######OpenITI# #META# URI: 1382AhmadLutfiSayyid.QissatHayati.Hindawi48605925 #META# Tags: biographies #META# ID: 48605925 #META# Title: قصة حياتي #META# AuthorID: 81524293 #META# Author: أحمد لطفي السيد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # 1 - نشأتي الأولى‏ # 2 - اشتغالي بالسياسة‏ # 3 - اشتغالي بالصحافة ورأيي في الخديو عباس‏ # 4 - لورد كرومر أمام التاريخ‏ # 5 - ردي على اللورد كرومر‏ # 6 - طالبنا بالاستقلال التام فقالوا خرجتم على الباب العالي‏ # 7 - أربعة رجال عرفتهم‏ # 8 - رحلتي إلى أوربا وإلى المدينة المنورة‏ # 9 - مع سعد زغلول والخديو عباس‏ # 10 - عرفت تولستوي وفتحي زغلول‏ # 11 - موقفنا من الحرب سنة 1914‏ # 12 - في ثورة سنة 1919‏ # 13 - من الجامعة إلى الوزارة‏ # 14 - من الوزارة إلى المجمع اللغوي!‏ # 15 - الأخلاق وكيف ينبغي أن تكون لتحقيق سلام عالمي‏ # 1 - نشأتي الأولى‏ # 2 - اشتغالي بالسياسة‏ # 3 - اشتغالي بالصحافة ورأيي في الخديو عباس‏ # 4 - لورد كرومر أمام التاريخ‏ # 5 - ردي على اللورد كرومر‏ # 6 - طالبنا بالاستقلال التام فقالوا خرجتم على الباب العالي‏ # 7 - أربعة رجال عرفتهم‏ # 8 - رحلتي إلى أوربا وإلى المدينة المنورة‏ # 9 - مع سعد زغلول والخديو عباس‏ # 10 - عرفت تولستوي وفتحي زغلول‏ # 11 - موقفنا من الحرب سنة 1914‏ # 12 - في ثورة سنة 1919‏ # 13 - من الجامعة إلى الوزارة‏ # 14 - من الوزارة إلى المجمع اللغوي!‏ # 15 - الأخلاق وكيف ينبغي أن تكون لتحقيق سلام عالمي‏ # | قصة حياتي # | قصة حياتي # تأليف # أحمد لطفي السيد # الفصل الأول # | نشأتي الأولى # (1) في قرية مصرية # نشأت في أسرة مصرية صميمة لا تعرف لها إلا الوطن المصري، ولا تعتز إلا بالمصرية، ولا ~~تنتمي إلا إلى مصر؛ ذلك البلد الطيب الذي نشأ التمدن فيه منذ أقدم العصور، وله من ~~الثروة الطبيعية والشرف القديم ما يكفل له الرقي والمجد. # وقد ولدت في 15 يناير سنة 1872م بقرية «برقين» من أعمال مركز السنبلاوين بمديرية ~~الدقهلية، وهي قرية صغيرة كان تعدادها في ذلك الحين يبلغ مائة نفس، ويشاع بين أهل الريف ~~أن اسمها «النزلة» وربما سميت باسم «برقين» الفلسطينية، وقد تضاعف سكانها، فأصبح عددهم ~~الآن نحو ألفي نفس، وهم زراع ماهرون مشهورون بالجد والنشاط والاستقامة، وقد اعتادوا أن ~~ينطقوا القاف «جافا»، والجيم جيما معطشة كسائر أهالي مركز السنبلاوين، وما زالت هذه ~~اللهجة تغلب علي في حديثي. # وكان والدي «السيد ms001 باشا أبو علي» عمدة هذه القرية كوالده «علي أبو سيد أحمد»، وقد كان ~~يجيد حفظ القرآن الكريم كله، وعرف بشخصيته المهيبة، وقوة شكيمته، وعدالته في معاملته، ~~وعطفه على أهل قريته وغيرهم، وأذكر أنه ما قسا يوما علي، ولا وجه إلي كلمة نابية ~~أو عبارة تؤلم نفسي، بل كان - طيب الله ثراه - عطوفا حكيما في تربية أبنائه، يعتني ~~بالقدوة الحسنة، وحسن التوجيه والإرشاد. # ولما بلغت الرابعة من عمري أدخلني كتاب القرية، وكانت صاحبته سيدة تدعى «الشيخة ~~فاطمة»، فمكثت فيه ست سنوات تعلمت فيها القراءة ~~والكتابة، وحفظت القرآن كله، وكنت أجلس مع زملائي على الحصير، ونصنع الحبر بأيدينا، ~~وإلى هذه السيدة يرجع فضل تنشئتي الأولى في تلك السنين. # ضرب العمد والأعيان # وقد كنت في العاشرة حينما أتممت حفظ القرآن في هذا الكتاب، فاشترى لي والدي ~~«مهرة» من بادية الشام لم تألف رؤية قطار السكة الحديدية، فكنت أركبها للنزهة ~~ولقضاء بعض الأعمال، وقد نصحني والدي بالابتعاد عن السكة الحديدية حتى لا يمسسني ~~مكروه، وذات يوم امتطيت المهرة وذهبت إلى عزبة لنا في «طرانيس العرب»، وفاتني أن ~~أعمل بنصيحة والدي، فسرت بها على طريق السكة الحديدية، وبينما أنا سائر بها؛ إذ ~~فاجأني القطار فوثبت من فوقها وتركتها وحدها فجرت مسرعة حتى عادت إلى برقين، فذعر ~~أهلي، وهاجت القرية، وظن الجميع أني أصبت بمكروه، وكنت وقتئذ وحيد والدي، فزاد ذلك ~~من اهتمامهم وقلقهم، وما كاد القطار يقترب منهم حتى رأوا السائق يشير إليهم بمنديل ~~أبيض، فاطمأن بالهم، ثم أخبرهم السائق بما فعلت، فبعثوا إلي بحمار عدت عليه إلى ~~بلدتي، غير أني خشيت أن يعاقبني والدي، فهربت خوفا من «علقة» تصيبني، وجاء رجل من ~~أهل القرية يدعى «عوض بدران» يهنئه بسلامتي ويقول له: «بركة عيشك يا بو علي»، وهو ~~يعني «الحمد لله على السلامة»! # وجيء بي إلى والدي وأنا خائف أترقب، ولكنه - كعادته معي رحمه الله - ربت على كتفي ~~قائلا: «لا تخالف أمري يا ولدي، ولا تسر مرة أخرى على السكة الحديد.» فأثر ذلك في ~~نفسي، ms002 وازددت إعجابا به وحبا له. # وعلى ذكر «العلقة»، أذكر أن الضرب في ذلك الزمان كان مباحا، حتى ضرب العمد ~~والأعيان! وكان هذا بعض ما يحدث في القرى المصرية من القسوة والاستبداد، وقد رأيت ~~بنفسي غير مرة؛ إذ كان لوالدي صديق يدعى أحمد كامل بك، وكان مفتش «تفنيش شاوى»، ~~فكنت - وأنا بمدرسة المنصورة - أذهب إلى بيته يوم الجمعة، فأرى حوش التفنيش ~~مرشوشا، والبيك المفتش قاعدا في صدره وقد وقف اثنان من «القواسة» يحملان الكرباج ~~و«الفلقة» لضرب العمد الذين يتأخر أهالي قراهم في دفع الإيجار، وكانت هذه طريقتهم ~~في ذلك الحين، فانظر كيف كانت الحال بالأمس، وكيف هي اليوم! # نوبار باشا: مسلم! # بعد أن أتممت حفظ القرآن الكريم رغب والدي في أن يبعثني للدراسة في الأزهر، وصادف ~~في ذلك الوقت أن جاء يتغدى عندنا إبراهيم باشا أدهم - مدير الدقهلية سابقا - فدخلت ~~لتحيته، فسأل والدي إلى أين يبعث بي للدراسة، فأجاب: «إلى الأزهر الشريف إن شاء ~~الله»، فأشار عليه أن يبعث بي إلى مدرسة المنصورة الابتدائية، وكانت المدرسة ~~الحكومية الوحيدة في الدقهلية كلها، وقد عين المرحوم أمين سامي باشا ناظرا لها، ~~وكان معروفا بالدقة والنظام والشدة وعدم التسامح في أي تقصير يبدو من أحد ~~التلاميذ، ومع ذلك فقد كنا نحبه ونحترمه ونشعر بأبوته الرحيمة، وكان بالمدرسة قسم ~~داخلي، فالتحقت بالسنة الثانية بامتحان؛ لأني كنت - عدا حفظي للقرآن الكريم - أعرف ~~قواعد الحساب الأربعة، و«سورة الفدان» من صراف بلدنا «المعلم حنين» وكان يلبس جبة ~~وقفطانا. # وأذكر على سبيل الفكاهة أن أحدهم سأله يوما عن رئيس الوزارة نوبار باشا، فقال ~~له: «قول لي يا معلم حنين، نوبار باشا مسلم؟» # فأجابه خبثا أو بسلامة نية: «نعم، مسلم وموحد بالله»! ~~(2) العدس والفول فقط! # وكانت سنة 1882م حينما التحقت بمدرسة المنصورة الابتدائية، ولما اختطلت بزملائي ~~التلاميذ شعرت بعد أيام بشيء من القلق؛ لأنهم كانوا يضحكون مني حينما أنطق القاف جافا ~~كأهل بلدتي! هذا إلى أن الضرب والحبس في «الزنزانة» كانا من أنواع العقاب في هذه ~~المدرسة، وقد رأيت في ms003 الأيام الأولى تلميذا وضعت رجلاه في الحديد؛ لأنه ارتكب ذنبا، ~~وكانت روح الجندية هي السائدة على نظام المدارس في ذلك الحين، وكنا نخرج كل يوم جمعة ~~«طوابير» نطوف في شوارع المدينة ثم نعود إلى عنابرنا، وكانت عيشة المدرسة عيشة شظف ~~وخشونة، وقد كانوا في وجبة الفطور يقدمون لكل تلميذ رغيفا فقط، وعليه أن يشتري من جيبه ~~الخاص ما يأتدم به من جبن أو حلاوة، وكان العدس أو الفول هو وجبة الغداء والعشاء، وفي ~~بعض أيام الأسبوع يقدمون لنا شيئا من اللحم والفاكهة. # وجاء والدي كعادته لزيارتي يوم الجمعة، فأبديت له أسباب تعبي وضيقي من هذه المدرسة، ~~وقلت: «إنني غير مبسوط، وأخشى أن أنسى فيها القرآن الكريم فيعاقبني الله بالنسيان، وقد ~~قال تعالى: # كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك ~~اليوم تنسى ~~...» فابتسم رحمه الله وقال لي: «وانت تنسى القرآن ليه؟! ~~اقرأ كل يوم جزءا منه وأنت لا تنساه، وخليك في المدرسة»، فاستمعت لنصيحة والدي، ومكثت ~~بالمدرسة، وقد حبب إلي البقاء فيها أستاذ اللغة العربية «سيد أفندي محمد»، وكان ~~مشهورا بالقدرة والتفوق في تربيته وتعليمه، وكان تلاميذه أقوى زملائهم في اللغة ~~العربية، وعلى يديه نبغ كثيرون. ~~(3) من المنصورة إلى الخديوية # أمضيت ثلاث سنوات في مدرسة المنصورة الابتدائية، وأتممت تعليمي الابتدائي في سنة ~~1885م، ولم تكن شهادة الابتدائية ولا البكالوريا قد وجدتا بعد، بل كان الانتقال من ~~مرحلة إلى أخرى بالنجاح في امتحان المدرسة، وكان بمدرسة المنصورة فرقة تجهيزية واحدة ~~فألغيت في ذلك العام، واضطررت للسفر إلى مصر لألتحق بالمدرسة الخديوية. # ولقد أصبت نعمة كبرى في هذه المدرسة بصحبة صديقي وأخي عبد العزيز فهمي، من أول يوم ~~التقيت به في عنبر المدرسة، وذلك في مناقشة أثيرت بيننا وبين بعض الطلبة في النحو، ~~فاتفق رأيه ورأيي ضد الآخرين، ومن تلك الليلة صرنا صديقين حميمين، ولا أذكر أن أحدنا ~~قصر في حق صديقه أو قال عنه ما يسوؤه، أو وجه إليه كلمة تؤلمه، ولو على سبيل ~~المزاح. # ولما انتظمنا في المدرسة رتبونا بالطول، فقصار القامة في ms004 السنة الأولى، والأطول منهم ~~في السنة الثانية، وهكذا، وكان وزير المعارف يومئذ عبد الرحمن رشدي باشا، ووكيلها يعقوب ~~باشا أرتين وناظر المدرسة صادق بك شنن، وكان هذا الناظر معروفا بحبه لأهل البيت ، وإذا ~~وبخ أحدا قال له: «يا يزيد!» وقد عز على صديقي عبد العزيز فهمي باشا - وقد أمضى سنة في ~~تجهيزية مدرسة طنطا - أن يكون تلميذا في السنة الأولى، فاحتج على هذا الوضع، فقبل ~~احتجاجه بصعوبة ونقل إلى السنة الثانية، ولما لم تكن شهادة البكالوريا قد وجدت في ذلك ~~الحين؛ فقد شاء عبد العزيز فهمي، وهو في السنة الثالثة، أن ينتقل إلى مدرسة الحقوق، ~~فذاكر في الإجازة لامتحان القبول بها ونجح، أما أنا فبقيت في الخديوية إلى أن حصلت على ~~البكالوريا سنة 1889م وكان نظام الشهادات العامة قد وضع قبل ذلك بعام. ~~(4) عصر «الفتوات»! # وفي المدرسة الخديوية عرفت عيشة الترف بالنسبة لمدرسة المنصورة، فكنا نأكل بيضا ~~ولحما وحلوى وفاكهة كل يوم، ولم تكن نفقاتها تزيد على نفقات مدرسة المنصورة، وكانت في ~~سراي مصطفى باشا بدرب الجماميز، هي ومدرسة الترجمة والمهندسخانة ووزارة المعارف، وكان ~~طلبة المهندسخانة يختلفون عنا بزيهم العسكري الكامل، ويحملون إلى جانبهم سيوفا، فكانوا ~~يشيعون بمنظرهم الرهبة في نفوس الطلبة الآخرين وبخاصة الغرباء، وكان مما يخيفني ~~بالقاهرة حوادث «الفتوات» في ذلك الزمان؛ فقد كان في كل حارة عصابة على رأسها «فتوة»، ~~وكثيرا ما كانت تحدث معارك دامية بين هذه العصابات، وقد امتدت عدوى الفتوة إلى الطلبة ~~أنفسهم حتى ظهر بيننا طالب «فتوة» يدعى «منصور» كان يعلم زملاءه «التحطيب»، ولهذا كنت ~~أوثر البقاء في المدرسة أيام العطلة الأسبوعية، وقد مكثت في أول عهدي بالقاهرة ثلاثة ~~أشهر لا أخرج من الخديوية، قرأت فيها كتاب «أصل الإنسان» لداروين، الذي ترجمه المرحوم ~~«شبلي شميل»، وحفظت كثيرا من المعلقات وأشعار بعض كبار الشعراء، وكان من مدرسى اللغة ~~العربية في هذه المدرسة: الشيخ حسين والي، والشيخ محمد حسنين البولاقي والد المرحوم ~~أحمد حسنين باشا، وكنا وقتئذ نقرأ كتابا مطولا في النحو لمؤلف يدعى الشيخ ms005 محمود ~~العالم. # وكانت مدرسة الخديوية تجري كل شهر اختبارا لتلامذتها، فرغب تلامذة البكالوريا أن ~~تعفيهم المدرسة من الاختبارات الشهرية؛ لينصرفوا إلى المذاكرة للامتحان العام، وأجمع ~~رأيهم على أن يطلبوا إلى وزير المعارف علي باشا مبارك إعفاءهم منها، واختاروني للذهاب ~~لمقابلته، فذهبت إليه، وكان من عادته أن يضع سبورة في مكتبه لاختبار كل من يتقدم إليه ~~من الطلبة في حاجة يريدها، ولا يجيبه إلى حاجته إلا إذا أجابه إجابة صحيحة فيما يختبره ~~فيه من المسائل الرياضية أو العلمية، فلما مثلت بين يديه طلب مني أن أقف أمام السبورة ~~لأبرهن على النظرية الهندسية التي حاصلها «أن مربع وتر المثلث القائم الزاوية يساوي ~~مجموع مربعي الضلعين الآخرين»، فأثبتها أمامه، فأجابني إلى الرغبة التي أوفدني إليه ~~زملائي من أجلها، وقد كان رحمه الله أبا للتلاميذ، محبا لهم، عطوفا عليهم، وكثيرا ~~ما كان يختلط بهم في وقت الفراغ، ويفسح لهم منزله للزيارة، وكان منزله في الحلمية ~~الجديدة بشارع «نور الظلام» مقصدا لأهل العلم وطلابه. ~~(5) إلى مدرسة الحقوق # وقد كنت في التعليم الثانوي متوسطا، فلم أكن من المتقدمين ولا من المتأخرين، على أني ~~كنت متفوقا في العلوم العربية والرياضيات حتى لفت ذلك صابر باشا صبري، وأحمد كمال بك، ~~في اللجنة الشفوية لامتحان الرياضة في البكالوريا، فنصحاني أن أدخل المهندسخانة، ~~فأجبتهما إلى ذلك، غير أني قرأت في الإجازة أن المهندسخانة تقبل ساقطي البكالوريا فلم ~~أجد من كراماتي أن ألتحق بهذه المدرسة، وتغلب في نفسي نزق الشباب والعزة الكذابة على ~~حبي للرياضيات، فقلت لأبي: «أنا لا أرغب في المهندسخانة، ولا أعرف أية مدرسة توافقني، ~~وأجدني في حيرة من ذلك.» فقال والدي: «علينا بالقرعة.» فأجرينا فخرجت مرتين على مدرسة ~~الحقوق! # التحقت بمدرسة الحقوق سنة 1889م، وكانت المدرسة وقتذاك يمكن أن تسمى «كلية حقوق» ~~و«كلية آداب» معا؛ فقد كان الطلبة يدرسون فيها إلى جانب العلوم القانونية علوما أدبية ~~كآداب اللغة العربية، وقواعد النحو والصرف والبيان والمعاني والبديع والعروض والقوافي، ~~وتفسير القرآن الكريم، وآداب البحث والمناظرة، والمنطق، وكانت مدة الدراسة بها ms006 خمس ~~سنوات، وكان وكيلها عمر لطفي بك، وكان يدرس لنا قانون العقوبات، ومن أساتذتها مسيو تستو ~~مدرس القانون المدني والأستاذ شارل ولوزينا والشيخ حسونة النواوي الذي تولى بعد ذلك ~~مشيخة الأزهر، وحفني ناصف بك وسلطان بك محمد، وكنت في ذلك الحين أسكن في حارة (عمر شاه) ~~التي يسكن بها الشيخ حسونة النواوي، وكنت أتردد على منزله، وكثيرا ما يبعث إلي لأقرأ ~~له درس الفقه الذي كان يلقيه في الأزهر في بكرة الغد. # وفي مدرسة الحقوق عرفني الشيخ محمد عبده والشيخ حسن الطويل، وكانا مع الشيخ عبد ~~الكريم سليمان في لجنة امتحان العلوم العربية، وأذكر أنه في لجنة امتحان السنة الثالثة ~~طلب منا أن نكتب في موضوع «حق الحكومة في معاقبة الجاني»، فتناولت الموضوع من جميع ~~نواحيه، فكتبت المذاهب الأربعة التي أنشأها علماء الجنايات في شروحهم على قانون ~~العقوبات، ثم نقضت كل مذهب منها، وخلصت في النهاية إلى أن الحكومة ليس لها حق معاقبة ~~الجاني؛ لأن كل حكومة نشأت بالقوة، والقوة لا تعطي الحق وإنما الذي يعطيه هو العقد فقط، ~~وليس هناك أي عقد بين أية حكومة وبين أمتها! # ولما خرجنا من الامتحان، وذكرت ذلك لزميلي محمود عبد الغفار، أسف جدا لما فعلت، ~~وقال لي: «يا لطفي أنا مش عارف فلسفتك دي حاتودينا فين!» # وقد ألقى في روعي أني أخطأت في هذا العمل ووثقت أني سآخذ «صفرا» على هذا الجواب، ~~ولكن حينما دخلت الامتحان الشفهي وجلست أمام اللجنة قال لي الشيخ محمد عبده: «إني أهنئك ~~بما كتبت وقد أعطيناك أعلى درجة، لا على ثورتك على الحكومات، ولكن على الإنشاء!» # وأظن أن هذه الكلمة هي التي شجعتني على أن أنشئ فيما بعد «مجلة التشريع» بالاشتراك مع ~~المغفور لهم إسماعيل صدقي (باشا)، وإسماعيل الحكيم (بك)، وعبد الهادي الجندي (بك)، وعبد ~~الخالق ثروت (باشا) ومحمود عبد الغفار. # ولقد هويت منذ كنت طالبا في الحقوق الكتابة في الصحف، فعاونت في جريدة «المؤيد»، ~~بترجمة تلغرافاتها الخارجية، عندما كان الأستاذ محمد مسعود بك مريضا. ~~(6) معركة لغوية # وأذكر ms007 أن المرحوم الشيخ حمزة فتح الله اللغوي المعروف استشهد يوما على صرف اسم «عمر» ~~ببيت هو: # إلى عمر بن أبي غبقة # بيليل يهدي ربحلا رجوفا # فاستنكر ذلك اللغوي الكبير الشيخ محمد الشنقيطي هو وجماعته ومنهم الشيخ البكري، وأحمد ~~زكي باشا، وكتب الشنقيطي مقالا في جريدة «المقطم» يتحدى فيها الشيخ حمزة فتح الله، ~~وينفي وجوده في الشعر العربي، ويقول: «لو دلني أحد على مكان هذا البيت واسم قائله ~~لأهديت إليه عشر نسخ من لسان العرب.» وكان هذا الكتاب قد طبع حديثا، فرد عليه الشيخ ~~حسن الطويل، وكان أستاذا بدار العلوم، فقال له إن صحة البيت هكذا: # إلى عمرين إلى غيقة # فيليل يهدي ربحلا رجوفا # وإن قائله صخر الهذلي، وأنه في صفحة كذا من لسان العرب، وطالب الشنقيطي بالجائزة، ~~فكتب الشيخ الشنقيطي يقول: «وقف لنا الشيخ حسن الطويل بين السماطين يطالبنا بالجائزة ~~كأنما أعددنا الجائزة لمن يخطئ لا لمن يصيب.» فكتب الطويل يقول: «روي البيت خطأ ~~فصححناه، وزيد الصحيح هو عينه زيد المريض.» # فكتب أحمد زكي باشا ينصر الشيخ الشنقيطي على الشيخ الطويل، وفي ذلك الحين قابلت الشيخ ~~الطويل ومعه سلطان بك محمد، فسلمت عليهما، فقال لي الشيخ الطويل: «لماذا لم تنصرني؟» ~~فكتبت رسالة في «المقطم» نظرت فيها إلى النزاع من ناحيته القانونية، وانتصرت فيها للشيخ ~~الطويل وقلت: إنه يستحق الجائزة. ولكن الشنقيطي أبى أن يدفعها! ~~(7) في إستانبول # وفي صيف سنة 1893م سافرت إلى إستانبول، وكنت ما أزال طالبا بالحقوق، فالتقيت بزميلي ~~وصديقي المغفور له إسماعيل صدقي (باشا)، وكان الخديو عباس حلمي الثاني يزور وقتئذ ~~العاصمة العثمانية، فكنا فيها نحن الاثنين كأنما نمثل الطلبة المصريين في الاحتفال ~~بالخديو. # وذات يوم كنت سائرا مع «إسماعيل صدقي» نتنزه على «كوبري غلطة»، وكان به شيء من ~~القدم والتهدم، فأخذ «إسماعيل» يتساءل: أين ميزانية الدولة؟ وينتقد بطء التعمير ~~والإصلاح، ويظهر أنه كان يسير وراءنا - دون أن نشعر - جاسوس عثماني، كما كانت الحال في ~~ذلك الزمان، فأبلغ رؤساءه هذا الانتقاد. # وبعد بضعة أيام ركبنا معا حصانين، وذهبنا ms008 للتفرج في «بيوكدره» ولما عدنا إلى المرفأ ~~لنركب «الحميدية» إلى إستانبول قال لي إسماعيل صدقي: «أرجو أن تنتظرني حتى أمر بأمين ~~باشا.» فانتظرته على ضفة البوسفور حتى عاد من زيارته، فوجدته ممتقع اللون واجما ~~حزينا، فسألته عن أمره، فأجاب: «سأقول لك متى دخلت المركب.» ثم قال لي ونحن في ~~«الحميدية»: «إن أمين باشا كان في «المابين» (المعية السنية) فسمع من رجاله أن شابا ~~مصريا اسمه إسماعيل صدقي تكلم ضد الدولة العلية وسياستها.» وكان جزاء من يثبت عليه ~~ذلك أن ينفى في بغداد حتى يموت، ولكن أمين باشا أجابهم: «إن هذا الشاب الذي تعنونه ليس ~~غير تلميذ صغير في المدرسة لا يعبأ بكلامه.» # فقالوا له: «إذن ما دام يهمك، فليسافر في أول سفينة تقوم من إستانبول.» فسافر إسماعيل ~~صدقي في صباح اليوم التالي، ووصل إلى مصر في 12 يوما. # أما أنا فبقيت في إستانبول مدة إجازة الصيف أتتلمذ على جمال الدين الأفغاني. # الفصل الثاني # | اشتغالي بالسياسة # (1) تتلمذت على جمال الدين # في اليوم التالي لسفر إسماعيل صدقي (باشا) - وكان ذلك في صيف سنة 1893 - مررت بأحد ~~مقاهي الأستانة، فلقيت فيها بعض المصريين، وفيهم سعد زغلول بك (باشا) وكان وقتئذ قاضيا ~~بالاستئناف، والشيخ علي يوسف، وحفني بك ناصف، وقد تأهبوا لزيارة السيد جمال الدين ~~الأفغاني، فصحبتهم إلى منزله، وكنت أعرف طرفا من حياته، ولكني لم أكن قد اجتمعت به من ~~قبل، وكان قد ذاع صيته في الشرق الإسلامي كمصلح ديني، وفيلسوف جليل، وسياسي خطير، ونزل ~~مصر سنة 1871، وأقام بها حتى أواخر سنة 1879، وعلى يديه نبغت طائفة من العلماء وكبار ~~الكتاب في القطر المصري، وقد رحل إلى الهند وإيران والعراق وأوربا، ثم أقام في أواخر ~~حياته بالأستانة، فنزل ضيفا على السلطان عبد الحميد في منزل يدعى (المسافرخانة) موفور ~~العيش ووسائل الاطمئنان، وقد قوبل من العلماء ورجال السياسة الأتراك بالحفاوة والإكرام، ~~وكان يخرج عصر كل يوم للرياضة والنزهة في أطراف المدينة على عربة سلطانية خاصة. # ولما ذهبت إليه مع إخواني، ألفيته رجلا مهيب الطلعة قوي ms009 الشخصية لا نظير له بين أهل ~~عصره في علمه وذكائه وألمعيته، وكان أبيض اللون، ربعة، ممتلئ البنية، أسود العينين، ~~نافذ اللحظ، خفيف العارضين، مسترسل الشعر، جذاب المنظر، يلبس عمامة وجبة وسراويل على ~~زي علماء الأستانة. # وأظهر ما رأيته فيه سعة الاطلاع، وقوة الحجة والإقناع، فكان يستوي في مجلسه الطالب ~~مثلي وأساتذته الحاضرون. # وفي اليوم التالي ذكرت لسعد زغلول رغبتي في التلمذة على السيد جمال الدين، وسألته عن ~~السبيل التي أسلكها لأكون تلميذا له، فأجاب سعد: اذهب اليه، واطلب منه ذلك. # فقصدت إليه، فما كدت أقبل عليه حتى قام لتحيتي كالمعتاد، فقلت له: أنا لست زائرا، ~~ولكني تلميذ ... # فسر رحمه الله بذلك، وأخذ علي عهدا بأن ألازمه طول إقامتي بالأستانة، وقد ~~فعلت. # اشرب يا ولدي، اشرب! # وأهم ما أظن أني انتفعت به من السيد جمال الدين في تلك المدة أنه وسع في نفسي ~~آفاق التفكير، وهداني إلى أن المرء لا يستطيع أن يربي نفسه إلا إذا حاسبها آخر كل ~~يوم على ما قدمت من عمل، وما لفظت من قول، وما خطر لها من خاطر. # وكان جمال الدين ميالا للسياسة يتحدث عنها كثيرا، وكأنه يريد أن يقيم في الشرق ~~دولة تضارع إنجلترا في الغرب. # وكان رحمه الله شديد النقمة على الإنجليز؛ لسياستهم في البلاد الإسلامية، وهدمهم ~~لدول الإسلام، ولما وجده من اعتداءاتهم عليه، وإخراجهم له من الهند، ودسهم له في ~~مصر حتى أخرج منها في عهد الخديو توفيق، وهو الذي كان يتمتع في عهد الخديو ~~إسماعيل بكرم الضيافة المصرية، وكان يجرى له راتب شهري، وقد روى لي قصة سعيه ~~الحثيث في ذلك العهد للإفراج عن لطيف سليم باشا ومن معه من الحبس حينما قاموا ~~بالثورة العسكرية في مدة الوزارة المختلطة. # وكان رحمه الله يقدر تلميذه «الشيخ محمد عبده»، وإذا ذكر اسمه في مجلسه أعرب عن ~~احترامه له، وتقديره لذكائه وعلمه، وكان يعيب على المصريين تخاذلهم وتفرقتهم ~~ونزاعهم وسط ما يلم بهم من الحوادث الجسام، ويردد قوله: «اتفق المصريون على ألا ~~يتفقوا.» # وكان ms010 طيب الحديث، لطيف المعشر، حلو الفكاهة، وأذكر من حوادث مزاحه الطريف أنه قدم ~~لي يوما سيجارة فدخنتها، فأعطاني الثانية، فاعتذرت، فقال لي: ألا ترى أن الإنسان ~~منذ نشأته إلى الآن يأكل ويشرب ويلبس على خلاف في الصورة في العصور المتغيرة، ولكن ~~الجوهر واحد، فما الذي جد عليه حتى علا نفسه في القرنين الأخيرين، فاستكشف البخار ~~والكهرباء، إلخ، لا أظن أنه جد عليه شيء إلا شرب الدخان، اشرب يا ولدي، ~~اشرب! ~~(2) جمعية سرية لتحرير مصر # أتممت الدراسة سنة 1894 وحصلت على شهادة ليسانس الحقوق، فعينت في صيف ذلك العام ~~أنا وجميع زملائي كتبة في النيابة بمرتب خمسة جنيهات في الشهر، وكان تعيينى في هذه ~~الوظيفة لأول مرة بالقاهرة، ثم نقلت إلى الإسكندرية، فمكثت بها أشهرا، عينت بعدها ~~سكرتيرا للأفوكاتو العمومي حسن باشا عاصم، ثم انتدبت معاونا للنيابة ببني سويف، ~~وسرني ذلك؛ لأني وجدت بها صديقي عبد العزيز فهمي (باشا) وكيل النيابة وقتئذ، وفي سنة ~~1896 عينت وكيلا للنيابة بمرتب عشرة جنيهات، وكان صديقي عبد العزيز ما زال بها أيضا، ~~فأقمنا معا في هذه المدينة، وكنا نفكر في حالة مصر، وما تعانيه من الاحتلال البريطاني، ~~وفي ذلك العام أنشأنا جمعية سرية غرضها «تحرير مصر». # وكانت هذه الجمعية مؤلفة من: عبد العزيز فهمي، وأحمد طلعت رئيس النيابة (أحمد طلعت ~~باشا فيما بعد)، وحامد رضوان وكيل النيابة، ومحمد بدر الدين وكيل النيابة، والدكتور عبد ~~الحليم حلمي، وأنا، ثم ضممنا إليها علي بهجت بك، ومحمد عبد اللطيف الذي كان صيدليا ~~بطنطا. ~~(3) حزب وطني برياسة الخديو # وذات يوم كنت بالقاهرة بعد تأليف تلك الجمعية، فالتقيت بمصطفى كامل، فقال لي: «إن ~~الخديو عباس يعلم كل شيء عن جمعيتكم السرية وأغراضها، وأظن أنه لا تنافي بينها وبين أن ~~تشترك معنا في تأليف حزب وطني تحت رياسة الخديو.» # فأجبته: «لا مانع عندي من ذلك.» وأبلغ مصطفى الخديو هذا القبول، واستأذن لي في مقابلة ~~سموه، وذهبت إليه، فتحدث معي سموه عن أغراض الحزب الذي يريد تأليفه، وطلب مني أن أسافر ms011 ~~إلى سويسرا؛ لكي أكتسب الجنسية السويسرية، ثم أعود إلى مصر لأحرر جريدة تقاوم الاحتلال ~~البريطاني، والسبب في اختيار سويسرا دون أية دولة، أن التجنس بجنسيتها قريب المنال لا ~~يكلف الراغب فيه إلا إقامة سنة واحدة بها. # وكان الخديو عباس يظن وقتئذ أن فرنسا تستطيع أن تؤلب الدول على إنجلترا؛ لتجلو عن ~~مصر، والذي أطمعه في ذلك زيارة «المسيو ديلونكل» النائب الفرنسي لسموه ووعده له ~~بذلك. # وبعدما خرجت من مقابلة الخديو عباس، اجتمعت أنا ومصطفى كامل وبعض زملائنا في منزل ~~محمد فريد، وألفنا الحزب الوطني كجمعية سرية رئيسها الخديو، وأعضاؤها: مصطفى كامل، ~~ومحمد فريد، وسعيد الشيمي ياور الخديو، ومحمد عثمان «والد أمين عثمان باشا»، ولبيب محرم ~~(شقيق عثمان محرم باشا)، وأنا. # ومن طرائف ما يذكر عن هذا الحزب أن الخديو كان اسمه بيننا: «الشيخ» ومصطفى كامل «أبو ~~الفداء»، وأنا «أبو مسلم»! ~~(4) إقامتي في جنيف # سافرت بعد ذلك إلى جنيف لأكتسب الجنسية السويسرية حسب الاتفاق، وكان معي كتابان من ~~علي بهجت بك إلى المستشرق «ماكس فان برشم» والأستاذ «نافيل» الأثري المعروف، فلما قابلت ~~الأستاذ «ماكس» سهل لي استخراج جواز الإقامة، وأدخلني ندوة الفنانين، وكان مكلفا من ~~الحكومة الفرنسية بجمع الآثار الإسلامية في مصر والشام ودراستها، ووضع مؤلف بها، ~~فأخذت أقضي معه وقتا في مساعدته على استجلاء معاني النقوش العربية التي جمعها من ~~الآثار، وأما المسيو نافيل الذي كان مشهورا بعلاقاته برجال السياسة في سويسرا وفي ~~الخارج؛ فقد جاءني في الفندق بعد خمسة عشر يوما، وجرى بيني وبينه حديث طويل انتهى ~~بقوله: لا تظن أن أوربا تساعدكم على إنجلترا، وأرى أن لا يحرر مصر إلا ~~المصريون! # مع الشيخ عبده بجنيف # مكثت في جنيف سنة 1897 أقضي الأشهر الأولى في الدراسة وحضور بعض المحاضرات ~~بالجامعة، وأتعلم «الشيش» في أوقات الفراغ حتى أقبل الصيف، فجاءني فيها الشيخ محمد ~~عبده، وسعد زغلول، وقاسم أمين، فلم أخبرهم بمهمتي السياسية، وكان قاسم وقتئذ يؤلف ~~كتابه «تحرير المرأة»، فقرأ علينا فصولا منه مدة إقامته بيننا، ثم سافر مع سعد ms012 ~~زغلول من سويسرا، وبقي معي الشيخ عبده، وكانت جامعة جنيف قد أعدت فصلا صيفيا ~~لدراسة الآداب والفلسفة للحائزين على درجة الليسانس فدخلت فيه، ولما ذكرت ذلك للشيخ ~~محمد عبده أحب أن يحضر دروسه، فقدمته إلى مدير الجامعة باعتباره قاضيا في ~~الاستئناف وأحد مديري الأزهر، فقبله بهذا الوصف فمكثنا نتردد على هذه ~~الدراسة. # والد محمد فريد يبكي # وأذكر أنني والشيخ محمد عبده في جنيف ذهبنا لزيارة محمد ثابت باشا الذي كان ~~مهردارا للخديو إسماعيل - أي حامل أختام الخديو - وهو يساوي رئيس الديوان، وكان ~~معه أثناء الزيارة أحمد فريد باشا والد محمد فريد، وكان ناظرا للدائرة السنية، ومن ~~كبراء مصر المعدودين، فلما استقر بنا المقام أخذ فريد باشا يشكو ابنه إلى الشيخ ~~محمد عبده، ويبكي، وكان وقتئذ مريضا، ويقول للشيخ: هل يصح يا سيدي الأستاذ أن ~~يهزئني محمد فريد في آخر الزمن، ويفتح دكان أفوكاتو (مكتب محام)؟! # وكان محمد فريد قبل ذلك وكيلا للنيابة، وحدثت واقعة شركة التلغرافات التي اتهم ~~فيها الشيخ علي يوسف صاحب جريدة المؤيد، وقدم إلى المحاكمة من أجل نشر هذه ~~التلغرافات في جريدته، وحضر محمد فريد الجلسة، فبدرت منه ألفاظ ضد الحكومة عدتها ~~جارحة لها، فأمرت بنقله إلى الصعيد، فاستقال من وظيفته بعد استشارة رياض باشا، وفتح ~~مكتبا للمحاماة بالاشتراك مع محمود أبو النصر، وأنشأ مجلة «الموسوعات» وكنت أنا ~~أحرر فيها من وقت لآخر، وأذكر أنني كتبت بها عدة مقالات تحت عنوان «مشخصات الأمة» ~~ناديت فيها بإصلاح الحروف العربية؛ كي يقرأ القارئون اللغة قراءة صحيحة من غير أن ~~يتعلموا النحو والصرف ... # فلما سمع الشيخ محمد عبده شكوى أحمد فريد باشا لاشتغال ابنه بالمحاماة أخذ يهدئ ~~من نفسه، ويعرب له أنه يخالفه في رأيه، ويرى أن الاشتغال بالمحاماة ليس فيه ما يجرح ~~الكرامة وما يخل بالشرف على نحو ما يظن الناس، وما كان مألوفا في فهمهم لهذه ~~المهنة في ذلك الزمان! ~~(5) الخديو يغضب مني # كان الخديو عباس لا يميل إلى الشيخ محمد عبده، ويظهر أن بعض الناس أبلغ الخديو ms013 أنه ~~كان يعايشني في جنيف، فلما عاد إلى مصر جاءني مصطفى كامل، وأفضى إلي بأن الخديو مغضب ~~مني لأسباب؛ منها: اتصالي بالشيخ عبده، ثم قال مصطفى: «... ومع ذلك لم ننجح في الحصول على ~~موافقة الباب العالي على تجنسك بالجنسية السويسرية!» # رجعت من سويسرا، ولما وصلت إلى الإسكندرية أرسلت تقريرا ضافيا إلى الخديو عباس دونت ~~فيه أبحاثي السياسية بجنيف، وقلت: «إن مصر لا يمكن أن تستقل إلا بجهود أبنائها، وإن ~~المصلحة الوطنية تقضي أن يرأس سمو الخديو حركة شاملة للتعليم العام.» ثم سافرت من ~~الإسكندرية إلى الفيوم عائدا لوظيفتي بالفيوم، ولم أتصل بالخديو، وكان صديقي عبد ~~العزيز فهمي قد انتقل منها لوزارة الأوقاف وأنا بأوربا، فبقيت في الفيوم مدة انتقلت ~~بعدها وكيلا للنيابة بميت غمر سنة 1900 ثم نقلت منها إلى الفيوم ثانيا، ثم إلى ~~المنيا. # وكانت سنة 1905، فاستقلت من النيابة؛ لخلاف في الرأي القانوني بيني وبين النائب ~~العمومي كوربت بك، ولم تكن الاستقالة الأولى من النيابة، بل استقلت قبل ذلك مرة أخرى؛ ~~لخلاف قانوني أيضا، ولكني لم أنجح في الإصرار عليها. # فلما وقع هذا الخلاف بيني وبين النائب العمومي، أصررت على الاستقالة على الرغم من أنه ~~نزل عن رأيه الذي كونه من خطأ وقع فيه وكلاؤه في تكييف الوقائع؛ لأني ضقت باحتمال جو ~~خانق بالنيابة؛ إذ كنا مكلفين بألا نتصرف في الجنايات الكبرى إلا بعد أخذ رأي النائب ~~العمومي، وقد عزمت على أن أعيش في بلدي، وكنت متأثرا وقتئذ بما كنت قرأته من مؤلفات ~~تولستوي، ولكن صديقي عبد العزيز فهمي - وكان قد استقال من الأوقاف واشتغل بالمحاماة - ~~ألح علي في الاشتغال معه، فأجبت رغبته واشتغلت بها فترة قصيرة