######OpenITI# #META# URI: 1382TahaCabdBaqiSurur.TasawwufWaImamShacrani.Hindawi57468526 #META# Tags: biographies #META# ID: 57468526 #META# Title: التصوف الإسلامي والإمام الشعراني #META# AuthorID: 13753183 #META# Author: طه عبد الباقي سرور #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # بين يدي الطبعة الثانية‏ # الأفق الأعلى‏ # نشأته وحياته‏ # الشعراني طالب العلم‏ # شيوخه في الطريق‏ # الشعراني والخواص‏ # الشعراني في مدرسة خوند‏ # الشعراني والخليفة‏ # زاوية الشعراني‏ # إلى الملأ الأعلى‏ # رسالة التصوف‏ # التصوف الإسلامي والمعارف العالمية‏ # الطريق الرباني والمعارف الإلهية‏ # هل تتعارض المعارف الصوفية مع القرآن والسنة؟‏ # التصوف المفترى عليه‏ # التصوف بريء من وحدة الوجود‏ # مقام الفناء وأخطاء الحلوليين‏ # مقام الفناء وابن تيمية‏ # جهاد الشعراني‏ # بين الشعراني وأدعياء التصوف‏ # موقف الشعراني من المتصوفة العاطلين‏ # الشعراني وفقهاء الأزهر‏ # فقهاء عصر الشعراني‏ # ثورة الأزهر على الشعراني‏ # الشعراني وعلماء الكلام والتوحيد‏ # الجن والأرواح والعوالم غير المنظورة‏ # الشعراني المفترى عليه حيا وميتا‏ # صلاته بالملوك والوزراء‏ # الزعيم الروحي والشعبي‏ # الشعراني رجل المثالية الخلقية‏ # بين يدي الطبعة الثانية‏ # الأفق الأعلى‏ # نشأته وحياته‏ # الشعراني طالب العلم‏ # شيوخه في الطريق‏ # الشعراني والخواص‏ # الشعراني في مدرسة خوند‏ # الشعراني والخليفة‏ # زاوية الشعراني‏ # إلى الملأ الأعلى‏ # رسالة التصوف‏ # التصوف الإسلامي والمعارف العالمية‏ # الطريق الرباني والمعارف الإلهية‏ # هل تتعارض المعارف الصوفية مع القرآن والسنة؟‏ # التصوف المفترى عليه‏ # التصوف بريء من وحدة الوجود‏ # مقام الفناء وأخطاء الحلوليين‏ # مقام الفناء وابن تيمية‏ # جهاد الشعراني‏ # بين الشعراني وأدعياء التصوف‏ # موقف الشعراني من المتصوفة العاطلين‏ # الشعراني وفقهاء الأزهر‏ # فقهاء عصر الشعراني‏ # ثورة الأزهر على الشعراني‏ # الشعراني وعلماء الكلام والتوحيد‏ # الجن والأرواح والعوالم غير المنظورة‏ # الشعراني المفترى عليه حيا وميتا‏ # صلاته بالملوك والوزراء‏ # الزعيم الروحي والشعبي‏ # الشعراني رجل المثالية الخلقية‏ # | التصوف الإسلامي والإمام الشعراني # | التصوف الإسلامي والإمام الشعراني # تأليف # طه عبد الباقي سرور # | بين يدي الطبعة الثانية # منذ خمسة عشر عاما وهذا القلم ينطلق على أجنحة من هدى الله وتوفيقه، ليحلق في سموات ~~التصوف وآفاقه، يقتبس من كل نجم أبهى أشعته، ومن كل زهر أطهر عبيره، ومن كل لحن أسمى ~~أنغامه، ويمزج الطهر بالخير، والنور بالعطر، والشعاع باللحن، والجمال بالإيمان، ثم يتجلى ~~رضاء الله فتتحول كل هذه المبهجات إلى كلمات مؤمنات مشرقات تضج بالحياة، وتنبض بالقوة، ~~وتقدم زادا روحيا للقلوب المتفتحة، ونغما علويا للأرواح العابدة، ومنهاجا وضاء ~~هاديا لخير أمة ms001 أخرجت للناس. # منذ خمسة عشر عاما كان مولد هذه الدراسات الصوفية التي تتابعت أجزاؤها، وتماسكت حلقاتها، ~~واتحدت لبناتها في سبيل السمو والشموخ بالصرح الصوفي الذي تترقبه القلوب العابدة، وتأمل أن ~~يكون حصنا من حصون الإيمان، ونقطة ارتكاز قوية للوثبة الإسلامية الكبرى. # وشاءت عناية الله - ونحن أرقاء هذه العناية - أن يستقبل العالم الإسلامي هذه الدراسات ~~استقباله لأضواء الفجر، وقطرات الغيث، فنفدت طبعاتها سراعا، ولا يزال الحب يطالب بها، ويلح ~~عليها، ويسر الله - جل جلاله - فأعيدت طبعات كتابي «الغزالي» و«محيي الدين»، وها هي ذي ~~الطبعة الثانية من «التصوف الإسلامي والإمام الشعراني» محررة منقحة، مضافا إليها ~~زيادات وتعقيبات لم تتيسر لنا في الطبعة الأولى، نقدمها لعشاق التصوف والروحانية الإسلامية، ~~شاكرين فخورين. وما توفيقنا إلا بالله رب العالمين. # وهذا الكتاب هو واسطة العقد من هذه الدراسات؛ فقد تميز بمناهج كاملة للتصوف وأهدافه ~~ورسالاته، وما يحمل بين أجنحته من خير وهدى ورحمة للموقنين. # كما عني عناية كبرى بتنقية التصوف من كل ما نسب إليه ودس عليه من مذاهب فلسفية، ~~ودجليات شعبية، مما امتلأت به حقائب التاريخ، وفاضت به صحف المغرضين ولحونهم. # إنه لصورة كاملة للثروة الصوفية الضخمة، صورة صادقة لأقوى روحانية عالمية مشت بين الناس ~~بالسلام والجمال، والخير والحب، واليقين المشرق المبين. # ولقد جاءت هذه الطبعة الجديدة في ميقاتها الذي أراده الله، جاءت لتكون ردا حاسما على ~~هؤلاء الذين أمسكوا بمزمار إبليس، وراحوا يريقون السحر الخادع المضلل هنا وهناك، لينالوا من ~~التصوف والمتصوفة، وليتسللوا إلى منائر الإيمان محطمين مدمرين. # هؤلاء الذين ملئوا أفواههم بكلمات كأنها رءوس الشياطين غلظة وبشاعة، محاولين أن ينقضوا ~~الصرح من أساسه، ويحطموا المحراب على الساجدين العابدين. # لقد أمسكوا وحدهم برحمة الله، ويبيعون الجنة لأنصارهم، واللظى والكفر والمروق لغير ~~الساجدين على عتبات من يسجدون لهم، كل شيء بدعة، وكل شيء ضلالة، وكل تسبيحة جحود، وكل ~~تكبيرة مروق إلا تكبيراتهم هم؛ حيث يحلو لهم التكبير والتهليل. # ولن نقف طويلا مع خصوم التصوف التاريخيين. لقد صاحوا حتى شقت حناجرهم عبر القرون، ثم ~~ذهبوا قبضة ms002 من رماد، وصيحة من شيطان، ذهبوا إلى الفناء، وبقي التصوف بمنابره ومنائره، ~~ومواجيده ولحونه، يرشد الناس إلى ربهم، ويأخذ بأيديهم إلى الحياة الصاعدة الطاهرة. # ولست أدري كيف تكون الحياة لو خلت من ذلك الإيمان الصوفي القوي الحار الذي يملأ سموات ~~الوجود بألحان الحب، وموسيقى السلام، ووثبات الأرواح، وأشواق القلوب. # إن المتصوفة لعمالقة بين أقزام، عمالقة في جهادهم لأنفسهم، عمالقة في أسلوب حياتهم، ~~وألوان تعبداتهم، ومثالياتهم المجنحة المتعالية. # وحسب النهج الصوفي أن الله - جل جلاله - خلده في قرآنه خلودا لا يدنو منه الفناء: # واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا ~~. # تلك هي حجتنا، وهذه آيتنا. # وبعد ... ترى هل ذهبنا بعيدا ونحن نقدم كتابنا؟ إن الدفاع عن التصوف لهدف من أكبر ~~أهدافنا، وعلى هذا الضوء تكون تلك الكلمات مقدمة طبيعية بين يدي «التصوف الإسلامي والإمام ~~الشعراني». # وتبارك رب العزة القائل: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ~~. # ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين ~~. # طه عبد الباقي سرور # 20 / 12 / 1955 # | الأفق الأعلى # الشعراني هو آخر نجم بزغ في الأفق الأعلى؛ الأفق الأعلى للتفكير الإسلامي والنهج ~~الصوفي. # ولقد درج التصوف مع الإسلام منذ يومه الأول أفقا خاصا للقلوب المتصدعة من خشية الله، ~~المتفجرة الينابيع بحبه ونجواه، وسماء مجلوة للعقول السابحة في عجائب الكون، المفكرة في ~~ملكوت السموات والأرض وما فيهما من آيات للموقنين، العقول التي أودع فيها المهيمن نور ~~الحكمة، ورزقها جلاء البصيرة، وفتوحات العبادة والطاعة، واتقوا الله ويعلمكم الله. # والقلب المتصدع العابد، والعقل المفكر المؤمن، والنفس المطمئنة الذاكرة المحبة يؤلفون ~~معا النفحة العلوية، المعلمة الملهمة، التي ترتفع بالإنسان وترتفع حتى يكون من ~~الملهمين الربانيين المندرجين تحت أفق قوله تعالى: # عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما ~~. # إن شئت فسم تلك المثاليات بالتصوف أو بالأفق ms003 الأعلى، وإن أحببت فليكن عنوانها نورانية ~~العبودية أو الروحانية الإسلامية. # فالتصوف هو جماع تلك المثاليات، وهو الذي يرسم الأفق الأعلى لمن يتسامى، الأفق الأعلى ~~المشرق بالروحانية الإسلامية، الأفق الأعلى الذي تتجلى فيه العبودية الكاملة بأنوارها ~~وإلهاماتها. # وسبيل التصوف إلى تلك الآفاق هو الاستعداد الفطري الممثل في الحب الإلهي، ثم الذكر ~~الدائم، والخلق الكامل، والتطوع المتواصل لما فوق الفرائض والنوافل. # وفي الحديث القدسي: «فلا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه ~~الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني ~~لأعطينه، ولإن استعاذني لأعيذنه.» # تلك هي مرتبة النوافل، وما أدراك ما هي؟ ولكن فوقها مرتبة التطوع الدائم؛ وهي جعل الحياة ~~كلها ذكرا وعبادة # واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين ~~، # كانوا قليلا من الليل ما يهجعون * وبالأسحار هم يستغفرون ~~، # وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما * والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما ~~. # وأفق تلك المرتبة؛ مرتبة العبودية الكاملة، الأثر المشهور: «عبدي أطعني تكن ربانيا؛ ~~تقول للشيء: كن فيكون.» # وهذا الأفق جبار المرتقى لا يذلل لكل طالب، فلا يطيقه ولا يصبر عليه إلا صفوة من عباد ~~الرحمن الذين اجتباهم واصطفاهم، وجعلهم أئمة وهداة وورثة لأنوار النبوة المحمدية # وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ~~. # وليس ما نقول ضربا من الأشواق الوجدانية والسبحات الخيالية؛ «فقد روى أنس - رضي الله عنه ~~- قال: بينما رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يمشي إذ استقبله رجل شاب من الأنصار، فقال له النبي - ~~صلوات الله عليه: كيف أصبحت يا حارثة؟ قال: أصبحت مؤمنا بالله حقا، قال: انظر ما تقول؛ ~~فإن لكل قول حقيقة، قال: يا رسول الله، عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي، وأظمأت نهاري، ~~فكأني بعرش ربي بارزا، وكأني أنظر إلى أهل الجنة كيف يتزاورون فيها، وإلى أهل النار كيف ~~يتعاوون فيها، قال: أبصرت فالزم. عبد نور الله ms004 الإيمان في قلبه.» # وفي رواية أخرى عن محمد بن الحسن: «لكأني أنظر إلى ربي - عز وجل - فوق عرشه يقضي بين ~~خلقه.» # ذلك عبد نور الله الإيمان في قلبه. وما أجمل وأحلى هذا التعبير النبوي! فعاش في الأفق ~~الأعلى، فتجلت عليه روح الإسلام، فحلق بأجنحة قلبه النورانية حتى رأى الملكوت الأسنى، ~~فشاهد النار والجنة والعرش، ثم ارتقى فرأى الله - جل جلاله - وهو يقضي بين خلقه، رأى وشاهد ~~تلك الآيات بعين الموقنين، عين الإيمان القلبي، وهو يخطر بقدميه على السيار ~~الأرضي. # وقصة الخضر؛ العبد الذي ارتقى فاهتدى، فآتاه الله من لدنه علما باطنيا ربانيا معجزا ~~لا يسامقه علم، ولا تدانيه معرفة. # ذلك هو التصوف الذي كان له أكبر الأثر في توجيهات العالم الإسلامي الفكرية والتعبدية، بل ~~أكبر الأثر في فتوحاته وانتصاراته العالمية، وفي رسم أهدافه ومثله العليا الاجتماعية ~~والخلقية والروحية. # ذلك هو التصوف الذي استحال إلى شخصيات وبطولات ملهمة عبقرية تتفاعل مع الجماهير وتقودها ~~فتهديها وترشدها، واستحالت تلك البطولات إلى قوة روحية زاحفة مشرقة بالنور، فياضة بالإيمان، ~~تطير بألوية الإسلام، وتزكي شعلته، وتحفظ مثاليته، وتفتح له الآفاق في شتى الميادين العقلية ~~والعلمية. # وهذا هو التفسير الصادق لهذا الحشد الخالد من الشخصيات العجيبة والبطولات الفذة التي حفل ~~بها تاريخ التصوف، آيات معجزات لا تسمو عبقريات الدنيا إليهم، ومثاليات تخجل حياتنا حين ~~نتحدث عنهم، وقوة روحية غلابة ملهمة لم يعرفها تاريخ الإيمان العالمي لسواهم. # ولا بد لنا حينما نتحدث عنهم من أن نعقد الصلات بينهم وبين الروح الصوفي الذي يعد مصدر ~~هذه الطاقة، ومشعل نورها، وصانع أجنحتها. # ومقياس عظمة كل عبقرية من تلك العبقريات اللدنية هو استعدادها للترقي في المعارج العلوية، ~~وطاقتها على تحمل العبودية الكاملة، والحب الإلهي الفاتح لباب الفيض الرباني. # والباب الموصل لتلك المعارج هو الاقتداء الكامل، والاحتذاء الصادق الصارم بالمثل الأعلى ~~للإنسان الكامل، بالنبوة المحمدية - صلوات الله وسلامه على صاحبها. # تلك النبوة التي تلقت الفيض كله كاملا، واستوعبته، وأطاقت تلقيه وصبرت عليه، وعاشت له ~~وبه، فكانت رمزه الأعلى، وكانت أفقه الأسمى، ms005 وكانت معينه الزاخر الفياض الذي تكفي قطرة ~~منه لصوغ عبقري ملهم من هؤلاء العباقرة الملهمين. # العباقرة الملهمين الذين عاشوا تحت أفق خاتم الأنبياء وسيد المرسلين - عليه أفضل الصلاة ~~وأتم التسليم - كل بقدر ما فيه من استعداد للتلقي، واستعداد للاستيعاب، واستعداد للصبر ~~والتحمل، واستعداد للفيض والإشراق. # وهذا هو السر في فهم المتصوفة وإجلالهم للنبوة المحمدية، فهما وإجلالا لا أغالي إذا قلت ~~إنه يفوق مثيله في قلب كل محمدي. # لقد آمنوا بأن محمدا رسول الله هو المفتاح الرباني للأبواب الإلهية؛ حيث تهطل ~~الفيوضات والفتوحات، وأن السر كل السر في المفتاح والباب، فكل من حاد عن الطريق السوي؛ ~~طريق الهدى المحمدي، فقد المفتاح وتوارى عنه الباب، فحرم من الفتح والعطاء، وضل سواء ~~السبيل. # تلك هي المدرسة التي أنجبت عباقرة التصوف، مدرسة الاحتذاء والاقتداء بالسنن المحمدي، ~~مدرسة العبودية الكاملة. ولقد كانت تلك المدرسة - ولا تزال - قلب الإسلام وروحه وأفقه ~~الأعلى. # وتلك المدرسة المحمدية؛ مدرسة التفكر في آيات الله، والتعبد المتواصل في محاريب الحياة، ~~وكل ما في الحياة محاريب ومساجد للمؤمنين الموقنين، مدرسة الحب الإلهي بما فيها من إشراق ~~وإلهام وفيوضات، هي التي أنجبت أبا المواهب الزعيم العملاق عبد الوهاب الشعراني. # والشعراني عجيبة ضخمة من عجائب تلك المدرسة، أو إن شئت فعجيبة من عجائب التصوف، وصنيعة من ~~صنائع الإيمان، ولطيفة من لطائف التقوى، وقبس من أقباس النور المفاض على الأرواح المتطهرة ~~العابدة. # فدعك من البحث عن مدرسته العلمية، ودعك من البحث عن مناهجه ودراساته، فقد كونته إلهامات ~~القلب وسبحات الروح، وأبرزته الطاعة والخلوة والمحبة والحضرة، ورعته وحبته وزكته عناية ~~الله ورضاه. # وليس معنى هذا أن الشعراني لم يكن عالما فحلا، ودارسا مبرزا على معاصريه في علومهم ~~ومعارفهم، وإنما نريد أن نقول إن تلك العملاقية العلمية التي ارتفعت به منارا، فنت في ~~نوره علوم معاصريه، وتضاءلت حياله معارف مصاوليه ومجادليه، كان سرها أنها من الأفق الأعلى، ~~من النبع الرباني الذي لا تفنى إلهاماته، ولا تنضب إمداداته. # وحسب الشعراني أن رجال الاستشراق عكفوا على كتبه يستنطقونها، ويتلمسون ms006 أسرارها، ويقبلونها ~~على أوجه شكوكهم الملحة، ويعرضونها على موازينهم القاسية، وخرجوا بعد الشوط الطويل يحنون ~~الهامات أمام العملاق الضخم الشامخ، ويطلقون القول معترفين في وضوح وصراحة بأن الشعراني ~~أعجوبة من أعاجيب العباقرة المتصوفين، أعجوبة لا يكاد تاريخ الإسلام يعرف لها ~~مثيلا. # يقول المستشرق «فولرز»: «إن الشعراني كان من الناحية العلمية والنظرية صوفيا من الطراز ~~الأول، وكان في الوقت نفسه كاتبا بارزا أصيلا في ميدان الفقه وأصوله، وكان مصلحا يكاد ~~الإسلام لا يعرف له نظيرا، وإن كتبه التي تجاوزت السبعين عدا، من بينها أربعة وعشرون ~~كتابا تعتبر ابتكارا محضا أصيلا لم يسبق إليه أبدا، ولم يعالج فكرتها أحد ~~قبله.» # ويقول العلامة «ماكدونالد»: «إن الشعراني كان رجلا دراكا نفاذا مخلصا واسع العقل.» ~~ويقول في موضع آخر: «إنه كان يجمع بين أعظم المميزات، وإنه كان مشرعا ذا أصالة ونفاذ، وكان ~~عقله من العقول النادرة في الفقه بعد القرون الثلاثة الأولى في الإسلام، وإنه رجل أخلاق ~~تهزه أنفة عالية.» # ويقول المستشرق «نيكلسون» عنه: «إنه أعظم صوفي عرفه العالم الإسلامي كله، وإنه منذ فتح ~~المغول العالم الإسلامي ركدت الحركة الفكرية في الإسلام، واقتصر علماؤه على الجمع والتقليد، ~~فلا نجد بوادر انطلاق، أو إنتاج خصب منتج، أو أي أثر لتفكير أصيل وضيء، باستثناء شخصيتين ~~شاذتين؛ هما: ابن خلدون المؤرخ، والشعراني الصوفي. وكان الشعراني بالذات مفكرا مبدعا ~~أصيلا أثر تأثيرا واسع المدى في العالم الإسلامي، يشهد به إلى يومنا إلحاح القراء ~~إلحاحا متواصلا في طلب مؤلفاته.» # تلك هي شهادات العلماء العالميين الذين وزنوا الشعراني بموازينهم العلمية الدنيوية، لا ~~بميزان النورانية الصوفية، ومع هذا فقد ارتفعت به موازينهم إلى القمة المنفردة شموخا ~~وخلودا. # ولنعد إلى الأفق الأعلى؛ أفق التصوف الوعر العسير المرتقى، لقد صعد الشعراني في معارجه، ~~وتنسم الذروة في محرابه، وتزعم وساد في آفاقه. # والصعود في تلك المعارج، وتنسم الذروة والزعامة والسيادة الصوفية قد أتيحت من قبل ~~الشعراني لغير قليل في هذا الأفق. # ولكن الشعراني كان آخر نجم في ذلك الأفق؛ آخر نجم بحسب الترتيب الزمني؛ ولهذا ms007 انفرد وحده ~~بخوض أعنف معارك التصوف في أحلك الأزمنة وأقساها وأشدها. # وحسبه أنه حارب كل معاصريه حتى المتصوفة، المتصوفة اسما لا معنى، فلقد فقد التصوف في ~~عصره حلاه وعلاه. # حارب وحده، وانتصر وحده، وارتقى الذروة وحيدا، وأقام للتصوف دولة عاشت طوال حياته عزيزة ~~غلابة. # حارب وانتصر في أشد العصور الإسلامية رهبة وظلاما وجمودا وجهلا، فأطلق آية النور ~~المبصرة التي تمحو الظلمات، وأعاد للفكر الإسلامي قوته وهداه، وأعاد إلى القلوب القلقة ~~إيمانها وتقواها. # كانت الأمة الإسلامية قبيل عهده تعيش في ظلمات يعلو بعضها بعضا، ظلمات خارجية تمثلت في ~~أمواج بربرية من جنود المغول والتتر قادمة من المشرق تجتث الشعوب الإسلامية من أساسها، ~~وتدمر حضارتها، وتطفئ شعلتها، وأمواج صليبية قادمة من المغرب فوارة بالغضب والتعصب، مشرعة ~~السيف بالحقد والبغضاء. # وفي الداخل كانت الظلمات أشد وأقسى، كان الركود الروحي هو العلة الكبرى؛ فإن التسوية التي ~~قام بها الغزالي بين المتصوفة والفقهاء كانت قد أهدرت من جانب الأشاعرة، الذين سلوا سيف ~~الإجماع المصطنع ضد المفكرين تارة، وضد المتصوفة تارة أخرى. # حتى إن تاريخ الفكر الإسلامي بعد الغزالي منذ القرن السادس الهجري هو تاريخ النزاع ~~المشبوب بين المتصوفة والأشاعرة من جهة، وبين المتصوفة ورجال الحديث من جهة أخرى، وأعقب هذا ~~الصراع العنيف هبوط فكري عام في قواهم جميعا، كما تنتج المعارك الحربية الضعف والانهيار في ~~القوات المتحاربة، وتحمل العالم الإسلامي بأسره وزر تلك المعارك الجدلية الهوجاء جهلا ~~وجمودا، وبلادة ذهنية، وخمودا روحيا قاتلا. # وجاء ابن تيمية في أواخر القرن الثاني عشر للميلاد في قعقعة وزوبعة، يملأ الدنيا صياحا ~~ضد كل مفكر سواه، ويخص بحملته الكبرى ومعركته العظمى التصوف والمتصوفة. # نادى ابن تيمية بالمعنى الحرفي للقرآن، ولم يقبل في الآيات المجسمة تأويلا، وفسق كل ~~المذاهب الإسلامية في علم الكلام، وحرم الاجتهاد على الناس جميعا وأباحه لنفسه، فحدد ~~صفات الله تعالى حسب رأيه، وحرم زيارة الأولياء وقراءة القرآن لهم، وتغالى فنادى بأن من ~~يزور قبر الرسول - صلوات الله وسلامه عليه - تقربا أو طلبا للشفاعة فهو ضال مبتدع. ms008 # وعاش ابن تيمية حليف السجون، ومات سجينا، ولكنه كان قد أطلق صيحة ملتهبة متوقدة الجمر، ~~وتناول أتباعه كلماته فضخموها وألبسوها أردية فضفاضة زادت نار الحرب وقودا وضراما، حتى ~~امتلأت شوارع القاهرة بالصراع والدماء بين أتباعه والمتصوفة، كما يقول الجبرتي. # وكان السبب الأكبر في هذا الجدل والحوار، وفي تلك الخصومات المجنونة الرعناء، هو أن ~~النهضة الإسلامية العلمية كانت قد خمدت جذوتها، وخبا ضوؤها، وأخذت البدع والخرافات ~~والأساطير تنطلق في أفق العالم الإسلامي. # لقد ذبل المشعل الذي ظل يتقد عشرة قرون، والذي أنارت أشعته الفكرية أرجاء الوجود، ذبل بل ~~فني مخنوقا في الظلمات. # ويكفي لتصوير ظلمات هذا العصر أن التصوف، وهو قلب الإسلام النابض، أصبح في تلك الصورة ~~المهلهلة التي رسمها الشعراني بقلمه: «كان التصوف حالا فصار كارا، وكان احتسابا فصار اكتسابا، وكان استنارا فصار ~~اشتهارا، وكان اتباعا للسلف فصار اتباعا للعلف، وكان عمارة للصدور فصار عمارة ~~للغرور، وكان تعففا فصار تملقا، وكان تجريدا فصار ثريدا.» # يكفي لتصوير هذا العصر المظلم أن الشعراني يحدثنا عن رجل يسمى الشيخ شعبان المجذوب كان ~~يجلس على كراسي المساجد أيام الجمع وغيرها، ويقرأ ما يزعم أنه قرآن كريم، وقد سمعه الشعراني ~~يقول على طريقة قراءة القرآن: «وما أنتم في تصديق هود بصادقين، ولقد أرسل الله لنا ~~بالمؤتفكات يضربوننا، ويأخذون أموالنا، وما لنا من ناصرين.» # ثم يعقب على هذا قائلا: «اللهم اجعل ثواب ما قرأناه من الكلام العزيز في صحائف فلان ~~وفلان.» ويعلق الشعراني قائلا: «ولم أسمع أحدا ينكر عليه شيئا من حاله، بل يعدون رؤيته ~~عيدا عندهم.» # 1 # وكان زميله إبراهيم العريان يصعد إلى منبر المسجد عاريا ويخطب الناس قائلا: السلطان ~~ودمياط وباب اللوق وبين الصورين وجامع طولون، والحمد لله رب العالمين؛ فيحصل للناس بسط ~~عظيم، كما يقول الشعراني. # 2 # في تلك الظلمات، وفي هذا الجو الزاخر بالجهالات، بزغ نجم الشعراني متلألئا مشرقا كأنه ~~ظاهرة كونية جاءت في موعدها المحدد، ووقتها المرسوم. # جاء كموجة صوفية أطلقها البحر الأعظم لتجتث كل شيء من جذوره، ثم تنحصر فتملأ ms009 الدنيا خصبا ~~ونماء وبركة ونورا. # وهبه الله ومن عليه فكان كما صاغته عناية الله ورحمته، وكان أينما شرع قلمه تحف به ~~الهبات والمنن؛ فيأتي كلمه زخارا باليقين والهدى. # جاء مكافحا مصلحا، وزعيما قائدا، ومرشدا هاديا، فتمثلت فيه خصائص تلك الصفات، فكان ~~كما لقب: أبا المواهب. # حرر التصوف من الأساطير والبدع، وجلاه محمديا قرآنيا، كما أراده الله لعباده، قوة ~~روحية محلقة في الأفق الأعلى. # وحرر الفقه من جموده وتزمته، فكان الأصولي الألمعي الذي مزج الفقه بحرارة الإيمان، ~~فأنقذه من الجفوة والجفاف، وحببه إلى الجماهير يوم جعله لا مجرد أحكام شرعية فحسب، بل ~~حقائق روحية مشرقة. # وحرر علم الكلام - التوحيد - من نزوات المجسدين، وأهواء المجادلين، وأعاده إلى ~~نوره ورونقه الإيماني الذي عرفه واهتدى به الصدر الأول والتابعون. # وأنقذ الأمة الإسلامية من الجدل والحوار والجري وراء الأوهام والخيالات، وردها إلى النبع ~~الصافي والعمل الخالص لوجه الله. # ولم ينسه جهاده الديني زعامته الشعبية، فكان المصلح الاجتماعي المدافع عن الفقير ~~والمسكين والضعيف، القائم في وجه الولاة والحكام يرفع كلمة الحق، وينتزع حقوق الضعفاء من ~~الأقوياء. # ووقفت الدنيا في عهده ترقب كلمة من فيه، أو إشارة من يده، فهو الملجأ والملاذ للمظلوم ~~ينشد حقا، وللظالم يطلب رحمة، وهو المرشد الهادي إلى حقائق الإيمان، ولطائف العقائد، ~~ومشكلات الفكر والحياة، وهو الزعيم الحبيب الذي إذا غضب اضطربت لغضبه قلوب الملايين. # وهو - بعد هذا وذاك - مؤرخ التصوف والمتصوفة، وخليفة الغزالي الأوحد على الجوانب ~~الأخلاقية والاجتماعية والتعبدية في الإسلام، والمدافع الأكبر عن الشيخ الأكبر محيي الدين ~~بن عربي، فيلسوف التصوف العبقري، ومحيي عالم الزوايا التي يعمرها القرآن، والتي يسمع فيها ~~ذكر الله آناء الليل وأطراف النهار. # وقد روي عن النبي - صلوات الله عليه وسلامه عليه - عن ربه - عز وجل - في الحديث القدسي: ~~«إن أوليائي من عبادي الذين يذكرون بذكري، وأذكر بذكرهم.» # تلك علامة المتصوفة، وآية الشعراني، وفي الخالدين من يذكر بذكر الله، ومن يذكر الله ~~بذكره ... # | نشأته وحياته # أسرته # إلى الدوحة العلوية الهاشمية يرتفع نسب الشعراني، فجده الأعلى هو محمد ms010 بن الحنفية بن ~~علي بن أبي طالب - رضي الله عنهما. # وقد هاجر أجداده إلى المغرب الأقصى في الموجات المهاجرة من البيت العلوي التي اختارت ~~الأطراف النائية من الإمبراطورية الإسلامية، فرارا من الملاحم المتتابعة بينهم وبين ~~البيت الأموي تارة، وبين البيت العباسي تارة أخرى. # وفي المغرب الأقصى استطاع العلويون أن يؤسسوا دولا، وأن ينشئوا حضارات، وأن يظفروا ~~بالحب والتأييد من شعوب الشمال الأفريقي كافة. # ولكنهم مع هذا لم يستطيعوا أن يوحدوا كلمتهم ودولتهم، بل انقسم بيتهم إلى بيوت، وتفرق ~~جمعهم إلى قبائل وبطون؛ ولهذا تعددت دولهم، وتعددت بيوتهم المالكة، وتعددت قبائلهم ~~الحاكمة. # وكان الملك في مدينة تلمسان وما جاورها لقبيلة بني زغلة، وإلى تلك القبيلة ينتسب عبد ~~الوهاب الشعراني. # ومن خصائص العلويين أن الملك لم يصرفهم عن العلم، ولم يباعد بينهم وبين الولاية ~~الدينية والزعامة الروحية، فكان منهم الملوك، وكان منهم الأئمة الهداة. # ولهذا نرى في تاريخ بني زغلة «أسرة الشعراني» الملك والتصوف يدرجان معا، ويعيشان ~~معا، ويتقاسمان الحياة سويا، ونشاهد جده موسى ابن السلطان أحمد يؤثر طريق الله على ~~الملك ومجده، فيتتلمذ على ابن مدين الصوفي، ويترك المغرب مهاجرا إلى مصر تلبية ~~لأمره. # ولقد أرخ الشعراني لنفسه في كتابه المنن، فلنتركه يحدثنا عن نسبه: «أحمد الله ~~تعالى حيث جعلني من أبناء الملوك # 1 # فإني - بحمد الله تعالى - عبد الوهاب بن أحمد بن علي بن أحمد بن علي بن ~~محمد بن زوفا بن الشيخ موسى، المكنى في بلاد البهنسا بأبي العمران، جدي السادس ابن ~~السلطان أحمد ابن السلطان سعيد ابن السلطان فاشين ابن السلطان محيا ابن السلطان زوفا ~~ابن السلطان ريان ابن السلطان محمد بن موسى ابن السيد محمد ابن الحنفية ابن الإمام علي ~~بن أبي طالب - رضي الله عنه. # وكان جدي السابع الذي هو السلطان أحمد # 2 # سلطانا بمدينة تلمسان في عصر الشيخ أبي مدين المغربي، ولما اجتمع به جدي ~~موسى قال له الشيخ أبو مدين: لمن تنتسب؟ قال: والدي السلطان أحمد، فقال له: إنما عنيت ~~نسبك من جهة الشرف، ms011 فقال: أنتسب إلى السيد محمد ابن الحنفية، فقال له: ملك وشرف وفقر - ~~أي تصوف - لا يجتمعن، فقال: يا سيدي، قد خلعت ما عدا الفقر، فرباه، فلما كمل في ~~الطريق أمره بالسفر إلى صعيد مصر، وقال له: اسكن بناحية «هو» # 3 # فإن بها قبرك، فكان الأمر كما قال.» # وإذن فالشعراني يقرر أن جده موسى قد حضر إلى مصر بإشارة صوفية من الإمام أبي مدين؛ ~~ليتولى تربية المريدين والسالكين، ويقيم للإيمان دولة على ضفاف النيل، مؤثرا طريق الله ~~ومجاهداته على نعيم الملك وأمجاده. # وهذا الأمر نهج صوفي نعرفه من تاريخ التصوف، فالمتصوفة يعتبرون أنفسهم المدرسة ~~الإسلامية الكبرى التي تهيمن وتشرف على القلوب المحمدية، وتهيمن وتشرف وتسأل أيضا عن ~~النهضة الإسلامية والعبادات الربانية. ينظر المتصوفة إلى العالم الإسلامي على اعتباره ~~أمة واحدة، هم رأسه المفكر وقلبه النابض؛ ولهذا درج كبار المتصوفة على تربية أفذاذ ~~الرجال، حتى إذا كملوا وأعدوا بعثوا بهم إلى المراكز الإسلامية التي تحتاج إليهم دعاة ~~وهداة. # وإذن فقد استقر الشيخ موسى أبو العمران ببلدة «هو» - وهي قرية كبرى من قرى الصعيد ~~الأعلى، وأهلها من قبائل الهوارة أولي البأس والعصبية الإسلامية - وأسس الشيخ موسى فيها ~~زاوية غدت مركزا من مراكز التصوف في مصر، ومهدا من المهود التي يستنبت بها رجال ~~الدعوة الصوفية. # ولم يحدد لنا التاريخ السنة التي هاجر فيها موسى إلى مصر، ولكن كتب التاريخ حددت لنا ~~تاريخ وفاته، فقد توفي ببلدة «هو» عام 707ه، بعد أن نجحت دعوته، واهتدى بهديها جمهور ~~ضخم من الصعيد الأعلى. # واستمرت أسرة الشعراني بالصعيد تحمل لواء العلم والولاية حتى مطلع القرن التاسع ~~الهجري، فهاجر عميدها أحمد إلى ساقية أبي شعرة بالمنوفية، وأسس بها زاوية للعلم ~~والعبادة، والتف الناس حوله ينهلون من معارفه وفتوحاته؛ فقد عرف بالتفوق في العلوم ~~الصوفية رغم أميته، كما اشتهر بالولاية والنفحات، وانتقل إلى جوار ربه عام 828ه. # وحمل اللواء بعده حفيده أحمد الذي أوتي حظا من العلم المعروف في الأزهر في عهده، ~~وحظوظا من العلوم الربانية التي اختص بها المتصوفة. ms012 # ثم تأذن ربك لهذا البيت الكريم؛ بيت الملك والدين ، بأن عهد كماله وتمامه قد حان، ~~فوهبه في ليلة مباركة الطفل العملاق عبد الوهاب الشعراني. # مولده # ولد الشعراني على أصح الروايات وأشهرها في 27 من شهر رمضان عام 898ه، وكان مولده في ~~بلدة «قلقشندة» - وهي قرية جده لأمه - ثم انتقل بعد أربعين يوما من مولده إلى قرية ~~أبيه، وإليها انتسب، فلقب بالشعراني، وعرف بهذا اللقب واشتهر به، وإن كان هو قد ~~سمى نفسه في بعض مؤلفاته بالشعراوي. # ولقد اضطرب رجال التاريخ في تحديد مولده، فقد ذكر صاحب النور السافر تاريخا لمولده ~~قبل هذا التاريخ بقليل، وقد ذكر صاحب المناقب الكبرى تاريخا آخر، وأما المناوي وعلي ~~مبارك والمستشرق شاخت فقد أيدوا التاريخ الذي ذكرناه. # ونحن نرجح رواية المناوي؛ لأنه تلميذ الشعراني الأول وصفيه وصديقه، وهو بعد هذا أكبر ~~المؤرخين الصوفيين بعد الشعراني، ويزداد ترجيحنا لهذه الرواية اتفاقها مع رواية علي ~~مبارك، وهو من أدق من أرخ لهذه الفترة من التاريخ. # واضطرب رجال التاريخ أيضا في الحديث عن طفولته ونشأته، فذهب المستشرقان «كرويمر» ~~و«نيكلسون» إلى أنه اشتغل في مطلع حياته بالحياكة. # ولكن المستشرق «فولرز» يسخر من هذا القول قائلا: «إن حياة الشعراني كانت زاخرة ~~بالعبادة، حافلة بالتعليم، فلم يكن من الميسور أن يجد وقتا يحترف فيه عملا.» # ولست أدري من أين جاء المستشرقان بتلك الأقصوصة وتاريخ طفولة الشعراني صريح في أنه لم ~~يضيع لحظة واحدة في غير العلم والعبادة؛ فقد حفظ القرآن وهو في سن التمييز، كما يقول، ~~ودرس كتب النحو قبل العاشرة. # فهل هذا تاريخ رجل وهب نفسه للعلم والعبادة، أم تاريخ من يشتغل بالارتزاق من الحياكة؟ ~~والشعراني يقول في صراحة: إن من منن الله عليه «أنه لم تكن هناك عوائق دنيوية تعيقني عن ~~طلب العلم والعبادة، وكانت القناعة من الدنيا باليسير سداي ولحمتي، وهذه القناعة ~~أغنتني عن الوقوع في الذل لأحد من أبناء الدنيا، ولم يقم لي أنني باشرت حرفة ولا ~~وظيفة لها معلوم دنيوي من منذ بلغت، ولم يزل الحق ms013 تعالى يرزقني من حيث لا أحتسب إلى ~~وقتي هذا، وعرضوا علي الألف دينار وأكثر فرددتها ولم أقبل منها شيئا، وكان التجار ~~والكبراء يأتون بالذهب والفضة فأنثرهما في صحن جامع العمري فيلتقطه المجاورون.» # وجرى رجال التاريخ على أنه انتقل إلى القاهرة مع والده، وأن والده قد سعى له حتى ~~أدخله الأزهر الشريف. # وتلك الروايات أيضا تنحرف عن الحق وتجانب الصواب، فإن الشعراني - وهو أصدق من يؤرخ ~~لنفسه - يقول في المنن: «إنه حفظ في قريته القرآن الكريم وهو في باكورة طفولته، ثم حفظ ~~«أبو شجاع» والأجرومية ودرسهما على أخيه الشيخ عبد القادر بعد وفاة والده.» # وإذن فقد مات والده، كما ماتت والدته، قبل حضوره إلى القاهرة، وكان هذا - كما يقول - ~~من منن الله عليه؛ إذ نشأ يتيما من الأبوين، فكان نصيره ووليه الله. # ولقد مات والده عام سبع وتسعمائة للهجرة، ودفن في زاويته بساقية أبي شعرة، وتاريخ ~~انتقال الشعراني إلى القاهرة كما أرخه بنفسه يأتي بعد تاريخ وفاة والده بثلاثة ~~أعوام. # الشعراني في القاهرة # مات أبوه وتركه طفلا يتيما فقيرا، ولكن هذا الطفل اليتيم الفقير كان عجبا، كان ~~عابدا متبتلا مستغرقا في صلواته وأذكاره استغراقا لا يعرف في مثل سنه، وحسبك أنه ~~كان يقوم الليل وهو في الثامنة من عمره. # وكان يؤمن في أعماق نفسه بأنه قد حف بعناية ربانية تعصمه من النقص في دينه، كما ~~تعصمه من السوء في حياته. # وكان يؤمن بهذا إيمانا قلبيا وجدانيا، ويسوق على إيمانه حشدا من الأحداث ~~والأدلة التي وقعت له في طفولته، ونجاه الله منها، وحفظه من عواقبها. # وكان دارسا فطنا ألمعيا ذا شغف ونهم بالعلوم، وحسبك أنه قبل أن يتم العاشرة كان ~~قد درس من كتب النحو ما أهله لمجالسة العلماء. # وكان من يؤمن أيضا إيمانا قلبيا وجدانيا بأن الله قد وهبه فوق الذاكرة الواعية ~~الحافظة فهما في العلم، وبصيرة في إدراك غوامضه ودقائقه. # مات أبوه فكفله أخوه العالم الصوفي الورع الشيخ عبد القادر، وعبد الوهاب يدين لأخيه ~~بالكثير من التوجيه والحب الصادق، والرعاية ms014 الكاملة الواهبة المانحة، بل ويدين له فوق ~~ذلك بالحضور إلى القاهرة حيث تفتحت أمامه الآفاق. # ويقص علينا الشعراني تاريخ حضوره إلى القاهرة بذلك الأسلوب الأخاذ الصادق الذي عرف عن ~~الشعراني وعرف به، فيقول: «وكان مجيء إلى القاهرة افتتاح سنة عشرة وتسعمائة، وعمري إذ ~~ذاك اثنتا عشرة سنة، فأقمت في جامع سيدي «أبو العباس الغمري»، وحنن الله علي شيخ ~~الجامع وأولاده، فمكثت بينهم كأني واحد منهم؛ آكل ما يأكلون، وألبس ما يلبسون، فأقمت ~~عندهم حتى حفظت متون الكتب الشرعية وآلاتها على الأشياخ.» # ثم يقول: «ولم أزل - بحمد الله - محفوظ الظاهر من الوقوع في المعاصي، معتقدا عند ~~الناس، يعرضون علي كثيرا من الذهب والفضة والثياب، فتارة أردها، وتارة أطرحها في صحن ~~الجامع فيلتقطها المجاورون.» # والشعراني هنا يغفل الإشارة إلى حقبة من تاريخه في طلب العلم، وهي الفترة التي مكثها ~~في الأزهر. # فإجماع رجال التاريخ على أنه حضر من قريته إلى الأزهر؛ حيث قضى خمس سنوات يتلقى العلم ~~على يد شيخه علي الشوني، الذي أحبه وقربه واصطفاه، ثم انتقل بعد ذلك إلى مسجد الغمري ~~بناء على مشورة شيخه علي الشوني. # ومسجد الغمري كان في ذلك الوقت منارة للعلم، ومثابة للطلاب، وكانت الحياة فيه على ~~غرار أمثاله من المساجد التي تحولت في العالم الإسلامي إلى معاهد علمية، لا يكتفى فيها ~~بالتعليم فقط، بل تجرى فيها أيضا الأرزاق من الأوقاف والهبات على من يلازمها ويتخصص ~~للعلم فيها. # 4 # ولبث الشعراني في مسجد الغمري يعلم ويتعلم ويتهجد ويتعبد سبعة عشر عاما، ثم انتقل ~~إلى مدرسة أم خوند، وفي تلك المدرسة بزغ نجم الشعراني، وتألق تألقا ملأ الدنيا حوله ~~صياحا؛ صياحا امتزج فيه هتاف الإعجاب من محبيه بعاصفة الانتقاد والافتراء من حساده ~~وشانئيه. # وقد حاول بعض المستشرقين، وجاراهم بعض دارسي الشعراني من المعاصرين، أن يلقوا ظلالا ~~من الشكوك والريب حول انتقاله المفاجئ من مسجد الغمري إلى مدرسة خوند، فحاكوا أسطورة ~~خيالية حول حب الشعراني لابنة شيخ مسجد الغمري، وغضب والدها لذلك، ولم يأتوا بدليل واحد ~~على دعواهم، ms015 وإنما أقاموها استنتاجا خياليا؛ لأنهم كما يقولون لم يجدوا مبررا لهذا ~~الانتقال، فلا بد إذن أن يكون هناك ثمة سبب خفي. وهذا السبب الخفي لا بد وأن يكون ~~شجارا بين الشعراني وشيخ المسجد، وهذا الشجار لا بد وأن يكون أساسه حبا فاشلا بين ~~الشعراني وابنة الشيخ. # وتلك الأسطورة الاستنتاجية أشبه بالروايات المهلهلة التي أولع بها كتاب القصص الذين ~~لا ينظرون إلى الحياة إلا من وراء عدسات الخيال الجنسي. # ويحدثنا علي مبارك عن تلك الفترة من حياة الشعراني فيقول: «لقد راض الشعراني نفسه على ~~النهج الصوفي وهو في جامع الغمري، فطار ذكره وذاع في الناس أمره، وكان شيخه علي الشوني ~~قد أذن له في أن يرتب بهذا المسجد مجلسا للصلاة والسلام على رسول الله، ولكن أولاد ~~الغمري أكل قلوبهم الحسد على تلك المكانة العالية التي ظفر بها الشعراني، فطلبوا منه أن ~~يغادر مسجدهم.» # ويروي صاحب النور السافر أن الشعراني أخذته حالة وجد ذات يوم، فصاح باسم الله صيحة ~~ارتجت لها جدران المسجد، وكاد يتصدع منها بيت الشيخ أبي الحسن الغمري، وكان على كثب ~~منه، فاستفسر هذا عن صاحب الصوت حتى إذا عرفه هم بالرحيل إلى بيت آخر، ولكن الشعراني ~~كان قد سبقه إلى الرحيل تاركا وراءه كل ما يملك، وولى وجهه شطر بين السورين، حتى حط ~~رحاله بمدرسة أم خوند، وأقام تجاهها ستة أيام، فرأى في منامه أن رسول الله - صلوات الله ~~عليه - قد أذن له بالإقامة بها، فدخلها مع أسرته. # ولا تعارض في الجوهر بين رواية علي مبارك وبين رواية صاحب النور السافر؛ ففي الرواية ~~الأولى أن أولاد الغمري نفسوا عليه مكانته حتى طلبوا منه الرحيل عن مسجدهم. # وفي الرواية الثانية أن الشيخ تظاهر بالرحيل لسبب تافه يضمر وراءه أكثر من معنى، ~~وأدرك الشعراني الغاية والهدف من هذا التظاهر؛ فسارع هو بالانتقال أدبا مع شيخه، ~~واختصارا للخطوة الثانية التي لا ريب فيها، بعد أن طغى اسم الشعراني على الشيخ وعلى ~~أسرة الشيخ. # وإذن فهذا الانتقال كان سره التنافس والحسد لا ms016 الحب والهوى. كان ضرورة طبيعية ~~للشعراني، فقد آن أن يستقل بنفسه وبمجالسه العلمية، وآن له أن يكون صدرا لهذه المجالس ~~لا مجرد تابع وتلميذ. # | الشعراني طالب العلم # جاء الشعراني من قريته إلى القاهرة مهاجرا في سبيل العلم، فعاش تحت ظلال المساجد ليله ~~ونهاره، متبتلا في طلب العلم، عالما في التعبد، عاش للعلم والتقوى تقيا طاهرا مجدا ~~مكافحا. # وقد اتصل منذ يومه الأول بالقاهرة بصفوة علمائها: جلال الدين السيوطي، وزكريا الأنصاري، ~~وناصر الدين اللقاني، والرملي، والسمنودي، وأضرابهم، وقد أفاض الشعراني في ذكر أساتذته مما ~~استغرق صفحات وصفحات من كتبه، كما أفاض في ذكر إجلاله لهم وحبهم له. # ودرس الشعراني على أساتذته المكتبة الإسلامية كلها، بشتيت فنونها وعلومها في التصوف ~~والفقه والحديث والتفسير واللغة والأصول، حتى غدا كما يقول: لا يتصور أحد من معاصريه أحاط ~~بما أحاط به علما أو تخلق بما تخلق به عملا. # درس الشعراني كل معارف عصره العلمية دراسة فهم وتذوق بروح المجتهد المؤمن المحب، بروح ~~الطالب المثالي الذي ينشد الحق فلا يتعصب لمذهب من غير دليل، والذي يجل أئمة الإسلام ورجال ~~الفكر فيه، فلا يسارع إلى تخطئة أحدهم، ولا يبادر إلى الاعتراض عليه؛ لإيمانه بأن علماء ~~الإسلام وأئمته على هدى من ربهم، وبصيرة من نور علمهم. # ثم هو بعد ذلك خاشع القلب متواضعه في محاريب العلم، فإذا أدرك بفهمه لطيفة علمية، أو لمس ~~بذكائه واستنباطه حقيقة من حقائق المعرفة في كتاب الله وأحاديث رسوله، فلا يجزم - كما يقول ~~- بأن ما فهمه أو استنبطه هو مراد الله من آيه، أو مراد رسوله من حديثه، تأدبا وتحرزا من ~~دعوى العلم، أو التلبس برداء كبره وغروره. # ومن خلقه العلمي أنه حفظ نفسه من الجدل والجدال ورفع الصوت في مجالس العلم، ولنترك ~~الشعراني يحدثنا عن دراساته بأسلوبه البسيط الساحر: ~~«ثم لما جئت إلى مصر حفظت كتاب المنهاج للنووي، ثم ألفية ابن مالك، ثم التوضيح لابن هشام، ~~ثم جمع الجوامع، ثم ألفية العراقي، ثم تلخيص المفتاح، ثم الشاطبية، ثم قواعد ابن هشام وغير ms017 ~~ذلك من المختصرات، وحفظت هذه الكتب حتى صرت أعرف متشابهاتها كالقرآن من جودة الحفظ، ثم ~~ارتفعت الهمة إلى حفظ كتاب الروض مختصر الروضة؛ لكونه أجمع كتاب في مذهب الشافعي، فحفظت منه ~~إلى باب القضاء على الغائب - وهو في أواخر الكتاب - فلقيني بعض أرباب الأحوال بباب الخرق - ~~باب الخلق - خارج باب زويلة، فقال لي مكاشفا: قف على باب القضاء على الغائب، ولا تقض على ~~غائب بشيء. # فما قدرت بعد ذلك على حفظ شيء منه، لكنني طالعت الكتاب ودرسته نحو مائة مرة، وكنت أقرأ ~~محفوظي للمتن في الشرح، وأنظر كل شيء توقفت في فهمه حتى صار شرحه للشيخ زكريا # 1 # عندي نصب عيني. # ثم لقيني الشيخ أحمد البهلول - رضي الله عنه - فقال لي مكاشفا: أقبل على الاشتغال بالله، ~~ويكفيك من العلم ما قد تعلمته، فشاورت في ذلك مشايخي فقالوا: لا تدخل طريق القوم إلا بعد ~~شرح محفوظاتك كلها على الأشياخ، فإذا فهمتها وتبحرت فيها؛ فعليك بطريق القوم.» # ثم يقول: «وقرأت محفوظاتي على شيوخي - وهم نحو خمسين شيخا - فقرأت على الشيخ أمين الدين ~~شرح المنهاج للجلال المحلي، وكنت أطالع على درسي هذا القوت للأذرعي، والقطعة والتكملة ~~للإسنوي والزركشي، والقطعة للسبكي، والعمدة لابن الملقن، وشرح ابن قاضي شهبة، وشرح الروض ~~للشيخ زكريا الأنصاري، وأكتب زوائد هذه الكتب على الشيخ جلال الدين، وألصق به أوراقا - حتى ~~ربما تصير الحواشي أكثر من الكتاب - ثم أقرؤها كلها عليه. # وقرأت عليه أيضا شرح جمع الجوامع للشيخ جلال الدين، وحاشية الشيخ كمال الدين، وشرح ~~العراقي للجلال الحافظ السخاوي.» # ويمضي الشعراني في الحديث عن دراساته وشيخوخته حتى يذهل القارئ بذلك الفيض الدافق من ~~الكتب التي أحاط بها وألم بدقائقها وأسرارها. # الشعراني في طريقه إلى الله # تنفس الشعراني أول ما تنفس الحياة في جو صوفي خالص، وفي بيت قوامه التعبد والتبتل، ~~فهو ينحدر من أسرة ترك رأسها الأول مجد الملك ورفاهيته ونعيمه إلى النهج الصوفي ~~ومجاهداته، ومسارح تعبداته، ومجال تأملاته، وأجواء تحليقاته، ومطالع أنواره وإلهاماته، ~~حتى إذا كمل وارتوى واستوى انطلق ms018 داعيا إلى الله على بصيرة من أمره. # وقفى أبناؤه أثر خطواته، فما كان منهم إلا تقي نقي، وعالم رباني، وإمام من الهداة، ~~وجاء الشعراني فرأى أول ما رأى والده الصوفي صاحب الخلوة الذي كان قليلا من الليل ما ~~يهجع، وشاهد شقيقه العالم الصوفي الذي وهب نفسه لله، فكان يستغفر الله مع كل نفس من ~~أنفاسه، والذي ترك الحلال خشية الشبهات. # وعاش الشعراني طاهرا بين أطهار، قوته القرآن الذي حفظه قبل التمييز، ولم يكن لهوه في ~~طفولته عبث أطفال، وشغب صغار، بل فتح عينيه ليقرأ ويقرأ في التفسير والحديث والفقه ~~والأصول، وليجالس العلماء ويتلقى منهم، وينهل من معارفهم وهو في الثانية عشرة من ~~عمره. # ومن الله عليه فكان شيوخه جميعا في دراساته ممن جمعوا بين الدراسة العلمية ~~والمناهج التعبدية الصوفية. # ولهذا رأينا الشعراني ينزع إلى التصوف، ويتعجل السبل إلى أن يشق طريقه على أيدي أرباب ~~الطريق، ورأينا شيوخه يطلبون منه التريث حتى يستكمل العلوم الظاهرية حفظا وفهما ~~واستنباطا. # ولكن الشعراني كان من حيث لا يشعر صوفيا كاملا من صغره، فقد زاول التصوف عملا ~~بفطرته، فنحن نراه يكبح شهواته ويرد رغباته حتى عن الحلال المباح، ويقبل على ذكر الله ~~ليله ونهاره، حتى ليعلق في سقف خلوته حبلا يطوق عنقه متى جلس منذ العشاء حتى مطلع ~~الفجر؛ ليأمن سنات النوم وغفواته، فإن غلبه النعاس على أمره صب على جسمه الماء ~~البارد. # ولقد أخذ نفسه في العبادة منذ صغره بالأحوط والأكمل، والأحوط عنده اجتناب المكروه ~~كأنه حرام، والاعتناء بالسنة كأنها واجبة وهكذا. # والشعراني نفسه يفصل هذا المقام فيقول: إن من منن الله عليه أن ألهمه مجاهدة نفسه من ~~غير شيخ، لما تبحر في العلم، ثم بشيخ ليساعده - كما يقول - على إزالة الموانع التي ~~تعوقه عن العمل بما علمه. # ولنترك الشعراني يحدثنا بأسلوبه القلبي الساحر راويا لنا قصة عباداته ~~ومجاهداته: ~~«وتركت أكل لذيذ الطعام، ولبست الخيش والمرقعات نحو سنتين، ثم أكلت التراب لما فقدت ~~الحلال نحو شهرين، ثم أغاثني الله - تبارك وتعالى - بالحلال المناسب لمقامي ms019 إذ ذاك، ~~وكنت لا آكل طعام أمين ولا مباشر ولا تاجر ولا فقيه وغيرهم ممن كسبهم شك، وضاقت علي ~~الأرض كلها، ونفرت من جميع الناس، فكنت أقيم في المساجد المهجورة والأبراج الخراب مدة ~~طويلة، وما رأيت أصفى من تلك الأيام. # وكنت أطوي الثلاثة أيام وأكثر ثم أفطر على نحو أوقية من الخبز، وضعفت بشريتي، وقويت ~~روحانيتي، حتى كنت أصعد بالهمة في الهواء إلى الصاري المنصوب على صحن جامع الغمري # 2 # فأجلس عليه في الليل والناس نيام، ثم إذا نزلت من السلم إلى الجامع أنزل ~~بجهد وتعب لغلبة روحانيتي. # وطلبها الصعود إلى عالمها؛ فإنه لا يثقل الإنسان إلى الأرض إلا كثرة الشهوات، وهذا هو ~~سبب تحريك الإنسان رأسه حال الذكر وتلاوة القرآن، فكأن الروح تشتاق إلى القرب من حضرة ~~ربها، إذا سمعت كلامه أو اسمه فتكاد تلحق بعالمها العلوي. # ولما غلب علي طلب العزلة عن الناس، تنكرت مني قلوب أصحابي، ونفروا مني حتى كأنهم لا ~~يعرفونني من ضيق وقتي عن مباسطتهم بالكلام اللغو. # وكنت إذا فتحت مجلس الذكر بعد العشاء لا أختمه إلا عند طلوع الفجر، ثم أصلي الصبح ~~وأذكر إلى ضحوة النهار، ثم أصلي الضحى وأذكر حتى يدخل وقت الظهر، فأصلي الظهر ثم أذكر ~~إلى العصر، ومن صلاة العصر إلى المغرب، ومن صلاة المغرب إلى العشاء وهكذا، فمكثت على ~~ذلك نحو سنة، وكنت كثيرا ما أصلي بربع القرآن بين المغرب والعشاء، ثم أتهجد بباقيه ~~فأختمه قبل الفجر، وربما صليت بالقرآن كله في ركعة، وكان نومي غلبة تخطف رأسي خطفة بعد ~~خطفة، وخفقة بعد خفقة، وكثيرا ما يغلب علي النوم فأضرب أفخاذي بالسوط، وربما نزلت ~~بثيابي في الماء البارد في الشتاء حتى لا يأخذني النوم.» # وهذه الأمور من قاعدة ما إذا تعارض عندنا مفسدتان وجب ارتكاب أخفهما مفسدة، ولا شك في ~~أن وقوف المحب بين يدي الله - عز وجل - في الظلام مع تألم جسمه بالضرب، أحسن عنده من ~~نومه عن ربه - عز وجل - حال تجليه مع صحة جسمه، كما أشار إليه ms020 قوله # صلى الله عليه وسلم ~~: «خصلتان ~~مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ .» ولكل مقام رجال، ومن طلب نفيسا خاطر ~~بنفيس، فعلم أن المحب لله في واد والمنكر عليه في واد آخر، ومن طالع أحوال القوم في ~~مجاهداتهم سهل عليه ما يكابده في نفسه، فقد وقع للشبلي أنه كان إذا غلب عليه النوم يضرب ~~نفسه بقضيب الخيزران، حتى ربما أفنى الحزمة في الليلة الواحدة «وكان صلوات الله وسلامه ~~عليه يقوم الليل حتى تورمت قدماه.» فأنزل الله عليه: # طه * ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى * ~~إلا تذكرة لمن يخشى # الآية. # وهكذا كان الشعراني صوفيا بغير شيخ. # ويمضي الشعراني في وصف مجاهداته لنفسه، وهي مجاهدات لا يطيقها إلا رجال الله، بل لا ~~يصبر على الاستماع إليها، ولا يجد مذاقها عند ذكرها إلا من أحبه الله وارتضاه ~~لهداه، حتى يقبل قول الشعراني أنه حينما طعم التراب لما افتقد الحلال في مطعمه خاله ~~لحما وسمنا ولبنا. # أجل، من ارتضاه الله للهدى، وأنار قلبه، يرتضي هذا القول من الشعراني، ويفسره تفسيرا ~~روحيا، أليس كل شيء نأكله أصلا من التراب؟ # ثم يعطف الشعراني على ثمرة هذه المجاهدات في خلقه وحياته فيقول: «إنه بلغ مقاما في ~~الزهد حتى لو أمطرت السماء ذهبا وصار الناس ينتهبونه لم يجد داعيا إلى أخذ شيء منه ~~إلا لأمر مشروع، ولو مر على تلال الذهب والفضة من غير مزاحم عليها من أبناء الدنيا، ~~ولا حساب عليها في العقبى لم يتناول منها دينارا واحدا إلا لضرورة شرعية، فقد فني ~~اختياره مع الله، وفقدت أعضاؤه الشهوة للمعصية أو الجاه، ثم حضوره دائما بقلبه مع ~~الله، أو كما يقول: «ثم حضوري مع الله حال أكلي ومشربي كأني في الصلاة.» # وبلغ مقاما في الخلق من ضفافه شفقته على جميع المسلمين شفقة قلبية حتى ليتألم كما ~~يتألم أخوه المؤمن، ويحس بشقائه كما يحس به، ثم صعوده فوق ذلك درجات لتشمل رحمته الدنيا ~~بأسرها؛ إذ يقول: «ثم ستري لعورات الناس وعيونهم حتى العصاة.» وذلك لون من الخلق ~~والرحمة لم ms021 يعرف لغير المتصوفة. # ثم تصدره للدعوة والإرشاد وإعلاء كلمة الله، حتى إنه ليقف في وجه كبار العصاة والولاة ~~هاتفا بكلمة الحق ودعوته؛ لأن روحه وقلبه عند الله لا عند الناس، ولأنه جعل أخلاقه ~~مقاصد لا وسائل. # ثم ماذا؟ ثم كما يقول: «غيرتي على أذني أن تسمع زورا، وعلى عيني أن تنظر محرما، ~~وعلى لساني أن يتكلم باطلا».» # ذلك بعض ما أخذ الشعراني به نفسه من تعبد وخلق قبل تصوفه، أو قبل أن يسلك الطريق ~~إلى الله على أيدي شيوخه. # | شيوخه في الطريق # يقول شيخ المتصوفة القشيري في ترجمة أبي علي الثقفي: «لو أن رجلا جمع العلوم كلها، وصحب ~~طوائف الناس كلهم، لا يبلغ مبلغ الرجال إلا بالرياضة، من شيخ أو إمام أو مؤدب ناصح، ومن لم ~~يأخذ أدبه من أستاذ يربيه ويريه عيوب أعماله، ورعونات نفسه، لا يحل الاقتداء به في تصحيح ~~المعاملات.» # ويقول الشعراني: «... ولو أن طريق القوم يوصل إليها بالفهم لما احتاج مثل الغزالي وعز الدين ~~بن عبد السلام إلى شيخ، مع أنهما كانا يقولان قبل دخولهما الطريق: من قال: إن ثم طريقا ~~للعلم غير ما بأيدينا فقد افترى على الله كذبا، فلما دخلا الطريق كانا يقولان: قد ضيعنا ~~عمرنا بالبطالة والحجاب.» # والمتصوفة جميعا قد أجمعوا على أن السالك لطريق الله لا بد له من شيخ مرشد، ليكشف له ~~الصحيح من الزائف في الإلهامات والواردات، وليعلمه الأدب وطرائق التحلي به، وليفصل له في ~~خواطر قلبه، وليعصمه من الزلل، وليداوي أمراضه النفسية، من الكبر والرياء وحب الدنيا والحسد ~~والغل والنفاق وأمثالها. # فالتصوف إلهامات تبدأ بعد نهايات أهل الفكر والدرس، وقوامه معان واستنباطات، وفهم في ~~أسرار القرآن، فلا بد لرائده من مصباح وهاد، والشيخ هو المصباح الهادي. # والتصوف آداب وتزكية نفوس، وتطهير أخلاق، ومجاهدات، وتصحيح معاملات، والشيخ هنا يثبت ~~ويرشد ويلهم ويفصل الآيات. # ثم يقول الشعراني ردا على من يقول بأن السلف الصالح لم يعرف هذا اللون من التربية، وهذا ~~اللون الممثل في الشيخ والمريد: «وقد كان السلف الصالح لصفاء ms022 نفوسهم وقلوبهم لا يحتاجون في ~~طريق العمل بعلمهم إلى شيخ لعدم الموانع، وصار الناس اليوم لهم موانع لا تحصى؛ لذلك وجب ~~اتخاذ شيخ يرشد إلى طريق إزالة هذه الموانع، من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فإن ~~اشتغل المريد بعد ذلك بالعلم، أو صلى أو صام، أو تورع أو زهد، كان محفوظا من الرعونات التي ~~تجرح مقام الإخلاص أو تحبط العمل. # وحقيقة الصوفي هو عالم عمل بعلمه، على وفق ما أمر الله به. وكانت صور مجاهداتي لنفسي من ~~غير شيخ أنني كنت أطالع كتب القوم؛ كرسالة القشيري، وعوارف المعارف، والقوت لأبي طالب ~~المكي، والإحياء للغزالي، ونحو ذلك، وأعمل كالذي يدخل دربا لا يدري هل ينفذ أم لا؟ فإن رآه ~~نافذا خرج منه، وإلا رجع من التعب. فهذا مثال من لا شيخ له، فإن فائدة الشيخ إنما هي ~~اختصار الطريق للمريد، ومن سلك من غير شيخ تاه، وقطع عمره ولم يصل إلى مقصوده؛ لأن مثال ~~الشيخ مثال دليل الحجاج إلى مكة في الليالي المظلمة.» # ثم يقول: «والشيخ في الطريق ضرورة لازمة، بالغ ما بلغ علم المريد، ولو حفظ آلاف الكتب فهو ~~في هذه الحالة كمن يحفظ كتابا في الطب ولا يعرف عمليا منازل الدواء على الداء، فإذا سمعه ~~سامع وهو يدرس الكتاب قال: إنه طبيب عظيم، فإذا رآه حين يسأل عن اسم المرض وكيفية إزالته ~~علم حينئذ مقدار جهله.» ~~«ويشترط في الشيخ - كما يقول الشعراني - فوق تعبده ووصوله، أن يكون متبحرا في علوم ~~الشريعة على اختلاف أنواعها، عارفا بالأصول ومذاهب الأئمة الأربعة وغيرها، بحيث يعرف ~~أدلتها ومنازع أقوالها، محيطا بأم الكتاب التي يتفرع منها كل قول.» # ولما جاء ميقات الشعراني ليسلك الطريق إلى باريه وهاديه، سلوكا كما اشترط المتصوفة، وكما ~~رسمه العابدون الواصلون الأولون، أشار عليه «أحمد البهلول» صفيه ونجيه، بأنه وإن كان قاب ~~قوسين أو أدنى من النور الرباني والفتح الإلهي، إلا أن القمم العالية لا يعبدها إلا ~~الشيخ السالك المدرب الموهوب المأذون له. # واستقر كلام صفيه ms023 ونجيه في قلبه، فلما آب إلى منزله وانتهى من أوراده وتسبيحاته لم يجد ~~قلبه خالصا، بل وجد كلام صفيه ونجيه أحمد البهلول يراوده، ويأخذ عليه مجامع قلبه، وخواطر ~~نفسه، حتى إذا أسلمه الجهد إلى سنة من النوم؛ إذ بطيف تتلألأ أجنحته، ويفوح طيبه وعطره، ~~يهمس له في منامه بالإشارة والبشارة. # وإذا بالبشارة والإشارة تتحولان إلى كلام حلو جميل لازم قلب الشعراني طوال حياته. ~~«إن أردت حياة قلبك الحياة التي لا موت بعدها؛ فاخرج عن الركون إلى الخلق، ومت عن هواك ~~وإرادتك، فهناك يحييك الله - عز وجل - حياة لا موت بعدها، ويغنيك غنى لا فقر بعده، ويعطيك ~~عطاء لا منع بعده، ويريحك راحة لا تعب بعدها، ويعلمك علما لا جهل بعده، ويطهرك طهارة لا ~~تدنيس بعدها، ويرفع قدرك في قلوب عباده فلا تحقر بعدها. # قد ذهبت أيام المحن وجاءت أيام المنن ...» # واستيقظ الشعراني عامر القلب بالأماني، فانطلق إلى شيوخ الطريق - وهم بعض أصدقائه وبعض ~~شيوخه - ولنترك الشعراني يحدثنا بحديثه القلبي عن انتقاله من مقامات العلم والزهد إلى ~~مقامات الفتح والصفاء. ~~«... ولقد اجتمعت بخلائق لا تحصى من أهل الطريق، التمس لديهم المفاتيح والأبواب، فلم يكن لي ~~وديعة عند أحد منهم سوى ثلاثة: علي المرصفي، ومحمد الشناوي، وعلي الخواص - رضي الله ~~عنهم. # فسلكت على يد الأولين شيئا يسيرا، وكان فطامي على يد علي الخواص، أعني الفطام اليسير ~~المعهود بين القوم، وإلا فالحق أنه لا فطام حتى يموت الإنسان. # ومنهم عرفت يقينا أنه لا بد من شيخ في الطريق كما قال موسى للخضر: # هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا ~~. # وقد اعترف الإمام أحمد بن حنبل لأبي حمزة البغدادي بالفضل عليه كما اعترف الإمام ابن سريح ~~لأبي القاسم الجنيد. # وكان الغزالي يقول بعد اجتماعه بشيخه: ضيعنا عمرنا بالبطالة، وهو حجة الإسلام، وكان الشيخ ~~عز الدين بن عبد السلام - وهو من هو - يقول: ما عرفت الإسلام الكامل إلا بعد اجتماعي على ~~الشيخ أبي الحسن الشاذلي. # ولما اجتمعت بأهل الطريق قالوا لي: اجعل أعمالك كلها ms024 مقاصد لتحضر فيها مع الله تعالى، ولا ~~تتخذها وسائل فتموت ولا تصل إلى مقصودك، فقربوا علي الطريق ...» # | الشعراني والخواص # الخواص رجال من رجال الله، وعلم من الأعلام الهداة، ومحجة ومنارة من المنارات التي يهبها ~~الله لعباده لتكون للسالكين إليه نورا وسلما. # ولكل رجل من رجال الله مقام، ولكل رجل من رجال الله رسالة في الحياة، فمنهم من رسالته في ~~التربية والتوجيه القلم والبيان، ومنهم من رسالته الكرامات وخوارق العادات للتثبيت واليقين، ~~ومنهم من رسالته تربية المريدين، ومن رسالته تربية العارفين. # والمربون للعارفين هم الكمل السادة، ومنهم من يظهره الله، ومنهم من يحجبه، ومنهم بين ~~هؤلاء وهؤلاء. # فالخواص في الطريق وعند أهله كامل من السادة، وإن جهله الناس، وإن أنكره العوام؛ العوام ~~رغم علمهم، ورغم ما بأيديهم من أقلام وكتب. # الخواص كامل من السادة، وحجته على مكانته عند أهل الطريق معروفة واضحة، وحجته عند غيرهم ~~أنه صنع العارف بالله عبد الوهاب الشعراني. # ولقد صنع الخواص عبد الوهاب الصوفي، وعبد الوهاب خلد بتصوفه؛ أي الجانب الذي تولاه ~~الخواص، وحسب الخواص هذا عند من لا يعرفه. # ولقد عاش الشعراني طوال حياته الصوفية وعاء من أوعية الخواص، فالخواص إمامه وهاديه، ~~وأستاذه وملقنه ومربيه. # والخواص هو معراج الشعراني وسلمه الذي صعد عليه إلى أبواب الفتح، وسموات المنح، ومناطق ~~الإلهام والنور، وليس في هذا ما ينقص الشعراني، بل في هذا مفخرته؛ لأن به كان خلوده. # وصلة الخواص بالشعراني هي آية الآيات على مقام الشيخ في الطريق، وهي آية كونية على مقام ~~العلم اللدني؛ فلقد كان الخواص أميا، وكان الشعراني عالما، ذلك هو حكم الظاهر. أما حكم ~~الباطن فلقد كان الخواص عالما، وكان الشعراني أميا. # علم الأول كان الوهب، وعلم الثاني كان الكتب، والعلم الحقيقي عند الصوفية العلم الذي يقول ~~صاحبه بملء فيه: إنه علمي. هو علوم الفتح؛ لأنها خاصة بصاحبها. أما علوم الكسب فهي ليست ~~علوم صاحبها؛ إنما هي علوم الكتب، أو كما يقول الخواص: «علوم الرجل حقيقة» هو ما لم يسبق ~~إليه، وأما من كان ms025 علمه مستفادا من النقل؛ فليس ذلك له بعلم، إنما هو صاحب لصاحب ~~العلم . # والشعراني يقول: إن من منن الله عليه أن كان وصوله وفتحه على يد أمي لا يعرف القراءة ~~والكتابة، ويقول في وصف هذا الأمي: «رجل غلب عليه الخفاء فلا يكاد يعرفه بالولاية والعلم ~~إلا العلماء العاملون؛ لأنه رجل كامل عندنا بلا شك، والكامل إذا بلغ مقام الكمال في العرفان ~~صار غريبا في الأكوان.» # ولنترك الشعراني يحدثنا بحديثه الروحي العذب عن وصوله إلى معارج المعارف العلوية على يدي ~~شيخه، ثم يحدثنا عن بحار علوم شيخه ومرشده: ~~«وكانت مجاهداتي على يدي سيدي علي الخواص كثيرة متنوعة، منها أنه أمرني أول اجتماعي عليه ~~ببيع جميع كتبي والتصدق بثمنها على الفقراء، ففعلت - وكانت كتبها نفيسة مما يساوي عادة ~~ثمنا كثيرا - فبعتها وتصدقت بثمنها، فصار عندي التفات إليها لكثرة تعبي فيها وكتابة ~~الحواشي والتعليقات عليها، حتى صرت كأنني سلبت العلم، فقال لي: اعمل على قطع التفاتك إليها ~~بكثرة ذكر الله - عز وجل - فإنهم قالوا: ملتفت لا يصل، فعملت على قطع الالتفات إليها مدة ~~حتى خلصت بحمد الله من ذلك. # ثم أمرني بالعزلة عن الناس مدة حتى صفا وقتي، وكنت أهرب من الناس وأرى نفسي خيرا منهم، ~~فقال لي: اعمل على قطع أنك خير منهم، فجاهدت نفسي حتى صرت أرى أرذلهم خيرا مني. # ثم أمرني بالاختلاط بهم، والصبر على أذاهم، وعدم مقابلتهم بالمثل، فعملت على ذلك حتى ~~قطعته، فرأيت نفسي حينئذ أنني صرت أفضل مقاما منهم، فقال لي: اعمل على قطع ذلك أيضا، ~~فعملت حتى قطعته. # ثم أمرني بالاشتغال بذكر الله سرا وعلانية والانقطاع بالكلية إليه، وكل خاطر خطر لي مما ~~سوى الله - عز وجل - صرفته عن خاطري فورا، فمكثت على ذلك عدة أشهر. # ثم أمرني بترك أكل الشهوات مطلقا فتركتها، واكتفيت بما يسد الرمق ويمسك الحياة، حتى صرت ~~أكاد أصعد بالهمة في الهواء، وصارت العلوم النقلية تزاحم العلوم الوهبية، ثم أمرني بالتوجه ~~إلى الله - تبارك وتعالى - في أن يطلعني على أدلتها الشرعية، فلما ms026 اطلعت عليها وصار لوح ~~قلبي ممسوحا من العلوم النقلية لاندراجها تحت الأدلة، ترادفت علي حينئذ العلوم ~~الوهبية.» # ثم يتحدث الشعراني حديثا طويلا عن ترقبه للواردات والإلهامات والفتح، وكيف أمره شيخه ~~الخواص بضروب من المجاهدات لصفاء قلبه، واستكمال قطع علائقه الدنيوية، وأخيرا أخبره شيخه ~~بأن بداية فتحه ستكون على شاطئ النيل في مكان حدده له، فإذا انتهى الشعراني من ذلك قال: ~~«فبينما أنا واقف على ساحل النيل عند بيوت البرابرة وسواقي القلعة أنتظر وأترقب، إذا بأبواب ~~من العلوم اللدنية انفتحت لقلبي، كل باب أوسع مما بين السماء والأرض، فصرت أتكلم على معاني ~~القرآن والحديث، واستنبط منها الأحكام وقواعد النحو والأصول وغير ذلك من العلوم، حتى ~~استغنيت عن النظر في كتب المؤلفين، فكتبت على ذلك نحو مائة كراسة، فلما عرضتها على سيدي علي ~~الخواص أمرني بغسله وقال: هذا علم مخلوط بفكر وكسب، وعلوم الوهب منزهة عن مثل ذلك، فغسلتها، ~~وأمرني بالعمل على تصفية القلب من شوائب الفكر، وقال: بينك وبين علم الوهب الخالص ألف مقام، ~~فصرت أعرض عليه كل شيء فتح به علي وهو يقول: أعرض عن هذا، واطلب ما فوقه، إلى أن كان ما ~~كان، فهذا صورة فتحي بهذه المجاهدة على يدي شيخي. فالحمد لله رب العالمين.» # ثم يصور لنا الشعراني بعد ذلك فيما يصور، من صلاته بالخواص، بحر العلم الخاص بشيخه، فيصفه ~~بأنه مبسوط الرحاب، عميق القاع، أمواجه الكشف الصحيح، وعبابه التعريف الإلهي. # ولقد غطس الشعراني - كما يقول - في بحر شيخه خمس مرات - ومن حق المريد أن يغترف من بحر ~~المعرفة الخاص بشيخه - فلما هم بالسادسة استحال البحر حجرا. # وقد وجد الشعراني في كل مرة غاص فيها صيدا ثمينا، صيدا هو خزانة من خزائن العلم ~~اللدني. # ففي المرة الأولى وجد خزانة على بابها قفل، ففتحها بقول: «لا إله إلا الله»، فوجد فيها ~~عجبا، وجد العلوم التي برزت من اللوح المحفوظ إلى هذا العالم على اختلاف طبقاته، من ~~الصديقية الكبرى إلى آخر درجات الولاية. # وتلك الخزانة تشتمل على علوم لا تحصى ms027 ولا تدرك إلا بتعريف من الله - عز وجل - ووجد ~~الشعراني علوم تلك الخزانة مرتبة منسقة، وعلى كل علم اسمه. # ولقد أخرج الشعراني كما يقول جميع تلك العلوم من الخزانة، وجعلها من جملة ذخائره ومعارفه، ~~وأضافها إلى ما عنده. # فلما غطس في المرة الثانية وجد خزانة أخرى على بابها قفلان، ففتحها باسم «الله»، فوجد ~~فيها جملة من آيات القرآن العظيم من أول سورة الحاقة إلى آخر القرآن، ووجد تفسير كل آية من ~~تلك الآيات مكتوبا، وهو علم لا تدركه العقول، ولا يستفاد من كتب. # وأخرج الشعراني أيضا علوم تلك الخزانة وأضافها إلى معارفه وذخائره، وضمها إلى ثروته ~~وكنوزه. # وهكذا يمضي الشعراني مصورا لنا بحار شيخه ومعارفه اللدنية، شارحا للخزن المملوءة ~~بالكنوز التي عثر عليها في تلك البحار، وكيفية فتحها، وما فيها من علوم استحوذ عليها ~~واستفاد بها، وهو تصوير برعت فيه الأقلام الصوفية، ومرن عليه الذوق الصوفي. # والمراد بالخزن وأقفالها وما كتب عليها وطرائق فتحها هو - فيما نعتقد - الرمز إلى أسرار ~~الذكر، وأسرار أسماء الله الحسنى، وفتوحات تلاوتها. # والذكر هو سر التصوف وروحه، كما أنه عندهم بداية الإلهام ونهايته، وليس بصوفي من غفل قلبه ~~لحظة عن ذكر الله، أو التفكير في آياته. # وعلى هذا النهج تصوف الشعراني، فكان تصوفه بداية خلوده، وكان تصوفه فتحا ربانيا - كما ~~يقولون - لعصره والعصور المتعاقبة. # فلقد ربى الشعراني آلافا من المريدين والتلاميذ المعاصرين له، وجعل منهم مدرسة إيمانية ~~تذكر الله، وتدعو إلى هداه، ولا تزال كتبه تربي وتمنح الهدى واليقين للآلاف من التلاميذ ~~والمريدين. # | الشعراني في مدرسة خوند # استقر الشعراني بمدرسة أم خوند، بعيدا عن مسجد الغمري المشحون بالدسائس والحسد، وزالت ~~أيام المحن جميعها، وأقبلت أيام المنن جميعها كما يقول الشعراني. # وفي مدرسة أم خوند دخل الشعراني دورا جديدا من أدوار حياته الكبرى، وابتدأت الخطوط ~~العريضة لمجده العريض ترتسم وتتحدد، وتأخذ ألوانها، وتتجه إلى أهدافها. # ففي تلك المدرسة تصوف الشعراني، وسلك الطريق إلى الله، وفيها كانت مجالسه العلمية ~~والتعبدية التي غدت قبلة لصفوة العباد والعلماء يلوذون ms028 بالشعراني الإمام العابد العالم، ~~ينهلون من علمه، ويغترفون من فيضه، ويلتمسون النور في هديه وكلمه. # كما غدت تلك المجالس أيضا مهوى أفئدة الكبراء والأمراء وأصحاب الوجاهة، يلتمسون لدى ~~صاحبها شفاعة في أمور دنياهم، أو توددا للجماهير وزلفى لديهم؛ فقد أصبح الشعراني زعيما ~~شعبيا مرهوب الجانب، كما غدا صاحب صوت وكلمة عالية في مصر، ومطاعة في إستانبول، عاصمة ~~الإسلام ومقر الخلافة التي تدين لها مصر بالتبعية والولاء. # ولا يخلو الأمر أيضا من التماس بركات هذا القطب؛ القطب الذي بزغ نجمه وتلألأ، وأخذت ~~الدنيا تمتلئ وتفيض بالأحاديث الساحرة عن نفحاته وعجائبه. # | الشعراني والخليفة # وجاء السلطان سليم، خليفة العالم الإسلامي، إلى مصر زائرا، فكان يومه عيدا، وكانت أيامه ~~بمصر تاريخا، وكان القرب منه أو التشرف برؤيته عزا وجاها ومطلبا عاليا. # وحف به الأمراء، ولاذ به الكبراء، وهرع إليه العلماء والفقهاء، يأملون في القبول، ويرفعون ~~آيات الولاء. # وبقي رجل واحد لا يسعى إلى أمير المؤمنين، ولا يمشي في الركاب، ولا يحني رأسه تلك ~~الانحناءات الذليلة التي عرفت في المراسيم التركية. # وارتفع همس إلى السلطان سليم بتخلفه، وتضخم الهمس فغدا دويا، فاسم الشعراني يزاحم ~~الشمس، فلا يمكن أن يختفي، ولا يمكن أن يتوارى، ولا يمكن ألا يلمس الزائر العظيم ~~تخلفه. # وحدثت الكرامة أو حدثت الآية التي طالما أكرم الله بها رجاله وعباده الذين عفوا عن ~~الدنيا، فسعت إليهم الدنيا. # أجل لقد سعت الدنيا، سعت الخلافة التركية بجلالها وبهائها إلى الرجل العابد القانت ~~المتواضع المعرض عن الدنيا وأساليب الحياة. # سعى الخليفة العظيم إلى الصوفي العظيم، فكان ما بينهما رمزا إلى الدنيا والآخرة، وبين ~~دهشة الحاشية وعجب الأمراء وذهول العلماء والفقهاء، التمس السلطان سليم طريقه إلى ~~الشعراني. # وكان يوما عظيما تاريخيا للرجلين الكبيرين، ومن هذا اليوم لم يستطع حاكم في القاهرة ~~أن يعصي للشعراني أمرا، أو يرد له طلبا. # وكان القضاء في مصر خلال تلك الحقبة من التاريخ للقاضي محيي الدين عبد القادر الأزبكي، ~~وكان في طبعه حدة، فاصطدم بنائب السلطان سليم على مصر، فأهدر النائب دمه، ms029 وخصص جائزة ~~لقتله. # واختفى القاضي طويلا حتى إذا ضاقت عليه الأرض بما رحبت ، وضاقت به حياته انطلق إلى ~~الشعراني شاكيا لائذا، وتعهد للشعراني أن يقيم مسجدا لله إن أنقذه من شر خصمه ونجاه من ~~تلك المحنة. # وابتسم الشعراني وتناول عودا رفيعا من الأرض وقال له: اذهب فألق الحاكم بهذا العود، ~~ولا تخش سوءا ولا شرا. # فتردد القاضي وأذهله هذا الأمر، فقد تشفع له الأمراء والسادة فلم تقبل شفاعتهم، فكيف ~~يستجيب الحاكم بعد ذلك، ولا شفاعة اليوم ولا وساطة إلا عود صغير من الشيخ. # ولاحظ أتباع الشيخ تردده فثار ثائرهم، وهتفوا به: اذهب وسترى عجبا، فالشيخ لا يمزح وإن ~~بدا الأمر شاذا غريبا، وأسرار الشيخ ونفحاته لا تنكر ولا تجحد. ومضى القاضي على وجل ~~للقاء الحاكم، حتى إذا دنا من مجلسه ألقى العود أمامه، وبين عجبه ودهشته خف الباشا ~~لاستقباله والاحتفاء به، وأعاده إلى منصبه، وأصدر أمرا بالعفو عنه. # تلك رواية كتب المناقب، وفي رواية أخرى أن الشعراني التمس من السلطان سليم العفو عن ~~القاضي المهدر الدم، فأجاب طلبه وقبل شفاعته. # وسواء كانت الرواية الأولى أو الثانية، فقد غدا القاضي يدين بحياته للشعراني، ويدين أيضا ~~ببناء مسجد لله يخصص للشعراني ولمجالسه العلمية والتعبدية. # وابتاع القاضي أرض فضاء في أطراف حي باب الشعرية ليقيم فيها المسجد الذي وعد به، وقبل أن ~~يبدأ القاضي في البناء عدا أحد الأمراء الأتراك على الأرض فاغتصبها، واعتزم أن يقيم عليها ~~بيتا له. # وتصدى للأمير التركي رجل من أصحاب الأحوال، فأنذره بسوء العاقبة إن لم يترك هذه الأرض ~~التي قدر لها أن تكون مسجدا لله، ومقرا للشعراني حيا وميتا. # وضحك الأمير التركي، وأعلن لحاشيته وسط السخرية اللاذعة أنه لا يؤمن بالمجاذيب، ولا يعتقد ~~في الكرامات، وأن الاهتمام بمثل هذه الأمور صغار لا يليق بالسادة الأمراء. # ومضى ركب الحياة، فإذا بالشلل يأخذ جسد الأمير بعد أيام، ثم يسلمه للموت ولم يمض أسبوع ~~واحد على هذا العدوان. # وأسرع القاضي محيي الدين إلى الأرض، فشاد عليها مسجدا عظيما فخما واسع ms030 الرحاب، هو ~~المسجد الذي عرف في التاريخ باسم مسجد الشعراني، وابتنى في المسجد زاوية انتقل إليها ~~الشعراني بأهله، بعد أن جعلها القاضي وقفا عليه وعلى أسرته، وغدت الزاوية بعد ذلك جزءا من ~~تاريخ الشعراني؛ لأن بها كانت أعظم أيامه، ولأنها غدت من أعظم مراكز العلم والتعبد في ~~العالم الإسلامي. # وحفر البناءون كثيرا من الآبار لهذه الزاوية، ولكنهم لم يعثروا على الماء، فطلب الشعراني ~~من شيخه «نور الدين الشوني» حلا لهذا الأمر، والشوني يتحدث عنه الرواة بأنه كان يجتمع ~~برسول الله - صلوات الله عليه -يقظة ومناما. # وبعد أيام جاء نور الدين الشوني ليقول للشعراني بأن البئر يجب أن تحفر في مكان حدده ~~وعينه، وقال: إن هذا بناء عن إذن من رسول الله - صلوات الله وسلامه عليه. # وحفرت البئر فكان ماؤها سلسبيلا عذبا، حتى لقد تطايرت الشائعات بأن ماءها يتصل ببئر ~~زمزم، وأقبلت الجماهير عليها التماسا لبركات مائها وأسراره. # | زاوية الشعراني # لعبت الزوايا والمساجد في تاريخ الإسلام دورا كبيرا خطيرا، فقد كان المسجد مكتبة ~~ومدرسة ومصلى، كان معهدا لتربية العقول، ومعبدا لتطهير القلوب، بل لقد كان مسجد رسول ~~الله - صلوات الله وسلامه عليه - في المدينة كلية حربية يتعلم فيها الصحابة - تحت رعاية ~~نبيهم - القتال، من ضرب الرماح إلى رشق السهام. # والذين تربوا تحت ظلال المساجد في تاريخ الإسلام هم علماؤه وفقهاؤه، بل وفرسانه ومقاتلوه ~~أيضا. # ولقد خطا أحمد بن طولون خطوة أخرى في واجبات المساجد، فألحق بمسجده الكبير صيدلية تداوي ~~المرضى، وتوزع الدواء بالمجان على الفقراء والمحتاجين، وبذلك غدت المساجد محور القوى ~~الروحية والفكرية والبدنية في العالم الإسلامي، وهل ينسى تاريخ الإسلام، بل تاريخ الحضارة ~~العالمية الأعمال الخالدة التي حققتها المدارس الكاملية والنظامية والطولونية ~~والأزهر؟ # فمن تلك المساجد شعت أنوار المعرفة التي حملت للعالم أزكى الحضارات، وأطهر الدراسات، ~~أنوار المعرفة التي صاغت العقول الإسلامية، وأضاءت لها الحياة أكثر من عشرة قرون، ومكنت ~~للقوة الإسلامية في الأرض حتى كانت وحدها صاحبة القول الفصل في شئون الكوكب الأرضي. # وزاوية الشعراني كانت في القرن العاشر ms031 الهجري منافسا خطيرا للأزهر، بل لقد كانت الناحية ~~التعبدية فيها أكبر مما يطيق الأزهر، وكانت سبل العيش لطلابها أيسر وأهنأ. وزاوية الشعراني ~~جزء لا يتجزأ من تاريخه، بل إن تاريخه ليفقد جانبا مضيئا ساحرا لو أهملنا الحديث ~~عنها. # والحديث عن زاوية الشعراني يترقرق ويتشعب لمن يريد أن يحيط بألوانها وصورها، بل هو حديث ~~في حاجة إلى كتاب خاص، ودراسة مستقلة، فلقد نهضت تلك الزاوية بما يساوي جهد وزارتين من ~~الوزارات التي نعرفها، أعني وزارتي الشئون والمعارف. # ونحن هنا نحاول أن نعطي صورة سريعة لحياة الشعراني داخل زاويته، وصورة سريعة لأثرها في ~~المجتمع المصري. # حول الشعراني الزاوية التي بناها له القاضي محيي الدين إلى رباط للعباد، ومدرسة للعلم ~~والتعليم، وزاوية للصوفيين المستجدين، ومسجد للصلاة وإقامة الشعائر، وتكية للفقراء ~~والمحتاجين، وكان هو قطب الرحى لتلك الحركة الدائبة. # ولقد أوقف عليها القاضي محيي الدين أوقافا وأرزاقا كفلت الحياة لموظفيها من المؤذنين ~~والفقراء والأئمة والخطباء. # ولكن الحياة قد اتسعت داخل الزاوية، فقد كفل اسم الشعراني لزاويته مكانة عالية، فأقبل ~~عليها الراغبون من كل حدب ينسلون. # أقبل عليها الأمراء والسادة يوقفون عليها أملاكهم وأموالهم، ويقدمون إلى طلابها المنح ~~والهدايا على اختلاف أنواعها. # وأقبل عليها آلاف المريدين والطالبين للعلم من الفقراء الذين أعسروا فلم يستطيعوا طلبا ~~للعلم، بل لم يستطيعوا الحياة الكريمة، فكفل لهم الشعراني داخل زاويته العلم، العلم بشقيه ~~من تثقيف وتعبد، كما كفل لهم الحياة الكريمة بأوسع معاني تلك الكلمة. # حتى لقد أفسح للمتزوجين منهم مكانا في زاويته، يقيمون فيه مع أولادهم وزوجاتهم طاعمين ~~كاسين ممتعين، لا يحملون من هموم الرزق كثيرا ولا قليلا ما داموا قد انقطعوا للعلم، وما ~~دامت أخلاقهم وعباداتهم مما يرضى عنه الله. ولقد بلغ عدد طلاب الزاوية في أول أمرها ~~مائتين، بينهم تسعة وعشرون كفيفا. # ويحدثنا التاريخ حديثا عجبا عن ميزانية تلك الزاوية، وعن الخيرات والنعم التي تجري في ~~ساحاتها، فلقد كان يعد لطلابها من الخبز كل صباح إردب وثلث الإردب من أنقى أنواع ~~القمح. # أما ميزانيتها عن عام: ms032 فعشرة قناطير من عسل النحل، وعشرين قنطارا من عسل القصب، وأربعين ~~إردبا من الفول، ومن الكشك سبعة، ومن الأرز مثلها، ومن البسلة والعدس خمسة وعشرين إردبا ~~... وهكذا. # فإذا أقبل العيد؛ عيد الفطر، كانت ميزانيتها من الكعك خمسة أرادب غير الهدايا، ومن الجوز ~~والبندق والخروب والتمر والزبيب والتين ما قدر بخمسة قناطير، ومن الفواكه شيء لا يقع تحت ~~حصر. ويكفي أن نذكر أن ميزانية الزاوية من البطيخ في العام كانت أكثر من ألفين. # ولم يقتصر الأمر على هذا النعيم فقط، بل شملت رعاية الشعراني مريديه وتلامذته في أوسع ~~الآفاق، فهم أبناؤه وأحبابه في الله، ومن حقهم عليه أن يدبر أمورهم كافة، ومن تدبير ~~أمرهم أن ينظر في أمر استكمال دينهم، ومن كمال الدين الزواج؛ ولهذا زوج الشعراني في ~~زاويته أربعين رجلا من مريديه، قام عنهم بالمهر ونفقات الزواج، وحرص على تزويد زوجاتهم بكل ~~شيء يخطر على العقل من شئون النساء ولوازمهن، حتى اللبان الشامي والحجازي والشمع والخضاب، ~~وغرائب أنواع الزينة، وألوان العطور، وأدوات التطرية والتجميل. # ومن كمال الدين الحج إلى بيت الله؛ ولهذا أرسل الشعراني أفواجا من تلامذته إلى الأرض ~~المقدسة، باذلا في سبيل راحتهم والعناية بأمرهم مثل ما بذل في أمر زواجهم من الاهتمام ~~العجيب بكل دقيقة وصغيرة، مما يدل على شفافية ذلك الروح الكبير الذي شمل حبه وحنانه كل ~~من أحاط به أو لاذ برحابه. # ولم تقف مكارم الشعراني عند هذا الحد، بل تحدثنا كتب المناقب بأنه كان يقوم بتزويد ~~العلماء والفقهاء والمشايخ في مصر وغيرها بالغذاء والكساء والماء، حتى لكأن كل فقير من أهل ~~العلم أمانة في عنقه. ويحدثنا الشعراني بأنه قد كسا بالثياب عددا لا يحصيه عد، ولا يحيط به ~~حصر من الشيوخ الفقراء آلافا مؤلفة. # أما ضيوف الشعراني ورواده في زاويته، والذين قدروا في كتب التاريخ بحوالي مائة زائر ~~يوميا، فقد كان الشيخ معهم سخي اليد، سخي القلب، سخي العاطفة. # ومع هذا العبء العظيم، وهذه النفقات الطائلة التي حملها الشعراني، لم يغض نبع الخيرات ~~في زاويته، ms033 بل كان دفاقا جياشا دائما، وفي وسط هذا النعيم والخير المقيم، كان ~~الشعراني يعيش يومه على جرعة من ماء وتمرات يقمن صلبه. # تلك هي الناحية المادية من زاوية الشعراني. أما الحياة الروحية فيها، فهي الوجه الأكثر ~~وضاءة وإشراقا؛ فلقد تحدث مؤرخوه من معاصريه بأن زاويته كانت أعظم المنارات العلمية ~~والتعبدية في العالم الإسلامي خلال القرن العاشر الهجري. # فقلد كان الشعراني أوسع أهل عصره علما، وأعلاهم كعبا في التصوف والنفحات اللدنية، كما ~~كان ذروة في التعبد والخلق لا تطاولها ذروة. وبتلك العملاقية العلمية والروحانية التعبدية ~~طبع الشعراني زاويته، وربى مريديه وتلامذته، فدرسوا على يديه العلوم الشرعية على اختلاف ~~أنواعها، وتلقوا منه المعارف الصوفية على اتساع آفاقها وشمولها، ودقائق أسرارها، ومكارم ~~أخلاقها. # وكان قراء القرآن الكريم فيها يواصلون القراءة ليلا ونهارا حتى لا تخلو الزاوية دقيقة ~~واحدة من قراءة القرآن. # وبجوار قراءة القرآن، المجالس العلمية، فلا يفرغ قارئ في الحديث حتى يبدأ قارئ في ~~التفسير، وما ينتهي حتى يشرع ثالث في قراءة التصوف، ولا ينتهي حتى يليه قارئ في الفقه، ~~وهكذا آناء الليل وأطراف النهار من غير انقطاع. # ويحدثنا المناوي وصاحب «طبقات الشاذلية» بأن الناس كانوا يسمعون لزاويته دويا كدوي ~~النحل ليلا ونهارا. # وبجوار هؤلاء وهؤلاء كان العباد والذاكرون المنقطعون للذكر والعبادة، حتى ليقول الشبلي ~~المؤرخ بأنه لم ير في مشارق الأرض ومغاربها خيرا من زاوية الشعراني علما وفضلا وتصوفا ~~وأدبا. # ولقد أخرجت تلك الزاوية الخالدة أعظم علماء القرن العاشر الهجري، وأكبر متصوفيه. لقد كانت ~~زاوية خالدة، وكانت زاوية الخالدين. # | إلى الملأ الأعلى # حدثنا الشعراني عن سلوكه إلى الله على يد شيخه الخواص، وكيف أجلسه الخواص في محاريب ~~الطهارة والتعبد، وأخذ عليه العهد ولقنه الذكر، وأعطاه الورد، وأخلاه عما سوى الله، ~~وأنبأه بأن الفتح الإلهي والهبات الربانية اللدنية ستكون بدايتها في مكان معلوم مقدر ~~بروضة المقياس على شاطئ النيل. # ثم حدثنا عن أحاسيسه القلبية في أيام ترقبه وانتظاره، وكيف تسللت العلوم الوهبية إلى قلبه ~~فكتب منها ما شاء الله أن يكتب، ثم ms034 عرضها على شيخه فأنبأه بأنها لا تخلو من علوم ظاهرية، ~~وطلب إليه محوها وانتظار علوم أكثر صفاء وثباتا. # وتكرر الأمر بينه وبين شيخه حتى جاء الفتح الإلهي، وكانت بدايته أن ألهم علم آداب ~~العبودية في يوم الاثنين، السابع عشر من شهر رجب، سنة إحدى وثلاثين وتسعمائة للهجرة. # فلما عرض ما وهبه الله له في هذا اليوم على شيخه قال له: «تم أمرك، وعلا شأنك، وروي قلبك، ~~فابق على ما تكتب.» فسجل الشعراني فتوحاته الأولى في كتابه «الأنوار القدسية في بيان ~~آداب العبودية». # وتوالت المنح والفتوحات على الشعراني، فقد تم أمره، وعلا قدره، وروي قلبه، وآن له أن يهب ~~الفكر الإسلامي شيئا مما منحه الله، فانطلق ينثر علومه في مجالسه العلمية، ويجعل من زاويته ~~منارة عالمية، ومحفلا من محافل العلم الكبرى، ومنهلا عذبا سلسبيلا للأمة ~~المحمدية. # ثم أقبل الشعراني على التحرير والتأليف في شتى فروع المعرفة، حتى وهب المكتبة الإسلامية ~~أكثر من مائة كتاب في التصوف والفقه والأصول والتفسير والحديث والنحو والطب والكيمياء ~~والأخلاق، وغيرها من ألوان العلوم والمعارف. وقد استغرق بعضها خمسة مجلدات، ووقع الكثير ~~منها في مجلدين، وأكثر هذه المؤلفات لا يزال محفوظا وموزعا على دور الكتب في أرجاء ~~العالم. # ولقد أحصى المستشرق «بروكلمان» أكثر من ستين كتابا مخطوطا متناثرة في دور العلم ~~العالمية، ويذكر لنا علي مبارك باشا بأن الكتب التي رآها للشعراني أكثر من سبعين ~~كتابا. # وبلغ الشعراني في عصره مكانة علمية حسبنا في الدلالة عليها أن أحد شانئيه كتب سؤالا عن ~~فقرات وردت في كتاب «العهود المحمدية» للشعراني، وقدمه إلى شيخ الإسلام الفتوحي الحنبلي، ~~فامتنع الشيخ الفتوحي عن التعليق عليه قائلا: «إن الشعراني قد أحاط من العلم بما لم نحط ~~به، وقد قرأ من الكتب ما لا يعرف له اسما، وأنه لو ادعى تأليفها ما وجد في مصر ~~منازعا.» تلك لمحة عن مكانة الشعراني الذي قال له شيخه الأكبر علي الخواص: «تم أمرك، وعلا ~~شأنك، وروي قلبك.» # وكان من تمام الأمر للشعراني أو من تمام المقابلة ms035 في حياته أن مكانته العلمية مشت جنبا ~~إلى جنب مع مكانته الدنيوية. # فقد أصبحت زاويته تسهم بنفوذها في توجيهات الحكم في مصر، بل وفي الإمبراطورية التركية ~~بأسرها. # وبلغ من اعتزاز الشعراني بمكانته الدينية أن يأتي إليه الوزير الأعظم علي باشا قبيل سفره ~~إلى تركيا ليقول له: «نحن مقربون للخليفة، فهل لك من حاجة ترفعها إليه؟» فيهتف الشعراني ~~غاضبا: «ألك حاجة عند الله؟ إننا مقربون إلى حضرته.» # ونرى حاكما من حكام مصر هو الأمير حسن بك صنجق يتتلمذ على الشعراني، ثم يقبل على حبه، ~~ويقبل على درسه، حتى يلازمه في زاويته ليلا ونهارا تاركا الإمارة والحكم. # ولكن الشعراني لا يرضى عن تلك الصحبة؛ لأن فيها استخفافا بمصالح الرعية وهي أمانة في عنق ~~الأمير، وواجبه الأول أن يتخصص لها، ويتفرغ لشئونها. # ولكن حب الأمير لشيخه الشعراني كان أكبر من حبه للإمارة وجاهها، والحكم وسلطانه ونفوذه، ~~فعز عليه وكبر لديه أن يفارق الشعراني ومجالسه وما فيها من أنس وعلم وتقوى، فاعتزم أمرا ~~عجبا سره الأكبر يلتمس لدى التصوف والمحبة في الله. # وفي اليوم التالي تجلى هذا الأمر، فمع الشمس فرق الأمير أمواله، وأعتق عبيده، وأوقف ~~أملاكه على وجوه الخير، واستبقى من هذا الثراء العريض رخام بيت من بيوتاته، وكان تحفة ~~نادرة، وقليلا من المال، أما الرخام الفخم النادر والمال القليل فقد اعتزم الأمير أن يبني ~~بهما ضريحا ومزارا لشيخه الشعراني وفاء وحبا. # وأقبل الأمير على أستاذه فقيرا متجردا ليسلك على يديه طريق الهدى واليقين بلا عائق من ~~حكم، ولا مانع من إمارة. # وبكى الشعراني، فها هو رجل يترك من الدنيا شيئا لم يتركه الشعراني، ويزهد زهدا يتضاءل ~~حياله كل زهد، ثم طلب من تلميذه أن يتريث قليلا في بناء الضريح، حتى إذا أحس الشعراني بأن ~~ساعة صعود روحه إلى باريها وهاديها قد دنت، طلب من الأمير أن يقيم الضريح الذي اعتزم ~~إقامته. # ولما شيد الضريح وارتفعت منارته وانتهى البناءون من آخر قطعة فيه، في نفس اللحظة انعقد ~~لسان الشعراني، وجمدت أطرافه؛ فقد استوفى ms036 أنفاسه. # وكانت وفاته في الثاني عشر من جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين وتسعمائة للهجرة، وكانت آخر ~~كلماته: أنا ذاهب إلى ربي الرحيم الكريم. # | رسالة التصوف # الشعراني والروح الصوفي # تكلمنا عن حياة الشعراني وما اتصل بها من أحداث تاريخية، ونحاول الآن أن ندرس ما تركه ~~للفكر الإسلامي من علوم ومعارف، وما تركه للروحانية الإسلامية من جولات صوفية ومعارف ~~لدنية، وما كان لهذا وذاك من أثر في توجيهات الحياة الإسلامية العقلية والعلمية. # والشعراني لسان صدق من ألسنة التصوف التي أبدعت آياته الكبرى، ومنارة من مناراته ~~العظمى التي قامت على مفترق الطرق الروحية والعقلية، ترشد السائرين إلى الله، وتهدي ~~الحائرين المتعبين إلى شواطئ السلام واليقين. # وله بعد ذلك في التصوف رسالة ما أحسب أن أحدا - باستثناء الغزالي - حمل أعلامها، أو ~~جاهد في سبيلها مثلما حمل الشعراني وجاهد. # وتلك الرسالة هي تنقية التصوف من الدخيل والدخلاء، وتجليته نهجا إيمانيا تعبديا ~~خالصا لله، هدفه الطاعة الكاملة، والعبودية الصادقة، والمحبة الروحية بأنوارها وآدابها ~~السامية، لا يعرف الجدل ولا الحوار، ولا يقر الشطح والسبح الفلسفي. # وربط المعارف الصوفية اللدنية بالعلوم الإسلامية الظاهرية، والخروج بالأمة الإسلامية ~~من الجدليات والخلافات، إلى روح الدين وجوهره، إلى اليقين الثابت، والعمل الصالح، ~~والوحدة القلبية والفكرية، وإقامة أسس الحياة على الرحمة والمحبة لا على الشقاق والجدل ~~البغيض. # والشعراني ككل المتصوفة مفتاح شخصيته في تصوفه وروحانيته، فالشخوص الصوفية قد يتراءون ~~أشباحا باهتة الظلال للعين المادية، وقد يتراءون في عدسات الباحثين المنطقيين في أردية ~~السذاجة والبساطة حينا، وفي أردية الغموض والإبهام أحيانا. # ومرد هذا ارتفاعهم الروحي الهائل عما ألف الناس واعتادوا من ألوان وأخلاق، وعما ألف ~~الناس واعتادوا من معارف نظرية وعقلية؛ ولهذا تخطئهم العين المجردة كما تخطئهم العدسات ~~المادية. # إننا في حاجة إلى عدسات روحية خاصة حينما نتعرض لتلك الأرواح كما نحتاج إلى مكبرات ~~خاصة حينما نتطلع إلى نجوم السماء. # فقوة المتصوف العظمى إنما تكمن في روحه، فكلما اقتربنا من دائرته الروحية تجلت لنا ~~آياته، وتجلت لنا شخصيته، وتجلت لنا عملاقيته الروحية والعلمية؛ لأنهم ms037 شخوص كونتهم ~~العقيدة، وصاغتهم الروحانية؛ ولهذا نقترب من فهمهم ونقترب منهم كلما اقتربنا من التصوف ~~ومن فهم التصوف. # وإذن فلا بد لدارس شخصية الشعراني من أن يتحدث عن التصوف؛ فالحديث عن الروح الصوفي هو ~~المدخل لدراسة كل متصوف إسلامي. # ودارس التصوف الإسلامي يرى نفسه بادئ بدء وسط أمواج صخابة، وبحار زاخرات، بل وسط ~~دوامة مفرغة الحلقات لا يجد لعبابها شاطئ، ولا من نوئها عاصم. # فقد امتلأ موكب التصوف بالدخلاء من كل نحلة ولون، كما دست على المعارف الصوفية عقائد ~~تكاد تتمثل فيها عقائد الكوكب الأرضي كافة. # وطريق البحث بعد ذلك ليس معبدا، بل ليس آمنا؛ فالباحث يجد أمامه مزاجا عجبا من ~~الأخبار المتشابكة المتضاربة التي امتزج فيها الحصى بالجواهر، وامتزجا أحيانا حتى ~~يحتاج الدارس إلى معمل فكري للصهر والتمييز. # وما يجده الباحث من حر الجواهر إنما يجده متناثرا لا يكون وحدة فكرية، ولا يقيم ~~مبحثا علميا متناسقا، فهو بحاجة إلى صبر مدده من عند الله؛ حتى يستطيع أن يؤلف ~~بين هذه الأجزاء، ويرد كل جوهر إلى عقده، حتى يستقيم البحث، وحتى يتجلى جمال اللؤلؤ ~~المكنون. # وكثيرا ما يجد الباحث نفسه أمام ألوان فلسفية مادية، وألوان من التأملات الجامحة، ~~وألوان من الشطحات المضللة أدخلت على التصوف وهي ليست من روحه، ولا من عقيدته، وأعسر من ~~هذا وأشد قسوة أن هذه الألوان قد دسها المغرضون والمزيفون في كتب الأئمة والقادة من ~~رجال التصوف، ومشى هذا التزييف على التاريخ حتى أصبح جزءا منه. # وكتب المناقب التي عنيت بالتصوف ورجاله كثيرة ومتنوعة، ولكن كثرتها لا تهدي السبيل، ~~ولا تنير الطريق؛ إذ إنها طوائف من الأخبار تسودها المبالغة حينا، والاضطراب أحيانا، ~~ويجري فيها الدس والتزييف تارة، والإيهام والغموض تارة أخرى. # وتأتي بعد ذلك دراسات المستشرقين الذين ساهموا بقصد أو بغير قصد في تشويه التصوف ~~وتغيير وجهه؛ لأنهم اتجهوا بدراساتهم إلى ألوان من التصوف لا تعتبر من صميمه، ولا تعبر ~~عن شخصيته، اتجهوا إلى السبحات الفلسفية والشطحات القلبية، وهو لون دخيل على التصوف لحق ~~به في ms038 إحدى مراحله المتأخرة، حينما انتقل من القلوب إلى العقول، ومن التعبد إلى التأمل ، ~~حينما انصرف بعض المنتسبين إلى التصوف إلى نظريات في الوجود، ونظريات في المعرفة لا ~~يعترف بها الإسلام، ولا ترضى عنها الألحان الصوفية المؤمنة. # ثم جاءت في أعقابهم كتب المؤرخين المعاصرين من رجالنا، فإذا بهم يجرون في أعقاب ~~أساتذتهم من رجال الاستشراق، وإذا بهم يقعون - كما وقع أساتذتهم - في أحابيل خصوم ~~التصوف القدامى الذين دسوا عليه وزيفوا ألحانه، وإذا بهم أيضا يعنون بالشكليات، ~~ويغرمون بالشاذ من الآراء، ويولعون بإبراز الكلمات المهزوزة، كما أولع الأوروبيون بها ~~من قبل، الكلمات المهزوزة التي استنبطوا منها تارة فكرة الحلول والاتحاد، وتارة نظرية ~~وحدة الوجود، وإذا بهم يتحدثون أيضا كما تحدث شيوخهم عن الصلات بين التصوف الإسلامي ~~والوثنية الهندية، والتصوف المحمدي والروحانية المسيحية. # ودارت أقلامهم في هذا المجال، وتشعبت بهم السبل حتى أسلمتهم إلى نظريات وصور قد تنتسب ~~إلى كل نحلة عرفها العقل الإنساني ما عدا النهج الرباني الإسلامي. # وأغفلوا تماما جوهر الإسلام وروحه، وهما أبعد ما يكونان عن هذه الألوان والصور، ولم ~~ينظروا إلى منابته المحمدية، وعقيدته القرآنية، وأخلاقه المثالية، وتعبداته السامية، ~~وتراثه في المعرفة، وهو أصدق صور الإيمان المحمدي، وأعلى ذرى الهدى القرآني. # فهي إذن محاولة جريئة وشاقة تلك التي نحاولها؛ إذ نحاول تنقية التصوف مما دس عليه ~~وألحق به، وتمزيق الحجب التي توارت خلفها أنواره، واختفى في طياتها بريقه وسناؤه، حتى ~~نجلوه ربانيا إسلاميا خالصا كما عرفه الأولون الذين عاشوا في محاريبه ومعابده ~~وأنواره ومعارجه. # ولقد شهد التاريخ محاولات سابقة في سبيل هذه الرسالة العليا؛ فلقد قام حجة الإسلام ~~الغزالي في القرن الخامس الهجري بحركته الإصلاحية الكبرى في سبيل تجديد التصوف، وتنقيته ~~من الألوان الفلسفية التي دسها عليه خصوم الإسلام من أصحاب المذاهب الباطنية، ومن ~~الدجل الشعبي الذي أدخله عليه جهلة العوام وبعض طوائف المتحررين من الأخلاق، كما قام ~~بهذه الرسالة العظمى بقوة ونجاح القطب الشعراني في القرن العاشر الهجري. # ونحن اليوم في حاجة ملحة إلى تصفية جديدة، وتنقية جديدة، ms039 وحركة تجديدية أخرى، نحن في ~~حاجة إلى جهود متوافرة لدراسة التصوف وتنقيته من الشوائب، ومما زور التاريخ، ومما أدخل ~~الرواة، ومما دس عليه، ونسب إليه، وحف بروحه، وتعلق بأرديته، حتى نرده إلى ~~فطرته الأولى، فنرده إلى القلوب إيمانا، وإلى الأخلاق طهارة، وإلى المثالية عنوانا ~~ورمزا، بل إلى الإنسانية بأسرها سلاما وسعادة وأمنا. # وإني لكبير الأمل في أن تكون الدراسات التي نقدمها هنا، بداية موفقة لتلك الحركة ~~المباركة، أو على الأقل منظارا يرشد إلى طريقها، ويهدي إلى سبلها. # | التصوف الإسلامي والمعارف العالمية # والتصوف الإسلامي هو أعلى قمة حامت حولها المحاولات العالمية للكمال الروحي، والمعارف ~~اللدنية، حامت حولها الجهود العالمية، ولا أقول بلغتها؛ لأن سبل الكمال الروحي قد تعددت ~~بتعدد الفلسفات، وتعدد الوسائل والغايات؛ فقد حاول قوم أن يقبسوا من نور هذا الكمال ~~بالتصفية والتخلية؛ كرجال الفلسفة الإشراقية، وحاول قوم أن ينالوه بالنسك والطهارة؛ كزهاد ~~اليوجا الهندية، وحاول آخرون أن يبلغوه بالاستغراق والتأمل؛ كأصحاب المذاهب النظرية ~~والفلسفية. # وعدة هؤلاء وهؤلاء لبلوغ هذا الكمال جهد بشري، وسبل ابتدعوها، ومذاهب اعتنقوها وعاشوا ~~لها، وهي وإن وصلت بهم إلى ألوان من هذا الكمال إلا أنها ألوان مستعارة لا أصيلة؛ لأنها ~~منحرفة الغاية وإن استقامت الوسيلة. # وقد ترقى أرواح هؤلاء وهؤلاء حتى تأتي بما يشبه الإلهام، وبما يشبه الخوارق والكرامات، ~~إلا أنها قد تضل وتشقى؛ لأنها اقتبست هداها من داخلها، ولم تقتبس هداها من خالقها ~~وموجدها. # أما التصوف الإسلامي فقد تتشابه وسائله في الزهد والنسك، والتصفية والتخلية، والتأمل ~~والطهارة، مع هؤلاء ومع هؤلاء، ولكنه تشابه عرضي، وتقارب شكلي؛ لأن التصوف الإسلامي ليس ~~مذهبا من مذاهب الفلسفة، وليس نحلة من نحل الزاهدين والمتأملين، وليس هدفه من تلك الوسائل ~~ما تهدف الفلسفة من كمال عقلي وطاقة نظرية، وما ينشده الزهاد والنساك من إطلاق لقوى الروح ~~حتى تأتي بالعجائب والغرائب. # وإنما التصوف الإسلامي هو كمال في العبادة، وكمال في الطاعة، وكمال في العبودية، هو محبة ~~لله، وعمل على رضاه، وأمل في نجواه، هو أنشودة يشترك فيها القلب والروح والحس ms040 والجوارح، ~~أنشودة تسبح بحمد الله لا تفتر ولا تهدأ؛ لأن لحنها دائم الحياة في القلب، دائم الحياة في ~~الروح، دائم الحياة في الإدراك والحس. # أنشودة تحيل الكون بأسره إلى آية ربانية، يلمسها القلب كما تراها العين، وتسمعها الأذن ~~كما تدركها الروح، فإذا بكل شيء محراب، وإذا بكل شيء مصلى، وإذا بالصوفي لا يبرح المحراب ~~ولا يفارق المصلى أينما توجه بوجهه وسبح بفكره. إنه دائما مع الله؛ فهو متأدب بأدب من أحس ~~يقينا في كل لمحة بصر بأن الله معه يسمع ويرى. # وما يأتي بعد ذلك من علم وفيض، وما يأتي بعد ذلك من خارقة أو كرامة، وما يأتي بعد ذلك من ~~كمال روحي أو إشراق نفسي فهو نافلة؛ لأنه وسيلة لا غاية، وسلم لا هدف. # فالمعارف الصوفية إذن ثمرة الكمال في العبادة، ومنحة الفيض في الطاعة، وأنوار القلب في ~~محبته ونجواه. إنها حلى الطريق لا أساسه وروحه. # وإذن فلا سبيل إلى إقامة صلة من الصلات بين التصوف الإسلامي وبين أي لون من ألوان ~~الروحانية العالمية. # ولا سبيل إلى المقارنة بين المعارف الصوفية الإسلامية وبين المعارف الفلسفية والنظرية ~~والعقلية التي جرت على وجه الأرض مع أعنة التاريخ الإنساني. # فتلك المذاهب الفلسفية والعقلية قد استمدت معارفها من التفوق العقلي تارة، ومن الصفاء ~~الروحي تارة أخرى. أما التصوف الإسلامي فمعارفه نبعها عقيدته الإسلامية، ومددها فيض رباني ~~داخل نطاق تلك العقيدة القرآنية، وبأسرار عبادتها، وبذلك تحددت رسالة التصوف وعرفت ضوابطها، ~~بينما أعنة المعارف الروحانية الأخرى، لا تقبض عليها يد نتحاكم إليها، ولم ترسم لها شريعة ~~نرجع لها، ولم تنبت معارفها في حقل إيماني سماوي يمنعها من النزوات والاندفاعات. # التصوف الإسلامي آية سرها في الهدي القرآني والروحانية المحمدية، وإني لأحسبه أحيانا آية ~~كونية؛ لأنه ضرورة لازمة لهذا الوجود، وغاية من غاياته، وحجتنا قوله تعالى: # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ~~. # والتصوف هو أكمل صور العبادات في خير أمة أخرجت للناس؛ لأنه تطوع دائم للعبادة، تطوع بعد ~~الفرائض والنوافل؛ ولهذا لم يكن شرعة عامة، بل كان ms041 ميزة خاصة لمن أخذ الكتاب بقوة، واصطفاه ~~الله، وأتاه عزما، وعلمه من لدنه علما. # وإذن فلن نغالي إذا قلنا إن قمة المعارف اللدنية التي بلغتها الأجنحة الصوفية الإسلامية ~~لم تبلغها، بل لم تدن منها أجنحة أخرى؛ لأنها قمة المحبة الربانية، وهي قمة لا تصل إليها ~~إلا الأجنحة المحمدية المؤمنة العابدة. # | الطريق الرباني والمعارف الإلهية # الكشف الباطني والفيض الرباني هما عنوان التصوف الإسلامي، وهما المحور الذي تدور حوله ~~المعارف الصوفية، كما تدور حوله الخصومات بينهم وبين رجال الفكر من أصحاب المذاهب النظرية ~~والعقلية، وبينهم وبين رجال العلم الظاهري من الفقهاء الذين قدسوا القواعد التي ابتكروها ~~للمعرفة، وتنادوا بأنها دون سواها الحكمة وفصل الخطاب. # وأنا أجرؤ فأقول: إنه لا الكشف الباطني ولا الفيض الرباني هدفا من أهداف المتصوفة ~~الإسلاميين، ولا غرضا من أغراض العباد الربانيين. # إنما هدفهم الأول عبادة الله عبادة خالصة له دون سواه، عبادة تقربهم منه وتدنيهم من رضاه، ~~وقد تفننوا في هذه العبادة وجعلوها شرعة ومنهاجا، وكونوا من فلسفتها آدابا وأخلاقا، ~~وسبحوا في بحارها سبحا طويلا، فكانت قوتهم، وكانت حياتهم، ومن تلك العبادة كان ذوقهم وكان ~~لحنهم. # والمتصوفة حقا هم العاملون لا المتكلمون، هم الذين تطوعوا لله فوق الفرائض والنوافل، ~~وترقوا في هذا التطوع حتى تكونت لديهم حساسية إيمانية، أو طاقة تعبدية، تكاد تدخل في نطاق ~~المعجزة، حتى إنهم ليراقبوا الله مع أنفاسهم، فكل نفس يخرج من صدورهم فهو لذكر الله، أو ~~استغفار، أو تضرع، أو نجوى. # وتلك العبادة الدائمة الخالصة أدنتهم من الله وقربتهم، فأحبهم وأحبوه، وأنس بهم وأنسوا ~~به، ورضي عنهم ورضوا عنه، فغمرتهم أنوار المحبة، وفاضت حياتهم بالنور والسعادة والأنس ~~والقرب، فتكونت لهم فلسفة في المحبة جعلوها شرعة ونهجا، وأنشودة ولحنا، ومن تلك المحبة ~~كان ذوقهم وكان لونهم، ومنها تفرعت مقاماتهم وأحوالهم، وعليها كان تحليقهم وكانت ~~معارجهم. # ثم أفاض الله عليهم المعارف اللدنية جزاء وفاقا، ومنحهم الكشف الباطني هبة وعطاء، ~~ورزقهم فوق هذا رزقا أضمروه، فكان السر الذي ضنوا به حينا، ورمزوا إليه أحيانا، وسر هذا ms042 ~~السر يلتمس عند الأثر المشهور: «عبدي، أطعني تكن ربانيا تقل للشيء: كن فيكون .» # ذلك فصل الخطاب في التصوف؛ فالكشف الباطني والعلم اللدني والخوارق والكرامات لم تكن هدفا ~~ولا غرضا ولا أملا لدى المتصوفة، وإنما كانت هبة ومنحة وعطاء ربانيا. # والكشف الباطني والعلم الرباني، رغم ما دار حوله من جدل وحوار، ورغم ما أثير بسببه من ~~ملاحاة وخصومات، ورد به القرآن الكريم، ووردت به الأحاديث الصحيحة. # قال تعالى: # واتقوا الله ويعلمكم الله ~~، # إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ~~، # عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا ~~وعلمناه من لدنا علما ~~، # قال الذي ~~عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك ~~طرفك ~~، # يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت ~~الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ~~. # وقصة موسى والخضر معروفة ومعروضة في القرآن الكريم عرضا مبينا تجلت فيه مكانة العلم ~~اللدني والمعرفة الباطنية التي أوتيها الخضر من لدن ربه. # ووردت هذه القصة في كتب الأحاديث الصحاح بصورة مجلوة ناطقة بأن العلم لله وحده، ثم هو ~~للإنسان عارية، يمنحه الله لمن يشاء - نبيا كان أو وليا. # عن أبي بن كعب، عن النبي - صلوات الله وسلامه عليه - قال: قام موسى خطيبا في بني إسرائيل ~~فسئل: أي الناس أعلم؟ فقال: أنا أعلم، فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إلى الله، فأوحى ~~الله إليه أن عبدا من عبادي بمجمع البحرين هو أعلم منك، قال: يا رب، وكيف به؟ فقيل له: ~~احمل حوتا في مكتل، فإذا فقدته فهو ثم. فانطلق وانطلق معه فتاه يوشع بن نون، وحملا ~~حوتا في مكتل حتى كانا عند الصخرة وضعا رأسيهما فناما، فانسل الحوت من المكتل فاتخذ سبيله ~~في البحر سربا، وكان لموسى وفتاه عجبا، فانطلقا بقية ليلتهما ويومهما، فلما أصبحا قال ~~موسى لفتاه: آتنا غداءنا؛ لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا - ولم يجد موسى مسا من النصب حتى ~~جاوز المكان الذي أمر به - فقال له فتاه: أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة، فإني نسيت الحوت! قال ~~موسى: ذلك ما كنا نبغي. فارتدا ms043 على آثارهما قصصا، فلما انتهيا إلى الصخرة إذا برجل مسجى ~~بثوب - أو قال مسجى بثوبه - فسلم موسى، فقال الخضر: وأنى بأرضك السلام؟ فقال: أنا موسى، ~~فقال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم. # قال: هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا؟ قال: إنك لن تستطيع معي صبرا يا موسى؛ إني ~~على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه أنت، وأنت على علم علمكه الله لا أعلمه. # ثم روى الحديث بقية القصة كما وردت في القرآن الكريم. وختام الحديث قوله صلوات الله ~~وسلامه عليه: «لوددنا لو صبر موسى حتى يعرض علينا من أمرهما.» # 1 # الخضر على علم من علم الله علمه إياه لا يعلمه موسى، وموسى على علم علمه له الله لا ~~يعلمه الخضر؛ فالعلم إذن علم الله، يهب منه ما يشاء لمن يشاء، والعلم صفة من صفات الله ~~يفيض منه على عباده بنسب حكمتها عند فاطر السموات والأرضين، وسرها عند من أوحى إلى ~~النحل، وأنطق النمل، وألهم الطير تسبيحه، يقول تعالى: # كلا نمد ~~هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك ~~محظورا ~~. # ويقول الغزالي في الرسالة اللدنية مفصلا بين العلمين الباطني والظاهري، ومدللا على شرف ~~العلم اللدني وسيادته: «وبيان هذا يوجد في قصة آدم - عليه السلام - والملائكة، فإنهم تعلموا طول عمرهم، ~~وحصلوا بفنون الطرق كثيرا من العلوم حتى صاروا أعلم المخلوقات، وأعرف الموجودات، ~~وآدم - عليه السلام - ما كان عالما؛ لأنه ما تعلم وما رأى معلما، فتفاخرت ~~الملائكة عليه فقالوا: نحن نسبح بحمدك ونقدس لك، ونعلم حقائق الأشياء، فرجع آدم - ~~عليه السلام - إلى باب خالقه، وأخرج قلبه عن جملة المكونات، وأقبل بالاستعانة على ~~الرب تعالى، فعلمه جميع الأسماء، ثم عرضهم على الملائكة فقال: أنبئوني بأسماء ~~هؤلاء إن كنتم صادقين؟ فصغر حالهم عند آدم، وقل علمهم، وانكسرت سفينة جبروتهم، ~~فغرقوا في بحر العجز! قالوا: لا علم لنا إلا ما علمتنا، فقال تعالى: # يا آدم أنبئهم بأسمائهم ~~، فأنبأهم آدم - ~~عليه السلام - عدة مكنونات العلم ومستندات الأمر، فتقرر الأمر عند العقلاء أن العلم ~~الغيبي ms044 اللدني أكمل من العلوم المكتسبة.» # وإذن فالعلم اللدني مقرر في أصول الشريعة الإسلامية، مبين اللحن في القرآن والسنة ~~المحمدية، ولكن ومن عجب أن المتصوفة قد هوجموا هجوما عنيفا قاسيا بسببه من العقليين ~~والفقهاء، وخاصة فقهاء الحنابلة، الذين كان إمامهم الجليل أحمد بن حنبل من رءوس التصوف ~~وأعلامه بأخلاقه وتعبداته ولون حياته، وهو القائل: «ليس العلم بكثرة التلقين والرواية، ~~وإنما هو نور يقذفه الله في قلب من أحبه وأطاعه.» # وأعجب من هذا العجب أنهم يهاجمون هذا العلم الصوفي في موقف النقد للمتصوفة، ثم يقررونه في ~~مواقف أخرى إذا راق لهم الأمر، فابن تيمية - وهو رأس تلك الطائفة الناقدة المجرحة - يشرح ~~في رسالته معنى الوحي ثم يعقب قائلا: «والإلهام بالمعنى السالف للمؤمنين جميعا بيقين.» ~~ثم يتحدث عن الفيض الرباني فيقول: «وهو لمن أطاع الله واتقاه.» ويستشهد على ذلك بالآيات ~~والأحاديث مهللا ومكبرا لحديث أبي هريرة، الذي رواه البخاري عن رسول الله - صلوات الله ~~وسلامه عليه: «... ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي ~~يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها.» ثم يقول: وهذا الحديث غاية الغايات في ~~الإلهام والفيض. # ويقول ابن القيم - تلميذ ابن تيمية الأكبر - في كتابه «الوابل الصيب»: «الذكر شجرة، وكلما ~~عظمت تلك الشجرة ورسخ أصلها كان أعظم لثمرتها، فالذكر يثمر المقامات كلها من اليقظة إلى ~~التوحيد.» # وإذن فحتى خصوم المتصوفة قد سلموا بالكشف والفيض والإلهام، والمذاهب الروحية العالمية ~~جميعها تؤمن بأن الصفاء الروحي والزهد والإعراض عن مفاتن الدنيا ومباهجها طريق للمعرفة، ~~وطريق أيضا للخوارق والهيمنة على عناصر الطبيعة. # يقول الأستاذ العقاد في كتابه عن غاندي، شارحا لصلاة غاندي وأثرها في تكوينه، ومقامها من ~~زعامته: «وصلاة غاندي هي أعظم شيء في بنيان عقيدته، فنحن لهذا نقترب من فهمه كلما اقتربنا ~~من فهم صلاته؛ لأن الصلاة عنده لا تنبت عن طلب أو استغاثة أو ابتهال، ولكنها تنبعث إلى حس ~~فوق الحس، وفوق التفكير، وفوق الطلب والابتهال، وهي عنده أعلى مراتب الوعي الذي يتاح ms045 للكائن ~~الموجود؛ لأن الروح الإلهي - في اعتقاده - سار في جميع الموجودات، ولا يزال الإنسان ~~محصورا في أوهاق الجسد أو في أوهاق المادة على العموم، ما دام معتمدا على الحواس، أو على ~~العواطف، أو على التفكير في إدراك ما حوله، ولكنه يرتقي إلى مرتبة من الوعي أعلى من مراتب ~~التفكير عندما يدرك الروح خالصا منزها من هذه الأوهاق.» # ثم يقول نقلا عن غاندي: «إن من يختبر سحر الصلاة قد يستغني عن الطعام أياما ولا يستغني ~~عن الصلاة لحظة واحدة؛ لأن الصلاة هي من صميم قلب الحياة الإنسانية». # وإذن فسيطرة الإنسان على جسده، وقمعه لشهواته، وتحليه بالفضائل، والتجاؤه إلى الله يتيح ~~له فوق الإلهام وفوق المعرفة قوة خارقة يسيطر بها على الطبيعة، ويرتقي إلى حالة تقهر المادة ~~وتصنع الخوارق. # يقول الإمام الغزالي في كتابه «تهافت الفلاسفة» مدللا على صحة الإلهام وأثره في الأرواح: ~~«لو لم ير الإنسان المغناطيس وجذبه للحديد وقيل له ذلك لاستنكره وقال: لا يتصور عقلا جذب ~~الحديد إلا بخيط يشد عليه ويجذب به، فإنه المشاهد في الجذب، حتى إذا شاهده تعجب منه، وعلم ~~أن علمه قاصر عن عجائب القدرة.» # ثم يقول: «وفي خزائن القدرة عجائب وغرائب ينكرها من يظن أن لا وجود إلا لما ~~يشاهده.» # وجاء في كتاب «الفلسفة القرآنية» للعقاد تعليقا على كلمة الغزالي: «وما يقال عن جذب ~~المغناطيس يقال عن جذب الكواكب أو تجاذبها على هذه الأبعاد الشاسعة في السماء، فإن انتقال ~~التأثير من الجاذب إلى المجذوب حقيقة لا ريب فيها، ولكنها لا تفسر إلا بالفروض والتخمينات، ~~وتقدير الوسائل التي لا يثبتها العيان ولا يقع بها البرهان. # والعجيب أن أدعياء العلم والعقل يشاهدون هذا وأمثاله، ويسمعون تعليله الذي يختلف فرضا ~~بعد فرض، وتخمينا بعد تخمين، فيسكتون ويسلمون أنه معقول ومفهوم، ولكنهم يستكثرون تأثير ~~الروح في الأرواح، وتأثير العقل في العقول؛ لأنهم يريدون أن يلمسوا بأيديهم كيف تؤثر، وكيف ~~تتأثر، ولا يقبلون هنا ما يقبلونه في عالم الحس والعيان.» # ثم يقول: «وأقرب الكائنات إلى الله هو الكائن الذي ms046 يعي ذاته، ويعي موجده - أي الإنسان - ~~ويستمد منه قبسا من القدرة الإلهية.» # أجل لا حيلة لنا في هؤلاء الناس الذين يؤمنون بعجائب الظواهر الطبيعية التي تبنى على ~~الفروض والتخمينات، ولا يريدون أن يؤمنوا بمثيلاتها في عالم الروح، بل يريدون متعنتين أن ~~يلمسوا بأيديهم قدرة الله الخارقة، ويريدون أن يلمسوا بأيديهم كيف يلهم الله من أحب من ~~عباده، وكيف يعلمهم من لدنه علما. لا حيلة لنا في هؤلاء وأمثالهم من المتفلسفين على جهالة، ~~إلا أن نقول لهم كلمة شكسبير على لسان هملت: «إن السماء والأرض - يا هو راشيو - تحويان من ~~الأسرار ما لا تحلم به فلسفتك.» # | هل تتعارض المعارف الصوفية مع القرآن والسنة؟ # روى أحمد والبخاري وأبو داود والنسائي «أن الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - سئل: ~~هل خصكم رسول الله بشيء دون الناس؟ فقال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا فهما يؤتيه ~~الله عبدا في كتابه.» # وكلمة الإمام علي - كرم الله وجهه - مفتاح من مفاتيح التصوف، أو مفتاح من المفاتيح التي ~~تؤدي بنا إلى فهم حقيقة الروح الصوفي. # لأن عماد التصوف وقوامه في المعرفة هو الفهم في الدين، والبصر بالتأويل، فهما يعطيه الله ~~لمن ارتضى من عباده، واستنباطا يهدي إليه الله من أحب واصطفى. # وهذا الفهم وذلك الاستنباط من منح الله لعباده، فلسنا إذن في حاجة إلى أن نقول إن ~~شرطهما هو موافقتهما للكتاب والسنة؛ فتلك بديهة من بديهات العقول. # فكما أن العبادات في التصوف قوامها تطوع لما بعد الفرائض والنوافل، كذلك علم الباطن هو ~~معان واستنباطات وفهم في القرآن فوق ما يعطيه العلم الظاهر. # فليس هناك مثلا فهما باطنيا يزيد أو ينقص من الفرائض، ولا فهما باطنيا يعطل شيئا ~~من الشرائع، وإنما هو فهم في المعنويات، وفهم في الكمالات التعبدية والتحليات ~~الأخلاقية. # يقول الشعراني في الطبقات الكبرى: «ثم اعلم أخي أن علم التصوف عبارة عن علم انقدح في قلوب ~~الأولياء حين استنارت بالعمل بالكتاب والسنة، فكل من عمل بهما انقدح له من ذلك علوم وآداب ~~وأسرار ms047 وحقائق تعجز الألسن عنها، نظير ما انقدح لعلماء الشريعة من الأحكام حين عملوا بما ~~علموه من أحكامها، فالتصوف إنما هو زبدة عمل العبد بأحكام الشريعة إذا خلا من علة العلل ~~وحظوظ النفس، كما أن علم المعاني والبيان زبدة علم النحو، فمن جعل علم التصوف علما ~~مستقلا؛ فقد صدق، ومن جعله من عين أحكام الشريعة صدق، كما أن من جعل علم المعاني والبيان ~~علما مستقلا صدق، ومن جعله من جملة علم النحو فقد صدق.» # ثم يقول: «ولكنه لا يشرف على ذوق أن علم التصوف تفرع من عين الشريعة، إلا من تبحر في علم ~~الشريعة حتى بلغ الغاية، ثم إن العبد إذا دخل طريق القوم وتبحر فيها أعطاه الله هناك قوة ~~الاستنباط نظير الأحكام الظاهرة، على حد سواء، فيستنبط في الطريق واجبات ومندوبات وآداب ~~ومكروهات.» # وتلك الكلمة للشعراني من الآيات التي توضح موقف التصوف من الشريعة الإسلامية، ومن الآيات ~~المبينات للنهج الصوفي الصادق. # فليس من رسالة التصوف البحث في فرائض الأحكام الشرعية، ولا البحث في الصفات الربانية، ولا ~~الجدال والحوار في المعارف الفلسفية والمذاهب العقلية. # وإنما التصوف تطوع دائم للعبادة. وهذا التطوع التعبدي جعل أربابه يستنبطون ألوانا من ~~الأدب يجملون بها أنفسهم وهم قيام بهذه العبودية، وألوانا من الواجبات في الذكر ~~والخلوة والسلوك، وألحانا من المعرفة ترقرقت لهم من مراقبتهم لأنفاسهم، وتفتيشهم لقلوبهم، ~~وتجلت لهم في مواجيد الأنس والمحبة، كما أنهم فرضوا على أنفسهم زهدا خاصا جعل لهم حساسية ~~مشرقة، وذوقا ملهما في طرائق العبودية؛ لأنهم ينشدون الكمال في تلك العبودية؛ ولأنهم ~~آمنوا بأنها هدف الحياة وغاياتها العليا، أو كما يقول الحسن البصري: «إن في زماننا رجال ~~ينظرون إلى مسائل كأنها شعرة، ولقد أدركنا رجالا كانوا يعتبرونها من الكبائر.» وكان الإمام ~~أحمد بن حنبل يقول: «إظهار المحبرة من الرياء.» وهو معنى في التواضع لا يعرفه إلا الأصفياء، ~~ويقول رسول الله - صلوات الله وسلامه عليه: «لا يكون الرجل من المتقين حتى يدع ما لا بأس به ~~مخافة ما به بأس.» رواه الترمذي. # ذلك ms048 محور التصوف الصادق، وتلك دائرته، وكما حفظ علماء الظاهر حدود الشريعة وأحكامها، كذلك ~~يحفظ المتصوفة للشريعة آدابها وروحها، وكما أبيح للفقهاء الاجتهاد في استنباط الأدلة ~~واستخراج الحدود والفروع، والحكم بالتحليل والتحريم على ما لم يرد فيه نص، وترك أمره ~~للاجتهاد والاستنباط؛ فكذلك للعارفين أن يستنبطوا مما ألهموا وعرفوا وذاقوا أحكاما في ~~الأمور التي لم ينص عليها، ولهم أيضا أن يستنبطوا آدابا وأذواقا ونهجا للمريدين ~~والعابدين. # فللتصوف علومه واجتهاداته التي ينفرد بها، ولتلك العلوم أثرها ومكانتها ومقامها بداخل ~~حدود التشريع الإسلامي الظاهري. # ويقول الشعراني: «فمن دقق النظر علم أنه لا يخرج شيء من علوم أهل الله تعالى عن الشريعة، ~~وكيف تخرج والشريعة وصلتهم إلى الله - عز وجل - في كل لحظة.» # ثم يقول: «ولكن أصل استغراب من لا إلمام له بأهل الله أن علم التصوف من عين الشريعة، كونه ~~لم يتبحر في علم الشريعة؛ ولذلك قال الجنيد: «علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة، دال على من ~~توهم خروجه عنها في ذلك الزمان أو غيره. وقد أجمع القوم على أنه لا يصلح للتصدر في طريق ~~الله - عز وجل - إلا من تبحر في علوم الشريعة، وعلم منطوقها ومفهومها، وخاصها وعامها، ~~وناسخها ومنسوخها، وتبحر في لغة العرب حتى عرف مجازاتها واستعاراتها وغير ذلك، فكل صوفي ~~فقيه ولا عكس. وبالجملة فما أنكر أحوال الصوفية إلا من جهل حالهم».» # صدق الشعراني؛ فإنه لا ينكر التصوف إلا من جهله علما وذوقا، ولا ينكر طريق التصوف إلا ~~عويلم ليست له ضلاعة في العلم، ولا مكانة في المعرفة. أما العلماء حقا من رجال الفقه ~~والاجتهاد والفتيا، فقد سلموا للتصوف علما وذوقا، سلموا له لا بصدقه فحسب، بل سلموا ~~بالتفوق والزعامة، سلموا له بأنه أفق لا تصعد إليه أجنحتهم؛ لأن لأجنحته تفوقا غلابا ~~سره في تعبدها، كما أن سر علومه في إلهامها. # يقول القشيري في رسالته مدللا على مكانة التصوف والمتصوفة: «لم يكن عصر في مدة الإسلام وفيه شيخ من هذه الطائفة إلا وأئمة ذلك الوقت من ~~العلماء قد استسلموا لذلك الشيخ، ms049 وتواضعوا له، وتبركوا به، ولولا مزية وخصوصية ~~للقوم لكان الأمر بالعكس.» # ويسوق الشعراني الأدلة على كلمة القشيري فيقول: «لقد أذعن الإمام الشافعي لشيبان الراعي، ~~حين طلب منه الإمام أحمد بن حنبل أن يسأله عمن ينسى صلاة لا يدري أي صلاة هي، فقال شيبان: ~~هذا رجل غفل عن الله - عز وجل - فجزاؤه أن يؤدب.» # وكان أحمد بن حنبل يرسل إلى أبي حمزة البغدادي دقائق المسائل ويقول: «أفتني في هذا يا ~~صوفي؟ وكان يقول لابنه ناصحا وموجها: «عليك بملازمة المتصوفة؛ فإنهم بلغوا مقاما في ~~الإخلاص لم نبلغه.» # ويقول محيي الدين، شيخ المتصوفة الأكبر، في الفتوحات: «إن طريق الوصول إلى علم القوم ~~الإيمان والتقوى» # ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب ~~، والرزق نوعان: روحاني ~~وجسماني، وقال تعالى: # واتقوا الله ويعلمكم الله # أي يعلمكم ما لم تكونوا تعلمونه بالوسائل من العلوم الإلهية.» # ثم يقول: «فعليك يا أخي بالتصديق والتسليم لهذه الطائفة، ولا تتوهم فيما يفسرون به الكتاب ~~والسنة أن ذلك إحالة للظاهر عن ظاهره، ولكن لظاهر الآية والحديث مفهوما بحسب الناس ~~وتفاوتهم بالفهم، فمن المعلوم ما جلب له الآية أو الحديث، ودلت عليه في عرف اللسان، وثم ~~أفهام أخرى باطنية تفهم عند الآية أو الحديث لمن فتح الله عليه.» # ثم يقول: «ولا يصدنك عن تلقي هذه المعاني الغريبة من هذه الطائفة الشريفة قول ذي جدل ~~ومعارضة: إن هذا إحالة لكلام الله تعالى وكلام رسوله؛ فإنه ليس ذلك بإحالة، وإنما يكون ~~إحالة لو قالوا: لا معنى للآية الشريفة والحديث إلا هذا الذي قلناه، وهم لم يقولوا ذلك، بل ~~يقرون الظواهر على ظواهرها، مرادا بها موضوعاتها، ويفهمون عن الله تعالى في نفوسهم ما ~~يفهمهم بفضله، ويفتحه على قلوبهم برحمته ومنته، ومعنى الفتح في كلام هؤلاء القوم حيث ~~أطلقوا كشف حجاب النفس أو القلب أو الروح لما جاء به رسول الله من الكتاب العزيز والأحاديث ~~الشريفة؛ إذ الولي قط لا يأتي بشرع جديد، وإنما يأتي بالفهم الجديد في الكتاب والسنة، الذي ~~لم يكن ms050 يعرف لأحد من قبله؛ ولذلك يستغربه كل الاستغراب من لا إيمان له بأهل الطريق ، ~~ويقول: هذا قول لم يقله أحد، على وجه الذم لهذا القول.» # فالمتصوفة إذن يقولون في صراحة وجلاء: إنهم لا يحيلون الظاهر عن ظاهره، بل يقرون الظواهر ~~على ظواهرها، ولا يقولون إن ما ألهموه أو استنبطوه من الآية أو الحديث هو معنى الآية أو ~~الحديث، ولا معنى لهما إلا هو، وإنما يقولون هذا ما نرى، أو هذا فتح الله به علينا، ولك أن ~~ترضاه ولك أن ترفضه، ولك أن تؤمن به ولك أن تدعه. # ويقول حجة الإسلام وحجة التصوف الإمام الغزالي: «واعلم أن سالك سبيل الله تعالى قليل، والمدعى فيه كثير، ونحن نعرفك علامتين له؛ ~~العلامة الأولى: أن تكون جميع أفعاله الاختيارية موزونة بميزان الشرع، موقوفة على ~~توفيقاته إيرادا وإصدارا، وإقداما وإحجاما؛ إذ لا يمكن سلوك هذا السبيل إلا بعد ~~التلبس بمكارم الشريعة كلها، ولا يصل فيه إلا من واظب على جملة من النوافل، فكيف ~~يصل إليه من أهمل الفرائض؟ فإن قلت: فهل تنتهي رتبة السالك إلى حد ينحط عنه بعض ~~وظائف العبادات، ولا يضره بعض المحظورات، كما نقل عن بعض المشايخ من التساهل في هذه ~~الأمور؟ فاعلم أن هذا عين الغرور، وإن المحققين قالوا: لو رأيت إنسانا يطير في ~~الهواء، ويمشي على الماء وهو يتعاطى أمرا يخالف الشرع، فاعلم أنه شيطان، وهو ~~الحق.» # ثم يقول: «إني علمت يقينا أن الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى خاصة، وأن سيرتهم ~~أحسن السير، وأخلاقهم أزكى الأخلاق؛ فإن جميع حركاتهم وسكناتهم في ظاهرهم وباطنهم مقتبسة من ~~نور مشكاة النبوة. # وماذا يقول القائلون في طريقة طهارتها وأول شروطها تطهير القلب عما سوى الله، ومفتاحها ~~استغراق القلب بالكلية في ذكر الله، وآخرها الفناء بالكلية في الله؟» # أجل، ماذا يقول القائلون في طريقة أول شروطها تطهير القلب عما سوى الله، ومفتاحها استغراق ~~القلب استغراقا كاملا في ذكر الله، وآخرها الفناء في الله حبا وعبادة؟ لقد أضفى التصوف ~~على الوجود صورة جميلة مشرقة، وألبس ms051 الإنسان صورة نورانية طاهرة، وجعل للحياة هدفا وغاية ~~قدسية عالية، وأي الغايات أقدس وأعلى من التسبيح والنجوى، وفناء النفس في محاريب الأنس ~~والتقوى. # يقول سهل التستري: «أصول طريقنا سبعة: التمسك بالكتاب، والاقتداء بالسنة، وأكل الحلال، ~~وكف الأذى، وتجنب المعاصي، ولزوم التوبة، وأداء الحقوق.» # ويقول أبو الحسن الشاذلي: «إذا تعارض كشفك مع الكتاب والسنة؛ فتمسك بالكتاب والسنة ودع ~~الكشف، وقل لنفسك: إن الله تعالى ضمن لي العصمة في الكتاب والسنة، ولم يضمنها في جانب الكشف ~~ولا الإلهام ولا المشاهدة.» مع أنهم أجمعوا على أنه لا ينبغي العمل بالكشف ولا الإلهام ولا ~~المشاهدة إلا بعد عرضه على الكتاب والسنة، ويقول أبو سعيد الخراز: «كل باطن خلافه الظاهر ~~فهو باطل.» # هذا هو العلم الباطني في التصوف، وتلك شرائطه وحدوده، فبأي آية من آياته يكذب المدهنون؟ ~~وبأي صورة من صوره يجحد المنكرون؟ # ويقول الشعراني متعجبا من خصوم التصوف وأعدائه: «ما بلغنا قط عن أحد من القوم نهى أحدا ~~عن الصلاة والزكاة والحج والصوم أبدا، ولا تعرض لمعارضة شيء من الشرائع، وكيف يترك الولي ~~ما كان سببا لوصوله إلى حضرة ربه؟ إنما يحث الناس على الإكثار من أسباب الوصول، فما بقي ~~وجه الإنكار إلا على مواجيدهم وأفهامهم، وتلك أمور لا تعارض شيئا من صريح السنة، والأمر في ~~ذلك سهل، فمن شاء فليصدقهم ويقتدي بهم كمقلدي المذاهب، ومن شاء فليسكت ولا ينكر؛ لأنهم ~~مجتهدون في الطريق، والمجتهد لا يقدح إنكاره على مجتهد آخر.» # ذلك فصل الخطاب في حقيقة العلم اللدني، وتلك رسالته لدى المتصوفة، إنهم قوم مجتهدون كأئمة ~~المذاهب الفقهية، فإن أئمة المذاهب قد اجتهدوا في أحكام الفروع واختلفوا، ولم يقدح اختلافهم ~~في عقيدتهم، ولم يقدح اختلافهم في اجتهادهم. # فكذلك المتصوفة قوم اجتهدوا في أمراض القلب وأدويتها، وآداب العبودية وواجباتها، وخفايا ~~النفس وإلهاماتها، ورقائق المحبة وأسرارها. # قوم أخذوا عقيدتهم بقوة وعزم، فتطوعوا لله تطوع أولي القوة والعزم، وأخلصوا التوجه إلى ~~الله إخلاصا جعلهم يتحرون الكمال، فهم أهله ورجاله، واجتهدوا في فلسفة الكمال، فكونوا من ~~اجتهادهم نهجا ms052 لهم وسبلا، وطريقا له قواعده كما له شرائطه. # وإن كان الرجل «الجنتلمان» بلغة العصر هو الرجل الممتاز بخلق وعادات سامية خاصة، واضحة ~~الأثر في حركاته ومعاملاته وصلاته، بل هو الرجل الذي فرض على نفسه آدابا وقواعد في السلوك ~~خاصة به يتميز بها ويعرف. # فكذلك الصوفي هو «الجنتلمان» في العبودية الربانية، الممتاز بخلق وعادات سامية خاصة، ~~واضحة الأثر في حركاته ومعاملاته وصلاته، بل هو العابد الذي فرض على نفسه في العبودية ~~آدابا ونهجا يتميز به ويعرف. # فإن كنا رضينا من رجال الدنيا آدابهم التي فرضوها على أنفسهم، ورضينا من رجال الفقه ~~اجتهادهم في الأحكام الفرعية، واجتهادهم فيما لم ينص عليه، حتى إنهم حللوا وحرموا وقالوا ~~هذا واجب وهذا مكروه، وهذا فرض وذاك سنة، ولم يقدح اختلافهم في أحكامهم، ولم يقدح اجتهاد ~~فقيه على اجتهاد مخالفه. # فكيف إذن نعترض على قوم اجتهدوا في العزائم، واجتهدوا في التطوع، واجتهدوا في التعبد، ~~واجتهدوا في نشدان الكمال، وهم فوق ذلك لم يلزموا غيرهم بما افترضوا على أنفسهم، بل صرحوا ~~بأنهم أولي عزم، وليس الناس كلهم سواء، وما ينبغي أن يكونوا. # إن الفقهاء قد أرجعوا اجتهادهم إلى فهمهم في كتاب الله وسنة رسوله، واستنبطوا أحكامهم ~~منهما، وكذلك المتصوفة يرجعون باجتهادهم واستنباطهم إلى الكتاب والسنة ويتحاكمون إليهما، ~~فهم والفقهاء إذن في صف اجتهادي واحد، إلا أنهم أكمل؛ لأن السبل لم تتفرق بهم عن الغاية كما ~~تفرقت برجال الفقه، بل كان سبيلهم واضحا محددا محررا؛ لأنهم ألقوا بعزائمهم في نشدان ~~الكمال في محاريب العبودية والطاعة، واتجهوا إلى الله سبحانه بقلوبهم وأرواحهم وأحاسيسهم ~~وعقولهم، فلم تتفرق بهم سبل، ولم تجمح بهم نزوة. # ومن عجب أن بعض الفقهاء يرمون التصوف بالجموح والتطرف، وابتكار ألوان في المعرفة مغرفة في ~~الخيال، مغرقة في الشذوذ، مع أن الشذوذ والتطرف إن كان في ثمة طائفة من الطائفتين فهو في ~~الفقهاء، الذين شغلوا أنفسهم وشغلوا العالم الإسلامي معهم عن نور كتابهم المقدس بجدليات ~~وتفرعات لا هدف لها إلا الجدل وحب الغلبة. # قد افترضوا مسائل لا ms053 تقع، بل لا يتصور وقوعها! بل يستحيل في العقل وجودها، وعاشوا في ~~محاريبها مجادلين مختلفين. # جاء في شرح مسلم: ومما زاد الفقه صعوبة ما اتسع فيه أهل المذاهب من التفريعات والفروع، ~~حتى إنهم فرضوا ما يستحيل وقوعه عادة فقالوا: «لو وطأ الخنثى نفسه فولد، هل يرث ولده ~~بالأبوة أو الأمومة أو بهما؟ ولو توالد له ولد من بطنه وآخر من ظهره، لم يتوارثا؛ لأنهما لم ~~يجتمعا في بطن ولا ظهر.» # ويقول السنوسي معلقا على هذا الجموح الفقهي: «ولو اشتغل الإنسان بما يخصه من واجب، وتعلم ~~أمراض القلب وأدويتها، وإتقان عقائده، والتفقه على معنى القرآن والحديث، لكان أزكى لعلمه ~~وأضوأ لقلبه.» # وإن كان القلم قد جرى بنا إلى نقد الفقهاء، فإنما ساقنا إلى ذلك المقارنة التي اقتضاها ~~السياق، ولنبرهن على أن الجموح إن وجد في بعض أدعياء التصوف الذين جعلوا التعبد فلسفة، فقد ~~وجد مثله في بعض من انتسب إلى الفقه، وإن كان الصادقون من الفريقين هم صفوة الأمة ~~الإسلامية. # ونعود فنقول: إن الكشف الباطني في التصوف قائم على الكتاب والسنة، مقيد بهما، وإن هدفه ~~وغايته إبقاء الجذوة التعبدية الإيمانية مشرقة وضاءة في القلوب الإسلامية، وبذلك تحددت ~~رسالة التصوف، ووضحت أهدافه. # وإذن فليس الكشف الباطني والعلم اللدني شطحا ولا إبهاما ولا طلاسما ولا كلمات مهزوزة ~~مجنحة، ولا فلسفات جامحة، كما زور المزورون في تاريخ التصوف، أو كما جمجم الأدعياء الدخلاء ~~الذين مشوا في موكب التصوف وارتدوا بأرديته وهم ليس منه. # إن عماد الدين اللدني وضابطه وحاكمه لدى المتصوفة هو كتاب الله وهدي رسوله، فكل من انحرف ~~بقوله أو بعمله فقد برئ منه التصوف، بل هو أصلا ليس من أهله. # ومن شاء أن يعرف الصوفي الصادق من غيره؛ فليحاكمه إلى هذا المبدأ الذي هتف به سادته الكمل ~~وأئمته القادة، وحينئذ يتميز الخبيث من الطيب، ويبين الزائف من الصادق. # هذا هو الميزان الذي عناه الشعراني بقوله: «إن طريق القوم محررة على الكتاب والسنة كتحرير ~~الذهب.» أو كما يقول محيي الدين: «من رمى من ms054 يده ميزان الشرع لحظة واحدة هلك.» # ولقد كان شيخ الإسلام العز بن عبد السلام إذا سمع حديث أبي الحسن الشاذلي صاح: «هلموا إلى ~~هذا الكلام القريب العهد من الله.» # وذهب أبو العباس بن سريج، إمام الفقهاء، إلى حلقة الجنيد ليناقشه ويجادله، فاستمع إليه ~~صامتا ثم خرج إلى أصحابه قائلا: «لا أدري ما يقول، ولكن لكلامه صولة ليست بصولة ~~مبطل.» # أجل إن للتصوف صولة هي صولة الحق، وإن على الكلم الصوفي لطلاوة هي طلاوة الألحان القريبة ~~العهد من الله؛ لأنها من إلهامه، ومن ينابيع رضاه. # | التصوف المفترى عليه # فإذا انتهينا من توضيح العلم الباطني الصوفي، وأنه فهم يعطى لذوي البصائر في كتاب الله ~~وسنة رسوله، وأنه مقيد بالكتاب والسنة لا ينحرف ولا يميل عنهما، وأن رسالة المتصوفة أنهم ~~فوق تعبدهم مجتهدون في أمراض القلب وأدويتها، وآداب العبودية وواجباتها، وخفايا النفس ~~وإلهاماتها، ورقائق المحبة وأسرارها، وأن اجتهادهم في هذه المثاليات كاجتهاد الفقهاء في ~~الفروع والسنن والواجبات التي لم يرد فيها نص صريح قاطع، وكما حفظ أئمة الفقه حدود الشريعة ~~الإسلامية بإقامة أحكامها ووضع دستورها، كذلك حفظ المتصوفة للشريعة آدابها وروحانيتها، ~~وطهارتها الخلقية، وكمالاتها النفسية. # إذ انتهينا من هذه الخطوة التمهيدية في سبيل تجلية التصوف وتنقيته مما دس عليه، وأدخل ~~على محرابه، كان لا بد لنا قبل الحديث عن كبرى المسائل التي ألصقت به ونسبت إليه رغم ~~طهارته، وبراءته منها، أن نتحدث قليلا عن الافتراء والدس، بل عن المؤامرات التي دبرت ~~لتشويه التاريخ الإسلامي كافة، والعقائد التعبدية منه خاصة، وتاريخ الإسلام كعقيدة وفكرة، ~~وتاريخ الإسلام كنظام عالمي، كل هذا لم يكتب إلى يومنا كتابة عادلة منصفة، كتابة تجلوه ~~بخصائصه وفضائله الكبرى. # لقد شوه المؤرخون، بل شوه المتآمرون التاريخ الإسلامي عن عمد، بما دسوا عليه وبما نسبوا ~~إلى كبار شخصياته من عقائد وكلمات وأفعال، كبار شخصياته سواء منهم أئمة الفكر، أو رجال ~~الفقه، أو قادة الحرب، أو رجال التصوف، بل إن الخلفاء الراشدين أنفسهم لم يسلم تاريخهم من ~~التزييف والدس، بل لقد دس في ms055 تفسير القرآن ودس في أحاديث الرسول ما يبرأ منه القرآن وما ~~يبرأ منه الرسول ، ولولا أن الله - جلت قدرته وتعالت حكمته - حفظ كتابه الكريم؛ لما تورع ~~المفترون عن الدس والتزييف. # إن العالم الإسلامي اليوم - وهو على أبواب وثبة من وثباته التاريخية - يجب أن يتنبه لهذا، ~~يجب أن يتوافر العلماء والكتاب والباحثون على التاريخ الإسلامي ليعرضوه عرضا جديدا ~~كريما، وليكتبوه من جديد على ضوء العلم والمعرفة والروح الإسلامي النقي الملهم. # يقول الإمام ابن الجوزي في المنتظم: «ولما جاء النبي - صلوات الله وسلامه عليه - وقهر الأملاك وقمع الإلحاد، اجتمع ~~جماعة من الثنوية والملحدين ومن دان بدين الفلاسفة المتقدمين فأعملوا رأيهم، ~~وقالوا: ثبت عندنا أن جميع الأنبياء كذبوا وخرقوا على أممهم، وأعظم الكل بلية ~~علينا محمد # صلى الله عليه وسلم ~~؛ فإنه نبغ بين العرب العظام وخدعهم بناموسه، فنصروه وبذلوا ~~أموالهم وأنفسهم وأخذوا ممالكنا. وقد طالت مدتهم، والآن فقد تشاغل أتباعه، ومنهم ~~مقبل على كسب المال، ومنهم على تشييد البنيان، ومنهم على الملاهي، وقد ضعفت ~~أبصارهم، ونحن نطمع في إبطال دينهم، إلا أننا لا يمكننا محاربتهم لكثرتهم، فليس إلا ~~الدس في آرائهم والانتماء إلى فرقهم؛ لنستعين بهم على إبطال دينهم.» # ذلك ما يقوله الإمام ابن الجوزي كاشفا به عن لون من ألوان التزييف المتعمد في التاريخ ~~الإسلامي، وكاشفا به عن لون عجيب من ألوان الهدم والتضليل في صفوف المسلمين. # فإن هؤلاء المتآمرين من الملاحدة وأصحاب المذاهب الفلسفية المنقرضة قد جعلوا مؤامرتهم ~~الكبرى ذات شعبتين؛ الأولى: مهمتها الدس والافتراء بتزييف الآراء، وصوغ العقائد الباطلة ~~ونسبتها إلى رجال الفكر والعقائد؛ للبلبلة والإفساد. # والشعبة الثانية: تندس بين صفوف الفرق والمذاهب الإسلامية لتوقع بينها، وتضخم من ~~خلافاتها، ولتزيف عليها مبادئها وعقائدها. # ولون آخر أعجب من هذا تكفل به رجال مسلمون، أغرموا بأن يلبسوا آراءهم القوة والمكانة، ~~فنسبوها إلى الأئمة والقادة، يقول ابن الفراء في طبقاته، نقلا عن أبي بكر المرزوي ومسدد ~~وحرب: إنهم قد رووا الكثير من المسائل ونسبوها إلى أحمد بن حنبل. وبعد أن يفيض في ذكر ms056 هذه ~~المسائل يقول: «رجلان صالحان بليا بأصحاب سوء: جعفر الصادق وأحمد بن حنبل؛ أما جعفر فقد نسبت ~~إليه أقوال كثيرة دونت في فقه الشيعة الإمامية على أنها له وهو بريء منها، وأما ~~أحمد فقد نسب إليه بعض الحنابلة آراء في العقائد لم يقل بها، وإن هذا بلا شك يثير ~~الريب في نسبة الفقه الحنبلي إلى أحمد.» # وابن الفراء عالم وفقيه ومؤرخ حجة، ومع هذا فهو يتشكك إلى درجة الريب في نسبة الفقه ~~الحنبلي إلى أحمد بن حنبل. # وإنه لشيء عجيب ومذهل حقا أن يزيف على الأمة الإسلامية مذهبا من مذاهبها الكبرى، ~~وأن يقوم بهذا التزييف أصدقاء الإمام نفسه وأتباعه. # وجاء في رسالة الإسلام # 1 ~~«أن خصوم الإسلام من الأمم المختلفة لما انهزموا حربيا وتحطمت دولهم، انتهزت ~~بقاياهم الخصومات السياسية الإسلامية، فظهروا في صور شتى وألوان مختلفة، مرة في السياسية ~~بإثارة الأحقاد، وبث الفتن والمكائد، وإذكاء نيران العصبية، ومرة بإفساد العلم والفكر عن ~~طريق الوضع والافتراء، والتأويل الفاسد، وإثارة الشبه، والخوض فيما نهى الله ورسوله ~~عنه. # كما غذيت هذه الخلافات وهذه السياسات بكثير من الروايات الملفقة، والأحاديث الموضوعة، ~~والأخبار المفتراة، وامتلأت كتب التفسير والحديث والمغازي والمناقب بما لا يحصى من الأكاذيب، # 2 # فأصبح بجوار كل آية من كتاب الله رواية من الروايات تلوي بها عن مقاصدها، ~~وبجوار كل حديث نبوي عشرات الأحاديث الكاذبة تزاحمه وتواثبه، وفي تاريخ كل عظيم أو مفكر أو ~~عابد شائبات تنال منه.» # ولو ذهبنا نتقصى ألوان التزييف في التاريخ الإسلامي لما وسعتنا هذه العجالة التي خصصناها ~~للتصوف والمتصوفة. # التصوف والمتصوفة اللذان كان نصيبهما من الدس والافتراء أعظم وأخطر من سواهما؛ لأن ~~المزيفين أدركوا أن التصوف هو روح الإسلام، وأن المتصوفة هم قوته الروحية الضخمة، وشعلته ~~الوضاءة المشرقة، فأرادوا أن يطفئوا هذا النور، وأن يلغوا في هذا البيان المبين. # يقول السهروردي في عوارف المعارف: «ثم إن إيثاري لهدي هؤلاء القوم، ومحبتي لهم علما بشرف حالهم وصحة طريقتهم ~~المبنية على الكتاب والسنة، حدا بي أن أؤلف أبوابا في الحقائق ms057 والآداب، معربة عن ~~وجه الصواب فيما اعتقدوه، شعر بشهادة صريح العلم لهم فيما اعتمدوه؛ حيث كثر ~~المتشبهون، واختلفت أحوالهم، وتستر بزيهم المتسترون، وفسدت أعمالهم، وسبق إلى قلب ~~من لا يعرف أصول علمهم سوء الظن، وكاد لا يسلم من وقيعة فيهم وطعن.» # ويقول محيي الدين في الفتوحات: «مما يفتح باب قلة الاعتقاد في أولياء الله وقوع زلة ممن ~~تزيا بزيهم، وانتسب إلى مثل طريقهم، والوقوف مع ذلك من أكبر القواطع عن الله - عز وجل - قال ~~تعالى: # ولا تزر وازرة وزر أخرى ~~. # أجل، أكبر القواطع عن الله - عز وجل - أن يلتبس أمر الزائف من الصحيح في التصوف على ~~الناس، فيرمي المتعجل التصوف قاطبة بالإفك والبهتان. # لقد دس على التصوف المزيفون من رجال التاريخ، ودس على التصوف أهل إلحاد وخصوم الإسلام، ~~وشوه التصوف رجال مغرضون تزيوا بزيه وانتسبوا إليه، فشوهوا وجهه بأفعالهم، وشوهوا سيرته ~~بأقوالهم وهو منهم براء، وهو لهم خصم واضح الحجة.» # يقول الشعراني: «والإنكار على هذه الطائفة لم يزل في كل عصر بسبب الدس والافتراء، ولعلو ~~ذوق مقامهم على غالب العقول، ولكنهم لكمالهم لا يتغيرون كما لا يتغير الجبل من نفخة ~~ناموسة.» # ويقول الشيخ أبو الحسن الشاذلي: «لقد ابتلى الله هذه الطائفة الشريفة بالخلق، خصوصا أهل ~~الجدل والافتراء.» # ولقد خصص الشعراني بحثا طويلا جليلا في مقدمة اليواقيت والجواهر تناول فيه الافتراء ~~على المتصوفة، كما تناول فيه الخصومات التي قامت حولهم وأحاطت بهم. # يقول الشعراني في هذه الدراسة: «إنه ما من نبي أو ولي إلا وابتلي بالخصومات كما ابتلي ~~بالحسدة والدساسين.» # ثم يضرب المثل بالأنبياء والرسل - صلوات الله عليهم - الذين ابتلوا بالخصومات ~~والافتراءات، ونسبت إليهم صفات هم منها الطهرة الأبرياء. # ثم كبار الصحابة - رضوان الله عليهم - «كسعد بن أبي وقاص»، الذي اتهمه أهل الكوفة بأنه لا ~~يحسن الوضوء ولا الصلاة، وعبد الله