أجنبية يجازف بحياته بلا تردد محافظة وإبقاء على سلامة أخلاقه وطهارتها، مع أنه لم يأت ~~بذلك العمل تمسكا بالمثل الأعلى في إنكار الذات والعفة والتنسك، بل قياما بواجب الاحترام ~~لشرف سيد وضع كل ثقته فيه. ومن الحقائق المدهشة أن هذه الحادثة التي توجت القصة كلها بتاج ~~الفخر مستقاة من قصة مصرية قديمة شعبية كانت - لا بد - قد انتشرت في فلسطين الكنعانية حيث ~~سمع بها ذلك الكاتب الموهوب الذي ألف قصة يوسف. # وهذه القصة المصرية تعرف الآن عادة «بقصة الأخوين»، والإلهان اللذان يظهران فيها بشكل ~~الأخوين، اللذين يعتبران أهم شخصيات القصة، قد مثلهما الخيال القصصي الساذج في صورة اثنين ~~من الفلاحين وسماهما بالتوالي «أنوبيس» و«باتا»، وهما اسمان يكشفان عن أن بطلي القصة يمثلان ~~إلهين كانت لهما مكانة في الديانة المصرية القديمة منذ زمان متوغل في القدم. # فكان «أنوبيس» أكبر الأخوين متزوجا، وكان «باتا» أصغرهما يعيش مع الزوجين كأنه ابنهما، ~~إلى أن قدر لتلك الحياة الريفية الخلابة التي احتسوا كئوسها أن يقضى عليها بإقدام ~~الزوجة على أمر شائن؛ وذلك ms333 أنها كانت ذات يوم تنظر إلى الشاب الصغير وهو يحمل فوق منكبه ~~القوي خمس حقائب مملوءة قمحا دفعة واحدة، فاستولى حبه على قلبها، ولما أخذت تراوده عن نفسه ~~انقلب الشاب ثائرا غاضبا كأنه فهد من فهود الوجه القبلي، هاج من جراء تلك الكلمات الأثيمة ~~التي وجهتها إليه، وخافت الزوجة عند ذلك خوفا شديدا من افتضاح أمرها، ثم خاطبها قائلا: ~~«انظري، إنك عندي بمنزلة الأم وزوجك بمنزلة الوالد؛ لأنه أكبر مني سنا وقد رباني، فما ~~معنى هذا الأمر المخزي الذي تذكرينه لي؟ لا تعيديه علي مرة ثانية، وأنا بدوري لن أفوه به ~~لأحد، ولن أجعل شفتي تفتران عنه لأي إنسان.» ثم حمل حمولته وخرج إلى الحقل، غير أن زوجة ~~«أنوبيس» الكاذبة خدعت زوجها فجعلته يصدق رواية معكوسة لفقتها هي للحادث، وكانت العاقبة أن ~~«أنوبيس» تربص لقتل أخيه الصغير، فكمن له خلف باب حظيرة البيت وسلاحه بيده، وحينما اقترب ~~الشاب الصغير من البيت وهو يسوق أمامه قطيع أنعامه حذرته البقرتان اللتان كانتا في مقدمة ~~ماشيته وفاء له بالجميل؛ لأن ذلك الراعي الصغير كثيرا ما ساقهما إلى أحسن المراعي وأنضرها، ~~فقفل الشاب موليا هاربا. # ويعتبر ذلك الامتحان الخلقي الذي اجتازه ذلك الشاب في «قصة الأخوين» أروع مثال لنزاهة ~~النفس ومتانتها، لا في الأدب المصري وحده، بل في كل الأدب الشرقي القديم حتى ذلك الوقت. ومن ~~الأمور الهامة جدا أن تكون هذه الحادثة بالذات من بين كل الأدب المصري هي التي جذبت نظر ~~المؤلف العبري حتى ساقه ذلك إلى اتخاذها برهانا ساميا على طهارة أخلاق بطل قصته. # وقد أنزل الله - سبحانه وتعالى - هذه القصة على سيدنا محمد # صلى الله عليه وسلم # في القرآن # 14 # بعد ذكرها في التوراة بنحو 1400 سنة، وقد ظهرت هذه القصة في صور متنوعة في ~~أوقات مختلفة من تاريخ الأدب لمدة تبلغ نحو 3000 سنة منذ أول ظهورها في وادي النيل، وكذلك ~~نجد لها بعض الأهمية في تاريخ فن التصوير الغربي، والفحوى الخلقي لاختيار تلك القصة ضمن ~~الأدب العبراني أمر ms334 له أهمية أساسية؛ لأن مجرد وجودها في الأدب العبراني يعتبر برهانا ~~قاطعا على أن الإسرائيليين في القرن الثامن قبل الميلاد كانوا قد دخلوا في عصر الأخلاق ~~فعلا. # وفي هذا العصر الذي سادت فيه التأملات الخلقية أخذ إله الطبيعة القديم الذي ينتمي إلى ~~صحراء «مدين»، والذي قاد الإسرائيليين إلى فلسطين ووجد لذة وحشية في تقتيل الكنعانيين يتحول ~~تدريجا في نظر العبرانيين إلى أن صار إله عدالة، يتطلب بدوره أن يتصف عباده أيضا بالعدالة ~~في أخلاقهم. ومع أن هذا التحول الذي نبت في الأذهان نتيجة لتجارب العبرانيين الاجتماعية ~~الشخصية يرجع بدرجة عظيمة إلى العبرانيين أنفسهم، فإن التفكير الديني عند هؤلاء القوم الذين ~~سكنوا فلسطين اعتمد جوهره في هذه الحالة - كما اعتمد في تجاريب كثيرة مشابهة لها - على ~~الاستقاء من تراث الماضي كما وجدوه باقيا في الجماعات الكنعانية التي اندمجوا فيها ~~تدريجا. # وكان هذا التراث مفعما بالأفكار المصرية القديمة التي تتناول صفات إله الشمس وتعده ~~حاكما عادلا بين الناس، ولذلك نجد أن نبيا من العبرانيين يقول لقومه: # إليكم يا من تخافون اسمي # تشرق شمس العدالة بالشفاء في أجنحتها. # 15 # رأينا فيما سبق أن «العدالة» كانت ممثلة في شخص الإلهة «ماعت» التي كان يعتقد المصريون ~~أنها بنت إله الشمس، وبما أن «شمس العدالة» العبرانية وصفت بأن لها أجنحة فلا يمكن أن يكون ~~المراد بذلك شيء سوى الإشارة إلى إله الشمس ذات الأجنحة؛ لأنه لم يكن يوجد بين جميع ~~التصورات العبرانية القديمة للإله «يهوه» أية صورة تمثله بأجنحة. # هذا؛ وقد دلت الحفائر الحديثة في «سامرا» على أن هذه التصورات المصرية لإله الشمس العادل ~~كانت شائعة الانتشار في الحياة الفلسطينية، فقد كشف الحفارون في خرائب قصر ملوك بني إسرائيل ~~في «سامرا» بعض ألواح من العاج منقوشة نقشا بارزا كانت تستعمل يوما ما في التطعيم ~~الزخرفي الذي كان يحلى به أثاث الملوك العبرانيين، ومن بين تلك القطع قطعة نقشت عليها صورة ~~إلهة العدالة «ماعت» يحملها إلى أعلى ملاك شمس هليوبوليس في وضع نفهم منه أنه كان على ms335 ما ~~يظهر يقدم تلك الصورة لإله الشمس. وتصميم الرسم مصري في كل نواحيه، إلا أن صناعته تدل بوضوح ~~على أن نقشه من صنع أياد فلسطينية. ومن ذلك يتضح أن الصناع العبرانيين كانوا على علم ~~ومعرفة بمثل تلك الرسوم المصرية القديمة، وأن وجهاء العبرانيين كانوا ينظرون كل يوم إلى هذه ~~الرموز التصويرية الدالة على عدالة إله الشمس المصري وهي تزين نفس الكراسي التي يجلسون ~~عليها. ولم يكن إله الشمس ذات الأجنحة المتأصلة في وادي النيل معروفا عند العبرانيين بأنه ~~إله عدالة فقط، بل كان كذلك معروفا بأنه الإله الحامي لعباده الرءوف بهم، وقد أشارت ~~المزامير العبرانية أربع مرات إلى الحماية الموجودة «تحت (أو في) ظل أجنحتك». # على أننا لم نجد قط - كما ذكرنا ذلك فيما تقدم - أن «يهوه» كان يصور عند العبرانيين ~~بأجنحة، في حين أنه قد عثر على صور رائعة منحوتة للفرعون وإله الشمس يرفرف عليه في شكل صقر ~~له جناحان منتشران يحميان المليك. # 16 # وعلى ذلك نرى أن تصور إله الشمس المصري القديم كأنه ملك عادل يعد من بين العوامل التي ~~ساهمت في تحويل «يهوه» هذا إلى حاكم عادل بين الناس. # وقد كان ظهور الملكية العبرانية عاملا قويا في ذلك التطور؛ لأن العبرانيين كونوا في ~~أذهانهم بالتدريج صورة لما يجب أن يكون عليه الملك الأمثل، فكان لذلك التصور أكبر تأثير في ~~تخيل «يهوه» في شكل ملك عادل. # وقد رأينا فيما تقدم أنه قبل ظهور الملكية العبرانية بألف سنة كان الحكماء # 17 # الاجتماعيون المصريون القدماء قد رفعوا أصواتهم مطالبين بالعدالة الاجتماعية، ~~آملين بذلك الوصول إلى عصر يكون فيه المثل الأعلى للسعادة البشرية في ظل حكم عادل يهيمن ~~عليه ملك رءوف، ولذلك نددوا بالغش والظلم اللذين يرزح تحت عبئهما كل من الفقير والوضيع ~~على يد الغني والقوي، وكثيرا ما أعلنت شكوى هؤلاء الحكماء في حضرة الملك نفسه. # وقد كانت أمثال مقالات «إبور» و«نفرروهو» شائعة الانتشار - كما سبق ذكره - حوالي سنة 2000 ~~قبل الميلاد، ولدينا ما يدل بوجه قاطع على أن هذه ms336 الكتابات قد وجدت مجالا مبكرا لانتشارها ~~في آسيا الغربية؛ وبخاصة بين الفينيقيين الذين أثروا في العبرانيين تأثيرا عظيما لقربهم ~~الشديد منهم كما تقول التوراة نفسها. وقد حدث منذ عشرة أعوام أن سقطت صخرة من واجهة الجبل ~~المشرف على البحر الأبيض المتوسط في «ببلوص» (جبيل) القديمة الواقعة على الساحل الفينيقي ~~شمالي بيروت، فكشفت عن حجرة للدفن منحوتة في الصخر لأحد ملوك ذلك العصر الذي كان يعيش فيه ~~أولئك الحكماء # 18 # الاجتماعيون المصريون القدماء الذين كنا بصدد ذكرهم. وهذا الكشف مضافا إلى ~~أعمال الحفر التي عملت في جبانة «جبيل» الملكية التي أعقبت ذلك، قد أماط لنا اللثام عن ~~سلسلة من المقابر التي استعملت لدفن ملوك «جبيل» الفينيقيين، وهذه المقابر مصرية في طرازها ~~وبنائها ومحتوياتها؛ لأنها تشتمل على توابيت حجرية ضخمة من الطراز المصري القديم وضعت فيها ~~الجثث الملكية وجهزت بأوان وحلي غاية في البهاء، وجميعها ما بين مصنوع في مصر ويحمل أسماء ~~فراعنة من الأسرة الثانية عشرة المصرية، أو مصنوع في فينيقية على الطريقة المصرية القديمة. ~~وهذه المقابر تدل بدون شك على انتشار العادات الجنازية والدينية المصرية في فينيقية في ذلك ~~العصر. على أن وجود مثل هذه العادات المستقاة من وادي النيل لا يكاد يدع لدينا أي شك في أن ~~لفائف البردي التي كتبها الحكماء # 19 # الاجتماعيون المصريون القدماء كانت كذلك معروفة في فينيقية في ذلك الوقت. هذا ~~إلى أنه قد كشف عن عدد عظيم من المقابر في منحدرات تل بلدة «مجدو» عثر فيها على مقدار ~~كبير من الجعلان «الجعارين» المصرية وغيرها من الرموز المقدسة التي يرجع عهدها إلى أيام ~~حكماء الاجتماع المصريين القدماء. # فمن المحتمل إذن أن العقائد التبشيرية الاجتماعية التي قامت في مصر كانت معروفة في آسيا ~~الغربية منذ عصر مبكر يرجع إلى سنة 2000 قبل الميلاد، وأن الكنعانيين كانوا على علم بها قبل ~~قيام العبرانيين بغزو فلسطين بزمن طويل. وقد صرح «زكر بعل» ملك «ببلوص» (جبيل) الفينيقي ~~في القرن الثاني عشر قبل الميلاد (أي في زمن القضاة العبرانيين) لرسول ms337 مصري في بلاطه، رغم ~~امتهانه له، أن المدنية قد جاءت إلى فينيقية عن طريق مصر. فقال ما نصه: # إن آمون يمد كل الأقطار، وهو يمدها بعد أن أمد مصر التي جئت منها؛ إذ إن المهارة ~~في الحرف قد خرجت من مصر لتصل إلى مكان مقامي، والتعليم قد خرج منها ليصل إلى مكان مقامي. # 20 # ومن الجلي أن هذه الكلمات تكشف لنا عن الاعتراف بأن مصر كانت منبعا لمدنية سامية في ذلك ~~العهد. # ومن المهم أن نشير هنا في هذه المناسبة إلى أن ذلك الرسول المصري قد شاهد بنفسه شابا ~~فينيقيا يقع في غيبوبة نبوة تماثل بالضبط ما كانت تمتاز به صورة النبوءة العبرانية ~~المبكرة بين بني إسرائيل كما حدث مثلا في أمر شاءول، ومنه جاء المثل الذي يقول: «أشاءول ~~أيضا بين الأنبياء.» # 21 # ولا بد إذن أن تعاليم الحكماء المصريين القدماء الاجتماعية كانت قد كونت جزءا من ~~التقاليد الدينية لدى الفينيقيين والكنعانيين، وبقيت بينهم عدة قرون قبل أن تظهر «المسألة ~~الاجتماعية» وتشحذ عواطف الرجال ذوي الشعور الخلقي الحي من العبرانيين أمثال «عاموس» ~~و«هوشع» في خلال القرن الثامن قبل الميلاد. وكما حصل في مصر من قبل، كانت رسالة أنبياء ~~العبرانيين في أول أمرها أيضا لا تكاد تخرج عن كونها سخطا على سوء حالة العدالة الاجتماعية، # 22 # كما كان المسرح والإخراج التمثيلي لذلك السخط يقام في غالب الأوقات في البلاط ~~الملكي ، بل كان يواجه به الملك نفسه، كما كان يحدث بالضبط في مصر. # وكانت أقوال النبي العبراني هي أيضا مثل ما كان يحدث في مصر بالضبط، تنتقل من مجرد السخط ~~إلى تصوير لعصر جديد يحل عندما يتولى الحكم ملك عادل يسود في عهده حكم العدالة، ولعلنا نذكر ~~تلك الصورة التي صورها «نفرروهو» لذلك الحكم حيث قال: # إن العدالة ستعود إلى مكانتها، والظلم سينبذ. # وعند هذه النقطة نجد أن النبي العبراني يرتفع في تصريحاته إلى تصورات سامية تصور لنا أن ~~رسالة قومه الخلقية موجهة لجميع العالم، فهي بذلك تسمو تماما على صورة المستقبل ms338 الذهبي ~~الذي رسمه الحكماء المصريون المبشرون القدماء. ومع ذلك يجب ألا يغيب عن أذهاننا أن فكرة ~~التبشير بعصر جديد قد نشأت بحذافيرها من التفكير الاجتماعي الذي قام به رجال الفكر المصري ~~في وقت لم تكن قد أشرقت فيه بعد على روح الإنسان مثل تلك الصور للمثل العليا الإنسانية في ~~أية بقعة من بقاع الأرض، ففي عالم كانت فيه القوة دائما هي الحق، وكانت الكلمة العليا ~~للقوة، قد نظر المفكر المصري الاجتماعي إلى ما وراء الأمور الواقعة، وتجاسر على الاعتقاد ~~بحلول عصر عدالة مثلى. وحينما علق بذهن النبي العبراني بهاء تلك الرؤيا وارتفع إلى أفق أعلى ~~منها فإنه كان في الواقع يقف فوق كتفي المصري القديم. وحري بالعالم الحديث أن يدرك أن تلك ~~الرؤيا التبشيرية كان لها تاريخ يرجع إلى ما قبل وجود الأمة العبرانية بأكثر من ألف ~~سنة. # والواقع أن هذه الرؤيا السامية للمثل العليا الاجتماعية هي تراث ورثناه عن ماضي بني ~~الإنسان بأجمعه، ولم يكن ميراثا عن شعب واحد بذاته. # وكذلك الحال في عالم السلوك، حيث نجد أن العبرانيين قد استقوا كثيرا من مؤلفات أو «أدب» ~~الأمثال والأساطير التي كانت منتشرة إذ ذاك انتشارا عالميا قبل سنة 1000 قبل ~~الميلاد. # وحينما حاول النبي «أشعيا» أن يبرهن على أن «آشور» لم تكن إلا آلة في يد «يهوه» ضرب لذلك ~~مثلا عن الآلات الجامحة، يتضح أنه بلا شك يرجع إلى أصل أجنبي، قال: # هل تفتخر الفأس على القاطع بها، أو يتكبر المنشار على مردده؟ كأن القضيب يحرك ~~رافعه، كأن العصا ترفع من ليس هو عودا. # أشعيا، الإصحاح العاشر: 15 # وكان يظن أولا أن مصدر ذلك النوع من القصص أو الأمثلة الخرافية هو بلاد الهند، ولكن ~~الأستاذ «مسبرو» وجد منذ زمن طويل أقدم خرافة معروفة من تلك الخرافات على لوح كتابة مصري ~~بمتحف «تورينو». # وقد تأثر الأنبياء العبرانيون أيما تأثر بالمقابلة بين الرجل المستقيم والرجل الخبيث كما ~~صورتها كتابات ذلك الحكيم المصري القديم؛ فقد اقتبس «أرميا» تلك الصورة الهامة للشجرتين ~~اللتين تصورهما ms339 «أمينموبي»، كما يتضح ذلك من المقارنة الآتية: # أمينموبي (الحكيم المصري القديم) # النبي أرميا (من أسفار الكتاب المقدس) # والرجل الأحمق الذي يخدم في المعبد مثله كمثل شجرة نامية في غابة، ففي لحظة ~~يفقد فروعه ويجد نهايته في [مرفأ الخشب] وينقل بعيدا عن مكانه. # ملعون ذلك الرجل الذي يتكل على الإنسان ويجعل البشر ذراعه. # والنار مأواه. # وعن الرب «يهوه» يحيد قلبه ويكون مثل العرعر في البادية، ولا يرى إذا جاء ~~الخير. # والرجل الحازم حقا ينتقي لنفسه مكانا. # بل يسكن الحرة في البرية أرضا سبخة وغير مسكونة. # فإنه مثل شجرة نامية في حديقة يزدهر ويتضاعف ثمره ويجلس في حضرة سيده. # ومبارك ذلك الرجل الذي يتكل على الرب «يهوه»، وكان الرب متكله. # وثمرته حلوة وظله وارف، ويجد آخرته في الحديقة. # فإنه يكون كشجرة مغروسة على مياه وعلى نهر تمد أصولها ولا تخشى إذا جاء ~~الحر. ويكون ورقها أخضر، وفي سنة القحط لا تخاف ولا تكف عن الإثمار. ~~(أمينموبي 6: 1-12) ~~(أرميا 17: 5-8) # وحينما يتأمل الباحث تلك الصورة الشيقة التي رسمها «أمينموبي» للشجرتين فإنه يثب إلى ذهنه ~~المزمور الأول الذي جاء فيه: # المزامير ~~(1) # طوبى للرجل الذي لم يسلك في مشورة الأشرار، وفي طريق الخطاة لم يقف، ~~وفي مجلس المستهزئين لم يجلس. ~~(2) # لكن في ناموس الرب «يهوه» مسرته، وفي ناموسه يلهج نهارا ~~وليلا. ~~(3) # فيكون كشجرة مغروسة عند مجاري المياه التي تعطي ثمرها في أوانه، ~~وورقها لا يذبل، وكل ما يصنعه ينجح. ~~(4) # ليس كذلك الأشرار لكنهم كالعصافة التي تذروها الريح. ~~(5) # لذلك لا تقوم الأشرار في الحساب ولا الخطاة في جماعة الأبرار. # المزمور الأول: 1-5 # ونلاحظ أن الحساب المذكور هنا لم يرد ذكره في «سفر المزامير» كله إلا هذه المرة، وهذه ~~ملاحظة لها خطرها؛ لأن فكرة الحساب في عالم الآخرة - كما رأينا فيما تقدم - هي من ثمرات ~~التمدين المصري القديم. # وكذلك نلاحظ أن توكيد ذكر مجاري المياه في الصور العبرانية أمر هام أيضا؛ وذلك لأن النصف ~~الجنوبي من فلسطين شبه صحراوي، وكانت قلة الماء فيه من أسباب المتاعب الشديدة ms340 كما هي الحال ~~هناك إلى يومنا هذا. # ونلاحظ من جهة أخرى أن العلامة «الهيروغليفية» الدالة على كلمة «حديقة» كانت ترسم بصورة ~~«بركة حديقة»، ولذلك كان مجرد ذكر كلمة «حديقة» دلالة على الماء لاعتبار ذلك عندهم من ~~الأشياء البدهية، ومن ثم لم تذكر كلمة «ماء» بعينها في الوصف الذي وضعه «أمينموبي». # ولذلك نرى أن مشابهة الصور المصرية للصور العبرانية أدق مما يبدو في الظاهر. # ومما يلفت النظر