######OpenITI# #META# URI: 1382TahaCabdBaqiSurur.Ghazali.Hindawi27427314 #META# Tags: biographies #META# ID: 27427314 #META# Title: الغزالي #META# AuthorID: 13753183 #META# Author: طه عبد الباقي سرور #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # عصر الغزالي‏ # نشأته وحياته‏ # هل للمعرفة طريق باطنية غير الحواس الخمس؟‏ # الغزالي والتصوف‏ # الصراع بين الغزالي والفلاسفة‏ # الغزالي ينشد الحق ولا يتقيد بالمذاهب‏ # جهاد الغزالي‏ # دستور الغزالي الخلقي‏ # الغزالي وصلات الرجل بالمرأة‏ # رسالة العلم وآداب المتعلمين‏ # القدرية والتوكل‏ # الغزالي وتفسير القرآن‏ # الغزالي بين أنصاره وخصومه‏ # مجدد القرن الخامس‏ # عصر الغزالي‏ # نشأته وحياته‏ # هل للمعرفة طريق باطنية غير الحواس الخمس؟‏ # الغزالي والتصوف‏ # الصراع بين الغزالي والفلاسفة‏ # الغزالي ينشد الحق ولا يتقيد بالمذاهب‏ # جهاد الغزالي‏ # دستور الغزالي الخلقي‏ # الغزالي وصلات الرجل بالمرأة‏ # رسالة العلم وآداب المتعلمين‏ # القدرية والتوكل‏ # الغزالي وتفسير القرآن‏ # الغزالي بين أنصاره وخصومه‏ # مجدد القرن الخامس‏ # | الغزالي # | الغزالي # تأليف # طه عبد الباقي سرور # | عصر الغزالي # كان القبس الإلهي الذي أضاء الجزيرة العربية في منتصف القرن السادس للميلاد أكبر بعث فكري ~~عرفه التاريخ. # فقد أضيف به إلى التراث الإنساني مادة سماوية امتزجت بالقلوب والعقول والأرواح امتزاجا ~~أنساها الدنيا هنيهة؛ فأقبلت على هذا القبس تستلهمه وتسترشده وتبصر الدنيا على هداه. # وهيمن هذا القبس هيمنة تامة على مقومات الحياة في المجتمع الجديد؛ فمن هذا القبس كان ~~التفكير، وكانت طرائق البحث والجدل. # واندفع هذا الشعاع الإلهي يقيم حضارة روحية معطرة القلب والفكر والعمل بعطر ديني خالص على ~~سواه من أنفاس الحياة وبواعثها. # وحمل بدو الجزيرة هذا القبس إلى العالم، يزاحمون برايته مناكب أمم أشد قوة وبأسا، وأعرق ~~حضارة وغرسا. # ثم هدأت فورة البدو، وانتشر الشعاع مشرقا ومغربا، ودانت بالنور أمم وشعوب تهافتت على ~~المورد العذب تنهل وتتعلم، ثم تحمل الراية. # ثم قامت الدولة العباسية في المشرق فكانت عجبا؛ كانت انقلابا كاملا للمجتمع الجديد: ~~فهي دولة عربية اللسان، فارسية اللون، عالمية التفكير، كانت انقلابا جديدا ووجها جديدا ~~للحضارة الإسلامية والتفكير الإسلامي، فإن كان عصر الأمويين عصر قرآن وتسليم وإيمان، فقد ~~كانت عصرا عربيا خالصا. # أما هذا المجتمع العباسي، فهو مزاج عجيب من أمم شتى، تجمعها عقيدة واحدة، وتفرقها ~~ألوان من التفكير، وألوان من التاريخ، وألوان من الحضارات، وألوان من الوراثات. # وابتدأ هذا المجتمع الجديد يجذب ms01 إليه العقول من أطراف المشرق، تهرع إليه لتهتدي بهدي ~~قرآنه، أو لتلتمس العيش في آفاقه ورحابه. # فلم يكن بدعا أن يتفجر من هذا المجتمع أعجب مزاج فكري في تاريخ الفكر والإنسان، ابتدأت ~~أقلام العلماء من أبناء فارس والروم واليهود تنقل كنوز الفرس والإغريق والهنود في سرعة ~~وحماس، يزكيهما إقبال الجماهير وتأييد الولاة، كما ظهر على أطراف الحياة الإسلامية فلاسفة ~~إسلاميون تتلمذوا على اليونان والإغريق، وأضافوا إلى تراثهما المعارف الإسلامية ~~الجديدة. # وامتد تأثير هذا البعث السريع المتلاحق إلى الحياة الفكرية عامة؛ فترك طابعه على الآداب ~~العربية، كما تأثر به رجال الفقه والرواد الكلاميون، فإن المعتزلة - وهم طلائع الكشف الفكري ~~في الإسلام - يدينون لفلسفة اليونان بأكثر ألوان الجمال المشعة في منطقهم وحججهم. # ثم تلا عصر الترجمة عصر تلاطمت فيه المعارف الجديدة؛ فنشأ عنها وجوه مبتدعة من التفكير ~~والبحث والتأمل، وتميز العصر الجديد بسماحة كاملة وحريات تامة، عصر انتفت منه العصبية ~~الفكرية الحساسة الغيور، وسادته إباحة مشرقة تشعر بحاجتها إلى الاستزادة من المعارف، ~~وتحس ظمأ ملحا إلى تلك الآفاق المجهولة التي تتفتح أمامها من مشارق الأرض ~~ومغاربها. # فما انتصف القرن الخامس الهجري، أو ما يسمونه بالعصر العباسي الثالث، حتى كانت الدولة ~~العباسية أمة مترفة الفكر، مترفة المزاج، مترفة البحث الحر. # كان للعصر العباسي الثالث طابع الإسراف في التفكير وجموح الخيال؛ بل لقد انقلبت وجوه ~~الإسراف إلى بلبلة عجيبة وعرض عجيب للملل والنحل والمذاهب. # مجتمع عجيب! امتلأت حقائب تاريخه بمئات من الشيع والفرق والمذاهب الدينية والفلسفية ~~والكلامية؛ حتى لقد أصبح لكل لسان ذرب مذهب خاص به، ولكل قلم ممتلئ أمة فكرية ~~تتبعه. # كان العلماء فيه أشبه بالثوار في عصور الفوضى، في كل قرية ثائر، وفي كل طريق فارس ملثم أو ~~سافر. # وكان لا بد لتلك الأمواج من المذاهب والنحل والشيع أن تطغى وأن تثور، وكان لا بد ~~لها أن تتقاتل وتتطاحن، وكان لا بد لها أن تملأ الدنيا دويا وزلزالا، ومن ثم شهد ~~هذا المجتمع أعنف حرب فكرية في التاريخ. # وهل هناك من عجب ms02 إذا رأينا سلطان الدين يضعف ويتوارى؟ وهل هناك من عجب إذا رأينا ~~المذاهب الفلسفية تسود، ورأيناها أيضا تجمح وتغرق في سبحات فكرية عجيبة الألوان والظلال، ~~وتأملات روحية غريبة شاذة متنافرة غير متماسكة. # وأحس رجال الدين بالخطر، وأحسوا أكثر من ذلك بأن سلطانهم الديني مهدد بالزوال؛ بل لقد ~~شاهدوا تاج القداسة يفارق رءوسهم في قفزة سريعة ليختال في نوره رجال لا يعترف رجل الدين إلا ~~بزندقتهم، رجال في طليعتهم الفارابي وابن سينا، ومن شبه الفارابي وابن سينا. # أحس رجال الدين بالخطر؛ فأشعلوا أصابعهم نارا، وأطلقوا أقلامهم بروقا، ولكن النار ~~نالت منهم أكثر مما نالت من خصومهم، ولعل من أكبر أسباب الفشل في ثورتهم ما كانوا فيه من ~~تفرق، وما كان بين طوائفهم من خصومة ولدد، فقد كان لكل منهم عصبية وأنصار، وكان هؤلاء ~~الأنصار يتطاحنون ويتمزقون؛ فالحنفية تناهض الشوافع في المشرق، والمالكية تطرد ولا تطيق ~~سواها في المغرب والأندلس، والحرب غير خافية بين الأشعرية والمعتزلة، وبين الباطنية ~~والسنة. # وفي هذا المحيط الغريب الثائر، وبين تلك الحرارة العلمية نشأ الغزالي؛ فكانت نشأته على ~~هامش بركان، وكانت معارفه ملتهبة حارة؛ لأنها ولدت بين اللهب. # درس الغزالي كل ما في عصره من خير وشر، ولم يهيئ نفسه في مطلع حياته لفن من الفنون؛ ~~بل اندفع في زحام الفكر جبارا متوغلا غير هياب ولا متحفظ. # ثم انطوى على نفسه، وقد شك في حقيقة كل علم، كما شك في أهداف الفرق والنحل ~~والمذاهب. # شاهد الغزالي أن الإسلام قد انتقل من القلوب إلى العقول، فانقلب إلى ملاحاة منطقية ~~لفظية، ومجادلات فقهية جامدة. # كما شاهد المذاهب السياسية وقد تقنعت بستار الفلسفة تارة وبستار الدين تارة أخرى، فإن ~~خلصت من هذا وذاك فهي لم تخلص تماما من ميراث اليونان الوثني، أو من سبحات الأفكار ~~المضللة. # فأرسل الغزالي صيحة قديمة جديدة؛ قديمة لأنها صحية الإسلام في الجزيرة العربية منذ ~~قرون، وجديدة لأنها دوت في مجتمع أوشك - وقد غرق في بحور الجدل والسفسطة - أن ينسى رحيقه ~~الأول. # كانت قوة الغزالي التي ms03 خلدته كحجة للإسلام، أنه استطاع أن يقف تلك التيارات المتدافقة ~~من المحاورات الفلسفية والمناظرات الجدلية والمنازعات الفقهية، وأن يجعل القوة الإسلامية ~~المناهضة لتلك الزوبعة تتركز فيه، وتتمثل في تعاليمه وصيحاته المستمدة من الكتاب ~~والسنة. # كان أشبه بزعيم وطني نبت في شعب ممزق متخاذل واهي الروح؛ فوحد صفوفه، وجدد روحه، ~~وأحيا إيمانه. # | نشأته وحياته # هو أبو حامد محمد بن محمد بن أحمد الغزالي، جادت به الحكمة الخالدة في مطلع عام خمسين ~~وأربعمائة للهجرة، وتسع وخمسين وألف ميلادية، ببلدة طوس من أعمال خراسان، من أصل ~~فارسي. # وكان والده فقير اليد غني الروح، يكسب قوته من مغزله، ومن قيامه بخدمة رجال الدين ~~والفقهاء في مجالسهم وخلواتهم. # وقد حاول بعض المستشرقين وفي طليعتهم العالم الألماني «وستنفليد» أن يثبتوا أن أسرته من ~~أسر العلم الشوامخ، ولكن الحقائق التاريخية لم تذكر لنا دليلا واحدا يجرؤ على الثبات، ~~ولم تحدثنا عن ماضي تلك الأسرة شيئا يطمئن إليه النقد العلمي. # ولا يحدثنا التاريخ كثيرا عن والده، ولا يروي لنا من صفاته إلا ذلك الإجلال العظيم الذي ~~كان يملك حواس ذلك الوالد حيال رجال الدين والعلم، حتى إذا سمع واعظا أو فقيها تضرع إلى ~~ربه أن يرزقه ابنا خطيبا واعظا أو عالما متعبدا. # ولعل هذا الإحساس الملح، والرغبة النفسانية العنيفة في اكتساب المجد العلمي وتقديس الثوب ~~الديني، قد ورثهما الغزالي عن والده، وإنما في صورة أخرى، فقد أتيح للولد ما لم يتح ~~للوالد، ولعلنا في هذا الضوء؛ نستطيع أن نفهم النهم العجيب في الغزالي، الذي كان يدفعه ~~في إلحاح وإصرار إلى الاستزادة من العلوم والإقبال على المعارف. # ومات هذا الوالد، والغزالي وشقيقه أحمد في مدارج الطفولة الأولى، فتعهدهما رجل صوفي ~~فقير من أصدقاء والدهما الذي لم يترك لهما إلا صبابة من المال ضئيلة، ولم يترك للصوفي إلا ~~وصية واحدة هي قوله: «كانت أمنيتي في الحياة أن أتعلم الخط، فأريد منك أن تحقق أمنيتي في ~~نجلي هذين»، وقد بر الصوفي بتلك الوصية؛ فاهتم بهما علما وخلقا، حتى نفدت صبابة ~~المال ms04 التي تركها والدهما؛ فضاقت يده عن طعامهما والإنفاق عليهما فقال لهما: # اعلما أنني أنفقت عليكما ما كان لكما، وأما أنا فرجل من الفقر والتجريد؛ بحيث لا ~~مال لي فأواسيكما وأصلح حالكما، فما لكما ألا تلجآ إلى مدرسة، فإنكما طالبان للفقه ~~عساه يحصل لكما مقدار قوتكما. # 1 # حتى كان الغزالي يقول كلما عاودته تلك الذكرى: «طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا ~~لله.» # وقضى الغزالي فترة في إحدى مدارس العلم الديني في بلدته، قرأ الفقه خلالها على: «أحمد ~~بن محمد الطوسي»، ثم جنحت به نفسه إلى الاستزادة من العلوم، فهاجر إلى جرجان إلى الإمام ~~العلامة «أبي نصر الإسماعيلي». # وفي جرجان ابتدأ الغزالي يكتب ما يتلقى من علوم أستاذه، ولكن يظهر أنه لم يستفد عقليا ~~مما كتب أو استمع؛ بل كان يقرأ أو يكتب في نهم وسرعة دون عناية بالفهم والهضم؛ يدل على ذلك ~~تلك القطعة الطريفة الساذجة المكتوبة بقلمه في اعترافاته التي أسماها: «المنقذ من الضلال»، ~~والتي تدل على تلك الفترة من حياته قال: # قطعت علينا الطريق، وأخذ العيارون جميع ما معي ومضوا، فتعقبتهم، فالتفت إلي ~~مقدمهم، وقال: ارجع ويحك! وإلا هلكت. فقلت له: أسألك بالذي ترجو السلامة منه أن ~~ترد علي تعليقتي فقط، فما هي بشيء تنتفعون به. فقال لي: وما هي تعليقتك؟ فقلت: ~~كتب في تلك المخلاة هاجرت لسماعها وكتابتها، ومعرفة علومها. فضحك، وقال: كيف عرفت ~~علمها، وقد أخذناها منك فتجردت من معرفتها وبقيت لا علم؟ ثم أمر بعض أصحابه فسلم ~~إلي المخلاة، فتركت تلك الحادثة في نفسي أثرا كبيرا، وقلت في نفسي: هذا مستنطق ~~أنطقه الله؛ ليرشدني به في أمري. فلما وافيت طوس أقبلت على الاشتغال ثلاث سنين حتى ~~حفظت جميع ما علقته، وصرت بحيث لو قطع علي الطريق لم أتجرد من علمي. # وتلك القطعة التصورية من قلم الغزالي تدلنا على صفة كان لها أكبر الأثر في إعداده ~~ورسالته، وهي تأثره العجيب بالجانب الديني الصوفي من الحياة، فهو يرى في جواب قاطع الطريق ~~رسالة سماوية ونطقا ربانيا ms05 لإرشاده في أمره وطرق تعليمه. # عاد الغزالي من جرجان إلى طوس، وانقطع انقطاعا تاما - كما يقول - إلى العلم ثلاث ~~سنوات؛ حتى حفظ جميع ما درس، واستوعب ما قرأ، بحيث لو قطع عليه الطريق، وسرق ما معه لم ~~يتجرد من العلم والمعرفة. والعلم في نظر الغزالي كان خلال تلك المدة غير واضح المعاني، ~~غير واضح الأهداف؛ فهو يدرس ويحفظ على طريقة عهده كتب الدين وآراء المذاهب والفقهاء؛ ليكون ~~يوما ما من رجال التدريس أو القضاء، أو قد يسعده الزمان فيلتحق ببطانة عظيم أو أمير أو ~~سلطان. # ولكن تلك الروح العظيمة التي أعدت لغير ما يعدها صاحبها لم تقنع بما وصلت إليه ~~من دراسات، ولم تطمئن إلى ذلك اللون من التعليم، بل لم تقنع بما ألقي إليها من يقين؛ إذ هي ~~تنشد معاني أخر، وتلتمس بابا إلى النور لم يزل خافيا. # وضاقت معارف طوس بالغزالي، كما ضاق بها؛ فرحل إلى نيسابور، إحدى مدن العلم والنور في ~~عهده، وهناك اتصل بإمام الحرمين أبي المعالي الجويني علم عصره في التوحيد والإلمام بمذهب ~~الأشعرية، وطرق الجدل والأصول والمنطق. # وفي نيسابور ابتدأت خطوط تلك النفس العظيمة تتكون وتتضح، وابتدأت آفاق الغزالي تتفتح ~~وتتسع، فهو يشاهد فيها دنيا جديدة ومجتمعا جديدا مزدحما بأنفاس العلماء، كما هو مزدحم ~~بأنفاس الحياة. # وفي نيسابور ابتدأ إيمان الغزالي بعلم الفقه يضعف، كما أخذ إجلاله للعلماء يتضاءل، فهو ~~يدرس ويستمع إلى آراء المذاهب، ويعجب لتفرقها وتخاصمها، كما يعجب لطرائقها في البحث والجدل، ~~ويعجب أكبر ما يعجب لخلولها من الروح والإيمان. # وفي نيسابور شاهد الغزالي ولامس أخلاق العلماء والفقهاء؛ فإذ هي ضروب عجيبة من الرياء ~~والنفاق، وألوان مبتكرة من الجشع والتهالك على متاع الحياة، فشك الغزالي في أخلاقهم كما ~~شك في علومهم، وبذلك انتهى إيمانه بالعلم التقليدي، فأقبل على الفلسفة ينشد لديها ~~الإيمان، ويرجو عندها متاع العقل والقلب والروح. # ولكن الفلسفة خذلته أكثر مما خذله العلم التقليدي؛ فهو ينشد إيمان الروح، إيمان القلب، ~~والفلسفة وإن أرضت العقل الحر أو العقل المعتز بنفسه، أو ms06 العقل الذي لا يطيق الخضوع ويتعالى ~~بالكبرياء؛ فهي لا ترضي القلب الذي ينشد السلام، ولا ترضي الروح التي تنشد الاطمئنان، ~~فأضاف الغزالي شكوكا جديدة في الفلسفة إلى شكوكه القديمة في العلوم التقليدية. # وبذلك تحرر الغزالي من كل قيد فكري، كما تحرر من كل قيد يقيني؛ فانطلق حرا طليق الفكر، ~~ينشد الهداية بين المذاهب والنحل، ويتلمسها في الشك تارة، وفي التأملات الغامضة أخرى، غير ~~مثقل العقل بميراث يقيده، ولا مشغول اليدين بعلم خاص يجله ويكبره. # وأمسى الغزالي وأصبح، فإذا به المتهكم الأكبر في جيله، وعرفته محافل العلم أستاذا ~~بارعا متعمقا في كل بحث، مغرما بالمجادلات والمناقشات، ومغرما أشد الغرام بالتحطيم ~~والتجريح، فلم يغادر مذهبا من المذاهب لم ينقضه، ولم يدع فرقة من الفرق بدون تجريح ~~وإيلام. # وقد أوتي أسلوبا بارعا، وقلما ساحرا وعرضا عبقريا، وتلك أسلحة فكرية رهيبة عظيمة ~~الخطورة إذا وضعت في يد متهكمة مغرمة بالقتال والصيال، مغرمة بالبحث والجدال علها ترضي ~~صياح الشك في أعماقها، أو ترضي الظمأ إلى اليقين في روحها. # فلا عجب إذا رأينا ملاحم متتابعة متلاحقة شديدة الأوار تنشب بين الغزالي وجيله، وهي ~~ملاحم أضافت إلى التراث الفكري كنوزا من المعرفة لا يزال شعاعها واضح النور ~~والسناء. # طريقته في القراءة والبحث # ونحن ننقل من كتابه «المنقذ من الضلال» قطعة توضح تلك الفترة الثائرة من حياته، وتهدي ~~إلى طريقته في دراساته للمذاهب، ومهاجمته للنحل والأفكار والعقائد، قال: # ولم أزل في عنفوان شبابي منذ راهقت البلوغ، وقد أنافت السن الآن على الخمسين، ~~أقتحم لجة هذا البحر العميق، وأخوض غمرته خوض الجسور لا خوض الجبان ~~الحذور، وأتوغل في كل مظلمة، وأتهجم على كل مشكلة، وأتقحم كل ورطة، ~~وأتفحص عقيدة كل فرقة، وأكشف أسرار مذهب كل طائفة. # لا أميز بين محق ومبطل، ومتسنن ومبتدع، لا أغادر باطنيا إلا وأحب أن ~~أطلع على بطانته، ولا ظاهريا إلا وأريد أن أعلم حاصل ظهارته، ولا فلسفيا ~~إلا وأقصد الوقوف على كنه فلسفته، ولا متكلما إلا وأجتهد في الاطلاع على ~~غاية كلامه ومحاولته، ولا ms07 صوفيا إلا وأحرص على العثور على سر صوفته، ولا ~~متعبدا إلا وأترصد ما يرجع إليه حاصل عبادته، ولا زنديقا إلا وأتجسس وراءه ~~للتنبه إلى أسباب جرأته في تعطيله وزندقته، وقد كان التعطش إلى درك حقائق ~~الأمور دأبي وديدني من أول أمري وريعان شبابي، غريزة وفطرة من الله وضعت في ~~جبلتي لا باختياري وحيلتي. # تلك هي صورة الغزالي العالم الباحث، وذلك هو الوجه الذي عرف به في نيسابور التي ~~ارتبط فيها بصداقة روحية مع أستاذه إمام الحرمين، حتى رشحه ليقوم مقامه في ~~التدريس. # ولكن أستاذه وصديقه لم يلبث أن انتقل إلى الرفيق الأعلى، ففارق الغزالي نيسابور حزين ~~القلب والروح، فارق الغزالي نيسابور، وقد فقد الشعاع الروحي الأخير الذي كان يحبسه عن ~~المغامرة الكاملة في الحياة، فارقها إلى بغداد؛ ينشد فيها مجد الدنيا ومتاع الروح، ~~وليقارن فيها حظه بحظوظ العلماء والدارسين. # الغزالي ينشد متاع الحياة # كانت حياة الغزالي منذ شعاعها الأول حياة فكرية خالصة، حياة عازفة عن الجاه ومتاع ~~الحياة، وكانت نهاية تلك المرحلة أيامه الأخيرة في نيسابور. # وها نحن أولاء نشاهده في طريقه إلى بغداد، يحدث نفسه بوداع حياة واستقبال أخرى، فهو ~~لم يلق في حياته الأولى سوى عذاب فكري متلاحق، بل لم ينعم ولم يذق إلا مرارة المعارك ~~والخصومات الحارة بأحقادها ومتاعبها، ولم يمتع إلا بلقيمات غير دسمة ولا سائغة. # فكر متوثب ملتهب لا يهدأ ولا يطمئن ولا يشعر بلذة اليقين، وعلم لم يكسب صاحبه ما ~~يكسبه العلم لأهله في عهده من متاع الحياة ومباهج السيادة والحكم، فلم لا يقذف ~~بكل هذا وجه الفضاء؟ وإذا كان هذا الفكر الملح في شكه، الملح في ثورته، الملح في ~~تهكمه لا سبيل إلى إمتاعه وإرضائه، فإن قسوة الحياة يمكن أن تبدل بطيب المتاع وجمال ~~المظهر، وعزة الاتصال بالولاة وما فوق الولاة من الأمراء والملوك. # وبغداد في ذلك التاريخ مهوى أفئدة رجال العلوم، ومهوى أفئدة طلاب المغامرة وعشاق ~~المجد، وفي بغداد يسوس الملك مغامر عالم «نظام الملك» الذي ابتدع المدارس ~~النظامية، وأسسها على علوم ms08 السنة ؛ لينافس بها أزهر الفاطميين، وليطاول بها علوم الشيعة ~~التي تلقى في أزهرهم. # ومثل هذا الأمير في حاجة إلى عالم متفوق بارع في الجدل، بارع في الخصومة، بارع في دعم ~~الحجج والبراهين براعته في نقض الحجج والبراهين. # والغزالي اللماح يدرك مطلب الأمير، ويدرك ما يمكن أن يظفر به لدى الأمير. # ولذا فقد اعتزم أن يكون مقدمه ضخما فخما لا ينسى، واعتزم أن يطلع الأمير في ~~اللحظة الأولى على مقدار نبوغه وبراعته في الحوار والجدل، وتفوقه في المذاهب ~~والنحل. # الغزالي ونظام الملك # جاء في كتاب المقفى: # فلما مات أبو المعالي خرج الغزالي قاصدا نظام الملك، وناظر الأئمة والكبار ~~في مجلسه، وقهر الخصوم، وظهر كلامه على الكل، واعترف بفضله الخاص والعام، ~~وتلقاه نظام الملك بالقبول، وأحله محل النفوس، وأجله إجلال الرءوس، ثم ~~ولاه التدريس بمدرسته النظامية ببغداد، وأمره بالتوجه إليها؛ فقدم بغداد سنة ~~أربع وأربعمائة وهو في الرابعة والعشرين من عمره. # إلى أن يقول: # ثم درس بالنظامية، فأعجب الكل بحسن كلامه، وكمال فضله، وعبارته الرشيقة، ~~ومعانيه الدقيقة، وإشاراته اللطيفة، ونكته الظريفة. # وفي بغداد تمتع الغزالي بما اشتهى من جاه ومال وسيادة، وأحله نظام الملك مكانا ~~عليا، واتسعت حلقات دروسه، واشتهر بفتاواه الشرعية البارعة، وابتدأ في تأليف كتبه ~~التي سيخلد بها. # وقد كان لنظام الملك تأثير بعيد المدى على الغزالي، فنظام الملك صوفي شديد التعلق ~~بالصوفية، شديد التعصب لمبادئهم وطرائقهم، مسرف أشد الإسراف في البذل عليهم وإعداد ~~التكايا لهم. # حتى ليواجه الخليفة بتلك القولة الغريبة، وهو يعاتبه لإسرافه في النفقة عليهم وإهمال ~~الجيوش: «لقد أقمت لك عبادا بالليل، لو صاحوا لزلزلت الدنيا بخصومك ومادت الأرض ~~بهم.» # كان لنظام الملك فضل توجيه الغزالي إلى التصوف والصوفية، وقد كان شديد الخصومة لهم ~~شديد الإسراف في نقدهم، فاندفع الغزالي كعادته يبحث كتبهم، ويغشى مجالسهم، بل ويشترك ~~في حلقات ذكرهم، ولكن تلك المبادئ السمحة لم تقنع الغزالي، بل لم تستطع أن تنزع ريشة ~~واحدة من طائر الشك المحلق في رأسه؛ # 2 # فأعرض عنها كما أعرض عن العلوم ms09 التقليدية والفلسفية من قبل. # وظن أصدقاء الغزالي وأعداؤه معا أنه قد بلغ الغاية من السعادة؛ فقد حقق لنفسه ~~منتهى آمال أمثاله من رجال الدين والتدريس. # فهو صديق الأمير وعالمه، كما يتولى التدريس في أكبر جامعة علميه في عصره، له فيها ~~المكان المرموق والكلمة العالية، وأصبحت حلقات درسه ملتقى الأمراء والوزراء والعلماء، ~~وغدت فتاويه أشبه بالفرمانات الملكية؛ حتى ليستأذنه الأخفيش في غزو الأندلس، كما يطلب ~~فتواه في جواز توليته ملك الأندلس مع المغرب وتلقبه ب «أمير المؤمنين». # وفي هذا الجو الساحر الزاخر بمتع الحياة وسيادة الفكر، وبين تلك المكانة العليا التي ~~غدت للغزالي في العالم الإسلامي من بغداد إلى تخوم الهند وسواحل المحيط الأطلسي، كان ~~الغزالي يتعذب ويتألم، ويشقى شقاء لا يعرفه إلا العلماء، ولا يتصوره إلا رجال ~~الفكر. # كان لهب الشك يحرقه في صمت، وكان تعطش روحه العميق إلى الإيمان يفسد عليه متع ~~الحياة. # وكان الغزالي كثيرا ما يحاور نفسه ويجادلها، ويقلب أفكاره ويفندها، ويختلي ~~بقلبه يسأله الإيمان بعد أن أضله العلم والعقل، فلا يسمع من قلبه جوابا، ولا يرى في ~~حياته للأمل بابا. # وإذ به فجأة ينقطع عن الدرس والفتيا؛ وإذ به فجأة يلازم الفراش لغير علة واضحة، وإذ ~~به يجافي الطعام، وينعقد لسانه عن الكلام، وإذ بقوة هضمه تبطل، وإذ به في حالة ذهول ~~كامل حار فيها الأطباء، وعجز العلم عن توضيحها وتعليلها. # حتى إذا يئس طبيبه من أمر مرضه، قال: هذا أمر ينزل في القلب، ولا رجاء في حياته إذا ~~لم يتغلب على مشاغل نفسه، ولم يخفف وطأة إجهاد ذهنه. # ولكن هذا المريض الفاقد للحركة وشهوة الطعام والكلام ينهض فجأة إلى الحج، ثم إذ به ~~يعلن للدنيا اعتزاله التدريس ومظاهر الحياة وانقطاعه لعبادة الله. # أسباب عزلته بقلمه # يقول الغزالي في كتابه «المنقذ من الضلال»، موضحا هذا الصراع الخالد: # فلم أزل أتردد بين تجاذب شهوات الدنيا ودواعي الآخرة قريبا من سنة، ~~وأخيرا جاء دور العمل، وجاوز الأمر حد الاختيار إلى الاضطرار، وقد قفل الله ~~لساني حتى اعتقل عن ms10 التدريس، فكنت أجاهد نفسي أن أدرس يوما واحدا تطيبا ~~لقلوب المختلفين إلي، فكان لا ينطلق لساني بكلمة ولا يستطيعها ألبتة، ثم ~~أورثت هذه العقلة في اللسان حزنا في القلب بطلت معه قوة الهضم حتى قطع ~~الأطباء طمعهم من العلاج، وقالوا: هذا أمر نزل بالقلب ومنه سرى إلى المزاج، ~~فلا سبيل إليه بالعلاج إلا بأن يتروح السر عن الهم الملم. # ثم لاحظت أعمالي؛ فإذا أنا منغمس في العلائق وقد أحدقت بي من جميع الجوانب، ~~ولاحظت أعمالي وأحسنها التدريس والتعليم، فإنما أن معتقل على علوم غير مهمة ~~ولا نافعة في طريق الآخرة. # ثم تفكرت في نيتي في التدريس؛ فإذا هي غير خالصة لوجه الله تعالى، بل ~~باعثها ومحركها طلب الجاه وانتشار الصيت؛ فتيقنت أني على شفا جرف هار، ~~وأني قد أشفيت على النار إن لم أشتغل بتلافي الأحوال. فلم أزل أتفكر فيه مدة ~~وأنا بعد على مقام الاختيار، أصمم على الخروج من بغداد ومفارقة تلك الأحوال ~~يوما، وأحل العزم يوما، وأقدم فيه رجلا وأؤخر أخرى، لا تصدق لي رغبة في ~~طلب الآخرة بكرة، إلا ويحمل عليها جند الشهوة حملة فتفترها عشية؛ فصارت ~~شهوات الدنيا تجاذبني بسلاسلها إلى المقام، ومنادي الإيمان ينادي: الرحيل ~~الرحيل، فلم يبق من العمر إلا القليل، وبين يديك السفر الطويل، وجميع ما أنت ~~فيه من العلم والعمل رياء وتخييل، فإن لم تستعد الآن للآخرة فمتى تستعد؟ وإن ~~لم تقطع الآن هذه العلائق فمتى تقطع؟ فعند ذلك تنبعث الداعية وينجزم العزم على ~~الهرب والفرار. # ثم يعود الشيطان ويقول: هذه حالة عارضة، إياك أن تطاوعها فإنها سريعة ~~الزوال، فإن أذعنت لها وتركت هذا الجاه العريض، والشأن المنظوم الخالي عن ~~التكدير والتنغيص، والأمن السلم الصافي عن منازعة الخصوم ربما التفت إليه ~~ولا يتيسر لك المعاودة. # فلم أزل أتردد بين تجاذب شهوات الدنيا ودواعي الآخرة، قريبا من ستة أشهر؛ ~~أولها رجب سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، وفي هذا الشهر جاوز الأمر حد ~~الاختيار إلى الاضطرار. # ثم يقول: # ولما أحسست بعجزي وسقط بالكلية اختياري التجأت ms11 إلى الله التجاء المضطر ~~الذي لا حيلة له، فأجابني الذي يجيب المضطر إذا دعاه، وسهل علي الإعراض عن ~~الجاه والمال والأولاد والصحاب، وأظهرت عزم الخروج إلى مكة، وأنا أدير في نفسي ~~سفر الشام؛ حذرا أن يطلع الخليفة وجملة الأصحاب على عزمي في المقام في ~~الشام، فتلطفت في الخروج من بغداد على عزم ألا أعاودها أبدا. # إذن؛ فالغزالي يجعل اعتكافه لأسباب نفسية غامضة وسبحات دينية غير واضحة، أنقذه الله ~~منها إلى الهداية والتوفيق. # ولكن العلامة ماكدولاند - المستشرق الذي تخصص في دراسة الغزالي - يقول: إن هذا ~~الاعتكاف يمت بأسباب وثيقة إلى الحياة السياسية المعاصرة له، ويستدل على ذلك ~~بحادثتين. # هل هناك أسباب سياسية؟ # لا ريب أن الغزالي باعتباره من أكبر رجال «الفتيا» في عصره قد ساهم بعض المساهمة في ~~أحداث الدولة السياسية، لا سيما وعصره من العصور المضطربة التي ساهم فيها الفقهاء ~~والقضاة مساهمة كبرى في الأحداث السياسية. # وقد ذكر ابن خلدون في مقدمته أن يوسف بن تاشفين أمير المغرب بعد أن أعان سادة الأندلس ~~على قهر «ألفونس» ملك قشتالة طمع في الأندلس، فألحقها بملكه بعد استفتاء علماء ~~العالم الإسلامي فأفتوه بحقه في ذلك، ومنهم الغزالي، بل لقد أفتوه أيضا بجواز تلقيب ~~نفسه ب «أمير المؤمنين»، وفي هذا إغضاب؛ أي إغضاب لسادة بغداد! # ويذكر ماكدولاند أيضا أن الخليفة المستظهر أمره بأن يضع كتابا يرد به على ~~الباطنية، حينما وضحت أهدافهم السياسية، فنادوا بفكرة «الإمام المعصوم» على طريقة ~~الشيعة. # وقد اعترف الغزالي بأنه هاجمهم مكرها؛ لأنه تلقى أمر الخليفة فلم يسعه مدافعته، ~~ثم قيل بعد ذلك بأن ما كتبه أغضب الخليفة؛ لأنه كان أقرب إلى تأييد الباطنية من ~~مهاجمتهم وتفنيد مذاهبهم! # ولكن اعتراف الغزالي لا يرضي النقد العلمي في توضيح أسباب عزلته، كما أن رأي ~~العلامة ماكدولاند لا يلقي ضوءا كافيا يستريح إليه ضمير الباحث الذي يتحرى الحقائق، ~~إلا إذا كانت ترضيه دعوى بعض علماء عصره بأن ما حدث للغزالي إنما هو عين أصابت الإسلام ~~فيه. # الدوافع الحقيقية لعزلته # فهل حقيقة أن الغزالي ms12 اعتزل التدريس لأنه - كما يقول - لم تكن نيته فيه خالصة ~~لله، بل باعثها ومحركها طلب الجاه وانتشار الصيت؟ أم أنه اعتزل التدريس والحياة ~~لتحول وجه الخليفة عنه بتحيزه إلى يوسف بن تاشفين أمير المغرب؟ # إننا في حاجة إلى كثير من السذاجة لنصدق الغزالي؛ إذ يقول في سذاجة إنه ترك ~~التدريس؛ لأن نيته فيه غير خالصة لوجه الله، وإنما باعثها ومحركها طلب الجاه وانتشار ~~الصيت. # وهل هناك نفس بشرية تجردت تجردا كاملا من هذا الباعث والمحرك، أو تحاسب على هذا ~~الباعث والمحرك؟ وما معنى أن نيته فيه لم تكن خالصة لوجه الله؟ هل أجبر الغزالي ~~على أن يلقي دروسا معينة تتعارض مع روح الإسلام؟! # وإذا لم يكن هذا، فما معنى هذا الكلام الغريب الساذج؟ وهل إذا ترك الغزالي التدريس ~~يكون ذلك مبررا لتركه الحياة واعتكافه؟ # فإذا أعرضنا عن هذا ونظرنا أو صدقنا العلامة ماكدولاند في أن عزلته كانت سياسية، ~~فإن الأسباب التي ذكرها لا تبرر اعتكاف الغزالي، بل إصراره على الاعتكاف طوال ~~حياته. # إن اعتكاف الغزالي كان باعثه تلك المعركة المشبوبة بين إيمانه وشكه، وهي معركة ~~لعبت في حياة الغزالي وتفكيره دورا خطيرا فاصلا. # شك الغزالي في كل علم درسه، شك في قيمة العلوم كما شك في مظاهر الحياة ~~وأهدافها وغايتها، شك في كل ما يقع تحت الحس وفي كل ما يثبته العقل، شك حتى في ~~تفكيره! ثم التمس الهداية عن طريق الحواس والعقل، ونشدها في كل أفق شاهد فيه الضياء ~~والنور، أو خيل إليه أن فيه الضياء والنور. # ولنا أن نسأل هل شكوك الغزالي طارئة؟ وهل حقيقة أن الشك لم يظفر بقلبه إلا في ~~المدرسة النظامية؟ وهل حقيقة أنه اعتزل الطعام والكلام لأنه وجد نيته في التدريس غير ~~خالية من حب الشهرة والمجد؟ # عراقته في الشك # إن نظرة إلى حياة الغزالي ترينا أنه عريق في الشك؛ فهو يحدثنا أنه كان في مطالعاته ~~يخوض بحور العلم خوض الجسور لا خوض الجبان الحذور، وأنه كان يتوغل في كل مظلمة، ~~ويتهجم على كل ms13 مشكلة، ويتفحص كل عقيدة، لا يميز بين محق ومبطل، ومتسنن ومبتدع، لا ~~يغادر باطنيا إلا ويحب الاطلاع على مبادئه، ولا ظاهريا إلا ويريد الإحاطة بآرائه، ~~ولا زنديقا إلا ويتجسس على ألوان زندقته، ولا متعبدا إلا ويجتهد في تفهم دوافع ~~عبادته، كل ذلك منذ شبابه. # أليست هذه أكبر آيات الشك؟ وأليست هذه نذر عدم الإيمان أو الاطمئنان إلى مذهب من ~~المذاهب أو لون من الألوان؟ # وقد أخطأ كثير من مؤرخي الغزالي حينما ظنوا أن فترة الشك إنما ظفرت بقلبه وهو ~~يدرس في المدرسة النظامية، وأنه قد وثب من الشك إلى التصوف وثبا، ويستدلون على هذا ~~بأن كتب الغزالي التي كتبها قبل ذلك التاريخ قد خلت من جموح المتشكك، ووثبات عدم ~~الإيمان. # ويقولون أيضا: إن عصر الغزالي كان من أكبر عهود الشك والتلون في التاريخ؛ فليس ~~ثمة من تقاليد أو رهبة تمنع الغزالي من المجاهرة بشكه في مثل هذا المحيط، وهو الجريء ~~المتوثب. # ويظنون بهذا أنهم قد أقنعوا أنفسهم وأقنعوا التاريخ معهم. # فلو تأملنا قليلا في كتبه التي كتبها في تلك الفترة لرأينا عجبا! لرأينا الغزالي ~~المؤمن فيما يظهر، هو أكبر شاك فيما يبطن. # ومن يقرأ مقاصد الفلاسفة يلمح من بين سطوره أن الغزالي يكتب ليقنع نفسه؛ ولهذا فهو ~~يجمع شتيتا من حجج الفلاسفة ويعرضها ويبسطها ويتلاعب ويفتن في تصويرها وتلوينها، وكأنه ~~يتغزل فيها ويناغيها. # وقد عرف عنه هذا في ردوده على الباطنية؛ فقد عمد إلى توضيح مذاهبهم تمهيدا ~~لمهاجمتهم، ولكنه كان في توضيح مبادئهم أكثر منهم أنفسهم بيانا وفصاحة وإغراء في عرض ~~حججهم وإبراز قوة الإقناع فيها. # فلما هاجمهم لم يغن عنه هذا شيئا في اتهامه بالميل إليهم والمحبة لهم. # ومن يقرأ تهافت الفلاسفة يلمس أنه كتب أولا وقبل كل شيء ليرضي شكوكه، فهو يهاجم ~~الفلسفة في عنف وفي حرارة، ويجمع في يديه جميع الأسلحة الفكرية التي يؤمن بها والتي لا ~~يؤمن؛ ليحطم الفلسفة ومذاهبها ودعاتها، بل ليحقر من شأنها، ولينال من أفكارها وطرقها ~~العقلية في إصرار وعناد. # ثم من يقرأ ms14 كتبه المعاصرة لهذا التاريخ يرى تباينا عجيبا في آرائه، فهو يهاجم ~~الفلاسفة محتجا بآراء المعتزلة والأشعرية، ويهاجم المعتزلة محتجا بأهل السنة، ويهاجم ~~رجال الفقه محتجا بالتصوف. # وإذن؛ فالغزالي عريق في الشك، أو على الأقل لم يهب نفسه لفكرة واحدة، ولم يستأثر ~~بقلبه إيمان معين. # ولكن الغزالي امتاز بين المتشككين بأنه نشد الهداية في صدق وحرارة، وتلمسها راغبا ~~حقا في الظفر بها، كان يشعر بحنين ملح إلى الاطمئنان واليقين، يطاول تلك الرغبة ~~الملحة في الشك والجدل. # ومرجع هذا أن الغزالي كان يلتقي في قلبه خليط من شكوك عقله بخليط من إيمان قلبه؛ ~~فقد كان عقله أدنى إلى عقول العلماء الذين لا يؤمنون إلا بالمنطق وحقائق الموازين ~~العلمية، بينما كانت روحه أدنى إلى أرواح الزاهدين العابدين. # ومن هنا نفهم السر في الصراع المشبوب أبدا بين روحه وعقله، ومن هنا ندرك السر في ~~أنه كلما اشتدت به ثورة الشك كان يأخذه المرض حتى يعجز عن الطعام والكلام. # وقد ثارت به في المدرسة النظامية عندما بلغ غاية عليا بين العلماء ورجال المال ~~والجاه رغبة ملحة إلى الإيمان، كما ثارت به ثورة من الشك حارة قاسية. # الأولى تذكره بالآخرة ونعيمها ورضاء الله وجلال القرب منه، وتذوق رحيق الرضا ~~والسلام واليقين. # والثانية تمنيه وتعده بالجاه والمال والتفوق العلمي ولذة النصر في ميادين الجدل ~~والحوار، وتنذره أنه قد يفارق كل هذا، ويحرم من كل هذا؛ فيشقى ويتألم، ثم يحاول الرجوع ~~فلا يستطيع؛ فيفقد الراحتين ويحرم اللذتين. # وتردد الغزالي طويلا بين تجاذب شهوات الدنيا ودواعي الآخرة، حتى فقد إرادته وأضاع ~~اختياره، وأصبح ألعوبة لأفكاره وأهوائه. # احترق الغزالي في تلك الفترة بهلب الحيرة والشك وتلاطم الفكر، وحيرة العقل والقلب ~~والحس، حتى سرى الأمر من الروح إلى الجسد؛ فأمسك لسانه، حتى فقد الكلام، وأورثه ذلك ~~حزنا في القلب بطلت معه قوة الهضم. فقال الأطباء: هذا أمر نزل بالقلب ومنه سرى إلى ~~المزاج، فلا علاج إلا بزوال علته الذهنية والفكرية. # وفي تلك الظلمات وبين النار والدخان، والنور الذي يلوح من وراء ms15 الأفق التجأ الغزالي ~~إلى الله؛ يطلب النجدة، ويطلب الإيمان، وينشد اليقين والسلام، فأجابه الذي يجيب المضطر ~~إذا دعاه، وأراه من الأسرار ما سهل عليه الإعراض عن الجاه والمال والأصحاب. # الهداية # فارق الغزالي بغداد، بل فارق حياته الأولى بشكوكها العقلية الملحة، ومتاعبها ~~الدنيوية، وملاذها الجسدية؛ ليستبدل بالشك إيمانا ثابتا لا تجرؤ عليه الشكوك أو ~~الخيالات، وبدنيا القراءات والمجادلات دنيا من تأملات الفكر وكشف الروح، وبمتاع الجسد ~~متاعا علويا. # فارق الغزالي بغداد؛ لينطلق سائحا في أحلامه وتفكيره، وليبتدع ما شاء له الإلهام ~~من تراث خالد. # فارق المنصب الرفيع، والعيش الهنيء؛ للزهد والتقشف والتأملات العليا، وهو انقلاب ~~بعيد المدى، لا في حياته وتاريخه، بل في تاريخ الفكر الإسلامي إلى يومنا. # وهذا الانقلاب هو سر خلود الغزالي؛ إذ به جدد نفسه، بل من آثاره أن جدد الغزالي ~~الحياة الفكرية لعصره، بل كان من نتائجه أن طبع القرون التي تلته بطابعه ~~وتفكيره. # فارق بغداد وفارق التدريس؛ ليلجأ إلى الله في بيته الحرام، بل ليهنأ بالإيمان ومعرفة ~~الله عن طريق الاتصال الشخصي به، جاعلا الوساطة في ذلك الروح لا العقل، جاهد الغزالي ~~نفسه جهادا خالدا ليخلصها من شوائب الحياة؛ حتى تصفو صفاء يؤهلها للمعرفة واليقين ~~والتلقين. # يقول الغزالي: # نظرت إلى نفسي، فرأيت كثرة حجبها؛ فدخلت الخلوة واشتغلت بالرياضة والمجاهدة ~~أربعين يوما، # 3 # فانقدح لي من العلم ما لم يكن عندي أصفى وأرق منه مما كنت أعرفه، ~~فنظرت فيه، فإذا فيه قوة فقهية، فرجعت إلى الخلوة، واشتغلت بالمجاهدة والرياضة ~~أربعين يوما، فانقدح لي علم آخر أرق وأصفى مما حصل