######OpenITI# #META# URI: 1382AhmadLutfiSayyid.Taammulat.Hindawi30297592 #META# Tags: literature #META# ID: 30297592 #META# Title: تأملات: في الفلسفة والأدب والسياسة والاجتماع #META# AuthorID: 81524293 #META# Author: أحمد لطفي السيد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # القدوة الحسنى1‏ # الآثار القديمة1‏ # آثار الجمال وجمال الآثار1‏ # ربيع الحياة1‏ # جني القطن1‏ # أول العام1‏ # الرجل السعيد1‏ # الرجل الصريح1‏ # زهر الربيع1‏ # الصداقة1‏ # سلطة الأمة1‏ # في سبيل الارتقاء1‏ # الحرية1‏ # تضامننا1‏ # مصريتنا1‏ # المصرية1‏ # آمالنا1‏ # التقليد1‏ # سر تطور الأمم1‏ # الحرية الشخصية1‏ # خبز السجون1‏ # من أجل ذلك نطلب الدستور1‏ # حقوق الأمة1‏ # الكفاءة الاقتصادية1‏ # النظام الاقتصادي1‏ # وفاة فتحي زغلول باشا1‏ # وداع الوزارة1‏ # تأبين أحمد فتحي زغلول باشا1‏ # الحرب1‏ # القدوة الحسنى1‏ # الآثار القديمة1‏ # آثار الجمال وجمال الآثار1‏ # ربيع الحياة1‏ # جني القطن1‏ # أول العام1‏ # الرجل السعيد1‏ # الرجل الصريح1‏ # زهر الربيع1‏ # الصداقة1‏ # سلطة الأمة1‏ # في سبيل الارتقاء1‏ # الحرية1‏ # تضامننا1‏ # مصريتنا1‏ # المصرية1‏ # آمالنا1‏ # التقليد1‏ # سر تطور الأمم1‏ # الحرية الشخصية1‏ # خبز السجون1‏ # من أجل ذلك نطلب الدستور1‏ # حقوق الأمة1‏ # الكفاءة الاقتصادية1‏ # النظام الاقتصادي1‏ # وفاة فتحي زغلول باشا1‏ # وداع الوزارة1‏ # تأبين أحمد فتحي زغلول باشا1‏ # الحرب1‏ # | تأملات # | تأملات # | في الفلسفة والأدب والسياسة والاجتماع # تأليف # أحمد لطفي السيد # | مقدمة # بقلم إسماعيل مظهر # من مميزات العبقرية الصحيحة، وأعني بها العبقرية الأثينة، لا العبقرية الاصطناعية التي ~~تتولد بكسب المعارف أو الفنون، أن تسبق بأثانتها العصر الذي تنشأ فيه، فإذا كانت العبقرية ~~في إهاب شاعر سبق العصر بأخيلته وسبحاته الشعرية، وإذا كانت في إهاب فنان سبق العصر بما ~~يبدع من الظلال والألوان والتعبيرات التي يفرغها فيما يخرج منه صورة أو تمثال، وإذا كانت ~~في إهاب مفكر، سبق عصره بالتفرد في الحس بما سوف تتمخض عنه النظامات وأوجه التقدم ~~التي تسير فيها خطا الجماعات، بحيث يرى واقعا بالفعل، ما يلوح لغيره من الناس أنه ~~مستحيل الوقوع، أما إذا كانت في إهاب فيلسوف فإنها ترحل به عن عالم الناس إلى عالم هو ~~له وحده، فتخرج آثاره على اكتمال الفكرة فيها تغالب نزع الموت في يد الجماهير، ولا تربي ~~وتؤتي أكلها حتى يكتمل الوعي الجماعي فيدرك ما فيها من جمال أو حق أو صدق. وأستاذنا الكبير ~~صاحب هذه التأملات عبقري أثين بطبعه، ظهرت أصاله عبقريته في كل أطوار حياته العامة، فظهرت ~~في أسلوبه، كما ظهرت في نواحي تفكيره، وفي ms01 اتساق فكرته، ورتابة منطقه، ووضوح غاياته، ~~وجلاء مراميه. ففيما نشرنا له من «المنتخاب» قبل عشر سنوات وما نشرنا منها في هذا العام، ~~وما ننشر اليوم في «تأملات» دليل باسم واضح القسمات على أنه سبق عصره بمراحل بعيدة المدى ~~قصية الغايات. # ففي العصر الذي ارتسمت فيه السياسة المصرية في أحضان فرنسا وتركيا، نستنجد الأولى ~~ونستعديها على إنجلترا مستغلين ما بينهما من حزازات ومنافسة ونتعلق بخيط العنكبوت من ~~علاقتنا بالعثمانيين مستغلين سيادتهم الاسمية على مصر، نادى بالاستقلال، محببا بذلك الفكرة ~~الوطنية الصميمة التي قامت عليها الحركة العرابية. وإني لأذكر أن أستاذنا ذكر في مقال ~~له أن مصر تطلب «الاستقلال التام» فاستعدى عليه السيد علي يوسف صاحب المؤيد ورئيس حزب ~~الإصلاح - وهو إذ ذاك حزب السراي - النيابة لتجره إلى موقف الاتهام؛ ذلك بأن الاستقلال ~~التام في ذلك العصر، كان جريمة تستحق الجزاء. # قال بحرية المرأة في عصر أظلمت فيه جوانب الحرية، ودعا الطلبة إلى الاشتغال بالسياسة في ~~عصر كان فصل الطالب من معهده أهون على أصحاب السلطة من قلامة ظفر، وطالب بالدستور وبشر ~~بحرية الفرد وأنحى على تدخل الحكومة في شئون الأفراد؛ لأن ذلك وجه من الاشتراكية التي لا ~~تلائم الطور الذي كانت تجتازه مصر في ذلك العصر، وآمن بالتطور في زمان دعا فيه بعض الزعماء ~~إلى الطفرة، فكأنه بعبقريته الأصيلة قد أدرك أكثر ما خفي على أهل عصره من مستقبل هذه ~~الأمة، ولا نزال حتى اليوم نستقرئ فيما كتب، تنقل الأمة المصرية في مدارج فكراته التي ~~ساورته منذ أكثر من أربعين سنة. # ليس عندي من تعليل لهذا وللكثير بما فاضت به صفحات «المنتخاب» و«التأملات» إلا أن ~~أستاذنا، مد الله في عمره، عبقري أصيل العبقرية، فظهر إثر ذلك صادقا في أسلوبه وتفكيره ~~ومنطقه، وأقول على الجملة: إنه عاش حياته صادقا مع نفسه، فصدق مع الناس، وأيدته في صدقه ~~حوادث هذا الزمان. # | القدوة الحسنى1 # الأستاذ عبد العزيز بك فهمي # 1 # قد يجد المرء ذو الطعم على نفسه غضاضة أن يعلن عن صديقه فضائله لشخصيته ms02 أو محامده ~~العامة؛ لأن هذا يمسه عن قرب وينعكس لمعانه عليه على كل حال، فأوشك بالكاتب عن ذاته ~~أو صديقه أن يبتسم له القارئ فيقول: مادح نفسه يقرئك السلام. # غير أن للواجب مآزق تلجئ إليها ضرورة القيام به، وعلي الصحفي أن لا يدع صغيرة ولا ~~كبيرة من الحوادث النافعة في التنبيه على خلق كريم أو الدالة على مشاعر عاليات ليتم ~~للناس القدوة الحسنة، وليكون آية للأعقاب يهتدون بها وتسكن أنفسهم إلى إيثار المنافع ~~العمومية على المنافع الشخصية عليها جميعا، حتى على الصحة وهي أنفس متاع في الحياة، ~~بهذه المثابة يجب علينا الحرص في مسألة الأستاذ عبد العزيز، تلك المسألة التي اشتغل بها ~~الرأي العام نحو أسبوع. # يسرنا كما يسر صديقنا عبد العزيز بك وكل مصري محب لبلاده، أن يكون الرأي العام في ~~بلادنا يقظا ملتفتا لجميع الحوادث مقدرا رجاله الأمناء قدرهم يطالبهم مطالبة رب ~~الدين أن آتوا بلادكم حقها عليكم وافنوا في خدمة الجمعية التي ولدتكم والتي عليكم ~~اعتمادها في تحقيق الآمال، ويعجبنا أن يكون للناس على خدمة الأمة من الدالة ما يبيح ~~لهم المداخلة في شئونهم التي هي أشبه بالشئون الخاصة منها بالأعمال العمومية، اللهم لك ~~الحمد والمنة على أن جعلتنا نسمع بآذاننا ونرى بأعيننا أن يقف الرأي العام لعبد ~~العزيز بك موقف الذي يعتقد أن هذا الرجل الحر ليس له التصرف في نفسه وملكاته، بل هي ~~وقف على خدمة الأمة فيما تشاء الأمة، غبطة تسيل لها الدموع الباردة فرحا بأن زمن ~~الهدم قد تولى - لا رده الله - وقد جاء بدله زمان بناء الرجال. # ليست المسألة في ذاتها من المسائل السياسية الكبرى ولا من العقد الاجتماعية حتى كنت ~~أتوقع أن تردنا من كل ناحية كتب الاستفهام عما تم فيها، بل كتب الاعتراض علينا في ~~أننا لم نتبين رأينا في المسألة كما نصدع به في كل مسألة سواها، ليست المسألة كذلك ~~ولكنها بسيطة في حد ذاتها لم يعقدها إلا مركز الأستاذ عبد العزيز وثقة الأمة في ~~نائبها المحترم، طلبت إليه ms03 الحكومة أن يقبل القضاء في محكمة الاستئناف، وإني شاهد ~~رؤية وسماع على أن الحكومة لم يكن لها في ذلك إلا قصد حسن وخدمة للقضاء. أشهد بذلك، ~~ولكني أشهد معه بأننا في الجمعية التشريعية في غاية الحاجة إلى عبد العزيز بك وزملائه ~~كبار العقول أشداء القلوب الذين يفرطون في كل شيء إلا في حق الأمة مهما صغر قدره ~~وقلت قيمته ، وعلى هذا الاعتبار جرى الرأي العام في تقدير المسألة حتى قال لي يوما ~~كبير الحريين لمناسبة هذه المسألة: تلك جناية على الجمعية تبوء أنت بشطر من المسئولية ~~عليها! وإذا كان هذا هو رأي سعد باشا، فما عسى أن يكون رأي الباقين وماذا عساك تسأل ~~عما ورد علينا من الاحتجاجات من قبل الشبيبة المتعلمة في القاهرة ومن أعماق القرى ~~والكفور. # إن عبد العزيز بك بتواضعه المشهور، لعله لم يقدر ضرورة بقائه في الجمعية بالقياس ~~الذي قدره به جميع أعضائها والرأي العام، إنه رجل قانون طلب إليه خدمة القانون بمحكمة ~~الاستئناف، فكان حاله كالجندي طلب منه أن يخدم سلاحه محل جندي آخر في ميدان الجهاد، فما ~~يأخذه زهو الشهرة عن الخدمة الهادئة بين جدران قاعات الجلسات ولا يظنه عاملا لإقامة ~~الحق، أقل منه شرفا حين يعمل لتأييد الحق والعدل بصورة أخرى في الجمعية التشريعية، ~~وأنا ضمين بأن هذا الرجل العالم لم تتجل أمامه تلك الخيالات اللماعة حين يظفر ~~بالوزارة أو حين يسمع صوته الصريح لتحقيق ما يراه لمصلحة البلاد، شغل بشغل وخدمة للحق ~~هنا وهناك، خدمة للأمة في الحالين، فما يكون من التفضيل في نظره إلا اعتبارات شخصية، ~~وليس لديه من طمع إلا العفاف بالكفاف، فلا مفضل إلا ما يتفق مع مزاجه ويتمشى مع حال ~~صحته، ولقد علم أصحابه أن طبيبه قال غير مرة بعدم استمراره في الجمعية التشريعية وهو ~~الدكتور طلعت بك، قالها وقوله حجة، فكان ذلك هو المرجح عند الأستاذ عبد العزيز وأخصائه، ~~فلما رأى أن الأمة التي أنابته تحرص على نيابته، وأصحابه في المجلس يحرصون على ~~الاحتفاظ به بينهم، قال: ms04 وصحتي أيضا فداء. # فليعش هذا المثل الصالح، ولتسلم له صحته، وليبق له فداؤه، فإنه قد ضرب لنا مثلا ~~في التضحية كما ضرب لنا صاحب العطوفة شيخ ساستنا على الإطلاق مصطفى فهمي باشا، مثلا ~~للتضحية والاحتفاظ بالكرامة والاستقلال، وما الأمة إلا أمثلة مضروبة من النبلاء، ~~واقتداء صالح من جانب الأبناء، بذلك تتم التقاليد، وعلى هذا تبنى قوة الشعوب. # فنحن نهنئ صديقنا بثقة الأمة وهي أكبر ما يتمنى الرجل من سعادات الحياة، ونهنئ الأمة ~~بأن فيها من أبنائها من يصلحون في أخلاقهم العامة وكفاءتهم، ليكونوا طلائع الرقي ~~المنتظر والفلاح القريب. # 2 # وقفت السيدة بهية هانم برهان على الجمعية الخيرية الإسلامية للتعليم سرايها الفسيحة ~~الجميلة بشارع درب الجماميز لتكون معهدا علميا. # وأجرت عليها من ريع وقفها ستمائة جنيه سنويا خلافا لريع البيوت والحوانيت الملحقة ~~بالسراي مما يبلغ ريعه مائتي جنيه في العام. # وقفت كل ذلك وقفا نهائيا خاليا من الشروط العشرة، وقفت كل ذلك وقفا منجزا لا ~~معلقا على انقضاء الذرية ولا على أية حادثة مستقبلة، بل السراي والريع صارا من الآن ~~للجمعية الخيرية. # فما أجدر هذا العمل الصالح بأن يكون للأغنياء والموسرين القدوة الحسنى من وضع الشيء ~~في محله، ودليلا على الإحسان في الإحسان. # إنما الصدقات للفقراء والمساكين حق على الأغنياء والموسرين، كانت ولا تزال، وكذلك ~~تبقى جارية ما دامت في الإنسان عاطفة الحنان إلى الضعيف وإلى الفقير، وما دام الشوق إلى ~~منفعة الوطن يدفع الناس إلى التضحيات المالية وغير المالية، غير أن الصدقة تعظم ~~بكبر قيمتها ومقدار الحاجة إليها وعلى نسبة ما تنتج من الخير العام للأمة، ومن هذا ~~النوع مبرة الأميرة الكبيرة فاطمة هانم أفندي والمحسنة الخالدة الذكر السيدة بهية هانم ~~برهان فإنهما عرفتا كيف يقرضان الله قرضا حسنا؛ ليضاعفه لهما أضعافا مضاعفة، وعلى ~~أي نوع تقدمان لمصر أكبر ما يمكن من المنافع. # برهنت الجمعية الخيرية الإسلامية بالعمل المتواصل في السكون والعزلة عن كل جلبة ~~وضوضاء على أنها أمتن الجمعيات الخيرية نظاما وأكبرهن ثقة وأوسعهن إدارة للتعليم، ~~إنها أخذت على ms05 عاتقها تعليم الفقراء منذ قبضت الحكومة يدها على تعليمهم وقبل أن يوجد ~~في البلاد جمعيات أخرى تهتم بأمر الفقير، وقبل أن يكون لمجالس المديريات عناية بأمر ~~التعليم، في مدارس الجمعية الخيرية أكثر من ستة آلاف تلميذ يتعلمون، بعضهم على نفقة ~~أوليائهم، ومن ليس له ولي قادر على تعليمه، فوليه الجمعية تعلمه على نفقتها، ذلك ~~عملها في التعليم، وأما إعانة الفقراء ورعايتهم بالصدقة الخفية والرعاية الصامتة غير ~~المتبوعة بالمن فذلك يعرفه الذين حضرتهم معونة الجمعية في وقت الضيق، والذين جاءتهم ~~رسلها تخلصهم من حيرة الموقف من حيث لا يحتسبون. # لا شك في أن الاعتبارات هي التي حركت عواطف السيدة بهية هانم الشريفة إلى توسيط ~~الجمعية في إيصال برها للفقراء والمساكين، فاختصتها بهذه الهبة العظمى التي لا نسمع ~~بمثلها في بلادنا، وما أجمل أثر البر في نفس فاعله وفي نفس المسدى إليه، ولو رأيت وفد ~~الجمعية الخيرية الإسلامية يتقدمه دولة رئيسها الأمير الجليل حسين كامل باشا ووراءهم ~~أبناء الجمعية الفقراء يحيون باسم الإنسانية تلك السيدة المحسنة في شخص وكيلها الرجل ~~النبيل أمين بك يحيى، وينشد التلاميذ نشيدهم لتمجيد هذا العمل الصالح، لوددت أن تكون ~~لك كنوز الأرض تهبها لتعليم الفقراء، ولانفعلت نفسك بأن في الكرم بسالة تأخذ النفوس ~~بأكبر مما تأخذها بسالة أبطال الحروب وأن له جلالا فوق جلال القدرة والسلطان! # أجل ليس الكرم أو إنفاق المال على حبه لتعليم اليتامى والمساكين ومواساة الفقراء إلا ~~نزولا عن مقومات حفظ الذات وتضحية لا تقل في شيء عن الضحايا التي يقدمها الأبطال لخير ~~الإنسانية. # أحسنت أيتها السيدة المحسنة وليدم برك بالفقراء، القدوة الحسنة للنساء وللرجال ~~جميعا. # | الآثار القديمة1 # على الرغم من الضعف الذي وقعت فيه مصرنا، فمن المحقق أن المصري تأخذه هزة الارتياح ~~ويلعب به شعور العزة أمام عظمة المصريين القدماء، ويكون حظه من شعور الفخر أكبر من ذلك، لو ~~أنه عالم بالحوادث المصرية المكتوبة على حيطان المعابد والمحاريب ووجهات القبور، أو قارئ ~~ترجمة تلك النقوش في أشعار المسيو ماسبيرو ومارييت ونافيل ومحاضرات كمال ms06 بك، إذ يعلم أن ~~مصر كانت من العزة في ذلك الزمن الغابر على قدر أن الملك كان له نحو اثني عشر رجلا من ~~الأمراء وغيرهم يقومون بأمر التشريفات، يصل إليه سفراء الممالك الأخرى راكعين ساجدين، ~~يرغمون أنوفهم بالتراب، ويجأرون له بالدعاء، يقطع أصواتهم خوف الملك وجلالته. وأن الملك ~~لم يكن كل شيء في مصر بل كان لأمراء الأمة ووزرائها في كثير من الأحيان أثر عظيم في الإصلاح ~~وفي الحكم، وأن المصريين لم يكونوا - على ما يصفهم عامة الأجانب - مخلدين إلى السكينة ~~كارهين السياحة والتنقل قانعين من الرزق بما تحت متناول اليد، بل كانوا أمة جد ~~واستعمار تجري في استعمارها على أحدث الطرق الأوروبية الآن، إذ يخرج المرسلون من مصر إلى ~~الأقطار المختلفة في إفريقية يجوسون خلالها حاملين إلى أهلها العطر ذا الرائحة النفاذة ~~والأقمشة الزاهية الألوان وغير ذلك مما يحمله الأوروبيون في هذا العصر إلى سكان تلك الأقطار ~~الشاسعة في أفريقية. # ولم تكن أغراض المصريين من فن السياحة قاصرة على الربح التجاري، بل كان أولئك السياح ~~يكسبون بلادهم نفس الفوائد التي جنتها إنكلترا من وراء الشركة التجارية الإنكليزية في بلاد ~~الهند قبل فتحها، وسياحات سيسل رود، وما كسبته فرنسا من بعثاتها في الكونغو والسودان، إذ ~~كان السياح المصريون يدعون الناس لاستماع أخبار مصر والمصريين ودينهم ولغتهم ويبينون عظمة ~~ملكهم وثروة بلادهم حتى يصوروا مصر في أذهان القبائل بصورها القوية القاهرة التي لا يعجزها ~~تحقيق شيء مما تريد، فإذا رجع أولئك المرسلون إلى مصر وصفوا تلك البلاد وأفاضوا للحكومة ~~بكل ما وصلوا إليه من المعلومات فتسير الجنود المصرية على أثر ذلك تفتح البلاد النائية التي ~~صار فتحها بفضل معلومات السياح أمرا هينا، ولقد كان المصريون أسمح الأمم في استعمارهم؛ ~~لأنهم كانوا يسيرون فيه على مذهب اللامركزية يحفظون على الأمة المغلوبة دينها وعاداتها ~~وشكل حكومتها، ويتركونها حرة في بلادها مقابل الاعتراف بالسيادة المصرية، وكما أن مصر ~~تحمي المستعمرة من الاعتداء الأجنبي، كذلك كان يجب على المستعمرة المصرية أن تتعهد بدفع ~~خراج سنوي، ms07 وأن تنصر مصر في حربها مع أية دولة أخرى. # لا شك في أن علم المصري بهذه الحقائق المسطورة في نحو القرن الخامس والثلاثين قبل ~~الميلاد، يخرج من نفسه القنوط من ارتقاء مصر، ويجعل آراء الذين يظنون بمصر عدم الاستعداد ~~الطبيعي للاستقلال والسيادة من السخافة بمكان، فإن ما جاز عليه الكون في الماضي، غير ~~ممتنع عليه أن يكون، ولا شك في أن المصريين حتى المتعلمين قليلو الاهتمام بالعلم بمصر ~~القديمة إلى حد حرمنا لذة هذا الاغتباط بما كنا عليه، ولذة التشبث بالعمل إلى استعجال ~~القدر ليذهب بهذا الحاضر التعيس، وليعيد مصرنا إلى الماضي القديم. # أخبرني أحد أصدقائي قال: سافرت في الشتاء إلى الصعيد لزيارة الآثار القديمة والاستراحة من ~~عناء العمل، فلاحظ علي سائح ألماني أن العجب يأخذ مني مأخذا كبيرا عند رؤية الآثار ~~المصرية، فسألني إذا كانت هذه هي المرة الأولى لزيارتي إياها؟ فقلت: نعم، فضحك وقهقه، ~~فسألته عما إذا كان زار هذه المعاهد من قبل؟ قال: زرتها سبعا وعشرين مرة، وهذه الثامنة ~~والعشرون، وعلي أن أجيء كل عام في المستقبل أيضا، فضحكت منه أنا نوبتي، وقلت له: فهمت ~~أنك كنت في المرة الأولى مستطلعا مستفيدا فأتممت في المرة الثانية ما نقصك في الأولى من ~~الاستفادة، ثم أعوزك الوقت لإتمام قصدك فجئت الثالثة وفيها مقنع لمستطلع وقضاء لبغية النفس ~~من تكرير النظر للجميل، فما رأيت أعجب من تسويغي زيارة الآثار إلى هذا اليوم إلا إكثارك من ~~رؤية الشيء الواحد، واستزادتك من ذلك على غير جدوى، قال: أؤكد لك أنني كلما زرت هذه الآثار ~~شعرت بالرضى بل باللذة التي كنت أشعر بها في كل مرة سابقة وما رجعت مرة إلا بفوائد جديدة لم ~~أكن لأحصل عليها من قبل. # هذا حديث له أثر ثابت في فهم هذا الاهتمام الذي يعرفه الألمان والفرنسيون والإنجليز ~~والأميركان في زيارة آثار مصر واستنطاقها عن أخبار العالم الأول، ليضيفوا بذلك صفحة أو ~~صفحات إلى أسفار التاريخ القديم ولينتفعوا بذلك في معرفة قوانين النشوء والارتقاء التي صارت ~~عليه العلوم ms08 والفنون والصنائع من نحو سبعين قرنا، وليبحثوا في جوانب العالم عن الحلقات ~~المفقودة من سلسلة الظواهر الاجتماعية والحركات البسيكولوجية التي تطورت بها الأمم حتى صارت ~~إلى ما هي عليه الآن، فإن الذي يجهل ماضي العالم حقيق به أن لا يصح حكمه على حاضره ولا على ~~مستقبله، ومن لا يعرف تطورات الإنسان، لا يستطيع أن يضع له قوانين السلوك في الحياة. # كتب إلي أحد أصدقائي نزيل الأقصر اليوم: # أكتب إليك بعد أن زرت معظم الآثار التي خلفها لنا أجدادنا، زيارة داخلني منها ~~الزهو وتضاعف بها حبي لمصر وطني، ولكن الحب لم يصف من شوائب الحزن؛ لماذا لا ~~تدرس في مصر الإيجيتولوجية كما تدرس بإنجلترا. # هذا الكتاب أيضا تدل عبارته على شعور كل مصري متعلم يقف أمام الآثار المصرية لا يعرف ~~منها إلا ما يعرفه العامي، يعرف من الأثر أنه عظيم متقن دال على أبهة الملك الذي يخبر ~~عنه، هذا كل ما نعرف من آثار بلادنا. # لا أطلب أن يكون كل رجل منا يطاول شامپوليون في دقة ملاحظته وقوى استكشافه، أو يباري ~~ماسپيرو في إحاطته بالآثار المصرية، أو يكاثر كمال بك في معلوماته الأثرية، ولكن المطلوب ~~هو محاضرة مستمرة ودرس دائم في الجامعة المصرية أو غيرها من دور العلم يسهل السبيل على ~~أبناء مصر أن يعرفوا ماضيهم لا على الوجه العلمي الدقيق، ولكن على الوجه الذي يعرفه السياح ~~الأوروبيون من آثار وتاريخ أجدادنا الأقدمين. # ليست أمتنا في هذا الحاضر ذات وجود مستقل عن أمتنا الماضية، ولكن الأمة كل واحد غير ~~منقسم وغير قابل للتجزئة، إنها أمة قد خلق جسمها الاجتماعي من يوم أن استقلت بهذا الوطن ~~المحدود، وكانت ذات نظام اجتماعي معروف، فصارت تنتقل في حياتها من الصحة إلى المرض، ومن ~~المرض إلى الصحة؛ حتى صارت إلى ما هي عليه اليوم، فبعيد على المصريين الذين يريدون ارتقاء ~~بلادهم أن ينجحوا في تحقيق إرادتهم هذه إلا إذا عرفوا حقيقة أمتهم، وحقيقتها هي مجموع ~~ماضيها وحاضرها، فليست معرفة الآثار القديمة فرعونية وعربية - ولو إلماما ms09 - قاصرا نفعها ~~على اغتباط النفس برؤية الآثار الجميلة وتحصيل شعور العزة بذكرى ماضي مصر المجيد، بل هناك ~~نفع أعم أثرا وهو الوصول من معرفة الماضي إلى معالجة الحال حتى يتبدل به مستقبل ~~سعيد. # عسى أن يقع ما نقول من مشاعر الشبيبة موقع القبول؛ فيقبلوا على وسائل العلم بمصر القديمة، ~~وعسى أن يجيب علماء الآثار القديمة الفرعونية والعربية نداءنا فينفعوا الناس بمحاضرتهم وخير ~~الناس أنفعهم للناس. # | آثار الجمال وجمال الآثار1 # لا أظن أنه يوجد إنسان صحيح لا يشعر في نفسه بتأثير الجمال أو لا تتحرك عواطفه حركة ~~لذيذة أو مقبولة توجب الرضا برؤية الجميل، ولقد تختلف أذواق الأفراد والأمم اختلافا قليلا ~~في تحديد جمال الأشخاص والأشياء تبعا لتربية الخاصة النفسية التي تتعرف الجمال، فكلما كانت ~~هذه الخاصة التي نسميها الذوق مصفاة من شوائب الخشونة بحكم التركيب الجسماني والوراثة ~~ودرس الفنون الجميلة، كانت النفس أكثر إحساسا بالجميل وأدق حكما في الجمال، ومهما كان رأي ~~جماعة الزهاد في الدنيا الذين لا يقيمون وزنا للذائذ الإنسانية ولا يحفلون بالصور ~~الجميلة. # وجماعة الفانين في كسب الأموال الذين يجدون ما عدا ذلك في الحياة من سقط المتاع، فإن ~~إجماع بني آدم أصحاء الأجسام والعقول، واقع على نفوسنا هي أيضا كأبداننا محتاجة إلى ~~الغذاء، ومن أطيب غذائها الجمال، فإن مشاهدته حيث كان تلقي في نفس الإنسان سكونا يلطف ~~آثار حركات المشاغل وينوع حال المشاعر فيحميها من الكلل والسآمة ويعيد قوتها سيرتها الأولى، ~~فإذا كان الجمال على هذا القدر من تغذية الروح الإنسانية، كان تعرفه بمرانة النفس على رؤيته ~~حيثما كان، من الأمور الضرورية للعيشة المدنية والتربية الإنسانية، لا أنه - كما يزعمون - ~~أمر كمالي صرف يتشبث به أهل البطالة وأتباع الهوى وخفاف الهموم. # زعم باطل وإغراق في اعتبار الحياة حمأة آلام يتمرغ فيها الأحياء لا يذوقون فيها من طعوم ~~اللذة إلا تنقلا من ألم قديم إلى ألم جديد! إذ ليس ذلك ما يشعر به عامتنا نحن ~~الأحياء. # نحن لا نعرف ماهية الجمال، ولا يهمنا الآن البحث عن ذلك ms10 ما دامت تشعر به أنفسنا من غير ~~تعريف منطقي، يقولون: إن الجمال هو عبارة عن مظهر أسرار الكمال في هذا العالم المادي، أو ~~إنه مرآة حسن التأليف بين الصور والألوان، ويقولون غير ذلك. # ولست أظن أنه يهمنا كثيرا أن نسبح فيما وراء الطبيعة لنرجع بتعريف للجمال، وهو هو ~~بعينه ذلك الذي نشعر به في أنفسنا عند رؤية ما نسميه الجميل، سواء كان هذا الجميل ~~مخلوقا حيا أو جامدا أو فعلا من الأفعال التي تهز عواطفنا، أو معنى من المعاني التي ~~تقع من النفس موقع الجميل بالحس، وإذا كنا حاصلين على معنى الجميل بالفعل داخل نفوسنا ~~فخير من تلمس حدوده