ذلك التعديل الذي أدخله كاتب المزامير بتركه كلمة «شجرة» واستعماله بدلا ~~منها كلمة «العصافة» للتعبير عن الرجل الشرير، كما أن «أرميا» فضل ذكر كلمة «العرعر» ~~البري الجاف الذي يكثر وجوده في وطنه «يوده». وقد صار كل من الزمان والمكان اللذين عاش ~~فيهما رجال الإصلاح الاجتماعيين الدينيين - وهم الذين نسميهم الأنبياء العبرانيين - مما ~~يدخل في تاريخ تطور حياتهم الخلقية والدينية أمرا مفهوما ذائعا الآن، بفضل ما قام به ~~العلماء المحدثون. ومن ناحية أخرى لا نستطيع أن نقول مثل هذا القول عن الأغاني العبرانية ~~الدينية؛ إذ قد قامت بشأنها اختلافات عريضة بين العلماء العبرانيين ومؤرخيهم من حيث تحديد ~~تاريخ «المزامير»، فقد كان هناك رأي فيه غلو ينسبها إلى أصل متأخر جدا، حتى لقد اعتبر ~~تاريخ وضعها كلها بعد عهد نفي العبرانين في بابل، ولكننا نعرف أن الأناشيد الدينية كانت ~~منتشرة في عهد مبكر جدا في كل من «بابل» و«مصر»، ولم يكن هناك من الأسباب على ما يظهر ~~ما يدعو أهل فلسطين - سواء أكانوا من الكنعانيين أم من العبرانيين - إلى عدم استعمال ذلك ~~النوع من الأدب قبل عهد «النفي العبراني» بزمان طويل، أسوة بما رأيناه من اقتباس أنبياء ~~العبرانيين للآراء الاجتماعية المصرية. ولا يمكننا أن نشك في أن النبي «أرميا» كان على علم ~~بالصورة التي صورها الحكيم المصري «أمينموبي» للشجرتين، ولا بد من أن تلك الصورة كانت كذلك ~~معروفة عند مؤلف «المزمور» الأول. # وقد لاحظنا فيما سبق أن مؤلفي «المزامير» العبرانيين قد رسموا صورة تدل على الحماية ~~الإلهية المستمدة من تحت جناحي إله الشمس المصري الظليلين، ولا ms341 بد أنهم كانوا كذلك على علم ~~بأنشودة «إخناتون» العظيمة التي وضعها لإله الشمس. وهنا أيضا يحتمل أن يكون الأصل المصري ~~القديم لتلك الأنشودة قد انتشر في فلسطين أو فينيقية قبل ظهور المزامير العبرانية بزمن ~~طويل؛ فقد انتهى «إخناتون» من إخراج أنشودته هذه قبل منتصف القرن الرابع عشر قبل الميلاد، ~~ومن البدهي أن أعداءه الحانقين عليه ما كانوا يتركونها تنتشر في مصر مدة ستة أو سبعة قرون ~~(أي إلى ما بعد سنة 1000 قبل الميلاد بكثير)، وهو الوقت الذي ابتدأ فيه العبرانيون يبدون ~~اهتمامهم بها، وعلى ذلك يجب التسليم بأن تلك الأنشودة انتقلت إلى آسيا في عهد «إخناتون» ~~نفسه، وأنها بذلك أفلتت هناك من الدمار المحقق على يد أعدائه. # وقد حدث فيها تغيير عظيم بعد أن ترجمت إلى بعض اللهجات السامية من لهجات آسيا الغربية، ~~كاللغات الفينيقية أو الآرامية أو العبرية على الأرجح. على أنه بفحص محتويات الفقرات ~~المشابهة لها (من المزمور 104) التي أوردناها فيما تقدم مع ترجمة الأنشودة، يظهر لنا مدى ~~الشبه المدهش بين الصورتين، لا من حيث مضمون «أنشودة إخناتون» فحسب، بل إننا كذلك نجده في ~~تتابع الأفكار وترتيبها الظاهري، فإن ذلك بقي في الرواية الآسيوية كما كان في أنشودة ~~إخناتون، ولا يمكن بحال أن تكون تلك المشابهات من قبيل الصدفة، بل إنها بالعكس دليل على ~~وجود جزء عظيم من الأنشودة المصرية الدينية القديمة منشورا بشكل معدل في المزامير ~~العبرانية. # وقد مضى الآن ما يقرب من جيل منذ أن لفت المؤلف الحالي الأنظار إلى التشابه المدهش ~~الموجود بين المزمور 104 وبين الأنشودة الإخناتونية المنظومة لإله الشمس. # 23 # ولم يكن في استطاعتي في ذلك الوقت أن أتعرض لأكثر من بيان وجه الشبه فقط؛ إذ ~~كان من الحكمة ألا تبنى أية نتيجة على مجرد وجود تلك الحقيقة، ولكن الأبحاث والكشوف التي ~~تلت ذلك العهد قد غيرت موقفنا تغييرا جوهريا، حيث صار لدينا الآن الأصل الهيروغليفي ~~المصري الذي ترجمت ونشرت منه فقرات كاملة برمتها في «كتاب العهد القديم العبراني»، فقد ~~تعرف الأستاذ ms342 المأسوف عليه «هوجو جرسمان» # Hugo Gressman ~~، ~~البحاثة الضليع وصاحب الرأي الثاقب في الأدب العبراني، بلا تردد على المنهل المصري الذي ~~استقى منه «المزمور 104» المذكور الذي انحدر إلى فلسطين على ما يعتقد عن طريق ~~فينيقية، بل قد ذهب الأستاذ «جرسمان» هذا إلى أبعد من ~~ذلك، بأن تعرف على وجود مؤثرات أجنبية في المزامير العبرانية، حيث يقول: # إن أقدم موضوع أسطوري تناولته «الأناشيد العبرانية» هو خلق العالم، وهو وأسطورة ~~الخلق نفسها يحتمل أنهما نشآ في بابل، وأما موضوع العناية الربانية بالعالم فإنها ~~فكرة جاءت فيما بعد، وقد شقت طريقها إلى المزامير الفلسطينية بتأثير مصر ~~القديمة. # وبذلك تكشف لنا أنشودة إخناتون عن المنهل الذي استقى منه مؤلف المزمور العبراني إدراكه ~~لرحمة الله في عون مخلوقاته حتى أصغرها؛ أي إن موقف العبرانيين من جهة الطبيعة بصفتها ~~عالم الكون، وتصورهم لعناية الخالق الرءوف بخلقه، يرجع أصله إلى أنشودة إخناتون وما يشبهها ~~من الأناشيد الدينية بمصر القديمة، ومن المحتمل كذلك أن الشعور بهذه الطيبة والشفقة الإلهية ~~المعبر عنه في الأنشودة الإخناتونية - والذي ظهر فيما بعد على الأخص في عصر التنسك الشخصي ~~في مصر - كان له أيضا تأثير هام في ظهور التدين الشخصي بين العبرانيين. # ومن المهم كذلك أن نعرف ما إذا كانت أنشودة إخناتون بين العوامل التي أدت تدريجا إلى ~~اعتراف العبرانيين بالوحدانية، ولا شك أنه من المحتمل جدا أن يكون لها بعض المكانة بين ~~مثل هذه العوامل؛ ذلك بأنه لما كان إخناتون ملكا على أمة ذات سيطرة عالمية فقد أكسبه ذلك ~~تلك النظرة الأولية الواسعة التي رأينا صورتها من قبل منعكسة في أنشودته العظيمة. والواقع ~~أن أنشودة لها نظرة شاملة كهذه تتردد في أنفاسها الوحدانية الإلهية المطلقة وتنتشر في آسيا ~~الغربية قبل ظهور الأدب العبراني الذي جاء به الأنبياء العبرانيون بعدة قرون، لا يستغرب أن ~~يكون لها بعض التأثير في تكوين النظرة العالمية التي فرضت فيما بعد على الأنبياء العبرانيين ~~بسبب حرج الموقف الذي وجد فيه شعبهم حيث قد صاروا ألعوبة في يد الممالك العظيمة ms343 وقتئذ، وقد ~~بقيت حالهم تزداد حرجا إلى أن غيروا نظرتهم إلى «يهوه» الذي كان يوما ما معبودهم المحلي ~~البدوي، فصار في نظرهم إلها مسيطرا على كل الأمم، يدير حركات جميع ملوك الأرض، ويستطيع ~~السيطرة على كل مقاصدهم العدائية وتحويلها لخير بني إسرائيل ثم لخير جميع العالم في ~~النهاية. # على أن وجهة نظر كهذه تؤدي - طبعا - إلى الاعتراف بنظام خلقي عالمي، ولعلنا نذكر أن كلمة ~~«إخناتون» العليا حينما حاول نشر عقيدة التوحيد الشمسية خلال القرن الرابع عشر قبل الميلاد ~~كانت هي «العدالة»، فكانت الحركة التي قام بها هي التطور المنطقي للعقيدة الشمسية القديمة ~~التي اعترفت بسيادة «ماعت»؛ أي «العدالة» بصفة كونها نظاما خلقيا قوميا، فكان مرمى ~~الأنشودة الإخناتونية التوسع في تلك السيادة القومية للعدالة وجعلها نظاما خلقيا ~~عالميا تحت سيطرة إله واحد. على أنه ليس من السهل أن يستدل الباحث على انتقال الأفكار من ~~جهة إلى آخرى، غير أن البحوث الحديثة قد وضعتنا في موقف يمكننا من إثبات الحقيقة الجوهرية ~~في هذا الشأن؛ وهي أن العبرانيين اطلعوا على الأدب الخلقي والديني عند الأمم الأخرى ~~ونقلوا ما عثروا عليه من أفكارهم، بل إنهم كانوا ينقلون هذه الآراء أحيانا بنفس التعابير ~~التي صيغت فيها تلك الأصول الأجنبية. # والواقع أنه لا يوجد شيء في كل مجال الأدب العبراني كان له من التأثير العميق في الحضارة ~~الغربية أكثر من تأثير نصائحهم في السلوك المستقيم عن طريق الأمثال، وهي التي نسميها «سفر ~~الأمثال»؛ إذ إن ما في هذا الكتاب من التصوير السامي للأخلاق، وما احتواه من الحكمة الخلقية ~~النافذة، قد امتزج بنفس مادة تصوراتنا الحديثة للحياة الفاضلة. ونجد في الترجمة الخلابة ~~التي أقر بها «الملك جيمس» # 24 # من الأمثال السائرة الحاذقة ما يتمثل به بيننا يوميا. # وقد أدت العبارة الشائعة «أمثال سليمان» إلى اعتقاد القارئ المعتاد أن أمثال ذلك الكتاب ~~هي من عمل «الملك سليمان الحكيم»، وفي الحق أنه يبتدئ بنسبة الكتاب إلى «سليمان» في مطلع ~~الفصل الأول، ثم تكررت تلك التسمية في بداية الفصل العاشر ms344 في شكل عنوان لمجموعة أخرى من ~~«أمثال سليمان»، كما أنه توجد به مجموعة ثالثة تحمل اسم «سليمان» وتبتدئ بالفصل الخامس ~~والعشرين، في حين أن الفصلين النهائيين من الكتاب ينسبان إلى مؤلفين آخرين مجهولي الاسم ~~وأحدهما منسوب إلى امرأة، فيتضح من ذلك ومما يشهد به «كتاب العهد القديم» نفسه أن كتاب ~~الأمثال هو مجرد مؤلفة جمعت من مجموعات متفرقة، ويوجد بالكتاب فضلا عن هذه المجاميع ~~الخمس التي كانت يوما ما متفرقة، مجموعة سادسة؛ لأننا نجد في صلب الفصل الرابع والعشرين ~~(حتى في الترجمة الإنجليزية) ما يكشف لنا عن عنوان جديد بهذا النص «هذه أيضا «كلمات» ~~الحكماء»، ويلي ذلك مباشرة جزء قصير يجوز أنه ملحق وضعه مؤلف مجهول، كما نجد مدفونا في قلب ~~الفصل الثاني والعشرين، دون أي إشارة تعليقية من جانب المترجمين حتى في النسخة المنقحة، ما ~~هو بالتأكيد بداية جزء آخر إن لم يكن عنوانا له (22-17) يسمى «كلمات الحكماء» مثل ما ~~وجدناه في الفصل الرابع والعشرين سواء بسواء. فمن هم يا ترى (هؤلاء الحكماء) المعلمون ~~الاجتماعيون - لأن كلمة «حكاميم» العبرية يدل معناها على صيغة الجمع - الذين قاموا بكتابة ~~هذا الجزء الذي يبلغ نحو فصل ونصف فصل؟ # الواقع أن هذا السؤال قد عجز عن الإجابة عنه كل الباحثين إلى وقت قريب جدا، غير أنه قد ~~طبعت ورقة بردية كانت قد مكثت مدة طويلة في المتحف البريطاني، فكشفت لنا عن أن مؤلف ذلك ~~الجزء لم يكن سوى صديقنا المصري القديم أمينموبي ! وجميع العلماء بكتاب العهد القديم الذين ~~يعتد بآرائهم وأبحاثهم فيه يجزمون الآن بأن محتويات ذلك الجزء الذي يؤلف نحو فصل ونصف فصل ~~«كتاب الأمثال» قد أخذ معظمه بالنص عن حكم الحكيم المصري القديم أمينموبي؛ أي إن النسخة ~~العبرانية هي تقريبا ترجمة حرفية عن الأصل الهيروغليفي العتيق. وكذلك صار من الواضح أيضا ~~أن حكم «أمينموبي» شائعة في مواضع عدة من كتاب العهد القديم، حيث نراها مصدرا لتلك ~~الأفكار والتشبيهات والمقاييس الخلقية؛ وبخاصة لروح الشفقة الإنسانية الحارة، لا في كتاب ~~الأمثال فحسب ms345 بل في القوانين العبرانية وفي سفر «أيوب»، وكما ذكرنا سابقا في سفر شاءول ~~و«إرميا» أيضا. وقد أشرنا آنفا إلى وجود عناصر أجنبية في كتاب الأمثال لم يتردد المصنف ~~القديم في الإشارة إليها في العناوين؛ لأن الحكيم «أجور» الذي تؤلف حكمه الفصل الثلاثين ~~والملك «لمويل» الذي يدين لأمه بحكمه التي تؤلف الفصل الحادي والثلاثين لم يكونا بداهة من ~~أصل عبراني. # ويتضح بجلاء من «سفر الملوك» (4: 30-31) أن أمثال «سليمان» نمت في جو عالمي؛ إذ نرى فيه ~~ما يأتي: # وفاقت حكمة سليمان جميع بني المشرق (البدو) وكل حكمة مصر. # وكان أحكم من جميع الناس من إيثان الأزراحي وهيمان وكلكول ودردع بني «ماحول»، ~~وكان صيته في جميع الأمم حواليه. # من سفر الملوك 4: 30-31 # فأسماء هؤلاء الأشخاص التي لا تنتمي إلى أصل عبراني تدل على أن كل أولئك الحكماء كانوا ~~أجانب بالنسبة إلى العبرانيين. # وقد كان المعروف من زمان طويل أن «محاكمة» # 25 # سليمان المشهورة ترجع إلى أصل هندي شرقي، ومع ذلك فإن الأبحاث العلمية لم تكشف ~~لنا من قبل عن مؤلف شرقي قديم بلغة غير فلسطينية ترجم عنه بالتحقيق جزء بأكمله من «كتاب ~~العهد القديم» كما نرى في هذه الحالة. ولهذا الكشف أهمية بعيدة المدى، لدرجة أننا مع ~~إشفاقنا من ملل القارئ نرى أنه لا بد من إيراد بعض الأمثلة الدالة على ما تقدم؛ فكلمات ~~الحكماء في «سفر الأمثال» العبراني، وفي حكم «أمينموبي» تبتدئ بما يأتي: # أمينموبي المصري # سفر الأمثال العبراني # أمل أذنيك لتسمع أقوالي ~~(17) أمل أذنك واسمع كلام الحكماء # واعكف قلبك على فهمها # ووجه قلبك إلى معرفتي. # لأنه شيء مفيد إذا وضعتها في قلبك. ~~(18) لأنه حسن إن حفظتها في جوفك. # ولكن الويل لمن يتعداها. # إن ثبتت جميعا على شفتيك. # سفر الأمثال (22: 17-18) # والمقصود من مثل تلك النصائح قد عرفته «الأمثال»، وهو ما أشار إليه «أمينموبي» من أن ~~المهارة العملية أصل جوهري في المعاملات الرسمية، كما نرى في نص كل منهما: # أمينموبي المصري # سفر الأمثال العبراني # لأجل أن ترد على تقرير لمن قد ms346 أرسله. ~~(21) لأعلمك قسط كلام الحق لترد جواب الحق للذين أرسلوك. ~~(سفر الأمثال 22: 21) # غير أن العبارة «كلام الحق» الواردة في «سفر الأمثال» هي بالطبع تحريف لما يقابل كلمة ~~«تقرير» الواردة في الأصل المصري القديم. # وعلى أية حال فإننا نجد في كل من «سفر الأمثال» وحكم «أمينموبي» أن الغرض الخلقي من تلك ~~النصائح ظاهر في كافة ثناياهما، ولذلك نرى أن إيراد بعض أمثلة هنا مفيد جدا، فمن ~~ذلك: # أمينموبي المصري # سفر الأمثال العبراني # لا تزحزحن علامات حدود الحقول ~~(10) لا تنقل التخم القديم ~~... ... ... ... ... # ولا تدخل حقول الأيتام. # ولا تكونن شرها من أجل ذراع، # أرض ولا تتعدين على حدود أرملة. ~~(أمينموبي 7: 12-15) ~~(سفر الأمثال 23: 10) # ومن المهم أن نلاحظ أنه قبل انكشاف النقاب عن حكم «أمينموبي» هذه أبدى نقاد «العهد ~~القديم» أن كلمة «قديم» التي تشبه في اللغة العبرانية كلمة «أرملة» هي بلا شك غلطة في ~~النسخة الخطية صحتها «أرملة»، وعلى ذلك اتفقوا على جعل تلك الفقرة كالآتي: # لا تزحزحن حدود الأرملة # ولا تدخلن في حقول اليتامى. # وقد جاء انكشاف الأصل المصري القديم مؤيدا لذلك التصحيح ومثبتا له، وقد يكون من أهم ~~المشابهات العديدة البارزة التي يمكننا إيرادها هنا تلك التحذيرات الخاصة بالثراء، ~~وهي: # أمينموبي المصري # سفر الأمثال العبراني # لا تتعبن نفسك في طلب المزيد حينما تكون قد حصلت بالفعل على حاجتك. ~~(4) لا تتعب لكي تصير غنيا. ~~... ... ... ... # وإذا جلب إليك المال بالسرقة فإنه لا يمكث معك سواد الليل، وعندما يأتي ~~الصباح لا يكون بعد في منزلك. ~~(5) هل تطير عينيك نحوه وليس هو؟ # بل يكون قد صنع لنفسه أجنحة كالإوز وطار إلى السماء. # لأنه إنما يصنع لنفسه أجنحة كالنسر يطير نحوه السماء. ~~(أمينموبي 9: 14-10: 5) ~~(سفر الأمثال 23: 4-5) # والسطر الذي حذفناه هنا من نص «الأمثال» مشوه في الأصل العبراني، ومن المحتمل أنه يمكن ~~إصلاحه بفحص الأصل المصري القديم، غير أن تناول مثل هذه المسائل التحليلية لا يمكن في مثل ~~هذا الكتاب. # وفيما قبل سنة 2000ق.