عندي أولا، ففرحت به ثم ~~نظرت فيه فإذا فيه قوة نظرية، فرجعت إلى الخلوة ثالثا أربعين يوما، فانقدح لي ~~علم آخر هو أرق وأصفى، فنظرت فيه فإذا فيه قوة ممزوجة بعلم، ولم ألحق بأهل ~~العلوم اللدنية، فقلت: إن الكتابة على المحو ليست كالكتابة على الصفاء الأول ~~والطهارة الأولى. # وبهذا سلك الغزالي إلى الهداية مسلك الكشف الروحي، والتجأ إلى الاعتكاف والمجاهدة ~~ليطهر نفسه، ويعدها للانقلاب الفكري العظيم. # خاتمة حياته ms16 # ومن البيت الحرام رحل الغزالي إلى دمشق، ويقول المقريزي في المقفى: «إنه جعل وهو ~~في دمشق يعكف في زاوية في منارة الجامع الأموي ويلبس الثياب الخشنة، ويتقلل في مطعمه ~~ومشربه، واعتزل الناس، وأخذ في تصنيف كتابه إحياء العلوم، وذهب يطوف المشاهد ويزور ~~الترب والمساجد، ويروض نفسه على المجاهدات ويكلفها مشاق العبادات إلى أن لان ~~له صعبها وسهل له بعد ضيق رحبها.» # ومن ثم صفت روحه صفاء أهلها لاقتباس النور من منابع النور العليا، فألف أخلد كتبه ~~ومنها الإحياء، كما ذهب إلى بيت المقدس، واعتكف في المنارة الغربية من المسجد الأقصى، ~~ثم رحل إلى الإسكندرية. # ثم عاد إلى وطنه خراسان فعاش معتزلا منهمكا في التأمل والمجاهدة والتفكير، ومن عجب ~~أنه عاود التدريس في المدرسة النظامية بنيسابور! ثم رجع إلى طوس، واتخذ إلى جانب داره ~~مدرسة للفقهاء وخانقاه للصوفية، ووزع أوقاته بين تلاوة القرآن، ومجالسة أرباب القلوب ~~والتدريس، والكشف الباطني، كما أخذ يدرس علم الحديث. # وكانت وفاة الإمام الغزالي بطوس يوم الإثنين رابع عشر من جمادى الأخرى سنة خمس ~~وخمسمائة، الموافق ثمانية عشر من ديسمبر سنة ألف ومائة وإحدى عشرة ميلادية، ونقل ابن ~~الجوزي في كتاب الثبات عن أحمد أخي الغزالي أنه قال: # لما كان يوم الإثنين، وقت الصبح، توضأ أخي أبو حامد وصلى، وقال: علي ~~بالكفن. فأخذه وقبله ووضعه على عينيه، وقال: سمعا وطاعة للدخول على الملك. ~~ثم مد رجليه واستقبل القبلة ومات قبل الإسفار. # الشك مقدمة اليقين # تتراوح حياة الغزالي بين فكرتين، لكل منهما أكبر الأثر في دراساته وتوجيهاته، وإلى ~~هاتين الفكرتين ترجع جميع الألوان والصفات المميزة لميراثه الثقافي، وهما الشك ~~والإيمان، فهما مفتاح الوصول إلى تفهم شخصيته وأساليبه وأفكاره. # وقد آمن الغزالي بالشك واعتنقه صراطا علميا، يقول في خاتمة كتابه «ميزان ~~العمل»: «ولو لم يكن في مجاري هذه الكلمات إلا ما يشكك في اعتقادك الموروث لتنتدب للطب ~~فناهيك به نفعا؛ إذ الشكوك هي الموصلة إلى الحق، فمن لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم ~~يبصر، ومن لم يبصر ms17 بقي في العمى والضلال». # وإذن؛ فالشكوك في مطلع حياة الغزالي كانت طريقه إلى الحق، فمن لم يشك لم ينظر، ومن ~~لم ينظر لم يبصر، ومن لم يبصر بقي في العمى والضلال. تلك هي شريعة الغزالي، وهذا هو ~~منهاجه العلمي، وقد درس العلوم التقليدية والفلسفية والمذهبية في هذا الضوء. # وقد سبق الغزالي بجعله الشك مذهبا من مذاهب العلم، وفي إيمانه بأن الشكوك هي ~~طريق الحقائق «ديكارت» و«دافيد هيوم» وهما أئمة هذا المذهب في الفلسفة الأوربية ~~الحديثة، بل لقد أصبح الشك مذهبا من مذاهب العلم المعاصر، بل لونا من ألوان التجديد ~~والابتكار. # ولا ريب في أن شكوك الغزالي قد أفادته فائدة كبرى في دراساته؛ فقد علمته أن يناقش ~~قبل أن يؤمن، وعلمته ألا يقنع بما علم، بل يطلب المزيد أبدا. # وبهذا كان الغزالي يجدد حياته العلمية على فترات متعاقبة، كما دفعه الشك إلى عدم ~~الرهبة من الخرافات المقدسة التي كانت تسبح في كتب عصره، أو التزييفات الدينية المحاطة ~~بجلال وهمي في أذهان العامة، كما علمته عدم الرهبة أيضا حيال الأفكار والمذاهب التي ~~تستند إلى أسماء خلدها الفكر والتاريخ؛ وبهذا نجا من التقليد كما نجا من الخضوع لفلسفة ~~الإغريق. # بل إن هذه الشكوك هي التي أعدته لتلك الوثبة الكبرى إلى سماء الإيمان، وهي التي سهلت ~~عليه عندما حصل اليقين اعتزال الحياة والناس؛ لينعم بمتاع عزيز على الحياة ~~والناس. # وعظمة الغزالي تمت بسبب وثيق إلى هذا الشك؛ فهو الذي حمله على دراساته الكبرى، ~~ومجادلاته العظمى، واشتباكاته المتعددة مع النحل والفرق والمذاهب، فلما حصل عنده ~~اليقين كان يقين القوي الواثق الذي لا يداني ولا يماري. # كما أن هذا الشك كان علامة عقل كبير، لا يؤمن بقيود التقليد، بل يؤمن بنفسه أولا ~~فيجل ما يهدي إليه العقل، ويرفض ما سواه. # ذلك الروح العظيم وذلك العقل الكبير، وهذا الاطلاع الشامل، وهذا الصراع بين العقل ~~والروح، بين المشاعر والأحاسيس المختلفة؛ هو الذي أعد الغزالي لرسالته ~~الخالدة. # فقد خرج الغزالي من هذا الصراع العنيف، وذلك التجاذب بين الدنيا والآخرة ms18 طاهرا ~~نقيا كالسبيكة الذهبية تزيدها النار لمعانا وإجلالا، احترق الغزالي فتطهر فكرا ~~وعقلا وقلبا. # كما ظهر تأثير تلك المرحلة واضحا في تكوين آرائه الاجتماعية والخلقية؛ لأنه استطاع ~~أن يدرس في نفسه تقلبات الأهواء وإغراءات اللذة، ونعيم الطاعة ومتع العبادة، وخبر ~~التصادم بين شهوات النفس وميول القلب وأسرار الروح، ولمس نقط الضعف في الإنسان، ~~وعرف كيف تعالج وبأي أسلوب تداوى. # ولما آمن بعد شك كان إيمان الواثق الدارس لا إيمان المستسلم المقلد، فكان إيمانه ~~هو الذي أتاح له تلك القوة الروحية الكبرى التي هيمن بها على عصره وعلى العصور ~~التالية. # كما أن صقل نفسه وعقله بالمجاهدات أكسبه روحا تخفق على القرطاس، وتلمع بين ~~الكلمات، وتملك على القارئ أحاسيسه، وتمنحه متاعا لقلبه ومتاعا لعقله ومتاعا لروحه، ~~ندر أن يوجد عند غيره من سادة القلم والفكر. # كان الغزالي بنشأته وتأملاته وتنقلاته وكشوفه الروحية ودراساته العلمية أصلح قادة ~~عصره لتلك الوثبة التي جدد بها روح الإسلام في القرن الخامس. # الغزالي يهدف نحو الحق # كافح الغزالي شكوكه كفاحا قويا، ولم يستسلم لها استسلاما تاما كما حدث ل ~~«دافيد هيوم»، بل سعى إلى الإيمان جاهدا، وطلب الحقيقة في إلحاح ولهفة. # كان يحس ظمأ ملحا إلى الإيمان بحقائق ثابتة ترضي عقله، وترضي قلبه، وترضي روحه، ~~وترضي المثل العليا التي ينشدها في الحياة. # كان الغزالي يسهد ليله في طلب الهدى وتلمس أبواب النور، وكانت جفونه تذبل وتتألم، ~~وهو يبحث وراء الصواب، ويطرق تلك الأبواب الخفية التي تتلمسها الروح الضالة في شوق ~~ولهفة؛ علها تظفر بحكمتها وغايتها. # كان يحلم ويتأمل ويطيل التفكير والتأمل؛ لأنه يشعر بفراغ الإيمان يملأ حياته ~~فراغا، وببرودة الشك تميت حسه، وتميت عواطفه، وتميت جوانب الخير في قلبه، كان ~~يحس ضآلة الحياة بلا هدف ولا يقين. # وقد جعل دراساته للعلوم وسيلة من وسائل الاهتداء، كما هي وسيلة من وسائل المعرفة، وقد ~~تدبر الفقه طويلا وهو علم الأحكام والنظم الإسلامية، وكان ينشد فيه أكثر مما ينشد في ~~غيره؛ الإيمان، ولكنه لم يجد فيه سكينة نفسه؛ لأن الغزالي ms19 المشبوب الروح ، الحار ~~العواطف لا ترضيه تلك المجادلات اللفظية، ولا تلك الأقيسة الجامدة؛ فهو لم يحس قلوب ~~الفقهاء تخفق فيما كتبوا، ولم يلمس أرواحهم ترفرف فيما دبجوا، وهو يريد شيئا يرضي ~~الروح والقلب. # ودرس علم الكلام ليصل إلى الله، وليقنع نفسه بأدلته، ويرضي قلبه بألحانه ونغمه، وهو ~~علم الشريعة وخلاصة فلسفتها وكنز مجدها، ولكنه وجد الكلاميين يذكرون الله وصفاته وكأنهم ~~يقيمون بناء هندسيا، أو يجرون عملية من عمليات الحساب في برودة الحاسبين وجمود ~~عواطفهم وأحاسيسهم. # ودرس الفلسفة وهي مفخرة العقل البشري، ليرضي عقله بآياتها، ثم يرضي يقينه برموزها، ~~ولكن الفلسفة زادته شكا بافتراضاتها وألغازها وبقية الوثنية السابحة في معارفها، بل ~~زادته نفورا من موازين العقل، ونفورا من الاهتداء بوساطة العقل. # ولجأ إلى التصوف عله يشفي غلته الصادية، فيذكر لنا «عبد الغافر» كيف أن أبا ~~حامد بعد أن أوغل في دراسة العلم والتبحر فيه، عافه وتبرم به، ولم يجد فيه أية جدوى له، ~~فدار بعينيه يتلمس ما يجدي على نفسه ويعده لزاد الآخرة، فاهتدى بهدي «الفارمذي ~~الصوفي» وأخذ عليه، واشترك في حلقات الأذكار معه، ولكنه لم يبلغ من كل ما سلك شيئا ~~تطمئن به نفسه. # كان يمثل من جديد تلهف سيدنا إبراهيم الخليل وتعطش روحه إلى الإيمان؛ فهو يتلمس ~~الخالق في ضياء القمر، ثم يشاهده آفلا فلا يعجبه هذا الأفول، بل يجل الخالق عن أن ~~تعتريه صفة من صفات النقص والتحول، ثم يرى الشمس؛ فيفرح بها، ويطمئن إليها، ويظنها ~~ربة الأكوان؛ لأنها أكبر من القمر وأشد سناء وبريقا، ثم يراها غاربة فيجحدها ~~وينكرها، ويبحث عن خالقه من جديد؛ حتى أتاه اليقين. # وفي هذا التيه الحار الملتهب عثر الغزالي على رجل شديد الإيمان، شديد الورع، هو ~~الإمام الصوفي «يوسف النساج» فصحبه معه، وأخذ يصقل روحه بالرياضة والمجاهدة حتى طرق ~~معه باب اليقين والنور. # قال الغزالي: # كنت في مبدأ أمري منكرا لأحوال الصالحين ومقامات العارفين، حتى صحبت شيخي ~~يوسف النساج، فلم يزل يصقلني بالمجاهدة حتى حظيت بالواردات، فرأيت الله تعالى ~~في المنام، فقال ms20 لي: يا أبا حامد. فقلت: أو الشيطان يكلمني؟ قال لا، بل أنا ~~الله المحيط بجهاتك الست. ثم قال: يا أبا حامد، زر مساطرك، واصحب أقواما ~~جعلتهم في أرضي محل نظري، وهم الذين باعوا الدارين بحبي. قلت: بعزتك إلا أذقتني ~~برد حسن الظن بهم؟ قال: قد فعلت، والقاطع بينك وبينهم تشاغلك بحب الدنيا، فاخرج ~~منها مختارا قبل أن تخرج منها صاغرا، فقد أفضت عليك أنوارا من جوار قدسي. ~~فاستيقظت فرحا مسرورا، وجئت إلى شيخي يوسف النساج، فقصصت عليه المنام، فتبسم ~~وقال: يا أبا حامد، هذه ألواحنا في البداية، بل إن صحبتني ستكحل بصيرتك بإثمد ~~التأييد، حتى ترى العرش ومن حوله، ثم لا ترضى بذلك حتى تشاهد ما لا تدركه ~~الأبصار، فتصفو من الأكدار طبيعتك، وترقى على طور عقلك، وتسمع الخطاب من الله ~~تعالى كموسى: # إني أنا الله رب ~~العالمين ~~. # فكان هذا هو الفيصل، وكانت تلك الرؤيا هي خاتمة الجهاد النفسي، وخاتمة الشكوك، وبداية ~~اليقين والإلهام، والخيط الأول في الفلسفة الغزالية الروحانية. # كان التشاغل بالدنيا هو الحجاب الذي يجب على الغزالي أن يمزقه، وكان حب الله ~~والتفاني في عبادته هو قطرة النور الأولى في هذا الفيض، فتصوف وسلك الطريق، وسار ~~على الجادة؛ حتى كان طليعة القوم ودليل القافلة. # كان هذا الحب الإلهي هو إلهامه ودليله ورائده، فأصبحت رسالته عبادة ومحبة، وقد صبغ ~~الوجود، وأفنى ذاته في جلال تلك المعاني حتى غدا العلم لديه تعبدا؛ لأنه يريه الله ~~في كل شيء، ولأنه يجعل الطبيعة أمامه محاريب دائمة للصلاة والفكر. # وهكذا لجأ الغزالي إلى الاعتكاف والعزلة في جوانب المساجد ومناراتها، يعبد الله ~~ويتأمل في آياته، ويفنى حبا وغراما. # جعل الغزالي الحب الإلهي هو غاية الحياة كما هو سر سعادتها، انظر إليه إذ يقول في ~~توضيح السعادة: # سعادة كل شيء لذته وراحته، ولذة كل شيء تكون بمقتضى طبعه، وطبع كل شيء ما خلق ~~له؛ فلذة العين في الصور الحسنة، ولذة الأذن في الأصوات الطيبة، وكذلك سائر ~~الجوارح بهذه الصفة، ولذة القلب الخاصة بمعرفة الله سبحانه ms21 وتعالى؛ لأنه ~~مخلوق لها، وكل ما لا يعرفه ابن آدم إذا عرفه فرح به مثل الشطرنج إذا عرفها فرح ~~بها، ولو ينهى عنها لم يتركها، ولم يطق عنها صبرا، وكذلك إذا وقع في ~~معرفة الله سبحانه وتعالى فرح بها ولم يصبر عن المشاهدة؛ لأن لذة القلب ~~المعرفة، وكلما كانت المعرفة أكبر كانت اللذة أكبر؛ ولذلك فإن الإنسان إذا عرف ~~الوزير فرح، ولو عرف المليك لكان أعظم فرحا، وليس موجود أشرف من الله سبحانه ~~وتعالى؛ لأن شرف كل موجود به ومنه، وكل عجائب العالم أثر من آثار صنعته، فلا ~~معرفة أعز من معرفته، ولا لذة أعظم من لذة معرفته، وليس منظر أحسن من منظر ~~حضرته، وكل لذات شهوات الدنيا متعلقة بالنفس، وهي تبطل بالموت، ولذة معرفة ~~الله متعلقة بالقلب فلا تبطل بالموت؛ لأن القلب لا يهلك بالموت، بل تكون لذته ~~أكثر وضوءه أكبر؛ لأنه خرج من الظلمة إلى النور. # فالغزالي يقرر في ثقة يقينية ووضوح وصراحة بأن الحياة الفاضلة السعيدة هي معرفة ~~الله وعبادة الله ومحبة الله؛ تلك هي الغاية العليا والهدف الأسمى؛ لأن كل لذة سواها ~~فانية، وكل غاية سواها لاغية. # فإن كان «شوبنهور» لخص فلسفته كلها في كلمة واحدة هي جماع رسالته؛ إذ يقول: «إن ~~الحياة إرادة»، وإذا كان «نيتشه» جعل آيته الذهبية قوله: «الحياة هي القوة»؛ فإن آية ~~الغزالي ورسالته: «الحياة محبة وعبادة.» # وبذلك يلتقي الغزالي بالفيلسوف الروماني «سنكا» الذي كان يقول: «ولدنا خاضعين ~~لأحكام الله، فمن أطاع الله كان حرا آمنا سعيدا»، ويتفق مع «أرسطو» في قوله: ~~«الأشرار يطيعون خيفة، والصالحون على حب.» # وقد أعد الغزالي نفسه لتلك الرسالة بالتطهر والصفاء والاعتكاف الكامل، كان يتعبد ~~تعبد العاشقين الوالهين. # ثم غادر محاريبه وخلواته ليزاحم الإنسانية في موكبها وليرشدها إلى طريقها. رأى ~~الغزالي الناس يسيرون في مواكب الحياة لا يدرون لماذا هم سائرون، ولا يسألون لماذا ~~يسيرون! شاهد القطيع البشري لا يعرف الراحة، ولا السعادة ولا السلام، ولا يدرك نعمة ~~الاستقرار الكبرى، شاهد دنيا يمزقها التعب والبغضاء، فنادى بمعاني ms22 الحياة المقدسة ، ~~وأرشد إلى غاية الوجود العليا، فأذاق المتعبين المجهدين الضالين رحيق الراحة، ونعيم ~~المحبة، وسحر السلام. # | هل للمعرفة طريق باطنية غير الحواس الخمس؟ # الكشف الباطني يشغل جانبا ضخما من رسالة الغزالي؛ إذ هو في طليعة رجال الفكر ~~الإسلامي، بل العالمي الذين آمنوا بإلهامات الروح، بل وجعلوا من تلك الإلهامات وسائل وغايات ~~للإرشاد والهداية. # وقد اختلف المفكرون قديما وحديثا في طريق المعرفة، وهل تتأتى عن طريق الحواس الخمس ~~فحسب؟ أم لها سبل وطرق باطنية إلهامية أخرى؟ # فالماديون منهم لا يرون للمعرفة بابا إلا الحواس الخمس المتصلة بالعالم الخارجي، ويقررون ~~أن لا مصدر فوق هذا تهبط منه المعرفة، غير الخيال والتصور، وهم شديدو التهكم برجال الكشف ~~الباطني ومن سلك مسلكهم من أرباب القلوب أو الرياضة العقلية، ذلك سبيل أصحاب المذاهب ~~المادية من الفلاسفة. # أما الصوفية والروحانيون، على اختلاف أديانهم وألوانهم ومذاهبهم، فيقررون أن للعلم وسائل ~~باطنية تصل بين النفس الإنسانية والعالم الروحاني، يلمسها كل من صفت نفسه من أدران المادة، ~~وتخلصت من شوائب الحياة، فيحصل من هذا الطريق على أسرار الوجود وخفايا الخلود، وحكم ~~تعلو على الحواس الخمس والمعارف التي تدركها هذه الحواس. # والعلم الحديث القائم على الاستقراء والمشاهدة يعترف في صراحة بأن للمعرفة وسائل أخرى غير ~~الحواس الخمس، وأن هناك إلهامات روحية غامضة لا سبيل إلى معرفة أسرارها أو إنكارها أو ~~التهكم عليها. # فمسألة العقل الباطني، والتنويم المغناطيسي الذي عجز الماديون عن إنكاره أو تشكيك النفوس ~~فيه، ما هو إلا ضرب من ضروب الأرواح السابحة التي يمكن للأرواح البشرية أن تلتقي بها، ~~وتتحدث إليها، وترشف من نبعها ومعارفها ما شاءت من أسرار وفنون. # وقد دل العلم الحديث على أن المنوم تنويما مغناطيسيا بعد أن تتعطل حواسه يتقمص ~~شخصية أرقى من شخصيته، وتتلبسه روح عاقلة واسعة الإدراك سامية المعارف، تتحدث عن أدق ~~المسائل وأغمض المسالك. # ومن مشاهدات العقل الباطني ما يلمح في كثير ممن نفذ إليهم شعاعه في ناحية خاصة كالحسابين ~~على البديهة، وهم طائفة تلقى عليهم أغمض المسائل الرياضية وأدقها ms23 والتي تحتاج إلى زمن ~~كبير في التفكير والعمل، فيجيبون عنها فورا وهم لا يدرون ولا يعرفون كيف ولا متى حصل ~~هذا! # وهناك أطفال يوقعون على الموسيقا قطعا وألحانا يعجز عنها أئمة هذا الفن، وهم لا يعرفون ~~كيف صنع هذا اللحن أو رتب ذاك النغم! # وقد كتب الشاعر «موسيه» عن نفسه فقال: «أنا لا أعمل ولكني أسمع فأفعل، فكأن إنسانا ~~مجهولا يناجيني في أذني»، وكان «لامارتين» يقول: «لست أنا الذي يفكر، ولكن هي أفكاري التي ~~تفكر لي»، وروى الشاعر «رينيه» أنه قد ينام غالبا وهو يعمل قطعة من الشعر لم تتم، ~~فيستيقظ فيجدها تامة في اليوم التالي عندما يفكر فيها. أما «سقراط» فقد كان يسمع بأذنيه ~~ما تلقيه إليه الروح. # بل إن هناك مذاهب فلسفية قديمة قامت بأسراها على المناجاة الروحية والاتصال بالله، ~~ف «أفلوطين» في مدرسة الإسكندرية يرى: «أن الجذب والفيض هما السعادة التي ليست وراءها ~~سعادة»، و«مالبرتش» في القرن السابع عشر يقول باتصال مستمر بين العبد وربه، فمعرفتنا ليست ~~إلا فيضا من الله، وما يبدو منا من عمل خارجي ليس إلا ظروفا ومناسبات لتحقيق إرادة الله، ~~وبهذا يتلاشى المخلوق في الخالق، ويندمج الأثر في المؤثر. # وأرسطو الذي كان واقعيا في بحثه وطرقه، ورجل مشاهدة وتجربة في ملاحظاته واستنباطاته؛ قد ~~انتهى به الأمر إلى أن بنى دراسته النفسية على شيء من الفيض والإلهام. # ومن مذاهب العلم الحديث «مذهب المتأملين» الذين يؤمنون بالتأمل ويفضلونه على القراءات ~~والدراسات. فأصحاب المذاهب الفكرية وقادة