بن الزبير اتهم بالرياء في صومه وعباداته. # ثم التابعون والأئمة؛ حيث ضرب أحمد بن حنبل حتى تمزق جسده وتلف، ونسبوا إليه الكفر تارة، ~~والجهل تارة أخرى، وأبو حنيفة الذي جعله ms058 خصومه من المرجئة حينا، ومن المبتدعين أحيانا، ~~والذي اضطهده الخلفاء وعذبوه وجلدوه بالسياط ورموه بالكبائر، واستخفى مالك خمسا وعشرين سنة ~~لا يخرج لجمعة أو جماعة؛ خوفا من خصومه الذين ملئوا الدنيا حوله صياحا واتهاما، وعانى ~~الشافعي ما عانى في مصر والعراق مما أفسح له التاريخ مكانا وبيانا. # ثم يقول: «وما من صوفي إلا وأحاطت به عصبة السوء والإفك تجريحا وتشهيرا ودسا وافتراء، ~~فقد نفوا البسطامي سبع مرات من بلده بتهمة الكفر والزندقة، وأحلوا دم ذي النون المصري، ~~وشهدوا على الجنيد بالكفر والإلحاد، ودسوا على الغزالي في الإحياء عدة مسائل تنبه لها ~~القاضي عياض، وأرشد إليها وأمر بإحراقها، ودسوا على محيي الدين في الفتوحات ليوقعوا فيها من ~~أراد الله إضلاله من جهلة المتصوفة، فإن الشيخ محيي الدين من أكابر الأولياء والراسخين، ~~فربما قال لهم إبليس: إن ما في كتبه ليس مدسوسا عليه «وإنما ذلك كان اعتقاده، ويكفيكم في ~~الدين اتباع هذا الرجل الجليل، فعظمه في أعينهم حتى لا يتوقفوا في اعتقاد ما يجدونه في ~~كتبه من المدسوس».» # ثم يقول: «ولقد تنبه لما في كتب محيي من الدس والافتراء الفيروزبادي وصاحب نفح الطيب، ثم ~~يقول أيضا: إنه عندما أخذ في تأليف مختصر للفتوحات رأى فيها أشياء كثيرة لا تتفق مع ما ~~عليه أهل السنة والجماعة، فحذفها وتوقف فيها، ولم يزل كذلك حتى قدم عليه الشيخ شمس الدين ~~محمد، فذاكره في ذلك، فأخرج له نسخة من الفتوحات التي قابلها على النسخة التي عليها خط ~~الشيخ محيي الدين نفسه «بقونية»، فلم ير فيها شيئا مما توقف عليه وحذفه.» # ثم يقول: «فعلمت أن النسخ التي في مصر الآن كلها كتبت من النسخة التي دسوا على الشيخ فيها ~~ما يخالف عقائد أهل السنة والجماعة، كما وقع ذلك أيضا في كتاب الفصوص وغيره من كتب محيي ~~الدين.» # ولا عجب فيما يرويه لنا الشعراني، فكتب التفسير تموج بالإسرائيليات الكاذبة التي تنسب إلى ~~ابن عباس مثلا وهو منها البريء المطهر. # وكتب الأحاديث تزخر بأمواج من الأحاديث الموضوعة، والتي نسبها ms059 المزيفون إلى أفضل خلق الله ~~وأصدقهم! # بل إن الحديث عن التزييف في الأدب العربي لا يزال قريب العهد بآذاننا، حتى إن إماما من ~~أئمة الأدب المعاصرين قد تشكك في الشعر الجاهلي كافة. # يقول الشعراني: سمعت سيدي عليا الخواص يقول: «ولو أن كمال الدعاة إلى الله تعالى كان ~~موقوفا على إطباق الخلق على تصديقهم، لكان رسل الله - صلوات الله وسلامه عليهم - أولى ~~بذلك، وقد خاصمهم الناس، فريقا يقتلون، وفريقا يأسرون.» # والشعراني نفسه الذي خصص جهده الأكبر لتنقية التصوف من الدس والدخيل، قد دس عليه حيا ~~وميتا، وافتري عليه حيا وميتا! # يقول الشعراني: «ومما من الله به علي انشراح صدري لاتباع السنة المحمدية فعلا ~~واعتقادا، وانقباض خاطري ضد ذلك من حين كنت صغيرا، حتى إني - بحمد الله - أتوقف في بعض ~~الأوقات عن العمل ببعض ما استحسنه بعض العلماء؛ حتى يظهر وجه موافقته للكتاب ~~والسنة.» # ثم يقول: «فكذب والله وافترى من أشاع عني من الحسدة أنني أشطح في أفعالي وأقوالي وعقائدي ~~عن ظاهر الكتاب والسنة، مع أن أحدا من هؤلاء الحسدة لم يجتمع بي قط، ولا يثبت عنده ذلك ~~ببينة عادلة، إنما بعض الحسدة زين له الشيطان ذلك لما عجز أن يجد مطعنا في أفعالي الظاهرة، ~~فافترى علي ببعض الكلمات ودار بها.» # ولم يكتفوا مع الشعراني بهذا، بل زيفوا مقدمة لكتابه «كشف الغمة» ونشروها مع الكتاب في ~~حياته، واستعاروا نسخة من كتابه «البحر المورود» ودسوا فيها كفريات عابثة، وأرسلوها إلى ~~سائر أنحاء العالم الإسلامي، وأثاروا فتنة في الأزهر عليه، ولبث التزييف قائما ثلاث سنوات ~~حتى تمكن الشعراني من إثبات كذب خصومه وتضليلهم. # أما ما زيف على الشعراني بعد وفاته فشيء ضخم عجيب سيأتي بيانه في موضعه من هذا ~~الكتاب. # هذا التزييف وذاك الدس كانا الدعامة الكبرى للهجوم على التصوف والمتصوفة، وهذا الدس وذلك ~~التزييف هما سر ما نسب إلى التصوف ظلما وزورا من عقائد تمثلت فيها أساطير الملل والنحل ~~كافة. # وفي طليعة هذا الموكب الزائف الشائن، نرى فكرة وحدة الوجود الوثنية وما يتبعها ms060 من اتحاد ~~وحلول وفناء الجزء في الكل كما يدعون. # كما نشاهد في هذا الموكب الشطحات الفلسفية المضللة التي خلعوا عليها أثوابا براقة خادعة، ~~كدعوى الحقيقة المحمدية التي جعلوها قبة الوجود وأصله وسره، # 3 # وما أطلقوا عليه كلمة الجذب وجعلوها مرادفة للتحلل من الشريعة قولا وعملا، ~~وما ابتدعوا عن ذل وعجز وأسموه ورعا وزهدا، وما تخيلوا من مذاهب باطنية منحرفة عن كتاب ~~الله وسنة رسوله، وتنادوا بأنها الحق، وأنها السر، وأنها الشيء المضمر المراد ~~المؤول. # وكل هذا وذاك يبرأ منه التصوف، ويبرأ منه المتصوفة، بل هم أشد الناس إنكارا له وحربا ~~عليه؛ لأنهم أقوى الناس إيمانا، وأبصر الناس بهدي كتابهم، وسنة رسولهم. # إنهم العابدون المحبون الذين جعلوا الكون محرابا لله، فعاشوا طوال لحظاتهم في صلاة، ~~عاشوا طوال حياتهم بأدب المصلي الذي لا تغفل جارحة من جوارحه عن المناجاة، بأدب المصلي ~~المتطهر المعلق القلب بربه، المقبل بوجهه على خالقه، فكل صغيرة مهما دقت في ميزانهم كبيرة، ~~بل كل رخصة لديهم ضعفا؛ لأنهم أولو عزم، وأصحاب العزمات هم المتطوعون أبدا للكمال، ~~وكمالهم في إيمانهم كما هو في آدابهم، كما هو في إعلاء كلمة دينهم ورسالة نبيهم. # | التصوف بريء من وحدة الوجود # وحدة الوجود وفكرة الاتحاد والحلول فكرة إلحادية قديمة، عريقة في العبادات الهندية ~~والديانات البوذية، وخلاصتها التي تقربها إلى العقول أن أصحابها انقسموا إلى فريقين: فريق ~~يرى الله - سبحانه وتعالى عما يصفون - روحا، ويرى العالم جسما لذلك الروح، وأن الإنسان ~~إذا سما وتطهر ارتفع فالتصق بالروح - التي هي الله - ففني فيها، فذاق السعادة الكبرى، وظفر ~~بالخلود الدائم. # والفريق الثاني يرى أن جميع الموجودات لا حقيقة لوجودها غير وجود الله، فكل شيء في زعمهم ~~هو الله، والله هو كل شيء، يتجلى تجليا حقيقيا في كل شيء في الكون بذاته، فلا موجود إلا ~~الوجود الواحد، ومع ذلك يتعدد بتعدد الصور تعددا حقيقيا واقعيا في نفس الأمر، ولكن ذلك ~~التعدد لا يوجب تعددا في ذات الوجود، كما أن تعدد أفراد الإنسان لا يوجب تعددا في حقيقة ms061 ~~الإنسان، أو تعدد صور الإنسان الواحد في المرايا المجاورة لا تحتم تعدده. # تلك هي فكرتهم في وحدة الوجود، وهي سفسطة لا يقبلها منطق ولا عقل ولا شرع، سفسطة تذهب ~~بالشرائع كافة، والأديان جميعها، وتنال من الجلال والكمال الواجب لله - سبحانه وتعالى - ~~وتبطل الجزاء والعقاب والجنة والنار، والحياة الأخروية، كما تبطل الحدود بين الخالق ~~والمخلوق، فتجعل الخلق والخالق شيئا واحدا. # وهذا الإفك الأكبر، وهذا اللغو الإلحادي الفاجر هو الذي قذف به خصوم التصوف المتصوفة، ~~وهم من هم إيمانا وكمالا وأدبا وخلقا، ووحدانية وتقديسا لفاطر السموات والأرض. # قذف خصوم التصوف المتصوفة بهذا الإفك، متخذين من حبهم لربهم تكئة ومقعدا لهذا ~~الاتهام، وركض بهذا الإفك في محراب التصوف رجال الاستشراق الذين لبسوا ثوب العلم بالإسلام ~~في ثوب الدفاع عنه. # ثم تفلسف المستشرقون وتفلسف المتعالمون من الجهلاء بالتصوف والإسلام، فقالوا: إن للتصوف ~~علاقات وثيقة ببوذا ووثنية الهند، وإن وحدة الوجود وفكرة الحلول عند المتصوفة أقباس من ~~الصوفية البوذية، ولمحات من فلسفة المدرسة الإشراقية. # ونسوا أو تناسوا «أن التصوف الإسلامي قام على كتاب الله وسنة رسوله وهديه، وأن الصوفي ~~المسلم يقرأ في كتاب ربه: # ليس كمثله شيء وهو السميع ~~البصير ~~، فيقرأ خلاصة العلم الذي يتعلمه طلاب اللاهوت في سائر الملل والنحل، ~~ويطوي تحت هذا البلاغ المبين كل فلسفة تتشدق ببحث الذات والصفات والخلق والخالق.» # يقول الشعراني في اليواقيت: «ولعمري إن عباد الأوثان لم يتجرءوا أن يجعلوا آلهتهم عين ~~الله، بل قالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى.» فكيف يظن بأولياء الله تعالى أن ~~يدعوا الاتحاد بالحق سبحانه؟ هذا محال في حقهم رضي الله عنهم. # ويقول الإمام محيي الدين بن عربي في عقيدته الوسطى: «اعلم أن الله سبحانه واحد بإجماع، ~~وقيام الواحد يتعالى أن يحل فيه شيء، أو يحل هو في شيء، أو يتحد بشيء.» # ويقول في باب الأسرار من الفتوحات: «لا يجوز للعارف أن يقول: أنا الله، ولو بلغ أقصى ~~درجات القرب، وحاشا للعارف من هذا حاشاه.» # ويقول أيضا في لوائح الأنوار: «من كمال ms062 العرفان شهود عبد ورب، وكل عارف نفى شهود العبد ~~في وقت ما فليس بعارف، وإنما هو في ذلك الوقت صاحب حال، وصاحب الحال سكران لا تحقيق ~~عنده.» # ويقول في الفتوحات: «لا حلول ولا اتحاد، فإن القول بالحلول مرض لا يزول، وما قال بالاتحاد ~~إلا أهل الإلحاد، كما أن القائل بالحلول من أهل الجهل والفضول، ومن دينه معلول.» # ويقول في باب الأسرار: «أنت أنت، وهو هو، فإياك أن تقول كما قال العاشق: أنا من أهوى ومن ~~أهوى أنا، فهل قدر هذا أن يرد العين واحدة، لا والله، والجهل لا يتعقل حقا.» # وقال أيضا: «إياك أن تقول: أنا هو، وتغالط؛ فإنك لو كنت هو لأحطت به كما أحاط تعالى ~~بنفسه.» # ثم يقول: «لو صح أن يرقى الإنسان عن إنسانيته، والملك عن ملكيته ويتحد بخالقه تعالى؛ لصح ~~انقلاب الحقائق، وخرج الإله عن كونه إلها، وصار الحق خلقا، والخلق حقا، وما وثق أحد ~~بعلم، وصار المحال واجبا، فلا سبيل إلى قلب الحقائق أبدا.» # ويقول الجنيد شيخ الطريقة في الرد على الفجرة الفسقة أصحاب وحدة الوجود: «إن هذا كلام من ~~يقول بالإباحة. والسرقة والزنا عندنا أهون حالا ممن يقول بهذه المقالة.» # وسئل العارف الرباني الإمام سهل بن عبد الله التستري عن ذات الله - عز وجل - فقال: «ذات ~~الله موصوفة بالعلم، غير مدركة بالإحاطة، ولا مرئية بالأبصار في دار الدنيا، وهي موجودة ~~بحقائق الإيمان من غير حد ولا حلول، وتراه العيون في العقبى ظاهرا في ملكه وقدرته، وقد حجب ~~الخلق عن معرفة كنه ذاته، ودلهم عليه بآياته، فالقلوب تعرفه، والعقول لا تدركه، ينظر إليه ~~المؤمنون بالأبصار من غير إحاطة ولا إدراك نهاية.» # ويقول أيضا مخاطبا الغرور البشري والوجود الإنساني: «يا مسكين، كان الله ولم تكن، ويكون ~~الله ولا تكون، فلما كونك اليوم صرت تقول: أنا وأنا، كن الآن كما كنت قبل تكوينك، واعرف ~~فاقة نفسك وحقارتها، ونزلها منزلتها من الذلة والاحتقار.» # ويقول الشعراني في المنن: «وبعضهم رأى أن كل شيء في الوجود هو الله، وأن عين ms063 هذا الوجود الحادث هو عين الله، ~~من الجماد والنبات والعقارب والحيات، والجان والإنسان، والملك والشيطان، ويجعلون ~~الخالق هو عين المخلوق من خسيس ونفيس، ومرجوم وملعون حتى إبليس. وهذا كلام لا يرضاه ~~أهل الجنون، ولا من كان في حبه مجنون. والذي أقوله: إن إبليس لو ظهر ونسب إليه هذا ~~المعتقد لتبرأ منه واستحى من الله تعالى، وإن كان هو الذي يلقي إلى نفوسهم ~~ذلك. # وقد حكيت لسيدي علي الخواص بعض صفات هؤلاء الذين يقولون هذا القول فقال: هؤلاء ~~زنادقة، وهم أنجس الطوائف؛ لأنهم لا يرون حسابا ولا عقابا، ولا جنة ولا نارا، ~~ولا حلالا ولا حراما ولا آخرة، ولا لهم دين يرجعون إليه ولا معتقد يجتمعون عليه، ~~وهم أخس من أن يذكروا؛ لأنهم خالفوا المعقولات والمنقولات والمعاني وسائر الأديان ~~التي جاءت بها الرسل عن الله تعالى، ولا يعلم أحدا من طوائف الكفار اعتقد اعتقاد ~~هؤلاء، فإن طائفة من النصارى قالت المسيح ابن الله، وكفرهم القوم الآخرون، وطائفة ~~من اليهود قالت العزير ابن الله، وكفرهم القوم الآخرون، فلم يجعلوا الوجود عين الله ~~تعالى.» # | مقام الفناء وأخطاء الحلوليين # تلك هي كلمة التصوف في وحدة الوجود، ولعمري إنها لأقوى الكلمات الإسلامية دفعا لتلك ~~النظرية الوثنية وهدما لها، وهي أعلى الكلمات الإسلامية استنكارا لهول ما تنطوي عليه من ~~كفريات وإباحيات ملعونة مرجومة، حتى إن الشعراني ليقول: «إن إبليس نفسه - وهو ملهم الخبائث ~~- لا يجرؤ على تلك القولة الملعونة، التي ارتكب أربابها أمرا إدا تكاد السموات يتفطرن ~~منه وتخر الجبال هدا.» # 1 # ولسائل أن يسأل: فكيف إذن نسبت إلى التصوف أو إلى بعض المتصوفة؟ ومن أي باب أدخلها ~~المغرضون ووثب بها الواثبون؟ ومن أي باب أيضا تسللت طوائف الإفك التي رمت التصوف أو بعض ~~المتصوفة بالحلول والاتحاد؟ # لقد تسلل المزيفون والمغرضون إلى المحراب الصوفي بذلك الإفك الأكبر ليطفئوا نوره، ويحطموا ~~نبراسه متخذين - ومن عجب - آيته الكبرى؛ وهي المحبة أو مقام الفناء تكئة لأكاذيبهم ~~الآثمة. # فالتصوف قوامه الذكر والعبادة، والتأمل والطاعة، وثمرته التجلي والمحبة، وما يلهم التجلي ms064 ~~وما تعلم المحبة، وبين بدايته ونهايته أحوال ومقامات ومعارج ونفحات، سرها الترقي الدائم في ~~صفاء القلب، وإلهامات الروح ، وإشراقات الحس. # وأول مقامات المتصوف المقبل على ربه، بل أول مقامات المؤمن العابد هو أن يعبد الله كأنه ~~يراه، فإذا عبده تلك العبادة وتحقق بجلالها، فهل تظن أنه يرى سواه جل جلاله؟ # يقول الشعراني: «ومن يقول لا موجود إلا الله، فذلك من مقام المريد المبتدئ؛ لأنه من شدة ~~تعشقه في الطريق، وترحل قلبه عن محبة غير الله تعالى يصير قلبه محجوبا عن شهود الأكوان، ~~كما يقع لصاحب المصيبة إذا مات له ولد، أو تلف له مال، فإنه من شدة المصيبة يصير يدخل الدار ~~ويخرج ولا يرى صاحبه الجالس على بابه، فإذا سئل: هل رأيت فلانا؟ قال: لا، فإذا قيل له: لقد ~~كان أمامك، قال: والله من شدة الهم ما رأيته.» # ثم يقول: «وليس مراد المبتدئ في الطريق أن ينفي وجود العالم كله كما يظن من لا علم له ~~بأحوال أهل الطريق، بل مراده أن الله تعالى قد أخذ حبه بمجامع قلبه حتى حجبه عن شهود ~~خلقه. # وإذا كان النساء اللاتي خرجن على يوسف - عليه السلام - ذهلن عن أنفسهن حتى قطعن أيديهن ~~ولم يشعرن بألم القطع، فكيف بذهول من تعلق قلبه بحب ربه وشاهد من آياته الكبرى؟! # وقد روى القشيري عن الشبلي أنه كان يزور في بداية أمره شيخه الحصري كل يوم جمعة، فقال له ~~شيخه يوما: يا أبا بكر، إن خطر في بالك غير الله تعالى من الجمعة إلى الجمعة فلا تعد ~~تأتينا؛ فإنه لا يجيء منك شيء.» # ذلك هو أدب الطريق الصوفي الذي يلقنه الشيوخ للمبتدئين؛ أن ينفوا الوجود عن قلوبهم، بل عن ~~خواطرهم؛ لتمتلئ كل جوارحهم بذكر الله، وحب الله، وجلال الله. # تلك معنويات عليا يتذوقها المؤمنون العابدون، ولا شأن لها بما أراد المضللون الذين توهموا ~~في هذا القول المنير وحدة الوجود، أو الاتحاد والحلول. # لم ينف المتصوفة بهذا القول الإيماني العظيم وجود الكون، ولم يتصوروا بل لم يجل بخواطرهم ms065 ~~أن معنى ذلك وحدة أو حلول. إنهم قوم حجبتهم المحبة عما سوى الله فلم يروا في الكون سواه ، ~~مسألة حسية وجدانية، ليس معناها أن الكون قد زال أو فني، وإنما معناها أن القلب المحب قد ~~استغرقه جلال محبة الأعظم فلم ير إلا إياه. # يقول الشعراني: «أجمع أهل الحق على أن حقائق الأشياء ثابتة، فكيف يصح نفيها؟ إنما العبد ~~يحجب عنها بما دهمه من الأمور العظيمة، قيل للشبلي: ما التوبة؟ قال: ألا تشهد في الدارين ~~سواه؛ أي لا تشهد في الدارين خالقا أو ربا أو رازقا أو مؤثرا ومدبرا سواه، وإن شهدت ~~ليس لأحد وساطة أو أثر في عمل ما؛ فلا تلتفت إلى ذلك. # وليس معنى هذا أن لا نشهد غير الله أصلا من جميع الأكوان؛ فإن ذلك لا يصح للمقربين، وذلك ~~معنى قوله صلوات الله وسلامه عليه: «أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: # ألا كل شيء ما خلا الله باطل ~~... ... ... ...» # أي كالباطل من حيث إن كل شيء قائم بالله تعالى لا بنفسه، فإن شاء الله أبقاه، وإن شاء ~~أذهبه في لمح البصر أو هو أقرب.» # ذلك فناء المبتدئين أو مقام المريدين أو حجاب السالكين في أول الطريق، يحجبون بحب الله ~~عما سواه، أما الكمل السادة فقد ارتفعوا فوق تلك المعاني ولم يقفوا مع العقبات، بل رأوا ~~الله - جل جلاله - ورءوا الكون أيضا، وذلك - كما يقول محيي الدين - أكمل ألوان ~~العبادات. # يقول السراج الطوسي في اللمع: «غلطت جماعة من البغداديين في قولهم: إنهم عند فنائهم عن ~~أوصافهم دخلوا في أوصاف الحق. وقد أضافوا أنفسهم بجهلهم إلى معنى يؤدي بهم إلى الحلول، أو ~~إلى مقالة النصارى في المسيح - عليه السلام.» # فإن وجد في كلام الكمل من المتصوفة معنى الفناء في الله - جل شأنه - فالمعنى الصحيح ~~المقصود من ذلك أن الإرادة للعبد، وهي من عند الله عطية، ومعنى خروج العبد من أوصافه ~~والدخول في أوصاف الحق خروجه من إرادته ودخوله في إرادة الحق، وذلك منزل من منازل أهل ~~التوحيد. # وأما الذين غلطوا في ms066 المعنى فإنما غلطوا بدقيقة خفيت عليهم حتى ظنوا أن أوصاف الحق هي ~~الحق. وهذا كله كفر؛ لأن الله تعالى لا يحل في القلوب، ولكن يحل في القلوب الإيمان به، ~~والتوحيد له، والتعظيم لذكره. # ثم يقول في اللمع أيضا متحدثا عن الفناء: «هو فناء رؤيا العبد في أفعاله ~~لأفعاله.» # ويقول الهجوري واصفا الفناء: «بأنه فناء إرادة العبد في إرادة الله، لا فناء وجود العبد ~~في وجود الله.» # ذلك هو الفيصل بين المتصوفة وخصومهم؛ فالفناء الصوفي هو فناء معنوي، لا فناء مادي كما ~~توهم المتوهمون. # يقول القشيري في باب الفناء: «ومن استولى عليه سلطان الحقيقة حتى لم يشهد من الأغيار لا ~~عينا ولا رسما ولا طللا يقال: إنه فني عن الخلق وبقي بالحق.» # ثم يقول: «وفناؤه عن نفسه وعن الخلق بزوال إحساسه بنفسه وبهم، فإذا فني عن الأفعال ~~والأخلاق والأحوال، فلا يجوز أن يكون ما فني عنه من ذلك موجودا، وإذا قيل فني عن نفسه وعن ~~الخلق، فنفسه موجودة والخلق موجودون، ولكنه لا علم له بهم ولا به. وقد نرى الرجل يدخل على ~~ذي سلطان فيذهل عن نفسه وعن أهل مجلسه هيبة، حتى إذا سئل بعد خروجه من عنده عن أهل مجلسه لم ~~يمكنه الإخبار بشيء.» # وهو فناء إجلال وحب إذن، لا فناء عين، فناء القلب المستغرق في أنوار الجلال الإلهي عما ~~سواه. # ويروي الشعراني في الطبقات عن الشيخ عبد الرحمن الطفسونجي وهو يشرح حال المراقبة: «والمراقبة لعبد راقب الحق بالحق، وتابع المصطفى # صلى الله عليه وسلم # في أفعاله وأخلاقه ~~وآدابه. والله - عز وجل - قد خص أحبابه وخاصته بأن لا يكلهم في شيء من أحوالهم ~~إلى نفوسهم ولا إلى غيره، فهم يراقبون الله تعالى ويسألونه أن يرعاهم. # والمراقبة تقتضي حال القرب، والله - عز وجل - قرب القلوب إليه بما هو قريب ~~منها، فهو يقرب من قلوب عباده على حسب ما يرى من قرب قلوب عباده منه، فانظر بماذا ~~يقرب من قلبك. # وحال القرب يقتضي حال المحبة، وهي تتولد من نظر القلب إلى الله ms067 - عز وجل - وجلاله ~~وعظمته، وعلمه وقدرته؛ فطوبى لمن شرب كأسا من محبته، وذاق نعيما من مناجاته، ~~فامتلأ قلبه حبا، فطار بالله طربا، وهام به اشتياقا، ليس له سكن ولا مألوف ~~سواه، فهو محب خرج من رؤية المحبة إلى المحبوب بفناء علم المحبة، من حيث كان له ~~المحبوب في الغيب ولم يكن هو بالمحبة، فإذا خرج المحب إلى هذه النسبة كان محبا ~~بلا علة. # والمحبة تقتضي الذكر، فلا يزال المحب يذكر ربه ويدخل الخلل في ذكره لنفسه حتى ~~يصير الغالب عليه ذكر ربه، وصار كالغافل عن نفسه، ثم يغفل عن ذهوله عن نفسه، وينسى ~~باستيلاء ذكر ربه عليه جميع الأحاسيس، فيقال: فني عن نفسه، ويقال: فني بربه. وهو ~~هنا يكون مختطفا عن نفسه، ممحوا عن جملته، فانيا عن كله.» # سئل أبو يزيد عن عمره فقال: أربع سنوات، ويجيب البسطامي شارحا تلك الكلمة بقوله: «حجبت ~~عن الله سبعين سنة، ولم أره إلا في السنوات الأربع الأخيرة، وعليه فالسبعون الأولى ليست من ~~عمري.» # وهذا الشعور الكامل بالتجلي الإلهي والإحساس الصادق بالحب الرباني يزداد حتى يبلغ الحد ~~الأعلى، فيذهب عن المحب وعيه، بل تكاد تذهب عنه بشريته، ليغدو جوهرا أو كالجوهر، وهي ~~الحالة التي يعبرون عنها بالذوق والشرب والغيبة، ويجمع ذلك كله كلمة: الوجد. # ويعد المتصوفة الفناء في حالة الوجد نهاية سفرهم إلى ربهم، فيصبح الصوفي هنا في قمة فوق ~~العالم؛ لأنه استغنى عنه. # وهذه هي حال البقاء، والإنسان فيها إنسان كامل. وهذا موقف لا مجال للقول فيه، أو كما يقول ~~الغزالي: «يصل الإنسان إلى حالة يضيق نطاق النطق عن وصفها.» # | مقام الفناء وابن تيمية # ومن عجيب أن مقام الفناء الذي اتهم فيه المتصوفة بوحدة الوجود تارة، والاتحاد والحلول ~~تارة أخرى، مقام من صميم التوحيد الإسلامي، بل هو المقام الذي ترتكز عليه العبادات الربانية ~~كافة، حتى إن ابن تيمية - وهو خصم التصوف الأكبر - ليخصص لشرحه في كتبه مكانا لم يخصصه ~~لغيره من مواقف الفكر الإيماني. # يقول الإمام ابن تيمية في كتابه «العبودية» # 1 # متحدثا ms068 عن مقام الفناء؛ الفناء في المحبة الإلهية: «الفناء عن إرادة ما سوى الله، بحيث لا يحب إلا الله، ولا يعبد إلا إياه، ولا ~~يتوكل إلا عليه، ولا يطلب من غيره، وهو المعنى الذي يجب أن يقصد بقول الشيخ أبي ~~يزيد حيث قال: أريد أن لا أريد؛ أي المراد المحبوب المرضي، وهو المراد بالإرادة ~~الدينية، وكمال العبد أن لا يريد ولا يحب ولا يرضى إلا ما أراده الله ورضيه وأحبه. ~~وهذا معنى قولهم في قوله تعالى: # إلا من أتى الله ~~بقلب سليم ~~، قالوا: هو السليم مما سوى الله، أو مما سوى عبادة ~~الله، أو مما سوى إرادة الله، أو مما سوى محبة الله، فالمعنى واحد. وهذا المعنى إن ~~سمي فناء أو لم يسم هو أول الإسلام وآخره، وباطن الدين وظاهره.» # ثم يتحدث ابن تيمية عن المقام الثاني في مقامات الفناء فيقول: «وأما النوع الثاني فهو الفناء عن شهود السوى، وهو يحصل لكثير من السالكين، فإنهم ~~لفرط انجذاب قلوبهم إلى ذكر الله وعبادته ومحبته ضعفت قلوبهم عن أن تشهد غير ما ~~تعبد، وترى غير ما تقصد، لا يخطر بقلوبهم غير الله، بل ولا يشعرون كما قيل في قوله ~~تعالى: # وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت ~~لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها ~~، قالوا: فارغا ~~من كل شيء إلا من ذكر موسى. # وهكذا كثيرا ما يعرض لمن دهمه أمر من الأمور؛ إما حب وإما خوف وإما رجاء، ~~يبقى قلبه منصرفا عن كل شيء إلا مما قد أحبه أو خافه أو طلبه، بحيث يكون عند ~~استغراقه في ذلك لا يشعر بغيره، فإذا قوي على صاحب الفناء هذا، فإنه يغيب بموجوده ~~عن وجوده، وبمشهوده عن شهوده، وبمذكوره عن ذكره، وبمعروفه عن معرفته، حتى يفنى من ~~لم يكن: وهي المخلوقات المبعدة ممن سواه، ويبقى من لم يزل؛ وهو الرب تعالى. والمراد ~~فناؤها في شهود العبد وذكره، وفناؤه عن أن يدركها أو يشهدها، وإذا قوي هذا ضعف ~~المحب حتى يضطرب في تميزه، فقد يظن أنه هو ms069 محبوبه، كما يذكر أن رجلا ألقى نفسه في ~~اليم، فألقى محبه نفسه خلفه، فقال: أنا وقعت، فما أوقعك خلفي ؟ قال: غبت بك ~~عني، فظننت أنك إني.» # أليست تلك المقامات من حالات الفناء هي المقامات التي يرمى فيها المتصوفة بوحدة ~~الوجود؟ # يقول ابن تيمية خصم التصوف الأكبر: «فإنهم لفرط انجذاب قلوبهم إلى ذكر الله وعبادته ~~ومحبته ضعفت قلوبهم عن أن تشهد غير ما تعبد، وترى غير ما تقصد.» # وهل قال المتصوفة أكبر من هذا القول؟! ومن عجب أن ابن تيمية يهاجم التصوف والمتصوفة لأنهم ~~يقولون: إنهم في نشوتهم الكبرى لا يرون إلا الله، ويذهلون عما سواه؛ أي نفس ما يقول ابن ~~تيمية. # إنهم ليرون الله في كل شيء، ومع ذلك يوقنون بأنه سبحانه فوق كل شيء. وهذا أكمل درجات ~~التوحيد. # ويقول ابن تيمية أيضا في مجموعة رسائله: # 2 # وأما قول الشاعر في شعره: # أنا من أهوى ومن أهوى أنا # فهذا إنما أراد به الشاعر الاتحاد المعنوي، كاتحاد أحد المحبين بالآخر، الذي يحب ~~أحدهما ما يحب الآخر، ويبغض ما يبغضه، ويقول مثل ما يقول، ويفعل مثل ما يفعل. وهذا ~~تشابه وتماثل لا اتحاد العين بالعين، إذا كان قد استغرق في محبوبه حتى فني به عن ~~رؤية نفسه، كقول الآخر: # غبت بك عني # فظننت أنك أني # فهذه الموافقة هي الاتحاد السائغ. # ويقول ابن تيمية أيضا في الرسائل: «روى البخاري في صحيحه، عن أبي هريرة، عن النبي بقوله ~~تعالى: «من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة.» فقوله: «من عادى لي وليا فقد بارزني ~~بالمحاربة.» فجعل معاداة عبده الولي معاداة له، فعين عدوه عين عدو عبده، وعين معاداة وليه ~~عين معاداته، ليسا هما شيئين متميزين.» # ويذكر أيضا ابن تيمية حديثا رواه مسلم في صحيحه، عن أبي هريرة، عن النبي، يقول الله ~~تعالى: «عبدي، مرضت فلم تعدني، فيقول: يا رب، كيف أعودك وأنت رب العالمين؟! فيقول: أما ~~علمت أن عبدي فلانا مرض، فلو عدته لوجدتني عنده. عبدي، جعت فلم تطعمني، فيقول: رب، كيف ~~أطعمك وأنت رب ms070 العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلانا جاع، فلو أطعمته لوجدت ذلك ~~عندي.» # ولم أجد ردا على خصوم المتصوفة الذين هاجموهم في مقام الفناء، وتسللوا منه إلى اتهامهم ~~بوحدة الوجود، وفكرة الاتحاد والحلول، أبلغ من هذا التفصيل الرائع لمقامات الفناء الذي كتبه ~~ابن تيمية خصم التصوف الأكبر، والذي رمى المتصوفة بوحدة الوجود، وقذفهم بالاتحاد والحلول ~~متخذا برهانه من كلامهم في الفناء والمحبة. # ولم أجد شاهدا أكبر دلالة مما استشهد به هو من القرآن الكريم # وأصبح فؤاد أم موسى فارغا ~~؛ أي فارغا مما سوى موسى. # وقلب المتصوفة لشدة حبهم لربهم أصبح فارغا مما سوى الله - جل جلاله - وربنا سبحانه أكبر ~~وأعظم من أن يشبه بعبد من عباده، أو برسول من رسله. # وليقل بعد ذلك المغرضون ما شاءوا ... # | جهاد الشعراني # السبحات الفلسفية والتصوف # لقد حمل الشعراني أعباء رسالة علمية إصلاحية ما أظن أن صوفيا سواه، بل لا أعتقد أن ~~عالما من المفكرين الإسلاميين حمل مثلها، أو قام بشبيه لها. # تلك الرسالة هي التوفيق بين شتيت الآراء والمذاهب والأفكار الإسلامية، والتقريب بينها، ~~بتنقيتها من التطرف، وإبعاد الدخلاء والزائفين عن ساحاتها، وباتخاذه دائما موقفا وسطا ~~محددا كالصراط المستقيم. # عمل الشعراني على التوفيق بين الفقه والتصوف، أو بين الشريعة والحقيقة، كما يقال في ~~الاصطلاح، وخصص لذلك الجانب الأكبر من دراساته وكتبه. # كما جاهد للتوفيق بين التصوف، وبين رجال الكلام والتوحيد، وأصحاب النظر العقلي من ~~الفلاسفة والمتكلمين، يقول الشعراني في كتابه الميزان: «وحاولت المطابقة بين عقائد أهل ~~الكشف وعقائد أهل الفكر حسب طاقتي، ولم يسبقني إلى ذلك أحد.» # وبذلك اتفق الشعراني مع الغزالي في ناحية، واختلف معه في الناحية الأخرى، فقد سعى الغزالي ~~جاهدا من قبله للتوفيق بين الفقه والتصوف، ولكنه في الناحية الأخرى حارب الفلسفة بعنف ~~وقسوة، لم يهادنها ولم يقبل معها تفاهما، ولم يرض لها حجة. # وبهذا الموقف الذي اتخذه الشعراني شعارا له؛ اضطر مكرها للمحاربة والصراع في كافة ~~الميادين الفكرية والساحات العلمية. # فقد حارب الشعراني وحورب من أدعياء التصوف، من المجاذيب والبهاليل والدراويش، ms071 وكانوا ~~أصحاب الجاه والسطوة في عهده. # كما حارب وحورب من الفقهاء المتزمتين الذين جمدوا على آراء وكتب أغرمت بالافتراض، وأولعت ~~بالجدل والحوار، وملئت بكل غريب وشاذ، وحارب وحورب من رجال الكلام الذين ملئوا الدنيا ~~صياحا وهتافا بأنهم وحدهم سدنة الإيمان وحجابه، وأن الإيمان الحقيقي الذي يقبله الله هو ~~ما ابتكرته أقلامهم، وما اشترطوا له من قيود وسدود وحدود. # كما حارب الشعراني أيضا المتفلسفين من رجال التصوف، ونازلهم منازلة قاسية، حتى إننا ~~لنراه أحيانا يهاجم محيي الدين، وهو المحب الأكبر والتلميذ الأمين لمحيي الدين، ويهاجم ~~الغزالي مع إجلاله العظيم لحجة الإسلام، ويهاجم جمهرة من سادة المتصوفين القدامى مع احترامه ~~لهم وتقديره. ولكن الشعراني يهدف لغاية أكبر من الحب والإجلال والتقدير للسابقين من ~~المتصوفة، كان يهدف إلى حماية العقول العامية وأشباه العامية في عهده من صولة الآراء ~~الصوفية، وهي صولة لا يعرفها إلا من ذاق وعرف، وهي صولة أكبر من أن تطيقها العقول الضعيفة، ~~أو تحتملها القلوب الجامدة. # وعصر الشعراني كان لا يطيق تلك الصولة القوية للآراء الصوفية العليا، فعمل الشعراني ~~للصالح العام، ولم يلق بالا إلى عواطف الحب والاحترام، فقام بهجومه الكبير القوي على ~~كلمات التصوف المجنحة، وعباراته الرحيبة الأفق التي تحمل أكثر من معنى، وتؤدي إلى أكثر من ~~غاية. # يقول الشعراني: وبالجملة فلا تحل قراءة كتب التوحيد الخاص وكتب العارفين إلا لعالم كامل، ~~أو من سلك طريق القوم، وأما من لم يكن واحدا من هذين الرجلين فلا ينبغي له مطالعة شيء من ~~ذلك؛ خوفا عليه من إدخال الشبه التي لا يكاد الفطن أن يخرج منها، فضلا عن غير ~~الفطن. # ثم يقول: «ولكن من شأن النفس كثرة الفضول، ومحبة الخوض فيما لا يعنيها، وقد وضع بعض ~~العلماء من السلف كتابا جمع فيه كثيرا من الكلمات التي ينطق بها العوام مما يؤدي إلى ~~الكفر، وحذر فيه من النظر في جملة من الكتب، وقد حبب إلي أن أذكر لك طرفا من ذلك لتتجنب ~~النطق به والنظر فيه، فأقول وبالله التوفيق: ومما يقع فيه ms072 كثير من الناس قولهم: يا من يرانا ~~ولا نراه. وقولهم: يا ساكن هذه القبة الخضراء. وقولهم: سبحان من كان العلا مكانه. ونحو ذلك ~~مما لا يجوز التلفظ به؛ لما يورث من الإبهام عند العوام، وأن لله تعالى مكانا خاصا، وإن ~~قال هذا القائل: أردت بقولي «ولا نراه» عدم رؤيتنا له في الدنيا. قلنا له: قد أطلقت القول، ~~والإطلاق في محل التفصيل خطأ. وقد أجمع أهل السنة على منع كل إطلاق لم ترد به الشريعة، سواء ~~كان في حق الله تعالى، أو في حق أنبيائه، أو في حق دينه، وكان الشيخ أبو الحسن الأشعري ~~يقول: «ما أطلق الشرع في حقه تعالى أو في حق أنبيائه أطلقناه، وما منع منعناه، وما لم يرد ~~فيه إذن ولا منع نظرنا فيه، فإن أوهم ما يمتنع في حقه تعالى منعناه، وإن لم يوهم شيئا من ~~ذلك رددناه إلى البراءة الأصلية، ولم نحكم فيه بمنع أو إباحة.» فقد اتفق الإمامان على منع ~~كل إطلاق يوهم محظورا في حق الله تعالى، وتبعهما العلماء على ذلك قاطبة، وكذلك منع من ~~يقول: ... يا دليل الحائرين، يا دليل من ليس له دليل، ونحو ذلك، وكله لم يرد به شيء. # وقد أجمع أهل الحق على وجوب تأويل أحاديث الصفات؛ كحديث ينزل ربنا إلى سماء الدنيا، وقد ~~بلغ بأحد الضالين أن يقول - وكان على المنبر فنزل درجا منه - وقال للناس: «ينزل ربكم عن ~~كرسيه إلى سماء الدنيا كنزولي عن منبري هذا.» وهذا جهل ليس فوقه جهل. # ومما يمنع شرعا إطلاق بعضهم على الله تعالى: الخمار، والساقي، وراهب الدير، وصاحب الدير، ~~وليلى، ولبنى، وسعدى، وأسماء، ودعد، وهند، والكنز الأكبر ونحو ذلك، وكذلك لا يجوز إجماعا ~~إرادة ذاته تعالى بقول بعضهم: # أنا من أهوى ومن أهوى أنا # نحن روحان حللنا بدنا # وقول بعضهم: # تمازجت الحقائق بالمعاني # فصرنا واحدا روحا ومعنى # فكل هذا وأمثاله لا يجوز عند أهل السنة والجماعة، وقد سألت سيدي عليا الخواص عن ~~التغزلات التي في كلام القوم: هل مرادهم بها الله ms073 تعالى؟ فقال: لا، إنما مرادهم بها الخلق، ~~ولكن يفهم الفاهم منها في حق الحق ما يبعثه عند سماعها إلى الحضور مع الحق. # قال: لأن أولياء الله تعالى أعرف الخلق بالله تعالى بعد الرسل والأنبياء - عليهم الصلاة ~~والسلام - ويجلون الحق تعالى عن أن يجعلوه محلا لتغزيلاتهم؛ فلذلك ضربوا الأمثال بالمحبين ~~والمحبوبين من قيس ولبنى ونحو ذلك. # وكذلك مما ينبغي اجتنابه قول بعضهم: ما في الوجود إلا الله، وقولهم: إن الله في قلوب ~~العارفين. وإنما الصواب أن يقال: ما في الوجود في الأزل إلا الله، ومعرفة الله في قلوب ~~العارفين، وإليه الإشارة بحديث: «وسعني قلب عبدي المؤمن.» أي وسع معرفتي من غير إحاطة بي، ~~وكذلك مما ينبغي اجتنابه قولهم: هذا زمان سوء؛ لأن الزمان هو الدهر، والدهر هو الله، وكذلك ~~قول بعض الخطباء: سبحان من لم يزل معبودا؛ لأنه عبد عند من لم يعلم كونه معبودا بالقوة؛ ~~أي أهلا لأن يعبد؛ لأنه يوهم قدم العالم، وذلك كفر. # ومما يجب اجتنابه قولهم: يا قديم الزمان؛ لأن الرب لا يتقيد بالزمان؛ فهو كلام باطل، ~~وكذلك قول بعضهم: كل ما يفعله الله خير؛ لإيهامه نفي وجود الشر في العالم، وأن كل ما يكسبه ~~العبد من المعاصي خير، وكذلك قول: فلان يطلع على الغيب؛ لأنه يوهم باطلا، وإنما الأدب أن ~~يقال: فلان له فراسة صادقة، أو كشف، أو اطلاع فقط؛ لئلا يزاحم الرسل في مقام العلم والقطع، ~~فإنه ليس للأولياء إلا الظن الصادق فقط، الذي هو في اصطلاحهم عبارة عن الاعتقاد الصحيح ~~الجازم المطابق للواقع فقط، وهذا الظن هو الذي يسمونه إلهاما وفتحا وكشفا. # وكذلك مما يجتنب قوله قول بعضهم: باعك الله، وأقالك الله، إذا اشتغل في البيع أو الإقالة؛ ~~لأنه يوهم مذهب أهل الاتحاد، وذلك كفر. # قال الإمام العلامة عمر بن محمد الأشبيلي في كتابه المسمى «لحن العوام»: وليحذر من العمل ~~بمواضع من كتاب «الإحياء» للغزالي، ومن كتاب «النفخ والتسوية» له، وغير ذلك من كتب القوم؛ ~~فإنها إما مدسوسة عليه أو وضعها في أوائل أمره، ms074 ثم رجع عنها كما ذكر في كتابه «المنقذ من ~~الضلال». # وكذلك يحذر من مواضع في كتاب «القوت» لأبي طالب المكي نحو قوله: الله تعالى قوت العالم، ~~ومن مواضع في تفسير «مكي»، ومن مواضع كثيرة في كلام ابن ميسرة الحنبلي.» # ويعدد الشعراني كتبا كثيرة ثم يقول: «وليحذر أيضا من مطالعة كتب الشيخ محيي الدين بن ~~عربي - رضي الله عنه - لعلو مراقيها، ولما فيها من الكلام المدسوس على الشيخ، لا سيما ~~«الفصوص» و«الفتوحات المكية»؛ فقد أخبرني الشيخ أبو طاهر عن شيخه، عن الشيخ بدر الدين بن ~~جماعة، أنه كان يقول: «جميع ما في كتب الشيخ محيي الدين من الأمور المخالفة لكلام العلماء ~~مدسوس عليه، وكذلك كان يقول الشيخ مجد الدين صاحب القاموس».» # 1 # ويوالي الشعراني حملته الكبرى فيقول: «وليحذر أيضا من مطالعة كتب عبد الحق بن سبعين مما ~~يوهم الحلول والاتحاد والتشبيه وأقوال الملحدين، ومنع بعضهم من سماع كلام سيدي عمر بن ~~الفارض في التائية، والجمهور على جواز ذلك مع التأويل.» # ويختم الشعراني تلك الدراسة المؤمنة الصادقة التي يهدف بها إلى حماية العوام وأشباه ~~العوام من صولة التصوف والمتصوفة بقوله: «فهذه عدة نصائح وتحذيرات قد سقتها إليك، فزنها ~~بميزان الشرع، وعليك بمطالعة كتب الشريعة من حديث وتفسير وفقه، والاقتداء بأئمة الدين من ~~الصحابة والتابعين وتابع التابعين ومقلديهم من الفقهاء والمتكلمين، وإياك والاجتماع بهؤلاء ~~الجماعة الذين تظاهروا بطريقة القوم.» # والشعراني وهو يهاجم التفلسف في التصوف، ويرفع الستار عن الدخيل والمدسوس على المتصوفة، ~~لا ينسى أبدا رسالته كصوفي، ولا ينسى أن يكشف الستار عن حقائق العلم الصوفي الصادق الذي ~~صدر عن وجد وحب، أو عن ذوق رفيع، واصطلاح صوفي يدق على من لم يتذوق ألحان القوم ~~ومقاصدهم. # ولهذا فهو يعقب على حملته بدفاع حار عن أقطاب التصوف، وعن كلمات لهم أو اصطلاحات أولها ~~الناس فخرجوا بالتأويل عن مقاصدهم وأهدافهم. # ومن هذا القبيل كلمة حجة الإسلام الغزالي المشهورة: ليس في الإمكان أبدع مما كان، والتي ~~اتخذها ابن تيمية وسيلة لتجريح الغزالي والتهكم به، بدعوى أن ms075 في هذا القول ما يشبه الحجر ~~على قدرة الله في الإبداع المستمر. # يقول الشعراني: كلمة الغزالي كلمة مؤمنة صادقة وإن جهلها خصومه؛ لأن جميع الممكنات أبرزها ~~الله على صورة ما كانت في علمه تعالى القديم، وعلمه القديم لا يقبل الزيادة، وفي القرآن ~~الكريم # أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ~~. # ودافع أيضا عن شيخه الأكبر محيي الدين بن عربي، وأوضح ما يريده من قوله في الفتوحات ~~وغيرها: حدثني قلبي عن ربي، أو حدثني ربي عن قلبي، أو حدثني ربي عن نفسه تعالى بارتفاع ~~الوسائط. # يقول الشعراني: ليس مراده أن الله تعالى كلمه كما كلم الأنبياء - عليهم الصلاة ~~والسلام - وإنما مراده أن الله تعالى يلهمه على لسان ملك الإلهام بتعريف ببعض أحوال، فهو من ~~باب قوله # صلى الله عليه وسلم ~~: «إن يكن في أمتي محدثون فعمر.» # ثم يقول الشعراني: ومما نقل عن القوم قولهم: اللوح المحفوظ هو قلب العارف، ليس مرادهم نفي ~~اللوح المحفوظ، وإنما مرادهم أن قلب العارف إذا انجلى ارتسم فيه كل ما كتب في اللوح المحفوظ ~~نظير المرآة إذا قابلها لوح مكتوب. # وقولهم أيضا: «دخلنا حضرة الله وخرجنا عن حضرة الله، ليس مرادهم بحضرة الله - عز وجل - ~~مكانا خاصا معينا، فإن ذلك ربما يفهم منه التحيز للحق - تعالى الله عن ذلك علوا ~~كبيرا - وإنما مرادهم بالحضرة حيث أطلقوها شهود أحدهم أنه بين يدي الله - عز وجل - فما دام ~~يشهد أنه بين يدي ربه - عز وجل - فهو في حضرته، فإذا حجب خرج عن حضرته تعالى.» وللشعراني في ~~هذا الباب إسهاب وتفصيل لم يسبق إليه. # وبذلك أنصف الشعراني التصوف الصادق بدفاعه الصادق، كما أنصف الحقيقة بهجومه على كل من شطح ~~أو تفلسف فأوهم كلمه ما يخدش الإيمان، أو يتنافى مع حقائق الإحسان. # وكان الشعراني في الموقفين كعهده أبدا على الجادة الواضحة والصراط المستقيم والطريقة ~~الوسطى. # | بين الشعراني وأدعياء التصوف # فساد التصوف في عصره # خضعت مصر لحكم المماليك حقبة طويلة كانت فيها على غير فطرتها ونهجها التاريخي، فمصر منذ ~~فجر التاريخ أمة ms076 مفكرة مؤمنة عابدة، فهي أول أمة اهتدت إلى التوحيد وعبدت الله - جل جلاله - ~~على نوره، وهي أول أمة شيدت للعبادة وللروحانية أضخم وأجل ما عرفت الإنسانية من معابد ~~وهياكل مقدسة. # وإلى مصر لجأت وعاشت وازدهرت اليهودية والمسيحية والإسلامية، وفي مصر عاش موسى وعيسى ~~ويوسف وغيرهم من الأنبياء الذين قص الله سبحانه قصصهم في القرآن، وغيرهم ممن لم ~~يقصص. # فالتاريخ الروحي لمصر تاريخ حافل، بل هو التاريخ الغالب، بل هو سرها التاريخي الذي أمدها ~~دائما بالحيوية والقوة، وإذا فقدت مصر هذا السر يوما فقد فقدت روحها، أو بالتالي فقدت ~~حياتها العزيزة الكريمة. # ثم هبط أرض مصر العنصر القوقازي، هبط أفراده أذلاء أرقاء، وما هي إلا دورة من دورات ~~التاريخ حتى أصبح المماليك سادة مصر وحكامها، وأصبح عرش مصر نهبا لكل واثب بسيف، وصائل ~~برمح، وضارب بسهم. # وأسس المماليك في مصر قوة حربية من أعظم القوى التي عرفها العالم الإسلامي، بل من أعظم ~~القوى في تاريخ العسكرية العالمية. # ولكن المشاعل العلمية والمصابيح الإيمانية التي كانت تضيء لمصر، وتضيء من مصر للعالم، أخذ ~~نورها يخبو في عهد المماليك، بل أخذ نورها يفنى ويتبدد وتخنقه الظلمات، فما كان من المماليك ~~يوما من الأيام رجال فكر أو علم، وما كان لهم طاقة على العلم والفكر، وما كانت تصوراتهم عن ~~الدين إلا تصورات جاهلة حمقاء، انحصرت في دائرة واحدة هي دائرة التعصب الحاد الأحمق للإسلام ~~دون فهم له، أو استنارة بآدابه ونهجه. # وامتد حكم المماليك وطالت أيامه، فأخذت القبضة الفولاذية تضعف، وأخذ التناحر على الحكم ~~بينهم يشتد ويعنف، وغدت مصر مرتعا لأقسى أنواع النهب والسلب، وأشد أنواع الظلم والاستبداد، ~~فلم يعد هناك حصانة لمال أو عرض أو حياة، بل كل شيء للأقوى، ولا شيء أبدا للضعيف ~~العاجز. # وانعزلت مصر عن العالم، وأقيم بينها وبين الحضارات العالمية سدود وقيود، وبعدت مصر عن ~~ينابيع الهدى الإيماني الإسلامي، فقامت دولة الخرافة والأسطورة، وساد العصر الذي يسمى بحق ~~عصر الدراويش، أو دولة الأولياء الكاذبين، وهو العصر الذي لا تزال بقاياه ms077 تشاهد في بعض ~~مواكب رجال الطرق الصوفية التي تذرع ريف مصر بطبولها الساذجة، وأعلامها الممزقة، وأهدافها ~~الأسطورية البدائية. # العصر الذي لا تزال بقاياه تشاهد في تلك المهازل التي تحف بأضرحة الأولياء في القاهرة ~~وعواصم المدن، المهازل التي يسمى أصحابها بالدراويش والمجاذيب، وضاربي الرمل، وكاشفي الغيب، ~~وصانعي المعجزات! # ومن عجب أن الدين الإسلامي - وهو الذي ابتعث البدو الأميين من صحاريهم ليكونوا هداة ~~عالميين في ساحات العلم والحضارة، وما إلى العلم والحضارة، وقوادا فاتحين في ميادين الحرب ~~والجهاد، وما إلى الحرب والجهاد - قد تحول في مصر في أواخر عهد المماليك، أو حوله أصحابه ~~إلى مجموعة ضخمة هائلة من البدع والخرافات والأساطير الذليلة، إلى مجموعة ضخمة هائلة من ~~الغموض والإبهام، والتحلل من الأخلاق، والتمرد على الآداب، والشعوذة السمجة الوقحة. # وتستر الدجالون والمشعوذون والمتحللون وراء التصوف يتخذونه شعارا ودثارا وحماية لهم، ~~وباسم هذا التصوف الزائف ارتكبت أشنع الجرائم ضد الدين، ونهبت الأموال، وهتكت الأعراض، ~~وهدمت الفرائض، وأهدرت الآداب. # وبعد أن كانت علة التصوف في عصور الارتفاع العلمي هي السبحات الفلسفية التي دست عليه، ~~وتسربت إلى مجراه من الفلسفات العالمية المحيطة به، أصبحت علة التصوف هي تلك العامية ~~المتحللة من الأخلاق، المتهالكة على الشهوات، المهدرة لكل المقدسات. # حتى رأينا من يخطب على المنابر عاريا، ويخطب في الناس قائلا: «السلطان ودمياط وباب ~~اللوق وبين الصورين وجامع طولون والحمد لله رب العالمين.» فيحصل للناس بسط عظيم فيما يرويه ~~رجال التاريخ. # 1 # ومن يقرأ ما يزعم أنه قرآن كريم مترنما على طريقة قراءة القرآن: «وما أنتم في تصديق هود ~~بصادقين، ولقد أرسل الله لنا بالمؤتفكات يضربوننا ويأخذون أموالنا، وما لنا من ناصرين.» # 2 # ثم يعقب على ذلك قائلا: «اللهم اجعل ثواب ما قرأناه من الكلام العزيز في صحائف فلان ~~وفلان.» # ويعقب الشعراني على ترجمته قائلا: «ولم أسمع أحدا ينكر عليه شيئا من حاله، بل يعدون ~~رؤيته عيدا عندهم.» # وجاء الشعراني كما يجيء المطر للأرض المجدبة التي يريد الله أن يبعثها ويحييها لينفع بها ~~عباده. # جاء الشعراني في اللحظة ms078 الحاسمة التي يهبها الله - جل جلاله - لخلقه لتكون فاصلا بين ~~عهدين، وفيصلا بين فكرتين، وبداية لصفحة جديدة، وحياة جديدة. # جاء الشعراني فرأى أمة تسبح في الظلمات، ورأى دولة الدراويش، دولة الإقطاع الروحي تمرح في ~~الشهوات، وشاهد مدعي الولاية الكاذبين، ومتزعمي الطرق الصوفية المضللين، وليس فيهم أو بينهم ~~مصباح واحد يرسل شعاعا من نوره ليهدي الحيارى إلى الله. # فأوقف قلمه ولسانه وعقله وحياته على الجهاد الأكبر لتطهير المحراب الصوفي من الدجل ~~والشعوذة، وتحويل التيار الأعظم المندفع إلى الهاوية إلى الجادة المستقيمة الواضحة. # ولم تكن الرسالة هينة، ولم تكن الغاية مأمونة السبل؛ فالطريق شاق مهلك تقوم فيه الأشواك، ~~وتعمره الأهوال، وتغمره الزلازل والمتاعب. # والشعراني لم يكن في مناعة من حياته، بل كانت تنوشه أقلام الفقهاء وألسنتهم؛ فقد جاء ~~مزلزلا لمكانتهم، محطما لصولتهم، وتخدشه أنياب رجال الكلام وأظفارهم، فهو معهم في ~~معركة لم يهدأ أوارها بعد، ويرمقه رجال الحكم والولاة بعين الحذر والغضب، فهو دائما ~~ينازعهم الأمر، منتصرا للضعفاء ومن في حكم الضعفاء من أصحاب الحاجات وما أكثرهم. # والصيحات تأخذه من كل جانب، ولمحترفي التصوف دولة، ولزعمائهم صولة ومكانة شعبية لا ~~تسامى ولا تضارع. # ولكن الشعراني رغم سياسته التي سنعرض لها بعد، ورغم ليونة قلمه في جداله مع الفقهاء، ~~وحواره مع رجال التوحيد والكلام، لم تزلزله الأهوال التي تحف به، بل تقدم إلى المعركة ~~الكبرى عنيفا قاسيا على غير عادته؛ لأنه يعلم علم اليقين أنه ينازل فئة هي أخطر على ~~الإسلام ومقدساته من كل خصم وعدو، تقدم ليحطم الهيكل المدنس على عباده، وليقوض الصرح الظالم ~~على اللائذين به، والملتجئين إليه. # ثم ليبني على الأنقاض صرح الإيمان الصادق، وهيكل التصوف الذي هو قمة الإيمان، وخلاصة ~~الدين، ونوره الوضاء المبين. # وفي سبيل هذه الغاية المقدسة ألف الشعراني كتابه العظيم «المنن»، لا ليتحدث عن نفسه، ولا ~~ليباهي بأخلاقه وأعماله ومقاماته، كما ظن بعض المستشرقين والسائرين تحت ألويتهم من ~~كتابنا المحدثين، ولكن ليضع أمام أدعياء التصوف، وليضع أمام الأمة الإسلامية التي خدعت ~~في هؤلاء الأدعياء المثل العليا ms079 للأخلاق المحمدية، والمثل العليا للآداب الربانية، فقد ~~كان رسول الله - صلوات الله وسلامه عليه - خلقه القرآن، كما تقول السيدة عائشة - رضوان الله ~~عليها - وكل متصوف صادق هو على سنن نبيه العظيم، وعلى هدي رسوله الكريم # لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ~~. # و«المنن» من الناحية الموضعية أعظم كتاب أخلاقي في تاريخ العربية، بل لعله أعظم كتاب ~~للمثاليات الإيمانية الصوفية في تاريخ التعبد الإسلامي. # فلقد رسم الشعراني في كتابه الفذ الخطوط العليا العريضة للآداب الإسلامية من وجدانية ~~ونفسية وعملية، كما رسم الخطوط العريضة الواضحة لما يقابلها من سيئات منحدرة هابطة إلى ~~أسفل، وما يحف بها من شهوات، وما يلوذ بها من أحقاد النفس، ووساوس القلب، وما يعترك في ~~الطبع الإنساني من غل وحسد وشهوات. # فالمنن إذن من الناحية الفنية فيصلا مبينا بين التصوف الصادق الذي يرتكز على الخلق ~~المحمدي، وبين أدعياء التصوف الهابطين بأخلاقهم وأعمالهم إلى ما ينكره الإسلام، ويبرأ منه ~~الإيمان، ولا يرضى عنه الخلق الكريم. # ولا يضير الشعراني أنه عمد في بعض فصول هذا الكتاب إلى ما يشبه الأسلوب العامي، أو الوعظ ~~القصصي؛ فلقد هدف الشعراني منذ خط السطر الأول في هذا الكتاب إلى مخاطبة الجماهير العامة في ~~عصره، وهي الجماهير التي ضللها أدعياء التصوف، وعبث بها الإقطاعيون الروحانيون. # والجماهير العامة في كل الأمم، وفي عصر الشعراني خاصة، لا يصلح لها سوى هذا الأسلوب السهل ~~الرقراق، وسوى هذا اللون من الإرشاد والتوجيه المبين الواضح القريب من القلوب ~~والأرواح. # بل لعل هذا اللون من البيان الذي يشبه الدردشة الكلامية هو الأسلوب الحكيم الذي لا أسلوب ~~سواه يصلح للغاية التي هدف إليها الشعراني، ورسم خطوطها، وحدد أهدافها. # يقول الشعراني في مقدمة هذا الكتاب: «فهذه جملة من النعم والأخلاق التي تفضل الحق تعالى بها علي أوائل دخولي في محبة ~~طريق القوم - رضي الله تعالى عنهم أجمعين - كان الباعث لي على تأليفها ورقمها في ~~هذه الطروس أمورا؛ أحدها: ليقتدي بي إخواني فيها، وكنت آمرهم بالتخلق بها فلا ~~يسمعون، فقال لي يوما جماعة ms080 منهم: هذه الأخلاق التي تأمرنا بها لا نجد أحدا ~~تخلق بها من أهل عصرنا حتى تقتدي به فيها، فاستخرت الله تعالى وأظهرت لهم تخلقي ~~بها، فاتبعوني عليها وما بقي لكم حجة في ترك التخلق بها، فلولا ذلك لربما كان ~~الكتمان لها أولى.» # علم الشعراني أن الأخلاق العالية لا بد أن يكون لها رمز تتمثل فيه؛ لتشاهدها الأعين حية ~~متحركة قائمة بين الناس، وعلم أن أصحابه وأهل عصره لا يمكن أن يتحملوا تلك الثورة الإيمانية ~~التي يبشر بها، ويحمل أعلامها، فرمز لهذه الأخلاق بنفسه. هذه الأخلاق التي قال معاصروه عنها ~~إنهم لم يروا أحدا متخلقا بها. # وليس معنى هذا أن الشعراني كان بعيدا عن هذه الأخلاق، أو كان مدعيا في نسبتها إلى ~~نفسه، ولكننا قصدنا أنه صاغها على نفسه؛ ليكون وقعها في معاصريه أكمل وأتم. # وفي سبيل هذه الغاية العليا أيضا ألف الشعراني كتابه الفريد البديع «لواقح الأنوار ~~القدسية في بيان العهود المحمدية». # والعهود المحمدية التي عناها الشعراني هي خلاصة الدين الرباني، أو صفوة الأخلاق المحمدية، ~~وكل أخلاقه - صلوات الله وسلامه عليه - صفوة. # ولقد وضع الشعراني هذا الكتاب ليظهر الفرق الشاسع بين أخلاق رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وهو المثل ~~الأعلى لكل مسلم، وهو الإمام الأكبر لكل صوفي، وبين أخلاق الشيوخ المتصدرين لقيادة مواكب ~~التصوف الزائف حتى يحصص الحق، وينبلج الصبح المنير، ويتبين كل من ينشد الهدى، هل هؤلاء ~~الشيوخ المتصدرون لقيادة التصوف أدعياء جهلة أم مؤمنون بررة؟ # يقول الشعراني في مقدمة هذا الكتاب: «هذا كتاب نفيس لم يسبقني أحد إلى وضع مثاله، ولا أظن أحدا نسج على منواله، ضمنته ~~جميع العهود التي بلغتني عن رسول الله من فعل المأمورات وترك المنهيات. # وكان الباعث لي على تأليفه ما رأيته من كثرة تفتيش الإخوان على ما نقص من دنياهم، ~~ولم أر أحدا منهم يفتش على ما نقص من أمور دينه إلا قليلا، فأخذتني الغيرة ~~الإيمانية عليهم وعلى دينهم، فوضعت لهم هذا الكتاب المنبه لكل إنسان على ما نقص ~~من أمور دينه، ms081 فمن أراد من الإخوان أن يعرف ما ذهب من دينه؛ فلينظر في أي عهد ذكرته ~~له في هذا الكتاب، ويتأمل نفسه ، يعرف يقينا ما أخل به من أحكام دينه؛ فيأخذ في ~~التدارك أو الندم والاستغفار. # ثم اعلم يا أخي أن طريق العمل بالكتاب والسنة قد توعرت في هذا الزمان، وعز ~~سالكها، لأمور عرضت في الطريق يطول شرحها، حتى صار الإنسان يرى الأخلاق المحمدية ~~فلا يقدر على الوصول إلى التخلق بشيء منها؛ فلذلك كنت أقول في غالب عهود الكتاب. ~~وهذا العهد يحتاج من يعمل به إلى شيخ يسلك به الطريق، ويزيل من طريقه ~~الموانع.» # وفي سبيل الغاية التي رسمها الشعراني، وهي الثورة على أدعياء التصوف، ورسم المثل العليا ~~للتصوف الصادق القائم على الكتاب والسنة، ألف كتابه الصوفي الرائع «الأنوار القدسية في ~~بيان آداب العبودية»، خصصه لتوضيح المناهج الصوفية النقية، والصلات التي تربط الشيخ بالمريد ~~والمريد بالشيخ، والآداب الواجبة على كل منهما، كما شرح فيه معاني الإلهام الصوفي، ودقائق ~~ورقائق الطريق الرباني، وما فيه من أنوار، وما تتطلبه تلك الأنوار من آداب وأخلاق؛ لأن ~~النور ثمرة الخلق، والإلهام ثمرة العبادة الصادقة والطاعة المؤمنة. # يقول الشعراني في مقدمة هذا الكتاب: «وقد سألني بعض الفقراء «الصوفية» من الإخوان - نفع الله بهم - أن أملي جملة من ~~آداب العبودية، آداب الفقراء عموما وخصوصا، وما يدخل على كل طائفة من الدسائس في ~~مقاصدهم؛ لأن الشيطان لهم بالمرصاد، ولا ينجو منه إلا القليل من عباد الله.» # ولم نذكر هذه الكتب الثلاثة على سبيل الحصر، وإنما ذكرناها على سبيل الرمز والمثال، ~~فالحقيقة أن كل كتب الشعراني التي أربت على المائة لم تخل من هذا التوجيه، ولم تخل من هذا ~~اللون من التوضيح والإرشاد. # هذا هو جانب البناء في صراع الشعراني مع أدعياء التصوف. أما الجانب الآخر فهو الصراع ~~العنيف المر، والمعركة القاسية التي خاض الشعراني غمارها في وجه العاصفة، ويا لها من ~~عاصفة! # فقد روت لنا كتب المناقب أن مصر حفلت في عصر الشعراني بطوائف من الدراويش يخطئهم العدد، ms082 ~~واكتظت الشوارع والطرق بمواكبهم، والبيوت بولائمهم، والزوايا والمساجد باجتماعاتهم، وانتشر ~~الشيوخ والأتباع في الريف والحضر، وتغلغلوا في المدن والقرى، وامتد سلطانهم إلى كافة طوائف ~~الشعب، وأضحى المتصوفة فوق القانون، وفوق العرف، وفوق الدين، واقتسموا بينهم مناطق مصر، ~~فاستولى كل ولي على مساحة من الأرض يتصرف في أهلها، ويستغل مواردها. # وكان على الشعب أن يكفلهم ويقوم بحاجتهم، وينظم لهم الموالد والولائم، وقد كان من أظهر ~~مميزات التصوف في هذا العصر تحوله من ظاهرة وجدانية فردية إلى ظاهرة اجتماعية، تتمثل في ~~حياة أتباعه في رحاب الزوايا والتكايا، حيث يعيشون مع زوجاتهم من فيض الأوقاف الضخمة التي ~~تحبس عليهم، والأرزاق التي تجري من أجلهم، وكانت هذه العطايا من الكثرة بحيث أحالت زهدهم ~~رخاء، وتقشفهم ترفا، وكان المتصوف إذا خرج إلى الشارع، أو سار في الأسواق تهافت عليه ~~الناس، وتكاثر حوله عديدهم، وسدوا طريقه، وانهالوا على يديه وقدميه تقبيلا ولثما؛ تقربا ~~إلى الله وزلفى ... # 3 # ويروي لنا الشعراني من أخلاق هذه الطائفة القوية السائدة عجبا أي عجب، لا نكاد نتصوره في ~~عهدنا مع أنه كان اللون الغالب السائد في عصر الشعراني في دولة المجاذيب والدراويش. # كان الجهل الفاضح، والتحلل الشائن من الدين، بل التمرد على الدين هو طابع الشيخ والمريد ~~في هذا العصر. # يروي لنا الشعراني في معرض الحديث عن جهالة مشايخ الأحمدية والبرهامية في عصره، أنه سأل ~~واحدا منهم عن قواعد الإيمان فقال: لا أدري، فسأله عن فرائض الوضوء، فقال: لا أدري! فسأله ~~عن شروط الصلاة، فقال: لا أدري! # ويقول الشعراني معلقا على هذا: «مع أنه شيخ كبير في زاوية يأخذ العهد ويتصدر الوعظ.» # 4 # ويحدثنا الشعراني عن شيخ كبير من هؤلاء الشيوخ جاء لزيارة الشعراني، فسأله الشعراني عن ~~بعض مسائل في الدين، فصرح مفاخرا بأنه لم يقرأ في العلم شيئا؛ لأنه يحتقر العلم، ولا يعرف ~~عن شروط الصلاة والوضوء كثيرا ولا قليلا؛ لأنه فوق العبادات. # 5 # ويروي لنا المناوي في طبقاته الكبرى أن زعامة التصوف قد آلت بعد الفتح العثماني إلى رجلين ms083 ~~يمثلان المعسكرين: معسكر التصوف العلمي الرباني، ومعسكر الأدعياء الجهلة، هما: الشعراني، ~~ومحمد كريم الخلوتي. # ثم يقص علينا المناوي قصة اللقاء بين الرجلين الزعيمين. # قال المناوي: «سأل الشعراني الخلوتي عن مسألة في الوضوء، فأعلن هذا جهله بها رغم زعامته، ورغم ~~ما أصاب من شهرة بين الناس والأمراء، فقال له الشعراني: إنك لا تصير صوفيا بغير ~~علم، فقال الخلوتي: علمني، فشرع الشعراني في تعليمه، ثم زاره مرة ثانية ليواصل ~~تعليمه، فأغلق هذا باب زاويته في وجهه، فعاد مرة ثالثة عسى أن يتمكن من تعليمه، ~~فأساء الخلوتي استقباله وأغلق الباب في وجهه، وقال لمريديه ساخرا: إن الشيخ ~~الشعراني طلب أن يجعلني فقيها وأنا صوفي، قال الشعراني: ففهمت من كلامه أنه اعتقد ~~أني دعوته إلى أمر فيه نقص. وقد أخذ الخلوتي ومريدوه يهزءون بالشعراني ويقولون: إنه ~~يريد أن يجعلنا فقهاء مثله.» # 6 # ويصف لنا الأستاذ «إدوار لين»، الذي زار مصر بعد انقضاء العصر العثماني بنيف وعشرين ~~عاما، في كتابه القيم عن مصر خلال هذا العهد، زعماء التصوف في هذا العصر وصفا عجبا، يقول: «ومعظم الأولياء المعروفين في مصر مجانين أو مخابيل أو دجالون، يسير بعضهم في ~~الشوارع عاريا كامل العري، فيلقى من الناس كل الاحترام والتوقير، حتى إن النساء لا ~~يتجنبن الاتصال بهم، بل يؤذن لهؤلاء الجبناء أحيانا بأن يكونوا معهن على قارعة ~~الطريق أحرارا كاملي الحرية، ولا يعتبر هذا في عرف الطبقة الدنيا من الشعب معرة ~~ولا منقصة، بل هم يؤولون ما يشاهدون، وما أعجب تأويلهم!» # 7 # هذا موقف الشيوخ والزعماء. أما موقف المريدين والأتباع فيكفي أن نقول: إن أحدهم احتاج إلى ~~المال في تزويج ابنة له، فمضى إلى أحد التجار ملتمسا قرضا في نظير رهينة من شعر أخذه من ~~رأس شيخه، فقال له التاجر ساخرا متهكما: لو أعطيتني إردبا من شعر شيخك ما أخذته ~~بدانق. # ولم يحزن المريد لحرمانه من المال، بل كان حزنه الأكبر لسخرية الناس من شعر شيخه المقدس ~~الذي لا يقدر بمال! # رأى الشعراني ذلك البلاء المحيط بالأمة الإسلامية ms084 في مصر، فسدد قلمه وأرسل لسانه في ثورة ~~ملتهبة وحملة صادقة تجتث أصول هذا البلاء، وتحطم صرح هذا البهتان. # وأخذ الشعراني ينقض دعاوى تلك الطوائف متعقبا لخطاها، مترصدا لحركاتها، مدللا بالآيات ~~الكريمة والأحاديث الشريفة على مروقهم من الدين، وبراءتهم من الإيمان. # وأفتى الشعراني فيما أفتى بأن الأحمدية والرفاعية والبسطامية والأدهمية والمسلمية ~~والدسوقية في عهده خارجون على شريعة الله؛ لأن أفعالهم يكذبها طريق شيوخهم السابقين، كما ~~يكذبها الكتاب والسنة، وهما أصل الإسلام وبرهانه المبين. # وتعقب الشعراني شيوخ عهده شيخا فشيخا، مظهرا جهلهم بل كفرهم وسوء أدبهم، وأنهم أضل من ~~الأنعام، وأن طريق التصوف - وهو الطهارة الكاملة والزهد الشامل - قد أصبح على أيديهم طريقا ~~إلى الشحاذة والتسول، وهان حتى في أعين الطغام كما يقول. # ثم وضع الشعراني رسالته «ردع الفقراء عن دعوى الولاية الكبرى»، فكانت السهم الأكبر، هاجم ~~بها مدعي الولاية زورا وبهتانا، ومحترفي التصوف كذبا ونفاقا، قائلا: إنهم يقنعون بلبس ~~الزي، فإن سألت شيخا منهم عن قواعد الإيمان قال: لا أدري، أو فرائض الوضوء قال: لا أدري، ~~ولا يعترف الإسلام بإسلام من يجهل قواعد دينه، فضلا عن أن يكون شيخا أو مرشدا. # وألف الشعراني كتبه الكبرى: تنبيه المغترين، والمنن الكبرى، والعهود المحمدية، والأنوار ~~القدسية، وقواعد الصوفية؛ ليجلو الأخلاق الصوفية المثالية التي عرفها التصوف الصادق، وليظهر ~~الفرق البعيد بينه وبين مواكب المتصوفين المرتزقة الزائفين، الذين لعنوا أينما ثقفوا، ~~وباءوا بغضب من الله وبراءة من الرسول. # | موقف الشعراني من المتصوفة العاطلين # وقد جر هذا اللون من التصوف الكاذب على الحياة الاجتماعية في مصر نكبات نالت من ~~اقتصادياتها وعزائم بنيها، وأثرت في مكانتها الدولية. # فلقد كانت البطالة والتعطل من المبادئ العامة المحترمة المعترف بها في بيئات متصوفة هذا ~~العصر. # فكل من تزيا بزي المتصوفة ترك العمل وانقطع إلى الزاوية أو التكية الخاصة بشيخه، ورأى ~~أن من حقه على الناس أن يطعموه، وأن يقوموا بمعاشه، بل وبمعاش أسرته أيضا. # وقبلت الجماهير المصرية من هؤلاء الدراويش هذا الوضع، بل اعتبروا تقديم الطعام والملبس، ~~وما إلى الطعام ms085 والملبس، إليهم واجبا يحتمه الدين عليهم. # وللكسب والعمل في الإسلام مكانة لا يضارعها إلا الجهاد في سبيل الله. مر على النبي - ~~صلوات الله وسلامه عليه - رجل ، فرأى أصحاب الرسول من جلده ونشاطه في الكسب والارتزاق ما ~~جعلهم يتحدثون فيه قالوا: يا رسول الله، لو كان هذا في سبيل الله، فقال صلوات الله عليه: ~~«إن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على ولده صغارا ~~فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين كبيرين فهو في سبيل الله.» # وعاد بعض صحابة رسول الله - صلوات الله وسلامه عليه - من سفر، فأخذوا يحدثون الرسول عن ~~رجل كان معهم كثير العبادة، كثير الصلاة، كثير الصوم، متفرغا أبدا لتقواه، فقال لهم ~~النبي: من كان يقوم به في معيشته؟ قالوا: أخوه، قال: أخوه أعبد منه. # ذلك هو منطق الإسلام، ولكن أدعياء التصوف أبدلوه ونقضوه كما أبدلوا ونقضوا كل عرى ~~الإسلام. # وأدرك الشعراني خطورة هذا الأمر على الفكرة الإسلامية، وعلى الناحية الاقتصادية في الأمة ~~الإسلامية، فخصص جانبا كبيرا من حملته على أدعياء التصوف لتلك النقطة الخطيرة. # دعا الشعراني إلى الجمع بين العبادة والعمل باعتبارهما دعامة الحياة، وساق الأدلة ~~التاريخية على حرص كبار الصالحين من أهل التصوف على تجنب العيش على صدقات ~~المحسنين. # وفضل الشعراني الصناع على العباد؛ لأن هؤلاء يساهمون في نفع الناس بينما العبادة يقتصر ~~نفعها على صاحبها، وكان يقول: ما أجمل أن يجعل الخياط مثلا إبرته سبحته، وأن يجعل النجار ~~منشاره سبحته! ذلك هو التسبيح النافع المقبول. # بل لقد آثر الشعراني في دعوته حياة البدن على حياة الروح؛ لأن هذه قد تفرعت عن حياة ~~الجسم، وهي تتأثر بما يعتريه من وجوه العسر واليسر؛ حتى ليفضي الضنك إلى تشتت الفكر وبلبلة ~~الخاطر؛ ولذلك كان أبو حنيفة يقول: لا تستشر من ليس في بيته دقيق. # ويصرح الشعراني بأن ترك الكسب بالعمل المشروع والتماس الرزق عند المحسنين كدأب متصوفة ~~عصره جهل بمقام التوكل الصحيح. # 1 # ومن الجهالة - كما يقول ms086 الشعراني - ذم الدنيا إطلاقا، وآفة الدنيا النساء والمال ~~والجاه والولد، ولكن الكامل لا يهرب من هذه الآفات، بل يستوعب حبها جميعا؛ لأن دنيا العارف ~~في يده وليست في قلبه. # ومن هنا كان النكاح - كما يقول الشعراني - عبادة، بل النكاح عنده أعظم النوافل التي تدني ~~الإنسان من ربه، وتهيئه لتلقي العلم اللدني. # والزهد عند الكمل - كما يقول الشعراني - لا يكون عن خلو اليد من متاع الدنيا، وإنما يكون ~~بخلو القلب مع امتلاء اليد، وكمال المقام في زهد القلب لا يتحقق بغير الزهد فيما يملك ~~الإنسان التصرف فيه من غير مانع. أما الزهد مع خلو اليد، فربما كان مصدره الإملاق؛ ولهذا ~~قيل شرط الداعي إلى الله ألا يكون كامل التجرد من دنياه. # وهذا بالإضافة إلى أن مثل هذا الإملاق يحوج صاحبه إلى سؤال الناس بالحال أو بالمقال، ~~وبهذا يهون في نفوسهم أمره، ويضعف عندهم تأثير تعاليمه، وعلى الضد من ذلك إن كان صاحب مال ~~يفيض عن حياته، فينفق منه على مريديه وغيرهم من المحتاجين. # 2 # وتلك رحابة أفق من الشعراني في فهم الدنيا، وتصور رسالة العابد الزاهد فيها قلما نجد لها ~~مثيلا في تفكير رجال الدين. # ذلك موقف الشعراني من أدعياء التصوف، وليس معنى هذا أن هؤلاء الأدعياء وهم قوة ضخمة فعالة ~~في المجتمع المصري قد استكانوا لحملة الشعراني، وألقوا السلاح أمامها بغير حرب ولا ~~قتال. # لقد هاجموا الشعراني بكل سلاح، واعتدوا عليه، وتربصوا به الدوائر، وملئوا الدنيا هتافا ~~وصياحا بالتشهير به، والحملة عليه، بل أرصدوا له من يقتله غيلة وغدرا. # وقد أشار المناوي والشبلي إلى التعاون الذي قام سرا بين هؤلاء المتصوفة وبين الفقهاء ضد ~~الشعراني، في مؤامرة الأزهر الكبرى، التي اتهم فيها الشعراني بالكفر، كما سيأتي بيانه عند ~~الحديث عن صراعه مع الفقهاء. # ولقد تحطمت حملات أدعياء التصوف على الشعراني؛ لأنها صادفت لدى الشعراني قوة إيمانية لا ~~تغالب، وقوة علمية لا تصاول، وقوة نفسية لا تسمو إليها الأحداث، حتى ليهتف الشعراني ~~واثقا بنفسه: «اللهم افضحنا ولا تسترنا حتى يتميز الخبيث ms087 من الطيب.» وهي كلمة لا يجرؤ على ~~قولها إلا رجل أي رجل. # رجل يعلم ما هو عمله، وما هي مكانته. وإنه عمل لا تلحق به الشوائب، وإنها مكانة لا تدنو ~~منها الشبهات. # بينما أدت حملة الشعراني إلى القضاء على نفوذ هؤلاء الشيوخ الجهلة الأدعياء، كما أثمرت ~~حركة صوفية صالحة صادقة عالمة مبصرة. # حركة تصفها كتب التاريخ والمناقب بأنها عادت بالتصوف إلى عصوره الأولى، إيمانا وزهدا، ~~ومعرفة وعلما ونورا يرشد المسلمين إلى أنبل ما في الحياة من أخلاقيات ومثاليات. # وحسب الشعراني هذه الرسالة وحدها، فبمثلها يخلد العلماء المجاهدون مع أنها كانت جزءا ~~من حياته، ولم تكن كل رسالته. # | الشعراني وفقهاء الأزهر # الصراع بين الفقه والتصوف # الفقه والتصوف صورتان من صور النشاط العلمي في التفكير الإسلامي، ووجهان من أوجه ~~التشريع والأخلاق في المجال الروحي للرسالة المحمدية، ومع هذا فالخصومة بينهما تقليدية ~~تاريخية منذ عرف الناس التصوف والفقه. # ولقد كان الفقيه في صدر الإسلام هو النموذج الكامل للرجل الكامل في الإسلام، كان ~~الفقيه هو العابد الزاهد المجاهد، المجاهر بكلمة الحق، القائم على الجادة يرشد الناس ~~بعلمه وعمله، ويأخذهم بأيديهم إلى ما يرضي الله، وإلى ما شرع الله، وإلى ما فيه خير ~~الأمة الإسلامية، والمجموعة البشرية كافة، وبذلك كان الفقيه والصوفي شيئا واحدا، وكان ~~التصوف والفقه اسمين لعلم مشترك. # كان الفقيه هكذا يوم كان الفقه هو روح الإسلام وجوهر الرسالة المحمدية، يوم كان الفقه ~~تشريعا وخلقا، وعلما وعملا، يوم كان الفقه لا يعرف الحيل الشرعية ولا التفريعات ~~الافتراضية الشاذة، ولا ألاعيب الألفاظ التي تقتنص الرخص، وتستهدف الغلبة