م كان حكماء الاجتماع المصريون ~~قد وازنوا بين الغنى والأخلاق، وفضلوا، بصراحة، الأخلاق ms347 على الغنى، واعترفوا تمام الاعتراف ~~بتفاهة الثراء المادي، وأنه لا يجدي شيئا وبخاصة في عالم الآخرة. وقد وفى المفكرون ~~الاجتماعيون البحث في حماقة الاتكال على الغنى في نواح كثيرة مختلفة، ونجد في المواضع ~~الكثيرة التي تناولت فيها الأمثال العبرانية هذا الموضوع ما يدل على أنها كانت واقعة ~~بالبداهة تحت تأثير أقوال الحكماء المصريين القدماء. وقد تكون الموازنة الآتية إيضاحا آخر ~~لذلك: # أمينموبي المصري # سفر الأمثال العبراني # الفقر في يد الله خير من الغنى في الهري (المخزن). ~~(16) القليل مع مخافة الرب (يهوه) خير من كنز عظيم مع هم. # وأرغفة (تحصل عليها) بقلب فرح خير من ثروة (تحصل عليها) في تعاسة. ~~(17) أكلة من البقول حيث تكون المحبة خير من ثور معلوف ومعه بغضة. ~~(أمينموبي 9: 5-8) ~~(سفر الأمثال 15: 16-17) # والمثال الآتي في نفس الموضوع أيضا: # أمينموبي المصري # سفر الأمثال العبراني # والثناء على الإنسان كشخص محبوب عند الناس، خير من الغنى في الهري ~~(المخزن). ~~(1) لقمة يابسة ومعها سلامة خير من بيت ملآن ذبائح مع خصام. ~~(أمينموبي 16: 11-12) ~~(سفر الأمثال 17: 1) # على أن تاريخ العبرانيين فيما يلي هذا العصر لا يترك مجالا للشك في أنهم كانوا لا ~~يكترثون بالقوة المالية، أو النجاح في الأعمال، فضلا عن أن المصنف لسفر الأمثال في «العهد ~~القديم» لم يتجاهل الحكمة المصرية القديمة التي من هذا القبيل كما سيأتي ذكره، وربما لاحظ ~~الباحث أن تلك التحذيرات التي جاءت في سفر الأمثال بشأن الغنى والترف ليست مستقاة من «كلام ~~الحكماء» في التوراة («الأمثال» 22: 17، 24: 22). # وهذه حقيقة جديرة بالاهتمام، فإذا ما درست تلك الأمثال درسا أوفى فإن ذلك بلا شك يكشف ~~لنا عن أن أفكار المصنف العبراني في كافة موضوعات سفر الأمثال كانت تعتمد على حكم ~~«أمينموبي»، ولدينا فيما يلي مثال آخر، لا يدخل في حدود «كلمات الحكماء» يحذر من الحقد ~~والانتقام (الأمثال 20: 22). # ويهتم «أمينموبي» كثيرا بتحذير الشباب من الحماقة أو مخالطة رجال ذلك الطراز، كما ترى ~~المصنف العبراني أيضا يحذر من ذلك، حيث قالا: # أمينموبي المصري # سفر الأمثال العبراني # لا تصاحبن رجلا حاد ms348 الطبع ولا تلحن في محادثته. ~~(24) لا تستصحب غضوبا، ومع رجل ساخط لا تجيء. ~~(أمينموبي 11: 13-14) ~~(سفر الأمثال 22: 24) # ونجد أن الكلمة العادية التي تعبر عن الرجل الطائش صاحب الطبع الحار في حكم «أمينموبي» ~~هي بكل بساطة «الشخص الحاد». ومن المهم أن نلاحظ هنا أن الأصل العبراني لتلك الفقرة إذا ~~ترجم حرفيا يكون معناه «الرجل ذو الحرارة»؛ وهي عبارة لا توجد قط في أية جهة أخرى من كتاب ~~«العهد القديم»، وهي بالبداهة محاولة من المصنف لنقل التعبير المصري القديم إلى العبرانية. ~~وعلى كل حال نجد أن الغضب الطائش والانتقام مذمومان في كل من «سفر الأمثال العبراني» وفي ~~حكم «أمينموبي المصري»، وإليك ما قالاه في شأن ذلك: # أمينموبي المصري # سفر الأمثال العبراني # لا تقولن قد وجدت حاميا. # لا تقل أني أجازي شرا. # والآن يمكنني أن أهاجم الرجل الممقوت. # انتظر الرب (يهوه) فيخلصك. # ضع نفسك في ذراعي الإله يهزمهم صمتك (يعني الأعداء). ~~(لا تقل أجزي على الشر بل انتظر الرب فيخلصك.) ~~(أمينموبي 22: 1-8) ~~(سفر الأمثال 20: 22) # وقد كان «أمينموبي» ينصح ابنه بنفس هذه الطريقة الشديدة ناهيا إياه عن مشاحنة الشخص ~~الحاد الفم «لأن الإله يعرف كيف يجيبه على عمله (5: 10-17).» وذلك يشبه أيضا ما جاء في سفر ~~الأمثال وهو: «انتظر الرب (يهوه) فيخلصك.» # وتتفق نصائح «أمينموبي» فيما يختص بالسلوك في حضرة أصحاب المقامات العالية مع الحياة ~~المصرية القديمة أكثر بكثير مما تتفق مع الحياة العبرانية؛ ذلك لأن مراعاة السلوك اللائق في ~~مصر من جانب الموظف المصري الشاب كان لا مناص منه لمن كان يريد مستقبلا ناجحا، فكما أن ~~آداب اللياقة الرشيقة المرعية في البلاط الباريسي في عهد اللوايسة المتأخرين من ملوك فرنسا ~~قد انتشرت في كل العواصم الأوروبية التي كانت أقل ثقافة من باريس، كذلك كانت تلك الآداب ~~العالية ورسميات القصور في المعاملات الرسمية المستحدثة في أخلاق شعب في أصوله خشونة ~~الصحراء البدوية، في عهد الملكية العبرانية الفتية، متأثرة أيما تأثر بآداب اللياقة التليدة ~~المرعية في بلاط الفرعون الذي قبض موظفوه على زمام الحكم في ms349 فلسطين مدة قرون عديدة. ومن أجل ~~ذلك لم يتردد مصنف «سفر الأمثال» العبراني في توصية الإسرائيليين المعاصرين له باتباع آداب ~~اللياقة المصرية الرسمية. وإليك ما ذكر في ذلك في كل من النص المصري والنص ~~العبراني: # أمينموبي المصري # سفر الأمثال العبراني # لا تأكل الخبز في حضرة رجل عظيم. ~~(1) إذا جلست تأكل مع متسلط فتأمل ما هو أمامك تأملا. # ولا تعرض فمك في حضرته. ~~(2) وضع سكينا لحنجرتك إن كنت شرها. # وإذا أشبعت نفسك من طعام محرم. ~~(3) لا تشته أطايبه؛ لأنها خبز أكاذيب. # فإن ذلك ليس إلا لذة ريقك. # وانظر فقط (وأنت على المائدة) إلى الوعاء الذي أمامك وكن مكتفيا بما ~~فيه. ~~(أمينموبي 23: 13-18) ~~(سفر الأمثال 23: 1-3) # وكان المترجمون للرواية المنقحة من «كتاب العهد القديم» غير متأكدين مما إذا كانوا ~~يترجمون النص العبري بقولهم: «ما هو أمامك» أو يترجمونها «بالشخص الذي أمامك»، وقد حل تلك ~~المسألة ما جاء عن الحكيم المصري «أمينموبي» حيث قال ما ترجمته: «الوعاء الذي أمامك.» وقد ~~غير المصنف العبراني ترتيب الأفكار فنقل العبارة «خبز أكاذيب» التي توازي في الأصل المصري ~~القديم: «طعام محرم»، (وحرفيا: طعام خطأ) إلى السطر الأخير. # على أن نصيحة «أمينموبي» المصري هذه قديمة جدا؛ لأنها مستقاة من حكم «بتاح حتب»، فكان ~~عمرها في زمن «أمينموبي» قد بلغ حوالي ألفي سنة، ولذلك نجد نص النصيحة بالكلمات الأصلية ~~التي فاه بها الحكيم «بتاح حتب» أكثر وضوحا، قال: # إذا كنت امرأ من الذين يجلسون (على المائدة) # في حضرة رجل أعظم منك فخذ منه حينما يعطيك # ما يضعه أمامك، ولا تنظر إلى ما هو أمامه # بل انظر (فقط) إلى ما هو أمامك، ولا تقذفنه (حرفيا ترمينه) # بنظرات عديدة (لا تحملقن إليه) # واخفض من وجهك إلى أسفل إلى أن يخاطبك # وتكلم فقط حينما يوجه إليك الكلام. # 26 # فنجد هنا إذن حكيما عبرانيا يفرض على الشباب الإسرائيلي نصائح في آداب اللياقة كانت هي ~~بنفسها المرشد الهادي للموظفين المصريين القدماء في البلاط الفرعوني في العهد الذي ظهرت فيه ~~الأهرام؛ أي قبل ذلك العهد ms350 العبراني بألفي سنة، وعلى ذلك يحتمل أن تكون تلك الفقرة أقدم ~~مادة في كتاب العهد القديم. ونجد في ذلك مثالا رائعا على أن الحياة العبرانية في فلسطين ~~كانت تتطور تحت تأثير خبرة آلاف السنين من التجاريب الاجتماعية التي قد صارت تعد تاريخا ~~قديما حينما ظهرت الأمة الإسرائيلية في عالم الوجود. # وقد لا يوجد في كتاب «العهد القديم» مثل من الأمثال كثر اقتباسه في عصرنا الحالي الذي ~~ساد فيه الاهتمام بالمعاملات أكثر من ذلك المثل الذي يطري من يحسن عمله، وهو: # هل ترى رجلا ماهرا في عمله # إنه سيقف أمام الملوك. # والترجمة السبعينية (وهي الترجمة الإغريقية القديمة) «لكتاب العهد القديم» لا تحتوي على ~~الفعل «ترى»، بل كانت تبتدئ بكلمة «رجل»، وقد أوضح الأستاذ «جرم» أن الفعل الذي تبتدئ به ~~الجملة تابع للفقرة السابقة من الأصل العبراني، # 27 # ولذلك نجد أنه بعد إصلاح ذلك الخطأ تصير الموازنة هكذا: # أمينموبي المصري # سفر الأمثال العبراني # الكاتب الماهر في وظيفته سيجد نفسه كفوا لأن يكون من رجال البلاط. ~~(29) أرأيت رجلا مجتهدا في عمله، أمام الملوك يقف؟ ~~(أمينموبي المصري 27: 16-17) ~~(سفر الأمثال العبراني 22: 29) # ولا حصر لما نستطيع إيراده من أمثال تلك المماثلات المتشابهة، ولكن ما أوردناه من الأمثلة ~~التي ذكرت يكفي بلا شك للدلالة على أن «سفر الأمثال» العبراني يحمل في ثناياه جزءا ~~جوهريا من كتاب حكم لمصري قديم سابق له. # وقد جرى ذلك النقل عن حكم المصريين القدماء دون ذكر المصدر المنقول عنه، وهذا أمر طبعي ~~حصوله في مثل ذلك الأوان، غير أنه من الأمور الهامة أننا عثرنا في كتاب «سفر الأمثال » على ~~إشارة تدل بلا شك على الاقتباس من كتاب «أمينموبي» المصري القديم، ولو أن هذه الإشارة لم ~~تكن بطبيعة الحال على شكل عنوان أو بذكر اسم ذلك الحكيم المصري الذي عاش في مثل ذلك العصر ~~البعيد؛ ذلك بأننا نجد في المقدمة «لكلمات الحكماء» السؤال الغريب الآتي، وهو الذي قد حار ~~في ترجمته مصنفو الترجمة المنقحة لكتاب العهد القديم، وهاك نص السؤال: # ألم أكتب ms351 لك أمورا شريفة # من جهة مؤامرة ومعرفة؟ # سفر الأمثال 22: 20 # وقد وضعت لجنة التنقيح ملاحظة في الهامش خاصة بعبارة «أمورا شريفة» لفتوا بها النظر إلى ~~أن «تلك العبارة مشكوك فيها». والواقع أن المصنفين العبرانيين الأقدمين كانوا أنفسهم يشكون ~~فيها بعض الشك أيضا؛ وذلك لأنهم وضعوا هجاء آخر لتلك الكلمة على هامش النسخة العبرانية ~~فصارت الكلمة بحسب هجاء المصنفين العبرانيين القدامى تعني «ثلاثين»، فإذا ارتضينا هذه ~~الكلمة يصير السؤال هكذا: «ألم أكتب لك أمورا ثلاثين من جهة مؤامرة ومعرفة؟» ويبدو لنا ~~لأول وهلة أن صيرورة السؤال بهذه الصيغة يحدثنا بشيء لا معنى له، ولكننا عندما نلاحظ كما ~~لاحظ الأستاذ «إرمان» أن «أمينموبي» قد قسم كتابه المذكور إلى ثلاثين فصلا ورقمها، فإن ~~كل شيء بعد ذلك يصير واضحا. # ولا بد أن لفافة البردي المصرية الحاوية لهذا الكتاب كانت تسمى في فلسطين باسم «ثلاثون ~~فصلا في الحكمة» أو ما يشبه ذلك، ثم اختصر الاسم بعد ذلك على ما يظهر إلى عنوان بسيط أطلق ~~عليها وهو «الثلاثون». # وعلى ذلك تعطينا تلك الترجمة الحقيقية التي وصلنا إليها عن طريق اقتراح العالم «جرم» ~~وبدون أي تغيير في أصل المتن العبراني الموازنة التالية: # أمينموبي المصري # سفر الأمثال العبراني # تبصر لنفسك في هذه الفصول الثلاثين ~~(20) ألم أكتب لك ثلاثين فصلا # حتى تكون مسرة (لك) وتعليما. # من جهة مؤامرة ومعرفة؟ ~~(أمينموبي 27: 7-8) # سفر الأمثال (22: 20) # وإن ذكر أحد مؤلفي «العهد القديم» - على غير المألوف - لكتاب أجنبي عن العبرانية، كان ~~ينقل عنه من غير تحفظ، يؤكد لنا أنه كان تحت يده ترجمة عبرانية كاملة للكتاب الذي وضعه ~~«أمينموبي» المصري، بمعنى أن تلك الترجمة كانت تحتوي على جميع الثلاثين فصلا التي حواها ~~الأصل المصري الهيروغليفي، وإلا كانت كلمة «ثلاثين» بعد وضعها في كتاب الأمثال لا تدل على ~~أي معنى. ولكي يحافظ الناقل العبراني على هذا المعنى نراه، مع عدم نقله للثلاثين فصلا التي ~~يحويها الأصل المصري القديم برمتها، قد استعمل بالضبط «ثلاثين» مثلا في نسخته العبرية ~~المختصرة (الأمثال 22: 17، 24: 22). # ولا شك أن القارئ ms352 قد كون لنفسه ملاحظة ذات أهمية بارزة بعد أن تأمل تلك الفقرات من كتاب ~~الحكمة العبرية القديم، ووضعها جنبا لجنب مع الأصل المصري القديم الذي اقتبست منه. على أنه ~~يتضح لنا، خلافا للأجزاء التي ترجمت ترجمة حقيقية، أن مصنف «كتاب الأمثال» لم يكن مستسلما ~~ولا آلة جامدة في نقل تلك الحكم المصرية القديمة عن الترجمة الفلسطينية. # وليس لدينا أمل كبير في العثور يوما ما على تلك الترجمة، ولعله من الجائز أن يكون ~~المترجم الفلسطيني نفسه قد أخرج الترجمة غير المقيدة التي وجدناها في «سفر الأمثال»، وعلى ~~ذلك كان مصنف الأمثال ينقل عن تلك الترجمة كما هي. # ومهما يكن من الأمر فإن الحقيقة الناصعة هي أن الصورة التي ظهرت بها حكم «أمينموبي» ~~مرارا في «سفر الأمثال» توضح لنا بجلاء أن المترجم أو المصنف العبراني قد اقتبس في الغالب ~~مجرد الأفكار المصرية القديمة ونشرها بتصرف بما له من نظر ثاقب إلى الحياة، وبما له من ~~المهارة الأدبية السامية والدراسة باللغة التي ينقل إليها، وهي عادة لغته. ويتضح ذلك تماما ~~من إيراد بعض الأمثلة الواضحة القاطعة؛ فنجد مثلا أن «الغنى» يتخذ له أجنحة في كل من مصر ~~وفلسطين، غير أن الأجنحة المصرية كانت أجنحة «إوز»، وأما الأجنحة في فلسطين، حيث لم تكن ~~هناك مستنقعات زاخرة بالإوز البري، فقد أبدل المترجم بها أجنحة النسر. # وكذلك نجد في مصر أن رجل الأعمال الناجح كان في العادة «كاتبا»، أما في فلسطين حيث لم ~~تكن الأحوال كذلك، فإن المترجم العبراني قد سماه «رجلا» فقط، ثم أردف ذلك بوصفه «بالمهارة ~~في عمله» ليتم تحديد صفته. # ونجد في مصر أيضا أن أهم دين كان يدان به الإنسان لإله الشمس قبل ظهور «سفر الأمثال» ~~بأكثر من ألف سنة هو هبة الماء، وقد اتخذ من شمولها لكل العالم دليلا على المساواة بين ~~جميع الناس، وأما في فلسطين حيث يندر الماء ويكثر القحط، فإننا نجد أن خلق يهوه لجميع ~~العالم هو الذي اتخذ سببا للمساواة بين جميع الناس بالرغم مما يوجد من ms353 الفرق بين الغني ~~والفقر. وهاك ما جاء من التشابه في ذلك بين متون التوابيت المصرية القديمة وبين «سفر ~~الأمثال» العبراني: # متون التوابيت المصرية # سفر الأمثال العبراني # لقد خلقت المياه العظيمة حتى يتمكن الفقير من استعمالها مثل الغني. # الغني والفقير يتلاقيان صانعهما كليهما الرب (يهوه). ~~(سفر الأمثال 22: 2) # وقد أشرنا من قبل إشارة خفيفة إلى أن وجود روح الاتكال على المشيئة الإلهية في حكم ~~«أمينموبي» قد أثرت تأثيرا دينيا عميقا لا شك فيه في حكماء فلسطين وأنبيائها، ففي نصيحة ~~«أمينموبي» الجميلة القائلة: «ضع نفسك بين ذراعي الله» لا يكاد يخفى علينا أنها المصدر الذي ~~نجد صداه في الكلمات التي يسميها الناس «بركات موسى» وهي: # إن الله الأبدي مكان سكن # وتحته ذراعاه الأبديتان. # فالرجل الأمثل في نظر الحكيم «أمينموبي» هو الذي يتكل على الله ويصبر على تحمل الظلم في ~~صمت، واثقا من نزول الانتقام الإلهي على الظالم. فهل كان من باب الصدفة أن نجد الصيغة ~~العبرانية، التي ظهرت فيما بعد، تقول عن أخلاق «موسى» ما يأتي: # وأما الرجل «موسى» فكان حليما جدا، أكثر من جميع الناس الذين على وجه ~~الأرض. # سفر العدد 12: 3 # على حين أن «موسى» قد مثل في الصيغة القديمة بالرجل القوي المعتمد على نفسه، وأنه رجل عمل ~~مهاجم لا يحتمل وقوع أي ظلم على نفسه أو على قومه (؟) ولقد لفت الأستاذ «سلن» # Sellin # النظر إلى أن المثل الأعلى في الأخلاق عند العبرانيين ~~القدامى كان يتمثل في رجل العمل والقوة والحكمة ذي المال والبنين العديدين، ولكن ظهرت بعد ~~منتصف القرن الثامن ق.م فكرة مخالفة لهذه بالمرة تصور الرجل المثالي بأنه هو الحكيم ~~المتواضع المهذب الصامت المجرد من الممتلكات المادية، ونرى هذا المثل الأعلى في ذروته ~~متمثلا في صورة الخادم المتألم الذي يوصف بأنه: # لن يصيح أو يرفع صوته أو يجعله يسمع في الشارع. # أشعيا 42: 2 # وأقوى من ذلك ما نجده في تصور «أشعيا» السامي عندما يقول: # وكان مضطهدا، ومع ذلك فإنه حينما عذب # لم يفتح فاه كالحمل الذي يساق إلى المجزرة ms354 # وكالنعجة الصامتة أمام من يجزها، فهكذا # هو لم يفتح فاه. # أشعيا 53: 7 # وكان الحكيم «أمينموبي» يجد دائما مثله الأعلى في الرجل الصامت الذي يترك أمره ~~لله. # والآن وقد علمنا أن كتابه كان يقرأ في «أورشليم»، وأن الحكماء والأنبياء العبرانيين ~~كانوا ينتخبون منه المختارات ويقتبسون الاقتباسات، فإنه يجدر بنا أن نتساءل عما إذا كانت ~~فكرة المتألم الصامت عند بني إسرائيل لا ترجع في أصلها إلى الاجتماعيين المصريين. وعلى أية ~~حال فإنه صار من الواضح الآن أن المثالية الاجتماعية التي قامت على سمو التقدير للأخلاق، ~~والتي هي أقدم ما عرف لنا من مذاهب تفويض الأمور للأقدار، بل كانت في ذلك العصر المذهب ~~الوحيد من نوعه، قد ظهرت في مصر قبل سنة 2000ق.م، وكانت نفس الكتب التي تحتوي عليها يقرؤها ~~في «أورشليم» أولئك الرجال الذين أنتجوا تلك الكتابات التي نسميها الآن «العهد ~~القديم». # وكيف كان يمكن أن يكون الأمر غير ذلك؟ فكما أننا نجد الآداب الأوروبية الحديثة قد نمت ~~مشبعة بما ورثناه من قديم أدب الإغريق والرومان، كذلك كان محتما أن يتأثر العبرانيون في ~~فلسطين كل التأثر في أفكارهم وكتاباتهم بآداب تلك الأمة العظيمة التي قبضت على زمام فلسطين ~~ووضعتها تحت سيطرتها الثقافية والسياسية مدة تفوق مدة نفوذ «روما» في بلاد الغال (فرنسا ~~القديمة). # وعلى ذلك فإن تراثنا الخلقي الديني العظيم الملهم الذي انحدر إلينا من العبرانيين يمكن ~~التسليم بصفة قاطعة بأنه ميراث مزدوج. # فهو أولا: قد تكون من خبرة بضعة آلاف من السنين مارسها الشرق الأدنى القديم، وبخاصة ~~مصر، قبل ظهور الأمة العبرانية. # وثانيا: أن تلك الخبرة قد رسخت قدمها بشكل مدهش وزيد عليها بما اكتسبه العبرانيون أنفسهم ~~من التجارب الاجتماعية المتواصلة، على يد أولئك الأنبياء والحكماء الإسرائيليين. # وقد كان تبادل عوامل الثقافة بين فلسطين وجيرانها من كل الجهات واضحا منذ زمن بعيد على ~~أساس ما لدينا من الكتابات العبرانية فقط، فهذه الكتابات تكشف لنا عن دوام مرور قوافل ~~التجارة الأجنبية بهذه الأنحاء، فحينما كان العبرانيون في حاجة إلى الحدادين فإنهم كانوا ms355 ~~يجلبونهم من المدن الفلسطينية، واقتبس مهندسو «سليمان» تصميم معبده في «أورشليم» من تصميم ~~معبد مصري، وكذلك مهرة الصناع الذين قاموا ببنائه فقد أرسلهم «هرام» ملك «صيدا» إلى صديقه ~~«سليمان»، وتزوج «إهاب» ملك بني إسرائيل من أميرة فينيقية وتولى حمايتها في إحضار آلهة لها ~~أجنبية عن العبرانيين، وغيره من تلك الأمثلة التي لا حصر لها. # ويجب علينا الآن أن نضيف إلى هذه الأدلة المبينة المستقاة من «كتاب العهد القديم» تلك ~~الأدلة التي أسفرت عنها الأبحاث الأثرية الحديثة، فقد أماطت لنا الحفائر الفلسطينية اللثام ~~عن قائمة طويلة من البضائع الأجنبية التي اشتريت هناك ومعها عدد عظيم من الرسوم الزخرفية ~~الأجنبية التي اجتلبت مع تلك البضائع، فضلا عن أدلة أخرى لا حصر لها تنطق بتأثير العوامل ~~الأجنبية، فالأثاث الذي عثر عليه في قصر الملك «إهاب» في «سامرا» كان محلى بقطع من العاج ~~نقشت عليها صور آلهة أجنبية، وبخاصة من آلهة مصر القديمة (انظر شكل # 18 ~~). والواقع أنه يمكن كتابة مجلد بأكمله عن العناصر الثقافية الأجنبية التي انتشرت في ~~فلسطين قبل أن يستوطنها العبرانيون، وظل أثرها يزداد بعد ظهور الملكية العبرانية في عالم ~~الوجود. وربما كان من الواضح أيضا منذ زمن بعيد أن الأدب العبراني، بصفته معبرا عن ~~الحياة العبرانية، لا بد أنه كان بطبيعة الحال، مطعما، مثل تلك الحياة نفسها، بالمؤثرات ~~الثقافية المنحدرة من الخارج، سواء كانت في القانون أم في الأساطير أم في الدين بوجه عام. ~~ولا يقل عن ذلك كله المبادئ الخلقية، وقد رأينا فيما سبق أن العبرانيين أخذوا الكثير من ~~قوانينهم وأساطيرهم عن المدنية البابلية، أما في الأخلاق والدين والتفكير الاجتماعي بوجه ~~عام - الذي هو أول نواحي اهتمامنا في هذا الكتاب - فإننا نجدهم قد بنوا حياتهم على الأسس ~~المصرية القديمة؛ فالإسرائيليون بعد استيطانهم فلسطين كانوا في الواقع يسكنون أرضا من ~~الأملاك المصرية مضت عليها في هذه الحال قرون بأكملها، وقد استمرت بلادا مصرية عدة قرون ~~بعد استيطان العبرانيين لها، وحتى في عهد متأخر كعهد حكم «سليمان» نجد أن الفرعون المصري ms356 ~~أهدى إلى الملك العبراني مدينة «جزر»، وهي بلدة حصينة من بلدان فلسطين كانت تقع على وجه ~~التقريب في كنف «بيت المقدس». # هذا إلى أن النتائج الأساسية التي قامت وستقوم عليها دعامة المبادئ الخلقية في الحياة ~~المتحضرة في أيامنا، كانت قد اهتدت إليها الحياة المصرية قبل الوقت الذي ابتدأ فيه ~~العبرانيون تجاريبهم الاجتماعية في فلسطين بزمن طويل، كما كانت تلك المبادئ الخلقية المصرية ~~موجودة فعلا في فلسطين بصورة مدونة منذ قرون عدة حينما استوطنها العبرانيون. # حقا إن التوسع الذي أدخل على تلك التعاليم كثمرة من ثمرات الفكر والحياة العبرانية، ~~يعد ذا قيمة عظيمة للإنسانية لا تقاس بأي مقياس كان، غير أننا عندما نعترف بهذه الحقيقة يجب ~~ألا يفوتنا أن تلك المشاعر الخلقية التي تسود المجتمع المتمدين الآن ترجع في أصلها إلى عصر ~~أقدم بكثير من «عصر النبوات» المعترف به من زمن بعيد، وأنها قد انحدرت إلينا نحن أهل هذا ~~العصر الحاضر من عهد لم تكن فيه الكتابات العبرانية قد وجدت بعد. وعلى ذلك تكون مصادر ~~تراثنا من التقاليد الخلقية بعيدة كل البعد عن انحصارها في فلسطين وحدها، وأنه يجب اعتبارها ~~مشتملة كذلك على الحضارة المصرية. على أن السبيل الذي وصل منه هذا التراث المجيد إلى العالم ~~الغربي هو على وجه خاص ما بقي لنا من الأدب العبراني وحفظه لنا «كتاب العهد القديم». # فإن زوال مدنيات الشرق القديم التي بنيت على أسسها المدنية العبرانية، وما نتج عن ذلك من ~~حرمان العالم الغربي من فهم كل كتابة وكل لغة لتلك المدنيات البائدة حتى ظلت في عالم صمت ~~مدة ألفي سنة، قد ترك الأدب العبراني يضيء لنا وحده كأنه شعلة وحيدة من النور تحيط بها ~~الظلمة الدامسة من جميع جهاتها. وعلى ذلك يكون ما ورد إلينا حديثا بالوسائل العلمية من بعض ~~المعلومات عن المدنيات الشرقية المفقودة بمثابة قبس يضيء تلك الظلمة ويحيط بني إسرائيل بنور ~~يرجع إلى ما قبل عهدهم ببضعة آلاف من السنين. ولو أن العالم الغربي لم يفقد قط كل علم بأصول ms357 ~~المدنية وتطورها لما كان يخطر ببال أي باحث قط أن يجعل للعبرانيين أي منزلة في التاريخ فوق ~~أنهم بلغوا ذروة ذلك التطور الطويل السابق في الأخلاق والدين، وأول ما كان يحصل بالتأكيد هو ~~عدم ظهور ذلك المذهب اللاهوتي القائل بانفراد شعب واحد بالتمتع بالوحي الإلهي، وهو المذهب ~~الذي أعمى أبصارنا عدة قرون عن تعرف ذلك التراث الخلقي الجليل الذي ورثناه عن تأملات ~~وإلهامات العالم بأسره، لا عن تاريخ أو تجاريب أي أمة من البشر بعينها. # وعلى ذلك فإن أعظم فائدة إنشائية نجنيها من وراء الاهتداء إلى حقيقة تلك المدنيات الشرقية ~~القديمة المفقودة هي أنها ردت إلينا تراثا عرضه عرض الأفق، وهو التراث الذي قد خلفته ~~لنا حياة بني الإنسان أجمعين؛ ففيه نجد أعظم وحي يخطر لنا، وبه يمكننا الآن أن نستدل على أن ~~انبثاق إدراك الإنسان للمميزات التي تفرق بين السلوك الطيب والخاطئ إنما هو خطوة من خطى ~~التاريخ ونتيجة للخبرة الاجتماعية، وأن قيمة هذا الإدراك فوق كل تقدير؛ لأنه إدراك نام لم ~~تكمل بعد تطوراته التاريخية؛ فإن استردادنا لتلك المدنيات المفقودة هو الذي أمكننا به ~~إقامة البراهين على أننا لم نقطع مرحلة تذكر بعد خروجنا من عهد الظلمة الحالكة السابق لظهور ~~القيم الخلقية، وأن «فجر الضمير» لا يزال خلفنا بالضبط لم نكد نبتعد عنه شيئا، وأننا ما ~~زلنا للآن نقف عند مطلع شمس عصر القيم الخلقية. # وإني أعتقد أن الأستاذ «لويس أجاسيز» # Louis Agassiz # هو ~~الذي (بعد أن فحص التزعزع الدائم في الجبال الثلجية السويسرية، وراقب انحدار كتل الصخر ~~الكبيرة والصغيرة وهي في قبضة الثلج، ثم انفصالها عنه بتأثير شمس الصيف الحارة فتستحيل بذلك ~~إلى سور من الصخور المتراكمة يحف بفوهة الوادي) أدرك في نهاية الأمر أن هذه الحركة الجليدية ~~كانت دائبة على عملها هذا منذ أزمان بعيدة، ثم أشرقت على عقله فجأة تلك الحقيقة الرائعة؛ ~~وهي أن تلك العمليات الجيولوجية التي جرت في أزمنة سحيقة وأفضت إلى تكون الأرض لا تزال ~~دائبة مستمرة في طريقها إلى يومنا هذا، ms358 وأنها لم تنقطع ولن تنقطع عن عملها قط. وبعد هذه ~~النظرة القصيرة التي ألقيناها على أدوار التطور الخلقي، قد نكون محقين إذا قررنا من باب ~~الموازنة والقياس أن ما ذكر عن فعل الثلوج ينطبق كل الانطباق على ما نحن بصدده من التطور ~~الخلقي في بني الإنسان. # | الخاتمة # إن زبدة جميع الأشياء، وما ترمي الحرية # والتعليم والمخالطة والثورات إلى تكوينه ومنحه، # هو «الأخلاق»، كما أن غاية الطبيعية هي أن # تصل بمليكها (الإنسان) إلى هذا التتويج (يعني الأخلاق). # عن إمرسون # Emerson # من مقال له في ~~السياسة # إني أحب التاريخ؛ لأنه يظهر لي نشأة # العدالة وتقدمها، ويزيد من تقديري # لجماله أنني أرى فيه منتهى ارتقاء الطبيعة. # عن رسائل للكاتب «ه. ~~تين» # H. ~~Taine ~~(1) الطبيعة ومصادقتها للبشرية # يحكى عن «هيكل» # Haeckel # المتخصص في علم الحياة أن ~~بعض الناس سأله ذات مرة السؤال المثير للنفس الآتي: # إذا فرض أنه كان في مقدورك أن توجه إلى «الكون» سؤالا، وكنت واثقا من ~~أنك ستتلقى الإجابة الحقيقية، فما هو ذلك السؤال الذي كنت ترغب في توجيهه ~~إليه؟ # عندئذ ظل «هيكل» غارقا في التفكير بضع لحظات، ثم قال: إن السؤال الذي أفضل ~~أن أسمع الإجابة عنه أكثر مما عداه هو: «هل الكون مصادق للبشرية؟» # والواقع أننا هنا أمام سؤال عميق ملهم. # فإن التطور الخلقي الذي تتبعنا خطواته في الفصول السابقة يمكننا الآن من مناقشة سؤال ~~الأستاذ «هيكل» هذا في ضوء حقائق ثبتت لنا أخيرا، ويحتمل أن بعضها كان غير معروف له؛ ~~إذ ذاك، وإن كانت لا غنى عنها في هذه المناقشة. # وقد جرى العرف من زمن بعيد بأن مهمة المؤرخ هي أن يعرض النتائج التي وصل إليها، وأن ~~يشير بقدر المستطاع إلى الوثائق الأصلية التي نبتت منها نتائجه، وبعد ذلك يكون قد أدى ~~واجبه وليس له أن يدخل في المغازي الخلقية، بل تعد مهمته منتهية عند ذلك الحد. # فإذا كان القارئ قد احتفظ بما يلزم من الصبر في مطالعته، فإنه لا بد قد استطاع ~~الإلمام بأهم الأدلة المدونة التي ms359 تكشف لنا عن أصول أخلاقنا الموروثة وتاريخها المبكر ~~كما جاءت مرتبة في فصول هذا الكتاب. وإني كمؤرخ لا يحق لي ذكر شيء فوق ما تحتاجه هذه ~~الأدلة من مناقشة، غير أن ما لهذه الأدلة نفسها وللنتائج الناشئة عنها من الأهمية ~~البعيدة المدى يرغبني في الإدلال ببعض ملاحظات إضافية خارجة في الأصل عن دائرة اختصاصي، ~~ولا سيما أن خاتمة كتاب ما - إذا كان هناك شيء يسمى بهذا الاسم - تسمح بأن يدلي المؤلف ~~فيها بكل ما يروقه قوله. # والآن نعود إلى سؤال الأستاذ «هيكل»، إنني مع شعوري بشيء من الاعتزاز بالرأي أقول إني ~~كنت أود أن أسأله هو السؤال التالي: «من أين أتيت بكلمة «مصادق» هذه؟» ذلك لأن الأستاذ ~~«هيكل» قد اعتبر مدلول كلمة «مصادق» أمرا بديهيا كما يعتبر المؤرخ الطبيعي المادة ~~عاملا من عوامل بحثه دون أن يطالب بتفسيره. # ولكن مدلول كلمة «مصادق» ليس أمرا بديهيا، بل إن مجرد ظهورها في سؤال الأستاذ ~~«هيكل» هو في الواقع إجابة عن السؤال نفسه، وكان من الواجب أن يسأل عن إيضاح تلك ~~الكلمة؛ فلولا أن الأستاذ «هيكل» قد مات منذ زمن ~~طويل لكان من الأمور الشائقة أن نسمع إجابته عن ذلك، ومن المحتمل أن إجابته كانت تكون ~~شيئا شبيها بما يأتي: # ولم هذا؟ «إن كلمة «مصادق» كلمة مألوفة في جميع اللغات الحديثة ~~المتمدينة.» # ولكن المعترف به من زمن بعيد هو أن اللغة أكثر من مجرد أداة نقل للتعبير عن الفكر، بل ~~الواقع أن اللغة هي أداة نقل مؤلفة من تجاريب البشر، لدرجة أنها من الوجهة التاريخية ~~تعتبر إلى حد ما سجلا لتجاريب البشر في جميع نواحيها المتعددة، سواء أكانت اجتماعية ~~أم صناعية أم علمية أم ميكانيكية أم فنية أم خلقية أم دينية أم حكومية، إلى غير ذلك. ~~فإذا توجهنا بنظرنا مثلا إلى سلعة هامة من نتائج تجاريبنا الميكانيكية في الوقت ~~الحاضر، وهي السيارة، فإننا نجد أن الكلمات «جراج» و«شوفير» (سائق) و«شاسي» (الجزء ~~الأسفل من هيكل السيارة) «وتنو» (نوع من العربات) ونحوها قد بدأ استعمالها ms360 ينتشر في ~~اللغة الإنجليزية منذ حوالي جيل من الزمن، وسيستمر ظهور هذه المجموعة الصغيرة من ~~الكلمات بأصلها الأجنبي إلى ما قد يبلغ آلاف السنين برهانا على حقيقتين تاريخيتين في ~~تجاريبنا؛ الأولى: ظهور استعمال «الأتوموبيلات» في أواخر القرن التاسع عشر، والثانية: ~~أن أصل «الأتوموبيل» ومبدأ استعماله العام كمخترع عملي يرجع إلى فرنسا. # ومن الأمثلة الشائقة التي يمكن اقتباسها من الحياة البشرية المبكرة كلمة «ببلوص» # Biblos # التي يحتمل أنها ظهرت في أوروبا في وقت يرجع ~~إلى حوالي عام 1000ق.م، وقد أدخلت في اللغة الإغريقية بمدلول كلمة «بابيروس» (ورق). ~~ويعد ظهور هذه الكلمة في اللغة الإغريقية قبل سنة 500ق.م بعدة قرون (على الأرجح) دليلا ~~على وقت بداية دخول الورق في أوروبا، كما يعتبر اسمه غير اليوناني - يعني اسمه الأجنبي ~~الذي اشتقت منه كلمتنا «بيبل» ومعناها «التوراة» - دليلا قاطعا على أن مدينة ~~«ببلوص» الفينيقية الواقعة على ساحل سوريا الشمالي كانت هي المصدر المباشر لأول ورق ~~استعمل في أوروبا. # وهكذا نجد في مدفون طيات اللغة إيضاحا لمنشأ اختراعين بشريين ملموسين تماما، وهما ~~«الأتوموبيل» الذي بدأ استعماله في عصرنا الحالي، والورق (البابيروس) الذي كان أول ~~دخوله إلى أوروبا منذ زمن يزيد على خمسة وعشرين قرنا. وما يسري على هاتين الكلمتين من ~~حيث إدلائهما بالمعلومات عن الاختراعات الميكانيكية الحديثة يسري بطبيعة الحال كذلك ~~بالنسبة للشئون الأقل مادية في ارتقاء الحياة الإنسانية، عندما نهضت من حالة الهمجية أو ~~الوحشية وسارت نحو بلوغ تلك القيم النفسية الباطنة التي أفضت إلى ظهور مثل الكلمات: ~~«صديق» و«مصادق» و«مصادقة». # وما دام الأمر كذلك أفلا يكون الأستاذ «هيكل» حينما وضع سؤاله المتقدم ذكره: «هل ~~الكون مصادق للبشرية؟» قد فاتته أهمية مجرد وجود كلمة «مصادق»؟ وقد رأينا عند فحصنا ~~للوثائق المصرية القديمة أنه يوجد في لغتها وفي تاريخها ما يدل على بزوغ فجر تلك الصفات ~~البشرية وارتقائها المبكر عند قدماء المصريين مما تنم عليه كلمة «مصادق». # ومن المؤكد أنه لو كان الأستاذ «هيكل» يشاركنا الآن في هذه المناقشة لكان له فيها ~~تعليق يعتد به ms361 ربما كانت صيغته على الصورة الآتية: «وكيف يكون ما برهنت عليه تاريخيا ~~من ظهور كلمة «مصادق» جوابا على سؤالي الأصلي؟ إننا إذا سلمنا أن الإنسان الطبيعي قد ~~نشأ من أصل الكون المتطور، ثم سلمنا أن الخبرة البشرية هي التي ابتكرت «المصادقة» ~~وأنمتها، فإن معنى ذلك أنك تتكلم عن الخبرة البشرية، في حين أن سؤالي منصب على الكون. ~~فما شأن الخبرة البشرية إذن بالكون؟» # وعلى الرغم من أن الفكرة القائلة بأن الإنسان جزء من الطبيعة سابقة لعهد الفيلسوف ~~«لوك»، فإن المقدمات التي بنى عليها آراءه هي التي على ما يظهر قد أدت بالفلاسفة إلى ~~تلك النتيجة. وهي نتيجة من عمل الفلاسفة بنوها - طبعا - على مقدمات فلسفية. أما في ~~أيامنا هذه فقد صار في استطاعة أبحاث علم الحفائر الجيولوجية وعلم آثار ما قبل التاريخ ~~أن يتتبعا تاريخ الإنسان الطبيعي وهو ينهض من العصور الجيولوجية ويخرج من العالم ~~الطبيعي، وعلى ذلك تزداد الأدلة باطراد على أن الإنسان جزء من الطبيعة، ولو من ناحيته ~~الطبيعية على الأقل، ثم إن أقدم الوثائق المدونة التي وصلت إلينا عن ماضي البشرية تكشف ~~لنا أيضا عن ارتقائه حتى بلغ عهد الوعي الأخلاقي. # ومن العجيب أن هذه الحقيقة قد خفيت - على ما يظهر - على المفكرين. وعلى كل حال فقد ~~صرنا الآن لا نعتمد على أقوال الفلاسفة، كما كان الحال في عهد «جيته» # Goethe ~~، في مجرد الافتراض بأن الإنسان فيض من إنتاج ~~الطبيعة، ووثائق الشرق الأدنى القديمة تبرهن بالدلائل التاريخية هذه الحقيقة. # وقصة نشأة بني البشر كما أماطت عنها اللثام الأبحاث الأخيرة في الشرق الأدنى القديمة ~~تظهر لنا بأجلى بيان، لا من الوجهة الفلسفية بل من الوجهة التاريخية، أن خبرة بني ~~البشر هي آخر مرحلة في تاريخ الكون؛ أي إن الخبرة البشرية، هي بقدر ما وصلت إليه ~~معارفنا، ثمرة من ثمرات ذلك التاريخ. # وفي قصة حياة الرقي البشري التي كنا نتتبع سير خطواتها في هذا الكتاب التقطنا خيوط ~~الحياة الإنسانية الآخذة في الارتقاء عند النقطة التي صار فيها الإنسان أول ms362 مخلوق عرف ~~بمقدرته على صنع الآلات في زمن لا يقل بعده عن مئات الآلاف من السنين، بل قد يبلغ ~~مليونا من السنين. ونحن الآن نعتبر الأبحاث عن تلك المرحلة من حياة الإنسان ملكا ~~شائعا بين علماء الحفائر وعلماء الجيولوجية من جهة وعلماء الآثار من جهة أخرى. # ونحن علماء الطبائع الإنسانية عندما نريد البحث عن ذلك العصر السحيق نتكاتف مع علماء ~~التاريخ الطبيعي - لما نجنيه كلانا من جهودنا المشتركة - فهي تجربة نافعة ~~لكلينا. # فالإنسان - في الحالة التي وجد عليها في فجر العصر الحجري - يعتبر موضوعه داخلا في ~~أبحاث العلماء الطبيعيين، وإن كان العلم لم يبين لنا النقطة التي انقطعت عندها صلة ~~البشرية بذلك الكون المتطور فلم تعد جزءا منه. # ولنرجع بالبصر كرة عاجلة بالرغم مما سيوقعنا فيه ذلك من بعض التكرار، ناظرين في مدى ~~تاريخ الحياة البشرية منذ ذلك الوقت، للبحث عما إذا كان في مقدورنا أن نجد نقطة لم تعد ~~البشرية بعدها جزءا من ذلك الكون. # وبالرغم من السرعة التي اتبعناها في هذا الكتاب فقد استطعنا أن نقتفي أثر أقدم من ~~عرفنا من أجداد الحضارة في أدوار حياتهم التي قامت على الصيد في أنحاء هضبة الصحراء ~~الكبرى، المترامية الأطراف، في ذلك العهد السحيق الذي كانت فيه مرتفعاتها - الماحلة ~~الآن - لا تزال خضراء يكسوها الكلأ الأخضر. ويقول علماء الحفائر العلمية: إن ذلك الصائد ~~الفطري الذي كان يهيم في غابات الصحراء خلال عصر ما قبل التاريخ، كان مخلوقا نشأ من ~~تطور حياة الكون؛ أي إنه كان لا يزال جزءا غير منفصم من ذلك الكون. # ثم نرى أنه في أنحاء جميع شمالي أفريقيا أخذت تلك الحلقة الخضراء المترامية الأطراف ~~تذوي وتنقبض ببطء في خلال مائة ألف سنة أو تزيد، حتى صرنا نرى تلك الخمائل والغابات ~~البرية تتلاشى وتختفي تدريجا، كما كانت المياه التي تنخفض في بحيرة صحراوية ما، على ~~امتداد وادي النيل، كالرمل المتناقص في ساعة رملية زجاجية، تقيس لنا مدى تلك الأزمان ~~الطويلة التي كان يتناقص في خلالها سقوط الأمطار في شمالي ms363 أفريقيا فيحيل تلك الصحراء ~~الشاسعة تدريجا إلى بيداء ماحلة لا تشتمل إلا على صخور ورمال جامدة، وعندما اضطر أولئك ~~الصيادون المتوحشون إلى هجر هضبة تلك الصحراء بهذه الصورة والنزول إلى وادي النيل، ألم ~~يعودوا جزءا من ذلك الكون المتطور؟ # وحينما قاموا على أثر ذلك بحبس حيواناتهم المتوحشة في الحظائر العظيمة ليتخذوا منها ~~ماشية أنيسة كالبقر والغنم والمعز والحمير، وحينما أصبحوا لا يكتفون بأكل بذور الحشائش ~~البرية، وصاروا يزرعونها ويتعهدونها كالشعير والقمح، ثم خلعوا عن أنفسهم حياة الصيادين ~~المتجولين واستوطنوا قرى صغيرة رعاة وزراعا. ألم يعودوا جزءا غير منفصم من ذلك الكون ~~المستمر في الارتقاء؟ # وبعد بناء تلك القرى التي من عصر ما قبل التاريخ - وهي التي كان يقطنها أولئك الرعاة ~~والحراثون - والتي كانت مبعثرة فيما يبلغ 700 أو 800 ميل على طول وادي النيل، وبعد ~~تحولها بتأثير عدة آلاف من السنين من التطورات الاجتماعية إلى أقدم دولة معروفة في غضون ~~التاريخ يتألف سكانها من عدة ملايين من النسمات، تعرف المعادن والكتابة وتسيطر عليها ~~حكومة منظمة تنظيما ساميا، وتقوم ببناء أضخم المباني التي لم يبن مثلها قط في ذلك ~~العالم القديم، دالة بذلك على قوة تغلبها الهائل على العوامل المادية. ألم يعودوا بعد ~~كل ذلك بأية حال جزءا من ذلك الكون المتطور؟ # وحينما بدأ تخمر تلك العوامل الاجتماعية عند فجر ما يسمى عصر التاريخ؛ أي قبل عام ~~3000ق.م ببضعة قرون، وظهر تأثير أقدم عصر عرف فيه الاحتكاك الاجتماعي، الذي استمر نحو ~~ألف سنة ثم ظهر أخيرا قبل عام 2000ق.م في صورة أقدم حرب مقدسة في سبيل العدالة ~~الاجتماعية وابتغاء إيجاد عهد جديد قوامه الشفقة الأخوية؛ أي حكم المصادقة. فهل يجب بعد ~~ذلك أن نفصم أولئك النفر الذين هم أقدم دعاة للمثل العليا في الاجتماع عن تلك المراحل ~~السابقة في ذلك الكون المتطور؟ # وهنا نجد القيمة الأساسية لنتائج الكشوف التي كشفتها لنا الطبقات الجيولوجية ومدائن ~~الشرق القديمة وجباناته، فإن هذه الكشوف تميط لنا اللثام عن مجموعة من الصور الرائعة ~~نرى فيها المرحلة ms364 تلو المرحلة في طريق تقدم البشر وارتقائه. ففي بداية الطريق نرى ~~الإنسان يبدو بشكل واضح خارجا من العصور الجيولوجية، وبعد مضي عدة مئات من آلاف السنين ~~ينهض من ذلك الفتح المادي المحض إلى المستوى الذي يدرك فيه معنى الشفقة الأخوية: فهنالك ~~نرى ظهور الإنسان الطبيعي في وحشيته الحيوانية التي ترجع إلى العصور الجيولوجية، وهنا ~~نجد دنيا رحيمة رفيقة تستعمل كلمة «مصادقة» التي هي موضوع السؤال الثاقب الذي أراد ~~الأستاذ «هيكل» أن يوجهه إلى الكون! وبين هاتين المرحلتين نرى ذلك التقدم الذي يربط ~~بعضهما ببعض، وهو تقدم لم نجد للآن ما يبرهن عليه من الشواهد والأدلة غير الحياة ~~الإنسانية المبكرة فوق ضفاف النيل، حيث رأينا ذلك التقدم وكأنه معمل اجتماعي عظيم، بما ~~كان يحويه من الحياة البشرية التي ترجع بدايتها إلى تلك التقلبات السحيقة في القدم التي ~~كونت سطح الكرة الأرضية في شكله الحالي. وبذلك نجد أن وادي النيل هو الميدان الفريد ~~الذي نستطيع أن نرقب فيه صراع الإنسان وهو يخطو بحياته في سبيل الرقي، من أول ظهور ~~الإنسان الطبيعي، إلى ما تلا ذلك من جميع انتصاراته على ما اعترض حياته الناهضة، إلى أن ~~رأيناه في آخر المطاف يصل إلى إدراك ما تشمله الإنسانية من الإخاء والمصادقة. ~~(2) الانتقال العظيم وبطء التقدم البشري # مما تقدم يتضح أن الاعتراض الذي نفترض إبداءه من الأستاذ هيكل (وربما كنا غير منصفين ~~في ذلك الافتراض) وهو أن الخبرة الإنسانية ليست مرحلة من مراحل تقدم الكون، قد فند لأول ~~مرة تفنيدا تاريخيا في قصة مصر القديمة، وقد فحصنا فيما سبق، على عجل، بعض الإشارات ~~والمعالم الموضحة لذلك الطريق الطويل الذي اجتازه الإنسان منذ فتوحه في عالم المادة إلى ~~أن وصل إلى تلك الكشوف المدهشة للقيم النفسية الباطنة؛ أي إلى ذلك الانتصار الذي أحرزه ~~على ذاته وإدراكه للمسئوليات الاجتماعية. فبفضل هذه الوثائق الاجتماعية صرنا نعرف أننا ~~كنا نقتفي منها حركة لا تتصل بتاريخ الكون فحسب، بل ما يعد فوق ذلك أروع انتقال في ذلك ~~التاريخ، على قدر ما ms365 وصلت إليه معلوماتنا. # والحقيقة أن ذلك الانتقال هو موضوع هذا الكتاب، ويضاف إليه أيضا تلك الحقيقة العظمى؛ ~~وهي أن «الانتقال العظيم» - كما سنسميه هنا - لا يزال ناقصا؛ أي إنه لا يزال سائرا في ~~طريقه نحو الرقي. وقد حاولنا فيما تقدم الكشف عن تكوينه واقتفاء تاريخه المبكر، فرأينا ~~أنه أوجد لأول مرة - لا في الحياة الإنسانية وحدها بل في الكون نفسه كما هو معروف ~~للإنسان - معاني جديدة وكلمات جديدة للدلالة عليها، وهي معان لقوى تسمو على تقلبات ~~المادة وتنتقل بنا إلى عالم البواعث والاحتمالات النفسية، الفردية منها والشعبية، مما ~~بدأ بنو البشر يشعرون به الآن فقط شعورا مبهما. # وبداية «الانتقال العظيم» هي التي تتميز على وجه خاص بظهور كلمات جديدة خطيرة الشأن، ~~فإن كلمة الأستاذ هيكل «مصادق» ليست إلا كلمة من مجموع كلمات من هذا القبيل ظهرت لأول ~~مرة، وكانت أشبه شيء بصور إشارات الأصبع إلى طريق جديد، فصارت بذلك عندنا بمثابة آثار ~~تاريخية مؤذنة بحلول «العصر الأخلاقي» أو «عصر الخلق». # وقد سبق أن أشرنا فيما تقدم إلى ما ذكر في مقال عن الجراحة والتشريح عند قدماء ~~المصريين كتب في باكورة الألف الثالثة ق.م، ويحتوي على أقدم استعمال لكلمة «مخ». ولما ~~لم تكن هناك - بطبيعة الحال - في ذلك الوقت كلمة شائعة الاستعمال للدلالة على المخ يمكن ~~لمؤلف ذلك المقال استعمالها، فإنه أخذ كلمة معتادة تعني «لين» أو «شبه سائل ثخين» ~~يشبه النخاع. ولكي يتجنب التباس المعنى بغيره أضاف إليها كلمة «الجمجمة»، فصار التعبير ~~الجديد بذلك «عجينة الجمجمة» أو «نخاع الجمجمة»، وأطلق التعبير حتى صار علما على ~~«المخ»، وذلك في أقدم بحث تناول هذا الموضوع. وهذا الطبيب المختص في التشريح الجراحي ~~الذي يرجع عهده إلى نحو 5000 سنة مضت، كان يعرف فعلا أن المخ هو المركز الحساس للشعور ~~والسيطرة على أعضاء الجسم الإنساني، غير أن معرفته العلمية كانت حديثة العهد في زمنه ~~لدرجة أنها لم تستطع أن تحل محل الاعتقاد القديم القائل بأن القلب هو مكان ~~الفهم. # وعلى ذلك لما صار أولئك ms366 القوم المبكرون يشعرون بوظيفة الفهم الإنساني الذي يميز بين ~~السلوك المستقيم الصائب وبين ضده من السلوك المعوج الخاطئ، استعملوا له - كرها لا ~~طوعا - تلك الكلمة القديمة «قلب»، يريدون بها الإدراك الخلقي الذي يقوم به القلب، ~~وبذلك صار المعنى الجديد وهو قدرة الإنسان على إدراك المميزات الخلقية (أي ضميره) يسمى ~~في نهاية الأمر كذلك بكلمة «قلب». وبهذا الاسم «القلب» لم يبدأ هذا المعنى الجديد ~~(الضمير) تاريخه كقوة اجتماعية فحسب، بل استمر يحمل هذا الاسم كذلك آلافا من السنين، ~~كما رأينا، إلى يومنا هذا. # وربما كان من المهم لرجال الكهانة وغيرهم من معلمي الأخلاق في أيامنا هذه أن يعرفوا ~~أن ذلك المعنى (الذي كان في يوم ما جديدا) لكلمة «قلب» القديمة، وهو ذلك المعنى الذي ~~اكتسبته منذ حوالي خمسة آلاف من السنين الماضيات، قد جعل هذه الكلمة تذكارا أثريا ~~لذلك الانتقال العظيم الذي نحن بصدد بحثه الآن. # وهذه الوظيفة الجديدة للعقل الإنساني هي التي سهلت علينا إدراك معنى الأخلاق أو ~~الخلق. وإنه لمن الممتع حقا أن نعرف الوقت الذي بدأت تظهر فيه نفس كلمة أخلاق أو ~~«خلق» لأول مرة في كلام أبناء البشر. لقد بدأ ذلك في عصر الأهرام، وسرعان ما صارت ~~متداولة في موضوعات التعليق والتأمل؛ ففي حكم «بتاح حتب» نرى ذلك الوزير الحكيم المسن ~~يذكر ابنه بأن «الفضيلة في الابن لها قيمة عظيمة عند الوالد، وأن الأخلاق الحسنة شيء ~~جدير بالذكر.» وبذلك ينسب أقدم استعمال لتلك الكلمة إلى القرن السابع والعشرين ق.م. ~~وبعد انقضاء نحو خمسة قرون على ذلك العهد نجدها في تلك النصائح التي وجهها أحد الفراعنة ~~إلى ابنه «مريكارع»، حيث يقول إن الله - عز وجل - هو «الذي يعرف الأخلاق.» # على أن كلمة «أخلاق» أو «خلق» في حد ذاتها كلمة تثير اهتماما كبيرا؛ لأن معناها ~~الأصلي مأخوذ من فعل معناه «يشكل» «يكون» «يبني»، وقد كانت تستعمل في عصر مبكر ~~للدلالة بنوع خاص على العمل الذي يقوم به صانع الفخار أثناء تشكيله للأواني الصلصالية ~~فوق عجلته. ومعنى كلمة «أخلاق» المشتق ms367 من أصلها يشبه بصورة تلفت النظر كلمتنا «أخلاق» ~~التي معناها في الأصل اليوناني «الطابع الذي يتركه الختم المنقوش فوق الطين الطري أو ~~الشمع» أو «الطابع الذي فوق المعدن في صك النقود.» # وقد رأينا كيف أن العوامل الجديدة التي تنطق بها هذه الكلمات الجديدة أخذت تعمل عملها ~~بمثابة قوى اجتماعية حتى أفضت إلى نظام جديد أبرزه أيضا حكماء الأخلاق المصريون، وصار ~~يعبر عنه عندهم بكلمة «ماعت» التي يريدون بها «الحق» و«الاستقامة» و«العدل» و«الصدق»، ~~كما كان يراد بها عندهم أيضا النظام الخلقي الذي كانت فيه تلك الصفات هي القوى ~~المسيطرة. وهذه الألفاظ، مضافا إليها «الضمير» والأخلاق، تعد آثارا خالدة لذلك ~~الانتقال الذي ظهر في الحياة فوق كوكبنا الأرضي، وقد ظهرت لنا ظهورا تاريخيا عن طريق ~~الوثائق المصرية القديمة التي دونت فيما بين سنتي 3000 و2000ق.م. # وفي هذا الانتقال التاريخي، الذي حدث لأول مرة فوق كرتنا الأرضية - بل في الكون على ~~ما نعلم - نجد أن المصريين هم الكاشفون للأخلاق. # ومن الأمور ذات الأهمية الأساسية أن يعرف العالم الحديث مبلغ حداثة ذلك الكشف؛ فإن ~~الحضارة البشرية مبنية على الأخلاق، وإذ إن هذه الأسس لا تزال حديثة جدا فلا داعي لأن ~~نشعر بشيء من القنوط أو خور العزيمة إذا وجدنا أن هذا البناء لم يظهر عليه بعد ذلك ~~الثبات الذي كنا نتمنى وصوله إليه. # ولا نزاع في أن سخرية المستر «منكن» # Mencken # اللاذعة ~~كثيرا ما تكون في محلها، كما أن شدة الحاجة البادية للعيان لعمل إصلاحات في البناء ~~تهيئ الفرص الكثيرة للغمزات المسلية التي نراها على صفحات مجلتي «بنش» # 1 # و«لايف» Punch & Life # أو في روايات ~~«برنارد شو» # Bernard shaw # الذي يجد أن انتحال ~~الشخصيات والأوضاع عمل أسهل وأربح بكثير جدا من أية محاولة للنظر إلى تقدم الإنسانية ~~نظرة جدية. # وكذلك يوجد كثير من الاتهامات أكثر خلوا من الغرض وقائمة على اعتبارات جوهرية تقول ~~بأن البناء مصدع بدرجة لا تدع مجالا لإصلاحه، فنجد أن «أزفالد سبنجلر» # Oswald Spengler # 2 # يصرح علنا بالسقوط النهائي للمدنية الغربية، ms368 مع أنه ليس من الصعب أن نبرهن ~~على أن مراثيه المحزنة مبنية على جهل فاضح بحقيقة التقدم الإنساني، فإنه يلاحظ أن ~~«سبنجلر» يشير إلى المدنية المصرية القديمة بتوسع في كتابته، فلو كان لديه علم كاف ~~بهذه المدنية لما وجد فيها سندا لنتائجه التشاؤمية، فإن المدهش العجيب هو أن نجد ~~مخلوقا ناهضا من الوحشية الحيوانية يرتقي إلى درجة تجعله يبتدئ هذا الانتقال العظيم؛ ~~ولذلك يجب ألا نقلق كثيرا إذا رأينا هذا الإنسان يتردد تارة أو يضل أخرى حينما يخطو ~~متقدما إلى الأمام في سبيل الارتقاء بهذا الانتقال. # على أن ذوي العقول الرزينة جميعهم يقفون في ~~حيرة مؤلمة، بينما يطرح بعضنا ثوب الأوهام جملة، عند تأمل حال الإنسان الحديث وقد ~~استولت عليه قوة التخريب التي وضعها في يده العلم الحديث بما وصل إليه من المقدرة ~~والتفنن في صنع الآلات الحربية. # والواقع أن رجال العلوم الطبيعية يهتمون أيما اهتمام بأن قوة الإنسان، المنشئة منها ~~والمخربة، في تقدم مستمر منذ أزمنة سحيقة، وبخاصة بعد أن كشف أخيرا عن «رجل بكين» ~~الذي يحتمل أن يرجع زمنه إلى نحو مليون من السنين الماضيات؛ إذ قد اتضح أنه لم يكن في ~~قدرته أن يوقد النار فحسب (أي إنه أقدم مثل معروف لإشعال الإنسان للنار)، بل إنه أيضا ~~«صنع الأسلحة من الحجر»، وبذلك صرنا نعتبره أول بشر معروف لنا كان في قدرته صنع الأسلحة ~~في عالم الوجود. # غير أنه قد فات رجال العلوم والمؤرخين على السواء تقدير مركز الإنسان الحالي تقديرا ~~كافيا بالنسبة لوقت ظهور الضمير كعامل من العوامل الاجتماعية؛ لأن ذلك لم يكن إلا في ~~الأمس القريب، وهو في الحقيقة حادث جدير بأن يؤرخ به كما يؤرخ بعهد استعمال المعادن ~~التدريجي ، وإن عصر الأخلاق الذي نتج عن ظهور الضمير لا يكاد يزيد عمره على أربعة آلاف ~~من السنين. والواقع أن تطور حياة الإنسان، كالتطورات الطبيعية الأخرى، يسير في بطء، وقد ~~يكون سير الانتقال العظيم نحو الكمال كبطء النشوء والتطور الإنساني في الطبيعة؛ لأنه في ~~مدة مئات آلاف ms369 السنين العديدة التي تقع بين «رجل بكين» المكشوف حديثا وبين «رجل ناياندرتال» # Neanderthal # قد ازداد المخ البشري نحو 50٪ من ~~حجمه، في حين أنه من وقت «رجل ناياندرتال» حتى الآن - ذلك الوقت الطويل نسبيا - لم ~~يزد حجم المخ البشري شيئا قط؛ أي إن نسبة تطور الإنسان بطيئة بدرجة هائلة. على ذلك ~~يكون أوج ذلك اليوم الخلقي الذي انبثق فجره علينا الآن فقط لا يزال بعيدا جدا عنا، ~~ويجب أن نتذرع بالصبر الطويل، وبعبارة أخرى: بصبر ذلك الذي يعرف كيف ينتظر في سكون ~~واطمئنان إذا لزم الأمر ذلك. # ولعله لا يوجد مثل يدل على بطء ارتقاء الروح البشرية وتقدمها أوضح من الموازنة ~~التالية بين أفكار أحد الحكماء المصريين القدماء الذي ~~يرجع عهده إلى نحو 3000 سنة مضت وبين أفكار أحد الروائيين المفكرين الحديثين في عصرنا ~~الحالي، وها هي ذه: # حكيم مصري قديم من منذ حوالي 1000ق.م # شارلس مورجان في كتابه الينبوع ~~* # في سنة 1932 # يا آمون، أنت أيها الينبوع الحلو الذي يشفي الظمأ في الصحراء. إنه ~~لموصد لمن يتكلم، ومفتوح لمن يتذرع بالصمت. وحينما يأتي الصامت تأمل ~~فإنه يجد الينبوع. # ومع ذلك فإنه كان في سكينة، بل يظهر أنه قد دخل الردهة القصوى للسكينة ~~نفسها حيث كان ينبوع الروح ينبثق كجدول من الماء فوق الأرض. ~~(ص107) ~~* # The Founfain, by Charles ~~Morgan ~~. # ومن المعلوم أن مثل هذه المعاني عن الروح المتأملة كانت بطبيعة الحال من مميزات الشرق ~~القديم، غير أنه يمكننا أن نقتبس موازنة أخرى كهذه من حياة العمل والمخاطرة، ~~وهي: # السندباد المصري حوالي 2000ق.م # فرجيل # سعيد من يتحدث عن مآسيه بعد مضيها. # ومن المسرات أحيانا ذكر تلك التجاريب. # وبعد انقضاء الحياة، سواء أكانت حياة تأمل أم حياة مخاطرة مملوءة بالأحداث، نجد أن ~~أفكار «سبنسر» # Spenser # في مدح الموت تماثل صدى أقوال ~~أيوب مصر القديمة، وهو الذي سميناه في هذا الكتاب باسم «التعس»، كالآتي: # أيوب المصري # سبنسر الإنجليزي من كتابه # Faerie ~~Queene # إن الموت أمامي اليوم كمثل المريض الذي يقرب من الشفاء ومثل ms370 الذهاب إلى ~~حديقة عند النقاهة من المرض. إن الموت أمامي اليوم مثل مجرى الفيضان من ~~الماء ومثل رجوع الرجل من سفينة حربية إلى منزله. # إنه ينعم الآن براحة أبدية. أليس الألم القصير الذي يحتمله الإنسان هو ~~الذي يجلب له الراحة الطويلة ويطرح بالروح لتنام في قبر صامت؟ إن النوم ~~بعد التعب والوصول بالسفينة إلى المرسى بعد انتهاء العاصفة البحرية ~~والراحة بعد الحرب والموت بعد الحياة، فيه السرور العظيم. ~~(خطبة اليأس) # على أن مثل هذه الأصداء الحديثة العهد نسبيا ليست نادرة حتى في المدافن الكنسية ~~الإنجليزية، (حيث نجد فوق لوحة أحد قبورها ما يماثل لوحة أحد قبور قدماء المصريين)، ~~وإليك البيان: # لوحة قبر شريف مصري قديم من حوالي 2000ق.