الرأي لديهم كانوا من المتأملين، ولم يكونوا من ~~الذين أفنوا حياتهم في البحث والدرس. # والصوفية في الإسلام تحمل لواء الكشف الباطني، وقد ازدحمت مكاتب الفكر الإسلامي بتراث ضخم ~~للصوفية التي حوت معارفها ينابيع من العلوم والفنون، أثارت جدلا وحوارا، ولا تزال تثير ~~جدلا وحوارا. # ولا ريب في أن الصوفية قد وجدت في الغزالي قائدا بارعا ومحاميا لبقا وشارحا ~~ساحرا، يأسر القارئ إلى صفوفه ويكسب المعارك بفنونه، فاستطاع أن يجعل منها علما واضحا ~~مهذبا، أو كما قال العلامة ماكدولاند: «إن الصوفية ms24 بلغت بفضله ونفوذه وتأثيره مكانا ~~ثابتا وطيدا في الإسلام.» # وتفوق الغزالي في تاريخ التصوف مرجعه إلى تفوقه العلمي؛ فقد درس العلوم الفلسفية ~~والتقليدية والجدلية والمذهبية دراسة لم تتيسر لكاتب صوفي سواء تقدم به تاريخ الزمن أم ~~تأخر. # وبذلك أصبح الغزالي هو كاتب الصوفية الأول، وبفضله وضحت أسرارها ومعانيها، وتحددت ~~أهدافها ومراميها، وكما حطم نفوذ الفلسفة في المشرق بعد سيادة وهيمنة أطلق علم التصوف في ~~السماء، يسبح خفاقا في قداسة ونور وإجلال. # والغزالي يؤمن بأن معارف الباطن هي طريق الهداية؛ لأنها اتصال مباشر بالحقائق الخالدة ~~والأسرار النورانية، وصلة مستمرة بين العبد والخالق، أساسها المحبة المتبادلة والإلهامات ~~المشرقة. # وقد أطلق الصوفيون على المعرفة الروحية لقبا يجعلها أصلا من الأصول، لا فرعا من ~~الفروع؛ فأسموها علوم الباطن، وأقاموا ثقافتهم وعبادتهم على أساسها. # وعلم الباطن عند الغزالي هو غاية العلوم وقد عرفه بقوله: # إنه عبارة عن نور يظهر في القلب عند تطهيره وتزكيته من صفاته المذمومة، وينكشف من ~~ذلك النور أمور كثيرة كان يسمع من قبل أسماءها فيتوهم لها معاني مجملة غير متضحة، ~~فتضح إذ ذاك حتى تحصل المعرفة الحقيقية بإدراك حقائق علم الدنيا وعلم الآخرة، وهذا ~~ممكن في جوهر الإنسان، لولا أن مرآة القلب قد تراكم صدؤها وخبثها بقاذورات الدنيا، ~~ولا سبيل لهذا العلم إلا بالرياضة والتعليم، وهذه هي العلوم التي لا تسطر في الكتب ~~أو لا يتحدث بها من أنعم الله عليه بشيء إلا مع أهله، وهذا هو العلم الخفي الذي ~~أراده # صلى الله عليه وسلم # بقوله: «إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا أهل المعرفة بالله، ~~فإذا نطقوا به لم يجهله أهل الاغترار بالله.» # واعلم أن انقسام هذه العلوم إلى خفية وجلية لا ينكرها ذو بصيرة، وإنما ينكرها ~~القاصرون، وقد قال # صلى الله عليه وسلم ~~: «إن للقرآن ظاهرا وباطنا، وحدا ومطلقا»، وقال ~~علي، وأشار إلى صدره: إن هاهنا علوما جمة لو وجدت لها حملة، وقال أيضا: لو ~~أردت أن أفسر الفاتحة بما أعلم لاحتجت إلى ثمانين بعيرا، وقال ابن عباس ms25 في قوله ~~تعالى: # الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض ~~مثلهن يتنزل الأمر بينهن ~~: لو ذكرت تفسيره ~~لرجمتموني، وقال أبو هريرة: «حفظت من رسول الله وعاءين؛ أما أحدهما: فبثثته، وأما ~~الآخر: لو بثثته لقطع هذا الحلقوم»، وقال الرسول: «ما فضلكم أبو بكر بكثرة صيام ~~ولا صلاة، ولكن بسر وقر في صدره»، وقال سهل التستري: للعالم ثلاث علوم: علم ظاهر ~~يبذله، وعلم باطن لا يسعه إظهاره إلا لأهله، وعلم هو بينه وبين الله لا يظهره لأحد. ~~فإن قيل: إذن؛ الظاهر خلاف الباطن، وفي هذا إبطال للشرع. كان الجواب: إن الشرع ~~عبارة عن الظاهر، والحقيقة عبارة عن الباطن، وإن كان لا يناقضه ولا يخالفه، ولا ~~يكون للشرع سر لا يفشى، بل يكون الخفي والجلي واحدا، وإنما هو اختلاف العقول ~~والأفهام والظرف والمكان، وإن هناك من يدرك الشيء جملة ثم يدركه تفصيلا بالتحقيق ~~والفروق، وذلك كما يتمثل للإنسان في عينه شخص في الظلمة أو على البعد، فيحصل له ~~نوع علم، فإذا رآه بالقرب أو بعد زوال الظلام أدركه إدراكا أوفى. # | الغزالي والتصوف # إن محمدا عشق ربه # قبيل الوحي المحمدي كان الرسول يتبتل ويتعبد في غار حراء مطلقا روحه للتأمل ~~والتفكر في بدائع الله وآياته الكونية، صارفا قلبه عن متاع الحياة وشواغل الوجود؛ ~~ليتفرغ بقلبه وعواطفه للمناجاة والعبادة وتلمس المعرفة، حتى كانت العرب تقول: «إن ~~محمدا عشق ربه.» # وبداية الأنبياء هي نهاية ما اصطلح على تسميتهم بالصوفية، الذين يقولون: إن المجاهدة ~~والمحبة، والفناء في معاني المحبة والعبادة تعد الروح للتذوق والتلقي، وتوصل إلى ~~العلوم والمعارف. فالمعارف في اعتقادهم كامنة في الروح البشري أصيلة في مادتها لا دخيلة ~~عليها، والتغلب على الجسد بإعلاء مكانة الروح يمزق تلك الحجب ويرفع الظلمة التي ~~تحول بين الروح والنور. # ويعبر الغزالي عن المعرفة بقوله: «إنها نور يقذف في القلب.» # وقد كان الإمام مالك يقول: «ليست المعرفة بكثرة الرواية، ولكنها نور يضعه الله ~~تعالى في القلب.» # وقد أثار التصوف جدلا وحوارا، ولا يزال يثير جدلا وحوارا في الفكر الإسلامي، ~~وأكبر الظن ms26 أن هذا الجدل، أو هذا الحوار سيبقى خالدا ما بقي الفكر. # والذين نقدوا التصوف الإسلامي وجهوا نقدهم الأكبر إلى أهداف ثلاثة. # فالفلاسفة وأصحاب المذاهب العقلية عابوا طريقته إلى المعرفة، وأنكروا أن يكون التفرغ ~~والتجرد من متع الحياة والزهد في شهواتها ونعيمها سبيلا إلى المعرفة، بل سبيل المعرفة ~~عندهم هو تغليب أرقى أجزاء النفس على الحواس، وهم يقصدون بذلك قوى العقل وإرادته، كما ~~وصفوا الانتصار العقلي على الحواس بأنه أرفع مراتب السعادة كما يقول ابن رشد. # وهم بذلك يؤيدون الصوفية أكثر مما ينقدونها أو ينقضونها؛ لأن في سعيهم إلى تغليب ~~العقل نزوعا إلى الصوفية وإن اختلف الوضع، فنادوا بالعقل، وناد المتصوفون ~~بالروح. # وعلماء الاجتماع ورجال الأخلاق تهكموا بالصوفية وأساليبها، وأسرفوا في التهكم ~~والتجريح؛ لأنها في نظرهم لا تصلح للحياة العملية، ولا يقوم بها نظام المجتمع، ولا ~~يمكن أن تتأسس على نظمها الزاهدة الأمم. # وتلك شهادة للتصوف لا عليه، فهي تدل ضمنا على أنهم لا ينشدون مظهرا في الحياة ولا ~~غلبة في مضمارها، ولا يبغون مأربا، ولا يلتمسون مغنما من مغانمها، وإنما ينشدون ~~طهرا وقربا من الله، وفوزا برضوانه وعبادة للعبادة، بل إن التصوف الإسلامي جعل ~~العبادة أصلا والمعرفة فرعا. # والصوفيون لا يقولون إن طريقهم للناس جميعا؛ لأن المثالية لم تكن يوما من الأيام ~~شرعة مباحة لكل من يخطر بقدمين على الكوكب الأرضي. # وليس في استطاعة الناس جميعا أن يكونوا ملوكا، ولا أن يكونوا فلاسفة أو أطباء مثلا ~~أو غيرهم من الطوائف والمذاهب العقلية والعلمية. # وأما الفقهاء وعلماء الكلام: فقد هاجموا المتصوفة هجوما عنيفا، بل غالوا في هجومهم ~~حتى رموهم بالمروق والضلال ومفارقة الشريعة وظاهر السنة. # وهنا موقف دقيق، ففريق من المتصوفة قد غالوا وأفرطوا، كجماعة الحلوليين الذين قالوا ~~بوحدة الوجود، وفريق آخر عبث بظاهر الشرع، وأفرط في السبحات والوثبات والاستغراقات حتى ~~تحلل من الفرائض والآداب. # ولكن التصوف الصادق لا يعترف بهؤلاء ولا هؤلاء، بل يبرأ منهم ويهاجمهم بأشد من هجوم ~~الفقهاء أنفسهم. # ودستور الصوفية وصفاتهم يرسمه الغزالي ويوضحه بقوله في كتاب ms27 «ميزان العمل» عند ذكره ~~لعلامات السائرين إلى الله فيقول: # اعلم أن سالك سبيل الله تعالى قليل، والمدعي فيه كثير، ونحن نعرفك ~~علامتين له؛ العلامة الأولى: أن تكون جميع أفعاله الاختيارية موزونة بميزان ~~الشرع، موقوفة على حد توقيفاته، إيرادا وإصدارا وإقداما وإحجاما؛ إذ لا ~~يمكن سلوك هذا السبيل إلا بعد التلبس بمكارم الشريعة كلها، ولا يصل فيه إلا ~~من واظب على جملة من النوافل، فكيف يصل إليه من أهمل الفرائض؟! والسالك لسبيل ~~الله يعرض عن الدنيا إعراضا لو ساواه الناس كلهم لخرب العالم. # فإن قلت: فهل تنتهي رتبة السالك إلى حد ينحط عنه بعض وظائف العبادات، ~~ولا يضره بعض المحظورات، كما نقل عن بعض المشايخ من التساهل في هذه الأمور؟ ~~فاعلم أن هذا عين الغرور، وأن المحققين قالوا: لو رأيت إنسانا يمشي على الماء ~~وهو يتعاطى أمرا يخالف الشرع فاعلم أنه شيطان، وهو الحق. # وإذن؛ فالغزالي يقرر بأن المتصوفين فئة خاصة، ولا يمكن أن يكون العالم على مثالهم، ~~وإلا لخربت الدنيا، وتغيرت معالمها وفسد نظامها. # كما أنه يربط التصوف بالشريعة رباطا لا ينفصم، فيجعل التمسك بقواعد الشريعة بداية ~~السالك، فإذا خالف الشريعة ولو سار على الماء وطار في الهواء فهو شيطان. # تلك هي الصوفية الكاملة التي يصفها الغزالي في كتابه المنقذ من الضلال بقوله: # إني علمت يقينا أن الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى خاصة، وأن ~~سيرتهم أحسن السير، وطريقتهم أصوب الطرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق، بل لو جمع ~~عقل العقلاء وحكمة الحكماء وعلم الواقفين على أسرار الشرع من العلماء ليغيروا ~~شيئا من سيرهم وأخلاقهم، ويبدلوه بما هو خير منه؛ لم يجدوا إليه سبيلا، ~~فإن جميع حركاتهم وسكناتهم في ظاهرهم وباطنهم مقتبسة من نور مشكاة النبوة، ~~وليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يستضاء به. # وماذا يقول القائلون في طريقة طهارتها، وأول شروطها تطهير القلب عما سوى الله ~~تعالى، ومفتاحها استغراق القلب بالكلية في ذكر الله، وآخرها الفناء بالكلية ~~في الله؟! # وأول هذه الطريقة المكاشفات، حتى إنهم في يقظتهم يشاهدون الملائكة ms28 وأرواح ~~الأنبياء، ويسمعون منهم أصواتا ويقتبسون منهم فوائد، ثم يترقى الحال من مشاهدة ~~الصور والأمثال إلى درجات يضيق عنها نطاق النطق. # التصوف الإسلامي ومراحله # ينقسم التصوف الإسلامي إلى قسمين؛ قسم يتعلق بالتربية وتهذيب الروح ونبل الخلق ~~والتحلي بالفضائل والمحاسن الأدبية، وهو ما اصطلح على تسميته بعلم المعاملة، وقسم يتعلق ~~بالرياضة الروحية والعبادة وما فيها من نور وطهر وكشف وفيض. # والقسم الأول: # هو عماد فلسفة الغزالي الأخلاقية، بل هو عماد كتابه الأكبر ~~«الإحياء» الذي خلد في تاريخ الفكر الإسلامي، وخلد به الغزالي ~~ك «حجة للإسلام» بتوضيح فضائله وأنواره. # وهو مادة دسمة لرواد الأخلاق، ومادة دسمة لمن يبغي إنسانية نبيلة ~~مهذبة لا تعرف التخاصم والتنابز بالألقاب، ولا تعرف الفسوق والجدال ~~وسوء الخلق، وفيه تتجلى وتبرز معاني الحديث الشريف: «وإنما بعثت لأتمم ~~مكارم الأخلاق.» # وأما القسم الثاني: # وهو قسم العبادة والفيض: فأول شروطه - كما يقرر الغزالي - معرفة ~~الكتاب والسنة معرفة عليا، خلافا لمن قال: إن الفيض يأتي ~~بالطهارة فقط، ولو لم تكن هناك معرفة بالكتاب والسنة والفقه، ويسمى ~~هذا القسم في اصطلاحاتهم ب «الطريق» وقد قسموه إلى أربع مراحل: # المرحلة الأولى: # مرحلة العمل الظاهر؛ أي مرحلة العبادة والإعراض عن ~~الدنيا وزخرفها وزينتها، والزهد في شهواتها، والانفراد ~~والعكوف على الذكر والاستغفار. # والمرحلة الثانية: # مرحلة العمل الباطني، بتزكية الأخلاق وتطهير القلب، ~~وتصفية الروح ومحاسبة النفس ومراقبتها، والتجمل ~~بالأخلاق النبيلة والصفات الزكية. # والمرحلة الثالثة: # مرحلة الرياضة والمجاهدة التي يقول فيها الرسول: ~~«رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر»، وبتلك ~~المجاهدة يقوى سلطان الروح، وتتحرر النفس من الأدران ~~الأرضية؛ فتسمو وتصفو حتى تنطبع فيها حقائق العالم ~~وأسراره، وينسكب في القلب نور ينكشف به جمال العالم ~~وجلاله ودقائقه وأسراره، فيرق الحس ويتنبه الشعور ~~ويستيقظ الإحساس، فتكون حركة حياة في المشاعر عامة، ~~وتشعر تلك المشاعر بلذة عليا وعلوم نورانية تقوى في ~~النفس حتى تصير صفة لازمة، ويتوالى الكشف للنفس وتزاح ~~عنها الحجب شيئا فشيئا، حتى تصل إلى الأنوار ~~العليا في عرفهم. # أما المرحلة الرابعة: # فهي مرحلة الفناء الكامل بوصول ms29 النفس إلى مرتبة شهود ~~الحق بالحق، وانكشاف ووضوح العوالم الخفية والأسرار ~~الربانية، وتوالي الأنوار واللذة الروحانية. # وتلك المرحلة هي مرحلة الخطر، ومن أجلها نشبت ~~المعارك بين الفقهاء والصوفية، ومنها نشأ التيه ~~لكثير من الصوفية؛ لأن من تزل قدمه هنا ضاع إلى ~~الأبد. # وتلك المرحلة لا تكتب ولا توصف؛ لأنها خارجة عن ~~نطاق التصور العقلي، والغزالي وهو علم الصوفية ~~وكاتبها الأكبر لم يتعرض لها، ولم يشغل قلمه بها، وإن ~~كان لم ينكرها، بل تركها لأصحابها وأربابها. # ولكنه جال وأفصح في المراحل الثلاث السابقة ونثرها ~~في كتبه نثرا أشبه بالنور والعطر، واستمد منها روعة ~~أسلوبه، وروعة تهذيباته، وروعة مبادئه التي جعلت من ~~الحياة محرابا أعظم لعبادة الله، ودعوة عباده إلى ~~الهدى والرشاد. # وقد تخصص الغزالي لآداب التصوف تخصصا جعله نسج وحده بين رجال الفكر الإسلامي؛ فقد ~~مزج الشريعة بالتصوف، كما مزج العبادات بروح من التصوف أطلق فيها النور والروح إطلاقا ~~يبعث في القلب نشوة الإيمان، ورعشة الخوف، وفرحة الحس المطمئن إلى واجبه ~~المقدس. # ودارس الأخلاق عند الغزالي لا بد وأن يدرس التصوف، وأن يتذوق التصوف، ثم يدرس ~~أخلاقيات الغزالي فيتذوق نبل رسالته الأخلاقية وجلال شأنها. # وإن كان رجال التربية وأساتذة الفكر المثاليين يفكرون اليوم في إيجاد طبقة من ~~الإنسانية ممتازة، كاملة الرجولة، قوية الحيوية، سامية الخلق والفكر، متلائمة التناسق، ~~ممن أطلقوا عليها اسم «سوبرمان» أي الرجل الكامل أو الخلق الكامل، فقد وضع الغزالي من ~~قرون الصورة الحقيقية التامة لهذا النوع الممتاز من البشرية السعيدة الطاهرة. # فإن المبادئ الأخلاقية النبيلة التي وضعها الغزالي وشرطها للمؤمن لجديرة بإيجاد ~~مجتمع إنساني ملائكي فاضل، سليم من الضغن والتنازع، بعيد عن الفحش والرزيلة. # وأن النظم التي سنها الغزالي ووضعها للمجتمعات، وطرق اتصالها وتعاملها وعوامل ~~اتحادها ومحبتها لخليقة بإنشاء دولة أو عصبة من الأمم عالمية متحابة متعاونة متفانية في ~~غاية نبيلة واحدة، تهدف نحو وجهة عليا يرفرف عليها علم المحبة، ويوحدها قانون الأخوة، ~~ويسعدها السلام الدائم للروح والقلب والأحاسيس. # ورسالة الغزالي الأخلاقية هي تطهير الجوارح تطهيرا كاملا عما ms30 يلوثها ، وتزكية ~~القلب حتى عن همسات الغل والحسد وأماني التفوق والغلبة. # هي الطهارة التامة الشاملة لأحاسيس الروح ونداءات البدن ووثبات العقل، فهو يرى أن ~~الإنسان خلق للفضيلة، وأن السعادة والفضيلة صنوان، وأن الإنسان الفاضل هو الإنسان ~~السعيد؛ وبذلك حل مشكلة الإنسان والأخلاق والسعادة حلا فاصلا كاملا. # رسالة الغزالي في الأخلاق هي ربط السعادة بالفضيلة، وبذلك تستريح النفس الإنسانية، ~~ويستريح المجتمع الإنساني، وتستريح الأمم البشرية؛ لأن أهدافها ستتحد بالفضيلة؛ ولأن ~~الفضيلة ستكون طريقها إلى السعادة. # | الصراع بين الغزالي والفلاسفة # إن الصراع الذي أثاره الغزالي وحمل لواءه ضد الفلسفة والفلاسفة ليحتل من الثقافة ~~الإسلامية وتاريخ الفكر العام جانبا خطيرا؛ فقد انتظم في الاهتمام به رجال الفكر في ~~مختلف العصور والأزمان على اختلاف ألوانهم ومذاهبهم. # فقد كان للفلسفة في الشرق سيادة وجلال، بل لقد كادت الفلسفة أن تحل مكان الدين، فاستحوذت ~~على الذهن والتفكير واتسعت التصورات، وانتشرت التأملات الفلسفية، وجرى الناس وراء النظريات ~~والجدل جريا أتعبهم وأتعب معتقداتهم وأتعب الحياة معهم. # ولا شك في أن علماء الكلام الإسلاميين قد استفادوا من الفلسفة؛ فالإمام الأشعري وهو ~~ثاني اثنين أو ثالث ثلاثة أحدثوا أكبر انقلاب فكري في تاريخ الإسلام قد استعان بكثير من ~~النظريات العلمية الفلسفية لتدعيم علم الكلام، وتقوية حججه وطرائق بحثه. # كما أثرت الفلسفة في أدلة الفقه وطرائق بحثه، وأثرت أكثر من هذا في رجال العقل الإسلامي؛ ~~فقد بذل الفلاسفة الإسلاميون كثيرا من الجهود في سبيل التوفيق بين الفلسفة والدين؛ ~~فابتدعوا مذهبا وسطا في علوم ما وراء الطبيعية، وابتكروا نظريات تتأرجح هنا وهناك ~~للمصالحة والتوفيق بين فلسفة الإغريق ونظم الإسلام. # ورغم هذا فقد رهبها رجل الفقه، كما رهبها رجل الكلام؛ فحاربوها وجادلوها وابتدعوا لحربها ~~علوم التوحيد. # وجاء الغزالي وطبول الحرب تدوي باسم الدين، وحماية الجماهير من لوثة الوثنية والتضليل ~~والتشكيك العقلي. # جاء والنزاع بين الفلسفة والدين هو موضوع الساعة، كما هو موضوع الساعة أبدا في كل العصور ~~والدهور؛ فمشكلة العقل والدين مشكلة خالدة، ما دام هناك فكر يسبح ووحي يتبع. # وكان لا بد ms31 للغزالي من خوض المعركة؛ فقد اجتمعت في يديه أسلحة لم تجتمع لغيره، ولقلمه ~~جولات يترقبها جيله ويرمقها بالإجلال والإكبار، وهو رجل قتال وكفاح، يلبي الصيحة ويحمي ~~حماه. # أرسل الغزالي صيحة لا تعرف المجاملة ولا اللين، ففض في صراحة وعنف النزاع بين العقل ~~والعاطفة، والوحي والفلسفة. # وأحدثت تلك الصيحة دويا، فهي صيحة جديدة النغم ساحرة اللحن قوية اليقين، فقد كان ~~الغزالي هو المفكر الأول والوحيد الذي لم يكتف مثل علماء الكلام باقتباس عدة مباحث ~~متفرقة للفلاسفة ثم نقضها؛ بل قام لهدم البناء كله، ذلك البناء الذي أنشأه الإغريق وهذبه ~~الفلاسفة