ثم اعتزلتها؛ لأنصرف إلى ~~العمل بالسياسة والتحرير في صحيفة «الجريدة». # الفصل الثالث # | اشتغالي بالصحافة ورأيي في الخديو عباس # أسلفت أني عدت من سويسرا بعد أن أبلغني مصطفى كامل أن الخديو مغضب مني لأسباب؛ منها: ~~اتصالي بالشيخ محمد عبده في جنيف، وكان سموه لا يميل إليه، وقد قدمت لسموه تقريرا عن ~~أبحاثي السياسية ms014 بعد عودتي إلى الإسكندرية، ثم سافرت إلى وظيفتي بالنيابة، ومكثت بها بضع ~~سنوات حتى كانت 1905 فاستقلت منها لخلاف في الرأي القانوني بيني وبين النائب العمومي «كوربت ~~بك»، وعلى الرغم من نزوله عن رأيه؛ فقد أصررت على الاستقالة؛ لأني ضقت باحتمال جو خانق ~~بالنيابة؛ فقد كنا مكلفين فيها بألا نتصرف في الجنايات الكبرى إلا بعد أخذ رأي النائب ~~العمومي خلافا لما كان العمل جاريا عليه من قبل، وعزمت بعد ذلك على أن أعيش في بلدي؛ لأني ~~كنت وقتئذ متأثرا بما قرأته من مؤلفات تولستوي، ولكن صديقي عبد العزيز فهمي - وكان قد ~~استقال من الأوقاف واشتغل بالمحاماة - ألح علي في الاشتغال معه، فأجبته إلى رغبته، واشتغلت ~~بالمحاماة بضعة أشهر # 1 # ثم اعتزلتها؛ لأنصرف إلى العمل بالسياسة والتحرير بالجريدة. ~~(1) أصحاب المصالح الحقيقية # وفي ذلك الحين وجدت مشكلة «العقبة» بين مصر وتركيا، وكان الأتراك يدعون أنها لهم، ~~والإنجليز يقولون: إنها ملك لمصر، وكانت الجرائد الوطنية تنصر الأتراك على الإنجليز في ~~هذه المشكلة، كما كانت الحال في مسألة «فاشودة»، فإن المصريين كان ضلعهم مع الفرنسيين ~~ضد الإنجليز الذين كانوا يطالبون بفاشودة باسم مصر، وهذا المعنى لا يمكن تفسيره إلا بأن ~~البلاد ثقل عليها الاحتلال فأصبحت تبغضه وتبغض معه ما يأتي به، ولو كان فيه الخير ~~لمصر. ~~(2) فكرة إنشاء «الجريدة» # وفي هذه الأثناء تحدثت في حالنا السياسية مع صديقي محمد محمود باشا - وكان وقتئذ ~~سكرتيرا لمستشار نظارة الداخلية - وكان حديثي يتناول مسألة «العقبة» وما يجب لمصر في ~~ظروفها السياسية من إنشاء جريدة مصرية حرة، تنطق بلسان مصر وحدها، دون أن يكون لها ميل ~~خاص إلى تركيا أو إحدى السلطتين الشرعية والفعلية في البلاد، وقد رأينا أن تكون هذه ~~الجريدة ملكا لشركة من الأعيان أصحاب المصالح الحقيقية الذين كان يصفهم اللورد كرومر ~~وغيره من الإنجليز بأنهم راضون عن الاحتلال، ساكتون عن حقوق مصر، وأن الحركة المعارضة ~~للاحتلال إنما يقوم بها من ليس لهم مصالح حقيقية في البلاد كالشبان الأفندية والباشوات ~~الأتراك! # لهذا الغرض دعوت في «الكونتننتال» ms015 أصدقاءنا: محمد محمود، وعمر سلطان وأحمد حجازي، ~~ومحمود عبد الغفار، وتحدثنا في الأمر، وقد لاحظنا في حديثنا وأبحاثنا أن الأمل الذي كان ~~المصريون يعقدونه على فرنسا في المساعدة على زوال الاحتلال قد تبدد وانتهى أمره ~~بالاتفاق الودي بين فرنسا وإنجلترا الذي عقد في أبريل سنة 1904، وكانت السياسة الفرنسية ~~قبل هذا الاتفاق ترمي إلى مناوأة السياسة الإنجليزية في مصر بعد أن فازت إنجلترا دونها ~~باحتلال وادي النيل، وكانت فرنسا تعاني في ذلك الحين مصاعب في مراكش، وخشيت أن يؤدي فشل ~~إدارتها هناك إلى تدخل الدول وبخاصة إنجلترا وإسبانيا. # ولكن إسبانيا كانت مشغولة بمتاعبها في المنطقة الإسبانية، وكانت إنجلترا هي الدولة ~~التي يخشى منها، ولهذا أرادت فرنسا أن تحصل على حيادها، وكان الثمن الطبيعي لذلك أن ~~تحصل إنجلترا على حياد فرنسا في شئون مصر، فعقدت الدولتان هذا الاتفاق، وأهم ما نص ~~عليه: # أن تعترف الحكومة الإنجليزية أنها لا ترغب في تغيير نظام مصر السياسي، وتعترف ~~الحكومة الفرنسية من جانبها أنها لا تعرقل أعمال إنجلترا في مصر بسؤالها أن ~~تحدد موعد الجلاء أو بأية طريقة أخرى. # وبعبارة أخرى اعترفت فرنسا بالاحتلال الإنجليزي لمصر، وتركت لإنجلترا حرية أكثر مما ~~كان لها في الشئون المصرية، وكان من نتيجة ذلك أن انهار أمل المصريين في فرنسا، وتحققوا ~~أنه لا يمكن الاعتماد عليها، ولا على أية دولة في المسألة المصرية، وأن على مصر أن ~~تعتمد على نفسها في المطالبة بالحرية والاستقلال. # تأليف شركة «الجريدة» # تبادلنا الرأي نحن المجتمعين في هذا الموقف، ووضعنا الخطة التي نسير عليها، وعينا ~~المبادئ التي تقوم عليها جريدة حرة مستقلة غير متصلة بسراي الخديو، ولا بالوكالة ~~البريطانية، وأخذنا نسعى في إقناع أصدقائنا ومعارفنا من أعيان البلاد، وألفنا في ~~بيت محمود باشا سليمان شركة «الجريدة»، وانتخبت أنا مديرا لها ورئيسا لتحريرها ~~لمدة عشر سنوات. # وكان رئيس الشركة محمود باشا سليمان، ووكيلها حسن باشا عبد الرازق الكبير. # وبعد تأليف هذه الشركة أخذت الجرائد المتصلة بالخديو عباس تتهمنا بأننا متصلون ~~بالإنجليز، وأننا نمالئهم ضد الخديو، وقد ms016 كان لهم عذر في هذا الاتهام؛ لأنه كان بين ~~شركائنا في «الجريدة» - عدا الأعيان - طائفة من كبار الموظفين المصريين في الوقت ~~الذي سيطر فيه الإنجليز على الحكومة، ومن هؤلاء أحمد فتحي زغلول باشا رئيس محكمة ~~مصر، وأحمد عفيفي باشا المستشار بالاستئناف، وعبد الخالق ثروت باشا عضو لجنة ~~المراقبة وصاحب الأثر الكبير في وزارة العدل. # ومن الطريف أن كانت هناك جريدة يصدرها وقتئذ حافظ عوض باسم «خيال الظل» فنشرت ~~أبياتا ينسبها بعضهم إلى أحمد شوقي جاء فيها: # ما في «الجريدة» من نرجيه سوى ~~«لطفي» فردوه لنا وكلوها! # وقد بقيت هذه التهمة عالقة بالجريدة حتى ظهرت بعد ستة أشهر من تأليف الشركاء في 9 ~~مارس سنة 1907. # وقد افتتحتها بمقال تضمن أغراضها ومبادئها، جاء فيه: # ما الجريدة إلا صحيفة مصرية، شعارها الاعتدال الصريح، ومراميها إرشاد ~~الأمة المصرية إلى أسباب الرقي الصحيح، والحض على الأخذ بها، وإخلاص النصح ~~للحكومة والأمة بتبيين ما هو خير وأولى، تنقد أعمال الأفراد وأعمال الحكومة ~~بحرية تامة، أساسها حسن الظن من غير تعرض للموظفين والأفراد في أشخاصهم ~~وأعمالهم التي لا مساس لها بجسم الكل الذي لا ينقسم، وهو الأمة. # لا يكون من أهل الوطن الواحد أمة إلا إذا ضاقت دائرة الفروق بين أفرادها ~~واتسعت دائرة المشابهات بينهم، وإن أظهر المشابهات في حالة الأمة السياسية ~~هو التشابه في الرأي بين الأفراد وهذا ما يسمونه بالرأي العام. # والناس بطبائعهم أشتات في الرأي، كما قيل: «للناس عدد رءوسهم آراء» وهم ~~في البلاد الحديثة العهد بالرقي، ينصرف كل منهم غالبا عن التفكير في ~~الأمور العامة إلى تدبير حاجتهم الخاصة، حتى ترشدهم الصحف كل يوم إلى أن ~~لهم فوق وجودهم الخاص وجودا عاما، وأن بهذا الوجود العام كما لا يجب أن ~~يرقى إليه بعمل الأفراد ... إلخ. # وكان من عادتي أن أكتب افتتاحيات الجريدة، ما كاد يمضي على صدورها غير أيام، حتى ~~انتهت مهمة اللورد كرومر في مصر، فخطب خطبته المشهورة في «الأوبرا»، وعلقت ~~«الجريدة» عليها تعليقا لا يقل عنفا عن الجرائد المتصلة بالخديو عباس، ms017 وسارت في ~~طريقتها وعلى مبادئها تنقد أعمال السلطة الفعلية التي كانت للإنجليز، كما تنقد ~~أعمال السلطة الشرعية؛ سلطة الخديو عباس. # وقد يحسن هنا أن أتحدث بإيجاز عن هاتين السلطتين ليقف القارئ على حالة مصر، ومركز ~~كل من الخديو واللورد كرومر في ذلك الحين . ~~(3) الخديو عباس # كان الخديو عباس حلمي الثاني قوي الإرادة لا يحتمل أن يرى غيره يتصرف في حقه، فعندما ~~ولي الخديوية المصرية أظهر صفات القوة الشخصية والشجاعة الأدبية والعزة اللائقة ~~بالملوك، فأنكر على الإنجليز تصرفهم في حقوقه واستئثارهم بالأمر دونه، وعز عليه أن يصدر ~~كل شيء باسمه على غير ما يختار، فنفر من معاملتهم إياه معاملة المغفور له والده، وعارض ~~في كثير من المسائل بشدة، فتنبه لذلك الشعور الوطني، وقال الناس: «إن هذا الأمير سيعيد ~~لنفسه مجد أبيه الأكبر محمد علي باشا.» # وقد رأى أن وزارة مصطفى فهمي باشا هي من أكبر وزارات «الوفاق» أو «الاستسلام»، ~~فأسقطها، ونصب وزارة حسين فخري باشا في 16 يناير سنة 1893، ولكن إنجلترا أرغت لهذا ~~التصرف وأزبدت وعارضت في تنصيب الوزارة الجديدة، وأكرهت «الخديو» على إسقاطها، فلم تلبث ~~في الحكم غير ثلاثة أيام! ولكن ذلك لم يفل من عزم الأمير المطالب بحقه، فسار في سياسة ~~الخلاف كلما حانت الفرصة، حتى انتقد الجيش في بعض نظمه، وكان على رأسه «كتشنر» حينما ~~تفقده الخديو في الحدود المصرية، فغضبت الحكومة الإنجليزية، وطلبت الترضية فوقف سموه ~~موقف المتمسك بحقه من إبداء رأيه في جيشه، ولكن الوزارة المصرية الجديدة برياسة مصطفى ~~رياض باشا قد اضطرت يومئذ إلى إجابة مطالب إنجلترا، فكانت النتيجة أن شكر سموه الجيش ~~ترضية للسردار كتشنر! # وبعد ذلك جاءت سياسة «شبه الوفاق» من سنة 1894، فأكثر الإنجليز من عدد مستشاريهم ~~وموظفيهم في النظارات، وأخذت «عابدين» و«قصر الدوبارة» كلتاهما تحمي من يلجأ إليهما من ~~الموظفين من الجهة الأخرى، وترتب على حادثة الحدود وما سبقها نتيجة مساوية للنتيجة التي ~~ترتبت على رضا الخديو السابق توفيق باشا بإلغاء قرار مجلس انتظار القاضي بالاستغناء عن ~~خدمات «مستر سكوت»، ثم أعقب ms018 ذلك إمضاء اتفاقية السودان التي جعلت إدارته شركة بين ~~الحكومة المصرية والحكومة الإنجليزية، ولكن المصريين فطنوا إزاء تلك الحوادث، إلى أنه ~~يستحيل عليهم أن يتقدموا في سبيل المدنية خطوة إلى الأمام إلا بمشاركة الأمة المحكومة ~~في الأعمال العامة، فأخذ كتابنا وكبراؤنا يشعرون بضرورة طلب الدستور عن طريق التدريج، ~~فحنق الإنجليز - رغم إشادتهم بالحرية - من هذه المطالب، ولم يقتصروا على مناوأتهم ~~للأمير الذي لا يريد أن يكون الاتفاق معهم سببا في انتقاص سلطته الشخصية، بل نالوا من ~~الأمة أيضا بالتشهير، فلما أن جاءت حادثة «العقبة» رأى الإنجليز أن المصريين يتبرمون ~~بهم، فأرادوا أن يعطوهم درسا أليما بأحكام حادثة دنشواي سنة 1906؛ ظنا منهم أن تلك ~~السياسة - سياسة القسر - تصرف المصريين عن آمالهم في الدستور، وتقطع ألسنة الخاطبين، ~~وتكسر أقلام الكاتبين لترشيح الأمة للدستور، ولكن النتيجة جاءت على العكس مما قدروا؛ ~~فإن هذه الحادثة جعلت مصر تزيد اقتناعا بأن حياتها موقوفة على نيل الدستور بقدر ما ~~يسمح به مركزها السياسي، فازدادوا طلبا له وتشبثا به، فقلل الإنجليز من حدتهم، ~~وألانوا من جانبهم، وجنحوا إلى استرضاء الخديو عباس بسياسة الوفاق. # وفي أثناء تلك الحرب السجال بين السلطة الشرعية والسلطة الفعلية - أو بين الخديو ~~واللورد كرومر واختلافهما على أيهما يكون له الأثر الفعلي في الأمة المصرية - قامت ~~«الأمة» بين السلطتين تثبت شخصيتها غير المعترف بها من الفريقين، وتؤدي في سياسة البلاد ~~واجبها حتى لا تكون متاعا لكل غالب، ملتزمة في ذلك طريق الحكمة والسلام. # | هوامش # الفصل الرابع # | لورد كرومر أمام التاريخ # (1) أعمال اللورد كرومر # في أوائل سنة 1907 استقال اللورد كرومر المعتمد البريطاني في مصر، وذلك بعد أن مضى ~~على حادثة دنشواي الشهيرة نحو عام، تلك الحادثة التي أبرزت سياسته الاستبدادية للعالم ~~بصورة بشعة، وأوضحت أعماله الاستعمارية لمصلحة قومه وبلاده بحالة لا تتفق مع مكانة دولة ~~متمدنة، ومع ذلك فإن هذه الاستقالة عزيت إلى سبب آخر هو ضعف صحته، ومهما يكن هذا السبب ~~فإنه لو كان قد بقي لورد كرومر عاما واحدا في منصبه لعيد ms019 عيده الذهبي في خدمة ~~دولته؛ لأنه صرف حتى يوم استقالته تسعة وأربعين عاما في خدمة المصلحة البريطانية، ولقد ~~أصدرت من صحيفة «الجريدة» في ذلك الحين ملحقا ذكرت فيه لمعة من ترجمته، ثم فصلت أعمال ~~ذلك السياسي بما له وما عليه، فقلت: تنقسم أعمال اللورد في مصر إلى قسمين: أعمال مالية ~~واقتصادية، وأعمال سياسية. ~~(2) أعماله المالية والإقتصاية # أما أعماله المالية الاقتصادية فيبتدئ تاريخها في مصر سنة 1877 إذ عين عضوا ~~إنجليزيا في صندوق الدين المصري، فأظهر لدولته من صدق النظر وسعة الاطلاع في المسائل ~~المالية ما أنساها القاعدة القائلة: إن الذي يربى بين البنادق والمدافع كالشاب «أفلن ~~بارنج» لا يميل به طبعه إلى المالية أو السياسة. # وفي سنة 1879 اتفقت الحكومتان البريطانية والخديوية على تعيينه مراقبا عاما ~~للمالية المصرية؛ لأن إنجلترا كانت تهتم مع فرنسا أشد اهتمام بالمالية المصرية؛ صونا ~~لأموال الإنجليز والفرنسيين، فأظهر براعة كبيرة، وكان في جملة الذين مهدوا السبيل ~~لإصدار قانون التصفية # 1 # الذي ضمن للدائنين الأوربيين أموالهم مع فائدتها، وقبل أن يصدر ذلك القانون ~~حدث أن مالية الهند ارتبكت ارتباكا شديدا فعينته حكومته عضوا ماليا في المجلس ~~الهندي، وهناك لم يفعل إلا ما زاد حكومته ثقة به. # ولما تقرر أن يغادر السير إدوارد مالت معتمد إنجلترا في القطر المصري، لم تجد الحكومة ~~البريطانية رجلا أخلق بمنصبه من لورد كرومر (وكان لا يزال اسمه السير أفلن بارنج)، ~~ولما اجتمع مؤتمر لندرة سنة 1884 للنظر في المالية المصرية كان فيه مندوبا محترم ~~الرأي، وكان يقول مثل كل عاقل: إنه لا يمكن الإصلاح في مصر قبل أن تقوم المالية فيها ~~على أساس متين، ولا تقوم المالية على ذلك الأساس إلا إذا زادت مواردها ووثقت بها أوربا، ~~ولا تزيد مواردها إلا إذا تحسنت أحوال الري على الأخص، فأصبحت أرض مصر تنبت من الخيرات ~~كل ما تقدر على إنباته، وأما الموارد الأخرى كالجمارك والسكك الحديدية والبوستة، وسائر ~~مصادر الدخل فإنها تأتي في المقام الثاني، ولذلك أفرغ كل جهده لدى الدول حتى حملها ms020 على ~~عقد قرض خص جزءا منه بالري. # وما إن جاء سنة 1899 حتى صار دخل الحكومة (11415000 جنيه) وكان كلما زاد التحسن في ~~المالية، زاد في المساعدة على تخفيف الضرائب، غير أن النفقات كانت طائلة بسبب فوائد ~~الديون ونفقات المشروعات. # وكان لدى لورد كرومر مشروعان يؤلمانه ويشكو منهما؛ أولهما: صندوق الدين، والثاني: وهو ~~متعلق بتخصيص ما قيده قانون التصفية بالديون كالدائرة السنية والدومين ونحو نصف دخل ~~السكك الحديدية، فلم يجد وسيلة للخلاص من هذين المشروعين سوى الاتفاق مع فرنسا أولا، ~~وحدث أن الملك إدوارد مال إلى هذا الاتفاق، وحببه إلى حكومته، فاغتنم كرومر الفرصة، ~~وأيده بما استطاع، كما ذكر أخيرا في حديثه مع مراسلي الطان. # أما السبب الذي حمل لورد كرومر على الشكوى من صندوق الدين مرارا في تقاريره، فهو أن ~~الصندوق لم يكن يقدم كل ما تطلبه الحكومة المصرية من الأموال اللازمة للإصلاح، وقيل: إن ~~لورد كرومر لما أذن بتأسيس البنك الأهلي، وأيده تأييدا معروفا كان يؤمل أن يقوم يوما ~~مقام صندوق الدين، وها نحن أولاء نرى هذا الأمل يوشك أن يتحقق. ~~••• # ولما تم الاتفاق الودي سنة 1904 # 2 # بين فرنسا وإنجلترا كان أول ما فكر فيه اللورد كرومر حل عرى صندوق الدين، ~~فرضيت فرنسا بالشروط التي عرضها عليها، ثم وافقت الدول الأخرى التي لها أعضاء في ذاك ~~الصندوق. # ولقد بات لورد كرومر في راحة عظيمة من الوجهة المالية بفضل ذلك الاتفاق، فلم يعد يرى ~~فرنسا تعاكسه كما عاكست في مسألة تحويل الدين، ولا تشاكسه كما فعلت مع روسيا حين أخذت ~~نصف مليون جنيه من صندوق الدين لحملة السودان، اضطر إلى رده بحكم من المحكمة المختلطة، ~~ولا يشك أحد في أن لورد كرومر فاز فوزا ماليا عظيما بإدخال ما أراده من المواد ~~المتعلقة بالمالية المصرية في ذلك الاتفاق، كما فاز مع حكومته فوزا سياسيا بحمل ~~فرنسا على التعهد لهم فيه: «بأنها لا تقيم أقل عقبة في سبيل إنجلترا بمصر سواء كان بطلب ~~تعيين موعد للجلاء أو غيره». # وكان من ms021 سياسته المالية أيضا، أن يرفع أثقال الربا الفاحش عن عواتق الفلاحين، فأنشأ ~~البنك الزراعي بعد إنشاء البنك الأهلي ونصح للحكومة المصرية وللبنك الأهلي بأن يساعداه ~~حتى يقدم للفلاحين مبالغ صغيرة تسهل عليهم سبيل المعاش، فأنشئ هذا البنك، وجعل من مواد ~~قانونه أن يسلف الفلاحين من عشرة جنيهات إلى 500 جنيه بفائده 9 في المائة ، غير أن بعضهم ~~ينتقد البنك المذكور في بعض أمور ليس هنا محل إيرادها. # وليس في وسع أحد أن ينكر النتيجة التي وصلت إليها مصر بفضل تلك السياسة المالية، وإذا ~~كان بعضهم ينتقد تفاصيل معينة في بعض المصروفات، فإن كل عاقل ينظر نظرة شاملة صادقة إلى ~~تلك السياسة، يحكم بأن لورد كرومر من خيرة الاقتصاديين وأكابر الماليين، فكم زادت مساحة ~~الأرض المزروعة منذ سنة 1883 إلى اليوم، وكم زادت قيمة الأرض الزراعية وأرض البناء بفضل ~~سياسته، فليس بعجيب أن تعظم ثقة الأوربيين باللورد حتى صاروا يعدون كلمته حجة، أما ~~خلاصة آرائه في الحالة الحاضرة، فهي أن هذا النجاح الاقتصادي قائم على قواعد راسخة، ~~غير أنه يجدر بالمصريين وغيرهم ألا يتهوروا في الإقبال على إحدى الشركات قبل أن يدققوا ~~ويفحصوا، ويستشيروا حتى يعلموا إذا كانت ثابتة القواعد قوية الأركان. ~~(3) أعماله السياسية # لا ينكر أحد على لورد كرومر أنه سياسي محنك بعيد النظر رحب الصدر، طويل الأناة كما ~~يجب على كل سياسي، غير أن سياسته لا تخلو من أثر العسكرية التي صرف فيها شبابه، نريد ~~أنه شديد المراس في مطلبه، عظيم الإصرار على أمره، يبقى سنوات عديدة يسعى إلى غاية ~~واحدة، ويتخذ من كل سانحة حجة وبرهانا لتأييد رأيه، ولا يدلنا على هذا كله مثل الحوادث ~~التي جرت منذ 1884 إلى اليوم، ولو اتخذنا من تلك الحوادث مسألة الجلاء فقط مثلا، لكانت ~~برهانا كافيا على خطته، فانظر كيف أنه كان يجاهد جهادا متواصلا حتى يستنبط في كل ~~زمن وسيلة جديدة لإرساخ قدم دولته في وادي النيل، فسير حملة السودان، وكان في كل ساعة ~~يستنجد الدماء الإنجليزية التي أريقت في ms022 أم درمان على كل إنجليزي أن يلفظ كلمة الجلاء، ~~حتى استمال إلى رأيه كبار الأحرار والمحافظين، فأيده لورد روزبري، كما أيده لورد ~~سالبري، واستمال إليه لورد لانسدون، كما استمال سير إدوارد جراي، وبات الأسطول ~~البريطاني حارسا لما قرره في المسألة المصرية، فما رأينا حكومته ترد له طلبا، أو ~~تستنكر عليه سياسة، ولو بلغت أقصى درجات الشره ، وإننا نورد للقارئ هنا مثلا واحدا ~~لتلك الثقة العظمى بسياسته: # لما وقع الخلاف بينه وبين الخديو عباس على تعيين حسين فخري باشا خلفا لمصطفى فهمي ~~باشا سنة 1893، ذهب لورد كرومر إلى عابدين، واعترض اعتراضا شديدا على تعيين فخري ~~باشا، وأظهر للخديو أن إصراره على رأيه يجعل الأمر خطرا، وأبرز له تلغرافا من اللورد ~~روزبري ناظر الخارجية يؤيد قوله. # 3 # فإن معتمدا سياسيا يجد من حكومته مثل هذه المساعدة في هذا الحادث، يستشعر من نفسه ~~حزما وإن يكن بلا حزم، فكيف برجل عسكري كاللورد كرومر؟! وإذا أراد المطالع برهانا آخر ~~على تقديس الحكومة الإنجليزية لكل رأي من آراء لورد كرومر في المسائل المصرية، فليذكر ~~حادثة فاشودة # 4 # التي كادت تضرم نار الحرب بين إنجلترا وفرنسا، وما تلك الحادثة وطرد ~~كولونيل مرشان ورجاله من الجزء الذي احتله من السودان إلا تاييدا لسياسة كرومر، وما ~~الاتفاق الذي عقد بين فرنسا وإنجلترا بعد تلك الحادثة على مناطق السودان إلا بناء على ~~رأي لورد كرومر أيضا؛ تمهيدا لاتفاق أكبر وخطوة أوسع في سبيل التقرب بعد ذلك التباعد ~~بين الدولتين. # ولما عقد ذاك الاتفاق، أي اتفاق سنة 1904، استراح اللورد من المسألة المالية الدولية ~~في هذا القطر، كما استراحت دولته من المعارضة السياسية، ثم التفت إلى المسألة الدولية ~~القانونية، فكتب قبل استقالته بعام فصلا طويلا عن وجوب تغيير الطريقة القديمة في ~~الامتيازات الأجنبية، ثم نشر فصلا ضافيا في هذا الموضوع، أطلع عليه الناس وقتئذ ... ~~فكانت حملاته على طريقة الامتيازات متتابعة كحملاته على صندوق الدين قبل أن ينال ~~مراده. # وليس بنا من حاجة إلى زيادة الإسهاب في هذا الباب، فإن كل خطبة ms023 لرجال الحكومة ~~الإنجليزية، وكل تقرير من تقارير لورد كرومر، وكل أثر من آثاره السياسية، يظهر حقيقة ~~تلك السياسة التي اتبعها الشيخ الراحل، ولقد كان تقريره الأخير كوصية سياسية قبل رحيله ~~عن هذا الوادي، وفي تلك الوصية لا ينصح دولته ببسط الحماية على مصر الآن؛ لأن بسطها ~~يقضي بتغير في الحالة السياسية مع أن إنجلترا تعهدت في الاتفاق الإنجليزي الفرنسي، ~~بأنها لا تغير شيئا من تلك الحالة، كما تعهدت فرنسا بأن تطلق يد إنجلترا في القطر ~~المصري. # نتيجة تلك السياسة # فما هي نتيجة تلك السياسة كلها؟ # نتيجتها أننا إذا نظرنا إليه بعين إنجليزي فلا يسع الناظر سوى الثناء عليه، وأما ~~إذا نظرنا إليه بالعين التي يجب على المصري أن ينظر بها إلى مصلحة وطنه، فلا يمكننا ~~أن نصوغ له شيئا من الثناء على عمله السياسي في مصر، فإنه حرم مصر من حياة سياسية ~~تطمح إليها كل أمة حية، وإذا كنا لا نستطيع سوى الاعتراف بأن اللورد وسع نطاق ~~الحرية الشخصية، فلا يمكننا أن ننكر أنه فعل العكس كل العكس مع موظفي الحكومة من ~~المصريين فنزع حريتهم وسلطتهم ونفوذهم، وألقاها في أيدي الموظفين الإنجليز، فبات ~~كثير من أذكياء الشبان المصريين ينفرون من وظائف الحكومة، ولا أدل على هذا كله من ~~شدة احتياج الحكومة إلى موظفين ومستخدمين، ولا نظن أن قلة الكفاءة التي يذكرها ~~اللورد في تقريرة إلا نتيجة التعليم الناقص، وسوء معاملة الموظفين والمستخدمين في ~~الحكومة، وربما كان يرى خذلان التعليم الصالح موافقة لمصلحة بريطانيا العظمى؛ لأن ~~اللورد كان ينظر في كل أمر إلى مصلحة دولتة قبل كل شيء؛ سنة الوطني الغيور على ~~وطنه. # وإنه لمن هذا الطراز كلامه عن الوحدة الإسلامية وعن وجود التعصب لها في القطر ~~المصري، مع أن التعصب ليس له فيه أثر على الإطلاق، ولكن المصلحة البريطانية، تريد ~~أن تمثله هائلا مخيفا، ومن هذا الطراز أيضا كل عمل وكل اتفاق، وكل خطوة وكل حركة ~~لذلك السياسي الإنجليزي العظيم. # وربما كان في وسع اللورد أن يحصل لدولته على أكثر ms024 من الفوائد التي حصل عليها، لو ~~أنه صرف همته أيضا في كسب ولاء المصريين الذين وصف نفسه بأنه صديقهم، ولو أنه وضع ~~للتعليم العام قواعد تجعله منتجا مفيدا للأمة، ودفع عن المعارف العمومية من كان ~~يناهضها، واعتمد في الإصلاح على أكفاء المصريين، ورشحهم بحرية العمل إلى حسن ~~الإدارة، ورغب عن محو الجنسية المصرية الصميمة بما قال من إنشاء جنسية دولية ~~لمصر. # لا شك أنه بذلك كان يكسب لدولته صداقة الأمة المصرية، ولشخصه ثناء من المصريين ~~يعادل ثناءهم عليه لعمله على نمو الحرية الشخصية واحترام الحق والمساواة بين طبقات ~~الأمة. ~~(4) خصائص السياسة الإنجليزية # للسياسة الإنجليزية عدة خصائص أو بالأولى عدة قوى متماسكة متضامنة يتألف من مجموعها ~~تلك السياسة التي تحكم على خمس العالم، وإحدى تلك المميزات أنها لا تنقل سفيرا في دولة ~~ولا حاكما في مستعمرة ولا معتمدا في بلد، إلا إذا قضت الدواعي القاهرة كما حدث للورد ~~كرومر معتمدها في القاهرة؛ فإن هذا السياسي الكبير يقيم في العاصمة المصرية منذ بضعة ~~وعشرين عاما، ولولا طول إقامته لما تمكن من إظهار مقدرته؛ لأن النقل يقطع على السياسي ~~سلسلة أفكاره التي يتمكن بها من الصعود إلى أعلى مراتب العلاء. # فلورد كرومر كان كبيرا بثلاث: مقدرته الشخصية، ومساعدة دولتة له بكل قواها، وسعة ~~الوقت الذي انفسح له في مصر، وكان من يرسل نظرة شاملة إلى أعمال لورد كرومر منذ تعيينه ~~معتمدا لدولته في هذا الوادي، يجد أن تلك المزية في السياسة الإنجليزية ساعدته أعظم ~~مساعدة؛ لأنها مكنته من إتمام سلسلة أعماله حلقة فحلقة، والرجل كان يشهد له الخصوم قبل ~~الأحباب بأنه بعيد مرمى النظر، طويل حبل الصبر، فكان كل عمل يأتيه تمهيدا لما يأتي ~~بعده، وتوطئة للغرض الذي وضعه نصب عينيه، فما وافق على ترك السودان في أوائل عهد ~~الاحتلال إلا ليبقي استئناف الحملة على السودان وسيلة جديدة بين يدي الاحتلال يتوصل ~~بها لزيادة توطيد القدم الإنجليزية عند الفرصة الموافقة، وقد عرضت له تلك الفرصة سنة ~~1895 حين علم بسير القائد الفرنسي مارشان ms025 نحو السودان المصري، وما عقد بعد فاشودة من ~~الاتفاق السوداني مع فرنسا إلا ليزيل ما بقي من آثار الاستياء في نفوس الفرنسيين بعد ~~تلك الحادثة ويمهد السبيل لإطلاق يد الاحتلال في المالية داخل القطر، وإطلاق يد حكومته ~~من الوجهة السياسية، فكان له ما أراد باتفاق سنة 1904 مع فرنسا، ثم بموافقة سائر الدول ~~صاحبات الشأن في صندوق الدين على ما يتعلق بمصر، فتزعزع من تلك الساعة أساس هذا ~~الصندوق. # وما مد اللورد يمين المساعدة في ذاك الاتفاق اكتفاء بمزاياه فقط، بل قال في نفسه: نحن ~~نغنم ما يقدمه من المزايا السياسية والمادية، ثم نجعله تمهيدا جديدا لمشروع آخر عظيم ~~هو تغير تلك الامتيازات في مصر، وحصر السلطة التشريعية في قبضة بريطانية، وما نيل هذا ~~المراد بالأمر المستحيل ما دام الاتفاق الودي موجودا بين لندن وباريس. # | هوامش # الفصل الخامس # | ردي على اللورد كرومر # المصريون في رأي اللورد كرومر # على إثر استقالة اللورد كرومر نشر تقريرا عن آرائه وأفكاره وما قام به من أعمال في ~~القطر المصري، وقد تناول هذا التقرير طبيعة المصريين وأخلاقهم وأفكارهم، كما تناول ~~ميولهم نحو الجامعة الإسلامية التي كانت تجول في خواطر بعض المصريين في ذلك الحين، وقد ~~قمت في مايو سنة 1907 بالرد على ما حواه هذا التقرير من أخطاء وادعاءات، وإني ألخص ~~هذا الرد في الصفحات التالية: # ليس من موضوعنا أن نبحث عن قيمة الشرقي على العموم من جهة الأخلاق الثابتة وآثار ~~التطوير المدني في تلك الأخلاق، ولا من جهة كفاءته السياسية لتدبير شئونه وحكم نفسه، ~~ولا من جهة تاريخ الشرق في التمدن، ولا من جهة أن اليابان من بلاد الشرق كما استثناها ~~اللورد كرومر في تقريره معتذرا بعدم معرفتها، ولكنا نتعرض إلى تفسير تلك الجملة ~~المبهمة الكثيرة المعاني القليلة الألفاظ التي صدر بها هذا الموضوع في تقرير ~~اللورد. # قال الأستاذ سايس: «إن الذين أقاموا في الشرق وحاولوا الاختلاط بأهله يعلمون حق العلم ~~أنه يستحيل مطلقا على الأوربي أن يتحد في النظر مع الشرقي، ومن المحقق ms026 أن الأوربي بادئ ~~الأمر يظن أنه هو والشرقي يتفاهمان ولكنه يأتي وقت - عاجلا أو آجلا - يرى الأوربي ~~نفسه يحس فجأة أن ذلك كان حلم نائم، ويجده أمام إنسان ذي ملكات عقلية غريبة بالمرة؛ حتى ~~ليظنه من سكان زحل!» # وبهذا الرأي يدين اللورد كرومر، ويحكم به على الشرقيين الذين يعرفهم لا على ~~اليابانيين والصينيين. # صدق الأستاذ سايس إذا كان قوله منصرفا إلى أن الأخوين: الشرقي والغربي مختلفان في ~~النظر جدا فيما يتعلق بتفضيل المنفعة المادية على المنفعة الأدبية، أو بعبارة أخرى إن ~~الشرقي بذكائة وأطوار تمدنه، ولغاته المملوءة بضروب المجازات، ووجوه القليل الاضطرابات، ~~وطبيعة أوطانه، وما ألفه من التقاليد الدينية العريقة في نفسه ومواعظ أسلافه الغالب ~~فيها تفضيل الزهادة؛ كل ذلك يجعله يميل بطبعه إلى أن يجعل للفضائل الأدبية كالإحسان ~~والكرم والوفاء والإخلاص الديني المقام الأول في حياته الدنيا، ويفضلها على المنافع ~~المادية، فعيب الشرقي قد يكون في سهولة أخلاقة وسلاسة انقياده، كما وصف به أرسطو سكان ~~آسيا الذين يشهد لهم بالذكاء المقتضي صحة الإنتاج، ولكنه عاب عليهم ما ينتجه تأصل طبائع ~~الاستبداد في حكوماتهم، ولا يظن المطلع على تقرير اللورد أنه أراد بقوله الإشارة إلى ~~تلك الفضائل، خصوصا أنه ليس في مقام مدح الشرقي، ولكن الذي يطلع على هذا الموضوع من ~~التقرير يرى أنه يريد بيان مسألتين: # أولاهما: أن أفكار المصريين عقيمة غير منتجة إلى حد أنه يصعب معرفة مقاصدهم وآمالهم ~~السياسية، وأقام على ذلك دليلا هو أن أفكارهم بعيدة عن تطبيق هذه القاعدة: «من يبغ ~~المطلب يبغ الوسيلة»؛ لأن بعضهم يظهر له الرغبة في الرضا عن نتائج الاحتلال دون الرضا ~~عن الاحتلال، وأن أحدهم طلب إليه تعيين مهندس إنجليزي لتقسيم الماء، وبعضهم طلب قاضيا ~~إنجليزيا للفصل في قضية، ولا نتعرض هنا لذكر الأشياء التي حملت هؤلاء الأشخاص على مثل ~~هذه الطلبات - على فرض أن طلباتهم تؤخذ على شعور المصريين جميعا - بل نرجئ هذا البحث ~~إلى الفصل الخاص بالموظفين، وغاية ما نورده هنا هو مناقشة القاعدة «من يبغ المطلب يبغ ms027 ~~الوسيلة». # وجد الاحتلال الإنجليزي في مصر بعلة إطفاء الثورة وتأييد سلطة الخديوية المصرية ~~والمحافظة على المصالح الأوربية، ثم تدرجت العلة إلى إصلاح شئون الأمة المصرية وإعدادها ~~لتحكم نفسها بنفسها، وليأمن الإنجليز على حقوقهم التي كسبوها في مصر، ثم ينصرف عنها ~~الاحتلال. # متى كان هذا هو غرض الاحتلال، وكانت أعمال الاحتلال الظاهرة الحسية تؤيد هذا الغرض، ~~فيكون المصري الذي يرضى بالنتائج (أي بالإصلاح الذي لأجله جاء الاحتلال) ولا يرضى ~~بالاحتلال هو إنسان عقيم النظر حقيقة. # أما وقد رأى المصري رأي العين أن الاحتلال لم يثبت له بالحس أن علة وجوده في مصر هو ~~تأهيل مصر لأن تحكم نفسها بنفسها، بل رأى بين الغرض من الاحتلال وبين كثير من أعمال ~~الاحتلال في مصر بونا بعيدا فأشكل عليه الأمر إلى حد أن المصري المنصف الكثير التدبر ~~والتروي، الذي لا يشوب حكمه على الأمور في مصر غرض من الأهواء، يكاد كلما طابق بين علة ~~الاحتلال وبين عمله يقع في روعه أن للاحتلال مقصدا خفيا غير ما يقول الساسة ~~الإنجليز، ولا شك في أن مثل هذا معذور إذا رضي بنتائج الاحتلال دون الاحتلال الذي أشكل ~~المقصود منه على العقول. ~~••• # بشر المصري آماله حين رأى احترام الحكومة للحرية الشخصية التي نشرها الاحتلال وإلغاء ~~السخرة وغيرها، والقيام بالأعمال النافعة، ولكنه لم يلبث أن رأى الاحتلال بعد ذلك بقليل ~~قد ظهر في كثير من المواطن بمظهر المعاند، فأخذ أولا يقتسم هو والخديوية المصرية آراء ~~الناس وميولهم، فأخذ الناس أيضا بمقتضى هذه المعاندة بين السلطتين أن يلتجئ كل إلى ما ~~يرى في الالتجاء إليه مصلحته الذاتية؛ لأن المصلحة العامة هي في ألا يلتجئ الناس إلى ~~أحد الطرفين