######OpenITI# #META# URI: 1382TahaCabdBaqiSurur.Hallaj.Hindawi92731807 #META# Tags: biographies :: history #META# ID: 92731807 #META# Title: الحسين بن منصور الحلاج: شهيد التصوف الإسلامي (٢٤٤–٣٠٩ﻫ) #META# AuthorID: 13753183 #META# Author: طه عبد الباقي سرور #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # بين يدي الكتاب‏ # شعاع على التاريخ‏ # عصره وحياته‏ # الحلاج وأدب السلوك الصوفي‏ # الزعيم الثائر‏ # محاكمات الحلاج‏ # سر المأساة!‏ # مغوثات الحلاج بين السحر والكرامة‏ # الحلاج والحب الإلهي‏ # مقام الفناء الصوفي وشبهات الاتحاد والحلول‏ # الحلاج والحقيقة المحمدية ووحدة الأديان‏ # عقيدته التوحيدية‏ # الحلاج بين أنصاره وخصومه‏ # الروح الخالد‏ # بين يدي الكتاب‏ # شعاع على التاريخ‏ # عصره وحياته‏ # الحلاج وأدب السلوك الصوفي‏ # الزعيم الثائر‏ # محاكمات الحلاج‏ # سر المأساة!‏ # مغوثات الحلاج بين السحر والكرامة‏ # الحلاج والحب الإلهي‏ # مقام الفناء الصوفي وشبهات الاتحاد والحلول‏ # الحلاج والحقيقة المحمدية ووحدة الأديان‏ # عقيدته التوحيدية‏ # الحلاج بين أنصاره وخصومه‏ # الروح الخالد‏ # | الحسين بن منصور الحلاج # | الحسين بن منصور الحلاج # | شهيد التصوف الإسلامي (244-309ه) # تأليف # طه عبد الباقي سرور # | بين يدي الكتاب # كان الحلاج، نبأ عظيما، في أفق التصوف الإسلامي، ولا يزال الناس يتساءلون عن النبأ ~~العظيم، الذين هم فيه مختلفون. # هبط به خصومه إلى هاوية السحر والشطح الآثم المتطلع إلى فناء وخلود عن طريق الاتحاد ~~والحلول! # وارتفع به محبوه، إلى أفق البهاء المقدس، وإلى معارج البطولة الخارقة للناموس! # فالحلاج عند شعراء ما وراء النهر، بطل ملحمة الخلود الكبرى، ورائد الحب الإلهي، الذي ~~صعد على معارج الشوق والوجد، إلى سدرة النور السني، حيث يغشى هناك القلب ما يغشى من أذواق ~~وهبات، ومعرفة وتجليات. # والحلاج في أقلام رجال الاستشراق، يربطه خط نفسي مضيء بالمسيح عليه السلام، إنه ~~الشهيد الولي الرباني، الذي تطلع إلى ميلاد كلمات الله المباركة في قلبه. # أما رواة التاريخ الصوفي، فقد دندنوا طويلا، حول كراماته وآياته، وتحدثوا فأطالوا ~~الحديث، عن عجائب مصرعه، وما اقترن به من خوارق، ثم ذهب ببعضهم الخيال، فنسجوا قصة ~~روحية فاتنة، تدور حول جثته التي أحرقت بعد صلبها، ثم ألقي في دجلة برمادها، ~~فأصبحت كل جرعة، من ماء هذا الرماد المبارك، تنجب شيخا من شيوخ الصوفية في بغداد، وتصوغ ~~قطبا من أقطاب المعرفة في العراق! # لقد أسرف خصوم الحلاج في بغضه وتجريحه، وأسرفت الخلافة العباسية في اضطهاده وتعذيبه، ~~وأسرفت إسرافا جنونيا وحشيا فيما أعدت من عذاب ms001 غليظ عنيف ليوم مصرعه، وفيما أقامت من ~~ستار حديدي لحجب سيرته عن الحياة، وفيما اصطنعت لتشويه تراثه في التاريخ. # فأسرف أنصاره أيضا في حبه وتقديسه، وفي الحديث عن أسراره ونفحاته وعلومه ~~وعجائبه؟! # ومن ثم انطلق الخيال الأسطوري التاريخي، يوشي هذه الصورة العجيبة المتناقضة، ويريق ~~عليها مزيدا من الجمال، ومزيدا من الغموض! # ثم أخذ ينسج حولها مشاهد ملونة متنافرة، تتعاقب وتتواكب، حافلة بأروع ما في ~~الدنيا من عظمة الروح والإيمان حينا، وبأقسى ما في قاموس الضلال من إلحاد ومروق ~~أحيانا. # وبعد مرور قرابة ألف عام على المأساة الحلاجية، لا يزال النبأ العظيم يتساءل فيه ~~الناس وهم مختلفون! # ولقد فتنت بسيرة الحلاج كما فتن بها غيري، وصاحبته طويلا في تقلباته ومعارجه، ~~وناجيته وذهبت معه في انطلاقاته، وتحسست ما في عواطفه وقلبه، وحاولت أن أدنو من شوقه ~~ووجده، وثورته وتفكيره، وأن أجد الخط الروحي الخفي، الذي يربط ما بين المتناقضات التي تزخر ~~بها حياة رجل يذيبه ويحرقه الوجد الملح العنيف، فينطلق في الفلوات والمقابر والآفاق، ~~مذهولا مأخوذا، حتى يتذوق في نشوة رياضاته مقاما من مقامات القرب، ويرى نورا من ~~أنوار الأنس والقدس، ويغرق في بهاء القرب، وأنوار الأنس، ويسبح ويسبح في معارج حبه، ~~حتى يذهل عن نفسه، وعن وجوده، وعن كل ما يحيط به، فلا يرى في الكون الفسيح، إلا وجه ~~الله القريب الحبيب، الذي يذوب أمام سبحات أنواره، كل شيء، فلا يبقى إلا هو، ذو الجلال ~~والإكرام، الأول والآخر، والظاهر والباطن. # وهو مع هذا الوجد المحرق، وبعد هذا الفناء المذهل، يطيل التأمل والتفكر، في واقع ~~الأمة الإسلامية، فيرى انحرافها عن رسالتها، وابتعادها عن عبادتها، فيطلق صيحة الثورة على ~~الخلافة المنحرفة، وينشر الدعوة، ويعد العدة، لإقامة حكومة الأقطاب الروحانيين، التي ~~يسوس أمرها الأولياء والأبدال، والتي تحيل الكون إلى محاريب للصلاة والتأمل، وذكر ~~الله. # ولقد عانيت من قبل تجربة الدراسات الصوفية، وأعلم ما تحتاجه من جهد، وما يصاحبها من ~~إرهاق، فهي لا تزال بكرا لم تمهد سبلها، ولم تعبد طرقها. # وأشهد أننى لم أجد ms002 رهقا ونصبا، في دراسة صوفية، كما وجدت في دراسة الحلاج، فقد تمزق ~~تاريخه، وتبعثرت آثاره! # وأشهد أيضا أنني لم أجد متاعا للقلب، وأنسا للنفس، وزادا للتفكير، كما وجدت في هذه ~~الدراسة. # وللحلاج سحر في كلماته، وسحر في حياته، إنه من الشخصيات التي تملك قوة الإيحاء، وقدرة ~~الاستهواء؛ ولهذا فسواء كنت معه، أو كنت عليه، فلا تملك نفسك، من أن تحبه وتهواه. # ولقد حاولت جاهدا، أن لا تتأثر هذه الدراسة بهذا السحر، وأن تنطلق إلى هدفها، مجردة ~~من كل عاطفة، إلا عاطفة البحث عن الحقيقة، الحقيقة المجردة لذاتها. # وبعد: فهذا هو الكتاب الأول الذي يصدر عن الحلاج في لغة الضاد، نقدم فيه للعالم ~~الإسلامي، صورة حية، من صور الحياة الروحية، في أزهى عصورها، ونصور فيه حياة رجل من ~~أئمة هذه الحياة الروحية، بل لعله نسيج وحده في هذه الحياة الغنية برجالها وأقطابها. # فإن أوفى الكتاب بعهده، فقدم الوجه الصحيح، للرجل الذي تساءل الناس عن نبئه واختلفوا ~~في أمره، فنسجد لله شكرا، على ما هدى وألهم. # وإن عجز الكتاب عن الوفاء بعهده، فحسبه أنه محاولة أخلصت وجهها لله. # طه عبد الباقي سرور # القاهرة، 1380ه / 1961م # | شعاع على التاريخ # ... بأية حماسة وحمية وجدانية قامر هذا العاشق الجسور برأسه كيما يظفر بجوهرة الجمال ~~الإلهي! # فريد الدين العطار # منذ أكثر من ألف عام، تركز سمع الدنيا وبصرها، على الخاتمة الفاجعة، لأعجب صراع شهده ~~تاريخ الفكر، وتاريخ الحياة الروحية في الإسلام. # وتساءل الناس عن النبأ العظيم، وهم في غمرة ذاهلة من هول ما يترامى إليهم من همسات ~~وأحداث، لقد غامرت الخلافة العباسية وقامرت بوجودها ومكانتها فألقت من أعلى مآذن بغداد ~~برماد جثة رجل ... عذب، وصلب، وحرق، في مشاهد مسرحية وحشية، لا تمت إلى الإنسانية، أو ~~الآدمية، بسبب أو نسب. # وحملت أجنحة الهواء ذرات الرماد الشهيد إلى الآفاق، ومن ثم بدأ تاريخ عجيب رائع، ونبتت ~~حياة سامقة شامخة، فقد تحولت كل ذرة من ذرات هذا الرماد، إلى مئذنة ومنبر، يتلى ~~عليهما في مسمع الدنيا ووجدانها وضميرها قصة ms003 هذا الشهيد، وحياة هذا المصلوب! # ويا لها من قصة! ويا لها من حياة، أراق عليها الخلود فتنته وبريقه، وأكسبها الاستشهاد ~~سحره ونوره، وأضفى عليها الحب الإلهي جلاله وعطره، ومنحها مقام الفناء، بقاء يعجز كل ~~فناء! # ومنذ أكثر من ألف عام، وقصة هذا الشهيد، تعيش متلألئة مشرقة متجددة في قلوب الناس ~~وعواطفهم، وتحيا مقنعة مبهمة ملهمة، في عقول المفكرين وأقلامهم! أشبه ما تكون باللحن ~~الذي اهتزت أنغامه وتشابكت أوتاره، ولكنه مع هذا، نغم فاتن شجي، غني ثري بالإلهام ~~والخيال والأحلام. # وتحولت القضية والمأساة إلى أسطورة مجنحة، ترتاد الآفاق المتناقضة، وتمشي مع الخيال ~~الأسطوري إلى القمم العالية السامقة، المجللة بالضباب والسحاب، فتزداد إبهاما وغموضا، كما ~~تزداد سحرا وبريقا. # يقول المؤرخ الفرنسي مويزو: «إن التاريخ هو ذاكرة البشرية، ولكنها ذاكرة قد تضعف ~~حينا، وقد تصطنع الضعف أحيانا.» # ولقد كانت تلك الذاكرة، أضعف ما تكون، أو فرض عليها أن تكون أضعف ما تكون، وهي تقدم ~~للناس عبر القرون، تاريخ الحلاج، ورسالة الحلاج. # لقد زيفت ذاكرة التاريخ عن عمد خبيث، وعن تدبير هادف، واصطنعت صورا خادعة مضللة ~~زائفة، لأعظم حقبة في تاريخ المعرفة الصوفية، ولأخطر رجل في تاريخ الحياة ~~الروحية. # ولقد عرفت جميع اللغات، حياة الحلاج ومأساته، وامتلأت حقائب التاريخ العالمي، بألوان ~~من الأساطير، حول فلسفته الروحية، وتعددت في التراث الإنساني، صور حبه ومجاهداته القلبية، ~~وسبحاته الوجدية، ولكنها صور وشاها الخيال، واعتنى فيها المصورون بالتلوين والظلال، ~~عناية طمست الحقائق، وغيرت وجهها، وشوهت لونها، وانحرفت بها، عن جوهرها ورسالتها. # ولقد تحاشى مؤرخو الحياة الروحية في الإسلام هذه المأساة وسرها وما يدور حولها، تحاشاها ~~القدامى تحت ظلال صيحات الرعب والهول التي أطلقها العباسيون، مدمدمة حول الحلاج وتاريخه، ~~وحول من يلوذ به، أو يترنم بلحونه وأهدافه، حتى إن السراج الطوسي - وهو معاصر للحلاج أو ~~يكاد، وهو أكبر المؤرخين للحياة الروحية، وسير أعلامها ورجالها - أهملها وتجاهلها، مع ~~جلالها ومكانتها. # وحتى إنه ليستشهد في كتابه العظيم «اللمع» في أكثر من خمسين موضعا بكلمات الحلاج في ~~المعرفة والتصوف، دون أن يذكر ms004 اسمه، بل يصطنع تعبيرا عجيبا، فيقول: قال بعضهم! أو قال ~~القائل! # وكذلك صنع المؤرخ الصوفي، العلامة الكلاباذي في كتابه «التعرف» فهو يروي كلمات الحلاج ~~التي ترسم آفاق التصوف، وتحدد مناهجه، دون أن يذكر اسمه، بل يصوغ تعبيرا بديعا هادفا ~~بقوله «قال أحد الكبراء!» # وجاءت كتب الطبقات الصوفية، فتحدثت في إسهاب، وفي إسراف عن كل ما يتعلق بالتصوف ورجاله، ~~وقادته وأعلامه، ثم مرت سريعة خفيفة، بسيرة الحلاج، أو حومت حولها، في حذر مصطنع، ~~وتجاهل متعمد. # ثم جاء المحدثون من أصحاب الأقلام، فوقفوا حيارى ذاهلين أمام المأساة الحلاجية، أو ~~العقدة الحلاجية، فقد زيفت تلك المأساة تزييفا فنيا رائعا، فتقنعت أحداثها بالغموض، ~~واشتبكت صورها بالأهواء، وتضاربت فيها الأقوال، وامتلأت آفاقها بالأساطير والخيال. # فقد اشترك الجهاز العباسي العالمي بكل قواه، وبكل عملائه، من علماء وفقهاء وشعراء ~~وكتاب، في هذا التزييف الذي لم يعرف له التاريخ مثيلا. # وجاء رجال التاريخ الإسلامي، وجلهم من الحنابلة المتزمتين فألقوا بكل ما في ~~صدورهم، من موجدة، ومن حقد على التصوف الإسلامي، على رأس الحلاج وتاريخه ~~ورسالته. # وعجزت كل هذه الخصومات، وكل هذه الأباطيل والأساطير، عن أن تطفئ شعاع هذا الروح ~~الكبير، وظل شعاعه الروحي يومض في أفق الحياة ومضات تترك آثارها ولمساتها في القلوب ~~والعقول، وفي الضمير الإنساني، والوجدان البشري. # والتاريخ كما يقول العلامة سبنسر: «لا يموت»، فإن حقائقه وإن توارت في زحام الأغراض، ~~وصيحات الأقزام، تستعصي أبدا على الفناء. # ومن هذه الحقائق المتناثرة، التي أثقلت كواهلها أكداس هائلة من التزييف والتلفيق، ~~نحاول أن نقيم حياة، وأن نعرض هذه الحياة، بكل ما أبدعت وابتكرت على الناس، وأن نجعلها ~~على جبين الشمس واضحة سافرة. # والحلاج شخصية غنية خصبة ملهمة، شخصية تفتح أبوابا للتفكير، ومسرحا ~~للخيال، ومجالا للعاطفة، شخصية تعددت جوانبها، واتسعت آفاقها، واحتشدت فيها جميع ~~الانفعالات النفسية والوجدانية، والإلهامات الروحية والقلبية، والرياضات العقلية ~~والجسدية. # كما تمثلت في وقائعها كافة العناصر التي تصنع بطولات التاريخ ومعجزاته، بكل ما في ~~البطولة من عزة وسموق وعظمة واستشهاد ونضال وفداء وقوة. # وفي إطار هذه ms005 الشخصية الشامخة، نعاصر حقبة حاسمة في التاريخ الإسلامي، الفكري ~~والحضاري، فنرى الصراع المشبوب الأوار، بين المعتزلة والحنابلة، والشيعة والقرامطة، ~~والفقهاء والصوفية. # ونشهد حياة القصور العالية، وما فيها من إسراف وترف، وشهوات وغوايات ومؤامرات، وكيف ~~تتشابك العواطف بالأحداث، لتجعل من خلفاء العباسيين الذين دانت لهم الأرض، ألعوبة في ~~أيدي العبيد والنساء، وأشباه العبيد والنساء. # ونرى العالم الإسلامي، وهو يتمزق بعد وحدة، وتنتابه انتفاضات فكرية وثورية، ~~واقتصادية وثقافية. # ونطالع الحياة الروحية، في أزهى عصورها، وأنبل صورها، عصر النجوم المتلألئة، عصر المدارس ~~الصوفية الكبرى، التي دفعت بمناهجها في المعرفة والسلوك، إلى ساحات الفكر الإسلامي، وأطلقت ~~في جو عاصفة الجدل والحوار، والخصومات المذهبية الجامحة، أطلقت كلمات جذابة حلوة، لها ~~إغراء ورنين وبريق، كلمات الحب، والوجد، والشوق، والأنس في الحضرة الربانية، والساحة ~~القدسية. # وما تلهم هذه الكلمات النورانية، من أدب النفس، وسمو الحس، وطهارة القلب، ونبل الخلق، ~~وتصعيد الأعمال كافة إلى الله سبحانه، وإفاضة المعنى الروحي على كل شيء في الوجود، وما ~~يترقرق حول هذه المعاني، من أشواق ورياضات، وأذواق وإلهامات. # وفي قلب هذا الخضم، بانفعالاته المتوترة الحية، وبأفكاره المتدفقة المحلقة، ~~وبأحداثه الثائرة المضطربة، وبترفه وشهواته الجامحة، برزت شخصية الحلاج لتحدث في ~~الدنيا دويا، وتحدث في الجماهير سحرا، وتلقي على كل شيء مسته حياة وحرارة ~~وانفعالا. # كان الحلاج عبقرية من تلك العبقريات الاستهوائية، التي يعرفها التاريخ في لحظاته ~~الحاسمة. # وبلغ من عظمة هذه الشخصية؛ أنها غدت النبأ العظيم في آفاق التصوف والمعرفة، كما كانت ~~النبأ العظيم في آفاق الإصلاح والثورة. # كان الحلاج يملك قوة روحية عالية، من تلك القوى التي يفيضها الله على من يشاء من ~~عباده، وكانت تلك القوى الروحية تمنحه فيما تمنح، القدرة الموحية المؤثرة الصانعة في ~~عواطف الناس وقلوبهم وأحاسيسهم، وتضفي عليه طاقة تلهم الآمال الكبار، لكل من يلوذ به، أو ~~يدنو منه، بل لقد شهد أمناء أتقياء، بأنه كان يؤثر بروحانيته العجيبة، في الجماد ~~والنبات والحيوان. # ومن هنا توهم أعداؤه فيه السحر والشعوذة، وتوهم أحبابه فيه القدرة الخارقة على صنع ~~المعجزات، ms006 حتى لقد نسبوا إليه، إحياء الموتى، وبعث من في القبور! # ويحدثنا شيخ الصوفية الأكبر محيي الدين بن عربي في الباب الثالث والستين وأربعمائة من ~~كتابه «الفتوحات المكية»: «إن الحلاج كان يدخل بيتا عنده يسميه بيت العظمة، فكان إذا ~~دخله ملأه كله بذاته بأعين الناظرين، حتى إن بعض الناس ممن لا يعرف تطورات أحوال هذا ~~المقام، نسبه إلى علم السيميا، لجهله بأحوال الفقراء في تطوراتهم. # ولما دخلوا عليه ليأخذوه للصلب، كان في ذلك البيت، فما قدر أحد أن يخرجه من ذلك البيت؛ ~~لأن الباب يضيق عنه فجاء الجنيد، وقال له: سلم لله تعالى، واخرج لما اقتضاه وقدره، ~~فرجع إلى حالته المعهودة. فخرج فصلبوه.» # ويقول صاحب «الفهرست»: # 1 ~~«حرك الحلاج يده يوما فانتثر على قوم مسك، وحرك مرة أخرى يده، فنثر ~~دراهم.» # ويقول العلامة البغدادي: # 2 ~~«ووقع له عند الناس قبول عظيم، حتى حسده جميع من في وقته.» # ويهتف خلصاؤه وتلاميذه يوم صلبه: «لم يمت الحلاج بل ارتفع إلى السماء، وسيعود!» # لقد عجز الموت في أبشع صوره، وأقسى ألوانه، أن ينتزع الهالة الكبرى، التي تحيط بتلك ~~الشخصية الضخمة الرائعة. # ويمشي سحر الحلاج وجلاله، وتأثيره القوي الغلاب، إلى رجال الاستشراق، فيتحدثون عنه ~~كبطل أسطوري، من رجال الغنوص الشرقي # 3 # وكشخصية مكررة من شخصية المسيح عليه السلام جاء ليعيد مأساة جبل الجلجلة # 4 # وليكرر فكرة الفداء، فداء البشرية من الخطيئة الأولى. # ولكن هل حشدت الخلافة العباسية كل قواها لقتال الحلاج، وأعدت كل ما تملك من وسائل ~~الجبروت الوحشي، والعنف البربري في عذابه ومحاكمته وصلبه، من أجل مواجيده وألحانه في الحب ~~الإلهي، ومن أجل إلهاماته وفتوحاته، في مقامات الغناء الصوفي، وعجائبه وقدرته على الإيحاء ~~والإلهام، وصنع الكرامات والمعجزات؟! # يقول المؤرخ الكبير صاحب «الفهرست»: «لقد كان الحلاج جسورا على السلاطين، يروم ~~انقلاب الدول.» # 5 # ويروي لنا إمام الحرمين الجويني: «إن الحلاج كان يريد قلب الدولة، والتعرض لإفساد ~~المملكة.» # ويقول المستشرق نيكلسون في كتابه «الصوفية في الإسلام»: «إن قتل الحلاج أملته ~~دوافع سياسية لا تعرف الرحمة.» # ويقول ms007 العلامة جولدزيهر في كتابه «محاضرات عن الإسلام»: «لقد أثرت صيحة الحلاج ~~الصوفية - معرفة الله - تأثيرا عميق الأثر، في الحياة العلمية الإسلامية.» # ثم يقول: «لقد أخذ الحلاج يتدخل في حياة المجتمع الإسلامي تدخلا شديد ~~الوطأة.» # ويقول العلامة المستشرق ماسنيون: # 6 ~~«كان الحلاج يحرك الجماهير، وينادي بالإصلاح، ويبشر بفكرة الحكومة المثالية ~~التي تقيم الشريعة على نغمات المحبة والعبادة الخالصة لله.» # وإذن فصيحة الحلاج الصوفية الإصلاحية، ودعوته إلى إقامة حكومة ربانية مثالية، هي ~~سر المأساة الكبرى، أو إحدى أسرار تلك المأساة الكبرى. # ومأساة الحلاج، كونتها عناصر تاريخية ونفسية وخلقية، وفي طليعة تلك العناصر، ~~الرهبة التي استشعرها العباسيون من القوى الصوفية النامية، التي أخذت تهيمن على العراق في ~~القرن الثالث الهجري. # يقول العلامة ابن الأثير بعد أن شرح الموقف في الإمبراطورية العباسية والصراع الناشب ~~بين الفرق والطوائف: # 7 ~~«ولكن فرقة واحدة بقيت بعيدة عن التعصب، ألا وهي فرقة الصوفية، فقد كانوا ~~يمتازون بسلامة الفكر والعفة والأخلاق الحميدة، كما كان أفق تفكيرهم أوسع بكثير من غيرهم ~~فأكسبهم هذا حب كثير من الناس، وأخذ نفوذهم يزداد ويقوى، وهرع كثير من الناس إلى ~~حظيرتهم بعد أن رأوا جور الزمان وقسوته، وكثرت مجالس الصوفية وأقبل الناس عليها.» # تلك هي مكانة التصوف في العراق خلال تلك الحقبة من التاريخ، لقد غدا أتباعه، القوة الحية ~~النامية في المحيط الممزق المضطرب. # وكان في بغداد، عمالقة من الأئمة الروحانيين، وزعماء من القادة الصوفيين ... كان هناك أبو ~~القاسم الجنيد، والشبلي، وسهل التستري، وعمر المكي، والسري السقطي، وغيرهم من ~~الأقطاب الكبار. # ولكن الحلاج، كان أقواهم شخصية، وأوسعهم نفوذا، وألصقهم بالجماهير، وأكثرهم قدرة ~~على حمل راية الكفاح والنضال. # كان الحلاج يحمل روح ثائر، وقلب قطب، وعقل زعيم، وروح محب عابد، وكان يؤمن ~~بالتصوف القرآني الإيجابي؛ الذي يسهم في الأحداث ويوجهها، ويترك طابعه عليها. # وكان يبشر عن عقيدة ثابتة لا تتزلزل، بحكومة الأقطاب الروحانيين، كما كان يؤمن بأثر ~~الصلاة والعبادة ومحبة الله، في إصلاح المجتمع، والارتفاع بالجماهير إلى أفق أنبل ~~وأعلى. # ومن هنا كان الحلاج في ms008 نظر الخلافة العباسية، هو الزعيم الصوفي الذي يهدد سلطانها ~~ونفوذها ، ويؤلب الجماهير ضد مظاهر الترف والإسراف والشهوات العالية الصوت في محافلها ~~وقصورها. # يقول الإصطخري: «إن كثيرا من علية القوم في بغداد رأوا في الحلاج، أنه هو الرئيس ~~القطب المنقذ. # وفي طليعة من آمن به من الوزراء: علي بن عيسى، وحمد القنائي، والدولابي، ونعمان، ومحمد بن ~~عبد الحميد. # ومن الأمراء: الحسين بن حمدان، ونصر القشوري. ومن ولاة الأمصار: أبو بكر الماذرائي، ونجح ~~الطولوني. ومن دهاقين فارس وأشراف الهاشميين: أبو بكر الربعي، وأحمد بن عباس ~~الزينبي.» # ثم يقول: «وكانت له معهم مراسلات مما هيأ لهم الهداية، وهيأ له الخوض في السياسة، ~~وواجبات الوزراء.» # وتلك الصورة التي رسمها لنا الإصطخري تدل دلالة كبرى على مدى الأثر الكبير، والنفوذ ~~الواسع، الذي ظفر به الحلاج، في الدوائر العليا للخلافة العباسية. # يقول ماسنيون: «لقد طالب الحلاج بإصلاح الإدارة الحكومية في جرأة غير مسبوقة، ونادى ~~بإقامة حكومة إسلامية حقا، ووزارة كما يقول: تحكم بالحق والعدل بين الناس، وهاجم عمال ~~الخراج، وطالب كما يقول: بخلافة تشعر بمسئوليتها أمام الله جل جلاله، مما يجعل الله ~~يرضى عن قيام المسلمين بفروض دينهم، من صلاة وحج وصيام.» # تلك بعض الومضات التي تومئ إلى بعض جوانب الرسالة التي نهض بها الحلاج، والتي سنعرض لها ~~بالتفصيل والبيان. # ولن يضير الحلاج، أن النجاح لم يكتب لرسالته، وأنه قدم حياته فداء لتلك الرسالة، ~~فقد يكون الاستشهاد في سبيل الفكرة والعقيدة أسمى ألوان النجاح، وأعلى ضروب النصر. # أو كما يقول ابن أبي الخير في ملحمته الحلاجية: «إن الموت على مصلب الحلاج ميزة ~~الأبطال.» # ويقول حافظ الشيرازي، شاعر التصوف الإسلامي، في إحدى قصائده: «إن تصلبني الليلة، فإن دمي ~~يخط على الأرض - أنا الحق. مثل منصور الحلاج.» # ولما أراد جلال الدين الرومي، عبقري الشعر الفارسي الصوفي، أن يصعد بفريد الدين العطار، ~~في معارج الحب الإلهي. وفي مجالات البطولة الخالدة قال: «إن روح الحلاج تجلت في ~~العطار.» # ثم عقب بقوله: «لقد بلغ الحلاج قمة الكمال والبطولة، كالنسر في طرفة ms009 عين.» # لقد كانت تضحية الحلاج هي سر خلوده، فقد صعد الحلاج بتلك البطولة الفدائية إلى ~~قمة الكمال كالنسر الجبار الجناح، وغدا في قلوب المتصوفة وعقولهم، محجة ومنارة ترشد ~~إلى المثل الأعلى في إشراقاته وإلهاماته. # وأصبح الحلاج بهذا الاستشهاد الأسطوري الملهم الأكبر لمواجيد الشعراء وألحانهم وأغانيهم ~~في الأفق الصوفي. # فهو في الشعر التركي، الولي الأكبر، وهو لدى الهنود: شهيد الحق. وهو الملهم الأول لعباقرة ~~الشعراء الفارسيين العالميين، حافظ الشيرازي، وجلال الدين الرومي، وفريد الدين ~~العطار. # وامتد إلهامه عبر القرون، فنشأت الفرق الصوفية الكبرى، على وقع نغماته ودعواته، وهدى ~~تفكيره وآدابه، حتى إن البكتاشية التي هيمنت على تركيا وألبانيا، قرونا عديدة، ترجع في ~~أصولها إلى الحلاجية. # يقول الدكتور عبد الوهاب عزام: # 8 ~~«فكان عند الصوفية ولا سيما صوفية العجم والهند، كالمسيح عند النصارى، ~~واتخذوا كلماته شعارا ودثارا، وأشادوا بذكره، وجعلوه مثلا للصوفي الفاني في ~~الله.» # ويقول المستشرق ماسنيون: # 9 ~~«إن أقوال الحلاج ترسم له حياة بعد موته، ذات طابع حضاري عميق، وأكثر ~~صدقا من الناحية الاجتماعية، من الشهرة الأدبية التي نالتها نماذج، مثل الإسكندر أو قيصر ~~لدينا في الغرب.» # ثم يقول: «كان الحلاج، نموذج الولي الذي مجده الشعب التركي المجاهد الذي أقبل على ~~الإسلام في أعقاب مصرع الحلاج.» # ويتحدث فريد الدين العطار عن مدن العشق السبع، ثم يقول: «الحلاج ذلك الشهيد العالمي، ~~الذي قدم للدنيا صورة الولاية الكبرى، وقد بلغت أوجها في تضحية حربية، مليئة ~~بالرجولة، مليئة بالإلهام.» # ويستعرض ماسنيون الامتداد الروحي للحلاج. فيقول: إن دم الحلاج يعتبر بذرة روحية ~~تضمن استمرار الإلهام لمحبيه. ثم يقول: «والحلاج يدعى في الدعوات الشخصية، خصوصا في ~~بلاد الترك لوقف بكاء الأطفال الصغار، ولا يزال قبره التذكاري الخالي من رفاته الذي أقيم ~~له في بغداد كعبة الزائرين. # والمزمار الرئيسي في الحفلات الموسيقية الروحية عند المولوية يدعى باسمه - نادي ~~منصور.» # لقد كان الحلاج دائما يقول في دعواته: «يا معين الفناء علي أعني على الفناء.» # وسواء كان يقصد فناء الحب، أو فناء الامتداد الروحي، فقد استجاب الله الدعاء، ms010 فاستعصى ~~الحلاج على الفناء، وحلق خالدا في آفاق الشهداء، وستبقى قطرات دمه بذرة روحية، تضيف ~~في كل يوم إلى التصوف الإسلامي قوة ونماء. # وذلك خلود من ظفر بجوهرة الحب الإلهي، واستشهد في سبيلها. # | عصره وحياته # الفرس والتصوف # يقول عبقري الفكر الإسلامي، العلامة الفيلسوف البيروني: «العلم شجرة أصلها بمكة، ~~وثمرها بفارس، وهي كلمة من الكلمات التي تلقي بالأضواء على التاريخ.» # لقد كان فجر البعث القرآني بأم القرى، وعلى قيثارة الوحي، تفتحت مشاعر العرب للهدى، ~~فحملوا كلمات الله إلى آفاق الدنيا، يخرجون الناس من الظلمات إلى النور، ويهدون ~~الإنسانية صراطا مستقيما. # وتسلم الفرس من العرب تراث الوحي غضا مشرقا، بكل ما فيه من نور وقوة، وإلهام ~~وحياة. # وتفجرت فارس عيونا، وتفتحت آفاقا، وربت فيها الثقافة الإسلامية وتلألأت، ~~وأينع ثمرها، وآتت أكلها، وانبعثت قواها، مبدعة وصانعة، لأكبر نهضة ثقافية عرفها ~~التاريخ، حتى رأينا عجبا، وشهدنا إعجازا، ففي كل قرية، عباقرة كبار، وفي كل أفق، ~~نجوم وأقمار، وفي كل مكان أئمة عمالقة، يبدعون ويبتكرون وينشئون، ومن هنا جاء ~~الخبر المأثور: «لو كان العلم بالثريا، لناله رجل من فارس.» # وأبناء فارس - كما يقول ابن النديم - مشبوبو القلب والعاطفة والخيال، فيهم استجابة ~~فطرية، للمعارف الروحية، والأذواق الوجدانية. ومن ثم وجد التصوف الإسلامي، في أرض فارس ~~أفقه ومجالاته، والينابيع التي تمده بالزكاء والنماء، والقلوب التي تتفتح له ~~وتقتات به ... وكما يقول المستشرق ماسنيون: # 1 ~~«أصبحت فارس الملهمة، المركز الأكبر للتصوف الإسلامي، الذي يوافق فطرتها ~~وملكاتها.» # ويحدثنا الدكتور عبد الوهاب عزام عن أثر شعراء فارس في تشكيل الحياة الروحية ~~وتعميقها في الإسلام # 2 # فيقول: «وبلغ شعراء فارس في هذه السبيل غاية لم يدركها شعراء أمة أخرى، ~~فأخرجوا المعاني الظاهرة والخفية، والجليلة والدقيقة، في صور شتى معجبة مطربة، وقد ~~فتح عليهم في هذا فتح عظيم، فكان شعرهم فيضا تضيق به الأبيات والقوافي والصحف ~~والكتب، حتى ليقف القارئ حائرا، كيف تجلت لهم هذه المعاني، وكيف استطاعوا أن يشققوا ~~المعنى الواحد إلى معان شتى، ثم يخرجوا كل واحد منها، في صور ms011 شتى عجيبة، كأنها ~~أزهار المرج ونباته تزدحم في العين ألوانها وأشكالها، وماؤها واحد، وترابها واحد.» ثم ~~يقول: «... لقد تحول الشعر الفارسي كله، إلى شعر صوفي، فلا يخلو شاعر فارسي من ~~نزعة صوفية تظهر في شعره، لشد ما سيطر شعراء الصوفية على الشعر الفارسي.» # وبقيام الدولة العباسية، انتقل النفوذ السياسي، والثقل المادي، وترف الحضارة ونعيمها ~~وجلالها إلى فارس، فغدت محور الحياة الإسلامية السياسية والعلمية، بل غدت فارس أفقا ~~عالميا تتشابك فيه وتتصارع التيارات الفكرية والقلبية، وتلتقي فيها وجها لوجه ثقافات ~~الأمم شرقية وغربية. # ويصف لنا المؤرخ الكبير ياقوت المكتبات العلمية العامة بمدينة مرو، إحدى مدن فارس ~~التي لا تبلغ مرتبة العواصم، فيقول: # 3 ~~«يوجد بها عشر خزائن للكتب لم أر في الدنيا مثلها، منها خزانتان في ~~الجامع. إحداهما يقال لها العزيزية، وفيها اثنا عشر ألف مجلد للناس كافة، وكانت سهلة ~~التناول لمن يريد. ولا يفارق منزلي مائتا مجلد، وأكثرها بدون رهن. ثم يقول: وأنساني ~~حبها كل بلد، وألهاني عن الصحب والولد، وأكثر فوائد كتبي من تلك الخزائن.» # ويصف الإمام الجويني أرض فارس فيقول: «مطلع السعادة والمبرات، وموضع المراد والخيرات، ~~ومنبع العلماء، ومجتمع الفضلاء، ومرتع العظماء.» # أما ابن خلكان، فيحدثنا في كتابه «وفيات الأعيان» عن فارس حديثا يحلق على أجنحة ~~حبها وتقديرها، حتى يصفها بأنها الجنة التي وعد بها المتقون، فيها متاع الأعين ~~والعقول، أو كما يقول: «إنها أنموذج الجنة بلا مين، فيها ما تشتهي الأنفس، وتلذ ~~الأعين، وتزكو به القلوب والعقول.» # وفي جو تلك الحضارة العلمية الشامخة، وفي عنفوان هذا الترف الثقافي والحضاري، كان قلب ~~فارس، يخفق بالتصوف سلوكا ومعرفة، وكان أبناء فارس ينظرون إلى التصوف نظرة الإجلال ~~والإكبار والتقديس، ويجدون في مناهجه القلبية والروحية، صدى لما يضطرب في أعماقهم من ~~أشواق وأذواق، وما يتلألأ في معارفهم من إشراقات وإلهامات. بل يرون في التصوف وجه ~~القرآن وعلومه وأنواره، وأسرار هذه العلوم والأنوار، ويرون فيه فوق هذا وذاك، مجالا ~~ومسرحا للقلوب المتعلقة بعرش ربها، القلوب التي تقتات بذكره وحبه، وتتلقى من إلهامه ms012 ~~وفيضه. # فجر التصوف وضحاه # ومع مكانة التصوف الكبرى في الفكر الإسلامي، وما قدمه للحياة الإسلامية في شتى ~~مراحلها، من مناهج في المعرفة والأخلاق، والسلوك الاجتماعي، وما أفاض على الثقافة ~~الإسلامية من معان مشرقة عالية، في كل ما يتصل بالروح والقلب، وصلة الإنسان ~~بخالقه، وسيره إلى محبته ورضوانه، وما أبدع في هذا السير من أحوال ومقامات وأذواق ~~ومشاهدات وإلهامات، أسهمت في تعميق المعاني القرآنية واتساعها وشمولها، كما أسهمت ~~في تكوين تلك الحياة الروحية التي أصبحت من أكبر العناوين المتلألئة في جبين الدعوة ~~الإسلامية، وفي أفق رسالتها العالمية. # مع هذه المكانة الضخمة. لا تزال الأقلام قلقة مضطربة، وهي تتناول نشأة التصوف ~~وتدرجه وأثره في التاريخ الإسلامي. # وسر هذا الاضطراب أن كتب الطبقات الصوفية، لم تضع منهجا علميا لتاريخ الحياة ~~الروحية في الإسلام؛ فقد اعتبرت أئمة الصحابة جميعا من رجال الطبقات الصوفية، ومن ~~ثم، اعتبرت بداية الإسلام، هي بداية التصوف! # وجاء رجال التاريخ الإسلامي، وجلهم من الحنابلة الذين خاصموا منهج التصوف في ~~المعرفة والسلوك، فلم تتجه أقلامهم إلى تدوين تلك الحياة الخصبة المثمرة، بل ألقوا ~~عليها ستارا، ولم يرجوا لها وقارا! # ثم جاء رجال الاستشراق في عصرنا، فبذلوا جهودا ضخمة في دراسة التصوف الإسلامي، ~~ورجاله وتراثه. # ولكن هذه الجهود الضخمة، شابها وشوه من جلالها، عقدة نفسية، تحملها أقلامهم، ~~وتستقر في أعماق قلوبهم، وتدفعهم دفعا إلى تصوير التصوف الإسلامي، في أثواب ~~مستعارة من الملل والنحل الروحية، شرقية وغربية، وتدفعهم دفعا إلى تحميل ~~الكلمات والآراء أكبر مما تطيق، وأوسع مما تحتمل، ليضفوا على التصوف الإسلامي، صورا ~~غنوصية غامضة، من صور الغنوص الشرقي، الذي يستهوي رجال الاستشراق، وشعوب رجال ~~الاستشراق. # وتابعهم وجرى في ساحتهم فريق كبير من كتابنا، بحكم التلمذة لهم حينا، وبحكم ~~التشدق بآراء مفكرين أوروبيين أحيانا، وبحكم جهلهم بالإسلام والتصوف أولا وقبل كل ~~شيء. # ولسنا هنا بصدد التأريخ لهذه الحياة، وإنما نحاول أن نرسم خطوطا لها في نموها ~~وتطورها، تعيننا على تفهم منهج الحلاج الروحي، وصلة هذا المنهج الحلاجي، بالإسلام ~~والتصوف، أو مجانبته لهما. ms013 # لقد وجد الروح الصوفي مع الإسلام منذ يومه الأول، وليس معنى هذا، أن الأذواق ~~والمواجيد ، القلبية والروحية، والمناهج الصوفية سلوكا ومعرفة، كانت واضحة جلية، في ~~أيام الإسلام الأولى، وفي حياة أئمة الصحابة رضوان الله عليهم، ففي هذا الزعم إسراف ~~ومجانبة للحقائق. # ولكننا لو تأملنا في آيات القرآن المحكمة، وفي حياة الرسول الطاهرة، وسير صحابته ~~المشرقة، نجد البذور الأولى، للسلوك الصوفي، وللمعرفة الروحية، مبينة متلألئة. # وليس التصوف بدعا في هذا، فكل منهج من مناهج المعرفة في الإسلام انبثق كما انبثق ~~التصوف من روح القرآن، وجوهر رسالته، وبدأ كما بدأ التصوف مع الإسلام، ثم نما وتطور ~~ومشى مع خطو الحياة، وسنة الله. # فإننا مثلا نستطيع أن نقول مع الفقهاء: إن الفقه نشأ مع الإسلام، وليس معنى هذا ~~القول أن التفريعات الفقهية، والاستنباطات والمصطلحات الفنية، كانت في صدر الإسلام، وفي ~~الكتاب والسنة، وإنما كانت هناك البذور الأولى، والمادة الأولى، التي نمت وتطورت ~~ومشت مع الحياة. # كان التصوف موجودا في صدر الإسلام بروحه وهديه، وآدابه وخلقه، وترفعه وزهده، ~~وعباداته وطاعاته، وذكره ومناجاته، كان موجودا بجوهره لا بمصطلحاته، وقائما بكلياته ~~لا بجزئياته. # كان التصوف في صدر الإسلام هو هذا الروح الديني المهيمن المسيطر على حياة المسلمين ~~كافة، الموجه لحركاتهم وسكناتهم، الصاعد بأعمالهم ونواياهم، إلى خالقهم ~~ومولاهم. # كان هذه الرقابة الحية اليقظة التي أقامها كل مسلم في أعماقه، ليراقب ما توسوس به ~~نفسه، وما يصطرع في قلبه، وما يتواثب في نفسه، وما يخفي صدره، وما تطرف به ~~عينه. # كان هذا الترفع الشامخ عن شهوات الدنيا وزخرفها، والإعراض عن بريقها وفتنتها، والزهد ~~في ترفها ومظاهرها، والتسامي بكل ما فيها إلى وجه الله، حتى يظفر بحبه ورضاه، وقربه ~~وهداه؛ لأن الدنيا لا تزن عنده جناح بعوضة، ولأن الآخرة خير وأبقى. # ثم مشت الحياة بالمسلمين، وفتحت عليهم الدنيا، وابتعدت مسامعهم عن نغمات الوحي، ~~وتفرقت قلوبهم عن الميثاق والعهد، وانحلت العزائم، وفترت الهمم، وتسارع الناس ~~إلى المال والجاه، ولهو الحياة، ونشأت الفتن، واختصموا على الملك، وتصارعوا وتباغضوا، ~~وتشعبت بهم السبل. ms014 # ونشأت تبعا لذلك، حركات مضادة، ورسالات مجاهدة، صمدت في وجه العاصفة. ويحدثنا ~~تاريخ النصف الثاني من القرن الأول للهجرة، عن وعاظ ومرشدين، وقفوا على أسوار القرآن، ~~ومعالم السنة، ينذرون الناس ويدعونهم إلى ربهم ودينهم، تميزهم شجاعة نفسية عالية، ~~أعانتهم على مواجهة الجبروت والاستبداد الذي بدأت طلائعه في أفق الحياة ~~الإسلامية. # وبجوارهم رأينا طائفة من الزهاد، الذين وقفوا في وجه فتنة الترف والإسراف، ~~وأخذوا يديرون لحونهم وأحاديثهم، حول فضائل النفس، وآداب الحس، وتزكية الجوارح، والزهد ~~في الدنيا، وهوان أمرها، وزوال نعيمها، وضلال شهواتها. # ثم رأينا العباد المتبتلين، الذين انقطعوا إلى طاعة الله، وعبادته وذكره، وأحالوا ~~الكون إلى محاريب للصلاة والمناجاة، ومنابر للتحدث عن نعم الله، وعن عظمته وجلاله، ~~والأنوار التي يفيضها على الساجدين المتطهرين. # ومن هؤلاء وهؤلاء، تكون الرعيل الأول، من الصفوة الربانيين، الذين عرفوا في التاريخ ~~باسم الصوفية، أو كما يقول ابن خلدون: «اختص المقبلون بأنفاسهم على الله باسم ~~الصوفية.» # ثم ابتدأت تتكون لهذه الطائفة ثقافة إيمانية، لها لونها وطابعها وخصائصها ~~الفنية. # ثقافة تدور حول ذكر الله وإلهاماته، ومجاهدة النفس، وما ينبثق من هذه المجاهدة، من ~~آداب السلوك، ومقامات السير، ويتوج كل هذا الصلة بالله سبحانه، وما يترقرق حول هذه ~~الصلة، من أذواق ولحون، ومواجيد وأشواق، ثم ثمرة هذا كله، وهو المعرفة الباطنية، ~~وما تفيض هذه المعرفة من علوم وأنوار. # ومن ثم بدأت الحياة الروحية، تنفصل عن الحياة العامة، وتستقل بمناهجها ومعارفها، ~~وابتدأ الصوفية يصطنعون، كلمات تحدد أذواقهم، وتعبر عن شعورهم، وأخذ أفق هذه الكلمات ~~يتسع لمعان متعددة، وكانت كل كلمة تضاف إلى التصوف، تفتح أفقا جديدا، وتكون نبعا ~~متدفقا، وتتناولها ألسنة الصوفية، فتفتقها وتبتدع لها صورا وألوانا وأذواقا. # ثم أخذوا يكونون لهم فلسفة في الأخلاق، وفي السلوك، وفي العبادة، وأخذوا يجردون ~~الأسباب من قوتها، ويرجعون كل شيء إلى الله سبحانه، فأكسبهم ذلك عزة خلقية، وسعادة ~~روحية، قوامها الرضا بقضاء الله وقدره، واليقين بأن لا سلطان لقوة من قوى الأرض على ~~مصائرهم وحياتهم، أو كما يقول إبراهيم بن أدهم: «نحن ms015 في لذة لو عرفها الملوك ~~لقاتلونا عليها بالسيف.» # كما أفاضت عليهم الثقة بالله والتوكل عليه ، شجاعة نفسية، وقوة إيمانية، لا ~~تسامقها قوة ولا شجاعة، يقول إسحاق بن إبراهيم السرخسي: «سمعت ذا النون المصري، وفي ~~يده الغل، وفي رجليه القيد، وهو يساق إلى المطبق، والناس في بغداد يبكون حوله، وهو ~~يقول: هذا من مواهب الله تعالى، ومن عطاياه، وكل فعله عذب حسن طيب.» # تلك الشجاعة الصوفية الشامخة التي ستبلغ ذروتها في البطل الشهيد الحلاج، حينما صمد ~~للمأساة صمودا لا يطاوله في التاريخ صمود. # هذه خلاصة سريعة للمعارف الصوفية، في القرن الثاني للهجرة، ثم جاء القرن الثالث، فبدأ ~~معه العصر الذهبي للتصوف، أو عصر النضوج العلمي للحياة الروحية. # تطور المعارف الصوفية في القرن الثالث الهجري # وفي مطلع هذا العصر، أخذت معاني الحب الإلهي، الذي سمعنا جرسه لأول مرة في ألحان ~~رابعة العدوية ومواجيدها، أخذت معاني هذا الحب تتسع، وتتلون بها المقامات والأحوال، ~~وأخذت كلمات الأنس والبسط، والرجاء والخوف، واليقين والمشاهدة، تشيع وتؤتي ثمارها، ~~وتدرجت على أجنحة الحب ومعارجه حتى وصلت بالصوفية إلى مقام الفناء، وهو أخطر مقامات ~~التصوف وأبعدها أثرا في تاريخه. # والفناء هو غاية الصوفية، ففيه يشربون رحيق الحب الأعلى، وينعمون فيه بمتع ولذائذ ~~روحية تنسيهم دنياهم وأخراهم ووجودهم، وكل شيء سوى المحبوب. # والحب أساس الأحوال الصوفية، وقد اعتبر - كما يقول السهروردي - أساسا ~~للأحوال، كالتوبة بالنسبة إلى المقامات، فمن صحت توبته على الكمال، تحقق بسائر ~~المقامات، من الزهد والرضا والتوكل، ومن صحت محبته، تحقق بسائر الأحوال، من الفناء ~~والبقاء والصحو والمحو. # 4 # ومن الحب تنشأ المعرفة والمشاهدة، ولذة المعرفة والمشاهدة، وفي الحب يتمتع المحب ~~بالجمال المقدس، ويا له من جلال وجمال! ونشوة الحب الكبرى، تسمى سكرا، والسكر ~~علامة الصدق في الحب، وهو نشوة روحية لا يمكن تصورها إلا بالتجربة، كما يقول الإمام ~~الغزالي؛ ولذلك قالوا: «من ذاق عرف.» # 5 # وهذا السكر الروحي، حدقة يرى بها الصوفي، حقيقة الكون، وسر الخلق، يقول معروف ~~الكرخي: «إذا انفتحت عين بصيرة العارف نامت عين بصره، ms016 فلا يرى إلا الله.» # ونهاية السكر هو الفناء، وفيه يغني المحب عن الموجودات، ويتجه بكليته لمطالعة وجه ~~المحبوب. # والفاني كما يقول الصوفية: لا يحس بما حوله، ولا يحس بنفسه، فقد فنى عما سوى الله، ~~ومن هنا جاء كلام الصوفية الذي لا يفهمه ولا يتذوقه سواهم، حينما يقولون، في نشوة ~~الفناء، ووقدة الحب: «ليس في الوجود إلا الله.» # إنها تجربة عليا، تجربة ذاتية في عالم الروح والسر، تجربة كان أقوى وأجرأ من ~~تحدث عنها الحلاج حينما بلغ الذروة العليا لمقام الفناء، أو مقام الاتحاد، وحينما ~~ابتدع الحلاج من هذا المقام معارف صوفية، تتحدث عن وحدة الأديان، والنور المحمدي، ~~ووحدة المحب والمحبوب. # ويأتي بعد مقام الفناء، مقام البقاء، ويأتي بعد الوحدة، مقام الجمع، وبعد الجمع، مقام ~~التفرقة. # ومقام الجمع، هو رؤية الحق بلا خلق، وهي حالة وجدانية، أو حالة دهشة وغيبة، مع ~~فقدان الإحساس بالأشياء وبالنفس. # والمحب هنا يعزل نفسه عن صفاتها، بأن ينظر، وكأنه بمثابة النظر لا الناظر، ويسمع ويعي ~~وكأنه بمثابة السمع والوعي، لا السامع والواعي، ويتكلم وكأنه بمثابة الكلام لا ~~المتكلم. # إنه مقام إشارة، إلى حق بلا خلق ... وحالة الجمع هذه هي الحالة التي قال فيها ~~الصوفية، الكلمات الجريئة التي عرفت باسم «الشطح» التي هوجم التصوف والصوفية من ~~أجلها، وتضرب الأمثال بكلمة أبي يزيد البسطامي «سبحاني» وبقول الحلاج: «أنا ~~الحق.» # وقد قيل لشيخ الطائفة الجنيد: إن أبا يزيد يسرف في الكلام، فقال: وما بلغكم من ~~إسرافه في كلامه؟ قالوا: سمعناه يقول: سبحاني، سبحاني، أنا ربي الأعلى! # فقال الجنيد: إن الرجل مستهلك في شهود الإجلال، فنطق بما استهلكه لذهوله عن رؤيته ~~إياه، فلم يشهد إلا الحق تعالى، فنعته فنطق به. # 6 # ويعتبر كبار الصوفية، مرحلة الجمع هذه، أدنى مما يجب أن يكون عليه الكمل من ~~المحبين الذين يجب أن يتحققوا بما يسمونه «جمع الجمع» أو «صحو الجمع» أو «الفرق ~~الثاني»! # وهي مرحلة تعقب مرحلة الجمع السابقة، ويجمع الصوفي فيها بين الجمع والفرق معا؛ لأنه ~~لا بد للعبد منهما، فإن من ms017 لا تفرقة له لا عبودية له. # وحالة جمع الجمع هذه، حالة وعي وصحو وإدراك، مع بقاء المعرفة الصوفية ، التي كانت ~~في حالة السكر، فلا يزول عن صاحب المقام إدراك الوحدة، إذا نظر إلى الكثرة، أو إدراك ~~الكثرة إذا نظر إلى الوحدة. # وهذه حالة فيها جمع من وجه، وتفرقة من وجه، فالجمع باعتبار الشعور بالوحدة، ~~والفرق لإدراك الخلق، وصور الكون كما هي. # ومن المتحققين بهذا المقام أبو القاسم الجنيد، ويقول في هذا المعنى: # وتحققتك في السر # فناجاك لساني # فاجتمعنا لمعان # وافترقنا لمعاني # إن يكن غيبك التع # ظيم عن لحظ عياني # فلقد صيرك الوج # د من الأحشاء داني # فالجنيد يجمع لمعان، ويفرق لمعان، وهذا هو جمع الجمع، وحال العارفين الكمل، ~~المحلقين على أجنحة الوجد. ~~••• # ومقامات التصوف ومعارفه ومناهجه، أفق يتلألأ جمالا وكمالا، أفق صاغه الإلهام، ~~وفتق جوانبه الإيمان، وشيد سماواته الحب الإلهي، وما يفيض هذا الحب من مشاهدة يقينية، ~~وعلوم فيضية، ومنح ربانية. # أفق مترامي الأبعاد، تعجز العقول المادية الأرضية عن ارتياده، واكتشاف أسراره، ~~والاهتداء إلى أنواره. # إنه أفق لأصحاب العقول والأذواق، الذين صفت أرواحهم بالطاعة، ورقت بالمجاهدة، وشفت ~~بالمحبة، وسمت بالاصطفاء، حتى شهدت بالاجتباء ما لا عين رأت، وسمعت ما لا أذن سمعت، ~~ونعمت بما لم تنعم به القلوب التي لم تبرح نطاق الماء والطين. # والقرن الثالث للهجرة، يعتبره الصوفية أكبر وأخطر مرحلة في تاريخ الحياة ~~الروحية. # إنه العصر الذي بلغ فيه التصوف ضحاه، واكتمل نموه، وشيد صرحه، وتدعمت مدارسه. # العصر الذي شهد الأعلام الأئمة الكبار الذين يدين لهم التصوف بخطوطه العريضة المضيئة ~~... العصر الذي عاش فيه الحارث المحاسبي (ت سنة 243ه) سيد المحدثين عن دقائق ورقائق ~~المحاسبة والمراقبة، وذو النون المصري (ت 245ه) أكبر المتكلمين عن أسرار المقامات ~~والأحوال، وأبو اليزيد البسطامي (ت 264ه) بتحليقاته وإلهاماته في مقامي الحب والفناء، ~~وأبو سعيد الخراز (ت 277ه) أستاذ مدرسة السلوك القلبي، والخلق المثالي، وسهل بن عبد ~~الله التستري (ت 283ه) مربي العارفين القانتين، وشيخ الطائفة وإمامها، أبو القاسم ~~الجنيد (ت سنة 297) الحجة ms018 الذائق، الواصل في مقام التمكين. # وأخيرا الشهيد، الحسين بن منصور الحلاج، الذي بلغ به التصوف كما يقول ماسنيون أقصى ~~درجاته الفنية، وتحقق فيه الرمز الأعلى للصوفي المحب الفاني. # والحياة الصوفية في القرن الثالث الهجري، بكل ما فيها من عظمة وإشراق، وأسرار في ~~المقامات والأحوال، وبكل ما اشتملت عليه، من محبة وفناء ومشاهدة، وفرق وجمع وفتح، ~~وجهاد في سبيل الكمال، واستشراف للمثل الأعلى. # كل هذا نشاهده مبينا واضحا مصورا في حياة الحلاج، ونضاله، وصراعه ~~واستشهاده. # بل إن الحلاج، ليعرض علينا، آفاقا قلبية، ومعارج روحية، وألوانا من الحب ~~الإلهي وإلهاماته، وما فيه من شوق ووجد، وعذاب وحرقة، وتقلب في ملكوت المشاهد ~~والأنوار، لا نراها عند غيره. # لقد انبثق الحب الأعلى، الحب الأعظم، في قلبه ووجدانه، وحسه ودمه وكيانه، فأذهله ~~وحيره، وأفناه عمن سواه، حتى لنراه، في أسواق بغداد بقامته الفارعة، ولونه الأسمر ~~الجميل، وسمته المهيب، ومنطقه الساحر، وهو يهيم على وجهه، وقد صرعه حبه، وهو يصيح: «يا ~~أهل الإسلام. أغيثوني! فليس - أي الله - يتركني لنفسي فأتهنى بها! وليس يأخذني من ~~نفسي فأستريح منها، وهذا دلال لا أطيقه ...» # 7 # مولده # في بقعة من بقاع فارس الجميلة العريقة، الغنية بخيرات أرضها، وثمار عقول أبنائها، ~~وفي ضحى العصر الذهبي للتصوف، في مطلع عام 244ه/858م ولد ~~الحسين بن منصور الحلاج، في بلدة تور في الشمال ~~الشرقي من مدينة البيضاء. # 8 # وتقدم لنا دائرة المعارف الإسلامية، روايتين متناقضتين عن نسبه، فالرواية الأولى تصعد ~~به إلى أبي أيوب الأنصاري الصحابي الجليل، وبذلك تجعله عربيا خالصا. وتقول الرواية ~~الثانية: إنه حفيد مجوسي من أبناء فارس. # 9 # والرواية التي تنسبه إلى الأنصار لم تثبت تاريخيا، ولم يقل بها مؤرخ عربي، ~~فإجماع رجال التاريخ، على أنه فارسي الأصل، كما هو فارسي المولد. # يقول ابن كثير: # 10 ~~«هو الحسين بن منصور بن محمي الحلاج أبو مغيث، ويقال أبو عبد الله، كان ~~جده مجوسيا، اسمه محمي، من أهل فارس من بلدة يقال لها البيضاء. ونشأ بواسط، ويقال ~~بتستر.» # ويقول المستشرق ماسنيون: إن البقعة ms019 التي ولد فيها كانت من أعظم مناطق النسيج في ~~الإمبراطورية الإسلامية. وإن والده كان من عمال النسيج؛ ولهذا سمي حلاجا، وهو ~~استنتاج فكري من ماسنيون لم يقم عليه من التاريخ شاهدا أو دليلا. # أما الرواية التاريخية التي أوردها ابن خلكان في «وفيات الأعيان»، فتروي عن ضمرة بن ~~حنظلة السماك، قال: «دخل الحلاج واسط # 11 # وكان له شغل، فأول حانوت استقبله كان لقطان، فكلفه الحلاج السعي في ~~إصلاح شغله، وكان للرجل بيت مملوء قطنا، فقال له الحسين: اذهب في إصلاح شغلي، فإني ~~أعينك على عملك، فذهب الرجل، فلما رجع رأى كل قطنه محلوجا، وكان أربعة وعشرين ألف ~~رطل، فسمي من ذلك اليوم حلاجا ولازمته هذه الكنية طوال حياته.» # وقد أورد ابن كثير # 12 # أيضا هذه الرواية، وأضاف إليها رواية أخرى تقول: إن أهل الأهواز أطلقوا ~~عليه هذه التسمية؛ لأنه كان يكاشفهم بما في قلوبهم فسموه، حلاج الأسرار. # وبعد مولد الحلاج بقليل، اضطربت أحوال والده المالية، فرحل من بلدة تور إلى مدينة ~~واسط ينشد العمل في ميادينها الاقتصادية الكبيرة. # وكانت واسط، مركزا من مراكز الإشعاع الفكري والروحي في فارس، أسس بها الأشاعرة ~~مدرستهم الكبرى، وأوجد فيها العلامة أبو علي الجبائي، نشاطا ثقافيا، وتيارا علميا ~~حرا، يخضع كل شيء لمنطقه وطرائفه. # كما أقام بها الحنابلة مدرسة للقراء، ومعهدا للحديث، واتخذوا من مساجدها مقاعد ~~للبحث والدرس، والجدل والحوار. # وفي هذا الجو العلمي الحر الحي، نشأ الحلاج، ولفت إليه الأنظار منذ طفولته، بذكائه ~~المتوثب اللماح، وشفا فيه روحه، وتفتح قلبه، وحبه وإقباله على ينابيع العلم والمعرفة، ~~حتى ليحدثنا تاريخه، أنه قرأ القرآن الكريم على أعلام القراء في عصره، وحفظه وجوده، ~~وهو في العاشرة من عمره، وتعمق في فهم معانيه، تعمقا ليس من طبيعة الطفولة ~~الغضة. # كما اشتهر بالإرادة القوية الموجهة، والرياضات والمجاهدات الروحية الشاقة، والزهد ~~فيما يقبل عليه لداته من شئون الحياة، ولهو الطفولة، والاستفراق الكامل في الصلاة ~~والتأمل والتعلق بالدراسات التي تتناول المعرفة الروحية، وما تحتوي عليه هذه المعرفة من ~~أنوار وأسرار. # وأقبل الحلاج ms020 بكل ما في قلبه من أشواق، وما في روحه من إشراق على علوم عصره من ~~فقه وتوحيد وتفسير وحديث وحكمة وتصوف. ولكنه كما يقول ماسنيون: «سرعان ما راح ~~يبحث عن المعنى الرمزي الذي يرفع دعاء الروح إلى الله.» كان الحلاج يحس في أعماقه ~~دائما تلهفا واشتياقا إلى معرفة أرق وأدق مما يقرأه في صفحات الكتب، ومما يستمع ~~إليه في دروس العلم والعلماء. # معرفة تدنيه وتقربه من الله، وتمنحه المعراج الذي تصعد عليه روحه إلى هداه. # كان يحس أن لروحه عند الصفاء والنقاء، سبحات ملهمات، تترقرق فيها معان ~~مشرقات، وأن قلبه عندما يأخذه الوجد الإلهي، والحب الرباني، تتفتح فيه منافذ يطل ~~منها على ملكوت رائع الجلال والبهاء، تلتمع في آفاقه حقائق أعلى وأسمى مما يتجادل فيه ~~الناس ويتخاصمون. # وإذن فليعمل الحلاج على أن ترتفع روحه بالحب ارتفاعا يجعلها أهلا لهذه الحقائق ~~التي يهبها الله لمن ارتضى من عباده، واصطفى من خلقه. # وانقطع الحلاج عن دروسه، وأقبل على ملكوت السماء والأرض يقلب وجهه في آفاقهما، ~~ويتأمل أسرارهما، ويقرأ بين سطورهما الخفية أسرارا وأسرارا. # وعكف على روحه وقلبه، بالتصفية والمجاهدة، حتى أعطيا كنوزهما، وتفجرا معرفة ~~ونورا. # ونذر نفسه لربه سبحانه، وأقبل عليه بكل ذاته، وقد اشتعلت أحاسيسه بالوجد، والتهبت ~~عواطفه بالحب، إنه يستهدف ارتباط قلبه بالله، وقرب روحه منه، قربا يفنى فيه عن كل شيء، ~~ليبقى له بعد ذلك كل شيء. # إنه فناء الخالدين بربهم، وهو فناء وخلود، لا يعرفه إلا الأفق الصوفي. # وأخذ الحلاج نفسه بهذا المنهج أخذا عنيفا قاسيا، وألزم نفسه به طوال حياته، حتى ~~غدا طابعه الذي تشكل به وجوده المادي والروحي. # ولقد سئل عن المريد الصادق. فقال: «هو الرامي بقصده إلى الله عز وجل، فلا يعرج ~~حتى يصل.» # وهي كلمة تصور لنا منهج الحلاج وهدفه الذي عاش له وبه، لقد رمى بقصده إلى الله ~~سبحانه، وسخر كل ملكاته العقلية والروحية لتحقيق هذا الهدف، بل اتجه بكل أذواقه ~~ومعارفه إلى آفاق هذا المعنى. # فكلمة التوحيد، وهي السطر الأول في كتاب ms021 الإسلام، لا تكون صدقا وحقا كما يقول ~~الحلاج، إلا إذا عشناها وتذوقناها، وفنينا في معناها، حتى كأننا حين ننطقها نسمعها من ~~الله جل جلاله، وحينئذ تنبثق في شغاف القلب، وعين الوجدان، ويموج كل شيء بالجلال ~~والنور والمعرفة. # والقرآن الكريم كلام الله فيجب على المؤمن أن يتذوق حقائقه تذوقا روحيا، وأن تتمثل ~~فيه هذه الحقائق تمثلا عمليا وإيجابيا. # ألم تقل السيدة عائشة - رضوان الله عليها - وهي تصف رسول الله - صلوات الله وسلامه ~~عليه: «كان خلقه القرآن.» # ويمشي الحلاج بهذا الفهم خطوات حتى يقول: «إن المؤمن الصادق يصل به الأمر حتى تكون ~~«باسم الله» منه بمنزلة «كن» من الله سبحانه.» # أي إن «باسم الله» إن نطق بها من تحقق بحقائق القرآن، وتذوقها وعاش بها تكون «باسم ~~الله» منه؛ لها من القوة والأثر ما لكلمة «كن» من الله سبحانه. # ومن كلمات شبابه التي تصور لنا منهجه قوله: «حقيقة المحبة قيامك مع محبوبك بخلع ~~أوصافك والاتصاف بأوصافه.» # إنها البذرة التي ستخرج منها فلسفة الحلاج في مقام الفناء! ويقول الحلاج: «من ~~لاحظ الأعمال حجب من المعمول له - الله - ومن لاحظ المعمول له حجب عن رؤية ~~الأعمال.» # وهذه الصورة المثالية السامية التي تصورها لنا تلك الكلمة، سنجدها بصور أكمل وأسمى ~~في جهاد الحلاج وتضحياته. # تلك بعض خواطر الحلاج القلبية والروحية، وهو في مطلع شبابه قبل أن يسلك المنهج ~~الصوفي على شيوخه، وقبل أن ينتظم في المدرسة الروحية العالمية، مدرسة التصوف، التي كانت ~~تهيمن على العراق وفارس خلال القرن الثالث الهجري. # شيوخه في الطريق # ولما بلغ الحلاج الثامنة عشرة من عمره، اتصل بالإمام الصوفي سهل بن عبد الله ~~التستري، وتلقى على يديه آداب الطريق ومنهجه. # وأعجب الحلاج بشخصية سهل، وبادله شيخه الإعجاب والتقدير، وتلازما ليل نهار، حتى ~~بلغ الحلاج العشرين من عمره، فاعتزم أن يخرج من مدينة واسط الصغيرة إلى العالم ~~الفسيح، فرحل إلى البصرة بعد أن ودع شيخه، وترك كما يقول جانبا من قلبه معه. # وفي البصرة تتلمذ على يد شيخ من شيوخ التصوف، هو عمر ms022 المكي الذي سوف يكون له أبعد ~~الأثر في حياته، وفي نكبته، ومن يده تلقى الحلاج خرقة الصوفية وعاش حياتهم. # ثم تزوج الحلاج في البصرة، بأم الحسين بنت أبي يعقوب الأفطع من زعماء البصرة وأهل ~~الصدارة فيها. # واتسم هذا الزواج بالحب والإخلاص وصاحبه التوفيق حتى النهاية، فقد وفت له زوجه في ~~مجده وفي محنته وثبتت إلى جواره، ورزق منها بثلاثة أبناء. # وكان شيخه المكي في خصومة ملتهبة مع صهره، امتدت آثارها إلى الحلاج، فانقطع ما ~~بينهما من مودة، وقامت مكانها خصومة حادة، حتى ضاق صدر الحلاج بالبصرة فارتحل إلى ~~مدينة بغداد. # الحلاج في بغداد # يقول صاحب «العبر»: «تصوف الحلاج، وصحب سهل بن عبد الله، ثم قدم بغداد فصحب الجنيد، ~~والثوري وتعبد وبالغ في العبادة.» # وفي بغداد تتلمذ على أبي القاسم الجنيد، سيد الطائفة، وشيخها الكبير، وتوثقت صلتهما، ~~واشتكى إليه من شيخه المكي فأمره الجنيد بالصبر ومراعاة حق شيخه ... ثم أخذ ما بين ~~الجنيد والحلاج يفتر، فلكل منهما شخصيته ومنهجه، وباعدت بينهما أحداث سنعرض لها في ~~الفصول القادمة إن شاء الله. # ويروى عن الجنيد قوله: «إنني أرى كثيرا من فضول الكلام فيما يقوله ~~الحسين بن منصور.» # ثم اتصل الحلاج برجال مدرسة رسالة القشيري، والتقى بصديق عمره الشبلي كما اتصل ~~بمدارس التصوف وأعلامه اتصالا لم يطل أجله ... فقد أخذ الحلاج يكون لنفسه منهجا ~~ومدرسة وزعامة، ذات أهداف دينية ودنيوية معا ... وكانت بغداد عاصمة الدنيا حضارة ~~وثقافة، وكانت تقدم للحلاج الكثير من المعرفة، ومن الروحية، ومن دوافع الحركة ~~والنشاط والجهاد ... وفي بغداد تلاقت الثقافات العالمية، كما تلاقت المذاهب والملل والنحل ~~المختلفة، وتصارعت كل هذه الألوان الفكرية وتلاحقت وصبغت الحياة الإسلامية بصبغتها ~~وطابعها ... ورأى الحلاج في بغداد الصراع الفكري المشبوب، ورأى في بغداد العصبيات ~~القلبية بين الفرس والترك والعرب، وبين القبائل العربية المختلفة ومثيلاتها. كما رأى ~~ترفا ماجنا هلوكا، ونظاما فاسدا ظالما، وخلافة متكبرة متألهة. # وآمن الحلاج بأن التصوف هو الذي يستطيع أن يهيمن على هذه المذاهب الفكرية ~~المتعارضة، ويوحدها في منهجه الإيماني، كما يملك ms023 القدرة على محو هذه العصبيات الجامحة ~~بروحانيته العالية وما تشع من أخوة، وما تلهم من محبة! وفوق هذا وذاك: إن التصوف ~~يستطيع بطبيعته النقية المترفعة أن يحارب الترف والفساد والتأله الذي فرضته الخلافة ~~العباسية على المجتمع الإسلامي. # الحلاج والأخوة الروحية # ومن ثم أخذ الحلاج يفكر في إيجاد كتلة شعبية تدعو إلى أخوة روحية في الله، ~~وتستهدف وحدة العالم الإسلامي، والنهوض به خلقيا وتعبديا حتى يعود إلى منهج الصدر ~~الأول وقوته، وروحانيته وإيمانه. # أخوة روحية تنبثق منها الوحدة الكاملة في الشعور والمثل، والمناهج ~~والغايات. # فالمسلمون قرآنهم واحد، ورسولهم واحد، وعباداتهم قامت على النظام والوحدة، فالصلاة ~~موقوتة بوقت محدد، وكمالها في جماعة منتظمة في صفوف متراصة، تتجه إلى قبلة ~~واحدة، وتفنى أحاسيسهم في استغراق تعبدي مشترك. # والصيام يبدأ بأذان الفجر، وينتهي بأذان الغروب، كأنه نفير عام يحشد الجنود، جنود ~~الروحانية الإسلامية؛ ليدربهم على النظام والقوة، والوحدة الكاملة. # والحج مؤتمر المسلمين الأكبر، تضمهم بقاع مقدسة محددة، وشعائر مفروضة مشتركة، ~~ويرمون عن يد واحدة جمرات موجهة إلى رمز عدوهم المشترك. # ومع هذا فقد اختلفوا وتمزقوا، وأعرضوا عن رسالتهم الخلقية، وعباداتهم ~~الربانية. # وأخذت هذه الخواطر تراود الحلاج، فتؤرق جفونه، وتوقظ أحاسيسه، وتحرك قواه، فأخذ ~~يلقي بنفسه في تيار الحياة، ويتصل بالجماهير، ويوثق صلاته بطوائف من الجند والقادة ~~والأمراء والزعماء، اتصالا، لم يرض عنه المتزمتون من شيوخ التصوف، ولم ترض عنه ~~الخلافة، ولم ترض عنه القوى المختلفة التي تحرك بغداد، وتحكم العراق، وتهيمن بالتالي ~~على العالم الإسلامي. # مجاهداته الروحية # ولكن هذه الصورة التي تمثل لنا الحلاج في إهاب رجل الإصلاح الديني والاجتماعي ~~والسياسي، لم تكن كل حياة الحلاج، ولا كل جهاده، ولا يمكن لهذه الصورة أن تمثله ~~تمثيلا كاملا. # فالحلاج كان يتقلب في حياتين، ويعمل في حقلين، وكان يملك القدرة على المزج ~~بينهما، كما يملك الطاقة على النهوض بهما معا. # كان الحلاج خلال معركته الإصلاحية، ودعوته الشعبية، يسلك طريقه الصوفي، ويسلكه في ~~عنف وقوة. # لقد انفصم ما بينه وبين شيوخه في الطريق الصوفي، فلم يتم تدريبه، ms024 ولم يكتمل إعداده، ~~ولم تمهد له الأيدي المدربة المبصرة، أيدي المربين الروحانيين طريق الكمال ~~الروحي. # والطريق الصوفي كما يقول المتصوفة، طريق وعر شائك، تمتزج فيه البروق الخادعة، ~~بالأنوار الهادية، والخواطر المضللة بالإلهامات المشرقة وفيه الاستدراج الخفي، ~~والامتحان الرباني، وفيه العوائق النفسية، والتيه القلبي، والخداع الذوقي؛ ولهذا ~~اشترط الصوفية جميعا واتفقوا على أن الشيخ ضرورة في الطريق لا غنى عنه للسالك المريد، ~~إنه كالطبيب للمريض، يعرف المزاج والمرض والدواء، كالمهندس للبناء، إنه النور الذي ~~يرشد، والمربي الذي يوجه، والدليل المبصر الذي يفرق ويميز بين الخواطر والإلهامات، ~~ويملك القدرة على اختصار الطريق، كما يملك التجربة الواعية التي ترسم لكل سالك ومريد ~~ما يلائمه، وما يتفق مع ذوقه واستعداده وطبيعته. # والشرط الأول في الطريق أن يستسلم المريد لشيخه استسلاما كاملا، بلا اعتراض أو ~~توقف، وهي دكتاتورية لا تتفق مع طبيعة الحلاج الثائرة، فتمرد عليها واختصم بشأنها ~~مع شيخه عمر المكي، وتجادل فيها مع شيخه الجنيد، ولم يرض الشيوخ عن هذه الروح ~~الثائرة! # واستقل الحلاج بنفسه، وأخذ يسلك الطريق وحده، وأخذ يجاهد نفسه ويدربها ويكلفها أشق ~~ما في التصوف من تكاليف، ويفرض عليها أقسى ما في المنهج الروحي من وسائل التجرد والزهد ~~والعبادة والرياضة. # وابتدع لنفسه طريقا حلاجيا استهدف به الكمال القلبي والخلقي، واتصال روحه بربه ~~اتصال حب وشوق وفناء، اتصالا سيعرف في التاريخ باسم «معراج الحلاج» وهو معراج ~~يتفرد في تاريخ الحياة الروحية، بخصائص وسمات لم تعرف لسواه. # وكان الحلاج في جهاده الروحي، وفي نضاله الشعبي، سريع التقلب والحركة، إن في روحه ~~ثورة، وفي قلبه أهواء متعددة، وفي وجدانه وأحلامه استشراف وتطلع لآفاق يحسها ويدركها ~~ببصيرته واضحة حينا، غامضة أحيانا! # إن روحه لم تظفر بعد بأفقها المستقر المبين، وإن قلبه لم يصل بعد إلى مقام الثبات ~~والتمكين، ومن هنا جاء التلون في السلوك الذي اتسمت به حياة الحلاج في دورها ~~الأول. # يقول ابن كثير: # 13 ~~... وقد كان الحلاج يتلون في ملابسه، فتارة يلبس لباس الصوفية، وتارة ~~يتجرد في ملابس زرية، وتارة يلبس لباس ms025 الأجناد، ويعاشر أبناء الأغنياء والملوك ~~والقواد، وقد رآه بعض أصحابه في ثياب رثة، وبيده ركوة وعكاز وهو سائح، فقال ~~له: ما هذه الحالة يا حلاج؟ فأنشأ يقول: # لئن أمسيت في ثوبي عديم # لقد بليا على حر كريم # فلا يغررك أن أبصرت حالا # مغيرة عن الحال القديم # فلي نفس ستتلف أو سترقى # لعمرك بي إلى أمر جسيم # كان الحلاج يتلمس طريقه إلى أمر عظيم جسيم، طريقه بشقيه الصوفي والإصلاحي، وقد ~~اعتزم في إصرار حاسم، أن يبلغه أو يهلك دونه. # الحلاج يستعرض المنهج والرسالة # آمن الحلاج - وهو يشق طريقه إلى الله على أجنحة من رياضاته العنيفة الشاقة، ~~وأشواقه القلبية المتقدة - أن هناك صلات لا تنفصم بين الكمال الروحي الذي ينشده، ~~والإصلاح الإيماني الذي يستهدفه. # إنه ليحس بأن في أعماقه قوى ضخمة، تفور وتتصارع، وتتهيأ للحركة والوثوب ... ويشعر بأن ~~هناك في أبعد عمق من نفسه وقلبه ووجدانه تتفجر ينابيع، وتتدفق تيارات وثورات، يرى ~~بعين خياله وبصيرة أحلامه أنها ستغير وجه الحياة - حياته، وحياة الناس كافة! # لقد آن للعالم الإسلامي أن يبعث من جديد، على نور من كتاب الله وحبه، وشعاع من ~~حياة الرسول وهديه، وما أروع وأجمل أن تتحقق أحلام الحلاج! فتشهد الدنيا أمة ~~قرآنية تقوم بعين الله ورعايته، يحكمها ويوجهها أقطاب عباد أتقياء أصفياء، يحبون ~~الله ويحبهم، ويملئون الكون بمواجيدهم وضراعاتهم، وأنوار إلهاماتهم، ويحملون الناس على ~~الجادة والطريق الذي اصطفاه الله وارتضاه، فلا تفترق السياسة عن الصلاة، ولا الحكم عن ~~الحب، ولا العمل عن العبادة، فتتحول الدنيا من غاية للشهوات والصراع ولهو الشياطين إلى ~~مساجد للحب والسلام ونجوى الساجدين العابدين. # إنها أحلام الحلاج التي تملأ عليه آفاقه، والتي تعيش في أعماقه، وتبعث الحركة ~~والاضطراب في حياته، ترى هل هو أهل لها بعد؟ وهل يستطيع النهوض بها، فتتحول الأحلام ~~والأماني إلى حقائق حية، تسعى وتعيش وتخلد؟ # وهل تستطيع الصوفية، وهل يستطيع المنهج الصوفي أن يقدم له القاعدة الصلبة التي يرتكز ~~عليها، حتى يثب من فوقها؟ لقد جاهد الصوفية أنفسهم في سبيل التصفية والتحلية ms026 والتطهر ~~جهادا خالدا لم تعرف صحف الجهاد النفسي مثيلا له من قبل، وفرضوا على أنفسهم مناهج ~~في السلوك، وآدابا في الطريق، وواجبات في العبادات، وأخلاقا في الحياة، هي أسمى ~~تصورات الكمال التي عرفها هذا الوجود ... وامتلأت أيديهم بثورة ضخمة من التجارب العلمية ~~الكاملة التي قاموا بها وحدهم وهم يصعدون معارج الوصول إلى أفق الحب الإلهي، وسموات ~~الإلهام والنجوى ... وتركوا للإنسانية زادا صالحا من معارفهم وإلهاماتهم وعطرا زكيا ~~من أورادهم وعباداتهم، وسيرا وصحفا لهم تشع هدى، وترسل نورا، وتهدي طريقا. # ثم عاش الصوفية بعد ذلك حياتهم داخل أنفسهم أو داخل حلقات دروسهم، وساحات مريديهم، ~~ولم يمدوا أعينهم إلى ساحة الحياة الكبرى، وإلى ميادين جهادها الأخرى. # ولقد آمن الحلاج بأن المنهج الصوفي بكمالاته في الأخلاق والعبادات والجهاد الروحي، ~~وبمواجيده وأذواقه، ومعارفه في الحب الإلهي، إنما يمثل وجها واحدا من الدعوة ~~الإسلامية، ووجها واحدا من حياة الرسول - صلوات الله وسلامه عليه، إنه يمثل مرحلة ~~الإعداد فحسب! ثم تأتي في أعقابها مرحلة الكمال، مرحلة الجهاد العام لتبليغ لدعوة، وحمل ~~الناس عليها، والدفاع عنها، فلو اكتفى الأنبياء والأولياء والصالحون المصلحون والزعماء ~~بأنفسهم ولم يحملوا ما تلقوا وما تعلموه وآمنوا به إلى الناس، ولم يجاهدوا في سبيله حتى ~~تعلو كلمات الله، وتسود تعاليمه ورسالاته لفسدت الأرض، وامتطاها شياطين الجن والإنس ~~يوحي بعضهم إلى بعض زخرف الأرض غرورا ... # ولقد فسد عصر الحلاج فسادا كبيرا، وتنابذ الناس واختلفوا، وتفرقت بهم السبل، ~~وأغرقوا في الشهوات والملذات والترف الهلوك ... وكانت قمة الفساد قصور الخلفاء ~~والأمراء، فقد غدت مسرحا لعبث الجواري والإماء، ومرتعا للمرتشين والمقامرين ~~والملحدين! # ومع هذا، فها هي بغداد - عاصمة الخلافة - تموج بالنجوم الكبار من أعلام التصوف ~~وأئمته: الجنيد - التستري - المكي - الشبلي - الثوري ... وها هو العراق - في كل سهل ~~وجبل وقرية - فيه صوفية عباد أتقياء أصفياء، لهم مكانتهم وأقدارهم ...! # إن سهل بن عبد الله التستري ليقول: إنه دخل البصرة فوجد بها أربعة آلاف من العارفين! ~~البصرة وحدها يعيش بها هذا العدد الضخم من العارفين الواصلين، فكم منهم في بغداد؟ ms027 وفي ~~كل مدينة من مدن العراق؟ ومع هذا، فبغداد والعراق قد أصبحتا علما عالميا على ~~التدهور الخلقي، والانحلال الديني، والفساد الاجتماعي. ماذا فعل الصوفية حيال كل هذا؟! ~~ولهم المكانة ولهم الجاه ، ولهم الحب والتقدير عند الخاصة، والسلطان الشامخ على ~~العامة. # لقد فكر الحلاج في كل هذا وأطال التفكير، فلم يرض عنه، ولم يطمئن إليه، وعبر عن ~~سخطه بكلمات من لهيب وبرق ... إن الله سبحانه - كما يقول الحلاج - لم يقبل من الناس ~~عبادتهم إذا اختلت سياستهم، وفسدت أخلاقهم، ثم استكانوا للبغي والفساد! وإن الله ~~سبحانه - كما يقول الحلاج - لن يقبل من أصحاب الأردية والأكسية دندناتهم وكلماتهم ما ~~لم ينهضوا للحق ويجهروا به، ويقدموا دماءهم في ساحة الاستشهاد والفداء. # وقد آن لرجل من رجال الله أن يرفع صوته، ويؤذن بالدعوة، وإن الحلاج ليهب نفسه ~~ويرصدها لهذه الغاية الكبرى. وإن كان يمسك نفسه حينا، ويقلب وجوه الرأى أحيانا، فليس ~~عن تردد أو ضعف، إنه يريد أن يستوثق من نفسه، وأن يطمئن إلى عدته، هل كملت رياضاته؟ ~~وهل نضجت مجاهداته؟ وهل خلص له قلبه؟ إن قلبه لينازع عقله فيما يريد، وإن وجدانه ليصاول ~~تفكيره فيما يحب ... لقد تعشق بقلبه ووجدانه وروحه المنهج الصوفي، ورصد كل قواه منذ صباه ~~لحب الله وعبادته والجهاد في مرضاته، حتى يصل إلى فناء كامل، تفنى فيه إرادته في ~~إرادة الله، ونوازع بشرية في كمالات عبادته، وأهواء نفسه في لذة أنسه وجلال ~~قربه. # وإن هذا الجلال، وهذا الحب، وهذا الفناء ليكاد يسرقه عن نفسه، وعن رسالته حينا ~~وحينا، يخيل إليه أنهما ارتبطا واتحدا، وأصبحا شيئا واحدا، إنها عاصفة من ~~التفكير المزلزل، المتعدد الألوان والصور، خلص له منها أمر يقيني اطمأن إليه اطمئنانا ~~لم يجده عند سواه. # إنه في حاجة إلى خلوة كاملة، يعيشها متحنثا متطهرا ذاكرا قانتا، خلوة تؤهله ~~أو تدنيه من الكمال، وتزوده وتعده للجهاد العنيف الشاق الذي اعتزم القيام به في وجه ~~جميع القوى. # ومن ثم اعتزم الحلاج أن يرحل إلى بيت الله المقدس، ليخلو بنفسه في أرض ms028 الوحي ~~والإلهام، ليزداد قربا من ربه، وكمالا في نفسه، وهما عدته ومعراجه إلى هدفه. # الحلاج في بيت الله # وفارق الحلاج بغداد فجأة إلى مكة المكرمة، وبعد أن طاف بالبيت العتيق، وامتلأت ~~عيناه بالمشاهد التي شهدت خطو الملائكة وجهاد خاتم النبيين، نذر البقاء عاما للعمرة في ~~حرم البيت المبارك للتطهر والنسك، والتصفية القلبية والإعداد الروحي. # عاش الحلاج في مكة عاما كاملا في صمت مطلق، وتأمل متصل، وعبادة ونجوى، عاش ~~في الحجر لا يستظل تحت سقف شتاء ولا صيفا. عن أبي يعقوب النهرجوري # 14 # قال: «دخل الحلاج مكة أول دخلة وجلس في صحن المسجد سنة لم يبرح من ~~موضعه إلا للطهارة والطواف، ولم يحترز من الشمس ولا من المطر، وكان يحمل إليه في كل ~~عشية كوز ماء، وقرص من أقراص مكة، وكان عند الصباح يرى القرص على رأس الكوز وقد ~~عض منه ثلاث عضات أو أربعة فيحمل من عنده.» # عاش الحلاج حياته العجيبة القاسية الشاقة عاما كاملا، ما هي خواطره؟ وما هي ~~تأملاته؟ وما هي القوة التي تزود بها في خلوته؟ لقد لزمت كتب التاريخ الصمت حيال هذه ~~الفترة من حياته، إلا أن المستشرق ماسنيون يحاول كعادته أن يلقي الظلال والشبهات، وأن ~~يفسر حياة الحلاج التفسير الذي يصل به إلى الفكرة التي استقرت عنده، وهي أن ~~الحلاج كان يحاول أن ينهج نهجا مسيحيا في تنسكه ودعوته، وأنه كان يتشبه بمريم ~~البتول حينا، وبالسيد المسيح أحيانا ... يقول ماسنيون: «إن الحلاج في مكة كان يتشبه ~~بمريم ابنة عمران، وأنه كان يهيئ نفسه لميلاد كلمة الله فيه.» # إن تأملات الحلاج وأحلامه، وخواطره ورياضته بمكة، تصورها لنا أولى كلماته التي نطق ~~بها بعد عام كامل من صمته، لقد خرج الحلاج من عزلته فتلقاه أتباعه يسألونه عن ~~شأنه، فترجم عن أمره بتلك الجملة القصيرة، المعبرة المصورة لحالته حيث قال: «لو ألقى ~~مما في قلبي ذرة على الجبال لذابت.» # إنه ثائر أو عابد من لون جديد، تلاقت في أثوابه خرقة الصوفية بكسوة الجندية، ~~وامتزجت في قلبه أشواق الحب ms029 الإلهي بثورة الإصلاح السياسي، واجتمعت في روحه طهارة ~~العابدين ورقتهم ببطولات المصلحين وصلابتهم، وكانت هذه الأمشاج من الصفات المتناقضة ~~تعلوها صفة ثابتة تعطي الحلاج طابعه الدائم. # ذلك هو الوجد الصوفي - الذي كان يأخذه أخذا عنيفا ملحا، يفنى فيه عن نفسه حينا، ~~وعن رسالته أحيانا، ويدفع به زمنا إلى الخلوة القاسية والهرب من الناس، أو يزج به ~~قسرا إلى تيار الحياة ومعاركها ... ذلك الوجد الصوفي الذي سيبلغ قمته في سنواته الأخيرة، ~~بل ذلك الوجد الذي سيترك بصماته على تاريخ الحلاج فيملؤه غموضا واضطرابا، ويضفي ~~عليه فتنة وخيالا ساحرا. # تنقلات الحلاج في العالم الإسلامي # غادر الحلاج مكة إلى الأهواز، ومعركته الباطنية لا تزال مشتعلة، رغم السلام الظاهري ~~الذي اكتسبه من رياضاته وخلوته. # لقد رسم في عزلته خطوطا، وتزود بقوى، واعتزم أن يدفع بنفسه إلى ساحة الكفاح ... خرج ~~داعيا إلى الله، مبشرا برسالته، واتجه بدعوته إلى طبقة المثقفين من الكتاب ورجال ~~الأعمال، وإلى الجنود والقواد، وجماهير الصوفية ... وقسم الحلاج منهجه إلى خطوط ~~رئيسية: ناحية دينية صوفية، جوهرها عبادة الله وحبه، حبا أساسه الوجد والشوق، حتى ~~يجد الإنسان ربه في أعماق نفسه، وبذلك يصل إلى الكمال الروحي والخلقي، وإصلاح الأداة ~~الحكومية الغارقة في الترف والشهوات والانحراف، حتى يستقيم الميزان الموجه لحياة الناس، ~~ووحدة الأمة الإسلامية التي مزقتها الفلسفات والعصبيات، حتى تستطيع أن تنهض برسالتها، ~~وتتجمع لديها القوة اللازمة لحمايتها. # وكان الحلاج في دعوته يتجنب التسميات المميزة بين الفرق الدينية، حتى لا يظن به ~~الجنوح إلى فرقة بذاتها - وهي العقبة الكبرى في وجه كل دعاة الإصلاح - وكانت صيحة ~~الحلاج المدوية هي: أن يعود الناس للأساس الأول، إلى الإسلام كما جاء، محجة ~~بيضاء، وكما طبق في عهد الرسول توحيدا صافيا وعملا لله خالصا، وأن يتخلى الناس عن ~~هذه المذاهب التي حجبتهم عن الجواهر، فالمذاهب - كما يقول - إن هي إلا وسائط يجب ~~اجتيازها إلى روح الإسلام ... يقول العلامة ابن كثير في البداية والنهاية: «كان ~~الحلاج في عباراته حلو المنطق، فيه تعبد وتأله وسلوك.» # وغضب المتزمتون من رجال ms030 التصوف، لاندفاع الحلاج في التيار السياسي، وقابل الحلاج ~~غضبتهم بأعنف منها، فنبذ خرقة التصوف، ريثما يتكلم بحرية مع أبناء الدنيا كما ~~يقول. # وعظم أمر الحلاج في الأهواز، وفتنت به الجماهير، ونسبت إليه العجائب، وتلونت هذه ~~العجائب بخيال العامة، حتى غدت ضربا خارقا لقدرة الإنسان! # وكان الحلاج - كما يقول الإصطخري - باهر الشخصية، ساحر الكلمة، رائع السمت، محببا ~~إلى القلوب. أو كما يقول العلم الحديث: فيه استهواء روحي للجماهير ... ثم وسع الحلاج ~~نطاق دعوته، فارتحل إلى خراسان، وفي صحبته عشرات من الحواريين، واستمر - كما يقول ماسنيون # 15 ~~- يدعو ويعظ الجاليات العربية في شرق إيران، ويبث دعوته في المدن، ويقيم ~~على الحدود، ويرابط مع المرابطين في الثغور، وقضى في ذلك خمس سنوات. ثم يعود إلى ~~الأهواز، بعد أن ترك دويا يتردد صداه في آفاق خراسان. # ثم يدعوه تلميذه العظيم، الواسع النفوذ حمد القنائي إلى الإقامة ببغداد، فيرحل إليها ~~مع أهله وطائفة كبيرة من مريديه وأتباعه ... ويدخل الحلاج بغداد بعد أن سبقته شهرته ~~وعجائبه، فيحدث في بغداد هزة، يتردد صداها في البيئات الصوفية والعلمية، ترددها ~~في قصور بغداد العالية وأكواخها الساذجة. # ثم يذهب الحلاج إلى مكة للمرة الثانية مع أربعمائة من تلاميذه، ويعاود الاختلاء ~~والرياضة، حتى يتهمه بعض خصومه بأنه يقوم بأعمال السحر وتحضير الجن، لاعتصامه بقمة جبل ~~أبي قبيس وانقطاعه عن الناس. ومن مكة يخرج الحلاج في رحلته الكبرى في سبيل الدعوة، ~~يخرج إلى التركستان والهند حيث يعتنق الإسلام على يديه خلق عظيم. # واتخذ البحر طريقا، وصعد في السند من ملتان إلى كشمير، ويمضي في طريقه صاعدا ناحية ~~الشمال الشرقي حتى طرقان مع القبائل الأهوازية. لقد كان الحلاج - كما يقول ماسنيون - ~~يفكر في هداية الإنسانية كلها عبر الأمة الإسلامية. # وعظم أمر الحلاج في بلاد ما وراء النهر والهند والصين فكانوا يكاتبونه # 16 # من الهند بلقب المغيث، ومن بلاد الترك بالمقيت، ومن خراسان بأبي عبد الله ~~الزاهد، ومن حورستان بالشيخ حلاج الأسرار، وسماه أشياعه ببغداد بالمصطلم، وسموه في ~~البصرة المحير، وذهبت الدنيا تردد أحاديثه ms031 وقواه السحرية الخارقة، أو كراماته ~~الباهرة. # يقول صاحب «شذرات الذهب»: # 17 # وبلغ من شأنه أن كان يخرج الأطعمة في غير وقتها، والدراهم من الهواء ~~ويسميها دراهم القدرة، وكان يعرف الكيمياء والطب ... ونشر الحلاج رسائله الكبرى عن ~~السياسة، وواجبات الوزراء، مطالبا بإقامة حكومة إسلامية حقا. وزارة تحكم بالعدل ~~بين الناس، وخلافة - كما يقول - شاعرة بمسئوليات وظيفتها أمام الله، مما يجعل الله يرضى ~~عن قيام المسلمين بفروض دينهم. # 18 # ومن وراء النهر عاد الحلاج إلى مكة، يدفعه وجد صوفي، وحنين غلاب إلى الخلوة، ~~وإلى رياضاته العنيفة القاسية، في أرض النبوة والإلهام، وليتزود في عزلته الروحية بقوة ~~إيمانية، قوة تؤهله لمواجهة الحياة في معركة بطولية حاسمة. # هناك في بغداد عاصمة الخلافة العباسية، حيث الصراع الفكري والديني مشتعل الأوار في ~~البيئات العلمية، وحيث الترف والشهوات والفساد يخنق المجتمع الإسلامي. هنالك كانت معركة ~~الحلاج الكبرى التي سوف يقدم روحه قربانا لها ... وإلى بغداد يعود الحلاج! ليشعل ~~فيها كل شيء، وليحترق في أتونها. # الحلاج في عاصمة الخلافة # وخفق قلب بغداد للنبأ العظيم! لقد جاء الحلاج إليها تسبقه عواصف مرعدة مذهلة، من ~~الدعاوي العريضة المتناقضة، جاء إليها بعد أن طوف بالأرض، فملأ آفاقها دويا، وأسمع ~~آذانها عجبا. # فقد ترك الحلاج في كل بقعة رن فيها خطره ما يختلف فيه الناس، وما يتخاصمون في ~~أمره، فما رأى الناس من قبل رجلا له سمته وشخصيته وقواه وروحانيته! # رجلا يتصدى لهداية الناس كافة، فيطرق أبواب العالم شرقا وغربا، مبشرا وداعيا ~~إلى الله سبحانه، دعوة أساسها وروحها حب الله، حبا تذوب فيه شهوات الدنيا، وينطفئ ~~لهيبها، وتتضاءل فيه أهواؤها وسحرها، فإذ بكل ما فيها قبض الريح، وإذ تاجها ونعيمها ~~وفوزها الأكبر في الاتصال بواجب الوجود ومبدعه، اتصالا ينير الروح، ويشعل القلب، ويوقظ ~~الحس، فإذا بالإنسان في تجل عظيم مشرق! قوة ربانية تملك أسرار الكون، كما تملك ~~معارج الصعود، إلى حياة النور والخلود، وتملك فوق هذا وذاك القدرة على تحقيق رسالة ~~الإنسان الكامل، خليفة الله الذي اصطفى منه كليمه، وخليله، وحبيبه. # وفي ms032 خلال هذه الدعوة الروحية الربانية لا يفنى الحلاج عن دنياه كما فنى غيره من ~~الصوفية، ولم تذهله الإشراقات والمعارج والمحبة الربانية عن حقيقة الحياة الأرضية، بل ~~هو يقرع سمع الدنيا بدعوته الإصلاحية ضد المفسدين في الأرض من الملوك والأمراء، ومن ~~يمشي في مواكبهم من محترفي الدين والدنيا، فيطالب بخلافة مؤمنة، مهتدية تحمل الناس ~~على الصراط المستقيم، وحكومة قرآنية، تشعر بواجبها حيال الله، شعورها بواجبها حيال ~~الإنسان. وضد المفسدين في الروح والفكر والقلب من علماء الكلام والمنطق والتوحيد، ~~ومحترفي الجدل الديني، والحوار اللفظي، الذين مزقوا دينهم شيعا، وأحالوه عوجا، بعد أن ~~كان شرعة محكمة، لا تعرف