######OpenITI# #META# URI: 1382TahaCabdBaqiSurur.IbnCarabi.Hindawi24957531 #META# Tags: biographies #META# ID: 24957531 #META# Title: محيي الدين بن عربي #META# AuthorID: 13753183 #META# Author: طه عبد الباقي سرور #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # بين يدي الطبعة الثانية‏ # أفق ... ونجم‏ # مولده ونشأته‏ # بين ابن رشد ومحيي الدين‏ # العلم النظري واللدني‏ # مكانة الشيخ في الطريق‏ # الخضر وشيوخه في الطريق‏ # المقامات والأحوال‏ # محيي الدين وملك المغرب‏ # إلى الأرض المقدسة‏ # المرأة في حياة محيي الدين‏ # السائح الإسلامي‏ # صلاته بالملوك‏ # المعراج الأخير‏ # النهج الصوفي‏ # مكانة محيي الدين من العلم اللدني‏ # أقسام العلوم ومراتبها‏ # الطريق الأعظم‏ # محيي الدين والفرق الإسلامية‏ # بين التصوف والفلسفة‏ # مملكة التصوف‏ # الكون الحي‏ # أقسام المتصوفة‏ # أسرار الروح‏ # محيي الدين والحب الإلهي‏ # محيي الدين ووحدة الوجود‏ # المتشابهات في كلام محيي الدين‏ # المستشرقون ووحدة الوجود‏ # ابن تيمية ووحدة الوجود‏ # آداب المريد عند محيي الدين‏ # محيي الدين ورسالة الأخلاق‏ # الإنسان الكامل‏ # عقيدة محيي الدين الإلهية‏ # أثر محيي الدين في النهضة الأوروبية‏ # المدرسة الأكبرية‏ # الشيخ الأكبر‏ # رجل الأسرار‏ # بعض مصادر الكتاب‏ # بين يدي الطبعة الثانية‏ # أفق ... ونجم‏ # مولده ونشأته‏ # بين ابن رشد ومحيي الدين‏ # العلم النظري واللدني‏ # مكانة الشيخ في الطريق‏ # الخضر وشيوخه في الطريق‏ # المقامات والأحوال‏ # محيي الدين وملك المغرب‏ # إلى الأرض المقدسة‏ # المرأة في حياة محيي الدين‏ # السائح الإسلامي‏ # صلاته بالملوك‏ # المعراج الأخير‏ # النهج الصوفي‏ # مكانة محيي الدين من العلم اللدني‏ # أقسام العلوم ومراتبها‏ # الطريق الأعظم‏ # محيي الدين والفرق الإسلامية‏ # بين التصوف والفلسفة‏ # مملكة التصوف‏ # الكون الحي‏ # أقسام المتصوفة‏ # أسرار الروح‏ # محيي الدين والحب الإلهي‏ # محيي الدين ووحدة الوجود‏ # المتشابهات في كلام محيي الدين‏ # المستشرقون ووحدة الوجود‏ # ابن تيمية ووحدة الوجود‏ # آداب المريد عند محيي الدين‏ # محيي الدين ورسالة الأخلاق‏ # الإنسان الكامل‏ # عقيدة محيي الدين الإلهية‏ # أثر محيي الدين في النهضة الأوروبية‏ # المدرسة الأكبرية‏ # الشيخ الأكبر‏ # رجل الأسرار‏ # بعض مصادر الكتاب‏ # | محيي الدين بن عربي # | محيي الدين بن عربي # تأليف # طه عبد الباقي سرور # | بين يدي الطبعة الثانية # ... اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك! ~~... اللهم لا أستطيع أن أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك! ~~... اللهم لك الحمد سرمديا خالدا، ولك يسجد هذا القلم متبتلا خاشعا؛ إذ يسرت له ~~وحده أن ينال شرف ms001 إصدار أول كتاب بلغة الضاد، عن العبقري العالمي، والعابد العالم المثالي، ~~شيخ التصوف الأكبر، الإمام محيي الدين بن عربي. # ولقد تقبل العالم الإسلامي الطبعة الأولى من كتابنا قبولا حسنا كريما، فنفدت نسخه ~~سراعا، وتوالت علينا من سائر الأقطار الإسلامية الرسائل الكريمة الغالية تطالبنا في إلحاح ~~حبيب بإعادة طبعه. # وها نحن - بتوفيق من الله - نقدم لقرائنا الطبعة الثانية، وقد أضفنا إليها دراسات للشيخ ~~الأكبر، تناولت - فيما تناولت - عقيدته التوحيدية، ورسالته الأخلاقية، والآداب التي ~~ينشدها للمريدين، وهي خلاصات مركزة محررة لمخطوطات من تراث الشيخ الأكبر، ~~مجلاة بذلك القلم القوي العبقري الذي أوثر عنه، وعرف به. # والله أسأل، أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، الذي أشرقت بنوره السموات والأرضين، وأن ~~يمن علينا بالهدى والرضا واليقين، وأن يوفقنا دائما للعمل في الأفق الأعلى؛ أفق ~~الروحانية الإسلامية. # صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له ~~عابدون ~~. # طه عبد الباقي سرور نعيم # 28 / 12 / 1955 # | أفق ... ونجم # ... انطلقت الخيل العربية الأصلية، من هضاب مكة وأودية المدينة في أمواج متدفقة، تحمل إلى ~~الدنيا قوة جديدة فوارة بالبأس، رحيمة بالهدى والإيمان. # وغمرت تلك الأمواج سهول آسيا، وطوت بوادي أفريقيا؛ فلم يصدها عن الطواف بالكوكب الأرضي ~~إلا أمواج المحيطات في الشمال والجنوب. # ووقف عقبة بن نافع في أقصى بقعة من الشمال الأفريقي المواجه لأوروبا، يرقب الأفق، ويفكر ~~في شيء غير مرئي، ثم دفع بجواده إلى الماء هاتفا: «اللهم رب محمد، لو أعلم أن وراء هذا ~~الماء أرضا تغزى في سبيلك لغزوتها.» # ومضت سنون، فإذا بفرسان الصحراء يستبدلون بصهوات جيادهم الجواري المنشآت في البحر ~~كالأعلام، المتحكمات في عروش الماء، وإذا بالمحيطات ميدان جديد لتلك القوة الفوارة ~~بالبأس، الرحيمة بالهدى والإيمان. # وانطلقت سابحات الماء العربية تجوب البحار، وتقرع أبواب أوروبا؛ فيتم لها التطواف حول ~~الأرض حتى لا تكون فتنة، وحتى يكون الدين كله لله. # وكانت الوثبة الأولى على الجزيرة الخضراء؛ مفتاح أوروبا ورأسها المفكر، وبسيادة العرب على ~~الأندلس أضاء الإسلام قارات الدنيا الثلاث المعروفة في ذلك الحين؛ فتمت له السيادة ms002 ~~العالمية. # وفي الأندلس دخلت الحضارة المحمدية أفقا جديدا، والتقت وامتزجت بثقافات وعادات وأمم ~~جديدة. وإلى الأندلس - وهي أقصى مد للموجة الحربية المنتصرة - نفر الأبطال والرجال أولو ~~البأس والعزم والطموح، وإليها - وهي أبعد المراكز الإسلامية عن مقر الخلافة الحاكمة ذات ~~العنفوان والجاه - هرع الأحرار والعلماء ورجال الفكر. # وبذلك ظفرت الأرض الجديدة بالصفوة المختارة؛ فتهيأت لأن تكون مهدا وساحة للعصر الذهبي ~~في الإسلام، وأعدت لمشاهدة أعظم حضارات العالم القديم. # يقول كاتب إسبانيا الأكبر «بلاسكوا أبانيز» في كتابه - ظلال الكنيسة - متحدثا عن العصر ~~الإسلامي في إسبانيا: «... وأخذ فرسان محمد # صلى الله عليه وسلم # يتدفقون من جانب المضيق، فتستقر معهم تلك ~~الثقافة الغنية الموطدة الأركان، نابضة بالحياة، بعيدة الشوط، ولدت منتصرة، وبث فيها ~~النبي حمية مقدسة، واجتمع لها ما في وحي إسرائيل، وعلم بيزنطية، وتراث الهند، وذخائر ~~فارس، ومعارف الصين.» # ثم يقول: «لقد نمت في إسبانيا ما بين القرن الثامن والقرن الخامس عشر، أجمل الحضارات ~~وأغناها، وفي الوقت الذي كانت فيه أمم الشمال فريسة للفتن الدينية والمعارك الهمجية، كان ~~سكان إسبانيا العرب يزدادون؛ فيزيدون على ثلاثين مليونا، تنسجم بينهم جميع العناصر ~~البشرية، والعقائد الدينية، وخفق قلب الحياة الاجتماعية بأقوى نبضاته التي عرفها التاريخ؛ ~~فلا ترى لها قرينا تقابله به غير ما نجده في الولايات المتحدة الأمريكية، من تنوع الأجناس، ~~واتصال الحركة والنشاط؛ فعاشت في الأندلس تحت ظلال العرب طوائف من النصارى وأهل الجزيرة ~~ويهود إسبانيا والمشرق، فكان منهم ذلك المزيج العجيب، وعاشت - بفضل ذلك التفاعل بين العناصر ~~والعروق - جميع الآراء والعادات، وتمت الكشوف العلمية والأنظمة الفنية، وانبعثت - من ~~تجاوب هذه القوى - مواهب الإبداع والتجديد.» # تلك شهادة كاتب أوروبي معاصر متعصب، تنطق في حرارة عميقة بعظمة تلك الحضارة الإسلامية، ~~التي أشرقت في الأندلس، وهي حضارة لم يجد لها الكاتب مثيلا من حيث العظمة، والضخامة، ~~والسرعة، والإنتاج، والمعارف العلمية إلا حضارة الولايات المتحدة الحديثة. # وأي حضارة تسابق تلك الحضارة الأندلسية؟ وأي أيام تضارع أيام الحكم الثاني؛ أحد ملوكها ~~الذي أسس في قرطبة وحدها سبعا وعشرين مدرسة ms003 للتعليم المجاني؟ كما أنشأ في قصر مروان ~~مكتبة، ضمت أكثر من ستمائة ألف مجلد، وجعلها بين الحدائق والرياض للعلماء والأدباء ~~والشعراء، كما أصدر أمرا ملكيا لا يزال إلى يومنا عجبا من أعاجيب التقدم الإنساني، بل ~~حلما من أحلام رجال الإصلاح الاجتماعي، فقد خصص في هذا الأمر لكل أعمى مرشد يقوده، ~~ولكل مريض طبيب يعالجه، ولكل أمي هاد يرشده ويثقفه. # يقول المستشرق دوزي في كتابه «تاريخ المسلمين بإسبانيا»: «لقد كان كل فرد في الأندلس يعرف ~~القراءة والكتابة، بينما كان نبلاء أوروبا لا يعرفون حتى التوقيع بأسمائهم، وكانت جامعة ~~قرطبة منارة للعلم، لا تزاحمها منارة تماثلها في العالم، تدرس فيها العلوم الطبية ~~والرياضية والفلكية والكيميائية دراسة ورثتها أوروبا؛ فأضاءت لها الطريق إلى هذا الملك ~~العريض.» # ويقول الأستاذ «ح. ب. نرند» في مجموعة تراث الإسلام؛ واصفا قرطبة في القرن الرابع ~~الهجري: «وكان الرحالة القادمون من الشمال - من أوروبا - يتسامعون بين الخشوع والرهبة ~~بأخبار المدينة التي كان بها سبعون دار للكتب، وتسعمائة حمام للجمهور.» # ذلك هو الأفق الأندلسي، الذي حلق فيه المسلمون بأجنحتهم الجبارة؛ فنظرت إليهم الأمم ~~بعين الخشوع والرهبة، ثم هرعت إليهم؛ لتنهل من العلم، وتقتات من الإيمان، وتتزود ~~بالهدى. # كانت الأندلس هي المنارة التي ترسل شعاعها كالشمس تنير جنبات الأرض، وتضيف إلى أمجاد ~~الإنسان فنونا من العلوم، وألوانا من الآداب، وفيوضا من الكشوف العلمية، والفكرية ~~والدينية. # وتجلت الأندلس، وتحلت بأجمل حلاها في القرن الخامس الهجري، حتى ليشبهها دوزي ~~بالممر العالمي، والجسر الذي تلاقت عنده ثقافات أوروبا القديمة بتلك الثقافة المحمدية ~~المقدسة المنتصرة، كما تدفقت إليها معارف الشرق الإسلامي؛ فنمت وزكت حتى غدت ~~مجمعا أعلى للفكر الإنساني العالمي. # ولقد درج التصوف مع الفكر الإسلامي منذ يومه الأول، يصعد بصعوده ويهبط بهبوطه؛ كما تدرجت ~~المعارف الصوفية تدرجا طبيعيا، من الزهد والعزلة والذكر والتصفية القلبية، وما يلهمه ~~صفاء القلب من فهم في كتاب الله، وإدراك لأسرار كلام رسوله، كما نشاهد في صوفية القرن ~~الأول إلى سمات امتاز بها القرن الثاني؛ إذ انتقل التصوف إلى آفاق ms004 أرحب وأشمل، إلى معارف ~~الروح وإلهاماتها، ومعاني المحبة وأقباسها، وحنين القلوب وأشواقها، وتعددت مدارس التصوف، ~~وتعددت ألوانه وطرائقه ومذاهبه، تعددا ظهرت آثاره واضحة مشرقة في صوفية القرن الثالث ~~والقرون التالية. # فمدرسة سعيد بن المسيب، وهي مدرسة التصوف الممزوج بالفقه والتوحيد، بلغت ذروتها في ~~الأعلام الهداة: الغزالي، والرفاعي، والجيلاني. # ومدرسة إبراهيم بن أدهم، وهي مدرسة التصوف الذي سمته المحبة المشبوبة، أنجبت ذا النون ~~المصري، أكبر المتحدثين عن النفس ومقاماتها، والبسطامي العلم الفرد في توضيح حالات الفناء، ~~وهي أسمى مراتب المريدين وأعلى قمة المحبين؛ حيث تنكشف في ساحاتها الحقائق الإلهية المكنونة ~~على غير أهلها، وحيث تسمو الروح في رحابها إلى مرتبة الفيض والإشراق. # ثم يأتي دور الكمال الصوفي، ممثلا في شيخ الطريقة الجنيد، ودور الإبداع الفني في ~~المحب الفاني الحلاج، الذي شرب من كأس الحب، حتى انتشى ثم غرق؛ فكان فتنة للناس، ودور ~~الكمال العلمي متجليا في العبقري شهاب الدين السهروردي؛ رئيس الإشراقيين، وابن سبعين ~~الصيقلي إمام المفسرين وعمدة الشارحين. # فإذا نمت للتصوف في القرن الخامس الهجري مدرسة جامعة، مميزة بسمات وعلامات، لها ~~عناصرها وعلومها، وأساتذتها ومريدوها، وإذا تم للتصوف نفوذ القوي الغلاب على الأرواح ~~والقلوب في سائر أنحاء المجتمع الإسلامي، وشيد الصرح الأسنى ورفعت قواعده؛ فقد آن ~~له أن يتحلى بالمحراب والإمام والزعيم الأكبر في علوم الفيض والإلهام، وفنون العطايا ~~الإلهية، والمعارف اللدنية، والكاتب المصطفى الذي يهب الحياة والخلود، لكل ما تدركه ~~خواطره، أو يمسه قلمه، أو ينفث في قلبه من هدى ونور. # وجاء محيي الدين، على عرش قدر وأعد، فكان اسمه يحمل حقيقة رسالته، وكانت سمته ~~الغلابة السلطنة والسيادة، وكان مقامه من التصوف كلمة الإمام صفي الدين: «الجنيد يربي ~~المريدين، ومحيي الدين يربي العارفين.» وتربية العارفين - وهم من هم - قمة في التصوف ~~تفرد بها، فهو أولها وهو أيضا ختامها. # جاء محيي الدين في العصر الذهبي للحضارة الإسلامية الأندلسية، جاء في عصر مأهول ~~بالعلماء، عامر الأفق بنجوم السماء، فلما ألقى من فيض ما تلقى بيانه وهداه، خشعت له ~~القلوب، ودانت له ms005 العقول، ثم طوف في رحاب العالم الإسلامي، كالغيث المبارك أينما حل ~~هطل فأنبت وأحيا. # وللبيئة الأندلسية التي وجد فيها محيي الدين، تأثير حاسم في حياته، فبينما كان المشرق ~~الإسلامي يموج بطوائف من الملل والنحل والمذاهب. # أمم من الخوارج والمرجئة، ومجادلين من الأشاعرة والماتردية والمعتزلة، وبينما كانت هذه ~~الطوائف تتصارع وتتلاحى، وتفني حويتها في الصراع والتلاحي، كانت الأندلس تحت أجنحة ~~الرحمة أمة واحدة متجانسة الفكر، موحدة المذهب، رضية الجدل والحوار. # ولهذا لم يفن محيي الدين حياته صراعا وقتالا، كما فعل الغزالي الذي سبقه بقليل في ~~المشرق في حروبه ومجادلاته، مع الفلاسفة والفقهاء ورجال المذاهب. # ولم تلظ حياته بأوار مستعر من الخصومات العنيفة، كما نشاهد في ابن تيمية في المشرق ~~أيضا بعده بقليل مع القرامطة والفلاسفة والصوفية وغيرهم، بل امتازت حياته بالهدوء والصفاء ~~والتفرغ المطمئن للتعبد والتلقي. # وإذا اشتبك في جدال أو حوار - وقليلا ما يشتبك - فهو الهادي السمح، الرحب الأفق والصدر؛ ~~فلا يرمي بالكفر، وما إلى الكفر من نعوت وألقاب، كما فعل الغزالي، ولا يقذف بالزندقة ~~والفجور، كما صنع ابن تيمية، بل أقصى ما يرمي وأجرح ما يوجه هو أن يقول لخصمه في سماحة: ~~«لقد أخطأ عقلك، ولم يخطئ إيمانك.» كما قال للمجسدة والمعتزلة خلال مناقشته لهم في صفات ~~الذات؛ فالإيمان عنده في القلب، أما الآراء فمن وثبات العقول. # وثمة صفة أخرى واضحة في حياة محيي الدين، فعلومه علوم كشف وفيض، ومصادر الكشف ~~والفيض هي الإلهام الإلهي والفتح الرباني، وهو يقول في صراحة: إنه لا يكتب عن روية وفكر؛ ~~وإنما عن نفث في روعه، وأن تصانيفه من خزائن القرآن، وقد أعطي مفاتيح الفهم فيها ~~والإمداد منها. # وعلوم الكشف والفيض لا يمكن أن تجادل، ولا يمكن أن تناقش؛ لأنها علوم ذوق وتذوق، ~~وليس في الذوق جدل ولا جدال. # وإذا كان محيي الدين، قد سلم من الجدل والخصومة في حياته، فقد انطلقت العواصف في أثره ~~جامحة هادرة، فقد ترك في الدنيا دويا، وأحدث زلزالا؛ اختصمت فيه الدنيا، وتصارعت حوله ~~العقول. فهو القطب الإمام، ms006 والعالم الفرد الأوحد عند رجال التصوف، وهو الزنديق المتفلسف، ~~الهاتف بالحلول ووحدة الوجود عند الماديين وبعض الفقهاء الجامدين، ولكن هؤلاء وهؤلاء - وإن ~~تجادلوا وتصارعوا في عقيدته - لم يختصموا في علمه، ولم تجرؤ ألسنتهم على الانتقاص ~~منه. # ولعل من آيات محيي الدين التي تفرد بها أن كتبه أمة وحدها؛ فقد برئ قلمه مما ~~أصيبت به أقلام الكاتبين الذين تلمح في آثارهم معارف عصرهم، أو تراث عصور سابقة، فقد تغلب ~~بمواهبه العقلية والروحية، وبإلهاماته الدينية وكشوفه القلبية على جيله وعلى الأجيال التي ~~سبقته، بل لقد احتفظ بتفرده وتفوقه على الأجيال التي تعاقبت بعده، فعاش في التاريخ ~~منارة لا تطاول، وصرحا شامخا ممردا ترتد عنه العيون، وتخشع لديه الأفئدة. # وما فكرت يوما في محيي الدين، إلا وترتسم في مخيلتي، قمة جبل إفرست، والصراع الذي دار ~~حولها للوصول إليها، وتواثبت في خواطري صور هؤلاء الذين جاهدوا للوصول إلى تلك القمة ~~الباذخة المعتصمة بجلالها ورهبتها، وكيف توالى عجز الواثبين والطامحين، وكيف فشلت الجهود ~~متفرقة ومجتمعة في الوصول إلى أعلى قمم الدنيا، وأرهب مرتفعاتها. # وكذلك عندي محيي الدين، قمة شامخة في سموقها الرائع، شامخة بأسرارها وعلومها وإلهاماتها، ~~قمة هي أعظم ما وصل إليه الخيال المحلق في ميادين العلم والفلسفة والدين، قمة قد ~~أحاطها صاحبها بالصعاب والمشاق والتهاويل، حتى غدا الوصول إليها ضربا من كفاح لا ينتهي، ~~وغدا المرتقى قاسيا مرهقا حتى لجبابرة الأجنحة. # قمة تدفع عنها الضعيف المتخاذل، بل وترد أيضا عن سرها القوي المناضل، إنها ~~لقمة الذوق والتذوق؛ فهي في حاجة أولا إلى الذوق والتذوق. # وإذا كان الأصمعي يقول: إن الكتاب أشبه بساحات الملوك، يقع فيها الجوهر والذهب والتراب ~~والنوى، فساحة محيي الدين كالمحراب، لا تقع فيها إلا على در مكنون، أو سر مصون، أو ~~نور موهوب؛ لأنها ساحة فوق قمة، قمة متطلعة إلى السماء وهدى السماء. # ولست أزعم لك أن هذا الكتاب، معراج يرقى بك إلى تلك القمة، أو مفتاح سحري يوصلك إلى ~~محرابها المقدس، وأنك ستشاهد المحراب، وستحظى بعجائبه، وستظفر بأسراره، وستنعم ببدائعه؛ ms007 ~~فذلك مطمح لا تطيقه الأقلام، ولا تدعيه الأذواق. # وإنما أرجو أن أكون قد فتحت لك نافذة، تشاهد منها ذلك الأفق العلوي، أو دفعت إلى يدك ~~بمنظار مكبر، يجلو ويوضح، ما يمكن أن يرى من تلك القمة الشامخة. # | مولده ونشأته # هو محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الحاتمي، من ولد عبد الله بن حاتم أخي عدي بن ~~حاتم، من قبيلة طيئ مهد النبوغ والتفوق العقلي في جاهليتها وإسلامها، يكنى أبا بكر ~~ويلقب بمحيي الدين، ويعرف بالحاتمي وبابن عربي لدى أهل المشرق، تفريقا بينه وبين القاضي ~~أبي بكر بن العربي، وبابن العربي لدى المغاربة. وكما يسمي هو نفسه في كتبه، ويعرف في ~~الأندلس بابن سراقة، ويصعد به نسب خئولته إلى الأنصار. # وقد وهبه الله للدنيا في ليلة خالدة في تاريخ الإسلام، ليلة تتجدد ذكراها كلما نطق مسلم ~~بكلمة التوحيد وهتاف الإيمان؛ إذ كان مولده في يوم الإثنين سابع عشر من رمضان عام 560ه في ~~«مرسية» - بضم الميم وسكون الراء وكسر السين - أي: في الشهر الذي أنزل فيه القرآن وهبط ~~وحي السماء، وفي اليوم المماثل ليوم الفتح والنصر، يوم بدر الأغر الميمون، ولد تحت ظلال ~~تلك الذكرى؛ فكان فتحا ونصرا. # ومرسية مهبط مولده بلد إسلامي، أنشأه المسلمون في الأندلس في أيام الأمويين، وهي في شرق ~~الأندلس، إحدى مفاتن الجزيرة الخضراء بكثرة المنازه والبساتين ودور العلم ومساجد الطاعة ~~والعبادة. # وهو سليل أسرة عريقة في العلم والتقوى، عراقتها في الحروب والنضال، كان جده الأعلى عبد ~~الله الحاتمي أحد قادة الحروب والفتوحات، وكان جده الأدنى أحد قضاة الأندلس وعلمائها، وكان ~~أبوه علي بن محمد من أئمة الفقه والحديث، ومن أعلام الزهد والتقوى والتصوف. ولنترك محيي ~~الدين يحدثنا عن أبيه، فقد وصف لنا في الجزء الأول من الفتوحات أحوال الأولياء بعد مماتهم، ~~فمن كان عبدا خالصا لربه في الأولى، كان في الثانية ملكا له جاهه وسيادته، ومن ~~كان معرضا زاهدا في مظاهرها؛ فلا يحجبه الموت ولا ينال منه الفناء عند صعود روحه إلى ms008 ~~خالقها، فمن صفات صاحب هذا المقام: أن من نظر في وجهه وهو ميت يقول فيه: حي. ثم يقول: ~~«ولقد رأيت ذلك لوالدي - رحمه الله - فإنا دفناه على شك مما كان عليه في وجهه من ~~صورة الأحياء، ومما كان عليه من سكون عروقه وانقطاع نفسه من صورة الأموات، وكان قبل أن ~~يموت بخمسة عشر يوما أخبرني بموته، وأنه يموت يوم الأربعاء، وكذلك كان، فلما كان يوم موته، ~~وكان مريضا شديد المرض، استوى قاعدا غير مستند، وقال: ... يا ولدي، اليوم يكون الرحيل ~~واللقاء. فقلت له: كتب الله سلامتك في سفرك هذا، وبارك لك في لقائك. ففرح بذلك، وقال لي: ~~جزاك الله يا ولدي عني خيرا، فكل ما كنت أسمعه منك ولا أعرفه، وربما كنت أنكر بعضه، هو ذا ~~أنا أشهده، ثم ظهرت على جبينه لمعة بيضاء تخالف لون جسده من غير سوء، لها نور يتلألأ، فشعر ~~بها الوالد، ثم إن تلك اللمعة انتشرت على وجهه إلى أن عمت بدنه. فقبلت يده وودعته ~~وخرجت من عنده، وقلت له: أنا أسير إلى المسجد الجامع إلى أن يأتيني نعيك؛ فقال لي: رح ولا ~~تترك أحدا يدخل علي، وجمع أهله وبناته، فلما جاء الظهر جاءني نعيه، فجئت إليه، ~~فوجدته على حالة يشك الناظر فيه بين الموت والحياة، وعلى تلك الحالة دفناه، وكان له مشهد ~~عظيم؛ فسبحان من يختص برحمته من يشاء، فصاحب هذا المقام حياته وموته سواء.» # هذا هو النبع الأبوي الزكي، الذي أنجب محيي الدين، أما نبعه من حيث خئولته، فهو سليل ~~الأنصار الأطهار، الذين لا يسلكون فجا إلا سلكه الرسول - صلوات الله عليه - معهم، ولنترك ~~محيي الدين أيضا يحدثنا عن خاله الصوفي صاحب الأحوال والأنفاس: «كان خالي أبو مسلم ~~الخولاني يقوم الليل، فإذا أدركه الإعياء ضرب رجليه قائلا: أنتما أحق بالضرب من دابتي، ~~أيظن أصحاب محمد - صلوات الله عليه - أن يفوزوا به دوننا، والله لأزاحمنهم عليه، حتى ~~يعلموا أنهم خلفوا من بعدهم رجالا.» # 1 # وهكذا درج محيي الدين بين بيت والده، ودار خاله، في ms009 جو عامر بنور التقوى، فيه سباق حار ~~نحو الشرفات العليا للإيمان، وفيه عزمات لرجال أقوياء، ينشدون نصرا وفوزا في محاريب الهدى ~~والطاعة. # وانتقل والده إلى إشبيلية، إلى حاكمها السلطان محمد بن سعد، وهي عاصمة من عواصم الحضارة ~~والعلم في الأندلس، وفيها شب محيي الدين ودرج، وما كان لسانه يبين، حتى دفع به والده إلى ~~أبي بكر بن خلف عميد الفقهاء، فقرأ عليه القرآن الكريم بالسبع في كتاب الكافي، فما أتم ~~العاشرة من عمره حتى كان مبرزا في القراءات، ملهما في المعاني والإشارات، ثم أسلمه ~~والده إلى طائفة من رجال الحديث والفقه، يذكرهم لنا الإمام شمس الدين بن مسدي في روايته عن ~~محيي الدين؛ إذ يقول: «كان جميل الجملة والتفصيل، محصلا لفنون العلم أخص تحصيل، وله في ~~الأدب الشأو الذي لا يلحق، والتقدم الذي لا يسبق، سمع في بلاده في شبابه الباكر، من ~~ابن زرقون، والحافظ بن الجد، وأبي الوليد الحضرمي، والشيخ أبي الحسن بن نصر ...» # ثم لا يذكر لنا التاريخ بعد ذلك شيئا عن شباب محيي الدين، ولا عن شيوخه، ومقدار ما ~~حصل من العلوم والفنون. ولكن محيي الدين أرخ نفسه وجلا حياته، فهو يذكر لنا في ~~الفتوحات: أنه قد أعرض عن العلم والشيوخ، وأنه قد اتجه بروحه إلى محاريب الله، ومهابط ~~إلهامه، إلى التفكر في خلق السموات والأرض، وإلى الذكر الدائم المطهر الملهم. # ثم إلى الجلوة والخلوة، يطهر خواطره، ويطهر وجدانه، ويزكي نفسه لتلهم ~~تقواها، حتى تفجرت في قلبه ينابيع الفيض، وأشرقت في حياته شمس الهبات والعطايا ~~اللدنية. # وتراث محيي الدين، يشهد بأنه كان في صباه، مرهف الحس والذوق، قوي العاطفة، غلاب ~~الوجدان، رحب الآفاق في الهمة والتطلع. # ويشهد بأن روحه، كانت أعظم من أن تطيق ذلك التلقين الرتيب من شيوخه وأساتذته، وأن تلك ~~الروح قد انطلقت تنشد حبا أكبر من تلك العواطف التي تحيط به، وتبغي أفقا أعظم وأشمل ~~من تلك الألوان من العلوم والمعارف. # والهمة - كما يقول - هي أساس الفتح والفيض؛ فإن التجرد يعطي الطهارة والطاعة، أما ms010 الكشف ~~والفيض فأساسهما الهمة وعزمات الرجال. # وإن كانت همة خاله أبي مسلم، قد قعدت به عن اللحوق بأصحاب محمد - صلوات الله عليه - وإن ~~كانت عزيمته قد ضعفت أجنحتها عن التحليق والتفوق في الكشف وفنونه، والإلهام وعلومه؛ فإن ~~لمحيي الدين لهمة، وإن له لعزما، وإنه لسباق لا يسبق، وهداف لا يخطئ، وإن لروحه ~~وثبات تكاد تذهب بها إلى الملأ الأعلى، وإن في قلبه لشيئا يكاد يضيء، ولو لم تمسسه تلك ~~العلوم والمعارف. # وإذن؛ فليعرض محيي الدين عن شيوخه وأضابير معارفهم، وليختصر الطريق الممل الشاق، ~~في وثبات روحية جبارة، إلى منابع العلوم ومصادرها، إلى النور الذي تعيش فيه الفئة التي رضي ~~الله عنها وأحبها؛ فوهبها وعلمها من لدنه علما. # واعتزل محيي الدين الدنيا عزلته الأولى، عزلة هي سر بينه وبين فاطر السموات والأرض؛ ~~ولكنها عزلة مهدت لتكوين تلك القوة العلمية الربانية العظمى، عزلة أحدثت عجبا، وأورثت ~~علما، خشع له أكبر جبار في عالم العقل والفلسفة، خشع لها وأكبرها أبو الوليد بن رشد، ~~ولنترك محيي الدين يحدثنا بقلمه الساحر، عن الالتقاء بين علم الهبات الربانية، والعلم ~~المكتسب من العقل المتفوق المثقف، يقول محيي الدين في الفتوحات ... # | بين ابن رشد ومحيي الدين # «... دخلت يوما بقرطبة، على قاضيها أبي الوليد بن رشد، وكان يرغب في لقائي لما سمع وبلغه ~~ما فتح الله علي في خلوتي، وكان يظهر التعجب مما سمع؛ فبعثني والدي إليه، في حاجة ~~قصدا منه؛ حتى يجتمع بي، فإنه كان من أصدقائه، وأنا صبي ما بقل وجهي، ولا طر شاربي، ~~فلما دخلت عليه قام من مكانه إلي؛ محبة وإعظاما، فعانقني وقال لي: نعم؟ فقلت له: ~~نعم؟ فزاد فرحه بي، لفهمي عنه، ثم استشعرت بما أفرحه من ذلك، فقلت له: لا؟ فانقبض وتغير ~~لونه، وشك فيما عنده، وقال: كيف وجدتم الأمر في الكشف والفيض الإلهي، هل هو ما أعطاه ~~النظر؟ قلت له: نعم ولا، وبين نعم ولا تطير الأرواح؛ فاصفر لونه، وقعد يحوقل، وعرف ما ~~أشرت به إليه». # وابن رشد كان يهدف في فلسفته ms011 إلى التوفيق بين الدين والفلسفة ، وله في ذلك محاولات وجولات، ~~وقد نشد في مقابلته لمحيي الدين أن يطمئن، وأن يأخذ اعترافا من رجل من رجال الدين والكشف، ~~بأن القمة التي تصل إليها الفلسفة، هي بعينها غاية الدين وهدفه، وأن العقل يلتقي بالروح ~~في خاتمة المطاف. # وأن ما ذهبت إليه الفلسفة من شرح للسنن الكونية، وتمثيل لقدرة الله - سبحانه - وآياته في ~~خلقه، لا تتعارض مع الدين، بل تؤيده وتدعمه. # وقد قال محيي الدين في البداية: نعم، ففرح ابن رشد، ثم استدرك محيي الدين، فقال: لا، فحزن ~~ابن رشد، وأراد توضيحا، فقال: ... هل وجدتم الأمر في الكشف والفيض هو ما أعطاه النظر؟ فقال ~~محيي الدين: نعم ولا. # نعم؛ لأن العقل قد يهدي إلى الله، ويدرك ويلمس أسرار الكون، ولكن العقل المجرد مع وصوله ~~إلى تلك القمة، ينحدر وينزلق ويضل في المتشابهات، فضلا عن ابتعاده عن التعبد والتطهر، ~~وتحلله من الكمالات الخلقية والشرعية. # والعقل المجرد، ليس له قيد يعصمه، ولا حد يتفق عليه بين العقول، التي تتطاير حول ~~المعارف مع الريح في شتى الاتجاهات والغايات؛ ولذلك قال له محيي الدين: وبين نعم ولا، تطير ~~الأرواح. # ولم يكن هذا الاجتماع فاصلا بين الرجلين العظيمين، ولا بين المدرستين المتناظرتين؛ فسعى ~~ابن رشد إلى لقاء آخر مع الصبي، الذي كبر بالخلوة، وتعلم في الجلوة، وتفوق وما بقل وجهه ~~ولا طر شاربه. # يقول محيي الدين: وطلب ابن رشد من أبي بعد هذا الاجتماع أن يلتقي بنا ليعرض ما عنده ~~علينا، لنرى هل هو يوافق أم يخالف، فإنه كان من أرباب الفكر والنظر العقلي، فشكر الله الذي ~~كان في زمان رأى فيه من دخل خلوته جاهلا، وخرج مثل هذا الخروج، من غير درس ولا بحث، ولا ~~مطالعة ولا قراءة. وقال: «هذه حالة أثبتناها وما رأينا لها أربابا؛ فالحمد لله الذي أنا في ~~زمان فيه واحد من أربابها، الفاتحين مغاليق أبوابها، والحمد لله الذي خصني برؤيته.» # ولم يسفر اجتماعهما الثاني عن نتيجة ترضي ابن رشد، ولكن الرجلين أحب كل ms012 منهما الآخر ~~وأجله وأكبره. # ولم ينكر ابن رشد على محيي الدين علومه الكشفية، ولا طريقته في المعرفة والتلقي. بل حمد ~~الله الذي من عليه؛ فأوجده في زمان فيه مثل محيي الدين، الذي دخل الخلوة جاهلا وخرج ~~منها إماما مرشدا. # ولقد أطمع هذا الإيمان والحب محيي الدين في هداية ابن رشد، وجذبه إلى نطاق المتصوفة ~~الراشدين؛ فأراد أن يجتمع به مرة ثالثة، وأعد عدة اللقاء، وهيأ الجو لما ينشد ~~ويريد، ولكن الله أراد غير ما يريد. # يقول ابن عربي: «ولكن قبل أن ألتقي به أراه الله - تعالى - لي في منظر قد ضرب بينه وبيني ~~حجاب رقيق، فكنت أنظر إليه منه ولا يبصرني؛ فعلمت أنه غير مراد لما نحن عليه، فما اجتمعت ~~به حتى درج في سنة خمس وتسعين وخمسمائة بمدينة مراكش، ونقل إلى قرطبة ودفن بها.» # كان حجاب رقيق، هو الذي يفصل ابن رشد عن محيي الدين. وهذا الحجاب الرقيق هو الفيصل بين ~~الهدى والضلال، والرضا والغضب، والإعراض والاصطفاء، أو كما يقول محيي الدين: بين نعم ولا ~~تطير الأرواح، وما أيسر ما بينهما وما أعظمه! # وتلك فترة دقيقة حاسمة في حياة محيي الدين، فهو صريح كل الصراحة في أنه دخل الخلوة صغيرا ~~لم يطر شاربه، دخلها بدون قراءة ولا مطالعة، إلا أيسر ما تكون القراءة والمطالعة؛ فرشد ~~وألهم، وتعلم من لدن ربه الوهاب علما أخذ يزداد مع أنفاسه، ويترقى مع تسبيحاته، حتى ~~بلغ من علم ربه ما قدر له، وحتى تمت له الزعامة التي لا تطاول ولا تغالب في علوم ~~الإيمان وفيوضات القلب. # ويحدثنا محيي الدين عن علمه الموهوب فيقول: «وأنا أستمد علمي من كلمات الله التي لا تنفد: # قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد ~~البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ~~، # ولو ~~أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده ~~سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله ~~.» # ويقول: لو أن علمه كان نتيجة بحث أو فكر لحصر في أقرب فرصة، ولكنهما موارد الحق - تبارك ~~وتعالى - تتوالى على قلب ms013 العبد، وأرواح البررة تتنزل عليه من عالم غيبه برحمته التي من ~~عنده، وعلمه الذي من لدنه، والحق - تعالى - وهاب على الدوام، فياض على الاستمرار، ~~والقلب البشري قابل على الدوام للتلقي والترقي. # | العلم النظري واللدني # إنها لموارد الحق - تبارك وتعالى - تتوالى على قلبه، وإنها لأرواح بررة تتنزل عليه من ~~عالم غيبه، وإنه لقلب زكي مختار، قابل على الدوام للتلقي والترقي، وإنه لروح أعد ~~واصطفاه ربه، لأكمل ما يصطفى العلماء من الأولياء، وإن هذا الفيض الرباني، ليتوالى عليه، ~~ولم يطر شاربه ولا بقل وجهه، ولم يلقن من قبل علما دنيويا يزاحم به ~~ويفاخر. # بل إنه ليرى - كما ترى جمهرة أهل التصوف - أن القلب إذا سلم من النظر الفكري شرعا وعقلا ~~في البداية، كان قابلا للفتح الإلهي على أكمل ما يكون الفيض والفتح؛ فليس في القلب عوائق ~~من معارف سابقة، تتصدى للواردات أو تناقضها. # يقول الإمام الغزالي: «لما أردت أن أنخرط في سلكهم، وآخذ مأخذهم، وأغترف من البحر الذي ~~اغترفوا منه، خلوت بنفسي واعتزلت عن نظري وفكري، وشغلت نفسي بالذكر، فانقدح لي من العلم ~~ما لم يكن عندي؛ ففرحت بذلك، وقلت: إنه حصل لي ما حصل للقوم، فتأملت فيه، فإذا فيه قوة ~~فقهية مما كنت عليه قبل ذلك؛ فعلمت أنه بعد ما خلص لي. فعدت إلى خلوتي واستعملت ما ~~استعمله القوم، فوجدت مثل الذي وجدت أولا وأوضح وأسنى فسررت، فتأملت فإذا فيه قوة فقهية ~~مما كنت عليه أولا، وما خلص لي، فعاودت ذلك مرارا والحال الحال؛ فتميزت عن سائر النظار ~~أصحاب الأفكار بهذا المقدار، ولم ألحق بدرجة القوم في ذلك. وعلمت أن الكتابة على المحو، ~~ليست كالكتابة على الصفاء الأول والطهارة الأولى ...» # كان محيي الدين على الصفاء الأول، وعلى الطهارة الأولى، عندما دخل خلوته، فتولاه ربه من ~~بدايته، وفتح له خزائن مننه وعلمه، وأفاض عليه من هباته، ومد له سلما من الصفاء يعرج ~~فيه قلبه إلى معارج الملأ الأعلى. # ولكن المتصوف المختار المصطفى، وإن لم يكن في حاجة إلى العلوم العقلية والنظرية، فهو ms014 في ~~ضرورة لا تجادل إلى المرشد المربي، إلى الشيخ الذي يملكه ليسعده، ويصوغه ليجليه ~~ويحليه صفاء ونورا. # | مكانة الشيخ في الطريق # وللشيخ في التصوف مكانة عليا، فهو للطريق كالفنار للماء، لا يهتدي السائر إلا به، ولا ~~يرشد إلا بنوره، إنه غير المعلم العقلي، والمربي المدرسي؛ فوظائفه فوق التعليم ~~والتلقين؛ مراقبة القلب والخواطر والواردات. أو كما يقول محيي الدين: يعرف من مريده موارد ~~حركاته ومصادرها، وعلوم الخواطر مذمومها ومحمودها، ويعرف الأنفاس والنظرة، ويعرف ما لهما ~~وما يحتويان عليه من الخير الذي يرضي الله، ومن الشر الذي يسخط الله، ويعرف العلل ~~والأدوية، ويعرف الأزمنة والألسن، والأمكنة والأغذية، وما يصلح المزاج وما يفسده، والفرق ~~بين الكشف الحقيقي والكشف الخيالي، ويعلم التجلي الإلهي، ويعلم التربية وانتقال المريدين من ~~الطفولة إلى الشباب إلى الكهولة، ويعلم متى يترك التحكم في طبيعة المريد، ويحكم في عقله، ~~ومتى يصدق المريد خواطره، ويعلم ما للنفس من الأحكام، وما للشيطان من الأحكام، ويعلم الحجب ~~التي تعصم الإنسان من إلقاء الشيطان في قلبه، ويعلم ما تكنه نفس المريد مما لا يشعر به ~~المريد، ويفرق للمريد إذا فتح عليه في باطنه بين الفتح الروحاني وبين الفتح الإلهي، ويعلم ~~بالشم أهل الطريق الذين يصلحون له من الذين لا يصلحون، ويعلم التحلية التي يحلي بها نفوس ~~المريدين الذين هم عرائس الحق. # فهم أدباء الله العالمون بآداب الحضرة وما تستحقه من الحرمة، والجامع لمقامهم. إن الشيخ ~~عبارة عمن جمع جميع ما يحتاج إليه المريد السالك في حال تربيته وكشفه، إلى أن ينتهي إلى ~~الأهلية للشيخوخة، وجميع ما يحتاج إليه المريد إذا مرض خاطره وقلبه بشبهة وقعت له لا يعرف ~~صحتها من سقمها، وحرمة الحق في حرمة الشيخ، وعقوقه في عقوقه. # ذلك هو جماع ما يمكن أن يقال عن مكانة الشيوخ في طريق الله؛ فهم أساتذة تلك الجامعة ~~الربانية وأطباؤها، ولا بد للمريد السائر على الصراط الأعظم من أن يلجأ إليهم حتى تعصمه ~~حكمتهم من الزلل، فطريق التصوف ليس طريقا سلطانيا هينا سهلا، إنه لطريق المزالق ms015 ~~والشباك، والمحن والمهالك، والصبر والمجاهدة المرة، التي لا يقدر عليها إلا أهل الفتوة ~~والقوة، والمناعة الروحية، والعظمة القلبية والعقلية، وفوق هذا وذاك: الاجتباء، والاصطفاء، ~~والمحبة، والرضاء. # ولهذا خرج محيي الدين من خلوته، فقد نهل من العلم المصفى ما أذهل به ابن رشد، وما حير ~~به أئمة عصره، ولكن التربية غير العلم، والطبيب غير المعلم، خرج ينشد الدليل والقائد، وحامل ~~المصباح. # | الخضر وشيوخه في الطريق # وكان أول شيوخه في الطريق الإمام أبو العباس العريني، أحد فحول أصحاب الأحوال والأنفاس، ~~وطبق عليه شيخه شرعة الطريق، غير عابئ ولا ملتفت إلى علوم محيي الدين ومعارفه؛ ولهذا كان ~~يجمح محيي الدين أحيانا، بل ويتمرد على ما اصطلح عليه من تسليم المريد المطلق لشيخه ~~وهاديه لوثوقه من علمه وتمكنه من معارفه. # ولكن عناية الله - وهي سر هؤلاء الرجال، وهي الدعامة الأولى التي ترتكز عليها حياتهم، ~~وتتلون بها شخصياتهم - قيضت له إمام شيوخ الطريق كافة الولي الخفي، الذي شهد له القرآن ~~بأنه أوتي من لدن ربه علما لم يطقه موسى النبي، قيضت له الخضر؛ فأرشده ~~وكفكف من غرب نفسه ورده إلى شيخه. يقول محيي الدين: «وذلك أن شيخنا أبا العباس ~~العريني جرت بيني وبينه مسألة في حق شخص، كان قد بشر بظهوره رسول الله - صلوات الله ~~عليه - فقال لي: هو فلان ابن فلان. وسمى لي شخصا أعرفه باسمه وما رأيته، فتوقفت فيه ~~ولم آخذ بالقبول؛ لكوني على بصيرة في أمره؛ فتأذى الشيخ في باطنه، ولم أشعر بذلك فإني ~~كنت في بداية أمري، فانصرفت عنه إلى منزلي، ولما كنت في الطريق بسوق الحنة بإشبيلية لقيني ~~شخص لا أعرفه، فسلم علي ابتداء سلام محب مشفق، وقال لي: يا محمد، سلم إلى الشيخ ~~مقاله فيما ذكر لك عن فلان، وسمى لي الشخص الذي ذكره أبو العباس؛ فقلت له: نعم. ~~وعلمت ما أراد، ورجعت من حيني إلى شيخي؛ لأعرفه بما جرى، فعندما دخلت عليه كلمني قبل ~~أن أكلمه. قال لي: يا أبا عبد الله، أحتاج معك إذا ذكرت لك مسألة ms016 يقف خاطرك عن قبولها إلى ~~أن الخضر يتعرض إليك، ويقول: سلم لفلان فيما ذكره لك، ومن أين يتفق لك هذا في كل ~~مسألة تسمعها مني فتتوقف؟ قلت: أهو الخضر؟ قال: نعم. قلت: إن باب التوبة مفتوح. فقال: ~~وقبول التوبة واقع. فلما كان بعد مدة رأيت شيخي قد رجع إلى قولي في تلك المسألة، وقال لي: ~~إني كنت على غلط في تلك المسألة؛ فقلت له: يا سيدي، علمت الساعة أن الخضر ما أوصاني إلا ~~بالتسليم، وما عرفني بأنك مصيب في تلك الحالة؛ ولكن التسليم واجب.» # والتقى محيي الدين بالخضر مرة أخرى؛ حينما كان مع شيخه الثاني الإمام جراح بن خميس، ~~ويحدثنا محيي الدين عن هذا اللقاء فيقول: «ثم اتفق لي مرة أخرى أني كنت في مركب في البحر، ~~فأخذني وجع في بطني، وأهل المركب قد ناموا، فقمت إلى جانب السفينة، وتطلعت إلى البحر، ~~فرأيت شخصا على بعد في ضوء القمر، وكانت ليلة البدر، وهو يأتي على وجه الماء حتى وصل ~~إلي ووقف معي، ثم تكلم معي بكلام كان عنده، ولقنني أشياء وأشياء، ثم سلم وانصرف ~~يطلب المغارة مائلا نحو تل على شاطئ، بيننا وبينه مسافة تزيد على ميلين، فقطع تلك ~~المسافة في خطوتين أو ثلاث، فسمعت صوته وهو على ظهر المغارة يسبح الله، وربما مشى إلى ~~شيخنا جراح بن خميس الكتاني، وكان من سادات القوم، وكنت جئت من عنده بالأمس من ليلتي تلك، ~~فلما جئت المدينة لقيت رجلا صالحا، فقال لي: كيف كانت ليلتك البارحة في المركب مع ~~الخضر؟ ما قال لك وما قلت له؟ فعلمت أنه الخضر.» # وكان شيخه الثالث، أبو محمد بن عبد الله، ذروة مرموقة في علوم الكشف، ويحدثنا عنه فيقول: ~~«دخلت على شيخنا أبي محمد بن عبد الله بغرناطة سنة خمس وتسعين وخمسمائة، وهو من أكبر من ~~لقيته في هذا الطريق، ولم أر في طريقته مثله في الاجتهاد، وكان ممن أوتوا فهما في ~~القرآن إرثا محمديا، فقال لي: الرجال أربعة: # رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وهم ms017 رجال الظاهر. # ورجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، وهم رجال الباطن، جلساء الحق - تعالى - ولهم ~~المشورة. # ورجال الأعراف، وهم رجال الحد، قال الله - تعالى: # وعلى ~~الأعراف رجال ~~، وهم أهل الشم والتميز والسراح عن الأوصاف، فلا صفة لهم، ~~كان منهم أبو اليزيد البسطامي. # ورجال إذا دعاهم الحق يأتونه رجالا لسرعة الإجابة لا يركبون. قال - تعالى: # وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا ~~، وهم رجال ~~المطلع. # فرجال الظاهر لهم التصرف في عالم الملك والشهادة، وأما رجال الباطن؛ فهم الذين لهم ~~التصرف في عالم الغيب والملكوت؛ فيستنزلون الأرواح العلوية بهممهم فيما يريدونه. أعني أرواح ~~الكواكب لا أرواح الملائكة، فيفتح لهؤلاء الرجال في باطن الكتب المنزلة والصحف المطهرة ~~وكلام العالم كله، ونظم الحروف والأسماء من جهة معانيها، ما لا يمكن لغيرهم؛ اختصاصا ~~إلهيا. # وأما رجال الحد: فهم الذين لهم التصرف في عالم الأرواح النارية، وهو عالم البرزخ ~~والجبروت، وهم رجال الأعراف، والأعراف سور حاجز بين الجنة والنار، برزخ باطنه فيه الرحمة ~~وظاهره من قبله العذاب؛ فهو حد بين دار السعداء ودار الأشقياء، وهؤلاء الرجال أسعد الناس ~~بمعرفة هذا السور، ولهم في كل حضرة دخول واستشراف. # وأما رجال المطلع؛ فهم الذين لهم التصرف في الأسماء الإلهية؛ فيستنزلون بها منها ما شاء ~~الله، وهذا ليس لغيرهم، ويستنزلون بها كل ما هو تحت تصرف الرجال الثلاثة، وهم أعظم الرجال، ~~وهم «الملامتية». وكان محيي الدين منهم.» # وكان شيخه الرابع الفقيه العابد يوسف الكومي، يحدثنا عنه محيي الدين فيقول: «سألني شيخي ~~يوسف الكومي سنة ست وثمانين وخمسمائة عن مسألة من مشكلات التصوف فقال: # إذا اجتمع عارفان في حضرة شهودية عند الله - تعالى - ما حكمها؟ # قلت: يا سيدي، هذه مسألة تفرض ولا تقع؛ لأن الحضرة لا تسع اثنين، ولا تشهدها عين ~~زائدة، فإن افترضناها مثالا، فإذا اجتمعا فلا يخلو كل واحد منهما أن يجمعهما مقام واحد أو ~~لا يجمعهما، ثم حكم التجلي من حيث الظهور واحد، ومن حيث المتجلى له مختلف؛ فالتذوق ~~متباين لاختلافهما في أعيانهما، ولا يجتمع ms018 شهود وخطاب وتجل ورؤية غير .» # وتأذن ربك لمحيي الدين بالانتقال إلى مرتبة الشيخ والإمام، وآن له أن يشرق في أفق ~~جديد رحب، وأن يغادر ركب المريدين إلى طلائع المرشدين. # يقول محيي الدين: «ولقد أنعم الله علي ببشارة عظمى بشرني بها، وكنت لا أعرفها من ~~حالي وكانت حالي، فأوقفني عليها الإمام خليفة القطب، فقد نهاني عند التقائي به عن الانتماء ~~إلى من لقيت من الشيوخ. وقال لي: لا تنتم إلا إلى الله؛ فليس لأحد ممن لقيته ~~عليك يد مما أنت فيه، بل الله تولاك برعايته وعنايته، فاذكر فضل من لاقيت إن شئت، ولا ~~تنتسب إلا إلى الله.» # وبذلك دخل في نطاق الذين أدبهم ربهم واجتباهم، وهم قلة في الطريق لا يتجاوزون ~~الآحاد، بل وضع قدمه على أول الطريق إلى القمة العلمية الربانية، وهي شرعة هو صاحبها ~~وربانها وإمامها الأوحد. # وكما اصطفاه الله في مطلع حياته مع شيوخه؛ فأرسل الخضر إليه مرشدا ومربيا، كذلك ~~حفه برحمته في مطلع إفاضات الأسرار اللدنية عليه، فقد باح أول أمره بسر من أسرار ~~المحب، وهي إباحة قلما نجا من عواقبها مراد أو مريد، يحدثنا عنها فيقول: «ولقد منحني ~~الله سرا من أسراره بمدينة فاس سنة أربع وتسعين وخمسمائة، فأذعته فإني ما علمت أنه من ~~الأسرار التي لا تذاع؛ فعوتبت فيه من المحبوب، فلم يكن لي جواب إلا السكوت. إلا أني ~~قلت: تول أنت أمر ذلك فيمن أودعته إياه، إن كانت لك غيرة عليه؛ فإنك تقدر ولا أقدر، ~~وكنت قد أودعته نحوا من ثمانية عشر رجلا، فقال لي: أنا أتولى ذلك، ثم أخبرني أنه ~~سله من صدورهم وسلبهم إياه، فالحمد لله؛ حيث لم يعاقبني بالوحشة والحرمان، كما عوقب ~~غيري.» # | المقامات والأحوال # لم يعاقب محيي الدين؛ لأن العناية الربانية تعده في رحمتها لرسالة ستتكشف عنها ~~الأيام وتأتي بها الأنباء. # ورجال القلوب والأنفاس والعلماء الربانيون كمحيي ~~الدين، الحديث عنهم حديث قلب وروح وإيمان، والعوامل التي تكونهم هي: الأنوار، ~~والإشراقات، والتجليات الربانية، والتقلب في أسرار الأحوال، ومنح المقامات، وما تفيض ms019 به على ~~أربابها من كشف وعلوم. # ولقد خاض محيي الدين في الطريق إلى الله، بحار تلك الأحوال، وارتقى قمم تلك المقامات، ~~ونعم بعطاياها، وذاق ثمارها ورياها، وتحدث عنها، وكشف منها ما أمر بكشفه، وأكن ما ~~أمر بحفظه، وما كشف منها محيي الدين عطية لم تمنح لسواه، هي تراث من العلوم يسع علماء ~~الدنيا قرونا وأجيالا يتدارسونها، وينتفعون وينفعون بها. # والمقامات الإلهية بكنوز علومها أحصاها محيي الدين؛ فبلغت ستين ألفا من المقامات ~~والأحوال الربانية، ويتحدث عن نفسه فيقول: «قد دخلنا في كل ما ذكرناه في هذه الإمدادات ~~الإلهية ذوقا مع عامة أهل الله، وزدنا عليهم باسم إلهي - وهو الآخر - أخذنا منه الرياسة ~~وروح الله الذي يناله المقربون من قوله - تعالى: # فأما إن كان ~~من المقربين * فروح وريحان وجنت ~~نعيم ~~، ونلت هذا المقام في دخول هذه الطريقة سنة ثمانين وخمسمائة.» # وتلك السنة التي ذكرها محيي الدين تدل على أنه بلغ تلك المكانة، ولم يتجاوز العشرين من ~~عمره، وفي تلك السن المبكرة، أخذ يجتاز تلك المقامات سراعا نحو العلا. ولنجل معه جولة ~~في تلك المقامات التي تنقل في كواكبها، ولنستمع إليه وهو يحدثنا عن مقام النور: # مقام النور # هذا مقام نلته سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة، بمدينة فاس في صلاة العصر، وأنا أصلي ~~بجماعة المسجد بجانب عين الجبل؛ فرأيته نورا صافيا غلابا، يكاد يكون من خلفي أكشف ~~من الذي بين يدي؛ غير أني لما رأيته زال عني حكم الخلف، وما رأيت لي ظهرا، ولم ~~أفرق في تلك الرؤيا بين جهاتي، بل كنت مثل الكرة لا أعقل لنفسي جهة إلا ~~بالفرض. # مقام الوجد والوله # وهو من أخطر مقامات التصوف، وهو ذهول وذهاب عن كل ما سوى الله بحكم المحبة والإشراق، ~~وكم من إمام غلب عليه هذا المقام؛ فذهب معه ولم يعد أبدا، ولكن العناية شملته فحفظ ~~كعهده، يقول محيي الدين: «ولقد ذقت هذا المقام، ومر علي وقت أؤدي فيه الصلوات ~~الخمس إماما بالجماعة على ما قيل لي، بإتمام الركوع والسجود، وجميع أحوال الصلاة من ~~أفعال ms020 وأقوال، وأنا في مثل هذا كله لا علم لي بالجماعة، ولا بالمحل ولا بالحال، ~~ولا بشيء من عالم الحس؛ لشهود غلب علي غبت فيه عني وعن غيري، فأخبرت أني كنت ~~إذا دخل وقت الصلاة، أقيم الصلاة وأصلي بالناس؛ فكان حالي كالحركات الواقعة من النائم ~~ولا علم له بذلك، فعلمت أن الله حفظ علي وقتي، ولم يجر على لساني ذنبا كما فعل ~~بالشبلي في ولهه. فقد كان الشبلي يرد في أوقات الصلاة على ما ورد عنه، فلا أدري هل ~~كان بعقل رده أو كان مثل ما كنت فيه؛ فإن الراوي ما فصل، فلما قيل للجنيد عنه، قال: ~~الحمد لله الذي لم يجر على لسانه ذنبا، إلا أني كنت في أوقات في حال غيبتي أشاهد ~~ذاتي في النور الأعلى، والتجلي الأعظم، بالعرش العظيم يصلي بها وأنا عري عن ~~الحركة، بمعزل عن نفسي، وأشاهدها بين يديه راكعة وساجدة، وأنا أعلم أني ذلك الراكع ~~والساجد، كرؤية النائم واليد في ناصيتي، وكنت أتعجب من ذلك، وأعلم أن ذلك ليس غيري ولا ~~هو أنا، ومن هناك عرفت المكلف والتكليف.» # مقام الفتح في العبارة # محيي الدين أعظم من حمل قلما في دنيا التصوف، إبانة وفصاحة وفيضا وكشفا، وهو ~~يرد كل تلك الصفات وهذه الخصائص المتفردة إلى هذا المقام، الذي يحدثنا عنه فيقول: ~~«الفتح في العبارة لا يكون إلا للمحمدي الكامل، وأقوى مقام صاحب هذا الفتح الصدق في ~~جميع أقواله وحركاته وسكونه، إلى أن يبلغ به الصدق أن يعرف صاحبه وجليسه ما في ظاهره ~~وباطنه من حركة ظاهرة أو باطنة؛ بحيث لا يمكن لصاحب هذا الفتح أن يصور كلاما في ~~نفسه، ويرتبه في فكره ثم ينطق به بعد ذلك، بل زمان تصوره لذلك اللفظ الذي يعبر به ~~عما في نفسه زمان قيام ذلك المعنى في نفسه وصورته، فيفتح الله له في العبارة؛ فيعرب ~~بقلمه أو بلفظه عما تنفسه بنفسه، ومن علامات هذا الفتح: استصحاب الخشوع، وتوالي ~~الاقشعرار عليه في جسده؛ بحيث أن يحس أن أجزائه قد تفرقت، وهذا ms021 فتح ما لقيت في عمري ~~فيمن لقيته من رجال الله على كثرتهم أثرا منه في أحد، وقد يكون في الزمان رجال لهم ~~هذا الفتح ولم ألقهم، غير أني منهم بلا شك عندي ولا ريب؛ فلله الحمد على ذلك ~~...» # وهنا آية من آيات محيي الدين، فهو يرد فصاحة اللفظ وجمال التعبير وروعة الفكرة عنده، ~~إلى الصدق في التعبير عن الأحاسيس؛ بحيث لا يزوق كلاما ولا ينمق لفظا، بل ~~لفظه هو تنفسه، وتصوره هو قوله. # مقام القيومية # ولظفره بهذا المقام قصة توضح الهدف والغاية، وهي من مواقف العقول، ومن آيات الفيض ~~والوهب. قال: «لقيت أبا عبد الله بن جنيد من شيوخ الطائفة، وكان معتزلي المذهب، يقول ~~بخلق أفعال العبد، فشرحت له الأمر حتى رجع إلى قولنا، وكان قد أتى إلى زيارتنا، فلما ~~رجع إلى بلده مشيت إلى زيارته في بلده، ورددته عن مذهبه، وكذلك جميع أصحابه فشكرا ~~لله.» # ثم يقول: «إنه كان متحيرا في هذه المسألة المعقدة، لا يدري اليقين فيها، وما فتح له ~~فيها برأي قاطع على الوجه الذي لا شك فيه. # حتى كان ذات ليلة، وهي ليلة السبت السادس من رجب سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، فإنه لم ~~يتخلص لي إضافة خلق الأعمال لأحد الجانبين، ويعسر عندي الفصل بين الكسب الذي يقول به ~~قوم، وبين الخلق الذي يقول به قوم؛ فأوقفني الحق بكشف بصري على خلقه المخلوق الأول، ~~الذي لم يتقدمه مخلوق؛ إذ لم يكن إلا الله. وقال لي: هل هنا أمر يوجب التلبيس والحيرة؟ ~~قلت: لا. قال: هكذا جميع ما تراه من المحدثات، ما لأحد فيه أثر ولا شيء من الخلق؛ فأنا ~~أخلق الأشياء عند الأسباب لا بالأسباب، فتكون عن أمري، خلقت النفخ في عيسى، وخلقت ~~التكوين في الطائر. # وسألته - سبحانه - سؤالا، فقال: إذا طالعتك بأمر فالزم الأدب، واسمع وأنصت. قلت: ~~ذلك لك، اخلق السمع حتى أسمع، واخلق الإنصات حتى أنصت، وما يخاطبك الآن سوى ما خلقت. ~~فقال لي: ما أخلق إلا ما علمت وما علمت إلا ما هو المعلوم ms022 عليه، فلله الحجة البالغة، ~~وقد أعلمتك بهذا فيما سلف، فالزم مشاهدة فليس سواه، يرجع خاطرك ولا تأمن حتى ينقطع ~~التكليف، ولا ينقطع حتى تجوز على الصراط.» # وهذا هو مقام القيومية، فكل شيء يقوم بالله، ومن الله، وله - سبحانه - خلق العبد ~~وأفعاله، يخلق الأشياء عند الأسباب لا بالأسباب، تعالى الله الواحد الوهاب. # مقام حلاوة الفتح # وحلاوة الفتح مقام حظي به محيي الدين ونعم، وهو لذة ربانية وحلاوة إلهية، يهبها ~~الله لمن يصطفي ويختار من عباده، يقول محيي الدين: «ومن أصحاب هذا الفتح من تلازمه ~~هذه الحلاوة ساعة أو يوما أو أكثر، كل حسب ما يوهب؛ فليس لبقائها زمن، فإنه اختلف ~~علينا بقاؤها فوقنا نزلت علينا في قضية من قضايا الذوق، فدامت ساعة ثم ارتفعت، ونزلت في ~~واقعة أخرى فدامت أياما. # وهذه الحلاوة واللذة لا يمكن أن تشبهها لذة من اللذات المحسوسة؛ لأنها معنوية ربانية، ~~وأثرها في الحس أعظم أثر تنعم به النفس. # وأعظم مذاق لها تنعمت فيه في هذا المقام لما تلي علي: # ن والقلم وما يسطرون ~~؛ فلم أجد لذة من اللذائذ التي نعمت ~~بها أعظم منها، فلما تلي: # وإنك لعلى خلق ~~عظيم # ذهبت إلى حال من النعيم أعجز عن وصفه؛ فهي أعظم بشارة وردت ~~علي، فالمؤمن فرح بما يوهب لرسوله، والمؤمن الكامل له أمل في قطرات من تلك ~~الهبات. # فإذا عطف الحق على عبده بهذه الحلاوة فجذبه إليه بها، منحه علما لم يكن عنده، فإذا ~~لم يكن علما فليس بجذب، ولا تلك حلاوة فتح.» # والحلاوة التي يقصدها محيي الدين، هي اللذة التي يعبر عنها إبراهيم بن أدهم بقوله: ~~«نحن في لذة لو عرفها الملوك لقاتلونا عليها بالسيوف.» وإبراهيم ذاق اللذتين: لذة ~~الملك، وحلاوة الفيض. وهي لذة يقول عنها بعض الربانيين: إنها خلاصة نعيم الجنة ~~المصفى يقطر في قلب المؤمن المختار. # وتلك اللذة الربانية في الدنيا يصحبها الكشف والعلم، فإذا لم يصاحبها علم ولا ~~كشف؛ فهي ليست بحلاوة الفتح؛ وإنما هي لذة خداعة من لذائذ الحس. # مقام الفناء # وهو مقام المقامات، ms023 وهبة الهبات، ودرجة المحبين الوالهين الذاهلين عن وجودهم بذهاب ~~حسهم إلى باريهم، وحال الفناء: هو أن تفنى بالله عن خلقه؛ فلا ترى شيئا مع الله، بل ~~الوجود هو رب الوجود، وواهب الوجود وخالقه، أو كما يقول أبو بكر - رضوان الله عليه: «ما ~~رأيت شيئا إلا رأيت الله سبحانه قبله.» # وهو حال دقت أسراره حتى التبست ظواهره على الفقهاء، فرموا فيه المتصوفة ~~بالعظائم، والتبست خواطره وفتوحاته على المتكلمين والمتفلسفين؛ فرموا رجال الله فيه ~~بالحلول ووحدة الوجود؛ حيث تنادى المتصوفة بأنهم لا يرون في الوجود إلا الله، ~~وتجلياته في مخلوقاته، وهو بحث ليس موضعه هنا، فله مكان آخر في هذا الكتاب. # وكان هذا المقام لمحيي الدين، وهو في فاس في المرة الأولى، يحدثنا قائلا: «أخبرني ~~الأستاذ النحوي عبد العزيز بن زيدان بمدينة فاس، وكان ينكر حال الفناء، وكان يختلف ~~إلينا، وكانت فيه إنابة، فلما كان ذات يوم، دخل علي وهو فرح مسرور قائلا: الفناء ~~الذي تذكره ويذكره المتصوفة، صحيح عندي ذوقا، فقد شاهدته اليوم. قلت: كيف؟ قال: ألست ~~تعلم أن أمير المؤمنين قد دخل اليوم من الأندلس إلى هذه المدينة؟ قلت: بلى. قال: اعلم ~~أني خرجت أتفرج عليه مع أهل المدينة، فأقبلت العساكر شيئا فشيئا في منظر جميل ~~أخاذ، فلما وصل أمير المؤمنين في تلك الأبهة والعظمة، ونظرت إليه بين رهبته وجلاله، ~~ذهلت حتى فنيت عن نفسي وعن العساكر وعن سائر المشهد، حتى لم أر البنود ولم أسمع ~~الكاسات. # ودام هذا الحال معي حتى انتهى موكب أمير المؤمنين؛ فأحسست بنفسي، وشعرت بما فنيت عنه ~~من ضغط الناس وألم الزحام وغبار الجماهير. # فتحققت أن الفناء حق، فإذا كان هذا يحدث من مشهد عبد، فكيف بمشهد الرب، ذلك هو الحق ~~لمن ألقى السمع.» # وأقل مراتب الفناء - كما يقول محيي الدين - تمثله لنا حالة الإنسان إذا استغرق في ~~مسألة من مسائل العلم، أو أمر ما من أمور الدنيا، فتحدثه ولا يسمعك، وتكون بين يديه ~~ولا يراك، وسبب ذلك: أن القلب البشري الذي يسع كل شيء، ms024 لا يتسع لخاطرين في وقت ~~واحد. # القلب لا يتسع لخاطرين في وقت واحد، ولا لمشهدين: فإما مشهد الحق، وإما مشهد الخلق، ~~أو كما يقول الجنيد: من شهد الحق غاب عنه الخلق. # وتلك آية ما بين أصحاب هذا المقام من المتصوفة، وبين المنكرين عليهم الصائحين بهم لكل ~~مشهد وخاطر. # مقام العبودية أو الصديقية # العبودية الصادقة أن ترى الله فاعلا لكل شيء، وأن تتصف بصفات العبودية الكاملة، وأن ~~لا تغفل عن مشاهدة عبوديتك، وأن تكون أعمالك ما ظهر منها وما بطن، وخواطرك ما عرف ~~وما مات في أغوار النفس مقيدة بهذا القيد، محددة بتلك الحدود. # وصاحب هذا المقام يكسوه الحق حلل الجمال والكمال والهيبة؛ فينسب إليه من يشاهده تلك ~~الصفات لظهور آثارها عليه، ولكن صاحب هذا المقام لا تنخدع نفسه؛ لأنه يعلم أن ذلك لله ~~ومن الله إنه لعبد، تلك حقيقة نفسه وحقيقة حسه، مهما عرف الناس أو لمسوا من حقائقه ~~ومظاهره. # يقول محيي الدين: «وإذا عرف التلميذ من الشيخ أنه بهذه المثابة؛ فقد فتح الله على ذلك ~~التلميذ بما فيه سعادته، فإنه يتجرد إلى جانب الحق بتجرد الشيخ، فإنه عرف منه، واتكل ~~على الله لا عليه، وبقي ناظرا في الشيخ ما يجري الله عليه من الحال في حق ذلك التلميذ ~~من نطق بأمر يأمره به، أو ينهاه، أو بعلم يفيده؛ فيأخذ التلميذ من الله على لسان هذا ~~الشيخ، ويعلم التلميذ في نفسه من الشيخ ما يعلمه الشيخ من نفسه أنه محل جريان أحكام ~~الربوبية، حتى لو فقد الشيخ لم يقم غير ذلك التلميذ ذلك المقام؛ لعلمه بحال شيخه، ~~كأبي بكر الصديق مع رسول الله - صلوات الله عليه - حين مات، فما بقي أحد من الصحابة إلا ~~اضطرب، وقال ما لا يمكن أن يسمع، وشهد على نفسه في ذلك اليوم بقصوره، وعدم معرفة رسوله ~~الذي اتبعه، إلا أبو بكر؛ فإنه ما تغير عليه الحال لعلمه بما تم، فصعد إلى المنبر ~~قارئا: # وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله ~~الرسل ~~، وعرف الناس يومئذ ms025 فضل الصديق؛ فاستحق الإمامة.» # ذلك هو المثال الذي ساقه محيي الدين لتوضيح مقام العبودية؛ فإن الصديق لكمال عبوديته ~~كان يسمع من الرسول، ويتوكل على الله، فتجرد إلى جانب الحق بتجرد إمامه الأعظم - صلوات ~~الله عليه - فكان يأخذ من الله على لسان نبيه، فلما انتقل خير عباد الله إلى جوار ربه ~~بقي أبو بكر ناظرا إلى الله، فلم يشغله الهول الأعظم عن كمال عبوديته. # ثم يقول محيي الدين: «ونرجو إن شاء الله أن يكون مقامنا هذا، ولا يجعلها دعوى غير ~~صادقة؛ فإني ذقت هذا المقام ذوقا لا مزاج فيه، أعرفه من نفسي، وما سمعته عن أحد ~~ممن تقدمني غير أبي بكر.» # مقام القربة # والمشهور عن محيي الدين في معراج المقامات أن أقصى مراتبه في التحليق إلى الهدى ~~والإيمان هو مقام الصديقية، ولكنه بعد أن ظفر به، يحدثنا عن مقام آخر هو مقام القربة، ~~وهو مقام الخضر وهو فوق الصديقية ودون النبوة. # وهذا المقام، هو أسمى ما يتطلع إليه أحباب الله، يحدثنا محيي الدين عنه فيقول: «هذا ~~المقام دخلته في شهر محرم سنة سبع وتسعين وخمسمائة، وأنا مسافر بمنزل إنجيل ببلاد ~~المغرب، فتهت في ذلك المنزل فرحا، ولم أجد فيه أحدا؛ فاستوحشت من الوحدة، وتذكرت ~~دخول أبي يزيد بالذلة والافتقار، ولما دخلت هذا المقام وانفردت به علمت أن حالي فيه لو ~~اطلع عليه أحد لأنكرني؛ فسحت فيه وتنقلت في منازله ومخادعه، وأنا لا أدري ما اسمه ~~مع تحققي به، وما اختص الله به من أتاه إياه، ورأيت أوامر الحق - سبحانه - تترى ~~علي، وسفراه تتنزل إلي، تبغي مؤانستي وتطلب مجالستي؛ فرحلت وأنا على تلك الحال ~~من الاستيحاش بالانفراد، والأنس إنما يقع بالجنس، فلقيت رجلا من الرجال بمنزل ~~يسمى أنحال، فصليت العصر في جامعه، فجاء الأمير أبو يحيى بن واجين، وكان صديقي وفرح ~~بي، وسألني أن أنزل عنده، فأبيت ونزلت عند كاتبه، وكان بيني وبينه مؤانسة، فشكرت ~~الله على ما أنا فيه من انفرادي بمقام أنا مسرور به، فبينما هو يؤانسني؛ إذ لاح ظل ms026 شخص، ~~فنهضت من فراشي إليه عسى أجد عنده فرجا، فعانقني فتأملته فإذا هو عبد الرحمن ~~السلمي قد تجسدت لي روحه، بعثه الله لي رحمة، فقلت له: أراك في هذا المقام، فقال: ~~فيه قبضت وعليه مت، فأنا فيه لا أبرح. فذكرت له وحشتي فيه وعدم الأنس، فقال: الغريب ~~مستوحش، فصاحب هذا المقام ليست الدنيا مقامه، وبعد أن سبقت لك العناية الإلهية بالحصول ~~في هذا المقام فاحمد الله، ومن يا أخي يحصل له هذا لا يرضى؟ ألا ترضى أن يكون الخضر ~~صاحبك في هذا المقام، وقد أنكر موسى عليه حاله، وما قدر على صحبته؟ # فقلت: يا أبا عبد الرحمن، لا أعرف لهذا المقام اسما؛ فقال لي: هذا يسمى مقام ~~«القربة» فتحقق به فتحققت به؛ فإذا به مقام عظيم، لعلماء الرسوم من أهل الاجتهاد فيه ~~قدم راسخة، لكنهم لا يعرفون أنهم فيه، ورأيت الإمداد الإلهي يسري إليهم من هذا المقام؛ ~~ولهذا ينكر بعضهم بعضا لأنهم ما حصل لهم ذوقا، ولا يعلمون ممن يستمدون مشاهدة ~~ومكاشفة؛ فكل واحد منهم على حق، كما أن لكل نبي تقدم هذا الزمان المحمدي شرعة ومنهاج، ~~والإيمان واحد. # فالمجتهدون من علماء الشريعة ورثة الرسل في التشريع، وأدلتهم تقوم مقام الوحي ~~للأنبياء، واختلاف الأحكام كاختلاف الأحكام، إلا أنهم ليسوا مثل الرسل لعدم الكشف؛ لأن ~~الرسل يشد بعضهم بعضا، وكذلك أهل الكشف من علماء الاجتهاد، وأما غير أهل الكشف منهم ~~فيخطئ بعضهم بعضا. # ومن أسرار هذا المقام معرفة التقديم والتأخير، وأسرار الترتيب في كلام الله، ولو قال ~~الخضر لموسى من أول ما صحبه: ما أفعل شيئا مما تراني أفعله عن أمري؛ ما أنكره عليه ولا ~~عارضه، وقد أنطقه الله بقوله: # ستجدني إن شاء الله ~~صابرا ولا أعصي لك أمر ~~، والصبر لا يكون إلا على ما يشق، فلو ~~قدم الصبر على المشيئة كما يفعل المحمدي، لصبر ولم يعترض؛ فإن الله قدمه في الأعلام ~~تعليما لمحمد # صلى الله عليه وسلم ~~، فمن أراد أن يحصل على علم الله في خلقه، فليقف عند ترتيب ~~حكمته ms027 في الأشياء؛ فيقدم ما قدم الله، ويؤخر ما أخر الله، فإن من أسمائه ~~المقدم والمؤخر، فإذا أخرت ماقدم الله، أو قدمت ما أخره الله، فهو نزاع خفي، يورث ~~حرمانا. قال - تعالى: # ولا تقولن لشيء إني فاعل ~~ذلك غدا * إلا أن يشاء الله ~~. فأخر ~~الاستثناء وقدمه موسى، فلم يصبر. فلو أخره لصبر. # وقد رويت في هذا المعنى حكاية عجيبة عن يهودي، أخبرني بها محمد بن موسى، قال: كان ~~رجل بالقيروان أراد الحج، فتردد خاطره في سفره بين البر والبحر، فقال: إذا كان صبيحة ~~غد أول رجل ألقاه أشاوره؛ فحيث يرجح لي أحكم به، فأول من لقي يهودي فتألم، ثم عزم ~~وقال: والله، لأسألنه، فقال: يا يهودي، أشاورك في سفري هذا، هل أمشي في البر أو في ~~البحر؟ فقال له اليهودي: يا سبحان الله! وفي مثل هذا يسأل مثلك، ألم تر أن الله - ~~سبحانه - يقول لكم في كتابه: # هو الذي يسيركم في ~~البر والبحر # فقدم البر على البحر، فلولا أن لله فيه سرا ما ~~قدمه، وهو أولى بكم، إلا إذا لم يجد المسافر سبيلا إلى البر. قال: فعجبت من كلامه ~~وسافرت في البر فلقيت خيرا كثيرا.» # وقد أنكر الإمام الغزالي هذا المقام بصفة عامة، وقال: «ليس بين الصديقية والنبوة ~~مقام، ومن تخطى رقاب الصديقين وقع في النبوة، والنبوة باب مغلق.» # ومحيي الدين لم يقل أبدا، بأن الولي يرقى مرقى النبوة؛ فلا نبوة ولا رسالة بعد أن ~~ختما بأشرف خلق الله، بل يقول في رده على الغزالي: هذا فضل الله يهبه لمن يشاء، ~~وليس على أفضال الله قيد، ولا لبشر أن يتحكم في عطاياه، ومن ذاق عرف، وليس لمن لم ~~يذق حكم على من ذاق. # ومحيي الدين يقول أيضا: إن هذا المقام قد يعطي علما لا ذوقا لعلماء الرسوم، أي: ~~علماء الفكر والاجتهاد والتبحر في المعارف، وهم يختلفون في علومهم؛ لعدم تذوقهم ~~ولاعتمادهم على الأدلة التي تصيب وتخطئ، بخلاف الذوق عند أهل الكشف والفيض. # وهو هنا كعادته - خلافا للمتصوفة - يعلي من شأن علوم ms028 الفكر والعقل والاجتهاد، حتى ~~ليقول بصوابهم جميعا على اختلافهم وتلاحيهم؛ وهذا ما لم يقولوه هم أنفسهم، ما دام ~~الاختلاف والتلاحي في الفروع لا في الأصول. # وتلك سماحة في فهم الدين، وهذا إجلال للعقول، يدل على رحابة أفق وسعة صدر إمام ~~المتصوفة، المتصوفة الذين هوجموا أمر الهجوم وأعنفه من رجال الفقه ~~والاجتهاد. # وبهذا المقام أكمل لمحيي الدين ما قدر له من عطايا ربه، وهو مقام - لو تعلمون - ~~عظيم. # شعرة محمدية # فإذا ظفر محيي الدين بكل تلك الهبات والعطايا، وإذا نعم بالمقامات العليا، ~~كالصديقية والقربة، فماذا بقي؟ يقول محيي الدين: إن الفتح على قدر الهمة. ومحيي يحمل ~~بعزماته الجبال، وعطايا الله - سبحانه - لا حدود لها. # يقول محيي الدين: إنه ظفر بعد ذلك بهدية دونها كل الهدايا، هدية لم تكن عن سؤال، ~~وإنما كانت عن عناية ورعاية. # وتلك الهدية عبارة عن شعرة من الرسول - صلوات الله عليه، ويقول لنا: إنه أوجس في قلبه ~~خيفة، وخشي على نفسه؛ فقد كاد أبو يزيد البسطامي أن يهلك قلبه؛ حينما خيل إليه أنه ~~أهل لشيء أكبر من طاقته، ولنترك محيي الدين يحدثنا: «وقد حصل لنا منه # صلى الله عليه وسلم # شعرة، وهذا كثير لمن عرف، ولما أطلعني الله - سبحانه - على ذلك، لم يكن ما نلت عن ~~سؤال؛ وإنما كان عن عناية الله، ثم إنه أيدني فيه بالأدب رزقا من لدنه وعناية بي، ~~فلم يصدر مني ما صدر من أبي اليزيد. # فلما جاء الأمر وأخذت أرقى وتنكشف لي أمور بفضل تلك المنحة، علمت أن ذلك خطاب ابتلاء ~~لا خطاب تشريف، على أنه قد يكون بعض الابتلاء تشريفا؛ فتوقفت وسألت الحجاب. # ولكني منحت الشعرة اختصاصا إلهيا؛ فشكرت الله على الاختصاص بتلك الشعرة، غير ~~طالب بالشكر الزيادة، وكيف أطلب الزيادة من ذلك، وأنا أسأل الحجاب الذي هو من كمال ~~العبودية؟!» # وبتلك المنحة تم لمحيي الدين أكمل ما ينال عباد الرحمن الذين اصطفاهم لعلمه، ~~واجتباهم لمحبته ورضاه. # محيي الدين والكرامات # ومحيي الدين لا يذكر معراجه في المقامات، وتقلبه في الأحوال، وأحاديثه ms029 المنامية مع ~~الرسول - صلوات الله عليه، وحضوره في مشاهد الحق - سبحانه - ليفتخر بكرامة، أو يدل ~~بهبة، أو يتيه على الناس بحظوظ وعطايا، فمحيي الدين قد تحقق من مقام العبودية وذاقها، ~~وهي أسنى المراتب وأعلاها، وليس من شذاها جنوح إلى فخر أو ميل إلى تيه وتكبر. # بل إنه لخصم للكرامات وطلابها، وما رأيته يعنف في نقاش، وما رأيته يقسو في ~~جدال، إلا حين يغمس قلبه القوي العبقري في تلك الأحاديث، ويتناول بأنامل أستاذيته ~~المرشدة آذان أصحابها. # فهو يراها حلى براقة للعاطلين من سواها، يشتغل بها من تقعد به أجنحته عن التحليق ~~في آفاق أعز وأكرم. # والكرامة المعنوية عند محيي الدين هي أعلى ألوان الكرامات، التي لا يعرفها إلا الخواص ~~من عباد الله - سبحانه، وهي هدفه ومبتغاه. # وليس للعامة في تلك الكرامة نصيب، وليس لطلاب الأولى سهم هنا. # والكرامة المعنوية: هي أن يحفظ الله - سبحانه - للعبد المختار آداب الشريعة، وأن ~~يوفقه لإتيان مكارم الأخلاق، واجتناب سفاسفها، والمداومة على الواجبات في أوقاتها، ~~والمسارعة إلى الخيرات، وإزالة الغل للناس من صدره، والحسد والحقد وسوء الظن، وطهارة ~~القلب من كل صفة مذمومة، وتحليته بالمراقبة مع الأنفاس. # أما الكرامة المادية التي يعرفها العامة، فكلها يمكن أن يدخلها المكر السيئ، أو ~~الاستدراج الخفي الذي لا تؤمن عقباه، بل هي على أحسن حالاتها وفروضها، جزاء وفاقا على ~~أعمال طيبة وعبادات متتابعة، ومن تنعم في الدنيا على أعماله، فقد أخذ جانبا من ~~الجزاء؛ فيخفف له العطاء يوم العطاء. # سئل أبو اليزيد البسطامي عن طي الأرض، فقال: ليس بشيء؛ فإن إبليس يقطع من المشرق ~~إلى المغرب في لحظة، وما هو بمكان عند الله. # وسئل عن اختراق الهواء، فقال: إن الطير ليخترق الهواء، والمؤمن عند الله عقلا ~~وشرعا أفضل من الطير، فكيف يحسب كرامة من شاركه فيها طائر؟! # ثم قال: إلهي، إن قوما طلبوك لما ذكروه، فشغلتهم به، وأهلتهم له، مهما أهلتني ~~لشيء، فأهلني لشيء من أشيائك، أي: من أسرارك. # فما طلب أبو اليزيد إلا العلم؛ والعلم أفضل ما في فضل ms030 الله. قال - تعالى: # آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا ~~علما ~~. # فالعلم أفضل الكرامات المعنوية، وهي الكرامة التي ظفر بها محيي الدين؛ فخلد في ~~دنياه وفاز برضوان الله. # بين الشطح والفتوة # وكما كان محيي الدين من خصوم الكرامات المادية، فهو أيضا من خصوم الشطح والشاطحين؛ ~~لأن الشطح لون من ألوان الفخر، أو لون من ألوان المباهاة والتطاول، وأصله دعوى يفصح بها ~~الشاطح عن مرتبته التي أعطاها الله له من غير أمر إلهي على طريقة الفخر. # والشطح ذلة المحققين، أو كما يقول محيي الدين: «لقد وقع من بعض الأكابر ولا أسميهم؛ ~~لأنه صفة نقص، وأما من سواهم فلا كلام لنا معهم؛ لأنهم رعاع بالنظر إلى هؤلاء السادة، ~~وإذا وقع مثل هذا من السادة، فعليهم يقع العتب منا. # وليس الشطح من الفتوة كما يدعون؛ فالفتي لا يراعي الخلق، ولا يتعالى عليهم؛ لأن ~~التعالي إنما هو لله - سبحانه وتعالى، وأصل الفتوة أن تخرج عن حفظ نفسك إيثارا لحظ ~~غيرك، وحقيقتها أن يؤثر الإنسان العلم الوارد من الله على ألسنة الرسل على هوى نفسه، ~~وعلى أدلة عقله، وما حكم به فكره ونظره. # هذا هو الفتي، فإذا ورد على نفسه خاطر أوهمه بأنه أمر إلهي يعارض الشرع ~~المقرر؛ فقد خيل له أو التبس عليه، فيرمي به ولا يلتفت إليه، ويرجع إلى حكم ~~الشرع الثابت؛ فإنه قد ثبت عند أهل الكشف جميعا: أنه لا تحليل ولا تحريم، ولا شيء من ~~أحكام الشرع، بعد انقطاع الرسالة والنبوة، لأحد من خلق الله. # وقد وقفنا بقوم من أهل الله ممن التبس عليهم هذا المقام، والتبست عليهم ~~الواردات؛ فشطحوا وتفاخروا، فابتعدوا عن ربهم، فإنه لا يكون الشاطح عند شطحه وليا لله ~~أبدا.» # ذلك هو الرأي الفيصل لمحيي الدين في الكرامات المادية، والمتفاخرين من الشاطحين، ~~الذين لغوا في محاريب العبادة بما لا ينبغي. # وما كان محيي الدين، ولا ينبغي أن يظن به - إذا حدثنا عن فتوحاته ومقاماته - ظن ~~السوء، من دعوى الغرور والتباهي؛ فهو إنما يتحدث للعلم والإرشاد، وليضع يبن أيدينا ms031 تلك ~~الكنوز التي تفيض بها كتبه، ويزخر بها تراثه. # وإذا أكمل لمحيي الدين بعروجه في تلك المقامات ما قدر الله له من منح وهبات؛ فقد ~~آن له أن يتنقل في آفاق العالم الإسلامي هاديا إلى الله بالطيب من القول والعمل، ~~ومبشرا بآياته، بالرائع من الحجة والبرهان، وسراجا وهاجا يرشد إلى النجاة، كما ~~يرشد إلى الإيمان. # | محيي الدين وملك المغرب # وكما جابت أفكار محيي الدين آفاق السماء، وتنقلت في أبراجها، كذلك كانت حياته، رحلات ~~وتنقلات في جنبات الأرض، مطوفا وزائرا وعابدا ومقيما. # وكان سنن العلماء في هذا العصر التنقل والتطواف في رقعة العالم الإسلامي العظيم، ~~المتحد الممتد من أوروبا إلى هضاب الصين وسهول الهند. # كان العلماء يتلاقون ويتجادلون، ويأخذ بعضهم من بعض ما درس وتعلم وحفظ، ويفضي بعضهم ~~إلى بعض بما منح وأعطي. # وكان العالم الإسلامي يقود الدنيا ويفرض عليها سلطانه بسيوفه ورماحه، وبعلومه وآدابه، ~~وكشوفه الفنية والروحية، كما كانت تغلي في باطنه أحداث جسام بعيدة الأثر في حاضره وغده، بل ~~في حاضر العالم كله وغد الإنسانية بأسرها. # كان الصليبيون يقرعون أبواب الشرق الأوسط، ويتصارعون مع فرسان مصر وأبطال الأيوبيين على ~~ثالث الحرمين وأولى القبلتين. # وكان المرابطون - وهم فئة ثائرة بالسيف، غضوبة بالرمح - يعيثون بأمن المغرب الأقصى ~~ويفسدون، وتسل سيوفهم عروش ملوكه وسادته. # وكان للعلماء ورجال التصوف خاصة هنا وهناك قوة رهيبة، تقود الجماهير وتوجهها، وتجلها ~~الملوك وتتقرب إليها، ويتزلف إليها السادة والأمراء. # فلا عجب إذا رأينا ملك المغرب المهدد بثورة المرابطين، يسعى إلى محيي الدين، الذي بزغ ~~نجمه، وأشرق أفقه، وعرف اسمه ومكانه في دنيا التصوف وعالم البيان واللسان، ولا عجب إذا سعى ~~محيي الدين إليه، تدفئ صدره آمال كبار، في أن يوجه هذا الملك وجهة صوفية روحية، ~~وبالتالي يوجه شعبه إلى تلك المناهل والينابيع. # وكانت رحلة محيي الدين الأولى إلى المغرب في مطلع عام تسعين وخمسمائة من التاريخ الهجري، ~~أي: ومحيي الدين في الثلاثين من عمره. # وتقلد محيي الدين وهو في رونق الشباب وفورة الحياة عمله الجديد، موقعا على ms032 ~~المراسيم ومنشئا للرسائل، ومربيا لأبناء البيت المالك. # وهي وظيفة أشبه بالوزارة، وإن كانت أرحب منها أفقا، وأعظم نفوذا، وألصق بالملك وأقرب، ~~وهي مكانة تتصارع حولها الأهواء والغايات، وتنصب لها المكائد والشباك، ولقد اصطلاها محيي ~~الدين وهو رجل الروح والدين، والطهارة والصفاء؛ فاصطلى جوا عجبا. # ولكن محيي الدين، وهو من نعرف كرامة وإباء، وعلما ربانيا، وهديا نبويا، ونهجا ~~صوفيا، وهي صفات شديدة الخطورة في هذا الجو، شديدة الخطورة في بلاط الملوك، لم تطب له ~~تلك الحياة أو لم يطب هو لها؛ فوقعت النفرة سريعا بينه وبين الملك، وبينه وبين ~~رجال الحاشية، وظن به الملك الظنون، ولمزته البطانة وغمزته في نهجه وطريقته، ومذاهبه ~~وتفكيره. # ويعود محيي الدين إلى إشبيلية بالأندلس، مقر نشأته ومرتع صباه، ويحلق في آفاق العلم ~~والمعرفة ما شاء له الله. # ثم يطرق سمعه بعد أعوام دعوة إلى المغرب من جديد، بواسطة الشيخ الصوفي أبو عبد الله بن ~~المرابط، صديق الملك ومرشده الروحي، وحبيب محيي الدين، المقدر له، والذي كان سببا ~~مباشرا في رحلة محيي الدين الأولى. # وتمشي الريح رخاء طيبة بين الملك ومحيي الدين، فقد فطن محيي الدين إلى عبرة الحوادث ~~الأولى؛ فطوى جوانحه على أعنف آرائه، وترفق أكثر الرفق بالبطانة والحاشية، وما إلى ~~البطانة والحاشية من ذيول وأذناب، واطمأن الملك إليه؛ فأطلق يده في شئون مملكته، ~~يقومها على النهج الصوفي، ويدفعها دفعا إلى التعاليم التي عرفت عن محيي الدين وعرف ~~بها. # ولعل تلك الحادثة التي يرويها لنا في الفتوحات توضح لون الحياة ولون الأعمال التي يقوم ~~بها في عمله الجديد. # يذكر لنا محيي الدين أن من الملائكة طائفة تطوف سائحة في الدنيا، تطلب مجالس الذكر في ~~الأرض، فإذا وجدوا أهل الذكر وهم أهل القرآن، نادى بعضهم بعضا: هلموا إلى بغيتكم؛ ~~فيحفون بالذاكرين، ويبسطون لهم أجنحة الرحمة، ويدعون لهم أطيب الدعاء وأرجاه في ~~الإجابة. # وتلك المجالس القرآنية، هي رزق هؤلاء الملائكة، وبها يعيشون، وعليها وبها تقوم ~~حياتهم. # ثم يقول: «وواجب الإمام أو الحاكم أن يقيم جماعة تتلو آيات الله ms033 بالليل والنهار؛ ~~تقربا إلى الله واستجلابا لرحمته، ورزقا لتلك الطائفة من الملائكة.» # ثم يقول أيضا: «وقد كنا في بلاد المغرب، قد سلكنا هذا المسلك بموافقة أصحاب موفقين، ~~كانوا لنا سامعين وطائعين، ففقدناهم ففقدنا بفقدهم هذا العمل الخالص، وهو أشرف الأرزاق ~~وأعلاها.» # وهو هنا صريح في حديثه عن الأصحاب الموفقين، الذين كانوا لحديثه سامعين، وهي تكنية جميلة، ~~فلم يرد أن يذكر اسم الملك في موقف العتاب؛ لأنه - كما سنرى - لا يزال يحمل له ودا ~~خالصا، ويرجو آملا حار الأمل في العودة إليه. # كما نلمس أيضا أنه أشبه بمن أكره على مغادرة عمله؛ فهو ثائر العاطفة لمن فقدهم، ~~ففقد بفقدهم النفوذ والقدرة على هذا العمل الخالص، وهو أشرف الأرزاق وأعلاها. # ثم يقول: «فأخذنا لما فقدنا مثل هؤلاء، في بث العلم من أجل الأرواح التي تتغذى ~~بالذكر، ورأينا ألا نورد شيئا منه، إلا من أصل هو مطلوب لهذا الصنف الروحاني وهو ~~القرآن.» # فجميع ما نتكلم فيه في مجالسي وتصانيفي، إنما هو من حضرة القرآن وخزائنه، أعطيت مفاتيح ~~الفهم فيه، والإمداد منه؛ وذلك أرفع ما يمنح، ولا يعرف قدره إلا من ذاقه وشهد له. # ويذكر لنا محيي الدين أنه أخذ في مجالسه العلمية، وفي كتبه التي ابتدأ في تأليفها، يبث ~~علما من نوع العلم الذي تتغذى به أرواح الملائكة، وهو العلم المستمد من حضرة القرآن ~~وخزائنه؛ حتى لا ينقطع هذا العمل الطيب، الذي بدأه بمعاونة الملك وهو إقامة الذاكرين ~~بالقرآن ليلا ونهارا. # ويطوف محيي الدين بالأرض، وقلبه معلق بأمير المغرب وسيده، الذي أخلص له الحب والمودة؛ ~~فلم يجد لحبه ولا لمودته جزاء إلا هذا الفراق الذي أكره عليه ولم يرده. # ويأخذ في تأليف كتابه الخالد الجامع المانع «الفتوحات» فيكتب وعينه على الملك الحبيب، ~~بل يكتب لأنه يريد أن يعرف صديقه بفنون من المعارف حصلها بعد أن فارقه، ثم يتقدم ~~خطوة أخرى أفصح وأوضح، فيقول: إنه يريد أن يهدي إليه هذا الكتاب بما فيه من جواهر العلم ~~وكنوز المعرفة، وآيات الحكمة التي يؤتيها الله - سبحانه ms034 - من يشاء. # ولنترك محيي الدين يحدثنا عن القصة كلها بما فيها من وفاء وولاء، وحب صادق، وعتاب وفراق، ~~وتلك القصة جعلها محيي الدين مقدمة وسببا في تأليف الفتوحات: «فاعلم أيها العاقل الأديب، ~~والولي الحبيب، أن الحكيم إذا نأت به الدار عن قسيمه، وحالت صروف الدهر بينه وبين حميمه، ~~لا بد أن يعرفه بما اكتسبه في غيبته وما حصله من الحكمة؛ فكأن وليه ما غاب عنه بما عرف ~~منه، وإن كان الولي - أبقاه الله - قد أصاب صفاء وده كدر لعرض، وظهر منه انقباض ~~عند الوداع لتتميم غرض، فقد غمض وليه عن ذلك جفن الانتقاد، وجعله من الله - أبقاه الله - ~~من كريم الاعتقاد؛ إذ لا يهتم بك إلا من يسأل عنك، فليهنأ الولي - أبقاه الله؛ فإن القلب ~~سليم، والود - كما يعلم - بين الجوانح مقيم، وقد علم الولي أن الود فيه كان إلهيا، لا ~~غرضيا ولا نفسيا، وثبت هذا عنده قديما عني من غير علة ولا فاقة إليه ولا قلة، ولا طلب ~~لمثوبة، ولا حذر من عقوبة، وربما كان من الولي في الرحلة الأولى، التي رحلت إليه سنة تسعين ~~وخمسمائة، عدم التفات فيها إلى جانبي، ونفور عن الجري على مقاصدي ومذاهبي؛ لما لاحظ ~~فيها من النقص، وعذرته في ذلك؛ فإنه أعطاه ذلك مني ظاهر الحال، وشاهد النص، فإني سترت عنه ~~وعن بنيه ما كنت عليه في نفسي، بما أظهرت لهم من سوء حالي وشرة حسي، وربما كنت أسألهم ~~أحيانا على طريق التنبيه، فيأبى الله أن يلحظني واحد منهم بعين التنزيه، ولقد قرعت ~~أسماعهم يوما في بعض المجالس، والولي في صدر ذلك المجلس جالس، بأبيات أنشدتها وفي كتاب ~~الأسرار أودعتها وهي: # أنا القرآن والسبع المثاني # وروح الروح لا روح المعاني # فؤادي عند معلومي مقيم # يناجيه وعندكمو لساني # فلا تنظر بطرفك نحو جسمي # وعد عن التنعم بالمعاني # وغص في بحر ذات الذات تبصر # عجائب ما تبدت للعيان # وأسرار تراءت مبهمات # مسترة بأرواح المعاني # فوالله ما أنشدت من هذه المقطوعة بيتا، إلا وكأني أسمعته ميتا، وسبب ms035 ذلك حكمة كنت أبغي ~~رضاها ، فما كان إنشادي لهم مع معرفتي بقلة حرمتي عندهم إلا حاجة في نفس يعقوب ~~قضاها.» # تلك هي الرحلة الأولى، وهذا حديثها، ثم يتحدث عن الرحلة الثانية بمودتها وما فيها من صفاء ~~وولاء، فيقول: ثم كان الاجتماع بالولي - تولاه الله - بعد ذلك بأعوام، في محله الأسنى، ~~وكانت الإقامة معه تسعة أشهر دون أيام، في العيش الأرغد الأهنى، عيش روح وشبح، وقد جاد كل ~~واحد منا بذاته على صاحبه وسمح. # ثم افترقنا ونحن على هذه الحال، لانحراف قام ببعض هذه المحال، فإني كنت نويت الحج ~~والعمرة، ثم أسرع إلى محله الكريم بصخرة المقدس، وزيارة سيد ولد آدم، ديوان الإحاطة ~~والإحصاء. # أقام في خاطري أن أعرف الولي - أبقاه الله - بفنون من المعارف حصلتها في غيبتي، ~~وأهدي إليه - أكرمه الله - من جواهر العلم التي اقتنتيها في غربتي؛ فقيدت له هذه الرسالة ~~اليتيمة، التي أوجدها الحق لأعراض الجهل تميمة، ولكل صاحب صفي، ومحقق صوفي. # وسميتها رسالة الفتوحات المكية، في معرفة الأسرار المالكية والملكية؛ إذ كان الأغلب فيما ~~أودعته هذه الرسالة ما فتح الله به علي عند طوافي ببيته المكرم، أو قعودي مراقبا له ~~بحرمه المشرف المعظم، وجعلتها أبوابا شريفة، وأودعتها معاني لطيفة؛ فإن الإنسان لا يسهل ~~عليه شدائد البداية، إلا إذا وقع بصره على الغاية، ولا سيما إن ذاق من ذلك عذوبة الجنى، ~~ووقع منه موقع المنى. # فإذا حصر الباب البصر، وردد عليه عين بصيرته الحكيم فنظر؛ فاستخرج اللآلئ والدرر، يعطيه ~~الباب إذ ذاك ما فيه من حكم روحانية ونكت ربانية، على قدر نفوذ فهمه، وقوة عزمه وهمه، ~~واتساع نفسه من أجل غطسه في أعماق بحار علمه. # لما لزمت قرع باب الله # كنت المراقب لم أكن بالآهي # حتى بدت للعين سبحة وجهه # وإلي هل لم تكن إلا هي # فأحطت علما بالوجود فما لنا # في قلبنا علم بغير الله # لو يسلك الخلق الغريب محجتي # لم يسألوك عن الحقائق ما هي؟ # تلك هي قصة محيي الدين مع ملك المغرب، الذي وفى له ms036 في حضوره وغيابه، والذي أمل منه ~~أن يكون سببا في نشر تعاليمه الصوفية في ربوع المغرب، ولكن قرناء السوء أفسدوا ما بين ~~الصديقين. # وفي ختام القصة لمحات تقف عندها العقول، فقد أودعها سر الفتوحات، بل سر الفهم والإدراك ~~لأسرار علمه وعجائب كشفه. # فهو يقول: إن الإنسان لا تسهل عليه شدائد البداية، إلا إذا وقع بصره على الغاية، وتلك آية ~~في فهم محيي الدين. # فهو في مطلع أبوابه في الفتوحات، يلغز في شعره، ويبهم في قوله، فإذا أخذت الألغاز، ~~وأخذ الإبهام بنفس القارئ قطع وأغلقت عليه المعاني، أما إذا سبح معه سبحا طويلا، حتى ~~يصل إلى نهاية الباب وغايته؛ تكشفت له البدائع، وسهلت عليه البداية، كما سهلت وتسهل عليه ~~معاني الغاية. # ثم يقول: إذا حصر الإنسان بصره، على باب من أبواب الفتوحات وردد عليه بصيرته، استخرج ~~اللآلئ والدرر، وأعطاه الباب ما فيه من حكم روحانية، ونكت ربانية، ويعطى كل على قدر ~~فهمه، وقوة عزمه، واتساع نفسه في الغوص، وخوض لجج العباب. # محيي الدين لأصحاب الهمم والعزمات، ولمهرة الغواصين وجبابرة السابحين، لأهل الإشراق ~~والنور والصفاء، محيي الدين لهؤلاء، وقليل ما هم. # أما فاتر العزم، خائر القوى، مطموس البصيرة، زائغ البصر، ضيق النفس، فليلتمس له سهلا ~~هينا، يضرب على حوافيه، وليدع القمة للمحلقين الفاتحين. # | إلى الأرض المقدسة # فارق محيي الدين مكانه في المغرب، بعد تسعة أشهر إلا أيام، في العيش الأرغد الأهنى؛ ~~لانحراف الحال بينه وبين سلطانه، معتزما الحج والعمرة، وزيارة سيد ولد آدم، ثم الإسراع إلى ~~ثالث الحرمين وأولى القبلتين، ثم التطواف بالعالم الإسلامي. # ويؤرخ لنا محيي الدين، تلك الحقبة من حياته، فيقول بعد أن يتحدث عن خواطر نفسه، وعن ~~ليلة ليلاء، طوف فيها فكره، ثم استسلم أخيرا إلى الكرى: «كشف لي في منامي عن نور ~~العرش؛ فرأيت طيورا حسنة تطير في زواياه، فرأيت فيها طائرا من أحسن الطيور، فسلم علي، ~~فألقي لي فيه أن آخذه صحبتي إلى بلاد المشرق، وكنت بمدينة مراكش؛ حين كشف لي عن هذا كله، ~~فقلت: ومن؟ فقيل ms037 لي: محمد الحصار، بمدينة فاس ، سأل الله الرحلة إلى بلاد الشرق، فخذه ~~معك، فقلت: السمع والطاعة، فقلت له - وهو عين ذلك الطائر: تكون صحبتي إن شاء الله. # فلما جئت إلى مدينة فاس سألت عنه فجاءني، فقلت له: هل سألت الله في حاجة؟ فقال: نعم، ~~سألته أن يحملني إلى بلاد الشرق، فقيل لي: إن فلانا يحملك، وأنا أنتظرك من ذلك الزمان؛ ~~فأخذته صحبتي سنة سبع وتسعين وخمسمائة، وأوصلته إلى الديار المصرية، ومات بها.» # رأى محيي الدين أرواح الصالحين، تطوف وتطير في نور العرش، ورأى رجلا صالحا تمثلت ~~روحه في هيكل طائر جميل، وهذا الطائر أو هذا الرجل ينتظره ليذهب معه إلى المشرق؛ فعلم أنه ~~قد أذن له في الرحيل، والتقى بصاحبه على قدر قد قدر، فوجها ركبهما معا إلى أرض ~~النيل، وهو في السابعة والثلاثين من عمره. # وفد محيي الدين إلى مصر، تتقدمه عواصف ضخمة حول: علومه، ومعارفه، وكشوفاته القلبية ~~والروحية، وتلقاه العلماء ورجال الفقه بالجفاء؛ فعقدوا له حلقات المناظرة والجدل، ونفخوا ~~عليه بالحقد والموجدة، فلم ينالوا من مكانته شيئا، بل كانوا كما يقول اليافعي: حكمهم حكم ~~ناموسة، نفخت على جبل تريد إزالته. # فلما طويت صحف علمهم، وبرزت آيته واضحة مبصرة، سعى به السفهاء من العلماء الذين يقتاتون ~~بالحقد، ويتهجدون في محاريب الغل والحسد، إلى حاكم مصر، ناسبين إليه الإفك والبهتان ~~والأغراض السياسية الخبيثة والأهواء الدينية المارقة، مطالبين بإعدامه وهدر مقامه؛ ولكن ~~الله الذي رعاه بعنايته حفظه؛ فأتاح له رجلا من رجال العلم والجاه، هو الشيخ أبو الحسن ~~البجائي، القاضي الفقيه العابد، فشفع له لدى سيد مصر، ثم جمع بينهما؛ ففتن به حاكم مصر ~~وأجله، والتمس منه البقاء في مصر، وله من مناصبها ما شاء، فأبى محيي الدين شاكرا ~~ومقدرا، ثم استأذنه في الذهاب إلى الحج؛ لأنه على عهد، فأذن له. # في بيت الله الحرام # ولى محيي الدين وجهه قبل المسجد الحرام، مشبوب العاطفة، ثائر القلب، إنه لمشوق ~~إلى البيت المعمور، مشوق إلى المنبر والروضة والحبيب، مشوق إلى الأرض المباركة التي ms038 ~~طوف بها الأنبياء، وهبطت إلى ساحتها الملائكة، وفي ليلة من ليالي البدر، هادئة ~~الريح معطرة الأنفاس، هبط محيي الدين إلى مكة. # يقول الفيروز آبادي: «لما وصل الشيخ إلى مكة - شرفها الله - كان البلد إذ ذاك مجمع ~~العلماء والمحدثين، وأهل الفتيا والبيان؛ ولكن الشيخ نزل بينهم كالقمر بين ~~النجوم؛ فكان هو المشار إليه بينهم في كل علم تكلموا فيه، وكانوا كلهم يسارعون إلى ~~مجلسه، ويتبركون بالحضور بين يديه، ويقرءون عليه تصانيفه.» # ولزم محيي الدين بيت الله لا يفارقه، واتخذ من الركن اليماني محجة ومدرسة، يلقي ~~فيها درسه، ويقرأ كتب الرجال، كالقوت والإحياء، وفي بيت الله ألف أخلد كتبه وأبقاها ~~على الحياة، بل أخلد كتاب، تفجر من ينابيع القلوب، وكشوف النور، وخزائن القرآن ~~«الفتوحات المكية»، الكتاب الذي أعجز الأفكار والعقول في عصره، ولا يزال يعجزها، ~~وسيعجزها ليكون حجة على الناس، وآية للعلم الرباني الموهوب للصفوة المختارة من عباده، ~~وليضاف به صاحبه إلى الرعيل المجتبى، الذي يقول فيه - تبارك وتعالى: # وعلمناه من لدنا علما ~~. # يقول محيي الدين عن الفتوحات: «والأغلب فيما أودعته هذه الرسالة ما فتح الله به ~~علي عند طوافي بيته المكرم، أو قعودي مراقبا له بحرمه المشرف ~~المعظم.» # وهو يعلل الفتوح العظمى التي هبطت عليه بمكة، بقوله: وكما تتفاضل المنازل ~~الروحانية كذلك تتفاضل المنازل الجسمانية، وقد تجد قلبك في مسجد أكثر مما تجده في غيره ~~من المساجد، ويقول: إن الملائكة تعمر جميع الأرض، وأعلاهم رتبة، وأعظمهم علما ومعرفة: ~~عمرة المسجد الحرام. وعلى قدر جلسائك يكون وجودك؛ فإن لهمم الجلساء في قلب ~~الجليس تأثيرا، وهممهم على قدر مراتبهم، وقد طاف بالبيت مائة ألف نبي وأربعة وعشرون ~~ألفا سوى الأولياء، وما من نبي ولا ولي، إلا وقد ترك همته متعلقة به؛ لأنه البيت ~~الذي اصطفاه الله على سائر البيوت. # هذا هو البيت، وذلك هو المقام، الذي فتح له فيه معراج هبطت عليه فيه كشوفات ~~الفتوحات المكية، ومن نور هذا المكان وجلاله، كان نور الفتوحات وجلالها. # لقد وجد قلبه هنا، ووجد آثار الهمم والعزمات، ms039 المتبقية من طواف الأنبياء والأولياء ~~بالبيت المعمور، وعلى قدر الجلساء يكون الجليس، وعلى قدر المرتبة تكون الهمة، وعلى قدر ~~الهمة يكون الأثر، ومن يرد أن يعرف همة محيي الدين، فليتمس بابا لها بين منازل ~~الفتوحات. # | المرأة في حياة محيي الدين # محيي الدين هو أعلم رجال التصوف؛ ولهذا هو أرحبهم أفقا، وأوسطهم طريقة، ومن هنا جاءت ~~آراؤه معتدلة محكمة، أعطت ما لله لله، ولم تنس الحياة؛ فلم يعش داخل الكهوف والمغارات، ~~ولم يعتزل الناس والدنيا، بل كان جليس الملوك القائم ببعض أعباء حكمهم، المساهم في أحداث ~~الوجود، الطواف بالأرض، هاديا ومرشدا ومعلما. # ومن ثم جاءت نظرته إلى المرأة وإكباره، بل وحبه لها، الحب الحلال الشريف، الحب ~~الديني المأثور في الكتاب والسنة. # وحب النساء عنده ميراث نبوي، وحب إلهي، فقد قال الرسول - صلوات الله عليه: «حبب ~~إلي من دنياكم ثلاث: الطيب، والنساء، وقرة عيني في الصلاة.» فلم ينسب حبه فيهن إلا ~~إلى الله - سبحانه؛ ولهذا قال: «حبب.» # وكمال العارفين في هذه المحبة، فلا يجوز الإعراض عنهن زهدا؛ لأنه لا يحبب إلى الرسول ~~- صلوات الله عليه - ما يبعده من ربه، بل حبب إليه ما يقربه منه؛ ولهذا يؤجر الرجل على ~~صلاته بامرأته. # فحبهن فريضة واقتداء بالرسول، وحنين الرجل إلى المرأة فطرة في النفس؛ فهو حنين الكل إلى ~~الجزء، وما جاء الإسلام ليحارب الفطرة أو يقف في وجهها؛ فالدين هو الفطرة التي فطر الله - ~~سبحانه - الناس عليها. # ولا يستقيم المزاج إذا تعارض مع الفطرة، وفي صلاح المزاج صلاح الدين، وفي صلاح الدين ~~السعادة، بشرط خضوع الإنسان للميزان الإلهي الذي أتى به الشارع صلوات الله عليه. # وفي حياة محيي الدين ثلاث نساء؛ أولاهن: عابدة زاهدة، عرفها بإشبيلية في مطلع شبابه؛ ~~فكانت له أما روحية، يحدثنا عنها في الفتوحات فيقول: «وخدمت أنا بنفسي امرأة من ~~المخبآت العارفات بإشبيلية، يقال لها: فاطمة بنت المثنى القرطبي، خدمتها سنين، وهي ~~تزيد وقت خدمتي إياها على خمس وتسعين سنة، وكنت أستحي أن أنظر إلى وجهها في هذا السن من ~~حمرة ms040 خديها، وحسن نعمتها وجمالها، تحسبها بنت أربع عشرة سنة من نعومتها ولطافتها. ~~وكان لها حال مع الله، وكانت تؤثرني على كل من يخدمها من أمثالي. وتقول: ما رأيت مثل ~~فلان؛ إذا دخل علي دخل بكله لا يترك منه خارجا عني شيئا، وإذا خرج من عندي خرج ~~بكله لا يترك عندي منه شيئا. وسمعتها تقول: عجبت لمن يقول: إنه يحب الله ولا يفرح ~~به، وهو مشهود، عينه إليه ناظرة في كل عين، ولا يغيب عنه طرفة عين، فهؤلاء البكاءون كيف ~~يدعون محبته ويبكون، أما يستحون؟ إذا كان قربه مضاعفا من قرب المتقربين إليه، والمحب ~~أعظم الناس قربة إليه فهو مشهوده، فعلى من يبكي؟ إن هذه لأعجوبة. # ثم تقول لي: يا ولدي، ما تقول فيما أقول؟ فأقول لها: يا أمي، القول قولك. قالت: إني ~~والله لمتعجبة؛ لقد أعطاني حبيبي فاتحة الكتاب تخدمني، فوالله ما شغلتني عنه. فمن ذلك ~~اليوم عرفت مقام هذه المرأة لما قالت: إن فاتحة الكتاب تخدمها، فبينما نحن قعود إذ دخلت ~~امرأة، فقالت لي: يا أخي، إن زوجي في «شريش» وأريده، فماذا ترى؟ قلت لها: وتريدين أن يصل؟ ~~قالت: نعم. فرددت وجهي إلى العجوز، وقلت لها: يا أم، ألا تسمعين ما تقول هذه المرأة؟ ~~قالت: وما تريد يا ولدي؟ قلت: قضاء حاجتها في هذا الوقت. فقالت: السمع والطاعة، إني أبعث ~~إليه بفاتحة الكتاب وأوصيها أن تجيء به. وأنشأت فاتحة الكتاب تقرأها وقرأت معها؛ فعلمت ~~مقامها عند قراءتها الفاتحة؛ وذلك أنها تنشيها بقراءتها صورة مجسدة هوائية، هي سر من أسرار ~~عطايا القرآن، فلما أنشأتها صورة سمعتها تقول لها: يا فاتحة الكتاب، أطلب كذا. فلم يلبث ~~حتى وصل إلى أهله. # وكانت تضرب بالدف وتفرح، فكنت أقول لها في لك، فتقول لي: والله، إني أفرح؛ حيث اعتنى بي ~~وجعلني من أوليائه واصطفاني لنفسه، من أنا حتى يختارني على أبناء جنسي، وعزة ربي، إنه ~~يغار علي غيرة ما أصعبها! ما التفت إلى شيء باعتمادي عليه عن عالة إلا أصابني ببلاء ~~في ذلك الذي ms041 التفت إليه، ثم أرتني عجائب من ذلك، فما زلت أخدمها بنفسي، وبنيت لها ~~بيتا من قصب بيدي على قدر قامتها، فما زالت فيه حتى درجت، وكانت تقول لي: أنا أمك ~~الإلهية، ونور أمك الترابية، وإذا جاءت والدتي إلى زيارتها تقول لها: يا نور، هذا ولدي ~~فبريه ولا تعقيه.» # والثانية تعرف بها في مكة، فحادثته في المحبة الإلهية وحاورته، واتصل بينهما حبل ~~المودة الخالصة؛ فرأى عندها من لطائف المعارف ما لا يصفه واصف، يصورها لنا في شرح ترجمان ~~الأشواق تصويرا رائعا: «كنت أطوف ذات ليلة بالبيت، فطاب وقتي، وهزني حال كنت أعرفه، ~~فخرجت من البلاط من أجل الناس، وطفت على الرمل، فحضرتني أبيات، فأنشدتها أسمع بها نفسي ~~ومن يليني، لو كان هناك أحد. فقلت: # ليت شعري هل دروا # أي قلب ملكوا # وفؤادي لو درى # أي شعب سلكوا # أتراهم سلموا # أم تراهم هلكوا # حار أرباب الهوى # في الهوى وارتبكوا # فلم أشعر إلا بضربة بين كتفي ألين من الخز؛ فالتفت فإذا بجارية من بنات الروم. لم ~~أر أحسن وجها ولا أعذب منطقا ولا أرق حاشية، ولا أطيب معنى ولا أدق إرادة ولا أظرف ~~محاورة منها، قد فاقت أهل زمانها ظرفا وأدبا وجمالا ومعرفة، فقالت: يا سيدي كيف قلت؟ ~~قلت: # ليت شعري هل دروا # أي قلب ملكوا # فقالت: عجبا منك وأنت عارف زمانك تقول مثل هذا؟ أليس كل مملوك معروف، وهل يصح الملك ~~إلا بعد المعرفة، وتمني الشعور يؤذن بعدمها، والطريق لسان صدق؛ فكيف يجوز لمثلك أن يقول ~~مثل هذا؟ قل يا سيدي، فماذا قلت؟ فقلت: # وفؤادي لو درى # أي شعب سلكوا # فقالت: يا سيدي، الشعب الذي بين الشغاف والفؤاد، هو المانع له من المعرفة؛ فكيف يتمنى ~~مثلك ما لا يمكن الوصول إليه إلا بعد المعرفة، والطريق لسان صدق؛ فكيف يجوز لمثلك أن يقول ~~مثل هذا يا سيدي؟ فماذا قلت بعده؟ فقلت: # حار أرباب الهوى # في الهوى وارتبكوا # فصاحت وقالت: يا عجبا! كيف يبقى للمشغوف فضلة يحار بها؛ والهوى شأنه التعميم، يخدر ~~الحواس، ويذهب ms042 العقول ويدهش الخواطر، ويذهب بصاحبه في الذاهبين، فأين الحيرة؟ وما ها هنا ~~باق فيحار، والطريق لسان صدق، والتجوز من مثلك غير لائق. فقلت: يا بنت الخالة، ما اسمك؟ ~~فقالت: قرة العين. فقلت: لي. ثم سلمت وانصرفت، ثم عرفتها بعد ذلك وعاشرتها، فرأيت ~~عندها من لطائف المعارف ما لا يصف واصف.» # والثالثة: التقى بها في مكة أيضا، طفلة عذراء هيفاء، لرجل من أهل العلم، وله فيها أشعار ~~وتكنيهات رائقة رائعة. # يذكر لنا في شرح ترجمان الأشواق، كيف اتصل حبله برجل فاضل من أهل العلم والكمال، ثم يقول ~~متحدثا بقلمه الساحر: «كان لهذا الشيخ - رضي الله عنه - بنت عذراء، طفلة هيفاء، تقيد ~~النظر، وتزين المحاضر، وتحير المناظر، تسمى بالنظام، وتلقب بعين الشمس والبهاء، ~~من العابدات العالمات السابحات الزاهدات، شيخة الحرمين، وزينة البلد الأمين الأعظم بلامين، ~~ساحرة الطرف، عراقية الظرف، إن أسهبت أتعبت، وإن أوجزت أعجزت، وإن أفصحت أوضحت، إن ~~نطقت خرس قس بن ساعدة، وإن كرمت خنس معن بن زائدة، وإن وفت قصر السموأل ~~خطاه، وأغري بظهر الغرور فامتطاه، ولولا النفوس الضعيفة السريعة الأمراض، السيئة الأغراض ~~لأخذت في شرح ما أودع الله في خلقها من الحسن، وفي خلقها الذي هو روضة المزن، شمس ~~بين العلماء، بستان بين الأدباء، حقة مختومة، واسطة عقد منظومة، يتيمة دهرها، كريمة ~~عصرها، سابغة الكرم، عالية الهمم، سيدة والديها، شريفة باديها، مسكنها جياد، وبيتها من ~~العين السواد، ومن الصدر الفؤاد، أشرقت بها تهامة، وفتح الروض لمجاورتها أكمامه؛ فنمت ~~أعراف المعارف، بما تحمله من الرقائق واللطائف، علمها عملها، عليها مسحة ملك، وهمة ملك؛ ~~فراعينا في صحبتها كريم ذاتها، مع ما انضاف إلى ذلك من صحبة العمة والوالد، فقلدناها ~~من نظمنا في هذا الكتاب أحسن القلائد، بلسان النسيب الرائق، وعبارات الغزل اللائق، ولم أبلغ ~~في ذلك بعض ما تجده النفس، ويثير الأنس من كريم ودها وقديم عهدها، ولطافة معناها وطهارة ~~مغناها؛ إذ هي السؤل والمأمول، والعذراء البتول؛ فأعربت عن نفس تواقة، ونبهت على ما ~~عندنا من العلاقة؛ اهتماما بالأمر القديم، ms043 وإيثارا لمجلسها الكريم، فكل اسم أذكره في هذا ~~الجزء، فعنها أكني، وكل دار أندبها فدارها أعني.» # تلك هي العذراء الهيفاء التي أوحت إلى محيي الدين أشعاره في ديوانه ترجمان الأشواق، وتلك ~~هي العذراء التي أحبها محيي الدين وبنى بها، وكان له منها الولد والأثر. # | السائح الإسلامي # كان البيت الحرام بعيد الأثر في حياة محيي الدين؛ ففيه كتب الفتوحات، وفي مكة توثقت صلاته ~~بالحجيج الوافد من كل فج يتولى التدريس لهم، ويحملون إلى بلادهم معارفه وعلومه؛ فهو زعيم ~~علماء البيت المعمور، وإمام الوافدين إلى هذا المجتمع العالمي. # وأخيرا آن له أن يلبي الأمر بالرحيل، ليتم تطوافه بالعواصم الإسلامية؛ فودع الجزيرة ~~العربية المحببة إلى روحه وقلبه، وفارق المدينة والطائف وغيرهما من مهابط الوحي، وملهمات ~~الذكريات الخوالد. # وذهب محيي الدين إلى الموصل، وطاف بعبادها وزهادها، والتقى برجال التصوف فيها، ثم ~~ولى وجهه إلى بغداد، يركع ويتهجد في محاربها ومساجدها، ويلقي دروس العلم في مدارسها ~~ومعاهدها، ويلوذ به الأئمة ورجال الله. # يقول الإمام عبد الله اليافعي في الإرشاد: «اجتمع محيي الدين في بغداد بالإمام السهروردي، ~~فأطرق كل منهما ساعة ثم افترقا، فقيل لابن عربي: ما تقول في السهروردي؟ فقال: مملوء سنة ~~من مفرقه إلى قدمه. وقيل للسهروردي: ما تقول في محيي الدين؟ فقال: بحر الحقائق وإمام ~~العارفين.» # ثم طوف ببلاد الروم، والتقى بملك «قونية» فأجله وأكرمه، ووهب له دارا، قدرت بمائة ~~ألف درهم، فلما نزلها وأقام بها، مر به سائل فقال له: شيء لله. فقال: ما لي غير هذه الدار ~~فخذها لك، فتسلمها السائل، وعاد محيي الدين يملك الدنيا ولا يملك شيئا. # ثم هبط إلى الشام وهي الأرض التي أحبها ورغب أن يموت بها؛ لأن الرسول - صلوات الله عليه ~~- قال: إنها بلد الأبدال والعلماء. # قال شيخ الإسلام المخزومي: «وقد كان الشيخ بالشام كعبة للقاصدين ومثابة للمتفقهين، يتردد ~~إليه العلماء، ويحف به الأدباء، ويلوذ به الأوفياء، يعترفون له جميعا بجلالة المقدار، وأنه ~~أستاذ المحققين من غير إنكار، وقد أقام بين أظهرهم أمدا طويلا، يكتبون مؤلفاته، ms044 ~~ويتداولونها بينهم، ويسألونه الدعاء.» # واستقر بدمشق، وأقبلت عليه الدنيا، وحملت إليه عطايا ملوك الأرض وسادتها؛ فكان يتصدق ~~بكل ما يصل إليه حتى لقب بريح الكرم. # يقول الإمام صفي الدين، في رسالته عمن رأى من سادات عصره: «ورأيت بدمشق الشيخ الإمام ~~العارف الوحيد محيي الدين بن العربي، وكان من أكابر علماء الطريق، جميع بين سائر العلوم ~~الكسبية، وما وقر له من العلوم الوهبية، ومنزلته شهيرة، وتصانيفه كثيرة، وكان غلب عليه ~~التوحيد علما وخلقا وحالا، خلقه هو القرآن. # وهو حجة الله الظاهرة وآيته الباهرة.» # | صلاته بالملوك # محيي الدين هو بين رجال التصوف، صاحب الملوك، كما يلقب في التصوف بالسلطان، ويعطى ~~مقام السلطنة، وهو في خلقه وشمائله، وعزيمته ومواهبه ملك من ملوك الروح لا يطاول ولا ~~يسامى. # ولقد اتصل محيي الدين في مطلع شبابه بملك مراكش، وصادقه وصافاه وعمل معه وله، ثم هبط إلى ~~مصر؛ فأحبه واليها وأكبره والتمس منه الصحبة والبقاء، فسمح له بالصحبة وأبى البقاء. # ثم استقر بالشام، فاتصل حبله بملوك الأيوبيين، وهم فرسان الدنيا وسادة الشرق في ذلك ~~الوقت، وحماة الإسلام في وجه الصليبيين؛ فرفعوه مكانا عليا، وسعوا إليه يلتمسون لديه ~~العلم، كما يلتمسون الدعاء. # 1 # ولم تقم صلاته بالملوك على الزلفى والتملق، فما ينبغي لرجال الله هذا وحاشاه منه، ~~وهو من هو في أنواره ومقاماته، بل قام محيي الدين لديهم مقام كلمة الحق، مقام المربي ~~المرشد، مقام العالم الأمين على رسالته؛ فلا تأخذه في الحق لومة لائم، فهو الناصح أبدا، ~~الناصر للحق في لفتاته وإشاراته. # يقول محيي الدين: «كانت لي كلمة مسموعة عند الملك الظاهر صاحب مدينة حلب، ابن الملك ~~الناصر لدين الله صلاح الدين بن يوسف بن أيوب، فرفعت إليه من حوائج الناس في مجلس واحد ~~مائة وثمان عشر حاجة قضاها كلها، وكان منها: أني كلمته في رجل أظهر سره وقدح في ملكه، ~~وكان من جملة بطانته، وعزم على قتله. # فلما كلمته في شأنه أطرق، وقال: حتى أعرف المولى ذنب هذا المذكور، وأنه من الذنوب ~~التي لا تتجاوز ms045 عنها الملوك، فقلت له: يا هذا ، تخيلت أن لك همة الملوك، وأنك سلطان. ~~والله ما أعلم في العالم ذنبا يقاوم عفوي، وأنا واحد من رعيتك، وكيف يقاوم ذنب رجل ~~عفوك في غير حد من حدود الله، إنك لدنيء الهمة؛ فخجل وسرحه وعفا عنه، وقال لي: ~~جزاك الله خيرا من جليس، مثلك من يجالس الملوك. وبعد ذلك المجلس ما رفعت إليه حاجة ~~إلا سارع في قضائها من غير توقف كانت ما كانت.» # وإنه لموقف عظيم من رجل عظيم لدى ملك عظيم، يدل في إشراق ووضوح على مكانة محيي الدين لدى ~~الملك الناصر، حتى ليلقبه بالمولى، وحتى ليرمي محيي الدين في وجهه بأعنف كلمة توجه ~~إلى ملك؛ فيصفه بنقص الهمة، ولا يغضب الملك العظيم، بل يخجل، ثم يعفو عن الذنب الذي لا تعفو ~~عن مثله الملوك، ثم يقول: جزاك الله خيرا، فمثلك من يجالس الملوك. # وبهذا الخلق، هزم هؤلاء الملوك أوروبا مجتمعة متكاتفة في ساحات الشام وميادينه. # ويكتب محيي الدين رسالة إلى السلطان الغالب بأمر الله صاحب بلاد الروم؛ ردا على خطاب ~~أرسله له سنة تسع وستمائة: # بسم الله الرحمن الرحيم # وصل الاهتمام السلطاني الغالب بأمر الله - أدام الله عدل سلطانه - إلى والده ~~الداعي له محمد بن العربي، فتعين عليه الجواب بالوصية الدينية، والنصيحة ~~السياسية الإلهية، على قدر ما يعطيه الوقت ويحتمله الكتاب، إلى أن يقدر ~~الاجتماع ويرتفع الحجاب. # إلى أن يقول: # فاحذر أن أراك غدا بين أئمة المسلمين من أخسر الناس أعمالا، الذين ضل سعيهم ~~في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، ولا يكون شكرك لما أنعم الله به ~~عليك من استواء ملكك بكفران النعيم، وإظهار المعاصي، وتسليط النواب السوء بقوة ~~سلطانك على الرعية الضعيفة، فإن الله أقوى منك، فيحتكمون فيهم بالجهالة والأغراض، ~~وأنت المسئول عن ذلك. فيا هذا، قد أحسن الله إليك؛ فأنصف المظلوم من الظالم، ولا ~~يغرنك أن الله وسع عليك سلطانك، وسوى البلاد لك ومهدها مع إقامتك على ~~المخالفة والجور، وتعدي الحدود؛ فإن ذلك الاتساع مع بقائك ms046 على مثل هذه الصفات ~~بإمهال من الحق لا إهمال، وما بينك وبين أن تقف بأعمالك إلا بلوغ الأجل ~~المسمى، وتصل إلى الدار التي سافر إليها أباؤك وأجدادك. # يا هذا، ومن أشد ما يمر على الإسلام والمسلمين - وقليل ما هم - رفع النواميس ~~والتظاهر بالكفر، وإعلاء كلمة الشرك؛ فتدبر كتابي ترشد إن شاء الله، ما لزمت ~~العمل به والسلام. # هذه هي لغة العلماء إلى الملوك، علماء الله لا علماء الدنيا. # ويروي لنا محيي الدين أنه كان يسير في رفقة من أصحابه؛ رجال العلم والتقوى، ونظر فرأى ~~الخليفة قادما، فقال لأصحابه: من بدأه منكم بالسلام، أوقعت به لديه؛ فإن السنة أن ~~يسلم الراكب على المترجل، وما تعود الخليفة ذلك. # ووصل الخليفة إليهم، فلم يلقوا إليه بالسلام، وتعجب الخليفة؛ ولكنه نظر فرأى محيي ~~الدين، فألوى بزمام دابته، وقال: السلام عليكم ورحمة الله، فقالوا: وعليكم السلام ورحمته ~~وبركاته. # وتبسم الخليفة، وقال: رحمكم الله، لقد أحييتم سنة محمدية كريمة، وعلمتموني ~~واجبا. # قال الفيروز آبادي صاحب القاموس: لقد رأيت إجازة بخط الشيخ، كتبها للملك المعظم ~~صاحب حلب، ورأيت في آخرها: «وأجزت له أيضا أن يروي عني كتبي وجميع مؤلفاتي، ومن جملتها ~~كذا وكذا حتى عد نيفا وأربعمائة مؤلف، منها: التفسير الكبير، الذي وصل فيه إلى قوله - ~~تعالى: # وعلمناه من لدنا علما ~~.» # وتلك الوثيقة التاريخية؛ التي ينقلها لنا الفيروز آبادي، تدل على تلمذة الملوك له، وحرصهم ~~على اقتناء مؤلفاته التي أربت على أربعمائة مؤلف. # يقول محيي الدين: «وإياك وصحبة الملوك، إلا أن تكون مسموع الكلمة عندهم؛ فتنفع مسلما أو ~~تدفع عن مظلوم، أو ترد سلطانا عن فعل ما يؤدي إلى الشقاء عند الله.» # ولقد وفى محيي الدين بقوله وشروطه؛ فعاش في حدود تلك الكلمات الغالية، فكان شفيعا ~~لعامة المسلمين عند الملوك، مدافعا عن المظلومين، ناصرا للحق والدين، رادا للملوك عن ~~فعل ما يؤدي إلى الشقاء عند الله. # وتلك رسالة لا ينهض بها إلا رجال الروح والإيمان، من أمثال محيي الدين، ومن في الناس ~~كمحيي الدين؟ # | المعراج الأخير # عاش ms047 محيي الدين يجوب بروحه آفاق السماء ، ويعرج بهمته إلى معارف الملأ الأعلى، عاش ~~معلق القلب أبدا بربه، عاش في مقامات النور وأحوال الصفاء، تتنزل عليه هبات خالقه ~~مبشرات ومرشدات. عاش محبا محبوبا، راضيا مرضيا، فلما اكتملت رسالته، وأحس بقرب ~~الأجل، والرحيل إلى الرفيق الأعلى، أقبل على القرآن يصوغ له تفسيرا جديدا على هدى كشوفاته ~~وفتوحاته وإلهامات قلبه. # ضريح محيي الدين بن عربي «بدمشق» الشام. # وفي دمشق في ليلة الجمعة، في الثامن والعشرين من ربيع الآخر سنة ثمان وثلاثين وستمائة، ~~والمحابر والأوراق بين يديه، والقلم في يمناه منطلقا بالفتح الأكبر، مفسرا لآي القرآن ~~والذكر الحكيم، فلما وصل إلى قوله - تعالى: # وعلمناه من ~~لدنا علما ~~، وقف القلم واهتز الجسد، ومال الرأس الكبير، وهرع إليه صحبه؛ ~~فإذا بنور يتصاعد إلى السماء، يحمل معه سر تلك الحياة الخالدة. # ذهب محيي الدين إلى ربه، فتحطمت تلك المحجة التي كانت تهدي إلى الله - أستغفر الله، بل ~~زادت تلك المحجة وضوحا وإشراقا؛ فقد غدا تراثه شرعة ومنهاجا وسارية تضيء وتضيء في ~~الطريق الرباني، تهدي إلى الإيمان والتقوى. # أما خصوم محيي الدين الذين ملئوا الدنيا حوله صياحا ورعودا؛ فلم أر وصفا لهم أبلغ من ~~قول اليافعي: حكمهم حكم ناموسة نفخت على جبل تريد إزالته من مكانه، وتذهب الريح بأمم من ~~الناموس، وتبقى الجبال شوامخ راسيات، بها تثبث الأرض، وبها يحفظ ميزان الدنيا. # | النهج الصوفي # يصف الله - سبحانه - الحالة المثلى، والمقام الأعلى للمؤمنين العابدين؛ فيقول - تبارك ~~وتعالى: # الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى ~~جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما ~~خلقت هذا باطلا ~~. # فالإيمان الحق: ذكر وفكر، ذكر يلهم الروحانية والمعرفة، وفكر يدرك الآيات وأسرارها، ذكر ~~بالليل والنهار لفاطر السموات والأرض، وتفكر في آيات الله الكونية، وما اشتملت عليه السموات ~~من نجوم وكواكب وأقمار وشموس، مسخرات بأمره، سابحات بإذنه، مدبرات أحكم التدبير بعلمه، ~~وما حوت الأرض من نبات مختلف الألوان، وثمرات تسقى من ماء واحد، ويفضل بعضها بعضا ~~في الأكل والأريج، ومعادن وكنوز؛ كل له رسالة يؤديها، وسهم ms048 نافع في قيام الحياة. # والذكر والتقوى معارج إلى العلم اللدني الرباني: # واتقوا الله ~~ويعلمكم الله ~~، وتفكر في آيات الله على ضربين: أولهما: يرشد إلى عظمة ~~الحق ويدل عليه. وثانيهما: استنباط ما في تلك الآيات من قوى لخير الإنسانية وهداها ~~ورفاهيتها، وهي علوم الدنيا. # فالمؤمن الكامل من اكتسب معارفه بالذكر والتقوى، والتأمل والتفكر في الآيات والبينات، ~~مع الاعتصام بميزان الشرع، الذي لا يميل ولا يحيف. # ذلك هو التصوف في مبناه ومعناه، فالتصوف هو الظمأ إلى المعرفة على تعدد ألوانها وصورها، ~~الظمأ إلى المثالية في علوم الدين وعلوم الدنيا. # وعلوم الدين غايتها الله - سبحانه - المعبود الواجب الوجود، المحب المحبوب، واهب الحياة ~~وربها، وقيوم السماء وعمادها، يذهب الصوفي إليه بقلبه وروحه ووجدانه، فهو أبدا الذاكر ~~الراكع الساجد الفاني في الطاعة والمحبة، المراقب لله في كل حالاته، كأنه يرى الله مشاهدة ~~مبصرة، فإذا لم يكن يراه فإن الله يراه، ويعلم سره ونجواه. # وعلوم الدنيا، غايتها سعادة الإنسان، وكف الأذى ومنع العدوان، وإشاعة الحب والسلام، ~~وتذكيره في كل لفتة أو خاطرة، بربه وخالقه الذي وهب له الكون، وسخره بأمره له، ليعطيه ~~من خيراته وكنوزه ما أحب وأراد. # خلق الله الكون لنا، ميدانا لعقولنا، وساحة لأرزاقنا، وخلقنا لنفسه: # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ~~، فلننظر ~~في آيات الكون ونتدبرها، ثم نسبح بحمد الله، ولنطعم من خيرات الأرض ونشكر الله، ~~ولنستنبط من الأرض ما خفي وانطوى في باطنها، ثم لنرفع رءوسنا إلى موجد الأشياء جميعها ~~بالحمد والشكر، ذاكرين أفضاله، مقدرين لنعمه ومننه. # ذلك هو نهج المتصوفة في الذكر والتفكر، وهذا هو الميزان الذي توزن به حياتهم، وتوزن به ~~أعمالهم ومعارفهم. # فالتقوى طريق للعلم الرباني، والفكر والتفكر معراج إلى مناهل العلوم ومنابعها، والعلم ~~أفضل ما في فضل الله كما يقول محيي الدين؛ فأولياء الله هم العلماء، وما اتخذ الله من جاهل ~~وليا أبدا؛ إنما يخشى الله من عباده العلماء. والعلم يوجب الطاعة، والطاعة تستوجب المحبة ~~من الله، وحب الله يصاحب الفيض والإشراق والإلهام. أو كما يقول الإمام مالك: ms049 «ليس العلم ~~بكثرة التلقين والرواية؛ وإنما هو نور يقذفه الله في قلوب من أطاعوه فأحبهم.» # يقول الإمام الغزالي: «كنت في مبدأ أمري منكرا لأحوال الصالحين ومقامات العارفين، حتى ~~صحبت شيخي يوسف النساج، فلم يزل يصقلني بالمجاهدة حتى حظيت بالواردات، فرأيت الله - ~~تعالى - في المنام، فقال لي: يا أبا حامد. فقلت: أوالشيطان يكلمني؟ قال: لا؛ بل أنا الله ~~المحيط بجهاتك الست. ثم قال: يا أبا حامد، زر مساطرك واصحب أقواما جعلتهم في أرضي محل ~~نظري، هم الذين باعوا الدارين بحبي. قلت: بعزتك ألا أذقتني برد حسن الظن بهم. قال: قد ~~فعلت. والقاطع بينك وبينهم: تشاغلك بحب الدنيا؛ فاخرج منها مختارا قبل أن تخرج منها ~~صاغرا، فقد أفضت عليك أنوارا من جوار قدسي. فاستيقظت فرحا مسرورا، وجئت إلى شيخي ~~يوسف النساج، فقصصت عليه الرؤيا فتبسم، وقال: يا أبا حامد، هذه ألواحنا في البداية، بل ~~إن صحبتني ستكحل بصيرتك بإثمد التأييد حتى ترى العرش ومن حوله، ثم لا ترضى بذلك، حتى ~~تشاهد ما لا تدركه الأبصار؛ فتصفو من الأكدار طبيعتك، وترقى على طور عقلك، وتسمع الخطاب من ~~الله - تعالى - كموسى: # إني أنا الله رب ~~العالمين ~~.» # ويقول الإمام الغزالي؛ متحدثا ومدافعا عن النهج الصوفي: «وماذا يقول القائلون في ~~طريقة أول شروطها: تطهير القلب عما سوى الله - تعالى، ومفتاحها: استغراق القلب بالكلية ~~في ذكر الله، وآخرها: الفناء بالكلية في الله. # وأول هذه الطريقة: المكاشفات، حتى إنهم في يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء، ~~ويسمعون منهم أصواتا، ويقتبسون منهم فوائد، ثم يترقى الحال من مشاهدة الصور والأمثال، إلى ~~درجات يضيق عنها نطاق النطق.» # وعلى هذا الضوء، نستطيع أن نعرف سر العلم لدى المتصوفة، وعلى هذا الضوء نستطيع أن نتدبر ~~وندرس ذلك التراث العظيم الذي تركه محيي الدين للفكر الإسلامي والمعارف العالمية، من جولات ~~في عوالم الأرواح والقلوب، وكشوف لدنية في أسرار الشريعة ومعارفها، وفيوضات كالبحار الزواخر ~~في الآيات الكونية والنظم الإلهية والأسرار الربانية، المستمدة جميعها من خزائن القرآن ~~وفيوضات العلم اللدني، الذي قوامه الذكر والفكر، والإشراق والرضا. ms050 # العلم اللدني # الكشف الباطني والفيض الرباني ، هما سر الحياة في محيي الدين، فقد تدفقت معارفه من هذا ~~النبع، وصيغت علومه من ذلك الفيض، وتميز بين رجال الفكر الإسلامي، بل العالمي، بأنه ~~صاحب النصيب الأكبر والحظ الأوفر من هذا العلم اللدني، أو الحكمة الربانية التي ~~يؤتيها الله من يشاء من عباده. يقول محيي الدين: «إن المؤمن المتأدب بآداب ~~ربه، المحافظ على شريعته، إذا لزم الخلوة والذكر، وفرغ فكره مما سواه، وقعد ~~فقيرا لا شيء له عند باب ربه؛ حينئذ يمنحه الله - تعالى - ويعطيه من العلوم والأسرار ~~الإلهية، والمعارف الربانية، التي من بها - سبحانه - على عبده الخضر، فقال - ~~تعالى: # عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من ~~عندنا وعلمناه من لدنا علما ~~، وقال - تعالى: # واتقوا الله ويعلمكم الله ~~، وقال: # إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ~~، وقال - ~~سبحانه: # ويجعل لكم نورا تمشون به ~~. والنور ~~هو العلم، والفرقان أعلى فيوضات الإلهام.» # آيات بينات محكمات، في حقيقة الفيض الرباني، الذي يفجر الحكمة والعلم في قلب المؤمن ~~العابد الذاكر، الذي يعيش جالسا على باب ربه خاشعا، مجردا خاليا من كل شيء، متوجها ~~إلى الواهب القادر الذي يجعل لمن قصده نورا يعيش به، وفرقانا يمشي على ~~هداه. # ثم يقول محيي الدين: «فحينئذ يحصل لصاحب الهمة في الخلوة مع ربه - جلت هيبته وعظمت ~~منته - من العلوم ما يغيب عندها كل متكلم على البسيطة؛ لأنها من وراء أحكام العقل، ~~وليست في متناوله ولا طاقته؛ لأنها منة الوهاب العليم.» # قيل للجنيد: بم نلت ما نلت؟ فقال: بجلوسي تحت تلك الدوحة ثلاثين سنة، دوحة ~~المراقبة والطاعة، والعبودية الكاملة. # وكان أبو يزيد البسطامي يقول في محاججته لعلماء الرسوم: أخذتم علمكم ميتا عن ميت، ~~وأخذنا علمنا من الحي الذي لا يموت. # ومحيي الدين يصرح في كل ما يكتب بهذه المعاني، فهو يقول: «إن جميع ما أكتبه في تأليفي ~~ليس عن روية وفكر؛ وإنما هو عن نفث في روعي على يد ملك الإلهام.» ويقول في ~~الباب الثالث والسبعين وثلاثمائة من الفتوحات: «وجميع ما كتبته وأكتبه في ms051 هذا الباب؛ ~~إنما هو من إملاء إلهي وإلقاء رباني، أو نفث روحاني في روح كياني؛ كل ذلك بحكم الإرث ~~للأنبياء، والتبعية لهم، لا بحكم الاستقلال.» ثم يقول: «وتصانيفي إنما هي من حضرة ~~القرآن وخزائنه؛ فإني أعطيت مفاتيح الفهم فيه والإمداد منه.» # ويقصد محيي الدين من قوله: بحكم الإرث للأنبياء والتبعية لهم قول الرسول - صلوات الله ~~عليه: «علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل.» أي: في الكشف والعلم، والنفث في الروع، ~~والإمداد، والفيض الإلهي. # والكشف الباطني، أثير حوله الجدل والحوار، في سائر أنحاء الكوكب الأرضي، قديما ~~وحديثا. # فالماديون لا يرون للمعرفة والعلم بابا إلا الحواس الخمس المتصلة بعالمنا، ويقررون ~~أن لا مصدر فوق هذا تصدر منه المعرفة غير الخيال والتصور. وما كان الخيال والتصور يوما ~~من الأيام حكما ترضى حكومته في المعارف اليقينية، والعلوم الصحيحة الثابتة، وهم ~~شديدو التهكم برجال الدين، والكشف الباطني، ومن سلك مسلكهم من أصحاب الرياضة العقلية، ~~والصفاء الروحي. # أما الصوفية والروحانيون على اختلاف أديانهم وألوانهم ومذاهبهم، فيقررون أن للعلم ~~وسائل باطنية يقرها العقل المنصف، ويعترف بها الواقع الملموس المشاهد، أساسها الصلة ~~بين النفس الإنسانية والعالم الروحاني، كما يقول الروحانيون، أو بين النفس ~~الإنسانية وخالقها، كما يقول المتصوفة. أو كما يعبر محيي الدين: «إن الله هو المعلم ~~الحقيقي، والمؤدب الحقيقي للوجود كله، خلق الإنسان علمه البيان، ويؤتي ~~الحكمة من يشاء، وعلم الخضر، ومن يسلك نهجه ويقرب قربه، من لدنه علما، ~~وأدب من اصطفى واختار فأحسن تأديبه.» # فمن خلصت نفسه من شوائب المادية وظلماتها، وصفت روحه وتطهرت في محاريب الطاعة، ~~ومناجاة المحبة، ورضي الله عنه فأحبه؛ أفيض عليه من أسرار الوجود وآياته، وإشراقات ~~العلوم وأسرارها ما يعلو على الحواس الخمس، وما تدركه الحواس الخمس، وظفر بمعارف وعلوم ~~يضيق عنها نطاق النطق، كما يقول الغزالي، أو كما يقول أستاذه يوسف النساج، حتى يرى ~~العرش ومن حوله، ثم لا يرضى حتى يرى ما لا تدركه الأبصار، ثم يرقى حتى يسمع الخطاب ~~كموسى: # إني أنا الله رب العالمين ~~. # والمعارف الهابطة من السماء، المفاضة من ms052 تحت عرش الرحمن، تتبع الصفاء وتلازمه ، كتب ~~الشاعر الروحاني «موسيه» عن نفسه فقال: أنا لا أعمل ولكني أسمع ما أكتب، فكأن إنسانا ~~مجهولا يناجيني في أذني. وكان «لامارتين» الذي صقله الحب يقول: لست أنا الذي يفكر؛ ~~ولكن هي أفكاري التي تفكر لي. «وطاغور» زاهد الهند وشاعرها يقول بأنه ينام وهو يعمل في ~~قطعة من الشعر لم تتم، فيستيقظ فيجدها تامة في ذهنه. أما «سقراط» فيلسوف اليونان، فقد ~~تحدث إلى تلامذته فقال: إني لأسمع بأذني ما تلقيه إلي روح مجهولة، ومنها استمددت ~~معارفي. وكان فيلسوف الإسلام «الفارابي» تحل له أعظم مشاكله الفكرية في المنام، أما ~~«ابن سينا» فيخطو خطوة أخرى نحو الكمال فيقول: إنه إذا استعصى عليه أمر من أمور الفكر، ~~هرع إلى الصلاة فصلى وسبح، فإذا بكل شيء كالصبح المبين. «وأرسطو» قد بنى فلسفته ~~في الدراسات النفسية على الفيض والإلهام. # تلك ثمرات الصفاء، وهبات الروح الجميل المشرق، ولكن الكمال في الفيض والهبات؛ إنما ~~هو لرجال الطاعة والعبادة، والذكر والمناجاة، والرضا والمحبة؛ فأولئك لهم التلقين ~~والمشاهدة والنور والفرقان. # ويأتي بعد ذلك سؤال، لا بد أن يدور به اللسان: هل السالكون لطريق الطاعة والعبادة ~~والذكر والصفاء، يصلون جميعا إلى هذه المعارف الباطنية والعلوم الربانية، والإشراقات ~~والفيوضات والمكاشفات؟ # يقول محيي الدين: إن الفتح على قدر الهمة. وإن شئت بلغة العصر، فعلى قدر الطاقة ~~الروحية للعابد الذاكر؛ فطاقات العقول مختلفة، وطاقات الروح أيضا، وكما تتباين كفاءات ~~العلماء في الدراسة الظاهرية: علوا وانخفاضا، وعبقرية هنا وجمودا هناك، كذلك تتباين ~~كفاءات المتطهرين العابدين، في الفتح والكشف. # | مكانة محيي الدين من العلم اللدني # ومنذ قرعت الدعوة المحمدية أسماع الدنيا بالخير والهدى إلى يومنا، على كثرة العابدين ~~الذاكرين المتطهرين في محاريب المحبة والصفاء، المنقطعين إلى ربهم، المتهجدين لخالقهم في ~~تلك الرقعة المحمدية التي تشغل قلب الدنيا، والتي ضمت شتيتا من الأمم، وألوانا من الشعوب، ~~والتي أنجبت العباقرة والأئمة، لم يعرف تاريخ تلك الأمة رجلا ثانيا يزاحم محيي الدين في ~~قمته الشامخة، في علوم الكشف والفيض والهبات، والعطايا الربانية. ms053 # يقول الشعراني في اليواقيت والجواهر: «إن كلام محيي الدين إن نظر فيه مجتهد في الشريعة، ~~ازداد علما إلى علمه، واطلع على أسرار في وجوه الاستنباط، وعلى تعليلات صحيحة لم تكن عنده، ~~أو لغوي، أو مقرئ، أو معبر للمنامات، أو عالم بالطبيعة، أو متحدث، أو خبير بالطب، أو عالم ~~بالهندسة، أو نحوي، أو منطقي، أو صوفي، أو عالم بالحديث وطرقه، وبعلم الأسماء والحروف ~~وأسرارها، وجد لديه من العلم ما يذهل العقل ويحيره، فهو يفيد هذه العلوم وغيرها علوما لم ~~تخطر قط على بال إنسان.» # ولقد أشار الشعراني إلى نحو ثلاثة آلاف علم منها في كتاب له أسماه: «تنبيه الأغبياء إلى ~~قطرة من بحر علم الأولياء»، ويقول الشعراني أيضا: «إن كلام محيي الدين ومرتبة علومه ~~بالنسبة لغيره من الصوفية، كمرتبة إكسير الذهب بالنسبة إلى مطلق الذهب.» # ومحيي الدين تقف العقول على أبوابه متحيرة ذاهلة؛ فأمواج عبابه طاغية صخابة، ثم هادئة ~~رقراقة، ولكنها في ضجيجها أو في صفائها، عميقة الغور عمقا مهما غاصت العقول بحثا عن ~~نهايته؛ فهي أبدا ترتد معترفة بالعجز، شاهدة بالقصور. # ومرجع هذا أن علوم محيي الدين مزاج عجيب من علوم الدين والدنيا؛ فهو يحدثك عن صفات الله - ~~عز وجل - وأسرار أسمائه الحسنى، وما أودع في عوالم الحروف والكلمات من آيات وآيات، ثم ~~يحدثك عن خواص المعادن وأسرار مزجها وتحولها، وذارتها وموازينها، ثم يثب إلى الكواكب ~~والأجرام السماوية وسيرها وحركاتها ونواميسها، ثم يعود بك إلى البحار وخصائصها وجواهرها ~~وعوالمها، ثم يعطف بك على دروب الروح ومعارجها، وينتقل إلى النفس والهوى والجوارح، ثم إلى ~~الأديان والشرائع، مقارنا وشارحا، ثم إلى العماء الأول الذي خلق منه الكون، والماء ~~الذي تكون منه كل شيء حي، وفجأة إلى العالم الأخروي وصراطه وموازينه وملائكته وبعثه ~~ونشوره، ثم إلى دنيا الطب وعجائب الأدوية، والنباتات وخواصها، وقبل أن تفيق يأخذ بأذنك ~~ليعطيك درسا في الهندسة والمثلثات والزوايا والدوائر؛ فأنت معه أبدا على جناحي طائر من ~~عالم مسحور، عنيف الحركة، جبار السرعة، يسمعك تسبيح الملائكة وأحاديث الملأ الأعلى ms054 في ~~الآفاق العليا، واصطخاب الأمواج وتلاطمها في أعماق المحيطات في طرفي لحظة واحدة. # فإذا دار رأسك من هذه السرعة الرهيبة، وعجز عقلك عن متابعة كل هذه الفيوضات العلمية ~~المتباينة؛ ففهمت شيئا وغابت عنك أشياء، أسمعك أشعاره وحدثك بالمقامات والأحوال، وناجاك ~~بقصص الصالحين والأولياء، وسرد عليك النكت البيانية والدقائق النحوية، والرقائق الصوفية، ~~وما وقع فيه الفقهاء، وما تورط فيه المفسرون، وما أغلق على المتكلمين، وما ألبس على ~~المعتزلة والأشاعرة. فإذا استرددت أنفاسك اللاهثة قليلا، قذف بك عنيفا جامحا إلى دنيا ~~جديدة، على صورة عالمنا شكلا، وعلى نقيضه معنى، فهناك الصفاء والجمال والخير الساري والثمر ~~الشهي، الذي يثب إلى يدك، والأرض التي تطوى تحت قدمك، والقصور التي صاغها الخيال، ~~والنظم الرحيمة الكريمة التي لا يشقى بها إنسان، وفي تلك النشوة التي تحس بها جميلة ساحرة، ~~يأخذك إلى مشكلات الجوهر الفرد، وكروية الأرض، ونظرية الموازنة، أو ما يسمى اليوم ~~بالنسبة، وقوة التفجر أو ما يسمى اليوم بالذرة، فإذا خارت قواك، فلم تستطع التطواف مع ~~محيي الدين في كتبه؛ فاعلم بأنك في بداية الشوط وما قطعت في ساحاته إلا خطى ضئيلة ~~كليلة. # فإذا تفكرت فيما مر بك، تذكرت أمرا عجبا، أنك مع رجل يعرض عليك ألوانا من الفكر، ~~وألوانا من العلم، وألوانا من المعارف لا تمت بصلة إلى علوم سابقة، ولا تمت بنسبة إلى ~~أقلام مبدعة كاتبة، إنها لمن نبع محيي الدين وحده؛ فمحيي الدين لا يذهب في معارفه ~~وعلومه مذاهب غيره، بل هو قمة شامخة، قائمة وحدها، أو كما يقول الإمام النووي: «تلك أمة قد ~~خلت، لم تماثلها أمة من قبل، وما أحسب أن أمة تخلفها.» # يقول محيي الدين: «ما عندنا بحمد الله تقليد لأحد؛ إنما هو فهم في القرآن أعطيته، ومدد ~~من رسولي اختصصت به، وفيض من ربي أكرمني بأنواره.» # ومع هذا فقد استمسك محيي الدين بميزان الشريعة؛ لأنه كما يقول: «من رمى بميزان الشريعة ~~من يده لحظة هلك.» ويهتف مع مسمع الدنيا: «لقد كتبت ما كتبت، وأنا أقر - بحمد الله تعالى ms055 - ~~أني لم أذكر أمرا غير مشروع ، وما خرجت عن الكتاب والسنة في شيء، بل منهما استمددت، ~~وبهما أنير طريقي.» # | أقسام العلوم ومراتبها # يقول محيي الدين: «لقد أجمع رجال التصوف جميعا على أنه لا تحليل ولا تحريم بعد شريعة ~~رسول الله وخاتم النبيين - صلوات الله عليه؛ وإنما هو فهم يعطى في القرآن لرجال الله، كما ~~ثبت من حديث علي، وفيض من العلم يهبه لمن أطاعه فأحبه فألهمه وجعل له نورا. # وكما حفظ علماء الظاهر حدود الشريعة، كذلك يحفظ علماء الباطن آدابها وروحها، وكما أبيح ~~لعلماء الظاهر الاجتهاد في استنباط الأدلة، واستخراج الحدود والفروع، والحكم بالتحليل ~~والتحريم على ما لم يرد فيه نص، وترك أمره للاجتهاد والاستنباط؛ فكذلك للعارفين أن ~~يستنبطوا آدابا وأذواقا ونهجا للمريدين والعابدين.» # وإذن؛ فللتصوف علومه واجتهاداته التي يتفرد بها، ولتلك العلوم أثرها ومكانتها ومقامها في ~~التشريع والآداب الإسلامية. # ثم يعطف محيي الدين لتوضيح رسالته على العلوم وأقسامها، وأثر العقل فيها، ومكانة الأحوال ~~والأسرار منها، فيقسم العلوم إلى ثلاثة أقسام: علم العقل، وعلم الحال، وعلم الأسرار؛ ~~وهذه هي جماع المعارف كافة، وما سواها من فروع، فمنضو تحت أعلامها. # علم العقل # فعلم العقل، هو كل علم يحصل نتيجة نظر في دليل، بشرط الحصول على وجه ذلك الدليل ~~وشبهه؛ ولهذا يقولون في النظر: منه صحيح ومنه فاسد، ومنه علم الفلسفة وسواه من العلوم ~~النظرية. # وعلامة هذا العلم أو من خصائصه أنك كلما بسطت عبارته حسن واتضح معناه، وعذب عند ~~السامع، وقبله منطقه. # علم الأحوال # والعلم الثاني: هو علم الأحوال، ولا سبيل إليه إلا بالذوق أو المشاهدة، ولا يقدر عاقل ~~على أن يحده، أو يقيم على معرفته دليلا ألبتة، وهو علم يتلون مع صاحبه بلون ~~ذوقه، أو بلون مشاهداته، كالعلم بحلاوة العسل ومرارة الصبر، ولذة الجماع والعشق والوجد ~~والشوق، عند الناس كافة، أو كحالات المتصوفة في أحوالهم ومقاماتهم وما يتذوقونه من ~~لذائذ روحية. # فهو علم من المحال أن يعرف أحد حقيقته إلا أن يتصف بحالاته ويتذوقها، أو شبهها من ~~جنسها في عوالم ms056 الذوق والروح. # وشرط هذا العلم سلامة الإدراك والبراءة من الآفات، فإن من يغلب على طعم فمه المرارة ~~يجد العسل مرا، وهو ليس كذلك. # وهذا العلم يترك لأصحابه، فلا يتحدث به إلا من ذاقه، ولا يجوز إنكار الذوق على ~~من ذاق، بل لا يلتذ بسماع حالاته على تعدد ألوانها إلا أصحاب الأذواق السليمة. # علم الأسرار # وهو العلم الذي فوق طور العقل وإدراكاته، وهو علم المتصوفة، أو العلم اللدني، وهو ~~الحكمة التي يؤتيها الله من يشاء، وأساسها الفيض والنفث في الروع؛ ولذلك يتسارع ~~إلى صاحبه الإنكار؛ لأنه من طريق الإلهام، وأكثر علوم الكمل من هذا القبيل، وهو صفة ~~أساسية للنبي ومنحة وخلعة على الولي. # وهو نوعان: نوع منه يدرك بالعقل، وهي العلوم التي يمكن تحصيلها بالعقل والفكر، ~~كالقسم الأول من هذه الأقسام، ولكن العلم به هنا لم يحصل عن نظر ولا عن تفكر، ولكنه ~~ملازم لمرتبة العلم التي يعطاها. # والنوع الآخر من علوم الأسرار على ضربين: ضرب منه يلتحق بعلم الأحوال، ولكن على مقام ~~أعلى وحالة أشرف، والضرب الآخر من علوم الأخبار، وهي التي يدخلها الصدق والكذب، إلا أن ~~يكون المخبر به قد ثبت صدقه وعصمته فيما يخبر به ويقوله، كإخبار الأنبياء بالجنة وما ~~فيها، فقوله: إن ثمة جنة مثلا من علم الخبر، وقوله في القيامة: إن فيها حوضا أحلى من ~~العسل من علم الأحوال، وهو علم الذوق، وقوله: كان الله ولا شيء معه، وما يشابه ذلك، من ~~علوم العقل المدركة بالنظر. # أما علم الأسرار، فالعالم به يعلم العلوم كلها ويستغرقها، فلا علم أشرف من هذا العلم ~~المحيط الحاوي على جميع المعلومات، وما بقي إلا أن يكون المخبر به صادقا معصوما، وعلى ~~العاقل اللبيب الناصح لنفسه ألا يرمي ما يرد إليه من هذا العلم، ولكن يقول: هذا ~~جائز عندي أن يكون صدقا أو كذبا. # وكذلك ينبغي للعاقل، إذا أتاه هذا العلم من غير المعصوم، وإن كان صادقا عند الله ~~فيما أخبر به، ولكن كما لا يلزم السامع له بتصديقه، لا يلزمه تكذيبه، ms057 ولكن يتوقف ~~ويتأمل، فإن كان ما أتى به لا تحيله العقول بل تجوزه، ولا يهدر ركنا من أركان ~~الشريعة، ولا يبطل أصلا من أصولها، أو أتى بأمر جوزه العقل، وسكت عنه الشارع؛ فلا ~~ينبغي له أن يرده أصلا، بل له الخيرة في الأمر، فإن كانت حالة المخبر به تقتضي ~~العدالة، لم يضره القبول، بل هو الأولى. فكما أننا نحكم في الأرواح والأموال بشهادة ~~الشهود، نقبل ونحكم بصدق من يأتي بهذه العلوم بشروطها التي ذكرناها. وإن كان المخبر ~~بها غير عدل في علمنا ننظر، فإن كان الذي أخبر به حقا بوجه ما من الوجوه الصحيحة ~~قبلناه، وإلا تركناه في باب الجائزات، ولم نتكلم في قائله بشيء مسيء؛ فإنها شهادة ~~مكتوبة نسأل عنها. قال تعالى: # ستكتب شهادتهم ~~ويسألون ~~. # والصوفية - رضوان الله عليهم - أو أصحاب علم الأسرار؛ إنما يأتون لنا بأسرار وحكم ~~من أسرار الشريعة، مما هي خارجة عن قوة الفكر والكسب، ولا تنال أبدا إلا بالمشاهدة ~~والإلهام وما شاكل هذه الطرق. # ومن هنا نفهم، وعلى هذا الضوء ندرك قول الرسول - صلوات الله عليه: «إن يكن في أمتي ~~محدثون فمنهم عمر.» أي: يأتون بالحديث المنطوي على العلم والحكمة، وبقوله في أبي بكر ~~الصديق: «ما فضلكم أبو بكر بكثرة صلاة ولا قيام؛ وإنما بما وقر في صدره من هذا ~~الدين.» # ثم يقول محيي الدين: هذه هي علوم الأسرار، التي اختص بها الأخيار، ولو لم يقع ~~الإنكار لهذه العلوم في الوجود، وكان الناس كلهم أصحاب عقول سليمة لم يفد قول أبي ~~هريرة: «حفظت عن رسول الله وعاءين من علم: أما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو ~~بثثته لقطع مني هذا الحلقوم.» وقول ابن عباس في قوله - تعالى: # الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل ~~الأمر بينهن ~~: لو ذكرت لكم تفسيره لرجمتموني. وفي رواية: لقلتم: ~~إني كافر. # تلك هي أقسام العلوم عند محيي الدين، وفيها تنطوي معارف البشر كافة من علوم ظاهرة ~~وباطنة؛ فعلم