المسلمون. # ولم يكن الغزالي هادما فحسب، بل أقام من أنقاض البناء الفلسفي الذي هدمه على رءوس ~~أصحابه صروحا من الفلسفة الأخلاقية الدينية، لا يزال يعمرها المسلمون إلى اليوم. # والغزالي لم ينكر الجانب العقلي والرياضي من الفلسفة، بل اعترف بهما وتركهما للموازين ~~العقلية، وإنما حطم جانب ما وراء الطبيعة، وحطم معه الفلاسفة بتهم المروق ~~والزندقة. # والغزالي بعد ذلك - كما يقول العلامة ماكدولاند - أول من أدنى الفلسفة وقرب بحوثها ~~الدينية أو الإلهيات من متناول الذهن العادي وتعاطي الناس عامة لها، وكانت من قبله محفوفة ~~بالأسرار مكتنفة بالغموض والرهبة، كأنها علم لاهوتي لا يدركه غير أصحابه والراسخين فيه؛ لما ~~كان لاصطلاحاتها من الغرابة على الأذهان، حتى لتقتضي معرفتها الدرس المجهد، والاستظهار ~~الشاق، وكان من الصعب تفهمها ودراستها، فقد انتقلت النظريات والمذاهب والأفكار اليونانية ~~بأكثر مصطلحاتها وتعبيراتها إلى السريانية أولا ثم إلى العربية، وأوجب هذا الانتقال ~~تصحيفا وتحريفا عند التعريب، وكان لا بد من طول دراسة وتقص متواصل قبل معرفة مصطلحات ~~الجدل والإلمام بعلم المناظرة. # فلما جاء الغزالي مزق الحب وأطلق النور في الظلمات، فإن كتابه «تهافت الفلاسفة» لم ~~يكتب لطلاب الفلسفة، وإنما كتب للجماهير كافة، وقربت مناهله وموارده لسائر الوراد ~~والقاصدين، وهذا ما أغضب ابن رشد؛ فاتهم الغزالي بأنه أباح العلم للعامة وأفقده ~~أرستقراطيته. # والحق أن الغزالي كان له فضل إنزال الفلسفة من عليائها؛ فقد جعل أسرارها علما واضحا ~~لكل قارئ، وتلك قوة لم ms32 تعرف في عالم الفكر إلا للغزالي، وقد ألف كتابه «مقاصد الفلاسفة» ~~لهذا الغرض، وأوضح غايته في مقدمته بقوله: # أما بعد، فإني التمست كلاما شافيا في الكشف عن تهافت الفلاسفة، وتناقض آرائهم، ~~ومكامن تلبيسهم وإغوائهم، ولا مطمع في إسعافك إلا بعد تعريفك مذاهبهم، وإعلامك ~~معتقدهم؛ فإن الوقوف على فساد المذاهب قبل الإحاطة بمداركها محال، بل رمي في ~~العماية والضلال؛ فرأيت أن أقدم على بيان تهافتهم كلاما وجيزا مشتملا على حكاية ~~مقاصدهم في علومهم المنطقية والإلهية، من غير تميز بين الحق والباطل، بل لا أقصد ~~إلا تفهم غاية كلامهم من غير تطويل. # وحينما فرغ الغزالي من تلك الرسالة، عمد إلى أخرى أشد صعوبة وأكثر التواء، وذلك هو ~~تصديه لكل هؤلاء، والتمييز بين حقهم وباطلهم. # درس الغزالي المذاهب الفلسفية كافة، ثم لخصها وركزها في عشرين مسألة رئيسية، استطاع ~~أن يزيفها في قوة وتفوق تزييفا جر عليه عداء الفلاسفة عداء ملتهبا قاسيا، حتى إن ابن ~~رشد كان يلقبه ب «الجاهل الشرير». # ولكنه من الناحية الأخرى رفع له مكانا في الشرق، وخاصة بين الدينيين لم يستطع باحث أن ~~يزاحمه فيه رغم توالي السنين والقرون. # ولا جدال في أن الغزالي قد نجح في حملته نجاحا باهرا؛ لمكانته العلمية ولسلطانه ~~الواسع على النفوس والقلوب، نجاحا نلمس أثره قويا واضحا في الشرق؛ إذ أصبح اسم الفلسفة ~~فيه حليف الزندقة والإلحاد. # ولقد أنتجت تلك الحركة ثمارا طيبة؛ لأنها خففت من غلواء المذاهب الفلسفية، وأبعدت ~~فتنتها عن كثير من العقول، إلا أنها كانت كما يقول الغزالي في موازينه العلمية: «إن لكل ~~شيء وجهين؛ وجه خير ووجه شر.» لأنها أنتجت من الناحية الأخرى فكرة متطرفة مسرفة في ~~التطرف، ترمي إلى النفور من الفلسفة طالحها وصالحها بلا تمييز أو تفكير. # وبلغ من الغلو في تلك الناحية أن حرم كثير من علماء الدين البحوث العقلية، بل اتخذ ~~هذا التحريم حجة في المناقشات ودحض البراهين، حتى أصبح شعارا للجامدين من الفقهاء رمي ~~المفكرين بالزندقة والإلحاد. # والغزالي لم يقصد هذا ولم يرم إليه، وإنما جرح ms33 من الفلسفة كل ما يتعارض مع أصول الدين ~~وقواعده، وأما ما عدا ذلك فقد دافع عنه بحرارة وغذاه وأوضحه، ونشره على الخافقين في بحوثه ~~ودراساته. # يقول الغزالي في مقدمة كتابه «تهافت الفلاسفة» ما خلاصته: «إن الفلاسفة من عهد أرسطو ~~إلى عهدنا هذا قد بنوا مذاهبهم في الإلهيات على ظن وتخمين، من غير تحقيق ويقين، ويستدلون ~~على صدق علومهم الإلهية بظهور العلوم الحسابية والمنطقية، ويستدرجون بهذا ضعفاء العقول، ولو ~~كانت علومهم الإلهية متقنة البراهين نقية عن التخمين كعلومهم الحسابية لما اختلفوا فيها، ~~كما لم يختلفوا في الحسابية والمنطقية.» # وبهذا المنطق القوي الواضح السائغ ناقش الغزالي الفلاسفة، فحطم ونقض جميع ما دبجت ~~أقلامهم في الإلهيات وعلوم ما وراء الطبيعة. # | الغزالي ينشد الحق ولا يتقيد بالمذاهب # بعد أن طوف الغزالي في آفاق العلوم التقليدية والعقلية والمذهبية، وبعد أن صقل روحه ~~بالمجاهدات والكشف الباطني، استن لنفسه نهجا مستقلا؛ فهو طالب حق وحكمة، شعاره: «لا ~~تعرف الحق بالرجال، بل اعرف الحق تعرف أهله»، وبهذا ابتدع الغزالي مذهبا فريدا بين ~~مذاهب الفكر الإسلامي. # فهو لا يتقيد ولا يقيد نفسه بالانتساب إلى فرقة ما، أو مذهب خاص، أو يربط تفكيره إلى ~~مركبة جماعة من جماعات العلم يفكر بتفكيرهم؛ فيصوب ما يصوبون، ويخطئ ما ~~يخطئون. # بل هو ينشد الحق والحق وحده أينما وجد، وأي لسان به نطق؛ فيأخذ من آراء المتكلمين ما ~~يؤمن به، ومن آراء الفقهاء ما يعتقده بلا عصبية أو جمود. فهو يبيح لنفسه الاجتهاد، بل يبيح ~~لكل إنسان الاجتهاد؛ ليكون صاحب مذهب ورأي لا عبدا من عبيد التقليد والمذاهب. # وقد وضح الغزالي مذهبه الفكري بقوله في كتابه «ميزان العمل»: # لعلك تقول إن كلامك في هذا الكتاب انقسم إلى ما يطابق مذهب الصوفية، وإلى ما ~~يطابق مذهب الأشعرية وبعض المتكلمين، ولا يفهم الكلام إلا على مذهب واحد. فما الحق ~~من هذه المذاهب؟ فإن كان الكل حقا، فكيف يتصور هذا؟ وإن كان بعضه حقا فما ذاك ~~الحق؟ # ثم يجيب عن هذا بقوله: # اطرح المذاهب، فليس مع واحد ms34 منهم معجزة يترجح بها جانبه. فاطلب الحق بطريق النظر، ~~لتكون صاحب مذهب، ولا تكن في صورة أعمى مقلد، وإنما خذ الحق أينما وجدته، وفي أي ~~ناحية كان، واطلب الحق بالنظر لا بالتقليد؛ فالحكمة ضالة المؤمن يلتقطها أينما ~~وجدها. # وتلك رحابة فكرية من الغزالي لم تعرف لغيره من رجال الدين؛ فهو ينشد الحق لا المذهب، ~~ويعرف الحق أولا ثم الرجال، لا الرجال أولا ثم الحق. # وهو يرى أن العصبية لمذهب ما تحرم الإنسان من جني ثمرات طيبة في غيره. فليس مذهب ~~ما مهما عاديناه وخاصمناه يخلو من فكرة رائعة، ونظرة صائبة ولو في جانب واحد، ومذهبنا الذي ~~نعتنقه مهما أحببناه وقدسناه لا يخلو من ضعف ولو في فكرة واحدة من طرائق بحثه وعرضه، فلم ~~نقيد أنفسنا، والعلم كالفكر يجب أن نحرره من العصبية، فننشده في كل أفق ونطلبه في كل ~~نبع؟! # وهي فلسفة غزالية مبتكرة في التفكير الإسلامي، بل هي فلسفة غدت اليوم من سمات العلماء ~~المجددين. # | جهاد الغزالي # بعد أن تطهر الغزالي في عزلته، وبعد أن أعد نفسه إعدادا عقليا وروحيا لرسالته ~~الإصلاحية، وبعد أن آمن بأن لديه مسببات النجاة لهؤلاء الذين يسيرون في الحياة بلا غرض ولا ~~غاية ولا هدف نبيل، يسيرون تعلو وجوههم علامات التعب والأسى، وتزخر قلوبهم بشهوات النفس ~~والهوى، وتموج عقولهم بالترهات والأكاذيب والضلال؛ فارق اعتكافه وعزلته ليحمل راية الجهاد، ~~راية الأنبياء والمصلحين والقادة. # فهو يعتقد أن الاعتكاف والعزلة والنجاة بالنفس أوهى درجات اليقين والإيمان، أما الجهاد في ~~سبيل الخير والإصلاح وتهذيب الإنسانية وهديها فهو رسالة الأنبياء، ورسالة العلماء الذين هم ~~ورثة الأنبياء، والحفظة على تشريعهم، فإن كان الورع والزهد عبادة فالجهاد لإصلاح حالة ~~المجتمع هو أسمى حالة التقوى، بل هو روح العبادة ونورها وعلامة اليقين والإجلال لها. # فارق الغزالي عزلته ليواجه الحياة برسالته، وهو يعلم أن دون تلك الرسالة أهوال وعقبات، ~~ولكن الإيمان لا يروعه هول، ولا يفل من عزمه مشقة الطريق ووعورة المسالك. # نظر الغزالي إلى المجتمع في عصره فرآه ضعيف الإيمان قليل العمل ms35 للآخرة ، فراح يتقصى ~~الأسباب حتى إذا أحاط بها حصرها في أربعة أمور رئيسية: ~~(1) # الخوض في الفلسفة. ~~(2) # الخوض في طريق التصوف. ~~(3) # الانتساب إلى دعوى العلم. ~~(4) # سوء أخلاق العلماء. # وقد أوضح الغزالي تلك الأمور بقوله: # أخذت أسأل المقصر: ما لك تقصر؟ إن كنت مؤمنا بالآخرة فلماذا لا تستعد لها؟ وإن ~~كنت لا تؤمن بالآخرة وإنما لا تستطيع المجاهرة فأنت منافق ضائع الرأي! فكانت ~~الأجوبة كما يأتي: # فمن قائل يقول: هذا أمر لو وجبت المحافظة عليه لكان العلماء أجدر بذلك، وفلان من ~~المشاهير بين الفضلاء والعلماء لا يصلي، وفلان يشرب الخمر، وفلان يأكل أموال ~~الأوقاف وأموال اليتامى، وفلان يأخذ الرشوة على القضاء والشهود، وهؤلاء قد ضلوا ~~بالقدوة السيئة. # وقائل ثان يدعي علم التصوف، ويزعم أنه قد بلغ مبلغا ترقى به عن الحاجة إلى ~~العبادة. # وثالث يتعلل بشبهة أخرى من شبهات أهل الإباحة، ويزعم أن مشايخه قد فعلوا وقد ~~أفتوا، وهؤلاء ضلوا عن التصوف. # ورابع اشتغل بالعلوم والمذاهب، فيقول: الحق مشكل، والاختلاف فيه كثير، وليس بعض ~~المذاهب أولى من بعض، وأدلة العقول متعارضة؛ فلا ثقة برأي أهل الرأي! # وخامس يقول: أنا أعظم من أن أقلد، فقد قرأت الفلسفة وأدركت حقيقة النبوة، وقد ~~بلغت مرتبة من الحكمة، والمقصود من العبادة ضبط عوام الخلق وتقيدهم عن التقاتل ~~والتنازع والاسترسال في الشهوات، فما أنا من العوام الجهال حتى أدخل تحت نير ~~التكليف، وإنما أنا من الحكماء أتبع الحكمة. # حتى إن بعضهم كان يشرب الخمر، ويقول: إنما نهي عن الخمر؛ لأنها تورث العداوة ~~والبغضاء، وأنا بحكمتي متحرز عن ذلك، وإني أقصد بها شحذ خاطري. حتى إن ابن سينا ~~كتب: «أنه عاهد الله أن لا يفعل كذا وكذا، ولا يشرب الخمر تلهيا، بل تداويا ~~وتشافيا.» # فلما رأيت ذلك اعتزمت كشف أسرارهم، وتحطيم تلك الأصنام من العلماء والفلاسفة؛ ~~لكثرة خوضي في علومهم وطرقهم، أعني الصوفية والفلاسفة ودعاة الفقه والعلم. # وإذن؛ ففساد القادة، وضلال الأتباع، والجهل بالشريعة؛ كانت دوافع الغزالي في تركه ~~العزلة، وإعلانه الجهاد، وقيامه بالدعوة إلى تجديد الروح الإسلامي، ms36 والآداب الإسلامية ~~والأخلاق النبوية. # وفي سبيل تطهير المجتمع الإسلامي رفع الغزالي لواء رسالته الأخلاقية، وهي من أجل ~~جوانب رسالته العامة. # ولكي ندرك عظمة الغزالي في جهاده يجب أن نتصور فساد عصره وبلبلة الأفكار فيه، وفساد ~~العلماء والفقهاء المتصدرين للقيادة والإرشاد، هؤلاء الفقهاء الذين يصفهم الغزالي فيقول: # ولو سئل فقيه عن معنى الإخلاص أو التوكل أو وجه الاحتراز من الرياء لتوقف فيه، ~~ولو سألته عن اللعان والظهار لسرد عليك مجلدات من التفريقات الدقيقة التي تنقضي ~~الدهور ولا يحتاج إلى شيء فيها، وهو لا يزال يتعب ليلا ونهارا في حفظها ودرسها، ~~ويغفل عن روح الإسلام ومعانيه. # وإذا روجع فيه قال: اشتغلت به؛ لأنه علم الدين وفرض كفاية، ويلبس على نفسه وعلى ~~غيره في تعلمه. # ولو كان غرضه الحق في تعلم فرض الكفاية لقدم عليه فرض العين، بل قدم عليه ~~كثيرا من فروض الكفاية، فكم من بلد ليس فيه طبيب إلا من أهل الذمة، ثم لا ترى ~~أحدا يشتغل به ويتهاترون على علم الفقه لا سيما الخلافيات والجدليات، والبلد ~~مشحون من الفقهاء. # فليت شعري! كيف يرخص فقهاء الدين في الاشتغال بفرض كفاية قد قام به جماعة إهمال ~~ما لا قائم به؟ هل لهذا سبب؟ إلا أن الطب ليس متيسرا به الوصول إلى تولي الأوقاف ~~والوصايا وحيازة أموال اليتامى، وتقلد القضاء والحكومة والتقدم به على الأقران ~~والتسلط به على الأعداء. # تلك أخلاق العلماء والفقهاء في عصره، وهذا مبلغها من الفساد وفهم الشريعة والأخلاق، وإذا ~~فسد العلماء والفقهاء فسدت الجماهير وفسدت الصورة النبيلة التي للدين. # وقد استطاع الغزالي أن يظفر بنصر كامل، بل استطاع أن يدفع قافلة الحياة في عصره إلى ~~وجهة جديدة، وأن يحمل الناس على نهج جديد لا تزال آثاره تسود عصرنا وتهيمن على توجيهاته رغم ~~القرون والأحقاب. # يقول العلامة ماكدولاند: «إن الغزالي عاد بالناس من الجري في أثر النظريات والجدل، ~~والفقه والمنطق والعلوم الدينية، واختلاف المذاهب والطرق، إلى الحياة الحقيقة والاتصال ~~الملابس للدين والسنة والكتاب، بل إلى روح الدين ذاته وجوهره ولبابه ms37 دون القشور ~~والسطوح والمسائل النظرية الكثيرة العقد، وإن ما وقع في أوربا عند تحطيم نير الفلسفة ~~المذهبية في القرون الوسطى، بل إن ما هو اليوم بالذات واقع بسبيل هذا، ونحوه قد وقع بالفعل ~~في الإسلام لعهد إمامة الغزالي وزعامته الفكرية، وقيامه بدعوته وأداء رسالته. # وقد كان في وسعه أن يكون فقيها مع الفقهاء ومذهبيا مع المتبذهبين، ولكن طريقته في الحق ~~وفضله ينحصران في توفره على إبراز الكتاب والسنة، وجعلهما أساسا علميا لا تحول عنه ولا ~~تبديل له، وقد ظهر دائما أن الانطلاق من البحث النظري عن الحقائق والجدل فيها، والحوار ~~المقيم عليها، إلى الأخذ بهذه الحقائق الأساسية في غير جدل عقيم، وبحث غير مجد؛ هو في ~~الواقع الفرار من النزعة المذهبية، والتخلص من نيرها المستبد الأليم. # وقد حاول الإمام أبو الحسن الأشعري ذلك بالذات قبل الغزالي بمائتي سنة، كما حاوله ابن ~~رشد كذلك بعد مائة سنة من رحيله، وكما فعل في عهدنا هذا «إسبرنجر» إذ أراد أن يدخل حياة ~~جديدة على الإسلام في الهند فلم يوفق وعاد فاشلا، ونحسبه لم ينجح لأن المهمة كانت شاقة ~~عصيبة عليه، أو لأنه لم يكن له من الإيمان والشخصية ما كان للغزالي من ذلك كله.» # ولا جدال في أن الغزالي - كما يقول ماكدولاند - قد انتصر بإيمانه وشخصيته، وما كان ~~لرجل أن ينتصر في تلك المعركة إلا بإيمان لم يهن، بل يلهم وينتصر، وشخصية تحمل جيلها على ~~الإجلال والإيمان. # | دستور الغزالي الخلقي # الغزالي أكبر كاتب خلقي عرفه الفكر الإسلامي، بل لعله أكبر كتاب الأخلاق الدينية في ~~العالم. # فقد جعل الأخلاق رسالته العليا، وربط الأخلاق بالدين رباطا لا انفصام له، بل جعل الأخلاق ~~هي روح الدين، والغاية منه، وأضفى على العبادات أصولها وفروعها ألوانا خلقية تحببها ~~إلى النفوس، وتعطرها في القلوب، وتملأ الحس خشوعا وإيمانا وجلالا. # فللصلاة آدابها التي هي الروح والهدف، وللصيام برنامجه الخلقي الذي لا يستقيم بدونه، ~~وللنفس والقلب ولكل جارحة من الجوارح وخاطرة من الخواطر صفة خلقية، ودعوة إلى تطهير وتزكية، ~~حتى همسات ms38 القلب ، وسوانح الفكر، يقيدها الغزالي وينظمها ويضع لها دستور الكمال. # وتساير أخلاقيات الغزالي الإنسان في مأكله ومشربه ومنامه وحله وترحاله، وتلازمه في ~~تصرفاته مع الأصدقاء والأهل والزوج والولد والمجتمع والعالم. # فالأخلاق عند الغزالي شريعة شاملة للحياة بأسرها، شريعة لها مثلها العليا وأهدافها ~~السامية المرتفعة إلى السماء، ثم هي أيضا تعيش معنا على الأرض متصلة اتصالا وثيقا بكل ~~حركة من حركات الروح والقلب والعقل والبدن. # وقد عاب الماديون على الغزالي أن فلسفته الخلقية فلسفة سلبية لا تلائم الحياة العملية، ~~ولا تصلح في معترك الحياة وزحام الوجود، ولا تعد صاحبها للكفاح والنضال والغلبة ~~والسيادة. # عاب الماديون على الغزالي هذا، وكأنهم يريدون أن يسمعوا من الأخلاق رنين السيوف لا ~~همسات السلام، وصيحات القتال لا نداء الرحمة والوئام. # عابوا على الغزالي فلسفته الأخلاقية؛ لأنها تريد أن تبتدع مجتمعا فاضلا معطرا ~~بصفاء الروح وطهارة القلب والحس والجوارح، طهارة لا تعرف الغل والحسد، ولا تقر الغش ~~والتزييف، ولا ترضى التواثب والتلاحم، وتنكر الصراع والنزال. # وعابوا على الغزالي فيما عابوا أنه مزج الدين بالأخلاق، والروحانيات بالفضائل، ولم ~~يمزجها بعلم النفس، ولم يقم صروحها على نداءات الجنس، وضرورات الشهوة، ودوافع المجد ~~والنصر في الروح البشرية. # عابوا على الغزالي وأسرفوا، ثم عابوا وأسرفوا، فأخطئوا وأسرفوا في الخطأ؛ لأن ~~أخلاقيات الغزالي لا توزن بتلك الموازين الجامدة المتشائمة التي صور أصحابها الناس بألوان ~~من الشهوات وألوان من الغايات وألوان من النزوات، لا يستقيم معها خلق ولا يسود فيها ~~دين. # أما الميزان الصادق الذي يقام في ساحة العدالة الفكرية، عند دراسة تلك الأخلاق، فهو ميزان ~~الآداب السماوية، وميزان المثالية الخلقية. # فالغزالي حينما وضع دستوره الأخلاقي كان يمسك بيمناه ميزان عدل وهدى، الأخلاق عنده هي ~~كل ما يرفع النفس، ويسمو بالحياة إلى مناطق النور والصفاء، والرذائل لديه هي كل ما يفسد ~~الجسم والنفس والعقل، ويبعد الروح عن مناطق النور والصفاء. # فإذا دعا الغزالي إلى عدم التكالب على الرزق، والتفاني في الحرص على متاع الحياة، وذهاب ~~النفس حسرات على مباهجها، فذلك لأنه يحتقر المال ms39 والجاه والسيادة إذا كان في الفوز بها ~~صفة من تلك الصفات التي تمس الخلق القويم. # وإذا نادى بكف النفس والعقل واليد عن مطامع الحياة، وكف النفس والعقل واليد عن المتاع ~~الزائل والمجد الزائف والصراع الباطل، فليس لنا أن نقول للغزالي إن هذا الزهد في الحياة ~~يقتل بواعث المجد في