جدلا ولا حوارا، وإنما تعرف عملا وإيمانا. # وتمتزج شخصية الحلاج بجوهر رسالته، فيؤثر كلاهما في الآخر، تأثيرا هو سر ما يضطرب ~~فيه الناس من أمره، وما يتجادلون حيال سيرته وحقيقة دعوته. # كان الحلاج متوهج النفس، مشتعل الحس، جياش القلب، ثائر الوجدان، رهيف العاطفة، يملك ~~قوى خارقة، من المغناطيسية الروحية التي تؤثر في كل شيء يتصل به، أو يدنو ~~منه. # وكان فوق هذا واسع الخيال، ساحر البيان، رائع التصوير، صادق الشعور، أخلاه الزهد، ~~وحلاه النسك، وجلاه الحب، أكسبته طاعاته ومجاهداته روحا مشرقا مشعا متوددا عطوفا ~~تتدفق منه تيارات ساحرة محببة، تدنيه من كل قلب، وتمزجه بكل عاطفة. # يقول المستشرق نيكلسون: امتاز الحلاج بأنه عاش في صوفيته تماما، عاش في كل لفظ ~~قاله، وفي كل خاطر مر به، حتى لقب بمسيح الإسلام ... ويقول العلامة الفرنسي ~~ماسنيون إنه حي ما قال، وقال ما حي، وعندما قارن بين محيي الدين والحلاج قال: «أنا ~~أعتقد أن ابن عربي معرفته أكبر من روحه، وأن روح الحلاج أكبر من معرفته.» # كان الحلاج روحا عظيما، بل لعله كان أكبر روح في عالم التصوف. يقول ~~علي بن أنجب الساعي: «لقد بلغ من صفاء روحه أنه كان ~~يستشف الغيب من ستر رقيق، ولقد عزيت إليه نبوءات صادقة، استرعت أنظار ~~الدنيا.» # وتلك الصفات التي اتسم بها الحلاج وطبعت تاريخه وصاغت دعوته، صفات فيها إغراء، ~~وفيها استهواء، ms033 حتى لقد فتن بسحر الحلاج الروحي قوم ملئوا الدنيا حوله بالأساطير ~~الملونة المبدعة، ودقوا طبول الدعوة العالية لخوارقه المذهلة، حتى جعلوه عليما بالغيب، ~~قادرا على إحياء الموتى، مسخرا لعناصر الطبيعة وجواهرها ... وهي صفات أيضا تترك ~~حولها حقدا غليظا، وحسدا مسموما، وجحيما مشتعلا بالبغضاء، فتصدى للحلاج قوم ~~جمعوا كل ما في الدنيا من فجور وفسوق وإلحاد ومروق، وقذفوا به وجهه، وسودوا تاريخه، ~~إرضاء لشهوات صدورهم، وبغضاء نفوسهم. # وبتلك الهالة، وعلى قرع تلك الطبول دخل الحلاج بغداد، وكانت بغداد في عصره هي ~~الدنيا كما يقول رجال التاريخ! كان يحمل إليها خراج الأرض، فتنبض جنباتها بالترف، وما ~~يدفع إليه الترف من شهوات وفجور! وكان يلتقي فيها تراث الفكر العالمي بمواريث الحضارة ~~الإسلامية، فتموج آفاقها بكل لون من ألوان الفكر والمعرفة. # كان فيها الماديون على اختلاف مناهجهم ومللهم، من الفلاسفة العقليين، إلى المتمردين ~~الملحدين، وكان فيها الروحانيون على اختلاف أذواقهم من العباد المتصوفين، إلى المنجمين ~~والمتألهين، والمتصلين بالأرواح والشياطين. # وتحولت مساجد بغداد ومدارسها وندواتها إلى ساحات للحرب الفكرية، بين فرق وألوان ~~ومذاهب لا حصر لها ... وإلى ساحة بغداد، بل إلى ساحات الصراع المشبوب الأوار دلف ~~الحلاج، تحيط به حاشيته، وتسبقه دعوته! واهتزت عمائم العلماء في أروقتهم الفكرية، ~~وتطلعت حلقات الصوفية وأرهفت سمعها، وترددت همسات في قصر الخلافة، وتخاطفت الجماهير ~~الأحاديث الملونة عن الرجل المبارك، صانع المعجزة والكرامة! # ومن ثم رأينا التاريخ يحدثنا عن شيوخ كبار من البيئات الصوفية والفقهية، وعن أئمة ~~من أساتذة الكلام والتوحيد والفلسفة، وهم يسعون إلى الحلاج ويلتمسون لقاءه والتحدث ~~إليه! وفي شهواتهم جدل عنيف، وفي عقولهم تحد غليظ، وفي قلوبهم تلهف حار، ~~يحاول أن يتعمق فهم رسالة الداعية الذي تحيط به الرعود والبروق. # وتعددت الاجتماعات، وتوالت الندوات، وطال الجدل والحوار، والتهبت الكلمات، واختصمت ~~العقول وتفرقت القلوب، وأصبحت الخصومة سافرة؛ فقد جاء الحلاج إلى بغداد يحمل منهجا ~~ورسالة، ويندفع إلى عنف في هدف وغاية. # ولم تكن البيئات العلمية في بغداد على استعداد عقلي لأن تسلم للحلاج بمنهجه الصوفي، ~~بنسكه ومواجيده وأذواقه، ms034 ولم تكن المجتمعات الصوفية في بغداد على استعداد نفسي يؤهلها ~~لأن تسهم مع الحلاج في دعوته الإصلاحية، وأهدافه الثورية. # المنهج الحلاجي # ومن ثم حفظ لنا تاريخ الحلاج - رغم غموضه وتمزقه - مناظرات وجدليات خاض الحلاج ~~غمارها ضد مفكري عصره وعلمائه ومتصوفيه، كما حفظ لنا تراثا حلاجيا يشكل منهجا ~~فكريا متكاملا متناسقا، له طابعه العلمي، وخصائصه الروحية! # وهذا المنهج الحلاجي الثقافي يتسم في كل جزئية من جزئياته بذلك الوجد الصوفي، ~~والحب الإلهي، الذي استأثر بعقل الحلاج وقلبه وروحه، استئثارا ملحا عنيفا. # الحلاج وعلماء الكلام # وعلى ضوء هذا المنهج نستطيع أن نتفهم محاولات الحلاج مع علماء الكلام، في الأمر ~~والإرادة والمشيئة الإلهية، وفي أفعال العباد وتعلقها بالقضاء والقدر. # فالحلاج يعتمد على التجربة الصوفية المباشرة، ~~لحل مسألة الصلة بين اللطف الإلهي والقضاء والقدر ... تلك المشكلة التي ترجع إلى النزاع ~~بين الخير الذي يأمر به الله - الأمر - وبين الشر الذي يتنبأ بوقوعه - الإرادة - ويرضى ~~الحلاج بهذا النزاع بدلا من أن يخفيه، فهو يعلم ألا حيلة للعلم في الوصول إلى ~~الماهية الإلهية، بل إن الحب هو الطريق إليها؛ إذ ليست المعرفة الفكرية للقضاء الإلهي ~~هي التي تقربنا من الله، بل إنما هو خضوع القلب للأمر الإلهي في كل لحظة؛ لأن الأمر ~~غير مخلوق، بينما الإرادة مخلوقة ... # وهكذا يضع الحلاج حدا لنقاش متكلمي عصره حول هاتين الكلمتين - الأمر عين الجمع، ~~والإرادة عين العلم - فكل قلب إذن يشغله السعي وراء الجزاء عن حرمة الأمر، إن هو إلا ~~مرتزق، وليس بخادم حق الله. # وقد تبنت السالمية هذه التفرقة ونمتها، مستشهدة على ذلك بموضوع طاسين الأزل ~~للحلاج، فلقد كان أمر الله في دعوته إبليس لأن يسجد لآدم أمرا شكليا، ولم تكن تلك ~~إرادته، وإلا لسجد إبليس! لأن كل ما يريده الله واقع لا محالة ... ذلك هو موضوع البلاء ~~الذي لا مفر منه للإنسان كي يكون قديسا. # 19 # ولهذا يوصي الحلاج المريد بأن يكون مع الحق بحكم ما أوجب، ويقول: «من لم يؤمن ~~بالقدر فقد كفر، ومن أحال المعاصي إلى الله ms035 فقد فجر.» # وأسماء الله سبحانه عند الحلاج من حيث الإدراك أسماء، ومن حيث الحق حقيقة، وكان ~~يقول: «لا يجوز لمن يريد غير الله، أو يذكر غير الله، أن يقول عرفت الله. ~~ومن عبد الله لنفسه فإنما يعبد نفسه، ومن استصحب كل ~~نسك في الدنيا والآخرة وهو جاهل لا يقرب من الله أبدا.» # والصلاة عند الحلاج هي المعراج الذي يصل النفس مباشرة بالله. وقراءة القرآن عنده ~~إنما تكون بإحساس ومشاهدة، فكأن الله سبحانه يتلو على لسان القارئ، أو كأن القارئ ~~يستمع إلى الله سبحانه. # ومن هنا نشأت حالات الوجد العظمى، التي عرف بها الحلاج عند السماع ... والكون عند ~~الحلاج مادي وروحي كالإنسان. والعبادة تخلق وعيا كونيا. # والإيمان عنده: قول وتصديق وعمل. والولي هو الدليل الحي على الله ... وبذلك وضع ~~الحلاج أول مذهب كلامي فلسفي للصوفية، مما سنعرض له عرضا شاملا في الفصول ~~القادمة إن شاء الله ... وعن الحلاج تلقت المدرسة - السالمية - فلسفتها الكلامية التي ~~تراها عالية الصوت في تفسير السلمي. # الحلاج وتفسير القرآن # والمنهج الحلاجي الذي ذكرناه يتجلى بصورة متلألئة في تفسيره للقرآن وتفهمه لآيه ~~... وللحلاج تفسيرات تناولت آيات الذكر الحكيم جملة وتفصيلا، وهي تفسيرات أصابها ما ~~أصاب تاريخ الحلاج كله، من تمزيق وتبديد. # وبقيت من هذه التفسيرات لمع ترشد إلى المنهج، وتومئ للفكرة. وأبو عبد الرحمن السلمي ~~يدور في تفسيره الصوفي حول نظرات الحلاج في التفسير. كما حفظ لنا العلامة روزبهان ~~البقلي في تفسيره «عرائس البيان» شذرات من تفسير الحلاج نقتبس منها نماذج لهذا ~~اللون من التفسير والتفكير. # يقول الحلاج في تفسيره لقوله تعالى: # أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ~~: «العبد مبتلى بالأمر ~~والنهي، ولله في قلبه أسرار تخطر دائما، فكلما خطر خاطر عرضه على الكتاب فهو طاعة ~~الله، فإن وجد له شفاء وإلا عرضه على السنة، وهي طاعة الرسول، فإن وجد له شفاء وإلا ~~عرضه على سير السلف الصالحين، وهو طاعة أولي الأمر.» # ويقول في تفسير قوله تعالى: # ألست بربكم قالوا ~~بلى # حينما سأل الأرواح في عالم الذر ms036 «... لا يعلم أحد من الملائكة ~~المقربين لماذا أظهر الحق الخلق؟ وكيف الابتداء والانتهاء؟ إذ الألسن ما نطقت، ~~والأعين ما أبصرت، والأذن ما سمعت. كيف أجاب من هو عن الحقائق غائب، وإليه آيب. في ~~قوله «ألست بربكم» ...؟ فهو المخاطب والمجيب ... قالوا: بلى؟ القائل عنكم سواكم، والمجيب ~~عنكم غيركم، فسقطتم أنتم، أو بقي من لا يزل، كما لم يزل.» # ويقول في تفسير قوله تعالى: # إن الله اشترى من ~~المؤمنين أنفسهم ~~: «نفوس المؤمنين غالية، لا تباع ولا ~~تشترى، ولا تذل، فلا يملكها سواه.» # ويقول في تفسير قوله تعالى: # فذلكم الله ربكم ~~الحق ~~: «الحق: هو المقصود بالعبادات، المصعود إليه بالطاعات، لا يشهد ~~بغيره، ولا يدرك بسواه.» قال أبو عبد الرحمن السلمي: «سئل الحسين بن منصور: من هو ~~الحق الذي تشيرون إليه؟ قال: معل الأنام، ولا يعتل.» # وفي تفسير قوله تعالى: # وجعلنا بعضكم لبعض ~~فتنة ~~: «المحنة لخواص أوليائه، والفتنة لعامة الناس.» ثم يقول: «أبدى ~~الله الأكوان كلها بقوله: «كن» إهانة لها وتصغيرا، ليعرف الخلق إهانتها، فلا يركنوا ~~إليها، ويرجعون إلى مبدئها ومنشئها، فاشتغل الخلق بزينة الكون فتركهم معه، واختار من ~~خواصه خصوصا أعتقهم من رق الكون، فأحياهم به فلم يجعل للعلل عليهم سبيلا، ولا ~~للآثار فيهم طريقا.» # ويقول في تفسير قوله تعالى: # وهو معكم أين ما ~~كنتم ~~: «ما فارق الأكوان الحق وما قارنها، كيف يفارقها وهو موجدها ~~وحافظها؟! وكيف يقارن الحدث بالقدم؟! قوام الكل، وهو بائن عن الكل.» # وفي تفسير قوله تعالى: # ما يكون من نجوى ثلاثة ~~إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم # قال: «هو ~~معهم علما وحكما، لا نفسا وذاتا.» # وقال في تفسير قوله تعالى: # وصوركم فأحسن ~~صوركم ~~: «أحسن الصور: صورة أعتقت من ذل «كن» ... وتولى الحق تصويرها ~~بيده، ونفخ فيها من روحه، وألبسها شواهد البعث، وجلالها بالتعليم، وأسجد لها الملائكة ~~المقربين، وأسكنها في مجاورته، وزين باطنها بالمعرفة، وظاهرها بفنون الخدمة، وخلق آدم ~~على صورته - أي صورته التي صوره عليها - فأحسن صورته.» # ويقول في تفسير قوله تعالى: # فلا أقسم بما تبصرون ~~* وما ms037 لا تبصرون ~~: «ما اختزن من خلقه الذي لم ~~يجر القلم به، ولم يشعر الملائكة بذلك. وما أظهر الله للخلق من صفاته، وأراهم من صنعته، ~~وأبدى لهم من علمه في جنب ما اختزن عنهم، كذرة في جميع الدنيا والآخرة! ولو أظهر الله ~~تعالى من حقائق ما اختزن لذاب الخلق عن آخرهم فضلا عن حملها ...» # والحلاج يرى أن في القرآن علم كل شيء، وعلم القرآن في الأحرف التي في أوائل السور. ~~ويقول: إن كل هذه العلوم القرآنية قد أحاط بها رسول الله صلوات الله وسلامه عليه. وهي ~~للعارفين بحكم الميراث المحمدي، وهي سر الحكمة والجلال الذي يشرق في أقوال العارفين من ~~الصوفية ... # | الحلاج وأدب السلوك الصوفي # كان الحلاج فوق رسالته الإصلاحية والربانية مربيا، وأستاذا صوفيا، في القمة ~~السامقة، سلوكا ومعرفة. ولقد التف حول الحلاج في حياته أكبر مجموعة صوفية، في تاريخ ~~القرن الثالث الهجري - عصر التصوف الذهبي - حتى ليقول العلامة ابن كثير: «إنه كان يلازمه في ~~سفره الشاق الطويل أكثر من أربعمائة من صفوة المريدين السالكين.» # وفي كل بقعة في الشرق الإسلامي، من بغداد إلى أعالي الهند تكونت مجموعات حلاجية، ثم ~~تحولت هذه المجموعات إلى جامعة صوفية، دانت للحلاج بالزعامة والولاية، واتخذت منهجه ~~معراجا وصراطا. # وقلب التصوف الإيماني، وروحه المثالي، ورسالته الخالدة تتجلى مبينة مشرقة في مدرسة «الشيخ ~~والمريد»، تلك المدرسة المثالية، التي أنجبت المربين العالميين، الذين ابتدعوا سبلا في ~~التربية، وأسلوبا في السلوك، تخشع حياله، وتلقى باليدين وهي صاغرة كل مدرسة مهما سمت ~~أدبا، وكل جامعة مهما عظمت منهجا! لقد امتدت تلك الأيدي المتوضئة المؤمنة الملهمة إلى ~~القلب الإنساني فدرسته، وتعمقت خوافيه، وجاست خلاله، وكشفت أسراره، وأحاطت بنوازعه وخوالجه، ~~فمسحت بنور القرآن فجوره، وأشعلت بأدب الرسول تقواه، ثم عرجت بملكاته صعودا حتى أشهدته ~~تسبيحات الملأ الأعلى، وإشراقات الأفق الأسنى، فسجد عند ربه يقتات برضوانه، وينهل من فيضه ~~وينعم بإلهامه. # ثم مشوا بنور ربهم إلى الروح الإنساني، فأطعموها نور الذكر، وسقوها رحيق الحب، وأشعلوها ~~بالوجد، وبسطوها بالأنس، وصاحبوها في مقاماتها وأحوالها من ms038 النفس الأمارة إلى النفس ~~اللوامة، ومن المطمئنة إلى الراضية. # وإن لكل مقام منهجا، ولكل حال علما وذوقا، فأسكنوها نعيما مقيما، وجنة عالية، ~~في الأولى قبل الآخرة ... لقد أحالوا مثاليات القرآن، وأدب النبوة إلى منهج سلوكي تربوي، ~~أخرج للناس نماذج بشرية مضيئة، لم تعرف الإنسانية بعد الرسل والأنبياء من هم أهدى منهم ~~خلقا، أو أزكى نفسا وأتقى قلبا. # وقد أوجدت هذه التربية روحا صوفيا له طابعه وخصائصه، وهذا الروح هو سر التصوف وأفقه ~~ومنهجه ... فقد أخذوا دينهم بقوة، وتميزوا بعزمات صاعدة؛ فهم أرباب العزائم لا الرخص، وهم ~~الذين أيقظوا قلوبهم فلم تنم عن ربهم وهدفهم. # وهم الذين عاشوا في كل حرف من القرآن، ومع كل خلق من الرسول، فكلماتهم حياتهم، ~~وعقيدتهم وجودهم ... قال صوفي لمحدث: «أخرجوا زكاة الحديث! قال: وما زكاة الحديث؟ قال: ~~اعملوا بخمسة أحاديث من كل مائة حديث تحفظونها.» # والحلاج لم يستكمل تربيته الصوفية على أيدي المشايخ الكبار، لقد انفصم ما بينه وبينهم ~~مبكرا، فحلق منفردا في القمم العالية، واصطلى وحده التجربة الصوفية كاملة، وألزم نفسه ~~ألوانا من المجاهدة والرياضة، تعمد فيها القسوة والصرامة! # ومن هنا جاءت تلك البروق الشاطحة، وتلك الحرارة الدافقة، التي امتزجت بتعبيرات الحلاج، ~~وطبعت مواجيده وألحانه! بل من هنا جاءت تلك الصلة الكبرى بين الحلاج وربه، تلك الصلة ~~العالية الصوت في حياته، الصلة التي تجعلنا ونحن نقرأ للحلاج نحس برجل يعيش أنفاسه مع ~~مولاه، فهو أنيسه وجليسه، وحبيبه ومربيه ... # يقول المستشرق ماسنيون في مقدمة كتاب الطواسين: «وليس هناك من متصوف في التاريخ أكثر ~~«عشرة مع الله» من الحلاج الذي يتصل في حديثه معه «أنا» و«أنت» و«نحن» وليس هناك من شعر ~~صوفي أشد حرارة وأكثر بعدا عن المادة من شعر الحلاج.» # يقول الحلاج، معبرا عن منهجه في السلوك: «إن الأسماء التسعة والتسعين تصير أوصافا ~~للعبد السالك، وهو بعد في السلوك غير واصل.» ويقول: «من صدق مع الله في أحواله فهم عنه كل ~~شيء، وفهم عن كل شيء ...» # ويقول - مصورا للصوفي: «الصوفي يكون مع الله تعالى بحكم ms039 ما وجب، ولا يكون على سره أثر ~~من الأكوان، ويكون وجداني الذات، لم يشهده الحق غيره، فهو أعمى عن الكون. ويكون له مع ~~الحق نسب يحمل به الواردات، ولا يذكر برؤية الكون غير الحق.» # ذلك هو المنهج الحلاجي، أو ذلك هو الحلاج الصوفي! إنه مع الله بحكم ما أوجب، مع ~~إرادة الله بحكم ما قضت، وليس بقلبه أثر من الأكوان، وهو وجداني الذات، لا يبصر الكون، ~~بل إن الكون لا يرى فيه غير الحق - غير الله - ثم إن له مع الحق لصلة من الحب والوجد ~~والفناء، تعينه على تحمل الواردات، وتذوق الإلهامات، والقيام بالواجبات. # ونستطيع أن نتذوق منهج الحلاج في آداب السلوك الصوفي، تلك الأداب التي ألزم مريديه بها، ~~من ذلك الدستور الذي وضعه لهم ... ولقد حفظ لنا أبو عبد الله السلمي - المؤرخ الصوفي الكبير ~~- زبدة طيبة من ذلك الدستور ... # فالسلمي: يعرض لنا أدب المريد، ثم يقيم الشاهد والدليل من كلمات الحلاج ومذهبه ... ~~والعلامة الكلاباذي - في التعرف لمذهب أهل التصوف - قد حفظ لنا جملا من هذا التراث، أدرجها ~~تحت قوله: «قال بعض الكبراء.» لقد كانت محنة الحلاج الهائلة ترهب الكتاب، وترهب رجال ~~التاريخ، فتصرفهم عن اسمه، وعن تراثه! # يقول أبو عبد الله السلمي: «من آدابهم ترك التدبير، والرجوع إلى حال التسليم، قال أبو ~~الحسين بن منصور: من سلم إلى الله أمره صنع به، وصنع له، ومن وجد الله لم يجد معه غيره، ومن ~~طلب رضاه حباه الله بالمكنون من سره، وهو قوله # ثم يستغفر ~~الله يجد الله غفورا رحيما ~~.» # ومن آدابهم: دوام التوبة مما عملوا ومما لم يعملوا مما جرى عليهم من الغفلات، كذلك حكي عن ~~الحسين بن المنصور أنه قال: «التوبة مما لا تعلم تبعثك على التوبة مما تعلم. والشكر على ما ~~لا تعلم يبعثك على الشكر على ما تعلم؛ لأنه حرام على العبد الحركة والسكون إلا بأمر يؤديه ~~إلى أمر الله.» # ومن آدابهم الحضور وقت الذكر، ومجانبة الذكر على الغفلة؛ لذلك قال ابن منصور: «من ذكر ~~الله وهو ms040 يشاهد غيره لا يزداد منه إلا بعدا، ويقسو قلبه، ويكون مستدرجا لا ~~يهتدي.» # ومن آدابهم ترك التدبير، والسعي في طلب الرزق، والسكون في كل الأصول إلى مسوق القضاء ~~وضمان الحق، كما قال الحسين بن منصور : «من أراد أن يتذوق شيئا من هذه الأحوال فلينزل نفسه ~~إحدى منازل ثلاث: إما أن يكون كما كان في بطن أمه - مدبرا غير مدبر، مرزوقا من حيث لا ~~يعلم - أو كما يكون في قبره، أو كما يكون في يوم القيامة» ... وقال أيضا: «المتوكل رزقه من ~~حيث لا يعلم بغير حساب، ولا يكون عليه فيه سؤال ...» # ومن آدابهم ترك لفظ «أنا» و«نحن» و«لي» وما أشبه ذلك، كما روي عن النبي # صلى الله عليه وسلم # أنه ~~استأذن عليه رجل فقال: «من ذا؟» فقال: أنا - أنا - فكره ذلك رسول الله ... وحكي عن الحسين ~~بن منصور أنه قال: «إذا قال العبد «أنا» قال الله تعالى: بل «أنا»، وإذا قال العبد: لا بل ~~أنت يا مولاي، قال المولى: بل أنت يا عبدي، فيكون مراده مراد الله فيه ...» # ومن آدابهم: العمل في الوقوف على ما يرد عليهم من الأحوال، حكي عن الحسين بن منصور أنه ~~قال: «حفظك أنفاسك وأوقاتك وساعاتك وما هو بك، وما أنت فيه، فمن عرف من أين جاء، عرف إلى ~~أين يذهب. ومن علم ما يراد منه علم ما له، ومن علم ما عليه علم ما معه. ومن لم يعلم من أين ~~أتى وأين هو وكيف هو ولمن هو فذاك ممن لا يعلم، ولا يعلم أنه لا يعلم، ويظن أنه يعلم ~~...» # ومن آدابهم: في معرفة الدواعي، قال الحسين بن منصور: «داعي الإيمان يدعو إلى الرشد. وداعي ~~الإسلام يدعو إلى الإطلاق، وداعي الإحسان يدعو إلى المشاهدة، وداعي الفهم يدعو إلى الزيادة، ~~وداعي العقل يدعو إلى المذاق، وداعي العلم يدعو إلى السماع، وداعي المعرفة يدعو إلى الروح ~~والراحة، وداعي التوكل يدعو إلى الثقة، وداعي الخوف يدعو إلى الارتفاع، وداعي الرجاء يدعو ~~إلى الطمأنينة، وداعي المحبة يدعو إلى الشوق، وداعي الشوق ms041 يدعو إلى الوله، وداعي الوله يدعو ~~إلى الله، وخاب من لم يكن له داعية من هذه الدواعي! أولئك من الذين أهملوا في مفاوز ~~التحير، وممن لا يبالي الله بهم.» # الحلاج والتصوف # كانت حياة الحلاج وما انبثق منها من إشعاعات وإشراقات، وما ابتدعت من مناهج في ~~التفكير والتأمل والروحانيات، كانت كما يقول نيكلسون: لحظة جوهرية في تاريخ التصوف ~~الإسلامي. # كانت حياته، من نقاط التحول والتطور في الأفق الصوفي، ومن مطالع النماء والخصوبة في ~~التفكير الروحي، وإلى الحلاج ترجع الأصول الكبرى لذلك التراث الإسلامي العالمي، الذي ~~شكل في محيط الفكر الصوفي، أعظم القوى الروحانية الإيمانية التي عرفها تاريخ ~~الإنسان. # والتصوف عند الحلاج، هو انتساب الإنسان إلى الله سبحانه، لا إلى هذا العالم المادي ~~الحيواني، هو ارتفاع الإنسان إلى الله في سفر طويل هائل، لا تقدر عليه إلا عزمات ~~الرجال الكبار، المصطفين الأحرار. # سفر تفنى فيه الصفات البشرية، في الصفات الإلهية، فناء طاعة وعبودية، وحب ووجد، ~~وذوق وشوق. # ويقسم الحلاج هذا السفر الطويل إلى أربع رحلات، تبتدئ أولاها بالمعرفة وتنتهي ~~بالفناء، والثانية تبدأ أنوارها وإلهاماتها، حينما يعقب الفناء البقاء، وفي الثالثة، ~~يوجه الإنسان الكامل اهتمامه لمخلوقات الله مرشدا وهاديا. # والرابعة وما أدراك ما الرابعة! قمة سامقة مشرقة، يحلق الإنسان في آفاقها وقد ~~غمرته الصفات الربانية، والأنوار الإلهية، فيصبح مرآة تتجلى فيها حقائق الكون وأسراره، ~~وهو موقف لا مجال للحديث عنه، وحسبنا إلى أن نومئ هنا إلى كلمة الشيخ الأكبر محيي ~~الدين بن عربي: «ليس في مستطاع أهل المعرفة إيصال شعورهم إلى غيرهم، وغاية ما في هذا ~~المستطاع هو الرمز عن تلك الظواهر لأولئك الذين أخذوا في ممارستها. # ومن أراد فقها أكبر، فليتأمل قول سيد المرسلين في حديث الإسراء: «انعكس بصري في ~~بصيرتي، فرأيت من ليس كمثله شيء» أي رآه بالحاسة القلبية الروحية. # يقول الحلاج: «أسماء الله التسعة والتسعين تصير أوصافا للعبد السالك، وهو بعد في ~~السلوك غير واصل.» # 1 # ويقول: «من صدق مع الله في أحواله، فهم عنه كل شيء، وفهم عن كل ms042 شيء.» # 2 # ومن هذا الأفق قول الشبلي للجنيد: «ما رأيك في من الحق نعته، حالا ومقاما؟» فقال: ~~«هيهات يا أبا بكر، بينك وبين أكابر الطبقة ألف طبقة، في أولها ذهب الاسم.» أي لا ~~يوجد أنا أبدا. # ولقد حمل الحلاج أمانة المعرفة الصوفية العليا وعاشها بروحه وقلبه وحسه، وقدم دمه ~~فداء لها في بطولة أسطورية لا يزال شعاعها وإلهامها يومض عبر التاريخ. # كانت تجربة الحلاج الصوفية من أصدق وأخلص ما عرف تاريخ التصوف، وهذا سر ما فيها ~~من عمق، ومن حرارة، ومن إلهام. # لقد صعد في معارجها بجناح جبار من أجنحة الحب والوجد، ووهبها كل ذرات روحه وهتافات ~~قلبه، وأماني حسه، وحمل قيثارته ليهب للخلود، إلهامات حبه ومعرفته وتجربته. # يقول الحلاج مصورا حبه ووجده: # الله يعلم ما في النفس جارحة # إلا وذكرك فيها نيل ما فيها # ولا تنفست إلا كنت في نفسي # تجري بك الروح مني في مجاريها # إذ كانت العين مذ فارقتها نظرت # إلى سواك فخانتها مآقيها # أو كانت النفس بعد البعد آلفة # خلفا عداك فلا نالت أمانيها # ثم يهتف، وقد برح به الهوى، واشتعل قلبه بالوجد، وهامت روحه بأنوار القرب، وسكرت ~~أحاسيسه بإشراقات الأنس، حتى تفجرت ألحانا وأنغاما بحبه العلوي المقدس: # 3 # أباحت دمي إذ باح قلبي بحبها # وحل لها في حكمها ما استحلت # وما كنت ممن يظهر السر إنما # عروس هواها في ضميري تجلت # فألقت على سري أشعة نورها # فلاحت لجلاسي خفايا طويتي # فإن كنت في سكري شطحت فإنني # حكمت بتمزيق الفؤاد المفتت # ومن عجب أن الذين أحبهم # وقد أعلقوا أيدي الهوى بأعنة # سقوني وقالوا لا تفني ولو سقوا # جبال حنين ما سقوني لفنت # لقد توغل في معراج السلوك ففنى عن كل ما سوى الله سبحانه، وتطهرت روحه وبرئت من كل ما ~~لا ينتسب إليه جل جلاله، فصار في حال فناء كامل عن وجود السوي، فلم يصبر على ما ~~شاهد من جمال وجلال فهتف: # 4 # والله ما طلعت شمس ولا غربت # إلا وحبك مقرون بأنفاسي # ولا خلوت إلى ms043 قوم أحدثهم # إلا وأنت حديثي بين جلاسي # ولا ذكرتك محزونا ولا فرحا # إلا وأنت بقلبي بين وسواسي # ولا هممت بشرب الماء من عطش # إلا رأيت خيالا منك في الكاس # ولو قدرت على الإتيان جئتكم # سعيا على الوجه أو مشيا على الراس # ما لي وللناس كم يلحقوني سفها # ديني لنفسي ودين الناس للناس # ما للحلاج والناس؟ لقد سما فوق التراب والطين، وتطلع إلى مشارق الروح، ورب ~~الأرباب. # ولنستمع إليه في تلك الضراعة المؤمنة المحبة الملهمة وهو يناجي حبيبه الأكبر وموجوده ~~الأعظم: «... عن ابن الحداد المصري قال: # 5 # خرجت في ليلة مقمرة إلى قبر أحمد بن حنبل رحمه الله، فرأيت هناك من بعيد ~~رجلا قائما مستقبلا القبلة فدنوت منه من غير أن يعلم، فإذا هو الحسين بن منصور وهو ~~يبكي ويقول: يا من أسكرني بحبه، وحيرني في ميادين قربه، أنت المنفرد بالقدم، والمتوحد ~~بالقيام على مقعد الصدق، قيامك بالعدل لا بالاعتدال، وبعدك بالعزل لا بالاعتزال، وحضورك ~~بالعلم لا بالانتقال، وغيبتك بالاحتجاب لا بالارتجال، فلا شيء فوقك فيظلك، ولا شيء تحتك ~~فيقلك، ولا أمامك شيء فيحدك، ولا وراءك شيء فيدركك ... أسألك بحرمة هذه الترب المقبولة، ~~والمراتب المسئولة، ألا تردني إلي بعد ما اختطفتني مني، ولا تريني نفسي بعد ما ~~احتجبتها عني، وأكثر أعدائي في بلادك، والقائمين لقتلي من عبادك. # فلما أحس بي التفت وضحك في وجهي ورجع وقال لي: يا أبا الحسن، هذا الذي أنا فيه أول ~~مقام المريدين، ثم زعق ثلاث زعقات وسقط وسال الدم من حلقه، وأشار إلي بكفه فذهبت ~~وتركته، فلما أصبحت رأيته في جامع المنصور فأخذ بيدي ومال بي إلى زاوية وقال: بالله ~~عليك، لا تعلم أحدا بما رأيت البارحة.» # صلة الحلاج بالله # هذا الحلاج المحب الفاني، العابد المثالي، السابح في وجده، المحترق في تجربته، ~~المشوق في قربه، الذي ملأ الدنيا بضجيج ضراعاته ومواجيده، قد امتلأت صحف التاريخ ~~بالتهاويل والأباطيل، حول حبه وعقيدته، وحول إيمانه وصلته بربه! # وصفوه بأنه حلولي ينادي بالحلول، ويتخذ الحب والفناء معراجا لغايته، وتنادوا بأنه ms044 ~~اتحادي، يحاول برياضاته ومجاهداته وشطحاته، أن يتحد بموجده في تجربة مهمة غامضة! ~~وأنه اتخذ من الوجد والنشوة عند السماع والاستغراق سبيلا إلى هدفه، حتى أصبح في سكره ~~وسبحاته يقول في دعاوى عريضة ... أنا عوضا عن هو! تأليها لنفسه وللإنسان المجتبى ~~المختار الكامل، الذي يجد في ذاته حقيقة ... صورة الله! # فهل كان الحلاج كما قالوا؟ وهل كان الحلاج كما وصفوا؟ لنمش معه خطوات في ~~مناجاته لربه، وخطوات في حديثه عن صلة الإنسان بخالقه. # قال أحمد بن فاتك: «قال الحلاج: # 6 # من ظن أن الألوهية تمتزج بالبشرية، أو البشرية تمتزج بالألوهية فقد كفر، ~~فإن الله انفرد بذاته وصفاته عن ذوات الخلق وصفاتهم، فلا يشبههم بوجه من الوجوه، ولا ~~يشبهونه بشيء من الأشياء، وكيف يتصور الشبه بين القديم والمحدث، ومن زعم أن الباري في ~~مكان، أو على مكان، أو متصل بمكان، أو يتصور على الضمير، أو يتخايل في الأوهام، أو ~~يدخل تحت الصفة والنعت فقد أشرك.» # وعن الحسين بن حمدان قال: # 7 # دخلت على الحلاج يوما فقلت له: أريد أن أطلب الله فأين أطلبه؟ فاحمرت ~~وجنتاه وقال: «الحق تعالى على الأين والمكان، وتفرد عن الوقت والزمان، وتنزه عن القلب ~~والجنان، واحتجب عن الكشف والبيان، وتقدس عن إدراك العيون، وعما تحيط به أوهام ~~الظنون، تفرد عن الخلق بالقدم، كما تفردوا عنه بالحدوث، فمن كانت هذه صفته كيف يطلب ~~السبيل إليه؟!» ثم بكى وقال: # فقلت أخلائي هي الشمس ضوؤها # قريب ولكن في تناولها بعد # قال ابن فاتك: # 8 ~~«قصدت الحلاج ليلة فرأيته يصلي فقمت خلفه فلما سلم قال: اللهم أنت ~~المأمول بكل خير، والمسئول عن كل مهم، والمرجو منك قضاء كل حاجة، والمطلوب من فضلك ~~الواسع كل عفو ورحمة. # وأنت تعلم ولا تعلم، وترى ولا ترى، وتخبر عن كوامن أسرار ضمائر خلقك، وأنت على ~~كل شيء قدير. # وأنا بما وجدت من روائح نسيم حبك، وعواطر قربك، أستحقر الراسيات، وأستخف الأرضين ~~والسموات، وبحقك لو بعت مني الجنة، بلمحة من وقتي، أو بطرفة من أحر أنفاسي لما ms045 ~~اشتريتها، ولو عرضت علي النار بما فيها من ألوان عذابك لاستهونتها في مقابلة ما أنا ~~فيه من حال استتارك مني، فاعف عن الخلق ولا تعف عني، وارحمهم ولا ترحمني، فلا أخاصمك ~~لنفسي، ولا أسألك بحقي، فافعل بي ما تريد. # فلما فرغ قام إلى صلاة أخرى وقرأ الفاتحة، وافتتح بسورة النور وبلغ إلى سورة النمل، ~~فلما بلغ إلى قوله تعالى: # ألا يسجدوا لله الذي ~~يخرج الخبء في السماوات والأرض # صاح صيحة عظيمة وقال: ~~هذه صيحة الجاهل به.» # ومن الكلم الذي تخفق له القلوب، ويشع منه النور، تلك المناجاة الحلاجية: «... إلهي ~~وإله الموجودات والمعقولات والمحسوسات، يا واهب العقول والنفوس، ومخترع الأركان ~~والأصول، يا واجب الوجود، ومفيض الجود، يا جاعل القلوب والأرواح، يا فاعل الصور ~~والأشباح، يا نور الأنوار، ومدبر كل الدوار، أنت الأول الذي لا أول قبلك، وأنت الآخر ~~الذي لا آخر بعدك، الملائكة عاجزون عن إدراك جلالك، والناس قاصرون عن معرفة كمال ~~ذاتك. # اللهم خلصنا من العوائق الدنية الجسمانية، ونجنا من العوائق الردية الظلمانية، وأرسل ~~على أرواحنا شوارف آثارك، وأفض على نفوسنا بوارق أنوارك. # العقل قطرة من قطرات بحار ملكوتك، والنفس شعلة من شعلات جبروتك، ذاتك ذات فياضة ~~تفيض منها جواهر روحانية، لا متمكنة ولا متحيزة، ولا متصلة ولا منفصلة، مبرأة ~~عن الأحياز والأين، معراة عن الوصل والبين، فسبحان الذي لا تدركه الأبصار، ولا تمثله ~~الأفكار، لك الحمد والثناء، ومنك المنع والعطاء، ولك الجود والبقاء، فسبحان من بيده ~~ملكوت كل شيء وإليه ترجعون.» # قال ابن سودكين راويا عن شيخه: «رأيت الحلاج في هذا التجلي، فقلت له يا حلاج: هل ~~تصح عندك علية له وأشرت، فتبسم وقال لي: أتريد قول القائل: يا علة العلل، ويا قديم ~~لم يزل؟ قلت له نعم. قال: هذه قولة جاهل، اعلم أن الله تعالى يخلق العلل وليس بعلة، ~~كيف يقبل العلية من كان ولا شيء معه، وأوجد من لا شيء، وهو الآن كما كان، ولا شيء ~~جل وتعالى! # لو كان علة لارتبط، ولو ارتبط لم يصح له ms046 الكمال، تعالى الله عما يقول الظالمون ~~علوا كبيرا! قلت له هكذا أعرفه. قال: هكذا ينبغي أن يعرف فاثبت.» # قال ابن سودكين: سمعت شيخي يقول في أثناء شرحه هذا التجلي: لما اجتمعت بالحلاج - ~~رحمه الله - في هذا التجلي وسألته عن العلية، هل تصح عنده أم لا؟ فقال هي قولة جاهل، ~~يعني أرسطو.» # 9 # ويقول الحلاج واصفا للمتحققين بالله في وجدهم: «إن لله عبادا اختارهم من خلقه، ~~واصطفاهم لنفسه، وانتخبهم لسره، وأطلعهم على لطيف حكمته، ومخزون علمه، أفناهم عن ~~أوصافهم الناشئة عن طبائعهم، ولم يردهم إلى علومهم المستخرجة بحكم عقولهم، ولم يحوجهم ~~من المرسوم من حكمة الحكماء، بل كان هو لسانهم الذي به ينطقون، وبصرهم الذي به يبصرون، ~~وأسماعهم التي بها يسمعون، وأيديهم التي بها يبطشون، وقلوبهم التي بها يتفكرون. # بان عن حلول في ذواتهم، فأبدى الأشياء فيما بينه وبينهم، قهر كل موجود، وغمر كل ~~محدود، وأفنى كل معهود، ظهر لأهل صفوته، ولم يجعل للعلم إلى كيفية ذلك سبيلا، ولا ~~إلى بحث ذلك تمثيلا.» # ومن الكلم الطيب الذي يصعد في معارج النور إلى مقام الإلهام قول الحلاج: «من عرفه ~~ما وصفه، ومن وصفه ما عرفه، عنت الوجوه لعظمة كبريائه في أرضه وسمائه، وأنست قلوب ~~أوليائه بشهود جلاله وجماله وبهائه، وكلت المقاول عن شكر آلائه وأفضاله ونعمائه، ~~وقصرت المعارف عن ذاته وصفاته وأسمائه، وحارت العقول في نزوله وارتفاعه ~~واستوائه! # فقوم جحدوا وألحدوا، وقوم أشركوا وعددوا، وقوم أنكروا الصفات فعطلوا وبطلوا، وقوم ~~أثبتوها ولكن شبهوا وشكوا. # ولم يصب شاكلة الحق إلا من آمن بالذات والصفات، وكفر باللات والآلات، ولازم التوحيد ~~والتنزيه، وأثبت الصفة ونفى التعطيل والتشبيه.» # صلته القوية بالله # وغشى مع الحلاج خطوات في آفاقه الذوقية، وفي مواجيده وحبه للذات الإلهية، وفي تلك ~~المجالات الروحية التي ابتدعها حول صلات العبد الولي المختار، بمفيض الوجود ومبدعه ~~وملهمه. # وصلة الحلاج بالله سبحانه، تدور على قطبين: الحب الواله القوي الغلاب المذهل، ~~والفناء في هذا الحب فناء شاملا يذوب فيه كل شيء مادي دنيوي ويحترق ~~ليخلد. # ثم مرحلة ms047 السير في هذا الحب، ومجالات هذا السير الروحية، بما فيها من إلهامات ~~وتجليات، ومواجيد وأشواق وحيرة ودهشة وعذاب. # والمحب هنا في عذاب ملهم، يعذب في بحثه عن مولاه، ويعذب في حبه له، ويعذب في ~~حيرته حيال جبروته وآياته. # والعذاب في الحب الإلهي أكبر خير يفيضه الله سبحانه على عبده ووليه المحبوب. # وإن لله سبحانه لنظرات وإشراقات وزيارات للقلب المحب المعذب المحترق، زيارات ~~تهب ولها مقدسا، يعقبه هجران يدفع إلى دهشة محلقة. # ومن كل هذه الانفعالات تنبثق مواجيد المعرفة العليا، وتسبيحات الولاية العظمى، وينبثق ~~فوق هذا وذاك في قلب المحب، فيض إلهي يعبر عن الإرادات الإلهية، ويقتبس من نورها ~~وهداها. # وروح المحب الولي، هو وحده الذي يظفر بهذا الحب الإلهي، لا عن طريق الحلول التحيزي، ~~بل بوساطة الفيض النوراني الذي يرفع أرواح الأولياء المحبين إلى المراتب ~~القدسية. # وخلال هذا الفيض أو هذا الاتصال، تحدث الجذبة الروحية التي تصورها لنا تلك المناجاة ~~المشعة المستمرة بين روح المحب ومحبوبه الأسمى الذي تشعر بوجوده في أعماقها. # وحينئذ تتوالى ضراعات الروح وترتفع إلى مولاها بكل آلامها وآمالها وأشواقها في لغة ~~فوق لغة الألسن، وفي تصوير لا يمت إلى العلائق الدنيوية بصلة أو نسب. # يقول الحلاج: «اعلم أن العبد إذا وحد ربه فقد أثبت نفسه، ومن أثبت نفسه فقد أتى ~~بالشرك الخفي، وإنما الله تعالى هو الذي وحد نفسه على لسان من يشاء من خلقه، # وما رميت إذ رميت ولكن الله ~~رمى ~~.» # والذين لا يستطيعون متابعة مثل هذا الروح في عروجه وسلوكه وحبه وعذابه وتجربته، لا ~~يستطيعون أن ينكروا أنها محاولة في المعرفة الذوقية، وفي الحب والإيمان اليقيني، ليست ~~أقل شأنا في تاريخ العقل الإنساني من مسلك الفلاسفة، ومنهج المتكلمين. # يقول الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي: «إذا كان وجود الخالق ووجود المخلوق واحدا، ~~فلا معنى لقيام حوار العشق بينه وبين الله.» # وهذه آية الآيات على نفي الوحدة، ونفي الحلول في منهج الحب الإلهي الصوفي. # والحلاج من أكبر من تغنوا بالحب الإلهي، ولعله أكبرهم عاطفة، وأشدهم ms048 وجدا ~~وولها. # يقول الحلاج: «إن المسافة بين النفس وبين الله تتوقف في مقدارها على صفة العشق ~~الإلهي.» # ويقول: «إن شهادة الحمد هي شهادة حب، وإن القلب الذي يعرف الحب لا يموت ~~أبدا.» # إن عذاب الحلاج في حبه، وفي صلته بربه لتقدم لنا أروع نماذج الإيمان الصوفي. # لقد عاش الحلاج في وجد وعذاب، وفي سبحة علوية من إلهامات حبه وشوقه ~~وذوقه. # وإنها لمواجيد حق وصدق، وإن عجزت عنها فهوم الأكابر. # يقول الحلاج: # 10 # مواجيد حق أوجد الحق كلها # وإن عجزت عنها فهوم الأكابر # وما الوجد إلا خطرة ثم نظرة # تنشي لهيبا بين تلك السرائر # إذا سكن الحق السريرة ضوعفت # ثلاثة أحوال لأهل البصائر # والوجد والعذاب فيض رباني على المصطفين الأحبة؛ ولهذا فهو لا يصطنع في وجده ما ~~يلهبه ويثيره من سماع أو ذكر كما يصطنع غيره: # أنت الموله لي لا الذكر ولهني # حاشا لقلبي أن يعلق به ذكري # الذكر واسطة تخفيك عن نظري # 11 # إذا توشحه من خاطري فكري # وكل شيء في الوجود مادي أو معنوي، هو حجاب دون رؤية الله سبحانه، يجب الفناء عنها، ~~كما يجب أن يفنى الإنسان عن نفسه أيضا. # بدا لك سر طال عنك اكتتامه # ولاح صبح كنت أنت ظلامه # وأنت حجاب القلب عن سر غيبه # ولولاك لم يطبع عليك ختامه # 12 # إن تجربة الحلاج الصوفية في المعرفة الإلهية لتجربة فذة عليها طابعه وحده، لقد ~~شارك الصوفية في مواجيدهم وأذواقهم، ثم ابتدع منهجا خاصا به هو سره الأكبر، لقد جعل ~~من الآلام شيئا مقصودا لذاته. # أريدك لا أريدك للثواب # ولكني أريدك للعقاب # فكل مآربي قد نلت منها # سوى ملذوذ وجدي بالعذاب # 13 # يقول ابن الخطيب، في تاريخ بغداد: «إن ابن عطاء لما سمع هذا الشعر قال: هذا مما ~~يتزايد به عذاب الشغف، وهيام الكلف، واحتراق الأسف، وشغف الحب، فإذا صفا ووفا، علا إلى ~~مشرب عذب، وهطل من الحق دائم سكب.» # والحب لذة لا يعرفها إلا الصفوة من المحبين. # مكانك من قلبي هو القلب كله # فليس لخلق في ms049 مكانك موضع # وحطتك روحي بين جلدي وأعظمي # فكيف تراني إن فقدتك أصنع # 14 # ونحن ندنو رويدا من فلسفة الحلاج العليا في الحب الإلهي. # وأي أرض تخلو منك حتى # تعالوا يطلبونك من السماء # تراهم ينظرون إليك جهرا # وهم لا يبصرون من العماء # 15 # إنه كما يقول المستشرق دي بور يحاول أن يتذوق بروحه ما يحاول المتكلمون والفلاسفة أن ~~يصلوا إليه بالنظر العقلي. # وإنه للحب العالي، الحب الذي تعجز الكلمات عن تصويره أو كما يقول سحنون لا يعبر عن ~~شيء إلا هو أرق منه، ولا شيء أرق من المحبة فيما يعبر عنها. # يقول الحلاج: # لي حبيب أزور في الخلوات # حاضر غائب عن اللحظات # ما تراني أصغي إليه يسمع # كي أعي ما يقول من كلمات # كلمات من غير شكل ولا نط # ق ولا مثل نغمة الأصوات # فكأني مخاطب كنت إيا # ه على خاطري بذاتي لذاتي # حاضر غائب قريب بعيد # وهو لم تحوه رسوم الصفات # هو أدنى من الضمير إلى الوه # م وأخفى من لائح الخطرات # 16 # ومن الكلم المضيء الذي يكشف عن منهج الحلاج وإيمانه الذوقي، تلك الدراسة التحليلية ~~الرائعة التي أدارها الحلاج حول كيفية معرفة الإنسان لربه وخالقه. # قال في الطواسين # 17 # وهي أدق وأعمق ما انفرجت عنه الأقلام: «... من قال عرفته بفقدي، فالمفقود كيف ~~يعرف الموجود! ومن قال عرفته بوجودي، فقديمان لا يكونان.» # ومن قال: عرفته حين جهلته، فالجهل حجاب، والمعرفة وراء الحجاب لا حقيقة لها. # ومن قال: عرفته بالاسم، فالاسم لا يفارق المسمى؛ لأنه ليس بمخلوق. # ومن قال: عرفته به فقد أشار إلى معروفين؟ ومن قال: عرفته بصفته، فقد اكتفى بالصنع دون ~~الصانع، ومن قال: عرفته بالعجز عن معرفته فالعاجز منقطع، والمنقطع كيف يدرك ~~المعروف! # ومن قال: كما عرفني عرفته، فقد أشار إلى العلم فرجع إلى المعلوم، والمعلوم يفارق ~~الذات، ومن فارق الذات كيف يدرك الذات! # ومن قال: عرفته كما وصف نفسه، فقد قنع بالخبر دون الأثر. # ومن قال: عرفته على حدين، فالمعروف شيء واحد لا يتحيز ولا يتبعض. # ومن ms050 قال: المعروف عرف نفسه فقد أقر بأن العارف في البين متكلف به؛ لأن المعروف لم ~~يزل كان عارفا بنفسه، يا عجبا ممن لا يعرف شعرة من بدنه، كيف تنبت سوداء، أم بيضاء، ~~كيف يعرف مكون الأشياء! # من لا يعرف المجمل والمفصل، ولا يعرف الآخر والأول، والتصاريف والعلل، والحقائق ~~والحيل، لا تصح له معرفة من لم يزل. # سبحان من حجبهم بالاسم والرسم والوسم! حجبهم بالقال والحال والكمال والجلال، عن الذي ~~لم يزل ولا يزال. # القلب مضغة جوفانية، فالمعرفة لا تستقر فيها؛ لأنها ربانية. # من قال: عرفته على الحقيقة، فقد جعل وجوده أعظم من وجود المعروف؛ لأن من عرف شيئا ~~على الحقيقة فقد صار أقوى من معروفه حين عرفه. # ويقول الحلاج عن الخواص العارفين: «فالخواص عباده الذين محاهم عن شواهدهم، وصانهم ~~عن أسباب الفرقة، باستهلاكهم في شهوده، واستغراقهم في وجوده، فأي سبيل للشيطان ~~إليهم! وأي يد للعدو عليهم! ومن أشهده الحق حقائق التوحيد، ورأى العالم معترفا في ~~ثقة التقدير، لم يكن نهبا للأغيار، فمتى يكون للغير عليه تسلط!» # الحلاج وأعلام التصوف في عصره # ومن صلة الحلاج بالله، تكونت فلسفته الذوقية والإيمانية، التي عرفت في التاريخ ~~بالحلاجية، تلك الفلسفة التي طبعت التصوف في عصره الذهبي - عصر الحلاج - بطابعها، ~~والتي غدت كما يقول نيكلسون الراية التي تأتم بها العصور التي تعاقبت من بعده، والتي ~~جعلت رجال الفكر الأوروبي، يطلقون على الحلاج لقب «المفتي» في الأمور الصوفية، كما ~~يقول العلامة ليبنتر. # ومن صلة الحلاج بالله، انبثقت شخصية الحلاج، تلك الشخصية التي تلاقت فيها، ~~العملاقية الجبارة الرهيبة، بالروحانية المشعة الحبيبة. # تلك الشخصية التي تشكلت وخطت في التصوف الإسلامي أروع آياته، وأخلد مواقفه. # وشخصية الحلاج عندي من ألغاز التاريخ، ومن مواقف العقول. # فهي شخصية في ملامحها العقلية والإيمانية عمق يندفع جبارا إلى أغوار، ليس من ~~السهل على الباحث أن يلاحقها في اندفاعها، وأن يتابعها في مسالكها. # وفي آفاقها الذوقية والخلقية، انفساح وشمول، تقصر أجنحة الدارسين عن الدنو منها، ~~والإمساك بآثارها. # إن الحلاج يفهمه القلب، أكثر مما يحيط ms051 به العقل، ويدركه الحس، ويدنو منه الوجدان، ~~أكثر مما يحلله الفكر والبيان. # إنه في حاجة إلى أن نرتفع بأذواقنا ومواجيدنا، وأن نتلمس بأرواحنا وأشواقنا، الطريق ~~الذي نطل من نوافذه على أسرار ذلك الروح الكبير، الذي حاول في عظمة شاهقة، أن يكون ~~صورة الولي الكامل المعبر عن الله. # والذي حاول في بطولة خارقة، أن يكون الشهيد الذي يكتب بدمه آية الفداء لحبه ~~وعقيدته. # الشهيد الذي وقف على آلة صلبة، يتحدى الدنيا فلما قطعت أعضاؤه، وتدفق دمه، أخذ ~~يتوضأ بهذا الدم، فلما سئل ماذا تفعل، قال: «ركعتان في العشق لا يصح وضوؤهما إلا ~~بالدم.» # ولسنا هنا بصدد تحليل تلك الشخصية الخارقة، فلهذا مكانه من تلك الدراسة. # وإنما نقدم لمحات، ترشد وتومئ إلى شخصية الحلاج، وتلقي شعاعا من الضوء على ~~أسرارها. # وتلك اللمحات التي نقصدها، هي موقف أعلام التصوف الإسلامي في عصر الحلاج من ~~الحلاج، وموقف الحلاج منهم. # يقول المستشرق ألفردفون كريمر: «فالكل مجمعون على أنه كان على رأس فرقة كبيرة، ~~وأنه كان له أتباع كثيرون، أعجبوا به، واتخذوه إماما ومرشدا.» # 18 # ويذكر لنا ماسنيون: # 19 # أن كثيرا من الأمراء، وقواد الجيش، وعظماء الدولة العباسية، وأعلام ~~المعتزلة، وفقهاء الحنابلة، وصفوة من المفكرين والمصلحين، ومع كل هؤلاء جمهرة كبيرة ~~من الناس، كانوا جميعا من أتباع الحلاج، ومن تلاميذه، ومن المؤمنين بقداسته وولايته، ~~ودعوته الإصلاحية. # ومع هذا كله، فإن عددا من أعلام التصوف الإسلامي في عصره، قد خاصمه ولم يناصره في ~~أهدافه وصيحاته، ولم يسانده في محنته واستشهاده. # لقد جاء الحلاج ليضيف جديدا إلى التصوف الإسلامي، في صلته بالله، وفي صلاته ~~بالحياة. # لقد جاء الحلاج لا ليكون صورة مكررة من الناس أو العلماء، أو سطورا متلألئة في ~~كتب التاريخ بجانب السطور التي خطها المفكرون أو العابدون. # جاء ليكون كتابا وأمة، جاء ليقيم منهجا، ويرسم طريقا، ويفتح أفقا، ويجعل من نفسه ~~بعد هذا، صورة صادقة معبرة وقائمة بمنهجه وطريقه وأفقه. # جاء ليصنع من تاريخه معالم وصورا، تهتدي بها الإنسانية، في سيرها المضيء إلى الله، ~~وفي جهادها ms052 العنيف للكمال والتسامي. # كان الحلاج ينشد في المعرفة، أن يظفر الصوفي، بحظ من الفيض الإلهي، ليعبر دائما ~~عن الإرادة الإلهية. # فإذا عبر عنها ارتفع إلى أفقها وقداستها، فأصبح قوله، صورة إيمانه في دنياه ~~ودينه. # ومن هنا جاءت عظمة العقيدة الحلاجية، التي أخذت كل شيء بقوة وعزم وبقداسة، ولم ~~تقبل أبدا، تساهلا، أو ترددا، أو تقية. # يقول الحلاج: «الواجب على أولياء الله، أن يتوجهوا إلى الله وحده، ويتحققوا بمعنى ~~العبودية الكاملة، ويطيعوا أمره مهما كلفهم ذلك، من عنت وشقاء.» # والولاية عند الحلاج: تبلغ كمالها عن طريق الابتلاء، واحتمال الألم، وتبلغ جلالها، ~~بالجهاد والتضحية. # فالصوفي المحب، هو الذي وهب نفسه لله، وصبر على ابتلائه في دنياه، صبره على امتحانه ~~في حبه وإيمانه. # يقول الكلاباذي: (1) سمعت بعض مشايخنا يقول: سمعت محمد بن سعدان يقول: «خدمت أبا ~~المغيث - الحلاج - عشرين سنة، فما رأيته أسف على شيء فاته، أو طلب شيئا ~~فقده.» # ويقول: (2) وكان أبو المغيث لا يستند ولا ينام على جنبه، وكان يقوم الليل، وإذا غلبته ~~عينه، قعد ووضع جبينه على ركبتيه، فيغفو غفوة، فقيل له: ارفق بنفسك! فقال: «والله ما ~~رفق الرفيق بي رفقا فرحت به، أما سمعت سيد المرسلين يقول: أشد الناس بلاء، الأنبياء ~~ثم الأمثل فالأمثل.» # ويقول: (3) سمعت بعض أصحابنا، يقول: سمعت بعض الكبراء - الحلاج - يقول: «ربما أغفو ~~غفوة وأنادي: أتنام عني؟ إن نمت عني، لأضربنك بالسياط.» # والصوفي المحب لله، هو الذي يقوم بكلمات الله في الأرض، مجاهدا مناضلا مضحيا بكل ~~شيء، حتى تعلو كلمة الحق. وتمشي الإنسانية، على الصراط المستقيم. # إن المحبة هي التضحية وهي الجهاد، والصوفي المحب لله، هو من كانت كلماته صورة في عمله ~~في الدين والدنيا. # ومن هنا لم يكن زهد البسطامي، ولا تقية الجنيد، ولا سلبية المكي، ولا تردد الشبلي، ~~مما يرضى عنه الحلاج. # لقد ثار الحلاج في عنف، وفي قداسة، على ولاة عهده، وفساد عصره. # كما ثار في عنف وقداسة، على السلبية الزاهدة التي عاشها كبار المتصوفة من معاصريه، ~~الذين قنعوا بعبادة الله وحبه، غير ms053 ناظرين إلى واجباتهم حيال خلقه. # لقد عاب الحلاج على أبي يزيد البسطامي زهده العنيف الذي اتخذه طريقا للوصول وقنع ~~به، فالوسيلة هنا ليست هي الأداة الكاملة، وليست هي غاية التصوف أو سبيله. # إن الصوم والصلاة ليست طرقا موصلة إلى الله، بذاتها، كما أن الذكر لا يعتبر وسيلة ~~تفرض النتيجة على الله سبحانه . # إنما هو الحب، الحب الذي يقربنا إلى الله، الحب تحترق فيه شهواتنا ونزواتنا وأرضيتنا، ~~الحب الذي يزورنا الله خلال لهيب وجده، ويمد يده إلينا ويباركنا ويلهمنا، الحب مع ~~التضحية الكاملة، ومع القيام الكامل بحق الله علينا في عبادته، وبحق الله علينا حيال ~~عباده. # ويروي لنا علي بن أنجب الساعي، عن أبي محمد الجسري، المعاصر للحلاج، قصة تاريخية، ~~تعطينا صورة عن خصومات الحلاج مع صوفية عصره، وكيف بدأت تلك الخصومات. # عن أبي محمد الجسري قال: «رأيت الجنيد ينكر على الحلاج، وكذلك عمرو بن ~~عثمان المكي وأبو يعقوب النهروجوري، وعلي بن سهل ~~الأصبهاني، ومحمد بن داود الأصبهاني. # أما أبو يعقوب فقد رجع عن إنكاره في آخر عمره، وأما عمرو بن عثمان، فكان علة إنكاره ~~أن الحلاج دخل مكة ولقي عمرا، فلما دخل عليه قال له: الفتى من أين؟ فقال الحلاج: ~~لو كانت رؤيتك بالله لرأيت كل شيء مكانه، فإن الله تعالى يرى كل شيء، فخجل عمرو وغضب ~~عليه، ولم يظهر وحشته حتى مضت مدة، ثم أشاع عنه أنه قال: يمكنني أن أتكلم بمثل هذا ~~القرآن! # وأما علي بن سهل فدخل الحلاج أصفهان وكان علي بن سهل مقبولا عند أهلها، فأخذ علي ~~بن سهل يتكلم في المعرفة، فقال الحسين بن منصور: يا دسوقي تتكلم في المعرفة وأنا حي؟ ~~فقال علي بن سهل: هذا زنديق! # وأما الجنيد، فكنت عنده، إذ دخل شاب حسن الوجه والمنظر وعليه قميصان، وجلس سويعة، ثم ~~قال للجنيد: ما الذي يصد الخلق عن رسوم الطبيعة؟ فقال الجنيد: أرى في كلامك فضولا! أي ~~خشبة تفسدها. # فخرج الشاب حزينا وخرجت على أثره، وقلت: رجل غريب قد أوحشه الشيخ، فدخل المقابر، ms054 ~~وقعد في زاوية، ووضع رأسه على ركبتيه. # فأتيت الشاب وجلست بين يديه ألاطفه وأداريه، ثم قلت: الفتى من أين؟ قال من بيضاء ~~فارس، إلا أنني ربيت بالبصرة. # فاعتذرت لديه للجنيد، فقال: ليس له إلا الشيخوخة، وإنما منزلة الرجال تعطى، ولا ~~تتعاطى ...» # ثم تغلظ هذه الخصومة، كلما اندفع الحلاج إلى الثورة على فساد عصره، وإلى الدعوة إلى ~~حكومة الأولياء والأقطاب كما كان يسميها الحلاج. # وأخذ الحلاج في عنف وفي قداسة يتحدى أعلام المتصوفة في عصره. # إنه رجل عقيدته صورة قوله، فلا مجاملة عنده فيما يعتقد أنه الحق. # روى الكلاباذي في التعرف: «أن الحلاج حفر حفرة وأوقد فيها النار ووضع هاوون حتى ~~صار كالجمر، وقال لمن يجادله من الصوفية، ومن كبار العارفين: «من كان صادقا بالله ~~فليتقدم ويقف على الهاوون داخل النار، فلم يقدر على ذلك أحد.» # ثم أنه تقدم ووقف عليه فذاب تحت أقدامه، حتى صار كالماء.» # ويروي القشيري في رسالته: # 20 ~~«قال الحلاج لإبراهيم الخواص: ماذا صنعت في هذه الأسفار، وقطع هذه ~~المفاوز؟ قال بقيت في التوكل، أصحح نفسي عليه! فقال الحلاج: أفنيت عمرك في عمران ~~باطنك، فأين الفناء في التوحيد.» # إنها السلبية عند غيره، والإيجابية عنده، قال الشبلي: «كنت أنا والحسين بن منصور ~~شيئا واحدا إلا أنه أظهر وكتمت.» # والإيجابية الحلاجية التي تجعل الحلاج يدخل مسجد بغداد وأبو القاسم الجنيد يتكلم ~~على المنبر، والجنيد هو الجنيد مكانة وعلما. # فيهتف به الحلاج على مسمع من الدنيا: يا أبا القاسم، إن الله لا يرضى من العالم ~~بالعلم حتى يجده في العلم فإن كنت في العلم فالزم مكانك، وإلا فانزل فنزل الجنيد، ولم ~~يتكلم على الناس شهرا. # 21 # يقول الحلاج في عزة الواثق في نفسه: من تكلم عن غير معناه، فقد تحمر في دعواه، ثم ~~تلا قوله تعالى: # كمثل الحمار يحمل ~~أسفارا ~~. # لقد حمل الحلاج أمانة الرسالة الصوفية كاملة، ولم يستطع ذلك غيره، أو كما يقول ~~ماسنيون: «لقد عاش في صوفيته تماما.» # ويكثر تحدي الحلاج للجنيد خاصة، إنه سيد الطائفة، وفي يده ms055 القيادة والزعامة، فيوجه ~~إليه يوما سؤالا متعمدا هادفا عن قيمة الإلهام الباطني، بوصف أنه قاعدة من قواعد ~~التقوى والعبادة. ويرفض الجنيد الإجابة، ويكرر الحلاج السؤال، فيسميه الجنيد برجل ~~المطامع، ويضحك الحلاج ساخرا! # وابتدأ الصراع بين الرجلين العظيمين، ورددت محافل بغداد ومساجدها، صدى هذا الصراع ~~العنيف، وابتدأ الجنيد يهاجم الحلاج جهرة، في غضب، وفي تطرف ، ويرميه بالسحر ~~والشعوذة! # قال أحمد بن يونس: # 22 ~~«كنا في ضيافة بغداد، فأطال الجنيد اللسان في الحلاج، ونسبه إلى السحر ~~والشعوذة والنيرنج! وكان مجلسنا غاصا بالمشايخ، فلم يتكلم أحد احتراما للجنيد، فقال ~~ابن خفيف: يا شيخ لا تطول، ليس إجابة الدعاء، والإخبار عن الأسرار، من النيرنجات ~~والشعبذة والسحر، فاتفق القوم على تصديق ابن خفيف، فلما خرجنا أخبرت الحلاج بذلك فضحك ~~وقال: أما ابن خفيف فقد غضب لله، وسيؤجر على ذلك، وأما أبو القاسم الجنيد، فقد قال: إنه ~~كذب! ولكن قل له: # سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ~~ينقلبون ~~.» # ويمضي الحلاج في تحديه للجنيد، وتعقبه في مساجد بغداد، يطالبه بأن يخرج من سلبيته ~~إلى إيجابية الدعوة الصوفية، فما يملك الجنيد في لحظة غضب، إلا أن يرمي بنبوءته الصادقة ~~... ستقتل! # ويضحك الحلاج، ويعقب بنبوءة أخرى صادقة أيضا ... نعم، وستمضي على قتلي! # رجلان عظيمان، لكل منهما عقيدته ومنهجه، ولكنهما اختلفا، ولو اتفقا لتغير وجه ~~التاريخ. # | الزعيم الثائر # وكما اصطدم الحلاج بالجنيد ومدرسته، اصطداما أساسه الاختلاف الجذري في فهم رسالة ~~التصوف عامة، وصلة التصوف بالحياة خاصة، أخذ أيضا يصطدم ويصارع كافة القوى التي تهيمن ~~على بغداد، اصطداما وصراعا أساسه الاختلاف الجذري أيضا في فهم رسالة الإصلاح السياسي ~~والاجتماعي للعالم الإسلامي. # لقد دخل الحلاج بغداد في نهاية عام 296ه، بعد أن طوف بمشارق الأرض ومغاربها، يبذر بذور ~~مذهبه، ويدعو الناس إلى ربه، ويملأ آفاق الأرض، بألحان حبه، ومواجيد قلبه، دخلها وهي تمر ~~بأيام حاسمة في تاريخها، وفي تاريخ الأمة الإسلامية كافة. # لقد وصلت بغداد في نهاية القرن الثالث الهجري إلى المرحلة التي يسميها الفيلسوف اشبنلجر ~~البرزخ الفاصل، بين قمة الحضارة، وبداية التحلل ms056 والانحدار. # فقد حملت إلى بغداد كنوز الأرض وخراجها، وتدفقت إليها ثروات الدنيا ومتاعها، وهرع إليها ~~أصحاب العقول والقلوب والمطامع والأهواء من كل لون وجنس وملة ونحلة! # وتدفق إليها سيل لا ينقطع، من الجواري والإماء والعبيد والمغامرين، والمنجمين والمارقين ~~والمبتدعين، وصناع النزوات والشهوات. # وأخذت الصلابة العربية تتهاوى، وأخذت الفكرة الإسلامية تلين وتتوارى. # وانطلقت بغداد وقد غدت عاصمة الدنيا تتبرج وتتزين وتعب من كل لذة، وتقتات بكل شهوة، ~~وتبتدع ألوانا من التفكير، وفنونا من القول، لا تعرف القيود ولا الحدود! # وأسرفت بغداد على نفسها في الترف وفي الشهوات، إسرافا قتل فيها الحيوية الخلاقة، ونال ~~من الشخصية الإسلامية المؤمنة المهتدية، التي صنعت التاريخ المضيء لهذا الكوكب. # وأسرفت بغداد على نفسها في السفح الفلسفي، وفي الابتداع المذهبي، وفي الجدل العقلي، حتى ~~أصبحت أنديتها أروقة للسفسطة والحوار، وغدت مساجدها ساحات للعراك والقتال بين الحنابلة ~~والأشاعرة والمعتزلة، والصوفية والمنجمين والسحرة والفلاسفة، فتمزقت وحدتها الفكرية، وانحلت ~~أخوتها القلبية، وتبددت ثروتها الأخلاقية! # وأسرفت بغداد على نفسها في السياسة، فنجمت الأحزاب والشيع والفرق، مقنعة وسافرة، عربية ~~وأعجمية، مؤمنة وملحدة، ثائرة ورجعية! # أحزاب للعسكرية التركية المغامرة تثير الفتن والقلاقل، وأحزاب للفرس والشيعة تتربص ~~بالخلافة الدوائر، وأحزاب للرجعية الدينية تثير الشغب والقتال في الطرقات والمساجد، ~~وأحزاب للرأسمالية الاحتكارية تمتص الحياة والدماء، وأحزاب للقصر تهيمن عليها الجواري ~~والإماء. # وفي القمة من هذا المجتمع العجيب، الخليفة المقتدر، صبي ملتاث عربيد، يقول عنه المؤرخ ~~الكبير الطبري وهو معاصر له: «وأما المقتدر فرقيق ركيك، لاه بما هو فيه من اللعب والسرف ~~والتبذير، أحب جارية رومية حسناء، أسلمها الدولة وأهدى لها فصا من الياقوت بثلاثمائة ~~ألف دينار.» # ويقول المؤرخ ابن الأثير: «كان المقتدر الطفل الخليفة، لا هم له إلا أن يلهو في قصره بين ~~عشرة آلاف خصي من الصقالبة والجواري والغلمان. # ومن فوق هذا الخليفة الطفل، والدته السيدة شغب التي أحالت الملك العريض إلى ألعوبة في ~~يدها، وبلغ من نفوذها واستهتارها، أن أمرت قهرمانتها أم موسى أن تجلس في مجلس القضاء ~~للمظالم، ومن نفوذ هذه القهرمانة، ms057 أنها كانت تصدر أوامر المصادرات وإحصاء الأموال ~~والتركات.» # ويقول الدميري في كتاب الحيوان: «وانطلقت الألسن في المقتدر وأمه ووزرائه وعماله ~~وقضاته، وكثر السبي والقتل، ودخل المنجمون والمتخرصون على الرؤساء والنساء، وقعد الدجالون ~~للناس في الطرقات.» # ويقول العلامة السيوطي في كتابه «تاريخ الخلفاء»: # 1 ~~«إن محمد بن جرير الطبري لما علم بخلع المقتدر، ومبايعة ابن المعتز، قال: ما ~~الخبر؟ قيل: بويع ابن المعتز، قال: فمن رشح للوزارة؟ قيل: محمد بن داود، قال: فمن ذكر ~~للقضاء؟ قيل: أبو المثني، فأطرق ثم قال: هذا الأمر لا يتم! فقيل له: وكيف؟ قال: كل واحد ~~ممن سميتم متقدم في معناه، عالي الرتبة، والزمان مدبر، والدنيا مولية، وما أرى هذا إلا ~~إلى اضمحلال، وما أرى لمدته طولا.» # ومن قلب هذه الحياة المتداعية، وعلى القمم العالية، من هذه التيارات المتصارعة، تجلت ~~شخصية الحلاج، بما أفيض عليها من جاذبية ومغناطيسية، وبما تملك من قوى خارقة ~~أسطورية، وبما ترقرق حولها من بريق الروح وسناء الإيمان، وبما تمثله من بطولة فدائية لا ~~تلين ولا تهادن، وبما تقدم للناس من منهج متكامل، للدين والدنيا. # كانت شخصية تملأ عين من يراها سحرا، وتملأ قلب من يشاهدها إجلالا، وتملك فوق هذا وذاك ~~قدرة الإيحاء الذي يطلق الأمل الحي في قلوب الدعاة المؤمنين، ويرسم الغد الجميل للقانطين ~~واليائسين. # كان الحلاج يبشر بمنهج فيه بريق التصوف وروحانيته وإشراقه، وفيه أهداف السياسة ~~الإيجابية البناءة. # كما كان يقول المستشرق ماسنيون يهدف إلى قيام خلافة ليس بينها وبين الجمهور نفور ~~سياسي، ويعمل كي يزيل من شعوب الدولة ما بينها من نفور اجتماعي، ويزيل ما بين الفرق ~~من نفور ديني، ويحطم ما بين الطبقات من تفاوت مادي. # منهج إيجابي للإصلاح السياسي والاجتماعي، يظلله ويدعمه منهج روحي، قوامه الدعوة إلى ~~حكومة الأتقياء الأولياء الذين يملئون الأرض عدلا وقسطا، ويملئون القلوب إيمانا وحبا، ~~الحكومة الربانية المهتدية التي ستعيد عهد حكومة الرسول، بكل ما فيها من عدل وقوة، ومحبة ~~وعبادة. # أو كما يقول الحلاج: «خلافة ربانية تشعر بمسئوليتها أمام الله، مما يجعل ms058 الله يرضى عن ~~قيام المسلمين بفروض دينهم، من صيام وصلاة، وحج وزكاة.» # وبذلك يربط الحلاج بين صلاح الحكم، وقبول الله سبحانه للعبادة من عباده ~~المؤمنين. # فلن يقبل الله عبادة عابد، تحت ظل حكم فاسد - كما يقول - وأولياء الله حقا في منهجه، ~~هم الذين يحملون أمانة الرسل في الإصلاح العام، وهم الذين يقودون الإنسانية إلى الله، وإن ~~واجبهم أن يستشهدوا، أو ينتصروا. # ذلك إيمان الحلاج، وتلك دعوته، التي انبثقت منها صيحته الكبرى ذات الرنين ~~الخلاب. # صيحة الخلافة، التي يتولى القيادة فيها والزعامة، القطب الولي الأكبر، الذي له خلافة ~~الظاهر والباطن، القطب الزعيم الذي ارتبط قلبه بالله، فقام به وتلقى عنه، القطب الذي يمشي ~~على خطو الأنبياء ومنهجهم، ويحقق بأعماله رسالتهم. # القطب الذي سيقود العالم الإسلامي، بل الإنسانية كافة، إلى معارج الكمال القرآني، وآفاق ~~الحب الإلهي، فيصبح الإنسان جديرا بخلافة الله. # تلك هي الخطوط الرئيسية لمنهج الحلاج، الذي دوى في سماء بغداد، فأطلق العواصف المرعدة، ~~وأثار المعارك الملتهبة، وانقسم الناس حياله، كما يقول المستشرق نيكلسون إلى حلاجية، ~~وخصوم للحلاجية. # يقول ماسنيون: «إن الحلاج أحيا بمنهجه هذا، وبحميته الثائرة، وبشخصيته الباهرة، الآمال ~~العريضة، والأحلام الجميلة، التي كانت تعيش في أعماق الأمة الإسلامية، فالتفت حوله ~~الجماهير، واندفع في تياره كثير من الأمراء والوزراء والقادة.» # وفي الناحية الأخرى، أحاطت بالحلاج الأحقاد والخصومات العنيفة الملتهبة، لقد جاء ليزلزل ~~نظاما، ويحطم حكما، ويحارب فسادا شامخا، وينتزع من الزعامات الفكرية والروحية مكانا ~~سامقا! # لقد لقبه الإمام الجنيد من أجل هذا المنهج برجل المطامع، وهي كلمة لها معناها ودلالتها ~~وهدفها. # يقول الإصطخري: «إن كثيرا من علية القوم رأوا حينئذ في الحلاج أنه الرئيس ~~القطب.» # الرئيس القطب رجل المطامع، الذي ينشد الخلافة لنفسه، إن هذا وحده يكفل للحلاج عداوة ~~شامخة مريرة، من كافة القوى المنتفعة بالخلافة، وما يحيط بها وما يدور في فلكها. # وزاد من عنف المعركة، أن الحلاج كان بطبيعته المؤمنة الثائرة، مهاجما قاسيا عنيفا، ~~لا يعرف المهادنة ولا يعترف بالتقية، ولا يرضى بأنصاف الحلول. # هاجم الشيعة وطالب بعزلهم ms059 عن الخراج، وإبعادهم عن بيت المال، لقد أرهقوا الناس، وأفسدوا ~~الضمائر، واختلسوا الأموال، واحتكروا الأرزاق. # وهاجم المعتزلة؛ لأنهم حصروا أنفسهم في قوالب فلسفية، وأهملوا دعوة الإصلاح ~~والحرية. # وحارب الوزراء الذين تخرجوا من المدارس النسطورية، وكانوا من أصول نصرانية، كابن وهب، ~~وابن نوبخت؛ لأن في قلوبهم بقية ملحدة تحارب الإسلام، ولا تؤمن بدعوته. # وهاجم الخلافة وأحزابها وقوادها وحجابها ، لقد غرقوا في الترف، وأسرفوا في المجون، ~~وأشاعوا الفساد، واستبدوا بالعباد، وانحرفوا عن رسالة الإسلام! # وأخذ الحلاج يدعم معركته برسائل سياسية، تحدث فيها عن منهجه في الإصلاح العام، وأوضح ~~بها واجبات الوزراء، وحقوق الرعية، كما تحدث فيها عن الخلافة الربانية، وما يجب أن يتوافر ~~لها من شروط. # وهي رسائل لا تزال مخطوطة متفرقة في مكتبات العالم، بما تشتمل عليه من تصوير رائع ~~لمرحلة من أخطر المراحل الفكرية في تاريخ الأمة الإسلامية. # لقد تحدث الحلاج في هذه الرسائل عن الحرية الفردية، وعن الحقوق الاجتماعية، وعن ~~المثالية الخلقية، كما تحدث عن السياسة المالية في الخراج والضرائب، وعن سياسة الحكم ~~وتبعاته وأهدافه. # وبذلك سبق الحلاج بمنهجه الذي يمكن أن نسميه بالاشتراكية الديموقراطية الدينية، كافة ~~الدعاة العالميين إلى هذا اللون المنهجي في الإصلاح الاجتماعي. # ومن أشهر هذه الرسائل، الرسائل الثلاث التي أهداها إلى أصدقائه من الوزراء، حسين بن ~~حمدان، وابن عيسى، ونصر القشوري. # ثورة ابن المعتز # وعلى دوي كلمات الحلاج المزلزلة، أخذت العناصر الثائرة، الطامعة في الخلافة من بني ~~العباس، ترفع رأسها، وتدبر أمرها، وتطمع في أن تثب في عنان هذه الحملة الحلاجية على ~~عرش الخلافة لتنتزعه لنفسها. # وكان ابن المعتز الشاعر العباسي الكبير، من أبناء الخلفاء، وكان يرى أنه أحق بالخلافة ~~من المقتدر. # وكان يلوذ به طائفة قوية من أبناء البيت العباسي، غضبوا من المقتدر ورأوا في مجونه ~~ولهوه وتهالكه، وهيمنة النساء عليه نذيرا يعرض البيت العباسي بأسره للزوال ~~والفناء. # ورأى أدباء بغداد وشعراؤها في ابن المعتز، زميلا شاعرا أديبا، فطافوا به، ومشوا في ~~ركابه، واحتضنوا دعوته. # كما رأى الحنابلة المتعصبون المتزمتون في ابن المعتز، متنفسا ms060 لحقدهم على الخليفة، ~~الطفل العابث، فأسرعوا إلى ابن المعتز يحيطونه بهالة من قداسة الدين وبريقه. # وأخذ بعض تلاميذ الحلاج من الوزراء والقواد ينضمون إلى ابن المعتز سرا، لقد رأوا ~~في حركته سبيلا قد يحقق لأستاذهم ما يدعو إليه، ويبشر به، وكان أكبر هؤلاء التلاميذ ~~الأمير الحسين بن حمدان الذي تولى القيادة العسكرية للثورة. # ويرى ماسنيون: أن الحلاج كان الزعيم الروحي لحركة ابن المعتز، والقائد الحقيقي ~~لثورته. # يقول ماسنيون: «وأدار الحلاج دعوته من وراء الحجب وفي سنة (296ه / 908م) انفجرت ~~المؤامرة الإصلاحية، وقامت خلافة تحت رعاية الحلاج، تولاها ابن المعتز، ولكنها ~~استمرت يوما واحدا ثم فشلت؛ لأنها لم تستطع الحصول على الأموال من الممولين اليهود في ~~القصر، وقد كانوا متواطئين مع عمال الخراج الشيعة. # فأعيدت الخلافة إلى المقتدر، بمساعدة الشرطة، وابن الفرات، الذي تولى الوزارة وكان ~~أول أمر أصدره هو القبض على الحلاج وأتباعه. # ونجا الحلاج من القبض، واختفى لدى الحنابلة، ببلدة - سوس - من الأهواز. # وبعد ثلاث سنوات من اختفائه، وبخيانة عامل مدينة واسط - حامد - قبض على الحلاج ~~وجيء به إلى بغداد، حيث ابتدأت قضيته العالمية.» # ولكن الحلاج نجا مما أعد له، لقد كانت له مكانة شعبية تحميه وتعصمه من غضب ~~الخليفة، وكان له أنصاره الأقوياء من الأمراء والوزراء ومن كبار رجال القصر. # أنصار استطاعوا أن ينتزعوا من الخليفة المقتدر، أمرا بالعفو عن الحلاج، وأن يكتفي ~~بتحديد إقامته بدار حاجب الخليفة نصر القشوري تلميذ الحلاج المخلص. # يقول صاحب «تاريخ بغداد»: «فأقام عند نصر القشوري، في سعة ودعة يزوره من يشاء.» # 2 # الحلاج في قصر الخليفة # ثم أطلقت حرية الحلاج كاملة، فعاد إلى منهجه ورسالته، يقول ابنه أحمد كما يروي ~~صاحب «تاريخ بغداد»: «إن والده وقع له عند الناس قبول عظيم، حتى حسده جميع من في ~~وقته. # ثم بنى دارا في بغداد واتخذ له عقارا، ودعا الناس إلى فكرته فأجابه الخلق. # وخرج عليه محمد بن داود الظاهري، وجماعة من أهل العلم وقبحوا صورته. # ووقع بينه وبين الوزير، علي بن عيسى، عداوة من ms061 أجل نصر القشوري، ووقع بينه وبين ~~الشبلي وغيره من مشايخ الصوفية، واختلفت الألسن في أمره.» # 3 # وكلمة أحمد بن الحلاج تصور لنا تلك الحقبة من حياة الحلاج تصويرا دقيقا. # لقد واصل دعوته بتلك الحمية الثائرة التي أثرت عنه، فأجابه الخلق، كما ثارت حوله ~~الخصومات والعداوات من جديد. # فخاصمه أول ما خاصمه ابن داود الظاهري، الفقيه الجامد المتعصب ومن يلوذ به من الفقهاء ~~خصوم الحياة الروحية بكافة صورها وألوانها، وأخذوا ينشرون الشائعات حول الحلاج ~~وعقيدته ودعوته. # ومن الناحية السياسية، خاصمه الوزير علي بن عيسى، خصومة سياسية، من أجل نصر القشوري ~~حاجب الخليفة، وخصمه السياسي. # وفجأة حدث تحول بعيد المدى في حياة الحلاج ودعوته، بل بعيد المدى في تاريخه ~~ومأساته. # يقول البغدادي: # 4 ~~«إن علة عرضت للمقتدر بالله في جوفه، ووقف نصر القشوري على خبرها، فحدث ~~الخليفة عن الحلاج ووصفه بأنه الرجل الصالح، واستأذنه في إدخاله إليه فأذن ~~له.» # وجاء الحلاج فوضع يده على الموضع الذي كانت العلة فيه، وقرأ عليه فاتفق أن زالت ~~العلة. # ثم يقول: «ولحق والدة المقتدر بالله، مثل تلك العلة وفعل بها ذلك فزال ما وجدته، فقام ~~للحلاج بذلك سوق في الدار، وعند والدة المقتدر والخدم والحاشية.» # ويقول عريب القرطبي في كتابه «صلة تاريخ الطبري»: «أحيا الحلاج ببغاء ولي العهد ~~الراضي محمد بن جعفر المقتدر، فأحدث ذلك دويا في القصر وفي بغداد.» # ويحدثنا صاحب «تاريخ بغداد» حديثا عجبا عن الحلاج الذي أقام في قصر الخليفة، بأمر ~~الخليفة، وكيف غدا صاحب الكلمة الأولى في القصر، ثم يقول: «وكانت بنت السمري صاحب ~~الحلاج قد أدخلت إليه، وأقامت عنده في دار السلطان.» # ثم يذكر في موضع آخر، أن ابنة الحلاج قد أقامت معه أيضا في دار الخليفة. # 5 # أي إن الحلاج قد انتقل بأسرته وخدمه ومعارفه إلى دار الخلافة. # أصبح الحلاج سيدا مطاعا مرهوبا، عالي المكانة، مسموع الصوت، في قصر ~~الخليفة. # وغدت والدة الخليفة المقتدر، السيدة شغب بسلطانها وجلالها ونفوذها، من أخلص تلاميذ ~~الحلاج المؤمنين به، المدافعين عنه. # ومشى كثير من ms062 الوزراء والقواد والأمراء في موكبه، وحفوا به في مجالسه، واعتنقوا ~~منهجه، إما عن اقتناع به، وإما افتتانا بشخصيته الساحرة، وإما تزلفا وتقربا لرجل، ~~أصبحت الأسرة الحاكمة ترعاه وتجله، وتؤمن به وتقدره. # وامتلأ قصر الخليفة الكبير، بالحديث عن كراماته وآياته، وما تصنع يداه من عجائب ~~وغرائب، تكاد ترتفع فوق الكرامات والآيات. # وأسرف الناس كعادتهم في هذا الحديث، ولونوه ووشوه، وأضافوا إليه وزادوا فيه، حتى ~~غدا الحلاج أكثر من أسطورة، وأكبر من ولي، في أفق بغداد، وسماء العراق. # وملأت الهمسات الملونة، أندية بغداد ومساجدها، وفقد خصوم الحلاج أعصابهم، فقد رأوا ~~غريمهم، يرتفع شاهقا فوق هاماتهم، فراحوا يملئون الدنيا صياحا غاضبا مجنونا، حول ~~الحلاج، الدعي الساحر الدجال حينا، وحينا تتناول الصيحات المرعدة، عقيدته ~~الإيمانية، فترميه وتصفه، بالكفر والفسوق، والاتحاد والحلول! # والحلاج في آفاقه بعيدا بعيدا عن هذا الدوي، لقد ملكت عليه رسالته الإصلاحية ~~أقطار تفكيره، وملك عليه حبه لربه، وجدانه وقلبه، فراح يجاهد في الميدانين، بما ~~أثر عنه من حماس ملتهب، وبما عرف به من عزمات لا تلين. # ولكن الذي كان يمزق قلب الحلاج حقا، ويملأه بالأسى المرير هو موقف أحبابه ~~وأساتذته وتلاميذه من الصوفية، من أبناء مدرسة الجنيد، لقد حاربوه في رسالته، وبارزوه ~~العداوة في منهجه، وسلقوه بألسنة حداد في حبه وإيمانه. # وهذا الموقف العدائي من الإمام الجنيد ومدرسته، قد أرقه وأهمه، وحرق قلبه، ونرى أثر ~~هذا الموقف في الكلمات الباكية الحزينة، التي أخذت تترى على لسان الحلاج، في مواجيده ~~وابتهالاته. # لقد أخذت تتسلل إلى قلبه شيئا فشيئا، فكرة الاستشهاد في سبيل حبه، وفي سبيل ~~عقيدته. # لقد آمن من قبل بأن الوجد والعذاب في الحب، هما معراجه إلى الوصول والقرب، واليوم أخذ ~~يؤمن بأن الاستشهاد هو طريقه إلى النصر، النصر الشامخ المتلألأ لفكرته ومنهجه. # إن استشهاده في سبيلهما، لهو صورة إيمانه، وآية صدقه، وصراط قربه، وعلامة قبوله عند ~~ربه. # بل لقد راح في نشوة روحية عالية، يتنبأ بمصرعه، ويرى مشاهد هذا المصرع، جلية ~~مبينة. # قال إبراهيم بن فاتك: # 6 ~~«دخلت يوما على ms063 الحلاج في بيت له، على غفلة منه، فرأيته قائما على ~~هامة رأسه، وهو يقول: يا من لازمني في خلدي قربا، وباعدني بعد القدم من الحدث غيبا، ~~تتجلى علي حتى ظننتك الكل، وتسلب عني حتى أشهد بنفيك، فلا بعدك يبقى، ولا قربك ينفع ~~ولا حربك يغني، ولا سلمك يؤمن! # فلما أحس بي، قعد مستويا وقال: ادخل ولا عليك، فدخلت وجلست بين يديه، فإذا عيناه ~~كشعلتي نار، ثم قال: يا بني، إن بعض الناس يشهدون علي بالكفر، وبعضهم يشهدون لي ~~بالولاية! فقلت: يا شيخ، ولم ذلك؟ فقال: لأن الذين يشهدون علي بالكفر تعصبا لدينهم، ~~ومن تعصب لدينه، أحب إلى الله ممن أحسن الظن بأحد، ثم قال لي: وكيف أنت يا إبراهيم حين ~~تراني، وقد صلبت وقتلت وأحرقت، وذلك أسعد يوم من أيام عمري جميعه؟ ثم قال لي: لا ~~تجلس واخرج في أمان الله.» # ويقول أحمد بن فاتك: # 7 ~~«كنا مع الحلاج، وكان يوم النيروز، فسمعنا صوت البوق، فقال الحلاج: أي ~~شيء هذا؟ فقلت: يوم النيروز، فتأوه وقال: متى ننورز؟ فقلت: متى تعني؟ قال: يوم ~~أصلب! # فلما كان يوم صلبه بعد ثلاث عشرة سنة، نظر إلي من رأس الجذع وقال: يا أحمد، ~~نورزنا: فقلت: أيها الشيخ، هل أتحفت؟ قال: بلى، أتحفت بالكشف واليقين، وأنا مما ~~أتحفت به خجل، غير أني تعجلت الفرح.» # ويقول أحمد بن فارس: # 8 ~~«رأيت الحلاج في سوق القطيفة قائما على باب مسجد المنصور، وهو يقول: ~~أيها الناس، إذا استولى الحق على قلب أخلاه عن غيره، وإذا لازم أحدا أفناه عمن سواه، ~~وإذا أحب عبدا حث عباده بالعدوان عليه حتى يتقرب العبد مقبلا عليه، فكيف لي ولم ~~أجد من الله شمة، ولا قربا منه لمحة، وقد ظل الناس يعادونني. # ثم بكى حتى أخذ أهل السوق في البكاء.» # ويقول علي بن أنجب الساعي: «صاح الحلاج في جامع منصور: أيها الناس، اعلموا أن الله ~~تعالى أباح لكم دمي فاقتلوني اقتلوني تؤجروا وأسترح، ليس في الدنيا للمسلمين شغل أهم ~~من قتلي، وتكونوا أنتم ms064 مجاهدين، وأنا شهيد.» # 9 # ولم يهنأ الحلاج طويلا بمكانته في القصر، ولم تتحقق له الآمال الإصلاحية العريضة، ~~التي راودته وهو يلج قصر الخليفة، لقد بدأت الدسائس والمؤامرات تحيط به وتواثبه، وتضيق ~~حوله النطاق وتطارده! # لقد كان وجوده في قصر الخليفة، أمرا مخالفا لطبيعة الحياة، ولطبيعة المعركة التي ~~يقودها. # فهو بإيمانه ورسالته، يختلف اختلافا جذريا عن سكان القصور، وهو بخلقه ونسكه ~~ومبادئه، يختلف اختلافا منهجيا عن الطبقة الأرستقراطية الحاكمة. # وكان الاصطدام حتما مقضيا بين الحلاج وبين الحاشية، لقد رأى بعض الوزراء والقواد ~~والأمراء، أن مكانتهم قد تزلزلت، ورأى المستغلون والمنتفعون والمرتشون، وأرباب النزوات ~~والأهواء والشهوات، الذين هيمنوا على الخليفة في الماضي، أن رأس مالهم الأكبر قد طار من ~~أيديهم. # وانضم إلى هؤلاء وهؤلاء، السياسيون المحترفون من خصوم السيدة شغب أم الخليفة، وخصوم ~~نصر القشوري الحاجب، وهما أكبر أنصار الحلاج، وأخلص تلاميذه. # وفي رجال القصر براعة في الدس والنفاق، وكفاءة في التلوين والتآمر وهم تاريخيا ~~أقدر الناس على هذا الضرب من الحياة، وأبرعهم فيه. # يقول المستشرق نيكلسون: «لقد ضاق كبار رجال الدولة بنفوذ الحلاج وصيحاته وشعبيته ~~الحارة، التي تهدد بثورة تطيح بهم وبنفوذهم.» # وتقول دائرة المعارف الإسلامية: # 10 ~~«وكانت رعاية شغب أم المقتدر، والحاجب نصر، للحلاج سببا في أن عاداه ~~الوزير حامد، الذي سيقود المعركة يوم محاكمته.» # وابتدأت الحاشية تهمس في براعة قادرة مدربة في أذن الخليفة، بأن الحلاج يعد ~~العدة لضربته الكبرى، الضربة التي ستطيح بالخليفة، ليتولى هو الأمر من بعده! # أليس هو صاحب نظرية القطب الزعيم الحاكم؟ أليس هو المنادي بحكومة الأقطاب والأولياء، ~~التي يحبها الله ويرضى عنها؟ # أليس يجمع حوله الكتاب والشعراء والصوفية ورجال الفكر، ومن وراء هؤلاء جميعا جماهير ~~بغداد، ثم أليس الحلاج هو الولي الأكبر، والمنقذ الأعظم عند هذه الجماهير؟! # وزاد الهمس في أذن الخليفة، وزادت الاتهامات وتضخمت، حتى أرعبت الخليفة، وأنسته نفسه، ~~وأنسته صداقته للحلاج، واستضافته له. # وابتدأ الخليفة يضيق بالحلاج، ويعطي له وجها غير وجهه الأول، وابتدأ خصوم الحلاج ~~في القصر يوسعون نطاق مؤامراتهم، ويمدون ms065 حبالهم إلى خارج القصر، ليشركوا معهم الخصوم ~~التاريخيين للحلاج. # واستدعي إلى القصر، المهرة المدربون على الهمسات والشائعات، ولكن مكانة الحلاج ~~الشعبية كانت دائما ترهب خصومه، وتنال من اندفاعهم، إن له لقداسة وسحرا لا يقاومان ~~بين العامة. # ومن هنا ابتدأ التفكير في تحطيم هذه الهالة الشعبية، وتمزيق هذه القداسة ~~الدينية. # وفكر رجال القصر وقدروا، ثم فكروا وقدروا، فاهتدوا إلى سلاح تاريخي رهيب، جرب ~~فأثبت صلاحيته وإيجابيته. # يجب أن يحارب الحلاج باسم الدين وبسلاحه، لقد شاد مكانته السابقة لدى الجماهير باسم ~~الدين والقداسة الروحية، فيجب إذن أن يحطم باسم الدين، وباسم الدفاع عن القداسة ~~والمقدسات الروحية! # ومن ثم بدأت حملة من أكبر حملات التزييف في التاريخ، حملة انقلبت إلى عاصفة لا ~~تزال ريحها تدوي عبر القرون، تتهم الحلاج بالمروق والإلحاد، والحلول والاتحاد، وغير ~~هذا وذاك من المسميات والنعوت! # وأخذ سيل من الرسائل والكتب يتدفق من الأقلام المأجورة لمهاجمة الحلاج! وابتدأ ~~الدساسون يحرفون كلمه عن مواضعه، وينسبون إليه ما لم يقله. # بل ابتدءوا يجمعون ويدربون الشهود الزور، الذين سيتقولون الإفك، ويشهدون على ~~الحلاج يوم محاكمته. # يقول ماسنيون: «وساهم في المعركة كثير من رجال الدين، حتى المعتزلة شاركوا فيهاحسدا ~~للحلاج، فروجوا في القصر ردا على كرامات الحلاج، رسالة - للأوارجي - تصف شعبذة ~~الحلاج وحيله.» # 11 # ويقول نيكلسون: «لقد اشترك في المعركة ضد الحلاج مزيج عجيب من المرتشين والقوادين ~~والزنادقة ومستغلي النفوذ.» # ثم أخذت آفاق السياسة العامة للعراق تضطرب، وأخذت أحزابه تتصارع وتتقاتل، وعلى قمة ~~هذا الصراع، بدأت محاكمة الحلاج ومأساته. # | محاكمات الحلاج # رأى الحلاج أن دعوته قد تعرضت للخطر، وأن منهجه الإصلاحي أصبح في مهب العاصفة، وأن ~~الساعة الحاسمة تقترب من القمة. # لقد تغير عليه قلب الخليفة، وتجرأ خصومه في القصر وخارجه، وأعلنوها بغضاء سافرة، وبدأت ~~نذر العاصفة تطرق عليه الأبواب. # كما أدرك في جلاء مبين، أن أساليبه السلمية التي استهدف بها تحقيق رسالته، عن طريق ~~القصر وصداقات القصر، أصبحت لا تحقق هدفا، ولا تملك أملا. # فأخذ يحرك أتباعه من الوزراء وقادة الجيش، ليتخذوا موقفا ms066 إيجابيا في مقاومة فساد الحكم ~~وانحرافه عن رسالة الإيمان والدين. # كما أخذت رسائله تتوالى على أنصاره من العلماء والأدباء، يعدهم ويعبئهم للمعركة السافرة، ~~وعادت اتصالاته بالجماهير تتسع وتقوى، يحرك وجدانهم، ويثير مشاعرهم، ويلهب فيهم روح ~~المقاومة ضد ما يتعرضون له من استغلال، وما يلقون من هوان. # يقول المستشرق ماسنيون: # 1 ~~«ولقد قامت في ذلك الحين بين العلماء رغبة عامة في إصلاح الأداة الإدارية، ~~وطالبوا بإقامة خلافة إسلامية حقا، ووزارة تحكم بالعدل بين الناس، خصوصا في مسائل ~~الخراج والضرائب - ضد مفاسد عمال الخراج الشيعة من خصوم الحكم الوراثي - وخلافة شاعرة ~~بمسئوليات وظيفتها أمام الله، مما يجعل الله يرضى عن قيام المسلمين بفروض دينهم - من صلاة ~~وحج وصيام - وكان الأمل معقودا على الحلاج في العمل بهذا السبيل، في الوقت الذي توقع ~~فيه الحلاج، قرب مصادرة حريته من جانب أعدائه وأصدقائه.» # ودخل الحلاج المعركة، وحمل عبئها ومسئوليتها، وكانت طلقته الأولى في القمة، في مجلس ~~وزراء الخليفة. # وابتدأ الصراع بين الوزراء الحلاجيين، وخصومهم من الوزراء، صراعا سافرا ~~مريرا. # واستطاع أنصار الحلاج في الوزارة، أن يصدروا أول بيان تاريخي منهجي في العالم ~~الإسلامي، لميزانية الدولة الإسلامية، على أسس اشتراكية، هذا البيان الذي يقول عنه ~~المستشرق ماسنيون: «إنه صار مشهورا بحق.» # 2 # واستطاع هذا البيان، أن يعيد تنظيم سياسة الدولة المالية، وأن يخفف من قسوة الضرائب، وأن ~~يتجه بفائض المال إلى الخدمات العامة، بدلا من إنفاقه على الخليفة وحاشيته! # وغضب الوزير حامد بن العباسي خصم الحلاج الأكبر، فقام بحركة مضادة فأغرى الخليفة ~~باحتكار المخزون من القمح والمضاربة فيه! # يقول ماسنيون: # 3 ~~«فأجاب الوزير ابن عيسى صديق الحلاج على هذا الإجراء، بإثارة فتنة شعبية، ~~وفيها أطلق نصر القشوري حبل العمل للحنابلة - أصدقاء الحلاج - فقامت نقابات العمال في ~~بغداد والبصرة والكوفة والموصل، وهاجمت المحتكرين والمخازن وفتحت السجون.» ~~(1) المحاكمة الأولى # واهتز عرش الخلافة، واهتزت أرائك الوزراء غير الحلاجين، فأدرك الوزير حامد أن الخطر ~~أصبح من الضخامة، بحيث لا يقاوم إلا بالإقدام على مخاطرة حاسمة ... هي القبض على ~~الحلاج نفسه ms067 ومحاكمته، وهو أمر لا يستطيعه إلا الخليفة، ولكن الخليفة جبن وتردد، رغم ~~إلحاح الوزير عليه، وتبصيره بالخطر المحدق به. # فلجأ حامد إلى السلاح الديني الشرعي، فاتصل بأحد أعضاء محكمة القضاء الكبرى ببغداد، ~~وهو الفقيه الظاهري محمد بن داود، وكان شاعرا هلوكا يبغض الحلاج ويمقت التصوف، ~~فأغراه بالمال، ومناه بالآمال، وحرضه باسم الخلافة والخليفة. # واستغل محمد بن داود مركزه الشرعي، فرفع أمر الحلاج إلى المحكمة العليا طالبا ~~محاكمته، والحكم بقتله، بدعوى الشعوذة وادعاء الألوهية! # وجند الوزير حامد الشهود ليوم المحاكمة، فأعد رجلا من غمار الصوفية، لقنه أن يقول ~~إنه سمع الحلاج يتحدث في درسه الصوفي بمسجد المنصور قائلا: أنا الحق! # وجاء برجل آخر من العامة ليشهد بأنه من أتباع الحلاج، وبأن الحلاج إله! وأنه ~~يحيي الموتى! # وحضر الحلاج المحاكمة في دار القضاء العالي، وواجه الشهود. يقول ~~المؤرخ ابن كثير: # 4 ~~«وأنكر الحلاج ما نسب إليه، وقال: أعوذ بالله أن أدعي الربوبية، أو ~~النبوة، وإنما أنا رجل أعبد الله، وأكثر له الصوم والصلاة وفعل الخير، ولا أعرف غير ~~ذلك، وجعل لا يزيد على الشهادتين والتوحيد، ويكثر أن يقول: سبحانك لا إله إلا أنت، عملت ~~سوءا وظلمت نفسي، فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.» # وهنا انتصر للحلاج القاضي الشافعي ابن سريح قائلا: «إن مثل هذا لا يدخل في ~~القضاء، والأدلة غير ثابتة، والدليل لا يوجد.» # وبهذا الاعتراض فشلت المحاكمة، وضاعت المؤامرة، ولكن الوزير حامد، أسرع فأصدر أمرا ~~بتشكيل هيئة قضاء أخرى برياسة القاضي أبي عمر محمد بن يوسف، وعضوية القاضي أبو جعفر بن ~~البهلول وجماعة من الفقهاء. # وأعيد الاتهام وجاءوا بالحلاج وتوالى الاتهام: هل أنت إله؟! هل تحيي الموتى؟! هل ~~تخدمك الجن؟! هل تصنع ما تحب عن طريق المعجزات؟! كما يقول الشهود. # وأنكر الحلاج ما نسب إليه بشدة، وسخر من شهوده بقوة، وقال: أنا عبد الله، أؤمن ~~به وبرسله، وأدعو إلى الحق، وأنشد الخير للمسلمين، ولا أقر الظلم، ولا أعرف هؤلاء ~~الشهود، ولا أقول غير هذا وأعوذ بالله من الدعوى. # وتعالت ms068 صيحات الجماهير الغاضبة خارج دار القضاء، ووجد القضاة أنفسهم بين شقي ~~الرحى. # فعادوا إلى الوزير حامد ليبلغوه بأنهم لم يجدوا ما يوجب قتل الحلاج، ولا عقابه، ~~وأنه لا يجوز قبول ادعاء إلا بدليل أو إقرار! # وفشلت القضية من جديد، وثار حامد وأسرع إلى الخليفة ينشد تأييده، فقد زادت هذه ~~المحاكمات من مكانة الحلاج ونفوذه. # ولكن الخليفة كان أكثر حرصا من وزيره، أو أكثر جبنا وخوفا، وكان دائما يتردد في ~~حمل مسئولية دم الحلاج ، فأمر حامد بأن يسلمه إلى علي بن عيسى عالم بغداد وخصم ~~الحلاج ليناظره، عسى أن تفلت من فم الحلاج كلمة فيؤخذ بها! # وعقد مجلس المناظرة، وحشد للمجلس خصوم الحلاج من كل لون ونحلة. # يقول الخطيب البغدادي في تاريخه: «فلما حضر الحلاج مجلس المناظرة، خاطبه علي بن ~~عيسى خطابا فيه غلظة، فقال له الحلاج: قف حيث انتهيت، ولا تزد عليه شيئا، وتأدب ~~وإلا قلبت عليك الأرض، فتهيب علي بن عيسى من مناظرته، وطلب من الخليفة أن يعفيه من ~~مناظرته فأعفاه.» # 5 # وطارت شهرة الحلاج، وصفقت بغداد إعجابا ببطلها ووليها، وأسرع الوزير حامد إلى ~~الخليفة يناشده العون، ويطلب إبقاء على ماء وجهه، وحرصا على مكانة الخليفة، أن يصدر ~~أمره السامي بسجن الحلاج! أو على الأقل بتحديد إقامته، مع سجن الخطرين من ~~تلامذته، وإبقاء القضية معلقة، ليبقى الاتهام دائما محلقا فوق الحلاج ~~وأنصاره! # واستجاب الخليفة، وقبض على بعض أنصار الحلاج، وأخذ الحلاج نفسه يتنقل بين السجن ~~حينا، وبين مصادرة حريته وتحديد إقامته أحيانا، طوال ثمانية أعوام كاملة، وكان سجنه ~~بدار الخلافة، وكان تحديد إقامته بمنزل صديقه وتلميذه نصر القشوري حاجب الخليفة. لقد ~~استهدفت الخلافة بهذا الحكم العجيب أن يكون الحلاج تحت سمعها وبصرها، لتأمن وثبته، ~~وتتقي ثورته، وتحد من اتصالاته وتنقلاته. # ومن ثم بدأت مرحلة حاسمة، من أخطر مراحل حياة الحلاج وأجلها، مرحلة خصبة، أشد ~~ما تكون الخصوبة، حية أقوى ما تكون الحياة. # مرحلة جهاد مرير لتحقيق رسالته في الإصلاح، تحت ضغط ظروف قاسية مرهقة، وجهاد ~~أعلى وأشق، ليبلغ كماله ms069 الروحي، ولتحترق بشريته في لهب وجده المقدس، وحبه الأسمى، ليظفر ~~بجوهرة الخلود الكبرى، جوهرة الحياة، التي ترتبط بالله، فتقوم به، وتتلقى عنه، وتقتات ~~بذكره، وتظفر بأنسه، وتنعم بإلهامه، وتفني إرادتها في إرادته، ثم تحلق بمعراج وجدها، ~~حتى تراه سبحانه بوجدانها، وتشاهده بقلبها، نورا، هو نور السموات والأرض وما بينهما، ~~وما تحت الثرى، سبحانه هو الأول والآخر، والظاهر والباطن. # مرحلة أخذ الحلاج يضع فيها أخلد كتبه وأبقاها، وفي طليعتها كتاب «طاسين الأزل» ~~الذي أنقذه من الفناء الذي صبته الخلافة العباسية على تراثه، صديقه ~~الوفي، ابن عطاء سنة 309ه، في اللحظات ~~الأخيرة. # كما أخذ يدنو رويدا رويدا من هدفه الروحي، هدف التضحية والاستشهاد؛ ليكون جديرا - ~~كما يقول - برسالته، وكفئا لحبه. # وأخذت شخصية الحلاج ونفوذه يلعبان دورهما، فأصبح المكان الذي حدد لإقامته بدار نصر ~~القشوري مكانا فسيحا رحبا، مزودا بكل شيء. # لقد امتد إليه سحره كما يقول صاحب «تاريخ بغداد»: «فأصبح بيتا ناعما، كل من فيه ~~يؤمن بالحلاج ويحبه، ويلبي طلباته، موسعا عليه، مأذونا لمن يدخل عليه.» # 6 # وغدا سجنه بدار السلطان مدرسة ومنتدى، يقول ابن كثير: «واستطاع الحلاج وهو بسجنه ~~في دار السلطان أن يستغوي جماعة من غلمان السلطان، وموه عليهم واستمالهم بضروب من ~~حيله، حتى صاروا يحمونه، ويدفعون عنه، ويرفهونه، ويدخلون عليه من شاء.» # 7 # بل لقد اتسعت حياة الحلاج رغم السجن وتحديد الإقامة، فأصبح يغشى مجلس الخليفة، يعظه ~~وينذره، ويذهب نهارا إلى جامع المنصور، يلقي دروسه، ويشرح منهجه، وفي الليل يواصل ~~تهجده وتضرعه، في المكان الحبيب إلى قلبه، بين القبور، عند قبر الإمام أحمد بن ~~حنبل. # ثم يعود بعد هذا كله إلى سجنه بدار السلطان حينا، وإلى المقر الذي حدد له بدار نصر ~~القشوري أحيانا، ليواصل مقابلاته واتصالاته بالوزراء والقادة والأمراء، يحدثهم ~~ويجادلهم في فنون الحكم والسياسة. # كما يتصل أيضا ويقابل العلماء والصوفية والأدباء، يحدثهم ويعلمهم أسرار الحب، ومنازل ~~القرب، ومقامات التصوف. # جاء في روضة المريدين لابن يزد إنيار: «سئل الحلاج وهو في سجنه عن التصوف، فقال: ~~طوامس وروامس اللاهوتية! ms070 فقال السائل: أفصح في هذا المعنى. فقال: لا عبارة عنه. فقلت: ~~لم أظهرته؟ فقال: يعلمه من يعلمه، ويجهله من يجهله. فقلت: أسألك بالله إلا فهمتني، ~~فأنشأ يقول: # لا تعرض بنا فهذا بنان # قد خضبناه بدم العشاق» # وسئل عن الصوفي فقال: «من أشار إليه فهو متصوف، ومن أشار عنه فهو صوفي.» # وقال في مرة أخرى عن الصوفي: «إنه وحداني الذات، لا يقبل أحدا ولا يقبله ~~أحد.» # وقال: «معنى الخلق العظيم، ألا يؤثر فيه جفاء الخلق بعد مطالعة الحق .» # وقال: «إذا استوى الحق على سر عبد، ملك الأسرار، فيعاينها ويخبر عنها.» # وقال: «من أسكرته أنوار التوحيد حجب عن عبادة التجريد.» # وقال: «من خاف من شيء سوى الله، أو رجا سواه، أغلق عليه أبواب كل شيء، وسلط عليه ~~المخافة، وحجب بسبعين حجابا، أيسرها الشك.» # وقال: «لا يجوز لمن يرى غير الله أن يدعي أنه يعرفه.» # 8 # وزاره الشبلي في سجنه، فوجده جالسا يخط في التراب، فجلس بين يديه حتى ضجر، فرفع ~~الحلاج طرفه إلى السماء، وقال: «إلهي لكل حق حقيقة، ولكل خلق طريقة، ولكل ~~عهد وثيقة، ثم قال: «يا شبلي من أخذه مولاه عن نفسه، ثم أوصله إلى بساط أنسه، كيف ~~تراه؟» # فقال الشبلي: وكيف ذاك؟ # فقال الحلاج: يأخذه عن نفسه، ثم يرده على قلبه، فهو عن نفسه مأخوذ، وعلى قلبه ~~مردود، فأخذه عن نفسه تعذيب، ورده إلى قلبه ~~تقريب، طوبى لنفس كانت له طائعة، وشموس الحقيقة في قلوبها طالعة! ثم أنشد: # 9 # طلعت شمس من أحبك ليلا # فاستضاءت فما لها من غروب # إن شمس النهار تغرب باللي # ل وشمس القلوب ليس تغيب» # واستمرت هذه الحياة ثماني سنوات، استطاع الحلاج خلالها رغم سجنه ورغم مصادرة ~~حريته، أن يوجه الأحداث في بغداد، ويحرك تاريخها. # لقد استطاع طوال هذه السنوات أن يواجه الحرب في كل ميدان، وأن يحمي صديقه نصر ~~القشوري، وأن يبقيه في القصر وفي الحكم أيضا. # كما استطاع أن يدخل في الوزارة دائما صديقه ابن عيسى، وأن يدفع بالقنائيين أحبابه ~~وتلاميذه وحزبه، إلى ms071 الصدارة حينا، وإلى كراسي الوزارة أحيانا. # كما استطاع الحلاج، أن يبعد خصمه الأكبر حامد عن الصدارة، وعن الوزارة، رغم صلاته ~~الكبرى بالخليفة، ورغم نفوذه الضخم في الدوائر الأرستقراطية، ولدى الشيعة، وعمال ~~الخراج، ورجال المال. # وبجانب هذا وذاك كان الحزب العسكري يهادن الحلاج ولا يبارزه الخصومة، بل كان في ~~أكثر من موقف يصادقه، ويمد يده إليه. ~~(2) المحاكمة الكبرى # وفي نهاية عام 308ه عاد مؤنس التركي - كبير القواد العسكريين - إلى بغداد، بعد أن ~~أنقذ دولة العباسيين في مصر من الفاطميين في المغرب . # ويصور لنا المستشرق ماسنيون تلك الحقبة الحاسمة من التاريخ، وأثرها في قضية الحلاج ~~وحياته، تلك الحقبة التي انقلبت فيها السياسة العسكرية العامة فجأة، فأنجبت مسائل ~~صغيرة من الصراع السياسي، نتائج خطيرة، بعيدة المدى في التاريخ. # يقول ماسنيون: استفاد حامد من عودة مؤنس كبير القواد إلى بغداد، كما استفاد من ~~الأحداث نفسها. # فبعد أن أنقذ مؤنس مصر من الفاطميين، كان عليه أن يحمي إيران ضد تهديد الديلميين، ~~الذين دخلوا الري بفضل واليها - الفارسي - أخ صعلوك مساعد مؤنس سابقا، وكان دائما في ~~حماية نصر وابن عيسى - أصدقاء الحلاج. # فعرض حامد على مؤنس ضرورة القضاء على أخ صعلوك، ولما كان هذا أميرا سامانيا، فلا ~~بد من مجانبة الوزير الساماني، وهو - البلعمي - وهو شافعي من أنصار الحلاج. # 10 # ومثل هذا القلب في الاتجاه السياسي يقتضي التشديد في زيادة الضرائب، ولن يوافق ~~الخليفة على هذا، إلا إذا تخلى عن ثقته بابن عيسى ونصر القشوري. # فلكي يقضي حامد على كليهما، ويبلغ غرضه، قرر استئناف النظر في قضية الحلاج ~~صديقهما. # وبفضل مؤازرة كبير القواد مؤنس، وبفضل رجل آخر هو أبو بكر بن مجاهد، شيخ الحفاظ، وله ~~كلمة مسموعة في بغداد، ومن خصوم الحلاج الألداء. # بهؤلاء الأنصار الأقوياء، نجح حامد في مؤامرته، واستطاع إقناع الخليفة بمؤازرته. # 11 # وصدرت أوامر الخليفة تترى، وبمقتضى هذه الأوامر منع ابن عيسى من النظر في قضية ~~الحلاج، ومنع نصر القشوري من حراسته. # ثم منحت كل هذه الاختصاصات إلى حامد، الخصم الألد الخصام، الذي ms072 عاد إلى الوزارة ~~ليستأنف سياسته المالية القاسية، وليعيد إلى المسرح محاكمة الحلاج. # ورددت محافل بغداد أن الحلاج في طريقه إلى المحاكمة الفاصلة. # وثارت جماهير بغداد، وتزعم الثورة صديق الحلاج الأمين ابن عطاء، كبير علماء ~~الحنابلة وزعيمهم. # يقول ماسنيون: «وهتف الثوار ضد الوزير حامد بن العباس في شوارع بغداد، من أجل ~~الاحتجاج ضد سياسته المالية، ومن أجل إنقاذ الحلاج معا.» # وجاءت الفرصة الذهبية لحامد، فمنح من الخليفة تفويضا كاملا بقمع الثورة، وبمحاكمة ~~الحلاج والقضاء عليه. # ودبر أمر الحلاج بليل، وصدرت الأوامر حاسمة بسجن الحلاج سجنا حقيقيا ~~قاسيا، وتكبيله بالأغلال والقيود. # يقول السلمي: سمعت عبد الواحد بن علي يقول: سمعت فارسا البغدادي يقول: لما حبس ~~الحلاج، قيد من كعبه إلى ركبته بثلاثة عشر قيدا، وكان يصلي مع ذلك كل يوم وليلة ~~ألف ركعة. # 12 # وأعد للقضية شهودها، كما صنعت وثيقة الاتهام فيها، وكانت كما يلي: ~~(1) # مراسلاته السرية مع القرامطة. ~~(2) # اعتقاد أتباعه بألوهيته. ~~(3) # قوله: أنا الحق ... # يقول ماسنيون: # 13 ~~«ولعل بغداد كانت في ذلك الحين أكبر عاصمة في العالم المتمدين ... وهناك جرت ~~المحاكمة، على منصة مرتفعة، كما حدث بالنسبة لجان دارك في قضية الحب الإلهي. # جرت في الإطار الفخم الذي يمثله قصر الخليفة العباسي، من سنة 308ه / 921م إلى سنة ~~309ه / 922م. # وجيء بالحلاج أمام هذه المنصة الفخمة العالية، وفي يديه ورجليه ثلاثة عشر قيدا، ~~وانتشر الجند في كل مكان بالسلاح، وقبض على أنصار الحلاج بالجملة، وابتدأت حملات ~~متتابعة قاسية لإرهاب الجماهير في بغداد. # واحتشد في ساحة الجلسة خصوم الحلاج جميعا، من كل لون ومذهب.» ~~(2-1) قتل ابن عطاء! # وبدأت المحاكمة بأعجب حادث في تاريخ القضاء، بدأت بإعدام زعيم ديني، لم ~~تعقد المحكمة لمحاكمته، ولم يوجه إليه اتهام، ذلك هو زعيم علماء الحنابلة، ~~أبو العباس بن عطاء. # لقد أراد الوزير حامد أن يبث في ساحة القضاء الخوف، وأن يشيع فيها الرعب، وأنه ~~يمنع كلمة الحق بضربة عنيفة، فيها نذير وإرهاب ووعيد، وشاء الله سبحانه أن ~~يكون ابن عطاء هو كبش الفداء. # يقول الحافظ ms073 الخطيب البغدادي: # 14 ~~«أنبأنا إسماعيل بن أحمد الحيري، ~~أنبأنا أبو عبد الرحمن الشبلي، قال: سمعت محمد بن ~~عبد الله الرازي يقول: «كان الوزير حامد بن العباس، حين أحضر الحسين بن منصور، ~~أمره أن يكتب اعتقاده! فكتب اعتقاده، فعرضه الوزير على الفقهاء ببغداد، فأنكروا ذلك.» # 15 # فقيل للوزير: إن أبا العباس بن عطاء يصوب قوله، فأمر أن يعرض ذلك ~~على أبي العباس بن عطاء فعرض عليه، فقال: هذا ~~اعتقاد صحيح، وأنا أعتقد هذا الاعتقاد، ومن لا يعتقد هذا فهو بلا اعتقاد. # فأمر الوزير بإحضاره فأحضر، وأدخل عليه، فجلس في صدر المجلس، فغاظ الوزير ~~ذلك. # ثم أخرج ذلك الخط، فقال: هذا خطك؟ فقال: نعم، فقال: تصوب مثل هذا ~~الاعتقاد؟ # فقال: ما لك ولهذا؟ عليك بما نصبت له من أخذ أموال الناس، وظلمهم وقتلهم، ما لك ~~وبكلام هؤلاء السادة. # فقال الوزير: فكيه! فضرب فكاه! فقال أبو العباس: اللهم إنك سلطت هذا ~~علي عقوبة لدخولي عليه! # فقال الوزير: خفه يا غلام، فنزع خفه، فقال: دماغه، فما زال يضرب رأسه حتى ~~سال الدم من منخريه. # ثم قال: الحبس، فقيل يتشوش العامة لذلك، فحمل إلى منزله. # فقال أبو العباس: اللهم اقتله أخبث قتلة، واقطع يديه ورجليه! فمات أبو العباس ~~بعد ذلك بسبعة أيام. # وقتل الوزير حامد بن العباس، أفظع قتلة وأوحشها - بعد قتل الحلاج - بعد أن ~~قطعت يداه ورجلاه، وأحرق داره، وكانوا يقولون: أدركته دعوة أبي ~~العباس بن عطاء.» # 16 ~~(2-2) شهود القضية # وفي هذا الجو النفسي الرهيب جيء بالشهود، وكان الشاهد الأول هو السمري، وكان في ~~ماضيه من أتباع الحلاج ثم انشق عليه. # يقول صاحب «تاريخ بغداد»: # 17 # وأحضر حامد السمري صاحب الحلاج، وسأله عن أشياء من أمر الحلاج، ~~وقال له حدثني بما شاهدته منه. # فقال له: إن رأى الوزير أن يعفيني فعل! فأعلمه أنه لا يعفيه، وعاد وسأله عما ~~شاهده، فعاود استعفاءه، وألح عليه في السؤال، فلما تردد القول بينهما قال: أعلم أني ~~إن حدثتك كذبتني، ولم آمن مكروها يلحقني، فوعده أن لا يلحقه ms074 مكروه، فقال: كنت معه ~~بفارس، فخرجنا نريد إصطخر في زمن شات، فلما صرنا في بعض الطريق، أعلمته بأني قد ~~اشتهيت خيارا، فقال لي: في هذا المكان! وفي مثل هذا الوقت من الزمان؟ فقلت: هو ~~شيء عرض لي. # ولما كان بعد ساعات، قال لي: أنت على تلك الشهوة؟ فقلت: نعم. # قال: وسرنا إلى سفح جبل ثلج، فأدخل يده فيه، وأخرج إلي منه خيارة خضراء ~~ودفعها إلي! # فقال له حامد: فأكلتها؟ قال: نعم. فقال له: كذبت يا ابن مائة ألف زانية، في مائة ~~ألف زانية، أوجعوا فكيه؟! فأسرع الغلمان إليه، فامتثلوا ما أمرهم به، وهو يصيح : ~~أليس من هذا خفنا؟! # ثم أمر به فأقيم من المجلس، وأقبل حامد يتحدث عن قوم من أصحاب النيرنجات، كانوا ~~يعدون بإخراج التين وما يجري مجراه من الفواكه، فإذا حصل ذلك في يد الإنسان، وأراد ~~أن يأكله صار بعرا. # وهكذا ضرب الشاهد وكذب، كما ضرب الفقيه العالم وكذب من قبل. # وأصبح حامد الغاضب الثائر هو المحكمة كلها، لا يتكلم سواه، ولا يحكم غيره، إنه ~~وحده الذي يملك دماء الناس وأعراضهم وكرامتهم! # وإذا كان السمري لم يؤد الشهادة كما يجب، وكما اتفق من قبل، فإن ابنته ألين ~~عريكة، وقلبها يهفو إلى كل إغراء مادي ... وحامد ملء يديه الآمال ~~والإغراء. # وجيء بابنة السمري. # يقول زنجي - أكبر رواة المحاكمة، وقد حضرها بنفسه وعاش أحداثها: # 18 ~~«وحضرت بنت السمري، فسألها حامد عن الحلاج، فذكرت أن أباها السمري ~~حملها إليه، لتخدمه وهو يسكن دار الخليفة، وأنها لما دخلت عليه، وهب لها أشياء ~~كثيرة، عددت أصنافها، منها ريطة خضراء. # وقال لها: قد زوجتك من ابني سليمان، وهو أعز ولدي علي، وهو مقيم ~~بنيسابور. # وليس يخلو أن يقع بين المرأة وزوجها خلاف، أو تنكر منه حالا من الأحوال، وقد ~~أوصيته بك، فمتى جرى شيء تنكريه من جهته، فصومي يومك، واصعدي آخر النهار إلى السطح ~~وقومي على الرماد واجعلي فطرك عليه، وعلى ملح جريش، واستقبلي بوجهك، واذكري لي ما ~~أنكرتيه منه، فإني أسمع وأرى. # قالت: ms075 وكنت ليلة نائمة في السطح، وابنة الحلاج معي في دار السلطان، وهو ~~معنا. # فلما كان في الليل أحسست به وقد غشيني، فانتبهت مذعورة منكرة لما كان منه، ~~فقال: إنما جئتك لأوقظك للصلاة، ولما أصبحنا نزلت إلى الدار ومعي بنته، ونزل هو، ~~فلما صار على الدرجة، بحيث يرانا ونراه، قالت بنته: اسجدي له. فقلت لها: أويسجد ~~أحد لغير الله؟ وسمع كلامي لها، فقال: نعم إله في السماء، وإله في الأرض. # قالت: ودعاني إليه، وأدخل يده في كمه، وأخرجها مملوءة مسكا، فدفعه إلي، وفعل ~~هذا مرات، ثم قال لي: اجعلي هذا في طيبك، فإن المرأة إذا حصلت عند الرجل احتاجت ~~إلى الطيب. # قالت: ثم دعاني وهو جالس في بيت البواري، فقال: ارفعي جانب البارية وخذي من تحته ~~ما تريدين، وأومأ إلى زاوية البيت فجئت إليها ورفعت البارية، فوجدت الدنانير تحتها ~~مفروشة ملء البيت، فبهرني ما رأيت من ذلك.» # قال زنجي: «وأقامت هذه المرأة معتقلة في دار حامد إلى أن قتل ~~الحلاج.» # واستطاع الحلاج في بساطة أن يزيف هذه الشهادة، ولم تستطع ابنة السمري أن تقدم ~~دليلا واحدا على صدقها، وهز القضاة رءوسهم، رغم تهديد حامد لهم، وقالوا: لا ~~نصدر حكما بناء على أقوال امرأة، لا تملك دليلا. # وأخذ الوزير حامد يحضر الحلاج كل يوم إلى المحكمة، مكبلا بالقيد، محاطا ~~بالجند، ويبدأ الجدل والحوار، ويحاول حامد أن يجد في كلام الحلاج منفذا أو سقطة ~~- كما يقول ابن كثير - فأعجزه ذلك. # وتتابعت الأيام، وتوالت الشهور، وشاهد يأتي وشاهد يذهب، والحلاج كالجبل ~~الأشم، تتساقط على أقدامه اتهامات المبغضين، ويذوب أمام بيانه وإيمانه جدل ~~المجادلين؛ بل لقد استطاع الحلاج في محنته أن يكتسب كل يوم أنصارا أقوياء، ~~وعلماء أجلاء. ~~(2-3) بطولة ابن عفيف # وقصة محمد بن عفيف مع الحلاج تقدم لنا صورة مشرقة من انتصارات الحلاج ~~الروحية العجيبة؛ فقد أرسله إليه الخليفة في سجنه ليجادله، وكان ابن عفيف كما يقول ~~- ماسنيون - أشعريا متطرفا، وعالما لا يثبت لجدله أحد من الناس. # يقول ابن عفيف: إنه دخل على ms076 الحلاج فرأى نورا يتلألأ على جبينه، ووجد ~~اطمئنانا يشيع الأمن والسلام في كل شيء يحيط به، حتى لقد خيل إليه أن غرفة ~~الحلاج في سجنه قطعة من الجنة. ورأى عالما على كلامه إشعاع ليس من علم الأرض، ~~فقبل يد الحلاج ورأسه، وهتف: لم أر في حياتي عالما ربانيا سوى هذا الشهيد، ~~وأبى أن يفارق حجرة السجن، وطلب أن يبقى معه؛ ليقاسمه ما يلقى، وعجزت سياط الجلادين ~~عن إقناعه. # يقول ابن كثير: «فحمل بالقوة إلى حجرة أخرى، وعلق من قدميه إلى ~~السقف.» # وانصب على ابن عفيف جانب ضخم من الهول الذي ذاقه الحلاج، وكان يقول: حسبي أن ~~أشارك عبدا ربانيا في عذابه، وظل معه في سجنه يقاسمه الألم والعذاب، حتى يوم ~~مصرعه الرهيب. ~~(2-4) عجائب الحلاج في سجنه # وبينما هذه المهزلة الرسمية تجري، وبينما قلب بغداد يخفق لها، وأذن العراق تستمع ~~إليها. # أخذت أحداث أخرى تجري في سجن الحلاج، أحداث شقت طريقها إلى قلب بغداد، فألهته ~~حتى عن المحاكمة، ونفذت إلى أذن العراق، فأطربته وأذهلته، وطارت باسم الحلاج في ~~الخافقين. # تلك الأحداث التي ألقى الناس إليها بأسماعهم هي عجائب الحلاج وسحره إن شئت، ~~وكراماته وآياته إن أحببت. # آيات سجلها التاريخ، ومن العجيب حقا أنها سجلت بأقلام خصومه، لقد أذهلتهم حتى ~~لم يستطيعوا حجبها أو محوها من ذاكرة التاريخ، كما استطاعوا أن يحجبوا وأن يمحوا ~~الكثير من سيرة الحلاج وتراثه وأيامه. # يقول أحمد بن فاتك: # 19 ~~«لما حبس الحلاج ببغداد كنت معه، فأول ليلة جاء السجان وقت العتمة، ~~فقيده ووضع في عنقه سلسلة، وأدخله بيتا ضيقا، فقال له الحسين: لم فعلت بي هذا؟ ~~قال: كذا أمرت. فقال له الحلاج: الآن آمنت مني؟ قال: نعم، فتحرك الحلاج فتناثر ~~الحديد عنه كالعجين، وأشار بيده إلى الحائط فانفتح فيه باب، فرأى السجان فضاء ~~واسعا، فعجب من ذلك، ثم مد الشيخ يده، وقال: الآن افعل ما أمرت به، فأعاده كما ~~فعل أول مرة، فلما أصبح أخبر السجان الخليفة المقتدر بذلك فتعجب، وتعجب ~~الناس.» # ويقول محمد بن ms077 عفيف: # 20 ~~«لما رجعت من مكة ودخلت بغداد، أردت أن ألقى الحسين بن منصور، وكان ~~محبوسا قد منع الناس عنه، فاستعنت معارفي وكلموا السجان، وأدخلني عليه، فدخلت ~~السجن والسجان معي، فرأيت دارا حسنة، ورأيت في الدار مجلسا حسنا، وفرشا حسنا، ~~وشابا قائما كالخادم، فقلت له: أين الشيخ؟ فقال: مشغول بشغل. فقلت: ما يفعل ~~الشيخ إذا كان جالسا ها هنا؟ قال: ترى هذا الباب، هو إلى حبس اللصوص والعيارين، ~~يدخل عليهم ويعظهم فيتوبون. فقلت: من أين طعامه؟ فقال: تحضره كل يوم مائدة ~~عليها ألوان الطعام، فينظر إليها ساعة، ثم ينقرها بإصبعه، فترفع ولا يأكل، فإذا ~~الحلاج قد خرج إلينا، فرأيته حسن الوجه، لطيف الهيئة، عليه الهيبة ~~والوقار. # فإذا هو سلم علي وقال: من أين الفتى؟ قلت: من شيراز، فسألني عن مشايخها ~~فأخبرته، وسألني عن مشايخ بغداد فأخبرته، فقال: قل لأبي العباس احتفظ بتلك الرقاع، # 21 # ثم قال: كيف دخلت؟ فأخبرته ... فدخل أمير الجيش يرتعد، فقال له: ما لك؟ ~~قال: سعي بي إلى أمير المؤمنين بأني أخذت رشوة، وخليت أميرا من الأمراء، وجعلت ~~مكانه رجلا من العامة، وها أنا ذا أحمل لتضرب عنقي! فقال: امض لا بأس عليك، ~~فذهب الرجل، وقام الشيخ إلى صحن الدار، وجثا على ركبتيه، ورفع يديه، وأشار بمسبحته ~~إلى السماء، وقال: يا رب، ثم طأطأ رأسه حتى وضع خده على الأرض، وبكى حتى ابتلت ~~الأرض من دموعه، وصار كالمغشي عليه. # وبينما هو على تلك الحال، دخل أمير الجيش، فقال: عفي عني. قال ابن خفيف: ~~وكان الحلاج جالسا في طرف الصفة، وفي آخر الصفة منشفة، وكان طول الصفة ~~خمس أذرع، فمد يده وأخذ المنشفة، فلا أدري أطالت يده، أم جاء المنديل إليه، فمسح ~~وجهه بها، فقلت: هذا من ذاك.» # ويقول زنجي - أكبر رواة محاكمة الحلاج، وصديق الوزير حامد: # 22 ~~«كنت يوما وأبي بين يدي حامد، ثم نهض من مجلسه وخرجنا إلى دار العامة، ~~وجلسنا في رواقها، وحضر هارون بن عمران الجهبذ فجلس بين يدي أبي ولم يحادثه، فهو في ms078 ~~ذاك إذ جاء غلام حامد الذي كان موكلا بالحلاج، وأومأ إلى هارون بن عمران أن اخرج ~~إليه، فنهض من المجلس مسرعا، ونحن لا ندري ما السبب. فغاب عنا قليلا، ثم عاد ~~وهو متغير اللون جدا، فأنكر أبي ما رآه منه، وسأله عنه، فقال: دعاني الغلام ~~الموكل بالحلاج، فخرجت إليه، فأعلمني أنه دخل إليه ومعه الطبق الذي رسم أن يقدمه ~~إليه في كل يوم، فوجده ملأ البيت من سقفه إلى أرضه، وملأ جوانبه، فهاله ما رأى من ~~ذلك، ورمى بالطبق من يده، وخرج من البيت مسرعا، وإن الغلام ارتعد وانتفض وحم! ~~وبقي هارون يتعجب من ذلك.» # ويقول الخطيب البغدادي: # 23 ~~«وبلغ حامدا من بعض أصحاب الحلاج أنه ذكر أنه دخل عليه إلى الموضع ~~الذي هو فيه، فخاطبه بما أراده، فأنكر ذلك كل الإنكار. # وتقدم بمسألة الحجاب والبوابين، وقد كان رسم أن لا يدخل إليه أحد، وضرب بعض ~~البوابين، فحلفوا بالأيمان المغلظة أنهم ما أدخلوا أحدا من أصحاب الحلاج إليه، ~~ولا اجتاز بهم، وتقدم يتفقد السطوح، وجوانب الحيطان، فتفقدوا ذلك أجمع، ولم ~~يوجد له أثر ولا خلل. فسأل الحلاج عن دخول من دخل إليه، فقال: من القدرة نزل، ~~ومن الموضع الذي نزل إلي منه خرج!» ~~(2-5) اتجاهات هادفة في قضية الحلاج # رأى حامد أن قضية الحلاج قد تحولت إلى مظاهرة سياسية ودينية كبرى، مظاهرة ~~أصبح بطلها الوحيد هو الحلاج، وأن المحاكمة قد تحولت أو كادت إلى ما يشبه التكريم ~~الرائع لبطل ولي، جنت الجماهير بحبه وتقديره، وسبح خيال هذه الجماهير يجري ~~مبهور الأنفاس، خلف بطولته وكراماته. # وامتد سحر الحلاج إلى أكبر رأس بين الحنابلة - ابن عطاء - وإلى أرفع رأس بين ~~المعتزلة - ابن عفيف - فلم يكتفوا بتأييد الحلاج، بل قدموا أرواحهم فداء ~~له. # وإذن فيجب أن يحدث انقلاب سريع هادف في سير القضية، فلم تعد التهم السابقة ~~تكفي لإدانة الحلاج، وتحطيمه وتشويه مكانته وقداسته. # ودبر الأمر بليل، ومن ثم قامت حملات بوليسية ضخمة للإرهاب العام، حملات ~~تفاجئ كل بيت من بيوت أنصار الحلاج ms079 وأعوانه، بدعوى البحث عن كتبه وآثاره. # ودبت حياة جديدة في القضية، وتهيأ المسرح للمرحلة الحاسمة. # يقول الخطيب البغدادي: # 24 ~~«جد حامد في طلب أصحاب الحلاج، وأذكى العيون عليهم وفتش منازلهم، ~~وحصل في يده منهم: حيدرة، والسمري، ومحمد بن علي القنائي، والمعروف بأبي المغيث ~~الهاشمي. واستتر المعروف بابن حماد وكبس منزله، وأخذت منه دفاتر كثيرة، وكذلك من ~~منزل محمد بن علي القنائي، في ورق صيني، وبعضها مكتوب بماء الذهب، مبطنة ~~بالديباج والحرير، مجلدة بالأديم الجيد.» # ثم يقول: «وكان في الكتب الموجودة عجائب من مكاتباته أصحابه النافذين إلى ~~النواحي، وتوصيتهم بما يدعون الناس إليه وما يأمرهم به، من نقلهم من حال إلى حال، ~~ومرتبة إلى مرتبة ، حتى يبلغوا الغاية القصوى، وأن يخاطبوا كل قوم على حسب ~~عقولهم وأفهامهم، وعلى استجابتهم وانقيادهم، وجوابات لقوم كاتبوه بألفاظ ~~مرموزة، لا يعرفها إلا من كتبها ومن كتبت إليه، ومدارج فيها ما يجري هذا المجرى، ~~وفي بعضها سورة فيها اسم الله تعالى، مكتوب على تعويج، وفي داخل ذلك التعويج ~~مكتوب «علي عليه السلام»، كتابة لا يقف عليها إلا من تأملها.» # وإذن فقد أخذت الاتهامات الجديدة تتجه اتجاها سياسيا غامضا. # والغموض هنا عن قصد، وعن عمد، حتى يسبح الخيال ما شاء في الاتهام، ويوجهه إلى ~~كل هدف وأفق. # فالحلاج في هذا الاتهام الجديد له أصحاب وأتباع، أنفذهم إلى كل ناحية من ~~أنحاء العالم الإسلامي، ودربهم وزودهم بما يدعون الناس إليه! # والدعوة الحلاجية منظمة تنظيما سياسيا وروحيا بارعا، ومن أدلة هذا ~~التنظيم الروحي أن الحلاج يباشر قلوب أتباعه بالتربية والإلهام، ثم ينقلهم في ~~الطريق الروحي الصاعد من حال إلى أخرى، ومن مرتبة إلى مرتبة، حتى يبلغوا الغاية ~~القصوى من الكمال، أو من الفناء، أو من الاتحاد والحلول! # ومن أدلة التنظيم السياسي الهادف أن الحلاج قد أمر أتباعه أن يستعملوا الحكمة ~~في دعوتهم السياسية فيخاطبوا كل قوم على حسب عقولهم وأفهامهم، وعلى قدر استجابتهم ~~وانقيادهم. # وخطابات هؤلاء الدعاة مرموزة، لا يعرفها إلا من كتبها أو من كتبت إليه. # وكلمة علي ms080 - عليه السلام - هنا تصلح لاتهام الحلاج بمناصرة الشيعة، أو بتأييد ~~القرامطة، أو بالتهمتين معا. # أما الدليل الحاسم الناطق على هذا الاتهام العريض فلا حاجة إليه؛ لأن الخطابات قد ~~كتبت بالرمز، والرمز لا يفهمه ولا يفقهه إلا من كتبه أو من أرسل إليه، وهذا أعجب ~~اتهام عرفه التاريخ! # فإذا استقام هذا الاتهام العجيب في نظر حامد وأعوانه فليمض الاتهام إلى وجهة ~~أخرى ... إلى النيل من قداسة الحلاج الدينية، ومكانته الروحية. # يقول الخطيب البغدادي وهو يواصل الحديث عن القضية: # 25 ~~«وحضرت مجلس حامد - الرواية على لسان زنجي وهو أحد شهود المحاكمة - ~~وقد أحضر سفط خياذر لطيف، حمل من دار محمد بن علي القنائي - أكبر ظني - فتقدم ~~بفتحه ففتح، فإذا فيه قدر وقوارير فيها شيء يشبه لون الزئبق، وكسر خبز ~~جافة، وكان السمري حاضرا جالسا بالقرب من أبي، فعجب أبي من تلك القدر، وتصييرها ~~في سفط مختوم، ومن تلك القوارير - وعندنا أنها أدهان - ومن كسر الخبز. # وسأل حامد السمري عن ذلك، فدافعه عن الجواب، واستعفاه منه، وألح عليه في السؤال، ~~فعرفه أن تلك القدر رجيع الحلاج! وأنه يستشفي به، وأن الذي في القوارير بوله، ~~فعرف حامد مقاله، فعجب منه من كان في المجلس! # واتصل القول في الطعن على الحلاج ... وأقبل أبي يعيد ذكر تلك الكسر ويتعجب منها، ~~ومن احتفاظهم بها، حتى غاظ السمري ذلك، فقال له: هو ذا، أسمع ما تقول، وأرى تعجبك ~~من هذه الكسر، وهي بين يديك، فكل منها ما شئت، ثم انظر كيف يكون قلبك للحلاج بعد ~~أكلك ما تأكله منها، فتهيب أبي أن يأكلها، وتخوف أن يكون فيها سم. # وأحضر حامد الحلاج وسأله عما كان في السفط، وعن احتفاظ أصحابه برجيعه وبوله! ~~فذكر أنه شيء ما علم به ولا عرفه.» ~~(2-6) الكلمة القاتلة! # وعجزت هذه الاتهامات أيضا عن تحقيق الغرض منها، وشعر القضاة رغم التعليمات ~~الصادرة إليهم بعجزهم عن إصدار حكم الإدانة القاتل؛ فعيون العلماء والفقهاء ~~والصوفية ترقبهم، وصيحات الجماهير الغاضبة تخترق آذانهم، وفي أعماق قلوبهم يضج ~~ضميرهم ويتمرد! ms081 # والوزير حامد وعصبته من وراء هذا كله، يمزقهم الغضب المرعد المجنون، ويقتلهم ~~الحقد الأسود المرير، وقصر الخليفة يرقب المأساة، وقد تمزق أحزابا وشيعا. # فالخليفة ومعه كبير قواده وجمهرة وزرائه، يساندون حامد وعصبته من وراء ستار، ~~بقوة وإصرار، وأم الخليفة، وحاجبه نصر القشوري، والوزير ابن عيسى يساندون ~~الحلاج جهرة، ويرفعون الصوت عاليا بالدفاع عنه. # وكادت القضية أن تحدث انهيارا في الحكم العباسي، وتحفز الحنابلة والصوفية ~~والشيعة وأنصار الحلاج للتمرد والانقضاض على الخلافة العاجزة الممزقة. # وصدرت الأوامر حاسمة من القصر، إلى حامد وإلى القضاة، وانتاب جو المحكمة قلق ~~وتوتر، وحوم حولها تهديد ووعيد، وتمشى في ساحتها ريح عاصف، يوشك أن يكون ~~برقا ورعدا. # وانقلب جو المحكمة إلى ما يشبه جو محاكم التفتيش التاريخية، ويواصل الخطيب ~~البغدادي روايته على لسان - زنجي - فيقول: # 26 ~~«وكان يخرج إلى حامد في كل يوم دفاتر مما حمل من دور أصحاب ~~الحلاج، ويجعل بين يديه، فيدفعها إلى أبي، ويتقدم إليه بأن يقرأها عليه، فكان ~~يفعل ذلك دائما. # فقرأ عليه في بعض الأيام من كتب الحلاج، والقاضي أبو عمر حاضر، والقاضي أبو ~~الحسين بن الأشناني، كتابا حكى فيه أن الإنسان إذا أراد الحج ولم يمكنه، أفرد في ~~داره بيتا لا يلحقه شيء من النجاسة، ولا يدخله أحد، ومنع من تطرقه. # فإذا حضرت أيام الحج طاف حوله طوافه حول البيت الحرام، فإذا انقضى ذلك، وقضى من ~~المناسك ما يقضي بمكة مثله، جمع ثلاثين يتيما وعمل لهم ما يمكنه من الطعام، ~~وأحضرهم إلى ذلك البيت، وقدم إليهم الطعام، وتولى خدمتهم بنفسه، فإذا فرغوا من ~~أكلهم وغسل أيديهم، وكسا كل واحد منهم قميصا، ودفع إليه سبع دراهم أو ثلاثة - ~~الشك مني - فإذا فعل ذلك قام له مقام الحج! # فلما قرأ أبي هذا الفصل التفت أبو عمر القاضي إلى الحلاج، وقال له: من أين لك ~~هذا؟ قال: من كتاب الإخلاص للحسن البصري، فقال له أبو عمر: كذبت يا حلال الدم ... قد ~~سمعنا كتاب الإخلاص للحسن البصري بمكة، وليس فيه شيء مما ذكرته؟! # فلما ms082 قال أبو عمر يا حلال الدم، قال له حامد: اكتب بهذا، فتشاغل أبو عمر بخطاب ~~الحلاج، فأقبل حامد يطالبه بالكتابة بما قاله، وهو يدافع ويتشاغل إلى أن مد حامد ~~الدواة من بين يديه إلى أبي عمر، ودعا بدرج فدفعه إليه، وألح عليه حامد بالمطالبة ~~بالكتابة إلحاحا لم يمكنه معه المخالفة! فكتب بإحلال دمه، وكتب بعض من حضر ~~المجلس. # ولما تبين الحلاج الصورة قال: ظهري حمي، ودمي حرام، وما يحل لكم أن ~~تتأولوا علي، واعتقادي الإسلام، ومذهبي السنة، وتفضيل أبي بكر وعمر وعثمان ~~وعلي، وطلحة والزبير، وسعد وسعيد، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي عبيدة الجراح، ولي كتب ~~في السنة موجودة في الوارقين، فالله الله في دمي! # ولم يزل يردد هذا القول، والقوم يكتبون خطوطهم، إلى أن استكملوا ما احتاجوا إليه، ~~ونهضوا عن المجلس، ورد الحلاج إلى موضعه الذي كان فيه. # ورفع حامد ذلك المحضر إلى والدي، وتقدم إليه أن يكتب إلى المقتدر بالله - الخليفة ~~- بخبر المجلس، وما جرى فيه، وينفذ الجواب عنها، فكتب الرقعتين، وأنفذ الفتوى إلى ~~المقتدر بالله.» # وبذلك تمت مهزلة دامية من أعجب مهازل التاريخ، بل من أبشع مآسيه! # مهزلة اشترك فيها الخليفة، وكبير قواده مؤنس، وكبير وزرائه حامد، ومن ورائهم ~~حشد ضخم من المنافقين والمرتشين والمحتكرين، ومحترفي السياسة المنتفعين، الذين ~~يسبحون مع التيار المنتصر! # اشتركوا جميعا في قتل سافر، وليخنقوا صوت الحق، الصوت الرهيب الذي ارتفع في ~~أفقهم السياسي، ليهدد مكانتهم ونفوذهم واستقلالهم. # مهزلة سياسية لبست ثوب الدين، وعجز حتى هذا الثوب عن أن يستر المهزلة، فجاء ~~الثوب ممزقا مهلهلا. # يقول الإصطخري: ولم يعرف للحسن البصري كتاب باسم الإخلاص، ومع هذا وضعت ~~الرواية على لسان الحلاج اسم هذا الكتاب، ووضعت على لسان القاضي أنه قرأه ~~بمكة! # ثم عجزت الرواية المصنوعة نفسها عن أن تلبس الحكم ثوبا شرعيا، فالقاضي يقول ~~وهو غاضب كلمة لا يقصد معناها، ولا يريد حقيقتها، والوزير يتلقف الكلمة في إصرار ~~عجيب، ثم يرغم القاضي إرغاما عليها، وعلى توقيع الحكم باسمها. # يقول المستشرق ماسنيون: # 27 ~~«هنالك ms083 استطاع حامد أن يتآمر مع القاضي المالكي أبي عمر الحماوي - وهو ~~معروف بتملقه للقائمين بالأمر - على الحكم الذي سيصدر بإعدام الحلاج وأسبابه! ~~وذلك بالاحتجاج بمذهب الحلاج بالاستغناء عن الحج، ليشبه أمره بأمر القرامطة ~~الثائرين، الذين أرادوا هدم الكعبة! # ومن عجب أن الحلاج حج ثلاث مرات، وقد رفض القاضي الحنفي ابن بهلول الموافقة ~~على حكم ابن عمر، ولكن مساعده - الأشناني - قبل مساعدة ابن عمر في هذا ~~الاتجاه. # ولم يحضر الجلسة أحد من الشافعية، وقد وجد عبد الله بن مكرم - رئيس الشهود ~~المحترفين - عددا وافرا منهم وافقوا على الحكم، بلغ فيما يقال 84، وذلك بإضافة ~~فقهاء وقراء إلى أعضاء المحكمة، وكان جزاء ابن مكرم ظفره بمنصب القضاء بطريقة ~~شرفية، أي لا يمارس القضاء فعلا.» ~~(2-7) الحلاج ينذر الخليفة # أدرك الحلاج أن المؤامرة قد بلغت نهايتها، وأنه في طريقه إلى الاستشهاد، ~~الاستشهاد الذي طالما حن إليه وتنبأ به. # كما أدرك الهدف من هذا الحشد من الاتهامات الدينية، التي تصوره دجالا مشعوذا ~~تارة، وملحدا مارقا تارة أخرى، إنها تستهدف أول ما تستهدف أن تزلزل في قلوب ~~الجماهير تلك القدسية الدينية التي تنطوي عليها قلوبهم للحلاج، وأن تظهر الخلافة ~~وأنصارها بمظهر الدفاع عن العقيدة الإسلامية وحمايتها. # وبين تهاويل هذه الاتهامات وضجيجها تختنق وتختفي صيحات الحلاج في الإصلاح ~~السياسي والاجتماعي، وتذوب وتتوارى حملاته على الفساد والمفسدين، والمنحلين ~~والمحتكرين. # فإذا انطفأ ذلك البريق الساحر، الذي يترقرق حول الحلاج، وتمزقت تلك الهالة ~~المضيئة التي تحيط بكلماته وحياته، وتقطعت الخيوط الروحية التي تربطه بوجدان الشعب ~~وضميره، وحيل بين البطل وردائه، والولي وشعاعه؛ حينئذ تستطيع الخلافة أن تضرب ~~ضربتها الانتقامية الكبرى، وأن تخضب وجه الأرض، بدم مهدر ضائع، لا يثور من أجله ~~محب، ولا يغضب له منتفم! # أدرك الحلاج هذا كله وقدره، بل وصوره لنا في مشاهد حية، تكاد لصدقها تكون ~~نبوءة مبصرة. # لم يجزع الحلاج ولم يضطرب، لقد أدرك بذوقه وبوجدانه - منذ أمد بعيد - أنه في ~~طريقه إلى الاستشهاد، ولكنه اعتزم أن يمضي قدما في منهجه ورسالته، وأن يقول كلماته ms084 ~~الأخيرة للخليفة نفسه. # وطلب الحلاج مقابلة الخليفة، والخليفة دائما كان يخاف الحلاج ويرهبه، وكان ~~يحرص الحرص كله على أن يبدو أمام الجماهير بريئا من عذابه ودمه. # وأذن الخليفة بمقابلة الحلاج، كما أذن أيضا للوزير حامد بأن يشهد هذه ~~المقابلة، بناء على طلبه وإلحاحه. # وحمل الحلاج مقيدا إلى الخليفة، فدخل مرفوع الرأس، مشرق الوجه، وألقى بتحية ~~الإسلام، ثم أخذ يحذر الخليفة وينذره، ويطالبه بإصلاح الأداة الحكومية؛ حتى يرضى ~~الله عنه، وبإبعاد المفسدين في الأرض، وبتطبيق الشريعة روحا ونصا؛ حتى تتحقق ~~رسالة القرآن. # ثم انتقل الحلاج بالحديث إلى قضيته، وموقف الخليفة منها، فحذره الغرور ~~بالخلافة، والاعتزاز بالملك؛ لأن من اعتز بغير الله ذل، أفهمه أنه آلة يحركها ~~القدر الإلهي ... ثم قال : # 28 ~~«من أطاع الله أطاعه كل شيء، ثم حاكم ومحكوم عليه، وواسطة هي السبب ~~في إيصال الحكم بالمحكوم عليه، فإن كان ثم جور أو عدل نسب إلى الواسطة في ~~الظاهر، والرب يتحاشى عن أن يوصف بذلك. # وإنما أنت واسطة، تنفذ أحكام الرب ومشيئته، فيمن يشاء من عباده، بما شاء، كما ~~شاء. # وأنا عبد من عبيد الله، مستسلم لقضاء الله، صابر لحكم الله، راض بقضاء الله، ~~فافعل ما حركت له، واعمل بما استعملت فيه، وكن بعد ذلك شديد الحذر، فيما تأتي به ~~وتذر، وانظر في عواقب أمرك، وتأمل ما تأتيه بثاقب فهمك، وصافي فكرك، فإن رأيت ~~الصلاح فيما قام في نفسك فأمض حكم عدلك. # وإني لا أعترض عليك ولا ألومك في فعلك، ولكني أقول كما قال الخليل: # وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض ~~حنيفا وما أنا من المشركين ~~.» # ثم خرج الحلاج كما دخل، مرفوع الرأس، مشرق الوجه، مطمئن القلب، لقد أدى واجبه ~~كاملا، وإنه لفي طريقه إلى القمة، القمة الشاهقة، قمة الاستشهاد في رداء من ~~البطولة السامقة، بل في إشراقة متلألئة من المحبة المضحية. ~~(2-8) الخليفة يعتمد الحكم # وخيم على القصر صمت مطبق، حزين مرتعد، لقد جاءت الساعة الحاسمة، وقلب ~~الخليفة الذي طالما انتظر هذه اللحظة وتمناها، إنه ليخفق اليوم خفقات أقرب ms085 إلى ~~الرعب منها إلى البهجة والنصر. # إن بغداد لترتعد غضبا لوليها، وإن رعدة الغضب لتوشك أن تنفجر، وإن في ~~انفجارها لما يرعب الخليفة، ويمزق وجدانه، ويحرق قلبه. # يقول ماسنيون: «وأصيب الخليفة بالحمى في اليومين التاليين للحكم على الحلاج، ~~وفي هذا الجو العاصف بذل نصر أمير البلاط ووالدة الخليفة سعيهما لدى الخليفة، فبدل ~~حكم الإعدام.» # ويقول الخطيب البغدادي مصورا لهذه الفترة الحرجة # 29 ~~- على لسان زنجي: «وأبطأ الجواب يومين، فغلظ ذلك على حامد، ولحقه ندم ~~على ما كتب به، وتخوف أن يكون قد وقع غير موقعه. ولم يجد بدا من نصرة ما عمله، ~~فكتب بخط والدي رقعة إلى المقتدر بالله في اليوم الثالث، يقتضي فيها ما تضمنته ~~الأولى، ويقول: إن ما جرى في المجلس قد شاع وانتشر، ومتى لم يتبعه قتل الحلاج ~~افتتن الناس به، ولم يختلف عليه اثنان، ويستأذن في ذلك، وأنفذ الرقعة إلى مفلح، ~~وسأله إيصالها، وتنجيز الجواب عنها، وإنفاذه إليه.» # ويقول ماسنيون: # 30 ~~«هنالك لوح حامد أمام الخليفة بشبح ثورة اجتماعية حلاجية، وراح ~~يسعى للاتفاق مع كبير القواد مؤنس على الخلاص من الحلاج وأصدقائه.» # وتدخل مؤنس بنفوذه العسكري الكبير لدى الخليفة، وتحت إلحاحه المتواصل وقع الخليفة ~~في تردد أمر الإعدام، ملقيا بتبعة دمه على القضاء. # يقول البغدادي: # 31 ~~«فعاد الجواب من المقتدر بالله - إلى حامد - بأن القضاة إذا كانوا قد ~~أفتوا بقتله، وأباحوا دمه، فلتحضر محمد بن عبد الصمد صاحب الشرطة، وليتقدم إليه ~~بتسليمه وضربه ألف سوط، فإن تلف تحت الضرب، وإلا ضرب عنقه. # فسر حامد بهذا الجواب، وزال ما كان عليه من الاضطراب، وأحضر محمد بن عبد ~~الصمد، وأقرأه إياه، وتقدم إليه بتسلم الحلاج، فامتنع من ذلك، وذكر أنه يتخوف أن ~~ينتزع منه، فأعلمه حامد أنه سيبعث معه غلمانه، حتى يصيروا به إلى مجلس الشرطة في ~~الجانب الغربي. # ووقع الاتفاق على أن يحضر بعد عشاء الآخرة، ومعه جماعة من أصحابه، وقوم على ~~بغال مؤكفة، يجرون مجرى الساسة - ويلبس الحلاج مثلهم ويدخل في غمارهم - حتى لا ~~ينتزع، وأوصاه ms086 بأن يضربه ألف سوط، فإن تلف حز رأسه واحتفظ به، وأحرق جثته، وقال ~~له حامد: إن قال لك أجري لك الفرات ذهبا وفضة، فلا تقبل منه، ولا ترفع الضرب ~~عنه. # فلما كان بعد عشاء الآخرة، وافى محمد بن عبد الصمد إلى حامد، ومعه رجاله والبغال ~~المؤكفة، فتقدم إلى غلمانه بالركوب معه، حتى يصل إلى مجلس الشرطة، وتقدم إلى الغلام ~~الموكل به بإخراجه من الموضع الذي هو فيه، وتسليمه إلى أصحاب محمد بن عبد ~~الصمد. # وأخرج الحلاج وأركب بعض تلك البغال، واختلط بجملة الساسة، وركب غلمان حامد ~~معه حتى أوصلوه إلى الجسر ثم انصرفوا، وبات هناك محمد بن عبد الصمد ورجاله.» ~~(2-9) ليلة المصرع! # عن إبراهيم بن شيبان قال: # 32 ~~«دخلت على ابن سريج القاضي يوم أفتوا في قتل الحلاج، فقلت: يا أبا ~~العباس، ما تقول في فتوى هؤلاء في قتل هذا الرجل؟ قال: لعلهم نسوا قول الله تعالى: # أتقتلون رجلا أن يقول ربي ~~الله ~~.» # ويقول الواسطي: # 33 ~~«قلت لابن سريج: ما تقول في الحلاج؟ قال: أما أنا أراه حافظا ~~للقرآن، عالما به، ماهرا في الفقه، عالما بالحديث والأخبار والسنة، صائما ~~الدهر، قائما الليل يعظ ويبكي.» # وهكذا كان الحلاج، حتى في ليلة الهول، ليلة المصرع، لقد أعرض عن الدوي الذي ~~أحدثه النبأ العظيم، وأقبل على ربه يناجيه بمواجيد قلبه، وألحان حبه. # يقول ابنه أحمد: # 34 ~~«فلما كانت الليلة التي أخرج في صبيحتها والدي من الحبس - للقتل - قام ~~فصلى ركعتين، فلما فرغ من صلاته لم يزل يقول: مكر، مكر، إلى أن مضى من الليل ~~أكثره، ثم سكت طويلا، ثم قال: حق، حق، ثم قام قائما وتغطى بإزار، وائتزر ~~بمئزر، ومد يديه نحو القبلة، وأخذ في المناجاة. # وكان خادمه أحمد بن فاتك حاضرا، فحفظنا بعضها، فكان من مناجاته: نحن بشواهدك ~~نلوذ، وبسنا عزتك نستضيء، لتبدي ما شئت من شأنك ومشيئتك، وأنت الذي في السماء إله، ~~وفي الأرض إله. # يا مدهر الدهور، ومصور الصور، يا من ذلت لك الجواهر، وسجدت لك الأعراض، ~~وانعقدت بأمره ms087 الأجسام، وتصورت عنده الأحكام. # يا من تجلى لما شاء، كيف شاء، مثل التجلي في المشيئة، لأحسن صورة، والصورة هي ~~الروح الناطقة، التي أفردته بالعلم والبيان والقدرة. # ثم أوعزت إلى شاهدك لما أردت بدايتي، وأظهرتني، عند عقيب كراتي، وأبديت حقائق ~~علومي ومعجزاتي، صاعدا في معارج إلى عروش أزلياتي، عند القول من برياتي. # إني أحتضر، وأقتل، وأصلب، وأحترق، وأحمل على السافيات. # 35 # ثم أنشأ يقول: # أنعى إليك نفوسا طاح شاهدها # فيما وراء الحيث أو في شاهد القدم # أنعى إليك قلوبا طال ما هطلت # سحائب الوحي فيها أبحر الحكم # أنعى إليك لسان الحق مذ زمن # أودى وتذكاره في الوهم كالعدم # أنعى إليك بيانا تستكين له # أقوال كل فصيح مقول فهم # أنعى إليك إشارات العقول معا # لم يبق منهن إلا دارس الرمم # أنعى وحبك أخلاقا لطائفة # كانت مطاياهم من مكمد الكظم # مضى الجميع فلا عين ولا أثر # مضي عاد وفقدان الألى إرم # وخلفوا معشرا يحذون لبستهم # أعمى من البهم بل أعمى من النعم» # وعن إبراهيم بن فاتك قال: # 36 ~~«دخلت على الحلاج في الليلة الأخيرة وهو في الصلاة، مبتدئا بقراءة ~~سورة البقرة، فصلى ركعات حتى غلبني النوم، فلما انتبهت سمعته يقرأ سورة - حم عسق - ~~فعلمت أنه يريد الختم، فختم القرآن في ركعة واحدة، ثم قرأ في الثانية ما قرأ، ثم ~~ضحك إلي وقال: ألا ترى أني أصلي لرضائه، من ظن أنه يرضيه بالخدمة فقد جعل لرضاه ~~ثمنا!» # ويقول الرزاز: # 37 ~~«كان أخي خادما للحسين بن منصور، فسمعته يقول: لما كانت الليلة التي ~~وعد من الغد بقتله، قلت: يا سيدي أوصني، فقال لي: عليك بنفسك، إن لم تشغلها ~~شغلتك. # ثم أنشأ يقول: # عجبت منك ومني # يا منية المتمني # أدنيتني منك حتى # ظننت أنك أني # وغبت في الوجد حتى # أفنيتني بك عني # ثم أخذ يترنم ويرقص، وهو في حالة من النشوة العارمة، والوجد العنيف، جعلت ابن ~~خفيف يعتقد أن جدران سجنه كانت أيضا تترنم بقوله: # لي حبيب حبه وسط الحشا # لو يشا يمشي على خدي مشى ms088 # روحه روحي، وروحي روحه # إن يشا شئت، وإن شئت يشا» ~~(2-10) مصرع الشهيد # وجاء يوم الثلاثاء لسبع بقين من ذي القعدة، سنة تسع وثلاثمائة، فشهدت بغداد أكبر ~~حشد عرفه تاريخها! # اجتمع هذا الحشد العظيم على ضفاف دجلة، راجف القلب، دامع العين، كظيم الغيظ، ~~وتركزت نظراته على الحلاج، الذي وقف في أغلاله وقيوده، مشرق الوجه، عالي الرأس، ~~شامخا جليلا، وقد أحاطت به صفوف الجند، وطوقته زبانية العذاب، وارتفعت إلى السماء ~~قوائم خشبية غليظة جللت بالسواد، هي الآلة التي أعدت لجلده وعذابه وصلبه. # قال الياقوتي: «سمعت الحلاج عندما تقدم للصلب يقول: يا معين الفناء علي ~~أعني على الفناء.» # ويقول القاضي أبو العلاء الواسطي: «لما جيء بالحسين بن منصور الحلاج ليقتل، أخذ ~~يتبختر في قيده، وهو ينشد: # طلبت المستقر بكل أرض # فلم أر لي بأرض مستقرا # فنلت من الزمان ونال مني # وكان مناله حلوا ومرا # وعن إبراهيم بن فاتك قال: # 38 ~~«لما أتي بالحسين بن منصور ليصلب، رأى الخشبة والمسامير، فضحك كثيرا ~~حتى دمعت عيناه، ثم التفت إلى القوم، فرأى الشبلي بينهم، فقال له: يا أبا بكر، هل ~~معك سجادتك؟ فقال: بلى يا شيخ، قال: افرشها لي، ففرشها، فصلى الحسين بن منصور عليها ~~ركعتين، وكنت قريبا منه، فقرأ في الأولى فاتحة الكتاب، ثم قوله تعالى: # ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع # الآية، وقرأ في الثانية فاتحة الكتاب، ثم قوله تعالى: # كل ~~نفس ذائقة الموت # الآية، فلما سلم ذكر أشياء لم أحفظها، ~~وكان مما حفظته قوله: # اللهم إنك المتجلي # 39 # عن كل جهة، المتخلي عن كل جهة، بحق قدمك على حدثي، وحق حدثي تحت ~~ملابس قدمك، أن ترزقني شكر هذه النعمة، التي أنعمت بها علي، حيث غيبت أغياري عما ~~كشفت لي من مطالع وجهك، وحرمت على غيري ما أبحت لي من النظر في مكنونات ~~سرك. # هؤلاء عبادك قد اجتمعوا لقتلي! تعصبا لدينك، وتقربا إليك، فاغفر لهم، فإنك لو ~~كشفت لهم ما كشفت لي، لما فعلوا ما فعلوا، ولو سترت عني ما سترت عنهم، لما ابتليت ms089 ~~بما ابتليت، فلك الحمد فيما تفعل، ولك الحمد فيما تريد! # ثم سكت وناجى سرا، فتقدم أبو الحارث السياف، فلطمه لطمة هشمت أنفه، وسال الدم ~~على شيبه! # فصاح الشبلي ومزق ثوبه، وغشي على أبي الحسن الواسطي، وعلى جماعة من الصوفية ~~المشهورين، وكادت الفتنة تهيج، ففعل أصحاب الحرس ما فعلوا! # ثم تقدم صاحب الشرطة، فشده إلى آلة الصلب، ثم أمر الجلاد بأن يضربه ألف سوط، ~~فأخذ يضربه وهو صامت لا يتأوه، ولا يضطرب، ولا يستعفي، وإنما يقول: أحد أحد، حتى ~~بلغ ستمائة سوط، فقال لصاحب الشرطة: ادن مني فإن عندي نصيحة تعدل عند الخليفة فتح ~~قسطنطينية، فقال له: قد قيل لي عنك أنك تقول هذا وأمثاله، وليس لي أن أرفع الضرب ~~عنك، فسكت حتى ضرب ألف سوط! # فلما أتم الجلاد ما كلف به، أخذ الحلاج يتواجد ويتبختر في مشيته، وفي قدميه ~~ثلاثة عشر قيدا، ثم راح وهو في ثمل روحي عميق ينشد: # نديمي غير منسوب # إلى شيء من الحيف # دعاني ثم حياني # فعل الضيف بالضيف # فلما دارت الكأس # دعا بالنطع والسيف # كذا من يشرب الراح # مع النثرين # 40 # في الصيف # 41 # ثم قال: # يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها ~~والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق ~~ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال ~~بعيد ~~.» # بتر يداه # ثم تقدم الجلاد مشهرا سيفه، ومن حوله حملة الرماح والدروع، فقطع يده اليمنى، ~~ثم يده اليسرى، ولم يجزع الحلاج ولم يتأوه، ولم تفارق الابتسامة شفتيه، ولم ~~يفتر لسانه عن ذكر الله ومناجاته! # لقد اعتصم الحلاج بشيء أعظم من كل ما يدب على وجه الأرض، من عدوان وبغي، ~~اعتصم بإيمانه، ولاذ بحبه، ولجأ إلى ربه، فغاب عن نفسه، وعن حسه، سما إلى الأفق ~~الأعلى، فعاش في نشوة المشاهدة، ونعيم القرب، فأنساه ما يرى وما يتذوق هول ما ~~يلقى من آلام وعذاب! # ولما أخذ وجهه في الاصفرار لكثرة ما نزف من دمه، شال بذراعه على وجهه # 42 # فخضبه بالدم حتى يخفي اصفراره، وقال مبتسما: ركعتان في العشق ms090 لا ~~يصح وضوؤهما إلا بالدم! # ثم أنشد مترنما: # وحرمة الود الذي لم يكن # يطمع في إفساده الدهر # ما نالني عند هجوم البلا # بأس ولا مسني الضر # ما قد لي عضو ولا مفصل # إلا وفيه لكم ذكر # 43 # وتطاير هذا النشيد الحار المؤمن إلى الجماهير المحتشدة، فارتفع الزئير المرعد ~~من أفواه الرجال، وأغمي على كثير من النساء، وماجت الصفوف بالتهديد السافر، ~~والغضب المتوهج. # وأسرع الجند إلى سياطهم وجرابهم، وازداد الموقف توترا في ساحة الصلب! بينما ~~طافت نذر الثورة في أزقة بغداد وشوارعها. # وزاد الحقد والغضب بحامد وعصبته، فأخذوا يتصيدون بعض أعوانهم من صفوف الصوفية ~~والفقهاء، ليدفعوا بهم حول منصة الصلب ليرموا الحلاج بالسباب، ويتهموه ~~بالمروق، عل هذا الاتهام يخفف من إيمان الجمهور به، وغضبته له. # يقول ابن كثير: # 44 ~~«وجاء أبو الحسن البلخي عند الخشبة، وقال - للحلاج: الحمد لله الذي ~~أمكن منك يا عدو الله؟ كيف رأيت بوس الناس في يديك، وقولهم لك يا سيدي ويا ~~مولاي وأنت راض بذلك.» # ويقول ماسنيون: # 45 ~~«وأخذ الجند يحضرون بعض أفراد من الصوفية لينالوا من الحلاج، ثم ~~يقول: وأتى الجند بالشبلي، وقد وضعوا منديله في عنقه، وهم يسحبونه إلى الحسين ~~بن منصور ليلعنه! فتأبى من ذلك وقال: اتركوني، فقالوا: ما نتركك حتى تلعنه، أو ~~ترسل إليه رسولا بذلك! # والتفت الشبلي يمينا وشمالا فرأى فاطمة الأموية، فقال لها: ادني مني، فدنت، ~~فقال لها: اذهبي إلى الحسين بن منصور فقولي له: إن الله قد ائتمنك على سر من ~~أسراره فأذعته، فأذاقك طعم الحديد، واحفظي ما يقول لك، ثم اسأليه عن التصوف، ~~وما هو؟ # ومضت فاطمة إلى الحلاج، فقالت: أنا رسولة أبي بكر الشبلي، فابتسم ~~الحلاج، ثم قال: هاتي ما معك. # فقالت له: إنه يقول لك: إن الله قد ائتمنك على سر من أسراره فأذعته، فأذاقك ~~طعم الحديد، فأنشأ يقول: # تجاسرت فكاشفت # ك لما غلب الصبر # وما أحسن في مثل # ك أن ينتهك الستر # وإن عنفني الناس # ففي وجهك لي عذر # كأن البدر محتاج # إلى وجهك يا ms091 بدر # ثم قال اذهبي إلى أبي بكر فقولي له: يا شبلي والله ما أذعت له سرا. # فقالت فاطمة: فما حقيقة التصوف، فقال: أهون مرقاة فيه ما ترين. قالت: فما ~~أعلاه؟ قال: ليس لك إليه سبيل، ولكن سترين غدا ما يجري، فإن في الغيب ما ~~شهدته وغاب عنك ... ثم قال: والله ما فرقت بين نعمة وبلوى ساعة قط. # فجاءت فاطمة إلى الشبلي، فأعادت عليه ذلك، فصاح الشبلي: يا معشر الناس، ~~الجواب الأول لكم، والثاني لي؟» # عذاب الحلاج! # ثم قام الحراس فشدوا وثاقه إلى آلة الصلب، وأخذوا يتفننون في إيلامه وعذابه ~~بألسنتهم وسياطهم. # ومضى يوم، وغربت الشمس، وجاءت الليلة الأولى من ليالي العذاب، فباتها ~~الحلاج على صورة لم تعرف لغيره في التاريخ. # باتها مقيدا مصلوبا مقطوع اليدين، تنزف جراحه دما؟! وبات جمهور البغداديين ~~حوله، على الضفة الغربية لدجلة، يرقب المأساة، ويشهد الفاجعة ، ويتتبع بعواطف ~~متضاربة، مشاهد مسرحية حية دامية. # يشهد صراعا عجبا فذا تدور رحاه حول رجل أعزل، ينازل وحده، في بطولة ~~متحدية، صابرة شامخة، القوى الحاكمة في العراق، وهي أعظم قوى الأرض في ~~عصرها! # وكان منظرا مسرحيا، لم تشهد مسارح الدنيا مثيلا له من قبل، مئات المشاعل ~~تضيء شواطئ دجلة، وتكشف آفاقها، وتغمر مياهها بالألوان والظلال. # وهنا وهناك قامت حلقات وأروقة للذاكرين من الصوفية، وللمجادلين من ~~المعتزلة، وللمتناظرين من الحنابلة، وللمتعصبين من الشيعة، يديرون حديث القلب ~~والعقل حول المشهد العظيم، الذي هز بغداد وأطار النوم من جفونها. # وعن أيمانهم، وعن شمائلهم، شتيت من الأجناس والطوائف، المتعددة الأهواء ~~والثقافات، والميول والاتجاهات. # ويمشي بين صفوف هؤلاء وهؤلاء تلاميذ الحلاج وأحبابه، يتحدثون عن إيمانه ~~ورسالته، وكراماته وعجائبه، ويشتط الخيال بفريق منهم، فيذهب بهم بعيدا ~~بعيدا، ليضفي على الحلاج قداسات أكثر مما تطيق البشرية، وأعلى مما تستطيع ~~الإنسانية! # وتتلقف آذان الجماهير، هذه الأحاديث البارعة الملونة، فتخفق قلوبهم، للشهيد ~~المعذب المصلوب، وتثور عواطفهم، للقطب المضطهد المظلوم! # وداخل هذا الإطار الكبير بألوانه وظلاله، يقف الحلاج مشدودا بوثاقه على ~~مصلبه الدامي، مترنما بألحانه، محلقا في نشوة قلبية أكبر ms092 من آلامه، وفي ~~ثمل روحي أعظم من عذابه. # إنه في عالمه العلوي الروحي المضيء، بعيدا بعيدا، عن الأرض وما يدبر ~~فيها، وما يصب عليها! # إن صمود الحلاج على مصلبه، لزاد من الخلود - كما يقول الشبلي - أعلى مما ~~يفهم من لم يذق مذاقه ويحيا حبه! # قطع قدماه! # وجاء صباح اليوم الثاني، فتضاعف - كما يقول ابن كثير - عدد البغداديين حول ~~مصلبه، واجتمع من العامة عدد لا يحصى. # 46 # وبدأ العذاب من جديد في يومه الثاني، فقطعت رجله اليمنى، ثم اليسرى، ومع ~~قطرات الدم، ارتفعت السياط، تمزق ما بقي من هذا الأديم الصابر الصامد! # يقول الخطيب البغدادي: # 47 ~~«سمعت فارسا يقول: قطعت أعضاء الحلاج، عضوا عضوا وما تغير ~~لونه، وما فتر لسانه عن ذكر الله.» # وعن ابن فاتك قال: # 48 ~~«لما قطعت رجلا الحلاج قال: إلهي أصبحت في دار الرغائب، انظر ~~إلى العجائب، إلهي إنك تتودد إلى من يؤذيك، فكيف لا تتودد إلى من يؤذى ~~فيك!» # ثم أنشد: # اقتلوني يا ثقاتي # إن في قتلي حياتي # ومماتي في حياتي # وحياتي في مماتي # إن عندي محو ذاتي # من أجل المكرمات # وبقائي في صفاتي # من قبيح السيئات # فاقتلوني واحرقوني # بعظامي الفانيات # ثم مروا برفاتي # في القبور الدارسات # تجدوا سر حبيبي # في طوايا الباقيات # 49 # ثم تتابعت مشاهد العذاب، من جلد وصفع وركل وسباب، والحلاج على مصلبه، ~~ممزق الجسد، تتساقط قطرات الدماء من سائر جسده، وهو في نشوة روحية، بل في ~~ثمل روحي أعلى وأسمى وأقوى من كل ما صب عليه من هول وعذاب! # إنه في تسابيحه ومواجيده ومناجاته، غير ملتفت إلى ما بتر منه، وما يحيط ~~به! # لقد تفتحت له أبواب السماء، وأحاطت به هالات من النور، وفي سمعه ألحان من ~~الأفق المضيء، وترنيمات من أوتار خفية، يوقع على موسيقاها ابتهالاته ~~الخالدة. # إذا ذكرتك كاد الشوق يقلقني # وغفلتي عنك أحزان وأوجاع # وصار كلي قلوبا فيك داعية # للسقم فيها وللآلام إسراع # 50 ~~••• # يا لائمي في هواه كم تلوم فلو # عرفت منه الذي عنيت لم تلم # للناس حج ms093 ولي حج إلى سكني # تهدى الأضاحي وأهدي مهجتي ودمي # 51 ~~••• # لا تلمني فاللوم مني بعيد # وأجر سيدي فإني وحيد # من أراد الكتاب هذا خطابي # فاقرءوا واعلموا بأني شهيد # 52 # ثم تتابعت مشاهد، تجلت فيها أسمى ما في النفوس الإنسانية من مثاليات، وأحط ~~ما في الغرائز البشرية من صفات. # فقد أقام حامد وصحبه حول مصلب الحلاج أعوانا لهم، يملئون الدنيا سبابا ~~وصياحا هاتفين: اقتلوا الحلاج الزنديق، وفي أعناقنا دمه! # ثم أخذ الجند يجمعون الفقهاء والصوفية ليرجموا الحلاج، وهو في موقف الهول ~~والعذاب، فامتنع فريق كبير عن هذا الإثم، صبروا وصابروا، واحتملوا الجلد ~~والسجن، ولم تقترف أيديهم السوء! # ثم جيء بالشبلي، تلميذ الحلاج وصديقه وصفيه، جيء به ليرجم الحلاج، ~~وأقسموا على قتله إن لم يفعل! # وأذن له الحلاج وطالبه أن يفعل صونا لدمه، فرماه بوردة ... ثم بكى وصاح: ~~«إن استشهاد الحلاج درة من الجمال المحرم، إنه زاد خلود، لا يظفر به إلا ~~الأبطال، وليس بزاد يوزع على الجميع.» # يقول ماسنيون: # 53 ~~«وفي وسط هذا كله، الحلاج نفسه مصلوبا خارجا عن طوره، مظهرا ~~للجميع من فوق مقصلته، وهو في حالة من الوجد تجاوز ببدنه حد الموت، شخصية ~~المسيح الخالدة، كما وصفها القرآن، وكأنه الصورة المعبرة المتجلية فيها روح ~~الله: وما قتلوه وما صلبوه.» # ومضى اليوم الثاني، وجاءت الليلة الثانية، على الشهيد الصامد، لهول لم يصمد ~~له أحد من قبل! # ومضى الليل ثقيلا بطيئا، ورفرف الموت على الساحة الكبرى، وأخذت ظلال ~~المشاعل ترسم أطيافا حزينة باكية. # والمصلوب المعذب في نشوته ومناجاته وضراعاته، التي ترسم في عالم الروح، ~~صرخات تهز عالم النور. # عالم الروح والنور، الذي سعى إلى الحلاج ليؤنسه في لحظاته الأخيرة، تلك ~~اللحظات التي صورها لنا الحلاج على مصلبه في آخر قصائده ... # قصيدة المصلب # 54 # وفيها يروي قصته كاملة، بذلك النغم المأثور عن الصوفية، في حالات الشطح ~~والسبح الروحي. # فيحدثنا عن فنائه في الله، ذلك الفناء الذي أورثه البقاء به سبحانه، ومن بقي ~~بالله عاش في عالم المشاهدة، وتفتحت عين روحه، لتطل على ms094 الوجود. # ثم يقول: إنه الباز الأشهب في عالم الروح، وهو مقام أعلى وأسمى من ~~القطبانية، وإنه شربه من مقام الصديقية، وهو مقام لا يعلوه إلا مقام النبوة، ~~وإنه غدا ربانيا يعيش تحت العرش، وإنه قد حطم ببرهانه جبال الأكاذيب التي ~~أحاطت به. # وإنه الذي شاع ذكره في الملأ الأعلى، وإنه خاض بحر الهوى قويا كحوت يونس، ~~وأخرج أروع جواهره. # ولكنه لم يجد في عصره من يفهم قيمة هذه الجواهر، فأصبح كمن يبيع الجوهر ~~للفحامين! وكالذي يوقد الشموع في قاعات العميان! وكالذي يضع السر في أكمام ~~عريان. # ثم يعرض علينا في إطار فخم حوادث مصرعه، وكيف احتشد الأقطاب والأولياء ~~جميعا، وفي مقدمتهم الخضر لمؤانسته وتحيته، وأن السيف خاطبه وناجاه، ولو أراد ~~لامتنع السيف عنه، ولو شاء لهدم بغداد على البغاة، ولكن الخضر والأقطاب طالبوه ~~بأن يموت شهيدا كما مات ابن عفان، وأن لا يخلع أبدا الخلافة الباطنية، كما لم ~~يخلع ابن عفان الخلافة الظاهرية. # ذلك تصوير الحلاج لموقفه ولمصرعه، وذلك نشيده يوم الهول، وليلة ~~الموت! # عجائب يوم المصرع # يقول ابن خفيف: # 55 ~~«تقدمت إليه في الليلة التي صلب فيها، فلما رأيته على خشبته ~~بحالته، توليت وأنا مفكر في أمره! فإذا به يناديني: أن أقبل، فأقبلت إليه، ~~فقال لي: عاملناه بالحقيقة، فعمل بنا ما ترى!» # ومضى الليل الطويل بهوله، وجاء اليوم الثالث بعذابه، ومع الفجر طافت جموع ~~الشعب ببغداد، تحطم وتدمر، وتطالب بإنقاذ الحلاج، أو بإنقاذ ما تبقى ~~منه! # وارتعد الخليفة وجبن، وأسرع إليه حاجبه نصر القشوري، ووالدته - شغب - ينذرانه ~~عاقبة المأساة الحلاجية، ويناشدانه باسم الدين والإنسانية، العفو عن الجسد ~~الممزق، والبطل المصلوب، الذي توشك الدماء السائلة منه أن تدفع ببغداد إلى ~~ثورة مدمرة تطيح بكل شيء. # وخضع المقتدر للرجاء، أو خضع للخوف، فاعتزم العفو، وبلغ مسمع حامد ما يدور في ~~القصر، فأسرع إلى الخليفة يناشده أن يتم ضربته الكبرى، منذرا بأن العفو في هذه ~~الساعة الحاسمة قد يلهب بغداد أكثر مما يلهبها القتل! # ثم صاح حامد: اقتله يا أمير المؤمنين، وفي ms095 عنقي دمه، اقتله وإن حدثت الثورة ~~التي يتنبأ بها نصر فاقتلني، اقتله قبل أن تثور العاصفة! # وبين التردد والعزم، صدر الأمر الأخير من فم الخليفة: اقطعوا رأس الحلاج، ~~وأحرقوا جسده! # يقول ماسنيون: # 56 ~~«وبينما كان الثائرون يحرقون بعض الدكاكين، وقد أبطأ أمر الخليفة ~~المعتاد بالإجهاز عليه، كان حامد يستحث المقتدر على الموافقة على الأمر ~~بالإعدام، قائلا: إن أصابك شيء فاقتلني.» # ويقول ابن كثير: # 57 ~~«فلما كان اليوم الثالث، تقدم حامد إلى الخشبة، فتلا أمر الخليفة، ~~ثم قرأ فتوى الفقهاء، بأن في قتل الحلاج صلاح أمر المسلمين! ثم أمر الجلاد ~~بقطع رأسه والإجهاز عليه.» # ويقول الحلواني: # 58 ~~«قدم الحلاج للقتل وهو يضحك، فقلت: يا سيدي ما هذا الحال؟ فقال: ~~دلال الجمال الجالب إليه أهل الوصال.» # ويقول عيسى القصار: # 59 ~~«آخر كلمة تكلم بها الحلاج عند قتله وصلبه أنه قال: حسب الواجد، ~~إفراد الواحد له، فما سمع بهذه الكلمة أحد من المشايخ، إلا رق له واستحسن ~~هذا الكلام.» # ويقول ابن خفيف: # 60 ~~«ثم ضرب عنقه، فبقي جسده ساعتين من النهار قائما، ورأسه بين ~~رجليه، وهو يتكلم بكلام لا يفهم، فكان آخر كلامه، أحد، أحد. فتقدمت إليه، ~~فإذا بالدم يخرج منه ويكتب على الأرض: الله، الله، في أحد وثلاثين موضعا، ثم ~~أحرق بالنار!» # ويقول العلامة المناوي: # 61 ~~«ولما وقع دمه على الأرض، كتب: الله، الله، إشارة لتوحيده، وإنما ~~لم يكتب دم الحسين بن علي - رضي الله عنهما - ذلك؛ لأنه لا يحتاج لتبرئة بخلاف ~~الحلاج.» # ويقول ابن الجوزي: # 62 ~~«ولم يبق ببغداد إلا من شهد قتله، والتفت إلى الناس وهو على الجذع ~~- قبل قتله - وقال: من حضر بطلت شهادته، ومن غاب قبلت شهادته، وناداه بعض ~~الصوفية وهو مصلوب: من طلق الدنيا كانت الآخرة حليلته.» # ويروي ابن أنجب الساعي عن الشيرازي، أنه قال: # 63 ~~«لما صلب الحلاج بقي ثلاثة أيام لم يمت، فأنزلوه وفتشوه، ~~فوجدوا معه ورقة مكتوبة بخطه، وفيها آية الكرسي، وبعدها هذا الدعاء: اللهم ~~ألق في قلبي رضاك، واقطع رجائي عمن سواك، وأعني ms096 باسمك الأعظم، وأغنني بالحلال ~~عن الحرام، وأعطني ما لا ينبغي لأحد غيري «بحم عسق»، وأمتني شهيدا ~~«بكهيعص».» # ثم لف جسده في بارية، وصب عليه النفط وأحرق، وحمل رماده على رأس منارة ~~لتنسفه الريح، في السادس والعشرين من ذي القعدة، سنة تسع وثلاثمائة ه / 26 مارس ~~922م. # ونصب رأسه يومين على الجسر ببغداد، ثم طيف به في خراسان، ثم أخذته أم ~~الخليفة المقتدر، فحنطته وعطرته، وأبقته في خزانتها عاما كاملا. # مشاهد روحية # ويروي ماسنيون: # 64 ~~«أن الشبلي رأى الحلاج في المنام بعد قتله، فقال له: ما فعل الله ~~بك؟ قال: أنزلني وأكرمني، قال: في أي محل؟ قال: قد غفر لكلتا الطائفتين، ~~المشفقين علي، والمعادين لي، فأما من أشفق علي فلأنه عرفني، فأشفق علي لله، ~~وأما من عاداني، فلأنه لم يعرفني، فعاداني لله أيضا، فهما معذورون!» # وتروي المخطوطات الصوفية: # 65 ~~«أن أخته ظلت تبكي عليه أمدا، ثم نامت ذات ليلة، فرأت في المنام ~~أخاها حسينا، وهو يقول لها: يا أختي إلى كم تبكين علي ؟! فقالت له: كيف لا ~~أبكي وقد جرى عليك الذي جرى؟! فقال لها: يا أختي لما قطعوا يدي ورجلي كان قلبي ~~مشغولا بالمحبة، فلم أدر إلا هي طيبة! فلما صلبوني كنت مشاهدا ربي، فلم ~~أدر ما فعلوا بي! فلما أحرقوني نزلت علي ملائكة ربي من السماء، صباح الوجوه، ~~فاختطفوني إلى تحت العرش، وإذا بالنداء من العلي الأعلى: يا حسين، رحم الله من ~~عرف قدره، وكتم سره، وحفظ أمره، فقلت: أردت التعجيل إلى رؤيتك، فقال: تملأ ~~بالنظر، فإني لا أحتجب عنك. # يا أختي إذا كنت في رياض وبساتين، وأثمار وأنهار، هل يطلب أحد بدل ذلك ~~العمار هذا الخراب؟ قالت: لا، قال: كذلك أرى.» # بين محيي الدين والحلاج # ويحدثنا العلامة المناوي عن مشهد روحي بين الحلاج والشيخ الأكبر محيي ~~الدين بن عربي. # فقد سأل محيي الدين الحلاج في عالم الروح، قائلا: لماذا تركت بيتك ~~يخرب؟! # فتبسم الحلاج وقال: «لما استطالت عليه أيدي الأكوان، حين أخليته، وخلفت ~~هارون في قومي، استضعفوه لغيبتي، ms097 فأجمعوا على تخريبه، فلما هدموا من قواعده ما ~~هدموا، وكنت قد فنيت، رددت إليه بعد الفناء، فأشرفت عليه، وقد حلت به ~~المثولات، فأنفته نفسي، وقلت: لا أعمر بيتا تحكمت فيه الأكوان، فانقبضت عن ~~دخوله، فقيل: مات الحلاج! والحلاج ما مات، ولكن البيت خرب، والساكن ارتحل.» # 66 # وهو مشهد روحي، يلقي بالأضواء على حياة الحلاج، وعلى أسرار ~~مصرعه. # فمحيي الدين يعاتب الحلاج، على أنه قد كشف من الأسرار الروحية ما مكن ~~خصومه من دمه، كما يعاتبه أيضا على أنه استسلم لمصرعه، ولم يحاول النجاة ~~منه. # والحلاج في إجابته يروي قصته كاملة، فهو يتحدث عن سيره في الطريق المضيء ~~إلى الله، ورحلته الروحية على أجنحة الحب والوجد، من الأكوان إلى المكون ~~سبحانه. لقد حاول في تجربة روحية فذة، أن يصل إلى مرتبة الفناء ~~الكامل. # الفناء عن نفسه، وعن كونه، ليبقى في عالم النور والمشاهدة، وليظفر بمقام ~~الإنسان الرباني، الذي يكون الله جل جلاله هو سمعه وبصره، ويده ولسانه، ~~وحركاته وسكناته. # وبذلك يذوق مذاقا من القرب ، أو مذاقا من الحب، يفني بشريته، فيحقق بهذا ~~الفناء وثبة بالإنسان إلى أعلى أفق يتطلع إليه، أفق القرب، إلى أبعد حدود ~~القرب، بين العبد والرب، والحلاج هو أجرأ وأقوى من حاول هذه التجربة في عالم ~~التصوف. # ثم يقول الحلاج: «إنه في جهاده الروحي، لم يستطع أن يتخلص تماما من جسده، ~~ومن العلاقات التي للكون على هذا الجسد!» # فرحل بروحه إلى الله، وترك العقل أو بقية منه، ليخلفه في تدبير هذا الجسد، ~~كما رحل موسى عليه السلام إلى الله، وترك هارون في قومه ليخلفه فيهم. # وهنا تحكمت الأكوان في جسده، لغيبته عنه، واستضعفوا خليفته، فأدى ذلك إلى ~~تقويضه. # ولما كان الحلاج قد فنى عن نفسه، وبقي بربه، رد بحكم البقاء بعد الفناء إلى ~~البيت - الجسد - فلما وجد أن الأكوان قد تحكمت فيه، وحلت به المثولات، ~~أنفته نفسه، ومن ثم زهد هذه الحياة، فزهدته الحياة، فكان العذاب، وكان ~~القتل أبشع ما يكون القتل. # وانقبض الحلاج عن دخول البيت، وقيل ms098 مات الحلاج! وما مات الحلاج! ولكن ~~البيت خرب! والساكن ارتحل! ارتحل إلى البقاء والخلود. ~~(2-11) في أعقاب المصرع # وفي أعقاب المصرع انطلق خيال بغداد، ليضفي على البطل الشهيد نسيجا أسطوريا من ~~أنسجة القداسة والخلود. # وإن لم يتسق هذا النسيج الموشى مع الحقيقة، فإنه ليرشد ويومئ إلى صور من الحب ~~والإجلال خفق بها قلب بغداد، وهي تبكي بطلها الشهيد. # يقول ابن خلكان: # 67 ~~«وجعل أصحابه يعدون أنفسهم برجوعه بعد أربعين يوما!» # واتفق أن دجلة زادت في تلك السنة زيادة وافرة، فادعى أصحابه أن ذلك بسبب إلقاء ~~رماده فيها. # ويقول ابن كثير: # 68 ~~«وادعى بعض أصحابه أنه لم يقتل! وإنما ألقى شبهه على عدو ~~له!» # ثم أخذ تلاميذ الحلاج يكونون في الخفاء جماعات روحية حلاجية، تتدارس ~~تعاليمه، وتحافظ على تراثه، وتحاول جاهدة أن تبقي ذكراه حية نامية في ضمير ~~التاريخ، متحدية في ثبات، وفي فدائية الخلافة العباسية، بكل ما لها من سلطان ~~ساحق، ونفوذ لا يقاوم. # | سر المأساة! # ذلك مصرع الحلاج، وتلك مأساته! ويوم المصرع عندي هو نقطة الانطلاق في حياة الحلاج، ~~وهو سر خلوده وسحره التاريخي. # وإن كانت آراء الحلاج قد اختلف الناس فيها وتجادلوا، وأطالوا الاختلاف والجدال، فإن ~~بطولة الحلاج وثباته الأسطوري المعجز، وإيمانه الصامد الصاعد في يوم مصرعه ليرسم صورة ~~بطولة خالدة متألقة، أعلى من أن يتجادل الناس فيها أو يختلفوا. # ومن أراد أن يحلق حول شخصية الحلاج، ويلمس إيمانه وحبه، وعقيدته ورسالته، فليبحث عن ~~هذه المعاني الشامخة في يوم مصرعه، وليلتمسها على آلة صلبه وعذابه. # إن هذه البطولة الخارقة، وهذا الثبات المعجز، وهذا الإيمان الأعلى، إنها مذاقات ~~ومقامات، لا تفاض إلا على الصديقين والشهداء، من أصحاب المبادئ والرسالات. # إنها مواقف ليست من عقائد الأرض، ولا من شهواتها، إنها من إيمانيات السماء ووحيها. # وما كان لأبناء الدنيا، وأصحاب الهوى في آفاقها، أن يثبتوا ثبات الحلاج، وأن يصمدوا لما ~~صمد له. # وما أحسب أن تاريخ البشرية، الطويل العريض، ضم بين صحفه وأحداثه إيمانا وثباتا تحت ~~هول العذاب الصاعق، كثبات الحلاج ms099 وصبره وفدائيته وبطولته. # إن يوم المصرع هو عنوان الحلاج وتاريخه، وعنده يلتمس علماء النفس، وأساتذة الفكر شخصية ~~الحلاج ومقامه في أروقة الخالدين، من المجاهدين المؤمنين. # إن يوم المصرع هو يوم النصر للحلاج، ويوم الهزيمة الكبرى للخلافة العباسية، بكل ما تمثله ~~وتصوره في تلك الحقبة من التاريخ. # لقد هزم الحلاج الخلافة العباسية، في حياته واستشهاده، وفي حركة التاريخ وضميره، من بعد ~~حياته واستشهاده. # لقد حرقت جسده وأحالته رمادا، ثم نثرت هذا الرماد في أقطار السماء، تريد له الفناء، فكتب ~~له البقاء. # البقاء الحي أشد ما تكون الحياة، وأعصى ما تكون هذه الحياة على الزوال والفناء. # لقد أطلقت الخلافة حول سيرته سرادقا من نار ودخان، ثم أطلقت المنادين يأمرون الناس أن ~~يحرقوا آثاره، وأن لا يبيعوا كتبه، وأن يمحوها من الوجود، وأطلقت من وراء هذا وذاك الأقلام ~~المأجورة تملأ كتب التاريخ إفكا وزورا. # وعجز كل هذا الدخان والضباب، والتزوير والافتراء، عن أن يحجب عن عين التاريخ وذاكرته ~~وصحفه البرق المتلألئ من أسطورة البطل الشهيد، والسنا المتألق من تراث العارف المحب. # يقول المستشرق نيكلسون: # 1 ~~«قتل الحلاج وأحرق رفاته كما تنبأ، وعبثت برماد جسده الرياح العاصفة، ~~والمياه الجارية، ولكن بقيت آراؤه من بعده تعمل عملها، خلال العصور الوسطى جميعها، وتحاول ~~أن تحيا حياة جديدة. # وإننا لنتبين قوة هذا الرجل، وحيويته الروحية، من الأثر العظيم الذي كان له في نفوس ~~الأجيال التي أعقبته.» # لقد أعجز الحلاج الخلافة العباسية، حيا ومصلوبا وشهيدا، وأحدث أثرا خالدا في ~~التاريخ، حتى التهم البغيضة الغليظة، التي قذفوا بها الحلاج يوم المحاكمة، أخذت تتساقط ~~سطرا فسطرا، لتفسح الطريق لوجه الفجر الصادق، يمحو بنوره كل فجر كاذب، وكل ادعاء ~~فاجر؛ لتفسح الطريق للحقيقة، الكامنة وراء المأساة الدامية، فلم تكن الخلافة العباسية لتصب ~~كل هذا الهول الفاجر على الحلاج، لشطحه الصوفي، أو لمروقه الإلحادي، أو لقوله - أنا الحق! ~~كما حاولت أن تكره الشهود، وأن تكره القضاء، وأن تكره التاريخ على هذا البهتان والتزوير، ~~بل صبت هذا الهول الغليظ الفاجر، دفاعا عن نفسها، ms100 وعن وجودها، وعما تمثله ويمثله وجودها، ~~من شهوات وفجور، وفساد واستغلال، ومحاربة للدين والإيمان. # كانت محاكمة سياسية، وكان قتلا سياسيا، لبس زورا