######OpenITI# #META# URI: 1382CabdMasihHaddad.HikayatMahjar.Hindawi97517380 #META# Tags: literature #META# ID: 97517380 #META# Title: حكايات المهجر #META# AuthorID: 63616315 #META# Author: عبد المسيح حداد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # الحاكم بأمره‏ # في بيت الميت‏ # المتشائم‏ # سمعان النادر‏ # حبال الغسيل‏ # ما فيها شي‏ # المال يتكلم‏ # حي دفين‏ # زواننا لا قمحهم‏ # ذو اللحية الطويلة‏ # ابن العصر‏ # خنفشار في أميركا‏ # لنا علم، وللجهال مال‏ # عارف الجميع‏ # أقصر الطرق‏ # المتشرعان‏ # تعاسة البيك‏ # ابن غير عصره‏ # من أول الطريق‏ # تمثال الحرية‏ # من الدب إلى الجب‏ # كما صرنا تصيرونا‏ # الثقة في البشر‏ # مدنية الأميركان‏ # أحاديث الغرام‏ # لا فرق بين الاثنتين‏ # الله يسعده ويبعده‏ # عبد الفطرة‏ # الأمل والألم‏ # مدرسة الغربة‏ # في الدرجة الثانية‏ # خبزك بعرق جبينك‏ # مقدمة‏ # الحاكم بأمره‏ # في بيت الميت‏ # المتشائم‏ # سمعان النادر‏ # حبال الغسيل‏ # ما فيها شي‏ # المال يتكلم‏ # حي دفين‏ # زواننا لا قمحهم‏ # ذو اللحية الطويلة‏ # ابن العصر‏ # خنفشار في أميركا‏ # لنا علم، وللجهال مال‏ # عارف الجميع‏ # أقصر الطرق‏ # المتشرعان‏ # تعاسة البيك‏ # ابن غير عصره‏ # من أول الطريق‏ # تمثال الحرية‏ # من الدب إلى الجب‏ # كما صرنا تصيرونا‏ # الثقة في البشر‏ # مدنية الأميركان‏ # أحاديث الغرام‏ # لا فرق بين الاثنتين‏ # الله يسعده ويبعده‏ # عبد الفطرة‏ # الأمل والألم‏ # مدرسة الغربة‏ # في الدرجة الثانية‏ # خبزك بعرق جبينك‏ # | حكايات المهجر # | حكايات المهجر # تأليف # عبد المسيح حداد # | مقدمة # منذ دخلت أميركا منخرطا بين عالمها السوري، ونفسي ترى أشكالا وأوضاعا في حالتنا ~~الاجتماعية، وصورا شتى لحياتنا السورية الأميركية، وكنت كثيرا ما أسائل نفسي: متى يا ترى يتحرك قلم أحد كتابنا، فيدون هذه المشاهد لحمل الناس على درس أسرارها؟ # أما المشاهد التي أعنيها فهي مرئيات لأسرار ومظاهر لما خفي في النفوس، وقد كنت أراها ~~وأقرؤها وأسمعها وأحس بها، فأجد سعة ميدان لمن شاء من الكتاب تصوير الحياة السورية ~~بأسلوب القصص القصيرة. # ولقد ظل هذا الفكر يراودني حتى كتبت أول قصة «عبد الفطرة» لخاطرة خطرت ببالي، أملأ بها ~~بعض فسحة من صفحات السائح، ولم أدر إلا وأنا مدفوع من نفسي في ذلك الميدان، الذي رغبت ~~لغيري من الكتاب في ولوجه، فما ظهرت تلك القصة حتى رأيتني محاطا بأصدقاء يسائلونني ~~كيف خطر ببالي تصنيف قصة هي صورة طبق الأصل لمشهد من ms001 مشاهد حياتنا في ديار المهجر، ثم ~~شعرت بيد لطيفة ممسكة بيدي، تلك كانت يد عميد الرابطة القلمية جبران خليل جبران، ~~وسمعته يقول لي: «أريد أن أقرأ لك قصة من هذا النوع في كل عدد من أعداد جريدتك، ولا ~~عذر لك عن القيام بذلك العمل، فأمامك ميدان واسع ولجته، فتعمق في حناياه، وغص إلى ~~قاعه، وجئنا بما تغوص عليه.» # ثم جاءني بعد حين يحاول إقناعي بأن أجمع هذه القصص بكتاب على حدة، فلم أر بدا من ~~ذلك؛ لأن ما سمعته من هذا الصديق الحبيب وغيره من الأصدقاء الغير على آداب اللغة، ~~التائقين إلى نزع ما تقادم عهده من ألبستها وجلببتها بألبسة تناسب هذا العصر، قد ~~فتح في نفسي آذانا وعيونا، فساقني الميل الطبيعي إلى القيام بما تمنيت أن يقوم به ~~غيري؛ ولهذا أطلقت للمخيلة العنان في درس حياتنا السورية في المهجر تترصد مشهدا من ~~مشاهدها، فأصوره بقالب حكاية صغيرة حتى جمعت هذا الكتاب، ولعله مقدمة لغيره إن شاء ~~الله. # أقول مقدمة لغيره؛ لأني رأيتني قد ولعت بهذا الدرس، وأدركت أني سائر مع الجدول الصغير، ~~ناشدا مياه الخضم؛ فإن كنت بهذه الأقاصيص لم أبلغ الغاية، ولم أرسم ما يجب رسمه من ~~مشاهد النفس السورية العميقة، فلسوف يقذف بي الجدول الذي أنا فيه إلى العمق حيث أستطيع ~~التعمق في درس الحياة السورية من وجوه عديدة منذ ابتدأت المهاجرة إلى ما صرنا ~~إليه. # نحن بحاجة إلى مرآة نرى فيها أنفسنا، ونشاهد بعيوننا مظهرنا، فنصلح فيه مواطن الخطل. ~~وإذا كان المرء يلجأ إلى المرآة لإصلاح شعره وفرقه وربط عقدة رقبته، فبالمرآة النفسية ~~يصلح ما يلزم من مظاهره النفسية. ولعمري، إن هذه المرآة المعنوية ليست إلا الرواية ~~المصورة لعادة من عاداتنا وتقليد من تقاليدنا، فيها ترى عيننا النفسية حسنات حياتنا ~~الاجتماعية وسيئاتها. # ولهذا، فجريا وراء هذه المنشودة - مرآة النفس - أقدمت على كتابة هذه الأقاصيص، ودعوتها ~~«حكايات المهجر» لأنها تختص بالمهجر؛ عساني أفيد بها، وإلا فحسبي النية وعليهم ~~السلام. # عبد المسيح حداد # نيويورك، في 1 نيسان 1921 ms002 # | الحاكم بأمره # قيل لي إن عائلات سورية مؤلفة من آباء وبنات وصبيان تقطن في شارع واشنطن، وأغلبها في ~~أعالي البنايات التي يشغل طباقها السفلى محال تجارية ومصانع آلية وإدارات مختلفة، فلم ~~أعجب من سكناها شارعا تجاريا؛ لعلمي أن الاقتصاد الضروري يحدو بالعائلات إلى مثل ~~هذا، ولكني تمنيت لو أني أدخل إلى عمق حياة هذه العائلات فأقرأ في صفحاتها درسا ~~تاريخيا وحقيقة اجتماعية. # ذات يوم قرب المساء، إذ كنت سائرا في الشارع المذكور إذا بصديقي نجيب ملاقيا لي ~~وجها لوجه، فلما التقينا أخذ بيدي جذبا، وقال: «تعال معي يا صاح لنزور عائلة عمي في ~~منزله؛ فإنه يقطن في الطابق الرابع من هذه البناية.» ~~(قال هذا، وقد أشار إلى بناية أمامنا في شارع واشنطن.) # فأجبته: «أها هنا يسكن عمك؟! والله ما خطر ببالي أن عائلة تسكن في هذه البناية ~~القديمة المكتظة بالمحال التجارية!» # فقال: «نعم، هنا يسكن عمي دعيبس، فتعال معي لأقضي هذه الزيارة، وأتخلص منها في حين ~~يكون عمي وحده في البيت، ثم إنه إذا كنت معي لا يستطيع عمي أن يجبرني على البقاء ~~طويلا كما يفعل كلما ذهبت لزيارتهم.» # فأجبته: «إذا كانت المسألة لغاية لك فلا بأس أن أكون حصانا لغايتك.» ~~(قلت: هذا مجاملة له، وأما نفسي فقد حدثتني أن أذهب لا لغايته بل لغايتي؛ أي لأرى ~~بعيني كيف تعيش عائلة عمه في هذا المحيط، ومن وما هو عمه؟) # صعدنا السلالم، وكانت درجاتها الخشبية تنحني تحت وطآت أقدامنا، وتئن أنات عميقة، ~~وتهتز البناية فتسمعنا مفاصلها نغمة نجارية، ولما وصلنا إلى العم دعيبس دق نجيب الباب، ~~فسمعنا الجواب يأمرنا بالدخول، فدخلنا وسلمنا وتعارفنا وجلسنا. # حضرة العم دعيبس يقارب طوله العرض أو عرضه الطول، وقد كان جالسا على الكرسي فلم يبن ~~شيء من ذلك الكرسي المسكين. هيئته بشرية سورية بكل معاني الكلمة إلا أن شاربيه نسيج ~~الطبيعة المتعصبة، التي لا تسمح لشيء عصري أن يعبث بصنعها. # وكان ابن الأخ يكلم عمه، والعم يدخن بالنارجيلة، ويخرج الكلام مقمطا بالدخان، وهو ~~عاض بصفي أسنانه ms003 على خشبة النرييج، أما أنا فقد كنت غارقا ببحر أفكاري أسائل ~~نفسي: أين يا ترى شاهدت هذا الرجل عم صديقي نجيب؟ وقد ظللت وقتا أسوق ذاكرتي وأجلدها، ~~لعلها تفطن للمحل الذي رأيت فيه مضيفنا العم، ولكن الذاكرة الملعونة خانتني. # وفيما نحن كذلك إذا بامرأة العم قد أقبلت، وهي امرأة كهلة، مربوعة القامة، حادة النظر، ~~سمراء اللون، قوية العضل، دخلت أولا عابسة، ولكنها ما رمت إلى الأرض بجزدانها الثقيل ~~حتى قلبت تلك العبوسة بابتسامة سورية جميلة، فرحبت أولا بابن سلفها، ثم بالغت ~~بالتأهيل بي، مكثرة من عبارات المجاملة المعتاد عليها. وما أنهت تسليمها علينا حتى ~~رأيت بوادر جسم العم دعيبس قد تحركت قليلا نحوي، وقال: «يا حضرة المستر ... هذه امرأتي ~~وأم الأولاد، وهي من بطلات أميركا، فلا يخفى عنك أن أميركا لا تليق إلا للنساء، وأما ~~الرجال مثلنا، فهم أصفار للشمال.» ~~(قال هذا ضاحكا كأنه يقول فكاهة، ولم يدر أني فهمت أنه قال الصحيح.) # فأجبته مجاملا: «إن كلامك يا حضرة العم في محله؛ فإنك أعرف مني على نحو ما يقال: أكبر ~~منك بيوم أعرف منك بسنة.» # ولم يكن حضرة العم ليتعب من التدخين؛ فقد ظل طول تلك المدة عاضا بأسنانه على خشبة ~~النرييج، يقول عبارة ويردفها بسحبة طويلة من النارجيلة، فيخرج الدخان قسمين: واحدا من ~~«باب المندب»، والآخر من «جبل فيزوف». # ثم صاح العم بامرأة العم: «يا كليمة، اهتمي بالعشاء للشباب.» وإذ سمعت هذا الأمر نهضت ~~مذعورا، وبدأت أعتذر للعم ولامرأة العم ألا يتعبا سرهما؛ فإني مشغول ولولا أن نجيبا ~~قال لي إن الزيارة لا تأخذ أكثر من ربع ساعة لما استطعت أن أجيء معه. ثم أن نجيبا ~~بدوره أيضا بدأ يعتذر عن نفسه، متكلا على ضرورة ذهابه معي بدعوى أني مشغول، وأنه ~~مضطر ألا يفارقني. # عندئذ صاح بنا العم صيحة قوية، وقال: «شغل ما شغل أنا لا أفهم هذا. قلت إنكم تتعشون ~~عندنا وانتهت المسألة. الآن، كليمة تحضر لنا العشاء، وبعد قليل تحضر البنت فترتب لنا ~~سفرة المشروب، وبعد ذلك ms004 نقضي السهرة وتذهبون، ولو أننا في البلاد (سوريا) لكنا جعلناكم ~~تنامون عندنا، ولكن هذه البلاد ضيقة.» # قلت آنفا إني بهذه الزيارة لم أكن حصانا لغاية صديقي كما أعربت له وكما ظن هو، بل ~~كنت بالحقيقة حصانا لاختباري؛ ولهذا التفت إلى صديقي، وقلت له إنه إذا كان يرغب في ~~البقاء فأنا أؤجل شغلي من أجله، فاضطر المسكين أن يقبل بالبقاء حسب أمر عمه، ولا ~~أعلم كم شتيمة صاغها لي في قلبه. # عدنا إلى الكراسي فجلسنا، ولم تمض خمس دقائق حتى وفدت ظبية البيت ففتحت الباب، وبعدما ~~مدت رأسها وشاهدتنا سحبته ورجعت مسكرة الباب بعجلة كأنها خجلت من الموجودين أو ~~بالحرى مني أنا؛ لأني كنت الغريب بين الجماعة. ويظهر أنها دخلت إلى المطبخ من الباب ~~الثاني؛ لأن أباها صاح بها أن تأتي إليه من جهة المطبخ الذي له مدخل إلى البهو، وقد قال ~~لها مشجعا ألا تخجل؛ فإنه ليس عندهم غريب، وما مضت لحظة حتى جاءت الأم من المطبخ ~~ساحبة بيدها ابنتها التي اصطبغ خداها بالاحمرار، ولما صارت أمامنا قالت الأم: «هذه ~~بنتنا مريم، خجولة تستحيي من خيالها، تعالي يا بنتي، ولا تستحيي فهذا ابن عمك مثل أخيك، ~~وهذا صاحبه مثل أخيه.» # وكانت كلمات الأم قد أطارت حمرة الخجل من رأس مريم؛ ولهذا لما رأت نفسها أمام ~~جمهورنا تشجعت، وصارت كبنات أميركا، فمدت ساعدها وصافحت كلا منا محيية، ولما وصلت ~~إلى أبيها قبلت يده، أما هو فلم يقبلها، ولكنه استرضى عليها، وأكثر دعاءه ~~لها. ~~(كل هذا كان منه وخشبة النرييج لم تبرح معضوضة بين أسنانه كأنها خلقت كذلك، وكأنه هو ~~ولد وبفيه نرييج.) # وقد لحظت أن مريم قد سحبت قبيل أن تقفل راجعة من قرب أبيها ضمة من الريالات، وبعياقة ~~كلية أدخلتها إلى جيبه ثم تركتها مسددة خطواتها نحو المطبخ لتساعد أمها. # عندئذ سمعت العم دعيبس يقول لنا بابتسام: «هذه مريم الغالية، وهي بنت ولا كالبنات، ~~الله يرضى عليها، مطيعة مجتهدة، تسوى عشرين صبيا.» # ولم يتم كلام العم عن ابنته حتى انفتح ms005 الباب بخشونة ، ودخل غلام بعجلة، فألقى عنه في ~~منتصف الغرفة علبة معلقة بكتفه بقشاط، وتركها على الأرض غير مكترث بها، وتقدم في ~~الحال نحو أبيه صائحا بملء صوته: «يا بابا، اشتريت الربطات من محل إلياس مرقص؛ لأن كامل ~~سليمان طلب مني ريالا زيادة، وقد بعت اليوم بستة عشر ريالا، صرفت منها نصف ريال أجرة ~~طريق وثمن أكل.» # هنا ترك دعيبس النرييج من فيه لأول مرة منذ تشرفت بزيارته، فجذب ابنه إلى صدره وقبله ~~قبلات سمعنا لها رنات موسيقية، ثم تناول من ابنه الدراهم فعدها ووضعها في جيبه، ~~وأخرج من الجيب الثاني ربع ريال فأعطاه إياه حلوانا له، وأتبعه بربع ريال ثان، وأسر ~~بأذنه أن ينزل إلى السوق ويشتري سيكارات في الحال. ~~«إن العم ظن أنه أسر كلامه لابنه، ولكن صوته كان مسموعا لأبعد من عشرين ذراعا ~~منه.» # وما تناول الغلام المال حتى طفق يعدو من أول خطوة خطاها جارفا درفة الباب بطريقه، وقد ~~اهتزت جوانب المنزل لركضه. وعند ذلك ابتسم العم على خشبة النرييج، وقال لنا: «هذا ولد ~~زهرة من الزهرات، وسيكون نعم الخلف، ذكي شاطر، ولا ما يعيبه سوى أنه طائش، لكنها طياشة ~~كيسة، إلا أنها في ذمة أمه فإنها تدلله وتدلعه، ولا يخفى عنكم أن للسوريين عادة ذميمة، ~~وهي تدليل الأبناء والقسوة على البنات في حين أنهن بأميركا أحسن منهم، وكل بنت في ~~الحقيقة تسوى عشرين صبيا.» # قضينا السهرة كلها من السكرة حتى نهضنا للخروج، والعم دعيبس لم يدفأ لسانه في حجرة فمه؛ ~~فطورا كان يأمر الأم بالمازة، وتارة يطلب الصحون من البنت، وأخرى يقول للغلام أن يرمي ~~رماد السيكارات خارجا، ولما جلسنا للعشاء الذي حضر إلى أمامنا لم تجلس معنا الأم ولا ~~البنت حتى ولا الغلام أيضا، بالرغم من أني ورفيقي أكثرنا الإلحاح على العم بأن يسمح ~~لأهل البيت بتناول الطعام، ولكنه كان يعتذر عن قبوله بذلك، مدعيا أن الوقت لا يسمح، ~~فعلى من ذكرنا واجبات في المطبخ بينا نكون نحن تناولنا الطعام، وفي حال عشائنا كانت ms006 ~~أوامر العم تباعا لزوجته وابنته وابنه: «هاتوا البطاطا، خذوا صحون الشوربا، املئي يا ~~بنت الكاسات ماء، صبي يا امرأة في صحن المستر. يا ولد، قدم الفجل لناحية ابن عمك.» إلى ~~ما هنالك من الأوامر. # ولما حان وقت انصرافنا نهضنا أنا ونجيب، فودعنا العم، وطلبنا أن نودع المدام ~~وابنتها، فنادى بهما حضرة العم، فجاءتا من المطبخ مظهرتين ذهولهما من سرعة ذهابنا، ~~فأجبنا اللازم، وصافحناهما مودعين، وخرجنا بسلام. # ولما وصلنا إلى الشارع ضحك نجيب، وقد كنت أنتظر منه سخطا وغضبا لتساهلي بالبقاء عند ~~بيت عمه، ثم قال لي: «أرأيت كيف يعيش عمي؟» # فأجبته: «نعم رأيت، ولكني لا أزال أبحث بفكري أين شاهدت عمك قبلا.» # فقال مقهقها: «أنت لم تره، ولكنك رأيت شبيها له في مرسيليا.» # فضحكت معه لهذه الفكاهة التي جاءت في محلها، ولكني أصررت على أني رأيته نفسه قبل اليوم، ~~إلا أني نسيت أين، ثم سألته: «وبماذا يشتغل عمك؟» ~~- يعطي قومندا (كان جوابه بتصنع ازدرائي على وجهه). ~~- نعم، لاحظت ذلك، لاحظت كثرة أوامره لأهل البيت، ولكن من أين يعيش؟ ~~- من أين يعيش؟ أأنت أعمى؟! ألم تر أن امرأته لا تعود إلى البيت إلا مساء فتأتيه بكنوز ~~المال؟ وابنته الصبية تورم جيبه بالريالات، حتى الصغير يأتيه بستة عشر ريالا كل يوم ~~وربما أكثر. ~~- إذن، شغل عمك أن يبقى في البيت يسلي النارجيلة لئلا تشعر بوحشة. ~~- بالتمام. زد على ذلك أن لعمي ذوقا حسنا بالتدريب العسكري، فلولا أوامره لاختل ~~نظام العائلة. ~~- مضبوط، أظن الآن أن عمك في سعة من دهره؟ ~~- في سعة من دهره! بل هو من أغنياء السوريين الحقيقيين، الذين غناهم ذهب «حجر». ~~- إذا كان عمك غنيا كما تقول، فلماذا يشغل امرأته وابنته وابنه الصغير؟ ~~- لا تتوسع في الموضوع، ولا تزد علي بسؤالاتك، ولكي أكفيك مئونة ذلك أخبرك أنه كان ~~لعمي موقف خطير ذات يوم على أثر كتابة إحدى الجرائد مقالة عن «بيع النساء وكسل أزواجهن»، ~~فإنه لأول مرة في حياته تحرك دمه، وصار ينزل إلى السوق ويحمس الناس على أن يقصدوا ms007 ~~إدارة تلك الجريدة ليقطعوا أنامل الذي كتب المقالة، ولقد كان يكيل الشتائم الغليظة ~~للكاتب الذي تهجم على الأعراض. # عند هذا، قلت لرفيقي ضاحكا، راغبا في البحث معه من جهة أخرى بعدما رأيته يريد قفل ~~الموضوع: «يجب أن تكون عائلة عمك سعيدة وعلى غاية ما يرام؛ فإنه هو راض وعائلته راضية، ~~وليس ما يعكر صفوها فكر متبله من امرأة أو ابنة لحرية أو استقلال أو لحقوق فردية، أو ~~غير ذلك.» # فقال: «نعم، كما ذكرت، ولكن حدث منذ سنوات شيء كدر خاطر عمي كدرا لا مزيد عليه، وهو ~~أن امرأته مرضت، وأخذت إلى المستشفى، حيث ظلت شهرين تحت المعالجة والعمليات ~~الجراحية، وقد أنفق عليها مبلغا من المال، وليتك شاهدت عمي في ذلك الزمان أنه كان جبلا ~~من الهم.» # فقلت لساعتي: «ولعل عمك الذي كانت امرأته في مستشفى روزفلت عام 1917؟» # فأجاب: «نعم، في مستشفى روزفلت، وكيف عرفت؟!» # فضحكت ضحكة طويلة، وصحت بنجيب: «الآن وجدتها، الآن عرفت أين شاهدت عمك، نعم نعم الآن ~~عرفت، اسمع يا نجيب، في ذلك الزمان شاهدت عمك صدفة عند الخوري، وكان يطلب إليه أن يعطيه ~~ورقة بإمضائه وشهادته أنه - أي عمك - من فقراء الحال؛ ليكسب ثقة أرباب المستشفى فلا ~~يتقاضونه مالا، وقد كبس يد الخوري بشيء لقاء ذلك، أما أنا فلما شاهدته على ما كان ~~عليه من التلبك حزنت لحاله، واقتربت منه سائلا عما أصابه، فأجابني بأن بيته قد خرب، ~~فإنه لم يكفه الله أجور الأطباء والمستشفى؛ فقد خسر شغل شهرين لامرأته، وأنها لا بد ~~أن تمكث شهرين آخرين بعدما تخرج من المستشفى، فيكون التعطيل أربعة أشهر. أما أنا فلما ~~سمعت حكايته أحببت أن أخفف عنه، وأعزيه بحديث معه، فقلت له إن الخسارة المالية لا ~~ينظر إليها طالما المرأة قد تعافت، وإن خسارة المال لا شيء أمام خسارة الحياة. وقد زاد ~~عمك حزني عليه في تلك الساعة؛ لأنه لم يرق له ما نطقت به، بل تناوله كأنه خال من كل ~~معنى مفهوم. لم يعجبه رأيي. أسمعت؟» # فهز نجيب رأسه، ms008 وقال لي وقد انتهينا إلى مفرق الطريق بيني وبينه: «نعم، لم يعجبه ~~رأيك؛ لأن المال عنده يسوى أكثر من امرأة؛ فإنه لم تكد تخرج امرأة عمي من المستشفى حتى ~~استأنفت الشغل ببيع الجزدان بالرغم من إنذارات الأطباء، ولكن شكرا لقوتها البدنية، ~~فإنها غلبت الضعف وهزئت بالعوارض، وها هي اليوم كالنمرة كما رأيتها، ولو لم تكن أنت معي ~~في هذه الزيارة التي لم يكن لي بد منها لأسمعني عمي قوارص الكلام؛ لأني لا أسمح لأمي ~~أن تشتغل كامرأته بالبيع، ولأننا نعيش في بروكلن بين مساكن الناس.» # وكنت إذ ذاك قد افترقت خطوتين عن صديقي نجيب، فودعته ثم ابتسمت، وقلت له وأنا أبتعد ~~عنه: «الحمد لله، قد عرفت أين شاهدت عمك أخيرا، ليس في مرسيليا المشهورة بضخامة ~~أحصنتها، بل في نيويورك.» # | في بيت الميت # عندما مات طانيوس المر ظل بيت الفقيد مقصد المعزين أسبوعا كاملا ليل نهار، وقد ~~خيف أن يكون بلاء أهل الفقيد من كثرة المعزين أكثر من فقدهم الفقيد المرحوم، ولكن هي ~~العادة السورية في هذه الأحوال تأخذ مأخذها وهذا التقليد يجري مجراه، ولو تقطعت القلوب ~~وتفتت الأكباد وتحطم إناء الصبر. # أهل الميت يسمعون تعازي من أفواه المعزين، كأنها أمثولات تعلمها قائلوها من جملة ~~الصلوات التي تقال كل يوم، وإني أنا كاتب هذه الحكاية أشعر بكل ما في من العواطف مع ~~الفاقدين ليس على ما يفقدون بل على جلادتهم في استماع فلسفة التعازي. # إلا أنه من نعم المولى أن الاصطلاح في التعزية أن يكون وقتها قصيرا جدا، فالمعزي ~~يبقي قبعته بيده، وإذا كان في الشتاء يظل لابسا سترته العليا، وما الداعي إلى هذا ~~الاختصار ميل من القوم إلى التخفيف عن أهل الميت؛ بل كثرة القادمين حتى يضيق عنهم ~~المكان، وإذ ذاك يخرج فوج ليعطي مكانا للفوج القادم جديدا. # أما أهل الميت فجلوس بلا حراك، وآذان بلا ألسنة، وعيون تنظر أحضانها، وشفاه تتمتم ~~كلمتين لكل قادم وكل مودع، وهما «وراسك سالم» جوابا على التحية في التعزية لدى الدخول ~~والخروج، وهي «عوضنا ms009 الله بسلامة رءوسكم.» # والمرحوم طانيوس المر كنت أعرفه معرفة سطحية، فلم أزره في بيته بحياته، ولكن صديقي ~~بطرس كرواني جذبني جذبا؛ لنأخذ خاطر أهل الفقيد، قائلا لي: إن التعزية واجبة على كل ~~عارف، ولا فرق نسيبا كان أم صديقا أم من المعارف. # وهكذا، كان ذهابنا، وكان حضرة صديقي أبرع مني في الكلام؛ فقد دخلت إلى بيت الميت وأنا ~~كالجنين في عالم التقاليد؛ فقد هممت بإلقاء التحية التي أقولها في كل الأوقات إلا أن ~~صديقي بطرس رفع كفه ووضعه على فمي، فجعلني أبلع «نهاركم سعيد»، ثم همس بأذني أن أقول: ~~«الله يعوضنا بسلامتكم.» فقلت، وجلست كأني من أهل الميت على ما وصفت، وأزيدهم بعدم ~~التمتمة؛ لأن المسألة لا تعنيني، وبنظر الأشباح من كل جهة؛ لأن حضني كان مملوءا بسترتي ~~المطوية وفوقها قبعتي، وقد احمر وجهي خجلا؛ لأني كنت الوحيد النازع عنه ~~سترته. # بعد سكوت خمس دقائق فتح بطرس فاه بالكلام، فقال: «قبل أن مات إسكندر الكبير عرف أن ~~آخرته اقتربت، وأن أمه ستحزن عليه حزنا عميقا، فدعاها إليه قبل موته، وقال لها: وصيتي ~~إليك يا أماه أن تأدبي مأدبة بعد موتي وتدعي إليها كل الناس، وعندما يجلسون إلى ~~المائدة قولي لهم إن من لم يذق حزنا على حبيب له فليمد يده ويأكل. وهكذا كان، فبعد ~~وفاته أدبت مأدبة، ودعت إليها جميع الناس، ولما جلسوا إلى المائدة قالت لهم ما أوصاها ~~ابنها إسكندر أن تقوله، فلم يمد أحد يده للطعام، فعرفت إذ ذاك أن كأس الموت دائرة على ~~الجميع؛ ولهذا تعزت في مصابها الجلل.» # سمعت هذه الموعظة فكبر قائلها بعيني، وقلت في نفسي: يا ضيعان ما تعلمته في المدارس! ~~والله إن بطرس فاقني بأسلوبه المعزي، وقال أحسن موعظة تقال في محلها. وكأني نسيت ~~نفسي أني موجود في هيكل الصمت، فقلت لرفيقي: أحسنت والله بهذه التعزية، إنها لحكمة ~~منزلة. # أما الحاضرون ولم يكونوا كثارا؛ لأن زيارتنا لأهل الميت كانت بعد أسبوع، وقد بدأت ~~حركة التعزية تقل؛ فقد سمعوا الموعظة الجميلة كأنهم لم يسمعوا ms010 شيئا البتة ، وقد عجبت ~~لأمرهم، فقلت في نفسي: لعلهم طمطمانيون لم يفهموا معنى الذي قيل أمامهم. # ولم يكد ينهي بطرس كلماته الدرية حتى وافى البيت فوج مؤلف من ثلاثة رجال، ولأن المكان ~~واسع والزوار قليلون بقينا في أماكننا، بل بقي بطرس جالسا، واضطررت ألا أتحرك؛ لأنه ~~هو الزنبرك لهذه الزيارة. # ولما جلس القادمون جديدا فتح أحدهم فاه بالكلام، وفيما هو يهم ليتكلم حزنت على نفسي، ~~وقلت: يا لله! ما أجهلني؛ فإني لا أفهم شيئا من العادات والتقاليد، ولم أمرن نفسي ~~على الكلام اللازم في كل حين. أما المتكلم فبدأ بقوله: «هذا حال الدنيا، الموت محتم ~~على كل الناس لا مهرب منه. كان إسكندر الكبير قد فتح الدنيا بأسرها، وهو في الثلاثين من ~~عمره ...» # وفيما هو يخبرنا عن الإسكندر قلت في نفسي موعظة ثانية تأتينا، وقد حتمت علي أن أقصد ~~المكتبة العمومية بعد هذه الزيارة لأطالع حياة ذلك الرجل العظيم، الذي كل تاريخه مواعظ ~~لازمة للبشر وبالأخص في حالات المصائب، وقد تحولت إلى إصغاء تام لأسمع المتكلم فلا ~~تفوتني الموعظة الثانية، ولكن شد ما كان فشلي عندما سمعت منه نفس الموعظة التي أخبرها ~~بطرس؛ ولهذا استأت في داخلي أيما استياء. # عندئذ هم رفيقي بالنهوض؛ لأنه رأى فوجا آخر مؤلفا من قادمين اقتربا من الباب، ~~فكبست على ركبته، وهمست في أذنه: إني أريد أن أبقى حتى نخرج كلنا معا، فسايرني بطرس ~~مضطرا، ودخل القادمان فتليا أفشين التعزية وجلسا. وما هي إلا لحظة حتى فتح كبيرهما فاه ~~بالكلام، فسمعته يقول: «ما هان علينا موت المرحوم، ولكن أمر الله لا مرد له، هكذا قدر ~~وكان، فسبحان الدائم، يحكى أن إسكندر ذي القرنين شعر بدنو أجله ...» # هنا تنحنحت قليلا فلاحت مني لفتة إلى صديقي بطرس، فرأيته يخط وجهه ابتسامة، ولكن في ~~الحال أدرت وجهي عنه إلى ناحية المتكلم لأسمع حكاية إسكندر ذي القرنين، وبعد سماعي ~~جملتين من حديثه بدأ وجهي يخط ابتسامة عريضة، وللحال خوفا من أن تنتهي الابتسامة ~~بضحكة ونحن في هيكل الحزن والخشوع ms011 نهضت ونهض معي رفيقي، فقلت: «بالإذن بلا قطع حديث حضرة ~~المتكلم، ونهاركم سعيد جميعا.» وخرجت وتبعني بطرس، ولما صرنا خارج البيت أمسكني صديقي ~~مستوقفا إياي، وقال والسم يقطر من وجهه: «ما نفعك ونفع علمك إذا كنت لا تفهم أن في ~~بيوت أهل الموتى لا يقولون عبارة «نهاركم سعيد»، وقد أفهمتك عندما دخلنا ألا تلفظها ~~فبلعتها، فلماذا نسيت هذا الأمر عندما خرجت؟» # فقلت له: دعني من عتبك يا بطرس وأخبرني أين قرأت القصة التي قلتها في بيت الميت؟ فقال: ~~إنه سمع جده يرويها في مأتم شيخ القرية. فقلت: وأين قرأها جدك؟ فقال: لا بد أنه سمعها ~~من جده، فقلت له: إذن في مرة ثانية اضبط التاريخ، وقل هكذا حدثني جدي عن جده عن ~~جده حتى تصل إلى معاصر لإسكندر الكبير. # فضحك بطرس وصفح عني، وقال وهو يصافحني ليأخذ سبيلا غير سبيلي: «اضحك بسرك؛ فإننا لم ~~نكمل الساعة في بيت المرحوم، وإلا لكنا سمعنا حكاية إسكندر الكبير لا أقل من عشرين ~~مرة.» # فأجبته، ولعلني قلت الصواب: «لو كنت موضع أهل الميت لقلت للناس المرحوم استراح من هذه ~~الدنيا ومن مواعظكم.» # وودعت بطرس وسرت في طريقي، فالتقيت بجماعة عرفت منهم واحدا، ولما رآني دنا مني ~~مسلما وأخبرني أنه ذاهب ليأخذ بخاطر آل المر، فأخبرته أني آت من تعزيتهم الله ~~يساعدهم، فأعاد: «الله يساعدهم.» وزاد: «ويعينهم.» وقد أخبرته كيف أني دخلت بيت الميت ~~ولم أقل عبارة تعزية أعزي بها المساكين؛ لأني لا أفهم الاصطلاحات، فضحك مني وقال: «أهي ~~مسألة فلسفة، احك قصة فيها مغزى وعز بها الجماعة.» فقلت: وما عساك أن تحكي ~~أنت؟ # فبدا يخبرني قصة إسكندر ذي القرنين، ولكني قاطعته قائلا إني أعرفها وأشرت له أن يلحق ~~بأصحابه؛ ليعزوا الجماعة وليساعدهم الله ويعنهم ويرحمهم. # | المتشائم # ما كنت أعهد فيه الشر والميل إلى تضليل الناس؛ بل عرفت صديقي إلياس البقاعي شابا ~~مهذبا رقيق العواطف محبا، يدأب في عمله ويغار على مصالح زبنه، ولكنه في الأيام ~~الأخيرة انقلب بأخلاقه وطباعه، فصار إذا سأله ضال: أين ms012 الطريق إلى الشمال؟ يدله على ~~الجنوب غير مبال بعقبى، ولا آبه بجناية يرتكبها بتضليل الآخرين. # جلست إلى جانبه في أحد الأيام وسألته لماذا تبدل بأخلاقه حتى سود الناس صحيفته؟ ~~فرأيته يهز رأسه، عاضا شفته السفلى عضا قويا، وما تكلم غير هذه العبارة جوابا: ~~«آليت ألا أهدي ضالا ما دام الضلال في البشر، وإذا رأيت أعمى له أمل بالنور أحمل على ~~أمله حتى لا يبصر لا في الحقيقة ولا في الخيال.» # قلت: إلياس، إلياس ما الذي صار لك؟ قل لي ما أنت بذاك الذي أعرفه بإلياس البقاعي، أنت ~~رجل غيره، ماذا دهاك؟ # أجاب: «أتظن أن أتعابي سنين طوالا غيرتني، لا والذي خلق المكاسب والمخاسر، إن ما ~~غيرني من إلياس البقاعي الذي تعرفه إلى إلياس البقاعي الذي تراه الآن لهو التطفل مني ~~على إنارة سبل الضالين؛ فإن التائه في سبيل حياته لأضمن حالا من الذي تفتح عينه ~~العمياء فيرى الكون كله تحت باصرته، ويجعل عينه فما واسعا يريد ابتلاع ما ~~يراه.» # قال هذا وتنهد، ثم قص علي حكايته، وكيف آل إليه الحال. # تعلم أني شغلت في الولايات المتحدة خمس عشرة سنة أحمل صناديق بضاعتي فأبيعها على ~~تجارنا في الداخلية، وقد جعلت شعاري في مطلع تجارتي حتى آخرها أن أكون مخلصا ~~لزبائني نصوحا لهم؛ لأضمن حسن حالهم المعقود بنجاحي، وكان لي زبون في بلدة صغيرة في ~~الداخلية أبيعه من بضاعتي كما أريد، وأمحضه النصح في المشترى والمبيع كأنه شريكي في ~~العمل. وفي ذات يوم دخلت محله في أحد الأسفار فرأيت محله مزدحما بالصناديق المكردسة ~~هنا وهناك، وبالبضائع المبعثرة بلا ترتيب ولا نظام؛ يبيع زبائنه وفي فيه سيكار طويل، فقلت ~~في نفسي: «غريب والله كيف أنه يرزق مثل هذا الزبون، وهو على ما هو عليه من عدم ~~الترتيب!» # وفي تلك الساعة وأنا أنتظره ريثما يفرغ من سيدة كانت تساومه على قميص؛ لأجلس وإياه ~~وأبيعه قائمة بضاعة حرك أفكاري سيكاره، فقلت في نفسي: يجب أن أسأل هذا الرجل إذا كان ~~محله مضمونا في شركات السوكرتاه؛ ms013 فإن حاله عرضة للحرائق، فلأسألنه. # وهكذا كان، فعندما جلست أسأله عما هو بحاجة إليه من البضائع سألته: أأنت مسوكر؟ ~~فأجابني: «نعم مسوكر عند هذا.» قال هذا وأشار بيده إلى ناحية في محله، فلم أفهم معنى ~~إشارته، ولكنني ظننت أنه أومأ إلى روزنامة معلقة على الحائط، وفيها اسم الذي ضمن له ~~المحل؛ ولهذا ملت عن زيادة الاستفهام، واستأنفت الشغل وبيدي قلمي أكتب به مطلوبه من ~~الأصناف. # وفي منتصف العمل عاودتني فكرة الضمانة، فكررت عليه سؤالي فقلت له: «قلت لي إن محلك ~~مضمون، ولكنني لم أفهم عند أية شركة من شركات الضمانة.» فأعاد إلي إشارته بإصبعه وقال: ~~«قلت لك عند هذا، هذا هذا، ألا تراه؟!» # أما أنا ففرست على خط مستقيم من إصبعه الدال فلم أجد سوى صورة، ولكنني خجلت منه فلم ~~أستوضحه أكثر ومضيت في شغلي، ولما أنهيت كتابة القائمة وقد بلغت نحو خمسة آلاف ريال طويت ~~القائمة وخبأت بضاعتي، ووقفت مترددا محتارا بأمري كأني كنت ناسيا شيئا، ولم أكن ~~بالناسي؛ ولهذا ظللت واقفا موجما، وزبوني ينتظرني لأصافحه وأودعه، وأذهب من ~~محله. # عندئذ قلت له: اسمح لي قبل أن أودعك أن أنقل اسم الشركة التي ضمنت لك محلك؛ لأن ذلك ~~لازم لدفاتري، فكل زبون يجب أن أعرف الشركات التي تضمن محله. # فضحك مني وقال: «عجيب أمرك، قلت لك: عند هذا، عند هذا، ألا تراه؟» # فقلت: لا أرى غير صورة. # فقال: «نعم، صورة، ولكنها أيقونة مار أنطونيوس شفيع كنيستنا في الضيعة.» # هنا ابتدأت رواية مضحكة، فسري عني قليلا، وضحكت أولا ضحكة انفتح لها قلبي لسذاجة ~~زبوني، وبعدئذ سألته بلهجة ازدراء خفي: ألعل مار أنطونيوس عنده شركة للسوكرتاه، وكم ~~سعر الألف عنده؟ # فقال: «كان الناس يشورون علي بالسوكرتاه، وأنا أؤجل الأمر حتى لم يعد لي من حجة عليهم ~~بالإمهال، وكل الوكلاء الذين قصدوني للسوكرتاه طلبوا مني مائة وخمسين ريالا، فقلت في ~~نفسي أرسل مقابل ذلك مائة ريال لمار أنطونيوس كل سنة، وهو يحمي محلي أحسن من أي إنسان؛ ~~لأن عجائبه مشهورة وهو حامي ms014 ضيعتنا، فأوفر خمسين ريالا وأنفع بلدي وقديسها.» # فقلت: ولكن إذا احترق محلك بماذا يعوض عليك مار أنطونيوس، إنه يأخذ منك كل سنة مائة ~~ريال، ولا يعطيك سنتا واحدا إذا احترق محلك لا سمح الله، أما الشركات فإنها تأخذ منك ~~مائة وخمسين ريالا، ولكنها تدفع لك كل سنت تخسره إذا احترق المحل. # وجلست ساعتين بكاملهما أنير بصيرة ذلك الزبون حتى أفهمته أن المسألة ليست للحماية، فمار ~~أنطونيوس عجائبي وعظيم، ولكنه لا يعوض على الخاسرين، أما الشركات فإنها لا تحمي ولكنها ~~تضمن الخسارة، ولم أذهب من عنده حتى أفهمته كل شيء بهذا الصدد، وأقنعته أن يستدعي أحد ~~وكلاء شركة الضمان ليضمن محله. # في تلك السنة احترق محل زبوني المسكين، وبعد أسبوع وردني منه خبر أن الشركة أعاضت عليه ~~الخسارة بعشرين ألف ريال، وقد أرسل إلي داخل الرسالة حوالة على البنك بكل حسابي معه. ~~فكتبت أعلمه أن يعتبر بما جرى، وأن يفتكر قبل أن ينشئ محله الثاني بأمر الضمانة، فلولا ~~مراحم الله التي ساقتني إليه تلك المرة لأنير بصيرته وأحول السوكرتاه من مار أنطونيوس ~~إلى إحدى الشركات لكان حضرته في هذا الوجود وأتعابه سنين عديدة في ذمة ذلك ~~القديس. # بعد سنة واحدة احترق محله ثانية، واستدعيت إلى بلده من الحكومة كأحد الدائنين الكبار، ~~وقد كان لي بذمته اثنا عشر ألف ريال، وهناك مكثت يومين، ومن هناك عدت إلى نيويورك كما ~~ذهبت، وزبوني في السجن بدعوى إحراقه محله عمدا؛ فقد عثر البوليس على شمعة مخصوصة لإيقاد ~~النار في المحل، ولم تأت عربات الإطفاء حتى كانت النار قد التهمت الأخضر واليابس، وفي ~~الاستنطاق أقر أنه أوقد النار ليأخذ ألوف الريالات من شركات السوكرتاه، وقد أخبر المحكمة ~~أني أنا سببه؛ ولهذا دعتني للشهادة، فأخبرت القاضي بالقصة من أولها إلى آخرها، وما آخرها ~~إلا عودتي من تلك البلدة خاسرا أرباحي وأتعابي خمس عشرة سنة عند ذلك الزبون، وهذا ثمن ~~فتحي باصرة أعمى، وإرشادي ضالا، وقيادتي ساذجا إلى طريق العرفان. # وقال لي صديقي إلياس البقاعي ختاما لحكايته التي ms015 أثرت بي كثيرا: «أوتلومني لماذا ~~انقلبت من إلياس تعرفه إلى إلياس تراه وتسمع به في هذا الحين يضل الناس ويعمقهم في ~~ضلالهم! # يا ليته بقي مسوكرا عند مار أنطونيوس، بل يا ليتني لم أفتح بصيرته وأرشده إلى الضمانة ~~الحقيقية التي علمته ارتكاب الجرائم.» # | سمعان النادر # هكذا يسمونه اليوم «سمعان النادر»، وقد كان اسمه قبل أن هاجر إلى أميركا سمعان فقط. ~~لم يكن أحد يعرف كنيته، ولكنه كان رجلا مشهورا بقبائحه حتى أغنى اسمه عن كنيته، فكان ~~اسم سمعان كافيا في تلك المقاطعة السورية ليعني لدى كل واحد من ساكنيها رجلا شديد ~~القوة، يقطن الكهوف في الجبال، يترصد أبناء السبيل ليفتك بهم ويسلبهم حوائجهم. # ولكنه بعد مرور سنوات على حياته تلك المرة أراد أن يتوب فلم يفلح؛ لأن الناس في قريته ~~لم يصدقوا توبته، والحكومة لم تكن لتأبه لها، بل كان رجالها يلاحقونه من قرية إلى أخرى ~~حتى انقطع رزقه، وكاد يجوع في حين لا أمل له بالخلاص من عيشه على تلك الصورة. # ولهذا هاجر سمعان، أما كيفية حصوله على المال الذي لزمه للنفقات فأمر لا يحتاج إلى ~~إيضاح؛ لأن من اعتاد شيئا وأراد الرجوع عنه فلم يستطع لا بد أن يعود إليه. فاللص إذا ~~تاب ثم احتاج إلى مال يعود لصا. وهكذا سمعان، رأى أن الضرورة تدعوه للهجرة إلى ~~أميركا هربا مما هو فيه من سوء الحال والضغط الشديد عليه من الحكومة، وبالرغم من ~~افتكاره بالتوبة عاد مضطرا إلى طرق الحرام ليقضي لبانته. # وجاء سمعان إلى أميركا، وكان قد درس حياة السوري فيها من بعض السوريين الذين صادفهم في ~~مرسيليا، وعلى الباخرة من الذين كانوا سابقا في أميركا، ثم هاجروا إليها ثانية، فعرف ~~منهم أن مثله لا يستطيع أن يأتي بحركة إلا إذا كان يقبل أن يعيش أجيرا يرضى بالكفاف من ~~العيش؛ ولهذا قبل أن يضع رجله على اليابسة صمم النية على أن يقوم بمشروع كبير يجمع فيه ~~المال الكثير من أبناء بلاده المنتشرين في طول أميركا وعرضها. # ولم يلبث ms016 سمعان بضعة أيام في نيويورك حتى استدل على بعض عناوين لأناس يعرفهم في ~~الداخلية، فقصدهم ونزل عليهم، وكان على غير ما يأملون أن يروه مثال العفة واللطف ~~والمسكنة. # والصيت إذا تحرك يسبق الريح، وقد تحرك صيت سمعان بأنه قدم إلى أميركا؛ ليكفر عن ~~خطاياه التي ارتكبها في سوريا، وأنه تاب إليه تعالى، وقد نذر ما بقي من حياته في خدمته؛ ~~ولهذا جاء ليجمع من أهل بلاده نذورا لكنيسة وطنية تبنى في قريته. # سمعان الشقي قادم إلى أميركا ليجمع نذورا! ولماذا لا؟ فما على المشكك إلا أن يجتمع به ~~خمس دقائق فيرى أنه بالحقيقة تغير من شيطان جهنمي إلى ملاك أرضي؛ رجل مسكين يبدأ تناول ~~الطعام برسم الصليب وينهي الأكل بالصلاة، ويجلس في قوم لا يتكلم إلا إذا سئل؛ لا يتدخل ~~في خصوصيات الناس، ولا يقول إلا الشيء المرضي للجميع؛ يكثر من ذكر آيات الله وطاعته في ~~كل حال من الأحوال؛ وإذا ذكر أمامه أحد الناس تضرع إلى الله تعالى بتوفيقه؛ وإذا نفحه ~~أحدهم نذرا يغدق عليه الأدعية الحارة؛ إلى ما هنالك من هذا السلوك الذي كان أدعى إلى ~~دهشة العارفين إياه أو السامعين به من أن يروا كوكب الصبح آتيا بمركبة نارية بجانب ~~المسيح. # ولهذا سمي في ديار الهجرة «سمعان النادر»؛ لأنه نذر نفسه لله تعالى، وتاب عن ضلاله ~~مؤمنا بالآخرة، وعلى هذا الاسم طارت شهرة الرجل فطفق يجول في أميركا من بلد إلى بلد آخر ~~ومن ولاية إلى أخرى، يختلط بالناس مظهرا لهم كل مسكنة، داعيا إياهم إلى تكريس قليل ~~من المال في خدمة الله لقاء تكريسه كل حياته من أجله تعالى. # وكان أن صيته وصل إلى البلاد، وهناك انتشر بين جميع السكان أن سمعان قد نذر حياته لخدمة ~~الرب، وفي البداءة صعب عليهم التصديق، إلا أن الأخبار الواردة متتابعة من كل جهة كانت ~~تؤيد الخبر، حتى أمن عليه الجميع وصدقوه، فصار اسم سمعان عندهم يعني التوبة والندامة، ~~بدلا من الرذائل بكل فروعها. # أما سمعان فثابر على عمله مثابرة ms017 شجعه عليها إقبال الناس على مشروعه وتألبهم على ~~مساعدته، حتى إنهم في بعض الأماكن أنشئوا من أجله لجنات للأخذ بناصره، وعينوا من ~~قبلهم وفودا يدورون معه من منزل إلى آخر ليجمع ما تجود به أيادي المحسنين، فكان الناس ~~يغدقون عليه الأموال بعضها للنذر وبعضها تعطى إليه بصفة شخصية لنفقاته الخاصة، فكان ~~سمعان يضع الكل في جيب واحد، قائلا للدافعين إنه لم يأت أميركا ليجمع لنفسه بل لله؛ ~~ولهذا يخلط الكل معا ليذهب إلى صندوق الله. # وكان يجمع بقوة تأثيره على عقول الناس الذين عرفوه لصا وقاطع طريق، ثم رأوه تقيا ~~وناذرا حياته لله، أما الغرباء الذين عرفوا عنه شيئا، فكان أكثرهم يكثر عليه ~~السؤالات، وبعضهم يسأله عن ورقة الإذن من مطران أو خوري أو جمعية، فلم يكن يحير جوابا ~~على ذلك، ولكنه كان يستعين بالذين حوله، وهؤلاء يقصون على الناس تاريخه المجيد وكيف ~~انقلب من شيطان إلى ملاك ومن ذئب إلى حمل، وهذا كان كافيا شر السؤالات، ومغنيا عن ألف ~~إذن أو ورقة أو نيابة. # إلا أن سمعان في السنة الأخيرة شعر بميل الناس عن مشروعه قليلا، فصار يخشى الانخراط في ~~جماهير الناس؛ لأن بعضهم كان يسأله عن المقدار الذي جمعه فما كان يجيب إلا بأنه لم ~~يحصه بعد، وأن بركات الله تضر في المجموع إذا عده. وبعضهم صار يسأله عما إذا ~~كان أرسل منه شيئا إلى البلاد، فكان يجيبهم بأن يقلب الحديث من أميركا إلى الصين ~~تخلصا من الأجوبة، وهربا من التعمق في هذا الموضوع الذي يكره فتحه والتداول به، ~~خوفا من التحري. # أخيرا، عزم سمعان على الرحيل والعودة إلى الوطن، فأم نيويورك مزودا بالأدعية من ~~نساء ورجال، وكلهم كان يتمنى أجره في الآخرة، ويحسده على مكانته في عالم التقى والصلاح، ~~ويأمل أن ينفعه الله بأدعية سمعان بفضل ما تبرع به من المال الذي حصله في أميركا بعرق ~~القربة. # وعاد سمعان النادر إلا بلاده في عام 1903، وأول شيء فعله أن دخل إلى قرية مسقط رأسه ~~دخول الشهير المعروف بفضله، ms018 وقد زاره كل سكانها في اليوم التالي، وصاروا إليه أقرباء ~~ومحبين، وهو صار مقربا من الجميع ومحبوبا، ولم يعد من أحد يخشى شره ~~ويتجنبه. # ولم يمض الشهر على وصول سمعان النادر إلى قريته حتى بدأ بالبناء، فراجت الإشاعات على ~~أنه بدأ ببناء الكنيسة، فكان إذا سأله أحدهم يهز رأسه دون أن يفتح فمه بالكلام، ولكن ~~شد ما كان عجبهم منه عندما قامت البناية على الأساس، وظهرت بيتا لا كنيسة، فعادت ~~الإشاعات إلى الظهور بأن سمعان يبني بالمال الذي جمعه في أميركا بيتا لنفسه بدلا من ~~بيت الرب. وقد وصلت الأخبار عن ذلك إلى أميركا، فعجب الناس منها، وندموا على ما فعلوه ~~نحوه، وما قدموه إليه من الإكرام والاحتفاء، وصاروا يوبخون بعضهم بعضا كيف انطلت ~~عليهم حيلته، وكيف أنهم لم يتحروا أمره منذ البداءة. # أما سمعان النادر فلا يزال حيا يرزق، وبالرغم من أن سنوات الحرب أودت بحياة تسعة ~~أعشار القرية التي يسكنها؛ فإنه ظل وعائلته حيا، وزادت ثروته عن ذي قبل ~~أضعافا. # وقد زاره مواطن له، عاد من أميركا بعد الهدنة، وعندما سأله عن أموال التبرعات التي ~~جمعها، قال إنه بنى بها بيتا للرب، وإنه سكن البيت؛ لأن الرب لا يسكن البيوت، ولما كان ~~هو ناذرا نفسه للرب، تكفيرا عن معاصيه اضطر أن يسكن البيت الذي أنشأه من أموال ~~المتبرعين إلى بيت الله. # فسأله ذلك الزائر: كيف رأيت المهاجرين السوريين في أميركا؟ # فقال: إنهم ذوو قلوب سليمة، ولا يردون طالبا خلا نفرا منهم اكتسبوا من أميركا قلة ~~الدين، فهم يهزءون بالمشاريع العمومية، ولا يهمهم شأن وطنهم. ~~- أوأنت تلومهم؟ ~~- نعم، ألومهم؛ لأنهم يعاكسون على ذوي الآمال في وطنهم، فلولا أولئك المتفلسفون القليلو ~~الدين لجمعت مبلغا كافيا لتشييد كنيسة في هذه القرية، ولكن المبلغ الذي جمعته لم يكن ~~ليبني زاوية من كنيسة. ~~- ولهذا السبب يظهر أنك بنيت بيتا لنفسك بتلك الأموال؛ لئلا تذهب ضياعا أليس ~~كذلك؟ ~~- نعم؛ لهذا السبب عينه. ~~- الحق معك، ما أطيب قلوب المهاجرين وأسلم نياتهم! على أنني أدعو لهم ms019 بأن يكثر عدد ~~الذين نذروا حياتهم للرب مثلك بينهم لعلهم يتعلمون ويتعظون. # | حبال الغسيل # نيويورك بلد عظيم، فيه من الخلائق ثلاثة أضعاف سورية من العريش إلى الطوروس، ومن البحر ~~إلى الصحراء؛ ولهذا فمن اعتاد الفضاء لا يهنأ له عيش في قفص مدنية الجيل العشرين، ~~وكثيرا ما ندم كهول وشيوخ جيء بهم إلى نيويورك على قدومهم، فجلسوا إلى زاوية من ~~زوايا البيوت يندبون الحظ، ويلعنون الساعة التي وصلوا بها إلى هذه البلاد، التي بالرغم ~~من كل عظمة فيها لم تكن عند آمالهم وتصوراتهم؛ فإن ركب الحمار إلى الغدير والمشي ~~إلى الكرم في وسط الغبار والطين والنوم على المرج في ساعة الظهر إبان تلهب أشعة الشمس ~~الجماد أجمل في نفس ابن سوريا القديم من الوقوف في شارع برودواي، حيث تزدحم الكارات ~~والسيارات والعربات، يلتفت المارون هنا وهناك ليروا لأنفسهم مخرجا يعبرون منه إلى ~~ناحيتهم المقصودة آمنين الأخطار. والكوخ المبني من أغصان الشجر القائم في الكرم أجمل ~~للمنام على سرير في منزل لا تدخله أشعة الشمس دقيقة في السنة، والجلوس عند النافذة في ~~البيت السوري حيث يمتد البصر إلى أميال فيشرف الناظر على الآكام والأودية أجمل من بناية، ~~ولورث ذات الطباق الثماني والخمسين. والقمباز الذي يستطيع معه لابسه أن يجلس به كيفما ~~شاء القرفصاء والأربعاء، آنا متكئا وآخر متمددا دون أن يشعر بشيء يشد على ساقيه ~~وفخذيه وركبتيه أجمل وألطف من التقيد بسلاسل البنطلون. # ظل العم بو غانم يراسل أولاده في نيويورك ملحا عليهم بأن يستقدموه إليهم، وهم ~~بالرغم من توفيقهم بالأشغال لم يكونوا يرون مناسبة في استقدامه، لأملهم بالأوبة إلى ~~الوطن حيث يجتمعون به بعدما يكونون قد جمعوا مبالغ من المال تكفيهم مئونة العناء في هذه ~~الحياة، إلا أنهم لكثرة ما ألح عليهم اتفقوا على استقدامه، قائلين إنهم يصرفون معه بعض ~~السنين ثم يئوبون كلهم إن لم تعجبه حياة أميركا. # كان العم بو غانم في الطريق إلى نيويورك يتأمل في عظمة أميركا كما ترسم إليه مخيلته ~~حسبما كان يسمع، آملا أن يصل ms020 إليها بالسلامة ، وإذا مات بعد أسبوع لا يهمه؛ لأنه بذلك ~~يكون قد حصل على أمنيته وزار الجنة. ولكنه منذ وصل ابتدأ يشعر بنفسه أنه كان مغرورا ~~بتصوراته التي لم ير لها أثرا في نيويورك، وما قطع بضعة أيام حتى صار يشعر بميل ~~قوي عن عظمة أميركا وبشوق عظيم إلى حالة قريته الخالية من كل أثر للمدنية. # ولم يكن العم بو غانم ليعمل عملا في نيويورك؛ لأن أنجاله كانوا بغنى عن عمل ~~أبيهم الشيخ، وما كان همهم بعد وصوله إلا تكييف خاطره وراحته وتسليته عن تشوقاته إلى ~~الوطن، فكلما وجد أحدهم فراغا عنده صحب أباه إلى فرجة من فرج نيويورك ومتنزهاتها ~~ومتاحفها العظيمة ليسليه ويسري عنه، ظنا منه أن أباه لا بد أن يعجب بالعظمة ~~والضخامة اللتين يشاهدهما، فيشغل بما يراه عقله وأفكاره، ولا يعود لذكرى القرية ~~والوطن. # إلا أن العم بو غانم لم يكن ليرى في كل ما وقعت عليه عينه من العظائم الاختراعية ~~والاصطناعية والتاريخية ما يدهشه، فكان أنه عندما مشى جسر بروكلن من الأول إلى الآخر ~~ورأى البواخر العظيمة تمر تحته والقطارات المتتابعة والكارات المتلاصقة والعربات ~~المتسارعة قال لرفيقه من أبنائه إن الجسر على الساقية في طريق الكرم أجمل من كل هذا، وإن ~~غرفة من مياه ذلك الجدول أفضل من كل ما في أميركا، وإن غسل الرجلين في تلك المياه ~~الباردة ألذ للنفس من هذه الفخامة والعظمة. وعندما رجع به أحد أبنائه من برونكس بارك ~~سأله رأيه في القطار العالي الذي كانا عائدين عليه، فقال ومعدته تصعد وتنزل، ورأسه دائخ، ~~ونفسه زاهقة: إن الحمار الذي كان يركبه من الضيعة إلى غيرها أجمل في عينيه من كل ما في ~~أميركا من القطارات والعربات. # وعندما ألح عليه أبناؤه بأن يلبس القبة ويعقد الربطة ليذهبوا إلى الكنيسة، كاد العم ~~المسكين يبكي من غيظه، ولم يبخل على الكنائس وأميركا بمسباته وعلى حظه وغروره ~~باللعنات والتجديفات، وقد قال لأولاده: ما هذه العيشة التي تعيشونها في هذه البلاد ~~الجهنمية؟! هناك بلاد الراحة؛ لا ربطة ms021 في الرقبة ، ولا عقدة على الخناق، ولا سلاسل على ~~الوسط، ولا قيود في الرجلين. آه يا بلادي، لو يسمح لي الدهر أن أرجع وأعيش أسبوعا ~~واحدا تحت سمائها ثم أموت فتكون عيني شبعت ومت مطمئنا! # ومضى على تذمرات العم بو غانم نحو من سنة، وكرهه لكل ما في أميركا يزداد يوما عن ~~يوم، وأبناؤه ينفقون ما استطاعوا لتسلية خاطره وتنزيهه عن الهموم المتلبدة في رأسه، ~~ولكن عبثا حاولوا نزع ما انطبع على صفحات دماغه من أن كل عظيم في أميركا ليس بشيء ~~عجيب، وأن البساطة في سوريا وخلوها من آثار العظمة مما يجعلها جنة النعيم. # وقد صار العم بو غانم مضرب المثل، بأنه لم يجد في أميركا ما يعجبه، حتى صار إذا جلس ~~بين قوم في سهرة أو زيارة يقضي الوقت بمناظرة الآخرين بأن كل شيء في بلادنا أجمل، وأن ما ~~يقابله في هذه البلاد ليس بعجيب ولا عظيم؛ فبغل المكاري أحسن من قطار الجيل العشرين، ~~وجسر الساقية أجمل من جسر بروكلن، وطريق الكرم أحلى من الأفنيو الخامس، ومرعى الماعز ~~أظرف من السنترال بارك، والنومة تحت البلوطة أهنأ من النومة في القصر الأبيض، إلى ما ~~هنالك من تعاليل رجل قطع الستين من عمره، وصارت بلاده - وإن تذمر منها حينا - كل شيء ~~في حياته، بل هي حياته. # وبناء على هذا صارت أحاديث العم بو غانم من المسليات للسامعين، تضحكهم تشابيهه بين ~~حالة سوريا البسيطة ومعالم أميركا واختراعاتها، وقط لم يقر لأميركا بشيء من ~~المعجبات إلا مرة واحدة، وكان ذلك في سهرة حافلة، وفي آخرها بعدما فرغ من حطه من قدر كل ~~اختراع وعظيم في أميركا، وإذ سأله أحد الحاضرين: أي يا حضرة العم بو غانم، بالله عليك ~~قل لنا ألم تر في كل أميركا ما يعجبك؟ # فأجابه العم بو غانم وقد أغمض عينيه لحظة، ثم فتحهما وهز رأسه هزتين ببطء، ~~وتنحنح قليلا فسوى قعدته، وفتح فمه بالكلام فقال: لم يحيرني بكل ما رأيته في هذه ~~البلاد إلا أمر واحد، وهو حبال ms022 الغسيل؛ فقد شاهدت حوائج الغسيل معلقة على الحبال من ~~بيت إلى آخر على مسافة بعيدة، فكيف توصلت الغسالة إلى تعليق الحوائج على الحبل؟ أمر لم ~~أستطع حله، قلت في عقلي: إن المشي على الحبل ليس بالهين، ومع ذلك فالحبل أضعف من أن ~~يحمل امرأة وفي يديها حوائج للتعليق، وإذا أمكنها أن تمسك الحبل بيد من يديها لتنتقل إلى ~~وسطه، فكيف تتمكن من تعليق الحوائج وربطها بالحبل بيد واحدة! هذا ما حيرني، وهذا ما ~~أدهشني! # ولا حاجة إلى وصف ما كان بين الجالسين السامعين بعد كلام العم بو غانم؛ فإن رب البيت ~~صار يرجوهم أن يخففوا أصواتهم لئلا يصعد البوليس إليهم فيعنفهم على ضوضائهم، ولما شبع ~~القوم من الضحك عاد العم بو غانم إلى حديثه، فقال: والله إني راجع في هذه السنة إلى ~~البلاد، وسوف أجبر الأولاد على أن يشتروا بكل ما معنا من المال حبالا من أميركا؛ فإننا ~~نستطيع أن نبيعها بأرباح طائلة في كل المدن السورية. # فأجابه أحدهم: ولكن عليك أن تشتري أيضا الأيدي التي تعلق الغسيل على تلك ~~الحبال. # | ما فيها شي # أميركا أعظم مدرسة يدرك فيها المرء علومه في الحياة، ويكتسب خبرة تعود عليه بالنفع ~~الحسي؛ إذ تجعله رجلا قادرا على الانخراط في هذا المعترك العالمي مما لا تأتيه ~~المدارس ولا الكليات ولا الجامعات. # إلا أن هذه المدرسة العظيمة كثيرا ما يظهر فيها وباء اجتماعي هائل، وعوارضه انتفاخ ~~الأوداج مع ضيق في الجبين، وقد بحث الأطباء بهذا الوباء فما وفقوا إلى معرفة أصله ~~وإدراك أسراره؛ فبقي عنهم مكتوما لا يستطيعون وصف علاجه لمحوه من عالم الوجود. # هذا الوباء الوخيم أصيب به مهاجر سوري بعد سنة من وصوله إلى أميركا في إحدى مدن ~~الداخلية، وقد جاءه عن طريق العدوى؛ إذ زار يوما بيت صديق له فرآه يطالع في إحدى ~~الجرائد العربية، وكان هو يحسن القراءة البسيطة فقط لا غير، فجلس إلى جانب صديقه يشاركه ~~في المطالعة فسرهما المناظرة بين صاحب الجريدة وزميل له، أو بالحرى المهاترة ~~والمشاتمة، وطفقا ms023 كلاهما يسبحان بحمد كاتب تلك المقالة لقوة عارضه وتبريزه باستعمال ~~الكلام الجارح، وقد تشوقا كثيرا لمعرفة ماذا يقوله المناظر ردا على ما قرآه في ~~جريدة «السناء»، فاتفقا آنئذ على أن يشترك نخلة الطبطابي بالجريدة الثانية «منار ~~الأمة»؛ ليتسليا بوجهتي المناظرة، ويتلذذا بالردود والأجوبة، وبماذا يقول فلان عن فلان ~~وهذا عن ذاك، ثم يحكما على المبرز. # بعد خمسة أيام جاءت جريدة «منار الأمة» إلى محل إقامة نخلة الطبطابي، أما جريدة ~~«السناء» فظلت ترد على صديقه ديب أبو غانم، فكان كل يوم يجتمع الاثنان فيطالعان ~~الجريدتين بإنعام نظر ولذة فائقة، وكانا يختلفان آونة ويتفقان أخرى على من كان الأقوى ~~حجة من المتناظرين، أو بالأحرى المتشاتمين. # وظل الصديقان كذلك حتى انتقلت منهما الرغبة في مطالعة الصحف العربية إلى التحزب كل ~~منهما للجريدة المشترك فيها. فصارت اجتماعاتهما لا للذة بالمطالعة كجاري العادة، بل ~~للمناظرة بينهما حول أي من الصحيفتين تضرب على وتر الحقيقة، ومن من الصحافيين أقوى ~~قولا وأدعم حجة. # وظل هذا المكروب السام يتقوى في دماغ كل من هذين القارئين حتى عشش فيهما وبنى صروحه ~~الباذخة، وأول ما فعله بهما أنه حرك أوتار الحماسة، فصار إذا طالع أحدهما صحيفة يشارك ~~صاحبها بنظراته ويسبقه بشتائمه، ويتمنى لو أنه قادر على الخوض في معتركهما ليكرسح ~~الصحافي في الآخر، ثم تدرج بهما فعل ذلك المكروب إلى الاختصام فالعداء. # وانتهى الأمر أن صار الصديقان عدوين، إذا رأى أحدهما الآخر حول عنه وجهه، أو بصق على ~~الأرض متمتما بعض كلمات لا تكاد أذنا شفتيه تسمعانها. وبلغ بهما العداء إلى درجة أنهما ~~أصبحا يريدان الإيقاع كل بالآخر. # بعد أيام جاءت جريدة «السناء»، فكاد لب ديب أبو غانم يطير فرحا إذ رأى اسمه بذيل مقالة ~~تبلغ العمودين من الجريدة، وقد قرأها ديب مرارا وأخذها بيده إلى جيرانه، والسرور مالئ ~~وجهه والرقص يقيم قلبه ويقعده، فكان يدفعها إلى الجيران ليطالعوا مقالته ضد صاحب ~~جريدة «منار الأمة»، ولما دخل على أحد السوريين ودفع إليه عدد الجريدة ليقرأ فيه مقالته ~~أجابه ذلك السوري ms024 بأنه لا يعرف القراءة. ولكنه رجا منه أن يقرأها له، فظل ديب نحو ساعة ~~يهجئ الكلمات ويعيد العبارات من الأول إلى منتصفها، ثم يعيدها ثانية حتى يتوفق إلى ~~اجتيازها حاملة شيئا من المعنى وأحيانا يبلع كلمة أو كلمتين أو يتقيأ من فيه كلمة أو ~~اثنتين ليستر حاله، وتارة يهز رأسه ويسب في وكيل الجريدة لتغييره بعض ~~الكلمات. # والحق أن المستر ديب أبو غانم كتب إلى صاحب جريدة السناء يخبره أنه واقف معه، وأنه ~~يود لو أنه يستطيع الكتابة ليسلق ذلك الصحافي العدو سلقة قوية. فما كان من صاحب ~~جريدة السناء إلا أنه حبر مقالة ترقص لها عجائز وائل، وأمضاها ديب أبو غانم، فكان ما ~~كان من فرح صاحبنا ديب. # وبلغ مسمع نخلة الطبطابي ما كتبه صديقه بالأمس ديب أبو غانم عدوه اليوم في جريدة ~~السناء، فاحتدم غيظا، وتآكلت كبده نار الحسد أولا، ثم لعب بدماغه ذلك المكروب فترك ~~عمله وطاف على السوريين يسألهم ماذا قرءوا بإمضاء ديب، وحاول إيجاد عدد من «السناء» فلم ~~يفلح؛ لأن ديب كان المشترك الوحيد فيها. # ظل نخلة تأبى عيناه المنام كل الليل، فكان ينهض من سريره، طالبا لنار قلبه مخرجا إلى ~~الناحية التي يريدها لينتقم من جاره، إلى أن هونها الله عليه فقال في نفسه: عجبا! إني ~~أعرف أن ديبا يهجئ الكلام في القراءة، فكيف كتب مقالة في الجريدة؟! ثم قال إنه إذا ~~كان ديب يستطيع تحبير المقالات فنخلة الطبطابي - أي هو نفسه - يمكنه أن يؤلف مجلدا، ~~وإذا كان من أغلاط فصاحب الجريدة يصلحها له، وكل من سار على الدرب وصل. # أخذ نخلة بيمناه قلما وكتب رسالة طويلة عريضة بخطوط تشبه ~~خطوط الأنهر على الخريطات، وأشبعها سبا وشتما بصاحب جريدة السناء ومكاتبها ديب أبو ~~غانم، ولما أنهاها تنفس الصعداء، وفرح فرحا لا مزيد عليه، ثم وضعها بظرف ~~وسيرها بالبريد إلى جريدة منار الأمة، وسارت على الطائر الميمون فوصلت إدارة الجريدة ~~حيث هلل لها القوم ورحبوا ترحيبا. # ولا حاجة إلى أن نقول إن نخلة ظل خمسة ms025 أيام يسائل نفسه أتنشر منار الأمة له رسالته أم ~~لا؟ حتى جاء عددها، وما كاد يقرأ إمضاءه تحت صفحة بكاملها حتى أصبح كالمأخوذ من شدة ~~فرحه، فكانت خطواته تنقله على الأرض كالحجل الماشي يدخل بيتا ويخرج منه إلى آخر، حتى ~~أدخل فحوى رسالته إلى رأس كل سوري في ذلك البلد. # وامتد خلاف نخلة وديب إلى الجالية السورية عموما في تلك المدينة، فانشطر القوم فيها ~~شطرين، هذا يلف لف صاحب السناء وذاك يلف لف صاحب منار الأمة، وصارت الاجتماعات ~~السورية في المنازل والحوانيت أشبه ببيت البورصة؛ الصياح سلطان، والخبط بالأيدي قائد ~~فرسان، والسباب والشتائم جيوش جرارة؛ حتى اضطر الجيران الأجانب إلى رفع تظلمهم إلى ~~البوليس. # وظل القوم على هذه الحال حتى تأصلت العداوة بين الحزبين ونتج عن ذلك انتشار ~~الجريدتين في البلد، حتى إنه لم يكن من سوري يعرف القراءة أو لا يعرفها إلا وطلب الجريدة ~~التي تحزب لها مشتركا إما بعدد أو بأكثر. ومضت الشهور وكتابات ديب تصارع كتابات نخلة ~~على صفحات الجرائد إلى أن تلاشت الأسباب. # وذلك أن عقلاء القوم في نيويورك أو الذين يخافون على جلودهم من سياط أصحاب الجرائد ~~اجتمعوا في أحد الصوالين فقرروا مصالحة الصحافيين، وبأحبولة سياسية تمكنوا من الجمع ~~بين الضدين، فصالحوهما وكبسوا يد كل منهم بتشك مليح. # ذكرت الجريدتان الحادثة في الصوالين، وكل منهما أشارت إلى أن العداء منها ضد الرصيفة ~~لم يكن إلا نتيجة سوء فهم، وأن المناظرة المنزهة عن الشخصيات لا بد منها؛ ولهذا فهي ~~لا تحمل حقدا لجارتها ولا لصاحبها، ولما كان كل سبب قد زال فإنها تصافح رصيفتها ~~مصافحة أخوية للنهوض بهذه النزالة المحبوبة إلى ما يؤمل لها من ذروات التقدم ~~والارتقاء. # ولا تسل أيها القارئ كم أحدث هذا الخبر من الاشمئزاز في نفس كل من ديب ونخلة وفي نفوس ~~كل السوريين في البلد الذي كانا مقيمين فيه، وقد دهش القوم لهذا الصلح الذي جاء بغير ~~أوانه، فأفسد عليهم اللذة التي كانوا يتناولونها من مطالعة الصحف العربية. # وبعد أيام ظل ms026 القوم على العداء بين بعضهم البعض، وإنما دون اجتماعات ولا معالجات، ~~ولكنهم كانوا واحدا واحدا يرجعون الجرائد إلى أصحابها، معتذرين لأنفسهم عذرا على عدم ~~استطاعتهم الاشتراك في الوقت الحاضر. # واجتمع الصحافيان اجتماعا في أحد الصوالين فسأل الواحد الآخر: كيف الشغل؟ ~~- أيام المناظرة كان ولا أحسن منه! ~~- نعم، هكذا كان حالي، وأما اليوم فالأعداد المرتجعة تزداد يوما على آخر. ~~- يظهر أن القوم لا تلذهم الجرائد إلا في حال المناظرة. ~~- إذا كانت المناظرة من المروجات، فلماذا لا نتناظر. ~~- أنا أرتئي ذلك، فلنبدأ غدا، وأنا أكون البادئ بمقالة من «كعب الدست». # جمعتني إحدى السهرات برهط من القوم وكان بينهم رجل يطالع إحدى الجرائد العربية برغبة ~~فائقة غير مكترث بأحاديث القوم، فدنوت منه ودفعت إليه جريدة كانت بجيبي حفظتها لمقالة ~~فيها لم أقرأ أبلغ منها بموضوعها بعنوان «حياتنا السورية»، وقلت له: يظهر أنك تحب ~~المطالعة، فخذ هذا العدد واقرأ المقالة الفلانية. # فتناول مني ذلك العدد، وبعدما أجهد نفسه بمطالعة العنوان مع السطر الأول طواها وأعادها ~~إلي، قائلا: «ما فيها شي.» ثم استأنف القراءة في الجريدة التي كان يطالعها، فتطلعت ~~إلى الموضوع الذي كسب شوقه الزائد في قلب السهرة الحافلة، فرأيته يقرأ خطوطا تحت عنوان ~~«ذلك الصحافي السافل». # فرجعت إلى مكاني، مرددا عبارته: «ما فيها شي.» ولم أعد أحشر نفسي بين القوم فيما ~~بعد. # | المال يتكلم # في أول سنتين لوجود موسى البدل في أميركا سعد بثروة ليست بالقليلة؛ إذ كانت المهاجرة ~~السورية لم تزل تكتب الصفحة الأولى من تاريخها، وقد كان يقدره الناس بصاحب خمسين ألف ~~ريال، وبعضهم يضعه فوق هذا المقام من الثروة. والحقيقة أنه هو نفسه لم يكن عارفا ~~بمقدار ما معه بالتمام؛ لأن الغنى جاءه لأم ساعته، فلم يعطه فرصة للعد والحسبان، ~~ولم يكن حضرته يأمل بمثل هذه الثروة، إلا أنها أتته عفوا بفضل الأحوال والصدف، وما ~~أكثرها في هذه البلاد. # بعدما صار في هذه الدرجة من الغنى افتتح محلا رسميا، واستخدم ماسكا لدفاتره ~~ومعينا له في العمل، وقد عين عملاء في ms027 بعض البلاد الأوروبية والآسيوية، وكثرت بضائعه ~~وتراكمت، وافتتح حسابا في البنك، وطفق يبيع ويشتري، وإذا كان التجار اصطلحوا على ~~إقفال محالهم عند الساعة السادسة كان حضرته يتناول العشاء في محله، ثم يستأنف العمل ~~إلى ما بعد الساعة العاشرة ليلا، وظل يعمل باجتهاد كلي النهار كله وبعض الليل حتى ~~جاء رأس السنة الجديدة، فعمل حسابه بعد تقويم المحل، فوجد أنه لم يربح ألوفا من ~~الريالات بل يضع مئات تنقص عن نفقاته الخاصة. # لم يفتكر أن السنة الأولى هي سنة تأسيس لا يلقى عليها أمل كبير بأرباح كثيرة، ولما كان ~~قد اعتاد أن يربح خمسين ألف ريال في سنتين فقد مقت المحل الرسمي، وأسف للحالة السالفة؛ ~~إذ كان يتناول صندوق البضاعة الأسطمبولية ويبيعه قبل أن يفتحه بربح ألف ريال نقدا دون ~~تقييد ولا نفقات محل وعمال؛ ولهذا عمد إلى التغيير، فصرف الكاتب والمعين بسلام، وظل ~~هو في المحل ماسكا الدفاتر وكل شيء، ولو أنه استطاع تصريف البضاعة والرجوع إلى حاله ~~السالفة لما تردد، ولكن كيف يمكنه ذلك وقد علق ببنك وزبائن له عليهم ديون وحسابات جرارة، ~~وعملاء لهم عليه حقوق وعندهم له طلبات؟ # اضطر المسكين أن يظل تاجرا رسميا سنة أخرى وتبعتها ثالثة ورابعة وخامسة، وفي كل ~~سنة يأكل أصابعه ندما لانخراطه بالتجارة مع أن ميدان الربح واسع بغيرها أو عن غير طريق ~~المحال، وكان يشتهي الخلاص من تلك الوقعة المشئومة، ولا يجد لنفسه منفذا ليخلص برأس ~~ماله القديم. وكلما عن له التخلص صغر دائرة أعماله، فكان كالبزاق «بيتي على ظهري علا»، ~~كل سنة ينقل إلى محل أصغر فأصغر اقتصادا وظنا منه أنه بذلك يتغلب على النفقات فتكثر ~~أرباحه، وما درى أنه بذلك يصد الربح عنه، ويقضي عليه بالابتعاد. # وحمل موسى البدل أتعابه زهاء العشرين سنة ظل فيها مقدرا بخمسين ألف ريال، وكان ~~يقول في نفسه حينما يفطن لحاله: عجبا! ففي تلك الأيام برأسمال خمسين ريالا ربحت خمسين ~~ألف ريال بسنتين، ثم بخمسين ألف ريال لم أربح خمسين ريالا بعشرين سنة! # وهذه ms028 معضلة المعاضل لم يكن ليحلها موسى البدل أو ليعرف سببها، وكل ما كان يفتكر به ~~أمر المصروف؛ ففي كل سنة كان يضيق على نفسه الخناق أكثر من قبل حتى انتهى أخيرا أمره ~~بأن أقفل المحل، وصار صرافا. # بالصرافة وجد موسى أن الفرصة للغنى الكثير قد فتحت بابها أمامه، ورأى أنه أصبح ذا مقام ~~عزيز عند قومه وبالأخص التجار، أولئك الذين كان يلح عليهم ويرجو منهم بذل وتواضع ~~أن يؤثروه على غيره فيجابروه ويشتروا من بضائعه، ولم يرحموه، صاروا عندما صار هو ~~صرافا «بانكير» مثل «السمن والسكر»، فكانوا أينما صادفوه يهزون يده بشوق زائد، ~~ويسألونه عن صحته وصحة العائلة، ويشفعون سؤالاتهم بالتمنيات الحسنة، ويعدونه ~~بالزيارات البيتية إلى ما هنالك من ضروب المجاملة، فكان موسى يتناول هذه المعاملة بكل ~~قلبه ورئتيه؛ إذ يتنفس تنفسة طويلة تستغرق دقائق، لاعنا التجارة التي كابدها سنين ولم ~~تعد عليه بأرباح وكان فيها ممقوتا مرذولا، متأملا بالمقام الذي أحرزه بعدما ~~صفى شغله وصار صرافا يقرض هذا وذاك، وبعد أن صار الناس يقبلون يديه ليثق بهم، ~~وقد كان يقبل أيديهم وجها وقفا ليؤثروه على الشيطان، ويساعدوه على تصريف ~~بضاعته. # إلا أن دوام الحال محال، فما جاءت سنة 1907 بعاصفتها المالية في تجارة نيويورك حتى ~~تقلقل سوق التجارة السورية، وعقب ذلك إفلاسات أكثرها لزبائن حضرة «البانكير» ~~السوري. # وخرج موسى من تلك الزوبعة قانعا بذهاب ثلاثة أرباع ثروته وكل أصحابه الذين صيرتهم ~~أصحابه ثروته المرحومة، ومهنته التي جعلت له مقاما في عيونهم، وإنما سرعان ما تلاشى ذلك ~~المقام وتحول الأصحاب إلى أضداد وذلك الشوق الكثير عندما يتلاقون ببعضهم إلى كره ~~وبغض وحقد مما لم يكن ليمحى. # منذ أشهر غير كثيرة أحب طائفة من الناس وأكثرهم أصدقاء موسى البدل - إلا أنهم اليوم ~~أرباب محال تجارية - أن يعقدوا اجتماعا يدعون إليه كبار القوم ليتداولوا بأمر مهم، ~~فكتبوا أسماء عديدين من تجار وأدباء وشبان وباعة جزدان، ولما ذكرت لهم اسم موسى ~~البدل سمعت من أفواه الكل جوابا واحدا قائلين: هذا! وما نفعه؟! # قلت: ms029 كيف وما نفعه ؟ أليس من الرجال؟ أولم يكن تاجرا كبيرا وصرافا يزدحم الناس في ~~محله، والسعيد السعيد من كان ينال منهم حظوة في عينيه؟ # فسمعت من الكل جوابا واحدا قائلين: إي نعم، كان من زمان، ولكنه اليوم لا يسوى شيئا، ~~فقد خسر ماله وليس من يهمه أمره. # كنت كثيرا ما أسمع في أحاديث الناس ترديد المثل الأميركي «المال يتكلم»، ولم أكن أحله ~~المحل الذي يضعه فيه بنو قومنا حتى ذلك الاجتماع؛ إذ ذاك تأكد لي أن المرء عندهم ليس ~~بأصغريه: قلبه ولسانه، ولا بأكبريه: روحه ودماغه، بل بشيء واحد: ماله. # | حي دفين # منذ ابتدأت المهاجرة السورية إلى أميركا صارت طريقها تيارا يجرف العشرات من السوريين ~~والمئات والألوف، وقد كانت في السنين الأولى مقتصرة على المرتزقين الذين تضيق في وجوههم ~~بلادهم، فيطلبون لأنفسهم توسعا في العالم الجديد، إلا أن التيار صار يتناول من سوريا ~~غير هؤلاء بالأعداد الكبيرة، ويصبهم في العالم الجديد. # لم يكد حبيب الزيتوني ينهي دروسه العالية في كلية بيروت حتى سكر بخمر الهجرة؛ لأنه ~~رأى بعين علومه أن بلاده فقيرة لا مطمع فيها ولا مطمح، أما في أميركا الغنية فميدان ~~أوسع أمامه يستطيع فيه أن يصعد إلى ذروة الطموح الذي في نفسه. # وبالرغم من بكاء أبيه وعويل أمه كلما ذكر أمامهما أنه ذاهب إلى العالم الجديد ما كان ~~ليعدل عن فكرته، وكم كان أبوه يستعد لإلهائه عن الأمر! فتارة كان يطمعه بالزواج، وأخرى ~~بتحويل كل ما عنده من رزق وغيره إلى اسمه، ولكن حبيبا لم يكن ليحيد قيد شعرة عما ~~عول عليه، وذهبت توسلات أمه أدراج الرياح. # وهكذا أم حبيب أميركا حاملا شهادته المدرسية ومبلغا من المال، ولما دخل إلى نيويورك ~~دهش له العارفون؛ لأنه كان لابسا أحسن منهم، وزائدا عليهم بوردة من «الجمال الأميركي» ~~تزين صدره، وكان كأنه قضى سنوات عديدة في أميركا يستطيع الذهاب من شارع إلى آخر بفضل ~~اللغة الإنكليزية التي كان يتكلمها بزلاقة لسان كالعربية، ولم يكد يقطع بضعة أيام بين ~~معارفه حتى جعلهم ms030 يخجلون من أنفسهم ؛ لأنه بالرغم من كونهم عتقا في أميركا لم يقدروا على ~~إفادته شيئا من سؤالاته؛ فإنه لما طرح عليهم سؤاله: أين هو الهبدروم؟ لم يسمع جوابا من ~~أحد إلا ظهور علائم الذهول على وجوههم، ظانين أن هذه الكلمة تعني اسم حيوان عجيب في ~~جنينة الوحوش - كما يدعونها - ولما سألهم أيضا: إذا كان أحدهم يعرف أين المتحف العمومي؟ ~~سمع أحدهم يقول إنه لا يعرف غير «كاسل غاردن» متحفا يجتمع فيه الناس من كل ~~الأجناس. # بناء على هذا كله لم تطل إقامة حبيب الزيتوني بين إخوانه السوريين، وكان أنهم هم ~~أصبحوا تعبين من تفلسفه أمامهم، وخائفين من مستقبله في هذه البلاد؛ لأنه ما كادت قدماه ~~تطأ أرض أميركا حتى صار يسأل عن الملاهي والفرج بدلا من تفتيشه عن شغل أو صنعة تطعمه ~~لقمته وتعود عليه بتوفير كم ريال للأيام المقبلة؛ ولهذا ترك حبيب السوريين، وطفق يدرس ~~الحياة الأميركية؛ لأن جيبه لم يزل دافئا بالليرات التي تناولها من أبيه، ولم يجئ ختام ~~نصف السنة الأولى حتى «نظف» صاحبنا، وعاد إلى إخوانه السوريين يسألهم: كيف يجب أن يشتغل؟ ~~فجادوا عليه بالنصائح، مظهرين له أن أميركا تحتاج إلى سواعد مفتولة لا علوم ولا أكابرية، ~~وبالرغم من عدم موافقته لهم على آرائهم اضطر إلى القبول؛ لأنه شعر بقرب الحاجة ~~المالية. # وأول خطوة منه نحو العمل كانت أنه اصطحب أحد الشبان من قريته، وكان بياعا يحمل ~~الجزدان، ويدور على الأبواب يبيع بضاعته وشغله على قدر الأحوال كان مصطلحا. # ولسوء حظه أن صديقه البياع لم «يسنس» في ذلك اليوم خلافا لعادته، فتشاءم الرفيق منه، ~~وحسب أن فشله في ذلك اليوم مسبب عن ذهابه معه، وبالأخص لهندامه الحسن والوردة التي ~~تشكل بها. هذا من جهة البياع، أما من جهة حبيب فهو أيضا مقت الصنعة واحتقرها، ~~وقال في نفسه: لو كانت ثروات العالم كلها معلقة بهذه المهنة فليست ليرضى عنها؛ ولهذا ~~أخبر صديقه بعد الشكر أنه لا يستطيع مشاركته، فألح عليه صديقه أن يبقى معه، وأنه ما ~~همه ms031 عدم النجاح في ذلك النهار؛ لأن المستقبل لا بد يفتحها أمامهما، فما كان ليقبل ~~معه حبيب. # ألح عليه صديقه هذا الإلحاح لما رآه راغبا عنه، ولكن في الحقيقة أزاح حبيب بتركه ~~إياه هما ثقيلا عن صدره، إلا أنه أراد مجاملته، فألح عليه أولا، ثم قال له: ~~إذا كنت تريد هكذا فلك خاطرك. # واضطر حبيب إلى مغادرة نيويورك لمدينة في الداخلية حيث يقيم رجل صديق والده، وكان بلغه ~~قدوم حبيب إلى نيويورك، فكتب إليه يستقدمه للعمل في محله، وكتب إليه ثانية وثالثة، ولكن ~~حبيبا أنف الإجابة، بادئ ذي بدء، ولكنه لما شعر بالحاجة كتب إليه معتذرا عن تأخره، ~~وأنه ذاهب إليه في آخر الأسبوع. # تعرفت على هذا الشاب في تلك المدينة إذ كنت ممثلا لأحد مصانع الكيمونا، وكان ~~التاجر في تلك المدينة أحد زبائني، فلما شاهدته في المحل أنست إليه، فدعوته لمناولة ~~العشاء معي في النزل، وقضيت معه كل المساء، وفيه أفرغ لي جعبته بالشكاية من هذا الزمان ~~وأهله، وبالأخص من التاجر الذي يشتغل له كل شيء، فهو في محله ماسك دفاتر ومدير ومشتر ~~وبائع ومكنس و«معبي أركيلة» وناقل الخضرة إلى المنزل إلى ما هنالك، وقد أحزنني جدا ~~قوله إنه في آخر الشهر إذ يتناول معاشه سيترك البلد إلى كندا، فلعل فيها نجاحا أكثر ~~من الولايات المتحدة، وقد خبرني أن أهله في الوطن ليسوا بحاجة إلى شقائه في أميركا، ~~ولكنه هاجر إليها بالرغم من إلحاحات أبويه وبكائهما؛ ولهذا لا تطاوعه نفسه أن يعود ~~إليهما بغير ما أمله من النجاح، ولكن ذلك لا يأتيه إلا مع الأيام. # وعرفت بعد مدة أن صاحبنا غني أمواله كما يقولون، فأم كندا، وهنالك زادت بلواه؛ لأن ~~البلاد باردة جدا وهو ذو نحافة بدنه، ولم ير ما يشبع نفسه من المطامح ولا ما يريه ~~اللقمة الأولى من تلك المطامح. # وقد أخبرني سوري كندي صادفته في نيويورك أنه يعرف حبيبا بحالة يرثى لها، وأن آخر ما ~~عرفه عنه أن إنسانا حركته عوامل الشفقة عليه فنقده بعض ريالات ليعود ms032 إلى مدينة ذلك ~~التاجر في إحدى مدن الداخلية. # وقلت في نفسي: سبحان الله! كيف أن الدهر يضغط على النفس البشرية فتكسر إرادتها وتقوم ~~إرادته! # ومضى على هذا خمس سنوات لم أعد أسمع عنه شيئا خلالها، حتى طرحتني النوى مطارحها فرمتني ~~في بلد التاجر المذكور آنفا، وهناك دخلت محله فشاهدت حبيبا وعلى وجهه كتب السقم ~~سفرا طويلا، إلا أنه حسن الهندام جميل الملبس، فسلمت عليه وبدلا من أن أدعوه ~~لمناولة العشاء معي سبقني وألح علي بالذهاب معه إلى مطعم في المدينة، فقبلت معه، وفي ~~الميعاد المعين اجتمعت به فسألته عن حاله وماذا يعمل، ورجوت منه الإفاضة عن تاريخ ~~حياته، ففتح فاه بالكلام، وأول ما قال لي كانت هذه العبارة بعد تنهد عميق: أنا حي ~~دفين! ~~- عجبا! تشكو وأراك أحسن حالا مما مضى! ألعلك تشكو ألما؟ ~~- كلا، لا أشكو شيئا، لا الألم ولا العسر ولا شيئا من ذلك، وإن ما أشكوه فقداني ~~ثمينا كان معي يوم عرفتني في أول الأمر. ~~- أعذرني إذا كلمتك بعدم تكليف؛ فقد رأيت منك يوم عرفتك أنك خلو من كل ثمين، ~~فالحاجة كانت سلطانة عليك. ~~- كنت محتاجا، ولكن نفسي كانت حية، أما اليوم فأنا غني وقد حصلت على غناي كما ترى ~~على ضريح نفسي، فأنا حي دفين. ~~- لقد أعدت علي هذه العبارة «حي دفين»، فماذا تعني بها؟ ~~- اعلم أني جئت إلى أميركا بشهادتي العلمية، فلم تساعدني على دهري، فلما صرفت كل ما كان ~~معي من مال أبي اضطررت إلى الاشتغال للناس غصبا عن نفسي التي كانت تأبى، وقد حاولت ~~قبلها أن أعمل كما يعمل أبناء بلادي الذين يشتغلون إما بالبيع وإما بالأجرة، فلم أجد من ~~نفسي مقدرة على العمل، ولما كان الفكر يحدثني أن أرجع إلى بيت أبي كانت النفس تنازعه ~~حياء من والدي اللذين تركتهما ولم يريا مني ما يحقق آمالهما بعدما أنهيت علومي، ~~بالرغم من إلحاحهما علي بالبقاء تحت عنايتهما؛ توهما مني بأن أميركا مطمح أمثالي. ~~فخابت آمالي، ولما غالبت النفس غلبتني فلذت إلى عزتها وأنا ms033 أضمر لها انتقاما هائلا، ~~وهكذا عدت إلى هذه المدينة إلى محلي القديم، ولكي أتخلص من التحكم والفقر سايرت صاحب ~~المحل فتزوجت من ابنته، وقتلت نفسي، فأنا اليوم كما تراني رب محل كبير ورب بيت ~~ذي آثاث فخيم، ولي زوجة صالحة، ولكني لم أنظر إليها نظرة حب في حياتي. تراني اليوم ~~أتمنى أن أعود إلى حالتي القديمة يوم كانت نفسي لا تزال في قيد الحياة. # مسكين حبيب الزيتوني، إنه في الحقيقة حي دفين! # | زواننا لا قمحهم # لا يكاد الشاب تطأ قدمه أرض أميركا ويبدأ العمل في ميدانها الواسع، ولا يكاد يبسم له ~~النجاح حتى يسير مع تيار النسيان لما كان عليه مغترا بحاضره. # يدخل الشاب السوري ميدان أميركا خائفا مذعورا أمام عظمة هذه البلاد وكثرة حركتها، ~~ثم يتدرج فيها، حتى إذا تم له الانخلاط بين مجموع العناصر تصور أنه أصبح بعيدا عن ~~حالته القديمة. # يقول المثل العربي: «من تعلم الألف والباء بلغ أنفه السماء.» وهو مثل ينطبق تمام ~~الانطباق على كثير من الشبان السوريين، يتعلمون الألف من مدنية أميركا فيتوهمون ~~أنهم صاروا من أساطينها، وأنهم في ما حصلوه منها لا يشق لهم غبار، ولو أن الدعوى ~~تقتصر منهم على هذا الوهم لما أضرت كثيرا، ولكنها تحملهم إلى إنكار أصلهم أحيانا ~~لتوهمهم أنه معيب عند القوم الأجانب. # هذه كانت حالة الشاب رفيق المدور بعدما دخل عراك أميركا التجاري، وصار قادرا على كسب ~~معاشه فيها. كان في بلاده يلبس العباء والمداس، وإذا اشتاق إلى المدينة لبس الطربوش، ~~ولكنه في أميركا كان يخيط ثيابه عند أحسن الخياطين، وكان لا يخلو صندوقه من أربعة طقوم ~~في كل سنة، كل واحد بلون وزي، وكان يلبس لكل يوم قبة وربطة وجراباته تماثل ألوانها ~~ألوان الربطة والقميص. # في بلاده كان أصحابه لا يعرفون القراءة والكتابة، ولم يجسر في كل حياته هناك على ~~الانفراد ببنت من البنات، ولكنه في أميركا صار أصحابه في العمل من أجمل الشبان هنداما ~~وأحسنهم تهذيبا، وكان محبوبا من عدد من البنات الحسناوات، اللواتي كن ms034 يتحاسدن على ~~معاشرته. # إلا أن هذا السلوك لم يكن ليسمح لرفيق أن يتقدم في ماليته؛ لأن الأصحاب والصديقات ~~والتنزه والتفرج وما يدعونه «سبورتنس» كان ماحقا لكل ريال يفضل من معاشه بعد نفقاته ~~الخاصة. # وكان أبوه يكثر من الرسائل إليه، طالبا من الله أن يسعده ليسعد أهله المحتاجين، ~~ويستقطر قلبه تحننا على عائلة أبيه الكثيرة الأفراد، ويذكره أن جارهم الذي رهن ~~البيت عنده لقاء خمسين ليرة قيمة «الناولون» له يشد على أبيه الخناق كلما رآه، وهو ~~يخشى أن يجبره الجار في المحاكم على تحويل البيت لاسمه إذا كان لا يدفع المبلغ مع ~~الفائدة. # كل هذا بالأيام لم يعد بمؤثر على ضمير رفيق أي تأثير كان، فكانت أجوبته إلى أبيه ~~مقتصرة على المواعيد إلى فرص أحسن لا بد أن تصدفه حتى عيل صبر الوالد، فاضطر إلى بيع ~~الدار والقدوم إلى أميركا مع العائلة؛ لأنه عرف أن ابنه تأمرك ونسي أصله، وعاف أهله ولم ~~يعد يبالي بحالة ذويه، ماتوا أو عاشوا سواء عنده. # ولما عرف رفيق عزم أبيه على القدوم مع عائلته كانت رسائله الواحدة تلو الأخرى يوقفه عن ~~هذا الأمر، مدعيا أن أحوال أميركا ليست جيدة، وقدومه إليها يجلب لهم وله التعاسة، ~~إلا أن الحالة التي كان يعانيها الأب لم تعد محمولة عنده؛ ولهذا بالرغم من تخويفات ابنه ~~باع الدار، فوفى ما عليه لجاره منها وأم أميركا متكلا على الله؛ لعله يستطيع أن ~~يعوض ما خسره بجريرة ابنه البكر رفيق المذكور. # ولما رأى رفيق عناد أبيه هلع قلبه وصار حزينا لا يطيق عزاء، كأنما انقضت عليه صاعقة ~~غير حاسب لها حسابا، ولكنه اضطر أن يستر الحال ويصبر على بلواه، وكان لا بد أن ~~ينقطع مدة عن عشرائه وأن يبتعد إلى أمد عن طرق معاشراته؛ ضنا ببعض المال اللازم له ~~في أول عهد قدوم أهله لما يلزمهم من نفقات بتأسيس بيت وألبسة، إلى ما هنالك. # وغني عن الشرح أن صبر رفيق فرغ من أول أسبوع لوصول أهله؛ فقد انفجر صدره عليهم ~~انفجارات هائلة، ms035 وأسمعهم غليظ الكلام، وشكا دهره لكونه ابنا لهم وهم بحالتهم ~~كالفلاحين، ولم يستح أن يقول أمامهم إنه يخجل أمام الغرباء عندما يعرفون أنهم ~~أهله. # وازداد سلوك رفيق هذا سوءا عندما أعيى بإقناع والده بأن يلبس قبة مكوية وربطة، ووالدته ~~بلبس البرنيطة والفرو؛ فإن والده صرح له أنه جاء إلى أميركا لا ليلبس مثل الأميركان بل ~~ليشتغل، ويعوض عن خسارته ويقوم بأود صغاره، وأمه قالت له إنها قاربت سن الشيخوخة وإن ~~صباها قد ولى، فهي لا تريد أن تشابه السيدات بهيئتها، وعليها واجبات نحو بيتها الجديد ~~والواجب نحو بنيها وزوجها أن تقتصد. # وكان رفيق إذا صدف أحدا من أهله في الشارع يحاول إما الرجوع بطريقه أو الانتقال إلى ~~جانب آخر؛ لئلا يمر أحد معارفه فيعرف أنه أحد هؤلاء الناس. وكان لا يتكلم مع أحد ~~منهم إلا تحت سقف المنزل. # أما الأب، فعرف بداخله ألا أمل بابنه رفيق؛ ولهذا شمر عن ساعد الجد فدخل ميدان ~~العمل مجتهدا، وكذلك أمه وإخوته الصغار، فالكل كانوا يعملون؛ لكي ينهضوا من عثرتهم، لا ~~يهمهم من شئون البلاد التي حلوا فيها إلا العمل، ولما يئس رفيق من إصلاح أهله الخارجي، ~~وضاق ذرعه بهم ودعهم إلى إحدى مدن الداخلية. # سبع سنوات مرت ورفيق بعيد عن أهله، أما أهله فكانوا قد تناسوه للهوهم بالعمل عن ~~الافتكار به بعدما رأوا منه نفورا عنهم، وسلوكه معهم ذلك السلوك السيئ واستحياءه بهم ~~وهم أهله ولهم عليه فضل ودين. # في هذه السنوات السبع كان أبو رفيق قد حصل على ثروة فاشترى بيتا لصغاره، وكان يأمل أن ~~يشتري بيتا ثانيا في مطلع السنة الثامنة، وأن يفتح محلا لبيع البضائع بالجملة على ~~أبناء بلاده حملة الجزادين، وصغاره يتعلمون في المدارس العمومية، وهو حاصر كل همه ~~واجتهاده بجعلهم رجال المستقبل، بعيدين عن كل ما اتصف به أخوهم الأكبر. # أما رفيق؛ فقد عاش لنفسه بعيدا عن أب هيئته غير لائقة بمن كان ولده مثل حضرته، وأم ~~تلبس أرخص مما يلبسه الغجر، وإخوة يبيعون الجرائد على قوارع الطرق ms036 كأولاد ~~الشحاذين . # وقد شكر الله أنه بعيد عن أهله، وإلا فإن حبيبته «مالي» لا مراء تبتعد عنه ألوف الأميال ~~إذا عرفت من أي الأهل هو. ~~«مالي» أحبها رفيق، وتدرج به حبها إلى الهيام، وقد تعرف بها بالصدفة فحاكاها ~~وحاكته، وشاهدها مرة أخرى في الشارع فرفع لها قبعته، وهي حيته، ثم اجتمع بها فهز ~~يده بيدها وأخذ منها عنوانها، ثم دعاها إلى مناولة غداء معه، فصار يكتب إليها رسائل ~~غرام حتى صارت له حبيبة يهدي إليها الهدايا، ويدعوها مرة في الأسبوع إلى التفرج على ~~الصور المتحركة أو الملاعب التمثيلية. # كل هذا ورفيق يلح على حبيبته أن تتزوج به، وهي تأبى قائلة إنها لا ترضى إلا بما ~~يرضي أباها، وإن أباها إذا عرف أنها تحب أجنبيا يقتلها لا محالة، وقد سألها مرة أن ~~تسمح له بالذهاب إلى بيتها ليسأل يدها من أبيها فمنعته، وأخافته بأنه قد يغضب أبوها ~~عليه وعليها وتكون العاقبة سيئة. ولما دعاها إلى الهرب معه زجرته، وكادت تغضب عليه لولا ~~أنه راضاها وسحب كلامه معتذرا، إذ ذاك صرحت له مالي أنها وإن تكن تحبه فوالدها كل ~~شيء عندها ورضاه غايتها. ومهما يكن الأمر فخاطره الأول والآخر، وأن الفتاة التي تهرب مع ~~الشاب ليست ببنت أصل؛ فإن الشرفاء لا يأتون بمثل هذا. # وظن رفيق أن حبيبته من كبار القوم؛ ولهذا لا تحب أن تعمل إلا بإرادة أهلها، وتذكر ~~حالة أهله مقابلا إياها بحالة أهلها كما يتصورهم، فعظم عليه الأمر وهاله، وأكد ~~جيدا أنه إذا عرفت مالي أهله لا بد أن تبتعد عنه، وتندم على حبه. # وازداد هيامه بها حتى لم يعد بقادر على احتماله، وغالب فكره بالذهاب سرا إلى ~~والدها لعله يستطيع إقناعه فيرضى عن زواجه بمالي وينتهي الأمر. وأخيرا قال: «لنضرب ~~هذه الطينة بالحائط.» وحملته قدماه في ذات ليلة إلى منزل حبيبته لأول مرة، وكان في طريقه ~~خافق القلب، ظانا أنه ذاهب إلى سراي أحد الأمراء أو الملوك، إلا أنه شد ما كان عجبه ~~عندما مشى طويلا وقضى نحو ms037 ساعة يسأل المارين والبوليس عن الشارع الذي يسكن فيه ذوو ~~مالي، ولما اهتدى ووصل إلى الرقم الذي يطلبه رأى هناك بيتا كذب ظنونه، فأعاد قراءة ~~الرقم مرارا، ظانا أنه غلطان، ولما قرر الأمر دخل وقد بدأ يشمئز، فدق الباب فخرجت ~~إليه امرأة عجوز بهيئة مخيفة تتوكأ على عصاها، فسألها عن المستر فرتس والد مالي، فقالت ~~له: إنه لم يعد بعد من عمله ولا يعود إلا بعد منتصف الليل، ولكنها أدخلته لتعلم من ~~هو، وماذا يريد. # فدخل إلى غرفة ليس فيها إلا سحارة عند الباب، وفي صدرها طاولة خشبية لها أربع قوائم ~~عليها صحون وسخة، وبإحدى القراني وجاق للطبخ، وفي داخلها سرير عليه فراش مغطى ~~بالوسخ. ~~- من حضرتك يا مستر؟ ~~- أنا رفيق مدور، وقد جئت لأرى المستر فرتس بأمر. ~~- المستر فرتس لا تقدر أن تراه هذا المساء، فإذا شئت أن تقول لي حاجتك فلا بأس، فأنا ~~مسس فرتس. ~~- أأنت مسس فرتس والدة مالي؟ ~~- نعم، أوأنت الشاب الذي يريد ابنتنا؟ ~~- ما جئت لأتكلم بهذا، ولكني أحببت أن أتعرف عليكم. # وما أنهى رفيق هذه العبارة حتى دخلت مالي، ولما وقع بصرها على بصره رقص قلبها، وكاد ~~يثب من مكانه، ولكنها هدأته بالقوة التي يستجمعها المحتار في ساعة مثل الساعة التي ~~وجدت فيها، ولكن وجهها تلبس بالاصفرار وشفتيها تغطتا بالبياض وعينيها تضرمتا بالدم، ~~أما هو فوقف لها ولم تكن حالته بأحسن من حالتها إلا أنه ود أن يختم مهمته بالتي هي ~~أحسن، فقال لها إنه اضطر أن يزور منزل أهلها لأنه ذاهب إلى نيويورك في تلك الليلة؛ إذ ~~بلغه أن أباه حرمه من الميراث وتخلى عنه، ولهذا جاء ليودعها إلى أن يعود. # وخرج رفيق من ذلك المنزل ويده على أنفه، وأخرى تشقل طرفي بنطلونه لئلا يصل إليه الوحل ~~الكثير، وهو يقمز قمزا حتى وصل إلى الشارع العريض، فتابع سيره إلى حيث تنفس ~~الصعداء. # وحقيقة الحال أنه صدق بذهابه إلى نيويورك في تلك الليلة، وهذا كل ما صدق به من كلامه ~~إلى التي كانت حبيبته ms038 قبل تلك الساعة، وقد تذكر قصة الابن الشاطر التي أوردها المسيح ~~في الإنجيل، فوطن النية على أن يعود إلى حضن أبيه وأمه. # ولما عاد رفيق إلى بيت أهله احتفل به ذووه، ولما سألته أمه رأيه بالزواج وإذا كان يؤثر ~~الأميركية على السورية قال لها: «يا أمي، مثلنا يقول: زوان بلادك ولا قمح الغريب. وأنا ~~إذا أردت الزواج فيجب أن يكون رأيك بالعروس قبل رأيي، ويجب أن أتأكد أولا أنها تعبي ~~أركيلتك قبلما تجلس بجانبي.» # | ذو اللحية الطويلة # أميركا أوقيانوس عظيم، قليل هو المعروف منه، وما هو مجهول عن عالمه أكثر بكثير من الظاهر ~~المعلوم، وهكذا هذه البلاد؛ فإن فيها من الأسرار في الحياة ما يعيي الفكر عن العد ~~والحصر. # كثيرا ما يعجب المرء بحياة بعض الناس، فيقول في نفسه: عجبا والله! كيف يعيش هذا ~~وذاك وذلك، وهم لم يأتوا عملا في حياتهم؟ # ومع أن أميركا بلاد المادة، والمادة لا تأتي إلا بالعمل، العمل الحقيقي في ميدان واسع ~~يتسابق فيه الخلائق تعدو عدوا؛ فإن تعب أحدهم سقط على الطريق، فداسه القوم في مسيرهم، ~~وراح كأنه ما كان، وبالرغم من أن أميركا بلاد الجد والكدح لا تخلو من قوم عائشين ~~كغيرهم لم تعمل أيديهم عملا، ولم تعرق جباههم يوما، ولم تتحرك أقدامهم في ذلك الميدان ~~العملي ولا خطوة. # هؤلاء عائشون بين الخلائق المتزاحمة المتسابقة في الزحام وراء تنازع البقاء ووجودهم ~~بينها هو من العجب بمكان. # كنت أتعجب مع المتعجبين في كيف يعيش مخائيل فلفل، ذلك الشاب الذي يلبس أفخر اللباس، ~~ويتناول طعامه في أجمل النزل والمطاعم، ويصرف المال كأنه مرتكن على «بنك أوتومان»، أو ~~كأنه ابن روكفلر أو مورغن أو استور! ومن أين يأتيه المعاش؟ لا أحد يعلم. وكيف يتمكن من ~~البذخ والتبذير، وهو «شمام هواء قطاف ورد» في كل أيام حياته؟ لا أحد يعلم. مع أن ~~الكثيرين يشتغلون الليل والنهار يعملون في اليقظة ويهدسون في الأحلام بالنجاح، ولا ~~يحصلون على أود حياتهم إلا بالغصب. # مخائيل فلفل أعجوبة، ويوجد كثيرون أمثاله، لا ms039 أحد يعلم كيف استطاعوا أن يعيشوا كسالى في ~~وسط لا تأتي اللقمة للمرء فيه إلا بالجد، مغموسة بدم القلب وعرق الجبين. # لما دخل مخائيل فلفل أرض أميركا لم يكن ذا ثروة ليعيش ترفا دون عمل، بل كان كغيره من ~~المهاجرين الذين يصلون أميركا ومعهم زاد يوم واحد، ولكنه كان ذا ثروة طبيعية، وهي ~~القوة على الاستنباط والإبداع بالحيل. # عرف منذ حل أرض أميركا أن الشاب مثله لا يستطيع أن يفتح تجارة تدر عليه الأرباح ~~الكثيرة؛ لأنه خلو من رأس المال، أما إذا شاء أن يصعد إلى مصاف التجار عن طريق ~~الاشتغال بالأجرة أو البيع أو ما شاكل فأمامه سنون عديدة متعبة بالاقتصاد والثبات؛ ولهذا ~~ابتعد عن الأشغال التي يتعاطاها إخوانه السوريون؛ ففي كل صيف كان يلزم معرضا من ~~المعارض، يستأجر فيه خيمة على مدخلها قائمة كبيرة، مكتوب فيها هذه العبارة: «منجم شرقي ~~يخبرك عن ماضيك وحاضرك ومستقبلك.» # وفي داخلها كان حضرته يجلس وعلى رأسه عمامة، مقرفصا تحت العباءة البدوية يدخن ~~النارجيلة، وإلى جانبه شاب أميركي لا يعرف كلمة من العربية ينقل إلى الزبائن كلمات «علي ~~بابا» المنجم إلى الإنكليزية. # وعلي بابا أو مخائيل فلفل يعرف من الإنكليزية بقدر ما يعرف ذلك الشاب الأميركي من ~~العربية، ولكنهما ماهران بالترجمة بما يرضي الزبون، ويعجبه ويدهشه، وما يفيد جيوبهما ~~بالدولارات التي تأتيهما عفوا دون تعب ولا عناء. # مرة وأنا في شارع برودواي شعرت بيد نزلت على كتفي، فأوقفتني وألفتتني لأرى من الموقف، ~~فإذا أنا أمام رجل ذي لحية كبيرة، متسربل بالفرو الغنامي وعلى رأسه برنيطة حريرية عالية، ~~وقد وقعت عيني على عينه فابتسم لنظرتي، وذهلت لرؤيته وأعملت فكرتي نحو دقيقتين لأعرف ~~هويته، حتى جاءتني الذاكرة بمن هو، فصحت به: ومتى التحيت يا مايك؟ ~~- عرفتني والله، ولكنك لم تعرف اسمي الجديد، احزر! ~~- اسمك الجديد! أولك اسم جديد؟! ~~- أولم تسمع في طول البلاد وعرضها باسم علي بابا؟ فأنا هو. ~~- أأنت هو المنجم المشهور؟ ~~- أنا هو. ~~- الله! لقد كشفت لي عما بقيت أبحث عنه سنوات، وهو ms040 كيف تعيش وماذا تعمل؟ # وأخذني صاحبي بالكار إلى كوني آيلند، فأدخلني إلى مرصده وعرفني على ترجمانه وأجلسني، ~~وقال: اقعد هنا وانظر كيف يعيش صاحبك؟ وبأي مقام بين علية القوم؟ وكيف تأتيه زرافات ~~الريالات صاغرة؟ # فجلست عنده والدهشة تستولي علي وأنا أراقب كل حركة من حركاته، وفيما أنا على هذه ~~الحال إذ تكلم الترجمان من داخل الستار قائلا: علي بابا! علي بابا! # فعض لي على شفتيه، مشيرا إلي أن أهمد بمكاني، أما هو فوضع العمامة على رأسه، ~~وتسربل بالعباءة مقرفصا، ثم تناول النرييج وأخذ يشرق دخان النارجيلة. # وكأن صوت النارجيلة علامة للترجمان أن يدخل الزبون؛ فقد تم الاستعداد لقبوله أمام عظمة ~~المشرح أسرار الناس والقابض على أزمة مجاهيل الطبيعة. # دخلت سيدة إلى حضرة علي بابا ودليلها الترجمان، الذي قال لها أن تركع أمام سماحة المنجم ~~الأعظم. وركعت السيدة وإلى جانبها الترجمان، ولما استعد علي بابا للعمل انقطع لحظة عن ~~التدخين، وأنا أتطلع إليه بشوق زائد، أدرس كل حركة من حركات وجهه ويديه ورجليه ~~متربصا تحرك شفتيه بالأسرار عن ماضي تلك السيدة المشتاقة لمعرفة مستقبلها، وما عساه ~~يجري عليها، متأكدة ذلك بما تسمعه من أسرار ماضيها. # وهم الترجمان لالتقاط الأسرار من فم كاشفها علي بابا، الذي فتح فاه بالكلام باللغة ~~العربية قائلا: «قل لهذه العاهرة أن البودرة على خديها كادت تذوب تحت عرقها المتصبب ~~من جبينها.» # وما كادت هذه الكلمات تخرج من فمه، والترجمان يستعد لنقلها إلى السيدة باللغة ~~الإنكليزية، بل لا لينقلها، أستغفر الله فكلامه لا ينقل، بل ليحوك من مهارته عبارات ~~ملؤها الحيل والخلط، حتى رأيت السيدة قد نهضت واقفة على إصبعها تكاد تولول وهي تصب ~~الدعاء على المنجم. # شعرت في تلك اللحظة أن العاصفة قادمة على الخيمة، وعلى كل من فيها، ولكن شد ما كان ~~عجبي عندما رأيت صاحبنا المنجم رابط الجأش، كأنه ما قال شيئا يريد إلحاق الجرم ~~بالسيدة؛ لأن الحق عليها. # وسمعته يكلمه بلغتها العربية قائلا: ألا ترين أني عرفتك سورية؛ ولهذا أسمعتك ما لا ~~ترغبينه من ms041 الكلام جوابا على ازدرائك بنا نحن المتعيشين على الأميركان. # وخرجت تلك السيدة من الخيمة وصاحبي المنجم وترجمانه يضحكان، وقد قال لي إن تلك كانت ~~المرة الأولى التي حدثت له مع سورية، وإن القدر ساقني لأشاهد تلك المأساة بعيني. # وخرج الترجمان إلى خارج الستار ليرمي شباكه على السوق، فيصطاد بالبوق بعض المارين ~~الذين تهزهم الأوهام، ويوقعهم الاعتقاد بالخرافات في شباك الصيادين المتعيشين. وما ~~كدت أهدئ روعي لأستأنف الحديث مع صاحبي النبي علي بابا حتى سمعت الترجمان يرجف صوته ~~بخشوع قائلا كلمات الدلالة على أن الشبكة قد جاءت بصيدة: علي بابا! علي بابا! # فشرق علي بابا بالنارجيلة شرقة طويلة، وإذ ذاك دخل الوسيط بسيدة كهلة ذات عينين زرقاوين ~~ووجه بائخ، فأركعها الترجمان الوسيط عند قدمي النبي علي بابا، الذي انقطع عن التدخين ~~هنيهة إذ أعاد الترجمان كلامه قائلا: علي بابا! علي بابا! # وكأني بهذا الوسيط لا يعرف غير هاتين الكلمتين من العربية، يلفظهما بلهجة غريبة هكذا: ~~«ألي بابا! ألي بابا!» وهو يستعملهما بسؤاله عن كل أمر يريد طرحه على النبي الذي يتمتم ~~كلمات بلغته العربية جوابا لاستعلامات وسيطه، فيؤلف ذاك على ذوقه باللغة الإنكليزية ما ~~يناسب الحال. # وسمعت علي بابا هذه المرة يقول، وقد استفاد مما سبق حدوثه: «قل يا رب، يسر ولا ~~تعسر، يا رزاق يا عليم بالحال!» # وكنت مصغيا بكل مسامعي للجواب الذي كان على الوسيط أن يقدمه على سؤال السيدة عن ~~ماضيها، فلما أخذ الجواب من نبيه قال لها إنها متزوجة شابا أحبته. ولم يكد ينهي ~~عبارته حتى رأيت السيدة قد انتصبت غاضبة تصيح: كذب! كذب! # وللحال انتصب علي بابا وقد عرف أن ترجمانه قال شيئا لم يرض الزبونة، فأخذ يصب ~~جامات غضبه على الترجمان، ويتهدده تارة بالضرب والرفس، وتارة بالبصاق عليه، وهو راكع ~~أمامه يرتجف ارتجافا كأنه صب عليه ماء بارد. ولما انتهى تمثيل الدور، ورأت السيدة أن ~~الغلط لم يكن من النبي ذي العصمة بل من وسيطه الذي بعدما صبر على ما ناله من سيده أخذ ~~يتضرع ms042 إلى السيدة ويسترحمها قائلا إنه غلط بنقله من فم النبي؛ فإنها غير متزوجة البتة ~~وإن سيده قد طرده لارتكابه هذا الجرم. # فرق قلب تلك السيدة وعادت فركعت بجانب الوسيط أمام علي بابا ترجو منه العفو عن ذلك ~~المسكين، وقد كادت دموعها تنهمل من مآقيها. # كل هذا وصاحبنا علي بابا يرغي ويزبد، ويتطلع إلى ترجمانه تطلعا وحشيا، كأنه يريد ~~افتراسه. # ولما رأت السيدة أنها كانت السبب لكل هذا الجاري مدت يدها إلى جيبها فأخرجت من كيسها ~~ثلاث ورقات مالية، كل واحدة بعشرة ريالات، وقدمتها إلى المنجم مسترحمة إياه بقبولها ~~ليعفو عن ذلك المسكين. # فالتفت الوسيط إليها، يقبل أذيالها شاكرا جميلها وشيعها إلى الباب، وهو يزيدها ~~أحمالا من الحمد والثناء. # وعاد الترجمان إلى داخل، ولما وقعت عينه على عين علي بابا انفجر الاثنان بالضحك، أما ~~أنا فوقفت على قدمي هاما بالانصراف، وإذا بصاحبي علي بابا قد وقف ماسكا بي وقائلا: ~~مهلا يا صديق! ~~- أخاف أن أرى حادثة ثالثة تذهب بصبري، ولكني أشكر الصدف؛ فقد دلتني على مورد كسبك، ~~وقد كنت أجهله وأعجب لحياتك. ~~- أرأيت مثل متجرنا؛ أرباح بأرباح دون رأس مال؟ ~~- لا، لم أر متجرا كمتجرك كل رأس ماله لحية طويلة. # | ابن العصر # هكذا يدعوه الناس الذين حواليه؛ لأنه شاب يشتغل لا لمطمح له في حياته ولا ليعيل أهله في ~~الوطن، بل ليكسب قليلا من المال ينفقه على اللباس والزينة والتخطر في الشوارع كالعروس ~~في حجلتها. # فؤاد برزق - وإن شئت سمه بما سمى نفسه بين الأميركان فرنك براين - غريب بأطواره، ~~وأغرب وأعجب ما فيه مظهره بين الناس؛ فإنه يصرف أوقاته كلها بالاعتناء بلبسه؛ ولهذا ~~دعاه السوريون ب «أب تو ديت»، أي برجل آخر ساعة، لا بعمله ولا بنفعه بل بلبسه. # والناس كانوا يحسبونه آية من الآيات في الهندام، وهم يخطئون بهذا الحسبان غالبا؛ لأن ~~مراعاة الهندام لا تتطلب صرف الوقت الثمين ولا تستنزف دراهمه، أما فؤاد برزق فشاب كل ~~همه في هذه الحياة أن يشتري ويلبس، وأن يحافظ جيدا على طيات سترته ms043 وكيات ~~بنطلونه ، وأن يعقد الربطة أمام المرآة، ويصرف على هذا العمل نحو ساعة حتى يعقدها بالضبط ~~الكلي، وتجيء كأنها مسكوبة سكبا بقالب. # ومن كان همه كفؤاد برزق على نفسه ومظهره الخارجي بين الناس لا يهمه العمل كثيرا، ~~وهو في حقيقة الحال لولا حاجته إلى المال للمحافظة على كسمه لما عملت يداه عملا؛ ~~ولهذا كان دائما كثير الثياب قليل المال. # كان يحب أن يظهر بزي آخر ساعة، ولكنه ما كان يتمكن من ذلك؛ لأن حالته لم تسمح له كل ~~وقت بما كان يأمله، فكان يكثر الترداد على محال الألبسة، فإذا رأى ربطة جميلة دفع ~~ثمنها غير مبال بغلائها لأنه أحبها؛ ولهذا فثلاثة ريالات ثمنها ليست بكثيرة على لونها ~~الفستقي المماثل لون جراباته، وفيما يكون ذاهبا إلى بيته يمر بمحل القمصان، ~~فتحدثه النفس أنه بحاجة إلى قميص، فيدخل إلى المحل ويقلب القمصان العديدة، ولما كان ~~يضرب يده على جيبه لا يرى فيها غير خمسة وسبعين سنتا، فيبقي معه أجرة الكار، ويشتري ~~قميصا بالسبعين سنتا الباقية. وعندما تبدأ شريطة برنيطته بالتزفيت كان يذخر ريالا بعد ~~ريال ليشتري أخرى بعشرة ريالات، وفي ذلك الحين كان يلاحظ أنه أصبح بحاجة إلى كندرة، فكان ~~يمد يده إلى جيبه فلا يرى فيها غير ريالين، فيضطر أن يشتري كندرة بريالين. # هذا هو «الأب تو ديت» عند السوريين، رجل الساعة، رجل الدقيقة الحاضرة، وكم وكم بينهم من ~~شبان يقتلون وقتهم ويعدمون حياتهم بالاعتناء بمثل هذا فلا يفلحون ولا ينفعون. # وكان فؤاد برزق يظهر أمام مواطنيه عدم المبالاة بهم، وأنه يؤثر الاندغام بالقوم ~~الأميركان، ولكنه يقول هذا قولا ولا يفعله؛ فإن الأميركان لا يحفلون كثيرا بمثله، ولكن ~~السوريين يحسبونه شيئا ويغترون بهندامه، وهم بدورهم يأسفون لحاله؛ لأنه كان ينفق كل ~~ريال على لبسه ولا يذخر لأيامه السود ما يقيه ضرورة الاحتياج إلى السوى. # في المرقص تعرف حضرته على فتاة أجنبية فصار خدينها، وقد طار في الفضاء الأعلى ~~بمعاشرتها، وكثيرا ما كان يأتي إلى المطاعم السورية ويده بيدها؛ ليباهي بها بين ms044 ~~رفاقه. # وقد قضى ثلاث سنوات مع تلك الفتاة التي اضطرته معاشرته لها إلى الاشتغال الكثير ~~والاجتهاد ليحصل أكثر مما كان يحصله؛ فقد صار عليه أن يقدم لها الهدايا وأن يقوم ~~بما توجبه محبته لها من الذهاب إلى المسارح والقهاوي والملاهي والمطاعم الفخمة حتى ~~تعلق بها، وصار يأمل أن ترضى به زوجا. أما هي، فكانت تعلله بالآمال؛ ولهذا أخذ ~~يكد ويقتصد ما أمكنه ويذخر بعض المال في بنك الحكومة، وما هي إلا أشهر حتى توفر له ~~في ذلك المصرف نحو ثمانمائة ريال، ولما سأل حبيبته أن تكون خطيبته الرسمية طلبت إليه أن ~~يشتري لها خاتما ثمينا، ولم تكد تزفر شفتيها بهذا الكلام حتى طار قلبه فرحا، فأخذها ~~في الحال إلى محل المجوهرات، وابتاع لها خاتما بثمانمائة ريال، وهو مبلغ كل ما كان معه ~~في البنك. # وقد فرحت حبيبة فؤاد فرحا لا مزيد عليه، ولما وصلت معه إلى بيتها وأراد أن يودعها ~~أوقفته وسألت أمها بدلال أمامه أن تأذن لها بأن تقبله، فأذنت لها، وقبلته قبلة ~~واحدة، وسار في طريقه يمشي على الأرض مرحا وعقله يلاعب ملائكة الأعالي، وقد حلم في نومه ~~مرات، ورأى حبيبته تقبله وتضمه إلى صدرها، فكان ينهض كل مرة من فراشه باسما، ثم ~~يعود إلى نومه لئلا يضيع وقتا من المنام الطيب السياحات مع تلك التي فتنت لبه وسلبت ~~عقله. ولم يصبح الصباح حتى نهض من نومه وكله فرح وغبطة، وكانت ساعات ذلك النهار أطول من ~~أعوام في دائرة عمله؛ فإنه كان يعمل في محل شغله كالمأخوذ، ولا مراء؛ فإنه كان في ذلك ~~النهار يشتغل متكلفا وعقله سابح في الفضاء ويناجي حبيبته ويخاطبها، فلما يصحو بنداء ~~أحد زملائه كان يستأنف عمله، وإنما بكلفة وعناء. # ولما جاء ختام ذلك النهار ذهب ليتناول عشاءه، ثم قصد الحلاق فتزين كما يجب، وما ~~دقت الساعة الثامنة حتى كان عند باب المنزل الذي تقطن فيه حبيبته مع أمها. # دق الجرس ودقه ودقه ولا مجيب على خلاف العادة، مع أنه على ميعاد مع حبيبته ms045 لقضاء ~~السهرة في منزلها. وما كان يستطيع أن يحوك في عقله عذرا لعدم انتظار حبيبته له إلا إذا ~~كان هنالك من سبب كبير، ومع ذلك لم يكن يستطيع أن يتوصل بعقله لسبب كبير يمنعها من ~~البقاء في منزلها لاستقباله حسب الموعد، ولا سيما أنه تركها في الليلة السالفة طائرة ~~فرحا بخاتمه الماسي، وقد قبلته لأول مرة بعد حب ثلاث سنوات، وبإذن أمها. # تردد أكثر من نصف ساعة أمام الباب في هل يعود من حيث أتى، ولكن كيف يمكنه أن ينام تلك ~~الليلة ولم ينل وطره بمشاهدة حبيبته. وأعاد الكرة على الجرس فكان يدقه دقات طويلة، ~~وبعد وقت طويل خرج إليه أحد الجيران في الطابق المحاذي لمنزل حبيبته، فسأله من يريد؟ ~~ولماذا يكثر قرع الجرس؟ ولما أخبره أنه يريد زيارة آل حبيبته، أجابه الجار بأنهم نقلوا ~~بيتهم منذ الصباح، وأنه ساعد أم الفتاة بيده في قضاء بعض الحاجات، لأن عربة النقل جاءت ~~في حين أن أهل البيت لم يكملوا استعدادهم، ولما أراد السائق أن يعود معتذرا بأنه لا ~~يستطيع الانتظار وإضاعة الوقت كانت السيدة تقبض على ساعده وترجو منه بتمليق كثير أن ~~يصبر؛ ولهذا مع أنه جار لها غريب لم يكلمها في حياته ولا رأى لها وجها قبل اليوم؛ فقد ~~طلبت إليه أن يمد يده إليها بمساعدة فساعدها. # ذهل فؤاد ذهولا لا مزيد عليه من هذا الأمر، ولما سأل المخبر إذا كان يعلم إلى أين ~~نقلت تلك العائلة، أجابه نفيا، ولما أكثر عليه الأسئلة، منها: إذا كان يعرف السائق، أو ~~محل عربات النقل، وإذا كان يعرف أحدا يعرف عنهم شيئا، أجابه بلا، وسكر الباب، وعاد ~~إلى بيته. # بقي فؤاد تلك الليلة كلها يسأل البوليس، وكل من كان يراه في طريقه فلم يستهد إلى أحد ~~يدله على منزل حبيبته الجديد. # وقد ظل طيلة أسابيع يحاول أن يعرف هذا الأمر فلم ينجح حتى قطع أمله من النجاح، وقرر ~~في عقله أن الخاتم كان أصل هذه العلة. # بعد هذه الحادثة صار فؤاد لا يأبه ms046 بالبنات الأجنبيات ، وعندما كان يجلس في محضر كان ~~يصب من فيه حمما على خيانة بنات الجنس الغريب، فكان يدعم قوله بالبراهين الواقعية ~~بأنهن يصاحبن الشاب من أجل ماله، وأنهن لا يعرفن معنى للحب. ولما تناظر مع سامع مهذب ~~رد عليه بأن أميركا مخلط للأمم العديدة، وأن السوري لا يتعرف بالقوم الكبار إلا ~~نادرا، فإذا عاشر بنتا فإنه يكون قد علق بها في مرقص أم في مكان بالصدفة، اقتنع بكلامه ~~وزاد على قوله بأنه هو نفسه وقع بمثل هذا، وأن قبلة بعد ثلاث سنوات كلفته آخر الدفعات ~~ثمانمائة ريال. # | خنفشار في أميركا # البواخر التي تقطع الأتلانتيك أنابيب تصب الخلائق من العالم القديم المكتظ بالبشر إلى ~~العالم الجديد المفتوح لأجيال ليتنفس فيه الأنام بملء رئاتهم في فضاء واسع يكتنف ~~الملايين من القادمين. # هذه الأنابيب تروح وتجيء بين شواطئ أميركا وشواطئ أوروبا، ناقلة على متونها ألوف ~~العمال والطالبين العمل في ميدان الأعمال: أميركا. # يصل المهاجر إلى أميركا فيصمت صمتة الذهول في عظمة هذه البلاد، ويعقد لسانه شغل فكره ~~وجنانه بالتأمل بما وصلت إليه فكرة الإنسان المتمدن في فنه وصناعته وعلمه، يتأمل ~~مثلا في ناطحات السحاب فيعد طبقاتها واحدة واحدة، فإذا وصل إلى رقم الخمسين بعد أن ~~تكون عروق رقبته تكاد تتصلب يهز رأسه عجبا، ويتابع مسيره ملتفتا خطوة فأخرى ليملأ ~~ناظريه بمدهشات البناء. # يأخذه أحد معارفه من نيويورك إلى بروكلن بقطار النفق، وعندما يصل به إلى منتصف الطريق ~~يخبره بأن القطار سائر بهما تحت لجات البحر، فيثب قلبه وجلا ودهشة، وتتفرع أفكاره ~~إلى فروع لا تلتئم، وهو خاشع أمام العظمة البشرية التي خولته الظروف أن يدخل إلى ~~قلبها. # يقف فيه أحد أصدقائه عند مفرق الطرق فيرى أمامه إلى مدى بعيد خطوط السيارات تتحرك ~~شمالا ويمينا وغربا وشرقا كأنها فيالق لا أول لها ولا آخر، وألوف العابرين من هذا ~~الجانب إلى ذاك والقاطعين من هذا إلى ذاك بكل نظام وانتباه، فيخيل له أنه في جنة من ~~جنات الله. # كل هذا والمهاجر القريب العهد بوصوله ms047 إلى أميركا يبقى مدهوشا يتكلم فكره وقلبه ~~بعجائب الاختراع، وأما لسانه فيبقى جامدا لا يستطيع أن يتحرك. وما عسى المهاجر الضعيف ~~أن ينطق فمه أمام ما يشاهده بأم العين من عظمة العالم الجديد وضخامته؟ # ولكن هذه العقلة لا تطول، وذلك المهاجر الصامت بالأمس يصاب برد فعل، فينقلب إلى ~~متكلم كثير الكلام؛ لأن زمن الذهول قد مر وجاء زمن أصبح فيه المهاجر يتطلع إلى مرامي ~~العظمة كأنه راء أمام عينيه التنور عند مدخل داره في القرية، أو كأنه إذا تطلع إلى ~~بناية وولورث ذات الطباق الثمانية والخمسين يشاهد كوخه في الكرم المؤلف من أربع قوائم ~~شجرية بحيطان من قش. وإذا ركب قطار النفق تحت البحر لا يأخذه العجب كالأول كأنما هو ~~راكب حماره تشارك رجلاه قوائم ذلك الحمار بالسحب على وجه الأرض. # أخبرني صديق أن أخاه ظل أسبوعا لا يحير كلاما، وقد خاف أن يكون قد أصيب ببكمة ~~بادئ ذي بدء، ولكنه ما انتهى الأسبوع حتى صار ذلك الأخرس خطيبا من الطبقة الأولى، إذا ~~جلس في حضرة كائن من كان يتناول الحديث من الألف إلى الياء، فيخلط عباسا على ~~دباس، وإذا نهاه ناه لا يبالي به ولا بنهيه، فهو الضليع في كل فن وعلم وعمل بعد ~~أن كان يمشي على سطح الصبويي فيتأمل كيف جعلوه من قطع زجاج، وقد صار كل صعب عنده من ~~أهون الأمور، وله على ذلك تعاليل، هو ناسج بردها وحده لا شريك له. من ذلك أنه مرة كان ~~جمهور في سهرة موضوعهم جسر بروكلن عندما كانت بلدية نيويورك مهتمة بمد جسر مانهتن، ~~أما هو فتناول الموضوع، وعبثا كان يغمزه أخوه أن يختصر الحديث، وأن يعطي فرصة لغيره ~~بالكلام، بل تابع تعاليله حتى انتهت السهرة. وقد أبان للقوم ألا حاجة إلى العجب في ~~بناء الجسور العظيمة؛ فإن أمرها بسيط جدا؛ لأن الأساس يبنى على الفلين، إذ توضع ~~صفائحه على وجه الماء، ويبنى فوقها فترسب رويدا رويدا حتى تصل القعر. # قال محدثي: ولا أعلم من أين جاء أخوه بمثل ms048 ذلك التعليل ، ولكن بالرغم من أنه يجهل حتى ~~القراءة والكتابة يتجرأ على الخوض في جسام الأمور فيهون عنده جسر بروكلن ومانهتن ~~وغيرهما. # عرفت سعد قمر في إحدى مدائن هذه الولايات، وهو كهل عتيق هاجر إلى أميركا عن طريق مصر، ~~فمال لسانه إلى لغة الفراعنة، وظل في أميركا عشرين سنة، وهو يتكلم بلغة محمد عبده وأحمد ~~شوقي وحافظ إبراهيم. # وسعد قمر عانس لا يعرف الألف من الباء، ولكنه ذو لسان ذي حركة دائمة، لا توقفه إلا ~~المنية، ولا أدري إذا كانت المنية قد أوقفته؛ فقد مات ووضع في قبره وحجبته عني ظلمات ~~الأبدية؛ ولهذا لا أجزم بالأمر. # كان المرحوم إذا رأى حلقة مهما يكن نوعها ومن أي الناس كان أعضاؤها يجلس إلى ناحية ~~قريبة، فيعطي أذنه أولا إلى حديثهم حتى يتمكن من جذب طرف من حديثهم إليه فيستلمه، ~~ويبدأ ولا ينتهي حتى ينتهي الاجتماع ويتفرق الأحباب. وقد صار معروفا في التدخل بكل ~~موضوع؛ فهو الطبيب، وهو الفيلسوف، وهو التاجر، وهو كل شيء بحديثه، ولكنه لا يدرك من ~~هو في عالم الوجود، ومات ولا يعلم من أين، وإلى أين، ولماذا وجد على سطح ~~الغبراء. # والمرحوم سعد كان يحب أميركا؛ لأنها، كما سمعته مرة يقول، تفتح قلب الأعمى؛ ففي بلادنا ~~الأفندي والبك والمطران والخوري والأستاذ لا يعطون دورا لمثله بالكلام، وأما هنا في ~~أميركا فكل إنسان حر بما يشاء أن يتكلم. # وكان القوم في تلك المدينة قد عرفوا طبيعة المرحوم سعد، فاستأنسوا بأحاديثه، وصاروا ~~يرون بها تسلية ولذة بما يعلل به، ويبرهن ويسند إليه بصور مضحكة؛ «فيقرقون» عليه ~~ويحمسونه حتى يغتاظ، وعند هذا تبدأ تسليتهم. # جمعتني الصدفة مرة في حلقة من هذا النوع في ذلك البلد، ولما شاهده أحدهم قادما من بعيد ~~صاح بنا قائلا: ها هو سعد قادم، فافتحوا موضوعا ليستلمه، ويبسطنا قليلا من ~~الوقت. # وكان الجميع يدخنون السكاير، فقال أحدهم: إن الذي اكتشف الدخان هو أميركي؛ فإن ~~أميركا أم الدخان. ~~«وعندها دخل سعد فحيى وجلس، وقد سمع آخر جملة من المتكلم: ms049 أميركا أم ~~الدخان.» # وبعد أن حيى وجلس قال: بماذا تتحدثون؟ أتتكلمون عن الدخان؟ الدخان مثل البخار يصعد من ~~الماء إذا وضع فوق النار. # فأجابه ذلك الذي قال العبارة: لا لا. نحن لسنا بموضوع أصل الدخان، فاكفنا شر فلسفتك، ~~ولكنا اختلفنا على كون الدخان الذي ندخنه من السكاير، أو بعبارة أخرى السكاير نفسها ~~أو التبغ اكتشفه أميركاني، فما رأيك؟ # فأجاب: الدخان! الدخان عربي اكتشفه ملك العرب منذ ألوف الأجيال. ~~(وكان صاحبنا المرحوم يرى في إعلانات السكاير صور أعراب وأتراك، وقد علق برأسه أن البدو ~~يكثرون من التدخين، وأن الأركيلة عربية محضة، فلهذا حفر في دماغه أن الدخان عربي على ~~الإطلاق.) # لا حاجة إلى إعادة قصة الخنفشار الشهيرة، وما كان لذلك المدعي معرفة كل شيء؛ فإنها ~~معروفة لدى القاصي والداني، وقد ذكرتها لأن قصتها مشابهة قصة هذا المرحوم بل الله ~~ثراه. # اعتاد المرحوم أن يسند تعاليله إلى براهين وتواريخ توحى إليه في اللحظة؛ ولهذا عكف على ~~كلامه بقوله: كان لذلك الملك ابنة وحيدة يحبها حتى العبادة، ولا يرضى أن يبيع شعرة من ~~شعر رأسها بكل ممالك العالم، فذات يوم دخل على غرفتها فوجدها دائخة والدخان يخرج من ~~فمها، فصاح باسمها واسمها ... الله يلعن الشيطان كان اسمها على رأس لساني، اسمها ... اسمها ... ~~اسمعوا حتى أتذكر، اسمها ... اسمها ... # ولا أعلم لماذا دقر عن هذا الاسم، مع أنه يستطيع أن يفبرك مجلدات، ولكن لكي يكون ~~للحادثة وجه من المجون عندنا ألهمه الله أن يدقر حتى يكتشف اسمها. # وانتظرنا بفارغ صبر أن نحصل على اسمها ليمشي في قصته لنرى إلى أين يوصلنا حتى مضى نحو ~~نصف ساعة، وهو يفرك جبينه، ويلعن الشيطان كيف أنه نسي اسمها، وقد كان على رأس لسانه، ولم ~~يبلعه أو يبصقه، ولا هو موجود في مكانه، وكيف طار، لا أحد يعلم. # أخيرا، وأنا كلي شوق إلى استماع الحادثة، حدثتني نفسي أن أقذف كلمة باسم لعله يأخذها ~~ويريحنا من حزره وانتظارنا، فقلت له: اسمها يا عم دخانة. # فأبرقت أسرته أيما إبراق، وخبط برجله ms050 على الأرض وصاح: دخانة، اسمها ~~دخانة. # أما قصته فقد انتهت والناس يضحكون، ولكني أنا قد خفت أن يكون قد صدق أن اسم ابنة ~~الملك الذي قص علينا شيئا من تاريخه دخانة؛ ولهذا بعدما تفرقت الحلقة جلست ~~بجانبه، وهمست في أذنه: أرأيت كيف خلصتك من تحزير نفسك، وأعطيتك اسما مختلقا لابنة ~~الملك؟ ~~- اسما مختلقا؟ أوتريد أن تضحك علي؟ أأنا ولد؟ أولا أعرف اسمها، وقد كان على رأس ~~لساني؟ ~~- ولكن أقسم لك بالله أن كلمة «دخانة» جاءت مني عفوا، وقد شلفتها شلفة لعلها تلصق ~~بحائط دماغك، وقد لصقت وخلصنا من الانتظار. # فما كان منه إلا أنه أدار لي ظهره، وهو يشرق دخان النارجيلة ضاحكا بملء فيه من محاولتي ~~إقناعه بأن مسألة «دخانة» رمية طائشة لا محل لها من الصدق، وقد ردد ثانية قوله: يريد ~~أن يضحك علي، أنا لو كنت متزوجا لكان أصغر أولادي أكبر منه. # وقد بلغني أن سعد قمر توفي منذ سنة، وأظنه وهو في ضريحه لا يزال يعتقد أن اسم ابنة ~~الملك العربي دخانة، وأنها هي التي اكتشفت الدخان حتى سمي باسمها قبل أن اكتشفت ~~أميركا بألوف السنين. # وأنا حزين جدا جدا أني لم أقدر في حياتي أن أقنعه بأن تلك الكلمة التي حفرت على ~~صفيحة مخيلته إنما هي تلفيق، وأخاف أنه لا يزال في سكينة القبور يعكر صفاء تلك السكينة ~~الرهيبة بترديد تلك الكلمة الملفقة. # | لنا علم، وللجهال مال # مسكين جورج بحري، ينقصه أمر، وهذا ما يجعله حزينا كل أيام حياته. # هكذا يسمعني دائما كلما قابلته يتنهد، ويخبرني أن عنده آراء سديدة، ولكنه يجهل ~~قواعد اللغة العربية. # وجورج بحري تاجر من التجار الكبار بين السوريين ومعدود بين أهل الثروة والمقام ~~التجاري، ولكنه بعد أن حصل على ثروته ومقامه وقد كان من أوائل المهاجرين، وأهان نفسه في ~~الأعمال الأولى حتى صعد باجتهاده إلى رأس السلم التجاري، وعندئذ تلفت فرأى نفسه ~~مفردا لا ينقصه شيء؛ بالغنى هو من أربابها، بالوجاهة هو من أعيانها، بالزعامة هو من ~~أركانها، لا ينقصه إلا ms051 شيء واحد وهو قواعد اللغة العربية؛ ليخطب في المجالس، وينشئ ~~المقالات على صفحات الجرائد. # وهذا الرجل صورة من صور السوريين العتق، الذين يحبون الظهور بما ليس فيهم وتمني ~~الأمور البعيدة عنهم، فلما كان فقيرا كان يتمنى لو يصير غنيا، حتى إذا صار غنيا ~~أصبح يتمنى لو كان وجيها، فدخل الجمعيات وتبرع هنا وهناك، وعكف عليه الناس لمقامه ~~المالي حتى إذا صار كبيرا في عيون فئة من الناس تمنى لو أنه خطيب يقف على المنابر، ~~فيجتذب قلوب السامعين. وهو يظن أنه لا ينقصه من الخطابة والكتابة إلا قواعد اللغة، وقد ~~جاء إلى أميركا ولدا من مزرعة ليس فيها مدرسة تعلمه. # مسكين جورج بحري، إنه لمن المحزنات ألا يكون ملما بقواعد اللغة العربية، ليلبس ~~آراءه الجميلة أثوابا لغوية بديعة يفيد بها المجموع. # ولهذا الرجل أطوار غريبة خبرتها بنفسي؛ فإنه يحب المجاملة والمسايرة ومرافقة ~~المارين، فيوصلهم إلى الأماكن التي يقصدونها فيودعهم ويعود، وقد حدثت لي معه حوادث ~~عديدة نفرتني قليلا عنه مع أني لا أعرفه كثيرا، وقد تسلط على مرافقتي غصبا ~~عني. # مرات عديدة وأنا سائر في الشوارع أرفع رأسي فأراه قادما نحوي من أول الشارع، فلا تقع ~~عيني على عينه حتى أرى يده مرفوعة، حتى إذا وصلنا لمقابلة بعضنا بعضا دب يده على يدي ~~فهزها هزة هائلة. ولهذا صرت إذا رأيته من بعيد أخفض بصري إلى الأرض كأني لم أره، ~~وهو أكبر من الجاموس، فأحول مسيري إلى الجانب الثاني من الشارع، ولكن هذا لم يكن يفيد، ~~فإن حضرته مرة وقعت عيني على عينه من بعيد فرأيته رافعا يده إذ لمحني، فلذت بالحيلة، ~~ومالت قدماي إلى الجانب الثاني من الشارع، وتابعت الخطو وعيني لا تنظر إلى ذلك الجانب، ~~ولكن شد ما كان دهشي عندما رأيت رجلا كبيرا يفرق جموع الناس بالعرض، رافعا يده ~~ليخبطها على يدي، فخبطها، ووصلت طرقتها عنان السماء، ولا يعلم إلا أنا والله كم تألمت من ~~تلك الهزة والضربة، إلا أني لم أشأ الوقوف؛ لئلا يكثر ازدحام الناس على مشاهدة ms052 أدوار ~~الرواية التي كنت وإياه بطليها؛ ولهذا سحبته بيدي من يده وتابعنا المسير. أما ~~هو فوضع يسراه أيضا على كتفي، وأبقى يمناه بيمناي ومشينا، هو يتكلم وأنا ألعن الحظ، ~~وكنت كلما أردت الانفصال عنه يرجو مني أن أبقى معه لنقطع الشارع الفلاني وهو يخطب في ~~أذني تارة بالتجارة وأخرى بالصحافة، ثم يبدأ بالعلم فينتهي بالسياسة إلى ما هنالك من ~~الفنون المخلوطة في دماغه، وكالعادة كما تقدم، عندما فرغ من كلامه الطويل سألني رأيي ~~قائلا: «ألا ترى أن عندي آراء؟» فجاملته بقولي: «نعم آراء، وأي آراء!» # فأبرقت أسرته لجوابي الحسن، ولكنه عاد فقال: ولكني أتأسف يا عزيزي، إنني أجهل ~~اللغة العربية، فلو كنت متعلما لخطبت خطبا نافعة. # فقلت له: ولكن اللغة ليست بذات بال، إذا كان عندك فكر. # قال: بلى، ولكن كيف أستطيع أن أحوك آرائي؟ # فقلت له إنه يستطيع أن يطالع الجرائد والمجلات والكتب فيكتسب منها الاصطلاحات العربية، ~~فإذا استعملها بكلامه لا ينقصه شيء البتة؛ لأن قواعد اللغة ليست بلازمة ولا هي بضرورية ~~لمن كان عنده آراء كآرائه. # فأخبرني إذ ذاك أنه كثير المطالعة، وأنه يقرأ كل كتاب وكل جريدة ومجلة تقع تحت نظره، ~~وأنه صار خزانة للاصطلاحات العربية. # وفيما نحن بهذا الحال إذ التقينا بشاب يعرفه جورج، فصافحه مصافحة شبيهة بمصافحته لي، ~~ثم عرفني عليه، وأخبرني أنه قد تكلل على عروس منذ ثلاثة أيام. ثم خص العريس ~~بكلامه وأنا سامع فقال: «أهنيك بالعرس والعروس، وأتمنى لك ولها الأفراح ~~والأتراح.» # سمعت أنا ما قال جورج، وكدت أرسل عاصفة من الضحك، غير أني كظمت لأسمع جواب ~~العريس. # أما العريس، فأجاب باللغة الإنكليزية شاكرا عواطف المستر جورج وافترقنا عنه، عندئذ ~~تبسمت وتطلعت بجورج، فرأيته مبتسما أيضا طافح الوجه، فقال لي: «ألا ترى أنني أستطيع ~~تركيب الكلام الفصيح؟» # فأجبته: نعم، وقد شاقني السجع بكلامك. فأخبرني إذ ذاك أنه في ذلك النهار وقعت عينه في ~~جريدة على «الأفراح والأتراح»، فأحبها وحفظها في فكره للاستعمال، وقد سر جدا ~~للظرف الذي جعله يلتقي بعريس ليقولها له، ms053 ظانا أن الأتراح مرادفة للأفراح؛ لأنه ~~فهم هذه ولم يفهم تلك. # وانقضى ذلك النهار وأنا كالمأخوذ، فكلما فطنت لما حدث أمامي أضحك لنفسي كالمأخوذ، ولا ~~أزال كذلك إلى هذا اليوم. # والمستر جورج يحفظ كثيرا من الأمثال التي يدعم بها أحاديثه، وكثيرا ما يعزو حوادث ~~خطيرة لنفسه، كأنها حدثت له وهي في بطون التاريخ القديمة، يسمع بها فتلذ له، فإذا جاءها ~~دور يناسب المقام الذي يكون فيه يسرد قصتها، جاعلا نفسه بطلها. # وهو يعتقد بذكاء السوري المفرط ودائما يتأسف لكون السوريين غير متعلمين، وإلا لفاقوا ~~على كل الأمم بذكائهم. ومن أمثلته على ذلك أنه استطاع أن ينجح في بلاد غريبة كان يجهل ~~لغة أهلها، وقد جاء إلى أميركا بساعده وحده، فداس الصعوبات الكثيرة وتغلب على ~~المعاكسات، فنال حظا وافرا من الثروة. أما تأسفه الشديد، فلأنه دخل ميدان أميركا ~~خلوا من العلم، فلو أنه كان عالما لكانت ثروته أضعاف ما هي عليه اليوم. # وكثيرا ما ينظر إلى المتعلمين من السوريين فيرى معظمهم معدمين، فيهز رأسه أسفا ~~لما ضيعوه من الحظوظ مع أنهم حاصلون على الأساس الذي يستطيعون أن يبنوا عليه التقدم ~~العظيم في عالم التجارة. # قال: يأتي السوري المتعلم إلى أميركا فيتأفف من كل مهنة، لا يرضى يبيع بالكشة ولا ~~بالجزدان، وإذا اشتغل في محل لا يكاد مقعده يسخن تحته حتى يترك المحل هازئا ~~بأصحابه. # وقد حدث بهذا الرجل حادث أدى إلى نفوره من كاتب في محله؛ وذلك أنه جاء يوما إلى ~~الكاتب فنصح له أن يهين نفسه إذا كان يريد الصعود إلى قمة النجاح، وأعطاه مثالا على ذلك ~~نفسه، فقال له إنه لو لم يحمل الكشة سنوات على ظهره كالحمار، ويقطع الأميال كل يوم مشيا ~~على قدميه لما حصل على مركزه التجاري، ولما كان يشتغل في محله كثير من الناس المتعلمين ~~كالكاتب المنصوح له. ثم زاد على ذلك أنه لو كان مثل الكاتب متعلما، وجاء إلى أميركا ~~لكان بلا شك بمصاف أغنياء شارع «وول». أما الكاتب وقد كان خريج كلية يشتغل ms054 عند ~~المستر جورج ليرى له بابا لمستقبله، ولم يكن يرى ذلك الباب مفتوحا في خلال عشر سنوات، ~~فأجابه: «ولكن، أقسم لك يا مستر جورج، إنه لو جئت حضرتك إلى أميركا متعلما مثلي لكنت ~~كما أنا تشتغل لغيرك من الذين جاءوا إلى أميركا لا علم ولا معرفة، فلم يبالوا بحمل ~~الأثقال على ظهورهم وصعدوا سلم النجاح درجة درجة حتى وصلوا إلى أوج مقامهم.» أولئك لو ~~كانوا متعلمين لاكتفوا بعلمهم، وأنفوا من الأشغال الأولية التي لا يأنف منها من كان مثل ~~حضرته. وقد قال له أيضا إنه يجب أن يشكر الله لكونه ليس متعلما، وإلا لما كان غنيا ~~كما هو اليوم. # وقد انتهت تلك المحادثة عن طرد المستر جورج لكاتبه؛ لأن هذا قال له أخيرا: هذه سنة ~~الله في خلقه، لنا علم، وللجهال مال. # | عارف الجميع # لعزيز سيار ميزة عن باقي البشر؛ فهو يعرف كل من يراه، فإذا رآك حياك وسلم عليك، ~~وسألك عن صحة أفراد العائلة، ويحكي لك قصة عن المرحوم جدك الذي تعرف عليه في الشام ~~مثلا، وأن المرحوم أباك كان من أعز أصدقائه. # عزيز سيار هذا مخلوق عجيب، وبالأخص بتواريخه التي يفصلها عن حياة هذا وحياة ذاك، ~~وكثيرون لأول وهلة ينصاعون إلى حديثه لتصديقهم أقواله عن معرفته بالمرحوم فلان، وصداقته ~~القديمة لهذا ولذاك، ومواصلته فلانا وآخر. # وله عادة عرفت به وعرف بها، وهي أنه إذا التقى بإنسان فبعد أن يحييه ويسلم عليه، ~~ويسأله عن صحة أفراد العائلة، ويقص له واقعة حال مع أحد المرحومين، يشبك ساعده بساعد ~~الملتقي به، ويسير الاثنان على الطريق حتى يتحنن الله ويمر إنسان آخر فيودع ~~الأول، ويمسك بالثاني بعد أن يقول للأول: «البقية تأتي. إن شاء الله في المشوار الثاني ~~أكمل لك القصة.» ثم يبدأ بذات الدور مع الثاني، وهكذا يظل يودع هذا ويلاقي ذاك حتى ~~ينتهي النهار. # إلا أن كثيرين من الذين درسوا أخلاق عزيز عرفوا مبلغ الصحة في أحاديثه، فصاروا ~~يتراهنون على ما إذا كان يعرف شخصا ما أو لا يعرفه، فيقصدونه، ms055 وغالبا كان المراهنون ~~يخسرون؛ لأن للرجل ولعا شديدا بمعرفة العيال والأسماء، ويكفي لذلك أن يذكر عن المسئول ~~عنه لمحة صغيرة كان يقول هو فلان من البلد الفلاني من العائلة الفلانية، تعرفت بابن خال ~~كنة عمته في عام كذا وكذا ... إلخ. # حدث يوما أن عزيزا كان في أحد المحال السورية في يوم عاصفة ثلجية أوقفت الأعمال، ~~وكان عدد من أصحاب المحل وزبائنهم مجتمعين داخل المحل يستدفئون وفي جملتهم كان عزيز ~~السيار، وصدف أن العمل الذي كانوا يعملونه قد انتهى، ولم يشأ أحدهم الخروج، وفيما هم ~~كذلك إذ دفع الباب ولد وبيده أعداد جريدة فطرح أحدها إلى داخل المحل وقفل راجعا، فتناول ~~أحد الشركاء العدد وأخذ يقلب بصفحاته، فصاح به عزيز: «هات لنا أخبار الجريدة لنتسلى ~~بها، فلا عمل لنا سوى الانتظار حتى تهدأ العاصفة فنخرج.» # فناوله التاجر العدد، وقال له: «اقرأ لنا مقالة خليل لقمان في الصفحة الرابعة.» # وما لفظ هذا الاسم حتى اهتز كل من كان موجودا وصاح الجميع: «إي والله، أسمعونا ما ~~يقول هذا الكاتب العظيم؛ فإن كلامه لسحر يدخل القلوب ويطوي منازل النفوس طيا.» # أما عزيز؛ فقد ابتسم لدى سماعه اسم الكاتب، وهز رأسه استخفافا برغبة الجمهور، ثم ~~قال: «يحرق قلب خليل ما أكتبه! والله إني أتعجب كيف يستطيع هذا الشاب أن يكتب؛ فقد كنت ~~معه البارحة طول النهار وبعض الليل، وكيف تمكن من كتابة هذه المقالة لعدد اليوم؟ لا ~~أعلم!» # عندئذ سأله أحدهم: «أوأنت تعرف خليل لقمان؟ أوهو في هذه المدينة؟» ~~- «أعرف خليل لقمان! أوهو في المدينة! وكيف لا أعرفه وهو من أعز أصدقائي، وقد جاء ~~نهار أمس من بفلو خصيصا لنجتمع سوية؟! خليل لقمان وعزيز السيار اثنان في واحد.» # فسأله واحد من الحاضرين وقال: «بالله، صف لنا خليل لقمان؛ فإني دائما أتمنى ~~وأتحسر على رؤية رسم له، وأعد الاجتماع به من أماني حياتي، فوالله إنه على لساني ~~وفي قلبي كيفما توجهت.» # هنا أخذ عزيز سيار يصف للقوم خليل لقمان، فقال: «إنه شاب لا يتجاوز الخامسة والعشرين، ms056 ~~وإن الذين يطالعون كتاباته يتوهمون أنه فوق الخمسين، ولكن حقيقة عمره خمسة وعشرون سنة، ~~شاب مربوع القامة، أبيض اللون، جميل المحيا، عالي الجبين، أسود العينين، يستحي من ~~خياله، مملوء عواطف يطالع الناظر إليه بوجهة تينك الرقة والإنسانية اللتين يقرؤهما في ~~خلال سطوره، دمث الخلق، يشرب كلامه كالخمر، ولا ألطف ولا أجمل من شاب كهذا في ~~العالم.» # قال هذه الأوصاف والسامعون يترنمون لذكر خليل لقمان لما له في قلوبهم من المنزلة ~~السامية. # جرى كل هذا وأحد الشركاء في المحل واقف إلى منضدته، واضع رأسه على كفه، وعيناه تنظران ~~عزيز السيار يحيط القوم وصفا بخليل لقمان، وكان التاجر يبتسم ابتسامة لها معنى يعرفه ~~الخبيرون بأمور الفراسة. ولما انتهى هذا الدور وخرج عزيز من المحل وأكثر الذين كانوا ~~موجودين، التفت ذلك التاجر إلى أحد شركائه وقال له: «أتراهن أن عزيزا لم يجتمع بخليل ~~لقمان ولا رأى له وجها؟» # فأجابه الشريك الآخر وقال: «لا يا شريك، لا تغلط، إن عزيزا يعرف كل مخلوق، وكفى ~~برهانا أنه ذكر أوصافه، وإلا فمن أين أتى بها؟» # فقال التاجر لشريكه: «لا تجادلني، قلبي يحدثني أن عزيزا السيار لا يعرف خليل لقمان، ~~ولم يجتمع به في حياته، أتراهن على ذلك؟» # فأجابه شريكه: وكيف يمكنك أن تعرف حقيقة الأمر؟ ~~- إلى صاحب الجريدة التي يكتب فيها خليل، وهناك نسأله عنه لعلنا نهتدي إلى حقيقة ~~الأمر. # وذهب الاثنان الشريكان إلى إدارة الجريدة في الحال، فاجتمعا بصاحبها الذي أحسن ~~استقبالهما وأدخلهما إلى غرفة التحرير، وبعد أن جلس الثلاثة فتح التاجر فمه بالكلام ~~فقال: «جئنا إليك يا أفندي صدفة دون ميعاد؛ فقد بلغنا أن خليل لقمان موجود في نيويورك، ~~فأحببنا زيارة الإدارة للتعرف عليه، وأداء امتناننا لكتابته على صفحات جريدتكم ~~الزاهرة؛ تشجيعا له على الأخذ بناصر جريدتكم المحبوبة.» # فأجاب الصحافي وقال: «أشكركم من كل قلبي، ولكن يا للأسف إن خليل لقمان عاد إلى بفلو ~~صباح اليوم، وقد جاء نيويورك في ليلة واحدة ولم يقم غيرها خوفا من مقابلة الناس، ~~ولكني سأكتب إليه وأعلمه بتشريفكم ms057 الإدارة للسلام عليه، ولكن من أين عرفتم أنه كان في ~~نيويورك، ولا أظن أن أحدا عرف بقدومه إلا أنا؟» # فابتسم الشريك المراهن بجانب عزيز، وقال في سره: لقد ربحنا الرهن؛ لأن خليلا كان في ~~نيويورك حسب رواية عزيز. # أما الشريك الثاني؛ فقد شعر ببعض هذا، ولكنه لم يشأ أن يسلم، بل أخبر الصحافي بأن ~~عزيزا السيار أخبره عن قدوم خليل. أما الصحافي فعندما وقع في مسمعه اسم عزيز السيار ~~ضحك ضحكة قوية وقال: «الآن عرفت سبب قدومكما، فيظهر أن عزيزا لا يزال متأثرا من ~~حادثة أمس، فأرسلكما لتعتذرا أمام خليل عن حادثته المشئومة، ولكن لا بأس أن أخبركما أن ~~خليلا لم يهمه الأمر، بل كان الفصل الذي مثله عزيز أمامه البارحة فكاهة عظيمة لا يزال ~~حتى هذه اللحظة يضحك منها.» # فأجاب التاجر: «ولكننا لم نأت لهذا الغرض، بل جئنا - والكلام بسرك - لنعرف من أين ~~هذه الصداقة الجامعة بين عزيز السيار وخليل لقمان؟» # عندئذ بدأ الصحافي يخبر الزائرين تاريخ تلك الصداقة، وهو يقول كلمة ويضحك خمس دقائق، ~~أما التاريخ فكما يأتي: # قال الصحافي: «هبط علي خليل لقمان هبوط الملاك على إنسان في حين لم أكن على ~~ميعاد، وأول ما وصل سلم علي وأخبرني أنه قادم لغرض واحد، وهو الاجتماع ~~بأستاذ في جامعة نيويورك، ولما أنهى غرضه زار الإدارة ليتعرف بها، وأوصاني ~~مشددا ألا أذكر لأحد الناس عن قدومه، وألا أعرفه البتة بإنسان. وقد شاء ~~أن يودعني ليئوب إلى بفلو على قطار الليل، ولكني بعد إلحاحي الشديد قبل ~~أن يكون ضيفي تلك الليلة وحدها، حيث أصرف السهرة معه ولا ثالث بيننا، فأقفلت ~~الإدارة وذهبت به إلى محطة الطوف، وفيما نحن جالسان إذا بعزيز السيار قد جلس ~~حيالي، وسألني على صحة أفراد العائلة في الوطن، وإذا كنت أسمع منهم كل بوسطة، ~~إلى ما تعرفانه من سؤالاته الكثيرة، ثم استأذن مني عددا من جريدتي كان ~~بيدي، وأول ما وقع نظره على مقالة صغيرة لخليل لقمان قال لي: «أتدري أني لا ~~أقرأ جريدتك إلا لأن ms058 خليلا يكتب فيها؟» وأن الواجب علي أن أحتفظ به لئلا ~~تنقل كتاباته إلى جريدة أخرى. ثم سألني عما إذا كنت أعرفه شخصيا فأجبته ~~نفيا لأرى ما وراء ذلك، فقال لي إن الأحسن ألا أجتمع به، فإذا رأيته سقط من ~~عيني؛ لأن له خلقا أعوذ بالله - هكذا قال - له شعر مسترسل على كتفيه ~~كالدراويش، وله أنف كخرطوم الفيل، وأذنان كبيرتان تعد الواحدة بثلاث آذان، ~~وعينان صغيرتان كعيني الخلد ... والخلاصة: له خلقة مخيفة، ثم قال: مسكين خليل ~~لقمان على سحنته، ولكن له قلما ومواهب عقلية سامية، والأحسن للناس ألا ~~يتعرفوا به. وما وصل إلى هذا الحد حتى جاء الطوف فنهضنا، وأسرعنا مع الركاب ~~للنزول فيه، وقد ظل عزيز ملاصقا إياي من عن يساري وخليل لقمان عن يميني ~~لا يفتح فاه بكلمة، ولكنه كان يبتسم، وكان الأول كل الطريق يصف لي خليلا كما ~~يعرفه، وأخبرني عن حوادث جرت له معه في بفلو وفي نيويورك، وأنه صديق له ~~ولعائلته من زمان، حتى وصلنا إلى الجانب الثاني من النهر، فخرجنا مع الركاب ~~إلى أرض بروكلن، وهناك وقفت لأودع عزيزا ليأخذ طريقه وأنا مع رفيقي نأخذ ~~طريقنا، وقد شاءت العناية ألا يذهب في سبيله حتى يكمل الفصل، فبعد أن ~~ودعني هزا باليد قال لي: ولماذا لم تعرفني بصاحبك؛ فقد ظننته بادئ الأمر ~~غريبا عنك؟ فقمت إذ ذاك بواجب التعريف بين الاثنين، فقلت: الحق علي يا ~~صديقي في هذا التقصير، ولكنك يا عزيز لم تعطني سبيلا لأعرفك بصديق كلينا ~~خليل لقمان. وفي تلك اللحظة لم يعد عزيز سيار عزيزا السيار؛ فقد امتقع لونه ~~كأنه أبدل خلقا، ولكن خليلا اقترب منه فأمسك بيده، وقال له إنه عرف منذ ~~البداءة بحديثه أنه كان غلطانا وقد أكد تماما أنه - أي عزيز - كان يصف ~~شخصا آخر ظنه خليل لقمان. # أما عزيز فلم يقل كلمة، ولكنه سحب يده ومضى في سبيله». # عند هذا توقف الصحافي عن الكلام بضع ثواني، ثم استأنف الحديث فقال: «وقد بتنا ليلة ~~أمس وأنا أجرب أن أسلي خاطر ms059 خليل لأذهب عنه تأثره الشديد على حالة عزيز في ساعة ~~تعرف به، ولكنه لم يطق نوما وكان كل وهلة وأخرى يسمعني توبيخه اللطيف لقساوتي ~~الشديدة التي استعملتها معه، وقد قال لي إنه لو عرف أن المسألة ستنتهي كما انتهت لما صبر ~~على سماعه حديث عزيز، ولكان قطع حديثه، وعرف نفسه به خوفا من التهور الذي تم.» # وخرج الشريكان من إدارة الصحافي ولا يزالان حتى اليوم - وقد مضى على الحادثة عشر سنوات ~~- يتنازعان على الرهن، فالأول يقول إنه ربح الرهن؛ لأن عزيزا لم يعرف خليلا ولا اجتمع ~~به كما ادعى، والثاني يقول إنه هو الرابح؛ لأنه ظهر أن عزيزا اجتمع بخليل ~~وكفى. # | أقصر الطرق # لغط الناس ثلاثة أسابيع بحادثة خليل عساف، وهي أنه خطف ابنة مراد البسيط، وقد شغل أهل ~~المخطوفة أسلاك التلغراف والتلفون كل الأسبوع الأول، مفتشين على ابنتهم، فلم يفلحوا ~~بخبر عنها وعن الذي خطفها. # بعد الأسبوع الأول صار أقرباء مراد البسيط يلومونه لعدم سماحه لابنته ماري بأن تتزوج ~~بخليل تزوجا عاديا؛ فلو أنه رضي بذلك لما عرضها للانقياد إلى إرادة حبيبها والهرب ~~من بيت أبيها؛ مما جعل اسم العائلة مضغة في أفواه الناس. أما مراد، فكان يتلقى توابيخ ~~ذويه بصبر عجيب، فعبثا حاول إقناعهم بأنه لم يصد خليلا البتة، وأنه كان يميل إلى ~~مصاهرته، ولم يظهر له عدم رغبة فيه ولا مرة، وجل ما قال له آخر شيء أن يقتصد بمصروفه، ~~وأن يعمل باجتهاد كلي ويصبر على حاله في الأقل سنة أو سنتين لبينما يتوفر معه على ~~الأقل مبلغ من المال لنفقات العرس. ولو أنه عرف أن الآخرة ستكون على هذه الصورة لرضي به ~~صهرا ولم يعرضه لخطف ابنته، ولكن ما العمل؟ # بعد الأسابيع الثلاثة عاد خليل إلى نيويورك تصحبه عروسه التي زفت إليه في إحدى قرى ~~بنسلفانيا، ولما وصلا إلى المدينة اتفقا على النزول في أحد نزل نيويورك؛ لأن العروس ~~خافت أن تظهر أمام أبيها وقد كسرت إرادته وخشيت من العواقب، والعريس أيضا خاف التسرع ~~بالظهور أمام ms060 حميه، وحسب أن أهل عروسه لا يزالون نارا تلتهب غيظا منه ومن ~~زوجته. # في ذلك اليوم اختلف العروسان على من يوصل الخبر إلى أبي العروس، وإنما كان اختلافا ~~يتخلله الحب والدلال؛ فإن العروس رفضت بتاتا أن تذهب إلى بيت أبيها، ولم تعرف بعد إذا ~~كان يرضى عنها ويصفح عما أتته مما أقامه وأقعده، وجعله يلزم البيت ثلاثة أسابيع ~~والناس أفواجا يأتون ويذهبون إلى داره كأنه أصيب بفقد ابنته لا أنه أنعم عليها ~~بزواجها. والعريس قال إن أباها ليس أباه، فهو لا يهمه رضي أو لم يرض، فإذا كانت عروسه ~~تلح بالصلح، فالأمر متعلق بها نفسها. # وأخيرا اتفقا على أن يلقيا القرعة على من يكون رسول البلاغ، فوقعت القرعة أولا على ~~العروس، فلم تذعن واقترحت أن تثني القرعة فرضي الزوج مضطرا ووقعت القرعة الثانية عليه، ~~فتردد أولا وحاول التملص من تلك المهمة الصعبة، ولكن نظرات ماري قربته إلى الحيلة، ~~فهب لساعته وتناول التلفون فطلب حماه مرادا، وخاطبه قائلا: «أنا خليل، قد عدت إلى ~~نيويورك وعلمت أنك ساخط علي، فعرفت أني مخطئ، وقد قلت لماري أن تعود إلى بيتك فلم ~~تحفل بقولي، وأخيرا عملت ما يجب علي، فها إني تارك لك ابنتك في نزل غراند فتعالوا ~~خذوها، وأنا مسافر إلى محل إقامة أخي في ولاية تكسس بقطار الساعة الثالثة بعد ~~الظهر.» # قال هذا وسكر التلفون، ثم تطلع بماري تطلعة جد كسرت قلبها، فأرخت رأسها على صدره ~~وسألته والغصة ملء صدرها: «أصحيح أنك ستتركني يا خليل، رجلي ورجلك، لا أفارقك حتى ~~الموت.» # قالت هذا والدمعة قد قاربت الانحدار من عينيها، ولكن خليلا صد دموع امرأته بضحكة ~~طويلة أتبعها بقبلة قوية على عينيها التي قاربت التدميع. # ثم انتبه فجأة وقال: «قربت الساعة، فبعد قليل لا بد أن يحضر أبوك وجميع أهلك، ~~فماذا نعمل؟» # بعد تردد قليل اتفقا على أن يكملا الدور الذي رفع خليل الستار عنه، فتم بينهما أن ~~تتمسك بأذياله بشدة عندما يسمع وقع خطوات أهلها قرب الباب، وهكذا كان، فلما دخل الأب ms061 ~~ووراءه امرأته وابنتهما الكبرى شاهد الجميع ابنتهم ممسكة بخليل وهي تهدده بقولها: «لا ~~يمكنك أن تخطو خطوة من هنا ما لم يأت أهلي ويروك.» # وكان أن مرادا سمع العبارة التي قالتها ابنته للذي خطفها فلم يقل شيئا البتة، ولكنه ~~أسرع خطاه إلى محل الحادثة، فجذب ابنته عن خليل، ودفعها إلى جانب وقال لها: «ابعدي أنت ~~عنه.» ثم أمسك بيد خليل وخاطبه بصوت حاد متكسر بالغصات التي كانت قد انزرعت في ~~طريق رئته إلى حلقه: «ماذا تريد أن تعمل الآن؟ إما حياتك وإما شرفي؟ عملت معنا هذا الفصل ~~ومرادك الآن أن تنهيه على حسابي أنا؟ ما هذا الأمل منك يا خليل.» # وكان أن امرأة مراد قد اقتربت من خليل وبين عينيها سيف لامع من الغضب، فأبعدها زوجها ~~وأشار إليها أن تخفض صوتها لئلا يأتي سكان النزل ومعهم البوليس فتكون الضلالة الأخيرة ~~شرا من الأولى. # عندئذ نهض خليل ونظره إلى الأرض وقال: «لا تغضبوا ولا تحمقوا، فأنا ما قصدت أن أغضبكم، ~~فقد ظننت أنكم تريدون ابنتكم فأخبرتكم أين تجدونها، وأما وأنتم تريدونني معها فهذا كل ~~ما كنت أشتهيه وأتمناه.» # ولم يخرج القوم من تلك الغرفة إلا وتبدلت الحالة من سخط إلى فرح، وكل من الحزبين ~~يظن نفسه الظافر على الآخر. وقد ذهب الجميع إلى بيت مراد البسيط، حيث اجتمع عدد من ~~الأهل والمعارف، وفي اليوم التالي ضجت السمعة في المدينة أن مرادا رضي عن صهره ~~وابنته، وأنهما اكتريا الطابق الأعلى في المنزل الذي يسكنه؛ لتكون ماري قريبة من بيت ~~أبويها. # خليل عساف كان مشغوفا بحب ماري البسيط، وكان أبوها عارفا بذلك، ولم يكن ما يجعله ~~يميل عنه إلا خلوه من المال، ومعلوم أن الزواج يكلف نفقات مالية كثيرة؛ ولهذا أبعد ~~أمله إلى سنة أو سنتين لعل في هذه المدة يقوى على توفير المبلغ الكافي. إلا أن خليلا لم ~~يرق له التأجيل، وكذلك ماري، ولكنهما كانا أيضا عارفين تمام العرف بالنفقات اللازمة ~~وأهمها ثمن الخاتم الماسي، وبعد البحث مرارا بينهما في هذا الأمر ms062 اقترحت ماري نفسها على ~~حبيبها أن يهربا وينجوا من المصاريف فيحصلان على متمناهما دون كلفات لا معنى لها، ~~وهكذا فإنهما هربا دون علم أحد ودون أن يعرفا تماما إذا كان الأب يمانع بتاتا عند ~~الساعة الأخيرة. # وعاش خليل وامرأته عيشة هنيئة، وقد نسي الناس كيف كان عرسهما، وبعد سنتين جاء بكرهما ~~فسمياه وليم، وكان صورة بالجمال كأنه هبة من ملائكة الله. # أما أحوال خليل بعد الزواج فصارت على جانب من التوفيق؛ ولهذا اشترى بيتا جميلا ~~لسكناه، وجعل في بنصر امرأته خاتما ثمنه ألفا ريال، وفي خزائنها ثيابا فاخرة تحسدها ~~عليها كثيرات من العرائس. # ذات ليلة كان حمو خليل زائرا في بيت ابنته ماري، وكان وليم يدب على الأرض عند قدمي ~~جده فيستند على رجليه ويد واحدة من يديه، وبالثانية يضرب قدم جده ضاحكا بملء شدقيه ~~الصغيرين، فيرجع جده قدمه تظاهرا أمام الطفل بالخوف من ضربه ثم يقدمها بسرعة ويعود ~~فيسحبها، وقد ظل يلاعب حفيده الملاك حتى أفعم قلبه حبا فنشله عن الأرض وأقامه على ~~صدره يقبله ويشمه والطفل يضحك ويملأ البيت سرورا والقلب ابتهاجا. # ثم لاحت من الجد نظرة إلى الخاتم في يد ابنته التي كانت تغامز طفلها ليلاعب جده، ~~وقلبها يرقص لكل حركة من حركاته، فقال لها: «أهذا هو الخاتم الذي أخبرتني عنه أمك، أريني ~~إياه باقتراب.» # فنزعت ماري خاتمها وقدمته إلى أبيها، فتأمله دقيقة منحيا بيده الطفل قليلا، وهو ~~ينظر إلى الخاتم بيده الثانية، فتنهد وقال لأول مرة، موجها الخطاب الجدي إلى ابنته: ~~«يا ابنتي، ما كان أحلاك لو تصبرين إلى هذا الحين فتتزوجين بخليل، ونعمل لك عرسا ما صار ~~مثله ولن يصير، فيرى الناس هذا الخاتم بإصبعك وأنت عروس!» # فأجابت ماري: «يا أبي، كل ظفر من أصابع وليم من يديه ورجليه يسوى كل الماسات في العالم، ~~فلو صبرت إلى اليوم لبينما يستطيع خليل أن يشتري لي هذا الخاتم لما كان في الوجود هذا ~~الملاك.» # وتطلع الجد إلى الطفل ثانية، فرآه واضعا يده في فيه يعلكها، وقد امحت ms063 من وجهه ~~ابتسامته لميل جده عنه إلى الخاتم، فجذبه في الحال إلى صدره، وكاد يفترسه بقبلة من ~~خده، ولما انتهى منها عاد الطفل يضحك ضحكته العميقة، ويحرك يديه ملاعبا جده. # في تلك اللحظة انضمت ماري إلى الطفل وجده، ولكي تشترك بالدور الذي يمثلانه أعطت ~~الخاتم إلى وليم لعله يؤخذ بلمعان ماسته، ولكنه عندما قبض عليه ورآه رمى به إلى الأرض ~~بعنف، واستأنف اللعب مع جده، فنظرت أمه وأبوها إلى ما عمل الطفل، ولما التقى ناظراهما ~~قال لها أبوها: «الحق معه.» # | المتشرعان # يعرف كل من جبرة غبريل وداود واصف بالمتشرع، وكلاهما يجهلان القراءة والكتابة حتى ~~بلغتهما العربية، إلا أن اللقب الذي أحرزاه هو نتيجة حوادث عديدة لهما بالمماحكة ~~والمحاجة، بل هو صفة لأخلاق الرجلين التي عرفها القوم، فمنحوهما لقب متشرع، وصار كل ~~منهما معروفا بهذا اللقب. # الأول: جبرة غبريل، عامل في أحد المصانع، والآخر: داود واصف، وكيل على أملاك، يؤجر ~~منها منازل لمواطنيه، والأول ساكن في أحد المنازل التي يؤجرها الثاني، وهناك كل ~~البلاء؛ لأن هذه السكنى تجعل البطلين - بطلي الشريعة - يلتقيان كل صباح ومساء كأنهما ~~جبلان، وليس على طالب فرجة في مسارح إلا أن يترصد اجتماع هذين المتشرعين، فيشاهد منهما ~~من الأدوار التي يمثلانها ما يغنيه عن ألف دور هزلي في الملاعب. # ولقد اعتاد كل منهما مضادة الآخر حتى على الأمور المرئية المحسوسة، فإذا قال جبرة بأن ~~الثلج أبيض، يجيبه داود بأن الثلج أسود، ولكل منهما براهين وحجج واستنزالات علوية ~~وإلهامات روحية ما أنزل الله بها من سلطان. # اعتاد الناس من جيران وغيرهم التجمهر حول هذين البطلين للتسلية، وأكثرهم يوقد ~~النار بينهما، ثم يقف الجميع؛ ليروا كيف تتعالى شرارات المناظرة بينهما، فيضحكون ~~ويتسلون. # عندما يسمع في السوق صوت أحد الاثنين، إما جبرة وإما داود يتألب جماعة المتفرجين من ~~هنا وهناك كأن ذلك الصوت عندهم دقة الناقوس للمترقبين انفتاح أبواب الكنيسة لكي يدخلوا ~~للصلاة، وهكذا الأمر عندهم لدى سماعهم نبرة عالية من أحد الاثنين؛ إذ ذاك يؤلف القوم ~~حلقة حولهما، ويبدأ ms064 الاثنان بتمثيل أدوارهما. # أما اختلافاتهما فليست بذات بال عندهما؛ فهي لا تشرق عليها شمس يوم ثان، ولهذا ~~فكلاهما معروف عند العامة بأنهما كثيرا الغلبة، إنما طيبا القلب، وأنهما مع تصايحهما ~~وتخالفهما بالرأي وأحيانا تقاتلهما ينسيان عندما يبرد غليلهما كل ما جرى بينهما، كأن ~~المقدر ما كان. # كان جبرة صاعدا السلم ذات يوم إلى بيته، وإذا بداود نازلا، فسلما أولا حسب ~~المعتاد كسلام المصارعين أو المتلاكمين في المسارح، وبعده يجيء دور الصراع أو الملاكمة، ~~وقد يخطف الواحد منهما روح الثاني، إنما السلام لا بد منه أولا. # بعد السلام قال داود: «يا جار، وأنا اليوم أتمشى أمام البناية إذ سقط من عل لوح ~~زجاج، فقلت في نفسي: أعوذ بالله من هذا النهار؛ فإن جارنا جبرة سيقيم الأرض ويقعدها، ~~ويهبط السماء، ويدمر الفضاء على رأسنا قبل أن يدفع ثمن لوح الزجاج المكسور في منزله. ~~ولكن الحمد لله يا جار، لم يكن اللوح المكسور من إحدى نوافذكم، بل من نافذة أحد الجيران؛ ~~ولهذا مضت المسألة وأسبل الله ستره.» # قال داود هذا وجبرة يهم بالمقاطعة، ولكنه ضغط على عوامله الداخلية ليعلم جلية الخبر، ~~ولما أنهى داود كلامه أجابه: «ولماذا أدفع ثمن لوح الزجاج، وأنا لست بكاسره؟» # فرد عليه داود في الحال: «لأنك صاحب المنزل المسئول عن كل شيء فيه ما عدا ~~السقف». ~~- أنت غلطان، فصاحب الملك عليه التصليح لا سيما والمستأجر كان خارج المنزل. ~~- لا تعالجنا يا جبرة، فأنا حمدت الله ألف مرة؛ لأني خلصت من شرك هذا النهار، ~~والمسألة لا تحتاج إلى صياح ومماحكة، اسأل من تريد فيجيبك أنه إذا انكسر شيء من ~~الزجاج فإصلاحه على المستأجر. ~~- والله لو هبط البيت وصار هباء منثورا تخطف ذراته الرياح لا أدفع بارة واحدة؛ ~~لأن هذا ليس عدلا، والشريعة دائما مع المستأجر ضد صاحب الملك والوكيل، فاسأل غيرك ~~إذا كنت جاهلا هذه الحقيقة. ~~- لا تقل جاهلا ولا ماهلا، فأنا أعرف منك بالأمر، وقد جعلت الذي كسر زجاجه يدفع عنه ~~في الحال، فلماذا المماحكة يا جار، احسمها ولا ms065 تدع الناس يتجمهرون على صياحنا؛ فإنهم سوف ~~يشبعون ضحكا منك إذا سمعوا منك كلامك هذا. # ولا حاجة إلى الإتيان على كل الحديث الذي جرى بينهما، فهذه مقدمة له، وإن القارئ ~~اللبيب يستطيع أن يصور في مخيلته ماذا يعقب هذه المقدمة من النتائج، ولا سيما بين ~~المدعوين متشرعين لكثرة غلبتهما وعدم إعطاء الواحد طريقا للآخر؛ لكي ينسحب، فيمضي ~~الاثنان. # وكالعادة أخذت المشاحنة زهاء ساعة بينهما، وكل يدعم رأيه بالبراهين وينهال على الثاني ~~بالتعييرات فالمسبات، هازئا بقلة عرفانه وجهله الفاضح لأمور بسيطة يعرفها أي ~~الناس. # وكان الناس قد تألبوا من خارج البناية وداخلها ومن الجوانب والأعالي يتفرجون على ~~البطلين - بطلي الشريعة - يتشارعان على أمر لم يكن من سبيل لأحدهما أن يرى منه مخرجا، ~~حتى أخذت المسألة دورا جديا انتهى معه دور المماحكة، وذهب عن جماعة المتفرجين دور ~~التسلية أيضا؛ لأن الاثنين تماديا بعدما أسمع كل منهما الآخر أشياء غليظة، فتدافعا ~~وكادا يتلاكمان، فتدخل بعض المتفرجين بينهما، وكبرت المسألة إلى حد أن فريقا احتمل ~~جبرة، وفريقا آخر اختطف داود، فأدخل الأول أحد المنازل والثاني غيره، وكل منهما ~~مطبق بقبضتيه والدم على أهبة التفجر من وجنتيه، وفمه يخرج حمم الكلام والصعقات على ~~الآخر. # والتف قسم من الجمهور حول جبرة وآخر حول داود يهدئون روع كل منهما، حتى آن الأوان ~~للصلح بينهما، وبعد الأخذ والرد قر القرار أن يقترب كل منهما خطوة نحو الآخر، ~~فنقل جبرة من المنزل الذي أدخل إليه إلى آخر محاذ له، ونقل داود من ذاك الذي دخل ~~إليه أيضا إلى الذي أدخل فيه جبرة من جديد، وهناك تجددت الشئون والشجون؛ لأن الاثنين ~~رفض كل منهما القيام إلى ناحية الآخر لمصالحته، مدعيا أن الحق معه وعلى رفيقه، ومن ~~كان على هذه الصفة يجب أن تحترم مكانته، فلا ينهض لمصالحة الآخر قبل أن يأتي هو ~~إليه. # عندئذ، صاح أكثر القوم تقدما بالسن صيحة هدأ لها المكان، ولما تم له ذلك وقف بين ~~المتخاصمين وقال: «الحق على الاثنين ...» # وما كاد يبدأ بالكلام حتى نهض ms066 الاثنان، يريدان محاجة المتقدم، ولكنهما أعيدا بالقوة ~~كل إلى مكانه، وبعدئذ تابع ذلك المتقدم كلامه فقال: «نحن كلنا إخوان، وما على أحد ~~منا الحق ...» # وما كاد المتقدم يصل إلى هذه العبارة حتى عاد الاثنان فنهضا، وكل مد ساعده نحو ~~الآخر وقال: «بل الحق عليه.» # فأعيد الاثنان ثانية إلى مكانهما بقوة الجذب، ولما عاد الهدوء من جديد تبسم ~~المتقدم وتابع كلامه فقال: «يا إخوان، أنا أكبركم سنا، أطلب من الاثنين شيئا ~~واحدا، وهو أن يرضى كل منهما عن الآخر إذا وصل إليه حقه؛ ولهذا أرى أن لوح الزجاج انكسر ~~وللوح الجديد ثمن، فلا المستأجر يغرم بثمنه ولا الوكيل يدفع عنه، فأرجو منهما أن يسمحا ~~بأن أدفع من جيبي ثمنه، فنفض المشكل، وينتهي الأمر وتعود المياه إلى مجاريها.» # قال هذا ومد يده إلى جيبه، وأخرج كل ما كان فيه من النقود، ثم فتح عليها يده أمام ~~داود وقال له أن يأخذ منها ثمن اللوح المكسور، فأجاب داود، معتذرا بأن ثمن اللوح وصل من ~~زمان ولا حاجة إلى خسارته. # وكان أن جبرة أيضا شد العم المتكلم لناحيته، وأخبره بأن اللوح المكسور ليس من منزله ~~ليتكرم بدفعه، بل هو من منزل غير منزله. # عندئذ قهقه القوم، وصار الجميع في شبه غيبوبة من الضحك الذي سرت عدواه إلى المتشرعين ~~أيضا، فابتسم كل منهما أولا، ثم ضحكا مع الجمهور، وعندئذ قال الوسيط وهو دون ~~الباقين ضحكا فقد كان منذهلا متحيرا بما سمع ورأى: «إذن تخاصمتما على لا ~~شيء.» # فقال داود: «نعم يا عم، على لا شيء، ولو أن جبرة استوعى كلامي لما توصلنا إلى كل ~~هذا.» # وقال جبرة: «ولو أنك أنت فهمت ما قصدت لما صرنا إلى ما صرنا إليه.» # فضحك القوم من جديد وساعدهم الوسيط المتقدم، وأمسك كلا من المتشرعين بساعده بعد أن ~~أعاد النقود إلى جيبه، وجذبهما إليه فنهضا بسهولة، ثم شبك يديهما ببعضهما فأطاعا، وقال ~~لهما وهو يضحك مقهقها: «من يختصم على لا شيء يصطلح على لا شيء أيضا.» # | تعاسة البيك # اصطلح السوريون ms067 على أن يذهبوا مذهبا باللقب غريبا عجيبا؛ فإنه إذا غلط ذو مقام باسم ~~أحدهم ونعته مثلا بأفندي أو بيك صار المكتوب إليه أفنديا أو بيكا، وأصبح يطلب من ~~الناس مراعاة مقامه واعتبار لقبه. # بين السوريين عديدون لهم ألقاب مدنية، ولا أدري من أين جاءوا بها، ومن يدري؟ # ولا أدري إذا كان أحد ذوي الألقاب المتباهى بها سأل نفسه يوما: «لماذا أعطيت لقب ~~بيك، ولم ينله غنطوس فلقيوس وقاد الفحم في منزل أبي حرفوش مثلا؟» # حب الألقاب عادة تمكنت في بعض الناس إلى حد أنها صارت عندهم شيئا عظيما من ~~حياتهم. # كان المسكين نصر البيطار أو نصر بك البيطار في سعادة من حاله يوم كان خاملا لا يدري به ~~أحد، فكان يحمل حقيبته، ويبيع سلعه على الأميركان في الشتاء في «فلوريدا» وفي الصيف في ~~«مين»، وكان يؤمل أن يصير تاجرا عندما تصل ماليته إلى عشرة آلاف ريال، وهو ساع ~~بجد وإقدام وراء هذه الغاية. # إلا أن الدهر لا تصفو طرقه التي يسلكها بنو المصائب، وللدهر بدع في جلب المصائب على ~~بنيه، فإذا كانت التعاسة تأتي إنسانا عن طريق الفقر أو المرض أو الموت فتعاسة نصر بيطار ~~جاءت عن طريق البكوية؛ وإلى القارئ الخبر: # أنشئت في لبنان عام 1902 لجنة للاهتمام بأمر معرض وطني، تنشيطا للتجارة ~~الوطنية، وتناقلت الجرائد في الوطن وفي المهجر أمر هذه الحركة، ولما اطلع ~~عليها نصر أعجبته كثيرا، وحركته عوامل الغيرة على الوطن؛ لأن مكان ~~المعرض في قريته مسقط رأسه، فهب لساعته وأرسل مائة ريال باسم اللجنة في ~~لبنان مساعدة لهم في حركتهم. وبعد شهرين جاءه جواب كتابه ممضيا باسم ~~المتصرف، وعلى الظرف كتب هكذا «لمطالعة الشهم الوطني الغيور نصر بك ~~البيطار.» # أما نصر فلما جاءه الجواب لم يصدق - بادئ ذي بدء - أن الكتاب له، فقرأه أولا ~~وسمع المتصرف يهذ بحمده، ويكيل له عبارات الثناء على كرمه ووطنيته، ثم قرأه ~~ثانية وعيناه تكادان تتفجران تبحرا في عبارات الكاتب، ثم قرأ الظرف ذهابا وإيابا ~~وعيناه لا ترفان، وقد قرأه ms068 أكثر من عشر مرات متوالية، حتى كبرت أمامه كلمة «بيك» إلى ~~درجة أن كاد الظرف لا يسعها. # بك! نصر بك البيطار! بك! بك! # وقد ظل المسكين زهاء ساعة، تارة يقرأ رسالة المتصرف، وطورا يقرأ الظرف، وهو بين ~~مصدق وغير مصدق، أهو يا ترى نصر بك البيطار، وإذا لم يكن هو فمن؟! هو نفسه. # وأخيرا، عاد إلى المسكين رشده فأيقن أنه هو نفسه نصر بك البيطار، وأن كلمة «بك» جاءته ~~لقبا من دولة المتصرف، جزاء له على خدمته للوطن. ثم عاودته الفكرة فساءل نفسه: ~~«أهي غلطة يا ترى من المتصرف؟ وهل يغلط المتصرف؟» # لا، لا، ليس بالمسألة غلط البتة، فالمتصرف أنعم عليه باللقب والأمر لا يحتاج إلى برهان ~~ولا إلى شاهد حال؛ فما كتب بالحبر على الورق لا سبيل إلى التردد في تفسيره، المسألة ~~واضحة؛ فإن الخط خط المتصرف بيده - نصر بك البيطار - لا حاجة إلى بيان وكفى. # ولم يمض ذلك النهار حتى عرف أكثر الذين يعرفهم أنه صار بيكا، فصار منزله مقصد ~~المهنئين، ثم وصل الخبر إلى الجرائد فنشرته وذيلت الخبر بالتهنئة أيضا، وأن اللقب ~~صادف ربه عن كل جدارة واستحقاق. # أما مالية نصر بك البيطار فلم تجتز خمسة آلاف ريال في حين حلت عليه بكوية ~~المتصرف، وقد كان كما ألمعنا ينتظر وصولها إلى عشرة آلاف ليصير تاجرا، ولكن البكوية ~~وحمل الجزدان لا يتفقان؛ ولهذا فبالرغم عن قلة رأس المال اضطر المسكين أن يفتح تجارة ~~بين التجار، ثم إنه كتب إلى أهله في القرية يعلمهم بالخبر المفرح، وهناك عيد ~~أهله عيدا عظيما، محتفلين ببكوية ابنهم نصر، وشاركهم بذلك الفرح أهل القرية، وقد ~~أنفقوا من البارود ما يبلغ ثمنه خمسين ليرة بذلك الاحتفال. # مضى على تجارة نصر بك زهاء السنة، وقد كادت تبلع خسائره رأس ماله، لأن أكثر زبائنه ~~عرفوا موطن الضعف فيه، فكان واحدهم إذا أراد استزادته بالدين لقبه بالبيك، وإذا أحب ~~استنزاله بالسعر تملقه بعبارة «يا سعادة البيك»، فما كان من البيك أو سعادته يرى إلا ~~الانصياع لإرادة زبنه ms069 الكرام؛ حتى أدى به الأمر إلى الخسارة، وفي نهاية السنة صفى ~~أشغاله ووطن النية على العودة إلى الجزدان لئلا يحدث إفلاس بشغله، فيصير مضغة الأفواه، ~~وهذا عار على ملقب مثله. # وقد كان لنصر بك كاتب يمسك دفاتره، وكان هذا شابا ذكيا يحتقر سيده لبكويته، ~~وكثيرا ما اختصم الاثنان بشأنها؛ لأن الكاتب لم يناد نصرا ملقبا بالبيك إلا بعد ~~تهديد بالطرد، ولكنه في آخر أيامه عنده ككاتب صار يكثر من تلقيبه بالبك على سبيل ~~الفكاهة، فكان يناديه ضاحكا، وهذا مما كان يغضب نصرا، ولكنه كان يغضي عن ذلك لعلمه أن ~~أيامه معدودة، فإقفال المحل سيكون في آخر الشهر، وحينذاك يفارقه ويتخلص منه. # في آخر أيام لتجارة نصر بك اجتمعت بكاتبه، فأنباني أن محل بيطار بك قد أقفل، فهززت ~~رأسي تأسفا على خسارته، وقلت للكاتب إن تجارة ذلك المسكين لم يكن لها محل من الإعراب. ~~فأجابني وهو يبتسم وقال: «الحق ليس عليه، بل على المتصرف في لبنان.» فقلت: ما دخل ~~المتصرف بذلك؟ فأجاب وقال: «إنه غلط ولقبه بالبيك، فدخل التجارة ليعلي مقامه فانتهى ~~أمره بالخسارة، وهذا كل ما كان.» # فضحكت للأمر وضحك معي الكاتب، وقد تحركت شفتاه كأنهما تريدان أن تنطقا بشيء، ولكنه لم ~~يرد أن يخرج صوته، وهذا لا يخفى علي، فسألته أن يقول ما في ضميره، فتردد أولا، ~~ولكنه ضحك ضحكة شديدة وقال لي: «اقترب مني لأريك.» فاقتربت ومد يده إلى جيبه، فأخرج ~~قطع ظرف قادم من البلاد، وعليه ختم دار الحكومة في بعبدا، فتطلعت إليها بشوق لأرى ~~ماذا فيها، فما كان منه إلا أنه وضع كل قطعة بمكانها الأصلي قرب بعضها، وقال لي إذ ذاك: ~~اقرأ، فقرات هذه العبارة: # حضرة الخواجة نصر البيطار، من قرية عمطير ونزيل الولايات المتحدة. # قلت: أهذا هو نصر بك البيطار، فقال: «هذا هو بعينه، وهذا الظرف هو بخط نفس المتصرف الذي ~~كتب لذلك المسكين منذ سنة، ووضع له لقب بيك مع اسمه.» قلت: ومن مزق هذا الظرف؟ قال: ~~«نصر بك أو الخواجة نصر نفسه ms070 عقب وصول هذا الكتاب من دولة المتصرف إليه يسأله فيه شيئا ~~تافها، وقد مزقه ولعن المتصرف، أما أنا فجمعت قطع الظرف لأعرف سبب سخطه على حاكم ~~بلاده، وبعدما عرفت السبب الآن أشاركه بلعنة المتصرف، ليس لإرساله هذا الكتاب بل لذاك ~~الجواب الذي كلف المسكين كل ماله المجموع بعرق جبينه وعناء سنة وربما سنين، وضحك ~~الناس وازدراءهم». # | ابن غير عصره # عندما ودع أبو ريا سيده في المدينة قال له إنه لن ينسى فضل البيت الذي ربي فيه ~~منذ كان طفلا إلى أن بلغ سن الكهولة، وما كان ليترك خدمته لولا أن في رأسه موالا ~~يريد أن يغنيه، وذلك الموال مشوار إلى أميركا. # أما سيده فبعد أن أعيى من إقناع خادمه أبي ريا بالبقاء عنده مع زيادة في الأجرة، ~~هز يده متأسفا وقال له: «يا أبا ريا، إنك ربيتني، وكنت لي كأخ ورفيق في زمن ~~شبابي، ثم ربيت أولادي وقد حملتهم ذراعاك أكثر مما حملتهم ذراعي، وقد رأينا منك في ~~السنين العديدة التي خدمت بها بيتنا من زمان المرحوم والدي إلى اليوم ما يجعلنا نعتبرك ~~واحدا من العائلة، ففراقك سوف يؤلمنا، ولكنك تلح بترك الخدمة فعساك أن تتوفق، واعلم ~~أنه حين تعود بيتنا مفتوح لك، ووظيفتك ترجع إليك في حال رجوعك، طمئنا عنك ولا تنس ~~معلمك والأولاد الذين ربيتهم وقد تعلقوا بك كأنك أبوهم.» # وركب أبو ريا البحر، قاصدا أميركا؛ المرتزق العظيم لمن أوصدت أبواب النجاح بوجهه في ~~سوريا. سار وقد أثر فيه وداع سيده وأولاد سيده أكثر من عائلته، وقد تردد وقتا ~~بالعدول عن عزمه إلا أن ذلك الموال كان غلابا، فترك المقادير تجري ~~بأعنتها، وهجر الأهل والوطن، متكلا على الله الذي لا يخيب أمل خائفيه. # في أميركا قطع أبو ريا سنوات يشتغل في مزرعة بعيدة عن نيويورك، ولم يبرح منها إلا حين ~~وطن النفس على العودة إلى الوطن. أما شغله فلم يتصل بي نوعه، ولكني علمت أنه كان ~~عاملا شديد الحرص كثير الاجتهاد. # عرفته بالسمع إذ كان صديقي سليم الرقاش ms071 يذكره أمامي في أحاديثه، فكان يخبرني أنه في ~~أميركا وعلى مقربة من نيويورك خادم لهم اسمه أبو ريا، وقد مضى عليه سنون عديدة، ولا ~~بد أن يكون ناجحا. ولم يكن صديقي يعلم مقر ذلك الخادم ولا اجتهد في الحصول على ~~عنوانه، إلا أنه كثيرا ما كان يذكره قائلا إنه كان مربيا له، وقد كان في بيت أبيه نعم ~~الخادم الأمين. # صديقي سليم الرقاش شاب من عائلة طيبة، لا بل من العائلات الموصوفة بالأكابر، وقد درس ~~العلوم في أحسن مدارس سوريا، وتضلع من أربع لغات حية، إلا أنه قصد أميركا؛ لأن أباه ~~عزل من وظيفته وانحطت حالتهم المالية، وكشاب متعلم تربى على العز والبذل رأى في ~~انحطاط مالية أبيه حطة له في البقاء بين أترابه، الذين اعتادوا أن يروه كثير البذل ~~بقطع أيامه في القهاوي على الملاهي لا يعمل عملا لأن أبناء الأكابر لا يعملون؛ ولهذا ~~أراد أيضا أن يغني الموال السوري كما غناه مربيه وخادم أبيه أبو ريا، فقصد أميركا ~~للارتزاق، إلا أن هذا الشاب في أميركا لم ير بابا لارتزاقه؛ فقد جاء إلى العالم الغريب ~~بأخلاقه وعلومه، فكان يشتغل مضطرا، ويعمل إذا أعوزه الحال، ثم يترك العمل حالما يرى ~~أنه يستطيع أن يقتات وينام، فأدى به الحال إلى نزوعه إلى داء المتهذبين القليلي ~~العمل وهو المقامرة، فكان ينام النهار مكبا على إحدى طاولات القهوة، ويعمل الليل ~~ساهرا على قلب الورقة، فإذا خسر فدين عليه وإذا ربح فربحه عون له على يومين أو ~~ثلاثة. وقد قطع سنوات وهو ملازم لهذه الحال، يتدرج من سيئ إلى أسوأ، إلا أنه كان ~~محبوبا من جميع معاشريه للينه وأخلاقه الكريمة وحسن معاشرته، وكان أيضا عونا ~~لزملائه لدى وقوعهم في مشاكل؛ لأنه كان ضليعا من اللغة الإنكليزية، فكان يترجم لهم في ~~المحاكم، ويرافقهم في مشترى الأمتعة والحاجات إلى ما شاكل. # أما أصل تعرفي عليه فقد كان صدفة، وقد عرفني عليه صديق لكلينا، فملت إليه لما ~~أنست فيه من علم وتهذيب داخلي، بالرغم من سوء مظاهره ms072 وعكفه على المقامرة وقلة عمله أو ~~عدمه؛ فقد كنت أحب الاجتماع به للمحادثة بأمور عديدة؛ فقد رأيته ملما بشئون كثيرة، ~~يستطيع محادثه أن يخوض معه بمواضيع علمية وسياسية واقتصادية وغيرها، وما كنت أعلم كيف أن ~~شابا بحالته ومعارفه يأبى أن يعمل ويترك ميدان النجاح لغيره ممن دونه مقدرة ~~وتهذيبا، فيؤثر البقاء على آلامه على أن يقتاد لنفسه الراحة من وراء التحصيل ~~والبلوغ إلى ما تطمح إليه النفس المهذبة الشابة. ولكني لما لم أكن أعرفه لم أقو على ~~سؤاله، فكنت أتجاهل حاله؛ لأن ذلك لا يعنيني وأرافقه في معارفه وأخلاقه؛ لأن هذه تتصل ~~بمعارفي وأخلاقي. # في يوم من الأيام كنت وسليما نشرب القهوة في إحدى القهاوي، وقد ضمني معه مجلس فكاهة ~~أو كما يقولون «تقريق»، وبينا نحن نضحك إذا بصاحب القهوة صاعد على السلم وخلفه رجل ~~متقدم في سنه بثياب بسيطة أقرب إلى أن تدعى رثة بلا طوق ولا ربطة، وفي رجليه حذاء ~~غليظ كالمداس وعلى رأسه قبعة كبيرة الدائرة كثيرة الخدوش. # وعندما وصل صاحب القهوة إلى القهوة أشار للرجل الموصوف آنفا، دالا على سليم، وقال ~~له: «هذا هو سليم الذي قضيت يومين تسأل عنه كل السوريين.» # وفي تلك الساعة أبرقت أسرة الرجل فابتسم ابتسامة عريضة، وأسرع خطاه إلى سليم ~~فصافحه، وقد قارب لسانه أن يعقد من كثرة فرحه، ثم انحنى قليلا نحو يد سليم وأراد أن ~~يلثمها، أما سليم فلم يعلم من هو الرجل، ولا ماذا يريد، ولكنه أعطاه يده مسايرة، ~~ظانا أنه غلطان، ولما أراد ذلك الرجل أن يلثم له يده وقد شعر أنه في مهمة لثمها ~~لانحنائه المتباطئ عليها سحب يده بسرعة، وأجلسه إلى كرسي وسأله: من العم؟ ~~- أنا، أنا، ألم تعرفني يا معلمي؟ أنا أبو ريا مربيك وخادم أبيك؟ أنسيت أبا ريا يا معلمي سليم؟ # عند هذا التعريف عاد سليم فهز يد الرجل هزا كثيرا، وأخذ الاثنان بالكلام فتساءلا ~~وتجاوبا، وأفرغ كل جراب أخباره للآخر، وقد رأيت دمعة تتجمع في عين الشيخ وكادت تنهدر، ~~فمسحها بطرف كمه، ms073 ولما أراد سليم أن يعرفني على ضيفه هززت يده، وقلت له إني أعرف شيئا ~~عنه؛ لأن سليما كثيرا ما كان يذكره أمامي. # وعاد سليم إلى محادثته فقال له: أي، يا أبا ريا، لو كنت أعرف أين مقرك لكنت زرتك حيث ~~كنت خلال هذه السنوات، والآن ما حالك؟ # فأجابه قائلا: إن التقادير أرسلتني يا معلمي إلى أميركا، فاشتغلت فيها والحمد لله ~~حصلت على النجاح أكثر مما أستحق، وها أنا ذاهب إلى سوريا لمشاهدة الأولاد والعيال، فلم ~~يبق في سراج حياتي من الزيت إلا ما يكفي لأيام معدودة، سأقضيها بينهم. ~~- خبرني كم ريالا آخذ معك من أميركا؟ ~~- إيه، نحمده على كل حال، منحنا أكثر مما نستحق ومن فضله وكرمه في جزداني خمسة عشر ألف ~~ريال. # عند هذا أجابه سليم: أنت معك خمسة عشر ألف ريال، وتأتي لتبوس يدي! كان يجب عليك أن ~~تمد يدك من الباب لدى دخولك حتى أنا آتي لأقبلها. # وعاد أبو ريا إلى الوطن، فودعه سليم إلى الباخرة، وقد رافقته لاستطلع شيئا من حالة ~~الاثنين، فساعدنا الشيخ بإيجاد محل له بين ركاب الدرجة الثالثة، وبعدما خرجنا من ~~الباخرة قطعنا أربعة مربعات دون أن يكلم واحد الآخر، ثم شق سليم حجاب السكوت ~~بقوله: ألا ترى أننا نحن لم نخلق لهذا العصر؟ # فقلت: كيف؟ # فأجاب: نحن في عصر قسم الدنيا فيه إلى عالمين: عالم قديم وعالم جديد، وهذا الجديد ~~ليس لأمثالنا بل لمن يحصلون الدينار من قلب الصخر، ويكتنزونه في قلب الصخر، وأما ذاك ~~القديم فصار لهؤلاء الناس الذين يعودون إلى أوطانهم بريالاتهم، فيبنون المنازل ويشترون ~~الأرض، ويكون لهم المحل الرفيع في عيون الناس لما في جيوبهم من الريالات. # نحن لم نخلق لهذا العصر! # | من أول الطريق # كان الناس من أقارب فهد الضاهر ومعارفه ومواطنيه يرثون لحاله كلما رأوه، ويأسفون ~~على ما يضيعه من الأيام سدى، ويهزون رءوسهم آسفين، وقائلين من أعماق قلوبهم: الله ~~يهديه بحسنة أبيه المسكين وأهله في الوطن! # أولئك كانوا عارفين بحالة عائلته في الوطن؛ فإن أباه أقعده ms074 المرض عن العمل ، وهو رب ~~عائلة كبيرة، فما كاد ينهي فهد دروسه الابتدائية حتى استدان له أبوه مبلغا من المال، ~~فأرسله إلى أميركا؛ ليكون له عونا على دهره، وزوده بالنصائح الوالدية والأدعية ~~الأبوية، وقال له: انظر يا ولدي حالتي؛ فإني بها ليس لي إلا الله وأنت من نصير لتحسينها ~~ودفع البلاء عن العائلة، فاذهب إلى أميركا بلاد العمل، وكن رجلا واذكر ألا أمل لي ~~بالفرج إلا بك. # ووصل فهد إلى أميركا، وكان، بادئ ذي بدء، شابا يتلهب غيرة على أبيه المسكين رب ~~العائلة الكبيرة، وقد عقد نيته على أن يبذل كل ما استطاع ليساعد أباه في حاله. # شاب مهذب جميل الصورة، لو أنه لبس فسطانا وبرنيطة للسيدات - وهو كما هو حليق ~~الشاربين طويل الشعر قليلا، أبيض البشرة، أحمر الوجنتين، كبير العينين، مستدير الوجه - ~~لقال الناس إنه من أجمل الفتيات. # وقد كان المذكور في بادئ أمره لا يشغل رأسه إلا الافتكار بحالة أهله والطريقة اللازم ~~اتخاذها لمساعدة أبيه، فاضطر إلى الاستخدام، وكان يرسل إلى أهله ثلث ما يحصل إلا أنه ~~بعد حين اقتصر على إرسال الربع، ثم بعد أشهر على أقل من الربع، وبعدئذ ترك عمله ~~كمستخدم في محل تجاري؛ لأن نفسه عافت الحصر ومالت إلى الاستقلال، فاضطر إلى امتهان البيع ~~بالجزدان، وصار يتنقل من بلد إلى آخر متكلا على مظهره الخارجي البديع ولفظه ~~الإنكليزي الجميل وبعض اجتهاده، وكان يطمح إلى التعرف بأكابر العائلات الأميركية، ~~مترقبا منها الإنعام الكبير وقد حصر كل طموحه في أن يصير عميلا لبيوت الأغنياء في ~~المصيفات والمشتيات. # شاب جميل الخلق إذا وقعت عليه عين قالت صاحبتها: سبحان من خلق! هذا هو فهد الضاهر. ~~وقد كان أيضا هو نفسه ولوعا بجماله، فلم يكن يذخر وسعا ولا مالا ولا وقتا لجعل ~~هيئته ملائكية، معتقدا من نفسه بأن للمظهر الخارجي كل التأثير على الناس الأغنياء ~~والأكابر؛ ولهذا لم يكن قادرا على التوفير؛ فإن كل ما كان يربحه من شغله لم يكن إلا ~~بعض ما تتطلبه نفسه من لباس ومعدات ms075 للزينة، وبناء على هذا انقطع عن مساعدة أهله بعد ~~مدة وصار لا يرسل إلى أبيه مبلغا من المال جزئيا إلا بعد أن يكون قد جفف أبوه ~~المحابر، وكتب إلى أناس أقرباء يستعطفون ولده لينجده؛ ولهذا كان الناس الأقارب والمعارف ~~دائما يأسفون على ما وصل إليه ذلك الشاب، ويطلبون له في قلوبهم الهداية لعله يقلع عن ~~البذخ فيوفر مالا يساعد به أهله المعوزين. # وكان فهد يتألم كثيرا لعدم استطاعته مساعدة أبيه، ولكنه في الوقت نفسه يشعر بدافع من ~~نفسه للطموح إلى الغنى الفجائي عن طريق جمال الصورة وحسن الهندام، وهي حالة أليمة لم يكن ~~له مناص من تعذيب عامليها، إلا أن العامل الذي غلب منهما هو الدافع النفسي فيه للزينة ~~والتبرج. # وكثيرا ما كان فهد ينفق على لباسه الخارجي كل ما معه في حين أن معيشته الداخلية لم تكن ~~موازية للخارجية منها، فبينا تراه كأنجال الأمراء محيا ولباسا، إذا هو ساكن غرفة ~~مفروشة ضيقة تحمل سريره وقدميه فقط وهو واقف، وبينا ترى طقمه ظريفا وقميصه حريريا ~~وعقدة رقبته تماثل جراباته لونا يكون المسكين بلا «أندروير»، أو أنه بمقتضى ما يظهر فيه ~~من حسن الهندام يظن رائيه أنه يعيش في أحسن نزل بأميركا، ولكنه في الحقيقة كان ~~غذاؤه لا يزيد ثمنه على ثلاثين سنتا. وهي حالة كانت تعذب فؤاد فهد وتضنيه، وتحمله على ~~المواظبة في عمله، ولكنه لم يصل إلى مرماه. # وذلك أنه تمكن في السنوات الأولى من أن يملأ صفحات كتابه اليومي من عناوين أحسن ~~العائلات الغنية، وقد كان مرضيا عنه ومقربا منها محبوبا من أفرادها، ولا سيما ~~السيدات اللواتي أحببن منه جمال الخلق، فكن يشترين من بضائعه ويعطينه رسائل توصية إلى ~~صديقاتهن في البلاد الأخرى. # وانتهى الأمر بأن فهدا تزوج، وقد تناولت صحافة البلاد أمر زواجه الغريب؛ فإنه وهو ~~شاب على ما وصف به آنفا قد اختار لنفسه عروسا متقدمة في سنها، تزيده عمرا لا ~~أقل من ثلاثين سنة؛ أي إن أصغر أبنائها يزيده بضع سنوات، وهي من عائلة معروفة ms076 في أميركا، ~~وأرملة أحد مشاهير الماليين. وقد عقب هذا الزواج الغريب قيام عائلتها عليها وعلى زوجها، ~~فأوصلوا الأمر إلى المحاكم، مدعين عليها بأنها خرفة، ولكنهم فشلوا بحملاتهم عليها ~~وبقيت زوجة فهد، وصارت بحق الشريعة مسز ضاهر امرأة الشاب السوري الظريف فهد ~~الضاهر. # أما السوريون؛ فقد تناولت ألسنتهم تلك الحادثة متعجبين، وقد ذهبوا مذاهب شتى ~~بتفسيرها وتحبيذها وانتقادها، إلا أنهم بعد أيام قد أزاحوها من رءوسهم، ولم يعد فهد ~~الضاهر وزوجته يملآن أدمغتهم، وصار المذكور عندهم معدودا من الأغنياء؛ لأن ثروة زوجته ~~تبلغ الملايين. # ولا مراء بأن فهدا قد ضحى شيئا من نفسه ليخلص نفسه من عامليها المعذبين: عامل ~~الطموح إلى المعيشة المرفهة، وعامل البنوة وما عليها من الواجبات لدى أب مريض مسكين ~~كل أمله في الحياة نجاح ولده الأكبر فهد الضاهر. # أما فهد الضاهر اليوم، فهو مطلق لا زوجة له ولا ثروة كبيرة؛ وذلك أنه بعدما صرف ~~سنتين مع زوجته المتقدمة في السن لم يعد في قوس صبره منزع، فثار على شريكة حياته وساعده ~~بثورته هذه بعض أنسبائها وأحد أبنائها، فرضوه ببعض المال ليتخلص من زوجته الشرعية، ~~وبعد مرافعات انتهى الأمر بطلاقه منها أم بطلاقها منه. # وقد بلغني ما انتهى إليه أمر فهد المذكور فعجبت لانسحابه من نصف الطريق، بالرغم من أنه ~~استعد لأن يعبره كله، وقد أحببت الوقوف على تفاصيل المسألة، لا لأعرف ميله في تزوجه من ~~تلك السيدة الغنية، بل لأفهم لماذا لم يبق زوجها حتى تموت، ويرث بعدها ملايينها. # اجتمعت به فجاذبته الحديث عما جرى له، فقال لي إنه اضطر بالزواج؛ لأنه قال في نفسه إن ~~تلك السيدة قاطعة السبعين من عمرها، فمهما يطل عمرها لا يقطع الثمانين إن لم يكن أقل، ~~ولكنه أخيرا تيقن أن زوجته في الحقيقة أصغر عمرا مما ظن؛ فإنها لم تقطع الستين؛ ~~ولهذا قال في نفسه من أول الطريق ولا لآخرها. # | تمثال الحرية # ما كاد أبوا نخلة المعصوب يفرحان به، أي يزوجانه ببنت حلال كما يقولون إلا ودخل في ~~عقله ضرورة الذهاب ms077 إلى أميركا لبناء المستقبل، وبالرغم من بكاء أبويه وإلحاحهما عليه ~~بالبقاء ودع الأهل والخلان، وسار بعروسه قاصدا بلاد أميركا كعبة المرتزقين. # أما عروسه، فكانت فتاة أصغر منه بعشر سنين، وهو في الثامنة والعشرين، وقد كان في بدء ~~عهده بالزواج أميرا في بيته؛ إذ أنزل في قلب امرأته الرهبة، فصارت تعتبره سيدا أكثر ~~من زوج، وتدأب على نيل رضاه بكل ما يتطلب، وكان هو يحبها كثيرا، ولكنه كرجل ظل ~~محافظا على مقامه كسيد للبيت ورأس للمرأة، له المقام الأول وله الأمر، وما عليها إلا ~~أن ترضيه وتتبع أوامره. # ولقد فكر طويلا بادئ الأمر بأن يقصد أميركا وحده ثم يستقدم إليه امرأته، إلا أنه ~~لم يقو على مفارقتها لأنه شعر بحبها وبالحاجة إلى ملازمته إياها؛ ولهذا أخذها معه ~~وسار إلى بيروت ومنها إلى مرسيليا فنيويورك فالداخلية، واستقر في قرية كبيرة من قرى ~~ولاية أوهايو. # في السنة الأولى لوصوله ذاق نخلة المعصوب أهوالا بتحصيل معاشه؛ فإنه لم يحصل على شغل ~~يدر عليه نفقات العائلة إلا بعد الجهد، وقد تراكمت الديون عليه من أنسبائه وخلانه، ~~ولكنه عمل أخيرا إنما عملا يكاد لا يفي بالمطلوب، وبقي هذا حاله ثلاث سنوات، تارة يبيع ~~السلع وأخرى يشتغل في المصانع بالأجرة، وهو لا يزال كما كان آكلا شاربا مع امرأته، ~~وإنما الديون للناس تضيق عليه الخناق، وأصحابها ولئن كانوا من أخصائه ولكنهم لم ~~يسعفوه بها لتظل في ذمته إلى الأبد؛ ولهذا صاروا إذا اجتمعوا به يشيرون عنها فيفهم ~~منهم المقصود، ويعللهم بالمواعيد حتى نفدت حيله. # وجاءه نسيب له من الناجحين في البلد وذو مخزن كبير، يبيع منه البضائع الرائجة اللازمة ~~لباعة الجزدان، فقال له: «يظهر أن أحوالك لن تصطلح؛ فإنك بعد الجهد تستطيع أن تقوم بأود ~~البيت، فلماذا لا تعمل حركة لتفي ديونك، وتخلص ذمتك من الدائنين، وتوفر لك كم ~~ريال؟» # فأجابه نخلة متنهدا من قلب محروق، وقال له: وما هي الحركة لأحصل أكثر مما ~~أحصله؟ ~~- الحركة، هي أن تبقى أنت في الفبركة، وتذهب الست إدما للشغل بالبيع، ms078 وأنا أملأ لها ~~جزدانا كبيرا وأدربها على العمل فتساعدك على الحال، وأؤكد لك أنه لا يمضي عليكما ~~سنة حتى تنتفضا من الديون التي عليك، ويكون لك مبلغ في بنك التوفير. # أما نخلة فقد مانع كل الممانعة، وكادت دموعه تنزل من عينيه لاضطراره إلى عمل امرأته، ~~ولكنه اقتنع من نسيبه؛ إذ بين له هذا أن المسألة بسيطة جدا، وقد تصعب على الذين ~~يقدمون إلى أميركا حديثا، لا سيما إذا كانوا من العيال المعتبرة في البلاد، أما ~~هنا في أميركا فالنساء أنجح شغلا من الرجال، والمرأة تسابق الرجل في العمل. # وقبل من نسيبه هذا الاقتراح، ولم يمض على الست إدما نصف سنة حتى صارت من البائعات ~~الناجحات تماما بالطبع بعد شقاء العلم والتدرب على أساليب البيع واختطاف اللغة ~~الإنكليزية من ألسن الناطقين بها. # بعد ست سنوات نقلت عائلة نخلة من أوهايو إلى مدينة نيويورك لأنها كبرت؛ فقد رزق الله ~~نخلة ثلاثة أطفال، وظلت امرأته تقصد أبواب الرزق، بينا هو كان يعتني بالأطفال في غياب ~~أمهم، وقد ترك العمل، وأصبحت الحياة كلها عنده وعند عائلته معلقة بجزدان ~~«الست». # بعد هذه المرحلة لم يعد نخلة أميرا في بيته، بل صار أجيرا لامرأته وأطفاله، وصارت هي ~~رأس العائلة، وقد تدرجت من حالة إلى أخرى حتى صارت الآمرة الناهية، وزوجها: «لبيك عبدك ~~بين يديك.» لا يجسر على الاعتراض، ولا يستطيع أن يفوه بكلمة انتقاد أو اقتراح إلا ~~الاستحسان والامتنان. # وظل نخلة يبلع الهموم ويهضمها حتى تعطلت معدة احتماله؛ ففي ذات مساء عادت السيدة ~~إدما من شغلها إلى البيت فما وجدت نخلة، ورأت الأولاد يبكون ويشهقون، وبعد أن دبرت ~~حالهم بالتي هي أحسن نزلت تفتش عن زوجها وفي قلبها نار الغيظ تضطرم، فعثرت عليه جالسا ~~على مقعد في حديقة الباتري، وهو غائب عن هذه الدنيا بأفكاره، يقابل بين حالته في بلاده ~~حيث كان أميرا وحالته في مهجره حيث صار أجيرا، فانهالت عليه إدما بالسباب والتعييرات، ~~وقادته إلى البيت، وأخطرته أنه إذا أعادها مرة ثانية تطرده من البيت، ms079 وتستخدم أحدا ~~يعتني بأطفالها في غيابها بأقل ما تنفقه هي على مأكله ودخانه. فأجابها وقد فرغ إناء ~~صبره: تطرديني من البيت! أولست أنا رجل البيت وأبا الأطفال وزوجك؟ فقالت: أنت رجل البيت ~~وأبو الأطفال وزوجي في بلادك، وأما في أميركا فأنا كل شيء، فما زال تمثال الحرية ~~رافعا يده، وهو تمثال امرأة، فأنا لي الحق أن أرفع يدي في بيتي وآمر وأنهى، أعجبك هذا ~~كان به، وإلا فاختر لنفسك ما يحلو. # عندئذ تذكر نخلة تمثال الحرية، فعرف ما معنى يده المرفوعة وفي قبضته ضوء، وقد كان في ~~حديقة الباتري حيث التجأ يشغل فكره أولا بما معنى رفع يد ذلك التمثال، ثم استرسل ~~إلى افتكاره بحياته الماضية وما حل على رأسه في أميركا، فأجاب امرأته إذ ذاك بصوت ~~خافت وقال: إذا كان ذلك التمثال رافعا يده فأنا أرفع يدي الاثنتين من كل أمر، ولكن ~~عندما نعود إلى بلادنا سأرجع بإذن الله رجلا، ولي حق الرجال. # | من الدب إلى الجب # كنت أسمع أن أم طنوس راغبة في العودة إلى الوطن، ولكنها مضت عليها نحو سنة ولم تتزحزح ~~من مكانها، فسألت عنها أحد أقربائها لماذا لم تسافر أم طنوس بعد أن أكدت لي أنها ذاهبة ~~لترى زوجها وأولادها بعدما مضى عليها أكثر من عشر سنين؟ فأخبرني ذلك الرجل أن للمسألة ~~قصة طويلة عريضة، وأنه إذا أراد أن يخبرني بها لا يصل إلى آخرها حتى ينشق من ~~الضحك. # فقلت له: لقد زدتني رغبة في الوقوف على حقيقتها، فأخبرنيها. # قال: تعلم أن أم طنوس جمعت أموالا كثيرة بالاجتهاد الكثير والاقتصاد العجيب، وقد ~~كانت تشغل مصاريها في محل تجاري سوري صاحبه من نفس القرية التي هي منها، وكان يضيف إلى ~~مالها عليه كل سنة فائضا عشرة بالمائة، وظلت هكذا كلما توفر لديها خمسون أو ~~مائة ريال ترسلها إلى ذلك المحل لتقلب دراهمها بالفائض حتى انقلبت دراهمها انقلابا وصل ~~إلى الهاوية؛ إذ أفلس المحل وذهبت البيضة مع التقشيرة، فلم يبق لأم طنوس إلا العافية ~~الطيبة والهمة مع ms080 الانتقام من ذلك التاجر الذي أكل مالها، وصارت أم طنوس لا تؤمن بعد ذلك ~~الحادث بأحد من الناس، حتى إذا قيل لها إن فلانا تبلغ ثروته الملايين، ولا بأس أن ~~تخزن ماليتها عنده لتربح الفوائض، تجيب بأن العب أحسن بنك، وأنه إذا ضاعت الأمانات ~~فاجعل مخزنك عبك. # وصارت أم طنوس منذ سنوات تعمل باجتهادها الكثير لتعوض عما مضى من الخسائر، تمشي من ~~بلد إلى آخر، وعلى ظهرها كشة وفي يدها بقجة، فتتحمل حرارة الشمس الثقيلة بصبر كلي، ~~وكلما توفر لديها بعض الريالات من عملة الورق بسعر عشرة فما فوق تكنزها في داخل صدرها، ~~وقط لم يخطر ببالها أن تعد ما صار معها من المال لئلا تطير البركة، وكانت ريالاتها ~~الملصقة بلحمها ترافقها بالأسفار، وتبقى معها في الفراش حال المنام، ولم يكن من لحظة ~~واحدة فارقت بها أم طنوس صرة ريالاتها. # وجاء الوقت الذي علم الناس به أن أم طنوس عازمة على العودة إلى الوطن فباعت بضائعها ~~وصندوقها وسريرها الخشبي، وهيأت حالها للسفر؛ فقدمت إلى نيويورك لتشتري جوازا للسفر، ~~وتغير العملة الأميركية التي معها إلى ليرات. # واسمح لي أن أختصر ما يمكن اختصاره؛ فإن للمسألة شروحا طويلة، ولكني أكتفي بالجوهر، ~~فأقول إن أم طنوس على ما يظهر لم تبعد الريالات عن جسمها ولم تخرجها لحظة كل تلك السنوات ~~لعلها تشم الهواء قليلا وتحافظ على صحتها؛ لأنه كما لا يخفى عليك الريالات مادة يطرأ ~~عليها الهراء والتعفن، زد على أنها مع حضرة أم طنوس كانت تبلع كمية وافرة من العرق الذي ~~أفرزته حضرتها في خلال أتعابها ومشاقها، وما أكثر ما أفرزته من العرق! # وهكذا صار؛ فإن أم طنوس عندما أرادت لأول مرة أن تخرج في نيويورك ما خبأته في عبها ~~هلع قلبها، ورسمت الصليب ثلاثا، ثم توكلت على الله وسحبت تلك الضمة فأحست في ~~البدء أن جسمها قد برد كما يشعر الإنسان إذا خلع عنه قميص الصوف، ثم وضعت الضمة ~~أمامها، ويدها ترتجف. # هنا شرع المخبر يضحك، وصرت لا أستطيع أن أفهم ms081 منه النتيجة، ولم يكن يتمالك نفسه عن ~~الضحك لكي يفهمني ماذا كان، إلى أن شبعت نفسه ضحكا، فتابع حديثه وقال: ولكن تلك المسكينة ~~لم تستطع أن تستخلص إلا ورقتين بعشرة ريالات من كل تلك الضمة؛ لأن الباقي كان كأنه كتلة ~~ورقة مطبوخة على النار، وعبثا حاولت أن تسترجع ما فقدته هذه المرة لأنها كانت كلما ~~شكت أمرها إلى أحد الناس يضحك طويلا عليها، ويخبرها أن تستعيض الله. # وهكذا عادت أم طنوس إلى الداخلية لتعبئ بعض المال بعدما ذهب عناؤها أدراج الرياح، ولا ~~أعلم كيف تخزن ريالاتها هذه المرة، ولعلها تركب الكار إذا أرادت أن تنتقل من بلد إلى ~~آخر، محافظة على صحة الريالات. # | كما صرنا تصيرونا # لفارس الدوار تاريخ تجاري مملوء بالحوادث؛ فقد أفلس أكثر من مرة، وأحرق محله ~~مرات، ولكن السوريين لا يذكرون عليه شيئا من كل ما تأتى عليه؛ لأنه لم يؤذ بإفلاساته ~~ولا بإحراقاته أحدا من السوريين، فكل الخسائر التي سببها كانت تقع على المتعاملين معه ~~من أميركان وأجانب، ولهذا لم تجر عليه حوادثه حطا بكرامته بين مواطنيه؛ بل بالعكس لا ~~يزال البعض يرمقونه بالاعتبار، وينظرون إليه كرجل فارس تجاري، خاض معامع التجارة فداس ~~الصعوبات بسنابك ذكائه. نعم، وإن الكثيرين لا يزالون يصفونه بالذكي، والرجل الذي ~~يعرف كيف يأكل الكتف. وكل هذا لأنه لم يؤذ أحدهم، بل كان يدفع ما عليه للمواطنين في ~~الحال، أما إذا كان يأكل الديون الطائلة على الأجانب، فمن يهمه الأمر؟ # ومن الحوادث التي جرت لفارس الدوار، أنه إذ كان قادما إلى محله باكرا على غير ~~عادته منه لقي به أحد المواطنين الساكنين في الحي القريب من المحل، وللحال مال إليه ~~ذلك المواطن بلهفة وقال له إنه عند الساعة التاسعة من مساء اليوم السابق إذ كان مارا ~~أمام محله لاحظ النار تضطرم في المحل، وللحال استدعى رجال المطافئ فاطفئوا النار وقتلوا ~~الحريق في مهده، فلم تمس البضائع بأذى وظل المحل سالما لصاحبه. قال هذا وقد ~~ظن أنه سينال مكافأة حسنة على فعله إن ms082 لم تكن بالهدية فبالكلام على الأقل، إلا أن ~~فارس الدوار لدى سماعه ذلك الخبر أخذ العرق يتصبب منه كماء القرب، وقد شعر أنه نقص وزنا ~~لا أقل من خمسة بوندات، ولما أجاب ذلك المواطن على خبره قال له: «ويحك، لقد خربت بيتي!» ~~ثم أتبع كلامه بضربة على جبينه، وكاد يقع كمن خارت قواه. أما المخبر فقد لاحظ أنه لم ~~يأت عملا يرضي فارسا، فمال عنه كاسف البال كالصياد المستعين بالناس ليسحبوا معه ~~شبكته الثقيلة، ولما يلقيها على الشط يرى حجرا فيها بدلا من السمك. # وقد كان دائما يقول في مجتمعاته مع مواطنيه السوريين إن السوري مقتول نجاحه؛ لأنه ~~يرتجي النجاح من معاملاته مع السوري، وإن المعاملة مع الأميركان أفيد وأغزر ~~نجاحا. # قضى فارس الدوار سنواته الأولى في عالم التجارة يأمل الربح من الشركات الكبيرة بضمانة ~~المحال من الحرائق، إلا أنه في المرة الثالثة لم «يطابق حساب القرايا على حساب ~~السرايا»؛ فإنه كاد يخسر كل ماله وحياته إذ أنفق ألوف ريالاته على المداعاة، وأخيرا ~~انسحب بوسائط غانما نفسه؛ إذ كاد يزج في السجن، ولولا لطف الله لوقع بشر أعماله؛ ~~ولهذا مال بعد تلك السنين إلى اكتساب الربح من وراء الإفلاسات والتسويات. # وفي هذه السنوات كان المحل الذي أنشأه مسجلا باسم ابنته الصغيرة، والمنزل باسم الأم ~~احتراسا من مقدور يحل به، وما أكثر ما كان يخبئه القدر لفارس الدوار في حياته ~~التجارية! # ومن حكايات إفلاساته، أنه في السنة الأخيرة لشغله كان محله أشبه بالمصرف؛ فقد خلا من ~~كل بضاعة ولم يبق فيه إلا الدفاتر، وكان هو مع الكاتب والمستخدم يصرفون ساعات النهار ~~بالتقييد والإمضاء والذهاب إلى البنوك وكسب تواقيع الجيران والأولاد والبنات وأسماء ~~كثيرة لا أصل لوجود أرباب لها لكي تحسم سنداته في المصارف. # وفي تلك السنة ظهر لفارس الدوار إعلان في الجرائد العربية أن محله حاضر لقبول ~~الأمانات المالية التي يدفع عليها فوائد جيدة، ويظهر أنه «كبر البلعة» لصاحب تلك ~~الجريدة، فعقد له فصلا في باب التحرير جاء فيه: إن الثقة ms083 بمحل فارس الدوار كبيرة، وأن ~~المواطنين يقبلون زرافات ووحدانا إلى محله ليستودعوه أموالهم، إلى ما هنالك من ~~الكتابات المأجورة. # وقد انتهى أمر المذكور بأنه فلس آخر مرة، وأخذ بجريرة التزوير في اليوم التالي لصدور ~~ذلك العدد من الجريدة، وقد خرج تحت كفالة مالية بمساعدة امرأته، وأنفق على دعاويه في هذا ~~الشأن ألوفا من الريالات، وهو اليوم يشتغل سمسارا، يشتري لتجار الداخلية بمقابل ~~معلوم من المشتري والبائع كل بسر الثاني. # أما الجدير ذكرا بقصة فارس الدوار، فهو أنه كان يعزو نجاحه في سنوات الحريق إلى ~~تعامله مع الأجانب، فلما كان ما كان معه في سنوات الإفلاسات والتسويات صار أثبت برهانا ~~على مبدئه الأول، وهو أن معاملة السوريين تورد المرء حتفه التجاري، فكثيرا ما يتنهد ~~أمام الناس، ويقول إنه لو بقي على معاملاته مع الأجانب لكان اليوم من أرباب الملايين، ~~إلا أنه لسوء حظه مال إلى معاملة المواطنين، فصار ما صار على رأسه وخرب بيته، ثم إنه ~~لليوم يندب سوء طالعه بارتكابه تلك الغلطة إذ مال إلى مواطنيه فعاملهم، وخربت تجارته؛ ~~حتى إنه لا يستحيي أن يصرخ بالذين يطالبونه بالأمانات، وقد وعدهم في بادئ الأمر بالوفاء ~~أنهم كانوا سبب خرابه، فلولاهم لظل تاجرا كبيرا، ولكنه خسر من جراء رغبته في نفعهم ~~ما لا تعوضه السنون الكثيرة. # هذا ما حدث له باختصار، ولكني مورد المغزى من حياة هذا الرجل، وهو أنه يوما ما إذ كنت ~~موجودا في أحد المنازل زائرا، وكان حضرته من جملة الحاضرين، أطلعنا أحدهم على ما جاء ~~في عدد ذلك اليوم من إحدى الجرائد، وفيه مقدمة طويلة عن نجاح المحل التجاري المعروف باسم ~~«حمصوني وشركاه»، وبها يلفت المحرر أنظار القراء لمطالعة إعلانهم في الصفحة الثالثة. ~~فما كان من فارس الدوار إلا أنه ضحك، وهز رأسه كثيرا وقال: # كما كنا كذا أنتم # كما صرنا تصيرونا # | الثقة في البشر # في سنة 1890 وصل إلى الولايات المتحدة شاب في الثلاثين من عمره يدعى مصطفى الشاهين، ~~وقد كان ذا مطامح تجارية كبيرة، إلا أنه ms084 كان خاليا من الأسباب التي توصله إلى مراميه؛ ~~ولهذا اضطر أن يتاجر، وإنما متاجرة بسيطة، فكان يجول القرى والمزارع حاملا صندوقه ~~الخشبي، يبيع الفلاحين دبابيس وأمشاطا وسلعا صغيرة، وظل خمس سنوات يعمل ويجد حتى ~~توفر لديه زهاء ألفي ريال في الكمر الذي أتى به من البلاد، وكان يتمنطق به تحت القميص ~~في الأول، خوفا على ما فيه من المال، ولما استأنس ولم يعد يخاف اللصوص لم يستطع أن ~~يغير عادته؛ فقد جرب يوما أن ينزع عنه الكمر، ولكنه عاد إليه في اليوم التالي؛ لأن ~~النزلة الصدرية مدت إليه يدها لتصافحه، ولكنه لم يمد إليها يده؛ ولهذا اضطر أن يعود ~~إلى سابق عادته. # ورجل كمصطفى الشاهين لا يشغل عقله ووجدانه إلا أن يكبر في عالم المالية، ويصير على ~~حسابه محل كبير يؤمه الباعة، فيغنم منهم الأرباح وهو جالس على كرسيه كالآمر الناهي، ~~لا سيما وأنه اكتسب بعض الخبرة في جلب البضائع ومعرفة الغث من السمين منها يرى أن ~~الألفي ريال التي ذخرها خير رأسمال للتجارة. # ولكن أين الزبائن؟ # هنا سأل نفسه هذا السؤال، وأعمل فكرته في الجواب عليه. # إن المحل الذي يطمح إلى إنشائه لا يمكن أن يكون في نيويورك؛ لأن الرجل عارف نفسه أنه ~~غير كفء للتجارة في بلد عظيم بين تجار عظام. وهو لا يفلح إذا أنشأه أيضا في قرية من ~~القرى التي قضى سنوات هجرته متجولا فيها؛ لأن القرية الواحدة لا تكفي لنجاح المحل ~~لقلة سكانها، في حين أنه لا يستطيع أن يحمل المحل على ظهره كما كان يفعل بالكشة، ~~فيجرب حظه في هذه القرية وتلك. # ولكن المطامح في الناس تفتح بصائرهم مهما تكن كميات أدمغتهم، فبعد أن افتكر ~~المذكور طويلا توصل إلى رأي أصيل، وفي الحال صفى شغله وباع كشته كلها، وأبقى من ~~خرضواتها أشياء تستعمل في الوطن كالأمشاط والقناني الطيبة والخواتم والحلي الزائفة، وما ~~شاكل برسم هدايا لذويه في الضيعة، وبعد أيام ركب البحر عائدا إلى أهله بما بقي معه من ~~المال، متوكلا على الله. # ووصل ms085 مصطفى إلى ضيعته، فخف كل سكانها من العجائز والشيوخ إلى الأطفال بالتمائم للسلام ~~على العائد الغني، ولا تسل كم كان معظم ذهول القوم من الثروة التي عاد بها إلى أهله؛ فإن ~~أصابعه العشرة التي كانت ملبسة بالخواتم والدبوس الكبير في ربطته والأزرار الصفراء في ~~كمي قميصه، والهدايا التي أتى بها إلى امرأته وشقيقاته وكلها من الجواهر، وما أهداه من ~~الأجواخ والسلع الصغيرة إلى أقربائه وجيرانه، كل هذه كانت تنطق لهم بصوت عريض أن مصطفى ~~الشاهين صار لا يشق له غبار. وصار الشيوخ يندبون سوء حظوظهم؛ لأن الشباب مضى قبل أن ~~يعرفوا بأميركا، وصار الشبان يتقربون إليه ليدرسوا عليه أحوال أميركا وكيفية السفر ~~إليها، وكم تكلف السفرة إلى ما هنالك. إلا أن مصطفى القادم بمهمة تجارية لقريته رأى في ~~انشغاف القوم به سبيلا إلى الوصول لغرضه، فما مضى أسبوع واحد على وصول ابن الضيعة إليها ~~من أميركا حتى ودت بما فيها من تراب أن تسير معه إلى أميركا، وهكذا بعد منتهى شهر عاد ~~مصطفى إلى أميركا قائدا لجيش يبلغ عشرة شبان وعلى نفقته؛ ليفتح تجارة أميركا، ويصل ~~إلى مرماه الذي طالما فكر به وتمنى الوصول إليه. # على الطريق الطويل عانى مصطفى بعض العناء بحملته التجارية، ولكنه بالرغم من ذلك العناء ~~الكثير كان يسر بداخله؛ إذ يرى حوله رجالا سيبني عليهم مستقبله المجيد، وهم يرون فيه ~~القائد البطل الذي سيصل بهم إلى عالم المجد والعز. # ولم يقتصر عناؤه بهم على جلبهم؛ فإنه عندما وصل بهم إلى القرية التي صمم أن يبني محله ~~فيها كاد يتمزق في تدريبهم على حمل الكشات، وتعليمهم بعض العبارات الضرورية باللغة ~~الإنكليزية قدر ما هو نفسه يعرف من اللغة التي اختطف لفظها، وصار يفك حاله بها كما ~~يقول. # وهونها الله على مصطفى؛ فالمحل الذي فكر به أنشئ وجعل ذا قسمين: قسم داخلي ينام ~~ويطبخ ويأكل ويستقبل ضيوفه فيه، وقسم خارجي فيه رفوف عليها السلع والعلب، وفي أرضه قوائم ~~خشبية عليها مساطر البضائع. # السنة الأولى مضت على التأسيس وتدريب ms086 الجيش للغزو، وفي السنة الثانية استغل مصطفى شيئا ~~يذكر من الأرباح، فأرسل منها كمية إلى قريته لجلب امرأته إلى أميركا، وفي السنة ~~الثالثة ابتدأ يشاحن جيشه الذي صار أعضاؤه العشرة يشارعونه على الأسعار؛ لأنهم صاروا على ~~شيء من الخبرة في المسواق، وتوسعت مداركهم بفضل التنقل من بلد إلى آخر، فصاروا يميلون ~~إلى التمرد عليه ويتآمرون بين بعضهم البعض على مقاطعته، لولا أنه كان يستعمل الحيل في ~~إقناعهم، فصار يلاطفهم ويدعوهم يوم الأحد إلى مائدته، ويكسب قلوبهم عن طريق المجاملة ~~والنسابة. # مضت هذه السنوات وأشغال المحل تزداد وأرباحه تتضاعف، ولكن صاحبه كان يلعن حظه؛ لأن ~~الأمور لم تأت على حسابه؛ فإن الأمر والنهي لم يعودا من وظائفه على فئة الزبائن ~~الجلب. # عرفته في تلك السنوات وقد كنت أزور تلك القرية أحيانا، فأميل إلى محله لأسأله عن حاله، ~~وأحادثه قليلا بينا أكون أترقب مجيء القطار. # إلا أني لتغيرات تجارية؛ إذ تركت المحل الذي كنت أمثله ولصقت بغيره لجهة أخرى من ~~البلاد، لم أعد أسمع شيئا عن مصطفى الشاهين، ولكني كنت أصوره في عقلي فأقول: قد مضى ~~علي خمس سنوات لم أره فيها، فيجب أن يكون اليوم شيخ البلد؛ لأن شغله ماش، وزبائنه من ~~عظام الرقبة، ونفقاته في السنة من أرباح شهر. # من عام 1906 طرحتني الأسفار إلى تلك القرية صدفة، ولما وصلتها سرت في الحال لمشاهدة ذلك ~~الرجل الذي تعرفت عليه لمجرد أنه يتكلم اللغة التي أتكلمها وهي لغة كلينا، وشد ما كان ~~دهشي عندما رأيت صاحبي في غير المحل الذي كان له. رأيته عند باب بيت حقير قرب محله ~~الأول، وحوله أولاد المدرسة من صبيان وبنات يبيعهم «آيس كريم» على «كون» بسنت كل واحدة. ~~ولما سمعت جرس المدرسة يدق ترك الأولاد إحاطتهم بمصطفى راكضين إلى المدرسة، فتقدمت ~~إليه وسلمت عليه، فسر كثيرا لمشاهدتي بعد غياب طويل تضمن حوادث كثيرة وقعت على ذلك ~~المسكين. # ثم رأيته قد احتمل القدر الذي كان يبيع منه، داعيا إياي أن أدخل معه إلى المنزل؛ ~~لأن وقت ms087 الشغل قد مضى، فدخلت لأعرف شيئا عما خفي علي من حاله. # وسألته: كيف أحوالك يا مصطفى؟ يظهر أن الأمور تغيرت معك. # فأجابني بتنهد عميق ولم يشأ أن يتلفظ، ولكنه قادني إلى غرفة صغيرة حيال الغرفة التي ~~كنا فيها وقال لي: انظر، تأمل. # رأيت على الحيطان عشرة رسوم لعشرة أشخاص، وتحت كل رسم اسمه، فاقتربت من كل الرسوم لأقرأ ~~الأسماء فإذا بها هكذا: أبو الألف، أبو الخمسمائة، أبو الستمائة، وهكذا قرأت أرقاما ~~لأسماء تسعة من ذوي الرسوم، أما العاشر فتحته كتب هذا الاسم «أبو حواء». # فقلت، والضحك كاد يغلبني: ولكن ماذا تعني بهذه الأرقام؟ فأجابني: كل رسم دعوته بالكمية ~~التي نصب علي بها ورحل إلى جهة لا أعلمها. قلت: ومن هو هذا أبو حواء؟ # فأجاب: هو الذي خطف المرأة في الآخر، بعدما تواطأت معه على سرقة المحل الذي أقفلته ~~الحكومة، وأشهرت إفلاسي. # قلت: فإذن أنت خسرت كل شيء يا مصطفى؟ فأجابني: نعم، خسرت كل شيء، وأكثر من ذلك خسرت ~~شيئا لا تراه أنت. فقلت: وما هو؟ أجاب، وقد كدت أبكي لحاله: ثقتي في الجبلة ~~البشرية! # | مدنية الأميركان # لما غادر أبو راجي فلفل سوريا قاصدا أميركا، وطن النفس على ألا يعود إليها، فباع ~~كل ما كان له من عقار وأثاث، وحمل عائلته المؤلفة من أم راجي وولدين إلى بلاد ~~الناس. # وبلاد الناس عند أمثال أبي راجي هي أميركا؛ فإن سوريا ليست ببلاد الناس عندهم؛ لأن ~~أميركا ذات الحرية والغنى، وأما بلادهم فبلاد الذل والخمول. # وهكذا كان، فأبو راجي ودع البلاد إلى بلاد الناس، غير آسف على هجره الوطن، معللا ~~نفسه بالآمال وطالبا الوصول إلى أميركا؛ ليندمج بين شعبها المتمدن، أما شعب سوريا ~~فلم يكن بنظر أبي راجي إلا كما ذكرنا ذليلا خاملا، فلا الوطن ولا آله ولا تاريخه أو ~~تاريخهم مما يملك ولو ذرة من اعتباره وحبه. # ولكنه ما كاد يصل إلى نيويورك ويقطع شهرا واحدا حتى انقلبت الآية معه، فصارت أميركا ~~عنده عبدا أسود، ومدنيتها في نظره دون مقام البربرية الأفريقية، ms088 وشعبها أقل شعوب الأرض ~~ذوقا وذكاء. # والسبب في ذلك، أنه لم ير في نيويورك ما راق لخاطره وما انطبق على ذوقه وعاداته أو ~~وافق ما تصوره قبلا بأميركا؛ فإنه سكن لدى وصوله بيتا لا تدخله الشمس مرة في السنة، ~~وصدف أنه في الشهر الأول لوصوله إلى نيويورك كان الطقس رديئا جدا، فلم تنقطع خيوط ~~المطر يوما واحدا؛ ولهذا انقبضت نفسه، وصار بغضه لأميركا يزداد سريعا يوما عن يوم، ~~وقد أدمى أصابعه ندما، ولكن لات حين ندامة. # كل شيء رآه في أميركا لم يعجبه، حتى أقاربه لم يستأنس بقربهم، فكان كلما تطلع إلى ~~أحدهم ورآه حليق الشاربين ينفر عن محادثته، ويأنف من النظر في وجهه، وإذا بالصدفة بدرت ~~من أحدهم كلمة إنكليزية كان أبو راجي يهينه ويغلظ له بالكلام، ظنا منه أن ذلك المخطئ ~~أراد الهزء به؛ لأنه لا يعرف حرفا من اللغة الإنكليزية. # وقد حدث لأبي راجي شئون كثيرة أدت إلى كرهه الكثير لأميركا، وصارت بلاده عنده آنئذ ~~بلاد الناس، وأما بلاد أميركا فليست سوى بلاد البقر. # ومن تلك الحوادث أنه كان يوما مادا بساطه على رصيف سلم الحريق في بيته، وهو جالس ~~الأربعاء، وفي فيه نرييج الأركيلة يشرق دخانها وينفخ، بينما كانت أفكاره سائحة في ~~الفضاء لا تستقر بمكان، وفيما هو على هذه الحال إذا بصوت من الشباك الذي دخل منه إلى ~~الرصيف، فانقطع في الحال عن افتكاره، وتطلع إلى الشباك فرأى بوليسا رافعا عصاه ~~يتهدده بالضرب، فهب لساعته وحمل أركيلته ودخل بها إلى بيته، فأمسك به البوليس، وهزه ~~هزات متتابعة طيرت رأس الأركيلة إلى الأرض، وهو لا يفهم من كلام البوليس كلمة، وقد ~~ظن بادئ بدء أن البوليس غلطان به، فهو لم يأت أمرا فريا، ولكن لا حيلة له لإقناع ~~البوليس ببراءته لجهله اللغة. عندئذ دخل عليهما بعض السوريين، فأفهموا البوليس أن أبا ~~راجي رجل بسيط مسكين، وقد جاء حديثا من البلاد، وهو يجهل نظام المعيشة، فخرج البوليس ~~بعد أن لان قلبه على أبي راجي وتركه وشأنه. أما ms089 أبو راجي فأخذته الحيرة كل مأخذ، ~~وبعدما خرج البوليس انهال عليه بالمسبات والتجديفات متحيرا بما صار إليه، غير عارف ~~بذنبه، إلا أن السوريين الذين تبعوا البوليس أخبروه أن جمرة الأركيلة سقطت من بين قضبان ~~الحديد على رأس البوليس. # ثم إن أبا راجي ذهب يوما إلى «كاسل غاردن» الحديقة عند البحر القريبة من شارع ~~واشنطن، وقد حمل معه غداءه فدخل إلى الحديقة ماشيا على الكلأ حتى وصل إلى شجرة، فجلس ~~تحتها يأكل غداءه، وإذا بالحارس قد جاء نحوه مهرولا، وأخرجه من الحديقة بالدفع واللبط، ~~وبقي طعام المسكين هناك فاضطر أن يعود إلى بيته ليأكل، ولكنه كان أكلا مخلوطا بسم ~~الموت؛ لأن التأثير بلغ مبلغا عظيما في نفسه. # ومرة أخذه بعض الجيران يوم أحد إلى حديقة برونكس ليتفرجوا على الحيوانات، وقد أعجبه ~~منظرها ودهش لجمال البنايات، التي جعلت منازل الحيوانات القذرة مع أنه وهو من بني ~~آدم يسكن بيتا دون منزل الخنزير في تلك الحديقة، ولكن الحظ لم يكتمل معه؛ فإنه بينما ~~كان يتأمل بمنظر الفيل وخرطومه وقد دهش لهما رمى إلى الفيل بقطعة خبز كانت في جيبه، ~~فرآه الحارس فقبض عليه، ولم ينته الأمر حتى دفع رفاقه عنه الجزاء النقدي، ولا تسل ~~عما خرج من فم أبي راجي بعد ذلك. # وفي الأحد التالي لهذه الحادثة أخذوا أبا راجي إلى المتحف، حيث تعرض الأشياء الثمينة ~~والرسوم الفنية، فكأنهم أخذوه ليتفرج على فخامة البناء والجنينة المحيطة بالبنايات، ~~أما ما حوته تلك البنايات من الآثار فلم يرق لخاطره. ولا عجب؛ فإنه لا يعلم شيئا عن ~~الفنون، ولما أخبره أحد رفاقه أن ثمن صورة من الصور المعلقة للفرجة قد يبلغ عشرات ألوف ~~الريالات هز أبو راجي رأسه، وأقسم أيمانا مغلظة أنه لا يشتريها بخمسة سنوت، وقد ضحك ~~على عقول الأميركان ورماهم بالسخافة، وعيرهم بالبلاهة وخفة العقل. # وكان أصحابه أعجبهم نظره إلى الأمور التي لا يحدها عقله فأرادوا مداعبته، فصاروا ~~يناظرونه بالأمر، ويبالغون بأهمية الرسوم، وهو يكيل لقلة مدارك الأميركان الذين ~~«ينفقعون» لتوافه الأشياء، وفيما هو ms090 يهزأ ويسمع ويجيب في وقت واحد كانت يمناه قد دخلت ~~إلى جيبه فأخرجت علبة التبغ، ودون أن يلاحظ بفكره ما تفعله يداه لف سيكارة ووضعها بفيه، ~~ودخلت يسراه إلى الجيب الثاني فأخرجت عود كبريت، وهو لا يزال في حديثه مع أصحابه، هم ~~يشدون عليه، وهو يضحك على الأميركان، ودون أن يلاحظ أحدهم ما هم أن يفعل أبو راجي؛ ~~لأنهم انبسطوا بحديثه المفكه، كانت يمناه قد أخذت من شقيقتها عود الكبريت وامتدت إلى ~~الحائط المدهون بالدهان الفني البديع، فأضافت إلى تفنن الرسامين بالدهان خطا أحمر ~~في منتصف الحائط يبلغ طوله الذراعين، وما كاد يشعل أبو راجي سيكارته من ذلك العود حتى ~~ثاب أصحابه إلى رشدهم، فرأوا ما كان منه فسحبوه في الحال وقلوبهم هالعة إلى الخارج، ولم ~~يشفوا قلبه بأن يخبروه عما صار خوفا من أن يعرف أمرهم، بل أسرعوا عائدين إلى القطار ~~ليعودوا إلى بيوتهم. # هذه بعض الشئون التي حدثت لأبي راجي في أميركا، وهي التي طبعت في دماغه أن سكان ~~أميركا بالرغم من لبسهم البرنيطة والإفرنجي وكلامهم باللغة الإنكليزية ليسوا على شيء من ~~التمدن والذكاء، وأن بلادنا مع ما فيها من الخلل بالأمن وقلة الحركة أكثر تمدنا، ~~وأهلها أعظم ذكاء من كل شعوب الأرض. وبناء على هذا لم يقطع أبو راجي ثلاث سنوات حتى ~~عاد بعائلته إلى قريته في لبنان، حيث طهر عقله وصفى أفكاره من أمانيه في الهجرة ~~والاندماج في الشعوب المتمدنة الغربية. # وبعد سنة من عودة أبي راجي إلى وطنه عاد أحد مواطنيه من أميركا، وقد كان من جملة ~~الأصحاب الذين أخذوه إلى المتحف في نيويورك، ولما رد لأبي راجي السلام في منزله دخل ~~إلى البيت، دائسا على السجادة، دون أن يخلع من رجليه عند العتبة، فكانت عينا أبي راجي ~~كل الوقت مصوبة النظر إلى رجلي الضيف، وقد حاول أن يكتم سره ما استطاع، ولكنه أخيرا ~~فضح الأمر، فقال لضيفه بلطف: إن عادة عدم نزع الأحذية في أميركا دارجة، ولكن في بلادنا ~~لم تدرج؛ لأن الأحذية توسخ ms091 السجاد. فأجابه الضيف: نعم، الحق معك، ولكن السجادة تستطيع ~~أنت أن تنظفها بالمكنسة أم بغيرها، ولا يكلفك أمر تنظيفها إلا صرف دقيقة وبعض ~~العناء، ولكنك على ما يلوح لي نسيت ذلك الخط، الذي طبعته على حائط من حيطان المتحف الفني ~~في نيويورك؛ إذ شحطت على ذلك الحائط ذلك الخط الهائل بعود الكبريت لتشعل سيكارتك، أولا ~~تظن أن محو أثر ذلك الخط قد كلف أرباب المتحف أكثر من ثمن سجادتك؟ # أما أبو راجي فأجاب، وفي جوابه بعض الازدراء وقال: «نعم، في أميركا كل شيء يكلف، ~~ولولا العيب والحياء لتقاضوا بعضهم ثمن الهواء، ولقد كلفني أن أتفرج على قلة ~~عقولهم وأعود، بيتي القديم والحاكورة والأثاث، ولكن الحمد لله تفرجنا على أشياء تسمى ~~مدنية الأميركان، ويا لها من مدنية!» # | أحاديث الغرام # إذا غاب عنك سعيد علام نصف ساعة فقط فإنه يخبرك في الأقل عن حادثتين وقعتا معه في أثناء ~~ذلك النصف من الساعة، ولك الخيار بأن تصدق ما يقول أو لا تصدق، إلا أنه ولا فرق عنده ~~تصديقك لروايته أو عدمه، يخبرك بأنه إذ كان سائرا في الشارع الفلاني، قاصدا المحل ~~الفلاني وقعت عينه على بنت لا أحلى ولا أجمل منها، عيناها تذبحان وخداها يحرقان، ~~وقدها يقد ونهدها يهد، ولم يكد يقع البصر على البصر حتى رشقته بغمزة من طرف عينها ~~اليمنى فرفع قبعته بيده اليسرى وحياها، وعقد معها موعدا للاجتماع في اليوم الفلاني ~~الساعة الثامنة مساء، مطرا كان أم صحوا. # هذه حادثة أولى من حوادثه مثلا، وأما الثانية، فهي أنه إذ كان راجعا من المحل الذي ~~قصده، وهو مسرع الخطى لا يرغب في أن يتطلع إلى أي بنت كانت، ولو أنها نازلة من السماء، ~~فجأة نطح أثناء سيره بشخص، ولما تطلع إليه ليعتذر، إذا به فتاة كتب الجمال على جبينها ~~آيته الأولى والأخيرة، فاضطر أن يعتذر إليها بكلام لطيف، وانتهى الحال معه أنها ~~ألغزت له بأنها لا تمانع بمرافقته لها إلى منزلها، فاضطر أن يرافقها، ولما وصل إلى سلم ~~المنزل ودعها، وأعطاها ms092 اسمه وعنوانه وأخذ اسمها وعنوانها ، وتعاهدا على المكاتبة ~~والزيارات، ويختم كلامه بقوله: «بين مالي وكاتي ضاعت أوقاتي!» # ولسعيد علام مخترعات عديدة في تأليف هذه الحوادث، حتى إنه ليخيل لمن يصاحبه أن الشاب ~~خلق خصيصا ليكون مطمحا لآمال كل فتاة، فإذا جلس في محضر لا ينفك يخبر السامعين هذه ~~القصة التي حدثت له مع بنت كادت تجن بحبه، وتلك القصة التي حدثت له مع البنت ~~الفلانية وما كان من أمرها حتى يدهش ويحير الألباب. وللمذكور مقدرة غريبة على ~~الابتداع؛ فإنه يكيف القصص، ويكثر عليها البهارات اللفظية والمقبلات الوصفية، حتى ~~إنه بالرغم من شك السامع كلامه بصدق روايته لا يمل من سماعها، بل يعجب إذا كان ~~حقيقة وقع لسعيد علام كل هذا المسموع منه. # وإن الإنسان ليدهش من مروياته عن الشباك الحبية التي يقع بها، وينصبها هو بنفسه لبنات ~~أميركا. فيقول السامع بنفسه: عجبا يحدث كل هذا لهذا الشاب، وليس فيه من الميزات عن غيره ~~لا بالخلق، ولا بالأخلاق، ولا بالعلم، ولا بالمال، ولا بالنباهة، ولا باللغة؟! فإذا كان ~~صادقا بكل ما يرويه فلا مراء بأن الأميركيات بلا عقول، أو أن عقولهن ترللي. # حكى لي صديق أن سعيد علام كان دائما يطحله بأحاديثه عن مواعيده مع البنات الأميركيات، ~~وعن الصدف المدهشة التي تشبكه معهن دون قصد، بل غصبا عنه، فقال: «كنت دائما أفكر ~~بحياة ذلك الشاب، فأقلبه بفكري مفترضا أنه صادق بكل ما يحدثه، فماذا يا ترى يجعله ~~مرغوبا محبوبا بقلوب البنات؟ بل لماذا يا ترى لا يجري لي ولو حادثة من ألوف جرت له ~~وأنا أجمل منه وأنظف لباسا، وأكثر غلبة وأطلى حديثا؟! فصممت النية أخيرا على أن ~~أكتشف بنفسي صحة أحاديثه، وصرت أترقب الفرص لأماشيه يوما كاملا في قلب المدينة ~~ذهابا وإيابا، وأدخل معه في كل مجتمع يكثر فيه عدد البنات وكل حانة راقصة أو ما شاكل؛ ~~لأرى بأم عيني كيف يضع الجنس اللطيف شباكه من كل حدب وصوب لاقتناص قلب ذلك الشاب ~~الغريب.» # قال الصديق: «وجاءني الدهر بيوم طالما ms093 اشتهيته؛ إذ رضي معي سعيد علام بالذهاب إلى ~~«سنترال بارك» بعد الجهد والإلحاح الشديد؛ لأن سعيدا حاول التملص مني بداعي أن معه ~~موعدا قبل الظهر وآخر بعد الظهر وغيره مساء. وهونها الله فأقنعته بالذهاب معي إلى ~~تلك الحديقة، فلا بد أن نقضي النهار بمغازلة حسناوات تعوض عليه ما كسره من المواعيد ~~لأجلي. ودخلنا قطار النفق سوية، وما كدنا نجلس في عربة ملآنة المقاعد، ولحسن الحظ كان كل ~~الصف الذي أمامنا سيدات، حتى رأيت بأم عيني ما أعجبني وأدهشني، وجعلني لأول وهلة أقول: ~~والله إذن سعيد كان صادقا بكل ما رواه للناس من حوادثه الغريبة مع بنات نيويورك؛ فقد ~~شاهدت الابتسامات على أفواه السيدات أمامنا، وعيونهن ترمقه وبعضها تغمزه، وهو يذبل عينيه ~~ويتمتم لي قائلا: «ألا ترى أني صرت تعبا من هذه الحياة، فانظر الآن أمامك، واعذرني مرة ~~ثانية إذا كنت أمتنع عن الذهاب معك ومع غيرك إلى المتنزهات أو المجتمعات.» # أما أنا (يقول الصديق الراوي) فقد بهت، وصار قلبي يرقص وقلت في نفسي: سبحان ~~الخالق! إنه يخلق في الأرواح جاذبية لا تدل عليها المظاهر الخارجية. وكنت أنظر إلى ~~الناس الجلوس، مستغربا تهافت أبصارهم إلى رفيقي سعيد علام، وكدت أشفق عليه لما يعانيه ~~من رميات العيون الغوامز ورشقات الأفواه البواسم، لولا أن انتصب أمامنا رجل كهل، شبك يده ~~بالحلقة التي يتعلق بها الواقفون، وانحنى إلى صديقي لناحيتي، فقال له إن رجل بنطلونه ~~عالقة بضمامة جرابته، وطلب إليه أن ينزلها منعا للتشويش الذي يحدثه.» # وقال الصديق أيضا: «فتطلعت إلى سعيد علام فإذا بوجهه ممتلئ دما والخجل ملبس إياه ~~وشاحا، وقد اقتصرنا النزهة على الوصول إلى الحديقة حيث افترقنا، فسار هو من جهة وأنا من ~~جهة، وصرت إذا اجتمعت به مرة بعد مرة أهز يده، مذكرا إياه بتلك النكتة التي جرت له ~~بحضرتي، فأضحك كثيرا ويبسم قليلا، وأحسن من هذا أني صرت إذا فاجأته في محضر من الأصحاب ~~يحدثهم بأموره وغرائبها يحول الحديث في الحال من صورة إلى صورة.» # | لا فرق بين الاثنتين ms094 # تلك كانت الزوجة الخامسة لبدر مشرق، وقد تزوج بها وهو ابن أربعين، أما نساؤه الأربع ~~الأوليات؛ فقد طلقهن واحدة واحدة، وانتهى أمره بتزوجه الخامسة التي انتخبها لنفسه، ~~وهي أميركية، تقابله عمرا، أرملة لها ابنة من زوجها الأول. # بعد شهرين من زواجه الخامس، صرح بدر مشرق أمام معارفه أن الزوجة الأميركية أفضل من ~~السورية، وأقسم يمينا قاطعا ما عاد يتزوج في حياته سورية؛ لأن الأميركيات أفضل للحياة ~~البيتية، وأكثر تهذيبا، وأحسن ترتيبا. # عندما أقسم ذلك القسم القاطع لم يظهر على وجهه إشارة إلى أنه يريد الهزل، بل لفظه كأنه ~~مجزم بصحة الأمر يعني ما يقول، فهو لقد عقد النية على ألا يتزوج بامرأة سورية بعد هذه ~~الأميركية، التي رأى منها ومن ذوقها وتهذيبها ما لم يره من السوريات الأربع اللواتي كن ~~فيما سبق زوجات لحضرته. # في هذه المرة صار بدر لا يعنيه شيء من أمور نظام البيت، إلا أنه يدفع في آخر الأسبوع ~~المبلغ المعين عليه من المال لقضاء الحاجات من دين السمان وأجرة البيت وقسط الأثاث إلى ~~ما شاكل. أما يوم كان زوجا لإحدى السوريات؛ فقد كان يعتل السمانة من محال السوريين ~~إلى البيت، فلا يصل إلا وصبره قد جاوز الحدود والسباب والشتائم والتجديفات تخرج من فيه ~~كقنابل المدافع في حومة الوغى. # وصار على عهد الأميركية لا يحمل صرة برغل، ولا لحم ضأن ولا علبة بندورة، ولا سلة عنب؛ ~~لأن الأميركية تطلب كل هذا بالتلفون، فيأتي الغلام بطلباته كمارد سليمان ~~الحكيم. # الفرق عظيم بين الزوجة السورية والزوجة الأميركية، خاصة عنده في أول عهد زواجه الخامس؛ ~~السورية إذا أرادت شك الإبرة تسأل زوجها أن يشكها لها. تحتار بأمرها في ما عساها تطبخ ~~العشاء؛ فالبارحة كان العشاء كبة، وقبله كان كوسى محشيا، وقبله كان مجدرة، واليوم ~~ماذا؟ تسأله رأيه قبل أن يذهب إلى شغله: ماذا تريد أن أطبخ لك؟ فماذا يجيب؟ يجيبها ~~قائلا: سم الموت. ويخرج من البيت عابسا. # أما الأميركية فلا تسأله ولا تستشيره، ولا تطلب منه شيئا سوى دفع الثمن، ms095 وتودعه ~~إلى شغله بقبلة، وتلاقيه عند الباب عائدا إلى البيت بأخرى، وتجلس إلى جانبه تقرأ معه ~~الجرائد، فتحادثه بأمور كثيرة، تخوض عبابها عاملة فكرها وناظرة بكل حادثة وبكل موضوع. ~~وإذا تكلمت معه تنهي عبارتها له بيا عزيزي ويا حبيبي ويا عسلي. بكل هدوء وكل نظام ~~العشاء يحضر على المائدة الساعة السادسة من كل مساء، وكل شيء يلزم لمناولة الطعام حاضر، ~~بينا السورية تعلل زوجها بقولها: إن اللحمة لم تنضج بعد، فتدق الساعة السابعة والنصف ~~والزوج يتقلب على مقالي الانتظار بمعدة فارغة بعد تعبه كل النهار بالشغل، ثم لما ~~ينضج الطعام، ويجلس مع زوجته للأكل لا تلبث أن تنهض لتأتي بالخبز، لاعنة الشيطان كيف ~~أنها نسيته، ولا تكاد تستوي في كرسيها حتى تنهض ثانية لتأتي بالملح والفلفل، وثالثة ~~لتحضر الفوطة، وتنهال مرة ثانية باللعنات على الشيطان؛ لأن العجلة منه، فلا ينتهي العشاء ~~إلا بعد عناء وتلبك كثيرين. # كل هذه الفروق كان يلاحظها بدر، فيشكر الله أنه خلصه من بلادة السوريات وهدف إليه ~~أميركية تريح باله من كل هذه الأمور، فليس عليه إلا الاجتهاد وتحضير المال للمعيشة، ~~وأما امرأته فعندها كل شيء إذا حضر المال. # كان لبدر صديق سوري ذكي الفؤاد، مختمر بالعبر وصروف الدهر وتقلبات الأيام، وقد ~~التقى مرة به، فأخبره بدر بكل شعوره وراحة باله، فسمع منه صديقه كل بحثه عن الفرق العظيم ~~بين الزوجة السورية وأختها الأميركية، ولكنه أخيرا قال له، وكان ذلك في عام 1902: «إن ~~موضوعك جليل الفائدة، وفيه حقائق كثيرة، ولا أستطيع أن أبحث معك فيه طالما اختبرت الأمر ~~بنفسك فتوصلت إلى معرفة الفرق بين السورية والأميركية، ولكن كم صار لك مع الزوجة ~~الأميركية؟» # فأجابه بأن صار له نحو سنة. عندئذ هز صديقه رأسه، ماسكا طرف قبة سترته، ماطا بوزه ~~قليلا، ثم تمتم هذه الكلمات: «ولكن لم تزل يا صديق في شهر العسل!» # في سنة 1910 كان الناس يتناولون الجرائد؛ ليقرءوا ماذا كان من أمر المحاكمة في الدعوى ~~التي رفعتها مدام بدر مشرق على زوجها بدر، وقد ms096 انقضى عليها نحو سنتين تنتقل من محكمة إلى ~~أخرى، والمحامون من الطرفين يوما يتفاوضون وآخر يتنازلون في المحاكم، حتى صدر الحكم ~~النهائي بطلاق مسز مشرق من مستر بدر مشرق، وبتعيين راتب شهري يدفعه المستر للمسز في رأس ~~كل شهر لإعالتها، وبأن يكون المنزل بما فيه من أثاث خاصتها. # أما الدعوى المذكورة؛ فقد كانت مبنية على أن المستر مشرق كان يهمل زوجته، ويعطي أكثر ~~انتباهه لابنتها، فيجالسها ويلاطفها، في حين أن زوجته تكون منهمكة بأمور البيت، وأنه كان ~~يزجرها ويغلظ كلامه لها، وقد فتر حبه من يوم صارت ابنتها صبية، وأنه مضى عليهما العام ~~الأخير ولم يقبلها فيه قبلة من تلقاء نفسه إلا بعد صياح وشجار، وأنه كان يقضي الليلة ~~والليلتين خارج البيت، في حين كانت تحيي الليالي ساهرة، مترقبة رجوعه إلى بيته. # وفي أواخر عام 1910 ارتاح بدر مشرق من الراتب الشهري لزوجته المطلقة، الذي أعياه ~~وأثقل ظهره؛ لأن مسز مشرق غيرت اسمها، وشلحت اسم مشرق كما تشلح الشجرة ورقاتها في فصل ~~الخريف، وغيرته باسم سلفان، وهذه كنية زوج جديد من لحمها ودمها. وقد تنفس بدر ~~الصعداء عندما بلغه أن الراتب المعين عليه انتهى أمده. # في سنة 1913، كان بدر قد صار كهلا قريبا من الشيخوخة، وقد أحنت الأيام ظهره وأفقدت ~~نشاطه، فصار ميالا إلى اللهو، ولولا الحاجة لما أعار شغله أقل انتباه. في تلك السنة ~~دخلت إلى محله امرأة كهلة، وبعد أن حادثته قليلا عن شغل قالت له: «أنت بحاجة يا مستر ~~بدر إلى شريكة لحياتك، تعتني بأمور بيتك بينما أنت تدير أشغالك في هذا المحل.» # أما هو فأجابها وقال: لقد شعرت بهذا منذ سنين، فراح البيت مع المرأة، والآن ليس لي ~~إلا بضع سنوات في هذا العمر، وأظن هذا المحل يقيني الحاجة والسؤال إذا حافظت ~~عليه. # فأجابته أنه إذا أراد المحافظة على شغله يجب أن يكون باله مرتاحا بأمور معيشته، ولا ~~يرتاح إلا إذا دبر لنفسه بنت حلال كما فعل ابن أخيها، وقد كان شابا جبارا تهتز ~~الأرض من ms097 وقع خطواته، فلما تزوج صار شابا لطيفا وعين الله ترعاه. # فقال بدر: «كنت مثله وأكثر، ولسوف يصير مثلي وأنحس.» وفيما هو يتكلم، وإذ دخل عليه ~~صديقه الذي قال له إنه لم يزل في ذلك الحين بشهر العسل، فسلم عليه بعد طول غياب، ~~وعندما سأله عن المدام التي رأى منها ما لم ير من زوجاته السوريات أخبره بما جرى عليه، ~~وأنه صار يعتقد بعدها بألا فرق بين المرأتين السورية والأميركية، وأنه في حياته ما عاد ~~يفتكر بسورية ولا بأميركية، فأجابه صديقه إذا كان الزواج عندك طلق المرأة وتزوج بأخرى، ~~فإن كان من فارق بينهما أو لم يكن لا فرق عندك. # | الله يسعده ويبعده # لم يكن من يستطيع فهم أصل الخلاف بين إبراهيم الصالح وأخيه فريد، وقد بدأ الخلاف بينهما ~~في أول أسبوع وصل فيه الصغير إلى هذه البلاد، وبعد أن كان إبراهيم يستعد لاستئجار نزل ~~خصوصي يشتري له أثاثا جميلا ليعيش مع أخيه فريد كعائلة صغيرة لبث في غرفته المفروشة، ~~وطرد أخاه من عنده، فاضطر المسكين - وهو دون السابعة عشرة - إلى أن يستأجر غرفة له ~~زرية جدا، وأن يعمل كأجير في محل تجاري ليعيش مستقلا. # حكى لي فريد الصغير عن خلافه مع أخيه، فقال إنه لا يعلم لماذا كرهه أخوه، ولم يأثم ~~أمامه ولا أخل باعتباره كأخيه الأكبر وولي نعمته، ولكنه لسبب بسيط جدا ارتأى إبراهيم ~~أن يفترقا وأن يعيش كل منهما لنفسه، وقد منعت اجتماعاتهما معا إلا إذا كانا وحدهما، وإذ ~~ذاك يستعمل إبراهيم سلطته على أخيه، فيأمره أمرا، وينفض سترته بأصابعه علامة أنه هكذا ~~يريده أن يعمل، وإذا أبى فلا يكون مسئولا. # إن خلاف الأخوين على هذه الصورة أمر غريب جدا، فليس بينهما من خطأ ارتكبه أحدهما ~~ضد الآخر، ولا بينهما ما لا يمحى؛ على أن الاثنين ناجحان بأشغالهما، وإبراهيم رجل يبلغ ~~الخامسة والثلاثين، وقد صار له نحو عشرين سنة يعمل في أميركا، ولما أنهى فريد المدرسة ~~الابتدائية استقدمه إليه على أمل أن يفتحا محلا تجاريا، يكون فيه رئيسا ms098 وأخوه ~~مدبرا، إلا أن الأمور انتهت بالجفاء بين الاثنين في أول أسبوع لوصول فريد إلى ~~أميركا. # أما فريد، فشاب ذكي له إلمام بالعلوم وولع بالمطالعة، قليل الكلام، ولكنه رصين ~~لا يتكلم إلا اللازم الذي يفيد، عكس أخيه الأكبر؛ فإنه كثير الكلام كثير الدعوى، يتدخل ~~في كل موضوع ويحشر نفسه في كل مشكل، وقد ولع أيضا بالمطالعة الصحفية والكتبية، وإنما ~~ولعا سطحيا، فكان يحفظ أسماء أعاظم الرجال من سياسيين وعلماء وفلاسفة وشعراء، فإذا ~~تكلم في اجتماع يكثر من ذكر تلك الأسماء، فينظر الناس إليه كرجل عليم في صدره كنوز علم ~~وعرفان، فإذا كان الحديث عن السياسة أسرع فذكر بسمارك وغلادستون، وقال: فلان قال كذا ~~وكذا. ومن اطلع على ما كتبه أو قاله بسمارك أو غلادستون ليكذبه؟! وإذا كان الحديث عن ~~الشعر ذكر في الحال المتنبي وأبا العلاء مع بعض أبيات لكليهما يقولهما باللفظ المكسر، ~~ثم يعمق بتاريخ الشعر فيذكر هوميروس، ويتدرج بالأسماء إلى هيكو وموسيه و... و... حتى ~~يسكت الحاضرون، ويعطوه موقف الكلام، ولا يعدم أن يرى منهم إعجابا بسعة معارفه ووفرة ~~علومه، حتى صار عندهم مرجعا لكل أمر، ومضرب المثل في العلم بكل باب من ~~أبوابه. # ودام هذا معه حتى وصل فريد إلى نيويورك، فصار يحضر مع أخيه بعض الاجتماعات، ويراه ~~راكبا مركب الشطط بأكثر أحاديثه، فكان يسكت أولا حياء منه، ولكنه بعد أن استأنس صار ~~يعترض على غلط أخيه ويصلحه، فكان إبراهيم يحرق الأرم غيظا، ويلعن الساعة التي وصل فيها ~~أخوه لينزع عنه مقامه كعالم بين الناس. # ومرة كان الأخوان في سهرة حافلة، كان الفونغراف يشنف أسماء الحاضرين، والكئوس دائرة ~~عليهم، وآخر أسطوانة سمعوها فذهبوا بسحرها كانت أسطوانة للصلبان فيها «يا ليل الصب ...» ~~فكان بعضهم يعيدها ويعيدها، ويساعده غناء بها واستشهادا بمعاني أبياتها الجميلة حتى وقف ~~عنده «رقد السمار وأرقه.» فقال في القوم: من هذا السمار؟ # فأجاب أحدهم وقال: «أظن أن السمار هو الذي يدق المسامير.» # فضحك الكل من جوابه: وقال ثان: «أظن السمار هو الهراي السنور، لا بل ms099 ~~السنمار.» # وقال ثالث: «لا بل هو السمرمر الذي يطارد الجراد.» # واختلف القوم على معنى الكلمة، وإبراهيم الصالح يتنحنح، وقد غاب عن الحضور بفكره ليأتي ~~لهم بمعنى الكلمة، فيكون كلامه فصل الخطاب. وأما أخوه الصغير فريد فكان الحال عنده ~~كالتياترو، فما كان يهدأ من الضحك بكل ما استطاع شدقاه وبكل ما في رئتيه من ~~القوة. # وأخيرا صاح صائح وقال: «عندنا إبراهيم الصالح ونتجاسر على تفسير الكلمة، فلنسمعه الآن ~~يحل لنا المشكل.» # وسكت الحاضرون، ووقف الفونغراف، وصاروا كلهم آذانا صاغية، مستعدة للسماع وعيونهم ~~مصوبة على نقطة واحدة هي وجه إبراهيم الصالح. # عندئذ، لم يعد لإبراهيم من مهرب؛ فعار عليه ألا يحل مشكلة صغيرة كهذه، وهو لم ~~يعودهم ذلك، ففتح أولا فمه ببطء كلي وعيناه محملقتان ووجهه يتطاول، وكان بطرف ~~نظره يحدج أخاه فريدا؛ لهذا تلعثم قليلا، ولما تحنن الله على صبر القوم خرجت من فمه ~~كلمة «أظن» خمس مرات، وبين كل مرة وأخرى فرصة دقيقتين، حتى أخيرا أفاض بحل المشكلة ~~طارحا عنه التردد المصنع وقال: «إن السمار هو السامري عذول اليهودي، ويظهر أن قائل ~~تلك الأبيات يهودي، فيكون المعنى أن العدو نام، وهو لم ينم بل أرقه الألم.» # ويظهر أن فريدا نسي أن أخاه الأكبر كان المتكلم؛ ولهذا استعان بكل ما في قدرته من ~~الضحك حين كان الكل صامتين، على وجوههم سيماء الرصانة، يتوقعون القول الفصل من رب ~~العرفان عندهم، وهذا ما دعا إبراهيم أن يستشيط غيظا من أخيه فشتمه، ولولا حرمة الناس ~~لكان ضربه، فانتبه فريد لأمره، وعقب ضحكاته الطويلة عبوسة فجائية، فاستصفح أخاه، وأقر ~~بأنه مخطئ، وأنه نسي نفسه لتفاسير القوم كلمة «سمار» بعيدة عن الصواب. # عندئذ قال له أخوه: «أنت يا فريد مثل كل ولد يأتي من سوريا مملوء دعوى، ولا تحترم ~~معارف الآخرين، بل تظن أن ما تلقنته في المدرسة هو كل العلم مع أنه ينقصك تهذيب كثير. ~~والآن - يا عيب الشوم - دعوتنا نخجل أمام الناس، فقم بنا قم.» # وقد ألح الحاضرون على إبراهيم أن يعدل عن فكره ms100 بالرحيل، وأن يهدئ روعه قليلا؛ فإن ~~أخاه سيتعلم فيما بعد فيحسن سلوكه، ويعرف كيف يجالس الناس. # وكان أحد الحاضرين الذين فسروا الكلمة شديد الاستياء من جواب فريد لأخيه بأن تفاسير ~~القوم أضحكته، فخاطبه بملء الاشمئزاز قائلا: «وهل عندك تفسير أحسن؟ إي نعم، نحن لم ~~نتعلم في المدارس مثلك، ولكن لا أظن أن كلامنا يوجب ضحك الناس إلا إذا كان ضحكك بلا سبب، ~~والضحك بلا سبب من قلة الأدب.» # هنا تبدلت هيئة فريد الصغير، فقال بصوت لطيف والحيرة آخذة منه مأخذا: «اعذروني يا ~~إخوان على ما بدر مني، فأنا لم أقصد بضحكي الحط من كرامة الذين فسروا كلمة ~~«سمار»، بل إن تفاسيرهم جعلتني أضحك؛ لأننا في مجلس سرور، ويجوز فيه لأي كان أن ~~يضحك.» # أما إبراهيم، فظل واقفا يشد بذراع أخيه ليخرج من تلك الجلسة؛ لئلا يحدث ما ~~يكدره أكثر. ولكن رجلا متقدما في السن أعجبه منطق فريد، فنهض باسما وتقدم إلى ~~إبراهيم بلطف، سائلا إياه أن يعود إلى مكانه لمحو أثر الخلاف؛ خوفا على خاطر الصغير ~~القادم من البلاد؛ فقد شعر بنفسه أن فريدا انكسر خاطره، فاضطر إبراهيم إلى الجلوس، وعاد ~~الرجل المتقدم في السن فقال لفريد: «يا فريد، لا تزعل يا ابني، لا بأس عليك، مسألة صغيرة، ~~لا تستح، فكل الحاضرين إخوان، أي يا ابني، اقعد وقل لنا الآن كيف تفسر كلمة سمار؛ ~~لنضحك نحن عليك كما أنت ضحكت علينا.» # فضحك القوم سلفا على فريد ما عدا إبراهيم الذي كان السم يغلي في قلبه، ولكنه لم يجسر ~~أن يعترض، ولما رأى فريد أن الحاضرين سري عنهم تبسم، وقال: «إن كلمة سمار جمع ~~سمير، والسمير هو الذي يسهر الليل، فيكون معنى الشاعر أن الساهرين ناموا إلا هو؛ فقد ~~حرمه النوم ألم يعذبه.» # فضحك ذلك المتقدم في السن ضحكة كبيرة وقال: «إي والله، الآن أخذنا بثأرنا منك.» وضحك ~~لضحكته الحاضرون إلا إبراهيم الذي نهض في الحال يريد الذهاب مع أخيه، بداعي أن السهرة قد ~~طالت. # تلك السهرة لم ينم فريد مع ms101 أخيه، ومنذ تلك السهرة لم يعد يضم الأخوين اجتماع، ~~وعندما يسأل إبراهيم عن سلوك أخيه يهز رأسه ويتنهد قائلا: «ما أحد اشترى البلوى ~~لنفسه مثلي؛ فقد كنت بلا هم، فجئت بأخي ليزيد سروري، فكان أنه حرمني الراحة، ولكن ~~أميركا واسعة، فالله يسعده ويبعده.» # | عبد الفطرة # حنا مرقص هاجر إلى أميركا وهو دون العشرين من عمره، وقد تعلم الإنكليزية المكسرة ~~عن طريق البيع بالكشة فالجزدان فعرض بضائعه في الهوتيلات. # كان في بادئ أمره خجولا، يرى كل شيء أكبر منه وكل إنسان أعلم منه، ولكنه بعد أن صار ~~يستطيع الرواح والمجيء في شوارع المدينة، ويمكنه التنقل من بلد إلى آخر، أصبح ذا أنف ~~واصل ذرى السموات، فصار من أكبر الأغنياء بمائة ريال وفرها في بنك الحكومة، وصار من ~~أعلام الكرة الأرضية بتعبيره باللغة الإنكليزية المخلوطة كلمات عربية عصيت على ~~إنكليزيته، ولكنه يخلطها ضاحكا لتجيء من فيه كأنها مقولة منه للفكاهة، وصار من أقدر ~~الناس على الدخول في معترك البشر؛ لأنه يستطيع أن يضع رجلا في نيويورك وأخرى ~~بسان فرانسيسكو. # إذا جلس في المطعم السوري تبقى فرتيكته نظيفة؛ إذ يستعيض عنها بأصابع يديه، ويكبر ~~اللقمة التي غالبا يدحشها بإصبعه في فيه؛ لتدخل غصبا عن اتساع فمه. # أما إذا جلس في مطعم أميركاني فلا يأكل السمك إلا بالفرتيكة، وكثيرا ما يترك الدجاجة ~~المحمرة في صحنها مهرمشة منه هرمشة لتعذر استخراج لحمها بالفرتيكة، فتبقى عينه فيها، ~~ومعدته تطلع وتنزل شوقا إلى ابتلاعها، ولا يجسر أن يفتك بها؛ لأنه عالم جيدا أنه في ~~مطعم أميركي. # كان يحلق كل صباح، ولكنه كان يلعن هذه البلاد التي تضطره إلى ذلك، متمنيا الرجوع إلى ~~قريته التي لا يضطر فيها إلى تكنيس شعر وجهه إلا مرة كل أسبوعين. # كان يداري لباسه وهندامه، ويشتري لنفسه وردة يوم الأحد، وكلما جلس على مقعد أو كرسي ~~يشقل بنطلونه محافظة على كيته عند الركبتين، ولكنه أبدا يفضل القمباز لعدم الثقلة ~~بلبسه، وإنما لم يجسر على أن يقول ذلك أمام الغير. # بعدما قضى السنتين الأوليين ms102 في هذه البلاد ابتدأ يدخل بين الأجانب ، ولم يقض الخمس سنوات ~~حتى صار أميركي التبعة يصوت للمنتخبين إلى الأحكام، ويتحزب لبعضهم دون البعض الآخر، ~~ولكنه كان قبل أن يذهب إلى عالم الأحلام في كل ليلة تبقى جفونه مفتوحة وفكره محلقا في ~~سماء الأماني، متمنيا العودة إلى بلده لينام تحت الشجرة، لحافه السماء، وفرشته المرجة، ~~ووسادته الكرسي الصغير المصنوع من القش. # هذا حنا مرقص، له وجهان: وجه أميركي بالظاهر وآخر بلدي بالفطرة. وما زال في أميركا، ~~فالتطبع غالب عليه، ولكنه يود ويحن إلى التخلص من نيره؛ ليجعل فطرته السائدة في ~~أميركا، آه لو عاد حنا مرقص إلى «كفر بطة» قريته ليخلع عنه الرداء الإفرنجي، ويوفر ~~كم مسبة دين ولعنة لدى ترتيبه الربطة في حال شدها ذهابا وإيابا. # حسن، جاء الوقت الذي أصبحت فيه خطوات حنا مرقص مسددة نحو الوطن، بعدما انفتحت الطريق ~~بين العالم الجديد والعالم القديم، بعدما كانت الحرب قد أوصدتها حينا طويلا، وبعد ~~الجهد الكلي حصل على باسبورت من الحكومة الأميركية ليعود إلى حضن أمه العجوز، وليشارف ~~بخبرته ومعرفته الكرم والأرض التي ورثهما عن المرحوم أبيه. # كان يقول لأصحابه إنه لا يفتكر بالعودة إلى أميركا؛ لأنه ذو مال كثير وخبرة وافرة ~~بالتجارة وبلاده مفتوحة جديدا، فالمستقبل أمامه فاتح باب النجاح الكثير. # ووصل حنا مرقص إلى البلاد، فكتب إلى صديق له يقول إنه لا يفتكر بالبقاء أكثر مما ~~يفتكر بالرجوع؛ فإن سوريا لم تأت على ذوقه، وقد كان ظنه أن البلاد تغيرت، ولكنها ~~بالحقيقة لم تتغير؛ فإن الخياطين لا يعرفون التفصيل والخياطة على الأزياء المستحدثة، ~~والبيوت خالية من الحمامات، وإذا أراد أن يحلق كل يوم يقضي بالأقل ساعتين لبينما يسخن ~~الماء بالقدر، وإذا أراد التنزه في المتنزهات لا يجد مقاعد تحمله وتقيه من ~~الرطوبة؛ وبالتالي لاح له أن ميدان التجارة ضيق في الوطن؛ لأن الناس هناك يتكلمون ~~بالغروش أما في أميركا فيتكلمون بالريالات. # هنا حنا مرقص كان يرى نفسه مقيدا بسلاسل مدنية أميركا، فلما صار في سوريا