دون الآخر؛ لأن انتشار ذلك يضيع شخصية الأمة، ويجعلها كما كانت لا حق لها ~~إلا الطاعة للأمير - (إن سميت الطاعة حقا) - ولا ينكر أحد أن تنازع السلطتين من طبعه ~~أن يجعل العناد يتخلل كثيرا من أعمال كلتيهما؛ كلما ظفر الاحتلال بالسلطة قرب كثيرا ~~من الذين لا يهمهم إلا مصالحهم أو رواتبهم، ثم ms028 التفت إلى التعليم العام في المدارس ~~الأميرية فوصل بها إلى هذا الحد الذي نراه اليوم، والذي جعل الحكومة نفسها تشكو قلة ~~الأكفاء بل ندرتهم، ثم مال إلى النفوذ الشخصي للحكام الوطنيين فجردهم منه، وانحصر عملهم ~~في الطاعة لغيرهم من الإنجليز سواء أكانوا رؤساء أم مرءوسين، ثم لم يستبدله بمشاركة ~~الأمة له في الحكم، فاعتقد المصريون أو أغلبهم أن الاحتلال هو لمصلحة إنجلترا وأوربا ~~بالذات، حتى لقد غلا بعضهم في تقدير فهمه العدل الذي جرى على يد الاحتلال، فقال: إن ~~إنجلترا مهما كانت نياتها لمصر، لا يمكنها إلا أن تعدل ما دامت ترى أن لا مصلحة لها في ~~الظلم. # فهل يكون المصري غير منتج إذا بنى فكره على الأعمال المشاهدة من خير وشر، واستنتج من ~~هذه الأعمال نتيجتها اللازمة، وهي أن الاحتلال قد جاء ببعض الفوائد، ولكن تمشيه على ~~طريقة حرمان الأمة من الحياة السياسية خطر على الأمة يوجد الضجر والقلق وسوء الظن ~~بالاحتلال، كما قدمنا، فتكون النتيجة أن تطبيق القاعدة المذكورة على وجود الاحتلال (وهو ~~الوسيلة) وعلى فوائده (وهي المطلب) من الصعوبة بحيث لا يمكن تطبيقها من غير تعسف إلا ~~إذا أبان الاحتلال لمصر أنه يسعى في منح مصر حياة سياسية بالتدريج، والمؤمل أنه يعمل ~~على ذلك، ولا ينكر منصف أن الحكومة اهتمت في هذه السنين الأخيرة بأمر نشر التعليم بين ~~طبقات الفلاحين، ونجحت في تذليل كثير من الصعوبات التي كانت تقف في طريق تعليم البنات، ~~ولو أضافت إلى ذلك منح الأمة شيئا من الاشتراك معها في العمل لاقتنع الناس بأن ~~الاحتلال مؤقت وأنه لا يقيم إلا ريثما تصلح مصر لحكم نفسها بنفسها، ولأمكن بعد ذلك ~~القول بحق أن «من يبغ المطلب يبغ الوسيلة». # ولكن هناك أمرا آخر لا يصح إغفاله؛ لأنه قد زاد من الاحتلال إبهاما على إبهام، ~~وهو ما ذكره اللورد كرومر في خطبته الأخيرة في حفلة الوداع، تلك الخطبة التي هي منصبة ~~في أغلب معانيها على الغرض السياسي الخطر الذي يحاول إقناع العالم به، وهو جعل مصر ms029 ~~مستعمرة أوربية مختلطة يكون للأوربيين فيها الغنم، وعلى المصريين منها الغرم، فكان مهر ~~قبول هذه الفكرة لدى الأوربيين أن صرح في خطابه بأن الاحتلال باق في مصر إلى ما شاء ~~الله، فكان في هذا التصريح التباس جديد على الناس ... ولكن مع ذلك نرى أن هذا التصريح ليس ~~من شأنه أن يؤثر تأثيرا جوهريا في السياسة المصرية؛ لأن وقت التفكير فيه لم يحن ~~بعد. # ومن هذا يرى القارئ أن عدم صحة الفكر المصري في الإنتاج لم تأت من طبيعة له ولا من ~~عرض ملازم له، بل أتت من إمكان الحكم على مقاصد إنجلترا من الاحتلال. # المسألة الثانية هي: الجامعة الإسلامية # إن فكرة الوحدة الإسلامية قد تجول أحيانا بخواطر بعض الناس الذين لا يزالون بعيدين ~~عن الاشتغال بالسياسة والنظر في الأمور العامة بشيء من التدقيق، ولكن تلك الفكرة لم ~~تخرج عن حيز الخواطر، تظهر وتختفي تبعا للحوادث، فكلما رأى المصريون اتفاق رجال ~~السياسة الأوربية على شيء يضر بمصلحة مصر، أو يبعد ميعاد استقلالها أو يفيد استمرار ~~الاحتلال إلى الأبد، قارنوا بين مصر وبين غيرها من ولايات البلقان التي استقلت، ~~واستنتجوا من ذلك أن ذنب مصر أنها أمة إسلامية، وأن أوربا لا تساعد في الشرق إلا الأمم ~~المسيحية، فتمنى بعضهم لو كان للمسلمين وحدة كما في أوربا هذه الوحدة التي يتخيلون ~~وجودها، وأنها كانت الحامل لأوربا على التداخل في أمر ولايات البلقان وأرمينية، نقول ~~ذلك ونحن لا نعرف أنه يوجد في اللغة كلمة جامعة مسيحية «بانيكريستيانزم» كما خلقت كلمة ~~جامعة إسلامية «بانيسلامزم». # على أن عقلاء المصريين لا يرون لكلتيهما وجودا في العالم، ولكن السياسة تخلق ما ~~تشاء، فليس لأوربا أن تتوجس خيفة من فكرة ساذجة كهذه، بعيدة عن أن تؤدي إلى اعتداء من ~~جهة المصريين، ولا أن تسبب قلق المستعمرين من الأوربيين، بل يرى هؤلاء العقلاء أن الذي ~~خلق هذا الخاطر الساذج هو مظاهر السياسة الأوربية في الشرق. # أما كون الجامعة الإسلامية موجودة وجودا حقيقيا، أو أنها مقصد من المقاصد التي ~~يسعى المسلمون ms030 لتحقيقها، فهذا لا دليل عليه مطلقا، كما أنه لو حوول إيجادها لاستحال ~~ذلك بالمرة على طلابه. # علمنا التاريخ وطبائع البشر أنه لا شيء يجمع بين الناس إلا المنافع، فإذا تناقصت ~~المنافع بين قلبين استحال عليهما أن يجتمعا لمجرد قرابة في الجنسية، أو وحدة في الدين، ~~وإن أبلغ مثال على ذلك هو انشقاق المسلمين على أنفسهم في خلافة أمير المؤمنين علي بن ~~أبي طالب مما هو مشهور ومأثور، إن أحسن ما قرأنا في الجامعة الإسلامية، هو ما ذكره ~~الأستاذ براون في خطبته التي ألقاها في جامعة كيمبردج سنة 1903 وأبان فيها أن الجامعة ~~الإسلامية هي خرافة ابتدعها دماغ مكاتب التيمس في فينا، قال الأستاذ براون: # إنه ليس من السهل تعريف معنى البانيسلامزم بعبارة تنطبق على المثل العربي ~~المشهور «خير الكلام ما قل ودل» ومع الأسف إننى استشرت أحد أصدقائي المسلمين في ~~هذا الموضوع، فعرفني معنى «بانيسلامزم» بلا تردد في بضع كلمات، وهي «أن ~~البانيسلامزم هي خرافة خلقها دماغ مكاتب التيمس في فينا. # وإن تجسيم الأمر في نفس عميد الاحتلال في مصر إلى حد أنه قد جعله تعصبا للدين لا محل ~~له بالمرة، إلا إذا كان الغرض منه بعث القلق إلى نفوس السياسيين من الأوربيين، حتى لقد ~~جره ذلك الغرض إلى التعريض بأحكام الدين الإسلامي، وادعى أنها غير صالحة إلى أن تطبق في ~~هذا الزمان. # قال ذلك بتصريحات كان من عادته أن يتوقاها؛ مراعاة لاحترام الدين الإسلامي، وتفاديا ~~من جرح شعور المسلمين، نقول: على غير عادته؛ لأنه كثير الاحترام للدين الإسلامي، كثير ~~الحيطة في التعبير عنه بشيء يتعلق به، وكل تصريحاته مستفيضة في هذا المعنى؛ فقد قال في ~~خطبته في كلية غوردون في 4 يناير سنة 1899: # ولا يخفى عليكم أن جلالة الملكة ورعاياها المسيحيين من أشد الناس استمساكا ~~بعروة دينهم، ولذلك فهم يعرفون وجوب احترام دين غيرهم، على أن حكم جلالتها يظلل ~~من المسلمين عددا أكثر مما يظلل حكم أي ملك في الأرض، وهم مع ذلك في عيشة ~~هنية، وسعادة تحت حكمها ms031 الكثير الخيرات، دينهم موقر، وعاداتهم الشرعية محترمة ~~كل الاحترام ... إلخ. # وقد يؤثر عنه أنه كان يشير إلى أن المسلمين لا تصلح حالهم إلا إذا تمسكوا بدينهم ~~الصحيح، وقد ذكر في تقرير سنة 1905، وفي تقرير سنة 1906، ما يفيد امتداح الذين يقومون ~~بخدمة الدين وتخليصه من الدخائل التي متى خلص منها كان موافقا لحاجات الناس في التمدن ~~الحديث، وخص منهم بالذكر فقيد الإسلام المرحوم الشيخ محمد عبده، والسيد أحمد منشئ كلية ~~عليكرة، ولهذه المناسبة نورد للقارئ نص الخطاب الذي ألقاه اللورد كرزون في كلية عليكرة ~~في شهر مايو سنة 1901 مشيرا فيه إلى فوائد الدين الإسلامي، والاعتراف بما للمسلمين من ~~الفضل والمدنية: # نعم يمكن للمسلمين أن يسابقوا غيرهم إذا هم تعلموا كيف يسابقون، وهو ما عرفوه ~~مرة قبل هذا الوقت في أيام كان فيها للمسلمين السطوة والسلطان، وكان قضاتهم ~~يحكمون بالعدل بين الناس، وفلاسفتهم وأئمتهم يؤلفون الكتب النفيسة. # وإن عدول اللورد كرومر عن خطته من عدم التعرض للطعن على الدين الإسلامي بأي صورة، ~~ومخالفة لبعض ساسة الإنجليز مثل اللورد كرزون في الآراء المتعلقة بأن الشريعة الإسلامية ~~أسمح من أن تعيق عن حاجات التمدن الحاضر، كل ذلك جعل الناس يكادون يجمعون على أن اللورد ~~أراد أن يصور المصريين - للإنجليز خصوما، ولأوربا عموما - بصورة أمة غير قابلة للرقي؛ ~~لتسهل بذلك الموافقة على محو الجنسية المصرية الصميمة التي يحاول محوها منذ عامين؛ لذلك ~~قصد تجسيم الجامعة الإسلامية، وعزا لها ما عزا. # التعصب الديني # بعد أن رأى القارئ أن الجامعة الإسلامية لا أثر لها في مصر ولا نظن لها وجودا في غير ~~مصر، وأنها على هذه الصفة من العدم ليس من شأنها أن تزيد الجفاء بين الشرق والغرب، ولا ~~أن تصلح ذريعة لرجال السياسة الأوربية يتخذونها سترا يستر أعمالهم في الشرق، قد يكون ~~من المفيد جدا في هذا المقام أن نتعرض إلى مناقشة تلك التهمة الثانية التي يربطها ~~بالجامعة الإسلامية رابطة النسب أو رابطة العلة والمعلول، وهي تهمة التعصب ~~الديني. # والدين الإسلامي يأمر بالتعاون والتعاضد والائتلاف ms032 بين أفراد الأمة، كما يأمر بالعدل ~~والإحسان، ويوصي خيرا بالمتحالفين له من أهل الأديان الأخرى على الصور المستفيضة في ~~الفقه، وليس من مبادئه مطلقا التعصب الشائن الذي يعبر عنه الإفرنج ~~«بالفاناتيزم». # أهل الدين الواحد يوجد بينهم بحكم وحدة الاعتقاد حب ومعاونة، تختلف وجوه استعمالها ~~باختلاف الصور العديدة التي تصورها لهم أفهامهم في الدين، وإن هذه الجاذبية الدينية ~~تماثل الجاذبية التي تولدها وحدة العنصر أو وحدة اللغة، ونظن أن الأوربيين لم يقصدوا ~~يوما «بالفاناتيزم» هذه الجاذبية بوجه ما، ولكنهم يقصدون بالتعصب الديني معنى عدائيا ~~هو التحرش بغير المسلمين وحضارتهم، والتربص بهم فلا يبقون عليهم، وهذا المعنى لا أصل له ~~في الدين، كما لا أصل له في نفوس المسلمين الذين كل جنايتهم أمام أوربا أنهم أخذوا ~~يفكرون في أن ترقى عقولهم بالتعليم ونفوسهم بالحرية، وأن يدفعوا بجميع الطرق السلمية كل ~~مبدأ أو قوة تعمل على الحيلولة بينهم وبين ما يشتهون من الرقي العقلي؛ ليسابقوا غيرهم ~~في الحياة المدنية، وأنهم يتعلمون الآن من الأوربيين، فكيف يمكن أن يضمروا لهم ما يتجنى ~~له هؤلاء عليهم؛ ليبعدوهم عن كل مدنية، وليسهلوا لأنفسهم دوام الاستفادة منهم دون أن ~~يفيدوهم، أظن أن وجه المسألة على هذه الصورة مقلوب الوضع، وأن المسلمين هم أولى بأن ~~يتهموا الأوربيين بالتعصب، ولكنهم لا يريدون، ولا يستطيعون. # التعصب الديني شعور لا يمكن للمنصف أن يحكم بوجوده إلا بآثاره، ومن المشاهد أن ~~الأقباط في مصر يعيشون مع المسلمين مختلطين في المصالح والمساكن متكاتفين في المزارع ~~والأعمال، متجاورين على مقاعد المدارس، متشاركين في الوظائف والمرافق، ولم يسمع من زمان ~~بعيد أن المسلمين الذين قد أمرهم الدين بحسن المعاملة هاج هائجهم على إخوانهم، أو ~~أظهروا يوما بما يقتضيه وجود التعصب الديني في النفوس من الحقد الذي يقدح زنده ~~الاشتراك في المصالح، ومن المشاهد أيضا أن الرومي يجيء به طلب الرزق إلى مصر منفردا، ~~يدخل إحدى قراها البعيدة عن مراكز الحكومة فيتزلف إلى كبار أهلها فيفسحون له في مساكنها ~~ملجأ يأوي إليه، فلا يزال بتجارته الرابحة ms033 من بيع الزيتون والجبن بأضعاف القيمة بثمن ~~آجل حتى يصبح ذا مال يقرضه إلى الفلاحين بالربا الفاحش، ولا يلبث على هذه الحال قليلا ~~من الزمان إلا هو دائن لأغلب أهل البلد ينزع ملكية أرضهم ويستخدمهم فيها عمالا بسطاء، ~~وكل هذا لم يحرك في نفوسهم ذلك التعصب الديني الموهوم، أليس ذلك إلا لأن هذا التعصب ~~عديم الأثر في نفوس مسلمي مصر؟ # أقام اللورد كرومر على هذه التهمة الشنعاء التي اتهم بها المصريين دليلين؛ أحدهما ~~مسطور في تقريره عن سنة 1905 بمناسبة حادثة الهماميل في الإسكندرية، وكان فيها أن ~~مصريا ويونانيا تشاجرا على مشتري قطعة من الجبن، فطعن اليوناني المصري طعنة بسكين ~~فقضى عليه، وأعقب ذلك أن يونانيا أراد قتل يوناني آخر بغدارة فأخطأه وأصاب وطنيا، ~~فمات، فاجتمع رعاع الفريقين، وقال بعض فريق المسلمين «اقتلوا النصارى». # والثاني حادثة العقبة التي جعلت بعض الجرائد أو بعض الناس يظهرون ميلهم إلى تركيا ~~بمناسبة الخلاف بينها وبين الحكومة المصرية على تحديد التخوم المصرية في تلك ~~الناحية. # أما الحادثة الأولى فلا تثبت من التعصب شيئا؛ لأن من الأمور الطبيعية أن الناس ~~ينتصرون للمظلوم خصوصا إذا كان من بني جنسهم، وقد روت روتر في ذلك الحين أن روسيا في ~~باريس أطلق الرصاص على جنديين فرنسيين، فهم الأهالي بقتله لولا أن رجال البوليس ~~أنقذوه من أيديهم، ولم يقل أحد بأن انتصار الأهالي في باريس للجنديين كان سببه التعصب ~~الديني، فانتصار الوطنيين للقتيل، وانتصار الأروام وغيرهم للقاتل هو من الأمور الطبيعية ~~التي لا تثبت وجود التعصب الديني عند المصريين. # لم يبق بعدئذ إلا قول بعضهم: «اقتلوا النصارى» فلو صحت نية هؤلاء الصائحين بهذه ~~الصيحة وقابلوا مسيحيين من المصريين أو من السوريين لما مسوهم بسوء، ولكن لفظة النصارى ~~في لغة الرعاع مرادف للإفرنج أو نحو ذلك، فإن كان في نفوسهم عصبية لكانت عصبية جنسية لا ~~عصبية دينية. # أما حادثة العقبة، فيحسن بنا أن نلفت نظر القارئ إلى سبب الحركة الفكرية التي جرت في ~~مصر إبان حادث العقبة، كان من جرائها ms034 أن أساء الإنجليز الظن بالمصريين وافتكروا أن ~~هؤلاء يتبرمون بهم ويودون لو استبدلوا الاحتلال التركي بالاحتلال الإنجليزي، وأن مثار ~~هذا التبرم هو التعصب الديني من المصريين للترك، وقد جر هذا الفهم إلى نتائج مشئومة، ~~ولكنا نظن أن الإنجليز متى عرفوا السبب الحقيقي لهذه الحركة وأنصفوا، يقلعون عن تهمة ~~المصريين بالتعصب، تلك التهمة التي تسوءنا أكثر مما ساءتهم. # نلتمس علل الأشياء بقياسها على أشباهها ونظائرها، فإذا أردنا أن نلتمس علة هذه الحركة ~~الفكرية الحقيقية التي وجدت بمناسبة حادث العقبة حسن بنا أن نرجع بها إلى نظائرها من ~~الحوادث، ولا نجد حادثة أشبه بها من جميع الوجوه أكثر من حادثة فاشودة؛ فإن الإنجليز ~~كانوا يدفعون الترك عن العقبة باسم الحكومة المصرية لمصلحتها، ومصلحة الحكومة ~~الإنجليزية، كما كانوا يدفعون الضابط مارشان عن فاشودة باسم الحكومتين المصرية ~~والإنجليزية ولمصلحتهما أيضا، وكان النزاع بين الإنجليز وبين الترك على الحدود الشرقية ~~كما كان بينهم وبين الفرنسيين على الحدود الجنوبية المصرية، فماذا كان ميل المصريين ~~وقتئذ بالنسبة لحادثة فاشودة؟ # كان في مصر حركة أفكار تتجه في مجموعها إلى اجتذاب الناس إلى فرنسا أو إلى مارشان ~~وجماعته؛ فكيف جاء هذا الشعور؟ وما مصدره؟ # هل كان مصدره في النفوس أيضا تعصبا دينيا لفرنسا، أوجب استبدال الاحتلال الفرنسي ~~بالاحتلال الإنجليزي؟! # لا هذا ولا ذاك، ولكن من الطبائع العمرانية أن الأمة متى أبعدت عن إدارة حكومتها ~~وجهلت مقاصد حكامها، أو ظهر لها منهم عين لاستئثار بالمنفعة دونها، وحملها على ما تهوى ~~وما لا تهوى من غير أن تستشار، كل ذلك يدعو بها إلى أن تتبرم بحكومتها إذا كانت حكومة ~~وطنية، فإذا كانت أجنبية يكون التبرم والمقاطعة من باب أولى. # ومثال ذلك الحركة الفكرية للأمة في أوائل الثورة العسكرية سنة 1882، فإن الأمة كانت ~~قلقة تحب الخروج من ذلك الاحتلال الفعلي الشركسي وإن كان قلقها هذا لم يتعد حد القلق؛ ~~لأنه لم تكن لها في الثورة العسكرية فكرة ثابتة ولا مشاركة حقيقية، فهل كان هذا القلق ~~والضجر من حال الحكومة، ومن قانون العسكرية، ms035 مترتبا على تعصب ديني من المسلمين ضد ~~المسلمين؟ لا شيء من ذلك أيضا؛ فلو استقرأنا كل العلل الممكنة التي ولدت حركة الأفكار ~~في سنة 1881 وسنة 1898 بمناسبة حادثة فاشودة، وسنة 1906 بمناسبة حادثة العقبة استقراء ~~صحيحا خاليا عن الغرض، لوجدنا أن العلة في كل ذلك واحدة، وهي قلق من عدم إشراك ~~الحكومة إياها في شيء من الحكم. # ولكن ذوي الأغراض - عن جهل أو سوء قصد - جاءوا يصورون تلك الحركة الفكرية لعميد ~~الاحتلال في صورة التعصب الديني، وهو قد صورها في الصيف الماضي لأوربا بصورة مزعجة؛ كل ~~ذلك، والأمة هادئة بعيدة عن التعصب وآثاره. # الفصل السادس # | طالبنا بالاستقلال التام فقالوا خرجتم على الباب العالي # (1) الاستقلال والدستور # بعد ظهور صحيفة الجريدة ببضعة أشهر تألف «حزب الأمة» في 21 ديسمبر سنة 1907، وقد تضمن ~~منهاجه عدة مبادئ في رأسها المطالبة بالاستقلال التام # 1 # والمطالبة بالدستور، وأقل درجاته توسيع اختصاص مجلس شورى القوانين، ومجلس ~~المديريات؛ تدرجا إلى إيجاد مجلس نيابي تتمثل فيه سلطات الشعب، وقد اختير محمود سليمان ~~باشا رئيسا لهذا الحزب، وحسن عبد الرازق باشا الكبير، وعلي شعراوي باشا وكيلين له، ~~واخترت أنا سكرتيرا عاما. # وقد اتخذت بعض الصحف من مطالبة هذا الحزب بالاستقلال التام ذريعة للتشنيع عليه، ~~واتهامة بالخروج على الباب العالي صاحب السيادة على مصر في ذلك الحين، ولكننا لم نأبه ~~لهذه التهمة، ومضينا في طريقنا، وكان لنا كثرة أو شبهها في مجلس شورى القوانين، فأخذت ~~في مهاجمة الحكومة الاستبدادية والمطالبة بالدستور، وقدم محمود سليمان باشا وحسن عبد ~~الرازق باشا إلى رئيس الحكومة مشروعا بتوسيع اختصاص مجالس المديريات، فقدمت الحكومة ~~مشروعا آخر أقل سعة من مشروعنا، وقد سرنا أنها سارت في هذه الطريق للوصول إلى تحقيق ~~إرادة الأمة، والتحرر من سلطة الحكومة الشخصية، تلك الحكومة التي لا تستمد وجودها إلا ~~من أصل واحد هو عبادة البسالة، عبادة القوى، عبادة القهر والغلبة والاستبداد، وما يجتمع ~~حول تلك العبادة من الأوهام التي تتجسم في رءوس العامة، وقد جاء العلم، ففتح للناس ~~أسرار العالم ms036 وأصبح العالم بذلك هو موضوع الإعجاب والإكبار، وصار العظماء أمام هذا ~~العالم الطبيعي وقوته لا نصيب لهم من ذلك الإعجاب والإكبار، فتجردوا بهذه المثابة عن ~~الأصل الذي كانوا يستخدمونه في إنشاء الممالك المستبدة، ولكنه مع ذلك قد بقي في نفوس ~~الناس طرف غير قليل من الأوهام القديمة، تلك الأوهام التي كانت في كثير من الأزمان ~~كافية لإخضاعهم لشخص واحد يتصرف في دمائهم وأموالهم من غير أن ينزل لسماع أقوالهم أو ~~الإصغاء لرغباتهم، لذلك كنا ننادي بتوسيع اختصاص الهيئات النيابية؛ توصلا للحصول على ~~الدستور الذي تتقرر به سلطة الحكومة الشخصية أو حكومة الفرد. ~~(2) انتخابي لمجلس المديرية # وفي عام 1908 أراد حزبي أن أكون مع أعضائه في مجلس شورى القوانين، فرشحت نفسي لمجلس ~~مديرية الدقهلية؛ لأن عضو مجلس الشورى كان ينتخبه أعضاء مجلس المديرية من بينهم فلم ~~أنجح في هذا الانتخاب، ثم رشحت نفسي في الانتخاب الذي بعده سنة 1911 فنجحت، ولكن طعن ~~في بأني لست مقيما في بلدتي «برقين» وألغت محكمة الزقازيق الانتخاب فعدت للانتخاب ~~مرة أخرى، فنجحت بأصوات أكثر من الأولى، وكان الخديو - فيما يقال - يرتاح إلى الطعن في ~~انتخابي، وذات يوم خاطبني بالتليفون عبد الله وهبي باشا ودعاني إلى الشاي في بيته، ~~فوجدت عنده جاد بك مصطفى الطاعن في انتخابي، فتحادثنا في شئون الانتخاب، فقال لي رحمه ~~الله: «إن صداقتي لأبيك، وتقديري لك يجعلاني أتنازل عن الطعن بشرط أن تأتي أنت ووالدك، ~~وشكري باشا المدير للغداء عندي في قريتي «صدفة» يوم الجمعة المقبل.» # فأجبته إلى رغبته. # وفي ذلك الوقت عاد الدكتور محمد حسين هيكل من أوربا، بعد أن حصل على إجازة الدكتوراه، ~~أخذته معي في زيارة لكثير من القرى لأقف على حالة التعليم الأولى، وأقدم بذلك تقريرا ~~لمجلس المديرية، وقد فعلت. # ومن طريف ما يذكر هنا، أننا مررنا بكتاب في إحدى القرى، فوجدنا قلة في عدد ~~التلاميذ، فقلت للشيخ: «أظن أنك صرفت الأطفال لتنقية الدودة!» # فقال: «ليس في بلدنا دودة؛ لأني أذنت الأذان الشرعي في الجهات الأربع للقرية، فامتنعت ms037 ~~الدودة بإذن الله تعالى.» # قال هذا وكنا نشم رائحة الدودة حولنا في المزارع! ~~(3) بيع الرتب والنياشين # قلت: إن الحكومة الشخصية - أو حكومة الفرد - تستمد وجودها من عبادة البسالة والغلبة ~~والاستبداد، وأزيد هنا أن الفرد من أبناء الأمة في ظل هذه الحكومة، ليست له حياة ظاهرة ~~ولا شرف معترف به إلا بالإضافة لشخص الحاكم، ما دام الأفندي لا ينقلب زيه يوم العيد إلى ~~زي بطل من أبطال القرون الوسطى، كل صدره قصب يبرق ، وتعلق عليه نياشين تلمع، ويحمل بعد ~~ذلك سيفا لا يستطيع أن يجرده، ولا السيف صالح أن يجرد، فمهما يكن له من شرف المولد، ~~ورفعة الأخلاق، وسعة العيش فإنه لا يكون شريفا إلا إذا حصل على رتبة أو نيشان. # من أجل هذا الشرف الوهمي تهافت الناس على الرتب والنياشين، وصارت تباع في ذلك العهد، ~~وتحدثت بها الصحف سنة 1908، وقد كان لها سماسرة يسعون في الحصول عليها لمن يدفع الثمن، ~~وأصبحت تعطى لا مكافأة على عمل من أعمال البسالة كما يكون من رجال الجيش، ولا على خدمة ~~كبرى من الخدمات العامة، بل لعملاء السماسرة الذين يشترون ألقاب التشريف، وكان السمسار ~~يأخذ المقدم من المشتري، فإذا تم التشريف يأخذ المؤخر، وكانت الحكومة في ذلك الوقت تسكت ~~عن هذه الحال؛ لتجعل الناس دائما يهتمون برضاها عنهم، فهي تلعب بأهوائهم وشهواتهم ~~وتأسرهم بها، وتلك عادة الحكومة الاستبدادية القديمة قد تسربت إلى الحكومات الحديثة، ~~فكانت أثرا من الآثار الاستبدادية الأولى، وقد عرفت الحكومات الديمقراطية الراقية أن ~~تتخلص منها، ولكنها ما تزال في بعض الشعوب من أهم المؤثرات في الأخلاق خصوصا في الشعب ~~المصري. ~~(4) سياسة الوفاق وسياسة الخلاف # في سنة 1908 أيضا كان قد مضى عام على تعيين سير الدون غورست معتمدا بريطانيا في ~~مصر خلفا للورد كرومر الذي اعتزل منصبه في أبريل سنة 1907، وقد عرف بعهد سياسة الوفاق، ~~وهي السياسة التي عادت للمرة الثانية بعد أن حلت محلها سياسة الخلاف بين الخديو عباس ~~واللورد كرومر. # وتبدأ سياسة الوفاق من عهد الخديو محمد توفيق؛ فقد ms038 دخل الإنجليز مصر على وفاق بينه ~~وبينهم، فألغوا الجيش المصري، واستبدلوا به جيشا صغيرا ضباطه من الإنجليز، ثم محوا ~~العلوم الحربية الواسعة في المدرسة الحربية، فبدلا من أن يرقوها حتى تخرج ضباطا كما ~~تخرج مدارس إنجلترا وفرنسا قصروها على تخريج ضباط بدرجة، هم أنفسهم يريدونها، درجة تجعل ~~الضابط المصري مرءوسا دائما، ثم أخذوا يخرجون من الجيش العامل كل ضباط الإنجليز، وقد ~~دل هذا التصرف في الجيش على أن الغرض منه إضعاف مصر لا تقويتها، وتلك كانت إحدى نتائج ~~الوفاق والتسليم للإنجليز بعمل ما يريدون. # لقد جاء الإنجليز مصر فوجدوا فيها جيشا ثائرا ومجلس نواب، فألغوا الجيش الثائر ~~واستعاضوا به غيره، وألغوا كذلك مجلس النواب، وكان حقهم أن يبقوه فلم يفعلوا، بل لم ~~يستعيضوا به غيره، نقول على وجه التسامح: إنهم ألفوا مجلس شورى ضئيلا؛ ليكبر بالزمان ~~فمضى كل عهد سياسة الوفاق، ولم يفكر الإنجليز في تعديل مادة من مواده حتى يسيروا به إلى ~~الأمام، وذلك يدل على أنهم كرهوا لمصر أن تتدرج في الحكم الدستوري. # وإذا كان الإنجليز لم يعملوا وقتئذ للإنسانية وعملوا لتقوية الحكومة بأي شكل، فكان من ~~مقتضى ذلك أنهم حين أضعفوا حكومة الدستور أن يقووا الحكومة الشخصية أي الحكومة الخديوية ~~ولكنهم لم يفعلوا بل أضعفوها هي أيضا. # ومن الشواهد على ذلك أن ناظر الحقانية وقتذاك، سعادة حسين فخري باشا، رفع تقريرا إلى ~~مجلس النظار باستغناء النظارة عن المستشار القضائي مستر سكوت، وكان الخديو توفيق في ~~سياحته بالوجه القبلي، فانعقد مجلس النظار وقرر عدم استمرار المستر سكوت مستشارا في ~~الحقانية، وأرسل بذلك للخديو الذي أرسل لمجلس النظار تلغرافا بالموافقة والارتياح، فلم ~~يكن إلا قليل حتى أكرهه اللورد كرومر على إلغاء ذلك القرار، ونتج عن ذلك تمكن الضعف من ~~قلوب النظار المصريين وزيادة الاستسلام من جانب الخديو، ووقعت الحكومة كلها في يد ~~المعتمد البريطاني يفعل بها ما يشاء، وكان الغرض من ذلك إضعاف السلطة الأهلية سواء في ~~ذلك سلطة الحكومة وسلطة الأمة. # كان يجري كل هذا التصرف الذي من ms039 شأنه إعدام كل سلطة أهلية من الأمة والحكومة معا ~~والسياسة العالية تجري في مجراها على هذا النحو أيضا، وأكبر الأمثلة على ذلك التخلي عن ~~السودان وتركه، وكان ما كان من معارضة الرجل الكبير محمد شريف باشا الذي كان أحق وزراء ~~مصر على الإطلاق بالتمجيد، ولكنه لما لم ينجح استقال، وجاءت وزارة نوبار باشا فأخلت ~~السودان، ثم فتح على أنه شركة في الإدارة بين مصر وإنجلترا كما تعرفون. # التقرب من الإنجليز # بعد أن جردت الأمة من سلطتها والحكومة الأهلية من هيبتها، آمن المصريون بأن ~~الإنجليز طامعون لا مصلحون، وأخذ كل موظف يحتمي برئيس إنجليزي، وأخذ العمد والأعيان ~~يستعينون في قضاء أعمالهم غير المتناهية بالتقرب من الإنجليز تقربا وقتيا دعا ~~إليه قضاء المصلحة الشخصية من القادر القاهر، ولكن هذا التقرب من طبيعته أن يزول ~~بانقضاء تلك المصلحة، ثم يتجدد كلما جاءت مصلحة جديدة، فنتج عن سياسة الوفاق هذه ~~فتور عام في فكرة الاستقلال وتراخي مفاصل الوطنية الصحيحة، وانصرفت النفوس طبعا عن ~~التعلق بالخديو الذي كان ينسب كل تصرف سيئ للإنجليز إلى رضاه عنه وإقراره عليه، ~~وكان اللورد كرومر والجرائد الإنجليزية لا تدع فرصة تمر إلا انتهزتها للثناء على ~~الخديو وإطرائه بأبلغ الإطراء. # وقد بقيت سياسة الوفاق في مصر، وزادت وضوحا منذ فشلت معاهدة سنة 1887 لتحديد ~~شروط الجلاء، وكان للإنجليز في هذه السياسة الغنم وعلى مصر الغرم، للإنجليز فيها ~~السؤدد والمنفعة، وللمصريين فيها المذلة والخسارة، وانتهى عهدها الأول بوفاة الخديو ~~توفيق، وابتداء عهد سياسة الخلاف منذ تولية الخديو عباس حلمي الثاني على الأريكة ~~المصرية، ثم تجددت سياسة الوفاق ثانية في عهده عند تنصيب وزارة نوبار باشا سنة ~~1894، ولكن هذا الوفاق الأخير لم يكن بينه وبين الوفاق الحقيقي المبني على الثقة ~~والمنفعة المتبادلة إلا شبه من الطلاء الظاهري؛ لأنه كان مسببا على الاستسلام ~~للقوة، ثم لم يلبث أن توترت العلاقة بين سمو الأمير واللورد كرومر فانكشفت عن جفاء ~~مستحكم الحلقات، ثم تجددت سياسة الوفاق بعد مبارحة كرومر مصر وتعيين السير الدون ~~غورست مكانه، ms040 وكان من نتائج هذه السياسة أن تدخل المعتمد البريطاني لم يقل عما كان ~~عليه من قبل، بل ربما زاد وامتد إلى بعض المصالح الأهلية الصرفة. ~~(5) قانون المطبوعات # في سنة 1909 أرادت الحكومة بعث قانون المطبوعات الذي كان قد صدر إبان الثورة ~~العرابية، وهو قانون بالغ القسوة على حرية الرأي، فحملت أنا وزملائي الصحفيون، على ذلك ~~القانون حملة قوية، ولكننا لم نوفق؛ لأن بعض أعضاء مجلس شورى القوانين والجمعية ~~العمومية كانوا قد طلبوا شيئا من هذا فيما سبق، وعارض فيه اللورد كرومر، ثم لما أريد ~~إحياء هذا القانون وافق عليه الإنجليز ووافق عليه مجلس الشورى بالأغلبية مع الأسف، وفي ~~صيف ذلك العام سافرت إلى أوربا للاستشفاء، وعزمت على مقابلة «سير إدوارد جراي» وزير ~~الخارجية الإنجليزي لأشكو له تصرف الإنجليز في حرية الصحافة وأعطاني صديقي محمد محمود ~~باشا رحمه الله كتابا لأستاذه المستر سميث عميد كلية «بلبول» بأكسفورد ليقدمني لوزير ~~الخارجية البريطانية الذي كان تلميذا له، فلما سافرت إلى أكسفورد، وكان أخي سعيد وقتها ~~طالبا بها، قابلت المستر سميث فطلب مني أن أكتب مذكرة بما أريد، ثم نسافر في اليوم ~~التالي أنا وهو إلى لندره ليقدمني إلى «السير إدوارد جراي»، وفي اليوم التالي ذهبنا إلى ~~لندره، ثم إلى وزارة الخارجية، فاعتذر الوزير عن استقبالي بسبب مناورة بحرية، وأحالني ~~إلى وكيل الوزارة - وأظنه المستر ماليت - فقدمت له المذكرة، وبينت له وجوه الخطر على ~~الحرية من هذا القانون، فوعدني خيرا. ~~(6) مد امتياز قناة السويس # وفي نفس السنة - 1909 - أرادت شركة قناة السويس أن تمد امتيازها أربعين سنة جديدة ~~مقابل أربعة ملايين من الجنيهات تدفعها إلى الحكومة المصرية، وكان المستشار المالي يميل ~~للأخذ بهذه الفكرة، وكذلك «سير ألدون غورست» وبطرس غالي باشا، فتحدثت في ذلك إلى حسين ~~رشدي، وسعد زغلول باشا، فأحالاني على رئيس الوزارة بطرس باشا وعلى المستشار المالي ~~الإنجليزي، فذهبت إلى المستشار، واعترضت على المضي في هذا الموضوع، وطلبت منه عرضه على ~~الجمعية العمومية، وهي أكبر هيئة نيابية وقتئذ في البلاد، ولكنني لم ms041 أوفق لإجابة طلبي، ~~فتركته وذهبت إلى رئيس الوزارة في بيته بالفجالة، فاستقبلني بما كنت أعهده من لطف وأدب، ~~وحادثته في الأمر، وطلبت منه باسم حزب الأمة أن تعرض مسألة امتياز قناة السويس على ~~الجمعية العمومية، فأجابني بقوله: «يا لطفي أما تنزل من السحاب؛ لنكون معا على ~~الأرض؟!» # وأبى أن يقتنع برأيي، فتركته وسرت في حملتي على هذا الموضوع، وبعد ذلك أظن أن شركة ~~القناة اشترطت أخذ رأي الجمعية؛ لما رأت من هياج الرأي العام ضد هذا المشروع. فاستدعاني ~~بالتليفون لأحضر عنده في وزارة الخارجية ليلقي إلي حديثا صحفيا في مسألة القناة، ~~وعلى ظني أنه هو الحديث الوحيد الذي أخذته من وزير أو رئيس وزراء طول مدة اشتغالي ~~بالصحافة. # ولما دخلت على بطرس باشا، وجدت عنده فتحي زغلول باشا وكيل وزارة الحقانية، فبادرني ~~بطرس باشا قائلا: «هأنذا أجيب طلبكم وأحيل الأمر على الجمعية العمومية تقضي فيه بما ~~تشاء.» # وكانت الجريدة هي أول من نشر هذا الخبر، وقد عرض الموضوع على الجمعية، فقررت ~~رفضه. # بعد ذلك في سنة 1910، كنت في منزل صديقي علي شعراوي باشا، ومعنا فتحي زغلول باشا، ~~وإبراهيم الهلباوي بك، فدخل علينا بطرس باشا غالي بلا موعد سابق ولا استئذان؛ لأنه كان ~~صديقا لشعراوي باشا، فقال لنا: «علام تتآمرون؟» # فقال الهلباوي بك: «نتآمر على الحكومة؛ لأننا نريد إثارة البلاد لطلب ~~الدستور.» # فقال شعراوي باشا: «من أين جئت يا بطرس باشا؟» فأجاب: «كنت أتنزه ماشيا في الجزيرة.» ~~فلامه شعراوي باشا على أنه كان يسير بلا حرس، فقال بطرس: «قد يكون معك الحق؛ لأني تلقيت ~~منذ أيام كتبا يهددني فيها كاتبوها بالقتل!» # فقلت له: «يا باشا أظن أن الذي يريد أن يقتل لا يهدد!» # وقد أخطأت الظن لأنه رحمه الله قتل بعد ذلك بأيام، وكان لهذا الحادث رنة