العقل: هو علم الأدلة، علم الجدل والإقناع، علم التفكر والنظر، وبدايته ms058 ~~ونهايته محددة، ومعارفه حولها القيود والسدود ؛ لأنه خاضع لإدراكات العقل، وقانون الفكر؛ ~~ولهذا جاء منه الصحيح والفاسد، لاختلاف العقول وتباينها، وهو علم مباح للناس كافة، كما ~~رزق الناس كافة العقول. # أما علم الأحوال، فهو علم التجربة والذوق، لا يعرفه إلا من جرب أو ذاق، كمقامات ~~المتصوفة ودرجات أحوالهم، أو حالات النفس من الرضا والغضب، أو تذوق الحواس للمرارة ~~والحلاوة، وشرطه صحة الأداء عند صاحبه حتى لا يفسد حكمه على الأشياء. # وهو علم وسط بين علوم العقل وعلوم الأسرار؛ ولهذا يشترك فيه المتصوفة وغيرهم، لكل ~~إنسان ما ذاق وشاهد؛ وليس لأحد أن يصدر حكما على ما يذوق أو يشاهده صاحب هذا العلم؛ ~~لأنه إنما يذكر ما ذاق خاصة، وما شاهد وحده. # أما العلم الثالث: علم الأسرار، فهو علم المتصوفة وحدهم، علم المشاهدة والمكاشفة، ~~العلم الجامع المحيط الشامل للمعارف كافة، العلم الذي هو للأنبياء أصلا، وللأولياء ~~خلعة منحة. وعلى العاقل ألا ينكر، بل عليه أن يتقبله بالقبول الحسن، ما دام لا ~~يتعارض مع أصل من أصول الشريعة، ولا يهدم ركنا من أركانها، بل هو يشرح الأصول ويدعم ~~الأركان، ومن هذا الفيض كانت معارف محيي الدين، والمعترض على هذه العلوم بلا دليل متهور ~~ناقص العقل، محروم من الفهم والخير. # علم التجليات # ويستطرد محيي الدين، فيضيف لهذه العلوم تتمة تكمل بها، أو إن شئت فهو يحدثنا عن ~~المقام الذي تتنزل منه المعارف على أربابها. # والمتصوفة يؤمنون بأن المعارف أصيلة في النفس البشرية لا دخيلة عليها؛ لأن العلوم ~~كافة من الله، هو مانحها، وهو - سبحانه - واهبها ومفيضها، علم آدم الأسماء كلها، ~~ويعلم من يشاء. # يصور لنا محيي الدين الكون في صورة جميلة منسقة، منظمة متماسكة، يشد بعضها بعضا ~~بناموس وقانون إلهي محكم، ومن قانون هذا الكون: الحركة الدائمة، وهذه الحركة، كما هي في ~~الكون مصدر وجوده، أو كما يقول: إن الخلق مع الأنفاس يتجدد. هي أيضا في الإنسان مصدر ~~أحواله ومعارفه، يقول محيي الدين: «العالم في حركة دائبة، وللإنسان أحوال متقلبة، حتى ~~ليحدث التقلب بين ms059 كل نفسين، ومرد هذه الحركة في الكون إلى قوله - تعالى: # كل يوم هو في شأن ~~. # وأعلى العلوم هي مرتبة العلم بالله - سبحانه، وأعلى الطرق إلى العلم بالله: علم ~~التجليات، ودونها علم النظر. وعلم التجليات هو الذي نزل فيه: # وقل ~~رب زدني علما ~~، أي: زدني من كلامك ما تزيدني به علما بك. # والتجلي أشرف الطرق إلى تحصيل العلوم، وهي علوم الأذواق، ولكل شيء ظاهر وباطن، وكذلك ~~نفس الإنسان لها ظاهر وباطن؛ فهي تدرك بالظاهر أمورا، وتدرك بالباطن أمورا. # والتجلي يأتي للنفس البشرية بحسب حالتها واستعدادها؛ فتقع الزيادة في علوم الأحكام إن ~~كان من علماء الشريعة، وفي علوم موازين المعنى، إن كان منطقيا، وفي علوم ميزان الكلام ~~إن كان نحويا، وكذلك صاحب كل علم. # أما الصوفي، فتقع له الزيادة في عالم الحقائق والمعاني، في العلوم الإلهية، وعلوم ~~الأسرار، وعلوم الباطن، وما يتعلق بعلوم الآخرة، وتلك منحة المنح لهم.» # ثم يقول محيي الدين: «إن تلك الهبات الروحية الهابطة من مقام التجلي على كل بحسب ~~علمه، تجعل الإنسان في زيادة علم أبدا، من ناحية ما تعطيه حواسه وتقلبات خواطره، ولكن ~~أغلب الناس لا ينتفعون بهذه العلوم؛ لأن الظن والشك والوسوسة تفسدها، كما تذهب بها ~~الظلمة، ولا يسلم دائما إلا أهل الله الذين برئوا من الظنة والشك، وليست للوسوسة عليهم ~~سلطان، ولا للظلمات إلى حياتهم من سبيل؛ فهم في نطاق الرحمة والعناية، وفي زيادة دائمة ~~متلاحقة من العلوم والمعارف.» # ثم يقول: «ولكل رجل من أهل الله، سلم يخصه، يرقى فيه في معارج التجليات، ولا ~~يرقى معه غيره في ذلك السلم. # ولسلم المعارف درجات، أولها: الانقياد، وآخرها: الفناء، وما بين هاتين الدرجتين: ~~أنوار، وأسرار، وفيوضات، وهبات لدنية.» # ويربط محيي الدين على أفواه من يريد أن يتطرق من هذا القول إلى الظنة، ورمي ~~المتصوفة بالباطل من القول؛ فيمسك بالميزان القسط قائلا: «إن الأمر الإلهي التشريعي ~~انتهى بانتهاء الأنبياء، وختم بخير الرسل، فما بقي للولي العابد العالم إلا المناجاة ~~الإلهية، التي لا أمر فيها؛ وإنما سمرا وحديثا ومحبة ms060 ورضا، فكل من قال من أهل ~~الكشف: إنه مأمور بأمر إلهي في حركاته وسكناته، مخالف لأمر شرعي محمدي تكليفي؛ فقد ~~التبس عليه، أو زج بنفسه بيننا وليس منا.» # | الطريق الأعظم # فإذا انتهى محيي الدين من تقسيم العلوم إلى أقسامها الثلاث، وأن أشرفها وأسماها علم ~~الأسرار، وهو علم الكمل من المتصوفة، وإذا فرغ من مقام التجليات وأثره في العلوم عامة، ~~وعلوم الله خاصة، أخذ يلقي النور على الغاية من الحياة، وعلى الطريق الأعظم الموصل إلى ~~الله، وهو طريق أهل الخلاصة، أو أهل الصفوة المختارة من العباد، الذين هم عطر هذا الوجود، ~~ومحل النظر والعناية من خالقه، فيقول: «اعلم أن الطريق إلى الله - تعالى - الذي سلكت عليه ~~الخاصة من المؤمنين الطالبين نجاتهم، دون العامة الذين شغلوا أنفسهم بغير ما خلقت له، على ~~أربع شعب: # بواعث، ودواعي، وأخلاق، وحقائق. والذي دعاهم إلى هذه الدواعي والبواعث والأخلاق والحقائق ~~ثلاث حقوق فرضت عليهم: حق الله - سبحانه، وحق للخلق، وحق لأنفسهم. فالحق الذي لله - تعالى ~~- عليهم أن يعبدوه لا يشركوا به شيئا، والحق الذي للخلق عليهم كف الأذى كله عنهم، ما لم ~~يأمر به شرع من إقامة حد، وصنائع المعروف معهم على الاستطاعة والإيثار، ما لم ينه عنه ~~شرع؛ فإنه لا سبيل إلى موافقة الغرض إلا بلسان الشرع. والحق الذي لأنفسهم عليهم ألا يسلكوا ~~بها من الطرق إلا الطريق الذي فيه سعادتها ونجاتها، وهو طريق الفطرة، فإن أبت فلجهل قام ~~بها أو سوء طبع؛ فإن النفس الأبية إنما يحملها على إتيان الأخلاق الفاضلة دين أو مروءة؛ ~~فالجهل يضاد الدين، وسوء الطبع يضاد المروءة.» # وإذن فالإنسان يعيش في هذه الحياة تحت ظلال ثلاثة حقوق مقدسة مفروضة، يجب عليه أن ينهض ~~بها؛ فيؤدي واجبها، وتلك الحقوق هي مناط سعادته، وقوام حياته. # حق الله - تعالى، وهو أول الحقوق وأوجبها، فما خلق الإنسان إلا لهذا: # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ~~. يعبده ~~- سبحانه - ليلا ونهارا عبادة خالصة لوجهه الكريم المنعم المتفضل، خالية من الشرك ~~الأكبر، ومن أدرانه وهي الشرك الأصغر، ms061 من رياء ونفاق، وما إلى الرياء والنفاق من صفات ~~وأخلاق. أو كما يقول محيي الدين: «من خاف أحدا من عباد الله، فما تحقق بالعبودية، ولا ~~ذاق معناها، ولا أدرك سرها.» # والحق الثاني: هو حق الناس عليه، وهو قوام الحياة الاجتماعية الفاضلة، الحياة السعيدة ~~الكاملة للعالم؛ فالدنيا تكونت من فرد، ومن الأفراد يتكون المجموع؛ وبالتالي تتكون ~~الإنسانية فإذا صلحت صلات الفرد بالفرد، صلحت صلات الجماعات، وصلحت حياة الكون، وصفت من ~~البغضاء وما إلى البغضاء من صفات تؤدي إلى التنافر والشقاء. # وأول واجبات هذا الحق، كما يقول محيي الدين: كف الأذى كله عن الناس، وكله هنا آية تحتاج ~~إلى صحف ومجلدات، الأذى كله، حتى ما دق وخفي، حتى الإيماءة والإشارة البغيضة، حتى خاطرة ~~السوء وأمنية الأذى. # وليس كف الأذى، وليس حب الخير فحسب، بل أيضا الإيثار على النفس، وهو مقام من الخلق ~~عظيم، لا يطيقه إلا رجال النور والإيمان. # فإذا أدى واجب الناس، بقي عليه واجب نفسه، وهو ألا يدفع بها إلى ظلمات الدنيا وأحزانها، ~~وجحيم الآخرة وعذابها، واجبه أن ينقذها من هذا الهول العظيم؛ فيسلك بها طريق الخير ~~والسعادة، طريق العبادة والطاعة، طريق الرضا والمحبة، طريق الله - عز وجل. # فإن أبت النفس أن تلج هذا الباب الكريم، وأن تسير في هذا الطريق القويم، فلجهل أو ~~سوء طبع؛ لأن الفطرة تدفع بالنفس إلى هذا الطريق الرباني، الذي فطر الله الناس عليه؛ فالجهل ~~وسوء الطبع هما العوائق التي تحول بين النفس وفطرتها، وبين النفس وسعادتها. # ولا علاج للجهل إلا بنور العلم الإلهي، ولا دواء لسوء الطبع إلا بقهر النفس على النهج ~~الصوفي، فطرة الله التي فطر الناس عليها، وسنته التي ارتضاها لعباده، ولن تجد لسنة ~~الله تبديلا. # | محيي الدين والفرق الإسلامية # فإذا فرغ محيي الدين من وضع العلامات، التي ترشد إلى الطريق الأعظم الموصل إلى ~~الله، وهو طريق الطاعة والعبادة، والصفاء، والمحبة، وأوضح لنا حق الله، وحق الناس، وحق ~~النفس على صاحبها، بتزكيتها وتطهيرها وتوجيهها إلى فاطرها وموجدها، عطف على الفرق الإسلامية ~~التي ms062 احترفت الجدل وتعبدت في محاريبه؛ فتفرقت بها السبل، وركضت مع الأهواء، فركبتها ~~حمى الكلام والنقاش، فحولت الإسلام من القلوب إلى الألسن والعقول، حولته إلى صراع وخصام، ~~وتقاتل وتبارز بالألفاظ، وضربت على فطرته وصفائه الأول، بسحب مظلمة مرعدة، أخذت على ~~المسلمين حياتهم؛ فانصرفوا من محاريب التقوى والعمل والإيمان إلى منابر الخصومات والجدل ~~والكلام، وأسلمهم الجدل إلى تلاح وعناد لم تحل عقدته، وإلى فرقة لم يجمع شملها؛ لأنهم ~~ضربوا بألسنتهم في بيداء لا حدود لها، وسبحوا في محيط صخاب، لا نهاية لعبابه وغضبة ~~أمواجه، وهل ينتهي القول ما دام للجدل بابا، بل أبوابا، في مشاكل: القضاء والقدر، وخلق ~~أفعال العباد، وصفات الله - سبحانه، وما إلى تلك المعضلات من شبيهات ومثيلات؟ # ولقد وقف محيي الدين في وجه كل تلك الفرق، المتلاحية المتشدقة المتعالمة وقفة المؤمن ~~العظيم، الذي يدعو إلى الله على بصيرة من أمره ونور من عقيدته، وقف وفي يمينه كتاب الله ~~وسنة نبيه، يدعو إليهما، ويهتف بأن الإسلام تسليم وإيمان وعمل، لا يعرف الشك، ولا يقر ~~الجدل، ولا يحتاج إلى حوار، مخاصما للتأويل محاربا له؛ لأن الإيمان يجب أن يكون بما أنزل ~~الله من الألفاظ والمعاني، لا بما أوله العقل، وابتدعه التصور أو المنطق، # آمن الرسول بما أنزل إليه ~~؛ فالحق - تعالى - ما ~~كلفنا أن نجادل في القضاء والقدر، بل أمرنا بالإيمان بهما، كما عبر عنهما، وما طلب ~~إلينا بيانا بما ينسب من أفعال الإنسان إليه، وما ينسب إلى خالقه، وما أمرنا أن نعلم ~~حقيقة نسبة الصفات إليه - تعالى؛ لعلمه بعجزنا عن ذلك، # 1 # فإن حقيقة صفاته - تعالى - مباينة لجميع صفات خلقه وحقائقهم؛ فليس كمثله شيء، ~~وهذا هو الفيصل، فعلام الجدل والحوار، ولا طاقة للعقل البشري بذلك اللون من المعارف التي هي ~~من فوقه، والتي تسمو على إمكانياته وخصائصه وما خلق له؟ # الجدل والإسلام # ولقد حرم الإسلام الجدل ونهى عنه؛ لأن الجدل لا يصاحبه اليقين ولا يعرف التسليم، بل ~~هو علامة من علامات الشك، أو كما يقول ابن عربي: «إيمان بما تبتكر العقول ms063 من ألوان ~~وصور، لا بحقائق الإيمان كما جاء بها الفرقان.» # ولقد حذر الرسول - صلوات الله عليه - أصحابه ومن آمن به من الجدل وعواقبه، ونهى ~~وأغلظ في الأمر بتجنب البحث وراء القضاء القدر وسرهما؛ لأنه يسلم إلى ظلمات من ~~الشكوك، لا نور معهما ولا يقين. وطلب من أتباعه التفكر في آيات الله، لا في ذاته وصفاته ~~وإلا هلكوا. # ومع هذا، فقد ألوى المسلمون بأعناقهم عن سنة نبيهم، وضربوا في شعاب الجدل والبحث، ~~وأثاروا في أفق الإسلام غبارا لا يزال يخنق، ولا يزال يرمي بالضحايا. # عن أمامة قال: قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا ~~الجدل.» (رواه الترمذي). # وعن عمر بن شعيب، عن أبيه عن جده، قال: خرج رسول الله - صلوات الله عليه - على أصحابه ~~ذات يوم وهم يتراجعون في القدر، فخرج مغضبا حتى وقف عليهم، فقال: «يا قوم، بهذا ضلت ~~الأمم قبلكم باختلافهم على أنبيائهم، وضربهم الكتاب بعضه ببعض، وإن القرآن لم ينزل ~~لتضربوا بعضه ببعض، ولكن نزل القرآن فصدق بعضه بعضا، ما عرفتم منه فاعملوا، وما ~~تشابه فآمنوا به.» (رواه مسلم). # وعن أبي هريرة قال: خرج علينا رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، ونحن نتنازع في القدر؛ فغضب حتى ~~احمر وجهه، ثم قال: «أبهذا أمرتم؟ أم بهذا أرسلت إليكم؟ إنما هلك من كان ~~قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر، عزمت عليكم ألا تنازعوا.» # وعن أبي الدرداء وأبي أمامة وأنس بن مالك قالوا: خرج علينا رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، ونحن ~~نتنازع في شيء من الدين؛ فغضب غضبا شديدا لم يغضب مثله، ثم انتهرنا، وقال: «يا أمة ~~محمد، لا تهيجوا على أنفسكم.» ثم قال: «أبهذا أمرتكم؟ أوليس عن هذا نهيتكم؟ إنما ~~هلك من كان قبلكم بهذا.» # ذلك هو البيان الذي لا بيان بعده، لا تضرب آيات القرآن بعضها ببعض جدلا وعنادا، ~~وإنما عمل بما تعرف، وإيمان بما تشابه؛ فلا تنازع يعقبه الفشل، ولا تخاصم وتنابز ~~وبغضاء تورث الهلاك، ولا يهيج المسلم ms064 على نفسه غضبا من الله، بذلك اللحن البغيض، ~~من القول المسموم. # هكذا كان محمد - صلوات الله عليه - وصحبه - رضوان الله عليهم، حتى فتحت علينا فرق ~~الجدل وعلماء النظر وأئمة الكلام، أبواب هذا الجحيم. # جاء في كتاب «أعلام الموقعين»: «وقد تنازع الصحابة في كثير من مسائل الأحكام، وهم ~~سادات المؤمنين وأكمل الأمة إيمانا، ولكن - بحمد الله - لم يتنازعوا في مسألة واحدة من ~~مسائل الأسماء والصفات والأفعال، بل كلهم على إثبات ما نطق به الكتاب والسنة كلمة ~~واحدة، من أولهم إلى آخرهم، لم يسوموها تأويلا، ولم يحرفوها عن مواضعها تبديلا، ولم ~~يبدوا لشيء فيها إبطالا، ولا ضربوا لها أمثالا، ولم يدفعوا في صدورها وأعجازها، ~~تلقوها بالقبول والتسليم وقابلوها بالإيمان والتعظيم.» # صفات الله تعالى # جاء القرآن الكريم بكثير من صفات الله - سبحانه وتعالى - تقف لديها العقول، كقوله - ~~تعالى: # يد الله فوق أيديهم ~~، # كل شيء هالك إلا وجهه ~~، # لما خلقت بيدي ~~، # والسماء بنيناها ~~بأيد ~~، # ثم استوى على ~~العرش ~~. # وجاءت الأحاديث النبوية الصحيحة بالكثير أيضا من تلك الصفات، التي توهم العقول ~~الضعيفة التجسيم والتشبيه، كقوله - صلوات الله عليه - كما جاء في الصحيحين: «لا تزال ~~جهنم يلقى فيها، وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة فيها قدمه، فينزوي بعضها إلى ~~بعض.» # وقد فهم الصدر الأول - رضوان الله عليهم - بأن كل هذه الصفات حق؛ لأن الله - سبحانه - ~~كما سمى نفسه، وكما وصف نفسه، والقاعدة التي احتكموا إليها: # ليس كمثله شيء ~~، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله؛ فكل ما ~~أوجب نقصا أو حدوثا أو مشابهة، فإن الله - سبحانه - منزه عنه؛ لأنه - تعالى - ~~مستحق للكمال الذي لا غاية فوقه. # وقد علم الرسول - صلوات الله عليه - ما يساور النفوس من وسوسة وإلقاء بسوء؛ فقفل باب ~~الجدل والتأويل والبحث والنظر في هذه الصفات ومدلولاتها، فأوصى أصحابه بقوله: «تفكروا ~~في خلق الله، ولا تفكروا في ذاته فتهلكوا.» وفي رواية أخرى: «تفكروا في آلاء الله، ولا ~~تفكروا في الله.» # تلك وصية إمامنا الأعظم - صلوات الله عليه، ومع هذا فقد ms065 أراق المسلمون من المداد حول ~~صفات الذات ، وحول التجسيم والتنزيه، وما إلى التجسيم والتشبيه والتنزيه من صفات ونعوت؛ ~~طوفانا أغرق الأمة الإسلامية، وما نظفت أثوابها بعد من سواده، ولا طهرت من ~~آثاره. # فقد شهد العراق والشام والحجاز، صياحا من الشيعة والرافضة، بأن اليد والجسم والأعضاء ~~التي وردت في القرآن لله - سبحانه وتعالى - هي نعوت حقيقة لأعضاء جسدية ربانية. تعالى ~~الله عما يقولون علوا كبيرا. # وشهدت العواصم الإسلامية، بل والقرى والكفور، بعض رجال الحديث يقولون: «إن الله - ~~سبحانه - ينزل إلى السماء الأولى في ليلة النصف من شعبان، كنزول من ينزل من السلم من ~~درجة إلى درجة.» # 2 # وجاء المعتزلة، فتنادوا بتنزيه الله - سبحانه - عن تلك الصفات، وأخذوا يصرفون كل ما ~~يفيد التجسيم إلى المعنويات، أو إلى صفات أخرى تليق - في زعمهم - بالله سبحانه، كقولهم: ~~الاستواء على العرش، بمعنى الاستيلاء واليد بمعنى القدرة، وهكذا. # أو كما يقول محيي الدين: «إن المعتزلة والأشاعرة أيضا، تخيلت أنها لما تأولت قد ~~خرجت من التشبيه الذي تعيبه على المجسمة، وهي ما فارقته إلا أنها انتقلت من ~~التشبيه بالأجسام إلى التشبيه بالمعاني، المحدثة المفارقة للنعوت القديمة في الحقيقة ~~والحد.» # وجاء ابن عربي، والجدل في عنفوانه والحوار مستعر الأوار في العالم الإسلامي بين ~~شتيت الفرق والمذاهب، حول صفات الذات، بين المجسمة والمشبهة والمنزهة؛ ~~فأرسل صيحة جبارة ببطلان كل هذه الآراء وخروجها عن صراط الدين السوي المستقيم، ~~وبضرورة الرجوع إلى ما كان عليه السلف الصالح من: إيمان وتسليم بكل ما ورد في القرآن ~~كما ورد، وكما وصفه الله - سبحانه؛ لأن المجسمة قد ألحدوا؛ إذ أثبتوا لله - ~~سبحانه - صفات كصفات البشر تفيد المشابهة، وهو - تعالى - ليس كمثله شيء. # والمنزهة من المعتزلة والأشاعرة، قد أولوا تلك الصفات، وحملوها معاني ~~ارتضتها عقولهم؛ فنجوا من التشبيه المجسد ليقعوا في التشبيه المعنوي، ثم هذه ~~الصفات المعنوية التي ابتدعوها، أليس من الجائز أن تكون خاطئة؟ والعقل يصيب ويخطئ، فإذا ~~كانت خاطئة، فقد نسبوا لله - تعالى - ما لم يقله. # يقول محيي الدين: «اعلم أن الخير كله ms066 في الإيمان بما أنزل الله، والشر كله في ~~التأويل، فمن أول فقد أحرج إيمانه، وما كان ينبغي له ذلك، وفي الحديث: «كذبني ~~عبدي، وما كان ينبغي له ذلك.» فلا بد أن يسأل كل مؤول عما أوله يوم القيامة، ~~ويقول له - تعالى: كيف أضيف إلى نفسي شيئا فتنزهني عنه، وترجح عقلك على ~~إيمانك، وترجح نظرك على علم ربك؟! فاحذر يا أخي أن تنزه ربك عن أمر أضافه إلى ~~نفسه على ألسنة رسله؛ فإن العقل يخطئ في الإلهيات فلا يعول عليه.» ثم يقول: «ومن ~~العجيب أن الإنسان يعتمد على عقله في أن يقلد ربه صفات، ولا يأخذ بما أخبر عن نفسه - ~~تعالى - في كتابه وسنة نبيه؛ فهذا من أعجب ما طرأ في العالم من الغلط، وكل صاحب فكر ~~أو تأويل فهو تحت هذا الغلط بلا شك. # ومن العجب: أن الله - تعالى - يخبر بشيء عن نفسه في كتابه المحكم، فيأتي الإنسان ~~بعقله القاصر صاحب الآفات والعلل، فيقول: إن عقلي يرد ذلك، وفكري لا يحتمل ذلك؛ وإنما ~~يجب التأويل! أليس قبول ما أخبر به الله عن نفسه، أولى من قبوله من فكره؟ وأليس عاقبة ~~هذا التأويل المعتمد على الفكر والعقل، أن يصوغوا من خيالهم وتفكيرهم خالقا غير ما في ~~كتاب الله؟» # ويتابع محيي الدين حملته القوية على المعتزلة، فيقول ناصحا وموجها: «اعلم أن من ~~الأدب عدم تأويل آيات الصفات، ووجوب الإيمان بها مع عدم الكيف كما جاءت؛ فإنا لا ~~ندري إذا أولنا: هل ذلك التأويل مراد الله فنعتمد عليه، أم ليس هو بمراد له فيرده ~~علينا؟ فلهذا التزمنا التسليم في كل ما لم يكن عندنا فيه علم من الله - تعالى، فإذا قيل ~~لنا: كيف يعجب ربنا، أو كيف يفرح مثلا، أو كيف يغضب، كما ورد في القرآن والأحاديث؟ ~~قلنا: إنا مؤمنون بما جاء من عند الله على مراد الله، وإنا مؤمنون بما جاء من عند ~~رسول الله على مراد رسول الله، ونكل علم الكيف في ذلك كله إلى الله وإلى رسوله، وهذه ~~كانت طريقة ms067 السلف؛ فلا تأويل ولا تجسيم ولا تشبيه؛ وإنما ليس كمثله شيء.» # ثم يقول: «اعلم أن جميع ما وصف الحق - تعالى - به نفسه من: خلق، وإحياء، وإماتة، ومنح ~~وعطاء، ومكر واستهزاء، وفرح وتعجب، وغضب ورضا وتبشبش، وقدم ويد وعين وأعين، وغير ذلك، ~~كله نعت صحيح لربنا؛ فإننا ما وصفناه به من عند أنفسنا؛ وإنما هو - تعالى - الذي وصف ~~بذلك نفسه على ألسنة رسله قبل وجودنا؛ وهو - تعالى - الصادق وهم الصادقون بالأدلة ~~العقلية. ولكن ذلك على حد ما يعلمه - سبحانه وتعالى - وعلى حد ما تقبله ذاته، وما يليق ~~بجلاله، لا يجوز لنا رد شيء من ذلك، ولا نكيفه ولا نقول بنسبته إلى الله، إلا على ~~الوجه الذي أراده، وعلى غير الوجه الذي ينسبه إلينا، ونعوذ بالله أن نضيف ذلك إلى الله ~~على حد علمنا نحن به، فإنا جاهلون بذاته في هذه الدار، وفي الآخرة لا ندري كيف ~~الحال. # وما جنح صاحب العقل إلى التأويل إلا لينصر جانب العقل والفكر على جانب الإيمان؛ فإنه ~~ما أول حتى توقف عقله في القبول، فكأنه في حال تصديقه لله غير مصدق له، فإيمانه في ~~حال تأويله؛ إنما هو إيمان بما أول، لا بما أتى به الخبر.» # صفات الله عند العارفين # يقول محيي الدين: «إن العقلاء وأصحاب الأفكار اختلفت مقالاتهم في الله - تعالى - على ~~قدر نظرهم، فالله الذي يعبد بالعقل مجردا عن الإيمان كأنه - بل هو - إله موضوع؛ بحسب ~~ما أعطاه نظر ذلك العقل؛ فاختلفت حقيقته بالنظر إلى كل عقل، وتفاوتت العقول، وكل طائفة ~~من أهل العقول تجهل الأخرى بالله، وإن كانوا من النظار الإسلاميين المتأولين؛ ~~فكل طائفة تكفر الأخرى، والرسل من عهد آدم إلى محمد - عليه السلام - ما نقل عنهم ~~اختلاف فيما ينسبونه إلى الله من النعوت، بل كلهم على لسان واحد في ذلك، والكتب التي ~~جاءوا بها، كلها تنطق في حق الله بلسان واحد ما اختلف فيها اثنان، بل يصدق بعضهم ~~بعضا مع طول الأزمان وعدم الاجتماع. # وكذلك المؤمنون بهم على بصيرة؛ فهم المسلمون المصدقون ms068 الذين لم يدخلوا نفوسهم ~~في تأويل، فهم أحد رجلين: إما رجل آمن وسلم، وجعل علم ذلك إليه إلى أن مات وهو ~~المقلد، وإما رجل عمل بما علم من فروع الأحكام، واعتقد الإيمان بما جاء به الرسل؛ ~~فكشف الله عن بصيرته، وصيره ذا بصيرة في شأنه، كما فعل بنبيه - عليه السلام - ~~وأهل عنايته، فكاشف وأبصر ودعا إلى الله على بصيرة، كما قال في حق نبيه - صلوات الله ~~عليه - مخبرا: # أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن ~~اتبعني ~~؛ وهؤلاء هم العلماء بالله العارفون، وإن لم يكونوا رسلا ولا ~~أنبياء، فهم على بينة من ربهم في علمهم به، وبما جاء من عنده، وكذلك وصف نفسه بكثير من ~~صفات المخلوقين من المجيء والإتيان، والغضب والفرح، والتجلي للأشياء، والوجه واليد، ~~والرضا والكراهة، في كل خبر صحيح ورد في كتاب أو سنة نبيه، والأخبار أكثر من أن ~~تحصى، مما لا يقبلها إلا مؤمن بها من غير تأويل، أو بعض أرباب النظر من المؤمنين، ~~بتأويل اضطره إليه إيمانه. # فانظر مرتبة المؤمن ما أعزها! ومرتبة أهل الكشف ما أعظمها! حيث لحق أصحابها بالرسل ~~والأنبياء، فيما اختصوا به من العلم الإلهي الذي لا يدخله الشك ولا الريب؛ لأن العلماء ~~ورثة الأنبياء، وما ورثوا دينارا ولا درهما، بل ورثوا العلم بقوله # صلى الله عليه وسلم ~~: «إنما ~~نحن معشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة.» # العقل لا يدرك الله # فإذا أوضح لنا محيي الدين مكانة العلماء العارفين بالله، الذين يؤمنون بربهم إيمانا ~~يقينيا، لا يعرف الشك ولا التأويل، أخذ يحدد وظائف العقل البشري، ثم أوضح أنه لا ~~يستطيع إدراك صفات الله - تعالى - وما يتعلق بها؛ لأنه لا مشاركة بينه وبين خالقه. ~~فقال: والعقل البشري لا يدرك الله - تعالى؛ لأن العقل البشري يعلم أو يدرك ما بينه ~~مشاركة في النوع أو الجنس أو الطبيعة، وإنما يدرك الله بالقلب والكشف والوحي، فانظر ~~إلى ما وصف الله به نفسه في كتابه، تعرف لباب التوحيد. # ثم يقول: «لقد نظرنا بقوة العقل، وما أعطاه العقل الكامل، ms069 بعد جده واجتهاده الممكن؛ ~~فلم نصل إلى المعرفة به - سبحانه - إلا بالعجز عن معرفته؛ لأنا طلبنا أن نعرفه كما ~~نطلب معرفة الأشياء كلها من جهة الحقيقة التي الأشياء عليها، فما عرفنا إلا أن ثم ~~موجودا ليس له مثل، ولا يتصور في الذهن ولا يدرك، فكيف يضبطه العقل؟ وهذا مما لا ~~يجوز مع ثبوت العلم بوجوده؛ فنحن عالمون بالوجود وهو العلم الذي طلب منا، ولما كان - ~~تعالى - لا يشابه شيئا من المخلوقات، ولا يشبهه شيء منها؛ كان الواجب علينا ~~أولا كما قيل لنا: # فاعلم أنه لا إله إلا ~~الله ~~، أن نعلم ما العلم. قال - صلوات الله عليه: «إن الله احتجب عن ~~الأبصار، وإن الملأ الأعلى يطلبونه كما تطلبونه أنتم.» فأخبر # صلى الله عليه وسلم # أن العقل لم ~~يدركه بفكره. ولا بعين بصيرته، كما لم يدركه البصر. # هكذا فليكن التنزيه ونفي المماثلة والتشبيه، وما ضل من ضل من المشبهة إلا ~~بالتأويل، وحمل ما وردت به الآيات والأخبار على ما يسبق منها إلى الأفهام من غير نظر ~~فيما يجب لله - تعالى - من التنزيه؛ فقادهم اعتمادهم على العقل إلى الجهل المحض والكفر ~~الصراح، ولو طلبوا السلامة وتركوا الآيات والأخبار على ما جاءت من غير عدول منهم فيها ~~إلى شيء ألبتة ووكلوا علم ذلك لله ورسوله، وقالوا: لا ندري؛ لكان يكفيهم قوله - تعالى: # ليس كمثله شيء ~~، فمتى جاءهم حديث فيه تشبيه، ~~فقد أشبه الله شيئا وهو - سبحانه - قد نفى التشبيه عن نفسه، فما بقي إلا أن ذلك الخبر ~~له وجه من وجوه التنزيه يعرفه الله - تعالى، فمن أول أو شبه؛ فقد تعدى على ~~الله - سبحانه، قال - تعالى: # وما قدروا الله حق قدره ~~والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات ~~بيمينه ~~. وما قدروا الله حق قدره لما يسبق إلى العقول الضعيفة من ~~التشبيه والتجسيم عند ورود الآيات والأخبار، التي تعطي من وجه ما من وجوهها ذلك، ثم ~~قال بعد هذا التنزيه الذي لا يعقله إلا العالمون: # والأرض ~~جميعا قبضته ~~، عرفنا من اللسان العربي أن يقال: فلان ms070 في قبضتي، ~~ويريد أنه تحت حكمي، وإن كان ليس في يدي منه شيء ألبتة، ولكن أمري فيه ماض وحكمي عليه ~~قاض، مثل حكمي على ما ملكته حسا وقبضت عليه. ومن ذلك أيضا: التعجب والضحك ~~والفرح والغضب، فالتعجب إنما يقع من موجود لا يعلم ذلك المتعجب منه ثم يعلمه فيتعجب، ~~وهذا محال على الله.» # ذلك هو الفيصل في معركة التشبيه والتنزيه بين المعتزلة والمجسدة ورجال الحديث، ~~الفيصل في ذلك الجدل والحوار الذي شغل العالم الإسلامي في القرن السادس؛ حتى أوقدت ~~نار الحرب بسببه في ربوع الشام، وهو الرجوع إلى منهج الصحابة - رضوان الله عليهم - في ~~الصدر الأول؛ فلا جدال ولا حوار، وإنما إيمان بما جاء به القرآن على ما جاء، ولله - ~~سبحانه - صفات الكمال والإجلال، وليس كمثله شيء، فهو مخالف للحوادث وللصفات وللأفعال ~~مخالفة مادية ومعنوية؛ فلا تشبيه ولا تأويل للتنزيه، فالتشبيه كما يقول محيي الدين: ~~تثنية المشبه، والتنزيه تحديد المنزه، وكلاهما باطل لا يليق. # وبذلك أغلق محيي الدين بابا من أبواب جهنم فتح على العالم الإسلامي، وأطفأ خصاما ~~طال مداه واشتد خطره، وعاد بجمهرة الأمة من الجري وراء هذه الأوهام إلى حقائق الدين ~~الثابتة، إلى الإيمان والتسليم والانقياد لمنطق القرآن، وسنة الرسول - عليه ~~السلام. # ومحيي الدين يقول: «هذا هو حد الإيمان الواجب على المؤمنين كافة، أما من يريد بعد ~~ذلك، أو فوق ذلك فهما لما يراد من حقيقة صفات الله - سبحانه - فليس سبيله العقل ~~والفكر؛ وإنما هو الإلهام من الله - تعالى. يقول: فإذا خلع الله - تعالى - على عبده من ~~علمه، أعلمه من طريق الإلهام بمراده من تلك الآية أو الحديث، وهو من علوم ~~العارفين.» # القضاء والقدر - أفعال العباد # فإذا انتهى محيي الدين من صراعه مع الفرق الإسلامية المختلفة، حول صفات الذات ~~والتشبيه والتنزيه والتأويل، انتقل إلى ميدان آخر من مشكلات الفكر ومعضلاته، مشكلة ~~القضاء والقدر، وخلق أفعال العبد ونصيبه من عمله، وهو ميدان لعب فيه التأويل والجدل ~~والحوار أيضا دورا كبيرا خطيرا. # ومسألة الكسب: اعترف رجال الأصول بأنها من أدق ms071 مسائلهم وأغمضها، وأعصاها على الفكر ~~والعقل؛ هل الإنسان مجبر على ما يفعل، مقدر له ما يكسب؟ وإذن؛ فعلام الجزاء ~~والعقاب؟ أم الإنسان مخير يصنع نفسه، ويخلق الحوادث، ويسهم في تكييف ما قدر ~~له؟ # وقد تلقف رجال الفكر والنظر هذا الإشكال فداروا به حول عقولهم، ودارت عقولهم به؛ ~~فراحوا يشققون الأحاديث حوله، ويبتدعون الحلول والأقاويل، ولكنهم أبدا يجدون أنفسهم ~~في حلقة مفرغة تأخذ بأعناقهم، يبدءون من حيث ينتهون، وينتهون من حيث يبدءون؛ فما سلم ~~لهم رأي ولا خلص لهم فكر. # هتف رجال الجبر بأن كل شيء من الله، والإنسان آلة مجبورة مقصورة على ما تفعل، لا ~~إرادة لها ولا تصريف، كالقلم في يد الكاتب والمنشار في يد النجار، وراحوا يضربون ~~الأمثال للناس، حتى إذا قيل لهم: فكيف إذن يعاقب هذا المجبور المقهور على ما يفعل؟ ~~صمت منهم اللسان وأغضوا الطرف حيرة وارتباكا. # وقالت المعتزلة: هذا لا يليق؛ لأن فيه نسبة الظلم إلى الله - تعالى، وهو - سبحانه - ~~العادل الذي تسمو عدالته على الريب والظنون، وابتدعوا لهذا شيئا عجبا، هو أن القضاء ~~والقدر معلق يقع عند العمل، وإرادة الإنسان هي الحكم بين حدوث الفعل أو عدمه، ولكن ~~هل أغنى قولهم من الحق شيئا؟ وهل أشفى النفوس من الريب والشكوك، وتلك النفوس تشهد بأن ~~كل شيء لله، ومن الله، بهذا نطق القرآن، وجاءت الأحاديث. # أما المتصوفة فقد نهجوا مسلكا وسطا، هو نهج السلف الصالح، كل شيء من الله هذا حق؛ ~~ولكن الإنسان مكلف؛ وهو لهذا يعاقب، وكل إنسان يسره خالقه لما خلق له في ~~علم الله الأزلي؛ وهو لهذا محل للعقاب والثواب. # وبهذا لم يدر المتصوفة مع الجدل، ولم تركض عقولهم مع شهوة الحوار، بل سلموا ~~الأمر لله مع الأدب؛ فما يصيب الإنسان من خير فمن الله، وما يصيبه من سوء فمن نفسه التي ~~علم الله خصائصها منذ الأزل، فيسرها لاستعدادها وطاقتها، وما انطوت عليه. # آمن رجال التصوف بأن كل شيء من الله، وأنه خالق الأشياء وخالق أسبابها، وأنه - سبحانه ~~- يكون عند السبب وحاصله ms072 ونتيجته، وأن حكمة الله فوق عقولنا. # عن جابر - رضي الله عنه - قال: جاء سراقة بن جعشم فقال: يا رسول الله، بين لنا ~~ديننا كأننا خلقنا الآن، فيم العمل الآن؟ أفيما جفت الأقلام، وجرت به ~~المقادير؟ أم فيما يستقبل؟ قال: «لا، بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير.» ~~قال: ففيم العمل؟ قال: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له، وكل عامل بعمله.» (أخرجه ~~مسلم). # هذا هو القول الفصل، والنبأ اليقين: كل ميسر لما خلق له، في علم الله المحيط ~~بالأشياء عند حدوثها وقبل وجودها. # يقول الشعراني - رواية عن الشيخ طاهر الصوفي: «هذه مسئلة من تأملها وكرر النظر فيها ~~علم غموض معانيها، وصعوبة مراقيها؛ وملخص الأمر: أن من زعم أن لا عمل للعبد أصلا فقد ~~عاند وجحد، ومن زعم أنه مستبد بالعمل فقد أشرك وابتدع، وما بقي مورد للتكليف إلا ما ~~يجده العبد في نفسه من الاختيار للعمل وعدمه.» # ويقول محيي الدين: «إنما أضاف الله - تعالى - الأعمال إلينا؛ لأننا محل الثواب ~~والعقاب، وهي لله حقيقة، ولكن لما شهدنا الأعمال بارزة على أيدينا وادعيناها لنا، ~~أضافها الله - تعالى - إلينا بحسب دعوانا؛ ابتلاء منه لأجل الدعوى، ثم إذا كشف الله - ~~تعالى - عن بصيرتنا، رأينا الأفعال كلها لله - تعالى - ولم نر إلا حسنا؛ فهو - تعالى ~~- فاعل فينا ما نحن العاملون، ثم مع هذا المشهد العظيم لا بد من القيام بالأدب، فما كان ~~من حسن شرعا أضفناه إليه خلقا وإلينا محلا، وما كان من سيئ أضفناه إلينا ~~بإضافة الله - تعالى؛ فنكون حاكين قول الله - تعالى؛ وحينئذ يرينا الله - عز وجل - ~~وجه الحكمة في ذلك المسمى سوءا، فنراه حسنا من حيث الحكمة، فيبدل الله سيئاتنا ~~حسنات، تبديل حكم لا تبديل عين.» # ذلك هو الأدب العالي في التعبير، وذلك هو اللائق بالمؤمن أن يسلم لله بكل شيء، وأن ~~يعلم في الوقت نفسه بأنه خلق ليكون محلا لجريان الأحكام الإلهية بحسب الحكمة ~~الإلهية؛ فما كان حسنا فهو إلى الله ينسب، وما كان سوءا أضفناه إلى أنفسنا محلا، ~~وإلى الله ms073 - سبحانه - خلقا، ولو تأمل الإنسان قليلا لعرف الحكمة ، ولرأى الشيء الذي ~~ظنه سيئا جميلا نافعا؛ وحينئذ بفضل تسليمه وإيمانه يبدل الله سيئاته حسنات، تبديل ~~حكم لا تبديل عين، وذلك هو الفضل العظيم، وتلك حكمة لا يدركها إلا الرجال من عباد ~~الرحمن. # ثم يقول: «اعلم أن الله - تعالى - ما أضاف الفعل إلى العبد إلا لكونه - تعالى - هو ~~الفاعل حقيقة، من خلف حجاب جسم العبد؛ فلم يكن الفعل إلا لله - تعالى، غير أن من عباد ~~الله من أشهده ذلك، ومنهم من لم يشهده ذلك. قال - تعالى: # فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه ~~الضلالة ~~. فالقسم الذي هداه الله هو الذي حفظه من دعوى الفعل لنفسه ~~حقيقة، وأما القسم الذي تحق عليه الضلالة فهو الذي حار ولم يدر، وهم القائلون بالكسب ~~وبخلق الأفعال. # قال إبليس: يا رب، كيف تقدر علي عدم السجود لآدم، ثم تؤاخذني به؟ فقال - ~~جل وعلا: متى علمت أني قدرت عليك الإباية عن السجود، أبعد الإباية منك أم ~~قبلها؟ فقال: بعدها. فقال: وبذلك آخذتك.» # ما يجري في الكون جفت به الأقلام، هكذا يقول الرسول؛ لأن «كل ميسر لما خلق ~~له» بحسب علم الله القديم الأزلي، ولا يظلم ربك أحدا. # | بين التصوف والفلسفة # التقى محيي الدين في مطلع شبابه بابن رشد، فسأله ابن رشد: هل القمة التي وصل إليها ~~الفلاسفة بالعقل والفكر، هي القمة التي وصل إليها المتصوفة بالتصفية والتجرد والذكر؟ فقال ~~له محيي الدين: نعم، ولا. وبين «نعم ولا» تطير الأرواح. # نعم، لأن العقل قد يهدي إلى الله، ويدرك ويلمس أسرار الكون وعجائبه وآياته، ولكن العقل ~~المجرد مع وصوله إلى تلك القمة ينحدر وينزلق، ويضل في المتشابهات، ويضل في تفهم ذات الله ~~- سبحانه، فضلا عن ابتعاده عن التعبد والتطهر، وتحلله من الكمالات الشرعية والعبادات ~~الربانية. أو كما يقول محيي الدين في حديثه عن ابن رشد: كان بيننا حجاب رقيق، فكنت أراه ~~ولا يراني. # والعقل المجرد، ليس له من القيود ما يعصمه من سبحاته، التي تتطاير حول المعارف مع الريح ms074 ~~في شتى الاتجاهات والغايات؛ فتصيب حينا وتخطئ أحيانا ، ولهذا قال محيي الدين: وبين نعم ولا ~~تطير الأرواح. # 1 # ولا جدال في أن الفلسفة قد وثبت بالمعارف الإنسانية والعلوم النظرية وثبات لها أثرها ~~ومكانتها في الفكر الإنساني، ولكن الفلسفة قد ضلت في الإلهيات؛ لأن ما وراء الطبيعة من ~~فوق مدارك العقل، ولا أمان فيها إلا لطريق الوحي والإلهام. # يقول الغزالي في مقدمة كتابه «تهافت الفلاسفة»: «إن الفلاسفة من عهد أرسطو إلى عهدنا هذا، ~~قد بنوا مذاهبهم في الإلهيات على ظن وتخمين، من غير تحقيق ويقين، ويستدلون على صدق ~~علومهم الإلهية بظهور العلوم الحسابية والمنطقية، ولو كانت علومهم الإلهية متقنة البراهين، ~~نقية من التخمين، كعلومهم الحسابية والمنطقية؛ لما اختلفوا فيها كما لم يختلفوا في الحسابية ~~والمنطقية.» # وهو قول صريح في أن الفلسفة قد وصلت إلى معارف يقينية في علوم الحياة؛ ولهذا اتفقت ~~العقول على صحة هذه المعارف ولم تختلف فيها؛ وإنما وقع الخطأ وإنما وقع الاختلاف في علوم ~~الإلهيات وما وراء الطبيعة؛ ولهذا لم يتفق الفلاسفة على رأي واحد في تلك المعارف، فبين ~~أرسطو وأفلاطون على ما بينهما من صلات وتلمذة، خلاف ظاهر ملموس في نظرتهم إلى حقيقة ~~الخالق، وحقيقة اتصاله وهيمنته على مخلوقاته، وحقيقة صفاته وعلمه بالكليات والجزئيات، ~~وإلهامه للأصفياء من عباده والمختارين من رسله. # اختلفوا في النهج والطريقة، كما اختلف الفلاسفة قاطبة حول هذه المعرفة، بينما رجال الله ~~من الأنبياء والرسل والأولياء والمتصوفة، قد اتفقوا - كما يقول محيي الدين - من لدن آدم إلى ~~يومنا على نهج واحد في الإيمان بالله، وما يجب له وما يتصف به، # شرع ~~لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما ~~وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا ~~تتفرقوا فيه ~~. # والتصوف هو بلا ريب فلسفة الإسلام، والمتصوفة هم فلاسفة الإسلام بالتعريف المحمدي والحدود ~~الربانية. # عرف الكندي الفلسفة: بأنها العلم بجميع الأشياء. وعرفها الفارابي: بأنها العلم ~~بالموجودات بما هي موجودة. وقال الشيرازي: إن الفلسفة استكمال النفس الإنسانية بمعرفة حقائق ~~الموجودات على ما ms075 هي عليها، والحكم بوجودها تحقيقا بالبراهين، لا أخذا بالظن والتقليد. ~~وإن شئت قلت: نظم العالم نظما عقليا على حسب الطاقة البشرية لتحصل السعادة ~~العظمى. # ويقول ابن سينا في «فصل ماهية الحكمة»: الحكمة: صناعة نظر يستفيد منها الإنسان تحصيل ما ~~عليه الوجود كله في نفسه، وما الواجب عليه عمله، مما ينبغي أن يكتسب فعله؛ لتشرف بذلك نفسه ~~وتستكمل، ويصير عالما معقولا مضاهيا للعالم الموجود، وتستعد نفسه للسعادة القصوى، وذلك ~~بحسب الطاقة البشرية. # فالفلسفة إذن - كما عرفها الفلاسفة - هي علم العلوم، أو العلم الجامع المحيط، أو العلم ~~الذي يفلسف المعارف، أو العلم الذي يبحث في حقائق الأشياء، ويتلمس أسبابها وعللها؛ ~~لتستكمل النفس معارفها، فتحصل على السعادة العظمى. # هذه هي تعريفات الفلسفة، وهي بذاتها تعريفات التصوف، وإنما الخلاف في النهج ~~والطريقة. # والفلاسفة يعتمدون على عقولهم وأفكارهم، ويؤمنون بالتصفية والتجرد، بل لقد جعل أفلاطون ~~وفلاسفة مدرسة الإسكندرية التجرد والتصفية أساسا لمعارفهم وفلسفتهم، والفلسفة الإشراقية ~~بأسرها تقوم على التجرد والتصفية. # وهي قربى واضحة للتصوف، واعتراف صريح بطريقته ونهجه؛ وإنما التصوف الإسلامي يمتاز ~~باعتماده على الدين والوحي، واستمداد معارفه في الإلهيات من الدين وما أتى به الوحي؛ ولهذا ~~سلمت فلسفته من الخطأ في الإلهيات، فامتاز بأنه الفلسفة العالية الوحيدة التي ظفرت ~~بالمعارف وآمنت في الإلهيات؛ بينما ضل وأخطأ سواها. # ولسنا نأتي ببدع من القول إذ نقول: إن التصوف هو الفلسفة الكاملة المبرأة من الخطأ ~~والضلال، وإن المتصوفة هم فلاسفة الإسلام بمعنى الفلسفة الإسلامية الكاملة؛ فأهداف الفلسفة ~~كلها تنطوي تحت أجنحة المتصوفة، ولهم بعد ذلك الصفاء والطاعة، والسجدات المؤمنة في محاريب ~~الرضا والمحبة. # يقول مصطفى بن عبد الله جلبي - المشهور باسم حاجي خليفة - في كتاب «كشف الظنون عن أسامي ~~الكتب والفنون»: «وأما حكمة الإشراق فهي من العلوم الفلسفية بمنزلة التصوف من العلوم ~~الإسلامية، كما أن الحكمة الطبيعية والإلهية منها بمنزلة علم الكلام فيها. وبيان ذلك: أن ~~السعادة العظمى والمرتبة العليا للنفس الناطقة هي معرفة الصانع بما له من صفات الكمال ~~والتنزه عن النقصان، وبما صدر عنه من ms076 الآثار والأفعال في النشأة الأولى والآخرة، وبالجملة: ~~معرفة المبدأ والمعاد، والطريق إلى هذه المعرفة من وجهين: أحدهما: طريقة أهل النظر ~~والاستدلال، وثانيهما: طريقة أهل الرياضة والمجاهدات. والسالكون للطريقة الأولى؛ إن التزموا ~~ملة من ملل الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - فهم المتكلمون، وإلا فهم الحكماء ~~المشاءون، والسالكون إلى الطريقة الثانية؛ إن وافقوا في رياضتهم أحكام الشرع؛ فهم ~~الصوفية، وإلا فهم الحكماء الإشراقيون.» # ويقول ابن حزم في كتابه: «الفصل في الملل والنحل»: «الفلسفة على الحقيقة إنما معناها ~~وثمرتها والغرض المقصود من تعلمها، ليس هو شيئا غير إصلاح النفس بأن تستعمل في دنياها ~~الفضائل وحسن السيرة المؤدية إلى سلامتها في المعاد، وحسن سياستها للمنزل والرعية، وهذا ~~نفسه لا غيره هو غرض الشريعة.» # ويقول ابن رشد في كتابه: «فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال»: «وينبغي أن ~~تعلم أن مقصود الشرع إنما هو تعليم العلم الحق، والعمل الحق؛ والعلم الحق: هو معرفة الله - ~~تعالى - وسائر الموجودات على ما هي عليه، وبخاصة الشريفة منها، ومعرفة السعادة الأخروية ~~والشقاء الأخروي. والعمل الحق: هو امتثال الأفعال التي تقيد السعادة، وتجنب الأفعال التي ~~تقيد الشقاء، والمعرفة بهذه الأفعال هو الذي يسمى العلم العملي - أي: الفلسفة.» # تلك هي الصلات بين الفلسفة والتصوف؛ فغاية الفيلسوف أن ينجلي لعقله الكون بمعارفه ~~وأسراره، وغاية الصوفي أن تنزل على قلبه إلهامات المعرفة العامة الشاملة عن طريق العبادة، ~~والفيلسوف يرى أن هذه غاية الغايات، أما الصوفي فيرى غاية الغايات رضا الله، والفوز بلقائه ~~ونعيمه في الآخرة. # ولقد تنبه لهذا التشابه في الأهداف بعض رجال الاستشراق، حتى إن «ماسنيون» اعتبر الكندي ~~والفارابي وابن سينا من متصوفة الإسلام. # وقد أصاب ماسينيون هنا وأخطأ: أصاب؛ إذ تنبه لأن التصوف تنطوي تحته المعارف الفلسفية ~~كافة، وأخطأ لأنه لم يتنبه إلى أن أساس التصوف وقوامه هو العبادة والصفاء، والتمسك الكامل ~~بالشريعة المحمدية وآدابها ومناهجها. وهي الشريعة التي انحرف عن شروطها كثير من الفلاسفة، ~~ولا أبرئ من هذا الانحراف الكندي والفارابي وابن سينا، الذين جعلوا العقل الكامل في ~~مرتبة الوحي، ms077 وجعلوا حجة العقل آية يحتكمون إليها حتى في أحكام الإسلام، وهو ما يبرأ منه ~~التصوف وينكره ويحاربه. # ولقد تعرض المتصوفة للفلاسفة، في معارك متعددة دارت رحاها حول الإلهيات، وهي التي أخطأت ~~فيها الفلسفة وضلت؛ لاعتمادها على العقل، وعدم تقيدها بالدين. # وتعرض بعض الفلاسفة للمتصوفة، منكرين عليهم الزهد والاستغراق في العبادة، والنفور من ~~الدنيا وتهوين شأنها، واتخاذهم التطهير والتصفية والتجرد طريقا للوصول إلى المعارف والعلوم ~~النظرية والربانية، ولكن الكثرة الغالبة من رجال الفلسفة لم تنكر التطهر والتجرد والتصفية ~~كمعراج إلى العلوم؛ وإنما قالوا: إنه ليس بالطريق السلطاني المباح للناس. # يقول ابن رشد: وأما الصوفية فطرقهم في النظر ليست طرقا نظرية، أعني مركبة من مقدمات ~~وأقيسة؛ وإنما يزعمون أن المعرفة بالله وبغيره من الموجودات، شيء يلقى في النفس عند ~~تجريدها من العوارض الشهوانية، وإقبالها بالفكرة على المطلوب، ويحتجون لتصحيح هذا بظواهر من ~~الشرع كقوله - تعالى: # واتقوا الله ويعلمكم الله ~~، # والذين جاهدوا فينا لنهدينهم ~~سبلنا ~~، # إن تتقوا الله يجعل لكم ~~فرقانا ~~. وأشباه ذلك من الآيات التي يستدلون بها كثيرة، ونحن نقول: إن هذه ~~الطريقة وإن سلمنا وجودها، فإنها ليست عامة للناس. # هذا ما يقوله ابن رشد، وهو اعتراف كامل للمتصوفة بصحة النهج، واعتراف كامل من رجل من ~~أعلام الفلسفة الذين يؤمنون بالعقل والتجربة بأن التجرد والتصفية طريق للعلم والمعرفة، وهو ~~ليس عاما للناس وليس معراجا لكل متعبد زاهد، وما قال الصوفية غير هذا. # والأبلغ من هذا في الدلالة على صدق النهج الصوفي، الذي يلمزه كثير من المتعالمين جهلا ~~وطيشا، أن فلاسفة اليونان أنفسهم، وهم أساتذة الفلسفة، قد سلكوا إلى المعرفة نهجا ~~صوفيا. # يقول طاش كبرى زاده في كتابه «مفتاح السعادة»: «ثم اعلم أن أفلاطون الحكيم كان يعلم ~~بعضا من تلاميذه بطريق التصفية، وإعمال الفكر الدائم في جناب القدس، وسموا ~~بالإشراقيين؛ لأن فيوضاتهم كانت إشراقا نفسيا، وبعضا منهم بطريق البحث والنظر، ~~فسموا المشائين.» # وإذن؛ فالفلسفة تؤيد التصوف في أن التصفية والتجرد والتطهر، يكسب الروح إشراقا تصل به ~~إلى المعارف كافة. # وإذن؛ فهناك قربى وثيقة ms078 بين التصوف والفلسفة، إذا جردت الفلسفة من ضلالها فيما وراء ~~الطبيعة؛ لأنها اعتمدت على العقل دون الشرع في فهم الإلهيات، وليس هذا للعقل، وما ينبغي له ~~أن يلج في معارج أعلى من طاقته، ومن فوق إمكانياته وطبيعته. # يقول محيي الدين: «اعلم أن الفلاسفة ما ذمت لمجرد ذلك الاسم، وإنما هو لما أخطئوا فيه ~~من العلم المتعلق بالإلهيات؛ فإن معنى الفيلسوف: المحب للحكمة، والحكمة غاية كل ~~عاقل.» # ثم يقول: «إياك أن تبادر إلى إنكار مسئلة قالها فيلسوف وتقول: هذا مذهب الفلاسفة؛ فإن هذا ~~قول من لا تحصيل له؛ إذ ليس كل ما قاله الفيلسوف يكون باطلا، فعسى أن تكون تلك المسألة ~~مما عنده من الحق، وقد وضع الحكماء من الفلاسفة كتبا كثيرة مشحونة بالحكم والتبرؤ من ~~الشهوات، ومكايد النفوس وما انطوت عليه من خفايا الضمائر؛ فكل ذلك علم صحيح موافق للشرائع، ~~فلا تبادر يا أخي إلى الرد في مثل ذلك، وتمهل وأثبت قول ذلك الفيلسوف، حتى تحد النظر، ~~فقد يكون ذلك حقا موافقا للشريعة.» # وتلك آية من آيات السماحة الفكرية التي يمتاز بها محيي الدين، بل يمتاز بها كل رجال ~~الحقائق، وذلك هو موقف المتصوف المنصف من الفلسفة، لا ينكر منها إلا ما أنكر الشرع، ويقبل ~~منها ما يقبله الشرع؛ فميزان المتصوفة القسط الذي يزنون به كل ما يرد إليهم: هو الشريعة، ~~وهو ميزان لا يضل صاحبه أبدا. # وعند محيي الدين: أن الفلسفة كانت شريعة إدريس - عليه السلام، وإنها من المعارف السماوية، ~~وإنه أعمل فكره كثيرا ليصل إلى سر ما أصابها من ضلال في المعاني الإلهية، فيقول: «لقد ~~دخلت الخلوة وعملت على الاطلاع على الحقيقة الإدريسية، فرأيت الخطأ إنما دخل على الفلاسفة ~~من التأويل؛ وذلك لأنهم أخذوا العلم عن إدريس - عليه السلام، فلما رفع إلى السماء، اختلفوا ~~في شريعته، كما اختلف علماء شريعتنا، فأحل هذا ما حرم ذلك وبالعكس، ثم جرت بهم الأيام ~~فارتكبوا هذه الأخطاء في فهم الإلهيات.» # وهي نظرة إلى الفلسفة ما أحسبها لغير محيي الدين، وهي تحل إشكالا ms079 من مشاكل الفكر، كيف ~~نشأت الفلسفة كيف تكونت علومها ؟ لقد كانت شريعة سماوية لإدريس - عليه السلام، ثم اختلف ~~أتباعه بعد رفعه في ميراثهم، وتجادلوا وأولوا وحرفوا الكلم عن مواضعه؛ فسلمت علوم ~~النظر، وتطرق الخطأ والضلال إلى ما وراء الطبيعة. # ولهذا يرى محيي الدين: أن ما سلم من علوم الفلسفة هو ميراث لكل صوفي؛ لأنه من المعارف ~~الصحيحة، والمعارف الصحيحة ينالها المتصوفة بمنهجهم التعبدي القائم على الطاعة والتجرد، ~~وبالفيوضات الربانية القائمة على المحبة والرضا. # والفلسفة الحقة: غايتها الحكمة، والحكمة ضالة كل مؤمن، وهدف كل صوفي، فالمتصوف الإسلامي ~~هو صاحب العلم المحيط الشامل لجميع الحقائق، هو الفيلسوف العالمي الذي جمع المعارف كافة، ~~وتميز بإيمان يمشي في مواكب الأنبياء، وهدى الرسل، ورضاء الله ومحبته. # | مملكة التصوف # مملكة التصوف، أو عالم الأنفاس، مملكة أشبه بالأحلام الجميلة، أو الأماني الحلوة، التي ~~يتصورها الأصفياء من رجال الفكر عن العالم السعيد، أو المدينة الفاضلة، التي يعيش الخيال ~~على ضفافها، مرحا طروبا في آفاق من النور والإشراق، لا مس فيها من ألم، ولا لغوب ~~فيها من شقاء؛ وإنما عبادة وذكر وصفاء، وطهارة ومحبة وإخاء. # وتلك المملكة الروحية قد ينكرها الماديون، الذين استعبدوا للحياة؛ فأذلتهم واتخذتهم ~~مطايا لشهواتها، وعبيدا لأباطيلها. # وقد يخاصمها الجهلاء الذين خدعتهم أنفسهم، فظنوا بالصوفية ظن السوء، حتى حسبوها هذه ~~العمائم المكورة، واللحى المرسلة، والمسابح ذات البهجة والحركة. # وقد يسخر منها المتعالمون، الذين يرمون الصوفية بالزور من القول، والإثم من اللحن، فهم ~~متهمون لديهم: تارة بالتحلل والانحلال، وتارة بالضعف والهوان. # وقد يلمزها أهل السفسطة الذين يمضغون الحقد، ويقتاتون بالموجدة، والذين يتعبدون بالجدل، ~~ويعيشون في محاريبه. # قد تنكرها تلك الطوائف، ولكنها رغم أمانيهم مملكة مشرقة بالرحمة، محلاة بالطهارة، سعيدة ~~بالعبادة، منيرة بالمحبة، مؤمنة عابدة عن يقين ومشاهدة، آملة بربها أبدا، متهجدة في ~~محاريبه، تسمر وتتغنى بلحن أنسه، وأغاريد حمده، وآيات نعمه، وسبحات وجهه التي ~~أشرقت بها السموات والأرض، إنهم ليعيشون في دنيا لا نعرفها، دنيا أطلقت فيها الأرواح من ~~قيودها، وتحررت من أثقالها؛ فانطلقت ترفرف حول الملأ ms080 الأعلى، وتحوم حول العرش وسدرة ~~المنتهى. # وسر الخطأ في فهم التصوف؛ إنما نشأ من الإسراف في تعظيم الدنيا وإكبار متاعها وتضخيم ~~لذائذها، لقد أكبروها وأجلوها حتى نسوا الآخرة، ونسوا الله فأنساهم أنفسهم، وأقبلوا على ~~الدنيا يركضون، فتركها لهم وأنساهم ما خلقوا له؛ فانطلقوا يرتعون ويتخاصمون، ويتقاتلون على ~~الفتات، وسيف القدر فوق رءوسهم، حتى غرقوا في بحار الدم، واحترقوا بالشهوات وتقلبوا في ~~شقاء لا ينفد. # أما الصوفية فحياتهم كما قال حارثة الأنصاري في الحديث المشهور؛ حينما سأله الرسول - ~~صلوات الله عليه: كيف أصبح؟ فقال: مؤمنا بالله حقا، فقال له: «انظر؛ فإن لكل قول حقيقة.» ~~قال: «يا رسول الله، عزفت نفسي عن الدنيا، فأسهرت ليلي، وأظمأت نهاري؛ فكأني بعرش ربي ~~بارزا، وكأني أنظر إلى أهل الجنة، كيف يتزاورون فيها، وإلى أهل النار كيف يتعاوون ~~فيها.» # فقال له - صلوات الله وسلامه عليه: «أبصرت فالزم.» # كان الفتى الأنصاري يعيش في الدنيا ولا يراها؛ لهوانها وضآلة شأنها وتافه متاعها، كان ~~يعيش وعينه على عرش ربه وجلال خالقه؛ ساجدا متعبدا، ويحيا بقلب معرض عن الدنيا معلق ~~بآخرته، حتى لكأنه يرى عرش ربه بارزا، وحتى لكأنه يرى أهل النار وهم يتقلبون في لظاها، ~~وأهل الجنة وهم ينعمون برياها، وكذلك الصوفية. يعيشون على نور اليقين والمشاهدة، لقد ~~أطلقوا الروح في ساحات المحبة والمناجاة؛ فظفرت أرواحهم بقوى عظمى، مستمدة من الصفا ~~الرضا. # وإذا كانت الحضارة الحديثة، قد ظفرت بفتوحات هائلة في ميادين العمل والمادة؛ فأنتجت ~~مصانعها عجائب الرادار، وآيات الأثير والكهرباء، فإن المتصوفة قد ظفروا في عالم الأرواح ~~بفتوحات وفيوضات، وقوى وأسرار، تتضاءل حيالها فتوحات المادة وفيض مصانعها. # لقد ظفروا بفتوحات وفيوضات فتحت لهم أبواب السعادة والجنة، وسخرت لهم قوى المادة ~~وعجائبها، وقوى الروح وأسرارها، امتلأت أيديهم بتلك الكنوز؛ فامتطوها للمعارف والعلوم، ~~وأطلقوها للخير والسلام، وأذاعوها للهدى والإيمان، فلم يدمروا عمارا، ولم يبثوا ~~شقاء، ولم يزرعوها لهبا ونارا. # ولمملكة التصوف أقسامها وأسرارها، ومراتبها وحكامها، وملوكها وأمراؤها وأولو الأمر ~~فيها، ولمملكة التصوف نظم ودساتير وآداب ومثل، وحظوظ مقسمة، وأرزاق موهوبة، ms081 ونمارق ~~مصفوفة، وعجائب مبثوثة، ومعارف لدنية وهبات ربانية، ونفحات نبوية، ومعارج سماوية، ~~وعجائب تذهل العقول؛ ولكنها ترضي القلوب، وفي رضاء القلوب نعيم الإيمان ورضاء ~~الرحمن. # فلنتوجه بقلوب راضية صافية، ولنسبح باسم العلي الكريم، ولنتوكل عليه، ثم لنمسك بمصباح ~~محيي الدين، وهو أقوى المصابيح الكاشفة لحقائق تلك المملكة وأسرارها، ثم لندخل معه إلى ~~ساحاتها وعجائبها. # | الكون الحي # هذا الوجود، بل هذا الكون العجيب بسمواته وأرضه، وإنسه وجنه، وجماده ونباته، وحروفه ~~وكلماته، عند ابن عربي صورة جميلة متماسكة تنتظمها روح عامة نابضة بالحركة، مسبحة بالقدرة، ~~فليس في الكون إلا حياة مشرقة، منسقة مدبرة، محددة مسخرة، تجري إلى ما قدر لها، ~~وخلقت من أجله. # والكون كله بما حوى عابد مسبح، كل من فيه قد ألهم صلاته وتسبيحه، كون منغم منعم، ~~بموسيقى ربانية أو كما يقول محيي الدين: «بالإيقاع الإلهي والقول الرباني، الكون كله سماع ~~لمن ألقى السمع، ورفع عنه الغطاء، # تسبح له السموات ~~السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ~~ولكن لا تفقهون تسبيحهم ~~.» # وإذا كانت أمواج الموسيقى السابحات في الجو من محطاتنا الأرضية، تمر بالأذن ولا تسمعها ~~إلا بالجهاز المعد لها؛ فكذلك تلك الموسيقى في حاجة إلى محطات وأجهزة في قلوبنا، أجهزة لا ~~تتفتح إلا بالذكر والتقوى، وكم للذكر والتقوى من أسرار وأسرار! # كل شيء يقع تحت أبصارنا، له حياته وله عباداته وله عجائبه وفنونه، تحركه يد الخالق ~~المدبرة الحاكمة، التي أحسنت وأبدعت خلق كل شيء، وأودعته ما شاءت وأرادت، وكشفت مما ~~أودعت لمن شاءت ولمن أحبت. # ليست الحياة في هذا الكون للملك والإنسان والجن والحيوان والنبات فحسب، بل الحياة ~~لكل شيء، حتى تلك الجبال التي تحسبها جامدة، وهي تمر مر السحاب، حتى تلك الأحجار منها ~~ما يتفجر منه الماء، وإن منها لما يهبط من خشية الله، ومنها ما يسبح بحمده ويذكر بآياته. ~~يقول ابن عربي: «إن آلة النجار ربما تعلم أكثر مما يعلم الصانع بها؛ فإنها حية عالمة ~~بخالقها، مسبحة بحمد ربها، عالمة بما خلقت له، فكل شيء ms082 في الطبيعة قد أوحي إليه بما ~~يراد منه.» # وهذه الحروف التي نكتبها لها أسرارها ودنياها، فهي أمة قائمة بذاتها، لها صلاتها بالسماء ~~والنجوم، ولها مساس بالإنسان، وعلاقة برسالات الرسل والأنبياء. # ثم الكلمات أيضا، أليس عيسى كلمة الله؟ وأليست الكلمة الطيبة كالشجرة المباركة التي ~~أصلها ثابت وفرعها في السماء؟ فلا عجب إذا كانت أمة مسخرة، طائعة وعابدة. # إنه لعالم جميل أبدعته القوة الإلهية - تعالت وجلت قدرة الله - عالم جميل عجيب ذلك ~~الذي نعيش فيه، لو نظرنا إليه بالقلب والروح، ولو مزقنا عن أرواحنا أقنعة الشهوات وحجب ~~الظلمات. # إن مكاشفات القلب، لتدلف بنا إلى عوالم مسحورة جميلة محببة، مؤمنة عاقلة تهتف بالإيمان ~~وتنادي بقدرة الرحمن، وإلى علوم وفنون من فيض القدرة الإلهية يهبها الله لمن يشاء ~~ويعلمها من لدنه لمن اجتبى واصطفى، إنها مملكة التصوف، وإنها لدنيا الصوفية. # يقول محيي الدين: «فاعلم أن في الخبز والماء، وجميع المطاعم والمشارب، والملابس والمراكب ~~والمجالس، والزهر والثمر، أرواحا لطيفة غريبة، فيها استجابة مودعة لما يراد منها، هي سر ~~حياتها، وفيها تجل من حب الله لعبده وعلو منزلته، حتى سخر له ما فيه السعادة والعلم ~~والبقاء. # وتلك الأرواح أمانة عند تلك الأشياء، محبوسة في تلك الصور، حتى تؤديها إلى هذا الروح ~~الإنساني، التي قدرت له، ورجال الله الذين كشف الله عن أبصارهم، تناديهم أحجار الأرض ~~ونباتاتها بمنافعها ومضارها.» # ولأسماء الله الحسنى أيضا سرها وأثرها في حياة الإنسان والكون، أو كما يقول محيي الدين: ~~هي المؤثرة في هذا العالم، وهي المفاتيح الأولى التي لا يعلمها إلا هو، وإن لكل حقيقة اسما ~~يخصها من هذه الأسماء. # فأمهات الأسماء، هي: الحي العالم، المريد، القادر، القائل، الجواد المقسط، وهذه الأسماء ~~من الاسمين المدبر والمفصل؛ فالحي يثبت وجودك، والعالم يثبت أحكامك في وجودك، ~~وقبل وجودك يثبت تقديرك، والمريد يثبت اختصاصك، والقادر يثبت عدمك، والقائل يثبت كلامك، ~~والجواد يثبت إيجادك، والمقسط يثبت مرتبتك؛ فهذه حقائق لا بد من وجودها، فلا بد من أسمائها ~~التي هي أربابها. # وهكذا لكل اسم من أسماء الله ms083 الحسنى أثر في الكون يقوم به؛ فأسماء الله - تعالى - هي سر ~~هذا الكون، وهي التي تقوم بها الأشياء! ولكل اسم سره في العبادة التي لو لمسها المريد لظفر ~~بالخير، وتربت يداه بالبركات والنعم والهبات. # وهكذا يطوف ابن عربي بك مملكة التصوف، عارضا عليك أسرار الحروف، وأسرار الكلمات، وأسرار ~~أسماء الله الحسنى، وأسرار النجوم والكواكب والجبال والبحار والأنهار، والنباتات والمعادن ~~وخصائصها وأسرارها، وما أودع الله فيها من قوى، ومرتبتها وتحولها من أدنى إلى أعلى، ~~وتقلبها في الصور ومنافعها للإنسان، حتى إذا ملأ مسامع الدنيا بهذه العلوم! أخذ يتحدث على ~~مراتب أهل الله، وأقسام عالم الأنفاس. # | أقسام المتصوفة # يقول ابن عربي: «واعلم أن رجال الله في هذه الطريقة، هم المسمون بعالم الأنفاس، ~~وهو اسم يعم جميعهم، وهم على طبقات كثيرة، وأحوال مختلفة؛ فمنهم من تجمع له الحالات ~~كلها والطبقات، ومنهم من يحصل ما شاء الله، وما من طبقة إلا لها لقب خاص من أهل ~~الأحوال والمقامات، التي يظهرون عليها في قوله - تعالى: # ومعارج ~~عليها يظهرون ~~. كل طائفة في جنسها، ومنهم من يحصره عدد في كل زمان ~~ومكان، ومنهم من لا عدد له لازم؛ فيقلون ويكثرون. # ولأهل الأنفاس مراتب من حيث النظر إلى الذات العلية، وتختلف حظوظهم باختلاف مراتبهم؛ ~~فمنهم من حظه من النظر لذة عقلية، ومنهم من حظه من ذلك لذة نفسية، ومنهم من حظه من ~~ذلك لذة حسية، ومنهم من حظه من ذلك لذة خيالية، وهكذا، ثم تخلع عليهم خلع إلهية، أورثها ~~النظر إليه - سبحانه، ثم يفاض عليهم من نور الربوبية ما يكسبهم البهاء والجلال.» # الأقطاب والأئمة والأبدال # ثم يقول ابن عربي: ومن رجال الأنفاس الأقطاب؛ وهم الجامعون للأحوال والمقامات ~~بالأصالة أو النيابية، ولا يكون منهم في الزمان إلا واحد، وهو الغوث أيضا، وهو سيد ~~الجماعة في زمانه. # ومنهم من يكون ظاهر الحكم؛ فيحوز الخلافة الظاهرة كما حاز الخلافة الباطنة من جهة ~~المقام؛ كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعمر بن عبد العزيز والمتوكل، ومنهم من حاز ~~الخلافة الباطنية خاصة، ولا حكم ms084 له في الظاهر، كأحمد بن هارون الرشيد والسبتي ~~والبسطامي ؛ وأكثر الأقطاب لا حكم لهم في الظاهر. # ومنهم الأئمة: ولا يزيدون في كل زمان عن اثنين لا ثالث لهما، وهما اللذان يخلفان ~~القطب إذا مات، وهما للقطب بمنزلة الوزيرين. # ومنهم الأوتاد: وهم أربعة في كل زمان لا يزيدون ولا ينقصون، وقد يكون منهم النساء، ~~ولكن يغلب عليهم الرجال. # ومنهم الأبدال: وعددهم سبعة لا يزيدون أيضا ولا ينقصون، كل واحد منهم على قدم نبي؛ ~~فالأول على قدم الخليل، ثم الكليم، ثم هارون، ثم إدريس، ثم يوسف، ثم عيسى، ثم آدم - ~~عليهم السلام. # وهؤلاء يعلمون علم الكواكب، وأسرار سيرها ونزولها في المنازل المقدرة لها، وقد ~~كان الأبدال بهذه المكانة بالأمور الأربعة التي اشترطها أبو طالب المكي، وهي: الجوع ~~والسهر والصمت والعزلة. # ثم النقباء: وهم اثنا عشر نقيبا في كل زمان ومكان، لا يزيدون ولا ينقصون، على عدد ~~أبراج الفلك الاثنى عشر برجا، كل نقيب عالم بخاصة كل برج، وبما أودع الله فيه من ~~الأسرار والتأثيرات، وبأيديهم علوم الشرائع المنزلة، ولهم الاطلاع على خبايا ~~النفوس، وإبليس عندهم مكشوف يعلمون من أمره ما لا يعلم من أمر نفسه، ويعلمون أثر ~~الأقدام، فيقولون: هذا قدم شقي، وهذا قدم سعيد. # ومنهم النجباء: وهم أهل الكشف والاطلاع، والحواريون: ومقامهم التحدي والنجدة، ~~والرجبيون: ولهم التجليات والكشوفات. # ومنهم رجال الأنفاس: وهم أهل خشوع لا يتكلمون إلا همسا، وهؤلاء هم المستورون الذي لا ~~يعرفون، خبأهم الحق - سبحانه - في أرضه؛ فلا يناجون سواه، ولا يشهدون غيره، يمشون ~~على الأرض هونا، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما، دأبهم الحياء، إذا سمعوا أحدا ~~يرفع صوته في كلامه، ترتعد فرائصهم ويتعجبون؛ وذلك لأنهم لغلبة الحال عليهم يتخيلون أن ~~التجلي الذي أورث عندهم الخشوع والحياء يراه كل إنسان، ويرون أن الله قد أمر عباده أن ~~يغضوا أصواتهم عند رسول الله - صلوات الله عليه، فإذا تلي حديث رسول الله لا يجب رفع ~~الصوت عليه، كما يجب الصمت عند تلاوة القرآن. # ومنهم الظاهرون: وهم قسمان: ظاهرون بأمر الله في ms085 الدنيا قائمون بحقوقه، تخرق العوائد ~~لهم عادة، وظاهرون في العالم الأعلى لا يعرفون في الدنيا، وهؤلاء لا يرون سوى الله في ~~الأكوان، والأكوان عندهم مظاهر الحق. # وهم أهل طبقات ومقامات، وكل طبقة عاشقة لمقامها، تذب عنه، ومن هؤلاء من هم في ~~مقامات لا يعرفها إلا من ذاقها؛ لأنه يعرف عن مشاهدة. # ومنهم أهل الفتوة: وهم رجال القوة الإلهية، آيتهم من كتاب الله: # أشداء على الكفار ~~، لا تأخذهم في الحق لومة لائم. # ومنهم أهل الصفاء: وهم رجال الحنان والعطف الإلهي؛ آيتهم من كتاب الله: آية الريح ~~السليمانية، تجري بأمره رخاء حيث أصاب، لهم شفقة على عباد الله مؤمنهم وكافرهم، ينظرون ~~إلى الخلق بعين الجود. # وهكذا يعدد ابن عربي لنا المقامات والطبقات وهي مئات ومئات، إلى أن يصل إلى طبقة ~~الصوفية، وهؤلاء لا عدد يحصرهم بل يكثرون ويقلون، وهم أهل مكارم الأخلاق، وكل من ~~زاد في خلقه عليك، فقد زاد في التصوف عليك. # فإذا انتهى محيي الدين من هذا التقسيم، أخذ يحدثنا عن ذروة أهل المملكة أو عالم ~~الأنفاس وهم الملامتية، وعن خاصة من هؤلاء الرجال، وهم أهل الليل. # الملامتية # وفي تلك المملكة عباد لله - سبحانه، أدبهم وعلمهم واجتباهم، وصان نفوسهم، وطهر ~~قلوبهم واصطفاهم لعبادته، هم ذروة تلك المملكة، وقد أسماهم محيي الدين «بالملامتية»، ~~وهم الذين حلوا من الولاية في أقصى درجاتها، ونهلوا من العلوم أصفى معانيها، وما ~~فوقهم في تلك المعارج اللدنية إلا درجات النبوة، ومقامهم يسمى مقام القربة، وهو ~~مقام الانشغال بالخالق عن الخلق. وعلامتهم الاختفاء والانطواء؛ فلا يعرفون بخرق عادة، ~~ولا يعظمون بين الناس، ولا يشار إليهم بالصلاح الذي تعرفه العامة؛ فهم الأصفياء ~~الأمناء الأبرار أحباب لله، يعرفهم الملأ الأعلى ويذكرون في السماء، وهم في الناس ~~الغامضون. # وهم الذين قال فيهم رسول الله - صلوات الله عليه - عن ربه - عز وجل: «إن أغبط ~~أوليائي عندي لمؤمن خفيف الحاذ، ذو حظ من صلاة، أحسن عبادة ربه، وأطاعه في السر ~~والعلانية، وكان غامضا في الناس.» # ومسألة الظهور في الحياة، وخوض عبابها، والسيادة ms086 في الدنيا، وما إلى السيادة من أغراض ~~وأهداف، لمحيي الدين في كل هذه الأشياء رأي أوضحه ونادى به؛ فهو يرى أن الجهر بالدعوة ~~والسيادة في الدنيا كمال للأنبياء، ونقص في الأولياء. # لأن الرسل - صلوات الله عليهم - مضطرون إلى الظهور والدعوة، لأجل التشريع والتبليغ، ~~والأولياء ليس لهم ذلك، ألا ترى أنه - سبحانه - لما أكمل الدين وأتم نعمته على الناس ~~بالقرآن العظيم، كيف أمر رسوله الأمين، في السورة التي نعاه فيها إلى نفسه، بالاستغفار ~~والانقطاع إليه - تعالى: # إذا جاء نصر الله والفتح ~~* ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا ~~* فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان ~~توابا ~~. # أي: أشغل نفسك بتنزيه ربك، والثناء عليه بما هو أهله، فاقتطعه بهذا الأمر الرباني ~~من العالم نفسه، لما أكمل ما أريد منه تبليغ الرسالة، وطالبه بالاستغفار ليستره عن ~~خلقه، في حجاب صونه؛ لينفرد به دون خلقه دائما. # والأولياء الكمل السادة الأصفياء، إذا تركوا وأنفسهم، لم يختر أحد منهم الظهور ~~أصلا؛ لأنهم يعلمون أن الله - تعالى - ما خلقهم لأنفسهم ولا لأحد من خلقه، وإنما خلقهم ~~له - سبحانه؛ فشغلوا أنفسهم بما خلقوا له. # فإن أظهرهم الحق من غير اختيار منهم، بأن يجعل في قلوب الخلق تعظيمهم والالتفاف حولهم ~~للتلقي من علومهم؛ فذلك إليه - سبحانه، وما لهم فيه تعمل ولا قصد، فلا اختيار لهم ~~مع اختيار الحق - سبحانه، فإن خيرهم ولا بد اختاروا الستر عن الخلق والانقطاع إلى ~~الله، كما قيل لأبي اليزيد البسطامي؛ حين خلع عليه بخلعة النيابة، وقيل له: اخرج إلى ~~خلقي، فلم يسعه إلا امتثال أمر ربه فخطا خطوة فغشي عليه، فإذا النداء: ردوا علي ~~حبيبي، فلا صبر له عني. # لقد كان أبو اليزيد فانيا عن كل شيء، مستغرق القلب والحس والروح في النجوى والتفرغ ~~الكامل لعبادة ربه، فلما أخرج إلى الناس، خشي أن يشغل لحظة من زمن عن عبادة ربه، ~~ونجوى خالقه؛ فغشي على نفسه من هذا الخوف ما يشبه الصاعقة، فرد رحمة به إلى مقام ~~الفناء، وهو مقامه، وخلعت عليه خلع الذلة والافتقار والانكسار، ms087 وهي أسمى الخلع، في ~~عالم الأنفاس والهبات؛ فطاب عيشه ، وسجد قلبه، ثم دنا واقترب، فظفر بالمشاهدة، فزاد ~~أنسه، واستراح روحه من أعباء الأمانة. # يقول محيي الدين: «ثم إن هذه الطائفة إنما نالوا هذه المرتبة عند الله؛ لأنهم صانوا ~~قلوبهم أن يدخلها غير الله، أو تتعلق بسوى الله؛ فليس لهم جلوس إلا مع الله، ولا حديث ~~إلا مع الله، فهم بالله قائمون، وفي الله ناظرون، وإلى الله راحلون ومنقلبون، وعن الله ~~ناطقون، ومن الله آخذون، وعلى الله متوكلون، وعند الله قاطنون؛ فما لهم معروف سواه ولا ~~مشهود إلا إياه، صانوا نفوسهم عن نفوسهم فلا تعرفهم نفوسهم، فهم ضنائن الحق - ~~سبحانه.» # ومن صفات هذا المقام أيضا عنده: أن صاحبه لا يرى لأحد من الناس ولا لقوة من قوى ~~الخلق عليه سلطان، وإبليس لديهم ذليل ضعيف: # إن عبادي ليس ~~لك عليهم سلطان ~~. يقول محيي الدين: «فكل عبد إلهي توجه لأحد ~~من الخلق، أو يوجد عليه لأحد من الناس حق، فقد نقص من عبوديته لله بقدر ذلك الحق، فإن ~~ذلك المخلوق يطلبه بحقه، وله عليه سلطان به؛ فلا يكون عبدا مخلصا خالصا لله - تعالى، ~~وهذا هو الذي رجح عند المنقطعين إلى الله - تعالى - انقطاعهم عن الخلق ولزومهم ~~السياحات والبراري، والسواحل والمجاهل، والفرار من الناس والانقطاع إليه - تعالى؛ حتى ~~يفوزوا بمقام العبودية الكاملة، وإنه لهو الفوز العظيم.» # رجال الليل # الليل وقت الخلوة والجلوة، وقت الأنس والسمر، وقت الذكر والصفاء، وقت التجلي ~~والتحلي، وقت الشوق والأنين والحنين، والومضات والوثبات واللمحات. # ورجال الأنفاس هم رجال الليل، يضيئون ظلمته بنور الإيمان، ويملئون صمته بدعوات ~~الرحمن، حتى إذا جاء وقت السحر، وما أدراك ما وقت السحر؟! تجلت الأرواح واستيقظت ~~القلوب؛ فتلقت من ربها ما تلقت، وتجملت وتحلت، وأذنت لربها وحقت؛ فلكل ~~نصيبه المقدر، على قدر الهمة والطاقة، وعلى قدر الذكر والعبادة. # ولليل عند رجال الله مقام أي مقام! لأنهم نظروا إلى آيات الرضا، فوجدوا ثناء من ~~الخالق - سبحانه - على الأصفياء الأخيار، الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع، والذين كانوا # قليلا ms088 من الليل ما يهجعون ~~، فأقبلوا ~~على الليل يقطعونه راكضين إلى ربهم، مهللين ومكبرين. # يقول محيي الدين: «كان عندنا بإشبيلية رجل عابد حسن الصوت، كثير الاجتهاد، سريع ~~الدمعة، دائم العبرة، كثير التفكر والتهجد، بت معه ليالي عدة؛ فلم يكن يفتر، فربما ~~أسمعه بعض الأحايين ينشد بصوت طيب غرد، ودموعه تنحدر على خديه: # قطع الليل رجال # ورجال وصلوه # فيه أناس رقدوا # وأناس سهروه # لا يميلون إلى النو # م ولا يستعذبوه # فكأن النوم شيء # لم يكونوا يعرفوه # لبسوا ثوبا من الخد # مة حتى خلعوه # مع جلباب من الحز # ن فما أن نزعوه # لم تنم أعين ونامت عيون، وهجع قوم وآخرون لا يهجعون، لا يعرفون النوم ولا يستعذبونه، ~~حتى لكأن النوم شيء لا يعرفونه، فقد أسهدهم حب ووجد، وحزن وشوق، وتطلع إلى النور ~~الأسنى والمقام الأعلى، وتلهف على الرضا، وتطلع إلى المشاهدة في الخلوة والجلوة، ~~وأمل في القرب والمغفرة.» # وصلوات الله على الأمين الحبيب، لقد قام الليل حبا وشكرا حتى أدميت قدماه، ~~وحتى أشفقت عليه عائشة - رضوان الله عليها - فرجته الرفق بنفسه، والرحمة بشوقه ~~قائلة: «لقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فترفق.» # فقال الحبيب الأمين - صلوات الله عليه: «يا عائشة، ألا أكون عبدا شكورا!» ذلك هو ~~مقام الشكر، ولليل المقامات بأسرها؛ فإن للإنسان في الليل سبحا طويلا، لمن أراد أن ~~يذكر أو أراد شكورا. ويقول محيي الدين: «اعلم - أيدك الله بروح القدس منه - أن ~~الله جعل الليل لأهله، مثل الغيب لنفسه، فكما لا يشهد أحد فعل الله في خلقه لحجاب الغيب ~~الذي أرسله دونهم؛ كذلك لا يشهد أحد فعل أهل الليل مع الله في عبادتهم لحجاب ظلمة الليل ~~التي أرسلها الله دونهم؛ فهم خير عصبة في حق الله، وهم شر فتية في حق أنفسهم، ~~ليسوا بأنبياء تشريع لما ورد من إغلاق باب النبوة، ولا يقال في واحد منهم عندهم: إنه ~~ولي؛ لما فيه من المشاركة مع اسم الله، فيقال فيهم: أولياء، ولا يقولون ذلك عن ~~أنفسهم، وإن بشروا، فجعل الليل ms089 لباسا لأهله يلبسونه، فيسترهم هذا اللباس عن أعين ~~الأغيار ، يتمتعون في خلواتهم الليلية بحبيبهم فيناجونه من غير رقيب؛ لأنه جعل النوم في ~~أعين الرقباء سباتا، أي راحة لأهل الليل إلهية، كما هو راحة للناس طبيعية؟ فإذا نام ~~الناس استراح هؤلاء مع ربهم، وخلوا به حسا ومعنى فيما يسألونه من قبول توبة، وإجابة ~~دعوة، ومغفرة، وغير ذلك؛ فنوم الناس راحة لهم، وإن الله - تعالى - ينزل إليهم بالليل ~~إلى السماء الدنيا، فلا يبقى بينه وبينهم حجاب فلكي، ونزوله إليهم رحمة بهم، ويتجلى لهم ~~في سماء الدنيا، كما ورد في الخبر: «يقول الله: كذب من ادعى محبتي، فإذا جنه ~~الليل نام عني، كل محب يطلب الخلوة بحبيبه، فها أنا ذا قد تجليت لعبادي، هل من داع ~~فاستجيب له، هل من تائب فأتوب عليه، هل من مستغفر فأغفر له، حتى ينصدع الفجر.» ~~فأهل الليل هم الفائزون بهذه الحظوة في هذه الخلوة وهذه المسامرة في محاربهم، فهم ~~قائمون يتلون كلامه، ويفتحون أسماعهم لما يقول لهم في كلامه - سبحانه. # إذا قال: يا أيها الناس. يقولون: نحن الناس، فما تريد منا يا ربنا في ندائك هذا؟ ~~فيقول لهم - عز وجل - على لسانهم بتلاوتهم كلامه الذي أنزله: # اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم ~~. ويقول: ~~يا أيها الناس. فيقولون: لبيك ربنا، فيقول لهم: اتقوا ربكم # الذي ~~جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ~~ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله ~~أندادا وأنتم تعلمون ~~؛ فيقولون: ربنا خاطبتنا فسمعنا وفهمتنا ~~ففهمنا، فيا ربنا وفقنا، واستعملنا فيما طلبته منا من عبادتك وتقواك؛ إذ لا حول لنا ~~ولا قوة إلا بك، ومن نحن حتى تنزل إلينا من علو جلالك وتنادينا وتطلب منا. فيقول: يا ~~أيها الناس. فيقولون: لبيك. فيقول: # إن وعد الله حق فلا ~~تغرنكم الحياة الدنيا ~~. فيقولون: يا ربنا، أسمعتنا فسمعنا، ~~وأعلمتنا فعلمنا، فاعصمنا وتعطف علينا؛ فالمنصور من نصرته، والمؤيد من ~~أيدته، والمخذول من خذلته. فيقول: يا أيها الإنسان. فيقول الإنسان منهم: لبيك يا ~~رب. فيقول: ms090 # ما غرك بربك الكريم ~~. فيقول: ~~كرمك. فيقول: صدقت. ويقول : يا أيها الذين آمنوا. فيقولون: لبيك. فيقول: «اتقوا الله حق ~~تقاته وقولوا قولا سديدا.» فيقولون: وأي قول لنا إلا ما تقولنا، وهل لمخلوق حول ~~ولا قوة إلا بك؟ فاجعل نطقنا ذكرا وقولنا تلاوة كتابك. فيقول: يا أيها الذين آمنوا. ~~فيقولون: لبيك ربنا، فيقول: # عليكم أنفسكم لا يضركم ~~من ضل إذا اهتديتم ~~. فيقولون: ربنا أغريتنا بأنفسنا لما جعلتها ~~محلا لإيمانك، فقلت: # وفي أنفسكم أفلا ~~تبصرون ~~، وقلت: # سنريهم آياتنا في ~~الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ~~، ~~والآيات ليست مطلوبة إلا لما تدل عليه، وأنت مدلولها؛ فكأنك تقول في قولك: عليكم ~~أنفسكم: أي: الزمونا وثابروا علينا.» # ذلك هم رجال الليل الذين يقطعونه استغفارا وذكرا؛ ذكرا بقرآنه الحكيم، وفي الحديث: ~~أن المصلي الحاضر القلب، هو من يقف في صلاته عند التلاوة، وهو يحس أن الله يسمعه، أو ~~يتلو وكأن الله - سبحانه - هو الذي يتلو على لسانه؛ لأن القرآن كلام الله - ~~تعالى. # وهكذا أهل الليل، يقرأون وكأنهم يستمعون إلى ربهم، يكلمهم بقرآنه؛ فكل آية عندهم سؤال ~~وجواب، وذلك لون من التذوق، هبة من هبات الرحمن لأهل الليل، ومقدار تلك الهبة إنما ~~يعرفها من ذاق. # ثم يقول: وأهل الليل تختلف طبقاتهم في ذلك؛ فالزاهد حاله مع الله في ليله من مقام ~~زهده، والمتوكل حاله مع الله من مقام توكله، وكذلك صاحب كل مقام، ولكل مقام لسان هو ~~الترجمان الإلهي فيهم؛ وهم لهذا متباينون في المراتب بحسب الأحوال والمقامات، وأقطاب ~~أهل الليل هم أصحاب المعاني المجردة عن المواد المحسوسة والخيالية، فهم واقفون مع الحق ~~بالحق، فيعطى كل من المعاني والمعارف والأسرار بحسب منازلهم، فهؤلاء هم حكماء ~~القلوب، وسادة الرجال، أهل الوفاء والصفاء والذكر والسمر، فإذا ادعت لك نفسك أنك من ~~أهل الليل، فانظر، هل لك قدم مع من ذكر؟ # | أسرار الروح # فإذا طاف بنا محيي الدين على أقسام المتصوفة داخل مملكتها العظمى، أخذ يعرض ألوانا من ~~عجائبها وأسرارها الروحية. # وللروح في عالم التصوف المكان الأعلى والسر ms091 الأعظم، ولست أغالي إذا قلت: إن المذاهب ~~الروحية العالمية رغم ما وصلت إليه من كشوف عميقة في هذا الميدان، لا تزال تحبو، ولا تزال ~~فتوحاتها أقزاما بجوار الجبابرة والأئمة من رجال التصوف، الذين راضوا أرواحهم على نور من ~~هداهم، فتحكموا لا في ذواتهم عند اليقظة والسجود، بل في منامهم وعند الهجود، حتى ليوجهون ~~- كما يقول محيي الدين - خواطرهم في المنام ما أرادوا وأحبوا، ولمسوا أسرارها، وتنقلوا في ~~آفاقها، سخرت لهم قوى الأرواح وما أدراك ما قواها؟ وما أدراك ما تجلى لهم؟ # تقول دائرة المعارف لوجدي بك: «إن كل من اطلع على كتب محيي الدين، وكان واقفا على ~~مرامي الفلسفة الروحانية العصرية، تحقق أنه سبق كل متكلم في هذه المعارف العالية؛ فلا مقال ~~الآن مهما علا وغلا إلا ما هو مقتبس من كلامه، أو صدر ممن هو منته إلى ما انتهى ~~إليه.» # الإذاعات الروحية # ولنمسك مرة أخرى بمصباح محيي الدين، ولنتقدم على نوره خطوات لنشاهد تلك المحطات ~~الروحية التي تذيع الأنباء الصوفية على رجال المملكة. # ولرجال التصوف إذاعاتهم الخاصة التي تربط أجزاء مملكتهم بعضها ببعض، والتي تنقل ~~أخبارهم إلى مشارق الأرض ومغاربها. # ولا تعجب ولا يضرب الإنكار على بصيرتك غشاوة فتسخر! فلقد كشف الله - سبحانه - الغطاء ~~عن عيني عمر بن الخطاب - رضوان الله عليه - وهو على منبر المدينة يخطب أصحابه، فرأى ~~سارية وجيش سارية وهو بنهاوند بأرض العراق، يقاتل خصوم الرحمن، وقد أحيط به ولا نجاة ~~له إلا بأن يعتصم بجبل بجواره، فهتف عمر: «يا سارية، الجبل.» فسمع سارية الصوت في ~~لمحة، على بعد المسافة التي يقطعها الراحل المجد في عشرات الأيام، وعرف أنه صوت ~~عمر؛ فالتجأ إلى الجبل فنجا وانتصر! كيف أبصر عمر؟ وكيف سمع سارية؟ ذلك سر الروح، وذلك ~~سر الإيمان، وذلك فضل الله، وما أوتيتم من العلم إلا قليلا. # يقول محيي الدين: «ومن علوم الكشف أن أي واحد أو جماعة قلت أو كثرت، لا بد أن ~~يكون معهم من رجال الغيب واحد عندما يتحدثون؛ فذلك الواحد ينقل أخبارهم ms092 إلى ~~العالم. # ولقد عملت أبياتا من الشعر بمقصورة ابن مثنى بشرقي جامع تونس عند صلاة العصر في ~~يوم معلوم معين، فجئت إشبيلية، وبينهما مسيرة ثلاثة أشهر للقافلة، فاجتمع بي إنسان لا ~~يعرفني، فأنشدني بحكم الاتفاق تلك الأبيات عينها. فقلت له: لمن تلك الأبيات؟ فقال: ~~لمحمد بن العربي. فقلت له: ومتى حفظتها؟ فذكر لي التاريخ الذي عملتها فيه، فقلت له: ~~ومن أنشدك إياها؟ فقال: كنت جالسا ليلة بسوق إشبيلية في مجلس، ومر بنا رجل ~~غريب فأنشدنا هذه الأبيات، فقلنا له: لمن هي؟ فقال: لفلان.» # تلك هي محطات إذاعاتهم القلبية والروحية، لا اللاسلكية والأثيرية، ولهم أيضا في ~~مملكتهم ما يشبه ما نسميه «بالتلفزيون»، وهو تسجيل المرئيات وقيدها، ثم حملها إلى أطراف ~~الأرض، على أجنحة الأثير في لحظات إلى شتى الأماكن والاتجاهات. # ولا تعجب أيضا، ولا يضرب الإنكار على عيني بصيرتك غشاوة فتسخر، فلقد عرض المسجد ~~الأقصى بأبوابه ومقاصيره وساحاته على الرسول - صلوات الله عليه - يوم حدث قومه بحديث ~~الإسراء، وأنه صلى بالرسل إماما في المسجد الأقصى، فأنكروا وتعجبوا، ثم طلبوا منه - ~~صلوات الله عليه - أن يصف لهم المسجد الأقصى بأبوابه وعلاماته، فأطلعه الله - سبحانه ~~وتعالى - عليه مشاهدة؛ وما كان معجزة لنبي، جاز أن يكون كرامة لولي. # يقول محيي الدين: «ولقد كنت بجامع العديس بإشبيلية يوما بعد صلاة العصر، وشخص يذكر ~~لي عن رجل كبير من أهل الطريق من أكابرهم، اجتمع به في خراسان، فذكر لي فضله وعمله، حتى ~~اشتقت إليه، فإذا الشخص إلي عن قرب، والجماعة لا تراه، فقال لي: أنا هو هذا الشخص ~~الذي يصفه لك هذا الرجل. فقلت للرجل المخبر: هذا الرجل الذي رأيته بخراسان، أتعرف ~~صفته؟ فقال: نعم. فقلت له: اسمع، فأخذت أصفه له. فقال: هو والله ما تذكر. فقلت له: ~~هو ذا جالس يصدقك عندي فيما تخبر به.» # ولرجال تلك المملكة الرؤيا الصادقة كفلق الصبح المبين، ولهم أيضا رؤية الرسول - ~~صلوات الله عليه - في المنام، وسؤاله وتلقي الجواب منه للتعليم والإرشاد. # يقول محيي الدين: «كنت متحيرا في مسألة ms093 العدد وأقل الجمع فيه، فرأيت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # في منامي وأنا بين يديه، وقد سألني سائل وهو # صلى الله عليه وسلم # يسمع: ما أقل العدد؟ ~~فقلت: عند الفقهاء اثنان، وعند النحويين ثلاثة. فقال الرسول: أخطأ هؤلاء وهؤلاء. فقلت: ~~كيف إذن أقول؟ قال: إن العدد شفع ووتر، يقول الله - تعالى: # والشفع والوتر # والكل عدد، فميز؟ ثم أخرج - صلوات الله عليه - ~~خمسة دراهم بيده المباركة، فرمى درهمين بمعزل، ورمى ثلاثة بمعزل، وقال لي: ينبغي لمن ~~سئل عن هذه المسألة أن يقول للسائل: عن أي عدد تسأل؛ عن العدد المسمى شفعا، أم ~~عن العدد المسمى وترا؟ ثم وضع يده على الثلاثة وقال: هذا أقل الجمع في عدد الوتر، ~~وهذا أقل الجمع في عدد الشفع. فما رأيت أحسن منه معلما!» # الأرواح بعد الموت # وإذا كان العلم الحديث، يقص علينا أنباء استحضار الأرواح ومناجاتها بعد الموت، وإذا ~~كان الروحانيون من العلماء يقولون: إن لهم صلات تنتج معرفة بتلك الأرواح، فإن المتصوفة ~~داخل مملكتهم لا يحجب بعضهم عن بعض - كما يقولون - شبر من تراب. كناية عن ~~القبر. # روى البخاري أن النبي - صلوات الله عليه - مر بحائط من حيطان مكة أو المدينة، فسمع ~~صوت إنسانين يعذبان في قبورهما، فقال النبي: «إنهما ليعذبان، وما يعذبان في ~~كبير!» ثم قال: «بلى، كان أحدهما لا يستتر من بوله، وكان الآخر يمشي بالنميمة.» وزاد ~~الإمام أحمد - رضي الله عنه: «ولولا تمرغ قلوبكم وتزيدكم في الحديث لسمعتم ما ~~أسمع.» # لولا تمرغ القلوب البشرية في أهواء الحياة وشهواتها لكشفت عنها الحجب؛ فرأت من آيات ~~ربها الكبرى ما فيه شفاء للموقنين، وهدى ورحمة لكل من كان له قلب يعي، أو ألقى ~~السمع وهو شهيد. # يقول محيي الدين في حديثه عن منازل يوم السبت: «إني كنت يوم الجمعة بعد صلاة الجمعة ~~بمكة، قد دخلت الطواف، فرأيت رجلا حسن الهيئة له هيبة، وهو يطوف أمامي، فجعلت بالي منه ~~أن أعرفه فما عرفته، ولم أر عليه علامة قادم من سفر؛ لما كان عليه من ms094 الغضاضة ~~والنضرة، ثم رأيته يمر بين الرجلين المتلاصقين في الطواف فيعبر بينهما ولا يفصلهما، ~~فجعلت أتتبع بأقدامي أقدامه؛ ما يرفع قدما إلا وضعت قدمي في موضع قدمه، وذهني فيه ~~وعيني معه؛ لئلا يفوتني، فكنت أمر بالرجلين المتلاصقين اللذين يمر بينهما في أثره ~~فأجوزهما ولا أفصل بينهما، فتعجبت من ذلك، فلما أكمل طوافه وأراد الخروج، مسكته ~~وسلمت عليه، فتبسم لي ورد السلام علي، وأنا لا أصرف نظري عنه؛ مخافة أن ~~يفوتني، فإني ما شككت أنه روح متجسد، وعلمت أن البصر يقيده، فقلت له: إني لأعلم ~~أنك روح متجسد. فقال: صدقت. فقلت له: فمن أنت يرحمك الله؟ قال: «أنا السبتي» ~~ابن هارون الرشيد. قلت له: أريد أن أسألك عن حال كنت عليه في أيام حياتك في الدنيا. ~~قال: قل. قلت له: بلغني أنك ما سميت السبتي إلا لكونك كنت تحترف كل سبت بقدر ~~ما تأكله في بقية الأسبوع. فقال: الذي بلغك صحيح. فقلت له: فلم خصصت يوم السبت ~~وحده دون سائر أيام الأسبوع؟ فقال: بلغني أن الله ابتدأ خلق العالم يوم الأحد، وأكمله ~~يوم الجمعة، فلما كان يوم السبت، قال: أنا الملك لي الملك. هذا بلغني في ~~الأخبار، وأنا في الحياة الدنيا، فقلت: والله لأعملن على هذا؛ فتفرغت لعبادة الله من ~~يوم الأحد إلى آخر الستة الأيام، لا أشتغل بشيء إلا بعبادته - تعالى، وأقول: إن الله - ~~تعالى - كما اعتنى بنا في هذه الأيام الستة، فأنا أتفرغ لعبادته، ولا أمزجها بشغل ~~نفسي، فإذا كان يوم السبت أتفرغ لنفسي، وأنظر ما يفوتها في سائر الأسبوع. # وفتح لي في ذلك. فقلت له: ومن كان قطب الزمان في حياتك الدنيا؟ فقال: أنا. قلت: ~~بذلك وقع التعريف. قال: صدق من عرفك، ثم قال: عن أمرك. يريد المفارقة. فقلت له: ~~ذلك إليك؛ فسلم علي سلام محب وانصرف. فلما فارقته وكان بعض أصحابي مع الجماعة ~~في انتظاري؛ لكونهم كانوا يقرأون علينا: إحياء علوم الدين. # 1 # فلما فرغت من ركعتي الطواف وجئت إليهم، قال لي بعضهم: رأيناك تكلم ~~رجلا غريبا ms095 حسن الوجه، ما نعرفه، فمن هو؟ ومتى جاء؟ قلت: هذا ليس لكم.» # هذه قطرة من عالم الروح لديهم، ولسنا بمستطيعين أن نجمع بحار الأسرار في قطرة؛ ~~فنظرة إلى ميسرة، عسى الله أن يوفقنا؛ فنخصص لها كتابا. # وتلك صورة مصغرة لمملكة المتصوفة، الذين يعيشون في ظلال الهدى والرضا، ويقتاتون ~~بالأشواق والمحبة، المتصوفة الذين أحالوا الوجود إلى منابر ومنائر تهتف بالذكر ~~والإيمان، وإلى محاريب للركوع والسجود، المتصوفة الذين يعيشون بيننا في مملكة من صفاء ~~ونور، ابتدعوها لأنفسهم واعتصموا داخلها من تلك الغابة المسلحة؛ غابة الأحزان ~~والهموم، والبغضاء والدماء والشهوات. # وبعد؛ فإن لهم لعادتهم وتقاليدهم ورموزهم التي يعرفونها، وإن لهم لنورا يتميزون ~~به، وعطرا يعرفون بشذاه، ولا يعرف الشذى ولا يبصر النور إلا رجال الشذى ~~والنور. # | محيي الدين والحب الإلهي # الحب هو روح التصوف، وهو شعاره ودثاره، والحال المشترك بين المتصوفة جميعا، هو بداية ~~البداية، كما أنه نهاية النهاية، وكأس المحبة لديهم تكمن فيها كل الأسرار والأنوار. # والحب عند المتصوفة، لا يمكن تحديده ولا تعريفه، ولا شرح حقائقه؛ وإنما يحد باللفظ ~~فقط، ويعرف بالعرف والاصطلاح، أو كما يقول محيي الدين: «من حد الحب ما عرفه! ~~ومن لم يذقه شربا ما عرفه! ومن قال: رويت منه ما عرفه! فالحب شرب بلا ري. ~~قال بعض المحجوبين: شربت شربة فلم أظمأ بعدها أبدا. فقال أبو اليزيد: الرجل من يحسو ~~البحار، ولسانه خارج على صدره من العطش.» # وهكذا هو الحب، حنين متجدد، وشوق مستمر، وظمأ دائم لا حد له ولا غاية؛ لأنه متجدد مع ~~الأنفاس، فالشوق لا نهاية له؛ لأن أمر الحق لا نهاية له، فما من حال يبلغها المحب إلا ~~ويعلم أن وراء ذلك ما هو أتم وأوفى؛ ويقول الإمام الغزالي: «إن تبلغ الحالة تعرف ما ~~هي.» # ولكل محب من هواه على قدر همته، أو على قدر موهبته. قال الشبلي: شربت أنا ~~والحلاج من كأس واحدة؛ فصحوت وسكر، فسلك كل منا طريقا. # ولقد استمد المتصوفة أصول هذا الحب من نور القرآن الكريم؛ فالقرآن لمن يتدبره هتاف ms096 ~~حار بالمحبة الإلهية، ودعوة صريحة إلى بذل كل طيبات الحياة ، في سبيل الفوز بمحبة ~~الله. # ولقد كان الرسول - صلوات الله عليه - في مناجاته لربه يسأله الحب، ويسأله أن تكون قرة ~~عينه في الصلاة؛ وهي أسمى مراتب الوصول والمحبة: «اللهم اجعل حبك أحب الأشياء إلي، ~~وخشيتك أخوف الأشياء عندي، واقطع عني حاجات الدنيا بالشوق إلى لقائك، وإذا أقررت أعين ~~أهل الدنيا من دنياهم، فأقرر عيني في عبادتك.» # وأي مرتبة تسمو إلى مرتبة الحب الإلهي؟! يخلو المحب إلى ربه في محاريبه، يسمر بطاعته ~~ويضيء ليله بنور وجهه، ويقطع نهاره بجميل ذكره، ثم تأتي النشوة الكبرى، بالأنس ~~والرضا. # قال الجنيد: «أشرف المجالس وأعلاها: الجلوس في الجلوة، والتنسم بنسيم المعرفة، والشرب ~~بكأس المحبة من بحر الوداد.» ثم قال: «يا لها من مجالس ما أجلها! ومن شراب ما ألذه! طوبى ~~لمن رزقه.» # يقول محيي الدين: «جرت مسألة المحبة بمكة أيام الموسم، فتكلم فيها الشيوخ، وكان الجنيد ~~أصغرهم سنا، فقالوا له: هات ما عندك يا عراقي، فأطرق برأسه ودمعت عيناه، ثم قال: عبد ~~ذاهب عن نفسه، متصل بذكر ربه، قائم بأداء حقوقه، ناظر إليه بقلبه، أحرق قلبه أنوار ~~هيبته، وصفا شربه من كأس وده، وانكشف له الجبار من أستار غيبه؛ فإن تكلم فبالله، وإن ~~نطق فمن الله، وإن تحرك فبأمر الله، وإن سكن فمع الله، فهو بالله ولله ومع الله!» # ومحيي الدين يرى أن الحب سبب إيجاد العالم، ففي الحديث القدسي: «كنت كنزا لم أعرف، ~~فأحببت أن أعرف، فخلقت الخلق، وتعرفت إليهم فبي عرفوني.» فأخبر أن الحب كان سبب خلق ~~العالم، فالعالم بالحب خلق وبالحب يعيش، وقد خلقنا لنعبد الله: # وما ~~خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ~~؛ وهذا هو سر الحياة. # وما في الموجودات عند محيي الدين إلا محب ومحبوب؛ حتى السالب والموجب وهما قوام الوجود، ~~حتى ذرات الطبيعة، إنما يمسكها الحب أن تزول أو تحول، ولولا تعشق النفس للجسم ما تم ~~وجودهما، ولولا حب المعاني للكلمات ما امتزجا ولا عرفا. # فالعالم بأسره إنما يتنفس بالحب ويعيش ms097 له وبه، والكون كله يتحرك بحب موجده ومبدعه؛ ولكن ~~صور الحب خداعة، اتخذت ألوانها البراقة حجبا ومظهرا لحقيقة مضمرة، فما تنفس الحب ~~في قلب إنسان على الحقيقة لغير خالقه؛ ولكنه احتجب بحجب الصور الدنيوية بحسب المشاكلة. ~~احتجب في الجنس بصور زينب وهند وليلى، وفي الشهوات بحب الدرهم والدينار والجاه، وكل مرغوب ~~محبوب من شهوات الحياة، # زين للناس حب الشهوات من ~~النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب ~~والفضة ~~. # وللحب سببان: الجمال وهو في علاه لله، والإحسان وما ثم إحسان إلا منه، فإن أحببت ~~للإحسان، فما أحببت في الحقيقة إلا الله فإنه المحسن، وإن أحببت للجمال، فما أحببت إلا ~~الله؛ فإنه الجميل نور السموات والأرض. # ومحيي الدين يرى أن الحب ليس دعوى يلفظها اللسان ويتصورها الخيال، بل للحب آيات وشهود ~~وشروط؛ فيطلب إلى المحب أن يمسك سمعه فلا يستمع إلا لكلام محبوبه، ويغض بصره عن كل منظور ~~سوى وجه محبوبه، ويخرس لسانه عن كل كلام إلا عن ذكر محبوبه، ويرمي على خزانة خياله، فلا ~~يتخيل سوى صورة محبوبه، فبه يسمع ويبصر ويتكلم. وفي الحديث القدسي: «ما تقرب إلي عبدي ~~بمثل أداء ما افترضت، ولا يزال يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت ~~سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به.» وإذا أحب الله العبد، أوحى إلى الملك أن ~~ينادي في السموات: إن الله يحب فلانا، فأحبوه؛ فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في ~~الأرض، فتقبله البواطن وإن أنكرته الظواهر. # ثم يقول: «واعلم أنه كلما ازدادت المشاهدة ازداد الحب؛ لأن الاشتياق يهيج باللقاء، ومن ~~علامات المحب أنه يستقل الكثير من نفسه، ويستكثر القليل من محبوبه؛ لأن المحبوب غني، فقليله ~~كثير، والمحب فقير فكثيره قليل، ومن نعته أيضا: أنه يعانق طاعة محبوبه ويجانب مخالفته، ~~ومن علاماته الكبرى: أنه خارج عن نفسه بالكلية، وموافق لمحاب محبوبه، هائم القلب ~~بهواه. # خيالك في عيني وذكرك في فمي # ومثواك في قلبي فأين تغيب؟» # ثم يقول: «ولقد بلغ بي قوة الخيال أن كان حبي يجسد لي محبوبي ms098 من خارج لعيني، كما كان ~~يتجسد لرسول الله - صلوات الله عليه - فلا أقدر أنظر إليه، ويخاطبني وأصغي إليه، وأفهم عنه ~~ولقد تركني أياما لا أستطيع طعاما، كلما قدمت لي المائدة يقول لي بلسان أسمعه بقلبي: ~~أتأكل وأنت تشاهدني؟ فأمتنع عن الطعام ولا أجد جوعا، وأمتلئ حتى سمنت، فقام لي حبي مقام ~~الغذاء، وكان أصحابي وأهل بيتي يتعجبون من سمني مع عدم الغذاء؛ فقد كنت أمضي الأيام ~~الكثيرة لا أذوق طعاما، ولا أجد جوعا ولا عطشا، واعلم أنه لا يستغرق الحب المحب إلا إذا ~~كان محبوبه الحق - تعالى، ومشاهدة المحبوب كالغذاء، وكلما ازداد مشاهدة ازداد حبا. # ولمقام المحبة، أربعة ألقاب: منها الحب، وعلامته: ألا يكون للمحب غرض ولا إرادة مع ~~محبوبه. ثم الود، وهو من اسمه - تعالى: الودود، ومن علامته أن يتودد المحب للمحبوب ~~دائما بما يرضيه ويحبه. والثالث: العشق وهو إفراط المحبة، ومنه قوله - تعالى: # والذين آمنوا أشد حبا لله ~~، وقوله - تعالى: # قد شغفها حبا ~~، أي: صار حبها ليوسف على قلبها كالشغاف، ~~وهي الجلدة الرقيقة التي تحتوي على القلب؛ فهي ظرف له محيط به. والرابع: الهوى: وهو استفراغ ~~الإرادة في المحبوب والتعلق به.» # ثم يقول محيي الدين: «وألطف ما في الحب ما وجدته، وهو أن تجد عشقا مفرطا وهوى وشوقا ~~مقلقا، وغراما وتحولا، وامتناع نوم، وعدم لذة بطعام، ثم ذهولا وذهابا وفناء، ثم ~~تجليا وفيضا ولذة لا توصف.» # صفات المحبين # يقول ذو النون المصري: «إن لله عبادا ملأ قلوبهم من صفاء محبته، وأنار أرواحهم ~~بالشوق إلى رؤيته، فسبحان من شوقهم إليه، وأدنى منه هممهم! سبحان موفقهم ومؤنس ~~وحشتهم وطبيب أسقامهم! إلهي لك تواضعت أبدانهم، وإلى الزيادة منك انبسطت أيديهم؛ ~~فأذقتهم من حلاوة الفهم عنك، ما طيبت به عيشهم، وأدمت به نعيمهم؛ ففتحت لهم أبواب ~~سمواتك، وأبحت لقلوبهم الجولان في ملكوتك، بك ما نسيت محبة المحبين، وعليك معول ~~شوق المشتاقين، وإليك حنت قلوب العارفين، وبك أنست قلوب الصادقين، وعليك عكفت ~~رهبة الخائفين، وبك استجارت أفئدة المقصرين، قد يئست الراحة من فتورهم، ms099 وقل طمع ~~الغفلة فيهم، لا يسكنون إلى محادثة الفكرة فيما لا يعنيهم، ولا يفترون عن التعب والسهر، ~~ويناجون ربهم بألسنتهم، ويتضرعون إليه بمسكنتهم، يسألونه العفو عن زلاتهم، والصفح ~~عما وقع من الخطأ في أعمالهم؛ فهم الذين ذابت قلوبهم بفكر الأحزان وخدموه خدمة ~~الأبرار.» # ويعقب محيي الدين على ذي النون فيقول: «ومن صفاتهم - رضي الله عنهم - النحول، وهو نعت ~~يتعلق بأجسامهم تعلقه بأرواحهم. # فأما تعلقه بلطائفهم، فإن أرواح المحبين وإن لطفت عن إدراك الحواس، ولطفت عن تصوير ~~الخيال، فإن الحب يلطفها لطافة السراب لمعنى أذكره؛ وذلك أن السراب يحسبه الظمآن ماء؛ ~~وذلك لظمئه، لولا ذلك ما حسبه ماء؛ لأن الماء موضع حاجته، فيلجأ إليه لكونه مطلوبه ~~ومحبوبه؛ لما فيه من سر الحياة، فإذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده عوضا عن ~~الماء؛ فالمحب يجد عند كل شيء يقصده الله - سبحانه، فكما أنه - تعالى - يمكر بالعبد من ~~حيث لا يشعر، كذلك يعتني بالعبد في الالتجاء والرجوع إليه والاعتماد عليه، بقطع الأسباب ~~عنه عندما يبديها إليه من حيث لا يشعر، فيجد الله دائما عند فقد الماء المتخيل له في ~~السراب، وهو رجوعه إلى الله لما تقطعت به الأسباب، وانغلقت دون مطلوبه الأبواب، ~~ورجع إلى من بيده ملكوت كل شيء، وهو كان المطلوب به من الله، هذا فعله مع أحبائه ~~يردهم إليه اضطرارا واختيارا بقطعهم من مطامع الدنيا، وبتقطع الأسباب دونهم؛ فكل شيء ~~يطلبونه من الدنيا سراب. # وأما نحول أجسامهم فهو ما يتعلق به الحس من تغير ألوانهم، وذهاب لحوم أبدانهم؛ ~~لاستيلاء الفكر عليهم في أداء ما كلفهم المحبوب مما افترضه عليهم، فبذلوا المجهود ~~ليتصفوا بالوفاء بالعهود؛ إذ كانوا عاهدوا الله على ذلك، وعقدوا عليه في إيمانهم به ~~وبرسوله، وسمعوه يقول آمرا: # يا أيها الذين آمنوا ~~أوفوا بالعقود ~~، وقال: # وأوفوا بعهد ~~الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد ~~جعلتم الله عليكم كفيلا # فهذا سبب نحول أجسامهم. # ومن نعوتهم أيضا الذبول، وهو نعت صحيح لأرواحهم وأجسادهم: أما في أجسامهم فسببه ترك ~~ملاذ ms100 الأطعمة الشهية الدسمة، وهي مستلذة للنفوس؛ لأنهم رأوا أن الحبيب كلفهم القيام ~~بين يديه ومناجاته ليلا عند تجليه ونوم النائمين، ورأوا أن الطعام يخدر الحواس، ~~ويدفع إلى النوم، فهجروه ليكمل قيامهم بين يدي محبوبهم، فحقق الله لهم غايتهم ~~بإعانتهم على ذلك. # وأما ذبول أرواحهم، فإن لهم نعيما بالمعارف والعلوم؛ لأن لهم نسبة بحبهم إلى أرواح ~~الملأ الأعلى، وأرواح الملأ الأعلى ذابلة؛ ذلة وحبا. وفي الخبر أن إسرافيل - عليه ~~السلام - وهو من أرفع الأرواح العلوية، يتضاءل في نفسه كل يوم لاستيلاء عظمة الله - ~~تعالى - على قلبه سبعين مرة، حتى يصير كالنقطة المتوهمة. # ومن صفات المحبين: الغرام وهو الاستهلاك والفناء في المحبوب، بملازمة الذلة والكمد. ~~قال - تعالى: # إن عذابها كان غراما # أي: مهلكا؛ ~~لملازمة شهود المحبوب، فإن الغريم هو الذي لزمه الدين وبه سمي غراما، ومقلوبه ~~الرغام، وهو اللصوق بالتراب، ويقال: رغم أنفه؛ لأن الأنف يوصف بالعزة فألصقوه ~~بالتراب، وهو أذل الأذلاء. # ولما لازم الحب قلوب المحبين، والشوق قلوب المشتاقين، والأرق نفوس الأرقين، وكل صفة ~~للحب موصوفها منه، سمي صاحب هذه الملازمات كلها: مغرما، وسميت صفته غراما؛ ~~فهو اسم يعم جميع ما يلزم المحب من صفة الحب، فليس للمحب صفة أعظم إحاطة من ~~الغرام.» # ويذكر محيي الدين للمحبين أكثر من عشرين صفة، ثم يقول: «لقد أعطانا الله منها الحظ ~~الأوفر، إلا أنه - سبحانه - قوانا على أشواق الحب وكمده، والله، إني لأجد من الحب ~~ما لو وضع في ظني على السماء لانفطرت، وعلى النجوم لانكدرت، وعلى الجبال لسيرت، ~~هذا ذوقي لها؛ لكن قواني الحق فيها قوة من فضله ومنحه. # ولقد رأيت في نفسي من عجائب المحبة ما لا يبلغه وصف واصف، والحب على قدر التجلي، ~~والتجلي على قدر المعرفة، وكل من ذاب فيها وظهرت عليه أحكامها عرف قصدي هنا.» # حب العارفين # يقول محيي الدين: «إن الله - سبحانه - هو الذي بدأنا بالمحبة تفضلا منه فخلقنا، وهو ~~- تعالى - لا يخلق إلا ما أحب، ومن حبه لنا: بعث الرسل إلينا؛ لتعلمنا الأعمال ~~التي تؤدي إلى سعادتنا، ms101 ثم أخبرنا أن رحمته سبقت غضبه، وأن أشقى الأشقياء مشمول ~~بالرحمة والعناية وإلا هلك.» # قال ذو النون المصري: «كنت في الطواف فسمعت صوتا حزينا، وإذا بجارية متعلقة ~~بأستار الكعبة، وهي تقول: # أنت تدري يا حبيبي # يا حبيبي أنت تدري # ونحول الجسم والرو # ح يبوحان بسري # يا حبيبي قد كتمت ال # حب حتى ضاق صدري # قال ذو النون: فشجاني ما سمعت حتى انتحبت وبكيت، ثم سمعتها تقول: إلهي وسيدي ~~ومولاي بحبك لي، إلا غفرت لي. قال: فتعاظمني ذلك، وقلت: يا جارية، أما يكفيك أن ~~تقولي بحبي لك حتى تقولي بحبك لي؟ فقالت: إليك يا ذا النون، أما علمت أن لله قوما ~~يحبهم قبل أن يحبوه، أما سمعت الله يقول: # فسوف يأتي الله ~~بقوم يحبهم ~~، فسبقت محبته لهم قبل محبتهم له، فقلت: ومن أين ~~علمت أني ذو النون؟ فقالت: يا بطال، جالت القلوب في ميدان الأسرار فعرفتك، ثم ~~قالت: انظر من خلفك، فأدرت وجهي، فلم أدر السماء اقتلعتها أم الأرض ~~ابتلعتها.» # ويروي محيي الدين في الفتوحات صفات المحبة عند العارفين، فيقول: «إن المحبين لله ~~شق لهم عن قلوبهم، فأبصروا بنور القلوب عن جلال الله؛ فصارت أبدانهم دنيوية، ~~وأرواحهم حجبية، وعقولهم سماوية، تسرح بين صنوف الملائكة، وتشاهد تلك الأمور باليقين؛ ~~فيعبدون بمبلغ استطاعتهم حبا له، لا طمعا في جنة ولا خوفا من نار.» # ويقول ذو النون في محبة العارفين وصفاتهم: «هم الذين أنار الحب لهم آفاق السماء فلما ~~ذاقوا، أمطرت عليهم سحب الأشجان، فتسربلوا بالخوف والأحزان، وشربوا بكأس اليقين وراضوا ~~أنفسهم رياضة الموقنين، فكانت قرة أعينهم في مشاهدة محبوبهم؛ ولهذا كحلوا أبصارهم ~~بالسهر، وغضوها عن النظر، وألزموها الصبر، وأشعروها الفكر، فقاموا ليلهم أرقا، ~~واستهلت دموعهم تترى، صحبوا محبوبهم بأبدان ناحلة وشفاه ذابة، ودموع زائلة وزفرات ~~قاتلة، فكأن زفير النار تحت أقدامهم، وكأن وعيده نصب أعينهم.» # يقول محيي الدين: «والحب الإلهي هو أسمى ما في عالم المعاني؛ ولهذا يستغرق الطاقة ~~كلها، فيذهل المحب عن نفسه، ويفنى في محبوبه فناء معنويا لا يمكن تصوره، وكيف ms102 ~~نتصور ما ليس بصورة وليست للمعنويات صور؟ وهذا هو حب العارفين، الذين يمتازون به عن ~~العوام أصحاب الاتحاد الذين تخيلوا الفناء اتحادا ذاتيا لا معنويا، وتخيلهم ~~هذا دل على نقص فطرتهم. # فالمحب العارف: إنما يفنى في محبوبه فناء افتقار وذلة، ورجاء وعبودية، وحنينا ~~وشوقا مع كمال الأدب والمعرفة.» # ثم يحذر محيي الدين، ويحذر هؤلاء الذين تذهلهم بروق المحبة، أو تخدعهم بشاشات ~~القرب والأنس في بساط الحضرة، فيقول: «لا يجوز لمن نهل فوصل: ترك الحرمة عند الخدمة ~~لمن جلس على بساط الأنس والمحبة؛ فللحضرة آدابها وأذواقها، وإلا حرم فطرد. # وكلما ازداد الحب ازداد الإيمان، وعلى مقدار الحب وبه نفهم غاية الحياة وسرها والمراد ~~منها. # ما خلقنا إلا للعبادة والمحبة، فحب الله روح العبادة، وهو رجوع بالنفس إلى الفطرة، ~~وهو وفاء بعهد سابق؛ حينما أخذ العهد والميثاق على الأرواح. # وحب الله - تعالى - يحول الأرواح إلى لطائف راضية مطمئنة، لا يصدر عنها شر ولا ~~عدوان، بل رضا وإيمان، وإخاء وصفاء؛ لأنه يسمو بالإنسان إلى محبة كل شيء في الوجود، ~~فحينما يتصور الإنسان أن كل شيء في هذا الكون من صنع المحبوب، يرى الوجود خيرا وجمالا ~~وكمالا، وحينما يتصور أن أقدار الحياة من إرادة المحبوب؛ يرى كل قدر رحمة وخيرا، ~~وبركة وفضلا؛ لأن هوى المحب مع إرادة المحبوب أبدا.» # الحب ولقاء الله # يقول محيي الدين: «إن المحب في أشواق دائمة إلى ربه، فهو متبرم بالبقاء في هذا ~~الهيكل الذي يحجبه عن النقلة الكبرى إلى الدار الأخرى؛ حيث اللقاء والبقاء؛ لهذا ~~تنغصت عليه حياته الدنيا شوقا إلى ذلك اللقاء، فهو صافي العيش كدره، طيب الحياة ~~متبرم بها في نفس الأمر لا في نفسه، قد ذهب عنه كل مخلوق، وهابه كل ناظر، ذو أنس ~~بالله دائما، وقور خجول، في قلبه ذكر وتعظيم، مرآة للحق حليم، صابر محتمل، فارغ من ~~الدنيا والآخرة، لا يأسف على شيء؛ إذ لا يرى غير الله، تبكي عينه ويضحك قلبه، لا يشتغل ~~عن الحق طرفة عين، عرف ربه بربه، مهدي في أحواله، ms103 مستوحش من الخلق بحبه، جامع ~~للتجليات، مضنون به، مستور بولهه ، محبوس في المواقف رضي عن الله، ورضي الله عنه، ~~وذلك هو الفوز العظيم.» # | محيي الدين ووحدة الوجود # قمة الحب الإلهي عند العارفين من أئمة المتصوفة هي حال الفناء، فناء المحب في محبوبه ~~فناء معنويا لا يمكن تصوره، وكيف نتصور ما ليس بصورة، وليس للمعنويات صور محسوسة ملموسة، ~~وهذا هو حب العارفين - كما يقول محيي الدين - الذين يمتازون عن العوام أصحاب ~~الاتحاد. # ولقد ملأ الشعراء والأدباء، أصحاب الحب الأرضي الدنيا بألحان حبهم وصور غرامهم؛ فجعلوا ~~الحياة هي الحب، وجعلوا الحب ملكا من ملائكة السماء بل إلها وربا، وجعلوا الغرام ~~اتحادا واستغراقا وفناء، وصوروه بشتيت الصور المعنوية والحسية، وأطلقوا في آفاقه ~~استعارات المبالغة، وتشبيهات مهولة؛ فصفقوا لهم إكبارا، وأقاموا لهم التماثيل إعجابا، ~~وسجدوا وتبتلوا، في محاريبهم الشهوانية. # وقال الشعراء والأدباء من أصحاب الهوى الجنسي: إن المحب يرى محبوبه في كل شيء، ويتلون به ~~كل شيء، يراه في الماء والسماء والهواء، يراه في كأس شرابه، ويشاهده في ألوان طعامه، وفي ~~بسمة الفجر وإشراقة الشمس، وشعاع البدر. بل يراه في كل جهة يولي وجهه إليها. # يقول المترنمون بالجنس هذا؛ فتصفق لهم الدنيا إعجابا وإجلالا، وتخفق لهم القلوب رحمة ~~وحنانا، وتدمع العيون رثاء وإشفاقا. # أما العابد المتطهر، المؤمن الصوفي، الزاهد الساجد، الغارق في حبه العظيم، والمحبة على ~~قدر المحبوب، إذا استغرق الصوفي في حبه فنسي الوجود، وغاب عن الشهود، ونسي نفسه، ولم ير ~~إلا الحبيب العظيم، ولم يشاهد في الألوان والصور الكونية إلا الخالق المحبوب؛ فهو زنديق وهو ~~متفلسف! وهو هاتف بالحلول! وداع إلى وحدة الوجود! والأمر أيسر وأهون من هذا، ما هناك إلا ~~المحب والمحبوب. # إنهم لقوم عمرهم النور الإلهي الأسنى؛ فتعلقت أبصارهم به ورفرفت أرواحهم حوله، وذهلت ~~عقولهم من التجلي والمشاهدة، فما رأوا في الوجود سواه. تعالى الله. # إنهم بعين حبهم وشوقهم ليرون الله في كل شيء، هو الأول والآخر، والظاهر والباطن. # وفي كل شيء له آية # تدل على أنه الواحد # ووحدة الوجود، ms104 وفكرة الحلول فكرة إلحادية قديمة، عريقة في العبادات الهندية والبوذية ، ~~وخلاصتها: أن أصحابها انقسموا إلى فريقين: فريق يرى الله - سبحانه - روحا، ويرى العالم ~~جسما لذلك الروح، وأن الإنسان إذا صفا وتطهر، سما وارتفع فالتصق بالروح التي هي الله، ففني ~~فيها فذاق السعادة الكبرى. # وفريق يرى أن جميع الموجودات لا حقيقة لوجودها، غير وجود الله؛ فكل شيء هو الله، والله ~~هو كل شيء، أي: إن الله - سبحانه - يتجلى تجليا حقيقيا في كل شيء في الكون بذاته، فلا ~~موجود إلا الوجود الواحد، ومع ذلك يتعدد بتعدد الصور تعددا حقيقيا واقعيا في نفس ~~الأمر، ولكن ذلك التعدد لا يوجب تعددا في ذات الوجود، كما أن تعدد أفراد الإنسان لا يوجب ~~تعددا في حقيقة الإنسان. # وهي سفسطة، لا يقبلها منطق ولا عقل ولا شرع، سفسطة تذهب بالشرائع والأديان، وتنال من ~~الجلال والكمال الواجب لله - سبحانه، وتبطل الجزاء والعقاب والجنة والنار، والحياة ~~الأخروية، كما تبطل الحدود بين الخالق والمخلوق، فتجعل الخلق والخالق شيئا واحدا. # تلك هي خلاصة فكرة وحدة الوجود، التي قذف بها القدامى من خصوم المتصوفة رجال الحب ~~الإلهي، متخذين من حب المتصوفة لربهم تكأة ومقعدا لهذا الاتهام. # ثم جاء بعض رجال الاستشراق، الذين أغرموا أكبر الغرام بتجريح الثقافة الإسلامية والفكرة ~~المحمدية، بتجريح رجالها والطعن في علمائها؛ فغمسوا أقلامهم في محراب المتصوفة، ولبسوا ثوب ~~العلم بالإسلام والدفاع عنه؛ فرموا المتصوفة بهذا الإفك، والذي تولى كبره منهم هو: ~~«جولد تسهير»، هذا اليهودي المفكر، الذي فكر وفكر، ثم فكر وقدر، فألهم أن إخوان ~~الصفا بشامخ علمهم، استمدوا فلسفتهم وفكرتهم من قصة الحمامة المطوقة، في كتاب كليلة ~~ودمنة، ولا أجد لهذا الاكتشاف العظيم شبيها إلا أن تقول مثلا: إن علماء القنبلة الذرية، ~~قد استمدوا فكرتهم من قصة الزير سالم، أو الزناتي خليفة. # جولد تسهير هذا، وأمثاله من عباقرة رجال الاستشراق، هم الذين أثاروا غبار وحدة الوجود على ~~رجال التصوف الإسلامي والحب الإلهي. # وجرى في أعقابهم بعض المتعالمين من كتابنا، الذين تعيش أفكارهم على فتات الموائد ~~الأوروبية؛ فرموا ms105 بالكلم المسموم، والاتهام الشائن. # ويتفلسف المستشرقون، ويتفلسف المتعالمون، فيقولون: إن للتصوف الإسلامي علاقة وثيقة ببوذا ~~والهند، وإن وحدة الوجود عند متصوفة الإسلام من الصوفية البوذية، ولمحات من صوفية المدرسة ~~الإشراقية. # ونسوا أن التصوف الإسلامي قام على كتاب الله وهدي نبيه، وأن الصوفي المسلم يقرأ في كتاب ~~ربه: # ليس كمثله شيء وهو السميع البصير # فيقرأ خلاصة العلم الذي يتعلمه طلاب اللاهوت في سائر الملل والنحل، ويطوي تحت هذا البلاغ ~~المبين والنور الغلاب كل فلسفة تتشدق ببحث الصفات والذات. # يقول الشعراني في اليواقيت: «ولعمري، إن عباد الأوثان لم يتجرءوا أن يجعلوا آلهتهم ~~عين الله، بل قالوا: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، فكيف يظن بأولياء الله أن ~~يدعوا الاتحاد بالحق - سبحانه؟! هذا محال في حقهم - رضوان الله عليهم.» # ومحيي الدين: وهو شيخ المتصوفة الأكبر، وفيلسوفهم الأشهر، الذي رمي فيمن رمي من ~~المتصوفة بهذا الإفك تشهد كتبه، وتشهد آثاره، ويشهد إيمانه، وتشهد تقواه، وينطق حبه لله، ~~بأنه أكبر المدافعين عن التوحيد، وأشد الناس قسوة على من مرق من نطاقه، فنادى أو هتف ~~بوحدة الوجود، وما إلى وحدة الوجود من حلول وإلحاد، بل محيي الدين لا يبيح للشاطحين ~~والمحبين أن يقولوا حتى الألفاظ التي تحتمل التأويل أو الشك، مع براءة الشاطح والمحب من ~~الاتجاه والقصد. # يقول محيي الدين في عقيدته الوسطى: «اعلم أن الله - تعالى - واحد بإجماع، وقيام الواحد ~~يتعالى أن يحل فيه شيء، أو يحل هو في شيء، أو يتحد بشيء.» # ويقول في الباب الثالث من الفتوحات: «اعلم أنه ليس في أحد من الله شيء، ولا يجوز ذلك ~~عليه بوجه من الوجوه.» # وقال في باب الأسرار: «لا يجوز لعارف أن يقول: أنا الله، ولو بلغ أقصى درجات القرب، وحاشا ~~العارف من هذا حاشاه.» # وقال في الباب التاسع والتسعين ومائة: «القديم لا يكون قط محلا للحوادث، ولا يكون ~~حالا في المحدث؛ وإنما الوجود الحادث والقديم مربوط بعضه ببعض، ربط إضافة وحكم، لا ربط ~~وجود عين بعين؛ فإن الرب لا يجتمع مع عبده في ms106 مرتبة واحدة أبدا.» # وقال في لواقح الأنوار: «من كمال العرفان شهود عبد ورب، وكل عارف نفى شهود العبد في ~~وقت ما، فليس بعارف؛ وإنما هو في ذلك لوقت صاحب حال، وصاحب الحال سكران لا تحقيق ~~عنده.» # ويقول في الباب السابع والستين وثلاثمائة من الفتوحات: «اجتمعت روحي بهارون - عليه السلام ~~- في بعض المشاهدات، فقلت له: يا نبي الله، كيف قلت: # فلا تشمت ~~بي الأعداء ~~، ومن الأعداء حتى تشهدهم، والواحد منا يصل إلى مقام لا ~~يشهد فيه إلا الله؟ فقال لي هارون - عليه السلام: صحيح ما قلت في مشهدكم؛ ولكن إذا لم يشهد ~~أحدكم إلا الله؛ فهل زال العالم في نفس الأمر، كما هو في مشهدكم، أم العالم باق لم يزل، ~~وحجبتم أنتم عن شهوده؛ لعظيم ما تجلى لقلوبكم؟ فقلت له: العالم باق في نفس الأمر لم ~~يزل؛ وإنما حجبنا نحن عن شهوده، فقال: قد نقص علمكم بالله في ذلك المشهد، بقدر ما نقص من ~~شهود العالم، فإنه كله آيات الله. فأفادني - عليه السلام - علما لم يكن عندي.» # هذا موقف من المواقف التي يجب أن نقف لديها ونرصد الفكر عليها؛ لأنه موقف يشرع لنا أدق ~~مسألة في التصوف، هي مسألة المشاهدة والتجلي، والفناء والذهاب بالحق عن الخلق، أو كما يقول ~~الجنيد: من شهد الحق لم ير الخلق. # فالمتصوف المحب الغارق في حبه، عند المشاهدة - وما أدراك ما المشاهدة؟! - يذهب عنه شهود ~~الخلق والعالم؛ لعظيم ما تجلى لقلبه من أنوار ربه، وهو موقف عظيم رهيب. # ولكن ليس معنى هذا، أن العالم قد زال أو تلاشى، أو عدمت عينه وذاته؛ وإنما هو ذهول بما هو ~~أعلى عما هو أدنى، كمن يشاهد الملك مثلا؛ فيذهل عند رؤيته عن رؤية ما سواه، فلا ~~يرى غيره؛ لأن جلاله قد حجب من حوله، ولا قياس ولا تشبيه بين المثلين. # وليس في هذا ما يعاب، فهو موقف عظيم من مواقف الرجال؛ ولكن الكمال يكون أتم وأعلى إذا ~~اقترنت مشاهد الأنوار الربانية مع الموجودات الكونية؛ لأن كل موجود آية من ms107 آيات الله، ~~فالحجاب عنها حتى عند المشاهدة العظمى: نقص في المعرفة. # ويشرح لنا محيي الدين الحديث القدسي المشهور: «ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما ~~افترضت، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي ~~يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها ... إلخ.» # يشرح محيي الدين هذا الحديث، الذي توهم فيه بعض الأغرار ما يفيد الوحدة، فيقول: «أي: إن ~~من تقرب إلى ربه فأحبه، أفاض عليه أنوار المعرفة، فانكشفت له الحقائق، فرأى كل شيء بنور ~~هذه المعرفة.» ثم يقول: «لا حلول ولا اتحاد، فإن القول بالحلول مرض لا يزول، ومن فصل ~~بينك وبينه فقد أثبت عينك وعينه، ألا ترى إلى قوله: كنت سمعه الذي يسمع به، فأثبتك ~~بإعادة الضمير إليك؛ ليدلك عليك، وما قال بالاتحاد إلا أهل الإلحاد، كما أن القائل بالحلول ~~من أهل الجهل والفضول.» # ما قال بالاتحاد إلا أهل الإلحاد، وما قال بالحلول إلا أهل الجهل والفضول. أيرمى صاحب ~~هذا القول بالاتحاد والحلول؟! سبحانك ربي! وإنها لا تعمى الأبصار، ولكن تعمى القلوب التي في ~~الصدور! # ويقول في باب الأسرار: «أنت أنت، وهو هو، فإياك أن تقول، كما قال العاشق: # أنا من أهوى ومن أهوى أنا # فهل قدر هذا أن يرد العين واحدة؟ لا والله ما استطاع، فإنه جهل، والجهل لا يتعقل ~~حقا.» # وقال أيضا: «إياك أن تقول: أنا هو، وتغالط؛ فإنك لو كنت هو لأحطت به، كما أحاط - تعالى ~~- بنفسه.» # ثم يقول هو من الآيات في توضيح فكرته: «اعلم أن العاشق إذا قال: # أنا من أهوى ومن أهوى أنا # كان ذلك كلاما بلسان العشق والمحبة، لا بلسان العلم والتحقيق؛ ولذلك يرجع أحدهم عن هذا ~~القول إذا صحا من سكره.» # إذا قال القائل: # أنا من أهوى ومن أهوى أنا # فهذا لسان الحب، ولسان الخيال لا الحقيقة، لسان المعنويات التي لا صور لها، وللمحبة لسان ~~معذور؛ لأنه مقهور بحاله. # يروي محيي الدين في الفتوحات: «إن سليمان - صلوات الله عليه - كان في قبته يوما، ms108 وفي ~~أعلاها عصفور يناجي عصفورة، فقال لها: أنا أحبك حبا لا أعصي لك معه أمرا، حتى لو قلت ~~لي: حطم هذه القبة على رأس سليمان لحطمتها عليه، فأمره سليمان أن يهبط، فلما هبط قال له: ~~ماذا تقول؟ قال: يا نبي الله، لقد تكلمت بلسان المحبة، وألسنة المحبين لا حساب عليها؛ ~~فتبسم سليمان وعفا عنه ...» # ويقول محيي الدين في الباب الثاني والتسعين ومائتين: «من أعظم الأدلة على نفي الحلول ~~والاتحاد، الذي يتوهمه بعضهم: أن تعلم عقلا أن القمر ليس فيه من نور الشمس شيء، وأن الشمس ~~ما انتقلت إليه بذاتها؛ وإنما كان القمر محلا لها ومشرقا بها؛ فكذلك العبد ليس فيه من ~~خالقه شيء ولا حل فيه.» # ثم يقول: «وهذا يدلك على أن العالم ما هو عين الحق، ولا حل فيه الحق؛ إذ لو كان عين ~~الحق، أو حل فيه، لما كان - تعالى - قديما ولا بديعا.» # ثم يرد محيي الدين على هؤلاء الذين تنادوا بالترقي والفناء في الذات العلية، فيقول: «لو ~~صح أن يرقى الإنسان عن إنسانيته، والملك عن ملكيته، ويتحد بخالقه - تعالى - لصح ~~انقلاب الحقائق، وخرج الإله عن كونه إلها، وصار الحق خلقا، والخلق حقا! وما وثق أحد ~~بعلم، وصار المحال واجبا؛ فلا سبيل إلى قلب الحقائق أبدا.» # ويقول في الباب الثامن والأربعين من الفتوحات: «لا يصح أن يكون الخلق في مرتبة الحق - ~~تعالى - أبدا، كما لا يصح أن يكون المعلول في رتبة العلة.» ثم يقول: «وأين إذن تذهب ~~التكاليف؟ ومن ترك التكاليف كان معاندا أو جاحدا؛ فمن كمال التخلق بأسماء الحق ~~الاشتغال بالله وبالخلق.» # ويقول في لواقح الأنوار: «لا يقدر أحد ولو ارتفعت درجات مشاهدته أن يقول: إن العالم عين ~~الحق أو اتحد به أبدا، ومن فهم ما أومأنا إليه، فهم معنى قوله - تعالى: # قل الروح من أمر ربي ~~، فلم يحدث بابتداعه العالم في ~~ذاته حادث. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا!» # ثم يأتي محيي الدين بكلمة الفصل فيقول: «وبالجملة فالقلوب به - تعالى - هائمة، والعقول ~~فيه حائرة، يريد العارفون ms109 أن يفصلوه - تعالى - بالكلية عن العالم من شدة التنزيه فلا ~~يقدرون، ويريدون أن يجعلوه عين العالم من شدة القرب، فلا يتحقق لهم؛ فهم على الدوام ~~متحيرون: فتارة يقولون: هو، وتارة يقولون: ما هو، وتارة يقولون: هو ما هو! وبذلك ظهرت ~~عظمته - تعالى.» # وهذا كلام العارف الحكيم، المؤمن الكامل، وهو هدى ونور لمن يريد الهدى والنور. # يريد العارفون أن يفصلوه - سبحانه وتعالى - عن العالم من شدة التنزيه فلا يقدرون، ويريدون ~~أن يجعلوه عين العالم من شدة القرب، فلا يتحقق لهم ما يقولون. # فالقلوب حائرة، والعقول هائمة، وبذلك ظهرت عظمة الله - تعالى - الذي ليس كمثله شيء، والذي ~~لا تدركه العقول ولا الأبصار، وهو يدرك العقول والأبصار، وهو على كل شيء قدير، و # سبحان ربك رب العزة عما يصفون ~~. # محيي الدين المفترى عليه # لم يشهد تاريخ الفكر الإسلامي جدلا وحوارا، أشد ولا أعنف من الجدل والحوار الذي ~~أثير حول محيي الدين، ولست أغالي إذا قلت: إن محيي الدين هو الراية التي دارت حولها ~~المعارك بين المتصوفة وخصومهم من شتيت الفرق والطوائف والمذاهب، منذ القرن السابع ~~الهجري إلى يومنا. # فمحيي الدين، قد فتن به قوم وهاموا بآثاره حبا وغراما، وطافوا حول تراثه إجلالا ~~وإكبارا، وتنادوا بأن الفتوحات هي أعظم آثار الفكر الإسلامي، وأعلى ذرى العطايا ~~اللدنية، والمنح الإلهية في نهج التصوف والمتصوفة، وأنه القطب والغوث والإمام والشيخ ~~الأكبر. # وغضب قوم على محيي الدين، وثاروا به وتفننوا في تجريحه والنيل منه، وألحدوا بكل ما ~~قال وظنوا السوء، بل وأكثر من السوء في كتبه وآرائه. # وخصوم محيي الدين على لونين؛ ففريق لم يفهم محيي الدين، وقصرت أجنحته عن التحليق في ~~آفاقه، وعجزت أقدامه وسواعده عن الجري مع عبابه وأمواجه؛ فأنكر وجحد، ورماه بالغموض ~~والإبهام والتقنع لمآرب وأغراض. # وفريق آخر أنكر التصوف جملة، وجحد المتصوفة كافة، ورأوا في محيي الدين الحصن الأكبر ~~والصرح الممرد الشاهق للتصوف والمتصوفة؛ فوجهوا ريحهم إليه، وأجروا سفنهم بالكيد ~~له، والتطاول عليه؛ حتى ينتقض الصرح من أساسه، وينفض السامر، وتخلو ساحاته من البطل ms110 ~~والزعيم. # بل لقد تعرض محيي الدين لمحنة أشد، بل لمؤامرة من تلك المؤامرات التي تدبر تحت أجنحة ~~الظلمات، والتي طالما أودت بالعلماء ورجال الإيمان، وطالما جرحت أئمة الفكر والهدى، ~~مؤامرة بدأت في حياته، ثم جرت في أعقابه ولاحقته إلى يومنا. # يقول الشعراني في مقدمة اليواقيت: «إن أفاقا من أهل اليمن غير واضح العقيدة، اسمه ~~ابن الخياط، كتب مسائل في درج وأرسلها إلى العلماء بسائر أنحاء العالم الإسلامي، وقال: ~~هذه عقائد الشيخ محيي الدين. وذكر فيها عقائد زائفة، ومسائل خارقة لإجماع المسلمين، ~~وخدع العلماء ووقع كثير منهم في الشرك، فكتبوا بحسب السؤال وشنعوا على من يعتقد ~~ذلك من غير تثبت، والشيخ عن ذلك بمعزل.» # ويعقب الفيروز آبادي على حادثة ابن الخياط قائلا: «فلا أدري أوجد ابن الخياط ~~تلك المسائل في كتاب مدسوس على الشيخ، أو فهمها هو من كلام الشيخ على خلاف مراده، أو ~~ابتكرها من عند نفسه؟» # وإنه للون من أعجب ألوان التشهير، يتفق تماما مع أحدث أساليب الدعاية الحديثة، وما ~~ألفناه من الأقلام المأجورة المعاصرة، التي تطلقها الأمم لتنال من خصومها، ومن ~~أفكارهم ومذاهبهم، بالتلفيق والاختراع والتمويه. # ولا عجب إذا رأينا الكثير من العلماء الذين وجه إليهم السؤال من ابن الخياط، وقد ~~وقعوا في الشرك الذي نصب لهم بمهارة ودهاء؛ فقد رأوا بين أيديهم مسائل خطيرة تمس ~~الدين، وما انعقد عليه الرأي بالإجماع؛ فملئوا الدنيا صياحا وتشهيرا، ولا يزال صياحهم ~~وتشهيرهم تحمله أجنحة التاريخ، وتقذف به إلى الأذهان. # ويحدثنا الشعراني أيضا، فيقول: «إنه عندما أخذ في تأليف مختصر للفتوحات، رأى فيها ~~أشياء كثيرة، لا تتفق مع ما عليه أهل السنة والجماعة؛ فحذفها وتوقف فيها.» ثم ~~يقول: «لم أزل كذلك أظن أن المواضيع التي حذفتها غير ثابتة عن الشيخ محيي الدين، حتى ~~قدم علينا الأخ العالم الشريف الشيخ شمس الدين محمد بن السيد أبي الطيب المدني، ~~المتوفى سنة 955ه، فذاكرته في ذلك، فأخرج لي نسخة من الفتوحات التي قابلها على ~~النسخة التي عليها خط الشيخ محيي الدين نفسه «بقونيه»؛ فلم ms111 أر فيها شيئا مما توقفت ~~فيه وحذفته؛ فعلمت أن النسخ التي في مصر الآن كلها كتبت عن النسخة التي دسوا على ~~الشيخ فيها ما يخالف عقائد أهل السنة والجماعة، كما وقع له ذلك في كتاب الفصوص ~~وغيره.» # والشعراني وهو من أخلص تلامذة محيي الدين، وهو من أكبر من كتبوا عنه وترجموا له، ~~يقرر هنا في صراحة لا تقبل الجدل: أن كل ما في الفتوحات مخالفا لعقائد أهل السنة ~~والجماعة، قد دس على محيي الدين، وأن محيي الدين ضحية لمؤامرة دنيئة، سلاح الخصوم ~~فيها: التلفيق والتزييف. # ويتابع الشعراني بحثه فيقول: «إنه لمقتنع كل الاقتناع بأن خصوم محيي الدين أضافوا ~~إلى مؤلفاته زيادات كبيرة وأنطقوه بما لم يقله؛ ليصرفوا الجمهور عن حسن الظن ~~به.» # ونحن ولا شك أمام حادث خطير من أحداث التاريخ، يجب أن تجتمع له عصبة من أولي القدرة ~~والإيمان لدراسته وبحثه، وصون هذا التراث الإسلامي العظيم من التشويه الزائف الخطير ~~المتعمد. # ويرى كثير من رجال التاريخ وأهل الرأي: أن الزائف في الفتوحات والفصوص وغيرهما من كتب ~~محيي الدين، لم يتوله خصومه من رجال الفقه ولا من أهل السنة؛ وإنما تولى أثمه ~~بعض رجال الباطنية، الذين عجزوا عن الجهر بآرائهم، فأضافوها إلى محيي الدين؛ لإيمانهم ~~بأن شخصيته الجبارة بمكانتها وجلالها كفيلة بحماية تلك الآراء، أو تدعيمها ~~وتقويتها. # والتاريخ حافل الصفحات بألوان من الخصومات والافتراءات على الرجال والأئمة، بل وعلى ~~الرسل والأنبياء. # يقول جلال الدين السيوطي: «ما كان كبير في عصر قط إلا كان له عدو من السفلة؛ إذ ~~الأشراف لم تزل تبتلى بالأطراف.» ثم يضرب الأمثال من الأنبياء والرسل - صلوات الله ~~عليهم - الذين ابتلوا بالخصومات والافتراءات، ثم بكبار الصحابة، كسعد بن أبي وقاص الذي ~~نسب إليه أهل الكوفة أنه لا يحسن الوضوء ولا الصلاة، وهو من هو في كماله وإيمانه! ~~وأحمد بن حنبل الذي ضرب حتى مزق جسده، وهكذا، ثم يقول: «ولقد اختص المتصوفة ~~بالنصيب الأكبر من هذا الابتلاء.» # والسيوطي هنا يقرر حقيقة من حقائق التاريخ التي لا يرقى إليها ms112 الشك، فما من صوفي ~~إلا وأحاطت به عصبة السوء والإفك، تجريحا وتشهيرا، ودسا وافتراء، لقد نفوا ~~البسطامي سبع مرات من بلده بتهمة الكفر والزندقة، وأحلوا دم ذي النون المصري، وشهدوا ~~على الجنيد بالكفر والإلحاد، ودسوا على الغزالي في الإحياء عدة مسائل، تنبه لها ~~القاضي عياض؛ فأرشد إليها وأمر بإحراقها. # ولم يكتف خصوم محيي الدين بالدس عليه في كتبه والتشهير بألسنتهم به، بل أضافوا إلى ~~جريمتهم جريمة أخرى أشد وأنكى، فقد أخذوا يؤلفون على ألسنة شيوخ الإسلام الكلمات ~~القاسية الجارحة الموجهة إلى محيي الدين؛ ليزيدوا في تدعيم مؤامرتهم، وليزيدوا ~~النار اشتعالا. # ووقع كثير من رجال التاريخ فريسة سهلة لهذا اللون الجديد؛ فأخذوا يرددون أمثال هذه ~~الافتراءات، وينسبونها إلى هؤلاء الأعلام، ولا عجب في هذا، فكتب التفسير مثلا تموج ~~موجا بالإسرائيليات التي تنسب ظلما إلى ابن عباس - رضي الله عنه - وهو منها البريء ~~المطهر، ولقد نسبوا فيما نسبوا إلى شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام أنه قال عن ~~محيي الدين: إنه زنديق! ورواها عنه أكثر من مؤرخ، ثم نرى كتب التاريخ الصحاح تقص علينا ~~حادثة أبعد ما تكون عن الرواية الأولى، على لسان مريد من تلامذة شيخ الإسلام يقول: كنا ~~في مجلس الدرس بين يدي الشيخ عبد السلام، فجاء في باب الردة لفظة زنديق. فقال بعضهم: هل ~~هي عربية أم أعجمية؟ فقال بعض الفضلاء: إنما هي فارسية معربة أصلها «زن. دين» أي: ~~على دين المرأة، وهو الذي يضمر الكفر ويظهر الإيمان. فقال بعضهم: مثل من؟ فقال آخر ~~إلى جانب الشيخ: مثل ابن عربي بدمشق؛ فلم ينطق الشيخ ولم يرد عليه، ووجم لها من في ~~المجلس. # قال المريد: وكنت صائما ذلك اليوم، فاتفق أن الشيخ دعاني للإفطار معه، فحضرت ووجدت ~~منه إقبالا ولطفا. فقلت له: يا سيدي، هل تعرف القطب الغوث الفرد في زماننا؟ فقال: ما ~~لك ولهذا؟ فعرفت أنه يعرفه؛ فرجوته وألححت في الرجاء، فقال لي: هو ابن عربي؛ فعجبت ~~وقلت: يا سيدي، لقد حدث اليوم أن رماه بعضهم في مجلسك ms113 بالزندقة ولم ترد عليه! فتبسم ~~الشيخ وقال: اللجاجة مع المتعنت لا تنتج إلا ضررا، وقائل تلك الكلمة: لجوج حقود، ~~يريد بابا للجدل؛ حتى يفرغ ما في جوفه. # النبي والولي # وخصوم ابن عربي على لونين: لون صناعته الدس وسوء القصد، وقد توصلوا إلى أغراضهم ~~بتزييف الآراء على ألسنة الأئمة والعلماء، وتزييف القول وبثه في كتب محيي الدين، كما ~~حدث في الفتوحات والفصوص والمشاهد، وقد تنبه رجال التصوف كالشعراني، والمؤرخين الثقات ~~كالفيروز آبادي، وصاحب نفح الطيب إلى ذلك. # والفريق الآخر: خصومته أساسها سوء الظن، أو سوء الفهم لكلمات محيي الدين. يقول ~~الشعراني: سمعت سيدي عليا الخواص يقول: «لو أن كمال الدعاة إلى الله - تعالى - كان ~~موقوفا على إطباق الخلق على تصديقهم؛ لكان رسل الله - صلوات الله عليهم - أولى بذلك، ~~وقد خاصمهم الناس فريقا يقتلون، وفريقا يأسرون ويكذبون.» # ولقد صدق الخواص، فحتى الرسل لم تسلم دعوتهم الربانية من المؤولين والمكذبين. # ومن الأمور التي نسبت إلى محيي الدين عن طريق التأويل أو سوء الفهم مسئلة المفاضلة ~~بين النبي والولي، فلقد هتف المرجفون بأن محيي الدين قد فضل الولي على النبي، وأنه ~~قال: إن النبي للعامة، والأولياء للخاصة. # وهو افتراء، أو سوء فهم من أعجب الأعاجيب، فمحيي الدين لم يقل هذا، ولا ينبغي له ~~أن يقوله، ولا يمكن أن يصدر منه. # محيي الدين الذي اتهم بأنه سما بمقام النبوة المحمدية سموا اعتبروه عيبا من ~~عيوبه، حتى رموه بالغلو، كما غالى رجال المسيحية في عيسى، حتى أوشكوا أن يخرجوه من ~~بشريته، بل لقد فعلوها. # محيي الدين الذي عيب عليه هذا، يرمى بأنه يفضل الولي على النبي! ومن عجب أن ~~يتهم رجل بمتناقضين في وقت واحد. # وحقيقة الأمر: أن محيي الدين يرى أن الولي كلمة اصطلاحية تضم كل الرسل والأنبياء؛ ~~فالرسول عنده ولي عهد إليه في تبليغ رسالة عن الله - سبحانه، والنبي ولي متميز عن غيره ~~من الأولياء، مفضل بسبب خصوصيته بالنبوة؛ فالولاية هي أساس كل المقامات الروحية ~~وعنصرها الأول، ولا يسمو الولي سمو النبي والرسول أبدا، ms114 فكل نبي أو رسول هو في الأصل ~~ولي لله، وليس كل ولي نبيا أو رسولا. # وإنما المفاضلة بين الولاية في النبي والنبوة، أي الفضيلتين أفضل وأدوم؟ يقول ابن ~~عربي: «إن النبوة طارئة وإن الولاية دائمة، فولاية النبي - لا ولاية غيره - أفضل من ~~نبوته؛ لأنها أدوم وأسبق.» فالكلام إذن منصب على رسالة النبي وولايته، لا على ~~المفاضلة بينه وبين غيره في النبوة والولاية. # | المتشابهات في كلام محيي الدين # للصوفية اصطلاحات ورموز، ولغة اختصوا بها، فإذا اختلف في معانيها، يجب أن ترد إلى ~~أصحابها وأولي العلم بأسرارها. يقول محيي الدين: «اعلم أن أهل الله لم يضعوا الإشارات التي ~~اصطلحوا عليها فيما بينهم لأنفسهم؛ فإنهم يعلمون الحق الصريح في ذلك؛ وإنما وضعوها منعا ~~للدخيل؛ حتى لا يعرف ما هم فيه؛ شفقة عليه أن يسمع شيئا لم يصل إليه، فينكره على أهل الله ~~فيعاقب.» # ويقول: «إن من أعجب الأشياء في الطريق أن ما من طائفة تحمل علما من المنطقيين والنحاة، ~~وأهل الهندسة والحساب والمتكلمين، إلا ولهم اصطلاح لا يعلمه الدخيل فيهم إلا بتوقيف منهم ~~إلا أهل هذا الطريق، فإن المريد الصادق إذا دخل طريقهم وما عنده خبر بما اصطلحوا عليه، وجلس ~~معهم وسمع ما يتكلمون به من الإشارات، فهم جميع ما تكلموا به، حتى كأنه الواضع لهذه ~~المصطلحات.» # ويقول مجد الدين الفيروز آبادي: «كما أعطى الله الكرامات للأولياء، أعطاهم من العبارات ما ~~يعجز عن فهمه فحول العلماء.» # ويقول محيي الدين: «كثيرا ما يهب على قلوب العارفين نفحات إلهية، فإن نطقوا بها ~~جهلهم من لا يعلم، وردها عليهم أصحاب الأدلة من أهل الظاهر، وغاب عنهم أن الله - ~~تعالى - كما أعطى أولياءه الكرامات، أعطاهم العبارات المعجزة.» # لكل علم من العلوم اصطلاحاته الفنية، ولغته الخاصة؛ فيجب الإحاطة أولا بلغة التصوف ~~ورموزه، قبل الجحود والإنكار. # يقول محيي الدين: «من لم يقم بقلبه التصديق لما يسمعه من كلام هذه الطائفة فلا يجالسهم، ~~فإن مجالسهم سم قاتل.» # يحذر محيي الدين من سوء الفهم، أو سوء التأويل لكلمات العارفين، الذين أوتوا ms115 ~~الكرامات، كما أوتوا الكلمات المعجزة، والرقائق الغالية، والدقائق المشرقة. # وسوء الفهم ، وسوء التأويل، هو الذي دفع بالكثير من رجال الفكر إلى مخاصمة محيي الدين ~~والصياح به، والإنكار عليه، ولو ردوا ما أنكروه إلى أهله ورجاله، لعرفوا اليقين، ولمسوا ~~النور المبين. # ومن تلك المتشابهات في كلام محيي الدين: أنهم نسبوا إليه وحدة الوجود، ونسبوا إليه أنه ~~جعل الحق والخلق شيئا واحدا؛ حين قال: # فيحمدني وأحمده # ويعبدني وأعبده # يقول الشعراني: «هذا منطق عربي مبين، على نهج الأسلوب القرآني، وعلى صحة نسبة هذا القول ~~إليه، فمعنى يحمدني: أنه يشكرني إذا أطعته، كما في قوله - تعالى: # فاذكروني أذكركم ~~. وأما قوله: «ويعبدني وأعبده» أي: يطيعني بإجابته ~~دعائي، كما في قوله - تعالى: # لا تعبدوا الشيطان # أي: ~~لا تطيعوه، وإلا فليس أحد يعبد الشيطان كما يعبد الله - سبحانه.» # ومن المتشابهات أيضا عنده، والتي فسرها هو بنفسه، وعلى ضوء هذا التفسير يمكننا أن ~~نمسك بمفتاح محيي الدين، الذي يرشد إلى إدراك حقيقة معانيه وحقيقة ألفاظه، أو حقيقة نهجه ~~الذي تميز به، كما تميز كل كاتب بأسلوبه وتراكيبه. قال محيي الدين: # يا من يراني ولا أراه # كم ذا أراه ولا يراني # فسأله بعض صحبه لما سمع هذا البيت: كيف تقول: إنه لا يراك وأنت تعلم أنه يراك؟ فقال محيي ~~الدين على البديهة فورا: # يا من يراني مجرما # ولا أراه آخذا # كم ذا أراه منعما # ولا يراني لائذا # قال المقري، صاحب نفح الطيب؛ تعقيبا على هذا القول: «من هذا وشبهه تعلم أن كلام الشيخ ~~- رحمه الله - مؤول وأنه لا يقصد ظاهره؛ وإنما له محامل تليق به؛ فأحسن الظن به، بل ~~اعتقد، وللناس في هذا المعنى كلام كثير، والتسليم أولى، والله بكلام أوليائه أعلم.» # ذلك قول المؤرخ العظيم المقري، صاحب نفح الطيب، في وجوب الفهم والتذوق أولا، ثم حسن ~~الظن وجمال التسليم؛ لأن لكلام العارفين الكمل محامل تليق به وتليق بهم، ورضوان الله على ~~العارف القائل: # تركنا البحار الزاخرات وراءنا # فمن أين يدري الناس أين توجهنا # ولقد ذهب خصوم محيي الدين ms116 الذين ملئوا الدنيا حوله صياحا في حياته، ولاحقوه في تاريخه، ~~ذهبوا وبقي محيي الدين؛ لأن الحق يبقى، وما كان خصومه بالنسبة إليه - كما قيل - بأكبر من ~~ناموسة نفخت على جبل تريد إزالته، وتذهب الرياح بأمم من الناموس، وتبقى الجبال شوامخ ~~راسيات، يثبت الله بها الأرض، وينفع بها الناس، وتتدفق منها الكنوز والخيرات. # | المستشرقون ووحدة الوجود # يقول العلامة «ليوبولد قايس» النمسوي الذي أسلم، وتسمى باسم: «محمد أسد» في كتابه ~~الإسلام على مفترق الطرق: «قد لا تقبل أوروبا تعاليم الفلسفة البوذية أو الهندوكية، ولكنها ~~تحتفظ دائما فيما يتعلق بهذين المذهبين بموقف عقلي متزن، إلا أنها حالما تتجه إلى الإسلام ~~يختل التوازن، ويأخذ الميل العاطفي بالتسرب حتى إن أبرز المستشرقين الأوروبيين، جعلوا من ~~أنفسهم فريسة للتحزب غير العلمي في كتابتهم عن الإسلام.» # ثم يقول: «إن بعض المستشرقين يمثلون مع الإسلام دور المدعي العام، الذي يحاول دائما ~~إثبات الجريمة.» # إلى أن يقول: «وعلى الجملة فإن طريقة الاستقراء والاستنتاج التي يتبعها أكثر المستشرقين، ~~تذكرنا بوقائع دواوين التفتيش، تلك الدواوين التي أنشأتها الكنيسة الكاثوليكية لخصومها في ~~العصور الوسطى، أي: إن تلك الطريقة لم يتفق لها أبدا أن نظرت في القرائن التاريخية بتجرد، ~~ولكنها كانت في كل دعوى تبدأ باستنتاج متفق عليه من قبل، قد أملاه عليها تعصبها ~~لرأيها، ويختار المستشرقون شهودهم حسب الاستنتاج الذي يقصدون أن يصلوا إليه مبدئيا، وإذا ~~تعذر عليهم الاختيار العرفي للشهود، عمدوا إلى اقتطاع أقسام من الحقيقة التي شهد بها ~~الشهود الحاضرون، ثم فصلوها من المتن، أو تأولوا الشهادات بروح غير علمي من سوء ~~القصد. # وليست نتيجة تلك المحاكمة سوى صورة مشوهة للإسلام، وللأمور الإسلامية، تواجهنا في جميع ما ~~كتبه مستشرقو أوروبا.» # تلك شهادة من أهلها، شهادة عالم عالمي، بدأ حياته مستشرقا يفكر بتفكير رجال الاستشراق، ~~وينظر بنظرتهم إلى الإسلام والمعارف الإسلامية، حتى أنقذه الله فهداه إلى الإسلام وكلمة ~~الحق. # كلمة يشهد لها الواقع، تشهد لها تلك الكتب المتلاحقة المتتابعة التي يقذف بها رجال ~~الاستشراق في وجه العالم الإسلامي ومحورها الإسلام والمعارف ms117 الإسلامية، ظاهرها البحث العلمي ~~الحديث الذي يقوم على الاستقراء والاستنتاج، وباطنها تجريح الإسلام والنيل منه. # فرجال الاستشراق كما يقول «ليوبولد» تحدوهم دائما روح صليبية يمثلون مع الإسلام - ~~والإسلام وحده - دور المدعي العمومي الذي يحاول دائما إثبات الجريمة! # دور محاكم التفتيش، التي تبدأ المحاكمة باستنتاجات متفق عليها من قبل، وبشهود مدربين ~~مأجورين، وحتى إذا أخطأ الشاهد، فنطق بكلمة حق؛ فلا بد من تأويل تلك الكلمة لتجنح إلى الهدف ~~المرسوم المحدد. # ورجال الاستشراق، خصوم للإسلام بصفة عامة، وللتصوف الإسلامي بصفة خاصة. # لأنهم علموا عن معرفة: أن التصوف هو قلب الإسلام الحي، وفلسفته المؤمنة المبصرة، هو ~~المصباح الذي يضيء للقلوب المحمدية الطريق إلى خالقها؛ فقالوا كما قال المشركون من قبل: # لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم ~~تغلبون ~~. # عبث رجال الاستشراق بمحاريب التصوف عبثا علميا خبيثا متعمدا، فتنادوا أول ما ~~تنادوا - باسم الاستنتاج العلمي الحر - بأن التصوف ليس من الإسلام؛ لأن الإسلام لا يعرف ~~الروحانية، كما لا يعرف المثالية والترفع عن ماديات الحياة؛ وإنما هو وليد يمت بنسب ~~صريح إلى البوذية الهندية، وبنسب صريح أيضا إلى الفلسفة الإشراقية اليونانية، وبنسب ~~صريح للمرة الثالثة إلى الروحانية المسيحية، وإلى شخصية المسيح بالذات. # واستدلوا على دعواهم بأدلة أقرب إلى العبث والفكاهة، منها إلى مناهج العلماء، ورجال ~~الفكر؛ وما قيمة الدليل إذا كان المدعي العمومي، قد أضمر الحكم سلفا؟ # فالمستشرق اليهودي «جولد تسهير» مثلا، يبرهن في كتابه «العقيدة والشريعة في الإسلام» # 1 ~~- على صلة التصوف الإسلامي بالبوذية الهندية، بقول أبو العتاهية الشاعر: # يا من ترفع للدنيا وزينتها # ليس الترفع رفع الطين بالطين # إذا أردت شريف الناس كلهم # فانظر إلى ملك في زي مسكين # ثم يقول: أو ليس هذا هو بوذا؟ # هذا منطقهم، وتلك أدلتهم ...! # فإذا انتهى رجال الاستشراق من نشأة التصوف، ونسبتها العجيبة إلى كل دين في الأرض سوى ~~الإسلام، عمدوا إلى تشويه أئمة رجال التصوف؛ تشويها عجبا، إنهم ليرمونهم بالكفر، وبماذا ~~يكفرون؟ إنهم يكفرون بالإسلام، الإسلام الذي يدافع عنه رجال الاستشراق المؤمنون ~~البررة، من يهود ومسيحيين! ms118 # ثم تتضخم التهمة وتكبر مع الزمن، حتى يجعلوا من رجال التصوف الإسلامي زنادقة فجرة، ~~يلحدون في ذات الله - تعالى - بجعلهم الحق والخلق شيئا واحدا! تعالى الله عما يقولون ~~علوا كبيرا. # نيكولسون ووحدة الوجود # والمستشرق نيكولسون عميد المستشرقين الأكبر، هو قارع طبل تلك الفرية الكبرى، ومن عجب ~~أنه أوقف طبوله الضخمة المرعدة على محيي الدين، ومحيي الدين وحده من دون رجال التصوف ~~الإسلامي. # يقول الدكتور عفيفي في مقدمته لكتاب «في التصوف الإسلامي» الذي ترجمه عن ~~نيكولسون: ~~«وقد نفى نيكولسون القول بوحدة الوجود، حتى عن الحلاج الذي أثر عنه قوله: «أنا ~~الحق.» وعن عمر بن الفارض الذي أثر عنه قوله: «أنا هي.» أي: الحقيقة الإلهية، بل عن ~~أبي يزيد البسطامي الذي أثر عنه قوله: «سبحاني ما أعظم شأني.» # لأن هذه الكلمات جميعها، قد قيلت في حالة جذب روحي، لا عن فكرة فلسفية أصيلة؛ لأن ~~مذهب وحدة الوجود لم يظهر في التصوف الإسلامي إلا منذ زمن ابن عربي؛ لأنه وحده بطل تلك ~~الفكرة.» # وكأنما عز على نيكولسون أن يجرح التصوف الإسلامي وحده، بتجريح شيخه الأكبر؛ فرمى ~~بتهمة وحدة الوجود على رجال الكلام الإسلاميين بأعجب دليل في عالم الفكر. # يقول نيكولسون في كتابه «في التصوف الإسلامي» # 2 ~~- عند حديثه عن فكرة الشخصية في التصوف: «حالة الوجد أو الفناء الصوفي، ~~تتضمن أمرين متناقضين: الأول: تنزيه الله عن جميع صفات الخلق، والثاني: الشعور بأن ~~وجوده سار متغلغل في جميع الخلق، وكل من هذين الطرفين يؤدي إلى القول بوحدة الوجود من ~~طريق يخالف طريق الآخر، فإن القول بوحدة الوجود في التصوف الإسلامي يرجع إلى عاملين: ~~الأول: شعور الصوفي في حال وجده بأنه متحقق بالوحدة الوجودية مع الحق، والثاني: فهمه ~~التنزيه حسبما عرفه المتكلمون؛ فهما أدى به إلى القول بأن الإرادة الإلهية المطلقة ~~هي وحدها العلة في وجود كل شيء في العالم. # وبهذه الطريقة كاد الصوفية والمتكلمون يجعلون من الإسلام مذهبا في وحدة ~~الوجود.» # وإذن فقد وضح غرض نيكولسون، فهو يريد عن عمد أن يتهم الإسلام جملة بأنه ms119 دين يجنح إلى ~~وحدة الوجود. # فهو يقول في صراحة: إن المسلم إذا عبد الله بحالة الوجد والفناء الصوفي؛ فهي عبادة ~~أساسها وحدة الوجود، وإذا عبده على أساس التنزيه، حسبما عرفه المتكلمون من رجال ~~الإسلام، بأن الإرادة الإلهية المطلقة هي وحدها العلة في وجود كل شيء في العالم؛ فهي ~~عبادة أيضا أساسها وحدة الوجود. # وهو نفسه يشهد بأن القولين المتناقضين، كل منهما ينتهي إلى وحدة الوجود من طريق ~~يخالف الآخر. # ويقول أيضا في نفس الكتاب # 3 # معلقا على متشابهات ابن الفارض التي توهم وحدة الوجود: «ومع ذلك لا ~~نستطيع أن نقول: إن ابن الفارض قد تعدى عقيدة التوحيد الإسلامية التي عليها أهل ~~السنة، أي: العقيدة القائلة بأن الله هو الفاعل الحقيقي لكل شيء، والواقع أنها ~~عقيدة أشبه ما تكون بمذهب وحدة الوجود.» # وبذلك يضيف نيكولسون أهل السنة أيضا إلى أصحاب وحدة الوجود، أي: إلى محيي الدين، ~~ورجال الكلام من علماء المسلمين. # وأخيرا يرفع نيكولسون القناع عن وجهه سافرا، فيقول في كتابه: «وإننا لنرجح أن ~~النبي العربي كان شموليا يعتقد بوحدة الكون # فأينما ~~تولوا فثم وجه الله ~~.» # تلك هي الغاية التي يهدف إليها نيكولسون منذ وجه سهامه المسمومة إلى محيي الدين، ~~إنه يريد أن يرمي الإسلام، أن يطفئ نور الله، أن يلصق تلك الأكذوبة الضخمة بالإسلام ~~وبنبي الإسلام، ويتخذ لذلك سبيلا ملتويا ناعما، فهو يقدم بين يدي هدفه ~~براءة ابن الفارض والبسطامي والحلاج من وحدة الوجود، بدعوى أن كلامهم أساسه الجذب ~~الروحي والفناء المعنوي، فناء الحب والوجد. # فإذا انشرح صدر المسلم، صدر الصوفي المؤمن لهذا القول الكريم النبيل؛ فآمن بالنزاهة ~~العلمية لنيكولسون، قاده الداهية إلى أزقة الظلمات والريب، ليلقي في عقله، ويلقي ~~في قلبه الشك تلو الشك، والريبة بعد الريبة في محيي الدين أولا لأنه الشيخ ~~الأكبر، ثم في رجال الكلام من علماء الإسلام، ثم في أهل السنة جميعا، وأخيرا ~~النبي الأعظم الذي كان - كما يقول هذا المستشرق الغيور على الإسلام - شموليا ينادي ~~بوحدة الكون، والشمول عنده صورة مصغرة من صور وحدة ms120 الوجود. # الدكتور أبو العلا عفيفي # ويأتي في أعقاب نيكولسون، تلميذه الأستاذ الدكتور أبو العلا عفيفي؛ فنشاهد فيه صورة ~~مكررة لأستاذه، يردد أقواله حرفيا. # يقول الدكتور في مقدمته لكتاب الفصوص: # 4 ~~«إن القضية الكبرى التي تدور حولها فلسفة محيي الدين، والتي ملكت عليه ~~زمام تفكيره، هي نظرية وحدة الوجود.» # ثم يقول: «ولم يكن لمذهب وحدة الوجود، وجود في الإسلام في صورته الكاملة قبل ابن ~~عربي؛ فهو الواضع الحقيقي لدعائمه، والمؤسس لمدرسته، والمفصل لمعانيه ~~ومراميه، والمصور له بتلك الصورة النهائية التي أخذ بها كل من تكلم بهذه ~~المذاهب من المسلمين من بعده.» # ثم يقول: «إن الأقوال المأثورة عن أبي يزيد البسطامي والحلاج، بل عن ابن الفارض ~~المعاصر لابن عربي، # 5 # ليست في نظري دليلا على اعتقادهم في وحدة الوجود، بل على أنهم كانوا ~~رجالا فنوا في حبهم لله عن أنفسهم، وعن كل ما سوى الله، فلم يشاهدوا في الوجود غيره؛ ~~وهذه وحدة شهود، لا وحدة وجود. وفرق بين فيض العاطفة وشطحات الجذب، وبين نظرية فلسفية ~~في الإلهيات، أي: فرق بين الحلاج الذي صاح في حالة من أحوال جذبه بقوله: «أنا ~~الله.» أو بين ابن الفارض الذي أفناه حبه لمحبوبه عن نفسه، فلم يشعر إلا بالاتحاد التام ~~به، فقال: # متى حلت عن قولي: «أنا هي.» أو أقل # وحاشا لمثلي! إنها في حلت # أقول: فرق بين هذين الرجلين وبين ابن عربي، الذي يقول في صراحة لا مواربة فيها ولا ~~لبس، معبرا لا عن وحدته بالذات الإلهية، ولا عن فنائه في محبوبه، بل عن وحدة الحق ~~والخلق.» # ومن عجب أن الدكتور يأتي بمشهد لمحيي الدين من كتابه «شجرة الكون»، بمشهد يتكلم فيه ~~محيي الدين على لسان العرش، وهو يسبح بحمد الله، ويتغنى بمحامده وجلاله، وكل شيء في ~~الكون يسبح بحمد الله سيده ومولاه؛ ليتخذ منه دليلا عجبا على وحدة الوجود. # 6 # يقول محيي الدين على لسان العرش: «أقسم بعلي عزته وقوي قدرته، لقد خلقني، ~~وفي بحار أحديته غرقني، وفي بيداء أبديته حيرني؛ تارة يطلع من ms121 مطالع أبديته ~~فينعشني، وتارة يناجيني بمناجاة لطفه فيطربني، وتارة يواصلني بكاسات حبه فيسكرني، ~~وكلما استعذبت من عربدة سكري، قال لسان أحديته: «لن تراني.» فذبت من هيبته فرقا، ~~وتمزقت من محبته فلقا، وصعقت عند تجلي عظمته، كما خر موسى صعقا، فلما أفقت من ~~سكرة وجدي به، قيل لي: أيها العاشق، هذا جمال قد صناه، وحسن قد حجبناه، فلا ينظر ~~إلا حبيب قد اصطفيناه.» # يأتي الدكتور بهذا المشهد الإيماني العظيم؛ ليستدل به على عقيدة محيي الدين في وحدة ~~الوجود؛ وإنه لدليل من نوع أدلة أساتذته رجال الاستشراق، دليل أعد الاتهام فيه، حتى ~~قبل قراءة البيان والبرهان. # يقول الإمام البوصيري - رضي الله عنه: # وإذا لم يصحب العلم ذوق # وجد الشهد من الجهل صابا # وإلى هنا والدكتور يردد أقوال أستاذه نيكولسون تماما، ولا يتمرد على تلك الأستاذية ~~المحببة؛ ولكن التلميذ يجزع ويتمرد، فقد أوشك أستاذه في جذبة روحية على تبرئة محيي ~~الدين من وحدة الوجود، والتلميذ أحرص من أستاذه على تجريح شيخ المتصوفة الأكبر. # يقول نيكولسون في كتابه «في التصوف الإسلامي»: «والصوفي لا يدين بوحدة الوجود، ما دام ~~يقول بتنزيه الله - تعالى - مهما صدر عنه من الأقوال المشعرة بالتشبيه، فإذا راعى ~~جانب التنزيه شاهد الله في كل شيء، واعتبره في الوقت نفسه فوق كل شيء؛ وهذه وحدة شهود ~~لا وحدة وجود.» # وبهذا الشرط الذي اشترطه نيكولسون خرج محيي الدين من التهمة دون أن يدرك المستشرق ~~الكبير، ولكن الدكتور التلميذ أدرك خطورة الأمر؛ فأسرع يعقب على أستاذه قائلا: ~~«ولكننا يجب أن نتذكر أن محيي الدين - وهو من أساطين مذهب وحدة الوجود، بل واضع أساس ~~هذا المذهب في الإسلام - قد قال بالتنزيه والتشبيه معا، ولم يغفل لحظة واحدة عن قرن ~~أحدهما بالآخر، فهل كان هذا الصوفي من أصحاب وحدة الشهود لا وحدة الوجود على حد تعبير ~~الأستاذ؟» # ولم يجب الأستاذ ولا التلميذ على هذا السؤال الحائر؛ لأنه بني على حقيقة علمية ~~وحقيقة صوفية، بني على الحقائق التي أدت إلى براءة محيي الدين من هذا الإفك ~~المتهالك. ms122 # والحقائق دائما تهدي إلى الصواب، وترشد إلى الصراط المستقيم دائما، الصراط المستقيم ~~الذي هو شعار الصوفية، وإليه يتحاكمون، وإليه يجب أن يحاكمهم العلماء وأحرار الفكر ~~الذين ينشدون الحقائق. # | ابن تيمية ووحدة الوجود # ولقد أخطأ في فهم تلك القاعدة رجل أكبر من الأستاذ وتلميذه، رجل من رجال الفكر الإسلامي، ~~هو العلامة ابن تيمية؛ فلقد اهتدى إلى تلك القاعدة العلمية، قبل أن يهتدي إليها نيكولسون؛ ~~ولكنه أخطأ كما أخطأ نيكولسون وتلميذه؛ لأنه أيضا لم يجب على السؤال الحائر. # أخطأ ابن تيمية؛ لأنه تمسك بحرفية النصوص الدينية وهو من أساطينها، وحرفية الألفاظ وهو من ~~علمائها؛ فلم يطلق عقله من قيودها، ولم يستعمل الذوق الوجداني، أو الذوق القلبي في تفهمها، ~~كان من رجال العقول لا القلوب، من رجال الألفاظ لا المعاني؛ فلم يفهم لغة القلب، ولم يتذوق ~~مواجيد الروح. # يقول نيكولسون: «إن الصوفي لا يدين بوحدة الوجود، ما دام يقول بتنزيه الله - تعالى - مهما ~~صدر عنه من الأقوال المشعرة بالتشبيه، فإذا راعى جانب التنزيه، شاهد الله في كل شيء، ~~واعتبره في الوقت نفسه فوق كل شيء.» # الصوفي المحب الفاني يشاهد الله في كل شيء، وفي الوقت نفسه يعتبره فوق كل شيء، تلك هي ~~الحقيقة الصوفية التي عجز عباد الألفاظ، عبيد القوالب والتراكيب الكلامية عن فهمها؛ ~~فظنوا بالمتصوفة وحدة الوجود، وهم عباد الرحمن الذين تطوعوا لعبادة ربهم فوق الفرائض ~~والنوافل، حتى ليعتبرون العبادة واجبا عليهم في كل نفس من أنفاسهم. # الصوفي الحقيقي المحب الفاني في مولاه، لا يرى في الوجود إلا الله، وأن كل شيء لله، ومن ~~الله وبالله؛ فنسب كل شيء إلى الله، ورأى الله في كل شيء هو الفاعل والمدبر، رأى الله في كل ~~شيء رؤية معنوية، لا مادية تؤدي إلى الحلول أو وحدة الوجود. # يقول - تعالى: # وله الجوار المنشآت في البحر ~~كالأعلام ~~، فهل الجواري لله أم لعباده؟ # ويقول - جل جلاله: # أفرأيتم ما تحرثون * أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون ~~. # ويقول - تبارك وتعالى: # وما تشاءون إلا أن يشاء ~~الله ~~، # وما رميت إذ رميت ولكن ms123 الله ~~رمى ~~. # آيات بينات تنطق بنسبة كل شيء إلى الله، أي: النسبة الحقيقية لا الظاهرية، فهل في هذا ~~أيضا وحدة وجود؟ أم هو التوحيد الصافي الطاهر المقدس. # يقول الإمام ابن تيمية في كتابه العبودية # 1 # متحدثا عن مقام الفناء في المحبة الإلهية: «الفناء عن إرادة ما سوى الله؛ بحيث ~~لا يحب إلا الله، ولا يعبد إلا إياه، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يطلب من غيره، وهو المعنى ~~الذي يجب أن يقصد بقول الشيخ أبي يزيد؛ حيث قال: أريد ألا أريد. أي: المراد المحبوب ~~المرضي، وهو المراد بالإرادة الدينية، وكمال العبد ألا يريد ولا يحب ولا يرضى إلا ما ~~أراده الله، ورضيه وأحبه، وهذا معنى قولهم في قوله - تعالى: # إلا ~~من أتى الله بقلب سليم ~~، قالوا: هو السليم مما سوى الله، أو مما سوى ~~عبادة الله، أو مما سوى إرادة الله، أو مما سوى محبة الله؛ فالمعنى واحد، وهذا المعنى إن ~~سمي فناء، أو لم يسم، هو أول الإسلام وآخره، وباطن الدين وظاهره.» # ثم يتحدث ابن تيمية عن المقام الثاني من مقامات الفناء فيقول: «وأما النوع الثاني: فهو ~~الفناء عن شهود السوى، وهذا يحصل لكثير من السالكين؛ فإنهم لفرط انجذاب قلوبهم إلى ذكر الله ~~وعبادته ومحبته، ضعفت قلوبهم عن أن تشهد غير ما تعبد، وترى غير ما تقصد، لا يخطر بقلوبهم ~~غير الله، بل ولا يشعرون، كما قيل في قوله - تعالى: # وأصبح فؤاد ~~أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على ~~قلبها ~~، قالوا: فارغا من كل شيء إلا من ذكر موسى، وهذا كثيرا ما يعرض ~~لمن دهمه أمر من الأمور؛ إما حب، وإما خوف، وإما رجاء؛ يبقى قلبه منصرفا عن كل شيء ~~إلا مما قد أحبه أو خافه أو طلبه؛ بحيث يكون عند استغراقه في ذلك لا يشعر بغيره، فإذا قوي ~~على صاحب الفناء هذا؛ فإنه يغيب بموجوده عن وجوده، وبمشهوده عن شهوده، وبمذكوره عن ذكره، ~~وبمعروفه عن معرفته؛ حتى يفنى من لم يكن، وهو المخلوقات المبعدة عمن ms124 سواه، ويبقى من ~~لم يزل، وهو الرب - تعالى؛ والمراد فناؤها في شهود العبد وذكره، وفناؤه عن أن يدركها أو ~~يشهدها، وإذا قوي هذا ضعف المحب حتى يضطرب في تمييزه، فقد يظن أنه هو محبوبه. كما يذكر أن ~~رجلا ألقى نفسه في اليم، فألقى محبه نفسه خلفه. فقال: أنا وقعت فمن أوقعك خلفي؟ قال: ~~غبت بك عني، فظننت أنك أني.» # أليست تلك المقامات من حالات الفناء، هي المقامات التي يرمى فيها المتصوفة بوحدة ~~الوجود؟ # يقول ابن تيمية خصم التصوف الأكبر، وخصم محيي الدين: «فإنهم لفرط انجذاب قلوبهم إلى ذكر ~~الله وعبادته ومحبته، ضعفت قلوبهم عن أن تشهد غير ما تعبد، وترى غير ما تقصد.» # وهل قال المتصوفة أكبر من هذا القول؟! ومن عجب أن ابن تيمية يهاجم التصوف والمتصوفة؛ ~~لأنهم يقولون: إنهم في نشوتهم الكبرى لا يرون إلا الله، ويذهلون عما سواه، أي: نفس ما ~~يقول ابن تيمية. # إنهم ليرون الله في كل شيء، ومع ذلك يوقنون بأنه - سبحانه - فوق كل شيء، وهذا أكمل ~~درجات التوحيد. # ويقول ابن تيمية أيضا في مجموعة رسائله: # 2 # وأما قول الشاعر في شعره: # أنا من أهوى ومن أهوى أنا # فهذا إنما أراد به الشاعر الاتحاد المعنوي، كاتحاد أحد المحبين بالآخر، الذي يحب أحدهما ~~ما يحب الآخر، ويبغض ما يبغضه، ويقول مثل ما يقول، ويفعل مثل ما يفعل، هذا تشابه وتماثل، لا ~~اتحاد العين بالعين؛ إذ كان قد استغرق في محبوبه، حتى فني به عن رؤية نفسه، كقول ~~الآخر: # غبت بك عني # فظننت أنك أني # فهذه الموافقة هي الاتحاد السائغ.» # ويقول ابن تيمية أيضا في الرسائل: «روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة، عن النبي قوله - ~~تعالى: «من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة.» فجعل معاداة عبده الولي معاداة له، ~~فعين عدوه عين عدو عبده، وعين معاداة وليه، عين معاداته، ليس هما شيئين ~~متميزين.» # ويذكر أيضا ابن تيمية حديثا رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي: يقول الله - ~~تعالى: «عبدي مرضت فلم تعدني! فيقول: ms125 يا رب، كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ فيقول: أما علمت ~~أن عبدي فلانا مرض؟ فلو عدته لوجدتني عنده. عبدي جعت فلم تطعمني! فيقول: رب كيف أطعمك ~~وأنت رب العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلانا جاع؟ فلو أطعمته لوجدت ذلك ~~عندي.» # ولم أجد ردا على ابن تيمية في هجومه على المتصوفة وعلى شيخهم الأكبر، أبلغ من قوله، ولم ~~أجد شاهدا أكبر دلالة مما استشهد به هو من القرآن الكريم: # وأصبح ~~فؤاد أم موسى فارغا ~~، ولا أعظم من تفسيره؛ إذ يقول: أصبح فؤادها ~~فارغا مما سوى موسى. # وقلب الصوفي - يا شيخ الإسلام، ويا إمام من يتسمون بأهل السنة، ومن يحاربون ~~المتصوفة - أصبح فارغا مما سوى الله؛ فلا يرون في الوجود سواه، وربنا - سبحانه وتعالى - ~~أكبر وأعظم من أن يشبه بعبد من عباده، أو برسول من رسله؛ تلك كلمة الفصل في وحدة ~~الوجود، ومقامات الفناء عند الصوفية وحقيقة توحيدهم الأكبر، والله يهدي إلى الحق ويرشد إلى ~~سواء السبيل. # | آداب المريد عند محيي الدين # ... من مدرسة المريد والشيخ تتكون الجامعة الصوفية الكبرى، تلك الجامعة التي لا تسامقها ~~جامعة أخرى في العالم. # ولهذا زخر التصوف بمناهج كاملة لتربية المريد وإعداده، وتنشئته على الخلق الصوفي ~~المثالي. # وهي مناهج تعتبر صورة صادقة للآداب الصاعدة، صورة لأسمى ما تنشده التربية الصالحة في ~~أية جامعة عالية. # وفي هذه المناهج يتجلى الذوق الصوفي بأروع صوره، وأجمل ألوانه، كما يتجلى أيضا تفوق ~~الصوفية في طب القلوب، وآداب النفوس على أساتذة التربية قديمها وحديثها. # ولمحيي الدين رسالة في آداب المريد، أو كما يقول هو: «في كنه ما لا بد للمريد منه.» تعتبر ~~في موازين التصوف أجمل النماذج التي أبدعها هذا المنهج العالي. # يقول محيي الدين بعد أن شرح لمريده حقائق التوحيد الإلهي، وصور له كيفية الإيمان برسل ~~الله جميعا: # ومما لا بد لك منه: # حسن الظن بالناس كافة، وسلامة ~~الصدر، والدعاء للمسلمين بظهر الغيب، وخدمة الفقراء برؤية المنة لهم، وحمل كلفهم، وتحمل ~~أذاهم وجفاهم، والصبر بالله على أخلاقهم. # ومما لا بد ms126 لك منه: # الصمت إلا عن ذكر الله وتلاوة ~~القرآن، أو إرشاد الضال، أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر ، أو إصلاح بين المتهاجرين، أو تحريض ~~على صدقة، بل على كل خير. # ومما لا بد لك منه: # يا حبيبي طلب أخ موافق يعينك على ~~ما أنت بسبيله، وإياك وصحبة الضد. # ومما لا بد لك منه: # طلب شيخ مرشد، والصدق شعار المريد؛ ~~فإن المريد إذا صدق مع الله، قيض الله له من يأخذ بيده، وصير كل شيطان في حقه ملكا ~~يلهمه الخير، فإن الصدق ما وضع على شيء إلا قلب عينه. # ومما لا بد لك منه: # البحث عن هذه اللقمة وهي أساس؛ ~~فعليها قام عماد هذا الأمر. # ومما لا بد لك منه: # يا حبيبي أن ترفع كلفتك عن الخلق، ~~ولا تثقل على أحد، ولا تقبل رفقا من امرئ، لا لنفسك ولا لغيرك، واحترف وتورع في كسبك ~~كله، ونطقك ونظرك في جميع حركاتك وسكناتك، ولا تتوسع في مسكن ولا ملبس ولا مأكل، فإن ~~الحلال قليل ولا يحتمل السرف. # واعلم: # يا حبيبي أن النفوس إذا زرع فيها الإنسان ~~الشهوات، نبتت أصولها فيبعد أن تنقلع بعد ذلك؛ فليس للمريد سعة ولا راحة، هذا كله لا بد ~~منه للمريد. # ومما لا بد لك منه: # يا حبيبي التقليل من الطعام؛ فإنه ~~يورث النشاط للطاعة ويذهب الكسل، وعليك تقسيم الأوقات في ليل ونهار، فأما الساعات التي ~~دعاك الشرع فيها إلى الوقوف بين يدي ربك فهي خمسة أوقات للصلوات المفروضة، وبقي ما سنها من ~~الأوقات، فإن كنت ذا حرفة، فاجتهد أن تعمل في يوم ما يقوتك في أيام، إن كنت من أهل ذلك ~~الشغل، ولا تفارق مصلاك من بعد صلاة الصبح إلى أن تطلع الشمس، ولا بعد صلاة العصر إلى أن ~~تغرب الشمس، تذكر الله بحضور وخشوع، ولا يفوتك الوقوف بين يدي الله مصليا من الظهر إلى ~~العصر، ومن المغرب إلى العشاء الآخرة بعشرين ركعة، وحافظ على أربع ركعات: أول النهار، وقبل ~~الظهر، وقبل العصر، واجعل وترك ثلاث عشرة ms127 ركعة، ولا تنم إلا عن غلبة، ولا تأكل إلا عن ~~حاجة، ولا تلبس إلا عن وقاية من برد أو حر، بنية ستر العورة، ودفع الأذى القاطع عن ~~عبادة ربك، وإن كنت ممن يعرف أن يكتب؛ فاجعل على نفسك وردا من القرآن في المصحف، ~~تمكنه من حجرك، وتلقي يدك اليسرى على المصحف، وتمشي بيدك اليمنى على حروفه، وأنت تنظر ~~إليه وترفع صوتك؛ بحيث تسمع نفسك، وترتل القرآن، وتسأل في الآية التي توجب السؤال، وتعتبر ~~في آيات الاعتبار، وتعامل في كل آية بحسب ما تدل عليه من الاستعاذة والاستغفار وغير ذلك، ~~وإذا قرأت صفة للمؤمنين، فانظر إلى ما عندك من تلك الصفات، وإلى ما فقدت منها؛ فاشكر الله ~~على ما عندك، وحصل ما فاتك، وكذلك إذا قرأت صفة للمنافقين والكافرين، فانظر هل فيك من ~~تلك الصفات شيء أم لا. # ومما لا بد لك منه: # محاسبة نفسك، ومراعاة خواطرك مع ~~الأوقات، واستشعار الحياء من الله - تعالى - بقلبك؛ فإنك إذا استحييت من الله، منعت قلبك ~~أن يخطر فيه خاطر ذمه الله، أو يتحرك بحركة لا يرتضيها الله - تعالى، ولقد كان لنا شيخ ~~يقيد حركاته في كتابه بالنهار، فإذا أمسى جعل صحيفته بين يديه، وحاسب نفسه على ما فيها، ~~وزدت أنا على شيخي بتقييد خواطري. # ومما لا بد لك منه: # مراعاة الأوقات، بأن تنظر الوقت ~~الذي أنت فيه، وتنظر ما قال لك الشرع أن تعمله فيه فافعله، فإن كنت في وقت فرض فأده، أو ~~ندب فبادر إليه، وإن كنت في وقت مباح فاشغل نفسك فيه بما ندبك الحق إليه من الخير على ~~أنواعه، وإذا شرعت في عمل مشروع يعطي قربة؛ فلا تحدث نفسك بأنك تعيش بعده إلى عمل آخر، ~~واجعل ذلك آخر عملك من الدنيا، الذي به تلقى ربك عليه، فإنك إذا فعلت هذا أخلصت، ومع ~~الإخلاص يكون القبول. # ومما لا بد لك منه: # الجلوس على طهارة دائما، ومتى ~~أحدثت توضأ، ومتى توضأت صل ركعتين إلا أن يكون الوقت قد نهي عن إيقاع الصلاة فيه، ms128 وهي ~~ثلاثة أوقات: عند طلوع الشمس، وعند غروبها، وعند الاستواء إلا يوم الجمعة خاصة، فإن الصلاة ~~تجوز عند الاستواء . # ومما لا بد لك منه: # يا حبيبي البحث عن مكارم الأخلاق، ~~ولتأتها مهما تعين عليك منها خلق، وكذلك سوء الأخلاق اجتنبها كلها. # واعلم: # أن كل من ترك خلقا كريما؛ إنما تركه بسوء ~~خلق ذميم. # واعلم: # أن الأخلاق أصناف، كما أن الخلق على أصناف؛ ~~فينبغي أن تعرف أي خلق تستعمله معه من الأخلاق الكريمة، والذي يعم أكثر الأصناف إيصال ~~الراحة لهم، ودفع الأذى عنهم، ولكن في مرضاة الله - تعالى، فاجتهد في ذلك يا حبيبي، واعلم ~~أنهم خلق الله، عبيد مسخرون، مجبورون في حركاتهم، ونواصيهم بيد محركهم، والنبي - عليه ~~السلام - قد أراحنا في هذا المقام فقال: «بعثت لأتمم لكم مكارم الأخلاق.» فكل موضع قال ~~لك الشرع فيه: إن شئت انتصرت، وإن شئت تركت. أو قال لك فيه: إن شئت جازيت، فجعلت ~~نفسك محلا للسيئة؛ فإنه - تعالى - قال: # وجزاء سيئة ~~سيئة مثلها ~~، وإن شئت قابلت بالعفو والصفح، فكن ممن عفا ~~وأصلح وأجرك على الله، وإياك أن تقتص ممن أساء إليك؛ فإن الله سماها سيئة بالجملة، ~~وإن كانت مما يسوء المقتص منه. والأولى سيئة شرعية مما يسوءه؛ فهما سيئتان، وكل موضع قال ~~لك الشرع فيه: اغضب فاغضب، وإن لم تغضب فليس بخلق محمود؛ فإن الغضب لله من مكارم الأخلاق ~~مع الله، ومن أحسن معاملة من الله - تعالى؟ فطوبى لمن عامله وصاحبه، فمع الله ينبغي ~~أن تصرف الأخلاق التي أثنى عليها الله وبينها وأوضحها. # ومما لا بد لك منه: # مجانبة الأضداد، ومن ليس من جنسك ~~من غير أن تعتقد فيهم سوءا يخطر لك بخاطر، ولكن بنية صحبة الحق وأهله وإيثاره عليهم، فكذلك ~~معاملتك مع الحيوانات من الشفقة عليهم والرحمة لهم، فإنهم ممن سخرهم الحق لك؛ فلا ~~تحملهم فوق طاقتهم، ولا تركب عليهم بطرا ولا أشرا، وكذلك مع ملك اليمين من الرقيق ~~فهم إخوانك، ملكك الله نواصيهم؛ ليرى كيف تتصرف فيهم، وأنت عبد له - سبحانه - فما تحب ms129 أن ~~يصرف عنك من السوء والقبيح فذلك بعينه افعله معهم، تجز بذلك يوم حاجتك إليه، فإن كان لك ~~أهل فأحسن العشرة معهم، فالكل عيال وأنت من جملة العيال. # وجماع الأمر كله: أن كل ما تحب أن يفعله الحق معك، افعله مع خلقه قدما بقدم، وإن كان لك ~~ولد فعلمه كتاب الله لله، لا لغرض من أغراض الدنيا، وألزمه محافظة الآداب الشرعية ~~والأخلاق الدينية، واحمله على الرياضة من صغره حتى يعتادها، ولا تزرع الشهوات في قلبه، ~~وبغض إليه زينة الحياة الدنيا، وعرفه ما يئول إليه صاحبها من نقص الحظ في الآخرة، ~~وما يئول إليه تاركها من جزيل الحظ في الآخرة، ولا تعمل ذلك شحا على درهمك ومالك. # ومما لا بد لك منه: # ألا تقرب من أبواب السلاطين، ولا ~~تصاحب المتنافسين في الدنيا؛ فإنهم يأخذون بقلبك عن الله، فإن اضطرك أمر إلى صحبتهم، ~~فعاملهم بالنصيحة ولا تخفهم؛ فإنك إنما تعامل الحق، ومهما فعلت ذلك سخروا بك، ولتكن في ~~عموم أحوالك مصروف الهمة بالتوجه إلى الله - تعالى - في تخلصك مما أنت فيه بما هو أحسن لك ~~في دينك. # ومما لا بد لك منه: # الحضور مع الحق في جميع حركاتك ~~وسكناتك، وأوصيك بالإنفاق في السراء والضراء، والشدة والرخاء؛ فإن ذلك دليل على ثقة القلب ~~بما عند الله، فإن البخيل جبان يأتيه الشيطان، فيمد أمله ويطيل عليه عمره، ويقول له: إن ~~أنققت هلكت وبقيت بلا شيء مثلة بين أصحابك وأمثالك، فأمسك عليك مالك، واستعد لصروف ~~الزمان، ولا تغتر بهذا الرخاء الذي أنت تراه، فإنك لا تدري ما يحدث الله في العام ~~المقبل، وأما إن كان في وقت الضراء والشدة، فيقول له: أمسك عليك مالك ولا تعط أحدا منه ~~شيئا؛ فإنك لا تدري متى تنقضي هذه الشدة، ولا تحسب هذا الأمر إلا في زيادة، واحفظه على ~~نفسك، فإن أحدا لا ينفعك إذا لم يبق لك شيء، وتنفر الناس منك وتثقل على الخلق، ويذهب ماء ~~وجهك، فإذا استمرت هذه الوسوسة الشيطانية على قلب المسكين أدته إلى البخل ms130 والشح، وحالت ~~بينه وبين قوله - تعالى: # ومن يوق شح نفسه فأولئك هم ~~المفلحون ~~، وبين قوله - تعالى: # ومن يبخل ~~فإنما يبخل عن نفسه ~~. # وعندنا في الطريق: أن الرجل إذا لحق بأهل الله - تعالى - وبأوليائه ثم بخل، فإنه يستبدل ~~وينزل من ذلك المقام، ثم يجعل فيه كريما من كرماء الخلق، قال الله - تعالى - عقيب هذه ~~الآية: # وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ~~، ~~وحالت بينه وبين قوله - تعالى: # وما أنفقتم من شيء فهو ~~يخلفه ~~، وحالت بينه وبين قوله - تعالى - في دعوة موسى - عليه السلام - على ~~فرعون، لما أراد إهلاكه دعا عليهم أن يرزقهم الله البخل، فقال: # ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم ~~؛ فضيعوا ~~فقراءهم حتى هلكوا جوعا، فأخذهم الله، وحالت أيضا بينه وبين قوله # صلى الله عليه وسلم ~~: «أنفق بلالا ~~ولا تخش من ذي العرش إقلالا.» وحالت بينه وبين قوله - عليه الصلاة والسلام: «إن لله ~~ملكين في كل يوم يناديان عند كل صباح: اللهم أعط كل منفق خلفا، وكل ممسك تلفا.» وحالت ~~بينه وبين حاله # صلى الله عليه وسلم # حين أعطي الكنزين، فاختار تركهما على أخذهما، وبين فعل أبي بكر - ~~رضي الله تعالى عنه - حين جاء إلى النبي - عليه السلام - بجميع ماله كله، فقال: «ما تركت ~~لأهلك؟» فقال: الله ورسوله. وجاء عمر - رضي الله عنه - بنصف ماله، وترك النصف لأهله، فقال ~~لهما النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «بينكما ما بين كلمتيكما.» فالإنفاق سبب استخلاف الأرزاق من ~~الرزاق في الدنيا والآخرة، فكل من أمسك فهو لله متهم وعلى ماله معتمد، وكانت ثقته ~~بدرهمه أعظم من ثقته بربه، وكان هذا طعنا في إيمانه، نسأل الله العافية، فعليك بالإنفاق ~~في الشدة والرخاء، ولا تخف ولا تفزع من الفقر فبئس الرجل! كما قال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «إلا ~~من قال بماله هكذا وهكذا يمينا وشمالا.» والله موف لك ما وعدك شئت أم أبيت، وشاء ~~العالم أو أبى، فما هلك سخي قط. # | محيي الدين ورسالة الأخلاق # فإذا انتهى محيي الدين من «كنه ما لا بد منه للمريد» ms131 اتجه إلى أبناء الأمة الإسلامية ~~كافة، بل إلى بني الإنسان في كل زمان ومكان، يرسم لهم الأفق الأعلى للأخلاق ، مبينا أن ~~الإنسان إذا تجرد من التحلي بها؛ فقد فقد نفسه، وأضاع حياته، وانحرف عن أول واجباته ~~الإنسانية. # يقول محيي الدين: # 1 ~~«اعلم أن الإنسان من بين سائر الحيوان ذو فكر وتمييز، وهو أبدا يحب من الأمور ~~أفضلها، ومن المراتب أشرفها، ومن المقتنيات أنفسها، إذا لم يعدل عن التميز في اختياره، ولم ~~يغلبه هواه في اتباع أغراضه، وأولى ما اختاره الإنسان لنفسه ولم يقف دون بلوغ غايته، ولم ~~يرض بالتقصير عن نهاية تمامه وكماله، ومن تمام الإنسان وكماله: أن يكون مرتاضا بمكارم ~~الأخلاق ومحاسنها، ومتنزها عن مساويها ومقابحها، آخذا في جميع أحواله بقوانين الفضائل، ~~عادلا في كل أفعاله عن طريق الرذائل، فإذا كان ذلك كان واجبا على الإنسان أن يجعل قصده ~~اكتساب كل شيمة سليمة من المعائب، ويصرف همته إلى اقتناء كل خلق كريم خالص من الشوائب، وأن ~~يبذل جهده في اجتناب كل خصلة مكروهة مروية، ويستفرغ وسعه في إطراح كل خلة مذمومة دنية، حتى ~~يحوز الكمال بتهذيب خلائقه، ويكتسي حلل الجمال بدماثة شمائله، ويباهي بحق أهل السؤدد ~~والفخر، ويلحق بالذرى من درجات النباهة والمجد. # إلا أن المبتدي بطلب هذه المرتبة، والراغب في بلوغ هذه المنزلة، ربما خفيت عليه ~~الخلال المستحسنة التي يعنيه تحريها، ولم تتميز له من المستقبحة التي غرضه توقيها، فمن ~~أجل ذلك وجب أن نقول في الأخلاق قولا نبين فيه ما الخلق؟ وما علته؟ وكم أنواعه ~~وأقسامه؟ وما المرضي منها المغبوط صاحبه والمتخلق به؟ وما المشنو منها الممقوت فاعله ~~والمتوسم به؟ ليسترشد بذلك من كانت همته تسمو إلى مباراة أهل الفضل، ونفسه أبية تنبو عن ~~مساواة أهل الدناءة والنقص، وتدل أيضا على طريق الارتياض بالمحمود من أنواعه والتدرب به، ~~وتنكب المذموم منها وتجنبه حتى يصير المرتاض به ديدنا وعادة وسجية وطبعا، ليهتدي به ~~من نشأ على الأخلاق السيئة وألفها، وجرى على العادات الردية وأنس بها، ونصف أيضا ~~الإنسان ms132 التام المهذب الأخلاق، والمحيط بجميع المناقب الجميلة، وطريقته التي يصل بها إلى ~~التمام، وتحفظ عليه الكمال، ليشتاق إلى صورته من تشوق إلى المرتبة العليا، ويحن إلى ~~احتذاء سيرته من استشرف إلى الغاية القصوى، وقد ينتبه بما نذكره من كانت له عيوب قد ~~اشتبهت عليه وهو مع ذلك يظهر أنه في غاية الكمال.» # ثم يقول: «والخلق هو حال النفس بها يعقل الإنسان أفعاله بلا روية ولا اختيار، والخلق ~~قد يكون في بعض الناس غريزة وطبعا، وفي بعضهم لا يكون إلا بالرياضة والاجتهاد، كالسخاء ~~يوجد في كثير من الناس من غير رياضة ولا تعمل، وكالشجاعة والحلم والعفة والعدل، وغير ذلك ~~من الأخلاق المحمودة، وكثير من الناس يوجد فيهم ذلك بالرياضة.» # ويأخذ بعد ذلك في بيان أنواع الأخلاق الفاضلة موضحا وشارحا لكل فضيلة، وقد جمعها فبلغت ~~لديه أكثر من سبعين فضيلة ومحمدة، هي جماع مكارم الأخلاق. # ولقد استطاع محيي الدين أن يضفي على كل صفة خلقية من روحه ومن وجدانه ما جعل كلماته ~~الأخلاقية تنبض بالحياة والأشواق، واستطاع أن يبث في شرحه دستوره الخلقي الرحب الآفاق، ~~الشامل لكل الدقائق والرقائق. # يقول شارحا لفضيلة - التصون: «... ومنها التصون، وهو التحفظ من التبذل، فمن التصون ~~التحفظ من الهزل القبيح، ومخالطة أهله، وحضور مجالسه، وضبط اللسان من الفحش وذكر الخنا ~~والقبيح والمزاح السخيف، وخاصة في المحافل ومجالس المحتشمين، ولا أبهة لمن يسرف في ~~المزاح ويفحش فيه، ومن التصون أيضا الانقباض عن أدنياء النفس وأصاغرهم ومصادقتهم ~~ومجالستهم، والتحرز من المعايش الرديئة، واكتساب الأموال من الوجوه الخسيسة، والترفع عن ~~مسئلة الحاجات من لئام الناس وسفلتهم، والتواضع لمن لا قدر له، والإقلال من مبروز من ~~غير حاجة، والتبذل بالجلوس في الأسواق وقوارع الطريق من غير اضطرار، فإن الإكثار من ذلك ~~مخل.» # ويقول موضحا لفضيلة علو الهمة: «... ومنها عظمة الهمة، وهو استصغار ما دون النهاية ~~من معالي الأمور، وطلب المراتب السامية، واستحقار ما يجود به الإنسان عند العطية، ~~والاستخفاف بأوساط الأمور، وطلب الغايات والتهاون بما يملكه، وبذل ما يمكنه لمن يسأله ms133 من ~~غير امتنان ولا اعتداد به. # ومن عظم الهمة: الأنفة، والحمية، والغيرة، وارتفاع النفس عن الأمور الدنية، ~~وانتفاضها وثورتها إذا مسها هوان أو مذلة.» # | الإنسان الكامل # فإذا انتهى من تبيان دستوره الخلقي، أخذ في بيان أوصاف الإنسان التام الجامع لمحاسن ~~الأخلاق: «... الإنسان التام هو الذي لم تفته فضيلة، ولم تشنه رذيلة، وهذا الحد قلما ~~ينتهي إليه إنسان، وإذا انتهى الإنسان إلى هذا الحد كان بالملائكة أشبه منه بالناس؛ فإن ~~الإنسان مضروب بأنواع النقص، مستول عليه وعلى طبعه ضروب الشر، فقلما يخلص من جميعها حتى ~~تسلم نفسه من كل عيب ومنقصة، ويحيط بكل فضيلة ومنقبة، إلا أن التمام وإن كان عزيزا بعيد ~~التناول؛ فإنه ممكن، وهو غاية ما ينتهي إليه الإنسان، ونهاية ما هو منتهى له، وإذا صدقت ~~عزيمة الإنسان وأعطى الاجتهاد حقه، كان قمينا بأن ينتهي إلى غايته التي هي منتهى له، ويصل ~~إلى بغيته التي تسمو نفسه إليها. # فأما تفصيل أوصاف الإنسان التام، فهو أن يكون متفقدا لجميع أخلاقه، متيقظا لجميع ~~معايبه، متحرزا من دخول كل نقص عليه، مستعملا لكل فضيلة، مجتهدا في بلوغ الغاية، عاشقا ~~لصورة الكمال، ملتذا بمحاسن الأخلاق، متيقظا لمذموم العادات، معتنيا بتهذيب نفسه، غير ~~مستكثر ما يقتنيه من الفضائل، مستعظما لليسير من الرذائل، مستصغرا للمرتبة العليا، ~~مستحقرا للغاية القصوى، يرى التمام دون محله، والكمال أقل أوصافه، فأما الطريقة التي توصله ~~إلى التمام وتحفظ عليه الكمال؛ فهي أن يصرف عنايته إلى النظر في العلوم الحقيقية، ويجعل ~~غرضه الإحاطة بماهيات الأمور الموجودة، وكشف عللها وأسبابها وتفقد غاياتها، ولا يقف عند ~~غاية من علمه إلا ورنا بطرفه إلى ما فوق تلك الغاية، ويجعل شعاره ليله ونهاره قراءة كتب ~~الأخلاق، وتصفح كتب السير والسياسات. وأخذ نفسه باستعمال ما أمر أهل الفضل باستعماله، ~~وأشار المتقدمون من الحكماء باعتياده، وينشد أيضا طرفا من أدب البيان والبلاغة، ويتحلى ~~بشيء من الفصاحة والخطابة، ويغشى أبدا مجالس أهل العلم والحكمة، ويعاشر دائما أهل الوقار ~~والعفة.» # ثم يفيض محيي الدين في الحديث عن صفات الإنسان ms134 التام، وهمته وعزيمته وتصعيده لكل ~~أعماله إلى فاطر السموات والأرضين. # ويحتم أكبر ما يحتم، أن يلزم جانب الاعتدال في شهواته ورغباته، ومأكله وملبسه، ~~وصلاته بالناس. # ويأخذ بعد ذلك في الحديث عن موقف الإنسان التام من المال، وهو الفتنة الكبرى فيقول: «إن ~~المال إنما يطلب لغيره، وليس هو مطلوبا لذاته، فإنه في نفسه غير نافع؛ وإنما الانتفاع ~~بالأغراض التي تنال به؛ فالمال آلة تنال بها الأغراض، فلا يجب أن يعتقد أن اقتناءه ~~وادخاره مفيد، فإذا ادخره وحرص عليه لم ينل صاحبه شيئا من الأغراض، التي هو بالحقيقة محتاج ~~إليها، فالمال هو مطلوب لغيره؛ فينبغي للسديد الرأي العالي الهمة، أن يزنه بوزنه، فيكسبه من ~~وجهه ويفرقه في وجهه، ويكون مع ذلك غير متوان في اكتسابه، ولا مقدم في طلبه؛ لأن عدم ~~المال يضطره إلى التواضع لمن هو دونه إذا وجد عنده حاجته، ووجود المال يغنيه عمن هو ~~فوقه وإن دنت منزلته ...» # ثم يحذر صاحب هذا المقام من الغضب، فيقول: «وينبغي لمحب الكمال أن يشعر نفسه أن الغضبان ~~بمنزلة البهائم والسباع، يفعل ما يفعله من غير علم ولا روية، فإذا جرى بينه وبين غيره ~~محاورة أدت إلى أن يغضب خصمه ويتسفه عليه، اعتقد فيه أنه في تلك الحالة بمنزلة البهائم ~~والسباع؛ فيمسك عن مقابلته ويحجم عن الاقتصاص منه، ألا يعلم أن الكلب لو نبح عليه لم يكن ~~يستحسن مقابلته على نبحه؟ وكذلك البهيمة لو رمحته لم يستحسن عقوبتها؛ لأنها غير عالمة بما ~~تصنعه، إلا أن يكون جاهلا فإن من السفهاء من يغضب على البهيمة إذا رمحته، ويوجعها ضربا ~~إذا آذته، وربما عثر السفيه فشتم موضع عثرته، ورفصه برجله!» # ويختم هذه الرسالة العالية، بالدعوة إلى المحبة الشاملة للإنسانية كافة: «... وينبغي لمحب ~~الكمال أيضا: أن يعود نفسه محبة الناس أجمع والتودد إليهم، والتحنن عليهم، والرأفة ~~والرحمة بهم؛ فإن الناس قبيل واحد متناسبون، تجمعهم الإنسانية، وحلية القوة الإلهية، هي في ~~جميعهم وفي كل واحد منهم، وهي النفس العاقلة، وبهذه النفس صار الإنسان إنسانا ...» ~~... وأخيرا كما يقول ms135 محيي الدين: «من صدقت سريرته، انفتحت بصيرته، ومن صدق مقاله ~~استقام حاله، وليس الدين كثرة صوم وصلاة؛ إنما الدين خوفك من الله، ومن صدق توجهه ~~لله أعطاه كل ما تمناه، ومن خاف الله مولاه، خاف منه كل ما سواه، بل سخرت له ~~الحياة.» # | عقيدة محيي الدين الإلهية # بقلمه # وكأنما نظر محيي الدين بلحاظ الغيب؛ فعلم أن الخصومات العمياء ستلاحقه بعد موته بالإفك ~~والبهتان، فسجل في مقدمة الفتوحات عقيدته الإلهية في الذات العلية؛ لتكون الحجة الكبرى ~~على من يتقول عليه ظلما وجهلا ... قال: «فيا إخوتي ويا أحبائي، رضي الله عنكم، ~~أشهدكم عبد ضعيف مسكين، فقير إلى الله - تعالى - في كل لحظة وطرفة، وهو مؤلف هذا ~~الكتاب ومنشئه، أشهدكم على نفسه بعد أن أشهد الله - تعالى - وملائكته ومن حضره من ~~المؤمنين وسمعه، أنه يشهد قولا وعقدا أن الله - تعالى - إله واحد لا ثاني له في ~~ألوهيته، منزه عن الصاحبة والولد، مالك لا شريك له، ملك لا وزير له، صانع لا مدبر ~~معه، موجود بذاته من غير افتقار إلى موجد يوجده، بل كل موجود سواه مفتقر إليه - تعالى - ~~في وجوده؛ فالعالم كله موجود به وهو وحده متصف بالوجود لنفسه، لا افتتاح لوجوده، ولا نهاية ~~لبقائه، بل وجود مطلق غير مقيد قائم بنفسه، ليس بجوهر متحيز فيقدر له المكان، ولا بعرض ~~فيستحيل عليه البقاء، ولا بجسم فتكون له الجهة والتلقاء، مقدس عن الجهات والأقطار، مرئي ~~بالقلوب والأبصار، إذا شاء استوى على عرشه كما قاله، وعلى المعنى الذي أراده، كما أن العرش ~~وما سواه به استوى، وله الآخرة والأولى، ليس له مثل معقول، ولا دلت عليه العقول، لا يحده ~~زمان، ولا يقله مكان، بل كان ولا مكان، وهو على ما عليه كان، خلق المتمكن والمكان، ~~وأنشأ الزمان، وقال: أنا الواحد الحي، لا يئوده حفظ المخلوقات، ولا ترجع إليه صفة لم يكن ~~عليها من صنعة المصنوعات. # تعالى أن تحله الحوادث، أو يحلها، أو تكون بعده، أو يكون قبلها، بل يقال: كان ولا شيء ~~معه، فإن القبل ms136 والبعد من صيغ الزمان الذي أبدعه؛ فهو القيوم الذي لا ينام، والقهار ~~الذي لا يرام، ليس كمثله شيء، خلق العرش وجعله حد الاستواء، وأنشأ الكرسي وأوسعه الأرض ~~والسموات العلى، اخترع اللوح والقلم الأعلى، وأجراه كاتبا بعلمه في خلقه إلى يوم الفصل ~~والقضاء، أبدع العالم كله على غير مثال سبق، وخلق الخلق وأخلق الذي خلق، أنزل الأرواح في ~~الأشباح أمناء، وجعل هذه الأشباح المنزلة إليها الأرواح في الأرض خلفاء، وسخر لنا ما في ~~السموات ما في الأرض جميعا منه؛ فلا تتحرك ذرة إلا إليه وعنه، خلق الكل من غير حاجة إليه، ~~ولا موجب أوجب ذلك عليه؛ لكن علمه سبق بأن يخلق ما خلق؛ فهو الأول والآخر والظاهر والباطن، ~~وهو على كل شيء قدير، أحاط بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عددا، يعلم السر وأخفى، يعلم خائنة ~~الأعين وما تخفي الصدور، كيف لا يعلم شيئا هو خلقه؟! # ألا يعلم ~~من خلق وهو اللطيف الخبير ~~؟ علم الأشياء منها قبل وجودها، ثم ~~أوجدها على حد ما علمها، فلم يزل عالما بالأشياء لم يتجدد له علم عند تجدد الإنشاء، ~~بعلمه أتقن الأشياء وأحكمها، وبه حكم عليها من شاء وحكمها، علم للكليات على الإطلاق، كما ~~علم الجزئيات بإجماع من أهل النظر الصحيح واتفاق، فهو عالم الغيب والشهادة؛ فتعالى الله ~~عما يشركون. # فعال لما يريد، فهو المريد الكائنات في عالم الأرض والسموات، لم تتعلق قدرته بشيء حتى ~~أراده، كما أنه لم يرده حتى علمه؛ إذ يستحيل في العقل أن يريد ما لا يعلم، أو يفعل المختار ~~المتمكن من ترك ذلك الفعل ما لا يريد، كما يستحيل أن توجد نسب هذه الحقائق في غير حي، كما ~~يستحيل أن تقوم الصفات بغير ذات موصوفة بها، فما في الوجود طاعة ولا عصيان، ولا ربح ولا ~~خسران، ولا عبد ولا حر، ولا برد ولا حر، ولا حياة ولا موت، ولا حصول ولا فوت، ولا نهار ~~ولا ليل، ولا اعتدال ولا ميل، ولا بر ولا بحر، ولا شفع ولا وتر، ولا جوهر ms137 ولا عرض، ولا صحة ~~ولا مرض، ولا فرح ولا ترح، ولا روح ولا شبح، ولا ظلام ولا ضياء، ولا أرض ولا سماء، ولا ~~تركيب ولا تحليل، ولا كثير ولا قليل، ولا غداة ولا أصيل، ولا بياض ولا سواد، ولا رقاد ولا ~~سهاد، ولا ظاهر ولا باطن، ولا متحرك ولا ساكن، ولا يابس ولا رطب، ولا قشر ولا لب، ولا شيء ~~من هذه النسب المتضادات منها والمختلفات والمتماثلات، إلا وهو مراد للحق - تعالى، وكيف لا ~~يكون مرادا له وهو أوجده؟ فكيف يوجد المختار ما لا يريد؟ لا راد لأمره ولا معقب لحكمه، ~~يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، ويضل ~~من يشاء، ويهدي من يشاء، ما شاء كان، وما لم يشأ أن يكون لم يكن، لو اجتمع الخلائق كلهم ~~على أن يريدوا شيئا لم يرد الله - تعالى - أن يريدوه ما أرادوه، أو يفعلوا شيئا لم يرد ~~الله - تعالى - إيجاده وأرادوه عندما أراد منهم أن يريدوه ما فعلوه، ولا استطاعوا على ذلك ~~ولا أقدرهم عليه؛ فالكفر والإيمان، والطاعة والعصيان، من مشيئته وحكمه وإرادته. # ولم يزل - سبحانه - موصوفا بهذه الإرادة أزلا، والعالم معدوم غير موجود، وإن كان ~~ثابتا في العلم في عينه، ثم أوجد العالم من غير تفكر ولا تدبر عن جهل أو عدم علم، فعطية ~~التفكر والتدبر علم ما جهل، جل وعلا عن ذلك، بل أوجده عن العلم السابق، وتعيين الإرادة ~~المنزهة القاضية على العالم بما أوجدته عليه من زمان ومكان، وأكوان وألوان، فلا مريد ~~في الوجود على الحقيقة سواه؛ إذ هو القائل - سبحانه: # وما تشاءون ~~إلا أن يشاء الله ~~، وأنه - سبحانه - كما علم فأحكم، وأراد فخصص، ~~وقدر فأوجد كذلك، ورأى ما تحرك أو سكن، أو نطق في الورى من العالم الأسفل والأعلى، لا ~~يحجب سمعه البعد فهو القريب، ولا يحجب بصره القرب فهو البعيد، يسمع كلام النفس في ~~النفس، وصوت المماسة الخفية عند اللمس، ويرى السواد في الظلماء، والماء في الماء، لا يحجبه ~~الامتزاج ms138 ولا الظلمات ولا النور وهو السميع البصير. # تكلم - سبحانه - لا عن صمت متقدم، ولا سكوت متوهم بكلام قديم أزلي كسائر صفاته من علمه ~~وإرادته وقدرته، كلم به موسى - عليه السلام، سماه التنزيل والزبور والتوراة والإنجيل، ~~من غير حروف ولا أصوات ولا نغم ولا لغات، بل هو خالق الأصوات والحروف واللغات؛ فكلامه - ~~سبحانه - من غير لهاة ولا لسان، كما أن سمعه من غير أصمخة ولا آذان، كما أن بصره من غير ~~حدقة ولا أجفان، كما أن إرادته في غير قلب ولا جنان، كما أن علمه من غير اضطرار ولا نظر في ~~برهان، كما أن حياته من غير غتر بخار أو تجويف قلب حدث عن امتزاج الأركان، كما أن ذاته لا ~~تقبل الزيادة والنقصان؛ فسبحانه سبحانه من بعيد دان، عظيم السلطان، عميم الإحسان، جسيم ~~الامتنان. # كل ما سواه فهو عن جوده فائض، وعدله الباسط له والقابض، أكمل صنع العالم وأبدعه؛ حين ~~أوجده واخترعه، لا شريك له في ملكه، ولا مدبر معه في ملكه، إن أنعم فنعم فذلك ~~فضله. # وإن أبلى فعذب فذلك عدله، لم يتصرف في ملك غيره فينسب إلى الجور والحيف، ولا يتوجه ~~عليه لسواه حكم، فيتصف بالجزع لذلك والخوف، كل ما سواه تحت سلطان قهره، ومتصرف عن إرادته ~~وأمره؛ فهو الملهم نفوس المكلفين التقوى والفجور، وهو المتجاوز عن سيئات من شاء، والآخذ ~~بها من شاء، هنا وفي يوم النشور، لا يحكم عدله في فضله، ولا فضله في عدله، أخرج العالم ~~قبضتين وأوجد لهم منزلتين، فقال: هؤلاء للجنة ولا أبالي، وهؤلاء للنار ولا أبالي. ولم يعترض ~~عليه معترض هناك؛ إذ لا موجود كان ثم سواه، فالكل تحت تصريف أسمائه، فقبضة تحت أسماء ~~بلائه، وقبضة تحت أسماء آلائه، ولو أراد - سبحانه - أن يكون العالم كله سعيدا لكان، أو ~~شقيا لما كان من ذلك في شأن؛ لكنه - سبحانه - لم يرد فكان كما أراد؛ فمنهم الشقي والسعيد، ~~هنا وفي يوم الميعاد لا سبيل إلى تبديل ما حكم عليه القديم، وقد قال - تعالى - في الصلاة: ms139 ~~هي خمس وهي خمسون، ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد، لتصرفي في ملكي وإنفاذ مشيئتي ~~في ملكي؛ وذلك لحقيقة عميت عنها الأبصار والبصائر، ولم تعثر عليها الأفكار ولا الضمائر ~~إلا بوهب إلهي وجود رحماني لمن اعتنى الله به من عباده، وسبق له ذلك بحضرة إشهاده، فعلم ~~حين أعلم أن الألوهة أعطت هذا التقسيم، وأنه من رقائق القديم، فسبحان من لا فاعل سواه، ~~ولا موجود لنفسه إلا إياه! والله خلقكم وما تعملون، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، ~~فلله الحجة البالغة، فلو شاء لهداكم أجمعين». # | أثر محيي الدين في النهضة الأوروبية # يقول كلود فاريرا، أحد مؤرخي فرنسا وأدبائها: إن هزيمة العرب في بواتيه، قد أخرت ~~المدينة الغربية ثمانية قرون. # ويستطيع كلود فاريرا أيضا أن يقول: إن فتح العرب لإسبانيا، والتقاء أوروبا بالحضارة ~~الإسلامية في الأندلس هو الذي غير مجرى التاريخ الأوروبي، وهو الذي بعث أوروبا ووضع ~~أقدامها على الطريق العريض، الذي ذهب بها إلى حضارتها العلمية الحديثة. # لقد كانت المعاهد العلمية الإسلامية في الأندلس، هي المنارات التي ترسل الهدى والنور إلى ~~أرجاء أوروبا، وهي المناهل العذبة التي هرع إليها رجال الطليعة الأوروبية، ليتزودوا من ~~معارفها ويقتبسوا من نورها، ثم يعودون إلى بلادهم مبشرين ومنذرين وداعين إلى العلم والفكر ~~الإسلامي. يقول «جونس» المؤرخ المعاصر لفولتير: لقد كانت تعاليم ابن رشد هي الراية التي ~~يتقاتل حولها الأحرار من رجال الفكر الأوروبي، وكانت كتب الرازي وابن سينا هي القمم العالية ~~في معاهد الطب ومدارس العلم في إيطاليا وفرنسا. # بل أعظم من هذا في الدلالة وأعجب: أن النهضة الدينية نفسها في أوروبا، تدين لمسلمي ~~الأندلس عامة، ومتصوفة الأندلس خاصة، بالبعث والحياة. # لقد كانت المعارف الدينية في أوروبا طلاسم وأحجية وأسرارا، تظللها أردية الرهبان ~~المقدسة، وتحتكرها طوائفهم أصحاب القسوة العالمية، معارف مظللة لا تقبل جدلا ولا حوارا، ~~ولا تطيق علما، ولا ترضى منطقا، بل تسخر كل ما ترى لأهوائها ونزواتها، متعالية مترفعة ~~لا تعلل ولا ترضى أن يسألها إنسان عما تفعل. # وكان رجالها يبيعون ms140 الجنة، ويهبون الفردوس الأعلى، لكل من يدفع مالا، أو يرضي شهوة، أو ~~يعين على مآرب من مآرب السياسة والهوى. # ثم نظرت أوروبا بعين الإجلال والدهشة إلى المعارف الدينية الإسلامية في الأندلس، وهي ثروة ~~مباحة لكل قاصد، ومنهل يتدفق لكل راغب، وساحة للآراء، ومنتدى للمناطقة، ومجالا لكل صوال ~~وقوال؛ فلا أسرار ولا أقنعة، ولا لاهوت مخبوء تحت أردية الكهان والرهبان، محاط بالأسرار ~~والظلمات، بل معارف وعلوم تساهم في أحداث الحياة، وتشرح مواقف العقول ومعضلات الفكر، وتلين ~~لكل مجتهد، وتفتح صدرها لكل متفنن مبتكر، وتهب نورها بالقسط لكل مؤمن. # نظرت أوروبا إلى تلك الحرية الهائلة، التي يتمتع بها العرب في النظر إلى الدين الإسلامي، ~~وإلى تلك القوة الهائلة المتفجرة من ينابيع الهدي المحمدي؛ فأقبلت عليه تسترشد وتتزود، ثم ~~تعيد نظرها في لاهوتها المسيحي؛ محاولة أن تنفخ فيه الحياة وأن تلقحه بالمنعشات، وأن تمسه ~~بسحر الحرية، وأن تنقله من أبراجه إلى الأفق العام؛ ليكون آية للناس كافة، لا حماية للقسس ~~والرهبان فحسب. # يقول الأستاذ العقاد في كتابه «أثر العرب في الحضارة الأوروبية»: «إن الفلسفة الصوفية ~~الإسلامية هي الطريق التي ظهر منها ما ظهر من آثار التفكير الجديد في العالم المسيحي، وفي ~~العقائد الأوروبية على الإجمال، ونظرة واحدة إلى أرقام السنين التي ازدهر فيها اللاهوت ~~المسيحي، ونجحت فيها دعوة الإصلاح الديني، ترينا أن ذلك لم يحدث قبل احتكاك أوروبا بالحضارة ~~الإسلامية في الأندلس.» # ويشير العلامة «نيكولسون» في مجموعة تراث الإسلام إلى المشابهات بين أقوال الصوفية ~~المسلمين، وأقوال الصوفية الأوروبيين من الأقدمين مثل: إكهارت الألماني، والمحدثين مثل: ~~إدوارد كاربنتر الإنجليزي، ثم يقول: «إن النهضة الأوروبية لم تظهر لها علامة واحدة قبل ~~الاحتكاك بينهم وبين المسلمين، فإن دروس العرب في جامعات الأندلس حضرها رجال الدين والدنيا ~~في سائر أنحاء أوروبا ...» # تلك شهادة كاتب أوروبي معاصر، صريحة في أن النهضة الأوروبية لم تظهر لها علامة واحدة قبل ~~الاحتكاك بينهم وبين المسلمين، وصريحة أيضا في أن دروس العرب في جامعات الأندلس قد حضرها ~~رجال الدين والدنيا في سائر ms141 أنحاء أوروبا، ثم انقلبوا إلى شعوبهم مبشرين وداعين إلى العلم ~~الجديد المشرق في سموات الأندلس. # ثم يواصل «نيكولسون» بحثه في أثر الأندلس في البعث الأوروبي فيقول: «إن ابن عربي عبقري ~~الإسلام في الأندلس، بدراساته الجريئة في الإلهيات، ومشاهداته الكبرى في عالم الروح، قد ~~عبد السبل أمام اللاهوت المسيحي للنهوض والتحلل من القيود.» ثم يقول: «وأثر ابن عربي في ~~النهضة الأوروبية لم يقتصر على هذا، بل له آثاره في بعث الأدب الأوروبي أيضا، فإذا قابلنا ~~بين ما كتبه دانتي مثلا حينما نظم الكوميديا الإلهية وبين ما كتبه ابن عربي، نرى أن دانتي ~~قد تتلمذ على ابن عربي تلمذة واضحة في النهج والأسلوب والطريقة، بل وفي الصور والأمثال ~~والاصطلاحات والأساليب الفنية.» # وليس «نيكولسون» وحده هو الذي يقول هذا، بل نرى أيضا المستشرق الكبير «آسين بلاسيوس ~~الإسباني» يشهد بأن نزعات دانتي الصوفية في كتبه، وأوصافه لعالم الغيب مستمدة من ابن عربي ~~بغير تصرف كبير، ثم يقول بعد ذلك: «إن ابن عربي هو الأستاذ الحقيقي للنهضة الصوفية الدينية ~~في أوروبا.» ولنستمع إليه إذ يحدثنا قائلا: «ومن المعلوم: أن أول الفلاسفة الصوفيين من ~~الغربيين وهو «جوهان إكهارت الألماني» قد نشأ في القرن التالي لعصر ابن عربي، ودرس في جامعة ~~باريس، هي الجامعة التي كانت تعتمد على الثقافة الأندلسية في الحكمة والعلوم، وإكهارت يقول ~~كما يقول ابن عربي بأن الله هو الوجود الحق، لا موجود على الحقيقة سواه، وأن الحقيقة ~~الإلهية تتجلى في جميع الأشياء، ولا سيما روح الإنسان التي سعادتها الكبرى في الاتصال بالله ~~عن طريق الرياضة والمعرفة، والتسبيح والتحميد، وأن صلة الروح بالله، ألزم من صلة المادة ~~بالصورة، والأجزاء بالكل، والأعضاء بالأجسام. # ومن هذه الفلسفة قبسات واضحة في مذهب «سبينوزا»، الذي نشأ في هولندا، وأصله من يهود ~~البرتغال، الذين أكرهوا على الدين المسيحي، فقد كان كلامه عن الذات والصفات، وتجلي الخالق ~~في مخلوقاته، وتلقي الخلق نور المعرفة الصحيحة بالبصيرة والإلهام، نسخة من فلسفة ابن ~~عربي. # والفيلسوف المتصوف الإسباني «رايمو ندلول» قد اقتبس معارفه عن ms142 أسماء الله - تعالى - ~~وأثرها في الكون، من كتاب ابن عربي: «أسماء الله الحسنى». وكان رايموند يحسن العربية، وعاش ~~بعد ابن عربي، فانتحل الكثير من تراثه، وراح يزود المكتبة الأوروبية بالروائع التي تدل ~~معانيها في وضوح وجلاء على صحة أبوة محيي الدين لها؛ لاسيما وهذا اللون من العلوم لم تعرفه ~~من قبل الديانة المسيحية.» # ولسنا هنا نتصيد الدلالات على أثر محيي الدين في النهضة الأوروبية الحديثة بشقيها الديني ~~والأدبي، فكتب التاريخ الأوروبي عامة، وكتب رجال الاستشراق خاصة، تشهد بأن ابن عربي ~~الفيلسوف الصوفي - كما يسمونه - كان له أكبر الأثر في عقول النساك ورجال الإصلاح الديني ~~والمتصوفة من فقهاء المسيحية الذين ظهروا بعده، بل إن مذهبه العالمي في المحبة الذي يمثله ~~قوله: # أدين بدين الحب أنى توجهت # ركائبه فالحب ديني وإيماني # قد اتخذه فقهاء المسيحية، بل ورجال الإصلاح فيها لهم شعارا ودثارا. # ولقد ذهب بعض المستشرقين إلى أن أثر ابن عربي في الإصلاح الديني في اللاهوت المسيحي، لا ~~يقل عن أثر مارتن لوثر نفسه، أو على الأقل هو الذي مهد له الطريق، وأنار الجادة بهتافه ~~الحار للحرية الفكرية، والحرية العلمية في تناول المعرفة، وبدعوته إلى الاجتهاد، وفتح بابه ~~للناس كافة، وعدم تقديس الآراء السابقة، بل وعدم التقيد بقيودها؛ ما دامت قد صدرت عن عقول ~~بشرية، لا من حقائق إلهية. # كما كان له أكبر الأثر في الأدباء الربانيين، من أمثال دانتي وغيره، حتى ليقول المستشرق ~~«آسين» الإسباني: «إن أوصاف الجنة والنار، والعروج إلى السماء، والأقباس الروحية، والنشوة ~~القلبية في الأدب الأوروبي الحديث، كلها تستمد أصولها الأولى من ابن عربي وفلسفته الكبرى، ~~التي نشرت أجنحتها الفضية قرونا على الأفق الغربي.» # ذلك بعض ما يقال في أثر محيي الدين في النهضة الأوروبية، وذلك بعض ما يقوله أئمة القلم ~~في أوروبا عن محيي الدين، وعن فلسفته الكبرى التي نشرت أجنحتها الفضية قرونا على الأفق ~~الغربي. # الأفق الغربي، الذي يأتي من ضفافه أحد المعجبين ببروقه اليوم، من المتعالين من رجالنا، ~~فينظر إلى محيي الدين ويبتسم، ويقول: من ms143 محيي الدين؟ # فيعيد من جديد قصة الناموسة التي تنفخ على الجبال ... # | المدرسة الأكبرية # التصوف الإسلامي كأفق عام، وحدة متسقة متحدة الأهداف والغايات، ولكن الطريق إلى الله - ~~كما يقول المتصوفة - على عدد أنفاس الرجال؛ ومن هنا تعددت المدارس الصوفية، واتسمت كل مدرسة ~~بطابع إمامها، وتلونت بمناهجه ومعارفه. # فللمدرسة الغزالية طابعها القلبي المشرق، ودعوتها الحارة إلى مكارم الأخلاق، وفضائل ~~الأعمال. # وللمدرسة الجنيدية، سمتها في التربية والتصفية، ورسالتها في الفقه والتوحيد. # وللمدرسة الشامية، الدقائق والرقائق، ومحاسبة النفس وتزكيتها، وعصمة الجوارح ~~وتطهيرها. # وللمدرسة الحلاجية، مواجيدها وألحانها، وسبحاتها في المحبة والفناء؛ وهكذا المدارس ~~الصوفية قديمها وحديثها، لكل منها ذوقه ومشاهده ومناهجه. # ولكن مدرسة من تلك المدارس، لم تحدث في عالم الفكر دويا كما أحدثت المدرسة الأكبرية ~~التي تنتسب إلى الشيخ الأكبر. # وليس مرجع هذا أنها أكثر هذه المدارس أتباعا، وأضخمها جمهورا؛ وإنما مرجعه أنها مدرسة ~~العقل الجبار المحلق، مدرسة الثقافة السامقة الشامخة، مدرسة الروحانية في صولتها ~~العنيفة الفاتحة. # ومن هنا تتلمذ على هذه المدرسة أضخم العقول التي عرفها الفكر الإسلامي، ومشى تحت مواكبها ~~الصفوة المختارة المنتقاة من رجال الروح والإيمان. # وامتد أفق هذه المدرسة إلى خارج الحدود الإسلامية؛ فاجتذبت إليها كل عقل قوي، وكل روح ~~كبير، وأشاعت داخل الأفق الإسلامي نورا سار على هديه رجال على بصيرة من أمرهم، وعلى يقين ~~من رسالتهم فحملوا الشعلة المقدسة، وراحوا يحفظون للقلب الإسلامي تشرفه إلى أعلى قمم ~~الإيمان، ويضيفون إلى الروحانية الإسلامية خاصة والروحانية العالمية عامة الزاد الحي القوي ~~بكل ثمراته ووثباته وفتوحاته. # يقول الدكتور زكي مبارك: # 1 ~~«... إن ابن عربي لا نعرف أهميته إلا إذا فكرنا جيدا فيما ترك من ثروة ضخمة، يجب ~~أن نتذكر أنه ترك ألوف الصفحات، ومئات القصائد، وفي كل صحيفة ثورة فكرية، وفي كل قصيدة وثبة ~~وجدانية، وأنه راض اللغة على الطواعية للرموز والإشارات، وأنه علم الناس كيف يخوضون في ~~أخطر الأحاديث ثم يسلمون، وأنه هضم ما درس من الفلسفة اليونانية، ومن أصول الديانة ~~اليهودية والديانة المسيحية والديانة الإسلامية، ثم أحال ذلك كله ms144 إلى مزاج من الفكر الفلسفي ~~الدقيق يعز على من رامه ويطول. # ويجب أن نتذكر خطر المؤلفات التي صنفت في الرد عليه أو الدفاع عنه؛ فتلك حركة فكرية لا ~~يمكن إغفالها عند تقويم أثر ذلك الباحث الجليل، ولا يتسع المجال لبيان أثر ابن عربي فيمن ~~جاء بعده من المفكرين؛ فذلك شيء ضخم عظيم.» # ثم يقول: «ولكن هل وقف تأثير ابن عربي عند البيئات الإسلامية؟ لا، فقد سرى روحه إلى ~~البيئات المسيحية ولون أفكارها، إن ابن عربي شغل الناس في عصره وبعد عصره، وكان النصارى ~~في الأقطار الإيطالية والفرنسية والإسبانية، يتشوقون إلى المعارف الإسلامية الصوفية التي ~~أذاعها. # ويكفي أن يتذكر القارئ، أن ابن عربي سيشغل الناس ما دام في الدنيا إنسان يهمه درس التصوف ~~الإسلامي، وسيشغل الناس ما دام في الدنيا إنسان يهمه الوقوف على ما صنع الذكاء في درس أسرار ~~الوجود.» # ويحدثنا الدكتور عبد الحليم محمود في كتابه القيم «الفيلسوف المسلم»، ويعني به «العلامة ~~رينيه جينو» أو عبد الواحد يحيى، عن مجلة عربية إيطالية كانت تصدر في القاهرة عام 1907م، ~~وتسمى النادي، فيقول: «كانت الروح التي تسود هذه المجلة هي روح الشيخ الأكبر محيي ~~الدين، وكانت هذه المجلة تعتبر طليعة لمجلات أخرى صدرت فيما بعد في فرنسا، وساهم فيها ~~«جينو» بحظ وافر، وكان من ألمع محرري مجلة النادي؛ سواء ذلك قسمها العربي، أو قسمها ~~الإيطالي عبد الهادي - وعبد الهادي هذا من أصل لتواني فلندي - ونشأ مسيحيا، وكان اسمه: ~~إيفان جوستاف، ثم اعتنق الإسلام، وتعلم العربية، وأخذ يكتب في المجلة المقالات، ويطبع فيها ~~الرسائل الصوفية الإسلامية من مؤلفات الشيخ الأكبر ويترجم بعض النصوص.» # وأعجب الشيخ عليش الكبير بعبد الهادي، فكتب مقالا في مجلة النادي، شكره فيه على ما أداه ~~للحضارة من خدمة جليلة، هي تعريف الناس بمحيي الدين، وكان من ثمرات هذا المقال، أن أعلن في ~~العدد التالي عن تأليف جمعية في إيطاليا وفي الشرق الأوسط لدراسة ابن عربي، وسميت ~~الأكبرية، ووضعت منهاجا، هو التالي: ~~(1) # دراسة ونشر تعاليم الشيخ محيي الدين؛ سواء ms145 ما يتصل منها بالشريعة وما يتصل ~~بالحقيقة، والعمل على طبع مؤلفات تلاميذه وشرحها، وإلقاء محاضرات خاصة به، ~~وأحاديث تشرح آراءه. ~~(2) # جمع أكبر عدد ممكن من محبي الشيخ ابن عربي، وعقد صلة قوية بينهم تقوم على ~~الأخوة، وتؤسس على الترابط الفكري بين النخبة الممتازة من الشرقيين ~~والغربيين. ~~(3) # تقديم المساعدة المادية والتشجيع الأدبي لمن هم في حاجة إلى ذلك، ممن ~~يتبعون الطريق الذي اختطه محيي الدين بن عربي، وعلى الخصوص هؤلاء الذين ~~ينشرون دعوته بالقول أو بالعمل. ~~(4) # ولا يقتصر عمل الجمعية على ذلك، بل يتعداه أيضا إلى دراسة مشايخ الصوفية ~~الشرقيين كجلال الدين الرومي مثلا؛ بيد أن مركز الدائرة يجب أن يستمر ابن ~~عربي. ~~(5) # ولا صلة للجماعة قط بالمسائل السياسية مهما كان مظهرها؛ إذ إنها لا تخرج عن ~~دائرة البحث في الدين والحكمة. # وحمل جينو راية الجهاد في هذه الجمعية، فاستمر يبني على ما أسسته الأكبرية، تلك الجماعة ~~التي تنهج نهج الشيخ الأكبر، وهو أسمى مظهر للتصوف الإسلامي والعقيدة الإسلامية. # وأقام جينو في القاهرة يؤلف الكتب، ويكتب المقالات، ويرسل الخطابات إلى جميع أنحاء ~~العالم، كان حركة دائبة، حركة فكرية وروحانية، ترسل بسنائها إلى كل من يطلب الهداية ~~والرشاد. # وفي المغرب العربي، وفي دمشق، كان الأمير المجاهد عبد القادر الجزائري من العاملين في حقل ~~الروحانية الأكبرية، وكذلك كان ولا يزال الأمير المقاتل عبد الكريم الخطابي، وشقيقه البطل ~~الأمير محمد الخطابي، ولقد حدثنا الأمير أنه كان يقرأ الفتوحات المكية وهو في ساحات ~~القتال. # وهنا وهناك، وفي كل مكان يرتفع فيه صوت التكبير بالتوحيد، أو دوي الطبول للجهاد، ترى ~~العلماء من رجال الفكر، والمقاتلين من أولي البأس، تلاميذ أوفياء للمدرسة الأكبرية ولشيخها ~~الأكبر. # | الشيخ الأكبر # التصوف هو قلب الإسلام الخافق بالشوق والمحبة، وهو أيضا فلسفة الإيمان، التي ظفرت ~~بالعلوم الكونية، وآمنت في الإلهيات لاعتمادها على الدين والوحي. # وبالتالي فالمتصوف الإسلامي، هو صاحب العلم المحيط الشامل لجميع الحقائق، هو الفيلسوف ~~العالمي، الذي جمع المعارف كافة، وتميز بإيمان، يمشي في مواكب الأنبياء، وهدى الرسل، ورضاء ~~الله ومحبته. ms146 # وإذا قلنا: التصوف هو الفلسفة الكاملة، فإننا نقصد إلى هذه الكلمة قصدا، ونتجه إليها عن ~~عمد، ونحن نعلم أن السفهاء من الناس سيقولون كما قال بعض أربابهم من رجال الاستشراق: إن ~~قيود الإسلام قد حجرت على العقول في المجتمعات الإسلامية؛ فباعدت بينها وبين الفكر ~~والفلسفة. وسيقولون أيضا، كما قال بعض أربابهم من متعصبي أوروبا: إن الأمة الإسلامية عامة، ~~والعربية خاصة لم تعرف التفكير الفلسفي والنهج العلمي، ولن تعرفهما؛ لقصورها الذاتي، ~~وحياتها الفاترة الجامدة على شواطئ الأوهام والخيالات. # لقد جالت العقول الإسلامية في المعارف الكونية، جولاتها الموفقة الفاتحة، وتناولت فيما ~~تناولت المسائل الفلسفية الكبرى على ضوء إيمانها وكتابها الرباني، كما جال المتصوفة بصفة ~~خاصة في آفاقها وسمواتها ومعارجها. # وإنما الفرق بينهم وبين فلاسفة اليونان أنهم لم ينظروا في المسائل الفلسفية لذاتها، ~~كموضوعات علم مستقل مرتبط الأجزاء، بل اعتبروها مسائل دينية منطوية تحت أجنحة رسالتهم ~~الكبرى؛ فعالجوها على هذا الضوء، وتناولوها على هذا الهدى. # وإذن؛ فالفلسفة عندهم لم تجرد من الدين ولم تفصل عنه، ولم ترتب مسائلها في علوم ~~مستقلة قائمة بذاتها، خارجة عن دائرة الوحي والإيمان؛ ولهذا لم يؤلف المتصوفة الإسلاميون ~~كتبا في المنطق والجدل لبيان أصولهما وطرقهما، ولم يتركوا دراسات في المناهج العلمية التي ~~تصعد بالاستقراء من الجزئي إلى الكلي، وتنزل بالقياس من الكلي إلى الجزئي؛ ولكنهم مع ذلك ~~جادلوا وتحاكموا إلى المنطق، وأوضحوا الطرق، ومهدوا السبل، وقاسوا جريا مع فطرة العقل، دون ~~تقيد بحرفية القواعد، ما دامت روح تلك القواعد قد سلمت وعاشت، وترعرعت تحت ظلالهم. # ولم يؤلف المتصوفة الإسلاميون كتبا في علم النفس والأخلاق، ولا في تعريف الجسم والحركة ~~والزمان والمكان، على نحو المنهج اليوناني والنهج الأوروبي. # ولكنهم بلا ريب قد تركوا مكاتب الإسلام عامرة زاخرة بأروع الدراسات النفسية والخلقية، ~~وأنضج الآراء في تعريف الأجسام والحركات، وخصائص الزمان والمكان. # فالذي يجرد الإسلام من الفلسفة، هو الذي يتمسك بقشور الفلسفة أو وثنياتها، أما من ينشد ~~الروح والجوهر والإيمان، فقد بلغ بهم المتصوفة الإسلاميون أعلى قمم التصعيد والتفوق. # ومحيي الدين، ms147 هو المثل الكامل للصوفي الفيلسوف المسلم، الذي أحاط بمعارف عصره، بل وسبق ~~ذلك العصر، إلى آفاق لا تزال الإنسانية تجهد قواها، وتحشد مواهبها للوصول إليها. # كما اختص محيي الدين بفيض دافق من الينابيع والإلهامات القلبية، أو بلغة التصوف بالهبات ~~والعطايا الربانية، وهي موارد إلهية لا تنفد ولا تحد، ولا تسامقها عزمات، ولا تطاولها ~~معارف؛ وإنما هي فيوضات تتنزل من لدنه - تعالى - على قلوب عباده، وألسنة محبيه، وأقلام من ~~اصطفاهم واجتباهم لحمل أمانة العلم ورسالة المعرفة. # ولا يمكننا، ونحن نؤرخ لعبقرية محيي الدين وفلسفته أن نطبق عليه ما اصطلحت عليه الأقلام ~~من استنطاق الهيئة، وتقصي الدراسات التي تزود بها، والدوافع والكوامن النفسية التي أحاطت ~~به، وتفاعلت مع عواطفه وأحاسيسه؛ فكونته وصاغته. # لا يمكننا هذا؛ لأن محيي الدين عجيبة من عجائب التصوف، وصنيعة من صنائع الإيمان، ولطيفة ~~من لطائف التقوى، وقبسا من أقباس النور الذي يشرق في الأرواح المتطهرة العابدة. # إن محيي الدين، لم تكونه عوامل المحبة الجنسية، التي تكون الشعراء والأدباء، ولم ~~تصقله الشكوك والريب والقسوة، التي تلهب الأذكياء، ولم تدفعه عوامل البيئة والزمان والمكان ~~إلى الوثوب والاعتلاء. # وإنما صاغته سبحات الروح، وكونته إلهامات القلب، وأبرزته الجلوة والخلوة، والحضرة ~~والمحبة، ورعته وحبته عناية الله، التي ترعى وتحابي المؤمنين، وتعلم وتلقن العابدين ~~الساجدين، الذين قعدوا على بابه الأسنى، مجردين حتى من أنفسهم في انتظار النفحات والهبات، ~~فدخلوا تحت ظلال الآية الكريمة: # عبدا من عبادنا آتيناه ~~رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما ~~. # طريقته في التأليف # يقول محيي الدين: «فإن تأليفنا هذا وغيره لا يجري مجرى التآليف ولا نجري فيه نحن مجرى ~~المؤلفين؛ فإن كل مؤلف إنما هو تحت اختياره، وإن كان مجبورا في اختياره، أو تحت العلم ~~الذي تعلمه خاصة، فيلقي ما يشاء ويمسك ما يشاء، أو يلقي ما يعطيه العلم وتحكم عليه ~~المسألة التي هو بصددها، حتى يبرز حقيقتها، ونحن في تأليفنا لسنا كذلك؛ إنما هي قلوب ~~عاكفة على باب الحضرة الإلهية، مراقبة لما ينفتح له الباب، فقيرة خالية من كل ms148 علم، لو ~~سئلت في ذلك المقام عن شيء، ما سمعت لفقدها إحساسها، فمهما برز لها من وراء ذلك ~~الستر أمر ما، بادرت لامتثاله وألقته على حسب ما حد لها في الأمر.» # قلوب عاكفة على باب الحضرة الإلهية، مراقبة لما ينفتح له الباب، هذا هو صفوة ما يقال ~~في عبقرية أهل الله، ومن هذا الباب كانت معارف محيي الدين، معارف متلاحقة متدفقة، ~~ممتزجة متداخلة متشابكة، أشبه بدائرة المعارف، التي ليست لها أبواب ولا مناهج، بل هي ~~بحار زاخرات متلاطمة المعاني جبارة الأمواج. # يقول رجال الدنيا: إن العبقرية صبر طويل وكفاح مرير، أما رجال التصوف فالعبقرية عندهم ~~سجود القلب الطويل، في محراب النور والهدى، والمجاهدة المريرة الشاقة، التي توصل إلى ~~الباب الأسنى. # العبقرية العلمية عند رجال التصوف منحة وخلعة، وهبة مستفادة من صفاء الروح وطهارة ~~القلب، ومراعاة الله مع الأنفاس؛ فلا يصعد نفس ولا يهبط إلا بذكر الله وخشيته، والشوق ~~الحار المشبوب بمحبته وسجود القلب تحت ظلال رؤيته. # وسجود القلب عزم عظيم، لا يطيقه إلا الفحول من أهل الحظوة والفتوة، وملازمة الباب ~~مجردا من كل شيء حتى من نفسه، مجردا لربه قاصدا إليه؛ فحينئذ تهبط الخلع والمنح، ~~وتترى الهبات والنفحات، وتتنزل العلوم، وتتدفق في القلب ينابيع من المعارف لا تحد ولا ~~تحصر، # واتقوا الله ويعلمكم الله ~~. # كتب محيي الدين، إلى فخر الدين الرازي، الإمام العلامة صاحب التفسير المعروف، رسالة ~~يبين له فيها نقص درجته في العلم عن أهل الله: «اعلم يا أخي - وفقنا الله وإياك - ~~أن الرجل لا يكمل عندنا في مقام العلم حتى يكون علمه عن الله - عز وجل - بلا واسطة من ~~نقل أو شيخ، فإن كان علمه مستفادا من نقل أو شيخ، فما برح عن الأخذ من المحدثات، وذلك ~~معلول عند أهل الله - عز وجل، ومن قطع عمره في معرفة المحدثات وتفاصيلها، فاته حظه من ~~ربه - عز وجل؛ لأن العلوم المتعلقة بالمحدثات يفني الرجل عمره فيها ولا يبلغ إلى ~~حقيقتها، ولو أنك يا أخي سلكت مسلك أهل الله - عز وجل ms149 - لأوصلك الله - تعالى - إلى ~~حضرة شهوده؛ فتأخذ عنه العلم وما أدراك ما هذا العلم الذي من رجاله الخضر - عليه ~~السلام.» # ذلك هو علم المتصوفة، وهذا هو المصدر الأعلى لمعارف محيي الدين، ومن يرد أن يعرف ~~محيي الدين، فليلتمس له بابا إلى تلك المعارف؛ ويومئذ يعرف محيي الدين، وما أدراك ما ~~محيي الدين؟! ثم ما أدراك ما محيي الدين؟! # مكانته من الفكرة والأسلوب # محيي الدين هو المثل الأعلى للأرستقراطية العقلية، كما هو المثل الكامل للأديب ~~المثالي، وإذا كان الشعراني، يمثل معارفه بالنسبة إلى معارف المتصوفة بإكسير الذهب ~~بالنسبة إلى الذهب، فإن أسلوبه البياني - كما يقول بعض رجال الاستشراق - يشبه عمل ~~الفنان المدقق الذي يتخير الدرر الغالية، بأكبر عناية، وأقصى حساسية، أكثر مما يشبه ~~الثمار الأولى لنوبة من نوبات النشوة الروحية. # أسلوب محيي الدين، أسلوب الفنان المدقق، الذي يتخير جواهره ولآلئه، بعناية المتذوق ~~الخبير، وحساسية الفنان القدير؛ فهو لا يشغلك بالألفاظ مع روعتها عن المعاني، ولا ~~بالمعاني على سموها عن الألفاظ، بل لكل نصيبه ومكانه؛ فهو العالم الأديب، والأديب ~~العالم، في كل جملة له معركة عقلية، وصورة بيانية، والقوة لديه قوة فكر وبيان، لا قوة ~~زخرف وتهويل. # ولقد قسم علماء البلاغة تأثيرها إلى قسمين: فالتأثير في العقول عمل الموهبة ~~المعلمة المفسرة، والتأثير في القلوب عمل الموهبة المشرقة الجاذبة. # ولقد جمع محيي الدين بين الموهبتين؛ فهو لدى العقول المعلم المفسر الذي ~~يعرض عليك ألوانا متتابعة من شتيت الصور والمعاني، على سنان قلم عبقري، يجمل ~~ويفصل، وهو لدى القلوب العازف الماهر، المترنم بالألحان والمواجيد، الذي يهبط ~~بالمعارف من خدورها، فيزفها إليك مجلاة محلاة بالإشراق والنور. # ولمحيي الدين أكبر الأثر في لغة التصوف، فلقد نقلها من لغة القلوب إلى لغة العقول ~~ومزج بينهما؛ فكان منهما معا أسلوب محيي الدين الذي تميز به وعرف عنه، وعاش به ~~وله، والذي وثب به وثبات عقلية ولغوية جبارة، تضيفه إلى المبتكرين ~~العالميين. # ثم تأتي بعد ذلك خصوصية لمحيي الدين لا يشاركه فيها سواه، وهي سره كما أنها مفتاحه، ~~وذلك ms150 أن قارئ محيي الدين، يحس بعد قراءته بأنه قد خلق خلقا جديدا، وأنه اطلع على ~~آفاق من الفكر والبيان لم يكن له بها عهد، ثم يشعر بعد ذلك بحب غلاب قهار، يربطه ~~بمحيي الدين ويمسكه لديه، ثم يرى، إذا كان من أهل الرضا، في كل كلمة من كلام محيي الدين ~~محرابا وبابا للسماء. # شخصيته # مقام محيي الدين بين رجال التصوف هو مقام السلطنة، ولعل هذا المقام قد اشتق من ~~مكانته وشخصيته. # ولقد أجمع رجال التاريخ على أن محيي الدين، قد تميز بشخصية جبارة غلابة، لها جلال ~~ورواء وبهاء، وسمت ووسامة ووقار، تخشع لديه الطغاة ويرجف منه المتكبرون. # حتى إن خصومه كانوا إذا واجهوه خنعوا والتمسوا لديه عفوا، ومنه تسامحا، وأقبلوا ~~يتمسحون بأطرافه، ويتبركون بنجواه، ويرجون مغفرة ورضا. # ولقد مر بنا أن محيي الدين كان في مجالسه مع الملوك الناصح الموجه، الذي يقرع ~~بكلمة الحق القوية أسماعهم؛ فيسارعون إلى الإجابة والإنابة. # ورأينا ملك قونية يلقبه بالوالد، وملك حلب يخاطبه بالمولى، والملك العادل الأيوبي ~~يلتمس منه إجازة بخطه تبيح له قراءة كتبه وروايتها. # ثم يحدثنا التاريخ أن ملك الروم سعى يوما إليه ليزوره وينتفع بعلمه، فلما خرج من ~~عنده خرج مصفر الوجه مرتعد الجوارح، فسأله بعض رجاله عن حاله، فقال: هذا رجل تذعر منه ~~الأسود. # وسئل محيي الدين عن سر ذلك الرعب الذي يأخذ بالملوك والأمراء والسادة في مجالسه، ~~فقال: «لقد خدمت بمكة رجلا صالحا، فدعا الله أن يذل لي أعز خلقه.» # محيي الدين الذي سعى إليه الملوك، وذل له الأمراء والسادة، صاحب السلطنة والشخصية ~~الآخذة الزاحفة، كان آية الآيات في الزهد والقناعة والتواضع؛ لأنه مؤمن، والمؤمن يعرف ~~أول ما يعرف قدر نفسه، وحقيقة واجباته، ولون رسالته. # هو العزيز القوي لدى الملوك والأمراء والسادة؛ لأنه يحب أن يقرع أسماعهم بكلمة الحق، ~~يحب أن ينتزع من مخالبهم حقوق الضعفاء ولا سبيل إلى ذلك إلا بالقوة والعزة. # كان محيي الدين آية التواضع للضعفاء، بل الخادم الساعي في ركاب الصالحين والأولياء، ~~خدم في إشبيلية امرأة ms151 عجوزا عابدة، وخدم في مكة رجلا صالحا فقيرا، وكان يسعى دائما ~~إلى أمثاله خادما ومعينا، وهذا فرق ما بين عظماء المتصوفة وعظماء الدنيا. # ولعل من أسرار قوته الروحية العظمى، التي هي أساس بناء الشخصية الكاملة: عزمه القوي ~~الذي تميز به، عزمه الذي سلطه على نفسه؛ فأخضعها وسيرها وتولاها حتى في ~~منامها. # يقول ابن شودكين عنه: «كان محيي الدين يقول: ينبغي للعبد أن يستعمل همته في الحضور ~~في مناماته؛ بحيث يكون حاكما على خياله يصرفه بعقله نوما، كما كان يحكم على يقظته، ~~فإذا حصل للعبد هذا وصار خلقا له وجد ثمرة ذلك، وانتفع به في كل شيء.» # ولقد كان من ثمرات هذا العزم الجبار: المساهمة في بناء هذه الشخصية الجبارة المهابة، ~~التي تحكمت في خيالها في يقظتها ومنامها. # | رجل الأسرار # معارف محيي الدين أمة قائمة بذاتها، معارف شاملة، محيطة بكل ما في هذا الكون من ألوان ~~العلوم والمعارف. # ومحيي الدين مقتحم غواص، يدفع بقلمه العبقري إلى النقطة الصغيرة، التي تكاد لا ترى فيجول ~~بقلمه فيها، فإذا بها تكبر وتتسع حتى تتحول إلى دائرة كبرى، تضم بين محيطها أقصى ما يتصور ~~الخيال من ألوان وفنون. # وإذا تناول هذا الملهم الفياض مسئلة من المسائل، عرض لها من وجهة العلم الظاهري، ثم ينتقل ~~إلى أسرارها في الباطن فترى عجبا، وسواء لديه أكانت أحاديثه في الفقه والتوحيد، أم في ~~السحر والهندسة؛ فلكل علم ظاهره وباطنه، وواضحه وسره، وخيره وشره. # فإذا حدثك عن الطهارة في الفقه مثلا لخص لك أقوال علماء الظاهر، ثم انتقل إلى معارف ~~الباطن؛ حيث يقول: «اعلم أن الطهارة في طريقنا طهارتان: طهارة غير معقولة المعنى، وهي ~~الطهارة من الحدث، والحدث نفسي للعبد، فكيف يمكن أن يتطهر الشيء من حقيقته؟ فإنه لو تطهر من ~~حقيقته انتفت عينه، وإذا انتفت عينه فمن يكون مكلفا بالعبادة؟ ولهذا قلنا: إن ~~الطهارة من الحدث غير معقولة المعنى، فصورة الطهارة من الحدث عندنا، أن يكون الحق سمعك ~~وبصرك في جميع عباداتك.» # وإذا حدثك عن السحر، وهو علم مرقوم ms152 في رق الكون، عرض عليك أقوال رجاله، ثم ولى بوجهه ~~إلى مملكة الباطن، فإذا السحر هناك مشتق من السحر، أي: الوقت الذي بين الظلمة والنور؛ ~~ولهذا فهو باطل وحق، ومباح وحرام، وهدى وضلال، والفيصل في الأمر ميزان الشرع؛ فكل ضرر محرم، ~~وكل نفع مشروع. # فإذا تهادن محيي الدين مع العلم الظاهر، وأقبل على الأسرار اللدنية وحدها؛ فهذا هو ~~المحراب والهيكل الذي لا يلجه إلا أربابه، وما لآذاننا طاقة بما يتلى فيه. # وإذا أردت قطرة من هذا البحر، فلمحيي الدين كتاب مخطوط بدار الكتب المصرية يسمى ~~«بالشجرة النعمانية»، وما أدراك ما الشجرة النعمانية؟! كتاب بين دفتيه أسرار وأسرار، من ~~بعضها: حديث عجيب عن ملوك الإسلام من عصره إلى قيام الساعة! والأحداث الكبرى التي تمر ~~بالأمة الإسلامية، وغير هذا وذاك مما تضيق عنه معارفنا، وقد تضيق عنه عقولنا. # ولقد خلف محيي الدين ثروة من كتب الأسرار لم تطبع إلى يومنا، ثروة بددتها الأعاصير، وذهبت ~~بها غفلة العالم الإسلامي؛ فضاع جانب لا يعوض من تراث أكبر عباقرة رجال التصوف، وأعظم كتاب ~~للأسرار في المحيط المحمدي. # الشيخ الأكبر # محيي الدين اعترف له رجال التصوف وأئمته منذ القرن السابع الهجري إلى يومنا بأنه ~~الشيخ الأكبر، الذي لا يرقى إلى معارج قلمه قلم. # فهو كاتب المتصوفة وإمامهم، يقول عنه الشيرازي: «كان شيخ الطريقة حالا وعلما، ~~وإمام الحقيقة حقيقة ورسما، ومحيي رسوم المعارف معنى واسما، إذا تغلغل فكر المرء في ~~طرف من بحره، غرقت فيه خواطره، عباب لا تدركه الدلاء، وسحاب تتقاصر عنه الأنوار، كانت ~~دعوته تخترق السبع الطباق، وتفترق بركاته فتملأ الآفاق. # وأما كتبه ومصنفاته فالبحور الزواخر، التي لكثرتها وجواهرها لا يعرف لها أول ولا ~~آخر، ما وضع الواضعون مثلها، وإنما خص الله بمعرفة قدرها أهلها، ولا غرو فهو ~~صاحب الولاية العظمى، والصديقية الكبرى، وإني أصفه، وهو يقينا فوق ما وصفته.» # وأبلغ كلام الشيرازي قوله: «وإني أصفه وهو يقينا فوق ما وصفته.» أجل؛ فجماع ما ~~يقال في محيي الدين: إنه لا يوصف إلا بالعجز عن وصفه، ms153 فهو دائما أبدا فوق وصفه ~~ونعته. # وبعد، فلعلنا قد وفقنا إلى أن نضع في يدك المنظار المكبر، الذي وعدناك به في ~~مقدمة هذا الكتاب، المنظار الذي يجلو ويوضح ما يمكن أن يرى من قمة الشيخ ~~الأكبر. # الشيخ الأكبر الذي سيشغل العالم الإسلامي، بل عالم الفكر العالمي، ما دام في الدنيا ~~رواد للفكر والبحث، وما دام في العقول استشراف إلى رؤية القمم العالية، وتطلع إلى ~~الوقوف على ما صنع الإيمان والإلهام من أعاجيب في دراسة أسرار الوجود. # وسواء لدينا أن يقول رجال الفكر: أخطأ الشيخ الأكبر أو أصاب، فلن يستطيع رجل من رجال ~~الفكر، أن ينكر على شيخنا الأكبر أنه قضى العمر كله في المناجاة والطاعة، والتطهر ~~والعبادة، وجعل من الكون مسجدا؛ فلا محل لعمل لا يليق بقداسة المسجد، واتخذ من الوجود ~~محرابا، يرشد إلى الله، ومعراجا يهدي إلى آياته، وجعل الحب شرعة الحياة، وسبيلا إلى ~~الله، وطريقا سلطانيا ربانيا للدنيا والآخرة. # ومن أحسن ~~قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من ~~المسلمين ~~. # | بعض مصادر الكتاب # الفتوحات المكية لابن عربي. # فصوص الحكم لابن عربي. # ترجمان الأشواق لابن عربي. # عنقاء مغرب لابن عربي. # مسامرات الأبرار لابن عربي. # إحياء علوم الدين للغزالي. # منهاج العارفين للغزالي. # جواهر القرآن للغزالي. # ميزان العمل للغزالي. # اللمع للطوسي. # حلية الأولياء لأبي نعيم. # عوارف المعارف للسهروردي. # العبودية لابن تيمية. # الصراط المستقيم لابن تيمية. # خمس رسائل لابن تيمية. # منهاج السنة لابن تيمية. # الروح، دار الهجرتين لابن القيم. # تلبيس إبليس لابن الجوزي. # شرح ديوان ابن الفارض. # الإنسان الكامل للجيلي. # فصل المقال لابن رشد. # تفسير الطبري للطبري. # الفرق بين الفرق للبغدادي. # الرسالة القشيرية للقشيري. # مفتاح السعادة لطاش كبرى زاده. # حجة الله البالغة للدهلوي. # دائرة المعارف الإسلامية. # العقيدة والشريعة في الإسلام لجولد تسهير. # في التصوف الإسلامي لنيكولسون ترجمة عفيفي. # الطواسين لماسنيون. # ظلال الكنيسة لبلاسكوا أبانيز. # تاريخ المسلمين بإسبانيا لدوزي. # مجموعة تراث الإسلام. # اليواقيت والجواهر للشعراني. # الشفا لابن سينا. # كشف الظنون لحاجي خليفة. # الفصل في الملل والنحل لابن حزم. # البداية والنهاية لابن ms154 كثير. # الإسلام على مفترق الطرق لمحمد أسد. # أثر العرب في الحضارة الأوروبية للعقاد. ms155