في ميادين ~~الجدل والحوار. # ثم أخذ الفقه الذي نعرفه اليوم يتكون شيئا فشيئا، بل أخذ يبتعد شيئا فشيئا عن ~~أخلاقياته ومثالياته وصفائه الأول، وأخذت ملامحه تتبدل وتتغير وتتلون بألوان الثقافات ~~التي تسربت إليه، وتقنعت به، وتسترت وراء تشريعاته. # فغدا الفقه علما أكثر منه عملا، وأصبح كتابا للعقول أكثر منه مادة وتوجيها ~~للقلوب، بل أصبح وسيلة للحياة، وسلما لمناصبها وزخرفها. # وبذلك خلع الفقيه أردية العباد ليرتدي أزياء رجال ms088 القانون، وترك محاريب التقوى ~~ليحتل مناصب الدنيا، وأعرض عن الأخلاقيات والمثاليات ليسبح مع السابحين، وليثب مع ~~الواثبين إلى لمع الجاه ومتاع الحياة، وما تزخر به الدنيا من مفاتن ومباهج. # ومن هنا انفصل الفقه عن التصوف، أو انفصل المتصوفة عن الفقهاء، واختلفا طريقا ~~ونهجا، وغاية وهدفا. # يقول ابن خلدون في مقدمته متحدثا عن نشأة التصوف وعن سمات أصحابه: «وأصله أن طريقة هؤلاء القوم لم تزل عند سلف الأمة وكبارها من الصحابة ~~والتابعين ومن بعدهم، طريقة الحق والهداية، وأصلها العكوف على العبادة، ~~والانقطاع إلى الله تعالى، والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها، والزهد فيما يقبل ~~عليه الجمهور من لذة ومال وجاه، وكان ذلك عاما في الصحابة والسلف، ولما نشأ ~~الإقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده، وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا، ~~اختص المقبلون على الله باسم الصوفية.» # اختص المتصوفة - بشهادة الكاتب الكبير ابن خلدون - بالأخلاق الإسلامية التي كان عليها ~~الصحابة - رضوان الله عليهم - وبالإقبال على الله، والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها، ~~والزهد فيما يتنافس فيه الناس، بل فيما يتقاتل عليه القطيع العام من البشرية. # واختص المتصوفة أيضا بأنهم ربطوا بين العلم والعمل؛ فالفقيه عندهم هو العالم العابد، ~~هو الذي ينبع إيمانه من قلبه لا من عقله، هو الذي يطابق عمله علمه؛ لأن العقيدة هي ~~العمل، ولأن التعبد شرط العلم الديني. # كما امتاز المتصوفة بابتعادهم عن الجدليات اللفظية، والتفريعات الافتراضية التي تباعد ~~بين المسلم وجوهر دينه، والتي تشغل العقل الإسلامي عن واجبه الأول، وهدفه الأسمى، ~~واعتبروها سفسطة دخيلة على الإسلام، بعيدة عن روحه الفطرية السليمة، أولى منها ثم أولى ~~الاشتغال بما يطهر القلب، ويزكي الجوارح، ويلهم الروح طاعة الله والعمل على ~~رضاه. # وعلى ضوء هذه العقيدة آمن المتصوفة بأن رجال الفقه المتأخرين أو أكثرهم انحرفوا عن ~~مناهجه الإسلامية، ولم يقوموا بجوانبه التعبدية والأخلاقية، فغدوا رجال قانون وتشريع لا ~~رجال عقيدة ودين. # عن عمران القصير قال: سألت الحسن البصري عن شيء فقلت: إن الفقهاء يقولون كذا وكذا، ~~فقال: وهل رأيت فقيها بعينك، إنما الفقيه ms089 الزاهد في الدنيا، البصير بدينه، المداوم على ~~عبادة ربه - عز وجل. # وكان أبو طالب المكي يقول: «علماء الدنيا - أي الفقهاء - قعدوا على طريق الآخرة، فلا ~~هم نفذوا ولا تركوا العباد يسلكون إلى الله - عز وجل. وكان يشبههم بالقبور ظاهرها ~~عامر، وباطنها عظام الموتى.» # 1 # وكان الغزالي وهو الفقيه الأصولي الكبير يقول: «صارت كلمة الفقه إلى تفريقات الطلاق، وصور الإيمان والعتق المفروضة ووجوه ~~السلم، وغير ذلك مما لا يحصل به إنذار ولا تخويف، مما كان التجرد له والإكثار ~~منه وحفظ المقالات المتعلقة به يقسي القلب وينزع الخشية منه، صارت إلى هذا بعد ~~أن كانت عنوانا على معرفة دقائق النفس ومفسدات الأعمال، وقوة الإحاطة بحقارة ~~الدنيا، وشدة التطلع إلى نعيم الآخرة مع امتلاء القلب بخوف الله ورجائه.» # وكان أبو العباس يقول: شاركنا الفقهاء فيما هم فيه من علم، ولم يشاركونا فيما نحن فيه ~~من عبادة وأخلاق. # ورجال الفقه من ناحيتهم نظروا فرءوا أن التصوف كلمة عامة غير محددة بالحدود التي تتحد ~~بها العلوم، وأن المحراب الصوفي قد امتلأ بطوائف شتى من بينها الدخيل والأصيل. # كما شاهدوا بأعين فزعة جزعة المتصوفة وهم يكونون لأنفسهم علوما ومعارف من إلهامات ~~الروح ومعارج القلوب، وأنهم قد ابتدعوا فنونا في المحبة الإلهية وما تحتوي عليه هذه ~~المحبة من وجد وشوق، وجذب وفناء، وسر وأسرار، ومبتكرين أيضا ألوانا أخلاقية في الذكر ~~والخلوة والمناجاة، ومثاليات تطوف حول عبادات أوجبوها على أنفسهم فوق الفرائض والنوافل، ~~مقيمين من ذلك كله دستورا ضخما يدور حول أمراض القلب وأدويتها، وخفايا النفوس ~~ووساوسها، ومجالات الروح وإلهاماتها. # وكل هذا بدا في نظر الفقهاء - أو في نظر أكثرهم - ابتداعا في الدين، وانحرافا عن ~~الحياة المثلى، وتمردا على ما اصطلحت عليه العقول في بناء الحياة الدنيا، وأخطر من ~~هذا المظهر الدنيوي بينهما؛ فقد آمن رجال الفقه بأنهم وحدهم سادة الجماهير، وأنهم وحدهم ~~سدنة الدين، وحراس نبعه المقدس، وليس لغيرهم أن يرتدي ثوب الدين وقداسة هذا الثوب، وليس ~~لغيرهم أن يقول في الدين برأي، أو يلقي في مشكلاته ms090 بدليل أو حجة. # ومع إيمان الفقهاء بهذا فقد انتزع المتصوفة الجماهير من قبضة الفقهاء وتزعموها دونهم، ~~واحتفظوا بهذه الزعامة على التاريخ رغم ما بذل في سبيل هدمها وزلزلتها. # وكان هذا وحده كفيلا بأن يذكي نار الخصومة، وأن يلهب الحقد في قلوب الفقهاء ~~فيعلنوها حربا قاسية على التصوف والمتصوفة، حربا استغلت فيها كافة الأسلحة من ~~التكفير؛ كما حدث في محنة التصوف الكبرى التي تعرف في التاريخ «بمحنة غلام الخليل»، ~~حيث قدم للموت أبو علي الدقاق وأبو الحسين النوري وغيرهما من أئمة التصوف باسم الكفر ~~والزندقة. # إلى الدس الرخيص لدى الأمراء والملوك بدعوى حماية العرش، وتدبير المؤامرات؛ كما حدث ~~في مأساة الحلاج ونكبة السهروردي. # إلى القتل الغيلة في جنح الظلام؛ كما حدث للمناوي، تلميذ الشعراني الأكبر وصاحب ~~«الكواكب الدرية في طبقات الصوفية». # ورغم تلك الخصومة الحادة التي حملها جمهرة الفقهاء للتصوف والمتصوفة، كان أئمة الفقه ~~جميعا من المتصوفة خلقا وعملا وحبا بلا استثناء، مما يحملنا على الاعتقاد بأن أساس ~~الخصومة دنيويا لا دينيا. # كان أبو حنيفة فقيها صوفيا، وكان الشافعي يرسل دقائق المسائل الفقهية إلى أبي حمزة ~~الصوفي ويقول: علمنا يا صوفي، وكان يقول: استفدت من الصوفية طول صحبتي لهم سنين ~~قولهم: الوقت سيف إن لم تقطعه قطعك، وقولهم: إن لم تشغل نفسك بالخير شغلتك ~~بالشر. # وكان أحمد بن حنبل يتنسك تنسكا صوفيا، ويأمر ابنه بملازمة الصوفية؛ ليصفو له دينه، ~~وقد سئل: من الناس؟ فقال: العلماء، ومن الملوك؟ فقال: الصوفية، ومن السفلة؟ فقال: ~~الذين يعيشون بدينهم. # وكذلك كان مالك والليث بن سعد وسفيان الثوري، حتى إن المتصوفة قد أرخوا لهؤلاء ~~جميعا في طبقاتهم باعتبارهم من أئمة التصوف ورجاله الأول. # وكذلك كان كبار المتصوفة فقهاء علماء أرخ لهم الفقهاء في طبقاتهم، على اعتبارهم من ~~السادة الفقهاء رجال التشريع؛ كالجنيد، والحسن البصري، ومحيي الدين بن عربي، والغزالي، ~~والشعراني. # فالحقيقة التي تعلو على خصومات التاريخ أن التصوف والفقه توءمان متلاصقان، لا يعيش ~~أحدهما بغير الآخر، ووجهان لفكرة واحدة هي الإسلام، الذي لا تكمل معانيه تشريعا ms091 وخلقا ~~وروحا وجسدا إلا باتحادهما، حتى ليقول أحمد بن حنبل: من تصوف ولم يتفقه فقد تفسق، ومن ~~تفقه ولم يتصوف فقد تزندق، ومن جمع بينهما فقد تحقق. # ويقول الأستاذ آدم متز في كتابه «الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري»: «رغم خصومة المتصوفة والفقهاء نجد بين العلماء؛ كالشافعية مثلا، كثيرا من ~~الصوفية، وهذه حقيقة واقعة. ولقد كانت علوم الصوفية الدينية أهم العلوم وأكثرها ~~نجاحا؛ فقد كانت هي الحركة العلمية التي ضمت أعظم القوى الدينية في ذلك ~~العهد.» # ثم يقول: «والحركة الصوفية في القرنين الثالث والرابع أوجدت في الإسلام ثلاثة مبادئ ~~أثرت فيه تأثيرا كبيرا؛ وهي: ثقة وطيدة كاملة بالله تعالى، والاعتقاد ~~بالأولياء، وإجلال النبي محمد # صلى الله عليه وسلم ~~. ولا تزال هذه المبادئ الثلاثة أهم ~~العوامل وأقواها تأثيرا في الحياة الإسلامية، ولعل هذا التفوق الذي ظفرت به ~~المبادئ الصوفية هو سر خصومة العلماء للمتصوفة.» # ويقول الشعراني في المنن: «واعلم يا أخي أن غالب الإنكار الذي يقع بين الفقهاء والمتصوفة إنما هو من ~~القاصر من كل منهما، وإلا فالكامل من الفقهاء يسلم للعارفين، والعارفون يسلمون ~~للفقهاء؛ لأن الشريعة جاءت على مرتبتين، تخفيف وتشديد، ولكل من المرتبتين رجال ~~في حال مباشرتهم للأعمال، فمن قوي منهم خوطب بالتشديد، ومن ضعف خوطب بالتخفيف ~~والأخذ بالرخص؛ فكما أن موسى - عليه السلام - كان على هدى من الله، فكذلك الخضر ~~- عليه السلام - ولهذا سلم موسى للخضر آخر الأمر لما علم أن للشريعة مرتبتين: ~~مرتبة خاصة بعامة الناس، ومرتبة خاصة بالعارفين، ولا اختلاف في الجوهر ~~بينهما.» # | فقهاء عصر الشعراني # سر الخصومة إذن بين الفقه والتصوف - كما يقول المستشرق آدم متز - هو التنافس على النجاح ~~بين الجماهير، أو كما يقول الشعراني: «إن الجهل هو الذي يحرك الخصومة.» # والجهل والصراع على الدنيا كانا طابع الفقهاء أو أكثرهم في عصر الشعراني؛ ولهذا واجه ~~الشعراني أكبر المعارك التي عرفها التاريخ بين الفقهاء والمتصوفة. # جاء الشعراني والأزهر في عصر من عصور جموده وانحداره؛ فقد خبت تلك الشعلة المتقدة التي ~~ظلت تضيء في الأزهر قرونا ms092 متعاقبة، وانطفأت المصابيح التي كان الأزهر يفخر بها ويباهي، ~~والتي كان السمع والبصر للعالم الإسلامي. # جاء الشعراني والأزهر يعيش داخل كتب الشروح والحواشي التي ألفت في عصور الجمود الفكري ~~والبلادة الذهنية، ويقتات على موائد هذا الماضي من غير أن يكون له تفكير أو رأي، أو ما يشبه ~~التفكير والرأي. # كان العصر الذي يظل الأزهر هو عصر الشروح والحواشي التي لا تنتهي إلى غاية، ولا تهدف ~~إلى فكرة محددة، فكان العلماء يتناولون المتن الذي وضع من قبل، فيضيفون له الشروح ~~والتعليقات، ثم يأتي بعدهم من يتولى شروحهم بالشرح والتعليق وهكذا، حتى يخرج الكتاب عن ~~موضوعه، بل كثيرا ما تحولت الشروح والحواشي إلى موضوعات لا تمت إلى الأصل بسبب، بل لا تمت ~~إلى العلم بنسب. # ولهذا ساد الأزهر ركود علمي لم يعرفه من قبل، وتحول الأزهر إلى مدرسة للفلسفة والجدل حول ~~تفريعات وافتراضات فقهية أبعد ما تكون عن جوهر الفقه وروحه. # وبذلك قضى الفقهاء على الروح الإسلامي الذي قام في الأزهر لإعلاء كلمته، واكتفوا بالشرح ~~والإعراب، ودراسة أوجه القراءات القرآنية، وحيل الفقهاء الشرعية. # وجاء الشعراني - وهو ليس منهم - يقرع أسماعهم بالقارعة الكبرى، ويهاجمهم في جمودهم ~~المقدس، ويزلزل مآذن الأزهر فوق رءوسهم، ويؤلب الجماهير عليهم، ويدفعها إلى نقدهم، والخروج ~~من سلطانهم، ناعيا عليهم ابتعادهم عن الأخلاق الدينية، فضلا عن العلم، وتخليهم عن فضائل ~~النفس وطهارة القلب، مذكرا إياهم بالآية القرآنية: # مثل الذين ~~حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل ~~أسفارا ~~. # ثم يقارن الشعراني بين طريقتهم في العلم وبين طريقة التصوف، وبين موقفهم من القرآن الكريم ~~وموقف المتصوفة، فيقول: «فالمتصوفة علموا أن المراد من العلم وتلاوة القرآن الاتعاظ والزجر ~~والتخويف، وأنهم يسألون عن كل مسألة علموها ولم يعملوا بها. # ولذلك كان أهل الله غائبين عما يقصده غالب القراء بقراءتهم؛ لما هم فيه من الخشوع عند ~~التلاوة، فلم يبق متسع لسواه، فلم يشغلوا أنفسهم بالقراءات والاختلاف فيها؛ لأن فيها يضيع ~~العمر، والاتعاظ يحصل برواية أبي عمرو مثلا، ولم يقدر أحد من السلف أن يقرأ ms093 بجميع هذه ~~الروايات. # فرقة تمد، وفرقة تفخم، وفرقة ترقق، وغير ذلك من وجوه الأداء الذي برع فيه رجال ~~الأزهر. # بل كانوا علماء لله، وبالله عاملين صائمين قائمين زاهدين خائفين ، فلم يكونوا مقتصرين على ~~حفظ المسائل فقط، بل كانوا عاملين بها. # لم يصرفوا حياتهم في علم القراءات ووجوهها، وإنما اتجهوا بقلوبهم إلى ما في القرآن من ~~مواعظ وتهديدات وتخويفات وآيات بينات.» # ويضرب الشعراني لذلك مثلا فيقول: «كالذي أرسل إليه السلطان كتابا يأمره وينهاه بأمور ~~كثيرة، فأخذه وقبله وصار يدرس ألفاظه ليلا ونهارا بالمد والإمالة والتفخيم والترقيق، ثم ~~أرسل إليه السلطان ينظر ما فعل في الأوامر والنواهي، فوجده لم يفعل شيئا منها وهو على هذه ~~الحالة، فهل هذا مراد السلطان؟ وهل هذا فعل من له قلب أو عقل؟» # 1 # ثم يقول الشعراني متهكما بهم لأنهم يدرسون ولا يعملون: «وهل يقول للملكين في القبر ~~وللزبانية على جهنم: دعوه لأنه كان يحفظ أبواب المعاملات، أو يحفظ أبواب الفقه والنحو ~~والأصول على ظهر قلبه، أو يقرأ بالمد والإمالة والتفخيم والترقيق؟ كلا والله، لا يكرم ~~بشيء من ذلك، إنما يكرم بالتقوى والعمل الصالح ومعرفة الله - عز وجل - وكف الأذى عن جميع ~~الأنام، ومن شك في ذلك فسيراه يقينا.» # 2 # ولقد خصص الشعراني الفصول الطوال في كتبه للحملة على الفقهاء الجامدين، بل خصص كتبا ~~كاملة لهذا الغرض، مركزا حملته الكبرى على الجانب الأخلاقي الإيماني الذي فقد في ~~الأزهر. # يقول المستشرق «فولرز» في «دائرة معارف الدين والأخلاق»: «إن الشعراني في كتابه «البحر ~~المورود» كان جريئا في مهاجمة الفقهاء، والتنديد بطمعهم وزهوهم، والتشهير بجشعهم وتهافتهم ~~على الوظائف.» # ويقول نيكلسون: «إن الشعراني كان لسعة علمه بالدين يحارب الفقهاء بسلاحهم؛ ولذلك نجح في ~~حملته التي تركت أكبر الآثار.» # وحملة الشعراني على الفقهاء من رجال الأزهر الذين لم يتخلقوا بالآداب الإسلامية، ولم ~~يقوموا بواجبات العلم الديني، ولم يتفقهوا حقا روح الفقه الإسلامي تشغل جانبا كبيرا في ~~جهاده في سبيل بناء الفكر الإسلامي من جديد. # وهي حملة نشأت عنها أحداث كبرى أثرت إلى ms094 أبعد مدى في حاضر الأزهر في أيامه وما تطور إليه ~~بعد ذلك. # فقد انقسم الأزهر إلى فريقين: الفريق الأول يناصر الشعراني ويؤيده، ويدعو بدعوته، ويطالب ~~الأزهر بتحقيق رسالته. أما الفريق الثاني فقد أعلنها خصومة مرة حادة أحاطت بالشعراني ~~ولاحقته حيا وميتا. # بل لقد كانت حملته سببا في تلك الشائعات الكاذبة التي أحاطت بالشعراني ولم تفارقه إلى ~~يومنا. # بل أخطر من هذا كانت السبب المباشر لمؤامرة طالما أصابت رجال التصوف، وهي مؤامرة تشويه ~~كتب الشعراني بالدس والتزييف فيها. # ولا عجب في هذا فقد زيفوا كتبا على الشعراني في حياته، وزيفوا مقدمة لبعض كتبه بين سمعه ~~وبصره مما سنعرض له بالتبيان والتفصيل. # | ثورة الأزهر على الشعراني # نظر الفقهاء إلى الشعراني نظرتهم إلى زنديق مارق؛ فقد تجرأ على قداستهم، واستطال على ~~مكانتهم، وتهكم بعلومهم ومعارفهم. # وأخطر من هذا أنه انتزع زعامة الجماهير من أيديهم، وظفر وحده دونهم بالكلمة النافذة ~~والمكانة العالية لدى الأمراء والملوك في مصر وإستانبول معا. # وإذن فالحرب بينهم وبينه من جانبهم، معركة على الحياة، بل معركة على البقاء، ومعارك ~~البقاء لا تعرف اللين ولا الهوادة، بل هي الحرب الشاملة بكل ما فيها من قسوة، وبكل ما تملك ~~من أسلحة كريمة وغير كريمة. # والفقهاء دائما في حروبهم مع المتصوفة ومع غير المتصوفة ممن يدخلون في دائرة المنافسة، ~~يستعملون سلاحا رهيبا امتحن على التاريخ فأثبت كفاءته، وأثبت أنه السلاح الحاسم ~~القتال. # وهذا السلاح، هو سلاح التكفير والمروق من الدين. والدين لديهم مرن مرونة عجيبة، مرونة ~~تسمح بأن يقدموا الدليل على كفر من أبغضوا، ويقدمون نفس الدليل على إيمان من أحبوا، والسر ~~كل السر في التأويل اللولبي المطاط، والتلاعب البارع بالألفاظ والمقدسات. # وأعجزهم مع الشعراني حتى هذا الدليل المطواع؛ فالشعراني - كما قدمنا - كان صوفيا على ~~الجادة الوسطى، والنهج المحدد كالصراط، لا يسبح السبح الفلسفي، ولا يرسل الكلم المجنح، ولا ~~يعرف اللفظ الذي يحمل الوجهين، ولا يطلق قلمه في مقامات الفناء، واستغراقات المحبة، وسبحات ~~الوجد. # وإذن فيلجئوا إلى الدس في كتبه، وليعمدوا إلى الافتراء ms095 ونسبة ما لم يقل إليه. # ومهدوا لمعركتهم بالتحالف مع أدعياء التصوف من جهلة الأميين المارقين؛ لأنهم وإن كانوا ~~خطرا على الدين والأخلاق، فلا خطر منهم على العلماء والفقهاء. # وثارت الفتنة الكبرى ، وأعلنت الحرب في الأزهر على الشعراني؛ فزيفوا مقدمة كتابه «كشف ~~الغمة» وضمنوها كفريات سخيفة لا تصدر من عاقل أو مؤمن. # ودسوا في كتابه «البحر المورود» - وهو الكتاب الذي هاجمهم فيه - تعاليم تخالف ظاهر الكتاب ~~والسنة، بل دسوا عليه وجوها من العبث لا تتفق مع وقاره وصلاحه، وضروبا من الأعمال الماجنة ~~الساذجة لا تليق بعلمه ومكانته، وأرسلوا هذه الكتب المزيفة إلى الحجاز وتركيا لمكانة ~~الشعراني فيهما، بعد أن أذاعوها في مصر والأزهر. # ثم لجئوا إلى السلاح الآخر الذي يتقنه الفقهاء، والذي برعوا فيه مع التاريخ، وهو تحريض ~~الولاة والحكام على المتصوفة، فحرضوا سلطان مصر وخليفة تركيا على الشعراني بدعوى خطورته على ~~الأمن والنظام والدولة والسلطان والخليفة. # يقول الشعراني: # 1 ~~«ومما من الله به علي صبري على الحسدة والأعداء لما دسوا علي في كتبي كلاما ~~يخالف ظاهر الشريعة، وصاروا يستفتون علي زورا وبهتانا، ومكاتبتهم في لباب ~~السلطان ونحو ذلك. # واعلم يا أخي أن أول ابتلاء وقع لي في مصر من نحو هذا النوع، أنني لما حججت سنة ~~سبع وأربعين وتسعمائة، زور علي جماعة مسألة فيها خرق لإجماع الأئمة الأربعة، ~~وهي أنني أفتيت بعض الناس بتقديم الصلاة عن وقتها إذا كان وراء العبد حاجة، قالوا: ~~وشاع ذلك في الحج، وأرسل بعض الأعداء مكاتبات بذلك إلى مصر، فلما وصلت إلى مصر حصل ~~في مصر رج عظيم، حتى وصل ذلك إلى إقليم الغربية والشرقية والصعيد وأكابر الدولة ~~بمصر، فحصل لأصحابي غاية الضرر، فما رجعت إلى مصر إلا وأجد غالب الناس ينظر إلي ~~شذرا، فقلت: ما بال الناس؟ فأخبروني بالمكاتبات التي جاءتهم من مكة.» # ثم يقول الشعراني: «ثم إني لما صنفت كتاب «البحر المورود» في المواثيق والعهود، وتسارع الناس إلى ~~كتابته، غار من ذلك الحسدة، فاحتالوا على بعض أصحابي واستعاروا منه نسخة، وكتبوا ~~لهم منها ms096 بعض كراريس ودسوا فيها عقائد زائفة، ومسائل خارقة لإجماع المسلمين، ~~وحكايات سخريات عن حجي وابن الراوندي، وسبكوا ذلك في غضون الكتاب في مواضع كثيرة، ~~ثم أخذوا تلك الكراريس وأرسلوها سوق الكتبيين في يوم السوق - وهو مجمع طلبة العلم - ~~فنظروا في تلك الكراريس، ورأوا اسمي عليها، فاشتراها من لا يخشى الله، ثم داروا بها ~~على علماء الجامع الأزهر، فوقع بذلك فتنة كبيرة، ومكث الناس يلوثون بي في المساجد ~~والأسواق وبيوت الأمراء نحو سنة.» # ثم يقول الشعراني: «إن عليا باشا الوزير نقم على بعض المباشرين وعزم على قتله ونفيه، فطلع بعض ~~العلماء يشفع فيه، فلم يقبل، فأتوا إلي فطلعت للباشا فأكرمني وقبل شفاعتي، وقال ~~لي: لا تكلف خاطرك قط إلى طلوع القلعة، وأرسل لنا ورقة فقط، فبلغ ذلك الحسدة، ~~فاجتمعوا وزيفوا علي مسائل في العلم كاذبة، وأضافوا إليه أمورا منفرة لعلي ~~باشا، ثم رفعوها إليه، فلما قرأها قال: أما المسائل المتعلقة بالشريعة فذلك راجع ~~إلى العلماء، وأما غير ذلك فلا أقبله فيه أبدا، وإنما رجعت في أمره إلى قلبي. ~~فأرسلوا إليه قصة ثانية وثالثة فمزقها، وشاع في مصر أن الباشا يحب فلانا، فقال ~~الحسدة: قد صار أهل مصر مع الشعراني وكذلك الوزير، فاكتبوا فيه قصة ترسل لباب ~~السلطان.» # فكتبوا فيه قصة خلاصتها أن شخصا في مصر ادعى الاجتهاد المطلق، وكثرت أتباعه، ويخاف على ~~المملكة منه، والمسئول من صدقات مولانا السلطان نفيه من مصر. # ورشوا بعض الوزراء ليحملها إلى باب السلطان، فحملها إليه، وقيض الله لي الشيخ عبد ~~اللطيف أمين الدين، فنفى عني كل هذا وقال: إن القصة كلها زور على الرجل الصالح. # محاولة قتل الشعراني # فشلت مؤامرة الفقهاء لدى الوالي ولدى الخليفة، كما فشلت حملة الإفك والدس والتشهير ~~داخل الأزهر وخارجه؛ فقد انتصر للشعراني في الأزهر طائفة من أئمة العلم وأولي المكانة ~~في الدين، في طليعتهم شيخ الإسلام زكريا الأنصاري، وشيوخ المذاهب الأربعة في الأزهر: ~~الفتوح الحنبلي، وناصر الدين اللقاني، وشهاب الدين أحمد، وشهاب الدين الرملي. # كما استطاع الشعراني أن يظهر للجماهير ms097 براءته مما دس عليه ونسب إليه بتقديمه ~~لأصول كتبه، فازدادت مكانته لديهم، وازدادوا له حبا. # فماذا بقي لخصومه بعد هذا؟ لقد لجئوا إلى السلاح الثالث والأخير؛ سلاح الغيلة والقتل، ~~فرصدوا له في الطرقات من يفتك به، ودسوا له السم كما دسوا بعد ذلك لتلميذه الأكبر ~~«المناوي»، وذهب المناوي شهيد تدبيرهم، ونجى الله الشعراني مما دبروا وقدروا. # وأخيرا تحطمت أسلحة خصومه جميعها، ولم يتحطم الحقد في قلوبهم، فأتوا أمرا إدا ~~عجبا يدل على المرارة القاتلة التي يحملونها للشعراني؛ لقد أشاعوا نبأ موته كذبا ~~ليذهبوا غيظ قلوبهم. # يقول الشعراني: «ومما وقع لي أن بعض الأقران في الأزهر غلب عليه الحسد حتى أشاع عني ~~في الجامع الأزهر وغيره أني مت، وقال: أخبرني جماعة ثقات أن فلانا مات فجأة، وأرسل ~~بذلك كتبا إلى دمياط والمحلة والإسكندرية.» # 2 # وذهب خصوم الشعراني، وبقي الشعراني حيا خالدا في كتبه وآثاره التي ترشد الناس إلى ~~دينهم، وتعلمهم مكارم الأخلاق، وترفع بهم إلى محاريب التقوى والإيمان. # | الشعراني وعلماء الكلام والتوحيد # إن الحقائق لم تدع في قلوب العارفين للتأويل بابا. # الجنيد # جاء في كتاب أعلام الموقعين: «وقد تنازع الصحابة في كثير من مسائل الأحكام وهم سادات المسلمين وأكمل الأمة ~~إيمانا، ولكن - بحمد الله - لم يتنازعوا في مسألة واحدة من مسائل الأسماء والصفات ~~والأفعال، بل كلهم على إثبات ما نطق به الكتاب والسنة، كلمة واحدة من أولهم إلى ~~آخرهم لم يسوموها تأويلا، ولم يحرفوها عن مواضعها تبديلا، ولم يبدوا لشيء فيها ~~إبطالا، ولا ضربوا لها أمثالا، ولم يدفعوا في صدورها وأعجازها، تلقوها بالقبول ~~والتسليم، وقابلوها بالإيمان والتعظيم.» # ذلك هو نهج صحابة رسول الله - صلوات الله وسلامه عليه - الذين تأدبوا بأدب رسول الله، ~~الذي أدبه ربه فأحسن تأديبه. # لا يعرفون جدلا ولا حوارا في أسماء الله - جل جلاله - وصفاته، ولا يقرون بحثا فلسفيا ~~في القضاء والقدر، ولا يرضون عن نزاع يقوم حول نسبة الأفعال إلى الله، أو نسبتها إلى عباده؛ ~~فإن كل هذه المسائل من علم الله الذي لا تدركه العقول، وعلم ms098 الله الذي اختص به، لا مجال ~~للعقل البشري فيه، ولا ينبغي التطلع إلى أسراره وخوافيه، فإذا حاول العقل البشري أن يتخطى ~~حدوده ضل وفسق عن أمر ربه، وألقى بنفسه إلى تيه لا هدى فيه ولا نور ولا دليل مبين. # وهذا هو ما حدث لكل الفرق الإسلامية التي حاولت أن تجادل في علم الله، وأن تتطاول إلى ~~القدس المغيب، لتدرك أسرار القضاء والقدر، أو لتهتدي إلى حقائق الذات والصفات، وأفعال ~~العباد ومقام العبد منها، وأثر الله - جل جلاله - فيها. # ضلت هذه الفرق ولم تهتد؛ لأنها حاولت أن تنال الأعلى بالأدنى، وأن تلمس السر الإلهي ~~بمداركها البشرية. # وضل مع هذه الفرق المنطقيون ورجال الكلام وعلماء التوحيد؛ لأنهم افترضوا للإيمان وابتكروا ~~للمعرفة صورا وألوانا لا يقوم الإيمان إلا بها، ولا تكمل المعرفة إلا بحدودها، وهي صور ~~وألوان ابتدعوها وافترضوها، لا يقرها القرآن، ولا تعرفها السنة، بل ولم يعرفها صحابة ~~رسول الله، ولم تجل بعقولهم، وإنما تسربت إلى الفكر الإسلامي من الفلسفة اليونانية ~~الوثنية الملحدة. # يقول الصلاح الصفدي في شرح لامية العجم: «إن المأمون لما هادن صاحب جزيرة قبرص كتب يطلب ~~منه خزانة كتب اليونان - وكانت عندهم مجموعة في بيت لا يظهر عليه أحد - فجمع الملك خواصه ~~من ذوي الرأي واستشارهم في ذلك، فكلهم أشار بعدم تجهيزها إليه إلا بطريق واحد، فإنه ~~قال: جهزها إليهم؛ فما دخلت هذه العلوم على دولة شرعية إلا أفسدتها وأوقعت بين ~~علمائها.» # ويقول ابن الجوزي في «تلبيس إبليس»: # 1 ~~«وكيف لا يذم الكلام وقد أفضى بالمعتزلة إلى قولهم: إن الله - عز وجل - يعلم جمل ~~الأشياء ولا يعلم تفاصيلها. وقال جهم: علم الله وقدرته وحياته محدثة. وقال أبو ~~علي الجبائي وأبو هاشم ومن تابعهما من البصريين: المعدوم شيء وذات ونفس وجوهر ~~وبياض وصفرة وحمرة، وإن الباري - سبحانه وتعالى - لا يقدر على جعل الذات ذاتا، ولا ~~العرض عرضا، ولا الجوهر جوهرا، وإنما هو قادر على إخراج الذات من العدم إلى ~~الوجود.» # وقال النظام: «إن الله - عز وجل - لا يقدر على شيء ms099 من الشر، وإن إبليس يقدر على الخير ~~والشر.» # ويقول أبو الفرج معقبا على تلك السفسطة الجدلية الفارغة: «أعوذ بالله من نظر وعلوم ~~أوجبت هذه المذاهب القبيحة.» # وكان أبو الوفا بن عقيل يقول: «أنا أقطع أن الصحابة ماتوا وما عرفوا الجوهر والعرض؛ فإن ~~رضيت أن تكون مثلهم فكن، وإن رأيت أن طريقة المتكلمين أولى من طريقة أبي بكر وعمر، فبئس ما ~~رأيت.» # لقد دفع رجال الكلام وعلماء المنطق والمتأثرون بهم من المعتزلة وغيرهم بالأمة الإسلامية ~~إلى شكوك ومجادلات وضروب من البحث العقيم باعدت بينهم وبين الإيمان، وباعدت بينهم وبين روح ~~الإسلام، وباعدت بينهم وبين العبادة لله والعمل الصالح للحياة. # ووقف المتصوفة وحدهم على الجادة الكبرى، والطريقة المثلى، يؤمنون بالقدر كما جاء به ~~القرآن، وكما علمهم الرسول، ويؤمنون بأسماء الله - جل جلاله - وصفاته المقدسة، كما أسماها، ~~وكما وصفها القرآن، وكما نطقت بها السنة، من غير تأويل ولا تعليل ولا تعطيل ولا تمثيل؛ لأن ~~الإيمان يجب أن يكون بما أنزل الله من الألفاظ والمعاني، لا بما أوله العقل، وابتدعه ~~التصور، وتخيله المنطق. # ويقول محيي الدين: «ومن العجب أن الله تعالى يخبر بشيء عن نفسه في كتابه المحكم، فيأتي ~~الإنسان بعقله القاصر فيقول: إن عقلي يرد ذلك، وفكري لا يحتمل ذلك، وإنما يجب التأويل، وليس ~~عاقبة هذا التأويل إلا أن يصوغوا من خيالهم وتفكيرهم خالقا غير ما في كتاب الله.» # 2 # ويقول الإمام الغزالي: «إن من أشد الناس غلوا وإسرافا طائفة من المتكلمين كفروا عوام ~~المسلمين، وزعموا أن من لا يعرف الكلام معرفتهم، ولم يعرف العقائد الشرعية بأدلتهم التي ~~حرروها فهو كافر. # لقد ضيقوا رحمة الله الواسعة على عباده أولا، وجعلوا الجنة وقفا على شرذمة يسيرة من المتكلمين.» # 3 # ويقول الحلاج: «من لا يعرف شعرة من بدنه كيف تنبت سوداء أم بيضاء، كيف يعرف مكون الأشياء؟ ~~ومن لا يعرف المجمل والمفصل، ولا يعرف الآخر والأول، والتصاريف والعلل، والحقائق والحيل، لا ~~تصح له معرفة من لم يزل.» # ويقول الشعراني: «ومما من الله به علي حفظي ms100 عن الخوض في معاني آيات الصفات وأخبارها ~~من منذ وعيت على نفسي، وقل من سلم من مثل ذلك. وهذا من أكبر الذنوب التي يقع ~~فيها العلماء ولا يشعرون. # ترى أحدهم يخوض في الكلام على الذات، وينسى ما كلف به من الزهد والورع، وجهاد النهار، ~~وقيام الليل، والخوف من الله تعالى ونحو ذلك، حتى كان الإسلام لديهم محض كلام من غير ~~عمل.» # وكان يقول: «جميع المعبرين والمؤولين والمتكلمين في علم التوحيد لم يبلغوا عشر معشار ~~معرفة إدراك كنه حرف واحد من حروف الهجاء.» # ويقول الشعراني: «ومما من الله به علي إيماني بأن أفعال العباد خلق الله تعالى في حال ~~إضافتها إلى العباد معا في آن واحد، وهو من أصعب الأمور؛ لأنه إيمان بطريقتين متناقضتين، ~~فأشهد بعين بصيرتي في مثل قوله تعالى: # وما رميت إذ رميت ~~ولكن الله رمى ~~، أن الرمي لله تعالى في حال كونه للعبد لا على التعاقب. ~~ويحتاج صاحب هذا المشهد إلى عينين ينظر بهما إلى النسبتين حتى يخرج عن الحيرة؛ فإن صاحب ~~العين الواحدة لا يقدر على الخروج من الحيرة في هذه المسألة أبدا. # وقد حبب إلي أن أوضح لك هذه المسألة بما لا تجده في كتاب من كتب المتكلمين، فأقول ~~وبالله التوفيق: «اعلم يا أخي أن العقل يقصر عن فهم مسألة خلق الأفعال من غير إشكال، ولا ~~يخرجك عن الإشكال فيها إلا التسليم المطلق بما قال الحق، أو أن تترقى في المواد الكونية ~~وأنت صاعد، حتى تنظر إلى الحق تعالى بقلبك وهو يخلق المخلوق الأول الذي لم يتقدمه مادة، ~~فإنك تجد الحق تعالى فاعلا وحده لا شريك له، ثم تنزل في الفروع إلى أسفل مع مشاهدة سريان ~~القدرة الإلهية في كل من أضيف إليه فعل من الخلق، فتجده لا يقدر على فعل إلا بإمداد القدرة ~~الإلهية له. # ومن هنا انفتح باب الإشكال لعدم تخليص الفعل حينئذ في الشهود البصري لله وحده، أو للخلق ~~وحدهم، ووقع الخطأ، فمن أضاف الأفعال كلها إلى الله تعالى حسنها وقبيحها، قال له ms101 لسان ~~الغيرة الإلهية: # قل كل من عند الله فمال هؤلاء ~~القوم لا يكادون يفقهون حديثا ~~، فإن نسبة الأفعال إلى الخلق ~~نسبة إضافة وإسناد، لا نسبة خلق وإيجاد، ومن أضاف الأمور الحسنة كلها إلى الله تعالى، وأضاف ~~القبيحة كلها إلى الأكوان، قال له لسان الجود الإلهي أيضا: # قل كل ~~من عند الله # لا تكذيبا له، بل ثناء جميلا، كما نضيف نحن ما قبح من ~~الأفعال مما لا يوافق الأغراض ولا يلائم الطبع إلينا، مع علمنا بأن الكل من عند الله، ولكن ~~لما تعلق به لسان الذم فدينا ما ينسب إلى الحق من ذلك بنفوسنا أدبا مع الله تعالى، كما ~~أننا نضيف ما كان من خير وحسن إلى الله تعالى، ونرفع نفوسنا من الطريق حتى يكون الحق تعالى ~~هو المحمود وحده أدبا معه تعالى. # فالذي يجب اعتقاده أن الله تعالى خالق أفعال العباد، وأنها مكتسبة لهم، وأن حجة الله ~~تعالى قائمة عليهم، وأنه لا يسأل عما يفعل، ولا يطلب الوصول إلى الغاية في ذلك، فلسنا ~~مكلفين بها مع صعوبة مراقيها».» # أجل لسنا مكلفين بالخوض في كل ما يتعلق بذات الله وقضاء الله وقدره؛ فإن هذه المسائل هي ~~سر الحياة الأكبر، وسر الحياة لا يعلمه إلا الله، فليس لنا من الأمر إلا التسليم والإيمان ~~بما أمر الله، وبما ورد في كتاب الله. # عن أبي هريرة قال: «خرج علينا رسول الله # صلى الله عليه وسلم # ونحن نتنازع في القدر، فغضب حتى احمر ~~وجهه ثم قال: أبهذا أمرتم؟ أم بهذا أرسلت إليكم؟ إنما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في ~~هذا الأمر، عزمت عليكم ألا تنازعوا.» ~~«وسأل رجل علي بن أبي طالب عن القدر فقال: طريق دقيق لا تمش فيه، فقال: يا أمير ~~المؤمنين، أخبرني عن القدر، فقال: بحر عميق لا تخض فيه، فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن ~~القدر، قال: سر خفي لله لا تفشيه، فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن القدر، فقال: إن الله ~~تعالى خلقك كما يشاء أو كما شئت؟ فقال: كما ms102 شاء، قال: إن الله تعالى يبعثك يوم القيامة كما ~~شئت أو كما شاء؟ قال: كما شاء، قال: ألك مشيئة مع الله، أو فوق مشيئة الله، أو دون مشيئة ~~الله؟ أما إن قلت مع مشيئته ادعيت الشركة معه، وإن قلت دون مشيئته استغنيت عن مشيئته، وإن ~~قلت فوق مشيئته كانت مشيئتك غالبة على مشيئته.» # وبذلك أحال علي - رضوان الله عليه - سائله إلى مجالي القدرة الإلهية ومشاهدها، فكانت تلك ~~الإحالة أبلغ الأجوبة وأعظمها لمن ينشد الإيمان واليقين. # وبدون تلك الإحالة لا يفهم القدر، وبدون تلك الإحالة يتحول القضاء والقدر إلى جدل لفظي ~~لا ينبت الإيمان ولا يعرف اليقين، وإنما يدفع إلى الشكوك الأوهام، وإلى ما هو أبعد من ~~الشكوك والأوهام. # | الجن والأرواح والعوالم غير المنظورة # يقول غاندي: «إن العقل شيء عظيم حقا، ولكنه يصبح غولا كريها إذا ادعى لنفسه أنه قادر على ~~كل شيء، محيط بكل شيء، وإن نسبة هذه القدرة إليه نمط رديء من الوثنية، فالعقل عند ~~هؤلاء العقليين وثن يعبد، كما يعبد الوثني حجرا أو نصبا، ويعتقد فيه أنه ~~إله.» # وهذا خطأ الحضارة الغربية الأكبر؛ فقد آمنت بالعقل، وجحدت ما سواه، وعاشت تحت ظلال وثنية ~~عقلية هي أخطر ألوان الوثنيات، وأشدها إذلالا وإهدارا للقيم الإنسانية العليا. # والعقل الذي عبدته الحضارة الغربية شيء عظيم حقا في عالم الحس والمشاهدة؛ لأنهما مجالا ~~العقل وموضع تجاربه وآياته. أما ما وراء ذلك فلا شأن للعقل وما ينبغي له. # ولهذا كانت الحضارة الغربية شيء هائل عظيم رهيب في الماديات، وفي كل ما يخضع للحس ~~والمشاهدة، ويقوم على البحث والتجربة، بينما تأخرت وتعثرت تعثرا مضحكا في المعنويات ~~والأخلاقيات والعبادات، وفي كافة ما يتصل بعوالم الروح والإلهام والوحي والإيمان؛ لأنها ~~عوالم فوق الحس والمشاهدة. # والإنسان لو اقتصرت حياته على الحس والمشاهدة فحسب، لما كان أكثر من حيوان كبير؛ لأن الحس ~~والمشاهدة هما مرتبة الحيوان الذي لا يصدق إلا ما شاهده بعينه، ولا يعرف إلا ما وقع عليه ~~حسه. # أما الإنسان الذي أسجد الله له ملائكته، ونفخ فيه ms103 من روحه، فقد وهب مع النفخة الإلهية ~~خصائص روحية عليا هي سره الأكبر، وهي حياته المثلى، وبتلك الخصائص يدرك الإنسان أشياء فوق ~~الحس والمشاهدة، وبتلك الخصائص ترتفع معارفه فوق معارف الحس والمشاهدة ارتفاعا يؤهله ~~لتذوق المعارف الإلهية، وتسمو به إلى جلاء أسرار مكون الأكوان، والاطلاع على عجائب ما أبدعت ~~القوة الإلهية من عوالم منظورة وغير منظورة. # والعلم المادي الذي تعبده أوروبا ومن يعيش في ظل حضارتها في أمريكا وآسيا قد ابتدأ نفسه ~~يتنكر للعقل الذي ابتكره وابتدعه، قد ابتدأ يعترف بأن الكون مليء بأسرار وعلوم ليس في طاقة ~~العقل أن يدركها؛ لأنها فوقه، فلا سبيل إليها إلا بوحي من الله، أو بإلهام من عالم ~~الروح. # وقف العلامة «أنشتاين» عند درج صغير في أسفل مكتبه وقال: «إن نسبة ما أعلم إلى ما لا أعلم ~~كنسبة هذا الدرج إلى مكتبتي.» # ويقول العبقري «نيوتن»: «لسنا إلا كأطفال في جزيرة على شاطئ بحر العلم، نلتقط ما يقذفه ~~البحر من القواقع على حين أن الجواهر النفيسة في قعر البحر.» # ويقول النابغة الفرنسي «بيو»: «إننا لا نشاهد إلا ما يظهر لنا من العلم في الخارج، وقد ~~حجب عنا ما هو أعجب وأغرب، لعمرك قل لي من ذا استطاع أن يفهم سر طيران الذباب، وسر ألاعيب ~~الفراش؟ نعلم شيئا عن تركيبها الجسماني وقابليته، ولكنا عاجزون عن رؤية الحكمة التي أمرت ~~بها ونظمتها. إني أمام مشهد الوجود أعتبر نفسي جاهلا.» # ويقول «كامبل فلا مريون»: «ما هو الوسيط الذي يتوسط للقوى العقلية في إنتاج نتيجة مادية؟ ~~كيف يوصل العصب البصري صور الأشياء إلى العقل؟ كيف يدرك هذا العقل؟ أين مستقره؟ ما هي ~~الطبيعة؟ ما هي طبيعة العمل المخي؟ لن يستطيع أكبر رأس أن يجيب على أحقر أسئلتي.» # تلك أقوال جبابرة العقول في الحضارة الغربية تبرهن أن نهاية العقل البشري هي العجز عن ~~إدراك أسرار الكون، وأن أكبر الجهل أن ننكر ما في الكون من آيات الله وعجائب الخلق بدعوى ~~أنها أشياء فوق العقل والتصور. # لا بد للإنسان أن يرتد ms104 صاغرا ذليلا إلى عالم الإيمان والروح، أن يرتد مؤمنا بقوة فوق ~~عقله، وبعوالم فوق ما يدرك بالحس، وما يعرف بالمشاهدة # فلا أقسم ~~بما تبصرون * وما لا تبصرون ~~. # اضطررنا إلى هذه المقدمة لنبرهن على أن كل ما يتعلق بالعوالم غير المنظورة؛ كالجن ~~والملائكة والأرواح يجب أن تخضع عقولنا حيالها إلى ما جاء به الوحي؛ لأننا بالعقل وحده نضل ~~في فهم الروحانيات والغيبيات. # ولنبرهن أيضا على أن الذين هاجموا المتصوفة في أحاديثهم عن صلاتهم بالجن، وصلاتهم بأرواح ~~الموتى من الصالحين، قد انحرفوا عن الحق؛ لأن الأديان السماوية في جانب المتصوفة لا في جانب ~~هؤلاء الوثنيين العقليين. # والشعراني في طليعة المتصوفة الذين تحدثوا عن صلاتهم بالجن، وعن صلاتهم بأرواح الموتى من ~~الصالحين، بل لعله أكثر المتصوفة حديثا عن عالم الجن وعالم الروح. # ولهذا كان نصيبه من حملة العقليين أكبر من غيره من رجال التصوف الروحانيين. # لقد رموا الشعراني بالكذب والدجل، وبالشعوذة، وبالشعبية العامية، وبالتخريف والتخيل ~~الساذج، وما إلى ذلك من نعوت وألقاب يجيدها الذين ألهوا العقل وأنكروا ما فوق الحس ~~والمشاهدة. # يقول المستشرق العقلي «شاخت» في حديثه عن الشعراني: «إننا مع اعترافنا بخصوبة إنتاجه، نرى ~~ضرورة الاعتدال وعدم الإسراف عند تقدير عقليته؛ لأننا نراه يؤمن إيمانا عميقا بالقوى ~~الخفية، وما أكثر مزاعمه بصدد ما وقع له مع الأرواح والملائكة والجن والكرامات والخوارق؛ ~~فإن كتبه حافلة بهذه المزاعم.» # ويقول المستشرق «ماكدونالد» في الفصل الذي عقده عن اتصال الأولياء بالجن في الإسلام: «إن ~~هذه الظاهرة إذا كانت مألوفة في العالم الإسلامي؛ فإنها لا تبدو أوضح مما نراها عليه عند ~~الشعراني الذي كان على اتصال دائم بعالمها الخفي غير المنظور.» # ويجري الدكتور زكي مبارك مع المستشرقين في الفصل الذي كتبه عن الشعراني في كتابه «التصوف ~~الإسلامي»، فيرمي الشعراني بالكذب الساذج، ويصف عقليته بالعامية؛ لأنه تحدث عن الجن وعن ~~اتصاله بهم. # ويعقد الدكتور توفيق الطويل فصلا في كتابه عن الشعراني تحت عنوان «التفسير السيكولوجي ~~لكذب الشعراني» جاء فيه: «إن ما يرويه الشعراني عن نفسه من اتصال بالأرواح ms105 وتعامل مع الجن قد يغري بالشك ~~ويدفع إلى تكذيبه، كما كان الحال في موقف الدكتور زكي مبارك منه، ولكن تفهم ~~الشعراني في ضوء المنطق العقلي وحده يبدو لنا ضلالا مبينا؛ لأن الرجل كان طوال ~~حياته يعيش في جو ديني مشبع بالتصوف استمد منه غذاء عقله، وأشبع به جوع قلبه، ومن ~~هنا كان لا بد من النظر إلى نزعات نفسه وتيارات فكره في ضوء هذا الجو ~~النفسي. # وقد انتهت به حياته إلى إيمان عميق مفرط هيمن على منطق العقل في تفكيره، وتأدى ~~الإسراف الممعن في هذا إلى ما يسميه علماء النفس بالمدركات الخاطئة والأوهام ~~المجسمة، فتصور وجود أشباح مجسمة لم يكن لها وجود إلا في وهمه، وبهذا انقلبت ~~الحقائق في نظره، أو اختلق الكثير منها اختلاقا، فبدت الأشياء التي لا تتضح في ~~عينه أشباحا للجن أو الأرواح، أو كانت هذه من خلق تصوره؛ لأنها تساير نزعات ~~قلبه ووساوس نفسه، وتلتئم مع الجو المعنوي الخفي الذي يستغرقه. ومن السهل على من ~~يكون كذلك أن يتمثل الجن في خاطره، فتبدو صورها في ناظره، أو تتحول صور الأشياء ~~أشباحا للجن والعفاريت. # فإن حدثنا عن وقائع مع سكان هذا العالم الخفي قلنا: إنه مخدوع وليس بخداع ولا ~~كذاب، وبمثل هذا تفسر أحاديثه عن تعامله مع الجن وأرواح الموتى.» # 1 # والآن فلننظر ما سبب كل هذه الحملة على الشعراني. روى الشعراني في «المنن» أن مؤمني الجن ~~كانوا يحضرون دروسه العلمية، وأنهم أحيانا كانوا يدخلون عليه ليلا في منزله فيصلون معه، ~~ويسبحون معه على سبحته، وأن بعض شياطينهم عابثه يوما أثناء مقامه بمدرسة أم خوند، فكان ~~يطفئ مصباحه ويزعج أولاده، فكمن له حتى إذا ظهر قبض على رجله، وأخذت رجل الجني ترق حتى ~~أضحت كالشعرة في يده. # 2 # وأرسل إليه بعض الجن من المشتغلين بالعلم أسئلة في قرطاس يحمله أحدهم في فمه، وقد تشكل في ~~صورة كلب أصفر اللون، وفي مقدمة الأسئلة «ما قول علماء الإنس في هذه الأسئلة المرقومة؛ ~~لأنها أشكلت علينا وسألنا عنها مشايخنا من ms106 الجان فقالوا: إن هذا التحقيق لا يكون إلا عند ~~علماء الإنس.» وقد أجاب عنها الشعراني في كتابه القيم «كشف الحجاب والران عن وجه أسئلة ~~الجان». # هذه هي خلاصة حوادث الشعراني مع الجن، فلنعرضها على وجهة النظر الإسلامية لنرى هل تطابق ~~أم تخالف. # والإسلام صريح في وجود الجن، وفي أنهم أمم أمثالنا منهم الصالح ومنهم الشقي، وأن طائفة من ~~الجن استمعت إلى القرآن الكريم وآمنت به. # بقي بعد ذلك محور الصراع، وهو صلاتهم بالإنسان، وهل هي جائزة أم مستحيلة؟ وهل صاحبها كاذب ~~أم صادق؟ # روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: «وكلني رسول الله بحفظ زكاة ~~رمضان، فأتاني آت يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، فقال: إني ~~محتاج وعلي عيال ولي حاجة شديدة، قال: فخليت عنه فأصبحت فقال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: يا أبا ~~هريرة، ما فعل أسيرك البارحة؟ فقلت: يا رسول الله، شكا حاجة شديدة وعيالا، فرحمته، فخليت ~~سبيله، قال: أما إنه قد كذبك وسيعود، فعرفت أنه سيعود بقول النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، فرصدته، فجاء ~~يحثو من الطعام فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، قال: دعني؛ فإني محتاج وعلي ~~عيال، لا أعود، فرحمته، فخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله: يا أبا هريرة، ما فعل ~~أسيرك البارحة؟ فقلت: يا رسول الله، شكا حاجة وعيالا فرحمته فخليت سبيله، قال: أما إنه ~~كذبك وسيعود، فرصدته الثالثة، فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وهذا آخر ثلاث مرات، إنك تزعم أنك لا تعود، فقال: دعني؛ فإني أعلمك كلمات ~~ينفعك الله بها، قلت: ما هي؟ قال: إذا آويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي # الله لا إله إلا هو الحي القيوم # حتى تختم الآية؛ فإنه لن ~~يزال عليك من الله تعالى حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فخليت سبيله، فأصبحت فقال لي ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: ما فعل أسيرك ms107 البارحة؟ فقلت: يا رسول الله، زعم أنه يعلمني كلمات ~~ينفعني الله تعالى بها فخليت سبيله، فقال: ما هي؟ قلت: قال لي: إذا آويت إلى فراشك فاقرأ ~~آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية # الله لا إله إلا هو ~~الحي القيوم ~~، وقال: لن يزال عليك حافظ من الله تعالى حتى تصبح، ولن ~~يقربك شيطان، فقال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: أما إنه قد صدقك وهو كذوب! تعلم من تخاطب منذ ثلاث يا ~~أبا هريرة؟ قلت: لا، قال: ذا شيطان.» # والحديث صريح صراحة لا لبس فيها ولا إبهام في أن الجني حادث أبا هريرة وجادله وناقشه، ~~وعلمه أيضا آيات من القرآن تحفظ الإنسان من الجن. # والحديث صريح أيضا صراحة لا لبس فيها ولا غموض بأن أبا هريرة قبض على الجني ليرفعه إلى ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، حتى إن الرسول ليسأل أبا هريرة قائلا: ماذا فعل أسيرك البارحة؟ # وروى أحمد والترمذي من حديث عائشة، أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قال لعائشة: أتدرين ما خرافة؟ ~~إن خرافة كان رجلا من عذرة أسرته الجن في الجاهلية، فمكث فيهم دهرا طويلا، ثم ردته إلى ~~الإنس، فكان يحدث الناس بما رأى فيهم من العجائب، فقال الناس: حديث خرافة. # وفي السير أن الشيطان صاح في عسكر الصحابة يوم أحد: ألا إن محمدا قد مات، فترك جماعة من ~~الصحابة القتال، فضحك عليهم. # بل إن الفقهاء قد وضعوا لصلات الجن بالإنسان قواعد فقهية وصلت إلى حد أن تناول الفقهاء ~~أحكام الزواج المختلط بين الإنسان والجان. # جاء في حاشية ابن عابدين بكتاب النكاح «أن الحسن البصري أجاز التزوج بجنية دون ~~العكس.» # وجاء في كتاب «أسنى المطالب في أحاديث مختلفة المراتب» أن الدجال أحد أبويه جني. # وفي القرآن الكريم بيان وإيضاح لوحي الشياطين للإنس، ووحي الإنس للشياطين # شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف ~~القول غرورا ~~. # وفي القرآن الكريم بيان وإيضاح لأعمال الوسوسة والصرع والمس التي تترتب على صلة الجن ~~بالإنس. # وجاء في القرآن الكريم في قصة ms108 سليمان # ومن الجن من يعمل ~~بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من ~~عذاب السعير * يعملون له ما يشاء من محاريب ~~وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا آل داوود ~~شكرا وقليل من عبادي الشكور ~~. # وهي آيات كريمة دلت لا على الصلة بين الإنس والجن فقط، بل على أن الجن قامت بأعمال ~~مادية للإنسان، فصنعت له المحاريب والتماثيل والجفان والقدور الراسيات. # الجن وتحضير الأرواح # وقد سئل الإمام محمد عبده عن تحضير الأرواح فقال: «لقد حضرت في أوروبا مؤتمرا ~~يجمع أكابر هذا الفن، فحضرت أرواح كثيرين - وبعضهم ممن أعرفه قبل وفاته - ورأيت ذلك ~~مطابقا لما علمته عن هؤلاء الناس، فسألتهم - وكلهم اتجهوا إلي ليسمعوا سؤالي - فقلت ~~لهم: إن رأيي في هذا أنه عمل من أعمال الجن، وناقشتهم مناقشة جدية في هذا الموضوع إلى ~~أن تحديتهم بإحضار روح المصطفى - عليه الصلاة والسلام - لأسأله عن الأحاديث الصحيحة ~~الواردة عنه، ولأتبين بلاغته وفصاحته في منطقه إذا تكلم في ذلك الوقت، وكثير من ~~المستشرقين الحاضرين يمكنهم الحكم على ذلك - وليقيني بأن النبي محفوظ من أن يتمثل ~~الشيطان بصورته، ويؤدي ما يؤديه؛ علمت أني سأفوز عليهم - فلم يلبثوا أن عجزوا جميعا ~~معتذرين بأن هذه روح عالية لا يمكن إحضارها. ومن ذلك يتبين جليا أن هذا عمل من ~~أعمال الجن.» # وبهذا تتحد الأدلة القرآنية والأحاديث النبوية مع منطق الواقع والمشاهد؛ فهل بعد هذا ~~بيان لمن ينشد الحق؟ # وهل خرج الشعراني في صلاته بالجن عن نطاق القرآن والأحاديث والواقع المشاهد؟ # وهل عقلية الشعراني ساذجة متوهمة كما يقول الدكتور الطويل؟ وكاذبة خادعة كما يقول ~~المستشرقون والدكتور مبارك؟ أم أن عقولهم هي الأجدر بهذا الوصف؟ وإن كانوا أطلقوه في ~~باطل، ونطلقه نحن هنا في حق صراح. # | الشعراني المفترى عليه حيا وميتا # يقول الشعراني: إنه ما كان عظيم قط في عصر من العصور إلا وكان يلازمه ملازمة الظل خصوم ~~وحسدة يملئون الجو صياحا وجدلا، ويشعلون النار فوق رأسه حقدا وحسدا. # ويستشهد الشعراني على ذلك بما وقع للأنبياء كافة، ثم ms109 لكبار الصحابة وعظماء الرجال في ~~مختلف الأمم والشعوب، ليبتلي الله عباده، وليتميز الخبيث من الطيب، ولتمتحن الأعواد ~~الإنسانية الصلبة ومقدار قدرتها على البقاء والخلود. # وقد أصاب الشعراني ما أصاب أسلافه من مصابيح الإنسانية وأعلام الهدى والإيمان. # فقد ملأ خصومه الدنيا حوله حقدا وحسدا وافتراء وكذبا - كما أوضحنا في الفصول السابقة ~~- حتى أذاعوا نبأ موته تشفيا وحقدا. # يقول الشعراني: «وكان حسادي يحرفون عني مسائل لم أقل بها قط، ثم يكتبون بها أسئلة ~~ويستفتون عنها العلماء، فيفتون بحسب السؤال، ثم يدورون بخطوط العلماء على الناس، فيحصل لي ~~من ذلك أجور لا تحصى من كثرة الوقوع في عرضي بغير حق.» # 1 # ولا تزال الأجور التي لا تحصى تلاحق الشعراني في الدار الآخرة، فالشعراني الذي افترى ~~عليه خصومه في حياته لا يزال الافتراء يلاحقه ويتابعه وهو في مقامه عند ربه. # وإن كان خصومه في حياته دفعهم إلى الافتراء عليه الحقد والحسد، فإن خصومه اليوم يدفعهم ~~إلى الافتراء إما التأثر بما قال أسلافهم القدامى، وإما الجهل بما قال الشعراني ~~نفسه. # وهذا باب كبير يكاد يحتاج إلى كتاب خاص، ولكننا نجتزئ هنا بمثال واحد من أبشع ما نسب إلى ~~الشعراني. # نسبوا إليه أنه قال في «المنن»: إنه بنى بزوجته في قبة البدوي، وأطلق الدكتور زكي مبارك ~~لسانه وألفاظه الضخمة القاسية تعقيبا على هذه الحادثة البشعة الرعناء. # والدكتور زكي مبارك ومعه رجال الاستشراق قد أخطئوا في اتهامهم للشعراني في البديهيات، ~~أخطئوا كما يخطئ التلميذ الصغير الساذج في فهم الكلام الواضح المبين، فيحرف الكلم عن ~~مواضعه، ويخرج المعنى عن أهدافه ومقاصده. # يقول الشعراني: «ومما وقع لي مع سيدي أحمد البدوي أنه جاءني ودعاني أيام خروج الناس من ~~مصر إلى مولده، فلما ذهبت إلى «طندتاء» صار كل من دخل القبة يبدأ بالسلام علي قبل زيارة ~~الشيخ حتى استحييت منه - وكانت أم ولدي عبد الرحمن لها معي مدة سبعة شهور وهي بكر - فجاءني ~~وقال لي: اختل بها في ركن قبتي وأزل بكارتها ففعلت، فطبخ لي طعاما وحلوى، فلما ~~رجعت إلى ms110 مصر حصل ما أشار به في تلك الليلة.» # 2 # ذلك قول الشعراني، وهو أوضح من فلق الصباح، فالقصة كما هو واضح قصة منامية، جاءه السيد ~~البدوي في الرؤيا، ودعاه لزيارة مقامه في طنطا، ثم طلب منه في منام تال أن يختلي بزوجته ~~التي لم يدخل بها رغم مرور سبعة أشهر على زواجه بها في ركن قبته، ثم يقول الشعراني في ~~لفظ عربي مبين: «فلما رجعت إلى مصر حصل ما أشار به السيد في تلك الليلة.» أي أن الشعراني ~~دخل بزوجته في مصر عقب عودته إليها تنفيذا لما رأى في منامه. # وللمنامات عند المتصوفة مقام كبير، يحتذون في ذلك سنة رسول الله - صلوات الله عليه - فقد ~~جاء في كتب الصحاح أن النبي كان إذا أصبح يقول لأصحابه: «من رأى منكم رؤيا؟» يعني ~~أعبرها له. # والشعراني يقول في كتبه: إنه كان ينبه في المنام على الأمور التي تقع، كما كان ينبه على ~~أحواله ومقاماته وذنوبه وأخطائه من باب التأديب والتعليم بالرمز والإشارة. # والشعراني بنى بزوجته - كما يقول - ومضى عليها معه سبعة أشهر وهي بكر لم يدخل بها، ~~فنبه مناما على خطئه، ووجوب الدخول بها، وكان مرشده في الرؤيا هو السيد البدوي. # أو لعل الشعراني كان في حالة نفسية حالت بينه وبين الدخول بزوجته، فكان المنام الذي رأى ~~سببا في إصلاح تلك الحالة النفسية أو العقدة النفسية. # وعلى أي معنى من هذه المعاني، فقد صرح الشعراني بأنه لما عاد إلى مصر حصل ما أشار به ~~السيد في المنام؛ أي أنه دخل بزوجته في مصر لا في قبة البدوي. # وبذلك تنهار تلك الأقصوصة المسرحية التي نسجوها حول الشعراني، وما أكثر ما نسجوا حوله من ~~أقاصيص وأساطير! # | صلاته بالملوك والوزراء # يحدثنا الجبرتي وابن إياس والشعراني وعلي مبارك - وهم من مؤرخي مصر في العصر التركي - عن ~~لون الحياة في المدن والقرى المصرية، وعن لون الحكم الذي فرضه الأتراك على مصر حديثا عجبا ~~يخلع القلب، ويذهل العقل. # فلقد خضعت مصر خلال الحكم التركي لأقسى أنواع العذاب البربري ms111 الهمجي؛ إذ تولى أمورها حكام ~~طغاة جبابرة، وزاد من بشاعة جبروتهم جهلهم الفاضح، واستهتارهم بكل المقدسات ~~الإنسانية. # كانت مصر خلال هذا الحكم العسكري الدكتاتوري تعاني الظلم والفساد، ونشأ عن الظلم والفساد ~~في البيئات الحاكمة انتشار الجهل والفقر والمرض في ربوع الأرض الطيبة والوادي ذي الزرع ~~والخير العميم. # واختل الأمن وفقد الناس السلامة في كل شيء، فما بقي للمال أو الدين أو الحياة قيمة أو ~~كرامة. # يقول الجبرتي: «وقد كان من عادة الفرق العسكرية التركية أن تشارك أصحاب الحرف في مكاسبهم، ~~فيمضي الجندي منهم إلى التاجر، ويخلع سلاحه، ويعلقه في المحل، ويصبح شريكه في أرباحه.» # 1 # ثم يقول واصفا للفوضى العامة الشاملة: «وكان التاجر لا يكاد يستقر في متجره حتى يسمع ~~الناس يتصايحون ويتسابقون في العدو، وسرعان ما يحسبها فتنة قد شبت نارها؛ فيبادر ~~بإغلاق محله ويلوذ فرارا.» # ويقول صاحب «المناقب» متحدثا عن الفلاح والقرية المصرية: «وكان الفلاح في قريته ~~معرضا لنوع آخر من الفزع والجزع: كان القضاة والكشاف يحطون عليه ويطالبونه بدفع الضرائب ~~والأدوات، فإن عجز عن الدفع انتزعوا منه أرضه، وأذاقوه العذاب ألوانا وأشكالا بالمقارع ~~والكسارات، وعصر الرأس، وإمرار الطونس على ظهره، وإدخال البوص بين الظفر واللحم، والتعليق، ~~ووضع الخوذة المحماة بالنار على الرأس.» # 2 # ويقول ابن إياس واصفا للمباشرين الذين أذلوا الشعب المصري ونهبوا أمواله: «كان المباشرون ~~كالملوك يتصرفون في أمور الدولة بما يشاءون وليس على يدهم يد.» # 3 # وكان أخطر ما عانى الشعب المصري فوق ذلك أن العلماء - كما يقول المؤرخون - مشوا في ركاب ~~الطغاة من الحكام والولاة، وغدوا لهم بطانة وحاشية؛ فزادوهم ظلما وعدوانا، وأسبغوا على ~~ظلمهم وعدوانهم ظلا كاذبا من الدين. # وبقي المتصوفة وحدهم يحملون مشاعل الجهاد، ويصرخون في وجه كل جبار: قف، من أنت؟ # ورجال التصوف عرفوا دائما بانتفاضهم على الظلم والظالمين؛ لأنهم ارتفعوا بحياتهم فوق ~~الرغبة والرهبة، وسموا بإيمانهم فوق ما يذل الناس من شهوات، وفوق ما يخيف الناس من ~~جبروت. # أو كما يقول علي مبارك متحدثا عن موقف المتصوفة من جبروت الولاة ms112 الأتراك: ولكن هذا ~~الجبروت كان ينحل أمام زعماء المتصوفة. # ولقد تركزت قوة التصوف خلال هذا العهد في زعيم التصوف الشعراني، وبذلك تمثلت في الشعراني ~~مقاومة الشعب المصري وتمرده على الظلم والظالمين. # واستطاع الشعراني بإيمانه وشخصيته وجهاده أن يمثل سلطة الشعب، وأن يرد العدوان عنه، وأن ~~ينتزع له حقوقا من ظالميه. # سئل غاندي عن السر في أن الإنجليز لم يستطيعوا أن ينالوا منه، أو يخضعوه لسلطانهم مع ضعفه ~~وقوتهم، فقال: «يرجع ذلك إلى سببين؛ الأول: أني لا أملك شيئا يستطيع الإنجليز أن يأخذوه ~~مني، فحرصا عليه أخضع، والثاني: أني لا أطمع في شيء يستطيع الإنجليز أن يمنعوه عني، وطمعا ~~فيه أخضع.» # وكذلك كان موقف الشعراني من جبابرة الأتراك، لا يمد عينه إلى ما لديهم من متاع وجاه، ولا ~~يحرص على شيء في الحياة. # ويحدثنا الشعراني عن نفسه بأنه كان لا يقبل مالا أو هدية من حاكم، فإذا ألحوا عليه ~~تقبل المال بيده، وطوح به على مرأى منهم ومشهد من الناس. # بل لقد رفض أن يلتمس له أحد الوزراء معونة الخليفة في تركيا، وكانت في ذلك الوقت شرفا أي ~~شرف، وأملا أي أمل. # وكان الشعراني في تواضعه يتكبر على المتكبرين، ويتعالى على هؤلاء الجبارين؛ ليحفظ كرامة ~~إيمانه، وكرامة شخصه، وكرامة وطنه. # قال له الوزير الأعظم، علي باشا، عندما عزم على الرحيل إلى تركيا: إننا مقربون إلى ~~الخليفة؛ فهل لك حاجة عنده؟ فأجابه الشعراني في عزة المؤمن: ألك حاجة عند الله؟ إننا مقربون ~~إلى حضرته. # وبتلك العزة الإيمانية يرى الشعراني أن الملوك في طاعته؛ لأنه في طاعة الله، وفي مصالح ~~عباده، يقول الشعراني: «تشفعت عند السلطان الغوري، والسلطان طومان باي، وخاير بك، وغيرهم من باشوات ~~مصر، فقبلوا شفاعتي، وذلك معدود من جملة طاعة الملوك لي.» # 4 # وبتلك العزة الإيمانية غدا الشعراني المحامي الأول عن الشعب المصري، أو كما يقول: «ومما ~~من الله به علي كثرة قبول شفاعتي عند الأمراء، ولا أعلم الآن أحدا في مصر أكثر مني ~~شفاعة عند الولاة، فربما يفنى الدست ms113 الورق في مراسلاتهم في حوائج الناس في أقل من ~~شهر.» # وارتفعت مكانة الشعراني بدفاعه عن الشعب، وبإيمان الملوك والوزراء بأنه رجل فوق الإغراء، ~~وفوق المادة، وفوق وظائفهم، وفوق ما يستعبدون به الناس، وقد امتحنوه سرا وجهرا، فأرسلوا ~~له الأموال والخيرات، فردها عليهم، فأعادوها سرا ، فازداد اعتصاما وإصرارا. # وعرضوا عليه الوظائف والهبات من الخليفة، فأبى أن يأخذ مالا من حاكم، أو حتى أن يأكل من ~~طعامه؛ لأن في ذلك ما يخدش عقيدته، وما يخدش رسالته. # وطارت شهرة للشعراني بأنه رجل كرامات وآيات، وأن من يعصي له أمرا ينكب في ماله، أو جاهه، ~~أو حياته. # ويحدثنا صاحب «المناقب» عن إيمان جبابرة الترك من الولاة والوزراء بكرامات الشعراني وقوته ~~فيقول: فقد ترتب على هذا الخوف أن الولاة كان إذا زارهم الشعراني أسرعوا إليه يقبلون ~~يديه، ويتبركون به، ويجلسون على الأرض بين يديه، ويسارعون إلى قضاء أوامره وشفاعاته. # ويقول لنا صاحب «المناقب» أيضا: إن الأمراء كانوا يلتمسون منه أن يوصي بهم خيرا أينما ~~اتجهوا في أرجاء الإمبراطورية التركية، حتى إنه كتب مرة يوصي العجم والروم بالأمير جاثم ~~الحمزاوي، كما كان يولي القضاة والمحتسبين وكبار الموظفين، ويرجع إليه في كل أمور الدولة ~~صغيرها وكبيرها. # بل إن علي مبارك ليحدثنا عن خوف الإمبراطورية التركية كلها من الشعراني، ومسارعتها إلى ~~إرضائه اتقاء لغضبه. # ويكفي للدلالة على مكانة الشعراني ما يرويه لنا أيضا علي مبارك، من أن أحد الولاة تعرض ~~لذرية الشعراني بعد وفاته، فتسامع السلطان في تركيا بأنباء هذا العدوان، مع أن أحدا من ~~ذريته لم يرفع شكواه إليه، فأرسل السلطان بكف العدوان عنهم، وهدد من ركب رأسه في مناوأتهم ~~باعتباره طريد القانون، وأنذر بإهدار دمه جزاء عناده. # حتى الموت لم يستطع أن يحجب نفوذ الشعراني؛ لأنه نفوذ قام على الإيمان والعقيدة، وكل ما ~~يتصل بالإيمان والعقيدة خالد لا يفنى. # | الزعيم الروحي والشعبي # في الشعراني تمثلت خصائص الزعيم الشعبي والمكافح على أكمل ما تكون هذه الخصائص من قوة ~~نفسية متمردة على الظلم، وقوة بيانية تثير العواطف، وتلهب ms114 الحس، وفوق هذا وذاك الحاسة ~~الشعبية الساحرة التي تشعر بأحاسيس الجماهير، وتتفاعل معها - حتى كأنها منها - وهي تقودها ~~وتهيمن عليها. # وفي الشعراني تمثلت خصائص الزعيم الديني الملهم على أوضح ما تكون تلك الخصائص، من قوة ~~إيمانية لا يرهبها الظلم، ولا ينال منها الإغراء، وقوة أخلاقية لا تلين للشهوات، ولا تميل ~~مع الأهواء، وفوق هذا وذاك ذلك السحر الصوفي الأخاذ الذي يضفي على صاحبه هالات القداسة، ~~وأضواء الحب والإجلال. # وقل بين رجال التاريخ من جمع بين هذين اللونين من ألوان الزعامة، فلا غرو إذا رأينا ~~الشعراني يظفر بين معاصريه بالقيادة العامة التي لا تطاولها زعامات، ولا تدنو منها ~~مقامات. # ولقد كان موقف الشعراني في وجه القوة التركية، ممثلا في الولاة والوزراء، البداية ~~الحقيقية لبناء الشخصية المصرية المستقلة، التي توارت طويلا تحت حكم المماليك والأتراك، ~~حتى وجدت في الشعراني فجرها وصاحبها، فتركزت حوله آمالها وأمانيها، وأخذت تتكون حوله شيئا ~~فشيئا أولى المجموعات الشعبية المصرية بخصائصها ومميزاتها؛ لتأخذ دورها التاريخي الذي ~~تجلى مشرقا غلابا خلال حملة نابليون على مصر وما تلاها من أحداث. # وحول الشعراني أيضا تركزت الآمال في نهضة دينية تعيد للدين شبابه الأول، وقداسته ~~السابقة، وحرارته الإيمانية التي أضعفتها أحداث التاريخ، ونال منها جمود العلماء، وجهل ~~الجماهير. # وكان من زكاة هذه الزعامة الشعبية أنه أعرض عن الوظائف الحكومية؛ لأنه ثائر، ولأنه زعيم ~~قائد، والوظائف الحكومية دائما تنال من ثورة الزعيم كما تنال من مكانته. # وكان من علامات النجاح لهذه الزعامة الدينية أنه ابتعد بزاويته عن الأزهر، وبذلك أنقذها ~~من الجمود الفكري والجدل اللفظي الذي خيم عليه في تلك العصور، كما حرر أتباعه وتلامذته من ~~أساطير أدعياء التصوف ومباذلهم، ليرتفع بهم إلى جوهر الدين، وليعود بهم إلى صفائه الأول، ~~وانطلاقه العلمي، وجهاده العملي، وغايته المقدسة التي تهدف إلى خير الإنسانية بتلقينها أسمى ~~المبادئ الأخلاقية، وأنبل الفضائل الاجتماعية. # وجهاد الشعراني الديني في سبيل تحرير العقول الإسلامية من الجمود والأساطير لم يشغله ~~يوما عن جهاده الشعبي في سبيل إنقاذ الجماهير من ظلم الولاة واستعباد ms115 الأمراء. # وبذلك ربط الشعراني بين الدين والدنيا، وأحيا الصلة التي لا تنفصم بين رسالة الإسلام ~~التعبدية العلمية ورسالته السياسية الشعبية. # هاجم الفقهاء وأدعياء التصوف باسم الدين وباسم الجماهير الإسلامية، وكافح الولاة والأمراء ~~باسم الدين أيضا، ولحساب الكتلة الشعبية؛ لأن هدف المجاهد الإسلامي والقائد الشعبي هدف ~~موحد مشترك. # يقول الشعراني: «هاكم السادة العلماء، للواحد منهم عدة وظائف: هو واعظ في المسجد، وموظف ~~في الحكومة، وطبيب للعائلة، ولا يقوم بإحدى هذه الوظائف على الوجه الذي يرضي الله، بل هي ~~سبيل للمال الحلال أو الحرام. لقد عزمنا نحن المتصوفة على رفض الخدمة الحكومية لنتفرغ لخدمة ~~الناس كافة.» # ولا ينسيه هذا النقد العنيف للعلماء الذين كان واجبهم الأول هو إرشاد الناس لا جمع المال ~~من أوجهه الحلال والحرام، أن يوجه قلمه إلى نقد الظالمين من الحكام الذين أحالوا حياة ~~الفلاح المصري إلى جحيم لا يطاق، يقول الشعراني: «كان الفلاح عند موته في أحلك الأيام ~~السابقة يترك شيئا من الدراهم لأولاده، ولكنه الآن بفعل الظالمين من الولاة لا يستطيع إلى ~~ذلك سبيلا. هو يبيع الحاصلات والبقرة والثور لتسديد ما عليه من الضرائب، وإذا لم يتمكن من ~~تسديد ما عليه سجن مع زوجته وأولاده.» # ومن أجل تلك الصورة الصارخة لحياة الفلاح المصري المؤلمة، نذر الشعراني نفسه للجهاد في ~~سبيل المظلومين كلية، أو كما يقول الشعراني: «لقد عزمنا نحن المتصوفة على رفض الخدمة ~~الحكومية لنتفرغ لخدمة الناس كافة.» # ولقد ظل الشعراني إلى آخر نفس له في الحياة مجاهدا لا تلين له قناة، ولا تخفض له راية، ~~ولا تزلزله أحداث، ولا ترهبه قوى. إنه مجاهد في سبيل الله فلا يخشى سواه، شعاره دائما ~~كلمته الخالدة: «لو انفض الناس جميعا من حولي واهتزت شعرة مني؛ فقد كفرت بالله.» # | الشعراني رجل المثالية الخلقية # وبعد، فإن كان الشعراني كزعيم شعبي وكمجاهد صوفي قد شاركه في الجهاد والزعامة كثيرون من ~~رجال التاريخ، فإن الشعراني - كما أومن - ينفرد بخلق إنساني رحيم كريم مثالي، لا أظن أن ~~غيره يبلغ مبلغه عمقا وإيمانا. # كان الشعراني ms116 بحق رجل الأخوة الإنسانية على أدق معاني تلك الأخوة؛ ولهذا كان يشارك ~~بوجدانه، بل بكل أحاسيسه المظلومين والمحرومين؛ يشقى لشقائهم، ويتألم لألمهم. يقول ~~الشعراني: «إني لأشعر بشعور المعذبين والمظلومين حتى لكأن كل عذاب أو ظلم وقع بأحد من الناس ~~وقع بي.» # وكان الشعراني يرى أن الإنسان لا يكون إنسانا إلا إذا شارك الناس كافة في أحزانهم ~~وآلامهم؛ لأن الإنسانية وحدة متماسكة خيرها مشترك، وعذابها مشترك، يقول: «من ضحك، أو استمتع بزوجه، أو لبس ثوبا مبخرا، أو ذهب إلى مواضع المتنزهات أيام نزول ~~البلاء على المسلمين فهو والبهائم سواء.» # وكان الشعراني رحيما بالناس، ورحيما بنوع خاص بالعصاة والمذنبين؛ لأنهم أشد الناس ~~ضعفا، وأحوجهم إلى العطف والنصح والرحمة، يقول متحدثا عن مبادئه: «ثم ستري لعورات الناس ~~وعيوبهم ورحمتي بالعصاة حال تلبسهم بالمعصية؛ فإنهم أشقى الناس حينئذ.» # ويقول: «ثم كثرة رفقي ورحمتي لمن شكا إلي كثرة محبته للمعاصي؛ لأنه مريض، ثم غيرتي على ~~أذني أن تسمع زورا، وعيني أن تنظر محرما، ولساني أن يتكلم باطلا.» # وتمتد رحمة الشعراني إلى الحيوان الأعجم؛ لأنه ضعيف مسخر للإنسان «ثم كثرة شفقتي على ~~دابتي وكراهتي أن أحمل سوطا.» # بل لقد كان الشعراني يرى أن العبادة لا تصلح إلا بصلاح القلب ونقاء الأخلاق، فكان لا يقوم ~~إلى الصلاة إلا إذا فتش قلبه: هل فيه غل أو حقد أو حسد أو نميمة، أو شهوة صغيرة أو كبيرة؟ ~~بل كان يستحي أن ينام وفي قلبه شيء من هذا؛ لأن النوم رحلة الروح إلى الملأ الأعلى. # ويستطرد قائلا: «ثم أخذي كل كلام وعظت به الناس في حق نفسي أولا، وفي حق الناس ~~ثانيا، واستغفاري من ذلك ثالثا، ثم عفوي العام عن كل مسيء إلي، ثم كثرة اهتمامي بحمل ~~هموم عدوي قبل اهتمامي بهموم صديقي.» # ويسمو الشعراني في أدب النفس، ويرتفع في معارج الأخلاق، فيقول: «ومما أنعم الله به علي ~~عدم خروجي من بيتي إلا إذا علمت من نفسي القدرة - بإذن الله - على هذه الثلاث خصال: تحمل ~~الأذى عن الناس، وتحمل الأذى ms117 منهم، وجلب الراحة لهم.» # فإذا كملت هذه الثلاث ارتفع الشعراني درجة بل درجات، فيضع (الطيلسان) على وجهه؛ ليكف ~~بصره عن فضول الناس. # تلك الكلمات المضيئة؛ الكلمات الروحية الصافية التي تتلألأ بالنبل والشرف، هي بعض خلق ~~الشعراني، وإنه لخلق يرفعه درجات ودرجات فوق علمه وزعامته ... # طه عبد الباقي سرور نعيم # 20 ربيع الأول سنة 1372 # 8 / 12 / 1952 ms118