######OpenITI# #META# URI: 1382TawfiqHasanShartuni.MinHayyIlaMayyit.Hindawi31741860 #META# Tags: literature #META# ID: 31741860 #META# Title: من حي إلى ميت: إلى أخي #META# AuthorID: 86907370 #META# Author: توفيق حسن الشرتوني #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # يا أخي‏ # حياة المرحوم أخي‏ # الرسالة الأولى1‏ # الرسالة الثانية1‏ # الرسالة الثالثة1‏ # الرسالة الرابعة1‏ # الرسالة الخامسة1‏ # الرسالة السادسة1‏ # الرسالة السابعة1‏ # الرسالة الثامنة1‏ # الرسالة التاسعة1‏ # الرسالة العاشرة1‏ # الرسالة الحادية عشرة1‏ # الرسالة الثانية عشرة1‏ # الرسالة الثالثة عشرة1‏ # الرسالة الرابعة عشرة1‏ # الرسالة الخامسة عشرة1‏ # الرسالة السادسة عشرة1‏ # الرسالة السابعة عشرة1‏ # الرسالة الثامنة عشرة1‏ # الرسالة التاسعة عشرة1‏ # الرسالة العشرون1‏ # الرسالة الواحدة والعشرون1‏ # الرسالة الثانية والعشرون1‏ # الرسالة الثالثة والعشرون1‏ # الرسالة الرابعة والعشرون1‏ # الرسالة الخامسة والعشرون1‏ # الرسالة السادسة والعشرون1‏ # الرسالة السابعة والعشرون1‏ # الرسالة الثامنة والعشرون1‏ # الرسالة التاسعة والعشرون1‏ # الرسالة الثلاثون1‏ # الرسالة الواحدة والثلاثون1‏ # الرسالة الثانية والثلاثون1‏ # الرسالة الثالثة والثلاثون1‏ # الرسالة الرابعة والثلاثون1‏ # الرسالة الخامسة والثلاثون1‏ # الرسالة السادسة والثلاثون1‏ # الرسالة السابعة والثلاثون1‏ # الرسالة الثامنة والثلاثون1‏ # الرسالة التاسعة والثلاثون1‏ # الرسالة الأربعون1‏ # الرسالة الواحدة والأربعون1‏ # الرسالة الثانية والأربعون1‏ # الرسالة الثالثة والأربعون1‏ # المراثي‏ # يا أخي‏ # حياة المرحوم أخي‏ # الرسالة الأولى1‏ # الرسالة الثانية1‏ # الرسالة الثالثة1‏ # الرسالة الرابعة1‏ # الرسالة الخامسة1‏ # الرسالة السادسة1‏ # الرسالة السابعة1‏ # الرسالة الثامنة1‏ # الرسالة التاسعة1‏ # الرسالة العاشرة1‏ # الرسالة الحادية عشرة1‏ # الرسالة الثانية عشرة1‏ # الرسالة الثالثة عشرة1‏ # الرسالة الرابعة عشرة1‏ # الرسالة الخامسة عشرة1‏ # الرسالة السادسة عشرة1‏ # الرسالة السابعة عشرة1‏ # الرسالة الثامنة عشرة1‏ # الرسالة التاسعة عشرة1‏ # الرسالة العشرون1‏ # الرسالة الواحدة والعشرون1‏ # الرسالة الثانية والعشرون1‏ # الرسالة الثالثة والعشرون1‏ # الرسالة الرابعة والعشرون1‏ # الرسالة الخامسة والعشرون1‏ # الرسالة السادسة والعشرون1‏ # الرسالة السابعة والعشرون1‏ # الرسالة الثامنة والعشرون1‏ # الرسالة التاسعة والعشرون1‏ # الرسالة الثلاثون1‏ # الرسالة الواحدة والثلاثون1‏ # الرسالة الثانية والثلاثون1‏ # الرسالة الثالثة والثلاثون1‏ # الرسالة الرابعة والثلاثون1‏ # الرسالة الخامسة والثلاثون1‏ # الرسالة السادسة والثلاثون1‏ # الرسالة السابعة والثلاثون1‏ # الرسالة الثامنة والثلاثون1‏ # الرسالة التاسعة والثلاثون1‏ # الرسالة الأربعون1‏ # الرسالة الواحدة والأربعون1‏ # الرسالة الثانية والأربعون1‏ # الرسالة الثالثة والأربعون1‏ # المراثي‏ # | من حي إلى ميت # | من حي إلى ميت # | إلى أخي # تأليف # توفيق حسن الشرتوني # كتبها المؤلف إلى روح المرحوم أخيه طانيوس المنتقل إلى رحمته تعالى في عاصمة المكسيك ~~نهار الخميس الواقع في 6 حزيران سنة 1929 الساعة الأولى، والدقيقة الخامسة بعد ~~الظهر. # | يا أخي # أخاطبك الآن مبتدئا بهذه الكلمات التي كتبتها على بطاقة نعيك، ووضعتها في ms01 تابوتك ~~ضمن زجاجة مختومة. # ووالدك الحزين، وأخوك المقصوص الجناح، وعقيلة أخيك، وشقيقتاك وولدي: رفيق وسلوى، ~~كلهم يستمطرون على ضريحك الرحمة والرضوان، ويحملون في قلوبهم اسمك الطاهر المقرون ~~بالعفة والوداعة ورقة الشعور. # فسلام الله عليك، وعلى الوالدة التي طوتها الأرض، كما طوتك الآن شابا في ميعان ~~الشباب وزهوة العمر. # أخوك الحزين # توفيق # مكسيكو في 6 حزيران سنة 1929 # رسم المؤلف توفيق حسن نادر الشرتوني. # رسم المرحوم طانيوس حسن نادر الشرتوني وهو في الحادية عشرة من ~~عمره. # آخر رسم للمرحوم طانيوس حسن نادر الشرتوني وهو في الثامنة والعشرين من ~~العمر. # | حياة المرحوم أخي # طانيوس حسن نادر الشرتوني # مولده وحداثته # أبصر المرحوم أخي طانيوس النور في مدينة ليوبولدينا، من أعمال ولاية ميناس، التابعة ~~لجمهورية البرازيل في الساعة السابعة من صباح الثلاثاء، الواقع في اليوم السابع من شهر ~~آب سنة 1900. # وقد أخبرني أبي بأن الوالدة مرضت مرضا عضالا حينما كانت حاملا به، ولم تحصل ~~على الشفاء التام إلا بعد ولادته، وربما كان هذا المرض قد أثر على مستقبل ~~صحته. # وفي السنة الثالثة من عمره، جيء به من البرازيل إلى لبنان برفقة والديه، وعاش في ~~البيت الأبوي في مسقط رأسنا شرتون، البلدة الواقعة في الجرد الجنوبي من قضاء ~~الشوف. # كان - رحمه الله - العزيز الغالي على والديه وشقيقه وشقيقتيه؛ لأنه صغير العيلة، ~~وكنارها المغرد، وحسونها الجميل. # في المدرسة # دخل مدرسة القرية في السنة السابعة من عمره، ولم أزل أذكر أن الوالدة كانت تأخذه ~~إليها بنفسها كل يوم، وكثيرا ما حملته، لفرط حبها له. # وقد تعلم أصول القراءة والكتابة بسرعة فائقة، وأحب المدرسة حبا جما؛ حتى إنه ~~لم يبرحها بلا سبب يوما واحدا. # حينما بلغ الحادية عشرة من عمره مرض بالحمى «التيفوس»، فاشتدت وطأتها عليه، وأوشكت ~~أن تودي بحياته، ولكنه عوفي منها بعد عناء طويل، وعادت إليه صحته. # في عامه الثاني عشر دخل مدرسة الحكمة المارونية، وأظهر رغبة عظيمة في تحصيل العلم، ~~واجتهادا خارقا في مثابرته على دروسه، وذكاء وقادا، وقوة كبرى في حافظته. # ولكنه لسوء الحظ ms02 لم يقم في مدرسة الحكمة إلا سنتين وبعض أشهر؛ لاستعار الحرب الكونية، ~~وإقفال أبواب المدرسة في وجه طلابها. # ترك المدرسة مرغما في أواخر سنة 1914، وعاد إلى شرتون، ولشدة رغبته في العلم، كان ~~أحيانا يؤم الصرح البطريركي الكاثوليكي في عين تراز؛ ليدرس على بعض الرهبان ~~الأفاضل، ويتعلم منهم، ويمارس معهم التكلم باللغة الإفرنسية. # أقام مدة الحرب الكونية في البيت الأبوي، وبئس الذكرى ذكرى تلك الحرب المشئومة، التي ~~كانت وبالا على لبنان وعلى الإنسانية جمعاء. # ولقد أخبرني أحد الثقات بأن أخي كان في ذلك الحين - رغما من صغره - يحنو على الفقراء ~~ويؤاتيهم ، وكان يذهب بنفسه ويحمل قطعة من الخبز وصحفة من الحساء لجارة أنهكها المرض ~~والجوع، وأقعداها عن العمل. # وحدثتني إحدى النسيبات أيضا - وهي لم تزل في قيد الحياة وقد عضها الجوع بنابه في ~~أيام الحرب - بأن أخي كان دائما يزودها ببعض الأغذية لأولادها، ويعطيها كل ما تطلب ~~منه. # نزوحه إلى المكسيك # عند انتهاء الحرب العالمية، كتب إلي إلى المكسيك بأنه يود السفر إلى حيث أنا نازل، ~~أو الرجوع إلى المدرسة، فأجبته مشيرا عليه بأن يعود لإتمام دروسه، ثم خيرته بين طلب ~~العلم أو السفر. # فأجابني مؤثرا السفر، وهذا ما قاله في إحدى رسائله: # يا أخي: # لا أرى بعد هذا السن من مسوغ للعودة إلى المدرسة؛ لأن موعد النزول إلى ساحة ~~العالم قد حان، والعالم هو المدرسة الكبرى لمن بلغوا سني، وفضلا عن ذلك، كن ~~على ثقة بأني سأساعدك في أشغالك مساعدة فعالة، وأتعلم منك ومن الناس الذين ~~أعاشرهم ما ينقصني من العلم، هذه هي مقاصدي، سأقوم بها إن شاء المولى ~~الكريم. # وقد قام بها فعلا خير قيام - رحمه الله. # في منتصف شهر آب من سنة 1919 غادر أخي لبنان قاصدا المكسيك، مرافقا لابن العم ~~داود سليم الشرتوني. # وصل إلى العاصمة مكسيكو في أواخر شهر أيلول من تلك السنة، وكان عمره وقتئذ تسع ~~عشرة سنة، وأما يوم التقائي به، فكان أبهج يوم عرفته في حياتي، كما أن يوم وفاته ~~كان أشأم أيام ms03 عمري. # حياته التجارية # شرع منذ وصوله يشتغل معي في محلنا التجاري، ولم يمض عليه شهر واحد حتى أصبح يجيد ~~التكلم باللغة الأسبانية، ويعرف البضائع الكثيرة المختلفة الأنواع والأشكال بأسمائها ~~وأسعارها، فجعلته شريك النصف معي فورا دون أن أدقق في اختباره؛ لأني لم أر حاجة ~~إلى ذلك، بحيث وجدته من أفضل الرجال سيرة وسريرة، ومن أنقاهم يدا، وأعفهم ~~لسانا، ومن أكثرهم ثباتا في العمل، وأرجحهم في العقل وحسن التدبير. # وفاة الوالدة في الوطن وشدة التياعه عليها # في أوائل آذار من سنة 1923 تلقينا عن الوطن كتابا من الوالد الجليل، ينعي إلينا ~~والدتنا الحنون ، التي اخترمتها المنية في 8 شباط من تلك السنة المشئومة، فوقع خبر ~~وفاتها علينا وقع الصاعقة، خصوصا على أخي، الذي كان يحب أمه حبا يقرب من ~~العبادة، ولا أزال أذكر أنه مرض مرضا شديدا من جراء فقدها، وشدة حزنه ~~عليها، زد على ذلك، بقي كل حياته بعدها يردد هذه العبارة: «لقد ودعت ~~صفو العيش بعدك يا أماه.» # عودتي إلى الوطن، وإظهار مقدرته ونبوغه # في الخامس والعشرين من شهر تشرين الأول سنة 1923 غادرت المكسيك، قاصدا لبنان، إجابة ~~لطلب الوالد الحنون، فودعت أخي بعد أن ألقيت على عاتقه مقاليد الأشغال كلها، ~~فأخذ يدير بنفسه محلنا التجاري، ومعاملنا الواسعة، التي كانت تحوي ما يزيد على مائة ~~وخمسين عاملا بدقة ونظام عجيب، مع كونه في ذلك الحين كان لم يتجاوز بعد الثالثة ~~والعشرين ربيعا. # فشهد له المواطنون والأجانب بطول الباع في الإدارة، وحدة الذكاء، والثبات النادر ~~في تسيير الأشغال التجارية على أحسن ما يرام، حتى أصبح ممدوحا بكل شفة ولسان، ~~ومعدودا من أقدر رجال الأعمال، وأحسنهم تدبيرا بالنسبة إلى صغر سنه ~~واقتداره. # رجوعي إلى المكسيك مصحوبا بعيلتي # في أوائل نيسان من سنة 1928 تلقيت كتابا من النسيب خليل أسعد نادر الذي كان ~~مستخدما في محلنا التجاري، يلح علي بالعودة إلى المكسيك؛ لأن أخي معتل الصحة، ~~لا يستطيع القيام بأعباء أشغالنا. ثم استلمت تحريرا من أخي ينبئني بأن الأطباء ~~الذين فحصوه مدققا ms04 اتفقت كلمتهم على شفائه قريبا. # وأما أنا فلم يعد يهنأ لي عيش في بيروت، فودعت الوالد الحنون، وأبحرت إلى ~~المكسيك في 16 نيسان سنة 1928 مصحوبا بعقيلتي وولدنا رفيق، الذي كان عمره حين ذاك سبعة ~~أشهر لا غير. # وصلنا إلى مكسيكو في سبعة حزيران من السنة المذكورة، وكان استقبال أخي لنا ~~استقبالا حافلا، وسروره بالتقائه بنا عظيما للغاية، وأما فرحه بولدنا رفيق كان لا ~~يحد ولا يوصف، وهكذا كانت محبته له ولشقيقته سلوى، التي ولدت في ~~مكسيكو. # كان - رحمه الله - يعطف عليهما كثيرا، ويرمقهما دائما بحنانه، وقد جاء على ~~ذكرهما مرارا في ساعته الأخيرة. # بعد بضعة أيام من وصولنا ذهبت وإياه نستشير بعض نطس الأطباء عن صحته، وبعد أن ~~فحصوه فحصا مدققا، ارتأوا أن يذهب إلى بلدة تواكان من أعمال ولاية بدابلا لأجل ~~تغيير الهواء، والتماس الراحة التامة من عناء الأشغال، فذهب حالا مصحوبا بصديقه ~~الحبيب ابن خالته عزيز، وبقي هناك شهرا كاملا، ثم عاد إلى العاصمة متمتعا بالصحة ~~التامة. # مرضه الأخير - وفاته # في غرة شهر حزيران سنة 1929 شعر أخي برشح بسيط، فأعطاه طبيب العيلة مسهلا، وفي اليوم ~~الثاني نزل إلى المحل التجاري، وقضى طيلة نهاره يشتغل فرحا مسرورا، لا يعلم ماذا ~~تخبئ له الأقدار؛ لأنه أصبح في اليوم الثالث من شهر حزيران محموما، فجاء حالا طبيب ~~العيلة، وبعد أن فحصه أشار علينا بوضع ممرضة له، ثم قال بأن مرضه بسيط جدا، ~~وسيشفى قبل انتهاء الأسبوع. # وفي منتصف ليلة خامس حزيران طلبني إلى سريره، فذهبت إليه، ثم تبعني الطبيب، وبعض ~~الأقارب الذين جاءوا للسؤال عنه؛ ولتمضية السهرة عندنا، فجلس في فراشه، وأخذ يودعني، ~~ويودع الحاضرين قائلا لي: إن قوة إلهية أوحت إليه بأنه غدا يموت، مع كونه كان يتقدم ~~إلى الصحة، فأخذنا نمازحه، ولم نعبأ بكلامه. # وفي اليوم الثاني - أعني في 6 حزيران - دهته نوبة قلبية أودت بحياته، فقضى ~~مبكيا على شبابه وحميد خلاله، ليس فقط من أهله وذويه، بل من كل من عرفه، ~~وسمع به. # وفي اليوم السابع ms05 من شهر حزيران سير بنعشه إلى المدفن الإفرنسي باحتفال مهيب، ~~مشت وراءه الجالية اللبنانية السورية بأسرها، وشيعه جمهور غفير من المكسيكيين، ~~وكبار رجال الأعمال الأجانب. # صفاته ورجاحة عقله وحبه للعلم # كان - رحمه الله رحمة واسعة - صادقا، أبي النفس، حرا، عفيفا، طاهر الذيل، لم ~~يسئ إلى أحد في حياته. # وكان ذا عقل راجح، وأفكار سامية، ومبادئ قويمة. # وكان يحب العلم محبة عظيمة، ولو أمد الله بعمره لترك التجارة وانصرف ~~بكليته لاقتباسه؛ لأنه صرح لي بهذا مرارا، وكان يقول دائما بأن أفضل الناس ~~العلماء؛ لأنهم يضحون بنفوسهم لفائدة سواهم، وأما رجال المال فلا يضحون من أجل الناس ~~بشيء مذكور بالنسبة إلى أولئك. # أسكنه الله فسيح جناته، وألهمنا من بعده الصبر الجميل. # | الرسالة الأولى1 # يا جناحي الوحيد # يا أخي: # منذ تسعة أشهر اخترمتك المنون يا أخي، وحتى الآن لم أقدر أن أكتب كلمة واحدة في ~~رثائك. # إن الحزن الشديد الذي استحوذ علي من جراء فقدك قد أجهز على دماغي، وجعله مشتتا ~~لا يقوى على التعبير عن شدة انفعالي، وتأثري لموتك. # يا جناحي الوحيد: كنت أؤمل أنك ترافقني في الحياة، وتغمض جفني عند الممات، وتكون ~~عضدا لولدي؛ لما بيني وبينك من تفاوت في السن، ولكن الموت الذي لا يرحم كبيرا ~~ولا صغيرا، قد قصف جناحي، ودك معالم آمالي وأحلامي. # إن دمعي الذي ينهمر عفوا عند ذكراك لهو أبلغ من قلمي في التعبير عن آلامي الجسدية، ~~وجناني الذي يختلج اختلاجا عند التأمل بك لهو أفصح من لساني في وصف هواجسي ~~النفسانية. # يا أخي: # يتجدد شجني كلما فكرت بأن الطبيعة كانت قاسية عليك؛ لأنها أردتك قبل أن يحمل ~~ورد شبابك زهرا، وغصن حياتك ثمرا. # إن حكمها - وايم الحق - هو حكم القوة على الضعف، حكم يشمل في هذا الكون كل ذي ~~الحياة. # إلى اللقاء يا أخي، إلى حيث تتجدد الأرواح والأجساد. # | الرسالة الثانية1 # أين أنت يا أخي؟ # في صباحي ومسائي أسألك يا أخي، أين أنت؟! # سؤال مبتذل وجهه قبلي ملايين من الأحياء إلى ملايين من الأموات، ولم ms06 ~~يجابوا. # لعمري يستحيل علينا - نحن الأحياء - مخاطبة الأموات؛ لأننا نجهل سر الموت. # وأما أنتم - أيها المنتقلون إلى رحمة الله، الذين امتحنوا الحياتين وعرفوا ~~الدارين - لماذا لا ترشدونا إلى داركم، ولا ترسموا لنا سبل مناجاتكم، وكيفية الوصول ~~إلى مخاطبتكم؟ # ألا تحنون إلينا، كما نحن إليكم؟! # يا أخي: # لا أسألك الآن عن جثمانك، لأني أعلم أنه عاد إلى التراب الذي جبل منه، ولكني أطلب منك ~~علما، أين هو ذلك الوجدان الذي كان يحوي رجاحة عقلك وسلامة ضميرك؟! # وأين هي تلك الشواعر الرقيقة التي كانت ترافقك في حياتك؟! وبكلمة وجيزة: أين هو ذلك ~~الجوهر الذي كان ينير ذهنك، ويقودك إلى الصراط القويم؟! # إن جوهرك لم يمت يا أخي، فكما كنت حيا في الجوهر قبل أن ولدتك أمك، هكذا أنت لم ~~تزل حيا بعد موتك. # ولكني لا أدري أين أنت؟! # يا أخي: # إذا لم تشأ مخاطبتي، وأنا مستملك حواسي، زرني في الليل ساعة رقادي، واكشف لي عن ~~جوهر ذاتك، وعلمني كيف أناجيك. # انزع - إن استطعت - هذا الحائط الكثيف القائم سدا منيعا بين عالمك وعالمي، ثم تجل ~~علي بروحك، وهبني معرفة الآخرة، وحقيقة الحياة بعد الموت. # أشرف لحظة من كوة سمائك، وقل لي - على الأقل - أين أنت؟ # | الرسالة الثالثة1 # على فراش الموت # يا أخي: # إن قلبك الذي كان متغلبا على كل مصاعب الحياة ومساوئها، عجز عن مغالبة الداء الذي ~~تغلغل في أحشائك، واستولى في مدة وجيزة على أسوار حياتك. # جاءك الموت على غرة، وانتزعك انتزاعا من أحضان أخيك؛ لأن الداء الذي انتابك لم ~~يمهلك إلا ثلاثة أيام، وقد ظنه الأطباء عارضا بسيطا فكان قاتلا. # إنه - لعمري - كان داء خفيا، والأطباء في الأمراض الخفية يخبطون خبط عشواء، فكم ~~مرة يداوون الكبد، والداء في المفاصل! ويعالجون الرئة، والداء في القلب! # ولهذا السبب لا أدري؛ هل استعجل موتك الطبيب في سوء طبابته، أو الضربة كانت قاضية ~~عليك؟ # يا أخي: # في إبان مرضك لم تظهر ضعفا ولا انتهاكا؛ ولهذا السبب لم يدر في خلدي قط أنك ~~على خطر، وأما ms07 أنت فكنت عارفا مصيرك؛ لأنك ودعتني في مسائك الأخير، وفهت أمامي ~~بكلمات خالدات سأدونها لذكراك في تحاريري الآتية. # اعذرني يا أخي، حيث لم أعر وداعك انتباها؛ لأني حسبته وداع خائف على نفسه، لا ~~وداع رجل متثبت من حقيقة أمره. # يا أخي: # أتمثلك دائما على فراش الموت، أتمثل شبابك الذاوي، الذي كان مثالا للجد والنشاط ~~والحركة الدائمة، كيف أصبح من جراء الموت معدما خامدا؟! # أنا متعطش لمرآك، ولاستماع صوتك العذب، أفتش عنك في كل مكان، ولكن بلا جدوى، وأسأل ~~هذه الطبيعة الجائرة: أين انتثرت ذرات جسدك؟! # تلك الذرات الحية التي كان مجموعها أنت. # أين ذهبت تلك الجواهر التي لا يقوى الموت على إبادتها ؟! هل اتخذ النسيم والماء العذب ~~بعضها؟ وتوزع البعض الآخر بين الأزهار والأثمار والنبات؟ # فإذا كان الأمر هكذا، فأنت إذن يا أخي في النسيم والماء، وفي الزهر والثمر، وفي كل ~~مكان. # إن برد النسيم يحضن برد قلبك، وصفاء الماء يحمل صفاء ذهنك، وجمال الأزهار تنشر جمال ~~خلقك وخلقك، وشذا الرياحين تعلن شذا أخلاقك وطيب أدبك، ولذة الأثمار تحوي طلاوة معشرك ~~ولذة حديثك. # لقد غيبك الموت عني يا أخي، ولكني دائما أتخيلك أمامي في كل شيء حسن، وفي كل مكان ~~جميل. # | الرسالة الرابعة1 # الليلة الأخيرة # يا أخي: # لا أنسى - ما حييت - ساعة شاهدتك في مسائك الأخير، متكئا على فراشك، وبين يديك ~~رسم الأبوين، متذكرا طفولتك وأيام صبوتك، حين كنت ترتع هنيئا في البيت الأبوي بين ~~أحضان والديك. # في تلك الساعة كان تنهدك عميقا، وكنت تارة تضع الرسم على فمك وتقبله بشوق ~~وحنان زائدين، وطورا تحدق به متأملا ومستنزفا كل ما في جنانك من وجد وانعطاف نحو ~~من كانا سبب وجودك. # في تلك الليلة كان الطبيب بقربك يواسيك، والممرضة تنفحك بعنايتها، وعقيلة أختك إزاءك ~~ترمقك بحنوها وانعطافها، وأخوك بجانبك يشدد عزمك، ويملأ قلبك ثقة بالحياة. # في تلك الساعة حولت فجأة نظرك إلي، وخاطبتني والرسم بين يديك، قائلا: اذهب يا أخي إلى أبيك، وأما أنا فغدا أذهب إلى أحضان أمي، التي جاورت ms08 ربها منذ سبع ~~سنوات. # إن قوة إلهية وهبتني معرفة مصيري. # لا أخاف الموت، إن الموت حياة. # يا أخي: # قلت لي مرارا: إنك لم تنظر أحدا عن كثب يتخبط في دور نزاعه، قم الآن وشاهد ~~نزاع أخيك. # مثل للناس كيف تزهق الروح، ويتلاشى النفس. # اكتب يا توفيق، لقد خلقت للكتابة. # صور نفسك تصويرا صحيحا. # دون أفكارك وسجل خواطرك وكل ما يكنه فؤادك من علم وأدب وفن. # ارسم أخلاقك ومبادئك، ولا تترك في صدرك شيئا مكتوما. # فإذا جاءك هادم اللذات، فلا يهدم إلا جثمانك، وأما وجدانك فيبقى مخلدا في صفحات ~~الكتب، يقرؤه الناس إلى ما شاء الله. # وأما أنا فقد انتصر الموت على عواطفي وأفكاري ، كما انتصر على جثماني؛ لأني تركت ~~معارفي مكتومة في طيات دماغي، وشواعري مخبوءة في حنايا صدري. # يا أخي: # لم أعش طويلا، ولكني عشت شريفا. # لم أعمل في حياتي عملا معيبا تستحيي منه. # قد حرمتني الطبيعة لذة الحياة الدنيا، ولكنها لم تقدر على حرماني تلك اللذة الروحية ~~التي رافقتني طيلة عمري، ولم تزل ترافقني حتى الآن، رغما من شدة آلامي، ووقوفي على باب ~~القبر. # وصيتي إليك بأن تأخذ رفاتي إلى الوطن، وتضعها في لحد أمي. # والآن أودعك الوداع الأخير، وأطلب منك ألا تحزن على فقدي. # الوداع يا أبي الحنون، ويا عزيزتي أغنس، # 2 # ويا حبيبي: رفيق، وسلوى. # 3 # الوداع يا شقيقتي العزيزتين. # الوداع يا وطني، يا مثوى الآباء والجدود. # الوداع يا أخي. # هذا كان حديثك الأخير دونته لك حرفيا ليقرأه الناس ويترحمون عليك، وليعلم أولادي ~~ولو شيئا يسيرا عن مقدار شخصيتك البارزة، وأخلاقك النبيلة. # | الرسالة الخامسة1 # يا أخي اذهب إلى أبيك ودعني أذهب إلى أحضان أمي # يا أخي: # هذه هي العبارة الأولى التي كلمتني بها حينما شعرت بدنو الأجل، كأنك تريد أن ~~توصيني بالعود سريعا إلى أحضان والدنا الشيخ، الذي لم يعد له من نصير غيري في هذه ~~الحياة. # كن على ثقة أني قمت بوصيتك خير قيام؛ حيث لم أمكث في المكسيك بعد وفاتك سوى ~~برهة وجيزة، صرفت ms09 في خلالها أشغالي التجارية بسرعة البرق، ولم أعبأ في الخسائر ~~الباهظة التي لحقتني من جراء ذلك. # عدت وعيلتي إلى الوطن حالا، وشاهدت الوالد الحنون منطرحا على فراشه من هول ~~الخطب الذي ألم به. # رأيته مثقلا بالهموم والهواجس، حاملا على منكبيه ثلاثة أعباء: عبء فقدك، وعبء الداء، ~~وعبء الشيخوخة. # ومذ اكتحلت عينه بعيني بادرني فورا بالسؤال عنك، وعن مرضك الأخير، فعرفتك ~~إليه تعريفا صحيحا، معربا له كيف عشت في بلاد المهجر شابا كاملا في خلقك ~~وخلقك، وفي صدقك ورجاحة عقلك، وأخبرته عن شجاعتك النادرة التي أبديتها في إبان مرضك، ~~وعن جرأتك الخالصة التي أظهرتها في استقبال الموت. # فعندئذ انتفض من ساعته، وقال: نعم مات ولدي، ولكنه عاش رجلا، ومات رجلا. # ثم التفت إلي والدمع ملء وجنتيه، وخاطبني بصوت أجش: أشكر الله على سلامتك، ~~وسلامة عيلتك يا بني، وأكرر الشكر إليه تعالى؛ لأنه ترك لي عينا أنظر بها. # ثم قبلني، وقبل عقيلتي، وولدي بلهفة زائدة. # يا أخي: # كنت مصيبا حينما أوصيتني بالعود سريعا إلى أحضان الوالد الحنون؛ لأن جمرة ~~الحزن التي وقعت على قلبه الأبوي من جراء وفاتك لم يخمدها غير حضوري. # إن ولدي: رفيق وسلوى، هما كانا بلسم جراحه، ومورد سلوانه وصبره. # يا أخي: # قلت لي إنك ذاهب إلى أحضان أمك. هل التقيتما في عالم الأبدية، وضمتك الوالدة ~~إلى صدرها فرحة في لقائك، كما كانت تضمك في هذه الحياة؟ # هل تصافحت روحك وروحها؟ # هل تحدثتما عنا، وافتكرتما بنا، كما نتحدث دائما عنكما ونفتكر بكما؟ # أو أنك لم تزل جادا وراءها، تتفقدها في عالم الأثير، ولم تصل حتى الآن إلى ~~مقرها؟ # أو أن الموت فتق لك علما جديدا موحيا إليك: أن الأبوة والأمومة تنحصران في ~~الأجساد وحدها، وأما الأرواح فلا أمومة ولا أبوة لها. # فإذا كان الأمر هكذا فلا أمل لك بلقاء أمك؛ لأن جسديكما اللذين كانا يمثلان الأمومة ~~والبنوة قد بليا، وأصبحا أثرا بعد عين. # يا أخي: # اعذرني لأني لا أكتب عن عالم الموت سوى ما أتخيله وأحلم به، لا ما ms10 يقره العلم الذي ~~لم يزل عاجزا عن معرفة ما وراء القبر. # ولهذا السبب أكرر رجائي إليك، طالبا منك أن تفتح مغالق الموت، وتجعل منه للناس ~~علما صحيحا. # شق كبد الفضاء، واظهر بروحك حاملا مشعال الحقيقة الناصعة. # أما حان الوقت أن تسقط الكهانة، ويتلاشى الضلال؟ # | الرسالة السادسة1 # إن قوة إلهية وهبتني معرفة مصيري # يا أخي: # لم يزل صوتك يرن في أذني، حينما خاطبتني بإيمان راسخ قائلا لي إن قوة من ~~العلا هبطت عليك وأولتك معرفة مصيرك. # والآن جئت أسألك: ما هي تلك القوة الخفية التي احتلت وجدانك، وقصفت زهرة ~~شبابك؟! # ما سبب مجيئها في تلك الساعة الأليمة؟! # هل أرسلها المبدع خصوصا لتفتح أمامك طريق الموت، وترشدك إلى باب الخلد؟! # أو أن تلك القوة التي شعرت بها هي حياة جديدة دبت فيك، وقضت على حياتك الماضية، ~~واحتلت أماكنها كما يحتل الجيش المنتصر أماكن الجيش المنكسر. # يا أخي: # إن الذرات الحية التي تتركب منها الأجساد على اختلاف أنواعها، نراها دائما تعبث في ~~مركباتها، تحييها مدة ثم تميتها، ثم تعود إلى إحياء غيرها، ثم تبيدها ... وهكذا ~~دواليك. # وبما أن الجسم البشري مفعول من مفاعيل تلك الذرات البسيطة، فلا قبل له سوى الخضوع لها، ~~والجري على نواميسها. # إني لمؤمن أيضا أن حياة الكهارب لا تنتهي بانتهاء الأجساد، بل تتحول من شكل إلى شكل، ~~ولا تفنى ولو فني الكون، وتفككت حلقات الطبيعة، وأصبحت هباء منثورا. # فعندئذ يلوح لي أن هذه الكهارب الصغيرة تصطنع لنفسها كونا جديدا، أو تحتل شهابا ~~آخر، وتأخذ مجراها في عالم الحياة إلى ما شاء الله. # يا أخي: # يخيل إلي أن الحياة دائمة لا بدء لها ولا منتهى؛ لأني أرى الأكوان جميعها تتركب ~~من ذرات صغيرة، تنبعث منها الحياة أشكالا وألوانا. # إن النور المنبعث من الشمس والأرض وما عليها، ليس هما بالحقيقة سوى حياة ولدها اتحاد ~~الكهارب، أو الذرات والتصاق بعضها ببعض. # فكما أن الفنان يرسم ألوان الحياة ومظاهر الطبيعة أشكالا، والموسيقي الماهر يعزف على ~~قيثارته من الأنغام أنواعا، والمخترع يصب في معمله ms11 من الآلات أجناسا، هكذا الذرات الحية ~~فهي خليقة أن تعمل في اتحادها من الشموس والكواكب أنواعا لا تعد، وأن توجد من ~~ضروب الحياة أشكالا لا تحصى. # إنها - لعمري - تفعل في آن واحد فعل العازف والفنان والمخترع، وتعمل عمل الكل؛ لأنها ~~الكل بالكل. # | الرسالة السابعة1 # لا أخاف الموت، إن الموت حياة # يا أخي: # ذكرت لي قبل وداعك الحياة أنك لا تخاف الموت؛ لأن الموت حياة. # ومن يتعمق قليلا في درس الطبيعة يرى كل الحق بيدك. # هذه سنابل القمح المكدسة على البيادر في أيام الحصاد، لا تظهر للناظر إليها غير ~~يبسها، وعدم وجود ماء الحياة في عروقها، ولكنها بالحقيقة لم تمت؛ لأن الحياة لم تزل ~~كامنة في جوهر الحب، الذي يعود متى حان الأوان إلى تجديد انتعاشه، وإحياء نضارته. وهكذا - ~~نحن البشر - نموت لنحيا. # يا أخي: # أنا واثق أنك بالحقيقة لم تمت، بل خلعت ثوبك فقط، وأخفيت في ذاتك جوهر حياتك. # والآن، جاء الربيع وانتعشت الأزهار بعد موتها، وقامت تجدد حياتها، أفلا تستيقظ من ~~سباتك، وتنتعش مثلها لتجديد حياتك. # أو أنك - بالأحرى - بعثت منذ وفاتك، ومنحت عالما جديدا أفضل من عالمنا، وحياة ~~جديدة أشد بهجة وأكثر كمالا من حياتك التي فقدتها. # يا أخي: # لا أحد يعلم في هذا الكون، من الفائز في معترك الحياة؟ هل البالغ الثمانين، أو المائة من ~~العمر، أو المائت في عهد الطفولية وأوائل الشباب؟! # وأما أنا فيلوح لي أن المسرع في عدوه يبلغ ضالة الحياة عاجلا، وأما البطيء السير فلا ~~يبلغها إلا بعد عجز وعناء جزيل. # إني أتمثل الحياة كالماء، تزداد في تجديدها صفاء، وفي تكريرها نقاء. # والكمال وحده محجة الحياة، والاتحاد بالمبدع نهاية سبيلها. # | الرسالة الثامنة1 # يا توفيق أنت لم تنظر أحدا يتخبط في دور نزاعه، قم الآن ~~وشاهد نزاع أخيك # يا أخي: # لقد خاطبتك مرة، حين كنا نتحدث عن الموت أني لم أشاهد امرءا محتضرا أمامي، فتمثل ~~ذلك الحديث أمام ذهنك ساعة احتضارك، وقمت تردده على مسامعي بوضوح تام. # إن صوتك المتقطع الذي لفظت به هذه ms12 العبارة: «يا توفيق، أنت لم تنظر أحدا يتخبط في ~~دور نزاعه، قم الآن وشاهد نزاع أخيك.» كان صوتا روحانيا، خرج من أعماق نفسك ~~ليبلغ أعماق نفسي، وهجر كيانك ليستقر بكياني. # هو حي في أشعر به دائما، يهمس نبراته في ذهني، وينفث زفراته في جناني. # يا أخي: # لم أزل حتى الآن أرتجف ارتجافا حين أتذكر ساعة فاجأتك النوبة القلبية، ودعاني ~~طبيب العائلة إلى مخدعك، وقال لي: إن أخاك بحالة الخطر. # فنظرتك يائسا، وهرولت مسرعا إلى الأطباء أستنجدهم؛ لينقذوك من غائلة الموت الذي ~~أصبح على قيد باع منك. # ثم عدت والأطباء، وكان الموت ببضع ثوان سبقنا جميعا. # رأيتك - ويا لهول ما رأيت - جثة هامدة، لا حراك فيها، والأطباء حولك يتشاورون ~~في سبب موتك. # وأما أنا ففي بادئ الأمر لم أصدق ما حل بك، وأخذت أناديك بأعلى صوتي، وألتمس منك ~~جوابا، ولكن عبثا حاولت ذلك؛ لأنك كنت رهين المنون. # لم أنظرك يا أخي ساعة احتضارك، ولكن عقيلتي التي كانت تمسح عن جبينك عرق الشدة، ~~أخبرتني كيف أسلمت روحك كالبرق، وانطفأ سراج حياتك، كما تنطفئ الشمعة في ~~الهواء. # يا أخي: # لم تظهر ألما شديدا في ساعة نزاعك، ولا وجلت أمام الموت، ولا تأوهت على خسران ~~حياتك، مع أني أعهدك تحب الحياة حبا جما، وتحافظ على كيانك محافظة شديدة، فكيف ~~بك وقد أظهرت كرها للعيش، وازدريت بدنياك، وما فيها من جمال ومال، دون أن تعتد ~~بهما. # كنت جميلا في الموت بقدر ما كنت جميلا في الحياة، وكان العواد جميعهم يرونك ~~كالنائم نوما هنيئا لا كالفاقد الأجل. # نظرتك النظرة الأخيرة على باب القبر، هناك فتحت التابوت بيدي، وقبلتك قبلة ~~الوداع، وكان وجهك لم يزل جميلا مع أن القضاء كان قد حل بك منذ أكثر من ثلاثين ~~ساعة. # وضعك الحفارون في قبرك بعد أن أغلقوا تابوتك جيدا، ثم ابتدأ المؤبنون ~~يتسابقون على تأبينك، معددين مناقبك، وجميل سجاياك، وما أن انتهوا حتى أخذ الحفارون ~~يهيلون التراب عليك، وأنا واقف بقرب رمسك، ذاهل العقل، مكسور القلب والجناح، وحولي جمع ms13 ~~غفير من المشيعين الذين كانوا واقفين مثلي حاسري الرءوس، وخاشعين أمام ~~ضريحك. # أودعتك الثرى، وعدت وجمهور المشيعين إلى البيت، ولكن فكري لم يعد معي، بل ~~بقي الليل بطوله يجول فوق ضريحك، ثم عاد إلي في الصباح برهة، ثم رجع إلى ~~مقرك، ولم يزل حتى الآن، يذهب إليك ويعود إلي. # لقد أقمت فكري رسولا بينك وبيني، ولكنه لسوء الحظ رسول خائب، لا فائدة منه، ما زال ~~يقرع بابك ولا تفتح له، ويناجيك ولا تناجيه، ويستجيبك ولا تستجيبه. # | الرسالة التاسعة1 # اكتب يا توفيق، لقد خلقت للكتابة # يا أخي: # أخالك حين قلت لي قبل وداعك الحياة: «اكتب يا توفيق، لقد خلقت للكتابة.» قد أردت ~~أن تنشلني من عالم المادة إلى عالم الروح، وأحببت أن تحررني من رق التجارة وعبودية ~~المال؛ لأنك منذ قرأت كتابي «الحياة في لبنان» توسمت في التبريز في حلبة العلم ~~وصناعة الأدب. وقد أظهرت لي مرارا إعجابك في بنات أفكاري، وولوعك في طريقتي ~~الكتابية. # والآن أعلمك أني قيام بوصيتك، تركت التجارة منذ وفاتك، ولم أعد أحفل في كسب ~~المال، بل في اكتساب صناعة الأدب، تلك الصناعة التي ابتغيتها لي. # ابتدأت باسمك أجر يراعي، وأخط هذه الرسائل أناجيك بها لأستمد منك علما وعرفانا، ~~ولأظهر لك كيف أصبحت بعدك مهيض الجناح، بلا أخ يأخذ بيدي في الملمات، ولا رفيق ~~أستعين به على الطوارئ. # اعذرني؛ لأني أبعث إليك برسائلي مفتوحة، لجهلي عنوانك ومحل إقامتك، وسأزاول مواصلتك ~~حتى أيأس من جوابك، فعندئذ. أعتقد أنك لم تستلم رسائلي، ولم تسمع نجواي لوجودك في قارة ~~بعيدة، لا هاتف فيها، ولا أثر للمواصلات بيننا وبينها. # يا أخي: # يخال إلي أن الوصول إلى عالم الزهرة والمريخ، واكتشاف ما فيها من عجائب المخلوقات ~~وأنواع الحياة، أهون علينا من اكتشاف عالمك. # ولكن ما العمل، وأنت العزيز الغالي علي؟! أعلل النفس بالوصول إليك تعليلا، ولو كان هذا ~~الأمر مستحيلا. # يا أخي: # كنت أعهدك تكره التعقيد والخفايا، وتحب الحقيقة واضحة كالشمس، فما لي أراك أمسيت في ~~ضمير التراب سرا مطويا؟! لا تعلمني ms14 كيف حالك، ولا تثبت لي وجودك. # لقد أمسيت بعدك ولا عزاء لي سوى في صرير اليراع وصفحات الكتب؛ ولهذا السبب كرست ~~حياتي الباقية للدرس والتنقيب؛ لعلي أحل عقدة من عقد الكائنات، أو أكتشف سرا من أسرار ~~الحياة، وسأتخصص في علم النفس، وفي درس طبائع البشر، ربما أصل إلى نتيجة حاسمة أستعين بها ~~للقضاء على مساوئ الإنسانية وخزعبلاتها. # سأعمل في حقل العلم بلا ملل ولا كلل، وجل ما أبتغيه أن أكون كالشمعة تحرق نفسها ~~لتعطي النور لغيرها. # أريد أن أكون عضوا مفيدا لأبناء الحياة قبل أن أغادر الحياة. # | الرسالة العاشرة1 # تركت معارفي مكتومة في طيات دماغي وشواعري مخبوءة في ~~حنايا صدري # يا أخي: # أظهرت لي شدة أسفك لمغادرتك الحياة دون أن تترك أثرا أدبيا يذكره الناس بعدك ~~فيترحمون عليك، ولكن لست وحدك قضيت هكذا، بل كثيرون مثلك قضوا نحبهم دون إظهار ~~نبوغهم. # الحق أقول لك: إذا استترت مواهبك عن الناس، فإنها غير مستترة عن تلك القوة