أسف بليغ، ~~وعلى الخصوص في البيئات المتعلمة. ~~(7) قضية الجريدة # قدمت أن الخديو عباس حلمي لم يكن راضيا عن شركة «الجريدة» ولا عن حزب الأمة، وأن ~~بطانته كانت تعارض «الجريدة» وتعمل لحل الشركة، وقد أفلحت ms042 هذه البطانة في إقناع بعض ~~الشركاء بالخروج على الشركة، وطلب حلها سنة 1910 ثم رفع هذا البعض دعوى أمام المحكمة ~~المختلطة طالبا هذا الحل، وقد دفعت مصاريف الدعوى - على ما علمت - من الخاصة الخديوية، ~~وأنعم على هؤلاء المدعين بالرتب، وكان المحامي الذي رفع الدعوى هو محامي الخاصة، فكتبت ~~مذكرة بكل هذه التصرفات وأعطيتها للأفوكاتو جرين المحامي عن الشركة. # وقد كان الأمير حسين كامل (السلطان حسين) رئيسا لمجلس شورى القوانين وقتذاك؛ فدعا ~~محمود باشا سليمان، وعلي شعراوي باشا ، وأنا، ولما استقر بنا الجلوس، قال الأمير حسين: ~~«أنا لا أفهم أنكم ترفعون دعوى على خديو البلاد!» # فقلت له: «يا أفندينا وأنا كذلك، ولكن سمو الخديو هو الذي رفع علينا الدعوى.» # وما كدت أسرد له أدلتي حتى دخل علينا بطرس غالي باشا رئيس الحكومة، واتفقنا في المجلس ~~على أن يطلب المدعون تأجيل الدعوى إلى أجل غير مسمى، وما زالت مؤجلة حتى الآن! ~~(8) محاضرات في «الجريدة» # وقد كانت صحيفة «الجريدة» عدا ما تقوم به من خدمة وطنية وسياسية تقوم برسالة ثقافية ~~بين الشباب المتعلم، فكان يؤم دارها كثير منهم للاستماع إلى محاضرات عدد من كبار ~~الأساتذة والمحامين المصريين، وقد اتفق وقتئذ أن ناظر مدرسة الحقوق الإنجليزي - وكان ~~أستاذ القانون المدني بها - لم يكن من الحاصلين على شهادة الليسانس بل سقط في امتحان ~~الليسانس في باريس، فأخذت «الجريدة» تطالب الحكومة أن تستبدل به غيره، فلم تجب إلى ~~طلبها، فدعوت المرحوم الأستاذ أحمد عبد اللطيف ليدرس القانون المدني للطلبة في دار ~~الجريدة، فقبل هذه الدعوة، وكان يؤم دروسه الكثيرون، ومن تلامذته كامل البنداري باشا، ~~وأحمد صديق باشا، وغيرهما. # وفي ذلك العام - عام 1910 - وضع حزب الأمة مشروعا للدستور، وفكر في أن يقدم للخديو ~~عريضة من أهالي البلاد بطلب الدستور، وقد حررت هذه العريضة، وأخذ الأهالي في إمضائها، ~~وهنا لا أنسى مكرمة للمرحوم حسن باشا رضوان، وكان وقتئذ مديرا للغربية؛ فقد قابلته في ~~وزارة الداخلية، وأسررت له الأمر، وطلبت إليه أن يغض الطرف عن هذا العمل الذي ms043 سنبتدئ به ~~في مديرية الغربية، فأجابني: «كلا، لن أغض الطرف، بل سأساعد على إمضاء العريضة من ~~الأهالي!» وقد وفي هذا المدير الوطني بوعده! # | هوامش # الفصل السابع # | أربعة رجال عرفتهم # حسن عاصم باشا # قبل أن تجمعني الصداقة بالمرحوم حسن عاصم باشا، جمعني العمل معه في النيابة العمومية، ~~وكان وقتئذ «أفوكاتو» عموميا، عرفته رئيسا، وعرفته صديقا، ثم عرفته مستشارا، ثم ~~سر تشريفاتي لسمو الخديو عباس حلمي الثاني، ثم رئيسا للديوان الخديوي، فما وجدت رجلا ~~أظهر ثباتا على المبادئ، وأقوى تمسكا بنهج الاستقامة من هذا الرجل، فمن عرفه عرف ~~خلقا صريحا لا يتلون، وسيرا قويما لا يعوج، ومبادئ راسخة لا تتغير، حتى لقد كان ~~يرميه بعضهم بالتطرف، وشدة التمسك بالحق، ويعدون ذلك عليه جفاء في الأخلاق، وما به ~~جفاء، ولكن الطاعة للمبدأ كالطاعة لقائد الجيش في ميدان القتال. # كان عاصم باشا رجلا أسمر اللون، قصير القامة، جذاب الطلعة، مقتصدا في حركاته عند ~~الحديث، جهوري الصوت يميل في لبسه دائما إلى السواد على طراز واحد، وقورا في ملبسه، ~~وقورا في مجلسه، لا يخرج إلا نادرا، قليل الضحك كثير التبسم، ويمتاز عن كثير من ~~أمثاله بأنه لا يغلو في إرضاء الناس بالقول، ولا يعد بعمل ما لا يريد. # وقد اشتغل رئيسا لنيابة الإسكندرية، ثم لنيابة طنطا، ثم مفتشا في لجنة المراقبة، ثم ~~عين أفوكاتو عموميا، وبقي منتدبا في لجنة المراقبة فلما طلب إليه مظلوم باشا ناظر ~~الحقانية وقتئذ والسير سكوت مستشارها، أن يباشر عمله الجديد رفض الاشتغال بوظيفة ~~الأفوكاتو متى كانت خلوا من العمل الجدي؛ لأن مسيو ~~لوجريل لم يكن يريد مشاركة غيره في العمل، فوعده الناظر والمستشار أن سيكون له عمل ~~معين، وأنه لن يبقى إلا بضعة أشهر، ثم يعين نائبا عموميا بدل المسيو جريل. # ولكن الحال قد تبدل، واتهم عاصم بأنه معاد للإنجليز، فأمر اللورد كرومر المستشار ~~السير سكوت بفصله من وظيفة الأفوكاتو العمومي، وكان سكوت من العدالة في الأخلاق بحيث ~~يعز عليه تنفيذ هذا الأمر في حق رجل، عرف هو والناس أجمعون ms044 مكانه من الفضل والعمل، ~~وموضعه من أصالة الرأي والاستقامة، فكان المستشار في مركز حرج بين تنفيذ أمر المعتمد ~~البريطاني ومعاملة عاصم بما يقتضيه العقل وتوجيه المصحلة من أن يرقيه، كما وعده، لا أن ~~يفصله من غير ذنب، فبقي الأمر بين البقاء والإقصاء، كل هذا وعاصم يعمل بغيرته المعروفة ~~وجده الزائد من غير أن يهتم بفصله أو ترقيته. # ومما يدل على ما كان له من علو في النفس، وقوة في الخلق أنه في هذه الفترة بين الفصل ~~وعدمه وضع مشروعا يقضي بنقل نحو خمسة وثلاثين كاتبا باليومية في محكمة الاستئناف التي ~~غصت بالكتبة إلى المحاكم الابتدائية التي كانت في أشد الحاجة إلى الموظفين، فدخل عليه ~~باشكاتب المحكمة بخطاب نقل هذا الجم الغفير، وقال له: «ما لك ولهذا العمل؟ والأمر بفصلك ~~تحت الختم.» فأجاب: إني لا أشتغل إلا للأمة، وما دمت في وظيفتي ولم يصدر أمر فصلي، فلا ~~مندوحة عن القيام بواجباتي. # بقي أمر الفصل تحت التقديم إلى مجلس النظار حتى وجدت وظيفة مستشار من الدرجة الثانية ~~في محكمة الاستئناف فعين فيها، ولم يلبث فيها طويلا، ثم عين سر تشريفاتي لسمو الخديو، ~~فوضع للتشريفات نظاما وقواعد، ثم رقي إلى وظيفة رئيس الديوان الخديوي، وما لبث أن ~~تغيرت ثقة سموه فيه من غير ذنب أتاه إلا حب محافظته على مبادئه وإخلاص النصح لسموه، ~~فقوبل على ذلك بالإبعاد والإحالة إلى المعاش، ثم تفرغ لأعمال الجمعية الخيرية الإسلامية ~~التي له من الفضل في إيجادها وبقائها القسط الكبير. # أما مذهبه السياسي، فكان رحمه الله يرى رأي حزب الأمة، ويعمل لنشر مبدئه، وهو ~~الاعتدال والدأب على أن تنال الأمة الاعتراف بشخصيتها لتنال الاستقلال التام. # مصطفى كامل باشا # لا أريد أن أطيل القول في مصطفى كامل، فحياته معروفة مشهورة، ولكني أقول ~~موجزا: # إن مصطفى كامل كان شعاره الوطنية، ووسيلته الوطنية، وغرضه الوطنية، وكلماته الوطنية، ~~وكتابته الوطنية، وحياته الوطنية، حتى لبسها ولبسته، فصار بينهما التلازم الذهني ~~والعرفي، فإذا ذكرت مصطفى كامل بخير، فإنما تطري الوطنية، وإذا قلت: الوطنية، فإن ms045 أول ~~ما يتمثل في خيالك شخص مصطفى كامل، كأنما هو والوطنية شيء واحد! # ولقد تمثل ذلك يوم وفاته في هذه المظاهرة التي لم نعرف لها في ذلك الزمان مثيلا؛ فقد ~~اشترك جميع أفراد الأمة في أمر واحد، على رأي واحد، بصورة واحدة مع اختلافهم فيما ~~عداه. # كل هذا دل على أن الشعور الذي قادهم ليس مذهبا سياسيا، ولا طريقة من طرائق ~~المنازعة السياسية، بل هو أعلى من ذلك؛ هو التضامن القومي، والجامعة الوطنية. # إن مصطفى كامل كان تمثال الوطنية، ولقد دعوت في اليوم التالي لوفاته على صفحات ~~الجريدة إلى إقامة تمثال له يشهد بالاعتداد بفضله في عمله، وتخليدا لذكره، واعترافا ~~من الأمة لكل عامل يقف نفسه على خدمتها، وتجسد لهذه الروح الطاهرة. # وقد شاعت هذه الفكرة بين جميع الطبقات، وفتحنا الاكتتاب على صفحات «الجريدة» وتكلفنا ~~بالقيام بهذا العمل، ولو أننا لم نكن من حزبه السياسي؛ لأن مصطفى كان مصريا لجميع ~~المصريين. # قاسم أمين بك # كان قاسم أمين من أصل كردي؛ لأن جده أمير من أمراء الأكراد، أخذ ابنه رهينة في ~~الأستانة لخلاف كان بين الأكراد وبين الدولة العثمانية، وكان ذلك الرهينة هو المرحوم ~~أمين بك والد قاسم بك، فجيء به إلى مصر في زمن إسماعيل باشا، ودخل في الجيش المصري، حتى ~~رقي إلى رتبة أميرالاي، وتزوج بكريمة المرحوم أحمد بك خطاب فكان أكبر أولاده ~~قاسم. # ربي قاسم بك التربية المعتادة لأمثاله في مدارس الحكومة، وكان ممتازا دائما بجده ~~وحدة ذهنه وقوة ذكائه، فلما أتم دراسته بمصر أرسل في بعثة إلى فرنسا، فأتم دروس الحقوق ~~ودخل خدمة الحكومة في سنة 1885 وكيلا للنائب العمومي في محكمة مصر المختلطة، ثم لم ~~يبق بها غير عامين حتى عين مندوبا بقلم قضايا الحكومة بنظارة المالية، ثم عين بعد ~~أشهر رئيسا لنيابة بني سويف، ثم لنيابة طنطا ثم نائب قاض، فمستشارا في ~~الاستئناف. # من يلم بهذا التاريخ المختصر لحياة قاسم، يجده تاريخا عاديا غير مملوء بالعواصف ~~التي تلازم عادة حياة كبار الرجال، فيستفيدون منها قوة ms046 وشجاعة، ويتعلمون من تجاربها ما ~~يجعلهم يفوقون غيرهم في سلامة الحكم على الحوادث، ولكن على الرغم من ذلك، كانت نفسه ~~بطبيعتها مستعدة لأن تتعلم وتكمل من الملاحظة الذاتية والتجارب، فإن قاسم قال: # أقل مراتب العلم ما تعلمه الإنسان من الكتب والأساتذة، وأعظمها ما تعلمه من ~~تجاربه الشخصية في الأشياء والناس. # كان قاسم بك اجتماعيا لا كبقية الاجتماعيين الذين يجعلون أدمغتهم محافظ لآراء ~~الغير، فإذا حضرتهم المناقشة، أو دعتهم الكتابة إلى موضوع اجتماعي، أخذوا يسردون عليك ~~محفوظاتهم من المؤلفين السابقين من غير أن يكون لعقلهم في الموضوع نصيب من الرأي، لا، ~~لم يكن كذلك أبدا، بل كان مفكرا بالأصالة، نقادا لا يستغني عن أفكار الغير، ولكنه لا ~~يعتنقها إلا إذا اعتقدها، وصارت له بما قام في نفسه من الأدلة اليقينية. # بحث قاسم أمين في المسائل الاجتماعية على العموم، فكان رأيه فيها أنها خاضعة دائما ~~للقوانين الطبيعية، قوانين التحليل والتركيب، والنمو التدريجي، والانتقال. # وبحث في المسألة الاجتماعية لمصر على الخصوص، فوجد أن حلها متوقف على نظام العائلة ~~المصرية، ووجد أن المرأة هي الأساس الأول لبناء العائلة، فأخذ يفكر كيف يرقي المرأة ~~المصرية، وأطال في ذلك التفكير، وأخذ يجمع قوته وعدته ليفك هذا الإنسان الضعيف من سلاسل ~~الأسر التي قيدته بها العادة، وليهدم هذا السجن العميق الذي حبس الاستبداد في غيابته ~~عقول نصف المصريين، وحجب ذلك الضوء الساطع، ضوء روح السيدة المصرية، عن أن ينتشر بين ~~سمائها الصافية وأرضها المخصبة انتشارا يضيء للرجال طريق السعادة المنزلية، ويوصلهم من ~~غير عناء إلى ذروة المجد والاستقلال. # أجل، ليفك أسر المرأة التي أوقعوها فيه باسم الدين، وما هو من الدين في شيء، فالدين ~~أسمى مما يظنون، فكتب كتاب «تحرير المرأة»، ثم قفاه بكتاب «المرأة الجديدة»، كتبهما فهد ~~ركن سجنها، وأضاء لها ظلمات الحياة المنزلية والزوجية، وجعلها تحس أنها أم الرجل لها ~~احترامه، وأخته لها عطفه وحنانه، وزوجه لها منه محبة لذاتها واعتباره لمركزها، كما هدى ~~إلى ذلك الدين القيم، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. # كتب فأجاد، ms047 ولم يخش منتقدا ولا لائما، ولم ينزله خوف الانتقاد عن فكرة من أفكاره ~~ولا لفظ من ألفاظه؛ ذلك لأنه يعتقد اعتقادا كاملا بصحة ما كتب، ويغريه الانتقاد في حب ~~البلاد بألا يعبأ بالانتقاص الذي وجه لشخصه، بل صيره متينا في رأيه ومكينا في اعتقاده ~~مجاهرا به في كل يوم حتى ساعة وفاته. # أخذ قاسم على عاتقه حمل هذا العبء الثقيل، عبء السعي بالمرأة المصرية إلى نظام ~~العائلة، وبنظام العائلة إلى الرقي الاجتماعي المنشود، وبهذا الأخير إلى استقلال ~~البلاد. # وقد كان يربأ بنفسه عن أن يكون حاله كحال أولئك الأذكياء المجازفين الذين إذا ضم ~~أحدهم مجلس طرحت فيه فكرة أو مناقشة، انحدر انحدار السيل يفيض في القول صوابا أو خطأ ~~من غير تدبر كأن معانيه وألفاظه لا قيمة لها في نظره يجود بها إسرافا وتبذيرا، فأما ~~قاسم، فإن كل من عرفه أو سمعه يتكلم أول ما يخطر في باله أنه لم ينطق إلا عن روية وفكرة ~~طويلة سابقة؛ شأن الرجل المتحرج في ذمته لا ينشر بين الناس إلا ما قام له الدليل الواضح ~~على صحته. # وإن الذي يدرك معاني قاسم أمين، أو أغراضه، وتوجهه بكليته إلى العلم والفكر، ربما يظن ~~أنه ككثير من العلماء والمفكرين فاتر الطبع، ساكن الأعصاب، كلا، لم يكن كذلك، بل كان ~~ملتهبا في الدفاع عن دينه ووطنه، بل إن بينه وبين الباقين بونا بعيدا؛ فإنهم إذا ~~حضرتهم هذه الوطنية انفعلوا، ولكنه إذا جاءته هو انفعل، وانفجر انفعاله على قلمه ~~ولسانه. # كتب «الدوق داركو» كتابا هجا فيه المصريين وأنحى على دينهم، وسفه أحلامهم وقبح ~~عاداتهم وأخلاقهم، فانبرى له قاسم، ووضع كتابا باللغة الفرنسية مكينا في معناه، ~~ساحرا في أسلوبه، قويا في تركيبه، دفع فيه عن الدين الإسلامي التهم التي هو براء ~~منها، وقارن بين حال المسلمة وحقوقها في الإسلام وبين حال المرأة الأوربية المتمدنة، ~~فكان لهذا الكتاب صدى في عالم الكتابة الأوربية. # وقابلت قاسم أمين بعد وفاة المرحوم مصطفى كامل باشا فقال: «ما أنت وهذه الحركة ~~القائمة؟» قلت: ms048 «على ما قد قرأت.» قال: «إنهم يقولون إنك بالغت في وصف الروح الوطنية، ~~وإنك تعلق عليها آمالا، وقد لا تكون صادقة.» قلت: «والله ما اخترعت، ولا بالغت فيما ~~كتبت، ولكني رأيت رأي العين شعور التضامن يتجلى أمامي على رءوس الناس في الشوارع ~~والطرقات، فما فعلت شيئا أكثر من أني أرسلت الألفاظ لتلبس هذا المعنى الطاهر وسطرتها ~~على صفحات «الجريدة»، وهل أنت تقول: إني بالغت مع القائلين؟» # فانبرى يقول: «إني أتهمك بالتقصير في وصف هذه الحال الشريفة، ولو كنت أخفف عليك في ~~الحكم، لقلت: إنك في نظري أميل إلى التقصير في هذا الموضوع منك إلى الغلو والإغراق، إن ~~هذا الشعور الوطني الشريف، هذا المولود الحديث الولادة الذي خرج من دم الأمة وأعصابها، ~~هذا هو الرجاء في المستقبل، هذا هو الذي يجب عليكم جميعا أن تباركوا عليه وتتعهدوه حتى ~~يصير شابا، هناك تنالون الاستقلال.» # أحمد عرابي باشا # في سنة 1911 توفي أحمد عرابي باشا قائد الثورة العرابية التي نشبت سنة 1882، أيام كنت ~~صبيا في العاشرة من عمري، ولما كان - غفر الله له - من نوابغ المصريين وقد لعب دورا ~~مهما في تاريخ مصر، أود أن أسجل رأيي فيه في هذه المذكرات: # لقد كان مستقبل مصر طوع يدي هذا الرجل، إن أصاب الفكرة، وحزم الرأي، وأتقن العمل، ~~جعله مستقبلا سعيدا، وإن عجل ولم يتدبر وانقاد لشهواته أو شهوات زملائه وقعت مصر في ~~التعاسة، ومن نحس الطالع أن الذي جرى هو آخر الفرضين! # لعرابي حسنات قبل الثورة، له حسنة رضيت عنها الأمة وفرحت بها، رضيها الخديو توفيق ~~باشا، وسار عليها العمل، تلك الحسنة الكبرى هي الدستور؛ فالدستور المصري من عمله، ومن ~~صنع يده، ومن آثار جرأته، طلبه عرابي، لا بوصف أنه عسكري ثائر، ولكن بوصف أنه وكيل ~~وكلته الأمة في ذلك، فإن عريضة طلب الدستور كانت ممضاة من وجهاء الأمة ومشايخها، فأما ~~كون القوة العسكرية هي التي كانت الآلة لتنفيذ إرادة الأمة في ميدان عابدين، فذلك - إن ~~لم يكن مشروعا قانونا - فإنه مشروع بتقاليد الأمم؛ ms049 لأنه هكذا جرى في كثير من البلاد، ~~وكان القائد للحركة الدستورية في كل بلد يحمل على الأكتاف، ويهتف باسمه في الشوارع ~~والنوادي والمجالس، فعرابي حقق آمال الأمة بالدستور، ولم يرتكب في ذلك جريمة، ولم يسفك ~~دما، بل كانت الحركة في حقيقتها سلاما لابسا كسوة عسكرية. # لا يجوز لنا أن نغمط حق الرجل في إنالتنا الدستور، بل يجب علينا أن نردد له ثناء ~~آبائنا يوم صدر قانون الانتخاب، وقانون مجلس النواب، فإن كانوا بعد ذلك لم يستطيعوا حفظ ~~مراكزهم، أو إذا كانت إنجلترا أغلقت المجلس، وألغت قانونه يوم دخولها؛ فذلك ليس من خطأ ~~عرابي المباشر، ومع ذلك إذا كان في أخريات الأمر أو في عهد الثورة لم يحترم استقلال ~~المجلس، وضغط عليه بقوة السيف، فذلك عمل آخر يحسب عليه بعد أن يحسب له كسب ~~الدستور. # لعرابي سيئات بعد ذلك، فيما يتعلق بخروجه على خديو هادئ من غير مصلحة عامة للأمة، وفي ~~عدم تقديره حالة أمته من القوة والضعف تقديرا صحيحا، وفي الجهل بالمقارنة بين قوته ~~الحربية وقوة إنجلترا، وفي الانخداع ببعض المهيجين الإنجليز، وبكلمات بعض نوابهم ~~الأحرار. ~~••• # عرابي له حسنة كبرى، وسيئة كبرى، حسنة عمدية، ومعظم سيئته خطأ وجهل، فأما الخيانة، ~~فذلك أمر لا نعرفه في زعمائنا المصريين المحسنين والمسيئين على السواء، وكان من شأن هذه ~~السيئة التي عوقب عليها أن تأكل الحسنة الأولى التي أسداها، وهي الدستور، فيصبح بعد ذلك ~~على الأقل إنسانا لا له ولا عليه كبقية خلق الله، ولكن كان الأمر على غير ذلك، فإن ~~الرجل عاش في منفاه مذموما عند قومه، فلما جاء من منفاه، وهو شيخ أشيب، لم يحترم له ~~شيء من حسن نيته، ولم يحفظ له شيء من تاريخه الطيب، بل اتهم ضميره بالخيانة! ولا يعلم ~~الضمائر إلا الله. # الرجل ما قابلته أبدا ولا جالسته مطلقا، ولكني أظن أن سوء مقابلته من أصحابه ~~ومواطنيه غيرت قلبه، وحطت من همته، فأخذ يدافع عن نفسه بعض الأحيان دفاعا أقل تناسبا ~~مع اسمه وملكاته، ولا ينطبق على قائد ms050 كبير مثله قابله الدهر باليد العسراء، وجعل الفشل ~~قيدا لجهاده في خدمة بلاده. # لا أنكر أن عرابيا أساء إلى وطنه وأمته، ولكن يجب أن أسارع بأنه أساء غير قاصد ~~إساءته، أساء من حيث أراد أن يحسن، وأضر من حيث أراد أن ينفع، فله ثواب النية، وعليه ~~مسئولية النتيجة. # نعم عليه مسئولية النتيجة، ولكن ما أظنه منفردا بها؛ لأن الحكومة يجب أن تتحمل منها ~~نصيبا أيضا، ومجلس النواب يجب أن يتحمل منها نصيبا، كل على قدره، بل أعيان البلاد ~~وتجارها يجب عليهم أن يتحملوا من المسئولية شيئا. # يقولون: إن عرابيا أخافهم بحد السيف! والواقع أننا ما سمعنا أن رجلا واحدا قتله ~~العرابيون؛ لأنه تنبأ بسوء العاقبة، وأنذر وحذر، ووقف لهم في طريق الثورة موقف الخصم ~~الألد، فعرابي لا يصح أن يكون وحده هو المسئول عن جميع الأعمال التي كونت الثورة، وأدت ~~إلى هذه النتيجة السوداء ... # الفصل الثامن # | رحلتي إلى أوربا وإلى المدينة المنورة # (1) فوائد السفر # في السفر ما يملأ العقل راحة، والنفس رضا، ويفرج عن القلب هما، وما أكثر هموم ~~المصري، وكيف يرتاح ويسري عنه الهم والنظام الاجتماعي مختل، والأمة تشقى بأمراضها ~~الثلاثة: الفقر، والجهل، والمرض، ومصر ما زالت محتلة بالأجنبي، والحكم غير ~~مستقر؟! # في السفر ما ذكرت من الرضا، ولكن فيه أيضا ما يميت القلب، ويشغل الفهم إذا قارن ~~المصري بين ما كان يراه في بلده من فشل الأمة في حقها، وبين ما يراه في غير مصر من ~~ديمقراطية صحيحة كاملة، فيها الفرد يساوي الفرد حقيقة، ولا فضل لأحد على أحد إلا بمقدار ~~نفعه لقومه، وليس لأحد من السلطة إلا ما أرادت الأمة أن تعطيه لا هبة ولا مكافأة، بل ~~واجبا وفرضا يحاسب عليه حسابا عسيرا. # في السفر ما رويت في الحالين، وكذلك في الحياة، لا شيء إلا يدور بين النفع والضرر، ~~ولا حال بين النعيم والشفاء. # ليس علي أن أدخل للقارئ من باب الشعراء، فأتكلف له وصف السماء وما تفعل الريح في ~~وجه الماء، ولكن علي أن أنقل له ms051 الوقائع في رحلتي إلى باريس سنة 1909 كما رأيتها منذ ~~نحو ثلاثة وخمسين عاما. # في البحر كما في البر الناس هم الناس، لا ينزلون عن شيء من طبائعهم الأصلية، ولا ما ~~صار لهم بحكم العادة والتقاليد، فإذا جاء الغروب نزلوا جميعا كل إلى مخدعه؛ ليمضي ~~وقتا غير قليل في تنظيف وجهه وما علاه من غبار، وفرق شعره، ثم لبس السواد المعروف ~~«بالإسموكن» للرجال، وتلبس النساء خير ما لديهن، وخيره واسع الطوق، وليس هذا عندي ~~بمنتقد في ذاته، فما كانت النظافة إثما ، ولا التجميل عيبا، ولكني أرى بوجه عام أن ~~فكرة الزينة تأخذ من الناس مأخذها حتى لقد يفضلها المرء على راحته، ويغلو في المحافظة ~~عليها حتى لقد أصبحت من حاجاته، وما هي منها في شيء، ولكن الغلو في الزينة، وإرضاء شهوة ~~التجمل بالعريض تجعل للإنسان حاجيا ما ليس بحاجي، فتزيد في مقدار أسره، وتقوي حلقات ~~القيود والعادات التي يربط بها نفسه في هذه الحياة. # حكم العادة # اختلف منا اثنان قال أحدهما: «إن العادة القومية هي جزء مهم من مقومات الفرد من ~~حيث كونه فردا في أمة معينة، فالتنازل عن العادة هو تنازل عن إحدى المقومات، وليس ~~من عادتنا أن نلبس ملابس خاصة للعشاء، فما أنا بمغير ملابسي.» # قال الآخر: «إنا بين قوم نعيش فيهم الآن، فمن اللياقة أن نشاكلهم فيما يصنعون ~~بما لا يذهب بالمروءة أو تحرمه العادات الشرقية، ولو أن لنا شركات ملاحة مصرية تنقل ~~الناس من قارة إلى قارة والتزمنا فيها عاداتنا لاتبعها الذين يركبون ~~مراكبنا.» # على ذلك كانت أغلبيتنا - نحن المصريين - تتراوح في العمل بين هذا الرأي وهذا ~~الرأي، أعجبني هذا التسامح من الفريقين إلا أن المبادئ التي يطرقها لنا العلماء ~~والكتاب كل يوم؛ لتكون لنا أصلا للسلوك في هذه الحياة، قل أن تخلو من خطأ، بل من ~~النادر جدا أن تخلو قاعدة عامة من الاستثناء والتخصيص، صدق الإمام الشافعي إذ ~~يقول: «ما من عام إلا وخصص، حتى هذه القاعدة!» # وإني أسوق هذا الحديث لبيان ما استطرد ms052 إليه بحث المتناظرين من الأسف على فقدان ما ~~كان لمصر من بحارة وبحرية لو كانت دامت وتبعت الرقي الزمني لولدت كفاءات بحرية تكون ~~مصدرا لتأسيس شركات الملاحة والنقل. # وصلنا إلى «مرسيليا»، فإذا هي هادئة على ما فيها من الاعتصاب الذي يدعو إلى ~~الأسف؛ لما يسببه من الخسائر، ولكنه من جهة يدعو إلى الإعجاب بقوة التضامن بين عمال ~~البحر، وتضافرهم على الوصول إلى حقهم مهما مسهم من جراء الاعتصاب من الفقر ~~والعذاب. # وبعد ذلك وصلنا إلى مدينة «ليون» مهد الجد والعمل، وموطن الحرير وكثير من صنوف ~~المصنوعات الفرنسية، وأهم ما لفت نظري في هذه المدينة هذه المرة ملاحظة بسيطة جدا ~~أجعلها أساسا للمقابلة بين ما تعمل حكومة الأمة، وما تعمل حكومة الفرد: # هذه المدينة العظيمة تخللها جنات كثيرة في معظم ميادينها، بعضها صغير، وإن كان ~~وارف الظل، نافعا جدا ليكون ملعبا للأطفال آخر النهار، وبعضها كبير جدا ~~«كالروضة الكبرى»، دخلت في كثير من هذه الرياض الجميلة التي يظهر من تخطيطها ~~وتقسيمها أنه ينفق لحفظها مبالغ طائلة، فما رأيت على أبوابها بوابا يعترضني، ~~فيطالبني بدفع رسم كما كان يقف بواب الأزبكية يطالب الصغير والكبير والغني والفقير ~~بدفع رسم معلوم! إن حكومتنا غنية عن جمع رسم ضئيل، مثل هذا الرسم لا ينفعها، ولكنه ~~يضر الفقراء، وهم الأغلبية العظمى من الشعب، الذين يحتاجون إلى التمتع بالحدائق ~~التي أنشئت من أموال الشعب. ~~(2) ما كل باريس لهو # وصلت إلى باريس، وفي هذه المدينة كثير من الأشياء غير أسباب اللهو، ودواعي الطرب، ~~وميادين اللعب، ولكن بعض كتاب الشرق قد اعتادوا أن يصفوا ما ظهر لأعينهم لأول وهلة في ~~شوارع الزينة دون ما بطن في جوف المصانع الكبيرة والصغيرة من المخترعات، وما امتلأت به ~~معاهد العلم من التقريرات والبحوث في العلوم والفنون، فما كل باريس لهو، ولا عيب عليها ~~فيما به يرمونها، ولكن العيب على من يكتفي من النظر إلى الأشياء بلمحة، وفي الحكم عليها ~~بمسحة من الظاهر. # كذلك كان يصنع بعض كتابنا، وكذلك كان يطبق أغلب كتاب ms053 الغرب علينا الحكم بالظواهر، وقد ~~يكون ذلك بغلو وببعد عن حدود المعقول، ويقرب سياحاتهم من قصص ألف ليلة وليلة؛ يتفق ~~لأحدهم أن يرى جماعة يصلون على النبي، فينقل عن مصر أن معبودها «محمد بن عبد ~~الله»! ~~••• # لا يظنني القارئ أنني قد وقعت من المبالغة فيما أحذر منه، ولكن بين يدي كتاب من صديق ~~فرنسي جاء فيه أنه قابل إنكليزيا على ظهر الباخرة، انتقل بهما الحديث من موضوع إلى ~~موضوع حتى وصل العرب، قال الإنكليزي وأكد تأكيد ذي الرابطة بين قومه وبين العرب: «إن ~~العرب يعبدون الشمس!» # واستدل على ذلك بأنهم يصلون لها عند الشروق وعند الغروب! # وزارتني في باريس سيدة تشتغل بتحضير محاضرة عن وصف مصر، ومن جملة ما أشكل عليها من ~~المسائل الاجتماعية بل المسائل المتعلقة بتحديد مركز مصر السياسي، هو: كيف أن النساء ~~المصريات محجوبات عن الرجال غير المحارم، ومع ذلك فإنهن غير محجوبات عن الخدم والأتباع ~~الذين هم بالضرورة أجانب عنهن؟! واستنتجت فكرتها هذه من كونها رأت في أبواب البيوت ~~المصرية وأفنيتها رجالا يروحون ويغدون، ولما لم تكن تدخل إلى باطن البيوت لتعرف أن ~~هناك «حرملكا» خدمه نساء، و«سلاملكا» خدمه رجال؛ فقد حكمت حكمها على ~~الظاهر. # انظر كيف كان يجني الظاهر على أمانة النقل وعلى الناس في الحكم، لا أنكر أن السائح من ~~مشارق الأرض أو مغاربها إذا سألته عن قصده وكان من أهل اللهو أجابك أنه يقصد باريس، ~~ولكني لا أنكر أيضا أن السائح يأتي من اليابان والصين وغيرهما ليتتلمذ على أساتذة ~~باريس، ويعرف منهم أسرار الحكمة وقواعد الحق والواجب وسبيل الاقتصاد. # أجل إن باريس تؤخذ عنها مودة الأزياء، ولكنها تؤخذ عنها أيضا أسعار البورصة في جميع ~~أنحاء العالم، وإذا كانت الأولمب، والمولان روج وما بينهما من محلات اللهو، فإنها مدينة ~~السوربون والكليات، ومدينة التجارة والصناعات. # ولئن اشتهرت بجمال النساء وتبرجهن؛ فقد اشتهرت أيضا بكاتباتها الفضليات، ولا يغرنك ~~خفة روح الباريسي وميله إلى النكات والمزاح؛ فإن في نفسه ذكاء يتأجج لتحصيل العلم ~~والنبوغ فيه. # ولا يدلك ms054 على ذلك أكثر من أن باريس تملك شهرتها هذه من مئات من السنين، فلم يتقلص ~~مجدها، ولم تسبقها غيرها من المدائن إلى صفتها الجامعة بين دواعي الجد ودواعي ~~الهزل! ~~••• # وقد زرت باريس في سنة 1896 و97 و1906 وفي غير هذه المرات، ويهمني أن أشير هنا أنني ~~كنت في أول مرة زرت فيها هذه المدينة أختلط بطلبتنا المصريين وأناقشهم وأتحرى معلوماتهم ~~وأتسمع على حالة أخلاقهم وسلوكهم الشخصي من مخالطيهم، وأشهد أني وجدتهم هذه المرة أكثر ~~إقبالا على العلم وأشد اقتناعا بالمسئولية التي يحملونها أمام ضمائرهم وأهليهم ~~وأمتهم. # آنست منهم أنهم يعلمون جيدا أنهم ما جاءوا باريس إلا لينقلوا العلم إلى القاهرة، وما ~~تغربوا عن أوطانهم إلا ليشرفوها ويجعلوها قوية محترمة، لمحت في وجوههم آمالا كبارا من ~~حيث نشر العلم في مصر وزرع المبادئ العالية في بقاعها الخصبة، وأقل همومهم فيما يحاولون ~~المسألة السياسية، لذلك عجبت من مقدار جهل حكامنا في ذلك الزمان بسير هؤلاء الطلبة ~~الراشدين، وكيف كانوا يظنون أن طلب العلم بباريس بركان الهياج والقلاقل، وما هو إلا خير ~~ونور وسلام! ~~(3) الإنجليز في بلادهم # سافرت إلى لندرة وأنا لا أعرف من الإنجليزية ما يكفي لاستبقاء أبسط الأحاديث موضوعا، ~~ولكني مع ذلك كنت معتمدا على أن اللغة الفرنسية معروفة هناك في كثير من الطبقات؛ ~~خصوصا طبقة الكتاب والطبقة التي لا غنى للسائح عن محادثتها، فإن أمثالهم في الفنادق ~~الكبرى يتكلمون لغتين أو ثلاثا؛ إحداها الفرنسية، وكان يذهب عني الحيرة بعد ذلك أن لي ~~في لندرة وغيرها من المدن الإنجليزية أصدقاء من المصريين. # فلما كنا في كاليه الميناء الفرنسية انقلبت الحال فجأة حتى إن الحالمين الفرنسيين ~~أخذوا يخاطبوننا باللغة الإنجليزية، وكانت الفرنسية قد غسلت من الوجود على شاطئ المانش، ~~فشق ذلك على رجل فرنسي كان معي في العربة، وقد قال للحمال الذي بادرنا بالإنجليزية: ~~«نحن نعرف من الفرنسية ما يكفينا للحديث عند الضرورة!» قالها ساخرا معنفا هذا الحمال ~~الذي يعدل عن لغته لغير ضرورة، فانقلب الحمال بفضل هذه الجملة فرنسيا يفهمنا ~~ونفهمه! ms055 # وقد ذكرني ذلك ببعض المصريين الذين يتكلمون الفرنسية أو الإنجليزية بينهم في بلادهم ~~وما هم بذلك بمحتقري لغتهم، ولكنهم يتراطنون باللغة الأجنبية حتى يظنهم سامعهم أنهم ~~قليلو الاعتداد بلغتهم وقوميتهم. # أنانية الإنجليز # فرغنا من الحمال بهذه الملاحظة، ودخلنا السفينة التي تجوز بنا المانش إلى دوفر، ~~فأذكر أنني رأيت في الركب رجلا هنديا يجتنب الناس، ويقترب مني، وكان كلانا يشعر ~~بجاذبية نحو الآخر، ولم يكن في المركب من اللون الأسمر سوانا، وكفى بالتقارب في ~~اللون، وبالشرقية جامعا بيننا نحن الاثنين، وكانت حادثة الشاب الهندي «دنجرا» الذي ~~قتل السير كورزون في لندرة جديدة العهد وقتذاك، فوقع في نفسي أني سأشارك جاري ~~الهندي في استقبال النظر الشزر من الإنجليز الذين اشتهروا في العالم بأنانيتهم حتى ~~اضطر حكيمهم «هوبز» إلى أن يقول: إن أصل الخير والشر في هذا العالم هو حب الذات، ~~وإنه هو أساس علم الأخلاق عنده، كما اشتهروا بالتضامن الشديد وحبهم لكبار رجالهم ~~مثل السير كورزون القتيل. # عولت على ألا أبعد عن جاري الهندي وقلت في نفسي: «إن عادة المصري أن يكون ضحية ~~لغيره، وما كانت بلادنا أيضا إلا ضحية يضحى بها على مصالحة القوي!» للإنجليز مصلحة ~~في أقرب طريق إلى الهند، فماذا جنت مصر حتى تكون هي الضحية لتلك المصلحة؛ فقد قال ~~أحد ساستهم يوم فتح قناة السويس: «الآن لزم احتلال مصر.» # وقد كان ... وعلى هذا القياس كان أمر بلادنا الجميلة الخصبة في التاريخ القديم، لما ~~ذكرت ذلك أني من قوم هم ضحايا الكرم والصبر، توقعت أن يضايقني الإنجليز بصفتي ~~هنديا مع صاحبي الهندي، ولكن لم يكن مما توقعت شيء، فلم أر أحدا بان عليه أثر ~~لما قد ظننت من تأففهم لرؤية الهندي، فأكبرت أخلاقهم، غير أني لما خرجت بعد ذلك إلى ~~البر، وكان يوم المرافعة في قضية الهندي صرت أسمع نقلا عن المجالس صحة ما كنت أظن، ~~فإن الهنود كانوا مضايقين من البوليس السري، وإن كثيرا من الإنجليز كانوا يكررون ~~ما قاله بعض كبرائهم أن طرائق التربية الغربية - تربية الحرية ms056 والعلم - مفسدة ~~للشرقيين، وأنه لا بد لصلاحهم (يعنون بالصلاح: رضاهم عن حكم الغربي فيهم وتسلطة على ~~بلادهم) تركهم على ما هم عليه، فإن ذلك خير طريق لسعادتهم أو (دوام استعمار ~~الأوربيين لبلادهم). # أمة صنعت مجدها # وجست خلال إنجلترا، وكان أطول ما قطعت مسافة من لندرة إلى ليفربول، يمر القطار ~~فيها بقرى ومدائن لا يدل منظرها على حب الشذوذ، ولا على الابتكار الذي أخذ من فكرة ~~الأوربيين مأخذا عظيما حتى صار مقياسا لشخصية الفرد وعلامة على النبوغ، فإن ~~الكاتب الذي لا يولد لغته أسلوبا جديدا لا يعد كاتبا، وكذلك الشاعر الذي لا يأخذ ~~خياله من الطبيعة أفكارا حديثة ومقاصد أبكارا لا يعد شاعرا عاديا، كذلك لا ~~يلفت النظر إلى شيء إلا غرابته وجدته، ولكن على الرغم من ذلك رأيت المدن والقرى ~~الإنجليزية وقتئذ متشابهة جدا في تخطيط الشوارع وارتفاع الأبنية وألوانها حتى كان ~~يخيل للرائي أنها بنيت على فكرة المحافظة، أو في حكومة المحافظين، على أن الفرد ~~الإنجليزي في فكره وعمله مبتكر طبعا أو كما يسميه أوربيو القارة ~~«أوريجينال». # مر بنا القطار بغير المدائن، مر بحقول جميلة فسيحة قليلة الغلة معظمها كلأ ترعاه ~~الأنعام، والقليل مزروع حنطة، والأقل منه مزروع خضرا وفواكه، فخطر في نفسي لمشهد ~~هذه الأرض القليلة الغلة كيف أن الإنجليز بهذه الأرض أغنياء؟ # خطر لي هذا الخاطر السريع غير الناضج؛ لأني فلاح من قوم كل ثروتهم مما تنبت ~~الأرض، ولم ألبث أن لحظت موارد الثروة الإنجليزية الطائلة من الصناعة التي كنا - ~~نحن المصريين - نحتقرها بعض الشيء، والتجارة التي كنا نأباها بعض الشيء؛ بسمت لهذا ~~الخاطر، وذكرت ذلك المثري المصري الذي كان لا يجلس إليه أحد إلا سأله: كم فدانا ~~يملك؟ أو كم فدانا من القطن يزرع هذا العام؟ وأمثال ذلك مما يشف عن فكرته في أن ~~قيمة الرجل في ثروته، وأن كل الثروة هو ما يملك من الأرض وما يزرع فيها من القطن، ~~فلقد كان مثلي مثل ذلك المثري المصري، وذهلت عن حقيقة اجتماعية من أكبر الحقائق؛ ~~وهي: ms057 أن غنى الأمة وسعادتها ليسا في خصب أرضها ولا في صفاء جوها، واعتدال منطقتها، ~~وليس بضخامة مدائنها، بل بمقدار عدد المهذبين من أبنائها، فهم الذين يبنون مجدها، ~~وهم الذين يخلقون غناها، نعم إذا أعوزتها خصوبة الأرض خلقوا لأمتهم بعقولهم وعلمهم ~~من الصناعة والتجارة والاعتماد على الذات والمخاطرة في سبيل المنفعة ثروة تفوق ~~الثروة الزراعية أضعافا ومجدا طارفا لا يطاوله المجد التليد. # تمثال نلسون # دخلت لندرة، وأول ما يلفت النظر فيها تمثال نلسون؛ تمثال أقيم على قاعدة عالية ~~جدا على غير المألوف بحيث لا يطاوله في مكانه الرفيع تمثال أمير من الأمراء أو ~~ملك من الملوك، فإن رءوس أولئك مهما علت لا تطول ربع القاعدة التي يقف عليها نلسون ~~بقدميه، أجل إنه كان في الحياة رجلا عاليا، فأعلى قومه مكانته في الممات على كل ~~من عداه. # كذلك يجل الإنجليز رجالهم ما دامت أعمالهم تشرفهم وترفع أقدارهم على أقدار الذين ~~نالوا الشرف بمجرد الميلاد. # لا يغشى السائح مجلسا من مجالس السمر في الأدب إلا ترى الإنجليز يتحدثون عن ~~شاعرهم شكسبير بلسان الفخر، والإجلال والاحترام؛ ترى تمثاله في المتاحف، وتسمع ذكره ~~في الأندية، وتشهد رواياته على المسارح، ولم يمنعه أنه كان ممثلا من أن يكون في ~~قلوب الإنجليز أعلى مكانة من ملوكهم الأولين. # هايدبارك والأزبكية # في أبناء الإنجليز عادات تأصلت في نفوسهم، وصارت لهم أخلاقا، أزعم أنها هي وحدها ~~السبب في قوتهم؛ تلك القومة المستفادة من جدهم في العمل وتقديسهم لمعنى الواجب، ومن ~~أخص ما لاحظت من تلك الصفات حرية القول والاستماع لكل قائل من غير أن يصادر أحد ~~حريته، من ذلك أني رأيت خطباء كثيرين يخطبون في حديقة «هايدبارك» بعضهم واقف على ~~الأرض، وبعضهم يعلو منبرا متنقلا، منهم الشيخ ومنهم الشاب، بعضهم على مقربة من ~~بعض حتى نقدت عليهم سوء اختيارهم لهذه المزاحمة المادية للمكان، والمسرح فسيح ~~الأرجاء لا يضيق بآلاف الخطباء، وتمر جماهير الناس بهؤلاء الخطباء، ويقف كل واحد ~~منهم على الخطيب الذي يعجبه، فيصفق له مع المصفقين. # ليس الهايدبارك هذا ms058 منبرا خاصا بأولئك الخطباء العاديين الذين قد يبدأ الواحد ~~منهم خطابته على فرد أو فردين أو ثلاثة، بل هو أيضا منبر عام لكبار الساسة ~~والخطباء المفوهين؛ فقد كان غلادستون كلما ضاقت قاعة البرلمان بصوته العالي وأغراضه ~~الكبيرة عمد إلى هذه الروضة العامة يخطب فيها الألوف من الناس ساعات متوالية فيحول ~~الأمة من فكرة إلى فكرة، ويخرجها من مقصد إلى مقصد، وكذلك كان «كرهاردي» ونحوه من ~~خطباء الإنجليز إلى اليوم يخطبون في الناس من غير ملاحظة رسوم أو نظام أو اشتراط ~~دعوة حتى تكون الأمة واقفة بواسطة هذه الألسن الرسمية على أحوال الحكومة، فلا يفوت ~~فردا من الأفراد أي مقصد من المقاصد الكبيرة للحكومة، كإعلان حرب أو سلم، أو تقريب ~~بين أمتهم وأمة أخرى أو ضرب ضريبة عامة، أو إعطاء النساء حق الانتخابات بحيث إن ~~العامل البسيط في لندن يعرف من خطب الوزراء والنواب في «الهايدبارك» طرفا أو نتفا ~~من قواعد مصالح الأمة التي مصلحته الشخصية بعض منها، ولكن كان وزراؤنا ونوابنا - ~~سامحهم الله - يجتنبون الكلام حتى في سياستنا الداخلية إلا ما يكون من التهامس في ~~الآذان في الخلوات والنوادي بينهم وبين أخصائهم الأقربين. # هذا كله إذا عرفوا جليا مقصد الإنجليز أو مقصد السراي في مشروع من المشروعات، ~~فهل منهم من يقف يوم الجمعة في حديقة الأزبكية فيبين للناس مقاصد الحكومة في أي أمر ~~من الأمور العامة؟ # كلا! إن رجال حكومتنا لم يكن يهمهم إيقاف الأمة على مشروع أو إقناعها برأي أو ~~فكرة ولكن الذي كان يهمهم أن يكسبوا من مجلس الشورى كل مشروع يريدونه بأية ~~طريق. # إذا كانت أمتنا ليست كأمة الإنجليز، فإن من وزرائنا من تعلموا مع وزراء الإنجليز ~~في مدرسة واحدة، فهل من رأيهم أيضا أن «الشرق شرق والغرب غرب»؟ أم هم في القربى من ~~الأمة لوزراء الإنجليز - زملائهم في المدنية الحديثة - مقلدون؟ ~~(4) إلى المدينة المنورة # في سنة 1911 وقبيل الحرب التركية الإيطالية بليبيا سافرت مع أبي إلى المدينة المنورة، ~~وإن أنس لا أنس وقفتي في مكتبي لوداع ms059 ولدي؛ إذ وقف كلاهما على كرسي ليستطيع عناقي من ~~غير كلفة على هواه، ولئن أنكر على الرجل أن يصف المشاهد التافهة العادية التي تقع لجميع ~~الناس، فإني من الذين يعطون المقام الأول لمشاعر الحنان بين الآباء والأبناء، وآلام ~~الفراق والشوق إلى التلاقي وحب الأوطان، والميل إلى مسامرة الأشباه ومودة الأقرباء ~~والأصدقاء، ورحمة الفقراء، ومواساة الضعفاء، ومداراة السفهاء، واحترام الكبراء، تعجبني ~~روايات هذه المشاعر، ولا أجد حقا للذين يحتقرونها بجانب مشاعر البسالة ووصف آثار ~~القدرة والشجاعة، ومآزق الخوف والفزع والصفات الاستثنائية التي لا تتفق إلا لعدد محدود ~~جدا من بني آدم لا يخطئهم العد، وإن الناس لمعذورون في الولع بقصص مشاعر البسالة؛ ~~لأنها غير عادية، وقليل أن يجد المرء في العادة لذة، ولكن تلك المشاعر العامية ~~المتواضعة لا ذنب لها إلا أنها عادية، وإن كانت في الحقيقة هي المؤلفة لحياتنا اليومية، ~~وهي التي بها، ولها نحيا ونحب الحياة. # فما أنس وقفة وداع ابني؛ إذ ينظر أكبرهما إلي بملء عينيه مفتوحتين جامدتين، يسألني كم ~~يوما أغيب في هذه السياحة؟ فأجبته: ثلاثين. فإذا أنا بابنتي الصغرى وهي لا تجهل عد ~~الأيام تجول في عينيها قطرات الدمع، فقلت: لا؛ بل شهرا واحدا. ولولا أني كنت عزمت ~~نهائيا على السفر وارتبطت به لأرجأته إلى أن يعتاد ولداي على خبره فيخف عليهما أمره؛ ~~لأنه كان فجائيا لا يعلمانه إلا يوم سفري، تركتهما ولا شغل لي في الساعات التالية إلا ~~تدبر هذا الشعور واستقصاء أصله في نفس الحي، ومقدار فائدة الطبيعة من إيجاده في قلوبنا ~~الضعيفة. # جعلت أتساءل: كيف يغفل والد عن ولده المحبوب بهذا المقدار، فيتركه في معترك الحياة ~~البشرية أعزل لا سلاح له من العلم والتربية؟ عجبت لرجل يحب ولده حبا جما، فيجعل حبه ~~وقفا على ما يضره دون ما ينفعه، يأمره بالكذب لتحصيل خير مزعوم أو دفع شر موهوم، ~~والكذب مهلكة، يطبعه على الملق والرياء والنفاق، وكلها مهالك، يضرب له بفعله شر الأمثال ~~من الاستهانة بالكرامة وحب البقاء إلى حد الجبن، والتبرم بالعهود إلى ms060 حد اللؤم، ~~فأخلق بهذا الحب الأبوي أن يسمى «الكره الأبوي»! # أبناؤنا أجزاؤنا وصنع أيدينا، هم بررة إذا أردنا، وهم على ما عودناهم، والمرء أسير ~~عاداته، إنهم إن قست قلوبهم، وفسدت طباعهم، وكسدت عقولهم؛ فالمسئولية في ذلك على ما ~~أورثناهم إياه من دمائهم وأمزجتهم، وما دعوناهم إياه بعد ذلك من انتهاك حرمات الفضيلة، ~~وما قصرنا عنه من تصحيح عقولهم بتعليم العلم، وإذا نحن تدبرنا وتحرينا الأصلح ~~لمستقبلهم، فربيناهم على الفضيلة، وصححنا بالعلم أحكامهم على الأشياء، وهذبنا أذواقهم، ~~وقوينا في نفوسهم ملكة الأخذ عن الغير وملكة الفهم وملكة الإنتاج، أخرجناهم إلى الحياة ~~العملية مسلحين يغلبون ولا يغلبون. # ما أنس لا أنس تلك الوقفة وذكراها يثيرها في نفسي نداء الصغار «يا بابا» و«يا أبي» ~~و«يا أباه» تبعا للهجات البلاد، فأشعر بفيض من الحنان لا يدع لغيره من المشاعر محلا ~~من قلبي إلى أن أرجع النظر في هذه الحقيقة المعنوية الحسية معا، فلا أفهم معنى ولا ~~أرى وجها لأولئك الذين يدعون الله لأنفسهم أو عليها بالعقم أو بقلة الولد؛ لأنهم ~~يخافون الإملاق، وما يتمنونه أقبح من الإملاق، وما ضر أحدهم أن يبقى فقيرا بماله ~~غنيا بولده، فيا طالما كان الولد قرة العين ومدفع الفقر ومناط الراحة والهناء، أوليس ~~من الحمق أن يخشى الفقير كثرة الولد ليخسر زينة الحياة الدنيا بطرفيها: المال والبنين؟! ~~ذلك هو الخسران المبين. # من هؤلاء أيضا المتفلسفة المتطيرون الذين يأخذون على ظاهره قول ملك المفكرين أبي ~~العلاء المعري، يجأرون بالشكوى من سوء العيش، يغلون في تقدير متاعب الزواج، ويجبنون على ~~احتمال العناية بالأولاد، ويفضلون الرهبنة والعقم، لا خوفا من الفقر، ولا فرارا من ~~الذل، بل حرصا على راحتهم وإرضاء لأنانيتهم، يأخذون من الوجود ولا يعطون، يستدينون ولا ~~يؤدون، كأني بأولئك لا يرون الولد إلا ثمرة لذة طائفة، ولا يشعرون بمكانة الأبوة ~~وطهارتها ولذتها التي لا تعدلها لذة عند الذين أوتوا قلوبا تعرف أن تحب، وصدورا رحبة ~~تسع اللذائذ والآلام على السواء، ونفوسا كبيرة تستحي أن تكون مدينة للوجود لا دائنة، ~~مستهلكة ms061 غير منتجة، أولئك هم الآباء الأكفاء لشرف الأبوة، وأولئك هم أسعد الإنسانية ~~الأكرمون. # في مقام الرسول # صلى الله عليه وسلم # ولا أريد في الحديث عن زيارتي للمدينة المنورة أن أتصدى لوصف معاهدها؛ قديمها ~~وحديثها، ولا أخوض في وصف الحرم المدني والحجرة الشريفة، ولا أنقل طرفا من ~~العادات؛ لأني إذا فعلت لا أكون إلا مكررا لما ذكره الأستاذ الفاضل لبيب البتانوني ~~في رحلته المعروفة، غير أني أنقل هنا بعض ما شعرت به نفسي في مقام الرسول محمد عيه ~~الصلاة والسلام، فأقول: # متى خرج المسافر من «تبوك» مستقبلا الحجاز، موجها وجهه نحو المدينة موطن ~~الهجرة، ومهبط الوحي، ومقام الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~، تنفعل نفسه انفعالات شتى، مرجعها إلى ~~طبيعة الأرض التي يمر فيها من «تبوك» إلى مدائن صالح إلى المدينة المنورة، سهول ~~قليلة مجدبة، وجبال كثيرة جرد مختلف ألوانها، لا ترى عليها شجرا قائما، ولا ~~نابتا، ولا طائرا، ولا شيء إلا الفضاء والسكون، منها جبال حمر وسود وزرق ضاربة ~~إلى الخضرة كلها موحشة لا يؤنسها إلا محطة السكة الحديد المسافة بعد المسافة، إن ~~تجردت عن جمال الطبيعة المعروف لدينا، والمصطلح عليه بيننا، كجنات دمشق، أو مزارع ~~سهل البقاع، أو مختلف مناظر لبنان؛ فقد بقي لها من الطبيعة جلالها، ولا شك في أن ~~الجلال قد يكون له في النفس ما يفضل أثر الجمال، تعطيك هذه الطبيعة الجرداء المهيبة ~~إكبار الصعوبات التي لاقاها النبي العربي محمد بن عبد الله في سبيل القيام بتبليغ ~~رسالته في هذه المناطق المترامية الأطراف العديمة الماء، النادرة العشب، الكثيرة ~~الأوعار والأجبال، فإذا وصلت إلى مدخل المدينة تكتنفها الجبال، ولحظت على الشمال ~~دار عثمان بن عفان، ثم رأيت مقام سيدنا حمزة تحت جبل أحد، على قرب من مصرعه، ثم ~~شرفت على المدينة ورأيت القبة الخضراء المضروبة فوق مقام المصطفى - عليه الصلاة ~~والسلام - ثار في نفسك ثائر ذكرى ذلك المجد العربي القديم، وأشرق على روحك نور تلك ~~المبادئ الشريفة التي كان هذا الحرم مهدها، ومصدر تشععها على أطراف العالم من ms062 أقصاه ~~إلى أقصاه، هنالك تعذر الذين يقولون: رأينا النور من المدينة فوق القبة الخضراء يشق ~~طبقات الهواء إلى السماء. لم نر ذلك النور الحسي بالعين الباصرة، ولكن هناك نورا ~~لا يحتاج في انبعاثه إلى هواء يحرك ذراته وينقلها، ولا إلى أجسام ينعكس عليها نور ~~العلم والفضل، نوري الهدى، إنهم لا يرون نورا حسيا كما يقال وكأنهم يرون نور ~~الهدى يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، يقولون: ربنا أتمم لنا نورنا، واغفر لنا إنك على ~~كل شيء قدير. # دخلنا الحرم المدني لأول مرة من باب السلام في زحام الزائرين مختلفي اللغات ~~والألوان والأزياء والأجناس، دخلنا ذلك الفناء الرحب، فناء الرجل العظيم، والنبي ~~الكريم، والرسول الأمين، فما هي إلا نظرة إلى ما نحن فيه، وتذكرة لما مضى من الأثر ~~حتى يمتلئ القلب هيبة من الحضرة العالية، ويأخذ النفس الخضوع حتى يبتل الجبين عرقا ~~من الوقوف أمام مقام من لا يطاوله في مجده مطاول، ولا يضارعه في مقامه واحد من بني ~~حواء، فكلهم لديه سواء، مغترف من بحر علمه، ومستنير بهديه، أو معترف له بسؤدده ~~ورفعة مقامه، فالذين آمنوا بمحمد وما أنزل عليه، يرونه بحق سيد الخلق على الإطلاق، ~~والذين لم يؤمنوا، لا يجادلون في أنه الرجل كل الرجل فضلا وكرما، والشارع الحكيم ~~أحاط بالعظائم والدقائق من أحوال الناس، والشجاع عديم المثال، هاجر إلى المدينة وهو ~~لا يملك من الدنيا إلا نفسه وصحبة صديقه وهو على هذه الحال، وفي تلك البلاد المجدبة ~~وبين الأعراب لد الخصام، على هذه الحال قد أخاف الأكاسرة والجبابرة أصحاب الأموال ~~والعروش والجنود أولي القوة بكل أسبابها ومظاهرها، ولم يكن له مما في أيديهم شيء، ~~ولكن الله آتاه العلم والحكمة والنبوة والرسالة، فكان له النصر، وما النصر إلا من ~~عند الله. # فمن ذا الذي يعرف تقدير النسب بين الأشخاص والأشياء، ثم يزور قبر محمد، ولا تخضع ~~نفسه لهيبته، أو لا يقصيه الأدب عن مس المقصورة أو إطالة المكث على مقربة منها، إلا ~~على نحو ما يصنع فقيه المسلمين عبد الله بن ms063 عمر؛ إذ كان يعقل بعيره في خارج الحرم، ~~ثم يدخل فيقول: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا ~~أبي حفصة، ثم يقفل راجعا من حيث أتى! على أني مع ذلك أجد عذرا لهؤلاء العوام ~~الذين يقتربون من الحجرة، ويخرون على الأعتاب للأذقان سجدا، ثم يتمسحون بقوائمها، ~~ويدخلون شفاههم من الشباك يسرون كلاما طويلا أو قصيرا؛ فإن المحبة قد تجب ~~كل ما عداها من الملكات في تلك العقول، التي نمت في أحضان القلوب لا في أحضان ~~العلوم ، فيذهلون عن تقدير النسب، ويجاوزون حدود اللياقة، ومع ذلك فإن من الأعراب من ~~لاحظت من هيئتهم الوقوف عند حدود التأدب، سواء كان ذلك في زيارة قبر الرسول، أو ~~في زيارة الشهداء. # من ذلك أننا زرنا نحن وأصحابنا مقام سيدنا حمزة صبح يوم زيارته، فلما فرغنا من ~~زيارتنا وقطعنا ميدانا فسيحا من الرمل، حيث كانت عرباتنا تنتظرنا في الجهة ~~المقابلة، إذا بنا نرى الأعراب زمرا راكبين جمالهم حاملين أسلحتهم، كلهم يعلق في ~~كتفه بندقية، ويشد في وسطه خراطيش رصاص، وقد يكون إلى جانبه غدارة أو خنجر، وسيفه ~~إلى جانبه، مع ذلك كله وقفنا ننظر ماذا يفعلون، فإذا هم يفدون من المدينة جماعة ~~جماعة، ينتظر بعضهم بعضا في ذلك الميدان الفسيح تحت مسجد سيدي حمزة حتى كملوا ~~أربعمائة هجان وقفوا وأمامهم علم أخضر يظل رجلا منهم هو خليفة السنوسي في مكة ~~والحادي يحدو لهم شعرا بصوت جميل، وهم يرددون عليه هذين البيتين: # سيدي حمزة ويا عم الرسول # قد أتينا في حماك # نرتجي منك الشفاعة والقبول # لا تخيب من أتاك # يردد هذا الجمع الكبير هذين البيتين في آن واحد على نغمة ما أجملها، فما علمت ~~غناء في مثل هذا الظرف أشجى نغمة ولا آخذ بالقلب من هذا الغناء الذي سمعته، يفعلون ~~ذلك على بعد من المسجد تحية القدوم، ثم يترجلون فيدخلون للزيارة، وسألت عنهم، فقيل ~~لي: إن الخليفة السنوسي حضر من مكة للزيارة في هذا الموسم، مولد سيدي حمزة، وليلة ~~المعراج، ms064 فلا يحل بأرض قبيلة من قبائل الطرق إلا دعوه للاستراحة عندهم، ثم يتبعه من ~~مريديه جماعة، فلا يصل المدينة إلا وهو في مثل هذا الجيش من العربان المسلحين من ~~تلاميذ الطريقة السنوسية، يالله، ما أفعل الاعتقاد في القلوب، وما أقرب البدوي من ~~السير وراء اعتقاده! # على هذا الحرم الشريف تخيم السكينة، فتزيده هيبة على هيبته، ووقارا على وقاره، ~~ومع أنه غاص دائما بالناس من مختلفي الأجناس، لا تسمع فيه صوتا فيما بين أوقات ~~الصلاة إلا تقريرات المدرسين في زوايا الحرم، وحفيف الحمائم تنتقل من الحصباء إلى ~~ذرى الحرم لا يهولها كثرة الناس، فهي في غاية الأنس، لا تعرف كيف يهاج الطائر، ولا ~~تتصور الوقوع في حبائل الصيادين، نواعم لا تعرف بؤس العيش، آمنة لا يأتيها فيما ~~حرمه النبي خوف، فإنه حرم من دخله كان آمنا، فإذا جاء وقت الصلاة انقلب السكون ~~ضجة، وهرع كل من في المدينة رجالا ونساء إلى الحرم؛ لشهود صلاة الجماعة. # وللنساء هناك مصلى خاص بهن لا يتعدينه إلا إذا كثر عنه عددهن، وضاق عن احتوائهن ~~كما كان ذلك وقت صلاة العصر التي بعدها، احتفل في صحن الحرم بقراءة قصة المعراج، ~~وقتئذ كان كثير من الناس في المسجد إلى جانب الرجال، على كره من أغوات الحرم على ما ~~نظن، فإني رأيت بعضهم يحتفظ جدا بجعل النساء لا يتجاوزن حدود مصلاهن إلا للزيارة، ~~ولما قرئت قصة المعراج قام بعض الأعراب الجالسين على الحصباء في صحن المسجد يحصب ~~بعضهم بعضا وهو يقول: «حجينا حجينا» كأنه يشهد الناس أيضا على زيارته للرسول في ~~هذا الموسم. # وللناس في المدينة عناية بحضور الدروس؛ فقد تجد في الحلقة، من غير الطلبة، كثيرا ~~من المستمعين، أما نحن فقد كنا نغشى الوقت بعد الوقت درس الأستاذ الكبير الشيخ ~~حمدان الونيسي مدرس الحديث والبيان بالحرم الشريف، ولمناسبة ذكر المدرسين يمكننا أن ~~نصرح بأنهم يدرسون هناك التماسا للبركة، لا يطلبون على عملهم جزاء ولا ~~شكورا. # غير أن من ألزم الأشياء تشجيع العلم في منبته، أي في الحرم ms065 المدني، وذلك قل أن ~~يكون إلا بمكافأة أولئك المدرسين، لا ليزيد اجتهادهم في تعليم الناس شريعة محمد حول ~~مقامه الكريم، ولكن لتستمر مجاورتهم؛ لأن المدرس مهما كثر اجتهاده إذا ضاق به العيش ~~في المكان الذي يقطنه اضطر اضطرارا لهجرته، وليس ذلك من مصلحة العلم، حقيقة أنهم ~~يؤتون بعض الرواتب سواء من الدولة أو من الوقف، ولكنها رواتب زهيدة جدا لا تفي ~~بشيء من حاجات المدرس المنقطع للتدريس، بحثت في ذلك فتلقفت أطرافا من الروايات ~~مرجعها جميعا إلى أن المزورين المطوفين وهم الذين يتصدرون لتعليم الناس كيف ~~يزورون، وماذا يقولون وبماذا يدعون، هؤلاء وهم من غير العلماء بالدين ولا بالتاريخ، ~~ولا بغيرهما، يأخذون هذه الوظائف بالوراثة، ومما بلغنا من غير سند، أنه إذا جاء ~~الحرم رزق يخصص للعلماء، قال المطوفون: إنهم هم العلماء، فإذا كان للأشراف قالوا: ~~إنهم هم الأشراف! # مصر والحرب التركية الإيطالية # وما كدنا نعود من المدينة المنورة - أبي وأنا - حتى كانت الحرب التركية الإيطالية ~~قد نشبت في ليبيا، وأغارت إيطاليا على طرابلس، فظننت أن هذه فرصة لتحقيق ما كنت ~~أدعو إليه من أن مصر يجب أن تكون للمصريين، وقد أخذت أنبه - على استحياء - إلى واجب ~~مصر في هذه الحرب، وهو أن تكون على الحياد، وأن سيادة تركيا لا تجلب لمصر منفعة ولا ~~تدفع عنها مضرة، ولا تستطيع أن تنقذها من الاحتلال البريطاني الذي لا يمكن الخلاص ~~منه إلا بتضافرنا والاعتماد على أنفسنا. # وقد أغضب هذا الموقف بعض الناس، ولكني لم ألتفت إلى غضبهم، واتفق أن جاءني كتاب ~~من تاجر بدمياط لا أعرفه، يقول فيه: إن الطليان احتجزوا له سفينة محملة بالأرز في ~~عرض البحر؛ لأنها تحمل العلم التركي، وهو علم مصر، فذهبت إلى حسين رشدي باشا وزير ~~الخارجية وقتئذ وأطلعته على الخطاب، وطلبت إليه التوسط للإفراج عن السفينة، فخابر ~~ممثل إيطاليا في مصر، فأفرج الطليان عنها، وعادت السفينة إلى صاحبها. # الفصل التاسع # | مع سعد زغلول والخديو عباس # العلم المصري والاستقلال # في سنة 1912 استقال سعد زغلول من وزارة ms066 الحقانية وخلفه عليها حسين رشدي باشا، وتولى ~~يوسف وهبة باشا وزارة الخارجية، فذهبت إلى رشدي باشا أطلب إليه أن نبدل بالعلم العثماني ~~علما مصريا يرفعه المصريون على سفنهم وبواخرهم؛ اتقاء لمثل ما وقع لتاجر دمياط، ~~وكان وهبة باشا حاضرا الحديث، فقال: إن هذا العمل سابق لأوانه، ثم رجعت مرة أخرى إلى ~~رشدي باشا أطلب إليه أن تعلن مصر استقلالها عن الدولة العثمانية، وأن تنصب الخديو ملكا ~~عليها، ويعترف لها الإنجليز بهذا الاستقلال، ورجوته باسم حزب الأمة أن يعرض هذا على ~~الخديو عباس واللورد كتشنر المعتمد البريطاني في مصر، وطلبت إليه ألا يخبر محمد سعيد ~~باشا رئيس الوزارة في ذلك الحين، وبعد يومين استدعاني، وأخبرني أن الخديو مسرور جدا ~~من هذه الفكرة، وأما اللورد كتشنر فقد رفضها؛ لأن إنجلترا لا تريد مضايقة تركيا، وقال ~~لي: إنه أخبر بها سعيد باشا، فقال: «هذه هي الخيانة العظمى.» فذهبت إلى اللورد كتشنر ~~وحادثته في الأمر، فقال لي: «لقد بسطنا يدنا لتركيا، فبصقت عليها، وولت وجهها شطر ~~ألمانيا، ولو أنها كانت قبلت مودتنا لتغير الموقف كثيرا، ومع هذا فإني لا أجد الوقت ~~مناسبا لقبول فكرتك.» # تأليف أول وفد مصري # رجعت إلى رشدي باشا بعد ذلك، وكان قد قابل الخديو مرة ثانية، فقال لي:«إن الخديو يرى ~~أن يؤلف وفد من عدلي باشا، وسعد باشا، وأنت للذهاب إلى لوندره للسعي لتحقيق هذا ~~الأمر مباشرة مع الحكومة الإنجليزية والرأي العام الإنجليزي، وعليه النفقات!» # واجتمعنا في بيت سعد زغلول باشا نحن الثلاثة لندبر الخطة، وأخذت أنا أنشئ حملة في هذا ~~المعنى تحت عنوان: «سياسة المنافع لا سياسة العواطف». # هذه الأحداث امتدت أسابيع، في أثنائها قام الأمير عمر طوسون، وبعض الكبراء والأعيان ~~لجمع التبرعات لمساعدة تركيا في هذه الحرب، وأخذوا يطوفون البلاد لهذا الغرض، ويشترون ~~المؤن والأسلحة ويرسلونها للجيش التركي بطرابلس. # وكانت الصحف المصرية - عدا «الجريدة» - تشجع هذه الحركة، وتنشر أخبارا عن هذه ~~التبرعات تنبئ أن الأمة كلها مع تركيا، فتداولنا نحن الثلاثة - سعد، وعدلي، وأنا - في ~~هذا الموقف العسير؛ ms067 لأن الأمة وهي بهذه الحال من تأييد تركيا والإقبال على مساعدتها ~~والتبرع لها، لا يمكن أن تريد الانفصال عنها، ولهذا لم ينجح المشروع، وسقط في ~~الماء. # استقالة سعد زغلول من الوزارة # في أبريل سنة 1912 استقال سعد من وزارة العدل التي خلفه عليها رشدي باشا في الوزارة ~~محمد سعيد باشا، وقد وقفت إلى جانبه في هذه الاستقالة التي تسببت عن حادث - لا داعي ~~لذكره - يهم عابدين وقصر الدوبارة على السواء، وكان الطرفان متبرمين بسعد لصراحته التي ~~كان يبديها في مجلس الوزراء، وصلابته في الحق والعدل، وحرصه على أداء واجبه، وأنا من ~~الذين ينتصرون لاستقالة الوزراء والموظفين إذا لم يستطيعوا أن يؤدوا واجبهم؛ لأني أعتقد ~~أن الوظيفة مهما يكن نوعها ضريبة على الموظف، لا منحة له، فإذا عجز بأي سبب عن أن يؤدي ~~إلى أمته أكثر ما يستطيع أداءه من خدمة حقوقها وتحقيق المبادئ التي يعتقد صلاحها، ~~فالواجب عليه أن يستقيل، وتكون استقالته مشرفة لشخصه، مشرفة لقومه، ودرسا نافعا ~~للناس، ومثلا صالحا للصدق والإخلاص في خدمة المجموع، وليست الوظيفة لمصلحة الحاكم، ~~ولكنها لمصلحة المجموع، وإن السلطة التي في يد الموظف إنما هي لمصلحة الأمة لا لمصلحة ~~شخصه ولا يجوز أن يكون منها لمصلحة شخصه شيء إلا شعور الرضا؛ ذلك الشعور الذي يحسه ~~الرجل عندما يقوم بالواجب عليه لقومه، فما دمنا نصدر عن هذه القاعدة، فلا عجب أن نصبنا ~~أنفسنا أنصارا لفكرة استقالة الوزير أو الموظف كلما وضعت العراقيل أمام حريته في ~~العمل، فأصبح يشعر بأنه لا يؤدي للأمة أكثر ما يستطيع أداءه من الخدمة، بل قد تطرق ~~الغلو إلى اعتقادنا هذا، فجعلنا لا نكره استقالة الرجل العامل ذي العقل الناضج والإرادة ~~القوية من خدمة الحكومة ولو لسبب شخصي لا علاقة له بالعمل ولا بالحكومة؛ لأننا في ~~بلادنا لم نكن قد وصلنا بعد إلى الموازنة بين الأمة والحكومة في عدد الرجال الأكفاء ~~المستعدين لأن يبنوا بأيديهم مجد أمتهم. # ليس هذا وحده ما فسر انتصاري لاستقالة سعد زغلول في ذلك الحين، بل أضيف ms068 إليه أنه ~~استقال وترك الوزارة بين الثناء والإعجاب، وألقى درسا نافعا للحاكمين والمحكومين على ~~السواء؛ فقد دخل سعد زغلول الوزارة بين تصفيق الأمة بأسرها واستحسانها، ولا معنى لإجماع ~~الطبقات على استحسان دخوله الوزارة بكل ما عهدناه لوزير غيره عند تعيينه إلا ليكون ~~ناصرا للأمة، مدافعا عن الحق، متشددا فيه. # ممثل المتعلمين الأحرار # كان «سعد» قد دخل الوزارة ليمثل فيها طبقة المتعلمين الأحرار الذين ليس على عقولهم ~~سلطان إلا للحق، ولا على قلوبهم إلا حب الوطن ونفعه، فحقق في المعارف سلطة المصري، وملأ ~~كرسي الوزير، وتمكن بقدرته وعلو نفسه من وضع مستشار وزارته عند حد القانون، وسوى بين ~~الموظفين الأجانب والوطنيين، وحقق آمال الأمة في أكثر ما طلبت، فجعل التعليم باللغة ~~العربية، وجعل لغة التعليم هي لغة الامتحان، وأعاد عهد البعثات، وجعل للنظامات المدرسية ~~قوانين لا بد من عرضها على مجلس شورى القوانين، إلى غير ذلك من المشروعات التي أعادت ~~إلى المعارف عهد وزيرها المرحوم علي مبارك باشا. # وكان من أعمال سعد إنشاء مدرسة المعلمين، ومدرسة القضاء الشرعي التي وجد في إنشائها ~~صعوبات جمة كانت محكا لشجاعته الأدبية، وقدرتة الوزارية ودهائه السياسي، فلما تولى ~~وزارة الحقانية لم يفرط في حقه بصفته وزيرا، ولم يكن فيها بأقل غيرة على إقامة العدل ~~منه في نظارة المعارف على نشر التعليم حتى كان دفاعه عن اعتقاده مجلبة لمخالفة السلطة ~~وتبرم الخديو والإنجليز به. # وقد اتهم سعد في استقالته بأنه قد نقصه الدهاء اللازم للوزير لإرضاء السلطة، وهي تهمة ~~عجيبة، على أنه نجح كثيرا في حمل السلطة على الرضا برأيه وتحقيق مشروعاته. # ومهما قيل في ذلك الزمان من أن الوكالة البريطانية كانت تعاضده، فمن المحقق أن الرجل ~~كان في كل أعماله لا يخالف اعتقاده، ولم يداج فيها، بل كان يدافع عن رأيه أمام السلطة ~~الشرعية والسلطة الفعلية حتى إنه لما اتفقا معا عليه لم يتحول عن موقفه، وفضل ~~الاستقالة المشرفة التي قال عنها بعضهم: إن استقالته تعتبر استقالة للوزارة. # وحدة مصر وسورية # في نحو سنة 1911 ms069 ظهرت لأول مرة بوادر ما يسمونه «البنارابيزم» أو الجامعة العربية، ~~وفي هذا الحين وفد على مصر رجلان من أعيان الشام ولبنان، هما السيد شكري العسلي من ~~دمشق، والسيد ثابت من أعيان بيروت، وكانا نائبين في مجلس المبعوثان باستامبول، وكان ~~الغرض الذي جاءا من أجله السعي لضم سورية إلى مصر، وقد لقياني مرارا فيمن لقيا من ~~المشتغلين بالسياسة وأهل الرأي، ولم أكن متفقا معهما في هذا الرأي؛ لا لتعذر هذا الطلب ~~فحسب، بل لأني لم أره في مصلحة مصر، وأذكر أن السيد شكري العسلي كان متحمسا لفكرته إلى ~~حد أنه كان يدافع عنها بصراحة غلبته على كل اعتبار حتى قال لنا أنا وعبد العزيز فهمي ~~باشا ومحمود بك أبو النصر في مأدبة بمنزلي: مصر فيها مال وسورية فيها رجال! # وذلك في مقام التدليل على فائدة وحدة سورية ومصر، وقد انتهى الأمر بأنهما لم ينجحا في ~~هذا المسعى. ~~••• # وكنت منذ زمن طويل أنادي بأن مصر للمصريين، وأن المصري هو الذي لا يعرف له وطنا آخر ~~غير مصر، وأما الذي له وطنان يقيم في مصر، ويتخذ له وطنا آخر على سبيل الاحتياط، فبعيد ~~أن يكون مصريا بمعنى الكلمة، وقد دعوت السوريين في مصر إلى أن يسجلوا أسماءهم في ~~المحافظة؛ ليكونوا مصريين، وبعث إلي شكور باشا مدير بلدية الإسكندرية، وعبد الله صفير ~~باشا مدير المطبوعات بالداخلية يعززان هذا الرأي، ولم أقصد السوريين فقط، ولكني كنت ~~أريد أن يتحمل كل قاطن في مصر من الواجبات ما يتحمله المصريون لتحقيق القومية المصرية؛ ~~فقد كان من السلف من يقول بأن أرض الإسلام وطن لكل المسلمين، وتلك قاعدة استعمارية ~~تنتفع بها كل أمة مستعمرة تطمع في توسيع أملاكها ونشر نفوذها كل يوم فيما حواليها من ~~البلاد، تلك قاعدة تتمشى بغاية السهولة مع العنصر القوي الذي يفتح البلاد باسم الدين، ~~ويحب أن يكون أفراده كاسبين جميع الحقوق الوطنية في أي قطر من الأقطار المفتوحة؛ ليصل ~~بذلك إلى توحيد العناصر المختلفة في البلاد المختلفة حتى لا تنقض أمة من الأمم ms070 المفتوحة ~~عهدها، ولا تتبرم بالسلطة العليا، ولا تتطلع إلى الاستقلال بسيادتها على نفسها، أما ~~الآن وقد أصبحت أقطار الشرق غرضا لنفوذ الغرب، وانقطع أمل هذه الأمم الشرقية في ~~الاستعمار ووقفت أطماعهم عند حد المدافعة لا المهاجمة، والاحتفاظ بسلامة كل أمة في ~~بلادها من أن تنمحي جنسيتها، ويفنى وجودها، فإن أكبر مطمع لكل أمة شرقية هو ~~الاستقلال. # ولهذا أصبحت هذه القاعدة لا حق لها من البقاء؛ لأنها لا تتمشى مع الحال الراهنة ~~للأمم الإسلامية وأطماعها، فلم يبق إلا أن يحل محلها المذهب الوحيد المتفق مع أطماع كل ~~أمة شرقية لها وطن محدود، وهو مذهب الوطنية! # لا يفهم مما أقول أنني كنت أدعو إلى التفريق بين العناصر المؤلفة لكتلة السكان ~~المصريين، بل على ضد ذلك كنت أدعو للجامعة المصرية، دعوت الذين يتبرمون بالجنسية ~~المصرية التي كسبوها بالإقامة