م # لوحة قبر لأحد الإنجليز في مدفن كنيسة بيرفورد بأكسفوردشير # Burford, Oxfordshire # من ~~القرن الثامن عشر م # إن فضيلة الرجل هي أثره، ولكن الرجل السيئ السمعة منسي. # إن المدائح المدونة فوق الحجر ليست إلا ألقابا مستعارة بالباطل، وحسن ~~سمعة الرجل هو أعظم أثر له. # ومن الممكن أن نورد هنا ما لا حصر له من الأمثلة التي تبين كيف تمر الأجيال، ألف ~~السنة تلو الأخرى، وكل جيل يجمع تجاريبه الخاصة به، ومع ذلك يعيد ويكرر الكثير مما أوحت ~~به تجاريب العصور التي جاءت قبل عصره، وهكذا دواليك في جميع الأزمان. ~~(3) الانتقال العظيم # بصفته تعبيرا عن تجاريب البشرية # مهما يكن من بطء تجمع التجاريب الإنسانية فمن المهم جدا أن نعترف بالحقيقة ~~التاريخية التي تنطق بأن الانتقال العظيم الذي كنا نناقشه أخيرا هو ثمرة التجاريب ~~البشرية ونتيجتها، وأن القوة المحركة للتقدم الإنساني منذ ذلك الوقت كانت هي الخبرة ~~البشرية، وأن خبرة الإنسان نفسه كانت وستبقى دائما أعظم معلم له. # فإن سن قانون التعديل الثامن عشر إنما كان محاولة من أهل الولايات المتحدة ~~الأمريكية للقيام بتجربة جديدة، ولكن الخبرة الاجتماعية أثبتت أن محاولة السيطرة على ~~العادات الاجتماعية كان نصيبها الفشل؛ فالخبرة الاجتماعية إذن هي المعلم الذي لا تلين ~~قناته لغامز. # حقا إنه ليس من عالم مفكر من ms371 علماء الأدب العبراني الذي نسميه «العهد القديم» إلا ~~ويشعر بقوة ذلك الكتاب، ويقدر الدور الأساسي الهام الذي لعبه في تقدم المدنية الغربية. ~~غير أنه يجب علينا أن نعترف أيضا بأن «كتاب العهد القديم» كجزء من الأدب العبراني ~~القديم لا يخرج كذلك عن كونه سجلا للتجاريب البشرية القديمة؛ فقد كنا في الصفحات ~~السابقة نربط الحياة السامية في عالم مدنيتنا الغربية الحديثة بمصادرها الأصلية الأولى ~~من حياة الإنسان في الشرق القديم في زمن يرجع عهده إلى ما قبل بداية التاريخ العبري ~~بأكثر من ألفي سنة، وبعملنا على هذا النهج لم نعثر على أصول الشعور الخلقي فحسب، بل ~~عثرنا كذلك على فصول بحذافيرها من التاريخ الاجتماعي، ونقصد بذلك قصة حياة أمة عظيمة ~~كما تجلت أمامنا في مدة تقرب من ثلاثة آلاف من السنين، أنتجت في خلالها أقدم التصورات ~~الخلقية العميقة وتمخضت تجاريبها عن المبادئ الخلقية الناضجة التي عبر عنها فيما ~~خلفته من الأدب الضخم. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل رأينا ذلك التقدم يسير في طريقه ~~حتى أنتج ذلك الأدب قبل بداية ما يسميه علماء اللاهوت القدامى «بعصر الأنبياء» بعدة ~~قرون، وقد برهنا بالأدلة التاريخية على أن ذلك الأدب لم يبق فقط إلى العهد المسمى ~~بعصر الأنبياء، بل كان له أيضا تأثير عميق في التطور الخلقي والديني عند العبرانيين، ~~وهم الذين ورثنا عنهم تراثنا الخلقي العظيم. # على أن مصادر تراثنا الخلقي كانت تمتد إلى مسافة بعيدة جدا وراء الحدود الفلسطينية؛ ~~إذ كانت تشمل كل أنحاء الشرق الأدنى القديم؛ وبخاصة مصر التي ظهرت فيها أقدم التصورات ~~الروحية السامية في المثل العليا الاجتماعية. ولم يكن في مقدورنا قط من قبل أن ندرك تلك ~~المصادر الكبرى التي أخذنا عنها ذلك التراث الخلقي المنعدم المثيل؛ لأن السبيل الذي وصل ~~منه إلى العالم الغربي هو الأدب العبراني وحده، بل إننا لم نكن نعرف من قبل ذلك الأصل ~~العالمي المركب الذي تألف منه ذلك الأدب. # وإن الفكرة المنبوذة الآن التي تفترض وحيا مميزا منحصرا في شعب واحد دون سواه، ms372 نمت ~~في وقت كانت فيه المدنية الغربية تجهل تمام الجهل قصة نهوض الإنسان وتاريخ المدنيات ~~البائدة التي سبقت عهد العبرانيين. وعلى ذلك نعيد هنا ما قلناه من قبل من أن مثل ذلك ~~التصور الذي يقصر الوحي على شعب واحد ما كان ليظهر قط لو لم تكن لغات الشرق القديم قد ~~فقدت ولم تعد سجلاتها مفهومة لأي إنسان، مما أدى إلى اختفاء الأدب الأخلاقي والديني ~~لتلك المدنيات العظيمة التي يزيد عمرها على عمر العبرانيين بضعة آلاف من السنين. # ولعل أجل خدمة خدمتها لنا الحفائر الأثرية هي إماطتها اللثام عن التقدم الاجتماعي ~~والخلقي الذي أحرزته تلك الجماعات الشرقية القديمة قبل نهوض الأدب العبراني وقيامه بزمن ~~طويل. # وإن هذا الكشف الذي وصل إليه العلم الحديث يعد من أهم الكشوف العميقة البعيدة المدى؛ ~~فلقد أبان لنا أننا كنا الوارثين لحياة الإنسان المبكرة على وجه عام، وبخاصة تلك الحياة ~~التي سارت في مدارج التقدم حول الطرف الشرقي من البحر الأبيض المتوسط. # ومن الظاهر بالطبع أنه لا يدخل في دائرة أبحاثنا هنا تلك الزيادات النفيسة التي أضيفت ~~إلى ذلك التراث نتيجة للتفكير الخلقي في أوروبا القديمة والحديثة. # وفي اعتقادي أن تصورنا الجديد للأدب العبراني، مما أثبت التاريخ صحته، لا يحط من شأن ~~ذلك الأدب، بل على العكس يرفع من قدره؛ إذ إنه يكشف لنا في الواقع عن صورة جديدة ~~للمصادر الكبرى التي نبعت منها تلك المؤثرات الإنسانية التي ضربت بأعراقها في مادة ~~المدنية الغربية. وكثيرا ما نسمع عما يسمى «النزعة الإنسانية الجديدة»؛ فهذه النزعة ~~تتجلى روحها في البحث الحديث الذي يجري في التربة التي غرست فيها أول حبة خلقية فنمت ~~وآتت أكلها. وقد كشفت لنا الأبحاث الشرقية عن حقيقة واضحة؛ هي أن التربة التي أخرجت ~~أجمل زهرة من المثل العليا الاجتماعية هي الحياة البشرية ، ومتى اقتنعنا، عن هذا الطريق، ~~أن تصور الإنسان للأخلاق البشرية المثلى أقدم بكثير من «عصر الأنبياء»، فإننا نكون قد ~~وصلنا إلى أساس جديد عريض للثقة ببني الإنسان. ~~(4) الماضي الجديد كمؤثر خلقي جديد ms373 # لقد أصاب اللورد «أكتون» كبد الحقيقة حين قال: «إن إماطة اللثام عن العالم القديم يعد ~~بعد كشف الدنيا الجديدة، الحادث الثاني الذي يفصل بيننا وبين القرون الوسطى ويميز ~~الانتقال إلى الحياة الحديثة.» ونجد في رأي هذا المؤرخ الفذ أن العاملين العظيمين ~~اللذين أخرجا الناس من العصور الوسطى إلى الحياة الجديدة ينحصران في الرؤية التي تنظر ~~إلى الأمام وإلى الوراء معا، وهي التي لم تفطن فقط إلى المجال الذي لا حد له أمام ~~مستقبل العالم الجديد بعد سنة 1492م، بل استمدت كذلك أعمق الإلهام من الماضي الذي كشف ~~عنه حديثا بصورته التي تعرفها الناس من مدوناته التي وصلت إلينا، ومن الأعمال العامة ~~الأخرى التي قام بها أعاظم رجاله. فماذا كان ذلك «العالم القديم»؛ أي الماضي الذي أشار ~~إليه اللورد «أكتون»؟ # الواقع أنه لم يكشف لأوائل أهل العصر الحديث عن أقل إشارة تدل على ذلك «الانتقال ~~العظيم» الذي نحن بصدده؛ إذ إن كل ما كان يعرفه أولئك الذين برزوا من العصور الوسطى عن ~~الماضي هو كما نعلم كلنا قصة «كتاب العهد القديم»، ومن بعدها تاريخ اليونان والرومان. ~~لكننا الآن نعرف أن الجهد الذي بدأ عند فجر عصر النهضة لتعرف أخبار العالم القديم، لم ~~ينقطع حبله في عصر النهضة، بل إنه - كما رأينا - قد استمر متواصلا في خلال جميع القرون ~~التي مضت منذ ذلك الوقت، وسائرا بخطى سريعة، وبخاصة في خلال الجيلين الأخيرين. فنحن ~~الآن لا نصغي فقط إلى صوت «أشعيا» و«داود» و«سقراط» و«شيشرون» كما كان يصغي إليهم وحدهم ~~رجال عصر النهضة، بل إننا نصغي كذلك إلى أصوات ملوك الشرق العظام في قصصهم التي يفاخرون ~~فيها بفتوحاتهم في البحر الأبيض المتوسط، وإلى أصوات الحكماء المصريين وهم يبشرون بحلول ~~العصر الذهبي للعدالة الاجتماعية، وإلى صوت «خوفو» الذي ينطق مبناه الهائل المنبئ عن ~~انتصارات أول دولة عظيمة منظمة، وإلى صوت أقدم سباك للمعادن يغني في رنات سندانه ~~الحديدي الساذج نشيد تغلب الإنسان المقبل على أنحاء الأرض، وإلى صوت أولئك الأجيال من ~~الناس الذين تقادمت عليهم ms374 العهود فصاروا نسيا منسيا فلا تسمع أصواتهم الآن إلا عن ~~طريق رسالة تلك الآلات الحجرية المنقطعة النظير في دقة صنعها، وإلى أصوات أهل العهود ~~الجيولوجية الذين كانوا يهمهمون بحناجرهم الخشنة بتلك الكلمات البشرية الساذجة التي ~~يخيل إلينا أننا نسمع رنينها يدوي في أنحاء الغابات التي يرجع عهدها إلى ما قبل ~~التاريخ، مرددا صدى أول كلام واضح لتلك المخلوقات التي يصعب تمييزهم وهم على وشك أن ~~يصيروا بشرا بالمعنى الذي نعرفه. # ونحن الآن ننظر إلى الوراء من خلال تلك الآباد والعصور، من تاريخية وسابقة للتاريخ، ~~ونصغي إلى الأصداء التي تأتي إلينا من مشاهد تلك الأزمان، وقد تمثلت هذه الرؤية أمام ~~الشاعر الإنجليزي «تنيسون» وهو ينظر في مهد بكر أولاده، حيث يقول: «من الأعماق يا ~~ولدي.» ومثل هذه الصورة لهذا «الماضي الجديد» إنما أخذت تشرق الآن فقط على عقول رجال ~~هذا العصر الحديث، ولها من القيم ما لم نبرهن بعد على شيء منه. وإن من يدرك هذه الرؤية ~~على حقيقتها فإنه يكون قد بدأ يقرأ قصة «أوديسى» بني البشر الجليلة، وهي التي تظهر ~~لنا الإنسان وهو خارج من ظلام الأبديات، مندفعا بجبهة مرفوعة إلى شمس حياة جديدة سامية ~~تفوق أحلامه؛ أعني بذلك مغامرته السامية على مدى العصور. # وأحيانا كانت تأخذني الحيرة فيما إذا كانت الرؤيا التي قد تشرق على الروح الإنسانية ~~في الفن والأدب وتكون باعثا لها على التعبير عن نفسية صاحبها، يمكن موازنتها بما تحقق ~~من الإمكانيات الإنسانية كما رأيناها في ذلك الانتقال في الحياة البشرية الذي حاولنا ~~تتبعه في هذا الكتاب. # وليس هناك من شك في أن ما رآه «إمرسون» في نفس الموضوع الذي ذكرناه هنا في شكل تطور ~~مؤيد بالأدلة التاريخية لم يكن إلا مجرد حدس محض، وفيما عدا ذلك فإن الروح البشرية لم ~~تعبر عن ذلك قط، اللهم إلا ما يحتمل حصوله في الموسيقى؛ فإنني حينما أستمع إلى القوة ~~الهائلة التي يفتتح بها مطلع سيمفونية «بتهوفن» الخامسة، ثم أتتبع انتقاله إلى انتصاره ~~الهادئ في آخر حركة في هذا ms375 الإيقاع، فإنه يخيل إلي أن «بتهوفن» مثل «إمرسون» قد ~~أشعرته الإلهامات النبيلة التي أشرقت على روحه السامية بالحقيقة العميقة الأساسية التي ~~يقوم عليها الأمل الإنساني، وهو ما يجعلنا نتوقع للأخلاق من تأثير بالغ نبتت أصوله من ~~أعماق كون غير ممكن لنا سبر غوره. # على أننا حينما ننظر إلى الوراء في ماضي تلك الجهود البشرية الهائلة، فإننا لا نجد ~~لها قيمة أو أهمية إلا حينما نراها تنهض نهوضا باهرا نحو «الانتقال العظيم»، ونحو ~~العثور على القيم البشرية المثلى في عصر الأخلاق. # والواقع أن عدم تكامل «الانتقال العظيم» هو الذي يجعلنا ننتظر من وراء رحلة بني ~~الإنسان الطويلة عاملا خلقيا فعالا، على ألا يكون ذلك عن طريق استيعاب الإنسان ~~لمحتويات أي دين من الأديان القديمة بحيث تصير جزءا من كيانه، بل يجب أن يكون ذلك عن ~~تصور ما للمحجة العليا التي لا تخرج مثل هذه الأديان عن كونها علامات مرشدة إلى ~~الطريق التي تؤدي إليها؛ إذ من السهل أن يسيء الإنسان فهم قيمة تجاريب الشرق القديم من ~~ناحية الدين والأخلاق. # وإنه لمن المناظر الشائعة والباعثة على أشد الأسف، وبخاصة في أمريكا وإنجلترا، ما ~~نشاهده الآن من بعض تلك الأنوثة المخبولة وهي يتأملن الحقائق السامية، معتقدات في ~~بلاهة، أنها منحصرة في دين ما من أديان الشرق القديم دون سواه، ناسيات بذلك كل ما قدمته ~~عصور التجاريب الإنسانية لإنماء ورفعة وإغناء كل ما وصل إلينا من الديانات التي ترجع ~~إلى أصل قديم. # على أن تجاهل القرون الأخيرة وما أحدثته من تقدم مشرف، والرجوع إلى الوراء والتعلق ~~بالمراحل الأولى الأصلية لدين ما دون تغيير، يكون مثله كمثل إنسان اشتد به الظمأ في ~~يوم شديد القيظ، فالتمس ما يشفي به غلته في الرقود تحت شجرة من البلوط، ثم حاول إطفاء ~~عطشه ببذرة من البطيخ. # وقد حذرنا صديقي «جيمس ~~هارفي ربنسون» # James Harvey ~~Robinson # من الخضوع للماضي في كتابه المنبه للآراء بدرجة عظيمة، ~~المسمى «العقل في التكوين» # The Mind in the Making ~~، ~~غير أني أعتقد أنه يقصد ms376 بذلك الاستسلام الأعمى للماضي. على أن طريق التقدم السليم هو أن ~~يتخذ الإنسان وسطا متزنا بين الدروس المستقاة من الخبرة، والرؤية الجديدة. # على أن ما أرمي إليه بهذه الآراء الختامية لهذا الكتاب هو أن أذكر الباحث بأن دراسة ~~التجاريب الإنسانية - بدون تحيز - وبخاصة إذا كان قد كشف عنها حديثا، هي التي تكون في ~~الغالب الدافع الملهم إلى رؤية جديدة. فليتأمل القارئ بعض الحقائق البارزة التي كشف ~~عنها فحص التاريخ القديم للأخلاق البشرية، مما كنا بصدد بحثه فيما تقدم، ونعيده الآن ~~فيما يأتي: «لقد وجدنا أولا أن الارتقاء الخلقي فوق كوكبنا هو تطور لم يكمل بعد.» وفي ~~هذه الحقيقة نجد أكبر سبب لأملنا في المستقبل. # وثانيا نجد - كنتيجة للحقيقة السابقة - أن الإنسان من الوجهة الخلقية لا يزال طفلا ~~يلعب في داخل حجرة مملوءة بلعب خطرة جدا لم يتعلم بعد كيفية استعمالها، وبذلك يحدث ~~باستمرار أضرارا جسيمة، لا لنفسه وكفى، بل لكل المبنى الذي يعيش فيه. # ويدل تاريخ الاقتصاد الحديث على أن القصور الطفلي في الإنسان لا ينحصر في حدود ~~الأخلاق فقط. # وأخيرا فإن الإنسان الحديث، وقد عرف طبيعة الرقي الخلقي الذي أظهر التاريخ البشري ~~المبكر أنه إنتاج وفيض للخبرة الاجتماعية، قد صار لأول مرة في مركز يؤهله لأن يمد يده ~~للتعاون عن قصد مع العوامل الغريزية في كيانه، للتأثير في تطور الرقي الخلقي ~~وتعجيله. # وقد أظهر الأستاذ «توماس ه. مورجان» بكل وضوح أن التطور الطبيعي ليس إلا نهجا يجب أن ~~يدرس جوهره وقوانينه بالتجربة الفعلية، وإذا كان الارتقاء الاجتماعي شيئا من حقنا أن ~~نسميه «تطورا» فإن إجراء تجاربه تعترضه بلا شك بعض العقبات. غير أن وجود معمل تجارب ~~اجتماعي كمصر كفيل بأن يلقي ضوءا ذا قيمة على خطوات ذلك التطور الإنساني السامي، ~~ويبشرنا بإمكان وجود عالم تتمكن فيه الحكومة والقيادة - مع تجنب الوقوع في مهاوي تشريع ~~باهظ النفقات - من العمل بجد على إيجاد جو صالح تتقدم فيه الأخلاق الراقية، ويظهر فيه ~~من العوامل المؤثرة ما يكون أكثر قوة من العوامل التي ms377 تحيط بنا الآن. # وها نحن أولاء الآن أول جيل من الناس يستطيعون أن ينظروا إلى الوراء في الماضي، ~~وبإلقائنا نظرة على ذلك الماضي الطويل لحياة الإنسانية برمتها يمكننا أن نتتبع مجرى ذلك ~~الانتقال العظيم إلى الحد الذي بلغه الآن من التقدم. وعقولنا بحكم مركزها هي أولى ~~العقول التي تدرك أن نشأة الضمير والشعور بالمسئولية الاجتماعية، فيما بعد سنة 1000ق.م، ~~وهما اللذان كانا بداية الانتقال العظيم، لم يكونا إلا من حوادث الأمس القريب. # وتلك الحوادث كانت بمثابة دليل على اقتراب «أبينا الإنسان» من حدود «مملكة جديدة»، ~~وها نحن أولاء أولاده في أيامنا هذه لم نكد نعبر تلك الحدود حتى أخذنا في استطلاع ما ~~وراءها من مشاهد تلك «المملكة الجديدة»، ونقف في حيرة المتردد عند تخومها الخارجية، ~~يخفي عنا جمالها وسمو مستقبلها البعيد ضباب الضعف البشري، أو يغشاهما سواد دخان ذلك ~~الطمع الخانق والأنانية والحرب العالمية. وبما نزل على أعيننا من غشاوة وما حل بنا من ~~ضعف، زلت بنا القدم حتى اضطربنا على مقربة من سفح تلال تلك المملكة الجديدة، وهي تلال ~~كلها ماثلة أمامنا، ولو كلفنا أنفسنا مئونة رفع أعيننا إلى ما وراءها لحظينا برؤية تلك ~~المشاهد البديعة التي تطل علينا من تلك «الجبال البهية». وتدل المحجة الطويلة السامية ~~التي خلفنا على مرتفعات هذه الجبال التي لم يتسلقها أحد بعد، كاشفة لنا في نهوضها ~~بالإنسان من عهد الوحشية إلى عهد الأخلاق عن تسام لا يقهر في الروح الإنسانية، التي قد ~~خرجت بطريقة ما من الأعماق وارتقت حتى بلغت هذا الارتفاع الشاهق. # على أنني باستعمال الكلمات «تسام لا يقهر في الروح الإنسانية» لم أكن أستعمل مجرد ~~عبارة بليغة جوفاء خالية من المعنى، ولقد استعملت هذه الكلمات لأول مرة في محاضرة طلب ~~مني إلقاؤها منذ بضع سنوات على أثر عودتي من رحلة قمت بها بين أطلال المدن البائدة ~~بالشرق القديم، ففي تلك الرحلة شعرت بما لم أشعر به قط من قبل من معنى تلك الحقيقة ~~البالغة؛ وهي أنه في الحياة التي كانت ذات ms378 يوم تدب في شوارع تلك المدن التي صارت منذ ~~زمن بعيد أثرا بعد عين، نهض الإنسان لأول مرة من التغلب على الموارد المادية إلى إدراك ~~قيمة تلك المثل العليا الاجتماعية التي كان لها من الحيوية ما جعلها قوة باقية بيننا ~~نحن الذين نقيم صرح المدنية الغربية على ضوء الحقائق التي لا تزال تسطع علينا من ~~الشرق. # والواقع أن عبارة «التسامي الذي لا يقهر في الروح الإنسانية» تنطوي على معنى أكثر مما ~~تعبر عنه مجرد كلماتها، ولكنني أؤكد للقارئ أن هذه الكلمات تمثل حقيقة واقعية في الحياة ~~الإنسانية لا يمكن دحضها سواء أكان ذلك في الماضي أم في الحاضر، وهي حقيقة لم يتناولها ~~أمثال «أزفالد سبنجلر» وجميع من على شاكلته من أصحاب مبدأ التشاؤم؛ لأنهم على ما يظهر ~~لم يشعروا بها أصلا. والواقع أنها شيء موجود في روح الإنسان يمكن الاستدلال على وجوده ~~كما يستدل على الدورة الدموية في جسمه الطبيعي، فأية قوة أخرى كانت هي الدافع الذي ساق ~~الإنسان إلى ذلك الانتقال المدهش من الوحشية إلى السمو الخلقي الذي كنا نتتبع بدايته ~~فيما تقدم؟ بل ما الذي نقل ذلك الإنسان المبكر من الفتح المادي المحض إلى تقدير المراثي ~~الباطنية وجاذبيتها التي لا تقاوم؟ # وفي هذا يذيع علينا فيلسوف مثل «برجسون» # Bergson # يسميه «الدافع الحيوي» # Elan Vital ~~، غير أني لا أبحث ~~هنا في الأفكار الفلسفية؛ لأني لست فيلسوفا، وإنما أنا أناقش تاريخ الإنسان وأناقش ~~شيئا يكشف عنه التاريخ صراحة، وبخاصة في مراحله الأولى، ويبرزه قوة ظاهرة ماثلة أمام ~~العيان تعمل من مئات آلاف السنين البائدة، ولا تزال على ما أعتقد تؤدي عملها للآن، وهذه ~~القوة لا يمكن أن يحددها أحد أو يعرفنا بكنهها، غير أنها، مثل قوة الجاذبية، يمكن ~~مشاهدة ما تفعله. وإني أستعمل هنا التعبير بصيغة المضارع عمدا، فإنه ليس علينا إلا أن ~~ننظر فيما حوالينا من أمر ذلك الهبوط الذي بلغ قمته في سنة 1933م، فندرك أن ذلك التسامي ~~التاريخي في الروح الإنسانية لا يزال معنا. # ومنذ ذلك اليوم ms379 المتوغل في القدم المظلم الذي صنع فيه الإنسان أول آلة من الظران إلى ~~يومنا هذا الذي نشاهد فيه الإنسان يحيط الكرة بالإذاعات الأثيرية ويرسم الخطط لمحو مدن ~~برمتها بقذفها بقنابل الغازات السامة من السماء، كان مجرى الحياة البشرية في جميع تلك ~~العصور في مجال تسوده الرغبة في إحراز الانتصارات المادية، وقد سار هذا الفتح المادي في ~~طريقه مدة مئات الآلاف من السنين، ثم هو لا يزال يسير في هذا الطريق إلى الآن. # غير أنه حدث حادث وكأنه بالأمس، وهو أن «أبانا الإنسان»، في وسط غبار معمعة متعقد، ~~أخذ يدرك إدراكا مبهما جلال تلك المرئيات الخلقية المستورة، ويستمع إلى صوت جديد ~~باطني، يطلب الاستجابة له عن ألف من خواطره، القديم منها والحديث، فكان هذا الصوت ~~مزيجا من حب البيت والزوجة والأولاد، وحب الأصدقاء، وحب الجيران، وحب الفقير والوحيد ~~والمظلوم، وحب الوطن وإجلال المليك، ومع حب كل هذه الأشياء الجديدة امتزج تقديسه لأشياء ~~ترجع إلى أقدم المراحل البشرية عهدا في التاريخ، كحب الإنسان للسحاب وقمم التلال، وحب ~~الغابة والغدير، وحب الأرض والنجم والسماء، ولا يقل عنها حب الإنسان للحلة السندسية ~~الخضراء التي تمده على مدى السنين بما تنبته من حاجات الحياة والغذاء اللازم لأطفال بني ~~الإنسان. # وبذلك انتقلت آلهة الطبيعة القدامى إلى عالم جديد زاخر بالعوامل الاجتماعية، وبذلك ~~اندمجوا في إله واحد، هو إله الحاجات الإنسانية والمطامح الإنسانية؛ فهو الأب العالمي ~~الذي بدأ الناس يرون فيه جميع القيم السامية التي كشفت عنها تجاريبهم الاجتماعية ~~نفسها. # على أن مثل هذا الماضي قد تكدست فيه حتما طائفة من التجاريب الإنسانية لا تقدر ~~بقيمة، وقد أقرها محبو النهوض الإنساني، ويرون أنها لا تزال تحتوي على عناصر عظيمة ~~للقوة يكون من الوبال إهمال الاستعانة بها في حياتنا الحديثة. # وقد بحث «والتر لبمان» # Walter Lippmann # في كتابه ~~البديع: «مقدمة في الأخلاق» # A Preface to Morals # بنظر ~~ثاقب عظيم موضوع انهيار أسس السلطة الخلقية، وإني أعتقد إزاء ذلك أننا نستمد قوة خلقية ~~من التأمل في اتصال حلقات هذه ms380 الأشياء التي هي أنفس ما في الحياة الإنسانية، فإن أثمن ~~ممتلكات الروح الإنسانية إصرارنا الشديد على التمسك بشعور حب الاستقامة، والعمل على ~~التقدم إلى الأمام نحو فتوحات جديدة في الأخلاق، وكلها أشياء لم تكن أرومتها ثابتة في ~~تجاريب الإنسانية فحسب، بل إن ظهورها في حياة الإنسان إنما كان في شكل قيم جديدة نابتة ~~من تجاريبه نفسها، وقوتها باعتبارها مؤثرا ناميا في المجتمع البشري لم يطرأ عليها شيء ~~من الاضمحلال، وإن ما وصل إلينا من الوثائق يدلنا دلالة تاريخية على أن الشيء الذي كان ~~يسمى منذ زمان طويل «شعور بني الإنسان الخلقي» قد نما مع كل جيل من النظم والعواطف ~~الخاصة بحياة الأسرة، مضافا إليها أفكار ونصائح الشيوخ المجربين. ومن ذلك نرى، كحقيقة ~~تاريخية، أن القيم العالية التي تكمن في الروح الإنسانية قد جاءت إلى الدنيا لأول مرة ~~عن طريق التأثر بتلك العوامل الرقيقة المشرفة التي نشعر بها على الدوام في حياتنا ~~الأسرية. ولن نصل قط إلى معرفة ما إذا كان لها من قبل بداية سابقة في مكان ما خارج ~~عالمنا في ذلك الكون الشاسع، غير أنها لم تكن في أي مكان فوق كرتنا الأرضية إلى أن ~~أوجدتها حياة الأب والأم والأولاد. والواقع أن شمس أقدم البيوت الإنسانية وبيئتها هما ~~اللذان أوجدا المثل العليا في السلوك الأخلاقي عند الأنام، وكشفا عن جمال إنكار النفس ~~في سبيل الغير. # وقد ذكر لنا «برتراند رسل» # Bertrand Russel # في أحدث ~~كتاب له # 3 # في تحبيذ اعتناق مذهب الشيوعية، أن أهم تغيير ترمي الشيوعية إلى إحداثه هو ~~العمل على محو الأسرة. وهو يدافع عن ذلك مقصيا التجاريب البشرية أصالة عن حياتنا. على ~~أنه رغم هذا الانقلاب الذي يقوم به الجيل الحديث فإن الخبرة البشرية لا يمكن القضاء ~~عليها ومحوها، كما لا يمكن محو الصفات التي غرستها فينا ولا تجاهلها. # حقا إن شباب اليوم قد ثار على السلطة سواء أكانت سلطة الكنيسة أم أوامر الكتب ~~المقدسة، وما ذلك إلا لأن المناداة باستعمال السلطة تكون دائما موضعا للمعارضة؛ ms381 ~~وبخاصة في عقول الشباب، ولكن ماضي البشرية يسطع علينا بنوره العظيم وليس ثمة ما يدعو ~~إلى طلب تطبيق السلطة. وإذا تصفح أي باحث كان من الشباب هذا الكتاب فلست أرجو منه إلا ~~تأمل حقائق تلك التجاريب الإنسانية التي كشفت لنا الآن بحالة واضحة لم نر مثلها من قبل ~~في أي وقت كان. على أنه توجد هناك مصادر أخرى تدعو إلى الإجلال علاوة على ما جاء في ~~الكتب المقدسة أو تعليمات الكنيسة، فإن رجالا من أمثال «وليم مورس» # William Morris # و«والت ويتمان» # Walt ~~Whitman # قد أحبوا ~~ووقروا حياة الإنسان فوق الأرض، ووجدوا في تأمل علاقاتها مصدرا للإلهام والإرشاد. على ~~أنه توجد علاقة واحدة سامية تفوق كل العلاقات الإنسانية الأخرى، وهي تلك العلاقات التي ~~كونت البيت وجعلت من حول موقد الأسرة المصدر الوحيد الذي نمت منه أنبل الصفات ~~الإنسانية التي كان لها شأن عظيم في تغيير حالة العالم. # 4 # ومن الحقائق التاريخية أننا مدينون إلى أبعد حد لحياة الأسرة بأعظم دين يمكن للعقل ~~الإنساني تصوره، فإن نفس أصداء ماضينا الآتية من أزمان سحيقة تنادينا في صراحة ~~بالاعتزاز والاحترام والمحافظة على علاقة الأسرة، المدينة لها حياة الإنسان بهذا ~~الدين الجليل. ~~(5) القوة والأخلاق # لقد صارت حياة الإنسان فوق الأرض بسبب ذلك «الانتقال العظيم» عراكا مستمرا بين ~~المثل العليا الجديدة في إنكار النفس (الأمر الذي لم يكن ظهوره إلا بالأمس القريب) وبين ~~شهوة حب القوة الشديدة التأصل والقديمة قدم الجنس الإنساني نفسه. # فإن حب الإنسان للقوة أقدم بكثير جدا من العصر الأخلاقي، ولذلك كانت القوة هي ~~المنتصرة انتصارا خطرا على الضمير والخلق المولودين حديثا، لدرجة أننا صرنا أمام ~~معضلة خطيرة، هي مسألة بقاء المدنية. ولقد لخص «السير ألفريد إيونج» # Sir ~~Alfred Ewing # مركز الإنسان الحالي في خطاب الرياسة الذي ألقاه أمام مجمع تقدم العلوم البريطاني فيما ~~يأتي: «لقد وضع في يديه (يعني الإنسان) قيادة الطبيعة قبل أن يعرف كيف يقود ~~نفسه.» # وإني مقتنع تمام الاقتناع بأن تصور «الماضي الجديد » على حقيقته كفيل بالتأثير في سلوك ms382 ~~الفرد، أما أن الأمم أو البشرية بأكملها - بعد أن تدرك حقيقة هذه الصورة - تستطيع أن ~~ترى فيها مؤثرا قويا يكفل حقيقة شفاء غلة الأحقاد الدولية، أو يأتي بما هو أعظم من ~~ذلك من توثيق عرى المودة والمراعاة الكريمة، فهو أمر تحوطه الشكوك الخطيرة. # ولقد أبدى المستر «ه. ج. ولز» # H. G. Wills # تفاؤلا ~~كبيرا في تصريحاته عن هذا الموضوع، وكنت أود أن أشاركه تفاؤله، غير أني لما كنت قد ~~قضيت سنين عدة أتأمل في خلالها كل يوم تقريبا آثار القوة البشرية، فقد ترك ذلك في نفسي ~~شعورا ليس من السهل علي محوه. # وقد كنا نرقب في هذه الصفحات ارتقاء مميزات الروح البشرية المبكرة مع الاهتمام بوجه ~~خاص في عملنا هذا بملاحظة ظهور القيم العليا. غير أنه من جهة أخرى كان في مقدورنا أن ~~نستعين بعدد عظيم من الآثار القديمة لتكشف عن الجانب الآخر لتلك الصورة، وبخاصة عن أعظم ~~قوة مضادة لتلك القيم؛ وأعني بذلك ازدياد شراهة الإنسان لحب الاستئثار بالسلطة كلما ~~ارتقى النظام القومي، إلى أن صارت آلة الحكومة البشرية هي التعبير المنظم عن التعطش ~~للسلطة؛ أي الشهوة الحافزة على استعمال القوة. # وقد تأثرت في خلال تجوالي في أنحاء الشرق الأدنى عدة سنين بالحقيقة الساطعة الآتية؛ ~~وهي: «إن الآثار التي لا تزال باقية في جميع تلك البلاد النائية كانت قبل كل شيء ~~عنوانا لمدى قوة الإنسان.» فكأن عراكه مع عوامل الطبيعة - وهو عراك يسير في طريقه من ~~مدة بعيدة يحتمل تقديرها بنحو مليون من السنين - قد أشربه شعورا عدائيا بأنه لا ~~يمكنه أن يفوز بغرضه إلا بالمحاربة على طول الخط كما كانت حالته مع قوى الطبيعة ~~المناوئة التي كانت تنازله من كل جانب. وبهذه الروح نفسها كان ينازل إخوانه من بني ~~البشر عندما انتهى الأمر بقيام ذلك النزاع الطويل على السيادة بين أقدم الأمم. وفي ~~أيامنا هذه قد تدخل إلى أحد الأودية المهجورة في «سينا» فتواجهك هناك على حين غفلة صورة ~~فرعون طويل القامة نقشت فوق واجهة جدار الصخر، وقد ms383 ظل الفرعون واقفا هناك منذ القرن ~~الرابع والثلاثين ق.م # 5 # ممثلا في هذه الصورة التي هي أقدم الآثار التاريخية في العالم، وهو واقف ~~بسلاحه شاهرا إياه بما يشعر أنه على وشك تحطيم جمجمة أحد الأسرى الآسيويين، وقد أرغمه ~~على أن يجثو على ركبتيه أمامه. وهذا الأثر الدال على القوة الغاشمة كان إعلانا للتملك ~~بحق الفتح، نقش هناك بمثابة بلاغ قاطع للآسيويين ينذرهم بأن ملك مصر قد عبر من أفريقيا ~~إلى آسيا، واستولى على مناجم النحاس والفيروز المحيطة بذلك المكان. ففي هذه البقعة، ~~التي فيها بدأت الآثار التاريخية والسجلات المدونة، نرى الاستيلاء على الموارد الطبيعية ~~باعثا أساسيا للعمل القومي، ونرى الأثر المعبر عن ذلك يضرب على وتر نغمة القوة التي ~~ظلت تسود التاريخ البشري منذ ذلك العهد. # وعلى أثر انعقاد الهدنة في أوروبا (في سنة 1918م) مباشرة، بينما كانت الحرب الجزئية ~~لا تزال مشتعلة في نقط متفرقة في غربي آسيا، قمت برحلة عند نهر الفرات في وسط قبائل ~~العرب المعادين، بقصد العودة إلى المدنية الغربية ثانية، وقد كانت بعثة «معهدنا الشرقي» ~~أول جماعة من الغربيين حاولوا، منذ عدة شهور، عبور تلك الصحراء الغاصة باللصوص، من ~~«بغداد» إلى البحر الأبيض المتوسط. ففي اليوم السابع من مغادرتنا «بغداد» دخلنا قلعة ~~شاسعة الأرجاء واقعة عند منتصف نهر الفرات تعرف عند الأهالي الآن «بالصالحية»، وأما ~~اسمها القديم فلم يكن معروفا بعد. وحينما صرنا داخل جدرانها الضخمة ومررنا حول أحد ~~أركانها، ظهر أمامنا فجأة جدار عال يملأ وجهه رسم فخم ذو ألوان عدة يشمل صورة جماعة ~~مؤلفة من أحد عشر شخصا بحجمهم الطبيعي وهم عاكفون على الصلاة بخشوع. وقد وقفنا محملقين ~~مشدوهين أمام تلك الأشكال العجيبة التي تنظر إلينا في جد ووقار، وقد كشف عنهم فجأة ~~كأنما قد استدعوا بعزيمة سحرية صادرة في فيافي تلك الصحراء الشاسعة الصامتة التي كانت ~~تمتد تحت أقدامنا. # وكان قد كشف عن ذلك الأثر قبل ذلك ببضعة أيام على يد جنود «الهند الشرقية ~~الإنجليزية» أثناء التجائهم إلى هذا المكان للاحتماء من ms384 قبائل العرب المعادية الذين ~~كانوا يحيطون بهم من كل جانب. وفي اليوم الثاني من قدومنا أخذنا نعمل بشغف بمساعدة ~~هؤلاء الجنود أنفسهم، فكشفنا عن جدران أخرى عديدة، فظهر لنا فوق جدار منها - كان ينكشف ~~أمامنا بالتدريج أثناء إزاحة الأتربة المتساقطة من فوقه ببطء - رسم طائفة من الجنود ~~الرومانيين وعلى رأسهم قائدهم (التربيون) «يوليوس ترنتيوس»، فقد كتب اسمه أمام صورته ~~فوق الجدار، وكان يؤم المصلين من جنود الحامية الرومانية التي كانت في وقت ما تحتل هذا ~~المعقل الصحراوي الماحل الذي يقع على مسافة بعيدة خارج الحدود الشرقية التي توطدت ~~نهائيا للدولة الرومانية على نهر الفرات. وقد عثرت كذلك على نقش في الصورة يبين ~~بالإغريقية الاسم القديم لتلك المدينة المفقودة، وهو «دورا»، ولم يعثر قبل هذا على أي ~~أثر تصويري يمثل وصول جنود الرومان إلى مثل هذا المدى شرقا. # 6 # ولقد كانت لحظة مؤثرة تلك التي تحققت فيها أنني وأنا في قلب الصحراء السورية، على ~~مسافة تقرب من 300 ميل شرقي البحر المتوسط، أنظر إلى أقصى مدى شرقي بلغته قوة تلك ~~العاهلية الحربية الهائلة التي كانت تمتد من الشطر الآسيوي الغربي وكل أوروبا حتى شواطئ ~~الأطلنطي والجزر البريطانية غربا مما يربي على مسافة 3000 ميل. وقد امتد خاطري عندئذ ~~بعيدا إلى ما وراء الصحراء تجاه صورة الفرعون العظيمة المنقوشة فوق جانب الصخر في ~~الوادي المهجور الواقع في «سينا»، حيث نشأت أولى الآثار التي تمثل هذه القوة، ثم تعاقبت ~~الأمم وقامت الدول الواحدة إثر الأخرى لمدة تناهز أربعة آلاف سنة حتى بلغت القوة ذروتها ~~في تلك الإمبراطورية الرومانية الضخمة التي امتدت من المحيط الأطلنطي غربا إلى نهر ~~الفرات شرقا. # ومع ما في كلمة «إثارة» من المبالغة، فإننا نجد في النظر إلى مظهر تلك العظمة الباهرة ~~التي بلغتها الدولة الرومانية ما يثيرنا حقا؛ وذلك عندما نتأمل في الصورة المرسومة ~~فوق ذلك الجدار ونرى فيها علم لواء الجنود الرومانية القرمزي اللون يحمله الدليل سائرا ~~به أمام أولئك الجنود الذين كانوا يقومون بالمحافظة على عظمة قوة ms385 الرومان الحربية في ~~فيافي هذه الصحراء فوق شواطئ نهر الفرات النائية في هذا الزمن البعيد. وهذا الوقت؛ أي ~~وقت وجود الرومان عند الفرات، يبعد - كما ذكرت - بنحو 4000 سنة إلى الوراء من عهد ذلك ~~الأثر المهجور الذي أقامه الفرعون لنفسه في مناجم النحاس بسينا. ومع ذلك فإنه في نهاية ~~هذه الآلاف الأربعة من السنين كانت القوة - ظاهرا - هي العامل السائد في حياة الإنسان ~~السائرة في سبيل التقدم. # وبعد أن مضى على ذلك الحادث بضعة أسابيع كنت جالسا مع السير «هربرت صمويل» # Sir Herbert Samuel # أول حاكم بريطاني ~~لفلسطين، في الحدائق الجميلة بدار المندوب السامي البريطاني الواقعة فوق «جبل الزيتون»، ~~وكانت مدينة «أورشليم» المقدسة تقع خلفنا تجاه الشمس الغاربة، على حين كان أمامنا أخدود ~~«وادي الأردن» و«البحر الميت» وخلفهما جبال «مواب» ذات اللون الأزرق واللون الأرجواني. ~~وقد صور «اللورد اللنبي» في صورة حية انخفاض ذلك الشق الهائل في قصة ذكرها لي عن حملته ~~في فلسطين، فقد أرسل إلى وزارة الدفاع ذات يوم رسالة هذا نصها: # لقد أطلقت حاملات قنابلنا هذا الصباح قذائفها على المواقع التركية في وادي ~~الأردن وهي محلقة على ارتفاع 600 قدم تحت سطح البحر. # على أن مصب نهر الأردن وسطح البحر الميت كانا يقعان على مسافة 700 قدم تحت هذه ~~القاذفات؛ أي إن سطح «البحر الميت» يقع تحت مستوى سطح البحر بألف وثلاثمائة قدم. أما ~~عمق «البحر الميت» نفسه فيبلغ 1300 قدم من تحت سطح مياهه الملحة، وعلى ذلك يكون قاع ~~«البحر الميت» منخفضا عن مستوى سطح البحر بألفين وستمائة قدم، فهو بذلك يعد أسفل أخدود ~~في سطح الأرض، وتشرف عليه الجبال التي حول «أورشليم» التي يبلغ ارتفاعها فوق سطح البحر ~~بمقدار انخفاض قاع «البحر الميت» عن ذلك السطح. فالفرق إذن يكون أكثر من خمسة آلاف قدم؛ ~~أي ما يكاد يبلغ ميلا بالضبط. فهذا المشهد حينما تشرف عليه العين من قمة «جبل الزيتون» ~~يمثل صورة هائلة لتلك القوى المروعة التي أحدثته، فكأن يدا ماردة قد دست أصابعها ~~الضخمة ms386 في الأرض ففلقتها شطرين حتى تخلف عن ذلك أخدود يبلغ عمقه ميلا كاملا. # وحينما كنت أتأمل مع «السير هربرت» - السالف الذكر - هذا المشهد خيل إلينا أنه أكبر ~~برهان مروع يمكن أن تقع عليه العين لتمثيل شدة القوى الطبيعية. # ولم يكن يوجد بعد أناس ما حينما انفلق ذلك الأخدود، وعندما ظهر الإنسان فوق وجه ~~البسيطة كانت تعترضه قوى من هذا القبيل أينما حل. وقد كان التاريخ الأرضي يسير في