المبدعة، ~~التي لا يفوتها علم عن دخائل مبدعاتها. # فكما يعلم الكيماوي بدقة جميع أجزاء مركباته، هكذا هي عليمة بخفايا قلبك، ودخائل ~~ذهنك. # إن خلودك تجاه المبدع أبقى لك من الخلود في أذهان البشر، وفي صفحات الكتب، وعظمة نفسك ~~المستمدة من نبلك، وحسن سجاياك أبعد أثرا من كل عظمة وأثر. # وفضلا عن ذلك: إن أخاك الذي عاشرك طيلة حياتك، وامتزج بك امتزاجا أدبيا، وسبر ~~غور ذهنك، ودرس خفايا قلبك وحسن نيتك، لا ينفك يكتب عنك كتابة حقة، ويعرفك ~~إلى الناس تعريفا صحيحا. # يا أخي: # أنا عالم أنك بغنى عن كتابتي وتعريفي، ولا حاجة لك، ولا نفع بكل ما يخطه يراعي؛ لأن ~~الدنيا كلها أصبحت في نظرك خرقة بالية، لا مقام لها في نفسك، ولا شأن لذكرها في ~~ضميرك. # ولكني أنا أخوك المفجوع بك، أكتب عنك ما أكتبه تهدئة لعواطفي، وإرضاء لنفسي؛ لأن عزائي ~~قائم في إحياء ذكرك، وسلواي في التحدث عنك. # | الرسالة الحادية عشرة1 # صور نفسك تصويرا صحيحا # يا أخي: # نصحتني قبل وفاتك أن أزاول الكتابة، ms15 ولكنك شرطت علي أن أصور نفسي تصويرا صحيحا؛ ~~لأنك تريد أن أكتب حقيقة شعوري وصحة اعتقادي، بلا مصانعة ولا مواربة. # وطالما انتقدت أمامي الشعراء والمنشئين، الذين لم يصوروا حقيقة وجدانهم في منشورهم ~~ومنظومهم، فجاءت مؤلفاتهم سقيمة لا يأبه لها الناس، ولا يعيرونها التفاتا. # يا أخي: # أعاهدك وأقسم لك أني لا أمسك اليراع إلا لأخط ما أشعر به، وما أعتقده صوابا. # لقد أعلنت استقلالي عن الناس، كي لا أتأثر من مذاهبهم وبيئاتهم، وجردت نفسي عن ~~محيطهم؛ لأكتب مجردا عن مجامعهم وأهوائهم. # وها قد حطمت قيود الأجيال التي كانت تقيد عنقي، ونزعت غل الأجداد الذي كان ~~يشدد النكير علي، وأخذت أمشي في عالم الفكر حرا طليقا، أدون ما أختبره بنفسي صحيحا، ~~وأكتب ما أرتئيه بذهني صريحا. # أقول الحق ولا أخشى لومة لائم. # ليس من مبدئي الوقوف عند معرفة الأسلاف، ولا من مذهبي التقيد في نواميسهم ~~وقوانينهم. # إن مبدئي ينحصر في إطلاق الفكر من عقاله، ومواصلة البحث والتنقيب في درس الحياة، واكتشاف ~~أسرار الكائنات؛ لأننا لم نزل - حتى الآن - في معرفة الكون أطفالا، لا ندرك غير اليسير من ~~أخباره وأسراره. # لا مشاحة أن الأجداد اشتغلوا في درس حقائق الكون، وتركوا لنا من علومهم ومعارفهم تراثا ~~جديرا بالاعتبار، ولكنهم كانوا في مناحي شعورهم أقرب إلى عالم الخيال منهم إلى عالم ~~الحقيقة. # ولهذا السبب بنت لنا مخيلتهم في عالم الخيال بناء فسيحا، وأما بناء عقولهم ~~في عالم الحقيقة فكان ضيقا ضئيلا. # وجاء العلم في هذا العصر ينقض أبنية الخيال؛ ليضع مكانها حجر الزاوية لبناء هيكل ~~الحقيقة. # سأشتغل طيلة عمري عاملا من عمال هذا الهيكل؛ رجاء أن أشيد صفا من صفوفه، أو على الأقل ~~حجرا من حجارته. وإذا لم أستطع بناء، فأقوم جهدي في خدمة بنائه. # يا أخي: # لا يهمني في التشيع للحق رضا السلطات وعدم رضاها، ولا اضطهاد الجهال، وازدراء ~~المتعيشين والمتزلفين. # وفضلا عن ذلك؛ لا أدعي العصمة في كتابتي، فإذا أخطأت في بعضها، فصراحتي تشفع بي أمام ~~الناس الذين خبروني، وتجاه المبدع الذي يعلم ms16 نيتي. # | الرسالة الثانية عشرة1 # لم أعش طويلا، ولكني عشت شريفا # يا أخي: # هذه العبارة الحكيمة التي اتخذتها عنوانا لرسالتي الآن، هي من بعض حكمك، التي ~~زودتني بها قبل توديعك الحياة. # تلك الحياة التي لا تقاس بطولها وقصرها، بل بما تذخره من جليل الأعمال وشريف ~~المآثر. # يا أخي: # أشهد فيك شهادة حق، أنك بلغت في حياتك القصيرة مركزا هاما في عالم التجارة، ~~وأدركت ما لا يدركه المعمرون من طيب الأحدوثة ومضاء العزيمة؛ لأنك قضيت عمرك محبا ~~للصدق والعمل، أبيا شريفا لم تلوث حياتك بالإثم، ولم تدنس شبابك ~~بالمساوئ. # لم تكن عالما، ولا فنانا، ولا مخترعا، لم تكن عظيما كما يفهم الناس العظمة، ولكنك ~~بالحقيقة كنت نابغا في تنظيم أعمالك، ومثالا صالحا في نزاهتك ومبادئك القويمة. # وليس على المرء أن يكون عبقريا ليعد عظيما، بل هو عظيم - في نظري - كل من ~~أحب عمله وأتقنه، وكان فاضلا؛ لأن غاية الحياة حب العمل والفضيلة. # | الرسالة الثالثة عشرة1 # لم أعمل في حياتي عملا معيبا تستحيي منه # يا أخي: # أخالك قبل أن كلمتني بهذه العبارة قد استعرضت سني حياتك منذ طفولتك إلى يومك الأخير، ~~وامتحنت نفسك امتحانا كليا، فلم تجد شيئا معيبا صدر منك، ولا وصمة تافهة تؤاخذ ~~عليها. # يا أخي: # لقد بلوتك كما بلوت نفسي، وعلمت دخائلك كما أعلم دخائلي؛ لأنك قضيت معظم حياتك ~~بجانبي. # فلم أر - وايم الحق - حياة ترمز إلى المثل الأعلى أفضل من حياتك، ولا قلبا أطهر ~~من قلبك. # كلما شئت أن أراك أستنجد مخيلتي فتعيد إلي ملامح طفولتك، ورسم صبوتك وشبابك. # وكلما أردت أن أقرأ تاريخ حياتك أفتح كتاب ذهني، وأتصفحه صفحة صفحة، فأحيط علما ~~عنك منذ ولادتك إلى يوم وفاتك. # الحق أقول لك: إنك مثلت رواية الحياة أحسن تمثيل، وحزت قصب السبق في جميع ~~أدوارها. # فلم يكن أودع منك في الطفولة، ولا أبر في الصبوة، ولا أكمل في الشباب، ولا أشجع في ~~الموت. # لم تأت في حياتك أمرا فريا؛ لأنك كنت حكيما جدا، تنظر إلى عواقب الأمور قبل ~~إتيانها، وكان ms17 شعارك دائما هذه العبارة: «لا نجاح بلا حكمة، ولا حكمة بلا تفكير ~~وترو.» # ولا أزال أذكر بعض أحاديثك التي تنم عن روائع حكمتك، منها: أنك سمعتني مرة ~~أشكو لبعض الناس هما نزل بي، وكنت لا تثق بهم، فهمست بأذني قائلا: يا أخي: لا تشكو ~~همك لمن لا يحبك، ولا تظهر ضعفك لمن يجب أن تظهر له مقدرتك. # وفي ذات يوم كنا نتحدث عن التضحية فقلت لي: جميلة هي التضحية التي يبشر بها الأولياء، ~~ولكنها اسم لغير مسمى؛ لأن الناس مطبوعون على حفظ كيانهم، ولا تضحية مع حفظ ~~الكيان. # وسمعتك مرة تقول: إن جميع المصاعب التي تحصل لنا في معترك الحياة ناتجة بالأكثر عن ~~جهلنا طريق الحياة الأمينة لنعيش بمعزل عن المتاعب والمصاعب. # ثم أردفت هذه العبارة: ومن عرف أن يمهد مصاعب نفسه يجب عليه أن يسعى لتمهيد مصاعب ~~الآخرين؛ لأن أفضل الناس أنفعهم للناس. # هذا مثال من أحاديثك، التي كانت تدل على سمو فكرك وكمال عقلك، ولم تكن أعمالك سوى ~~نتيجة أحاديثك وتفكيرك العميق. # | الرسالة الرابعة عشرة1 # خذ رفاتي إلى الوطن وضعها في لحد أمي # يا أخي: # أوصيتني بنقل رفاتك إلى الوطن، وحتمت علي أن أضع بقاياك في اللحد الذي يضم بقايا ~~الوالدة، التي قامت بمهمة تربيتنا أفضل قيام. # لم أزل أذكر أن موت الوالدة أثر بك تأثيرا عظيما؛ لأنك كنت تتمني أن يمد الله ~~بعمرها لتراك شابا كما رأتني، قائما بواجباتك نحوها، شأن كل ولد بر، يحترم أبويه ~~ويعطف عليهما. # أما وقد ماتت قبل أوانها، واستحالت عليك مجاورتها في الحياة، فأحببت أن تجاورها ولو في ~~أحشاء الأرض لتختلط عظامك بعظامها، وتتحد ذراتك بذارتها؛ لعل الأرض التي هي أم كل ذي ~~حياة ينفخها المبدع من روحه، فتتمخض بكما، وتعيدكما إلى الحياة، كما كنتما خير أم لخير ~~ولد. # يا أخي: # لقد تعذر علي نقل رفاتك إلى الوطن حالا؛ لأن الحكومة المكسيكية لم تسمح بذلك ~~إلا بعد مرور سبعة أعوام على وفاتك؛ ولهذا السبب لم تزل حتى الآن مستقرا في ضريحك، ~~تحضنك ms18 تراب العاصمة التي أحببتها كثيرا، وتحنو عليك عن أخيك أشجارها، وتنوح فوق رمسك عن ~~أبيك وعقيلة أخيك وشقيقتيك حمامها وسائر أطيارها. # نم مطمئنا في لحدك، فمتي حان الأوان أستجلب رفاتك، لا لأضعها فقط في لحد أمك، بل ~~في جوف تابوتها وبين عظامها. وإذا لم أبق حيا تقوم عيلتي مقامي؛ لأن كل ما يتوجب ~~علي قضاؤه يتوجب عليها. # | الرسالة الخامسة عشرة1 # لا تحزن على فقدي # يا أخي: # أوصيتني ألا أحزن على فقدك، وهذه هي الوصية الوحيدة التي لم أقم بها حسب ~~مشيئتك وإرادتك؛ لأني كلما تأملت في شدة محبتك لي التي لا تعدلها محبة، وكلما فكرت ~~كيف كنت - حتى في أشد ساعاتك ضيقا - غير حافل بالداء الذي كان يلتهمك التهاما، ولا ~~بالألم الذي كان يطويك طيا، بقدر احتفالك بي، والتفاتك إلي، تنهمر دموعي عفوا بالرغم ~~مني، وأصبح - ولا إرادة لي - مستسلما بكليتي إلى لواعج الحزن وبوارح الأسى. # يا أخي: # أنا بشر كما تعهدني، والطبيعة البشرية كثيرة الضعف، وكل ضعف يتطلب معينا، ومن خسر ~~معينه يتفاقم خطبه وتكثر بلواه. # أجل، إن فلسفة العقل تقضي على المرء الذي يخسر معينه بأن يرضخ لأحكام القضاء التي لا ~~مرد لها، فإذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون، ولكن فلسفة الشعور هي غير فلسفة ~~العقل. # والشعور نوعان: شعور مادي، وشعور أدبي. هذا دواؤه من نفسه، وذاك دواؤه من غيره، فمن ~~يشعر بالجوع أو العطش - وشعوره مادي صرف - فليس من دواء سوى الغذاء أو ~~الماء. # وأما من يشعر بوطأة الحزن القاتل - وشعوره أدبي بحت - فماذا يكون دواؤه؟ # يقولون: إن أنجع الأدوية الصبر وتناسي المصيبة، وأما أنا فأقول مناقضا: إن الحزن دواؤه ~~الناجع التعمق في الحزن، والمصيبة دواؤها الشافي التفكر في المصيبة. # كنت قبل أن فقدتك يا أخي لا أغشي المدافن دون أن أشعر برهبة وانقباض في نفسي، وأما ~~اليوم فقد زال جزع الموت عني، وأصبحت أشعر بارتياح كلي حينما أرافق جنازة إلى ~~مقرها الأخير، وأقف خاشعا بين القبور متأملا بقايا أناس كانوا مثلي ممتلئين صحة ~~وحياة، ms19 فأمسوا في ضمير التراب ترابا. # إن القبور تلقي علي وعلى الأحياء جميعهم عظة لا لغة لها، ولكنها من أبلغ المواعظ، ~~يفهمها الناس على اختلاف لغاتهم وأجناسهم. # تلك هي عظة الموت - عظة الرجوع إلى أحضان أمنا الطبيعة. # يا أخي: # إن الحزن الشديد الذي استحوذ علي من جراء فقدك بدلا من أن يضيرني وينهك قواي - ~~كما كان منتظرا - أصبح لي مفيدا جد الفائدة؛ لأنه أيقظ حواسي، وروض ذهني، ووهبني مناعة ~~روحية ليس فوقها مناعة، فأمسيت أقوى على احتمال مكاره الحياة، مهما كان خطبها جسيما ~~وألمها عظيما. # لم أنتصر على الحزن إلا بعد أن دخلت صميمه، فعندئذ بان لي أن الرجل الذي يدركه اليأس هو ~~ذاك الذي يريد أن يهرب من الحزن فيقتله الحزن. # وأما الرجل الذي يستقبل خطبه غير هائب، ويستوعب حزنه غير واجل، فهو ذاك الذي ~~يوجد لنفسه من الخطب راحة، ومن الحزن حياة. # وأنا هو ذلك الرجل. # | الرسالة السادسة عشرة1 # الوداع يا أبي الحنون، ويا عزيزتي أغنس، ويا حبيبي رفيق وسلوى، الوداع يا شقيقتي ~~العزيزتين # يا أخي: # مثلما كنت تصعد أنفاسك نفسا إثر نفس، هكذا قمت تودعنا فردا إثر فرد، ولم ~~تنس أحدا من أنسبائك، ولا من أصدقائك ومعارفك، كأننا جميعا كنا حاضرين في ذهنك حين ~~حضرتك الوفاة. # ابتدأت بوداع والدنا الشيخ، ثم بوداع عقيلتي وولدي: رفيق وسلوى، ثم بوداع الشقيقتين، ~~وسائر الأنسباء والأصدقاء. # والآن، ماذا أقول لك عن الوالد الحنون؟ لقد أمسي يؤثر الموت على الحياة، وكم كان ~~يعد نفسه سعيدا لو قضي نحبه قبل أن يتجرع كأس حزنه عليك، وهكذا الشقيقتان لا تنشف لهما ~~دمعة، ولا ينضب لهما جفن. # وأما عقيلتي فقد ودعت صفو العيش بعد وداعك، وهي دائما تلهج بذكراك، وفي كل صباح تأخذ ~~ولديها أمام رسمك، وتقول لهما: هذا عمكما الحنون طانيوس الذي اصطفاه الله إليه، قولا ~~له: عم صباحا «مامو»، # 2 # فيحييانك مرارا قبل أن يبدآ باللعب في أفناء الدار. # وقد أصبحا اليوم كلما عن لهما مرآك يذهبان وحدهما إلى حيث رسمك، ويلفظان اسمك بأجلى ms20 ~~بيان. # وأما ابن أخيك رفيق الذي كان عمره عقب وفاتك دون العامين، فبقي مدة طويلة يسأل عنك بإلحاح ~~كلي، ويقرع باب غرفتك صائحا: «مامو مامو». # وفي ذات يوم لشدة صياحه فتحت له باب حجرتك فولجها، ثم ذهب توا إلى فراشك، وأخذ ~~يناديك على عادته، ثم التفت يمنة ويسرة فرأى معطفك لم يزل معلقا قرب سريرك، فهرول إليه ~~وقبله كما كان يقبلك، ثم نظر إلي وأشار إلى المعطف، وصاح بملء فيه: «مامو مامو». # وهكذا كان على المائدة يذهب إلى مكانك، ويضع يده على كرسيك طالبا حضورك بإلحاح ~~تام. # وفي اليوم الذي غادرت به عاصمة المكسيك ذهبت وعقيلتي لزيارة قبرك، واصطحبنا رفيقا ~~معنا، وكانت زيارتنا تلك زيارة الوداع. # هناك خاطبت الطفل رفيقا الذي كان متكئا على حائط لحدك قائلا له : يا ولدي، هنا ~~يرقد - بسلام - عمك الحنون طانيوس «هنا مامو، هنا مامو». # فعندئذ انحنى الطفل على قبرك يناديك، ثم قبل الرخامة المحفورة اسمك عليها، ثم رفعته ~~بيدي إلى الصليب القائم فوق حجرتك فقبله مرارا، ثم بكى معنا بكاء مرا، ولفظ مثلنا ~~كلمة الوداع وانصرفنا. # فإذا كانت هكذا حالة ولدنا رفيق من بعدك - يا أخي - رغم طفولته، وعدم تقديره عظم مصابك، ~~وجليل خسارتك، فكيف تكون حالتنا نحن الذين خبرناك وعرفناك؟ إنها - لعمري - حالة يأس وحزن ~~شديد. # | الرسالة السابعة عشرة1 # الوداع يا وطني، يا مثوى الآباء والأجداد، الوداع يا أخي # يا أخي: # هذه هي عبارتك الأخيرة التي لفظتها قبل وفاتك، كأن لبنان في تلك الساعة الرهيبة قد ~~تجلى أمامك، فشعرت أنك غريب عن ديارك، وكافة أهلك. # فعز عليك كثيرا دنو أجلك في منآك، ووددت أن يغمض الله جفنك في لبنان؛ ليثوي ~~جثمانك تحت صخرة من صخوره، أو قرب شجرة من أشجاره. # وجل قصدك أن يمسي هيكلك الذي كان يحمل نفسك الكبيرة جزءا غير منفصل عن تراب الوطن ~~الذي احتضنك صغيرا، وهو يحضن الآن بقايا آبائك وأجدادك، الذين أمسوا ترابا ممزوجا ~~بترابه، وكيانه متحدا بكيانه. # يا أخي: # لا أنسى - ما زلت حيا - كلمتك الأخيرة «الوداع ms21 يا أخي»، تلك الكلمة التي ودعت ~~الكلام حين ودعتني بها. # لا أنسى أبدا كيف تحركت عند لفظها شفتاك، ثم أطبقتا إطباق الموت، ولا أنسى كيف نطقها ~~لسانك، ثم خرس إلى الأبد، وكيف حدقت طرفك بي، ونظرتني بعيني عقلك وبصرك، ثم ~~ابتدأت تتقزز عيناك، ثم جمدتا، وبعد هنيهة أطفئ نورهما إلى الأبد. # | الرسالة الثامنة عشرة1 # يوم الموت # يا أخي: # دخلت في هذا الصباح إلى مكتبي، وبعد أن حييت رسمك كعادتي أجلت نظري في ~~الروزنامة المعلقة أمامي، فقرأت على صفحاتها تاريخ اليوم. # هذا اليوم الواقع في السادس من حزيران والموافق منذ عام ليوم وفاتك. # إنه - لعمري - أشد الأيام هولا علي؛ ولهذا السبب دعوته بحق: يوم الموت. # أنا الآن جالس إلى مكتبي في مدينة بيروت، ولكن مخيلتي لم تجلس معي، بل طارت ~~بذهني إلى عاصمة المكسيك، إلى المحل التجاري الذي كنا نشتغل فيه معا، إلى البيت الذي كنا ~~نسكنه، إلى مخدعك، إلى تشخيص مرضك الأخير، إلى ساعة نزاعك، إلى يوم مأتمك. # إن سني حياتك في المكسيك مرت كلها أمامي، كما تمر الصور المشبحة على لوحة ~~«السينما»، وكانت مخيلتي هي الآلة السينمائية التي مثلت جميع أدوار حياتك. # والآن ماذا أقول لك عن يوم مأتمك، وهو اليوم الذي مثلت فيه رواية الموت؟ إنه - وايم ~~الحق - لا يغرب عن بالي، ولا يجلو عن ذهني. # إن خبر وفاتك وقع على أصحابك ومعارفك وقوع الصاعقة، وجاءوا من كل فج وصوب، ~~يشاطرونني العزاء أفواجا أفواجا، وهم يبكون بحرقة شبابك الغض، وأدبك الجم. # لقد غص البيت على رحبه بقوافل الباكين والمعزين، وامتزج الخادم والمخدوم في مأتمك؛ ~~لأنك كنت صديقا للأوفياء والمخلصين من أي طبقة كانوا، لا لذوي النفوذ المستبدين، ولا ~~للأغنياء المتعجرفين. # يا أخي: # لم تزل نصب عيني تلك الساعة الرهيبة التي وضعت بها في تابوتك، وتلك الآونة التي بها ~~انحنيت ألثمك بكل قواي، ويداي تطوقان التابوت الذي أعد لك فراشا وغطاء، ليس فقط منذ ~~صنعه الإنسان، بل منذ تمخضت الطبيعة بخلق مواده الأولية. # كان مأتمك فخما للغاية، مشى فيه ms22 الكبير والصغير، والغني والفقير، وكان المشيعون يزيدون ~~على الألف، وهم يمثلون أمما عديدة، من أميركان وإنكليز وإفرنسيس وإسبنيول ~~وخلافهم. # وكانت الجالية اللبنانية السورية بأسرها. # وكان من المكسيكان جمع لا يستهان به. # وأما تابوتك فكان جميلا جدا، ولكنه لا يوازي جزءا من جمال شبابك، ولا من جمال نفسك، ~~كان مصنوعا من البرونز الخالص، ومبطنا بأجمل الحرائر وأفخر النفائس. # كنت مسجى في جوفه كأنك ملك نائم وسط عرشه، والشموع مضاءة فوق رأسك، وتحت أخمص قدميك، ~~والناس حولك خاشعون كأنهم من بطانتك ورجال ملكك. # إن عرشك كان عرش الموت، وعرش الموت هو عرش الحياة. # فكما أن الشجرة لا تنبت إلا بعد اضمحلال نواتها، والقمح لا ينضج إلا بعد انفلاق بذاره، ~~هكذا أنت لم تنتقل من حياة إلى حياة إلا بعد موتك. # ولا فرق عندي الآن، إذا حصل انتقالك على لغة الدين أو على لغة الطبيعة. # أقول هكذا؛ لأن الانتقال بلغة الدين محصور بالإنسان وحده، وأما الانتقال بلغة الطبيعة ~~فيشمل المخلوقات جميعها والكائنات بأسرها. # إذا ذبلت أوراق الزهرة، وتلاشت براعمها، فأريجها الذي يعطر الفضاء - ويدعوه ~~الكيماويون كهارب الحياة - لا يدركه الزوال، بل يعود إلى الحياة، ويكون لنفسه براعم ~~جديدة، يحوكها من شعاع الشمس وخيوط الهواء وسماد الأرض. # وهكذا أمنا الطبيعة، فمتى حان حينها تتفكك حلقاتها، وتصبح سديما كما تصبح ترابا، ثم ~~تتحد بأمها اللانهائية كما نتحد بها. # ثم تكون لنفسها بعد اندثارها حياة جديدة، كما تكون النواة جذوع شجرتها ~~العتيدة. # إن التعاون يبدو جليا في الحياة والموت، فكما تتعاون الذرات، وتتحد كيماويا لتؤلف ~~جسدا حيا، هكذا تتعاون أيضا لإتلاف هذا الجسد وإعدامه. # إن الكهارب الصغيرة التي يتألف منها الكون بأسره، هي بحد ذاتها معامل هدم ومعامل ~~بناء. # فكما تنتج هذه المعامل أصغر المخلوقات حجما، هكذا تصنع أعظم الشموس نورا وأضخم ~~الكواكب جرما، ثم تتلف أدنى مخلوقاتها، كما تهصر أسطع شموسها. # كل جسد مهما كان صغيرا هو معمل حق، ولكنه جزء مصغر من معامل الكون التي لا نفاد ~~لها. # تشتغل معامل الكون بلا انقطاع ولا ms23 إبطاء، تبني أجسادا ثم تهدمها، وهكذا هي تبني وتهدم ~~إلى ما شاء الله. # يا أخي: # بمثل هذه الفلسفات وجدت عزاء لنفسي بعد وفاتك؛ لأني لم أكتف بفلسفة الدين الذي ~~يؤمن خلودك، فذهبت إلى أبعد من ذلك، وأخذت أدرس الكون مادة مادة؛ لأثبت خلودك بالمادة ~~كخلودك بالروح، ثم تناولت فلسفة الحياة والموت، وأشبعتهما بحثا وتنقيبا، فبان لي أن ~~الفناء لا أثر له البتة، وأن الموت هو مبعث الحياة كما أن الحياة هي مبعث الموت. # وظهر لي أيضا أن الأجساد المتنوعة والأكوان المنفصلة بعضها عن بعض، ما هي بالحقيقة سوى ~~مجموع كون واحد فقط، كما أن القوات الكهربائية التي تحرك معامل الكون وتدير نظامه العجيب ~~ليست هي بالحقيقة سوى مجموع قوة واحدة، هي قوة الله. # | الرسالة التاسعة عشرة1 # خبر عن صحف الحياة # يا أخي: # كما ينشر الموت صحفه، معلنا في كل لحظة ضحاياه، هكذا تنشر الحياة في كل آونة ~~أخبارها، معلنة مواليدها الجديدة. # ومن مواليدها الآن مولود يهمك معرفته؛ لأنه يمت بنسبه إلى أقرب الناس إليك ~~وأحبهم إلى قلبك، كيف لا وهو ابن أخيك، وسليل أبيك وجدك؟! # جاء العالم في هذا اليوم، يوم الجمعة الواقع في العشرين من حزيران سنة 1930 الساعة ~~الحادية عشرة ونصف ساعة مساء. # جاء من العالم المجهول إلى هذا العالم، ودعوناه باسمك منذ مجيئه؛ لأنه يشبهك جد ~~الشبه، عيناه تشعان نورا وجمالا كعينيك، ووجهه مستدير وجذاب كوجهك، ولونه حنطي ~~كلونك. # بكى منذ أبصر النور، ولا أدري لماذا استقبل الحياة باكيا؟ # هل هو يؤثر الظلام على النور، أو الموت على الحياة؟ # أو بالأحرى بكى لانفراط عقده عن أمه؛ حيث كان في أحشائها متصلا بها، فأصبح منذ أبصر ~~النور منفصلا عنها. # هو من مواليد اليوم، ولكنه ليس ابن يومه؛ لأن ولادته الآن ليست بدء حياته الحاضرة، بل هو ~~بحق يدعى ابن اليوم الذي به انفرط عقده عن أبيه، وتصور في أحشاء أمه. # هل بكى ساعة انبثقت حياته في جوف الرحم، كما بكى الآن إثر ولادته؟ # لا أدري، فربما بكى ولم ms24 أشعر ببكائه، وتألم ولم أحس بألمه. # يا أخي: # يخيل إلي أن بكاء الطفل ساعة ولادته ينم عن شعور فطري يوحي إليه أنه ودع ~~حياة سابقة لحياته، ووجودا سابقا لوجوده. # فكما يشعر النازح جديدا عن وطنه بألم الغربة ومضض الفراق، هكذا يشعر المولود عندما ~~يبصر النور، فيبكي لاغترابه عن محيط ألفه، ويتألم لوداعه حياة سبر غورها، واتخاذه ~~حياة جديدة لا يدرك كنهها. # وبعد قليل ينسى الطفل حياته الماضية، كما ينسى ساعة ولادته، ومتى شب ينسى طفولته ~~بتمامها، ويشعر بوجوده كأنه لم يكن طفلا قط. # ولكن نسيانه لا ينفي مطلقا مروره على ساعة ولادته، وعلى أيام طفولته. # هكذا حياته الماضية، لا ينفي نسيانه لها وجودها. # إن الأجيال المقبلة التي سترث الأرض بعدنا، هي بالواقع موجودة حقا في هذا الكون، ولكننا ~~لا ندري الآن أين تمرح؟ ولا ماذا تعمل تلك الذرات والكهارب التي ستتركب منها أجساد أمم ~~الغد؟ # كما أننا أيضا لا نعلم، أين هي تلك الذرات التي منها كانت تتألف أجساد الأمم الغابرة ~~وبقايا القرون الدارسة. # إن عدم معرفة الشيء لا ينفي وجوده. # ألم نكن - بشر اليوم - منذ جيل في عالم الغيب، فصرنا في عالم الحياة. ولا شك غدا ~~نكون في عالم الموت. # هكذا الأجيال كلها ستقفوا أثرنا، وتتعاقب جيلا بعد جيل. # إن العالم الألماني أينستين قام في هذا العصر يبشر بالنظرية النسبية، التي تقول بحدود ~~الكون وبرجوع الأشياء إلى محلها، كما أن الأرض تدور دورتها حول الشمس، ثم تعود إلى مكانها، ~~ثم تستأنف دورانها. # هكذا أيضا يلوح لي أن الوقت يدور دورته، ثم يعود إلى مكانه كجميع العوامل الكونية. فكما ~~يصبح الحاضر ماضيا، والمستقبل يمسي حاضرا، هكذا يعود الماضي مستقبلا، ثم حاضرا، ثم ~~ماضيا ... وهكذا دواليك. # إن الكائنات والحياة والأوقات كلها تدور دورتها، ثم تعود إلى مكانها، ثم تستأنف دورانها ~~إلى ما شاء الله. # يا أخي: # يتراءى لي أن الكون حركة دائمة، وما الحياة والموت سوى نتيجة تلك الحركة. # | الرسالة العشرون1 # خبر عن صحف الموت # يا أخي: # مات بعدك كثيرون، ونشرت ms25 صحف الموت أخبارهم. # مات عدد من رجال الحسب والنسب، ورهط من رجال السياسة والحرب. # فقام الناس وقعدوا لهؤلاء وأولئك بالسواء. # نعاهم الراديو إلى العواصم وأمهات المدن، ونقلت أسلاك البرق خبر وفاتهم إلى جميع ~~أنحاء المعمورة. # أثبتت رسومهم جرائد الأمم، وكتبت عنهم الفصول الطويلة، معددة تاريخ حياتهم، وجليل ~~مآثرهم، ونصب لمعظمهم التماثيل الفخمة والقبور الثمينة. # إن موتهم أشغل العالم قاطبة، مع كونهم لا يتجاوزون المائة عدا. # وأما غيرهم الذين ماتوا في هذا العهد، وكانوا ألوفا مؤلفة، فلم يشغلوا غير جزء يسير ~~من محيطهم؛ حيث لم يشعر بموتهم غير أقربائهم الأدنين وأصدقائهم المخلصين. # إن حياتهم كانت كحياة الأشجار، لم يشعر بوجودها غير أصحابها ومن جاورها وعابر ~~الطريق. # ولكن لا بأس، فبين هؤلاء المنسيين من عالمهم من كانوا قدوة صالحة في ~~سمو أخلاقهم، وأنموذجا حسنا في استقامتهم وتهذيبهم. # وفضلا عن ذلك، ليس كل من خفق ذكره في الآفاق هو من خيرة الرجال، ولا كل من عاش ومات ~~منسيا هو من الخاملين. # فكم مغرور بعد صيته! وأفاك انتشر اسمه في الخافقين! # وكم شهم فاضل كان من أكمل الرجال أدبا وخلقا، عاش ومات بلا ضجة عالمية لعدم ~~اكتراثه للأباطيل الدنيوية! # فإذا كان هذا العالم يؤثر أناسا على أناس، وينسى بعضهم وينتبه إلى البعض الآخر، فالموت ~~لا يعتوره النسيان، ولا يفرق شخصا على شخص، ولا إنسانا على حيوان، ولا نباتا على جماد، ~~فهو يطوي كل من حان حينه في كتابه، وينشره جميعا بلا تمييز في صحفه. # فمن لم تذكر صحف العالم خبر ولادته فقد اعتاض عنها بصحف الحياة، ومن فاته أن تنشر ~~تلك الصحف نعيه فلا تفوته صحف الموت. # إن للحياة والموت كتبا وصحفا لا يعتورها الفناء؛ لأنها منشورة على جبين الأزل، وأما ~~صحف الناس وكتبهم فكلها زائلة؛ لأنها مطبوعة على صفحات الزوال. # فإذن إلى البقاء ما تنشره صحف الحياة والموت، وإلى الفناء ما تنشره صحف الناس. # يا أخي: # مات بعدك من الذين يهمك أمرهم، يوسف ابن العم سليمان. # ولد في بلدة إسترادا نوفا، التابعة ولاية ms26 الريو من أعمال جمهورية البرازيل، وقضى نحبه ~~هناك في مستهل شبابه. # لم يسعدك الحظ بأن تتعرف إليه في هذه الحياة الدنيا؛ لأنك سكنت بلادا وسكن غيرها، ~~وكان بينكما بعد شاسع، وبين بلاديكما بحار وقفار وممالك عديدة. # وأما الآن وقد انتقلتما إلى عالم الموت، فهل التقيت به في طريقك، وتعرفت روحك ~~إلى روحه، أو بالأحرى يوجد في عالم الموت فواصل تفصل الأرواح عن معرفة بعضها بعضا كفواصل ~~هذا الكون. # وهل كل فئة من الأرواح تستعمر ناحية من العالم الآخر وتستقل بها، كما استعمر الناس ~~هذا العالم، واستقلت كل فئة من البشر في بقعة من بقاعه؟! # لا أدري، قد تعرف الأرواح - متى تحررت من المادة - بعضها بعضا، وربما لا تعلم سوى ~~محيطها، ومن تخالطه ويخالطها. # ولكن مهما كان الأمر، فإني أتمنى من صميم الفؤاد أن تكون وابن عمك ووالدتك، وكل من ~~تحبه، راتعا وإياهم، هنيئا في دائرة واحدة من دوائر الخلود. # | الرسالة الواحدة والعشرون1 # عن بلدة الآباء والأجداد # يا أخي: # أبعث إليك بهذه الرسالة عن شرتون، التي هي بلدة آبائك وأجدادك، ومرتع طفولتك ~~وصبوتك. # جئتها البارحة برفقة عيلتي، وكان الوالد الحنون قد سبقنا إليها منذ بضعة أيام. # إن أزقة هذه البلدة وساحتها ومدرستها، ودار كنيستها وبيوتها وحقولها كلها تحمل تذكارات ~~حداثتك، ومعظم سني حياتك في لبنان. # ولهذا السبب تراني الآن أتخيلك أمامي أنى توجهت، وكيفما حللت. # أتمثلك تارة حدثا صغيرا جالسا مع أترابك في مدرسة القرية، تتعلم أصول الهجاء، وطورا ~~تبدو أمامي كأنك لم تزل تلعب معهم في أزقة البلدة ودار كنيستها. # ثم أتخيلك، وقد بلغت رشدك، وانبلج فجر شبابك، متنزها برفقة فتيان القرية ~~وفتياتها، قاطعا هضابها، ومتنقلا في بساتينها وحقولها. # كنت في ذلك العهد تستقبل نسيم الفجر، فتبدو كأنك فجر يستقبل فجرا، أو نسيم يداعب ~~نسيما. وكنت في الحقل تجني الأقمار، فتظهر فيه كأنك قمر يجني قمرا. # في مطلع شبابك، ما كان الورد أفضل منك لونا، ولا كان النسيم أخف منك روحا، ولا ~~أرق لطفا. # والبيت، ماذا أقول لك عن البيت؟! ms27 كان عشنا في الصغر، في كنفه درجنا، وفي ظل ~~الأبوين وتحت رعايتهما ربينا. # دخلته البارحة وفي القلب غصة، وفي العين دمعة، جلت فيه، وكل ما فيه يذكرني بك يا أخي. # هذه غرفتك، تحوي سريرك وكتبك وبعض أمتعتك، وهذه رسومك العديدة التي تمثلك منذ صغرك إلى ~~يوم وفاتك معلقة كلها في الدار وفي البهو، وفي كل ناحية من نواحي البيت. # وأما تحاريرك التي كتبتها لي وللوالد الحنون، فلم تزل كلها محفوظة بين كتبك، ~~تلوتها البارحة رسالة رسالة، فشعرت كأن وجدانك متجسم في تلك الأوراق، وكأن روحك مستترة ~~بها، وسأعيد تلاوتها كل يوم، حيث أخال نفسي كأني أستعيد في قراءتها أيام حياتك. # خرجت من البيت إلى الحديقة، التي كنت ترمقها بعنايتك، وجلست إزاء شجرة من أشجارها، ثم ~~أخذت أمتع نظري، تارة في شجر البلوط الباسق، وطورا في الأزهار اليانعة والأشجار ~~المثمرة. # في هذه الحديقة خاطبت نفسي قائلا لها: هنا تحت ظلال البلوط، كان يلعب أخي في صغره، ~~ويتنزه في صبوته. # هذه شجيرات التفاح والمشمش والرمان وما جاورها، قد كان يأكل من ثمارها، ويتعهدها ~~بعنايته. # وتلك مغارس الأزهار والرياحين، قد كان يقطف من أقمارها، ويرمقها بالتفاته. # ثم حولت نظري إلى الأعالي، فشاهدت الكرمة المشرفة على البيت، فصعدت إليها وكان ~~العنب لم يزل حصرما، فاكتفيت بأن أستظل الدوالي، وأن أتمثلك - يا أخي - آتيا من كرمة الرب ~~إلى كرمة العنب؛ لتجلس في ظلها إزائي. # أجل تخيلتك في الكرمة كأنك حقيقة بجانبي، ضممتك إلى صدري، وحنوت عليك بكل قواي، ~~وخاطبتك بلساني، وناجيتك بنفسي، معربا لك عن شدة شوقي إليك، وفرحي بلقائك. # ثم انتفضت، فزال الحلم عني، فوجدت نفسي وحيدا في الكرمة، وبعيدا عنك بعد الحياة عن ~~الموت. # يا أخي، إن جلوسك بجانبي كان حلما، ولقاؤك سرابا. # | الرسالة الثانية والعشرون1 # ما هي الحياة الروحية؟ # يا أخي: # حينما كنت في قيد الحياة كنا نتكلم كثيرا عما وراء القبر، ولم أزل أذكر ليلة من ~~الليالي سهرنا بها معا إلى مطلع الفجر، وكان محور حديثنا عن الحياة الروحية. # جئنا مرارا ms28 على ذكر أساطير الأجداد الأولين، وأديانهم الوثنية المتنوعة، واعتقاداتهم ~~المختلفة في حياة الأرواح بعد فناء أجسادهم. # فلم تكن تروي تلك الأساطير ولا تلك الأديان غليلنا، مع أن واضعيها هم الذين وضعوا أيضا، ~~وعلى لغة العلم اكتشفوا أساس الإيمان بالحياة الروحية. # ثم انتقلنا إلى أدياننا الحديثة، تلك الأديان التي نعتقد بكمالها، وبأنها منزلة من ~~لدن الله - جل جلاله - أو موحاة منه - تعالى - إلى رسله وأنبيائه. # فتصفحنا تلك الكتب المنزلة صفحة صفحة، وأشبعناها درسا وتمحيصا، فلم نتبين في آياتها ~~ومعجزاتها عن حياة الأرواح أكثر مما كان يتخيله الآباء والأجداد الأولون؛ لأن كل ما تقوله ~~الكتب المقدسة في هذا الموضوع ينحصر بهذه العبارة: «إن الأرواح الصالحة تعيش في النعيم، وهي تسبح الله، وتمجده في ملكوته إلى ~~الأبد، وأما الأرواح الطالحة فإنها تقيم على الدوام معذبة في نار أبدية ~~القرار.» # يا أخي: # يظهر لي أن الحياة الروحية لم تزل سرا مكنونا عن مدارك العقل البشري، وفضلا عن ~~ذلك، لقد آمن الناس بوجودها في عصر همجيتهم، كما في عصر مدنيتهم، وفي عهد أديانهم ~~المشركة، كما في عهد أديانهم الموحدة؛ لأنهم استدلوا على صحة وجود الأرواح بوجدانهم قبل ~~أن يستدلوا بعقولهم. # وشعور الوجدان يسبق شعور العقل. # والآن جئت أسألك: ما هي الحياة الروحية؟ ماذا تعمل النفس بعد مفارفتها الجسد، سواء كانت ~~صالحة أم طالحة؟ وهل تبقى الطالحة - كما يقول الكتاب - معذبة بنار الجحيم إلى الأبد، ~~والصالحة تسبح الله وتمجده على الدوام. # فإذا كانت الأنفس في النعيم لا عمل لها غير التسبيح والتمجيد فقط، فأنت إذن غير مغتبط ~~في نعيمك؛ لأنك كنت في حياتك رجل عمل وبر، وكنت بهما تمجده تعالى، لا في تكرار ~~الصلوات، وكثرة التسابيح والأدعية. # والأنفس الطالحة، ألا يصفح الله عنها بعد أن تكفر عن آثامها! أليست الكلمة «إلى الأبد» ~~رجاء ردع الأشرار عن غيهم، كي لا يعمهون في ضلالهم، متكلين على عفوه تعالى. # يا أخي، يخيل إلي أن الأنفس سواء كانت محررة من المادة أو مقيدة بها، تعمل على ~~الدوام مجدة وراء رقيها ms29 وكمالها. # تعثر تارة، وتنهض أحيانا، ولا تنفك متجهة نحو غايتها، وما غايتها سوى رجوعها إلى ~~أصلها؛ لأنها فرع، وكل فرع يعود إلى أصله. # فكما يحمل السحاب مياه البحر، ويقذفها فوق الجبال والسهول والأودية، ثم تعود المياه بحكم ~~الطبيعة إلى البحر، هكذا إلى مصدر الروح ترجع الروح، وإلى منبع الحياة ترجع ~~الحياة. # إني أتمثل النفس كالكهرباء، تشتغل مقيدة وبلا قيد، وكالرائحة العطرية تعمل في الفضاء، ~~وفي قلب الزهرة على السواء. # فكما أن الأرض لا تهدأ دورتها، والكهارب لا تقف حركتها، هكذا الأنفس لا يبطل ~~عملها. # وجمال الحياة العمل. # | الرسالة الثالثة والعشرون1 # هل تفتكر بنا وبجثمانك البالي # يا أخي: # حلمت في الليلة الماضية أني عدت إلى عاصمة المكسيك، وذهبت توا إلى حديقة تشبولتباك، تلك ~~الحديقة التي كنت تؤثرها على كل حدائق العاصمة ومتنزهاتها. # هناك طفقت أمشي بين رياضها الغناء وأشجارها الباسقة، متأملا بك - يا أخي - وبالأيام ~~الماضية، التي صرفناها تحت سماء المكسيك؛ حيث كنا نرتاد هذا الفردوس الأرضي معا. # جلست إلى ضفاف بحيرتها الجميلة، أمتع الطرف في مناظرها الخلابة، وفي القوارب ~~العديدة التي تقل المتنزهين، وتسير بهم ذهابا وإيابا. # ابتدأت الشخاتير تمر أمامي واحدة تلو أخرى؛ هذا قارب في وسطه خوان عليه مأكل ومسكر، ~~والناس حوله يشربون ويأكلون. # وذاك قارب يحمل أناسا يعزفون ويرقصون ويغنون. # وهناك قارب يضم رهطا يتكلمون في التجارة والصناعة والمشاريع الاقتصادية؛ فحدقت بنظري ~~في هذا القارب الأخير، وأصغيت لألتقط كلامهم، فرأيتك - يا أخي - بينهم، وسمعتك تتكلم معهم. ~~فخاطبتك: قف يا أخي، أنا هنا، فلم تقف، فناديتك بأعلى صوتي، فوقفت في القارب دون أن ~~تنبس ببنت شفة؛ فطرحت عليك هذا السؤال: «هل تفتكر بنا، وبجثمانك البالي؟» فلم تجب، ~~ومشى القارب، وذهبت في سبيلك. # وبينا عيناي شاخصتان بك تشيعانك استيقظت فجأة؛ فإذا بي على فراشي، فأيقنت أن مرآك في ~~القارب كان حلما، والآن جئت أسألك وأنا في يقظتي وكمال عقلي ما سألتك إياه في الحلم: ~~هل تفتكر بنا يا أخي، أم أن النفس متى تحررت من المادة تفقد شعورها، وتنسى ms30 حياتها ~~العالمية، كما ينسى المرء أوائل طفولته؟! # أو بالأحرى: إن الشعور يتولد من الجسم، فمتى زال الجسم زال شعوره. # وأما أنا فأعتقد كل الاعتقاد بأن شعور الجسم هو غير شعور الروح. # كنت - يا أخي - في هذه الحياة تروي حقل ذهنك من ينبوع نفسك، وتنير صراطك القويم من منارة ~~روحك، فمن هذا الينبوع أطلب الآن ماء، ومن تلك المنارة هديا. # إذا كانت الأرواح لا صلة رحم لها حتى تفكر في الأهل والبنين والإخوة والمحبين، ~~وتشعر بألم فراقهم، كما يشعر بنو البشر، فإن بينك وبيني صلتين: صلة الرحم، وصلة ~~الروح. # وإن ذهب الموت بأخوة المادة، فلا يذهب بأخوة الروح، كنت وإياك في عالم الفكر ~~والتدبير والعمل كأننا واحد فقط، وكانت الأخوة الروحية بيننا تبدو بتمامها في مختلف ~~أعمالنا وطرق تفكيرنا. # فإذا كانت الأنفس بعد انتقالها لا تعبأ بالمادة ، ولا تأبه لها، أفلا تفتكر نفسك بنفسي، ~~وهي شقيقتها، ورفيقتها في هذه الحياة الدنيا! # تجلي إذن يا روح أخي أمامي، واعطفي علي كما كنت تعطفين في الحياة، فإذا كان جسدي ~~يصدك عن هذا التجلي، ويحبس نفسي عنك، فلا كان هذا الجسد، ولا كانت هذه الحياة. # يا أخي: # مهما كانت نفسك قد ابتعدت عن المادة، أفلا تفتكر علي الأقل بجثمانها البالي الذي ~~عتقته، وكانت في الحياة تحرص عليه أشد الحرص، وتسهر على تزيينه وتجميله! أو أنها تحسبه ~~بمثابة ثوب تعطل فنزعته عنها، ومضت في سبيلها! # إن كان الأمر هكذا، فقلما تفكر به، كما أن المرء قلما يفكر بعتيق لباسه ~~وخرقه البالية. # يا أخي، يقول الطبيعيون أن لا شيء وراء الذرة، التي هي جوهر الحياة ومنها تتركب المادة ~~على اختلاف أنواعها، فإذا كان الحق بجانبهم، فتكون مخاطبتي لنفسك كمن يخاطب العدم. # وأما أنا فإني أعتقد بوجود النفس وخلودها، كما أعتقد بخلود جوهر المادة أيضا؛ لأني أرى ~~الوجود على نوعين: وجود مادي، ووجود روحي. فالوجود المادي مصدره الذرة، أو الكهرب، وأما ~~الوجود الروحي فمصدره النفس. # ولا أعتقد بأن الذرة، أو الكهرب يحوي الوجودين. # | الرسالة الرابعة والعشرون1 # هل ms31 الشعور النفساني يرافق النفس أو ينتهي مع الجسد؟ وأيهما من الاثنين مصدر ~~المساوئ؟ # يا أخي: # منذ بضعة أيام انتابتني حمى، هزت أعصابي هزا، فشعرت بصداع وألم لا مزيد ~~عليهما. # غابت شمس النهار، ولم تغب عني تلك الحمى الخبيثة، بل بالعكس ارتفعت درجتها في أوائل ~~الليل ارتفاعا هائلا، فأمسيت أتقلب على أحر من جمر الغضا، وأتلوى على فراشي كما ~~تتلوى الأغصان تجاه العواصف، وأخذ القلب يسرع في نبضاته إسراع الهارب من وجه عدوه، ~~والخائف على حياته. # في تلك الليلة الرائعة، وتحت وطأة الصداع القاتل والقيء الشديد والألم الذي لا يطاق، ~~سمعت في داخلي كأن صوتا يناجيني: تشجع يا توفيق، غدا أو بعد غد تستريح، ستزول ~~الحرارة، وينتهي الألم، سواء انتصر الداء على الجسد، أو الجسد على الداء. # لم أتبين مصدر هذا الصوت الذي آساني، وأخذ بيدي في أشد الساعات ضيقا وألما، هل ~~هو خارج من خلايا الدماغ، أو من جوهر النفس. # ولكني أعلم أني حصلت على الراحة فعلا في اليوم الثاني، وانتهى الكفاح بانتصار الجسد ~~على الحمى انتصارا تاما. # فكما زال الألم بانتصار الجسد على الداء، هكذا يزول أيضا لو كان الأمر بالعكس، وانتصر ~~الداء على الجسد. # لقد نظرتك - يا أخي - وأنت تتقلب على فراش الأوجاع، وتغلي من وطأة الداء غليان القدر على ~~النار، وشاهدتك بعد وقوعك في مخالب الموت باردا مستريحا؛ لأن الموت قضى على جثمانك وعلى ~~شعورك، وعلى الداء والألم جميعا. # يا أخي، مهما كانت وطأة الشعور بالآلام الجسدية شديدة؛ فإنها - ولا شك - تنتهي بانتهاء ~~الجسد، أما الشعور النفساني فماذا يحل به بعد الوفاة؟ # هل خسرت نفسك الصالحة شعورها بالرحمة والرفق والعدل؟ ألا تتألم الآن من فعل الظلم ~~وسائر المساوئ، كما كانت تتألم في هذه الحياة، أم أنها تعيش الآن في عالم كامل لا يحتاج ~~إلى شعور؟ # لو كان هذا الكون كاملا بمخلوقاته لما كان للشعور معنى؛ لأن الشعور يتولد من الحاجة لا ~~من الكمال. # فكما أن الشعور بالجوع دليل الحاجة إلى الغذاء، والشعور بالراحة دليل التعب، هكذا لولا ms32 ~~الظلم لم نشعر بالعدل، ولولا البغض لم نحس بالمحبة، ولولا الإساءة لم نشعر ~~بالإحسان. # يا أخي: # أسألك الآن عن أبناء السوء ما هو سبب سوئهم؟ هل الشر يخرج من جوهر النفس، أو من جوهر ~~الجسد؟ # فإذا كان الجسم مصدر الشر، فمتى تحررت منه النفس تتحرر أيضا من الشر، وإذا كانت ~~هي المصدر، فكيف تتحول عن شرورها؟ # إن العوسج لا يتحول عنبا، كما أن العنب لا يفضل العوسج إلا بأصله. # وأما أنا، فلا أعتقد أن في جوهر النفس سوءا؛ لأني كلما أسأت أسمع صوت ضميري يؤنبني على ~~الإساءة، وصوت الضمير هو صوت النفس؛ ولهذا السبب يتراءى لي أن النفس كاملة بحد ذاتها، ~~والجسم وحده مصدر المساوئ؛ لعدم كماله. # فإذا كان الطحان ماهرا، وكان الطحن سيئا، يكون الخلل ناتجا من الطاحونة لا من ~~الطحان، فعندئذ لا يصلح الطحن إلا بإصلاح الطاحونة. # وهكذا الأجسام متى صلحت وتعالجت نقائصها وعاهاتها؛ تصلح الأعمال وتزول المساوئ. # هذا هو اعتقادي يا أخي، سردته بكل تجرد وإخلاص. # | الرسالة الخامسة والعشرون1 # التجدد في الموت # يا أخي: # ليس الموت في نظري سوى مظهر من مظاهر التجدد لا من مظاهر الفناء؛ لأني أعتقد بخلود ~~المادة، كما أعتقد بخلود النفس. # إني أتمثل الجسم كالجيش، فكما أن الجيش هو مجموع جنود عديدة، هكذا الجسم هو مجموع ~~ذرات كثيرة، ولكل مجموع رأس يقوده وقيادة عليا، تأمر في تعبئته وتجهيزه، كما تأمر في ~~تسريحه. # لا مراء أن الجيش يتلاشى حين يذهب كل جندي في سبيله، وأما أفراد الجند فلا يلحقهم ~~التلاشي، ثم يعود الجيش مجددا في مجموعه، حينما تأمر القيادة في إعادة تعبئته ~~وتجهيزه. # هكذا الجسم يتلاشى في الموت، وأما ذراته فلا تتلاشى، بل ينفصل بعضها عن بعض انفصالا، ~~فتذهب كل ذرة في سبيلها، ثم تتصل بغيرها، فتتجدد المادة باتصالها، كما تندثر ~~بانفصالها. # كل شيء في هذا الكون يدل دلالة واضحة على تجدد الحياة في الموت، لا على فنائها. # فمن يتأمل في أيام الخريف يرى الحقول مقفرة، والأشجار منتثرة أوراقها، والأرض عارية من ~~نباتها، كأن ms33 الموت أباد معظم أحيائها، ولكنها لا تلبث أن تتجدد نضارتها؛ حيث تعود الطبيعة ~~في الربيع إلى انتعاشها، وتمتلئ الحقول زهرا ونباتا، والأشجار ثمرا وحياة. # يا أخي: # إن الفكر الإنساني يتجدد أيضا، كما تتجدد الطبيعة. # ها إن أفكار صبوتي وتخيلات حداثتي، قد زالت كلها من الوجود، ولكن فكري لم يزل أبدا، بل ~~تجدد في، كما تجددت عناصر جسمي. # والآن ابتدأت أشعر، وأنا أقطع المرحلة الأخيرة من مراحل الشباب بأن مجرى فكري أخذ ~~يتحول رويدا رويدا، سالكا طريق التجدد. # ها إن فكرة الغرور والهوس والتخيلات الوهمية تقلصت كلها مع تقلص شبابي، وحلت محلها فكرة ~~الحكمة، ومحبة البحث عن الحقيقة. # أليس هذا كله يدل دلالة واضحة على أن تفكير الشبان يختلف عن تفكير الأحداث، كما أن ~~تفكير المعاصرين يختلف أيضا عن تفكير الأقدمين. # وما سبب تعديل الشرائع والقوانين في كل جيل سوى نتيجة تجدد الأفكار الإنسانية. # يا أخي: # كل من يراقب الحياة، ويلاحظ مقدماتها ونتائجها، يرى كل ما في الكون يرتفع في التجدد عن ~~مستواه. # هذه ثمرة العصر الحالي، تفضل ثمار القرون الغابرة بلذاتها ونضوجها، وحيوان اليوم يعلو ~~الحيوان القديم بقوة غريزته ومحافظته على كيانه، والإنسان الحالي يبدو أكثر رقيا ~~وعلما، وأجمل خلقا وخلقا من إنسان العصر الحجري. # قصارى القول: إن الطبيعة مع كل أحيائها تتجدد في الموت، وتكتسب في تجددها قوة وحكمة، ~~وتقدما إلى الأمام. # وهكذا أعتقد - يا أخي - بأنك اكتسبت في الموت حياة جديدة وقوة وحكمة ~~وتقدما. # | الرسالة السادسة والعشرون1 # ما هي حياة الإنسان على الأرض بالنسبة إلى الأبدية؟ ما هي الأبدية؟ # يا أخي: # إن من يبلغ الثمانين من العمر يعد من كبار المعمرين من أبناء الجنس البشري، مع أن ~~هذا الرقم من السنين - الذي يحسبه بنو البشر طويلا، ولا يعيشه إلا القليلون منهم - لا ~~يعد شيئا بالنسبة إلى الأبدية. # إن قياس قطرة الماء إلى البحر أقرب إلى العقل والمنطق من قياس عمر الإنسان إلى ~~الأبدية. # لعمري، يحار العقل البشري - مهما كان رياضيا ثاقبا - حينما يأتي على تحديد الأبدية، ~~بأي شيء ms34 يقيسها، وكيف يحددها وهي لا حدود لها؟! # هل تقاس بالأرض والشمس وسائر الكواكب المحدودة؟ لا، فلا يقاس المحدود باللامحدود، ~~والمتناهي باللانهاية. # يا أخي: # عبثا أجهد عقلي كلما فكرت بحل رموز الأبدية، إنها - لعمري - لغز لا يحل، وقضية ~~لا يدرك كنهها الذهن البشري؛ لأنها ترمز إلى الله الأبدي، الذي لا تدرك أسراره ~~ورموزه. # إذن فالأبدية في نظري هي ذات الله، كما أنه تعالى هو الأبدية بحذافيرها. # أجل، كلما خلوت بنفسي أتساءل: ما هي حياة الإنسان علي الأرض؟ # فإذا كانت حياته تقتصر على هذه السنين القليلة التي يعيشها، كان خيرا له عدم ~~وجوده. # إن أطوار الطفولة والصبوة والشباب، ما هي بالحقيقة إلا مراحل درس واستفادة، وقليلون هم ~~الناس الذين يبلغون الكهولة، ويتمتعون بما اكتسبوا من خبرة سنيهم الماضية، وندر منهم من ~~يبلغ الشيخوخة معافى، ويتمتع بحكمة الكهولة. # إن الناس يموتون غالبا دون أن يتمتعوا بحكمتهم، ومتى كان الأمر هكذا، وكانت الحكمة ~~والخبرة تذهبان ضياعا، فما هي نتيجة الحياة؟! # يا أخي، يتراءى لي أنه لا شيء يذهب ضياعا في هذا الوجود. # إن ذرة الرمل وقطرة الماء لا تزولان؛ فكيف تزول أعمال الإنسان وحكمته؟! # أليست هذه الحياة تتركب من روح ومادة؟ والروح هي الجوهر، والمادة هي العرض؛ إذ من الجوهر ~~تتولد القوة الأدبية، ومن المادة تتولد القوة البدنية، فإذا كانت المادة التي هي قشور ~~الحياة وعرضها لا تفنى في الموت، بل تتجدد على الدوام، فكيف تفنى الحكمة التي هي جوهرها ~~ولبابها؟! # وفضلا عن ذلك؛ أليس للوجود غاية؟! وهل يا ترى يصل المرء في حياته القصيرة على الأرض ~~إلى غاية وجوده؟! # إذن يخيل إلي أن للوجود نظاما يشبه نظام الجامعات العلمية، أو أنه يدعى - بحق - ~~جامعة الجامعات. # فكما أن الطالب لا يبلغ غاية علمه في درس سنة واحدة، بل عليه أن يواظب على دروسه ~~أعواما عديدة، وأن يعلو في معارفه صفا صفا إلى أن يدرك نهاية علمه، هكذا الإنسان لا ~~يبلغ غاية الوجود في هذه الحياة الدنيا، بل عليه أن يحيا حياة جديدة ليتمم معارفه، ms35 ~~ويعلو في خبرته صفا صفا، إلى أن يدرك الغاية القصوى من وجوده. # ولهذا السبب تراني أعتقد كل الاعتقاد بأن خبرة هذه الحياة لا تذهب عبثا، بل بالعكس؛ لها ~~فائدة مزدوجة. # الفائدة الأولى: # ما يورثه المرء لأبناء جنسه؛ لأنه كما يرث الخلف عقار السلف ~~ونضاره، هكذا يرث أيضا علمه واختباره. # والفائدة الثانية: # ترجع إليه من حيث يزود نفسه حكمة في خبرة دنياه، ويزيدها ثقافة ~~ورقيا، ويخطو بها في المعرفة خطوة إلى الأمام في مراحل حياته ~~الباقية. # يا أخي، إن هذه الحياة العالمية ليست في نظري كل الحياة، بل تمثل فقط مشهدا من ~~مشاهدها، ودورا من أدوارها، وأما الحياة فإني أتمثلها أبدية كالأبدية. # | الرسالة السابعة والعشرون1 # القوة ضعف والضعف قوة # يا أخي: # منذ بضعة أيام ذهبت إلى البرية، مصطحبا معي ولدي رفيق، الذي يبلغ عمره ثلاثة أعوام، ~~فجلست وإياه نستظل شجرة من أشجار البلوط الباسقة. # وإذا بثمرة بلوط وقعت أمامي فتناولتها، ثم أخذت أقلبها، مفكرا في هذه الشجرة ~~العاتية القوية، وفي هذه البلوطة الضعيفة الصغيرة. # فنجم من إشغال ذهني وشدة تفكيري، وصولي إلى هذه النتيجة: # إذا كانت هذه الشجرة العاتية اللاحقة قلب الأرض في جذوعها، وكبد الفضاء في أغصانها ~~وفروعها، تمثل الآن أمام عيني القوة والجبروت؛ فماذا تختزن في قلبها لتمثله في ~~الغد؟! # إنها - ولا شك - تصرف قواها، ولا تختزن في داخلها إلا الضعف والتلاشي. # وأما هذه البلوطة الصغيرة التي تمثل الضعف اليوم، فهي تخزن في قلبها القوة للغد؛ لأنها ~~ستصبح شجرة عظيمة، في حين أن الشجرة القوية اليوم ستندثر، وتمسي أثرا بعد عين. # هكذا أنا وولدي الآن نسير في طريق الحياة، كما تسير البلوطة وشجرة البلوط. # هو كالبلوطة، يمثل اليوم الضعف ويخزن القوة، وأنا كالشجرة، أمثل القوة وأخزن ~~الضعف. # أصرف قواي في مرور أيامي، وولدي يزداد بمرور الأيام قوة ونشاطا، وسيبقى هكذا إلى أن ~~يبلغ مكاني، فعندئذ تنقلب القوة التي اختزنها، فتصبح بمرور السنين ضعفا، كما أصبح ~~الضعف قوة. # إني أرى الأمم أيضا، تسير في حياة، مجموعها سير الأفراد في قوتهم ms36 وضعفهم، فالشعب الذي ~~مثل القوة في غابره، أصبح يمثل الضعف في حاضره، ولهذا السبب فلتفقه الأمم القوية ~~اليوم أنها تصرف قواها، في حين أن الأمم الحالية الضعيفة فهي تختزن القوة للغد. # يا أخي: # كل من يلاحظ الطبيعة، ويتعمق في درس نظامها العجيب، تبدو له جليا هذه النتيجة ~~الراهنة. # إن الضعف يولد القوة، كما أن القوة تولد الضعف، والموت يولد الحياة، كما أن الحياة ~~تولد الموت. # إن السيد المسيح الذي احتمل الآلام والصلب وازدراء الناس به واحتقارهم له، لم ينتصر على ~~العالم إلا بضعفه. # وغاندي الهند يحمل اليوم صليبه، ويحارب بضعفه الأمة الإنكليزية، التي هي أقوى أمم الأرض، ~~وأشدها صولة وبأسا، وسينتصر - عاجلا أو آجلا - على أعداء أمته، كما انتصر المسيح ~~المصلوب على أعداء الحق. # إن المستقبل يبسم دائما للقوة العادلة المستترة وراء الضعف، لا للضعف الكائن وراء القوة ~~الظالمة. # هذه هي فلسفة الحياة، التي تلقيها الطبيعة على طلابها المتعمقين في درسها، والباحثين في ~~أسرارها وخفاياها. # | الرسالة الثامنة والعشرون1 # العدل العام # يا أخي: # تراني كلما فكرت في العدل العام، وفي كيان الجنس البشري، يبدو لي - لأول وهلة - أنه ~~يستحيل على المرء مهما كان كريم الأخلاق فاضلا أن يكون عادلا عدلا عاما؛ لأن العدل ~~العام يوجب البعد عن الأذى وعدم الاعتداء. # ولهذا السبب تراني دائما أتساءل: كيف أكون عادلا في هذا الكون، وقادرا أن أحفظ كياني؟! ~~ما زال حفظ الكيان يتعلق بالاعتداء على كيان الغير. # كيف أعدل؟! ما زلت أفتك بالحيوان الأمين لأقتات بلحمه، وأتنعم بجلده! # ماذا عمل الحيوان ليستحق هذه العقوبة؟ # وإذا امتنعت عن أكل اللحوم، وعفوت عن الحيوان كما تعفو البراهمة، وأخذت أتغذى بالأثمار ~~والنبات فقط، أفلا أتساءل أيضا: بأي حق أفتك بنبات الأرض وأستحله طعاما؟! # كيف أعدل؟ ما زلت - بلا سبب - أستأصل كيان الثمر لأحفظ كياني. # وإذا عاهدت نفسي ألا أعتدي على الحيوان، ولا على النبات، حفظا لناموس العدل العام، فكيف ~~أعيش؟! # هل أقدر أن أحيا بلا غذاء؟ لا. # هل أحصل على غذائي دون أن أفتك بغيري؟ لا. # إذن ms37 ما العمل لأحفظ العدل وكياني؟ # إن العهد القديم ينص في سفر التكوين: أن الله تعالى خلق الإنسان على صورته ومثاله، ~~وسلطه على سمك البحر، وعلى طير السماء، وعلى البهائم، وعلى كل الأرض، يضحي منها بما ~~يشاء، وفقا لحاجاته وحفظا لسلامته. # ولكن المطلع على ناموس الطبيعة، والمفكر تفكيرا صائبا في خفايا الكون وأسراره، يبدو له ~~جليا أن المبدع لم يميز في خلقه الوجود إنسانا عن حيوان ولا حيوانا عن نبات؛ لأنه ~~- تعالى - سلك طريق العدل العام في السنة التي استنها لجميع مخلوقاته، ألا وهي ~~سنة الجهاد، وكل من جاهد ساد. # إن هذه النتيجة التي استخلصتها من درس الكون تناقض الكتاب، ولكنها أقرب إلى ~~عدل الله في مخلوقاته، وفضلا عن ذلك إن ناموس الطبيعة يؤيدها، وما ناموس الطبيعة سوى ناموس ~~الأخذ والعطاء، الذي يعم الكائنات بأسرها. # وهذا الناموس يدعى - بحق - ناموس العدل العام ؛ لأن كل ما في الوجود يأخذ ~~ويعطي. # إن الأرض تستمد نورها من الشمس، ثم تمد غيرها بالمثل قوة ونورا، وهكذا الأحياء جميعهم ~~يأخذون ويعطون، فكما يأخذ المرء كساءه وطعامه من الحيوان والنبات، هكذا يأتي يوم يعطي كل ~~ما يأخذه؛ إذ يموت فيصبح جثمانه طعاما لنبات الأرض وحشراتها. # يا أخي: # هذه هي حياة الإنسان المادية، وأما حياته الأدبية فهو حر بها؛ فإذا شاء كان فاضلا ~~وعادلا، وإذا لم يشأ كان من العابثين بالعدالة والفضيلة. # ولكنه مهما عاش طويلا، وتمادى بالظلم، وعبث بالحق فهل يدوم على الأرض جوره وعدوانه؟ لا؛ ~~لأن يد الموت ستطاله، والعدل العام يقتص منه، عاجلا كان ذلك أم آجلا. # هذا هو ناموس الوجود، ناموس العدل الإلهي. # | الرسالة التاسعة والعشرون1 # وحدة الحياة والكائنات # يا أخي: # إن الاعتقاد بوحدة الله يوحي إلي الاعتقاد بوحدة الحياة والكائنات. # فكما أن الشجرة تتعدد فروعها، وتكثر أغصانها مع كونها واحدة فقط بأصلها، هكذا يبدو لي ~~أن شجرة الحياة واحدة بجوهرها، مهما تنوعت أحياء الأرض، وتعددت أجناسها. # ولكن كيف أومن بأن أصل الحياة واحد في الإنسان والحيوان والنبات مع ما في هؤلاء الأحياء ~~من ms38 الاختلاف البائن في الجنس والعنصر والنزعة والغرائز؟! # كيف إذن تشعبت الحياة إلى أنواع لا تحصى، وأجناس لا تعد؟! أو بالأحرى: كيف ~~أوفق أيضا بين حياة البعوض والحشرات المتنوعة، وحياة الإنسان، أو بين حياة الطير ~~وحياة النبات، أو بين حياة البهائم وحياة الأسماك، لأصل إلى الضالة المنشودة، ألا وهي ~~وحدة شجرة الحياة. # يقول علماء البيولوجيا: إن أصل الحياة هي الخلية أو البروتوبلاسما، أو ما هو أصغر منها، ~~وهذا قول لا أشك في صحته؛ لأنه يلوح لي أن مظهر الحياة كان واحدا في الأصل؛ لأن ~~الخلايا عاشت دهرا طويلا منفصلة عن بعضها إلى أن قيض لها أن تتحد بعد جهاد طويل، ~~فنجم من اتحادها تشعب مظاهر الحياة ووجود الأجناس؛ لأن الخلايا لم تتحد على شكل واحد، ~~بل على أشكال متنوعة، وهذا هو السبب في تنوع أحياء الأرض. # وفضلا عن ذلك يخيل إلي أن الأنواع الحية لم تظهر دفعة واحدة على الأرض، بل ~~تدريجيا؛ لأنه يستحيل على الخلايا بأن تصنع الحشرة البسيطة وذوات الثدي في آن ~~واحد. # إن الإنسان الذي يعد من أكمل مركبات الخلايا، ومن أفضل الأنواع الحية، يدلنا في ~~تاريخه وتطورات حياته على أنه لم ينتقل دفعة واحدة من سكنى الكهوف والمغاور إلى مناطحات ~~السحاب والقصور الشاهقة الحديثة، بل جاهد طيلة آلاف من السنين، حتى وصل إلى ما وصل ~~إليه من العلم والفن والهندسة. # لقد أخذ يتدرج في صناعة البناء، كما في غيرها من الصناعات والمعارف تدرجا بطيئا، ولم ~~يصل إلى أبنيته الحديثة إلا بعد أن جاهد خلال قرون عديدة، واختبر من نماذج البيوت أنواعا ~~لا تحصى، وأشكالا لا تعد. # وبما أنه مفطور منذ وجوده على الجهاد في تحسين حياته، فهو لا ينفك، ساعيا في طلب ~~الأحسن، وسيتقدم - ولا شك - مع الزمن تقدما مطردا في علومه وصناعاته وسائر ~~فنونه. # هكذا أعتقد أن الخلايا لم تحدث في بدء اتحادها إلا بعض الأنواع الصغيرة المركبة من ~~خليتين أو أكثر قليلا؛ فنجم من هذا الاتحاد المصغر وجود بعض النبات، ثم الهوام والحشرات ~~على اختلاف ms39 أنواعها، ثم زاد مع الزمن اتحاد الخلايا، فوجدت الأسماك والحيوانات الزاحفة ~~وغيرها. # ثم جاهدت خلال أجيال في تحسين أنواعها، فأحدثت - بعد عناء جزيل ودهر طويل لا ~~يعلم مقداره غير الله - ذوات الثدي ثم الإنسان. # وبما أن الخلايا مفطورة منذ الوجود على حب الأحسن، فهي لم تزل تجاهد في تحسين أنواعها، ~~وستجاهد إلى النهاية. # لهذا السبب يلوح لي أن الأجناس الحية الحالية لا تدوم أبد الدهر على شكلها، بل بعضها ~~ينقرض كما انقرضت الزحافات الكبرى، والبعض الأخر يتحول من شكل إلى شكل، كما أنه من الممكن ~~- لا، بل من الأمر الراهن - أن تحدث الخلايا في المستقبل من أنواع الأحياء أجناسا ~~جديدة لا عهد لنا بها؛ لأنها دائما تفتش في جهادها وطرق تجمعها على اختلاق جديد، ~~كما يفتش الإنسان في جهاده المتواصل على خلق صناعة جديدة، واختراع جديد. # وما الإنسان في هيكله سوى وليد الخلية وصنيعها، كما أن الخلية - بحد ذاتها - تمثل لنا ~~وحدة الحياة، ومظهرها الأول في الوجود. # فإذا كان الغصن هو فرع من الشجرة، والشجرة هي فرع من الغاب، والغاب هي قطعة من الأرض، ~~والأرض هي جزء من الكون، والكون هو من الله، أفلا يكون أصل الغصن والشجرة والغاب والأرض ~~والكون واحدا فقط! # وهكذا أصل الحياة والكائنات واحد أيضا، مهما تنوعت الأحياء وتعددت الشموس ~~والكواكب. # يا أخي: # إني أعترف الآن أمام الله، وأمام نفسك الخالدة بأن هذه المباحث العميقة التي خضتها، ~~ليست هي من خصائص الأديب، بل من خصائص العلماء. # لقد تطفلت - وايم الحق - على موائدها، ولكني أحب أن أتحرى الحقيقة، وأن أبحث عنها، ~~ولا بأس إذا عثرت بعض العثرات في طريقي؛ لأن العثرة في طلب المعرفة لهي عندي أفضل من ~~الجمود. # والآن إن كنت قد عجزت عن إدراك كيفية وجود الأنواع، وعجز علماء العصر العشرين أيضا، ~~فهذا لا يعني أن الجنس البشري لا يكشف القناع في المستقبل عن أسرار تشعب الحياة، ولا ~~يمنعني أيضا من أن أعتقد بأن مصدر الحياة والكائنات واحد، وهو الله. # | الرسالة الثلاثون1 # الإنجيل # يا أخي: ms40 # كان للإنجيل المقام الأول في مؤاساتي على فقدك، وهو الذي قواني على احتمال خطبك ~~بصبر جميل. # إن الآية القائلة: «تعالوا إلي يا جميع المتعبين والمثقلين، وأنا أريحكم» ~~حولتني بكليتي شطر الإنجيل، الذي اتخذته سميري في أشد أيامي يأسا، وأكثر ساعاتي ~~شؤما. # وبينما كنت أمعن في درسه، وفي تفهم آياته العجيبة، وصلت إلى الكلمة التي قالها ~~المسيح وهو على الصليب: # يا أبتاه اغفر لهم؛ لأنهم لا يدرون ماذا يفعلون. # فشعرت عند تلاوتها كأن المسيح العظيم ظهر أمامي، حاملا صليبه وأوجاعه المبرحة، وأخذ ~~يلقي علي أمثولة الغفران والرحمة والمحبة، فوقفت ذاهلا أمام هذه التضحية النادرة ~~المثال، وتجاه هذا العفو الكامل. # ثم عاهدت نفسي بأن أغفر لكل من يسيء إلي، وأحسن إليه قدر إمكاني، أسوة بالمسيح العظيم ~~الذي أراحني في إنجيله من أحزاني، وانتشلني من وهدة بلواي؛ لأنه نفح في حب التضحية ~~واحتمال المكاره. # | الرسالة الواحدة والثلاثون1 # أنا سعيد، لماذا تبكي؟ # يا أخي: # كتب إلي أحد الأنسباء الأعزاء عن عاصمة المكسيك ما يلي: # نهار البارح زرت قبر المرحوم طانيوس بإكليلين من الزهر، وما وقفت حيال ~~الجدث، حتى ذرفت عبرتين حارتين، فإذا بقوة خارقة العادة جذبتني إلى الوراء، ~~وبهمس أرق من النسيم يقول لي: أنا سعيد، لماذا تبكي؟ # هذه حقيقة، أرسلها إليك، وتقدر أن تعتمد عليها وتتعزى. # أجل، أنت سعيد يا أخي، وليس عندي أدنى شك في سعادتك، لكني كلما فكرت بهذه العبارة، ~~التي همستها إلى نسيبك يخامرني الشك، ويمتلكني الريب بأنك قائلها. # ولهذا السبب جئت أسألك: أحقيقة نطقت روحك بها، أو أن النسيب الذي يعتقد بك الصلاح ~~الكلي سمع صوت ضميره لا صوت روحك يهمس إليه خبر سعادتك، والسعادة ميراث ~~الصالحين؟ # أما أنا فقد حاولت مرارا أن أتصل بنفسك ولم أستطع، فإذا كنت حقيقة قد خاطبت نسيبك، ~~فلماذا لم تخاطب أخاك؟! # وإذا كنت أقمت النسيب وسيطا بينك وبيني، فإني أقر وأعترف أمامك بأني أحب النسيب، ~~ولكني لا أحب الوسطاء. # | الرسالة الثانية والثلاثون1 # مناجاة الأرواح # يا أخي: # أنا منذ وفاتك أبحث في عقيدة مناجاة ms41 الأرواح، وحتى الآن لم أزل مرتابا في صحة هذه ~~العقيدة. # لقد طالعت مجمل ما كتبه العلماء الروحيون في هذا الموضوع أمثال: كونان دويل، ~~وأوليفر لودج، وفلا سريون، وغيرهم الذين يعدون من جهابذة العلماء وفحول الأدباء، ~~وتلوت بعض الرسائل الروحية التي يعتقد بها الروحيون أنها بعثت من عالم الروح ~~إلى عالم المادة. # فشعرت في خلال تلاوتها بتعزية دخلت في نفسي، ولكني لم أشعر بإيمان راسخ. # يا أخي، أنا كتوما الرسول، لا أصدق دون أن أنظر بعيني وألمس بيدي، فهل لك قدرة بأن تعمل ~~كالمسيح، الذي يقول عنه الإنجيل أنه ظهر لتوما وقال له: «هات أصبعك إلى ها هنا، وعاين ~~يدي، وهات يدك وضعها في جنبي، ولا تكن غير مؤمن، بل مؤمنا.» # فهل لك بأن تريني نفسك ولو مرة واحدة، كما أرى المسيح نفسه لتلميذه، وأن تدلي ~~إلي عن كيفية مناجاتك؟ # يا أخي: # إني أعتقد اعتقادا تاما بأن الجسر الذي يعقد ما بين العالمين: الروحي والمادي، ~~عقدا حقيقيا واضحا لم يتم العقل البشري بناءه حتى الساعة، إنه - لعمري - لم ~~يزل جسرا خياليا مرسوما على تلافيف الأدمغة البشرية، لا جسرا حقيقيا موجودا ~~تعبره الأرواح من كراتها والماديون من أرضهم، فيتكالمون ويتناجون. # فهل لك الآن بأن ترشدني إلى بناء هذا الجسر لأعبر إليك، وأكتشف للناس حقيقة العالم ~~الروحي وطريق مناجاته؟! # | الرسالة الثالثة والثلاثون1 # جنازات # يا أخي: # ذهبت البارحة لزيارة صديق مريض في أحد المستشفيات؛ فشاهدت هناك جنينا أجهضته ~~أمه في الشهر السابع. # فقلت في نفسي: أفما كان الخير لهذا الجنين عدم وجوده؛ إذ ما هي الحكمة من ~~وجوده؟! # وبينما أنا أفكر في هذا الأمر خرجت إلى الشارع، فنظرت جنازة طفل صغير، قيل لي: إنه مات ~~بعد ولادته ببضع دقائق. لقد أشرقت شمس حياته كالبرق، وغربت كالبرق. # فما هي الحكمة من شروقها وغروبها؟ # ثم سرت في طريقي، فإذا بي أمام جنازة طفل، بلغ السنة الأولى من عمره، تعلم كلمة ~~واحدة نطق بها ومات. # فما هي غاية الحياة من هذه الكلمة؟ # ثم واصلت السير إلى أن ms42 بلغت منتهى الشارع، فاصطدمت هناك بأربع جنازات، واحدة ~~تلو أخرى. # جنازة صبي بلغ السابعة من عمره، كان يرتاد المدرسة ليتعلم أصول القراءة والكتابة. # وجنازة مراهق كان يجاهد في تحصيل العلم فمات دون نيل مناه. # وجنازة شاب في عامه العشرين، دهمه الموت بعد أن أتم دروسه، ونال شهادته العلمية، ~~فزهقت روحه وهو مشبع بأمل الحياة وأحلام الشباب. # وجنازة رجل أحرز ثروة طائلة بجده واجتهاده، ثم مات في روعة شبابه وكمال نشاطه، دون أن ~~يتنعم بماله ويستفيد من أتعابه. # ما هي الحكمة الخفية التي قضت على الجنين في أحشاء أمه، وعلى الطفل إثر ولادته، وعلى ~~الصبي والمراهق والرجل البالغ الشباب؟ # ما هي غاية وجودهم، ما داموا لم يفسحوا مجالا للعمل، وللانتفاع من العمل؟ ~~••• # إن الآية القائلة: «ما كتب قد كتب» لا تعني عالم الإنسان وحده، بل عالمي الحيوان ~~والنبات أيضا. # فكم من حيوان يموت في أحشاء أمه، أو إثر ولادته، وحيوان يعيش إلى أن يبلغ نهاية ~~عمره! # وكم من زهرة تذوي قبل تفتيح أكمامها، وزهرة تعيش إلى أن تبلغ هرمها! # كيف أعلل سبب الموت في بدء الحياة وفي زهوتها؟! # هل أعلل ذلك في الصلاح والطلاح؟ أعني بأن أعتقد بأنه لو عاش الذي كتب له الموت في أوائل ~~حياته لكان من الآثمين؟ لا، لا أقبل هذا التعليل، ما زلت أشاهد كثيرين من الأشرار عاشوا ~~حتى الهرم؛ بينما غيرهم من الأخيار لم يبلغوا الكهولة. # وفضلا عن ذلك، فالشمس تشرق على الأخيار والأشرار بالسواء. # هل أعتقد إذن بما ارتآه شاعر الجاهلية وحكيمها زهير ابن أبي سلمى؛ حيث يقول في معلقته ~~المشهورة: # رأيت المنايا خبط عشواء من تصب # تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم # فإذا كان الأمر هكذا، يكون العرض هو سبب المنايا، وهو الذي يفعل فعله الذريع في جميع ~~الأحياء على اختلاف أجناسهم وأعمارهم. # فكما يجرف السيل العرم كل ما يصادفه في طريقه، صغيرا كان ذلك أو كبيرا، هكذا يبيد ~~العرض كل شيء في سبيله. # ولكن أليس لهذا العرض نظام يتمشى عليه، كما تتمشى الكائنات على ms43 أنظمتها؟ # أو أنه فوضوي، ثار منذ البدء على قوانين الكون، ولم يزل ثائرا لا يقبل نظاما، يسير ~~كيفما يشاء، ويخبط في سيره خبط عشواء. ~~••• # يا أخي: # لقد أجهدت عقلي باطلا في حل قضية الحياة؛ لأني لم أصل عن طريق العلم إلى تفهم هذه ~~الحكمة الخفية، التي تأمر بولادة حي، ثم تقضي عليه قبل أوانه. # ولهذا السبب تركت العلم جانبا، وأخذت أستنجد مخيلتي لحل هذه المعضلة التي استعصت على ~~ذهني. # والخيال دائما يسبق الواقع، كما أن الواقع يتولد من الخيال. # إن مخيلتي تملي علي الآن بأن هذه الحياة ليست هي بالواقع سوى روايات متسلسلة، تتمثل ~~على مسرح اللانهاية، ولكل رواية أدوارها وفصولها ومشاهدها المتنوعة، وعلى كل حي أن يتقن ~~تمثيل دوره جد الإتقان. # ومن لم يحسن تمثيل مشهد، أو فصل من دوره يعاد إلى تمثيله إلى أن يحسنه. # ولهذا السبب، يبدو لي أن الذي جاء هذا الوجود ومات جنينا أو طفلا أو صبيا أو مراهقا ~~أو شابا أو رجلا، ولم يتقن تمثيل دوره يعاد إلى تمثيله في العالم الثاني، أو في غيره من ~~العوالم. # يا أخي: # وهذا في اعتقادي ما عناه السيد المسيح بقوله: «عند أبي منازل كثيرة.» # | الرسالة الرابعة والثلاثون1 # الميلاد # يا أخي: # في مثل هذا اليوم منذ ألف وتسعمائة وإحدى وثلاثين سنة، ولد السيد المسيح أعظم عظماء ~~الأرض. # إن المسيحيين كافة يقدسون هذا اليوم، الذي يذكرهم بولادة المسيح، ذلك الاشتراكي ~~العظيم، الذي أبصر النور في مزود البقر كالمعدمين، ومات على الصليب كالأشقياء. # لقد تأملت اليوم كثيرا في ولادته، وفي حياته على الأرض؛ كيف عاش ومات فقيرا معدما؟ ~~ولم يكن فقره مانعا له من أن يتسلط على العالم في تعاليمه وروحانياته! # فعندئذ قلت في نفسي: لقد علمنا المسيح في ذاته أن النفس إذا كانت نيرة لا ~~يقف الفقر في سبيلها، فهي تضيء على العالم من أكواخها المظلمة وقت تكون الأنفس اللئيمة ~~خابطة في ظلمة آثامها، ولو كانت تسكن أفخم القصور، وأسطعها نورا. # إن السر في السكان لا في المكان. ~~••• # يا ms44 أخي: # في هذا العيد - عيد الميلاد المجيد - تأملت بك كثيرا، وتذكرتك كثيرا. # تمثل أمامي الماضي البعيد، فتذكرت ولادتك وأيام صغرك، وكيف كنا في مثل هذا اليوم ~~نصرف العيد معا في البيت الأبوي بين عطف الوالدين، وحنان الشقيقتين. # أتذكر الآن - ويا لها من ذكرى عذبة ولكنها موجعة! - كيف كنت تستفيق في صباح العيد، ~~مستقبلا أطباق الحلوى وأنواع اللعب والدمى! تبسم للحياة، وتقفز في أفناء البيت صاخبا ~~لاعبا، منتقلا من حضن أبيك إلى صدر أمك، إلى أخيك إلى شقيقتيك، إلى مغارة العيد التي كانت ~~أمك تصنعها لك؛ لتمثل أمامك مولد المخلص. # ولا أزال أذكر أن مغارة العيد كانت بالحقيقة بهجة عيدك؛ لأنها كانت تملأ قلبك فرحا ~~وسرورا. # والآن لقد عاد العيد ولم تعد، فأخذت أناجيك متسائلا: أين أنت يا أخي؟! وأين ~~حداثتك؟! وأين أمك؟ وأين مغارة عيدك؟ # | الرسالة الخامسة والثلاثون1 # من حوادث الحياة: الكاهن والرياضة الروحية # يا أخي: # زارني منذ مدة كاهن، ظهر لي من حديثه أنه يتاجر بدينه ليكسب دنياه، وما أكثر ~~الكهنة الذين هم في هذا العصر على شاكلته! # ابتدأ يكلمني، متبجحا بغزارة علومه ومعارفه، ثم سألني عما إذا كنت سمعت بعض ~~مواعظه، فأجبته سلبا، فعندئذ قال لي: أتعجب كيف لم تسمع مواعظي، وشهرتي تغمر البلاد ~~من أقصاها إلى أقصاها! ومنذ مدة دعيت في إحدى الرياضات الروحية؛ لألقي على المؤمنين ~~عظة من مواعظي البليغة، فخلبت ألبابهم في تفنني وطلاقة لساني، وملكت قلوبهم ~~بفصاحتي وبياني. # فأجبته: إن مواعظك مهما كانت بليغة لا تفيد المؤمنين، ولا تؤثر في نفسياتهم ما زلت ~~تطلب من ورائها الشهرة الدنيوية لا إصلاح الناس، وقد قيل: حسب نياتكم ترزقون. # فتأثر الكاهن من كلامي، ثم أخذ يجادلني مفصحا لي عن فائدة مواعظه مجادلة ~~عقيمة، دلت على صلفه وغروره، فأجبته بالتي هي أحسن، فلم يرعو، فعندئذ قلت له: يا حضرة المحترم، اسمح لي أن ألقي على مسامعك شيئا من رياضتي الروحية، إنها - لعمري - رياضة ~~عملية أكثر منها قولية؛ لأنها لا تقوم بتكرار الصلوات كرياضتك، ولا بالتبجح في معارفي ~~وتقواي ms45 كتبجحك. # في كل صباح أدخل إلى مكتبي، وأجيل طرفي في رسم أخي الذي فارق الحياة في روعة شبابه، ~~فأتأمل به والكآبة تغمر نفسي، ثم أتأمل في الموت الذي انتزعه مني، وهو مفعم بأمل ~~الحياة وأحلام الشباب. # هذا الموت الذي يلج بيت الصعلوك، كما يلج أمنع الحصون دون أن يطرق لهما بابا، ~~فيفتك بالملوك على عروشهم، كما يردي البائسين في أكواخهم. # هذا الموت الذي لا يغلب، ينذرني بأن حياتي - مهما طال أمدها - واقعة - ولا محالة - ~~في يده. # هذا الموت هو الذي نزع مني الطمع والغرور والكبرياء والحسد والنميمة والبغضاء. # هذا الموت الذي أتمثله أمامي في رسم أخي، هو الذي يعلمني دائما أن أكون صالحا، وصبورا ~~على المكاره، وغافرا للناس مساوئهم وزلاتهم. # لعمر الحق، إن أخي أفادني إفادة جلى في حياته وموته. # فكما كان لي في حياته سندا وعونا، هكذا أصبح لي بعد موته عظة وعبرة. ~~••• # يا أخي: # هذه حادثة جرت معي منذ بضعة أيام سردتها لك، وسأعلمك بغيرها في رسائلي الآتية؛ ~~لتحيط ببعض حوادث الحياة - وما أكثرها. # | الرسالة السادسة والثلاثون1 # من حوادث الحياة: المجازر البشرية # يا أخي: # جلست البارحة إلى منضدتي، وأخذت أطالع كتابا يبحث في التاريخ القديم، فلم تقع عيني ~~عندما كنت أقلب صفحاته إلا على حوادث المجازر البشرية، والحروب الهائلة التي كانت تثيرها ~~الأمم بعضها على بعض. # فعندئذ أخذت أتأمل في حياة الإنسان على الأرض منذ فجر التاريخ حتى الآن، فظهر لي أن ~~حياته كانت منذ البدء - ولم تزل - قائمة على النزاع والتطاحن والمجازر الدامية. # فكما قتل قابين أخاه، هكذا لم نزل في هذا العصر الذي يدعى عصر العلم والتمدن، ~~نقتل بعضنا بعضا، ونتنازع حتى على أبسط الأمور وأتفه الأشياء. # منذ مدة روت الجرائد خبر جناية قتل وقعت في بيروت من أجل كلمة بذيئة. وروت خبر ~~جناية قتل أخرى ارتكبها شقي؛ لأجل سلب بعض دريهمات. وذكرت جناية سالت فيها الدماء؛ ~~لأجل انتخاب مختار في إحدى القرى اللبنانية. # وكم يجري في لبنان، وفي جميع أنحاء العالم من أمثال هذه الحوادث ms46 التافهة، التي تؤدي ~~غالبا إلى المجازر الدامية! # إن الخلق الإنساني المؤسس على الغريزة، هو - لعمري - مصدر الخصام والتنازع؛ لأنه ~~دائما يسبق العقل في أحكامه. # فلو كان كل امرئ قبل أن يستسلم إلى الغضب - تجاه الأمر الذي يعتقد بضرره أو أذاه - ينتظر ~~عقله ليصدر الحكم على خصمه، لكانت وطأة المنازعات - التي تستعر نارها بين الأفراد ~~والجماعات - تخمد جذوتها، وقد تتلاشى مع الزمن، وتصبح أثرا بعد عين. # ولكن لسوء حظ الإنسان أن العقل لم يسيطر بعد على مقدرات الطبيعة البشرية. # ولهذا السبب ما برح الناس - كما تعهدهم يا أخي - يتنازعون ويتخاصمون ويتقاتلون، إنهم ~~يناصرون الموت على إفناء بعضهم بعضا، وهم لو فطنوا لأشغلوا أذهانهم في محاربته، لا في ~~مناصرته؛ لأن الموت قوي لا يحتاج إلى نصير. # | الرسالة السابعة والثلاثون1 # من حوادث الحياة: المال والشيخ والهرم # يا أخي: # لقد أبدع المسيح بقوله: «لا تعبدوا ربين: الله، والمال»، لأن المال هو الضالة الوحيدة ~~التي تنشدها جميع الأمم من أقصى المعمور إلى أقصاه، وهو الذي يشغل عقول الناس منذ ~~حداثتهم إلى يوم وفاتهم. # منذ بضعة أيام ذهبت إلى مكتب أحد الأغنياء؛ لقضاء بعض الحاجات، وكان الجو ممطرا، والبرد ~~قارسا، فشاهدت هناك شيخا طاعنا في السن، جالسا إلى منضدته، وسعاله متواصل وهو لا يبالي، ~~فبعد أن قضيت حاجتي أخذت أتجاذب وإياه أطراف الأحاديث، وكان ذلك طبعا عن التجارة ~~والصناعة، وكل ما يؤدي إلى كسب المال، فسألته عن مبلغ ثروته، فأجاب أنها تزيد على ~~الثلاثمائة ألف ليرة ذهبا، جمعها كلها بجده، وعرق جبينه. # فعندئذ قلت له: أنت بغنى عن المجيء إلى مكتبك في مثل هذا اليوم البارد؛ لأنك شيخ، ~~والشيوخ يتأثرون من البرد والمطر تأثرا عظيما. وفضلا عن ذلك أنت ذو مال وافر، وعندك ~~رهط من الكتاب والمستخدمين الذين يقومون مقامك. فأجاب: إن الحق بجانبك من حيث اشتداد البرد ~~وتأثيره علي، ولكن الشغل - مع وفرة هؤلاء الكتاب والمستخدمين - لا يستغني ~~عني. # فأجبته: نعم، يستغني الشغل عنك، ولا شيء في هذا الكون لا يستغنى عنه، كما استغنى سابقا ms47 ~~عن كبار رجال الأعمال والمتمولين، الذين قضوا نحبهم، وقام غيرهم مقامهم. # فأجاب: قد يكون الأمر كذلك، ولكني أحب المال، وأضحي بكل شيء في سبيله؛ لأن المال هو كل ~~شيء. # وبينما نحن في الحديث، دخلت امرأة تطلب منه مالا لقاء رهن بيتها، فأجابها إلى ~~سؤالها، ولكن بفائدة باهظة. فتضرعت إليه قائلة له: إنها أرملة أم سبعة أطفال، ولم يترك ~~زوجها غير هذا البيت، قالت: وأنت غني جدا، وعندك متاجر كثيرة تدر عليك أرباحا ~~طائلة، فإذا رحمتني بالفائدة تكون قد عملت خيرا مع صغار أيتام يستحقون الرحمة ~~والمساعدة. فأجابها: إن الشغل يقضي علي بطلب هذه الفائدة، وأما الرحمة فلا دخل لها ~~بالشغل. # فعندئذ قبلت المرأة بشروطه مرغمة؛ لأنها بحاجة إلى تغذية صغارها، وأمضت له ~~صك الرهن، وأخذت بعض المال الذي يلحقها، وتركت البعض الآخر عنده دون أن تسأله عن ~~فائدة ما، وذهبت في سبيلها. # فسألته كم تقيدون للمرأة فائدة على المال الذي أبقته عندكم، فأجاب: لا شيء؛ لأنها ~~أودعته عندنا بصفة أمانة، وعلى الأمانات نأخذ ولا ندفع، وأما هي فمعفاة من الدفع ~~رحمة بصغارها. # فأجبته: ليس المال هو كل شيء كما تعهده، وأما الرحمة التي عملتها، فهي ليست رحمة ~~للمرأة بل لنفسك؛ لأنها تعود عليك بالفائدة لا عليها. # يا أخي: # هذا هو الحديث الذي جرى لي البارحة مع شيخ بلغ من العمر عتيا، ولم يزل متمسكا ~~بدنياه تمسكا شديدا. # نظرته ما برح - رغم الثمانين - يجد ويكد وراء جمع المال، ولا يعرف للرحمة ~~سبيلا. # لقد اعتقد كما يعتقد معظم البشر بأن المال هو كل شيء في هذا العالم، مع أن في العالم ~~فضائل جمة، ومعارف عديدة، يجب على الإنسان أن يسعى لاكتسابها كما يسعى لاكتساب ~~المال. # إن الحلم والكرم والإحسان والرحمة والتواضع، والشجاعة وحسن الصفات وحسن الأخلاق، والعلوم ~~والفنون والصناعات المختلفة، كل تلك أمور مهمة في هذا الكون، يجب على المرء أن يجد ~~وراءها، كما يجد وراء المال. # ولكن من أغرب حوادث الحياة ما لاحظته في معظم الشيوخ الذين كلما ازدادوا هرما يزدادون ms48 ~~تعلقا في حطام الدنيا كأنهم خالدون فيها، أو كأن المال يبطرهم، ويعمي بصائرهم، فيمسون ~~لا يؤمنون بالموت الذي سينزل بهم، وينزع عنهم كل ما ملكوا من عقار ونضار. # يا أخي: # إن معظم الناس يمشون بخطوات واسعة نحو القبر، ولكنهم لا يدرون أنهم على باب القبر. # وأما أنا فكلما نظرت إلى رسمك، وتأملت بك وبالموت، الذي انتزعك مني، أسمع همسا ~~يناجيني من داخل رسمك، قائلا لي: إن المال جميل يا أخي، ولكن العلم والفضيلة هما أكثر منه ~~جمالا. # | الرسالة الثامنة والثلاثون1 # من حوادث الحياة: المناصب العالية والغرور بالنفس # يا أخي: # إن الغرور بالنفس الذي يتولد عادة في صدور الرجال الذين يشغلون المناصب العالية يدل ~~دلالة واضحة على أن هؤلاء الرجال ولو قادهم الحظ لتسنم أعلى المراكز، فإنهم - ~~بالحقيقة - لم يخلقوا لها. # ذلك ما لاحظته، واختبرته بنفسي عند احتكاكي ببعض ذوي المقامات العالية من رجال الدنيا ~~والدين، الذين برهنوا في أعمالهم وتصرفهم بأنهم غير أكفاء للقيام بعبء مناصبهم ~~الخطيرة. # عرفت رجلا # 2 # معرفة صحيحة قبل تسنمه إحدى الوظائف المهمة وبعدها. # وعرفت رجل دين # 3 # قبل سيامته أسقفا وبعدها، وبما أنني خبرت الرجلين خبرة تامة في حالتيهما ~~الماضية والحاضرة، جئت أسرد الآن ماذا كان وقع الوظيفة عليهما. # كان الأول لطيفا متواضعا، فأصبح بعد الوظيفة متعجرفا شامخا. # كان يحترم الناس ويصغي لكلامهم، فأصبح اليوم يحتقرهم، ويزدري بهم. # كان يعرف نفسه نوعا، فأصبح يجهلها جهلا تاما. # كان يعلم شيئا، فأصبح بعد الوظيفة يعتقد أنه يعلم كل شيء، ولكنه لو عاد إلى رشده ~~قليلا، وتدبر نفسه لفطن أنه كان شيئا قبل الوظيفة، وأما اليوم فقد أفقده الغرور ~~الشيء الذي كانه، وأصبح لا شيء. # وأما رجل الدين فكان وهو كاهن يعتقد نفسه أنه من جبلة البشر، فأصبح وهو أسقف يعتقد ~~نفسه أنه صار من جبلة الآلهة. # كان يقر بالخطأ الذي يرتكبه، فأصبح بعد الأسقفية معصوما من الخطأ. # كان يطرق أبواب الفقراء، ويتحدث إليهم، فأصبح بعد الأسقفية لا يطرق إلا أبواب الأغنياء ~~والزعماء. # كان رجل دين فقط، فأصبح ms49 بعد الأسقفية رجل الدنيا والدين. # كان يعتقد أنه لا سلطة له غير سلطته الروحية ضمن جدران كنيسته، فأصبح بعد الأسقفية يعتقد ~~أن كل السلطات بيده. # كان شيئا وهو كاهن، وأما اليوم فلو تبصر قليلا في كثرة هفواته وغروره واعتداده بنفسه، ~~لظهر له جليا أن الأسقفية التي ولدت الغرور في ذهنه أفقدته الشيء الذي كان متحليا ~~به وهو كاهن، وأصبح لا شيء؛ لأنه لم يخلق ليكون أسقفا، بل كاهنا فقط. # إن المنصب الرفيع يفعل في صاحبه ما تفعله الثمرة في الشجرة، فكما تعلن الثمرة جودة أصل ~~الشجرة أو رداءته، هكذا المنصب الخطير يعلن كفاية الرجل وحسن أرومته وإخلاصه، أو ~~عدم كفايته وصلفه وفظاظة طباعه. # يا أخي: # تراني الآن كلما نظرت بعين العقل والبصيرة، كيف تتوزع على الناس خيرات الأرض ومراكزها ~~الأدبية والمادية، يظهر لي جليا أن الغبن الفاحش يلحق بعض الناس بلا سبب موجب، كما تلحق ~~الزيادة البعض الآخر عن غير جدارة ولا استحقاق . # فكم غني كان أولى بأن يكون فقيرا؛ لكثرة لؤمه وشحه! # وكم فقير كان أجدر بأن يكون غنيا؛ لفرط كرمه وحلمه! # وكم حاكم قاده النسب أو الحظ للحاكمية، وهو بالحقيقة لم يخلق ليحكم الناس، بل ليحرث ~~الأرض ويرعى السائمة. # وكم رجل حكيم يحرث الحقول ويسوس المواشي، وهو كان جديرا بأن يسوس الناس ويحكمهم، لا أن ~~يرعى البهائم ويحرث الأرض. # كل ذلك مما يجعلني أعتقد بأن هذه الحياة الدنيا ناقصة من كل وجوهها، وما الموت سوى حكمة ~~من الله ليزيل نقصانها. # وكما قال المسيح بإنجيله: «ما جئت لأنقض الناموس، بل لأتمم.» هكذا أعتقد بأن الله لم ~~يأمر بالموت لينقض الحياة، بل ليتممها ويزيدها رقيا وكمالا. # | الرسالة التاسعة والثلاثون1 # من حوادث الحياة: انتصار الحق على الباطل # يا أخي: # نهار البارحة شهدت مشاجرة عنيفة، وقعت بين رجلين على بعض دريهمات. # كل قام يبرهن أن له مالا بذمة رفيقه، كل قال إن الحق بجانبه، كل أقسم بدينه، ~~وبشرفه، وبالله العظيم أن ما ينطق به هو الصواب. # فوقفت برهة، أتأمل بهما حائرا ذاهلا، ms50 ثم أخذا يتبادلان الكلام الجارح، ثم انقض كل ~~منهما على الآخر يتضاربان ويتلاكمان. # فعندئذ دخلت لأحول بينهما، ثم سألتهما عن القيمة التي يتشاجران عليها، فأجابا أنها ~~تبلغ مائتي غرش سوري، وقد ادعى كل منهما بهذا المبلغ على قرينه، وكل منهما أقسم بشرفه ~~ودينه أنه يقول الصدق، ولا يعرف الكذب ولا البهتان. # فعندئذ أخذت كلا منهما على حدة، ونقدته القيمة التي يطلبها، ثم اجتمعت بهما معا ~~وخاطبتهما قائلا: أنتما تعتقدان بأن المال هو غاية الحياة، ولهذا السبب تسعيان كل السعي ~~وراء تحصيله حقا كان أم بطلا. # ولكن ألا تعلمان أن للحياة غاية نبيلة هي أسمى من المال؟ إن أسمى غايات الحياة هي ~~معرفة الحق، والاعتصام بحبله. والآن فكما نلتما مني مناكما حلالا، فإني أرجو منكما ~~أن تقولا الحق؛ لينال الحق منكما مناه. # فعندئذ قام على الإثر أحدهما وقال: لقد أثر بي كلامك أيها الرجل؛ ولهذا السبب أعترف ~~لك بصراحة أن الحق في هذه القضية كان بجانب رفيقي لا بجانبي؛ لأن ادعائي عليه كان ~~باطلا. # فشكرته على إقراره، ثم رجوت منه أن يكون دائما بجانب الحق؛ لأن صاحب الحق - ولو كان ~~فقيرا - فالحق يسعده ويغنيه، وصاحب البطل - ولو كان غنيا - فالبطل يفقره ~~ويضنيه، فوعدني خيرا، ثم انصرف ورفيقه شاكرين. # يا أخي: # كلما تأملت في هذه الحادثة التي جرت أمامي بين رجلين أميين ينتميان إلى ~~الطبقة الجاهلة من طبقات الناس، وكيف اختلفا، ثم انتهى اختلافهما بتضحية بسيطة كانت سبب ~~إظهار الحق والإقرار به، مما جعلني أن أغير اعتقادي في عقلية الناس وطبيعتهم الفاسدة، ~~وأن أومن بأن قابليتهم لاكتساب الخير والاعتصام بحبل الحق عظيمة جدا. # ولهذا السبب أصبحت متفائلا في مستقبل الناس على الأرض، ومعتقدا كل الاعتقاد بأنهم ~~سيزدادون مع الزمن رقيا في أدبياتهم وأخلاقهم، كما يزدادون تقدما في علومهم ~~وصناعاتهم. # فكما تصفى المياه، وتزداد نقاء في مواظبة تكريرها، هكذا يترقى الناس، وتصفى ~~ضمائرهم في تعاقبهم جيلا إثر جيل. # | الرسالة الأربعون1 # من حوادث الحياة: كيف أفهم الدين وكيف يفهمه معظم البشر؟ # يا أخي: # إني ms51 أفهم الدين وأعتقد به أنه الصلة الوحيدة التي تربط الناس بخالقهم، والفكرة السامية ~~التي تزجرهم عن الإثم والمخازي، وتفتح أمامهم طريق الحق والفضيلة. # ليس هو باعتقادي من مستنبطات الحضارة ولا من نتاج التجارب العلمية، بل هو فكرة، نشأت مع ~~الإنسان حين كان همجيا يعيش في الكهوف والمغاور، ولم تزل هذه الفكرة متأصلة في أدمغة ~~الناس في عصر العلم والتمدن، كما كانت في العصور الهمجية السالفة. # وستبقى فكرة الدين مرتكزة في أذهان الناس إلى الأبد، ولا عبرة في تحوير الأديان ~~وتعديلها كلما اقتضى العصر أو البيئة. # ذلك لأنه مهما سينشأ في الكون من الأديان والمذاهب، ومهما تتبدل الشرائع والقوانين، فإن ~~جوهر الدين واحد لا يمس، وما جوهر الدين سوى الصراط المؤدي إلى معرفة ~~الحق. # كانت أديان الأقدمين تحرم القتل والكذب والاختلاس وشهادة الزور، وكل ما ينافي الحق، ~~فاندثرت تلك الأديان، وقام مقامها أديان جديدة أكثر منها سموا بتعاليمها الرائعة، ~~وشرائعها المرتكزة على الوحدة الربانية، ولكنها طبعت على غرار الأديان القديمة من حيث ~~مناصرة الحق ومعاقبة البطل. # يا أخي: # إن الحق في كل العصور واحد لا يتجزأ، هكذا جوهر الدين واحد أيضا؛ لأنه الحق ~~بعينه. # ولهذا السبب أصبحت مؤمنا بأن كل من اعتصم بحبل الحق هو من ديني، وأنا من دينه. # وكل من كان حليما صادقا كريما نبيلا، محسنا يعفو عند المقدرة، ويغض الطرف عن ~~الإساءة، غير متعصب ولا متحزب لدين ولا لأخ أو نسيب، أو لفئة من الفئات إلا للحق ~~وحده، فهو من ديني وأنا من دينه. # وكل من يصوم ويصلي ويذكر الله كثيرا، ويسجد في الكنائس والجوامع والخلوات، ولا يقرن ~~الصوم بحسن النية وطهارة الضمير، والصلاة بالعمل الطيب والمحبة الخالصة لجميع الناس على ~~اختلاف أجناسهم ومذاهبهم، فهو ليس من ديني ولا أنا من دينه. # لأن ديني يقوم بالأعمال لا بالأقوال، وبالتساهل لا بالتعصب، وبالمحبة والتضحية لا ~~بالبغضاء والعداوة. # وأما معظم الناس - وخصوصا في الشرق - فيفهمون الدين بأنه لا يقوم إلا بالتعصب الذميم، ~~وبالعداء المستحكم لكل من لا يؤمن به، وبكثرة ms52 الصوم والصلوات والعبادات، ولا يفتكرون بالحق ~~الراهن إلا قليلا. # | الرسالة الواحدة والأربعون1 # من حوادث الحياة: الصوم # يا أخي: # منذ يومين ابتدأ الصوم الكبير عند النصارى، ولم يزل المسلمون صائمين صوم رمضان، فسألني ~~أحد الأصحاب عما إذا كنت صائما، وما رأيي في الصوم، فأجبته: لست صائما، ولا فائدة ~~صحية لي الآن من الصوم؛ لأني لم أتعود الجشع في الأكل، ولم أتخم مرة في ~~حياتي. # وأما رأيي في الصوم فهو أمر صحي أكثر مما هو روحي، وهو واجب أن يتبعه الناس الذين ~~تعودوا بأن يأكلوا أكثر من حاجاتهم، فترتاح معدهم من الهضم ردحا؛ كي تستعيد قوتها ~~لحمل أعبائها. # وأما الذين يعتقدون بأن الغني إذا صام وشعر بالجوع يشعر مع الفقراء والمعوزين، فهذا أمر ~~لا أعتقد به، فضلا عن أن الأغنياء لا يصومون إلا نادرا؛ لأن الشعور بمحبة الإحسان هو ~~شعور أدبي صرف، لا دخل له في البطون الملآنة أو الطاوية. # فكم محسن لا يصوم أبدا! وكم صائم لا يحسن أبدا! # فلم ينشرح صديقي من جوابي؛ لأنه كان يعتقد الصوم وحيا أنزل من الله على عباده، ثم أخذ ~~يجادلني، معربا لي عما جاء في الكتابين الطاهرين: الإنجيل، والقرآن عن إرادة الله ~~العليا في الصوم وعن كثرة فائدته. # وبينا هو متحمس في كلامه إذ برجل صائم يمر بقربنا، وبعد أن جاهر بصومه، أخذ - من ~~أجل مسألة تافهة - يشتم رفيقا له بعبارات بذيئة سافلة، تنم على قلة أدبه، ونزوعه إلى ~~الإثم والمشاحنة. # فعندئذ قلت لرفيقي: ماذا ينفع الصوم هذا الرجل؟ أفما كان أولى به ألا يصوم أبدا، وأن ~~يسعى لصون لسانه؛ كي لا يكون هكذا شتاما للناس، ثالما لأعراضهم. # كل رجل فظ يصوم مرغما لا يجديه الصوم نفعا بل ضرا؛ لأن الصوم يحرك به حاسة ~~الجوع، وهذه تزيد من سوء خلقه، وفظاظة طباعه. # يا أخي: # لم يزل معظم البشر حتى في هذا العصر - الذي يدعى عصر العلم والتمدن - يهتمون بالقشور ~~دون اللباب. # | الرسالة الثانية والأربعون1 # الله # يا أخي: # منذ انتقلت إلى الحياة الأخرى وأنا أتساءل: ms53 ما هي هذه الحياة الدنيا؟ ما هو الموت؟ ما ~~هذا الوجود؟ وما وراء هذه الأفلاك السابحة في الفضاء؟ ما هي القوة الأزلية الخالدة التي ~~أوجدت الكائنات؟ أو بالأحرى: ما هو الله القادر على كل شيء، والخالق كل ~~شيء؟ # كيف يجب أن أعتقد بوجوده؟ كيف أومن به؟ كيف أتصوره في ذهني، وأتخيله في ضميري؟ # هل أومن به إلها جبارا قاسيا، يشبه جبابرة الملوك الأرضيين القساة؟ لا. # هل أعتقد به أنه يستهويه المدح والثناء، ويرتاح إلى التسبيح والتمجيد، ويرغب في الزخارف ~~الباطلة، كما يرغب جميع البشر؟ لا. # هل أتصوره إلها مخيفا هائلا، يجلس يوم البعث على عرشه الإلهي، ومن حوله الأولياء ~~والملائكة يقدمون إليه الناس أفواجا أفواجا ليدينهم، فيقفون أمامه - تعالى - ~~مذلولين خاشعين، كما يقف العبد أمام سيده؟ لا. # هل أتخيله - تعالى - بصورة إنسان، كما يقول الكتاب «لقد خلقه الله على صورته ~~ومثاله»؟ # أو أتمثله كالبرق، يسطع في كل زمان وفي كل مكان؟ لا أدري حقا كيف يجب أن ~~أتخيله، ولا كيف أحلم به، ولكن كما أن النور يدل دلالة واضحة على وجود الكهرباء، مع ~~أننا لا ندري سر الكهرباء، هكذا أعتقد بأن هذه الكائنات بشموسها وكواكبها ونظامها العجيب، ~~ومخلوقاتها التي لا تحصى، كلها تدل دلالة صريحة على وجود الله، ولو كنا لا ندري سر ~~الله. # يا أخي، إني أعترف أمام نفسك الآن بأن إلهي الذي أعبده، لا أعتقد به أنه إله دين من ~~الأديان، ولا إله شعب خاص من الشعوب. # إن إلهي هو إله حق لجميع الأمم والكائنات والمخلوقات، وفضلا عن ذلك: إن إلهي غفور ~~رحوم، لا يملأ قلبي خوفا ولا رعبا؛ لأني لا أتخيله ربا قاسيا يحكم علي بعنف وشدة، ~~بل أتمثله أبا حنونا يعطف علي، ويعاملني بعدل ورحمة. # ولهذا السبب، كلما شئت أن أتوسل إليه، وأطلب منه أمرا، أخاطبه كما يخاطب الابن أباه، لا ~~كما يخاطب العبد مولاه. # إن إلهي هو منتهى الحلم؛ لأنه منتهى القوة. ومنتهى العفو؛ لأنه منتهى الكمال. # إن إلهي هو منبع الخيرات، ومصدر الحياة، ومبعث ms54 البركات، إنه مورد المحبة الدائمة والرحمة ~~الكاملة. # هكذا يا أخي، أتمثل الله خالدا بحبه كما هو خالد بربوبيته، وكاملا بصفاته وعفوه كما ~~هو كامل بقدرته. # | الرسالة الثالثة والأربعون1 # رسالة الوداع # يا أخي: # لقد ودعتني قبل وفاتك وداعا لا يبرح ذهني مهما طالت أيام حياتي على الأرض؛ لأنه كان ~~وداعا حساسا طافحا بالحكمة والشعور. # ولهذا السبب دونته لك كلمة كلمة في إحدى رسائلي إليك؛ ليبقى محفوظا في صفحات ~~كتابي هذا، وخالدا في أذهان كل من يقرؤه ويتمعن به. # وفضلا عن ذلك؛ إن عباراتك الأخيرة التي ودعتني بها، هي التي أوحت إلي معظم ما ~~كتبته لك من الرسائل، فأنا من هذا القبيل مدين لك بها، أشهد بذلك أمام الله ~~والناس. # والآن، هذه رسالتي الأخيرة جئت أودعك بها، لكني لا أدري ماذا أقوله لك؟ وماذا أتحدث ~~إليك؟ # لقد تناولت القلم مرارا؛ لأخط كلمة الوداع، واستعصى علي ذلك؛ ولهذا السبب أصبحت ~~الآن لا أدري، هل تلعثم لساني، وخبا ذهني، وجف مدادي عند كتابتي هذه الرسالة، أم اللغة - ~~مع وفرة مترادفاتها - لم تزل عاجزة عن التعبير عن حاسة النفس وشدة انفعالها ~~وآلامها؟ # يا أخي: # كن على ثقة أني كلما تأملت بك وتذكرت ساعة وفاتك، أحس بألم - وما بي من ~~ألم - وبخفقان قلبي - وما بي من علة قلبية - وأشعر تارة بذهول في دماغي، فيحدثني ~~الناس ولا أفهم حديثهم، وطورا يخاطبونني ولا أسمع خطابهم، وأحيانا أحدق نظري بهم ولا ~~أراهم، مع أني صحيح الجسم، ليس بي أدنى ضعف في دماغي، ولا في حاستي: السمع والبصر. # كل ذلك يحصل لي من جراء تلك الانفعالات النفسية، التي تعتريني كلما فكرت بفقدك، ~~وهي التي تهز أعصابي هزا، وتشل قواي الذهنية، وتثير لواعجي القلبية، وهي التي لم ~~أقدر حتى الآن أن أكبح جماحها، ولا أن أعبر عنها. # يا أخي، لم يبق لي من أمل بالتخلص من هذه الانفعالات النفسانية، لقد أصبحت موقنا - ~~لا بل معتقدا - بأنها سترافقني إلى مقري الأخير، إلى القبر الذي سيضم جثماني، وإلى ~~التراب الذي سأتحول إليه، إلى ms55 أن يقضي الله فيجمع رميمك برميمي وترابك بترابي. # وأما تلك النفس التي تختلج في جوانحي الآن، هذه النفس التي كانت رفيقة نفسك في ~~سرائها وضرائها، وشقيقتها في خلقها وتفكيرها. # هذه النفس التي أحبتك حبا يقرب من العبادة. # هذه النفس التي بنت عنها، وكنت معينها وجناحها الوحيد في هذه الحياة الدنيا. # هذه النفس لم تزل سجينة في حنايا هذا الجسم المتضعضع الذي هو جسمي، أصبحت الآن تود ~~الانفلات منه؛ لتطير إلى عالمك وتلتقي بنفسك. # هذه النفس المنسحقة من لوعة فراقك تناجيك الآن، وتطلب منك إذا كان بعد هذا العالم يوجد ~~في الملأ الأعلى عوالم عديدة ومنازل كثيرة تغشاها الأنفس قبل الوصول إلى الله، أن تنتظرها ~~نفسك هنيهة في عالمها الجديد، ولو كان هذا الانتظار يضيرها ريثما تلتقي بها، ثم تسافران ~~معا إلى ملكوت الله، وتتحدان به تعالى. # فإلى اللقاء يا أخي، إلى الله. # | المراثي # إلى روح فقيد الشباب اللبناني المأسوف عليه طانيوس حسن نادر الشرتوني # بقلم الأستاذ وديع أفندي عقل صاحب جريدة الراصد في بيروت # 1 # لولا صباك لما حزنت على صبا # يذوي ولا أرسلت دمعي صيبا # إن المنية أذبلت بك خير من # رباه لبنان العزيز وأنجبا # ما كنت إلا نفحة من أرزه # حملت إلى المكسيك عرفا طيبا # وشرارة من ناره طارت إلى # فلك بعيد فاستقرت كوكبا # ورسالة من روضه وغديره # نضحت عليها الطيب أزهار الربا # تليت على أبنائه فرأوا بها # سفر النبوغ محبرا بيد الصبا # طربوا افتخارا للشباب يزينه # من حكمة ما قد يفوت الأشيبا # فأقمت والتوفيق صنوك عاملا # عمل الذي خبر الحياة وجربا # قد عشت كالحمل الوديع ولم تكن # إلا على بغي النوائب سلهبا # ما كان حظك عاثرا إلا بعم # رك إذ قضبت ولم يحن أن تقضبا # وذهبت عن دنياك وهي تشد ذي # ل الثوب منك تريد ألا تذهبا # عاصيتها وعففت عن لذاتها # ومضيت تطلب في سواها مطلبا # وتركت خلفك مهجة أخوية # في دار غربتها تذوب تلهبا # ما راع ريب الدهر في الدنيا أخا # كأخيك يوم دهى ولا أبكى ms56 أبا # هذا عليه ضاق لبنان وذا # ك غدايري المكسيك سجنا مرعبا # فتلاقيا يتسابقان الصاب في # لبنان بعدك لا سواه مشربا # لا روض شرتون يطيب أريجه # لهما ولا بيروت تحلو ملعبا # والله لولا الحلم لم يمسكهما # لتخيرا اليأس المفرق مركبا # حيتك يا أنطون أطهر نفحة # أرزية يسري بها نفس الصبا # نم واسترح في دار غربتك التي # لم ترض فيها العيش إلا متعبا # يا صارما مستوحشا في غمده # صبرا فسوف تعيف ذاك المختبا # ستصيح أمك يوم تنزل لحدها # أهلا وسهلا بالحبيب ومرحبا # إلى فقيد الشباب طانيوس حسن الشرتوني # بقلم الأستاذ حليم أفندي دموس # هذا الوجود شرابه كسرابه # عند الحكيم وعذبه كعذابه # وبنو الحياة إلى الممات فموكب # طي الضريح وموكب في بابه # سبحانك اللهم حكمك عادل # لكن عقلي حار في أسبابه # تبقي على الشيخ الضعيف وينطوي # عمر الفتى والعزم ملء إهابه # ولقد شجت نفسي وأذكت خاطري # زفرات توفيق الأديب النابه # أودى الردى بشقيقه ونبا به # وطن يحن إلى لقا أحبابه # نثر الشقيق على الشقيق دموعه # وبكى على الريان من آدابه # أبدا يرى رسم الحبيب أمامه # والحزن ملء سكوته وجوابه # يملي على الصفحات ذكرى حبه # ويخط بالعبرات أصدق ما به # ومداد مرقمه ومدمع جفنه # يتناثران على سطور كتابه # رفقا بنفسك فالحياة قصيرة # كالنجم بين طلوعه وغيابه # واعلم بأنك لست أول خائض # بحر الأسى متخبطا بعبابه # فالنسر يوقعه الردى من جوه # والليث يصرعه الردى في غابه # زفرة على المرحوم طانيوس حسن الشرتوني # بقلم الأستاذ يوسف صالح الحلو صاحب جريدة الخواطر المكسيكية # ذهب الردى بفتى الشباب الناضر # فغشى ضباب الحزن أفق خواطري # وطلبت قافية الرثاء فأعولت # ثكلى وفاضت بالدموع محاجري # فنثرتها من فوق رمسك زهرة # من دوح عاطفتي وروض شواعري # من ذا أحق بها وأنت أخو الوفا # وابن المروءة والذكاء النادر # أمجاهدا ود الحياة قصيرة # لكنها مملوءة بمآثر # وبعد أن وصف خلال الفقيد أجملها قائلا: # شيم لها لطف الشمول وعزمة # تمضي إذا انصرفت مضاء الباتر # أدركت شأوا في حياتك يافعا # ومشيت رغم الدهر مشية ظافر # بسمت ms57 لك الأيام وهي عوابس # فأغاظه منك اختيال القاهر # فانسل ينفذ في فؤادك سهمه # يا ويح دهرك من حسود غادر # إلى أن قال مشيرا إلى شقيق الفقيد: # خلفته وهو الرشيد مضعضعا # ببلابل الشكوى وذهن الحائر # يطوي الحياة على قتاد مضاجع # تسقيه بهجتها كئوس مرائر # ماذا يجيب غدا إذا شيخ الحمى # ناداه: يا توفيق، أين مسامري؟ # بل أين شطر القلب أين حبيبه # أين الذي رصدت سناه نواظري؟ # أرجع إلى المكسيك كل كنوزها # واردد إلي فتاي دون جواهر # ثم قال في الختام: # بعض المصائب في الأنام وجدتها # فوق العزاء وفوق صبر الصابر # فإذا انصرفت إلى الدعاء فإنني # لله ألجأ وهو أكرم غافر # يسقي ضريحك ديمة من رحمة # ممزوجة بمدامع من شاعر # عواطف ودموع في رثاء المرحوم طانيوس حسن نادر الشرتوني # بقلم الأستاذ محبوب الخوري نادر الشرتوني صاحب جريدة الرفيق في عاصمة ~~المكسيك # على بدر الشبيبة يوم غابا # سلام لو يرد لنا جوابا # وقلب لم يذب يوما لرزء # تفطر يوم مصرعه وذابا # نصاب كما يصاب الناس لكن # ترانا اليوم أعظمهم مصابا # لقد نزعت يد الأرزاء منا # حشاشتنا لتودعها الترابا # أجل فقد الشباب الغض بدرا # يزين بنور معناه الشبابا # تجرد يملأ الأيام عزما # ويدأب في دقائقها طلابا # فعاف الطيش وانتبذ الملاهي # وخلى القشر واتخذ اللبابا # وصان شبابه من كل عيب # فكان من الجريمة أن يعابا # وكان الحلم فيه حلم كهل # إذا ما خاض مسألة أصابا # أباه الشيخ من بعد المرامي # أشاطرك المضاضة والعذابا # تطل على المشارف يوم تدري # تخال رواية الناعي كذابا # تحملق والبواخر مقبلات # وتسأل حين لا تجد الجوابا # فترجع موقنا والظهر حان # ودمع العين يطرد انسكابا # فلو أني استطعت بسطت كفي # وأقفلت البواخر والعبابا # أجل يا عم خطبك مستطير # فصبرا في حياتك واحتسابا # إذا ذكروا فتاك وكان شبلا # فعل الرأس والتحف العجابا # أخاه وأنت من عهد التصابي # أخي حبا وعطفا واصطحابا # لخطبك بالشقيق الفذ خطبي # وخطب الأقربين غداة نابا # بكت عيني بأدمعها لو اني # قدرت جعلت أدمعها السحابا # عزاءك فالحياة وإن تمادت # هي ms58 الأحلام مسرعة ذهابا # ولو أن المنية ذات عقل # رشقنا الذم أو سقنا العتابا # ألا سر الحياة - وإن لججنا # عليه - لا نشق له حجابا # رأيت المرء يقتحم الأحاجي # يعالج من مغالقها الصعابا # فليس يخيب إن يكفر بأمر # وإن يكفر بلغز الغيب خابا # إذا جعلوا من الإنكار بابا # لمعتسف جعلت الله بابا # فلست من الألى انتقضوا عليه # وقالوا لا خلود ولا ثوابا # وداعا أيها القمر المسجى # خبوت وكنت أثقبهم شهابا # فلو درسوا حياتك وهي صغرى # أصاغوا من محاسنها كتابا # دمعة حرى # على شاعر العرب في المكسيك المأسوف عليه، الأستاذ محبوب الخوري الشرتوني صاحب جريدة ~~الرفيق، الذي انتقل إلى رحمة الله في مكسيكو نهار السبت الواقع في 27 حزيران سنة ~~1931. # يا أخي محبوب. # يا أستاذي في الحداثة، ويا صديقي في الشباب، ورفيقي في ديار الغربة. # يا أعز الأقرباء، وأنبغ الأنسباء. # رسم المرحوم محبوب الخوري نادر الشرتوني. # يا محبوب، لم تنشف بعد دمعتي على أخي طانيوس حتى فجعني الموت بك، ولم ~~تلتئم بعد جراحات نفسي الدامية حتى نكثت ثانية بسهام خطبك. # يا محبوب، يا شاعر الإلهام والعواطف. # لقد اخترمتك المنون، ولم تعطف على شبابك، مع أنك كنت مشهورا بجميل عطفك ~~وحنانك، ولم ترحم أيضا عقيلتك الثكلى، ولا طفلتيك الصغيرتين اللتين تيتمتا قبل أن ~~ترسخ ملامحك الجميلة في ذهنيهما، مع أنك كنت في حياتك ترحم المظلومين، ~~وتنصر البائسين. # يا محبوب، يحار عقلي كلما تأملت في هذه الحياة، وفي الطبيعة. # تراني أتساءل: لماذا يحيا الباغي طويلا، ويعيش الطاهر قليلا؟! لماذا تمنح الطبيعة ~~القوة للمستبدين، والسلطة للظالمين؟! لماذا؟! لماذا؟! # ولكن لسوء الحظ لا أدري لماذا؟ ولا أحد يدري حتى الآن سر هذه الحياة، ولا ~~كنه هذه الطبيعة. # يا محبوب، يا رافع لواء الأدب العربي في المكسيك، أنا - ما عشت - لا أنسى بديع ~~منظومك ومنثورك، ولا أنسى أبدا تلك الوقفات الخالدة، التي كنت تقفها على منبر ~~الخطابة في مكسيكو. # إن معظم أبناء سوريا ولبنان في تلك الجمهورية النائية يرددون بإعجاب أشعارك ~~الخالدة، ويتغنون بها في منتدياتهم ومجتمعاتهم، ويفاخرون ms59 بأدبك الجم، كم يتفاخرون ~~بشمائلك الغراء، ومبادئك القويمة! # يا محبوب، لم تكن فقط بدرا لامعا في أفق الأدب والشعر، بل كنت هكذا أيضا لامعا في ~~حياتك العائلية، وفي صفاتك النبيلة؛ لأنك كنت زوجا أمينا، وأبا حنونا، وشهما ~~أبيا، وصديقا وفيا. # يا محبوب، يا صاحب الرفيق، على من تركت رفيقك؟ هذا الذي كان يحصد من حقل ~~ذهنك ويرتوي من ماء يراعك، ثم يغذي الناس من نتاج أدبك، ويسقيهم من كوثر ~~نبوغك. # والآن بعد أن يبس حقلك، وجف معينك، فمن أين يجمع الرفيق غذاء وماء ~~ليطعم الجياع، ويسقي العطاش على مائدة الأدب والمعارف؟ # وأنت وحدك كنت معينه وغذاءه وروحه، وهل يحيا الرفيق بعدك بلا معين، ولا غذاء ~~ولا روح؟ لا. # فكما كان الرفيق بالأمس حيا بك، أصبح اليوم مائتا بموتك. # رحمك الله يا محبوب، ورحم رفيقك، الذي كان نجما ساطعا في عالم الصحف والأدب. # فما كان الرفيق إلا أنت، وما كنت أنت إلا رفيقك. # يا محبوب، ليست شرتون وحدها اليوم ترثيك وتبكيك ، بل يرثيك ويبكيك كل ناطق بالضاد، ~~قرأ نفثاتك الرائعة، وخبر أدبك الجم. # إن أدباء لبنان كلهم صعقوا لفقدك، وأكبروا خسارة الصحافة والأدب بك، وأما أنا ~~فلا تسل عن شدة حزني عليك، فهو يوازي حزني على أخي الراقد بجوارك في لحده. # فسلام على ضريحيكما، وعلى المكسيك التي تحضن ثراكما، ورحمات الله وبركاته ~~عليكما. # توفيق حسن نادر الشرتوني # في 30 حزيران سنة 1931 ms60