فيما وراء معلوماتنا، أن نستمتع بآثاره إذ الواقع أن الجمال معنى من ~~المعاني القدسية التي لا تزال محجبة عن أبصارنا الكليلة، مصونة عن التدهور في هاوية أبحاثنا ~~الوضعية، رفيعة عن إدراكنا المحدود، ومع ذلك فإن آثاره مادية نراها بأعيننا في الصور ~~الحية وفي التماثيل الجميلة، ونسمعها في أصوات الموسيقى، ونشعر بها روحا تفيض على مشاعرنا ~~رضى بمشهد الأعمال العظيمة أو بسماع أخبارها، ذلك الأثر السعيد أثر الجمال، هو الذي يجب ~~علينا أن ننمي مقداره في أنفسنا؛ لنحصل بها على أكثر ما نستطيع من العيشة الراضية. # إن تربية الحس الصادق الذي يتعرف الجمال ويتأثر منه، ليست على ما نظن خاضعة لقوانين ~~معينة؛ لأنها هي تربية الذوق، والذوق شيء ليس في الكتب، على أن نبوغ مصور التماثيل أو ~~رسام الألواح أو صانع التحف أو الموسيقي ليس نتيجة لازمة للعلم بأصول معينة بل هو إلهام ~~من الله وفيض من الفيوض، أو كما يقولون: استعداد خاص قد تفسده قوانين العلم، وينميه في نفس ~~العبقري خروجه في صناعته عن حدود المألوف. # أجل! إن أرباب الفنون الجميلة في كل زمان لم يقيدوا حريتهم عمدا بأقيسة فنية، ولكنهم ~~كانوا دائما خاضعين لانفعالاتهم الذاتية المتولدة عن عقائدهم ومشاعرهم ومشاعر أهل زمانهم ~~وحاجات البيئات التي نشأوا فيها؛ ولذلك كانت آثار الفنون الجميلة في كل عصر من العصور ~~مؤتلفة غاية الائتلاف ms11 مع عقائد ذلك العصر ومشاعره وحاجاته واصطلاح الجمال فيه، فترى من ~~السهل على كل ذي إلمام بالتاريخ والآثار أن يعرف الأثر الذي تقع عينه عليه، في أي العصور ~~صنع، ومن أي البلاد هو، فإن هذه الآثار الصامتة تحدث الذي يعرف أن يسمعها، تحدثه بأهل ~~زمانها صادقة، كما قيل: إن أصدق الكتب هو ما كتب بالحجارة. # ليس الحس الصادق الدقيق في معرفة الجمال محلا لتربية معينة ذات أوضاع متفق عليها، كذلك ~~لا يعرف التاريخ أن أمة من الأمم - مهما كانت آثار فنونها الجميلة ذات شخصية مستقلة عن ~~غيرها - قطعت النسب بين فنونها الجميلة وغيرها، ونبغت فيها، بل التاريخ يدل على أن الفنون ~~الجميلة الفرعونية، إنما كان أصلها من أثيوبيا دخلت عند المصريين، فأخذت طابع عقائدهم ~~الخاصة ومشاعرهم وحاجاتهم فتغيرت عن أصلها وصارت ذات شخصية مستقلة، فلما أخذها اليونان عنهم ~~تغير شكلها تبعا لعقائد اليونان ومشاعرهم أيضا، فلما أخذها عنهم الرومان تغيرت ~~تغييرا جديدا، وإن كان هؤلاء لم يتفوقوا فيها على أساتذتهم اليونانيين، وهكذا أخذت ~~الفنون الجميلة العربية من غيرها وكانت في بدئها خليطا ثم أفاضت عليها الروح العربية ~~الإسلامية جمالها الخاص فأصبحت ذات شخصية مستقلة عن غيرها مميزة عما عداها، سواء كان ~~ذلك في الأنغام الموسيقية أو في تحف الآثار والصناعة الفنية والرسم والتماثيل، وإن كانت ~~الصور والتماثيل قليلة في الفنون الجميلة العربية، إلا أن الذي وجد منها في بعض الآثار ~~كالحمراء بغرناطة، والقصر في إشبيلية، وفي دار المستنصر وغيره من بعض الملوك والخلفاء، قد ~~دل أهل الفن على أن الرسم والتصوير في الإسلام لهما طابع خاص. # على هذا الاعتبار يمكننا أن نقول: إن الحس الصادق الذي يتعرف الجمال من الآثار لا يجوز ~~أن يهمل أمره ويترك للصدفة الصرفة، اعتمادا على أن الذوق ليس في الكتب، بل يجب أن تمرن ~~النفس على رؤية الجميل من الصور والألواح والمصنوعات وسماع الجميل من الغناء حتى يرق شعورها ~~وتحصل لها هذه اللذة التي تأتي من معرفة الجمال وتقديره، فإنها لا تعدلها في صفائها وعلو ms12 ~~مكانتها لذة أخرى، لذة ضرورية للفرد نافعة للمجموع. # وأقرب ما يكون هذا المران العملي في زيارة دار الآثار المصرية، ودار الآثار العربية، ~~وزيارة العمارات الأثرية الفرعونية والعربية؛ كالهياكل، والمعابد، والمساجد القديمة، ثم ~~زيارتها في كل فرصة تمكن من ذلك. # يجد الإنسان آثار الجمال في الطبيعة، فإنه إذا صفت نفسه واتسع أفق بصره، وعلت مرتبة ~~إدراكه، يرى الجمال في الطبيعة حيثما أدار عينيه ، يرى في الرياض جمالا، وفي البحر الفسيح ~~جمالا، بل يرى في الطبيعة الجدوب والجبل الأقرع والصحراء الجرداء جمالا من نوع خاص، كما ~~يرى الجمال في بعض الإنسان وبعض الحيوان. غير أن للجمال في نفوس الناس قيدا خاصا ~~يقيدون به معناه العام، وهو جمال الخلقة في بني الإنسان على الخصوص، فإذا أقبلت على أحد ~~الشبان تلقي عليه بغتة هذا السؤال: هل تحب الجمال! تكيف هذا السؤال العام في ذهنه بصورة ~~امرأة حسناء، وكان جوابه عنه مقيدا عنده بهذه الصورة، إلا إذا ألفت ذهنه إلى معنى الجمال ~~على إطلاقه. ذلك أمر مفهوم لا نعنى باستقصاء مصدره في النفس، ولكننا يجب علينا أن نطاوع ~~هذا الاصطلاح العام بعض الشيء في تربية الذوق، ومن غير الممكن أن يوفق المرء إلى رؤية امرأة ~~مثل (زهرة روفائيل) في الجمال، بل قد يكون بين جسم المرأة الحية الجميلة وبين روحها، فوارق ~~واضحة تنقص مقدار جمالها إلى ما دون المرأة العادية، وكذلك الرجل. # أما ذلك التمثال الصامت، فإنه لا يلوح عليه من الآثار المعنوية إلا ما أراد المصور أن ~~يجعله مثلا أعلى للمعاني التي تشف عنها أوضاع الجسم، على أنه من كثير الوقوع أن المرء ~~لا يقصر النظر إلى الأجسام الحية المتحركة على مشاهدة الجمال المجرد، بل قد يشارك معنى ~~الجمال في ذهن الرائي معان شتى تشوش على النفس استطلاع الجمال، وليس الأمر كذلك في رؤية ~~الألواح والتماثيل الجميلة، فإن النظر إليها يكون دائما خاليا عن كل ما يزحم معنى ~~الجمال في خيال الرائي، ولهذا الاعتبار نكاد نقول: إن خير نموذج لتربية الذوق في إدراك ~~آثار ms13 الجمال هو استدامة النظر إلى جمال الآثار، وربما كان هذا النموذج هو النموذج الذي ~~اتخذه الناس من قبل عند التشبث بتعلم الفنون الجميلة؛ لأنه لو كانت الطبيعة كفيلة ~~بتقديم نماذج الجمال لاكتفت كل أمة بما لديها من النماذج الطبيعية من غير أن تستعير نماذج ~~الفنون الجميلة من غيرها كما ذكرنا. # لا شك في أن الأمة الأولى أخذت نماذجها عن الطبيعة، ولكن من خلفها من الأمم قد رأى ~~الأخذ عنها أقرب من الأخذ عن نماذج الطبيعة، فإذا كان شباننا المتعلمون يجعلون من بعض ~~همهم زيارة دور الآثار واستقصاء ترقي التصوير والصناعة الفنية فيها من عصر إلى عصر، ~~واعتادوا على ذلك حصلوا لذة لا يحصلها الذين يصرفون وقت الفراغ في غير لذة بريئة، بل في ~~سكون وسآمة، واستفاد منهم المستعد في صحة حكمه عن الأشياء، وزاد علمه بمصر وحبه لها ~~وتقديره تقديرا صحيحا مجدها في المدينتين الفرعونية والعربية، واحترام قومه ونفسه ~~بالتبع، إذ الواقع يشهد أننا لا نعلم من قيمة وطننا ومجده ما يعلمه السائحون، فإذا نحن ~~تتبعنا آثار الجمال وعنينا بجمال الآثار، حصلنا على بزور جديدة تنفعنا في تمصير المدنية ~~الغربية الحالية؛ لأن أذواقنا تكون بعدئذ خليطا مما تعلمناه من المبادئ الغربية، وما ~~كسبته مشاعرنا من التربية الغربية، ومن ذوق مصري ونزعات مصرية مصدرها مشاعر جنسنا الوراثية ~~مضافا إليها المشاعر المصرية التي تتكيف في نفوسنا تكيفا مصريا حقيقيا بالإيغال في ~~تعريف الآثار المصرية فرعونية وعربية. # لا شك في أن آثارنا جميلة ورؤيتها تبعث في النفس الرضى الذي يحصل برؤية الجميل، وخير ~~الفوائد ما وجد منه المستفيد رضى ولذة، فلا يغلو الذي يقول: إن الوقت الضائع هو ذلك الوقت ~~الذي يصرفه أبناؤنا وبناتنا المتروضون في غير مواضع الآثار. # لئن قام عذر علمائنا الأثريين في أنهم لا يظهرون حبهم لنشر معلوماتهم الأثرية ~~بالمحاضرات، فما هو عذر الشبان في هجر دور الآثار التي إن لم يجدوا من يعلمهم فيها، ويوضح ~~لهم جمالها، ولم يستطيعوا أن يستفيدوا مما كتبه العلماء في وصفها وسنها، فلا أقل ms14 من أن ~~يدركوا جمالها ويحصلوا لذة رؤية الجميل، إنه لا تتم وطنية المرء إلا إذا عرف أمته قديمها ~~وحديثها، فإن من جهل قديمها فهو مدع في حبها؛ لأن من جهل شيئا عاداه. # | ربيع الحياة1 # رأيت صباح اليوم أزهار الربيع على أكمل ما تكون، إما في أكمامها وآثار الصحة بادية ~~عليها، وإما زاهية قد مزقت أكمامها وأسفرت من حجابها بين بين، لا هن سوافر خالعات ~~العذار، ولا هن متخذات ستورا من الأكمام والأفنان، أسفرن فكلهن قرة للعين، ولذة للشم، ~~ومبعث لحركات العواطف، لا أعرف عن طريق اليقين الوجه في جمال هذه الزهور، ولكنها في ~~الواقع جميلة، كذلك لا أعرف الصلة الخفية بين رؤية الأزهار وشمها، وبين آيات الحب، جلت حكمة ~~الله أن تتناولها عقولنا، ولكن الاستقراء دل على أن هذا النوع الإنساني منذ نشأ إلى ~~اليوم، يتعشق الزهر ولا يطيب له مجلس لهو إلا إذا كان للزهر فيه المقام الأول منثورا ~~ومنظوما، صحبا أو أشتاتا، بل كلنا يود أن يكون له بستان من زهر، ومن لم يجد هرع وقت ~~فراغه إلى الحدائق العمومية، ومن لم يجد من الفلاحين أعجبه كثيرا أن يقيم وقت أنسه على قرب ~~من زهر الفول، ومن لم يجد اتخذ له صورة بستان أو خيال بستان من الزهر في آنية للفخار يضع ~~فيها القرنفل والورد في شبابيك داره، بل أصبح من القضايا البديهية أن الدلالة الوضعية على ~~رقي أمة عنايتها بالزهر واستمتاعها به، وما هذا الاستقراء التام إلا جاعل نسبا ثابتا بين ~~الزهر وبين الأنس ومسارح العواطف وحركات القلوب. # لقد يسمج التعليل المنطقي في موضوع كهذا خفيف بطبعه لا يحتمل ثقل المنطق ورصانة التدليل، ~~ولكني أستأذن القارئ أن أستدل بهذا الاستقراء على أن الزهر من دواعي التقريب بين القلوب ~~وبين عوامل الائتلاف بين الجنسين، وقد كان دائما مفتاحا تستفتح به هدايا الوداد، بل اتخذت ~~ألوانه المتنوعة وأنواعه المتعددة علامات على المشاعر المختلفة التي لها علاقة بذلك المعنى ~~المعروف بآثاره المجهول بكنهه، وهو الحب. # وإذا كان الزهر من دواعي ms15 الحب، وكان الحب داعية حفظ النوع، وكان الربيع خير الفصول في ~~وفرة زهره وجماله، فهل يستطاع الأمل بأن هذا الربيع يدعو الغلاة المماطلين من أبنائنا ~~وبناتنا إلى فك (الاعتصاب) الذي لزمهم أو لزموه هذه السنين الأخيرة على أكبر واجب حيوي! ~~فينزل كل منهم عن المثل الأعلى في خياله إلى ما دونه من الأمثلة، ولا يتشدد في التمسك ~~بالاعتبارات الإضافية كفقر الزوج أو مركز أبيها في الحكومة ... إلخ، وأن يتساهلوا بعض الشيء ~~ولو في بعض الشروط المعقولة عندهم غير المقبولة عندنا نحن الآباء، لا بحجة العقل ولا الدين، ~~ولكن بحكم العادة الطويلة. # هل يستطاع الأمل بأن هؤلاء المماطلين المتعصبين يخففون عنا كابوس الخوف من قلة النسل في ~~الفرقة المتعلمة من الطبقة الوسطى؟ إنهم لو ذاقوا تلك السعاة الزوجية وشملهم سلام العيشة ~~العائلية وشعروا بلذة عواطف الأبوة، لما احتاجوا إلى إلحافنا في المسألة، ولندموا على ما ~~ضيعوا من ربيع الحياة. # | جني القطن1 # لا أجمل من العمل إلا جني ثمراته، وما أسعد صباح الجنائين! يتنادون فيجتمعون، ويتفقد ~~بعضهم بعضا ثم يسيرون، يمشون في طلعة الشمس جماعات جماعات مستبشرين رجالا ونساء فتيانا ~~وفتيات صبيانا وصبيات، يأخذون معهم مواشيهم تأكل تحت أعينهم من حشيش الأرض أو من خف الذرة ~~المجاورة لمزرعة القطن، تتبعهم كلابهم أيضا، فتكاد العائلة لا تخلف في البيت إلا من تصلح ~~لهم الطعام، ترى الأطفال وقد خفت من الفرح جسومهم الصغيرة فهي تنط من هنا إلى هنا، وتثب ~~وتلتفت، يضحكون من لا شيء، يغنون طربين بأنهم تركوا المألوف من تفرق العائلة بكرة ~~النهار كل إلى عمله بعيدا عن الآخر، كبار العائلة إلى المزارع، ونساؤها إلى الأعمال ~~المنزلية، وصغارها بعضهم يذهب إلى المكتب وبعضهم يسرح بالماشية، تنسخ هذه العادة يوم جني ~~القطن، إذ يذهب جميع أفراد العائلة بجملتهم إلى المزرعة، يتسابقون في الجني، ويتبارى ~~فتياتهم في الغناء، وتنافسهم في إجادة النكت الجميلة يضحك منها الجميع. # إن هذا المنظر الجميل لأولئك الرفقات المستبشرة، لا تدع محلا للشك في أن جني القطن ~~هو موسم سعادة ms16 الزارعين. # يمشي رب العائلة إلى الغيط أمام عائلته وقلبه مملوء بالرجاء، يرجو أن تكون ثمرة عمله ~~السنوي وفيرة يؤدي المال ويدفع الإيجار ويبقى له من ثمن القطن ما يفي بنفقاته، وكان هذا ~~السرور الداخلي يطبع على وجهه سيما الرضا ويفيض على أخلاقه سعة الصدر، ينظر إلى أهله وذويه ~~نظرات المودة حتى إذا أراد حثهم على العمل لا يكون صيغة الزجر إلا صيغة تلطف وتشجيع ، ~~إذ يدعو لهم بالعافية فيقول (عوافي). # شغل المزارع كله صامت أو قليل الجلبة بطيء الحركات له مسحة من الوقار وعليه أمارات الصبر ~~وسكون الحزن، إلا جني القطن، فإنه كثير الحركة متوالي الجيئات والروحات خفيف الحمل يتخلله ~~طيب الغناء وعذوبة اللحن حينا، وحديث الجنائين بعضهم لبعض حينا آخر، يتجلى فيه الفرح ~~بالجماعة، وإن للجماعة لروحا عامة تفيض على أفرادها حتى إذا مررت بهم من على الطريق، ~~وليس لك في القطن فتيل ولا من ثمنه مليم أفاضوا عليك من فرحهم فشاركتهم فيما هم فيه، ولست ~~أعرف منظرا أروح للنفس من منظر الراضين. # إن لم يكن القطن جميلا عند أهل المعرفة بالجمال، ~~فإن جنيه من أجمل ما يكون، ومع ذلك فهو جميل، إنه نافع وكثيرا ما يكون الشعور ~~بالجمال غير خالص من دواعي المنفعة، كثيرا ما يكون الجميل هو النافع، بل ذهب بعض المتعرفين ~~جمال الأشياء إلى أن أصله في النفس المنفعة لا غيرها، على أن مزرعة القطن المحصورة في ~~ذلك الإطار من التيل القائم عليها قيام السياج على البستان، ليست إلا لوحة من ألوان الطبيعة ~~الجميلة عند القلوب التي تقدر الجمال، لو أن الجمال معروف الأوضاع ومحل للدليل ~~والبرهان، لقلت كيف لا يكون جميلا مجموع تلك الشجيرات مشتبكات على مسافات متساوية ~~سيقانها حمر وأوراقها صفر وخضر ومدهامة وعلى غصونها المترنحة، أبراج القطن الأبيض ... ~~إلخ. # ولكن الجميل هو ما ترضى به النفس وتحبه كذلك، إن شئته روضا فهو كذلك، وإن شئته غلة فهو ~~كل ثروة البلاد، جنيه الظاهرة الاقتصادية الكبرى في مصر، وإلى حاصلها تنسب الشدة والرخاء ~~طول العام، ms17 يظن الثقاة من المزارعين أن حاصل هذا العام لا يصل بحال سبعة الملايين، وقد ~~كان في العام الماضي وشيك الثمانية؛ لهذا التقدير ولتقديرات أمريكا، يقولون: إن القطن ~~سيزيد ثمنه زيادة تعوض بعض الخسارة في كميته، ولست أظن هذه التقديرات العابثة محجبة عن ~~أدمغة أرباب المزارع، إنهم يدركونها وهم وسط أولادهم في الجني فتثقل رؤوسهم، فيطرقون بعض ~~الشيء، وكأني برب المزرعة استخفت من حواليه أصوات ذويه الجنائين حين يرهقهم حر الشمس ~~في الظهيرة يكثر تفكيره في تقدير حاصل زراعته، وتتمثل أمامه شخوص الدائنين الملحفين في ~~الطلب فيطرق، ولكنه لا يلبث أن تحجب الشمس غمامة فيمسح الأولاد جباههم بأردانهم، ويعودون ~~إلى غنائهم فينبهوه ويشاطرهم ما هم فيه من الغبطة، وكأني به يقول وهو يطرد عنه هم ~~الوفاء: خلنا نأخذ بطرف من سرور الحياة ولهوها فسرورها قليل وندع الهم إلى ساعة الوزن ~~وتصفية الحساب. # | أول العام1 # بالناس في الجديد من الزمان رغبة وإليه شوق، نفرح بالعام الجديد والشهر الجديد، كأن ~~حاضرنا يثقل علينا حمله، نرغب في الفرار منه إلى غيره؛ أو لأن النفوس شيقة إلى معرفة ~~ما يكنه المستقبل في الصحائف المطوية وراء حجب الغيب، في ظرف الزمان نستبطئ الحاضر ونستعجل ~~المستقبل، والذي نرجو أن يحقق فيها كل امرئ آماله وأمانيه، وما أول العام إلا باب هذه ~~المسافة الزمنية؛ لذلك كان استقباله عندنا عيدا من الأعياد. # يا عجبا من الإنسان! هو يحب الحياة ويفرح بانقضاء الزمن وما هو إلا انقضاء الحياة، ولقد ~~جرب ثم جرب أن المستقبل إن حقق له لذة منتظرة، فقد رماه أيضا بألم جديد، وإن أسدى ~~نعمة فقد أتبعها بنقمة، وإن جاء بحسنة فما يلبث أن يصيب بالسيئة، وما هذا المستقبل ~~المنتظر إلا أشبه ما يكون بالماضي بل هو شر منه؛ لأنه زمن الهرم وموطن الضعف والمانع من ~~قدرة التنعم بنعيم الحياة، من الصعب أن ندرك ذلك السر الخفي الذي يجعل المرء يستعجل ~~المستقبل فيما يتعلق بحياته الفردية ويشتغل به إلى حد الانصراف عن كل الحاضر، ما دام ~~المستقبل هو ms18 فناء الحياة، نعم تنقضي حياة الفرد وهو يرجو من المستقبل أن يعوض عليه ما فاته ~~فهو لا يفتأ يرجو، والدهر لا يفتأ يخيب ذلك الرجاء. # ولكن الإنسان إذا قصرت حياته عن تحقيق آماله الشخصية فإن الأمم طويلة الأعمار إذا ~~أدركها الهرم لا مانع يمنعها من استعادة شبابها وقوتها، فلا جرم أن ننتظر من المستقبل أن ~~تتحقق فيه آمالنا العامة، وأطماعنا القومية، ويجني شعبنا ثمار ما غرسه آباؤنا، وما يغرس ~~الجيل الحاضر من المبادئ القومية، ونستعجل الأعوام المستقبلة تجيء بالسعادة التي يرجوها ~~المصريون. # أهلا بأول العام مهما نشر لنا عامه من مطوي الحوادث، فإنه يجدد لنا ذكرى جده الأول ~~يوم هجرة نبينا محمد # صلى الله عليه وسلم ~~، ذلك اليوم الذي سن فيه النبي للناس كافة أن الحق أحق أن ~~يتبع، وأن المرء يجب عليه أن يضحي في الدفاع عن الحق ما استطاع من الضحايا ولو كلفه ~~هجرة وطنه وأهله، والسلب مما هو فيه من نعمة الطمأنينة والراحة، بل لو كلفه تعريض حياته إلى ~~أشد الأخطار، ذلك اليوم الذي قلب وجه العام، وبدل الشرك توحيدا، والضلال هدى، ~~والظلام نورا، والظلم عدلا، وتفاضل الناس بالأنساب والأموال مساواة، يوم الإخاء ~~والمساواة، يوم الديمقراطية الصحيحة، يوم تقرير سلطة الأمة في شئونها الدنيوية، والدين لله ~~الواحد القهار. # لكل قوم عيد، وهذا عيد الأبرار الذين يقولون بالإخاء والمساواة، ويجرون وراء تحقيق ~~سلطة الأمة، ويسيرون على المبادئ القويمة التي جاء بها الدين الحنيف لخير الأفراد ~~والشعوب. # | الرجل السعيد1 # لم تك بي حاجة إلى مصباح ديوجين لأبحث عن الرجل الطيب، ولكن بنا حاجة إلى نور الأرض ~~والسماء لنتعرف الرجل السعيد. # إذا كانت السعادة في أفراد الأمم البادية قليلي الحاجة والهموم، يلمع نورها في عيونهم ~~الجميلة السليمة من أذى الإجهاد، ويترقرق ماؤها في جباههم الواضحة، وتتم خفة حركاتهم عن ~~قلوب خفيفة من أوزار الحياة ونفوس طابت عن كثير من عرض الدنيا وشره المدنية، رضيت من ~~مزايا الحياة بالحرية. # ونعم الحال تتقلب النفس على هواها في مراتب العزة وتأخذ من العيش ms19 بنصيب صفا من كدر ~~الأحقاد وغصص المزاحمة المستمرة وخلا من الهموم العامة لأهل الحاضرة، إلا مما كان من ~~غارة يقتضيها العيش أو لقاء عدو للدفاع عن الوطن. # وكلاهما قد يزول همه بانقضائه، لا كأهل المدينة سلمهم حرب وحربهم حرب، فهم في السلم من ~~خوف الحرب في حرب شعواء، أدهى وأمر من الرمي والطعن والضرب، وهم من خوف الفقر ومن المزاحمة ~~على حاجات الحياة وكمالياتها في حرب ، وهم من ثروتهم العلمية والفنية والمالية في فتنة ~~مستطيرة الشرر، تقلق المليء والخالي، وتكد ضمير العظيم والحقير على السواء. # إذا كانت السعادة في أفراد الأمم البادية، فأخلق بها أن لا تكون في مدنيتنا، بعيد عن ~~السعادة، وهي أمنية الحي، رضاء النفس وطمأنينة القلب ونور العين، أن نلقاها في حمأة الشهوات ~~الذي تزحف فيه النفوس، وتتخبط في ملاطمه القوى والملكات، إلا الذين أخلصوا قلوبهم وتعرفوا ~~الحياة بالعقل وبالمثل، فعرفوها عن قرب، يضربون فيها لأشخاصهم هونا ويعملون لسعادة غيرهم ~~جما، ويكبر في صدورهم حب الإنسانية وتنمو في نفوسهم طبائع الخير، فتميت ما عداها من ~~الميول، رضي الله عنهم ورضوا عن أنفسهم، وحققوا سعادتهم في هذه الدار، أولئك هم ~~السعداء. # أين الرجل السعيد الراضي بحاله في هذه الحياة الدنيا؟ وقلب المرء بما أودع من الهموم ~~الحقيرة والجليلة، لا يهدأ روعه ولا يكن هياجه إلا إذا أصاب أغراضه ووصل آماله وبلغ أمانيه ~~وما هو ببالغها؛ وكلما انقضى منها سبب جاءه سبب جديد، إنه لا نهاية لأغراضه ونهاية حياته ~~واقعة لا شبهة فيها، وإن حاول هو أن يؤجل هذا الواقع، وإنه على ذلك ينفطر قلبه حسرات ~~على ما يفوته من مطلوب، وتذوب نفسه شعاعا على فقد محبوب، إن أصابه الخير يزهيه فيركب ~~متن الكبرياء وهو بركوبها شقي، وإن أصابه ما يظنه الشر يتبرم بعدل الوجود ويتغير للجمعية ~~ويركن إلى الخمول أو يجرع كأس الذلة وهو بذلك أيضا شقي، ولو أنصف الإنسان لاعتقد أنه لا ~~قبل له بتغيير مجرى الحوادث، ولا طاقة له على حسن تقدير الخير والشر: # وعسى أن ms20 تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن ~~تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا ~~تعلمون ~~. # لو أنصف الإنسان لما جعل له من غرض في الحياة إلا القيام بما يعتقده الواجب، يخلص له ~~النية والعمل جميعا، يعمل ثم يعمل، فإذا جاءت النتيجة على وفاق ما يقدر فليرض وليقنع من ~~الرضا وليرضي نفسه على أن لا يخدعها النجاح كي لا تجمح وتتعسر عليه فيضيع من يده زمامها، ~~وإن أكدى العمل وجاء بنتيجة عكسية، فليرض أيضا وليرضي نفسه على أن لا يخدعها الفشل، فتمل ~~العمل وتقصر في أداء الواجب. # ألا إن السعيد هو من يعرف أن يرضى بحاله، فليست السعادة هي الثروة ولا الاستمتاع بها، ~~وليست هي الجاه ولا آثاره، وليست هي الحب ولا لذاته، وليست هي العلم ولا نوره ولا ~~منافعه، وليست هي الجهل ولا جموده وجرائره، وليست هي النباهة ولا كبرياؤها، وليست هي الخمول ~~ولا انزواؤه وتعطيله، وليست هي الحكم، ولا في نظام الاستبداد ولا قدرته، وليست هي الجمال ~~ولا شفاعته، وليست هي الظرف ولا خفته، وبعيد أن تكون هي العقل وحسابه، إن لم تكن هي الخيال ~~وأوهامه، ليست السعادة شيئا من ذلك ولا هي كل ذلك بجمعه، بل السعادة ظن السعيد أنه ~~سعيد. # جلت قدرة الله: إن لم نتعرف السعادة بين البؤساء فنحن لا نعرف لها أثرا بين الأغنياء، ~~وإذا وجدناها من حظ الأغبياء فهيهات أن نجد فيها نصيبا كبيرا للأذكياء! نؤكد أن السعادة ~~هي إحساس الموجودات وليست من الأعدام، ولكنها لا يلقاها إلا ذو حظ عظيم، لا يلقاها إلا من ~~كان لا يعرف الهم، وهذا الصنف من الناس لا تنفعنا سعادته، كما لا يعز علينا شقاؤه، ولا ~~يلقاها إلا رجل ذكي القلب راضى نفسه على الرضا، فرضيت غير كارهة، عرفت الحياة فلم تبالغ في ~~تقديرها، وعلمت قيمة الواجب وقدرت على القيام به حق قيام، وأخذت الحوادث فاستقبلتها كما هي ~~لا كما يجب أن تكون، ذلك هو السعيد الذي نرجو أن تكثر في العالم صورته، حتى لا تكون ms21 السعادة ~~بالعلة أو بالجمود وعدم المبالاة، بل لتكون السعادة في العمل لخير الإنسان وبالعمل لرقي ~~الإنسان. # | الرجل الصريح1 # إذا كنت تقابل الناس بأكثر من المعروف هشا وبشا وتلطفا وتسوم طبعك المزح الذي ليس من ~~خلقك ليقول عنك الناس ما ألطفه وما أرق حاشيته، فإنك بذلك توشك أن تعد في ضمن ~~المخادعين، وما أنت بالرجل الصريح. # إذا كتبت أو خطبت فأخفيت ما تعتقد لتظهر ما لا تعتقد مجاراة لرأي الناس، فما أبعدك عما ~~يشخص الرجل الصريح. # إن الخداع درع خلقة تكاد لا تستر الخادع إلا ما دام الناس عميا، فإن أبصروا لا يلبث ~~ستر الخداع أن يتمزق إربا ويتلاشى هباء عن الكذب عريان خجلا لا يستطيع بعدها أن يكون ~~مطرحا للثقة ولا محلا للمعاملات. # كأني بالخداع لا يركب نفسا إلا نزلت عن شخصيتها، وضلت في تقدير ماهية المنفعة الشخصية، ~~وجبنت عن احتمال المسئولية عن أعمالها، فضعفت أن تبرز في ميدان المعاملة الإنسانية إلا ~~مقنعة بالزور مشتملة بثوب كثوب الثعبان من النفاق، فلولا رحمة من الله وعقل هاد إلى الصواب ~~وتسامح من طيبات النفوس لهلك المخادع لساعته ضعفا عن الحياة وأسفا على ما فرط في حق نفسه ~~وفي حق الصراحة الإنسانية. # الصراحة ضمير حي وعزة تحمي من المداجاة وشجاعة تكفي لاحتمال مسئولية ما ينكره الناس على ~~الرجل الصريح. # ذكرت جريدة الأهرام أحد نوابنا فقالت: (... حلو الدفاع عذب العبارة شديد العارضة إلا أن له ~~ضميرا حيا لا يخالفه ...) ذلك هو المثل الصريح للرجل الصريح. # كثرة الصرحاء في الأمة أمارة على عزتها، فمتى تكثر فينا صورة الرجل الصريح؟ # | زهر الربيع1 # ليس كل الحياة شقاء للسعي إلى مال ينفق أو يدخر وإلى مباراة في رفعة المناصب، بل الحياة ~~أيضا استمتاع بجمال الطبيعة، فكرة خفيفة الوزن تافهة القيمة عند أهل الوقار، أولئك الذين ~~يرون ركض الدابة ينافي الوقار، ولعب الكرة يذهب بالوقار، ومعظم أسباب التربية البدنية لا ~~يتفق على ما يجب للرجال من إطراق طويل وسكون عميق وجمود على المأثور عن السلف الصالح ~~القريب، كأن الأمة ms22 يجب أن تكون كلها من أهل الرياضة والكشف، يضحون قوة البدن لصفاء الروح ~~حتى تنزع بجهتها القدسية عن هذا العالم السفلي إلى الملكوت الأعلى، ولو أنهم أرادونا على ~~احتباس النفس عن لهو الدنيا ولعبها إلى العمل للآخرة ونعيمها، لكان فيما يهدون إليه من ~~التقليد مغنم. # ولكن الحال قد تبدلت إلى صرف النظر عن جمال الطبيعة ونعيم الحياة الإنسانية إلى أخس ~~أطراف هذه الحياة: الحرص على الخدمة في الحكومة ، والحرص على فقد الحرية في كل شيء حتى في ~~اللذات البريئة، حتى في الاشتغال بتربية ملكة الجمال، حتى في العناية بغرس الأشجار وتوليد ~~الأزهار، الحرص على فقد الصراحة في كل شيء حتى في الأعمال الشخصية، تقف عن الظهور بتعرف ~~الجمال حيث كان، وعن إعلان حب الجمال، وعن الظهور بحب الأزهار واستقبال الربيع بالتحية ~~والارتياح، بديل ذلك استغراق في اللذات المخجلة بشرط أن تكون خفية حتى لا تجرح قدسية ~~الوقار. # رب! كل ما خلقت تابع لقانون التطور حتى المعاني والأفكار، فالذين تجردوا من مزايا ~~السلف الصالح في علم يفيد وجد ممتع وسيرة طابت ظواهرها وبواطنها قد اكتفوا من أسلافهم ~~بتقليد شيء واحد لم يقدروا إلا عليه وهو صورة ظاهرة من الإطراق لا في التفكير والسكون، بل ~~هو مظهر يقتضيه الوقار؟ فإذا تحركت النفس الإنسانية في هذا الجسم الوقور فإنما حركتها إلى ~~الشهوات السافلة المنحطة دون الشهوات العالية من اغتباط حقيقي بجمال الطبيعة، وتقدير صحيح ~~لما أودع في الفنون من كنوز الجمال، ذلك جيل ذهب بأهله، ولنا جيل ناهض يجب أن يؤلف بين ~~علمه وبين نزعات نفسه، ويضيف إلى تثقيف عقله تهذيب مشاعره، ويطرح جانبا كثيرا مما ~~ورثناه من ماضينا القريب، فيعمل للمزاحمة العالمية ليكسب قسطه تحت السماء من مال يسد الحاجة ~~وقوة تحمي الوطن ولذة بجمال الطبيعة تعين على فهم الحياة، فيعنى بمظاهر الجمال كما ~~يعنى بزراعة القطن؛ لأن الحياة ليست شقاء خالصا بل هي يومان: يوم للشقاء ويوم للنعيم، ~~ويأخذ بنصيب من الالتفات للظواهر الطبيعية كما يحرص على الاستفادة من الظواهر الاجتماعية ms23 ~~والحوادث الاقتصادية. # ها نحن أولاء أمام الربيع، أزهاره تنسم أنفاسها، وتأخذ بأبصارنا ألوانها، وتحرك جدتها ~~عواطف الحنان في قلوبنا كأنها بعض أبنائنا إن مرآها ورياها ينقلان نفوسنا من عالم الشقاء ~~إلى عالم النعيم، ومن أرض الحقيقة الواقعة إلى سماء الخيال الجميل، لا أظن هذا الانتقال ~~وهميا لا وجود له، كلا إنه صحيح واقع فإننا نشعر بوجوده في قلوبنا ونرى آثاره على ~~وجوهنا، إن خيال اللذة البريئة موجود وأثره سعد، ولعله هو نعيم الحياة، فأهلا ومرحبا ~~بأزهار الربيع. # ليس جديدا علينا بني الإنسان أن نعلن مشاعر الاغتباط، ونسدي عبارات الإعجاب إلى الربيع ~~وجماله، فقد كان ذلك في كل زمان موضوع وصف شعرائنا، والمحرك الأول لعواطف المحبة في ~~صدورنا، وكأن الزهر رسول المودة وهدية الحب بين الأنفس الحساسة التي بينها وبين الجمال ~~نسب متين. # كنا ولا نزال نبتهل إلى الربيع وننسب بالطبيعة؛ فهل لها أذن تسمع تغنينا بجمالها؟ أم ~~هي صماء صادرة عن قوات أزلية سائرة إلى مصير مرسوم لا تلقي نظرة على سكانها المفتونين ~~بزخرفها الفانين في حبها، وهم في الحقيقة ضحايا عدوانها، ليكن كل ذلك، ولكن ذلك غير مانع ~~لنا من أن نستوفي قسطنا من الحياة على أكمل ما نستطيع، نبلو مرها ونطعم حلوها، ننسى آلامنا ~~فيها بما يسحرنا من جمال أزهار الربيع. # علموا أبناءكم حب الجمال، ونموا في نفوسهم ملكته، ليعلموا أن الحياة ليست جحيم الهموم، ~~ولكن فيها لمحات من النعيم، إن حب الجمال يرفع النفس إلى لذائذ أطهر طبعا وأسعد أثرا ~~وأبقى في العواطف نتيجة من كل ما عداه من لذائذ الحياة، وإن أبسط موضوع لتعرف الجمال ~~والمران به أزهار الربيع. # | الصداقة1 # حدثني صديق ذكي القلب ينتفع بكل الحوادث ويعتبر بكل المشاهدات قال: ركبت الترام إلى جانب ~~السواق فحضرتني طائفة من الأفكار ترجع كلها إلى حال هذا العامل وما يعاني من سفر مستمر خلو ~~مما نجد نحن في أسفارنا من التعزية ببلوغ الغرض، وما يحمل من مسئولية كبيرة مستمرة إذ هو ~~مسئول عن سلامة الراكبي ترامه، مسئول عن ms24 المصادمات، مسئول حتى عن الأطفال المتعسفين يمر ~~أحدهم أمام الترام ليغتبط بخفته في العدو وليهزأ بسرعة الكهرباء، أو يتصدى للتعلق به سائرا ~~من على اليمين حيث يتاح له النزول من غير خطر أو على الشمال إذا زلقت رجله، فهو وشيك أن ~~يلقى بين ترامين، قال: حادثت السائق حيث لا خطر من محادثته وسألته ماذا يجد من عمله وهو ~~يذوق لذة المسئولية التي يحملها والخدمة التي يؤديها؛ فأجاب ببساطة خاصة بالأفندية من درجته ~~ومستوى تربيته: إن عمله شاق ممل، ولكنه يخفف عليه كثيرا هذا الملل أن يقابله سواق ~~آخر من أصحابه يتبادلان في هذه الفرصة الضيقة عبارات التحية لا يتمانها حتى يبعد كلاهما ~~بحيث لا يسمع صوت الآخر، تسلية ضئيلة! ولكنها مع ذلك مثيرة في النفس إكبار الصداقة ~~وإنها من الشروط الأصلية للحياة. # لم ينفرد صاحبنا السواق بالمسئولية بل كلنا في المسئولية سواق ترام يحتمل مسئولية عمله ~~ونتائج أعمال غيره أيضا، وكلنا معذب لا بد له من تعزية تخفف عليه حمل الحياة، والظاهر ~~أن أكثر التعزيات خيرا وأطولها عمرا وأطهرها طبيعة هي الصداقة. # يرد على الخاطر في هذا المقام معنى قلما فات امرأ استعماله: (لا لا، كلنا أصدقاء). يقولها ~~الواحد لصديقه إذا عرض عليه الاشتراك في عمل مالي أو نحو ذلك من الأعمال التي مغبتها عادة ~~الاختلاف على المنافع وتبدل الصفاء كثيرا بين المتعاملين! مهما قيلت هذه الجملة في مقام ~~الاعتذار، ومهما ابتذل استعمالها فصار يتناول علاقات غير الأصدقاء في الحقيقة، إلا أنها ~~مع ذلك لشيوعها في الناس تعتبر من جانبهم إجماعا على أن الصداقة فوق كل المنافع وأغلى ~~ثمنا من أن يشتري بها الرجل كائنا ما كان من الأعراض الإنسانية. # ما هي حياتنا إن لم تكن في الواقع مجموعة من المشاعر المختلفة، بها وحدها نحيا ومن أجل ~~الجمع بينها والحصول على لذتها نتعب وننصب وفيها نحيا ونموت! وما أظن ما في الإنسان من قوى ~~مادية وعقلية إلا خدما لتشبيع مشاعره النفسية: ألا ترانا ننظر إلى ما في الدنيا بنظارات ~~تأخذ ms25 ألوانها من صفاء نفوسنا وكدورتها، فالمغتبط بما هو فيه يرى الحياة وردية - كما يقال - ~~ولو كان في فقر الأنبياء أو في غيابات السجون! أما الذي يظن أن تقطعت به أسباب الفوز ~~ولازمته خيبة الرجاء في مقاصده أو في أصدقائه، أو من هو لأي سبب تكدرت مشاعره، فلا يرى ما ~~هو فيه من نعم الحياة إلا جحيما مقيما، إنها مشاعرنا النفسية هي التي عليها العمدة في ~~جعلنا سعداء أو أشقياء ، فليس بعجيب على الإنسان أن يجعل للصداقة وهي أظهر المشاعر ~~الإنسانية هذه القيمة ويفضل الشعور بها والاغتباط بلذتها على كل شيء. # يسرف الناس في استعمال لفظ الصديق مقولا على الزملاء والمعارف بل ومعارف المعارف، وما ~~أرادوا بذلك امتهان الصداقة وابتذال أمرها، فإنهم منذ طفولة الإنسانية إلى الآن، ينشدون ~~الخل الوفي ويقولون بامتناعه بوصف أنه المثل الأعلى للصديق، ولكنهم يريدون أن يشرفوا ~~طبائع علاقاتهم بعضهم ببعض إذ يعطونها لون الصداقة أو لفظ الصداقة، ولو سئلت ما الصديق لما ~~زدت على أنه ذلك الإنسان بعينه الذي تشعر في نفسك بالفرح عند لقائه والشوق للجلوس إليه ~~والإفاضة له بكل ما لديك، تعطيه مفتاح عقلك وقلبك آمنا ليرى فيهما كل شيء. يوحشك بعده ~~ويؤنسك قربه وتجد من نفسك باعثا قويا وحاجة لا يسدها إلا لقاؤه. # ولقد نجد في الأمثلة الصديقين يكون كلاهما للآخر على ما وصفنا، فلا يقع بينهما، إلا أصبحا ~~لا كالمعارف بل كالأعداء، وهذا صحيح مشاهد، ولكنه لا يطعن على معنى الصداقة في شيء، بل ~~هو يدل على أن الصداقة كبقية المشاعر النفسية مختلفة الكم والبقاء باختلاف الاستعداد، فمن ~~الناس من يحب إلى الشوق بل إلى الهيام بل إلى الموت، ومنهم من يحب حبا لا يتعدى ~~المتعارف في القدر ولا يتعدى أياما أو أسابيع في البقاء، ومهما كان من الصعب التفريق ~~التام بين عاطفة الصداقة وعاطفة الحب تفريقا منطقيا ووضعيا، إلا أننا مع ذلك نشعر في ~~نفوسنا بتخالف بين الإحساسين وتباين في الكيف بين موضوعيهما، فالنفس التي لا ~~يمكنها استعدادها إلا من السير ms26 في الحياة على مقتضى المصادفة الصرفة، تنتقل في ~~صداقتها كما تنتقل في إذاوق المودة، قل أن ننعم بهذه الصداقة وإن كان من الصعب علينا أن ~~نظن أنه توجد نفس لم تذق لذة الصداقة قليلا أو كثيرا تبعا لمبادئ التربية وفطرة ~~الاستعداد. # ما أشمل الرضا للنفس تجلس إلى نفس صديقة مجلسا ليس للتكلف في الأوضاع المادية ولا ~~المشاعر المعنوية فيه أثر! روحان اتفقتا في المشاعر وتم بينهما التفاهم في كثير من أمهات ~~المبادئ العلمية والكليات العقلية، لذة يعرفها الذي يعرف لذة الأحلام، فكثيرا ما تجرد ~~النفس من ذاتها في العزلة خيالا تفضي إليه بما فيها وتبدي له ما خفي في طيات أعماقها من ~~المقاصد، وما رسب فيها من الآلام، فإذا وفقت إلى الصديق الموفق كانت هذه المفاجأة الحلمية ~~اللذيذة أشهى متاعا وأقوى لذة من لذة الهواجس الفردية ومسارح الأحلام. # وما الصداقة بقاصرة في آثارها على هذه اللذة، لذة الحديث العذب والبعد مسوقة عن عذاب ~~الحياة اليومية وأثقال التكلف في أوضاع الأعمال، بل كثيرا ما كان صديقك مرآتك ترى فيها ~~عيوبك وفضائلك جميعا، بل طالما كانت الصداقة وتشيع الأصدقاء مصدرا للتفوق والنبوغ. نفعت ~~الصداقة الروح بتخليصها من سآمة الوحدة وألم الوحشة، ولكنها نفعت العلم والأدب أيضا في ~~كثير من الأحيان. # إحساس تلك هي الحاجة إليه، من حقه أن يتعهد أمره في النفس لينمو فيها، فلا يغيرك لصديقك ~~خطأ وقع فيه، فما الكمال بمدرك في هذا العالم، بل يجب أن تكون معاملة الصديقين مبنية على ~~حسن الاعتقاد وقاعدة التسامح. # | سلطة الأمة1 # لا يزال عندنا كثير من الناس المسئولين عن مصر بحكم مراكزهم من العلم والمعرفة أو من ~~الحياة والمال من إذا حادثته في سياسة البلد تقبض وجهه وأعرض عن حديثك بنظره، كأنما ~~جئت تلقي تحت نظره ميزانية الإفلاس تنطق له بأن ما على مصر أكثر مما لها. يقول لك ~~الأمة ضعيفة لا سلطة لها، والأخلاق متحللة، والاحتلال لا يعمل شيئا لترقيتها، فكل جهد ضائع ~~وكل عمل غير نافع. يقول لك ذلك وزفراته يلحق ms27 بعضها بعضا دلالة على أن نفسه تذهب على وطنه ~~حسرات، ومع الأسف أن هؤلاء اليائسين هم بفضل مراكزهم قدوة للكثير من الشبان ينقلون إليهم ~~هذا المعنى، معنى اليأس الذي يبعد عليه أن يأتي بنفع البلاد ... على أن الحس يثبت لنا كل ~~يوم بالأمثلة أن المرء من طبعه أن لا يقنط من أمر محبوب لديه، بل النفس مائلة للاعتقاد ~~بوقوع ما تحب دائما حتى من غير دليل. # وترى الخصم أمام القضاة لا ييأس من كسب قضيته ولو كان مبطلا عالما بباطله، وترى الموظف ~~لا يقنط من الرقي مهما قامت لديه الأدلة على عدم كفاءته وتصميم رؤسائه على عدم ترقيته، ~~والتاجر الذي كثرت عنده البضاعة ونزلت عليه السوق، لا يقنط من ارتفاعها ثانية أي من الربح ~~المنتظر مهما دلت المقدمات على نقيض ذلك حتى يقع في الإفلاس، ذلك بأن الإنسان من دأبه ~~الرجاء، وإنه لحب الخير لشديد، فما أعجب من شيء عجبي لرجل يحب خير وطنه كما يحب الخير ~~لنفسه أو أشد، ومع ذلك سرعان ما يتسرب إليه القنوط من نجاحه لأول صدمة أو لظهور ~~عرض من الأعراض الزائلة غير مناسب لوسائل الارتقاء. # أستغفر الله من أن أقول إن في وطنية أولئك اليائسين دخلا أو في قولهم زورا، ولكن ~~الذي أراه أن ما هم فيه من اليأس ليس نهائيا، ولكنه متقطع يطوف عليهم كلما ظهرت بوادر ~~الفشل، ويذهب عنهم كلما ظهرت طلائع النجاح، فتسميته يأسا فيها تسامح، وأولى بهذه الحال أن ~~تعد ضربا من التردد الذي ينتج دائما عن عدم فهم وسائل الرقي فهما صحيحا، ومن الخطأ ~~في تقدير مركزنا تقديرا تاما، لا يدخل إليه الشك من أي مكان. # إن الحكم على حال مصر الحاضرة حكما صحيحا، وفهم وسائلها للتقدم فهما تاما والعمل ~~لتقويتها عملا متواصلا، يجعل المصري لا يبالغ في نتائج بادرة من بوادر الفشل ولا ينخدع ~~بطليعة من طلائع النجاح، بل يستمر سائرا في عمله الهادي المتين يأخذ من أسباب الفشل درسا ~~نافعا يتقي به أمثالها في المستقبل من غير ms28 ضجر ولا فزع، ويستفيد من طلائع النجاح سرورا ~~كامنا وقوة تشجعه على مضاعفة خطاه الثابتة إلى الأمام. # الحكم على حال مصر يتوقف على الحكم على الاحتلال وعلى سلطة الأمة ولست أجد سببا لليأس من ~~قبل الاحتلال الإنكليزي ولا من اليوم القريب الذي تتحقق فيه سلطة الأمة. # حكمنا على الاحتلال الإنكليزي إنما هو كما نحكم على نازلة من السماء لا نستطيع رفعها، ~~ولكننا نستطيع أن نحولها إلى مصلحتنا ونتقي أضرارها كلها أو بعضها، حتى ينقضي أجلها ~~وتمحي آثارها، ولقد صرح الاحتلال بأنه يرمي إلى الغرض الذي نرمي إليه نحن من تقوية مصر ~~حتى تقدر على حماية نفسها، والمصالح الإنكليزية فيها من أن تعبث بها يد قوية. فما علينا إلا ~~أن نطالبه كل يوم بأن يقوم بما افترضه على نفسه وأن يسلك السبل التي توصل إلى هذا الغرض ~~المشترك، وعلينا نحن من جانبنا أن نكون أسرع منه إلى سلوك تلك السبل وأنشط إلى وضع ~~المقدمات، والعمل إلى النتائج، ونبالغ في ذلك حتى نسبقه إلى الإصلاح نحن بأنفسنا؛ لأننا على ~~صدق هذا الوعد نحن المنتفعون أولا وبالذات، لأن الإنكليز لهم غير الهند، وليس لنا إلا ~~مصرنا. # من المعوقات لنا عن السير إلى الأمام أن نتجاهل وجود الإنكليز في بلادنا وهم موجودون ~~بالحس، وننكر سلطتهم بالفعل جريا وراء قواعد القانون الدولي فنغير القواعد كل يوم، وسلطتهم ~~الفعلية هي المرجح في كل مسائلنا المصرية الداخلية منها والخارجية في يدهم كثير من الوسائل ~~لرقينا، فإعراضنا عن هذه الوسائل لا يفسر إلا بأننا نزهد في نتيجتها وهي القوة ~~والاستقلال، ولو لم نكن جربنا هذا الإعراض لكنا معذورين، ولكننا جربناه فكانت ~~النتيجة ما رأيناه، فليس إلا أن نشتغل من جانبنا لمصلحتنا، ونحملهم - والحالة الدولية ~~الخارجية كما ترى - على أن يسيروا معنا لتحقيق وعودهم ولنسهل عليهم الواجب الذي ادعوا ~~أنهم يحملونه على عاتقهم، لو فهمنا ذلك فهما صحيحا وطالبنا بإلحاح أن يشركونا في ~~التشريع وفي إدارة البلاد على القدر الذي تسمح به الظروف الآن، لاستعملنا وقتنا في مصلحتنا ~~دائما ms29 ولما تركنا حاضرا معطلا من العمل والمستقبل ليس بيدنا ولا بيدهم ولكنه بيد ~~الله. # لو سلكنا هذا الطريق ونجحنا فيه لحققنا مقدارا من سلطة الأمة نستخدمه هو نفسه بالعمل ~~للحصول على ما يبقى منها بالزمان. # فأما كون الأمة ضعيفة والروابط الاجتماعية متحللة وسلطة الأمة معدومة فهذا قول سطحي ~~صرف. # لا أستطيع أن أصدق أن أمة كأمتنا جامعة بين الاستعداد الاجتماعي والاستعداد العلمي ~~تفقد قوميتها أو سلطتها متى وقعت في أعراض المرض والضعف بل الواقع يشهد أن أمة كهذه ~~يستحيل أن تحكم عن رغم إرادتها أو تغلب على حريتها إلا إذا كان لرضاها من ذلك نصيب عظيم، ~~وإن سلطة الأمة موجودة بالفعل إن لم تكن معترفا بها بالقانون، موجهة إلى غير طريقها ~~الطبيعي؛ لأن الأحكام الماضية قد وجهتها إلى الرضى بالاستبداد قاعدة للحكم، كما وجهت ~~غيرهم من الأمم العربية إلى ذلك، فليس همنا إيجاد سلطة الأمة من العدم وأستغفر الله - ~~ولكن همنا هو تحويل السلطة الحالية التي تصرفها الأمة تصريفا غير طبيعي في خدمة غيرها ~~إلى الوجهة العليا وجهة الحرية السياسية، وجهة خدمة نفسها واحتمال مسئولية شؤونها، ولا طريق ~~لذلك إلا التعليم والتربية أن نوغل فيهما إلى حد يجعل الاعتقاد عاما بأن السعي في ~~تحقيق سلطة الأمة هو أول الواجبات الوطنية على الوطنيين. # إذا كان الاحتلال الإنكليزي يستحيل أن يدوم إلى الأبد، وإذا كانت سلطة الأمة لا تلبث أن ~~توجه بالتربية والتعليم إلى وجهها العالي النافع؛ وإذا كان عمر الأمة يعد بالأجيال لا ~~بالسنين، فمن قصر النظر وضيق الصدر وقلة التفكير أن ننظر إلى المستقبل بنظارة سوداء أو أن ~~تأخذنا الخفة بالشطط فنتخطى المقدمات إلى النتيجة جهلا بطبائع الوجود، بل الواجب علينا ~~أن نتكاتف جميعا على انتشال الأمة من مراقد الضعف، وأن نغرس اليوم معتقدين أن ما نفعله ~~اليوم نلقاه غدا، وأن نصبر على مبادئنا لا ننتظر أن نجنيها قبل أن تأخذ نماءها الطبيعي ~~وتنتج ثمرها المطلوب. # | في سبيل الارتقاء1 # يكاد يكون من المضحك أو من المحزن أننا حتى اليوم لا ms30 نزال نبحث في وسائل انتقالنا من ~~الحال الأولية - حال الضعف والجهل - إلى حال من القوة والعلم، متناسبة مع مقتضيات الزمن ~~الحاضر، وكان من اللازم أن نكون قد فرغنا من القواعد العمومية من عشرات من السنين وصرفنا كل ~~همنا في تطبيقها على الجزئيات اليومية، ولكننا مع الأسف لا تزال أكثريتنا بين يائس ~~من الإصلاح جهلا بطرائقه، وبين عارف طريق الإصلاح، ولكنه يراه طويل المسافة بعيد النتيجة ~~فينكب عنه إلى طريق خيالي صرف ، طريق التحمس وتنبيه شعور العامة تنبيها لا يجدون من ~~قوتهم له منفذا، ولا من الظروف الحاضرة له مساعدا، فينقلب أمرهم من التنبه الاصطناعي إلى ~~اليأس من كل شيء؛ لأن تنبيه شعور الإنسان تنبيها يوميا مستمرا إلى سوء حالهم مع عدم ~~الانتفاع بهذا التنبه في الأعمال المشروعة الهادئة، إنما يكون في ظروف الاضطراب، وفي حال ~~الاعتقاد بأن طريق الرقي هو استعمال القوة اعتسافا، وهذا طريق خطر السلوك عقيم ~~النتيجة. # نحن لا نعرف في بلادنا أحدا معينا يعتقد أن سبيل ارتقائنا هو غير السلام، فإن ~~الأقلام في مصر مجمعة على أن السلام هو الطريق الوحيد حتى أشدها تحمسا، وأدخلها في ~~باب الطيش والتغرير، ولكن بعض الكتاب من الشبان أو غير المسئولين عن شيء في مصر قد ~~دأبوا على أن يضربوا الأمثال في كتاباتهم بالحركات الأجنبية لا على القدر اللازم الكافي في ~~العبرة والتبصرة، ولكنهم يكيلون منها كل يوم حتى بلغ من بعضهم عدم التبصر أن يبرر عمل ~~الغادرين من غير أن يحسب النتائج التي تترتب على تبريره هذا والمثل السيئ الذي يضربه ~~للشبان، فيقع من حيث لا يشعر في المذهب السيئ من مذهب الذين يظنون أن مصر ترقى بغير ~~السلام. # أعترف أن مذهب التطور والارتقاء مذهب لا تأخذ طرائقه بالأبصار ولا تخلب الألباب، وإن ~~كانت نتائجه باهرة لمن يستطيع العمل من غير جلبة، والصبر اللازم لانتظار نتائج العمل. ~~والواقع أن الارتقاء لا يكون إلا بالتعليم والتربية، فأي مظهر يسحر أنظار الجمهور من مظهر ~~معلم كفء في مدرسته يصلح عقول الأحداث ويهذب ms31 طبائعهم ويحول ميولهم إلى حب الخير، والجري في ~~مجرى الحق والعدل؟ فما هو إلا جيل واحد - لا يعد لحظة في حياة الأمة - حتى يتبدل الوطن ~~بساكنيه متحللي الروابط، رجالا قادرين بعقولهم وأخلاقهم وقوتهم على إعلاء شأنه والتشبث ~~بإسعاده نتيجة باهرة، ولكن طريقتها منزوية عن العيون لا تبلغها حواس العوام ولا تحفل بها، ~~بل لا تساوي عندهم في طريق الوطنية والعمل للوطن أصغر القيم، بل لا تساوي في الوطنية أن ~~يجرجروا بأيديهم عربة كاتب يكتب لهم ما يرضيهم لا ما ينفعهم، أو تقليد من يخرج من السجن في ~~جنحة قذف وسام شرف وفخار، أعترف بذلك ولكني لا أعترف من جهة أخرى أن العوام هم الذين نأخذ ~~عنهم سبل تقدم البلاد، فحسبنا ما نألمه إلى اليوم من الطباع التي نقلها لنا العوام ~~بحبهم الظلم وتجافيهم طرائق التربية والتعليم، يفرحون بالتحمس الفارغ، ويفرقون من ~~جرائه، حتى إذا فشل قائدهم أصبحوا عليه أنصارا يحرجون مركزه ويسيئون إليه، ويولونه ~~بعد الاحترام احتقارا وبعد النصرة خذلانا. # طريق التربية والتعليم هو الموصل الوحيد، ولكنه - كما يقولون - لا براق الرداء ولا حاضر ~~النتيجة، فإنه كما لا يفرح به العوام جهلا بنتائجه، ومن جهل شيئا عاداه، كذلك لا تتفق ~~مشاعر الشبيبة الغضة على اتخاذه والإيمان به؛ لأن انتظار نتائجه يخالف مزاج الشباب. وأخص ~~صفات الشباب العجلة، وأخص ميوله الظهور بالقوة والبأس من غير أن يحسب مقدار قوته، والشباب ~~من كرمه وطيب قلبه يحب التضحية يأتيها بغاية السهولة من غير نظر ولا تدبر، فهو بذلك ~~يستسهل الصعب، بل قد يبغي المستحيل؛ لذلك كان الشباب الغض أنفع الأطوار الإنسانية في ~~المخاطرة، ولكنه بقلة تجربته وعدم اعتياده على حساب النتائج، لا بد له ممن يحسب عنه، ~~ويبين له الطريق المنتج من الطريق العقيم. # كلنا يحب وطنه، وربما كان الرجل أعمق حبا من الشباب، وكلنا يحب سعادته بسعادة وطنه، ~~وربما كان الكهل أشد حبا للسعادة؛ لأنه أشد حبا للحياة، ولكن من الذي يستطيع أن يثبت ~~لنا أنه يوجد لإسعاد وطننا طريق آخر غير ms32 طريق التربية والتعليم، أي من ذا الذي يستطيع ~~إقناعنا بل إقناع نفسه هو، بأن استعمال القوة ولو بمظهرها الأدنى ينفعنا ولا يضرنا، أو أن ~~عندنا قوة تستعمل! # لا أحد، ولكن أنصار الحركات - كما قال بعض المحامين الإنجليز - هم غير المسئولين عنها من ~~العجزة والنساء، وغير المفكرين في العاقبة الطامعين في الرقي السريع، وهم شبان ~~الضباط، على ذلك نكرر النصيحة مع اعتقادنا بأن الأقلام والألسن في مصر مجمعة على ~~أن سلوك العسف مهلكة للأفراد وللأوطان - بأن طريقنا هو التربية والتعليم. # قد يقال: رأينا كثيرا من المتعلمين يتمرغون في مراقع الطباع العامية لا يهتمون ~~بكرامتهم ولا يقيمون وزنا للفضائل الاجتماعية، إذ كلفهم الحق فتيلا عافوه واجتنبوه، وإذا ~~حملهم العدل كلفة عادوه، فكيف يكون طريقنا الوحيد هو التربية والتعليم؟ # قد يكون ذلك حاصلا في بلادنا وفي غير بلادنا مع فرق كبير في النسبة بالضرورة، ولكن هذا ~~لا يطعن على نظرية الارتقاء بالتربية والتعليم في شيء، فإن العيب إما أن يكون من ~~الاستعداد؛ ولا شبهة في أن مستوى الاستعداد الأمي يرقى بالتربية والتعليم جيلا عن جيل، ~~وإما أن يكون العيب من طريقة التربية والتعليم نفسها، فلا نتكلف إلا إصلاحها ~~وتوجيهها إلى غرضنا منهما، وعلى كل حال، فإننا إذا جعلنا التربية والتعليم غرضنا ووجهنا ~~إليهما العناية التي ننفقها عن سعة في غيرهما مما لا فائدة فيه قدرنا ولا شك على خدمة ~~أنفسنا وسلكنا سبيلنا إلى الارتقاء. # | الحرية1 # لو كنا نعيش بالخبز والماء، لكانت عيشتنا راضية وفوق الراضية، ولكن غذاءنا الحقيقي ~~الذي به نحيا ومن أجله نحب الحياة ليس هو إشباع البطون الجائعة، بل هو غذاء طبيعي أيضا ~~كالخبز والماء، لكنه كان دائما أرفع درجة وأصبح اليوم أعز مطلبا وأغلى ثمنا، هو ~~إرضاء العقول والقلوب، وعقولنا وقلوبنا لا ترضى إلا بالحرية. # إنا إذا طلبنا الحرية لا نطلب بها شيئا كثيرا، إنما نطلب الغذاء الضروري لحياتنا، ~~نطلب أن لا نموت، ولا يوجد مخلوق أقنع من الذي لا يطلب إلا الحياة ووسائل الحياة، كما أنه ~~لا أحد أقل ms33 كرما من ذلك الذي يضن على الموجود الحي بأن يستوفي قسطه من الحياة. # لست أعجب من الذي يستهين بحياة الرجل فيستعجل عليه القدر المحتوم، ولكني أعجب من ~~الذي يبالغ في الرحمة بالإنسان يستحييه شبعان ريان يفهق جيبه بالنقود معطل الحرية، قد ~~ضرب بين عقله وبين الأشياء والمعاني بحجاب، فلا يتناولها، وحيل بين مشاعره وبين موضوعات ~~غذائها فلا تتحرك بل تموت، أعجب من الذي يظن الحياة شيئا والحرية شيئا آخر، ولا يريد أن ~~يقتنع بأن الحرية هو المقوم الأول للحياة ولا حياة إلا بالحرية. # أجل! إن المرء يحفظ حرية الفكر وحرية المشاعر أي يحفظ حرية الطبيعة حتى في غيابة السجن، ~~يحفظها في كل حال هو عليها ما دامت روحه في جسده، إنه خلق حرا، حر الإرادة، حر الاختيار ~~بين الفعل والترك، حرا في كل شيء حتى في أن يعيش وفي أن يموت، غير أن هذه الحرية ~~الطبيعية لا فائدة منها إذا تعطلت من آثارها، فالذي سجن والذي منع الكلام، والذي منع ~~الكتابة، كل أولئك يحفظون حريتهم في نفوسهم، ولكنهم فقدوا الانتفاع بها أي فقدوا بذلك ~~الحرية المدنية. # كذلك الذين تركوا أحرارا كما خلقهم الله، أحرارا يقولون ويكتبون ما يشاءون ويعملون ~~بالمعروف ما يشتهون، ولكنهم ليس لهم في إدارة جمعيتهم إرادة محترمة، أولئك لهم الحرية ~~الطبيعية والحرية المدنية، وهم محرومون من الحرية السياسية. # لا نريد بذلك أن نتصدى للتعريفات الاصطلاحية لأنواع الحرية، ولكن جرنا إليه عرضا ~~التدليل على أن الحرية المعطلة عن الاستعمال هي في حكم المفقودة، وأن الحرية الطبيعية ~~الملازمة للإنسان لا يصح أن تسمى حرية، إلا إذا كان ميسرا له استعمالها، أرأيت أن ~~المرء يرى الطريق بعينيه المعصوبتين، ويأكل ويشرب ويبطش بيديه المكتوفتين، لكن العين ~~المعصوبة واليد الموثوقة كلتاهما في حكم المعدومة، إنما يكون المرء حرا بمقدار ما لديه ~~من وسائل استعمال هذه الحرية، وإنما يكون حيا بمقدار ما جاز له من الاستمتاع بالحرية. ~~فالحرية الناقصة حياة ناقصة، وفقدان الحرية هو الموت؛ لأن الحرية هي معنى الحياة. # طبعنا على حب ms34 الكمال في حياتنا ومعاداة كل العوارض التي تعرض لنا في طريق المثل الأعلى ~~للمعيشة المستكملة وسائل الحرية وآثارها، ولا خيرة لنا فيما طبعنا عليه، وسواء كان هذا ~~الشوق الطبيعي إلى حياة الحرية مصدر سعادة أو مصدر شقاء، فإنه على كال حال نار تأجج بين ~~ضلوع الحي لا تبرد أو تصل به إلى المرغوب، أجل إن المثل الأعلى ليس نقطة ثابتة ولا غرضا ~~محدود المسافة يمكن بلوغه، بل كلما بلغناه انتقل شبحه أمامنا إلى نقطة أخرى على أبعد مرمى ~~النظر لسنا بالغيه ولا منصرفين عن التشبث بإدراكه، بل يسوقنا إليه حاجة لا قبل لنا ~~بالصبر عن قضائها ولو كلفتنا أن نركب متن التعسف. # لذلك لا يزال يستغلق علينا فهم الأباطيل القديمة التي كانت الغطرسة الجنسية تأخذ بها ~~الكتاب ليسقطوا في هاوية التناقض. # يقولون: إن بعض الناس خلق للسيادة أبدا وبعضهم خلق للعبودية أبدا، ولا نزال نرى ~~هذا الخطأ يتردد في آراء الساسة المستعمرين في هذا الزمان على صورة أقل شناعة، وبعبارة أكثر ~~ائتلافا مع مدنيتنا الحديثة؛ يضعون أصابعهم في أعينهم إذ تكون النتيجة المنطقية النهائية ~~لهذه المقدمات الصادقة هي هذه الجزئية: (بعض الإنسان لا إنسان). # كذبت فلسفتهم وصدق الذي يشعر به كل إنسان منا من الميل إلى الرقي في كل شيء وإلى ~~الحرية قبل كل شيء، صدق هذا الأثر الذي نجده في طليق الأسر أو السجن يوم إطلاقه، وفي محاولة ~~المعقول أن ينشط من عقاله، صدق ذلك الألم الذي يجده ذو الفكرة العلمية من حبس حريته عن ~~التصريح بها فتظل تجول في نفسه، ويغلي في نفسه حب إبدائها في صدره يقلق خاطره ويكد ~~ضميره ويحتوي على كل مشاعره، حتى يفضل الموت في إرضاء هذا الحب على الحياة في كتمانه، وكم ~~عالم استحب الموت على الحياة في سبيل حبه لحرية اقتناعه العلمي، فمنهم من قتل، ومنهم من ~~حرق، ومنهم من حبس أو عذب، وجلهم من تلك الأمم التي يقولون إنها خلقت لغير السيادة، ~~فإذا وجدت عبدا لم يؤثر الحرية على العبودية، ولم ms35 يطب نفسا بالعتق من الرق، فذلك ~~مثل من أمثلة التشويه النادر في بني الإنسان وليس قاعدة يصح الأخذ بها، وحسبنا أن نرى ~~الأدلة الحسية قائمة على أن حفظ الوجود الذاتي المجرد عنه آثار الحرية ليس أعز على ~~نفس الإنسان من الاحتفاظ باحترام حريته، وأن الذي يراجع ماضي العالم لا يجد أمة من الأمم ~~المخلوقة للعبودية - كما يزعمون - إلا قاتلت عن حريتها، وإذا كان أصدق المعلومات هي تلك ~~المعلومات التي تقدمها لنا المشاهدة الواقعة، وما دامت هذه المشاهدات تدلنا على ما ذكرنا ~~بعض أمثلته، فالإنسان - على الرغم من فلسفة الاستعماريين - حر بطبعه ميال إلى الحرية، ميال ~~إلى الترقي فيها إلى المثل الأعلى، وأنه لا تفاوت بين أفراد الإنسان إلا في تقدير هذا ~~المثل الأعلى وفي سهولة الوسائل الموصلة إليه. # الحرية طبيعية، وميل الناس إلى تحصيلها طبيعي بالضرورة، يشتد ويظهر مع القوة الحيوية ~~ويضعف وتخمد آثاره مع الضعف، فكما أن القوي لا يموت جوعا كذلك لا يصبر على الحياة ~~البعيدة عن المثل الأعلى للحرية، ولقد أصبحنا في بلادنا ندرك الحرية بمثلها الأصلي الذي ~~يتألف مع شرف الإنسان في هذا الزمان، فقد أصبحنا نمتعض من كل فكرة ومن كل قانون ومن كل عمل ~~يمس الحرية الشخصية أو يعطل استعمال الحرية المدنية في غير الحدود المتفق عليها في أعلى ~~البلاد مدنية، وأصبحنا كذلك نرى أن الحكومة المعقولة الوحيدة المطابقة لشرف الأمة هي ~~حكومة الدستور، ومنا من لا يخشى أن يصرح بأن استقلال الأمة هو الطلبة الكبرى التي ~~يجب أن توجه إليها قوى الشعب بأسره، فلم يبق علينا للتدرج في مراقي الحرية والتقرب من ~~مثلها الأعلى المتفق عليه بيننا، إلا الوسائل المنتجة، فإن إرادة الأمر شيء والقدرة عليه ~~شيء آخر. # أما القوة فإن طبيعتها تختلف في كل زمان ومكان تبعا لطبيعة عيشة الأمة واعتقاداتها ~~الدينية وعاداتها وأخلاقها، ونتيجتها تختلف دائما باختلاف طبيعة الوسائل التي يمكن ~~استخدامها، وعندنا أن أول مظهر للقوة هي القوى المعنوية قوة الحرية العلمية، فإن الآراء ~~العلمية ليس من شأنها أن تجد ms36 من القوة القاهرة خصوصا في الأزمان الحاضرة معارضة تذكر، ~~فإذا استخدم المتعلمون إرادتهم في إظهار حريتهم العلمية، كان لهم من ذلك مرانة تنفعهم في ~~تربية أخلاق الشعب وتعويده على حرية الرأي والصبر على الأذى الذي ينتج دائما عن حرية ~~الرأي، سواء أكان ذلك من الحكام أم من المحكومين. # إن الذين يبخلون علينا بالقرب من المثل الأعلى من حريتنا التي أتانا الله إياها من ~~فضله، يجدون من أمثلة تقصيرنا في إظهار حرية الرأي في العلم وفي السياسة ما يحتجون به ~~في إرادتنا على البقاء على ما نحن عليه، فإذا أحسوا من حريتنا في الآراء العلمية الإرادية ~~قوة لا يقف أمامها استهزاء الجهلاء ولا غضب الكبراء ولا استدرار المنافع الخسيسة، لا يجدون ~~مندوحة من التخلية بيننا وبين طريقنا إلى المثل الأعلى لحريتنا، ومن قصر النظر أن يظن ~~أن هذه القوة المعنوية قوة التمسك بالحرية والتماسك على نصرتها غير كافية في تقريبنا من ~~مثلها الأعلى. أقول وأؤكد أنها هي وحدها كافية في إنالتنا طلبتنا، فلنرض نفوسنا ~~على الاستمساك بها ولننتظر النتيجة. # إن تقدمنا في نيل قسطنا الطبيعي من الحرية يستحيل أن يوجد ولو كانت في أيدينا أكبر ~~معدات القوة الوحشية، وكان عددنا أضعاف ما نحن عليه - إذا كنا لا نتخلص من وصمة عبادة ~~الآراء والأفكار من غير تمحيض اعتمادا على مكانة قائلها، وإذا كنا لا نقطع بأيدينا تلك ~~السلاسل التي قيدت عقولنا والأوهام التي أفسدت علينا الاستفادة من المبادئ الجديدة - ~~أننا إذا جربنا أن نرفع منار الحرية في الميدان الذي لنا فيه حرية العمل وليس لنا فيه ~~مزاحم ولا شريك كان ذلك فاتحة خير لإظهار شيء من القوة الضرورية لظهور الحرية ~~وتأييدها. # | تضامننا1 # إذا كان العلم بقواعد جمعيتنا موجودا بالفعل بين أيدينا وتحت نظرنا، فمن إضاعة الوقت أن ~~نطلبه عند غيرنا، وإذا كانت أساليب بيانه على أطراف ألسنتنا، فمن التعسف أن نبحث في الكتب ~~لنعثر عليها، فإن العلم الصحيح ما جاء من طريق المشاهدة، وخير البيان ما كان مألوفا عند ~~جميع الطبقات. # لا ms37 شبهة عند أحد منا في معنى كوننا أمة متميزة عما عداها بمشخصات خاصة بنا، قد لا ~~يشركنا فيها غيرنا من جميع الأمم، لنا لون خاص وميول خاصة ولغة واحدة شاملة، ودين للأكثرية ~~واحد وكيفيات في تأدية أعمالنا ودم يكاد يكون واحدا يجري في عروقنا، ووطننا محدود الجهات ~~بحدود طبيعية يفصلنا عند غيرنا، لا بحدود وهمية كما هو الأمر في بعض الممالك، ولكن بحدود ~~طبيعية تكاد تجعلنا في معزل عمن عدانا، لنا تاريخ قديم وطويل ذو مراتب وأقدار اتصلت ~~سلاسله بحلقات متينة، فأصبحت سلسلة واحدة أولها قبل التاريخ وآخرها هذه الحلقة التي نقطعها، ~~دائرتها في عصرنا هذا وفي سنتنا هذه، فنحن بذلك فراعنة مصر ونحن عرب مصر ونحن مماليك ~~مصر وأتراكها، ونحن المصريون، فما نحن تحت حكم العائلة الخديوية إلا نحن، نحن بأنفسنا تحت ~~حكم العائلة الأولى الفرعونية أو تحت حكم من قبلها أيضا بشيء من التطور الزمني قضى به ~~التغيير العالمي المستمر، حافظين لكثير مما ورثناه من آبائنا الأقربين والأبعدين. # كل هذه المشخصات القومية المادية والمعنوية الوراثية والكسبية، من شأنها أن تجعل بيننا ~~رابطة الجنسية أقوى منها في أكثر الأمم، وأنها لكذلك لولا ما يراه النزر اليسير من حب ~~الانتساب إلى العرب دون الفراعنة أو الفراعنة دون العرب أو الترك دون الشركس أو الشركس دون ~~العرب من غير أن يعرفوا أن العوامل الموضعية - عوامل الإقليم والقرابة والنسب والاشتراك ~~في المنافع - قد أخرجت من أهل مصر عجينة واحدة هي أم هؤلاء المصريين على السواء، الأبيض ~~منهم والقمحي والأشقر والأسمر، كل أولئك أبناء مصر، سعادتها لهم وشقاؤها على رؤوسهم، ~~منافعها إلى جيوبهم، وهمومها على مناكبهم؛ لأنهم جميعا هم المصريون. # صيغتنا في هذا التضامن القومي صيغة عامة لا يوجد لسان مصري لم تجر عليه سورتها، ~~تعرفها طبقاتنا وهي من أمثالنا الأمية الشائعة فإننا نقول: «أنا وأخوي على ابن عمي وأنا ~~وابن عمي على الغريب». # تلك هي الصيغة التي تلوكها ألسنتنا في كل مجلس والتي أشبعناها فهما، فهي لا تحتاج إلى ~~تفسير ولا إلى ms38 الألفاظ الضخمة غير المألوفة والمعاني المترامية الأطراف غير المحدودة في ~~الأذهان، كمعاني المشابهات والفروق وحدود دوائرها، والتشبث بالتزامها وإلزام الناس بفهمها ~~على الطريقة المدرسية، بل صيغتنا المعروفة القريبة تغني عن الصيغ البعيدة والعبارات ~~العالية. # العائلة هي الوحدة في تأليف الأمة، والعائلة لا تقوم إلا بالعصبية، ومثل العصبية في ~~العائلة الجنسية في الأمة، فالأخ الأقرب، الأخ في العائلة والذي يليه الأخ في القومية، فلا ~~جرم أن يكون هذا المثل العائلي هو بعينه المثل القومي ، إذ لا نعرف أن تضامن الأخوين ~~من أب واحد مؤسس إلا على المنافع المعنوية والمادية المشتركة بينهما والجاذبية التي ~~ولدتها بينهما المشابهة في الصورة والزي والميول ووحدة التربية، وما تضامن الأخوين في ~~المصرية إلا مؤسس على تلك الأسباب بعينها، وما الأسباب المتشابهة إلا منتجة نتائج ~~متشابهات كذلك، وما هذه المشابهات إلا الجنسية أو العصبية القومية أو المصرية، فبعدا ~~لمصري لا يحب المصري أكثر من جميع المخلوقات، أو لا يحترم المصري أكثر من غيره، أو لا يعتد ~~بأن المصري هو أخوه الحقيقي بموضوع حنانه وشفقته ومحط خيره ومعقد رجائه ومحل ~~مساعدته. # إن العمل لعصبيتنا الجنسية ضروري لنا؛ لأننا يستحيل علينا أن نعيش أفرادا، فالذي يذكر ~~العصبية المصرية آناء الليل وأطراف النهار هو الحقيق وحده بشرف الانتساب إلى هذا البلد ~~الشريف، والذي ينفع المصري، إنما ينفع نفسه في شخص أخيه. # قد يقال ما بالنا نطري العصبية الجنسية ونشوق إلى منافعها الباهرة ونجعلها أساسا ~~ضروريا، للحياة في حين أن كثيرا من أساتذة التمدن الحديث أخذ يهدم بمعول العلم في أساس ~~العصبيات الجنسية ويدعو إلى قطع سلاسل الفوارق بين الأمم المختلفة متوسعا في معنى الإخاء ~~الإنساني، مجتازا حدود الأوطان ومعاني الأثرة الوطنية؟ نقول قد يكون ذلك إذا تم أليق ~~بشرف الإنسان وأنفع لهذا العالم، ولكننا نحن المصريين ونحن أمة ناهضة تريد أن تعيش قبل كل ~~شيء عيشة استقلال متواضعة لا مدعية أنها تقود العالم أجمع إلى منافعه. نقول ونحن كذلك لا ~~نستطيع أن نبتدئ بتعاليمنا من الآخر، فإن ابتكار «الإنتيرناسيوناليزم» أو ms39 توحيد ميول الجنس ~~البشري ومنافعه، هي بالفعل حلقة أخيرة لسلسلة رقي طويل في الأفكار والأعمال، ولكل أمة ~~على قدرها رأي هاد. # لذلك نقرر بأن الذي يريد أن يطمئن في داره فليعمل لنماء روابط الجنسية المصرية، والذي ~~يريد أن ينجح في الأعمال الحرة فليعمل لنماء الجنسية المصرية، والذي يريد أن يكون من ~~الموظفين مسموعي الكلمة فليعمل لنماء الجنسية المصرية، والذي يريد استقلال مصر فليعمل لنماء ~~الجنسية المصرية، ذلك هو أساس القوة والقوة ركن الحياة وشرط البقاء. # | مصريتنا1 # لو كان الإغريق حينما ملكهم الأتراك خرجوا من قوميتهم ونبذوا حفائظهم الجنسية واحتقروا ~~الانتساب إلى بلادهم ونسوا أنهم اليونان، لبادت شخصيتهم ولماتت في نفوسهم أطماع الاستقلال ~~ببلادهم ولاستحال عليهم أن يستردوا شرفها، ولكنهم على الرغم من ضعفهم قد احتفظوا ~~بقوميتهم وتضامنهم ولم يخزوا أوطانهم بالانتساب إلى غيرها ففازوا بما كانوا ~~يطلبون. # كذلك الطليان ضعفوا وتفرقوا ووقعوا تحت حكم النمسا وفرنسا فلم يستردوا استقلالهم ولم ~~يستعيدوا مجدهم إلا باستمساكهم بقوميتهم وحبهم لبلادهم، فما سمع عن أحدهم أنه قال ~~إنه فرنساوي ولو كان من أصل فرنساوي، ولا قال إنه نمساوي ولو كان من أصل نمساوي، بل ~~كلهم ينتسب إلى إيطاليا ولو أنها ضعيفة مغلوبة على أمرها، ولولا تشبثهم بالانتساب ~~إلى بلادهم لما تضامنوا في احتمال مصائبها ذلك التضامن الذي أدى بهم آخر الأمر إلى شرف ~~الاستقلال، ثم إلى السمو إلى مصاف الدول العظمى الاستعمارية. # كذلك نحن المصريين نحب بلادنا ولا نقبل مطلقا أن ننتسب إلى وطن غير مصر، مهما كانت ~~أصولنا حجازية أو بربرية أو تركية أو شركسية أو سورية أو رومية، أقمنا في مصر وطنا لنا ~~وعقدنا معها عقد صدق ترزقنا من خيرها ونقوم على مصالحها ونفدي شرفها بأرواحنا، فما ~~النزر اليسير الذي لا يزال يحب الانتساب إلى قوم غير المصريين أو إلى وطن غير مصر إلا ~~ناكث عهده ومتاجر بشرفه، إذ من القواعد الأولية للعيشة الإنسانية أن «الغرم ~~بالغنم» فالذي يعيش في مصر يجب أن يدفع ثمن هذه العيشة الراضية محبة لها وحنانا ~~عليها، ms40 وأقل أقدار المحبة عدم عقوقها والانتساب إلى غيرها. # أرأيت أنه يحل للمرء أن يقطع نسبه لعائلته إذا وقعت في الضعف أو في الفقر ثم هو ~~بعد ذلك يعتبر نفسه رجلا شريفا؟ وما قوم الرجل إلا عائلته الكبرى؟! أليس إقرار المصري ~~بانتسابه إلى العربية أو التركية، لا يدل إلا على أنه يحتقر وطنه وقومه وما الذي يحتقر ~~قومه إلا محتقر لنفسه. # على أن الانتساب إلى مصر لا يمكن أن يكون عارا، فإن مصر بلد طيب قد ولد التمدن مرتين ~~وله من الثروة الطبيعية والشرف القديم ما يكفل له الرقي متى كرم أهلوه وكرمت عليهم نفوسهم ~~وكبرت أطماعهم فاستردوا شرفه وسموا به إلى مجد آبائهم الأولين. # قوميتنا أولها أن نكرم أنفسنا ونكرم وطننا فلا ننتسب إلى وطن غيره ونخصه وحده بكل خيرنا ~~وكل منافعنا ونحيطه وحده بكل غيرتنا، فما هو أصغر من أن يصبح من أعلى الممالك ولا أجدب من ~~أن يصير من أغنى البقاع، فالذي يفرط في شرف مصر ويقول في المجالس: إنه منتسب إلى ~~غيرها، يؤخر بمقدار مركزه في الجمعية المصرية سير التقدم المصري المطلوب ويكون بذلك جانيا ~~على بلاده جانيا على نفسه. # وإنه ليسرنا أن هذا الفهم قد أصبح عاما في الأمة بعد أن اعتقد الناس أن ~~رقي مصر لا يجيئها من الخارج بل هو نتيجة عمل أبنائها وأن الاتكال على غير المصريين ~~في حل المسألة المصرية لمصلحة مصر ضرب من العبث، وليس العمل على هذه النظرية جديدا في ~~مصر، فإن محمد علي باشا الكبير كانت أقواله المأثورة وأعماله المشهورة تدل بجملتها على ~~أنه يلحظ فيها تطبيق نظرية القومية المصرية، وجرى على سننه خلفاؤه الأمراء وكثير من ذوات ~~مصر وأعيانها وأخذ الجيل الجديد الحاضر يفضل البضاعة المصرية على غيرها بقدر الإمكان ويرغب ~~في تمصير المدنية الأوروبية على قدر الإمكان، ويؤثر منفعة المصريين جهد المستطيع، كل ~~ذلك يبشر بأن القومية المصرية ستستأثر في عهد قريب بقلوب المصريين، ولا يكون منهم إلا من ~~يرى من الشرف العظيم الانتساب إلى هذا الوطن ms41 المحبوب. # | المصرية1 # سئل أحد علمائنا البلغاء فقيل له: ما المصري؟ فقال: المصري هو الذي لا يعرف له وطنا آخر ~~غير مصر، أما الذي له وطنان يقيم في مصر ويتخذ له وطنا آخر على سبيل الاحتياط، فبعيد ~~عليه أن يكون مصريا بمعنى الكلمة. # كان من السلف من يقول بأن أرض الإسلام وطن لكل المسلمين، وتلك قاعدة استعمارية ينفع ~~التحدي بها كل أمة مستعمرة تطمع في توسيع أملاكها ونشر نفوذها كل يوم فيما حواليها من ~~البلاد، تلك قاعدة تتمشى بغاية السهولة مع العنصر القوي الذي يفتح البلاد باسم الدين، ويحب ~~أن تكون أفراده كاسبين جميع الحقوق الوطنية في أي قطر من الأقطار المفتوحة ليصل بذلك إلى ~~توحيد العناصر المختلفة في البلاد المختلفة حتى لا تنقض أمة من الأمم المفتوحة عهدها ولا ~~تتبرم بالسلطة العليا ولا تتطلع إلى الاستقلال بسيادتها على نفسها، أما الآن وقد أصبحت ~~أقطار الشرق غرضا لاستعمار الغرب، وانقطع أمل هذه الأمم الشرقية في الاستعمار ووقفت ~~أطماعهم عند حد المدافعة لا المهاجمة، والاحتفاظ بسلامة كل أمة في بلادها من أن تمحى ~~جنسيتها ويفنى وجودها، فإن أكبر مطمع لكل أمة شرقية هو الاستقلال. # أما الآن والحال كذلك فقد أصبحت هذه القاعدة لا حق لها من البقاء؛ لأنها لا تتمشى مع ~~الحال الراهنة للأمم الإسلامية وأطماعها، فلم يبق إلا أن يحل محل هذه القاعدة المذهب الوحيد ~~المتفق مع أطماع كل أمة شرقية لها وطن محدود، وذلك المذهب هو مذهب الوطنية. # على هذا النظر، يجب أن نقرر أن المصريين هم أهل هذا القطر المصري الأصليون وكل ~~عثماني أقام فيه على سبيل القرار واتخذه وطنا له دون غيره من الأوطان العثمانية ~~الأخرى، وليس هذا المذهب جديدا، بل هو مذهب القانون المصري من زمن طويل. # هؤلاء المصريون من حقهم أن يكون لهم الانتفاع بمصر أولا وبالذات، وعليهم الواجبات ~~القومية المكتوب منها في القوانين والمفروض بالعرف، عليهم أن تكون محبتهم لها خالصة من ~~كل إشراك، وتفانيهم في خدمتها بعيدا عن أي اعتبار آخر، عليهم أن تدل ms42 أقوالهم وأعمالهم على ~~أنهم لا دار لهم إلا مصر ولا عشيرة لهم إلا المصريون، أولئك هم المصريون، إلا الذين يظنون ~~أن مصر مستغل وقتي يستغلونه، لهم غنمه وليس عليهم غرمه، أو الذين يتمثل الوطن ~~في عقولهم بصورة تجارية لا يخالطها أثر من آثار العواطف القومية، أولئك يصعب على مصر أن ~~تتخذهم أبناءها وتلقي على كواهلهم همها في الحاضر وأطماعها في الاستقبال. # لا يفهم مما أقول أننا ندعو إلى التفريق بين العناصر المؤلفة لكتلة السكان ~~المصريين ، بل على ضد ذلك ندعو للجامعة المصرية كما دعونا لها من قبل، ندعو الذين يتبرمون ~~بالجنسية المصرية التي كسبوها بالإقامة في مصر، أن لا يفروا بأحاديثهم وبأعمالهم من ~~الانتساب إلى هذه الجنسية الشريفة، يقيمون بأجسامهم في مصر وعقولهم وقلوبهم تتجه غالبا ~~خارج حدودها إلى الأوطان التي ضنت عليهم بخيرها ولفظتهم من أرضها، ندعوهم أنهم ما ~~داموا مصريين أن يقطعوا ميولهم عما عدا مصر؛ لأن الوطنية - وهي حب الوطن - لا تقبل الشرك ~~ولأن الرقي المصري محتاج لعقولهم الراجحة وسواعدهم القوية. # سيقولون: إننا بما نقرر لا نأتي بشيء جديد، ولكننا نذكر الأوليات الوطنية التي يجب أن ~~نكون قد فرغنا من أمرها من زمان طويل، ونعم ونحن نقول ذلك مع القائلين، ولكن هذه الأوليات ~~الوطنية لا تزال مع الأسف غير معمول بها، لدينا منها مثالا شائعا جدا يدل في عمومه على ~~نقص إدراك الوطنية المصرية وانحطاط في المطامع المصرية، فلو رجع كثير منا إلى أنفسهم ~~ونظروا في أعماق ضمائرهم وراجعوا ما يقولون في مجالسهم وتدبروا أعمالهم، لرأوا أن ~~بعضنا لا يزال يحب الانتساب إلى بلاد العرب أو إلى سوريا أو إلى تركيا دون مصر، وهذا الميل ~~يبين في القول ويتجسم في العمل، فمن ذا الذي يستطيع أن يسمي هذا الميل ونتائجه وفاء ~~لمصر؟ ومن ذا الذي يستطيع من غير تسامح أن يسمي من يحبون غير مصر مصريين؟ # مصريتنا تقضي علينا أن يكون وطننا هو قبلتنا لا نوجه وجهنا شطر غيره، ويسرنا أن هذه ~~الحقيقة شائعة في الأكثرية المصرية؛ ms43 لأن هذا الشيوع سيوشك أن يعم جميع المصريين من غير ~~استثناء. # | آمالنا1 # أملنا في المستقبل هو الخير، ويطمعنا في ذلك أن مصر هي أول ما سقط من دول الشرق وهي ~~كذلك أول ما نهض إلى الأخذ بالتربية والتعاليم الحديثة، وتنفيذ النظامات البيروقراطية على ~~طريقة أقرب إلى العدل والرفق، فأصبحت بذلك أغنى الأمم الشرقية ثروة وعلما وأشدها رابطة ~~جنسية، وقد كانت ولا تزال أوغلها رسوخا في الصفات المدنية، كل ذلك يشجعنا على الاعتقاد ~~بأننا سائرون إلى الأمام وأننا لا ينقصنا لحل مسألتنا المصرية حلا يتفق مع مصلحتنا من ~~جميع الوجوه إلا العمل الجد والوقت الكافي. # لدينا كل وسائل العمل لمصلحتنا، فلا يعوزنا الذكاء ولا الوطنية ولا الاستعداد ولكن يعوزنا ~~شيوع الاعتقاد بأن مصر لا يمكنها أن تتقدم إذا كانت تجبن عن الأخذ بمنفعتها وتتواكل في ~~ذلك على أوهام وخيالات يسميها بعضهم الاتحاد العربي ويسميها آخرون الجامعة الإسلامية، فقد ~~أعذرنا العقل وأبان لنا أن مصر لا تنجو من خطر التأخر والفوضى إلا بقواها الذاتية، ~~وأعذرتنا الحوادث إذ أنذرتنا بأن الاتكال على غير المصريين في تحقيق آمال المصريين ضرب من ~~اللعب بالمصالح، وحال من أحوال العجز والقنوط. # لم يأت لنا الماضي بمثل واحد يدلنا على أن أمة من أمم العالم ساعدت مصر وحمتها من ~~المصائب التي كان يجرها عليها طمع الأقوياء في ثروتها وفي مركزها الجغرافي النادر المثال، ~~كذلك لم يأت لنا الماضي - في غير مقتضيات الموازنة الأوربية - أن أمة تنظر من سماء قوتها ~~إلى أمة ضعيفة تأخذها بها الرحمة فتطعمها وتسقيها وتدفع عنها مغارمها لوجه الله ~~تعالى. # ولكن الذي نعرفه من الماضي أن العالم في حال حرب مستمرة يصلى نارها الأحياء على ~~السواء والغلبة فيها للأقوى، والأسر ثم الرق للضعيف. # ومن الخطأ أن يكون مقياس الضعف والقوة في الأمة هو مقدار عدد النفوس أو الثروة، إنما ~~مقياس عظمة الأمة هو صفاتها العامة الضرورية للنجاح في الزمان الذي تعيش فيه، كان عدد أهل ~~أثينا في أوقات مجدها هو بعينه عددها عند سقوطها، ولم ms44 يتغير فيها إلا الصفات التي ~~هي ملاك القوة في الأمم، ولسنا في حاجة إلى استحضار التاريخ القديم فإن الحاضر المشاهد ~~في النسبة بين عدد النفوس في الأمم المستعمرة وبين عدد النفوس في مستعمراتها لا يدع للشك ~~مجالا في أن الكثرة والثراء ليسا هما العلة الأولى في عظمة الأمة وقوتها، ولكن ~~القوة والعظمة في عدد الرجال المهذبين أو الصفات السامية والعقول المنتجة. # لكل زمان ولكل مدنية خواص في الأخلاق والميول تكون هي علل النجاح، ولقد دلتنا ~~الأمثلة اليومية على أن الأمة التي لا تسير في تيار عصرها بل تقف جامدة على قدميها لا ~~ينتظرها العالم في سيره إلى الأمام، بل يتركها منقطعة لا تتجدد فيها قوى الحياة ولا تستطيع ~~أن تأخذ بخواص النجاح في الزمن الجديد، فتقع فيما يشبه الفناء وذلك حظ الضعيف. # في أنفسنا قد رأينا أن كل ما وقعنا فيه من شر الذل وفقد الاستقلال من عدة قرون، ~~إنما كان سببه تفريط المصريين في الاستمساك بالصفات التي كانت يومئذ ضرورية لبقائهم ~~أحرارا. وها نحن أولاء أصبحنا بالتربية الجديدة والأفكار الجديدة نسمع في قلوبنا دبيب ~~الطمع في استقلالنا ببلادنا وتأخذنا الغيرة من الشعوب التي شبت في هذا الزمان الحاضر ~~ورفعت رأسها بين الأمم ولم تكن من الشعب المصري ولا قلامة ظفر، فمن الطبيعي أن يكون ~~نهوضنا متناسبا مع أطماعنا وأن يكون أول ما يجب علينا أن نتحرى في أنفسنا صفات الضعف ~~ننفيها عنها ونحل محلها صفات القوة أو أسباب الرقي. # إننا مهما كان مقدار حبنا للصفات التي ورثناها من الماضي، يستحيل علينا أن نظن ~~أن علة تأخرنا هو شيء آخر غير تلك الصفات. # ومن المستحيل أن يكون الضعف والقوة كلاهما معلولا لسبب واحد في آن واحد باعتبار واحد. ~~فرقينا أو قوتنا رهينة بنفي أسباب الضعف عنا مهما كانت هذه الأسباب أو تلك الصفات ~~داخلة في مشخصاتنا وممتزجة بعاداتنا وأخلاقنا. # سيقولون: هل تريدوننا على أن ننزل عن أفكار آبائنا في تكييف المصالح المصرية، ونترك ~~عاداتنا في حب الاتكال على غيرنا والتباهي ms45 بجيراننا واعتبارنا في نظر أنفسنا أقل الشعوب ~~مما يجري على ألسنتنا في الأمثلة وفي المجالس، وما يظهر على حالنا من معاملة غيرنا، ~~ونأخذ بصفات التمدين الجديد؛ هذا التمدين المادي تمدين المنافع والمبالغة ~~في حب الكسب واستخدام العقل البشري والعلوم المختلفة في تحصيل اللذائذ الشخصية والأطماع ~~الاستعمارية؟ إنكم تريدوننا على أن نتغير وفي التغيير نزول عن الشخصية وفناء ~~للأمة؟ # نعم، فإننا جربنا أفكار سلفنا الصالح في هذا الماضي القريب فما كانت النتيجة إلا ما نحن ~~فيه، فلم يبق إلا أن ننزل عن الأفكار والصفات التي كانت سببا في تأخرنا ونأخذ في ~~التغير والتطور حتى نستطيع المزاحمة في معترك هذه الحياة المدنية، أو بعبارة أخرى حتى ~~يرجع إلينا ما فقدناه من صفات القوة أو من قوة الأخلاق محافظين دائما على عقائدنا الدينية ~~الأولى التي كان عليها علماء الدين الأولون، قانعين من مشخصاتنا الحالية بما يكفل ~~التمييز بيننا وبين الأمم الأخرى، تلك المشخصات التي لم يثبت لنا أنها كانت سببا في ~~تأخيرنا، ولن تكون مثل لغتنا العربية وعاداتنا في حب الضيافة والمواساة وأريحية الجود وبقية ~~الصفات التي امتزنا بها في حسن العشرة والعادات البريئة التي لها طابع يميزها عما ~~عداها كعاداتنا في شهر الصوم وكيفية احتفالنا بالأعياد والموائد العلنية في المآتم ~~والأفراح! إلخ إلخ. # ولكن الذي يجب علينا أن نساعد المدنية الحاضرة على نفيه عنا هو الصفات التي ~~تولدت من نقص الاعتقاد بمصريتنا، أي بأن لنا وجودا خاصا ومنافع خاصة يجب علينا ~~تحصيلها بصرف النظر عما إذا كان هذا السعي يأتلف مع أفكارنا القديمة أو يختلف عنها - ~~وأن نتشبث بحقوق الشعب المصرية واحترامه فلا نسمح للخواص منا أن يسبوه بإظهار ~~اليأس منه والقنوط من رقيه، ولا لعوامنا أن يجري على ألسنتهم تفضيل غيره عليه، وأن ~~نحارب الجمود على الماضي في إمساك المرأة المصرية على اتباع المعروف في الماضي القريب، ~~بل نسهل لها العمل هي أيضا لمصلحتها ومصلحة المجموع وأن نأخذ أسباب القوة عن التمدن ~~الجديد، طائعين لا كارهين، والزمان وحده كفيل بأن يصبغ ms46 الواردات الأوروبية بصبغتنا ~~المصرية، لا شيء من ذلك يأتي بالنتيجة التي يخاف عقلاؤنا منها، نتيجة أننا نفنى في غيرنا، ~~نحن لا نفنى في غيرنا أبدا، ولكن قديمنا يفنى في حاضرنا وحاضرنا يفنى في مستقبلنا كما ~~هي سنة التطور في الوجود. # أقدم كل هذه المقدمات لأقرر أن آمالنا من المستقبل شعب جديد، يكون أقدر منا بصفاته ~~على تحقيق أطماعنا القوية. # وعلى هذا الجيل الحاضر أو الشعب الحاضر أن يسهل للجيل الآتي سبل القوة وأسباب التطور ~~ليحقق صبغتنا القومية وهي مصر للمصريين. # | التقليد1 # تعالى بديع السموات والأرض، لا ترانا إلا مقلدين حتى في إبداعنا، في أزيائنا نبدع ~~المودة على مثال قديم نأخذه كله أو نأخذه ممسوخا أو محسنا أو نأتي بها على طريق التلفيق ~~بجمع المثل الواحد من مثلين قديمين أو من ثلاثة مع تحسين في الوضع أو تشويه فيه، وتلك طريقة ~~إبداعنا في الأزياء. # في المأكل تنتقل ألوان الطعام وصنوف الآنية وطقوس الخدمة من بلد إلى بلد ومن مدينة إلى ~~مدينة، يأخذها الخلف من السلف ويضيف إليها شيئا من مقتضيات عصره ويصبغها بصبغته فتأخذ ~~طابعا جديدا يسمح للمقلد بأن يسميها باسم فيقولون المطبخ الشامي والمطبخ المصري ~~والتركي والفرنساوي، إلخ إلخ ... # تلك طريقة الإبداع في المأكل. # في العادات العامة اليومية كيف نهض المرء من نومه، وماذا يصنع للاستعداد للعمل من تطهير ~~البدن من أعراض النعاس وتطهير النفس بالتوجه إلى الله استفتاحا للحياة الجديدة في ~~هذا اليوم الجديد، وكيف ومتى يذهب إلى عمله، ومتى يعود منه إلى راحة تفرق بين التعبين، ~~وتحلي ما بين المرارتين، ومتى ينقضي وقت الراحة إلى العمل، في هذه العادات اليومية وفي ~~العادات العامة الدورية - المواسم والأعياد - ماذا يلبس المرء وبماذا يتزين على ~~الطريقة اللائقة بالطبقة التي هو جزء منها، وكيف يحيي غيره ومتى تكون التحية ~~وكيف يشترك مع الجمهور في أداء الشعائر القومية، في كل هذه العادات اليومية والدورية نحن ~~نقلد أسلافنا تقليدا مشكلا بأشكال زمام العصر الذي نعيش فيه، مشوبا بنتيجة تطور ~~أفكارنا الحديثة، تلك طريقة الإبداع ms47 في العادات. # في لغتنا نأخذ بالتلقين الألفاظ المفردة وكثيرا من التراكيب، ثم تأتي الحاجات ~~العصرية يتطور بها اللفظ في الدلالة على معناه بل تتغير رويدا رويدا وجوه الدلالة فيتكلم ~~ويكتب بعضنا على مثال بعض بتغيير قليل اقتضته شخصية المتكلم أو الكاتب وقوة نفسه أو ضعفها، ~~وما الإبداع في التعبير إلا تقليد قضت به طريقة التفكير في نفس العبقري شاعرا كان أو ~~ناثرا أو خطيبا. # في العلوم والفنون والمعارف الإنسانية الواقع من أمرها أن تعلم؛ أي بتقليد وتفهم ، ثم تمثل ~~المعلومات في نفس المتعلم فتختلط بملكاتها، فيأتي بها بعد ذلك كأنها له ومن عنده وفضلة ~~إبداعه وما أصلها إلا التقليد. # في الأخلاق، فاضلها ورذيلها، الشأن فيها تقليد مثل صالح أو فاسد وقدوة حسنة أو سيئة، ثم ~~تقليده حتى يصير إتيان الفضيلة أو الرذيلة عادة ثم يصير إتيان الفضيلة أو الرذيلة عادة ثم ~~يصير خلقا ثابتا، وإني لا أنكر أن للوراثة في هذا الشأن وفي غيره عملا كثيرا ولكن ~~الانتقال الوراثي كأنه ضرب من ضروب التقليد الإجباري في لبسنا ومأكلنا ومشربنا وحديثنا ~~وعاداتنا ومعارفنا وأخلاقنا ومعاملاتنا، نجد معنى التقليد أصلا من الأصول الأولى، ولا ~~نستطيع أن نفهم الإبداع أي الإيجاد من العدم، إلا مضافا إلى من تفردت عظمته بالقوة ~~والإبداع، ولا شيء تحت الشمس بجديد، حتى المخترعات التي يبين عليها أنها باكورة لجنسها ~~الأول كالطيران مثلا فإنها تقليد صرف لمثال موجود، لم يغفل الطيارون ذكر المثل الذي ~~قلدوه، بل دونه مويليار وغيره من الذين كانوا يراقبون عن كثب ميخانيكية الطيران لدى ~~الطيور المختلفة حتى وصلوا إلى نظرية فقلدوا منها مثالا بالطيارات التي نعرفها ~~الآن. # إذا كان معنى التقليد متغلغلا هكذا في أعمالنا وأفكارنا ومشاعرنا وميولنا، مختلطا بها ~~أصلا كبيرا من أصول التطور الإنساني كل همه الوصول إلى كماله الممكن، فكيف يمكن ~~اعتبار هذا الأصل الإنساني رذيلة ومسبة ينتقص بها الناس بعضهم بعضا فيقولون فلان مقلد في ~~قوة قولهم خسيس الهمة ذليل النفس تابع لا متبوع وفرع لا أصل وقياس على الناس لا ms48 فذ ولا ~~شاذ. # الواقع أن التقليد معنى متفاوت الأقدار، فالاعتدال فيه فضيلة لازمة للرقي والإفراط في ~~تناوله ضرر وسخرية، كالإفراط في غيره من المعاني، وإنهم ليظلمون معنى التقليد إذا ~~أطلقوه على جزئه الرذيل دون جزئه الفاضل، وهو التقليد بعد التدبر وظهور المنفعة منه أو ~~وجه الجمال فيه. # نحن في حالنا الحاضرة وحاجتنا في الأخذ عن التمدن الأوروبي حتى نجمع بين أسباب القوة ~~اللازمة للمزاحمة في الحياة، يجب علينا أن لا نقتل فينا خاصة التقليد المفيد بجعله سبة ، ~~بل على الضد من ذلك، نرانا في حاجة إلى ترويجه حتى نقلد الأمثلة الصالحة من كل نوع ~~فيكثر فينا عددها، دعونا نقلد فعسى أن تبلغ الصورة ما بلغه مثلها الأول، ولا حق لنا ~~في الخوف من أن تقليد غيرنا يقضي على ذاتيتنا؛ لأن التقليد الكامل غير موجود، ولأن كل ~~واردات أوربا متى دخلت مصرنا كسبت صبغتنا وتكيفت بكيفياتنا اللغوية والدينية ~~والأخلاقية، ولا يكون بعد ذلك إلا أن تكسب طابعنا وتصير ملكا تاما لنا، كما أن المدنية ~~التي نقلها العرب عن الفرس واليونان قد أخذت طابعهم وصارت مدنية إسلامية، وما نقله اليونان ~~عن المصريين صار أصلا للمدنية اليونانية مملوكا لها. # التقليد من أصول التطور، والتطور طبيعي لا نستطيع نحن أن نقف في طريقه فهو سيحصل بالفعل، ~~مهما كان استقبالنا إياه استقبال حفاوة أو استقبال امتعاض ومغاضبة، فخير الذين يقفون في ~~طريق تطورنا الاجتماعي أن يريحوا أنفسهم من عناء مصادمة الطبيعة ومن شر الخذلان، ~~بل يجب عليهم أن يساعدوه على أن يأتي بنتيجته السعيدة في أقرب ما يمكن من الزمان. # | سر تطور الأمم1 # نعم هذه هي رياضتي! كذلك كان جواب هذا النابغة الكبير أحمد فتحي زغلول باشا، وقد دخلت ~~عليه في بيته بهيليوبولس في يوم حر شديد فألقيته يضع شرح القانون المدني وإلى جانبه هذا ~~الكتاب (سر تطور الأمم) وقد فرغ من تعريبه في بضعة أسابيع لازم بيته فيها لمرض أصابه ~~فأشفقت عليه من هذا الشغل الشاق في ذلك الجو المحرق على ما نعهده عليه ms49 من رقة ~~في الصحة وعمل دائم طول سنة العمل، وقلت له: أبهذا ترتاض يا سيدي الباشا؟ فأجاب: (نعم هذه ~~هي رياضتي)، فما كانت رياضة في الصيف الماضي إلا أن أخرج لنا من ثمرة عمله وفكره وقلمه ~~القدير كتابين اثنين: تفسير القانون، لم يظهر بعد، وتعريب (سر تطور الأمم) وهو الذي بين ~~يدينا حين نكتب هذه السطور، فنعم الرجل! ونعم ما ينفق فيه وقته وصحته؛ لينفع ~~قومه. # علم فتحي باشا منذ شبابه الفضي أن رقي الأمة لا يكون بالصدفة ؛ ولكنه جهاد ~~غايته فتح معاقل العلم والتربية وحصول الأمة منها على مقادير تسمح لها بالمزاحمة في معترك ~~الحياة العامة فجعل لا يخلي وقته من كتاب يعربه أو كتاب يضعه في الحقوق إذا فرغ من شغله ~~اليومي، وما عهدناه فيه وانيا ولا عنه منصرفا، سواء أكان ذلك أيام يشتغل برئاسة النيابة ~~أم يرأس مجلس القضاء أو كما هو الآن يدير الأعمال ويضع المشروعات في نظارة الحقانية، كذلك ~~يملأ الرجل حياته، وكذلك يعرف كيف ينفع قومه. # يظهر أن فتحي باشا شغوف في المسائل الاجتماعية بأفكار الدكتور (جوستاف لوبون) على ~~الأخص، وله الحق لأن أفكار هذا الكاتب الاجتماعي الكبير هي زبدة المعلومات الاجتماعية ~~القديمة، ونتيجة المشاهدات الحديثة، لذلك كان أقرب الطرق لنقل القوانين الاجتماعية إلى مصر ~~هو تعريب مؤلفاته ومؤلفات غيره من المعاصرين حتى نستطيع أن نعيش في جيلنا عوضا أن نسبح ~~في المعلومات القديمة غير عاملين بنتائج تطورها من حال إلى حال، ألا ترى أننا أخذنا ~~قواعد القانون الفرنساوي الحاضر، وجعلناها قانونا لنا من غير أن نبتدئ بمصدرها الأول وهو ~~القانون الروماني، ولو أننا ندرس الآن الطبيعيات والرياضيات على قواعد اليونان القدماء لما ~~كانت دراستنا لها تساوي شيئا من التعب الذي نصرفه فيها، نحن نأخذ المدنية الحاضرة لنتسلح ~~بقوتها في المزاحمة على البقاء فلنأحذها على آخر طراز لها كما يأخذ فتحي باشا بالقوانين ~~الاجتماعية على آخر تطور لها من قلم الدكتور جوستاف لوبون. # لسنا في مقام تقدير التعريب في هذا الكتاب فإن فتحي باشا ms50 معروف القدرة في الكتابة ~~ومشهور الأمانة في النقل، وكتبه في أسواق العلم كاسبة المقام الأول عن استحقاق. # وأما موضوع الكتاب فهو البحث في مذهب المساواة بين الأفراد، وفي طباع الشعوب النفسية أو ~~البسيكولوجية وفي ظهور أخلاق الأمم في عناصر مدنيتها، وفي تاريخ الأمم باعتبار أنه مشتق ~~من أخلاقها، والبحث في أثر المبادئ في حياة الأمم، وتأثير المعتقدات الدينية في تطور ~~المدنية، وشأن عظماء الرجال في تاريخ الأمم، ثم البحث في تحلل الخلق وسقوط الأمم. تلك ~~هي موضوعات الكتاب ، ونحن من جهة أننا أمة ناهضة يفيدنا كثيرا أن نعرف نتائج بحث علماء ~~الاجتماع في قواعد صعود الأمم وهبوطها وعلل قوتها وضعفها، فلا غنى لنا في حالنا هذه عن ~~الاهتداء بهذه البحوث الاجتماعية في عملنا لمصلحة بلادنا، خصوصا إذا رأينا أن هذه ~~القوانين لا يختلف تطبيقها في بلادنا ولا تختلف نتائجها عن أطماعنا. # وأنه ليسرنا أن نرى الكتب التي عربها فتحي باشا وعلى الأخص (روح الاجتماع) ~~و(سر تقدم الإنكليز السكسونيين) قد تمثلت تمثلا حقيقيا في العقول المصرية تشف عنه عبارات ~~الكاتبين في الصحف الذين ليس لهم مرانة بقراءة الكتب الاجتماعية باللغات الأجنبية. # نؤكد ذلك لا إظهارا لاعترافنا بجميل المعرب فقط ولا تذرعا لمطالبته بأن يزيدنا من ~~مؤلفاته ومعرباته فإنا نحسبه في غنى عن ذلك، ولكن لنبين بالحس مقدار المنفعة التي ~~نجنيها في تصحيح أفكارنا الاجتماعية من نقل مثل هذه الكتب إلى لغتنا، ولنتخذ هذه المشاهدة ~~دليلا جديدا على أن أساس رقينا ليس شيئا آخر إلا نقل قواعد المدنية إلى بلادنا. # فإلى كاتبنا الكبير فتحي زغلول باشا نقدم التهنئة على أن غرسه قد أثمر، ذلك هو خير جزاء ~~يجزاه من يصل الليل بالنهار في نفع قومه من أقوم طريق وهو طريق القلم. # | الحرية الشخصية1 # نسير يحدونا الرجاء إلى تحقيق سلطة الأمة، فيسلم شرفها، وننعم نحن بما نعتقده سعادة ~~الاستقلال، غرض كثير العقبات ليس منا على مقربة، ولكنه هو الذي يصح أن يسمى غرضا ~~حقيقا بالأمة المصرية الكريمة، وهو وحده الذي ينبغي أن يكون ms51 مرمى نظر الجمعية والأفراد، ~~ووسيلتنا إليه الاستمرار على العمل والصبر على نتائجه ومحاولة جعل خطة الحكومة المصرية ~~بأطرافها غير معاكسة لرقي الأمة في فروع الرقي المختلفة من حيث النظامات والفضائل ~~الاجتماعية، وإنماء الكفاءات الاقتصادية والسياسية. # لهذا الغرض نحاول تنبيه الأذهان إلى أي خطط الحكم أقرب للاتفاق مع ما تطلب هذه ~~الأمة في معالجة أمراضها الاجتماعية والوصول بالزمان إلى غرضها الكبير، أخطة الجماعيين، ~~أم خطة (الحريين)، فقد دلتنا المشاهدات العامة على أن الحكم الماضي قد جعلنا عيالا ~~على الحكومة رعية لها معتمدين عليها في كل إصلاح حتى في التربية، حتى في حماية الفضائل ~~الشخصية، نطلب منها كل شيء نطلب منها حتى التوسط في أن تصلح بين فردين متخاصمين أو عائلتين ~~مختلفتين، ونظن هذه المداخلة من حقها وإصلاح ذات البين من واجباتها كأنما الحكومة هي لنا ~~كل شيء ونحن لأنفسنا لا نملك نفعا ولا ضررا، ولا شك في أن السير على هذه القاعدة ~~الاشتراكية يوصل حتما إلى نتيجة سوداء، هي قتل فكرة اهتمام الناس بأمورهم العامة إلا ما ~~يكون من الانتقاء اللفظي لما يتم عمله من جانب الحكومة، وتحديد حركات الفرد في دائرة ضيقة ~~جدا هي دائرة أسوار داره، ولا غرابة إن تمشت هذه القاعدة وتسربت إلى داخل الدور ~~أيضا، فتناط الحكومة بترتيب دار الفرد على ما تشاء لا على ما يشاء هو، نتطلب من الحكومة ~~أن تحمي أطفالنا من جهل أمهاتهم وتسهر عليهم فتطعمهم بمادة الجدري وتراقبهم في الشوارع أن ~~تدوسهم العربات، ثم تقوم هي بتربيتهم وتعليمهم فإذا رأينا فسادا في الأخلاق ألقينا عليها ~~مسئولية ذلك، ثم إذا وجدنا الحركة العلمية في البلاد بطيئة، رميناها بسوء القصد أو سوء ~~التدبير، ثم نطلب إليها بعد ذلك أن توجد عملا للشبان الذين لا يريدون اتخاذ الزراعة ~~مهنة لهم، ثم نطلب إليها أن تنقي من غيطاننا دودة القطن وأن تجبرنا بالإكراه على زرع ثلث ~~الأرض قطنا، نطلب منها أن تزرع هي لترينا كيف نزرع ونطلب منها ردم البرك التي حفرناها ~~بأيدينا تحت دورنا في ms52 القرى، نطلب منها كل شيء ولا نطلب من أنفسنا شيئا. # ولا شك في أن كل مسئولية تستدعي لصاحبها سلطة تكافئها، فإذا نحن تنازلنا عن واجباتنا ~~لأنفسنا وألقيناها على عاتق الحكومة فإنما نحن بهذا العمل نفسه نتنازل عن جميع حقوقنا ~~وحريتنا لنضعها بين يدي الحكومة، ولا يبقى لنا منها إلا ما يبقى للعبد أمام سيده أو للخادم ~~المطيع أمام مخدومه القوي، نعمل ذلك ثم نطلب الحرية الشخصية للفرد، فما هي تلك الحرية إلا ~~أن يحيى الفرد ويعمل كما يشاء بشرط أن لا يضر بالغير، ولست أدري إلى أي بعد تقف حدود هذه ~~المشيئة إذا كان للحكومة أن تجعل ميدان هذه المشيئة أضيق ما يكون! # قد تكون هذه الخطة مفهومة قليلة الضرر عند أمة حكومتها ديموقراطية (أي حكومة الشعب أو ~~حكومة الأكثرية)، ولكنها طريقة ما أكثر أضرارها في أمة كأمتنا ليست فيها مشيئة الشعب هي ~~مرجع الأمور، هذا المذهب الذي هو مذهب «الجماعيين» إذا استمر تنفيذه في بلادنا على أنه ~~خطة حكومتنا يعوقنا كثيرا فيما نحاول من تكوين أفراد أحرار مسئولين ينهضون بالبلاد إلى ~~طلبتها من الارتقاء؛ لأن كل فرد سيعيش ويموت تحت وصاية القوي، وبعيد أن يستوي في ~~الرجل ملكاته وهو تحت الوصاية أو في حظيرة الحجر، لا أظن أن في هذا التعبير خفاء؛ لأن ~~كل قانون يكسب الحكومة حقا أو رقابة، فإنما هو يخسر الفرد من الحقوق ومن الحرية بمقدار ~~ما أخذت الحكومة لنفسها، وكل مداخلة للحكومة فيما ليس لها أو فيما لا توجبه ضرورة ~~النظام تعتبر ضغطا على حرية الفرد وتضييقا في دائرة عمله. # ونحن في بلادنا أحوج ما نكون إلى مداوة الأمراض التي لحقت الأفراد من جراء الضغط ~~عليهم، فإذا كان هذا المذهب مفيدا عند بعض الكتاب الاشتراكيين لبعض الأمم، فإنه غير مفيد ~~لنا؛ لأن من البلاد ما تمتع فيها الفرد بحرية العمل في حدود واسعة، فقويت ملكاته ونبغ ~~إلى حد أخل الموازنة بينه وبين من دونه في الصفات حتى خيف على حياة الجماهير ~~وسعادتهم من تسلط الأفراد ms53 القادرين، فأراد الاشتراكيون أن يسووا بين الناس فيما ~~يمكن التسوية فيه وهو الثروة، وقسمة الثروة بينهم على مذهب (القسميين) أو أن يعيشوا ~~متساوين على الشيوع كما هو مذهب (الروكيين) ... إلخ، ولا طريقة لتنفيذ هذه المذاهب إلا أن ~~تكون الحكومة (حكومة الشعب) هي كل شيء وإرادة الفرد وحريته لا شيء ... أما نحن فإني لا أزال ~~أكرر أننا أحوج ما نكون إلى تربية الفرد وإزالة العقبات من طريقه حتى تنقه نفسه من ~~الضعف الذي أورثه إياه الحكم الماضي، وليستكمل قسطه من القوة حتى يستطيع المزاحمة مع ~~أفراد الأمم الأخرى، وعلى ذرارينا في الأجيال المقبلة أن ينظروا بعد ذلك فيما إذا كانت ~~المبادئ الاشتراكية هي اللازمة لجمعيتهم وقتئذ، فإن خطة الحكم يجب أن تتغير بتغير ~~الزمان والمكان وطبائع السكان. # أما مذهب (الحريين) أو (الفرديين) فإنه يعتبر الحكومة ضرورة من الضرورات، يعتبرها كذلك ~~أيا كان شكلها أرسطوقراطية (حكومة الأشراف) أو ديموقراطية (حكومة الشعب) أو حكومة فرد، ~~ولهذا الاعتبار ينبغي أن يكون عمل الحكومة داخل دائرة محدودة بحدود الضرورة، فلا يكون على ~~الحكومة إلا واجبات ثلاث: البوليس وإقامة العدل وحماية البلاد، وكل ما يخرج عن هذه الدائرة ~~لا يحل لها المداخلة فيه، ويعجبنا قول أحد كتاب الإنجليز في هذا الصدد: إن الحكومة لم ~~تدخل في عمل خارج عن هذه الدائرة إلا أثبتت عدم كفاءتها له، مذهب معقول؛ لأن الإنسان ~~خلق حرا حرية غير محدودة، فلا يكون حدها بضرر الغير إلا ضرورة من ضرورات الجمعية، ~~وعلى ذلك فليس من الصواب التوسع في تطبيق هذه الضرورة إلى حد أن يكون القسر هو الأصل ~~الواسع وحرية الفرد هي الاستثناء الضيق، وإلا فما فائدة المرء من أن يعيش في الجمعية إذا ~~كان يخسر بالجمعية أعز ما وهب الله في هذه الدنيا وهي الحرية. # وماذا يكون المقابل الذي تعطيه الجمعية إذا هي سلبت منه كل حريته اعتمادا على أن هذا ~~السلب إنما هو لمصلحة الجمعية؟ أظن أن هذا المقابل ليس شيئا كثيرا؛ لأن الأمثلة ~~اليومية تدلنا على أن الجمعية لم ms54 تحم من القتل أولئك الأفراد الكثيرين الذين ~~يقتلون ظلما وعدوانا في بيوتهم وفي غيطانهم وفي الطرقات العمومية، سيقولون: كلا، ~~إن الحكومة تجد في طلب القاتل وتعاقبه، فنقول: هب أنها فعلت ذلك، فماذا استفاد القتيل ~~من ذلك العقاب؟! # ومن الأمثلة أن الحكومة أو الجمعية لم تحم مال جميع الأفراد الذين سلبت من ~~حريتهم ما سلبت، فسيقولون: إن بوليسها يخف في طلب السارق، هب أنها فعلت ذلك فما فائدة ~~المسروق منه من وضع السارق في الحبس مدة يعود بعدها إلى ارتكاب الجنايات، على أن إحصاء ~~المحاكم يدل في بلادنا على أن أكثر حوادث القتل لم يعاقب فيه القتيل، أما في السرقات ~~فما أظن أن البوليس رد إلى المجني عليه ما سرق منه ولو في واحدة من المائة، فإذا ~~كانت الحكومة أيا كان شكلها أعجز من أن تحمي حياة الفرد دائما وماله في بعض الأحيان، ~~أفلا يكون من الغبن الفاحش أن تأخذ الحكومة بقوانينها من حرية الأفراد أكثر من القدر الذي ~~توجبه الضرورة، ضرورة البوليس، أو ضرورة إقامة العدل، أو ضرورة الدفاع عن ~~البلاد! # الفرد والجمعية من حيث القوانين طرفان متضادا المنفعة، يجب التوفيق بينهما ولا توفيق ~~إلا التصالح أو التنازل من الجانبين، ولا شيء يبرر ذلك إلا ضرورة الجمعية أي ضرورة ~~النظام، فلا يجوز للحكومة - ما دامت هي ضرورة - أن تعمل عملا أو تشرع قانونا فيه ~~معنى التسلط على الفرد إلا في حدود الضرورة القصوى، خذ مثلا على ذلك: بعث قانون ~~المطبوعات، هب أن بعض الصحف تطرفت في النصح إلى الدرجة المضرة بالجمعية، فما ذنب ~~بقية أفراد الأمة يرمون بقانون يحد أعلى مظهر من مظاهر الحرية الشخصية وهي حرية القلم وحرية ~~الرأي؟ أظن أنه لم يكن ثمة ظل ضرورة يلجئ الحكومة إلى هذا القانون؛ لذلك يرجو ~~الذين يظنون بها الخير أن تلغيه اليوم وغدا. # ومثلا آخر: قانون الاتفاقات الجنائية، هب أن ثلاثة أو أكثر اتفقوا على ارتكاب جناية ~~سياسية تهدد الحكومة في وجودها، عاقبوهم بما شئتم، ولكن ما ذنب جميع أفراد الأمة ms55 يرمون ~~بقانون الاتفاقات الجنائية من غير مسوغ، إن ضرورة النظام لا يكفي فيها مجرد توهم ~~الحكومة أن رجالها في خطر، فتبالغ في تشديد الخناق على حرية الأفراد حتى تحظر عليهم اليوم ~~ما كان مباحا لهم بالأمس، وتعاقبهم على ما لم يكونوا يعاقبون عليه من غير ضرورة ~~ظاهرة. # يبين مما نقول أننا نفضل مذهب (الحريين) أو (الفرديين) على مذهب (الجماعيين) الذين ~~يضحون الفرد ومصلحته للمجموع من غير قيد ولا شرط، ويعتبرون الفرد ليس له وجود ولا راحة ~~وسعادة، إلا بوصف كونه جزءا من المجموع، يقولون ذلك وينكرون المحسوس، والواقع أن ~~لكلا المذهبين منافع ومضار، ولكن مذهب الفرديين أنفع في بلادنا في الظروف ~~الحاضرة من كل ما عداه، ولكننا مع ذلك لا نرى تطبيق هذا المذهب على إطلاقه، فإنه لا ~~يزال في حال الأمة ما يدعو إلى أن تهتم الحكومة بالمداخلة في بعض الأمور غير الداخلية ~~في واجباتها الثلاث المتقدمة مداخلة حث وإرشاد لا مداخلة حكم وإكراه، فإن المداخلة من ~~هذا النوع قد تبررها أيضا ضرورة علاج الأمة من الخمول الماضي العميق. # نقدم هذه المقدمات الطويلات لا لمجرد الانتصار لنظرية علمية على أخرى؛ بل لأننا نشعر ~~في البلاد بتيار قوي من جانب الحكومة ومن جانب بعض الأفراد مآله قرب السير على مذهب ~~(الجماعيين) فإنهم يطلبون من الحكومة التقنين والمداخلة الفعلية في أمور لا تبررها ~~الضرورة، والحكومة تطاوع في ذلك فتتدخل فيما تقل كلفته عليها وتكثر به سلطتها إجابة لطلب ~~الأمة، ولكنها مع ذلك لا تجيب طلب الأمة فيما طلبت من الدستور. # ومن المضحك في هذا المقام أن نذكر السبب الذي أبدته الحكومة لتبرر به بعث قانون ~~المطبوعات، السبب أن الجمعية العمومية كانت طلبته في قديم الزمان، كأنها تقول يعز على ~~الحكومة أن لا تخف لإجابة رغبة الجمعية العمومية الممثلة للأمة في تضييق الخناق على دائرة ~~الحرية الشخصية التي هي أساس كل صلاح للأمم؟! للأمة أن تطلب الإشراف على أعمال الحكومة ~~وتجد في هذا الطلب ولكننا نحن الأفراد نطلب من الحكومة - والحكومة في ms56 بلادنا سمو الخديو ~~والوزارة والجمعية التشريعية - أن لا تفرط في التعدي على حريتنا بالإكثار من القوانين إلا ~~في حدود الضرورة، وأن تعاوننا نحن الأفراد على أن نستكمل حظنا من القوة العملية بالكف ~~عن المداخلة في الشئون التي من شأنها أن تترك لعمل الأفراد مهما كان أثر المداخلة مفيدا ~~لمصالحهم؛ لأنه لا مصلحة للفرد تعدل مصلحته من القوة والاستعداد للمزاحمة للحياة. # مثال ذلك مداخلة الحكومة في مراقبة حال الطلبة المصريين في أوروبا، فإننا إذا رضينا ~~بقيام الحكومة في مصر بأمر التربية والتعليم وهما من عمل الأفراد؛ وإذا رضينا بذلك اعتمادا ~~على أن الأمة لا تزال محتاجة إلى مثل هذه المساعدة، فلا يمكننا أن نفهم ما الذي يسوغ ~~لنظارة المعارف المداخلة في التوسط بين الرجل وبين ابنه الذي يتعلم في أوربا على نفقته ~~مداخلة لم يرضها الطرفان، أو التوسط بين التلاميذ المصريين ومدارسهم ولم يطلب منها أحد ~~الطرفين هذه المعونة، إذا رضينا أن الحكومة تكون تاجرة تمسك بين يديها السكة الحديد، وإذا ~~رضينا بذلك اعتمادا على أنه ليس في البلاد شركة مصرية صرفة يمكنها أن تقوم بهذا العمل ~~العظيم تشتري السكة وتديرها، فإننا لا يعجبنا مثلا ما يشاع من أن الحكومة ستزرع على ~~ذمتها أرضا من خارج الزمام وأنها تبقي في يدها أطيان الدومين تستغلها وتزاحم الأفراد ~~المزارعين في الاستغلال ... إلخ. # لذلك نكرر أن التيار الذي يتمشى الآن في الحكومة وفي الأمة نخشى أن يفضي إلى جعل خطة ~~الحكومة هي خطة التسلط على الأفراد والتضييق عليهم للمصلحة الموهومة للجمعية، وما مصلحة ~~الجمعية إلا في أن الحكومة - وهي موجود ضرورة - لا يحل لها أن تخرج في قوانينها ولا في ~~تصرفاتها عما تلزمها به الضرورات احتراما لحرية الأفراد ومصالحهم. # | خبز السجون1 # هذا الخبز الضار لا ندري أنكال فوق العقاب أريد بأهل السجون، أم محض اقتصاد في النفقات! ~~شكا منه أهل السجن وجيء لنا منه بعينة ذات لون قاتم وملمس خشن تقطع شهوة النهم وتعافها ~~الكلاب، فشكونا منه إلى أولي الأمر فيه، ووعدنا من بضعة ms57 سنين بتحسين حاله فخفت صوت الشكوى ~~ثم زال، وكان الناس في اطمئنان على صحة ذلك العدد الكبير من المسجونين، فإذا بنا اليوم ~~نسمع صوت الدكتور نيدل ترجعه رصيفتنا (البروجريه) إن خبز السجون سم قاتل: قالها ~~الدكتور لا أخذا بظاهره المؤذي، ولكن بعد بحث وتحليل، قولة تخلع قلوب الناس على أبنائهم، ~~وتفزع منها أهل العدل وأولي الرحمة بعباد الله فلا مناص للحكومة من تغييره في الحال أو ~~تحليله ونشر نتيجة التحليل. # ما سمعنا إلى اليوم في حكم هذا القانون الذي بأيدينا أن الغذاء جزء العقاب يأكله الأثيم ~~سما قاتلا كما يقول الدكتور، بل العقاب بين في الحدود وفي حكم القاضي حبس بسيط ومع ~~التشغيل، حبس بالأشغال الشاقة مؤقتا أو مؤبدا، ومن عقوبات السجن الجلد وليس منها الطعام ~~الضار، على أن عقوبة السجن لمن يتعدى حدوده لا لجميع المسجونين على السواء؛ لذلك يستحيل ~~الظن بأن هذا الخبز الذي يطعمه أهل السجن هو العذاب جزاء على سيئة المسيء، إلا أن ~~تكون مصلحة السجون تزيد على حكم القاضي، وليس لها إلا تنفيذه هو لا غيره بذاته ووصفه، وما ~~يطعم السجين إلا من غالب قوت أهل البلد، كان يطعم السجناء خبز القمح، فقالوا: بل خبز الذرة ~~هو غالب قوت أهل البلاد، وما كان لنا أن نجعل الإجرام ميزة للمجرم على البريء، وفضلا ~~للسجين يأكل خبز القمح على الطليق يكاد لا يطعم إلا خبز الذرة، قالت مصلحة السجون ذلك عند ~~شكوانا الأولى، فقلنا: تلك كلمة حق وإنصاف لا نخال أحدا من غير أهل السجن إلا يقرها ~~على ذلك، ولكن خبز الذرة ليس سما قاتلا، ولا هو بلونه وملمسه وطعمه رديء يعافه الجائع، ~~فماذا عساه يكون هذا الخبز الجديد؟! # حسب الإنسانية عذابا علمها بأن العدل الذي يؤخذ به الناس ليس في الحقيقة إلا ~~الطريقة الممكنة للنظام، وأنه أشبه بالظلم منه بالعدل المطلق، وأنها تعرف أن من ~~السجناء مظلوما حقيقا بالتمتع بحريته، ومن الطلقاء أثيما أولى به ظلمات السجون. # حسب الإنسانية عذابا علمها بأن من الجناة عددا كبيرا ms58 لا يجوز أن يحمل كل مسئولية ~~جنائية، وأن للانتقال الوراثي والبيئة ودوافع الطبيعة التي لا قبل لأحد بردها، لكل أولئك ~~معظم المسئولية على الجنائية، ومع ذلك هي تعاقب الجاني كأنما هو حر في تصرفاته يحمل ~~وحده عدلا جميع نتائجها. # حسب الإنسانية ما هي فيه من القلق الدائم والشقاء المستمر، فما كان أغناها عن هذا القلق ~~الجديد الذي سببته مصلحة السجون رجاء اقتصاد تافه في النفقات أو تهاونا في معاملة ~~المسجونين بالتي هي أدنى للرحمة والرفق ببني الإنسان. # ليس بالحكومة من حاجة لأن نؤكد لها أن هذه التهمة هي أشنع ما رميت به حكومة في ~~الدنيا، ونطلب إلى نظارة الداخلية أن تحقق تصرف مصلحة السجون وتنشر على الناس ~~العناصر الداخلة في تركيب هذا الخبز ليطمئنوا على أن الرفق والقانون كليهما آخذ نصيبه في ~~السجون. # | من أجل ذلك نطلب الدستور1 # طلبنا الدستور ونطلبه لتكون الوزارة مسئولة عن تصرفاتها مسئولية، ذات أثر فعلي أمام ~~المجلس لتكون الأمة في أمن على حقوقها وحريتها، فلا ينفى أحد من السودان من الليمان أو ~~من غير الليمان إلا بحكم قضائي بالأوضاع القانونية. # وطالما قيل عنا إننا نقول بسلطة الأمة لمجرد تقليد الأمم المتمدنة، نقول بذلك ونطلب ~~الدستور؛ لنتخذه زخرفا، ولنرضي شهواتنا من العزة المجردة عن كل منفعة حقيقية، ~~يقولون ذلك، ويقولون: إن المصريين في أمان الله، لهم حكومة عادلة، وإن كانت غير دستورية ~~بالقانون، إلا أنها لفرط عدلها وتناهيها في العفة وبعدها عن الاستبداد كالحكومة الدستورية ~~أو أقوم سبيلا، فيها منافع الحكومة الدستورية وليس فيها أضرار البطء في سير الأعمال ولا ~~المشاغبات الحزبية التي تؤدي في كثير من الظروف إلى ضرر البلاد، حكومة هي المثل الأعلى ~~للحكومات؛ لأن فيها شدة الحكومة المستبدة، وعدل الحكومة النيابية، فماذا ينقص المصريين ~~إلا الفخفخة والمباراة بأنهم أمة ذات حكومية دستورية، وإلا فإن الأمة المصرية متمتعة ~~فعلا بنتائج الدستور لها غنم الحكم العادل وليس عليها منه شيئا من المسئولية. # لو كان ذلك صحيحا لرضينا بحالنا كارهين، فماذا يكون شأننا والأمثلة اليومية في ms59 أعمال ~~الحكومة لا تزيدنا إلا اقتناعا بالحاجة إلى الدستور، نتخذه، لا زينة في الحياة، ولكن مرقاة ~~للتقدم وأمانا من الاستبداد. # ها نحن أولاء أمام تصرف من أحدث تصرفات الحكومة عهدا وأشدها أثرا في الطمأنينة على ~~الحرية الشخصية وادعاها إلى التظنن في تطبيق القوانين، ذلك الممثل هو نفي المسجونين ~~إلى السودان من غير حكم النفي وفي غير حدود القانون. # لو أن السلطة الشرعية والسلطة الفعلية متفقتان على أن السودان جزء غير منفصل عن مصر، ~~وأنه لا فرق بين مديرية الخرطوم وبين مديرية أسوان، وأن عقد الاتفاق المبرم بين الحكومة ~~المصرية وبين الحكومة الإنجليزية باطل، وأن السودان ليس وطنا خاصا ومستعمرة بل هو ~~إقليم من الأقاليم المصرية وجزء من الوطن المصري تحت سلطة القانون المصري، لو كان الأمر ~~كذلك لما كان إبعاد المسجونين فيه نفيا لا تبيحه قوانين البلاد، ولكنا نحن أول ~~المبررين لعمل الحكومة من هذا القبيل، فأما والاتفاق السوداني منفذ بين الحكومتين، ~~والسودان غير خاضع للقوانين المصرية، فإنه لا يجوز اعتبار السودان جزءا من مصر فيما ~~يضرنا، واعتباره منفصلا عن مصر فيما ينفعنا. # يضحكنا أن يرد على بعض الأذهان أن تصرف الحكومة هذا قد يعتبر سابقة تنفعنا هي ومثيلاتها ~~يوم إقامة الدليل على أن السودان جزء من مصر! كلا إنه لا مصلحة للضعيف من مجاوزة الحق ~~إلى ميدان القوة؛ فإن الحق هو قوة الضعيف، فإذا جاوزه إلى غيره، فإنما هو يجرد نفسه ~~من كل سلاحه، ليحارب القوة بالضعف المجرد. # ومهما كانت العيوب الأصلية في اتفاق السودان، فإن الواقع أن العمل جار عليه، ~~فإذا كانت الحكومة المصرية توافقنا على أن فيه من العيوب القانونية ما يبطله وتعدل ~~عن تنفيذه، يصبح قولها مقبولا في أن إبعاد المسجونين إلى السودان ليس فيه مجاوزة لحدود ~~القانون ولا اعتداء على الحرية وحقوق الإنسان، ونحن نعيذ الحكومة من أن تعمد في تبرير عملها ~~هذا إلى التحدي بهذه النظرية؛ لأنه لا يفسر في البيئات المصرية إلا بأنه استخفاف بالرأي ~~العام، وحكومتنا أعلى مقاما وأكثر بصيرة من أن ms60 تعرض نفسها إلى مثل هذه النتيجة. # وكل ما يقال في الموضوع أن الحكومة تعجلت في الأمر، وفي قدرتها أن ترجع أولئك ~~المنفيين من السودان احتراما للقانون، أما نحن من جهتنا فنقول: لو أن لنا دستورا لما ~~أمكن أن يقع من ذلك شيء. # ومن أجل ذلك نطلب الدستور. # | حقوق الأمة1 # قد تجاوز الحكومة عندنا حدود القانون، لا حبا في إذلال الشعب ولا إظهارا لعظمتها ~~واستهانتها به، ولكن لما يظهر لها من وجوه المنفعة العامة كأنها ترى أن المنفعة هي كل ~~شيء وغير المنفعة لا شيء، صحيح أن منفعة الأمة بوجوهها المادية والمعنوية هي كل شيء؛ ولكن ~~من هو الحكم مرضي الحكومة في تقدير منفعة الأمة؟ تلك هي المسألة، وذلك هو الفرق بيننا ~~وبين الذين يظنون أن حكومة المستبدل العادل هي خير الحكومات. # نقول: إن نظرية الاستبداد بالأمر على مبادئ العدل نظرية خيالية؛ لأنه لا يعرف التاريخ ~~حكومة من هذا الصنف، بل كانت الحكومات المرضية كحكومة الخلفاء في صدر الإسلام، بعيد عليها ~~أن تكون مستبدة؛ لأنها كانت خاضعة في كل تصرفاتها الاجتماعية والسياسية لكتاب الله وسنة ~~نبيه، ولا نعرف عن الخلفاء الراشدين أنهم تعدوا في تصرفهم حدود الله ولا ~~غمطوا حقوق الأمة ولا حقوق الأفراد المقررة في الشريعة الغراء بحجة أنهم إنما ~~يتعدون حدود الله لمصلحة الرعية؛ لأنه لا مصلحة للرعية من تعدي الحاكم حدود ~~الشرع، وغير هذه من الحكومات المستبدة ما كانت عادلة، فما أظن مذهب (الاستبداد العادل) في ~~عقول أنصاره إلا أمنية يتمنونها لمثل أعلى من حكومة موحدة الكلمة قوية البطش بعيدة عن ~~الشهوات الحزبية والفردية سريعة الحركة لا بطيئة كالحكومات النيابية، عادلة لا تنحرف عن ~~جادة العقل أبدا، تصوروا هذا المثل الأعلى فلم يجدوا له صيغة إلا ما سموه (حكومة المستبد ~~العادل)، وها نحن أولاء قد جربنا الاستبداد ورأينا تجارب الأمم في الاستبداد وفي الحكومة ~~النيابية، فخرجنا من هذه الأمثلة نمقت الاستبداد ونحب الحرية ونود بكل شيء لو ~~نخرج من حكومة الاستبداد إلى الحكومة النيابية أو حكومة الأمة. # هذا ms61 هو الواقع من أمرنا ومن أمر كل الأمم، وبعيد أن نرجح ذلك المذهب التصوري الصرف على ~~هذا المذهب، مذهب الحكومات النيابية التي أثبتت التجربة أنه أفضل طرائق الحكم. # على أن منافع الأمة ليست كلها منافع مادية، إنما الأمة أفراد ليست حياتهم في الحقيقة ~~إلا مشاعر، فهم في الحكومة الاستبدادية في شعور بالذل والعبودية يقبض الصدر ويحبس الملكات ~~ويكره المرء في عيشته، يكرهه في عيشة ليست له، فإنه إنما يعيش على خطر أن يصلب أو ~~ينفى أو يجرد من ماله لما تراه الحكومة من منفعة الأمة في الصلب أو النفي أو التجريد ~~من المال، حياة جربت، فكانت نتيجتها اللازمة جمود القرائح وفساد القلوب، فلو أننا قارنا ~~حال الأمم المتمدنة تحت حكومات الاستبداد وتحت الحكومات النيابية، لوجدنا أنها تحت الأولى ~~كانت في نوع من الجمود أكبر مظاهر الرقي فيها التقدم الصناعي لإرضاء شهوات الملوك ~~والحكام من الزينة والزخارف في العمارات، أما تحت الحكومات النيابية فكان العقل البشري قد ~~فك من عقله فنشط يأتي بالمعجزات الواحدة تلو الأخرى، والواقع أننا لا نعرف سببا جديا ~~لهذه الروح الجديدة التي تجلت على مدينتنا الحديثة فجعلت الإنسان ملكا حقيقيا يسخر ~~كل قوى الطبيعة لمنفعته حتى حقق خيال الكتاب السابقين، فإن كتاب العصور الأولى كانوا ~~يظنون طيران المرء في الهواء حلما جميلا وخيالا عن الحقيقة بعيدا، ولكنه اليوم وما ~~سبقه من المعجزات الحديثة حقائق راهنة. # وما السبب في ذلك إلا الخلاص من الاستبداد والاستعاضة عنه بحكومات الحرية، فقدنا ~~بالاستبداد ينابيع السرور التي من شأنها أن تنفجر في النفس الإنسانية، وفقدنا به حرية العقل ~~التي أتت للعالم بهذه المعجزات ثم تجيء بعد ذلك في القرن العشرين ونسمح لنفوسنا أن يرد على ~~خاطرنا الرجوع إلى الاستبداد على أي وجه كان؟! # نسوق هذا القول لبيان أن الحكومة الاستبدادية لا تستطيع بحال من الأحوال أن تشعر بمشاعر ~~الأمة لتقدر منافعها، ولذلك فإنها مهما كانت بعيدة عن الهوى لا يكون أمرها في التصرف إلا ~~أنها تخلص من خطأ لتقع في خطأ مثله. ms62 # بعيد علينا أن نتهم حكومتنا بشهوة الاستبداد وتجاوز حدود القوانين لإظهار عدم احترامها ~~للرأي العام، ولكنها تفعل ذلك اعتقادا منها - كجميع ~~الحكومات الاستبدادية - بأنها انفردت بمعرفة منافعنا ~~دوننا، وعلى هذا النحو جرت في إرسال الليمانية إلى السودان وفي منع الموكب الذي كان يريد ~~الطواف في المدينة لمناسبة عيد الجلوس، ويلقي خطباؤه الخطب في الأحوال العامة، ولعل ~~المنع كان مقرونا بالمجاملة في المعاملة أو بإحلال الإرشاد والنصيحة محل الأمر والإكراه، ~~ولكنه على كل حال منع من التمتع بحقوق الأفراد، حتى الاجتماع والسير في الشوارع العامة ~~وحرية الخطابة في جنينة الأزبكية، وذلك كله مجاوز لحدود القوانين. # ليس إرسال الليمانية ولا منع المظاهرة هو وحده الذي يخيفنا على حقوق الأمة، فإن هذه ~~المجاوزة تكررت في هذا الصيف الماضي، فشرعت الحكومة القانون النظامي من غير أن تأخذ رأي ~~مجلس الشورى مجاوزة لحق الأمة الثابت بالقانون القديم، ثم أخذت تصدر القوانين بعد صيرورة ~~القانون النظامي واجب التنفيذ، فأنشأت نظارة الزراعة وأنشأت نظارة الأوقاف، كل ذلك من غير ~~انتظار رأي الجمعية التشريعية، وذلك مجاوز أيضا للقانون النظامي فلا تكون المسألة إلا ~~مجاوزة تتبعها محاوزة، قولوا ما شئتم من أن تلك المجاوزة في مصلحة الأمة ونحن مع أننا لا ~~نعرف وجه هذه المصلحة، نؤكد أنه لا يوجد للأمة في الدنيا مصلحة تعادل مصلحتها من الحرية ~~والمحافظة على حقوق الفرد وحقوق المجموع. # لذلك نرفع للحكومات النصيحة، ونكرر الالتماس بأن الأمة هي وحدها التي تعرف منافعها دون ~~غيرها، وأنها مع ذلك لا ترى لنفسها منفعة ألزم لحياتها من الاحتفاظ بالحرية وسلامة حقوق ~~الإنسان. # | الكفاءة الاقتصادية1 # ليست حاجتنا من إنماء الكفاءات الموصلة إلى الاستقلال قاصرة على إنماء الكفاءة ~~الأخلاقية والكفاءة السياسية، بل لا بد لمطلبنا من الرقي إنماء الكفاءة الاقتصادية التي في ~~توفرها عزة الأمم وفي فقدها الذل وسوء الحال. # منذ فتح للأمة طريق الاقتصاد؛ أي: منذ إلغاء الالتزامات، لم يثبت الفلاح المصري في أية ~~طبقة من طبقاته الثلاث الفقيرة ومستورة الحال والغنية، أنه يحفل كثيرا بمبادئ الاقتصاد، ~~أو أنه ms63 يحاسب نفسه حسابا عسيرا عندما تحضره شهوة المباراة في عدد الأفدنة أو في ~~الإنفاق على عرس أو على مأتم أو على اكتتاب من اكتتابات الخير والشر، أو في الإدلاء بالمال ~~إلى الحكام في غرض مشروع أو غير مشروع، إنه مبالغ في التفاؤل بالخير، فهو لا يحب أن يقيس ~~حاصلات السنة الآتية على حاصلات السنة الماضية، ولا يحب أن يجعل قاعدة قياسه النظر الصحيح ~~المرتكن إلى الحس، ويغفل عمدا أن يجعل لظرف السوء محلا من الملاحظة في تقديره، كان يتزوج ~~كلما تيسر له ذلك، ولا يحفل بما سيفتح عليه تعدد الزوجات من النفقات، كأنه اتخذ عند ~~الزمان عهدا أن يدور دائما لمصلحته، أو كأنما هو يصرف من تحت السجادة، فهو بذلك المثل ~~الأعلى لمذهب المتفائلين، متفائل غال في التفاؤل إلى ما يكون أشبه بالغفلة منه ~~بالاتكال على الله، الواجب عليه أن يقدر ويعمل ويتكل على الله، فهو لا يقدر وإن ~~قدر يخطئ عمدا في التقدير ويعمل إلى درجة محدودة ويجعل الاتكال يقوم مقام التقدير ~~والعمل جميعا؛ لأنه أقل كلفة وأسهل عذرا عندما يلوم نفسه أو يلومه غيره على ما فرط في ~~واجب الاقتصاد. # تلك هي إحدى المشخصات التي قد يمتاز بها الفلاح المصري عن غيره من الفلاحين في البلاد ~~الأخرى، يقولون: إن من أخص الرذائل في أهل الفلاحة الأنانية والبخل والحسد، والظاهر ~~أن الفلاح المصري بريء من هذه الرذائل إلى نقائضها أي إلى فضيلة كرم النفس وكرم اليد وعدم ~~النظر إلى ما في أيدي الناس من نعم الله، بل الظاهر أيضا أنه بالغ حتى أسرف على نفسه ~~فظلمها بعدم المبالاة وظلم قومه أيضا فألقى البلاد تحت أعباء ثقيلة من الديون، لا فكاك لها ~~منها إلا بعمل عظيم وزمن طويل. # ذلك الذي نسميه النقص في الشعور بمسئولية الحياة الجديدة التي دخلنا فيها، هو السبب ~~الأول لهذه الضائقة الحائقة بالفلاحين، بل هو السبب الأول للنتائج السيئة التي يجعلها ~~المتطيرون البائسون علامات الخراب، ولكن المعتدلين في النظر لا يرونها موجبة للقنوط بل ~~موجبة لشدة ms64 الالتفات إلى إصلاح النظام الاقتصادي في مصر ونشر المبادئ الاقتصادية والأمثلة ~~الاقتصادية، لنستطيع أن نستفيد في