طريقه ~~بفعل مثل هذه القوى. وإننا لنجد صدى لبعض أهوالها في قصة «سدوم» و«عمورة»؛ إذ قد رأى ~~أهل هذا الإقليم القدامى آلهتهم تتمثل في مثل هذه الظواهر المروعة. وقد أدرك العبرانيون ~~في شخص تلك القوى البركانية التي كنا نطل عليها أقدم إله لبني إسرائيل، وقد مضى وقت ~~طويل قبل أن يشربوا طبيعته المنطوية على تلك القوى المخيفة بصفات إنسانية تنطوي على ~~المصادقة. # وبعد ذلك مددنا بصرنا إلى مسافة بضعة أميال شمالا، وهناك فوق منحدرات تلال الأردن ~~المشرفة على ذلك الأخدود المخيف رأينا تلك القرية الصغيرة التي كانت مسقط رأس «أرميا»، ~~ذلك النبي العبراني وموطنه. لقد أشرف بنظره طول حياته على ذلك المنظر الهائل الذي يدل ~~على قوة التطورات الطبيعية وعنفها، ومع ذلك فإنه كان يشعر بعالم تلك القوى الباطنة التي ~~كان يعتقد عدم فنائها، ونجد ذلك فيما عزاه من الأقوال إلى إلهه فيما يأتي: # اجعل شريعتي في داخلهم واكتبها على قلوبهم. # أرميا 31: 33 # ولقد أثبت لنا ذلك المشهد فعلا حقيقة ما قيل من أن ذلك الانتقال المدهش من عالم ~~القوى الطبيعية المحضة إلى عالم القيم الإنسانية التي لا تفنى، قد حدث فعلا على وجه ما ~~في الشرق الأدنى القديم. وبينما كنا جالسين بعد ذلك مشرفين على قرية ذلك النبي ~~«أرميا» الصغيرة، إذ حولنا أعيننا نحو الجنوب الغربي، عبر تلال «يهودا» الماحلة التي ~~يقع خلفها وادي نهر النيل، موطن أقدم شعب وصل إلى الشعور بقوة المثل العليا في السلوك ~~الخلقي - وهي المثل التي بدأت «الانتقال العظيم» - وتذكرنا أنه، قبل مولد «أرميا» بألفي ~~سنة، ms387 كان حكماء الاجتماع المصريون أسبق الناس إلى إدراك قيم الأخلاق ومعرفة القيم ~~القلبية الباطنة عند الإنسان، وكيف أن كتاباتهم قد انتقلت إلى فلسطين فأثمرت ثمرتها في ~~حياة العبرانيين، وبذلك صار الأنبياء العبرانيون، الذي نبهتهم الظواهر الاجتماعية التي ~~نهضت فوق ضفاف النيل، منارا يستضاء به في كل أنحاء العالم. # وهنالك بدأنا ندرك بالتدريج مدى تأثير قصة البشرية الطويلة، على وجهها العام، حينما ~~أخذت تنتشر بسرعة في أقطار الشرق الأدنى القديمة. # وقد كانت ذكرى عظيمة عندما نظرت مرة ثانية في خلال يوم آخر من قمة تل «أرماجدون» ~~نحو الشمال عبر ذلك السهل ذي الطبقات المسمى باسم التل، وتأملت مرتفعات أراضي الجليل، ~~فهنالك بين جبال قرية الناصرة لا بد أن الطفل عيسى كان يشرف كثيرا على هذه الساحة التي ~~كانت ميدانا للحرب على مدى العصور، وقد كانت إذ ذاك ظلال السحاب تزحف وئيدا فوق تلال ~~الناصرة التي كان يخيم عليها الضباب مع أنها لا تبعد عنا إلا ثمانية أميال فقط. وكانت ~~شرفات حصون «أرماجدون» تطل من تلك الأتربة التي كنت واقفا فوقها، وكانت أعمال الحفائر ~~التي كنا نقوم بها وقتئذ في ذلك المكان آخذة في إزالة تلك الأتربة، وكانت هذه الشرفات ~~تشرف على كل ذلك السهل التاريخي. أما مدينة «أرماجدون» الحصينة التي تعد أثرا من آثار ~~تلك القوة البشرية فكانت لا بد ظاهرة للعيان من خلال تلال قرية «الناصرة»، وقد كانت ~~تشرف طوال أزمان حكم القوة على مشاهد الفتح وسفك الدماء التي كانت تقع في ذلك السهل ~~الواقع أسفل منها وهي أزمان كانت أسمى آلهتها آلهة العنف والتقتيل الذي كانت تبتهج به ~~نفوس أمثال أولئك الأنبياء الأشداء كالنبي «إيليا». ثم قضت على ذلك بالتدريج تلك المثل ~~العالية للسلوط الأخلاقي التي جاءت من وادي النيل، إلى أن أشرق نور ذلك الإله الرحيم ~~فوق تلال «الناصرة»، وهو ما رآه ابن نجار يهودي المنبت # 7 # نشأ في قرية صغيرة من قرى «الجليل» تقع خلف حافة التلال الشمالية بالضبط، ~~وتشاهد بجلاء من شرفات «أرماجدون». وكما كان النبي ms388 «أرميا» يشاهد وهو ينظر من خلال ~~قريته فعل تلك القوى الطبيعية الهائلة ويبقى في الوقت نفسه متمسكا بعقيدته في القيم ~~النفسية الباطنة، كذلك كان نبي قرية «الناصرة»، ذلك الشاب الذي شب وترعرع فيها، ترى ~~عيناه كل يوم تلك المناظر التقليدية الدالة على وحشية القوة البشرية، ويبقى مع ذلك ~~متمسكا بأهداب وحيه عن تلك المملكة الجديدة التي كانت قائمة في قرارة نفسه. ففي فلسطين ~~كان هذا في الواقع هو الانتقال السامي من النبي «إيليا» إلى يسوع، ومن جبال الكرمل ~~و«أرماجدون» إلى قرية «الناصرة». # على أن الوصول إلى هذه الذروة الرفيعة في فلسطين إنما أتى في وقت متأخر نسبيا، فهو ~~ثمرة مهد لها الطريق ذلك الانتقال المبكر - وهو الذي سميناه «الانتقال العظيم» - والذي ~~رفع الإنسان من النضال الذي كان مقتصرا على الطبيعة ونقله إلى ميدان آخر جديد هو ذلك ~~النزاع القائم بينه وبين نفسه للتغلب على روحه نفسها، واحتضان تلك القيم الجديدة التي ~~تسمو به فوق عالم المادة فتكون مادة لحقيقة جديدة، وهي التي نسميها الأخلاق أو ~~الخلق. # وقد رأينا أن العوامل التي كونت ذلك الانتقال المبكر نشأت في مصر، ثم انتقلت منها إلى ~~فلسطين، ثم إلى سائر أمم العالم التي ظهرت بعد ذلك، فلم يكن من باب مجرد الاتفاق ~~والصدفة أن يتتبع التاريخ العبراني أصول القومية العبرانية إلى وادي النيل، الأمر الذي ~~نجد صدى تقاليده باديا في العقيدة المسيحية، حيث نجد في الأسفار المسيحية ما يأتي: «من ~~مصر قد ناديت ابني.» # وفي عهدنا الحاضر نبحث نحن أيضا في بلاد الشرق القديم عن أعمال الطبيعة وعن أعمال ~~الإنسان، وفي القيام بجهاد جديد من المحاولة العلمية لاسترداد قصة كل منهما، ولكننا ~~قد أدركنا مما مضى ما فيه الكفاية لأن يثبت لنا أن قصتهما واحدة؛ أي إن حركات الطبيعة ~~وحياة الإنسان السائرة نحو التقدم هما في الواقع فصول من قصة واحدة عظيمة، وأن في النظر ~~إلى ذلك الأخدود المخيف الذي يتكون منه الآن «البحر الميت»، والذي يواجهنا في صورة ~~رهيبة بسؤال «هيكل»، قد نجد ms389 جوابا عليه ليس في استطاعة العلوم الطبيعية أن تقدمه، وهو ~~جواب لا يأتينا إلا إذا تأملنا تلك التجاريب البشرية التي قامت في الشرق القديم، ~~وأدركنا أن ذروة الكون السائر في سبيل الارتقاء هي الأخلاق. # وقد كان الغرض الذي نرمي إليه في هذا الكتاب هو تقديم الأدلة التاريخية على أن حركة ~~الرقي البشري الذي أنتج الأخلاق لم تتكامل بعد، # 8 # وأنها لا تزال سائرة في طريقها، وأن احتمالات مستقبلها غير محدودة، وأن ~~الواجب يقضي علينا بأن نجعل ما لتلك الحقيقة الجديدة من أهمية خطيرة نصب أعيننا لتكون ~~مؤثرا عمليا في سلوكنا الأخلاقي. فإذا عملنا بذلك نصل إلى الاقتناع التام بأننا لا ~~نعتمد في حياتنا على مجرد حقائق تقليدية وتعاليم موروثة ربما كانت لا تكاد تتفق مع ~~ميولنا، ولكن كما انبثق نور الأخلاق في ظلمة لم تكن تعرف مثل هذا النور من قبل، فكذلك ~~لا نشك في نمو ذلك النور حتى يضيء نواحي أخرى من الوجود لم تتحقق بعد في العصور التي ~~لم يسبر بعد غورها للآن، والتي إليها تتجه رؤيتنا المحدودة ولكنها لا تراها. # | الصور والأشكال # شكل 1: «الشاطئ الغربي للنيل عند طيبة.» إن وادي النيل الضيق، الذي تشرف عليه ~~المرتفعات - ومن ورائها هضبة صحراوية غير صالحة للسكنى - قد تكونت منه بيئة ~~منعزلة منيعة، هيأت «معمل تجارب» اجتماعي لا مثيل له. وفوق الأرض السوداء ~~التي تكونت من رواسب مياه النيل على جانبيه، بامتداد أكثر من 700 ميل، نشأت ~~أول أمة زراعية في التاريخ، وبلغت عدتها عدة ملايين من الأنفس. # شكل 2: «تمثال لتوت عنخ آمون في صورة «أوزير» تحرسه «البا» (روحه) من اليسار، ~~و«الكا» (قرينته) من اليمين.» هذا التمثال البديع المصنوع من الخشب لا ~~يتجاوز طوله 12 بوصة، وهو مثال لجمال الصنع الذي امتازت به محتويات قبر توت ~~عنخ آمون حتى أصغرها حجما. وتدل النقوش المحفورة على قاعدته على أنه هدية ~~جنازية قدمت للملك من مدير الجبانة الملكية. # شكل 3: «قرص الشمس المجنح: حلي به تابوت الملك «آي».» هذا التابوت الرائع ~~المنحوت من قطعة ms390 واحدة من الجرانيت الأحمر قد صورت على أركانه أربع إلهات ~~واقفات وقد نشرن أجنحتهن على جانبي التابوت لحمايتهما. ويزيد في جمال كل ~~جانب نقش بديع لقرص الشمس المجنح: «شمس العدالة ... تحمل الشفاء في ~~جناحيها.» # شكل 4: «بتاح الأعظم قلب الآلهة ولسانهم.» رأس تمثال من الجرانيت الأسود للإله ~~«بتاح» معبود منف. # شكل 5: «أهرام الجيزة كما ترى من الجو.» الثلاثة الكبرى من هذه الأهرام شيدت ~~لتكون مثوى أبديا منيعا لأجسام ثلاثة ملوك من الأسرة الرابعة بمصر ~~القديمة (بعد سنة 2900ق.م)، أما الأهرام الصغيرة فهي لأعضاء من الأسرة ~~المالكة، كما أن القبور الأخرى كانت لرجال البلاط. # شكل 6: «قمة هرم أمنمحات الثالث بدهشور.» العينان - اللتان هما عينا الملك - ~~تتجهان شطر الشمس عند شروقها فتستطيعان بذلك «رؤية جمال الشمس». أما النقوش ~~المدونة بأسفلهما فراجع بشأنها ما جاء في صلب الكتاب في الفصل الرابع ~~العقيدة الشمسية ومكافحة الموت (عن حجر القمة الموجود بدار الآثار ~~المصرية). # شكل 7: «أحد السادة المصريين وزوجته وهما يتعبدان أمام «أوزير» في عرشه.» هذه ~~الصورة الجميلة المنقولة عن بردية جنازية، تمثل المتوفى وقد خرج من منزله ~~(إلى اليمين) وأخذ يجتاز حديقته إلى حضرة الإله الأعظم (إلى اليسار) الذي ~~وقفت في حضرته «ماعت» إلهة الحق. وقد كان المصري ينتظر أن يجد في الآخرة ~~منزلا وضيعة شبيهين بما كان يملكه في هذه الحياة الدنيا. ومن معالم ~~المنزل المصري القديم النموذجي أن يكون شاملا مسكنا وبركة مستطيلة الشكل ~~تحف بها الأشجار. وقد تمثل في الصورة بوضوح كبير استحواذ «أوزير» بالتدريج ~~على صفات إله الشمس: يظهر ذلك من وجود قرص الشمس فوق رأس «ماعت» ومن أنشودة ~~الشمس التي كتبت في النطاق العمودي الوارد بأعلى الصورة. # شكل 8: (على اليمين): إله الشمس مشرقا في ~~شكل صقر (عن صورة # Vigneite # ملونة من كتاب ~~الموتى). المنحنيان المثبتان في أسفل الصورة يمثلان الصحراء الرملية التي ~~رسمت فوقها مرتين السيدة «إتهاي» المتوفاة في شكل طائر برأس آدمي (با) ~~واقفة فوق سطح قبرها. وقد رفعت ذراعها - كما رفع جميع من فوقها في الصورة ~~أذرعهم أيضا ms391 - تعبدا لإله الشمس وقد صعد من الصحراء في صورة صقر بديع ~~الشكل يعلو رأس قرص الشمس. # شكل 9: «رأس تمثال من الديوريت للملك خفرع (من القرن التاسع والعشرين ق.م).» لعل ~~هذه أعظم صورة معبرة من عصر الأهرام؛ فهي تبرز بشكل قوي المعالم الفردية ~~لهذه الشخصية السامية - الملك - في عصر كانت فيه الشخصية ومعالم الفرد من ~~الناس في دور الظهور لأول مرة. # شكل 10: «العازف الأعمى وهو يغني مع فرقته أغنية العازف على العود.» وقف الكاهن ~~يؤدي الشعائر الدينية أمام الأمير، الذي لم يظهر في الصورة (إذ كان مكانه ~~في الجزء الذي فقد منها من اليسار) بينما كانت الفرقة الموسيقية تعزف ~~الموسيقى المرافقة لأغنية «العازف على العود» وهي التي ألفاظها منقوشة ~~بأعلى الصورة فوق رءوس الفرقة. وقد ضاع الجزء الأعلى من الأغنية، غير أن ما ~~بقي منها يكفي لمعرفتنا أنها صورة من نفس الأغنية الواردة في ~~البردية. # شكل 11: «صورة الملك أمنمحات الثالث من العهد الإقطاعي بمصر القديمة.» إن ما ~~يتمثل في الصورة من دلائل الحزم وضبط النفس وما تبرزه قسمات الوجه من ~~أمارات الاهتمام، كل ذلك ينطق بأن صاحب التمثال ملك كله شعور بما يحمله من ~~المسئوليات الخطيرة، وذلك في مصر استيقاظ خلقي. # شكل 12: «رأس من الحجر البركاني لأمنمحات الثالث.» إننا نرى في هذه الصورة ~~تعبيرا مجسما لتأثير زوال الأوهام الخادعة. ويدل منظر الوجه المكتئب ~~على أن صناع التماثيل الملكية أحسوا بتشاؤم الحكماء الاجتماعيين وعبروا عنه ~~ببراعة فائقة في قسمات وجه الملك. # شكل 13: «منظر من الداخل لأحد جانبي تابوت خشبي لأمير من أمراء العصر الإقطاعي.» ~~في الجزء الأسفل من يمين الصورة كتابة في سطور رأسية هي عبارة عن أجزاء من ~~الأدب الجنائزي المعروف «بمتون التوابيت». وإلى أقصى اليسار تجد الباب ~~الوهمي الذي تستطيع روح الميت الدخول والخروج منه. وكل هذه الموضوعات نقشت ~~بالألوان على لوح سميك من خشب الأرز مكون لأحد جانبي التابوت. # شكل 14: «منظر المحاكمة في الآخرة كما ورد في كتاب الموتى: وزن القلب.» نصب ~~الميزان (في الوسط) ويدير حركته (من اليمين) ms392 «أنوبيس» (برأس ابن آوى) ومن ~~خلفه المعبود «تحوت» الكاتب برأس «أبيض» (أبو منجل) ليدون الحكم، وفي ~~أقصى اليمين تربص «الملتهمة» بشكلها المفترس تنتظر التهام الروح إذا صدر ~~الحكم بأنها ظالمة. وإلى يسار الميزان يقف «شاي» (القدر) ووراءه إلهتا ~~الولادة. وإلى اليسار من أسفل نرى «آني» وزوجته يدخلان في خشوع، ويحدق ~~«آني» بنظره إلى قلبه وقد وضع في كفة الميزان اليسرى لموازنته في الكفة ~~اليمنى بالريشة، التي هي رمز الحق والعدل. وفوق الميزان كتابة هي صلوات ~~«آني» يرجو فيها قلبه ألا يخونه. وفي أعلى الصورة صف من الآلهة القدامى ~~يشهدون المحاكمة. # شكل 15: «تابع منظر المحاكمة: المتوفى يقاد بعد تبرئته للمثول أمام «أوزير» وهو ~~في كرسي القضاء.» أثبتت محاكمة الميزان (المبينة في الصورة السابقة) عدم ~~إدانة المتوفى. وترى «آني» في الصورة مرتين: الأولى وهو يقوده «حوريس» بن ~~«أوزير» إلى حضرة الإله الأعظم. وفي المرة الثانية نراه راكعا أمام عرش ~~«أوزير» إجلالا للإله. ولأن «أوزير» هو إله الحضرة نرى جسمه هنا ملونا ~~باللون الأخضر الزاهي ويجلس في كشك أخضر؛ ولأنه إله قد مات نراه ممثلا في ~~شكل مومية، وتقف خلفه «إيزيس» و«نفتيس». وعندما يدخل «حوريس» ممسكا بيد ~~«آني» يعلن «أن قلب آني بريء». # شكل 16: «معبد «آمون» الأعظم بالكرنك كما يرى من الجو.» يرجع تاريخ المؤسسات ~~الأولى لهذا المعبد إلى القرن العشرين ق.م على الأقل. وابتداء من عهد ~~الملوك الأوائل في (القرن السادس عشر ق.م) جرى ملوك مصر على إحداث شيء من ~~الزيادة في مبانيه أو تجميله. # شكل 17: «توت غنخ آمون وزوجته الملكة في إحدى حجرات قصره.» الملك الشاب وقد جلس ~~في استرخاء جلسة خالية من كل كلفة، مخالفا بذلك كل التقاليد المرعية في ~~الصور الملكية وضاربا مثلا للتحرر الذي أتت به ثورة «آتون» في الفن، ~~وزوجته الملكة (ابنة إخناتون الثالثة) التي يغلب عليها مظهر الفتاة الصغيرة ~~تميل نحوه في رشاقة إلى الأمام، وقد أمسكت بإحدى يديها إناء عطور صغير، ~~وبيدها الأخرى تصلح وضع عقد رقبته المزركش أو تعطره - فهو منظر للعلائق ~~الشخصية عبرت ms393 عنه الصورة تفصيلا وإجمالا في رشاقة وإبداع. وفي أعلى ~~الصورة ترى رمز معبود إخناتون - قرص الشمس - وقد ظهرت أشعته منتهية بأيد ~~بشرية، وذلك رمز جديد يظهر التحرير الذي أتت به ثورة آتون في شئون الدين. ~~وأرضية الصورة صفحة سميكة من الذهب، أبرزت عليها الملابس بالفضة وأجزاء ~~الجسم بالزجاج المائل إلى الحمرة، أما الحلية التفصيلية فقد رصعت أجزاؤها ~~بأحجار ثمينة زاهية الألوان مثل العقيق، ويتألف من الجميع منظر رائع كان في ~~وقته غاية في التلألؤ، وقد خف سطوعه الآن بمضي العصور. والصورة منقولة عن ~~ظهر كرسي عثر عليه في قبر توت عنخ آمون. # شكل 18: «نقوش بارزة على العاج تمثل بعض الآلهة المصرية من قصر الملوك العربانيين ~~بمدينة «سامرا».» وهي عبارة عن بعض النقوش الزخرفية العامة التي حلي بها ~~بعض الأثاث بقصر ملوك الشمال العبرانيين (حوالي 850-750ق.م) وهي مثل من ~~البذخ الملكي الذي نهى عنه الأنبياء العبرانيون. فالشكل (أ) يمثل الطفل ~~«حور» عند ظهوره من زهرة السوسن. والشكل (ب) يمثل إله الشمس برأس صقر وعلى ~~رأسه قرص الشمس، وهو يقدم لإلهة العدالة «ماعت» الجالسة أحد أشكال «شمس ~~العدالة». والشكل (ج) يمثل الإلهتين «إيزيس» و«نفتيس» (المجنحتين) تحميان ~~رمز «أوزير». # شكل 19: «في ظل الجناحين.» هذه الرسوم البارزة على أحد جدران معبد «مدينة هابو» ~~بالأقصر تمثل إله الشمس في صورة صقر يحمي بجناحيه المبسوطتين فوق رأس ~~«رعمسيس الثالث» آخر ملك عظيم في العاهلية المصرية القديمة وهو يخاطب وزيره ~~الأول وغيره من رجال حكومته. وقد رأينا مثل هذه الحماية من الصقر الشمسي ~~ممثلة فوق رأس «خفرع» قبل ذلك بأكثر من 16 قرنا (شكل # 9 ~~). وقد ورد ذكر هذه الحماية الإلهية (ظل الجناحين) في ~~المزامير (العبرانية) أربع مرات (المزامير 17-8 و26-7 و57-1 و63-7). ms394