ثوب الدين، وتقنع كذبا بقداسته ~~وحمايته. # يقول المستشرق ماسنيون: «فلولا أن الحلاج قد زج بنفسه في التيارات السياسية المضطربة ~~في عصره، واتصل بالسياسة ورجالها، لما حدث له ما حدث، من تعذيب وصلب، وما كانت الاتهامات ~~الدينية إلا اتهامات رسمية؛ لتكون تكأة يستند إليها السلطان.» # ويقول العلامة آدم متز: # 2 ~~«وأغلب ما انتهى إلينا من أخبار الحلاج، إنما ذكره خصومه، ويؤخذ من هذه ~~الأخبار بوضوح أن الحلاج قد أثر في كبراء أهل بغداد، تأثيرا قويا نادر المثال، ويدل ~~على عظيم شأنه أن كلا من الذهبي وابن الجوزي كتب عنه كتابا خاصا. # ولكن يظهر أن هذين الكتابين قد فقدا مع الأسف، ولم ينل هذا الشرف - أعني تخصيص كتاب في ~~حياة رجل - إلا العدد القليل بين رجال الإسلام.» # وكما لمس رجال الاستشراق سر المأساة الحلاجية، وأنها مأساة سياسية لا دينية، لمس ~~هذا السر أيضا بعض رجال التاريخ الإسلامي، من قدامى ومحدثين، لمسوه رغم الجهود الهائلة ~~التي بذلتها الخلافة العباسية، لتشويه تاريخه، وتزوير أحداثه، وتمزيق تراثه. # فابن النديم: يعلل المأساة بأن الحلاج كان على اتصال بالرضا من آل محمد. # 3 # وابن خلكان: يفسرها بصلات الحلاج بالقرامطة وبالعلويين، وبتهديده للخلافة القائمة. # 4 # وأما صاحب «ظهر الإسلام»، فيفسح صفحات للمأساة، متهما الخلافة العباسية بالتزوير ~~والافتراء. # يقول الأستاذ أحمد أمين: # 5 ~~«والظاهر من كل هذا أن الرجل والمرأة اللذين شهدا على الحلاج، كان موعزا ~~إليهما بالشهادة، وأن القضاة تلكئوا في الحكم عليه، فاستعجلهم الوزير حامد!» # ثم يقول: «ويظهر أن أكبر تهمة وجهت إليه، هو أنه من شيعة أهل البيت، الذين يريدون أن ~~ينحوا الخلفاء العباسيين ومن إليهم، ويوسعوا دائرة خلافة أهل البيت، فانتشرت دعوتهم في ~~العراق وخراسان وجزيرة العرب وغير ذلك!» # ثم يقول: «فنعتقد أن هذا سر قتله لا غير ذلك، فدعوة كهذه تقض مضاجع خلفاء بني ~~العباس ووزرائهم، فلا يبعد أن يكون الخليفة العباسي ms101 ووزيره حامد قد رتبا هذه المؤامرة ضده، ~~وزوروا الشهود، واستحثا القضاة على قتله، وإلا فما بالهم قد تركوا الصوفية الآخرين، ~~كالجنيد، وأبي يزيد البسطامي، وذي النون المصري من غير قتل، فهي مسألة سياسية بحتة، ~~اتخذت شكلا دينيا، لعلمهم أن الدين أفعل في الشعوب من السياسة. # فكم من صوفية ادعوا وحدة الوجود، فلم يلتفت إليهم، وتركوا وشأنهم! # ومما لفت عامة المسلمين إليه ما تواتر عن الحلاج من إتيانه بالأعاجيب، فيظهر أنه كان له ~~قدرة كبعض الأشخاص اليوم على استحضار ما يريده من الأشياء من أماكنها، كالذهب، والمسك، ~~والفاكهة، وأنه كان له قدرة على التنويم المغناطيسي، وقدرة أخرى كيماوية بهر الناس بها ~~لجهلهم بالكيمياء. # وعلى العموم، فهو شخصية قوية كشخصية ذي النون وأشد منها، كان له أثر كبير في ~~المسلمين.» # ذلك ضمير التاريخ، أو ذلك بعض ضميره. # | مغوثات الحلاج بين السحر والكرامة # الآن وقد مضى بنا القلم طويلا حول الحلاج السياسي، وصراعه مع الخلافة العباسية، ومصرعه ~~البطولي الدامي! # الآن آن لنا أن نعود إلى الحلاج الصوفي، لنواصل دراسته، ولنحيا مع حبه ووجده وأشواقه ، ~~وتحليقاته في الأحوال والمقامات الروحية، وما حققه في تجربته الصوفية، من فتوحات ووثبات ~~في عالم المشاهدة والمعرفة. # ولا بد لنا - قبل أن نحيا مع الحلاج في تجربته - من أن ندير الحديث حول نقطة في ~~تاريخه، لا تزال غامضة محيرة، يكثر حولها الجدل والحوار، تلك هي المغوثات الحلاجية، ~~التي كانت سمة من سماته، وطابعا عرف به في حياته، من بداية أمره حتى يوم مأساته. # ولقد امتلأت حقائب التاريخ الصوفي، وغيره من تاريخ الرجال والطبقات، بالحديث عن عجائب ~~الحلاج وخوارقه، واختلف الناس في أمرها، ودندنوا طويلا حولها. # نسبها قوم إلى السحر والنيرنج والشعوذة، والبراعة في الطب والكيمياء، والقدرة على تسخير ~~الجن! # وآمن بها آخرون على أنها كرامات وآيات، تدل على صدقه وولايته، ومقامه وإيمانه. # يقول صاحب «تاريخ بغداد»: # 1 ~~«اختلف الناس في أمره، فقال قوم: ساحر! وقال قوم: مجنون! وقال قوم: له ~~الكرامات، وإجابة الدعوات.» # وأصدقاء الحلاج وخصومه قد أجمعوا جميعا ms102 على حدوث هذه الخوارق، فابن كثير، وابن خلكان، ~~والخطيب البغدادي، وابن النديم من رجال التاريخ العام، والشعراني والمناوي والسلمي من مؤرخي ~~الطبقات الصوفية قد أجمعوا على أنه كان يخرج فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في ~~الشتاء، ويمد يده في الهواء فيعيدها مملوءة دراهم، قد كتب عليها - قل هو الله أحد - ~~ويسميها دراهم القدرة، ويخبر الناس بما أكلوا، وما صنعوا في بيوتهم، ويتكلم بما في ~~ضمائرهم! # كما تحدثوا عن قدرته على شفاء المرضى، بالرقية حينا، وبقراءة القرآن أحيانا، بل تحدثوا ~~عن إحيائه للموتى، كما حدث لببغاء ولي عهد الخلافة العباسية! # حتى اسمه دارت الكرامة والخارقة حوله، يقول أبو عبد الرحمن السلمي: # 2 ~~«إنما سمي الحلاج؛ لأنه دخل مدينة واسط، فتقدم إلى حلاج وبعثه في شغل له، ~~فقال له الحلاج: أنا مشغول بصنعتي! فقال: اذهب أنت في شغلي، حتى أعينك في شغلك! فذهب ~~الرجل، فلما رجع وجد كل قطعة في حانوته محلوجة، فسمي بذلك الحلاج!» # ويقول ابن كثير: # 3 ~~«ويقال: إنه أشار بالمرود، فامتاز الحب عن القطن.» # ويقول ابن خلكان: # 4 ~~«كان يتكلم في ابتداء أمره من قبل أن ينسب إليه ما نسب من الأسرار، فيكشف عن ~~أسرار المريدين ويخبر عنها، فسمي بذلك حلاج الأسرار، فغلب عليه اسم الحلاج.» # وكتب الطبقات الصوفية تموج موجا بكرامات الحلاج وعجائبه، وترويها بلغة اليقين الذي لا ~~يدنو منه الشك! # يقول الحلواني: # 5 ~~«كنت مع الحلاج وثلاثة من تلاميذه، في قافلة من واسط إلى بغداد، وكان ~~الحلاج يتكلم، فجرى في كلامه حديث الحلاوة، فقلنا على الشيخ الحلاوة! فرفع رأسه وقال: يا ~~من لم تصل إليه الضمائر، ولم تمسه شبه الظنون والخواطر، وهو المترائي عن كل هيكل وصورة، ~~من غير مماسة ومزاج، وأنت المتجلي عن كل أحد، والمتجلي بالأزل والأبد، لا توجد إلا عند ~~البأس، ولا تظهر إلا حال الالتباس، إن كان لقربي عندك قيمة، ولإعراضي لديك عن الخلق مزية، ~~فائتنا بحلاوة يرتضيها أصحابي! # ثم مال عن الطريق مقدار ميل، فرأينا هناك قطعا من الحلاوة الملونة، فأكلنا ms103 ولم يأكل ~~منها، فلما استوفينا ورجعنا، خطر ببالي سوء ظن بحاله، وكنت لا أقطع النظر عن ذلك المكان، ~~وحافظته أحوط ما يحافظ مثله. # ثم عدلت عن الطريق للطهارة وهم ذاهبون، ورجعت إلى المكان، فلم أر شيئا فصليت ركعتين ~~وقلت: اللهم خلصني من هذه التهمة الدنية، فهتف بي هاتف: يا هذا، أكلتم الحلاوة، وتطلب ~~الشك؟! أحسن ظنك، فما هذا الشيخ إلا ملك الدنيا والآخرة.» # ويروي فريد الدين العطار: # 6 ~~«أن الحلاج رسم على حائط السجن صورة مركب، ثم أمر المسجونين بأن يركبوا ~~فيها، وأن يذكروا اسم الله سبحانه، فلما فعلوا غابوا عن الحبس، ونجوا جميعا!» # ويحدثنا الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي في الفتوحات، وحجة الإسلام الغزالي في الإحياء، ~~أن الحلاج كان يدخل في بيت له يسميه - بيت العظمة - وكان يتطور فينتفش وينتفخ حتى يملأ ~~هذا البيت! # أما كتب التاريخ العام، فتروي عجائب الحلاج، ثم تحاول في أثناء روايتها أن تعللها ~~متدخلة في الرواية حينا، وملقية بالشك عليها أحيانا. ~~... يروي مسعود بن ناصر، قال: سمعت أبا يعقوب النهرجوري يقول: # 7 ~~«دخل الحسين بن منصور مكة ومعه أربعمائة رجل، فأخذ كل شيخ من شيوخ الصوفية ~~جماعة، قال: وكان في سفرته الأولى كنت آمر من يخدمه، قال: ففي هذه الكرة أمرت المشايخ ~~وتشفعت إليهم ليحملوا عنه الجمع العظيم. # قال: فلما كان وقت المغرب جئت إليه، وقلت له: قد أمسينا فقم بنا حتى نفطر، فقال: تأكل على ~~أبي قبيس؟ فأخذنا ما أردنا من الطعام، وصعدنا على أبي قبيس، وقعدنا للأكل، فلما فرغنا من ~~الأكل، قال الحسين بن منصور: لم نأكل شيئا حلوا، فقلت: أليس قد أكلنا التمر؟ فقال: أريد ~~شيئا قد مسته النار! # فقام وأخذ ركوبته وغاب عنا ساعة، ثم رجع ومعه جام حلواء، فوضعه بين أيدينا، وقال: باسم ~~الله، فأخذ القوم يأكلون، وأنا أقول مع نفسي، قد أخذ في الصنعة التي نسبها إليه عمرو بن ~~عثمان! # قال: فأخذت منه قطعة ونزلت الوادي، ودرت على الحلويين أريهم ذلك الحلواء، وأسألهم هل ~~يعرفون من يتخذ ms104 هذا بمكة؟ فما عرفوه، حتى حمل إلى جارية طباخة فعرفته، وقالت: لا يعمل ~~هذا إلا بزبيد، فذهبت إلى حاج زبيد - وكان لي فيه صديق - وأريته الحلواء فعرفه، وقال: يعمل ~~هذا عندنا إلا أنه لا يمكن حمله، فلا أدري كيف حمل، وأمرت حتى حمل إليه الجام، وتشفعت ~~إليه ليتعرف الخبر بزبيد، هل ضاع لأحد من الحلاويين جام، علامته كذا وكذا، فرجع الزبيدي ~~إلى زبيد. # وإذ إنه حمل من دكان إنسان حلاوي، فصح عندي أن الرجل مخدوم!» # وأبو يعقوب النهرجوري راوي القصة، من الصوفية الذين خاصموا الحلاج، خصومة مرة عنيفة، ~~ومن الذين أثاروا حوله الصيحات المرعدة، واتهموه بالسحر والشعوذة! # ونمشي مع الجانب المخاصم للحلاج خطوة أخرى، لنستمع إلى شاهد آخر، يروي قصة ثانية ~~نسبها إلى مجهول أسماه بالمنجم. # وهي قصة كما يقول راويها لم تذكر في حياة الحلاج، وإنما ذكرت بعد مصرعه! # يقول صاحب «تاريخ بغداد»: # 8 ~~«حدثنا علي بن أبي علي، حدثني أبي قال: أخبرني أبو بكر محمد بن إسحاق بن ~~إبراهيم الشاهد الأهوازي، قال: أخبرني فلان المنجم - وأسماه ووصفه بالحذق والفراهة - قال: ~~بلغني خبر الحلاج، وما كان يفعله من إظهار تلك العجائب التي يدعي أنها معجزات، فقلت أمضي ~~وأنظر من أي جنس هي من المخاريق، فجئته كأني مسترشد في الدين، فخاطبني وخاطبته، ثم قال ~~لي: تشه الساعة ما شئت حتى أجيئك به! وكنا في بعض بلدان الجبل التي لا يكون فيها الأنهار، ~~فقلت له: أريد سمكا طريا في الحياة الساعة! فقال: أفعل، اجلس مكانك فجلست، وقام، فقال: ~~أدخل البيت وأدعو الله أن يبعث لك به. # قال: فدخل بيتا حيالي وغلق بابه، وأبطأ ساعة طويلة، ثم جاءني وقد خاض وحلا إلى ركبتيه ~~وماء، ومعه سمكة تضطرب كبيرة، فقلت له: ما هذا؟ فقال: دعوت الله فأمرني أن أقصد البطائح ~~وأجيئك بهذه، فمضيت إلى البطائح، فخضت الأهواز، فهذا الطين منها حتى أخذت هذه! # فعلمت أنها حيلة، فقلت له: تدعني أدخل البيت فإن لم ينكشف لي حيلة فيه آمنت بك، فقال: ~~شأنك، فدخلت البيت ms105 وغلقته على نفسي، فلم أجد فيه طريقة ولا حيلة، فندمت، وقلت: إن وجدت ~~فيه حيلة فكشفتها، لم آمن أن يقتلني في الدار، وإن لم أجد طالبني بتصديقه، كيف ~~أعمل؟ # قال: وفكرت في البيت فرفعت تأزيرة - وكان مؤزرا بإزار ساج - فإذا بعض التأزير فارغا، ~~فحركت جسرية منه خمنت عليها، فإذا هي قد انفلقت، فدخلت فيها فإذا هي باب ممر، فولجت فيها ~~إلى دار كبيرة، فيها بستان عظيم، فيه صنوف الأشجار والثمار، والريحان والأنوار، التي هي ~~وقتها، وما ليس هو وقته، مما قد غطي وعتق، واحتيل في بقائه، وإذا الخزائن مفتوحة فيها ~~أنواع الأطعمة المفروغ منها، والحوائج لما يعمل في الحال إذا طلب، وإذا بركة كبيرة في ~~الدار فخضتها، فإذا هي مملوءة سمكا كبارا وصغارا، فاصطدت واحدة كبيرة وخرجت، فإذا ~~رجلي قد صارت بالوحل، والماء إلى حد ما رأيت رجله! # فقلت: الآن إن خرجت ورأى هذا معي قتلني، فقلت: احتال عليه في الخروج، فلما رجعت إلى البيت ~~أقبلت أقول: آمنت وصدقت، فقال لي: ما لك؟ قلت: ما ها هنا حيلة، وليس إلا التصديق بك، قال: ~~فاخرج فخرجت، وقد بعد عن الباب ، وتموه عليه قولي، فحين خرجت أقبلت أعدو أطلب باب الدار، ~~ورأى السمكة معي، فقصدني وعلم أني قد عرفت حيلته، فأقبل يعدو خلفي فلحقني، فضربت بالسمكة ~~صدره ووجهه، وقلت له: أتعبتني حتى مضيت إلى البحر، فاستخرجت لك هذه منه! # قال: واشتغل بصدره وبعينه وما لحقهما من السمكة، وخرجت فلما صرت خارج الدار طرحت نفسي ~~مستلقيا لما لحقني من الجزع والفزع، فخرج إلي وضاحكني، وقال: ادخل، هيهات والله لئن دخلت ~~لا تتركني أخرج أبدا، فقال: اسمع، والله إن شئت قتلك على فراشك لأفعلن، ولئن سمعت بهذه ~~الحكاية لأقتلنك، ولو كنت في تخوم الأرض، وما دام خبرها مستورا، فأنت آمن على نفسك، امض ~~الآن حيث شئت، وتركني ودخل، فعلمت أنه يقدر على ذلك، بأن يدس أحد من يطيعه ويعتقد فيه ما ~~يعتقده فيقتلني، فما حكيت الحكاية إلى أن قتل!» # وقصة ثالثة، يبدو فيها الراوية ms106 متهكما ماجنا ساخرا من كل القيم الإنسانية. # يقول صاحب «تاريخ بغداد»: # 9 ~~«أخبرنا علي بن أبي علي عن أبي الحسن أحمد بن يوسف الأزرق: أن الحسين بن منصور ~~الحلاج لما قدم بغداد يدعو، استغوى كثيرا من الناس والرؤساء، وكان طمعه في الرافضة أقوى ~~لدخوله من طريقهم. # فراسل أبا سهل بن نوبخت يستغويه، وكان أبو سهل من بينهم مثقفا فهما فطنا، فقال أبو سهل ~~لرسوله: هذه المعجزات التي يظهرها قد تأتي فيها الحيل، ولكن أنا رجل غزل، ولا لذة لي أكبر ~~من النساء وخلوتي بهن، وأنا مبتلى بالصلع، حتى إني أطول قحفي وآخذ به إلى جبيني، وأشده ~~بالعمامة، وأحتال فيه بحيل، ومبتلى بالخضاب لستر المشيب، فإن جعل لي شعرا ورد لحيتي سوداء ~~بلا خضاب، آمنت بما يدعوني إليه كائنا ما كان! إن شاء قلت: إنه باب الإمام! وإن شاء ~~الإمام! وإن شاء قلت: إنه النبي، وإن شاء قلت: إنه الله! # قال: فلما سمع الحلاج جوابه آيس منه، وكف عنه، قال أبو الحسن: وكان الحلاج يدعو ~~كل قوم إلى شيء من هذه الأشياء التي ذكرها أبو سهل!» # ثم يقول: «وأخبرني جماعة من أصحابنا أنه لما افتتن الناس بالأهواز وكورها بالحلاج، ~~وما يخرجه لهم من الأطعمة والأشربة في غير حينها، والدراهم التي سماها دراهم القدرة، حدثت ~~أبا علي الجبائي بذلك، فقال لهم: هذه الأشياء محفوظة في منازل يمكن الحيل فيها، ولكن ~~أدخلوه بيتا من بيوتكم لا من منزله هو، وكلفوه بأن يخرج منه جزرتين، فإن فعل ~~فصدقوه. # فبلغ الحلاج قوله، وأن قوما قد عملوا على ذلك، فخرج عن الأهواز!» # وتمضي قصص الخصوم هادفة مجرحة، يصعد بها الرواة إلى راو أخير، لا يذكر اسمه، وإنما ~~يذكر نعته، وهو أنه من الثقاة! # يقول الخطيب البغدادي: # 10 ~~«أنبأنا علي بن أبي علي المعدل عن أبي الحسن أحمد بن يوسف الأزرق، قال: حدثني ~~غير واحد من الثقات من أصحابنا: أن الحسين بن منصور الحلاج كان قد أنفذ أحد أصحابه إلى ~~بلد من بلدان الجبل، وافقه على حيلة ms107 يعملها، فخرج الرجل فأقام عندهم سنين يظهر النسك ~~والعبادة، ويقرأ القرآن ويصوم، فغلب على البلد حتى إذا علم أنه قد تمكن أظهر أنه قد عمي، ~~فكان يقاد إلى مسجده، ويتعامى عن كل أحد شهورا. # ثم أظهر أنه قد زمن، فكان يحبو ويحمل إلى المسجد حتى مضت سنة على ذلك، وتقرر في النفوس ~~زمانته وعماه، فقال لهم بعد ذلك: إني رأيت في النوم كأن النبي # صلى الله عليه وسلم # يقول لي: إنه يطرق ~~هذا البلد عبد صالح مجاب الدعاء، يكون عافيتك على يده وبدعائه، فاطلبوا إلى كل من يجتاز ~~من الفقراء، أو من الصوفية، فلعل الله أن يفرج عني على يد ذلك العبد وبدعائه، كما وعدني ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، فتعلقت النفوس إلى ورود العبد الصالح، وتطلعته القلوب، ومضى الأجل الذي ~~كان بينه وبين الحلاج، فقدم البلد فلبس الثياب الصوف الرقاق، وتفرد في الجامع بالدعاء ~~والصلاة، وتنبهوا على خبره، فقالوا للأعمى: فقال: احملوني إليه، فلما حصل عنده وعلم أنه ~~الحلاج، قال له: يا عبد الله إني رأيت في المنام كيت وكيت، فتدعو الله لي، فقال: ومن أنا ~~وما محلي؟ فما زال به حتى دعا له ثم مسح يده عليه، فقام المتزامن صحيحا مبصرا! فانقلب ~~البلد وكذا الناس على الحلاج، فتركهم وخرج من البلد، وأقام المتعامي المتزامن فيه شهورا، ~~ثم قال لهم: إن من حق نعمة الله عندي، ورده جوارحي علي أن أنفرد بالعبادة انفرادا أكثر ~~من هذا، وأن يكون مقامي في الثغر، وقد عملت على الخروج إلى طرسوس، فمن كانت له حاجة ~~تحملتها، وإلا فأنا أستودعكم الله، قال: فأخرج هذا ألف درهم فأعطاه، وقال: اغزيها عني، ~~وأعطاه هذا مائة دينار، وقال: اخرج بها غزاة من هناك، وأعطاه هذا مالا، وهذا مالا، حتى ~~اجتمع ألوف دنانير ودراهم، فلحق بالحلاج فقاسمه عليها!» # ولا يكتفي خصوم الحلاج بهذا، بل يضعون على لسانه كلمات يتهم فيها نفسه، بأنه يتعلم ~~السحر، ولماذا يتعلمه، ليدعو به الخلق إلى الله! # يقول صاحب «تاريخ بغداد»: # 11 ~~«سمعت ms108 علي بن أحمد الحاسب قال: سمعت والدي يقول: وجهني المعتضد إلى الهند ~~لأمور أتعرفها ليقف عليها، وكان معي بالسفينة رجل يعرف بالحسين بن منصور، وكان حسن ~~العشرة، طيب الصحبة، فلما خرجنا من المركب ونحن على الساحل، والحمالون ينقلون الثياب من ~~المركب إلى الشط، فقلت له: إيش جئت إلى هنا؟ قال: جئت لأتعلم السحر، وأدعو الخلق إلى الله ~~تعالى. # قال: وكان على الشط كوخ وفيه شيخ كبير، فسأل الحسين بن منصور، هل عندكم من يعرف شيئا ~~من السحر؟ قال: فأخرج الشيخ كبة غزل، وناول طرفه الحسين بن منصور، ثم رمى الكبة في الهواء، ~~فصارت طاقة واحدة، ثم صعد عليها ونزل، وقال للحسين بن منصور: مثل هذا تريد؟ ثم فارقني ولم ~~أره بعد ذلك إلا ببغداد.» # ويقول أيضا: # 12 ~~«... أنبأنا إسماعيل بن أحمد الحيري قال: قال المزين: رأيت الحسين بن منصور في ~~بعض أسفاره، فقلت له: إلى أين؟ فقال: إلى الهند أتعلم السحر، أدعو به الخلق إلى الله عز ~~وجل!» # يقول الأستاذ عبد الحكيم حسان: # 13 ~~«يحمل على تكذيبهما أنهما مما روي بعد محنة الحلاج، ومما يرجح ذلك أن الراوي ~~الأول هو والد علي بن أحمد الحاجب، كان موظفا في قصر المعتضد، ومركزه يحتم عليه نصرة ~~المذهب السني الذي يعمل القصر والحكومة على حمايته، وأن الراوي الثاني هو أبو الحسن علي بن ~~محمد المزين، وهو من خصوم الحلاج.» # حتى الروايات التاريخية التي تنطق بصدق الحلاج وترفعه، ونفوره مما ينسب إليه من ~~الخوارق، يحاول الرواة إرضاء للسياسة العامة أن يعقبوا عليها بكلمات الشك والتجريح! # يقول الخطيب البغدادي: # 14 ~~«أنبأنا علي بن أبي علي البصري، أخبرني أبي قال: حدثني أبو الحسن محمد بن عمر ~~القاضي، قال: حملني خالي معه إلى الحسين بن منصور ~~الحلاج، وهو إذ ذاك في جامع البصرة يتعبد ويتصوف ويقرأ، قبل أن يدعي تلك الجهالات ويدخل ~~في ذلك، وكان أمره إذ ذاك مستورا، إلا أن الصوفية تدعي له المعجزات من طريق التصوف، وما ~~يسمونه مغوثات، لا من طريق المذاهب. # قال: فأخذ ms109 خالي يحادثه وأنا صبي جالس معهما أسمع ما يجري، فقال لخالي: قد عملت على ~~الخروج من البصرة، فقال له خالي: لم؟ قال: قد صير لي أهل هذا البلد حديثا، فقد ضاق صدري ~~وأريد أبعد منهم، فقال له: مثل ماذا؟ قال: يروني أفعل أشياء فلا يسألوني عنها، ولا ~~يكشفونها، فيعلمون أنها ليست كما وقع لهم، ويخرجون ~~فيقولون: الحلاج مجاب الدعوة، وله مغوثات، قد تمت على يده ألطاف، ومن أنا حتى يكون لي ~~هذا؟ بحسبك أن رجلا حمل إلي منذ أيام دراهم، وقال لي: اصرفها إلى الفقراء فلم يكن ~~يحضرني في الحال أحد، فجعلتها تحت بارية من بواري الجامع إلى جنب أسطوانة عرفتها، وجلست ~~طويلا فلم يجئني أحد، فانصرفت إلى منزلي وبت ليلتي، فلما كان من غد جئت إلى الأسطوانة ~~وجعلت أصلي، فاحتف بي قوم من الفقراء، فقطعت الصلاة وشلت البارية فأعطيتهم تلك الدراهم، ~~فشنعوا علي بأن قالوا: إني إذا ضربت يدي إلى التراب، صار في يدي دراهم، قال: وأخذ يعدد مثل ~~هذا، فقام خالي عنه وودعه ولم يعد إليه، وقال: هذا منمس وسيكون له بعد هذا شأن، فما ~~مضى إلا قليل حتى خرج من البصرة وظهر أمره.» # يقول طاهر بن أحمد التستري: # 15 ~~«تعجبت من أمر الحلاج، فلم أزل أتتبع وأطلب الحيل، وأتعلم النيرنجات لأقف على ~~ما هو عليه! فدخلت عليه يوما من الأيام، وسلمت وجلست ساعة، ثم قال لي: يا طاهر لا تتمن، ~~فإن الذي تراه وتسمعه من فعل الأشخاص لا من فعلي، لا تظن أنه كرامة أو شعوذة! فصح عندي ~~أنه كما يقول.» # ويقول أبو العباس الرزاز: «قلت لأبي العباس بن عطاء: ما تقول في الحسين بن منصور؟ فقال: ~~ذاك مخدوم من الجن، قال: فلما كان بعد سنة، سألته عنه، فقال: ذاك من حق، فقلت له: قد ~~سألتك عنه قبل هذا فقلت: مخدوم من الجن، وأنت الآن تقول هذا! فقال: نعم، ليس كل من صحبنا ~~يبقى معنا، فيمكننا أن نشرفه على الأحوال! وسألت عنه وأنت في بدء أمرك، وأما ms110 الآن وقد تأكد ~~الحال بيننا، فالأمر فيه ما سمعت.» # 16 # وأبو العباس بن عطاء يزيد الأمر غموضا وإبهاما، فيجعل من عجائب الحلاج، أو من كراماته ~~سرا يجب أن يصان، وأن يضن به على غير أهله. # ومصرع الحلاج أيضا تحيط به الخوارق أو الكرامات، كما يتحدث الرواة، فجسده يبقى ساعات ~~حيا بعد قطع رأسه؟ ودمه يخط على الأرض ... لا إله إلا الله! # وعندي أن أروع خوارق الحلاج أو كراماته هي فدائيته وبطولته الصادرة في إيمان عميق، ~~وثبات رهيب، وصبر معجز، أمام هول من العذاب لا يحتمله بشر! # لم يضعف، ولم يهن، ولم يتراجع، ولم يغفل لسانه أو قلبه لحظة أو سائحة عن ذكر الله، ~~والتغني بحبه. # والحلاج بعد هذا من أصحاب الرياضات والمجاهدات، بل هو قمة شامخة في المجاهدات ~~والرياضات الروحية، حمل نفسه فيها على الصعب الأشق، وهي طريق ينبت دائما هذه الخوارق، أو ~~هذه الكرامات. # والخارقة أو الكرامة من الأمور التي يكاد الإجماع ينعقد على جوازها للصفوة الممتازة ~~المختارة، من المؤمنين البررة، يجريها الله سبحانه على أيديهم، تثبيتا لهم، إو إظهارا ~~لمقامهم، فضلا منه سبحانه وكرما. # والصوفية يجعلون الكرامة من طبيعة حياتهم الروحية المضيئة، ويقولون: إن الولاية لم يدعها ~~في الإسلام سواهم، وهي آية صدقهم وتقواهم. # ولكن الصوفية مع هذا لا يكبرون من شأن الكرامة، ولا يعتزون بالخارقة، بل يرونها من أنواع ~~الابتلاء، وأن الوقوف معها من علامات النقص. # والكرامة الكبرى عندهم هي ترقيهم في معارج الكمال الخلقي والروحي، وثباتهم في هذه ~~المعارج، وتذوقهم لها، مع حفظ جوارحهم وقلوبهم وألسنتهم حفظا ربانيا، هو علامة الرضا، ~~وآية القبول، ودليل الكرامة الأعلى. # يقول سهل بن عبد الله التستري: «أكبر الكرامات أن تبدل خلقا مذموما من أخلاق نفسك بخلق ~~محمود.» # ويقول أبو القاسم الجنيد: «إن الاتكال على الكرامات أحد الحجب التي تمنع المختار من ~~النفوذ إلى صومعة الحق المحجبة.» # ويقول أبو الحسن الخرقاني: «الكرامات أول مراحل ألف في الطريق إلى الله.» # | الحلاج والحب الإلهي # مفتاح شخصية الحلاج هو حبه الإلهي، فهو سمته وطابعه، ms111 وهو الذي شكل ملامحه الروحية، ~~وكون معارفه الذوقية، وهو معراجه الذي صعد عليه، مستهدفا الوصول إلى شيء يدق على ~~التعبير، ويسمو على التصور والتصوير، إلى الفناء في المحبوب الأسمى، فناء يمنحه الخلود ~~والبقاء، ويضفي عليه بهاء الرجل الإلهي. # عاش الحلاج بالحب وللحب، فهو قوته الروحي، وغذاؤه القلبي، وهو ملهب أشواقه، ومبدع ~~مواجيده، ومطلق ألحانه، وهو أفقه الفسيح المتلألئ، الذي تترقرق فيه الأنوار، وتتجلى فيه ~~الأسرار. # والحب هو التصوف، والتصوف هو الحب، ولقد حاول رجال المنهج الصوفي قديما وحديثا أن ~~يعرفوا التصوف، فابتدعوا وابتكروا كلمات مضيئة، تعبر عن الأخلاق، وعن الزهد، وعن التسامي، ~~وعن العبادة، ولكنها عندي جميعا إنما تعبر تعبيرا جزئيا لا يصور المنهج الصوفي، ولا ~~يحيط به. # فالتصوف في جوهره هو الصلة الدائمة اليقظة الحية بالله، هو محاولة تجريبية لعودة ~~الإنسان، بكل جزئية في كيانه الروحي، إلى مبدعه ومولاه. # هو إيقاظ عين القلب، لتتفتح بكل طاقاتها التي أودعها الله فيها، لتكون مبصرة في عالم ~~المشاهدة، فترى الله في كل شيء، ومع كل شيء، وقبل كل شيء. # والصوفي في تجربته الكبرى مسافر في ملكوت السماء والأرض، يسلك طريقا روحيا تتوالى فيه ~~وتتابع الأحوال والمقامات، بإلهاماتها وأذواقها ومعارفها ، حتى يصل من المقام الأول، مقام ~~التوبة، إلى المقام الأعلى، مقام الفناء بالله والبقاء به، ليغدو ربانيا سمعه بالله، ~~وبصره بالله، وكل ما يصدر عنه، وينبثق منه، ويتحرك فيه، إنما هو لله وبالله. # وبراقه الصاعد، ومعراجه ودليله وهاديه في طريقه، هو حبه لربه، ذلك الحب الذي يحرق فيه كل ~~ما هو ترابي، ليبقى كل ما هو روحي رباني. # ذلك الحب الذي يغسل قلبه من الدنيا، ويطلق كنوز روحه العليا، ويمنحه مذاقات الأنس والقرب، ~~وما إلى الأنس والقرب من هبات التجربة الصوفية وعطاياها. # ذلك الحب هو عنوان التصوف، وهو البذرة الأم، التي نمت منها أغصانه، وانبثق زهره، وأينع ~~ثمره. # وقد جعل الصوفية من هذا الحب فلسفة تحيط بكل شيء في الكون، وتمتد أجنحتها إلى كل أفق ~~في الحياة. # فلسفة تمسح من وجه الكون الكبير ms112 قناعه المادي، لتحيل الكون جميعه إلى أرواح حساسة ~~عابدة مسبحة؛ لأنها بالحب خلقت، وبالحب قامت، وبالحب تسبح وتهتف. # ثم تمشي إلى الأخلاق الإنسانية، فتنفخ فيها من روح الله، وتسمو بها إلى هداه ~~ورضاه. # يقول جلال الدين الرومي، شاعر التصوف الفارسي: «الحب دواء كبريائنا وغرورنا بأنفسنا، وهو ~~الطبيب لضعفنا كله، ومن استعار الحب ثوبه، برئ أصالة من كل إثرته.» # 1 # وعلى قدر محبة الصوفي لربه، تكون محبته لعباده ولكونه، بكل ما فيه، وبكل ما ينطوي ~~عليه. # والحب الإلهي يضفي على الكون الجمال المطلق: الله نور السموات والأرض، ويضفي على أحداث ~~الحياة الرضا، فكل شيء جميل؛ لأنه من قضاء الله، ومن إرادته، وقضاء الحبيب حبيب. # والحب كما يقول الصوفية: «هو سكر المشاهدة، وشجاعة الباذل، وإيمان الولي، والأصل الأصيل ~~للتحقق الخلقي، والإدراك الروحي، هو نبذ النفس وتضحيتها، والتخلي عن كل مملوك من مال أو ~~جاه، أو إرادة أو حياة، وعن كل ما يضن به الناس، لوجه المحبوب، دون تفكير في جزاء.» # 2 # والحب الإلهي هو المصدر الحقيقي الذي استمدت منه الموجودات وجودها، وهو سبيل المعرفة ~~العليا، فإذا فنيت النفس عن أوصافها بالحب، انكشفت لها الأسرار، ورفعت عنها الأستار. # يقول المستشرق جولد زيهر : # 3 ~~«فمحبة الله هي إذن خلاصة ما انتهى إليه هذا المجهود المركز الذي بذلته أرواح ~~الصوفيين، لكي يفنى خيال الوجود الشخصي في حقيقة الكائن الإلهي، الشاملة لكل شيء، وقد ~~أنتجت هذه الفكرة في كافة لغات الأمم الإسلامية الراقية أدبا شعريا يعد في مرتبة الدرر ~~الفريدة في الأدب العالمي، وهذه الفكرة العامة كانت أساسا فلسفيا كافيا لأن يدعم حياة ~~النسك والتصوف.» # والحب الإلهي ليس شرعة عامة للناس جميعا، إنما هو هبة الله للصفوة المختارة، التي سبق ~~له منها الحسنى. # قيل لمعروف الكرخي: «أخبرنا عن المحبة أي شيء هي؟ قال: يا أخي ليس المحبة من تعليم ~~الناس، المحبة من تعليم الحبيب.» # 4 # ويقول أبو يزيد البسطامي: «توهمت أني أذكره وأعرفه وأحبه وأطلبه، فلما انتهيت رأيت ذكره ~~سبق ذكري، ومعرفته سبقت معرفتي، ومحبته أقدم ms113 من محبتي، وطلبه لي أولا حتى طلبته.» # 5 # ويقول الإمام الغزالي: # 6 ~~«إن لله تعالى شرابا يسقيه في الليل قلوب أحبائه، فإذا شربوا طارت قلوبهم في ~~الملكوت الأعلى، حبا لله تعالى، وشوقا إليه.» # وسئل أبو سعيد الخراز عن المحبة، فقال: «طوبى لمن شرب كأسا من محبته، وذاق نعيما من ~~مناجاة الجليل وقربه، بما وجد من اللذات بحبه، فملئ قلبه حبا، وطار بالله طربا، وهام به ~~اشتياقا، فيا له من رامق، أسف بربه، كلف دنف، ليس له سكن غيره، ولا مألوف سواه!» # 7 # ويقول أبو القاسم الجنيد: «سألني السري السقطي يوما عن المحبة؟ فقلت: هي الموافقة، وقال ~~قوم: الإيثار، فأخذ السري جلدة ذراعه ومدها فلم تمتد! ثم قال: وعزته تعالى لو قلت: إن هذه ~~الجلدة يبست على هذا العظم من محبته لصدقت، ثم غشي عليه.» # ويقول جلال الدين الرومي عن الحب: «هو الكحل الذي تكتحل به عين القلب فينجلي بصرها.» # 8 # والحب في منطق الصوفية هو أسمى العبادات وأزكاها، وهو معراج المعرفة، وبراق القرب، يقول ~~فريد الدين العطار: «ما لم أتجه بقلبي إليك أعد صلاتي غير جديرة بأن تعد صلاة.» # ويقول الشبلي: «لأن تحس أنك واحد مع الله خير من عبادة الناس جميعا، من بدء الدنيا إلى ~~غايتها.» # والحب الإلهي في التصوف الإسلامي يدين للحلاج دينا كبيرا، فقد ترك في المحبة وما يتصل ~~بها، ويدور حولها ثروة خصبة حية غدت مادة الصوفية في هذا المنهج، ودستورهم المتلألئ في ~~هذا الأفق. # بل يرى ماسنيون: أن الحلاج هو الشخصية الكاملة التي تمثل أصدق تمثيل أسمى ما وصل إليه ~~الحب الإلهي في التصوف الإسلامي. # ويقول نيكلسون: # 9 ~~«لقد نمت على يد الحلاج أكبر حركة تطور في تاريخ التصوف، فهو المبتكر الأول ~~للمصطلحات الصوفية، التي وسعت آفاق التصوف، وهو الذي جعل من الحب الإلهي فلسفة كاملة، ~~ومنهجا متماسكا، وأن كل من جاء بعده إنما كان ينسج ويقلد.» # ويقول الأستاذ عبد الحكيم حسان، متحدثا عن نمو التصوف وتطوره، من الزهد إلى المحبة: # 10 ~~«أما حين انتهى ms114 أمر الحب الإلهي إلى الحلاج، فإنه اتخذ شكلا قويا لما رتب ~~عليه الحلاج من مذاهب صوفية كثيرة؛ فقد تكلم صراحة في اتحاد المحب بالمحبوب، اتحادا ~~يزيل صفة البشرية عن المحب، باستبداله بصفاته صفات الله عز وجل، وصحب هذا كلام في ~~اللاهوت والناسوت لأول مرة في تاريخ التصوف. # كما استتبع كلامه في الحب الإلهي كلاما آخر في - النور المحمدي - لأن من أحب الله فقد ~~أحب حبيبه محمدا، وانتهى به كلامه في الحب إلى القول بوحدة الأديان. # وهكذا ترك الحلاج في الحب الإلهي وما يتصل به ثروة ضخمة من بين منظوم ~~ومنثور.» # ويقول المستشرق بروان: «كان ظهور الحلاج إيذانا ببدء مرحلة جديدة في التصوف ~~الإسلامي، نثره وشعره على السواء، خاصة في الحب الإلهي.» # ولا جدال في أن أخلد صفحات الحب الإلهي في التصوف الإسلامي هي الصفحات التي كتبها ~~الحلاج نثرا ونظما، كتبها بذوب قلبه، وبقطرات روحه، وبأشد حرقة ووجد، عرفا عن محب ~~أفنى وجوده وكيانه وروحه في محبوبه الأسمى. # يقول الحلاج: «حقيقة المحبة، قيامك مع محبوبك بخلع أوصافك والاتصال بأوصافه.» # لقد استهدف الحلاج بحبه الفناء الكامل، ليخرج من بشرية صفاته، إلى بهاء التحلي بأوصاف ~~القدس الأعلى. # استهدف الارتفاع بالبشرية إلى مرتبة الحقيقة الربانية، التي يكمن وراء سترها المقدس سر ~~الوجود، وسر الخلق. # فالخلق أصلا برز من عالم الغيب بالحب، وخلق بالحب، وتشكلت حقائقه وصفاته بالحب، ومن هنا ~~أصبح الحب هو سر الكون. # وبهذا الحب وحده يمكن الإنسان أن يتصل بالحقيقة العليا، وبالمعرفة العليا، وأخيرا يمكنه ~~به أن يحقق في ذاته الإنسان الكامل، الإنسان الذي يتخلى عن ترابيته، ليتحلى ببهاء ~~الرجل الرباني، الذي يعيش في فيض من نور ربه وحبه. # يقول الحلاج: «كان الله قبل أن يخلق خلقه، يتحدث إلى نفسه في أحديته، حديثا حمديا، ~~وهو يتأمل روعة ماهيته، وتأمله لذاته في بساطة هو الحب. # والحب في ماهيته هو ماهية الماهية، وهو فوق كل تشكل بأشكال الصفات، وهكذا يحب الله ذاته ~~في انفراده بحمد ذاته، ويتجلى في الحب. # وعن هذا التجلي الأول للحب، ms115 في المطلق الإلهي، ظهرت صفاته وأسماؤه. # فبالحب تجلى لنفسه في نفسه، فلما أحب أن يرى ذلك الحب بعيدا عن الغيرية والثنوية في ~~صورة ظاهرة، أخرج من العدم صورة لها جميع صفاته وأسمائه، فكانت هذه الصورة الإلهية آدم ~~الذي تجلى الحق فيه.» # 11 # وهذا ارتفاع بالإنسان والإنسانية، تنبثق منه فلسفة إيمانية ربانية، هي الفلسفة التي ~~شكلت أبدع وأضوأ جوانب الحياة الروحية في تاريخ التصوف الإسلامي. # ومن هنا كانت نظرية الحلاج، التي اعتنقها الصوفية جميعا، تلك النظرية التي جعلت الحب، ~~والحب وحده هو المعراج الموصل لمعرفة الله. # يقول الحلاج: «لا سبيل إلى معرفة الله بالعلم، بل إن الحب هو الطريق إليها،؛ إذ ليست ~~المعرفة الفكرية للقضاء الإلهي هي التي تقربنا من الله، بل إنما هو خضوع القلب للأمر الإلهي ~~في كل لحظة.» # ومن هنا يقول الحلاج: «ما من أحد يعبد الله بفعل يكون أحب إلى الله من حبه ~~تعالى.» # وقد عبد الحلاج ربه سبحانه بهذا الحب، عبادة حارة مضيئة أحاطت بحياته، وبثت فيها ~~مذاقات وإلهامات، وعرضت على عين قلبه صورا من التجليات والمشاهدات، جعلته في شوقه ووجده ~~يحس إحساسا روحيا بأنه مع من يحب، بل يحس إحساسا لا شعوريا في حيرته وذهوله، أن ~~بشريته قد احترقت وفنيت في هذا المحبوب الأسمى. # يقول ماسنيون: # 12 ~~«وليس هناك من متصوف أكثر عشرة مع الله، يتصل في حديثه معه - أنا وأنت ونحن - ~~دون إشارة إلى رموز الحب البشري من الحلاج.» # ثم يقول: «وليس هناك من شعر صوفي أشد حرارة، وأكثر بعدا عن المادة من شعر ~~الحلاج.» # يقول الحلاج: # 13 # تباركت مشيئتك يا ربي وسيدي # تباركت مشيئتك يا قصدي ومرادي # يا ذات وجودي وغاية رغبتي # يا حديثي وإيماني ورمزي # يا كل كلي يا سمعي ويا بصري # يا جميعي وعنصري وأجزائي # لقد فنى الحلاج عن كل شيء، وأعرض عن كل شيء، واستغرقه حبه لربه، استغراقا جعله ~~يحس بأن هذا الحب قد ملأ وجوده وقلبه وروحه. # إنه ليحب بكل ذرة من ذرات جسده، وبكل طاقة من طاقات روحه، ms116 حتى لم يعد كيانه كله إلا ~~حبا وتجليا لمولاه وحبيبه. # حويت بكلي كل حبك يا قدسي # تكاشفني حتى كأنك نفسي # أقلب قلبي في سواك فلا أرى # سوى وحشتي منه ومنك به أنسي # فهل أنا في حب الحياة مجمع # من الأنس فاقبضني إليك من الحبس # 14 # ثم يقول: # 15 # مكانك من قلبي هو القلب كله # فليس لخلق في مكانك موضع # وحطتك روحي بين جلدي وأعظمي # فكيف تراني إن فقدتك أصنع # ثم يهتف في ضراعة باكية: # 16 # يا موضع الناظر من ناظري # ويا مكان السر من خاطري # يا جملة الكل التي كلها # أحب من بعضي ومن سائري # تراك ترثي للذي قلبه # معلق في مخلبي طائر # مدله حيران مستوحش # يهرب من قفر إلى آخر # يسري وما يدري وأسراره # تسري كلمح البارق الثائر # كسرعة الوهم لمن وهمه # على دقيق الغامض الغابر # في لج بحر الفكر تجري به # لطائف من قدرة القادر # والحلاج لا يكتم حبه، فأطيب الحب وأعذبه ما سار الحديث به، وتناقلته الرواة. # الحب ما دام مكتوما على خطر # وغاية الأمن أن تدنو من الحذر # وأطيب الحب ما تم الحديث به # كالنار لم تؤت نفعا وهي في الحجر # من بعد ما حضر الأحباب واجتمع ال # أعداء واختط اسمي صاحب الخبر # أرجو لنفسي برءا من محبتكم # إذا تبرأت من سمعي ومن بصري # 17 # وهو قلق في حبه، تتقاذفه أمواج الوجد والشوق، إلى محيطات ليس لها شط. # ما زلت أطفو في بحار الهوى # يرفعني الموج وأنحط # فتارة يرفعني موجها # وتارة أهوى وأنغط # حتى إذا صيرني في الهوى # إلى مكان ما له شط # ناديت يا من لم أبح باسمه # ولم أخنه في الهوى قط # تقيك نفسي السوء من حاكم # ما كان هذا بيننا شرط # 18 # والحلاج في حبه يخاطب محبوبه الأسمى مواجهة، يقول ماسنيون: «إن أسلوب الحلاج في الحب ~~أسلوب مجرد من المظاهر المادية، فهو لا يستعمل الطريقة الرمزية - ليلى، لبنى - التي تتخذ ~~شكلا من أشكال الحب الدنيوي.» # سكنت قلبي وفيه منك أسرار # فليهنئك الدار بل ms117 فليهنئك الجار # ما فيه غيرك من سر علمت به # فانظر بعينك هل في الدار ديار # وليلة الهجران طالت وإن قصرت # فمؤنسي أملي فيها وتذكار # إني لراض بما يرضيك من تلفي # يا قاتلي ولما تختار أختار # 19 # ثم يوغل الحلاج في حبه، وفي قربه، وفي طاعته، وفي أنسه بربه، حتى يكون الله سبحانه بصره ~~وسمعه، ويده وبدنه، فيهتف في نشوة وجده، وحرقة فنائه: # لبيك لبيك يا سري ونجوائي # لبيك لبيك يا قصدي ومعنائي # أدعوك بل أنت تدعوني إليك فهل # ناديت إياك أم ناجيت إيائي # يا عين عين وجودي يا مدى هممي # يا منطقي وعباراتي وإعيائي # يا كل كلي ويا سمعي ويا بصري # يا جملتي وتباعيضي وأجزائي # يا من به علقت روحي فلقد تلفت # وجدا فصرت رهينا تحت أهوائي # أبكي على شجني من فرقتي وطني # طوعا ويسعدني بالنوح أعدائي # أدنو فيبعدني خوفي فيقلقني # شوق تمكن في مكنون أحشائي # فكيف أصنع في حب كلفت به # مولاي قد مل من سقمي أطبائي # قالوا تداو به منه فقلت لهم # يا قوم هل يتداوى الداء بالدائي # حبي لمولاي أضناني وأسقمني # فكيف أشكو إلى مولاي مولائي # إني لأرمقه والقلب يعرفه # فما يترجم عنه غير إيمائي # يا ويح روحي من روحي فوا أسفي # علي مني فإني أصل بلوائي # كأنني غرق تبدو أنامله # تغوثا وهو في بحر