حياتنا المدنية الجديدة من الثروة المالية القدر المناسب ~~لما نستفيده من الثروة الأخلاقية والفنية والعلمية. # ليس من الغالين في سبيل الاقتصاد من يقرن الكفاءة الاقتصادية بغيرها من الكفاءات الأخرى ~~في العناية والرعاية ويجعل العمل لها لازما لتربية الأمة بل هو ألزم من العناية بالكفاءات ~~الأخرى؛ لأننا يجب أن نعيش قبل أن نكون علماء أو فنيين يجب أن نعيش قبل كل شيء، ولقد ~~نرى بالمثل أن العلم يخدم الاقتصاد والفن يخدم الاقتصاد والسياسة لا تستعمل حيلة ولا تثير ~~حربا إلا لتخدم الاقتصاد. # فعلى أي وجه نظرنا إلى الحركة الاقتصادية في البلاد نجد أن العناية بنظامها في عمومها ~~والإرشاد إلى إنمائها في كل أجزائها ومظاهرها الجزئية، هي من أول الواجبات على كل جمعية ~~تغذي نفسها بآمال الرقي وعزة الاستقلال. # على الحكومة أن تضع قواعد النظام الاقتصادي، وعلى الأفراد الانتفاع بهذا النظام كل ~~لمنفعته، ولقد يظهر على الحكومة أنها استعملت طرقا وقامت بمشروعات من شأنها تنظيم الحال ~~الاقتصادية في مصر، ولكن الطرق التي استعملتها والمشروعات التي شرعتها من بضعة عشر عاما ~~إلى الآن، لم تأت بفائدة أو على الأقل لم تأت بالفائدة المقصودة منها، فإن البنك الأهلي ~~والبنك الزراعي لم يأتيا بالنتائج التي يأتي بها أمثالها في البلاد الأخرى، والسبب في ذلك ~~راجع إلى أن هذين البنكين أجنبيان في الحقيقة لا مميز بينهما وبين غيرهما إلا أنهما ~~ممتازان عند الحكومة، ولم نجد من كليهما أو من أحدهما خدمة أداها للبلاد أكثر من الخدمات ~~التي يؤديها أي بنك من البنوك الأخرى، كذلك قانون خمسة الأفدنة، لم يأت بالفائدة ~~المنتظرة، بل ربما يستمر على الإتيان بنتيجة عكسية حتى يتم إنشاء النقابات الزراعية التي ~~كان يجب إنشاؤها قبل قانون خمسة الأفدنة بزمن كاف، كذلك إنشاء صندوق التوفير والحلقات؛ # 2 # لأنها كلها كأنها وضعت لمعالجة الأعراض دون الداء الأصلي، ولا نجد من بين ~~أعمال الحكومات عملا يفيد حقيقة في الحال الاقتصادية ms65 إلا أعمال الري والصرف، ولكن ذلك ~~يستحيل أن يعد تنظيما لحالنا الاقتصادية. # نقول: إن مداخلة الحكومة في تنظيم الحال الاقتصادية قد لا يتفق تماما مع مذهب الحرية، ~~ولكننا نبهنا إلى ذلك بأنه من غير الممكن أو على الأقل من الصعب أن ينفذ مذهب من مذاهب ~~الحكم برمته من غير استثناء، على أنه في بلادنا التي هي حديثة العهد بالنهضة الجديدة يجب ~~أن تأخذ الحكومة على عاتقها تشجيع الحال الاقتصادية، وإنماء الكفاءة الاقتصادية بحال تتفق ~~في مظاهرها مع روح الحرية، وهذا ميسور مجرب في كثير من البلاد. # ولا شك عندنا في أن الحكومة إذا أرادت معالجة الحال الاقتصادية من أصولها، عمدت إلى ~~تشجيع إنشاء بنك مصر والنقابات الزراعية، وذلك هو الحجر الأول في النظام الاقتصادي ~~المطلوب. # | النظام الاقتصادي1 # الفلاح في ضيق شديد وحاجة مستمرة للاقتراض، والوسطاء والبنوك الصغرى وبقية الشركات ذوات ~~رؤوس الأموال الوهمية تلعب في السوق بثقة البنوك الكبرى وبأموال الناس. # والبنوك الكبرى تقبض يدها خشية أن تقع فيما وقعت فيه من الخسائر التي جرتها عليها ~~حوادث الإفلاس المتتالية، فاتسع المجال لصغار المرابين في القرى. # ذلك هو نظامنا الاقتصادي إن صح أن تسمى الفوضى الاقتصادية نظاما، إنها نظام في ~~الجملة عند عدم النظام. # ليست الحكومة وحدها هي المسئولة عن هذه الفوضى؛ لأن عقبة الامتيازات الأجنبية مانعة من ~~توحيد النظام الاقتصادي في مصر على طريقة تكفل مراقبة السوق مراقبة فعلية وضرب المثل ~~العنيف بعقاب الذين يأكلون أموال الناس ويلعبون بثقة البنوك، وأسهل ما عليهم آخر الأمر أن ~~يقدموا دفاترهم ويشهروا إفلاسهم، ومن الصعب أن يوضع في مصر نظام اقتصادي يكفل حياطة السوق ~~من الخيانة حياطة تامة، إلا بعد إلغاء الامتيازات الأجنبية وتوحيد سلطة القضاء التي إليها ~~المرجع في جميع الأحوال. # غير أن عقبة الامتيازات ليست هي العلة الوحيدة للفوضى الاقتصادية، بل قد تكون ~~الامتيازات في كثير من الأحيان هي العامل الأول في الوقت الحاضر لثقة الماليين الأوربيين ~~الذين تشتغل أموالهم في مصر، تلك الثقة التي كان من شأنها أن تكون سعدا ms66 على مصر والمصريين، ~~لو أننا أحسنا التصرف وراعينا قواعد الاقتصاد واستطعنا أن نتقي شر الوسطاء والبنوك ~~الصغيرة، ليست عقبة الامتيازات مانعة من إيجاد نظام اقتصادي إن لم يكن كاملا، فليكن مخففا ~~للفوضى الاقتصادية، كافلة للفلاح أن يستدين بفائدة معقولة في فصل العسر استدانة مناسبة ~~لحاله من الثروة حتى لا يقع في الإسراف والفقر المستديم. # يتوقف النظام الاقتصادي المحلي على استعداد من جانب الفلاحين وإرادة صحيحة من جانب ~~الحكومة لحمايتهم، بشرط أن تكون هذه الإرادة خالصة من كل الاعتبارات التي خالطتها في الماضي ~~عند تفكير الحكومة في إنشاء بنوك أهلية يكون لها من الامتياز ما للبنوك الأهلية في البلاد ~~المتمدنة، وعليها من الواجبات ما على تلك البنوك. # أما استعداد الفلاحين للانتفاع من النظام الاقتصادي، فذلك رهن بالتربية الاقتصادية، وأفضل ~~أنواعها أثرا في بلادنا هو النقابات الزراعية الحرة التي ليس للحكومة في أمرها إلا حمايتها ~~وتشجيعها من غير أن تكون تابعة للحكومة تبعية قريبة؛ لأن النقابة إذا كانت تحت ~~رئاسة المدير أو المأمور يصعب جدا أن تأتي بالغرض المقصود منها، تتعطل فيها همة ~~الأعضاء، ويقتل فيها روح الاستقلال، ويتطرق إليها من كل ناحية أغراض المحسوبية، ويصبح ~~الاشتراك في رأس مال النقابة أشبه بضريبة لا يأتيها الشريك إلا كارها، ولا يدفع من ماله ~~لها إلا من يكون له حاجة يبغي قضاءها بسلطة الحاكم الإداري، وتكون النقابة بذلك بؤرة جديدة ~~لإفساد الأخلاق كبقية الاكتتابات التي يقوم بها الحكام الإداريون. # وفوق ذلك فإن الحاكم الإداري خلو في الغالب عن المعلومات الاقتصادية، ولكنه بوصف ~~أنه حاكم يجب أن يطاع أمره وينفذ رأيه، نقابات من هذا النوع أولى بها أن لا تكون، إنما ~~تنفعنا النقابات الحرة التي يقوم بها الناس بأنفسهم لا بأمر المدير، ويديرونها بأنفسهم ~~تبعا للنظام المرسوم والقانون المشروع لا بواسطة المدير، وكل ما على الحكومة الإرشاد ~~والتضحية وتسهيل السبل لهذه النقابات في معاملة البنك، فإن كانت المراقبة لازمة فلتكن على ~~الحسابات بمعرفة العمال الماليين لا الحكام الإداريين، هذا النوع من النقابات هو وحده الذي ms67 ~~يقوم بأمر التربية الاقتصادية العملية ويجعل الفلاحين مستعدين للانتفاع ببقية النظامات ~~الاقتصادية في البلاد. # أشرنا إلى إرادة الحكومة إرادة صحيحة خير الفلاحين من الجهة الاقتصادية، ونعني بالإرادة ~~الصحيحة أن يكون عملها كله أو جله موجها لمصلحة الفلاح غير ملحوظ فيه ترويج مصالح ~~أرباب الأموال في البنوك التي اعتبرتها وطنية، وليس فيها من الوطنية إلا الاسم المجرد، فلو ~~أن الحكومة أرادت أن تجعل للمصريين صوتا في السوق المالية في بلادهم لاستعاضت ~~بالاكتتابات التي يقوم بها عمالها كل يوم بطريق التوريط والتجبية وشبه الإكراه لمشروعات ما ~~أنزل الله بها من سلطان، باكتتاب حر عام تحت حمايتها لإنشاء بنك وطني تعطيه من ~~الامتيازات ما أعطت للبنك الأهلي وللبنك الزراعي، ليكون هو المشجع للنقابات الزراعية ~~والمشروعات الاقتصادية الوطنية، ولم يفت الوقت على ذلك؛ فإن الحكومة الحاضرة تستطيع أن ~~تصحح خطأ الحكومة الماضية ولعلها فاعلة؛ لأنها ستعرض على الجمعية التشريعية قانون ~~النقابات الزراعية عند افتتاحها، خطوة حسنة في سبيل الإصلاح، ولكنها لا تتم هذه الخطوة ~~ولا تأتي بالمقصود منها إلا إذا قرنتها الحكومة بالمساعدة الفعلية لإنشاء بنك مصري بالمعنى ~~الصحيح، وفي هذا المقام تصريح بأن كثيرا من أولي الأموال في مصر مستعدون تمام الاستعداد ~~لتنفيذ قرار «المؤتمر المصري» والقيام بإنشاء البنك في حجر الحكومة وتحت إشرافها ~~ومساعدتها. # وإنا نسارع إلى التصريح بأن البنوك الكبرى في مصر تستقبل هذا المشروع بعين الرضى ~~وتساعده، فقد حادثنا بعض مديري أكبر البنوك في مصر في هذا المشروع الذي تحلم البلاد ~~بتحقيقه من أكثر من ثلاثين عاما، فأظهروا لنا استعدادا تاما لمساعدة المشروع ما دام ~~حقيقا بالثقة، والواقع أن مصر لا تزال قطرا بكرا من حيث الاستغلال تحتمل المزاحمة ~~المالية في سوقها عشرات من البنوك الجديدة، بل لا يزال ينقصها المال اللازم لإحياء الأرض ~~الموات وتجفيف المستنقعات والبحيرات وإعدادها للزراعة واستخراج ما في بطن الأرض الجبلية من ~~كنوز الرصاص والنحاس والبترول، وكل هذه المشروعات لا تتحقق إلا بأموال البنوك، فالقول بأن ~~المزاحمة المالية لا تمكن بنكا مصريا وطنيا برؤوس أموال ms68 كلها أو جلها مصرية من الوجود ~~والبقاء، قول لغو لا محل له من الاعتبار ولا يتوقف هذا المشروع إلا على الشروع فيه تحت ~~حماية الحكومة وبمساعدتها. # إنا إذا شرعنا في إنشاء البنك الوطني والنقابات الزراعية، أمكننا أن نخفف وطأة الفوضى ~~الحاصلة في مصر، وأن نوجد في البلاد حركة اقتصادية ذاتية يمكن تنظيمها بغاية ~~السهولة. # | وفاة فتحي زغلول باشا1 # بلونا من موت الأصدقاء والأحباب ومن فقد العلماء والنبغاء، بلونا من ذلك الضربة على ~~الضربة، وذقنا طعوم الحسرات الحسرة تلو الحسرة، وتجرعنا عليه الصبر بالكأس الكبير وبالصغير ، ~~فما أفاد التمرس ولا أجدى الاعتياد، ولا نزال نلقى المصيبة ينخلع لها القلب وتبكي لها ~~العين وتجزع لها النفس بأكثر من أولى المصائب وباكورة الأحزان، فلا ندري أرقت عواطفنا ~~لما جربت من لوعات الأسى وحسرات الأسف، أم لم يفد النفس اقترانها بالمصائب، ولم يغن ~~عنها وقت الشدة ما تجرعت من كؤوس الصبر! شأننا في الحياة هو هذا: # سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص # تنزل ~~بنا النازلة، وكلنا يجزع خياله من تصورها، وكلنا قائل إذا وقعت: # فليت فمي إن شام سني تبسمي # فم الطعنة النجلاء تدمى بلامس # ومع ذلك يستوي الصابر والجازع وتأخذ الحياة مجراها. # لا لبيد بأربد مات حزنا # وسلت عن شقيقها الخنساء # ذلك شأننا نحن الأحياء في أمر عواطفنا، أسف مبرح وبؤس يقع على بؤس، كأنه قد كتب علينا ~~أن ندفن بأيدينا أصدقاءنا ومحل عطفنا وأهل ثقتنا ومعقد آمالنا الواحد تلو الآخر، فمتى آخر ~~هذه الحال! آخرها يوم الخروج من دار ما سرنا منها قدر ما أحزننا فيها، ولا تحقق فيها ~~خير نرجوه على نسبة ما وقع من شر نتوقعه، ذلك هو: # ما لقينا من غدر دنيا فلا كا # نت ولا كان أخذها والعطاء # أيها الصديق: # لم يملك أصدقاؤك من دون الله لك فداء، إلا الدموع الحارة، لو رأيتهم - يا فتحي - أمس حول ~~قبرك لرأيت ثم معنى الحزن العميق يتجسم في وجوه واجمة عليها غبرة وعيون شاخصة غارقة ~~أحداقها في دموعها ms69 وألسن معقودة أرتج عليها من هول الموقف، وأي موقف أكبر هولا من موقف ~~صديق ينزل صديقه بيده في قبر سحيق يودعه تحت الجنادل فيفارقه الفراق الأبدي الذي ليس ~~فيه رجاء، أي موقف أقسى على النفوس من موقف الوداع لراحل لا أمل في رجوعه، دفنوك بأيديهم ~~ودفنوا معك لذة الصداقة، تلك اللذة التي كان ينهل منها مجالسك ومحادثك ومماشيك، ~~دفنوا ذلك الصفاء الذي كان يتجلى على مجالسك، ودعوك فودعوا معك أعز ما عندهم وهو ~~الصداقة، ذلك لم يغن شيئا إلا ذكرى تبقى لك في قلوب أصحابك التي كانت مغرسا طيبا ~~للوفاء، رحمة الله عليك فكم كنت المثل الصالح للصديق، والصديق قليل. # أيها العالم العامل: # لقد كنت في الربيع الماضي على المنابر والصحف، نكرم ذاتك ونتوج مؤلفاتك ونعلن فضلك، فما ~~دار الحول حتى جئنا ننعي وفاءك وأنت في الحالين كبير، إن مظاهر الاعتراف بفضلك التي ~~شهدتها بنظرك ليست بأكبر مظاهر الجلال التي قام بها من يبكونك لمقامك العلمي ~~والعملي. # جاء القدر المحتوم فنكست الأعلام الخافقة على ربوع هليوبوليس وسرت في الناس جميعا روح ~~أسف هادئة تظهر على وجوههم بسكون عميق، شأن الناس إذا نزلت بهم مصيبة عامة، كذلك كانت ~~مصيبة مصر في نابغتها وفقيد العلم والارتقاء فيها حزن فاتر، لا يشبه حزن أصدقائه الجازعين، ~~ولكنه أشمل منه أثرا وأعلى منه مقاما، لكل امرئ أصدقاء يبكونه، وليس كل عالم يعتبر موته ~~مصيبة عامة. # جيء بجنازته إلى القاهرة من بيت أخيه الأسيف صاحب السعادة سعد باشا زغلول، شيعت بما ~~يتفق مع مكانته العلمية وآثاره العملية ومشى فيها كل الرجال الرسميين ورجال الأمة وأهل ~~العلم والأدب، فكان هذا الموكب من أكبر ما وجد في مصر، ولكن فتحي باشا له هذه الخصوصية، ~~أن فضله أشهر من أن تدل عليه حفاوة الناس وآثاره أبين من أن يكون تشييع العلماء، ~~والجنازة برهانا على أنه من العلم وبيئة العلماء. # كان فتحي باشا حديد الفهم يتوقد ذكاؤه نورا تضرب به بيننا الأمثال، بليغ العبارة حتى ~~إنك لو كتبت عنه ما ms70 يقول في مجلسه عن أي موضوع من الموضوعات لكان ما كتبت درسا من دروس ~~الإنشاء وقطعة من قطع البيان، فصيح اللسان يتكلم الساعات الطوال ارتجالا كلاما ممتعا لا ~~يمل ولا يمل، نقادا لا تفوته فائتة ولا يخدع على نظره الصحيح، غزير المادة في ~~علمه الخاص وفي العام، له ذوق صاف فلم يلهه الاشتغال بالعلم والتأليف عن تعرف ~~الجمال فيما يقع عليه نظره من الأشياء، كأنه من أهل الفنون الجميلة كما كان على علمه من ~~أكابر الأدباء، له عقل راجح، عاشرته زمانا غير قليل، فما علمت لسانه يسبق علمه، ولا ~~علمه يسبق عقله. # وأما آثاره العلمية فلا حاجة بها لأن تذكر بعد أن توجت في مجلس حافل لم يبق في البلاد ~~أحد من أهل العلم إلا شهده، وأما شأنه العملي فإنه كان في الحكومة واضع المشروعات والمدخر ~~لحل المشكلات، وكان بمجموع مزاياه وفواضله أحق الناس بأن يسمى النابغة على ~~التحقيق. # أيها النابغة: # نم في قبرك آمنا مطمئنا فإنك قد قدمت بالواجب عليك في خدمة وطنك وخدمة العلم، نم ~~سعيدا فإن وراءك من أهل بيئتك ومن اهتدوا بهديك من يسيرون على سننك الاجتماعية وينفذون ~~وصيتك الأخيرة؛ تلك الوصية التي أوصيت بها العلماء والفضلاء والوجهاء من قومك، تلك الوصية ~~التي أوصيت بها على منبر الجامعة يوم تتويج كتبك فبلغت بها قلوب الناس جميعا إذ قلت ~~لهم: ~~«علموا الأمة، علموا الأمة، علموا الأمة» إنهم قد سمعوا ووعوا، وهم يعملون كما ~~تقول، فلئن فاتك أيها النابغة العمر الطويل، فما فاتك المجد الأثيل، ولئن قصرت حياتك عن ~~إدراك ثمرة جهادك فإن أهل بيئتك سيتممون عملك، فنم في سلام الله ورحمته، عزى الله قومك ~~على فقدك خير العزاء. # | وداع الوزارة1 # قد يكون اليوم هو آخر عهد الوزارة السعيدية # 2 # بالحكم، إن لم يكن هذا هو الحق في الواقع، فهو على الأقل الحق في أمانينا، ليس ~~بأمانينا أن تسقط الوزارة، ولكن ذلك لا يمنع من أن البلاد قد شبعت منها ومن أعمالها وتلقت ~~خبر سقوطها بالارتياح سواء في ms71 ذلك خصومها وأنصارها ومن هم في شأنها على الحياد التام، ~~تستغفر المروءة أن يكون قولنا هذا تشفيا في أشخاص الوزراء، فإنا نعد من بينهم كثيرا من ~~أصحابنا ومحل جاذبيتنا واحترامنا، نستغفر الرفعة للوزراء أن يكون سقوطهم مصيبة عليهم يألمون ~~لها من جهة ما فيها من قطع المرتبات الكبيرة، كلا! إن وزراءنا يعلمون أن المناصب ضرائب ~~يدفعها الأكفاء وتكاليف يقوم بأعبائها الأصلحون، وأنها تقليد إلى زمن محدود يستعمله ~~الوزير في تنفيذ المبادئ التي يراها صالحة لرقي البلاد. # وما هي تخليد يصح اعتبارها موردا من موارد الرزق، فلا يهم الوزير الشريف من أمر سقوطه ~~إلا الحسرة على عدم إتمام ما يكون قد بدأ فيه من المشروعات النافعة للأمة لا لشخصه، وما ~~يخشى أن يفوت الناس من المنافع إذا لم يخلفه من يستمر على تحقيق مبادئه، وزراؤنا يعلمون ~~ذلك كله على الرغم مما شاع عن أحدهم أنه كان يقول حين تكلم معه زملاؤه في أمر الاستقالة: ~~أنا ثابت في مركزي ومحتفظ «بحقوقي» فلا أستقيل مع المستقيلين، كأن الوزارة حق له لا واجب ~~عليه، وكأنما هو مستعد لأن يشتغل مع كل رئيس بصرف النظر عن اختلاف المشارب أو تباين ~~المبادئ، ذلك لا يهم، لكن المهم هو أن يشتغل بأية طريقة والسلام. # على الرغم من ذلك فإن الواجب علينا في حق وزرائنا الأماثل أن نعتبرهم غير مستائين من ~~سقوط الوزارة سقوطا كليا أو بعضيا، فلا يكون هناك أوفى معنى لأن يحمل ما نكتبه في هذا ~~الشأن على الاشتفاء أو الشماتة، فإن كليهما لا يكون إلا من الأعداء ولا نحسب منهم إلا ~~معارف وأصدقاء فما يكون قولنا إلا ورادا على الوزارة باعتبار أن لها شخصية متميزة عن ~~شخصية أفراد الوزراء، ولها خطة مرسومة طالما أفضى بعض الوزراء في مجالسهم بأنها خطة غير ~~مفيدة لمصلحة البلاد، ولكنهم مع ذلك لم يستقيلوا! لم يستقيلوا؛ لأنهم على ما يقال لا ~~يعرفون في البلاد أكفأ منهم أو بعبارة أقل ادعاء، لا يظنون أن السلطات ترضى باستيزار ~~الأشخاص الذين هم أكفأ ms72 منهم، فهم ببقائهم يخدمون البلاد، يخدمونها خدمة سلبية بقطع الطريق ~~على من هم أقل منهم كفاءة، ومهما تكن الخدمة السلبية عديمة القيمة، فإنها مع ذلك - على ما ~~يقال - كانت هي وحدها التي تربط النظار بمراكزهم دون غيرها من بقية الاعتبارات الشخصية، ~~ومع ذلك فإن الأمة لم يبن عليها أنها أقامت وزنا لهذه الخدمة ولا اعترفت بفضل الوزارة، ~~فهي أسعد ما تكون أن ترى هذه الوزارة تسقط من أساسها وتخلفها غيرها، كما يكون من حال المرء ~~يرجو من صاحبه الصلاح، والإصلاح، ثم يرجو ثم يؤمل ثم يتمنى ثم يقنط بعد ذلك ويأخذه الملل، ~~كذلك ملت الأمة هذه الوزارة. # ألا يكون الحال أن الأمة تحل كل وزارة من الوزارات تفرح لسقوطها من غير أن تتدبر في أمر ~~من يليها، كأنما هي تفضل التغيير لا لنفع فيه ولكن حبا في التغيير. # قد يكون من ذلك شيء، ولكن الواقع هو أن الوزارة الحالية كانت سيئة الطالع، سيئة الطالع ~~إلى غاية النحس، نصبت في ظروف صعبة محزنة، فكانت بذلك وزارة ضرورة أو وزارة وقتية، ولكن ~~استعدادها لاعتناق كل المبادئ والسير في كل الخطط والتفاني في الاتفاق مع كل قوى لمصلحة ~~البلاد وتسليم أمرها وأعمالها لكل من يخدم البلاد بصرف النظر عن الفكرة في أي برنامج يجب ~~اتباعه، والتصريح بأنها تقصر همها على اكتشاف وسائل الإصلاح: كل ذلك أطال بقاءها وثبت ~~مركزها إلى هذا اليوم، ولو كان عمل الوزارة قاصرا على ذلك لخفت على الأمة ريحها ولما ثقل ~~عليها وجودها، وألمت استمرارها وملت عشرتها واستقبلت أخبار سقوطها بالدعوات الصالحات لولاة ~~الأمور، ولكن الأمة والسلطتين حين التقوا جميعا إلى تاريخ أربع السنين الماضيات، ~~رأوا أن ما يجري في البلاد هو غير ما يرضي الجميع، فإن السلطة لم تأمر بالمحسوبية، ولم ~~تأمر بانتشار الرشوة في الإدارات من أقصى البلاد إلى أقصاها، حاشا أولي الأمر أن لا ~~يجدوا كل الوجد على إفساد اخلاق الأمة إفسادا يتعذر عليها إصلاحه إلا في زمان ~~بعيد، ومهما يكن من بعد أشخاص وزرائنا المحترمين ms73 على مقارفة هذه الآثام أو الرضى بها، ~~فإن الوزارة دون غيرها هي المسئولة عن كل فساد ويقع في مدتها من الموظفين التابعين لها ~~ومن أعوانها وأنصارها، ولو افترضت براءتها إلى حد الجهل المطبق بما يقع من الحوادث في ~~البلاد، فإن الرأي العام والسلطة كليهما ليست محكمة من المحاكم النظامية التي تصوغ الآثام ~~صيغا محدودة، وتطلب على كل منها دليلا قضائيا خارجا عما جاء القاضي بطريق علمه الذاتي، ~~كلا إنهما ليسا كذلك، ولكن كليهما يحكم على الوزارة بنتائج الرقي أو الانحطاط الذي وقع في ~~البلادة مدة ولايتها الأحكام . # فإذا خاب في الوزارة أمل السلطة العليا التي تنصبها، فلم تستطع تنفيذ ميولها الشريفة ~~ومقاصدها الوطنية، ولم تستطع إعلاء شأن الحكومة وتحرير مشروعاتها القانونية في الجمعية ~~التشريعية انعدمت منفعة الوزارة وكان سقوطها واجبا. # وإذا انقطعت آمال الرأي العام من الوزارة في تأييد كلمة الحق والعدل ونشر راية الأمن على ~~رؤوس الأفراد وحماية مصالح الأمة، أو رأي الرأي العام أن عهد الوزارة مملوء بالجرائم على ~~الأعراض والأنفس والأموال، واتسع ميدان الرشوة للحكام وملأهم التغرض والمحسوبية، إذا رأى ~~الرأي العام ذلك، ثقل عليه احتمال الوزارة وصفق لسقوطها تصفيقا. # كليات طبيعية يلزمنا الواجب أن نذكرها، نذكرها على مضض، ولكن الحق أحق أن يقال ~~ويتبع، وإن كان احترام الوزارة والأسف على ما فرطت يأخذ منا كل مأخذ على أن الإدارة ~~في مصر صارت إلى أبعد مما نشير إليه وشكوى الناس في مجالسهم الخصوصية أدهى من ذلك ~~وأمر. # لا يهمنا أن تلي الحكم بعد سقوط الوزارة الحاضرة وزارة زيد أو وزارة عمرو، ولكن الذي ~~يهم البلاد أن تعتقد بالمثل الحسي أن السلطة العليا لا تسمح بالسكوت على تأخير البلاد في ~~حالها الأخلاقي ولا على أن تكون الوزارة كل عملها - كما يقال - اكتشاف وسائل الإصلاح وأن ~~تبقى الوزارة هذه المدة الطويلة دون أن يكون لها مشروع واحد ينسب إليها دون سواها، إلا ~~مشروع المؤامرات أو اكتشاف المؤامرات! # يهمنا أن تأتي وزارة مطلوبة للولاية لا طالبة لها، ذات مركز أعلى ms74 من مركز اكتشاف وسائل ~~الإصلاح، وزارة تؤيد حرية الشعب لا تقصص ريشها ولا تطعنها في قلبها، تعمل لمصلحة ~~المحكومين، ذات برنامج معين وخطط معروفة، تأخذها العزة بالاستقالة قبل أن تغلب على أمرها ~~وتعيين الأفراد والمجاميع على استكمال حظوظها من الرقي المدني بهدوء وسكينة فلا ينجم عن ~~أعمالها مؤامرات صادقة أو كاذبة ولا تحتاج في حمايتها إلى قوانين استثنائية تذهب بمظاهر ~~الحرية وتشوه جمال الإصلاح الذي يزاوله المصلحون، وزارة ذات روح عامة مؤتلفة الأجزاء ~~متضامنة الوزراء، لا يسعى أحدهم بالآخر إلى السلطة ولا يصك بعضهم صدره للسلطة، لينفرد ~~بإتيان عمل من وراء الآخرين، وزراء لا يقبل أحدهم الوزارة إلا بعد التدبر والحساب، وبعد أن ~~يعرف شركاءه في المسئولية ويرضى بهم، فإن الوزير هو ذلك الذي يعرف أن يقيس قواه لحمل ~~أعباء الأمة على كاهله لا الذي سرعان ما يجري الطمع المتواضع إلى أن يقدر ما يربحه في ~~المنصب. # إلا أن الوزارة غرم لا غنم، إنها مفقدة الصديق ومضرب العدو وكد الضمير وخسارة الاسم، ~~فمن قبل الوزارة لمال يكسبه فما أقل حسابه! أو لجاه يحصله فقد فات زمن الجاه، ومن قبل ~~الوزارة وأعد لها عدتها من الكفاءة والاستقلال لمجد مخلد في خدمة أوطانه، فذلك ~~وحده هو الوزير ضحى ماله ووقته وحريته ولذته لمنفعة قومه وبلاده. # على أننا من جهة أخرى يعز علينا أن وزارة سعيد باشا التي استقبلناها بقليل من التفاؤل ~~وكثير من الجاذبية، لم تنجح في أداء وظيفتها فلم توفق إلى إرضاء مصلحة البلاد ولا إلى ~~إرضاء الأمة ولا السلطة التي نصبتها، نأسف لذلك لأن الوزارة مؤلفة من أبناء مصر وليس ~~فشلهم في السياسة يشرفنا كثيرا، ونحن أمة ناهضة كل مثل من أمثلة الفشل يتخذ حجة علينا لا ~~حجة لنا، فلسنا من هذه الجهة كغيرنا من الأمم الراقية التي تعد من يصلح فيها للوزارة ~~بالمئين لا بالعشرات، نأسف لذلك ويرضينا أن نودع الوزارة الحاضرة لنستقبل الوزارة ~~الآتية بالآمال الكبار، فإن كانت الوزارة الفهمية فأهلا وسهلا وحبا وكرامة، فإن ذلك ~~الشيخ المحترم ms75 يكاد يكون في مصر الرجل الوحيد الذي لا فائدة له من الوزارة، فلا يكون قبوله ~~لها إلا لمحض نفع البلاد، ولقد أظهر مصطفى فهمي باشا في المفاوضات على ما يتغافله الثقات من ~~رفعة الأخلاق وعلو المكانة ما يجعل الأمة تستبشر خيرا بوزارته وما يجعل السلطة ترى ~~نهائيا أنه هو الرجل الأول اللازم للحالة الحاضرة، والقادر بنفوذه الأدبي على إصلاح ما ~~فسد من أحوال البلاد. # | تأبين أحمد فتحي زغلول باشا1 # أيها السادة: # إن أحمد فتحي باشا زغلول هو أصغر أنجال المرحوم الشيخ إبراهيم زغلول من أعيان إبيانه، ~~ولد في تلك القرية في 4 ربيع الأول سنة 1279ه، مات أبوه رحمه الله إذ كان رضيعا، وكان ~~شقيقه سعد زغلول فطيما، خلفهما أبوهما في حضانة والدتهما التي هي إحدى عقائل عائلة بركات ~~الشهيرة بالغربية، وكانت وقت وفاة زوجها لا يتجاوز عمرها العشرين، فقامت على ولديها ووقفت ~~نفسها على تربيتهما تحت إشراف أخيهما الكبير لأبيها المرحوم الشناوي أفندي زغلول الذي عني ~~بتعليمهما على أحسن ما تعلم به أبناء الأعيان. # تعلم فتح الله الصغير في كتاب البلد، ثم في مدرسة رشيد، ثم المدرسة التجهيزية، ثم في ~~مدرسة الألسن، فاتفق أن زارها المرحوم أحمد خيري باشا ناظر المعارف العمومية، فأعجب بذكاء ~~الشاب فتح الله صبري وأعطاه اسم أحمد، ونحت من «فتح الله» فتحي، وأصدر أمرا رسميا إلى ~~المدرسة بتسميته أحمد فتحي وبأن يرد إليه ما دفع من المصاريف وباعتباره طالبا مجانيا، ~~فلما كانت 1884م أرسلته نظارة المعارف إلى فرنسا لدرس الحقوق فحصل على شهادة الليسانس ورجع ~~سنة 1887م. وظف بقلم قضايا الحكومة، ثم رئيسا لنيابة أسيوط، ثم رئيسا لنيابة إسكندرية، ~~ثم مفتشا بلجنة المراقبة، فرئيسا لمحكمة الزقازيق، ثم رئيسا لمحكمة مصر، ثم وكيلا ~~لنظارة الحقانية، وظيفته الأخيرة التي مات وهو قائم بها. # كان فتحي باشا كما سمعتم اليوم وقبل اليوم وكما قرأتم في التقارير الرسمية مثال الموظف ~~الفاني في الاشتغال بأداء واجباته القائم بعمله وعمل غيره أحيانا ولم يمنعه ذلك من أن يكون ~~مترجما ممتعا أمينا ms76 ومؤلفا كبيرا، عن هذا الوصف ومن هذه الجهة وقفت أمامكم أؤبن فقيد ~~العلم والعلماء. # أيها السادة: # إن شدة الذكاء، وقوة النفس، وحسن الإخلاص، تلك الصفات التي ظهرت آثارها على فتحي باشا ~~منذ شبابه الغض راجعا معظمها إلى التأثير الوراثي من أبويه وعلى الأخص والدته التي أفاضت ~~عليه من صفاتها بما يفيض الأصل، وما غرست من المبادئ الصالحة مما جعل لفتحي شخصية ممتازة ~~منذ صباه. # لا يأخذكم العجب من قولي؛ فإن من أمهاتنا نحن القرويين، منهن مع بساطة في المدارك ~~العقلية وبعد عن العلوم والمعارف، على جانب عظيم من الذكاء الفطري ورفعة الأخلاق وعزة ~~النفس وذوق سليم في الحكم وطيبة وتقوى في المعاملات، ينقلن هذه الصفات لأبنائهن بحكم قانون ~~الانتقال الوراثي، فتكون لهم رأس مال في الحياة العملية، ولولا هذه الصفات لهلك القرويون ~~غير المتعلمين بما هم فيه من جهل عميق وما عانوا من استبداد طويل، ولكن هذه الصفات الأولية ~~قد قامت في نجاحهم مقام المعارف زمنا طويلا ولا يزال الاتكال عليها وحدها يؤدي إلى ~~الآن نتائجه المتواضعة في بلادنا، فإذا جاءت العلوم والمعارف على هذه الصفات الأولية، ظهر ~~النبوغ قلة وكثرة تبعا لقوة الاستعداد أي لقوة تلك الصفات الوراثية. # فللأمهات القرويات أن يقبلن أيضا شكر الجيل الحاضر، وعلينا أن نعترف علنا ومن غير ~~تردد بما للأمهات من الأهمية العظمى من حيث توريث البنين والقيام على تربيتهم الأولى، ~~وأمامنا المثل الحسي أن والدة فتحي باشا ينسب إليها الفضل الأكبر في أن أخرجت لمصرنا ~~نابغتين: نابغة نرجو له العمر الطويل، ونابغة فقدناه آسفين، فقدناه ونقدم اليوم للتاريخ منه ~~صورة هي أقوم صور نوابغنا حجة لحسن الاستعداد وعلو الكفاءة العلمية والعملية جميعا. # إن الصفات الأولية لفتحي من شدة الذكاء وقوة النفس وحدة المشاعر هن أساس نبوغه، كان ~~يحمل نفسا على قوتها الهائلة، رقيقة المشاعر قلقة لا تستقر أو تبلغ من خدمة العلم ~~مناها، هيهات أن تبقى طويلا أمثال هذه النفس في البيئات التي لا تلائم بقاءها ~~ونجاحها، وهيهات أن تبلغ منى، كلما تقدمت ms77 اتسع أمامها أفق الأغراض وكلما انقضى سبب جاءها ~~سبب جديد. # تعلم فتحي فصادفت القواعد العلمية من عقله مقاما رحبا وقرت فيه أصولها، ووجدت منه ~~نفسا طلعة قوية في مركزها ميالة للانتشار في مظاهرها الخارجية يناديها صوتها ~~الخفي: أن وف حق العلم، وآت زكاة النبوغ. # فأقدم منذ حداثة سنه على نشر العلم إجابة لداعي الضمير، أقدم على هذا المركب الخشن وكان ~~الواجب عليه أن يقدم لأنه استكمل عدة الإقدام: ذكاء مضيء وعقل عاصم وعلم هاد ولسان عضب ~~ذلق غواص على موضع الحجة، وقلم سيال، ومركز نبيل! كيف لا يكون مقداما من جمع بين كل ~~هذه الأسباب؟ # لا أكاد أبرئ فتحي من الوقوع في حيرة اختيار الطريقة التي يجب عليه اتباعها لخدمة العلم ~~في مصر: التأليف أو الترجمة وأيهما أنفع، وإذا كانت الترجمة، فعلى أي نوع يقع الاختيار؟ ~~حيرة لا بد منها لشاب خارج من المدرسة تتضرم بين ضلوعه نار الشوق إلى مجد الوطن العلمي، خلو ~~من التجارب لا يملك إلا كفاءته العلمية. # نظر فتحي نظرة صادقة إلى حال الأمة المصرية وحكومتها فرأى أننا أحوج ما نكون إلى معرفة ~~المثل الأعلى الذي نبغي الوصول إليه من نظاماتنا السياسية والاجتماعية، حتى تتحد أطماعنا ~~الوطنية على طريقة عامة واضحة. # ورأى فوق ذلك أن أول خطوة يخطوها المصلحون العلميون هي نقل العلم إلى أوطانهم بالترجمة، ~~إن هذه الطريقة كانت هي ألف باء النهضة العلمية في كل أمة وفي كل زمان. # هذا النظر المزدوج كان رائد فتحي باشا في ترجمته منذ خرج من المدرسة إلى أن مات فإنه في ~~سنة 1888م يترجم (العقد الاجتماعي) لجان جاك روسو فلم يتمه، ولكنه ترجم بعد ذلك ~~«أصول الشرائع» لبنتام، و«خواطر وسوانح في الإسلام» للكونت هنري دي كلتزي، و(سر تقدم ~~الإنجليز السكسونيين) لأديمون ديمولان، و(روح الاجتماع)، و(سر تطور الأمم) لجوستاف لوبون، ~~و(خطاب مصطفى فاضل باشا) نشر ذلك من مترجماته، وله فوق ذلك (جوامع الكلم) لجوستاف لوبون، ~~وقد وزع عليكم الليلة، وكتاب بورجار في الاقتصاد السياسي، و(تمدن العرب) لجوستاف لوبون، ~~و(جمهورية ms78 أفلاطون)، و(الفرد ضد المملكة) لسبنسر، وكلها لم يتم تعريبها، أما مؤلفاته ~~المنشورة فهي: كتاب المحاماة، ورسالة في التزوير، وشرح للقانون المدني، وقد ألف أخيرا ~~كتابا «في التربية العامة» كنت أعلم أنه قد تم ولكنه لم يطبع. # قرأت مترجماته المنشورة، وتصفحت من غير المنشورة، وأستطيع بعد ذلك أن أقول من غير تردد: ~~إن فتحي كما كان نابغة في الفقه، كذلك كان نابغة في الترجمة، يمسك الكتاب يقرأه أولا ثم ~~يدخل بنظره الحاد في طيات نفس الكاتب فيظهر أسرارها بقلمه العربي المبين. # ومن التراجم ما يترجم الألفاظ تحمل معانيها خالية من روح الكاتب وحرارته فلا يكون لها ~~التأثير المطلوب، إلا مترجمات فتحي فإنها تقرأ فيها المعاني والأغراض كأنك تقرأ كاتبها ~~من غير فرق. # لفتحي باشا شخصية تامة ممتازة في طريقته وفي أسلوبه البياني. # أما نحوه في الترجمة فليس هو الالتزام الحرفي للأصل ولا مجافاة الأصل، ولكن نحوه بين ذلك ~~وسط مرض. # أما أسلوبه فهو عربي خالص، لا يعنى فيه بفضلة لزخرف المحسنات اللفظية، ولكنه مع ذلك ~~متين الرصف ظاهر الرشاقة جذاب جدا. # لم يكن فتحي باشا يترجم ليترجم، ولا طلبا للشهرة أو المال من وراء التعريب، فإنهما ليس ~~سبيلهما في بلادنا العلم والكتابة، وكان حسبه شهرة مناصبه العالية وكفاءته التي ما كانت ~~يوما واحدا موضعا للشك من أحد سواء في ذلك أصدقاؤه وحساده، عارفوه وغير عارفيه، ~~ولكننا إذا جمعنا مترجماته دلنا مجموعها على أن فتحي كان له غرض ثابت يرمي إليه من ~~وراء نشر هذه الكتب. # غرضه نشر مبادئ الحرية: حرية الفرد، وحرية الأمة، وتنبيه أطماع الأفراد والأمة جميعا إلى ~~اتخاذ مثل أعلى قبلة لهم في أطماعهم الوطنية، منذ سنة 1888م كان يرى الأمة تتقلب في ~~أغراض أحيانا متعاكسة ودائما مبهمة فكان يسيئه هذا النظر ويود لو أن الشعور الوطني ~~الذي كان وقتئذ في حذر مستمر - يولي وجهه قبل الاستقلال على نحو منتج، كان يود ~~لو يدركون أن إبهام الفرض وعدم إدراكه بوضوح، يجعله مستحيل المثال؛ لذلك أراد أن يقدم ~~للجمهور، (عقد ms79 الاجتماع) لروسو حتى يتبين الجمهور حق الفرد وحق الأمة، وما يجب أن يكون لها ~~من السلطان، وللأسف لم يظهر هذا الكتاب مع أنه بلغ من ترجمته مبلغا كبيرا، ولكنه أصدر ~~بعد ذلك ترجمة بنتام في أصول الحقوق والواجبات، حتى جاء الزمن الأخير وظهور الشعور الوطني ~~بمظهر جميل، ولكن لا يزال في مقاصده بعض اللبس حتى فيما هو مكتوب من المبادئ في الصحف، وما ~~الصحف إلا ترجمان الرأي العام. # ولعل فتحي باشا أمام هذه المشاهدة أشفق على حرية الأفراد، وتربية الأمة من الميل الظاهر ~~إلى ما يشبه الاشتراكية، فإن الناس لم يقصدوا في طلبتهم على حقوق الأفراد من الحرية ~~وحق الشعب من السلطة، بل أخذوا مع ذلك كله يطالبون الحكومة أن تقوم لهم بكل شيء، ومهما كان ~~في أساليب هذه المطالب من الانتقاد الضمني، إلا أن مثل هذه الحركة من شأنها أن تجعل ~~الحكومة هي كل شيء والفرد لا شيء، الاشتراكية قد تكون معقولة إذا كان للأفراد شأن في تنصيب ~~الحكومة، وإلا فإنما هي اشتراكية معكوسة النتائج، فأخذ فتحي باشا عن بعد يهدي الأفراد إلى ~~وجوب الاستمساك بشخصيتهم، ويبين لهم أن التربية الشخصية هي التي كانت (سر تقدم الإنكليز ~~السكسونيين)، يطلب إلى المصريين أن يتشبهوا بهؤلاء وأن لا يفنوا شخصيتهم فيفنى وجودهم، ~~واستطرادا في هذا النظر تصدى إلى ترجمة (الفرد ضد المملكة) وروح الاجتماع وسر تطور الأمم، ~~كل ذلك ليبقي في الجمهور الأسس العلمية للرقي حتى يطبق الناس حالهم على هذه الأصول ~~فينتفعوا بتجارب الأمم. # أيها السادة: # إن التوفيق بين منتخبات فتحي باشا للترجمة فوق ما قدمنا أنه كان يعتنق مذهب الحريين ~~سواء كان ذلك في التربية والتعليم أو في الأصول الاجتماعية والسياسية بل الاقتصادية أيضا؛ ~~لأنه لو كان اشتراكيا في الاقتصاد لما عمد إلى ترجمة بورجار بل كان عمد إلى ترجمة أحد ~~الاقتصاديين الاشتراكيين الظاهرين بالاشتراكية. # ولو شئنا أن نبين عقائد فتحي باشا من منتجاته ومن أحاديثه لضاق بنا المقام، ~~ولكني أكتفي الآن بالإشارة إلى أن بين اختيار فتحي لتلك ms80 المؤلفات وبين مذهبه الحري ~~في محاولة الإصلاح الاجتماعي والسياسي نسبا متصلا جد الاتصال. # حسبي الإشارة إلى ذلك وإلى أن فتحي باشا كان ذا مبادئ ثابتة وطرائق معينة في كل شيء، ~~فكما أنه ابتدأ في خدمة العلم الابتداء الطبيعي، وهو نقل العلم إلى البلاد، كذلك كان يرى ~~أن البدء في الارتقاء الاجتماعي والسياسي لا يكون بأخذ ثمرات آخر تطور للمبادئ الاجتماعية ~~والسياسية في الأمم التي تمدنت من قبلنا؛ ولا شك في أن إدخال المبادئ الاشتراكية في ~~آخر تطورها الحاضر على أمة ناهضة من عقال الاستبداد نتيجة اضطراب خطر قد يكون ضرره أكثر من ~~نفعه. # من ذلك نأخذ أن فتحي باشا كان رجل ارتقاء لا رجل ثورة، إنه كان يكره الثورة، يكرهها ~~بكل مظاهرها حتى الفكرية منها، فكما إنه كان يرى أن خير القوانين ليس هو القانون الحسن ~~في ذاته، ولكنه القانون الذي يحتمل الشعب تطبيقه، كذلك كان يرى أن خير المبادئ ~~الاجتماعية والسياسية هو ما كان بينه وبين طبائع الشعب وعاداته نسب، تكمل ما فيها من نقص ~~وتقوم ما بها من اعوجاج. # كان فتحي يسترشد بهذه الآراء الحرة العريقة في الحرية، فإذا لم يكن نشرها ليتفق مع مركزه ~~في الحكومة، فلقد نشرها بالترجمة والعقل ليرضي دواعي ضميره وليثابر على تربية قومه تربية ~~صالحة على قواعد ثابتة مع معرفة الحقوق والواجبات، فليس فقيدنا رحمه الله من أرباب المناصب، ~~بل هو على ذلك من أرباب المذاهب ومن هو كذلك، من شأنه أن يكون شقيا بغرضين معذبا ضعفين، ~~يكاد لا يكون له من وقته شيء، فهو يقسم بين الأعمال الرسمية الشاقة وبين خدمة العلم، يعمل ~~لها بالتأليف والترجمة شطر الليل وأحيانا طول الليل ومدة العطلة، فإذا لامه في ذلك أصدقاؤه ~~هز كتفه هزة فيلسوف لا يبالي مات اليوم أو مات غدا. # نعم كان المؤلف فتحي يعتقد أن الحياة تقدر بما يتم فيها من العمل الصالح لا بعدد ~~السنين. # يكاد كلامي يلقى في الأذهان من فتحي باشا صورة عالم استغرقته أغراضه وشغلته همومه فزهد في ms81 ~~الجمعية وفرط في القيام بالاصطلاحات المدنية، كلا! إن فتحي باشا على ذلك كان مترفا في ~~عيشته متأنقا في مظاهرها المختلفة، كثير الاختلاط لا تفوته عيادة مريض من أصدقائه، ولا رد ~~لزيارة ولا مؤاساة معارفه في أحزانهم، كذلك لا ينقبض عزمه عن شهود حفلة أنس، ولا تلوي به ~~همومه ومشاغله عن الاعتناء باقتناء التحف والطرف وتعرف أوضاع الجمال حيث كان، ~~رحمه الله، كان على علمه العميق ومنزلته العالية رجلا غاية في الوداعة والظرف. # من ذلك يظهر لي أن فتحي باشا كان يعتقد الحياة الفردية كلا واحدا من حقه أن يكون ~~متعادلا في جميع مظاهره، وأن اعتدال السلوك لا يتم إلا بهذا التعادل فكما يجب على المرء ~~أن يخدم عقله كذلك يجب عليه أن يخدم مشاعره، حتى لا تعطل ملكة من الملكات تضحية لملكة ~~أخرى، ولا شك في أن خير قاعدة تنتج المثل الأعلى للرجل الكامل بمعنى الكلمة هي قاعدة ~~تنمية ملكات الإنسان وقواه بنسبة واحدة. # كذلك كان فتحي باشا، وعلى هذا كنا نراه في شئونه، غير أن الاستثناء كان يلحق لديه ~~هذه القاعدة أيضا، فإنه يظهر لنا من جهة أخرى أنه كان يضحي قواه الجثمانية في سبيل ~~شهوته العلمية. # وهذا المثال مع الأسف هو وقلة الحرص على المال كأنهما أمران عامان في كثير من أبطال ~~العلم وخدمة الأوطان. # عفوا! أيها السادة، ليس فتحي في عداد الموتى الذين يؤبنون بقولة واحدة تردد ~~لكل منهم على السواء: كان وكان ... وعليه الرحمة والرضوان. إن فتحي ليس ملكا لأهله ~~وأصدقائه بل هو ملك التاريخ، وبهذا العنوان يجب علينا دراسته، إنه صورة كبرى من أكبر صور ~~النبوغ المصري بروزا وأولاهم بالعناية والدرس، إنه رجل كبير، كبير في عقله وفي عواطفه ~~بل في أطماعه أيضا، وما كان يبين عليه أن اقتناء المال داخل في برنامج أطماعه، أقول وليس ~~هو في هذا المعنى استثناء من عظماء الرجال أمثاله، أولئك الذين ماتوا ولا أصفر ولا أبيض، ~~كأنهم الأنبياء لا يورثون، فإن لم يتركوا تراثا تركوا مجدا خالدا. # نعم إن ms82 أطماع فتحي باشا كانت كبيرة متناسبة مع كفاءته وثقته بنفسه ولكنها لم تكن من ~~الأطماع الشخصية في شيء، إنه كان يألم لما نحن فيه ويرجو أن يكون له من السلطة ما يسهل ~~لقومه سبيل التقدم إلى الأمام، قد تكون هذه العلة هي العذر العام الذي ينتحله كل ~~المغرمين بالمناصب العالية. # ولكن فتحي ليس من هؤلاء؛ لأنه كان ينفذ الخطة التي رسمها لمشاغله العمومية، فأخذ يسهل ~~التقدم بقلمه، ومن الطبيعي أن يرجو أن يسهله بعمله أيضا، فيكون بذلك قد جمع بين سببي ~~النفع، لا كصديقه روسو الذي قال: لو كنت شارعا أو أميرا لاعتضت عن الكتابة في السياسة ~~بتحقيق ما أقرر من المبادئ، على أني يجب علي في هذا الموقف أن أسارع إلى التصريح بأن ~~فتحي لم يقدم بين يدي أطماعه إلا كفاءته، أما شخصيته واستقلاله في الرأي فلا دخل لهما ~~في هذه الصفقة، بل ربما كان حجر عثرة في سبيل ارتقائه. # على أن فتحي باشا مهما كان محسود القدرة، فإنه كان دائما عمدة الحكومة في كثير من ~~المشروعات الدقيقة التي تحتاج إلى مفاوضات بين جهات مختلفة وموضع الاستشارة عن نظارته وغير ~~نظارته في وضع القوانين، كما تشهد به الألسن الرسمية والتقارير الرسمية. # أيها السادة، كنا نكرم فتحي باشا في نحو هذا الأوان من العام الماضي ونتوج مؤلفاته، ~~وها نحن أولاء جئنا اليوم نؤبنه ونتأسف على وفاته، فما أقل هذا الوجود حرصا ~~على الرجال النافعين! # أيها السادة، إن صورة فتحي باشا الذي اشترك في رسمها جميع خطباء هذه الحفلة الممثلين ~~للمعاني والطبقات المتباينة، صورة ندخرها عند الزمان على أنها طليعة النهضة العلمية وأثر ~~من آثار المجد المصري الفخيم، ولتكون قدوة للنابغين من أبنائنا على مر الزمان، فاللهم لعبدك ~~الأمين في خدمة العلم رحمة، ولبلاده عزاء، إنك أنت السميع المجيب. # | الحرب1 # وقع ما كان يخشاه العالم بأسره، وعم الخطب ولم يبق بعد سبيل إلى السلام، فلم يكن ~~لينتظر أن الخلاف المحلي الذي قام بين النمسا والصرب يصل إلى هذه النتيجة السوداء على ms83 ~~العالم، وهنا مورد المثل المشهور: ومعظم النار من مستصغر الشرر. # اليوم وإلا أبدا، وفي هذا الحادث وإلا فلا، تلهب أوربا شرارة واحدة ويعم العالم بأسره ~~الضرر البليغ بحجة أن صربيا والنمسا لم تتفقا على الوسائل القضائية لمحاكمة في ~~جناية! # عجزت السياسة والمفاوضات السياسية والوساطات الملوكية والإمبراطورية عن تأييد السلم وحقن ~~الدماء وحماية مصالح الناس، وانفرد الشر بالحكم في أوروبا إذ نفخ في صوره ففزعت لدعوته ~~الملايين من الناس انقلبوا عن صورهم المدنية، فأصموا آذانهم عن دعوة الإخاء الإنساني، ~~واستدبروا نهائيا مبادئ المحبة والغفران والسلام، وغشي الغضب أبصارهم ، فلم يعودوا يفكرون ~~في الخسارة العظمى التي يجنيها المحاربون من وراء الحرب، يكتسبونها جميعا سواء فيهم الغالب ~~والمغلوب، واستهانوا بالأضرار التي تلحق العالم بأسره من وراء هذه الحركة التي فيها ليس من ~~البركة شيء. # تلك حرب ولا كالحروب يجب أن يشفق كل من في العالم من جرائها على المحاربين وغير ~~المحاربين والمضطلعين بأسبابها ونتائجها والغافلين فإن حروب هذا القرن ليست كحروب القرون ~~الأولى. # فإن المدنية الحاضرة قد جعلت الكرة الأرضية أشبه بالوطن الواحد في المنافع الاقتصادية ~~التي هي أساس العمران بل علة الحياة، أجزاؤه متضامنة في الخير والشر، أقفلت أسواق أوروبا ~~وميزان الحركة الاقتصادية العامة معلق بين أصابعها فأخلت بالموازنة في كل شيء حتى في ~~أسعار الأقوات في كل البلاد، وأصبحنا في مصر ونحن بمركزنا الاستثنائي بعداء عن هذه ~~الحركة الحربية، أصبحنا في أول يوم من إعلان ألمانيا الحرب نشعر تماما بالرجات الشديدة ~~التي حصلت في سوقنا المالية بل في أبعد الأسواق علما بأن في أوروبا حربا، وعلى هذا ~~القياس كل أنحاء الكرة الأرضية، أفلا يعلم الذين تعلن الحرب بكلمة من أفواههم مقدار ~~المسئولية التي يحملونها بهذه الكلمة الكبرى التي تسفك الملايين من دماء الأبرياء، الأبرياء ~~بالمعنى الصحيح الذين يتمثلون بقول القائل: # لم أكن من جناتها علم الل # ه وإني لحرها اليوم صالي # يقاد أحدهم من الدار إلى النار لا دفاعا عن وطن مهدد ولكن إرضاء لشهوات العظماء، إرضاء ~~لرؤساء الأحزاب، إرضاء لكلمات ms84 ضخمة مجوفة برن رنين (آمون) وليس في بطنها من الحقيقة شيء ~~كبير ولا صغير، رحم الله جوريس أول قتيل لهذه الحرب وأول ضحية من الضحايا الذاهبة اليوم ~~وغدا في سبيل الحق والسلام. # يا لله من مسئولية هذه الحرب عديمة المثال! كيف يستطيع رجل أو جماعة احتمالها؟ لا أحد؛ ~~لأنها إذا أمكن تبريرها كيف يمكن تبرير جرائرها وجرائها، علم ذلك إمبراطور ألمانيا فأخذ ~~يتنصل من مسئوليتها ويلقيها على عاتق روسيا، وأخذت المصادر الألمانية تعلن للعالم أن ~~روسيا هي التي يجب أن تحتمل مسئولية توسيع ميدان النار عن النطاق الذي كانت محدودة به، ولن ~~نعدم غدا إعلانا من روسيا يلقي التبعة على ألمانيا، وربما قامت الحرب وخربت ما قدرت على ~~تخريبه من العالم ووضعت أوزارها ولا تجد في الممالك من تعترف بأنها الذي أذكت نارها ~~واحتملت مسئولية نتائجها، ومهما كانت المسئولية فوق كل طوق، ومهما كانت النتيجة على كل حال ~~أسوأ ما يكون، فمن الأسف أن كل ما كان، منطبقا على طبائع الإنسان، وما كان للإنسان أن يخرج ~~عن طباعه العامة، وكما أن أوروبا تقلبت في نعمة العز والسلام، كذلك من الطبيعي أن تتمرغ في ~~جحيم الأرزاء والأكدار، وكلا الحالين من صنعة يديها: جنتها ونارها، سلامها وحربها، إذ إن ~~الإنسان لا يصبر على حال واحدة، قتل الإنسان ما أكفره! # هذا، وإن لنا في مصرنا مصالح تجب علينا رعايتها في هذه الظروف الصعبة، نحن على الحياد ~~بالضرورة وسنظل كذلك مهما اتسعت دائرة الحرب عما هي عليه الآن، ولكن الحيطة في خفارة ~~الثغور والحدود على قدر الحياد ضرورية جدا، فإن التجارب دلت على أن استبعاد وقوع ~~السوء غير مبعد له بالفعل، ولا هو يعتبر وقاية منه، فلا نحن ولا غيرنا يستطيع أن يعلم الآن ~~بالضبط عند أي الحدود يقف هذا الحريق الأرضي العام. # أما من الجهة السياسية فإن مركز مصر الاستثنائي يحتم على ولاة الأمور فيها اتباع ~~تقاليدنا في الحياد التام مهما كانت الظروف، وقد جربنا الثمرات الطيبة التي جنتها مصر من ~~حيادها. # وأما ms85 الجهة الاقتصادية فقد علمنا أن الوزارة تشتغل بالوسائل اللازمة لوقايتها، والواجب ~~هو العمل لمنع تصدير الذهب ومنع تصدير مواد القوت منعا نهائيا. # لسنا ندري إلى أي وقت يطول عمر الحرب، ولقد يظن أن الاستعداد السابق وتلاحق ~~المحاربين في الحدود من شأنهما أن يجعلا مدة الحرب قصيرة نوعا، ولكنه ليس بعيدا أن تطول ~~أشهرا، ولقد يظن المتفائلون أن إنكلترا تكون على الحياد ويرجحون أن حيادها وحياد ~~إيطاليا فيهما بريق الأمل في تقصير مدة الحرب، ومقدمة إلى أن إنكلترا تتوسط بين ~~المتحاربين، يقولون ذلك على الرغم من أن سفير إنكلترا قد أكد لرئيس جمهورية فرنسا تعضيد ~~دولته لفرنسا وفرنسا داخلة غمار الحرب لا محالة، على أن اشتباك النمسا وروسيا وألمانيا ~~وفرنسا في حرب واحدة كلها تدخل إلى ساحاتها بملايين العساكر والبنادق وبالمدافع البرية ~~والعمارات البحرية، كفيل بالخطر العام على العالم أجمع. ms86