في مصر أن لا يفروا بأحاديثهم وبأعمالهم من الانتساب إلى ~~هذه الجنسية الشريفة، يقيمون بأجسامهم في مصر، وعقولهم وقلوبهم تتجه غالبا خارج ~~حدودها؛ إلى الأوطان التي ضنت عليهم بخيرها. # إن مصريتنا تقضي علينا أن يكون وطننا هو قبلتنا وأن نكرم أنفسنا ونكرم وطننا فلا ~~ننتسب إلى وطن غيره، ونخصه بخيرنا، والانتساب إلى مصر شرف عظيم؛ فقد ولدت التمدن مرتين، ~~ولها من الثروة الطبيعية والتاريخية ما يكفل لها الرقي متى كرم أهلوها، وعزت نفوسهم، ~~وكبرت أطماعهم، فاستردوا شرفها وسموا بها إلى مجد آبائهم الأولين. # أول نقابة للصحافة # في نحو سنة 1912 دعونا إلى تأليف نقابة للصحافة المصرية، وقد استجاب الصحفيون على ~~اختلاف ألوانهم إلى هذه الدعوة، واجتمعت الجمعية العمومية، ثم انتخبت مسيو كانيفيه ~~صاحب جورنال «الريفورم» بالإسكندرية نقيبا، وانتخبت الأستاذ فارس نمر وإياي وكيلين، ~~كما انتخبت كلا من جبرائيل تقلا صاحب «الأهرام»، ومسيو فيزييه صاحب جورنال «لوكير» ~~سكرتيرا، وأذكر أني مثلت هذه النقابة أنا ومسيو فيزييه في حفلة افتتاح معصرة كوم إمبو، ~~وقد خطب في هذه الحفلة كل من: يوسف قطاوي باشا، وأحمد شفيق باشا، ولم تعمر هذه النقابة ~~طويلا؛ لأن الحرب العالمية الأولى أتت عليها، ms071 ولكنها كانت أول محاولة لنقابة الصحفيين ~~في مصر. # في انتخابات الجمعية التشريعية # في سنة 1913 ألغي مجلس شورى القوانين وحل محله نظام الجمعية التشريعية، وكان لا ~~بد لي من الدخول في عضويتها لأزيد صوتا على أصوات حزبنا في الجمعية، فدخلت في ~~انتخاباتها، وكان صديقي فتحي باشا زغلول يعلم أن الإنجليز أوعزوا بإسقاطي أنا وسعد ~~زغلول باشا في هذه الانتخابات، فأشار علي بألا أتقدم إليها حتى لا يذهب سعيي سدى، ~~فقابلت مستشار الداخلية مستر جراهام وسألته عما بلغني في ذلك، فأكد لي أن الانتخابات ~~ستكون حرة وأن الحكومة ستكون على الحياد، ولشد ما كان عجبي حين وجدت على باب مركز ~~السنبلاوين عربة سعيد باشا ذو الفقار وزير المالية الجديد، وعلمت وقتئذ أنه لما عين ~~وزيرا بعد أن كان مديرا للدقهلية طلب إليه أن يدير هو الانتخابات دون المدير الجديد ~~حافظ حسن باشا الذي كانت الحكومة تعلم أنه صديقي، وعلى هذا الوضع سقطت في الانتخابات، ~~ولكن سعد باشا زغلول نجح بالقاهرة في دائرتين، وأرسل إلي تلغرافا يقول لي فيه: # لئن سقطت في الانتخاب، فلك عطف العقلاء. # وقد أشيع أن الذي أسقطني هو دعوتي إلى الديمقراطية التي كانت تؤول تأويلات بين ~~الناخبين فيها خروج على الدين الإسلامي، ولكني لا أعرف شيئا عن هذه الإشاعة التي قيل: ~~إنها شاعت بين الناخبين، كما لا أعرف سببا لسقوطي في الانتخابات إلا تدخل الحكومة، ~~وعملها لإسقاطي! # الصلح مع الخديو # في أوائل سنة 1914 طلب إلي محمد سعيد باشا مرة، وسعد زغلول باشا مرة أخرى أن أطلب ~~مقابلة الخديو عباس؛ لأنه يرغب في لقائي، فكانت إجابتي دائما: «إذا كان الخديو يريد أن ~~يتفضل بلقائي فليدعني هو إلى ذلك.» # وفي إحدى التشريفات قال الخديو عباس لوالدي: «أحب أن أراك ومعك لطفي بسراي القبة يوم ~~السبت.» # فاستجاب أبي إلى هذه الدعوة وسر بها، وطلب مني أن أصحبه إلى سراي القبة، فذهبت ~~معه، فأحسن الخديو استقبالنا، وتكلمنا يومئذ في بعض الشئون العامة، وقال لي: «أنا مسرور ~~لحضورك، والأستاذ جرين كلمني عنك ms072 كثيرا.» والأستاذ جرين هو المحامي الذي قدم مذكرة ضد ~~الخاصة الخديوية في قضية شركة الجريدة. # ثم تكلم الخديو عباس عن وزارة محمد سعيد باشا، وكان برما بها، ويريد تغييرها، وسألني ~~عن رأيي في الرجال الذين يصلحون لوزارة جديدة، فذكرت له أسماء عدة؛ منها: سعد زغلول، ~~وعبد العزيز فهمي، وعدلي، وثروت. # ولما انفض المجلس خرج معنا ليودعنا، وهو يقول لي: «قد عرفت الطريق، فتعال عندي كل يوم ~~سبت.» # فقلت له: «يا مولاي ما شأن الكاتب والاتصال بالسلطات؟!» # فقال: «إذن أنت لا تريد أن تأتي عندي!» # قلت: «الواجب علي يا مولاي أن أجيء كلما دعيت.» # فدعا الخديو حافظ بك عوض الذي كان يعمل وفتئذ سكرتيرا خاصا له وطلب منه أن يدعوني ~~كل يوم جمعة، لأحضر إليه يوم السبت، وكذلك كان. ~~••• # وفي يوم من أيام السبت عرضت عليه أن نحمل حملة على الإنجليز نطالبهم فيها أن يساعدونا ~~على أن تكون جزيرة «طشيوز» باليونان تابعة لمصر كما كانت في زمن إسماعيل؛ فإنه كان يرسل ~~إليها دائما قاضيا مصريا وبوليسا مصريا لإدارة الأمن، ثم تراخى الأمر بعد ذلك ~~إلى أن صارت تابعة لتركيا، ثم أصبحت لليونان، فوافق الخديو على هذه الفكرة فطلبت إليه ~~الإذن بأن أطلع على الفرمانات الخاصة بها في السراي، فكلف شفيق باشا بأن يأمر بترجمة ~~هذه الفرمانات إلى اللغة العربية، فترجمت، وبدأت في «الجريدة» حملة على هذا الوجه، ~~مؤداها أن الإنجليز إذا لم يحمونا من اليونان، فممن يحموننا؟! وما كدت أسير في هذه ~~الحملة حتى قال لي في يوم سبت آخر: يخشى أن تقع «سالونيك» ومعها «طشيوز» في حوزة ~~البلغار، وعلى ذلك يكون من الأصلح أن نستبدل بها أطيانا في الضلمان بالأناضول. # وكان غرضه من ذلك أن يوسع بهذه الأطيان تفتيشه في تلك البلاد، فقلت له: يا مولاي لست ~~أدري في المسائل الاقتصادية شيئا يذكر. وطويت أوراقي وصرفت النظر عن «طشيوز». # بعد ذلك اعتزم الخديو عباس أن يسافر إلى استامبول، ورغب في زيارة مديريات الوجه ~~البحري قبل السفر، مظاهرة كان يريد بها ms073 إقناع الإنجليز بأن البلاد تحبه وتتعلق به، ~~فدعاني إليه عثمان مرتضى باشا رئيس الديوان الخديوي في ذلك الحين، وقال لي: إن سمو ~~الخديو يحب في سفرته هذه أن يزور والدك في البلد، فهل لكم بيت في السنبلاوين؟ # قلت: «نعم»، قال: «إذن تستقبلونه هناك.» # فقلت: «وهو كذلك.» # وشكرت للخديو هذا العطف ودعوت له بطول البقاء. # ثم قام الخديو بزيارة الوجه البحري، واستقبلناه بالسنبلاوين في حفل من العمد ~~والأعيان، وسر أبي سرورا عظيما بهذه الزيارة، وصحبناه إلى الإسكندرية حتى ركب ~~البحر. # الفصل العاشر # | عرفت تولستوي وفتحي زغلول # (1) ليو تولستوي # في نوفمبر سنة 1910 توفي رجل الإنسانية والسلام ليو تولستوي، وكنت وقتئذ في قريتي، ~~فبعثت إلى الجريدة برأي في هذا الرجل العظيم بمناسبة وفاته في ذلك الحين فقلت: أحاول أن ~~أكتب كلمة عن تولستوي؛ حيث أنا الآن في قريتي، تحيط بي أشباه المناظر التي كان يحبها ~~تولستوي، يحبهم ويتفطر قلبه إشفاقا عليهم، رحمة بهم أن يقتربوا من المدائن فتحرقهم نار ~~الشهوات، وتلعب بقلوبهم البريئة شياطين الأطماع الخسيسة، فتغير مجرى فطرتهم الصالحة إلى ~~عادات البذخ والترف، وتجري ألسنتهم على الكذب وتسكن أمزجتهم إلى رؤية الزور، وسماع ~~الهجر من القول والصبر على الباطل. # أكتب عن هذا الرجل الكبير، حيث أنا فيما كان يحبه، رحمه الله من السكينة، لا أسمع إلا ~~حفيف الهواء، وصهيل الخيل، وصياح الدجاج، ونعيق الغراب، وصفير العصافير، فلا شك أني في ~~أليق ظرف من الزمان والمكان. # أحاول الكتابة عن تولستوي، وإن لم يكن تحت يدي ولا مؤلف واحد من مؤلفاته الكثيرة، ~~وإني على ذلك لا أجدني برثائه خليقا، إلا كما يرثي امرؤ هذه الأرض الواسعة قد خلت من ~~أحد مصابيحها ذوات الضوء الساطع، أو كما يشفق أحد بني آدم من فقد هاد من هداة الفضيلة، ~~وواعظ من أكبر الواعظين. # أشعر بأن مصيبة العالم في هذا الرجل ليست كالمصائب التي تفجع لها القلوب، وتألم لها ~~الأنفس بحزن حار، يجري الدموع ويسلم اللسان لهذيان من فرط الجزع، لا أشعر بذلك، بل أشعر ~~بأن المصيبة ms074 بفقد هذا الحكيم مصيبة كبيرة، واقعة في النفوس وقعا فاترا، لا تدمع عينا ~~ولا تخفق قلبا، ولا تحرك ألما من آلام الأحزان، كأنما هي تقع على العقول لا على ~~القلوب. # فأولى بوفاة تولستوي أن تشبه بكسوف الشمس أو بخسوف القمر، أو بأية ظاهرة من تلك ~~الظواهر الطبيعية، التي أكثر ما تهتم لها عقولنا لتدبرها، وتعرف آثارها في ~~الوجود. # لم يكن هذا الرجل روسيا فقط، بل كان إنسانا قبل كل شيء، يحب أمته، ويحب أعداء ~~أمته، يحب السلام على الدوام، يحب أيام السلام وأيام الحرب على السواء، يكره الحرب سواء ~~كانت الغلبة فيها لقومه أو على قومه! # ولم يكن كذلك مسيحيا محدود المشاعر بحدود النصوص أو التقاليد، بل كان مسيحيا لا ~~حد لتسامحه، يسع صدره الرحيب آراء موافقيه في الدين ومخالفيه، يرى في الدين أنه طهر ~~للنفس والمشاعر، وحب القريب والغريب، ويرى في العمل به السعادة في هذه الدار الدنيا ~~والآخرة. # فإذا كان تولستوي رجل روسيا وحدها، بل رجل العالم والسلام، وإذا كان تولستوي ليس ~~مسيحيا محدودا بمذهب معين متعصبا له، بل متسامحا يقبل دين الفضيلة حيثما وجد من ~~غير تحرج بحدود مذهب غير مذهبه الواسع، فأخلق بمصيبة تولستوي أن تكون كما قدمنا ~~خسارة عالمية، لا خسارة روسية، أو خسارة مسيحية! # إن الله يبعث الجيل بعد الجيل على هذه الكرة رجالا من الناس يؤتيهم طرفا من حكمته ~~وقبسا من نور أسراره ينصرون الحق على الباطل، ويشعرون بنور هديه في الأزمة المظلمة ~~والمكان القفر، يتبعون سنن الأنبياء في إرشاد الناس، ويقفون نفوسهم وملكاتهم على بلوغ ~~ما يريدون من خير للإنسانية، فإذا مات أحدهم كان موته خسارة تتأثر لها الحقائق العلمية ~~ومكارم الأخلاق، ولم يكن تولستوي إلا أحد هؤلاء، فمن بعده للفقراء والمساكين يقف لهم في ~~وجه الظلم والبؤس والنفي والعقاب على غير جريرة، ومن للدين ينصره بشجاعة فائقة لا تقف ~~أمامها انتقادات المنتقدين، ورمي الرامين له بالزندقة والخروج عن القصد، بل من للمساواة ~~والمعاملة بالعدل ينصرها من تعدي الطبقات القوية عليها في ms075 كل مظاهرها السياسية ~~والاجتماعة والاقتصادية، بل من يهدي الرجال إلى العمل الصالح، وقد مات الرجل؟! # اشتغل تولستوي بالفلسفة، فلم ير رأي النظريين بجملته، ولا رأي الماديين أو الوضعيين، ~~كان عقله الواسع يأبى، دائما، وفي كل شيء، أن يتقيد بالقيود المذهبية التي يستحيل أن ~~تخلو من التعسف. # اشتغل بالسياسة فكان يكره الاستبداد، وينفر منه، ويغلب إرادة الجماعة على إرادة ~~الفرد، يقول بسلطة الأمة، ويعمل بنفسه وبأنصاره وتلاميذه (وهم أكثر من الكثير) على ~~تحقيقها وقد تحققت في بلاده أو كاد يتم تحققها بالفعل. # اشتغل علما وعملا بالاقتصاد، فكان مذهبه اجتماعيا قريبا جدا من الاشتراكية أو ~~كان هي بعينها، وهو وإن كان لم ينجح في تجربة، إلا أن ذلك ليدل كثيرا على عقله المرتب ~~الذي ظهرت آثاره متجانسة في جميع الفروع المختلفة التي اشتغل بها. # اشتغل بالدين، فنفى منه كثيرا جدا من التقاليد الكنائسية المادية على الأخص، واتخذ ~~له إنجيلا خاصا به اتبعه كثيرون في تعاليمه. # وقد كان تولستوي على ذلك كله يجب أن يحسب في كتاب الحقيقة (كتاب الواقع) لا كتاب ~~الخيال (الذين يكتبون عن الإنسان باعتبار ما يجب أن يكون لا باعتبار ما هو في الواقع)، ~~فإني أذكر أن قصته الموسومة ب «البعث» لم يكن فيها عن الشهوات إلا حقائق عريانة، لاحظ ~~فيها تغليب الشهوة على النبل في نفس بطل الرواية، ثم أظهر فيها أغلاط العدل الإنساني ~~على صورتها التي كانت قد فارقته مؤقتا عند استحكام الشهوة، وذلك ما نجده عاما في ~~الإنسان كل يوم، ثم رجع إلى تأثير الوسط، وتغلب ميول النساء مما لا يشذ كثيرا عن ~~الأمثلة اليومية التي يجدها مخالطهن، ولو كان غير عمار ذي كناز الذي قال فيهن: # أراح الله عمارا # من الدنيا ومن هن # قريبان بعيدان # فلا كانا ولا كن # يمنين الأباطيل # ويجحدن الذي قلن # كذلك كان وصفه لحال الزوجية في قصصه «لاسونانت اكرتزر» غير ناب عن الواقع، وإن وصفه ~~فيه غير عام في العائلات مع السرور، ولقد سبب له هذا الكتاب امتعاض السيدات منه، ~~واتهامهن ms076 له فيما كتب، وأرسلن له خطابات الانتقاد والشتم، وعندنا أنه في هذا الكتاب لم ~~يكن خياليا، ولا كاتب واقع إلا كما كان (إميل زولا) في كتاب: (الاسوموار)؛ فإن عيشة ~~الناس ليست كلها سكرا، وليست كل الأبنية، ولا غالبها في المدائن حانات وخمارات! كما أن ~~جميع النساء لسن على تلك الحال التي وصفها، ولا ريب في أن تولستوي أراد أن يبين عيوب ~~التربية الحاضرة وقتئذ، وأنماطها المتخذة لتعليم البنين والبنات، فكتب هذا الكتاب؛ ~~ليجعل الناس يلمسون بالحس نقص تلك التربية؛ ليلفتهم إلى التربية التي لها قاعدة من ~~الاعتقاد الديني ترتكز عليها لتأتي بنتائج السعادة المنشودة في العائلة، أقول: إن هذا ~~النظر لا يخرج تولستوي من كتاب الواقع، كذلك يؤكد زعمنا سؤاله: «ما العمل؟» و«الذي ~~يجب عمله»، وإن كان له ما يصح أن يجعله من كتاب الخيال كبعض قطع «الايمبتاسيون» و«حرب ~~وسلام»، فكذلك لا يكون إلا لأن عادة عدم التقيد بالمذاهب الضيقة التي اتخذها شعارا له ~~قد غلبت عليه، وليس لنا أن ندخل في بحث موضوعاته الدينية، وتعاليمه اللاهوتية، بل نترك ~~الحكم على ذلك لغيرنا. ~~(2) فتحي زغلول # أرى من الوفاء لمبادئ الحرية وخادميها أن اذكر صديقا عظيما عمل لنشر هذه المبادئ، ~~هو المرحوم أحمد فتحي زغلول باشا؛ فقد نظر نظرة صادقة إلى حال الأمة المصرية وحكومتها، ~~فرأى أنها أحوج ما تكون إلى معرفة المثل الأعلى الذي تبغي الوصول إليه من نظمها ~~السياسية والاجتماعية حتى تتحد أطماعها الوطنية على طريقة عامة واضحة، ورأى فوق ذلك أن ~~أول خطوة يخطوها المصلحون العلماء هي نقل العلم إلى أوطانهم بالترجمة ... إن هذه الطريقة ~~كانت هي ألف باء النهضة العلمية في كل أمة وفي كل زمان. # هذه النظرية الصادقة كانت رائد فتحي باشا في خدمته لوطنه منذ خرج من المدرسة إلى أن ~~مات، فإنه في سنة 1888 أخذ يترجم كتاب «العقد الاجتماعي» لجان جاك روسو، فلم يتمه، ~~ولكنه ترجم بعد ذلك «أصول الشرائع» لبنتام، و«خواطر وسوانح في الإسلام» للكونت هنري دي ~~كلترى، و«روح الاجتماع» و«سر تطور الأمم» ms077 لجوستاف لوبون، و«جوامع الكلم» لجوستاف لوبون، ~~وقد نشرت هذه الكتب كلها، وله فوق ذلك كتاب «بورجار» في الاقتصاد السياسي، و«تمدن ~~العرب» لجوستاف لوبون، و«جمهورية أفلاطون» و«الفرد ضد المملكة» لسبنسر. # أما مؤلفاته، فهي كتاب المحاماة، ورسالة في التزوير، وشرح القانون المدني، وقد ألف ~~قبيل وفاته كتابا في «التربية العامة». # نابغة في الترجمة # عرفت مترجماته وقرأت المنشور منها، وتصفحت غير المنشور، وأستطيع أن أقول من غير ~~تردد: إن فتحي زغلول كما كان نابغة في الفقه، كان نابغة في الترجمة يمسك الكتاب ~~يقرؤه أولا، ثم يدخل بنظره الحاد في طيات نفس الكاتب، فيظهر أسرارها بقلمه العربي ~~المبين، ومن التراجم ما تترجم الألفاظ تحمل معانيها خالية من روح الكاتب وحرارته، ~~فلا يكون لها تأثير، أما مترجمات فتحي زغلول، فإنك تقرأ فيها المعاني والأغراض كأنك ~~تقرأ كاتبها من غير فرق. # دخلت عليه في بيته يوما بمصر الجديدة في يوم حر شديد، فألفيته يضع شرح القانون ~~المدني، وإلى جانبه «سر تطور الأمم» وقد فرغ من ترجمته في بضعة أسابيع لازم بيته ~~فيها لمرض أصابه، فأشفقت عليه من هذا الجهد الشاق في ذلك الجو المحرق، على ما نعهده ~~فيه من رقة في الصحة وعمل دائم طول سنة العمل، وقلت له: «أبهذا ترتاض يا سيدي ~~الباشا؟!» فأجاب: «نعم، هذه هي رياضتي!» # فعجبت لجلده وصبره وتفانيه في خدمة العلم وخدمة بلاده. # شخصية ممتازة # كان لفتحي باشا شخصية ممتازة في طريقة أسلوبه البياني، ولم يكن يترجم ليترجم، ولا ~~طلبا للشهرة والمال من وراء ذلك، وكان حسبه شهرة مناصبه العالية وكفاءته التي ما ~~كانت يوما موضعا للشك من أحد، سواء في ذلك أصدقاؤه وحساده، وعارفوه وغير عارفيه، ~~ولكننا إذا أجملنا مترجماته دلنا مجموعها على أنه كان له غرض ثابت يرمي إليه من ~~وراء نشر هذه الكتب. # غرضه نشر مبادئ الحرية: حرية الفرد، وحرية الأمة، وتنبيه أطماع الأفراد والأمة ~~جميعا إلى اتخاذ مثل أعلى قبلة لهم في آمالهم الوطنية. # منذ سنة 1882 كان يرى الأمة تتقلب في أحوال متناقضة مبهمة، فكانت تسوءه ms078 هذه ~~الأحوال، ويود لو أن الشعور الوطني الذي كان وقتئذ في حذر مستمر ولى وجهه قبل ~~الاستقلال على نحو منتج، كان يود لو تدرك الأمة أن إبهام الغرض وعدم إدراكه بوضوح ~~يجعله مستحيل المنال، لذلك أراد أن يقدم للجمهور «العقد الاجتماعي» لروسو حتى يتبين ~~الجمهور حق الأمة وما يجب أن يكون لها من السلطان. # وللأسف لم يظهر هذا الكتاب مع أنه بلغ من ترجمته مبلغا كبيرا، ولكنه أصدر بعد ~~ذلك ترجمة بنتام في أصول الحقوق والواجبات، حتى جاء الزمن الأخير فظهر الشعور ~~الوطني بمظهر جميل، ولكنه لا يزال في مقاصده بعض اللبس حتى فيما هو مكتوب من ~~المبادئ في الصحف، وما الصحف إلا ترجمان الرأي العام. # إيمانه بالاشتراكية الديمقراطية # ولعل فتحي باشا أمام هذه المشاهد أشفق على حرية الأفراد، وتربية الأمة من الميل ~~الظاهر إلى ما يشبه الاشتراكية؛ فإن الناس لم يقتصروا في طلبهم على حقوق الأفراد من ~~الحرية وحق الشعب من السلطة، بل أخذوا مع ذلك يطالبون الحكومة أن تقوم لهم بكل شيء، ~~ومهما كان في أساليب هذه المطالب من الانتقاد الضمني إلا أن مثل هذه الحركة من ~~شأنها أن تجعل الحكومة هي كل شيء، والفرد لا شيء! # الاشتراكية قد تكون معقولة إذا كان للشعب شأن في تنصيب الحكومة، وإلا فهي ~~اشتراكية معكوسة النتائج، فأخذ فتحي زغلول عن بعد يهدي الأفراد إلى وجوب الاستمساك ~~بشخصيتهم، ويبين لهم أن التربية الشخصية هي التي كانت سر تقدم الإنجليز السكسون، ~~فطلب إلى المصريين أن يتشبهوا بهؤلاء، وألا يفنوا شخصيتهم، فيفني وجودهم، ~~واستطرادا في هذا النظر تصدى لترجمة «الفرد ضد الأمة» و«روح الاجتماع»، و«سر تطور ~~الأمم»، كل ذلك لينشر في الجمهور الأسس العلمية للرقي حتى يطبق الناس حالهم على هذه ~~الأصول، فينتفعوا بتجارب الأمم. # إن توفيق فتحي باشا في اختيار مترجماته يدل فوق ما قدمت على أنه كان يعتنق مذهب ~~الاشتراكيين الديمقراطيين، سواء أكان ذلك في التربية والتعليم أم في الأصول ~~الاجتماعية والسياسية بل الاقتصادية أيضا. # ولو شئنا أن عقائده من منتجاته وأحاديثه ms079 لضاق بنا المقام، ولكني أكتفي بالإشارة ~~إلى أن بين اختياره لتلك المؤلفات، وبين مذهبه الديمقراطي الاشتراكي في محاولة ~~الإصلاح الاجتماعي والسياسي نسبا متصلا جد الاتصال. # رجل تطور # من ذلك نعلم أن فتحي زغلول كان رجل تقدم تطوري، فكما أنه كان يرى أن خير القوانين ~~ليس هو القانون الحسن في ذاته، ولكنه القانون الذي يحتمل الشعب تطبيقه، كذلك كان ~~يرى أن خير المبادئ الاجتماعية والسياسية ما كان بينه وبين طبائع الشعب وعاداته نسب ~~يكمل ما فيها من نقص، ويقوم ما بها من اعوجاج. # كان فتحي يسترشد بهذه الآراء الحرة، فإذا لم يكن نشرها يتفق مع مركزه في الحكومة؛ ~~فقد نشرها بالترجمة ليرضي دواعي ضميره، وليثابر على تربية قومه تربية صالحة على ~~قواعد ثابتة مع معرفة الحقوق والواجبات، فليس فتحي على ذلك من أصحاب المناصب، بل ~~هو من أرباب المذاهب. # ومن كان كذلك من شأنه أن يكون شقيا معذبا، يكاد لا يكون له من راحته ووقته ~~نصيب، فهو مقسم بين الأعمال الرسمية الشاقة، وبين خدمة العلم، يعمل في التأليف ~~والترجمة شطرا من الليل، وأحيانا طول الليل ومدة العطلة، فإذا لامه في ذلك ~~أصدقاؤه هز كتفه هزة الفيلسوف لا يبالي مات اليوم أو مات غدا. # نعم، كان العالم المفكر فتحي زغلول يرى أن الحياة تقدر بما يتم فيها من العمل ~~الصالح، لا بعدد السنين والأيام. # مثال الموظف المتفاني # وقد كان فتحي زغلول أصغر أنجال المرحوم الشيخ إبراهيم زغلول من أعيان أبيانة، ولد ~~في تلك القرية في ربيع الأول سنة 1279ه، ومات أبوه إذ كان رضيعا، وكان شقيقه سعد ~~زغلول فطيما، خلفهما أبوهما في حضانة والدتهما التي هي إحدى عقائل عائلة بركات ~~الشهيرة بالغربية، وكانت وقت وفاة زوجها لا يتجاوز عمرها العشرين، فقامت على ~~ولديها، ووقفت نفسها على تربيتهما تحت إشراف أخيهما الكبير لأبيهما المرحوم الشناوي ~~أفندي زغلول الذي عني بتعليمهما على أحسن ما تعلم به أبناء الأعيان. # تعلم «فتح الله» الصغير في كتاب البلد، ثم في مدرسة رشيد، ثم في المدرسة ~~التجهيزية، ثم ms080 في مدرسة الألسن، فاتفق أن زارها المرحوم أحمد خيري باشا ناظر ~~المعارف العمومية، فأعجب بذكاء الشاب «فتح الله» وأعطاه اسم أحمد، ونحت من فتح الله ~~«فتحي» وأصدر أمرا رسميا إلى المدرسة بتسميته أحمد فتحي، وبأن يرد إليه ما دفع ~~من المصاريف المدرسية، وبأن يتعلم بالمجان، فلما كانت سنة 1884 أرسلته نظارة ~~المعارف إلى فرنسا لدرس الحقوق، فحصل على شهادة الليسانس ورجع سنة 1887، فوظف بقلم ~~قضايا الحكومة، ثم رئيسا لنيابة أسيوط، ثم رئيسا لنيابة الإسكندرية، ثم مفتشا ~~بلجنة المراقبة فرئيسا لمحكمة الزقازيق ، ثم رئيسا لمحكمة مصر، ثم وكيلا لنظارة ~~الحقانية، وهي الوظيفة الأخيرة التي مات وهو قائم بها. # كان فتحي مثال الموظف المتفاني في أداء واجباته، القائم بعمله وعمل غيره أحيانا، ~~ولم يمنعه ذلك من أن يكون مترجما أمينا ومؤلفا كبيرا. # إن شدة الذكاء وقوة النفس وحسن الإخلاص - تلك الصفات التي ظهرت آثارها على فتحي ~~باشا منذ شبابه الغض - راجع معظمها إلى التأثر الوراثي من أبويه، وعلى الأخص والدته ~~التي أفاضت عليه من صفاتها بما يفيض الأصل وبما غرست من المبادئ الصالحة مما جعل ~~لفتحي شخصية ممتازة منذ صباه. # ولا عجب فأمهاتنا نحن القرويين منهن مع بساطة في المدارك العقلية وبعد عن العلوم ~~والمعارف على جانب عظيم من الذكاء الفطري ورفعة الأخلاق، وعزة النفس، والذوق السليم ~~في الحكم، والطيبة والتقوى في المعاملات، ينقلن هذه الصفات لأبنائهن بحكم قانون ~~الانتقال الوراثي، فتكون لهم رأس مال في الحياة العملية، ولولا هذه الصفات لهلك ~~القرويون غير المتعلمين بما هم فيه من جهل عميق. # فللأمهات القرويات أن يقبلن شكر الجيل الحاضر، وعلينا أن نعترف علنا بما للأمهات ~~من الأهمية العظمى في توريث البنين والقيام على تربيتهم الأولى. # وأمامنا المثل الحسي: إن هذه الوالدة القروية ينسب إليها الفضل الأكبر في أنها ~~أخرجت لمصر نابغتين عظيمين: سعد زغلول وشقيقه فتحي زغلول. # الفصل الحادي عشر # | موقفنا من الحرب سنة 1914 # (1) معظم النار من مستصغر الشرر # وقع ما كان يخشاه العالم بأسره، وعم الخطب سنة 1914 ولم يبق بعد ms081 سبيل إلى ~~السلام، ولم يكن لينتظر أن الخلاف المحلي الذي قام بين النمسا والصرب يصل إلى النتيجة ~~التي وصل إليها، وهنا نورد المثل المشهور:«معظم النار من مستصغر الشرر.» # عجزت السياسة والمفاوضات السياسية، والوساطات الملوكية والإمبراطورية عن تأييد السلم ~~وحقن الدماء، وحماية مصالح الناس، وانفرد الشر بالحكم في أوربا؛ إذ نفخ في صوره ففزعت ~~لدعوته الملايين، وانقلبوا عن صورهم المدنية، فأصموا آذانهم عن دعوة الإخاء الإنساني، ~~واستدبروا نهائيا مبادئ المحبة والغفران والسلام، وغشي الغضب أبصارهم، فلم يعودوا ~~يفكرون في الخسارة الكبرى التي يجنيها المحاربون من وراء الحرب؛ سواء فيهم الغالب ~~والمغلوب، واستهانوا بالأضرار التي تلحق العالم بأسره من وراء هذه الحركة، التي ليس ~~فيها من البركة شيء. # تلك حرب لم تكن كحروب القرون الأولى، فإن المدنية الحاضرة قد جعلت الكرة الأرضية أشبه ~~بالوطن الواحد في المنافع الاقتصادية التي هي أساس العمران، بل علة الحياة، أجزاؤه ~~متضامنة في الخير والشر، أقفلت أسواق أوربا وميزان الحركة الاقتصادية العامة معلق بين ~~أصابعها، فأخلت بالموازنة في كل شيء حتى في أسعار الأقوات في كل البلاد، وأصبحنا في مصر ~~- ونحن بمركزنا الاستثنائي بعيدون عن هذه الحركة الحربية - نشعر من أول يوم بالرجات ~~الشديدة التي انتابت سوقنا المالية، وعلى هذا القياس كل أنحاء الكرة الأرضية، أفلا يعلم ~~الذين يعلنون الحروب بكلمة من أفواههم، مقدار المسئولية التي يحملونها بهذه الكلمة ~~الكبرى التي تسفك دماء الملايين من الأبرياء بالمعنى الصحيح، الذين يتمثلون بقول ~~القائل: # لم أكن من جناتها علم الل # ه وإني لحرها اليوم صالي # يقاد أحدهم من الدار إلى النار؛ لا دفاعا عن وطن مهدد، ولكن إرضاء لشهوات العظماء، ~~إرضاء لرؤساء الأحزاب، إرضاء لكلمات ضخمة مجوفة ترن رنين تمثال آمون وليس في بطنها من ~~الحقيقة شيء، رحم الله «جوريس» أول قتيل لهذه الحرب، وأول ضحية من ضحاياها الذاهبة في ~~سبيل الحق والسلام. ~~(2) قلت لرشدي # هذا وقد كان لمصر وقتئذ مصالح يجب أن نرعاها، وكانت الوزارة الرشدية بالإسكندرية، ~~فاتصلت برئيسها صديقي المرحوم حسين رشدي باشا عن طريق التليفون، وما ms082 كدت أخاطبه في أمر ~~عادي حتى قال لي: دع عنك هذا، فإن إنجلترا أعلنت اليوم الحرب على ألمانيا. # ودعاني للقائه في اليوم التالي ببيته بالقاهرة. # وذهبت للقائه، فوجدت معه عدلي يكن باشا وزير الخارجية وهما يحلان تلغرافا بالشفرة من ~~زميلهما محمد محب باشا، وكان وقتئذ بصحبة الخديو عباس حلمي باستامبول، فقال لي رشدي ~~باشا: إن إنجلترا قد دخلت الحرب، وقد كتبنا هذا بإعلان الأحكام العرفية في ~~البلاد. # وسلمني إعلانا، فقلت له: أتدخل الحرب مجانا يا باشا؟! # قال: بل احترزنا مما تخاف، بأن قلنا: «نظرا للاحتلال الفعلي لإنجلترا في ~~مصر.» # فقلت له: أخشى أن يقول الناس: إن هذه سذاجة سياسية. فإذا كانت إنجلترا تريد أن تجرنا ~~معها إلى هذه الحرب، فلتعترف لنا أولا بالاستقلال! # قال رشدي: لم يفت وقت ذلك! # واتفقنا نحن الثلاثة على السعي لتعترف إنجلترا باستقلالنا، ونكفل لها مصالحها إلى حد ~~أن نعاونها بدخولنا معها الحرب إذا كان هذا ضروريا. # وقد كان أكثر رجال الوكالة البريطانية وقتئذ في أوربا بالإجازة، ثم كان «سير ريجنلد ~~ونجت» أول من حضر منهم، فكلمه رشدي باشا في ذلك، وصارحه بأن مصر مستعدة لمناصرة ~~بريطانيا العظمى بشرط أن تعترف باستقلالنا، فارتاع «ونجت» لهذه الفكرة ووعد بأن يعرض ~~الأمر على حكومته، ثم جاء بعد ذلك مستشار الداخلية «سير جراهام» فلقيته وقلت له: إن ~~مركزنا الآن دقيق، فنحن تابعون لتركيا، وهي ستدخل الحرب مع ألمانيا وأنتم محتلون بلدنا ~~الذي أعلنت حكومته الحكم العرفي تضامنا معكم، فلا بد لنا من تنظيم هذه الحالة، ولست ~~أرى طريقا لذلك إلا أن نعلن استقلالنا وننصب الخديو ملكا علينا، وأنتم تعترفون ~~بذلك. # فقال: تركيا لن تدخل الحرب، وعندنا على ذلك ضمانات. # قلت: إن لم يكن دخول تركيا الحرب راجحا، أفلا يكون محتملا؟ # قال: كل شيء محتمل! # قلت: إذن ماذا يكون؟ # فلما ألححت عليه في الاستدلال على ضرورة دخول تركيا الحرب وسوء مركزنا في ذلك الوقت، ~~قال: يا صاحبي نحن نعرفكم كما تعرفون أنفسكم؛ فحين ظهور أول طربوش تركي من القنال ~~تتركوننا ms083 وتجرون وراءه! # وانقطع الحديث عند ذلك فأخبرت رشدي باشا بما حدث، فقال لي: إنه كلمه كذلك فلم ينل منه ~~طائلا! # وحدث أن دعا رشدي باشا سير «ستورس» السكرتير الشرقي للوكالة البريطانية؛ ليتغدى معه ~~بالكونتننتال، وعلم بذلك محمد محمود باشا، فدعاني أن أتغدى معهم إلى جانبهم؛ كي نعلم ~~بعد الغداء من رشدي باشا ماذا دار بينهم، ولما انتهينا قال لنا رشدي باشا: إن ستورس ~~يؤيد فكرتنا كالسير ريجلند ونجت، ووعدني بأنه سيخابر أباه العضو في البرلمان البريطاني؛ ~~ليثير هذه المسألة عند الحكومة البريطانية . ~~(3) كسرت قلمي # وكنت وقتئذ أتردد على عدلي باشا؛ لأعرف إلى أي حد وصلت مسألتنا، وذات يوم ألفيت به ~~فوجدته متشائما، وبادرني بقوله: ليس عندي أمل في نجاحنا! # فخرجت من عنده مكتئبا كاسف البال، وزارني بعد أيام نجيب باشا غالي وكيل الخارجية في ~~ذلك الحين، فسألني قائلا: ما هو الأمر الذي تتردد من أجله على عدلي باشا؟ # فأفضيت له بما عندي، وقلت: «إن الأمر قد انتهى بالفشل، ولهذا سأكسر قلمي، وأذهب إلى ~~بلدي، وأعتزل السياسة.» # وفي اليوم التالي كلمني ستورس بالتليفون، وقال لي: لا تيأس! # ثم كلمني بعد دقائق نجيب غالي باشا يدعوني إلى العشاء عنده أنا وستورس - وكان اللورد ~~كتشنر قد عين وزيرا - فقلت لنجيب باشا: إني أقبل الدعوة بشرط أن يحضر معنا عدلي باشا ~~فأجابني إلى ذلك، واجتمعنا نحن الأربعة في بيت نجيب باشا وحدثنا ستورس حتى ظننا أن ~~النجاح في متناول يدنا، فوضعنا في بيت نجيب باشا صورة المعاهدة بيننا وبين بريطانيا ~~العظمى تتضمن اعترافها باستقلالنا واعترافنا بمصالحها في مصر وفي قنال السويس. # كل ذلك في شهر أغسطس سنة 1914 وكان الأمل يحدونا جميعا. # ذهبت بعد أيام قلائل إلى عدلي باشا بديوان الخارجية فوجدته قد يئس نهائيا من تحقيق ~~مطلبنا، فخرجت من عنده وأنا مصمم على اعتزال السياسة، ثم قدمت استقالتي من رئاسة ~~«الجريدة» لرئيسها محمود سليمان باشا، وسافرت إلى بلدتي «برقين»، وكان هذا آخر عهدي ~~بالعمل الصحفي. # عدت موظفا في الحكومة # ما كادت تمضي على ms084 إقامتى في برقين مدة طويلة حتى عزل الخديو عباس، وأعلنت الحماية ~~على مصر، ونصب الأمير حسين كامل سلطانا عليها. # وشاع بعد ذلك في البيئات السياسية في مصر أن تركيا حكمت بالإعدام على السلطان ~~حسين وأعضاء وزارة رشدي باشا، باعتبار أنهم قبلوا الحماية، وعلي أنا أيضا ~~باعتبار أني أثرت حركة سنة 1911 ضد الأتراك! # وفي سنة 1915 كنت بالقاهرة، فجاءني أبي من «برقين» مذعورا وهو يقول: إنه قد أشيع ~~عندنا أن سعد زغلول باشا قبض عليه، فخشي أن يكون قد قبض علي أيضا ثم ذهبت معه إلى ~~بيت علي شعراوي باشا، فقال لي شعراوي: «إن ستورس سألني عنك، وسأل هل جففت دموعك من ~~يوم إعلان الحماية على مصر أم لا؟» ثم قال لي: «إن السلطان حسين يرغب في أن تدخل ~~وظائف الحكومة.» # كل هذه الظروف جعلت أبي يستحثني على أن أقبل الدخول في الحكومة حتى لا يقبض ~~الإنجليز علي، فقبلت ذلك؛ إرضاء لوالدي رحمه الله، وعينت رئيسا لنيابة بني ~~سويف؛ ليمكن ترشيحي قاضيا بالاستئناف، ولم ألبث في بني سويف غير أشهر، وأرسل إلي ~~عدلي باشا بأن أحضر إلى الإسكندرية، ولما حضرت أخبرني أن السلطان حسين مصمم على أن ~~أكون مديرا لدار الكتب المصرية خلفا للدكتور شادة المدير الألماني، فقبلت ~~ذلك. # لماذا ترجمت أرسطو؟ # نشأت من الصغر ميالا إلى العلوم المنطقية والفلسفية، وقد لفت نظري في أرسطو أنه أول ~~من ابتدع علم المنطق، وأكبر مؤلف له أثر خالد في العلوم والآداب، ولما كنت مديرا لدار ~~الكتب المصرية تحدثت مع بعض أصدقائي في وجوب تأسيس نهضتنا العلمية على الترجمة قبل ~~التأليف كما حدث في النهضة الأوربية؛ فقد عمد رجال هذه النهضة إلى درس فلسفة أرسطو على ~~نصوصها الأصلية، فكانت مفتاحا للتفكير العصري الذي أخرج كثيرا من المذاهب الفلسفية ~~الحديثة. # ولما كانت الفلسفة العربية قد قامت على فلسفة أرسطو، فلا جرم أن آراءه ومذهبه أشد ~~المذاهب اتفاقا مع مألوفاتنا الحالية، والطريق الأقرب إلى نقل العلم في بلادنا وتأقلمه ~~فيها؛ رجاء أن ينتج في النهضة ms085 الشرقية مثل ما أنتج في النهضة الغربية. # وفي الحق إن أرسطو لم يكن كغيره معلما في نوع خاص من العلوم دون سواه، بل هو معلم في ~~الفلسفة، معلم في السياسة والاجتماع، فهو كما لقبه العرب بحق «المعلم الأول» على ~~الإطلاق، وكما وصفه دانتي في جحيمه «معلم الذين يعلمون». # وقد ترجمت في سنة 1924 عنه «كتاب الأخلاق»، وهذا الكتاب يعد مقدمة لكتاب السياسة، بل ~~إن جانبا كبيرا منه يمهد لموضوع كتاب السياسة، فأردت أن أترجمه؛ ليستفيد منه قراء ~~العربية. ~~••• # أما القواعد التي وضعها أرسطو لعلم السياسة فما زالت هي القواعد السائدة بين الساسة، ~~وهي القواعد التي يدرسها الآن طلبة العلوم السياسية في الجامعات، ونحن نسمع الآن كلمات ~~الأتوقراطية والديمقراطية، والدكتاتورية، وهي كلها من تعبيرات أرسطو وابتداعه. # وقد قال أوغست كونت: «الواجب علي أن أنوه باسم أرسطو العظيم؛ فإن سياسته الخالدة هي ~~بلا شك إحدى النتائج الباهرة للزمن القديم، على أنها إلى هذا الوقت هي المنوال الذي ~~نسجت عليه أكثر الأعمال التي جاءت بعدها في هذا الموضوع.» # والسياسة عند أرسطو هي أشرف العلوم؛ لأنه يعرفها بأنها تدبير المدينة؛ ليكون سكانها ~~فضلاء، ومن هذا التعريف ترجع إلى السياسة سائر العلوم، أو كما قال أرسطو: إن السياسة ~~تبين ما هي العلوم الضرورية لحياة الممالك، وما هي العلوم التي يجب أن يتعلمها السكان، ~~والى أي حد ينبغي أن يعلموها. # أول مجمع للغة العربية # في نحو سنة 1916 دعاني المرحوم إسماعيل عاصم المحامي مع عدلي باشا ورشدي باشا ~~والأستاذ يعقوب صروف وآخرين في بيته وتحدثنا عنده في ضرورة إيجاد مجمع للغة العربية ~~لا يكون تابعا لوزارة المعارف، ولكنها تأويه في دار الكتب المصرية، وتمده بمساعدة ~~عمالها وموظفيها في أعماله الكتابية، ودعوت حفني بك ناصف وعاطف باشا بركات، ووضعنا ~~قانونا للمجمع، وألفناه برياسة الشيخ محمد أبي الفضل الجيزاوي شيخ الجامع الأزهر، ~~وكنت أنا سكرتير المجمع، وأذكر من أعضائه الشيخ محمد بخيت، والشيخ عبد الرحمن ~~قراعة، وعاطف باشا بركات، والأستاذ يعقوب صروف، وحفني ناصف بك، والشيخ الإسكندري ~~وحلمي ms086 عيسى باشا، ومن ألطف ما أذكره عن هذا المجمع أننا مكثنا سنة كاملة نتناقش في ~~جواز التعريب! # وقد انطوى هذا المجمع ولم يعمر طويلا. # الفصل الثاني عشر # | في ثورة سنة 1919 # (1) لماذا طلبنا الاستقلال التام # في سنة 1919 نهضنا نطالب بالاستقلال التام، وقبل ذلك بزمن بعيد طلبناه ودعونا إليه؛ ~~طلبناه على طرق متنوعة، وبصنوف مختلفة، طلبناه من فرنسا، ومن إنجلترا، ومن السلطة ~~الشرعية، طلبناه بأقلام الكتاب، وبألسنة الزعماء. # طلبنا الاستقلال التام؛ لأن الحرية هي الغذاء الضروري لحياتنا، ولو كنا نعيش بالخبز ~~والماء، لكانت عيشتنا راضية وفوق الراضية، ولكن غذاءنا الحقيقي الذي به نحيا، ومن أجله ~~نحب الحياة ليس هو شبع البطون الجائعة، بل إرضاء العقول والقلوب، وعقولنا وقلوبنا لا ~~ترضى إلا بالحرية. # إنا إذا طلبنا الحرية لا نطلب بها شيئا كثيرا، إنما نطلب ألا نموت، ولا يوجد مخلوق ~~أقنع من الذي لا يطلب إلا الحياة ووسائل الحياة، كما أنه لا أحد أقل كرما من ذلك الذي ~~يضن على الموجود الحي بأن يستوفي قسطه من الحياة. # لست أعجب من الذي يستهين بحياة الرجل، فيستعجل عليه القدر المحتوم، ولكني أعجب من ~~الذي يبالغ في الرحمة بالإنسان فيريد له الحياة شبعان ريان معطل الحرية، قد ضرب ~~بين عقله وبين الأشياء والمعاني بحجاب فلا يتناولها، وحيل بين مشاعره وبين موضوعات ~~غذائها، فلا تتحرك بل تموت. # أعجب من الذي يظن الحياة شيئا والحرية شيئا آخر، ولا يريد أن يقتنع بأن الحرية، هي ~~المقوم الأول للحياة، ولا حياة إلا بالحرية. # أجل، إن المرء يحفظ حرية الفكر، وحرية المشاعر، أي يحفظ حرية الطبيعة حتى في غيابه في ~~السجن، يحفظها في كل حال هو عليها ما دامت روحه في جسده، إنه خلق حرا، حر الإرادة، حر ~~الاختيار بين الفعل والترك، حرا في كل شيء حتى في أن يعيش وفي أن يموت متى قدر ~~له. # لا فائدة من حرية معطلة # إن هذه الحرية الطبيعية لا فائدة منها إذا تعطلت من آثارها، فالذي سجن، والذي منع ~~الكلام، والذي منع الكتابة؛ ms087 كل أولئك يحفظون حريتهم في نفوسهم، ولكنهم فقدوا ~~الانتفاع بها؛ أي فقدوا بذلك الحرية المدنية. # لا أريد بذلك أن أتصدى للتعريفات الاصطلاحية لأنواع الحرية، ولكن جرنا إليه ~~التدليل على أن الحرية المعطلة عن الاستعمال هي في حكم المفقودة، وأن الحرية ~~الطبيعية الملازمة للإنسان لا يصح أن تسمى حرية إلا إذا كان ميسرا له استعمالها، ~~رأيت أن المرء يرى الطريق بعينيه المكتوفتين، لكن العين المعصوبة واليد الموثوقة ~~كلتاهما في حكم المعدومة، إنما يكون المرء حرا بمقدار ما لديه من وسائل استعمال ~~هذه الحرية، وإنما يكون حيا بمقدار ما حاز من الاستمتاع بالحرية، فالحرية الناقصة ~~حياة ناقصة، وفقدان الحرية هو الموت؛ لأن الحرية هي معنى الحياة. # طبعنا على حب الكمال # طبعنا على حب الكمال في حياتنا ومعاداة كل العوارض التي تعرض لنا في طريق المثل ~~الأعلى للمعيشة المستكملة وسائل الحرية وآثارها، ولا خيرة لنا فيما طبعنا عليه، ~~وسواء أكان هذا الشوق الطبيعي إلى حياة الحرية مصدر سعادة أم مصدر شقاء، فإنه على ~~كل حال نار تتأجج بين ضلوع الحي لا تبرد أو تصل به إلى المرغوب، أجل، إن المثل ~~الأعلى ليس نقطة ثابتة، ولا غرضا محدود المسافة يمكن بلوغه، بل كلما بلغناه انتقل ~~شبحه أمامنا إلى نقطة أخرى على بعد مرمى النظر لسنا بالغيه ولا منصرفين عن التشبث ~~بتركه، بل تسوقنا إليه حاجة لا قبل لنا بالصبر عن قضائها، ولو كلفنا أن نركب متن ~~التعسف!! # ولهذا يستغلق علينا فهم الأباطيل القديمة التي كانت الغطرسة الجنسية تأخذ بها ~~الكتاب؛ ليسقطوا في هاوية التناقض. # يقولون: إن بعض الناس خلق للسيادة أبدا، وبعضهم خلق للعبودية أبدا، ولا نزال ~~نرى هذا خطأ يتردد في آراء الساسة المستعمرين على صورة أقل شناعة، وبعبارة أكثر ~~ائتلافا مع مدنيتنا الحديثة، يضعون أصابعهم في أعينهم؛ إذ تكون النتيجة المنطقية ~~النهائية لهذه المقدمات الصادقة هي هذه الجزئية: «بعض الإنسان لا إنسان.» # كذبت فلسفتهم # كذبت فلسفتهم، وصدق الذي يشعر به كل إنسان منا في نفسه من الميل إلى الرقي في كل ~~شيء، ms088 وإلى الحرية قبل كل شيء، صدق هذا الأثر الذي نجده في طليق الأسير أو السجين ~~يوم إطلاقه، وفي محاولة المعقول أن ينشط من عقاله، صدق ذلك الألم الذي يجده ذو ~~الفكرة العلمية من حبس حريته عن التصريح بها، فتظل تجول في نفسه، ويغلي في صدره حب ~~أبدانها، ويقلق ذلك خاطره، ويكد ضميره، ويحتوي على كل مشاعره، حتى يفضل الموت في ~~إرضاء هذا الحب على الحياة في كتمانه، وكم من عالم استحب الموت على الحياة في سبيل ~~حبه لحريته العلمية، فمنهم من قتل، ومنهم من أحرق، ومنهم من حبس أو عذب، وجلهم من ~~تلك الأمم التي يقولون: إنها خلقت لغير السيادة. فإذا وجدت عبدا لم يؤثر الحرية ~~على العبودية، ولم يطلب نفسا بالعتق من الرق، فذلك مثل من الأمثلة النادرة في بني ~~الإنسان، وليس قاعدة يصح الأخذ بها. # إن الذي يراجع الماضي لا يجد أمة من الأمم المخلوقة للعبودية - كما يزعمون - إلا ~~قاتلت عن حريتها، وإذا كان أصدق المعلومات هي تلك المعلومات التي تقدمها لنا ~~المشاهدة الواقعة، فالإنسان - على الرغم من فلسفة المستعمرين - حر بطبعه، ميال إلى ~~الحرية، ميال إلى الارتقاء فيها إلى المثل الأعلى، وفي سهولة الوسائل الموصلة ~~إليه. # الحرية طبيعة # الحرية طبيعة وميل الناس إلى تحصيلها طبيعي بالضرورة، يشتد ويظهر مع القوة ~~الحيوية ويضعف وتخمد آثاره مع الضعف، فكما أن القوي لا يموت جوعا كذلك لا يصبر على ~~الحياة البعيدة عن المثل الأعلى للحرية. # ولقد أصبحنا في بلادنا ندرك الحرية بمثلها الأصلي الذي يأتلف مع شرف الإنسان في ~~هذا الزمان؛ فقد أصبحنا نمتعض من كل فكرة ومن كل قانون ومن كل عمل يمس الحرية ~~الشخصية أو يعطل استعمال الحرية والمدنية في غير الحدود المتفق عليها في أعلى ~~البلاد مدنية، وأصبحنا كذلك نرى أن الحكومة المعقولة الوحيدة المطابقة لشرف الأمة ~~هي حكومة الدستور، ومنا من لا يخشى أن يصرح بأن استقلال الأمة هو الطلبة الكبرى ~~التي يجب أن توجه إليها قوى الشعب بأسره، فلم يبق علينا للتدرج في مراقي الحرية ms089 ~~والتقريب من مثلها الأعلى المتفق عليه بيننا، إلا الوسائل المنتجة؛ فإن إدارة الأمر ~~شيء، والقدرة عليه شيء آخر. # أما القوة فإن طبيعتها تختلف في كل زمان ومكان؛ تبعا لطبيعة عيشة الأمة ~~واعتقاداتها الدينية وعاداتها وأخلاقها، ونتيجتها تختلف دائما باختلاف طبيعة ~~الوسائل التي يمكن استخدامها، وعندنا أن أول مظهر للقوة هي القوى المعنوية، قوة ~~الحرية العلمية؛ فإن الآراء العلمية ليس من شأنها أن تجد من القوة القاهرة - خصوصا ~~في الأزمان الحاضرة - معارضة تذكر، فإذا استخدم المتعلمون إرادتهم في إظهار حريتهم ~~العلمية، كان لهم من ذلك مرانة تنفعهم في تربية أخلاق الشعب وتعويده على حرية الرأي ~~والصبر على الأذى الذي ينتج دائما عن حرية الرأي؛ سواء أكان من الحكام أم من ~~المحكومين. # إن الذين يبخلون علينا بالقرب من المثل الأعلى من حريتنا التي أتانا الله إياها ~~من فضله، يجدون أمثلة تقصيرنا في إظهار حرية الرأي في العلم وفي السياسة ما يحتجون ~~به في إرادتنا على البقاء على ما نحن عليه، فإذا أحسوا من حريتنا في الآراء العلمية ~~الإرادية قوة لا يقف أمامها استهزاء الجهلاء ولا غضب الكبراء ولا استدرار المنافع ~~الخسيسة، لا يجدون مندوحة من التخلية بيننا وبين طريقنا إلى المثل الأعلى لحريتنا، ~~ومن قصر النظر أن يظن أن هذه القوة المعنوية - قوة التمسك بالحرية والتماسك على ~~نصرتها - غير كافية في تقريبنا من مثلها الأعلى، أقول وأؤكد أنها هي وحدها كافية في ~~إنالتنا طلبتنا، فلنرض نفوسنا على الاستمساك بها ولننتظر النتيجة. # إن تقدمنا في نيل قسطنا الطبيعي من الحرية يستحيل أن يوجد ولو كانت في ~~أيدينا أكبر معدات القوة الوحشية، وكان عددنا أضعاف ما نحن عليه، إذا كنا لا نتخلص ~~من وصمة عبادة الآراء والأفكار من غير تمحيص؛ اعتمادا على مكانة قائلها، وإذا كنا ~~لا نقطع بأيدينا تلك السلاسل التي قيدت عقولنا والأوهام التي أفسدت علينا الاستفادة ~~من المبادئ الجديدة. إننا إذا جربنا أن نرفع منار الحرية في الميدان الذي لنا فيه ~~حرية العمل وليس لنا فيه مزاحم ولا شريك كان ذلك ms090 فاتحة خير لإظهار شيء من القوة ~~الضرورية لظهور الحرية وتأييدها. ~~(2) الأصدقاء الخمسة # ولقد أصبحنا في بلادنا ندرك الحرية بمثلها الأعلى الذي يأتلف مع شرف الإنسان في هذا ~~الزمان، وصرنا نمتعض من كل فكرة، ومن كل قانون، ومن كل عمل يمس الحرية الشخصية أو يعطل ~~استعمال الحرية المدنية في غير الحدود المتفق عليها في أعلى البلاد مدنية، وأصبحنا ~~كذلك نرى أن الحكومة المعقولة الوحيدة المطابقة لشرف الأمة هي حكومة الدستور وأن الطلبة ~~الكبرى التي يجب أن توجه إليها قوى الشعب بأسره، هي الاستقلال التام. # لهذا نهضنا نهضة مباركة، وهدفنا هذا الغرض العظيم، وبدأنا نحن الاصدقاء الخمسة: «سعد ~~زغلول، وعبد العزيز فهمي، وعلي شعراوي، ومحمد محمود، وأنا»، نفكر في كيفية الاستفادة من ~~المبادئ الأربعة عشر التي أعلنها الرئيس ويلسون رئيس جمهورية الولايات المتحدة، تلك ~~المبادئ الحرة التي تنص في جملتها على أن كل أمة، مهما صغرت، لها الحق في اختيار ~~مصيرها، وتقرير الحكم الذي ترضاه بمحض إرادتها وحريتها. # وفي نوفمبر سنة 1918 بدأنا نؤلف الوفد المصري، واستقلت من دار الكتب المصرية، وأخذنا ~~نعمل في ذلك الحين على ما جاء في «مذكرات صديقي عبد العزيز فهمي» باشا. # 1 # ولا أستطيع بالضبط أن أروي الآن ما جرت به الحوادث من وقت تأليف الوفد، وإن كنت قد ~~كتبت بها يوميات لكني اضطررت لإحراقها، كما سأقص هنا: # بعد أن نفي إلى مالطة أصحابنا الأربعة: سعد زغلول، ومحمد محمود، وإسماعيل صدقي، وحمد ~~الباسل، قامت في البلاد ثورة عنيفه في أوائل سنة 1919، كانت من الخطر بحيث لم نكن ~~نتوقعها، حتى لقد ألفت في مديرية المنيا جمهورية برياسه الدكتور محمود عبد الرزاق بك ~~الطبيب، وقطعت سكة الحديد بينها وبين القاهرة، وكذلك قيل عن تأليف جمهوريات في بعض ~~مديريات الوجه البحري، فدعتنا نحن أعضاء الوفد الباقين السلطة العسكرية للمثول أمامها ~~في فندق سافوي، وكان بين ضباطها العظام مستر إيموس، فلما مثلنا أمامها وجه القائد العام ~~إلينا الكلام، محملا إيانا مسئولية الثورة، فكان جوابي على هذه التهمة: «إن الوفد بريء ~~منها، ms091 وإن تبعتها تقع على السلطة العسكرية التي نفت أربعة من رجال الوفد المصري بلا ذنب ~~أتوه إلا أن يطالبوا بحرية بلادهم، ثم قابلت المظاهرات البريئة بالمترليوز، فغضب أهالي ~~البلاد لقتل أبنائهم، وقاموا بهذه الحركة، وإني أنصح للسلطة العسكرية أن تستدعي حسين ~~رشدي باشا، أو عدلي يكن باشا، أو ثروت باشا؛ ليؤلف وزراة تعمل على ترضية الأمة ترضية ~~كافية، وبهذا يقضى على الثورة.» # وبعد لقائنا لرجال السلطة العسكرية بأيام قلائل، كنت مع صديقي عبد العزيز فهمي ~~مجتمعين في منزل علي شعراوي، فوفد علينا صديقنا الدكتور يوسف نحاس، فقال لنا: «إنه علم ~~عن ثقة أن السلطة العسكرية الإنجليزية ستفتش بيوت أعضاء الوفد الباقين، وتقبض على أربعة ~~منهم لتقتلهم بالرصاص في اليوم التالي، وتصادر أملاكهم.» # على هذا الخبر قمت أنا وعبد العزيز باشا، وركبنا سيارة شعراوي باشا، وأوصلت عبد ~~العزيز إلى منزله بمصر الجديدة، وذهبت إلى بيتي بالمطرية، فأحرقت كل أوراقي السياسية؛ ~~لأنه لم يكن عندي الوقت الكافي لفرزها، وكان من بينها يوميات الوفد التي لم تخل صحيفة ~~منها من ذكر رشدي باشا وعدلي وثروت باشا، أحرقتها خوفا عليهم من أن يصيبهم ما سيصيبنا ~~من عنت واستبداد ونكال. ~~(3) ويلسون يوافق على الحماية # جلست بعد حرق هذه الأوراق في مكتبي، أنتظر التفتيش والقبض حتى الصباح، ولكن لم يكن من ~~ذلك شيء، وفي هذا الحين عين المارشال اللنبي معتمدا بريطانيا في مصر، وأعلن أنه يقبل ~~من أي كان ما يراه في أمر وقف الثورة القائمة، وعودة السكينة والسلام إلى البلاد، فأرسل ~~إليه الوفد تقريرا شرح فيه أسباب الثورة، وعزا حدتها إلى تصرف السلطة العسكرية العنيف، ~~ونصح بتنصيب واحد من الثلاثة المذكورين سالفا رئيسا للحكومة، والإفراج عن المنفيين ~~الأربعة، وإعطاء البلاد الترضية الكافية. # وعلى إثر وصول هذا التقرير إليه استدعانا وأخذ يناقشنا، حتى اقتنع بما فيه، فتألفت ~~وزارة برياسة حسين رشدي باشا، وصدر الأمر بالإفراج عن المنفيين، وأبيح لنا السفر إلى ~~إنجلترا على باخرة عسكرية إنجليزية، ذهبت بنا إلى مالطة، فاصطحبنا زملاءنا: سعدا، ~~ومحمد محمود، وصدقي، ms092 وحمد الباسل، حتى إذا ما وصلنا إلى مرسيليا جاءنا تلغراف بأن مستر ~~ويلسون رئيس الولايات المتحدة قد وافق على الحماية الإنجليزية على مصر، فكانت صدمة قوية ~~من هذا الذي نادى بحرية الشعوب، وأعلن مبادئه الحرة التي قوبلت في العالم أجمع بالغبطة ~~والإعجاب، وبخاصة عند الشعوب المهضومة. # في مؤتمر السلام # ذهبنا إلى باريس، وتقدمان لمؤتمر السلام، فأغلق أبوابه أمامنا، وقابلنا أعضاؤه ~~على النحو الذي أيأسنا منه، ووصفه صديقي عبد العزيز فهمي باشا في مذكراته. # ولما وقع الخلاف بين سعد وعدلي على رياسة المفاوضات، وانتقل الأمر إلى خصومة كان ~~مظهرها التلاحي، اعتزلت السياسة ، ثم عرض علي أن أرجع لدار الكتب المصرية، فرجعت ~~إليها، وأخذت أشتغل بها وبترجمتي لمؤلفات أرسطو، وبالجامعة المصرية القديمة التي ~~كان رشدي باشا رئيسا لها، وكنت وكيلا لها. # وأذكر أني في سنة 1922 وضعت منهاجا لهذه الجامعة باعتبارها كلية للآداب، وقابلت ~~الملك فؤاد، وعرضت عليه هذا المنهاج، وطلبت أن تجعل الحكومة شهادتها كشهادات ~~المدارس العليا، ما دام منهاجا يقضي بموافقة الحكومة عليه وتمثيلها في الامتحانات، ~~فكان جواب الملك فؤاد: «إن الحكومة عازمة على إنشاء جامعة، فيمكن اعتبار الجامعة ~~القديمة كلية آداب فيها.» فاغتبطت بذلك وجمعنا مجلس إدارة الجامعة العمومية؛ ليوكل ~~رشدي باشا في التعاقد مع الحكومة بشروط وضعت لتحقيق هذا الانضمام. # | هوامش # الفصل الثالث عشر # | من الجامعة إلى الوزارة # (1) كيف أسسنا الجامعة # ذكرت أن الملك فؤاد قال لي: إن الحكومة عازمة على إنشاء جامعة تضم المعاهد والمدارس ~~العليا، وإنه يمكن اعتبار الجامعة المصرية كلية آداب فيها. # على هذا الوعد عقدنا مجلس إدارة الجامعة في 12 ديسمبر سنة 1923 لتسليم الجامعة ~~المصرية إلى وزارة المعارف العمومية، وكتبنا بذلك عقدا أمضاه أحمد زكي أبو السعود باشا ~~وزير المعارف في ذلك الحين، وحسين رشدي باشا رئيس الجامعة، وعنيت بأن أذكر في شروط هذا ~~العقد أن يكون الدكتور طه حسين أستاذا في الجامعة الجديدة. # وقد يكون من المفيد أن أسجل في هذه الصفحات ذلك العقد وتلك الجلسة التاريخية التي تم ~~فيها هذا التسليم ms093 على النحو الآتي: # محضر الجلسة # نظرا إلى أن الجامعة المصرية طلبت إلى وزارة المعارف العمومية أن تعتبر ~~شهادتها كشهادات المدارس العالية التي تخول التوظف في الحكومة، فأجابت الوزارة ~~بما يأتي: «ليس في وسع وزارة المعارف الاعتراف بالشهادة التي تمنحها الجامعة ~~لمتخرجيها بالكيفية المرغوبة ما دامت بعيدة عن الإشراف على الدراسة فيها.» # ولما كانت الوزارة معتزمة إنشاء جامعة أميرية فسيكون بالضرورة بين أقسامها ~~كلية للآداب قد تنافس كلية الآداب للجامعة المصرية، فإذا رأيتم - تلافيا لهذا ~~التنافس - ضم كلية الآداب بالجامعة المصرية إلى وزارة المعارف، فإن النظام ~~العام الذي يوضع للجامعة الأميرية سيكون شاملا لها فتصبح نواة لقسم الآداب ~~بها. # ومتى تم هذا الضم شرعت الوزارة في فحص منهج الدراسة بهذه الكلية ونظام ~~الامتحان بها؛ ليكون ذلك توطئة لتقدير درجة الشهادة التي تمنحها. # فإذا ما وافقت إدارة الجامعة على وجهة النظر هذه فإن وزارة المعارف مستعدة ~~للنظر فيما يلزم لتحقيق هذا الغرض. # ونظرا إلى أن الجامعة المصرية المؤسسة في سنة 1908 تحت رئاسة سمو الأمير ~~أحمد فؤاد - جلالة الملك فؤاد الأول - إنما كان الغرض منها القيام بأمر التعليم ~~العالي الحر مقام الحكومة التي لم تكن وقتئذ لتوجه العناية الكافية إلى هذا ~~الأمر. # ونظرا إلى أن الجامعة المصرية لقلة مواردها، ولعدم اعتبار شهادتها في التوظف ~~بوظائف الحكومة، لا تستطيع أن تتم تكوينها بإنشاء الأقسام المختلفة للعلوم، بل ~~هي بحيث لا تستطيع بسهولة أن توسع كلية الآداب إلى الحد المرغوب فيه. # ونظرا إلى أن الذي يهم القائمين بالجامعة، هو أن توجد بالبلاد جامعة مستقلة ~~حرة يرتقي فيها التعليم العالي إلى المستوى الذي يأتلف مع أطماع البلاد في ~~الارتقاء العلمي، لذلك رحبوا بفكرة توحيد الجهود التعليمية واندماج الجامعة ~~المصرية في الجامعة الجديدة، وأهم ما اشترطوا لذلك ضمانة حرية الجامعة الجديدة ~~في إدارتها المالية ووضع برامجها وتنفيذها، ثم استيفاء آثار الحركة القومية ~~المباركة التي أوجدت الجامعة المصرية، ولهذا اقترح أحد عشر عضوا من أعضاء ~~الجامعة المصرية على جمعيتهم العمومية أن تفوض مجلس إدارتها في تسليم الجامعة ms094 ~~إلى وزارة المعارف بالشروط التي لا تخرج في ~~شيء عن ضمانة حرية التعليم واستقلاله واستبقاء الحركة القومية نحو التعليم في ~~سنة 1908، فقررت الجمعية العمومية ذلك بالإجماع وندب مجلس الإدارة إلى تحقيق ~~هذه الغاية حضرة صاحب الدولة حسين رشدي باشا رئيس الجامعة المصرية. # بناء على هذه الاعتبارات # اجتمع حضرة صاحب الدولة حسين رشدي باشا رئيس الجامعة المصرية وحضرة صاحب ~~المعالي أحمد زكي أبو السعود باشا وزير المعارف في يوم الأربعاء 12 ديسمبر سنة ~~1923 بوزارة المعارف العمومية لتحقيق هذه الغاية. # وبعد الاطلاع على الوثائق الآتية: ~~(1) # كتاب وكيل الجامعة المصرية إلى وزارة المعارف العمومية المؤرخ في 14 ~~نوفمبر سنة 1923. ~~(2) # جواب وزارة المعارف العمومية المؤرخ في 20 نوفمبر سنة 1923 ردا على ~~ذلك الكتاب. ~~(3) # الاقتراح المقدم من أحد عشر عضوا من أعضاء الجامعة المصرية إلى ~~جمعيتها العمومية. ~~(4) # محضر جلسة الجمعية العمومية للجامعة المصرية المنعقدة في 9 ديسمبر ~~سنة 1923. ~~(5) # محضر جلسة مجلس إدارة الجامعة المصرية المنعقدة في 9 ديسمبر سنة ~~1923. ~~(6) # مشروع لائحة الجامعة الجديدة. ~~(7) # مشروع الأمر العالي بتأليف الجامعة المذكورة. # بعد الاطلاع على هذه الوثائق وإرفاق صورها بهذا المحضر. # وبعد تبادل النظر في كل جهة من جهاته بين الطرفين، تم الاتفاق على ما ~~يأتي: # المادة الأولى: # قد تنازل باسم الجامعة المصرية حضرة صاحب الدولة حسين رشدي باشا ~~رئيسها عن هذه الجامعة مع كل ما تمتلكه من منقول وعقار إلى وزارة ~~المعارف العمومية على الشروط الآتية: ~~(1) # تكون الجامعة المصرية معهدا عاما محتفظة بشخصيتها ~~المعنوية وتدير شئونها بنفسها بكيفية مستقلة تحت إشراف ~~وزارة المعارف العمومية كما هي الحال في جامعات ~~أوربا. ~~(2) # أن تقوم الحكومة بإتمام النظام الحالي الذي لا يشمل سوى ~~كلية في الآداب بأن تدمج في الجامعة مدرستي الحقوق والطب ~~بعد تحويلهما إلى كليتين، وأن تضم إليها كلية للعلوم، ~~ويجوز أن تضم إليها كليات أخرى فيما بعد. ~~(3) # أن تستعمل نقود الجامعة البالغ قدرها نحو ستة وأربعين ~~ألف جنيه في البناء؛ احتراما لشروط بعض الواقفين. ~~(4) # أن تحترم تعهدات الجامعة نحو أساتذتها وموظفيها ~~الحاليين. أما فيما يتعلق ms095 بالدكتور طه حسين فقد رئي نظرا ~~لحالته الشخصية أن يبقى أستاذا بكلية الآداب. ~~(5) # أن يكون من مجلس إدارة الجامعة المصرية الحالي عضو أو ~~أكثر في مجلس إدارة قسم الآداب وفي مجلس إدارة الجامعة، ~~وذلك في الدور الأول من التشكيل؛ استيفاء لآثار النهضة ~~القومية التي أوجدت الجامعة المصرية. ~~المادة الثانية: # قبل حضرة صاحب المعالي أحمد زكي أبو السعود باشا وزير المعارف ~~العمومية باسم هذه الوزارة هذا التنازل واستلام الجامعة المصرية ~~وما تملك من منقول وعقار لإدماجها في الجامعة الجديدة بالشروط ~~الخمسة المبينة بالمادة الأولى. # المادة الثالثة: # ينفذ هذا الاتفاق بعد التصديق عليه من مجلس إدارة الجامعة ~~المصرية الحالي. # المادة الرابعة: # كتب من هذا الاتفاق نسختان؛ تحفظ إحداهما في وزارة المعارف ~~العمومية، وتحفظ الثانية في محفوظات كلية الآداب التابعة ~~للجامعة. # تحريرا بوزارة المعارف العمومية في 12 ديسمبر سنة 1923. # رئيس الجامعة المصرية # حسين رشدي # وزير المعارف العمومية # أحمد زكي أبو السعود ~~(2) رسالة الجامعة # وعلى إثر تكوين الجامعة الجديدة وضعنا لها قانونا رأى الشارع فيه أن رسالة الجامعة ~~يجب أن تكون أوسع مجالا من أن تحد بحدود معينة، فجاء نص رسالتها مرنا يتسع لكل ما ~~تقدر عليه من الألوان المختلفة لخدمة العلم والقيام بالتعليم، وقد جاء في مادته ~~الثانية: «إن اختصاص الجامعة يشمل كل ما يتعلق بالتعليم العالي الذي تقوم به الكليات ~~التابعة لها، وعلى وجه العموم، فإن عليها مهمة تشجيع البحوث العلمية والعمل لرقي الآداب ~~والعلوم في البلاد.» # واعتمادا على هذا النص المرن، الذي يتناول كل تطور جامعي لخدمة العلم والتعليم ~~والآداب والفنون المختلفة في البلاد؛ اعتمادا على هذا النص كانت رسالة الجامعة متعددة ~~النواحي. # فمن رسالة الجامعة أن تقوم البحوث العلمية في العلوم وفي الآداب التي تنتج عندنا كما ~~أنتجت عند غيرنا الزيادة في النظريات العلمية التي هي في تطور مستمر، والتي تنتج الوصول ~~إلى اكتشافات جديدة تضاف إلى ما اكتشفته الجامعات الأخرى مما له صبغة علمية بحتة، ومما ~~له تطبيقات عملية تنفع الناس في أن تسخر لهم قوى الطبيعة وموارد الطبيعة، ms096 وليس خافيا ~~أن الجامعة إذ تقوم بهذه الرسالة تحمل عن مصر واجبها من المشاركة العامة في رقي العلوم ~~والمعارف في العالم. # ومن رسالة الجامعة تربية شبيبة الأجيال المتعاقبة لتهيئ للبلاد قادتها في جميع ~~مرافقها، ولا شك أن قوة الأمة ومنعتها واحتمالها صنوف المزاحمة على الحياة ليست آخر ~~الأمر إلا نتيجة لتربيتها الجامعية. # ومن رسالة الجامعة نشر الثقافة العلمية والأدبية في جميع الطبقات سواء أكان ذلك ~~بإباحة الانتساب إلى معاهدها المختلفة من غير قيد ولا شرط، أم بإلقاء المحاضرات العامة ~~في العلوم والآداب والفنون، أم بنشر المؤلفات في كل فرع من الفروع. # ومن رسالة الجامعة مساعدة التطور الاجتماعي بكل ما في وسعها من ضروب التجديد في ~~اللغة، التجديد في النثر والشعر، التجديد في نظرة الناس إلى الفنون الجميلة، والبحث في ~~وجوه ترقيتها وشيوعها، ولا يفوتني أن أنبه إلى أن هذه الرسالة تتناول أيضا الموسيقى ~~والغناء؛ لما لهما من الأثر الطيب في الأخلاق، بل لأنهما كذلك لهو جميل لا بد منه، وعلى ~~كل أمة أن ترقي أسباب لهوها المرح كما عليها أن ترقي أسباب جدها العابس. # وأخيرا، فإن الجامعة بما هي من أكبر الوحدات الاجتماعية عددا وأسماها مكانة، ~~وأخطرها مسئولية، وأشملها رسالة؛ هي بكل أولئك مصدر إشعاع يشع منه التضامن القومي، ففي ~~العائلة يولد التضامن، وفي المدرسة ينشأ، وفي الجامعة يشب ويؤتي كل ثمراته، ويضرب المثل ~~الأعلى للتضامن في جميع طبقات الشعب. ~~(3) البنات: كيف التحقن بالجامعة؟ # وبهذه المناسبة أنبه على سبيل الاستطراد أن خطأ الجمهور في فهم رسالة الجامعة من أنها ~~تنحصر في تحضير موظفين لإدارة الحكومة، والواقع أن هذا الفهم لا ينبعي أن يكون من أغراض ~~الجامعة إلا عرضا. # ويتصل بخطأ الجماهير في فهم أغراض الجامعة، تلك المسألة التي كانت شائكة قليلة ~~الأنصار في الرأي العام، وهي مسألة قبول الفتيات المصريات طالبات في الجامعة؛ لهن ~~ما لإخوانهن الطلبة من الحقوق، وعليهن ما عليهم من واجبات، ولا أخفي أننا قبلنا ~~الطالبات أعضاء في الأسرة الجامعية في غفلة من الذين من شأنهم أن ms097 ينكروا علينا اختلاط ~~الشابات بإخوانهن في الدرس؛ فقد حدث أن طلب إلي بعض عمداء الكليات في أول سنة لافتتاح ~~جامعة فؤاد أن نقبل فيها البنات الحائزات للبكالوريا، فأسررت لهم في ذلك الحين أن هذه ~~المسألة شائكة، وأني أشك في رضا الحكومة عنها، وعلى ذلك قررنا فيما بيننا أن نقبل ~~البنات الحائزات على البكالوريا، من غير أن تثار هذه المسألة في الصحف أو في الخطب، حتى ~~نضع الرأي العام والحكومة معا أمام الأمر الواقع، وقد نجحنا في ذلك، وبعد أن سرنا في ~~هذا النهج عشر سنوات حدث ما كنا نتوقعه؛ فقد قامت ضجة تنكر علينا هذا الاختلاط، فلم ~~نأبه لها؛ لأننا على يقين من أن التطور الاجتماعي معنا، وأن التطور لا غالب له، ومعنا ~~العدل الذي يسوي بين الأخ وأخته في أن يحصل كلاهما على أسباب كماله الخاص على السواء، ~~ومعنا فوق ذلك منفعة الأمة من تمهيد الأسباب لتكوين العائلة المصرية على وجه يأتلف مع ~~أطماعنا في الارتقاء القومي؛ كل أولئك جعلنا لا نحفل بهذه الضجة التي ما لبثت أن ذهب ~~بها الزمان! ~~(4) فكرة أصبحت حقيقة # وفي 7 فبراير سنة 1928 احتفلت الجامعة بوضع الحجر الأساسي لمبانيها الحالية بحضور ~~جلالة الملك فؤاد وكان هذا اليوم تاريخا مشهورا، ففي منتصف الساعة الثانية عشرة أقيم ~~احتفال كبير في المكان الجديد بالجيزة؛ دعي إليه علية القوم من الأمراء ورجال الدين ~~والوزراء والآداب، وبعد أن وصل الملك فؤاد، وقف وزير المعارف في ذلك الحين علي الشمسي ~~باشا، فألقى خطبة بين يديه، ودعا الملك لوضع الحجر الأساسي بيده، وألقيت أنا خطبتي ~~كمدير للجامعة، وقد سجلت فيها الأدوار التي مر بها التعليم في مصر، وهي ثلاثة أدوار: ~~دور الدعاية، ودور البدء في التنفيذ، ودور التمام، فأما الدور الأول فيبتدئ من يوم 12 ~~أكتوبر سنة 1906؛ إذ اجتمع نخبة من أهل الغيرة على التربية في دار المرحوم سعد زغلول ~~باشا وتعاقدوا على الدعوة لإنشاء الجامعة، وقرروا فيما قرروا أن تكون الجامعة بمعزل عن ~~السياسة، وقد أقبل الناس على الاكتتاب ms098 فيها والتبرع لها، واجتمعت جمعية المكتتبين في ~~ديوان الأوقاف في 20 مايو سنة 1908 تحت رياسة الأمير أحمد فؤاد (الملك فؤاد الأول) ~~وسموها الجامعة المصرية، ونفحتها الحكومة إعانة سنوية، كما نفحتها الأوقاف خمسمائة جنيه ~~إعانة سنوية أيضا. # أما دور التمهيد، فكانت بمحاضرات الثقافة العامة التي كان يشرف عليها يوميا رئيس ~~الجامعة، وبإرسال بعثات علمية للجامعة بلغ عددها أربعة وعشرين للتخرج في العلوم، ~~وليحضروا أنفسهم ليكونوا معلمين فيها. # وأما دور التمام، فكان بنقل الجامعة القديمة إلى الجامعة الجديدة على نحو ما وصفت في ~~السطور السابقة، وقد بلغ عدد طلبة الجامعة في سنة 1928 ويوم تأسيس مبانيها 2341 طالبا، ~~وقد تضاعف هذا العدد بعد ذلك حتى وصل إلى ما وصل إليه الآن . # الفصل الرابع عشر # | من الوزارة إلى المجمع اللغوي! # (1) كيف دخلت الوزارة # لما أسند الملك فؤاد الأول إلى محمد محمود باشا أمر تأليف الوزارة في يونيو سنة ~~1928 دعاني وقتئذ إلى الاشتراك معه في الحكم، فاعتذرت له؛ مؤثرا العمل كمدير للجامعة ~~بعيدا عن السياسة ومشاكلها، فقال لي رحمه الله: وهل يرضيك يا صديقي أن تتركنى وحدي؟! ~~فمست هذه العبارة شعوري، وقبلت الاشتراك معه في الوزارة، وكان من حظي أن أتولى وزارة ~~المعارف، وهي الوزارة التي تتفق وميولي الشخصية وما أهدف إليه من خدمة الأمة عن طريق ~~العلم والتربية والتعليم، طريق الحرية والاستقلال، فإن التعليم هو الأساس الذي يبنى ~~عليه تحقيق الأطماع القومية، ولو أن العظمة القومية التي تبغيها مصر تنال بالجهل، ~~وبتفكك الروابط القومية الدالة على عدم التربية، لكان ذنبا علينا أن نفكر في حال ~~التعليم والأخلاق عندنا، ولا جدال في أن العلم ضروري لتقدمنا بل هو ضروري لحياتنا ~~الحاضرة، وأنه هو السلاح الوحيد الصالح للانتصار في معترك الحياة للفرد، والعامل الوحيد ~~للاكتشافات والاختراعات وقوام هذه المدنية الحديثة، كما أن تربية الأخلاق هي أساس قوة ~~الأمم. # وقد قال جوستاف لوبون: # إن الرومانيين في زمن انحطاطهم كانوا أشد ذكاء من أجدادهم الأشداء، ولكنهم ~~فقدوا الخواص الأخلاقية؛ كالصبر، والعزيمة، والثبات، والاستعداد لتضحية النفس ms099 ~~في سبيل الغاية، والاحتفاظ باحترام القوانين، تلك الخواص الأخلاقية كانت هي سر ~~عظمة آبائهم الأولين. # بعد ذلك أعود، فأقول: إن وزارة المعارف حين أسندت إلي ارتحت للعمل فيها، لما قدمت؛ ~~فقد اهتممت أول ما اهتممت بتطبيق اللامركزية، وقسمنا العمل فيها باعتبار أن الوزير رجل ~~سياسي، لا يشتغل إلا بالمشروعات الجديدة وتطبيق سياسة الوزارة، وليس له معرفة بموظفي ~~الديوان، فأمرهم ينبغي أن يتعلق بوكيل الوزارة وشهادات المراقبين. ~~(2) العودة للجامعة # لم أستمر طويلا في وزارة المعارف؛ لأن وزارة محمد محمود باشا لم يزد عمرها عن خمسة ~~عشر شهرا وبضعة أيام؛ إذ تألفت في 25 يونيو سنة 1928 واستقالت في 2 أكتوبر سنة 1929 ~~بعد عودة رئيسها من مفاوضاته بلندن مع مستر هندرسون، وقد اعتكفت بين كتبي وأوراقي حتى ~~كانت أوائل سنة 1930 حين استدعيت للعودة مديرا للجامعة، فارتحت لاستئناف نشاطي بين ~~أبنائي شباب الجامعة، وبين زملائي أساتذتها، واغتبطت كل الاغتباط؛ لأني أمضيت عهدا غير ~~قصير في العمل الجامعي، وألفت هذه البيئة الجامعية التي تقوم على الإخلاص للعلم ~~والتضحية في خدمته، والاستقلال في الرأي والفكر والعمل. # وأقول: الاستقلال؛ لأن أساس التعليم الجامعي حرية التفكير والنقد على وجه الاستقلال، ~~ولأن التربية الجامعية قوامها حرية العمل والبعد عن التأثيرات الحكومية، وتأثيرات ~~البيئات العامية، وعن تأثيرات البيئات السياسية المختلفة. ~~(3) استقالتي من الجامعة # وقد حرصت منذ توليت منصب مدير الجامعة على أن تكون بعيدة عن هذه التأثيرات، وأن يكون ~~استقلالها محل الاحترام والقداسة، ولكن حدث في مارس سنة 1932 أن اعتدت وزارة المعارف ~~على هذا الاستقلال، فنقلت الدكتور طه حسين من عمادته بكلية الآداب إلى إحدى الوظائف ~~بديوان الوزارة دون أخذ رأي الجامعة، وإن لم تكن الوزارة في ذلك قد جاوزت حدود القانون ~~الجاري العمل به إلا أنها جاوزت حدود التقاليد الجامعية، فغضبت لهذا الاعتداء على هذه ~~التقاليد، وقابلت دولة رئيس الوزراء في ذلك الحين إسماعيل صدقي باشا، وشرحت له هذا ~~الموقف الذي يتنافى مع التقاليد الجامعية، ويسيء إلى الجامعة وقلت له: إن الجامعة لا ~~تستغني عن ms100 طه حسين، واقترحت عليه - تلافيا للضرر، واحتراما لرأي الوزير حلمي عيسى ~~باشا - أن يرجع الدكتور طه بك أستاذا بكلية الآداب لا عميدا، وقد وافقني رئيس الوزارة ~~على اقتراحي، وفي اليوم التالي علمت برفض اقتراحي، وتنفيذ رأي الوزير، فلم أذهب إلى ~~الجامعة، وحررت استقالتي وبعثت بها إلى وزير المعارف العمومية في هذا الكتاب التالي: # هليوبوليس 9 مارس سنة 1932 # حضرة صاحب المعالي وزير المعارف العمومية # سيدي الوزير # أتشرف بإخبار معاليكم أني أسفت لنقل الدكتور طه حسين عميد كلية الآداب إلى ~~وزارة المعارف؛ لأن هذا الأستاذ لا يستطاع - فيما أعلم - أن يعوض الآن على ~~الأقل، لا من جهة الدروس التي يلقيها على الطلبة في الأدب العربي ومحاضراته ~~العامة للجمهور، ولا من جهة هذه البيئة التي خلقها حوله وبث فيها روح البحث ~~الأدبي وهدى إلى طرائقه، ثم أسفت لأن الدكتور طه حسين أستاذ في كلية الآداب ~~تنفيذا لعقد تم بين الجامعة القديمة ووزير المعارف، وعلى الأخص لأن نقله على ~~هذه الصورة بدون رضا الجامعة ولا استشارتها - كما جرت عليه التقاليد المطردة ~~منذ نشأة الجامعة فيما أعرف - كل ذلك يذهب بالسكينة والاطمئنان الضروريين ~~لإجراء الأبحاث العلمية، وهذا بلا شك يفوت علي أجل غرض قصدت إليه من خدمة ~~الجامعة. # من أجل ذلك قصدت يوم الجمعة الماضي إلى حضرة صاحب الدولة رئيس مجلس الوزراء، ~~واستعنته على هذا الحادث الجامعي الخطير، واقترحت على دولته - تلافيا للضرر من ~~ناحية، واحتراما لقرار الوزير من ناحية أخرى - أن يرجع الدكتور طه حسين إلى ~~الجامعة أستاذا لا عميدا، خصوصا أنه هو نفسه ألح علي في أن يتخلى عن العمادة ~~منذ شهر فلم أقبل، فتقبل دولة الرئيس هذا الاقتراح بقبول حسن، وأكد لي أنه ~~سيشتغل بهذه المسألة منذ الغد، فاشتغل بها إلى أن علمت الآن أن اقتراحي غير ~~مقبول، وأن قرار النقل نافذ بجملته وعلى إطلاقه. # ومن حيث إني لا أستطيع أن أقر الوزارة على هذا التصرف الذي أخشى أن يكون سنة ~~تذهب بكل الفروق بين التعاليم الجامعية وأغيارها، أتشرف بأن أقدم ms101 بهذا إلى ~~معاليكم استقالتي من وظيفتي، أرجو قبولها، كما أرجو أن تتقبلوا شكري على ما ~~أبديتم من حسن المجاملة الشخصية مدة اشتراكنا في العمل، وأن تتقبلوا فائق ~~احترامي. # ثلاث مخالفات # هذا هو خطاب استقالتي، وهو يدل على أن وزارة المعارف ارتكبت في حادث نقل الدكتور ~~طه حسين ثلاث مخالفات # الأولى: # خاصة باستقلال الجامعة # والثانية: # خاصة بمصلحة التعليم الجامعي وحرمانه من هذا الأستاذ النابغ # والثالثة: # خاصة بالعقد الذي أبرم بين الجامعة القديمة ووزير المعارف حين نقلها ~~إلى الجامعة الجديدة، وقد اشترط في هذا العقد أن يكون الدكتور طه حسين ~~أستاذا بكلية الآداب. # قبلت استقالتي، ومكثت بعيدا عن الجامعة حتى أبريل سنة 1935 حين جاء نجيب ~~الهلالي باشا وزيرا للمعارف في وزارة محمد نسيم باشا الثانية، فجاءني وطلب إلي ~~العودة إلى الجامعة ، فاشترطت أن يعدل قانونها بحيث ينص فيه على أنه لا ينقل أستاذ ~~منها إلا بعد موافقة «مجلس الجامعة»، وقد بر نجيب باشا بوعده، وطلب تعديل ~~القانون، وعدل فعلا. # وفي تلك السنة طلبت أن يضم إلى الجامعة بعض الكليات فضمت كلية الهندسة، وكلية ~~التجارة، وكلية الزراعة، وكلية الطب البيطري. # مكثت مديرا حتى أوائل أكتوبر سنة 1937، وفي ذلك الحين اشتد الخصام بين طلبة ~~الجامعة على المسائل الحزبية؛ لأن الأحزاب كانت تتصل بهم اتصالا يضر بالإخاء ~~الجامعي، ويسقط قيمة الشمائل الجامعية، فطلبت من وزارة الداخلية تعيين كونستبلات ~~لحفظ النظام؛ لأن البوليس لا يجوز له أن يدخل الحرم الجامعي، فلم تجب الداخلية ~~طلبي؛ لذلك استقلت للمرة الثانية. # وبعد ثلاثة أشهر - أي في 31 ديسمبر من تلك السنة - تألفت وزارة محمد محمود باشا ~~الكبرى، وقد اشتركت فيها جميع الهيئات السياسية ما عدا الوفد، والهيئة السعدية، ~~وكنت وزير دولة في هذه الوزارة، ثم أجريت الانتخابات، وكلف محمد محمود باشا مرة ~~ثانية بتأليف الوزارة، فكنت بها أيضا وزير دولة، ثم وزيرا للداخلية بضعة أشهر، ثم ~~ظهر لي أن المصلحة السياسية تقضي باشتراك الهيئة السعدية في الوزارة، فعرضت هذا ~~العرض على خشبة باشا، وأصررت على أن أخرج من ms102 الوزارة لأفسح الطريق لغيري من ~~السعديين. # ودعت الجامعة سنة 1941 # وبعد ذلك بقليل زارني الدكتور محمد حسين هيكل باشا وزير المعارف في ذلك الحين، ~~وطلب إلي الرجوع إلى الجامعة، فاعتذرت، ثم جاءني مرة ثانية من قبل محمد محمود باشا، ~~وألح علي ورجاني أن أضع شروطي، فقلت: لا شروط لي إلا أن يبتعد رجال الحكومة عن ~~الاتصال بالطلبة؛ لأن اتصالهم بهم كان يفضي دائما - كما ذكرت - إلى فقدان الإخاء ~~الجامعي بينهم، وذلك من أضر الأشياء على التربية الجامعية. # فأجابوني لطلبي، وقبلت الرجوع إلى الجامعة، ولكن لم يمض قليل حتى أخبرني أحد ~~الوزراء أن الطلبة متصلون بوزراء الأحرار الدستوريين فقدمت استقالتي لمحمد محمود ~~باشا، فاعتذر، وأكد لي أنه لا يعلم ذلك وأنه سيصدر أمرا مشددا بعدم اتصال الطلبة ~~بالوزراء لأغراض سياسية، فبقيت في الجامعة إلى سنة 1941؛ إذ عرض علي رئيس الحكومة ~~وقتئذ حسين سري باشا أن أكون عضوا في مجلس الشيوخ، فقبلت ذلك؛ لأني أحسست بأني ~~محتاج إلى الراحة بعض الشيء من أعمال الجامعة بعد أن خدمتها في عهدها القديم وعهدها ~~الجديد زمنا طويلا، ثم توليت بعد ذلك رياسة «مجمع اللغة العربية» ومكثت فيه مع ~~رجال أحبهم، وهم رجال اللغة والعلم والأدب. # الفصل الخامس عشر # | الأخلاق وكيف ينبغي أن تكون لتحقيق سلام عالمي # (1) التعاون في سبيل السلام # 1 # التعاون العام بين أمم العالم موجود على وجه متقطع وكيفما اتفق أن يكون، ليس خاضعا ~~لنظام معين، غير أن هذا ليس هو التعاون الذي يقصد إليه ميثاق الأطلنطي بل التعاون ~~المقصود بهذا الميثاق هو التعاون المستمر الذي يمنع الاعتداء ويؤدي إلى السلام ~~الدائم. # بادئ بدء لا ينبغي أن نخدع أنفسنا فيما يعترض هذا التعاون من صعوبات أعسرها تذليلا ~~هو الإيمان به. فإذا نحن تشبثنا بسنن الماضي وما ألفناه من أخلاق الناس على العموم ~~وأخلاق قادة الشعوب على الخصوص، وما سجل التاريخ من ألاعيب السياسة وغدرها وقدرنا قوة ~~أنصار الحرب والعاملين عليها والمنتفعين من ورائها ويئسنا من أن نقطع الصلة بين ماضي ~~الإنسانية وبين مستقبلها ms103 في هذا الصدد، فما أشبه الليلة بالبارحة، وما أشبه التعاون ~~الذي ندعو إليه بنظام جمعية الأمم الماضية! ولا يرى أنصار الاعتداء على كل هذه الجلية ~~إلا أنها صلف تحت الراعدة. # أما إذا رجونا الخير وقدرنا ما نحن فيه اليوم من الضرورات الاجتماعية والحرج السياسي ~~وقدرنا أن العالم أصبح لا يطيق بعد الآن حروبا على غرار الحرب الحاضرة، وقدرنا حق قدره ~~الارتقاء الاجتماعي في العالم، ثم قدرنا أن هذا التعاون المرجو لم يأت طفرة بل هو فكرة ~~اختمرت في ضمير العالم وتداولتها بالبحث وبالتجربة عدة أجيال، وقدرنا أن التجربة ~~القاسية للأخطاء الماضية ستنفع العالم في تسديد خطاه إلى الخير؛ متى قدرنا كل ذلك وجب ~~أن نتقبل مشروع التعاون المانع من الاعتداء والمفضي إلى السلام الدائم بغاية الارتياح ~~وآمنا به وعملنا على تحقيق وسائله، فلقد آن لضمير العالم أن ينتبه ويجعل الإخاء ~~الإنساني حقيقة واقعة بعد أن لم يكن إلى الآن إلا لفظا ليس له ما يدل عليه. # الواقع من أمر الناس في الأمم المختلفة وفي المدنيات المتعاقبة أنهم بوازع من قانون ~~الأخلاق الذي نشأ بنشوء الدولة، وبوازع من سلطان البوليس والقضاء، وقد اعتادوا أن ~~يتعاونوا في معيشاتهم المدنية بالحسنى وتركوا عاداتهم الأولى في العدوان والجري على ~~أحكام «حق الأقوى» التي ألفوها أزمانا طوالا فيما قبل المدنيات المنظمة، هذا هو حال ~~أفراد الناس الآن في الأمم المتمدنة؛ منازعاتهم يفصل فيها القضاء ويزع سلطان البوليس ~~بعضهم عن الاعتداء على بعض، فأصبحوا يرون جريمة داعية إلى الاحتقار ومستحقة للعقاب ما ~~كانوا في حال البداوة يتمدحون به ويجعلونه مناطا للعزة ومجلبة للشرف والفخار. # إذا ليس الظلم والعنف في الناس أمرا طبيعيا لا مناص منه كما قد يظن، إنما كان ذلك ~~فيهم قبل نظام الدول عادة اعتادها آلافا لا تحصى من السنين، كان الأفراد في كل لحظة ~~محلا لافتراس السباع، اقتضاهم ذلك أن تكون حياتهم في حرب متصلة ودفاع مستمر، فلما ~~اطمأنوا من هذه الناحية استمرت عادة الهجوم والدفاع في أنفسهم غير أنها تحولت إلى أن ms104 ~~تكون حربا بينهم حتى قضت عليها المدنية المنظمة بالبوليس والقضاء. # تلك حال الأفراد، وأما حال الأمم - أو بالأولى حال الحكومات - فلم تجد كما وجد ~~الأفراد تحت ضغط الضرورات الاجتماعية قانونا للأخلاق ولا محاكم تفض النزاع بينها ولا ~~بوليسا يمنع الحكومات من اعتداء بعضها على بعض، بقي فيها روح الفرد الأولى، روح ~~القبيلة، روح الاعتداء على الغير؛ استعلاء عليه، واستعبادا له، وطمعا في أرضه ~~ومرافقه، وبالجملة بقيت كل حكومة حتى في هذه المدنية الحاضرة تضمر أن تنتزع بالقوة من ~~أمة أخرى ما لها من المرافق من غير وازع ولا حياء، وإذا فقد ظفرنا من المدنيات القديمة ~~بأدب للأفراد ولم نظفر بأدب لحكوماتها يمنعها من الاعتداء والطغيان. ~~(2) هل الحرب طبيعية؟ # ومن العجيب أن الفلسفة اليونانية مع أنها استوعبت بحث الأشياء الإنسانية لم تتعرض ولا ~~عن طريق التخيل إلى إمكان القضاء على الحرب بين الأمم، ولم تفكر في تحقيق الإخاء ~~الإنساني العام، ولا في السلام الدائم، بل لعلها شجعت الحرب تارة، وقست في نتائجها تارة ~~أخرى، كذلك الفلسفة الرومانية والفلسفة العربية لم يكن فيهما نظرة في ذلك الإخاء بين ~~الأمم المختلفة كما نظرت كلتاهما في الإخاء بين أفراد الأمة الواحدة إلا ما سموه «السلم ~~الروماني»، ومن الخير ألا نتعرض لذكره؛ لأنه لا يفيد شيئا في موضوع التعاون العالمي ~~المنشود. # فأما الحرب من طبع الإنسان؛ فتلك فكرة انتزعها كتاب وفلاسفة مما هو الواقع، ومن طريف ~~ما يؤثر عن أنصار الحرب ما نقله إيميل فاجي عن أحد التيازقة أو الصوفية القائلين بوحدة ~~الوجود قال: «الحرب إلاهية في ذاتها؛ لأنها قانون العالم.» «الحرب إلاهية في المجد ~~الخفي الذي يحيط بها وفي الجاذبية الخفية أيضا التي تجذبنا إليها.» و«الحرب إلاهية في ~~الحماية الموهوبة للقواد العظام.» ... إلى أن قال: «الحرب إلاهية بنتائجها التي تعزب عن ~~تقديرات الناس.» قال إميل فاجي كل هذه الجمل، تساوي أنه يقول: «الحرب إلاهية؛ لأنها ~~سخيفة.» # وبالجملة فإن أهم دليل على طبيعتها هو قدمها، والدم من حيث هو لا يصحح فاسدا ولا ~~يفسد صحيحا، ms105 والذي يراه أنصار السلام هو أن الحرب ليست من طبع الإنسان؛ كالعائلة ~~والأبوة والعمل، بل هي عادة تأصلت في نفوس الناس يمكن القضاء عليها كما قضي على الرق ~~ونحوه بوسائل التربية التي لا شك في أن العالم يتقدم في أمرها بنسبة ضميره على إثر ~~تفكير المفكرين فيما يصلح حال الإنسان. # إذن كان لا بد من ثورة على القديم في هذه الناحية أيضا، وقد كانت هذه الثورة أول ~~خاطر في موضوع السلام الدائم خطر لسوللي وزير هنري الرابع، ولكن سلامه الدائم لو أنه ~~تحقق لما شمل إلا أوربا فقط، وكذلك كان مشروع الأب سان بير في أوائل القرن الثامن عشر، ~~ولم تكن تلك إلا بوادر لم تفد شيئا، حتى كان آخر القرن الثامن عشر؛ إذ انبعث صوت ~~الإخاء الإنساني من جامعة كونجسبرج؛ حين اقترح أستاذ الفلسفة فيها إيمانويل كنت إنشاء ~~حكومة أمم تمنع اعتداء بعضها على بعض؛ وجه نداء للأمم والملوك قال فيه: «ينبغي أن تنظم ~~الأمم سلوكها في كل دولة على قواعد الأخلاق والقانون، كما يجب على الدول أن ترعى هذه ~~القواعد المتبادلة مهما يكن من تمويه الاعتراضات التي تستنتجها السياسة من التجربة، ~~وحينئذ لا تستطيع السياسة الحقة أن تخطو خطوة واحدة من غير أن تتبع فيها أوامر على ~~الأخلاق، فإن السياسة متى اتحدت بعلم الأخلاق، لم تعد بعد ذلك فنا صعبا ولا ~~معقدا. # إن الأدب يفك العقدة التي لا تستطيع السياسة حلها، يجب اعتبار حقوق الإنسان مقدسة ولو ~~ضحى في ذلك الملوك بأكبر الضحايا، لا يمكن في هذا الصدد التنازع بين الحق وبين المنفعة، ~~وإن السياسة يجب أن تركع أمام الأدب. # لكن هل استمع لهذا النداء الكريم الملوك والحكومات؟ نعم، أظن أن حكومات الأمم الكبرى ~~التي اجتمعت في مؤتمر فينا بعد هذا النداء بتسعة عشر عاما قد استمعت لهذا النداء، لكن ~~لا تفعل به حقيقة، بل لتخدع به الرأي العام للشعوب الوادعة الطيبة التي قلما تحتمل ~~نصيبا من إجرام حكوماتها، وهاكم مذكرة الوزير جنز زميل مترنيخ رئيس المؤتمر المؤرخة ms106 في ~~12 نوفمبر سنة 1810: # إن أولئك الذين اجتمعوا في المؤتمر وكانوا يعلمون حق العلم طبيعته وأغراضه لا ~~يكادون يخدعون على تطوره أيا كان رأيهم في نتائجه، إن الكلمات الفخمة مثل ~~«إعادة النظام الاجتماعي»، و«تجديد المذهب السياسي لأوربا» و«السلام الدائم ~~المؤسس على توزيع للسلطان» إلخ، إنما نطق بها لتطمين الناس ولتفيض على هذا ~~الاجتماع الحافل كرامة وعظمة، لكن الغرض الحقيقي للمؤتمر، قد كان توزيع أسلاب ~~المقهورين بين القاهرين. ~~(3) أدب السياسة الدولية # هذا نموذج من أدب السياسة الدولية يتخذه الساسة لمجدهم ومجد ملوكهم وليلقوا به دروسا ~~في الشر والظلم على الناس أجمعين، أفكان الذين اجتمعوا حول مائدة الصلح في فرساي أصلح ~~نية وأصدق قولا من زملائهم في فينا من قبلهم بقرن كامل؟ لقد كان كتاب التاريخ السياسي ~~يظنون أن مؤتمر فينا قد أخفق في مهمته مع أنه وقى العالم شر الحروب 39 سنة. # فهل كان مؤتمر فرساي أسعد حظا وأجدى على الإنسانية نفعا، مع أن سلامه لم يزد عمره ~~على العشرين عاما حتى أمكن لأحد الساسة في الخريف الماضي أن يجمع بين الحرب ويسميها ~~حرب الثلاثين من سنة 14 إلى سنة 44، وإذا لم يتغير الأدب السياسي عما كان في القرن ~~الماضي، قال الكاتب المعروف «الدس هكسلي» عشية هذه الحرب الحاضرة: «إن أدب السياسة ~~الدولية هو أدب القرصان، أدب الخداع، أدب الشيخ الفيكونت الفاست، بل لم يتغير هذا الأدب ~~منذ عشرين قرنا حين قال الفيلسوف سنيك، هذا هو قانون الإنسانية: كل ما هو محرم عليك ~~إتيانه وأنت فرد، مطلوب منك إتيانه وأنت مدافع عن الدولة.» # ترون من ذلك أن للأفراد أدبا جاءت به قوانين الاجتماع داخل كل بلد، فأين أدب السياسة ~~والسياسيين، وإلى أي شيء مرده، إلى محكمة الضمير وقد جرى العرف على أن السياسة لا ضمير ~~لها، أم إلى محكمة القانون العام وليس للسياسة الدولية محكمة إلا الحرب، قال برتملي ~~سانتهلير لمناسبة نداء كنت: # لقد أعلن كنت هذه المبادئ القديمة منذ ستين عاما، ولكننا على رغم ما قطعت ~~الأفكار العامة من مراحل ms107 التقدم في هذه المدة، ما أبعدنا إلى الآن عن الغرض ~~الذي ترمي إليه حكمة الفيلسوف، والظاهر أن الملوك والأمم لم تتلق بعد دروسا ~~قاسية. # نظن الآن أن العالم قد تلقى هذه الدروس القاسية منذ الحرب الماضية فشرع فعلا في ~~إنشاء جمعية الأمم، ولكنها لما تنجح؛ لأنه عند تنفيذها كان الساسة قد نسوا ويلات الحرب، ~~ورجعوا إلى أخلاق السياسة الدولية، فلم تنجح تجربتها وجاءت الحرب الحاضرة بويلاتها التي ~~لا تطاق، تلقاء هذه التجربة القاسية صدر ميثاق الأطلنطي في أغسطس سنة 1941. # وهنا يتساءل أنصار السلام: هل إنشاء عصبة أمم جديدة خير من عصبة الأمم القديمة يمكن ~~أن يوصل إلى الغاية النبيلة التي أشار إليها المستر إيدن بقوله: «إن غايتنا هي إنشاء ~~نظام عالمي يحقق التقدم السلمي لجميع الشعوب.» # العقل والتجربة متفقان على أن عصبة الأمم التي لها قوة مسلحة لتنفيذ قراراتها ليس خير ~~أداة للسلام الدائم وبالتبع للتعاون العالمي؛ لأن هذه الأداة متى كمل نظامها كانت كما ~~يقول المستر الدس هكسلي: «كأنها عصبة مؤلفة للحرب لا للسلام.» والواقع أن العنف يولد ~~العنف، ومع ذلك ليس أمام العمليين من أنصار السلام وسيلة سواها في الحال ~~الراهنة. # غير أن هذه الوسيلة لا توصل إلى الغاية إلا إذا اقترن بها أبطال الاستعمار بجميع ~~أسمائه وألوانه، على هذا الوضع يمكن أن تستل من نفوس الأمم الصغيرة تلك الأحقاد التي ~~ولدها استعلاء قوم على قوم، وذلك هو أفسد ما يكون للأخلاق التي ينبغي أن تتخلق بها ~~الأمم لتحقيق تعاون عالمي، وفي هذه الحالة الشعوب التي لا تستطيع أن تقوم بنفسها لا ~~تتبع إدارة النظام العالمي الذي أشار إليه وزير الخارجية البريطانية تأخذ هذه الإدارة ~~بيدها حتى تستكمل مشخصات الأمم التي تستطيع أن تكون عضوا مستقلا نافعا في التعاون ~~العالمي. ~~(4) يجب القضاء على الاستعمار # ما دام غرض التعاون العالمي هو القضاء على نظرية حق الأقوى مع فسادها في نظر المنطق ~~القانوني، وما دام الاستعمار هو أظهر آثار حق الأقوى، فلا بد للتعاون العالمي من القضاء ~~عليه بجميع أسمائه. ms108 # كما أن الفلسفات القديمة لم تتعرض لفكرة السلام الدائم كما ذكرت آنفا، كذلك هي لم ~~تتعرض لفكرة استنكار الاستعمار، وأول من تعرض لها من الفلاسفة على وجه بين هو الفيلسوف ~~بنتام؛ فإنه هو وأنصار مذهبه يبغضون الاستعمار ويرونه غير نافع للأمم المستعمرة، فوق ~~أنه مفسد لأخلاق الأمم المستعمرة، قال برتران رسل: «إذ كانت الثورة الفرنسية في الصميم ~~من أمرها، كتب بنتام رسالة إلى تالران عنوانها «حرروا مستعمراتكم»، ولم يكن ذلك رأيه في ~~المستعمرات الفرنسية فحسب، بل رأيه كذلك في المستعمرات البريطانية، وأنه حمل صديقه ~~اللورد لندون على اعتناق مذهبه فقال في مجلس اللوردات في سنة 1797: لا يمكن أن يسدى إلى ~~إسبانيا خير؛ أفضل من تخليصها من لعنة مستعمراتها.» # وأخيرا في عهد جمعية الأمم السابقة عرض على الأمم المستعمرة في فرص عدة أن تنزل عن ~~مستعمراتها؛ لتضعها تحت السيادة الدولية فرفضت كلها بلا استثناء، غير أنه ما دام على ~~ظهرها أمم غالبة وأمم مغلوبة، فلا رجاء في التعاون بإخلاص، وكأني بالأمم المغلوبة على ~~أمرها تقول للقاهرين دعاة السلام: أنظرونا نتحلل من ذل التبعية، ثم شأنكم والسلام ~~الدائم؛ قرروا فيه ما تشاءون. # بقي أن نشير إلى أن بعض الكتاب السياسيين يرون أن الاستعمار والوطنية أمران متلازمان، ~~وأن من العسير أن يحب قوم وطنهم دون أن يقترن هذا الحب بالاستعلاء على الأمم الضعيفة، ~~أو دون أن يبغضوا غيرهم، هذا قد يكون حقا في أمر الوطنية الحادة الجامحة التي هي من ~~سلالة عصبية القبيلة، أما الوطنية المدنية أو وطنية المستقبل التي يسيطر عليها التدبر ~~العقلي فإنها لا تتنافى مع حب الإنسانية جمعاء، والواقع أننا نرى الرجل الفاضل مع حبه ~~لنفسه يسعى إلى سعادة غيره، فلا مانع إذا يمنع قوما يحبون وطنهم، من أن يسعوا في ~~إسعاد الأوطان الأخرى! ~~(5) التعاون العالمي ممكن # أيها السادة، نسوق كل هذه المقدمات للوصول إلى نتيجتين: # الأولى: # أن التعاون العالمي ممكن متى اقترن به إلغاء الاستعمار على الوجه ~~الذي ذكرناه. # الثانية: # أن أدب السياسة الدولية الذي جرى عليه العرف إلى ms109 الآن بعيد عليه أن ~~يحقق التعاون العالمي، بل لا بد لهذا التعاون من أدب دولي جديد. # ونظرا لأن أسباب الحروب مهما اختلفت مردها كلها إلى الحالة البسيكولوجية للأمم وعلى ~~الخصوص الحالة الأخلاقية لقادة الأمم، نظرا إلى ذلك قد بحث أنصار السلام في الوسائل ~~التي تؤدي إلى منع الاعتداء من جانب أمة على أخرى، وإن أوفى بحث أعرفه في هذا الصدد تلك ~~المحاولة الجريئة الموفقة التي حاولها الكاتب المعروف الدس هكسلي في كتابه «الغاية ~~والوسائل»، لم يقنع هكسلي بطريقة «كنت» التي لا يزال الساسة يسيرون عليها سواء أكان ذلك ~~في جمعية الأمم السابقة أم في النظام العالمي المستقبل، بل هو يرمي إلى أعمق من ذلك ~~أثرا وأبقى على الزمان بقاء، وهو أن يسعى الأفراد والجماعات والحكومات إلى تربية ~~الجيل على صورة تتدرج نتائجها للوصول إلى الإنسان المثالي، جعل هكسلي هذا المثل الأعلى ~~في الإنسان الذي سماه «الإنسان اللامرتبط» في ذلك الإنسان غير المرتبط بإحساساته ~~ورغباته الجسمية غير المرتبط بشهوته في السلطة والحيازات المختلفة، غير مرتبط بموضوعات ~~هذه الرغبات المختلفة، غير مرتبط بغضبه وحقده، غير مرتبط بحياته الخاصة، غير مرتبط ~~بالثروة ولا بالمجد ولا بالوضع الاجتماعي، غير مرتبط حتى بالعلم وبالفن وبالتأمل المجرد ~~وبحب الإنسانية، بذلك يصل المرء إلى حيازة جميع الفضائل، وإن عالما مؤلفا كله أو جله ~~أو على الأقل قادته من أفراد لهم هذه الفضائل، لجدير بأن يسمى العالم الكامل، غير أن ~~هكسلي لم يخدع نفسه على إمكان الوصول إلى تلك الوسائل التي تربط نظريات السياسة ~~الداخلية والسياسة الدولية والحرب والاقتصاد والتربية والدين والأدب؛ كل أولئك بنظرية ~~الطبيعة الآخرة للحقيقة، بل قال في آخر كتابه: «لا شك أن هذه المهمة قد نفذت على وجه ~~ناقص، على أني لا أعتذر عن محاولتي إياها فإن رسم مذهب ولو رسما جزئيا خير من العدم ~~الكلي.» # ونحن من جانبنا نترك إلى الزمان الطويل تحقيق الرغبات الشريفة لهذا المؤلف، ونقبل على ~~مذهب أقرب تناولا ونقنع بالهدف الحاضر، وهو التعاون العالمي الذي ارتضته السياسة ~~الدولية للأمم ms110 المتحدة، فماذا ينبغي أن تكون الأخلاق لتحقيق هذا التعاون؟ # إذا كان هكسلي يعتد هكذا بسمو النفس الإنسانية في طبيعتها إلى حد أنه يرى من الممكن ~~أن تتحقق نظرياته، فليس في ذلك إلا قريبا جدا من رأي الفيلسوف «كنت» في سمو الطبيعة ~~الإنسانية حين يقول: «ليس في الاستعدادات الطبيعية للإنسان شيء من مبدأ للشر، وإن السبب ~~الوحيد للشر هو ألا يرد الطبع إلى قواعد، إلا أن الإنسان ليس فيه من أصل إلا للخير، ~~ليس لهذا المعنى فقط أرى أن أختار منهاج «كنت» مرجعا لصورة هذا البحث الذي بحثه، بل ~~أيضا لأنه صاحب فكرة الحكومة الدولية العامة، وبهذه المثابة قد يكون منهاجه الأخلاقي ~~أقرب المناهج نسبا للتعاون العالمي، وقد يكون فوق ذلك هو المناسب لاعتقادات الناس في ~~هذا الزمان. # لتحقيق التعاون العالمي ينبغي أن تقوم كل أمة بواجباتها نحو ذاتها، وواجباتها نحو ~~الأمم الأخرى. # فأما فضائلها الذاتية أو واجباتها نحو ذاتها فالقيام بها أظهر ما يكون في التربية وفي ~~صور الحكم. # أما التربية فإنها في كل العصور وسيلة لتحقيق غاية معينة، فترون الدكتاتوريات تنشئ ~~أجيالها تنشئة إسبرطية محضة؛ لأن غايتها استكمال ما تستطيع من قوة لتبسط سلطانها على ~~العالم كله أو بعضه، فتجردهم من حرية التفكير الشخصي وحرية النقد وحرية الاجتماع لتبادل ~~الآراء وتنمي في أنفسهم مبادئ القومية الحادة والاستهانة بحقوق الغير والطاعة العمياء، ~~وبالجملة تكون غاية التربية غاية حربية صرفة أو بعبارة أدق غاية الاعتداء على الأغيار ~~وما في أيديهم، وليست الديمقراطيات مع الأسف بأحسن حالا من ذلك إلا قليلا؛ فإن ~~التربية فيها مع ما بها من الحريات الفردية موجهة إلى الحرب أيضا، وفي مثلها العليا ~~نماذج من أبطال الحروب الأولين والآخرين، فمناط المثل الأعلى في التربية الحاضرة بطل ~~قتل في ساحة الحرب من إخوانه في الإنسانية أكبر عدد ممكن، لا شك في أن هذه التربية لا ~~يمكن أن تكون غايتها التعاون العام أو السلام الدائم، بل لا بد للعالم، وقد اعتزم ~~التعاون العام، أن يغير غاية التربية، فيستن نوعا من ms111 التربية يؤدي إلى حب السلام لا ~~إلى حب الحرب، يؤدي إلى تحقيق الإخاء الإنساني، يؤدي إلى ترك المبالغة في الاعتزاز ~~بالأجناس وترتيبها ترتيبا تحكميا عسى أن يكون الجنس الأخير منها خيرا من الجنس ~~الأول المزعوم، وبالجملة ينبغي أن تترك إلى جانب عصبية الإنسان الأولى للقبيلة ~~ولمعبودها المحلي الذي صنعه الإنسان بيده، إلى ما يقتضيه الإخاء الإنساني والتعاون ~~العالمي من احترام لجميع الأجناس وسعي في إسعاد من قضت عليه المصادفات الشقية بأن يكون ~~في سلم المدنية متأخرا عن سواه. # الإنسان المثقف # على هذا يجب على الأمة في تربية أبنائها أن تكون غايتها «الإنسان المثقف» ~~ووسيلتها إلى ذلك: ~~(1) # تثقيف ملكات الفرد الطبيعية: ملكات الجسم والعقل والنفس؛ بأن يقوم ~~بمقتضيات حفظ الذات وحفظ النوع بالاعتدال التام ثم بواجب الصدق الذي يسبب ~~له الاقتناع بكرامته، وواجب السخاء الشخصي بأن لا يقتر ولا يسرف، بل ينفق ~~بالمعروف، وواجب كرامته من حيث هو إنسان فيرفض أن يكون تبعا لغيره في غير ~~الحدود المفروضة عليه من جهة كونه عضوا في جمعية مدنية لها قوانين مرعية ~~الأداء وواجب محاسبة نفسه على كل ما يخطر له من فكر أو يلفظ من قول أو يأتي ~~من عمل، وضابط ذلك كلمة أفلاطون المعروفة «تعرف نفسك بنفسك» أن تعرفها ~~بالدرس الدائم لحالها وسبر غورها في أعمق طياتها، ثم ينبغي أن يؤخذ الناشئ ~~بتثقيف ملكات عقله بأن يتعلم ما هو ميسر له من العلوم والفنون، قال «كنت»: ~~من ليس مثقفا فهو بهيمة، ومن ليس مؤدبا فهو متوحش. ~~(2) # كذلك ينبغي أن تؤخذ الأفراد في التربية بتعلم القيام بواجباتهم نحو ~~الغير، مثل حب الإنسانية ويعنى به العدل ورعاية الغير وعرفان الجميل ~~والسخاء والمواساة في الضراء واحترام الأغيار في أشخاصهم وشرفهم وأموالهم، ~~واحترام قوانين البلاد سرا وعلانية، وينبغي في تثقيف هذه الثلاثة الأنواع ~~من الملكات الطبيعية أن يكون ذلك على يد أساتذة أحرار في مدارس حرة ليست ~~تابعة مباشرة لسياسة الحكم كلما أمكن ذلك. # وأما واجبات الأمة من حيث صورة الحكم لتكميل ذاتها فينبغي أن تكون ms112 الأمة دائما ~~مصدر السلطات في وطنها وأن يشترك أفرادها في حكمها على الطرق الديمقراطية وأن يكون ~~الحكم فيها لمنفعة المحكومين لا لمنفعة الحكام، وأن تكون ولايات الحكم ضرائب يؤديها ~~الأكفاء من أبنائها لا مزايا يختص بها المقربون من السلطات، ويتفرع على ذلك أن طالب ~~التولية لا يولى. # هذا ما ينبغي من فضائل الأمة أو واجباتها نحو ذاتها. # وأما واجبات الأمم بعضها نحو بعض، فأول ما ينبغي هو إبطال هذا المذهب العتيق ~~للسياسة الدولية مذهب الارتياب والدسائس والتجسس، وأن يستبدل به نقيضه؛ بأن تحل محل ~~هذا المذهب الواجبات الأدبية التي يفرضها قانون الأخلاق على الفرد نحو غيره، وهي ~~تتلخص في احترام حقوق الغير والسعي في إسعاده. # على هذا النحو - وعلى هذا النحو وحده - يتحقق التعاون العالمي، وتشمل نعمة ~~السلام كل بني الإنسان. # | هوامش ms113