######OpenITI# #META# URI: 1382AhmadLutfiSayyid.KawnWaFasad.Hindawi52414084 #META# Tags: philosophy #META# ID: 52414084 #META# Title: الكون والفساد #META# AuthorID: 91624246 #META# Author: أرسطوطاليس #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 81524293 #META# Translator: أحمد لطفي السيد #META# Related_books: 0001Aristotle.PerGeneseosKaiFthoras (TRANSL) #META#Header#End# # الكتاب الأول‏ # الباب الأول‏ # الباب الثاني‏ # الباب الثالث‏ # الباب الرابع‏ # الباب الخامس‏ # الباب السادس‏ # الباب السابع‏ # الباب الثامن‏ # الباب التاسع‏ # الباب العاشر‏ # الكتاب الثاني‏ # الباب الأول‏ # الباب الثاني‏ # الباب الثالث‏ # الباب الرابع‏ # الباب الخامس‏ # الباب السادس‏ # الباب السابع‏ # الباب الثامن‏ # الباب التاسع‏ # الباب العاشر‏ # الباب الحادي عشر‏ # تحقيق على الكتاب الموسوم‏ # في ميليسوس وفي إكسينوفان وفي غرغياس‏ # تحليل نظرية غرغياس‏ # الكتاب الأول‏ # الباب الأول‏ # الباب الثاني‏ # الباب الثالث‏ # الباب الرابع‏ # الباب الخامس‏ # الباب السادس‏ # الباب السابع‏ # الباب الثامن‏ # الباب التاسع‏ # الباب العاشر‏ # الكتاب الثاني‏ # الباب الأول‏ # الباب الثاني‏ # الباب الثالث‏ # الباب الرابع‏ # الباب الخامس‏ # الباب السادس‏ # الباب السابع‏ # الباب الثامن‏ # الباب التاسع‏ # الباب العاشر‏ # الباب الحادي عشر‏ # تحقيق على الكتاب الموسوم‏ # في ميليسوس وفي إكسينوفان وفي غرغياس‏ # تحليل نظرية غرغياس‏ # | الكون والفساد # | الكون والفساد # تأليف ~~‏أرسطوطاليس‏ # ترجمة ~~‏أحمد لطفي السيد‏ # | مقدمة المترجم # | أصول الفلسفة الإغريقية # بقلم بارتلمي سانتهيلير # جمعت عمدا بين هذين الكتابين في هذا السفر؛ لأنهما - كما يظهر لي - يعبران كلاهما عن ~~أفكار من قبيل واحد؛ ففي أولهما يعنى أرسطو بإيضاح كيف تكون الأشياء وكيف تنتهي، خلافا ~~لمذهب وحدة الوجود ولا تغيره، وفي ثانيهما المناقشة بعينها موجهة مباشرة إلى ممثلي مدرسة ~~إيليا: إكسينوفان مؤسسها، وميليسوس حافظ مبادئها حتى العهد الذي قام فيه سقراط يبدل ~~بالتردد القديم فلسفة جديدة حاسمة. فالفكرة في الكتابين متماثلة، ولا فرق بين أحدهما وبين ~~الآخر إلا في الشكل فقط؛ فهنا توضيح عام لمبدأ، وهناك نقض خاص للمبدأ المناقض. وسنعود ~~بالاختصار في آخر هذه المقدمة إلى تقدير قيمة هذين الكتابين اللذين يستأهلان أن يعرفا أكثر ~~مما هما الآن. ولكني أرغب بديا في أن أبين بقدر ما أستطيع من البيان ماذا كانت الحركة ~~الفلسفية التي شاطر فيها إكسينوفان وميليسوس، سواء في أحداثها أو في أتباعها. # إكسينوفان وميليسوس كلاهما من الأسماء البعيدة القدم. ومن الصعب لأول نظرة الاقتناع بأن ~~درسهما يبعث اهتماما جديا هذه الأيام. هذان الفيلسوفان كانا يعيشان في القرن الخامس أو ~~السادس قبل الميلاد، وعلى هذا ms001 المدى فليس إلا التنقيب وحده - فيما يظهر - هو الذي ما زال ~~يوليهما العطف الذي انقضى زمانه، ويستقصي مذاهبهما المنسية منذ زمان بعيد. لست أقصد في الحق ~~إلى انتقاد التنقيب، ولكني أدرك ما يثير ثائره من التحامل البادر عندما يتوغل في درس ~~تلك الأزمان البعيدة؛ إذ تنعدم المراجع الوثيقة فلا يبقى لنا من أعيانها إلا آثار لا صور ~~لها. على أني في هذا الموطن أكثر مما في سواه أسأل أن يصغى إلى التنقيب لحظة؛ فإن الموضوع ~~الذي يحاوله فيما يتعلق بإكسينوفان هو موضوع من أهم موضوعات تاريخ العقل البشري وأكثرها ~~حيوية. # إنه ليس أقل من أن يكون ميلاد الفلسفة في هذا العالم الذي نحن منه. # أما من جهة الفلسفة الشرقية فإننا لا نعرف، بل ربما لن نعرف أبدا من أمرها شيئا معينا ~~بالضبط فيما يختص بعصورها الرئيسية وانقلاباتها، فإن أزمنتها وأمكنتها وأهلها تكاد تعزب عنا ~~على سواء. إنها مستعصمة دون إدراكنا، مدعاة للشكوك لما يغشاها من كثيف الظلمات، حتى لو ~~عرفنا منها هذه التفاصيل مع الضبط الكافي لما أفادنا ذلك إلا من جهة إرضاء رغبتنا في ~~الاطلاع دون أن يتصل بنا أمرها كثيرا. إن الفلسفة الشرقية لم تؤثر في فلسفتنا، ومع التسليم ~~بأنها تقدمتها في الهند وفي الصين وفي فارس وفي مصر، فإننا لم نستعر منها كثيرا ولا ~~قليلا، فليس علينا أن نصعد إليها لنعرف من نحن ومن أين جئنا، والأمر على الضد من ذلك مع ~~الفلسفة الإغريقية، إننا بها نتصل بالماضي الذي منه خرجنا، وعلى الرغم من عماية الكبرياء ~~التي هي في الغالب جانية الكفران يجب علينا ألا ننسى أبدا أننا أبناء إغريقا. إنها أمنا في ~~جميع أمور العقل تقريبا، فلئن ساءلنا أوائلها فإنما نسائل أصولنا، فمن طاليس، ومن ~~فيثاغورث، ومن إكسينوفان، ومن أنكساغوراس، ومن سقراط، ومن أفلاطون، ومن أرسطوطاليس إلينا لا ~~يوجد إلا فرق الدرجة. نحن جميعا في طريق واحد مستمر من قرون عديدة، ومتصل بلا انقطاع، لا ~~يتغير اتجاهه، بل يصير على مرور الزمان أكثر طولا وأبهى جمالا ms002 . والظاهر أننا لا نخجل من ~~الانتساب إلى أمثال هؤلاء الآباء، وكل ما علينا هو أن نبقى حقيقين ببنوتهم بأن ندرج على ~~سننهم. # قد أمكن القول - لا من غير حق - بأن الفلسفة ولدت مع سقراط، # 1 # والواقع أن لهذا الرجل العجيب من المقام ما يسمح بأن يسند إليه هذا الشرف ~~العالي، بأن يقرن اسمه بهذه الحادثة الكبرى. ولكن سقراط بتواضعه المعروف ما كان ليقبل هذا ~~المجد؛ فإنه كان يعلم أكثر من كل إنسان أن الفلسفة قد كانت تنشأ من قبله بنحو قرنين إلى أن ~~جاء فأفاض عليها قوة وجمالا لم يفارقاها بعده. لم يكن مولد الفلسفة في آتينا، بل في آسيا ~~الصغرى؛ لأنه يجب تأخير هذه الحادثة مائتي عام إلى الوراء تقريبا، إلا أن تمحى من ~~التاريخ تلك الأسماء العظام الأولى التي ذكرتها. إن التقدم الذي افتتح سقراط بابه لم يكن ~~إلا استمرارا لا ابتكارا وإبداعا. # كل الأصول غامضة بالضرورة. يجهل المرء نفسه دائما في أول الأمر، وأن تعرف سنة هذه القرون ~~الأولى مقرون بالشك الذي يلحق أيضا الحوادث ذاتها التي مرت كأنها غير محسوسة. ومع ذلك إذا ~~لم يلتزم هنا الضبط غير الممكن فإن أوائل الفلسفة اليونانية يجب أن تظهر لنا أجلى من أن ~~يدعو للشك في أمرها سبب محسوس. # كان طاليس من ملطية، وقد حقق التاريخ وجوده في جيش أحد ملوك ليديا نحو آخر القرن ~~السادس قبل المسيح. وبعده بقليل جاء فيثاغورث الذي بعد أن عاد إلى وطنه ستموس إثر سياحات ~~طويلة فر منه اتقاء لظلم بوليقراطس الذي كان يضطهده، وذهب يحمل مذاهبه على الشطوط ~~الشرقية لإغريقا الكبرى إلى سيبارس وقروطون. أما إكسينوفان فإنه لأسباب أشبه بالمتقدمة نزح ~~عن كولوفون وطنه الأول، ولما اجتمع ببعض المهاجرين من فوكاية، الذين هم بين أنياب الأخطار ~~قد وجدوا آخر الأمر موئلا على شواطئ البحر الترهيني في إيليا (هييلا أوفيليا)، أسس في ~~هذه المدينة الحديثة العهد وقتئذ مدرسة شهرت ذكرها. # أصرف القول الآن إلى هؤلاء الثلاثة العظماء الذين كانوا جميعا رؤساء مدارس خالدات، ms003 وإن ~~كنا لا نعرف منها إلا الشيء القليل: مدرسة يونيا، ومدرسة فيثاغورث، ومدرسة إيليا، وعما قريب ~~أستطيع أن أضم إلى هذه الأسماء طائفة من أسماء أخر، لا يستطيع تاريخ الفلسفة أن يغفلها ~~كما لا يستطيع إغفال الأولى. # ولكني - لا لشيء غير الفكرة في أمر طاليس وفيثاغورث وإكسينوفان - أشعر بأمر يسترعي نظري، ~~أنهم ثلاثتهم من هذا الجزء من العالم الهليني الذي يسمى آسيا الصغرى، وأنهم تقريبا ~~متعاصرون. إن ملطية التي هي في القارة، وسموس في الجزيرة التي بهذا الاسم، وكولوفون في شمال ~~إيفيزوس بقليل، تكاد لا تتجاوز الأبعاد بينها خمسة وعشرين فرسخا. # على هذه المسافة الضيقة وفي وقت واحد تقريبا تجد الفلسفة مهدها المجيد، لكيلا نخرج من ~~هذه الحدود في المكان والزمان والموضوع نضيف إلى هذه الثلاثة الأسماء: طاليس وفيثاغورث ~~وإكسينوفان، أسماء أنكسيمندروس وأنكسمينس اللذين هما أيضا من ملطية، وهيرقليطس الذي هو من ~~إيفيزوس، وأنكساغوراس من كلازومين غربي أزمير قليلا في خليج هيرموز. وأذكر اسم لوكيبس ~~وديمقريطس اللذين ربما كانا من ملطية أيضا أو من أبدير مستعمرة طيوس، واسم ميليوس الذي هو ~~من سموس كفيثاغورث. وفوق ذلك أضيف إلى هذه الأسماء أسماء بعض الحكماء الذين هم أقل استنارة ~~من الفلاسفة، ولكنهم ليسوا أقل منهم احتراما؛ فمنهم بطاقس من ميتيلين في جزيرة لسبوس، وهو ~~رفيق سلاح للشاعر ألقايوس في محاربة الطغيان، وقد نادى به مواطنوه ديكتاتورا عليهم فلبث ~~فيهم عشرة أعوام يعمل صالحا ثم نزل عن الدكتاتورية. ومنهم «بياس» من «بريينة» الذي لو اتبع ~~الاتحاد اليوناني ما قدمه له من النصح لنجا كما ذكر هيرودوت. ومنهم إيزوبس الذي أقام طويلا ~~في سموس ثم في سرديس عند كريزوس، ذلك المولى الفريجي الذي لا ينبغي للفلسفة أن تنسى ذكره في ~~عداد ذويها، والذي لم يستنكف سقراط من أن ينظم حكاياته شعرا. # 2 # وأذكر كذلك أسباسيا من ملطية التي حدث عنها أفلاطون في كتابه المينكسين، والتي كانت ~~تتحدث إلى سقراط، والتي كانت تعطي لبيركليس دروسا في البلاغة كانت تؤلف منها أحيانا الخطب ~~السياسية، والتي خصص ms004 لها رفائيل محلا في مدرسته الآتينية. # من ذلك يرى أن تيديمان الأريب كان محقا حين كنى آسيا الصغرى ب «أم الفلسفة ووطن ~~الحكمة». # 3 # هذه الأحداث القليلة التي جئت على ذكرها والتي يمكن أن يضاف إليها كثير من ~~أمثالها كافية في إثبات هذه الحقيقة. منذ الآن متى عرض حديث منشأ الفلسفة في عالمنا الغربي ~~- بالمقابلة للعالم الآسيوي - عرفنا لمن هو ذلك المجد، وإلى من يجب أن يسند عدلا. # يكفي قليل من النظر للعلم بأن من الممتنع أن تنمو الفلسفة بذاتها وحدها. من البديهي أن ~~جميع عناصر العقل يجب أن تبلغ نماءها قبل التأمل؛ لأن التأمل المرتب على نمط معين لا يظهر ~~إلا متأخرا وبعد سائر الملكات الأخرى. وليس بي حاجة إلى التبسط في بيان هذه الحقيقة ~~المشاهدة في الأمم وفي الأفراد على السواء، وأقتصر على أن أقرر أن مجرى الأمور في آسيا ~~الصغرى لم يكن مختلفا عنه في غيرها؛ فإن الفلسفة على هذه الأرض المخصبة لم تكن نبتا ~~منفردا ولا ثمرة غير منتظرة. وقليل من الكلمات يكفي في التذكير بأنها كانت هي المنطقة ~~المهيأة لهذا الإنتاج الشريف، وما علي إلا أن أسرد أجمل الأسماء وأحقها باعتراف ~~الناس. # في رأس هذه الطائفة اسم هوميروس الذي ولد وعاش يقينا على شطوط آسيا الصغرى وفي جزرها قبل ~~الميلاد بنحو ألف عام. وماذا عسى أن أقول في قصائده؟ وكيف أوفي عبقريته مدحا وثناء؟ كل ما ~~أقرر هو أن هوميروس لا يقصر أمره على أنه أكبر الشعراء، بل هو أعمقهم فلسفة. وإن بلدا ~~ينتج باكرا أمثال تلك البدائع لحقيق بأن ينتج بعد ذلك عجائب العلم والتاريخ. # بعد هوميروس أقص نبأ قلينوس الإيفيزوسي الذي هو حربي مثل طورطايس، والذي شهد وقت إغارة ~~القميريين وشدا بها في شعره، ثم الكمان السردي الذي حق له أن يعلم لقدمونيا وطن لوكورغس ~~ويبهرها على ما بها من جفاء، وأرخيلوخس الباروصي وألقايوس اللسبوسي ذي الربابة الذهبية كما ~~قال هوراس، وسافو الميتيلينية أو الإيريزية التي لا يكاد يستحق أحد الثناء أكثر منها ms005 إلا ~~هوميروس، # 4 # ثم ميمنرمس الأزميري شاعر انتصارات يونيا على الليديين، ثم فوكليديس الملطي ~~الذي حمل الشعر قواعد الأخلاق، ثم أناكريون الطوسي، وقريب من الشعراء تربندرس اللسبوسي مبدع ~~الموسيقى وواضع طرائقها الثلاث الأصلية: الليدية والفريجية والدورية. ويمكن أن نضيف إلى ~~هؤلاء أريون الشاعر الذي هو من لسبوس مثل تربندرس. # ذلك في الشعر. وكم إلى جانب الشعر من الكنوز التي لا تقل عنه في نفاستها وإن قلت عنه في ~~البهاء: علم الفلك والجغرافيا أبدعهما أنكسيمندروس وسكولاكس من كاروندا على خليج يسوس. ~~والرياضيات التي أبدعها فيثاغورث وتلاميذه أسلاف أرستارخس السموسي معلم أرخميدس وهيبارخس ~~الرودسي. والتاريخ أبدعه أكسنطس السردي وهيكاتيوس الملطي وهيلانيكوس الميتيليني، وعلى الأخص ~~هيرودوت الهاليكارناسي الذي لقب منذ زمان طويل أبا التاريخ، وبودي لو أعطيه لقبا آخر لو ~~وفقت إلى لقب أجمل من هذا وأدخل منه في الحق. والطب انتقل من جزيرة سموس إلى كورينا وقروطون ~~ورودس وكنيدس قبل أن يقر قراره في قوص بفضل بقراط الذي لا يقل عظما في فنه عن هوميروس في ~~شعره. وفن عمارة المدن أبدعه هيوداموس الملطي الذي كان مع ذلك كاتبا سياسيا حلل ~~مؤلفاته أرسطو في كتابه «السياسة» (ك2 ب5). وفن الحفر والصب أبدعهما تيودور السموسي بن ~~روكوس. وفن التعدين أبدعه الليديون ... إلخ. # أقف هنا لكيلا نجاوز بهذا التعديد الجاف أبعد مما ينبغي، ولكنه يجب التنبيه إلى أن هذا ~~الخصب البالغ حد الإعجاز لم ينته بانقضاء تلك الأزمان التي ذكرناها؛ فإن تيوفراسط هو من ~~إيريزا، وأبيقور ربي في سموس وكولوفون، وزنون فخر الرواق ولد في كتيون من قبرص، وإيفورس ~~من كومة، وتيوبومبس من شيوز، وبرهاسيوس وأبيلس من إيفيزوس وكولوفون، وإسترابون من أماسية ~~على الجسر (البحر الأسود) مستعمرة إحدى المدن اليونانية من الشاطئ الغربي لآسيا الصغرى ... ~~إلخ إلخ. # تلقاء هذا المجد السامي الذي لم يمحه ما ظهر بعده لا يسعني إلا أن أقف مأخوذا أتساءل: هل ~~عرف الناس أن يوفوا هذه العبقرية وهذا الكمال وذلك الإبداع حقوقها من الإعظام؟ لا أظن ذلك، ~~وتلك في رأينا داعية ms006 إلى تعديل تاريخ هذه المستعمرات الإغريقية من آسيا الصغرى في بعض ~~أجزائه على الأقل؛ تلك المستعمرات التي ندين لها بكل شيء. ولكني إذا قربت هذا العمل وحاولت ~~هنا عجالة فذلك لا لأرفع ظلما مرت عليه القرون لضيق دائرة موضوعي، بل ليحسن فهم الناس لتلك ~~الحركة الخارقة للعادة والتي هي فذة في تطور العقل الإنساني، ولأبين حق واضعي الفلسفة وآباء ~~العلم. # لذلك أعرض - دون مجاوزة الحدود المشروعة - ماذا كانت هذه المستعمرات التي نزحت من إغريقا ~~على شواطئ آسيا الغربية قبل المسيح بأحد عشر أو اثني عشر قرنا، وماذا كانت الحوادث ~~السياسية الرئيسية التي اعتورت تلك الأصقاع مدة قرنين اثنين من عهد إكسينوفان إلى ميليسوس، ~~ومن طاليس إلى حرب بيلوبونيز. وسنرى أن فلاسفتنا أخذوا بقسط وافر من هذه الحوادث، بل صرفوها ~~في بعض الأحيان مع أنهم في الغالب كانوا لحرها صالين. # وإني راجع في كل ما أقدم من القول إلى هيرودوت وطوكوديدس وإكسينوفون وما حفر على رخام ~~باروص أو رخام آرونديل. # 5 # كانت المستعمرات الإغريقية على شواطئ آسيا الصغرى مقسمة إلى ثلاثة أجناس متميزة تؤلف ~~اتحادات منفصلة: الأيوليون في الشمال، واليونان في الوسط، والدوريون في الجنوب. يقطن هؤلاء ~~وهؤلاء أوطانا متقاربة المساحة؛ فأما الأيوليون الذين هم أول من هاجر من الوطن الأصلي ~~المشترك فإنهم حطوا رحالهم واستوطنوا آسيا بعد فتح طروادة بقرن تقريبا إذ طردوا من ~~بيلوبونيز عند إغارة الهيرقليديين، وأما اليونان فقد جاءوا بعدهم بأربعين سنة تقريبا، وأما ~~الدوريون فكانوا آخر المهاجرين. # كان الأيوليون الذين هم أقل الشعوب الثلاثة شهرة وأضعفها امتيازا يقطنون اثنتي عشرة ~~مدينة؛ # 6 # وهي كومة فريكيون، ولاريسافريكيون، وليونتيكوس، وطموس، وكيلا، ونوسيون، ~~وإيغيروسا، وبيطاني، وأيغاي، ومورينا، وغروناي وأزمير، ولكن هذه المدينة الأخيرة قد نزعت من ~~أيديهم وأضيفت إلى الاتحاد اليوناني بفضل الذين نفوا من كولوفون والتجئوا إلى أزمير ~~واستولوا عليها في غفلة من أهلها. وقد ضاع من أيدي الأيوليين أيضا بعض المدن الأخرى التي ~~أسسوها على جبال أيدا. وكان لهم خارج القارة خمس مدائن بجزيرة لسبوس، وواحدة بجزيرة ms007 طندوس، ~~وأخرى في مجموع الجزر الصغيرة التي كان يطلق عليها اسم مائة الجزيرة منذ زمان هيرودوت. ولم ~~يكن للمدائن الأيولية من الاسم إلا الخمول، وكانت أرض أيولس أحسن من أرض يونيا، ولكن جوها ~~كان أقسى من جو الأخرى خصوصا في سرعة التقلب. # وأما اليونان فكان لهم اثنتا عشرة مدينة كلها على التقريب مشهورة، وهي: ملطية وميوس ~~وبربينة في قاريا، وإيفيزوس وكولوفون وليبيدوس وطيوس وكلازومين وفوكاية في ليديا وإيروطراي ~~على اللسان الذي يكونه جبل ميماس. وكان لهم جزيرتان: سموس في الجنوب، وشيوز في الشمال، ومن ~~الغريب أن اليونان كان لهم أربع لهجات متباينة جد التباين: لهجة سموس، وكانت لا تشابه واحدة ~~من الثلاث الأخرى، وملطية وميوس وبريينة كان لها ثلاثتها لهجة واحدة، وللمدن الست الأخرى ~~لهجتها، وكان أهل شيوز وإيروطراي يتكلمون بلسان واحد. # أما الدوريون الذين جاءوا بعد الآخرين فكان قرارهم في الجزء الجنوبي، وليس مدق الدوريون ~~لهم إلا ست مدن نزل عددهم إلى خمس بعد قليل، وهي: لندوس، وياليسوس، وكاميروس في جزيرة رودس، ~~وقوص، وكنيدس، وهاليكارناس. على أن هذه المدينة الأخيرة قد عزلت عن الاتحاد الدوري عقابا ~~لها على أن أحد أهلها كان اتهم بانتهاك بعض الحرمات المقدسة. # كل واحد من هذه الاتحادات الصغيرة كان له معبد جامع مشترك يجتمعون فيه؛ فللدوريين معبد ~~طريوبيون، ولليونان معبد نبتون هلليكوني على رأس موكالي في مواجهة سموس تقريبا، وفي هذا ~~المعبد كان يجتمع مجلس الاتحاد اليوناني المسمى بأنيونيون، والذي كان يرأسه دائما شاب من ~~شبان بريينة، ولا يعرف بالضبط معبد الأيوليين. كانت هذه المعابد لإقامة الأعياد الدينية ~~عادة، غير أنهم في الظروف الخطيرة كانوا يتداولون فيها في أمر أخطار الحلف وفيما يمس ~~منافعهم الكبرى. # لم تك هذه المستعمرات لتشغل جغرافيا إلا مساحة ضيقة. فلو أن شهرة المدائن والممالك كانت ~~تقاس بمقدار امتدادها لظلت هذه المستعمرات مجهولة في التاريخ؛ فإن مساحة المستعمرات ~~الأيولية واليونانية والدورية لا يكاد يتجاوز مجموعها70 فرسخا في الطول على 15 أو20 فرسخا ~~في العرض؛ أي أقل من ثلاث درجات في ms008 خطوط الطول وأقل من درجة في خطوط العرض. ومساحة لسبوس ~~خمسة عشر طولا على خمسة عرضا، وسموس لا يبلغ محيطها 30 فرسخا، وشيوز أكبر منها ~~قليلا. # ومن الطبيعي أن أهتم بأمر اليونان أكثر من الآخرين؛ فإنهم كانوا أكثر نشاطا وحذقا في ~~الملاحة والتجارة والسياسة والفنون والعلوم والآداب. ومن الأمم كثيرة العدد من كان أثرهم ~~أقل ألف مرة من أثر اليونان. # لما ترك اليونان أشاية الواقعة شمال بيلوبونيز على خليج كرسا، كان لهم فيها اثنتا عشرة ~~مقاطعة أو مدينة، واستصحابا لتذكار وطنهم الأول لم يشاءوا أن يؤسسوا في آسيا من ~~المستعمرات عددا أكثر مما كان لهم في إغريقا. ولما طردهم الدوريون الذين أغاروا على ~~بيلوبونيز من الشمال اجتازوا برزخ كورنتة، واحتموا إلى أجل ما على الأقل في أطيقا، وهي ~~الملجأ العادي لجميع المنفيين كما نبه إليه طوكوديدس في مقدمة تاريخه. وعما قليل ضاقت ~~أطيقا القليلة الخصب ذرعا بأهلها، واضطر نازحو أشاية إلى البحث عن ملجأ آخر. وصادف وقتئذ ~~أن قدروس مات ميتة الأبطال دفاعا عن وطنه، ولما ألغي نظام الملوكية لم يتيسر لأبنائه ~~أن يقيموا في بلد انقطع فيه رجاؤهم من ميراث أبيهم، فرأسوا المهاجرين في هجرتهم؛ فأما ~~نيلاوس فولى وجهه شطر ملطية، وأما أندركلوس فاتجه إلى إيفيزوس، ولو صدقنا رخام باروص لقلنا ~~إن نيلاوس هو الذي أسس المدائن الاثنتي عشرة اليونانية وأسس رابطة اتحاد تحت ظل الدين ~~هي البانيونيون الذي لم يكن بعد من القوة على ما كان يرجو مؤسسه. # يظهر أن المهاجرين الذين اقتفوا آثار ابني قدروس كانوا خليطا ولم يكونوا من صميم اليونان ~~كما يمكن أن يظن؛ فإن الذين أتوا من أشاية إلى أطيقا اختلطوا فيها بأجناس مختلفة مختلطة ~~جد الاختلاط، ليس بينهم وبين اليونان جامعة مشتركة بل لا يشابه بعضهم بعضا، إنما كانوا ~~أبانطة من أوبويا، ومنجينيين من أرخومنوس، وقدميين، ودريوبيين، وفوكيين، ومولوس، وأرقديين، ~~وبلاسجة، ودوريين من أبيدورس، وطائفة من أجناس أخر. وكان كل هؤلاء الرحل يعامل بعضهم بعضا ~~على حد المساواة، ومع ذلك كان اليونان الذين ms009 هم من نسل شيوخ آتينا يعتبرون أشرف هذا الخليط ~~وإن كان ذلك لم يستتبع أية مزية عملية. وإن تلقيبهم بلقب «اليونان» كان في ذلك الحين وفيما ~~بعده أيضا قليل الرفعة؛ فكان الآتينيون يخجلون منه، وكان الملطيون في أوج قوتهم يحبون أن ~~ينفصلوا من بقية هذا الاتحاد الذي كان دائما قليل الاحترام. وأما اليونان فكانوا من جهتهم ~~أيضا يفخرون بأصلهم، ويقيمون مثابرين الأبتوريا الآتينية، تلك الأعياد الخاصة بالعائلة ~~وبرابطة الأخوة الشعبية التي كانت موجودة في آتينا، ما عدا أهل كولوفون وإيفيزوس فإنهم ~~حرموها على أثر قتل حرام ارتكبوه. # لم تكن المهاجرة هينة ولو أنه كان يرأسها أبناء ملك، فلم يحمل المهاجرون إلى ملطية معهم ~~نساءهم، واتخذوا زوجات بالإكراه، بل عمدوا إلى القاريين فذبحوا منهم الآباء والبعول ~~والأولاد، واستحيوا النساء واتخذوهن زوجات لهم، ولكنهن انتقمن لأنفسهن فأقسمن الأيمان على ~~ألا يطعمن مع غاصبيهن طعاما ولا يدعونهم أزواجا؛ حتى لا يذقنهم حلاوة هذا الدعاء، واستنت ~~بناتهن هذه السنة مع أزواجهن عدة أجيال. # والواقع أن البلد الذي احتله المهاجرون كان محتلا قبلهم زمانا طويلا؛ فقد كان فيه - ~~غير أهليه - خليط من البلاسجة والتوكريين والموصيين والبيثونيين في الشمال، ومن الفريجيين ~~والليديين والمايونيين في الوسط، ومن القاريين والليليج ... إلخ في الجنوب. وكان هؤلاء قبائل ~~منقسمين على أنفسهم أكثر مما هو الشأن في الإغريق، ولو أنهم كانوا يقربون القرابين ~~بالاشتراك، مثال ذلك قرابينهم إلى «مولاسا» في معبد «المشتري» القارئ. في أوائل الأمر لم ~~تكن الممالك التي كمملكة ليديا قد اتخذت نظمها بعد، ولو أن الليديين لما زحزحوا بعد ذلك إلى ~~الوسط نشروا سيادتهم بادئ الأمر على تلك الجهات إلى الشواطئ، وبعثوا منهم طوائف المستعمرين ~~إلى إغريقا الكبرى وإلى أمبريا وعلى شواطئ البحر الترهيني. # وأما الموصيون الذين كانوا إلى شمال ليديا وغربيها، فكانوا أنزع هذه الأمم إلى الحرب. ~~والفريجيون الذين هم أكثر توغلا في الجهة الشمالية من هؤلاء كانوا يثرون من تربية ~~القطعان، يبيعون من أصوافها وأجبانها ولحومها المملحة بأثمان غالية جدا في أسواق ملطية. ~~وكان الليديون مشتغلين ms010 على الأخص بصناعة المعادن؛ لأن نصف أرضهم بركانية تخرج الذهب والفضة ~~والحديد والنحاس ... إلخ. وكانت أخلاق الفريجيين والليديين أخلاق تهيب وحياء، ومن بلادهم ~~يأتي أكثر العبيد. # ومع أن اليونان جاءوا إلى آسيا بالبحر، فلم تكن تظهر عليهم المهارة في فن الملاحة. وعلى ~~قول طوكوديدس لم يكن تفوق البحرية اليونانية حقيقة إلا تحت حكم قيروش وابنه قمبيز، ومع ذلك ~~فقد كان شأنهم أن أقبلوا بجد على أن يتلقوا دروسا عن الكورنتيين الذين كانوا وقتئذ أعلم ~~الناس بإنشاء العمارات البحرية، وانتفعوا بتلك الدروس. على أنهم قد ألجأتهم الحاجة منذ ~~بداية أزمانهم إلى التزام الشواطئ في ملاحتهم. كانت هذه المدائن التي تستجلب كل شيء من ~~داخلية البلاد لا تستطيع أن تحصل على الثراء إلا بتجارة كبرى في الصادرات والواردات، فكانت ~~كبنوك ومراكز معاوضات بين الأهالي والبلاد التي كان يأتي منها الأجانب، فلم يمض على هذه ~~المدائن زمان حتى ظهرت ثروتها على صورة رائعة. # ولما ازدحمت بالسكان وفاضت بالثراء استطاعت أن تنشئ أساطيل قوية، وعمرت كل شواطئ البحر ~~الأبيض المتوسط شمال أفريقية حيث كان لصور وسيدون من قبل منشآت في إغريقا الكبرى وصقلية، ~~وفي بلاد الغالة، وفي إسبانيا أمام عمد هيرقليس وفيما وراءها، وعلى الأخص في القسم الشمالي ~~لبحر أيغاي وفي هليسبنتس، والبروبونتيد، بل في البحر الأسود الذي كان يسمى وقتئذ «الجسر»، ~~حتى لقد قيل إن ملطية وحدها كان لها خمس وسبعون أو ثمانون مستعمرة. # هذا النماء الأول للمستعمرات الإغريقية بآسيا الصغرى - وعلى الخصوص المستعمرات اليونانية ~~- غير معروف إلا قليلا مع أنه استمر على الأقل ثلاثة قرون أو أربعة؛ فإن التاريخ لم يبتدئ ~~حقا إلا حين دخلت المدائن الهلينية الحرب مع المملكة الليدية؛ أي حوالي القرن الثامن قبل ~~الميلاد، أعني من عهد حكم المرمنادة. # روى هيرودوت على طوله تاريخ جوجيس الذي ارتقى عرش ليديا بقتله قندولس ملكها، وهذه الحكاية ~~ليس عليها إلا مسحة الصدق وإن كانت ليست مطابقة لرواية أفلاطون التي هي بالبداهة أسطورة؛ ~~فإن غضب الملكة زوجة قندولس وغدر جوجيس عشيقها ليس فيه ms011 شيء من المستحيلات. وأما حكاية ~~الخاتم فليست إلا أسطورة عامية وجدت بعد ذلك بكثير على صورة أخرى في «ألف ليلة وليلة». ولقد ~~حدث أرخيلوخس - وهو معاصر لقندولس وجوجيس - عن ذلك العسكري الذي صار ملكا، وعن إقدامه ~~وظفره، في إحدى القطع الشعرية التي كان لا يزال يقرؤها هيرودوت. # 7 # وقد انتهت بموت قندولس العائلة الليدية الأولى التي تدعي أنها سلالة هيرقليس، ~~والتي دام ملكها خمسمائة وخمسة أعوام مدة اثنين وعشرين جيلا من عهد نصف الإله الذي وصلها ~~بنسبة كبريائها، وكان جوجيس هو أول الدولة الثانية دولة المرمنادة. # افتتح جوجيس في أوائل القرن السابع قبل الميلاد عهدا جديدا؛ إذ أخذ يغير على المدائن ~~الإغريقية ملطية وأزمير وكولوفون، وربما كان الحامل له على ذلك أنه أراد أن يبرر اغتصابه ~~للملك ومطاوعة لبعض الضرورات السياسية، في حين أن ليديا كانت وقتئذ بينها وبين الإغريق - ~~خصوصا إغريق القارة - علاقات أقرب ما تكون إلى السلام. # وقد كان جوجيس، كسائر الإغريق في آسيا وفي غيرها، يعتقد وحي دلفوس ويخضع له. ولما كان ~~محاطا بالمكايد من كل ناحية منذ تبوئه العرش، وخائفا من سخط الليديين الذين كانوا شديدي ~~التعلق بالملك الذي ذبحه، أراد أن يدخل الإله في قضيته، فاستشاره وقدم إليه الهدايا ~~الغالية. وقد أقر الإله هذا الغاصب القاتل على عمله، ولكن بوثيا كاهنة دلفوس كانت قد أنبأت ~~بأن عائلة هيرقليس سوف ينتقم لها من شخص الولد الخامس من ذرية جوجيس. وكان هذا الخليفة ~~الخامس هو كريزوس السيئ البخت المشهور بمصائبه أكثر من شهرته بكنوزه التي تضرب بها الأمثال. ~~ولكن لم يك جوجيس في أوج ملكه ولا الليديون في سخطهم ليعبئوا بإنذار الكاهنة، وملك ذلك ~~العسكري الزاني القاتل ثمانية وثلاثين عاما آمنا مطمئنا ما عدا حروبه مع مدن الشاطئ. ~~والظاهر أن ملطية وأزمير وكولوفون سلمت له وخضعت لسلطانه. # وقد حكم أردوس خلف جوجيس أكثر منه أيضا؛ أي مدة تسعة وأربعين عاما؛ فاستولى على بريينة ~~وهاجم ملطية بلا جدوى؛ لأنها استطاعت رد هجماته، وخلفه ابنه سدواتيس، فلم يمكث على ms012 العرش ~~إلا اثني عشر عاما ومات، وكانت سنوه الست الأخيرة كلها مشغولة بمحاربة ملطية كما كان يفعل ~~أبوه. ولكن هذه المدينة التي لم يكن يستطيع أن يأتيها من البحر نجحت في الدفاع عن نفسها، ~~على رغم أن عدوها كان يهمك حرثها كل سنة، وكان دائما على قدم الاستعداد ليكرر هجماته ~~المخربة. وفي كل مرة حاول الملطيون الحرب في العراء كانت هزيمتهم أمرا مقضيا. وقد مزقهم ~~العدو كل ممزق مرتين على أرضهم في ليمنيون وفي سهول مياندروس حيث صادف منهم غفلة وسوء ~~احتياط. # وقد واصل أليات بن سدواتيس محاربة مدينة ملطية خمس سنين، وكان يظن وقوعها في يديه بالقحط ~~وشيكا لولا أنه استشار وحي دلفوس - كما كان يفعل أجداده - فجنح لعقد الصلح معها، وساعد على ~~ذلك مهارة طراسوبولس طاغية ملطية وقتئذ؛ إذ أنبأه جلية الأمر صديقه برياندروس بن كوبسيلوس ~~طاغية كورنتا، فأخفى عن سفير ليديا حقيقة الحال السيئة التي وقعت فيها المدينة من جراء ~~الحصار، وأوهمه أن في باطن أسوارها من الأرزاق والذخائر ما لم يجتمع لها مثله من قبل؛ وبذلك ~~انخدع أليات بما خبره به سفيره المخدوع وأمضى عهد ملطية في حين أنه لم يكن بينه وبين ~~الاستيلاء عليها إلا القليل. # وقد استمر هذا السلام الذي يرجع الفضل فيه إلى الوحي ودهاء طراسوبولس زمانا طويلا، ومات ~~أليات بعد أن حكم سبعة وخمسين عاما حكما مملوءا بالاضطراب. وفي هذا الزمن لم يقطع صلته ~~الحسنة بكاهنة دلفوس، وقد اعتراه مرض طالت مدته، فلما برئ باستشارة الوحي قدم إلى إله ~~دلفوس كأسا جميلة من الفضة قاعدتها من الحديد فنية الصنع، صاغها جلوكوس الشيوزي مخترع ذلك ~~النمط الحديث الذي بالغ الناس في الإعجاب به. # لم تكن حرب ملطية هي الوحيدة التي أجج نارها أليات، بل استولى على أزمير مستعمرة كولوفون، ~~وهاجم مدينة كلازومين الواقعة على مسافة قليلة إلى الغرب في الخليج بعينه، ولكن كلازومين ~~ردته عنها وحملته خسائر عظيمة. غير أن أليات ألهم التوفيق وخدم آسيا كلها خدمة حقيقية بأن ~~حول قواه إلى محاربة ms013 القميريين الذين استولوا في عهد جده أردوس على تلك الولايات الآمنة ~~المخصبة؛ فإنهم لما طردهم السيتيون الرحل من مواطنهم اضطروا إلى النزوح جهة الجنوب ونفذوا ~~من قوقازيا وولوا وجوههم جهة الغرب، وجازوا هالوس، وتقدموا إلى قلب آسيا الصغرى، وكانوا قد ~~دخلوا سرديس عاصمة ليديا على حين غفلة من أهلها وأحرقوها إلا القلعة القائمة على صخرة شاهقة ~~يجري من تحتها نهر بكتول؛ فهي وحدها التي استعصت عليهم، ثم ردوا عن المدينة بعد ذلك، ولكنهم ~~ظلوا يهددون الأمن: يخيفون السابلة، وينهبون الأماكن المجاورة، حتى طردهم أليات من آسيا ~~الصغرى، ودحرهم إلى الشرق، وقذف بهم بين الأجناس السامية التي كانت حدود أوطانها تنتهي إلى ~~هالوس، ومن يومئذ يظهر أن علاقته بهم صارت من السهولة والعطف بمكان. # لكن هذه العلاقات التي كانت بين ليديا وبين السيتيين هي التي جرت على آسيا الصغرى جيوش ~~الميديين ثم جيوش الفرس الذين هم أشد بأسا؛ فإن فصيلة من السيتيين لما طردوا من إقليمهم ~~القاسي المناخ هبطوا إلى أرض ميديا في الشمال الغربي من نهر الفرات، فأحسن كواكزاريس - ملك ~~الميديين - وفادتهم، ولم تقتصر حفاوته بهم على أن مكن لهم في وطنه، بل دفع إليهم صبيانا ~~من الميديين ليعلموهم لغتهم وليتعلموا في مدرستهم فن الرماية. ولكن بعض هؤلاء المتوحشين ~~المقربين من ملك ميديا غاظهم منه شدة في قول وجهه إليهم، فشفوا غليل صدورهم من هذه ~~الإهانة بأن قتلوا الصبيان الذين هم في رعايتهم، واحتموا بمعية أليات ليتقوا شر العقاب ~~الذي كانوا يتوقعون، فطلب كواكزاريس تسليم الجناة وأبى ملك ليديا تسليمهم، ومن ذلك قامت بين ~~الليديين والميديين حرب لم تخب نارها خمس سنين أو أكثر. وهذا السبب كان تافها جدا، بل ~~يظهر أن الخلاف قام على سبب آخر؛ لأن المملكتين متجاورتان، والاحتكاك بين أمم ما زالت ~~متوحشة مثار خلاف لا يتقى. # هنا أستوقف النظر لحادثة في غاية الخطر من حيث تاريخ تلك الأمم ومن حيث تاريخ علم الفلك ~~ومن حيث تاريخ الفلسفة جميعا: كانت تلك الحرب في سنتها السادسة، والتقى الجمعان ms014 وجنودهم ~~على أشد ما يكون التحام بين المحاربين، وإذا بالشمس قد كسفت فغشيهم ليل مظلم اضطرهم إلى ~~وقف القتال. ليس في هذه الحادثة ما يبعد احتمال وقوعها، وليس من الغريب أن تأخذ ظاهرة من ~~هذا النوع بالعقول مأخذا عميقا، غير أن هيرودوت الذي حفظ لنا ذكرها زاد على حكايتها أن ~~طاليس الملطي كان قد تنبأ بهذا الكسوف الشمسي ونبأ اليونان به وبالسنة التي يقع ~~فيها. # 8 # لا شبهة لدي في رواية المؤرخ تلك التي قد أفسحت من البحث محلا لنظريات كثيرة على غاية ~~الخطورة؛ فقد بحث العلماء أخيرا في حساب هذا الكسوف بالآلات الفلكية التي بين أيدينا الآن، ~~والتي تكاد تكون معصومة من الخطأ رجاء تعيين تاريخ صحيح ثابت بين تلك الروايات المختلطة ~~المشكوك فيها، ولكن لم يمكن الإجماع على أمر علمي محض ولا الاهتداء إلى الغرض المطلوب، فإن ~~الأب بيتو قد حسب أن هذا الكسوف ينبغي أن يكون قد وقع في السنة الرابعة من الأولمبياد ~~الخامسة والأربعين، يعني السنة 592 قبل الميلاد. # وأما سان مارتان الذي هو آخر من عني بهذه المسألة فإنه وجد أن كسوفا كليا يرى في ~~هالوس حيث ملتقى الجيشين لا يمكن أن يكون إلا في 30 سبتمبر سنة 610ق.م (ر. مذكرات مجمع ~~الرسوم الخطية والفنون الجميلة، السلسلة الجديدة، الجزء 12). وإذن يكون الفرق بين التقديرين ~~ثمانية عشر عاما. ويمكنني أن أسرد آراء آخرين من المؤلفين الحديثين ليسوا أقل اختلافا ~~من السابقين. أما بلاين عند القدماء فإنه عين هذا الكسوف بغاية الضبط في السنة الرابعة من ~~الأولمبياد الثامنة والأربعين وفي السنة 170 من تأسيس روما. # 9 # وهذا التوافق المشكوك في ضبطه بين التاريخين يجعل ذلك الكسوف في سنة 580 ~~تقريبا. ولست أريد الدخول في هذه التفاصيل؛ لأني لا أتطلع إلى إمكان الفصل فيها واستجلاء ~~غوامضها، بل أقف عند حد الرجاء في أن علم الفلك يستطيع أن يضع رأيا قاطعا في هذه المسألة ~~التاريخية. # أما المسألة الأخرى التي أثارت هذه الحادثة ثائرتها فهي: أيكون من الممكن أن طاليس ms015 حسب ~~حقيقة هذا الكسوف وتنبأ به كما سمع بذلك هيرودوت؟ شك المؤرخون الحديثون في ذلك. وفي هذه ~~الأيام أنكر ج. جروت # 10 # أن العلم كان وقتئذ من التقدم بحيث يسمح بنبوءات مثل هذه وحسابات علمية إلى ~~هذا الحد. لا أبغي أن أعارض هذا المؤرخ وهو حجة، ولكني أنبه إلى أنه يؤخذ من رواية هيرودوت ~~عينها - صادقة كانت أو كاذبة - أنه في زمانه؛ أي بعد طاليس بقرن تقريبا كان الناس يعتقدون ~~إمكان حساب الكسوف، هذا وحده يكفي في إثبات أن العلم كان متقدما إلى قدر الكفاية؛ فإن مثل ~~هذا الفرض يشهد بتقدم هو غاية في الجد؛ لأنه لأجل أن يقبل العامي إمكان حساب الكسوف ويصدقه ~~ويتحدث به لا بد من أن يكون العلماء قد وفوا الموضوع بحثا. # ومما لا جدال فيه أيضا أن شهرة طاليس بين تلك الشعوب كانت من الرفعة بحيث إنهم نسبوا ~~إليه من غير تردد هذه المعجزة العلمية، ولقد قرر بلاين أن هيبارخس الرودسي أمكنه أن يضع ~~فهرسا لكسوف الشمس وخسوف القمر مدة ستمائة عام. وفي زمن هذا الكاتب الروماني لم تكن ~~الحسابات الفلكية لتخطئ مرة واحدة، حتى قيل: «إن هيبارخس كان يحضر مداولات الطبيعة.» وكان ~~هيبارخس بعد طاليس بأربعمائة عام تقريبا، وربما كانت المسافة بين علم أحدهما وعلم الآخر ~~متناسبة مع المسافة الزمنية بينهما؛ لأنه ليس في يوم واحد يمكن الوصول إلى نتائج علمية ~~مضبوطة إلى هذا المقدار. فلست أرى من المستحيل في شيء أن طاليس في عهد أليات قد فتح باب علم ~~بلغ به هيبارخس هذه الغاية البعيدة سنة 150 قبل الميلاد. # أعود إلى ما كنا فيه: بعد قليل عقد الصلح بين الليديين والميديين بوساطة سونيزيس ملك ~~كيليكيا ولابينيوس ملك بابل، وزف أليات ابنته زوجة إلى أصطياغ بن كواكزاريس، وأقسم الطرفان ~~على احترام المعاهدة. واتباعا لعرف هذه الشعوب قد فصد سفراء الصلح من الجانبين أذرعهم ~~ومص كل فريق من دم الفريق الآخر. ولكن هذه المحالفة التي عقدت على أكمل ما يمكن من ~~الإخلاص كانت طائر نحس ms016 على ليديا؛ إذ جرتها إلى حرب جديدة انكسرت فيها وفقدت وجودها. # ذلك أنه لما مات الملك أليات خلفه ابنه كريزوس الذي قدر عليه أن يكون آخر ملك لجنسه، ~~وحقت بذلك نبوءة هاتف دلفوس. وكان كريزوس هذا الذي صار اسمه مرادفا للغنى أميرا من خير ~~الأمراء الممتازين، ومع أنه كان شديد الإعجاب بكنوزه الوراثية التي جمعها أجداده ~~الهيرقليون والميرمناديون لم يكن رجلا مترفا ولا ضعيفا كما يبدر للذهن عادة، فما كاد يلي ~~الملك حتى فكر في أن يتم عمل أسلافه ويخضع نهائيا جميع المدائن الإغريقية على الشاطئ، ~~فتجنى عليها بعلل مختلفة حقا أو باطلا بادئا فتحه بإيفيزوس، وعما قريب أخضع إلى ~~سلطانه كل المستعمرات؛ إذ قهر يونيا وأيولس جميعا، ولكن كريزوس أحس أنه لم يصنع شيئا ما ~~دامت الجزر خارجة عن قبضة يده، فجهز أسطولا ليجاوز عليه بجيشه البحر، ثم عدل عن هذه ~~الغزوة التي هي قليلة الجدوى عند أمة كالليديين بنصيحة بياس البرييني، وفي رواية أخرى ~~بنصيحة بطاقس الميتيليني؛ إذ جاء الحكيم إلى سرديس فسأله الملك عن ماجريات الحال في ~~الجزائر، فأجاب بياس: «إن أهل الجزائر يتأهبون لمهاجمة سرديس في عشرة آلاف فارس.» فأجاب ~~كريزوس: لتشأ السماء أن يركبوا هذا الشطط، فقال الحكيم: «أيها الملك، لك الحق أن ترغب في أن ~~أهل الجزر يرتكبون خطأ كهذا، ولكن ما ظنك بما سيقولون من جانبهم عندما تأتيهم الأنباء أنك ~~تفكر في غزوهم من طريق البحر؟» ففهم كريزوس الدرس على مرارته، وقنع بأن عقد عهد محالفة ~~ومودة بينه وبين يونان الجزر. # لما ارتاح كريزوس واطمأن من هذه الجهة بحث في بسط سلطانه إلى جهة الشرق وفي آسيا ~~الصغرى، وعما قليل وضع يده على جميع الشعوب النازلة إلى هنا من نهر هالوس دون ما وراءه، وهم ~~الفريجيون، والميزيون، والمارياندينيون، والخالوبس، والبفلاغونيون، وتراقيوثينيا، وبيثينيا، ~~والقاريون، والبمفيليون، حتى الدوريون واليونان والأيوليون، ولم يفلت من قبضته إلا ~~كيليكيا وليكيا في الجنوب. # وكان نهر هالوس هو أحد الثلاثة أو الأربعة الأنهر التي تحدد هذه البقاع المسماة آسيا ~~الصغرى ms017 وترويها، فهو ينبع من جبال أرمينية ويسير من الشرق إلى الجنوب الغربي، وينفرج على ~~نحو زاوية قائمة ليتجه من الجنوب إلى الشمال فيصب في البحر الأسود شرقي سينوب وطن ديوجين، ~~وبعد نهر هالوس ثلاثة أنهر أخر عظيمة النفع لتلك الجهات تتقاسم بينها شبه الجزيرة، جارية ~~كلها إلى الغرب وصابة في البحر الأبيض المتوسط يوازي بعضها بعضا تقريبا، وهي المياندرس ~~الذي يصب في خليج ملطية، والقاوصترس في خليج إيفيزوس، والهرموز في خليج أزمير إلى الشمال ~~الغربي قليلا. وكان لكريزوس أن يفخر بأنه تفرد بالملك في آسيا الصغرى، وأنه وصل بالمملكة ~~الليدية إلى حد من رفاهة العيش وقوة البأس لم يكن لها مثله من قبل، ولكن ذلك هو في الواقع ~~كان السبب في خرابها. # في هذه الأثناء حصلت تغييرات وانقلابات عظيمة في الشرق وفي البلاد المجاورة للملكة ~~الليدية المترامية الأطراف؛ فإن قيروش خرب مملكة أصطياغ صهر كريزوس، وقهر ملوك آشور، ~~وعاهد ملك هرقانيا، وفكر في مهاجمة ليديا التي كان يظهر عليها أنها كانت متحدة مع أعدائه. ~~وبعد أن بسط سلطانه على جميع البلاد شرقي نهر هالوس لم يكن هناك محل للتأخر عن عبور ذلك ~~النهر، كذلك لم يكن لقوة الفرس الهائلة مدفع عن أن تمتد إلى البحر وأن تفتح شبه الجزيرة وكل ~~ما تحويه من الشعوب، سواء في ذلك البرابرة والإغريق. ولقد أدرك كريزوس للحين خطر الموقف ~~الذي يتهدده، فلما علم بهزيمة أصطياغ استكمل عدته للحرب بقدر ما يستطيع. # فما كاد يتعزى عن موت ابنه الذي قتل في حادثة في الصيد، ثم عزم على أن يقف تقدم الفرس بأن ~~يحالف إغريق الشواطئ وجميع إغريق بيلوبونيز والغرب، ولهذه الغاية أرسل بادئ الأمر يستشير ~~الوحي ليحصل على تأييد الآلهة والاعتقاد العام. وذهبت وفوده فعلا إلى دلفوس ودودون، وإلى ~~أباس في فوكيد، وإلى غار طروفو نيوس، ومعبد أنفياراوس، ومعبد البرنشيد على مقربة من ملطية، ~~بل إلى معبد المشتري آمون نفسه، وكان كريزوس يريد أن يضع لهم بادئ الأمر أسئلة يختبر بها ~~صدقهم ثم يستفتيهم بعد ms018 ذلك بصورة منظمة في المسألة الكبرى؛ مسألة الحرب مع الفرس التي كانت ~~تقلق باله، فوجد أن هاتفي دلفوس وأنفياراوس أكثر إخلاصا ، فحمل إليهما الهدايا الباهرة ~~التي يمكن قراءة وصفها التفصيلي في هيرودوت الذي رأى بعض هذه النفائس الغالية في ~~المحاريب. # وعندما قدم ملك ليديا تلك الهدايا الثمينة استشار الهاتفين في أمر الحرب، فكان جوابهما ~~مبهما كله تورية؛ إذ قال: «إذا اشتبك كريزوس في الحرب مع الفرس خربت مملكة عظمى.» أيهما؟ ~~أدولة الفرس أم دولة ليديا؟ لم يقل الإلهيان بالتعيين، ولكنهما نصحا لكريزوس أن خير وسيلة ~~أن يتخذ حلفاء ونصراء من أقوى الشعوب الإغريقية، فعاود كريزوس هاتف دلفوس في هذه النقطة، ~~فعين له الهاتف اللقدمونيين من الجنس الدوري والآتينيين من الجنس اليوناني - يعني ~~الهيلنيين والبلاسجة - فأوفد سفراءه إلى الأجزاء المختلفة لبلاد الإغريق يخطب ودهم فلم يجب ~~دعاءه إلا اللقدمونيون الذين هم مائلون إليه لخدم أداها لهم قبل ذلك. أما بقية الإغريق - ~~وعلى الخصوص الآتينيين - فلم يدركوا حقيقة الخطر المقبل، ولم يجيبوا داعي ملك ليديا، ~~واستنجد كريزوس - على ما يقول سيروبيديا - حتى بأهل مصر، ولكن من المشكوك فيه أن مصر وجهت ~~لمساعدته مائة وعشرين ألف مقاتل كما يروي الرجل الطيب إكسينوفون. # ولقد أول كريزوس جواب الهاتف لمصلحته خطأ وأغار على كابادوس من أرض ميديا التي افتتحها ~~قيروش قبل ذلك بقليل، وكان من الضروري له أن يعبر نهر الهالوس وهو في هذا المحل واسع ~~المجرى، ووقع بذلك في صعوبة كبرى لم يتغلب عليها إلا بحذق طاليس الذي كان قد تبع الجيش ~~الليدي في عدد غير قليل من مواطنيه، فإنه اصطنع جسرا عريضا فصل النهر إلى عدة فروع سهل ~~اجتيازها، تلك هي الرواية التي وصلت إلى هيرودوت في حداثة عهدها. ولكن هيرودوت يظهر عليه ~~أنه يعتقد أن الجيش عبر النهر بالبساطة على قناطر لم تنشأ في رواية العامة إلا بعد هذه ~~الواقعة بزمان. ولما عبر كريزوس النهر استولى على المنطقة التي كانت تسمى بطيريا ~~وخربها. # سارع قيروش إلى لقاء الغائرين بجميع جيوشه ومن انضم ms019 إليهم من أهل البلاد، ولكن قبل أن ~~ينازل الليديين أرسل إلى اليونان يستميلهم إلى التخلي عن جيش كريزوس، ولكن اليونان بقوا على ~~عهدهم مع كريزوس؛ لاعتقادهم أن خيانة مخجلة لا تأتي إلا بالعار المجرد من كل منفعة؛ لأن ~~الإغريق لا يستطيعون أن يقفوا وحدهم في وجه الفرس إذا سقطت ليديا في يده كما كانوا يتوقعون، ~~وإن هزيمة عامة لكل أجناس الإغريق خير من العار ما داموا مصرين على ألا يسلموا بلادهم ~~إلى الفرس لأول وهلة. ولما التقى الجمعان في سهول بطيريا شرقي هالوس جرت بينهم حرب ~~طاحنة استعرت نارها طول اليوم إلى المساء لم يظهر فيها نصر نهائي لأحد الفريقين على ~~الآخر. # ولكن أضرارها كانت على كريزوس أكبر؛ لأن جيشه مع بسالة قواده كان قليل العدد جدا ~~بالنسبة إلى الجيش الآخر. ولما رأى قيروش ما مس جيشه من القرح لم يشأ أن يبدأ بالقتال في ~~اليوم التالي؛ فانتهز كريزوس تلك الفرصة للتقهقر إلى سرديس، وعزم على أن يبلغ من الدفاع ~~عنها غايته. # ثم استنجد حلفاءه وأمازيس ملك مصر ولابنطوس ملك بابل، واستنفر لقدمونيا لنصرته، واعتمد ~~على أنه متى اجتمعت له هذه القوى كلها يجدد الكرة على جيوش قيروش في الربيع القادم، وجعل ~~ميعاد حلفائه ونصرائه على تمام خمسة أشهر من يوم الدعوة في عاصمة ملكه. ولقد أصاب كريزوس ~~الحكمة في هذه التدابير، ولكنه ارتكب خطأ جما في صرف جنوده ظنا منه أن قيروش لا يستطيع ~~أن يطلع على سرديس بجنده الذي نال منه القرح ما نال، وقد خاب ظنه؛ لأن قيروش احتفظ بجنوده ~~وسار بهم بعد أن أخذوا قسطا من الراحة إلى ليديا، فلم يلبث أن نزل السهل الفسيح القائمة ~~فيه مدينة سرديس. # أما كريزوس وإن كان قد أخذ على غرة فإنه لم تنحل عزيمته، بل اعتمد على ما هو مشهور عن ~~أهل ليديا من الإقدام خصوصا كتائب فرسانهم، فإنهم كانوا مقطوعي النظير لمهارتهم في سوس ~~الخيل وفي حسن استعمالهم الرماح الطوال التي كانوا يعتقلونها. ولكن قيروش من جهته قد ms020 فكر ~~في تقليل قيمة تفوق فرسان العدو، فسير في مقدمة جيشه جماله كلها التي لم تعتد خيل ليديا ~~رؤيتها ولا رائحتها ؛ فجفلت وصعبت رياضتها، فترجل الليديون وأبلوا على الرغم من ذلك بلاء ~~حسنا، لكنهم بعد التحام هائل انهزموا فلم يجدوا لهم موئلا إلا أسوار مدينتهم. # لما رأى كريزوس أنه محصور بجنود منصورة عجل إلى حلفائه وعلى الأخص اللقدمونيين، لكن هؤلاء ~~بعد أن تأهبوا لنصرته حسب نص المعاهدة جاءهم نبأ سقوط سرديس عنوة في يد قيروش بعد حصار ~~دام أربعة عشر يوما ووقوع كريزوس في الأسر. لما وقع ملك ليديا التعس في أيدي أعدائه مثقلا ~~بالسلاسل وحكم عليه بأن يحرق حيا هو وبعض أبناء العائلات الكبرى الذين كانوا معه وسعرت له ~~النار وكادت تصل إلى جسمه، رق له قلب قيروش وأخذته الرحمة على هذا الملك البائس الذي كان ~~يحتمل تصاريف القدر بالرضا والتسليم، والذي كان في هذه اللحظة الرهيبة يذكر نصيحة سولون له ~~حينما وفد عليه وأقام في معيته. وكانت سن كريزوس وقت وقوعه في الأسر تسعة وأربعين عاما حكم ~~منها أربعة عشر عاما منذ وفاة أبيه، وبقي بعد ذلك زمنا طويلا في معية قيروش مرافقا ~~ومعينا له في غزواته. # إن تاريخ سقوط سرديس ليس أقل اضطرابا من تاريخ كسوف طاليس. وأخذا بما على رخام باروص ~~تكون سرديس سقطت في السنة الثالثة من الأولمبياد التاسعة والخمسين؛ أي سنة 537 قبل الميلاد. ~~أما فريريت فإنه يقول إنه وقع في سنة 545 أخذا بشهادة سوسيقراط الذي استشهد به ديوجين ~~اللايرثي في كتابه «حياة بيرياندر». وأما فولني فإنه أخره إلى سنة 557 في كتابه «أخبار ~~هيرودوت». وعلى كل حال فإن هذا التاريخ على خطره محوط بالشكوك، ولا يزال محلا ~~للتحقيق. # لما غلب الليديون على أمرهم أحست المدائن الإغريقية خطر مركزها، فعرض الأيوليون واليونان ~~الطاعة على الشروط التي كانت بينهم وبين كريزوس، فرفضها قيروش مزدريا إياهم، وذكر ~~اليونان إعراضهم عنه حين خطب ودهم قبل ذلك ببضعة أشهر، فلم يبق لهذه المدائن إلا خوض غمار ~~الحرب ms021 بعد ذلك الرفض المهين، فدعيت ندوتهم (البانيونيون) وحضرها أهل المدائن كلها إلا ~~الملطيين الذين كانوا اتخذوا للحرب عدتها من قبل، ولكن حظ الجميع منها لم يكن أحسن من حظ ~~مملكة ليديا. # من المحتمل أن يكون هذا الحين هو تاريخ النصيحة التي قدمها طاليس للاتحاد اليوناني؛ فإنه ~~لبصره بالعواقب ارتأى ألا يكون للمدن اليونانية إلا جمعية واحدة تعقد في طيوس - لتوسط ~~مركزها - على أن تحتفظ كل مدينة بنظمها الخاصة؛ لأنهم متى اجتمعت قواهم كانوا بالضرورة أقدر ~~على مقاومة عدوهم المشترك؛ فإن الاتحاد وحده هو الذي ينجيهم ما دامت المنازعات الداخلية هي ~~التي أضعفتهم. ولكن هذا الرأي السديد لم يكن ليطاع فيهم مع أنه لم يجئ بعد الأوان، فإن حال ~~اليونان لم يكن بعد من السوء بحيث لا يمكن إصلاحه. # ولقد نصح لهم طاليس بعد ذلك نصيحة في وقت أشد حرجا فلم تقابل إلا بما قوبلت به سابقتها ~~من الإعراض، ثم نصح لهم بعد ذلك بياس البرييني - أحد أعضاء الندوة (البانيونيون) - أن يترك ~~اليونان جميعا آسيا ويتخذوا أسطولا كبيرا يركبونه إلى «سردينيا» حيث يؤسسون جمهورية ~~قوية، وأبان لهم بيأس أنهم إن بقوا في آسيا لا يستطيعون أن يحموا حريتهم. يرى هيرودوت أن ~~اليونان لو كانوا قرروا هذا القرار الباسل لصاروا أسعد الشعوب الإغريقية كلها، ولكنهم قنعوا ~~بمفاوضة الأيوليين ليرسلوا سفراء إلى إسبرطة يطلبون باسمهم وباسم اليونان إعانة الجمهورية ~~إياهم. # لم تشأ جمهورية إسبرطة أن تمدهم بقوة حقيقية، بل أرسلت رجلا ثقة من رجالها يقال له ~~«لقرين» إلى سرديس يطلب إلى الفاتح ألا يسيء إلى أية مدينة إغريقية ويهدده بسخط لقدمونيا، ~~غير أن قيروش الذي ما كان يعرف إلى ذلك الوقت ما هي إسبرطة، أخذ يسأل بها وأعلن - وهو هازئ ~~بهذه الشعوب التي يخالها متأنثة في أمورها - أنه أولى بها أن يشغلها الخطر المحدق ببلادها ~~عن الخطر الذي يتهدد يونيا. في هذا الوقت دعا قيروش اختلاف الأحوال في بابل وبكتريان ~~والساسيين بل وفي مصر أيضا إلى التعجل بالسفر من سرديس إلى أقبطان، وخلف ms022 على المدينة ~~فارسيا يدعى طابالوس، وجعل على نقل الكنوز التي جمعها ملوك ليديا منذ عدة قرون ليديا ~~يقال له بكتياس. # انتهز بكتياس غيبة قيروش في حصار بابل، ووضع يده على الكنوز التي اؤتمن على نقلها، وانتبذ ~~بها مكانا بعيدا على الشاطئ، ودعا الليديين إلى الثورة والانتقاض على قيروش، وألف ~~بالمال جندا سار به إلى حصر مدينة سرديس التي كان يحميها طابالوس، ولكن هذه الثورة لم تلبث ~~حينا حتى جاء مزاريس - أحد قواد قيروش - بالمدد، واضطر بكتياس إلى الهرب والاحتماء في ~~«كومة»، فلما طلبه مزاريس هم الكوميون بتسليمه إليه بنصيحة هاتف البرنشيد، لولا رجل شجاع ~~منهم يقال له أرسطوديقوس حمى النزيل ونجاه من الهلك واستحب عصيان الإله على انتهاك حرمات ~~الضيافة في حق مستجير. ونجا بكتياس إلى ميتيلين حيث عادت لأهل كومة نخوتهم وأرادوا هم أيضا ~~حمايته، غير أن هذا السيئ الحظ قد أخذه الشيوزيون بالقوة من معبد مينرفا وسلموه إلى الفرس؛ ~~لأن قيروش أمر بأن يحضر لديه حيا، وقبض الشيوزيون ثمنا لهذا العار مقاطعة أطرنة الواقعة ~~في ميزيا تجاه لسبوس، ولكنهم لم يسعدوا في هذه الأرض التي امتلكوها بذلك الثمن المخجل، فقد ~~أكد هيرودوت أنه مر زمن طويل على أهل شيوز لا يستطيعون أن يقربوا للآلهة قربانا ولا أن ~~يضحوا بشيء مما كان يأتيهم من غلة ذلك البلد الملعون. # قسا مزاريس في التنكيل بالذين خرجوا على الملك في ثورة بكتياس، وكتب الرق على سكان بريينة ~~وباعهم بالمزاد، وخرب بلا رحمة سهول مينادرس جميعها وأباحها لنهب عسكره، ولكن منيته صادفته ~~أثناء هذا الانتقام، ولقد أراد الفرس بهذه الفظائع أن يغلوا أيدي المغلوبين عن الثورة، ولكن ~~إغريق الشاطئ ومستعمرات أيولس ويونيا ودريدا لم يخفهم ذلك، بل أخذوا عدتهم واستجمعوا بأسهم ~~إلى حرب غير متعادلة القوى ولا ملحوظ في نتيجتها إلا الفشل والخذلان. # بذلك يبتدئ العهد الثالث والأخير لتاريخ الإغريق في آسيا الصغرى؛ فإن العهد الأول لبث من ~~وقت نزوحهم إليها إلى حكم جوجيس غاصب ملك ميديا، وهو أطولها؛ لأنه لا يقل عن ms023 500 سنة، ~~والثاني الذي كان مملوءا بالتنازع بين مدائن الإغريق ومملكة ليديا، ويمتد إلى هزيمة كريزوس ~~وسقوط سرديس. ولم تكن قوة ملوك الليديين تلقاء قوة الفرس شيئا مذكورا؛ لأن الفرس كانوا ~~أمة حزب ملكت جزءا عظيما من آسيا، وتقدموا تقدما كبيرا في فنون الحرب بفضل قيادة ~~قيروش. # أما الذي خلف مزاريس على التنكيل بالثائرين واستمرار الفتح فهو رجل خليق بكل أنواع ~~الفظائع واقتراف الدنايا يقال له هربغوس، اشتهر بعمل مقطوع النظير في الخسة حتى في معرض ~~دنايا البلاط الفارسي، ذلك أن «أصطياغ» - ملك الميديين - كان قد أزعجته رؤيا، فكلف هربغوس ~~أمينه أن يحتال لقتل الولد الذي ولدته حديثا ابنته مندان من قمبيز، وكان هذا الحفيد ~~المقصود بالوقيعة هو قيروش، فقبل هربغوس هذا الأمر، ولكنه لم يشأ أن يقتل الصبي بيده؛ فوكل ~~ذلك إلى راع أخذته الرحمة من توصيلات زوجته؛ فاستبدل صبيه الذي ولد ميتا بالذي دفع إليه ~~ليقتله، ودخلت هذه الحيلة على هربغوس، فلما استكشف «أصطياغ» خفية الأمر وعلم بكل ما جرى كظم ~~غيظه، ولكنه انتقم من هربغوس شر انتقام، فأمر بقتل ابن هربغوس سرا، ودعاه إلى طعام قدم ~~إليه فيه لحم ابنه فأكله، ثم أمر فأحضر رأس الغلام ويداه وقدمت أثناء المأدبة تحت غطاء إلى ~~هربغوس، فلما كشف عنها الغطاء رأى هذا المنظر الفظيع فلزم السكينة، فسأله «أصطياغ» في ذلك ~~فقال إنه تعرف اللحم الذي أكله، ولا يسعه إلا الثناء على الملك على ما تفضل به. # ومع ذلك فإن هربغوس قد أصر على الانتقام من «أصطياغ» بأن يثل عرشه من تحته؛ فحرض قيروش ~~سرا على العصيان، ولم يصادف هذا الأمير الشاب عناء في حمل الفرس على نبذ نير الميديين ~~الثقيل، ولقد بلغت العماية «بأصطياغ» أنه لما جاء حفيده على رأس الجيش الفارسي أمر على ~~الجند هربغوس الذي كان قد نكل به ذلك التنكيل، فلم يلبث هذا الأخير أن خانه وانخذل ~~بالجيش، وقهر قيروش «أصطياغ» ولم يقتله، بل تركه يعيش في الخزي، وسقطت مملكة الميديين بعد ~~أن أقامت 328 سنة ms024 من ديجوسيزبن فراورط، وبقي هذا القسم من آسيا من يومئذ تابعا للفرس الذين ~~لم يحتفظوا به إلا أقل من تلك المدة حتى سقطت مملكتهم بإغارة إسكندر . # ذلك هو هربغوس الذي رمى به قيروش مدائن الإغريق ليخضعها. # ولقد عنيت بذكر هذه التفاصيل على شهرتها لأبين أي الأمم وأي الأخلاق سيكون ليونان الشاطئ ~~علاقة بها. # أخذ هربغوس يبتكر طرائق لفتح المدائن، فكان كلما وصل مدينة أحاط بها ثم حفر حولها خندقا ~~يحصر أهلها فيضطرهم إلى التسليم؛ فبدأ بمدينة فوكاية، تلك المدينة التي كان لها اسم كبير في ~~ذلك العهد، والتي تهمنا بوجه خاص جد الأهمية؛ لأن أحد فلاسفتنا (إكسينوفان) كان بها منذ نفي ~~من كولوفون وهرب مع مواطنيه على الشواطئ البعيدة لبحر طرهينيا، ولقد كان أهل فوكاية أول من ~~أزمع السياحات الكبرى المقرونة بالأخطار من جميع الجنس الهليني؛ فإنهم أول من علم الناس ~~ما هو البحر الإدرياتيكي وبحر طرهينيا وأيبيريا وطورطايس، تلك الأصقاع السحيقة في حدود ~~الأرض وراء عمد هيرقليس، وهم الذين حوروا طريقة صنع السفن فرغبوا عن السفن الغليظة ~~المستديرة إلى سفن ذات خمسين صفا من المجاذيف، وهي المسماة «البانيكونتور». ولما كان لأهل ~~فوكاية صلات مودة ومعاملة ببلاد طورطايس عرض عليهم أرغانتونيوس - ملك هذه الجهة - أن ~~يهاجروا إليه إذا شاءوا أن يتركوا يونيا عندما هدد الفرس مدينتهم. ونظرا إلى أنهم لم ~~يكونوا قد عزموا على الهجرة بعد، أعطاهم حليفهم الملك مبلغا عظيما من النقود ليساعدهم على ~~إقامة سور منيع حول مدينتهم، فأقاموا هذا السور الواسع الامتداد من أحجار كبيرة محكمة الرصف ~~جدا. # وقف هربغوس أمام هذا الحصن العظيم الذي لم يستطع النفوذ منه إلى داخل المدينة، وبقي ~~محاصرا لها حتى أرهق أهلها إرهاقا، ثم عرض عليهم عرضا يوافقهم، وهو أن يهدموا جزءا من ~~الحصن الأمامي تحتله الفرس إشارة إلى أن أهل المدينة أطاعوا؛ فطلب إليه الفوكيون الذين ~~أعياهم الحصار جوابا على هذا العرض هدنة يوم واحد، وأن يبتعد الجيش الفارسي عن مراكزه، ~~فأجابهم هربغوس إلى ذلك مع توقعه ما سيحصل؛ فاغتنم ms025 الفوكيون هذه الهدنة وحملوا على السفن ~~نساءهم وأولادهم وجميع ما يستطيعون حمله خصوصا الأمتعة المقدسة التي جمعوها من المعابد، ~~وسافروا إلى شيوز، فلما جاء الفرس في اليوم التالي وجدوا المدينة خلوا ليس فيها أحد من ~~أهلها. # كان الفوكيون قد رغبوا بادئ ذي بدء في أن يشتروا من أهل شيوز الجزر التي تسمى إينوزوس، ~~لكن هؤلاء قد رفضوا الصفقة حتى لا يخلقوا لأنفسهم مزاحمين لا يستهان بأمرهم على مرافق ~~التجارة، فاضطر الفوكيون إلى أن يوجهوا سفنهم نحو جزيرة قورسقة (المسماة وقتئذ سيرني)، حيث ~~أسسوا فيها قبل ذلك منذ عشرين عاما مدينة «علالية» بإشارة الهاتف، ولكنهم قبل أن يذهبوا ~~إلى هذا المنفى النهائي رجعوا إلى فوكاية على غرة من حرسها الفارسي وذبحوهم، ومع ذلك فإن ~~هذا العمل الجريء لم يمكنهم من البقاء في وطنهم القديم، بل ارتدوا إلى أسطولهم. وليثبتوا ~~أنهم لن يتركوه ألقوا في البحر كتلة من الحديد، وأقسموا ألا يعودوا قبل أن تطفو هذه الكتلة ~~الثقيلة على سطح الماء. # وعلى رغم هذا القسم زين لنصف النازحين أن ينزلوا إلى البر ويدخلوا فوكاية، وأما النصف ~~الآخر الذي بر بقسمه فقد اعتمد على ألا يبقى تحت نير المتوحشين الذي لا يطاق، وأبحروا إلى ~~قورسقة، فدخلوها آمنين وأقاموا كما يشتهون في سكينة مدة خمسة أعوام مع مواطنيهم الذين ~~سبقوهم إليها قبل ذلك بسنين طوال. ولكن أهل طرهينيا وقرطجنة هاجموا الفوكيين، إما حسدا من ~~عند أنفسهم، وإما اضطرارا للكسب وحبا في السلب والنهب. ولم يكن لدى الفوكيين إلا ستون ~~سفينة ضد مائة وعشرين لخصومهم، ولم يبرر لهم ذلك التردد في منازلتهم، بل ذهبوا يبحثون عن ~~عمارات خصومهم في بحر سردينيا، وتحرشوا بهم وطلبوهم للقتال، ولكنهم خسروا في هذا الظفر ~~ثلثي سفنهم؛ فرجعوا عجلين إلى «علالية»، واحتملوا عائلاتهم وأموالهم ليلجئوا إلى موئل آخر ~~آمن من هذا. # والظاهر أن جزءا من هؤلاء المهاجرين قد وقع في يد الطرهينيين والقرطجنيين فقبضوا عليهم ~~وذبحوهم، وذهب الجزء الآخر إلى رغبوم في صقلية، ومن هناك اتجهوا إلى الشمال، وأسسوا على ms026 أرض ~~أونتري مدينة إيليا الشهيرة بمدرستها الفلسفية التي شيدت فيها بعد تأسيسها بقليل. # في نحو هذا الحين لجأ إكسينوفان إلى إيليا هاربا من كولوفون التي وقعت في قبضة الفرس، ~~وانضم إلى الفوكيين الشجعان الذين كانوا مثله يكرهون العبودية. من الواضح أن ما ورد في ~~شعر إكسينوفان خاصا بإغارة الفرس الذين ما زال يسميهم الميديين، إنما يراد به واقعة ~~هربغوس تلك لا حرب الميديين، # 11 # كما ظن ذلك أحيانا. وقد يظهر أن تأسيس إيليا الذي شدا به إكسينوفان كما شدا ~~بتأسيس كولوفون كان في سنة خمسمائة وست وثلاثين أو خمسمائة واثنين وثلاثين قبل الميلاد، بل ~~قد يكون أدنى من ذلك، على كل حال فإنه قبل إغارة مردونيوس وداتيس على بلاد الإغريق بثلاثين ~~سنة على الأقل، وليس عندنا ما يفيد أن إكسينوفان عاش إلى ذلك الوقت. # ولسنا نرى فيما حفظ لنا التاريخ من التفاصيل ماذا جرى على كولوفون بخصوصها، وهي من ليديا ~~كمدينة فوكاية، ولكن المفهوم ضمنا هو أنها وقعت فيما وقعت فيه فوكاية، وأن أهلها الذين لم ~~يقبلوا حكم المتوحشين ركبوا البحر ليلجئوا إلى جهات أكثر طمأنينة. حق أن هيرودوت لم يذكر ~~بعد أخبار الفوكيين إلا أخبار أهل طيوس الذين فعلوا مثل ما فعل أولئك، فحملوا ما قدروا عليه ~~في سفنهم وقصدوا تراقيا حيث أسسوا مدينة أبدير، وقد كان سبقهم في الهجرة إلى تلك البلاد أحد ~~مواطنيهم المدعو كلازومين. # أضاف هيرودوت إلى هذا أن بقية مدن يونيا خضعت لحكم الفرس بعد مقاومة عنيفة، ولا مانع من ~~افتراض أن إكسينوفان كان أحد هؤلاء الأبطال الذين أثنى عليهم المؤرخ، والذين لم يلقوا ~~قيادهم إلى الفرس إلا بحكم الضرورة، إلا الملطيين وحدهم فإنهم اتفقوا مع قيروش كما ذكر ~~آنفا، وبذلك احترم هربغوس حيادهم اكتفاء بما شتت وأذل من سائر يونان القارة. وأما أهل ~~الجزائر فإنهم بوضعهم كانوا في مأمن من الغارة؛ لأن الفرس لم يكن لديهم بعد أسطول يطولون به ~~الجزائر ويلقون على أهلها نير العبودية. # وأما يونيا وأيولس فإنهما أطاعتا غاية الطاعة حتى ms027 جند منهم هربغوس حين مشى إلى قاريا التي ~~وقعت في قبضته بعد قليل. وأما الكنيديون فإنهم حاولوا الدفاع بالإسراع في قطع البرزخ الذي ~~يصلهم بالقارة، ثم بدا لهم أن يستسلموا إلى الفرس أخذا بنصيحة كاهنة دلفوس. وأما ~~البيدازيون من ضواحي هاليكارناس فإنهم قاوموا حتى حين، ولكنهم قهروا كما قهر الليقيون ~~الذين أبلوا بلاء حسنا في الدفاع عن وطنهم. وبذلك تم النصر لقيروش، وكان يستطيع أن يغتبط ~~وهو سائر إلى إخضاع بابل بأن كل آسيا الدنيا ملك له إلى البحر. # كانت جزيرة سموس وقتئذ أقوى الجزر، ذات مركز سام بما لها من الروابط بإغريقا وبمصر، ~~وبينما كان قمبير المفتون بن قيروش يغزو مصر ليقضي على نفسه فيها كان بوليقراطس يحكم سموس، ~~وقد مكن له فيها بحسن إدارته وقلة تحرجه ومبالاته، حتى جعل الجزيرة من الرخاء محسودة الوفر ~~من كل نظائرها. وكان من أمره أنه أقام فيها ثورة انتهت باستيلائه فيها على السلطان هو ~~وأخويه ينتنيوت وسيلوسون؛ إذ اقتسم الإخوة الثلاثة حكم المدينة لكل منهم قسم معلوم، ولكن ~~يوليقراطس لم يلبث أن تخلص من أخويه؛ إذ قتل أحدهما وشرد الثاني، وخلص له الحكم، وأطاعه ~~أهل المدينة. وقد أراد أن يثبت لنفسه الملك المغصوب فارتبط بأمازيس ملك مصر، وتبادل وإياه ~~الهدايا النفيسة، ولم يمض عليه حين حتى نبه ذكره، وعمت شهرته بلاد الإغريق، وكان سعيد ~~الطالع موفقا في مشروعاته إلى غاية المنى، وكان أسطوله مؤلفا من مائة سفينة من ذوات ~~الخمسين صفا من المجاذيف، وكان يبلغ عدد رماته وحدهم ألفا. # ولم يكن مع ذلك ليرعى لجيرانه حرمة، بل كان يضرب عليهم الإتاوة بغاية الجرأة، وكان من ~~مبادئه السياسية ألا يبقي حتى على أصدقائه متى قضى الظرف إلا أنه كان يعوض عليهم بعد ذلك. ~~وكان قد غزا عدة جزر حوالي سموس، بل عدة مدن في القارة، ولما ساعد اللسبوسيون الملطيين عليه ~~حاربهم وقهرهم في وقعة بحرية، وسخر جميع الأسرى مصفدين بالأغلال في حفر الخندق العميق الذي ~~كان يحيط بأسوار المدينة. وكان من نتائج ظلمه ms028 أن بعض أهل سموس هجروها من هول ما يلقون من ~~الجور، واستجاروا بإسبرطة، فأبحر إليه اللقدمونيون في أسطول قوي، وحاصروا المدينة أربعين ~~يوما، ولكنهم ارتدوا على أعقابهم بفضل بأس بوليقراطس أو بفضل ماله. # وبقي هذا الطاغية مستبدا بالحكم مهيب الجانب لا يغلب على أمره، حتى إن من لم يريدوا من ~~السموسيين الاستسلام لمظالمه لم يكن لهم وسيلة إلا الهجرة بعيدا عن ملكه إلى حيث ينزلون ~~منزلا يرضونه. ولم يكن ليأمن على نفسه الطوارئ بذلك الخندق العميق الواسع، بل اتخذ نفقا ~~تحت الجبل سلك فيه إلى المدينة ماء غدقا، وبنى رصيفا شاهقا متقدما في البحر، جعل به ~~المرفأ أكثر ملاءمة لرسو السفن، ثم بنى معبدا اشتهر بأنه أكبر المعابد المعروفة. وقد ذكر ~~أرسطوطاليس أيضا هذه الأعمال العظيمة التي عملها بوليقراطس. # وكان هذا الطاغية محبا للآداب والفنون، ويقال إنه أول من أنشأ مكتبة. وكان مثل ذلك في ~~تلك القرون زخرفا نادرا كانت مصر وحدها هي صاحبة الإبداع فيه، وكان يؤوي إليه الشعراء، ~~وكان أنقريون الطيوسي بعض جلسائه ومادحيه. # في صدد الكلام على عهد طغيان بوليقراطس هذا، ينبغي أن نورد خبر الصلات التي كانت ~~لفيثاغورث به والتي لدينا عنها معلومات مضبوطة؛ فإن يمبليك وفرفريوس وديوجين لا يرث يلتقون ~~في هذه النقطة، وليسوا بالضرورة إلا صدى كثير من المؤلفين الذين هم أقرب عهدا بزمن ~~فيثاغورث وكتبوا ترجمته، مثل أرسطوكسين الموسيقي - تلميذ أرسطو - وأبللنيوس الصوري وهرميب ~~وديوجين وأنتيفون ... إلخ. كان فيثاغورث بن منيزارخس يدلي بأمه إلى أكبر عائلات سموس، ويمكن ~~أن يتصل نسبه بأنصي - مؤسس المستعمرة - ويظهر أن أباه قد جمع مالا وفيرا من تجارة القمح، ~~وكان صوريا على رأي بعض المؤرخين، وطرهينيا على قول البعض الآخر، وكان يستصحب ابنه معه ~~في سياحاته منذ حداثته؛ فطاف الصبي مع أبيه تلك البلاد التي عني بدرسها بعد ذلك، فلما صار ~~في سن التعلم، ورأى أبوه فيه مخايل وعليه سيما النجابة، وصله بأعلى الرجال امتيازا في ~~زمنه: طاليس - على ما يقال - وأنكسيمندر وأنكسيمين الملطي وفرقليد السيروسي. وقد عرف ms029 ~~فيثاغورث فينيقيا وهو شاب؛ إذ صحب أباه إليها، ولما أراد السفر إلى مصر زوده بوليقراطس ~~بكتاب توصية إلى أمازيس، وذلك يثبت أن رأي فيثاغورث في بوليقراطس وقتئذ على الأقل لم يكن ~~كرأيه فيه بعد ذلك. # لم تكن مدة إقامة فيثاغورث بمصر محل اتفاق في التاريخ، فمن مترجميه - مثل يمبليك - من ~~حددها باثنين وعشرين عاما، وإن كان ذلك قليل الاحتمال. لما أسر عسكر قمبيز فيثاغورث سيق ~~إلى بابل، وهناك اتصل بالمجوس كما اتصل بكهنة مصر مدة إقامته بها؛ إذ كان محل إعجاب بذكائه ~~ورجاحة عقله وحسن روائه. ولما رجع إلى وطنه وهو متقدم في السن؛ أي كانت سنه ستا وخمسين ~~سنة على قول يمبليك، فتح فيه مدرسة، وظل السموسيون الفخورون بمواطنهم يعقدون مداولاتهم ~~السياسية قرونا عدة بعد ذلك في مجلس نصف حلقي مسمى باسم فيثاغورث. # وقد قال أرسطوكسين: إن فيثاغورث لما ترك سموس فرارا من ظلم بوليقراطس لم يكن يتجاوز من ~~العمر أربعين سنة، وربما كان قوله أوجه؛ لأنه أقرب عهدا إلى هذه الأحداث من يمبليك، ومن ~~المحتمل أن يكون أعلم بها منه ما دام أنه تلميذ أرسطو الذي كان يشتغل كثيرا بفلسفة ~~فيثاغورث. وأما شيشيرون فإنه ذكر في كتابه «الجمهورية»: أن فيثاغورث وصل إلى إيطاليا في ~~الأولمبية الثانية والستين؛ أعني في سنة 528 قبل الميلاد؛ أي في السنة التي جلس فيها طرخان ~~العظيم على العرش. ولما كان شيشرون (على لسان سيبيون) يقصد إلى تصحيح خطأ تاريخي شائع، فمن ~~المراجع أنه يعرف حق المعرفة صحة ما ذكر، وأنه غير مخطئ. # ومهما تكن حياة فيثاغورث محجوبة عنا مع ما كان من اشتغال كثير من الكتاب الأقدمين بها، ~~فالظاهر أن من المحقق أنه هاجر من سموس المحرومة الحرية ليجد بلدا في إغريقا الكبرى لا ~~تشمئز فيه نفسه من مشاهد الظلم، ويستطيع أن يتمتع فيه بالاستقلال الذاتي الذي كان في حاجة ~~إليه. وكذلك فعل إكسينوفان في نحو هذا الزمن؛ إذ كان يفر من اضطهاد الفرس الذين كانوا أشد ~~ظلما من طغاة الإغريق. كان ذلك ms030 هو الحظ المشترك لأمثال هؤلاء، فليس من السهل أن يبقى المرء ~~وطنيا أو فيلسوفا ينوء بحمل الضغط الذي يأتيه أمثال أولئك الأسياد. وعلى ذلك حمل ~~فيثاغورث إلى قروطون وإلى ستيباريس مذاهب عجيبة فيها بلا شك شيء من الديانات الشرقية التي ~~اتصل بأهلها، ولكنها حقيقة باحترام كل من يحبون الحكمة والإنسانية. # ولم تصل إلينا مذاهب فيثاغورث إلا عن طريق الوسطاء؛ إذ لم يجتمع لنا شيء من مؤلفاته ~~الكثيرة التي وضعها # 12 # فيما يظهر على ما يقول هيلير قليطس، والتي مع كون فيلولاوس أذاعها لأول مرة بعد ~~ثلاثة أو أربعة قرون من وضعها كان يطلبها أفلاطون بأغلى ثمن. # أما بوليقراطس الذي شاطر في أسباب تعليم فيثاغورث، فإنه لقي حتفه على أسوأ ما يكون بعد ~~سنين قلائل من اعتزال الحكيم سموس التي صارت أحط من أن تكون وطنا له؛ ذلك بأن أورطيس ~~الذي رسمه قيروش مرزبانا على سرديس حاول أن يوسع سلطان الفرس ويدخل الجزائر تحته، فعزم على ~~أن يوقع بالطاغية الذي أتى سموس الواقعة أمام حكومته قوة ومنعة، فأرسل إلى بوليقراطس سرا ~~رسولا يخبره عنه بأنه مهدد شخصيا بغضب قمبيز البالغ حد الصرع، وأنه يريد أن يودع ماله ~~مكانا أمينا ويرجو السيد أن يقبل إيداعها عنده، ولكيلا يتظنن في قوله طلب إليه أن يرسل ~~ثقة له ليريه خزائنه المملوءة بالذهب المضروب، على شريطة أن يبقي نصف المال للمرزبان والنصف ~~الثاني يكون لبوليقراطس ينفقه على مشروعاته الواسعة المدى إلى حد فتح إغريقا كلها. # لم يطق شره بوليقراطس صبرا، فأرسل أمين أسراره مندريوس إلى «سرديس» ليحقق خبر كنوز ~~أورطيس الذي خدع الرسول وأراه صناديق مملوءة حجرا مغطاة سطوحها بالذهب، فرجع الرسول إلى ~~سيده وقرر له ما رأى، ففرح بوليقراطس وعول على أن يذهب بنفسه لإحضار الذهب، وعبثا حاول ~~أصحابه وعائلته منعه، حتى لقد كان منه أن هدد ابنته بألا يزوجها إلا بعد زمن طويل حين تشبثت ~~بمنعه وقت ركوبه الفلك. ومضى وفي صحبته عرافه المدعو هيلي الذي لم يصل علمه إلى كشف هذه ~~الأحبولة. ms031 فلما وصل إلى حيث ينتظره أورطيس أمر الغادر بالقبض عليه وصلبه. ومع أن هيرودوت لم ~~يكن به مظنة ضعف للطغاة فإنه رثى لحال بوليقراطس الذي كان من العبقرية والسؤدد بحيث لا ~~يستحق هذه الميتة الشنعاء. # وكان في معية بوليقراطس في هذه السفرة المشئومة - غير ذلك العراف المغفل - ديموكيد الطبيب ~~الشهير من قروطون الذي وقع هو أيضا بهذه الأحبولة في الرق، ثم دعي بعد ذلك بقليل إلى بلاط ~~دارا ليعالجه من التواء مفصلي أصابه، وذلك حين أمر دارا مهلك المجوس بقتل أورطيس لارتكابه ~~فظائع لا مصلحة في ارتكابها. # 13 # لما خلت سموس من بوليقراطس لم تستأخر عن الوقوع في قبضة الفرس؛ لأن الطاغية لما ذهب إلى ~~حيث لقي حتفه كان قد خلف على الجزيرة أخاه مندريوس الذي هو أقل كفاية من أن يلي الحكم، ~~وجاءت جنود أوطانيس المرزبان الجديد تحت قيادة سيلوسون أخي بوليقراطس الذي نال حظوة عند ~~دارا بسبب أنه عرفه في مصر حيث منفاه، فهرب مندريوس وترك الجزيرة، فتولى أخوه شاريلاوس ~~قيادة الحامية، وبعد مقاومة عنيفة سقطت الجزيرة في أيدي الفاتحين، ودخلها سيلوسون فوجدها ~~خلوا من سكانها. # ولما انتصر دارا على بابل بفضل إخلاص زوبير وجه قواه إلى محاربة السيتيين، فصنع له ~~مندروكليس المهندس السموسي القنطرة المشهورة التي عبر عليها جيشه بغاز البسفور، وهي قنطرة ~~من المراكب لم يكن طولها أقل من أربع غلوات؛ أي نحو 800 متر، ولا بد أن يكون اتخاذ مثل هذه ~~القنطرة من أصعب ما يكون، وكانت واقعة - على رأي هيرودوت - بين بيزنطة وبين معبد قائم على ~~مصب البسفور. ولكي يخلد هذا الملك العظيم ذكرى هذا العمل أغدق على المهندس السموسي نعمه، ~~وأقام عمودين على جانبي الشاطئ كتب عليهما باللغتين اليونانية والآشورية. وقد رسم مندروكليس ~~في معبد جونون لوحة تمثل القنطرة وجيوش الفرس تعبر فوقها تحت نظر دارا جالسا على عرشه. ~~وقد شفع دارا جيشه البري بأسطول عظيم يقوده اليونان والأيوليون وفريق من أهل هلسبون، وأمر ~~الأسطول أن يدخل البحر الأسود، ثم يدخل مجرى الدانوب ms032 ونهر الاستر، ويقيم قنطرة على النهر في ~~محل تفرعه الأول إلى عدة فروع. واتجه دارا بجنوده في البر من تراقيا إلى تلك النقطة، وكانت ~~عدة جنوده البرية سبعمائة ألف مقاتل وعدة سفن أسطوله ستمائة سفينة، وكانت هذه الجيوش البرية ~~والبحرية مؤلفة من جميع الأمم التي تشملها مملكة الفرس المترامية الأطراف من شواطئ آسيا ~~الصغرى إلى الهندوس. # وتقدم الملك العظيم - على بعد الشقة وصعوبة المسالك - في طريقه بين تلك الأمم الجافلة ~~التي كانت تولي الأدبار أمامه وتستدرجه شيئا فشيئا إلى مفازاتها الواسعة وتلك المهامه ~~التي لا تجاز، كما وقع في أيامنا هذه لفاتح آخر ليس أكثر منه بصرا بالعواقب ولا أقل منه ~~نحسا في الطالع. وقد عني دارا في انتصاراته الموهومة بأن يقيم في طريقه أعلاما وأعمدة نقش ~~عليها بالعبارات الفخمة: «إخضاع الجيتيين». وكان يبني آثارا سهلة البناء؛ فإنه أمر بأن ~~يلقي كل جندي من جيشه العرمرم وهو سائر حجرا في مكان معين، فيجتمع من هذه الحجارة أكمة ~~عظيمة يخيل أنها هرم. # ولقد وجد جيش دارا حتى في هذه المجاهل بعض آثار النفوذ الإغريقي، فإن أولئك الرحل الذين ~~كانوا يعبدون «ذالمكسيس» الذي كان - كما يقال - عبدا لفيثاغورث بن منيزارخس في سموس، والذي ~~بعد أن صار حرا وغنيا عاد إلى مواطنيه بشتات من المدنية الهلينية؛ إذ نقل إليهم شيئا ~~من عقائد سيده العالم، غير أن هيرودوت لم يقبل هذه الرواية، وردها بأن «المكسيس ~~أوغيبليزيس» كان أقدم من فيثاغورث بكثير، وأن فيثاغورث أعجب بحكمته العالية، # 14 # ولكن تلك الرواية المشهورة مهما كانت كاذبة تدل على الأقل على ما لاسم الفيلسوف ~~من الاحترام منذ تلك الأزمان، فإليه تنسب الثقافة الأخلاقية والإصلاح الموفق الذي - وإن لم ~~يتم - كان سببا في التهذيب من حال أهل تراقيا المتوحشين. # على أن دارا لما وصل إلى المحل المعين على نهر الدانوب، وجد اليونان نفذوا أمره بإقامة ~~قنطرة المراكب، كما أقاموا قنطرة البسفور. ولما عبر الجنود النهر أراد دارا رفع القنطرة حتى ~~يتبعه الإغريق في غزوته، ولكن قويس - رئيس المتالنة ms033 - كان لحسن الحظ أسد رأيا من الملك؛ ~~فإنه وصل إلى إقناعه ببقاء القنطرة؛ لأنها طريقه الوحيد عند التقهقر، وعلى ذلك أمر دارا ~~اليونان أن ينتظروه ستين يوما فإن لم يعد في هذه المدة هدموا القنطرة وسافروا. # حدث ما كان سهلا توقعه؛ فإن جيش دارا بعد أسفار نحو الشمال متعبة عديمة الفائدة اضطر ~~إلى أن يعود خاسرا تاركا مرضاه وجرحاه، وكانت حاله حال ذلك الجيش العظيم سنة 1812 الذي ~~كان في تلك البلاد تقريبا يقاتل أولئك الأعداء أنفسهم الذين خدعوه الخديعة عينها. # ولما انتصر السيتيون على دارا من غير حرب تقدموه إلى قنطرة الدانوب، وكان دارا سيلاقي ما ~~لاقى نابليون في عبور نهيربير يزينا لولا أمانة الإغريق الذين وكل إليهم حراسة القنطرة، فإن ~~السيتيين حرضوهم على كسرها قائلين: إن ميعاد الستين يوما قد مضى، وإنهم قد أوفوا بعهدهم، ~~وقد نصح لهم ملتياد الآتيني - الذي كان قائد أهل شرسنيز وهلسبون وطاغية عليهما والذي صار ~~بعد ذلك فاتح مرطون - أن يهدموا القنطرة وينسحبوا إلى بلادهم، وبذلك يهلك الجيش الفارسي ~~ويسترد اليونان حريتهم، وكانت نصيحته ستجد آذانا صاغية، ويكون لها من الأثر ما لم يكن ~~لإغراء السيتيين، لولا أن اجتمع رؤساء اليونان وقرروا بناء على رأي هستيا الملطي أن ~~ينتظروا دارا ويخلصوه، وكان مع هستيا من رءوس اليونان سطراطيس الشيوزي وأوسيز السموسي ~~ولودامس الفوكي، وكان أرسطاغوراس الكومي وحده رئيسا للأيوليين. # ولم يكن الوفاء بالعهد هو الذي حمل أولئك الرؤساء على هذا القرار الغريب، بل هي المصلحة ~~الشخصية؛ فإن هستيا لم يصادف عناء في إقناع زملائه الذين مصلحتهم كمصلحته بأنهم إذا فقدوا ~~تأييد الفرس لهم لم يلبث واحد منهم سيدا على مدينته التي يحكمها، بل إن الأمة متى تخلصت ~~من حكم الأجنبي تسارع إلى حكم الديموقراطية، وتحرم رؤساءها الحاليين كل سلطان عقابا لهم ~~على قبولهم المزايا التي خصهم بها الملك الكبير، وقد رجح لدى الرؤساء هذا الرأي، وأمكن ~~لدارا - وقد اقتفى السيتيون أثره - أن يفر منهم بعبور النهر. # ماذا كان عساه أن يقع لو أن ms034 اليونان كسروا القنطرة وهلك بذلك دارا وجنوده؟ تكون داهية ~~دهياء على مملكة الفرس من غير شك، ولكن هذه الضربة مهما كانت خطورتها لا تكون هي القاضية؛ ~~لأن هزائم مرطون وسلامين وبلاته لم تكن لتكفي لهذا الغرض، حقا ربما كانت يونيا تستطيع أن ~~تتنفس من ضيق الخناق بعض الزمن وتسترد استقلالها، ولكن إغارة جديدة أكثر حدة بالضرورة من ~~سابقاتها ترجعها إلى الخضوع، فلم يكن حان الوقت لسقوط الفرس الذين كانت أمتهم وقتئذ في قوة ~~الشباب وطور النمو الأول، ولكن هذا لا ينفي الإجرام عن أنانية الرؤساء اليونان؛ فإنهم كانوا ~~يستطيعون البقاء على عهد دارا بأسباب أشرف من الأسباب التي اتخذوها. # لما وصل دارا إلى سستوس ركب البحر إلى آسيا وخلف مغباز على الجنود في أوروبا، وليفتح ~~تراقيا ومقدونيا، وبعد قليل دعي مغباز إلى صوص، وكذلك هستيا الذي ظهر أن من عدم التبصر ~~تركه وحده في تراقيا، حيث أقطعه دارا إقطاعات واسعة في مرسينة جزاء له على خدمته. # ولقد منيت بلاد اليونان بجهد جديد ومصائب جدد تتخمر في باطنها؛ فإن هستيا لما ترك ملطية ~~نزل عن السلطة إلى أرسطاغوراس صهره وابن عمه، فجاء إلى هذا الأخير بعض المنفيين من نكسوس ~~يستنجدونه، وأحس من نفسه قلة الحول في أن يقوم بمشروع فتح نكسوس وحده، فرجع في الأمر إلى ~~أرتافرن أخي دارا ومرز بأنه على سرديس وجميع تلك الجهات التي هي أول مرزبانية في المملكة، ~~فطمع أرتافرن في الاستيلاء على نكسوس وما يليها من مدن السكلاد، وحصل من دارا على الإذن ~~بتسيير مائتي سفينة تحت تصرف أرسطاغوراس، ولكن الشقاق قد دبت عقاربه بين الأحلاف؛ ~~فاستطاعت نكسوس أن تدافع عن نفسها وأن تصد هجمات محاصريها وتردهم بالخيبة بعد حصار أربعة ~~أشهر؛ وعلى ذلك لم يوفق أرسطاغوراس إلى تحقيق شيء مما وعد به مرزبان سرديس، فخاف من ذلك على ~~سلطانه الخاص، وعقد العزم على ألا يكون نصف مذنب؛ فغلظ ذنبه، وأوقد نار ثورة صريحة دفعه ~~إليها أيضا سلفه هستيا الذي كان لا يزال في صوص عند ms035 الملك الكبير، ولكي يجذب قلوب الملطيين ~~إليه نزل عن حكومة الطغيان، ورتب بدلها حكومة الشعب، ودعا المدائن اليونانية الأخرى إلى ~~العصيان، فاستجابت لدعائه وطردت جميع الطغاة الذين نصبوا عليها تنصيبا. # إن ما أتاه أرسطاغوراس من الإقدام الكبير كان بعد استشارة أصحابه، فأما هيقات الملطي ~~المؤرخ فكان رأيه ألا يوقدوا نار الحرب في الحال وليس لديهم المال الضروري، فلما لم يستطع ~~الإقناع برأيه ألح في وجوب توجيه كل قواهم نحو البحر، بفكرة أنهم فيه أقدر على الهجوم ~~منهم في البر، ولهذه الغاية نصح بأن يأخذوا جميع أموال كريزوس التي جمعها في معبد البرنشيد، ~~ولكنهم أصموا آذانهم عن الاستماع لهذا الرأي السديد، وأصروا على الثورة على أي حال، وكان ~~أرسطاغوراس يشعر تماما بضعف يونيا فذهب إلى إسبرطة ليتخذها حليفة له. # ولقد عني أرسطاغوراس ليزيد كليومين - ملك إسبرطة - علما بحقيقة مشروعاته بأن يبين له ~~في أثناء المفاوضة مواقع البلاد التي كانت موضوع الحديث، وهي ليديا وفريجة وقبادوس وفارس ... ~~إلخ، بينها له مرسومة على صحيفة من النحاس حملها معه، وكان وقتئذ من أحدث ما يكون رسم ~~خريطة جغرافية. ويظهر أن أنكسيمندروس هو صاحب هذا الاختراع البديع، ولكن كليومين لم يفه إلا ~~بسؤال واحد: «ما هي المسافة بين بحر يونيا وبين المحل الذي يقيم فيه الملك؟» فأجابه ببساطة: ~~«مسير ثلاثة أشهر.» وكان ينبغي لأرسطاغوراس أن يحسب وقع هذا الجواب في نفس رجل إسبرطي؛ لأن ~~كليومين بعد أن سمع هذا الجواب أمر نزيله أن يبرح لقدمونيا قبل غروب الشمس، ورفض مع ~~الازدراء المال الذي حمله إليه ليحاول إغواءه به. # وكان ما قاله أرسطاغوراس عن المسافة حقيقة واقعة؛ فإن هيرودوت قد عدد بالضبط والعناية ~~المائة والإحدى عشرة محطة الواقعة على الطريق الجميل الذي أنشأه دارا من سرديس إلى صوص على ~~نهر كواسب أو كراسو البعيد جدا من مدينة بابل نحو الشرق، فكان 13500 غلوة أو 450 برزنجا، ~~والبرزنج هو في المتوسط 30 غلوة، أو بعبارة أخرى 600 فرسخ، فكان لا بد للقيام بمشروع ضخم ~~كهذا عبقرية إسكندر ms036 ومائتا عام حرب على مملكة الفرس الضخمة، ولم يكن لكليومين من خلقه ولا ~~من زمانه ما يجرئه على معاناة أمثال هذه المشروعات. # ولما فشل أرسطاغوراس في إسبرطة قصد آتينا؛ لأنها صارت شيئا فشيئا أقوى مما كانت عليه ~~منذ قلبت طغيان البيزستراتيين، وأخذت ترسل السفراء إلى أرتافرن مرزبان سرديس حتى لا يصغي ~~إلى مزاعم هيبياس الذي التجأ إليه. ولما لم ينجح أرسطاغوراس في استمالة كليومين، ونجح في ~~استمالة سكان آتينا، وعدتهم ثلاثون ألفا - كما ذكره هيرودوت بعبارة ملؤها التهكم؛ إذ ذكرهم ~~بأن ملطية كانت مستعمرة لأجدادهم - فتقرر أن يرسلوا إلى يونيا عشرين سفينة لنصرتها، وكان ~~ذلك - كما رواه أيضا هيرودوت - بداية الحرب التي فيها لبست الجمهورية حلل الفخر بتخليص ~~الإغريق، والتي فيها لاقت دولة الفرس هزائم قاسية كانت طلائع لخرابها العاجل. وقد حمل ~~أرسطاغوراس البيون أيضا على الثورة، وهم أولئك الذين أخرجوا من ضفاف إستريمون إلى فريجة ~~بأمر دارا، وهربوا منها إلى شيوز، وسافروا من شيوز إلى لسبوس، ومنها إلى دوريسكوس، ومنها ~~عادوا إلى بلدهم الأصلي. # لما وصلت السفن العشرون إلى إيفيزوس وانضم إليها خمس سفن أخرى من إريتريا، لاقوا إخوة ~~أرسطاغوراس يقودون جند ملطية؛ لأن أخاهم أقام بالمدينة يباشر بنفسه حركة التعبئة، وقد ترك ~~الجيش البري الأسطول في مياه إيفيزوس وتقدم هو على ساحل «قايستر» يجوس خلال طمولوس حتى وصل ~~إلى سرديس، فأخذها من غير حرب تذكر وحرقها بغاية السهولة؛ لأن سطوح منازلها مغطاة بالقصب ~~اليابس. ولم يتمكن أرتافرن إلا من الاستعصام هو وجنوده بالقلعة، وقد انزعج الفرس ~~والليديون لما رأوا المدينة غنيمة النار، ولكنهم استجمعوا شجاعتهم وخرجوا إلى المحاربين ~~وثبتوا أمامهم حتى اضطروهم إلى التقهقر نحو الشاطئ، ونهض الفرس المرابطون على الهالوس إلى ~~المعركة فلم يجدوا اليونان في سرديس؛ فاقتفوا آثارهم إلى إيفيزوس حيث نالوا منهم نيلا في ~~واقعة كبرى. # ولقد أخذ اليأس من الآتينيين كل مأخذ من جراء هذه الهزيمة؛ فانسحبوا على رغم رجاء ~~أرسطاغوراس وإلحاحه، ولكنه هو لم ييأس، بل اعتمد على جنوده الخاصة وعلى مساعدة مدن ms037 هلسبون ~~وقاريا وجزيرة قبرص العظيمة، وإذ ذاك كان أونيزيلوس طاغية سلامين منتقضا على الفرس. # لما علم دارا بما أتاه الآتينيون من المشاطرة في إحراق سرديس أقسم أن ينتقم منهم ويجزيهم ~~على هذه الإساءة شر الجزاء، وأرسل هستيا بديا ليعيد اليونان إلى الطاعة بفضل دسائسه، ولم ~~تكن مع ذلك أحوال اليونان بخير، بل إن قبرص سلمت بعد مقاومة شديدة، وقاريا التي كانت ثائرة ~~ردت إلى الطاعة، وكلازومين سقطت في قبضة أرتافرن وأوطانيس، وكذلك سلمت كومة أوليد، فلم ~~يستطع أرسطاغوراس احتمال هذه الخيبة؛ فانزوى في مرسين بلد حميه هستيا، وكان هيكاط الملطي ~~يرى أن الأوفق لهم الالتجاء إلى جزيرة ليروس حيث يمكنهم البقاء حتى يعودوا إلى ملطية في ~~الوقت المناسب. ولما سافر أرسطاغوراس إلى تراقيا قتل أمام قلعة وهلك جيشه. # ولم يكن حظ هستيا بأحسن حالا من ذلك؛ فإن أرتافرن تظنن في أمره، واطلع على دسائسه ~~ففر بعد عناء من سرديس إلى جزيرة شيوز فانتبذوه بفكرة أنه صنيعة الفرس، ولكنه بعد ذلك كسب ~~جاذبيتهم بأن أظهرهم على ما فعل لإقامة ثورة اليونان؛ فحملوه إلى ملطية حيث قابله أهلها ~~بفتور؛ لأنهم بعد أن نالوا حريتهم كانوا يخشون أن يعيد إليهم أيام طغيانه، ولما نفي من وطنه ~~حصل من أهل لسبوس على بعض السفن يطوف بها جهة بيزنطة ينهب أموال الذين لا يريدون أن ~~ينضموا إليه. # أخذت العاصفة التي أثارتها ثورة أرسطاغوراس تهمي على رأس يونيا التي لم تتقهقر أمام ~~هذا الخطر المزعج. انعقد البانيونيون وقرر الحرب، ولم تكن هناك فكرة في حرب برية؛ فلم يؤلف ~~جيش ما، وعولت ملطية على أن تتفرد بحماية أسوارها التي يهددها العدو، ولكنهم رتبوا ~~أسطولا عظيما تجتمع سفنه في لادي؛ وهي جزيرة صغيرة قبالة ملطية، فاجتمعت إليه السفن من كل ~~ناحية؛ حتى إن الأيوليين أرسلوا سبعين سفينة فكان الملطيون ومعهم ثمانون سفينة في الجناح ~~الأيمن جهة الشرق، وكان مع البريينيين اثنتا عشرة سفينة، ومع الميونتين ثلاث، ومع أهل طية ~~سبع عشرة، ومع الشيوزيين مائة سفينة، ومع الأريتريين ثمان، ms038 ومع الفوكيين ثلاث فقط ~~كالميونتين، وكان مع أهل سموس في آخر الجناح الأيسر إلى جهة الغرب سبعون سفينة، فكان هذا ~~الأسطول الكبير العدد في طاقته أن يقاوم حلفاء الفرس الذين هم الفينيقيون والقبارصة ~~والصقليون والمصريون. ولكن تسلل الشقاق بين اليونان، وحقد بعضهم على بعض حتى يوم ~~الوقيعة؛ فلم يتناصروا كما ينبغي. وكان السموسيون واللسبوسيون أول من فر من حومة القتال. ~~ويكاد الشيوزيون أن يكونوا وحدهم هم الذين صلوا سعير الحرب وقاموا بواجبهم، ولكنهم كانوا ~~أضعف من ألا يهزموا، وختمت الحرب بهزيمة تامة. # وكان دينيس - رئيس الفوكيين - بطلا مغوارا، وكانت عزيمته بحيث يضمن الظفر لو أطاعوا ~~أمره، فلما انهزم لم يجد مناصا من الهرب على شواطئ فينيقيا، ومن هناك إلى صقلية حيث يشن ~~الغارة على القرطجنيين والطرهينيين. # بعد هزيمة لادي حوصرت ملطية برا وبحرا؛ فأحسنت الدفاع عن نفسها، ولكنها أخذت عنوة ~~بعد حصار مهلك؛ فذبحت رجالها وسبيت نساؤها وأطفالها، وسيق بهم أرقاء بأمر دارا إلى مصب ~~نهر دجلة، واحتل الفرس المدينة والسهل الذي يحيط بها، وأعطوا بقية ما كان يتبعها من الأرض ~~إلى بيدازيي قاريا. أما آتينا التي تخاذلت عن ملطية وتركتها، فإنها ألمت لمصائبها التي ~~هي نذير بمصائب أدهى وأمر. ولقد صاغ هذه الواقعة المحزنة الشاعر المأسائي فرينشوس في رواية ~~تمثيلية أبكت جميع شهود تمثيلها؛ فحكم على الشاعر بتغريمه ألف درهم، ومنعت الرواية منعا ~~باتا. # ثم قصد الفرس جزيرة سموس، فلما رآهم أهلها ومعهم أقيس بن سيلوزون طاغيتهم القديم الذي كان ~~نفاه أرسطاغوراس تفرسوا ما سينزل بهم القدر؛ فاستحبوا الرحيل من أوطانهم على أن يحتملوا ~~ظلمه مرة أخرى؛ فهاجروا من جزيرتهم إلى قلقطة حيث كان يدعوهم إلى صقلية أهل زنكل. وكان ~~السموسيون هم وحدهم اليونان الذين هاجروا هذه المرة هم والملطيون الذين استطاعوا أن يفروا ~~من المذبحة. ودخل أقيس سموس تحت حماية الفرس الذين استثنوا معابد هذه المدينة وحدها من ~~الإحراق اعتدادا بجميل السموسيين الذين تخاذلوا عن إخوانهم يوم لادي. # وقد حاول هستيا أن يقاوم من جديد بعد أن انضم ms039 إليه بعض اليونان والأيوليين، ولكنه قبض ~~عليه قرب أطرنة في ميزيا، وسيق إلى أرتافرن في سرديس فقتله صلبا وأرسل رأسه مصبرة بالملح ~~إلى دارا في صوص. # ولما قضى الأسطول الفارسي فصل الشتاء في ملطية فتح جميع الجزر : شيوز ولسبوس وتندوس ... إلخ، ~~في حين أن الجيش البري يستكمل فتح جميع المدائن الإغريقية. # ولقد كان لانتصار الفرس نتائج فظيعة، كما أنذر الفرس بذلك قبله بست سنين حين بدأت ثورة ~~أرسطاغوراس؛ فإنهم كانوا يذبحون الرجال، ويخصون أجمل الفتيان، ويرسلون أجمل الفتيات إلى ~~صوص، ويحرقون المدائن وما فيها من المعابد لينتقموا لحرق معبد سيبيل إلهة سرديس. وفي أثناء ~~ذلك كان أرتافرن عامل أخيه دارا يدخل في إصلاح الشقاق بين اليونانيين، وكان يضرب عليهم ~~الجزية التي بقي مقدارها ثابتا لم يتغير إلى زمن هيرودوت؛ أي بعد ستين سنة، ثم أخذ مردنيوس ~~صهر دارا قيادة جيش جرار في البر والبحر وسار به في يونيا يقيم حكومة شعبية متجها إلى ~~أوروبا ليعاقب آتينا وإريتريا على مساعدتهما في عصيان مستعمرات آسيا الصغرى. فأما إريتريا ~~فقد أسلمها بعض الخونة فقهرها داتيس، وحرقت معابدها، وصفد رجالها في الأغلال يساق بهم ~~أرقاء إلى صوص. وأما آتينا التي هددها الخطر بعد إريتريا بأيام فإنها اقتحمت الحرب وحدها ~~هي والبلاتيون اقتحام الأبطال، وصدت الغازين في مرطون. وعلى ذكر مرطون أمسك عن القول لأني ~~لا أقصد رواية عجائب الشجاعة والوطنية. وماذا أنا قائل في الوطنية؟! آتينا التي سيكون من ~~أمرها أن تنير العالم بذكائها قد خلصته وقتئذ بعزيمتها التي لا تتزعزع، فإذا كان قدر للفرس ~~أن ينتصروا ما كان عسى أن تصير إليه المدنية الغربية؟ وماذا يكون مصير أوروبا؟ الله وحده ~~يعلم ذلك. ولكن آتينا تستحق اعترافا أبديا بجميلها. # وقد صيرت مرطون بلوغ الطرموفيل وأرتيميزيوم وسلامين وبلاته وميكال تجاه سوس من الممكنات، ~~وكان أول شرط لقهر المتوحشين هو عدم الخوف منهم، ذلك هو السنة الحسنة التي استنتها يونيا ~~والتي أخذت بها آتينا في هذا الظرف أمام خطر مزعج. لقد افتدتنا مدينة مينرفا (آتينا) من ms040 ~~الاستعباد الآسيوي منذ اثنين وعشرين قرنا. نحن الذين نعرف اليوم آسيا بعلاقة أننا نمدنها ~~نستطيع أن نرى أكثر من إغريق ملتياد وطمستوكل من أية هاوية انتشلونا، ونستطيع أن نحلف كما ~~فعل ديمستين بأسماء الأبطال شهداء مرطون. # في كتاب هيرودوت ينبغي أن تقرأ هذه الحكاية الخطيرة على بساطة في سردها كتبها بعد الواقعة ~~بأقل من ثلاثين سنة، وإنه ليخاطب في أولمبيا رجالا أخذوا بحظ من ذلك الانتصار ومن الحوادث ~~التي كان يمكن أن يكون هو لها شاهد عيان، فلا أريد أن أكرر ما حدث به ذلك المؤرخ الشريف ~~من سيرة المجد، ولكن لي بعض كلمات على يونيا لا تمشي بالحوادث إلى العهد الذي كان فيه ~~ميليسوس آخر من علم من فلاسفتنا في سموس مذاهب مدرسة إيلي. # لما قهر اليونان اضطروا إلى أن يخدموا سادتهم ويتبعوهم في حروبهم ضد إغريقا؛ ففي سلامين ~~كان من سموس اثنان من قواد الأسطول الفارسي؛ طيومستور بن أندروداماس وفيلاقس بن هستيا، وقد ~~أبليا بلاء حسنا ضد سفن لقدمونيا حين كان الفينيقيون يحاربون سفن آتينا. # ولكنه مهما كان لإغريق آسيا الصغرى من العمل في تأليف جزء عظيم من أسطول دارا وإكزاركسيس، ~~فإنهم لم يكونوا إلا ليتربصوا الفرصة المناسبة للعصيان. بعد هزيمة سلامين جاء أسطول الفرس ~~يقضي الشتاء في كومة وفي سموس بعد أن وصلت الملك المغلوب ومعيته، فلما جاءت السنة التالية ~~حضر الأسطول الإغريقي تحت قيادة ليوتيخيدس - ملك إسبرطة - يبحث عن أسطول الفرس في مياه آسيا ~~الصغرى، أظهرت له جميع مدائن الشاطئ والجزر استعدادها لمظاهرته والعصيان على الفرس، وعلى ~~الأخص جزيرة سموس؛ فإنها كانت تلتهب شوقا إلى خلع طيومستور الذي رماهم به المتوحشون طاغية ~~عليهم؛ فأرسلت لهذا الغرض رسلا إلى ليوتيخيدس، سواء في إسبرطة أو ديلوس، ليؤكدوا له ~~استعدادها. وربما كانت هذه المخابرات هي التي قوت رئيس الإغريق على الحضور لمهاجمة الفرس في ~~موضعهم، ولكن المتوحشين منذ الدرس القاسي الذي تلقوه في سلامين لم يكونوا ليجرءوا على ~~اقتحام حرب بحرية، وقد أذنوا للأسطول الفينيقي أن ينسحب، ولم يكد ms041 يبقى معهم إلا يونان ~~وإغريق من الشاطئ؛ فغيروا مركزهم من سموس إلى ميكال حيث جروا سفنهم إلى البر وأحاطوها ~~بسور يصح أن يكون خط دفاع، وإلى جانبها جيش مؤلف من ستين ألف مقاتل تحت قيادة تجران الذي ~~عهد إليه إكزاركسيس في المحافظة على يونيا. # وكان الفرس يظنون أنهم من موضعهم هذا في حصن حصين، ولزيادة الحيطة قد نزعوا السلاح من أهل ~~سموس الذين كانوا يتهمونهم بأن لهم ضلعا مع ليوتيخيدس، والذين كان منهم أن افتدوا بمالهم ~~أسرى آتينا وردوهم إلى وطنهم، وفوق ذلك فقد كلف الفرس الملطيين بحماية الطرق المؤدية إلى ~~قمم ميكال، وعلى ذلك لم يكن لديهم أدنى ريب في أن يصدوا من حصنهم كل هجمة عليهم من العدو، ~~ولكنهم مع ذلك قد أهلكهم الآتينيون والقورنتيون بفضل شجاعتهم وبانتقاض أهل سموس وأهل ملطية، ~~فدمر جيشهم تدميرا، وقتل قائده تجران، وحرق أسطولهم، ورجع الإغريق ظافرين من هذه ~~الموقعة مثقلين بالغنائم. # كانت يونيا قد تخلصت من حكم الأجنبي بعد واقعة ميكال، ولكن هل تستطيع أن تقوم قائمتها ~~بنفسها وتدفع عنها حمق المتوحشين متى تركت إلى قواها وحدها؟ كان من المشكوك فيه أن لها طاقة ~~على المقاومة، فاجتمع القواد في سموس وتداولوا فيما إذا كان الواجب على اليونان أن يهجروا ~~نهائيا سواحل آسيا الصغرى ويلتجئوا إلى قسم من إغريقا يعين لهم، فعارض الآتينيون جد ~~المعارضة في هذا القرار مع أنه كان من الميسور تعويض اليونانيين على حساب الخونة الذين ~~كانوا قد تخاذلوا عن الدفاع في القضية العامة عند الغارة الميدية. وأما البلوبونزيون فإنهم ~~انضموا إلى هذا الرأي من غير مشقة، ووقف الأمر عند عقد معاهدة محالفة مع السموسيين ~~والشيوزيين واللسبوسيين وجميع الذين شاطروا في الظفر. وقد كان الجيش الفارسي قد التجأ إلى ~~سرديس حيث كان إكزاركسيس باقيا منذ رجوعه المخجل، ثم تركها توا إلى صوص ليستر عاره ويكظم ~~غيظه. ولما أصبح الأسطول الإغريقي سيدا على بحر إيجة كله لا يهاب فيه عدوا رجع إلى جهة ~~بيلوبونيز سائرا على امتداد كل الشواطئ حاملا ms042 من أبيدوس بعض بقايا قنطرة إكزاركسيس ~~المشهورة لجعلها في المعابد تذكارا لذلك الانتصار. # لما أمنت يونيا شر غارات الفرس أخذت تعمر ما تخرب، ووضعت نفسها تحت حماية آتينا التي ~~تربطها بها تذكارات الماضي ومنافع الحال وضعا تاما بقدر الإمكان، وبهذه المثابة تحزبت ~~يونيا مع آتينا ضد إسبرطة التي كان ملكها ليوتيخيدس وبوزانياس موضعا للتظنن فيما يتعلق ~~بعلاقتهما مع المتوحشين. # لقد كانت آتينا قوية جدا في البحر بحيث تستطيع أن تقدم ليونيا مساعدة عاجلة مفيدة، في ~~حين أن إسبرطة لا تستطيع أن تقدم هذه المساعدة ولو أرادتها. من أجل ذلك أخذ اليونان بحظ ~~عظيم في اتحاد ديلوس، وشاطروا بمقدار وافر في النفقات العامة التي أنفقها الحلفاء للتحصن من ~~هجوم المتوحشين كرة أخرى، وكان ذلك على أثر حوادث بلاتة وميكال؛ أي في نشوة الاستقلال ~~المسترد بحبوحة الثقة المتبادلة (نحو سنة 477 قبل الميلاد). # ولكن آتينا كان من شأنها أن جاوزت في استعمال السلطان الذي أوتيته عفوا فجرت على نفسها ~~الغيرة والأحقاد التي سببت بعد ذلك حرب بيلوبونيز في وقت كان عدوهم المشترك لا يزال فيه ~~بقية. وأخذ سلطان آتينا - كما نبه إليه أرسطو - يثقل على نفوس حلفائها الذين هم مساوون لها ~~لا رعاياها، وبخاصة أهل نكسوس وطاشوز الذين عوملوا معاملة قاسية ظالمة (467-465) ولم يكونوا ~~ليستسلموا إلى غطرسة الآتينيين في أوامرهم. غير أن الأسطول الآتيني - وهو مؤلف من مائتي ~~شراع - كان يمخر دائما على شواطئ آسيا عزيز الجانب مهيبا من الأسطول الفينيقي الفارسي ~~الذي هرب أمامه حتى بلغ مياه النيل. كانت تلك خدمة حيوية ليونيا، من أجل ذلك كانت يونيا من ~~جانبها تتسامح في كثير من الامتهان الذي كانت تجنيه عليها حليفتها القوية في مقابل هذه ~~الحماية المستمرة التي تنالها. # والظاهر أن اعترافها بجميلها كان إلى الغاية القصوى حين رأت أن استقلالها مضمون بمعاهدة ~~استكرهت آتينا على عقدها الملك الكبير بعد عدة انتصارات داوت الهزيمة التي وقعت في مصر ~~(455 قبل الميلاد)، وهذه المعاهدة التي يرجع الفضل في نصوصها إلى دهاء سيمون ms043 وأعماله في ~~قبرص كانت تنص على أن فارس تترك شواطئ آسيا الصغرى التي يقطنها الإغريق حرة تمام الحرية؛ ~~فلا تضع عليهم جزية، ولا تدنو بجنودها إلى خط على مسافة معلومة من الشاطئ، وفي مقابل ذلك ~~يتعهد الآتينيون وحلفاؤهم ألا يغزوا بعد الآن قبرص ولا صقلية ولا فينيقيا ولا مصر. وقد أرسل ~~الإغريق سفراء إلى صوص حيث صدق على المعاهدة، وكان قلياس هو الممثل لآتينا (نحو 449 قبل ~~الميلاد). # 15 # صارت جمهورية آتينا وقتئذ في أوج قوتها؛ فإنها كانت على رأس اتحاد بحري تكاد تتصرف فيه ~~على هواها، مؤيدة بطائفة من الأحلاف في القارة، سيدة على مستعمرات عديدة على جميع سواحل بحر ~~إيجة وعلى الهلسبون وبحار الإغريق، يضطلع بأعبائها رجل مثل بيريكليس. فهي لذلك كانت تتطلع ~~إلى بسط سلطانها المطلق على جميع الجنس الإغريقي، وهذا الطمع هو الذي أعماها وذهب بها. من ~~بين حلفائها كانت سموس، وهي أشدهم بطشا، وكانت تحتفظ هذه الجزيرة الكبيرة تلقاء آتينا بنوع ~~من المساواة في المعاملة قد لا يأتلف وما تضمره الجمهورية من مشروعات بسط سلطانها، فحدث ~~شجار قليل الخطورة بين سموس وبين ملطية بشأن أرض بريين الصغيرة جر إلى المداخلة الآتينية؛ ~~فإن الجمهورية قد دعت الفريقين إلى التقاضي أمامها. وكانت سموس تخشى تحيز بيريكليس لملطية ~~التي هي وطن أسباسيا؛ فرفضت قبول هذا التحكيم المريب؛ فأرسلت آتينا لفورها أربعين سفينة ~~لإرغام سموس على الطاعة، فقبلت حكومتهم من الأوليجارشية إلى الديموقراطية، وأخذ خمسون من ~~أعيان الأهالي وعدد مثله من أبناء العائلة الرفيعة رهائن وضعوا في جزيرة لمنوس، وبقيت حامية ~~في سموس لتحقيق نظام الحكومة الجديدة (نحو 439 قبل الميلاد). # كان هذا التصرف من جانب آتينا فظيعا فقوبل بمثله؛ لأن منفيي سموس ذهبوا إلى بيسوتنيس - ~~مرزبان سرديس - يستنجدونه؛ فأمدهم ببعض مقاتلين فقصدوا سموس، وعدتهم سبعمائة رجل، وانقضوا ~~على حرس الجزيرة الآتيني بياتا وأسلموهم إلى بيسوتنيس، وفي الوقت عينه كرة رابحة مثل ~~الأولى على جزيرة لمنوس ردت إليهم رهائنهم، وفوق ذلك تحالفوا مع بيزنطة التي تكاد تكون ~~مثلهم في ms044 التبرم بحكومة آتينا، وكان ذلك مفيدا لهم. كل هذا إنما هو خطر جدي يتهدد ~~الجمهورية، فلو احتملت عصيان سموس لذهب ذلك برئاستها وبسلطانها الذي كانت تؤيده هدنة ~~الثلاثين عاما التي عقدت قبل ذلك ببضع سنين مع إسبرطة عدوها الوحيد المريب؛ لذلك عقدت ~~آتينا العزيمة على التنكيل بسموس تنكيلا يمنع سواها من أن يهم بتقليدها. # ستون سفينة أرسلت سراعا إلى الثائرين انفصل منها ست عشرة إما لمراقبة الأسطول الفينيقي ~~على شطوط آسيا؛ لأن بيسوتنيس لا يفوته أن يضعه تحت تصرف الثائرين، وإما ليأتي بالمدد من ~~جزيرتي شيوز ولسبوس اللتين بقيتا تحت الطاعة، ولكن من الجائز عليهما أن تقلبا ظهر المجن، ~~وبقي الأربع والأربعون سفينة أمام سموس تحت قيادة بيربكليس أحد القواد العشرة السنويين ~~الذين من بينهم سوفكل الشاعر الذي نشر «أنتيجون» السنة الماضية. # ومع أن السموسيين كانوا يتوقعون هذا الهجوم، فإنهم كانوا ذهبوا لمحاصرة ملطية، وكانوا ~~عائدين إذ التقوا مع بيريكليس بالقرب من جزيرة تراجيا، ومع أنه كان لديهم سبعون سفينة من ~~بينها عشرون تحمل رجال حرب فإن بيريكليس لم يتأخر عن منازلتهم وانتصر عليهم، وعوضت خسارة ~~سفنه بالمدد الذي جاءه وقدره أربعون سفينة جاءت من آتينا وخمس وعشرون من لسبوس وشيوز اللتين ~~قدمتاها بإخلاص. # وقد تلت الواقعة البحرية واقعة برية؛ إذ نزل الآتينيون إلى الأرض، وانتصروا على الثائرين، ~~وأسرعوا في إقامة أسوار عالية تحصر المدينة من ثلاث جهات في حين أنها مضيق عليها من جهة ~~البحر أيما تضييق. # وفي هذا المركز الحرج تسنى للسموسيين أن يرسلوا خمس سفن تحت إمرة إستيزاغوراس يستعجل ~~الأسطول الفينيقي الذي كانوا أحوج ما يكونون إليه. وليتدارك بيريكليس خطر تجمع هذا الأسطول ~~أسرع بستين سفينة مما معه أمام سموس متجها إلى قونوس في قارب حيث كانت هي موطن الاجتماع ~~كما كان يقال. فلما بعد بيريكليس خرج السموسيون مستقتلين، ولم يكن خط دفاع الآتينيين قد تم ~~بعد؛ فانهزموا وخربت بعض سفنهم، ودارت عليهم الدائرة في البر والبحر، ولكن نجاح السموسيين ~~لم يكن ليلبث مدة؛ فإن بيريكليس لما ms045 رجع بعد غيبة أربعة عشر يوما غير مجرى الحال، ولكن ~~في تلك المدة كانت المدينة قد استطاعت أن تدخر الزاد وفيرا، واستعدت لمقاومة حصار جديد. ~~عاد الحصار كما كان، وقوي الحصار البحري بستين سفينة جاءت من آتينا وثلاثين من لسبوس وشيوز، ~~فكادت تكون عدة مجموع السفن مائتي شراع تحيط بسموس. # في هذه الحادثة نال ميليسوس القدح المعلى في الوطنية وسعد الطالع؛ إذ كان على رأس ~~الأسطول والجيش فانتهز غيبة بيريكليس وحرك حمية مواطنيه بغاية الإقدام وكسب الظفر الذي ~~تكلمنا عنه آنفا. ويظهر، على قول بلوتارخس في ترجمة بيريكليس مستندا إلى أرسطو: أن ~~ميليسوس هزم بيريكليس نفسه في واقعة بحرية أولى، غير أن طوكوديدس الذي شهد هذه الوقائع لم ~~يقل شيئا من ذلك؛ فتكون هذه الرواية محلا للشك، ومع ذلك فإن النجاح الأول لميليسوس لم ~~يكن من شأنه أن يخلص وطنه؛ فإن بيريكليس لما جاءه نبأ هزيمة جيشه عجل إلى سموس فخرج ميليسوس ~~للقائه، ولكنه انهزم في حرب برية، ويمكن أن يكون هزم أيضا في واقعة بحرية. # وقد استمر الحصار على أضيق مما كان، وبقيت سموس وفيها ميليسوس تقاوم تسعة أشهر؛ لأن ~~بيريكليس كان أحب إليه أن يأخذها بالأناة حتى مع إنفاق المال والزمان من أن يسفك الدماء ~~الآتينية. # فلما جاء السموسيون على آخر زادهم سلموا ودك بيريكليس أسوارهم، وأخذ سفنهم واضطرهم إلى ~~دفع نفقات الحرب التي قدرت كما قيل بألف طالنطن؛ أي خمسة ملايين من الفرنكات في زمننا، ~~فدفعت سموس على الفور جزءا من هذا المبلغ الطائل وقتئذ، وتعهدت بدفع الباقي مؤمنا عليه ~~برهائن قدموها. ويقال إن بيريكليس أبدى في هذا الظرف ما تقشعر له الأبدان من الفظاعة في ~~معاملة بعض الأسرى الذين ماتوا تحت العصا بعد تعذيب عشرة أيام، ولكن الذي روى هذه الفظائع ~~مؤرخ متأخر من سموس وهو دوريس في عهد بطليموس فيلادلفوس، ولا شك في أن روايته تشف عن ~~الحقد الوطني؛ فإن بلوتارخس زيف هذه الرواية التي لم يجد لها أصلا في طوكوديدس ولا في ~~أرسطو ولا ms046 في إيفورس وهم الذين استرشد بمؤلفاتهم في ترجمة بيريكليس. # يظهر أن آتينا كانت تعلق أكبر أهمية بقمع ثورة سموس؛ لأن مثلها من شأنه أن يحتذى، ~~فإذا قلد سموس غيرها تداعت مشاريع الجمهورية الآتينية رأسا على عقب. من أجل ذلك قوبل هذا ~~الظافر في آتينا عند عودته إليها بأجل مظاهر التحمس، وأقيمت حفلات المآتم الفاخرة لشهداء ~~هذه التجريدة، ووكلت المحكمة المقدسة أمر تأبينهم إلى بيريكليس. # ليس لدينا نص هذا التأبين، ولكننا يمكن أن نأخذ عنه فكرة من التأبين الذي نقله لنا ~~طوكوديدس من حيث المعاني على الأقل، ذلك التأبين الذي أقيم لشهداء حرب البيلوبونيز؛ فإن بين ~~الحربين علاقة مشابهة؛ لأن كلتيهما فتنة داخلية تمزق وحدة الإغريق، وقد قوبل مدح شهداء حرب ~~سموس بغاية الحفاوة، فإن بيريكليس لما نزل عن منصة الخطابة قامت إليه النساء جميعهن متأثرات ~~بالاعتراف بفضله يعانقنه ويتوجنه بالأزهار والعصائب، كما كان يصنع بالمصارع المنتصر في ~~حفلة الألعاب العمومية، إلا امرأة واحدة لم تشرك الجماعة في ذلك الإعجاب المجمع عليه، تلك ~~هي إيليبنس أخت سيمون الذي كان زمنا طويلا منافس بيريكليس، وأقبلت عليه تقول له: «حق إنها ~~أعمال مجد حقيقة بهذه الأكاليل! ولقد أضعنا رجالنا لا في حرب الفينيقيين أو الميديين، كما ~~فعل أخي سيمون، ولكن في تخريب مدينة محالفة تدلي بأصلها إلينا وجعل عاليها سافلها.» # لم يكن هذا الانتقاد إلا مصداق الحقيقة، ولكن الظافرين قد كانوا سكارى بخمرة الظفر. ولم ~~يكن حظ سموس إلا نذيرا بما غيبه القدر لكثير من المدائن الإغريقية الأخرى في الحرب الكبرى ~~التي كان يتوقعها بيريكليس. والظاهر أنه هو أيضا كان متأثرا بنجاحه إلى حد لا يأتلف مع ~~اعتدال أخلاقه المعروف. فإذا صدقنا فيه الشاعر يون الشيوزي لحسبنا بيريكليس يفخر بأنه فاق ~~أغاممنون الشهير الذي قضى عشر سنين في فتح مدينة أجنبية، مع أنه لم يقض إلا تسعة أشهر ~~للاستيلاء على أكثر المدائن اليونانية مالا وأعزها نفرا. ولكن كلمة بيريكليس هذه إنما ~~نقلها صديق لسيمون خصمه؛ فهي بذلك بعيدة الاحتمال؛ لأن كلمة كهذه تخرج ms047 من فم رجل سياسة لا ~~تعد إلا غشما. إنها فخر شخصي سيئ الذوق ومعاجزة في غير موضعها موجهة للحلفاء. # ولكن مهما كان انتقاص هذا الشاعر له حقا أو باطلا، فإنه كاف في الدلالة على ما علقته ~~آتينا من الأهمية على هذه الحرب قصيرة العمر غزيرة الدماء. وعلى رأي طوكوديدس الذي هو مؤرخ ~~شاهد عيان إن السموسيين لو كانوا انتصروا في هذه الحرب لأخذوا من آتينا سيادة البحر؛ فكانت ~~هذه الحرب على ما هي محل للأسف حرب موت وحياة بالنسبة للجمهوريتين، فلما خضعت سموس رغم ~~مقاومة ميليسوس العنيفة لم يبق لآتينا شيء تخشاه إلا شر نفسها، وذلك نوع من الخطر تلهو عن ~~الشعور به المدائن كما تلهو عنه كبرياء الأفراد. # لا أريد أن أجاوز بهذه الاعتبارات التاريخية إلى أبعد من ذلك، بل يظهر لي أنها على ~~إيجازها كافية لأن تكشف بوضوح عن حالة الوسط الحقيقي الذي نشأت فيه الفلسفة والذي عاش فيه ~~الأعيان الذين نشتغل بأمرهم وعملوا أعمالهم. وإني ملخص أبرز رسوم هذه اللوحة التي رسمتها ~~لإنعاش حياة تلك الأزمان أو بعض أجزائها على الأقل. # أجل ظهرت الفلسفة لأول مرة في آسيا الصغرى قبل الميلاد بستة أو سبعة قرون، إنها ~~المستعمرات الإغريقية التي خرجت من يونيا بيلوبونيز، وهي التي أشعلت هذا المصباح في أقطار ~~نصف متوحشة ونقلته إلى آتينا حيث كان الاستعداد للانتفاع به تاما، فإن أنكساغوراس ~~الكلازوميني عاش مع سقراط، وسقراط هو أب لأفلاطون، ويمكن أن يقال إنه أب لأرسطو أيضا، ولكن ~~قبل أرسطو وقبل أفلاطون وقبل سقراط كانت بذور الفلسفة مبذورة على أرض أخرى، وكان من اللازم ~~أن تنقل إلى أطيقا حيث تؤتي ثمراتها. نعم إن الفلسفة كانت مسبوقة هناك - كما هو شأنها في كل ~~ناحية - بالشعر؛ فإن هوميروس أنشد من قبل أن يفكر فيثاغورث بأربعمائة أو خمسمائة عام، ولكن ~~العلم بجميع صوره: الفلك والرياضيات والطبيعة والتاريخ والطب، كل ذلك تبع الفلسفة وناصرها؛ ~~لأن الفلسفة هي التي نفخت روح الحياة في كل هذه الفروع واكتسبت بها قوى جديدة. # في ms048 وسط المنازعات المدنية والحروب الأجنبية والتجارة والصناعة والملاحة إلى الجهات ~~السحيقة والوقائع والأخطار المتنوعة، في وسط حروب الأبطال التي كان يذكي نارها فئة قليلة ~~من الرجال الأذكياء الأحرار على دولة فخمة، في وسط كل ذلك يجب أن يوضع مهد الفلسفة الخاشع ~~المجيد. لم يكن هاجر فيثاغورث وإكسينوفان إلى شواطئ إيطاليا وإلى إغريقا الكبرى إلا سخطا ~~على الطغيان أو الاضطهاد، وما لقحت إيطاليا إلا بهذين الأستاذين اللذين جاءاها من الشاطئ ~~الآخر للبحر، ولكنها لم تثمر؛ لأن النبات الغريب لم يجد فيها الأغذية الضرورية لنضجه، فكان ~~أن ترجع الفلسفة إلى منزلها الأول الذي منه درج أوائل المهاجرين لتكسب فيه صورتها الحقيقية ~~وتكتسي ثوب جمالها وتستوفي قسطها من العظمة وحقها من الاستقلال الذي كللها به استشهاد ~~أهليها. غير أن هذه الفلسفة ذاتها مهما دعا الظاهر إلى أنها ابتدعت في إغريقا فلا يكون من ~~المحتمل أن تكون اقتبست الشرارة من قبس الاختلاط مع جيران إغريقا؛ فإن طاليس قد عاش مع ~~الليديين، وأصل أجداده من فينيقيا، وفيثاغورث الذي يمكن أن يكون هو أيضا من أصل فينيقي زار ~~حديقة سوريا ومصر وكلدة. ماذا تعلم هناك؟ وماذا جلب منها؟ أو بعبارة أخرى: بماذا تدين ~~الفلسفة الإغريقية جدة فلسفتنا وأم غربنا للعلم الشرقي؟ هل من عليم يحل هاتين المسألتين؟ هل ~~العقل اليوناني بل العقل الغربي اقترض شيئا ما من العقل الشرقي العتيق؟ هذه أيضا مسألة ~~مظلمة على ما لدينا من النور الحديث، وسأحاول الجواب عليها بعد، غير أني بادئ ذي بدء أبغي ~~تكملة لما سبق أن أثير مسألة أقل بسطا ولو أن لها أهميتها وفائدتها؛ فإنها مع قلة تسديدها ~~جوهرية. # نحن نعرف فلاسفتنا ونعرف بعض الحوادث الرئيسية في حياتهم، نعرف بعض مؤلفاتهم إن لم تكن ~~لدينا كلها، وإذا كان هوميروس هو وحده الذي وصل إلينا كاملا تقريبا بفضل أفلاطون فقد كان ~~يمكن أن يصل إلينا الآخرون إذا لم تكن المصادفة أعدمت تآليفهم التي هي مستودعات أفكارهم؛ ~~إذن فقد كتب الأقدمون، ومن ذا الذي يجعل ذلك موضعا للشك؟! هذه ms049 النظرية التي أقر بها هنا ~~ليست قاصرة على ما يتعلق بطاليس وفيثاغورث وإكسينوفان ومعاصريهم، ولكنها تنسحب أيضا على من ~~قبلهم وعلى من بعدهم إلى مسافات طويلة، كيف خرجت من أيدي مؤلفيها تلك المؤلفات التي هي الآن ~~تحت أيدينا كاملة أو آثارا ناقصة ومخرومة ؟ وعلى أي مادة كتبت بادئ الأمر؟ وماذا كانت وسائط ~~الكتابة في عهد إكسينوفان بل في عهد ليكورغوس أو هوميروس؟ # ولأجل أن يكون بحثنا في حدود وضعية ضيقة نتساءل كيف كانوا يكتبون في المستعمرات الإغريقية ~~بآسيا الصغرى في حاجات تجارتهم النشطة ومقتضيات سياستهم المعقدة الحازمة وشعرهم الحاد ~~وعلمهم العجيب، وبالجملة في سائر حاجات عيشة اجتماعية راقية مليئة بالأعمال. # أظن أننا الآن بحيث نجيب على هذه المسألة بطريقة قاطعة واضحة تمام الوضوح، ولكن قبل أن ~~نقول كلمتنا في هذا اللغز نرى من الحسن تقديم حوادث مسلم بها لنبين أن استعمال الكتابة ~~قبل الميلاد المسيحي بسبعة قرون في آسيا الصغرى بل في فارس نصف المتوحشة كان من الانتشار ~~والسهولة على ما هو عليه عندنا الآن. كانت موادها أشياء أخرى، ولكنها تكاد تساوي المواد ~~التي نستعملها اليوم إلا أعجوبة المطبعة. لم يكن للناس في تلك الأزمان البعيدة ورق كالأوراق ~~التي عندنا، ولكنهم كان لديهم ما يساويه وما يؤدي لهم المطلوب من الورق. # أفتح بالمصادفة هيرودوت وطوكوديدس وإكسينوفان وأفلاطون وأرسطو، وأخذ الأشياء كما رووها بل ~~كما رأوها وكما استعملوها. # أضمر هربغوس وهو في معية أصطياغ - ملك الميديين - أن ينتقم من سيده القاسي انتقاما ~~وينتصف لنفسه، وأراد أن يتفق مع قيروش الذي على حداثة سنه كان له بين الفرس من النفوذ ما ~~سيخرج منه مملكة فسيحة الأرجاء. لما لم يسع هربغوس أن يتصل مباشرة بالأمير الشاب الذي يحمل ~~هو أيضا ما يدعوه للانتقام، أرسل خادما أمينا يحمل إليه بعض الصيد، وجعل في بطن أرنب ~~كتابا أخفاه فيه يحرض به قيروش على الثورة، ويؤكد له مساعدته إياه، ماذا فعل قيروش؟ لما ~~فتح بطن الأرنب بيده، كما أوصى المهدي خادمه به، وقرأ الكتاب بمعزل. وضع ms050 كتابا مزورا يفيد ~~أن أصطياغ قد عينه رئيسا على الفرس التابعين وقتئذ للميديين. وقرئ ذلك الكتاب المزور على ~~أعضاء عائلة الأشيمينيين فصدقوه، وبهذه المثابة قادهم قيروش على غير علم منهم وحارب بهم ~~أصطياغ وخلعه. # 16 # ولم يكن هربغوس وقيروش مع ذلك إلا متوحشين. ولكن ها نحن أولاء بصدد أناس ~~متعلمين في آسيا الصغرى وفي مصر. # وهذا بوليقراطس طاغية سموس وهو على سرير ملكه متمتعا بالرفاهية إلى غايتها والناس الذين ~~يعجبون به أو يخافون بطشه يكبرون منه حذقه وسعادته، وكان له بأمازيس الحكيم - ملك مصر - ~~رابطة اتفاق بل صلة صداقة؛ فخاف أمازيس على صاحبه ذلك الموفق المهيب مما اجتمع له من ~~التوفيق المستمر أن يتغير له الدهر، وهو يعلم أنه لا ثبات للحظوظ الإنسانية؛ فنصح له أن ~~يحذر الغير في تقلب القدر. كتب له بذلك خطاب عطف ونبوة، أوصاه فيه أن يضرب على نفسه ~~قربانا يتقي به سخط الحظ الخادع الخائن إن استطاع؛ فأجابه بوليقراطس الذي يخشى على نفسه ما ~~يخشاه صاحبه بخطاب أرسله إليه في مصر، ذكر له فيه الوسيلة التي اتخذها ليصيب نفسه بمحض ~~اختياره بمصيبة موجعة. والمصادفة الخارقة للعادة هي التي صيرت قربانه عبثا، فكان أمازيس ~~وبوليقراطس يتبادلان الرسائل بين سموس ومنفيس على نحو السهولة التي يتخاطب بها التجار في ~~وقتنا الحاضر بين أزمير والإسكندرية. # 17 # لست أدعي أن الخطاب الذي نسبه هيرودوت إلى أمازيس صورة رسمية من خطابه الأصلي ~~لا يتطرق إليها الشك، ولكنه لا محل لأدنى شك في أن الملكين كانا يتبادلان الرسائل ~~الكتابية. # كذلك كان بوليقراطس نفسه قد جمع مكتبة كثيرة الكتب كما ذكرنا آنفا، وقد كانت في العالم ~~الإغريقي إحدى الباكورات التي استمتع بها بوليقراطس، وأنفق في جمعها مالا طائلا. ويقولون ~~نحو ذلك بالنسبة إلى بيزيسطراط المتقدم بالزمان على بوليقراطس، يقولون إنه أنشأ مكتبة في ~~آتينا وجعلها مكتبة عمومية ليلطف من حال الشعب بهذه المزية وبغيرها، ولكن ناقلي هذا الخبر ~~إلينا هما من المتأخرين؛ لأن أحدهما أطيني والآخر أولوجل، غير أني لا أجد أسبابا ms051 تحمل على ~~الشك في روايتهما، فأما بوليقراطس فإن مصر كانت له قدوة ما كان أسهل عليه تقليدها كما ~~سنبينه بعد، وكان في استطاعته أن يجمع آثار المؤلفين الذين يعجبون سكان الشواطئ الذين ~~يطربون للشعر ويتذوقون طعوم العلم منذ عهد هوميروس، وأما بيزيسطراط فمن المؤكد أنه إذا لم ~~يكن فتح مكتبة للجمهور فهو على الأقل قد اقتنى الكتب واشتغل بنفسه فيها لغرض سياسي ~~محض. # وروى بلوتارخس في كتابه «حياة طيسي» أن بيزيسطراط سلخ من «هيزيود» بيت شعر كان يمكن أن ~~يجرح صلف الآتينيين، وأنه زاد على قصيدة هوميروس بيتا من شأنه أن يسرهم، فذلك الحذف وهذه ~~الإضافة كيف يمكن إثباتهما إلا أن يكون لديه نسخ من تلك القصائد يمكن فيها التغيير ~~والتبديل. # نرجع إلى استعمال الرسائل في العهد الذي نحن بصدده. # إن أوريطيس مرزبان سرديس الذي عامل بوليقراطس بتلك القسوة الفظيعة استوجب بسلوكه الوحشي ~~سخط كل من حوله، فإن أحد زملائه عاب عليه أحبولته التي نصبها لطاغية سموس، فقتله هو وابنه. ~~وكان دارا الذي ارتقى عرش الملك حديثا ساخطا على أوريطيس الذي فوق ما قارف من الآثام ~~تلكأ في حرب المجوس والفرس بعد موت قمبيز، وكان ذلك أكثر مما يلزم للملك الجديد من ~~الأسباب التي تحمله على التخلص من مرزبان قوي يسوس فريجة وليديا ويونيا جميعا، ويقود جيشا ~~عرمرما. ولأن يقبض عليه جهرا بالقوة فيه ما فيه من عدم التبصر خصوصا في ابتداء حكم جديد، ~~ومع ذلك فإن أوريطس دس على سفراء دارا الذين جاءوا يدعونه إلى مقابلة الملك من قتلهم ~~سرا، فصار بجملة ما فعل مستحقا للعقوبة، ولكن كان يلزم مداراته بعض الشيء وتجنب ثورة ~~أصبح حدوثها قريب الوقوع، فدعا دارا أكابر الفرس، وطلب إليهم أن يخلصوه من ذلك العاصي إما ~~بقتله وإما بالقبض عليه وإحضاره، وفي كلتا الحالتين لا ينبغي اتباع غير طريق الحيلة، فتقدم ~~إليه منهم ثلاثون دفعة واحدة كلهم يعرض قيامه بهذا العمل وحده، فلم يشأ دارا أن يختار من ~~هذه العروض الصادرة عن الإخلاص، واقترع بين ms052 أصحابه؛ فصادفت القرعة باجي بن أرطوطيس. # ماذا فعل باجي؟ كتب كثيرا من الأوامر تتعلق بمسائل شتى، وختم كل واحد منها بختم دارا، ~~فلما وصل إلى سرديس سلم هذه الأوامر إلى سكرتير الملك بحضرة أوريطيس؛ لأن كل مرزبان كان ~~لديه ممثل للملك، ففض السكرتير الخاتم عن تلك الأوامر وقرأها على الضباط العظام الذين ~~كانوا حول أوريطيس، وكانت تلك الأوامر موجهة إليهم بنوع أخص، فتلقوا جميعا أوامر الملك ~~بغاية الطاعة والاحترام، فسر باجي بهذه المحنة الأولى، ورأى أن في استطاعته الاعتماد على ~~طاعتهم، فأفضى إليهم سرا ببعض الأوامر التي يأمرهم فيها دارا بالانفضاض عن أوريطيس ~~والانقطاع عن خدمته؛ فأطاعه الضباط أيضا وألقوا رماحهم دلالة على أنهم تركوا المرزبان، ~~فلما تحقق باجي من تأثيره فيهم جعل سكرتير الملك يقرأ عليهم أمره إياهم بقتل المرزبان، ~~فهجموا عليه فخر صريعا تحت طعنات سيوفهم، وبذلك أخذ منه القود لبوليقراطس، ونال دارا ~~بغيته من الانتقام. # 18 # على ذلك كان الفرس أنفسهم في زمن دارا يستعملون الكتب بالسهولة التي يستعملها بها الإغريق ~~الذين هم أرقى منهم تعلما وأكثر مدنية، فإن الملك الكبير كان يرسل أوامره إلى جميع أجزاء ~~مملكته الفسيحة الأرجاء. وكانت هذه الأوامر مكتوبة بالأوضاع وبالمواد التي ربما لا تزال ~~تستعملها إلى الآن تلك البلاد القليلة المدنية. # لما اتهم الإغريق بوزانياس بأن له ضلعا مع الفرس وكرهوه عزم فعلا على خيانة قضيتهم ~~الشريفة التي طالما خدمها في بلاتة، فراسل إكزاركسيس بكتاب يعرض عليه فيه أن يخضع له إسبرطة ~~وبقية بلاد الإغريق، فقبل ملك الفرس عرض ذلك الخائن، وكتب إليه بخط يده كتابا أرسله إليه ~~مع أرطباز مرزبان دسكيلينس. فلما أحس أهل إيفورس خيانة ملكهم، كتبوا إليه ينذرونه بأن ~~يغادر طروادة ويعود إلى إسبرطة حيث يستطيعون مراقبة سلوكه، فلم يجرؤ بوزانياس على مخالفتهم، ~~وعاد إلى مقر ملكه، ولكنه لم يكف مع ذلك عن مراسلته الجنائية، ولكن الرجل الذي سلم إليه ~~آخر الرسائل خاف على نفسه لأنه لم يعد ولا واحد من الرسل الذين حملوا أمثال هذا الكتاب إلى ms053 ~~دارا، ففض غلاف الكتب بعد أن قلد الختم الموضوع عليها ليقفلها كما كانت، فتحها ليرى ما ~~إذا كان لخوفه محل، وإذا به يقرأ توصية على قتله، فحمل الكتب إلى أهل إيفورس وبلغهم أمر ~~الملك الذي كان يسلم إغريقا للمتوحشين. # إن تاريخ طيميستوكل أشبه ما يكون بتاريخ بوزانياس وإن كان أقل منه جناية؛ لأن الآتينيين ~~كانوا حرضوه على الخيانة بأن عاقبوه بالنفي ظلما؛ فكاتب أرطقزاركسيس. ولما هرب من أرغوص ~~إلى قرقير ومنها إلى الملك أدميت ملك الملوص، ومن عنده إلى إسكندر - ملك مقدونيا - جاء آخر ~~الأمر إلى إيفيزوس حيث كتب إلى الملك الكبير يطلب إليه ملجأ أباه عليه الإغريق. وقد روى ~~طوكوديدس صورة ذلك الكتاب، ولا محل للتظنن في صحته. # 19 # من غير النافع أن نعدد الأمثلة لأنها مستفيضة في جميع المؤرخين الذين لم أذكرهم، وليس من ~~الضروري أن نذهب بالتمثيل بعيدا، فقد وضح أن الناس في إغريقا وفي آسيا الصغرى كانوا ~~يستعملون الكتب في الأعمال العمومية والخصوصية على نحو ما نستعملها نحن تقريبا، وبوسائل ~~أشبه ما تكون بوسائلنا من حيث المادة التي كان يسهل الحصول عليها من غير عناء، وأنهم يختمون ~~الأوراق على نحو ما نختم أوراقنا بالطوابع الرسمية، وبالأختام التي يمكن تقليدها من غير أن ~~تكسر ... إلخ. # وماذا كانت تلك المواد؟ # تجيبنا على ذلك عبارة هيرودوت الصريحة؛ فإن ذلك المؤرخ العظيم للأزمان الأولى للعالم ~~الإغريقي قال في عرض حديثه عن كيفية نقل «قدموس» الحروف الهجائية من فينيقيا إلى القارة عند ~~اليونان ما يأتي: # يطلق اليونان على الكتب من قديم الزمان اسم الدفاتر أو الجلود؛ لأنهم لما لم يكن ~~عندهم ورق في تلك الأزمان كانوا يستعملون للكتابة جلود المعزى والغنم، بل في أيامنا ~~ما يزال كثير من المتوحشين يكتبون على الدفاتر أو جلود من هذا النوع. # 20 # وقد أتى هيرودوت بما لا يقل عن ذلك عجبا؛ فإنه ذكر أنه رأى بنفسه عند زيارته طيبة في ~~بيوسيا في معبد أبولون الأسميني ثلاثة نصائب منقوشا عليها بالحروف التي كانت تستعمل في ~~يونيا، ms054 وهذه النقوش بالغة في القدم إلى لايوس أبي أوديب؛ أي بعد قدموس بأربعة أجيال. # إن الكلمة التي يستعملها هيرودوت عبارة عن الكتب هي كلمة «ببلوس»، ودلالتها معروفة بصورة ~~مضبوطة؛ فإن هذه الكلمة تدل على جزء معين من بردي مصر، ولم يترك تيوفراسط محلا لأقل شك في ~~هذا الصدد ، فإنه في كتابه «تاريخ النباتات» # 21 # قد وصف النباتات المائية، وتبسط في وصف البردي الذي ينمو في ماء النيل، وعدد ~~الاستعمالات المهمة المتنوعة التي يصلح لها البردي، وبعد أن قال: إن من الخشب تصنع المراكب، ~~قال: ومن الببلوس تصنع الشرع والحصر والملابس أحيانا والنعال والحبال وأشياء أخرى كثيرة ~~أهمها الكتب «ببليا» المعروفة عند الأجانب حق المعرفة. وعلى ذلك يكون معنى ببلوس الذي ذكره ~~تيوفراسط هو ذلك الجزء من ساق البردي الذي لمرونته ومقاومته يقبل هذه الاستعمالات المختلفة ~~بالنسج واللي. # وخلاف مكتبتي بيزيسطراط وبوليقراطس، فالثابت من الأدلة التفصيلية التي أتى بها أفلاطون ~~أن الكتب في زمنه على المعنى الذي نفهمه نحن من هذا اللفظ كانت منتشرة جد الانتشار ~~بآتينا. وقد روى سقراط نفسه في كتاب «فيدون» أنه سمع ذات يوم إنسانا يقرأ كتاب أنكساغوراس ~~وفيه أن العقل هو نظام كل الأشياء ومبدؤها. ولما قرعته هذه الحكمة البالغة رجا أن يجد في ~~أنكساغوراس حل كثير من النظريات بعدما سمع من براعة الابتداء، فجد في طلب مؤلفاته وهو يظن ~~أنه سيتعلم منها علم الخير والشر، فقرأها على شوق الفهم، ولكنه كلما تقدم في القراءة خاب ~~من رجائه؛ فألقى بها إلى جانب ليعود إلى تفكره الذاتي، إذا كان لسقراط كتب يراجعها ويتركها، ~~كما يفعل بيننا عشاق العلم والحكمة سواء بسواء، يرجعون إلى كنوز دور الكتب فلا يجدون فيها ~~شفاء الغلة الذي يطلبونه. # وروى أنتيفون في أول كتابه «برمينيد» نقلا عن رواية فيتودور - أحد أصحاب زنون الأيلي - ~~قال: «لما أتى برمينيد - وكان قد تقدم في السن - إلى آتينا مع تلميذه، أقام في حي السيراميك ~~خارج الأسوار؛ فانتقل إليه سقراط في رفقة ليسمع قراءة كتب زنون.» وكانت تلك ms055 هي أول مرة حمل ~~فيها زنون وبرمينيد هذه الكتب إلى آتينا، وكان سقراط وقتها صغير السن، وكان زنون نفسه هو ~~الذي يقرأ كتابه؛ لأن برمينيد كان غائبا في تلك اللحظة، وكان على وشك أن يفرغ من القراءة ~~إذ عاد فيتودور ومعه برمينيد ومستمع آخر هو أرسطوطاليس الذي صار بعد ذلك أحد الثلاثين، ولم ~~يسمع فيتودور إلا قليلا مما كان باقيا، ولكنه أقام إلى آخر التلاوة التي كان قد سمعها قبل ~~ذلك في جلسة أخرى. # لما أصغى سقراط إلى النهاية طلب إلى زنون أن يتفضل بإعادة القضية الأولى من الكتاب ~~الأول؛ فأجاب طلبه مع الارتياح، وأخذ الكتاب وأعاد الجملة التي وقف فيها سقراط، والتي أراد ~~سقراط استحضار ألفاظها حتى يدخل في مناقشة المعاني: «إذا كانت الموجودات متعددة لزم عليه أن ~~تكون متشابهة وغير متشابهة في آن واحد فيما بينها، وهذا مستحيل؛ لأن غير المتشابه لا يمكن ~~أن يكون متشابها، وما هو متشابه لا يمكن أن يكون غير متشابه أيضا.» وابتدأ الجدال وقتئذ؛ ~~فكرر سقراط قضية زنون، وسأله إذا كان هذا حقا هو ما يريده؛ فأكد زنون أن ذلك هو غرض ~~كتابه. # فالتفت سقراط إلى برمينيد وقال له: «أرى واضحا أن زنون متصل بك لا بصلات الصداقة فقط بل ~~بكتاباته، فالواقع أنكما تقولان جميعا معنى واحدا، وإن اختلفت العبارة، فإن أحدكما يثبت ~~أن الكل هو واحد، ويثبت الآخر أن التعدد ممتنع.» فاعترف زنون بأن الحق في جانب سقراط، وأنه ~~ما كتب كتابه إلا انتصارا لمذهب برمينيد ضد أولئك الذين يبغون جعله سخريا، وأن كتابه ~~جواب على نصراء التعدد، وأن الغرض منه أن يبين لهم أن مذهبهم نفسه له نتائج أسخف من ~~المذهب المضاد. وزاد على ذلك زنون بقوله: «إني ألفت هذا الكتاب مدفوعا بدافع المجادلة، ~~فسرق مني قبل أن أسائل نفسي عما إذا كان ينبغي نشره أو لا ينبغي، على هذا كنت يا سقراط تخدع ~~نفسك إذ اعتقدت أن هذا الكتاب إنما أملته علي رغبة رجل ناضج بدلا من أن تنسبه إلى ms056 شاب ~~يميل به ما لطبع الشباب من حب المغالبة.» # واستمر حديثهم دائرا على موضوع الوحدة والتعدد بما هو معروف لديهم من المواربة والمغالطة ~~مما أكف عن الاسترسال فيه؛ فحسبنا هذه التفاصيل دلالة على أن زنون وبرمينيد لما جاءا من ~~إيليا إلى غرب إغريقا الكبرى كان في بلدهما كتب كما في آتينا، وأن هؤلاء المتناظرين كانوا ~~يتخذون الكتب لما نتخذه نحن من الأغراض؛ يقرءونها ويعيدونها ويقفون ببعض جملها للتحقق منها. ~~ونحن في شأننا لا نقلب إلا على مثالهم صفحات ما لدينا من الكتب التي في حجم الثمن أو الاثني ~~عشرى التي ليست بأكثر مطاوعة للتقليب من كتبهم. # وفي مقدمة فدر الرشيقة قابل سقراط ذلك الشاب الذي خرج يتنزه في الخلاء بعد أن مضى صباحه ~~قاعدا. فيم قضى فدر صبحه إذن؟ في استماع قطعة كان يقرؤها له ليزياس بن سيفال، وما زال ~~مأخوذا بما قرئ عليه، وقد كان ليزياس أتى خصيصا لهذا الغرض من بيره إلى مونيشيا، فطلب ~~سقراط من صديقه الشاب أن يفسر له ذلك الكلام العجيب، فامتنع فدر بفكرة أنه أقل علما من أن ~~يكرر مثل تلك العبارات الجميلة، ولكن سقراط الذي كان عليما بشغف صاحبه رقيق الحاشية أكد ~~له أنه لا بد أن يكون قد حفظ تلك القطعة عن ظهر قلب؛ لأنه لا بد أن يكون استعاد من مؤلفها ~~أن يقرأها عدة مرات، وأنه لم يقنع بذلك بل لا بد أن يكون أخذ الكراسة المكتوبة فيها حتى ~~يقرأها على خلاء، وأن ذلك كان شغله الشاغل الذي ألهاه عن الخروج صبيحة يومه، فأخذ فدر ~~يتنصل بحجج ضعيفة، ولكن سقراط ألحف في المسألة؛ فأظهره فدر على الرسالة المخطوطة التي ~~كانت بيده مخبأة تحت طرف ردائه. # وأخذ الصاحبان يبحثان وهما سائران على شاطئ الألصوص - حيث كان يغمر فيه سقراط قدميه ~~ليبترد - عن مكان يناسب القراءة بالراحة حتى وصلا إلى مجلس تحت شجرة ساج عالية ظليلة بجانب ~~شجرة كف مريم يعطر نورها الهواء على مسمع من خرير عين صافية بين التماثيل والأصنام ~~القائمة ms057 للحور ولنهر أخلاوس، فجلس فدر وسقراط في الظل على الحشيش الغض وقرأ الشاب كتاب ~~ليزياس في النسخة التي معه. # فأثنى سقراط على بلاغة ليزياس، ولكنه لم يصل إلى حد إعجاب صاحبه الشاب وقال له: إن هذا ~~الموضوع قد كتب عليه الحكماء في الأزمان القديمة بما لا يقل إجادة عن هذا، وحسبك منهم ~~الحسناء سافو الشاعرة أو الحكيم أنقريون، بل حسبك أي كاتب من الكتاب، فلم يصدق فدر من ذلك ~~شيئا، وسأله أن يأتي بأحسن مما أتى به ليزياس، وإن لم يفعل على الفور فلن يقرأ له شيئا ~~بعدها؛ فأخذ سقراط لفوره في مسابقة ما ظنها مستحيلة عليه، وأعاد كلام ليزياس في نفس الموضوع ~~على ما فيه من الشطط والإشكال، ولكنه ارتقى كثيرا عن هذه المنافسة التافهة في موضوع مطروق، ~~وانتهز هذه الفرصة ليعطي الشاب درسا في الخطابة والذوق. # إن ليزياس يكتب أكثر مما ينبغي فيجب تعلم الحكم على مؤلفاته حتى لا تعطى من القيمة أكثر ~~مما تساويه في الحقيقة، وإن رجال السياسة البصراء يربئون بنفوسهم عن تأليف مؤلفات تكون ~~بعدهم موضوعا لانتقاد الخلف انتقادا قاسيا، فإذا كتبوا بالمصادفة شيئا كتبوه بكل عناية ~~حتى لا يعاب عليهم. وهذا بيريكليس - أخطب الخطباء وتلميذ أنكساغوراس العظيم - لم يترك شيئا ~~مكتوبا. # وبينما سقراط يرسم قواعد الخطابة الحقيقية إذا به يصل إلى اختراع الكتابة والكتب، على حسب ~~أسطورة محفوظة في نقراطس - إحدى مدائن الدلتا - ربما كان سولون قد رعاها من هناك، أن ~~الكتابة من اختراع الإله توت وهو أفضى بها إلى الملك طاموس الذي كان يحكم في طيبة. ولم يعجب ~~طاموس بهذا الاختراع كما أعجب به مبدعه، وخشي على المصريين من الكتابة التي يبعد عليها أن ~~تصيرهم أكثر حكمة، بل تضرهم متى جعلتهم يعتقدون أنهم يعلمون ما يقرءونه قراءة سطحية في ~~كتبهم. # قال سقراط معضدا رأي طاموس: «يكون الإنسان» من البساطة بمكان إذا تصور أنه يمكن إبداع أي ~~فن من الفنون في الكتب، وأنه «يمكن تعلمه منها، كما لو كان قد خرج يوما من الكتب ms058 شيء بين ~~متين، إلا ما يكون» من تنشيط الذاكرة عند الذي كان يعلم من قبل ما تحويه الكتب، وإن محصلات ~~الكتابة أشبه بمحصلات الرسم. سل لوحات الرسم تجبك بسكوت جليل، وسل «الكتب تجبك دائما بهذا ~~الجواب. وقد تعتقد عند استماع ما فيها أنها عليمة، ولكن مقالا متى كتب دار في كل ناحية؛ ~~فيقع في أيدي من يفهمونه كما يقع في أيدي الذين لم يكتب لأجلهم، وإنه لا يعرف لمن يتكلم ~~وأمام من يلزم الصمت». فإذا احتقره أو عابه أحد بغير حق التجأ إلى أبيه ليساعده؛ لأنه لا ~~يستطيع أن «يقاوم ولا أن يساعد نفسه». # فسقراط يحط من شأن هذه المقالات الميتة في طي الكتابة التي يحويها ويرفع فوقها قدر المقال ~~الذي ينقشه العلم في نفس الذي يتعلم، ذلك المقال الحي المليء بالحياة هو الذي يبقى في ~~الذهن، وما منزلة المقال المكتوب منه إلا الشبح الباهت، هذا هو ما ينصح لفدر أن يكثر ~~العناية بمزاولته. إن الشاعر والناثر يصححان ويحرران ألف مرة ما قد كتبا، يزيدان عليه أو ~~ينقصان منه، ولكن يلزمهما قبل كل شيء أن يهتما بما في نفسيهما ويرعياه حق رعايته، تلك هي ~~الوسيلة لاستحقاق ذلك اللقب الجميل: لقب الفيلسوف. ذلك هو الرأي الذي يمكن أن يعطيه فدر إلى ~~ليزياس، وذلك هو الرأي الذي يعرف سقراط كيف يجعل أصحابه الشبان يتذوقونه، وعلى الأخص ~~إيزقراط الجميل الذي عليه مخايل النبوغ. # أنا لا أناقش رأي الحكيم الآتيني مهما ظهر لي منه عدم ائتلافه مع ذوقه السليم المعروف، ~~ولكن أيا كانت قيمته فإنه ينتج منه أن سقراط وفدر وجميع أصحابهما يستعملون الكتب كما ~~نستعملها نحن، يكتبون مقالاتهم ومؤلفاتهم كما نفعل نحن، ويدرسونها ويصححونها ويهذبونها كما ~~نفعل نحن، وينتج من هذا فوق ما تقدم أنه منذ زمن أفلاطون كان ينسب اكتشاف الكتابة واختراع ~~الكتب إلى مصر. ولا شك في أن أفلاطون - وهو من ذرية سولون - يجب أن يعلم أكثر من غيره شأن ~~تلك الأسطورة التي جاء بها جده الأمجد من البلد الأجنبي. # وعلى ms059 هذه الوقائع القاطعة نزيد وقائع من العصر ذاته. لما وصل إكسينوفون رئيس تقهقر عشرة ~~الآلاف من بيزنطة إلى سلميدس آخر نقطة وصل إليها في الشمال، حكى أنه عند دخوله في البحر ~~الأسود وجد سفنا كثيرة جانحة في الرمل تحت جرف الشاطئ، وأن أهل تراقيا - سكان تلك المنطقة ~~- يسارعون إلى نهب أولئك الغرقى التعساء ويقاتلون على أيهم يسرق من السلب أكثر من غيره؛ ~~ولذلك توجد منقولات كثيرة على هذا الشاطئ الخبيث ينقلها الملاحون في صناديق من الخشب، ومن ~~بينها كتب لا شك في أن أولئك المتوحشين ما كانوا يفهمونها، ولكنهم يحفظونها ~~ليبيعوها. # 22 # ونظرا إلى أنه كان يوجد عدد عظيم من الجاليات الإغريقية في تلك الجهات - ~~بيزنطة وغيرها - فليس مستحيلا أن فكر أولئك الملاحون في الاتجار بالكتب، وربما كانوا ~~ينقلونها من الشواطئ الآسيوية ومن آتينا والمدائن الأخرى لليونان النازلين والمهاجرين الذين ~~مع بعدهم عن وطنهم تتوق أنفسهم إلى الاقتباس من نوره الذي هم أحوج ما يكونون إليه في ~~غربتهم. # لا أقول بأنه في زمن أفلاطون، بل فيما قبله، لم يكن يوجد في آتينا أصلا كتبية يبيعون ~~الكتب ويشترونها؛ فذلك محتمل جدا، ولكنه ليس عندنا على ذلك شهادات تقارن في قدمها ذلك ~~الزمن؛ فإن أول شهادة من هذا النوع تنسب إلى زنون الستيومي، فإن زنون قبل أن يترك مدينة ~~ستيوم - وهي مستعمرة فينيقية في قبرص - اشترى حمولة من الأرجوان ليربح فيها في آتينا، وذهب ~~يستفتي الهاتف عن أحسن طريقة للعيشة، فنصح له الهاتف أن يصير في لون الموتى، وفسر زنون ~~هذه النصيحة بأنه يجب عليه أن يعكف على قراءة كتب الأقدمين حتى يشحب لونه، فلما وصل إلى ~~آتينا بعد غرق محزن دخل عند كتبي وأخذ يقرأ بلذة شديدة الكتاب الثاني من مذكرات إكسينوفون ~~على سقراط، فسأل الكتبي وهو مسحور بلذة ما قرأ أين يمكنه أن يقابل المؤلفين الذين يكتبون ~~مثل هذه الملح؟ فأشار له الكتبي بإصبعه إلى «قراطيس» الذي كان مارا وقتها في الشارع، فعجل ~~زنون إلى الأستاذ يتعقب خطاه حتى وصل ms060 إليه وتتلمذ عليه، ولكن لما لم يستطعم ذلك الجفاء ~~الغليظ اعتزل قراطيس؛ إذ أصبح في قدرته أن يضع مؤلفات لا تقل عن مؤلفات أستاذه، وأخصها ~~كتابه على فيثاغورث. # 23 # وكان عمر زنون وقتئذ ثلاثين عاما، وعلى الاحتمال الغالب أن أرسطو وقتها كان لا ~~يزال حيا، فإن ذلك كان في آخر ملك إسكندر. # أقص حادثة أخيرة أستعيرها من نظريات أرسطو؛ يتساءل المؤلف: لماذا قطع الكتب يعطي هيئات ~~مختلفة على حسب ما إذا كان هذا القطع مستقيما أو بانحراف؟ أترك التفسير إلى ناحية؛ لأنه لا ~~يهمنا هنا، ولكن ذلك يبين أن أرسطو كان لديه كتب من جنس كتبنا وعلى الأقل من جهة كونها ~~مقصوصة على صورة منتظمة قليلا أو كثيرا. بعد ذلك في الفصل الثامن عشر يبحث أرسطو: لماذا ~~تنيم القراءة بعض الناس؟ ولماذا بعضهم على الضد من ذلك يتناول الكتاب حين يريد أن يبقى ~~ساهرا؟ كل ذلك يعين استعمالات للكتب أشبه ما تكون بما نفعل نحن. كان في آتينا بعضهم يقرأ ~~في سريره وليس معدوما فيها هذا الصنف من الناس الذين يأتون هذه البدعة عندنا. # من أين جاءت هذه الكتب؟ وعلى أي مادة كانت مكتوبة؟ لا أتأخر في الجواب: كانت مكتوبة على ~~ورق البردي، وكان البردي يجيء من مصر منذ أقدم الأزمان، كان بين مصر وبين إغريقا روابط ~~مستمرة، ومن باب أولى كان بين مصر وآسيا الصغرى. وإن أقدم الهجرات التي اتبع فيها سبيل ~~أناخوس وسكروفس وكثير غيرهم إنما عادت من شواطئ النيل جالبة معها إلى الهلين في عداد ما ~~جلبته لهم أسماء جميع آلهتهم المتنوعة إلى اللانهاية، وبعد ذلك ضاعفت العلاقات دواعي ~~التجارة والحروب. وفي تلك القرون التي نحن بصددها كانت مصر متدخلة دائما لمصالح شتى في ~~سياسة جميع الأمم المجاورة لها، وعلى الأخص سياسة المدائن الإغريقية التي على الشاطئ. ولما ~~أن فتح الفرس مصر صارت هذه العلاقات أكثر توثقا واستمرارا؛ فإن أسطول المصريين وجيوشهم ~~كانت تشهد كل حين وقائع البر والبحر، ومن البديهي أن الأمم المختلطة على هذا النحو ms061 تتبادل ~~كثيرا من الأشياء بحكم الضرورة. وكانت مصر وقتئذ الوحيدة تقريبا في إنتاج البردي؛ فكانت ~~تصدر منه كميات وفيرة إلى بقية العالم. # قد كان من السهل على مصر وهي التي اكتشفت الكتابة، وهي التي تخرج البردي وتستعمله تلك ~~الاستعمالات الصادرة عن المهارة والذكاء، أن تتصور أيضا إنشاء المكاتب، فإن الكتب متى كتبت ~~وجب جمعها وحفظها لحفظ الذكر لكل ما اشتملت عليه، وعلى الرغم من قول طاموس وأفلاطون وسقراط ~~فقد ظهر أن تلك المحفوظات مفيدة ونفيسة جدا. ذلك ما كان هو الواقع؛ فإن أوزيمندياس - أحد ~~ملوك مصر - يعتبر أنه أول من اقتنى مكتبة أو من أوائل من اقتنوا مكاتب. # وتذكار هذا الحادث العجيب نقله إلينا ديودور الصقلي الذي زار مصر في الأولمبية 180 كما ~~كان زارها هيرودوت من قبله بأربعمائة وخمسين عاما، ورأى بعينيه كل ما يتكلم عنه تقريبا، ~~بعد أن قال كلمة عن قبور الملوك التي كان عددها سبعة وأربعين على رواية الكهنة، والتي لم ~~تكن إلا سبعة عشر حين زارها ديودور. # 24 # وصف بغاية التفصيل الأثر الشهير لأوزيمندياس، ومن بين العمائر التي تنسب إلى ~~هذا الملك دار الكتب المقدسة المنقوش على وجهتها «دواء النفس». # ولا يستنتج من كلام ديودور نفسه أن هذه المكتبة كانت لا تزال قائمة في زمنه، فأما أنها ~~وجدت فذلك ما لا يكاد الشك يتطرق إليه. ولقد كان لدى الكهنة المصريين كتب بالغة في القدم ~~مسجل فيها تاريخ البلاد سنة فسنة تسجيلا منتظما والوراثة غير المنقطعة على عرش مصر ~~لأربعمائة وسبعين فرعونا وخمس ملكات، ولم يشأ ديودور أن يكرر بالنسبة لعهد كل فرعون ما ~~كانت تحويه هذه الكتب التي يظهر أنه اطلع عليها، ولكنه وضع خلاصتها، وعلى تلك الوثائق بنى ~~عمله، فإذا لم تكن هذه المكتبة موجودة قبل المسيح بخمسين عاما فلا أقل من أن يكون ذكرها ~~واردا في تلك السنويات الرسمية التي كان لا يزال يمكن الاطلاع عليها مهما كان مبلغها من ~~الضبط قلة أو كثرة. # 25 # وعلى رأي علمائنا المشتغلين بالآثار؛ فإن أوزيمنديوس الذي ms062 كان يسميه الإغريق أوزيمندياس ~~هو فرعون من العائلة السادسة عشرة. وهذه العائلة يقترن عهدها تقريبا بعهد أناخوس؛ أي ~~بتاريخ نحو ألفي سنة قبل الميلاد؛ فإن الهكسوس أو عرب الرعاة تكون العائلة السابعة ~~عشرة. # مثل هذه الأحاديث ربما كانت تظهر لنا حديث خرافة؛ إذ لا يمكن التصديق بوجود كتب في زمن ~~بالغ من القدم حد الغاية، إذا لم نكن حاصلين الآن في متاحفنا على الأدلة التي لا تقبل ~~التهم، المثبتة لهذه الحوادث؛ ففي باريس وفي طورينو وفي ليدن وفي برلين ... إلخ أوراق البردي ~~والمخطوطات التي يصل تاريخها إلى ثلاثة عشر وأربعة عشر قرنا قبل الميلاد المسيحي، بل إلى ~~أبعد من ذلك، ولكل أن يراها، ولمعرفة تاريخها ليس عليه إلا أن يستفتي شمبوليون ودي روجي ~~ومارييت وأميدي بيرون وليمانس ولبسيوس ... إلخ. # إن بردية طورينو الشهيرة التي تكلم عنها شمبوليون في خطابه إلى دي بلاكاس (ص42) هي على ~~الأقل من القرن الثالث عشر قبل المسيح كما بينه لبسيوس (تودتنبوخ ص17). وفي كتاب الملوك ~~نقل لبسيوس (لوحة 6) مخطوطة يصل تاريخها إلى العائلة الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة، وذلك ما ~~يبلغ بنا أقصى مما ذكرنا. ووصف مارييت في مذكرته عن دار الآثار ببولاق (ص148) برديا وجد ~~في طيبة في نحو المترين طولا يتعلق بإحدى الثلاث العائلات الأولى للإمبراطورية الجديدة، ~~وهذه المخطوطة لا يقل عمرها عن 1288 سنة قبل الميلاد يمكن أن تكون من سنة 1700، ومخطوطة ~~أخرى (ص153) طولها أربعة أمتار ونصف على 0,35 ارتفاعا، وهي من متعلقات العائلة الثامنة ~~عشرة، فتكون من سبعة عشر قرنا قبل الميلاد. # ويمكن إيراد أمثلة من هذا النوع إلى ما يشاء، ولكن حسبنا ما أوردناه، وما أظن بنا حاجة ~~إلى المجاوزة بالإيضاح إلى أبعد من ذلك؛ فقد كمل. # أكثر من ذلك، قد وجد بجانب المخطوطات الأدوات التي تصلح لكتابتها فناجين تحوي المادة ~~الملونة وقصب الأقلام، وذلك ما يعدل عندنا المحابر والريش، والمصاقل التي تصقل البردي قبل ~~الكتابة عليه، والمقالم التي توضع فيها الأقلام. وفي دار الآثار بليدن توجد ألواح الكتابة ms063 ~~ومعها دوي فيها يميز المرء بغاية الوضوح الحبر الأسود أو الأحمر وقد جف في باطنها ودوي من ~~البرونز ... إلخ. وكل هذه الآثار إنما هي سابقة على العائلة السادسة عشرة على رأي ليمانس ~~(ص108 ف245). وفي دار الآثار ببولاق توجد ألواح الكتاب، ومعها كل لوازمها، وهي كما قرر ~~مارييت سابقة لعهد إبراهيم (ص209)؛ وعلى ذلك يكون عمرها من 35 إلى 45 قرنا. وفي باريس في ~~متحفنا المصري أيضا جميع الأدوات اللازمة للكتاب (القاعة المدنية - دولاب # p # درج # x ~~)، وكذلك في ~~قاعة الموتى (درج # L M ~~) ترى المخصوطات إما على ورق البردي أو ~~على القماش، كل ذلك غير أوراق البردي الكبيرة المنشورة المحبوكة بالأطر المغطاة بالزجاج، ~~والتي تبلغ أطوالها عدة أمتار. وفي ليدن مخطوطات تبلغ أطوالها إلى اثني عشر مترا. والواقع ~~أنه كان يمكن صنع ورق البردي إلى طول غير متناه؛ لأن العرض وحده هو المحدود، ولا يكاد يزيد ~~عن 30 سنتيمترا. # من التفاصيل التي تقدمت، والتي يمكننا أن نزيد في إيضاحها عند الحاجة أظن أننا نستطيع ~~استنتاج النتائج الآتية التي هي كذلك - كما يظهر لي - حوادث ثابتة: إن فلاسفتنا للقرن ~~الخامس والسادس قبل الميلاد كتبوا مؤلفاتهم، سواء في آسيا الصغرى أو في إغريقا الكبرى، وقد ~~وصل إلينا بعض أجزاء هذه المؤلفات من خلال الصعوبات التي كانت تقترن بنقل الكتب قبل اكتشاف ~~المطبعة واختراع الورق من القطن ومن الكتان أو استعمال الرق. وإن كتب إكسينوفان وميليسوس، ~~بل ربما كتب طاليس وفيثاغورث أيضا كلها كتبت كما يكتب كل الناس وقتئذ على ورق البردي ~~المصري. ولا بد أن تكون صورها على شكل ورق البردي المحفوظ في دور الآثار. ومن الممكن أن ~~تكون أوراق البردي رتبت - منذ عهد قديم وبالتحقيق منذ عهد أرسطو - بحيث يكون شكلها كشكل ~~كتبها الحاضرة؛ ومن ثم تيسر جمع الكتب في المكاتب. فأما المكاتب التي ينسبونها إلى ~~بوليقراطس وبيزيسطراط فلم تكن بلا شك إلا تقليدا للمكاتب المصرية التي كان أشهرها دار ~~الكتب التي أنشأها أوزيمندياس. # ما الذي بقي علينا تعرفه؟ ربما ms064 كان شيئا واحدا هو الذي تقتضيه نفوسنا الطلعة بحكم ~~عاداتنا الجديدة في دقة التحري، وهو صنع البردي المخصص للخطابات ولمؤلفات الكتاب. ومن محاسن ~~المصادفات أن بلاين الذي ليس أقل منا حبا للاطلاع قد نقل إلينا هذه المعلومات؛ إذ يقول ~~لنا كيف كان يصنع ورق البردي في زمنه. ومن المفهوم ضمنا أن هذه الصناعة قد نالها بعض ~~التحسين بمرور الزمن الطويل الذي يبتدئ من عهد أوزيمندياس إلى القرن الأول للميلاد، ولكن ~~الأصول الرئيسية لهذه الصناعة لا بد أن تكون قديمة جدا، بل الظاهر أنه لم يكد يدخل عليها ~~أقل تغيير. # 26 # وقد عني بلاين عناية كبرى بوصف هذا القصب المسمى برديا؛ نظرا إلى «أن المدنية وتذكار ~~الأشياء مرتبطان باستعمال الورق، وبهما يتعلق تخليد ذكرى الرجال.» أما فرون فإنه لم يبلغ ~~بتاريخ استعمال الورق إلى أبعد من عهد إسكندر الأكبر وتأسيس مدينة الإسكندرية. وقد يكون ذلك ~~صحيحا فيما يتعلق باستعمال الورق في روما، ولكننا قد رأينا آنفا أنه لا يمكن أن يكون ~~صحيحا بالنسبة إلى مصر ولا إلى إغريقا، وبلاين لا يشاطر رأي فرون مهما كان معتبرا، وهاك ~~ما يقوله في ذلك النبات النفيس الذي يريد درسه: # ينبت البردي في المستنقعات أو مياه النيل الراكدة على عمق لا يزيد على ذراعين، ~~جذره المعوج في ثخن الذراع تقريبا، وساقه مثلثة الأضلاع، ويندر أن يعلو أكثر من ~~عشرة أذرع، يتناقص سمكه من تحت إلى فوق، فأما جذره فيستعمل وقودا، وقد تتخذ منه ~~بعض الآنية، وأما ساقه الحطبي فتتخذ منه القوارب، ومن قشرته تنسج الشرع # 27 # والحصر والملابس والأغطية والحبال. وذلك ما قرأناه آنفا عن تيوفراسط ~~ونقله عنه بلاين بلا شك، وإن بردي مصر في كل الاستعمالات التي ذكرناها خير من كل ~~بردي آخر؛ فإن البردي الذي ينبت في سوريا أو على شواطئ نهر الفرات بقرب بابل بعيد ~~عليه أن يساوي البردي المصري، خصوصا في صنع الورق. # ولصنع الورق يقسم البردي إلى أشرطة رقيقة جدا وعريضة بقدر الممكن. وأحسن شريط منها هو ~~شريط قلب النبات، ms065 ثم الذي يليه على هذا الترتيب. وبهذه الطبقات الداخلية وحدها كان يصنع ورق ~~الكتب المقدسة، وسمي الورق من ثم باسم هييراتي، وبعد حين أعطي لأعلى درجة من الورق المنقى ~~بالغسل اسم أغسطس، كما سميت الدرجة الثانية من الورق باسم ليفي امرأة أغسطس، وكان الهييراتي ~~إذن في الدرجة الثالثة، وورق الدرجة الرابعة سمي أنفتياتري نسبة إلى المكان الذي كان يصنع ~~فيه، ومن أنواعه المتدركة إلى أسفل ورق سايس الذي يصنع من قراطه البردي ، ثم وراق ~~الطينيوطيقي من مدينة قريبة من سايس ويباع بالوزن، ثم ورق الأنبوريتيك أو ورق المتجر، ولا ~~يصلح إلا للظروف أو لف البضائع، وبعد هذه الأشرطة تأتي قشرة البردي، وهي أشبه ما تكون بقشرة ~~الخيزران لا تصلح إلا لصنع الأحبال التي لها خاصة البقاء في الماء. # كل أنواع الورق كانت تصنع بطريقة واحدة ولا يكون الاختلاف إلا في مادة الورقة، ومتى أخذت ~~الأشرطة بعناية تنشر على نحو خوان مندى بماء النيل؛ فإن هذا السائل الحامل للطمي يصلح كلزاق ~~لتقوية الأشرطة وضمها بعضها إلى بعض. وعلى هذا الخوان الممال نوعا تلزق الأشرطة على طولها، ~~وتقرض من نهايتها حتى تصير منتظمة ومتساوية في الطول، ثم يؤتى بأشرطة أخرى توضع بالعرض على ~~شكل تعريش، ولوقاية الورق من التمزق كانوا يضعونه تحت المكبس فيحصلون منه على الورق الذي ~~يعرضونه بعد ذلك للشمس ليجف، ثم يضعون هذه الأوراق بعضها فوق بعض لتكون منها فرائد الورق ~~التي لا تتجاوز عدة الواحدة منها عشرين ورقة. وكان الورق مختلف العروض، وأحسن ما كان في عرض ~~ثلاثة عشر إصبعا، والهييراتي لم يكد يتجاوز عرضه الأحد عشر، وقال فانيوس إن هذا الورق ~~الهييراتي الذي اشتق اسمه من اسم ذلك الصانع الماهر الذي أبدعه لا يتجاوز العشرة. والورق ~~المتجري كان في عرض ستة أصابع، وكان يمكنهم أيضا أن يصلوا الأوراق أطراف بعضها ببعض؛ ~~ليحصلوا على ورق لا نهاية لطوله كما عندنا. # وكانوا يقدرون الورق كما نقدره نحن برقته ومتانته وبياضه وصقله. وقد اهتم الإمبراطور ~~كلود بتحسين ورق أغسطس الذي ms066 كان يجده أرق مما يلزم وأكثر شفافية؛ فجعل منه ورقا جديدا ~~بأن جعل السدى من أشرطة الدرجة الثانية واللحمة من أشرطة الدرجة الأولى، وبهذه الطريقة زيد ~~في عرض الورق؛ إذ بلغ عرضه ذراعا في الفرخ الكبير، وكانوا يفضلون ورق كلود في الكتب ~~ويستعملون ورق أغسطس في المخاطبات. # وكانوا يصقلون الورق بقطعة من العاج أو بمحارة ناعمة، ولكنه كان من اللازم الوقوف بهذه ~~العملية عند حد معين، وإلا زلق الحبر فلا يأخذ في الورق وتكون الحروف المكتوبة معرضة لأن ~~تنمحي عما قريب، وذلك هو الذي يحصل في ورقنا حين يجاد صقله أكثر مما يلزم. ربما يكون حسنا ~~في مرأى العين، ولكنه لا يطيب الانتفاع به. وقد كان يحدث ماء النيل الحميء ضررا من هذا ~~النوع متى صب من غير احتراس في ابتداء العملية؛ إذ يجعل الورق غير قابل للكتابة، بل يترك ~~فيه رائحة يعرفونها له وبقعا كان يلزم لإزالتها أن يخرقوها من مواقع البقع ويرقعوها بغاية ~~الدقة حتى لا يفطن لها المشتري - لحسن سبك الغش فيها - إلا بالاستعمال؛ إذ يشرب الورق الحبر ~~في مواضع الرتق ويجعل الحروف سائحة لا تقرأ إلا قليلا. # لذلك قال بلاين إنه لتوقي تلك العيوب المختلفة كان يلزق الورق بكيفية تجعله أطرى من ~~قماش الكتان نفسه، ووجد أن هذه الطرائق فعالة جدا. قال إنه رأى عند أحد أصحابه - وكان ~~مغرما بخطوط المؤلفين - مخطوطات لشيشيرون ولأغسطس ولفرجيل على ورق من هذا النوع، بل رأى ~~عنده مخطوطات لطيبريوس وقايوس غراكوس مضى عليها مائتا عام؛ مما يدل على أن لصق الورق كان من ~~الجودة بحيث يقاوم كر الزمان. # وبعد أن أورد بلاين هذه التفاصيل عاد ينقض رأي فرون في أن استعمال الورق حديث في ~~إيطاليا، وحاول أن يثبت - ضد مذهب ذلك العالم - أن الكتب كانت معروفة منذ زمن «نوما ~~بومبليوس»؛ فقد عثر في تابوت هذا الملك الذي وجد في زمن قنصلية سيتيغوس وبيبيوس طنفيلوس، ~~بعد موته بخمسمائة وخمس وثلاثين سنة، على كتب من الورق، كذلك ثلاثة كتب جاءت بها العرافة ms067 ~~إلى طرخان الأجل كانت مكتوبة على ورق حرقت منها اثنين، والثالث الذي قبله هذا الملك البصير ~~قد حفظ إلى عهد سيلا، ثم باد في حريقه روما. # وإذا أريد برهان دامغ غير منقطع الأثر على استعمال الورق في الزمن القديم فما على المريد ~~إلا أن يتصفح رسائل شيشيرون فيجد فيها المعلومات المضبوطة القوية في هذا الموضوع؛ فإن ~~الناس ما زالوا يستعملون الأوراق مع السهولة القصوى، ويسرفون في استعمالها إلى الغاية. كتب ~~شيشيرون إلى أطيقوس كل يوم بل مرات عديدة في كل يوم تارة رسائل طويلة، وتارة أخرى تذاكر ~~بسيطة يرسل إليه مع رسوله بعض أسطر أو صحيفة إذا لم يكن لديه ما يقوله أكثر من ذلك أو سلسلة ~~من الصحائف لا آخر لها إذا انطلق قلمه يتدفق أو إذا حضرته مناقشة مسائل هامة. # ومتى كان موضوع الكتاب يهم عدة أشخاص عمل منه نسخ بعددهم، أو صرح للمرسل إليه بإتيان ~~هذا العمل، أما إذا كان موضوع الكتاب دقيقا يشطب الكاتب غير مرة العبارات الناقصة عن ~~تأدية المعنى المراد تماما، ويرجع مرات على ما كتب ويهذبه ويحرره. وإذا كان الكاتب قد ~~أخذ منه التأثر مأخذا يبكيه ترك دموعه أحيانا تمحو الكتابة، ومتى فرغ من الكتاب طواه ~~وختمه. # فإذا نسي الكاتب شيئا أو أهمل تفصيل معنى من المعاني فتح الكتاب من جديد؛ فإن كانت ~~الورقة لا محل فيها كتبت الزيادة بالعرض، ومتى قرأ الكتاب المرسل إليه وكان لا يتضمن ~~شيئا يراد حفظه مزقه، ولا يتساهل في ذلك إذا كان المرسل قد أوصى بحفظ سره، فإذا طرح ~~الكتاب مطرحا من غير أن يمزقه فيمكن رده إلى مرسله إذا طلب رده إليه، فإذا لم يجد أحدهم ~~ورقا مسح الكتابة من على ورقة أخرى وكتب عليها بعد غسلها أو كشطها متى فرغ الكاتب من كتبه ~~جمعها وسلمها إلى البريد يوصل كل كتاب إلى المرسل إليه بغاية الأمانة. وقد تنتهز الفرصة ~~فيكتب إلى أصحاب متعددين في جهة واحدة، فإذا فك المرسل إليه الصرة وزع الكتب على المرسل ~~إليهم، ms068 وعند الحاجة قد ترسل الرسل إلى الأشخاص البعيدين. # ويمكن أن يتحمل الإنسان بنفسه كل هذا التعب؛ يكتب كتبه بيده ويختمها ويرسلها، وقد يتخذ له ~~سكرتيرا يكل إليه كل ذلك، يملي عليه الكتاب ويوقع عليه بتوقيعه؛ فإذا كان المرء متعبا، ~~وعلى الأخص إذا كان به رمد اضطر إلى تكليف غيره، وفي هذه الحالة يعتذر لصاحبه بعجزه عن أن ~~يمسك القلم، كما نقول نحن في هذا المقام. وهؤلاء السكاترة هم محل أمانة بالضرورة متى كانوا ~~يطلعون على أسرار العائلة والأعمال الخصوصية والسياسية. وفي الغالب يستحقون هذه الكرامة ~~التي يؤتون إياها، ولكنهم أحيانا يخونون سادتهم ويفرون بما معهم من الأوراق. ولما أنهم ~~عادة من الأرقاء يقتفى أثرهم ويقبض عليهم إلا إذا أبعدوا في فرارهم بحيث لا يمكن الوصول ~~إليهم، ويخلف الخادم غير الأمين أو العاجز خادم أكثر أمانة وأوفر كفاءة، كل ذلك على عجل ~~بحيث لا ينقطع سير المراسلة زمنا طويلا. # وإذا كان استعمال الكتابة في الشئون الخصوصية من السرعة والسهولة على ما وصفنا، فقد كان ~~استعمالها في الشئون العامة لا يقل عن ذلك الوصف؛ فإن تحرير جميع العقود الرسمية يحصل ~~بغاية السهولة. ومتى استكملت هذه العقود الشرائط المطلوبة عمل منها نسخ بقدر عدد المنتفعين ~~بها. كذلك الأوامر تصدر إلى الموظفين القائمين بالأعمال التنفيذية من كل الطبقات والمخاطبات ~~الإدارية تحصل بوسائل سريعة مأمونة يظهر أنها تشبه على الأقل ما هو عندنا الآن. فإلى أقاصي ~~حدود الجمهورية تصل الأوامر العالية التي يصدرها مجلس الشيوخ ويتخذ من هذه الأوامر صور ~~رسمية تحفظ بمحافظ السجلات، ولولا المحن المتنوعة التي قلبت حال العاصمة الرومانية الخالدة ~~من فتن داخلية ونهب وحرائق وحروب خارجية وهجوم وغارات ... إلخ؛ لولا ذلك كله لكان المرجح أن ~~تكون بين أيدينا تلك الوثائق التي هي أنفس للتاريخ منها لإرضاء حبنا الاطلاع على ذخائر ~~الفن؛ فإن المادة التي كتب عليها كل ذلك يمكن حفظها بدون أن تتغير مدة ثلاثين قرنا، كما ~~تشهد به أوراق البردي المحفوظة في دور الآثار عندنا. فإذا أصابنا ما أصابنا من ms069 فقد معالم من ~~ذلك القدم المحترم المخصب فإنما كان ذلك من خطايا الناس لا من خطيئة الزمان. # كذلك كان استعمال الكتب منتشرا عاما في عهد شيشيرون كاستعمال الخطابات كما هو الحال في ~~أيامنا، فلم يكن أحد من الأهالي ذو ميسرة وعلى شيء من العلم إلا له مكتبة على شكل المكاتب ~~التي كانت لأهالي الإسكندرية وفي سائر مدائن الإغريق من قبل ذلك بقرنين أو ثلاثة ~~قرون. # 28 # كان لكل امرئ في روما مجموعة من الكتب يختارها لنفسه بنفسه أو بواسطة صديق له عوضا عنه ~~إذا كان لهذا الصديق من مركزه مكنه من ذلك أو كان معترفا له بحسن الذوق في هذا النوع. وقد ~~كان من شيشيرون أن كلف أطيقوس إذ كان في آتينا أن يرسل إليه تماثيل وزخارف ليزين بها مكتبته ~~التي كان يسميها الأكاديمي. ولما كان أطيقوس يريد أن يتخلص من بعض كتب نسخها ويريد بيعها ~~رجاه شيشيرون في ألا يبيعها من غيره؛ لأنه كان معجبا بمكتبة أطيقوس؛ وكانت مؤلفة بعناية ~~خصوصية، فطلب إليه تلك النسخ ليجعلها أساسا لمكتبته، ولا يكون عليه بعد ذلك إلا أن يكملها ~~على حسب ما تقتضيه حاجته ودراسته وهواه، كان ذلك في سنة 686، ولم تكن سن شيشيرون تجاوز ~~الأربعين، ومع ذلك يفكر في أن ينزوي من ميدان العمل إلى مسكن جميل هادئ يعيش فيه مع كتبه ~~«تلكم الصحب القدماء» التي يحب مخالطتها حبا جما، كما كان يقول ذلك لفرون الذي هو أيضا ~~يفوق شيشيرون في الشغف بالعلم والأبحاث المتنوعة في قديميات وطنه وقديميات الأمم ~~الأجنبية. # حين تمكن شيشيرون من بعض ساعات الراحة والعزلة حبس نفسه في مكتبته التي زخرفها ~~وزينها، واختفى وسط كتبه حتى كان يجعل منها ركاما عظيما يحيط به من كل ناحية. ومتى لم ~~يكن لديه ما يرغب في مراجعته استنسخه عند أحد أصحابه، فإذا كان لبعض الأصحاب مثل هذه الحاجة ~~قضاها لهم على خير وجه فيكلف كتبته ومقربيه وسكاترته بنسخ الكتاب المطلوب، ويجد لذة في ~~إهدائه كما كان يسره أن يتقبل كتابا ms070 يرسل إليه. وكان من الجاري في عرفهم أن الرجل ~~يهدي إلى صاحبه الكتاب الذي يعرف أن له فيه رغبة مستترة أو كان له به حاجة من غير أن يطلبه، ~~وإذا زار أحدهم آخر فوجد كتابا يوافقه أعير إياه فيرده بعد أن يقضي منه حاجته ... ~~إلخ. # يمكنني أن أضاعف هذه التفاصيل إلى غير نهاية، ولكن ما الفائدة في ذلك والناس يعلمون أن ~~الرومان في آخر الجمهورية وقبل بلاين الذي أجاد لنا في كيفية صنع الورق بمائة وخمسين عاما ~~كانوا قد اتخذوا من البردي كل ما نتخذه الآن نحن من الكتان ومن القطن، فكان الناس يكتبون في ~~روما بمقدار ما نكتب نحن في الأغراض الاجتماعية عينها وبنفس السهولة والحدة، بل مع تشابه ~~تام في الشهوات والمباراة. كانت المادة مختلفة ولكن الموضوع واحد، ولا أجد بين الحالين ~~خلافا إلا الخلاف الكبير الذي هو المطبعة التي لم تكن لتستكشف إلا بعد ذلك بخمسة عشر أو ~~ستة عشر قرنا. # كان نسخ الكتب والأوامر الإدارية والخطابات أمرا غاليا وبطيئا، وذلك يستتبع أن تكون ~~تلك النسخ قليلة العدد وفي غاية التعرض للضياع. جاءت المطبعة فجعلت النشر والنقل والحفظ ألف ~~مرة أكثر أمانا وألف مرة أكثر سرعة وألف مرة أرخص ثمنا. بيد النساخ استبدل ضبط المكينة ~~المعصوم وقوتها التي لا تعرف حدا ورخصها الذي لا ينافس، ولكن ذلك لم يكن مهما قيل فيه ~~إلا تغييرا ماديا صرفا، فإن المقصود متوفر في الأزمان الغابرة. # على ذلك يكون المخترع الحقيقي الكبير لا يزال هو الشيخ توت أو أي ساحر آخر من السحرة ~~المصريين، الذي أنطق البردي والحروف التي رسمها عليه قلم الكاتب مغمورا في مادة ملونة. ~~وعلى الرغم مما كان يفكر فيه البصير طاموس فإن المقالة المكتوبة في الذهن لم تكن لتكفي إلا ~~الذي يحملها في طيات نفسه؛ لأنها منعزلة وشبه صماء، وما كانت المقالة لتعيش إلا بالكتابة، ~~ويمكنها أن ترجو من العمر ما لا ينبغي للفرد الفاني أن يرجوه أبدا؛ فإن أوراق البردي لا ~~تزال تكلمنا، وسوف تكلم أحفادنا ms071 أزمانا طوالا مع أن طاموس قد حبس عن الكلام منذ أربعين ~~قرنا. # من ذا الذي كان يعرف ما افتكره لو لم يكن أحد الكتبة الأقل حذرا منه قد سجل لنا أقواله ~~التهكمية على صفحات البردي التي شد ما كان يستهين بشأنها ذلك الفرعون الحكيم المسرف في ~~الحكمة. # بعد أن ثبتنا فلاسفتنا في نصابهم من حقيقة الحوادث التي كانت تعتور حياتهم في حال الدراسة ~~أو في حال الحرب، في حال الإقامة أو في حال التشريد، وبعد أن بينا الظروف الحسية التي ألفوا ~~فيها مؤلفاتهم صار جائزا لنا عن بينة وشيء من الاطمئنان أن نتساءل إلى أي حد كانت أصلية ~~هذه الفلسفة؟ إنها كما يظهر لنا نبتت نحو القرن السابع قبل الميلاد في آسيا الصغرى المرتبطة ~~بروابط وثيقة مع جميع البلدان المحيطة بها، فبأي شيء هي مدينة لها؟ وهل استعارت منها شيئا؟ ~~أم هل هي مستقلة تمام الاستقلال لم تتبع سواها؟ وهل لم تنهل شيئا من غير مناهلها الذاتية؟ ~~أكانت مذاهب طاليس وفيثاغورث وإكسينوفان محض إبداع لها من الأصلية ما لشعر هوميروس وسافو ~~وأرخيلوكس والكايوس؟ وبعبارة أخرى هل الغرب الذي فتح صدره للحياة العلمية يدين بشيء للشرق ~~الذي هو مخالط له والذي هو معتبر أنه متقدم عليه بكثير في هذا الطريق الوعر الذي حده ~~النهائي هو الفلسفة؟ # أجيب من غير تردد بالسلب وأن إغريقا لم تدن لأحد غيرها، وأن المساعدات التي وردتها تكاد ~~تكون من خفة الوزن بحيث يمكن الجزم بأن إغريقا في العلم أيضا كانت ذات إحداث وإبداع، شأنها ~~في بقية الأشياء الأخرى، وإذا كانت تلقت شيئا عن جيرانها، فما هو إلا أصول عديمة الصور، ~~فصورتها هي، وبلغت من تصويرها حد التمام بحيث يمكن القول بحق إنها هي التي أوجدتها في ~~الواقع. # وعلي أن أقرر بادئ ذي بدء ماذا يعنى بالفلسفة؟ وحسبي حدها وهو: «اتجاه العقل اتجاها ~~نزيها إلى العلم.» المشاهدة لأجل العلم من غير غرض آخر إلا فهم العالم الذي نعيش فيه ~~وظواهره وأصله ونهايته. هذا هو المعنى الذي تولد ms072 وقتئذ لأول مرة في العقل الإنساني، والذي ~~- من طاليس وفيثاغورث وإكسينوفان إلى عهدنا - لا يزال ينمو من قرن إلى قرن، والذي ينمو في ~~المستقبل بلا انقطاع ما دامت القرون وما دام الزمن الذي يقاس بها على بقاء النوع الإنساني. ~~ذلك هو ما أجادت الفلسفة في بداية أمرها عمله: أن اعتنقت جميع العلوم بلا استثناء، وما هو ~~إلا بسبب ضعف عقلنا وضرورات البحث العام أن انفردت العلوم الخصوصية شيئا فشيئا، وانعزلت ~~أمها الفلسفة عن أولادها، ولكنها ما زالت تغذيها وتتوكأ عليها، ولم تلبث الفلسفة أن حددت ~~دائرتها الخاصة المتوزعة أجزاؤها في العلوم المختلفة التي هي الفلسفة أصلها وتمامها، ولكنها ~~في تلك الأيام الأولى كانت مختلطة بجميع العلوم؛ لأن العلوم لم تكن بعد قد خرجت ~~منها. # من هذا سمت نفسها بذلك الاسم الجميل المتواضع؛ فإن فيثاغورث لما سأله ليوز طاغية الفلياز ~~(سيقونيا) أجاب بأنه فيلسوف، وهو اسم لم يسمع من قبل. # الفيلسوف ليس إلا صاحب الحكمة؛ أي صاحب العقل، ذلك العقل الذي يدرس الأشياء ويدرس نفسه ~~أيضا، وقد كان فيثاغورث يقول: حال الناس في الحياة يسعون فيها يشبه حال الجمهور يتقاطرون ~~إلى الأعياد الرسمية. ففي جمعيات الجمهور الفسيحة لكل واحد من الساعين إليها أغراض مختلفة؛ ~~أحدهم يقصدها ليبيع فيها بضائعه مدفوعا بحب الكسب، وآخر لا يقوده إليها إلا حب المجد ~~والرغبة في أن ينال قصب السبق في القوة أو في المهارة، وطائفة أشرف من هؤلاء لا يظهرون ~~فيها إلا لمشاهدة جمال محال تلك الاجتماعات وعجائب الصناعة المعروضة لأنظار الجميع. كذلك في ~~الحياة، للناس الذين تضمهم الجمعية الإنسانية مشاغل متباينة؛ فمنهم المجرورون بجواذب الثروة ~~والتمتع التي لا تقاوم، وآخرون مملوك عليهم أمرهم بالطمع في السلطان والشرف، وهما لا ~~ينالان إلا بالحروب الحادة والمنافسات التي تسفك الدماء، ولكن الغرض الأسمى للرجل هو إمعان ~~النظر فيما في هذا الكون من الجمال المتنوع الذي يقدمه لأنظارنا، وبذلك يستحق عنوان فيلسوف. ~~فمن الحسن أن ينظر المرء إلى أقطار السماوات الفسيحة يتتبع سير الأفلاك التي تتحرك فيها على ms073 ~~قدر غاية في النظام، ولكنه لا يستطاع فهمه جيدا إلا بالمبدأ المعقول المجرد الذي يسير ~~الكون ويحصي كل شيء عددا ومقياسا. # فالحكمة تنحصر في التعرف بقدر الممكن لهذه الظواهر الإلهية الأبدية الأولية التي لا ~~تتغير. والفلسفة ليست إلا التتبع المستمر لهذه الدراسة الشريفة التي تنير الناس ~~وتصلحهم. # 29 # منذ البداية قد علمت الفلسفة ما كانت تفعل، منذ خمسة وعشرين قرنا لم تبحث الفلسفة إلا في ~~تحقيق الفكرة التي قامت بها عند خطواتها الأولى بالتدرج تحقيقا كاملا، وما زالت حكمة ~~فيثاغورث هي حكمتنا وإن كانت العلوم قد رقت رقيا كبيرا جدا، ولكن الفيلسوف لم يتغير؛ ~~فإنه سيبقى دائما هو الذي يتأمل في الأشياء ويلاحظها ليفهمها وليفهم نفسه، هذا هو معنى ~~العلم والفلسفة الذي أنسب شرفه إلى إغريقا دون سواها؛ فمن إغريقا تلقيناه من غير أن يكون ~~افتكره أحد من قبلها في هذا الشرق الذي كانت تعتقده ويعتقده غالب أهل زماننا ينبوع كل نور ~~وحكمة. # ممن كانت تستطيع إغريقا أن تستعير هذا المعنى وقتئذ؟ أمن مصر أم من فينيقيا أم من الفرس ~~أم من الهند؟ لا أرى غير هذه الأمم أحدا كان يستطيع أن يعلم الإغريق شيئا، وأقول: إن ~~هذه الأمم ولو أنها علمتهم أشياء كثيرة فلم تعلمهم الفلسفة أصلا. لا شك في أن كثيرا من ~~فلاسفتنا - وفيثاغورث على الأخص - ساحوا سياحات طويلة في تلك البلاد، وأنهم ذهبوا إليها ~~ليتعلموا؛ فإن فيثاغورث الذي ربما كان يدلي إلى فينيقيا بعائلته ذهب إلى مصر كما فعل طاليس ~~من قبل وكما فعل هيرودوت بعده بقرن، وأقام فيها. ويقال إنه لقن الأسرار الخفية، وقد يمكن ~~تصديق ذلك بسهولة؛ لأن سولون ذهب إليها أيضا، والظاهر يدل على أنه لم يقف عند محادثة كهنة ~~سايس # 30 # في أمر الأطلانديد. # ومن المحتمل أيضا أن فيثاغورث جاوز مصر إلى كلدة، وتحادث مع المجوس كما كان قد تحادث مع ~~الكهنة المصريين، والفضل في ذلك يرجع إلى الطريق الملكي الذي أنشأه دارا يصل به المسافر من ~~سرديس إلى صوص في أعماق فارس ms074 وراء دجلة والفرات من غير مشقة إلا طول السياحة التي تقطع في ~~ثلاثة أشهر. وليس يرى لماذا لا يدفع حب العلم إلى إزماع مثل هذه السياحات في حين أن السياسة ~~- حتى قبل فتح ذلك الطريق - كانت تقتضي كل وقت علاقات من هذا النوع. # وقد كان حكماء الإغريق مشوقين دائما إلى زيارة مصر وفينيقيا وكلدة، وهي البلاد الشيقة ~~التي كانوا يؤمونها ليجدوا فيها كنوز العلم. والواقع أنهم جابوا تلك الأقطار الشاسعة مع ~~ما عليه الوصول إليها من المشقة. # ماذا جلبوا منها؟ الآن وعلى أثر الاكتشافات اللغوية والأثرية التي جاء بها قرننا الحاضر، ~~والمعلومات الهيروغليفية، والكتابات، وأوراق البردي المصرية، وكتب زورواستر، وكتب الهند ~~المقدسة، ودين البراهمة والبوذيين، نقول إن طريق الجواب مفتوح أمامنا، ونستطيع أن نرى فيه ~~أحسن مما رأى الإغريق، نرى ماذا كانت حكمة الشرق المزعومة. تلقاء الآثار المفسرة بالضبط ~~الكافي - إن لم يكن بالكل فعلى الأقل بالجزء - نعلم ماذا تساويه وماذا يمكنها أن تؤتيه، ~~يبحث فيها عبثا عن الفلسفة وهي عنها غائبة، فكيف يكون الإغريق حتى مع تناول الأسرار الخفية ~~قد وجدوا الحكمة فيها ما دامت لم تكن فيها. # نطرح إلى جانب فينيقيا ويهودة جميعا؛ فإن التوراة أثر ذو قيمة لا تقدر، إن بما تشتمل ~~عليه وإن بما خرج منها، ولكني لا أرى أن إغريقا استعارت منها شيئا أيا كان، وإذا كانت ~~كتب اليهود المقدسة قد وصلت إليها بأية طريقة كانت، فلماذا تخفي ذلك وهي قد أعلنت إعلانا ~~عاليا بل عاليا فوق ما يلزم حكمة مصر وحكمة المجوس؟ أي عقبة اعترضتها في إطراء الحكمة ~~العبرانية إذا كانت عرفتها؟ يمكن أن يؤسف على أنها جهلتها، وأنا أظن أيضا أن إغريقا التي ~~كانت مستعدة للرقي بنفسها كانت تجد من دراسة كتب موسى مساعدة قوية، ولكنها ما علمت منها ~~شيئا. والقول بضد ذلك يمكن أن يكون دليلا على إيمان حاد، ولكنه ضلال مبين لا ينهض واقفا ~~أمام أدلة الحوادث. فلما ترجم التوراة السبعون بعد ذلك؛ أي في عهد بطليموس الثاني فيلادلفي ~~(275 قبل ms075 الميلاد) أمكن الإغريق أن يقرءوها، وليس يرى أنهم تحركوا لها ولا استناروا بها، ~~ولو قرئت عليهم في زمن طاليس وفيثاغورث لكان أثرها أقل من ذلك أيضا، ولو فسرت لهم لما ~~كادوا يفهمونها ولا يصغون إليها. والواقع أنها لم تفدهم شيئا. # أقول عن مصر ما قلته عن فينيقيا ويهودة تقريبا؛ فمن عهد الاكتشاف العظيم الذي أتاه ~~شمبوليون، ومن كل الأعمال التي تبعته وأيدته يعلم ماذا كانت أرض الفراعنة القديمة، فقد يكون ~~الإنسان واثقا من أنه لن يصادف فيها ما يدل على الفلسفة إلا بيانات غير منتظرة من نوع ~~جديد. كانت الاعتقادات الدينية مستفيضة فيها، وكانت عريقة في أصليتها جميلة على ما فيها من ~~شذوذ، ولكن العلم بالمعنى الخاص لم يكن بها، وكل شيء ساعد على إثبات أنه لم يكن فيها أصلا، ~~بل لم يكن ممكن الوجود بها على رغم ما عليه أهلها من الذكاء الحقيقي. إن ذلك لا يقلل من ~~أهمية دراسة مصر، ولكنه لا ينبغي أن ننتظر منها ما ليس فيها، لها سنويات وليس لها تاريخ. ~~يمكن أن يكون لها مشاهدات مضبوطة لبعض الحوادث الطبيعية والفلكية على الأخص، ولكنها ليس لها ~~علم، لها مذاهب دينية وليس لها فلسفة، حالها كحال فينيقيا جارتها وحال يهودة التي كانت ~~خاضعة لها وتخلصت منها منذ عهد موسى. يمكن أن يكون لها معلومات كبرى ولكنها لم تمذهبها ولم ~~تركزها على مبادئ معينة. # وللحكم على مجوس كلدة لدينا ما ذكره هيرودوت وما كتبه الكتاب المعاصرون وما تعلمنا إياه ~~الكتب الدينية المجوسية التي فتح لنا مغالقها حديثا علماء اللغات، وفي مقدمتهم إيجين ~~بورنوف. # أما على قول هيرودوت الذي يظهر أنه رأى المجوس عن كثب، فإنهم لا يكادون يكونون إلا ~~عرافين. عندما أراد أصطياغ - ملك الميديين - أن يفسر الحلم الغريب الذي رأته ابنته مندان ~~قصد إلى المجوس المحترفين بتعبير الرؤيا واتبع نصيحتهم مع التحرج، إذ أمر بقتل حفيده قيروش، ~~وعندما يريد قمبيز أن يزمع حملته الجنونية على مصر يعهد إلى مجوسي القيام بأعباء الدولة مدة ~~غيابه فيسيء المجوسي ms076 في ثقة الملك به ويجلس على العرش أخاه سمرديس الكاذب، ولكن الفرس غاظهم ~~هذا الاغتصاب الذي يفضي إلى خضوعهم للمجوسي، فاتفق سبعة منهم تحت إمرة الفارسي دارا بن ~~هستاسب وذبحوا الأخوين اللذين تبوآ الملك غصبا، وهم هم المجوس الذين يفسرون حلم ~~إكزاركزيس؛ إذ يهم بمحاربة إغريقا وعلى رأيهم يمشي، وبينما هو في الطريق على ضفاف ~~الستريمون، إذا بالمجوس يذبحون الخيل البيض يستفتحون بها باب النصر، فلما شتت الأسطول (480 ~~قبل الميلاد) بريح عاصف على شاطئ تراقيا في رأس سبياس، غير بعيد من أطوس حيث هلك أسطول آخر ~~قبل ذلك بعشر سنين، إذا بالمجوس يقربون قرابين للريح ليهدئوا ثائرته في اليوم الرابع. ~~وبالجملة لا يقرب قربان إلا بحضرة مجوسي لينشد ما يسميه هيرودوت تيوجوني (أنشودة الآلهة) ~~ليتم بذلك الاحتفال الديني. # من أجل ذلك كانت في إغريقا القديمة وعلى الخصوص في روما شهرة للمجوس وكراهة لهم في آن ~~واحد، ومن اسمهم اشتق اسم ذلك الفن الخفي الذي هو «السحر»، وهو مخوف عند العامة وطالما غرر ~~بهم. وقد أنحى عليه بلاين بالسخط فوق ما قد يستحق. # 31 # ومنذ عهد أرسطو كانت تلصق هذه التهم بمجوس الفرس والكلدان، فإن هذا الفيلسوف قد ~~أفرد مؤلفا خصيصا بذلك وسماه «الماجيك» # 32 # ليدفع عنهم التهم التي ظهر له فسادها. وفي كتابه المسمى «في الفلسفة» ظن أن من ~~الواجب عليه أن يشتغل بأمر المجوس الذين يعتبرهم أقدم عهدا من كهنة مصر. ولما وصل إلى ~~لاهوتهم تكلم عن الأصلين اللذين يعترفون بهما: الحسن والقبيح «أوروماز وأريمان». # ومن الكتاب المتأخرين عن أرسطو من جعل المجوس آباء الجمنوزوفست (فلاسفة الهند المتريضين)، ~~بل آباء اليهود أيضا. وفي كتاب دانيال الذي كتب في عهد دارا أن مجوس بابل ليسوا إلا منجمين ~~وسحرة ومفسري أحلام، ومع ذلك كانوا يلقبونهم بالحكماء، ولكن الخدم التي تطلب منهم لا تكاد ~~تدل على أنهم أرفع درجة من المحتالين والسحرة الدجالين، فهل هم أنفسهم أولئك الذين كان لهم ~~أرصاد فلكية في بابل قدرها أرسطو خير تقدير. # 33 # ولكن المجوس ms077 إذا كانوا فلكيين مهرة فليسوا فلاسفة، وكتبهم الدينية (زند) التي نعرفها الآن ~~بطريقة أكيدة تبين لنا ذلك بغاية الوضوح؛ فإن الفنديداد واليسنا واليشت وجميع القطع ~~المنسوبة إلى زورواستر (زاراتسترا) تشتمل على آثار من ديانة ظاهر عليها الجلال والقوة في ~~خلال تلك الظلمات، ولكنها لا تشتمل على مذهب فلسفي. وهذه الكتب هي كل ما يمكن إسناده إلى ~~مجوس كلدة؛ فإذا كان فيثاغورث قد اطلع عليها بالمصادفة فإنه لم يدخل منها شيئا في مذهبه ~~الخاص: صلوات وأدعية وأناشيد وعقائد مبهمة وغير مستقرة وآثار من سير مقدسة، وخرافات ليست هي ~~خرافات الفيداس وليست كذلك من خرافات الإغريق، ذلك على الأخص هو كل ما يمكن أن يقرأ في ~~كتبهم. وهذا في الحقيقة لا ينقص من أهميتها الكبرى؛ فإن تاريخ الديانات يمكن أن يكتشف فيها ~~الأصول النفيسة للغاية، ولكن تاريخ الفلسفة لا يجد فيها شيئا يجنيه، وعلى ذلك لم يكن ~~المجوس ولا المصريون قد أوحوا إلى إغريق يونيا شيئا. # أفتكون الهند؟ ولا هي أيضا. # ليل حالك لا يزال يغشى الأصول الهندية وأخبارها، ولأن هذه البلاد ما كتبت قط تاريخها ~~نصادف أكبر العناء في ترتيب الحوادث والوقائع المتنوعة التي تتعلق بها. كذلك الحوادث الخاصة ~~بالعلوم والآداب لا تخرج عن هذا الخفاء العام، ومع ذلك يبين لنا - وسط هذا الاختباط الذي ~~يكاد لا يخلص أبدا - بعض الأصول الرئيسية الحقة على ما فيهما من شدة الإبهام، فيمكن ~~الجزم بأن آثارا بعينها من آثار العقل الهندي أقدم أو أحدث عهدا من بعض آثاره الأخرى. من ~~ذلك أن أنواع الفيدا وعلى الأخص الفيدا التاريخي الذي لقب مع التسامح بلقب «الريك» هي ~~متقدمة على سائر البقية وجماعة الفيدا أو على الأقل تلك المتقدمة لا يكاد يقل عمرها عن خمسة ~~عشر قرنا قبل الميلاد، غير أن هذه الأناشيد الشعرية ليس فيها شيء من الفلسفة. # أما الخرافات الفياضة النامية فيها فإنها تشبه الخرافات اليونانية، كما أن بين لغتي ~~اليونان والهند البرهمانية مشابهة أخوة، ولكن الطابع الفلسفي معدوم منها بالمرة. وأما ~~الأوبانيشاد التي يمكن ms078 أن يوجد فيها هذا الطابع بعد البرهمانيات فمن المؤكد أنها متأخرة عن ~~الأزمان التي نحن بصددها، فمع أن طاليس وفيثاغورث وإكسينوفان هم من القرن السادس قبل المسيح ~~فإن الأوبانيشاد لا يمكن إبلاغ أقدمها إلا إلى القرن الرابع. # وعلى ذلك لم يكن الإغريق ليستعيروا شيئا من الهند مع افتراض أنه كان من الممكن في ذلك ~~الزمان أن يكون لهم مخالطة مستمرة بحكماء شواطئ الهندوس، بله حكماء أواسط شبه جزيرة الهند ~~أو شرقيها، وما عرف العالم الإغريقي بجماعة الجمنوزوفست إلا بتجريدة الإسكندر وسفارة ~~ميغاستين، ولكن الإسكندر وميغاستين هما متأخران بمائتي عام عن حكماء سموس وملطية ~~وكولوفون. # حق أن الهند - خلافا لمصر ويهودة وفارس - لها فلسفة حقيقية نعرفها في مجموعها ونعرف منها ~~آثارا تفصيلية. وريثما ندرسها دراسة تامة نقرر منذ الآن أننا نعلم أن هذه الفلسفة مستوفية ~~كل الشرائط اللازمة للعلم على النحو الذي نعنيه نحن اليوم، والذي كان يعنيه الإغريق دائما. ~~إنها لمستقلة تمام الاستقلال، وغرضها كغرض حكمة الإغريق تفهم العالم والإنسان. ولا شك في ~~أنها درست كليهما على غير الوجه المفيد، ولكنها جعلتهما شغلها الوحيد، فينبغي أن يكون لها ~~بمذاهبها الستة التي تتقاسمها وتؤلفها مركز عظيم في التاريخ العام للعقل البشري. # ما هو تاريخ هذه الفلسفة؟ وإلى أي زمن تنتسب؟ ذلك هو كل ما يهمنا في هذا المقام. # قد كان يظن أن أحد هذه المذاهب الذي هو مذهب سعنخيا الملحد من كبلا كان سابقا على ~~البوذية. ولما أن بوذا مات سنة 543 قبل الميلاد يكون سعنخيا معاصرا لطاليس ومعاصريه ~~الآخرين. وكانوا يقفون مذهب سعنخيا بالمذاهب الأخرى على ترتيب معين لا يخلو من التحكم ~~كثيرا أو قليلا باعتبار أن كل هذه المذاهب متأخرة عنه، وبالتبع تكون متأخرة عن فلسفة آسيا ~~الصغرى، ولكن يظهر أن هذا الترتيب أصبح الآن معدوم النصير؛ لأن أغزر البراهمة علما متفقون ~~على ترتيب سعنخيا بعد البوذية بزمان طويل. إن الفلسفة لم تظهر في الدين القديم إلا لاستئصال ~~شأفة الإلحاد أو على الأقل لتفل من غر به. وإن مذهب ms079 سعنخيا الذي هو ملحد وروحاني معا ما ~~يكون إلا طليعة التوفيق بين اعتقادات الدين الجديد وبين الاعتقادات الجائية من فيدا، ويكون ~~«النيايا» أو المنطق جاء نفسه قبل سعنخيا لحاجات المناظرة، وتكون الفيدعنتا متأخرة عن ~~الاثنين. # 34 # ليس بي من حاجة إلى الدخول في مناقشات من هذا النوع، ولا أريد أن أجاوز بالبحث حدود ما ~~قدمته من القول، وإلا كانت إفاضة في العبث؛ فإن من البين أننا حتى إذا وضعنا سعنخيا في ~~الترتيب الوجودي قبل ظهور البوذية وجدنا أن الإغريق لم يكن في وسعهم أن يعرفوا من مذهبه ~~شيئا عندما أخذوا يفلسفون لأول مرة. ومع افتراض أن سياحة فيثاغورث بلغت به بابل وصوص، ~~فإنها لم تعلمه مذاهب لم تكن خلقت في بنجاب أو على شطوط نهر الجنج. # ينبغي أن يزاد على هذا أن «داراسانا» الفلسفة الهندية على ما هي معروفة عندنا منذ ~~كولبروك وما تلا مذكراته المشهورة من المعلومات ليس بينها وبين الفلسفة الإغريقية في تلك ~~الأزمان الأولى علاقة مشاركة، فلا في طاليس ولا في فيثاغورث ولا في إكسينوفان يمكن العثور ~~على أثر للمشابهة أو التقليد، وهذا مفهوم بالبداهة ما دام الظاهر كله يدل على أن الفلسفة ~~البرهمانية لم تتم إلا بعد ذلك بقرنين أو ثلاثة. # ومتى خرجنا بالهند من الموضوع صار من العبث أن نبلغ بالبحث الصين؛ فإن لاونسو معتبر أنه ~~عاش في القرن السادس قبل الميلاد، ولكن الفلاسفة الإغريق الأول لو كانوا قرءوا الثاوتي ~~كنج وهو كتاب الطريق والفضيلة لما استطاعوا أن يجدوا فيه ما يصلح لهم. # 35 # على ذلك لا الصين ولا الهند ولا فارس ولا مصر نفسها لم تلهم الإغريق شيئا من فلسفتهم. ~~وسأبين فيما يلي أي حظ من التأثير كان للمذاهب المصرية في مذهب فيثاغورث، ولكنه يمكن الجزم ~~بصورة عامة أن الفلسفة الإغريقية باعتبار أنها في مهدها فلسفة بالغة في الأصلية غايتها، ~~وبأن معنى العلم على الصورة التي صورتها بها هذه الفلسفة وقتئذ كان باكورة فهم العقل البشري ~~للعلم، تلك هي نتيجة كبرى أعترف بغاية الارتياح ms080 أنها ليست أمرا جديدا، كما قد يبين من ~~الاعتبارات التي تقدمت، بل قد تقدمني بزمان رجال ارتأوا هذا الرأي من غير أن يكون قد توفر ~~لديهم كل ما لدينا من الأدلة. # فإن العالم المحقق بروخر كان يكتب منذ قرن كامل في هذا الموضوع، وقبل أن يصل إلى الفلسفة ~~الإغريقية بحث عن بدايات الفلسفة في الأرض جميعها، فراح يستجوب على التعاقب العبرانيين ~~والكلدانيين والفرس والهنود العرب والفينيقيين والمصريين وطائفة من أمم أخرى، فلم يعثر فيها ~~على الفلسفة التي ينشدهم إياها عبثا، حتى بلغ الإغريق فقال: «الآن لنبلغ الإغريق هذه الأمة ~~المشهورة منذ كانت صبية في المهد بدرس الحكمة والفنون، والتي عندها وجدت الفلسفة مقرها الذي ~~بغته زمنا طويلا بعد أن تلقت هذه الأمة عن المتوحشين بعض الجراثيم من المعارف ~~الإلهية والبشرية.» # ثم بعد أن درس النظريات القديمة لأنساب الآلهة التمثيلية والفلسفة السياسية للحكماء أضاف ~~هذا العالم الرصين مؤرخ الفلسفة إلى ما تقدم ما يلي محدثا عن مدرسة يونيا: # إلى هنا لم نقدر فلسفة الإغريق إلا وهي صبية ترت في مهدها، ولكنا قد بلغنا الآن ~~منها الطور الذي فيه بدأ العقل البشري يزاول الفلسفة الحقة، ويظهر بالأفكار المرتبة ~~مظهر المشغوف بالنفوذ في حقيقة الأشياء، فإلى العبقرية الإغريقية ينبغي أن ننسب هذا ~~المجد كما بينته آنفا، وفي أول هذا التاريخ عند البحث في الأصول الصحيحة ~~للفلسفة. # 36 # وأما أنا من جانبي فلا أزيد على ترديد عبارة بروخر، وأعدني سعيدا باستنادي إلى هذا الحجة ~~المحترم المتين الذي تقدم بمائة عام ما لدينا في هذا العصر من المعلومات البينة. نتيجتي ~~كنتيجته، نعم إغريقا أصيلة على الإطلاق، أعطت كل العالم ولم يعطها العالم شيئا إلا ما ربما ~~يكون من بذور كانت عقيمة في غيرها فعرفت هي وحدها أن تنبتها. # لن أتوسع في الكلام على مذاهب طاليس وفيثاغورث وإكسينوفان، بل أفترض أنها معروفة بمقدار ~~ما يمكن أن تعرف من القطع النادرة التي نجت من البلي، وأقف عند بعض الملاحظات العامة إلى ~~غاية العموم. من البين أن أكمل ms081 هذه المذاهب الثلاثة على نسبة كبيرة هو مذهب فيثاغورث، ~~ونحن لا نستطيع أن نتعرفه إلا من خلال الشروح التي وضعتها عقول قليلة التفوق جاءت بعد ~~المصنف بستة أو سبعة قرون، ولكنها مع ذلك كافية في بيان أن الدراسة التي كان يزاولها حكيم ~~سموس شد ما كانت أفسح ميدانا وأكثر ضبطا من دراسات معاصريه، فيها الفلسفة بتمامها ~~تقريبا مع أجزائها الأصلية التي تتألف هي منها، وفوق ذلك فإن دراسة العلوم وعلى الأخص ~~العلوم الرياضية بلغت فيها شأوا بعيدا. ومن البلية أن شخص فيثاغورث كمذهبه لا يزال يحيط ~~به من الظلام حجاب لا شيء يمزقه، ولا شك في أن هذا الحجاب العظيم إنما جاء كبره من السكوت ~~الذي التزمه فيثاغورث وألزم إياه تلاميذه الذين بقوا محتفظين بتنفيذ أمره مدة عدة أجيال، ~~وكان فيلولاوس السابق لأفلاطون بقليل هو أول من علم القاعدة - على ما يؤكدون - ونشر المذهب، ~~بل ربما نشر كتب الأستاذ أيضا. # ومما لا يقل عن هذا مطابقة للواقع هو أن فيثاغورث على فلسفته كان يحتفظ في نظرنا بشيء من ~~النحو الديني إن لم يكن في أفكاره فعلى الأقل في الجمعية التي ألفها والتي لا يدخل إليها ~~إلا بعد امتحان قاس يجوزه المريد، فليست الفيثاغورية مفتوحة للكافة كالمذهب الطبيعي ~~لطاليس، ولا كمذهب ما وراء الطبيعة لإكسينوفان. لفيثاغورث تلاميذ، ولكنهم بعض أعضاء لجمعية ~~منتظمة خاضعة لملاحظة شديدة ومحصورة في حدود لا تجتاز. إنها نوع من مدينة فلسفية دينية ~~سياسية قاسية وضيقة الحدود، فلم تلبث أن ارتاب في أمرها جيرانها فخربوها بالحديد والنار، ~~وما كان أسهل عليهم ذلك نظرا إلى أن هذه الجمعية من الوداعة بمكان. # ومن البديهي أن نظام المدرسة الفيثاغورية كان على مثال مدارس الكهنة المصريين، وربما كانت ~~على مثال مدارس المجوس أيضا، وإن تناسخ الأرواح هو عقيدة شرقية صرفة لم تتأقلم في العالم ~~الهليني مع أن أفلاطون وضعها تحت إشرافه. كان فيثاغورث مؤسس مدرسة ورئيس جمعية معا ومبدع ~~مذهب لا يتلقاه إلا أشياعه، وبهذه المثابة كان بين فلاسفة الإغريق وحيدا في ms082 هذا الباب، ~~وينبغي أن يرجح أن سياحاته في مصر وكلدة هي التي أوجدت في نفسه مقاصد من هذا النوع فنقلها ~~إلى بلاد قلما توافقها وتنجح فيها، ولكنها مع ذلك جعلت لفيثاغورث مركزا قدسيا علميا ~~معا، فبقي به علما فردا متميزا عمن قبله وبعده، مذهبه العلمي غير تام، ولكنه عظيم جليل، ~~ومذهبه الأخلاقي طاهر لا غبار عليه، حتى إن مذهب أفلاطون مع كونه أشد منه تعمقا لم يرجع ~~عليه في طهره. # ولندع إلى جانب شخصيات الفلاسفة وننبه إلى أن الفلسفة الإغريقية بتمامها كانت موضوعة في ~~وضع استثنائي أفادها جدا، وهو أنها لم يكن أمامها أبدا ديانة مبنية على كتب مقدسة، وقد ~~كان الأمر على ضد ذلك في مصر ويهودة وفارس وفي الهند حيث لم تكن الحال قاصرة على أن الدين ~~قد سبق الفلسفة في تلك البلاد، كما هو الحال عادة في كل زمان، بل إنها اعتمدت فوق كل ذلك ~~على أسس معتبرة أنها إلهية، ومع ذلك أقامت قرونا طوالا كافلة لسد الحاجات الأدبية ~~والأخلاقية في تلك الأمم؛ وبعد ذلك خرجت الفلسفة من المحاريب، فمثلا في بلاد الهند ~~البرهمانية أو البوذية استطاعت الفلسفة أن تنمو نموا كبيرا متحللة من القيود الأولى، وإن ~~كان نجاحها لم يكن عظيما. أما في بلاد الإغريق فلم يكن ما يشبه ذلك؛ لأن الإغريق لم يكن ~~لهم كتب إلهية ولا موحى بها. # وقد كان أرفي ولينوس وسائر المرتلين الأقدمين الذين كانوا ينشدون آيات الأسرار الأولى ~~كلهم ما كان يتكلم إلا باسمه هو دون أن يسند ما يقول إلى الإله. ولما كان الإشراك بالله ~~متغير الصور منثورا في البلاد لا ينتظمها على حال واحد لم يستطع الوصول إلى تأليف جسم من ~~المذاهب قد يصير ديانة ذات قوام خاص، فلم يكن للكهنة نقابة قوية ذات سلطان، وكان الناس ~~يحترمونهم ولكن لا يطيعونهم، ولم تكن الروابط بين الهيئتين إلا مفككة العرى؛ لأنها إنما ~~تبحث عن معتقدات عامة يغير من عمومها في كل جهة أساطير محلية لا نهاية لها، وعن بعض ~~احتفالات ms083 عامة لم تكن إلزامية، وهواتف يستشيرها الناس وقتما يريدون؛ وألعاب عمومية. والكتاب ~~الوحيد الذي أخذ بمجامع قلوب الإغريق إنما هو قصيدة حماسية. # إن قصيدة من شعر الحماسة تسحر العقول ولكنها لا تهديها، تأخذ بالقلوب ولكنها لا توجب ~~الإيمان، إنها تنمي الإحساسات الشريفة بما تقدم من التذكارات الوطنية، ولكنها لا تسوي سبل ~~السلوك، فما قصيدة حماسية بالتوراة ولا هي بالزاندافستا ولا بمنتراس البراهمة ولا بالقربان ~~المثلث عند البوذيين، فالواقع أن الفلسفة كانت هي وحدها دين الهلين. # وما تنسب عظمة الفلسفة الإغريقية التي لا تزال تدهشنا ونتعلم منها بعد خمسة وعشرين قرنا ~~إلا إلى استقلالها المطلق. ولو أنها كانت تحت وصاية ديانة حسنة النظام أفكانت تظهر قواعدها ~~بهذه السهولة التي ظهرت بها؟ أو كانت تحيا تلك الحياة الطيبة القوية؟ أو كانت تلد للعالم ~~تلك الملح من التآليف وتؤتي ذلك الثمر اللذيذ؟ من ذا الذي يعرف ذلك؟ لا شك في أن الجنس ~~الهليني كان عجيب الاستعداد؛ فقد نجح في ميدان الفلسفة، كما نجح في ميادين الأعمال الأخرى، ~~ولكن أما كانت تذبل هذه الخواص العجيبة لو أن العصارة التي تغذيها جرت في قنوات أخرى من ~~قبل، وخصوصا في قنوات الديانة! # ولم يكن تاريخهم الخرافي إلا لعبا تلعب به الملكات، فكانت الخواص العليا للنفس في سعة من ~~أن تتخذ لها نحوا جديا آخر وتبحث عن غذاء لها أغزر مادة وأدخل في باب الحق، بعيد علي ~~أن أنكر نعم الديانات على الناس، وأرى أن من الخير أن تكون قد سبقت الفلسفة دائما، وعند ~~جميع الشعوب، ولكني لا أستطيع أن أحجم عن القول بأنه إذا كانت ديانة الهلين أكثر جدية مما ~~كانت عليه لأوشكت فلسفتهم وعلومهم أن تكون أقل في الجد مما كانت عليه بكثير، وتلك خسارة ~~لا تعوض على الإغريق وعلينا أيضا؛ لأننا نحن أبناؤهم ومظهر استمرار حياتهم. # ولئن أنسب إلى آسيا الصغرى وتلك الجمهوريات الإغريقية الصغيرة التي كانت مقيمة على ~~شواطئها كل المجد الطارف في اختراع الفلسفة والعلم والشعر والموسيقى وكثير من الفنون ~~الأخرى، فإني ms084 لا أقصد إلى أن أغمط آتينا حقا من المجد المقطوع النظير؛ ذلك لأنه من ~~آتينا خرج في زمن قدروس أهل بعض هذه المستعمرات التي جمعت بين النشاط والذكاء والشاعرية ~~والحربية، وفي آتينا اجتمع اليونان. بل يمكن القول بأن آتينا أعطت من دمها ومن روحها تلك ~~الجاليات التي لم تستطع أن تظلها تحت سمائها بعد أن أقاموا بها زمنا طويلا، ثم إن تلك ~~المستعمرات لم تستطع أن تحفظ في أوطانها جراثيم للفلسفة التي تمخضت هي عنها، فإنه إذا كان ~~طاليس بقي في ملطية فإن فيثاغورث قد هاجر من سموس إلى سيباريس وقروطون، وإكسينوفان ترك ~~كولوفون إلى إيليا، فلما نفيت الفلسفة مؤقتا من إغريقا الكبرى بما فيها صقلية وجدت سلطانها ~~الحقيقي في آتينا آخر مطافها، وجدته بسقراط وأفلاطون في عهد أنكساغوراس وبيريكليس وفيدياس ~~وسوفكل. # على ذلك تكون آتينا قد حوت أسمى مظهر للذكاء الإغريقي، وتكون الأم المخصبة التي ولدت ~~الملح من كل نوع؛ فإن الفلسفة لما اقتلعت مرتين رجعت إلى الأرض الأولى التي منها خرجت ~~المستعمرات اليونانية لتؤتي فيها أجمل زهرها وأنضج ثمارها. ولم تكن الفلسفة في آسيا الصغرى ~~إلا عارضا جاءت به المصائب السياسية، فأقامت فيها قليلا ولكن بعد أن انبعث نورها الساطع. ~~فلما استقرت بآتينا مكثت بها أكثر من ألف سنة من عهد بيريكليس إلى عهد جستنيان، فهي معلمة ~~روما وجدة الإسكندرية ومنافستها الجديرة دائما بالاحترام. # من أجل ذلك يظهر لنا أن آتينا ويونيا أو بلفظ واحد إغريقا كان لها على من عداها فضل ~~وسؤدد لا يطاول، ومن أجل ذلك نضع منزلتها في سماء المجد في أوجها، لا يقاربها فيه ولا على ~~مسافة كبرى تلك الأمم التي حاربتها ومزقتها، ولكنها لم تقهرها مع أنها تربى عليها في العدد ~~ألف مرة، فمن ذا الذي يقام له وزن بجانب الإغريق في باب الشعر والفنون والعلم والفلسفة؟ لست ~~أعني السيتيين ولا سائر تلك الشعوب الرحل في شماليها، ولكنما أعني الفرس والهنود، بل ~~المصريين أيضا، ماذا عسى أن تكون القرون الأولى لولا الهلين؟ ما ms085 هي تلك المعارف الإنسانية ~~التي ليس لهم فضل في أمرها؟ # ولقد أراد مؤرخو الإنسانية، ومنهم هردر أن يتلمسوا أسباب هذا التفوق الخارق للعادة من ~~ظروف وأوضاع كلها مادية كشكل أرضهم وحال جوهم وحاجات تجارتهم ... إلخ، ولكن مع أن تأثير هذه ~~الظروف لا ينكر إلا أنها لا تستطيع أن تحل لنا مشاكل هذه النظرية الدقيقة ولا أن تفسر لنا ~~سر هذا التفوق تفسيرا مقنعا؛ فإن شواطئ آسيا الصغرى وضفاف بحر إيجه وأطيقا، وبيلوبونيز ~~وإغريقا الكبرى لم تتغير عن أصلها، ومع ذلك أين هي تلك الروح التي كانت تنعش الهلين في تلك ~~العصور الخصيبة؟ ماذا صارت روح تلك الشعوب التي لم تتغير أوطانها المخصبة الجميلة منذ ذلك ~~العهد إلى اليوم؛ فإن أخلافهم لا يعدون الآن شيئا فيما يتعلق بارتقاء المدارك ~~الإنسانية؟ # لا نكاد نجد لهذا السؤال جوابا ممكنا إلا الواقع نفسه، فإنا لنرى كيف كانت إغريقا فوق ~~كل الأمم حتى بالبقايا القليلة التي وصلت إلينا من أعمالها، ولكن لماذا اصطفى هذا الشعب ~~الصغير في زمن معين خلال قرون عديدة ليكون عنوان النور الأبدي الهادي لجميع الأمم فيما ~~يتعلق بالمعقولات؟ ذلك سر من أسرار العناية الإلهية ليس لنا بالنفوذ في كنهه يدان، بل هو ~~كسائر أسرار الله تنال إعجابنا ولا ينالها فهمنا. # إن الإغريق الذين لم يكن لهم على النوع الإنساني سعة النظر التي تقدمها لنا اليوم فلسفة ~~التاريخ مدعمة بشتى الملاحظات، قد حاولوا مع ذلك أن يفسروا لأنفسهم أعجوبة عبقريتهم. وإني ~~أوثر أيضا في هذا المقام أن أستجوبهم بدل أن أجيب عنهم في هذه المسألة، أولئك هم ثلاثة ~~شهود عدول من عصر واحد تقريبا؛ وهم بقراط وأفلاطون وأرسطو، يشهد أحدهم باسم علم وظائف ~~الأعضاء، والثاني باسم الفلسفة والوطنية، والثالث باسم السياسة، ولا بأس من أن نتخذ بجانب ~~هؤلاء شاهدا على الشعر إيشيل الذي كان يقاتل في مرطون. # فمن كتاب بقراط إلى الأهوية والمياه والأماكن، ذلك الكتاب الذي يتخيل قارئه كأنما مدده ~~فيما أتى به من النظريات هو العلم الحديث، استطرد فيه المؤلف ms086 بحكم ضرورة استيفاء موضوعه إلى ~~المقارنة بين الجنسين والوطنين اللذين يعرفهما حق المعرفة؛ لأنه عاش فيهما فقال: # أريد بالمقارنة بين آسيا وأوروبا أن أبين كيف أن كلتيهما تخالف الأخرى في كل ~~شيء، وأنه ليس بين الأمم التي تقطن كلتيهما أية مشابهة في البنية، وقد يكون من ~~التزام ما لا يلزم تعديد جميع الفروق، بل أكتفي بأكثرها أهمية، وأشدها بروزا ~~للعيان، لأعرض رأيي الذي ارتأيته في ذلك، فأقول: إن آسيا تختلف عن أوروبا اختلافا ~~عظيما بطبيعة حاصلاتها جميعا، سواء فيها ما تخرج الأرض وما يخرج من ظهور الناس ~~الذين يزرعونها، فكل ما يتولد في آسيا يفضل ما يتولد في أوروبا فضلا كبيرا في ~~الجمال وفي بسطة الجسم؛ جوها أكثر اعتدالا، وأممها أدمث أخلاقا وأسهل قيادا، ~~والعلة في ذلك هي التوازن التام بين الفصول ... فإن الماشية التي ترعى في أرض آسيا ~~حسنة المنظر خصبة التكاثر إلى حد مدهش، وتربيتها ناجحة إلى الغاية. # وأما الناس فيها فنموهم عظيم يمتازون عن الأجناس الأخرى بجمال صورهم وفضل قامتهم، ~~ولا يختلف بعضهم عن بعض في الرواء ولا في الصورة، ويمكن أن يقال: إن مثل هذه الجهة ~~بينها وبين الربيع نسب يكاد يكون متصلا بالنظر لتأليف فصول السنة ولطف آثارها، ~~ولكن لا شجاعة الرجولة ولا مصابرة المشاق ولا إجهاد النفس في العمل ولا شدة البأس؛ ~~كل هذه الصفات لا تنمو في مثل هذه الطبيعة، سواء فيه الوطنيون والمستوطنون، بل إن ~~حب الملاهي عندهم يتغلب على ما عداه من الميول الأخرى. # أما من جهة ضعة النفس وعدم الشجاعة فإن الآسيويين إذا كانوا أقل ميلا للحرب ~~وأكثر سلاما في الطبع من الأوروبيين فعلة ذلك إنما هي على الخصوص في حال إقليمهم؛ ~~حيث لا توجد تقلبات شديدة لا في الحر ولا في البرد، بل قليلا ما يشعر بتغير الجو، ~~وحيث لا يعتري العقل صدمات ولا يعرو الجسم تغيرات، وتلك انفعالات من شأنها أن تكسب ~~الخلق وحشة وتمزج به ميلا للجماح والعصيان أكثر مما تفعل الحال الجوية دائمة ~~التماثل. ألا إنها ms087 التغيرات من النقيض إلى النقيض هي التي تنبه العقل الإنساني ~~وتمنعه من أن ينام في ظلال السكون، تلك هي الأسباب التي يتعلق بها على ما يظهر لي ~~ضعة نفوس الآسيويين. # ينبغي أن يضاف إلى ذلك حال النظامات، فإن جزء آسيا الأكبر خاضع للملوك، وحيثما ~~كان الناس لا يملكون حرية أشخاصهم لا يعنيهم المرون باستعمال السلاح، بل يصرفون ~~كل عنايتهم في أن يظهروا بمظهر العجزة غير الصالحين للخدمة العسكرية، ذلك بأن ~~الخطر ليس مقسوما بينهم قسمة عادلة؛ إذ يسعى الرعايا إلى خوض غمار الحرب يذوقون ~~فيها من المتاعب ألوانا يموتون فيها من أجل أسيادهم بعيدين عن أبنائهم وعن نسائهم ~~وعن كل ما هو عزير عليهم. # وفي حين أن كل ما يأتونه من ضروب النشاط والبسالة إنما يجني أسيادهم ثمرته، يكبر ~~به قدرهم وتشتد به عصيتهم، فإن أولئك المحاربين لا يجنون من وراء كل ذلك إلا ~~الأخطار والهلاك، وفوق ذلك فإن هؤلاء الرعايا لا بد لهم من أن يروا في الغالب دخول ~~الأعداء وانقطاع الأشغال سببا لجعل غيطانهم حصيدا جرزا. بهذه المثابة ترى الذين ~~آتتهم الطبيعة في هذه الأمم قوة في القلب وميولا حسنة قد تمنعهم تلك النظامات ~~السياسية من الانتفاع بها. وإن أكبر برهان على ما أقدم هو أن في آسيا جميع الأمم ~~الإغريقية والمتوحشة المتحللة من نير السيادة والتي تضع قوانينها بنفسها لنفسها ~~وتشتغل لحسابها هي أكثر الأمم الآسيوية ميلا إلى الحرب. ولما أنها كانت تتعرض ~~لأخطار الحروب لحسابها الخاص فكانت تتمتع بثمرة شجاعتها أو تحتمل سوء نتائج جبنها، ~~ليسوا كالآسيويين المحكومين بالملوك؛ فإن الشجاعة تفقد وجودها بالضرورة في قلوب ~~الرجال الخاضعين لحكم الملوكية، نفوسهم مستعبدة فلا يكادون يهتمون بمعاناة ~~الأخطار بمحض إرادتهم من أجل توسيع سلطان غيرهم، ولكن الأمر على ضد ذلك إذا كان ~~الإنسان غير خاضع إلا إلى قوانينه الذاتية، وإذا كان يعرض نفسه للخطر من أجل ~~منفعته الخاصة لا من أجل منفعة غيره. من هذا شأنه يقتحم المخاوف طائعا مختارا، ~~ويلقي بنفسه بكل قلبه في جميع مهاوي ms088 المصادفات؛ لأنه سيجني لنفسه ثمرة انتصاره، من ~~أجل ذلك كانت القوانين مساعدة عن سعة على تكوين الشجاعة. # تلك هي المقارنة العامة التي يمكن تقريرها بين أوروبا وآسيا في كل ~~الأشياء. # 37 # ذكر أفلاطون في كتابه المينكسين حيث لا يريد سقراط على أن يكرر مقالات أسباسيا الشاعرة ~~الملطية تمجيدا للإغريق الذين قهروا قبائل آسيا ما نصه: # لما جاء الفرس الذين هم سادة آسيا وحكامها يسعون لإذلال أوروبا، قابلهم آباؤنا ~~أبناء هذه الأرض فقهروهم ودحروهم، ولتقدير قيمة هذا العمل العظيم ينبغي أن ننتقل ~~بالفكرة إلى العصر الذي كانت فيه آسيا كلها خاضعة إلى ملكها الثالث، # 38 # فأولهم قيروش الذي لما مكنته عبقريته من تحرير مواطنيه الفرس أخضع إليه ~~سادتهم الميديين، وحكم بقية آسيا إلى حدود مصر، ثم فتح ابنه مصر وسائر الأقطار ~~الأفريقية التي استطاع أن يصل إليها، وثالثهم دارا قد بسط حدود مملكته ومدها إلى ~~سيتيا بفتوحات جيشه البري، وأما أساطيله فجعلته سيد البحر والجزر، وإذ كان لا يجرؤ ~~أحد على مقاومته قد ذلت له هامات الأمم، فكم من أمة قوية حربية ألقت عنانها إلى ~~الفرس ودخلت تحت نير سلطانهم ...! # إذا استحضر الإنسان هذه الظروف في ذهنه أمكنه أن يقدر حقا البسالة التي أتاها ~~يوم مرطون أولئك المقاتلون الذين صبروا على مهاجمة المتوحشين، وعاقبوا تبجح آسيا ~~وكبرياءها، والذين أثبتوا للإغريق بما جاءوا به من الأنفال والغنائم أن قوة الفرس ~~لا تستعصي على المقاومة، وأنه لا شيء من كثرة العدد ولا من سعة الثروة يقف أمام ~~الشجاعة ... لذلك ينبغي أن يسند ثناء هذا النصر الأول إلى أولئك المقاتلين، وأما ~~الثاني فثناؤه مسند إلى الظافرين في الوقائع البحرية بسلامين وأرطيميس. وقد ضرب ~~أبطال مرطون مثلا للإغريق عامة أن فئة قليلة حرة تكفي لرد غارة جيوش المتوحشين ~~البرية، مهما كانت لا تحصى عددا، ولكنه لم يكن ليثبت أن ذلك ممكن أيضا في البحر ~~كما أمكن في البر حتى وقعت الواقعات البحرية فاستحق بها أولئك البحارة المهرة ما ~~أحرزوا من المجد لتخليص الإغريق من الخوف ms089 الأكبر، ولأنهم صيروا الأساطيل الفارسية ~~لا تزيد مهابة على الجنود الفارسية. # أما الواقعة الثالثة من وقائع الاستقلال الإغريقي من حيث الترتيب التاريخي ومن ~~حيث شدة الإقدام فهي واقعة بلاتة، وهي أول واقعة اشترك فيها اللقدمونيون والآتينيون ~~وباءوا بمجدها جميعا، وقد كان اللقاء فيها حرجا والخطر محيقا، فتغلبوا على كل ~~شيء، ويا له من فصل يستأهل مدائحنا ومدائح قرون المستقبل! # إلى أي شيء في الإغريق نسبت إستاسيا هذه الشجاعة وهذا المجد؟ إلى علة واحدة، إلى الحرية ~~التي كانت تتمتع بها آتينا، قالت: «ها أنتم هؤلاء ترون كيف أن أجداد هؤلاء المقاتلين ~~وأجدادنا وهؤلاء المقاتلين أنفسهم الذين ولدوا بالطالع المسعود وربوا في مهد الحرية، قد ~~أتوا هذه الفعال الجميلة العمومية والخصوصية لغرض واحد هو خدمة الإنسانية.» # 39 # وما كان هذا النشيد إلا أليق ما يكون بالأعمال التي يشدو بها، وحقيق بأسباسيا أن تمتدح ~~آتينا وأبناءها. ولما قام مينكسين يشكر سقراط عند انصرافه لم يتمالك نفسه من أن يجهر بهذا ~~القول: «وحق المشتري إن أسباسيا لسعيدة بأنها وهي امرأة تقدر على كتابة مثل هذه ~~المقالات.» # ولا شك في أن هذا الشاب قد أصاب فيما قال، إلا أنه فاته أن هذه المرأة كانت من ملطية، وأن ~~أجدادها، مع أنهم كانوا لا يزالون أضعف من الآتينيين، قد حاربوا الفرس غير مرة من قبل أن ~~تتولى آتينا أمر قهرهم. # وأخيرا فإن أرسطو يشرك أفلاطون وبقراط في رأيهما، فإنه لما تكلم على الصفات المطلوبة في ~~سكان المدينة في حكومة منظمة قال: # لكي يلم المرء بهذه الصفات ما عليه إلا أن يطرح نظره إلى أشهر المدائن الإغريقية ~~وإلى بقية الأمم المختلفة التي تتقاسم سطح الأرض، ليرى أن الأمم التي تسكن الأقاليم ~~الباردة حتى في أوروبا هي على العموم مملوءة بالشجاعة، ولكنهم على التحقيق أقل ~~ذكاء في العقل ومهارة في الصناعة، وبهذه المثابة يحتفظون بحريتهم خير احتفاظ، ~~ولكنهم من الجهة السياسية غير قابلين للنظام، ولم يستطيعوا مطلقا أن يقهروا ~~جيرانهم. أما في آسيا فالأمر على ضد ذلك، فإن أممها ms090 أكثر ذكاء وقابلية للفنون، ~~ولكنهم تنقصهم قوة القلب، ويصبرون على البقاء تحت نير العبودية المؤبدة. # أما الجنس الإغريقي الذي هو بموقعه الجغرافي وسط بين هؤلاء وهؤلاء، فإنه يجمع ~~صفات الطرفين ويجمع بين الذكاء والشجاعة، يعرف كيف يجمع بين حفظ الحرية وبين تأليف ~~حكومات غاية في النظام، فهو جدير إذا توحدت كلمته في حكومة واحدة أن يفتح ~~العالم. # 40 # هذا رأي ثلاثة رجال، أولئك هم أرسطو وأفلاطون وبقراط في عبقرية اليونان، إنهم لم ينفوا عن ~~الإغريق المؤثرات الخارجية التي آثارها أظهر من أن تخفى، ولكنهم اهتموا على الخصوص ~~بالأسباب الأخلاقية، وما ضلوا فيما ذهبوا إليه؛ لأننا نحن الآن أكثر تنورا، بما أصبنا من ~~التجربة الطويلة، لا نستطيع أن نزيد شيئا على هذه الاعتبارات الصادقة المستمدة وجودها بنوع ~~ما من الحس، فلتبق إغريقا إذا ما كانت في العصور الأولى مدفونة في طيات مجدها، ولكن خالدة ~~ما خلدت أعمال الإنسان التي تقع في يوم من الأيام ثم تتلقفها أيدي البلى مهما كان موضعها من ~~الجمال والكمال. # كنت أريد أن أفرغ من هذه المقدمة التي طالت أكثر مما ينبغي، ولكنها من هنا لا تكون كاملة ~~إذا لم أرجع بها إلى الكلام على الكتابين اللذين تتقدمهما، وإذا لم أبسط القول على المسألة ~~الكبرى التي تشبثت بها مدرسة إيليا، تلك المدرسة التي يمثلها إكسينوفان وميليسوس، أعني ~~بها وحدة الموجود وعدم تغيره. وما أدراك ما هي تلك المناقشة التي ثار ثائرها في بداية ~~الفلسفة وقام بها رجال تقلبوا في الأعمال الحيوية من حرب وسياسة وسياحة واستعمار؟ وإذ ~~نراهم فلاسفة ونظريين نراهم جميعا يزاولون المقاصد العملية بهمة مدهشة، وأنى لنا إدراك ~~التوفيق بين الحالين إذا لم نلم بالأخلاق والعادات والضرورات التي كانت في تلك الأزمان ~~المضطربة! كان طاليس في جيش الياط، وكان أحد المؤتمرين في البانيونيوم، وفيثاغورث يجوب ~~البلاد الأجنبية زمنا طويلا على كثرة الأخطار وبعد الشقة، وإكسينوفان الذي نفى نفسه ~~طوعا من وطنه المقهور بالفرس يذهب للانضمام إلى الفوكيين فيما وراء البحار، وميليسوس يدافع ~~عن سموس ضد ms091 الآتينيين بعزمة لم يتغلب عليها بيريكليس إلا بعد طول العناء. # أولئك قواد وساسة يشتغلون بما وراء الطبيعة! أمر شديد الندرة دائما! وفوق ذلك فإنهم يظهر ~~عليهم أنهم فنوا في دقة التدليل، تلك الخاصة التي كانت تتهم بها عن بينة مدرسة إيليا. إذا ~~سلمنا بما ذكره أفلاطون في كتابه المسمى «برمينيد» فإن ذلك الانتقاد والتهمة كانا من ~~الصحة بمكان، ولا شك أن من الغريب أن تملك التدقيقات المنطقية على مثل هؤلاء الرجال عقولهم، ~~غير أنه يجب التنبيه إلى أن برمينيد مع كونه تلميذ إكسينوفان وخليفته قد شرع لنفسه طريقا ~~غير طريقه، فمسخ من أفكاره وغلا فيها، وربما كان ذلك أثرا من آثار الروح العامة المنتشرة ~~وقتئذ في إغريقا الكبرى، تلك الروح التي كانت وقتئذ تبدع في صقلية فن الخطابة، والتي غلت ~~في نظريات فيثاغورث على العدد إلى حد الإفراط. # ليست تلك روح إكسينوفان التي تتجلى في المقطوعات التي بقيت لنا من آثاره، وفي الكتاب ~~الذي أترجمه الآن في هذا المجلد. وعلى رأيي أن هذه النقطة هي التي ينبغي أن نوجه النظر إلى ~~الإمعان فيها للإصابة في تقدير قيمة هذه المذاهب الناشئة وقتئذ، والتي لم تكن لتأخذ بعد ~~مركزا ثابتا في العقل الإنساني في بداية هبوبه من سباته. # أول نظرة في الطبيعة التي تحيط بنا تظهر لنا بادئ الأمر وحدة الوجود، وما يكون إلا بعد ~~ذلك بالزمان أن نميز بالجهد والتحليل أجزاء مختلفة في هذا المجموع العام الذي يسحر جلاله ~~أبصارنا ويعيي إدراكنا. ولم تستطع الهند لا قبل الفلسفة الإغريقية ولا بعدها أن تخرج من ~~تأثير فكرة الوحدة، بل فنيت فيها بكليتها، وبقي العلم على المعنى الخاص غريبا عنها على ~~الإطلاق طول حياتها، كان لها نظريات للتهجم فيها نصيب قليل أو كثير، وتصورات للعقل فيها حظ ~~وفير أو ضئيل، كلها قائمة على الأصل العام للأشياء، ولكن لم يكن فيها دراسة خاصة وضعية ~~للظواهر الطبيعية، ذلك هو أساس العبقرية الهندية وعظمتها؛ لا يوجد شيء أكثر من ذلك في ~~الفيدا والبرهمانا والأوبانيشاد، والأناشيد الحماسية ms092 والقوانين في الدراسات ~~الفلسفية. # أما العبقرية الإغريقية فإنها اتقت أن تسحرها ظواهر النظرة الأولى في الوجود، ودفعت بذلك ~~الخطر عن نفسها، ولئن كانت قد اتجهت وقتا ما إلى فكرة الوحدة فإنها قد عرفت لحسن الحظ ~~كيف تتخلص منها لتدرس عن قرب دراسة منتجة بعض الأجزاء الأصلية لهذه الوحدة التي ليست في ~~الواقع إلا صورة اللانهاية عينها. # ذلك هو الواقع، حتى إن طاليس حين بحثه في التعبير عن ماهية العالم كان يدرس الأصل المادي ~~الذي تكون منه، ومع أنه قد أخطأ هذا الأصل الذي ظنه الماء فإنه على كل حال كان يعتمد على ~~ما يشاهد بالحس في الطبيعة ليتعرف أسرار الأشياء؛ يشتغل بالهندسة ويتتبع جريان الكواكب في ~~أفلاكها ما دام أنه كان على وشك أن يتنبأ بكسوف الشمس. وعلى رأي أرسطو، وشهادته قاطعة في ~~هذا المعنى، أن طاليس كان يسلم بأن العالم مملوء بالآلهة القائمة بأمر النفس وبالحركة، ~~وليس فيثاغورث بأقل استمساكا بفكرة الوحدة مع أنه كان يجزئها، ولم تلهه استكشافاته ~~الرياضية والفلكية لحظة واحدة عن النظر في توافق النظام العالمي، فكان يعترف بوجود طوائف ~~متخالفة في هذا النظام، ولكنه مع ذلك يعترف على وجه الخصوص بوحدة عجيبة، وعلى رأيه أن ~~الأضداد اثنين اثنين تكون كلا واحدا يكون أرقى منها، وأن الوحدة هي الأصل الحقيقي في ~~العالم المادي كما هي في العدد، وبذلك ارتقى فيثاغورث إلى تعريف الله دون أن يميزه ~~تمييزا تاما عن العالم الذي ينظمه ويسيره. # أما عند إكسينوفان فإن فكرة وحدانية الله وقدرته هي ظاهرة بغاية الوضوح دون أن يتعمق فيها ~~كما تعمق فيها أفلاطون من بعده، وكما هو الحال على الخصوص في اللاهوت المسيحي، وأظن أن ~~هذه النظرة الأولى في الوحدة الإلهية هي التي ألقت جلالها الباهر وخفاءها في نظريات مدرسة ~~إيليا، وعندى أن ذلك هو الذي يفسر أغلاط هذا المذهب الشريف. إن نظر إكسينوفان لم يكن بعيد ~~المدى - إن شئتم - ولكنه على الأقل لا يضل. أما برمينيد فإنه به ميلا إلى السفسطة التي ~~حملت تلميذه ذنون ms093 على أن ينكر الحركة، وحملت غرغياس على تأييد أبعد مذاهب العدمية ضلالا ~~وأقلها تنزها. وأما ميليسوس فإنه لزم الحد الوسط بين الأستاذ صاحب المذهب وبين الذين غلوا ~~به حتى وقعوا في المحال. وإني مقارب بين إكسينوفان وميليسوس وذاكر الفروق الأساسية بينهما ~~على ما يظهر لي: لقد كان إكسينوفان مليئا باحترام هذا المذهب الذي لم يدركه أحد من قبله ~~بمثل ما أدركه هو من الوضوح والجلاء؛ لذلك نفى عنه خيالات الشعراء اللطيفة التي تحط من ~~مقامه كما نفى عنه الأنتروبومورفيزم الجافي الذي هو مذهب العوام «تصور ذات الله تعالى على ~~صورة الإنسان»، تعالى الله عما يصفون من النقائص وعن صور الكائنات الفانية وعن صور هؤلاء ~~التعساء الذين يجعلونه على صورتهم. ليس كمثله شيء في الوجود؛ لأنه لماذا يكون المثيل خالقا ~~بدلا من أن يكون مخلوقا؟ # وإن الله الذي لا يمكن أن يأتي من موجود يشابهه لا يمكن من باب أولى أن يأتي من شيء يكون ~~دون مقامه. إذا هو لم يخلق من شيء فيكون بالضرورة أزليا. وأخذا بنتيجة ليست أقل ضرورية ~~من الأولى يكون قديرا على كل شيء، لو كان آلهة متعددون لكانوا أقوى أو أضعف بعضهم من بعض، ~~وعلى ذلك لا يكون إله؛ لأن خاصة الإله أن يملك كل شيء ولا يملكه شيء أيا كان. ولما كان ~~الله أزليا قديرا على كل شيء لزم على ذلك أن يكون واحدا؛ لأنه لو كان له منافسون لما ~~أمكنه أن ينفذ أحكامه ويحقق إرادته العليا. # من ذلك ترى أن في إكسينوفان بعض مبادئ جليلة لم يرفضها اللاهوت المسيحي، بل تقبلها ~~بالعناية قبولا حسنا، ولكن نظر إكسينوفان قد اضطرب في هذه النقطة، وليس في ذلك ما يوجب ~~الاستغراب. ولقد أراد أن ينفذ نظره عن حقيقة الذات الإلهية فأخذه العثار في هذا الطريق ~~الوعر الذي ضل فيه كثير غيره، فإنه يقول: الله الذي لا يشابهه شيء من الحوادث هو على ~~الأقل يشبه ذاته، وهو هو في جميع أجزائه، وهو بكله هو في كل جزء منها. ms094 قد يكون ذلك مقبولا، ~~ولكن إكسينوفان لما وقع في الاستعارات التي لا تساوي قيمتها إلا ما تساويه الأنتروبومورفيزم ~~التي انتقدها بحق أخذ يشبه الله بفلك، وكانت النتيجة عنده أن الله لا يمكن أن يكون لا ~~لامتناهيا ولامتناهيا، وأنه لا يمكن أن يكون له حركة ولا سكون، كما أنه لا أول له ولا وسط ~~ولا آخر. ومع ذلك فإن إكسينوفان لم يخدع نفسه في أمر الصعوبات غير المتناهية التي تقف في حل ~~هذه المسألة، ودليل ذلك ما قاله في هذه الأبيات الجميلة التي نقلها إلينا سكستوس أمبيريكوس: # لا أحد من الكائنات الهالكة يستطيع أن يرى جليا في هذه الأعماق، ولن يستطيع أحد ~~أن يعرف حقيقة ماهية الآلهة والعالم، تلك الماهية التي أحاول الكلام عليها؛ فإذا ~~لقي أحد يوما بالمصادفة الحقيقة التامة لما عرف هو نفسه أن يقدر ما وصل إليه منها، ~~وليس في كل ما يقال في هذا الشأن إلا محض تشبيه وتقريب. # والظاهر أن برمينيد لم يتمش بالبحث في هذا الموضوع الكبير إلى الحد الذي وصل إليه ~~أستاذه. وأما ذنون - تلميذ برمينيد وواضع فن الجدل - فإنه، على ما قال ديوجين اللايرثي ~~نقلا عن أرسطو، قد وصل في هذا الموضوع إلى لاأدرية غلا فيها غرغياس إلى أقصى حد، ولكني ~~أكرر أني لا أشتغل بذنون ولا ببرمينيد، بل أتخطاهما إلى ميليسوس؛ فهو الذي أقصد درسه بعد ~~إكسينوفان. # مع أن ميليسوس يفصله عن رئيس المذهب ثلاثة أو أربعة قرون، فإنه أحرص الناس على أن يحذو ~~حذوه ويلتزم تعاليمه، إلا أنه - عوضا عن أن يبقى متمسكا بإله إكسينوفان الواحد الأزلي ~~القادر على كل شيء، بل والمدرك لكل شيء أيضا - زاغ عن الطريق، ووضع الموجود موضع الإله؛ ~~فاشتغل بالموجود آخذا إياه في كل تجرده وفي كل عقمه. غير أن التأملات الميتافيزيقية مهما ~~قل فيها الضبط، فإن ذلك لا يقلل من جمالها ولا من تعمقها الاستثنائي. # الموجود لا يأتي من الموجود وإلا لزم عليه أن يتقدم نفسه وهذا تناقض، ومثل ذلك في ~~التناقض أن يتولد الموجود ms095 من المعدوم. على ذلك لم يكن الموجود قد وجد في زمن ما، وعليه ~~يكون الموجود أزليا، وفوق ذلك لا يعتريه الفساد ولا الانتهاء؛ لأنه إما أن يتغير إلى ~~معدوم وهذا محال، وإما أن يتغير إلى موجود آخر وإذن فلا يكون منعدما؛ فالموجود على ذلك كان ~~دائما ويكون دائما، وما دام أنه لم يوجد من العدم فهو لا أول له، وما دام لا يمكن فناؤه ~~فهو لا آخر له، وما دام لا أول له ولا آخر له فهو حتما لامتناه، وما دام لامتناهيا فهو ~~واحد؛ لأن اللانهاية منافية للتعدد ؛ إذ لا يمكن تصور اثنين أو عدة لامتناهية، ومتى كان ~~الموجود أبديا واحدا لامتناهيا كان بالنتيجة غير متحرك ولا قابل للتغير؛ لأنه في أي ~~مكان غير ذاته يمكنه أن يتحرك؟ ولما كان موصوفا بالوحدانية المطلقة فأي تحول أو تبدل أو ~~تغير يمكن أن يلحقه؟ ولو أمكن أن يتبدل بغيره أيا كان لانتفى أن يكون شبيه نفسه، ~~ولانعدمت صورته الأولى وجاءته صورة أخرى. # ومع تقدم الزمن ينعدم هذا الموجود الأبدي واللانهائي ويتحول إلى لاشيء. ولما كان ~~الموجود أبديا لامتناهيا واحدا كان لا يمكن أن يكون له جسم، فلا يمكن أن يكون ماديا؛ ~~لأنه إذا كان ذلك لزم عليه أن يكون ذا أجزاء متميزة بعضها عن بعض، وهذا ينافي وحدانيته ~~وأبديته. لا شيء كائن حقيقة إلا الموجود، وجميع الأشياء التي تؤكد لنا حواسنا وجودها ليست ~~إلا مظاهر خداعة متحولة كثيرا أو قليلا، فهي غير موجودة بالمعنى الخاص ما دامت متغيرة وما ~~دام أنها تهلك بعد أن تولد. أما الموجود الحقيقي فإنه لا يتحول ولا يتغير أبدا، ولو أن ~~الأشياء التي تظهر أمام حواسنا كانت موجودة كما نظنها للزم على ذلك أن تكون غير قابلة ~~للتغير وأبدية كالموجود نفسه، فلا شيء بموجود إلا الوحدة، وأما التعدد فلا وجود له أصلا. ~~أما أنا فإني أجد أفكار ميليسوس هذه خليقة به، وبالمدرسة التي هو أحد أعضائها. ولا شك في ~~أنها متناقضة من بعض الوجوه، ولكننا من خلال ms096 هذه الرسوم البالية والمقطوعات القليلة نشعر ~~لها بعظمة وقوة لم يوفهما تاريخ الفلسفة حقهما من حسن التقدير، وربما كان هذا الغمط منذ ~~أرسطو. # وإني أعترف بأن أنكساغوراس مفهوم خير فهم بعد إكسينوفان وميليسوس، فإن أنكساغوراس الذي هو ~~معاصر لقائد سموس (ميليسوس) هو الذي جلا الغوامض عن علم الطبيعة وقواعد نظام الكون في عصره ~~بأن أدخل عليها تلك الفكرة الصالحة: أن العالم يديره العقل المدبر. # ولقد أعجب سقراط بهذا المذهب مع أنه يرى أن أنكساغوراس لم يكن ليستقصي كل نتائجه، كما ~~أننا نعلم ما صرح به أرسطو من الثناء الجميل على أنكساغوراس إذ يقول: لقد جاء أنكساغوراس ~~بعد كثير من الضلالات، أشبه ما يكون برجل سليم العقل يتكلم وسط المجانين. # 41 # فمن البغي أن ينتقص فضل أنكساغوراس أو أن ينازع فيه بعد ما كان من شهادة سقراط ~~وأرسطو، فإن له الفضل الأوفى في هذا المذهب، وليس شاذا عن المألوف أن كلمة من عبقري تكشف ~~القناع عن المغيبات العلمية. قد يقال إن إكسينوفان وميليسوس هما اللذان وطآ لهذا المذهب ~~بنظرياتهما التي هي أقرب ما يكون منه، ولا مشاحة في ذلك فإن لهما نصيبهما الوافر من ذلك ~~الفضل. # ذلك هو المعنى الحقيقي لمذهب الوحدة في مدرسة إيليا التي طالما حجب من نورها وصغر من ~~قدرها على نسب غير مضبوطة، وما الوحدة الإيلية إلا الله طلبوا معرفته يتلمسونها بين حجب ~~الجهالة الأولى ويدرسونها، كما يمكن أن تدرس في تلك الأزمان؛ إذ العلم والمشاهدة العلمية لا ~~يزالان في بدايتهما. فلم تكن تلك الوحدة قد وصلت بعد إلى ما قرره أنكساغوراس من الإدراك ~~الإلهي ولا ما قرره سقراط وأفلاطون من العناية الربانية. غير أن تقرير تلك الوحدة مع ذلك ~~كان الجرثومة الأولى لكل هذه المذاهب. ومهما يكن من صدق الانتقادات التي يمكن توجيهها إلى ~~المذهب الذي يرأسه إكسينوفان، فلا شك في أن تلك التوجيهات السليمة هي التي آتته عظمته وخطره ~~في تاريخ الفلسفة. # أقف عند هذا الحد وألخص بيان أوفى تلك المعاني التي جئت على إيضاحها ms097 بشيء من الضبط ربما ~~كان أقل مما كنت أريد. # قد ظهر لي أن مجيء الفلسفة إلى عالمنا الغربي حادثة من الخطر بحيث أردت أن أحيطها بكل ما ~~يجلو خفاءها معتمدا في ذلك على استجواب التاريخ عن الأمم وعن الظروف التي اعتورت هذه ~~الحادثة. ومما ينبغي التنبيه إليه أن هذه الحادثة إنما كانت من احتكاك أوروبا بآسيا، وإن ~~كان ذلك قد حصل من قبل في حرب طروادة إلا أن ظروف هذه الحرب مطروحة جانبا لأنها خرافية أو ~~لقلة العلم بها، ذلك الاختلاط حصل في بقعة من الأرض ليس فيها من السعة إلا بمقدار ما يلزم ~~لتحرك الجاليات الإغريقية وفي عصر يعتبر نسبيا عصر توحش، ولكنه كان مملوءا بالخصب الذي ~~لم يتجدد بعد من وقتئذ إلى الآن. على ذلك كانت آسيا الصغرى هي السابقة على آتينا التي ~~فاقتها من بعض الوجوه، كما يشهد بذلك هوميروس، ولكن آسيا التي حملت بهذا الأصل العجيب تحت ~~تأثير أمم غريبة عنه لم تستطع تعهده وإنماءه، فعاد منها يستكمل قوته وكماله إلى الأرض ~~العتيقة التي كان قد خرج منها منذ خمسة أو ستة قرون. # ولقد تصديت فوق ذلك لتبيين أن العبقرية الإغريقية هي التي دانت العالم بهذا النفع العلمي ~~الجليل دون أن تكون مدينة فيه لغيرها، فإذا كانت الشعوب المجاورة لها آتتها شيئا من العلم ~~فما هو إلا مدد مبهم غاية في الإبهام. لا مراء في أن المصريين والكلدان والهنود لهم في ماضي ~~الإنسانية مقام كبير، ولكنهم مع ذلك في الفلسفة أو في العلم بعبارة أعم ليسوا شيئا مذكورا ~~في جانب الإغريق الذين لم يكونوا ليتعلموا منهم. ولقد أثبتت مقارنة اللغات في أيامنا هذه أن ~~لغة الإلياذة ولغة الفيدا كانتا في الأصل لغة واحدة، وأن اللسان الإغريقي والسنسكريت ~~أخوان ولدتهما أم واحدة، ولكنه إذا كان الأصل الذي اطرح في أزمان ما قبل التاريخ واحدا، ~~فإن ما قدر على الأخوين كان مختلفا جد الاختلاف؛ لأن العالم الإغريقي قد أنتج الآداب ~~والعلوم والفنون التي ننسج الآن على منوالها، وشاطر ms098 بحظ عظيم في تقدم المدنية المسيحية حتى ~~وصلت إلى ما هي عليه الآن، في حين أن العالم الهندي ما أنتج إلا البرهمانية والبوذية، فهو ~~نازل عنا بمراحل على الرغم من المزايا المتعددة التي يكون من الظلم عدم الاعتراف له ~~بها. # بين العالم الإغريقي وبين العالم الهندي تأتي بلاد فارس التي توسطت بين العالمين في ~~المكان كما هي في الزمان، ولكنها لم تشغل مركزا يذكر لها، ولم تستفد منها الإغريق إلا ~~المجد الخالد الذي أحرزه أمثال ملتياد وليونيداس وطيمستوكل والإسكندر. # ومع ذلك فإن الهند وفارس وإغريقا ومصر ويهودة نفسها، مهما كانت الفروق بينها في ~~المعقولات، كلها هي الخمسة فروع متفرعة عن جنس واحد؛ فإن علم أنساب الشعوب ووصفها الذي لا ~~ينبغي أن يكون له أهمية عظمى في هذه الأبحاث، لكنه مع ذلك لا ينبغي أن يغفل أمره فيها ~~قطعا، هذا العلم قد كشف الغطاء عن مشابهة تامة بين هذه الشعوب منطوية تحت فروق في الأخلاق ~~وفي العقل وفي اللغة، وهذا الجنس الرفيع الذي يجمع الخمسة الشعوب المذكورة هو ما يسمونه ~~بالجنس الهندي القوقازي. # وإن الأمم السامية نفسها متفرعة منه أيضا كالأخرى، وإن كانت قابلياتها تخالف قابليات ~~الأخرى على الإطلاق، فهي قوية فيما يتعلق بالدين عقيمة فيما عداه تقريبا، ولكن في هذه ~~العائلة الكبرى الجميلة التي كأنها احتكرت لنفسها الذكاء الحقيقي يقف الإغريق بجملتهم في ~~صفها الأول. وحينما كانوا يسمون من عداهم بالمتوحشين لم تكن كبرياؤهم بالغة في السوء الحد ~~الذي كان يظن بهم. # ومع أنه كان خيرا أن يكونوا أكثر تواضعا، فإن الهلين المدفوعين إلى هذه الكبرياء بدواعي ~~غرائزهم الصادقة لم يكونوا مخدوعين على شرف مقامهم أكثر مما ينبغي. والآن ونحن في وسعنا أن ~~نحكم حكما خلوا من الغرض نقول إنهم أحق من سواهم بقصب السبق. ومهما يكن من حال المستقبل ~~فليس من الهين عليه أن ينزعهم من هذا المقام. أما أنا فلست أتردد في إسناد هذا المجد إليهم، ~~مع أني لا أنكر ما كان لمنافسيهم من العظمة، بل من التفوق ms099 في بعض الوجوه، ولكن من الذي ~~يمكننا أن نضعه في حلبة المجد في مستوى فوق مستوى الهلين وقد جاءونا يقدمون بين يدي دعواهم ~~الشعر والآداب والفنون والعلوم والفلسفة والتاريخ؟ # ولقد بينت - على مهد الفلسفة الناشئة - مقام مدرسة إيليا وما لإكسينوفان وميليسوس من ~~الأهلية الخاصة بين طاليس وفيثاغورث. # ينبغي أن نكرر أن كل ما نسرده من هذه الحوادث التاريخية إنما هو تاريخنا، ولو كان منذ ~~خمسة وعشرين أو منذ ثلاثين قرنا؛ ذلك بأننا أبناء الإغريق، ولولاهم لما وصلنا إلى ما وصلنا ~~إليه؛ فإن إغريقا هي التي علمت روما، وبواسطة روما وإغريقا فتحت المسيحية بلادنا ومدنتنا ~~بعد أن انتفعت بكل ما تقدمها ومهد لها السبيل. وإن العلم على جميع صوره كان معدوما في ~~الشرق، فاخترعه الإغريق ونقلوه إلينا. # 42 # وما كان من روما والعالم الحالي بتمامه منذ إغارة المتوحشين إلا أن اقتفوا هذا ~~الأثر الذي عفا رسمه أحيانا ولكنه لم ينعدم أبدا. # وإني إذ عنيت بإيضاح هذه الآثار الأولى أردت أن أوفي أجدادنا حقهم وأن أذكر بما علينا من ~~الواجب نحوهم بأن بينت مراكزهم وخدماتهم للإنسانية. إن العقل الإنساني بطيء في سيره فيحسن ~~به وهو سائر في طريقه غير المتناهي أن يلقي نظره الوقت بعد الوقت إلى الوراء ليرى من أين ~~ابتدأ سيره وليسدد خطاه في المستقبل غير المحدود الذي ينتظر قدومه! # | هوامش # | الكتاب الأول # | الباب الأول # (ك1 ب1) أخذ فيلوبون يثبت أن هذا الكتاب متصل جد الاتصال بكتاب السماء، ~~ودليله الأصلي في ذلك أن كتاب السماء ينتهي بجملة فيها أداة استدراك لا يوجد ~~معادلها إلا في هذا الكتاب. وهذا الدليل ليس قاطعا جدا، ولكن من المحقق أن ~~مواد الكتابين مرتبط بعضها ببعض أفضل ارتباط، وأن أرسطو بعدما درس السماء ~~والخواص العامة للأجرام اللامتغيرة التي تؤلفها أمكنه أن يفكر في إتمام هذه ~~الدراسة بدراسة الأجسام التي من شأنها في الطبيعة أن تتولد وتهلك تابعة في ~~ذلك قوانين منتظمة. الصلة اللغوية بين الكتابين موجودة كما نبه إليه فيلوبون، ~~ولكن الصلة المنطقية بينهما هي ms100 أيضا أحق. ~~*** # لأجل أن ندرك الكون والفساد في الأشياء التي تتولد وتهلك بالطبع يلزمنا - كما هو ~~الحال في البقية - أن نقدر على حدة عللها ونسبها، وسننظر أيضا عند معالجة النمو ~~والاستحالة ما هي كل واحدة من هاتين الظاهرتين، ونبحث ما إذا كان طبع الكون وطبع ~~الاستحالة هما واحدا بعينه أو هما متميزان بالحقيقة كما هما متميزان بالاسم الدال على ~~كليهما؟ # 1 # من القدماء من رأوا أن ما يسمى كونا مطلقا ليس إلا استحالة، والآخرون منهم رأوا أن ~~كون الأشياء واستحالتها ظاهرتان مختلفتان؛ فالذين يزعمون أن العالم كل ذو صورة واحدة ~~ويجعلون الأشياء كلها تخرج من مبدأ واحد بعينه هؤلاء يلزمهم بالضرورة أن يروا الكون ~~مجرد استحالة، وأن يفترضوا أن ما يولد بالمعنى الخاص إنما هو يستحيل. وعلى ضد ذلك الذين ~~يسلمون بأن المادة تتألف من أكثر من عنصر واحد كأمبيدقل وأنكساغوراس ولوكيبس. هؤلاء يجب ~~أن يكون لهم رأي مضاد للأول تماما. # 2 # ومع ذلك فإن أنكساغوراس في هذا قد نكر التعبير الخاص وغلب في لغته الخلط بين ولد ~~وهلك وبين تغير. على أنه يعترف بتعدد العناصر كما يفعل فلاسفة آخرون. كذلك قال أمبيدقل ~~إن عناصر الأجسام كانت أربعة، وإنه بإضافة العنصرين المحركين يكون المجموع ستة عناصر. ~~أما أنكساغوراس فإنه ارتأى أنها غير متناهية في العدد كما كان يرى لوكيبس وديمقريطس. ~~والواقع أن أنكساغوراس كان يعتبر عناصر الأجسام المركبة من أجزاء متماثلة؛ المتشابهة ~~الأجزاء، مثل العظم واللحم والنخاع وجميع المواد الأخرى التي كل جزء منها مرادف ~~للكل. # 3 # ويزعم ديمقريطس ولوكيبس أن جميع الأجسام مركبة في البداية من أجزاء لا تتجزأ أو ذرات، ~~وهي غير متناهية لا في عددها ولا في أشكالها، وأن الأجسام لا تختلف في أصلها بعضها عن ~~بعض إلا بالعناصر التي تتركب منها وبوضع هذه العناصر وترتيبها. # 4 # ويظهر هنا أن أنكساغوراس من رأي معارض لرأي أمبيدقل؛ لأن هذا الأخير يقول بأن النار ~~والماء والهواء والأرض هي الأربعة العناصر، وأنها أبسط من اللحم أو العظم أو أي عنصر ms101 ~~آخر من العناصر المتشابهة فيما بينها أو الأجسام المتشابهة الأجزاء. ولكن أنكساغوراس ~~على الضد من ذلك يزعم أن الأجسام المتشابهة الأجزاء هي بسيطة، وأنها هي العناصر ~~الحقيقية بينما أن الأرض والنار والهواء مركبة، وأن جراثيم العناصر منتشرة في كل ~~مكان. # 5 # على ذلك متى أدعي أن جميع الأشياء تخرج من عنصر واحد لا غير لزم ضرورة اعتبار كون ~~الأشياء وفسادها كمجرد استحالة، فيكون إذن الموضوع للظواهر دائما واحدا ودائما هو ~~بعينه. فإنما على موضوع من هذا القبيل يمكن أن يقال إنه يعاني استحالة، ولكن متى سلم ~~بأنواع متعددة للجواهر وجب التسليم أيضا بأن الاستحالة تخالف الكون؛ لأن كون الأشياء ~~وفسادها حينئذ يحصلان باتحاد العناصر أو بافتراقها. # 6 # وفي هذا المعنى أمكن لأمبيدقل أن يقول: # ليس لشيء من طبع ثابت، وما الكل إلا اختلاط وافتراق. # هذا تعبير - كما يرى - يلائم تماما فرض هؤلاء الفلاسفة، وتلك هي أيضا طريقة ~~تعبيرهم. وإذن فإن هؤلاء الفلاسفة أنفسهم مضطرون إلى الاعتراف بأن الاستحالة أمر مخالف ~~للكون، ومع ذلك فإن من المحال أن توجد استحالة حقيقية على حسب المبادئ التي يقررونها. ~~على أنه من السهل الاقتناع بصحة الرأي الذي نقرره هنا. فالواقع أنه كما أن الجوهر في ~~حال السكون نجده يعتريه في ذاته تغير في العظم يسمى النمو والنقص كذلك أيضا، يمكننا أن ~~نشاهد فيه الاستحالة. # 7 # ولكن من جهة أخرى ليس أقل من ذلك في باب المحال إيضاح الاستحالة على حسب ما يقوله ~~الذين يسلمون بأكثر من عنصر واحد؛ لأن التأثرات التي تجعلنا نقول بوجود الاستحالة هي ~~فصول للعناصر، أريد أن أقول، الحار والبارد، والأبيض والأسود، والجاف والرطب، واللين ~~والصلب، وجميع الخواص الأخرى المشابهة كما يقوله أيضا أمبيدقل: الشمس في كل مكان بيضاء ~~مملوءة بالحرارة، وفي كل مكان المطر ينشر غشاءه وبرده. # 8 # إنه يقرر المميزات عينها لسائر الأشياء، وينتج من ذلك أنه إذا كان الماء لا يخرج من ~~النار، ولا الأرض من الماء؛ فإن الأسود لا يمكن أن يخرج من الأبيض، ولا الصلب من ms102 اللين. ~~وهذا التدليل بعينه قد ينطبق على جميع التغيرات الأخرى، وهذا بالضبط إذن ما كان يعني ~~بالاستحالة. # ولكن أليس من البين أنه يلزم دائما افتراض وجود مادة واحدة لا غير لأجل الأضداد، ~~سواء أتغيرت بالنقلة في الأين أم تغيرت بالنمو أو النقص أم تغيرت بالاستحالة؟ يلزم ألا ~~يكون إلا عنصر واحد ومادة واحدة بعينها لأجل جميع الكيوف التي تتبدل بعضها ببعض. وإذا ~~كان العنصر واحدا فهناك أيضا استحالة. # 9 # وعلى ذلك يظهر لنا أن أمبيدقل يناقض الحوادث الأكثر واقعية ويناقض نفسه معا؛ لأنه ~~يزعم معا أن العناصر لا يمكن أن يجيء بعضها من البعض الآخر، بل على الضد يأتي منها ~~سائر الأشياء، وفي الوقت عينه بعد أن رد إلى الوحدة الطبيعية كلها كاملة ما عدا ~~التنافر، قد استخرج بعد ذلك كل شيء من الوحدة التي تخيلها. فعلى رأيه الأشياء بانفصالها ~~عن هذه الوحدة العنصرية بواسطة بعض فصول وبعض تغايير، فهذا الشيء بعينه صار ماء وآخر ~~صار نارا. وبهذه المثابة يسمي الشمس بيضاء حارة والأرض كثيفة صلبة. ولكن متى محيت هذه ~~الفصول، ويمكن أن تمحى ما دامت متولدة في وقت بعينه، أمكن للأرض بالبداهة أن تلاقى ~~إذن من الماء كما يمكن أيضا للماء أن يأتي من الأرض. كذلك الحال بالنسبة لجميع الأشياء ~~الأخرى التي جرى عليها التحول والتغير، لا في الزمن الذي يتكلم عنه فقط، بل التي تتغير ~~أيضا في هذا اليوم. # 10 # زد على ذلك أن في مذهب أمبيدقل توجد مبادئ منها يمكن أن تتولد الأشياء وتنفصل من ~~جديد، وعلى الخصوص متى سلمنا بالتنازع الأبدي المتبادل بين التنافر والعشق، فانظر كيف ~~أن الأشياء فيما يظهر تتولد إذن من مبدأ واحد؛ لأن النار والماء والأرض وهي لا تزال ~~مجتمعة لم تكن لتكون كل العالم، ولكنه بهذه النظرية لا يعرف إن كان يلزم الاعتراف بأن ~~لهن مبدأ واحدا أو مبادئ متعددة، وأعني بهن الأرض والنار والعناصر التي من هذا ~~القبيل؛ ذلك بأنه في الواقع من جهة ما يفترض كمادة مبدأ منه تأتي ms103 الأرض والنار ~~متغيرتين بالحركة المتحصلة فإنه لا يوجد إذن إلا عنصر واحد لا غير، ولكن من جهة أن هذا ~~العنصر عينه هو متحصل من اجتماع هذه الجواهر التي تتحد ينتج أن هذه الجواهر قبل ~~اجتماعها هي ذواتها أشد عنصرية وسابقة بطبيعتها. # 11 # ولكن يلزمنا في دورنا أن نتكلم بطريقة عامة على كون الأشياء وفسادها على معناهما ~~المطلق، وسنعيد البحث فيما إذا كان هذا الكون أو لم يكن، وسنقول كيف يكون هو. ثم نتكلم ~~أيضا على الحركات البسيطة كالنمو والاستحالة. # 12 # | هوامش # | الباب الثاني # لم يدرس إذن أفلاطون الكون والفساد إلا من حيث طريقة وجودهما بالأشياء، بل لم يكن ~~ليدرس الكون في كل عمومه، بل اقتصر على كون العناصر. ولم يقل شيئا على تكون جميع ~~الأجسام التي هي من جنس اللحم والعظم وسائر الأجسام المتشابهة لها، ولم يتكلم عن ~~الاستحالة ولا على النمو، ولم يبين كيفية إدراكه إياهما في الموجودات. # 1 # على أنه يمكن الجزم بأنه لم يتكلم أحد على هذه الموضوعات إلا بطريقة سطحية جدا ما ~~عدا ديمقريطس؛ فإنه يظهر أنه فكر في كل المسائل، ولكنه يخالفنا في إيضاح الطريقة التي ~~بها تحدث الأشياء. ولم يفكر أحد كما قلنا آنفا في إيضاح النمو إلا ما ربما يكون على ~~المعنى الذي تفهم الكافة به هذه الظاهرة؛ أعني بأن يقال إن الأجسام تنمو لأن الشبيه ~~يأتي فينضاف إلى الشبيه. أما كيف تحصل هذه الظاهرة فذلك ما لم يوضحه أحد ألبتة حتى ~~الآن. # 2 # ومع ذلك، فلم تدرس أيضا بعد مسألة الاختلاط ولا أية واحدة من المسائل التي من هذا ~~القبيل، ولا مثلا مسألة معرفة كيف تفعل الأشياء وتنفعل، وكيف أن شيئا بعينه يفعل ~~الأحداث الطبيعية وآخر بعينه ينفعل بها. # 3 # لما لم يهتم ديمقريطس ولوكيبس إلا بصور العناصر استخرجا منها استحالة الأشياء وكونها. ~~وعلى هذا فمن انقسام الذرات ومن اتحادها يأتي الكون والفساد، ومن ترتيب الذرات ووضعها ~~تأتي الاستحالة. ولكن لما كان هؤلاء الفلاسفة يحسبون الحقيقة في مجرد الظاهر، وكانت ~~الظواهر متضادة ms104 ولامتناهية بالعدد معا اضطروا أن يجعلوا أشكال الذرات لامتناهية أيضا ~~بحيث إن الشيء الواحد يمكن أن يظهر ضد ما هو لنظر هذا الرائي أو ذلك تبعا لتغيرات ~~وضعه، ويظهر متغير الصورة بمجرد أن تختلط به أو تزاد عليه أصغر جزئية أجنبية. ويظهر أنه ~~صار غير ذاته جملة بتغير موضع جزء واحد من أجزائه. ذلك كما أنه يمكن أن تستخدم الحروف ~~بعينها لتأليف مأساة أو فكاهة حسبما يختار. # 4 # ولكن لما كان كل الناس من غير استثناء تقريبا يعتقد بوجه العموم أن كون الأشياء ~~واستحالتها هما ظاهرتان مختلفتان جدا، وأن الأشياء لتكون أو لتفسد يجب أن تتحد أو ~~تنفصل في حين أنها تستحيل بتغيرات في خواصها، وجب علينا من أجل ذلك أن نقف على هذه ~~المسائل التي يعرض منها في الواقع صعوبات حقيقية متعددة. إذا لم يجعل كون الأشياء - ~~مثلا - إلا اتحادا فإن لهذه النظرية طائفة من النتائج غير القابلة للتأييد، ولكن هناك ~~براهين أخرى قاطعة على صحة المعنى المضاد، ومن الصعب جدا نقضها، تثبت أن كون ~~الأشياء لا يمكن أن يكون شيئا آخر إلا مجرد اتحاد، وأنه إذا كان الكون ليس اتحادا فمن ~~ثم لا يوجد كون أصلا، وأنه ليس إلا استحالة. لذلك يجب أن نعالج حل هذه الصعوبات ~~مهما كانت خطورتها. # 5 # النقطة الأصلية في ابتداء هذه المناقشة هي معرفة ما إذا كانت الأشياء تكون وتستحيل ~~وتنمو أو تعاني الظواهر المضادة لهذه الظواهر بسبب وجود ذرات، أعني أعظاما أولية غير ~~قابلة للقسمة، أو ما إذا كان لا يوجد أصلا أعظام غير قابلة للقسمة. هذه النظرية هي من ~~الخطورة بالمكان الأعلى. ومن جهة أخرى بفرض وجود الذرات يمكن أن يتساءل أيضا عما إذا ~~كانت - كما يريد ديمقريطس ولوكيبس - هذه الأعظام غير المنقسمة هي أجسامنا، أو ما إذا ~~كانت مجرد سطوح كما ذكر في طيماوس. # 6 # ولكن من غير المعقول، كما بينا في غير هذا الموضع، أن نجاوز بتحليل الأجسام إلى حد ~~تصييرها سطوحا. وعلى ذلك يكون أقرب إلى المعقول بأن ms105 الذرات هي أجسام. على أني لأعترف ~~أن هذا الرأي هو أيضا قليل الشبه بالمعقول. ومع ذلك يمكن في هذا المذهب كما قد قيل أن ~~تفسر استحالة الأشياء وكونها بتبدل الجسم الواحد تبعا لدورانه أو لتماسه أو تبعا ~~لاختلاف أشكاله. ذلك ما يفعل ديمقريطس، وهذا هو الذي أدى به إلى إنكار حقيقة اللون ما ~~دام اللون في عرفه إنما يكون من حركة الأجسام حول مركزها. ولكن الذين يقبلون قسمة ~~الأجسام إلى سطوح أولئك لا يمكنهم بعد ذلك أن يدركوا اللون؛ لأنه بجمع السطوح ذوات ~~السعة بعضها مع بعض يمكن الوصول فقط إلى تكوين جوامد، ولكن لا يمكن الوصول إلى إيجاد أي ~~كيف جسماني. # 7 # والسبب الذي جعل هؤلاء الفلاسفة يرون - أقل من الآخرين - الظواهر التي هي محل وفاق ~~بين الناس جميعا هو عدم المشاهدة. وعلى ضد ذلك الذين استزادوا من فحص الطبيعة، أولئك ~~أحسن حالا في استكشاف هذه المبادئ التي يمكن أن تنسحب بعد على حوادث ما أكثر عددها. ~~ولكن هؤلاء الذين هم تائهون في نظريات معقدة لا يلاحظون الأحداث الواقعة، وليست أعينهم ~~موجهة إلا إلى عدد قليل من الظواهر، وهم يحكمون بسهولة كبرى. # 8 # ها هنا أيضا يمكن أن يرى كل الفرق الذي يفرق بين الدراسة الحقة للطبيعة وبين دراسة ~~منطقية محضة؛ لأن هؤلاء الفلاسفة من أجل أن يبينوا مثلا أنه يوجد ذرات أو أعظام غير ~~قابلة للقسمة يدعون أنه إذا لم تكن تلك الذرات فإن المثلث نفسه - المثل الأعلى للمثلث - ~~يكون مؤلفا مع أن ديمقريطس في هذه المسألة يظهر أنه لم يعول في حلها إلا على دراسات ~~خصوصية وطبيعية محضة. ومع ذلك فإن ما سيلي من هذه المناقشة سيبين لنا ما نريد أن نقول ~~بأوضح من ذلك. # 9 # من الصعوبة الكبرى افتراض أن الجسم يوجد، وأنه عظم قابل للقسمة إلى ما لا نهاية، وأنه ~~من الممكن تحقيق هذه القسمة، فماذا يبقى في الواقع في الجسم الذي يمكن أن يخلص من قسمة ~~كهذه؟ فإذا افترض أن شيئا قابلا للقسمة مطلقا ms106 وأنه حقيقة قسمته هكذا، فلا يكون من ~~المحال في شيء أنه أمكن قسمته مطلقا مع أنه لم يقسم في الواقع ولا أنه قد قسم فعلا، ~~والأمر كذلك إذن فيما إذا يقسم الشيء بالنصف. وعلى العموم لو أن شيئا قابلا بالطبع ~~للقسمة إلى اللانهاية قد قسم لما كان ذلك محالا ألبتة، كما لا يكون محالا أن يفترض ~~إمكان قسمته عشرة آلاف مرة مضروبة في عشرة آلاف مع أنه لا أحد يستطيع المجاوزة بالقسمة ~~إلى هذا الحد. # 10 # ما دام الجسم معتبرا أنه حائز لهذه الخاصة، فلنسلم أنه يمكن قسمته مطلقا على هذا ~~النحو، ولكن إذن ماذا يبقى بعد هذه التقاسيم؟ هل سيكون عظما؟ لكن ذلك غير ممكن؛ لأنه ~~إذا يوجد شيء فر من عملية التقسيم وكان الفرض - على الضد - أن الجسم قابل للقسمة من ~~غير أي حد ومطلقا. ولكنه إذا لم يبق جسم ولا عظم وظلت القسمة مستمرة، فإما أن القسمة ~~لا تقع إلا على نقط، وإذن تصير العناصر التي تركب الجسم عديمة العظم، وإما ألا يبقى ~~هناك شيء أصلا. # 11 # ينتج من ذلك أنه، سواء أكان الجسم يأتي من لاشيء أم يؤلف من أجزاء، فالأمر على ~~الحالين تصيير الكل إلى ألا يكون إلا ظاهرا، حتى مع التسليم بأن الجسم يمكن أن يأتي من ~~نقط، فلا يكون هناك أيضا كم. وفي الواقع لو أن هذه النقط كانت تتماس لتؤلف عظما ~~واحدا، وأن العظم كان واحدا، وأنها كلها فيه؛ فإن جميع هذه النقط المجتمعة ما كانت ~~لتجعل الكل أكبر؛ لأن الكل بانقسامه إلى نقطتين أو عدة لا يكون لا أكبر ولا أصغر من ذي ~~قبل، بحيث إنه مهما جمع من تلك النقط فلا يمكن الوصول أبدا إلى تأليف عظم حقيقي ~~منها. # 12 # إذا قيل إنه يوصل بالقسمة إلى ألا يحصل منها إلا كنشارة الجسم فحتى على هذا الفرض لا ~~بد من أن الجسم يأتي من عظم أيا كان، وتبقى المسألة كما كانت، وهي كيف أن هذا الجسم ~~الأخير قابل للقسمة في دوره، ms107 فإذا قيل إن ما انفصل ليس جسما بل هو صورة ما قابلة ~~للانفصال أو خاصة ما، فينتج من ذلك أن العظم يتحول إلى نقط وإلى تماسات محولة بهذه ~~الطريقة. وإذن يكون من غير المعقول الاعتقاد بأن العظم يمكن أبدا أن يأتي من أشياء ~~ليست عظاما. # 13 # ولكن فوق ذلك في أي مكان تكون هذه النقط سواء افترضت عديمة الحركة أم افترضت متحركة؟ ~~إنه لا يوجد أبدا إلا تماس واحد بين شيئين، فلا بد أيضا من افتراض أنه يوجد شيء ليس ~~هو التماس ولا القسمة ولا النقطة. # 14 # لو قبل إذن أن كل جسم أيا كان مهما كان امتداده يمكن دائما أن يقبل القسمة مطلقا، ~~لكانت تلك هي النتائج التي يوصل إليها. # من جهة أخرى إذا أمكنني بعد القسمة أن أركب الخشب الذي نشرته أو أية مادة أخرى بأن ~~أعيد إليها وحدتها الأولى، وأن أجعلها مثلما كانت تماما، فمن الواضح أني أستطيع أن ~~أفعل ذلك في أية نقطة بلغتها في كسري الخشب. إذن فبالقوة الجسم قابل دائما للقسمة ~~مطلقا وبدون حد. ماذا يوجد إذن ها هنا خارجا عن القسمة وبمعزل عنها إذا قيل إنها خاصة ~~للجسم؟ يمكن دائما أن يسأل كيف أن الجسم يتحلل إلى خواص من هذا القبيل؟ وكيف يمكن أن ~~يتألف منها؟ وكيف أن هذه الخواص يمكن أن تنفصل عن الجسم. # 15 # إذا كان إذن محالا أن الأعظام تتكون من مجرد تماسات أو فقط؛ فإنه يلزم ضرورة أن يوجد ~~أجسام وأعظام لا تتجزأ. ولكن هذا الافتراض عينه للذرات يخلق مجالا لا يمكن تخطيه، ولو ~~أن هذه المسألة قد فحصت في غير هذا الموضع إلا أنه يلزم أن يحاول حلها هنا أيضا. ~~وللوصول إلى ذلك يلزم أخذها من جديد بتمامها من البداية. # 16 # نقول إذن بادئ بدء إنه ليس من غير المعقول في شيء تقرير أن كل جسم محسوس هو معا قابل ~~للقسمة وغير قابل للقسمة في نقطة ما، ما دام أنه يمكن أن يكون قابلا للقسمة بالقوة ~~المجردة وغير ms108 قابل للقسمة بالفعل. ولكن الذي يظهر أنه محال تماما هو أن جسما يكون ~~قابلا للقسمة وغير قابل لها معا بالقوة؛ لأنه إذا كان ذلك ممكنا فلا يكون أبدا بهذا ~~الوجه أن الجسم يجمع بين الخاصتين بأن يكون غير قابل للقسمة وقابلا لها معا بالفعل. ~~بل إنه يكون فقط قابلا للقسمة بالفعل في نقطة ما؛ وإذن لا يبقى منه شيء مطلقا، ويتحول ~~الجسم إلى شيء غير جسماني. ومع التسليم بأنه يمكنه أن يكون ثانية إما بأن يأتي من النقط ~~أو أن لا يأتي من شيء أبدا على الإطلاق، فكيف يصير كون الجسم من جديد ممكنا؟ # 17 # أما ما هو بين، فهو أن الجسم ينقسم بالفعل إلى أجزاء متميزة ومنفصلة وإلى أعظام ~~أصغر فأصغر دائما تتباعد بعضها عن بعض وتنعزل. ولكن من المحقق أيضا أن هذه التجزئة ~~البعضية لا يمكن أن يجاوز بها إلى اللانهاية، وأنه ليس من الممكن أيضا قسمة الجسم في ~~أية نقطة ما؛ لأن هذه القسمة غير المحدودة ليست ممكنة الإجراء، ولا يمكن أن تتمشى إلى ~~حد معين. # 18 # يلزم إذن أن توجد ذرات أو أعظام لا تتجزأ، خصوصا إذا سلم أن كون الأشياء وفسادها ~~يحصلان أحدهما بالتفرق والآخر بالاجتماع، ذلك هو الاستدلال الذي يظهر أنه يبين ضرورة ~~وجود الأعظام غير القابلة للقسمة أو الذرات. ونحن نتكفل بإثبات أن هذا الاستدلال ~~يرتكز من حيث لا يشعر على سفسطة مستورة بستار سنكشفه عنها. # 19 # كما أن النقطة لا تتصل بالنقطة فقابلية القسمة المطلقة تكون من جهة متعلقة بالأعظام ~~ومن جهة أخرى غير متعلقة بها. ومن يسلم بهذه النظرية يظهر أنه يسلم أيضا بأنه لا ~~يوجد بعد إلا النقطة التي هي في كل مكان وفي كل اتجاه، وبنتيجة ضرورية فإن العظم ~~بالتجزئة يصير لا شيء؛ لأن النقطة ما دامت في كل مكان فالجسم لا يمكن أن يتركب إلا من ~~التماسات أو من النقط. # 20 # وحينئذ فمعنى هذا هو الرجوع إلى القول بأن الجسم قابل للقسمة مطلقا ما دام يوجد في ~~كل ms109 محل نقطة ما، وأن كل النقط مجتمعة هي ككل واحدة منها على حدة، وأنه في الواقع لا ~~يوجد أكثر من واحدة؛ لأن النقط ليست متتابعة بعضها لبعض. والنتيجة أيضا أن الجسم ليس ~~قابلا للقسمة مطلقا؛ لأنه إذا كان الجسم قابلا للقسمة في وسطه فإنه يكون قابلا لها ~~في النقطة التي تتصل بهذا الوسط. ولكن الآن غير متصل بالآن كما أن النقطة لا تتصل ~~بالنقطة. على أنه في هذا تنحصر قسمة الأجسام وتركيبها بحيث إنه يوجد أيضا اجتماع ~~وافتراق للأجزاء. ولكن الجسم مع ذلك لا يتحول إلى ذرات، وإنه لا يأتي من ذرات. تلك ~~النظرية التي تشمل صعوبات عديدة لا يمكن حلها. كذلك لا يمكن أن يتركب الجسم بطريقة بها ~~تكون التجزئة ممكنة لا إلى حد ما. فإذا كانت النقطة تتبع في الواقع النقطة كان الأمر ~~كذلك، ولكن الجسم ينحل إلى أجزاء متدرجة في الصغر، وإن الاتحاد حصل بين أصغر ~~الأجزاء. # 21 # الكون المطلق الكامل للأشياء لا يقصر كما زعموا على اجتماع العناصر وتفرقها، كما أن ~~الاستحالة ليست مجرد تغير في الكتلة، بل ذلك خطأ تام يقع فيه كل الناس. ونكرر مرة أخرى ~~أنه لا يوجد كون وفساد مطلقان للأشياء باجتماع العناصر وافتراقها، إنما يوجدان فقط متى ~~يتغير شيء بكله عندما يأتي من شيء آخر بعينه. # 22 # وقد يظن أيضا أن الاستحالة هي تغير ما من هذا القبيل، ولكن ها هنا فرقا عظيما، ~~فإن في الموضوع جزءا يرجع إلى الكنه وجزءا يرجع إلى المادة، فمتى فقط حصل التغير في ~~هذين الأمرين، فهناك حقا كون وفساد. ولا يكون إلا مجرد استحالة متى حصل التغير في ~~الخواص والكيوف العارضة للشيء. # 23 # فما هو إلا بافتراق الأشياء وباجتماعها أنها تصير قابلة للفساد بسهولة، مثال ذلك متى ~~تجزأ الماء إلى نقيطات صغيرات تتحول بأسرع ما يكون إلى هواء، في حين أنها إذا بقيت ~~كتلة تصير هواء بأبطأ من ذلك. # 24 # على أن هذا سيتضح فيما يلي. ولكن ها هنا أردنا فقط إثبات أن من المحال ms110 أن يكون كون ~~الأشياء مجرد تأليف كما زعم بعض الفلاسفة. # 25 # | هوامش # | الباب الثالث # متى تقرر هذا يلزم البحث أولا فيما إذا كان يوجد في الواقع شيء يولد ويموت بطريقة ~~مطلقة أو ما إذا كان لا يوجد شيء يولد ويموت بالمعنى الخاص. وفي هذه الحالة يلزم فحص ما ~~إذا كان أي شيء ما لا يأتي دائما من شيء آخر هو يخرج منه؛ مثال ذلك من المريض يأتي ~~الصحيح ومن الصحيح يأتي المريض، أو كالصغير يأتي من الكبير والكبير يأتي من الصغير، وكل ~~الأشياء بلا استثناء «تكون» بهذه الطريقة عينها. إذا سلم بكون مطلق يلزم حينئذ أن ~~الموجود يأتي مطلقا من اللاموجود؛ أي من العدم، بحيث يحق التأكيد بأن العدم يتعلق ~~ببعض الموجودات. والكون الإضافي يمكن أن يأتي من لا موجود إضافي، ومثال ذلك الأبيض يمكن ~~أن يأتي من اللاأبيض أو الجميل يأتي من اللاجميل. لكن الكون المطلق يجب أن يأتي من ~~اللاوجود المطلق. # 1 # حينئذ المطلق ها هنا يدل إما على الأولي في كل مقولة للموجود، وإما على الكلي؛ أعني ~~الذي يشمل ويحوي كل شيء. فإذا كان الأولي هو مدلول المطلق فهناك كون للجهورات مما هو ~~ليس بجوهر، ولكن ما ليس له جوهرية وما ليس ألبتة شيئا معينا بذاته لا يمكنه بالبداهة ~~أن يكون لأي واحدة أخرى من المقولات كالكيف والكم والأين ... إلخ؛ لأنه حينئذ يكون معناه ~~التسليم بأن كيوف الجواهر يمكن أن تنفصل عنها؛ فإذا كان اللاموجود هو بصورة عامة مدلول ~~المطلق، فذلك هو النفي الكلي لجميع الأشياء، وعلى ذلك فما يولد وما يكون يلزم ضرورة أن ~~يولد من لاشيء. # 2 # على أننا قد تكلمنا على هذا الموضوع في موضع آخر وبحثناه بأطول من ذلك، ولكننا نلخص ~~ها هنا فكرتنا ونقول في قليل من الكلمات أن من وجه يمكن أن يوجد كون مطلق لشيء آت من ~~العدم اللاوجود، ومن وجه آخر لا شيء يمكن أبدا أن يأتي إلا مما هو موجود. ذلك في الحق ~~أن ما هو بمجرد القوة ms111 وليس بالفعل يجب أن «يكون» أولا وبالضرورة على الوجهين اللذين ~~بيناهما آنفا، ولكنه لا بد مع ذلك من العناية الكبرى في فحص هذه المسألة التي يمكن ~~أن صعوبتها تدهشنا حتى بعد الإيضاحات التي أسلفناها، وتلك المسألة هي كيف أن الكون ~~المطلق يحصل، سواء أكان يأتي مما هو بالقوة أم يأتي بأي وجه آخر. # 3 # يمكن البحث في الحق فيما إذا كان يوجد فقط كون للجوهر ولشيء معين بالفعل، أو ما إذا ~~كان لا يوجد أيضا كون للكيف وللكم وللأين ... إلخ. وهذه الأسئلة عينها توجه على السواء ~~بالنسبة إلى الفساد. وإنه إذا كان بالفعل شيء يكون أو يولد فمن الواضح أنه يجب وجود ~~جوهر ما بالقوة على الأقل إن لم يكن بالفعل، وبالكمال منه يخرج كون الشيء، وفيه يتغير ~~بالضرورة متى فسد. # 4 # هل من الممكن أن واحدة من المقولات الأخرى التي هي بالفعل وبالكمال المحض تتعلق ~~بهذا الموجود بالقوة؟ أو بعبارة أخرى: هل يمكن تطبيق معاني الكيف والكم والأين على هذا ~~الذي ليس شيئا إلا بالقوة وبالقوة فقط بدون أن يكون شيئا بذاته بطريقة مطلقة حتى ولا ~~أن يكون مطلقا أبدا؟ لأنه إذا كان هذا الموجود ليس أي شيء بالفعل ولكنه كل الأشياء ~~بالقوة، فإن اللاموجود المفهوم على هذا النحو يمكن أن يكون ذا وجود منفصل، وحينئذ يوصل ~~إلى هذه النتيجة التي هابها الفلاسفة الأولون أكثر من كل شيء، وهي إيجاد الأشياء من ~~العدم المحض، ولكنه إذا لم يسلم أن هذا يكون موجودا حقيقيا أو جوهرا، وأنه شيء آخر ~~من المقولات المذكورة، فحينئذ يفرض كما قلنا آنفا أن الكيفيات والأعراض يمكن أن تكون ~~منفصلة عن الجواهر. # 5 # تلك هي النظريات التي يلزم مناقشتها هنا بالقدر المناسب، كما أنه يلزمنا البحث عما هي ~~العلة التي تجعل كون الموجودات أبديا، سواء الكون المطلق أو الكون البعضي، ما دام لا ~~يوجد على رأينا إلا علة واحدة أو حد منها ينبعث مبدأ الحركة، وما دام لا يوجد أيضا إلا ~~مادة واحدة أو حد يلزم ms112 إيضاح ما هي العلة. # 6 # ولكنا سبق بنا أن تكلمنا عليها في كتابنا «الحركة»؛ إذ قررنا فيه أنه يوجد من جهة ~~شيء غير متحرك طول الأبد كله ومن جهة أخرى شيء على ضد ذلك واقع في حركة أبدية. فدراسة ~~المبدأ غير المتحرك للأشياء تتعلق بفلسفة أخرى عليا. وأما المحرك الذي يحرك كل البقية ~~لأنه هو نفسه قد حرك بحركة مستمرة، فإننا سنتكلم عليه فيما بعد عندما نوضح ما هي علة كل ~~واحدة من الظواهر الخاصة. وهنا نقتصر على علاج هذه العلة التي تظهر بصورة مادة، والتي ~~تجعل أن كون الأشياء وفسادها لا يتخلفان في الطبيعة. ولكن هذه المناقشة قد تجلو أيضا ~~الشك الذي أثرناه آنفا، وسيرى كيف ينبغي أن يعنى أيضا بالفساد المطلق وبمطلق كون ~~الأشياء. # 7 # ومع ذلك فإنها مسألة محيرة أن يعرف ماذا عسى أن تكون العلة التي تدبر وتسلسل تناسل ~~الأشياء إذا فرضنا أن ما يفسد يرجع إلى العدم، وأن اللاوجود ليس شيئا؛ لأن ما ليس ~~موجودا ليس جوهرا ولا كيفا ولا كما ولا أينا ... إلخ؛ لأنه حينئذ ما دام في كل آن ~~واحد من الكائنات يبيد وينعدم كيف يتأتى أن العالم بتمامه لم يكن قد فني منذ زمان ~~طويل ألف مرة إذا كان المنبع الذي يأتي منه كل واحد من هذه الكائنات محدودا ~~ومتناهيا؟ في الحق إذا كان هذا التوارث الأبدي لا ينقطع ألبتة فليس ذلك بأن الينبوع ~~الذي تصدر منه الكائنات يكون غير متناه؛ لأن ذلك محال تماما ما دام أنه في الواقع لا ~~شيء غير متناه. وإنه إنما يكون فقط بالقوة أن شيئا يمكن أن يكون غير متناه في ~~القسمة، وقد وضحنا أن القسمة هي وحدها محل عدم الانقطاع وعدم الفوات؛ لأنه يمكن ~~دائما الحصول على كمية أضعف فأضعف. ولكنا ها هنا لا نرى وجها للمشابهة. أفلا تصير ~~أبدية التعاقب ضرورية بهذا السبب وحده أن فساد شيء هو كون شيء آخر، وأن العكس بالعكس: ~~كون هذا موت ذلك أو فساده؟ # 8 # وبهذا تلغى علة ms113 يمكنها أن تكفي لتوضيح كل شيء بالنسبة لكون الأشياء وفسادها، ها ~~هنا في عمومها، وهناك في كل فرد من الكائنات بخصوصه، على أنه مع هذا يلزم البحث في أنه ~~لماذا عند الكلام على بعض الأشياء يقال بطريقة مطلقة إنها تكون وتهلك، في حين أنه عند ~~الكلام على بعض أشياء أخرى لا يقال ذلك على إطلاقه، إذن كان حقا أن كون موجود بعينه ~~هو عين فساد آخر، وإذن كان العكس بالعكس؛ فساد هذا هو كون لذاك. # 9 # هذا التباين في التعبير يقتضي أيضا أن يفسر ما دام أننا نقول عن كائن في حالة بعينها ~~إنه فسد مطلقا لا أنه فسد من وجه بعينه فقط، وما دمنا نصرف الكون إلى معنى مطلق كما ~~نصرف الفساد سواء بسواء. على ذلك فشيء بعينه يصير شيئا آخر بعينه، ولكنه لا يصير على ~~الإطلاق. انظر مثلا كيف نقول عن شخص يتعلم إنه يصير عالما ، ولكننا لا نقول من أجل ذلك ~~إنه يصير ويكون على الإطلاق. وبادكار ما قلناه غالبا من أن بعض الأسماء تدل على جوهر ~~حقيقي والبعض الآخر لا يدل عليه يمكن معرفة من أين تأتي المسألة المطروحة ها هنا؛ لأنه ~~يهم كثيرا أن يعين فيم يتغير الشيء الذي يتغير، مثال ذلك تحول الشيء الذي يصير نارا ~~يمكن أن يسمى كونا مطلقا، ولكن أيضا فسادا لشيء للأرض مثلا. وكذلك كون الأرض هو ~~بلا شك أيضا كون، ولكنه ليس كونا مطلقا مع أنه فساد مطلق، ومثلا فساد ~~النار. # 10 # بهذا المعنى كان برمينيد لا يعترف إلا بشيئين في الدنيا؛ الموجود واللاموجود، وهما ~~عنده النار والأرض، على أنه ليس من المهم افتراض هذه العناصر أو عناصر أخرى مشابهة لها؛ ~~لأننا لا نبحث إلا في الطريقة التي بها تحصل الظواهر لا في موضوعها. إذن التغيير الذي ~~يوصل الأشياء إلى اللاوجود المطلق إنما هو فساد مطلق، وبالعكس ما يوصلها مطلقا إلى ~~الوجود هو كون مطلق. ولكن مهما كانت الجواهر التي يعتبر فيها الكون والفساد، سواء النار ~~أو الأرض أو ms114 عنصر آخر مشابه؛ فإن الكون والفساد لا يزالان أحدهما للوجود والآخر ~~للاوجود. # 11 # هذا إذن هو فرق أول في التعبير يمكن تقريره بين الكون والفساد المطلقين وبين الكون ~~والفساد اللذين ليسا مطلقين، وفرق آخر يمكن أن يميزها وهو المادة التي يحصلان فيها ~~أيا كانت هذه المادة، فالتي تدل فصولها دلالة أكثر على هذه الحقيقة بعينها أو تلك هي ~~أيضا أدخل في الجوهرية، والتي تدل فصولها دلالة أكثر على العدم هي أدخل في اللاموجود؛ ~~وعلى ذلك فالحرارة مقولة ما ونوع حقيقي، وعلى الضد البرودة فإنها ليست إلا عدما. وبهذه ~~الفصول بعينها تتميز الأرض والنار. # 12 # عند العامي، إنما يقرر الفرق على الأخص بين الكون وبين الفساد هو أن الواحد مدرك ~~بالحواس وأن الآخر ليس كذلك؛ فمتى وجد تغير في مادة محسوسة قال العامي إن الشيء يولد ~~ويكون كما يقول إنه يموت ويفسد حينما يتغير إلى مادة غير مرئية؛ ذلك بأن الناس يعرفون ~~على العموم الوجود واللاوجود تبعا لما إذا كانوا يحسون الشيء أو لا يحسونه، كما أنهم ~~يعتبرون الموجود ما يعرفونه واللاموجود ما يجهلونه؛ فحينئذ، الحس هو الذي يؤدي وظيفة ~~العلم، وكما أن الناس لا يدركون حقيقة حياتهم وكونهم إلا لأنهم يحسون أو يمكنهم أن ~~يحسوا، كذلك أيضا إدراكهم لوجود الأشياء؛ إذ يبحثون عن حقيقتها وما هم بواجديها فيما ~~يقولون. # 13 # ذلك أن الكون والفساد المطلقين هما متغايران تماما تبعا لاعتبارهما على حسب الرأي ~~العامي أو لاعتبارهما في حقيقتهما الواقعية. إذن الهواء والريح أقل من سواهما في مراتب ~~الوجود من حيث كونهما جسمين إذا كان المرجع في ذلك إلى مجرد شهادة الحواس. ومن أجل ذلك ~~يظن أن الأشياء التي فسدت مطلقا تفسد بالتحول إلى هذين العنصرين في حين أنه يعتقد أن ~~الأشياء تولد وتكون متى تحولت إلى بعض عناصر يمكن لمسها؛ أي إلى أرض مثلا، ولكن في ~~الحق ذانكم العنصران هما جوهر ونوع أكثر من الأرض نفسها. # 14 # إذن قد وضح ما يدل على أنه يوجد الكون المطلق من حيث كونه ms115 فسادا لشيء، والفساد ~~المطلق من حيث كونه كونا لشيء أيضا. وهذا يتعلق - في الواقع - بأن المادة مختلفة؛ إما ~~لأن الواحدة جوهر في حين أن الأخرى ليست جوهرا، وإما لأن الواحدة هي أكثر وأن الأخرى ~~أقل، وإما لأن المادة التي يأتي منها الشيء والتي يذهب إليها هي أقل أو أكثر حسية. ~~ويقال على الأشياء تارة إنها تولد وتصير بالإطلاق، وتارة يقال بالتعيين إنها تصير هذا ~~الشيء بعينه أو ذاك من غير أن يأتي واحد من الآخر بالتكافؤ على النحو الذي نعنيه ها ~~هنا. ونحن نقتصر في الواقع الآن على إيضاح لماذا - ما دام أن كل كون هو فساد لشيء آخر ~~وأن كل فساد هو كون لشيء آخر أيضا - نحن لا نسند على هذا الوجه عينه الكون والفساد إلى ~~الأشياء التي تتغير بعضها في البعض الآخر. # 15 # على أن هذا لا يحل المسألة التي كنا وضعناها لأنفسنا حلا نهائيا. بل هو يوضح ~~لماذا يقال عن واحد يتعلم إنه يصير عالما لا إنه يصير مطلقا، في حين أنه بالنسبة لشيء ~~ينشأ طبيعة يقال بطريقة عامة إنه يولد ويصير. تلك هي التعايين؛ أي المقولات المختلفة ~~التي بعضها يدل على الموجود الحقيقي والجزئي والآخر يدل على الكيف والآخر على الكم؛ ~~وبالتالي لا يقال ألبتة على كل الأشياء التي لا تدل على جوهر إنها تصير بطريقة مطلقة، ~~بل إنها تصير كذا أو كذا من الأشياء؛ ومع ذلك فإن الكون في كل الأحوال على السواء لا ~~ينطبق انطباقا صريحا إلا على الأشياء الداخلة في إحدى المجموعتين. مثلا في مقولة ~~الجوهر يقال إن الشيء يصير إذا تكون نارا، ولا يقال ذلك إذا كان الذي يكون هو أرضا. ~~وفي مقولة الكيف يقال عن الشيء إنه يصير إذا صار الكائن عالما لا إذا صار ~~جاهلا. # 16 # إذن فانظر كيف نوضح لماذا بعض الأشياء يكون بطريقة مطلقة، وكيف أن البعض الآخر لا ~~يكون لا بطريقة مطلقة ولا أصلا حتى في الجواهر أعيانها. وقد قلنا أيضا لماذا الموضوع ~~من حيث هو مادة ms116 هو علة الكون المستمر الأبدي للأشياء؛ نظرا إلى أنه يمكن على السواء أن ~~يتغير في الأضداد، وأنه بالنسبة للجواهر كون ظاهرة هو دائما فساد لأخرى وبالتكافؤ أن ~~فساد هذه كون لتلك. # 17 # على أنه لم يبق محل لأن يتساءل لماذا أن هذا الفساد الدائم للموجودات هو الذي يجعل أن ~~شيئا يمكن أن يكون؛ لأنه كما يقال إن شيئا هو فاسد مطلقا حينما يمر إلى اللامحسوس ~~وإلى اللاموجود كذلك يمكن أن يقال إنه يكون ويأتي من اللاموجود متى أتى من اللامحسوس، ~~والنتيجة أنه سواء أكان هناك موضوع أو لا أم لم يكن فإن الشيء يأتي دائما من العدم، ~~بحيث إن الشيء في آن واحد حين يكون يأتي من اللاوجود وحين يفسد يعود إلى اللاوجود ~~أيضا، وهذا هو الفاعل في أنه ليس يوجد انقطاع ولا خلو؛ لأن الكون هو فساد اللاوجود ~~والفساد هو كون العدم. # 18 # ولكن قد يتساءل عما إذا كان هذا اللاموجود المطلق هو ثاني الضدين، ومثلا لما أن ~~الأرض وكل ما هو ثقيل هو اللاموجود إذا كانت النار وكل ما هو خفيف هي أو ليست هي ~~الموجود. ولكن يمكن أن يقال أيضا إن الأرض هي الموجود وإن اللاموجود هو مادة الأرض كما ~~أنه هو مادة النار على السواء، ولكن هل مادة أحد هذين العنصرين ومادة الآخر هي إذن ~~مختلفة؟ وهل من المحال أن يأتي أحدهما من الآخر كما هو الحال في الأضداد؛ لأن النار ~~والأرض والماء والهواء لها أضداد، أو هل أن مادتها هي واحدة من وجه؟ وهل ليست مختلفة ~~إلا من وجه آخر؟ لأن ما هو موضوع من وجه ومن آخر هو واحد، ولكن شكل الوجود هو وحده الذي ~~ليس واحدا. على أننا نقف عند ما قلناه في هذا الموضوع. # 19 # | هوامش # | الباب الرابع # يجب الآن توضيح بماذا يختلف الكون والاستحالة؛ لأننا نرى أن هذين التغيرين للأشياء ~~هما متميزان تماما أحدهما من الآخر نظرا إلى أن الموضوع الذي هو كائن حقيقي والتكييف ~~الذي هو طبعا محمول على الموضوع ms117 هما في غاية الاختلاف، وأنه يجوز أن يقع التغير ~~بأحدهما وبالآخر. # 1 # توجد استحالة متى كان الموضوع، وهو باق بعينه، وهو دائما محسوس، يلحقه تغير في ~~خواصه المخصوصة التي يمكن أن تكون مع ذلك أضدادا أو أوساطا، على ذلك مثلا الجسم هو ~~صحيح ثم هو مريض مع بقائه هو بذاته، وكذلك أيضا النحاس هو تارة مستدير وتارة ذو زوايا ~~مع بقائه جوهريا هو بعينه. # 2 # ولكن حينما الموجود يلحقه التغير بكليته دون أن يبقى منه شيء محسوس من جهة أنه موضوع ~~واحد وبحدة، وأن الدم مثلا يتكون بأن يأتي من كل النطفة وأن الهواء يأتي من كل الماء ~~أو بالعكس الماء من كل الهواء، حينئذ يوجد في هذه الحالة كون للواحد وفساد للآخر. وهذا ~~حق على الخصوص متى كان التغير يمر من اللامحسوس إلى المحسوس، سواء بالنسبة لحاسة اللمس ~~أو بالنسبة لجميع الحواس الأخرى، مثلا حينما يوجد كون الماء أو حينما يوجد تحلل الماء ~~إلى هواء؛ لأن الهواء هو بالمقارنة غير محسوس تقريبا. # 3 # ولكن في هذه الأشياء إذا بقي لحدي التقابل كيف ما متماثل في الموجود الذي يتولد وفي ~~الذي يفسد، وإذا كان مثلا حينما يتكون الماء بأن يأتي من الهواء وهذان العنصران هما ~~على السواء شفافان وباردان؛ فإذن لا يلزم بعد أن أحد هذين الكيفين فقط يتعلق بالجسم ~~الذي فيه يحدث التغير، ومتى لم يكن الأمر كذلك فلا يكون إلا مجرد استحالة، مثلا في ~~حالة ما الرجل الموسيقي ينعدم والرجل غير الموسيقي يكون ويظهر، ولكن الرجل لا يزال هو ~~بعينه، وحينئذ إذا لم تكن أصلا خاصة هذا الموجود أو كيفه إلا المهارة في فن الموسيقى ~~أو الجهل به؛ فإذن يوجد كون لإحدى الظاهرتين وفساد للأخرى. ومن ذلك يرى لماذا أن تلك ~~ليست إلا كيفيات للرجل في حين أن هذا هو كون وفساد للرجل الذي هو موسيقي، وللرجل الذي ~~لا يعرف الموسيقى؛ فليس هناك إلا تكيف للموضوع الذي هو ثابت، وهذا هو بالضبط ما يسمى ~~استحالة. # 4 # وإذن حينما ms118 يكون تغير حد ضد لآخر حادثا في الكم فتلك زيادة ونقص، ومتى كان ذلك في ~~الأين فتلك هي نقلة، ومتى كان في الملكية الخاصة والكيف فتلك استحالة بالمعنى الخاص، ~~ولكن متى لم يبق شيء مطلقا من الموضوع الذي أحد أضداده هو تغير أو عرض فذلك أنه يوجد ~~كون من وجه وفساد من وجه آخر. # 5 # وحينئذ فالمادة التي هي على جهة الأولوية والأفضلية الموضوع القابل للكون والفساد، ~~وبوجه ما هي أيضا التي تعاني أنواع التغيرات الأخرى؛ لأن كل الموضوعات مهما كانت فهي ~~قابلة لتقابلات ما بالأضداد. # 6 # على أنا نقف هنا فيما كنا نريد أن نقول على الكون والفساد وعلى الاستحالة أيضا؛ ~~لنوضح ما إذا هي تكون أو لا تكون، وكيف تكون. # | هوامش # | الباب الخامس # علينا أيضا أن نتكلم على النمو، وأن نقول فيماذا يختلف النمو عن الكون وعن ~~الاستحالة، وكيف يمكن الأشياء التي تنمو أن تنمو والتي تنقص أن تنقص. # 1 # يلزم إذن أولا أن نفحص ما إذا كان الفرق بين هذه الظواهر بعضها والبعض الآخر ينحصر ~~فقط في الموضوع الذي تتعلق به. إن تغيرا يقع من موجود إلى موجود آخر، مثلا من الجوهر ~~بمجرد القوة إلى الجوهر بالفعل وبالكمال هل هو كون وتولد؟ والتغير الذي يقع في العظم هل ~~هو نمو ونقص؟ أو ذلك الذي يحصل في الكيف هل هو استحالة؟ ولكن الظاهرتين الأخيرتين ~~اللتين ذكرناهما أليستا دائما تغايير أشياء تمر من القوة إلى الفعل والكمال؟ أو أيضا ~~أليست طريقة التغير هي التي تختلف؟ وحينئذ الشيء الذي يستحيل بمنزلة الشيء الذي يتولد ~~ويصير، لا يظهر أنه يجب لهما التغير بالمكان لزوما. ولكن الذي ينمو والذي يذبل يجب أن ~~يتغير بالحيز تغيرا مخالفا لتغير الشيء الذي يتحرك في الأين. # 2 # لأن الشيء المتحرك في الأين يغير مكانه بكليته في حين أن الذي ينمو لا يتغير إلا كشيء ~~ينزلق ويمتد. والموضوع وهو باق في مكانه أجزاؤه وحدها تغير مكانها، ولكن هذا ليس كحال ~~أجزاء الكرة الدائرة على نفسها؛ لأن هذه ms119 الأجزاء تغير محل جسم الكرة كله مع بقائه في ~~الحيز بعينه. وعلى الضد من ذلك أجزاء الجسم النامي تشغل حيزا أكثر فأكثر كما أن أجزاء ~~الجسم الذابل تشغل حيزا أقل فأقل. # 3 # يرى حينئذ أن التغير في شيء يتولد وفي الذي يستحيل وفي الذي ينمو هو يختلف لا بالشيء ~~الذي يقبل التغير فحسب، بل أيضا بالطريقة التي يحصل بها التغير. ولكن أما من حيث الشيء ~~ذاته الذي يلحقه تغير النمو وتغير الذبول: من جهة أن النمو والذبول يظهر أنهما لا ~~ينطبقان إلا على عظم، كيف ينبغي إدراك أنه ينمو؟ هل يجب أن يفهم أنه يتكون في هذه ~~الحالة جسم وعظم فعلي مما ليس هو جسما ولا عظما إلا بمجرد القوة، والذي هو بالفعل ~~وبالكمال ليس له جسم ولا عظم حقيقي؟ غير أن هذا الإيضاح نفسه يمكن أن يحمل على معنى ~~مزدوج، ويمكن أيضا أن يتساءل على أي الوجهين يجب أن يحصل النمو، هل هو يأتي من المادة ~~التي تكون منعزلة ومنفصلة في ذاتها؟ أم هل يأتي من المادة التي تكون في جسم آخر؟ ولكن ~~هذين الوجهين لفهم النمو أليسا هما مستحيلين على السواء؟ فإنه إذا كانت في الواقع مادة ~~النمو منعزلة، فإما ألا تشغل أي جزء في الأين، وإما أن تكون كنقطة أو ألا تكون إلا من ~~الخلو، وتكون جسما لا تدركه حواسنا؛ ففي أحد هذين الفرضين لا يمكن أن تكون موجودة، وفي ~~الثاني يجب أن توجد ضرورة في أين؛ لأن ما ياتي منها يجب أن يكون في أين ما بحيث إن هذا ~~الجسم يكون فيه أيضا إما بنفسه أو بالواسطة. # 4 # ولكن إذا فرض أن المادة هي في جسم، وأنها انفصلت عنه بحيث إنها لا تؤلف ألبتة جزءا ~~من هذا الجسم لا بذاتها ولا بالعرض فينتج من هذا الفرض طائفة من المستحيلات البينة. ~~وتوضيحه: مثلا إذا تكون هواء آت من الماء، فذلك ليس لأن الماء يتغير، بل لأن مادة ~~الهواء تكون محوية في الماء الذي يكونه كما لو كانت ms120 في آنية ما لأنه لا شيء يمنع من أن ~~تكون المواد غير متناهية في العدد بحيث يمكنها أيضا أن تكون بالفعل وبالحقيقة يلزم أن ~~يضاف زيادة على هذا أنه ليس كذلك أن الهواء يظهر أنه يأتي من الماء كما لو أنه كان يخرج ~~من جسم يبقى دائما على ما كان عليه. # 5 # يحسن حينئذ افتراض أن المادة هي غير قابلة للانفصال في جميع الأجسام، وهي واحدة ~~ومتماثلة عدديا، ولو أنها ليست واحدة ولا متماثلة في نظر العقل. # وبالأسباب عينها لا ينبغي افتراض أن مادة الجسم ليست إلا نقطا أو خطوطا؛ لأن المادة ~~هي بالضبط ما تكون النقط والخطوط نهايات لها، فهي لا يمكنها أبدا أن تقوم بدون خاصية ~~ما ولا بدون صورة، وعلى ذلك حينئذ فإن شيئا يأتي دائما من شيء آخر مطلقا كما سبق ~~بيانه في غير هذا الموضع. وهو يأتي من شيء موجود بالفعل وبالكمال، إما من جنسه أو من ~~صورته، مثال ذلك النار هي تكون بالنار والرجل هو يكون بالرجل أعني بحقيقة، بكمال؛ لأن ~~الصلب لا يمكن أن يأتي من مجرد كيف الصلب، والمادة هي المادة لجوهر جسماني؛ أعني مادة ~~جسم خاص معين ما دام الجسم لا يمكن أبدا أن يكون شيئا مشتركا. وهي هي ذاتها، سواء في ~~العظم أو في كيف العظم قابلة للانفصال في نظر العقل، ولكن غير قابلة للانفصال في الأين ~~إلا أن يفترض أن الخواص يمكنها أن تنفصل عن الأجسام الحائزة لها. # 6 # بين حينئذ على حسب هذه المناقشة أن النمو في الأشياء ليس تغيرا يأتي من عظم بالقوة ~~المحضة دون أن يكون له امتداد ما بالفعل وبالكمال؛ لأن الكيف المشترك حينئذ يكون قابلا ~~للانفصال، وقد سبق فيما تقدم في غير هذا الموضع أن هذا كان شيئا محالا، وفوق ذلك فإن ~~تغيرا من هذا القبيل ينطبق على الخصوص لا على النمو بل على الكون؛ لأن النمو ليس إلا ~~ازديادا في عظم موجود من قبل كما أن الذبول ليس إلا انتقاصا له، فانظر لماذا ms121 يلزم أن ~~يكون أولا للجسم الذي ينمو عظم ما. وبالنتيجة لا يمكن أن النمو الذي يمر إلى واقعية ~~العظم يأتي من مادة مجردة من كل عظم؛ لأن هذا أولى به أن يكون كونا لا أن يكون نموا ~~حقا. # 7 # فالأفضل حينئذ أن نأخذ بهذا البحث من جديد كما لو كنا في البداية تماما، وأن نبحث ~~ثانيا عما يمكن أن تكون هي أسباب نمو الأشياء ونقصها بعد أن أثبتنا ماذا يعني بنما أو ~~نقص. في شيء ينمو يظهر إذن أن جميع الأجزاء بلا استثناء تنمو، كما أنه في النقص جميع ~~أجزاء الشيء يظهر أنها تصير أكثر فأكثر صغيرة. وفوق ذلك فإن النمو يظهر أنه يحصل بأن ~~شيئا ينضم إلى الجسم والاضمحلال بأن شيئا يخرج منه. ولكن النمو لا يمكن أن يحصل ~~بالضرورة إلا بشيء ما لا جسماني أو جسماني؛ فإذا كان باللاجسماني فالجزء المشترك يكون ~~قابلا للانفصال، ومن المحال أن توجد مادة منفصلة عن كل عظم كما قيل آنفا. وإذا كان ~~بشيء ما جسماني حصل النمو فينتج عنه أن هناك جسمين في حيز واحد بعينه؛ أي حيز الذي ينمو ~~وحيز الذي يفعل النمو، وهو أيضا محال. # 8 # بل لا يمكن أن يقال إن نمو الأشياء ونقصها يمكن حصولها بالطريقة عينها التي بها يأتي ~~الهواء من الماء مثلا ما دامت حينئذ كتلة الهواء قد صارت أعضم مقدارا. إذن ليس في هذا ~~مجرد نماء للماء، بل هذا هو كون لجسم جديد فيه تغير الجسم الأول، وهذا هو فساد لضده. ~~وليس ذلك نموا لا لأحدهما ولا للآخر، ولكن إما أن ليس هذا نموا لشيء وإما أنه نمو ~~لهذا الذي هو مشترك بين الشيئين الذي كان والذي فسد على السواء، وهذا الجزء المشترك هو ~~جسم أيضا، فلا الماء ولا الهواء نما وفقط أحدهما باد وانعدم في حين أن الآخر كان، ~~ويلزم أن يكون هناك جسم ما دام أنه وجد نمو. # 9 # ولكن هناك أيضا محال جديد؛ لأنه يلزم عقلا حفظ الشروط الضرورية التي بدونها لا ms122 يمكن ~~إدراك الجسم الذي ينمو أو الذي ينقص، وهي ثلاثة؛ أحدها هو أن كل جزء ما يصير أكبر في ~~عظم ينمو، مثلا إذا كان من اللحم فإن جزءا ما من اللحم ينمو، والشرط الثاني هو أن ~~النمو يحصل بانضمام ما إلى الجسم، وثالثا وأخيرا يلزم أن الشيء ينمو وأن يبقى معا، ~~وفي الواقع حينما شيء يكون أو يبيد مطلقا فهو لا يبقى ألبتة، ولكن حين يعاني استحالة ~~أو نموا أو نقصا فإن هذا الشيء مع أنه ينمو أو يستحيل يمكث ويبقى هو بعينه، فها هنا ~~إنما هو كيف الشيء وحده هو الذي لا يبقى بعد هو هو. وهناك إنما هو العظم نفسه الذي لا ~~يبقى هو بعينه، وحينئذ إذا كان النمو هو بحق ما قد زعم فإن الشيء النامي يمكن إذن أن ~~ينمو بدون أن شيئا يأتي وينضم إليه، وبدون أن هذا الشيء يبقى، كما أنه قد يمكن أن يفنى ~~بدون أن شيئا يخرج منه وبدون أن الشيء النامي يبقى، ولكن يلزم مطلقا حفظ هذه الشروط ~~ما دام أنه افتراض أن النمو هو في الواقع كما قد ذكر. # 10 # وقد يمكن أيضا أن يسأل ما هو بالضبط هذا الذي ينمو؟ هل هو الجسم الذي إليه يأتي ~~وينضم شيء؟ مثلا متى فعل سبب بعينه نمو الفخذ في جسم إنسان فهل الفخذ نفسه هو الذي ~~يصير أسمن؟ ولماذا هذا الذي يسمن الفخذ أعني الغذاء لا ينمو هو أيضا؟ وفي الواقع لماذا ~~أن الاثنين لا ينموان معا؟ لأن هذا الذي ينمو وهذا الذي ينمي يكونان أعظم كما هي ~~الحال عند مزج الماء والنبيذ؛ فإن كمية كليهما تصير أعظم على السواء. أليس يمكن أن يقال ~~إن هذا يرجع إلى أن الجوهر في حالة يمكث ويبقى في حين أنه في الحالة الأخرى الجوهر. وهو ~~ها هنا، جوهر الغذاء يبيد؟ وها هنا أيضا إنما العنصر الغالب هو الذي يعطي اسمه للمزيج ~~كما هي الحال حين يقال عن المزيج إنه من النبيذ؛ لأن المزيج كله يفعل فعل ms123 النبيذ لا فعل ~~الماء. # 11 # والأمر كذلك أيضا بالنسبة للاستحالة؛ فإذا - مثلا - بقي اللحم ومكث دائما ما هو، ~~وإذا طرأ على اللحم كيف أصلي لم يكن من قبل، فاللحم حينئذ بالبساطة قد استحال، ~~ولكن أحيانا هذا الذي يحيل الشيء إما أنه لا يعاني شيئا هو نفسه في جوهره الخاص الذي ~~لم يستحل، وإما أحيانا أنه يستحيل هو أيضا، ولكن هذا الذي يحيل شأنه كشأن مبدأ الحركة ~~هو في الشيء النامي وفي الشيء المستحيل؛ لأنه فيهما يوجد المبدأ المحرك. وقد يمكن أيضا ~~أن هذا الذي يدخل في الجسم يصير فيه أعظم كالجسم الذي يقبله ويستفيد منه سواء بسواء، ~~مثلا إذا كان العنصر الذي يدخل يصير فيه هواء، ولكنه وهو يعاني هذا التغيير يفسد، ~~والمبدأ المحرك لا يكون فيه بعد. # 12 # بعد أن بلغنا الكفاية من بسط هذه الصعوبات يلزم محاولة استكشاف حل هذه النظرية مع ~~التسليم بالشروط الآتية دائما: # أن النمو ليس ممكنا إلا بأن يمكث الجسم النامي ويبقى، وأنه لا شيء يمكنه أن ينمو ~~بدون أن شيئا ينضم إليه، ولا أن ينقص بدون أن شيئا يخرج منه، وأنه فوق ذلك كل نقطة ~~محسوسة حيثما اتفق من الجسم النامي أو الناقص تصير أكبر أو أصغر. وأن الجسم ليس خلوا، ~~وأن جسمين لا يمكن ألبتة أن يشغلا حيزا واحدا بعينه، وأخيرا أن الجسم الذي يحصل فيه ~~النمو لا يمكنه أن ينمو باللاجسماني. # 13 # وسنصل إلى الحل المطلوب بقبولنا بادئ بدء أن الأجسام ذوات الأجزاء غير المتشابهة يمكن ~~أن تنمو لأنه إنما هي الأجسام ذوات الأجزاء المتشابهة هي التي تنمو؛ لأن الأولى ليست ~~إلا مركبة من الثانية، ويلزم بعد هذا التنبيه إلى أنه متى ذكر اللحم والعظم وأي جزء آخر ~~مشابه لهما من الأجسام؛ فذلك يمكن أن يؤخذ بمعنى مزدوج كما هي الحال بالنسبة لجميع ~~الأشياء الأخرى التي لها نوعها ولها صورتها في المادة؛ لأن المادة والصورة هما مسميان ~~على السواء لحما وعظما. # فالقول بأن كل جزء كيفما اتفق من جسم ينمو وبأن ms124 عنصرا جديدا يأتي وينضم إليه فذلك ~~بيان ممكن باعتبار الصورة ولكنه ليس كذلك باعتبار المادة، ويجب أن يرى أن الحال ها هنا ~~كالحال حينما يقاس الماء بمقياس يبقى هو بعينه؛ فإن الماء الذي يجيء بعد هو آخر ودائما ~~آخر، كذلك بهذه المثابة تنمو مادة اللحم، ولا يوجد ضم إلى كل جزء كيفما اتفق، ولكن ~~الجزء الفلاني يسيل والجزء الفلاني ينضم، فليس يوجد ضم ولا يحصل الضم إلا إلى كل جزء ~~كيفما اتفق من الشكل ومن النوع. # 14 # ولكن بالنسبة للأجسام المركبة من أجزاء غير متشابهة مثلا بالنسبة لليد فمن الأشد ~~وضوحا أن كلها ينمو بحالة متناسبة؛ لأنه في هذه الحالة ما دامت مادة النوع مختلفة فهى ~~أسهل تميزا عما يكون بالنسبة للحم وبالنسبة للأجسام ذوات الأجزاء المتشابهة. من أجل ~~ذلك حتى على ميت يظهر أنه لا يزال يعرف اللحم والعظم بأكثر سهولة من أن يميز فيه اليد ~~والذراع، وحينئذ فمن وجه يمكن أن يقال إن كل جزء كيفما اتفق من اللحم ينمو ومن وجه آخر ~~لا يمكن أن يقال إن كل جزء ينمو. فبحسب الصورة قد انضم شيء ما لكل جزء كيفما اتفق، ولكن ~~لا بحسب المادة، ومع ذلك فإن الكل صار أعظم؛ لأن شيئا جاء وانضم إليه، وهذا الشيء يسمى ~~الغذاء، ويسمى أيضا الضد. ولكن هذا الشيء لا يزيد على أن يتغير في النوع بعينه كمثل ما ~~يأتي الرطب ينضم إلى اليابس، وبانضمامه إليه يتغير بأن يصير هو نفسه يابسا. وفي الواقع ~~يمكن معا أن الشبيه ينمو بالشبيه وبجهة أخرى أن يكون ذلك باللاشبيه. # 15 # وقد يمكن أيضا أن يتساءل عما هو بالضبط ذلك الشيء الذي يحدث النمو. واضح أن هذا ~~العنصر الجديد يجب أن يكون الجسم بالقوة، مثلا إذا كان اللحم هو الذي ينمي يجب أن يكون ~~لحما بالقوة مع أنه بالفعل وبالكمال شيء آخر، وهذا الشيء الآخر وجب أن يفسد ليصير ~~لحما. على ذلك حينئذ ليس هو في ذاته ما يصير إليه؛ لأنه إذن يحصل كون لا ms125 مجرد نمو، ~~ولكن الشيء الذي ينمو هو بالضبط في ذلك الشيء، فماذا لقي الجسم بهذا العنصر الجديد حتى ~~إنه نما هكذا؟ أعانى اختلاطا كما يصب الماء في النبيذ بحيث إن المزيج كله يمكن أن ~~يبقى نبيذا؟ أم كما أن النار تحرق متى تلامس شيئا قابلا للاحتراق، كذلك الأمر في ~~الجسم الذي ينمو والذي هو لحم بالفعل وبالكمال، الجوهر الباطن الذي له قوة الإنماء هل ~~يفعل لحما حقيقيا بالفعل وبالكمال من اللحم بالقوة الذي اقترب منه؟ يلزم إذن أن يكون ~~هذا العنصر الجديد مع الآخر ومقترنا به في الوجود؛ لأنه لو كان منعزلا لحصل كون ~~حقيقي. وعلى هذا النحو يمكن إيجاد نار من النار الموجودة من قبل بإلقاء الخشب فوقها، ~~وهذا بهذه الطريقة ليس إلا نموا في حين أنه متى كان الخشب نفسه يحترق فها هنا كون ~~حقيقي. # 16 # لكن الكم مأخوذا على معناه الكلي لا يكون ها هنا إلا كما قد يمكن أن يكون الحيوان ~~الذي لا هو إنسان ولا أي حيوان خاص. وبالفعل الحال ها هنا بالنسبة إلى الكم كالحال ~~هنالك بالنسبة إلى الكلي؛ فحينئذ اللحم والعظم أو اليد أو الأعصاب والأجزاء المتشابهة ~~من هذه الأعضاء تنمو؛ لأن كمية ما من مادة تأتي فتنضم إليها بلا شك، ولكن بدون أن تكون ~~هذه المادة كمية مقدرة من لحم، فمن جهة أن العنصر الجديد هو الواحد والآخر بالقوة، ~~ومثلا كمية معينة من لحم بهذا المعنى، فهذا العنصر على هذا الوجه ينمي الجسم لأنه يلزم ~~أن يصير من اللحم، ومن اللحم بكمية معينة. ولكن فقط من جهة أن العنصر المضاف هو من ~~اللحم أنه يمكنه تغذية الجسم. وبذلك كان الغذاء والنمو يختلفان أحدهما عن الآخر عقلا، ~~من أجل ذلك أيضا الجسم هو مغذي كل الزمن الذي يعيشه ويمكثه، بل الزمن الذي يفناه، ~~ولكنه لا ينمو بلا انقطاع. في الحق أن التغذية هي مماثلة للنمو وتشتبه به، ولكن كونهما ~~مختلف. على ذلك حينئذ بما أن العنصر الذي يأتي فينضم هو بالقوة، فكمية ما ms126 من اللحم ~~يمكنها أن تنمي اللحم. ولكن فقط من جهة أنه لحم بالقوة يمكنه أن يكون غذاء. # 17 # وهذه الصورة أو هذا النوع بلا مادة هو في المادة كقوة لا مادية، ولكن إذن تجيء فتنضم ~~إلى الجسم مادة ما هي لامادية بالقوة مع أن لها أيضا بالقوة الكم ... فهذه الأجسام ~~اللامادية ستكون إذن أعظم، ولكن إذا كانت هذه المادة المضافة تصل إلى حد ألا تستطيع أن ~~تكون شيئا، وإذا كان الماء كذلك بامتزاجه أكثر فأكثر بالنبيذ يصل إلى أن يصيره أكثر ~~فأكثر مائيا، وإلى أن يحيله أخيرا تماما إلى ماء؛ فحينئذ يمكنه أن يجر إلى فساد ~~الكمية، ولكن الصورة والنوع يبقيان كما كانا. # 18 # | هوامش # | الباب السادس # لما أنه يلزم عند دراسة المادة - وبالنتيجة العناصر - أن يقال بادئ بدء ما إذا هي ~~تكون أو لا تكون، وإذا كان كل واحد منها أزليا، أو إذا كانت مخلوقة بأي وجه ما، ومع ~~أنها مخلوقة إذن كان يمكنها كلها أن تتكاون بطريقة واحدة، أو إذا كان أحدها هو أسبق من ~~الآخر، فينتج من ذلك أن من الضروري أن تعين جيدا بادئ الأمر الأشياء التي لم يتكلم ~~عنها حتى هذه الساعة إلا بطريقة جد مبهمة وغير كافية جدا. # 1 # وفي الحق كل أولئك الذين يقبلون الخلق للعناصر أنفسها كما يقبلونه بالنسبة للمركبات ~~التي تنتج عنها يقتصرون في إيضاح كل شيء على الاجتماع والافتراق وعلى الانفعالية وعلى ~~الفعل. ولكن الاجتماع ليس إلا اختلاطا، ولم يحد لنا جليا ما يجب علينا أن نعنى ~~باختلاط الأجسام. ومن جهة أخرى ليس من الممكن كذلك أن تحصل استحالة ولا افتراق أو ~~اجتماع بدون موضوع يفعل وينفعل؛ لأن أولئك الذين يقبلون تعدد العناصر يجعلونها تولد من ~~الفعل والانفعال المتكافئين بين العناصر بعضها والبعض الآخر. # 2 # ومع ذلك يلزم دائما الوصول إلى القول بأن كل فعل يأتي من مبدأ واحد أحد، فانظر كيف ~~أن ديوجين كان عنده الحق إذ يقرر أنه إذا كانت كل العناصر لم تكن تأتي من واحد فلا ms127 ~~يمكنها أن يكون بينها لا فعل ولا قابلية للفعل على طريق التكافؤ، وأن الحار مثلا قد لا ~~يمكن أن يبرد ولا البارد أن يسخن من جديد. وكان يقول: ليست الحرارة ولا البرودة هي التي ~~تتغير إحداها في الأخرى، بل من البين بذاته أن الموضوع هو الذي يعاني التغيير. ~~وبالنتيجة كان يستنتج ديوجين أن في الأجسام التي فيها يمكن وجود فعل وانفعال يلزم ~~بالضرورة أن يكون لها طبيعة واحدة هي موضوع لهاتين الظاهرتين. ولا شك في أن تقرير أن ~~جميع الأشياء هي في هذه الحالة قد لا يكون تقريرا صحيحا؛ فإن هذا لا يلاحظ في الواقع ~~إلا في الأجسام التابعة بعضها لبعض. # 3 # لكن إذا أريد استيضاح الفعل والانفعال والاختلاط بجلاء لزم بالضرورة أيضا دراسة ما ~~هو التماس بين الأشياء. إن الأشياء لا يمكنها حقيقة الفعل والانفعال أحدها بالآخر حين ~~لا يمكنها التماس على التبادل، وإذا لم تكن قد تلامست سابقا بأي وجه ما فلا يمكنها ~~أبدا أن تختلط أحدها بالآخر، فيلزم إذن أولا حد هذه الظواهر الثلاث: التماس والاختلاط ~~والفعل. # 4 # فلنصدر عن هذا المبدأ؛ وهو أنه بالنسبة لجميع الأشياء التي فيها الاختلاط يلزم مطلقا ~~أنها يمكنها أن تتلامس بينها، وإذا كان الواحد يفعل والآخر ينفعل بالمعنى الخاص؛ فيلزم ~~أيضا أن يكون هذا التماس ممكنا، هذا هو سببنا في الكلام بادئ بدء على ~~التماس. # 5 # لكن كما أن أكثر الكلمات الأخرى هي مأخوذة على عدة معان تارة بطريق التواطؤ وتارة ~~بالاشتقاق من كلمات أخرى سابقة عليها، كذلك يقع هذا التنوع في الإطلاق اللفظي بالنسبة ~~للفظ التماس. ومع ذلك فإن التماس بالمعنى الخاص لا يمكن أن ينطبق إلا على الأشياء ~~التي لها وضع، ولا وضع إلا للأشياء التي لها مكان؛ لأنه يلزم أن يعنى بالتماس وبالمكان ~~كما يعنى الرياضيون، سواء أكانا - أي المكان والتماس - منفصلين عن الأشياء أم كانا ~~يوجدان بأي وجه ما. وحينئذ إذا كان كما بين سابقا أن التماس هو أن تجتمع النهايات، ~~فيمكن أن يقال إن هذه الأشياء ms128 تتلامس على التي، وهي ذات أعظام وأوضاع معينة، نهاياتها ~~مجتمعة معا. # 6 # ولكن لما كان الوضع خاصا بالأشياء التي لها أيضا أين، وكان الفصل الأول للأين هو ~~الفوق والتحت مع المقابلات الأخرى من هذا القبيل، ينتج منه أن جميع الأشياء التي تتلامس ~~يجب أن يكون لها ثقل أو خفة أو هاتان الخاصتان معا أو على الأقل إحدى الاثنتين. وهذه ~~الأشياء من هذا النوع إنما هي القابلة للفعل وللانفعال، فبين إذن بذاته أنه يجب استنتاج ~~أن تلك الأشياء تتلامس بالطبع، وأنها بما هي أعظام منفصلة ومتمايزة فنهاياتها واقعة ~~طرفا لطرف، ويمكنها أحدها أن يحرك والآخر أن يتحرك على التكافؤ أحدهما بالآخر. ولكن ~~لما أن المحرك لا يحرك بالطريقة عينها التي بها الشيء المحرك يحرك في دوره، وأن هذا ~~الأخير لا يمكن أن يحرك إلا بما هو واقع في الحركة هو نفسه، في حين أن الآخر يمكنه أن ~~يحرك مع بقائه هو نفسه غير متحرك؛ فمن البين أنه يمكننا تطبيق هذه التماييز عينها على ~~الجسم الذي يفعل؛ لأنه حتى في اللغة العامية يقال أيضا على السواء إن الذي يحرك يفعل ~~وإن الذي يفعل يحرك. # 7 # ومع ذلك يوجد هنا فصل ما ، فينبغي التمييز؛ ذلك أن كل ما يحرك لا يمكنه دائما أن يفعل ~~كما سنرى بالمقابلة بين ما يفعل وبين ما ينفعل؛ فإن جسما لا ينفعل إلا في الأحوال التي ~~فيها تكون الحركة تأثرا أو شهوة، ولا توجد شهوة إلا في حالة ما يكون بالجسم مجرد ~~استحالة، مثلا في حالة ما يصير حارا أو يصير أبيض. ولكن معنى التحريك له من السعة ~~أكثر مما لمعنى الفعل، وحينئذ من البين أن المحركات أحيانا يجب أن تلامس الأشياء التي ~~تحركها وأحيانا لا تلامسها. # 8 # حد التماس مأخوذا على أعم معناه ينطبق على الأجسام التي لها وضع بما أن أحد الجسمين ~~في التماس يمكن أن يحرك وبما أن الآخر يمكن أن يتحرك، وبما أن المحرك والمتحرك ليس ~~بينهما نسبة إلا نسبة الفعل والانفعال. # 9 # في ms129 الأحوال الأكثر عادية الشيء الذي لمس يلمس الشيء الذي لمسه؛ لأن كل الأشياء ~~تقريبا التي يمكننا مشاهدتها هي واقعة في الحركة قبل أن تحرك أيضا في دروها. وفي كل ~~الأحوال يظهر أن هناك ضرورة إلى أن الشيء الذي لمس يلمس الشيء الذي يلمسه. ولكنا نقول ~~أنه قد يجوز أحيانا أيضا أن المحرك وحده يلمس الشيء الذي يعطيه الحركة، وأن الشيء ~~الملموس لا يلمس الآخر الذي يلمسه. ولما أن الأجسام المتجانسة لا تحرك إلا متى حركت هي ~~أنفسها فيلزم فيما يظهر أن جسما ملموسا يلمس هو أيضا. وبالنتيجة إذا كان محرك ما - ~~مع كونه هو نفسه غير متحرك - يؤتي الحركة، فيلزم أن يمس الشيء الذي يحركه دون أن يمسه ~~هو نفسه شيء. وعلى ذلك في الواقع نقول أحيانا على الشخص الذي يؤذينا إنه يمسنا من ~~غير أن نمسه نحن أنفسنا. # 10 # ذلك ما كنا نبغي أن نقول على التماس معتبرا في الأشياء الطبيعية. # 11 # | هوامش # | الباب السابع # تعقيبا لما تقدم نوضح ماذا ينبغي أن يعني بفعل وانفعل. ولقد تلقينا من الفلاسفة ~~السابقين لنا نظريات متخالفات بينها في هذا الموضوع، ومع ذلك فإنهم متفقون بإجماع على ~~أن الشبيه لا يمكن أن يقبل شيئا من الشبيه ؛ لأن الواحد منهما ليس أشد فاعلية ولا ~~انفعالية من الآخر، وإن الأشباه لها كيفياتها متماثلة مطلقا، ثم يزاد أن الأجسام غير ~~المتشابهة والأجسام المختلفة إنما هي التي لها فعل وانفعال على طريق التكافؤ بعضها في ~~بعض، مثال ذلك حينما تطفأ نار بنار أكبر منها يزعم فلاسفتنا أن النار التي هي أقل ~~انفعلت في الواقع بمقتضى مقابلة الأضداد بما أن كثيرا هو ضد لقليل. # 1 # ديمقريطس هو الوحيد - خلافا لجميع الآخرين - الذي قدم في هذا رأيا خاصا؛ فهو يقرر ~~أن هذا الذي يفعل وهذا الذي يقبل هو في الحقيقة مماثل ومشابه؛ لأنه لا يوافق على أن ~~أشياء مختلفة ومتغايرة تماما يمكنها أن تقبل أياما بعضها من بعض، وإذا كان بعض ~~الأشياء، مع كونها متغايرة بينها، لها بعضها على ms130 بعض فعل ما متكافئ فهذه الظاهرة - على ~~رأيه - تقع فيها لا بما هي متخالفة، بل بما هي على الضد من ذلك لها نقطة ما من المشابهة ~~والمماثلة. # 2 # تلك هي إذن الآراء التي قررت قبلنا. ولكن الفلاسفة الذين قرروها قد يظهر أنهم تناقضوا ~~فيما بينهم، والسبب في اختلافهم في هذا الصدد هو أنه في مسألة يلزم فيها اعتبار مجموع ~~الموضوع لم يعتبروا فيه هؤلاء وهؤلاء إلا جزءا واحدا. # 3 # وفي الحق أن ما هو شبيه تماما ولا يغاير مطلقا بأي وجه ما لا يمكنه مطلقا أن يحتمل ~~شيئا ولا أن يقبل شيئا من قبل شبيهه. لماذا؟ في الحق، إن أحد الشيئين يفعل دون الآخر! ~~فإذا كان ممكنا أن الشيء يقبل بأي طريقة من شبيهه إذن يمكنه أن يقبل أيضا من ذاته، ~~وحينئذ مع التسليم بهذا فينتج منه أن لا شيء في الدنيا يكون غير قابل للفناء ولا غير ~~متحرك إذا فرض أن الشبيه بما هو شبيه يمكنه أن يفعل ما دام حينئذ كل موجود أيا كان ~~يمكنه أن يعطي الحركة لنفسه ويعطيها أيضا على السواء للموجود المغاير تماما، والذي ~~ليس به تماثل ما. # وفي الواقع إن البياض لا يمكنه أن يقبل أي فعل من قبل خط ، ولا أن خطا ينفعل بشيء من ~~قبل البياض إلا ما ربما يكون بالعرض والواسطة: مثلا في حالة ما إذا كان الخط بالمصادفة ~~أبيض أو أسود؛ لأن الأشياء لا يمكنها أن تغير طبعها عفوا من تلقاء أنفسها متى لم تكن ~~أضدادا بعضها لبعض أو غير آتية من أضداد. # 4 # ولكن لما أن فعل وانفعل ليسا بالطبع خاصية أي جسم اتفق وأخذ بالمصادفة، وأنهما لا ~~يكونان إلا في الأشياء الأضداد بعضها لبعض أو التي بينها تضاد ما؛ فينتج من ذلك ضرورة ~~أن الفاعل والقابل يجب أن يكونا شبيهين ومتحدين بجنسهما بالأقل، وأن يكونا غير ~~متشابهين ومتضادين بنوعهما، على هذا تريد الطبيعة أن الجسم يقبل فعل الجسم والطعم يقبل ~~فعل الطعم واللون فعل اللون. وعلى جملة من ms131 القول إن شيئا مجانسا يمكن أن يقبل فعلا ~~من قبل الشيء المجانس، والسبب فيه أن جميع الأضداد هي من جنس واحد، وأن الأضداد تفعل ~~بعضها في بعض وتقبل بعضها من قبل البعض الآخر؛ إذن يلزم ضرورة أن - من وجه - الفاعل ~~والقابل يكونان متشابهين وفي الحين عينه يلزم أيضا أن يكونا غير متشابهين ومتغايرين ~~بينهما. # 5 # ما دام إذن يلزم أن يكون الفاعل والقابل هما متحدين ومتشابهين في الجنس ولا متشابهين ~~في النوع، وإن هذه هي نسب الأضداد فينتج من هذا جليا أن الأضداد والأوساط تفعل وتقبل ~~على طريق التكافؤ بعضها إزاء البعض الآخر، فإن فيها مطلقا يحصل فساد الأشياء وكونها؛ ~~لذلك فبسيط جدا أن النار تسخن وأن البرد يبرد، وعلى جملة من القول إن الشيء الذي يفعل ~~يحيل إلى ذاته الشيء الذي يقبل فعله. ما دام أن هذا الذي يفعل وهذا الذي يقبل هما ضدان، ~~وأن الكون هو على التحقيق تحول الشيء إلى ضده، ينتج منه أن بالضرورة الذي ينفعل يتغير ~~بهذا الذي يفعل، وعلى هذا النحو فقط يحصل كون مفض إلى الضد. # 6 # هذا هو الذي يوضح جيدا كيف أن فلاسفتنا من غير أن يكرروا صراحة الأقوال أعيانها ~~يمكنهم مع ذلك على الوجهين أن يصلوا إلى استكشاف الطبع والحق. وعلى هذا نقول تارة إنه ~~الموضوع نفسه هو الذي ينفعل متى قلنا إن فلانا يبرإ وأنه يدفأ وإنه يبرد وإنه يعاني ~~انفعالات من هذا القبيل. وتارة أيضا نقول مثلا إن البرودة هي التي تصير ساخنة أو إن ~~المرض هو الذي يصير الصحة، وعلى الوجهين العبارة صادقة. # 7 # والأمر كذلك أيضا فيما يخص الفاعل؛ فإننا نقول أحيانا إنه هو فلان الذي يسخن الشيء ~~الفلاني، ومرة أيضا إن الحرارة هي التي تسخن؛ لأنه تارة هي المادة التي تقبل الفعل ~~وتارة أيضا الضد هو الذي يقبل. على ذلك فإنه بنظر الأشياء من هذه الجهة زعم بعضهم أن ~~الموجود الذي يفعل والذي ينفعل يجب أن يكون بينهما شيء من التماثل. وإن الآخرين بنظرهم ~~الأشياء ms132 من جهة مخالفة زعموا أن الأمر على الضد من ذلك تماما. # 8 # ولكن التدليل الذي يمكن عمله لإيضاح ما هو يفعل وينفعل هو نفسه الذي به يوضح ما هو ~~يحرك ويتحرك، وعلى ذلك لفظ المحرك يحمل أيضا على معنيين؛ فأولا الشيء الذي فيه يوجد ~~مبدأ الحركة يشبه أن يكون المحرك ما دام المبدأ هو أول العلل، وثانيا إنما هو الحد ~~الأخير بالإضافة إلى الشيء الذي هو محرك وإلى كون الشيء. # 9 # وتنطبق الملاحظة نفسها على الفاعل، وعلى هذا النحو نقول على السواء إن الطبيب هو الذي ~~يبرئ أو هو النبيذ الذي أمر به للمريض. وحينئذ لا شيء يمنع من أن المحرك الأول في ~~الحركة التي يعطيها يبقى هو نفسه غير متحرك، بل أحيانا قد تكون هناك ضرورة إلى أن ~~يكونه، ولكن الحد الأخير يجب دائما لأجل أن يحرك أن يكون أولا قد حرك هو ~~نفسه. # 10 # وفي الفعل أيضا الحد الأول ليس متأثرا ولا قابلا، ولكن يلزم أن الحد الأخير - ~~ليمكنه أن يفعل - ينفعل أيضا هو ذاته بفعل ما بادئ بدء. كل الأشياء التي ليست من مادة ~~واحدة بعينها تفعل دون أن تقبل هي أعيانها، وأن تظل غير قابلة. مثال ذلك صناعة الطب؛ ~~فإنها مع فعلها الصحة لا تقبل أي فعل من قبل الجسم الذي تشفيه. ولكن الغذاء من فعله ~~الصحة يقبل ويلقى هو نفسه أيضا تأثرا ما؛ لأنه إما أن يسخن أو يبرد أو يعاني انفعالا ~~آخر كيفما اتفق في حين أنه يفعل؛ ذلك لأنه من جهة الطب هو ها هنا - بنحو ما - كالمبدأ، ~~في حين أن الغذاء - بنحو آخر - هو الحد الأخير الذي يمس العضو الذي يفعل فيه. على ذلك ~~حينئذ كل الأشياء الفاعلة التي ليس لها صورتها في المادة تبقى غير قابلة، وكل التي لها ~~صورتها في المادة يمكن أن تقبل فعلا ما، ونقول أيضا إن المادة هي واحدة على السواء ~~بعينها بالنسبة لأي واحد ما من الحدين المتقابلين، ونعتبرها أنها بالنسبة لهما جنسهما ~~المشترك. ولكن ما ms133 يمكنه أن يصير ساخنا يجب ضرورة أن يسخن حينما الشيء الذي يسخن يكون ~~حاضرا وقريبا منه. # فانظر لماذا أن بين الأشياء التي تفعل بعضها - كما قلت آنفا - هو غير قابل والآخر ~~على ضد ذلك يمكن أن يقبل، وكيف أن الأمر واحد بعينه بالنسبة للفواعل كما هو بالنسبة ~~للحركة، فإن هناك في الواقع المحرك الأولي هو غير متحرك، وهنا بين الفواعل إنما الفاعل ~~الأول هو غير القابل وبمعزل عن كل انفعال. # 11 # ولكن إذا كان الفاعل علة كما هي حال المحرك سواء بسواء، فمن أين يجيء أن مبدأ الحركة ~~- أي الغاية التي من أجلها يحدث كل الباقي - لا يحدث هو نفسه فعلا؟ مثال ذلك الصحة ~~ليست فاعلا ولا يمكن تسميتها كذلك بالمجاز المحض، ومذ يوجد الفاعل ينتج منه أن القابل ~~الذي يقبل الفعل يصير شيئا ما، ولكن متى تكون الكيفيات حاصلة تماما وحاضرة فليس ~~للفاعل أن يصير؛ فإنه قد كان كل ما يجب أن يكونه. إن صورة الأشياء وغاياتها يمكن أن ~~يقال إنها كيفيات وعادات في حين أن المادة إنما هي التي بما هي مادة قابلة تماما. على ~~هذا حينئذ النار لها حرارتها في المادة، وإذا كانت الحرارة شيئا ما قابلا للانفصال عن ~~مادة النار فلا يمكنها أن تقبل شيئا ولا أن تتأثر. ولكنه محال من غير شك أن الحرارة ~~تكون منفصلة عن النار التي تسخن، وإذا كان ثم أشياء منفصلة بهذه المثابة فإن ما قلناه ~~آنفا لا يكون صادقا إلا بالنسبة لتلك. # 12 # وعلى الجملة نقف عند حد الاعتبارات المتقدمة في إيضاح ماهية فعل وانفعل؛ لنبين بأي ~~الأشياء يتعلق أحدهما والآخر وبأي طريقة يكون الفعل والانفعال وكيف يكونان. # 13 # | هوامش # | الباب الثامن # لنعرض مرة أخرى كيف أن ظاهرتي الفعل والانفعال ممكنتان. من الفلاسفة من يرى أنه حينما ~~يعاني شيء أثرا ما على جهة الانفعال، فذلك أن الفاعل الذي يفعل الأثر نهائيا وبطريق ~~الأصلية ينفذ في ذلك الشيء بواسطة مسام أو قنوات، يقولون إننا كذلك نرى وإننا نسمع ~~وإننا ندرك جميع ms134 الإدراكات الأخرى للحواس. وفوق ذلك إذا أمكن أن ترى الأشياء من خلال ~~الهواء والماء والأجسام الشفافة فذلك بأن هذه الأجسام لها مسام غير مدركة بالبصر لسبب ~~صغرها، ولكنها مع ذلك شديدة الانضمام مرصوفة بنظام وترتيب، وكلما تكون الأجسام أكثر ~~شفافية كان لها من هذه المسام عدد أكثر. # 1 # وعلى هذا النحو استبان بعض الفلاسفة الأشياء كما فعل أمبيدقل مثلا، ولكن لم تقصر هذه ~~النظرية على الفعل وعلى الانفعال، بل زعم أن الأجسام لا تختلط إلا متى كانت مسامها ~~متناسبة المقياس على طريق التكافؤ، وقد اختط لوكيبس وديمقريطس بأحسن من غيرهما الطريق ~~الحق وأوضحا كل بكلمة واحدة بأن صدرا عن نقطة الابتداء الحقيقية التي يعينها الطبع. ~~وفي الواقع إن بعض القدماء قد ظن أن الموجود هو بالضرورة واحد وغير متحرك، فعلى رأيهم ~~الخلو لا يوجد، وأنه لا يمكن أن توجد حركة في العالم ما دام أنه لا يوجد خلو منفصل عن ~~الأشياء. وكانوا يزيدون على ذلك أنه لا يمكن أيضا أن يوجد تعدد ما دام أنه لا يوجد خلو ~~يقسم الأشياء ويعزلها. # على أن دعوى أن العالم ليس متصلا لكن الموجودات التي تؤلفه متماسة مهما كانت منفصلة ~~فذلك يرجع إلى القول بأن الموجود متعدد وليس هو واحدا، وأن الخلو موجود، وأنه إذا كان ~~الموجود هو مطلقا قابلا للقسمة في جميع الاتجاهات فمن ثم لا توجد بعد وحدة لأي ما كان ~~بحيث إنه لا يوجد أيضا تعدد، وأن الكل هو خلو كله. يقولون إنه إذا فرض أن العالم شطره ~~على نحو وشطره على آخر فذلك إيضاح أشبه ما يكون بفرض مجازف فيه؛ لأنه حينئذ إلى أي نقطة ~~ولماذا الجزء الفلاني من العالم يكون كذلك ومليئا في حين أن الجزء الفلاني الآخر ~~مقسوم؟ وبهذه الطريقة يوصل أيضا على رأيهم إلى تأييد أنه بالضرورة لا يوجد حركة في ~~العالم. # 2 # بالصدور عن هذه النظريات وبمعاندة شهادة الحواس والاستهانة بها بحجة أنه ينبغي ~~اتباع العقل فقط انتهى بعض الفلاسفة إلى التصديق بأن العالم واحد غير ms135 متحرك وغير ~~متناه؛ لأنه إن لم يكن كذلك فإن الحد بحسبهم لا يمكن إلا أن يحاد الخلو. # 3 # تلك هي إذن نظريات هؤلاء الفلاسفة، وتلك هي الأسباب التي دفعتهم إلى فهم الحق على هذا ~~النحو، ولا شك في أنه إذا استمسك بالتداليل العقلية المحضة فذلك يشبه أن يكون مقبولا، ~~ولكن إذا أريد اعتبار الحوادث الواقعية فيوشك أن يكون من الجنون تأييد آراء كهذه؛ لأنه ~~لا يوجد مجنون ذهب إلى هذه النقطة من الضلال أن يجد أن النار والثلج هما شيء واحد ~~بعينه. ولكن خلط الأشياء الجميلة لذاتها بالتي لا تظهر لنا كذلك إلا بالاستعمال من غير ~~أن يرى فيها مع ذلك أي فرق ما بينها، ذلك لا يمكن أن يكون إلا نتيجة لتيه حقيقي ~~للعقل. # 4 # فأما لوكيبس فإنه كان يظنه محيطا علما بالنظريات التي - مع كونها متفقة مع الحوادث ~~الواقعية المدركة بالحواس - لم تكن - بحسب مذهبه - لتتعرض للكون ولا للفساد ولا للحركة ~~ولا للتعدد في الموجودات. ولكن بعد هذا التسامح الذي أسداه إلى حقيقة الظواهر قد أسدى ~~غيره إلى أولئك الذين يقبلون وحدة الموجود بحجة أنه لا يوجد حركة ممكنة بدون الخلو، ~~ويقبل القول بأن الخلو هو اللاموجود، وأن اللاموجود ليس هو شيئا مما هو موجود. وإذن - ~~على رأيه - الموجود بالمعنى الخاص هو متعدد للغاية، والموجود على هذا المعنى لا يمكن أن ~~يكون واحدا. وعلى العكس إن هذه العناصر تكون غير متناهية في العدد وتكون فقط غير مرئية ~~بسبب لطافة حجمها للغاية، ويزيد على ذلك لوكيبس أن هذه الجزيئات تتحرك في الخلو؛ لأنه ~~يقبل الخلو، وأنها باجتماعها تسبب كون الأشياء وبانحلالها تسبب فسادها، وأن الأشياء ~~تفعل أو تنفعل تبعا لما أنها تتماس على طريق التكافؤ، وأنها على ذلك ليست هي شيئا ~~واحدا بعينه، وأنها بتركبها واشتباكها بعضها ببعض تكون العالم كله. # ويستنتج لوكيبس من هذا أن التعدد لم يكن ليخرج ألبتة من الوحدة الحقة، كما أن الوحدة ~~لا يمكن أن تأتي أيضا من التعدد الحق، وأن كل هذا هو ms136 محال على الإطلاق من جهة ومن ~~أخرى. وأخيرا كما أن أمبيدقل وبعض الفلاسفة الآخرين يزعمون أن في الأشياء الفعل الذي ~~تقبله وتعانيه هو يحصل فيها بواسطة المسام، فكذلك يرى لوكيبس أيضا أن كل استحالة ~~للأشياء وكل انفعال لها إنما يحصل على هذا النحو نفسه، وأن الانحلال والفساد يكونان ~~بواسطة الخلو، والنمو حاصل كذلك بواسطة الجزيئات الجامدة التي تدخل في ~~الأشياء. # 5 # وأما أمبيدقل، فينبغي أن يقول قول لوكيبس تقريبا؛ لأنه يقول بأنه يجب أن يوجد جزئيات ~~جامدة وغير قابلة للتجزئة إذا كانت المسام ليست متصلة مطلقا. ولما أن هذا الاتصال ~~للمسام محال؛ لأنه حينئذ لا يمكن وجود شيء جامد، إلا أن يكون هو المسام، والكل بلا ~~استثناء لا يكون إلا بعد خلوا، فحينئذ يلزم على رأي أمبيدقل أن الجزيئات التي تتماس ~~تكون غير قابلة للتجزئة، وأن المسافات وحدها التي تفصلها تكون خلوات، وهذا هو ما يسميه ~~المسام، وهذه الآراء هي أيضا آراء لوكيبس في الفعل والانفعال في الأشياء. # 6 # تلك هي الإيضاحات التي أعطوها عن الوجه الذي تكون به الأشياء تارة فاعلة وتارة ~~منفعلة، وحينئذ يرى مبلغ ما عليه في الحقيقة هؤلاء الفلاسفة، وكيف يعبرون آراءهم في هذا ~~الصدد مؤيدين مذاهب تكاد تكون مطابقة للحوادث. # 7 # ولكن في نظريات فلاسفة آخرين كأمبيدقل يلمح - بجلاء أقل - كيف يدرك كون الأشياء ~~وفسادها واستحالتها، والطريقة التي بها تقع هذه الظواهر. فعلى رأي البعض أن العناصر ~~الأولية للأجسام هي غير قابلة للتجزئة، ولا تختلف بينها إلا بالصور، ومن هذه العناصر ~~تتركب الأجسام في البداية وإليها تتحلل في النهاية. # ولكن من جهة أمبيدقل فقد يرى على كفاية الوضوح أنه يبلغ بكون الأشياء وفسادها إلى ~~العناصر أنفسها. على أنه كيف يمكن أن يكون وأن يفسد العظم الملتك لهذه العناصر؟ هذا هو ~~ما ليس بينا ألبتة في مذهبه، بل زيادة على ذلك إن هذا ما لا يستطيع تبيانه ما دام أنه ~~ينكر أن النار ذاتها عنصر كما ينكر أيضا على السواء وجود جميع العناصر الأخرى. وقد ~~أيد ms137 أفلاطون النظرية عينها في طيماوس؛ لأنه فضلا عن أن أفلاطون يعبر في هذه النقطة ~~مثل لوكيبس فإن أحدهما يقبل أن التي لا تتجزأ هي جوامد والآخر أنها ليست إلا سطوحا، ~~وإن أحدهما يقرر أن جميع الجوامد التي لا تتجزأ هي محدودة بأشكال عددها غير متناه ~~والآخر أن لها أشكالا متناهية ومضبوطة. والنقطة الواحدة التي فيها يتفق الاثنان جميعا ~~أنهما يقبلان وجود التي لا تتجزأ وتحديدها بأشكال. # 8 # إذا كان حقا أن من ذلك في الواقع تأتي أكوان الأشياء وفساداتها؛ فمن ثم يوجد عند ~~لوكيبس لإدراكها طريقتان: الخلو والتماس، وعلى هذا النحو - على رأيه - إن كل شيء قد ~~يكون متميزا ومنقسما. ولكن عند أفلاطون الأمر على الضد ليس إلا التماس وحده ما دام ~~أنه يرفض وجود الخلو. وقد تكلمنا في بحوثنا السابقة على مذهب السطوح التي لا تتجزأ، ~~وأما الجوامد التي لا تتجزأ فليس ها هنا محل لفحص أطول من ذلك عن نتائج هذه النظرية ~~التي ندعها الآن إلى جانب. # 9 # ولكن إذا نحن استطردنا بعض الشيء نقول إنه ضرورة في هذه المذاهب كل ما لا يتجزأ فهو ~~يجب أن يكون غير منفعل؛ لأنه لا يمكن أن يكون منفعلا وقابلا أي فعل ما إلا بالخلو ~~الذي هو غير مقبول عندهم، وهو كذلك لا يمكنه أن يحدث أي فعل ما في أي شيء اتفق ما دام ~~أنه لا يمكن أن يكون لا صلبا ولا باردا مثلا. وفي الحق إنه من السخف الاقتصار على ~~تخصيص الحرارة بالشكل الكري وحده فقط؛ لأنه من ثم يكون بالضرورة الكيف المضاد - أعني ~~البرودة - يتعلق بشكل آخر غير الكرة. # ولكن إذا كان هذان الكيفان يوجدان في الأشياء - أعني الحرارة والبرودة - فيكون من ~~السخف الاعتقاد بأن الخفة والثقل والصلابة والرخاوة لا يمكن أن تكون فيها أيضا. وإني ~~أعترف بأن ديمقريطس يزعم أن كل ما لا يتجزأ يمكن أن يكون أكثر ثقلا إذا كان أكبر حجما ~~بحيث إنه - بالبين بذاته أيضا - يمكن أن يكون أكثر حرارة. # 10 # ولكنه من المحال ms138 - متى كان الأمر على ما يقال - أن تلك التي لا تتجزأ لا تقبل تأثيرا ~~ما بعضها من قبل البعض الآخر، وأن ما هو متوسط الحرارة مثلا لا يقبل تأثيرا من قبل ما ~~له حرارة أكثر منه للغاية. ولكن إذا كان الصلب يقبل تأثيرا فالرخو أيضا يجب أن يقبل ~~تأثيرا؛ لأنه لا يقال على شيء إنه رخو إلا مع الاستحضار الذهني لفعل يمكنه احتماله ما ~~دام الجسم الرخو هو بالضبط هذا الذي يطاوع الضغط بسهولة. # 11 # ومع ذلك ليس أقل سخفا ألا يقبل في الأشياء مطلقا شيء إلا الصورة، وإذا تقبل الصورة ~~فمن السخف ألا يفترض فيها إلا واحدة إما مثلا البرودة وإما الحرارة؛ لأنه لا يمكن أن ~~يوجد طبع واحد بعينه لهاتين الظاهرتين المتقابلتين. # 12 # وفي الحق إن من المحال أيضا على سواء أن يفترض أن الموجود مع بقائه واحدا يمكن أن ~~تكون له عدة صور؛ لأنه بما هو لا يتجزأ قد يعاني تغاييره المختلفة في النقطة عينها. ~~وبالنتيجة فعبثا ينفعل، فيبرد مثلا، وبهذا عينه يحدث أيضا فعلا آخر، أو بل يقبل أي ~~تأثير آخر اتفق. # 13 # يمكن استخدام هذه التنبيهات أنفسها بالنسبة لجميع التغايير الأخرى؛ لأنه سواء قبل ~~القول بجوامد لا تتجزأ أو قبل القول بسطوح لا تتجزأ فالنتائج تكون هي أنفسها ما دام ليس ~~ممكنا أن اللامتجزئة تكون تارة أكثر تخلخلا وتارة أكثر كثافة إذا لم يوجد خلو في ~~اللامتجزئة. # 14 # وكذلك من السخف على السواء تماما افتراض أن أجساما صغارا هي غير قابلة للتجزئة، ~~وأن أجساما كبارا لا تكونه؛ ففي الحالة الحاضرة للأشياء يفهم العقل في الواقع أن ~~الأجسام الكبرى يمكن أن تتفتت بأسهل جدا من الصغرى ما دام أنها تتحلل بدون عناء؛ ~~لأنها كبيرة وأنها تتلامس وتتصادم في كثير من النقط. ولكن لماذا اللامتجزئة قد توجد ~~مطلقا في صغار الأجسام بالأولى من أن توجد في الكبار؟ # 15 # وفوق ذلك كل هذه الجوامد هل هي من طبع واحد بعينه؟ أم هل هي تختلف بعضها عن بعض بما ms139 ~~أن بعضها من النار والآخر من الأرض بحسب كتلتها؟ فإذا لم يكن إلا طبع واحد بعينه ~~لجميعها فماذا عسى أن تكون العلة التي قسمتها؟ بل لماذا بتماسها لا تجتمع كلها بالتماس ~~في كتلة واحدة بعينها كالماء حينما يلامس الماء؟ فإن الماء الأخير المضاف لا يختلف في ~~شيء عن الماء الذي كان يتقدمه. ولكن إذا كانت هذه التي لا تتجزأ يختلف بعضها عن بعض، ~~فحينئذ ماذا تكون؟ بين بذاته أنه يلزم التسليم أن هذه هي مبادئ الظواهر وعللها أولى من ~~أن تكون مجرد أشكال لها، ومن جهة أخرى إذا قيل إنها مختلفة الطبع فحينئذ يمكنها ~~بتلامسها المتبادل أن تفعل أو تنفعل بعضها بالآخر. # 16 # أكثر من ذلك، ماذا سيكون المحرك الذي يوقعها في الحركة؟ إذا كان هذا المحرك مخالفا ~~لها فحينئذ يكون ما لا يتجزأ قابلا، وإذا كان كل ما لا يتجزأ يحرك نفسه فإما أن يصير ~~قابلا للتجزئة بما هو محرك في جزء ومحرك في جزء آخر، وإما أن يجتمع النقيضان في الشيء ~~بعينه معا، وحينئذ تكون المادة واحدة لا بالعدد فقط بل بالقوة أيضا. # 17 # وحينئذ هؤلاء الذين يزعمون أن التغايير التي تقبلها الأجسام تكون بحركة المسام يجب ~~عليهم أن ينتبهوا؛ لأنهم إذا سلموا بأن الظاهرة تقع حتى لو كانت المسام مليئة لاستعاروا ~~حينئذ للمسام وظيفة غير مفيدة قطعا ما دام أنه إذا انفعل الجسم في هذه الحالة بالطريقة ~~عينها يمكن افتراض أنه - بدون أن يكون له مسام وبما هو نفسه متصل - قد يمكنه أيضا أن ~~يقبل بالتمام كل ما يقبل. # 18 # ولكن كيف يمكن أن يحصل النظر بالطريقة التي يفسر بها في هذا المذهب؟ ليس أكثر إمكانا ~~في الواقع أن يمر بالتماسات من خلال الأشياء الشفافة منه في خلال المسام إذا كانت ~~المسام كلها مليئة، فأين يكون الفرق إذن بين أن يكون لها مسام وبين ألا يكون لها ألبتة ~~ما دام أن الكل سيكون مليئا على السواء؟ بل إذا كانت هذه المسام ذواتها مفترضة خالية ~~وإذا كان فيها ms140 أجسام، فحينئذ تعود الصعوبات أنفسها. ولكن إذا افترض أن المسام ذوات ~~امتدادات صغيرة بحيث لا تستطيع بعد أن تقبل أي جسم اتفق، فإن من سفه الرأي أن يتصور أن ~~الصغير خال وأن الكبير ليس كذلك، مهما كانت سعته، وأن يتمشى بالاعتقاد إلى أن الخلو هو ~~شيء آخر غير مكان الجسم، بحيث إنه - كما هو بين ذاته - يلزم أن يكون الخلو دائما على ~~مقدار مساو للجسم نفسه. # 19 # وعلى جملة من القول فإنه غير مفيد افتراض مسام، فإذا كان جسم لا يفعل في آخر بمسه، ~~فلن يفعل أيضا بأن يخترق مسام، وإذا كان إنما يفعل بالمس فحينئذ - حتى بدون مسام - ~~تفعل الأجسام أو تقبل الفعل كلما وضعها الطبع أحدها تلقاء الآخر في علاقة من هذا ~~القبيل. # 20 # والحاصل أنه يرى من كل ما تقدم أن تصور مسام على الوجه الذي فهمها به بعض الفلاسفة ~~إنما هو خطأ كامل أو فرض باطل؛ فإن الأجسام بما هي قابلة للتجزئة مطلقا في كل جهة، فمن ~~السخرية افتراض مسام ما دام أن الأجسام بما هي قابلة للتجزئة يمكنها دائما أن ~~تنفصل. # 21 # | هوامش # | الباب التاسع # أما نحن فإننا - صاعدين إلى المبدأ الذي طالما قررناه - نعيد إيضاح الطريقة التي ~~بها الكون والفعل والانفعال تقع في الأجسام. في الواقع إذا كان شيء له الخاصة الفلانية ~~تارة بالقوة المحضة وتارة بالفعل وبالكمال، وإذا كان يمكنه بالطبع أن ينفعل في واحد ~~معين من أجزائه ولا ينفعل في الآخر، ولكن في مجموعه ينفعل بنسبة ما له من هذه الخاصة، ~~فمن البين أنه سينفعل أكثر أو أقل تبعا لما أن هذه الخاصة فيه أكثر شدة أو أقل. على ~~هذا الوجه على الأخص قد يمكن بأكثر سهولة التسليم بوجود المسام، وتكون حالها على ذلك في ~~الأجسام كما هو الحال في المعادن تمتد أحيانا عروق متصلة من المادة القابلة لانفعال ~~ما. # 1 # على ذلك كلما كان الشيء متجانسا وكان واحدا كان غير قابل، ويجري هذا المجرى أيضا ~~متى كانت الأشياء لا تتلامس بينها، ms141 أو لا تلامس أغيارا يمكنها بطبعها أن تفعل أو ~~تنفعل، أعني مثلا أنه ليس فقط النار تسخن بالتماس ولكنها تسخن أيضا على مسافة؛ لأن ~~النار تسخن الهواء، والهواء يسخن الجسم؛ لأن الهواء بطبعه يمكن أن يفعل وينفعل ~~معا. # 2 # ولكن متى يقال إن شيئا يمكن أن ينفعل في واحد من أجزائه ويمكنه ألا ينفعل في آخر، ~~فينبغي إيضاح ماذا يعني بذلك بعد الحد المعطى في المبدأ، فإذا كان في الواقع العظم ليس ~~هو مطلقا قابلا للتجزئة في جميع الجهات لكن فيه شيئا ما جسما كان أو سطحا يكون غير ~~قابل للتجزئة فيه؛ فقد ينتج من ذلك أنه لا يوجد بعد من عظم يمكن أن يكون بكله قابلا، ~~بل قد لا يكون بعد من شيء أمكن أن يكون متصلا، وحينئذ إذا كان ذلك خطأ وكان كل جسم ~~قابلا للتجزئة دائما فلا يهم بعد أن يكون الجسم مقسوما فعلا، وبهذه الصفة قابلا ~~للتماسات أو يكون بالبساطة قابلا للتجزئة؛ لأنه ما دام يمكن أن يكون مقسوما في نقط ~~التماس - كما هو المدعى - يمكن اعتباره كأنه مقسوم حتى قبل أن يكونه، ويكون قابلا ~~للقسمة ما دام أنه لا شيء مما هو محال يكون أبدا. # 3 # وإن ما يجعل سخيفا تماما تقرير أن الفعل والانفعال يحصلان على هذا النحو بشق ~~الأجسام هو أن هذه النظرية تمحو الاستحالة وتفسدها. وعلى هذا نحن نرى أن جسما بعينه ~~دون أن ينقطع عن أن يكون متصلا هو تارة سائل وتارة متجمد دون أن يقبل هذا التحول لا ~~بقسمة أجزائه ولا باتحادها ولا بنقلتها ولا بتماسها كما يزعم ديمقريطس؛ لأن الجسم ما ~~كان ليغير وضعه ولا ليغير مكانه ولا ليغير طبعه ليصير متجمدا بعد أن كان سائلا، وليس ~~يرى أيضا أن الأشياء المتصلبة والمتجمدة تكون حالا غير قابلة للقسمة في كتلتها، بل ~~الجسم بكله يكون على السواء سائلا وأحيانا يصير بكله صلبا ويتجمد. # 4 # وأخيرا؛ في هذا المذهب قد لا يمكن بعد وجود نمو الأشياء ولا اضمحلالها؛ لأنه لا جسم ms142 ~~يمكن أن يصير أكبر إذا لم يكن هناك إلا مجرد إضافة، وإذا لم يتغير بكله على أثر اختلاط ~~بشيء أجنبي أو على أثر تغير ما يحصل فيه. # 5 # ونحن نقتصر على ما أتينا به من القول فيما يتعلق بكون الأشياء وفعلها وتناسلها ~~وتحولاتها المتكافئة، وهذا يكفي على سواه ليفهم على أي النواحي هذه النظريات تكون ممكنة ~~وكيف لا تكونه بحسب الإيضاحات التي أعطيت عنها أحيانا. # 6 # | هوامش # | الباب العاشر # بقي علينا أن ندرس ما هو اختلاط الأشياء، وسنتبع ها هنا النمط عينه كما فيما سبق؛ لأن ~~هذا هو ثالث الموضوعات التي تصدينا لفحصها في بداية هذه البحوث. يلزم إذن أن ننظر ما هو ~~الاختلاط وما هو الشيء القابل لأن يختلط، وما هي الأشياء التي يمكن أن يقع الاختلاط ~~بينها، وكيف تتحقق هذه الظاهرة. # 1 # ومن جهة أخرى يمكن أيضا أن يتساءل عما إذا كان يوجد حقيقة بالفعل اختلاط للأشياء أو ~~أن هذا ليس إلا ضلالا؛ لأنه يمكن أن يظن أن شيئا لا ينبغي ألبتة أن يختلط بآخر كما ~~يزعم بعض الفلاسفة؛ يقولون إنه في الواقع حينما الأشياء التي اختلطت تبقى بعد أيضا ولم ~~تكن لتستحيل لا يمكن أن يقال إنها الآن أكثر اختلاطا مما كانته من قبل، ولكنها دائما ~~في الحال بعينها. فإذا أخذ أحد الشيئين أن يبيد في الاختلاط لا يمكن بعد أن يقال إنهما ~~اختلطا، ولكن فقط إن أحدهما يوجد وإن الآخر لا يوجد بعد، في حين أن الاختلاط لا يمكن في ~~الحق أن يقع إلا بين شيئين يوجدان على السواء. ويزيدون - أخيرا - على ذلك أنه لا يوجد ~~بعد اختلاط، بهذا السبب عينه، إذا كان الشيئان اللذان يجتمعان يفسدان كلاهما بالاختلاط؛ ~~لأنه من المحال قطعا أن أشياء لم تكن بعد ألبتة يمكنها أن تختلط. # 2 # هذه النظرية - كما يرى - الغرض منها أن يتعين في ماذا يختلف اختلاط الأشياء عن كونها ~~وعن فسادها، وأيضا في أي شيء يختلف الشيء المختلط عن الشيء الكائن وعن الشيء الفاسد؛ ~~لأنه من البين ms143 أنه ينبغي أن يكون الاختلاط مغايرا بافتراض أنه واقع بالفعل. ومتى ~~وضحت هذه المسائل تنحل المسائل التي وضعناها لأنفسنا من قبل. # 3 # ذلك هو السبب في أنه لا يمكن أن يقال إن المادة اختلطت بالنار التي أحرقتها حتى ولا ~~أنها تختلط بها وقت ما تحرقها، كما أنه قد لا يمكن أن يقال إنها تختلط بنفسها في أجزاء ~~النار كما لا تختلط بالنار نفسها. بل يقال ببساطة إن النار تكونت، وإن المادة القابلة ~~للاحتراق قد فسدت، كما أنه لا يمكن أيضا أن يقال لا عن الغذاء ولا عن صورة الخاتم إن ~~الأولى باختلاطها بالجسم والثانية باختلاطها بالشمع قد أعطتا شكلا ما للكتلة بتمامها. ~~ينبغي الاعتراف أيضا بأنه لا الجسم ولا البياض ولا بالاختصار، كيفيات الأجسام وتغايرها ~~يمكنها أن تختلط بالأشياء ما دام أنه يرى أن الاثنين يبقيان. كذلك أيضا البياض والعلم ~~في الواقع لا يمكنهما أن يركبا خليطا ولا أيضا أي واحد من الكيفيات أو الخواص التي ~~ليست قابلة للانفصال. # 4 # وأيضا يخدع نفسه من يقرر أن الأشياء جميعها كانت سابقا مندمجة، وأن الكل قد وجد ~~مختلطا؛ لأن كلا لا يمكن ألبتة أن يختلط بكل على السواء. يلزم دائما أن كلا الشيئين ~~اللذين يختلطان يمكن أن يبقى على حدة. وحينئذ فإن كيفيات الأشياء لا يمكنها أن تكون ~~منفصلة عنها أبدا. ولكن لما أن من بين الأشياء بعضها تكون بالقوة المحضة والآخر بالفعل ~~المحض فينتج من ذلك الأشياء التي تختلط يمكنها من جهة أن تبقى بعد ومن جهة أخرى ألا ~~تبقى؛ فإذا كان في الواقع الخليط الحاصل من الاختلاط هو شيئا مخالفا فإنه يكون كذلك ~~دائما بالقوة للشيئين اللذين كانا يوجدان قبل أن يختلطا وقبل أن ينعدما في الخليط. ~~وهذا إنما هو على التحقيق الجواب على المسألة التي أثارتها النظرية التي تكلمنا عليها ~~آنفا. # ويظهر أن الأخلاط تتألف من أشياء كانت من قبل منفصلة ويمكن أن تكون أيضا من جديد؛ ~~وعلى ذلك الأشياء المختلطة لا تبقى بالفعل كما يمكث ويبقى الجسم والبياض ms144 الذي يشخصه، ~~وليست هي كذلك تكون فاسدة، سيان أحد الاثنين على حياله والاثنان جميعا معا ما دامت ~~قوتهما محفوظة دائما. # 5 # ولكن لندع هذا إلى ناحية ولننتقل إلى المسألة الآتية التي تنحصر في معرفة ما إذا كان ~~الاختلاط هو شيئا يمكن حواسنا أن تدركه، مثال ذلك حينما الأشياء المختلطة تكون مقسومة ~~إلى أجزاء من الصغر بمكان، وتكون موضوعة على قرب بعضها عند بعض حتى لا يعود أحدها ~~متميزا من الآخر بوجه محسوس، فهل يوجد فيها حينئذ اختلاط أو لا يوجد؟ ولكن أليس ممكنا ~~أيضا أن في الخلط الأشياء كيفما اتفقت تكون موضوعة أجزاء أجزاء بعضها بجانب الأخرى؟ ~~لأن هذا يسمى أيضا اختلاطا، وعلى هذا النحو يقال إن التبن مختلط بالحب حينما يكون ~~موضوعا بجانب كل حبة تبنة. # 6 # إذا كان الجسم هو قابلا للتجزئة، وإذا كان جسم متى كان مختلطا بجسم آخر يجب أن يكون ~~مجانسا له، فقد يلزم أن كل جزء اتفق من الخليط ينضم إلى جزء آخر اتفق. ولكن بما أن ~~الجسم لا يمكن ألبتة أن يكون مقسوما إلى أجزائه الصغرى، وبما أن الانضمام ليس هو ألبتة ~~الاختلاط، بل هو شيء آخر تماما، فبالبين لا يمكن أن يقال بعد إن الأشياء اختلطت متى ~~حفظت ذواتها على ما كانت في جزيئات صغيرة. حينئذ يكون الضم، ولكن لا يكون لا خلط ولا ~~مزج، وحد جزء من الخليط لا يمكن بعد أن يكون هو الحد الذي قد يعطى للخليط ~~بتمامه. # أما نحن فنقول إنه لكي يوجد اختلاط حقيقي يلزم أن الشيء الخليط يكون مركبا من أجزاء ~~متجانسة، وكما أن جزءا من الماء هو ماء كذلك أيضا يجب أن يكون أي جزء اتفق من الخليط. ~~ولكن إذا لم يكن الاختلاط إلا انضمام جزيئات إلى جزيئات فليس يوجد ولا واحد من الأحداث ~~التي أتينا على تحليلها، وإنما يكون فقط في نظر الأعين أن الشيئين يظهر أنهما مختلطان. ~~وكذلك الشيء عينه يظهر مخلوطا للرائي فلان الذي ليس له نظر نفاذ، في حين أن «لينسيه» ms145 ~~يجد أن ليس هناك اختلاط. # 7 # إن التجربة لا تفسر الاختلاط، كما لا يفسره اجتماع جزء اتفق بجزء آخر ما دامت التجزئة ~~لا يستطاع حصولها بهذه الطريقة. # وحينئذ إما ألا يكون اختلاط ممكنا، وإما أنه يلزم اتخاذ نحو آخر من النظر لكي يبسط ~~كيف يمكن أن تقع هذه الظاهرة. ولنذكر بديا أن من بين الأشياء - كما قلنا - بعضها فاعلة ~~والأخرى قابلة لفعل تلك، بعضها له تأثير مكافئ وهي تلك التي مادتها واحدة بما هي ~~مستطيعة أن تفعل بعضها في الأخرى أو تنفعل بعضها بالأخرى على السواء، وأخرى تفعل مع ~~بقائها غير قابلة للانفعال، وتلك هي التي مادتها ليست واحدة، وهذه ليس فيها اختلاط ~~ممكن. من هذا يرى كيف أن الطب لا يختلط بالأجسام ليفعل الصحة ولماذا الصحة لا تختلط به ~~أيضا. # 8 # بل من بين الأشياء التي يمكنها أن تفعل وتنفعل على طريق التكافؤ كل تلك التي تكون ~~سهلة التجزئة، حينما يختلط منها عدد عظيم بعد قليل من أشياء أخر وكمية عظيمة بكمية أقل ~~عظما لا تنتج على التحقيق اختلاطا بل نموا للعنصر الغالب، وحينئذ أحد الشيئين ~~المختلطين يتغير في الذي هو غالب. على ذلك نقطة من النبيذ لا تمتزج بكمية من الماء تكون ~~عشرة آلاف ضعف؛ لأنه في هذه الحالة النوع يتحلل ويتغير بتلاشيه في كتلة الماء كلها. ~~ولكن متى كانت الكميتان متساويتين تقريبا فحينئذ كل عنصر يفقد من طبعه ليأخذ من طبع ~~العنصر الذي هو أغلب؛ فالمزيج لا يصير واحدا منهما مطلقا، بل يصير شيئا وسطا ~~ومشتركا. # 9 # فبين إذن أنه لا يكون اختلاط إلا حينما تكون الأشياء التي تفعل لها مقابلة ما ~~بينها؛ لأنها إذن يمكن أن تقبل تأثيرا ما بعضها من بعض. ومن الأشياء الصغيرة ما يزيد ~~اختلاطها بالأشياء الصغيرة باقترابها منها؛ لأنها حينئذ تتدخل بأسرع وبأسهل بعضها في ~~بعض، ولكن كمية كبيرة تحت فعل كمية كبيرة أيضا لا تنتج هذه النتيجة إلا مع ~~الطولي. # 10 # على ذلك بين الأشياء القابلة للتجزئة والمنفعلة، الأشياء التي تتحدد ms146 بسهولة يمكنها أن ~~تختلط؛ لأن هذه الأشياء تنقسم بلا عناء إلى أجزاء صغيرة، وهذا إنما هو بالتحقيق ما يعني ~~بقولنا تتحدد بسهولة. مثال ذلك السوائل من بين جميع الأجسام هي الأكثر قابلية للمزج؛ ~~لأن السائل من بين الأشياء القابلة للتجزئة هو الذي يتعين ويتحدد بأسهل ما يكون بشرط ~~ألا يكون دبقا؛ فإن الأجسام الدبقة لا تزيد على أن تصير جملة الحجم أضخم وأعظم، ولكن ~~حينما يكون أحد الشيئين المختلطين هو وحده المنفعل أو أنه يكونه كثيرا، وأن الآخر ~~يكونه قليلا جدا، فالخليط الناتج من الاثنين إما ألا يكون أعظم ألبتة أو لا يكاد ~~يكونه. وهذا هو ما يقع بالنسبة للقصدير مختلطا بالنحاس؛ لأنه يوجد بعض أجسام حائرة ~~بعضها بالنسبة للبعض الآخر وهي تكون من طبع مشكل. فيمكن أن يلاحظ أن تلك الأجسام لا ~~تختلط إلا اختلاطا ناقصا وإلى حد معين؛ فقد يقال إن أحدهما هو مجرد مأوى في حين أن ~~الآخر هو الصورة، وهذا على التحقيق هو ما يحصل بالنسبة لهذين الجسمين اللذين سميا ~~آنفا؛ لأن القصدير الذي هو كمجرد تغيير للنحاس بدون مادة يكاد يتلاشى بالتمام وينعدم ~~بالخليط الذي لا يعطيه إلا لونا ما، وتحصل الظاهرة عينها أيضا بالنسبة لأجسام ~~أخرى. # 11 # فيرى إذن بحسب جميع التفاصيل المتقدمة أن الاختلاط ممكن، وأنه هو ما هو، ويرى كيف ~~يكون وما هي الأشياء التي بينها يمكن أن يحصل، وهي تلك التي يمكنها أن تقبل فعلا بعضها ~~من قبل البعض الآخر، والتي هي قابلة للتحديد بسهولة وقابلة للتجزئة بسهولة. وإن الجواهر ~~من هذا القبيل ليست تفسد ضرورة في الاختلاط، ولكنها لا تبقى فيه بعد مطلقا بأعيانها، ~~فإن اختلاطها ليس مجرد ضم، وأن الجسمين لا يكونان بعد مدركين بالحواس. ولكن يقال على ~~شيء إنه مختلط متى كان وهو مستطيع أن يتحدد بسهولة يمكنه أن يفعل وينفعل معا، وإنه ~~يختلط بشيء له أيضا هذه الخواص أعيانها؛ لأن الشيء المختلط لا يكونه ألبتة إلا ~~بالإضافة إلى شيء يكون وإياه من المتفقة أسماؤها (هو مونيم). والحاصل ms147 أن الاختلاط هو ~~اجتماع الأشياء المختلطة مع استحالة لها. # 12 # | هوامش # | الكتاب الثاني # | الباب الأول # (ف1) سبق الكلام على الاختلاط وعلى التماس وعلى الفعل وعلى الانفعال، ووضح كيف أن ~~هذه الظواهر تقع في الأشياء التي تكابد تغيرات طبيعية. وقد عولج زيادة على ذلك كون ~~الأشياء وفسادها المطلقان وبين بأي طريقة وفي أي الأحوال ولماذا هما يحدثان. وقد درست ~~على السواء الاستحالة وحالة الموجود المستحيل، وفي النهاية قد بينت فصول كل واحدة من ~~هذه الظواهر. والآن يبقى علينا أن ندرس ما يسمى عناصر الأجسام؛ لأن الكون والفساد في كل ~~الجواهر التي تركبها الطبيعة لا يمكن أن يظهرا بدون الأجسام التي تدركها ~~حواسنا. # 1 # من الفلاسفة من يزعمون أن جميع العناصر مكونة من مادة واحدة بالحقيقة والعدد، ~~ويفترضون أنها هي الهواء أو النار أو جسم ما وسط بينهما، جاعلين هذه المادة جسما ~~جوهريا متميزا تماما ومنفصلا. وآخرون يرون أنه يوجد أكثر من عنصر واحد ويقبلون ~~حينئذ على السواء: هؤلاء النار والأرض، وأولئك الهواء ثالثا مع العنصرين المتقدمين، ~~وآخرون مثل أمبيدقل يزيدون الماء كعنصر رابع. وفي هذه المذاهب المختلفة إنما هو باجتماع ~~هذه العناصر وافتراقها أو استحالتها يعلل كون الأشياء وفسادها. # 2 # فنسلم بلا أدنى صعوبة أن هذه الأوليات للأشياء يمكن بغاية الموافقة أن تسمى مبادئ ~~وعناصر، وأنه إنما بتغيرها بتجزئة أو تركيب متكافئ أو أي نوع آخر من التغيير الذي ~~تعانيه يأتي كون الأشياء وفسادها. ولكن يخدع المرء نفسه بالتسليم بأنه يوجد مادة واحدة ~~بعينها خارج جميع العناصر وجعلها منفصلة وجسمانية؛ لأن من المحال أن هذا الجسم إذا كان ~~مدركا بحواسنا يمكن أن يوجد من غير أن يعرض أضدادا ما. ويلزم ضرورة أن هذا اللامتناهي ~~الذي اتخذه الفلاسفة مبدأ لهم يكون خفيفا أو ثقيلا باردا أو حارا. # 3 # ولكن الطريقة التي شرح بها هذا المبدأ في «طيماوس» ليس فيها شيء من الضبط؛ لأنه لم ~~يقل على وجه جلي ما إذا كان هذا الأصل لجميع الأشياء متميزا ومنفصلا عن العناصر. ~~والمحقق هو أن ms148 طيماوس لم يرجع في واحد منها إلى هذا المبدأ، ولو أنه قال مع ذلك إنه ~~الموضوع السابق لكل ما يسمى بالعناصر كما أن الذهب هو على الأسبقية موضوع المصنوعات ~~الذهبية. ومع ذلك فإن هذا الإيضاح ليس حسنا على الصورة التي ألقي بها إلينا؛ فإنه يجوز ~~تماما انطباقه على الحالات التي يوجد فيها استحالة بسيطة، ولكن بالنسبة للحالات التي ~~فيها كون وفساد يكون محالا أن تسمى الأشياء بالتي منها تأتي. # صدق طيماوس إذ يقول إنه لا دخل في باب الحق أن يقرر أن كل مصنوع من الذهب هو ذهب، لكن ~~مع أن عناصر الأشياء تكون جامدة فإنه يجاوز بتحليلها إلى حد السطوح. ومحال أن سطوحا ~~تكون المادة الأولية التي يكلموننا عنها. # 4 # على أنه لما أن الأجسام نحن أيضا نعترف أنه يوجد مادة ما للأجسام التي تدركها ~~حواسنا، ولكن هذه المادة التي منها يأتي ما يسمى بالعناصر ليست منعزلة ألبتة، بل هي ~~توجد دائما مع أضداد. على أن هذا الموضوع قد درس في موطن آخر بأوسع من ذلك ~~وأضبط. # 5 # على أنه لما أن الأجسام الأول يمكن أيضا بهذه الطريقة أن تأتي من المادة فيلزم ~~التكلم على هذه الأجسام مع التسليم بأن المادة هي المبدأ والمبدأ الأول للأشياء، ولكنها ~~غير منفصلة عنها، وأنها موضوع الأضداد؛ فإن الحار مثلا ليس هو مادة البارد كما أن ~~البارد ليس مادة الحار، ولكن المادة هي موضوع الاثنين. # 6 # حينئذ بادئ بدء الجسم الذي هو مدرك بالقوة بإحساسنا هذا هو المبدأ، ثم بعد ذلك تأتي ~~الأضداد كالحار والبارد مثلا. وفي المقام الثالث النار والماء والعناصر الأخرى ~~المشابهة. هذه الأجسام كلها تتغير تغيرا بعضها إلى بعض، ولكن بالطريقة التي يقول بها ~~أمبيدقل وفلاسفة آخرون؛ لأنه بحسب نظرياتهم قد لا يكون بعد حتى ولا الاستحالة، وإنما هي ~~المقابلات بالأضداد هي التي لا تتغير بعضها إلى بعض. على أنه لما كانت تلك هي مبادئ ~~الأجسام فلا بد مع ذلك من دراسة كيفياتها وعددها؛ لأن الفلاسفة الآخرين استخدموا ذلك في ms149 ~~مذاهبهم بعد أن قبلوها على طريق الفرض، ولكنهم لا يقولون لماذا هذه الأضداد لها الطبع ~~الفلاني وأنها في العدد الذي نراها عليه. # 7 # | هوامش # | الباب الثاني # ما دمنا نبحث فيما هي مبادئ الجسم المدرك بحواسنا؛ أعني الجسم الذي يستطيع اللمس أن ~~يدركه، وما دام أن جسما يعرفنا إياه اللمس هو الذي يكون حسه الخاص هو اللمس، فينتج ~~بالبداهة أن جميع المقابلات بالأضداد التي يمكن مشاهدتها في الجسم لا تؤلف أنواعه ~~ومبادئه، ولكنها إنما هي فقط أنواع ومبادئ الأضداد التي تخص حاسة اللمس. إن الأجسام ~~تتمايز بأضدادها، ولكن بأضدادها التي يمكن للمس أن يبينها لنا؛ لذلك نرى لماذا أنه لا ~~البياض ولا السواد ولا الحلاوة ولا المرارة ولا أي واحد من الأضداد المحسوسة ليس عنصرا ~~للأجسام. # 1 # وهذا لا يمنع أن يكون النظر حاسة أسمى من اللمس، وبالنتيجة أن موضوع النظر هو أسمى ~~أيضا. ولكن النظر ليس عرضا للجسم الملموس بما هو ملموس، بل هو يرجع إلى شيء مغاير ~~تماما يمكن مع ذلك أن يكون متقدما عليه بطبعه. # 2 # حينئذ بالنسبة للملموسات أنفسها يلزم الفحص والتمييز بين الفصول الأولى لها ~~ومقابلاتها الأولى بالأضداد. المقابلات والمضادات التي يبينها لنا اللمس هي الآتية: ~~البارد والحار، اليابس والرطب، الثقيل والخفيف، الصلب واللين، الدبق والفريك، الأملس ~~والخشن، الكثيف والمتخلخل. من بين هذه الأضداد الثقيل والخفيف ليسا لا فاعلين ولا ~~منفعلين؛ لأنه ليس لأنهما يفعلان أحدهما في الآخر أو لأنهما ينفعلان أحدهما من الآخر ~~أعطيا الاسم الذي يحملانه. ومع ذلك يلزم أن العناصر يمكن أن تفعل وتنفعل بعضها من بعض ~~على طريق التكافؤ ما دام أنها تختلط وتتغير على طريق التكافؤ بعضها إلى بعض. # 3 # ولكن الحار والبارد واليابس والرطب هي مسماة كذلك أولاهما لأنها تفعل والأخرى لأنها ~~تنفعل؛ فإن الحار هو الذي يجمع ما بين الجواهر المتجانسة؛ لأن التفريق الذي يقال عن ~~النار إنها تفعله إنما هو في حقيقة الأمر تركيب الأشياء التي من نوع واحد ما دام أن ~~الذي يحصل إذن هو أن النار ms150 تخرج الجواهر الغريبة وتنفيها. والبرد على ضد ذلك يجمع ويركب ~~على السواء الأشياء التي من نوع واحد، والتي ليست من نوع واحد، ويسمى سائلا ما ليس ~~محدودا في صورته الخاصة، ولكنه يمكن مع ذلك أن يقبل بسهولة صورة. واليابس على ضد ذلك ~~هو ما كان بما له من صورة محددة تماما في حدودها الخاصة لا يقبل صورة جديدة إلا ~~بعناء. # 4 # من هذه الفصول الأول إنما يأتي المتخلخل والكثيف والدبق والفريك والصلب واللين ~~والفصول الأخرى المشابهة؛ إذن فإن جسما له خاصة إمكان أن يملأ الأين بسهولة يتصل ~~بالسائل؛ لأنه غير محدد هو نفسه، وإنه يخضع من غير أدنى عناء إلى فعل الشيء الذي يلمسه ~~تاركا ذاته تأخذ صورة ذلك الشيء. كذلك المتخلخل يمكنه أن يملأ الأين على سواء؛ لأنه ~~لما لم يكن له إلا أجزاء خفيفة وصغيرة كان يجيد الملء ويلامس تماما، وهذه الخاصة تميز ~~على الخصوص الجسم المتخلخل. حينئذ بالبديهة المتخلخل يقارب السائل في حين أن الكثيف ~~يقارب اليابس، ومن جهة أخرى الدبق يتعلق أيضا بالسائل؛ لأن الدبق ليس إلا نوعا من ~~السائل مع بعض كيفيات كالزيت. ولكن الفريك يتعلق باليابس لأن الفريك إنما هو النام ~~اليبس. ويمكن القول بأنه لم يتجمد إلا لخلوه من كل سائل. ويمكن أن يقال أيضا إن اللين ~~جزء من السائل لأن اللين هو ما يطاوع عند التوائه على نفسه ودون أن ينتقل، كما أن ~~السائل يفعل هذا الفعل بالضبط أيضا. تلك هي العلة في أن السائل لم يسم لينا في حين أن ~~اللين يتعلق بصنف السائل، وأخيرا فالصلب يتعلق باليابس؛ لأن الصلب هو شيء من المتجمد ~~والمتجمد يابس. # 5 # على أن يابسا وسائلا لفظان يحملان على معان شتى؛ فإن السائل والمبتل يمكن أن ~~يعتبرا كمقابلين لليابس، كما أن اليابس والمتجمد هما مقابلان للسائل، وكل هذه الخواص ~~المختلفة تتعلق بالسائل واليابس محمولين على المعنى الأولي لهاتين الكلمتين؛ لأنه من ~~حيث إن اليابس هو مقابل للمبتل وإن المبتل هو ما كان به على سطحه سائل ms151 غريب، في حين أن ~~المتنقع هو ما به السائل إلى باطنه. ولما أن اليابس هو على ضد ذلك ما كان خلوا من كل ~~سائل غريب، فبين بذاته أن المبتل يتصل بالسائل في حين أن اليابس المقابل له يتصل ~~باليابس الأولي. # 6 # ويجري هذا المجرى أيضا في السائل والمتجمد؛ فإن السائل لما كان ما به رطوبة خاصة ~~والمتجمد ما هو خلو منها، يجب أن يستنتج منه أن هذين الكيفين أحدهما يتعلق بصنف السائل ~~والآخر بصنف اليابس. # 7 # فبين حينئذ أن كل الفصول الأخرى يمكن أن يرجع بها إلى الأربع الأولى، وأن هذه لا يمكن ~~أن ينزل عددها إلى أقل من ذلك؛ لأن الحار ليس هو والرطب أو اليابس شيئا واحدا، كما أن ~~الرطب ليس هو لا الحار ولا البارد. كذلك البارد واليابس ليسا تابعين أحدهما للآخر، كما ~~أنهما ليسا تابعين للحار ولا للرطب. والحاصل أنه لا يوجد ضرورة إلا هذه الأربعة الفصول ~~الأصلية. # 8 # | هوامش # | الباب الثالث # لما أنه يوجد أربعة عناصر، وأن التراكيب الممكنة لحدود أربعة هي ستة، ولكن أيضا ~~لما أن الأضداد لا يمكن أن تزدوج بينها ما دام البارد والحار واليابس والرطب لا يمكن ~~ألبتة أن تندمج في شيء واحد بعينه، فبين أنه لا يبقى إلا أربعة تراكيب للعناصر. فمن جهة ~~حار ويابس، حار ورطب، ومن جهة أخرى بارد ويابس، بارد ورطب. # 1 # تلك هي نتيجة طبيعية لوجود الأجسام التي تظهر بأنها بسيطة: النار والهواء والماء ~~والأرض؛ فالنار حارة ويابسة، والهواء حار ورطب ما دام أن الهواء نوع من البخار، والماء ~~بارد وسائل، وأخيرا الأرض باردة ويابسة. ينتج منه أن توزيع هذه الفصول بين الأجسام ~~الأول يفهم جد الفهم، وأن عدد هؤلاء وهؤلاء هو على تمام التناسب. # 2 # وفي الحق أن كل الفلاسفة باعترافهم للأجسام البسيطة بأنها عناصر، قبلوا منها تارة ~~واحدا وتارة اثنين وتارة ثلاثة وتارة أربعة. # 3 # فأما الذين لم يقبلوا منها إلا واحدا، فمضطرون إلى توليد كل الأخرى من تكثيف هذا ~~العنصر أو تخفيفه. وبالتبع ms152 يقبلون مبدأين: المتخلخل والكثيف أو الحار والبارد؛ لأنها في ~~هذا المذهب هي الفواعل المؤلفة، والعنصر الوحيد يكون خاضعا لفعلها بما هو ~~مادة. # 4 # وأما الفلاسفة الذين هم كبرمينيد يقبلون عنصرين: النار والأرض؛ فيعتبرون العناصر ~~الوسيطة - الهواء والماء - مزيجا من ذينكم العنصرين. كذلك الحال عند الذين يقبلون ~~عناصر ثلاثة كما فعل أفلاطون في تقاسيمه؛ لأن عنده العنصر الوسط ليس إلا مزيجا. وحينئذ ~~الذين يقبلون عنصرين والذين يقبلون ثلاثة يوشك أن يكونوا على اتفاق تام لولا أن بعضهم ~~يقسم العنصر الوسط إلى اثنين وأن الآخرين يتركون له وحدته. # 5 # ومنهم - كأمبيدقل - من يعترفون جليا بأربعة عناصر، غير أنه هو أيضا ينزلها إلى ~~اثنين؛ لأنه يقابل بالنار كل العناصر الأخرى مجتمعة؛ فعلى رأي أمبيدقل يكون لا النار ~~ولا الهواء ولا أي واحد من العناصر الأخرى بسيطا بل ممزوجا؛ فإن الأجسام البسيطة هي ~~جميعها بسيطة بلا شك، ولكنها ليست مع ذلك متماثلة. مثلا الجسم المشابه للنار هو من نوع ~~النار، ولكنه مع ذلك ليس بالضبط نارا، والجسم المشابه للهواء هو من نوع الهواء دون أن ~~يكون هواء، وكذلك الحال في بقية العناصر، ولكن النار هي إفراط في الحرارة كما أن الثلج ~~إفراط في البرودة؛ لأن التجلد والغليان هما إفراطان من جنس ما أحدهما للبارد والثاني ~~للحار. فإذا كان إذن الثلج هو تجلد السائل والبارد، فالنار تكون أيضا غليان الحار ~~واليابس، فانظر لماذا لا يمكن أن يتولد شيء لا من الثلج ولا من النار. # 6 # الأجسام البسيطة بما هي في عدد الأربعة تتعلق اثنين اثنين بكل واحد من مكاني الأين؛ ~~فالهواء والنار هما من المكان المائل نحو الحد الأقصى، والأرض والماء بالمكان الذي هو ~~نحو المركز، وإن العناصر الطرفية والخالصة أكثر من غيرها هي النار والأرض. والعناصر ~~الوسطى والأكثر ممازجة هي الماء والهواء. وفي كل طائفة أحد الاثنين هو ضد للآخر؛ لأن ~~الماء ضد النار والأرض ضد الهواء ما دام أن لها في تركيبها كيفيات متضادة. # 7 # ومع ذلك فعلى القول بالإطلاق الأربعة الأجسام البسيطة ms153 لا يعلق كل واحد منها إلا بكيف ~~واحد. على ذلك الأرض هي من اليابس أكثر من أن تكون من البارد، والماء هو من البارد أكثر ~~من أن يكون من السائل، والهواء هو من السائل أكثر من أن يكون من الحار، والنار هي من ~~الحار أكثر من أن تكون من اليابس. # 8 # | هوامش # | الباب الرابع # بعد أن بينا فيما سبق أن الأجسام البسيطة يكون بعضها بعضا على طريق التكافؤ، ~~وأن المعاينة الحسية تدلنا على أنها تتكون بهذه الطريقة؛ لأنه إن لم يكن كذلك فقد لا ~~توجد استحالة، ما دامت الاستحالة لا تنطبق إلا على كيفيات الأشياء التي يمكن لمسها، ~~فيلزمنا أن نقول بأي طريقة يحصل تغيير العناصر بعضها إلى بعض وما إذا كان ممكنا أن كل ~~عنصر يتولد من كل عنصر، أو إذا كان هذا ممكنا فقط بالنسبة للبعض ومحالا بالنسبة ~~للبعض الآخر. # 1 # فإذا كان ثم أمر بديهي فذلك هو أن كلها يمكن بالطبع أن تتغير بعضها إلى بعض؛ لأن كون ~~الأشياء يروح إلى الأضداد ويجيء من الأضداد. وكل العناصر لها تقابل بعضها بالنسبة إلى ~~البعض الآخر؛ لأن فصولها أضداد، وحينئذ في بعض العناصر الفصلان هما ضدان، ومثال ذلك في ~~الماء والنار؛ فإن أحدهما يابس وحار في حين أن الآخر سائل وبارد. وبعض العناصر الأخرى ~~ليس لها إلا واحد من الفصلين كالهواء والماء؛ فإن أحدهما هو سائل وحار والثاني بارد ~~وسائل. # 2 # وحينئذ فمن البين أنه على العموم كل عنصر يمكن بالطبع أن يأتي من كل عنصر، وليس من ~~الصعب الاقتناع بهذا بأن يشاهد كيف تحصل الظاهرة بالنسبة لكل عنصر على حدته؛ لأنه سيرى ~~أن كلها تأتى من كلها. والفرق الوحيد إنما هو أن التغير يتكون بكثير أو قليل من ~~السرعة وبكثير أو قليل من السهولة. وكلما كان بين العناصر نقط ارتباط تحولت بعضها إلى ~~بعض سراعا جدا، وما ليس بينها نقط ارتباط تتغير ببطء، وعلة ذلك أن شيئا واحدا ~~بمفرده يتغير بأسرع من عدة. وعلى ذلك فالهواء يأتي من ms154 النار بتغير أحد الكيفين ليس إلا، ~~ما دام أن أحدهما يابس وحار والثاني حار وسائل. وينتج منه أنه إذا كان اليابس مغلوبا ~~بالسائل فيتكون الهواء، ثم إنه من الهواء يتكون الماء إذا كان الحار هو المغلوب ~~بالبارد؛ لأن أحدهما كان سائلا وحارا والثاني كان باردا وسائلا؛ فيكفي إذن أن ~~الحرارة وحدها تتغير لأجل أن يتكون الماء. # 3 # وبهذه الطريقة عينها أيضا إن الأرض تأتي من الماء وإن النار تأتي من الأرض؛ لأن هذين ~~العنصرين أيضا لهما أحدهما قبل الآخر نقطة جمع ووصل؛ فإن الماء سائل وبارد والأرض هي ~~باردة ويابسة بحيث إنه إذا كان السائل هو المغلوب تتكون الأرض. ومن جهة أخرى بما أن ~~النار يابسة وحارة والأرض يابسة وباردة؛ فإذا فسد البارد فمن الأرض تتكون النار، فيرى ~~حينئذ أن كون الأجسام البسيطة يحصل بالدور وطريقة التغير هذه أسهل الطرق؛ لأن العناصر ~~التي تتعاقب لها دائما بينها فقط جمع ووصل. # 4 # والماء يمكن أيضا أن يأتي من النار والأرض من الهواء وبالعكس يمكن أن يأتي أيضا ~~الهواء والنار من الماء ومن الأرض. ولكن هذا التحول هو أصعب؛ لأن موضوع التغير أشياء ~~أكثر عددا. وفي الواقع لأجل أن تأتي النار من الماء يلزم أن يفسد أولا البارد ~~والسائل، وكذلك لأجل أن يأتي الهواء من الأرض يلزم أن البارد واليابس يفسدان. وهذا ~~اللزوم واجب أيضا لأجل أن الماء والأرض يأتيان من النار ومن الهواء؛ لأنه يلزم حينئذ ~~أن يكابد الكيفان التغير. # 5 # وأيضا الكون الذي يحصل بهذه الطريقة هو أبطأ. ولكن إذا فسد أحد كيفي كل واحد من ~~الاثنين فيكون التحول أسهل، غير أن هذا التحول لا يحصل بعد حينئذ من الواحد إلى الآخر ~~على طريق التكافؤ. غير أنه من النار ومن الماء تأتي الأرض والهواء ، ومن الهواء ومن ~~الأرض تأتي النار والماء. وفي الواقع إذا فسد بارد الماء ويابس النار يتكون الهواء؛ ~~لأنه لا يبقى بعد إلا حار أحدهما وسائل الآخر، ولكن إذا فسد حار النار وسائل الماء ~~تتكون الأرض؛ لأنه ms155 لا يبقى حينئذ إلا يابس أحدهما وبارد الآخر. # 6 # وكما هو الأمر في الهواء والأرض يكون في تكون النار والماء؛ لأنه إذا فسد حار الهواء ~~مع يابس الأرض، يتكون الماء ما دام أنه سيبقى سائل أحدهما وبارد الآخر، ولكن حينما يكون ~~المنعدم هو سائل الماء وبارد الأرض تتكون النار؛ لأنه يبقى حار أحدهما ويابس الآخر، ~~وهما الكيفان الخاصان بالنار. # 7 # وهذا الإيضاح لكون النار يتفق جدا مع الحوادث التي يشهد بها الحس؛ لأنه إنما هو ~~اللهب الذي هو على الأخص نار، واللهب ليس إلا الدخان المحترق والدخان يتركب من هواء ~~وأرض. # 8 # في العناصر التي تتوالى وتتعاقب ليس ممكنا متى كان أحد الكيفين قد فسد في واحد أو في ~~الآخر أن يحصل مرور وتحول للعناصر إلى أي جسم آخر؛ لأن البواقي التي تبقى في الاثنين هي ~~إما متماثلة أو متضادة. وحينئذ لا من بعضها ولا من الآخر يمكن أن يتحصل جسم. مثال ذلك ~~إذا فسد يابس النار وإذا فسد أيضا سائل الهواء، لا توجد نتيجة ممكنة ما دامت الحرارة ~~هي التي تبقى من طرف ومن آخر. وكذلك الحال فيما إذا كانت هي الحرارة التي تنعدم من ~~الاثنين؛ فإنه لا يبقى بعد إلا ضدان، وهما اليابس والسائل، ويجري هذا المجرى في جميع ~~الأحوال الأخرى ما دام أنه في الأحوال التي من هذا القبيل يبقى دائما تارة الكيف ~~المماثل وتارة الكيف المضاد، وعلى هذا فمن البين حينئذ أنه لأجل تكوين العناصر مارة ~~ومتغيرة من واحد إلى واحد يكفي أن كيفا واحدا يفسد. ولكن بالنسبة للعناصر التي تمر ~~من اثنين إلى واحد فقط، هنالك يحتاج إلى فساد عدة كيفيات. # 9 # وعلى جملة من القول، فإنه قد وضح أن كل عنصر يتولد من كل عنصر، وقد بين بأية طريقة ~~يحصل تحول بعضها إلى بعض. # 10 # | هوامش # | الباب الخامس # التفاصيل السابقة لا تمنعنا تقدير هذه المسائل على ضوء آخر؛ فإذا كانت مادة الأجسام ~~الطبيعية هي - كما يرى بعض الفلاسفة - الماء والهواء أو عناصر من هذا ms156 القبيل، فيلزم أن ~~تكون واحدا أو اثنين أو عدة من هذه العناصر. وفي الحق لا يمكن ألا تكون جميع الأشياء ~~إلا عنصرا واحدا أحدا. مثلا أن الكل لا يكون إلا هواء أو ماء أو نارا أو أرضا ~~ما دام التغير يحصل في الأضداد. وفي الواقع لنفرض أن الكل هو من الهواء، وأن الهواء ~~يبقى في جميع التغيرات، فسيحصل من ثم مجرد استحالة ولن يحصل بعد كون. # 1 # ولكن في هذا الافتراض عينه ليس ممكنا - فيما يظهر - أن يكون الماء في آن واحد هواء ~~أو أي عنصر آخر مشابه، فسيوجد دائما بين الكيفيات تقابل وخلاف حيث لا يكون للنار إلا ~~واحدا من الطرفين الحرارة مثلا. ولكن النار لن يمكنها ألبتة أن تكون بالبساطة هواء ~~حارا؛ لأن هذا إنما هو استحالة، ولا يظهر أن الأمور تقع على هذا النحو. ومن جهة أخرى ~~إذا فرض على العكس أن الهواء يأتي من النار فهذا التغير لا يمكن حصوله إلا بالتغير من ~~الحرارة إلى ضدها؛ فهذه الكيفية المضادة ستكون إذن في الهواء، وحينئذ سيكون الهواء ~~شيئا باردا، وبالنتيجة من المحال أن تكون النار هواء حارا؛ لأنه قد ينتج منه أن ~~العنصر الواحد قد يكون حارا وباردا في آن واحد. وسيوجد حينئذ خلاف هذين العنصرين شيء ~~ما آخر سيبقى مماثلا، وهو أية مادة أخرى عامة للاثنين. # 2 # قد يكون التدليل عينه منطبقا في حق كل عنصر آخر غير الهواء، ولا يمكن أن يوجد منها ~~واحد قد يكون المنبع الوحيد الذي منه تكون قد خرجت الأخرى كلها. وليس يوجد خلاف هذه ~~العناصر عنصر آخر وسيط، كأن يكون مثلا عنصرا وسطا بين الهواء والماء أو بين الهواء ~~والنار، أثقل من الهواء والنار وأخف من كل الآخر؛ لأن هذا الوسيط حينئذ يكون بمقابلة ~~الأضداد هواء ونارا معا. ولكن ثاني الضدين هو العدم، وبالتبع لا يمكن أن يثبت هذا ~~العنصر الوسيط وحده، كما يقوله بعض الفلاسفة، عن اللامتناهي وعن الحاوي، فيلزم إذن إما ~~أن كل واحد من العناصر المعروفة يمكن ms157 أن يكون على السواء هو ذلك الوسيط وإما ألا يمكن ~~أي واحد منها أن يكونه. # 3 # ولكنه إذا لم يكن أجسام محسوسة سابقة على تلك، فالعناصر التي نعرفها هي كل هذه ~~الموجودة، فيلزم حينئذ إما أن تثبت العناصر إلى الأبد كما هي دون أن يتغير بعضها إلى ~~بعض، وإما أن تتغير على الدوام. يمكن أن يسلم أيضا إمكان تغيرها جميعا أو أن بعضها ~~يمكن أن يتغير وأن الأخرى لا يمكنها ذلك كما قال أفلاطون في طيماوس. ولقد وضح فيما سبق ~~أن العناصر تتغير بالضرورة بعضها إلى بعض، ولكنه قد بين أنها لا تتغير بسرعة على ~~السواء تحت هذا التأثير المتبادل، وأن التغير يحصل أسرع بالنسبة للتي بينها نقطة صلة؛ ~~أعني كيفا مشتركا وأبطأ بالنسبة لتلك التي ليس لها من ذلك. فإذا لم يكن إذن إلا ~~مقابلة واحدة بالأضداد على حسبها تتغير الأجسام، فيلزم بالضرورة حينئذ أن يوجد جسمان؛ ~~لأن الهيولي إنما هي التي تصلح وسطا للضدين غير مدرك وغير منفصل، ولكن لما أنه يوجد ~~بالمعاينة عناصر أكثر فإن أقل ما يمكن أن يوجد من المقابلات إنما هو اثنان، ومتى وجد ~~اثنان فلا يمكن أن يوجد ثلاثة حدود فقط، بل يلزم مطلقا أربعة كما قد تدل عليه ~~المشاهدة. وهذا إنما هو عدد التراكيب اثنين اثنين؛ لأنه ولو أنها ستة في المجموع إلا أن ~~منها اثنين لا يمكن ألبتة أن يكونا؛ لأنهما ضدان أحدهما للآخر. ومع ذلك فقد عولجت هذه ~~المسائل فيما سبق. # 4 # مع أن العناصر تتغير بعضها إلى بعض، فإن من المحال أن يوجد مبدأ التحول لا في أحد ~~الطرفين ولا في الوسط. وإليك ما يثبته، فأما الطرفان فإنه ليس ممكنا أن تكون كل ~~الأشياء من النار كما أنها لا تكون كلها من الأرض؛ لأن هذا يرجع إلى القول بأن الكل ~~يتولد من النار أو أن الكل يتولد من الأرض. ولكن لا يمكن أن يقال أيضا - كما يريد ~~بعض الفلاسفة - أن الوسط هو المبدأ، وأن الهواء ينقلب إلى نار وإلى ms158 ماء، ولا أن الماء ~~ينقلب إلى هواء وإلى أرض؛ لأني أكرر أن الأطراف لا يمكن ألبتة أن يتغير بعضها إلى ~~بعض. # 5 # على ذلك يلزم إيجاد نقطة وقوف، ولا يمكن من جهة ولا من أخرى السير إلى اللانهاية على ~~خط مستقيم؛ لأنه يترتب عليه وجود مقابلات وأضداد غير متناهية العدد لعنصر واحد أحد. ~~فلنرمز للأرض بحرف أ، وللماء بحرف م، وللهواء بحرف ه، وللنار بحرف ن؛ فإذا تغير ه إلى ن ~~وإلى م فالتقابل يكون بين ه، ن. ولنفرض أن هذين الضدين هما البياض والسواد، ومن جهة ~~أخرى إذا تغير ه إلى م فسيكون تقابل آخر؛ لأن م، ن ليسا متماثلين. ولتكن مقابلة السيولة ~~واليبوسة مرموزا لليبوسة بحرف ي وللسيولة بحرف س؛ فإذا كان حينئذ الأبيض هو الذي يمكث ~~ويبقى، فيكون الماء سائلا وأبيض، فإذا لم يكن أبيض فيكون أسود ما دام أن التغير لا ~~يحصل إلا إلى الأضداد، فيلزم حينئذ بالضرورة أن يكون الماء إما أبيض وإما أسود، ويمكن ~~افتراض أنه في الحالة الأولى، وبالطريقة عينها أيضا ي اليبوسة يكون لحرف ن، وحينئذ ن ~~أعني النار تتغير كذلك إلى ماء؛ لأنهما الضدان، والنار كانت سوداء أولا ثم يابسة بعد ~~ذلك كما كان الماء سائلا أولا ثم أبيض. # 6 # فبين إذن أن كل العناصر يمكن أن يتغير بعضها إلى بعض، والكيوف الباقية ستوجد في ~~(أ). الأرض كما يوجد فيها نقطتا الاجتماع والارتباط الأسود والسائل ما دام أن هذين ~~الكيفين لم يتركبا معا بعد بأية طريقة كانت. # 7 # وهاك البرهان على أنه لا يمكن ها هنا أن يتمشى إلى اللانهاية مبدأ اعتمدنا عليه من ~~قبل أن نقرر الإيضاح الذي سبق، وذلك هو أنه إذا فرض أن النار المرموز لها بحرف ن تتغير ~~إلى عنصر آخر ولا ترجع إلى الوراء، وأنها مثلا تتغير إلى ر؛ فمن ثم يكون بين النار ~~وبين مقابلة بالأضداد مختلفة عن المقابلات المذكورة آنفا ما دام أن ر لا يمكن أن تكون ~~مماثلة لأي واحد من العناصر المرموز ms159 لها بالحروف أ، م، ه، ن. # ولنفرض أن الكيف ك هو كيف ن، وأن الكيف ي هو كيف ر؛ فتكون ك حينئذ لكل العناصر أ، م، ~~ه، ن؛ لأن كل هذه العناصر يتغير بعضها إلى بعض، ولكن مع التسليم بأن هذا لم يوضح بعد ~~فإن من البين على الأقل أنه إذا تغير ر من جديد إلى عنصر آخر؛ فمن ثم يكون تقابل آخر ~~بالأضداد، ويكون بين ر وبين النار ن. وتكون الحال كذلك دائما بالنسبة للحد المزيد، ~~وإنه يوقع دائما مقابلة مع الحدود السابقة بحيث إنه إذا كانت هذه الحدود غير متناهية ~~بالعدد لعنصر واحد أحد، وإذا كان هذا ممكنا فمن ثم يكون من المحال أن يعطي أي قول ~~شارح، وأن يوضح كون أي عنصر ما، ما دام أنه يلزم - إذا كان واحد يأتي من الآخر - أن ~~يجتاز من المقابلات عدد ما ذكرنا بل وأزيد منه، وينتج من ذلك أنه بالنسبة لبعض العناصر ~~لا يكون تغير ممكن ألبتة، مثال ذلك إذا كانت الأوساط غير متناهية بالعدد، وهذا لازم إذا ~~كانت العناصر غير متناهية بالعدد هي أنفسها، وعلى ذلك مثلا لا يكون تغير من هواء إلى ~~نار إذا كانت المقابلات التي تجتاز هي غير متناهية بالعدد. # 8 # وأخيرا كل العناصر أيضا تنتهي إلى عنصر واحد؛ لأنه يلزم أن تكون كل هذه المقابلات ~~متعلقة إما بالمقابلات من أعلى بالعناصر التي هي أسفل من ن، وإما بالمقابلات من أسفل ~~بهذه العناصر نفسها بحيث إن الكل ينتهي إلى واحد. # 9 # | هوامش # | الباب السادس # حينما يرى أن فلاسفة يقبلون تعدد عناصر الأجسام وينكرون في آن واحد أن العناصر تتغير ~~بعضها إلى بعض، كما يفعل أمبيدقل، قد يمكن أن يسألوا في شيء من الدهش كيف يستطيعون إذن ~~أن يقرروا أن العناصر هي قابلة للمقارنة بعضها ببعض، هذا مع ذلك هو ما يزعمه أمبيدقل إذ يقول: # لأن العناصر كلها كانت متساوية فيما بينها. # فإذا كانت المساواة في الكم لزم أن يوجد بين الأشياء المقارنة شيء مشترك يصلح ms160 ~~لقياسها؛ مثال ذلك إذا كان من كوتيل (ربع لتر) واحد من الماء يمكن إيجاد عشرة كوتيلات ~~من الهواء، فذلك بأن العنصرين كانا من بعض الوجوه شيئا واحدا ما دام أن قياسهما ~~واحد. # 1 # فإذا كانت الأشياء ليست قابلة للمقارنة هكذا بالنسبة إلى الكم؛ أي إن الكمية الفلانية ~~مضارعة الكمية الفلانية، فيلزم على الأقل أن تكونه بعلاقة الأثر الذي يمكن أن تحدثه. ~~مثال ذلك: إذا كان كوتيل من الماء يمكن أن يحدث من البرودة ما تحدثه عشرة كوتيلات من ~~الهواء؛ فحينئذ تكون العناصر قابلة أيضا للمقارنة بينها بعلاقة الكمية لا من حيث هي ~~بالضبط كمية مادية، ولكن من حيث إنه يمكنها أن تحدث فعلا ما. # 2 # قد يمكن أيضا مقارنة القوى أو الطاقات ليس فقط بمقياس الكمية مباشرة، بل أيضا ~~بالتنسيب والتشبيه. على ذلك يمكن أن يقال إن الشيء الفلاني حار كما أن الشيء الآخر ~~أبيض، فكاف التشبيه تبين علاقة المشابهة إذا كان المعنى هو الكيف، فإن كان المقصود ~~الكم فهي تفيد المساواة، ولكن من السخف - فيما يظهر - أن الأجسام التي لا يمكن أن تتبدل ~~بعضها ببعض لا تكون قابلة للمقارنة فيما بينها بعلاقة المشابهة، وأن تكون فقط بمقياس ~~قوتها، ولأن الكمية الفلانية من النار مثلا يمكن أن تكون أيضا حارة وتحدث الحرارة ~~التي تحدثها الكمية الفلانية من الهواء التي هي أعظم منها. وفي الواقع إن جوهرا من هذا ~~الطبع إذا كانت كميته أعظم يمكنه أن يصير بالتنسيب مكافئا؛ لأنه سيكون والآخر من جنس ~~واحد. # 3 # أزيد على ذلك أنه على حسب مذهب أمبيدقل لا يوجد نمو ممكن إلا النمو الذي يحصل بالجمع، ~~وهكذا هو يفترض أن النار تنمو بالنار حين يقول: # الأرض تنمي الأرض والهواء ذاته ينمي الهواء. # حينئذ ليس هذا إذن إلا مجرد إضافة، ولا يظهر أن الأشياء التي تنمو يمكن أن تنمو ~~هكذا. # 4 # ولكنه أعسر أيضا على أمبيدقل أن يوضح كون الموجودات في الطبع؛ لأن كل الموجودات التي ~~تولد وتتكون بحسب القوانين الطبيعية، أو تولد دائما بطريقة ms161 منتظمة، أو بالأقل على ~~الغالب بهذه الطريقة، والموجودات التي تتكون على ضد هذا النظام الثابت أزلا أو بالأقل ~~الأكثر في العادة، هي ثمرة علة اتفاقية وثمرة المصادفة. فما هو الفاعل إذن في أن من ~~إنسان يولد إنسان، إما دائما وعلى حسب قاعدة أزلية، وإما بالأقل بحكم العادة الغالبة، ~~كما أن من القمح يأتي دائما قمح لا شجرة زيتون. أم هل العظام لا تتكون أيضا بالطريقة ~~عينها؟ كلا إن الأشياء لا تكون بالمصادفة وبالاتفاق كما يقول أمبيدقل، بل هي تتكون بنوع ~~ما من العقل. # 5 # فما هي إذن العلة في كل هذه الظواهر؟ إنها ليست في الحق لا الأرض ولا النار، وليست ~~كذلك العشق والتنافر؛ لأن أحدهما ليس علة إلا لتأليف الأشياء والآخر لتفريقها. تلك ~~العلة إنما هي أصل لكل شيء، وليست فقط كما يقول أمبيدقل: # اختلاط وتنافر للأشياء المختلطة. # فهي ليست إذن ما يسمى بالمصادفة وليست بعلة؛ لأنه ممكن تماما أن يوجد أحيانا ~~اختلاط اتفاقي ومشوش. # 6 # إذن ما هو علة لكل واحد من الموجودات الطبيعية إنما هو تركيبها، إنما هو الطبع الخاص ~~لكل واحد منها مما لا يقول عنه أمبيدقل كلمة واحدة، بل يمكن التأكيد بأنه لم يدرس الطبع ~~حقيقة، ولو أن الطبع هو بالضبط النظام والخير لجميع الأشياء. ولكن أمبيدقل لا يشيد ~~مطلقا إلا بذكر الامتزاج والاختلاط، ومع ذلك فليس هو التنافر، بل هو العشق الذي فصل ~~العناصر، وهما على رأيه متقدمان على الله ذاته؛ لأن عناصر أمبيدقل هي أيضا ~~آلهة. # 7 # إنه لا يتكلم كذلك على الحركة إلا بطريقة غاية في العموم؛ لأنه لا يكفي أن يقال إن ~~التنافر والعشق هما اللذان يعطيان الحركة إذا لم يعين أن العشق ينحصر في أن يسبب النوع ~~الفلاني من الحركة والتنافر في أن يسبب النوع الفلاني منها. وحينئذ كان يجب على أمبيدقل ~~ها هنا، إما أن يحد الأشياء بالضبط، أو أن يتصور فرضا ما، أو أن يوضح توضيحا قويا ~~أو ضعيفا مع ذلك، أو أن يخلص منه بأية طريقة أخرى. ms162 # 8 # رد آخر: إن الأجسام هي تارة متحركة بالقسر وضد الطبع وتارة هي ذات حركة طبيعية، مثال ~~ذلك النار تتجه إلى فوق من غير أن يكون ذلك بالقسر ولا تتجه إلى تحت إلا بالقسر؛ ~~فالحركة الطبيعية هي ضد الحركة القسرية، فبالنتيجة كما أنه يوجد حركة قسرية يوجد أيضا ~~حركة طبيعية. فهل هو إذن العشق أو ليس هو العشق الذي يكون هذه الحركة الأخيرة؟ متى ~~كان للأرض حركة تحملها إلى تحت فإنما هي حركة مضادة للائتلاف وتشبه الانفصال. إذن ~~يكون التنافر هو أولى من العشق في أن يكون علة الحركة الطبيعية، وبالنتيجة يكون العشق ~~أولى من التنافر في أنه مضاد للطبع، فإذا لم يكن لا التنافر ولا العشق يكونان الحركة، ~~فلا يكون للأجسام أعينها لا حركة ولا سكون. ولكن هذا إنما هو نتيجة باطلة. # 9 # يعترف أمبيدقل أن الأجسام بالبديهية في حال حركة؛ لأن التنافر هو الذي فصلها. ~~والإيثير قد ارتفع في الملأ الأعلى لا بواسطة التنافر، ولكن كما يقول أحيانا أمبيدقل ~~بضرب من المصادفة: # الهواء حينئذ يطير هكذا، ولكن في الغالب على خلاف ذلك. # وأحيانا يقول أمبيدقل أيضا إن النار اضطرت أن تتجه بالطبع إلى فوق، وإن الإيثير قد ~~جاء. # يتكئ بقوة على قواعد الأرض. # وأخيرا يعلمنا أمبيدقل أن العالم هو مسير الآن بالتنافر كما كان سابقا مسيرا ~~بالعشق سواء بسواء. # 10 # فماذا هو إذن على رأيه المحرك الأول والعلة الأولى للحركة؟ حقا ليس هو العشق ~~والتنافر، ولو أن كليهما مع ذلك يسبب نوعا ما من الحركة، وإذا كانا هما المحرك الأول ~~الذي يوجد فيكونان المبدأ الحقيقي للأشياء. # 11 # وأخيرا فليس أقل سخفا أن يفترض أن النفس تأتي من العناصر، أو أنها واحد من العناصر؛ ~~لأنه كيف تتكون إذن الاستحالات الخاصة للنفس؟! مثال ذلك كيف يفهم أن يكون لها أو لا ~~يكون لها صنعة الموسيقى؟! كيف يفهم الذكر والنسيان؟! من البين أنه إذا كانت النفس من ~~النار يكون لها بما هي نار جميع الكيفيات التي تتعلق بالنار، وإذا كانت النفس ms163 مزيجا من ~~العناصر كان لها كيفيات الأجسام وليس ولا واحد من كيفيات النفس بجسماني. على أن هذه ~~المناقشة تتعلق بدراسة غير هذه قطعا. # 12 # | هوامش # | الباب السابع # نأتي إلى ما يختص بالعناصر التي منها الأجسام مركبة. جميع الفلاسفة الذين يقبلون ~~عنصرا مشتركا أو الذين يقبلون أن العناصر تتغير بعضها إلى بعض يجب عليهم بالضرورة أن ~~يعترفوا أيضا بأنه إذا تحقق أحد هذين الفرضين تحقق الثاني على السواء. ولكن هؤلاء ~~الذين لا يريدون أن العناصر يمكن أن يتوالد بعضها من بعض ولا أن يأتي كل واحد من كل ~~واحد إلا أن يكون كما يجيء اللبن من حائط، هؤلاء إنما يقررون نظرية باطلة؛ لأنه حينئذ ~~كيف يجعل من هذه العناصر العظام أو اللحوم أو أي جوهر آخر مشابه. # 1 # في الحق أن هذه الصعوبة تبقى، وإلى هؤلاء الذين يقبلون أن العناصر تتوالد يمكن أن ~~توجه إليهم مسألة كيف تبلغ هذه العناصر أن تكون شيئا مغايرا لها أنفسها؟ مثال ذلك إذا ~~كان من النار يأتي الماء وإذا كان من الماء تأتي النار؛ فذلك لأن بينهما موضوعا ~~مشتركا. ولكن من العناصر يخرج في الحق أيضا اللحم والنخاع، فكيف تتكون هذه ~~الجواهر؟ # 2 # بأي وجه يمكنها أن تتكون على حسب نظريات هؤلاء الذين يتبعون مذهب أمبيدقل؟ بالضرورة ~~ليس بين هذه العناصر إلا جمع كما نجمع مواد حائط يتكون من آجر وأحجار. في خليط من ~~هذا القبيل تبقى العناصر هي ما هي، وتوضع أجزاء أجزاء بعضها إلى جانب البعض الآخر، ~~وحينئذ على هذا المنوال - بناء على هذه النظريات - إنما يتكون اللحم وسائر الأشياء ~~المشابهة له. # 3 # ولكنه ينتج منه أن النار والماء لا يخرجان ألبتة من جزء كيفما اتفق من أجزاء اللحم، ~~كما في تصاوير الشمع من هذا الجزء يمكن أن تخرج كرة ومن ذاك يخرج هرم. فكل ما يرى هو أن ~~الواحد والآخر من هذين الشكلين يمكن أن يأتي أيضا على السواء من كل واحد من جزأي ~~الشمع . وعلى هذا النحو حينئذ أن من اللحم ms164 يخرج عنصرا النار والماء، وأنه قد يكونان معا ~~من أي جزء اتفق، ولكن مع مبادئ أمبيدقل لا يكون تعبير هذا ممكنا، ويلزم أن كل عنصر ~~يأتي من مكان آخر أو من جزء آخر كما في الحائط؛ فإنه من مكان مختلف تأتي الآجرة ~~والحجر. # 4 # كذلك الحال أيضا بالنسبة للفلاسفة الذين لا يقبلون إلا مادة وحيدة لجميع العناصر؛ ~~فإن شأنهم لا يخلو من الحيرة في إيضاح كيف أن جوهرا يمكن أن يتألف من عنصرين مثلا ~~من الحار والبارد أو من النار والأرض؛ فإذا كان اللحم يتكون من الاثنين وهو ليس مع ~~ذلك لا أحدهما ولا الآخر ولا مجرد جمع لهذين العنصرين حافظ لطبعهما الخاص؛ فماذا يبقى ~~إذن ليقبل إلا أن يكون المركب الذي تكون منهما بهذه الطريقة هو المادة المحضة؟ لأن ~~فساد أحد العنصرين يكون إما العنصر الآخر وإما المادة. # 5 # ولكن من حيث إن الحار والبارد يمكن أن يكونا أقوى أو أضعف، فيجب أن يقال إنه متى كان ~~أحدهما بالفعل مطلقا وبالكمال فلا يكون الثاني بعد إلا بالقوة. ومتى كان الموضوع ليس ~~له مطلقا أحد الكيفين وكان البارد مثلا هو نصف حار والحار نصف بارد؛ لأن الإفراطين ~~إلى جهة أو إلى أخرى يتماحيان على طريق التكافؤ بالمزج؛ فحينئذ لا يوجد بالضبط لا مادة ~~محضة ولا واحد أو الآخر من هذين الضدين الموجودين مطلقا بالفعل وبالكمال، ولا يوجد ~~وسيط. ولكن على حسب ما أن أحد الاثنين يمكن أن يكون بالقوة حارا أكثر منه باردا أو ~~العكس، يكون الجسم في هذه النسبة عينها بالقوة أكثر حرارة أو برودة مرتين أو ثلاث مرات ~~أو على أية نسبة أخرى. # 6 # على ذلك كل الأشياء الأخرى تأتي من مزج الأضداد أو العناصر، والعناصر أنفسها تأتي من ~~هذه الأضداد التي هي بوجه ما العناصر بالقوة لا كما تكونه المادة، بل بالطريقة التي ~~ذكرت آنفا، وبهذه الطريقة تكون النتيجة التي تتحصل مزيجا، في حين أنها بالطريقة ~~الأخرى إنما هي المادة المحضة. # 7 # ومع ذلك فإن الأضداد أيضا ms165 هي قابلة على معنى الحد الذي أعطي في بحوثنا الأولى. مثال ~~ذلك الحار بالفعل هو بارد بالقوة والبارد بالفعل هو حار بالقوة أيضا، بحيث إنهما لولا ~~موازنة تامة لتغير أحدهما إلى الآخر. ويجري هذا المجرى في جميع الأضداد الأخرى التي ~~يراد ذكرها. وعلى هذا النحو إن العناصر بديا تتغير، ثم إن منها بعد ذلك تأتي اللحوم ~~والعظام وسائر الجواهر المشابهة، فيصير الحار باردا والبارد حارا بمقدار ما تقترب من ~~الحد الوسط؛ فهناك لا يوجد بعد لا أحد الضدين ولا الآخر. فالوسط متعدد وليس قابلا ~~للتجزئة. كذلك الأمر أيضا في السائل واليابس، وإن العناصر الأخرى من هذا القبيل حينما ~~تكون قد وصلت إلى الوسط تكون اللحم والعظام والجواهر المشار إليها. # 8 # | هوامش # | الباب الثامن # كل العناصر المختلطة المنتشرة حول المكان المركزي هي مركبة من جميع العناصر البسيطة. ~~وعلى هذا فإن فيها جميعها من الأرض؛ لأن كل واحد من هذه الأجسام هو الأحسن، وعلى ~~الغالب، في المكان الخاص به. ويوجد أيضا من الماء في كل المختلطة؛ لأنه يلزم أن تكون ~~المركبة محددة، وأن الماء من بين الأجسام البسيطة هو الوحيد الذي يتحدد بسهولة. ومن جهة ~~أخرى فإن الأرض لا يمكنها البقاء بدون الرطب الذي يمسكها مجتمعة، وإذا خلت تماما من ~~الرطب سقطت ترابا. # 1 # تلك هي العلل في وجود الماء والأرض في جميع الأجسام المختلطة. ولكنه يوجد فيها أيضا ~~هواء ونار؛ لأن هذين العنصرين هما ضدان للأرض وللماء؛ فإن الأرض ضد للهواء، والماء ضد ~~للنار بمقدار ما يكون جوهر ضدا لجوهر آخر. # 2 # على هذا حينئذ ما دامت أكوان الأشياء تأتي من الأضداد، فيلزم ضرورة أنه متى وجد طرفا ~~الضدين في الأشياء فإن الآخر من الضدين يوجد فيها على السواء. وبالنتيجة في كل مركب ~~تلغى جميع الأجسام البسيطة. # 3 # يظهر أن ظاهرة التغذية معتبرة في كل واحد من الموجودات تشهد بصحة هذه النظرية؛ فإن كل ~~الموجودات تتغذى بعناصر مماثلة للعناصر التي تركبها، فكلها تتغذى من عدة عناصر، بل إن ~~تلك التي يظهر ms166 عليها أنها تتغذى من عنصر وحيد كالنباتات التي تغتذي بالماء هي تغتذي في ~~الواقع بعناصر عديدة على السواء؛ ذلك بأن الأرض هي دائما ممتزجة بالماء، فترى كيف أن ~~الزراع في ريهم الزراعي لا يزيدون على أن يمزجوا الماء بالأرض. # 4 # ولكن من حيث إن التغذية تتعلق بالمادة، ومن حيث إن الموجود المغتذي على هذا النحو مع ~~أنه مشمول ومظروف في المادة هو الصورة والنوع، فطبيعي أن يظن أنه من بين الأجسام ~~البسيطة النار هي وحدها التي تتغذى، أما سائر الأخرى فهي لا تزيد على أن يكون بعضها ~~بعضا على طريق التكافؤ كما زعم القدماء؛ وذلك بأن النار وحدها هي على الأخص التي تمثل ~~الصورة ما دام أنها دائما بطبعها الخاص متجهة نحو الحد. وكل شيء هو بالطبع مسوق نحو ~~المكان الخاص به، ولكن صورة كل الأشياء ونوعها توجد دائما في الحدود التي ~~تعينها. # 5 # فيرى إذن بما تقدم أن جميع الأجسام تتركب من جميع العناصر البسيطة. # 6 # | هوامش # | الباب التاسع # لما أنه توجد أشياء كائنة وقابلة للدثور، وأن كل ما يتولد ويكون يوجد في المكان الذي ~~يحيط بالمركز، فيلزم بديا الكلام على كون الأشياء مأخوذا في كل عمومه وبيان عدد ~~مبادئه ومن أي طبع هي. وبهذه الطريقة ندرس بطريقة أسهل الحوادث الجزئية بعد أن نكون قد ~~حصلنا على معرفة الحوادث العامة. # 1 # وتلك المبادئ هي ها هنا من حيث العدد والجنس على ما هي عليه المبادئ التي تكتشف في ~~الموجودات الأزلية والأول. وأحد هذه المبادئ هو كهيولي والآخر هو كصورة، ولكنه يلزم ~~منها زيادة على ذلك ثالث ينضم إلى هذين الاثنين الآخرين؛ لأن هذين الاثنين ليسا أقدر ~~على تكوين شيء ها هنا منها في الأول. # 2 # وعلى هذا إذن إنما هي الهيولي التي فيما يتعلق بالموجودات الكائنة، هي العلة في ~~أنها يمكن أن توجد وألا توجد. فمن بين الأشياء ما توجد بالواجب، مثال ذلك الجواهر ~~الأزلية، ومنها ما يجب ألا توجد، فبالنسبة للأولى من المحال ألا توجد، وبالنسبة للأخرى ~~من ms167 المحال أن توجد؛ لأنه لا يمكن أن شيئا يكون على خلاف ما يقضي به الواجب. ولكن هناك ~~أشياء أخرى يمكن أن توجد وألا توجد على السواء، وهذه هي على التحقيق كل ما هو كائن ~~وهالك؛ لأن هذه الأشياء تارة توجد وتارة لا توجد، فحينئذ الكون والفساد لا يتعلقان ~~إلا بما يمكن أن يوجد وألا يوجد. # 3 # وذلك بما هو هيولي إنما هو علة الأشياء الكائنة، ولكن بما هو غرض غائي فالعلة إنما هي ~~الصورة والنوع. وهذا هو حد الماهية لكل شيء. # 4 # ولكنه يجب أن يضاف إلى هذين المبدأين مبدأ ثالث، هذا المبدأ لا يظهر على الفلاسفة ~~أنهم لمحوه إلا كما في الحلم، ولم يتكلم عنه ولا واحد منهم بنوع من الضبط، فقد ظن ~~بعضهم كسقراط في «الفيدون» أن طبع المثل قد يكفي لتعبير كون الأشياء؛ لأن سقراط - وهو ~~يعيب على الآخرين أنهم لم يقولوا شيئا في هذا الصدد - يفترض أن من الأشياء التي توجد ~~بعضها هي المثل والأخرى تتلقى هذه المثل التي تشاركها؛ وأن كون كل شيء هو مسمى بحسب ~~مثاله، وأن الأشياء تتكون متى تتلقى هذا المثال، وأنها تفسد متى تعدمه. وبالنتيجة إذا ~~كان كل هذا حقا فيكون سقراط يرى أن المثل هي بالضرورة علة كون الأشياء وفسادها، ~~وآخرون على الضد قد ظنوا أنهم يرون هذه العلة في المادة نفسها؛ لأنه منها على رأيهم ~~تصدر الحركة. # 5 # ولكن ليس الأولون ولا الآخرون على حق؛ لأنه إذا كانت المثل هي في الحق عللا، فلماذا ~~لا تكون دائما بطريقة مستمرة؟ ولماذا هي تكون تارة ولا تكون تارة أخرى مع أن المثل ~~تبقى دائما هي والأشياء التي يمكن أن تشركها؟ زد على هذا أنه يوجد أشياء يرى جليا أن ~~العلة فيها إنما هي شيء آخر غير المثال، فإنما الطبيب هو الذي يعمل الصحة، وإنما العالم ~~هو الذي يعمل العلم مع أن الصحة ذاتها والعلم ذاته موجودان هما والكائنات التي يقومان ~~بها. كذلك الحال أيضا في جميع الأشياء المصنوعة بحسب الفن الذي ms168 يمكن أن ~~يتمها. # 6 # ومن جهة أخرى حينما يدعي أن المادة هي التي تكون الأشياء بالحركة التي تعطيها إياها، ~~فلا شك أن هذا الرأي هو أكثر موافقة للطبع من نظرية المثل؛ لأن ما يحيل الأشياء ويغير ~~أشكالها يمكن أن يظهر أكثر من غيره بمظهر العلة في كونها. وعلى العموم في كل كائنات ~~الطبيعة كما في كل كائنات الفن ينظر عادة إلى كل ما يعطيها الحركة كأنه هو الفاعل ~~لها. # 7 # ومع ذلك فإن هؤلاء الفلاسفة الأخيرين ليسوا على حق؛ لأن الانفعال والتحرك إنما هما ~~الخاصتان اللتان تتعلقان بالمادة، في حين التحريك والفعل يختصان بقوة مغايرة تمام ~~المغايرة. وهذا هو ما يمكن مشاهدته أيضا في كل ما يعمله الفن كما في كل ما يعمله ~~الطبع؛ إذن فليس الماء نفسه هو الذي يوجد الحيوان الذي يخرج من باطنه (بل هو الطبع). ~~كذلك ليس الخشب هو الذي يصنع السرير بل هي الصناعة؛ ومن ثم يمكن استنتاج أن هؤلاء ~~الفلاسفة لم يحسنوا هم أيضا التعبير، وخطؤهم آت من أنهم أغفلوا العلة الأهم من جميع ~~العلل بحذفهم الماهية والصورة. # 8 # وينتج منه فوق ذلك أنهم ينسبون إلى الأجسام قوى يجعلونها بها تتوالد بحالة ميكانيكية ~~أكثر مما ينبغي بتركهم إلى ناحية العلة التي ترجع إلى النوع. ولما أنه تبعا لقوانين ~~الطبيعة كما يقولون الحار يفرق والبارد يجمد، ولما أن كل واحد من العناصر الأخرى يفعل ~~وينفعل على طريقته؛ فإن ذلك كاف عندهم في التقرير بأنه أيضا من هذا أو بهذا يكون سائر ~~الأشياء ويفسد، ويظهر لهم أن اليار نفسها تقبل الحركة وتنفعل. # 9 # يوشك أن يكون هذا الخطأ هو عينه خطأ من يذهب إلى اعتبار المنشار وما أشبهه من الآلات ~~الأخرى العلة الحقة لكل ما تصنع ويرجعه إليها بحجة أنه بمجرد ما ينشر يلزم ضرورة أن ~~يقطع الخشب، وبمجرد ما يصقل بالفارة، فهناك ضرورة أيضا أن ينصقل اللوح، وهلم جرا. ~~وبالنتيجة مع أن النار هي أفعل العناصر وأنها توصل الحركة الأقوى؛ فإنهم لا يرون كيف ~~أنها ms169 تفعل وأنها أردأ من الآلات العادية. # 10 # أما نحن فلما أننا تكلمنا فيما سبق على العلل على العموم لم نتصد ها هنا إلا لدرس ~~الهيولي والصورة. # 11 # | هوامش # | الباب العاشر # يلزم أن يزاد على ذلك اعتبار آخر؛ وهو أنه بما أن حركة النقلة أزلية كما سبق بيانه ~~فينتج منه بالضرورة أنه بهذه المثابة يجب أن يكون كون الأشياء متصلا أيضا على السواء؛ ~~لأن هذه الحركة تسبب إلى ما لا نهاية كون الأشياء بأن تأتي بالعلة التي يمكنها أن تكون ~~الأشياء ثم تأتي بها ثانية. وهذا يبرهن لنا في آن واحد على أن ما قدمناه صحيح، وعلى أنه ~~كان لنا الحق في أن نجعل النقلة لا الكون هي أول التغايير. وفي الحق أنه أدخل في باب ~~المعقول أن يجعل ما هو موجود علة لتكوين ما لم يوجد من أن نجعل ما لم يوجد العلة ~~الفاعلة لتكوين ما هو موجود. وإن ما هو خاضع للنقلة موجود، في حين أن الشيء الذي يكون ~~ويصير هو غير موجود؛ وذلك ما يجعل أن النقلة متقدمة على الكون. # 1 # بعد أن فرضنا وبينا أن في الأشياء كونا وفسادا متصلين، وأن حركة النقلة هي علة ~~تولد الأشياء يجب أن يكون من البين لدينا أنه ما دامت حركة النقلة وحيدة، فمن المحال ~~أن الكون والفساد يوجدان جميعا في آن واحد ما دام أنهما ضدان؛ لأن علة موجودة وباقية ~~هي بعينها وفي الظروف بعينها لا يمكن ألبتة أن تعمل إلا المعمول بعينه على حسب نظام ~~الطبيعة، وبالنتيجة فإما أن الكون هو الأزلي وإما أن الفساد هو الأزلي. # 2 # وعلى ذلك يلزم أن يوجد عدة حركات وحركات متضادات، إما باتجاهها وإما بتفاوتها؛ لأن ~~علل الأضداد هي أضداد كذلك. وليست النقلة الأولى إذن على التحقيق هي التي يمكن أن تكون ~~علة كون الشياء وفسادها، بل النقلة على حسب الدائرة المائلة؛ فإن في هذه النقلة حقا ~~يوجد في آن واحد اتصال لحركة واحدة وإمكان لحركتين؛ لأنه يلزم بالضرورة من أجل أن الكون ms170 ~~والفساد يمكن أن يكونا متصلين أن تكون الحركة سرمدية؛ حتى لا تتخلف هذه التغايير ~~نفسها أبدا. ومن جهة أخرى يلزم أن يكون عدد الحركات اثنين لا تكون إحدى هاتين ~~الظاهرتين هي التي تبقى وحدها على الدوام. # 3 # وعلى ذلك إذن إنما نقلة العالم هي علة الأبدية، وإن ميل الدائرة إنما هو الذي ينتج ~~التقريب أو التبعيد؛ لأنه قد يمكن أن تكون العلة تارة بعيدة وتارة قريبة، وبما أن ~~المسافة غير متساوية فالحركة تكون غير متساوية كذلك، وعلى ذلك إذا كانت الحركة بشهادتها ~~وقربها تسبب كون الأشياء فإن هذه الحركة نفسها بغيابها وابتعادها تسبب فساد ~~الأشياء. وفوق ذلك فإنها إذا كونت باقترابها عدة مرات فإنها تفسد بابتعادها عدة مرات ~~أيضا؛ لأن علل الأضداد هي أضداد بعضها لبعض. # 4 # يلزم أن يزداد على هذا أن الفساد والكون الطبيعيين يتحققان في زمان متساو. وهذا هو ~~الفاعل في أن زمن مدة كل كائن وزمن حياته يمكن أن تعبر بالعدد وتتعين بهذه الطريقة. ~~وفي هذا ترتيب ينتظم جميع الكائنات؛ فإن المكث والحياة هما دائما مقيسان بمدة ما تمضي. ~~غير أن هذه المدة ليست واحدة بالنسبة للبعض الآخر، وإن المدة التي يقاس بها وجود ~~الكائنات هي بالنسبة لهؤلاء سنة وبالنسبة لهؤلاء هي أكثر، في حين أنه بالنسبة لموجودات ~~أخرى المقدار هو أقل. # 5 # إن الظواهر المحسوسة لشاهدة بصدق ما نقوله هنا. متى تطلع الشمس يحصل كون، ومتى تغرب ~~يحصل فساد. وهاتان الظاهرتان تتحققان في أزمان متساوية؛ لأن زمن الفساد الطبيعي هو ~~مساو لزمن الكون، ولكنه يقع غالبا أن الفساد أسرع بعلة تفاعل العناصر بينها، وفي الحق ~~متى كانت المادة غير منظمة ولا واحدة بعينها في كل مكان لزم أيضا أن الأكوان التي تخرج ~~منها تكون غير منظمة مثلها، وأن يكون بعضها أسرع والآخر أبطأ، وحينئذ يمكن أن يصير كون ~~البعض فسادا للبعض الآخر. # 6 # على أن الكون والفساد - كما قلنا - يجب أن يكونا دائما متصلين، ولا ينبغي ألبتة أن ~~يتخلفا للأسباب التي ذكرناها. ومع ذلك فإن ms171 هذا مفهوم جدا؛ لأن الطبيعة كما نقرر ~~تبحث دائما عن الأحسن في كل الأشياء، والوجود هو أحسن من العدم، وقد عددنا في موضع آخر ~~المعاني المختلفة للفظ «وجود»، ولكنه لا يمكن أن الوجود يبقى في كل الأشياء ما دام أن ~~بعضها هي أكثر ابتعادا جدا عن المبدأ. وأخذا بالطريق الوحيد الذي بقي نقول إن الله ~~قد كمل الكل بأن جعل التولد متصلا وأبديا؛ فالوجود هو إذن ملتك ومتصل بقدر ما يمكن؛ ~~لأن كونا أبديا وصيرورة مستمرة هما أقرب ما يمكن من الوجود ذاته. وحينئذ فعلة هذا ~~الكون، كما طالما قد قيل، إنما هي النقلة الدائرية؛ لأنها هي وحدها التي تكون ~~متصلة. # 7 # فانظر كيف أن جميع الأشياء التي تتغير بعضها إلى بعض - بحسب خواصها القابلة والفاعلة، ~~كالأجسام البسيطة مثلا - لا تزيد أيضا على أن تقلد هذه النقلة الدائرية التي هذه ~~الأشياء تكررها. وفي الحق أنه متى كان الهواء يجيء من الماء والنار تجيء من الهواء، ثم ~~الماء يجيء في دوره من النار، فيمكن القول بأن الكون قد حصل دوريا ما دام أنه رجع على ~~نفسه. وعلى هذا إذن فإن حركة هذه الظواهر بامتدادها على خط مستقيم تقلد الحركة ~~الدائرية وتصير متصلة. # 8 # وهذا يسمح لنا في آن واحد باستجلاء مسألة يثار ثائرها أحيانا، وهي كيف يمكن - مع أن ~~كل جسم متمكن في المحل الخاص به - ألا تكون الأجسام المركبة منفصلة ومنحلة أثناء المدة ~~غير المتناهية للأزمان، والسبب في ذلك بسيط، وهو أنها تتغير وتتحول بعضها إلى بعض. فإذا ~~كان كل واحد منها يبقى في محله الخاص ولم يعدله جاره، فتكون من زمان طويل قد انفصلت ~~وانعزلت؛ فهذه الأجسام تتغير إذن على أثر حركة نقلة مزدوجة، ومن أجل أنها تتغير لا يوجد ~~ولا واحد منها يمكن أن يبقى ألبتة في مكان ثابت ومعين. # 9 # فيمكن أن يرى إذن بناء على ما تقدم أنه يوجد على الحقيقة كون للأشياء وفساد وما هي ~~العلة فيهما، كما أنه يرى ما هو المخلوق والقابل للفساد. ms172 ولكن ما دام أنه يوجد حركة ~~فيلزم أن يوجد محرك كما بين ذلك في مؤلفات أخرى. وإذا كانت الحركة أزلية يلزم أن يكون ~~موجودا شيء ما أزلي أيضا. ولما أن الحركة متصلة فهذا الشيء الذي هو أحد يجب أن يكون ~~هو عينه أبدا غير متحرك ولا مخلوق ولا قابل للاستحالة. حتى مع افتراض أن الحركات ~~الدائرية أمكن أن تكون كثيرة بالعدد فقد يمكن أن تكون عديدة، ولكنها جميعها ما دامت ~~فإنها يجب بالضرورة أن تكون خاضعة لمبدأ واحد أحد. ومن جهة أخرى ما دام الزمان متصلا ~~وجب أن تكون الحركة متصلة مثله؛ لأنه من المحال أن يوجد زمان بدون حركة؛ فإن الزمان هو ~~إذن العدد لشيء ما متصل؛ أعني للنقلة الدائرية كما قلنا ذلك بديا. # 10 # ولكن هل الحركة متصلة لأن المتحرك الذي يقبلها هو متصل أيضا؟ أم هل هي كذلك بعلة ~~اتصال المكان الذي تقع فيه - أريد أن أقول الأين - أو بعلة اتصال الكيف الذي يكيف ~~الشيء؟ من البين أن الحركة هي متصلة بسبب أن المتحرك متصل؛ لأنه كيف يمكن أن يكون ~~كيف شيء متصلا إلا إذا كان ذلك باتصال الشيء نفسه الذي فيه يظهر هذا الكيف؟ إذا كانت ~~الحركة ليست متصلة إلا بسبب المكان الذي هي فيه، فهذا لا يمكن حينئذ إلا بالأين الذي له ~~وحده خاصية الإحاطة بها لأن له عظما ما. ولا يوجد عظم متصل إلا عظم الدائرة؛ لأن هذا ~~العظم هو دائما متصل بنفسه، وعلى ذلك فالعامل في اتصال الحركة إنما هو الجسم الذي له ~~النقلة الدائرية، وإنما الحركة في نوبتها هي العاملة في أن الزمان يكون ~~متصلا. # 11 # | هوامش # | الباب الحادي عشر # لما أننا في جميع الأشياء التي تتحرك بحركة متصلة إما لتكون وإما لتستحيل وإما ~~بالاختصار لتتغير، نرى دائما حادثا يوجد بعد آخر وظاهرة تتكون على أثر أخرى، بحيث لا ~~يقع لا خلو ولا تخلف، فيلزمنا أن نفحص ما إذا كان يوجد شيء ما بالواجب أو أنه ممكن في ~~حق جميع الأشياء ألا ms173 تكون إذا لم يكن شيء موجودا بالواجب. وبديهي أن بعض الأشياء هي ~~واجبة، وهذا هو الحامل على أن القول على شيء بالتعيين إنه سيوجد هو مغاير تماما للقول ~~بأنه يجب أن يوجد؛ لأنه ما دام قد حق القول على شيء بأنه سيوجد فيلزم أيضا أن يحق ~~القول ذات يوم على شيء أنه موجود، في حين أنه متى صدق القول بالبساطة على شيء أنه يجب ~~أن يوجد فلا شيء يمنع من ألا يوجد؛ مثال ذلك: قد يمكن جدا أن إنسانا كان يجب أن ~~يتنزه ألا يتنزه. # 1 # ولكن لما أن من بين الأشياء التي هي موجودة ما يمكن أيضا ألا توجد، فبديهي أن يكون ~~الأمر كذلك أيضا بالنسبة للأشياء التي تصير وتكون، وأنه ليس هناك أيضا وجوب. فهل جميع ~~الأشياء التي تكون هي في هذه الحالة أم هل هي ليست فيها؟ أو ليس يوجد منها ما يجب ~~بالضرورة أن يكون؟ أو لا يكون الأمر بالنسبة إلى الصيرورة كما هو الحال بالنسبة للوجود؟ ~~أو ليس يوجد أيضا أشياء لا يمكن ألا تكون في حين أن أخرى يمكن أن تكون؟ مثال ذلك: وجوب ~~أن توجد المنقلبات الدورية، وليس ممكنا أنها لم تكن أصلا. # 2 # والحق هو أنه إنما يلزم بالضرورة أن المتقدم يكون لأجل أن المتأخر يكون أيضا في ~~دوره، مثال ذلك: لكي يوجد بيت يلزم بديا أن يوجد أساس، ولأجل أن يوجد أساس البيت يلزم ~~ملاط. ولكن هل لأن الأساس قد عمل يكون واجبا أن البيت يقام أيضا؟ أم هل ليس هذا ~~واجبا إلا إذا كان البيت نفسه واجبا على الإطلاق؟ وعلى هذا الوجه إذن من الضروري في ~~الواقع أنه ما دام الأساس قد عمل؛ فالبيت يكون أيضا؛ لأن هذا هو في الحقيقة علاقة ~~المتقدم بالمتأخر أنه إذا كان المتأخر يجب أن يكون فيلزم وجوبا أيضا أن يكون المتقدم ~~قد كان من قبله. # 3 # وإذا كان حينئذ المتأخر واجبا لزم أن يكون المتقدم واجبا كذلك، وإذا كان المتقدم ~~واجبا وكان المتأخر واجبا ms174 مثله، فذلك ليس بسببه بأية طريقة ما، بل فقط لأنه كان ~~المفترض وجوب المتأخر نفسه. وعلى هذا إذن فإنه حيثما كان المتأخر واجبا كان التكافؤ. ~~ودائما حينئذ متى كان المتقدم فواجب أن المتأخر يكون في دوره. # 4 # إذا سار التعاقب إلى اللانهاية نازلا من درجة إلى درجة، فمن ثم لا يكون واجبا أن ~~المتأخر يكون مطلقا. ولكن حتى هذا لا يكون واجبا بحسب الفرض الموضوع آنفا؛ لأنه ~~سيوجد دائما شيء آخر يتقدم بالضرورة على المتأخر، وهذا الشيء الآخر يجب أن يكون ~~بالضرورة أيضا. وبالنتيجة كما أنه لا يوجد مبدأ ممكن للانهاية فلن يوجد كذلك حد أول ~~عامل على أن الأخير يجب أن يكون بالضرورة. # 5 # ولكن حتى في الأشياء التي لها حد منته لا يصدق القول بأنه يوجد وجوب لأن تكون ~~الكائنات على الإطلاق، مثال ذلك أن البيت قد كان لأن الأساس قد كان؛ لأنه إذا البيت كان ~~من غير وجوب وجود دائم بالضرورة فينتج منه أن ما يمكن ألا يكون دائما يكون دائما. ~~ولكن شيئا لا يمكن أن يكون دائما من حيث كونه إلا إذا كان هذا الكون واجبا لأن ~~الواجب والأزلي يتمشيان معا، فما يكون وجوبا لا يمكن ألا يكون، وعلى هذا إذا كان ~~وجوبا فهو بذلك نفسه أزلي، وإذا كان أزليا فهو واجب الوجود، وكذلك الحال أيضا إذا ~~كان كون الشيء واجبا، فهذا الكون هو أزلي أيضا، وما دام أزليا فهو واجب الوجود على ~~سواء. # 6 # وإذا كان إذن الكون المطلق لشيء هو واجبا لزم ضرورة أن يكون هذا الكون دائريا ~~ويرجع على نفسه؛ لأنه يلزم مطلقا إما للكون حدا أو ليس له حد، فإن لم يكن له لزم أن ~~يقع على خط مستقيم أو على دائرة، ولكنه ليكون أزليا محال أن يكون على خط مستقيم؛ لأنه ~~حينئذ لا يكون له ابتداء لا من تحت كما نرى أخذا بالأشياء التي ستكون ولا من فوق إذا ~~أخذنا بالأشياء التي قد كانت. ولكنه يلزم ضرورة ابتداء للكون من غير ms175 أن يكون محدودا، ~~وإنه يجب أن يكون أزليا؛ فيوجد إذن ضرورة لأن يكون الكون دائريا، وعلى هذا النحو أن ~~التكافؤ أو الرجوع يكون واجبا، ومثلا لو أن شيئا كائن بالواجب لكان المتقدم على هذا ~~الشيء هو واجبا أيضا، وإذا كان هذا المتقدم واجبا يلزم وجوبا أيضا أن المتأخر يكون ~~... وهاك إذن إتصالا أزليا حقيقيا؛ لأنه لا يهم أن يقع الاتصال بين وسيطين أو عدة ~~وسطاء. على هذا فالوجوب المطلق لا يوجد إلا في الحركة وفي الكون الدائري، ومتى وجدت ~~الدائرة فكل شيء يكون أو كان بالواجب. وكذلك إذا وجد وجوب فالكون يقع ~~دائريا. # 7 # كل هذا الترتيب هو غاية في المعقول، وما دام قد بين أيضا في موطن آخر أن الحركة ~~الدائرية هي أزلية كما هي الحال في حركة السماء، فبديهي أن كل ذلك يقع وسيقع بالواجب، ~~وأن كل الحركات التي تتصل بتلك والتي تنتجها هي واجبة مثلها؛ لأنه إذا كان الجسم الذي ~~يقبل أزليا الحركة الدائرية يوصلها إلى جسم آخر فينتج منه أن حركة هذه الأجسام الأخر ~~يجب أن تكون دائرية أيضا، ومثلا لما أن النقلة تحصل بطريقة ما في الأفلاك العليا ~~فيلزم أن الشمس تتحرك بالطريقة عينها. ومتى كان هذا هكذا بالنسبة إلى الشمس فللفصول ~~بهذه العلة مجرى دائري وترجع دوريا. وما دامت كل هذه الظواهر العظمى تقع بهذه الطريقة ~~فكل الظواهر السفلى تحصل بالانتظام عينه. # 8 # ولكن حينما توجد أشياء تتحقق بالفعل على هذا النحو، ومثلا حينما الماء والهواء يكون ~~لهما هذه الحركة الدائرية ما دام أنه لأجل تكوين السحاب يلزم أن تكون قد أمطرت، ولأجل ~~أن تمطر يجب أن يوجد السحاب، فكيف يحصل أن الناس والحيوانات لا تعود هي أيضا على نفسها ~~بحيث إن الشخص نفسه يظهر مرة أخرى؟ لأنه من أن أباك قد كان، لا ينتج ضرورة أنك كان يجب ~~أن تكون. والذي هو ضروري فقط إنما هو أنه إذا كنت فيلزم أن أباك قد كان. والعلة في ذلك ~~هي أنه إنما هذا تناسل يقع ms176 على خط مستقيم. # 9 # غير أن مبدأ البحث الذي نتصدى إليه ها هنا سيكون أيضا أن نتساءل عما إذا كانت كل ~~الأشياء تعود أيضا إلى أعيانها أو لا تعود، وعما إذا كان حقا أن بعضها يعود بالعدد ~~وبالشخص في حين أن الأخر لا تعود إلا بالنوع. بالنسبة لجميع الأشياء التي يمكث جوهرها ~~غير قابل للفساد في الحركة التي يلقاها من البين أنها تبقى دائما عدديا متماثلة ما ~~دام أن الحركة تطابق حينئذ المتحرك. ولكن كل الأشياء التي على ضد ذلك جوهرها قابل ~~للفساد، فإنها يجب ضرورة أن تتم هذه الرجعى لا عدديا بل فقط بالنوع، وعلى هذا النحو ~~أن الماء يأتي من الهواء، وأن الهواء يأتي من الماء، يأتي هو في نوعه لكن لا هو ذاته ~~عدديا. غير أنه إذا كان من الأشياء ما ترجع عدديا أيضا بأعيانها فليست ألبتة هي ~~التي جوهرها هو بحيث إنه يمكن ألا يكون. # 10 # | هوامش # | تحقيق على الكتاب الموسوم # في ميليسوس وفي إكسينوفان وفي غرغياس # لترجمة هذا الكتاب الصغير اعتمدت على طبعة ف. ج. أ. مللاخ المنشورة سنة 1846 ~~والمنقولة في مجموعة فيرمين ديدو الإغريقية. # 1 # وهذه الطبعة جيدة قد أعادت إلى سيرته الأولى بطريقة توشك أن تكون نهائية ~~كتابا مهما جدا على ما فيه من نقص. وقد استعان مللاخ لإصلاح النص فوق أعمال من ~~تقدمه نسخة مخطوطة من مكتبة ليبزج العمومية يظهر أنها أضبط النسخ التي وصلت إلينا. وهذه ~~المخطوطة كان قد استعانها بعض الشيء أولياريوس وهو يعمل لمجموعة فبريسيوس الإغريقية ~~(طبعة هارلس ج3 ص284). ولم تبتدئ البحوث الأدخل في باب الجد والنفع إلا على يد فلبورن ~~الذي نشر سنة 1709 شرحه المسمى: # Liber de Xenophane, zenone et Gorgia, ~~Aristoteli Vulgu tributes, Passim illustratus ~~. # وبعد أربع سنين حذا ج. ل. أسبلدنج حذو فلبورن في بحثه مدرسة ميجار، فأبرز الجزء الأول ~~من الكتاب «في إكسينوفان وزينون وغرغياس». # 2 # وكان بين يدي أسبلدنج مخطوطة ليبزج استخرج منها عدة اصطلاحات، وبهذه ~~المساعدة تسنى له أن نشر ms177 نصا محسنا جدا وقرن به تعليقات ممتعة على الفقرات الأشد ~~غموضا، ولكنه لم يقرن به ترجمة، وإنما كان الجديد في هذا التحقيق هو أن أسبلدنج كان ~~يجعل الجزء الأول من الكتاب مخصوصا بمذاهب ميليسوس، وكان يثبت ببراهين قاطعة أن اسم ~~ميليسوس كان يجب أن يستبدل باسم زينون. وقد قبل من يومئذ رأي أسبلدنج هذا، وإني لذاكر ~~الآن السبب الذي يوجب قبوله. # ولم يستطع أسبلدنج مع فحصه مخطوطة ليبزج مقابلتها بطريقة مضبوطة تماما، واعتمد على ~~الأخص على الإصلاح الخفيف الذي عمله فيها أولياريوس. غير أن كر. دان. بك - مغير جامعة ~~ليبزج الشهير الذي كان قد يسر بحوث أسبلدنج - قد أخذ على عاتقه إتمام تلك البحوث؛ فنشر ~~في السنة عينها كل الروايات المختلفة في تلك المخطوطة الثمينة على هذا الكتاب وعلى بعض ~~مؤلفات أخرى لأرسطو. # 3 # وهذه النسخة المطبوعة التي اعتد بها مللاخ فضل اعتداد لم تكن - فيما يظهر ~~- لتقدر، بل لم تكن لتعرف عند علماء اللغة الذين اشتغلوا بعد ذلك إما بأمر مدرسة إيليا ~~على العموم، وإما على الخصوص بالكتاب الخاص الذي فيه فحصت مذاهب إكسينوفان وميليسوس، ~~فالمجمع العلمي ببرلين مثلا لم ينتفع بها في طبعته حق الانتفاع، حتى إن مللاخ قد ~~أظهر الأسف لهذا الإهمال الذي كان اتقاؤه ميسورا. # 4 # في سنة 1843؛ أي بعد اثنتي عشرة سنة قد سد تيودور برج بعض هذا النقص، فاعتمد على ~~روايات بك، ووضع شرحا أمتع من كل ما تقدمه من الشروح. # 5 # ومع أن هذا العمل قد كان موضع المدح والاستحسان فإنه لم يثن مللاخ عن ~~إعادة النظر من جديد، فنشر - بعد عمل برج بثلاث سنين - الطبعة والشرح اللذين ذكرتهما ~~آنفا. غير أن مللاخ وأسبلدنج لم يترجما الكتاب مع أن ترجمة كتاب مثل هذا مخروم أشد ~~ضرورة من ترجمة غيره. فظلت خير ترجمة لاتينية هي ترجمة جان برناردان فيليشيانو المعلم ~~في البندقية سنة 1552، ولكن مع أن هذه المخطوطة التي ترجمت قليلة التحريف فإنه كان من ~~الممكن أيضا بل من النافع تصحيحها وضبطها، وقد نقلت ms178 في طبعة المجمع العلمي في ~~برلين. # تلك هي الأعمال التي تناولت الكتاب على ميليسوس وإكسينوفان وغرغياس حتى الآن. وإنه ~~لينبغي أن يضم إليها تحقيق «م. هنري إدواردفوس» على غرغياس الليونتيومي؛ # 6 # إذ إنه نشر فيه - من غير ترجمة النص - الجزء الذي يتعلق على الأخص بغرغياس؛ ~~أي الباب الخامس والسادس من هذا الكتاب الذي نترجمه، وذيله بتفسير. # وبعد هذه التفاصيل اللغوية يلزمنا الكلام على الكتاب ذاته: في أية حال وصل إلينا؟ ومن ~~هو مؤلفه على المشهور؟ وما هي قيمته الذاتية؟ # فأولا ما هو العنوان الذي يجب أن يعنون به هذا الكتاب الصغير؟ عند القدماء جميعا ~~تقريبا وعند المتأخرين إلى بحوث أسبلدنج كان عنوانه المجمع عليه على العموم هو: «في ~~إكسينوفان وفي زينون وفي غرياس». أو بحسب مخطوطة ليبزج في زينون وفي إكسينوفان وفي ~~غرغياس»، فإن أسبلدنج بتقريبه شواهد «سمبليسيوس» العديدة من تحاليل هذا الكتاب أبان ~~بطريقة لا تحتمل النقض أن المقصود في الجزء الأول هو ميليسوس لا إكسينوفان؛ فإنه في ~~شرحه الممتع على كتاب الطبيعة لأرسطو قد نقل فقرات تامة من ميليسوس على الموجود أو ~~الطبيعة. وهي مشابهة حتى في ألفاظها في بعض المواطن كل المشابهة للتفاصيل المسطورة في ~~هذا الكتاب الذي نترجمه. فلما وضع أسبلندج هذه الموافقات بعضها قبالة البعض الآخر وقارن ~~بينها وجها لوجه لم يعد بعد في الإمكان إنكار أن ميليسوس هو الفيلسوف المتكلم عنه في ~~البابين الأولين. # إلى هذا الدليل الذي يكفي وحده في إثبات المطلوب ينضم دليل آخر، وهو أنه في فهرس ~~«ديوجين اللايرثي» (ك5 و1 وف25 طبعة فرمين ديدو ص116) ذكر صريح لكتاب أرسطو على مذاهب ~~ميليسوس. وهذا الذكر ليس مفردا، بل يؤكد ديوجين أن أرسطو قد نقد أيضا آراء زينون، ~~وكذلك قد بحث بحثا خاصا في مذاهب أتباع فيثاغورث وأرخيتاس وسبوسيب وأكزينوقراط ... ~~إلخ. # وفهرس ميناش المجهول واضعه يؤيد شهادة ديوجين اللايرثي، وإنه ليذكر أيضا بحوث أرسطو ~~في مذهبي ميليسوس وغرغياس. وما من شيء أقرب إلى الاحتمال من أن يكون أرسطو قد اشتغل ~~بمذاهب ميليسوس؛ ms179 إذ إن ما بين أيدينا من كتبه يدلنا على شدة اضطلاعه بجميع الفلسفات ~~المتقدمة على فلسفته، وهو يذكر ميليسوس غالبا. وإننا ذاكرون أكثر من مرة ماذا قال عنه ~~وعن إكسينوفان، سواء في علم الطبيعة أو في علم ما بعد الطبيعة أو غيرهما. # وعلى هذا فالحق في جانب «أسبلدنج» في أن الجزء الأول من هذا الكتاب يتعلق ~~بميليسوس. # ربما نتساءل كيف كان لهذا الشك سبيل إلى هذه النسبة. إذا كان أرسطو ينقد ميليسوس أو ~~فيلسوفا آخر بعينه، فيكون واجبا عليه فيما يظهر أن يسميه باسمه؛ إذ لا مسوغ لهذا ~~الإبهام الذي لا يفسر. ولكنه لسوء الطالع لم يفعل، بل قنع في هذه الكتب بأن يقول ~~دائما: «هو»، دون أن يعين أسسا مرجعا لهذا الضمير. ولا سبيل إلى معرفة من هو ~~المعني بالنقد إلا تعرف صاحب المذهب المنقود من مذهبه نفسه. وعلى ذلك فإن هذا الكتاب ~~إنما كتب بغير عناية في شكله الظاهر على الأقل، وإن مؤلفه أيا كان قد أخطأ في أنه لم ~~يكن مبينا، حتى لقد احتيج إلى فطنة الفلاسفة المتأخرين لسد هذا النقص الذي ربما لا ~~يكون منشؤه إلا خطأ ناسخ. # وإن ما أقوله هنا عن ميليسوس يوشك أن يكون منطبقا على إكسينوفان أيضا؛ فإنه ليس ~~مسمى كذلك في الجزء الثاني من الكتاب، ولكنه مع ذلك لا سبيل إلى الشك في أمره؛ لأن ~~مذاهبه معروفة أكثر من مذاهب ميليسوس، فنسبة ما يقال هنا إليه لا يتطرق إليها ~~الخطأ. # إن هذا اليقين ينسحب من باب أولى على غرغياس الذي هو غير مسمى أيضا في أول الجزء ~~الثالث (ب5 و6) الذي يخصه، ولكن براهينه قد نقلت إلينا على يد سكستوس أمبيريكوس # adversus mathimaticos exlogicos # ك7 ج2 ص285طبعة ~~سنة 1842 ج1 ص134، وإنها تماثل على الإطلاق البراهين التي تراها في هذا الكتاب. # من هذا استنتج أن العنوان النهائي الذي يجب أن يحمله هذا الكتاب هو «في ميليسوس وفي ~~إكسينوفان وفي غرغياس»؛ فإن هذا العنوان يتفق تماما وما يحويه الكتاب، وقد أحسن مللاخ ms180 ~~في اتخاذه، ومنذ الآن لا يمكن إلا اتخاذ هذه الصيغة عنوانا لهذا الكتاب كما فعل مللاخ. ~~أما أنا فإني لم أتردد لحظة في اتخاذها، وفي الحق إنه ليبقى أن تعيين «زينون في عنوانات ~~النسخ المخطوطة لا مسوغ له، غير أني سأحاول فيما يلي مقتفيا أثر مللاخ اكتشاف المصدر ~~الذي يمكن أن يكون صدر عنه هذا التعيين. والآن أسوق القول إلى ما كنا بصدده.» من حيث ~~العنوان لنفرغ منه. # قد راجع بيكر مخطوطتين معنونتين يخالفان العنوان العادي مغفلا فيهما ذكر الأسماء ~~والأعلام. فالعنوان فيهما بالبساطة هو: «كتاب أرسطو على المذاهب» أو «كتاب أرسطو على ~~مذاهب الفلاسفة»؛ فالعنوان الأول هو لمخطوطة في مكتبة سنت مرك في البندقية # q ~~، والثاني لمخطوطة في الفاتيكان # Bg # بحسب تعريف بيكر. واختلاف هاتين الروايتين مهم ~~من حيث افتراض أن الشكوك كانت متسللة حتى في الأزمان القديمة إلى صحة العنوان المشهور. ~~ومن المحتمل أنهم لم يكونوا ليتعرفوا إكسينوفان وزينون في الجزء الأول والثاني (ب1، 2، ~~3، 4). وتلقاء هذا الغموض استحبوا عدم التعيين، فقد كان وسمهم الكتاب بأنه «على المذاهب ~~الفلسفية» لا مسئولية فيه؛ لأنه هو مع ذلك على سعته صحيح إن لم يكن مضبوطا. وما كنت ~~لأتخذ هذا الوسم دون غيره، ولكنه يلزم أن يقام له وزن؛ ولذلك ذكرته. # أما وقد تحدد العنوان وبين على هذه الصورة، فمن هو مؤلف الكتاب؟ أأرسطو هو أم هو ~~آخر؟ # مخطوطة في الفاتيكان مرقومة # Rg # طبعة برلين، تنسب هذا ~~الكتاب إلى تيوفراسط، أو على الأقل هي تدرجه ضمن كتب أخرى كلها لتلميذ أرسطو وخليفته. ~~وإن ما يجعل لهذا الفرض محلا من الشبه بالحق والثقة هو أن سمبليسيوس في شرحه على كتاب ~~الطبيعة (الورقة # 6A ~~) يستشهد بفقرة من تيوفراسط فيها ~~ينقل هذا المؤلف عن إكسينوفان آراء مطابقة تمام المطابقة لما نقرؤه في هذا الكتاب. ولا ~~شك في أن هذين السببين هما الحاملان برنديس في «تاريخه للفلسفة الإغريقية واللاتينية» ~~(جزء 1 ص358) على أن يسحب هذا الكتاب من أرسطو ليرده إلى تيوفراسط. ولكن هذا التغيير لم ms181 ~~يحل محل القبول من ذوق علماء اللغة، ولو أنه صادر عن حكم لا يقل عنهم في العلم ولا ~~في الحذق؛ فقد صرح م. تيودور برج أن هذا الكتاب على رأيه ليس أحق بتيوفراسط منه ~~بأستاذه. # وإني هنا على رأي مللاخ، وأرى - كما يرى - أن ذلك تجاوز أبعد جدا مما ينبغي. وقد ~~نبهت الساعة أن هذا الكتاب لم يكن ليكتب بالعناية المطلوبة ما دام الفلاسفة الذين تنقد ~~فيه مذاهبهم ليسوا معينين بأسمائهم، ولكن في مجموع تأليف أرسطو كما نقلته إلينا القرون ~~كم من غلطات من هذا النوع، وكم من إهمال في التحرير، وكم من قطع لم تتم؛ وكم من صحف ~~مشوشة حتى في أجمل كتبه مثل«ما بعد الطبيعة» مثلا! على أن الأسباب التي حملت أرسطو على ~~أن يترك كل مخطوطاته في حالة نقص معروفة، فإنه لم يكد ينشر شيئا مدة حياته، ولم يكن ~~إلا حين ناهزت سنه للخمسين عول على إظهار شيء من تعاليمه. فلما فوجئ بالحركة الموجهة ~~ضد المقدونيين بعد وفاة الإسكندر، واضطر إلى هجرة آتينا على عجل مشردا منفيا لم يسكن ~~إلى محل طمأنينة أن عاجلته المنون لا تعرف كيف كانت، ولكن المعروف أنها كانت ميتة عنيفة ~~في سن الثانية والستين؛ فجمع تيوفراسط كل ما كان تركه أستاذه من الأعمال والأوراق، ولم ~~ينشر منها شيئا هو نفسه أيضا فيما يظهر. وبقية الحكاية معروفة؛ فإن العالم الغربي لم ~~يكد يعرف مؤلفات أرسطو إلا حينما جيء بها من آتينا بعناية «سلا» فرتبت بطريقة حسنت أو ~~ساءت بعناية «أندرونيكوس الرودسي». # وقد يكون من الغريب أن مخطوطات أهملها المؤلف بحكم الضرورة وأهملها خليفته الأول هي ~~أحسن نظاما في الترتيب من غيرها؛ فإن التشويش أو بالأولى النقص في كتيبنا هذا لا يطعن ~~فيه، بل إني قائل إن هذا الكتاب على ما وجدناه عليه ليس فيه من عدم النظام والخرم مثل، ~~وفي مؤلفات أرسطو التي لا شك في صحة نسبتها إليه. بل قد يكون هذا الكتاب أبعد عن سوء ~~التأليف فإن الأجزاء الثلاثة التي يتألف ms182 منها متميز بعضها عن بعض ومتتابعة من غير ~~خلط، وعرض المذاهب المنتقدة فيه هو من الوضوح والتنسيق بمكان. وإذا كان لم يتقبل على ~~العموم بقبول حسن فذلك لأن طابعيه الأولين قد شوهوه بأغلاط شتى تلافتها من بعد ذلك ~~عناية المتأخرين وحذقهم حتى لم يبق منها شيء، وإني ألفت إلى هذا نظر القارئ الفطن الذي ~~يريد فحص هذا الكتاب الصغير لأن يأخذ بالطبعة التي أصلحها مللاخ وبترجمتي هذه. # ومهما يكن هذا الكتاب «في ميليسوس وإكسينوفان وغرغياس» ظنينا في نسبته إلى أرسطو؛ ~~فإنه لا شيء فيه يبعده عن مدرسة المشائين الملاصقة عهدا بأرسطو. وإني لألقي القياد إلى ~~رأي مللاخ الذي يميل إلى اعتبار هذا الكتاب خلاصة من مؤلفات أرسطو التي ذكرها ديوجين ~~اللايرثي كما ذكرناه آنفا. وقد تكون هذه الخلاصة من وضع بعض المشائين، كما يحتمل أن ~~يكون تيوفراسط قد اقتبس كذلك من مؤلفات أرسطو ما رواه عن إكسينوفان كما يذكره لنا ~~سمبليسيوس. وإن في مؤلفات أرسطو لخلاصات من هذا القبيل، والشاهد على ذلك أسلوب «علم ~~الأخلاق الكبير» وأسلوب «علم الأخلاق إلى أوديم»؛ فإنهما ليسا إلا تحاليل ممتعة كثيرا ~~أو قليلا لكتابه «علم الأخلاق إلى نيقوماخوس». ولقد أستطيع أن أستنتج أنه إن كان هذا ~~الكتاب ليس من عمل أرسطو ولا من عمل تيوفراسط، فهو على أقل ما يكون من زمان لا يبعد ~~كثيرا عن زمانهما. وهذا وحده يكفي أن يجعل له أهمية إنكارها محال. # ولقد تأخذ بي القيمة العالية لما يحويه هذا الكتاب بالنظر إلى تحريره، فضلا عن أن ~~ميليسوس وإكسينوفان وغرغياس رجال ثلاثة كبار لا يمكن لتاريخ الفلسفة أن يهمل تذكارهم. ~~ولو أنهم هنا لم يرتبوا على مقتضى الترتيب الزماني فإن هذا لا ينقص قيمة القول فيهم، ~~ولن تجد في أي كتاب آخر قولا على ثلاثة الفلاسفة المذكورين مستفيضا كما في هذا ~~الكتاب، ولا شك في أنه يرغب في أن أزيد من ذلك، ولكن هذه المقاطيع هي كل ما لدينا عن ~~مجموع مذاهبهم، والشكر علينا واجب لمن حفظ الكتاب على هذه ms183 الصورة، فإن مدرسة إيليا على ~~رغم أغلاطها بالغة غاية المجد، وإنه إلى جانب آرائها الدقيقة الخافية في وحدة الموجود ~~ولا تحركه، فمن المشوق الاستماع إلى نظرياتها السامية العميقة على وجود الله وقدرته ~~الكلية. وبهذه المثابة فإن إكسينوفان الذي يعتبر مؤسس مدرسة إيليا رجل كبير المقام، ~~وإنه قد تنبأ قبل سقراط وأفلاطون بنبوءات خليقة بهما. وميليسوس وإن لم يكن في مستوى ~~إكسينوفان يستحق على الأقل ألا ينسى. وأما غرغياس فمهما كان سفسطائيا فهو لا يحط ~~مطلقا قدر الطائفة التي يضعونه فيها، وفي الحق حسبنا أن نذكر أن أفلاطون وضع تحت هذا ~~الاسم الشهير واحدة من أجمل محاوراته. # ولكن كيف في النقد الموجه لمدرسة إيليا ومذاهب أهلها يغفل المؤلف أمر زينون؟ كان اسم ~~زينون في عنوان الكتاب في أكثر النسخ المخطوطة؛ فلماذا لم يكن له وجود في صلب الكتاب؟ ~~من أين هذا الإغفال وهذا النقص؟ يرى مللاخ بحق أن هذا الكتاب الذي ليس له الآن إلا ~~ثلاثة أجزاء كان يجب أن يكون فيما سبق مؤلفا من أربعة أجزاء، وأن نقد زينون كان يجب أن ~~يتلو نقد إكسينوفان. وهذا الفرض مقبول، وقد يستنتج طبعا من أن أرسطو قد فحص مذاهب ~~زينون كما فحص مذاهب الفلاسفة الثلاثة الآخرين. ويؤيد مللاخ هذه القرينة بفقرة في هذا ~~الكتاب (ب5 ف3) حيث ذكر فيها اسم زينون عقب اسم ميليسوس بالصراحة. وإلى هذه الفقرة يمكن ~~أن يضاف أيضا فقرتان تكادان تكونان في المعنى عينه (ب6 ف6 و9). وهكذا دون أن نخرج من ~~هذا الكتاب الصغير يمكننا أن نجد براهين تكفي للقول بأنه كان لهذا الكتاب جزء رابع أفرد ~~القول فيه على زينون، ولكنه غير موجود الآن. وهذا الجزء كان يأتي في الترتيب عقب الجزء ~~الخاص بإكسينوفان. # وفوق ذلك فإن في الفقرة الأولى من الباب الثاني يرى أن ميليسوس مسمى ومقربا من ~~إكسينوفان الذي لا يجيء فحص مذهبه إلا بعد فحص مذهب ميليسوس. فيظهر من المحقق إذن أن ~~غرض مؤلف هذا الكتاب الصغير أن يدرس ميليسوس قبل إكسينوفان. كذلك ms184 يوجد هذا الترتيب في ~~فهرس ديوجين اللايرثي؛ فإن كتاب أرسطو على ميليسوس مقدم على كتبه على غرغياس وإكسينوفان ~~وزينون. ولكنه لو روعي الترتيب الزمني كما كان يجب أن يعمل لكان إكسينوفان هو الأول ~~وزينون الثاني وميليسوس الثالث وغرغياس الأخير. لا ينبغي أن يعلق على هذه المسائل من ~~حيث الترتيب الزمني أهمية كبرى، ولكن تعاقب المذاهب لا يجود فهمه إذا خلطت العصور من ~~غير ترتيب، وإنما ينفع الفلسفة ذاتها أن يتحرج في ترتيب عصورها بالتسلسل على قدر ~~الإمكان. # يوشك ألا يكون من الأهمية بمكان ذكر أن يكون أرسطو هو الذي أخطأ في الترتيب إذا كان ~~هو مؤلف الكتاب أو أن مختصره هو الذي ارتكب هذا الخطأ، فإني تارك إلى جانب مسألة ~~الترتيب التي هي مادية محضة لأقول بعض كلمات على الفلاسفة الثلاثة المذكورين في كتابنا ~~هذا. # اشتهر إكسينوفان بأنه كان رئيسا لمدرسة إيليا، وهذا هو المجد الذي يسند عادة إليه، ~~وإن كان أفلاطون في الفقرة الوحيدة التي ذكر فيها إكسينوفان يشير - فيما يظهر - إلى أن ~~مدرسة إيليا أقدم منه (السفسطائي ص241 من ترجمة كوزان وص119 ب44 من الطبعة الإغريقية في ~~طورينو سنة 1839). لما نفي إكسينوفان من وطنه كولوفون إلى يونيا آسيا الصغرى يظهر ~~أنه هاجر إلى صقلية واحتمى فيها بمدينة زنكل ثم بقطنة، ثم ذهب إلى إيليا التي كان قد ~~أسسها حديثا الفوكيون سنة 536 قبل الميلاد على شواطئ إغريقا الكبرى وعلى بحر ~~طرهينيا، وأنشأ فيها هو نفسه هذه المدرسة التي اشتهرت بها تلك المدينة الجديدة، ولا ~~يدرى أمات بها أم رجع إلى كولوفون. والظاهر أنه عمر طويلا متى سلم بصحة ما نقل إلينا ~~من بعض أبيات يقول فيها: # 7 # إن سنه أربت على الثانية والتسعين. وفي الحق إن هذه الأبيات يمكن أن ~~تفسر بمعنى آخر تدل به على أن إكسينوفان كانت سنه وقتئذ سبعة وستين عاما، وأن ~~الحوادث التي قيل فيها الشعر حصلت حين لم يبلغ عمره إلا خمسة وعشرين؛ فإنه يقول: «إذا ~~صح أني أستطيع الكلام على هذه الأشياء ms185 بصورة مضبوطة.» يقول ديوجين اللايرثي: إنه ظهرت ~~آثاره نحو السادسة والستين أولمبية؛ يعني نحو السنة 540، وبفرض أنه كانت سنه في هذا ~~الحين 45 أو 50 سنة، فيكون ميلاده متأخرا قليلا عما يفترض له؛ إذ يقال: إنه ولد سنة ~~617 قبل الميلاد. # وإن ما يحمل على الظن بأن ميلاد إكسينوفان يجب أن يكون أقرب من ذلك هو أنه استشهد ~~بفيثاغورث # 8 # الذي ربما قبل آراءه في التناسخ. ولقد نعلم بشهادة شيشيرون الصريحة ~~(الجمهورية ك2 ب15) أن فيثاغورث لم يأت سيباريس وقروطون إلا في سنة 62 أولمبية؛ أي ~~السنة الرابعة من حكم طرخان العظيم؛ أعني سنة 530، أفيكون من المحتمل أن إكسينوفان ~~تكلم عن فيثاغورث وهو حي بما تكلم به. وحينئذ ألا يلزم عليه أن ينزل بالعصر الذي عاش ~~فيه وبميلاده إلى أنزل من ذلك. وإليك هذه الأبيات: # لما رأى ذات يوم كلبا يضربه بالسوط صاحبه # أخذته الشفقة بهذا الكائن الشقي # فقال: لا تضرب تلك هي روح صديق # تعرفته بسماع صراخه. # وقد زاد ديوجين اللايرثي الذي روى هذه الأبيات في ترجمة فيثاغورث - في موضع ~~آخر # 9 ~~- أن إكسينوفان كان يحارب مذهب حكيم ساموس ومذاهب طاليس وإيبيمينيد، كما ~~أنه كان ينقد بحدة ما كان يصور به هيزيود وهوميروس الآلهة وشهواتهم ونقائصهم. وقد كان ~~إكسينوفان يودع أفكاره القصائد والحماسيات التي كان يقرضها، بل قد يكون محتملا أنه كان ~~يرتزق على دأب «رهبسود» بإنشاد قصائده ليطرب السامعين ويستجدي سخاءهم. # وإذا كان إكسينوفان قد طعن في آراء طاليس وفيثاغورث وإيبيمينيد، فيجب أن يكون متأخرا ~~عنهم، وليس محالا أن يكون قد عاش إلى زمن الحرب الأولى الميدية ~~(سنة 490 قبل المسيح). # وهناك واقعة قد لا يستطاع الشك فيها ما دام أرسطو يشهد لها (الميتافيزيقا ك1 ص146 ~~ترجمة كوزان)، وهي أن برمينيد كان تلميذ إكسينوفان. وعلى هذه النقطة كل القدماء على ~~وفاق، غير أننا نعلم يقينا من أفلاطون (تييتيت ص154 والسفسطائي ص164 ترجمة كوزان) أنه ~~حينما جاء برمينيد آتينا مع زينون كانت سنه 65 سنة (البرمينيد ص6 ترجمة كوزان ms186 وص751 ~~طبعة طورينو 1839). وبفرض أن سقراط كان حديث السن عند حواره برمينيد المنقول لنا في ~~المحاورة المشهورة بهذا الاسم، ولم يكن عمره إلا عشرين سنة، فإن هذا ينقلنا إلى سنة 450 ~~قبل الميلاد. وعلى هذا الفرض يكون برمينيد قد ولد في سنة 515، وليتلقى العلم على ~~إكسينوفان يلزم أن يكون هذا الأخير قد مات في نحو العهد الذي ذكرناه آنفا. # غير أني تارك مرة أخرى هذه المجادلات التاريخية # 10 # لأقف برهة عند آراء إكسينوفان الفلسفية التي لها في نظري أهمية أخرى. ولئن ~~كان فيما يتعلق به نقطة مجمع عليها فإنما هي أفكاره في الآلهة، بل يمكن أن يقال أفكاره ~~في الله، كانت أصح وأرقى من أفكار معاصريه . وهذا الكتاب الذي نترجمه يكفي وحده في إثبات ~~هذه الدعوى، غير أن الشواهد على ذلك متواترة أكثرها جوهرية شاهد إكسينوفان نفسه. ولم ~~تنخدع المسيحية في أمره؛ فإن كليمان السكندري (أستروماتس ك5 ص601) يثني على فيلسوف ~~كولوفون بأنه نزه الله تعالى عن التجسد، وبأنه قال: # واحد قدير على كل شيء، ملك الأشدين قوة، فالله لا يشبهنا لا بالعقل ولا ~~بالجسم، وإن الناس بتصويرهم الآلهة على صورتهم يسندون إليهم أفكارهم وأصواتهم ~~ووجوههم. # ويروي كليمان السكندري فوق ذلك أبياتا أخرى تكرر هذه الفكرة عينها في قالب آخر، ~~وفيها يقول إكسينوفان: # إذا كان للثيران والأسود أيد تصور كما يصور الناس لأعطت الآلهة التي تصورها ~~أجساما أشبه بأجسامنا، ولكانت الخيل تصورهم بصور خيل، والثيران تصورهم بصور ~~ثيران. # منذ إكسينوفان قلدت هذه الأبيات التي هي غاية في الحق ألف مرة، ولكيلا يصور الناس ~~الله على صورتهم حين يحاولون تصويره اضطروا أن يكفوا على الإطلاق عن تمثيله كما يهدي ~~إليه بعض الديانات المتشددة إلى الغاية. # بعد أبيات إكسينوفان يمكن الاستظهار بشهادة أرسطو في مؤلفاته الأخرى غير هذا الكتاب ~~الذي نترجمه مثل ما في الخطابة: (ك2 ب23) حيث ينقل أنه على رأي إكسينوفان أن «من ~~الإلحاد الاعتقاد بولادة الآلهة وبموتهم؛ لأنه على كل واحد من الوجهين تقع برهة لا يكون ~~للآلهة وجود.» ms187 وفي موضع آخر بعد هذا بقليل يروي أرسطو جواب إكسينوفان على أهل إيليا ~~الذين كانوا يسألونه أيجب عليهم أن يقربوا قربانا إلى «لوقوتوا» ويجأروا بالنواح ~~عليها؟ فقال لهم: «إذا صح في نظركم أنها إلهة فلا ينبغي أن تبكوها، فإن لم تكن إلا ~~هالكة فلا ينبغي أن تقرب لها القرابين.» يسند بلوطرخس أيضا إلى إكسينوفان فكرة مماثلة ~~لهذه فيها أن المخاطبين هم المصريون عوضا عن أهل إيليا، وأوزيريس عوضا عن عذراء ~~لوقوتوا ص463، وأما طريوس ص933 طبعة فرمين ديدو «أيزيد وأوزيريد». # من هذه الأفكار السامية الحقة في حق الله تفهم علة حنق إكسينوفان على الشعراء الذين ~~كانوا يحطون من الجلالة القدسية، والذين هم كهوميروس وهيزيود لا يحجمون عن أن يسندوا ~~إلى الآلهة كل ما يحط من الشرف في نظر الناس كالسرقة والزنا والكذب والغدر (سكستون ~~أمبيريكوس بيرون هيبوتيب. ك1 ب33 ص99 # Adversus Mathem. Physicos ~~، طبعة 1842 ك9 ص612. # Grammaticos # ك1 ص112). # وفي موضع آخر تكلم أرسطو أيضا على آراء إكسينوفان هذه. وفي كتابه «الشعر» ذكر أن ~~الفيلسوف كان يطعن في المعاني التي يتصورها العامة في حق الآلهة (ر. الشعر ب25 ف11 ~~ص142 من ترجمتي). # وأخيرا ذكر أرسطو إكسينوفان أيضا فيما بعد الطبيعة (ك1 ب4 ص146 ترجمة كوزان سنة ~~1838). # وفي هذا الموضع الأخير لم يحفل أرسطو بنظريات إكسينوفان على الوحدة التي خلطها بالله، ~~فلم ير في هذه النظريات ما ينبغي من الضبط من حيث إن هذه الوحدة ليست عقلية كوحدة ~~برمينيد ولا مادية كوحدة ميليسوس، بل يزيد على ذلك أيضا أن أفكار إكسينوفان في هذه ~~النقطة أفكار جافية كأفكار ميليسوس الذي لا يفرق بينه وبينه. # ها نحن أولاء قد أتينا على كل ما وجد في أرسطو تقريبا على إكسينوفان. ولكن تلك ~~الفقرة المذكورة في «ما بعد الطبيعة» عظيمة الأهمية من حيث إنها ترينا رأي أرسطو في أن ~~مذاهب ميليسوس ليست بعيدة عن مذاهب إكسينوفان، وذلك يدلنا على حكمة الجمع بينهما في ~~كتاب واحد إذا كان أرسطو هو مؤلف هذا الكتاب، وإن لم ms188 يكن فكيف تسنى لمؤلف آخر أن يجمع ~~بينهما دون أن يقرب بينهما قسرا. غير أنه كان يلزم - مراعاة للترتيب الزماني - أن ~~يتكلم على ميليسوس بعد إكسينوفان. ولكن ربما كان هذا مجرد خطأ مادي في الوضع سببه إهمال ~~نساخ. ولما أنه ليس بين الجزأين الخاصين بإكسينوفان وميليسوس ارتباط ضروري، فليس في ~~التشويش مستنكر ولا مستعصى عن الفهم. # أما ميليسوس الذي نضعه في الصف الثاني، سواء في الأهمية والترتيب الزماني، فإنه رجل ~~يسترعي الاهتمام وإن كان أقل رفعة من سابقه. قد ولد في ساموس كفيثاغورث، وتبوأ فيها ~~مركزا عظيما، ودافع عن وطنه بمهارة وشجاعة عندما حاصره الآتينيون قبل حرب بيلوبونيز ~~بخمس عشرة سنة. ولقد نجح ميليسوس في كسر الحصار، واتخذ لقومه منه مخرجا قادهم به حتى ~~أتلف أعمال الحصار ووصل إلى أسطول الأعداء وخربه كله تقريبا. كل ذلك في غيبة بيريكليس ~~الذي كان قد غادر الحصار لملاقاة السفن الفينيقية الآتية لنصرة مدينة ساموس، فأمكن ~~المدينة أن تحصل على ما نقصها بالحصار من التموين، وذلك بفضل النصر الذي أحرزه ميليسوس. ~~ولكن الدائرة قد دارت على أهل ساموس حين رجع بيريكليس من غيبته، فانهزم ميليسوس في حرب ~~برية، واضطرت المدينة إلى التسليم على شروط أقسى ما تكون. لم يذكر طوسيديد الذي روى هذه ~~الوقائع (ك1 ب116) ميليسوس، غير أن بلوطرخس ذكره في ترجمة بيريكليس (ب26 ف3 ص199 من ~~طبعة فيرمين ديدو) على صورة لا تحتمل الشك؛ لأنه يقول بالصراحة: إن ميليسوس بن إيتاجين ~~كان فيلسوفا. وزاد على ذلك بلوطرخس نقلا عن أرسطو من غير أن يبين موضع النقل: أن ~~ميليسوس كان قد هزم قبل ذلك بيريكليس في واقعة بحرية أخرى، وذلك إنما يعطي من مقدرة ~~ميليسوس الحربية فكرة أسمى. # ومهما يكن من الأمر فإن من المحقق أن ميليسوس كان به تحت ثياب الفيلسوف وطني وسياسي ~~وقائد بحري ورجل حرب، وذلك من الندرة في تاريخ الفلسفة بحيث يجب علينا التنبيه إليه كما ~~فعل بلوطرخس (باب32 ص1377 طبعة فيريمن ديدو # Adversus ~~CoLoten ~~، ولما أن ساموس قد ms189 سامها الآتينيون صنوف القسوة فمن ~~المظنون أن ميليسوس ذلك الوطني الغيور - والذي كان له حظ عظيم في مقاومة الفاتحين - لم ~~يشأ أن يبقى تحت الحكم الآتيني، وأنه هاجر في هذا الظرف العسير، وكان ذلك في الأولمبية ~~الرابعة والثمانين؛ أي السنة 441 قبل الميلاد. وهذا التاريخ مضبوط ومتفق تماما مع ~~شهادة أبللودور التي نقلها إلينا ديوجين اللايرثي (ك9 ب4 ص233 طبعة فيرمين ~~ديدو). # كذلك لا يرى لماذا لم يمكن أن يكون ميليسوس تلميذا لبرمينيد كما يقوله أيضا ديوجين ~~اللايرثي؛ فإن التواريخ لا تقف دون ذلك. ولما أن ميليسوس هو من أتباع مدرسة إيليا فيمكن ~~بسهولة أن يكون تلقى مذاهبه من خليفة إكسينوفان. ولقد قرن أرسطو مرات عديدة ذكر برمينيد ~~بذكر ميليسوس في كتاب الطبيعة (ك1 ب2 ف1 و5 ص433 و436 من ترجمتي) ليفندهما جميعا في ~~نظرية وحدة الموجود ولا تحركه. كذلك فعل أفلاطون في كتابه «تييتت» (ترجمة كوزان ص144). ~~وإن هذا على التأكيد لا يكفي لإثبات أنه كان بين الفيلسوفين علاقة أستاذ وتلميذ، غير أن ~~هذه التقاريب لا تنفي هذا الظن الكثير الاحتمال في شيء (ر. أيضا الطبيعة ك1 ب3 ف9 وب4 ~~ف1). وفي ما بعد الطبيعة في الفقرة التي استشهدنا بها آنفا اسم ميليسوس مقترن باسم ~~برمينيد. وكذلك في كتاب السماء (ك3 ب1 ف2 ص223 من ترجمتي). ومن ذلك أستنتج أن دعوى ~~ديوجين اللايرثي مهما كانت فريدة لا ترفض بهذا الازدراء الذي لاقت من بعض مؤرخي ~~الفلسفة؛ فإن ميليسوس لما هاجر إلى إيليا في إغريقا الكبرى يمكن جيدا أنه قد سمع دروس ~~برمينيد الذي استمر يلقي دروس إكسينوفان. # وعلى جملة من القول لا يعرف شيء عن حياته، ولكن من العدل أن يفترض أن نهايتها كانت ~~مطابقة لبدايتها. # كان كتاب ميليسوس موسوما «في الوجود»، بل ربما كان موسوما «في الطبيعة» عنوان شائع ~~جد الشيوع عند أكثر فلاسفة تلك الأزمان القديمة، وإذ الطبيعة في مجموعها هي موضوع درسهم ~~حتى يتهيأ لهم تحليل مفصل ما كان ليؤسس إلا على مشاهدات أكثر عددا. نحن ms190 نعرف مؤلف ~~ميليسوس هذا بالمختصر الموجود في هذا الكتاب الذي نترجمه، وبالشواهد التي نقلها ميليسوس ~~في شرحه على الطبيعة لأرسطو، إما لأنه كان بين يديه النسخة الأصلية لكتاب ميلسيوس وإما ~~- وهو الأرجح - لأنه لم يكن لديه إلا ملخصات تيوفراسط الذي يستشهد به. لا أريد أن أختصر ~~أنا أيضا تلك المختصرات المختلفة، ولكني أقنع بأن أحيل على قطع ميليسوس التي سوف ~~نذكرها بعد أخذا عن أسبلدنج ومللاخ، وفيها يرى مذهب الفيلسوف السموسي، على ما وصل ~~إلينا بالأقل، وزيادة على ذلك يرى لماذا كان كتابنا الصغير أمينا على المؤلف الذي ~~يعرفه للناس في حين أنه ينقض مذهبه! # بعد إكسينوفان وميليسوس لا أقول شيئا عن زينون ما دام كتابنا لا يتكلم عنه، وإن ذكره ~~الوارد في عناوين بعض المخطوطات يجب أن يعتبر كسهو، فيبقى غرغياس الذي يجب أن يكون ~~كلامنا عليه موجزا جدا؛ لأنه معروف أكثر ولأنه لا يكاد يكون إلا ~~سفسطائيا. # 11 # ولد غرغياس في ليونتيوم بصقلية نحو الواحدة والسبعين أولمبية، وبلغ من الكبر مبلغا ~~عظيما، حتى لقد بلغ على ما يظهر الثامنة والتسعين أولمبية؛ أعني أنه لم يمت إلا في سن ~~الثامنة أو التاسعة بعد المائة كما يقول كل كتاب الزمن القديم بالإجماع، ولا يعرف عن ~~حياته العملية تفاصيل طويلة. أما عائلته فالظاهر أنها كانت - فيما يظهر - عائلة ممتازة، ~~وكان أخوه «هيروديكوس» - الذي لا ينبغي أن يلتبس بهيروديكوس السلمبري - طبيبا حاذقا ~~(ر. غرغياس لأفلاطون ص185 و209 ترجمة كوزان). وهذا يدل فيما يظهر على أنه كان في سعة من ~~العيش وعلى جانب عظيم من الثقافة العقلية. وأما غرغياس فإنه اجتهد على الأخص في ~~الخطابة، وكانت فنا مخترعا حديثا وقتئذ حصل منه على اسم كبير في صقلية وأفاد من ~~تعليمه إياه فوائد أكبر. ولا شك في أن قدرته الخطابية هي التي أكسبته ثقة مواطنيه إذ ~~استنجدوا آتينا ضد سيراقوزة والمدائن الأخرى الدورية؛ فبعثوا غرغياس يطلب مساعدة ~~الجمهورية، ويظهر أن التاريخ المضبوط لسفارته هذه هو السنة الثانية للأولمبياد الثامنة ~~والثمانين؛ أي سنة 427 قبل ms191 الميلاد. ويظهر أن سقراط الذي رآه بلا شك لم يكن ليستهين ~~بفصاحته التي كثر اللغط بشأنها في آتينا وصارت مصدر ثروة لهذا المعلم الحسن البيان (ر. ~~هبياس لأفلاطون ص100 ترجمة كوزان). ولقد ظن أن أرسطوفان في روايته المضحكة عن الطيور ~~كان يريد أن يستهزئ بغرغياس؛ لأنه كان يرى أسلوبه منتفخا وغير طبيعي. # منذ هذه السفارة المشهورة التي ربما أتبعها غرغياس بالعودة ثانية إلى آتينا، بل ~~بالإقامة فيها، لم يعرف لحياته العلمية أثر آخر، وكل ما يعلم عنه أنه في آخر حياته أقام ~~في تساليا حيث استمع إليه «إيزوقراط»، وأنه عاش زمنا طويلا في لارسا أثرى مدن تلك ~~الجهة بسبب نفوذ عائلة الأللويين. ولئن رجعنا إلى كلمة طيبة رواها أرسطو (السياسة ك3 ب9 ~~ص127 من ترجمتي طبعة ثانية) لوجدنا أن غرغياس لم يكن عظيم الاحترام لوطنية اللارسيين، ~~ولا يعلم أن هذا السفسطائي الشهير قد مات بين ظهراني هؤلاء. ومع أنه صار من الثروة على ~~جانب عظيم ومن الزهو بحيث إنه وضع لنفسه تمثالا من الذهب في معبد دلفوس، فإنه - كما ~~يقال - كان على بقية من قناعة تضرب بها الأمثال. ويقال: إن تقشفه المتناهي هو الذي أطال ~~عمره إلى ذلك الحد. ويزعم لوسيان - خبثا منه بلا شك - أن غرغياس لما مل الحياة ترك ~~نفسه يموت جوعا ( # Macuobioi # ب23 ص643 طبعة فيرمين ~~ديدو). # ولم يكن مشرفا مركز غرغياس في المحاورة التي وضعها أفلاطون وسماها باسمه؛ ففيها ~~يبين له سقراط أن فن الخطابة الذي يزعمه ليس فنا كما يزعم، وضيق عليه في المناقشة ~~حتى بهت بأن جعله يقع في التناقض المبين، وألجأه إلى تبرير الظلم والقسوة، وساء دفاع ~~غرغياس عن دعواه الخاسرة، غير أنه كان يسبغ عليه من القصد وحسن الذوق ما لم يكن لبولوس ~~وعلى الأخص قليقليس اللذين يسوقان المعاني التي لا يجيدان فهمها سوقا إلى النهاية، ~~وينصبان نفسيهما أشياعا عميا للقوة على الحق وللشر على الخير وللضلال على الهدى. ولقد ~~يتعرف من دهاء غرغياس خلقه العام الذي يسند إليه، بل ربما كان ms192 إلى هذا الدهاء أيضا ~~ينسب تأثير مركزه السياسي أيضا؛ فإنه لم يكن في بلده ويجب عليه أن يداري الآتينيين ~~الذين كان ينتظر منهم نصرة وطنه، يداريهم حتى في المناقشات النظرية البحتة. # وأما كتاب غرغياس فكان عنوانه «في اللاموجود أو في الطبيعة» ولا يعلم ماذا كان يحوي ~~على العموم، ولكنه يرى على قدر الكفاية من كتيبنا هذا ماذا كانت فكرته العامة. في ~~الواقع إنما هي لا أدرية مطلقة. وفي هذه النقطة لا محل للتردد في الحكم فإن سكستوس ~~أمبيريكوس الذي يظهر أنه كان بين يديه نسخة غرغياس نفسها قد نقل إلينا كما بيناه ~~آنفا تحليلا مطابقا تمام المطابقة لما سنجده هنا (ك7 ص285-290 طبعة 1842 # Adversus Mathematicos, Logicos ~~). وإنه ليضع غرغياس ~~في صف الفلاسفة الذين يأبون على الإنسان أية ملكة للحكم على حقيقة الأشياء، وينكرون ~~إمكان الاهتداء لذلك. وما ذلك إلا مذهب فقير يحوي في نفسه كما في كل لا أدرية مطلقة ~~تناقضا ليس منه محيص. ولما تزعزع الإيمان بالمنطق تزعزع بالأخلاق على السواء، فلا عجب ~~أن يكون سقراط قد أقام حربا عوانا على السفسطائيين الذين يفسدون العقول ~~والأخلاق. # يظهر أن كتاب غرغياس الذي في عنوانه وحده ازدراء بالذوق العام قد ألف أو ظهر في ~~الأولمبية الرابعة والتسعين؛ أعني سنة 403 قبل الميلاد، وكان ذلك في آخر حرب بيلوبونيز، ~~وكان الظرف سيئا للتنازع في حقيقة الأشياء؛ إذ كانت إغريقا كلها تعاني من الشرور ما لا ~~شبهة فيه. ومتى يمكن أن تكون اللاأدرية في وقت مناسب؟ لقد كان ذلك لأربع سنين قبل الحكم ~~على سقراط؛ إذ نشأت ضلالة أخرى كان يمكن للاأدري أن يسخر منها كما يسخر من هزيمة آتينا ~~في نزاعها مع هذا الحكيم جزاء له على ما كاله لها من صنوف التهكم. ومع ذلك فإن غرغياس ~~في شيخوخته الطويلة قد عاش بعد سقراط وهجر أيضا آتينا إلى بلاد أقل منها قرى فيها لم ~~تكن لا أدريته لتعزيه بعض الشيء عن نفيه. # ولكي تقدر فكرة غرغياس تقديرا تاما قد أثبت قطعة ms193 سكستوس أمبيريكوس. فمن السهل ~~مقارنتها بكتيبنا هذا الذي لها به ارتباط بين. # يجب أن يرى بناء على كل ما تقدم أن كتابنا الصغير مهما كان فيه من النقص والعيوب ~~والغموض - حتى بعد البحوث التي تناولته - لا يزال على جانب من الأهمية. وحين كان النص ~~مملوءا بالأغلاط كان يمكن إهماله واعتباره غير معقول تقريبا، فأما منذ مللاخ فقد أصبح ~~هذا الازدراء لا محل له، وأنا من جهتي دون أن أكون مرتاحا تماما لا أجد أن هذا الكتاب ~~أكثر غموضا من كثير من الكتب الأخرى في مؤلفات أرسطو. مع الإصلاحات التي تناولته والتي ~~هي مقبولة جد القبول؛ لأن أكثرها قام الدليل على صحته من المخطوطات التي درست خير ~~دراسة، مع هذه الإصلاحات يقف القارئ جيدا على ما أراده المؤلف وإن أسلوبه لمن البيان ~~على قدر المطلوب. فإن لم تكن هذه الرسالة التي ليست بعد كل شيء إلا مجموع مذكرات، إن لم ~~تكن من قلم أرسطو فإنها ليست غير خليقة بأن تنسب إليه كما قد ظن ذلك زمانا طويلا. ~~وعلى الأخص فليست قليلة الفائدة من حيث تاريخ الفلسفة. وبهذا العنوان وعلى هذا الاعتبار ~~يستوصي بها كل أصدقاء الفلسفة القديمة. # أما فيما يتعلق بموضوع المذاهب وبمركز مدرسة إيليا، فقد قلت بعض كلمات في مقدمتي على ~~هذا المجلد، وتصديت لأن أبين في هذا البحث أن الفلسفة الإغريقية جدتنا المحترمة كانت ~~نشأت باجتماع ظروف سعيدة قبل الميلاد بستة قرون في المستعمرات التي أسست على شطوط آسيا ~~الصغرى. وقد أعلنت هذا الحادث كواحد من أعظم تواريخ العقل البشري، وعينت الحوادث ~~السياسية الكبرى التي في وسطها نتجت هذه النتيجة، واستخلصت من هذه اللوحة مهما كان ~~موضعها من قلة الكمال نتائج قد تكون أوسع من إطارها. ألا إنما في تلك البيئة يجب أن ~~نحل فلاسفتنا لنفهمهم جد الفهم ولنقدر حق قدرها تلك القيمة السامية لهؤلاء الأساتذة ~~معلمي الحكمة القديمة، والذين مهدوا لنا فلسفتنا الحالية، والذين لا يزالون يشجعوننا ~~حتى على هذا البعد الشاسع. # | هوامش # | في ميليسوس وفي إكسينوفان وفي ms194 غرغياس # (1) مذاهب ميليسوس # الباب الأول # هو يقرر أنه إن يكن من شيء فذلك الشيء يجب أن يكون أزليا ما دام أنه - على ~~رأيه - من المحال أبدا أن يتولد شيء من لا شيء. وسواء أكان في الواقع أن ~~الكل قد خلق أم أن الكل لم يكن يخلق، فيلزم على ذلك من الفرضين أن الأشياء التي ~~خلقت تكون أخرجت من لاشيء ما دام أنه ما من واحد من جميع الأشياء التي تكونت ~~على هذا النحو كان يوجد من قبل. # 1 # وإنه إذا قيل إن من الأشياء ما كان موجودا من قبل ومنها ما جاء بعد ذلك ~~لينضم إليه، نتج من ذلك أن الكل الذي هو واحد قد زاد بالعدد وبالكم. وهذا نفسه ~~الذي به يصير أكثر عددا وأكبر يجب أن يأتي أولا من لاشيء؛ لأن الأكثر لا يمكن ~~أن يكون في الأقل ولا الأكبر في الأصغر. # 2 # ومتى كان الكل أزليا يجب أن يكون بهذا عينه لامتناهيا؛ لأنه لا يكون هناك ~~مبدأ يأتي منه، كما أنه لا يكون له آخر متى بلغه انتهى. وكل متناه يجب ضرورة ~~أن يكون واحدا؛ لأنه إذا وجد عدة لامتناهيات بل متناهيان اثنان حدد بعضها ~~بعضا على التكافؤ. # 3 # ولما كان واحدا وجب أن يكون متشابها في جميع أجزائه؛ لأنه إذا كان غير ~~متشابه فبهذا وحده لا يكون بعد واحدا، ولما لم يكن واحدا كان كثرة. ولما كان ~~الواحد أزليا لا قابلا لأن يقاس، متشابها في جميع أجزائه، وجب أن يكون غير ~~متحرك؛ لأنه لا يمكن أن يتحرك إلا في شيء ينطلق أمامه، ولكن الانطلاق لا يمكن ~~أن يكون إلا للذهاب في الملء أو في الخلو؛ فمن جهة الملء لا يمكن بعد أن يقبل ~~شيئا ومن جهة أخرى الخلو نفسه ليس شيئا. # 4 # لما كان الواحد هو ما قلنا آنفا ينتج من ذلك أنه لا يمكن أن يلحقه تعب ولا ~~ألم، ويجب أن يكون سليما وبغير مرض. كما أنه لا يمكن أن يغير وضعه ليتخذ أحسن ~~منه، ms195 ولا أن يتحول ليأخذ نوعا آخر، ولا أن يختلط بشيء آخر. وفي كل هذه ~~الأوضاع الواحد يصير كثرة وإذن يكون اللاموجود هو المتولد، والموجود يكون هو ~~الذي قد فسر بالضرورة. # 5 # وكل هذا محال مطلقا. وفي الحق إذا كان الواحد مقولا على الخليط لأنه تألف ~~من عدة أشياء، فيلزم حينئذ أن يكون مسبوقا بوجود عدة أشياء، وإن هذه الأشياء ~~تكون قد تحركت بعضها نحو الأخرى. وليس الاختلاط في الواقع إلا تركب عدة أشياء ~~في شيء واحد، أو إنما هو كجمع بين الأشياء المختلطة عن طريق التصنيف. وعلى هذا ~~النحو قد تختلط الأشياء لأنها تنفصل بعضها عن الأخرى. ولما أن هذا الجمع يحصل ~~في سحق الأشياء، فقد يجب أن يوجد جليا كل واحد منها برفع الأشياء الأولى التي ~~اختلطت باقترابها بعضها من بعض، وليس توجد واحدة من هاتين الحالتين. # 6 # وهكذا على هذه الطريقة تكون الأشياء - على رأي ميليسوس - متكثرة، ولا تظهر ~~لنا ألبتة بوحدة. وبالنتيجة لما أنه ليس ممكنا أن يكون الحال هكذا على هذا ~~الوجه، وأنه لا يمكن أن تكون الأشياء متكثرة، فيلزم القول بأن هذا ليس إلا ~~ظاهرا خداعا كما أنه مع ذلك يوجد كثير من الأشياء تخدع حواسنا وتغرها، ولكن ~~العقل يؤكد لنا أن تلك الأشياء ليست موجودة، بل هو يؤكد لنا أن الموجود لا يمكن ~~أن يكون كثرة، وأنه واحد أزلي لامتناه متشابه في جميع أجزائه. # 7 # وحينئذ هل تكون عنايتنا الأولى بعدم قبول كل ظاهر، وألا نثق منه إلا بما ~~هو الأحق؟ ولكن إذا كان ما يظهر لنا أنه حق ليس صحيحا ولا يستحق على ذلك ~~تصديقنا، فقد نحسن صنعا بعدم قبول هذه القاعدة أيضا: أنه لا شيء ألبتة يمكن ~~أن يأتي من لاشيء؛ لأنه ربما كان هذا أيضا واحدا من تلك الآراء القليلة الصدق ~~والكثيرة العدد التي نحن جميعا قد تصورناها بواسطة إدراكات قليلة الصدق أو ~~كثيرته. # 8 # ولكن إذا كانت كل إدراكاتنا ليست فاسدة، وإذا كان بعض آحادها صحيحا فيلزم أن ~~يختار إما ms196 الرأي الذي قام الدليل على صحته، وإما الآراء التي تظهر أنها أحق؛ ~~لأن هذه الأخيرة تكون دائما أمتن من الآراء التي يجب أن يدلل عليها من بعد ~~بمساعدة تلك المبادئ الأولى. # 9 # فلنسلم - إذا شئت - بأن هذين الرأيين مضادان أحدهما للآخر كما يفترض ميليسوس: ~~بادئ بدء إنه عند تأييد الكثرة يضطر إلى استخراجها من اللاموجود، ثم لما كان ~~هذا محالا وجب أن يستنتج من ذلك أن الموجودات ليست متكثرة والموجود بما هو ~~موجود فقط هو لامتناه وبما هو لامتناه هو واحد. # 10 # نزعم أن هذين الرأيين لا يثبتان لأحدهما ولا الآخر أن الموجود هو واحد وأنه ~~كثرة. ولكن إذا كان أحد الاثنين أحق وأمتن فتكون النتائج التي تستنتج منه هي ~~أيضا أجلى وضوحا؛ فإن كان لنا هذان الاعتقادان معا: أن لا شيء يمكن أن يأتي ~~من لاشيء، وأن الموجودات هي متكثرة ومتحركة، فلما أن هذا الأخير يظهر لنا ~~حقيقا بالثقة فهو أولى من الآخر بتصديق الناس. وبالنتيجة إذا كان هذان الرأيان ~~هما متضادين في الواقع، وإذا كان من المحال أن شيئا يأتي من لاشيء وأن ~~الموجودات متعددة؛ فإن هاتين النظريتين تتباطلان وتتفاسدان على ~~التكافؤ. # 11 # لكن لماذا إذن يكون رأي ميليسوس أحق؟! إنه يمكن أيضا تأييد الرأي المضاد ما ~~دام أن ميليسوس قد وضح استدلاله من غير أن يكون قد دلل على أن الرأي الذي ~~يصدر عنه هو الحق أو على الأقل أنه أمتن من الرأي الذي يقصد إلى أن يبرهن على ~~فساده. وهذا من جانبه ليس إلا فرضا محضا أن يرى أن مجيء الأشياء من لاشيء ~~أشبه بالحق من أن تكون متعددة. # 12 # ولقد أصاب من قال على ضد ذلك ها هنا إن أشياء لم تكن قد كانت، وإن كثيرا من ~~الأشياء أخرج من العدم. وليس هؤلاء الذين افتكروا هذه الأفكار من أناس كيفما ~~اتفق. بل هم مشهورون بأنهم أعقل الناس، مثال ذلك قال هيزيود: # كان العماء موجودا قبل كل الأشياء # ثم ظهرت الأرض ذات الصدر الفسيح # وهي الأساس ms197 الأزلي لكل ما تحمل ~~... ... ... ... ... # ثم بعد ذلك العشق الذي هو أقدر الآلهة. # فعلى رأي هيزيود سائر الأشياء تولد من هذا، ولكن المبادئ الأول لم تتولد من ~~شيء. # 13 # ومن الفلاسفة من يقولون بأن لا شيء يكون وأن الكل يصير، وهم يؤكدون كذلك أن ~~كل الأشياء التي تصير تولد من أشياء غير موجودة. وبالنتيجة يمكن أن يقال إن عند ~~بعض الفلاسفة الصيرورة يمكن أن تنتج حتى من اللاموجود. # 14 # الباب الثاني # نحن لا نشتغل ببحث ما إذا كان ما يقوله ممكنا أو ممتنعا. لكن هنا نقطة يجب ~~علينا أن نعيرها بعض الالتفات، وهي ما إذا كانت مثل تلك النتائج تنتج بلا تخلف ~~من فروضه أو إذا كانت الأشياء يمكن أن تكون ضد ما يعتقد؛ لأنه يمكن في الحق أن ~~يكون الواقع مخالفا تمام المخالفة. # 15 # فهو يقرر بادئ بدء أن ليس شيء يمكن أن يأتي مما هو ليس موجودا. ولكن يرد ~~عليه هذا السؤال: أمن الضروري إذن أن تكون جميع الأشياء بلا استثناء غير ~~مخلوقة؟ أوليس من الممكن أيضا أن تأتي الأشياء بعضها من بعض، وأن هذه ~~السلسلة يمكن أن تتمشى إلى ما لا نهاية؟ أوليس من الممكن أيضا أن تتكون ~~رجعى دائرية بحيث إن الواحد يأتي من الآخر، وأنه على ذلك يوجد دائما موجود ما، ~~وأن كل واحد قد أمكن أن يخرج على هذا النحو من جميع الآخر على التكافؤ في عدد ~~غير متناه من المرات؟ على هذا المعنى لا شيء يمنع أن الكل قد خلق وأصبر حتى مع ~~التسليم بذلك الفرض أنه ليس شيء يمكن ألبتة أن يأتي من لاشيء. وبما أن ~~الموجودات على ذلك غير متناهية فيمكن إذن - كما يشاؤه - أن تسمى بجميع الأسماء ~~التي لا تناسب إلا الوحدة؛ لأنه يطبق هو أيضا على اللامتناهي كيفية أنه كل ~~وأنه يسمى كلا. # 16 # حتى من غير أن يفرض أن عدد الموجودات غير متناه، يمكن أن يفهم أن كونها ~~دائري، فإذا كان كل بصير وأن لا شيء يوجد كما يزعم ms198 بعضهم، فكيف يوجد إذن أشياء ~~أزلية؟ ولكن ميليسوس يتكلم عن الموجود كأنه كائن وكأنه مسلم به على الإطلاق. ~~فإنه يقول: «إذا الموجود لم يصر وإذا هو يكون فيلزم أن يكون أزليا.» وهذا ~~إنما هو تسليم بأن الوجود يتعلق ضرورة بالأشياء. # 17 # وأكثر من ذلك أنه مع الافتراض - بقدر ما يراد من الافتراض - بأن اللاموجود لا ~~يمكن أن يصير، وأن الموجود لا يمكن أن ينعدم ألبتة، فما الذي يمنع أيضا أن من ~~الأشياء ما تولد ومنها ما تكون أزلية؟ تلك إنما هي نظرية أمبيدقل نفسه؛ فإنه مع ~~أنه مسلم وفقا لرأي ميليسوس بأن من الممتنع أن أي شيء اتفق يخرج مما لم يكن ~~وأنه لا سبيل مطلقا لأن شيئا وجد مرة يمكن أن ينعدم ألبتة «ما دام أن الموجود ~~يبقى دائما حيث أمكن وضعه»، مع كل هذا لا يزال هذا الفيلسوف يؤيد أن من ~~الأشياء ما هو أزلي كالنار والماء والأرض والهواء، وأنه إنما من هذه الأشياء ~~أتت وتأتي جميع الأخر. وعلى رأيه ليس للموجودات كون آخر غير هذا، وأن الكون ليس ~~في الحقيقة إلا اختلاطا وتحللا. وهذا ما يسمى عاميا كون الأشياء ~~وطبعها. # 18 # ومع ذلك فإن أمبيدقل يزعم أن الصيرورة لا تنطبق على الأشياء الأزلية، وأن ما ~~هو موجود لا يصير. فتلك في نظره محالات واضحة؛ إذ يقول: «كيف يمكن في الحق أن ~~يقال: إن شيئا يزيد الكل؟ ومن أين يأتي ذلك الشيء؟ إنما هو من اختلاط النار ~~وتركبها، ومن جميع العناصر التي تصحبها أن خرج تكثر الأشياء، وبانفصال هذه ~~العناصر وتباعد بعضها عن بعض تنعدم الأشياء من جديد. والتكثر يأتي من الاختلاط ~~والتفرق ولو أنه بالطبع لا يوجد إلا أربعة عناصر بصرف النظر عن العلل، بل عنصر ~~واحد أحد.» # 19 # حتى مع افتراض أن العناصر لامتناهية منذ الأصل لتكون الأشياء بتركبها وتفسدها ~~بافتراقها كما يدعي أحيانا أنه كذلك كان يفكر أنكساغوراس الذي كان يعتبر هذه ~~العناصر الأزلية غير المتناهية كمصدر لجميع الأشياء التي تتكون. وقد لا ينتج من ms199 ~~هذا أيضا أن الكل هو أزلي بلا استثناء، بل يوجد دائما بعض أشياء قد تأتي ~~وتكون أتت من موجودات متقدمة وتفنى في جواهر أخرى. # 20 # بل يمكن أيضا ألا يكون إلا صورة واحدة للكل كما كان يؤكده أنكسيمندروس ~~وأنكسيمين؛ إذ يؤيدان: أحدهما أن الكل هو من الماء، والآخر وهو أنكسيمين أن ~~الكل إنما هو من الهواء. # 21 # وإنما هذه هي أيضا نظرية جميع من يفهمون على هذا النحو «الكل» كوحدة، وذلك ~~إنما هو تبعا لأن «الواحد» يتغير بالصور أو بعدد أكبر أو أصغر، وتبعا لأنه ~~رقيق قليلا أو كثيرا أو لأنه سميك، أن الأشياء مهما كانت متعددة ولامتناهية ~~تتوالد، وحينئذ «الواحد» مع بقائه هو هو يكون بقية الأشياء ~~ويشكلها. # 22 # أما ديمقريطس فإنه من ناحيته يقول على السواء إن الماء والهواء وكل واحد من ~~الأشياء المختلفة هكذا هي متحدة، وإنه لا فرق بينها إلا في المجرى والتماس ~~والاتجاه. وما المانع أيضا - في هذا الفرض - من أن الأشياء المتكثرة تتولد ~~وتنعدم ما دام «الواحد» يتغير أبدا من الموجود إلى الموجود بالفروق التي ذكرت ~~من غير أن «الكل» في مجموعه يصير بذلك أبدا لا أصغر ولا أكبر؟ # 23 # وفوق هذا ماذا يمنع أن أجسامنا متعددة كما يشاء تتولد من أجسام أخر وتتحلل ~~إلى أجسام أخر أيضا، بحيث تكون دائما على كمية متساوية في تحللها وبحيث إنها ~~تنعدم من جديد. # 24 # لكن حتى مع التسليم بهذا والتسليم بأنه يوجد شيء غير مخلوق، فماذا يزيد هذا ~~في إثبات أن الموجود هو لامتناه؟ على رأي ميليسوس الموجود لامتناه إذا هو ~~يوجد وألا يكون قد ولد ألبتة؛ لأن الحدود على رأيه هي هنا بداية الكون ونهايته. ~~غير أن الموجود مع أنه غير مخلوق ألا يمكن أن يكون له حدود أخرى غير المذكورة ~~آنفا؟ فإذا كان اللامتناهي قد خلق فلا بد من أن يكون له على رأي ميليسوس هذه ~~البداية التي منها يخرج ليكون. # 25 # فماذا يمنع إذن - حتى بدون أن يكون قد كون - أن يكون له ms200 بالأقل بداية؟ لا ~~البداية التي منها أتى - إذا شئت - بل بداية، أخرى، وإن الأشياء مع كونها أزلية ~~يتحدد بعضها ببعض على طريق التكافؤ. # 26 # بل ماذا يمنع أن «الكل» الذي يكون غير مخلوق أن يكون لامتناهيا، وأن جميع ~~الأشياء التي هي فيه تكون متناهية باعتبار أن لها بالبساطة بداية ونهاية في ~~كونها. # 27 # ألا يمكن أيضا كما يبغي برمينيد أن «الكل» مع أنه واحد وغير مخلوق يكون ~~متناهيا «بأن يكون من جميع الجهات مشابها لكتلة كرة مضبوطة الشكل، وأن يكون ~~متساوي الأبعاد من المركز من غير حاجة أصلا إلى أن يكون في الجزء الفلاني أو ~~الفلاني أكبر أو أجمد مما هو؟» # 28 # ولما أن له وسطا وأطرافا فله حد مهما كان غير مخلوق ما دام أن «الكل» مع ~~أنه واحد كما يعترف به ميليسوس نفسه، فإنه - من حيث كونه جسما - كل أجزائه بلا ~~استثناء مشابهة بعضها لبعض. ومن هذه الجهة إنما هو يقرر التشابه المطلق «للكل» ~~ولا يقول كما يقول فلاسفة آخرون إن «الكل» مشابه لشيء آخر غير ذاته. تلك هي ~~النظرية التي يبطلها أنكساغوراس بقوله: إذا كان اللامتناهي مشابها من جهة أن ~~يكون مشابها لمغاير له، فمن ثم هما اثنان بل أكثر، وحينذ لا يوجد بعد لا ~~«واحد» ولا لامتناه. # 29 # ولكن قد يمكن أن ميليسوس يعني هو أيضا أن اللامتناهي مشابه إضافيا لذاته، ~~أو يقول بعبارة أخرى إن «الكل» هو متشابه لأن أجزاءه متشابهة بما أن هذا «الكل» ~~هو مع ذلك من الماء أو من الأرض أو من شيء آخر. # 30 # من البين أن ميليسوس مع تسليمه هكذا بالوحدة يرى أن كل جزء من الأجزاء هو ~~نفسه جسم لا يمكن أن يكون لامتناهيا؛ لأن «الكل» هو وحده لامتناه، وبالنتيجة ~~أن هذه الأجزاء التي ليست مخلوقة أيضا يصلح بعضها حدودا لبعض على ~~التكافؤ. # 31 # ولكن إذا كان «الكل» أزليا ولامتناهيا، فكيف يمكن أن يكون «واحدا» مع ~~كونه جسما؟ ثم إذا كان مركبا من أجزاء متغايرة فإذن يعترف ميليسوس نفسه ms201 بأن ~~«الكل» هو كثير ومتعدد. ومع التسليم بأنه من الماء أو من الأرض أو من أي عنصر ~~آخر، فحينئذ يكون للموجود عدة أجزاء، كما أن زينون يحاول أيضا أن يثبت أن ~~«الكل» يجب أن يكون له أجزاء كثيرة إذا كان هو واحدا على الوجه الذي ~~يدعون. # 32 # ومتى كانت أجزاؤه متعددة لزم أن يكون بعضها أصغر وبعضها أكبر؛ أعني مختلفة جد ~~الاختلاف حتى بدون أن يأتي التخالف من زيادة جسم ما أو فقد جسم ما. ولكن إذا ~~كان «الكل» ليس له جسم ولا طول ولا عرض، فكيف يكون لامتناهيا؟ وما المانع إذن ~~أن يكون بمجموعه كثرة وواحدا بالعدد؟ بل ما المانع أن الأشياء مع كونها هكذا ~~متكثرة وأكثر من واحد أن تكون على عظم غير متناه؟ # 33 # قد يزعم إكسينوفان أن عمق الأرض وعمق الهواء غير متناه، ولكن أمبيدقل يبطل ~~هذه النظرية؛ إذ يبين في انتقاده المحكم أنه إذا كانت الأشياء كما يزعمون، ~~فمن المحال مطلقا أن تكون ألبتة. ~~«إن أسس الكرة والأثير غير الملموس التي كثر ما يكلموننا عنها ليست إلا كلمات ~~فارغات يكررها لسان الحمقى بلا داع.» # 34 # لكن العالم يمكن أن يكون واحدا من غير أن يكون هناك سخف في افتراض أنه ليس ~~متشابها في جميع أجزائه. وفي الحق إذا كان العالم كله ماء أو كله نارا أو أي ~~عنصر آخر من هذا القبيل، فيمكن جيدا أن يقال بوجود عدة أشياء، ولو أن الموجود ~~يبقى واحدا، وأنه يلزم دائما أن يكون كل واحد من هذه العناصر مشابها لذاته؛ ~~لأنه لا يمكن أن يكون الجزء الفلاني متخلخلا والآخر كثيفا إلا أن يوجد خلو في ~~باطن المتخلخل. ولكن لا شيء يمنع أنه بالنسبة لبعض الأجزاء يوجد في المتخلخل ~~خلو منفصل تماما بحيث إن جزءا بعينه من «الكل» يكون كثيفا وآخر بعينه يكون ~~متخلخلا، مع أن الكل مع ذلك باق هو ما هو. ولكن لما أن «الكل» مليء؛ ~~فالمتخلخل حينئذ لا يكون أقل امتلاء من الكثيف. # 35 # وإذا كان «الكل» ms202 غير مخلوق فكيف يمكن أن يستنتج من هذا وحده أنه لامتناه، ~~وأنه لا يمكن أن يوجد أيضا واحد بعينه أو آخر يكون متناهيا مثله؟ ولماذا ~~يستلزم كونه غير مخلوق التسليم فوق ذلك بأنه واحد وأنه لامتناه بهذا السبب ~~وحده؟ وكيف حينئذ يكون اللامتناهي هو ذلك «الكل» الذي يتوهمونه؟ # 36 # يقول ميليسوس إن الموجود لا متحرك إذا كان ليس ثم من خلو؛ لأن الأشياء لا ~~تتحرك ألبتة إلا بأن تتغير بالأين، غير أنه بادئ بدء كثير من الناس من لا ~~يوافقون على هذه النقطة ومع تسليمهم بوجود الخلو فإنهم لا يقبلون أن يكون ~~جسما. يمكن أن يعني بالأشياء هنا نحو ما يعنيه بها هيزيود حين يقول في الخلقة: ~~«إنما هو العماء الذي ظهر بادئ الأمر» مفترضا بذلك أنه كان يلزم قبل كل شيء أن ~~يوجد محل للموجودات هذا هو ما يعني بالخلو الذي يعتبر كنوع آنية تكون خالية من ~~وسطها. # 37 # على أنه حتى مع عدم وجود خلو فإن العالم يمكن أن يتحرك أيضا على السواء، وإن ~~أنكساغوراس الذي اشتغل أيضا بهذه المسألة لم يقنع بإثبات أنه لا يوجد خلو، بل ~~أثبت فوق ذلك أن الموجودات تتحرك على سواء من غير أن يكون الخلو ~~ضروريا. # 38 # وفي هذا المعنى عينه قال أمبيدقل إن الأشياء متى تم تركيبها تحركت طوال ~~الزمان من غير أن يوجد - على رأيه - ما لا يفيد في «الكل» ولا أن يوجد خلو ~~كذلك . وفي الحق من أين يمكن أن يحدث الخلو؟ يقول أمبيدقل لأن الأشياء متى تركبت ~~في صورة واحدة بطريقة أنها تؤلف الوحدة: # فلا شيء يكون خلوا ولا شيء زائد. # أليس يمكن في الواقع أن الأشياء تتحرك بعضها في بعض، وأن الكل يكون دائريا ~~ما دام أن الشيء يتغير إلى آخر، وهذا الآخر إلى ثالث. وما دام أن شيئا بعينه ~~يتغير دائما آخر الأمر إلى الأول؟ # 39 # وفوق ذلك لا ينبغي نسيان تغير الصورة هذا الذي يغير الشيء ولو أنه يبقى في ~~الحيز عينه، تغير يسميه فلاسفة ms203 آخرون وميليسوس نفسه الاستحالة، وإذن لا شيء مما ~~قال يدفع أن هذا النوع من الحركة يوجد في الأشياء حينما تمر من الأبيض إلى ~~الأسود أو من المر إلى الحلو؛ لأنه ليكن الخلو غير موجود وليكن المليء لا يمكن ~~أن يقبل شيئا؛ فذلك لا يمنع الاستحالة أن تكون ممكنة. # 40 # وبالتبع فلا ضرورة لأن كلا يكون أزليا وأن كلا يكون واحدا، أو لأن ~~«الكل» يكون لامتناهيا. ولا ضرورة أيضا لأن يوجد عدة لامتناهيات ولا وحدة ~~متماثلة في كل مكان ولا وحدة غير متحركة، سواء مع ذلك وجدت الوحدة أو ~~الكثرة. # 41 # ومتى سلم هذا لا يرى شيء في نظريات ميليسوس يدفع أن الموجودات تتغير ترتيبا ~~وكيفا ما دامت الحركة هي هكذا في الوحدة التي تختلف حينئذ بالأكثر وبالأقل ~~والتي تستحيل بطرائق شتى بدون أن ينضم إليها شيء أو إذا انضم إليها شيء فبدون ~~أن يكون هذا الشيء جسما، وإذا كانت عدة أشياء هي التي تنضم فبدون ألا تزيد على ~~أن تمتزج بعضها ببعض وتنفصل على التكافؤ. # 42 # ولكن الاختلاط ليس فيما يظهر هو الجمع أو التركيب اللذين يتكلم عنهما ميليسوس ~~واللذين بدونهما ربما تنعزل الأشياء في الحال، بل بدونهما لا تظهر الأشياء ~~باستغلالها التام إلا بعد أن يباعد بين بعضها وبين البعض الآخر؛ إذ هي تتحاجب، ~~في حين أنه يلزم لوجود اختلاط حقيقي أن كل أجزاء الشيء المختلط تكون بحيث لا ~~يمكن حل تركيبها بعد، لكن بشرط أن كل واحد من الأجزاء المخلوطة يكون على وفاق ~~تام مع مجموع الخليط؛ لأنه بما أنه لا يوجد جواهر فردة فينتج من ذلك أن كل جزء ~~هو مختلط مع كل جزء كيفما اتفق مشابه مطلقا للكل. # 43 ~~(2) مذاهب إكسينوفان # الباب الثالث # 44 # هو يقول إن يوجد من شيء فمحال أن هذا الشيء كان مخلوقا مطبقا هذا في حق ~~الله ما دام أنه يلزم بالضرورة أن كل ما هو كائن يتكون من الشبيه أو من ~~اللاشبيه. وكلا الأمرين غير ممكن؛ فإنه بادئ بدء ليس تولد ms204 الشبيه من الشبيه ~~أولى من أن يلد الشبيه نفسه؛ لأن هذا يخالف التضايف المتكافئ الذي بين ~~المتساوين والأشباه، وثانيا ليس من الممكن أن غير الشبيه يخرج من غير الشبيه. ~~فإذا كان - في الحق - الأقوى يخرج من الأضعف، وإذا كان الأكبر يأتي من الأصغر، ~~والأحسن من الأقبح، أو بالعكس الأقبح من الأحسن، فيكون حينئذ الموجود يأتي من ~~اللاموجود، وهذا محال قطعا. # 45 # إذن يلزم أن يستنتج من كل هذا أن الله أزلي. إذا كان الله هو سيد الموجودات ~~فيلزم - على رأي إكسينوفان - أن يكون أيضا أحدا؛ لأنه لو كان فيه اثنان أو ~~عدة فمن ثم لا يكون إذن سيد جميع الموجودات ولا أكبرها ما دام من ثم أن كل ~~واحد من هذه الموجودات المتكثرة قد يكون مطلقا مشابها له تماما. إن ما يحقق ~~الله في الواقع والقدرة الإلهية إنما هو أن يتسلط على وجه السيادة ولا يكون ~~مسلطا عليه، أن يكون سيد الجميع وأقدرهم. وبالنتيجة ما دام أنه ليس الأقدر ~~فإنه يفقد بنسبة ذلك شيئا من ألوهيته، وإن كانوا عدة وكان بعضهم أعلى أو أدنى ~~من الآخرين من بعض الوجوه؛ فأولئك ليسوا آلهة بعد؛ لأن ماهية الإله ألا يعلو ~~عليه أحد، وإن كانوا عدة متساوين فمن ثم ليس هذا بعد طبع الإله الذي هو أن ~~يكون الأحسن؛ لأن المساوي ليس بالبداهة أقبح ولا أحسن من مساويه. # 46 # ولما كان الله هو حينئذ كما ذكر آنفا لزم ضرورة أن يكون واحدا، وإلا لا ~~يمكن أن ينفذ كل ما يشاء، لا يمكنه ذلك ما دام فيه آلهة أخر، فيلزم حينئذ أن ~~يكون أحدا. # 47 # ولأنه أحد فهو مشابه لذاته على الإطلاق، يرى من كل جهة ويسمع من كل جهة، ~~وعنده جميع الجهات على مقياس واحد، وإلا لزم أن بعض أجزاء الإله تكون حاكمة ~~ومحكومة على التناوب، وهذا ممتنع بين الامتناع. # 48 # ولما كان الله مشابها لذاته مطلقا ومن كل وجه لزم أن يكون فلكيا؛ لأنه ~~ليس كذلك في جزء بعينه دون أن يكونه ms205 في أي جزء آخر، لكنه كذلك في جميع الأجزاء ~~بلا استثناء. # 49 # وما دام الله أزليا أحدا فلكيا، فينتج منه أنه لا يمكن أن يكون ~~لامتناهيا ولا أن يكون متناهيا، فإنما اللاموجود هو اللامتناهي ما دام ليس له ~~أول ولا وسط ولا آخر ولا أي جزء آخر. وهذا هو اللامتناهي. ولكن الموجود ليس ~~كاللاموجود والموجودات ما دامت متكثرة؛ فإنها يحد بعضها بعضا على التبادل. ~~فالأحد لا يمكن أن يشبه لا باللاموجود ولا بالموجودات المتكثرة ما دام الأحد ~~لا يحده شيء. # 50 # الأحد - الذي إكسينوفان يسميه الله - لما كان كذلك لا يمكن أن يتحرك ولا أن ~~يكون لامتحركا؛ فإن اللاموجود هو في الحق لا متحرك؛ لأنه لا موجود يأتي فيه ~~ولا هو يمكن أن يذهب في موجود آخر، ولا حركة إلا متى كانت الموجودات أكثر من ~~واحد؛ لأن من الضروري للحركة أن واحدا يتحرك في الآخر. ولا يمكن أن يتحرك شيء ~~في اللاموجود ما دام أن اللاموجود لا يوجد مطلقا في أية جهة. وإذا كانت ~~الأشياء تتغير بعضها إلى بعض فحينئذ يكون الموجود أكثر من واحد. # 51 # فانظر كيف يزعم إكسينوفان أنه يلزم شيئان على الأقل أو أكثر من واحد لكي توجد ~~الحركة، وأن اللاشيء هو في سكون ولامتحرك، وأن الأحد على ضد ذلك لا يمكن أن ~~يكون في سكون ولا أن يكون في حركة؛ لأنه لا يشبه اللاموجود ولا الموجودات ~~المتكثرة. # 52 # ومن كل هذه الوجوه فهذا - على رأي إكسينوفان - هو الله أزلي أحد متشابه من كل ~~جهة، وفلكي لا لامتناه ولا متناه، لا هو في سكون ولا هو في حركة. # 53 # الباب الرابع # ننبه تنبيها أول؛ وهو أن إكسينوفان كميليسوس يفترض أن كل ما يولد ويصير ~~يتولد من الموجود. ومع ذلك فماذا يمنع من أن ما يولد لا يولد لا من الشبيه ولا ~~من اللاشبيه، بل يولد من اللاموجود؟ ولكن الله ليس لامخلوقا أكثر من الباقي ~~إذا كانت كل الأشياء آتية من الشبيه أو من اللاشبيه؛ ذلك هو ما ms206 لا يمكن. ~~وبالنتيجة إما أنه لا شيء خارج عن الله، وإما أن يكون سائر الأشياء هي أيضا ~~أزلية. # 54 # ولكن إكسينوفان يقبل فوق ذلك أن الله هو المولى، يريد بذلك أن يقول إنه ~~الأقدر والأحسن. ليس هذا ما يعتقده العامة، وإنهم ليقبلون أن الآلهة في كثير من ~~الأشياء أعلى بعضها من بعض. على ذلك لم يستعر إكسينوفان هذا الرأي الجريء من ~~إجماع العامة، ولكن متى قيل إن الله هو القادر على كل شيء فليس معناه أن هذا هو ~~طبع الله بالنسبة لواحد آخر، بل هذا هو شأنه الخاص بالنسبة لذاته. أما في ~~علاقته مع الغير فمن الجائز تماما أن الله لا يقدر عليه بعلوه وقوته التي ليس ~~لها من شبيه، بل بضعف الأغيار. وإنه لا أحد يعني على هذا الوجه قدرة الله، بل ~~يفهم الناس أن الله له بذاته كل ما يوجد من الأحسن، وأنه منزه عن النقص أيا ~~كان، وأن له كل ما هو طيب وجميل. وبهذه الكمالات كلها فله أيضا كمال القدرة ~~الكاملة. # 55 # حقا إنه قد يمكن أيضا التسليم بوجود آلهة متعددة موصوفة بالصفات عينها، ~~جامعة بين أكبر الكمالات الممكنة ما دام أنها أكبر قدرة من سائر الموجودات دون ~~أن يكون بعضها أقوى من البعض الآخر، ولكنه يوجد أيضا على ما يظهر موجودات أخرى ~~غيره. # 56 # في الحق هو يزعم أن الله هو القدير، ويلزم ضرورة أن يكون أقدر من بعض ~~الموجودات. ولكن بهذا السبب؛ وهو أن الله هو الأحد، لا يليق أن يقال إنه يبصر ~~من كل ناحية ويسمع من كل ناحية؛ لأنه ليس لأنه قد لا يبصر من الجزء الفلاني أو ~~الفلاني أنه لا يحسن البصر، بل فقط أنه لا يبصر من ذلك الجزء بعينه، بل ربما ~~أيضا حينما يقرر أن الله يحس من كل جهة كان معنى ذلك بالبساطة أنه بهذه ~~الطريقة يكون أيضا أكمل ما دام أنه متشابه في جميع أجزائه. # 57 # إذا كان الأمر كما قرر آنفا فلماذا يعطي صورة فلك؟ لماذا ms207 لا يكون أولى به ~~شكل آخر ما دام أنه يسمع من كل جهة ويرى من كل جهة؟ لأنه كما أننا حين نقول إن ~~الاسبيداج أبيض في كل نواحيه لا نريد أن نعني شيئا آخر إلا أن يكون البياض ~~منتشرا في جميع أجزائه، كذلك ما الذي يمنع حينما يقال إن الله يرى ويسمع ~~ويتسلط من كل مكان أن يفهم أن أي جزء من الله كيفما اتفق، له دائما هذه ~~الصفات؟ ولا يلزم لذلك بعد أن يكون الله فلكيا كما لا يلزم أن يكونه ~~الاسبيداج. # 58 # وفوق ذلك كيف يمكن أن الله من حيث هو جسم ومن حيث إن له عظما لا يكون ~~متناهيا ولا لامتناهيا ما دام اللامتناهي إنما يقع على ما ليس له حد مع ~~قابليته لأن يكون له حد؟ فإن الحد يجب أن يقع على العظم وعلى العدد وعلى كل ~~كمية ... أيا كانت، بحيث إن عظما لا حد له هو يسمى لامتناهيا. # 59 # ومتى جعل الله فلكيا، فمن الضروري أن يكون له حد؛ لأن له نهايات ما دام أن ~~له مركزا على أبعد مسافة ممكنة من الحد. وإذن لا بد له من مركز ما دام ~~فلكيا؛ إذ إنه يعني بفلكي ما له مركز على مسافة متساوية من النهايات. ولا فرق ~~بين أن يقال إن للجسم حدا وإن له نهايات. # 60 # إذا كان اللاموجود لامتناهيا فلم لا يكون الموجود لامتناهيا كذلك؟ ما ~~المانع أن يكون للموجود وللاموجود بعض كيوف مشتركة ومتماثلة؟ فإنه لا يمكن ~~فعلا أن يحس اللاموجود. وكيف يحس ما ليس موجودا. وكذلك يمكن تماما ألا يحس ~~فعلا ما هو موجود. يمكن قول الاثنين معا ونصورهما معا اللاموجود ليس أبيض، ~~ولكن هل ينتج من ذلك وجوب القول بأن كل الموجودات بيض حتى لا يسند شيء واحد إلى ~~الموجود وإلى اللاموجود؟ أو لا يمكن أن يوجد بين الموجودات واحد لا يكون أبيض؟ ~~وإذا كان الأمر هكذا على نقيض القاعدة العتيقة أن الموجود لا ينحصر في أن يكون ~~له أكثر منه ms208 في ألا يكون له، فاللامتناهي قد يقبل أيضا سلبا ثانيا. ~~وبالنتيجة فالموجود أيضا يمكن أن يكون لامتناهيا أو أن يكون له حد. # 61 # ولكن ربما يكون من غير المعقول أن تلزق اللانهاية باللاموجود؛ فإنه لا يمكن ~~أن يقال على كل شيء إنه لامتناه لا لشيء إلا لأنه ليس له حد، كما أنه لا يقال ~~مثلا على اللاموجود إنه غير متساو. # 62 # ولكن بما أن الله واحد، فلماذا لا يكون له حد؟ لا شك في ذلك، ولكن لا يمكن أن ~~يكون له حد تلقاء إله آخر. إذا كان الله واحدا كله فيلزم أن تكون جميع أجزاء ~~الله لا تكون أيضا إلا وحدة محضة؛ لأنه لا يفهم - إذا كانت الأشياء المتكثرة ~~يحد بعضها بعضا بالتبادل - أنه يلزم على ذلك أن الأحد يكون لا حد له؛ لأن ~~الكثرة والوحدة لهما عدة محمولات متشابهة تماما، والموجود مشترك بين إحداهما ~~وبين الأخرى؛ فقد يكون من الغريب أن يذهب إلى إنكار وجود الله، ما دام وجود ~~الكثرة أمرا مسلما حتى لا يشبه الله الأشياء في هذا المعنى. # 63 # لماذا الله مع كونه واحدا لا يكون متناهيا ولا يكون له حدود كما يقوله ~~برمينيد، وهو يعترف لله بالوحدانية حين يشبه «بالفلك المستدير تماما والمتساوي ~~في جميع النقط ابتداء من المركز ...» # في الواقع إن شيئا يمكن أن يكون له بالضرورة حد من غير أن يكون ذلك بالإضافة ~~إلى شيء ما، كما أنه ليس من الضروري أن ما له حد يكون له حد إضافي كالمتناهي ~~بالنسبة لغير المتناهي الذي يليه. أن يكون متناهيا إنما هو أن يكون له نهايات ، ~~ولكن ما له نهايات ليست له بالضرورة بالنسبة إلى شيء ما، بل يوجد بعض أشياء ~~تكون معا متناهية وملامسة شيئا ما، ولكن من الأشياء أيضا ما هي متناهية ~~وليست كذلك بالإضافة إلى شيء ما. # 64 # ومن جهة نظر أخرى القول بأن الموجود والأحد ليسا لا متحركين ولا يتحركان مع ~~ذلك بحجة أن اللاموجود لا يتحرك إنما هو قول من الغرابة ms209 بمكان ما سبقه على ~~الأقل. إنه لا تماثل قطعا - كما قد يمكن أن يظن - بين أن يقال إن شيئا لا ~~يتحرك وبين أن يقال إنه لا متحرك، فمن جهة إنما هذا هو سلب للحركة على جهة ما ~~يقال على شيء إنه لا يكون مساويا، وهذا يمكن أن يصدق حتى على اللاموجود، في ~~حين أنه من جهة أخرى يقال على شيء إنه لا متحرك لأنه فعلا على حال ما، كما أنه ~~يقال على شيء إنه لا مساو، فهنا السكون هو ضد الحركة كما أن على العموم جميع ~~السلوب المكونة من همزة الإزالة تنطبق على أضداد. حق أن يقال على اللاموجود إنه ~~لا يتحرك، ولكنه ليس حقا أن يقال على اللاموجود إنه في سكون. كما أنه لا ~~ينبغي أن يقال إنه لا متحرك، وهذا ما له المدلول بعينيه، ولكن إكسينوفان يستعمل ~~في حق اللاموجود لفظ السكون، ويقول إن اللاموجود هو في سكون لأنه لا نقلة ~~له. # 65 # وكما قلنا آنفا قد يكون من الخطأ الجزم - لا لشيء سوى أن محمولا يصلح حمله ~~على المعدوم - بأن هذا القول لا يكون صالحا بعد للحمل على الموجود، خصوصا إذا ~~كانت الكلمة التي تستعمل لذلك ليست إلا سلبا، نحو قولهم: لا يتحرك ولا ينتقل؛ ~~فإني أكرر أن كثيرا من المحمولات ما يجوز حمله أيضا على الموجودات؛ لأنه يوجد ~~أشياء كثيرة لا يصدق عليها القول بأنها ليست آحادا بحجة أن المعدوم ليس ~~واحدا. ثم إنه يوجد أشياء فيها السلوب بعينها تنتج الأضداد فيما يظهر. فمثلا ~~من الضروري أن يوجد إما مساواة وإما لا مساواة ما دام هناك كم؛ وإنه كذلك يوجد ~~إما زوج وإما فرد ما دام هناك عدد. وكذلك أيضا يلزم أن يوجد إما حركة وإما ~~سكون ما دام هناك جسم. # 66 # غير أنه إذا قيل إن الله والأحد لا يتحرك ألبتة؛ لأن الأشياء المتكثرة تتحرك ~~بعضها نحو البعض الآخر، فما الذي يمنع أيضا أن الله يتحرك بأن يسعى نحو شيء ~~آخر؟ هذا قطعا ليس لأنه ms210 ليس إلا الله، بل لأنه لا واحد أحد إلا الله. وإذا لم ~~يتحرك هو ذاته فما المانع أن أجزاء الله بتحركها بعضها نحو بعض أن يكون الله هو ~~أيضا له حركة دائرية؟ # 67 # لكن على هذا لا يكون بعد واحدا كما يعني زينون، إنما هو متعدد كما قد نبه ~~إليه؛ لأن زينون يقرر أن الله جسم، سواء جعله هو الكل الذي نرى أو سماه باسم ~~آخر. وإذا كان الله لاجسمانيا فكيف يكون في الواقع فلكيا؟ ويلزم أن يكون ~~لاجسمانيا؛ أعني لم يكن أصلا لكي لا يكون له حركة ولا سكون. وإذا كان جسما ~~فما المانع أن يتحرك كما قد قيل؟ # 68 ~~(3) مذاهب غرغياس # الباب الخامس # هو يقرر أن لا شيء بموجود حقيقة، وأنه إن يوجد من شيء فهذا الشيء يبقى ~~مجهولا عندنا، وإنه إن يوجد شيء ويمكن لامرئ العلم به فإنه لا يمكن التعبير ~~عنه للأغيار. # 69 # فيما يتعلق بهذا القول الأول الذي هو أن لا شيء بموجود حقيقة، يؤلف غرغياس ~~بين نظريات فلاسفة آخرين؛ إذ يقررون أفكارا متناقضة في أمر الحقيقة كما تظهر ~~لنا. اعتقدوا هؤلاء أنه لا شيء إلا الوحدة وأن الكثرة ممتنعة؛ وأولئك - على ضد ~~ذلك - أن الكثرة وحدها هي الحقيقية، وأن الوحدة ليست حقيقية؛ ذلك بأن بعضهم ~~يرون الأشياء غير مخلوقة والآخرين يرونها مخلوقة. # 70 # يؤلف غرغياس بين هذين الرأيين ليدلل هكذا: «يقول إنه يلزم ضرورة إن كان شيء ~~موجودا أن يكون هذا الشيء لا واحدا ولا كثرة، وأن تكون الأشياء لا غير مخلوقة ~~ولا مخلوقة. وحينئذ لا شيء بموجود. وإذا كان في الواقع شيء فيلزم أن يكون إما ~~أحدهما وإما الآخر.» فإما أنه لا وحدة ولا كثرة، وأن الأشياء ليست لا مخلوقة ~~ولا غير مخلوقة؛ فإنه يحاول إيضاح ذلك إما كميليسوس وإما كزينون بعد برهانه ~~الخاص به؛ إذ يثبت على طريقته أن الموجود واللاموجود لا يوجدان لا أحدهما ولا ~~الآخر. # 71 # فعنده أنه إذا كان ممكنا أن اللاموجود يكون اللاموجود، فيكون اللاموجود ليس ~~باقل وجودا ms211 من الموجود؛ لأن هذا اللاموجود يكون اللاموجود، كما أن الموجود ~~يكون الموجود، بحيث إنه لا يمكن أن يقال على الأشياء إنها تكون بأقوى من أن ~~يقال عليها إنها لا تكون. # 72 # يقول غرغياس: «إذا كان اللاموجود موجودا فمن ثم لا يكون الموجود بعد مقابلة؛ ~~لأنه إذا اللاموجود يكون فيلزم أن الموجود لا يكون. وبالنتيجة أنه لا شيء ~~بموجود؛ إلا أن يكون الموجود واللاموجود شيئا واحدا بعينه. ولكن إنما هما في ~~الواقع شيء واحد؛ ومن ثم لا يوجد شيء؛ لأن اللاموجود ليس يكون، فالموجود ليس ~~يكون كذلك ما دام أنه مماثل للاموجود.» هذا هو تدليل غرغياس حرفا ~~بحرف. # 73 # الباب السادس # لا ينتج ألبتة من أدلة غرغياس أن لا شيء يوجد؛ لأنك ترى كيف يدلل على الأشياء ~~التي يحاول إثباتها. إذا كان اللاموجود يوجد أو بعبارة أعم: لو أن اللاشيء يوجد ~~فالموجود هو كذلك اللاموجود على السواء. # 74 # ولكن لا يظهر ألبتة أن الأمر هكذا، ولا أن هناك أدنى ضرورة لأن يوجد ~~اللاموجود، كما يكون الحال في شيئين أحدهما يكون حقيقة والآخر لا يزيد على أن ~~يظهر. فيلزم بالضرورة أن يكون أحدهما حقا والآخر ليس كذلك. كذلك من أن ~~اللاموجود لا يوجد لا ينتج أن الاثنين أو أحدهما يجب أن يكونا أو ألا يكونا. ~~يقول غرغياس: لأن اللاموجود ليس بأقل وجودا من الوجود إذا كان «ليس يكون» هو ~~أيضا شيئا ما. لذلك لا يقال ألبتة إن اللاموجود يكون ألبتة بأي وجه كان، فإذا ~~كان اللاموجود هو في حالة اللاوجود فحينئذ لا يكون اللاموجود على النحو الذي ~~يكون عليه الموجود؛ لأنه ليس إلا حالة اللاوجود، بخلاف الموجود فإنه موجود ~~فعلا. # 75 # إذا كان حقا أن اللاموجود قد وجد بطريقة مطلقة، فيكون على الأقل عجيبا أن ~~يقال إن اللاموجود موجود. ولكن إذا كان هذا هكذا بالمصادفة فكيف إذن يكون الحال ~~أبدا بالنسبة للأشياء التي يرجح في أمرها أن تكون على ألا تكون؟ لأنه يظهر أن ~~النقيض نفسه قد يمكن أن يكون حقيقيا أيضا. ms212 # 76 # إذا كان اللاموجود يكون وكان الموجود يكون أيضا، إذن فالكل موجود ما دام أن ~~كل ما هو موجود وكل ما ليس بموجود كلاهما كائن من غير فرق، وإنه ليس من الضروري ~~ألبتة إذا كان الموجود كائنا أن يكون الموجود غير كائن. عبثا يقال إن ~~اللاموجود يكون والموجود لا يكون؛ فإن ذلك لم يؤثر شيئا في أن جميع الأشياء ~~موجودة ما دام أننا لو صدقنا ذلك القول لأصبحت الأشياء التي لا تكون ~~كائنة. # 77 # ولكن إذا كان «يكون ولا يكون» شيئا واحدا؛ فمن ثم لا يمكن أن يقال بعد على ~~شيء إنه يكون، كما لا يمكن كذلك أن يقال عليه إنه لا يكون؛ لأنه كما أن غرغياس ~~يقرر أنه إذا كان اللاموجود والموجود هما شيئا واحدا، فالموجود ليس يكون ~~بأشد وجودا من اللاموجود بحيث ينتج أن لا شيء بموجود، كذلك يمكن أن يؤيد ~~العكس أن الكل موجود؛ لأنه لما أن اللاموجود هو كالموجود تماما فيستنتج منه أن ~~الكل موجود بالحقيقة. # 78 # بعد هذا الدليل هو يقيم دليلا آخر يقول: أن يوجد من شيء فإما أن يكون هذا ~~الشيء لامخلوقا وإما أن يكون مخلوقا؛ فإذا كان لامخلوقا فهو لامتناه، على ~~ما يفترض غرغياس بحسب مبادئ ميليسوس، ولكن اللامتناهي ليس في مكان ما، ما دام ~~أنه ليس في نفسه ولا في غيره، وحينئذ يكون إذن لامتناهيان أو عدة لامتناهيات ~~هذا الذي في الآخر وذاك الذي الآخر فيه. ولما لم يكن في مكان ما فهو لاشيء، على ~~حسب أدلة زينون على حيز الموجودات. وبهذه الأدلة يستنتج غرغياس أن الموجود ~~لامخلوق. # 79 # ولكن الموجود لا يمكن كذلك أن يكون قد خلق؛ فإنه لا يمكن في الواقع أن يكون ~~قد خرج من الموجود ولا من المعدوم؛ لأنه إذا كان الموجود يسقط وهو مخلوق فلم ~~يكن إذن الموجود، كما أن اللاموجود لا يكون بعد اللاموجود من وقت أن يصير شيئا ~~ما. ومن جهة أخرى الموجود لا يمكن أيضا أن يأتي من اللاموجود؛ لأنه إذا كان ~~اللاموجود ms213 لا يكون فممتنع من ثم أن أيا كان يتولد من لاشيء. وإذا كان ~~بالمصادفة اللاموجود يوجد فإن الأسباب التي تجعل الموجود لا يأتي من الموجود هي ~~عينها تجعله لا يأتي أيضا من اللاموجود الذي هو كائن. # 80 # فإذا كان حينئذ من الضروري - ما دام أن شيئا ما موجود - أن هذا الشيء يكون ~~لامخلوقا أو مخلوقا، وأن كلا الأمرين ممتنع، فينتج منه أنه ممتنع أيضا أن ~~يوجد أي شيء ما. # 81 # يقول غرغياس: زد على هذا أنه إذا شيء يوجد فيلزم أن يكون هذا الشيء واحدا أو ~~كثرة. فإذا لم يكن لا واحدا ولا كثرة فينتج منه ألا يوجد شيء. ذلك الشيء لا ~~يمكن أن يكون واحدا؛ لأن «الواحد» يجب أن يكون لاجسمانيا، واللاجسماني هو لا ~~شيء، كما يقول غرغياس متبعا في ذلك رأيا يقرب كثيرا من رأي زينون. وبما أن ~~الموجود لا واحدا؛ فإنه ليس أيضا كثرة من باب أولى. ولكن الموجود بما هو لا ~~واحد ولا كثرة فهو غير موجود ألبتة. وبالنتيجة يقول غرغياس أيضا: إذا كان كذلك ~~فما هو إلا لاشيء. وفي الواقع إذا لم يكن لا واحدا ولا كثرة فإنما هو ليس ~~أيا كان. # 82 # يزيد على ذلك: لكن لا شيء ليس في حركة؛ لأنه إذا كان الموجود في حركة فلا ~~يكون بعد هو ما هو. وحينئذ الموجود لا يكون بعد واللاموجود يصير شيئا. وفوق ~~ذلك بما أن الموجود يتحرك وينقطع عن أن يكون متصلا بانتقاله فعلى هذا المعنى ~~هو لا يكون بعد. وبالنتيجة إذا كان متحركا في جميع أجزائه فهو منقسم في جميعها ~~على الإطلاق، وإذا كان هكذا فليس موجودا ألبتة. وفي هذا الصدد يقول غرغياس: إن ~~الموجود هو ناقص من جهة ما هو منقسم ، وهو يتكلم على التجربة عوضا عن أن يتكلم ~~على الخلو كما كتبه لوكيبس فيما يسمى بمقالاته. # 83 # يظن غرغياس أنه في هذا قد وفى البيان حقه. يقول: إذا ثبت حينئذ أن لا شيء ~~فالكل حينئذ يعزب عن علمنا، فلم يبق بعد ms214 من ثم إلا ما يتصور. واللاموجود ما ~~دام أنه غير كائن فلا يمكن ألبتة تصوره. ومتى كان هذا كان من المحال - على رأي ~~غرغياس - ألا يكون هناك شيء باطل، بل لا يكون خطأ أن يقال مثلا: إن «العربات ~~تدرج على أمواج البحر.» لأن كل هذا حق كما أن نقيضه حق. # 84 # ولكن كيف توجد الأشياء التي ترى أو التي تسمع بهذا السبب وحده، وهو أن يتصور ~~كل واحد منها! فإذا لم يكن ذلك هو السبب الذي يجعلها تكون، وإذا كانت الأشياء ~~التي نتصورها لا توجد من أجل ذلك أيضا، فهل للأشياء التي نشاهدها وجود أدخل في ~~باب الحقيقة والفعل من الأشياء التي نتصورها؟ # 85 # في الواقع، كما أنه ممكن جدا أن كثيرا من الناس يشاهد الأشياء، فكذلك من ~~جهة أخرى كثير من الناس يتصورها أيضا؛ فالأشياء الذهنية هي إذن على الإطلاق ~~مثل الأشياء الخارجية. ولكنه لا يدرى أي الفريقين هو الحقيقي، وبالنتيجة أن ~~يوجد من شيء فمن المحال أن تكون الأشياء معلومة لنا. # 86 # يقول غرغياس: حتى مع التسليم بأنها معلومة لنا، فهل يمكننا أن ننقل التعبير ~~عنها إلى الغير؟ كيف يمكن الإنسان أن يعلم غيره بطريق الكلام ما قد شاهده هو ~~بالنظر؟ وكيف يمكن الإنسان لمجرد سماعه شيئا أن يفهمه جليا إذا لم يكن قد ~~رآه؟ وفي الواقع كما أن النظر لا يدرك الأصوات كذلك السمع لا يسمع الألوان ولا ~~يسمع إلا الأصوات، فالذي يتكلم كلاما، ولا يتكلم لونا ولا أي شيء آخر أيا ~~كان. # 87 # لكن كيف يمكن أن يلتمس المرء في كلام الغير شيئا لم يكن هو نفسه قد تصوره؟ ~~هل يتفق بالمصادفة أن توجد دلالة أخرى، تعطيك فكرة الشيء إن لم يكن لونه حينما ~~يرى وصوته حينما يسمع؟ لأن المبدأ ها هنا على رأي غرغياس ليس هو لا الصوت ولا ~~اللون، بل هو مجرد الكلام، فلا يفتكر الإنسان لونا بل يراه، ولا يفتكر صوتا ~~بل يسمعه. # 88 # لتفترض - إذا شئت - أن ذلك ممكن، وأن الذي يتكلم ms215 يعلم الشيء وعند الحاجة ~~يمكنه أن يعرفه كيف أن الذي يسمع الكلام يكون موقنا بأنه يفهم الشيء بعينه على ~~هذا النحو؟ لأنه ليس ممكنا أن يكون الشيء بعينه في آن واحد في كائنات عدة وفي ~~كائنات منفصلة؛ لأنه حينئذ يكون الشيء الواحد عدة. يقول غرغياس: ولكن شيئا ~~واحدا ولو كان في آن واحد في عدة أذهان وكان فيها هو بعينه فلا شيء يمنع أنه ~~يظهر متماثلا عند جميع الأشخاص الذين هم أنفسهم ليسوا متماثلين في الظاهر، ~~والذين هم ليسوا على استعداد واحد بعينه. # 89 # لنسلم أيضا أنهم في استعداد واحد، أفلا يكونون إذن اثنين بالأقل أو عدة؟ ~~ولكن الشخص بعينه ليس له في الوقت الواحد إحساسات متشابهة؛ فإن سمعه وبصره ~~يعطيانه إحساسات مختلفة، والإحساسات التي به في الحال هي مغايرة لإحساسات ~~سابقة؛ فباطل إذن أن تظن أن غيرك يمكن أن يكون له إدراكات شبيهة بإدراكاتك في ~~أي شيء كان. # 90 # على هذا لا يمكن العلم بشيء ما مع التسليم بوجود شيء ما، خصوصا أنه لا يمكن ~~ألبتة للإنسان أن يعلم غيره ما يعلم هو؛ لأن الأشياء ليست أقوالا، وإنه لا شخص ~~يمكنه ألبتة أن يفهم بالضبط ما يفهمه شخص آخر. # 91 # كل هذه المسائل المحيرة قد أثارها فلاسفة آخرون أقدم عهدا. وسندرس هذه ~~النظريات عند البحث الذي سنعقده لمذاهبهم المختلفة. # 92 ~~(4) قطع من ميليسوس # 1 # قال سمبليسيوس في شرحه كتاب الطبيعة لأرسطو (الورقة 22): فلننظر إذن إلى أدلة ~~ميليسوس، وهو الأول الذي أنحى عليه أرسطو. إن ميليسوس معتمدا على مبادئ ~~الطبيعيين # 93 # في كون الأشياء وفسادها؛ يبدأ كتابه بالعبارات الآتية: # إن لم يوجد شيء فكيف يمكن بأي حال اعتبار هذا اللاشيء كأنه شيء ما؟ ~~إن كان يوجد شيء ما فهذا الشيء إما مولود وإما أزلي؛ فإن كان مولودا ~~وكان قد كون فهو لا يمكن أن يأتي إلا من الموجود أو من اللاموجود، ولكن ~~ليس ممكنا أن ما ليس شيئا - وبالأولى ما هو موجود على الإطلاق - يمكن ~~ألبتة أن يأتي مما ليس ms216 موجودا، كما لا يمكن أيضا أن يأتي مما هو ~~موجود؛ لأن الموجود حينئذ يكون قد وجد ولم يكن به من حاجة إلى أن يصير ~~وأن يوجد. إذن الموجود لا يمكن أن يصير وإذن فهو أزلي، ومن جهة أخرى ~~الموجود لا يمكن أن يفسد؛ لأنه ليس ممكنا أن الموجود يتغير إلى لا ~~موجود. وتلك هي نقطة يوافق عليها الطبيعيون، ليس ممكنا أيضا أن ~~الموجود يتغير إلى اللاموجود؛ لأنه بهذه الطريقة أيضا الموجود يبقى ~~ولا يفسد؛ على ذلك فالموجود ما كان ليمكن أن يولد وإنه لن ينعدم، فقد ~~كان وسيكون أبدا. # 2 # سمبليسيوس، المرجع السابق: # لكن إذا كان ما قد ولد له أول فالذي لم يولد ليس له أول؛ فإذا كان ~~الموجود ليس مولودا فلا يمكن أن يكون له أول كذلك. ويمكن أن يزاد على ~~ذلك أن ما قد فسد له آخر، ولكن إذا كان شيء غير قابل للفساد فليس له ~~آخر ممكن؛ إذن فالموجود بما هو غير قابل للفساد ليس له من آخر، وما ليس ~~له لا أول ولا آخر هو بهذا عينه لامتناه؛ وإذن فالموجود لا ~~متناه. # 3 # سمبليسيوس، المرجع السابق: # إذا كان الموجود لامتناهيا فهو واحد؛ لأنه إذا كان موجودان فلا يمكن ~~أن يكونا لامتناهيين ما دام أنهما يحدان بعضهما بعضا. وبما أن ~~الموجود هو لامتناه فالموجودات لا يمكن أن تكون كثرة، وإذن فالموجود ~~هو واحد. # 4 # سمبليسيوس، المرجع السابق: # إذا كان الموجود واحدا فهو بالتبع لا متحرك؛ لأن الموجود بما هو ~~واحد هو على الدوام مشبه لذاته، الموجود بما هو باق على الدوام شبيها ~~لذاته لا يمكن أن ينعدم، ولا أن ينمو، ولا أن يتغير، ولا أن يتأثر، ولا ~~أن يضمحل، فإذا كان يعاني أدنى واحد من تلك التأثرات فلا يكون بعد ~~واحدا؛ لأن موجودا يعاني حركة من أي جنس كان يتغير من حالة ما إلى ~~أخرى. والموجود لا يمكن أن يكون شيئا إلا الموجود، وبالنتيجة الموجود ~~لا يمكن أن يكون له حركة. # 5 # سمبليسيوس، المرجع السابق: # ومن ms217 جهة أخرى لا شيء من الموجود يمكن أن يكون خلوا؛ لأن الخلو ليس ~~شيئا، واللاشيء لا يمكن أن يكون، وإذن فالموجود لا يتحرك؛ لأنه ما دام ~~أنه لا خلو فلا مكان فيه يمكنه أن يتحيز. ولكن ليس ممكنا أن يدخل ~~الموجود في ذاته ما دام أنه يلزم على ذلك إذن أن يكون أكثر تخلخلا أو ~~أكثر كثافة مما هو. وهذا ممتنع لأن المتخلخل لا يمكن أن يكون مليئا ~~كالكثيف، وما هو متخلخل هو أشد خلوا مما يمكن الكثيف أن يكونه، إذن ~~الخلو لا يوجد. للحكم على الموجود أهو مليء أم لا فذلك يمكن معرفته بأن ~~ينظر هل هو يمكنه أو لا يمكنه أن يقبل في ذاته شيئا ما؛ فإن لم يقبل ~~فذلك بأنه مليء، وإن يقبل فذلك بأنه ليس مليئا. لكن إذا لم يكن خلو ~~فمن ثم كل شيء مليء، وإذا كان الكل مليئا فلا حركة بعد؛ لأنه ليس ~~ممكنا أن تقع الحركة في الملء كما نقوله حين نتكلم على الأجسام. ~~وأخيرا فالموجود الذي هو الكل لا يمكن أن يتحرك في الموجود ما دام أنه ~~لا شيء خارج عنه، ولا في اللاموجود ما دام اللاموجود ليس ~~موجودا. # 6 # سمبليسيوس، الورقة 34: # لإثبات أن الموجود لا يمكن أن يكون قد خلق، يعتمد ميليسوس على هذه ~~القاعدة العامة: ما قد كان قد كان دائما ويكون دائما؛ لأنه إذا كان ~~قد ولد في لحظة ما، فيلزم أنه لم يكن شيئا قبل أن يولد، فإذا لم يكن ~~شيئا حينئذ فقد كان من «الممتع أن شيئا يولد من لاشيء». # 7 # سمبليسيوس، الورقة 7، 9، 23: # قد وجه نقد إلى ميليسوس هو أن لفظ البداية متعدد المعاني؛ فعوضا عن ~~أن يأخذ البداية بالإضافة إلى الزمان الخاص بالموجود الكائن أخذ ~~البداية بالإضافة إلى الشيء، تلك البداية التي لا يمكن أن تنطبق على ~~الأشياء التي تتغير دفعة واحدة؛ فلقد رأى ميلسوس، حتى قبل أرسطوطاليس، ~~أن كل جسم متناه مع أنه أزلي ليس له إلا قوة متناهية، وأن هذا الجسم ~~معتبر في ذاته، ms218 فهو دائما على حد الزمان ... بحيث إنه بما أن له من جهة ~~العظم بداية ونهاية يجب أن تكونا كلتاهما له على السواء، بالإضافة إلى ~~الزمان. وعلى التكافؤ: ما له بداية ونهاية بالإضافة إلى الزمان لا يمكن ~~معا أن يكون الكل. ومن أجل ذلك يسند ميليسوس برهانه إلى البداية ~~والنهاية مطبقتين فقط على الزمان، ولا يسمى بلا بداية وبلا نهاية ما ~~ليس الكل. يعني ما ليس معا العالم أجمع، وهذا لا ينطبق إلا على ~~الأشياء التي لا أجزاء لها وغير المتناهية في وجودها، وينطبق على ~~الخصوص على الموجود المطلق ما دام الموجود المطلق هو بالضبط الكل، وهاك ~~مع ذلك أقوال ميليسوس أعيانها: # على ذلك ما لم يكن قد كون فهو كائن دائما، وقد كان دائما، ~~وسيكون دائما؛ فليس له أول ولا آخر، ولكنه لامتناه، فإذا كان ~~قد كون فيكون له أول لأنه يكون قد بدأ يصير في حين ما، ويكون ~~له أيضا آخر لأنه يكون قد انقطع أيضا عن أن يصير؛ فإذا لم ~~يكن قد بدأ قط وإذا لم يكن قد انتهى قط فذلك بأنه قد كان ~~دائما ويكون دائما بما أنه ليس له لا أول ولا آخر؛ لأن ما ~~ليس الكل لا يمكن أن يصل إلى أن يكونه. # 8 # سمبليسيوس، الورقة 23: # كما أن الموجود أزلي كذلك يلزم أن يكون عظمة أبديا ~~لامتناهيا. # 9 # سمبليسيوس، المرجع السابق: # ما له أول وآخر لا يمكن ألبتة أن يكون أزليا ولا ~~لامتناهيا. # 10 # سمبليسيوس، المرجع السابق: # إذا لم يكن هو أحد فهو يحد آخر. # 11 # سمبليسيوس، الورقة 24: # إن لغة ميليسيوس نفسه يمكن أن تكون قديمة ولكنها ليست غامضة. وقد ~~يمكننا أن نضع تحت الأنظار هذه المؤلفات العتيقة حتى يتهيأ للذين ~~يقرءونها أن يكونوا قضاة يحسنون الحكم في إيضاحات أضبط وأوفى. وهاك ~~إذن ما يقول ميليسوس ملخصا ما قد بسطه في الماضي ومتابعا نظريته على الحركة : # على هذا إذن فالعالم - الكل - هو أزلي لامتناه واحد ~~ومتشابه. إنه لا يمكن أن يفنى، ولا يمكن أن ينمو، ms219 ولا يمكن أن ~~تتغير صورته، ولا يمكن أن يقبل، ولا يمكن أن يضمحل؛ فإذا هو ~~عانى شيئا من ذلك فلا يكون واحدا. وفي الحق أنه إذا صار ~~الموجود غيرا فيلزم ضرورة ألا يكون متشابها، وأن الموجود ~~الأول يفنى وأن اللاموجود يصير، ولو اقتضى الكل ثلاثين ألف عام ~~ليصير غيرا لانتهى بأن يفنى في كل ما يلي من الزمان. # 12 # سمبليسيوس، المرجع السابق: # ولكن لا يمكن أن تتغير صورته؛ لأن النظام المتقدم للعالم لا ينعدم، ~~والنظام الذي لم يكن بعد لا يتكون، ولكن ما دام أنه لا شيء يولد من ~~جديد، وما دام أنه لا شيء ينعدم، وما دام أنه لا شيء يتغير كيف يمكن أن ~~أي موجود اتفق يمكن أن تتغير صورته؟ إنه يكون قد تحول من قبل إذا كان ~~يمكن أن يصير غير ما هو. # 13 # سمبليسيوس، المرجع السابق: # إنه لا ينفعل؛ لأن الكل لا يمكن أن ينفعل ما دام أنه لا يمكن أن ~~شيئا قابلا يكون أزليا؛ ومن ثم لن يكون له بعد قوة شيء يكون في ~~كمال الصحة. وكذلك هو لا يكون متشابها إذا كان ينفعل. إنه لا يمكن أن ~~ينفعل إلا إذا فقد أو كسب شيئا، وبهذا وحده ينقطع عن أن يكون ~~متشابها. كذلك ليس من الممكن أن شيئا صحيحا ينفعل بأي ما كان؛ لأنه ~~حينئذ الموجود وهذا الصحيح ينعدم واللاموجود يكون. والدليل عينه الذي ~~ينطبق على الانفعال ينطبق أيضا على أي اضمحلال ما للموجود. # 14 # سمبليسيوس، القطعة 9 و17 و24: # لا شيء من الخلو بموجود؛ لأن الخلو ليس شيئا، وبما هو لاشيء لا يمكن ~~أن يكون. الموجود لا يتحرك؛ لأنه لا محل يمكنه أن يستقر فيه، ولكن الكل ~~هو ملء. إذا كان خلو فالموجود يتحيز في الخلو، ولكن ما دام أنه لا ~~خلو فلا محل يستقر فيه. ما دام الكل ملئا فلا حركة، كذلك لا يكون لا ~~كثيفا ولا متخلخلا؛ لأنه ليس ممكنا أن يكون المتخلخل مليئا كالكثيف ~~سواء بسواء. والمتخلخل هو أخلى من الكثيف، ms220 إليك كيف يلزم الحكم في ~~الملء والخلو. # وإذا كان شيء يتحيز أو يقبل شيئا ما، فذلك بأنه ليس مليئا، فإذا ~~لم يتحيز أو إذا لم يقبل فذلك بأنه مليء. إذن ليس إلا الملء إذا لم ~~يكن خلو. إذا كان إذن الكل هو ملئا فلا حركة ممكنة. # 15 # سمبليسيوس، المرجع السابق الورقة 24: # إذا تجزأ الموجود تحرك. ولكن حينئذ لا يتحرك كله معا. # 16 # سمبليسيوس، ما سبق الورقة 19: # وإذا كان الموجود يوجد فيلزم أن يكون واحدا، وبما هو واحد يلزم في ~~آن واحد ألا يكون جسما؛ لأنه إذا كان له سمك كان له أيضا أجزاء ولا ~~يكون بعد واحدا. # 17 # سمبليسيوس، شرح كتاب السماء، الورقة 173: # أو سيب وهو يستشهد أرسطوقلس Preparation Evangélique ~~XV # هذا هو إذن الدليل الأقوى على إثبات وحدة ~~الموجود. ولكن هاك من جهة أخرى أدلة تثبتها أيضا. إن كان موجودات ~~متكثرة فيلزم أن يكون كل واحد منها كالموجود الذي أثبتت وحدته. إذا كان ~~الأرض والنار، وإذا كان الهواء والحديد، والذهب والنار، إذا كان الحي ~~والميت، إذا كان الأبيض والأسود وسائر الأشياء التي يعتبرها الناس ~~حقائق، هي موجودة في الواقع كما يقال، فيلزم أن يكون كل شيء على ~~الحقيقة هو ما قد ظهر لنا بادئ الأمر. وإنه لا يتغير حاله، وإنه لا ~~يصير غيرا، بل يبقى دائما هو ما هو، ولكنا نعتقد في حالة الأشياء ~~الراهنة أننا نحسن رؤيتها ونحسن استماعها ونحسن إدراكها. فالحار يظهر ~~لنا أنه يصير باردا، والبارد يصير حارا، والصلب يصير لينا، واللين ~~يصير صلبا، والحي يظهر لنا أنه يموت، ويتولد ثانيا مما ليس حيا ~~بعد. فالكل بلا استثناء يظهر لنا أنه يصير غيرا، ولا شيء يظهر بأنه ~~يبقى في الحالة بعينها التي كان فيها والتي هو فيها. الحديد نفسه مهما ~~كان صلبا ينبري بملامسة الأصبع، والذهب والحجر وأي جسم آخر مما يظهر ~~لنا صلبا هكذا تأتى من الماء كما يأتي منه الأرض والحجر. وبالنتيجة ~~يمكن أن يقال إننا لا نرى ولا نعرف الموجودات في حقائقها؛ على ms221 ذلك فكل ~~ذلك أبعد من أن يتطابق. # إننا نقول حقا على بعض الأشياء إنها أزلية، ومع ذلك نرى صورها كلها ~~وخواصها كلها تتغير تحت أعيننا وتنقطع عن أن تكون على ما قد كنا ~~رأيناها عليه في كل حالة خاصة. إذن يلزم التسليم بأننا لا نحسن رؤية ~~الأشياء، وأن ظهور الأشياء لنا متكثرة إنما هو خطأ؛ لأنها لو كانت ~~حقيقية ما تغيرت، ولكنها تكون على ما يظهر لنا كل واحد منها أنه موجود، ~~ما دام أنه لا شيء فوق الموجود الحقيقي؛ ففي التغير قد هلك الموجود، ~~وهذا الذي يتكون هو اللاموجود، حينئذ مرة ثانية إذا كانت الأشياء ~~متكثرة كما يقال فيلزم أنها كانت على الإطلاق كما يكون الموجود ~~الأحد. # | هوامش # | تحليل نظرية غرغياس # لسكستوس أمبيريكوس # Adversus Mathemadicos Logicos ~~(ك7، ص385، طبعة 1842) # قال سكستوس بعد أن أثنى على فروطاغوراس وأوتيديم وريونيسودور الذين لم يعترفوا ~~بالموجود وبالحقيقة إلا في الإضافي: «غرغياس الليونتيومي قد تبوأ مكانا أيضا في ~~طائفة الفلاسفة الذين أنكروا ملكة الحكم، ولكنه لم يتخذ في هجماته الطريقة التي ~~اتخذها فروطاغوراس؛ فإنه في كتابه المعنون «في اللاموجود أو في الطبيعة» يقرر النقط ~~الثلاث الآتية: أولا أنه لا شيء بموجود، وثانيا أنه إذا كان شيء موجودا فذلك الشيء ~~هو غير قابل لأن يدركه الإنسان، وأخيرا وثالثا أن هذا الشيء لو كان قابلا لإدراكنا ~~لما أمكن التعبير عنه ولا تفهيمه الغير. # وإليك كيف يثبت النقطة الأولى؛ وهي أن لا شيء بموجود. إذا كان شيء موجودا فإنما هو ~~الموجود أو اللاموجود أو الموجود واللاموجود معا. ولكن الموجود ليس موجودا كما ~~سيبسطه، واللاموجود كذلك ليس موجودا كما سيبينه. وأخيرا ما هو معا موجود ولا موجود ~~لا يوجد كما سيبينه. إذن لا شيء بموجود، بديهي أن اللاموجود غير موجود؛ لأنه إذا كان ~~اللاموجود موجودا فينتج منه أنه يوجد ولا يوجد معا؛ لأنه من جهة أنه متصور لاموجودا ~~فلن يوجد، ومن جهة أنه اللاموجود فهو سيوجد من جديد وعلى العكس. ولكن من السخف أن شيئا ~~يكون ولا يكون ms222 معا؛ إذن اللاموجود غير موجود ألبتة. أضف إلى ذلك أنه من جهة نظر أخرى ~~إذا كان اللاموجود موجودا فالموجود حينئذ لا يوجد لأنهما على التكافؤ ضدان أحدهما ~~للآخر. وإذا كان الموجود يصل إلى اللاموجود فاللاموجود يصل إلى الموجود.» # ولكن ما دام الموجود ليس موجودا فاللاموجود ليس موجودا من باب أولى، على هذا أقول: ~~إن الموجود ليس موجودا؛ لأنه إذا كان الموجود موجودا فإما أن يكون أزليا وإما أن ~~يكون مخلوقا وإما أن يكون معا أزليا ومخلوقا. ولكن - كما سنبرهنه - الموجود ليس ~~لاأزليا ولا مخلوقا ولا كليهما معا. أقول: إذن إن الموجود لا يكون؛ لأنه إذا كان ~~الموجود أزليا - ما دام أنه يجب الابتداء بذلك - فليس له أول وكل ما يولد له أول، ~~والأزلي بما هو لم يخلق لا يمكن أن يكون له أول ما، وبما هو ليس له أول فهو لامتناه، ~~وبما هو لامتناه فليس في أي مكان ما. وفي الحق إنه إذا كان في مكان ما فيلزم أنه كان ~~موجود آخر غيره وفيه يوجد. وإذا كان الموجود محويا هكذا في شيء ما فلا يكون بعد ~~لامتناهيا ما دام أن الحاوي هو أكبر من المحوي، ولا يمكن أن يكون شيء أكبر من ~~اللامتناهي؛ إذن اللامتناهي ليس في حيز ما. # ولكن اللامتناهي لا يمكن أن يكون كذلك محويا في ذاته؛ لأنه إذن يكون المحل والحال ~~يشتبهان ويصير الموجود اثنين: المحل أولا ثم الجسم، فإن ما فيه الجسم هو الحيز وما في ~~الحيز هو الجسم، ولكن هذا سخف. وبالنتيجة فالموجود ليس كذلك حالا في ذاته، وبالنتيجة ~~أيضا إذا كان الموجود أزليا فهو لامتناه، وبما هو لامتناه فهو ليس في أي حيز، وبما ~~هو ليس في حيز فهو غير موجود، إذا كان إذن الموجود أزليا فلا يمكن أن يكون له كذلك ~~أول. # ومن جهة أخرى الموجود لا يمكن كذلك أن يكون قد خلق، فإذا كان بالمصادفة قد ولد فيجب ~~أن يكون قد أتى من الموجود؛ لأنه إذا كان الموجود موجودا فذلك بأنه لم ms223 يكن قد ولد وأنه ~~موجود من قبل، ولا من اللاموجود ما دام اللاموجود لا يمكن أن يكون شيئا ما أيا كان ~~ما دام أن ما هو قادر على أن يكون شيئا يجب بالضرورة أن يكون قد شارك في الوجود؛ إذن ~~فالموجود لا يمكن أن يكون قد خلق. # وقد يثبت بالأدلة عينها أن الموجود لا يمكن أن يكون الاثنين معا؛ أعني أزليا ~~ومخلوقا معا. وفي الحق إن هذين المعنيين يتفاسدان، وإذا كان الموجود أزليا فهو لم ~~يولد، وإذا ولد فليس أزليا. حينئذ مرة أخرى، الموجود بما هو لا أزلي ولا مخلوق ولا ~~الاثنان معا فذلك بأنه لا يوجد ألبتة. # دليل آخر: إذا كان الموجود يوجد فهو واحد أو كثرة. ولكن الموجود ليس واحدا ولا ~~متكثرا كما سنرى ذلك؛ ومن ثم فالموجود ليس ألبتة؛ فإذ افترض واحدا فهو إما كم وإما ~~متصل وإما عظم ما وإما جسم. ولكن ما هو في أي ما من هذه الأحوال ليس بعد واحدا. وفي ~~الحق إنه إذا كان الموجود كما فيكون منقسما، وإذا كان متصلا فيمكن فصله، وإذا افترض ~~له في الذهن عظم فلا يكون بعد غير منقسم. وإذا ذهب إلى حد أن يجعل جسما فإذن يكون له ~~الأبعاد الثلاثة، وبعبارة أخرى يكون له طول وعرض وعمق، ويكون مما لا يستطاع تأييده أن ~~يدعى أن الموجود ليس على الإطلاق شيئا من ذلك كله، وإذن فالموجود ليس ~~واحدا. # أقول: إن الموجود ليس كذلك متكثرا؛ لأنه ما دام ليس واحدا لا يمكن بعد أن يكون ~~كثرة، وفي الحق إن كثرة لا تتألف إلا من تركب الوحدات، ومتى نفيت الوحدة انتفت الكثرة ~~حتما. # حينئذ على ما تقدم كله يرى جليا أن الموجود ليس أكثر وجودا من اللاموجود، ويمكن ~~أن يستنتج منه أن الموجود ليس كذلك الموجود واللاموجود معا. إذا كان الموجود - في الحق ~~- هو ما يوجد وما لا يوجد؛ فحينئذ اللاموجود يتحد مع الموجود في أمر الوجود؛ ومن ثم لا ~~يوجد لا أحدهما ولا الآخر. فأما أن اللاموجود لا ms224 يوجد فهذا موضع اتفاق جميع الناس، ولكن ~~قد قرر آنفا أن الموجود يتماثل مع اللاموجود؛ فالموجود إذن ليس يوجد كذلك، ولكن إذا ~~كان الموجود مماثلا للاموجود فلا يمكن أن يكون الاثنين معا، فإذا كان الاثنين معا ~~فلا يكون مماثلا، وإذا كان مماثلا فلا يكون الاثنين، وينتج منه أن الموجود هو لاشيء؛ ~~لأنه إذا لم يكن لا الموجود ولا اللاموجود ولا كليهما - ولا شيء وراء ذلك - فذلك بأن ~~الموجود ليس شيئا. # الآن يلزمنا أن نوضح أنه إن كان من شيء فذلك الشيء غير معروف للإنسان، وأن عقله لا ~~يمكن أن يفهمه. يقول غرغياس: إذا كانت تصورات عقلنا ليست موجودات فالموجود لا يمكن أن ~~يتصور، وذلك بسيط كل البساطة. وفي الحق، كما أنه إذا كانت الأشياء التي نتصورها بيضاء ~~هي في الحقيقة متصورة بيضاء، فكذلك الأشياء المتصورة ليست موجودات، فينتج منه بالضرورة ~~الحتمية أنه لا يمكن أن تتصور موجودات حقيقية. وهذا دليل صحيح تام الصحة ومنتج جد ~~الإنتاج؛ فإذا كانت الأشياء المتصورة ليست موجودات فالموجود لا يمكن أن يتصور الأشياء ~~المتصورة ليست موجودات كما سنقرره، وذلك فرض أول ينبغي التسليم به. إذن الموجود ليس ~~متصورا، فأما أن الأشياء المتصورة ليست موجودات فذلك ما هو بين بذاته؛ لأنه إذا كانت ~~التصورات هي الحقائق فحينئذ كل ما يتصور يوجد وعلى الوجه الذي تصور به أيا كان هذا ~~الوجه. وهذا هو سخيف بالبداهة، وافتراضه غير معقول بالمرة، مثال ذلك: إذا شاء المرء أن ~~يفترض إنسانا يطير في الأجواء وعربات تدرج على الأمواج، فلا ينتج من ذلك وحده أن ~~الإنسان يستطيع أن يطير والعربات تدرج على أمواج البحر. على هذا فالتصورات التي تتصور ~~ليست حقائق. # يلزم أن يزاد على هذا أنه إذا كانت الأشياء المتصورة موجودات فينتج منه أن الأشياء ~~التي ليست موجودة لا يمكن أن تتصور؛ لأن الخواص المتضادة تتعلق بالأضداد. واللاموجود هو ~~نقيض الموجود، فإذا كان إذن الموجود يمكن أن يتصور كما قد يعتقد فينتج منه أن اللاموجود ~~لا يمكن أن يتصور . وهذا سخف؛ ms225 لأن الإنسان يتصور «سيعلا» و«الشيمير» وأشياء شتى أخرى ليس ~~لها وجود ما؛ إذن الموجود ليس متصورا، وكما أن الأشياء المرئية هي بذلك يقال عليها ~~إنها قابلة لأن ترى وأن الأشياء المسموعة يمكن أن يقال عليها إنها قابلة لأن تسمع؛ لأن ~~الإنسان يسمعها، وأن المرء لا ينكر الأشياء المرئية؛ لأنه لا يسمعها، كما أنه لا ينكر ~~الأشياء القابلة لأن تسمع بحجة أنه لا يراها، فإن كل واحد من هذه الأشياء يجب أن يحكم ~~عليه بحاسته الخاصة لا بحاسة أجنبية، كذلك الأمر في الأشياء المتصورة؛ لأنه لا يمكن أن ~~ترى بالنظر ولا أن تسمع بالسمع ما دام أنها مدركة بالحاسة الخاصة بها. وبالتبع إذا كان ~~امرؤ يتصور العربات تدرج على المياه ولا يراها فلا يلزم منه إنكار أن العربات تدرج على ~~الماء. ولكن هذا سخف؛ وإذن فالموجود ليس متصورا ولا يمكن أن يفهم. # ولكن بافتراض أنه يفهم فلا يمكن نقله إلى الغير، وفي الحق إن الموجودات التي يمكن ~~للمرء أن يراها ويسمعها - وعلى وجه العموم أن يحسها - هي مفروضة خارجة عنا ومن بينها ~~المرئيات مدركة بالنظر وما يمكن سمعها مدركة بالسمع دون أن يكون ألبتة عكس ممكن. فكيف ~~يمكن حينئذ التعبير عنها للغير. وفي الواقع إن طريقة الإيضاح التي عندنا هي الكلام، ~~والكلام ليس هو الأشياء نفسها ولا الموجودات؛ إذن ليست الموجودات هي التي نعبر عنها ~~للغير، بل هو الكلام وحده الذي هو على الإطلاق خلاف الحقائق أعينها. وإذن فكما أن ~~المرئي لا يمكن أن يصير قابلا لأن يسمع وعلى التكافؤ، فكذلك الموجود المفروض أنه خارج ~~عنا لا يمكن أن يصير هو كلامنا. وبما أن الكلام ليس موجودا فليس من الممكن التعبير عن ~~شيء ما للغير. وفي الواقع إن المقالة - كما يقول غرغياس - لا تتألف إلا من أشياء خارجية ~~تأتي فتقع في ذهننا، أعني أشياء تدركها حواسنا. # وعلى هذا فعلى أثر تسلط ذوق ما في الأشياء المذوقة يتكون عندنا الكلام الذي نعبر به ~~عن هذا الكيف الخاص. وتبعا لتدخل اللون يتكون الكلام ms226 الذي نعبر به عنه؛ فإذا كان هذا ~~هكذا فليس الكلام هو الذي يمثل ما هو في الخارج، بل هو الشيء الخارجي الذي يعين الكلام. ~~لا يمكن أن يقال: إن الكلام هو على الوجه الذي عليه الأشياء المرئية أو المسموعة بحيث ~~إن الكلام بافتراضه يمكن أن يستدل به على الموجودات والموضوعات الخارجية. يقول غرغياس: ~~لأنه إذا كان الكلام هو أيضا موضوعا فهو يختلف بالأقل عن جميع الموضوعات الأخرى. ~~ومثال ذلك أية مسافة لا تكون بين الأشياء المرئية وبين الكلمات التي نعبر عنها؟ وفي ~~الحق إنه إنما يختلف العضو الذي تدرك به الأشياء المرئية والذي يدرك به الكلام الذي ~~يعبر عنها. وعلى ذلك فالكلام لا يمكن أن يبين الجزء الأعظم للأشياء الخارجية بذواتها، ~~كما أن أكثر الأشياء لا يمكن على التبادل أن يبين بعضها طبع البعض الآخر. # تلك هي أدلة غرغياس التي هي على قدر قيمتها تفسد كل مقياس للحق؛ لأنه ليس بعد من ~~مقياس ما دام أن الموجود ليس موجودا، وأنه لا يمكن أن يعلم، وأنه ليس قابلا لأن ينقل ~~علمه إلى الغير. # راجع أيضا # Hypotyposes Pyrrhoniennes # ك2 ب6 ف57 و59 ~~و64، ص134 و136 من طبعة سنة 1842. ms227