النفوس، ويخمد شعلة التوثب والفوز في القلوب. # فالغزالي لم يتخيل الدنيا ملحمة بين كباش تتناطح، وإنما تصورها حنانا ورحمة وطاعة ~~وعبادة، فالمجد عنده مجد النفوس المطمئنة المتحابة، والنصر لديه هو الفوز على النزوات ~~والشهوات والتطهر من الرذائل الهابطة إلى الظلمات. # نظر الغزالي إلى الحياة الدنيا باعتبارها وسيلة لا غاية، وعبادة لله لا للدرهم والدينار ~~والتغالب والتفاخر والتنابذ بالألقاب. # كتب الغزالي أخلاقياته للمجتمع الإسلامي الفاضل الذي يؤمن به ويدعو إليه، ومن ثم ابتدع ~~له أخلاقا كاملة على أسس دينية وطاعات روحية وقلبية. # فليس لنا أن نقول له إنك أهملت ما كشف العلم الحديث من علوم وفنون، فالعلم الحديث يقرر أن ~~الجنس هو المحرك الأول للوجود والملون الأول للأخلاق والبواعث القلبية والنفسية، وأنت ~~تقسو على الجنس وتغالي في قمعه وتهذيبه، وتغالي في عدم الاعتراف بسلطانه وجبروته. # وليس لنا أن نعترض عليه بأن الحياة هي القوة، والتوثب للمجد، والتطاول والتفاخر بالمال ~~والجاه، وما إلى المال والجاه من متاع وسلطان. # وليس لنا أن نقلل من شأن أخلاقيات الغزالي؛ لأن روح الزهد والقناعة تترقرق واضحة بين ~~أسطرها، وعطر المحبة والعبادة يتضوع من شمائلها وأعطافها. # الأخلاق عند الغزالي نشيد لم يترك وجهة من وجهات الحياة إلا ألقى عليها النور والرحمة ~~والإيمان والسلام. # الأخلاق لديه صفات مثالية، أو إن شئت فهي محاولة صادقة لإنشاء إنسانية فاضلة وخلق ~~مجتمع بشري سعيد. # أسلوبه وطريقته # يقول العلامة ماكدولاند: «إن الغزالي في وعظه وأخلاقياته وتعاليمه النفسية عاد ~~فأدخل عنصر الخوف، فقد جعل في كتابه «المنقذ من الضلال» وغيره من الكتب يؤكد وجوب إلقاء ~~الرعب والوجل في النفوس العامة، مناديا بأن الأمر لم يعد يستوجب الملاينة والمصانعة ~~والرفق والتأميل والتفاؤل؛ بل لقد وجب ms40 أن تبين للناس حقيقة الجحيم وعذابها الأليم، فقد ~~أحسها هو في نفسه وشعر بها في أعماقه، وقد رأيناه كيف تجرد من المتع، وأخضع النفس للزهد ~~والنسك والحرمان، وجعل الخوف من النار الباعث الأكبر على هدايته واجتنابه الضلال ~~والهوى». # كانت طريقة الغزالي التي ترمي إلى التهويل وإلقاء الرعب في القلوب ملائمة لعصره ~~الذي لم يعد الأمر فيه - كما يقول ماكدولاند - يستوجب المصانعة والملاينة، ذلك العصر ~~الذي أسرف على نفسه في الشكوك والأوهام، وأسرف على نفسه في الترف والملاذ، وأسرف على ~~نفسه في التنابذ والخصام، فقاوم الغزالي تلك الروح المسرفة العابثة بأسلوب ملتهب ~~حار يبرق فيه التهديد والوعيد، وتتمثل فيه أهوال العقاب والثواب. # وأسلوب الغزالي فوق عنفه وقسوته يخفق على القرطاس نابضا بالحياة، ويتسلل إلى ~~القلوب مناجيا الضمائر والأحاسيس، حتى ليشعر قارئ الغزالي بروح يتكلم في أعماق، ~~ويحس شخصية الغزالي تناجيه وتلازمه، وتسيطر على أفكاره واتجاهاته. # والغزالي كاتب مصور بارع الخيال، يمتلك في يسر وبساطة حاسة الخيال الفني؛ فهو فنان ~~في أخيلته، فنان في تصويره، فنان في أمثلته وتشبيهاته. # انظر إليه كيف يشبه من يحسب أن المحسن أحسن باختياره، إنه يشبهه بالنملة ترى سواد ~~الخط على بياض القرطاس يحصل من حركة القلم، فتضيف ذلك إلى القلم؛ إذ حدقتها الصغيرة ~~الضعيفة لا تمتد إلى الإصبع، ومنها إلى اليد، ومنها إلى القدرة المحركة لليد، ومنها إلى ~~الإرادة، ومنها إلى المعرفة، ومنها إلى صاحب القلم والقدرة والإرادة. # فأسلوب الغزالي في أخلاقياته يستمد قوة عرضه وقوة تأثيره من حاسة الخيال الفني، ~~فإذا تكلم عن فضيلة من الفضائل عمد إلى ذكر ما ورد في حمدها من الآيات في اختيار بديع ~~بارع، ثم يسرد ما جاء عنها من الأحاديث، ثم يعقب بالآثار، وينطلق بعد ذلك مؤيدا قوله ~~بالقصص والأمثال التي تأسر قلب القارئ، وتصور في نفسه محبة تلك الفضيلة، وما لها من ~~خطورة وجلال. # فإذا تكلم عن رذيلة، من الرذائل، طرق هذا النهج أيضا مضيفا إليه إلهاب الكرامة ~~النفسية في القلب، وتنفير تلك الكرامة من أن تتدنس برذائل ms41 حيوانية حقيرة. # أما ميزة أخلاقيات الغزالي الكبرى فهي صلاحيتها الخالدة لكل جيل وعصر، وصلاحيتها ~~الخالدة لكل قارئ على اختلاف الثقافات والبيئات أسلوبا ومعنى. # تربية الخلق أو العادة # وللعادات عند الغزالي تأثير كبير في تكوين الخلق، حتى إن الخلق بحكم العادة يصبح ~~عبارة عن هيئة في النفس راسخة تصدر عنها الأفعال بسهولة، من غير حاجة إلى التفكير ~~والروية؛ فالخلق عبارة عن هيئة النفس وصورتها الباطنة، ولهذا السبب نرى الغزالي ~~يتشدد في الأمور الطفيفة المتعلقة بالأخلاق؛ لأنه يؤمن بأنها ستكون مقدمة لما هو ~~أشنع، وبأنها ستصبح صورة لازمة. # وهو يقرر أن النفس إذا كانت تستلذ الباطل وتميل إليه بالعادة، فكيف لا تستلذ الحق لو ~~ردت إليه والتزمت المواظبة عليه؟! # كما يقرر أن النفوس بفطرتها خيرة تميل إلى الخير، أما هذا الميل إلى الأمور الخسيسة ~~فهو أمر خارج عن الطبع، يضاهي الميل إلى أكل الطين، وقد شاهد الغزالي قوما يستطيبونه ~~بحكم تغلب العادة والاستمرار عليها. # إن النفوس خلقت بفطرتها تهوى الحكمة وحب الله ومعرفته وعبادته، وهو أمر أصيل لا ~~دخيل؛ لأنه وحي الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وميل غريزي كالميل إلى الطعام ~~والكلام، وهو ضروري للقلب؛ لأنه أمر رباني. # أما الميل إلى مقتضيات الشهوة فغريب عن ذات الإنسان، وعارض على طبعه، وإنما أصبح ~~مألوفا بالعادة السيئة، ولهذا أصبح الطفل أمانة في عنق ذويه؛ فليتقوا الله في أمانته ~~وليحافظوا على تربيته، وليتجهوا به الوجهة الصالحة التي خلق لها، وليجنبوه مهاوي الضلال ~~وفاسد العقائد والعادات. # ومسألة الفطرة البشرية، وهل الشر أصيل في النفوس أو دخيل عليها مسألة تطاحنت فيها ~~العقول واختلفت، ولم نر فيصلا تطمئن إليه القلوب في هذا الاختلاف. # ولكن الغزالي يلبس تلك الفكرة ثوب الدين؛ فيرى أن الميل إلى الحكمة وحب الله ~~وعبادته أمر رباني في القلوب أصيل لا دخيل، وإنما فاسد الأخلاق هو الذي يميل بالنفس ~~إلى الهوى ومجانبة الحق وارتكاب الشر. # والغزالي بذلك يعلي من شأن الروح البشري، ويعلي من شأن الفطرة الأولى، ويعلي ~~مكانة الإنسان عند ربه، حتى إنه ms42 يخلقه مهيأ للخير مجلوبا عليه، # فطرة الله التي فطر الناس عليها ~~. # الخلق والتخلق # والغزالي يرى أن تربية الخلق الفاضل تكون بالتخلق؛ أي حمل النفس على الأعمال ~~الصالحة الطيبة، ومن هنا نشأ اهتمام الغزالي بالرياضة الروحية وتقديره إياها وإيمانه ~~بضرورتها، ويقرر أن كسب الخلق بسبب التخلق من عجيب العلاقة بين القلب والجوارح، ~~ويعلل ذلك بقوله: «كل صفة تظهر في القلب يفيض أثرها على الجوارح، حتى لا تتحرك إلا على ~~وفقها، وكل فعل يجري على الجوارح يرتفع منها أثر إلى القلب، والدليل على ذلك أن من أراد ~~أن يصير الحذق في الكتابة صفة نفسية له، فلا طريق له إلا أن يتعاطى بجارحة اليد ما ~~يتعاطاه الكاتب الحاذق، ويواظب عليه مدة طويلة، يحاكي الخط الحسن، حتى يصير صفة لازمة ~~له، بعد أن كان في الابتداء تكلفا. # وكذلك من أراد أن يكون حسن الخلق فعليه أن يحاكي ذوي الأخلاق الحسنة، حتى يصبح ~~بالتكرار منهم.» # واجب المرشد الأخلاقي # الخلق السيئ عند الغزالي: هو مرض القلب، فإذا كان الجهل يعالج بالتعليم، ومرض ~~البخل بالتسخي، فسوء الخلق يعالج بمجاهدة النفس. # وكما أنه لا بد من احتمال مرارة الدواء، ومشاق التعليم، فلا بد أيضا من احتمال ~~مرارة المجاهدة، والصبر على احتمال المداومة على تلك المجاهدة. # والغزالي طبيب نفساني ماهر، فهو يرى أن الدواء إذا زاد قتل، وإن قل أخفق، وأن ~~هذا الدواء قد ينفع لشخص ما ويضر غيره، وكما أن الطبيب لو عالج جميع المرضى بعلاج ~~واحد قتل أكثرهم، فكذلك المرشد لو أشار على المريدين بنمط واحد من الرياضة والمجاهدة ~~أهلكهم وأمات قلوبهم، بل ينبغي أن ينظر في مرض المريد وحاله وسنه ومزاجه وبيئته، ويبني ~~على ذلك حكمه وعلى هذا الهدي يقرر نوع رياضته. # وتلك لفتة بارعة من الغزالي، فلكل نفس حالتها ومزاجها الخاص، فإذا لم يراع في ~~تهذيبها ظروف البيئة والمزاج والاستعداد النفسي لم يصل المربي إلى غايته، ولم يحصل ~~داعي الأخلاق على أمنيته. # الصفات التي يجب تهذيبها # الفضائل في مجموعها عند الغزالي تنحصر في معنيين؛ جودة ms43 الذهن والتميز، وحسن ~~الخلق، فجودة الذهن ليميز طريق السعادة والشقاء، وليعتقد الحق في الأشياء ببراهين ~~قاطعة مفيدة لليقين، لا عن تقليدات ضعيفة ولا عن تخيلات واهية، وأما حسن الخلق فإنه ~~يزيل جميع العادات السيئة التي عرف الشرع تفاصيلها فيتجنبها، ويتعود العادات الحسنة ~~ويشتاق إليها. # ثم ينتقل الغزالي من ذلك إلى تفصيل القوى النفسية التي يجب تهذيبها، فيحصرها في ~~ثلاث قوى رئيسية. # قوة التفكير، وقوة الشهوة، وقوة الغضب. # فإذا هذبت قوة التفكير كما ينبغي حصل بها الحكمة التي أخبر الله عنها بقوله: # ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ~~، ~~وثمرتها أن يتيسر له التفريق بين الحق والباطل في الاعتقادات، وبين الصدق والكذب في ~~المقال، وبين الجميل والقبيح في الأفعال، ولا يلتبس عليه شيء من ذلك. # القوة الثانية: هي الشهوة، وبإصلاحها تحصل العفة؛ حتى تنزجر النفس عن الفواحش ما ظهر ~~منها وما بطن، وتنقاد للمواساة والإيثار المحمود بقدر الطاقة. # والثالثة: الحمية الغضبية، وبقهرها وإصلاحها يحصل الحلم، وهو كظم الغيظ وكف النفس ~~عن التشفي، وتحصل الشجاعة وهي كف النفس عن الخوف والحرص. # فإذا أصلحت القوى الثلاث وضبطت على الوجه الذي ينبغي، وإلى الحد الذي ينبغي، ~~وجعلت القوتان منقادتين للثالثة التي هي الفكرية العقلية؛ فقد حصلت العدالة، وبمثل هذا ~~العدل قامت السموات والأرض، وهي جماع مكارم الشريعة وطهارة النفس وحسن الخلق، كقوله # صلى الله عليه وسلم ~~: «أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم أخلاقا وألطفهم بأهله»، وقوله: «أحبكم إلي ~~أحاسنكم أخلاقا، الموطئون أكنافا، الذين يألفون ويؤلفون.» # أمهات الفضائل النفسية # وانتقل الغزالي من تلك القوى الثلاث التي يجب تهذيبها إلى الفضائل النفسية، فقسمها ~~إلى أربعة أصول رئيسية تشتمل شعبها وأنواعها على الفضائل عامة، وهي: # الحكمة، والشجاعة، والعفة، والعدالة. # فالحكمة فضيلة القوة العقلية، والشجاعة فضيلة القوة الغضبية، والعفة وكمالها الورع ~~فضيلة القوة الشهوانية. # فالحكمة: # تنطوي تحتها العلوم اليقينية الصادقة التي لا تختلف باختلاف العصور ~~والأمم، كالعلم بالله تعالى وصفاته وكتبه ورسله وأصناف خلقه في ~~العالم، والعلوم التي تساس بها قوى النفس، وتساس بها الجماعات ~~والأمم. # والشجاعة: # وكمالها المجاهدة والعدالة، ms44 ينطوي تحتها الكرم والنجدة وكبر النفس، ~~والاحتمال والحلم والثبات والنبل والشهامة والوقار. # والعفة: # وينطوي تحتها الحياء والخجل، والمسامحة، والصبر، والسخاء، وحسن ~~التقدير، والانبساط، والدماثة، والانتظام، وحسن الهيئة، والقناعة، ~~والهدوء، والورع، والطلاقة، والظرف والمساعدة. # والعدالة: # وكمالها الإنصاف، الإنصاف العام؛ فلا تحب لأخيك إلا ما تحب لنفسك، ~~وتكره لأخيك ما تكرهه لنفسك، وتعطي الحق كاملا. # فالعدالة جامعة لجميع الفضائل، والجور مقابل لها، وهو جامع لجميع ~~الرذائل. # تلك هي جماع الفضائل النفسية عند الغزالي، وهو يشرح كل واحدة منها شرحا كاملا ~~شاملا، مستمدا أدلته من الكتاب والسنة والكشف والأمثال. # ثم يعقبها بالفضائل البدنية، ويحصرها في أربعة أمور: الصحة، والقوة، والجمال، وطول ~~العمر. # ولكل واحدة من تلك الفضائل عنده معان وصفات وأهداف وواجبات، تستغرق من بحوثه صفحات ~~وصفحات. # ثم يتم هذه الفضائل بفضائل يسميها: «فضائل مطيفة بالإنسان»، وهي أربعة أمور أيضا: ~~المال، والأهل، والعز، وكرم العشيرة. # ولا يتم الانتفاع بشيء من ذلك إلا بالنوع الخامس من الفضائل، وهي الفضائل التوفيقية، ~~وهي أربعة: هداية الله، ورشده، وتسديده، وتأييده. # ذلك هو الدستور الخلقي للغزالي، وهو دستور تشتمل عليه طائفة كبيرة من كتبه، ~~وينثره كالعطر بين أسطره وفصوله، في مختلف كتبه وفنونه. # وهو دستور وإن لم يخضع للقواعد النفسية والنظريات العلمية الحديثة - بل خضع خضوعا ~~تاما للفكرة الدينية والآداب الإسلامية - فقد حقق كثيرا من أهدافه ومراميه، واستطاع ~~أن يكون إماما مرشدا للملايين، أحقابا وقرونا. # هو دستور أوجد في الشرق مدرسة تأدبت بآدابه، وتتلمذت على فضائله، بل قد هيمن هذا ~~الدستور على أهداف الوعظ الإسلامي هيمنة كاملة ملموسة الأثر إلى يومنا. # | الغزالي وصلات الرجل بالمرأة # حديث الغزالي عن المرأة مطبوع دائما بطابع الخلق الكريم؛ فهو يقيم صلات الرجل بالمرأة ~~على آداب عليا وتقاليد مهذبة، لا تجنح إلى الشدة ولا تدفع إلى الاستهتار. # فهو يقرر أن سيادة البيت للرجل، وبدون تلك السيادة لا تستقيم الحياة ولا توجد السعادة، ~~فمن أطاع المرأة وملكها نفسه فقد عكس القضية؛ إذ حق الرجل أن يكون متبوعا لا تابعا، وقد ~~سمى الله تعالى الرجال ms45 «قوامين على النساء»، وسمى الزوج «سيدا» فقال تعالى: # وألفيا سيدها لدى الباب # فإذا انقلب السيد ~~مسخرا فقد بدل نعمة الله كفرا، ولكنه يفرض للمرأة حقوقا مقدسة، ويفرض على الرجل ~~واجبات يؤديها للمرأة، ويلزم بها إلزاما هي كفاء سيادته. # ولعل المرأة لم تطمع يوما من الأيام، مهما نادت بالمساواة وتطرفت في تلك المساواة، في ~~كلمة أروع من تلك الكلمة التي جعلها الغزالي محور صلات الرجل بالمرأة، وهي قوله: «ليس حسن ~~الخلق مع المرأة كف الأذى عنها، بل احتمال الأذى منها، والحلم عند طيشها ~~وغضبها.» # ذلك دستور الغزالي الخلقي في صلات الرجل بالمرأة، فليس حسن الخلق كف أذى الرجل عن ~~المرأة، بل احتمال الأذى منها عند غضبها وطيشها. # ويأمر الغزالي الرجل بأن يكون بشوشا مرحا مع زوجه، فيطيب قلبها بالمزاح والمداعبة، ~~ولا يقتر في الإنفاق عليها، بل يجب عليه أن يتحفها دائما بالهدايا والحلوى، كما أن عليه أن ~~ينظر في حاجة المرأة إلى حقوق البدن وندائه، وهو أساس التحصين والعفة. # والاعتدال في الغيرة هو قاعدة السعادة والهناء في الحياة الزوجية، فيقول الغزالي: يجب ~~على الرجل أن لا يتغافل عن مبادئ الأمور التي تخشى غوائلها، ولا يبالغ في الظن والتعنت ~~وتجسس البواطن. # ومبدأ الاعتدال في الغيرة من أسمى المبادئ، بل هو أصل من الأصول المؤدية إلى هناء ~~العش الزوجي، وإطلاق النور والمحبة والصفاء في رحابه. # وينادي الغزالي بضرورة تعليم المرأة، ولكنه يقصر تعليمها على الأمور الدينية، ويلزم ~~الرجل بتعليم زوجته الصلاة ومبادئ الدين، فإن قصر وجب على المرأة أن تخرج لتتعلم ولا جناح ~~عليها في ذلك، وليس للرجل أن يمنعها؛ إذ العلم واجب ديني على الرجال والنساء، فإذا أتمت ~~تعلم الفرائض وأصول الدين، فلا يحق لها أن تخرج للاستزادة من العلم إلا برضاء الزوج ~~وموافقته. # ويلح الغزالي على الرجل إلحاحا كبيرا في وجوب الرفق بالمرأة، فيقول في كتابه ~~«التبر المسبوك»: «إن من أحب أن يكون مشفقا على زوجته رحيما بها فليذكر أن المرأة ~~لا تقدر أن تطلقه وهو قادر على طلاقها، وأنها ما ms46 دامت في عصمته لا تقدر على زوج سواه، وهو ~~قادر على ذلك، وأنها تقنع منه بطلاقة وجهه وبالكلام اللين، وهو لا يرضى بجميع أفعالها، ~~وأنها تفارق أمها وأباها وجميع أقاربها لأجله، وهو لا يفارق لأجلها أحدا.» # الغزالي والطلاق # الطلاق إحدى المسائل الرئيسية التي أسرف الناس فيها إسرافا لا يرضاه الشرع، ولا تقره ~~نظم الحياة الاجتماعية. # فالطلاق دينا ليس هوى ومتاعا للنفوس، بل ضرورة وضرورة عظمى، في حالة شاذة لا ~~سبيل إلى إصلاحها وعلاج شرورها إلا به، وهو أبغض الحلال إلى الله لما فيه من ~~أذى. # والغزالي يقول: إن الطلاق إيذاء، ولا يباح للرجل إيذاء المرأة إلا بجناية من ~~جانبها. # ولا بد عند الغزالي أن يسبق الطلاق مجالس للصلح والتوفيق كما أمر القرآن، فإذا ~~وقع بين الزوجين خصام وشقاق فلا بد من حكمين؛ حكم من أهله وحكم من أهلها لينظرا ~~بينهما ويصلحا أمرهما، ولا يجب الطلاق قبل ذلك، ولا ينبغي؛ لأنه إيذاء وضرر. # وما يراه الغزالي هنا هو خلاصة روح الإسلام وتشريعه، بل ما أحوج عصرنا اليوم إلى ~~تدبره وتنفيذه، فلا يباح الطلاق إلا بجناية زوجية، ولا يباح الطلاق قبل التحكيم في ~~النزاع والسعي في التفاهم والوفاق. # | رسالة العلم وآداب المتعلمين # خطأ الجمهور والكتاب في فهم الغزالي # آراء الغزالي في العلم على لونين؛ لون صوفي ينادي بالعلم الأخروي والعزوف عن ~~سواه، ولون آخر يقدس العلوم كافة ويدعو إليها ويأمر بها. # وقد التبس هذا الأمر على كل دارسي الغزالي والمتتبعين لآرائه، بل إن لسوء فهم آراء ~~الغزالي في العلم أثرا بعيد المدى جدا في التفكير الإسلامي. # فالغزالي قد هيمن على عقول القرون التي تلته هيمنة كاملة، وقد فهم جمهرة أتباعه، ~~ومن تثقف على آرائه أنه يخاصم العلم الدنيوي، بل لقد وقع في هذا الخطأ كثير من العلماء ~~والسادة؛ فظنوا - وأكثر الظن إثم - أن الغزالي يحارب علوم