ورأى ~~نفسه حرا ms103 من تلك القيود تمنى الرجوع إلى أميركا ؛ لأن أميركا الله يعمرها بلاد ~~تسكن، وهي بلاد الناس كما يقولون عنها. # وعاد حنا مرقص إلى نيويورك «رافعا العشرة» عن الفكر يوما بالرجوع إلى الوطن، قائلا ~~في نفسه إن الأحسن للإنسان أن يجعل أميركا وطنه، ويقف عند ذلك الحد. # وما كاد يقضي الشهر في أميركا حتى عاد تمني حنا مرقص إلى الحرية النفسية التي يتمتع ~~بها في بلاده، ولكنه صار في هذه المرة يحمل نفسه على كره هذه الأمنية؛ لأن ماله الذي ~~جمعه بعرق جبينه في السنوات العديدة كاد يرسف في آخر جيبه، ولم يعد يدري ماذا يحب: ~~أميركا وفيها الخياطون ذوو الاختراع، وفيها المتنزهات ذات المقاعد والمناظر البديعة، ~~وفيها الحمامات والماء الحار للحلاقة كل يوم مما يضنك المرء، ويجعله مقيدا بسلاسل ~~قوية من العادات التي اصطلح عليها البشر، أم يحب وطنه وليس فيه هذا القيود، وهي مما تلزم ~~البشر في معيشتهم! # وقبل أن ينهي الصراع بين هذين العاملين المتناقضين: عامل كره أميركا لقيودها، وكره ~~سوريا لعدم وجود مثل تلك القيود الأميركية تناول جريدة السائح، فطالع فيها قصيدة مخائيل ~~نعيمة «حبل التمني»، وأعاد قراءتها مرات ليتشبع من معانيها، فغالب نفسه بهذا ~~الشطر: # أتمنى لو كنت لا أتمنى # فغلبها نوعا قائلا: مع السوق سوقي والسلام! # | الأمل والألم # أبو حنا هاجر إلى أميركا مع أم حنا بعد أن رزقهما الله حنا بسنتين؛ أملا أن ~~يكنس كم سلة ذهب من أميركا ويأتي بها إلى وطنه، فيبني قصرا ويشتري حاكورة جاره، ويعيش ~~مع أم حنا وأولاده بمدخوله الكثير دون هم ولا تعتير. # كان أبو حنا قبيل عقده النية على أن يهجر الأوطان يتأمل في السعادة التي يحصل عليها ~~إذا رجع من أميركا موفقا «منيما» مئات الريالات بل ألوف الريالات، فيمد نظره إلى ~~بعيد، قائلا في نفسه إذا كان كل ما يقع تحت بصره يصير ملكه وهو جالس في قصره يدخن ~~أركيلته لا تعب ولا شغل، يأتيه فلاحوه بما يزيده على نفقاته كل سنة، فيا لها من حياة ms104 ~~هنيئة! # وأم أبو حنا أميركا بعد أن رهن داره، وجاء بالأم والطفل إلى أميركا بعد عذاب كثير في ~~بيروت ومرسيليا ونيويورك أيضا؛ حيث لاقى الأهوال في الجزيرة بسبب مرض السيدة، ولكن ~~حظه خدمه قليلا؛ لأنه في نيويورك وجد من ضيعته صديقا قديما، كان يتوسط له في ~~إدارة المهاجرة، فبعد أسبوعين من وجود أم حنا في المستشفى خرجت من المطهر إلى عالم ~~الحركة والتجارة. # وظل أبو حنا ضيفا عزيزا على صديقه مدة أسبوع، تعلم في أثنائه شيئا من الشغل، ~~وأمسك سبيل التجارة من أوله؛ إذ ابتاع له مضيفه كشة ملأها بالدبابيس والإبر والمقصات ~~وبعض قطع من مناشف وغيرها، ودربه على كيفية حملها على كتفه وإنزالها، وعلمه بعد ~~الجهد كيف يطرق الأبواب، وكيف ينزع برنيطته ويحيي، وكيف يسأل أن يقبل الناس على أن ~~يشتروا منه ويجابروه. وكان أبو حنا لدى كل هذه الأمور يبلع ريقه، ويكبس على جرحه، ~~شاعرا أنه كان في آماله القديمة في واد والحقيقة في واد؛ فإن الشوارع التي أمل أن ~~يكنس منها سلالا من الذهب، كانت إما نظيفة من كل شيء، وإما مملوءة وحلا وأوساخا. ~~ولكنه لم يجسر على أن يتفوه معترضا على ما شاهده، خلافا لما أمل، أو بالأحرى ~~استحيى أن يقول أمام مضيفه شيئا مما أحس به لدى وصوله من الإخفاق؛ فبقي سره في ~~قلبه واحتمل الكشة وتوابعها لإعالة أم حنا وطفله في أرض الغربة. # ولا حاجة إلى إطالة الشرح من أن السنين العشر الأولى التي قضتها عائلة أبي حنا في ~~أميركا كانت مزيجا من العناء الجم بالنجاح القليل، إلا أنه في خلالها كبرت العائلة، ~~وصار لأبي حنا أربعة غير حنا، وكلهم لم يشعروا بتربيتهم البيتية؛ فإنه نظرا لشغله ~~مع أمهم بالبيع اضطر أن يكذب على ملاجئ الأيتام قائلا في كل واحد يدخل إليه ولدا ~~ليتعلم ويتربى مجانا: إنه يتيم بلا أم وأحيانا كانت تذهب الأم فتقسم أمام عمدة ~~الملجأ أن ابنها يتيم بلا أب، وهكذا رفع الوالدان عنهما مشقة التربية معتنين ~~بتجارتهما، وقد اشتركا على ms105 الشغل سوية، وصارا قادرين على أن يقوما بأود نفسيهما مع كم ~~ريال تزيد في كل أسبوع على نفقاتهما، فتأخذها أم حنا وتكنزها في الكمر الذي جاءت به ~~من سوريا، لتخبئها إلى يوم يسمح الله بالرجوع إلى الوطن، ولا تسل عن الاقتصاد الذي ~~مارساه في بحر هذه المدة؛ لأن أفكار الزوجين كانت محصورة بجمع المال للرجوع إلى الوطن في ~~الفرصة السانحة. # إلا أن الأيام لم تتم صفوها لأبي حنا؛ ففي يوم من الأيام عاد أولاده الخمسة دفعة ~~واحدة؛ لأن الملاجئ علمت بأن أبويهم حيان يرزقان، وأنهما من ذوي اليسار، وبعد الجدال ~~الطويل والعناء الكثير اضطر أبو حنا أن يرجع أولاده إلى بيته، ولكنه لم يشعر بحنو ~~والدي نحوهم؛ فإنه ظل بمعرفته اللغة الإنكليزية لا يزيد على ما تعلمه من مضيفه في ~~نيويورك وابن بلده في الأسبوع الأول لوصوله إلى أميركا، أما أولاده فكانوا كأنهم ~~أميركان أبا عن جد، لا يعرفون من العربية كلمة واحدة؛ ولهذا كان يضطر أبو حنا ~~إلى استنجاد شاب سوري؛ ليقف بينه وبين أولاده ترجمانا ينقل منه إليهم إرادته الوالدية، ~~ومنهم إليه صعقاتهم على سوء طالعهم الذي رماهم في بيت قذر كبيت أبيهم، وهم اعتادوا ~~النظافة واللياقة في المدارس الأميركية. # أما أم حنا، فكانت أزلق من زوجها باللغة الإنكليزية؛ ولهذا مال الأولاد إليها دون ~~أبيهم، بل كانوا يخجلون أن يدعوا له أولادا، وأكثر ما كان خجلهم عندما الأولاد في ~~الشوارع يعرفون أنهم سوريون، وكانوا إذا رأوا من أبيهم شيئا لا يرضيهم يشتمونه بكلمة ~~«سوري»، أما هو فظل ممسكا غيظه حتى عيل صبره، وأما الأم فكانت تأخذ جانب ~~الأولاد، وأحيانا تبكي من قهرها وتحنو عليهم وتلاطفهم، وهم رويدا رويدا شعروا بميلهم ~~إلى هذه المرأة التي فيما بعد شعروا بميلهم إليها كأم لهم، أما أبوهم فما كانوا إلا ~~ليزدادوا نفورا عنه وابتعادا، كأنه غير أبيهم. # وساءت الحال في عائلة أبي حنا، فأصبحت حزبين متناكفين الأب من جهة والأم والأولاد من ~~جهة ثانية، فلدى كل وقعة كان الصياح يتعالى لأن أبا ms106 حنا لا يعجبه إلا الطعام العربي ~~والأولاد يحنون إلى «الستيك والهام والرستو إلى ما شاكل»، والأم ميلها ميل زوجها، ~~ولكنها كانت تساير الأولاد وتعنف الأب، داعية إياه «فلاحا»، ولم يزل كذلك حتى في ~~أميركا بلاد التمدن والحضارة. أما أبو حنا فكان يتساءل في نفسه ما عساه يا ترى ~~يفعل بنفسه ليخلص من جهنم البيت، فكانت أحيانا تشير عليه أن يترك عاداته، ويتلقن من ~~أولاده العادات الأميركية؛ لأنهم متعلمون متهذبون، فكان يجيبها ويجيب نفسه هازا ~~رأسه: «عندما كبر وشاب حطوه بالكتاب.» # وازداد سوء الحال حتى أصبح أبو حنا مكروها من الأولاد والأم بسبب الشجارات إلى حد ~~أنهم ما كانوا ينامون ليلة بملء جفونهم، والحقيقة أن الأم المسكينة كانت أتعسهم؛ فإنها ~~كانت بين ويلين عظيمين، واختارت الوقوف بجانب فلذات أكبادها، تاركة زوجها المسكين يعاني ~~أمر ضروب المعيشة، فلا هو يفهم الأولاد ولا الأولاد يفهمونه، حتى اضطر أخيرا أن ~~يهجر البيت دون أن يودع عائلته؛ تخلصا مما كان فيه من الحالات. # في إحدى مدائن أميركا العظيمة شوهد أبو حنا لابسا طقما أبيض، رافعا عصا كبيرة وفي ~~رأسها ضمة من القش الطويل، وأمامه علبة ذات دولابين يسوقها بيده اليسرى، وكان الشاهد ابن ~~بلده الذي احتضنه وعائلته في الأسبوع الأول لوصوله إلى نيويورك، وعندما رآه قال ~~مترددا: «هذا أبو حنا، والله هذا هو ... ألست أبا حنا؟» ~~- نعم يا صاحب، كيف الحال؟ ~~- ما لك؟ وماذا تعمل ها هنا؟ وأين أم حنا والأولاد؟ ~~- تعلم يا صديق أني جئت بأم حنا وحنا إلى هذه البلاد، وقد صار عندي أربعة أولاد ~~غير حنا في هذه السنين، وكنت قد خجلت أن أخبرك لدى وصولي إلى أميركا أني لم أر فيها ~~ما كنت أعلل نفسي به؛ فقد كنت آمل أن أكنس كم سلة من الذهب من الشوارع، ولكن ... ~~- ماذا صار لك؟ ~~- جئنا لنكنس الذهب فضيعنا المرأة والأولاد، وصرنا نكنس الوسخ والأقذار ... # | مدرسة الغربة # «أهل بلادنا مساكين، متأخرون بكل شيء، ولولا الغربة لكانوا لا يفرقون عن أهل أفريقيا، ~~الغربة علمت أكثرهم وفتحت ms107 بصائرهم، فصاروا يعرفون ما هي الدنيا.» # هذه بعض عبارة طويلة قالها إلياس شدراوي في حضرة جمهور من المواطنين في إحدى قهوات ~~السوريين، وكان الحديث عن تذكارات عنت لبعضهم في الوطن، ولما أراد واحد منهم أن يرد ~~عليه قائلا إنه في الماضي كانت حال السوريين في سوريا كما ذكر، ولكن منذ عشرين سنة - أي ~~بعد أن هاجر إلياس شدراوي من سوريا - امتلأت بالمدارس، فصار الأهلون هناك يعرفون كل شيء، ~~وهم لذكائهم الفطري صاروا أبرع من الأوروبيين والأميركان بكل شأن. # أما إلياس الشدراوي فلم يقتنع بهذا الرد بل نشل النرييج من فمه، فخال الحاضرون أنه ~~سل من فمه أسنانه وقال: «في بلادنا لا يزالون يعتقدون أن شوارع أميركا مرصوفة بالزجاج، ~~وأن المرء يستطيع أن يحفر أينما كان فيجد الذهب بكثرة، وكثيرا ما نسمع أنهم يعتقدون ~~بغرائب الأمور في أميركا، ونحن قد صار لنا عشرات السنين فيها لم نر أثرا لذلك.» # أما الذي فتح باب الاعتراض على حديث إلياس الشدراوي؛ فقد أقفله بنهوضه ومغادرته ~~الجماعة بعد أن قال: «هذا كله مضى عهده من زمان، والآن حانت ساعة الصلاة لقداس الأحد، ~~نهاركم سعيد جميعا.» # ذهب المعترض تاركا في القوم حديثا عن سوريا والسوريين لا يلتئم، وكلما أراد أحدهم ~~جمعه في نقطة يظهر غيره فيشعبه إلى جهات عديدة حتى ضاعت الطاسة بينهم، وبعد ساعتين ~~تماما - أي قرب الظهر - كان الحديث قد انتقل منهم من معارف السوريين بالمقابلة بينها ~~وبين معارف المهاجرين إلى مصر والمصريين والحكومة الإنكليزية وحادثة عرابي وشئون عديدة، ~~والحديث كما يقولون شجون. # لا أزال أذكر ذلك الاجتماع الوطني، وقد مضى عليه أكثر من عشر سنوات في مدينة بعيدة عن ~~نيويورك، وقد أوقعتني رحلاتي في تلك القهوة صبيحة أحد من الآحاد، فجلست إلى طاولة أمتص ~~القهوة، وأسمع من بعيد حديث القوم لأقتل الوقت الفارغ، ولما لم أكن أعرف أحدا منهم ~~جلست غير مشترك بالحديث أتسلى بما أسمع إلا أن تفرع الطرق التي سلكوها في أحاديثهم، ~~قاد عيني إلى النعاس فصرت أكبو دقيقة ولما يطرق ms108 رأسي بالحائط أصحو، ثم يعود بي حديثهم ~~إلى طرقة ثانية، وكثيرا ما هممت بالرحيل، ولكني لم أجد في قوة كافية على النهوض؛ ~~وبالتالي كنت غريبا في تلك المدينة، وليس لي من مكان أذهب إليه إلا تلك القهوة ~~والنزل الذي نزلت فيه؛ ولهذا وقعت إرادتي تحت كابوس النعاس فلبثت كمن في حلم مزعج، ~~يشاهد أدوارا غريبة، فيقول في نفسه: قد أكون في حلم. فيجهد قريحته في معرفة ما إذا كان ~~في حلم أم في يقظة. # وفيما أنا بمثل ما ذكرت من الحالات إذا بيد هزت كتفي، فانتبهت مذعورا، وإذا بصديق ~~تعرفت عليه من سفرة ماضية، فقال لي: «أتنام في الصباح، اصح يا فلان، واخلط نفسك بين ~~الإخوان فتتسلى، وتقصي عنك النعاس.» # قال هذا وتقدم نحوي فوضع فمه على أذني، وقال لي: «ها هنا رجل غريب في أطواره يدعي ~~معرفة كل شيء، وهو يجهل القراءة والكتابة، وما أحاديثه وتدخله في كل موضوع إلا فكاهة لمن ~~يسمع، فانتبه قليلا؛ فإني سأثير ثائر أخلاقه، وأجعله يدخل موضوعا غريبا، مؤكدا أنك ~~ستنشق من الضحك.» # وصاح صديقي الذي استأنست به كثيرا بالخادم، طالبا فنجاني قهوة لي وله، وكنت فعلا ~~قد انتبهت وطار من عيني كل أثر للنعاس، أما صديقي فدخل في حديث القوم قائلا: «بأي ~~شيء تتحدثون؟»، فأجابه إلياس شدراوي: «كان الحديث عندما دخلت عن الحكومة الإنكليزية في ~~مصر و«داعيك» كنت أحكي لهم عما اختبرته بنفسي في ذلك القطر بعد حادثة عرابي؛ فإن ~~الإنكليز استعملوا الشدة الهائلة فيه حتى استطاعوا أن يجعلوه جنة عدن.» # ومن الغرائب أن هذا الرجل كان يحكي بلغة سوريا عندما ابتدأ قبل أن نعست؛ لأن الكلام كان ~~عن سوريا، وأما الآن فلما صار الكلام عن مصر صار يتكلم بلغة المصريين ولهجتهم؛ ولهذا ~~أنصت إلى حديثه أيما إنصات لأعرف كيف ينتهي وبأية اللغات، زد على ذلك ما أخبرني عنه ~~صديقي من أنه آية من آيات الدهر بالتحشر في كل شأن وموضوع. # أما خطابه فكان طويلا جدا، وقد لذ لي تعرجات حديثه؛ فطورا كان ms109 يلم بسياسة ~~مصر فينتهي بالفراعنة القدماء ، وطورا يتجه نحو الاحتلال الإنكليزي فيذيله بحادثة ~~مكتبة الإسكندرية على عهد عمر بن الخطاب، وكل ذلك بلغة المصريين ولهجتهم كأنه خلق في ~~مصر وجاء منها في ذلك اليوم. ولا أطيل على القارئ فأذكر كل ما سمعت مما كان يضحك كثيرا، ~~بل أقتصر على آخر حكاية أوردها المذكور قال: «في مصر يدفع كل محكوم عليه بالشنق جنيها ~~مصريا ثمن الحبل، ولا قوة تحت الشمس تخلصه من هذه الضريبة.» # ضريبة ما أنزل الله بها من سلطان، ولكن إلياس شدراوي يحكي للقوم اختباراته في تلك ~~البلاد، وأنا ككل من كان حاضرا تنسمت هواء مصر وأنا في الباخرة، عندما رست في مياه ~~الإسكندرية أثناء قدومي إلى هذه البلاد؛ ولهذا سكت متعجبا إلا أن أحد القوم لم تهضم ~~معدته هذه القصة، فسأل المتكلم بملء العجب وقال: «ولكن إذا لم يكن مع المحكوم عليه ثمن ~~الحبل فماذا يصنعون به؟»، أما إلياس شدراوي فأجابه في الحال بلغة أهل مصر: «لا ~~يشنقوهوش.» # ولا تسل أيها القارئ كيف انتهت الجلسة؛ فإن الضحك كاد يحدث شللا في أحناك كل سامع، ~~ومن الجملة أنا وصديقي، ولما أفقت وأفاقوا وضعت يدي على رأسي كمن كان في عالم الغيبوبة، ~~وقلت لصديقي أن يأذن لي بالانصراف إلى النزل، فرافقني إليه وعلى الطريق أخبرته أن أول ما ~~سمعت إلياس شدراوي في أول التئام الجلسة كان قوله عن جهل السوريين الفاضح بما يعتقدون ~~وجوده في أميركا، وأنه كان يبرهن لسامعيه أن الغربة هي التي أنارت بصائر البعض منهم، ~~وكيف انتهى في ذكر حكايته الأخيرة، مدعيا أنها من اختباراته الشخصية. # قلت هذا وودعت الصديق صاعدا سلم النزل، أما هو فأجابني: «نشكر الله أن حكايته ~~كانت من اختباره الشخصي، فلو أنها بالسمع كما يسمع السوريون في سوريا عن أمجاد أميركا ~~ويبالغون فيها لكان المحكوم عليه بالإعدام في مصر يشنق الخديوي مكانه إذا أبى دفع ثمن ~~الحبل.» # | في الدرجة الثانية # كثيرون من الناس لا يعرفون لماذا عيسى الباشق لم ينجح في هذه البلاد ms110 مع أنه هاجر سوريا ~~وهو في التاسعة عشرة من عمره، شاب قوي الإرادة جميل الطلعة، ذكي الخاطر متوقد ~~الذهن، يحسن ثلاث لغات قراءة وكتابة، وقد كان الأول من بني جنسه الذين وصلوا إلى ~~أميركا بالدرجة الثالثة من البواخر، أما هو فقد ركب الدرجة الثانية ولبس البرنيطة منذ ~~ودع أهله في بيروت إلى الباخرة. # والحق أن نيويورك شاهدت بعيسى الباشق أول شاب سوري عليه مسحة التمدن الظاهري، ~~وفيه كنه الأدب الداخلي، ولكنه - يا للأسف - هو اليوم ابن خمسين سنة ولا يزال في الحالة ~~التي قدم بها من بلاده منذ ثلاثين سنة ونيف. # يعزو الناس عدم نجاح المذكور إلى أمور كثيرة، ولكنها عند العارفين ليست بالأسباب ~~الحقيقية التي دعت إلى فشله. # سله اليوم يجبك أنه لم يفشل، لا بل العكس قد نجح نجاحا باهرا، ولكنه لم يأكل ثمار ~~نجاحه؛ إذ سرقت منه تلك الأثمار أيادي طماعة. # يقول إنه كان سببا لنجاح فلان الفلاني وفليتان الفليتاني وغيره. أولئك اليوم من كبار ~~التجار، أما هو فمن الناس الزاهدين بالدنيا والآخرة، لا يهمه من أمر الناس شيء، كأنه ~~من الناس بغير روح، وكأنه ناس أنه من الناس بطرق معاملاته. # وحقيقة الحال أنه في اليوم الذي وصل به عيسى إلى نيويورك شمر عن ساعد الجد وطفق يقرن ~~قوة إرادته إلى ذكائه واجتهاده، يعمل في النهار وبعض الليل؛ ليحصل ما أمله من النجاح ~~في بلاد النجاح، ولكنه كان يخفق في حين أن أعماله تزهر وتثمر فتتناول أثمارها أيدي ~~الغير، ويبقى المسكين على الحصيرة لا طويلة ولا قصيرة. # بعد وصوله بأيام جاءه دعيبس بن الأسمر من بلده، وعرض عليه شأنا إذا سارا فيه يقتادان ~~به الثروة الكبيرة في المستقبل غير البعيد، دعيبس رجل قضى بضع سنوات يبيع المسابح والصور ~~المقدسة في نيويورك وما حولها، وقد جمع بصنعته مبلغا كبيرا من المال بالربح ~~والتقتير. هذا عرض على عيسى أن يفتحا محلا تجاريا في نيويورك يضع دعيبس رأس المال ~~وعيسى يبذل خبرته، وفي آخر العام تشطر الأرباح بينهما، وهي فكرة ms111 حسنة دخلت لساعتها إلى ~~عقل عيسى ، فأبرما الشركة، وما هي إلا أيام قلائل حتى باشرا العمل تحت اسم د. أسمر ~~وشركاه. # حاول عيسى أن يدحش اسمه في اسم الشركة، ولكنه لم يستطع لعناد شريكه، وخاف أن تنفرط ~~الفكرة، فرضي قانعا بالأرباح في المستقبل عن أن يشهر اسمه، وعبثا جرب أن يقنع شريكه ~~أن العمل والخبرة مثل رأس المال، وأن الربح لا يأتي به رأس المال وحده إذا ما قرن ~~بالعمل والخبرة، ولكن عيسى أخيرا قال: «إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون.» # تأسس محل د. أسمر وشركاه على أساس مكين، وقد بذل مديره وأحد أعضائه عيسى الباشق كل ما ~~أعطاه الله من المواهب العقلية والاجتهاد النفسي لينجح الشركة، ويجعلها من أكبر ~~المحال التجارية في القريب العاجل، أما شريكه فكان يأمل أن يبلع نيويورك دفعة واحدة ~~دون أن يصرف في سبيل بلعته ريالا واحدا. وهذا أول موضوع للخلاف بين الشريكين؛ لأن عيسى ~~كان يفتكر أن يؤسس المحل في السنة الأولى على دعائم الثقة والإعلان؛ ولهذا لم يكن ~~ليبخل في أمر من الأمور يقتضي فيه البذل، أما شريكه فكان يقف عثرة في سبيله، غير ~~مقتنع ببرهان عيسى؛ لأن البذل التجاري في اعتقاده ليس إلا تبذيرا، وأن الربح في ~~الاقتصاد، فكل سنت توفره تربحه كما يقول المثل الأميركي. # وهكذا قضى دعيبس معظم السنة الأولى مجتهدا عاملا، باذلا قصاراه مرتقا ما كان ~~يفتقه شريكه بشحه وبخله، وكثيرا ما كان يبذل من جيبه الخاص على أمور تخص المحل؛ ~~لئلا يثير ثائر شريكه حتى مضت السنة الأولى، فكان مجموع ما صرفه موازيا حصته في ~~الأرباح، أما أرباح دعيبس فكانت إملاء من كوز الأرملة عذراء طاهرة لم تمسها يد، وقد ~~ذهل شريكه عيسى أيما ذهول لهذا الأمر، ولما سأله من أين كان يصرف على نفسه، أجابه: ~~أنه كان «يمضيها هنا وهناك.» # في رأس السنة الجديدة جاء دعيبس إلى مكتب عيسى، وقال إنه يفتكر بحل الشركة، فواحد ~~منهما يشتري حصة الثاني. # وما كان عيسى يعلم السبب الداعي ms112 شريكه إلى حل الشركة بالرغم من نجاحها في بدء تأسيسها ~~ونجاح شريكه بالربح الذي ضمه إلى رأس ماله الخاص، مع أنه هو المسكين نفسه اشتغل وشقي ~~وبذل كل ما كان بوسعه على أمل أن تزداد الأرباح في السنوات المقبلة أضعافا، فيكون له ~~رأس مال مذخور. # ومن المضحكات أن عيسى أعيى عن إقناع شريكه أن تظل الشركة، وأن انحلالها بعد سنة يقلل ~~الثقة بها، وأن بقاءها أربح للاثنين، وأن المأمول أن تزداد أرباحهما أضعافا في السنين ~~القادمة؛ لأن ما مضى لا يدعى زمن تجارة وربح بل زمن تأسيس ومباشرة، وعندما قال له: إذا ~~كان لا بد من القسمة، فهو يشتري المحل، أجابه دعيبس بقوله: مليح، أعطني ثمن ~~حصتي! # ومن أين لعيسى ثمن حصة شريكه؟ ولكن عيسى نفسه فهم معنى القسمة التي يريدها شريكه؛ ~~ولهذا ضحك ضحكة صفراوية ممزوجة بألم ويأس وقال له: أما أنا، فإذا بعتك حصتي فماذا ~~تدفع لي عنها؟ # فأجابه: أدفع لك بقدر ما لك في الدفتر وحبة مسك. # فقال عيسى: هذا في الشرع عدل، فإذن أعطني مالي في الدفتر كفاية تبقى حبة المسك، فهذه ~~من فضلك وكرم سجاياك، وأنا ممتن لك من هذا السخاء، وتناول عيسى الدفتر فضرب على اسمه ~~وأخذ قبعته، وسار نحو الباب، وقبل أن يخرج تطلع إلى وجه شريكه زاورا وقال له: ~~خاطرك يا دعيبس؛ فقد انتهى ما بيننا الآن، وأما حبة المسك فلا حاجة لي بها، فخلها في ~~شواربك. # في اليوم التالي كان محل د. أسمر وشركاه فاتحا بابه كالعادة، وعوضا عن مدبره وأحد ~~أعضائه عيسى الباشق كان جالسا فتى يشتغل في الدفاتر بأجرة ثمانية ريالات في ~~الأسبوع. # ولماذا يشرك دعيبس غيره على ربح ماله في حين أنه يستطيع أن يستأجر فتى بأجرة زهيدة يقضي ~~محل الشريك. # أما عيسى فاتفق مع محل سوري آخر يمثله بالمساطر في الداخلية، فأظهر - بادئ ذي بدء - ~~قوة غريبة في كسب الزبائن لمحله الجديد، حتى صارت مداخيل المحل خمسة أضعاف الماضي، ولكنه ~~في آخر السنة عاد إلى نيويورك للحساب ms113 فرحا بنجاحه، وآملا بزيادة التقدم في السنوات ~~الآتية؛ لأنه اعتبر تلك السنة زمنا للتأسيس، فكان يبني آماله للغد، وعندما جلس ~~«السلزمان» مع «الباظ» للحساب رأى منه كل تساهل وغيرة، وفي الحال رصد صاحب المحل حساب ~~عيسى بحوالي مالية قدرها ثلاثمائة ريال، مع قوله له إنه يعز عليه كثيرا أن يصرفه، ~~ولكنه مدفوع لذلك بعامل الخوف من المستقبل؛ ولهذا يرى أن يخفض المصاريف دفعا ~~للمحاذير. # وعبثا حاول عيسى إقناع «باظه» بأن خوفه لا محل له، وأن المستقبل يبسم لهما عن نجاح ~~أكيد، ولما أعيى تناول برنيطته، واستلم الباب يبحث له عن عمل في محل آخر. # واتفق عيسى اتفاقات عديدة مثل اتفاقه الآنف مع بيوتات سورية عديدة، كان في نهاية كل سنة ~~يزيد في أرباح المحل، وهو يخرج قانعا بالسلامة حتى مل العمل، ويئس من النجاح، فلاذ ~~إلى المسكرات والقمار، وهو لا يزال يعمل يوما فيكسل شهرا إلى هذا الحين، والناس ~~يتعجبون لحاله، ويسندون فشله إلى أمور هو بعيد عنها بعد الأرض عن السماء. # صادفته مرة في إحدى القهاوي، فملت إليه أحادثه في أمور هذه النزالة، ففتح إلي جعبة ~~أسراره وقال: يظنني الناس غير ناجح. ولعمري، إني أسست في السنة الأولى محل د. أسمر ~~وشركاه فأكل ثمرة أتعابي فتى استأجره دعيبس بثمانية ريالات في الأسبوع؛ إذ لم يمض عليه ~~إلا أشهر قليلة حتى سرق المحل، وزور على صاحبه حوالات بأكثر من نصف رأس المال، ~~فاضطر المحل إلى الإفلاس، وأما الفتى فقد صرف المال على البنات، وبعدما قضى سنتين ~~في الحبس صادفته في الشارع، فأقر لي أنه سرق مضطرا؛ لأن المعاش لم يكن وافيا. # وقال لي أيضا: إن المحل الثاني الذي كسب له زبائن عديدين اضطر إلى الإفلاس بعد ~~سنتين؛ لأن زوبعة مالية هبت في أسواق أميركا، فأثرت عليه لفرار أكثر الزبائن بالديون ~~التي عليهم. # وعد أمامي محال عديدة، قال إنه وضع أساسها التجاري على صخر، فكان لا يكاد ينهي ~~الأساس حتى يرغم على الترك، وما كان يغضبه بالأكثر أنهم لا يبنون على ms114 تلك الأسس القويمة ~~إلا بنايات من لبن بدل الحجر. # مسكين عيسى الباشق! الناس تظن أنه سكير ومقامر وكسلان، ويقولون عنه: «القامة مصقولة ~~والجيبة ما فيها فولة.» والحقيقة أنه رجل طبخ فأكل غيره، وزرع فحصد سواه، وهو يقول إن ~~أميركا ليست للذين يهاجرون إليها بالدرجة الثانية أو الأولى، ولا الذين يعرفون القراءة ~~والكتابة واللغات، إنها لغيرهم؛ للتجار بالصدفة والقدر! # | خبزك بعرق جبينك # ثوماس كاربنتر أمي، يجهل القراءة والكتابة بأية لغة من لغات العالم، ولكنه بالرغم ~~من ذلك يشتري جريدة من جرائد البلاد صباحا لدى ذهابه إلى عمله، ويطويها طيات فيدحشها ~~في جيبه ويسير إلى عمله، وتبقى معه حتى يذهب إلى سريره للنوم؛ إذ ذاك يرمي بها إلى السلة ~~أو من النافذة إلى الشارع. # وثوماس كاربنتر ليس بالإنكليزي الأصل ولا بالأميركي، بل هو سوري ابن سوريين من سلالة ~~السوريين، ولكنه هكذا دعا نفسه بعد سنة من وجوده في أميركا، أما اسمه الأصلي فكان طنوس ~~نجار. # هاجر طنوس وهو في العشرين من عمره، وقد وضعته الأقدار في قرية من قرى ولاية فرمونت، وهو ~~لا يزال هناك حتى هذه الساعة يشتغل بالبيع بالجزدان، وقد كان في السنوات الأولى يسترزق ~~من عمله في أحد المصانع الحديدية. # في السنوات الأولى المذكورة إذ كان حضرته لا يزال طنوسا ابن النجار، كان لا يريد أن ~~يعرف من أميركا إلا سحب المصاري، فكلما توفر لديه كم ريال يذهب إلى سوري أخبر منه ~~في ذلك البلد فيساعده على إرسال مبلغ من الريالات إلى أبويه، وظل هذا دأبه يشتغل ~~فيساعد ذويه حتى مل العمل في المعمل؛ إذ كان يرى بعض باعة الجزدان تسوقهم الأسفار إلى ~~ولاية فرمونت، فيحسدهم على معاشهم وحياتهم، فكان يرى نفسه أجيرا وسخ الثياب والهيئة ~~أمام غناهم وحسن هندامهم، فلعبت برأسه سورات الطموح إلى مصافهم، وظل يعالج هذا ~~الهم ويغالبه حتى فاز بما كان يتمناه، فترك المعمل ومشاقه، غانما نحو مائتي ريال ~~ليبدأ بالبيع، ويستلم معارج التقدم. # أول طموح طنوس نجار إلى الارتقاء كان بشيئين؛ أولا: تغيير اسمه، ms115 وثانيا: بمشترى طقم ~~جديد من القدم إلى الرقبة. # ومن ذلك اليوم لفظ الطموح الخواجة طنوس نجار المستر ثوماس كاربنتر، وهو لا يزال كذلك ~~إلى يومنا الحاضر. # وكتب مستر كاربنتر إلى أهله أنه تقدم في حياته، وأن الفابركة ليس منها مطمع، فالتجارة ~~أربح له وأحسن لمستقبله، وأنه ابتدأ يتدرج بأدوارها، فهو قد ابتدأ يبيع بالجزدان، وإن ~~شاء الله بعد مدة وجيزة يصير صاحب مخزن. # وفي حاشية على زاوية الرسالة، أملى حضرته على الذي كان يكتب له رسالته أن اسمه المعروف ~~من الآن فصاعدا صار ثوماس كاربنتر. # لما وصل كتاب هذا المهاجر إلى أهله فرحوا لنجاحه أيما فرح! ولكنهم كانوا يبالغون ~~بالإخبار عنه حتى إن أمه كانت تحمل تغيير اسمه من عربي إلى إنكليزي إلى أن نجلها صار ~~أميركيا بكل معاني الكلمة. ولكنهم ما لبثوا أن اغتموا لنجاحه؛ لأن ما اعتادوه منه ~~بإرسال دراهم إليهم كل وهلة قد انقطع عنهم، فكانوا يظنون أن ذلك طبيعي لتأسيسه تجارته، ~~فكانت رسائل أبيه إليه تحمل شيئا من الشكوى للحالة التي يعانيها بسبب قلة ذات اليد، ~~فكان يكثر من الأدعية بتوفيقه بأن يمسك التراب فينقلب إلى ذهب، ثم يسأل الله أن يدب ~~الحنو في قلبه؛ لئلا ينسى أبويه الذين ما لهما غيره من بعد الله تعالى. # كانت المهنة الجديدة التي ابتدأ بها المستر كاربنتر شاقة عليه بادئ ذي بدء؛ فإن الأيام ~~الأولى لم تدر عليه ربحا البتة؛ ولهذا كانت العوامل العديدة تتنازعه أيعود إلى ~~الفابركة التي ربحه مسوكر فيها، أم يظل يمرن نفسه على أساليب البيع بالرغم من أنه لم ~~«يسنس» في الأيام الأولى؟ # إلا أنه لا بد للمسافر من الوصول إلى محطة. فبيعة أولى جاءته بربح كام ريال، وهذا ما ~~شجعه على المثابرة، فتلتها ثانية وثالثة، وصار له زبائن يعرفهم ويعرفونه، وصار يعرف ~~الأصناف الأكثر رواجا من غيرها، وطلب السعر الغالي ليحصل على الربح القليل إلى ما ~~هنالك. # ولا حاجة إلى القول إن أرباح المستر كاربنتر كانت أكثر من الأجرة التي كان يتناولها في ~~الفابركة، ms116 إلا أنه كان يشعر أن مصاري الفابركة فيها بركة أكثر، وكان يحس أن أرباح ~~الجزدان تطير من حيث لا يدري؛ لأن البيع يحتاج إلى لياقة وحسن هندام وهدايا للصانعات ~~وغير ذلك كثير، ومع هذا ظل بمهنته لأنه اعتادها وأحبها، ولم يعد مجبورا على سماع ~~تنبيه الساعة الدقاقة عند الساعة الخامسة صباحا، بل صار ينهض من النوم ضحى كل يوم، ~~وإذا كان الطقس رديئا كان يبقى في غرفته متكاسلا، فتارة كان يقوم بضائعه ويعد ~~أرباحه، وتارة يخاطب بالتلفون بعض زبائنه فيبرم معهم مواعيد لعرض بضائعه عليهم. # في السنوات الأولى - بارك الله بها - كانت رسائل طنوس نجار تذهب بكل بوسطة إلى أهله، ~~أما بعده فصار ثوماس كاربنتر يجيب على عشر رسائل من أبيه دفعة واحدة، معتذرا أنه يجهل ~~الكتابة، وليس من يكتب له رسالته إلا كل مدة، وفي رسائله الأولى كانت الحوالات المالية ~~بالكميات الصغيرة متتابعة، أما بعدها فصارت الحوالات قليلة جدا ونادرة. # في سنوات النكبة التي حلت على سوريا كان المستر كاربنتر يعلل نفسه بالآمال، فكان ~~يظن ألا مهرب لعائلة أبيه من الفناء جوعا، وقد توجع أولا لحالتهم، وتفطرت ~~كبده إلا أن الأيام محت منه هذه العاطفة، ورسخ بعقله أن عائلته لا أمل لها بالخلاص؛ ~~ولهذا كان يرقب نهاية الحرب وانفتاح الطريق؛ ليأخذ أول باخرة إلى لبنان فيلملم رزقات ~~أبيه، ويضع الدار والأرض والكرم كلها باسمه، وهذه لولا المجاعة كان يجب أن تذهب مقسمة ~~إلى ستة؛ لأنه واحد من ستة من أولاد أبيه. # بقي المستر كاربنتر على أمله أربع سنوات كاملة، وأبوه وأمه وأخوته الصغار كلهم في عداد ~~الأموات بعقله. فكان إذا ذكر أحدهم يقول عنه: المرحوم فلان، كأنه تناول نعيهم تماما؛ ~~ولهذا كان يقول في نفسه: الحي أفضل من الميت. وهو يعني بالحي نفسه وبالميت كل واحد من ~~عائلته. # والسبب في أنه لا يزال مقيما في ولاية فرمونت إلى اليوم مع أن كثيرين من المهاجرين ~~يعدون بالألوف ركبوا البحر إلى سوريا، وهو الذي كان يعلل نفسه بانتهاء الحرب ليأخذ ~~أول ms117 باخرة تنقل ركابا من نيويورك إلى سوريا عن طريق فرنسا أو إيطاليا أو إنكلترا هو ~~أنه تناول بعد شهر من الهدنة كتابا من المرحومين في عقله: أبيه، وأمه، وإخوته الصغار ~~كلهم بعثوا أحياء من النكبة الدابرة، وفيه يخبره أبوه بأنهم باعوا كل شيء حتى أثاث ~~البيت؛ ليحافظوا على حياتهم، ولو تأخر الحلفاء أسبوعا واحدا لذهبوا جميعا ضحايا ~~الجوع، ثم إن أباه يشكر الله أن ابنه في أميركا؛ ولهذا تمكن أن يستدين من الجيران ~~مبلغ مائة ليرة بعدما باع كل شيء على أمل أن ابنه طنوس في أميركا يفيها لدى فتح ~~الطريق. # لا يزال إلى اليوم يشتغل باجتهاد ليساعد أهله كما كان يوم كان طنوسا يعمل في الفابركة، ~~وإذا ذكر أمامه شيء عن النكبة في سوريا يكذبها حالا، ويلعن الجرائد التي نقلت أنباء ~~المجاعة إلى المهاجرين، مع إنها اختلاق محض؛ حتى إنه يوم اجتمع بصديق له في بلد آخر فعلم ~~منه أنه مات من أهله عشرون شخصا، وأن الضيعة فقدت تسعين بالمائة من سكانها حاول ~~المستر كاربنتر إقناع صديقه أن كل ما بلغه كذب واختلاق من الجرائد بشهادة أن أهله هو ~~نفسه لا يزالون أحياء. # ولما اجتمع بصديق له آخر تناول حديثهما أخبار البلاد، فقال إنه مبسوط جدا أن أهله ~~ظلوا أحياء، وإنه مستاء جدا من صديقه الأول؛ لأنه ذاهب إلى لبنان ليرث أهله، كأنه ~~طلبها في السماء فوجدها على الأرض أن يموت أهله ليرثهم، وليس من يقاسمه التركة من ~~إخوانه، وأنهى حديثه بقوله: إن الإرث لا خير فيه، وإن على المرء أن يتمتع بما تجني يداه، ~~فخير ما يأكله الإنسان ما كان معجونا بعرق جبينه. ms118