من الماء # وليس يعلم ما لاقيت من أحد # إلا الذي حل مني في سويدائي # يا غاية المسئول والمأمول يا سكني # يا عيش روحي يا ديني ودنيائي # قل لي فديتك يا سمعي ويا بصري # لماذا اللجاجة في بعدي وإقصائي # إن كنت بالغيب عن عيني محتجبا # فالقلب يرعاك في الإبعاد والنائي # 20 # ويمشي خطوات على لهيب وجده المقدس، معتزا فخورا بتحليقاته التي عجزت عنها أجنحة ~~المحبين من قبل. # لقد وسم الحب قلبه بميسم الشوق العنيف الجبار، حتى غاب عن شهود ذاته، لقد استغرقته أنوار ~~لا يرى معها سواها: # وخضت في لج بحر فكري # أمر فيه كمر سهم # وطار قلبي بريش شوق # مركب في جناح ms118 عزمي # إلى الذي إن سئلت عنه # رمزت رمزا ولم أسمي # حتى إذا جزت كل حد # في فلوات الدنو أهمي # نظرت إذ ذاك في سجال # فما تجاوزت حد رسمي # فجئت مستسلما إليه # حد قيادي بكف سلمي # قد وسم منه الحب قلبي # بميسم الشوق أي وسم # وغاب عني شهود ذاتي # بالقرب حتى نسيت اسمي # 21 # وحب الحلاج هو كل آماله وأحلامه، هو دينه ودنياه، إنه حب قلب أبصر فعشق ~~فاحترق. # كانت لقلبي أهواء مفرقة # فاستجمعت مذ رأتك العين أهوائي # فصار يحسدني من كنت أحسده # وصرت مولى الورى مذ صرت مولائي # ما لامني فيك أحبابي وأعدائي # إلا لغفلتهم عن عظم بلوائي # تركت للناس دنياهم ودينهم # شغلا بحبك يا ديني ودنيائي # أشعلت في كبدي نارين واحدة # بين الضلوع وأخرى بين أحشائي # ثم يقول مترنما: # ولا هممت من شرب الماء من عطش # إلا رأيت خيالا منك في الماء # النار أبرد من ثلج على كبدي # والسيف ألين من هجران مولائي # 22 # ومن مناجاته: # غبت وما غبت عن ضميري # وصرت فرجتي وسروري # وانفصل الفصل بافتراق # فصار في غيبتي حضوري # فأنت في سر غيب همي # أخفى من الوهم في ضميري # تؤنسني بالنهار حقا # وأنت عند الدجى سميري # 23 # ومن ألحانه: # لي حبيب حبه وسط الحشا # لو يشا يمشي على قلبي مشا # روحه روحي وروحي روحه # إن يشا شئت وإن شئت يشا # 24 # ومن ترنيماته: # مزجت روحك في روحي # كما تمزج الخمرة بالماء الزلال # فإذا مسك شيء مسني # فإذا أنت أنا في كل حال # 25 # ومن مواجيده: # أنا من أهوى ومن أهوى أنا # نحن روحان حللنا بدنا # فإذا أبصرتني أبصرته # وإذا أبصرته أبصرتنا # 26 # وفي لحظات يقظته الروحية يشرح لنا في أدق عبارة، وأبين منطق، حقائق كلماته، في سبحات ~~نشوته، واحتراقات وجده، ولحظات فنائه عن ذاته. # إنها كلمات من استغراقات المشاهدة، لا تقصد لذاتها، وإنما تعبر في لحظات التجلي عن فناء ~~صفاتها في لهيب وجدها، فلا ترى في الكون إلا هو سبحانه. # عجبت منك ومني # يا منية المتمني # أدنيتني ms119 منك حتى # ظننت أنك أني # وغبت في الوجد حتى # أفنيتني بك عني # يا نعمتي في حياتي # وراحتي بعد دفني # ما لي بغيرك أنس # من حيث خوفي وأمني # 27 # ومنهج الحلاج في الحب هو العذاب لا اللذة، هو التضحية، التضحية الكاملة بالنفس، وهذه ~~التضحية هي أسمى درجات الحب؛ لأنها أكبر الآيات على صدق المحب في حبه. # يقول نيكلسون: # 28 ~~«أما الحلاج فيرى أن محبة الله لعباده ورحمته بهم فوق كل شيء، وأن أساس ~~المحبة التضحية، وأن المحب يجب أن يشقى من أجل محبوبه، من غير أن يسأل عن الأسباب، وأن ~~الواجب على أولياء الله أن يتوجهوا إلى الله وحده، ويتحققوا بمعنى العبودية الكاملة، ~~ويطيعوا أمره مهما كلفهم ذلك من عنت وشقاء.» # ويقول الحلاج: # 29 ~~«المحبة لذة، والحق لا يتلذذ به؛ لأن مواضع الحقيقة دهش وحيرة!» # ثم يقول: «محبة العبد لله تعظيم يحل الأسرار، فلا يستجيز تعظيم سواه، ومحبة الله للعبد ~~هو أن يبليه فلا يصلح لغيره!» # | مقام الفناء الصوفي وشبهات الاتحاد والحلول # وانتهى الحب الإلهي بالصوفية إلى ذروة التجربة الروحية، إلى مقام الفناء، ففنوا في ~~محبوبهم الأعلى، فناء لم يشاهدوا خلاله غير جمال الحبيب، وهم في بحر الفناء الزاخر، لا ~~يحسون بشيء من الموجودات؛ لأن الإحساس قد فنى بالنسبة لهذه الموجودات، واتجه بكليته ~~لمطالعة جمال المحبوب. # 1 # وبالفناء يفقد الصوفية عالم الناس، ليعيشوا في عالم آخر، هو عالم الجمال المطلق، والخير ~~المطلق، والحق المطلق، وفي عالمهم هذا ترفع الأستار عن الأسرار، وتتجلى لهم الحقائق، حق ~~اليقين، وعين اليقين. # وهم في عالمهم هذا ليسوا على درجة سواء، فمنهم من يشاهد الحبيب وهو في حالة رهبة أو ~~خشية، ومنهم من يشاهده وهو في حالة أنس به، أو مناجاة له. # وقد تزداد درجة القرب، ثم تزداد حتى يتحدث المحب عن الله بصيغة المتكلم، فقد غاب عن نفسه، ~~وعن كونه، فلم يعد يرى إلا الأول والآخر والظاهر والباطن سبحانه، أو كما يقول الصوفية: يغدو ~~الكلام إشارة منه به إليه! # يقول معروف الكرخي: «إذا انفتحت عين ms120 بصيرة العارف، نامت عين بصره، فلا يرى إلا ~~الله.» # ويقول الحلاج: «من أسكرته أنوار التوحيد، حجبته عن عبارة التجريد، بل من أسكرته أنوار ~~التجريد، نطق عن حقائق التوحيد؛ لأن السكران هو الذي ينطق بكل مكتوم.» # ويقول شارح المواقف للنفري: «أقل علوم القرب - القرب من الله - أنك إذا نظرت إلى أي شخص ~~محسوس أو معقول، أو غير ذلك فسوف ترى الله فيه رؤية أبين من رؤية الشيء نفسه، والدرجات ~~في ذلك متفاوتة. # فبعض الصوفية يقولون: إنهم لا يرون شيئا إلا ويرون الله قبله، وبعضهم يقول: إنهم لا يرون ~~شيئا إلا ويرون الله بعده، وآخرون يقولون: إنهم لا يرون شيئا إلا ويرون الله معه، ويقول ~~غيرهم: ما رأينا شيئا غير الله.» # والفناء هو غاية الصوفية، ففيه يشربون رحيق الحب الأعلى، وينعمون فيه بمتع ولذائذ ~~روحية، تنسيهم دنياهم وأخراهم ووجودهم، وكل شيء سوى المحبوب الأعلى. # والفاني كما يقول الصوفية، لا يحس بما حوله، ولا يحس بنفسه، فقد فنى عما سوى الله، ومن ~~هنا جاء كلام الصوفية الذي لا يفهمه ولا يتذوقه سواهم، حينما يقولون في نشوة الفناء، ووقدة ~~الحب، ليس في الوجود إلا الله. # والفناء كما يقول الجرجاني: «فناءان؛ أحدهما ذوقي، والآخر خلقي، فالذوقي هو عدم الإحساس ~~بعالم الملك والملكوت، بالاستغراق في عظمة الباري ومشاهدة الحق. والخلقي هو سقوط أوصافه ~~المذمومة، واستبدالها بالأوصاف المحمودة.» # 2 # ويصف أبو القاسم الجنيد الفناء: بأنه دخول صفات المحبوب على البدل من صفات المحب، أي ~~التخلق بأخلاق الله وصفاته ليكون ربانيا. # ويقول المستشرق نيكلسون: # 3 ~~«والصوفية كلها تقوم على القول بأنه إذا فقدت النفس الفردية، فقد وجدت النفس ~~الكلية، والجذب يهيئ الأسباب التي بها تتصل الروح مباشرة بالله. والزهد والتطهر من الآثام، ~~والحب والمعرفة والولاية، بل جميع الأفكار الأساسية في الصوفية، تنبع من هذا الأصل ~~الجامع.» # والفناء كما يقول - الجامي - يتهيأ بجعل القلب واحدا، وذلك بتطهيره وحبسه عن الاتصال ~~بشيء خلا الله، سواء في الإرادة أو العلم أو المعرفة، ورغبة الصوفي أو إرادته لا بد أن ~~تصرف صرفا ms121 عن الأشياء جميعا المرغوب فيها والمراد. # ولا بد كذلك أن تطرد من خياله الواعي، كل موضوعات العلم والعرفان، ولا بد أن توجه ~~أفكاره جميعا إلى الله لا غير، وألا يذكر معه غيره. # ويقول العلامة زين الدين الخافي: # 4 ~~«العبد إذا تخلق ثم تحقق، ثم جذب، اضمحلت ذاته، وذهبت صفاته، وتخلص من السوى، ~~فعند ذلك تلوح له بروق الحق بالحق، فيطلع على كل شيء، وهذا أول المقامات. فإذا ترقى عن ~~هذا المقام، وأشرف على مقام أعلى منه، وعضده التأييد الإلهي، رأى أن الأشياء كلها فيض ~~وجوده تعالى، لا عين وجوده.» # ويقول الدكتور عبد الرحمن عزام: # 5 ~~«الفناء عند الصوفية هو خلاص الإنسان من نزعاته وأهوائه وإرادته الخاصة، فيكون ~~كل فكره وعمله لله وبالله. # وبهذا ينبغي أن يفسر ما يقول الصوفية في الفناء، أنه ليس بموت؛ لأن الذي يسمونه فانيا ~~يعيش على هذه الأرض، وليس هو حلول الله في الإنسان، كما في بعض النحل.» # ويقول العلامة الهجويري: # 6 ~~«هو درجة كمال يبلغها العارفون، الذين انتهى بهم الطلب إلى الكشف، فرأوا كل ~~مرئي، وسمعوا كل مسموع، وأدركوا كل أسرار القلب، وأعرضوا عن كل شيء، وفنوا في ~~مقصدهم، وفنيت في هذا المقصد كل مقاصدهم.» # والصوفية كما يقول المستشرق جولدزيهر: # 7 ~~«بإبرازهم للمثل الأعلى لكمال النفس الإنسانية، وتحديدهم للخير الأسمى في هذا ~~المقام، يزيدون على الفلاسفة خطوة، ويسبقونهم درجة.» # وكما يقول العلامة ابن سبعين المرسي: «إن الفلاسفة الأقدمين رأوا أن الغاية المثلى هي ~~التشبه بالله، بينما الصوفية يدأبون على الفناء في الله، وذلك بأن يكون الصوفي قابلا لأن ~~يدع السنن الإلهية تغمره وتفيض عليه، وأن يمحو انفعالات الحواس، ويظهر مشاعر الروح.» # والحلاج عند صوفية ما وراء النهر جميعا، وعند الكثرة من رجال الاستشراق، أبرز وأقوى ~~الشخصيت الصوفية التي عاشت هذا المقام، وتحققت به، وتذوقت إلهامه، وكشفت الأستار عن ~~أسراره. # يقول شاعر الإسلام محمد إقبال في حديثه عن تطورات التفكير الديني في الإسلام: # 8 ~~«وقد بلغ تطور هذا المقام ذروته في تاريخ الإسلام، في عبارة الحلاج ms122 المشهورة ~~«أنا الحق»، ولا مجال للشك في أن الولي الشهيد لم يكن يقصد من عبارته أن ينكر على الله صفة ~~التنزيه، فالحلاج لم يستهدف بكلمته فناء الذات الإنسانية، واختفاءها في ذات الله، ولكنه ~~إدراك لحقيقة النفس الإنسانية، وتأكيد جزئي لدوامها في شخصية أعمق، بعبارة قوية ~~باقية على الدهر.» # ثم يقول: «وهذه التجربة في تاريخ الرياضة الدينية في الإسلام، تجعل الإنسان كما قال ~~الرسول يتخلق بأخلاق الله. # وقد عبر عنها بعبارات، مثل: «أنا الحق» الحلاج، و«أنا الدهر» النبي محمد، و«أنا القرآن ~~الناطق» علي بن أبي طالب. # وفي التصوف الإسلامي الرفيع ليس معنى أن إرادة الإنسان هي عين إرادة الله، أن النفس ~~الإنسانية تمحو شخصيتها هي، بنوع من الاستغراق في الذات غير المتناهية، بل الأحرى أن الذات ~~غير المتناهية تدخل بين أحضان محبها المتناهي، وهي حياة وقوة لا حد لها ولا عائق، تجعل ~~الإنسان قادرا على إقامة الصلوات آمنا مطمئنا، والرصاص يتساقط من حوله.» # لقد انتهت الرياضة الروحية الرفيعة بالصوفية، إلى مقام الفناء، وذاق الصوفية في هذا ~~المقام بروق التجليات وأنوار الهبات، ثم تخلوا فيه عن إرادتهم ومشيئتهم وصفاتهم، ليفنوا في ~~إرادة الله ومشيئته وصفاته، ثم ليتخلقوا بأخلاقه. # فخرجوا بذلك من نطاق البشرية الترابية، إلى أفق الربانية العلوية، التي تقوم بالله، ~~وتتكلم بالله، وتتحرك بالله، ولا ترى في الكون سواه. # ومن هذا الأفق كانت كلماتهم التي عبرت عن الله سبحانه، بأنه الظاهر في كل شيء، الباطن في ~~كل شيء، فلا وجود للحقيقة لغيره. # ومن هذا المقام ومن أفقه انطلقت الاتهامات المجنحة قديما وحديثا، تحاول أن تحيل هذا ~~المقام الروحي الإيماني إلى ما أسموه بالاتحاد والحلول حينا، وإلى ما أسموه بوحدة الوجود ~~أحيانا. # وسر الاتهام هو عجز الأقلام المادية، مع علمها ومكانتها، عن تذوق فلسفة مقام ~~الفناء. # إنها فلسفة تنبع من السفر الصوفي الطويل، في الطريق المضيء الصاعد إلى الله. # وهي فلسفة بنيت على تذوق، وعلى مشاهدة، وعلى محبة، فاستعصى فهمها على العقول، التي ~~لم تتذوق، ولم تشهد ولم تحب. # يقول المستشرق نيكلسون: ms123 «إنه مقام أعلن الذين تمرسوا به أنه فوق التعبير والتصوير، فهو ~~غاية لطريق تتحرر فيه الروح شيئا فشيئا من كل ما هو غير رباني، طريق يتلاشى فيه ~~الصوفي عن وجوده الحسي.» # ويقول العلامة الكلاباذي في التعرف: «مشاهدات القلوب، ومشاهدات الأسرار، لا يمكن العبارة ~~عنها على التحقيق، بل تعلم بالمنازلات والمواجيد ولا يعرفها إلا من نازل تلك ~~الأحوال.» # ويقول العلامة القوني في شرحه للتعرف: «إذا كمل انقطاع العبد إلى الله وفناؤه عن فعله، ~~أصبح متحدثا بلسان الحقيقة.» # ثم يقول: «وأكثر ما يقع في كلام هذه الطائفة من الإشارات، محمول على هذا النوع من ~~الاستعارات، ومن حملها على ظاهرها، أشكلت عليه معانيها، فأساء الظن بهم. # فأحيانا يتكلمون بلسان الحقيقة، كقول الحلاج: أنا الحق، وكقول ابن الفارض: # وإن عبد النار المجوس وما انطفت # كما جاء في الأخبار في ألف حجة # فما عبدوا غيري وما كان قصدهم # سواي وإن لم يضمروا عقد نيتي # وكقول الرسول - صلوات الله عليه - في حديث البخاري عن أبي هريرة: «ما لعبدي المؤمن عندي ~~جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا، ثم احتسبه، إلا الجنة.» # إنما قاله # صلى الله عليه وسلم # حكاية عن ربه، وإن لم يصرح به، وقال: وما منا إلا وله مقام ~~معلوم: فهذا على لسان الملائكة، وقال: وما نتنزل إلا بأمر ربك: فهذا على لسان جبريل، وهذا ~~نوع لطيف حررت الكلام فيه في الإتقان، ومثال قول علي وفا: # كمالك طاعتي في كل حال # ونقصك أن تعاندني مرادي # فإن هذا قاله على لسان الحقيقة.» # ويقول الشيخ نجا في كتابه «كشف الأسرار»: «ذلك لأنه يشهدك تجلياته بسائر مخلوقاته، لكن ~~بغير حلول ولا مماسة، ولا نوع من أنواع التجسيم والتشبيه، كما وقع لسيدنا موسى في تجليه ~~سبحانه على النار، التي رآها موسى عليه السلام في جانب الشجرة، حيث سمع النداء، إني أنا ~~الله لا إله إلا أنا، فلم ينكر موسى عليه السلام تجليه سبحانه في النار، بل آمن ~~وصدق.» # ويقول السهروردي: # 9 ~~«فإذا نظر العاشق المسكين إلى نفسه لا يبصر ms124 بعد شيئا، إذا وجده مملوءا بهذا ~~النور. # هنالك يصيح بأمثال تلك العبارة الوجدانية الإلهية المشهورة، التي قالها الحلاج: أنا ~~الحق.» # ويقول الحلاج: «لا يستطيع أحد أن يقول أنا على الحقيقة، إلا الله وحده.» # ويقول العلامة الهجويري متحدثا عن مقام الفناء: # 10 # إنه توجه الفكر إلى المطلوب، وقصره عليه، وهكذا كان شأن مجنون ليلى، وجه ~~فكره إلى ليلى، وقصره عليها، يراها في كل شيء، ويرى فيها كل شيء، وقد جاء بعضهم إلى ~~صومعة أبي يزيد البسطامي، وسأل: أهنا أبو يزيد؟ فأجابه: أهنا أحد غير الله: ثم يقتبس عن ~~الحلاج قوله: # تباركت مشيئتك يا ربي وسيدي # تباركت مشيئتك يا قصدي ومرادي # يا ذات وجودي وغاية رغبتي # يا حديثي وإيمائي ورمزي # يا جميعي وعنصري وأجزائي # ويحدثنا حجة الإسلام الإمام الغزالي عن التوحيد ومراتبه في كتابه الإحياء، وبعد شرحه ~~للمراتب الأولى الثلاث، يقول: # 11 ~~«والرابعة ألا يرى في الوجود إلا واحدا، وهي مشاهدة الصديقين، وتسمية للصوفية: ~~الفناء في التوحيد؛ لأنه من حيث لا يرى إلا واحدا، فلا يرى نفسه أيضا، وإذا لم ير نفسه ~~لكونه مستغرقا بالتوحيد، كان فانيا عن نفسه في توحيده، بمعنى أنه فنى عن رؤية نفسه ~~والخلق، وهذه هي الغاية القصوى في التوحيد. # وإلى هذا أشار الحسين بن منصور الحلاج، حيث رأى الخواص يدور في الأسفار، فقال لي: ماذا ~~أنت؟ فقال أدور في الأسفار لأصحح حالتي في التوكل. فقال الحسين: لقد أفنيت عمرك في عمران ~~باطنك ، فأين الفناء في التوحيد؟» # فكأن الخواص كان في تصحيح المقام الثالث، فطالبه بالمقام الرابع. ثم يقول الغزالي: ~~«العارفون بعد العروج إلى سماء الحقيقة اتفقوا على أنهم لم يروا في الوجود إلا الواحد الحق، ~~ولكن منهم من كان له هذه الحالة عرفانا علميا، ومنهم من صار له ذوقا وحالا، وانتفت ~~عنهم الكثرة بالكلية، واستغرقوا بالفردانية المحضة، فلم يبق عندهم إلا الله، فسكروا سكرا ~~وقع دونه سلطان عقولهم، فقال بعضهم: أنا الحق، وقال الآخر: سبحاني ما أعظم شأني، وقال ~~الآخر: ما في الجبة إلا الله، وكلام العشاق ms125 في حال السكر يطوى ولا يحكى.» # ثم يزيد الإمام الغزالي هذه المعاني إيضاحا، فيعقد في كتابه معراج السالكين، فصلا عن ~~المعراج الرابع عند تفسيره لقوله تعالى: # الله نور السموات ~~والأرض # فيقول: # 12 ~~«فأثبت أن المراد ليس النور الذي كالشعاع، ولا النور الذي هو مادة، ولا كنور ~~البصر، ولا نور الشمس، ولا نور العقل، ولا نور العلم، وإنما هو النور الذي تظهر به الأشياء، ~~وتقوم به الأشياء، وتعرف به الأشياء، وهو نور لا يوصف بالكثافة والتجسيم، وقد وصف الله ~~تعالى ذلك بأن قال: # نور على نور ~~.» # ويفيض الغزالي في شرح الآية الكريمة، وفي شرح معنى القيومية، ثم يقول: «فمن حقق من ~~الصوفية، وعلم وقوف الأشياء عليه، وأن الأمور لا قوام لها دونه قال: ما في الجبة إلا الله، ~~وقال: أنا الحق، مبالغة في التوحيد.» # ومن عجب أن ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وهما علما السنة، يتحدثان عن مقام الفناء ~~حديثا يتفق ويتسق تماما مع المنهج الصوفي، بألحانه ومواجيده وتعبيراته. # يقول ابن القيم: # 13 ~~«الفناء الذي يشير إليه القوم، ويعملون عليه، أن تذهب المحدثات في شهود العبد، ~~وتغيب في أفق العدم، كما كانت قبل أن توجد، ويبقى الحق تعالى كما لم يزل، ثم تغيب صورة ~~المشاهد ورسمه أيضا، فلا يبقى له صورة ولا رسم، ثم يغيب شهوده أيضا فلا يبقى له شهود، ~~ويصير الحق هو الذي يشاهد نفسه بنفسه، كما كان الأمر قبل إيجاد المكونات، وحقيقته أن يفنى ~~من لم يكن، ويبقى من لم يزل.» # ويقول ابن تيمية: # 14 ~~«وقد يعرض لبعض العارفين في مقام الفناء والجمع والاصطلام والسكر، بقوة استيلاء ~~الوجد والذكر عليه، من الحال ما يغيب فيه عن نفسه وغيره، فيغيب بمعبوده عن عبادته، وبمعروفه ~~عن معرفته، وبمذكوره عن ذكره، وبموجوده عن وجوده، ومثل هذا قد يعرض لبعض المحبين لبعض ~~المخلوقين، كما يذكرون أن رجلا كان يحب آخر، فألقى المحبوب نفسه في اليم، فألقى المحب ~~نفسه خلفه، فقال له: أنا وقعت فما الذي أوقعك؟ فقال: غبت بك عني، فظننت أنك ms126 أني. # وينشدون: # رق الزجاج ورقت الخمر # وتشاكلا فتشابه الأمر # فكأنما خمر ولا قدح # وكأنما قدح ولا خمر # وهذه الحال تعرض لكثير من السالكين. ثم يقول: وأما قول الشاعر في شعره: # أنا من أهوى # ومن أهوى أنا # وقوله: # إذا كنت ليلى # وليلى أنا # فهذا إنما أراد به الشاعر الاتحاد الوضعي، كاتحاد أحد المتحابين بالآخر، الذي يحب أحدهما ~~ما يحب الآخر، ويبغض ما يبغضه، ويقول مثل ما يقول، ويفعل مثل ما يفعل، وهو تشابه وتماثل، لا ~~اتحاد العين بالعين، إذا كان قد استغرق في محبوبه، حتى فنى به عن رؤية نفسه، كقول ~~الآخر: # غبت بك عني # فظننت أنك أني # ثم يقول: # 15 ~~«فهذه الحال تعتري كثيرا من أهل المحبة والإرادة في جانب الحق، فإنه يغيب ~~بمحبوبه عن حبه، وعن نفسه، وبموجوده عن وجوده، فلا يشعر حينئذ بالتمييز ولا بوجوده، فقد ~~يقول في هذه الحال: أنا الحق، أو: سبحاني، أو: ما في الجبة إلا الله، ونحو ذلك، وهو سكران ~~بوجد المحبة!» # ولم أجد في الدفاع عن الحلاج وتبرئته من تهمة الحلول والاتحاد أبلغ من ~~كلام ابن تيمية خصم الصوفية الكبير. # من هذا المقام الذي جلاه لنا ابن تيمية كانت ألحان الحلاج. # ومواجيده التي عبر فيها عن صلته بالله، تعبيرات حارة ملتهبة، تضج بوجده، وتنبض بفناء ~~ذاته، وتدندن بالقرب الذي يبيح له أن يتكلم بلسان الحقيقة، فيهتف: # أنا من أهوى ومن أهوى أنا # نحن روحان حللنا بدنا # فإذا أبصرتني أبصرته # وإذا أبصرته أبصرتنا # ثم يعود إلى لسان بشريته فيترنم: # أنا سر الحق ما الحق أنا # بل أنا حق ففرق بيننا # 16 # سأل النهرواني الحلاج أن يفيده بكلمة من التوحيد، فقال الحلاج: «اعلم أن العبد إذا ~~وحد ربه تعالى فقد أثبت نفسه، ومن أثبت نفسه، فقد أتى بالشرك الخفي، وإنما الله تعالى هو ~~الذي وحد نفسه على لسان من شاء من خلقه، # 17 # ثم ترنم: # يا سر سر يدق حتى # يخفى على وهم كل حي # وظاهرا باطنا تجلى # لكل شيء بكل شي # إن اعتذاري إليك ms127 جهل # وعظم شكي وفرط عي # يا جملة الكل لست غيري # فما اعتذاري إذا إلي؟ # وما أصدق هذا اللحن وأروعه: # وظنوا بي حلولا واتحادا # وقلبي من سوى التوحيد خال # | الحلاج والحقيقة المحمدية ووحدة الأديان # يقول ماسنيون: # 1 ~~«إن الحلاج وقف في مفترق الطرق، بين عصرين من أهم عصور التصوف، كان للعصر ~~الأول أثر في تكوين مذهبه، كما كان لمذهبه أثر في توجيه التصوف في العصر الثاني.» # ولا جدال في أن الحلاج قد وجه خطو الحياة الروحية في الإسلام، إلى معارج وآفاق لم ~~تعرفها من قبله، وكان في طليعة هذه المعارج والآفاق، فكرة الحلاج أو نظريته عن الحقيقة ~~المحمدية، أو النور المحمدي. # فلأول مرة في تاريخ التصوف نرى الحب الإلهي عند الحلاج يتجاوز ذات الله سبحانه، إلى ~~أول مخلوقاته، وهو نور محمد صلوات الله وسلامه عليه. # وتنادي النظرية الحلاجية، بأن للرسول عليه السلام صورتين مختلفتين، صورته نورا قديما ~~كان قبل أن تكون الأكوان، ومنه يستمد كل علم وعرفان. وصورته نبيا مرسلا، وكائنا ~~محدثا، تعين وجوده في زمان ومكان محدودين. # وتجعل النظرية النور المحمدي مصدر الخلق جميعا، فمنه صدرت الموجودات، ومن نوره ظهرت ~~أنوار النبوات، وما سائر الأنبياء إلا صور من ذلك النور الأزلي، وقد كانت الصورة الكاملة ~~في سيدنا محمد خاتم النبيين، وأول خلق الله أجمعين. # وقد عقد الحلاج لشرح هذه النظرية فصلا في كتابه «الطواسين» أسماه: طاسين السراج، قال ~~فيه: «طس سراج من نور الغيب بدا وعاد، وجاوز السراج وساد، قمر تجلى من بين الأقمار، برجه ~~في فلك الأسرار، سماه الحق «أميا» لجمع همته، و«حرميا» لعظم نعته، و«مكيا» لتمكينه ~~عند قربه. # شرح صدره، ورفع قدره، وأوجب أمره، فأظهر بدره، طلع بدره من غمامة اليمامة، وأشرقت شمسه من ~~ناحية تهامة، وأضاء سراجه من معدن الكرامة. # ما أخبر إلا عن بصيرته، ولا أمر بسنته إلا عن حق سيرته، حضر فأحضر، وأبصر فأخبر، وأنذر ~~فحدد. # ما أبصره أحد على التحقيق، سوى الصديق؛ لأنه دافعه، ثم رافعه، ما عرفه عارف إلا جهل ~~وصفه # الذين آتيناهم ms128 الكتاب يعرفونه كما ~~يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم ~~يعلمون ~~.» # ثم يقول: «أنوار النبوة من نوره برزت، وأنوارهم من نوره ظهرت، وليس في الأنوار نور أنور ~~وأظهر من نور صاحب الكرم، همته سبقت الهمم، واسمه سبق القلم؛ لأنه كان قبل الأمم.» # ثم يقول: «العلوم كلها قطرة من بحره، الحكم كلها غرفة من نهره، الأزمان كلها ساعة من ~~دهره.» # فرسول الله إذن في نظرية الحلاج هو أول تعين من تعينات الذات الإلهية، وعنه فاضت ~~المخلوقات الأخرى، فهو أصل الوجود وعماده، ولولاه ما كان شمس ولا قمر، ولا نجوم ولا ~~أنهار. # ولو لم يبعث محمد - صلوات الله عليه - كما يقول الحلاج، لم تكمل الحجة على جميع ~~الخلق، وكان يرجو الكفار النجاة من النار. # وعن الحلاج تطورت هذه النظرية، على أيدي الصوفية، حاملة أسماء مختلفة، مثل الإنسان ~~الكامل، أو القطب الباز، ولكن جوهر النظرية ظل كما وضعه الحلاج في القرن الثالث. # وقد أثرت هذه النظرية في توجيه المدائح النبوية، إلى تلك الصور التي تتسق مع هذه النظرية، ~~فمداح الرسول عليه السلام يستقون - كما يقول ماسنيون - من معين الحلاج، وينسجون على ~~منواله. # ومن المعارج والآفاق التي ابتكرها الحلاج وأضافها إلى المعرفة الصوفية قوله بوحدة ~~الأديان؛ فهو يرى أن الأديان وجهات نظر إلى حقيقة واحدة؛ لأن أهل كل دين قد نظروا إلى ~~الله نظرة تخالف نظر الآخرين، والجميع ينشدون شيئا واحدا، وهم في ذلك محقون؛ لأن ~~الاختلاف لا بد أن يكون اختلافا في الأسماء والألقاب، والمقصود في الجميع لا ~~يختلف. # وقد انبثقت من هذه النظرية نظرية حلاجية أخرى في الجبر؛ لأنه نتيجة طبيعية لهذه ~~الوحدة. # فالحلاج يرى أن الله شغل بكل دين طائفة، لا اختيارا منهم، بل اختيارا عليهم، فمن ~~لام أحدا ببطلان ما هو عليه، فقد حكم بأنه اختار ذلك لنفسه. # والجبر يقتضي الفرق بين الإرادة والأمر، والحلاج لهذا لا يقسو على إبليس بل يشفق عليه ~~في رفضه السجود لآدم؛ لأن الله سبحانه أراد عدم السجود في الأزل، رغم الأمر بالسجود، وإبليس ms129 ~~رأى أن هذا الأمر ظاهري فقط، وهو في حقيقته ابتلاء! والله وحده سبحانه هو الحقيق بالسجود ~~له. # يقول الحلاج: # 2 ~~«لما قيل لإبليس اسجد لآدم، خاطب الحق: أرفع شرف السجود عن سري إلاك حتى ~~أسجد له؟ إن كنت أمرتني، فقد نهيتني. قال: فإني أعذبك عذاب الأبد! فقال: ألست تراني في ~~عذابك لي؟ قال: بلى، فقال: فرؤيتك لي تحملني على رؤية العذاب، افعل لي ما شئت.» # وإبليس عند الحلاج من أهل الفتوة؛ لأنه هدد بالعذاب الخالد فلم يرجع عن دعواه التي آمن ~~بها! # | عقيدته التوحيدية # مذهب الحلاج في التوحيد أن الذات الإلهية وراء الإدراك، وفوق التصور، لا ينالها البصر، ~~ولا يدركها الفكر، وكل ما يصف به الناس ربهم، فإنما يصفون به أنفسهم. # والعقل الإنساني لا يدرك الله سبحانه، فالوجد وحده هو الذي يدرك الله تعالى، وجذبة الوجد، ~~وحرقة الحب، هما طريق الوصول. # والوجود الحقيقي لله سبحانه، وهو سبحانه غير محدود، فلا يوجد وجودا حقيقيا ~~سواه. # وهذا الوجود الظاهر للعالم، متصل بالله اتصالا يجعل إدراكه بغير إدراك الله متعذرا! ~~يقول الحلاج: «ما انفصلت البشرية عنه، ولا اتصلت به.» # والوحدة التي تأتي في كلمات الحلاج ليست من الحلول، ولا من الاتحاد، ولا من وحدة ~~الوجود. # فالحلاج يفرق بين الله والعالم، ولكنه يرى، كما يرى الصوفية جميعا أن هذا العالم ~~الظاهر لا جود له حقا، وإنما الوجود الحق لله، فليس هو العالم ولا العالم هو؛ لأن العالم ~~لا وجود له. # فالله سبحانه ليس في العالم ، ولا العالم خلو منه، ليس محدودا فيه، وليس خارجه، فما ~~العالم إلا تجليه، فهو في كل مكان، وليس في كل مكان، في كل جهة وليس له جهة، أو كما ~~يقول الحلاج في مواجيده: «أين أنت؟ وأين مكان لست فيه؟» # ويقول الحلاج وهو من أبلغ الكلم في جلاء مذهبه التوحيدي: # 1 ~~«الحق تعالى أوجد هذه الهياكل على رسم العلل، منوطة بالآفات، فانية في ~~الحقيقة، وإنما الأرواح فيها إلى أجل معدود، وقهرها بالموت، وربطها في وقت إتمامها ~~بالعجز. # وصفاته تعالى باينة ms130 عن هذه الأوصاف من كل الوجوه، فكيف يجوز أن يظهر الحق فيما أوجده ~~بهذا النقص والعلة؟ كلا وحاشا، وثبت أن الحق سبحانه وتعالى ألزم في كتابه وصف العبودية ~~للخلق أجمع، فقال: # وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون # وقال: # إن كل من في السماوات ~~والأرض إلا آتي الرحمن عبدا # فكيف يجوز أن يحل فيما ألزمه وصف ~~النقص، وهو العبودية، فيكون مستعبدا معبودا؟!» أيتهم الحلاج بعد ذلك ~~بالحلول؟! # قال المزني: «دخل الحسين بن منصور - رحمه الله - مكة، فسئل عن شهادة الذر للحق ~~بالوحدانية وعن التوحيد، فتكلم فيه حتى نسينا التوحيد، فقلنا: هذا يليق بالحق؟ فقال: هذا ~~يليق به، من حيث رضي به نعتا، ولا يليق به وصفا ولا حقيقة، كما رضي بشكرنا لنعمه، وأنى ~~يليق شكرنا بنعمه؟!» # ويقول السلمي في حقائق التفسير: «سئل الحسين بن منصور هل ذكره أحد على الحقيقة، فقال: ~~ليس له إدراك، ولا لغيبه هتاك، له من الأسماء معناها، والحروف مجراها؛ إذ الحروف مبدوعة، ~~والأنفاس مصنوعة، والحروف قول القائل. # رجع الوصف إلى الوصف، وعمي العقل عن الفهم، والفهم عن الدرك، والدرك عن الاستنباط، وانتهى ~~المخلوق إلى مثله.» # ويقول مسعود الواسطي: # 2 ~~«سمعت الحسين بن منصور يقول لإبراهيم بن فاتك، وأنا أسمع: يا إبراهيم إن الله ~~تعالى لا تحيط به القلوب، ولا تدركه الأبصار، ولا تمسكه الأماكن، ولا تحويه الجهات، ولا ~~يتصور في الأوهام، ولا يتخايل للفكر، ولا يدخل تحت كيف، ولا ينعت بالشرح والوصف، ولا ~~تتحرك، ولا تسكن، ولا تتنفس إلا وهو معك، فانظر كيف تعيش.» # ويروي الكلاباذي عن الحلاج قوله: # 3 ~~«البادي من المكونات معروف بنفسه بهجوم العقل عليه، والحق أعز من أن تهجم ~~العقول عليه، وأنه عرفنا نفسه أنه ربنا، فقال: «ألست بربكم»، ولم يقل من أنا، فتهجم ~~العقول عليه حين بدا معرفا، فلذلك انفرد عن العقول، وتنزه عن التحصيل غير ~~الإثبات.» # ومن وراء أستار الغيب يقول الحلاج: # هذا وجودي وتصريحي ومعتقدي # هذا توحيد توحيدي وإيماني # هذا عبارة أهل الانفراد به # ذوي المعاني في سر وإعلان # هذا ms131 وجود وجود الواجدين له # بني التجانس أصحابي وخلاني # | الحلاج بين أنصاره وخصومه # يقول الإمام الشعراني: «إن الله سبحانه قد ابتلى هذه الطائفة - الصوفية - بالخلق كما ~~ابتلى الأنبياء من قبل بعداوة الناس وخصومتهم.» # ولقد اختص الحلاج وحده في الأفق الصوفي بأكبر قسط من هذا الابتلاء، أو هذا ~~الافتراء. # فلم تختصم الأقلام حول رجل في الحياة الروحية كما اختصمت صاخبة مدوية حول الحلاج ~~وسيرته وعقيدته! # حتى ليقول اليافعي: «الحلاج ثالث ثلاثة، أحبهم قوم فكفروا بحبهم، وأبغضهم قوم فكفروا ~~ببغضهم، والاثنان الآخران، عيسى ابن مريم، وعلي بن أبي طالب.» # وروى العارف زروق عن شيخه النوري، أنه سئل عنه فقال: اختلف فيه من الكفر إلى القطبانية، ~~ومن لم يذق ما ذاقه القوم، ويجاهد مجاهداتهم، لا يسعه إلا الإنكار عليهم.» # وجاء في مطلع كتاب - مفاتيح الغيوب وتعمير القلوب: «اعلم أن الحلاج عند محققي العلماء، ~~مجمع على ولايته، ومعرفته بربه عز وجل، ما ينسب إليه من غير هذا كذب وبهتان عليه، ~~فيجب اعتقاد ولايته وصدقه، وأنه ركن من أركان طريق الحق سبحانه، وإمام من أئمة المسلمين، ~~ولكنه كان له أعداء أغراهم إبليس به، فآذوه وافتروا عليه، ولا تلتفت إلى هذه المخالفات ~~المزورة عليه، وقد وصفه بالولاية، والجمع بين العلم والعمل غير واحد من أكابر ~~الأئمة.» # وعن عيسى القزويني قال: «سألت ابن خفيف ما تعتقد في الحلاج؟ قال: أعتقد بولايته، قلت: ~~قد كفره المشايخ، قال: إن كان الذي رأيت في الحبس لم يكن توحيدا، فليس في الدنيا ~~توحيد.» # ويقول العلامة السلمي : سمعت إبراهيم بن محمد النصراباذي، وقد عوتب في شيء حكي عن ~~الحلاج في الروح، فقال: إن كان بعد النبيين والصديقين موحد فهو الحلاج.» # ويقول الشعراني: # 1 ~~«وقد كان الشيخ أبو العباس المرسي - رضى الله عنه - يقول: أكره من الفقهاء ~~خصلتين: قولهم بكفر الحلاج، وقولهم بموت الخضر عليه السلام. أما الحلاج فلم يثبت عنه ما ~~يوجب القتل، وما نقل عنه يصح تأويله نحو قوله - على دين الصليب يكون موتي - ومراده أن يموت ~~على دين نفسه، فإنه هو ms132 الصليب، وكأنه قال: أنا أموت على دين الإسلام، وأشار إلى أنه يموت ~~مصلوبا وكذلك كان.» # وقيل للقطب الرفاعي: إن أهل بغداد يقولون: مشايخ العراق كانوا في زمان الحلاج؛ لأنه لما ~~احترق وذرى في الماء شربوه فصاروا مشايخ وأخذوا بقوله: # وما شرب العشاق إلا بقيتي # وما وردوا في الحب إلا على وردي # فقال: لو كان مشايخ العراق مشايخ، لأخذ السيف جنوبهم، كما أخذ الحلاج!» # وذكر الكلاباذي في التعرف: «أن الخضر عليه السلام عبر على الحلاج وهو مصلوب، فقال له ~~الحلاج: هذا جزاء أولياء الله، فقال له الخضر: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت لو طارت مني شرارة ~~لأحرقت مالكا وناره!» # ويروي السلمي: أن بعض أهل الكشف زار قبر الحلاج، فرأى نورا ساطعا من قبره إلى السماء، ~~فقال: يا رب ما الفرق بين قوله «أنا الحق»، وبين قول فرعون «أنا ربكم الأعلى»، فألهم أن ~~فرعون رأى نفسه وغاب عنا، وهذا رآنا وغاب عن نفسه. # ويقول صاحب «فصل الخطاب»: «الإجماع منعقد عند المشايخ على كون الحسين بن منصور ~~شهيدا.» # ويقول أبو حيان: # 2 ~~«وكان شيخ الحنابلة في عصره أبو الوفا بن عقيل يتعصب للحلاج ويمجده، وعزلته ~~الخلافة العباسية واضطهدته لذلك.» # ويقول العلامة ابن سبعين عن الحلاج: «إنه ولي وشفيع لا تناقض عنده، مؤمن بالتوحيد ~~الأول الكلي الذي يتجاوز نطاق الإسلام.» # ويقول الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي في الفتوحات، معقبا على كتاب الحلاج - الصيهور ~~والديهور: «لم أر متحدا أوثق وفتق، وبربه نطق، وأقسم بالشفق، والليل وما وسق، والقمر إذا ~~اتسق، وركب طبقا على طبق مثله، فإنه نور في عنق، منزلة الحق عنده منزلة موسى من ~~التابوت؛ ولذلك كان يقول باللاهوت والناسوت، وليس هو ممن يقول «العين واحدة»، ويحيل الصفة ~~الزائدة. # وأين فاران من الطور، وأين النار من النور، والعرض محدود، والطول ظل ممدود، والفرض ~~والنقل شاهد ومشهود.» # وقد عقد الإمام الغزالي في كتابه «مشكاة الأنوار» فصلا طويلا دافع فيه عن الحلاج، ~~وشرح ألفاظه وأقواله، واعتبره من الصفوة الهداة الداعين إلى الله. # ويقول الأستاذ أبو الوفا ms133 التفتازاني، في كتابه عن ابن عطاء السكندري: «إن الشاذلية جميعا ~~يجلون الحلاج ويعتقدونه إماما.» # وتقول دائرة المعارف الإسلامية: # 3 ~~«قل بين المسلمين من ثار حوله الجدل مثل الحلاج، وذلك أن الرأي العام وضعه ~~موضع التقديس والولاية، رغم ما أثار خصومه حوله.» # ثم تضع دائرة المعارف سجلا شاملا لمن كفره، ولمن اعتقد بولايته، ولمن توقف في أمره، ~~فتقول: «فمن عده من الأولياء من الفقهاء: الشوشتري، والعاملي، والعبدري، والدلنجاوي، ~~والنابلسي، والمقدسي، واليافعي، والشعراني، والهيتمي، وابن عقيلة، وسيد مرتضى ~~الزبيدي. # ومن المتكلمين: ابن خفيف، والغزالي، وفخر الدين الرازي، والمدرستان السالمية، ~~والماتردية. # ومن الحكماء: ابن طفيل، والسهروردي، والحلبي، ومن الصوفية: الشبلي، وفارس، والكلاباذي، ~~والنصراباذي، والسلمي، والدقاق، والقشيري، والصيدلاني، والهجويري، وأبو سعيد الهروي، ~~والفارمذي، وعبد القادر الجيلاني، والبقلي، والعطار، وابن عربي، وجلال الدين الرومي. # وأما الذين تنادوا بتكفيره: فابن داود، وابن حزم، وابن تيمية، والطوسي، والحلي، وابن ~~خلدون، والجبائي، والباقلاني.» # ثم تقول دائرة المعارف: «وقد حاول الحلاج بوصفه من أهل الجدل والوجد أن يوفق بين الدين ~~والفلسفة اليونانية، على أساس من التجربة الصوفية، وهو في هذا يعد رائدا للغزالي، وقد جعل ~~الصوفية من الحلاج أعظم شهدائهم.» # | الروح الخالد # ذلك موقف التاريخ من الحلاج وحياته، وتلك هي المعركة التي دارت حول رسالته. # وقد آن للضمير الإسلامي أن يتحرر من سحر التهاويل المفتعلة، وضجيج الافتراءات الكاذبة، ~~التي أحاطت بالحلاج وسيرته ورسالته. # ومن أدب القرآن، أن من قتل نفسا ظلما فقد قتل الناس جميعا، وكذلك من اتهم نفسا ظلما ~~فكأنما اتهم الناس جميعا. # إن عرض الإنسانية وشرفها وكرامتها كل لا يتجزأ، والدفاع عن هذه المقدسات للناس كافة ~~رسالة وأمانة في أعناق الأقلام الحرة، والقلوب المؤمنة. # ومن كلمات النبوة الخالدة: «من أرخ مؤمنا فكأنما أحياه.» # ونحن نأمل أن نكون قد وفينا حق هذه الأمانة، وأقمنا على الصراط المستقيم المضيء حياة رجل ~~يقف شامخا على مرقاة مضيئة هادية، ليرشد الإنسانية إلى معراج من الحب الإلهي يسمو ~~بالوجود الإنساني، إلى سدرة الرجل الرباني، الذي يرتفع فوق الحياة، ليتخلق بأخلاق الله، ~~ويقتات ms134 قلبه بنوره ورضاه. # رجل عاش للمثالية الإيمانية، بكل ما يتسع له أفقها الرحب، وجاهد في سبيلها، وقدم دمه ~~فداء لها. # عاش للمثل العليا، تملأ نفسه، وتغمر روحه، وتضيء قلبه، وتفتح له آفاقا فسيحة في عالم ~~الخير والحب والكمال، عاش ووجهه للسماء أبدا. # عاش ليقدم للإنسانية صورة من صور البطولة الروحية الشامخة، تتضاءل حيالها كافة الصور ~~البطولية، التي تنبثق من كبرياء النفس وشهواتها. # عاش ليقدم البرهان المضيء على أن التصوف في جوهره هو أعلى صور التسامي، كما هو أعلى صور ~~الجهاد والفداء. # عاش ليقدم الدليل الحي على أن الروح إذا ارتفعت إلى الله سبحانه صغرت الأكوان في نظرها، ~~وهانت الأحداث في منطقها، فغدت بزهدها وترفعها، أعظم قوة تهز عروش البغي، وتوجه أحداث ~~التاريخ. # وبعد، فعلى مرمى السهم من الفرات، في قلب بغداد، يقوم ضريح لا تنطفئ أنواره، ولا ينقطع ~~رواده. # وإلى هذا الضريح تتجه قلوب الملايين، عبر القرون، وتحت قبابه أنشد جلال الدين الرومي ~~روائعه، ورتل فريد الدين العطار أقوى ملاحمه، وترنم الجامي بنفحات أنسه، وفي ردهاته عقد ~~صوفية الفرس والترك حلقاتهم التاريخية، وأنشد العابدون على ناي منصور أروع ألحان الروحانية ~~الإسلامية. # ومن عجب أن الضريح لا يضم جسدا، ولا يحوي رفاتا، لقد أقيم رمزا وذكرى، لروح لمع في ~~أفق الحياة، كما يلتمع الشهاب في أفق السماء، ثم احترق كما يحترق كل شهاب، يطل على الوجود، ~~بنور لا تحتمله العيون. # ذلك هو ضريح الحلاج الشهيد، الذي لا يضم رفاتا؛ لأن الكون كله، هو الذي ضم رفاته، ~~واحتضن ذراته . # وتلك آية من آيات الخالدين. # طه عبد الباقي سرور نعيم # 22 من ربيع الأول عام 1381ه / 2 سبتمبر عام 1961م ms135