العقل والتجربة، بل ~~ويذمها ويحقرها، ولا يدعو إلا إلى علوم الآخرة. # وقد حسب كثير من الناس في قرون متتالية أنهم يتابعون الغزالي، وهو حجة الإسلام، ~~إذا ms47 أعرضوا عن الدنيا إعراضا كاملا، نعيمها وطيباتها وعلومها أيضا. # وتسلسلت هذه الفكرة مع القرون، وتتابعت مع السنين، وجارى العلماء العامة في تفهم ~~الغزالي، بل جارى العامة كثيرا من رجال الفكر والقلم؛ فظنوا بالغزالي ما ظنوا، ~~ووقفوا من آرائه في العلم والتعليم موقفا مضحكا! حسبوا فيه أنهم يسخرون من ~~الغزالي؛ لتعدد آرائه وسوء فهمه، وهم يسخرون من أنفسهم؛ لأنهم لم يتفهموا حقيقة ~~آرائه. # وسر هذا الخطأ في الفهم أن الغزالي كان يكتب في أواخر حياته كتبه للصوفية وعلى ~~طريقتهم، وما كتب للصوفية لا يصلح إلا لهم ولا يباح للناس جميعا، وليس هو الحق وحده، ~~والغزالي يقول: «إن هذا الطريق ليس للناس جميعا، ولو تبعه الناس وعملوا به لخرب ~~العالم وبطلت الحكمة منه.» # فالغزالي حينما عرف العلم «بأنه العلم الأخروي»، وحينما دعا إلى الاشتغال بالعلم ~~الحقيقي كالعلم بالله وملائكته ورسله وكتبه واليوم الآخر، وإهمال علوم العقل والتجربة؛ ~~إنما كان يخاطب الصوفية وحدهم، ويقرر مذهبهم القائم على الفناء في الله والإعراض عن ~~الدنيا بالكلية؛ كان يصف صورة مثالية لقوم مثاليين في عبادتهم. # وهو إذ يعرف علم الفقه بأنه من علوم الدنيا، ويقول: «إن الفقيه هو العابد المرشد لا ~~المجادل العالم بأصول الفقه وتخريجات أحكامه.» إنما قصد بهذا التعريف وجهة النظر ~~الصوفية، وقد نبه الغزالي على ذلك في مواقف مختلفة من كتبه، فهو يقول بعد أن أشاد ~~بعلوم الآخرة وحث عليها، وأمر بترك ما سواها من علوم الدنيا: # ولا ينبغي أن يفتر رأيك في طلب العلوم الدنيوية بما حكيناه عن طريق الصوفية؛ ~~فإنهم لا يعتقدون حقارة العلوم؛ بل يعتقد كل مسلم حرمتها وعظمتها، وما ذكروه ~~إنما أوردوه بالإضافة إلى مرتبة الأنبياء والأولياء. # ثم يقول: # ومن قصد التقرب إلى الله بالعلوم نفعه الله ورفعه لا محالة. # ذلك هو قول الغزالي في وضوح وصراحة، وكأنما أحس بما سيحدث من سوء فهم لآرائه؛ ~~فنادى بعدم فتور الرأي في طلب العلوم العقلية بما يحكى عن الصوفيين؛ لأن ذلك لهم ~~خاصة، وهم لا يحتقرون العلوم؛ بل يجلونها ويعتقدون عظمتها ms48 وحرمتها وقداستها، بل ~~يقرر الغزالي أن من قصد التقرب إلى الله بالعلوم على اختلاف أنواعها نفعه الله ~~ورفعه. # بل هو يقرر في يقين أن الله سبحانه حبب العلوم إلى الناس لصلاح العالم؛ فيقول ~~في كتابه ميزان العمل: «فلولا أن الله حبب علم الفقه والنحو والطب والرياضة ... إلى ~~آخر العلوم، في قلوب طوائف من الناس، لبقيت هذه العلوم معطلة، ولتشوش النظام ~~الكلي.» # الغزالي عالم رحب الآفاق، تشهد بذلك كتبه وآثاره، عالم بالعلوم وفنونها على ~~اختلاف ألوانها وغاياتها، تشهد بذلك أيضا كتبه وآثاره؛ فهو عالم يدعو إلى رسالة العلم ~~كاملة في يقين وإيمان؛ لأنه يؤمن بأن نظام العالم ونظام القوة والسيادة في الدنيا ~~إنما يبنى على العلوم والمعارف الكونية والعقلية، فمن الخطأ في حق العلم، ومن الخطأ في ~~حق العقل أن يقول قائل: إن الغزالي يحارب علوم العقل والكون والتجربة. وهو إمام من ~~أئمتها. # ولكنه حين يتحدث في أساليب الصوفية ومبادئ الصوفية يعلي شأن العلوم الأخروية؛ لأنها ~~روح العبادة واليقين، ويجري المقارنات بينها وبين علوم الدنيا، فيذمها بالقياس إليها ~~وتمجيدا لها، والصوفية فئة من الناس ارتضوا لأنفسهم وضعا معينا، وحياة معينة، ~~ومسلكا في الوجود فريدا كالرهبان مثلا، فما يصلح لهم لا يصلح لغيرهم، وهم لم يقولوا ~~للناس هلم إلينا، ولم يقولوا لهم تكلفوا ما نتكلف، واتبعوا ما نتبع، وتحملوا ما ~~نتحمل. # ولغة الغزالي الصوفية شديدة الخطوة في تفهم آرائه، بعيدة الأثر في تشويه تلك ~~الآراء، وتشويه آثارها في النفوس والعقول، وقد فتن كثير من الناس وضلوا بسبب خطئهم في ~~فهم الصوفية وأغراضها ولغة مباحثها وعلومها. # وهو يعرض صورة الصوفية في براعة وتشويق شأن أساليبه، والقلوب تسارع إلى التمسك ~~بتلك الصور المعطرة بذكر الله والجنة، فتنسى في تلك الوثبة الروحية في ختام البحث مثلا ~~أن الغزالي قد بدأه بقوله: # من لم تكن بصيرة عقله نافذة فلا تعلق به من الدين إلا قشوره، بل خيالاته ~~وأمثلته دون لبابه وحقيقته، فلا تدرك العلوم الشرعية إلا بالعلوم العقلية؛ فإن ~~العقلية كالأدوية للصحة، والشرعية كالغذاء، والنفس المريضة ms49 المحرومة من الدواء ~~تتضرر بالأغذية ولا تنتفع بها. # وذلك اعتراف صريح من الغزالي بأن العلوم الشرعية والأخروية لا تدرك إلا بعد ~~التمكن من العلوم العقلية؛ لأنها الميزان والدواء، بل هو يربط معرفة الله بمعرفة علوم ~~الكواكب والآثار العلوية، ومعرفة أقسام الموجودات وآيات الآفاق في كثير من بحوثه، فيكف ~~يتهم الغزالي بعد ذلك بأنه من خصوم العلوم والفنون؟! # العلم أصيل في النفوس # يرى الغزالي أن النفس الإنسانية معدن للعلم والحكمة ومنبع لها، فالمعارف أصيلة ~~فيها لا دخيلة عليها. # مثلها في ذلك كالنار في الحجر، والماء في الأرض، والنخل في النواة، ولذلك وجب السعي ~~للتعلم؛ لتعود النفس إلى فطرتها، ولا بد من الصبر والتجمل في الصبر لإدراك تلك ~~الغاية العليا. # والغزالي هنا متأثر بالصوفية؛ فالمتصوفة يقولون: إن العلوم كافة موجودة في القلب، ~~وإنما أسدلت على القلوب أحجبة من الظلمة طمست تلك الأنوار، فلو رفعت الحجب بالرياضة ~~والمجاهدة لامتلأت القلوب حكمة وعلما. # الغاية من العلم # يضفي الغزالي على الغاية من العلم ثوبا خلقيا؛ لأنه ينظر إلى الدنيا دائما ~~نظرة مثالية، فالغاية من العلم عنده هي بلوغ النفس كمالها؛ لتسعد بكمالها مبتهجة بما ~~لها من البهاء والجمال أبد الدهر. # وهذا التعريف يشتمل على أدق ما قيل في الغاية من العلم، والهدف الذي ينشده الإنسان ~~من ورائه. # بلوغ النفس كمالها، تلك غاية العلم، وغاية هذا الكمال سعادة النفس بما لها من البهاء ~~والجمال؛ بهاء العلم وجمال المعرفة. # واجبات المتعلم # ثم يضع الغزالي دستورا شاملا للآداب والأخلاق والمبادئ الواجبة على المتعلم ~~والمعلم وطرق التعليم ووسائله، فيرى أن على المتعلم واجبات، أهمها: ألا يبدأ دراسته ~~في علم ما بتعلم الاختلاف الواقع بين أصحاب هذا العلم؛ لأن ذلك يفتر عزمه، ويضعف ~~إيمانه فيما يتعلم. # وألا يدع فنا من فنون العلم ونوعا من أنواعه إلا وينظر فيه نظرا يطلع به على ~~غايته ومقصده وطريقه، ثم يتخصص بعد ذلك؛ لأن العلوم جميعها متعاونة، يفيد بعضها ~~بعضا، وحتى لا يكون معاديا لعلم ما بسبب جهله له؛ فإن الناس أعداء ما جهلوا، ms50 قال ~~تعالى: # وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك ~~قديم ~~. # ثم من واجباته أيضا ألا يخوض في فنون العلوم دفعة واحدة، بل يراعي الترتيب؛ فيبدأ ~~بالأهم فالأهم، ولا يخوض في فن من الفنون حتى يستوفي الفن الذي قبله، وألا يبتر ~~العلم، بل يتمه؛ لأن العلم يجب أن يكون تاما وإلا كان مضرا. نعوذ بالله من نصف ~~متكلم ونصف طبيب؛ فذلك يفسد الدين، وهذا يفسد الحياة الدنيا. # تلك آراء الغزالي في واجبات طالب العلم وأساليب التعليم، وهي تطابق أرقى البرامج ~~العلمية الحديثة، وتتمشى جنبا إلى جنب مع المناهج المستحدثة في الكليات والجامعات، من ~~حيث التخصص بعد الإلمام العام. # ومن أروع لفتات الغزالي البارعة أنه يجب الاطلاع على كل علم حتى لا يعادى بسبب ~~الجهل به؛ لأن الناس أعداء لما جهلوا. # ثم يجعل الغزالي رسالة العلم مستمرة، فيقرر أن المتعلم إذا بلغ الغاية من العلوم ~~أصبح من الواجبات المقدسة عليه أن يعلم غيره؛ حتى تتم حلقة العلم فتشمل الإنسانية ~~كافة. # واجبات المعلم # وعلى المعلم آداب وواجبات أهمها: # أن يجعل تلاميذه عنده كبنيه تماما حبا ورعاية وإخلاصا في تثقيفهم وتعليمهم، ~~وتزويدهم بالمثل العليا التي تفيدهم وتفيد الإنسانية على أيديهم. # وعليه أن يعمل بما علم قبل أن يدعو الناس إلى علمه، فمعلم الشرع لا يكذب حاله ~~مقاله، وإلا نفر الناس من آدابه وشرعه. # والطبيب إذا تناول ما زجر الناس عنه حملهم على الهزء به وتناول ما نهاهم عنه، ولو ~~كان من السموم، فيضل ويضل، وينقلب النهي إغراء وتحريضا. # والعلم والعمل صفتان متلازمتان عند الغزالي، فلا قوام لإحداهما بدون الأخرى، فإذا ~~ترك المعلم ما يهديه إليه علمه ويأمره به فقد ضل وأضل، وفقد ثقة الناس، بل يجب ~~الإعراض عنه وإخراجه من حظيرة العلم. # | القدرية والتوكل # فكرة القضاء والقدر إحدى مشاكل الشرق الكبرى، وقد خدع كثير من عوام المسلمين بها، كما ~~نسبها إلى الإسلام ظلما كثير من الأوربيين. # والغزالي في نظر الجماهير الإسلامية في عصرنا وفي العصور السابقة إمام من أئمة ~~المنادين بالتوكل والقدرية؛ لأنه إمام ms51 من أئمة التصوف والصوفية. # والغزالي بريء من هذا براءة الإسلام منه، وإنما نشأت تلك العقيدة من تطرف بعض الصوفية، ~~ومن سبحات أقلامهم بكلمات تبرق فتخدع من لا يعرف حقيقة الإسلام، وحقيقة دعوته إلى العمل ~~والحياة والقوة والكفاح. # يقول الغزالي: # من الخطأ أن يظن أن معنى التوكل ترك الكسب بالبدن، وترك التدبير بالقلب، ~~والسقوط على الأرض كالخرقة الملقاة وكاللحم على الوضم؛ فهذا ظن ~~الجهال. # لأنك إن انتظرت أن يخلق الله فيك شبعا دون الخبز، أو يخلق في الخبز حركة إليك، ~~أو يسخر ملكا ليمضغه لك ويوصله إلى معدتك؛ فقد جهلت سنة الله، وكذلك لو لم تزرع ~~الأرض وطمعت في أن يخلق الله نباتا بغير بذر، أو تلد زوجتك بغير وقاع، فلا يجوز ~~لك ترك الأسباب، كما يجب أن تعلم أن مسبب الأسباب هو الله تعالى. # تلك هي الكلمة القوية التي نفى بها الغزالي تهمة التوكل عن مبادئه، وبالتالي عن مبادئ ~~الإسلام. # ومن عجب أن الأمثال أصبحت تضرب بالغزالي إذا ذكرت مذاهب القدرية، ومذاهب المتوكلين ~~الخاملين المتهالكين على الكسل والراحة باسم الدين والقدوة الصالحة. # بل أعجب من هذا أن أقلام الكتاب الذين كتبوا عن الغزالي قد جارت العوام والجمهرة من ~~الناس، فنسبوا إلى الغزالي ما يبرأ منه وما يبرأ منه الإسلام. # ووجه الشبه عند هؤلاء وهؤلاء: هو ما تزخر به كتب الغزالي من ذكر الصوفية وأخبارهم، ~~وما في قصصهم من توكل مطلق. # وقد أوضحنا أن الغزالي يكتب هذا القصص للصوفية فقط، وأنه يقرر أن الصوفية مذهب خاص لا ~~عام، وأن فكرتهم لو سادت لفسد العالم وبطلت الحكمة منه. # | الغزالي وتفسير القرآن # كتاب «جواهر القرآن» للغزالي يدل دلالة واضحة على إيمان الغزالي العميق بأن القرآن ~~مصدر كامل لعلوم الروح والبدن والطبيعيات والفلكيات والنباتات، بل وعلوم الآلات بسائر ~~فروعها. # ولهذا فإنه يجب على مفسر القرآن أن يكون محيطا بكل هذه العلوم حتى يؤدي أمانة التفسير ~~كاملة. # فإذا قال القرآن مثلا: # يا أيها الإنسان ما غرك ~~بربك الكريم * الذي خلقك فسواك فعدلك * في أي صورة ms52 ما شاء ركبك ~~، فلا يفسر هذه الآية ~~التفسير الكامل المراد منها إلا من عرف تشريح الأعضاء من الإنسان ظاهرا وباطنا، وعددها ~~وأنواعها وحكمتها ومنافعها ... إلخ. # وإذا تعرض لقوله تعالى: # فإذا سويته ونفخت فيه ~~من روحي ~~، فكيف يفسر تلك الآية من يجهل التسوية والنفخ والروح ~~وأسرارها؟! # وإذا قال القرآن: # الشمس والقمر بحسبان ~~، وقال: # وقدره منازل لتعلموا عدد السنين ~~والحساب ~~، وقال: # وخسف القمر * ~~وجمع الشمس والقمر ~~، وقال: # والشمس ~~تجري لمستقر لها ~~، فلا يعرف حقيقة الشمس وسيرها وأبراجها ومنازلها، ~~والقمر ودوراته، وخسوفهما، وولوج الليل في النهار، وكيفية تكور أحدهما على الآخر؛ إلا من ~~عرف هيئات تركيب السموات والأرض، وهو علم تتفرع منه علوم. # أما آية: # وإذا مرضت فهو يشفين ~~، فهذا الفعل ~~الواحد لا يعرفه إلا من عرف الطب بكماله وأحاط بدقائقه وأسراره. # وتلك دعوة صريحة من الغزالي إلى الإحاطة التامة بالعلوم كافة، وهي تنفي تهمة إهمال ~~العلوم العقلية التي نسبت إليه؛ فهو يقرر أن مفسر القرآن لا بد وأن تتوفر فيه القدرة ~~الكاملة على تفهم العلوم العقلية قبل الشرعية، حتى يستطيع أن يتفهم أغراض القرآن، ويستطيع ~~أن يبرز للعالم ما فيه من عظمة وجلال وعلوم ومعارف. # ويقول الغزالي بعد أمثلة كثيرة شاملة: «ولو ذهبت أفصل ما تدل عليه آيات القرآن ~~الكريم من تفاصيل وعلوم لطال الأمر وتشعب، فتفكر في القرآن والتمس غرائبه؛ لتصادف فيه ~~مجامع علوم الأولين والآخرين.» # الغزالي وصفات التشبيه والتجسد # يقول الغزالي: إن الإنسان لا يحتمل الحقائق الروحية إلا مصبوبة في قالب الأمثال ~~الخيالية، ومن هنا نفهم ما ورد في القرآن من آيات الصفات والتجسد. # فهي آيات للتقريب والفهم، لا للدلالة على صور وصفات، وبذلك ينفي الغزالي صفات ~~التشبيه، ويقرر أن إدراك ذلك إنما يكون بإدراك المناسبة بين عالمنا وعالم الروح، ~~فالمثال الجسماني مندرج تحت المعنى الروحاني. # ويضرب لذلك مثلا بالمنامات، وهي جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة، وكيف تكشف ~~حقيقتها بأمثلة خيالية. # فقد روى بعضهم أنه شاهد في منامه أن في يده خاتما يختم به فروج النساء وأفواه ~~الرجال، ms53 فقال له ابن سيرين: «أنت رجل تؤذن في رمضان قبل الصبح.» فقال: نعم. يقول ~~الغزالي: «فانظر ختم الأفواه والفروج بالخاتم مشاركا للأذان قبل الصبح في روح ~~الخاتم، وهو المنع، وإن كان مخالفا لصورته، وقس على ذلك ما ورد في القرآن والأحاديث ~~والأمثال، فإنها تشتمل على كثير من هذا الجنس.» كقول الرسول - صلوات الله عليه وسلامه: ~~«قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن.» فإن روح الإصبع القدرة على سرعة التقليب، فإن ~~قلب المؤمن بين الغواية والهداية، والله تعالى يقلب قلوب العباد كما يقلب ~~الإنسان الأشياء بإصبعين، وكذلك سائر الأحاديث والآيات الموهمة للتشبيه ~~والاستواء. # فمن عرف معنى الإصبع عرف بعد ذلك معنى القلم في قوله تعالى: # علم بالقلم ~~، ومعنى اليد في قوله تعالى: # يد ~~الله فوق أيديهم ~~. # الغزالي والاكتشافات العلمية # وللغزالي رأي عجيب مبتكر في علوم مقبلة وعلوم مندرسة، فهو يقول: # ظهر لنا بالبصيرة الواضحة التي لا يتمارى فيها أن في الإمكان والقوة ~~أصنافا من العلوم العجيبة لم تخرج بعد من الوجود، وإن كان في قوة الآدمي ~~الوصول إليها، وعلوم كانت قد خرجت إلى الوجود واندرست الآن، فلن يوجد في هذه ~~العصور على وجه الأرض من يعرفها، وعلوم أخرى ليس في قوة البشر أصلا إدراكها ~~والإحاطة بها، ويحظى بها بعض الملائكة المقربين. # والغزالي بهذا قد تنبأ بالمعارف الإنسانية التي نشاهدها في عصرنا ولم يشاهدها هو في ~~عصره، والتي ستشاهدها العصور القادمة ولم نشاهدها نحن. # ونظريته في العلوم المندرسة يشهد بصحتها العلم الحديث والاكتشافات التاريخية، فقد ~~وجد لدى قدماء المصريين في مقابرهم من أسرار الكيمياء وتحنيط الأجساد والحبوب، وأسرار ~~البناء والفلك، ما لم تهتد إليه المعارف الحاضرة. # رموز القرآن # وللغزالي كتاب سماه رموز القرآن، ولكنه لسوء الحظ لم يطبع، وأما نسخته الخطية ~~فقد نقلها المستشرقون إلى برلين، وبذلك فقدنا الدليل الذي كنا نستطيع به أن نعرف هل ~~استطاع الغزالي أن يفسر القرآن بالشروط التي اشترطها، أم عجز عن الوفاء بما اشترط، ~~وقد أشار غير واحد من المؤرخين إلى أن الغزالي قد أشار في ms54 كتابه هذا إلى الكهرباء ~~والديناميت والهواء الخفيف، ولكن ليس في استطاعتنا أن نؤكد صحة هذه الأشياء، فدليلها ~~مفقود، وآيتها في بطون صفحات لا تزال محجوبة عن الشمس. # | الغزالي بين أنصاره وخصومه # أروع الناس وأتقاهم وأعلمهم من لا ينظر الناس كلهم إليه بعين واحدة، بل بعضهم بعين ~~الرضا وبعضهم بعين السخط. # الغزالي # الغزالي أحد مشاكل الفكر في التاريخ الإسلامي، فقد عشقه أقوام حتى رفعوه مكانا عليا، ~~لا ترقى إليه الشبهات ولا تناله النقدات، فنادوا به قطب العلوم الأكبر وحبر الأمة الأعظم، ~~بل سموا به سموا كادوا يصلون به إلى العصمة، وأسدلوا عليه ستارا من الرهبة، وأطلقوا ~~عليه شعاعا من النور الإلهي، حتى إنهم ليقرءون كتابه «إحياء العلوم» فيجعلونه أورادا ~~للتبرك بعد القرآن والسنة. # وقالوا فيما قالوا: إن الصالحين منهم شاهدوا الرسول - صلوات الله عليه - في المنام يبارك ~~الغزالي، ويعاقب خصومه، ويفاخر به أنبياء بني إسرائيل، وإن موسى - عليه السلام - قال له: ~~إنك تقول إن علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل؟ قال: نعم. قال: فما دليلك؟ قال: علي بروح ~~الغزالي. فلما حضر قال له موسى: ما اسمك؟ قال: محمد بن محمد بن محمد الغزالي، قال: ~~سألتك عن اسمك فلم ذكرت لي اسم أبيك وجدك؟ # قال الغزالي: وأنت سألك ربك عما بيمينك فقلت: هذه عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ~~ولي فيها مآرب أخرى، وقد سألك عما بيمينك فقط. قالوا: فحاجه الغزالي. # ولا ريب في أن أنصاره أسرفوا وغالوا في الإسراف، كما أن خصومه قد أسرفوا وغالوا في ~~الإسراف. # كان الغزالي يخطئ ويصيب، والشخصية الإنسانية الكاملة هي التي تخطئ وتصيب. # فلا يليق بالمغالين أن يغضبوا إذ قيل: إن الغزالي استقام تفكيره هنا ولم يستقم هناك؛ ~~لأنهم يقدسونه ويجلونه عن الخطأ، وليس هكذا الإنسان. # والغزالي بعد، لسان من ألسنة الدين القوية، وحجة من حججه الباهرة، ومجاهد من أكبر ~~مجاهديه، وقائد من أعظم الهداة في القافلة، ومفكر من أئمة رجال الفكر في تاريخ ~~الفكر. # فلن نرضى من خصومه أن يسلبوه العلم أو الإيمان، ولن نرضى ms55 من خصومه أن يجردوه من المنطق ~~والصواب، ولن نرضى من خصومه أن يهبطوا به إلى مناطق العامية والركاكة. # كان الرسول - صلوات الله عليه - يقول لعلي كرم الله وجهه: «هلك فيك رجلان؛ رجل غالى ~~في محبتك، ورجل غالى في عداوتك.» # وما أصدق تلك الكلمة على الغزالي، فقد غالى قوم في محبته حتى جحدوا المنطق فأقاموا ~~الهوى علما ومحجة، وغالى قوم في عداوته حتى فقدوا قداسة الإنصاف، فأضاعوا الحقيقة ~~التاريخية، وشوهوا حقائق العلم والهدى. # الغزالي أحدث دويا علميا في جيله، وأحدث دويا علميا في الأجيال المتعاقبة، وتلك ~~سمة الخلود، وطابع العبقرية. # والمشكلة الحقيقية ليس محورها الغزالي فحسب، بل محورها ومحركها الصراع بين مدرستين ~~والتباغض بين فكرتين، اختلفتا في المزاج والتأويل، كما اختلفتا في التعليم والتفكير. # فالغزالي بعد أن برع وتفوق في مختلف العلوم والفنون أعرض عنها ولجأ إلى شعاع من ~~الكشف الروحي جعله محور العبادة والهداية، ومن ثم أضفى على الفقه وسائر العلوم الإسلامية ~~ثوبا صوفيا شمل أصولها وفروعها، واستطاع الغزالي أن يوقظ الشعور، ويلهب حرارة الروح ~~والإيمان في الجماهير، كما استطاع أن يتزعم رجال المذاهب الصوفية، وهم قوة لها أثرها ~~ونفوذها الضخم الساحر في التفكير الإسلامي. # وخاصم الغزالي شتيت من المفكرين، على اختلاف ألوانهم ونحلهم؛ من الفلاسفة إلى علماء ~~الكلام، خصومة أساسها إسراف الغزالي في التمسك بالمظاهر الروحية، وإسراف هؤلاء في ~~التمسك بالمظاهر العقلية. # وانضم إلى هؤلاء الخصوم بعض رجال الفقه؛ لأن الغزالي هاجمهم هجوما عنيفا، وزلزل ~~مكانتهم في قلوب الجماهير زلزالا كبيرا إذ نادى بصوته القوي، بأن الفقيه هو العابد العامل ~~بعلمه، لا العالم البارع في المجادلات والتخريجات. # وما أصدق ابن السبكي: «إن الطرق إلى المعرفة شتى مختلفة، وقلما رأيت سالكا لطريق من ~~الطرق إلا واستقبح الطريق التي لم يسلكها، ولم يفتح عليه من قبل فيها، فيضع عند ذلك من ~~أهلها.» # وقد تعددت الكتب والآراء التي صدرت في نقد الغزالي، ولكن أشد خصومه التاريخيين: ابن ~~رشد من الفلاسفة، وابن القيم من المجددين الإسلاميين. # أما ابن رشد: فقد هاجمه دفاعا عن ms56 الفلسفة وانتصارا للفلاسفة، وهو هجوم لم يثبت على ~~التاريخ؛ لأن الغزالي كان فيه نصيرا للروح الإسلامي، وكان ابن رشد فيه صدى لأفكار ~~غيره من فلاسفة الإغريق وسواهم من المتأخرين. # وأما ابن القيم ومن ذهب مذهبه وجرى في عنان الخصومة جريه، فقد حصروا نقدهم للغزالي في ~~عشرين مسألة تدور بأسرها على محور واحد، وهو إسراف الصوفية في الابتعاد عن المظاهر ~~الإسلامية، وأهم تلك المسائل: ~~(1) # قول الغزالي: «ليس في الإمكان أبدع مما كان»؛ فقد اعتبروا أن في تلك الكلمة ~~ما يوهم العجز في قدرة الله تعالى. ~~(2) # وصفه الرياضة الروحية بأنها تفريغ القلب بالخلوة، والجلوس في مكان مظلم، ~~فإنه في مثل هذه الحالة يسمع نداء الحق تعالى ويشاهد جلال الربوبية؛ فيقول ~~له ابن القيم: «وما أدراك أن ما يسمعه حينئذ هو هذيان روحه ووسوسة شيطانه؟! ~~فإن الامتناع عن الأكل والاختلاء في الظلام يبعث الوساوس والجنون.» ~~(3) # تأييده لقول الجنيد: إذا كان الأولاد عقوبة شهوة الحلال، فما ظنك بعقوبة ~~شهوة الحرام؟ ~~(4) # تقريره أن بعضهم بات عند السباع في البرية ليتحقق من صحة توكله على ~~الله! ~~(5) # قوله: إن بعض الشيوخ كان يكسل في بدايته عن قيام الليل، فألزم نفسه القيام ~~على رأسه طول الليل؛ لتصير نفسه بحيث تجيبه إلى قيام الليل اختيارا! ~~(6) # قوله في الإحياء: إذا طلب الرجل علم الحديث أو سافر في طلب المعاش أو تزوج؛ ~~فقد ركن إلى الدنيا. ~~(7) # قوله نقلا عن أبي حمزة البغدادي: «إني لأستحي من الله أن أدخل البادية وأنا ~~شبعان، وقد اعتقدت التوكل، لئلا يكون شبعي زادا تزودت به.» ~~(8) # تقريره ما حكاه عن أبي حسن الدينوري أنه حج اثنتي عشر حجة وهو حاف مكشوف ~~الرأس. # قال ابن القيم: # هذا من أعظم الجهل لما في ذلك من الأذى للرأس والرجلين، ولا تسلم الأرض من الشوك ~~والوعر، وكأن هؤلاء الصوفية ابتكروا من عند أنفسهم شريعة سموها بالتصوف وتركوا ~~شريعة محمد # صلى الله عليه وسلم # بجانب، فنعوذ بالله من تلبيس إبليس، فإن مثل هذه الحكايات ~~تفسد عقائد العوام، فيظنون أن فعله من الصواب. ms57 # ويقول ابن القيم أيضا: # وإني لأتعجب من أبي حامد هذا كيف يأمر بهذه الأمور التي تخالف الشريعة! وكيف ~~يحل لأحد أن يقوم على رأسه طوال الليل؟! وكيف يحل رمي المال في البحر فيما رواه ~~عن الشبلي من أنه كان يرمي ما معه من الدنانير في الماء ويقول: ما أعزك عبد إلا ~~أذله الله. # ثم يعقب ابن القيم بقوله: # كانت الزنادقة في العصر الأول يكتمون حالهم، ولم يتجاسروا على إظهار ما عندهم حتى ~~جاءت الصوفية، فرفضوا الشريعة جهرا وتستروا بمسمى الحقيقة، وصاروا يقولون: هذا ~~شريعة وهذا حقيقة، وهذا من أقبح الأمور؛ لأن الشريعة قد وضعها الله تعالى ~~لصالح العباد في الدارين، فما الحقيقة بعد ذلك إلا إلقاء الشيطان في النفس، وقد ~~تمادى هؤلاء الجهلة في غيهم حتى صار أحدهم يقول: حدثني قلبي عن ربي، وذلك تصريح ~~بالاستغناء عن بعثة الرسل وهو كفر، وهي حكمة مدسوسة في الشريعة تحتها هذه الزندقة، ~~ولكن قد صار الخروج عن الشريعة كثيرا بالسكوت على هؤلاء الجهال الذي سموا أنفسهم ~~بالصوفية. # تلك هي خلاصة التهم التي وجهت إلى الغزالي، وتلك هي خلاصة الأقوال العنيفة التي وجهها ~~إليه خصومه. # وهذا التراث الضخم الذي تركه الغزالي، وهذه الخصومة العنيفة التي أثارها ما كان ينبغي ~~لها أن تمر دون أن يجد خصومه في آثاره ما يمسكونه به، وما يأخذونه عليه. # ولا جدال في أن الغزالي قد أسرف على نفسه، وأسرف على قرائه بتلك السبحات الصوفية التي ~~تدل ظواهرها على ما يخالف ظواهر الشريعة الإسلامية. # ولا جدال أيضا في أن الغزالي كان يعلم حقيقة الشرع أكثر مما يعلم خصومه، وأنه كتب ما ~~كتبه لفئة معينة من رجال التصوف ألزموا أنفسهم بألوان من العبادات والطاعات معينة، وحالات ~~الإلزام الشخصية الاختيارية لا اعتراض عليها ما لم تؤد إلى الضرر العام. # ولكن قراء الغزالي وخاصة الجماهير لا تستطيع أن تميز بين ما أراده الغزالي ~~للصوفية وبين ما يكتبه للناس جميعا. # وقد دافع عن الغزالي فريق من أنصاره وأتباعه دفاعا قويا، فوضع السيد مرتضى كتابه ms58 ~~«إتحاف السادة» فند فيه جميع تلك التهم تفنيدا لا يخلو من إسراف في الدفاع عن ~~الغزالي، وتبرئته من كل خطأ. # ولا يسعنا إلا أن نكرر أن الغزالي كان يخطئ ويصيب، والشخصية الإنسانية الكاملة هي التي ~~تخطئ وتصيب، وتلك الهنات لا تعد شيئا بجوار ما أسدى الغزالي إلى العالم الإسلامي، ~~وإلى الفكر الإسلامي، من تراث انتفعت به الأجيال والقرون انتفاعا هداها إلى خير ورشاد ~~وعبادة وإيمان أكثر مما هداها خصومه وحساده، بل أكثر مما هداها أي قلم آخر من الأقلام ~~التي شرعت للهدى والإيمان. # خصومه المعاصرين # ذلك لون من ألوان خصومة القدامى للغزالي، وقد امتدت تلك الخصومة على التاريخ، ~~ولبست ألوانا مختلفة، حتى أسلمتها الأحقاب إلى عصرنا. # فرأينا خصوما جددا فيهم عنف ولدد، أخذوا يحاكمون الغزالي إلى مبادئ العصر ~~الحاضر ونظمه ومعارفه، وشرعوا يحكمون على روحانيته بماديتهم، فما أنصفوا أنفسهم وما ~~أنصفوا الغزالي معهم! # قالوا عنه: إنه رجل يحمل أكفانه على عاتقه، ولا ينفك لسانه عن الدمدمة بالعقاب ~~والحساب، والجنة والنار، والعبادة والفناء، وليس هذا من مذاهب الحياة المثلى، ولا من ~~طرائق المجد للإنسانية التي تبغي قوة وبأسا. # وقالوا: إن الغزالي مزج الدين بالآخرة، فحشد في كلماته أنفاس الجحيم؛ ليسوق الناس ~~بالرعب والخوف، وجمع في قلمه هبات الجنة ليدفع بالبشرية إلى الطاعة بالرغبة والتشويق، ~~وليس في هذا فوز كبير للأخلاق، ولا فوز كبير للدين؛ لأنه مسلك بعيد كل البعد عن ~~الإقناع العلمي والبرهان المنطقي. # وقالوا فيما قالوا أيضا: إن الغزالي أجهل الناس بقواعد العلم وفلسفة الحكماء؛ ~~لأن العلم عنده طاعة وعبادة، فمن خشي الله فهو عالم، ومن عصاه فهو جاهل، وبهذا أخرج ~~الغزالي من صفوف العلماء والحكماء أئمة الفكر والابتكار والاختراع. # وليس في هذا ما يضير الغزالي أو يمس مكانته، فقد قرأ هؤلاء النقاد كتب الغزالي ~~كما تقرأ الكتب الحديثة، فنقدوها كما تنقد المؤلفات العصرية، ووزنوها بموازين ~~المكتشفات العلمية الجديدة دون أن يلتفتوا إلى القرون التي تفصل بيننا وبين الغزالي، ~~ودون أن يقارنوا بين روح عصره وطابع عصرنا، بل لعل الخطأ ms59 الأكبر أنهم نقدوه بروح العلم ~~المادي، وهو يحمل بيمناه قلم الدين الروحي. # وما أصدق قول الغزالي في الدلالة على هذا المعنى: «مهما سمعت أمرا غريبا من أمور ~~الدين جحده أهل الكياسة في سائر العلوم، فلا ينفرك جحودهم عن قبوله؛ إذ محال أن يظفر ~~سالك طريق الشرق بما في الغرب.» # أجل لقد سلك الغزالي طريقا، وسلك نقاده طريقا آخر، فلم يلتقيا ولم يأتلفا ولم ~~يتفاهما؛ لأنه محال أن يظفر سالك طريق الشرق بما في الغرب. # الغزالي رجل دين، وفيلسوف من فلاسفة الروح والقلب، فلا توزن معارفه إلا بموازين ~~الدين، ولا يقاس تراثه إلا بالأقيسة الروحية القلبية. # ومن أراد أن يفهم الغزالي فلا بد أولا أن يتذوق سعادة الطاعة والعبادة، وسعادة ~~الإيمان اليقيني وسعادة السلام الروحي، ولا بد أن يؤمن بأن خالق الأكوان يراقب خلجات ~~نفسه، وخلجات قلبه ووجهات أعماله، وأنه إذا لم يكن يرى الله فإن الله يراه. # من أراد أن يتذوق الغزالي فليؤمن إيمان الغزالي، أو فليحترم تلك المثل ~~العليا التي فني فيها الغزالي، ورصد قلبه وقلمه لها، وبدون هذا الإيمان، وبدون هذا ~~الاحترام لن يفهم أرباب الأقلام سحر الغزالي، وعبقريته وتراثه. # | مجدد القرن الخامس # عن أبي هريرة: أن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر ~~دينها. # وقد اتفق علماء التاريخ على أن مجدد المائة الأولى عمر بن عبد العزيز، والمائة الثانية ~~الإمام الشافعي، والثالثة الإمام الأشعري، والرابعة الباقلاني، والخامسة حجة ~~الإسلام الغزالي. # والإسلام شريعة أحكمت وفصلت آياتها وبينت للناس، فالمجدد الإسلامي والمصلح ~~الإسلامي إذن ليست رسالته أن يبتدع جديدا، أو يبتكر تكملة، أو يأتي بوحي من عنده. # وإنما تجديد الدين يراد به: تجديد النفوس الإسلامية، وتبديد الترهات والجهالات التي تكون ~~قد تراكمت في القلوب والعقول. # والله سبحانه الذي تعهد الخلق بالرسالات هدى ونورا، كلما ضللتهم قوى الشر، وعبثت ~~بهم أهواء النفوس، هو الذي يمن على عباده بهؤلاء الملهمين المجددين الذين يسيرون على ~~أضواء النبوات وأشعة الرسالات. # وقد كان عصر الغزالي من العصور ms60 التي تهيأت لعبقري وثاب من عباقرة الروح والإيمان؛ ~~ليكافح تلك المادية الدنيوية الطاغية، وتلك المذاهب الفكرية التي تسبح في ضباب من الظنون ~~والتخمينات، تدفع إلى الفروض والإباحية كما تدفع إلى الضلال والجحيم. # وجاء الغزالي فكأن الإسلام يستقبل به عصرا جديدا، واستمعت النفوس إلى ألحانه فكأنها ~~تستمع إلى ألحان جديدة تهبط من هدي جديد. # جدد الغزالي للناس إيمان القلوب، ذلك الإيمان الصافي المتجه إلى إله يدركه العلماء ~~والحكماء والعامة. # وبعث الغزالي في النفوس عقائد التوحيد الخالصة معطرة بعطر كأنها هبات الجنة ونفحات ~~النعيم، وأضفى على التفكير الإسلامي نورا من المحبة والصفاء والاطمئنان، والتوجه إلى الله ~~توجها كاملا لا تشوبه رذيلة من رذائل الفكر، ولا نقيصة من نقائص القلب، ولا جريمة من ~~جرائم البدن، ولا سيئة من سيئات الأذى للناس. # كان تفكيره يلتمس هديه أبدا من السماء، وكانت أعماله مطبوعة أبدا بطابع الإيمان، وكانت ~~دعوته صريحة واضحة لا جدل فيها ولا رياء، ولا تعقيد ولا التواء، وإنما إيمان بخالق واحد ~~ما من نجوى بين المرء وقلبه إلى وهو شاهد عليها، ولا من همسة بين صديقين إلا وهو عليم بها، ~~وما من جارحة من جوارح البدن تعمل عملا في ضحوة النهار أم في ستار من الليل إلا وهو ~~شاهدها ومحاسب عليها، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. # وهذا الميزان الدقيق لأمور الحياة هو دستور الغزالي، وهو عماد دعوته إلى الخير والهدى ~~والسلام. # وتراث الغزالي ليس نزوة من نزوات النفس، ولا خاطرة من خواطر العقل، فيذهب بذهاب جيل ~~ويفنى بمرور عصر من العصور، بل هو خلاصة جهاد القلب والعقل، ووحي الروح والإلهام، وفيض ونور ~~من النبع الخفي، نبع العباقرة الأفذاذ. # يقول الدكتور زويمر: «كل باحث في تاريخ الإسلام يلتقي بأربعة من أولئك الفطاحل العظام ~~وهم: محمد النبي، والبخاري، والأشعري، والغزالي.» # وتلك كلمة حق، فالغزالي بلا ريب أحد الذين شيدوا هيكل الفكر الإسلامي، وأقاموا ~~دعائمه وأسسه على الهدى ودين الحق. # ولعل الغزالي أكبر أصحاب المذاهب الفكرية وأبعدهم أثرا في التوجيهات الإسلامية، ~~ومرجع هذا تلك القوة ms61 الخفية الكامنة في شخصيته المهمة، والتي استحوذ بها على أذهان الجماهير ~~في عصره والقرون المتتابعة. # فالأشعري مثلا استطاع أن يبتدع مذهب الأشعرية فأحدث بتعاليمه وثبة فكرية، ولكنها ~~وثبة بين طائفة معينة من رجال الفكر وعشاق علم الكلام، ولكن أثره لم يتعد تلك الدائرة ~~الخاصة، ولم يتسلسل في ضمير التاريخ نورا وخلودا. # أما الغزالي فكان أشبه بزعماء الجماهير وقادة الشعوب، كان تأثيره السحري عاما شاملا ~~مستحوذا على عقول الطبقات كافة، بل لعل تأثيره على الطبقات الوسطى وما دونها أشد أثرا ~~وأبعد مدى. # ومن أسرار تلك الهيمنة أن سلطان الغزالي مبعثه القلب والعاطفة، والمبادئ إذا مزجت ~~بالقلوب والعواطف ثبتت وخلدت على الحوادث والعصور، فقد مزج الغزالي العقائد بالعبادات، ~~ومزج أصول الشريعة بالتصوف، وأطلق في الناس بخورا مخدرا ساحرا، يدعو إلى إيمان بسيط ~~سليم خال من التعقيد، مجرد من التخمينات والافتراضات، إيمان استسلام وعبادة وفناء في الله ~~ومحبة. # يقول العلامة ماكدولاند: «إن الغزالي لم يكن كشافا، ولا أول من ركب الطريق واهتدى إلى ~~النجد، ولكنه كان رجلا كبير الشخصية شديد التأثير النفسي، نهج سبيلا مطروقة فجعلها مشرعا ~~عاما ومحجة واضحة، وهذا من فضل شخصيته وقوة خليقته.» # ونستطيع أن نضيف إلى قوة التأثير النفسي وقوة الشخصية القوة العلمية العظمى التي تفوق ~~بها الغزالي، تلك القوة التي جعلته نسيج وحده بين عباقرة الفكر في عصره. # أو كما يقول الأستاذ الأكبر المراغي في الدلالة على تعدد جوانب العظمة في تلك العبقرية: # إذا ذكر ابن سينا أو الفارابي خطر بالبال فيلسوفان عظيمان، وإذا ذكر ابن العربي ~~خطر بالبال رجل صوفي له في التصوف آراء لها خطورتها، وإذا ذكر ~~البخاري ومسلم وأحمد خطر بالبال رجال لهم أقدارهم في الحفظ والصدق والأمانة ~~والدقة ومعرفة الرجال، أما إذا ذكر الغزالي فقد تشعبت النواحي، ولم يخطر بالبال ~~رجل واحد، بل خطر بالبال رجال متعددون، لكل واحد قدرته وقيمته. # يخطر بالبال الغزالي الأصولي الماهر، والغزالي الفقيه الحر، والغزالي ~~المتكلم إمام أهل السنة وحامي حماها، والغزالي الاجتماعي الخبير بأحوال العالم ~~وخفيات الضمائر ومكنونات ms62 القلوب ، والغزالي الفيلسوف أو الذي ناهض الفلسفة، وكشف ~~عما فيها من زخرف وزيف، والغزالي المربي، والغزالي الصوفي الزاهد، وإن ~~شئت فقل: إنه يخطر بالبال رجل هو دائرة معارف عصره. # تلك هي شخصية الغزالي، شخصية كاملة القوى العلمية على تشعبها وتعددها، كاملة الحرارة ~~الروحية والإيمان القلبي، وبفضل تلك الشخصية أضفى عليه العالم الإسلامي لقبه الخالد: حجة ~~الإسلام. # حجة الإسلام # جاء الغزالي والفلسفة تناهض الدين وتواثبه، والمذاهب العقلية تتصارع وتبرع في ~~الجدل والاستخراج، وتبتعد عن الروح والقلب، وجمهرة المسلمين في حيرة، ورجل الشارع ~~متعب القلب، متعب الروح، لا يعرف كيف يهتدي، ولا يعرف كيف يطمئن بين تلك ~~التيارات. # فحطم الغزالي الفلسفة، وصرع المذاهب، ثم أتى إلى الجمهرة الإسلامية فخاطب منها ~~القلب والروح، وأدخل السلام والهدوء إلى القلوب والأرواح. # وأعاد للإسلام شبابه في القلوب، وحجته في العقول، ومكانته في الأرواح ~~والعبادات. # هدم الغزالي الفلسفة القديمة ليقيم الدين ويعلي بنيانه، ثم عاد بالناس من الجري ~~وراء النظريات والجدليات واختلاف المذاهب إلى روح الإسلام وجوهره الصافي، ومثله ~~العليا الداعية إلى الإيمان والسلام. # علم الناس أن الحياة محبة؛ محبة لله في جلاله، ومحبة للأنبياء جميعهم، ومحبة ~~للبشرية كافة، ومحبة للخير على تعدد ألوانه، ومساعدة عليه بالنفس والمال، ودفع للأذى ~~عن كل روح أيا كان لونها أو دينها. ms63