######OpenITI# #META# URI: 1382WasifBarudi.HadhaTaj.Hindawi73752425 #META# Tags: novels #META# ID: 73752425 #META# Title: هذا التاج #META# AuthorID: 63525138 #META# Author: واصف البارودي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة الكتاب‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # الفصل الحادي والعشرون‏ # الفصل الثاني والعشرون‏ # الفصل الثالث والعشرون‏ # الفصل الرابع والعشرون‏ # الفصل الخامس والعشرون‏ # خاتمة وعبرة‏ # مقدمة الكتاب‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # الفصل الحادي والعشرون‏ # الفصل الثاني والعشرون‏ # الفصل الثالث والعشرون‏ # الفصل الرابع والعشرون‏ # الفصل الخامس والعشرون‏ # خاتمة وعبرة‏ # | هذا التاج # | هذا التاج # تأليف # واصف البارودي # | مقدمة الكتاب # | نحن الأساطير والتاريخ حكاية # لست من الذين تهون في نظرهم وتصغر في نفوسهم كلما تقدمت بهم الحياة أهمية تلك ~~الحكايات، حكايات العجائز؛ وهي كانت تغذي نفوسنا، وتساعد في نمو شعورنا وتفكيرنا في ~~الصغر، ولست من أولئك الذين يستخفون بالأساطير ويهزءون بها، والواقع يثبت أننا لا نزال ~~نحيا في أجوائها، وسنظل ما دمنا نجهل الكثير من حقائق هذا الوجود، وما دمنا نخشى مواجهة ~~الحياة في حقيقة واقعها، وفي اكتناه أسرارها، واكتشاف الخفايا في زوايا التكوين. # فتلك الحكايات - حكايات العجائز - إنما هي وديعة الأجيال، تحملهن إياها الحياة أمانة ~~إلى النشء النامي في صغره؛ ليتمتع بها أولا ويسر، ثم لتتبلور مغازيها في نفوس أولئك ~~الأبناء الأحباء مع تطورهم ونموهم، حكما خالدة تندمج في كيانات أفئدة الشباب، فتهز ~~قلوبهم، وتسير سلوكهم، وتهيئ رشد الكهولة في الأفراد وفي الأمم. # وما الأساطير سوى تعبير دقيق مغلف عن حقائق الوجود، وعن تطورات الحياة وأحوالها، وعن ~~تصور الإنسان لتلك الحقائق والتطورات، وعن تفهمه لبواعثها ولما ترمي إليه بأسلوب رمزي ~~خاص، تداركت به اللغة ms001 عجزها عن التعبير عنها بأسلوب واضح صريح. # ففي هذه الأساطير وفي تلك الحكايات أعمق ما في معاني الحياة من فلسفة وتفكير وحكمة، وأبلغ ~~ما في اللغة المعبرة عن تلك المعاني من أدب وتعبير، فهي متعة الصغار والكبار معا، مهما ~~اختلفت درجات التفكير وميادين التأمل، ومهما تنوع التأثير، فإذا كانت تؤثر في الصغار كنوع ~~من السلوى، تجتذبهم وتستهويهم، فإنها كثيرا وكثيرا جدا ما تدعو الكبار، ولا سيما ~~الواعين المثقفين إلى كثير من التأمل الهادئ والتفكير العميق في وحدة الحياة، على تعدد ~~ظواهرها، وتنوع مراميها، وتبدل مظاهرها! # فهي الحياة، تدرك النفس أسرارها بفاعلية خبرتها الذاتية بشكل أشد وأعمق مما قد تمنحها ~~إياها العلوم وكتبها، وهذه لا تزيد عن أن تكون محتويات، تستمد النفس منها غذاء لفاعليتها ~~وقوة، كما يستمد الجسم غذاءه وقوته من الأطعمة والأشربة والعلاج، وأروع تعبير عن فاعلية ~~الخبرة في الشعوب إنما تجده في تلك الأساطير وهذه الحكايات، فلا جرم إذا عادت الشعوب إليها ~~كلما زحمتهم الحياة؛ لأنها إرث تكمن فيه عناصر الانبعاث وبواعث انبثاق ما هو إنساني من ~~القيم التي يتميز بها الإنسان. # فإذا وجدت في حكايات العجائز وسيلة من أقوى وسائل التعبير عن أسرار الحياة؛ فلأنني ~~أعتبرها أبسط سلك موصل، تبلغ به الحقائق أعماق الأفئدة دون جدل ولا تعقيد، ولعل اعتماد ~~الحضارة على القصة كتعبير في الآداب الرفيعة مستمد من هذا الواقع الحيوي في تكامل الثقافة ~~والحياة. # ولعلك - يا قارئي العزيز - تفكر، وأنت تقرأ هذه النظرة في أهمية حكايات العجائز وأساطير ~~الأقدمين، فيما تحويه الأسطورة من خرافة، ولعلك تتأمل فيما تتزين به الحكاية من تخيل ~~وأكاذيب! فتستخف بهذه النظرة، مستغربا أن تكون الخرافة وأن يكون التخيل والكذب من أسمى ~~أنواع التعبير عن أسرار الحياة، ومن أنجع وسائل إيصال حقائق هذه الأسرار إلى الأفئدة! إنك ~~على صواب في استغرابك، ومن حقك أن تشك، والشك عند العلماء المفكرين أصل اليقين، ولكن عليك ~~في شكك هذا، ونحن نقرك عليه ما دام شكا علميا يستهدف الحقائق، والشك الهازئ سطحي لا ~~قيمة له ms002 ، عليك أن تفكر في أمرين، وأن تتأمل في ملابساتهما: ~~(1) # هل تلك الأسطورة أم هذه الحكاية هي خرافة أو تخيل أو كذب بالنسبة إلى ثقافتك ~~وعصرك، أم بالنسبة إلى العصر الذي قيلت فيه؟ فإن تكن بالنسبة لعصرك، فأنت لا ~~تدري ما هو حكم المستقبل على ما سينقل عن عصرك من حكايات وأحاديث ومن صور ~~وتعبير! فلطبيعة التعبير في تلك الأساطير والقصص أهميتها الخاصة في عصرنا هذا، ~~وهو عصر انتبه لسوء تأثير التصنع، فلذا ينادي بالعودة إلى طبيعة الأشياء. ~~وإن تكن بالنسبة إلى تلك العصور، فعندئذ تكون هي تصنعا، ولا يجوز أن ~~نعيرها هذه الأهمية. ~~(2) # هل في هذا العالم حقيقة مطلقة وخير لا تشوبه فاعليات الشرور؟ الخير والشر ~~متلازمان، والحق والباطل لا يفترقان، والإنسان بفاعليته الذاتية هو الذي يميز ~~ويختار، وهو الذي يخدع أو ينخدع، ولولا تلازم الخير والشر واتصال الحق بالباطل، ~~لما كان للحياة معناها ولما كان للإنسان أي مطمح في كفاح، ولا أي افتخار في ~~ظفر، وهل الإنسان في هذه الحياة سوى مجاهد يكافح الخير والشر معا؛ ليستقر ما ~~يختار منهما في نفسه على الشكل الذي يتخيله والصورة التي يرسمها؟! وهل هو سوى ~~عامل تائه يجد ويكد، سائرا في طلب الحق؟ فإذا هو في نزاع عنيف مع الحق ~~والباطل معا، إلى أن يستسلم لأحدهما فيكون سعيدا أو شقيا، عظيما أو ~~حقيرا، سيدا أو مسودا. # وما تلك الأساطير وهذه الحكايات مع ما ينضم إليها من وقائع وحوادث يتكون بها التاريخ، ومن ~~تعابير وأساليب ينبثق عنها الأدب، سوى مثيرات ومحفزات تثير النفس وتحفزها؛ لتستمر في كفاحها ~~المتصل بكفاح الإنسان منذ حاول أن يحقق إنسانيته، فتتحقق بذلك الصلة بين الأجيال في تقدم ~~الثقافة والحضارات. # فلا ضير علينا إذن، إذا عدنا إلى بعض تلك الحكايات والأساطير، مع الاعتماد على الحوادث ~~الراهنة والوقائع المشاهدة الملموسة - تصريحا أو تلميحا - في أحاديثنا في هذه «الجريدة» ~~الغراء، ومن أهدافها وأهداف كل صحيفة تدرك حقيقة رسالتها أن تصل بالحقائق إلى أعماق ~~النفوس، وهذا هو هدف الأهداف في انبثاقات المدرسة ms003 الحديثة التي ندعو إليها، وفي تطورات ~~مفهوم التربية فيها في تجليات روح المجتمع وثقافته. # المؤلف # | الفصل الأول # يحكى أنه كان في قديم الزمان ملك عادل، كان ملكا عظيما مسيطرا في الأرض، ولا أذكر ~~أن جدتي - رحمها الله - ذكرت لي اسمه، على كثرة ما رددت علي هذه الحكاية، ولا البلاد ~~التي كان يحكمها، ولا الزمن الذي أظله بوقائعه. زمنه قديم، وسيطرته على جميع ممالك الأرض، ~~وهو ملك عظيم تعنو له الرقاب، وتخضع لهيبته جميع الآفاق، هكذا كانت تصوره لي بعباراتها ~~الفخمة ولهجتها القوية، وكانت عباراتها تزداد وضوحا بوضعها الذي تتخذه منسجما مع معاني ~~القصة، ومتفقا مع حركة اليدين وبنظراتها المشعة، وكأني بها كانت ترسل تلك الأشعة لتنير ~~لكلماتها طريقها إلى الفؤاد، فقد كان لكلماتها تأثيرها القوي في نفسي؛ ولذلك تراني أذكر ~~الكثير منها، ومما كانت تقص علي من قصص، وأعترف بما كان لها في نمو ذاتي من أثر ~~كبير. # ولعل في إهمال ذكر اسم الملك، وفي ترك تعيين بلاده وزمنه، مغزى بعيدا أراد واضع القصة ~~أن يجعل منه صورة رمزية لكل ملك عادل، في أي قطر من الأقطار وفي أي زمن، ولو أن جدتي ~~كانت تعرف كلمة الإمبراطور وتدرك معانيها لقالت - ولا ريب - إنه كان إمبراطورا عظيما؛ ~~لأنه كان عادلا. # وعلى كل، فقد كان هذا الملك العظيم محبا لرعيته، يريد لكل فرد منهم الخير والطمأنينة ~~والسعادة، وكان يؤلمه كل الألم أن يظلم أحد من الناس، فلم يكن يترك وسيلة لدفع الظلم، وما ~~كان ليتساهل في الانتقام من الظالمين، اعتقد أن العدل أساس الملك، فاتجه لتحقيق العدالة ~~بكل شعوره وبكل تفكيره، فالضعيف المظلوم هو القوي في نظره حتى يأخذ له حقه من ظالمه، ~~والكبير صغير عنده إذا ما اعتدى على صغير أو احتقره. أحبته الرعية وتعلق به الناس، حتى ~~كادوا يعبدونه من دون الله، كما عبدوا نمرود وفرعون، ولكن، وآه من ولكن. # ولكن أمرا ضاقت به نفوس الناس على الرغم من وجود مستلزمات الراحة والطمأنينة، بفضل نعمة ~~العدالة التي يتصف بها الملك ms004 ! وقد ضاقت نفس الملك ذاته بهذا الأمر، على الرغم من كرم أخلاقه ~~وحكمته، هي فكرة سيطرت على عقله حتى أصبحت عقيدة ملأت نفسه، فهو يدين بها لدرجة الوسوسة، ~~فلا مناص من أن يتحمل هو، ومن أن يحمل الناس ما تستدعيه محاولة تحقيقها من تدابير ~~تتجاوز أحيانا الحدود التي يطيقها البشر. # قد استقر في ضمير ذلك الملك أن العدل يأبى أن يكون شيمة لأبناء الحرام، فابن الحلال ~~وحده هو الجدير بأن يتصف بالعدالة، وأن التبعة لا تقع عليه وحده في تحقيق العدالة، بل ~~هناك الحكام والقضاة والموظفون، ولا قيمة لحبه للعدل، ولمحاولاته في تحقيقه إن لم يكن ~~هؤلاء جميعهم عادلين، وما كانت فكرة مساهمة هؤلاء في تحمل تبعة تحقيق العدالة في المملكة ~~لتخفف ما يجد من حرج في نفسه، بل زادت في قلقه؛ لأنه يدرك أن التبعة تعود كلها عليه ما ~~دام هو الذي يعينهم ويوافق على اختيارهم، ولعله كان يردد في نفسه هذه المعاني التي قصدها ~~الشاعر في قوله: # ومن يربط الكلب العقور ببابه # فكل بلاء الناس من رابط الكلب # فلا مندوحة له إذن من أن يختار موظفيه من أبناء الحلال! فلا يقبل بتعيين من لا يكون من ~~ظهر أبيه زوج أمه! ولما كان يأخذ الفكرة على معناها الحقيقي الحسي، شرع يفكر بالحصول على ~~الأدلة الحسية في ولادة الأبناء، وهل لتحري ولادة الأبناء من وسيلة غير التجسس على خفايا ~~الحياة الداخلية في البيوت وفي خارجها؛ أي في كل ما يتصل بالحياة العائلية الصميمة ~~بسبب؟! # وهكذا فقد ضاق الناس ذرعا بنوع من التجسس، اعتمد عليه ذلك الملك في اختيار الأكفاء ~~العادلين من القضاة والحكام والموظفين، فعيونه التي كان يبثها في جميع أنحاء المملكة لتتجسس ~~أمور العائلات في صميم حياتها الداخلية، ولا سيما في تصرفات الزوجات ليتحقق ولادة أبناء ~~الحلال، فيدون أسماءهم في سجل خاص يرجع إليه عند الاختيار، أقلق الناس وأزعجهم، وشوش ~~عليهم راحتهم واطمئنانهم، وقد أدرك الملك أنه يزعج رعيته من حيث يريد راحتها، فارتبك ~~واضطرب، وأخذ باستشارة المقربين إليه ms005 . # وما أن انتشرت أخبار الملك وأحواله في تشوشه واضطرابه بين خاصة الناس، حتى وصلت إلى دجال ~~مشعوذ من السحرة كان يسكن في أطراف المملكة، وكانت له شهرته في جميع الأرجاء. وجد الدجال في ~~هذه الجهة من ضعف الملك فرصة مؤاتية لإشباع شهواته، وبلوغ أغراضه من مال وجاه وتحكم؛ فشد ~~الرحال وقصد العاصمة، معتمدا على ما كان للسحرة من مكانة عظيمة وشأن كبير في تلك العصور، ~~ولا سيما إذا كانوا ممن يتقنون فنون التغطية والتدليس، ويحسنون القيام بأنواع المهارات في ~~الدعاية والتمويه والتلبيس. # لم يصل الساحر إلى العاصمة حتى أثار حول اسمه ضجة مفتعلة، استعان على إثارتها بالمال ~~وبأتباع موعودين، إنه ذكي فطن، يعلم أن كل معروض مهان، فأراد أن يكون مطلوبا، يطلبه ~~الملك فيصطفيه، لا طالبا يعرض نفسه فيتهم ولا يثق به أحد، وقد حصل له ما أراد، فما وصل ~~اسمه إلى الملك مقرونا بضجة الدعاية والتمجيد، حتى استدعاه إليه يستنير بعلمه، ويستعين ~~بقدرة اطلاعه على الغيب، والتكهن بما يخبئ المستقبل له ولرعيته من حوادث وتقلبات؛ عله يجد ~~لديه وسيلة تنقذه وتنقذ الشعب من ذلك المأزق، وقد أوقعته فيه عقيدته المستقرة في أعماق ~~فؤاده. # دهش الملك مما وجد عند ذلك الساحر من علوم وفنون ومهارات تحير الأذهان والعقول، ومن بيان ~~يزخر كالبحر، وطلاقة لسان تسابق الرياح في أعصارها، ولا غرو، فالسحرة لا يكونون من ~~البلداء المغفلين، ولا تجد المشعوذ بين الجهلة الأغبياء الأعياء، وطلاقة اللسان عند ~~المشعوذ وسهولة البيان عند الساحر مضرب مثل عند الناس. # فلم يكن من الغريب إذن، وقد أدهش الملك الطيب أن يؤخذ بسحر الشعوذة، وأن يثق بمن يمثل ~~هذا السحر بين يديه، فيفضي إليه بذات نفسه وبما يجد من حرج وضيق. # | الفصل الثاني # قال الراوي: لم يكد الملك الطيب القلب يفضي بما في نفسه، حتى بدت على وجه ذلك الدجال ~~المشعوذ أمارات الارتياح والاهتمام، ارتاح ارتياح الظافر الداهية، بعد أن استسلم إليه الملك ~~وأطلعه على كثير من أسراره الخاصة ومن أسرار الدولة، فأصبح بين يديه كالطفل ms006 يطلب العون من ~~والده، أو كالتلميذ يلتجئ إلى أستاذه؛ ليساعده على إزالة ما في نفسه من قلق، وليرشده لما ~~يصلح شئون الدولة لتنقذ مما هي فيه من اضطراب، وكثيرا ما كان ضعف العظماء أمام بيان مثل ~~هذا المشعوذ من السحرة الدجالين سببا لمصائب ونكبات منيت بها الأمم في مجموع كياناتها وفي ~~أفرادها. # نجح الدجال المشعوذ وقد بلغ ما أمل، فأصبح مطلوبا، وزاد في أهمية نجاحه استسلام الملك ~~إليه، استسلاما كان فوق ما أمل وانتظر، فلا غرو إذا أظهر التواضع والخضوع والتذلل، ~~وأبدى كثيرا من اهتمام من يفاجأ بالمشكلة، فلا يستطيع أن يرتجل طريقة حلها؛ فيطرق متأملا ~~مفكرا، يثبت نظره في الأرض حينا، ويغمض عينيه إغماضة تامة، أو نصفها حينا آخر؛ حتى ~~تتقد القريحة فترسل شعاعا من نور نورها يضيء له الطريق ليجد الحل الملائم. # أتقن مشعوذنا تمثيل دوره هذا، وقد سبق وهيأ في نفسه كل شيء قبل أن اجتمع بالملك، وقبل أن ~~فاز باستسلامه، فلا حاجة به للتفكير ولا للإطراق، ولكن الشعوذة فن كله تغطية، وكله تدليس ~~وتلبيس، وكله تصنع وافتعال. أطرق الساحر طويلا وإنه ليطيل زمن إطراقه مسترقا النظر إلى ~~وجه الملك؛ حتى إذا ما ظهرت على هذا الوجه أمارات نفاد الصبر تشوقا إلى استماع درر ~~الحكم، وإلى التأمل فيما ينبثق عن ذلك العقل العبقري في صفاء تفكيره من نصائح وتعاليم ~~وإرشاد، تحرك برأسه وبأعلى جزعه حركات خفيفة، رفع على إثرها رأسه، وعيناه ذابلتان كمن ~~يستفيق من نوم عميق أرهقه بأحلامه، فتنهد ثم التفت إلى الملك وقال: يا صاحب الجلالة، أتسمح ~~لعبدك الذليل الحقير أن يكون صريحا في حديثه وعليه الأمان؟ فاضطرب الملك وقدر لهذا ~~الحديث أهمية عظيمة، وقال له: أنت أمين مهما كان في قولك من تجاوز. ~~- أنحن في نجوة من آذان الناس وأعينهم حتى من أقرب المقربين؟ # ما سمع الملك همسه هذا حتى أصدر أوامره بأن توصد أبواب القاعة، وألا يؤذن لأحد ~~بالاقتراب منها مهما كان شأنه. # أظهر الساحر ارتياحه لاهتمام الملك بحديثه، فعدل جلسته وأخذ يحدد ms007 نظراته في وجه صاحب ~~الجلالة، ويثبتها بعد أن كانت تائهة مضطربة حائرة، وما لبث أن أصبح في وضع أشبه ما يكون ~~بمن يتحفز للاقتناص، وقد كان هدفه في الحقيقة اقتناص قلب الملك وعقله، ثم أخذ يهدر متمتما ~~مهمهما مدمدما، كالغضب الخائف الذي يتردد بين الإقدام والإحجام؛ ليوهم مراقب أوضاعه أن ~~الأمر خطير، وما شعر بأنه لم يبق في صدر الملك للصبر مجال - وهو الوضع الذي يستدرج إليه ~~المشعوذ فريسته؛ لتصبح في أقصى حدود الاستعداد لقبول ما يقول وما يطلب - حتى أنهى همهماته ~~ودمدماته بقوله: لن يبلغوا مقاصدهم الخبيثة، الله موجود، وهو الإله الحق الذي يكلأ ~~العادلين، ويحفظهم من الأشرار، يا ملك الزمان! إن الله قد منحك العقل والحكمة، وأنعم عليك ~~بأعظم ما ينعم به على الملوك، إذ تطيب نفسك بإقامة العدل بين الناس، ولكن بطانة السوء ~~وأشرار المشيرين سيعود كيدهم إلى نحرهم، لم يرد بك ولا بالمملكة خيرا من أشار بالتجسس ~~على الناس، وإذا أحب الناس العدل فإنما يحبونه لما يحقق من حريات، وما كانوا يرغبون في ~~العدل لولا أنه يردع الناس عن أن يتعرض بعضهم لحرية بعض. لا شيء أثمن من الحرية على ~~الإنسان؛ إنها هي ذاته، فلا يكون إنسانا إلا بها، والحرية يا صاحب الجلالة هي ميزان ~~العدل، فكل عمل يحجز على الناس حرية من حرياتهم، دون مسوغ إنساني يقضي به المجتمع في حرصه ~~على حرية الجميع، هو ظلم تنتج عنه أوخم العواقب، ويكفي الناس أن يشعروا بأنهم مراقبون ولا ~~سيما في أعراضهم؛ حتى يجدوا لفقد الحرية في نفوسهم لوعة من يفارقه حبيبه، وألم من تبتر ~~أعضاؤه عضوا عضوا، ماذا أراد من أشار بإيقاع هذا الحيف بالرعية؟ أراد أن يخدم بذلك ~~أجنبيا رشاه؟ أم أراد أن يساعد أحد الطامعين بالعرش، وقد غره بوعوده؟ # ما بلغ الساحر في حديثه حدود هذا الاتهام الغامض، حتى افتر ثغر الملك عن ابتسامة رضى، ~~ثم أخذ يتأمل في نفسه تأمل المعجب بما سمع، فتوقف الساحر عن الكلام مبتهجا ببوادر الصيد، ~~ولا تخدعن يا ms008 عزيزي القارئ كما خدع الملك؛ فساحرنا عالم خبير، لا يبدأ إلا بما هو ~~معقول، تشع منه أمارات التكهن والإخلاص، شأن كل مشعوذ محنك، فانتظر. # سكت الساحر احتراما لتأملات الملك، ولكن هذا لم يلبث أن استفاق من تأملاته هذه، وأجاب ~~على الأسئلة بقوله: بل للسببين معا؛ فهناك سر لم أبح لك به؛ لما هو عليه من خطر أولا، ~~ثم لأنني لم أستكمل الأدلة كلها بعد، فشداد ملك البلاد المجاورة هو ممن وفقني الله ~~لإخضاعهم من الملوك، بعد أن كان يسيطر على سياسة مملكتي ويسيرها كما يشاء، فهو يعمل على ~~استرجاع سيطرته، وعلى الانتقام ممن انتصر عليه، ولم يجد وسيلة إلا في إفساد ضمائر بعض ~~الخاصة من وزراء ومشيرين، وفي إطماع ابن أخي في العرش، وهو شاب مستهتر مسرف ضيق التفكير، ~~فهؤلاء الخاصة في دفعهم لي لاتخاذ هذا التجسس على الرعية، إنما كانوا يعملون للأجنبي ~~وللطامع في العرش معا، فهم أبناء حرام ولا شك، والتجسس ذاته خدعني حين سجلهم في سجل ~~أبناء الحلال، فالأمر خطير، واعتمادي على عملك وبعد نظرك، وقدرتك على الاطلاع على الغيب في ~~تدارك هذه الأمور، ففكر مليا، فإنني أثق باطلاعك كما أثق بنفسي، وإلى الغد، وقد حان موعد ~~اجتماعي بمن وعدني باستكمال الأدلة الجرمية اليوم. # | الفصل الثالث # قال الراوي: خرج الساحر من خلوته بالملك وهو يكاد يشعر أنه يطير في الهواء ولا يسير على ~~الأرض؛ لشدة ما أثر في نفسه فرح النجاح، وقد زاد في انبساط نفسه وابتهاجه، ما لاحظه من ~~التملق البارز في تحيات رجال القصر، وفي انحناءات الأتباع والخدم، حتى أوشك أن يرى نفسه ~~وقد أصبح صولجان الملك في يده يقلب به قلوب الناس. سار من باب القاعة وقد أحاط به بعض ~~رجال البلاط وموظفيه، يشيعونه بقلوبهم وعيونهم وجميع جوارحهم، حتى بلغ رتاج القصر، فوجد ~~مركوبه حاضرا، وكان حصانا أصهب فارها، عليه مظاهر خيلاء الخيول العربية الأصيلة ونفورها، ~~وله مرحها وصهيلها ونشاطها، وما كاد يدنو من ذلك الحصان حتى وجده يضرب الأرض بقوائمه ضربا ~~موقعا، له ms009 لحن خاص يعبر به عن زهو الخيول الأصيلة وتيهها، وعن تمردها على الحياة، فهي ترى ~~أنها إنما تسام خسفا في سيرها على الأرض، وهي الجديرة بأن يكون ميدان جريها أجواء ~~السماء. # امتطى الساحر ذلك الجواد الكريم بعد أن أعانه بعض الأتباع، شأن المزيفين من العظماء متى ~~أرادوا الركوب، فبعض الناس يمسكون بالركاب تذللا، والآخر يقبض على اللجام تملقا، وآخرون ~~يحيطون بهم تمويها في زيادة الاحتياط، والعظماء العظماء يأبون هذه المظاهر الكاذبة، ~~ويخجلون منها ما دامت قد تدل على الكسل والعجز، واسترخاء الترف أو كبرياء الصلف! وهذه ~~الصفات وما يماثلها لا تليق بالعظيم الأصيل في عظمته المعتد برجولته، ولم يشعر ذلك ~~المشعوذ بأنه أصبح على متن ذلك الحصان الجواد مالكا لقياده، حتى انتقلت إليه عدوى الخيلاء ~~زيفا، فكان مظهرها غطرسة ممقوتة، كما كان زيف النفور والمرح والنشاط والصهيل، وهي كلها ~~صفات محببة في الخيول، وفي غيرها ما دامت طبيعية أصيلة، سماجة وكبرياء، وزهوا وتصنعا، ~~وهديرا يشبه هدير البعير. # أما الشعب، ذلك الشعب الساذج المغفل الغارق في أحلام أوهامه، ولا سيما أوهام السلطة ~~والعزة والنفوذ، والمأخوذ ببريق مظاهر التمويه والزركشة، وبأكاذيب سراب العز ووهم الأمجاد، ~~وبخداع التدجيل بشكلياتها وظواهرها، إن ذلك الشعب المسكين ما كاد يسترق السمع، بباعث حب ~~الاستطلاع، أو أنه سرق سمعه بفعل الدعاية والتغرير، فعلم بما كان للساحر عند الملك من ~~حظوة ورعاية، حتى أخذ يبث العيون مستطلعا عن موعد انتهاء هذه الزيارة؛ ليتمتع بنفحة الملك ~~والسلطان تتصل بأحد الرعايا السوقة العاديين، فكأن الإنسان يكفيه في نظرهم أن يتصل بالملك ~~وبذوي السلطان ليخلق خلقا جديدا، ويكفيه أن يستقبل في تلك القصور ليستعير قبس نور ~~المجد ويلبس رداءه، وهل للإنسان أية قيمة ذاتية إذا لم يتصل بظل الله على الأرض، أو بمن ~~والاه واتصلت به نفحة من نفحاته؟ إنها صوفية الشعوب الجاهلة كيانها، الذاهلة عن ذاتها ~~والمستسلمة لظواهر الحياة، ولمظاهرها وشكلياتها، ماذا تريد من شعب يغفل عن ذاته، وينسى أنه ~~هو مصدر السلطة والعظمة والمجد، وأنه هو الذي يرفع ويخفض ms010 ، وهو الذي يعز ويذل، وهو الذي يسدد ~~الخطى أو يضل، بفعل ما أودعه الله في كيانيه الفردي والاجتماعي من قوى وإرادة ~~وتفكير؟ # لم يعلم ذلك الشعب المضلل المستسلم بخروج الساحر من قصر الملك على الشكل الذي وصفناه، حتى ~~ترك أعماله ووقف صفوفا متراصة على جانبي الطريق، فمن الناس من كان يحيي المشعوذ عند ~~مروره بالانحناء، ومنهم من حياه بالهتاف والصراخ، ومنهم من اكتفى بذهول غيبوبة التأمل ~~والإعجاب، مأخوذا بصوفية عبادة المظاهر والشكليات، وما كانت هذه الحفاوة إلا لتزيد في ~~غرور الخيلاء، إذا ما بعثها في نفس المغرور استسلام الشعب إليه، إنها تنقلب لاستخفاف يحتقر ~~معه بغروره ذلك الشعب المنعم، وهذا ما ظهر على وجه ذلك المشعوذ، وقد كانت ابتسامته الصفراء ~~الهازئة تنم عن احتقاره لهؤلاء السوقة السذج، وتعبر عن استخفافه بهم، وقد عبر عن سخريته هذه ~~لمن بجانبه من الأتباع بقوله: إنهم حقا طيبو القلوب هؤلاء الناس. # وكان في هذه الصفوف شاب تطل الحياة جديدة من عينيه، وهل الشباب في حقيقة معناه سوى إطلالة ~~جديدة للحياة على الوجود، تريده مستمرا في تجدده؟ وكان هذا الشاب - ولم يكد يبلغ الموكب ~~نصف طريقه - قد شعر بما يرتسم على وجه ذلك الساحر المشعوذ المغرور من استخفاف وهزء واحتقار، ~~وبما تفتر عنه شفتاه من سخرية وخبث ولؤم، فالتفت إلى ذلك الجمع، وصرخ قائلا: ما هذا ~~الحمق الساذج الأبله؟ مر بكم هذا الرجل على أتانه قبل ساعات فلم تأبهوا له ولم تكترثوا ~~لمروره، وأعلم أن كثيرين منكم كانوا يرمونه بالكذب والدجل والتمويه، فما بالكم وقد فتنتم ~~به الآن؟! هل للسلطة عصا سحرية لا تلمس أحدا إلا ويصبح أهلا لأن يفتتن به الناس سواء ~~أعمل أم لم يعمل؟! وسواء لديكم أكان ضارا أم نافعا؟ شريرا أم خيرا؟ ماذا عمل هذا ~~الرجل؟ أفتح لكم بلادا جديدة أم أمنكم من خوف؟! أأنقذكم من مجاعة أم حفظ لكم أرواحكم ~~وأموالكم وأخصب أرضكم؟! أية نهضة حققها في ميادين العلم والسياسة والاقتصاد؟! ما هو أثره في ~~المجتمع حتى يفتتن به المجتمع ms011 ؟! يا مغفلون! إن عملكم هذا سخف وحمق إن لم أقل نفاق ~~وجنون! إنها الشعوذة تفتك بالمجتمع. # وما كاد يصل الشاب في حديثه الصارخ إلى ذكر الحمق والنفاق والجنون والشعوذة، حتى انتفخت ~~أوداج الساحر، واصفر وجهه من الغضب، فثار الناس على ذلك الشاب، وأخذوا يكيلون له الشتائم، ~~فبعضهم أخذ يقول: إنه وقح قليل التهذيب، وآخرون كانوا ينعتونه بالحمق والسفه، وجميعهم قرروا ~~أنه مجنون يجب أن يعالج في مستشفى المجانين، ولم تهدأ ثائرة الناس، ولم تسكن ضجتهم إلا ~~عندما أخذ الجند هذا الشاب، وقد امتنع عليهم فجروه على الأرض جرا دون رحمة ولا شفقة، ~~وكانوا يضربونه بهراوتهم ويركلونه بأرجلهم بعنف وقسوة وجفاء افتر لها ثغر الساحر عن ~~ابتسامة عريضة وزفرة عميقة، عبرتا عن الرضا والقبول وعن التشفي والانتقام، وقد زادت ~~ابتسامته عرضا وطولا وعمقا في مبناها وفي معناها، عندما ألقى الجند القبض على شاب آخر ~~أراد أن يدافع عن رفيقه متمردا على الدجل والشعوذة والنفاق، ومنددا بجهل الشعب وحمقه ~~وانهيار أخلاقه وحقارته. # هذا هو جو الموكب بعد أن اعتقل الشابان، ولا أدري، أكان السبب عدم وجود شبان آخرين، أم ~~أن الخوف والذعر أسكتهم؟ لم يذكر راوي الحكاية شيئا عن هذا، ولكن باستطاعتنا أن نفترض ~~أن الكهول والشيوخ، وهم من تتجسم فيهم روح المحافظة على التقاليد ولو كانت فتاكة، ومهما ~~كانت سخيفة، وهم الذين تأخذهم شعوذة صوفية في عبادة الشكليات والمظاهر وإن كانت سببا ~~للتذلل والانحطاط وقبول الاستعباد، نعم، باستطاعتنا أن نفترض أن هؤلاء وربما انضم إليهم ~~كثير من الأولاد كانوا وحدهم المتظاهرين، وأن وجود هذين الشابين كان صدفة عارضة، كما ~~يمكننا أن نفترض أنه كان هناك شباب من نوع آخر، فسدت تربيته وبكرت شيخوخته، فلم تتحقق ~~فيه معاني الشباب، ولم تتفتح في نفسه أزاهره، مالي أشتط؟ فعفوا يا قارئي العزيز، كان ~~الأجدر أن أقول: ربما كان سائر الشباب في تلك المظاهرة من الشباب الهادئ العاقل الرصين، ~~ومن الذين لم يتذوقوا طعم الجنون، جنون الشباب، وربما كان من الشباب المكبوت أو ممن أرعبه ms012 ~~الذعر من تصرفات الجنود. # ومن يدري؟! # وكيفما كان الأمر، فإن الموكب استمر بهدوء وسكون، وعادت له روعته بعد أن ارتاح الناس من ~~جنون الشباب وطيشه، حتى وصل إلى دار الساحر، فترجل هذا وحيا الناس مبتسما ابتسامة الظافر، ~~وحيا الأتباع الذين رافقوه وكانوا في ركابه، وأرسل إلى الملك العظيم تحية الشكر والعبودية ~~والخضوع والتذلل، ودخل داره مطمئنا آمنا. # | الفصل الرابع # قال الراوي: لم يتجاوز الساحر عتبة باب الدار حتى بادره الخادم بقوله: القاعة مزدحمة ~~بالزائرين يا سيدي، ويظهر أنهم من الكبار الكبار، وكان الخادم يقول ذلك والدهشة تعقد ~~لسانه. # إنه تعود أن يرى في دار سيده أناسا من السوقة، وأكثرهم من الفقراء، يأتون لمعرفة بختهم ~~أو لكشف الغيب أو المستقبل، وقد يقصدونه لمحاولة استهواء حبيب أو للإيقاع بعدو إذا لزم ~~الأمر، أو للحصول على رقيات وتمائم وتعاويذ وأحراز، يعتقدون أنها تقيهم من العين أو المرض، ~~أو تشفيهم من الأدواء والعلل، أو تحفظهم من السحر ومن تعديات الناس، ومن الأحراز ما يكون ~~للمحبة، فيصبح حاملها محبوبا لدى الآخرين، إلى غير ذلك من أغراض ومطامع قد تواجهها بعض ~~المصاقبات أو تلائمها بعض المصادفات في بعض الحوادث، أو في وهم بعض الناس ممن في نفوسهم ~~ضعف ومرض، وممن في تفكيرهم التواء، فيبنون من الحبة قبة، ويصلون لخوارق العادات بخوارق ~~الانحراف في الفكر وفي الشعور، فتستقر في نفوسهم صور الشعوذة حقائق راهنة يؤمنون بها، ولا ~~يقبلون فيها أي تأويل، والغريب أنهم ينسون أو يتناسون في إيمانهم هذا العدد الكبير، وهو ~~الأكثر حكما، مما لم تواجهه مصاقبة أو تلائمه مصادفة أو وهم من الرقى والتعاويذ والأحراز، ~~وقد أعمى المشعوذون قلوب الناس بإلقاء هذه العبارة الساحرة ونفثها في الصدور: من لا يؤمن لا ~~يشهد. فإذا لم تواجهك مصاقبة أو صدفة اتهموك في إيمانك، وكفى الله المؤمنين القتال، فأنت في ~~حلقة مفرغة ليس لها أول ولا آخر. # وكان إذا ما جاء الكبار فإنهم كانوا يأتونه فرادى ومتنكرين في أكثر الأحيان، أما الكبار ~~الكبار فإنهم كانوا إذا أثر سخف ms013 الشعوذة في نفوسهم، يستقدمونه خفية إلى قصورهم أو دورهم، ~~وفي الانخداع بالشعوذة صغار، وفي الاعتقاد بها عار وأي عار، وقد لا يشعر بذل ذلك ~~الصغار وبحقارة هذا العار إلا من ارتفع مستواه عن السوقة من الناس وجاهة أو علما أو ~~خبرة، فإذا ما انطلى سحر الشعوذة على أحد هؤلاء التجأ إلى التغطية والتلبيس، وإلى التنكر ~~والتدليس، وفي ذلك كله، سواء كان ذلك في السوقة أم في الكبار أو الكبار الكبار، دلالة واضحة ~~على ضعف في النفس وخئور في العزيمة، وجبن عن مواجهة الحوادث بتفكير ذاتي واستقلال في ~~التأمل. # ولا تكون هذه الظاهرة إلا في عصور الانحطاط في الأمم، وهي من أولى أمارات التأخر ~~والانهيار. # فلا تستغربن - أيها القارئ الفطن - دهشة الخادم، وقد رأى الكبار والكبار الكبار يغشون ~~الدار بهذه الكثرة دون تنكر ولا استخفاء. # ولم يسر الساحر بضع خطوات حتى هرع إليه تلميذه، وقد كان في القاعة يؤانس الزائرين، ~~وأسر في أذنه أن بعضا من رجال الدولة ومن الوجهاء والحكام أتوا للسلام عليه، وهم في ~~انتظاره منذ وقت طويل، فابتسم الساحر ابتسامة خبيثة ماكرة وخاطب تلميذه بقوله: أي منذ شرفني ~~جلالة الملك بالخلوة معه، أيوه، إن هؤلاء هم الشمامون، فاستغرب التلميذ الكلمة، وسأله: ما ~~معنى كلمة «الشمامون»؟ وردت في كلامه، فابتسم الساحر وقال: سأعلمك عن معناها في جلسة ~~السهرة، أما الآن فقل لهم: إن الأستاذ قد دخل غرفته ليؤدي صلاة الشكر لله تعالى، ثم يعود ~~إليكم. وانتبه لكل ما يقول هؤلاء لتنبئني خبرهم بالتفصيل، فإنك ستشاهد العجب العجاب، فلا ~~تعلق أنت على كلامهم بشيء مطلقا. # عاد التلميذ إلى مقعده في القاعة، وأبلغ من كان من رجال الدولة ووجهاء العاصمة وحكام ~~المملكة بأن الأستاذ سيجتمع بهم بعد أن يؤدي صلاة الشكر لربه، فما سمع هؤلاء هذه العبارة، ~~حتى اهتز المجلس وجدا وإعجابا، وقالوا بصوت واحد: الله الله! نفعنا الله ببركته، ومتعنا ~~بطول حياته، ثم استولت على المجلس لحظات صمت وقور قطعه أحدهم ويظهر أنه كان أعظمهم مكانة ~~بقوله: إن رجال الله ms014 يشغلون بربهم فلا يقدمون على عبادته أي عمل، فأكد آخر بأنهم ~~مشغولون بالله عن الناس، فثبت من بجانبه هذا الرأي بقوله: إنهم أحباب الله يا أخي، وهل يشغل ~~قلب الحبيب بسوى حبيبه؟ فإذا في آخر القاعة رجل يتواجد فيهتز طربا ذات اليمين وذات الشمال ~~ويردد ما عناه الشاعر بقوله: # ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا # وأقبح الكفر والإفلاس بالرجل # ولكن الجالس في الزاوية المقابلة رد عليه بقوله: ما لك وللدنيا الآن؟ فهل لرجال الله بها ~~أي مأرب؟ إن أستاذنا الجليل أعظم من أن يفكر فيها، أو أن يخدع بسراب مظاهرها، فوالله ~~لولا وجود هؤلاء ينصرفون لعبادة الله أمثال أستاذنا الجليل لما رزقنا الله في هذه الحياة، ~~فنحن إنما نرزق ببركتهم. نعم نعم، أحسنت والله يا أخي. بهذا عبر الجار عن استحسانه لقول ~~جاره وهو يهز رأسه هزات متزنة متوالية إشارة للتصديق على كل ما قيل مع الإعجاب الشديد، ~~فانبرى لهم رجل كان يتصدر القاعة بجانب ذاك الذي افتتح الحديث، وأخذ يتكلم بصوت أجش عريض، ~~ودون أن يفارقه سمت الوقار قال: إن أهل التقى والورع هم السعداء وحدهم، وإنما يسعد غيرهم ~~بتقربه إليهم، فوجود أستاذنا الجليل التقي الورع القديس في هذه العاصمة سيكون، ولا شك مصدر ~~سعادة للجميع. # وهنا تطور أحد الحاضرين تطورا صوفيا، فأخذه الحال وأنشد يقول بعد تنهد عميق، وكأنه في ~~حالة الغيبوبة ما معناه: # لي سادة من عزهم # أقدامهم فوق الجباه # إن لم أكن منهم فلي # في حبهم عز وجاه # وما بلغ الحديث هذا الحد مع ما فيه من انجذاب وغيبوبة وتواجد، حتى أوشك التلميذ وهو من ~~الشبان الواعين أن يختنق من الغيظ والغضب، وقد اشتد حنقه لدرجة انقلب معها في نفسه ~~سخرية حانقة كادت تتفجر ضحكا هازئا صاخبا، لولا أن دخل الأستاذ على سمت خاص ووضع مفتعل، ~~فأنقذ الموقف وأوقع الرهبة والوقار في نفوس الجميع، فوقف الجميع إجلالا وكادت انحناءات ~~بعضهم تبلغ الركوع أو السجود، وما أشد ما يتقن هؤلاء المراسيم الملكية، وما أعظم مهارتهم في ~~تحقيق ms015 شكلياتها على أتم وجه. # أما التلميذ الحانق فقد اغتنمها فرصة خرج فيها لوقت قصير فثأ فيه عن نفسه حدتها، ~~وعاد ليقدم إلى أستاذه هؤلاء الذوات بأسمائهم يعاونه بذلك أكبرهم منصبا، مبينا رتبة كل ~~منهم وعمله. # كان هذا التلميذ شابا لم يتجاوز العشرين، وكان ذكيا واعيا وفطنا، صحب الساحر منذ ~~سنوات بأمر والده، وقد كان مأخوذا بعلم الأستاذ وفضله، فأراد أن يفيد ولده من مهارته ~~وخبرته وقوة عارضته. اطلع هذا التلميذ النشيط بفطنته ووعيه على أسرار المشعوذ ومآسيه، وأدرك ~~أساليب الشعوذة وأضرارها، وكاد يترك أستاذه حانقا ثائرا لولا أن هذا قرر الانتقال إلى ~~العاصمة ليتصل بالملك، فأراد الشاب أن يشاهد أدوار هذه المأساة الجديدة علها تكون مصدر ~~ثورة للإصلاح. # إن هذا التلميذ يعرف إذن حقيقة أستاذه، وهو يعلم أن مزج الشعوذة بمظاهر الدين وشكلياته، ~~وهي الطريقة التي يستخدمها هذا الساحر، هو من أشد أنواع الشعوذات ضررا وخطرا، إنه واثق أن ~~أستاذه لا يصلي ولا يتعبد الله إلا رياء ونفاقا أمام الناس، فهو إذن لم يدخل غرفته للصلاة ~~كما ادعى، بل لاستكمال عناصر طريقته في شعوذته؛ لتتخذ شكلها الديني ذا الأثر العميق في نفوس ~~السذج من الناس وغيرهم على ما شهدنا في الفترات السابقة، ولكن هل تأثر هؤلاء الكبار والكبار ~~الكبار بشعوذة هذا الدجال؟! أم هم شعوذوا عليه بدورهم؟! هذا ما ستظهر لنا حقيقته في ما ~~سيأتي. # أما الآن، فإن الراوي يؤكد أن الساحر حين دخل إلى غرفته لم يقم بأي واجب في عبادة ~~الله، إنما انتقل منها إلى غرفة صغيرة أخرى بجانبها، وهي غرفة خاصة حرام، لا يدخلها غيره ~~حتى ولا تلميذه، وقد اصطنع فيها وسائل تمكنه من مشاهدة ما يجري في القاعة ومن سماع ما يقال، ~~وإنه كان يود أن يستمر الحديث لولا ما لاحظه من تميز تلميذه من غيظه، فوجد من الحكمة أن ~~ينقذ الموقف، ففعل. # | الفصل الخامس # قال الراوي: وقف الجميع إجلالا عند دخول الأستاذ الجليل - هذا هو اللقب الذي أطلقه عليه ~~الشمامون من الأعيان فلا مرجع عنه ms016 بعد الآن - وسبحته الطويلة في يده، ثم حيوه بالطريقة ~~المألوفة في مراسم ذلك الزمن، ولا سيما في تحية الرجال العظام، وهو قد أصبح في نظرهم من ~~هؤلاء، فأسدل كل منهم يده اليمنى إلى الأرض، وهي منفرجة الأصابع انفراجا طبيعيا بارتخاء ~~وأناة، مفتوحة إلى فوق مع شيء من التقعير ومع انحناءات تختلف باختلاف مكانة المنحني وحاجته؛ ~~فمنهم من اكتفى بإحناء الرأس، ومنهم من ضم في انحنائه أعلى الجذع، ومنهم من بلغ درجة الركوع ~~أو السجود، ومنهم من أسدل مع انحنائه اليدين معا، أما الأستاذ الجليل فرد عليهم التحية ~~شأن العظماء، وقد أبدع في تمثيل الدور برفع يده قليلا مبسوطة إلى جهة الصدر نوعا، ومضمومة ~~الأصابع ما عدا الإبهام مع إمالة رأسه إمالة خفيفة كادت ألا يشعر بها أحد، وأنعم عليهم - ~~مع تحية العظمة - بابتسامة ناعمة هي علامة الرضى عن دهشة الإجلال والإعجاب، وقد أخذوا بها ~~في تحيتهم له حين دخل على تلك الهيئة المهيبة الرصينة. # جلس الأستاذ الجليل، فجلس الجميع، وساد المجلس سكون رهيب بانتظار التحية الثانية تحية ~~الجلوس، يبدأ بها الأستاذ الجليل، لتكون بعد الرد عليها مفتاحا للحديث، فكأنها كناية فعلية ~~عن الإذن بإدارة الحديث في حضرته، فسبحان ربي الحكيم ما أكرمه وما أحلمه! فقد أراد لحكمة ~~خفية عنا أن يمر البشر بهذه الترهات من الشكليات في تقدم الحياة، وكأني بنا لا نزال ~~ننخدع بها أو نحاول أن نخدع، وسيستمر البشر على الاهتمام بمثل هذه الترهات ما دامت ~~التربية عاجزة عن استئصال جراثيم السخف والحمق من النفوس، فإن هذه الترهات ليست أصيلة ~~في طبيعة الإنسان وفطرته، وإنما هي من مستحدثات المجتمع وبدعه، تدخل في النفوس على الشكل ~~الذي تتسرب به إلى الجسم جراثيم الأوبئة والأمراض، اللهم احفظ شبابنا واحمهم من جراثيم ~~الترهات، آمين آمين. # وأخيرا، وبعد صمت عميق وقور استمر بضع لحظات، التفت الأستاذ الجليل رافعا رأسه ~~وابتسامته الماكرة تتغامز فيها عيناه بارزة على ثغره، ورحب بهم رافعا يده على الصورة التي ~~سبق وصفها، وقال: أهلا بكم، شرفتم. فتهللت الوجوه ms017 ، وانطلقت الألسنة تردد: تشرفنا يا سيدي ~~الأستاذ الجليل، زدتنا عزا وشرفا يا مولانا، أهلا بكم أيها الولي القديس، أهلا ~~بالتقي الورع، أطال الله عمر مولانا صاحب الفضل والمنة، أهلا بالعلم والدين يجتمعان، ~~متع الله الأمة بحكمتكم وحسن تصرفكم في الأمور، نفعنا الله بمكانتكم السامية وببركة ~~قداستكم، ولعل هذا كان أصدق الداعين لما في قوله من صراحة الرغبة في الانتفاع، فكان أقل ~~تغطية من غيره، ولكن، أكان ذلك لسذاجته أم لذكائه وخبثه؟! لم يستطع الراوي التحقق من واقعية ~~إحدى الحالتين، فكلتاهما تصلحان سببا لمثل هذه التورية القريبة من التصريح. # وعلى كل فما استنفد الحاضرون هذه العبارات في تزلفهم وتملقهم، حتى تضرع الأستاذ الجليل ~~إلى الله العلي القدير أن يحفظ الملك العظيم العادل، ويكلأه بعين عنايته وينصره على أعدائه ~~أجمعين، وقد عبر عن ذلك بدعاء طويل، ألقاه بخشوع خادع بعد أن نهض قائما، ووقف الجميع، ~~وما استقر بهم الجلوس ثانية حتى بدءوا يستفسرون عن راحته وعن حصوله على جميع حاجاته، وكل ~~يعرض نفسه لخدمته مظهرا استعداده القوي للتضحية بوقته وبما يملك في سبيل رفاهية الأستاذ ~~الجليل وراحته؛ لأن رجال الله جديرون بأن يضحى في سبيلهم بكل غال ونفيس، وهنا أتم ~~العبارة أحدهم، ويظهر أنه كان من الخبثاء الأذكياء بقوله: لا سيما إذا شملتهم بالعناية ~~والرعاية عين المليك الساهرة، فشكرهم الأستاذ جميعا مؤكدا لهم بأن رعاية جلالة الملك ~~وعنايته لم تتركا مجالا لأية حاجة لأي شيء، فكرروا جميعا الدعاء بطول حياة الملك ~~العظيم، وباستمرار إقبال الخير عليه، فإنه خير للجميع. # عندئذ تحرك الرجل الذي في الزاوية، ولم يكن قد نطق ببنت شفة، ولعله كان من الأذكياء ~~الخبثاء، فأراد تغيير مجرى الحديث فقال: نرجو ألا يكون حادث الشابين قد أزعج مولانا، ولم ~~يتم كلامه هذا حتى انبرى من كان أمامه، وأظهر استخفافه بذلك الحادث بقوله: ومن هما هذان ~~المأفونان حتى يكترث لهما مولانا الأستاذ؟! إنهما من السوقة، وسينالان جزاءهما بقسوة لا ~~تعرف هوادة، يجب أن ننقذ المملكة من هؤلاء الغوغاء ومن شرورهم، فرد عليه ms018 ثالث قائلا: ~~علمت أنهما أرسلا إلى مستشفى المجانين لاعتقاد الناس أنهما مجنونان، إذ لا يقدم على ما ~~أقدما عليه عاقل، فتنحنح الأستاذ وقال: إن في الأمر سرا، فما تعودنا أن نسمع من صبية ~~الغوغاء ولا من غيرهم مثل هذه العبارات، إنها لقضية حرية بالاهتمام والدرس، نعم، إنها ~~ظاهرة جديدة في هذه المملكة، وهي جديرة بالانتباه والدرس والتفكير، بهذا صدق كبير ~~الحاضرين على رأي الأستاذ، وطلب إلى الجالس إلى جانبه أن يوضح لهم الأمر، وكان هذا عينا من ~~عيون وزير الميمنة، والكبير رئيس ديوانه وأمين سره. # فالتفت العين (أي الجاسوس) إلى الأستاذ، ووضح الأمر على الوجه الآتي: بلينا منذ بضع ~~سنوات برجل من السوقة يدعي أنه يعرف العلوم، ويتظاهر بالفلسفة والزهد والتقشف، ومنذ ~~سنتين بدأ الشبان يلتفون حوله ويتأثرون بأقواله، وقد اتصل بي أن بعض الشابات أيضا يجتمعن ~~إليه سرا، ويتلقن منه مع الشبان آراء سخيفة ما سمعنا بها، ولا طرقت على آذان أبنائنا ~~ولا أجدادنا الأولين، منها: أن الناس متساوون في الحقوق، ولا يحق لأحد أن يستعبد أحدا، ~~والشعب في نظره هو السيد، ولا يجوز أن يحكم إلا بإرادته ولمصلحته، وهناك كلمة كثيرا ما ~~يرددها وهي جديدة علينا، آه مالي قد نسيتها؟! إنها ... إنها على رأس لساني، إنها الديمو ... قرا ~~... طية، ويقول: هي حكم الشعب بإرادة الشعب لمصلحة الشعب، وهو يتوسع في أحاديثه في بيان ~~معانيها وأهميتها وعلاقتها بكرامة الإنسان، لدرجة يدوخ بها سامعيه، فتدور رءوسهم ويفقدون ~~حواسهم، فما قولكم بالشباب حين يسمعون هذه الأفكار المدوخة؟ ألا يكفيهم ما فيهم من دوخة ~~الشباب ودواره؟ سمعته مرة يتكلم فدار بي رأسي، وما عدت أعرف إذا كنت على الأرض أم في السماء ~~أم بينهما، إنه خطيب قوي العارضة، فصيح اللسان، جريء الجنان، صريح لدرجة الجنون، ولا أنكر ~~عليكم أنني كدت أفتتن به، ولكن حبي للمليك ولوزير ميمنته حفظاني، والشكر لله ولحبهما من هذا ~~السخف الذي يؤدي - ولا شك - إلى الجنون، فهذان الشابان ~~هما دون ريب ممن فتنهم رجل السوء وأفسدهم، أما أنا ms019 فلم أعد إليه بعدها أبدا، وصرت أستقي ~~أخباره من الناس ولا سيما من الشباب. # وما انتهى الجاسوس من حديثه حتى شهق الجالس أمامه، وكان يستمع إليه بدهشة وجزع، وهو فاغر ~~فاه، واستعاذ بالله من هذا الضلال المبين، وإذا الأستاذ الجليل قد انقبض وجهه، وتربد ~~لونه، وأخذ يتمتم بعبارات وكلمات لم تفهم، ثم أفصح غاضبا حانقا فقال: إنها الشعوذة ~~المضللة والدجل المجرم، أسيادة الشعب يريد هذا الكذاب الجاهل؟ وهل يعني هذا سوى سيادة ~~السوقة والغوغاء؟ وهل بلغ الغرور في الشباب حد الانهيار حتى يسقط في هوة هذه المفاسد وهذا ~~الضلال؟ سيادة الشعب! سيادة الرعاع! وهل من سيادة صحيحة لغير صاحب الجلالة، وهو إنما يحكم ~~بالحق الإلهي، ويستمد القوة من ربه، ولا فضل عليه لأحد، ولا يسود بعده من الناس إلا من يريد ~~هو له هذه الرتبة من الأشراف والحكام، وهو ينزعها عنهم متى شاء، إن للكون إلها يدبره، وهو ~~ملك الملوك ورب الأرباب، ولكل مملكة ملك يدبر شئونها، وهو ربها بإرادة الله لا بإرادة ~~الناس، وهذا هو ولي النعم، ومالك رقاب العباد. الشعب، السوقة، الرعاع، الغوغاء، متى كان ~~لهؤلاء حق الكلام؟ إنهم جميعا عبيد الملك ورعيته، وليس لهم إلا ما يمنحون من قبله من ~~خير وحقوق، والله لولا التقى لقلت بما قال به الأقدمون: إن الملوك من أبناء الآلهة، بل هم ~~آلهة بالفعل، أستغفر الله العظيم. # وهنا وقف الأستاذ الجليل، والغيظ آخذ منه مأخذه، والتفت إلى الحاضرين متكلفا الابتسام ~~والهدوء وقال: اطمئنوا، فلن يطول أمر هذا الدجل، وسيكون لهذه الشعوذة الضالة نتائجها ~~المخزية، نعم، يجب أن نتعاون جميعا للقضاء على الدجالين المشعوذين، حفظا لنظام الدولة، ~~وصونا لهيبة السلطة والحكم، فانفرجت الأسارير، وكان وقوف الأستاذ إشارة إلى انتهاء المجلس، ~~فودعوه على الشكل الذي به استقبلوه، وأخذوا يسيرون القهقرى، إذ لا يليق أن يديروا ظهورهم ~~لهذا الجليل، إلى أن بلغوا باب القاعة، ومنه انصرفوا مأخوذين وفي نفوسهم أشياء وأشياء، بعد ~~أن انقلبت الشعوذة حقا والحق شعوذة، وتبدل الكفر إيمانا والإيمان كفرا، فسبحان محير ms020 ~~العقول! # | الفصل السادس # قال الراوي: خرج الناس سكارى من لدن ذلك الأستاذ الجليل وما هم بسكارى، ولكن تضارب ~~المتناقضات واصطدام الحق بالباطل والحقيقة بالشعوذة، ثم انتصار الباطل على الحق وفوز ~~الشعوذة، كل هذا بالحقيقة في تلك الجلسة، جلسة الإفك والرياء والنفاق، أضاع صوابهم، فشعروا ~~بخلل توازن التفكير في نفوسهم، وضاقت بهم بؤرة الشعور. # فالإنسان مهما بلغ به السخف والحمق والجهل، ومهما بعدت في منازعه الغايات والمآرب ~~والأهواء، يظل أمينا على نزعة الخير في إنسانيته ولو في سر فؤاده، وإلا كان استمراره على ~~السير بغرائزه الحيوانية أقرب لواقعه من سير إنساني يدفعه لبناء الحضارات والمدنيات، ولولا ~~هذه الخميرة في فطرة الإنسان لما اختمر في ثورة الحق على الباطل أي عجين. # والإنسان كائن عجيب، إنه غامض في نموه وفي تكوناته، وحياته في تعقد يستمر تزايد العقد به، ~~وفيه باستمرار تقدم الحضارة في مناحيه، فإن لم تتداركه الثقافة في أدق معانيها رجع القهقرى، ~~وانحرف في كل أموره وفي توازنه، فقد يتوازن في ذاته مع مجتمعه، وهذا هو التوازن المستقيم ~~المنقذ، وقد يتوازن في ذاته لذاته فيكون توازنه منحرفا، وهذا ما وقع للخارجين سكارى ~~مضطربين من دار الأستاذ الجليل، فإنهم في حين شعروا بخلل التوازن في تفكيرهم، لم يحاولوا ~~بلوغ التوازن المستقيم مع المجتمع الذي يحيون به وفيه، بل استقروا على توازن منحرف، وهم لو ~~حاولوا الاستقامة في توازنهم لاجتمعوا إخوانا يتعاونون على نصرة الحق والحقيقة وخذلان ~~الباطل والشعوذة، ولكنهم توازنوا مع فردية أنانيتهم، فتفرقوا زمرا متباعدة الأهداف ومختلفة ~~المنازع والغايات، فكان رئيس ديوان وزير الميمنة وجاسوسه زمرة انفصلت عن سائر الصحب، بعد أن ~~أجريت مراسم التوديع حسب الأصول، وكون المشدوه الذي شهق واستعاذ بالله زمرة ثانية مع بعض ~~الرفاق سارت في زقاق يتفرع عن تلك الطريق، ولم يكن رجل الزاوية وحيدا عندما انصرف ورفاق له ~~من زقاق آخر، وهكذا تعددت الزمر، وافترق الأصحاب وفي نفوسهم أشياء وأشياء، عبروا عن بعضها ~~في سيرهم، وهاك مقتطفات من تلك الأحاديث: لم يعلق أي منهم بكلمة على ms021 ذلك المجلس عندما خرجوا ~~مجتمعين، بل اكتفوا بابتسامات لها معانيها، وبتحيات تنم أوضاعها عن الحذر، فلم يكونوا يثقون ~~بعضهم ببعض لاختلاف المآرب والغايات، ولكن لم ينفرد الرفاق المتحدة أهدافهم نوعا، حتى ظهر ~~كثير مما تكنه هذه النفوس. # التفت رئيس الديوان عندما أحس بخلو الطريق، وسأل رفيقه عن رأيه بالأستاذ الجليل. ~~- إنه ذكي ولا شك، ولكني لا أستطيع تقدير درجة علمه، لأنني لست من العلماء، ولست من ~~الأتقياء الورعين ليتيسر لي الحكم على تقاه وورعه، فمثلنا ينخدع بهذه المظاهر، وبها قد تؤخذ ~~الشعوب، ولا سيما عامة الناس فيها. ~~- ليس هذا ما أردت يا غافل، أنسيت المهمة التي جئنا من أجلها؟ ~~- عفوا، إنك تقصد ما أوصانا به مولانا الوزير، إن الرجل ولا شك مشعوذ ذكي ودجال خطر، ~~يمكن استخدامه لمصلحة الوزير ولكن على حذر، ويجب أن نتصل حالا بمولانا الوزير لنعلمه بكل ~~شيء حتى يهيئ نفسه للاجتماع به صباح الغد، ولعلك أبلغته عن نية الوزير بزيارته؟ ~~- نعم، همست في أذنه بما أمر به مولاي الوزير. # وقد استمر حديثهما التحليلي الناقد حتى بلغا قصر وزير الميمنة، وسيكون له شأنه. # أما المشدوه الذي شهق فقد كان مأخوذا بتقى الرجل، وبحسن سمعته وبرصانته وبجهورية صوته، ~~وكان بعض رفاقه يوافقه ساخرا والبعض يبكته حانقا، ولم يكن بينهم من مخدوع غيره على ما ~~ظهر، ولكن الراوي يؤكد: إن اشتداد المناقشة كشف عن أن هذا المشدوه كان أخبثهم، وكان يحاول ~~أن يخدع رفاقه، حتى يتهيبوا الرجل فلا يطمعوا فيه، ليحتكر وحده نفوذ الأستاذ في مصالحه، إن ~~هؤلاء الرفاق كانوا جميعا من رجال الأعمال، وقد أثروا عن طريق تملق رجال الدولة ~~وأتباعهم وبإفسادهم، فهم يعرفون كيف تؤكل الكتف، وقد أسر كل من هؤلاء في نفسه خطة يستغل ~~بها نفوذ ذلك الأستاذ الجليل عند سنوح الفرص. # ولم يكن رجل الزاوية أقل خبثا من المشدوه، فإنه ما كاد ينفرد برفاقه في الزقاق الثاني ~~حتى قهقه طويلا قهقهات مختلفة الجرس، أتبعها بقوله: أتعرفون قصة الحق مع الباطل؟ فقالوا: ~~وهل للحق مع الباطل ms022 قصة؟ فأجاب: نعم، هي قصة لا يفتأ الناس يشقون بتمثيل أدوارها ~~المفجعة ما داموا في غفلتهم تائهين، وفي ضلالهم يعمهون، فاسمعوا إذا كانت لكم آذان البشر: ~~كان الحق تائها في البيداء، فخطر له أن يقصد مدينة من المدن العامرة عله يستقر فيها، ~~فامتطى حصانه الأبيض، وهو حصان مضمر لا شبيه له في الخيل قوة ونشاطا وجمالا، وبينما كان ~~في الطريق صادف إنسانا أغبر أشعث ذا طمرين، يوشك الضعف أن يقعده، ويكاد البؤس أن ~~يتمثل به، فرق قلب الحق لذلك الرجل العاجز الذليل المسكين، فسأله عن الجهة التي يقصدها، ~~فإذا هي المدينة ذاتها التي يتجه إليها الحق، فنزل عن حصانه وساعد الرجل على امتطائه شارطا ~~عليه، ولم يبق للوصول إلى المدينة سوى ساعتين، أن يركب ساعة واحدة، يترك بعدها الحصان ~~لصاحبه، فشكره الرجل ووعده بإنجاز ما اشترط. # مرت الساعة، لم يشأ الرجل النزول عن متن الحصان مدعيا أنه حصانه، وأنه ورثه عن أبيه، ~~واستغرب الحق أن يرى ذلك الرجل العاجز المسكين قد أصبح على ظهر الحصان قويا نشيطا ~~متمردا، وقد آلمه أن يسمع منه كلمات جارحة، يتهمه بها بالبغي والعدوان، وأوجع الحق في صميم ~~فؤاده أن ينهره الرجل طالبا إليه أن يرتدع عن محاولة اغتصاب ما ليس له. # تحير الحق في أمره، وسأل الرجل عن اسمه وعن حقيقته، فأجابه بزهو وكبرياء وصفاقة: أنا ~~الباطل، أعيش في كنف إبليس وبحمايته ورعايته، وليس للحق أن يدعي ما دمت حاضرا أي وجود ~~بله التملك، فما لك يا هذا تدعي أن هذا حصانك؟! إن الحصان لمن يمتطيه، خدعة حصل ~~عليه أم اختلاسا، وعلى كل، ألا ترى هؤلاء الناس الجالسين تحت الشجرة عند مدخل المدينة؟ ~~فمد الحق بصره وأومأ بالإيجاب، فصاح الباطل آنئذ: إنني رضيت بهؤلاء حكما بيني وبينك، فهل ~~تقبل؟ ارتاح قلب الحق لهذا العرض آملا في الناس إنصافا وخيرا، فأعلن القبول، وما كادا ~~يبلغان مجلس جماعة الناس حتى نادى الباطل بأعلى صوته: أفتونا أيها الناس المنصفون دون ~~مواربة ولا محاباة، وما سمع الناس كلامه ms023 حتى رفعوا إليه رءوسهم بآذانها وعيونها منتظرين ~~النص، فقال: من الذي يجب أن يمشي بين الناس؟ أهو الحق أم الباطل؟ فأجابوا جميعا دون تلكؤ ~~ولا تمهل: الحق هو الذي يجب أن يمشي. ~~- وهل يجوز أن يمشي الباطل؟ # فأجابوا بلهجة قوية جازمة: لا يجوز للباطل أن يمشي مطلقا. فالتفت الباطل إلى الحق، ~~وقال: أسمعت فتوى العادلين؟ لم يجد الحق للجواب مجالا، فصمت شاكيا إلى الله ظلم الناس، ~~وتقصيرهم في البحث عن حقائق الأمور واستهتارهم بالحق أينما وجد، فابتسمت الحياة، وطيبت ~~خاطره بقولها: سأنتقم لك فلا تحزن. # وهنا التفت رجل الزاوية إلى رفاقه وقال: أكنا في مجلسنا الأخير سوى ممثلين لوقائع هذه ~~القصة الفاجعة؟ ألم نؤخذ باللعب على الكلمات حين حكمنا على ذينك الشابين بالجنون، وعلى ذلك ~~العالم الناهض الباذل ذاته بالشعوذة والدجل تبعا لأستاذنا الجليل، صورة الباطل ~~المجسمة؟ # فاغتاظ الرفاق، وقالوا له: إنك تعلم أننا موظفون من أرباب المناصب، لا نستطيع إغضاب من ~~ينتمي للسلطان، ونحن إنما جئنا نزور الأستاذ الجليل لنتملقه طمعا باستغلال نفوذه، ولكنك ~~أنت أيها الواعظ العبقري ما لك سكت ولست من الموظفين؟ فابتسم ابتسامة صفراء وقال: إنني ~~أحاول أن أجد منصبا أعين فيه أحد المقربين. # | الفصل السابع # قال الراوي: كانت هذه الزمرة - زمرة الموظفين وأرباب المناصب - أوفر الزمر عددا؛ لأن ~~أصحاب المصالح من الناس يدورون في فلك الموظف، ويتملقونه نفاقا ورياء ما دامت لهم مصالح ~~ترتبط به، أو ما داموا يتوهمون إمكان الاحتياج إليه يوما، إنهم شمامون بارعون، لا تفوتهم ~~الروائح مهما لطفت، فيتجهون إلى حيث تقودهم روائح تلك المصالح، لا يلوون على شيء، ولا ~~يراعون للحياة ناموسا ولا للمجتمع حقوقا، إنهم يهزءون بالحقوق وبالنواميس وبالمثل ~~وبالقيم، فلا غرابة إذا ما كثر العدد في هذه الزمرة. # وقد كان بين هؤلاء رجل كهل ممن تعودوا الدوران في فلك الموظفين، ظل هذا الكهل صامتا كل ~~الوقت في مجلس الأستاذ الجليل، وفي أثناء المناقشة في الشارع، ولكنه لم يسمع تعليل رجل ~~الزاوية لسكوته باهتمامه بتعيين أحد المقربين، حتى ظهرت عليه ms024 بوادر الحدة، وقال: إنك تشبه ~~في موقفك هذا أبا حمشو، ذلك المرائي المداهن لا يفتأ محاولا استغلال سذاجة الناس، هنا حملق ~~الجميع بالرجل الكهل وقالوا: من هذا الأبو حمشو؟ فاستدرك أحدهم قائلا: يظهر أن لهذا الرجل ~~قصة، تشبه قصة الحق والباطل، فليروها لنا الصديق العزيز إذا شئتم وأراد، فأنصت الجميع ~~واقفين، وبدأ الرجل الكهل يروي القصة عن ابنه الشاب، عن أستاذه الحكيم، وهو الفيلسوف العالم ~~الذي ألصق به الأستاذ الجليل نعت الشعوذة وصفة التدجيل على الوجه الآتي: يحكى - والله أعلم ~~- أنه كان في إحدى القرى فلاح اشتهر بالتحمس والشهامة، وبالشجاعة والكرم، وبالغيرة والنجدة، ~~لكثرة ما يروي عن نفسه من حوادث غريبة ومن أفعال عجيبة، وكان يفتعل أوضاع الفتيان ~~(القبضايات) وطرق أحاديثهم، ويصطنع لهجاتهم وحركاتهم برشاقة ومهارة وعنفوان، فهاب أهل تلك ~~القرية، وكلهم من السذج البسطاء، الذين يصدقون كل شيء، ويؤمنون بكل شيء، أبا حمشو هذا، ~~وخشوا سطوته، ورجوا نجدته وكرمه، فاختاروه شيخا للضيعة، لم يكن أبو حمشو غنيا ولكن ~~الاعتقاد السائد في القرية هو أنه لو كان غنيا لكان أكرم الناس. # قصد القرية جماعة، انتدبتهم إحدى الجمعيات الوطنية الخيرية لجمع التبرعات باسمها؛ لتحقيق ~~مشروع وطني جليل، فكان من الطبيعي أن يقصدوا دار الشيخ أبي حمشو، وقد أصبح مشهورا في ~~المنطقة؛ ليجمعوا فيها وجوه الضيعة وأغنياءها، وهكذا كان. # اجتمع الأهلون في تلك الدار المتواضعة، وأراد أحد المندوبين ممن يعرفون أبا حمشو، أن ~~يحمسهم بإثارة حماسة شيخهم ونجدته؛ فوجه إليه الحديث سائلا: عرفت - أيها الشيخ أبا ~~حمشو - بالكرم والنجدة والشهامة وبالغيرة على المصالح الوطنية، فلو كنت تملك ألف ليرة ~~ذهبية، وكان هناك مشروع وطني جليل، أفلا تتبرع لهذا المشروع بنصفها؟ # لم يسمع أبو حمشو كلام السائل حتى تواجد متمايلا والدموع تكاد تطفر من عينيه رقة ~~وحنوا، ثم قال: بل أتبرع بها كلها، ألسنا للوطن؟ وأي خير ننتظر إذا لم يكن الوطن بخير؟! ~~وما فائدة المال إذا كان الوطن متأخرا؟! حياتنا للوطن، يحيا الوطن. # صفق الجميع لأبي حمشو، وأخذوا يهزون رءوسهم، وشفاهم تفتر ms025 عن ابتسامة الإعجاب، وكأنهم ~~يقولون متباهين: لم يخب ظننا بالشيخ. # أثر جواب أبي حمشو بالمندوبين فتحمس مندوب آخر، وسأل أبا حمشو بقوة وشدة: ولو ملكت قصرين ~~عظيمين واحتاج الوطن لأحدهما فماذا تفعل أيها الوطني الغيور؟ ~~- أقدم القصرين، وهل لنا عز إلا بعز الوطن؟! ومن يقدم حياته لوطنه لا يبخل ~~بالقصور. # فازداد الإعجاب، وازداد التصفيق، واشتد الهتاف بحياة أبي حمشو الشهم الجواد. # وما زالت الأسئلة المماثلة تتوالى، وأجوبة أبي حمشو لا تتبدل بل تزداد قوة بنسبة ازدياد ~~الإعجاب والتصفيق والهتاف، إلى أن خطر لأحدهم، ويظهر أنه لم يكن من المؤمنين بما يبذل ~~الشيخ، ولعله كان خبيثا من الأذكياء، فسأله: ولو كنت تملك عشر دجاجات سمان، واحتاج الوطن ~~لدجاجة منها، فهل تمتنع عن العطاء؟ # هنا وقف الشيخ أبو حمشو حانقا، وقال: والله لا أتبرع ولا ببيضة من بيضها، يا هؤلاء، أرى ~~أنكم لصوص تحاولون سرقة أموال الناس، فتعجب الحاضرون لا سيما عندما رأوا أبا حمشو يزداد ~~انفعالا وغضبا، وسأله أحدهم قائلا: كيف تبرعت بالليرات الذهبية وبالقصور والضيع ~~والكروم، ولا تتبرع ببيضة دجاجة من عشر دجاجات؟ # ابتسم الشيخ أبو حمشو ابتسامة صفراء مرة، وأجاب: إنني لا أملك الليرات ولا القصور ولا ~~الكروم ولا الضيع، فأتبرع لكم منها بقدر ما تشاءون، أما الدجاجات العشر فإنني أملكها ~~وأستفيد منها، فهل أنا مجنون حتى أتبرع ببيضة من بيضها؟ # لم يصل الكهل إلى موقف أبي حمشو على الوجه المبين آنفا حتى التفت إلى رفيقه الواعظ ~~قائلا: وهل من فرق بينك وبين أبي حمشو هذا في موقفك منا؟! إنك تتألم لانخذال الحق وانتصار ~~الباطل، ثم لا تتورع عن السير في ركاب الباطل عند أول بادرة تتعلق بفائدة ترجوها لأحد ~~المقربين؟ وأبو حمشو تبرع بكل ما لا يملك على وفرته، ثم تراجع تراجعا مخزيا عندما توهم ~~إمكان التبرع بما يملك على ضآلته، فما هو الفرق بينكما؟ # فاندفع آخر من الرفاق، وقال: لا تختلفا فيما بينكما، ولنكن منصفين، فكلنا أبو حمشو، ~~نتاجر بالكلمات، ويخدع بعضنا بعضا بسحر الألفاظ والحروف، وكل ms026 يفتش عن صيده. # كل من في الوجود يطلب صيدا # غير أن الشباك مختلفات # هذه هي الحياة، وهذا هو الإنسان الحي. # فلم يقبل الكهل الصامت كلام هذا الأخير على علاته، فأوضح المشكلة بقوله: صدقت في قولك: ~~«كلنا أبو حمشو»، ولكنك أخطأت في اعتقادك أن هذه الحالة هي ناموس الحياة على إطلاقها، وأنها ~~هي التي تعبر عن إنسانية الإنسان في مطلق وجوده؛ إن للحياة نواميس، بها تتم النهضات، ~~ونواميس بها يتحقق الانهيار، ونحن الآن في دور انهيار مخيف، مظهره هذه السجايا والصفات، ~~والخطر محدق بنا إذا استمرت هذه الحالات مسيطرة، نتلهى بتعليلها لنجد مبررا لها، وشداد ~~على الأبواب. # ما لك لا تذكر حالنا عندما نزعنا عن أعناقنا نير هذا الملك؟ أكنا نتاجر بالكلام، ونخدع ~~الناس بتزويقه، ونأخذهم بسحر ألفاظه وحروفه؟ والله، لو كان أمر الأمة في ذلك الدور كما تقول ~~لما نزع عنا نير، والآن نحن مهددون بعودة هذا النير إذا لم نعد لسجايا النهضة وأخلاقها، ~~ولا منفذ لشداد إلينا إلا بسجايا أدوار الانهيار. # لم يخلق الإنسان عبثا، وللحياة فينا أهداف، لا تطمئن نفوسنا إلا بها، إنها تستهدف ~~مثلا عليا وقيما سامية ما خلق الإنسان إلا لتحقيقها في تفاعله مع مجتمعه؛ لسعادة ذلك ~~المجتمع، فتتحقق سعادته بسعادة الآخرين، هذه هي غاية الغايات في تطورات الحياة، وهذا هو ~~الهدف الذي يجب أن يرمي إليه الإنسان في استكمال إنسانيته وحضارته، فإذا ما انحرف عنهما، ~~انتقمت منه الحياة، فيبتلى بالاضطراب والبلبلة في تفكيره وشعوره، وتتكون في نفسه وفي ~~مجتمعه أزمات يختل معها التوازن، ولا ينقذه منها سوى اختمار نفسه الإنسانية بخميرة مجتمعه ~~ليستعيد توازنه، وإلا اضطر لإعلان إفلاسه، فيكون كالساعي إلى حتفه بظلفه. # وإنني أرى أننا بين تيارين: تيار صالح باستطاعته إنقاذنا، وهو التيار الذي يدفعنا به ذلك ~~الأستاذ الحكيم لننهض، وتيار فاسد نخشى أن يعيد النير إلى أعناقنا، هو تيار الشعوذة، ينضم ~~لتأييدها وتقويتها هذا المشعوذ الذي تلقبونه بالأستاذ الجليل، وما هو إلا دجال مكار، أنقذنا ~~الله من شره وبلائه! # وهكذا تفرق الرفاق كل ms027 إلى منزله بعد نقاش وحوار وجدال، لم تسفر نتائجها عن أية خطة ~~مشتركة أو تصميم جدي، سوى ما قرره كل فرد في نفسه ولنفسه. # فسبحان من أودع في كل قلب ما أشغله! # | الفصل الثامن # قال الراوي: لم يخرج المجتمعون من دار الأستاذ الجليل حتى تنفس التلميذ الشاب الصعداء ~~بتنهد عميق، قهقه له الأستاذ قهقهة طويلة داوية، ثم التفت إلى تلميذه قائلا: ما لك ~~تتخذ وضع من ألقى حمله الثقيل عن عاتقه؟ ألهذه الدرجة ثقلت على نفسك هذه الأحاديث؟ فما أشد ~~ما أزعجك مجلس هؤلاء الوجهاء الكبار! قال الأستاذ ذلك، وأثر القهقهة لا يزال مشعا ~~على وجهه بابتسامة عريضة شجعت التلميذ على أن يلقي عليه هذا السؤال: قل لي بربك: أي باب ~~من أبواب السحر ألقيت اليوم على هؤلاء الناس، حتى تبدلت السماء غير السماء والأرض غير ~~الأرض؟! عهدي بك قبل اليوم تبذل الجهود الجبارة، وتستخدم وسائلك السحرية على اختلافها؛ ~~لتتصل بواحد من هؤلاء، وقد تنجح وقد لا تنجح، وإذا نجحت فكنت تتملقه أكثر مما يتملقك حتى ~~تستولي عليه بعد طول زمن، فتستبد به، وتبتز ماله وقلبه وضميره، فماذا حدث في أقل من نهار ~~فارقتني فيه، حتى جاء كل هؤلاء يتسكعون على أعتابك، ويحرقون لك بخور التذلل والإعجاب ~~والإكبار دون حساب؟ # هنا أرسل الأستاذ الجليل قهقهة ثانية كانت أشد دويا من الأولى، ثم جلس على مقعده ~~المتواضع مفرشخا رجليه، مسترخيا في وضع جسمه ويديه، شأن من يستريح استراحة الظافرين بعد ~~الجهاد والكفاح والعناء، ثم التفت إلى تلميذه المشدوه وقال له: يا لك من غر جاهل! أنسيت ~~مقدرة أستاذك وخبرته الواسعة في العلوم الروحانية، وما يستخدمه من جنود العالم التحتاني ~~وملوكهم؟ ما لك! ألا تذكر عوالم الأفلاك، وقد حدثتك أنها تساعدني بما أستحضره من أرواحها؟ ~~أتتناسى شمشريخة وشمشروخ، وبخبخانة وبخبخون، والزوبعانة والزوبعون، والزعزعانة والزعزعون، ~~وتلك الداهية الحيزبون، والمارد المأفون وشياطين الجنون؟ ما لك تتباله؟ هل تستعظم ما ~~رأيت على من يسيطر بسحره على ملوك الجان جميعا من أحمر وأصفر وأبيض وأسود وأزرق ms028 وأخضر ~~ومن سائر الألوان؟ ألم أسمعك يوما صوت الملك الأصفر وحديثه، واعدا إياك بأن أجمعك يوما ~~بكل هؤلاء؟ # ارتبك التلميذ واضطرب، وأكد لأستاذه أنه لم ينس شيئا من كل تلك الدروس التي تلقاها، ~~وأنه على أحر من الجمر، في انتظار اتصاله بعوالم الأفلاك والجان والمردة والشياطين ~~والأرواح، ولكنه مدهوش من تلك السرعة؛ سحر بها هؤلاء الناس، فهو يتساءل عن أبواب السحر التي ~~ألقاها ليستفيد ويتعلم، ولا ينكر على أستاذه قدرته وسلطانه. # ولم يتم التلميذ حديثه هذا حتى ظهرت عليه بوادر الخوف، وأمارات الاضطراب خشية من غضب ~~الأستاذ، وهو لا يريد إغضابه لأمر يخفيه، فليس من مصلحته إذن أن يقوم بما يجافيه، على الرغم ~~من شدة معرفته بسوء مآتيه، وستبدو الحقيقة في سياق هذه الحكاية لمن يلقي سمعه، ويفكر بتأمل ~~وشعور، لذلك كله أخذ التلميذ يعتذر، والأستاذ يزور عنه حينا ويلين حينا آخر، ثم يتجهم ~~ويزبد ليبتسم ابتسامة صفراء يعقبها بتأمل مريب، وهي أحوال تعودها التلميذ، وتبدو من ~~الأستاذ كلما توهم في تلميذه ترددا أو ارتيابا، إنه يريد منه إيمانا صادقا لا شائبة ~~فيه، وهذا ما أكده الشاب مقسما الأيمان على إيمانه بمآتي أستاذه، وأنه إنما يريد الإفادة ~~من علومه بأسرع ما يمكن، فإن الشوق لمعرفة تلك الحقائق يكاد يحرقه ويضنيه. # فافتر ثغر الأستاذ الجليل عن ابتسامة اطمئنان ورضى. وربت على كتف تلميذه مشجعا، ~~وأنبأه عن تلك الأبواب التي سأل عنها بما يأتي: قلت لك: إن أبواب السحر كثيرة، نستعمل ~~منها ما يقتضيه الحال، وقد ألقيت اليوم على الناس وعلى مليكهم أبواب الدهشة والغفلة ~~والانجذاب، فأصبحوا على ما سمعت ورأيت يصفقون ويهتفون، ولا يعلمون شيئا عما تنطلق له ~~حناجرهم، ويجهلون كل شيء عما يستخدم في العوالم الخفية لتحريك أيديهم وتوجيه عيونهم ~~وقلوبهم، إنها الغفلة، وهم تائهون لا يستطيعون لحماستهم هذه دفعا، وهم بذلك كله وبأبواب ~~غيرها من السحر أستعملها بعد حين، يهيئون للباب الأعظم في سحرنا وهو باب الصرعة، # 1 # باب يغيبهم عن ذاتهم، فيستسلمون به لإرادة الساحر استسلاما كليا، فلا ms029 ~~يخالفون له أمرا، ولو أدى بهم ذلك إلى الهلاك، وسأرسل للملك في هذه الليلة شياطين الوهم؛ ~~فيصبح في خلوة الغد أطوع من بناني برفق وحكمة، إذ يتعذر صرع الملوك لهيبة السلطان، ولكن ~~الوهم أشد فعلا في نفوسهم، وأقوى تأثيرا في قلوبهم من باب الصرع في السوقة، إلا أنه يتطلب ~~كثيرا من الحنكة والذكاء، وسترى إذا صبرت وتريثت العجب العجاب. # قريبا وقريبا جدا ستتبدل هذه المقاعد الخشبية القاسية المتواضعة، فتصبح وثيرة من ~~الأبنوس والذهب، وسترى عليها وعلى أرض الدار والغرف مساند الديباج وطنافس الحرير الموشاة ~~بالفضة والذهب، شأن الملوك العظام، نعم، سأصبح الملك غير المتوج في هذه البلاد، وهنا تحرك ~~صدره بتنهد الجشع الطماع، ينتظر لمآربه الفوز والنجاح، وغرق في تأمل عميق تهيبه ~~التلميذ، ثم رفع رأسه بتؤدة ووقار، وثبت عينيه في عيني تلميذه وقال: نعم، سأكون ملكا غير ~~متوج، وستكون إذا صبرت وصدقت من وارثي مغانم هذا الملك، وستنتقل أمجاده فيك وفي أولادي ~~وسائر تلاميذي إلى الأحفاد إلى الأبد، إنني لا أرغب في التاج، فسأتركه للملوك وأبنائهم، ~~سأتركه على رءوسهم وسيلة أتلاعب بها بعقولهم، وأسيطر بها على قلوبهم، إنهم يتعشقون التيجان، ~~فليهنئوا بها، ولتظل قلوبهم متعلقة بها؛ لتشعل نفوسهم بها، فنتمتع نحن بالخيرات، وننعم نحن ~~باللذات والمسرات، نجمع الثروات والأعوان، ونخضع الناس، ونسخرهم لمتاعنا على حساب خوف ~~الملوك على تيجانهم، إنهم يحبون التيجان حبا جما، فليحتكروها، فإنها من أشد القوى التي ~~تستخدمها شياطين الوهم، وبها تهيئ الملوك لسائر أبواب السحر، ولباب الصرعة في كثير من ~~الملابسات، إنني لن أزاحم الملك على تاجه، ولعلي أقدم له تاجا آخر أرسله مع الوهم، لم ~~تكن التيجان تتعلق بها قلوب الملوك سوى وسيلة قوية من وسائل نجاح أمثالنا، ممن يعرفون كيف ~~يغتصبون متع الحياة اغتصابا على رفاة المغفلين من الناس والمغرورين المخدوعين من الملوك، ~~اصبر وآمن، واصدقني الخدمة تكن أسعد الناس، فكن مطمئنا. قامت في نفس التلميذ هواجس ~~وهواجس، ولكنه التفت إلى أستاذه، وقال: آمنت وصدقت بجميع ما تقول، ولكن لم تنبئني عن شأنك ms030 ~~مع شداد، ذلك الملك الجبار الواقف على الأبواب، والمتربص شرا بالملك، وبما في مملكته من ~~رعية وعبيد؟ فقهقه الساحر قهقهات متقطعة قوية، قه، قه، قه، قه، ثم قال لتلميذه: إنك لغبي ~~مغفل، وهل لمن له طموحي ومآربي أن يفكر في من يملك على البلد؟ # ما الفرق عندي بين ملكنا وبين شداد؟! ليحكم البلد من شاء وكيف شاء، فالمهم أن أتسلط على ~~قلوب الناس، ومتى أصبحت قائدا لعقولهم موجها لقلوبهم، يحتاج إلي صاحب التاج سواء أكان ~~ملكنا هذا أم شداد أو غيره، لا تخش من الملوك من يتعلق بالتاج، ما دمت ذكيا تعرف كيف ~~تتلاعب بالألفاظ، وكيف تلقي في السحر أبوابه، وتخضع السوقة من الناس بصرعهم، إنما يخشى ~~أمثالنا الملوك الزاهدين ببريق جواهر التيجان المحبين لرعيتهم العاملين على مصالحهم بالعدل ~~والإنصاف، فإذا ما ارتبطت الرعية بملكها بروابط تبادل الحب واحترام المصلحة العامة، وتحقيق ~~الحرية والعدل بطل السحر والساحر، ولم يعد لأرباب المطامع والمآرب منا أي ميدان ~~للجولان. # دهش الشاب، فلم يستطع صبرا، فسأل أستاذه عن السبب الذي يمنعه من إصلاح حال الملك، ومن ~~العمل على إعادته لما كان عليه من عدل وتحرر، بإنقاذه من آفة تلك الوسوسة؛ فيرتاح وترتاح ~~رعيته، ويعود لسابق عهد زاهر، يمكنه من الظفر على خصمه ومن إسعاد رعيته، ألا تذكر يا ~~مولاي، كيف كان الناس في ذلك العهد؟ فإن آباءنا يخبروننا بما سعد به آنئذ الناس، ونحن ~~الشباب لا نزال نتذوق تلك الغبطة والطمأنينة التي كانوا يتمتعون بها في تلك العهود، فلم ~~لا تعود؟ أتعجز عن القضاء على الفساد لإصلاح العباد، وأنت العالم النحرير، والخطيب ~~القدير، والمعلم الخبير، أليس للعلوم الروحانية اتجاه لخير الناس؟ ولما لمح بوادر الغضب ~~على وجه أستاذه، تدارك الأمر حالا، وقال: اعذرني، فإنني طالب علم، يحاول أن يفهم دون أن ~~يكون لهذه المحاولة أي أثر في إيمانه بأستاذه، وأي تأثير في خضوعه لسلطانه، فابتسم الأستاذ ~~دون أن يتبدل اربداد لونه، وأجاب تلميذه بقوله: ألهذا جئنا يا أحمق؟ إنك أبله مغفل حقا. ~~فلم يجد ms031 التلميذ مهربا من أن يؤيد أستاذه في قوله، فاعترف بحمقه وغفلته، وأنه إنما هو ~~بمعيته ليكشف له عن بصيرته. # فارتاح الأستاذ الجليل لقوله، وأمره بأن يساعد الخادم بتحضير العشاء؛ لأن الجوع أخذ منه ~~مأخذه، فلا يستطيع إكمال الحديث، فلينتظر إلى ما بعد العشاء. # | الفصل التاسع # قال الراوي: لم يكن في منزل الأستاذ الجليل غرفة خاصة للطعام، فأحضر إليه طعامه وهو في ~~القاعة على طبق من قش، وضع الخادم الطبق على أرض القاعة وفي وسطها، ثم نظر إلى الأستاذ نظرة ~~المتسائل عما يأمره به بعد، فأومأ إليه بالانصراف بعد أن تحقق بنظرة ألقاها على الطبق، بأن ~~كل ما يحتاج إليه لعشائه حاضر أمامه، انصرف الخادم بعد أن رد الباب وأحكم إقفاله؛ إن ~~الأستاذ يتأذى من أن يراه أحد حين يأكل، فهو شره نهم يتناول الأكل بعينيه وبفمه ~~ويديه، ويكاد يأكل بحواسه جميعا وبكل جسمه، ليتك كنت تراه يمضغ الطعام ويتلمظه ساهبا، ~~يوشك أن يغفو على الطبق، لولا أن يوقظه فراغ فمه ... أطنب الراوي في وصف إفراطه في شهواته ~~وملذاته، في أكله وشربه، وفي أطماعه واستشراف نفسه لدرجة تجعلني أذكره كلما ذكر راسبوتين، ~~وكلما فكرت في أمر الكثيرين من ذوي الأطماع المتكالبين، أولئك هم الذين لا يحللون ولا ~~يحرمون في محاولات سعيهم لتحقيق موضوع الطمع في نفوسهم، إنهم لا يأبهون لما يلحق الآخرين ~~بجريرتهم من أذى، ولا يكترثون لما تمنى به الأمة من نكبات بسبب ما يعملون على تحقيقه من ~~مآرب ذاتية وأطماع، ومن أهداف شخصية وشهوات، إنهم أشرار مجرمون، يتمثلهم عامة الناس عندنا، ~~وقد ابتلاهم بهم الزمن، بمن لا يتورع عن أن يلهب البلد ليشعل سيكارته، والشره في الجاه ~~كالشره في الأكل والشراب، بل هو أشد فتكا في الأمم، ونهم المال والمناصب أدعى إلى ~~النكبات في المجتمع من نهم البطن وشهواته. # وكأني بالحياة في نقمتها على المجتمع الغافل عن ذاته، وعلى الأمة الغائبة عن حقيقتها، ~~وعلى الإنسان الهازئ بإنسانيته وبمثلها تنتقم، فتسلط على الغافلين والغائبين والهازئين ~~شرورا، تتمثل بالشره والنهم على ms032 أنواعها وفي مختلف الأشكال، ولعلها اجتمعت كلها في ~~هذا الأستاذ الجليل. # بهذه المعاني وبما يشابهها كان التلميذ يناجي نفسه وهو في انتظار أستاذه، بعد أن تناول ~~طعام العشاء مع خادم المنزل، إنه شاب متوثب، ديمقراطي الروح، وعميق التأمل، يؤمن بآراء ذلك ~~الرجل الحكيم وأقواله، وقد تغذت بها نفسه، حتى أصبحت في صميم فاعليته تفكيرا وشعورا ~~وسلوكا، وهو إذا ما دارى الأستاذ الساحر وواربه؛ فلأنه صمم على أن يرد كيده إلى نحره، آمن ~~بدهاء أستاذه وبسعة اطلاعه وذكائه، كما آمن بخبثه وفساد طويته ونواياه؛ فأصبح يخشى على ~~الأمة من مناوراته الخائنة، ومداوراته الماكرة، ومؤامراته الدنيئة، وما علم بعزمه على ~~الاتصال بالملك في عاصمة ملكه، حتى أدرك كل شيء، فتوسل إليه أن يصطحبه، آملا أن يرد عن ~~الأمة تلك النكبات، وقد يبيتها لها ذلك المشعوذ إشباعا لشرهه وتحقيقا لمأربه وجشعه. ~~وللشباب وثبات، كثيرا ما أنقذت المجتمع من ويلات، ونجت الأمم من مهالك، وكم كان لهذه ~~الوثبات من فضل في إنقاذ الأمم من مزالق الانهيار، وفي إعادتها إلى ميادين التقدم، لتستمر ~~في ارتقاء سلم الحياة، ناهضة مستبشرة، لا تخشى الدجل، ولا تخاف الشعوذة، فهنيئا لأمة تتحقق ~~فيها وثبات شبابها، وتعسا لمجتمع تكبت فيه تلك الوثبات الخيرة. # غاب الشاب في تأملاته عما حوله حتى أيقظه دفع الأستاذ لباب القاعة، وخروجه خروج الظافر، ~~يتلمظ بقية طعام في فمه، ويسرع إلى غسل يديه، عاد الساحر بعد ذلك كله إلى مقعده الأول، ~~ونادى تلميذه، وابتسم ابتسامة من يتذكر استخفافا يريد أن يدفعه فقال: سألتني عن أبواب ~~استخدمتها اليوم، ولم أكن لأستخدمها في استمالة أفراد أتملقهم، وهل التملق سوى باب من ~~أبواب السحر، يستخدم في استمالة السذج؟ وهم ليسوا جديرين بتلك الأبواب القوية لأنهم ~~سخفاء. إن استحضار الجن والأرواح والشياطين وإلقاء ما اشتد وقوي من الأبواب، إنما يكون ~~في هذه الأحوال المعقدة والأطماع الكبيرة، وإلا فتجارة الساحر خاسرة، وليس من السهل أن يجمع ~~الساحر كل قواه في جميع الأوقات. # هنا تنهد الشاب، وقال: ومتى تفي بوعدك، فأرى تلك ms033 الأرواح والعفاريت وأكلمها؟ فأجابه ~~الأستاذ: لم يكتمل إيمانك بعد، ومتى اكتمل ترى العجائب، وتخضع لك القوى. وليتخلص الأستاذ ~~من إلحاح تلميذه وإحراجه حول حديثه إلى موضوع آخر، فسأله عما لديه من أخبار ذلك الفيلسوف ~~وأحاديثه وأحواله؟ ~~- إنني ما زلت أواظب على حضور دروس هذا الأستاذ كما أمرتني، وهو لا يزال يتوسع في مباحث ~~المساواة بين البشر مفضلا مناقشة الشباب بإثارة المواضيع لينمي فيهم أصالة ~~التفكير. # الأستاذ ~~: # ألا يزال ينشر فكرة مساواة السوقة بالأكابر وبالملوك؟ يا له من وقح يجب تأديبه! ~~ويريد فوق ذلك أن يجعل للغوغاء تفكيرا أصيلا، وشعورا ينبثق عن الذات، وسلوكا ~~يختاره عامة الناس، فلا يوجهون ولا يقيدون بتقاليد وعادات، فرضها علينا ~~التاريخ، وأوجبها ما بين طبقات الناس من فروق وامتيازات، إنه لمجرم خطر، يستحق أقسى ~~أنواع العقاب، وسيكون لي معه شأن وأي شأن. قل لي، أيكثر مريدوه أم يقلون؟ # التلميذ ~~: # إنهم يزدادون باطراد. # س ~~: # هل هم من الجيل الطالع الجديد؟ أم من الجيل السابق القديم؟ # ت ~~: # ليس بينهم شيوخ، وقلتهم من الكهول، وكثرتهم من الشباب، شابات وشبانا. # س ~~: # وهل لا يزال يجمع بين الجنسين؟ يا ويله من عذاب أليم! إنه يفسد على الأمة شبابها، ~~وسيناله جزاء المفسدين، الآن وجدت نقطة الضعف في دعوته، وسأضرب فيه موضع الضعف، ولن ~~تقوم له قائمة. قل لي، أترى أن للشابين الوقحين صلة به وبتعاليمه؟ # ت ~~: # إن يكونا من انصرف إليهما ذهني في أثناء البحث في شأنهما في جلسة من عبرتم ~~عنهم بالشمامين، فهما من ألمع شباب حلقة الفيلسوف ولا شك. # س ~~: # تفاقم الشر إذن، واستفحل الفساد، وسينالهما أقسى العقاب. # وهنا أخذ التلميذ يداور أستاذه؛ لينقذ الشابين، وهما من أعز أصدقائه، ينسجم معهم ومع رفاق ~~لهما في التفكير والأهداف، فقال: # ت ~~: # أمن الحكمة يا مولاي أن تعرض أهدافك لخطر الإيقاع بهما، وهما من ينتصر لهما عدد ~~كبير من شباب يؤمنون بما يؤمنان؟ # س ~~: # كأني بك قد انحرفت يا أهبل! # ت ~~: # كلا، بل مصلحتك أريد، أليس من الخير أن نربح هذين الشابين، فنربح ms034 بذلك ~~الكثيرين، ممن يعجب بهما من الناس؟ لم لا يكونان عتيقي فضلك؟ # س ~~: # أدركت ما تريد، وسأتأمل مليا في الأمر، إنك - ولا شك - من أخلص التلاميذ، فمرحى ~~لتفكيرك المستقيم. # امتلأت نفس التلميذ سرورا، وقد نجح في محاولة إنقاذ رفيقيه، فاتسع أمله في إمكان إنقاذ ~~الأمة من شرور الدجل والشعوذة، وأراد أن يختبر أستاذه أو أن يعجزه، فوجه إليه بهيئة ~~المؤمن المعجب هذا السؤال: ولم لا تخلصنا من دجل ذلك الفيلسوف ومن شعوذته بإلقاء بعض ~~أبواب سحرك العظيم؟ أرسل جندك من الجن والشياطين، أرسل هامان ومامان، وجهبورا وسنهار، ~~وسلط عليهم شمشريخا وهيدرون ومن لف لفهم من المردة والعفاريت، فينقذوننا منه ومن ~~أتباعه وتنجي من شروره الناس أجمعين. # س ~~: # آه آه! إن هؤلاء المفكرين إذا أخلصوا في تفكيرهم، يبطلون أفاعيل السحر، ~~وتهابهم الجن والشياطين، وقد جربت فرأيتهم يفرون منه حتى خفت على نفسي من أن ~~ينقلبوا علي، ويفتكوا بي لما أصابهم من رعب وذعر، سألقاه بذاتي رجلا لرجل، وسأعتمد ~~عليك كل الاعتماد. # ت ~~: # حسنا تفعل، وأنا على استعداد تام للعمل، ولكني ما كنت أظن أن يكون للعلم كل ~~هذا التأثير. # س ~~: # ليس التأثير للعلم في ذاته، فإنه بذاته قد يكون وسيلة من وسائل السحر، وعبدا ~~لشياطين الجان، ولكنه الفكر، لا قوة فوقه، إذا ما غذاه العلم والتأمل. # وهنا وقف الأستاذ وقال لتلميذه: أرى أن نكتفي الآن، وأن نريح الجسم من عناء اليوم ~~بالنوم، وانتبه صباح الغد لموعد مجيء وزير الميمنة، ذلك الشمام الكبير. # ت ~~: # ولكنك لم توضح لي صفات هؤلاء الشمامين. # س ~~: # إلى سهرة الغد تصبحون على خير. # | الفصل العاشر # قال الراوي: هذا ما كان من الساحر المشعوذ الأستاذ الجليل في تلك العشية الحافلة، وأما ما ~~كان من أمر الملك - وقد تركناه على موعد مع رجال دولته، وهم من خلص أتباعه؛ ليستقصي أعمال ~~أولئك الخاصة الخونة، يعملون لشداد، الملك الجبار المقهور، ويثيرون أطماع ابن أخيه ~~بالعرش، وهو شاب مسرف مستهتر؛ فإنه لم يكد الساحر يغادر القصر، وقد راقبه الملك من شرفة ~~القاعة ms035 يسير سيره الوئيد إلى أن بلغ الرتاج، حتى استدعى رئيس الحجاب، فسأله عمن في قاعة ~~الانتظار، فأعلمه بوجود أعضاء المجلس من وزراء وأمراء وحكام ومستشارين، يختارهم من بين ~~الخلص من رجاله وأرباب دولته، بعد أن يتحقق أنهم من أبناء الحلال، فأمر بإدخالهم، فدخل ~~هؤلاء العظماء متتابعين حسب المراسم المتبعة، وقد حياه كل منهم بالتحية الملكية واضعا يديه ~~على صدره بشكل متقاطع؛ اليد اليمنى إلى اليسار واليسرى إلى اليمين، مع انحناء طويل قد يبلغ ~~السجود، ثم وقفوا جميعا برهة، أمرهم الملك بعدها بالجلوس، فجلس كل واحد في مقعده، وساد ~~سكون عميق رهيب، وهم متهيئون لاستماع ما يقوله الملك. # طال صمت الملك، فأخذوا يتخالسون النظرات، وكأنهم يتساءلون عن الأمر الخطير الذي شغل ~~الملك، واستولى على تفكيره وتأمله، ولا أحد من هؤلاء العظام تجاسر على تعكير هدوء هذا الصمت ~~المخيف بكلمة، إنه الملك وكلهم عبيد، هكذا كانت روح ذلك الزمن، وما زالت رءوسهم مخفوضة إلى ~~الأرض، حتى سمعوا أخيرا صوت الملك يقول: أسعدتم مساء، فأجابوا جميعا بصوت واحد أشبه ما ~~يكون بالهتاف: أسعد الله مساء مولانا صاحب الجلالة، فسعادتنا بسعادته. ثم عاد الصمت قليلا، ~~فتح بعده الملك الحديث بقوله: هل من جديد؟ وكان على وزير الميمنة أن يجيب أولا حسب تقاليد ~~الزمن، سواء أكان على علم بالحقيقة أم لم يكن، فقال: لا جديد إلا ازدياد تعلق الشعب بمليكه، ~~وتشدد الأمة في إخلاصها لعرش جلالتكم المفدى، فنحن - حكومة وشعبا - ندعو دائما وأبدا ~~بدوام ولي النعم ومالك الرقاب في عزه ورفاهه ومجده. # الملك ~~: # وهل الناس مطمئنون إلى حقوقهم، مرتاحون لأعمال الحكام والقضاة؟ # وزير الميمنة ~~: # كل الاطمئنان وكل الراحة، وهل يكون غير ذلك وجلالة ولي النعم لا يفتأ يعنى عناية ~~خارقة في اختيار الحكام والقضاة وسائر العمال من أبناء الحلال. # م ~~: # وما هي أخبار شداد؟ وإلى أي حد وصل طموح ذلك الشاب المسرف على نفسه ~~بالعرش؟ # و ~~: # ليس لشداد أية أهمية بعد أن قهر، وذاق من سيف النقمة ما ذاق، وهو يعلم أن ~~المملكة لا تزال ms036 على سطوتها، وأن أي تمرد منه يقمع بالقوة دون تردد، أما ابن أخيك ~~فهو شاب شغلته ملذاته وشهواته عن كل طموح، فلا خوف منه مطلقا، وما يتخذه صاحب ~~الجلالة في رده إلى الصراط المستقيم وفي إعادته إلى أخلاق آبائه وأجداده من وسائل، ~~إنما هي في طريق النجاح، وإني ساهر عليه تنفيذا لأوامر جلالتكم السامية. # ولم يكد يبلغ وزير الميمنة في حديثه هذا الحد، حتى كان صبر وزير الميسرة قد نفد، ولا سيما ~~حين رأى هزات رءوس أكثر الأعضاء تشير بالموافقة، فوقف واستأذن الملك طالبا الكلام فأذن ~~له. # و. الميسرة ~~: # إنني أرى أن أخي وزير الميمنة مسرف في تفاؤله، وقد فقد الناس اطمئنانهم ~~وراحتهم، وأطماع شداد تزداد يقظة، وابن أخيكم يزداد طمعا بالعرش، ولا أدري من ~~وراءه؛ لأنه كما ألمح أخي وزير الميمنة أصغر شأنا وأضعف نفسا من أن يطمح إلى ~~المعالي، ومن أن يفكر في الاغتصاب، وليسمح لي صاحب الجلالة المفدى بأن أكون ~~صريحا، وهو يعلم إخلاصي وبلائي، والصراحة أصل الإصلاح، فأقول: إن العرش في ~~خطر. # وما سمع الملك كلمات الإنذار بانهيار العرش تصدر عن وزير الميسرة، حتى اربد وجهه، وظهر ~~عليه غضب الارتباك والاضطراب، وضج المجلس بين مؤيد ومعارض، ولكن المؤيدين كانوا القلة، ~~وكان منهم قائد الجيش، وإلا لما كان رأس هذا الوزير الوقح يظل على جسده، فبين شفتي الملوك ~~كانت كلمة الحياة والموت دون محاكمة ولا دفاع، وما عرفنا في عهود الطغيان والاستبداد قديما ~~ملكا يجلس إلا وسيافه وراءه والنطع بجانبه. # هدأت بعد هنيهة ثائرة الملك، وقوة الجيش تخيف الملوك فتسكن أعصابهم، والتفت إلى وزير ~~الميسرة يسأله عن الأدلة، فأجاب: لا يزال الشعور يسبق الأدلة، وهذه ليست متوفرة اليوم لأخذ ~~المجرم بجرمه وإلقاء القبض عليه في الجرم المشهود، وإنني على رأي مليكي في عدم الأخذ ~~بالشبهة، ولكن تقارير الجواسيس تدل على اضطراب نفوس الشعب وعلى تألمه من هذا النوع من ~~التجسس أولا، ثم إن الناس يجدون أنه لم ينقذهم من الظلم؛ فأكثر المختارين للحكم على ~~الرغم مما يلقيه ms037 الجواسيس من أخبار، ومع العناية التامة التي تصرف لاختيار الجواسيس ~~والحكام، لا يعدلون في الرعية، فأنا لا أزال أصر على رأيي في أن أبناء الحلال لا تتحقق ~~بنوتهم هذه بالولادة الأولى، إنما هي تتحقق في ولادتهم الثانية، في تفاعلهم مع المجتمع؛ ~~أي بالتربية، فعلينا أن نعنى بتربية الناس، وأن نستقصي البحث عن أبناء الحلال في ~~أعمالهم، وأن ننقذهم من نكبات التجسس وويلاته، فالحكم الصالح لا يتجسس خفايا أعمال الناس، ~~ولا يتدخل في حياتهم الخاصة، بل يساعدهم على السمو بنفوسهم بفضل ما يكون بينه وبين الرعية ~~من تبادل الثقة، يجب أن يشعر الناس أنهم أحرار ليأمن الملوك والحكام شرهم، يجب أن يشعر ~~الناس بتكافؤ الفرص وعدم التمييز بين الطبقات؛ ليشغلوا عن الشرور بانصرافهم للعمل المنتج، ~~لم يترك وزير الميمنة لوزير الميسرة مجال إتمام الحديث، بل قاطعه والتفت إلى الملك وقال: يا ~~مولاي! إنها الثورة يقودها وزير الميسرة، فرد وزير الميسرة وقال: بل هو يا مولاي، انهيار ~~العرش وخراب المملكة يدبرهما وزير الميمنة، إنها الثورة، أقودها بفخر للملك لا عليه، ولحفظ ~~المملكة لا لخرابها، إنها الثورة على الطامعين الجشعين، وعلى من يعمل لانهيار الأمة، وقد ~~ضحت بالغالي والنفيس، وأهرقت دماءها في سبيل تحقيق أمجاد الملك العادل العظيم، رمز حياة ~~المملكة. # وزير الميمنة ~~: # إنها تعاليم ذلك الفيلسوف يا مولاي، وهو القائد الخفي لهذه الثورة على ~~جلالتكم. # وزير الميسرة ~~: # لتكن تعاليم ذلك الفيلسوف أو تعاليم غيره، وربما كانت في النفوس ثورة، ولكنها ~~ثورة عليكم، أنتم الذين أرهقتم الشعب، وليست على جلالة مليك البلاد، إنها ثورة ~~الشعب، فاحذروها واتقوها، وهي للملك وللمملكة لا عليهما، إن الشعب لا يزال يحب ~~مليكه، ونحن جميعا نفتديه بأرواحنا ومهجنا، فلا تفسدوا ما بين الملك ورعيته، اتقوا ~~الله، وارحموا هذه الأمة، ولا تفسدوا عليها أمرها يحفظكم الله، ويحفظ الملك وشعبه ~~من غدرات الزمان، وما بلغ النقاش في مجلس الدولة هذا الحد حتى أبلغ المجتمعون خبر ~~الشابين، فعاد للمجلس صمته الرهيب، فالخبر كان حجة قوية بجانب وزير الميسرة تؤيده ~~في جميع ms038 أقواله . # دهش المجلس، وشده وزير الميمنة، فالمفاجأة كانت شديدة التأثير في النفوس، ولكن أنى ~~لوزير الميمنة، وهو الذكي الحصيف أن يعدم تعليلا يقوي به حجته، فقال: إنهما مجنونان من ~~أتباع ذلك الفيلسوف المشعوذ، فهل تسقطون من حسابكم هتاف ذلك الشعب الطيب الأمين لذلك ~~الأستاذ الجليل، تذكر الملك كلمات الأستاذ الجليل عن الحرية في العدالة وعن المؤامرة، وتذكر ~~شذبه لطريقة التجسس، فازدادت به ثقته ورأى أن يترك أمر البت في الأمر إلى أن يجتمع به في ~~صبيحة الغد، وأعلن عن ذلك في قوله: إن الأستاذ الجليل يؤيد الحرية ويشذب التجسس، وهو يرى ~~رأي وزير الميسرة من وجود مؤامرة على العرش والمملكة. # نزلت هذه الكلمات نزول الصاعقة على دماغ وزير الميمنة، فاصفر وجهه، وخاف عاقبة الأمر، ~~وصدق فيه قول القائل: ~~... ... ... ... # كاد المريب أن يقول خذوني # أدرك الملك، ولم يكن بالغبي، وقد أيقظه الوضع وملابساته وأراد إنقاذ الموقف فقال: إنني ~~أثق بكم جميعا، وأعتقد أن اختلافكم إنما هو في مصلحة المملكة، ويعبر عن حرصكم على كرامة ~~العرش وقوته، والخطأ لا يعني الخيانة، سأدرس القضية، وأتدبر الأمر بحكمة وروية، وآمل أن ~~تعاونوني بتفكيركم وإخلاصكم، ولا أرتاب فيهما، فإلى الغد في مثل هذا الوقت. # فوقفوا جميعا، وقالوا بصوت واحد: حفظ الله الملك العظيم وأدام توفيقه. ثم انصرفوا، وفي ~~كل نفس هواجسها. # | الفصل الحادي عشر # قال الراوي: «إن العرش في خطر.» كلمة ملأت أذني الملك ورأسه وقلبه، وكانت لا تزال ~~تدوي في صماخي أذنيه، ويهتز لها جميع كيانه، ولشدة ما أصابه من اضطراب وهلع، تحمل ~~كثيرا في إخفائها في المجلس، كان يشعر بأن صوت وزير الميسرة ما زال يسمعه هذه العبارة ~~الرهيبة القاسية، إن رنين ذلك الصوت ما فتئ داويا في تلافيف دماغه يرافق هزات قلبه، وينسجم ~~في دوي الصماخين مع جرس خفي، كان يشتد بروزه في بصيرته، حتى أصبحت عبارة الوزير: «إن العرش ~~في خطر» تتردد وتتكرر في نفسه دون انقطاع، وبإيقاع النذير الحكيم، إنها الخلوة تسيطر فيها ~~على المرء هواجسه، وما أطل الحاجب بعد ms039 انصراف الأعضاء من القصر، حتى أشار إليه بالانصراف ~~آمرا بأن لا يستأذن لأحد، وأن لا يفتح الباب إلا إذا دعاه، إنه قوي الشكيمة، إنه ملك، فمن ~~العار أن يستنجد بأحد. # اشتد ضغط هذا الشعور على نفس الملك، وكاد يتحول كابوسا يخنقه، فخارت قواه، وكاد يغشى ~~عليه، لولا أن انتبه إلى أن ما هو فيه لا يليق بالملوك، فوقف ثم اتجه إلى النافذة، يتنشق ~~الهواء بقوة عله يملأ رئتيه فيدفع عنه أثر ذلك الضغط الشديد. # إنه العرش يضيع صواب صاحبه، ويضربه على صماخه إذا ما تعرض للخطر، ولا يزال صاحب العرش ~~على غروره وغطرسته وصلفه، معتمدا على جبروته وقوته حتى يسمع صوت الشعب داويا صاخبا؛ ~~فترتعد فرائصه وتنحني هامته، ويكسر بأسه؛ لأنه يدرك أن مانح السلطة يستطيع أخذها، وأن ~~مصدر القوة يستطيع سلبها. وقديما انتبه عقلاء الملوك لهذه الحقيقة، فأوصوا عمالهم بهذه ~~الحكمة الخالدة: «لا تدع الرعية تقول؛ فإنها إذا قالت فعلت»، ولا شيء يجرئها على القول ~~مثل الظلم، الوخيمة عواقبه، ولكن أنى للملوك أن ينتبهوا إذا لم يكن للشعب رأي عام، يعرف ~~كيف يعيد الغافل إلى وعيه، والغائب إلى صحوه، والضال إلى رشده، ويعلم الملوك أن الرأي ~~العام إذا ما تكون يعرف كيف ينتقم من الظالمين، فهو صوت الحق، ينصف المظلومين، وصدق من ~~قال: لا تهن الضعيف، فعلك أن تركع يوما والدهر قد رفعه. # نبهت كلمة وزير الميسرة حواس الملك وعقله وشعوره، فتمثل له الواقع شبحا مخيفا، فأخذ ~~يتأمل في ما في نفسه، فتذكر أباه الملك الطاغية، ونقله خياله إلى عهد مضى، كان فيه وليا ~~للعهد، وكان في مطلع العقد الثالث من عمره. # في هذه الحديقة ذاتها، وهو يطل عليها الآن من النافذة، في ذلك العهد من عمره ذاك، منذ ~~ثلاثين سنة جلس بين يدي أستاذه، وكان حكيم ذلك العصر وفيلسوفه، واستمع إلى حديث كان له أعمق ~~الأثر في نفسه، وإنه ليذكره، ويهتز له قلبه، وكأنه بين يدي ذلك الوقور في لحظته هذه. قال له ~~ذلك الحكيم: يا بني، إنك ms040 موضع ثقتي، وأنت أمل الرعية، فيجب عليك أن تتصل بواقع الحياة، ~~وأن تحاول إدراك الحقائق مجردة عن كل تغطية وتمويه، لا تخش الحقيقة، مهما كانت مرة ~~المذاق، فإنها لا يخشاها إلا الجبان، وليس الجبن من شيم الملوك، إنني أرى أن الواجب يقضي ~~علي بأن أصارحك بأمر شديد الخطورة، ولا أريد منك سوى وعد صادق بأن تكتمه، أعجبك أم لم ~~يعجبك، وأنك تتحمله مهما آذاك في نفسك دون أن تحقد علي. # فارتبك الشاب آنئذ ارتباكا شديدا، وللوعد عنده قيمة، ولم يكن يوما ناكثا للعهد، ~~فشبابه كان شبابا منطلقا متفتحا، وأستاذه هذا قد غذى نفسه بأروع الفكرات وأسمى المبادئ، ~~وهو ما زال يعنى به منذ عشر سنوات، وما علم أنه احتاط معه يوما كل هذا الاحتياط، وبعد ~~تأمل قصير، التفت إلى أستاذه سائلا: وهل أكتمه عن والدي صاحب الجلالة، وعن والدتي صاحبة ~~الجلالة، وقد تعودت ألا أكتم عنهما شيئا؟ # الحكيم ~~: # نعم، وأريد أن تكتمه حتى عن نفسك إذا لم يرق لك، فتحاول ألا تعيد ذكره ~~مطلقا. # ولي العهد ~~: # وهل هو سر يتعلق بك شخصيا تريد أن تفضي إلي به؟ أم هو أمر يتعلق بشئون ~~المملكة، أو بالملك الوالد خاصة أو بالملكة الوالدة؟ # ح ~~: # بل هو أمر يتعلق بالمملكة وبالمسئولين عنها. # و ~~: # عودتني الصدق، وربيتني على الوفاء بالعهود والوعود، ولا أدري لم أجد نفسي ~~عاجزا عن تحمل سر أعد بكتمانه عن الملك والملكة؟ وماذا تبدل في نفسك وقد ربيتني ~~على البر بهما والإخلاص لهما؟ إنني أحترمهما احتراما كليا، ولا أسمح لنفسي أن ~~يختلج فيها ما يتصل بانتقاد أحدهما مهما ساءني منهما من تصرف، فإن يكن قد صدرت عن ~~الملك إساءة نحوك، فإنني على استعداد لتدارك الأمر بينك وبين الملك، فلا تكون إلا ~~راضيا. # ح ~~: # ليس بيني وبين الملك أو الملكة أي فتور، ولم يصدر عنهما أو عن أحدهما نحوي أي ~~تقصير، فأنا أحفظ لهما كل وفاء وحب واحترام، ولا يتعلق الأمر بي شخصيا مطلقا، ~~فإني شيخ هرم، لم يعد لي مأرب في هذه ms041 الحياة ، الأمر يتعلق بمصلحة المملكة وبك أنت، ~~ويجب أن تتذكر أنك لست ابن الملك وحسب، ولكنك ولي عهد سيكون ملكا يوما. # و ~~: # ما لك تلتفت إلى الغائب وتقول: سيكون؟ لعلك تريد أن تقول ستكون؟ # ح ~~: # بل قلت، وأعود فأقول: سيكون؛ لأنك بصفتك وليا للعهد غيرك ابنا للملك، والولدان ~~يختلفان، فالملك مع احترامي الكلي لأبوته لا يصلح أن يكون أباك بصفتك وليا للعهد، ~~فأبوك بهذه الصفة هو مجتمع المملكة، وله عليك حق الوفاء أكثر مما لأبيك الملك إذا ~~ما تعارضت الواجبات. # فأنت إذا لم تتفاعل مع مجتمع المملكة تفاعل أبوة وبنوة، وظللت لأبيك الذي كان سبب ~~وجودك الأول وحده، لا تصلح وليا للعهد، ولن تكون الملك الصالح لخير رعية، وإنما ~~تصبح إذا حصلت على الملك أنانيا طاغية، يستعبد الناس، ويترف على حسابهم، إنك تكون ~~عندئذ فردا ظالما يطغو ويجور، لا ملكا يعدل في رعيته ويهتم بمصالحهم، عندئذ تهدد ~~بالحرمان؛ لأن أطماع الملوك المجاورين تتحرك، وتستولي عليك وعلى بلادك. # إنني طلبت منك الكتمان، ولم أطلبه طمعا بالاحتفاظ بمكانة أو بثروة أو بمظهر، أو ~~خوفا على حياتي، فأنا زاهد على ما تعلم، وحياتي أهون شيء لدي، وإنما مصلحة المملكة ~~تقضي بالكتمان، وأنت بصفتك وليا للعهد يجوز لك - بل يجب عليك - أن تكتم أمورا ~~كثيرة عن والدك الملك الأب الأول، فللأب الثاني وهو المجتمع حقوقه، وهي فوق حقوق ~~أبيك الملك، والكيس من يكون برا بالوالدين، يعطي كلا منهما حقه. # شعر ولي العهد بأنه أصبح في عالم غير عالمه، وكاد يضيق بذاته، وفيما كان يهم بإلقاء سؤال ~~جديد حضر حاجب الملك، ودعا الحكيم الفيلسوف إلى الاجتماع بجلالته على جناح السرعة. # قام الحكيم ملبيا الدعوة واعدا تلميذه بالعودة إليه، فوعده هذا بأنه لن يبرح ~~مكانه. # وها هو الآن واقف أمام نافذة ردهة الاستقبال، ينظر إلى مكانه ذاك مع أستاذه، ويتأمل في ~~الحديقة وفيما سمع آنذاك، إنه واقف أمام النافذة وكأنه في الحديقة لا يزال ينتظر عودة ~~الحكيم. # | الفصل الثاني عشر # قال الراوي: كان الملك واقفا بجسده ms042 أمام النافذة المطلة على الحديقة، ولكن روحه كانت في ~~تلك الحديقة ذاتها جالسة على ذلك المقعد الرخامي - الشاهد العدل على تلك الحوادث والأحاديث ~~- تنتظر عودة الحكيم الشيخ، وتتأمل فيما سمعته منه قبل تلبيته دعوة الملك، الأمر يتعلق ~~بمصلحة المملكة وبك أنت، إنك ولي عهد ولست ابن الملك وحسب، أبوة الملك وأبوة المجتمع، وأبوة ~~المجتمع فوق أبوة الملك، سر رهيب يجب أن أكتمه، وأن أتناساه إذا لزم الأمر، ما هذه ~~الألغاز؟! ألا يكفينا ما أصابنا من استيلاء شداد - ذلك الملك الشاب الجبار - على بعض مدن ~~الحدود، وفرضه الجزية يدفعها الملك صاغرا؟ هل انقلب هذا الأستاذ على ملك أحبه واحترمه ~~واختاره مربيا لابنه وولي عهده؟! هل أصبح من اعتقدنا فيه الوفاء ناكرا للجميل، بتآمر على ~~الملك مع الموتورين المتألبين المفسدين ويخون عهده؟ مسكين أنت يا أبي، وفيما كان ولي العهد ~~غارقا في هذه التأملات شعر بيد تربت على كتفه، فإذا الشيخ يعود، وأمارات الاهتمام ~~على وجهه. # جلس الشيخ في مقعده الأول، وقد أدرك من استقبال ولي العهد خفايا تأملاته، فابتسم، وبادره ~~بقوله: علك أسأت بي الظن، وكان احمرار وجه الشاب في صمته جوابا. # ح ~~: # أنا لا أعتب عليك سوء ظنك بي، ولكن ثق أنني كنت - ولا أزال - الوفي الأمين، ولولا ~~خطورة الحال وأهمية الوضع لما أجزت لنفسي أن أستمر في الحديث، ملحا في أن أحصل ~~منك على ذلك الوعد، وأنا الواثق بشرفك لطيب أرومتك ومروءتك. # و ~~: # سأعدك ولكن بعد أن تعلمني عن سبب استدعاء جلالة الملك لك في هذا الوقت، وهو ~~يعلم أنني معك، فهل كان الأمر يتعلق بي وليا للعهد أم ابنا للملك؟ # ح ~~: # لم يكن الأمر يتعلق بك يا بني، ويسرني أنك فرقت في سؤالك هذا بين ابن الملك ~~وبين ولي العهد، فقد بدأنا نسير معا إذن في طريق التفاهم والتفكير. # و ~~: # إنك قد هززت كياني كله، وأوقعتني في صراع نفسي عنيف، وقد أقلقتني هذه المقابلة، ~~يستعجلها جلالته، فهل وقع فيها ما يستدعي الكتمان حتى عن ولي العهد؟ # ح ~~: # إن ms043 أحاديث الملوك الخاصة تستدعي الكتمان دائما، ولكني لن أكتمك بصفتك وليا ~~للعهد ذلك الحديث لصلته بما ستكتمه، وكأني بك قد وعدت؟ فالحديث يتعلق بحلم مخيف، ~~أراد جلالته تفسيرا له، إنه رأى - فيما يرى النائم - أنه في أرض قفر، وأن أسدا ~~رهيبا هجم عليه يحاول افتراسه، ولكن يدين بشريتين امتدتا في الخلاء ولوت إحداهما ~~عنق الأسد، وردت الأخرى الملك إلى الوراء، فوقع في حفرة عميقة، وكان سقوطه هذا ~~سببا لإيقاظه من نومه مشدوها خائفا، يحمد الله على إنقاذه من الأسد، ولكنه لا ~~يذكر أنه أنقذ من الحفرة. # و ~~: # وبم فسرت ذلك الحلم؟ # ح ~~: # التفسير السطحي بسيط، فقد قلت له: إنه سيتعرض لتهلكة تنقذه منها يد تحبه وتخلص ~~له، ولكن هذا الإنقاذ ذاته سيلقيه في نكبة أخف وطأة عليه ولا تفقده حياته. # و ~~: # والتفسير العميق؟ # ح ~~: # إنه يتصل بما ستعدني بكتمانه، فروح جلالة الملك كانت حساسة جدا في رؤياها، ~~وكأنها قد تنبأت عن المستقبل. # هنا اشتد اضطراب ولي العهد، واهتزت أعصابه، ووجد في قوة الصراع في نفسه حافزا لاكتشاف ~~ذلك السر، لا سيما وهو غير مقيد بشرط قبول أيه فكرة يحتويها، فوقف ورفع يده؛ ليؤدي قسم ~~الوعد على ما لقنه أستاذه الشيخ الحكيم وقال: # و ~~: # إنني أقسم بالله وبشرفي وبما عاهدت عليه الأمة من إخلاص وتضحية في سبيل مصلحة ~~المملكة، أن أكتم ما سيطلعني عليه أستاذي عن كل إنسان، وأن أتحمله مهما آذاني ولا ~~أحقد على أحد، والله على ما أقول شهيد. # ح ~~: # بورك فيك يا بني، فقد أنقذت المملكة والملك وأنقذت نفسك، إنك مدعو لإنقاذ العرش، ~~فإن العرش في خطر. # وكان الأستاذ الحكيم بعد أن استمع إلى القسم واقفا يردد هذه العبارات وعيناه تذرفان ~~الدموع، وقد قابلتهما عينا ولي العهد في هذا الموقف الرهيب بدموع حارة، التقت مع دموع ~~الشيخ على رصيف الحديقة المرمري، فانبثق من امتزاج دموع الشيخوخة المتألمة بدموع الشباب ~~المتوثب نور تلألأ في الأجواء ورسم العبارة التالية: ما أجمل هذا الالتقاء! وما أروع هذا ~~الامتزاج في سبيل الإنقاذ! ms044 # وما هدأت نفس الشيخ نوعا، حتى أخذ يواصل حديثه بصوت متهدج، فأنشأ يقول: # ح ~~: # تذكر يا بني كيف استذلنا شداد، وكيف يتحكم بالمملكة، إنه أصبح الحاكم وراء ~~الستر والحجب، بعد أن استولى على قسم كبير من أراضي المملكة ومدنها، وتعلم - كما ~~يعلم الواعون من الرعية ورجال الحل والعقد - أن السبب فيما وصلنا إليه من ~~استسلام وخنوع، إنما هو تفكك في أوصال المجتمع، بدأ منذ أن زينت حاشية السوء ~~لجلالة الملك سياسة جديدة؛ هي سياسة فرق تسد، إنها سياسة الطغاة، وهي هي سياسة ~~الطامعين في الاستيلاء على مقدرات غيرهم من الأمم، ويؤسفني أن أقول: إن صاحب ~~الجلالة والدك قد التقى في هذه السياسة الخرقاء مع شداد خصمه، وأصبحا يتعاونان ~~على إذلال هذا الشعب المسكين بتفريق كلمته، وقد كانت واحدة في أوائل ملكه، وفي أيام ~~أجدادك العظماء، ولا فرق عندي أن يكون ذلك مقصودا أو غير مقصود، فالشعب ينهار، ~~ولعل شدادا هو الموحي بتلك السياسة بطريقة غير مباشرة، وما حاجته للإيحاء ~~المباشر وفي خدمته من حول أبيك من جواسيس وأعوان، يخونون بلادهم، ويخدعون الملك ~~ليترفوا وليثروا على حساب شعب مسكين، استمر طويلا يصفق لهم ويهلل، وهو لا ~~يدري أنه يرقص على القبر الذي سيدفن فيه، وأنه يصفق لمن سيتولون أمر دفنه، ولكن ~~الشعب مهما صبر فلصبره حد، ومهما تحمل فإنما يحتمل لأجل، ولا سيما متى استشرى ~~الفساد وتفاقم أمره، وأبعد المخلصون من رجال الدولة والقديرون، لفائدة الأنصار ~~والمحاسيب من جهلة وأغبياء، إلا في شئون الشغب والتدليس، عندئذ تكثر الرشوة، ~~وينتشر البغي والجور، وتتفشى الأمراض الاجتماعية على ما ترانا عليه اليوم، فإذا ~~قدر للأمة البقاء أوقظ روح الخير في رجالها الأحرار، ~~فيقومون للعمل بالتؤدة والحلم والموعظة الحسنة ~~أولا، وإلا فالثورة تصبح واجبة، وكل ثورة فكرية لا تبلغ الهدف تؤدي إلى ثورة ~~الدم حكما حسب طبيعة الحياة، ونحن اليوم - وقد استنفد الأحرار كل ما لديهم من ~~وسائل إعادة الأمور إلى نصابها - في دور ثورة الدم وهي تتهيأ، وأصبحت وشيكة ~~الاشتعال، وأخشى عليك وعلى أبيك ms045 وعلى العرش ذاته من لهيب نارها، لذلك أردت مصارحتك ~~لتكون أنت ولي العهد قائد هذه الثورة، فبذلك تحفظ على جلالة أبيك حياته، وعليك ~~عرشك، وعلى الأمة كيانها، وتبعد عنا سيطرة شداد وتحكمه. # و ~~: # أشيخ هرم يتكلم عن الثورة وإليها يدعو، وعلى أبي تريدني أن أثور؟ # ح ~~: # ليست الشيخوخة بالعمر، وليس الهرم هرم الجسم، وإنما الشيخوخة في خبل العقل، وما ~~الهرم إلا في خمود نار الثورة في النفوس، لا حياة لأمة لا تستمر نار الثورة مشتعلة ~~في نفوس رجالها، ولا خير في شعب لا يعرف كيف يثور، ولا أمل في ولي عهد يستسلم ~~للدعة، ويطمئن للترف، ويتلهى بالوهم وخرافاته، وبالتقاليد البالية وآفاتها، فلا تجد ~~نار الثورة إلى قلبه سبيلا. # و ~~: # مهلا أيها الشيخ الوقور، والله إن نار الثورة تحرق كياني كله، إنني أرى ما ~~يراه الناس من فساد وإفساد، ومن استغلال واستهتار، ومن بغي وجور، ولكنني ما كنت ~~أدري أنه يجوز لابن أن يثور على أبيه، وما كنت أقدر أن نار الثورة ألهبت قلوب ~~الشيوخ بشعلة الشباب. # ح ~~: # روح الثورة بركة ويمن، إنها تحفظ في الأمة روح المقاومة، فلا تستكين ولا تذل، ~~أما الشباب فيخدع من يعتقد أنه سن الشباب، إن ما يدعونه الشباب إنما هو الدور ~~الذي تتكون فيه روح الشباب في الإنسان لتستمر مدى الحياة، ولا تخبو نار شباب حسن ~~تكوينه، وأما ثورتك على أبيك ففيها رحمة به وبر، بعد أن تعذر إقناعه بالعدول عن ~~الاستهتار بشئون الرعية وعن اتباع أقوال المغرورين من الخونة المتآمرين لمصلحة ~~المسيطر الطامع اللئيم، وإليك الآن تفسير حلم أبيك؛ فالثورة قائمة ولا بد، وهذا ~~ما رمز إليه الأسد، وإنك قائدها بلا ريب، ويداك وقد ظهرتا في الخلاء هما اللتان ~~تحفظان على والدك حياته، فتكتفي الأمة بخلعه، وهذه هي الحفرة، وتكون أنت الملك، ~~وهذا ما يعنيه ردك لأبيك باليد الأخرى، فكن برا بأبيك متى ظفرت، فتصبح البار ~~بوطنه وبأبيه. # و ~~: # ومن يكونون هؤلاء الذين يدبرون الثورة؟ وكيف ألتقي بهم؟ # ح ~~: # غدا أجمعك بهم، وفي مثل ms046 هذا الموعد، فإلى اللقاء. # | الفصل الثالث عشر # قال الراوي: كاد الملك يتنبه لواقعه، وهو أمام نافذة القصر، وكاد يعود لذاته في اضطرابها ~~مما حدث، لولا أن ذكرى عودة الشيخ الحكيم الوقور قد أبقته في مقعده في الحديقة، يتخيل نفسه ~~بين يديه وليا للعهد، يستعجل لقاء من يدبرون الثورة على أبيه الملك. # كان وصول الشيخ قبل الموعد الذي سبق وقرر، فقطع على ولي العهد بهذه المفاجأة سلسلة ~~تخيلاته وتصوراته، وبادره بقوله: كيف كانت ليلتك أمس يا صاحب السمو؟ # و ~~: # أراك تترسم في عبارتك معي اليوم، فلم لا تقول يا بني على عادتك؟ # ح ~~: # رأيت تبدلا في تلاميح وجهك ونظراتك، يدل على وضع جديد، فيه كل عزم وجد، وهيأة ~~نفسية حازمة تتسامى إلى العلاء، فأخذتني هيبة الملك، وكدت أقول يا صاحب ~~الجلالة. # و ~~: # بالله عليك لا تسخر بي أيها الرجل الحكيم، بعد أن أحييت موات نفسي، وولدت فيها ~~ذاتا جديدة، تشعر أنها من روح الشعب لا من روح ذلك الملك العنيد، وكأني قد ولدت ~~ولادة ثانية بعد أن سمعت وبعد أن رأيت، كن واثقا أنني أصبحت أزهد الناس بالملك، ~~وإذا اشتد لهيب نار الثورة في نفسي، فلأساهم في إنقاذ الشعب كفرد من الشعب، سواء ~~أبقي العرش أم انهار على رأس صاحبه، المهم أن ينقذ الشعب، وأن أحيا معه إن كان ~~لي حظ في بقاء، كفرد من أفراده، يتمتع بالكرامة والعزة والتحرر، وإذا قدر لي ~~الاستشهاد، فأكون ممن سعدوا بترك هذا العالم الفاني على أحسن ما يكون عليه المرء في ~~محافظته على كرامته وإبائه وحريته، ليست الكرامة والعزة والتحرر في أن يكون ~~الإنسان ملكا أو ولي عهد الملك، وإنما الكرامة والعزة والسؤدد والتحرر في أن يحيا ~~الإنسان فردا سيدا في أمة سيدة، تشعر بالكرامة والعزة والسؤدد والحرية وتتمتع ~~بها. # ح ~~: # أهلا بك يا بني الحبيب، والله ما أجزت لنفسي أن أهزأ بك يوما ولا أجيز، فأنت ~~مني كنت - ولا تزال - موضع كل عناية وكل تقدير وأمل، ولكنه بريق هيبة الملك قد لمع ~~في ms047 وجهك ، وأشعة نورانية أمجاد الملوك قد انبثقت من عينيك، فتوهمت أن ما اصطلح عليه ~~الناس بالملك، وأنت المهيأ لاعتلاء عرشه، قد انعكست أنواره على وجهك، وامتزجت بذلك ~~مظاهر الجمال بالجلال، فما أسعدني وقد أدركت من بيانك أنك قد تملكت ذاتك، وسيطرت ~~على نفسك، فأصبحت ملكا بالفعل وبالواقع لا بالوهم والاصطلاح، فكم من ملك في أعين ~~الناس هو عبد في عين ذاته، وكم من الملوك من غرهم العرش وما يلابسه، وكانوا عبيدا ~~أذلاء في عين الحقيقة، وفي تلك النظرات الخاطئة شقيت أمم وتشقى شعوب، وتهدمت مدن ~~وانهارت حضارات، وتتهدم وتنهار إلى أن يفيء الناس إلى حقيقة ذاتهم الإنسانية، ~~فيدركون في خفايا نفوسهم سواء أكانوا من السوقة أو من الصفوة والملوك، ما أدركته ~~أنت - وفي كيانك نفحات ما اصطلح عليه الناس بالملك وأمجاده - بأن الملك الحقيقي في ~~واقع التسامي في مفاهيم الحياة، إنما هو في تملك الذات، وفي السيطرة على النفس ~~قبل كل شيء، إذ بذلك تدرك حقيقة الحياة، فأهلا بك يا بني مرة ثانية، ولكن قل لي: ~~ماذا سمعت بعد أن تركتني أمس؟ وماذا رأيت؟ # و ~~: # ولعلك إنما جئت لهذا قبل الموعد اليوم، فأنا لا أشك بدهائك وحكمتك، وقد نعمت ~~بآثارهما، وقد اشتد الآن اعتقادي بصدق فراستك، فاستمع لما جرى: لم أكد أختلي بنفسي ~~بعد ذهابك أمس، حتى انبعثت منها في داخل كياني تيارات متعاكسة متجاوبة كانت ~~تتجاذبني، فتميل بي تارة ذات اليمين، وطورا ذات اليسار، ولا أنكر عليك أن الشك ~~والتردد كانا في صميم هذه المعركة، فتيار كان يذهب بي مذهب النقمة على من يفكر ~~بالثورة على ذلك الوالد المسكين، وهو من أحب وأحترم بكل ما في الحب والاحترام من ~~معان وتضحيات، وتيار كان يجرفني نحو الثائرين أعطف على حركتهم بل أتبناها، وكان ~~بين التيارين تجاوب وتفاعل، استقر معهما رأيي على أن أجتمع بجلالته، وأحاول رده ~~إلى الصواب، دون أن أخون ذاتي بفضح السر، كن واثقا، فإنني عاهدت وما فكرت على ~~الرغم من تيار النقمة في أن أنكث العهد، فشكرا ms048 لله ، ثم شكرا. # ولم يستقر رأيي على ما عزمت عليه، حتى وجدت نفسي بين يدي جلالته في خلوة يندر أن ~~أجده فيها، لأن حاشية السوء ذكية، لا تترك له مجالا يمكنه فيه أن يختلي بنفسه، ~~ولكن ما كان أشد دهشتي، وقد رأيتني أمام صخرة لا يتفجر ماؤها، وما كان لتلطفي ~~وحنوي وتذللي أي تأثير على موقفه من شعبه، فهو يرى الشعب بقرة حلوبا، يجب أن ~~تدر عليه ما يشبع زهوه وترفه هو وخاصته وأتباعه، وإذا ما قصرت في درها ولو ~~لمرض أصابها، فهي العاقة لمليكها، وعليها تقع تبعة حرمانه ومن معه من مقومات ~~الزهو والترف. # لم يستول علي يأس، وقد وجدت لديه رعاية الوالد وحنوه في تلطفه، وفي محاولة ~~ردي عما أعتقده في وثبتي هذه، لكن دخول بعض خاصته دون استئذان طبعا، وقد ~~رفعت بينه وبينهم كل كلفة ومراسم أوقعني في يأس وقنوط، فقد كان هؤلاء عند شداد ~~الملك المغتصب، وعادوا يثنون على حفاوته وتعهده بحماية العرش إذا ما ثار الشعب، ~~فهم يحسبون للثورة إذن حسابها، ويتآمرون مع المغتصب على شعب رفعهم إلى أرائك الحكم، ~~ولما قلت: إن للشعب حقوقا تجب مراعاتها، أجابني البعض: ليس للشعب إلا السوط، ولم ~~يرد عليه أحد، وكدت أحاول أن أضع على رءوسهم جميعا السوط؛ لأنهم أجدر به، ولكني ~~خفت على الثورة من رعونة الطيش. # وهنا تنهد الأمير والشرر يتطاير من عينيه، وقال: أعرفت سبب زهدي بالعرش؟ فإن عرشا لا ~~ترفع إليه المرء أفئدة الأسياد، في شعب سيد، ليس بعرش أبدا، وإنما هو سجن الأسير، وفي وضع ~~كهذا، يكون التساوي متحققا بين الحاكم والمحكوم سيادة وتحررا وحقوقا. # وما بلغ الأمير هذا الحد من حديثه، حتى رأى الحكيم يسجد لله شاكرا، وعيناه ترطبان الأرض ~~بالدموع، ثم التفت إلى تلميذه الشاب باسما، وخاطبه بقوله: # ح ~~: # إذا أذن الله بأمر يسر أسبابه، وقد أردتك مؤيدا للثورة، فإذا أنت تتحول ~~ثائرا يهيأ لقيادتها بوحي ذاتك وفاعليتها وبملاءمة الحوادث، فنالت بك الثورة ~~أكثر مما أملت، فشكرا للإله الحكيم، وقد كنت ms049 قد عجلت في مجيئي قبل الموعد وقلبي ~~يحدثني بأن أجدك هنا لأطلب منك الاتصال بجلالة الملك ومحاولة إقناعه، لا لاعتقادي ~~بجدوى العمل، ولكن لتطمئن نفسك. ولا تخش الشك، فالشك أصل اليقين، فالمهم في منطق ~~الحركة هو أن تتحقق ثائرا بروحك ولا فائدة في الافتعال، وللثورة ككل كائن ~~حي روحية، بها قوامها، وهذه لا تتحقق إلا بشروط، أولها إيمان يتفاعل معه العقل ~~على ضوء الخبرة، وقد هداك ضميرك وإخلاصك إلى خبرة واقعية جعلت فيك العقل يتفاعل ~~تفاعلا طبيعيا مع إيمان لا يتزعزع، وقد أشع نوره في قلبك بعد شك عفوي لا تصنع ~~فيه، وثانيهما السمو بالأهداف إلى مبادئ عامة، لا يكون معها قصد انتقام من أحد، ولا ~~إرادة جر منفعة إلى غيره، فالثورة لا تكون لخلع ملك ولا لتولية آخر، وإنما تكون ~~لأهداف إصلاحية سامية تشمل الجميع، وهذا ما يخرجها عن مفاهيم الشغب والعصيان، ولذلك ~~كان من نعم تفاعلها في نفسك زهدك بالملك، وثالث الشروط - وأرجو أن يتحقق في ذاتك مع ~~ما سبق - أن تكون الثورة إنسانية، فتحاول حقن الدماء دائما، وإذا ما سمحت به فبأقل ~~مقدار يمكن، فلا يصح أن تصبح الثورة مجزرة بأي حال، وإلا فهي ثورة فاشلة تشتبه ~~كثيرا بالشغب والعصيان، وهذا ما نحاول، وستتحققه بذاتك في أول اجتماع آن وقته بعد ~~أن أرخى الليل سدوله، فلنذهب. # | الفصل الرابع عشر # قال الراوي: الدار في ضاحية المدينة، وكانت دارا واسعة، بابها الأمامي يطل على المدينة، ~~وهو الباب الذي يدخله الناس من سكان الدار وضيوفها، وبابها الخلفي يواجه البرية وهو ~~مخصص لدخول المواشي إلى الزريبة في داخل الدار، وكان لتلك الدار سرداب متسع تحت الأرض، ~~اتخذه الثوار مكانا لاجتماعاتهم، جاور السرداب الزريبة مدخل الثائرين في ظلام الليل، ~~فانقلبت بفعل روح الثورة عرينا للأسود، ولعل هذا من الأسباب التي جعلت العرب يرون في ~~الزريبة حظيرة المواشي وعرين الأسد ومخبأ الصياد. # دخل ولي العهد الدار من بابها الأمامي دون أي استخفاء، فأدهشه أنها دار أستاذه وقد ~~ألفها قبلا، فظن أنها فترة الاستراحة ms050 للتنكر والاستخفاء، ولكن استمرار الشيخ الوقور في ~~السير متجاوزا ردهة الاستقبال ودار الحريم، وطرقه على باب السرداب طرقا خاصا، نبهه إلى ~~أن وضع مكان الاجتماع أنقذه من التنكر والاستخفاء، ولم يكن من المستغرب عند أحد أن يدخل ~~ولي العهد دار أستاذه، ولكن أين امرأة الشيخ وبناته الصبايا؟ وأين أبناؤه الكهول والشبان؟ ~~الدار خالية، وجميع أهلها في العرين! # فتح الباب وقال الشيخ كلمة السر، فاهتزت لها أرجاء الزريبة والسرداب المزدحمين برجال ~~ونساء، أخذوا يرددونها بصوت خافت رصين، وقد كانت في ذلك اليوم: ولي العهد، وكانت هي تحيتهم ~~له، فحياهم بأحسن منها إذ قال: عرين الأسود، وما استأنس الجمع بولي العهد، وما استأنس هو ~~بهم بعد مباحثات ومداولات وتنظيم، حتى أخذته عزة الانتساب إلى هؤلاء النخبة، تجتمع لتضحي ~~بكل ما تملك، ولا توفر الحياة في سبيل حفظ الوطن ورفع شأنه، برفع مستوى المواطنين وتحريرهم ~~عن تفهم مدرك، وإخلاص عاقل، وتفكير مجرد، وقابل ما أحس من صميم ضميره من نبل أوضاعهم وصدق ~~هيئاتهم النفسية وقوتها، وهم ولم يكن يعرف بينهم سوى الشيخ وأبنائه، قد أصبحوا الآن جميعا ~~عناصر وثبات نفسه في تحرير ذاته وأمته، بما يعرف عن حاشية أبيه الملك في قصره، ولا يحيط به ~~سوى الشمامين الطماعين الانتهازيين من الذين يمشون على بطونهم، فاندفع متحمسا يقول: بوركت ~~روح الثورة، تحول الزريبة إلى عرين، وخزيت سراي تحولها الأنانية والأطماع وروح الانتهاز ~~إلى حظيرة للمواشي. # قد تذكر في تأملاته هذه - وكانت قد ملكت عليه نفسه - أنه كان قد أعجب باشتعال نار الثورة ~~في الشيوخ والكهول والشباب نساء ورجالا، وقد شاهدهم مجتمعين هناك على فكرة واحدة، وعزيمة ~~صادقة متوحدة، فآمن بتفاعل الأجيال، وعلم أن الثورة الصحيحة إنما تكون صلة بين أجيال الأمة، ~~وقوة في تفاعلها، فأدرك أن تلك الصلة هي شرطها الرابع. # وكان قد زاد في إعجابه ودهشته أن خبر الخاصة كان قد بلغهم كما وقع فيما جرى عند شداد ~~وعند أبيه، حتى قوله: إن للشعب حقوقا تجب مراعاتها، ولولا أنه لم يفارق الشيخ الحكيم ms051 لحظة ~~منذ أبلغه هذا الخبر؛ لتوهم أنه هو المخبر، ولاحظ أن الرصانة والهدوء كانا يتغلبان في بحث ~~كل خبر كهذا، فأدرك أن التنظيم المدرك الواعي الهادئ هو الشرط الخامس لكل ثورة مخلصة ~~مجردة. # وفيما كان مستغرقا في تلك الظواهر وفي حيويتها، تعبر عن حقيقة معاني الثورة، تستكمل ~~نموها في نفسه، أيقظه هدير كلمة «ولي العهد»، يتردد في حناجر المؤتمرين، وإذا هو أمام أمير ~~الجيش وبعض قادته يحيونه بكلمة السر: «ولي العهد»، فيجيبهم على الفور: عرين الأسود، وكان ~~يعتقد أن كلمة «عرين الأسود» جوابا على كلمة السر كانت من وضعه، فإذا الواقع يؤيد أنها ~~الجواب المصطلح عليه سابقا، أطلقها الثوار جوابا على كلمة السر، فآمن بتجاوب قلوب ~~المجتمعين حول فكرة صحيحة، إذا ما كانت الفكرة أصيلة تنبثق من أعماق النفوس على سجيتها دون ~~تقليد ولا افتعال، فألقى في نفسه أن الأصالة في التفكير وفي التعبير تصلح شرطا سادسا ~~لتحقق معاني الثورة في النفوس، وقال في نفسه: ما أروع الإنسان في طبيعته، تتفتح بها معاني ~~الحياة في داخل كيانه، فتتجلى عظمة الحياة في جمال تعبيره عن وثباتها. # وما قرر المجتمعون نضج الثورة لانتشار فكرتها صحيحة بين الجماهير في الشعب، وما أعلن ~~قادتها أن الثورة قد أينعت، وحان قطاف ثمارها، حتى وجد في نفسه شرطها السابع؛ وهو أن القوة ~~الفاعلة هي قوة الشعب، فلا يكفي أن تنضج فكرة الثورة في نفوس القادة والأركان. # كل ذلك مر في خاطر الملك أمام النافذة المطلة على الحديقة، وهو مستغرق في حلم اليقظة لا ~~في حلم النوم، فمرت أمامه مشاهد الثورة في انطلاقها، واستسلام أبيه بعد مقاومة، دافع عنه ~~فيها حرسه وبعض فرق الجيش، وقسم قليل من تباع الخاصة من الشعب، حتى استقر الأمر في استيلائه ~~على العرش، والقبض على من بقي من المفسدين. # ولا يزال يذكر قوله لأبيه في تلك المعركة: يا أبت إن في استسلامك إنقاذا للمملكة ~~ولمجدها وشرفها. وجواب أبيه في تنازله عن عرشه: يعزيني إنك أنت الملك الآن، وقد أدركت كل ~~شيء، فلا ms052 تتساهل مع من خدعني من المقربين، وانتبه لأطماع شداد، فإنه جبار عنيد. # ولما كانت الثورة في حقيقة معانيها أسمى من أن تقف عند خلع ملك وتولية ملك، فقد استمر ~~أوارها حتى أنقذت المملكة من جور شداد وبغيه، واستعادت ما سلب، وفرضت على مستعبد شعبها ~~الجزية. # بوركت الثورة، فإنها وثبة حياة، توحد وتنقذ، وليست شغب أطماع تفرق، ولا هوس عصيان ~~يهدم ويهير. # ليست الثورة أطماعا ولا مآرب ولا استغلال مغانم، وإنما هي قيم ومثل عليا، تضحي على ~~مذابحها النفوس راضية مستبشرة، فيتحقق بها معاني الاستشهاد في أروع مشاهده. # والخطر كل الخطر في أن تنقلب الثورة شغبا أو عصيانا، حينما تستيقظ في نفوس الثائرين ~~الأطماع، إذا ما دغدغتها مظاهر الأبهة، وتطبيل الدجل، وتزمير الشعوذة، وتصفيق التملق، ~~وتهليل الغطرسة والكبرياء، قد تبدأ الثورة شغبا، ولا تزال ترتفع عن إسفاف الشغب حتى تبلغ ~~حقيقتها، وتؤتي أكلها، وليس في هذا التطور خطر ما دام في طبيعة سيره، ولكن الخطر يكون ~~قاتلا إذا ما عادت الثورة شغبا تدمر ما بنت، وتهدم ما شيدت في المدن والأمصار، بل هذا هو ~~الأهم في نفوس الشعب عماد الثورة ومغذيها. # لذلك لا تنتهي الثورة عند أمجادها بل تستمر؛ لتستقر في النفوس ولتتوارث روحها الأجيال، ~~ولا يبقيها في نفوس الشعب سوى العدل، عندما يحكم الثائرون، وهذا ما كان حققه الملك الجديد ~~بعد أن ظفر، فلقب بالملك العادل، وإنه لا يزال يذكر قول أستاذه الحكيم بعد أن ظفر بالعرش ~~منقذا، وبعدوه شداد منتصرا، إن ذلك الشيخ الوقور كان على فراش الموت يحتضر حين قال ~~له: اعلم يا بني أن الثورة هي الثورة ما دامت تقاوم الفساد وتكافحه، سواء أكانت ثورة شعب ~~على حاكمه، أم ثورة حاكم على شعبه، ويخطئ من يعتقد أن الثورة هي ثورة الشعب المظلوم على ~~حاكم جائر وحسب، بل قد يتبدل وضعها، فتصبح ثورة حاكم صالح عادل على شعب متخاذل فاسد، فبعد ~~أن كنت في المعركة مع الشعب الثائر، وأصبحت بفضل الثورة ملكا، كن الآن ذلك الملك الثائر، ~~فروح ms053 الثورة ، وقد اختبرت أصالة التفكير في لهيبها، هي خير مستشار لك، وخير صديق تعتمد عليه ~~في إصلاح الرعية، وإلا فإنني أخشى أن تنقلب الثورة عليك، كما سبق وانقلبت وبك أنت على ~~أبيك. # وهنا فارقت روح الشيخ الحكيم الوقور جسده راضية مرضية، ولا يزال الملك يذكر - ولا سيما في ~~تأملاته أمام النافذة المشرفة على تلك الحديقة - تلك الدموع الحارة التي كانت تذرفها عينا ~~والده الملك المخلوع على قبر ذلك الشيخ الحكيم، مرددا هذه الكلمة: عصيتك فعصيت الحكمة، ~~وخسرت كل شيء، ثم يلتفت إلى ابنه الملك، فينصحه قائلا: لا تنس وصايا هذا الشيخ رحمه الله، ~~ولتكن روحه دائما معك ولا سيما عند الشدائد. # | الفصل الخامس عشر # قال الراوي: دار الزمن دورته، وها هو بعد مرور ثلاثين سنة على اعتلائه عرش أبيه يسمع من ~~وزير ميسرته تلك الكلمة المشئومة، وقد سبق وسمعها من أستاذه: «إن العرش في خطر»، فهل يقدر ~~له أن ينقذ العرش ثانية إذا صح قول الوزير؟! أم ينهار العرش عليه وعلى ابنه، وهو لم يتجاوز ~~العاشرة بعد، وعلى ابن أخيه المسرف الفاسق؟ أحان لشداد وهو في شيخوخته أن ينتقم مني، ~~وأنا لا أزال في سن الكهولة، تهز قلبي فاعلية القوة فيها؟! أين لي بمثل ذلك الشيخ الحكيم ~~الوقور؟! # وهنا تذكر الأستاذ الجليل الساحر، فاطمأن نوعا، وقال في نفسه: لعل الله القدير قد بعث ~~بروح ذلك الشيخ الحكيم في ناسوت هذا الأستاذ الجليل، رحمتك اللهم، وما خطر له هذا الخاطر ~~حتى استفاق لواقعه فوجد نفسه في الهزيع الأخير من الليل، ساعات مرت به وهو غافل عن واقعه، ~~غارق في تأملات الماضي بفعل شدة وطأة الواقع في حاضره المرتبك المضطرب، صفق بيديه فدخل ~~الحاجب مسرعا، وعلى وجهه أمارات الاهتمام والاضطراب، ابتسم الملك وخاطبه متلطفا: ليلتك ~~ساهرة! إنها ليلة بيضاء، لك عليها إجازة ثلاثة أيام ومكافأة، فأجابه الحاجب بتذلل واستحياء ~~مرتبك: إن توفيقي في خدمة مولاي صاحب الجلالة هو أكبر مكافأة، وليس من واجب أحب إلى نفس ~~العبد من سهره على راحة سيده، ms054 ولكننا كنا في بلبال، زاده شدة أمر مولاي بألا أفتح ~~الباب ولا أستأذن لأحد، فلم يكن باستطاعتنا أن نروح نفس جلالة الملك، أو أن نقوم بخدمته ~~لدفع القلق، وهنا التفت الملك إلى الحاجب باهتمام وقال: تتكلم بصيغة الجمع، فهل معك أحد؟ ~~نعم يا مولاي، إن المشير الأول وبعض أعوانه ينتظرون منذ أمرتني بإغلاق الباب، فتذكر الملك ~~أنه كان على موعد مع مشيره الأول ليطلعه على ما يكتشفه بواسطة عيونه وجواسيسه من الأدلة ~~الجرمية التي تدين ابن أخيه، ومن يغرر به من أبناء الحرام، فأمر بإدخاله حالا ناسيا أن ~~الجوع أخذ يحرق معدته، وأن الظمأ يلهبها، «إن العرش في خطر» كلمة أضاعت صوابه، وشغلته ~~عن ذاته، فصرف عن كل شيء. # دخل المشير وكان رجلا مهيبا، تدل ملامحه على أنه يودع الكهولة، ويستقبل شيخوخة رغدة ~~نضرة، محتفظا بنشاط شبابه، فحيا بالتحية الملكية، وظل واقفا ينتظر أن يفيق الملك من ~~ذهوله. # انتبه الملك بعد لحظات، فأمر المشير بالجلوس على مقعد أمامه، وساد القاعة صمت مهيب، لم ~~يجرؤ المشير على الرغم من اضطرابه الظاهر أن يخرق حرمته؛ لأن المراسم الملكية تقضي بألا ~~يفاتح أصحاب الجلالة بالحديث، وأخيرا وبعد دقائق صمت وتأمل التفت الملك إلى مشيره وقال: ~~أتعبتك اليوم، فهل من جديد؟ # المشير ~~: # لا يتعب العبد في خدمة مولاه يا صاحب الجلالة، وإنما يقلقني ما أغمض علي من ~~أسباب تأملات الملك وتفكيره بعد عزلته الليلة، والثقة لا يتحمل الإبهام، وهل على ~~هذا العارض المفاجئ من جديد؟ # الملك ~~: # كنت أتأمل في مغازي أسطورة كثيرا ما سمعتها من أستاذي ~~الحكيم - رحمه الله ووسع عليه في سمائه - وكأني ~~أسمعها منه الآن، ولا أدري لم نسيتها كل هذا الزمن. # المشير ~~(وقد رأى في معرفة هذه الأسطورة مفتاحا عله يساعده على فتح ~~أبواب ما أغلق عليه من أسباب ذهول الملك وهمه) ~~: # وهل يتفضل مولاي الملك، فيجيز لي التأمل في مغازي أسطورة ذلك الحكيم؟ # الملك ~~: # إنها الحكمة، لبست لباس الأسطورة والخرافة، إنها من الحكم الخالدة، فاستمع لما ~~رواه أستاذنا الشيخ عن ms055 الأقدمين : # كان في بلاد الهند قديما ساحر عظيم، اشتهر بالعلم والحكمة وسمو المدارك، وبلغ ~~في مقدرة نفسه أنه كان يفهم لغات الحيوان، ويستطيع قلب الأعيان، فينقل الإنسان ~~لصورة الحيوان والحيوان لصورة الإنسان، وما كان يعجزه أن يجعل النبات أو الحجر ~~حيوانا أو إنسانا، ولا أن يعكس، ولا أدري لم اختص القدم بهؤلاء السحرة ~~الأفذاذ. # رأى ذلك الساحر يوما فأرة، أهزلها حزن شديد دائم، وفي استجوابها علم أنها تخاف ~~من الهرة، فأشفق عليها، وحولها إلى هرة عظيمة تهابها الهرر والهررة. # مر الساحر بتلك الهرة - الفأرة - واستغرب أن يجدها في حزنها وهلعها؛ لأنها أصبحت ~~تخاف من الكلب، فعزم عليها، وحولها إلى كلب كبير كاسر تخشاه سائر الكلاب. # ولكنه عاد في اليوم الثاني فوجد ذلك الكلب - الفأرة - في حزن وجزع ورعب، إنها ~~أصبحت تخاف من الضبع، فأقسم عليها فانقلبت ضبعا مفترسا تفر من هيبتها ~~السباع. # ولكن أخذته الدهشة في اليوم التالي إذ رأى تلك الضبع - الفأرة - في حزنها وجزعها ~~ورعبها؛ لأنها أصبحت تخاف من الصياد، فسخط، ثم التفت إلى تلك الضبع، وعزم وأقسم، ثم ~~قال: ارجعي إلى أصلك، فإنني لا أستطيع أن أعمل شيئا في إبادة الخوف من نفسك ما دمت ~~لا تحملين إلا قلب فأرة. # هنا تنتهي الأسطورة، وإنني لأتأمل في اللئيم تحسن إليه ويظل اللؤم مسيطرا على ~~نفسه وكيانه، وأفكر في أبناء الحرام لا يمكن أن تصدر عنهم أعمال أبناء الحلال مهما ~~تعلموا ومهما رفعت من مقامهم. # المشير ~~(وقد تملكه الخوف) ~~: # وهل يشك صاحب الجلالة في إخلاص عبده هذا؟ وأشار إلى نفسه. # الملك ~~: # لم أردك في قولي هذا، ولم أقصد أي شخص بعينه، ما دمت في سحب الغموض، لا أستطيع ~~أن أتثبت من الجرم فأتهم، إن الجرم واقع والعرش أصبح في خطر، ولا أدري من المجرم ~~لأنقذ المملكة والعرش من إجرامه، من هم أولئك الانتهازيون الذين لا يهمهم إلا ~~الوصول ليشبعوا جوع أطماعهم؟ من هم أولئك الخونة؟ وهم لا يتورعون عن الاتصال بعدو ~~المملكة، يتآمرون على العرش؛ ليرووا ظمأ تعلقهم بالمناصب ms056 والمظاهر ، من هم أولئك ~~المنافقون الذين يظهرون الإخلاص لملكهم، وهم لا يعملون إلا للإثراء والترف على حساب ~~إفقار الشعب، وتعريض العرش للخطر؟ إنهم أبناء الحرام، ليسوا من هذه الأمة وإن ~~حشروا بين أبنائها، وليسوا من أصلاب آبائهم وإن نسبوا إلى أولئك الآباء؛ لأنهم لا ~~يفكرون بصالح الأمة ولا بكرامة الآباء والأجداد، تغريهم الأوهام، وينفخهم ما هم ~~عليه من ادعاء وغرور، إلى متى نخدع بهم ولا نجد وسيلة الاهتداء إليهم لننقذ الأمة ~~من شرورهم؟ قل لي: ماذا فعلتم أنت وأعوانك؟ وما هي الأدلة التي تثبت الجريمة؟ قل لي ~~قبل أن يسبقنا الزمن، فأضطر في تصرفي لأن أنقم من أبرياء، وأقرب مجرمين يحسنون ~~الخداع والتدليس والشعوذة، فننهار جميعا، ونصبح في قبضة شداد، يذلنا ويستعبدنا ~~وهو لا يرحم. # المشير ~~: # مولاي، ليس اكتشاف هؤلاء بالأمر السهل، ما دام الشر كل الشر يكمن في حاشية صاحب ~~الجلالة وفي أخصائه وموضع ثقته، وأكاد أصل، فليتكرم صاحب الجلالة بإمهالي بعض ~~الوقت، أو فليصرفني من عملي إذا أمر. # الملك ~~: # أراك مللت العمل، وما تعودت أن أسمع منك ما أسمع. # المشير ~~: # مولاي، أفتسمحون لي أن أكون صريحا وعلي الأمان؟ # الملك ~~: # قل ما بدا لك. # المشير ~~: # إننا مكبلون، لا نستطيع حراكا ما دمنا نتلقى الأوامر من الوزراء والكبراء، فمن ~~نفوس بعض هؤلاء تنتشر السموم، فيختلط علينا الأمر، نعم، إن العرش أصبح في خطر، ~~والعرش لمليكه، وللملك أن يحفظه ويحميه، فإن كنا نستحق ثقته فليتفضل بمنحنا سعة ~~تامة في صلاحيات العمل، على ألا نتلقى أمرا إلا من صاحب العرش المفدى؛ لأنه بحكم ~~وضعه يمثل مصلحة المملكة وصالح الرعية، ولا بد في هذه الحالة من أن نأمن الشغب ~~والدس والنميمة، فنكون في جو من الصراحة لا تحجب أنوار الحقائق فيه سحب الشعوذة ~~والتدجيل. # الملك ~~: # ليكن لك ولمعاونيك ما أردت، وإنني أمنحك سلطة تامة تشمل جميع الناس، حتى وحيدي ~~الصغير ولي العهد. # المشير ~~: # ويكون ذلك سرا لا يعرف به أحد. # الملك ~~: # نعم، فاذهب ونم بهناء. # المشير ~~: # والله لن أنام في فراش بعد اليوم، ms057 حتى أكتشف مكمن الفساد والشغب، وأمكن مليكي من ~~أن يضع الأمور في نصابها، سأطلق هررتي لتصطاد تلك الفئران، فتسلم الأمور لأربابها، ~~ويرتاح الشعب، فلا يظل بقرة لا يصل صغارها للبن أمهم الحنون. # عاش الملك، يكلأ الشعب بعناية الله. # | الفصل السادس عشر # قال الراوي: كان الوقت سحرا لم يتنفس عن فجره، ولم ينبثق عنه صباحه بعد، عندما طرقت ~~دار الأستاذ الجليل طرقا خفيفا، استفاق له التلميذ الشاب، وأسرع إلى فتح الباب، إنها ~~طرقات أنبأت عن موعد عقد في الأمسية الماضية، وتهيأ لها الشاب بأمر من أستاذه. # دخل الرجل متلففا بعباءة واسعة أخفت معالمه، وكان رجلا قصيرا، ترشح على وجهه الغامض ~~أمارات الخبث والمكر والرياء، مع هيبة ووقار في طلعته، لا يستطيع إنكارهما من يراه وإن نفر ~~منه، لم يسبق للشاب أن رأى هذا القادم، ولا يعلم عنه سوى قول أستاذه: إن سيدا عظيما سيطرق ~~بابنا وقت السحر، فانتبه إليه، وأيقظني حالا بعد أن تعلمه أنني أصلي صلاة السحر. # لم يكد الرجل يجلس في قاعة الاستقبال حتى سأل عن الأستاذ الجليل، فأجيب بأنه يصلي صلاة ~~السحر، فقال: نفعنا الله ببركاته. وكانت شفتاه تفتران عن ابتسامة ماكرة، أردفها بغمزات ~~تعلن أنه يعرف كل شيء فلم يخدع، أسرع التلميذ وأيقظ أستاذه، ولم يخف عنه ابتسامة الرجل ~~وغمزاته، فابتسم الأستاذ ابتسامة من لا يأبه للمكر لأنه أشد مكرا، وبعد أن أصلح حاله ولبس ~~ثيابه بادر إلى استقبال ضيفه الكبير. # كان الأستاذ يتوهم أنه سيقابل شخصا مجهولا لديه، وإذا هو أمام أحد زبائنه، وما كان يعلم ~~أنه وزير الميمنة كان يأتيه متخفيا، فدهش، وكان الوزير يبتسم ابتسامة الماكر الداهية. ~~أهذا أنت؟ قالها الأستاذ وهو يرحب به ويحييه، بعد أن فثأ عن نفسه الدهشة، فأجابه الوزير: ~~أنا هو بعينه. # الأستاذ ~~: # ما كنت أنتظر أن أجتمع بصديق قديم عزيز في هذا الموعد المبارك. # الوزير ~~: # بل قل: بتلميذ قديم، يعترف بالجميل، فقد أفدت كثيرا من نصائحك، وكانت نصائح خبير ~~عالم، عرك الحياة وعركته، وها قد التقينا وعلنا نتعاون. # الأستاذ ms058 ~~: # وكيف حالك مع شداد اليوم؟ # الوزير ~~: # إنني لا أزال أداوره. # الأستاذ ~~: # وتداور الملك العادل معه، أراك تداور الاثنين، وتمكر بهما بدهاء الأذكياء. # الوزير ~~: # ألم تعلمني أن الحياة مداورة ونفاق، وأن الإخلاص شيمة الضعفاء؟ # الأستاذ ~~: # أراك تلميذا نابها، استطاع أن يخدع ملكين عظيمين، وأن يثري على حسابهما وعلى ~~حساب الشعب، فوسع شقة الخلاف بينهما، وظل صديقا لكل منهما، فما أشد مكرك، وما ~~أوسع دهاءك! # الوزير ~~: # وهل جئت أنت إلا لهذا؟ # الأستاذ ~~: # إنني مخلص لجلالة الملك العادل، جئت لأنقذه ~~(قالها ~~متصنعا الغضب) ~~. # الوزير ~~: # قه، قه، قه، قه، وهل بلغ بك الضعف درجة الإخلاص؟ ومتى؟ أيخلص من يملك شجاعتك في ~~الاحتيال والشعوذة والخداع؟ أنسيت احتيالك على فلان وفلان، وخداعك لفلانة وفلانة؟ ~~ومن أنقذك من حكم القضاء غيري؟ لولا يقظتي وحسن تصرفي، ولولا احترامي لذكائك وعلمك ~~وخبرتك، ولولا أملي في أن أجد فيك خير معين على الأخصام، لكنت اليوم - كما تعلم - ~~في أعماق السجون. # الأستاذ ~~: # وهل كنت مطلعا على جميع هذه الحوادث، وقد اتهمت بها ظلما وبهتانا؟ # الوزير ~~: # ألا تزال تحاول مداورتي؟ لم أطلع وحسب، بل تدخلت في صالحك، وهذه وثائق الدعاوى ~~أقيمت عليك، وما أراه تلك الوثائق حتى اصفر وجه الأستاذ، وارتبك ولم يعد قادرا على ~~الكلام، فاستمر الوزير في حديثه بلهجة الظافر الواثق وقال: من هو الذي أغراك ~~بالمجيء إلى العاصمة؟ لم يكن سوى رسول من قبلي، ألم يكن فلانا؟ ثم قام أتباعي ~~بالدعاوة لك، ومهدت لك طريق الاجتماع بجلالته، وكنت ذكيا جدا بالاستيلاء على ~~شعوره وأفكاره، ومن استطاع أن يجمع يستطيع أن يفرق، ولا سيما حين تكون هذه ~~الوثائق في حوزته، إنك قد حققت ظني بك وحققت ظن شداد، فلنتصارح ولنتعاون إذا كنت ~~لا تزال على طموحك في الثروة والوجاهة والنفوذ، وإلا فاذهب إلى بلدك لا يعرف أحد ~~منك شيئا. # الأستاذ ~~: # هه هه هيه، على رسلك يا هذا، وهل أنت من ملائكة السماء أم من قديسي الأرض؟ أتظن ~~أن من أرسلتهم لاغتيال فلان وفلان قد كتموا سرك، ولم يخبروا به أحدا؟ ms059 أو تظن أنك ~~في احتيالاتك ورشواتك بعيد عن أعين الرقباء؟ وهل في تشجيعك للمحاسيب والأقارب ~~والمقربين على مخالفة القوانين خير لهذا البلد؟ # الوزير ~~: # وما لك تحاول رد التهم بخلق التهم؟ إنها لمراوغة جبان. # الأستاذ ~~: # بل هي مدافعة عن الذات، وإنني أملك الوثائق، والله إنني جمعت ما يثبت آثامكم ~~جميعا، أنتم حاشية الملك، ولم يعجزني سوى وزير الميسرة وقائد الجيش والمشير الأول، ~~وسأجد لهم ما يلوثهم ولو في أجواء حياتهم الخاصة، فاطمئن، وما دمنا يعرف كل منا ~~الآخر فلم المداورات وإضاعة الوقت؟! نعم، فلنتعاون. # الوزير ~~(وقد افتر ثغره وبدا ضعفه خبيثا لئيما) ~~: # ألا نتبادل الوثائق ونحرقها؟ # الأستاذ ~~: # على أن نكتب عهدا في التعاون. # اتفق المشعوذان الماكران على ذلك، وأحضر الأستاذ الجليل وثائقه، ونودي على التلميذ، وطلب ~~إليه أن يحرق هذه الأوراق أمام أعينهما، ففعل، ثم تناقشا في نص العهد، فالوزير أراده ~~مبطنا ينص على أنهما يتعاونان في صالح المملكة لينقذ بذلك الظواهر، وأصر الأستاذ على أن ~~يكون صريحا، لا التواء فيه ولا تورية، فينص على أنهما يتعاونان على خداع الملك وشعبه، ~~ويقتسمان المغانم والأرباح مادية ومعنوية، وانتصرت فكرة الأستاذ، واثقين بأنها تظل سرا ~~مصونا، وضمانا لعدم حصول سهو أو نسيان، وأمضيا صك الخيانة والنفاق. # عندئذ وبعد أن احتفظ كل منهما بنسخة من ذلك العهد، التفت الوزير إلى شريكه الأستاذ، وقال ~~بألم وضعف باديين: إنني أخشى تغير الملك علي. # وقص عليه ما جرى في الاجتماع، ثم روى له ما علم عن سهرة الملك وعن اجتماعه بمشيره الأول ~~وكأنه كان حاضرا، وأكد له أن الملك يأمل أن يجد فيه روح أستاذه الشيخ الوقور موقد نار ~~الثورة على أبيه. # الأستاذ ~~: # وكيف اطلعت على ما لم تشهد من الحوادث وما عهدتك من المنجمين العبقريين. # الوزير ~~: # لا أكتمك الحقيقة، وقد توحدت مصالحنا، فإن حاجب الملك هو جاسوس مخلص لي، ونستطيع ~~الاعتماد عليه، ولكنني أود أن أنبهك لخطأ أوقعك فيه حرصك على اجتذاب قلب الملك، ~~ولكنه يضر في مصلحتنا. # الأستاذ ~~: # وما هو هذا الخطأ؟ # الوزير ~~: # إنك قد ms060 أوعزت بفكرة الحرية، وأطنبت أمام جلالته بحرية الشعب، وأنحيت باللائمة على ~~طريقتي في التجسس، ولا أدري كيف يمكنك أن تتدارك كل هذه الأمور، وهي لا تنسجم مع ~~ما صممنا عليه. # الأستاذ ~~: # لا أريدك خوارا في عزيمتك، وقد أحسنت في إبلاغي ما جرى للملك، وسأتدبر الأمر ~~فاطمئن، وأما اهتمامك بما قلته عن الشعب وحريته، فإنه يدل على ضعف في كياسة ~~السياسة، ولا أدري كيف فاتك هذا الأمر، إننا نعطي من نخدع ما يحب وما يريد؛ لنأخذ ~~منه ما نحب وما نريد: الحرية، العدالة، الرحمة، وما ماثلها، إنما هي كلمات يؤخذ بها ~~المغفلون، ونستغلها نحن لمصالحنا، إننا لم نتورع عن استغلال الأديان على سموها وعلى ~~شدة تأثيرها، أفنعجز عن استغلال هذه الكلمات، إنها كلمات تسحر عيون الناس وتعمي ~~قلوبهم ما داموا لا يفقهون لها معنى، فلم نتورع عن استغلالها؟ هي سلاح خصومنا، ~~فلنسلبهم سلاحهم هذا، ولنتخذه سلاحا لنا، إنما يخشى علينا منها، إذا ما فقهوا ~~معانيها، واتصلت بنفوسهم على حقيقتها، وسترى كيف سأشوش على الملك وعلى الشعب فهم ~~معاني هذه الكلمات الساحرة، سيختلط عليهم الأمر، فتدرك كيف نتخذها وسائل لإلقاء ~~أبواب السحر، نحن السحرة لا نكتفي باستخدام عالم الجن ولا بالاتصال بعالم الأرواح، ~~بل نستخدم هذه الألفاظ ولا سيما المبهمة منها، وهي أكثر تأثيرا في استعباد الناس ~~من الجن والشياطين والأرواح والشعب، ألا تزال تؤمن بخرافة الشعب؟ إنه وثني ألفاظ، ~~يساق بها كما تساق الماشية ما دام جاهلا مغفلا، وإذا اضطررت لتعليمه فاثقل ~~المنهاج وغرر بالمعلمين، كن مطمئنا، وثق بي، ولا تعجل، فالعجلة من الشيطان يزل بها ~~الإنسان. # وما بلغا من حديثهما هذا الحد حتى دخل التلميذ، ينبئ الأستاذ عن وصول رسول الملك مع بعض ~~الأتباع، وإنهم يقولون: إن جلالته في انتظار الأستاذ الجليل. # ظهر الفزع على الوزير، فابتسم الأستاذ قائلا: ابق هنا مع تلميذي إلى أن يبعد بي ~~الموكب، وإلى اللقاء، وابتسم كل منهما للآخر ابتسامة المكر والنفاق. # | الفصل السابع عشر # قال الراوي: استقبل جلالة الملك العادل الأستاذ الجليل بحفاوة بالغة ms061 في صبيحة تلك الليلة ~~الساهرة البيضاء، وكان لا يزال متأثرا بتخيله، إن روح ذلك الشيخ، قد بعثت في ناسوت هذا ~~الأستاذ الجليل، وأصبح ينتظر على يديه الإنقاذ من بلبلة الأزمة، أهلا بأستاذنا الجليل. ~~قالها الملك بنبرة الآمل الواثق وأردفها بقوله: كيف أصبحت؟ فأجابه الأستاذ بهلجة تذلل العبد ~~الخاضع متخذا هيئته: على خير ما أرجو لسيدنا ومليكنا صاحب الجلالة المفدى، كانت ليلتي ~~بيضاء ساهرة، قضيتها بالصلاة، أبتهل إلى الله، جلت قدرته، أن يكلأ المليك العادل الكبير ~~بعين عنايته، أن يسدد خطاه في الاعوجاج ودرء الفساد، ويرشده إلى ما فيه من خير العباد ~~وإصلاح الرعية، أطال الله عمر جلالة الملك، وأدامه ذخرا للأمة، وحقق معاني تلك الرؤيا ~~الصالحة، وقد رأيتها بعين اليقظ الواعي آمين. # أمر الملك الأستاذ بالجلوس بجانبه، ولم يكن معهما أحد، ثم نادى الحاجب وأمره بإقفال الباب ~~والامتناع عن الاستئذان عليه، والتفت إلى الأستاذ الجليل بوضع المطمئن الواثق وقال: اقصص ~~علي تلك الرؤيا الصالحة، أيها التقي الصالح، فتململ الأستاذ، وانحنى انحناء المتواضع يهاب ~~الكبر، ويأبى الغرور والادعاء، وأخذ يفرك بيديه ويقول: لم تكن يا مولاي رؤيا منام، وإنما ~~كانت رؤيا يقظة وهيام، فلله عباد يهيمون بحبه وينقطعون إليه، فيتهجدون الليل، ويقضونه ~~بالصلاة، والذكر والدعاء، فلا ينامون، وفي هدأة الليل البهيم وسكونه، وفي صميم طمأنينة ~~الصلاة وحلاوتها، تنخطف روحهم إلى العوالم الأخرى، ويتمتعون بمشاهدة قدرة الله في أكوانه ~~وعوالمه، ويسيحون في ملكوته، فيزداد إيمانهم، وتربو حسناتهم، وتنمو أرواحهم، ويتنسمون نسيم ~~السعادة الأبدية والهناء السرمدي، وكثيرا ما ينعمون في انخطافهم هذا بالاجتماع برجال الله ~~الصالحين، من أنبياء وحكماء، وبملائكته الأبرار. هنا أخذت الملك قشعريرة قوية، ارتعش لها ~~جسده، واهتز رأسه، إنها قشعريرة الخشية والانجذاب، ثم تمتم قائلا: أكمل حديثك يا رجل الله، ~~نفعنا الله ببركتك. فازداد الأستاذ الجليل تملقا وخشوعا بعد أن أصبح في نظر مليكه من رجال ~~الله الأبرار، وأخذ في حديثه - وهو يتلبس بأوضاع أولئك الرجال الصالحين في تذللهم لربهم، ~~وبهيئاتهم - وكان بارعا في تمثيله الرائع: وكأني بالإله الرحيم الحكيم ms062 قد أراد أن أكون ~~مظهرا لرضائه على عبده جلالة الملك العادل، ودليلا على عنايته به، فأنعم علي في تهجدي ~~هذه الليلة بانخطاف روحي، نقلني من عالمنا هذا إلى عالم من عوالمه، ولا يعرف مداها إلا هو ~~تبارك اسمه، فرأيتني في قصر منيف، أين منه قصور هذا العالم؟ فقد وجدت فيه ما لا عين رأت، ~~ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، من نعم الله وآياته، ثم انتهى تطوافي في أرجائه إلى ~~حديقته المتسعة الغناء، وكانت وارفة الظلال والنبات، وإذا أنا على مقعد بين يدي شيخ جليل ~~وقور، فحبوت لأقبل يده لشدة ما تهيبته، فلم تقع يدي على شيء، فتذكرت أنني في عالم الأرواح ~~ترى ولا تلمس، فضممت ذاتي إلى ذاتي وانكمشت على نفسي، وقد أخذتني رعدة لم ينقذني منها سوى ~~صوته الهادئ الرخيم يقول: هدئ من روعك، فإنما أنت في دار أمان وسلام، إنه شيخ وقور قد ~~تجاوز التسعين، إلا أن مظاهر همته ونشاطه تجعله في الستين على الأكثر، لولا نصاعة بياض ~~شعره، إنه طويل القامة، عريض المنكبين، بارز الخدين، وعيناه واسعتان يشع منهما أنوار الصفاء ~~والذكاء، صمت قليلا وعلى وجهه أمارات التفكير والتأمل، ثم نظر إلي محدقا وقال: كيف حال ~~الملك؟ ولم ينتظر مني جوابا، والحقيقة إنني كنت معقود اللسان لا أستطيع الكلام تهيبا ~~ودهشا، وأرجو من صاحب الجلالة أن يسمح لي بنقل ما قاله بالحرف؛ لأنني أجهل مضامينه، ولا ~~يجوز لي أن أحرف رسالات الأرواح الطاهرة، وتوقف الأستاذ عن الكلام إلى أن أمره الملك ~~المشدوه بأن يتم حديثه، وأن يروي ما سمع بالحرف دون زيادة أو نقصان. # بعد فترة تململ وتردد، خفض الأستاذ رأسه، وقال بلهجة المأخوذ الغائب عن الوجود: سمعته ~~يناديني باسمي يا مولاي، ويؤكد علي بأن أنقل إليك قوله: «أنسي الملك أستاذا حفظ له ~~عرشه؟ أنسي قول والده: لتكن روح أستاذك دائما معك ولا سيما عند الشدائد، أخمدت نار روح ~~الثورة في نفسه، فالتفت حوله حاشية السوء؟ وكل ما أخشاه هو ما أنذرته به منذ ms063 ثلاثين سنة ~~عندما اعتلى العرش، من أن تنقلب الثورة عليه، ولولا أنه يذكرني الآن، ويذكر حكاية الساحر ~~والفأرة لما ذكرته ولما اهتممت بشأنه، ليذكر ما مضي وليعتبر، فلا يجمع حوله الفئران - صغار ~~النفوس - المتلبسين بعنجهية غطرسة اللؤم والجحود، أولئك هم أولاد الحرام، كن له خير مرشد ~~ومعين، وباعتماده عليك يعتمد علي أنا مرشده وليا للعهد؛ لأن روحي تحل في ناسوتك، وتتحد ~~بروحك، فنعمل معا على إنقاذه وإنقاذ العرش، وقد أصبح في خطر، هذه إرادة الله، وفي نهاية ~~قوله هذه إرادة الله، وجدت نفسي في غرفتي، أسبح وأذكر، وأنا مدهوش لما رأيت، مأخوذ مما ~~سمعت، أنتظر أن أتشرف بالمثول بين يدي مولاي صاحب الجلالة علي أطلع على ما في عبارات هذه ~~الرؤيا الصالحة من مغاز وأسرار، وأقسم بالله، إنني لم أفقه شيئا من ألغازها، وهنا سكت ~~برهة، ثم قال: ولعلها أضغاث أحلام خدعت بها، فأستميح مولاي العذر على جرأتي في ذكرها أمام ~~جلالته»، لم يكن ليخفى على الأستاذ وهو ينطق بهذه الجمل بتؤدة وهدوء وخشوع، حال الملك ~~مأخوذا بما سمع في موافقات مواقف الرؤيا وهمساتها، لمواقف تأملاته وهمساتها، وما كاد يسمع ~~من الملك قوله: كلا ليست أضغاث أحلام وإنما هي الحقيقة بعينها، وما كان يتحقق قوة تأثير ~~أقواله في تأملات الملك وقد أصبح في شبه غيبوبة، حتى ارتعش الأستاذ ارتعاشة قوية وهو يقول: ~~مولاي مولاي، ألا ترى الشيخ الوقور معنا الآن؟ إنه هنا، ينظر إليك بعين الرضا، نعم إنه ~~بيننا ينظر إليك، ويحدق نظره بك، وكأني به يريد أن يتكلم، ألا تراه يا مولاي؟ ألا تسمعه؟ ~~وكالمنوم أو المصروع رأى الملك شبح أستاذه الوقور بعينيه وسمع صوته بأذنيه يقول: ذكرتني ~~فذكرتك، وإنني مطمئن ما دمت تستمع لهذا الأستاذ وتعمل بإرشاده، ففيه حلت روحي واتحدت بروحه، ~~فلا خوف عليك ما دام معك، هذه إرادة الله، واختفى الشبح، وغاب الملك عن وعيه، وغرق في سبات ~~عميق، ورأسه على صدر الأستاذ اليقظ الواعي والمشعوذ الخطر. # تردد راوي هذه الحكاية في تعليل هذه الظاهرة، وفي ms064 تفهم أسرارها، سحر المشعوذ عيني الملك ~~وهذا مألوف، إذ كثيرا ما يسحر الدجالون المشعوذون أعين الناس، فيجعلونهم يرون ما ليس له ~~وجود، ولكنه كيف سحر أذني الملك فسمع بهما ما سمع؟ أتكلم الساحر من بطنه، وخدع الملك، فتوهم ~~الصوت يصدر عن الشبح؟ أم أن الوهم يتصل بالأذنين كما يتصل بالعينين في سحر المشعوذين؟! ~~كلاهما ممكن، وكيفما كان الواقع فالأستاذ قد أنفذ وعيده، وألقى باب الوهم على الملك، فملك ~~عليه قلبه وحواسه، ويذكر القارئ النبيه أن باب الوهم - كما سبق وألمعنا إليه - هو من أبواب ~~السحر، وهو صنو الصرعة، وإن شياطين الوهم - وقد هدد الساحر بها - تستحوذ على العينين ~~والأذنين والقلب والدماغ وعلى جميع الحواس، فتجعل الإنسان يتوهم أنه يرى وهو لا يرى، وأنه ~~يسمع وهو لا يسمع، وأنه يأكل ويشرب وهو لا يأكل ولا يشرب، وأنه يفكر ويعبر وهو إنما يخلط ~~ويهذي ويثرثر. # والمشعوذون إنما يؤثرون في المستضعفين من الناس وهؤلاء أنماط: فمنهم من يتأثر لغفلته ~~بتأثير الجشع والانقياد للمطامع والمآرب، ومنهم من تصرعه غباوته لجهله أو استهتاره أو فجوره ~~وفساده، ومنهم من يرتاح للدجل والشعوذة، ولكنه عاجز عن تحمل أسرارها، وتمثيل أدوارها ~~الصعبة؛ لأنها بحاجة لاستعداد قوي في المكر والخداع ولذكاء متقد، فيدخل في الدعاوة لدجال ~~ماكر، ويتظاهر أنه رأى وهو لم ير، وأنه سمع وهو لم يسمع، وأنه أكل وشرب وهو لم يأكل ولم ~~يشرب، وإنما يلذ له أن يخدع نفسه ويخادع الناس، فيغرب بالحوادث ويغالي في رواية الأخبار، ~~وقد ينتهي به الأمر بأن يسحر فعلا فيصبح هو الغافل الغبي صريع الشعوذة والتدجيل، ومليكنا ~~من النوع الغافل، شغله عن ذاته خوفه على العرش، وكم أذهبت العروش من عقول، وإنه الآن في ~~سباته مشغول بما أراد له الساحر من أحلام، فلننتظر فيأته ويقظته لنراقب في واقع الحياة مسير ~~الحوادث والأحوال. # | الفصل الثامن عشر # قال الراوي: لم يكد الملك يحرك رأسه حركة خفيفة إيذانا باستفاقته من غيبوبته، حتى بدأ ~~الأستاذ يتمتم بكلام غير مفهوم، يحرك معه يديه المبسوطتين فوق الرأس ms065 حركة ، توهم أن الرقية ~~- بحكم دورها - هي التي توقظ الملك، فافتر ثغر الملك وهو يفتح عينيه عن ابتسامة رضى، ~~عبرت عن عرفانه بالجميل، ثم صرخ قائلا: لا بد لي من إعدام ذينك الشابين الوقحين وقد اجترآ ~~على رجل عظيم من رجال الله العالمين العاملين، إنني وقد كشف عن بصري في غيبوبتي هذه، قد ~~تمثل لي مشهد تلك الوقاحة بوضوح وجلاء، وأرى أن وراءها ما وراءها، وستصيب نقمتي الخائنين ~~جميعا، مهما سما شأنهم، وأيا كانت صفتهم، إن شعلة الثورة لا تزال تتقد بين جنبي، ولن ~~أتوانى في الأخذ على أيدي الخائنين، وقد بلغت وقاحتهم التعرض لكرامة من أجل من رجال ~~الله المخلصين. # لم يكد الملك يبلغ من هذيانه هذا الحد - والساحر الماكر يعلم جيدا أنه إنما كان ذلك ~~بتأثير تهيج أعصاب من يهزه باب الوهم في السحر، وأنها نوبة لا بد أن يزول أثرها، فيعود ~~الملك إلى صوابه، ويدرك مبلغ الظلم في إعدام من لم يعدم نفسا، ولم تثبت عليه خيانة ما - ~~حتى تلبس بمظاهر أهل التقى والورع، وهو البارع في تمثيل أدوار النفاق والدجل، وقال وهو ~~يرتعش «من خشية الله»: مولاي مولاي، حلمك ورضاك، لا نستطيع - وقد أنار الله قلوبنا بالإيمان ~~- أن نوافق على الانتقام ممن يلحق بنا الأذى، لا أرى في الناس لي عدوا وإن ألحق بي ~~الضرر؛ لأننا أمرنا بأن نحب أعداءنا، ونعدل في شانئينا، ونحسن لمن يسيء إلينا؛ لأن الله ~~ربنا جميعا، يحب المحسنين، ويجزيهم رضوانه، فامنحني هذين الشابين وأنا الكفيل بإعادتهما ~~لجادة الصواب، إنه مس من الشيطان أصيبا به، فاستقر في قلب كل منهما جني، سأخرجه بإذن ~~الله، ويصبحان من أخلص عبيد مولاي صاحب الجلالة، وكم أخرجنا من قلوب الناس من جان وشياطين ~~وعفاريت، هذه هي رسالتنا في هذه الحياة، ننفع الناس، ونتحمل أذاهم، ولا ننتظر جزاء ولا ~~شكورا. # فتن الملك بقول المشعوذ - كما سبق وفتن بفعله وألاعيبه - فارتفع في نظره إلى درجة ~~القديسين من الأولياء والأنبياء، ولا غرابة، ألم يستحضر له روح أستاذه وقد رآه ms066 بأم عينيه، ~~وسمع حديثه بأذنيه؟ أبعد الحس يرتفع دليل؟ ثم، ها هو يعفو عمن أهانه وآذاه بتسامي القادر ~~على الانتقام، المترفع عن مقابلة الشر بالعقوبة، وعن إلحاق الأذى بأعدائه وشانئيه، إنه لخلق ~~عظيم تقترن به الأعاجيب، وهل يصدر هذا إلا عن الصديقين الأبرار من رجال الله؟ وما أسعد من ~~يهيأ له مرشد من هؤلاء! فما أسعده هو الملك العادل بهذا المرشد الإلهي العظيم! وهكذا سيطر ~~المشعوذ على نفس مليكه، واستولى على إرادته، فأصبح الصديق القديس البار، لا يرد له طلب، ولا ~~يرقى إليه الخطأ، فلم يجد الملك مناصا من أن يسأله: وما رأي الأستاذ الجليل في هذين ~~الشابين الأحمقين المأفونين؟ فأجاب: لعل الخير يا مولاي في أن يصدر أمر جلالتكم السامي ~~بنقلهما إلى داري مكبلين بالحديد، حيث يظلان تحت رقابة تلميذي إلى أن أعود إليهما، فأعمل ~~على إصلاح ما أفسده في نفسيهما ذلك المشعوذ الدعي. وعنى أستاذهما الحكيم. # لم يستمع الملك لما قاله الأستاذ الجليل حتى أمر بتنفيذ إرادته على الفور، فأرسل الأستاذ ~~إلى تلميذه يوصيه بالاحتفاظ بهما على وضعهما وحراستهما إلى أن يعود، ثم التفت جلالته، وقال: ~~وذلك المشعوذ الدعي الذي يفسد علينا شبابنا أفلا يستحق الموت؟! فارتعش الأستاذ، ورفع أصابع ~~يديه، ثم نفض طرف جبته وقال: نجنا اللهم من أن نضطر لإزهاق النفوس، لو تمهل مولاي الملك ~~وترك لي تدبير الأمر بتؤدة وحكمة، إن في قتل هذا المشعوذ الدعي حياة له، وخلودا لفكرته، ~~وهذا هو شأن أمثاله من المشعوذين يدعون التفكير والإصلاح، ألم يبلغكم ما قاله أحدهم، وقد ~~اكتشف الحقيقة وقال: # اقتلوني يا ثقاتي # إن في قتلي حياتي # إنني سأنفذ رغبة مولاي، وسأقتله بتدبيري؛ لأنه مجرم يستحق الإعدام، إنني سأقتله قتلا ~~معنويا روحيا، فأفض جمعه، وأفرق ما حوله من شباب ورجال، بتوزيع المناصب والأعمال ~~الحكومية على البعض، وبمنح الأموال لآخرين، وبالوعد والوعيد، ثم بنشر عيوبه، وجل من لا ~~عيب فيه، بين الناس، ولعله يجوز لنا هنا أن نعتمد على الأراجيف فنبثها حوله، فلا يقترب منه ~~الناس خشية ورهبة، ms067 فهو ملحد كافر، وهو فاسد فاجر، يجمع حوله الشابات والشبان والنساء ~~والرجال، وهو محتال ماكر، يتخذ المثل والقيم وسائل لإشباع الأطماع من مال ومناصب ونفوذ، وهو ~~... وهو ... وسيكون هذان الشابان من وسائل التمهيد لحملة لا هوادة فيها. # الملك ~~: # ولكنني علمت أن الناس - ولا سيما الشباب - شديدو التعلق بمبادئه وفكراته، وهم ~~يجلونه إجلالا كبيرا، ويفتدونه بالأرواح. # الأستاذ ~~: # ومتى كان للناس ذمام؟ ولا سيما عندما يسري نسيم المال بين جموعهم، ويتغلغل أمل ~~المناصب والأرباح في نفوسهم، ولا تسل عن اهتزاز القلوب للوعود، تصدر عمن يتوهمون ~~فيه القدرة على الإنجاز، ليطب مولاي نفسا وليقر عينا، فشئون الدولة أصبحت في يدي ~~صناع ماهر، لا يخشى فشله، المهم أن يمنحني مولاي ثقته، وأن يوسع علي ميادين ~~العمل والسلطة بأمره وعلى عينه. # الملك ~~: # لك ما تشاء، ولكننا شغلنا بالمهم عن الأهم، فما رأيك بأبناء الحرام؟ وكيف نستعيض ~~عن طريقة التجسس، وقد ضاق الناس بها ذرعا لنختبر مواليد الناس؟ ألا تراني على حق ~~في الاهتمام باختيار أبناء الحلال للمناصب والأعمال؟ إنني أرى أن وزير الميمنة قد ~~خدعني، عندما اقترح علي التجسس على الناس، ولكنه كان مصيبا في نظرته إلى أبناء ~~الحرام. # الأستاذ ~~: # أراه قد أصاب في الفكرتين، ولكن أبناء الحرام - وقد انتبهوا للأخطار تحيق بهم - ~~استطاعوا أن يشوشوا على الثانية، وهي طريقة الاختيار بالتجسس، ولم يستطيعوا أن ~~ينقضوا الأولى، وهي فكرة اختيار أبناء الحلال، والتشويش على طرائق تحقيق الفكرات ~~أسهل من التشويش على الفكرات ذاتها، ولكن مكرهم سيعود إليهم، وسيستقر كيدهم في ~~نحرهم، فأنا لا أشك بإخلاص وزير الميمنة، وأثق بحصافته وذكائه، وأتبنى فكرته، ~~وأراها فكرة صحيحة صالحة، وإذا ما وجب أن نفكر في تغيير الطريقة، فلا يكون ذلك ~~تجريحا لطريقته، ولكن لإيقاف دسائس التشويش عند حدودها، ولدي طريقة سحرية تحتاج ~~لوقت وجهود، وما كنت لألزم نفسي بها على شدة ما توجب من إرهاق، لولا ما توجبه علي ~~عبوديتي لمولاي من فرائض وواجبات يسترخص معها كل غال نفيس، ويستسهل كل صعب مجهد ~~بله الحياة. # الملك ~~: # ما هي ms068 الطريقة المثلى؟ أوضح بربك، وكل صعب يسهل، وكل عثرة تزال، إذا لم تكن من ~~ذلك النمط، وقد أرهق الناس. # الأستاذ ~~: # هي طريقة لا يشعر بها الناس، هناك تاج سحري أصطنعه بما أحصل عليه من تحف الكنوز، ~~بقوة الأرواح والجن والشياطين، ولا يراه على رأس صاحب الجلالة سوى أبناء الحلال، ~~وقد أمرني أستاذك الشيخ الوقور بصنعه، ووعدني بالمساعدة والتأييد. # الملك ~~: # وهل يستغرق صنعه الوقت الطويل؟ # الأستاذ ~~: # إنه يحتاج لسنين لا تقل عن الثلاث، ولكن عون الملك وتأييد الأستاذ وعناية الله ~~تمدني بقوة خارقة آمل معها أن أكتفي بستة من الشهور، وهذا أقل ما يمكن، وشهور ستة ~~ليست بالوقت الطويل. # الملك ~~: # وبم أستطيع عونك؟ # الأستاذ ~~: # بالمال وبالسلطة؛ لأنني سأحتاج لاستغلال أرواح بعض الناس ونفوسهم لتساعد الأرواح ~~العلوية والجن والشياطين، وبغير ذلك لا أستطيع اختصار الوقت، فإما أن أوفر على ~~جلالتكم وأعمل سنوات وإما أن أعان وتبسط يدي فأكتفي بستة من الشهور، والأمر ~~لمولاي. # الملك ~~: # لك كل ما تريد على أن تعدني بإتمام العمل في ستة أشهر. # الأستاذ ~~: # أعد مولاي صاحب الجلالة بأن أتمم صنع التاج بمدة لا تتجاوز الشهور الستة إن شاء ~~الله. # | الفصل التاسع عشر # قال الراوي: سر الملك للتاج السحري الذي وعد به، وبعث تخيله لعظمة ذلك التاج وروعته ~~زهوا في نفسه، ملأ كيانه، إنه سيتفرد به بين ملوك زمانه، وكم أيقظ حب التفرد من غرور، ~~وسيكون لأزمة التجسس حل يهتدي به لأبناء الحرام؛ فيبعدهم عن نعيمه وعن حمل التبعات، فالتفت ~~إلى الأستاذ الجليل، وقال بصوت المطمئن المستسلم: قد وثقت بوعدك، وها أنا أصدر أمري للخازن ~~بأن يمنحك ما تحتاج إليه من مال، وسأدعو رجال الدولة وأركان المملكة لطعام الغداء وتكون ~~معهم، فيدركون مقامك عند الملك، فلا تقف في سبيل مشروعك عثرات، ولا تكتنفه صعوبات، وسأخصص ~~لك قصرا بجانب قصري، يكون مسكنا لك إلى أن تستقر الأمور على وجهها الأمثل. # ما سمع المشعوذ الماكر بما وعده الملك من عطاء وعناية، حتى كاد قلبه يطفر من عينيه ~~لشدة فرحه، ولكنه - وهو ms069 الماكر الخبيث - رأى الموقف يدعو لإظهار العفة والتواضع، فوقف ~~منحنيا انحناء العبد لسيده وطفق يرتل آيات الحمد والثناء، ويدعو لمليكه العظيم الجواد ~~بدوام العز والتوفيق والإقبال، مؤكدا إخلاصه في عبوديته وصدقه في خدمته إلى أن يسيطر ~~«الحق» ويهزم «الباطل»، ويتميز «أبناء الحلال عن أبناء الحرام» إلى أن قال: يعلم مولاي ~~صاحب الجلالة أن مثلي لا يطمع بمتاع الدنيا، وإنما يقصد وجه ربه، وبما أن عطاء الملوك لا ~~يرد، أسترحم من السدة الملوكية أن تسمح لي باستمرار السكنى في بيتي المتواضع، على أن أتخذ ~~القصر، وقد تفضل به صاحب الجلالة للاجتماع بأركان الدولة وبالناس، ولعقد المجالس التي ~~تقتضيها الحاجة في إتمام صنع التاج، وأرجو أن يوافق مولاي على أن تدفع الأموال لمن أحتاج ~~لإعانتهم ببيان تتفضلون بالموافقة عليه حتى لا أمس بيدي ما يتورع النساك الزاهدون عن ~~الاغترار به من حطام الدنيا وأموالها، ولا بد لي من التأكيد بأن هذا التاج إنما يأتي ~~بمواده، بقوة الأرواح الأرضية والسماوية، شياطين الوهم من كنوز ملوك الجان، ولولا ما ~~يستلزمه هذا السحر من نفقات لما ذكرت المال على لساني. وهنا رفع رأسه إلى السماء مناجيا ~~ربه، وهو يهدر قائلا: اللهم غفرانك. # أفعمت نفس الملك إعجابا بالأستاذ الساحر، وهو لا يزال يأتيه بالدليل تلو الدليل على ~~تقاه وورعه، وعلى صلته بربه وإخلاصه لمليكه، فأكد له الملك بأنه يطلق له التصرف باستخدام ~~المال لمشروعه على الوجه الذي يراه موافقا دون أن يحتاج للموافقة، وأن القصر له يتخذه لما ~~يفضل من أعمال، ولكن لا يسمح له بأن يمتنع عن تناول الغداء. # الساحر ~~: # لم نتعود تناول الطعام على موائد الملوك، ولا يليق ذلك بمن وهب نفسه لله من ~~النساك الزاهدين، ولكنني أحرص على أن أتعرف بحاشية صاحب الجلالة وبأركان دولته، لما ~~لذلك من صلة روحية بصنع التاج وحسن تأثيره، فلتكن مشيئة الملك، وقد ثبت لي مما رأيت ~~وسمعت أنه قريب من الله، ربنا جميعا. # تهلل وجه الملك لقبول الأستاذ ضيافته، وإنه ليعلم أن الصالحين من النساك والزاهدين كانوا ms070 ~~فعلا في تلك العصور يتورعون عن أموال الحكام، ولو ملوكا، وعن طعامهم، لما يعتقدون فيها من ~~الشبه، ولم ينتبه الملك المأخوذ بشعوذة الساحر وبسحر بيانه إلى مداورته في حديثه، وقد جعل ~~القصر وقد أراده الملك أن يكون لسكن الساحر مؤقتا، عطاء ومنحة ووسيلة زهو، فحوله لهبة ~~دائمة، وكل ذلك عن طريق التورع والتقى والعفة والتواضع، فسبحان من حير العقول في تكوين ~~خلقه! # لم ينتبه صاحب الجلالة لكل ما يقوم به المشعوذ من مداورات واحتيال، وقد أصبح مستسلما ~~إليه بعد ما رأى من عجائب، وبعد ما سمع من عبارات التقى والورع والزهد والعفة والترفع عن ~~حطام الدنيا، فلم يعد باستطاعته أن يحمل قوله على غير محمل حسن الظن والقداسة، ثقة منه ~~بطيب نفسه وبصحة تفكيره ورقة شعوره، وباتصاله بعالم الملكوت؛ لذلك أراد أن يصرف المدة ~~الباقية لموعد الغداء مع رجل الله، يستطلعه رأيه في أحوال المملكة، فوجه إليه السؤال ~~التالي: # الملك ~~: # ينقل إلي من حين لآخر شكوى الشعب من إسراف الدولة ورجالها، ومن تفشي الرشوة ~~وإثراء أكثر أرباب المناصب، ولا سيما الكبار، على حساب الشعب في إفقاره وتجويعه، ~~ووزير الميسرة يؤيد ما يقال، ويطالب بقطع أيدي هؤلاء المسرفين المرتشين، فما رأي ~~الأستاذ الجليل؟ # الأستاذ ~~: # غريب والله أمر هذا العصر وبنيه، فمتى كان للشعب أن يتطاول إلى رجال الدولة ~~وأركانها فينقد أعمالهم؟! إن الشعب رعية، وهل يحق للرعية أن تناقش راعيها؟ انقلبت ~~الأوضاع وفسد الزمن، ثم ماذا يرى الشعب؟ إسرافا؟! وهل تقوم هيبة الدولة على غير ~~الإسراف؟! إننا محاطون بدول، يقصدنا سفراؤها ورجال الأعمال فيها، وهم يتصلون ~~بالأمراء والوزراء ورجال الوجاهة والنفوذ، وكثيرا ما يتصلون بصاحب الجلالة نفسه، ~~فهل يجد هؤلاء سلطانا للدولة إلا فيما يمد لهم من سمط وموائد، وفيما يقدم لهم من ~~أطعمة وهدايا وبإسراف؟ وهل يشعرون بهيبة الدولة إلا فيما يبني رجالها من قصور ~~وفيما يعمرون من قرى؟ وهل إذا ما قبل هؤلاء هدايا الناس ومكافآتهم ليقوموا بواجب ~~تشييد القصور وإعمار القرى يكونون مرتشين؟ أعوذ بالله، إنما هي ضريبة ms071 غير مباشرة ~~يتقاضونها، ولو مالوا في ذلك لخزينة الدولة لأفرغوها وأصبحت خاوية، الرشوة إنما ~~وضعت كلمتها لمنع صغار العمال في الدولة من استيفاء مثل هذه الضريبة لإطعام أولادهم ~~الجياع، وهي ليست من حقوقهم، وليس لها أن تقف في سبيل ما تستدعيه هيبة الدولة من ~~زهو في نفوس رجالها، ومن ترف في حياتهم، فهذا حق طبيعي لهؤلاء الأشراف المهذبين ~~والذوات المختارين، وإنما الشعب رعية للملك ومقربيه، وهو غنم لهم، يقتسمونه حسب ~~مشيئة الملك ورعايته. أما إفقار الشعب وتجويعه فهي سياسة حكيمة يجب على الملك ~~اتباعها من حين لآخر ليظل المسيطر على مقدراته، ومتى استمر شبع الشعب وثراؤه، ~~يخشى منه على العرش وعلى من حوله من المؤيدين، هذه هي سنة الكون، والناس طبقات، ~~ولكل طبقة حقوقها، والملك وحده هو الذي يملك حق التصرف بكل ما في المملكة من رعية ~~ومقتنيات، وليس لأحد أن ينافسه في ذلك بله أن ينازعه، يا سبحان الله! انقلبت ~~المفاهيم وأصبحنا في عصر كله سخف وحماقات وغرور وشذوذ، أسأله سبحانه وتعالى أن ~~يلهمنا طريق الصواب، فنوقف كل إنسان عند حده بمعاونة أبناء الحلال، آمين، ولعل ~~مولاي يستغرب هذا البيان مني وأنا الناسك الزاهد المنصرف إلى الله؟ ولكن للدين ~~نظامه وحدوده وللملك والسلطان والدولة نواميسها ومقتضيات تطوراتها وأحوالها، ولا ~~يظلم من يتبع النواميس والتقاليد. # الملك ~~: # ولكن ألا يتنافى ما تقول مع ما تدعوني إلى تحقيقه من حرية وعدالة؟ # الأستاذ ~~: # مولاي، إن للحرية حدودا وإلا كانت فوضى، وحدودها الإنسانية الصحيحة هي هيبة ~~العرش وسلطة الملك، وزهو خواصه وحاشيته ومؤيديه وترفهم، وهذا هو العدل بعينه، فلكل ~~حقه حسب طبقته، والناموس الأكبر هو في أن يظل الناس جميعا عبيدا للعرش ولصاحبه، ~~فللناس أن يأكلوا ما يصلون إليه من طعام كما يشاءون، وأن يعملوا في المهنة التي ~~عليها يتمرنون، وأن يلبسوا ما يجدون كما يريدون، وأن يفرحوا، وأن يتنزهوا، وأن ~~يقوموا بأفراحهم حسب تقاليدهم، وأن ... وأن ... فمن يعترض عليهم؟ فهم أحرار في ~~تصرفاتهم، وها إن جلالة ولي الأمر قد أوقف التجسس عن أعراضهم، ms072 فماذا يبغون بعد ذلك؟ ~~أويريدون أن يتطاولوا إلى صاحب العرش ومقربيه؟ هذا لا يكون؛ لأنه فوضى لا أثر ~~للتحرر فيها، وهي الظلم المبين وبها خراب هذا البلد، أنقذنا اللهم من أبناء الحرام ~~الذين يوسوسون في الصدور ويقولون ما لا يعقلون. # الملك ~~: # ويظهر أن الناس يطالبون بالمساواة ولا سيما مساواة المرأة بالرجل، ويشددون في هذا ~~الطلب على ما علمت، فما الحيلة؟ # الأستاذ ~~: # المساواة بين الطبقات؟ وبين المرأة والرجل؟ إطلاقا، أين نحن؟ وفي أي زمن؟ حتى ~~المرأة تتطاول! وهل بلغ الضعف بالرجل حده الأقصى حتى أصبح يؤيدها في مطلبها هذا؟ ~~أكاد أتهم نفسي بالخبل والجنون، والله لبطن الأرض خير من ظهرها إذا ما استمرت هذه ~~الترهات، ولكن لا، فسنعمل على إحباط مساعي المفسدين، وهم إنما يريدون لنا الفوضى في ~~حياتنا. # وهنا أعلن موعد الطعام، فذهب الملك وضيفه إلى المائدة، حيث كان رجال الدولة المدعوون في ~~انتظار الملك، وسيستمر حول المائدة الحديث. # | الفصل العشرون # قال الراوي: جلس صاحب الجلالة، وأجلس الأستاذ الجليل عن يمينه بعد أن قدمه بصفته المشير ~~الخاص للملك، فتقدم الحاضرون واحدا واحدا إلى مصافحة المشعوذ مقدما له نفسه باحترام كلي، ~~وكان الانكماش باديا على المشير الأول ووزير الميسرة ومن والاهما، مسرين في نفوسهم ~~الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، أما وزير الميمنة ومن والاه، فإن البشر كان يطفح على ~~وجوههم معلنين عن غبطتهم بما شاء الله، اللهم احفظ للملك هذا الرجل الحكيم، رجل الله ~~الأمين، واجعل البركة في حياته وامنحه التوفيق، آمين. # لم تغب هذه الأوضاع عن نظر الملك، ولكنه كان قد قرر في نفسه ألا يثير أية قضية قبل أن ~~ينجز صنع التاج، وسيلة التفريق بين الحق والباطل بالتمييز بين أولاد الحلال وأولاد ~~الحرام. # مضت لحظات صمت مهيب، هي من ضرورات الاجتماع مع الملوك؛ ليتخذ المجلس وضعه الوقور في حضرة ~~صاحب الجلالة، ثم صدرت عن جلالته إشارة خفية يدركها الخدم، فبدئ بتقديم الطعام، ويكفي أن ~~ندرك أن المائدة هي مائدة ملكية؛ لنتصور ما يقدم فيها من شهي الأطعمة المتعددة المتنوعة، ms073 ~~يتقطر الترف من أفاويهها وأدهانها وألوانها، لدقة الصناعة في تحضيرها وللعناية في اختيار ~~مقبلاتها وعرضها، وما كادت تفوح روائحها الذكية الطيبة، حتى كاد يغشى على صاحبنا الأستاذ ~~الجليل؛ لما نعلم من شدة شرهه، ولكنه - وهو الواعي القوي الإرادة - تماسك وصبر، ولا سيما ~~وهو في وضع يلزمه فيه التظاهر بالزهد والنسك والتعفف عن حطام الدنيا، فبدأ يأكل بتؤدة ~~واعتدال، محاولا أن يتناول القليل من بعض الأنواع، ولكن شهوته المتأججة كادت تمزق ~~أحشاءه. # وفي حومة هذه المعركة التي تثير الشهوات، افتتح الملك الحديث، ولم يكن يحق لغيره أن ~~يفتتحه، فكانت هدنات تقطعها فترات، يتناول فيها المدعوون بعض لقيمات، وقد تعود الجميع هذا ~~الطراز من المؤاكلة مع جلالته، ولكن الأستاذ كاد يموت غيظا وهو الذي لم يتعود مؤاكلة ~~الملوك، فالتزم جانب الصبر، وساير الحضور فيما تستلزمه المراسم الملكية وتقاليدها. # وكان جلالته قد لاحظ نظرات وزير الميسرة، يرمق بها المشعوذ بحذر واحتقار، فأراد أن يرفع ~~الأستاذ في عين وزيره، فوجه إليه الحديث قائلا: وهل لا يزال وزيرنا العزيز على رأيه في منح ~~المرأة حق المساواة بالرجل؟ # فأجابه وزير الميسرة: أليست إنسانا كالرجل؟ فلم لا تكون مساوية له في الحقوق؟ # هنا التفت الملك إلى أستاذنا الجليل مبتسما ابتسامة من يغري بالجواب والمناقشة، فلم يخيب ~~المشعوذ ظن الملك، فأخذ يقول: المرأة إنسان كالرجل؟ ألا تزالون تؤخذون بقول البدو من ~~الأعراب وهم همج حمق لا يفقهون شيئا من معاني الحياة؟ نعم، إنهم قالوا: إن المرأة إنسان، ~~وأبوا لجهلهم وسفههم أن يقولوا إنسانة، حتى لا يفرقوا بينها وبين الرجل في المعنى، ولكن ~~أنحن مضطرون في حضارتنا أن نسير وراء مفاهيم البدو في همجيتهم وجاهليتهم للكلمات؟ المرأة لا ~~أدري ما هيه؟ ولكنها متعة الرجل، وهو وحده الإنسان، وليس لها من حقوق يجوز لها أن تطالب ~~بها، فالرجل سيدها يمنحها ما يشاء، ويمنع عنها ما يشاء، وسعادتها في إرضائه وحسب، وليس لها ~~من الأمر شيء. # الوزير ~~: # ولكن «أليست أما للرجل وأختا وزوجة تشاطره الحياة نعيمها وبؤسها؟ أليست هي ~~التي تعطف ms074 عليه وكثيرا ما تسدد خطاه؟» # الأستاذ ~~(وقد بدت عليه بوادر الانتصار) ~~: # بقولك أخذت، ألا يدل ما تقول على صحة ما ذهبت إليه؟ أليست للبيت، تخدم الرجل ~~ولدا وزوجا وأخا؟ ألا تكون بذلك خادمة للرجل وحسب؟ # الوزير ~~: # الله الله! وهل يفهم بالعطف، عطف الأم والزوجة والأخت، وهل يفهم بالتربية، ~~تربية الأم لولدها، خدمة محتقرة على ما تقصد يا سيدي الأستاذ؟ أترى في عطف جلالة ~~المليك على رعيته وفي عنايته بتدبير شئونهم وحمايتهم أنه خادم في رعيته على ما ~~تريدون في مفهوم الخدمة؟ ولعلكم إنما تريدون ما يقصده أولئك البدو في قولهم: سيد ~~القوم خادمهم، لما ينالهم منه من منافع وخيرات! # الأستاذ ~~(وقد احتدم غيظا، فالتجأ إلى الدس والمغالطة) ~~: # أبلغت بك القحة في اتباعك لمنطق البدو الهمج أن تجعل جلالة المليك خادما لرعيته ~~يا أحمق؟ # قائد الجيش ~~: # احفظ لسانك واذكر أنك في حضرة الملك، ولا يسمح لي تهذيبي وإجلالي للمليك بأن أقول ~~أكثر من ذلك. # الأستاذ ~~(وقد بدت على وجهه بوادر الغضب) ~~: # عفوا يا صاحب الجلالة، فقد أحرجني الوزير. # الملك ~~(ولم يكن راضيا عما قاله الوزير، ولكنه خشي مغبة الأمر إذا ما ~~استرسل في إرضاء الأستاذ، لا سيما وقد تحفز وزير الميمنة للانتصار لشريكه، وبدت ~~بوادر انقسام الحضور إلى حزبين، في أحدهما القائد، فكظم غيظه وقال) ~~: # مهلا إنما أريدها مناقشة هادئة أو فاصمتوا. # الأستاذ ~~(وقد خشي أن يتغير رأي الملك فيه، وقد عثر) ~~: # إنني أعتذر لحضرة الوزير وليسامحني حضرة السادة، فإنني أجل الملك مما قيل، ولا ~~أعتقد أن حضرة الوزير يعني ما قال، وإنما هي فكرات يبثها في الناس ذلك الفيلسوف ~~المشعوذ، وأخشى منها على كيان المملكة. # المشير الأول ~~: # ما لك ولذلك الفيلسوف وهو يتحمل الفقر والحرمان، ويصبر على تحمل كثير من الأذى؛ ~~ليقوم بنشر فكرة ليست إلا في صالح المملكة، تؤيد العرش وتحفظ الملك. # الأستاذ ~~(وقد أظهر الهدوء لما لاحظ من تهيب الملك للموقف) ~~: # إخواني، أنتم سادة البلاد وأشرافها، وأنتم حكامها وأمراؤها، وإن فيما يقوله ذلك ~~المشعوذ هدما لأمجادكم وتدميرا لتقاليد ms075 ما زلنا نرثها منذ أجيال، فنسمح له أن ~~يهدم ما بناه الأجداد من فروق بين الطبقات، أفتريدون أن تخربوا بيوتكم بأيديكم؟ أو ~~يكون غير هذا إذا ما تساوى رعاع السوقة بالأشراف والملوك، والنساء بالرجال، فكروا ~~قليلا، وانزعوا من نفوسكم وهم الديمقراطية، وأنقذوا نفوسكم من سحر هذه الكلمة ~~الهدامة المخربة. # وزير الميسرة ~~: # ليست الديمقراطية على ما تظن يا سيدي الأستاذ، وإنما هي في مفهومها الصحيح أمن ~~وعدالة وحرية وطمأنينة وسعادة، وليست المساواة فيها سوى مساواة في الحقوق ~~الإنسانية، وإن يكن فروق فبالمواهب والأعمال، وفي تحقيق مصالح الأمة ومجد المملكة، ~~وهي تحفظ للملك عرشه وعزته، فلا يهضم لصاحب حق حقه ما دام صالحا يعمل للمصالح ~~العامة دون أن يهمل مصالحه الشخصية، فليست هي الخطر على المملكة، وإنما الخطر كل ~~الخطر في أن يظل الشعب شاعرا بحقارته وذله، لا يجد الجو الملائم لنشاطه ~~وسيادته. # وهنا احتدم الجدال بين الحضور حول مفاهيم الحرية والحقوق والواجبات والنظام والفوضى، ~~وفيما إذا كانت المرأة إنسانا أو نوعا آخر من المخلوقات، وكان وجود جلالة الملك - وقد ~~أراد هذا النقاش لغرض في نفسه - مهدئا نوعا لشدتها ومسكنا لحدتها، إلى أن أضاعت تلك ~~المناقشات صواب الأستاذ، فاستيقظت في نفسه غريزة الشره وقد وقعت عيناه على دجاجة أمامه ~~كالعكة، فنسي مقامه وتصور نفسه في داره فريدا أمام خوانه، فأمسك بها وأخذ يقطعها بأسنانه ~~تقطيع الوحش النهم، فملأ فمه بلحمها وشحمها، وأغرق ثيابه بدهنها، وأفسد ما على المائدة من ~~ترتيب، فدهش الجميع وكادوا يسترسلون في الضحك لولا هيبة الملك، فذهب صاحب الجلالة بضيفه إلى ~~داخل القصر ليبلد له ثيابه، وانقض الناس على مائدة لم تنته بعد من تقديم ألوانها. # الملك ~~: # ماذا أصابك أيها الأستاذ الجليل؟ # الأستاذ ~~(ولم يظهر عليه أي ارتباك، وكان دائما حاضر البديهة) ~~: # عذرا يا مولاي فإنها حال من أحوال التصوف، وكدت أمزق هؤلاء الخونة بأسناني، لولا ~~أن صرفت الحال بتمزيق هذه الدجاجة، وأشكر الله إذ حماني من جريمة القتل، مولاي لم ~~يئن الأوان، وسيكشف التاج عن حقيقة هؤلاء جميعا، ms076 وسنفرغ للخونة المشعوذين، إنهم ~~يريدون أن يفتنوا الشعب، والفتنة نائمة، لعن الله من أيقظها. # الملك ~~: # كنت أتمنى لو ظل البحث هادئا. # الأستاذ ~~: # لا هوادة مع من يحاول إثارة الفتن، وكل آت قريب، إنما يهمني أن أنفذ وصية ~~أستاذك الشيخ الحكيم، فأنقذك من الخونة المنافقين، ولم تكن تلك الفكرات التي يبثها ~~المشعوذ إلا سموما تفتك بالمملكة وتعرض العرش والمليك للأخطار. # اطمأن الملك لا سيما وقد ذكره بأستاذه، فازدادت ثقته بالأستاذ الجليل، فودعه بحرارة ~~وإيمان، وأمر بأن يصحب إلى داره بموكب عظيم. # | الفصل الحادي والعشرون # قال الراوي: لم يدهش التلميذ الشاب عندما دخل عليه الشابان «المجنونان» مكبلين بالحديد، ~~يحرسهما الجند، إنه كان ينتظر حضورهما على هذه الهيئة، وهو لا يخفى عليه أستاذه في مداوراته ~~وفي ترتيبه للأمور. # ناوله الجند رسالة من الأستاذ الجليل يوصيه فيها بإبقاء الشابين مقيدين إلى عودته، دون ~~أن يعلم بوجودهما في الدار أحد، ويؤكد عليه بأن يقوم ما أمكن بتهيئة الجو الملائم معهما ~~ترغيبا وترهيبا. # سر التلميذ لوصية أستاذه، إذ أفسحت له مجال صرف الجنود ليتمكن من التحدث إلى ضيفيه ~~بحرية وانطلاق، وما انصرف الجند، حتى ابتسم لهما ابتسامة ناعمة، فيها معاني المرارة والألم، ~~والحنو والأمل في آن واحد، وكان قد أمسك عن النظر إليهما قبل ذلك، وراعه أن الشابين ~~استقبلا ابتسامته هذه بانكماش وعبوس وحذر، فقال: # هو ~~: # أهلا بكما، قدمتما على صديق يرعاكما، وأظن أنكما لا تجهلان من هو، فلا مبرر ~~للحذر. # هما ~~(معا وبانفعال) ~~: # ماذا تصنع هنا عند هذا المشعوذ؟ أكنت جاسوسا له علينا في حلقة الأستاذ؟ # هو ~~: # خففا عن نفسيكما، وأحسنا بشاب مثلكما الظن، وهل يتجسس الشباب؟! قد يكون عينا ~~لمبدأ إصلاحي يعتقد بصحته، ولكنه لا يكون جاسوسا لأحد. # أحدهما ~~(ساخرا) ~~: # فلسفة جديدة، عين لمبدأ وجاسوس لأحد الناس، وما الفرق بين العين والجاسوس؟ # هو ~~: # الفرق عظيم، وهو في قولي بين واضح؛ فالعين إنسان مخلص لبلاده وفكرته، يبحث عن ~~الأحوال الخفية، وينبش عن الأسرار الكمينة في الداخل وفي الخارج؛ ليتخذ وضعا ~~نفسيا مستنيرا، يساعده على نصح ms077 الملوك والحكام، ويسدد خطاهم في سيرهم، ويصلح ~~تفكيرهم، ويركزه على الواقع، فلا يجنحون في المصالح العامة إلى وهمهم وخيالهم، فلا ~~ينخدع، ولا يخدع الملوك والحكام. # الثاني ~~: # كأني بك تريد أن تقول: إن مجلس الأعيان إنما يتكون من أمثال هذا، وإنك أنت عين ~~من أولئك الأعيان؟! # هو ~~: # ولم تهزأ؟ وهل غريب أن يكون القصد من مجلس الأعيان هو هذا؟ وإذا لم أتشرف بأن ~~أكون من أعضاء هذا المجلس الموقر، فلم تستبعد أن يتحقق معناه في نفسي أو في نفس ~~كل مواطن مدرك عاقل، وقد لا يكون متحققا فيمن يزعمون أنهم أعيان؟ أتريد الأعيان ~~للمراسم والغطرسة والترف؟ أتريدهم للابتزاز والاحتيال، يتجسس بعضهم على بعض مباشرة ~~وبجواسيس مأجورين؛ للنكاية بإخوانهم في الوطن الواحد على حساب طاغية عات أو فاتح ~~مستعمر، إشباعا لشره الرذائل وتسكينا لشهوة النفوذ؟ أم هم لانتباش كل سر دفين ~~يعرض المملكة للخطر؟ ولم وجب أن يكونوا بعيدي النظر في تفهم الأمور وفي تصريفها، ~~حكماء في إبداء الرأي، وفي العمل على تحقيق المشاريع ووضع القوانين؟ وهل يحسن ذلك ~~جاهل غبي؟ # أحدهما ~~: # وضح الفرق بين العين والجاسوس، ولكن، لم لا يجوز للشباب أن يتجسس، ونحن نعرف ~~كثيرا من الشبان يتجسسون مأجورين لا لحساب الطغاة الظالمين، أو الوجوه الطامعين من ~~أبناء البلاد وحسب، بل ولحساب أجنبي طامع وعدو متحفز، ومنهم من تصغر نفوسهم في ~~نفوسهم، فيتخذون التجسس لبعض الناس على بعض الناس وسيلة تقرب وتملق، ولا أجر لهم ~~إلا ما قد يأملون من توافه المنافع، وقد لا تكون سوى وهم الوجاهة بالتقرب من ~~الوجهاء وأرباب النفوذ، وقد يصبح هذا الحال مرضا يتبرع فيه الجاسوس بتجسسه، أي ~~بكرامته لحساب الشيطان، فيرتاح في عمل الشر للشر وحسب. # هو ~~: # مهلا أخوي، أتظنان من يتجسس أخبار الناس لينقلها غيبة أو نميمة لتوافه أو لمرض ~~تملقا أو تشفيا، أو من يتجسس أخبار الناس لينقلها إلى أرباب النفوذ مأجورا أو ~~انتهازا، رغبة في الوصول دوسا على رقاب الناس في بلاده لحساب أجنبي طامع، أو عدو ~~متحفز، أوتحسبان هؤلاء الجواسيس ms078 من الشباب، ولو كانوا في سن الشباب؟ ليس الشباب ~~شباب العمر، وليس الشباب شباب مظاهر نمو الجسد؛ إنما الشباب في حقيقته وفي فاعليته ~~شباب النفس والروح، شباب الوثبات والتقدم، شباب التسامي بفضائل المجتمع، الشباب ~~إطلالة جديدة للحياة، تتجدد بها الحياة في الإنسان متسامية بروحه الإنسانية؛ لتحقيق ~~فضائل الإنسان - المجتمع - ليهنأ الفرد بمجتمعه وفيه، وليسعد المجتمع بأفراده ~~وفيهم، الشباب خير وبركة، وهو سخاء وإخلاص وتضحية، وهو عزة وإباء ونبل، إنه الوثبة، ~~ولا يثب من لا يتصف بهذه الفضائل في مجتمعات الحياة، ومن سوء حظ بعض المجتمعات أن ~~الشباب - شباب الروح والنفس - لا يتحقق فيها، فتنهار، لنكن يقظين فلا نخدع بشباب ~~العمر والسن والجسد عن شباب الروح والنفس، ولا تتحقق إنسانية الإنسان إلا بهذا ~~الشباب، ولا يتقدم المجتمع، فيتكون تكونا أفضل إلا بروح الشباب وتفاعلاته في ~~ذاته، تفاعلات تجدد وتقدم ورقي، وهؤلاء الذين عبرتم عنهم بالشباب إنما هم شباب في ~~أجسادهم، وهم أطفال أو شيوخ الهرم في نفوسهم، قد تفسد التربية شباب العصر، فيعودون ~~أطفالا في نفوسهم وأرواحهم، أو يبتلون بأمراض الشيخوخة المبكرة، وما أشد شقاء أمة ~~تبتلى بأمثال هؤلاء الشباب، تسيطر على نفوسهم غطرسة الادعاء، ووهم الغرور، وأنانية ~~الجشع. # وفي هذه اللحظة دخل الخادم وقدم للتلميذ رسالة، فضها فإذا هي من الأستاذ الجليل، يعلن أنه ~~سيتناول طعام الغداء على مائدة جلالته، ويؤكد عليه بتهيئة الجو الملائم، فافتر ثغره عن ~~ابتسامة اطمئنان، وأتم حديثه قائلا: اتسع مجال البحث بتأخر الأستاذ المشعوذ، ثم التفت إلى ~~الشابين مشيرا إلى الخادم وقال: إن هذا الخادم كهل، وهو أخي ورفيقي ومساعدي؛ لأن روح ~~الشباب مستقرة في نفسه على الرغم من تجاوزه الخمسين من عمره، وشباب الروح قد تحقق في نفسه، ~~فاحتفظ به في كهولته، وسيظل محتفظا به في شيخوخته، في سن الشباب تتحقق روح الشباب، فإذا ما ~~تحققت استمر طول الحياة؛ لذلك جعلت من هذا الكهل الشاب شريكا لي وناصحا في جميع ما أصمم ~~عليه من أعمال ومشاريع، إنه من الشعب، ومن الشعب تستمد قوى الحياة ms079 في الشباب، إنه من ~~السوقة، وفي السوقة نجد عناصر النهضات، ولا استمرار لتقدم إذا لم يمنحنا الشعب في سوقته ~~عناصر التقدم، ويا ويل أمة يضاف فيها فساد السوقة إلى فساد الأشراف المترفين. # أحدهما ~~: # حسنا تقول، وكأنك تتكلم بلسان أستاذنا الحكيم. # هو ~~: # وهل أفدت ذلك من سواه؟ # الثاني ~~: # وهل أنت على صلة به؟ # هو ~~: # دائما، وهو يعلم الآن مكانكما هنا، والتفت إلى الخادم متسائلا. # الخادم ~~: # علم الأستاذ بكل شيء، وقد أوصاني بأن أبلغكما سلامه، وأن أذكركما بما قيل في ~~اجتماع الوثبة قبل اعتقالكما بثلاثة أيام. # أحدهما ~~(مخاطبا التلميذ) ~~: # نعم، إنها كلمة السر، وقد أصبحنا تحت تصرفك أيها الأخ الكريم، نصدع فيما تأمر، ثم ~~التفت إلى رفيقه متسائلا. # الثاني ~~: # ظهر الحق، ولم يعد للريبة مجال. # هو ~~(وقد ظهرت على وجهه أسارير الاطمئنان) ~~: # يجب أن تصطنعا جنون من به مس. # الثاني ~~(مقاطعا) ~~: # وما هو المس؟ # هو ~~: # يتوهم هؤلاء المشعوذون أو يوهمون الناس أن شيطانا من الشياطين قد يمس الإنسان ~~ويدخل فيه، فيصاب بجنون، لا يشفى منه إلا بإخراج هذا الشيطان، والمشعوذ الأستاذ ~~سيحاول ذلك، فسايراه حتى يخرج الشيطان من كل منكما. # أحدهما ~~: # أفي كل منا نحن الاثنين شيطان يسكن؟ أم من نفس المشعوذ القذرة يخرج ~~الشيطان؟ # هو ~~: # يجب أن تعتقدا ذلك الآن، وأن تتظاهرا بالامتنان للمشعوذ بعد أن يخرجهما، أن يكون ~~قد أنقذكما من الهلاك. # الثاني ~~: # ما هذه الأحاجي والألغاز؟ # الخادم ~~: # بها أنقذكما صديقي من الموت المحتم. # أحدهما ~~: # وهل كنا معرضين للإعدام؟ # الخادم ~~: # نعم، ولولا مداورات هذا الهمام لنفذ. # أحدهما ~~(مداعبا) ~~: # وهل يداور الهمام؟ أراك تعلمت من أستاذك المداورات. # هو ~~: # مداورة دفع الشر ليست بشر، ولا بد من أن نحارب الأعداء بسلاحهم، فالأخلاق ~~ببواعثها تسمو وتنحط، والأمور بمقاصدها تعلو وتسفل، وإنما الأعمال بالنيات، فلا ~~مندوحة لكما من تمثيل دور الجنون، ثم دور البرء منه بعد أن يخرج المشعوذ ~~الشيطان. # ثم أخذ في تمرينهما على تمثيل هذين الدورين، يساعده الخادم الشهم، وقد أتقناهما بسرعة ~~أعجب بها التلميذ، فهنأهما، وأكد لهما بأنهما جديران بأن تعقد ms080 عليهما الآمال. # الثاني ~~: # ولكن هل يخدع الأستاذ المشعوذ بهذا التمثيل، على علو كعبه في العلم والتفكير، على ~~ما فهمنا منك؟ # هو ~~: # قد يتمرس المرء بالخداع، وتتلبس به نفسه لدرجة يلتبس عليه بها الأمر، فينخدع هو ~~نفسه، ولا سيما إذا مس الانخداع غرورا في النفس، أو جشعا في القلب، أو طمعا يعلق ~~به آماله، ألا ترى من يخدع الناس بالدعاوة للطغاة ينتهي بأن ينخدع هو نفسه بهم؟ ألم ~~يصنع الإنسان الوثن من حجر أو خشب أو تمر بيديه، ثم أخذ يعبده مع العابدين؟ ألا ~~نزال نحن نعبد أوثانا نكونها نحن، ثم ننخطف إليها انخطاف المتصوفين؟! لا يزال ~~الناس غافلين، وعلينا أن نعي أولا، ثم نعيد الناس لوعيهم، فيجدون أنفسهم، فتستمر ~~تقدمية الحياة. # والآن باشرا تدوير الأعين وزمجرا وأتقنا الهذيان، فإنني أسمع سعال الأستاذ ~~وخطواته. # | الفصل الثاني والعشرون # قال الراوي: دخل الأستاذ الجليل - وعلى وجهه أمارات رصانة مضطربة هادئة، ومنكمشة منطلقة، ~~تناقضت فيها المعاني وغمضت: أكان لوضعه في انسياقه لشرهه أثر ما في نفس الملك؟! أم أن ~~تغطيته الصوفية كانت كافية؟ ولا غرابة في تردده، فالمحتال - وهو يعرف نفسه - يظل في اضطراب ~~داخلي لما يخشاه من انكشاف حاله، فكيف إذا ما بدر في تصرفه ما ينذر بظهور الحقيقة وجلائها، ~~ولعل هذا الوضع هو الذي يدفع المحتال ولا سيما إذا كان من ذوي المكانات المرموقة إلى ~~الانكماش حتى التواري في بعض الظروف، وإلى الكبر حتى الغطرسة في بعضها الآخر، وقد يمهر ~~بعضهم في الاحتيال لدرجة يستطيع معها إخفاء كمده وانكماشه، والظهور بمظهر المطمئنين ~~المغبوطين، ولكن أسارير وجهه تدل دائما على ما في فؤاده وسريرته، وإن غالى في إظهار ~~التواضع المصطنع. # وعلى كل، فالأستاذ المشعوذ كان غامضا في رصانته، وما وقعت عيناه على الشباب حتى حياهم ~~مظهرا التغاضي عن شتائم الشابين ووضعهما المجنون، ومبتسما ابتسامة أدرك التلميذ مغزاها، ~~إذ كانت تعبر عن استفهام في جلاء ما وقع، فأجابه: كما ترى يا مولاي، لم أستطع معهما شيئا، ~~فهز الساحر رأسه قائلا: سترى فعل السحر، ثم ms081 حدج الشابين بنظرة حادة ثابتة دون أن يكلمهما ~~ودخل إلى غرفته، وما توارى حتى ابتسم الجميع، وكادوا يضجون في الضحك، لولا أن تمثيل الرواية ~~يقتضي شيئا من الرصانة والجدية. # عاد الساحر ومعه كتاب كبير، واتجه نحو الشابين عابسا يدمدم ويتمتم بكلام غير مفهوم، ثم ~~أخذ يهمهم كالرعد مثبتا نظراته الحادة في الشابين وكأنه يحاول أن يرميهما بأسهم من شرر ~~شظايا نار قلبه، كان منظره مخيفا، لولا أن الشباب الواعي لا يخاف، هدأ الساحر برهة وصمت، ~~ثم أخذ يشزرهما بعينين تتهيآن لقتال عنيف، ثم فتح الكتاب، وأخذ يتلو ما فيه من أسماء ~~وتعاويذ، ويرسم الطلاسم ويكتبها، ويندد ويهدد، ويرتفع وينخفض، ويهدأ ويثور، حتى كاد الشابان ~~يكلان وهو لا يكل ولا يتعب ولا يعيا، ولم يكن أحد هنا يفهم منه شيئا حتى ولا تلميذه، ~~إنه لم ينضج - في نظره - بعد ليتلقى سر المهنة. # وأخيرا طوى الكتاب، ووضعه على طاولة كانت بجانبه، وعاود نظراته الحادة الثابتة ذات ~~الشرر، إنه كان يهيئ نفسه لإلقاء أبواب من السحر، وهي في هذه المناسبات أبواب الرجفة والخوف ~~والرعب، ثم يرسل شياطين الوهم والخضوع والاستسلام، إلى ما هنالك من أبواب، وما استكمل إعداد ~~ذاته حسب زعمه حتى صرخ بصوت داو: إلي يا شمشريخا ويا شمشريخ، ويا شمرخايا ويا شمروخ، ويا ~~عربدانة ويا عربدون، إلي إلي أيها الملوك من أحمر وأسود وأزرق وأبلق و... و... إلي أيتها ~~الجن والشياطين والعفاريت، وما انتهى من تعداد هذه الأسماء المخيفة بصوته الداوي العريض حتى ~~وضع يده اليمنى على رأس الشاب الأول، واليسرى على رأس الثاني، ثم صرخ سائلا وهو يحدج ~~بنظره الأول: من أنت أيها اللعين؟ فأجابه صوت أجش خافت: أنا الزعازيع أيها الساحر الكبير، ~~ولولا ما تتلو من أسماء لقتلتك. # الساحر ~~: # ومن أتباع أي ملك أنت؟ # الشيطان ~~: # من أتباع الملك الأحمر، وسينتقم لي منك لما أزعجتني. # الساحر ~~: # اخرس يا لعين، فأنت وملكك تحت قدمي، وإذا ما أسأت الأدب أحرقتك الأسماء، قل لي ما ~~تصنع هنا؟ # الشيطان ~~(وقد بدا عليه الخوف، وارتجف ms082 بذلك جسم الشاب) ~~: # إن هذا الشاب طائش، رمى بآنية كانت في يده، فأصابت ابني برضوض آلمته، فأنا ~~أنتقم من المعتدي وسأقتله. # ثم مال الساحر إلى الشاب الثاني وأعاد الأسئلة، فإذا هي جنية، تعلقت ابنتها بهذا الشاب، ~~ولما كان إنسيا لا تستطيع الوصول إليه انتحرت، فالأم تنتقم لابنتها. # فاشتد غضب الساحر وغيظه وأخذ يخاطبهما بشدة وقوة وحنق، قائلا: لا علاقة لهذين الشابين ~~بما أصاب ولديكما، فعليكما أن تخرجا حالا وإلا أحرقتكما بنار الطلاسم والأسماء، فدوت ~~ضحكتان عاليتان وقهقهتان شديدتان وصاح الشيطانان معا: إذا أحرقتنا تحرق الشابين معنا، فما ~~تكون قد صنعت؟ فنادى الساحر شياطين الرعب، فأظهر الشابان الرعب، وكانا قد تمرنا - كما سبق - ~~على أن يظهرا الحالة التي يعلنها الساحر رجفة، فيرتجفان ... الخوف، فيظهرانه ... وهكذا. أما ~~هذه المناقشات، فعلى القارئ الفطن أن يذكر ما سبق، وقلنا: إن الساحر يتكلم من بطنه. # احتدم غضب الساحر وحنقه وصرخ بصوته الأجش الداوي: لا بد لي من إنقاذ هذين الشابين مهما ~~كلفني الأمر؛ لأنهما عزيزان علي، فاخرجا حالا وسريعا دون تأخير، العجل العجل، وإلا ~~... # وأخذ يتلو الأسماء والآيات، ويستنجد بملوك الجان وجبابرتها، فارتفع صوت الدردهاء قائلا: ~~تمهل أيها الساحر العظيم، واذكر جرأة هذين الشابين ووقاحتهما، ولا تنس أنهما أهاناك، أفلا ~~يسرك أن ننتقم لك؟ فأجاب الساحر محتدما: ومتى كان الانتقام شيمة لرجال الله المختارين؟ ~~فإنني قد صفحت عنهما، وعليكما أن تخرجا حالا، فإذا صوت داو هو مزيج صوتين يقول: لن نخرج، ~~لن نخرج. # ولكن الأستاذ - وقد التهب غضبا وحنقا - لم يمهلهما، فتلا من الأسماء والتعاويذ ما تلا، ~~وكتب من الطلاسم والحروف ما كتب، ثم صرخ صرخة داوية، وضع على إثرها يديه على قدمي الشابين، ~~وأقسم قسما عظيما، فخرج من إبهامي قدمي الشابين دخان كثيف ذو رائحة كريهة، لم يذكر راوي ~~الحكاية أي تركيب كيماوي استعمل الساحر في إرسال شياطين هذا الوهم، ولكن الشابين أدركا أن ~~الرواية قد انتهت، فتظاهرا بالنوم العميق، فطلب الساحر قدحي ماء، قرأ عليهما ما تيسر، ثم ~~نفث في كل منهما من ms083 فيه أنفاسا ثلاثة بالتوالي، ثم تكرم عليهما بشيء من لعابه، وأوصى ~~تلميذه - وقد تقززت نفسه مما أصاب القدحين من دنس - بأن يسقي كلا منهما قدحا عند صحوه ~~ليستعيدا نشاطهما، وعندئذ يكون له معهما حديث مفيد. # | الفصل الثالث والعشرون # قال الراوي: لم يكد المشعوذ يطأ عتبة غرفته الخاصة، حتى فتح الشابان العيون وابتسامة ~~ساخرة ترتسم على الشفتين، في حين كان الشاب التلميذ يرسل نظرات حذرة من عينيه المرتبكتين ~~خوفا من مفاجأة الأستاذ في عودة سريعة تعودها منه، فيراهما فيها على هذه الحالة المريبة، ~~ولم يطمئن إلا عندما سمع صوت باب الغرفة في انغلاقه، فأخذ يقهقه معهما قهقهة الهازئ ~~الساخر، يعبر بها عن إدراكه لإفك لم يخدع به، وعن تصميمه على هدم ما يبنيه المشعوذ من قصور ~~المين وصروح الكذب بإفكه المبين وبسراب خداعه. # وكان أول ما نطق به الشابان في سخريتهما عند فتح ~~العيون: ألق ما في هذين الكأسين من ماء ملوث دنس إلى الخارج قبل أن ننظر إليهما فنخرج ما ~~في أمعائنا من التقزز، يا له من شرير محتال! أوما يكفيه ما يتكرر من إفكه وكذبه حتى يحاول ~~أن يجعل من لعابه الخبيث علاجا مقدسا ودواء مباركا للشفاء، وإذا بلغ غرور الشعوذة ~~والتدجيل هذا الحد من احتقار الناس ورذلهم، أفيبلغ حمق الناس وسخفهم هذه الدركة من ~~الاستسلام والانحطاط؟! فيرتاحون لمن يستخف بهم، ويستسلمون لدجله وشعوذته استسلام الصوفي ~~لربه، وهم إنما يتنزلون في حالتهم هذه عن أدمغتهم وعن قلوبهم، فيصبحون ولا عقول لهم تحفظ ~~لهم كراماتهم، ولا شعور يحمي ما في النفوس من إباء. # فأجاب الشاب: إنه الجهل، وإنه الطمع، يجتمعان فيهيران ما في الذات من قوى تدرك بها وتشعر، ~~فيفقد الإنسان ذاته الإنسانية، ويصبح أدنى من الحيوان دركة في سلم الوجود، وليس في قولي هذا ~~أي مجاز، فالإنسان في استسلامه هذا يستخف بحقيقته فينحط عن درجته في سلم الوجود، أما ~~الحيوان فأيا كانت درجته في تلك السلم، فإنه يظل محافظا عليها، ويستمر من يحافظ على ~~مكانته في الحياة وفي الوجود ms084 أرفع شرفا ممن يستهتر بها، وينحط عنها، مهما اختلفت الأجناس ~~والأنواع، ومهما تعددت الصفات والإمكانات، فالعبرة دائما للأمر الواقع، وليست لما يدخل في ~~حدود الاستطاعة والتمني والإمكان، إننا نريد التقدم والرقي لأمتنا، فلا بد من إنقاذ الشعب ~~المسكين من الجهل لينقذ من الطمع، وهذا هو سر ثورتنا، ونحن الشباب الواعي في هذه الأمة ~~المنكوبة بشعوذة الأذكياء والمستغلين. # حياك الله وبياك - قالها الشابان بصوت واحد - ثم قال أحدهما: ماذا يجب أن نصنع لنبلغ ~~الهدف؟ وأكمل الثاني متسائلا: وعلام يجب أن نعتمد في تحقيق الثورة، وقد أصبحت وكأنها ~~تتأكل قلوبنا وأدمغتنا، وتهز في نفوسنا الوجدان والفؤاد؟! # علينا الآن أن نستأذن على هذا المشعوذ الدجال، فتقبلا يديه معتذرين شاكرين، ورافعين ~~لواء الحمد والثناء. # فانتفض الشابان وقد انتفخ في جبهة كل منهما عرق الإباء والغضب، وتوتر عصبه، واشتد تورم ~~الأوداج في العنقين، وتضخمت في كل منهما الرقبة، ثم عبر الشاب الثاني عن انفعالهما المشترك ~~بقوله: يا لك من شيطان مريب، أتسعدنا بسمو تفكيرك، ثم تشقينا بحقارة اقتراحك، والله لولا ~~شهادة الأستاذ الحكيم وإشارته لقتلتك الآن مهما كانت النتائج. # لم يفقد الشاب التلميذ سيطرته على أعصابه، بل أجابهما مبتسما مداعبا: على رسلكما ~~أخوي، إنما نحن جنود الفكرة وشباب الفداء، فلا يجوز أن نترك للانفعال مجالا، تتقطع فيه ~~الأوصال، وتتفكك العرى؛ فالانفعال كالخيانة، وقد يقضي كل منهما على حركة الثورة في مهدها، ~~أراكما سريعي الارتياب، وليس في هذه السرعة ما يبشر بالفوز والنجاح، انتبها، فلا بد من ~~أن نتخذ العدة من جميع وجوهها، وهذا المشعوذ خطر، وقد أصبح لولب حركة المحافظة على وضع ~~يدافع عنه الخونة المستغلون، فلا بد من أن نقبض على ناصيته؛ لنجز عنقه بسهولة في الوقت ~~المناسب، قد يخطئ الأخ، ولكنه لا يخون أخاه، فاحسبوني أخطأت، فماذا تريان؟ # سكن روع الشابين واعتذرا، ثم أبان أحدهما عن رأيه قائلا: لن نقبل يدي المشعوذ، ولن ~~نرفع له الحمد والثناء، بل نعتذر شاكرين وكفى، فثنى الثاني على تعديل رفيقه، ولم يرفضه ~~التلميذ الشاب، بل أيده تعديلا ms085 يحفظ الكرامة، وزاد عليه بأن يقبلا التلمذة على المشعوذ، ~~وهو سيقترحها؛ ليتعاونوا جميعا في تدارك الأخطار، فوافقا على قبول ما زيد على التعديل، ~~وانتهى المشكل بسلام. # دخل الشبان الثلاثة على الساحر في غرفته، فاستقبلهم استقبالا جميلا، فاعتذر إليه ~~الشابان، وشكراه على إنقاذهما من فعل الشياطين، فامتلأت نفسه زهوا ومرحا، وتحير الراوي في ~~تفسير هذا الزهو: هل انخدع الساحر بنفسه وهو العالم الفطن؟ أم سره أنه خدع هؤلاء الشبان، ~~وهو يسخر من سذاجتهم في نفسه؟ وعلى كل، فنحن بين خداعين: خداع شعوذة وخداع إنقاذ منها، ~~فلا نزال في كفاح الخير والشر، يتخير كل منهما سلاحه، وإذا ما ساير الخير الشر في مبدأ ~~الطريق واستعار منه بعض سلاحه، فالفوز إنما يتحقق عندما يتفرد الخير، ويتمكن من استعمال ~~سلاحه هو، محتقرا ما يتسلح به الشر من أسلحة الرياء والنفاق والخداع والشعوذة، ونحن الآن ~~في أول الطريق، فلم يجد الشابان مجالا للامتناع عن تبني ما اقترحه رفيقهما من تلمذتهما على ~~الساحر المشعوذ، وبررا ذلك أمام نفسيهما الأبيتين، بتبني قول من قال: «تعلم السحر ولا تعمل ~~به»؛ لتدرأ عن نفسك خطر شعوذة الساحرين. # اعتذر الشابان عن قبول دعوة المشعوذ للعشاء؛ لأنهما بشوق إلى ذويهما، وهم لا يعلمون عنهما ~~شيئا، فودعهما الساحر بحرارة محفزا فيهما الهمة على ملازمة الشاب التلميذ، وقد صحبهما هذا ~~إلى الباب مودعا، وأوصاهما بما يجب قوله للأستاذ الحكيم، ثم عاد إلى أستاذه مرحا طربا، ~~فتوهمه هذا مظهرا لنجاحه في إخراج الشياطين، فالتفت إلى تلميذه وخاطبه متمثلا بالمثل ~~المشهور: «كل فتاة بأبيها معجبة»، فابتسم الشاب وقال: أفلا يحق لي أن أفرح وأمرح، وأستاذي ~~لا يني في تقديم عجائبه المعجزة كل يوم؟! فابتسم الساحر ابتسامة المعجب بنفسه، قال: وكيف بك ~~عندما تتحقق أعجوبة التاج؟! # التلميذ ~~: # وأي تاج هذا؟! # الساحر ~~: # سأصنع للملك تاجا سحريا ليس له في ~~العالم مثيل، عجز عنه الأوائل، وسيكون له ذكر خالد في المتأخرين، (وأمسك الساحر عن ~~ذكر ما زعمه من خاصية التاج في كشف أبناء الحرام ضنا بها من التبذل، ms086 وإنه ليريدها ~~أن تظل سرا بينه وبين الملك، وربما أشرك في معرفة ذلك وزير الميمنة وحده إلى أن ~~يحين الأوان بعد ستة أشهر طبعا). # التلميذ ~~: # شأن مولاي عجيب، ومتى كان صائغا للتيجان؟ # الساحر ~~: # لا يعجز العالم، ولا سيما متى كان ساحرا، أي عمل. # التلميذ ~~: # والاختصاص الذي تدعون إليه دائما وتؤيدونه؟ # الساحر ~~: # هي كلمة نستغل بها المغفلين، فإذا منحنا الاختصاص حقه، وانتظمت الأمور، فماذا ~~يبقى للسحر ليظل قادرا على كل شيء؟ ومسيطرا على الجميع؟ # التلميذ ~~: # فالسحر إذن استغلال وسيطرة؟ # الساحر ~~: # وماذا عساه أن يكون؟ أتريد أن يكون الساحر كذلك المأفون المغفل، أستاذ صاحبيك ~~الشابين، يقضي الوقت بالإرشاد والتوجيه وإلقاء الدروس، ويظل فقيرا لا يأبه للسيطرة ~~والسلطان؟ مسكين ذلك الأستاذ الذي يلقبونه بالحكيم، إنه عالم ذكي، كان باستطاعته أن ~~يثري، وأن يكون من أرباب المناصب العالية المرموقة، ولكنها الغفلة تسيطر على نفسه، ~~فيتوهم أنه يستطيع أن ينهض بالشعب ليصبح سيد نفسه، وأنى للشعوب أن تنهض؟ إنها خلقت ~~مستغلا للأذكياء الأقوياء، ومن يضيع وقته في خدمة الشعب لا يربح سوى فقدان فرص ~~الاستغلال، فالعاقل من يعمل لنفسه، ويترك الشعب في عماه، يتخبط في دياجير الاستعباد ~~والفقر والجهل والذل، يضحكني ويؤلمني معا أمر أولئك السخفاء من الأدباء والعلماء، ~~إنهم يستطيعون أن يمتصوا - بما يمنحهم العلم والأدب من فهم وبيان - دماء الناس ~~وأموالهم فلا يفعلون، وإنما هم - على زعمهم - ~~يتعففون، وهل العفة والإباء والإخلاص سوى ألفاظ يستخدمها الواعون منهم، كما يستخدم ~~الساحر في سحره الجن والعفاريت؟ احفظ هذا ولا تنسه. # التلميذ ~~: # ولعل هؤلاء الواعين من الشمامين؟ # الساحر ~~: # أيوه، ولكنهم من النوع الذي يحاول الاستعلاء، يدورون حول من تفوح منه روائح ~~إمكانات الاستغلال، ولا يكادون يتصلون بمن تستهويهم رائحته، أو نتنه، حتى يحاولون ~~القضاء عليه للاستيلاء على ما يملك من مال أو جاه أو مكانة. # التلميذ ~~: # ومن هم الشمامون إذن؟ وعدتني مرارا بتوضيح أمرهم. # الساحر ~~: # نعم، وقد حان الوقت، فاعلم أن من الناس من يملكون في أرواحهم حاسة شم دقيقة ~~سريعة التأثر والانفعال، وهي أشبه ما ms087 تكون بحاسة الشم عند الحشرات والحيوان كالذباب ~~والقطط والكلاب والخنازير مثلا، وليست حقارتهم في قوة حاسة الشم في روحهم، بل في ~~سيطرتها على كيانهم، وفي تفضيلهم لخبيث الروائح ونتنها، فلا يكادون يشمون تلك ~~الروائح، حتى يهرعوا إليها، ويداوروا من تنبعث عنه حتى ينالوا مأربهم، وليست هذه ~~المآرب سوى منافع مادية أو زهو وهم لجاه يؤدي إليها، ومهما تضخمت هذه المنافع ~~فإنها تظل حقيرة، ولكن تعلقهم بها يسهل لأصحاب المطامع والشهوات الكبيرة أن ~~يستخدموهم وهم بهم ساخرون، وهؤلاء الشمامون قديرون على تصنع الوفاء والغيرة ~~والإخلاص بشكل عجيب، فإذا اتصلت بك رائحة تستهويهم، فلا تنخدع بهم، بل استخدمهم على ~~حذر، وإياك أن تشبعهم، فصولة اللئيم إذا ما شبع خطرة مؤذية، وهم في لؤمهم هذا لا ~~يحللون ولا يحرمون، وإنما وراء الروائح الكريهة الخبيثة يسيرون ويعدون، ولا يهمهم ~~إلا الساعة التي يكونون فيها، فأنت العظيم الكريم، ما دامت أنوفهم تستلذ روائح ~~دراهمك أو وجاهتك، وتوصلهم في انتشارها إلى أحقر الشهوات، وأنت الحقير الشحيح ما ~~دمت لا تسيغ لهم أن يستغلوا ضميرك، أو أن يستهينوا بمبادئك، فلا إباء لهم، بل ~~يهزءون من الكرامة، فالشهوة والانتهاز والوصول دوما على جثث المخلصين هي ديدنهم في ~~الحياة، وما أقدرهم على قلب الحقائق وإلباس الشر لباس الخير، إننا نستخدمهم ~~ونحتقرهم ونحذرهم، متذكرين الحكمة الخالدة: احذر صولة الكريم إذا جاع، وصولة اللئيم ~~إذا شبع، وهؤلاء الشمامون هم اللؤم مجسما، يتصنعون الوفاء وهم الغدر ذاته، ~~ويفتعلون الكرم وهم الشح نفسه، ويتظاهرون بالإخلاص وهم للخيانة تماثيلها، ويدورون ~~مع روائح الإمكانات، حيث تدور مهما خبثت ونتنت انسياقا متملقا، لا إرادة معه ولا ~~وجدان ولا حرية، وإذا ما ذكرت لهم الإباء والكرامة والعزة، ابتسموا ساخرين؛ لأنك ~~مغفل، تصدق بوجود ما لا يمكن أن يكون. # فابتسم التلميذ ابتسامة، فسرها الساحر بالاقتناع، ولكن الشاب أسر في نفسه الاعتقاد بأن ~~أستاذه هذا هو من أمكر الشمامين، ولكن هل يخدع نفسه فيصورهم على حقيقتهم، ويعتقد أنه ليس ~~منهم في الصميم؟ وكان قد حان موعد النوم، فأوى كل ms088 منهما إلى فراشه؛ ليخلوا بأحلامه وآماله ~~وأمانيه، بعد أن تمنى كل منهما لصاحبه ليلة سعيدة وصباحا خيرا. # | الفصل الرابع والعشرون # قال الراوي: كانت الأشهر الستة أعجوبة من أعجوبات الدهر في سخريته بالناس واحتقاره لهم، ~~فالأستاذ الجليل أو الساحر المشعوذ نسي التاج بل تناساه، وأخذ بالتفكير في طرق استغلال ~~الدولة لمصلحته، فطلب إلى تلميذه أن يستدعي جميع التلاميذ المنتشرين في أرجاء المملكة، وقد ~~كان هيأهم كما يهيئ تلميذه هذا إلى مثل هذه الفرصة تسنح، فيغتصب فيها حقوقا لغيره، ويسلب ~~الناس حريتهم أموالهم ما أمكنه ذلك، ويتمتع بالولائم والحفلات وبالتصفيق والتطبيل، ثم يمكن ~~لنفسه مركزا ومكانة، يستمر معهما استغلاله هذا وكبرياؤه وغطرسته وشعوذة التدجيل. # حضر التلاميذ، وقد تجاوزوا نصف المائة باثنين أو ثلاثة أو خمسة، تردد الراوي في إحصاء ~~العدد، ولكنهم كانوا جميعا من شياطين الإنس وعفاريت جهنم في فساد النية، وفغر الأفواه ~~للزلع والبلع، وللنطق بما يرضي المحسنين، ولو سرقوا وسلبوا وخدعوا الحراس، ونقموا من ~~المخلصين الصادقين، ولو شاهدت همزهم ولمزهم لاستعذت بالله من شياطين الإنس، يؤذون الناس ~~أكثر من استعاذتك من شياطين مارج النار، ولا غرو في أن تكون هذه حال من يكون ذلك ~~المشعوذ أستاذه. # أفهم الساحر المشعوذ تلامذته بأنهم قادمون على عهد كله خير وبركة، إذا ما أخلصوا له ~~الخدمة والنصح، ووعدهم بالوظائف ذات الريع السمين، والموارد التي لا تنضب، مع سطوة ونفوذ ~~ومكانة، فابتسموا ابتسامة عميقة، رفعوا معها الرءوس، وأغمضوا العيون مع ضم الشفاه في كل فم ~~اثنتان، وكأنهم في غيبوبة مرحة، يعبرون عن فرحهم وابتهاجهم مع غبطة واطمئنان، ثم وعدوا ~~أستاذهم بالوفاء والإخلاص والتضحية، فأوصاهم بما تجب ملاحظته وبما يفرض عليهم عمله لتأمين ~~الدعاوة له ولمحاسيبه وأوليائه، مع موافاته دائما بما يتجسسون له من أخبار، وانصرفوا ~~آملين، وقد صمموا على أن يتجنبوا كل ما يدعو إليه الوطن والدين من مبادئ وأخلاق ومناقب، في ~~سبيل الوصول والانتهاز. # كان من مظاهر هذه الفترة من الزمن، أن التجسس على أعراض الناس قد انتهى في الظاهر، ~~ولكن أمر هتك تلك ms089 الأعراض قد استفحل إغراء بالأموال أو احتيالا بالوعود أو قسرا ~~بالتهديد والوعيد، أو إغراء واحتيالا وقسرا بأساليب الشعوذة والتدجيل، وتحايل الإنسان لا ~~يحده إحصاء ولا حصر متى فسد، ولا سيما إذا ما استحكم مبدأ التغطية، فأصبحت ترى هؤلاء ~~الفاسدين المفسدين، أو الراشين المرتشين، أو المستغلين السالبين يصفق لهم ويزمر ~~ويطبل، وتلقى بين أيديهم مصالح الناس، ويرفعون على الأكف، وينسب إليهم من الصفات ~~والمناقب ما لا يتصف به سوى المصلحين من أنبياء وحكماء وأولياء قديسين، ولعل الأنكى في ~~المجتمع ألا يكتفي هؤلاء بالتجارة بعواطف الناس، إذ يعملون على الانحراف بها، بل يلعبون ~~بعقولهم أيضا، فيتاجرون بالعلم لينحرفوا بتلك العقول وقد عم الخطب في هذه الأشهر الستة، ~~لدرجة أصبح الغافلون من الناس يقولون: ماذا تريد؟ هذه هي الحياة: شعوذة وتدجيل وخداع ~~ومداورة، والغنم للأذكياء الذين يعرفون كيف تؤكل لحمة الكتف، ومتى استسلم الإنسان لمظاهر ~~الفساد، وقبل به كتيار لا تمكن مقاومته، تهيأ بحكم نواميس الحياة ليكون لقمة سائغة للغير، ~~فيستعبد ويصبح تابعا لا يحق له أن يطالب بالتحرر والاستقلال، وقد يبلغ في انهياره هذا ~~حدا يستلذ معه الاستعباد، ولا هم له سوى ترفه، فيشتد الخطر ويهدد بالتشرد عن ~~الأوطان. # أما المخلصون الصالحون فيصبحون هم الخائنين المفسدين، وهكذا تنقلب الأوضاع، فيبعد ~~الصالحون عن الأعمال التي تهيئوا إليها، ويقوم بها الدخلاء. # هذه هي الأحاديث التي كان يتداول بها شبابنا الثلاثة، ويتناقشون منفردين أو مع رفاق لهم، ~~أو في حلقة الأستاذ الحكيم في أوقات مختلفة من تلك الفترة، وكثيرا ما تداولوا مستغربين ~~الطرق التي استعملت لإيغار صدر الملك على مشيره الأول بعد أن سبق وسلمه كل أمره، فأصبح ~~وليس له من الأمر شيء، يتعذر عليه أن يدخل على مليك أخلص له الخدمة كل حياته، وكانت في ~~نفسه أشياء وأشياء ينقذ إعلانها الموقف، ولكن ذكاء الاستغلال حال بينه وبين مليكه. # والأستاذ الحكيم ماذا صنع؟ ولم اشتدت عليه المراقبة؟ وهناك رجال مخلصون توعدهم أذكياء ~~الاستغلال ثم منوهم، فإذا هم في حالة استهواء يترنح بين الترغيب والترهيب، فينقلبون ms090 على ~~أستاذهم، وبلغت الوقاحة في لؤم البعض منهم أن وشى به، وألصق به ما أراده أولئك من تهم هو ~~براء منها، ولكنه المشعوذ أخذ يحقق ما أوعد به من إرجاف؛ ليقتل الأستاذ الحكيم قتلا ~~أدبيا، قد يؤدي إلى التخلص منه دون ضجة ولا عنف، بل وبإرادة المغفلين من الشعب، فيصيبه ما ~~أصاب الشهداء؛ شهداء المبادئ، شهداء حب الإنسان، شهداء التضحية والنصح من اضطهاد صارم خلدهم ~~على الدهر، وكان الوسيلة لانتشار المبدأ، ولتحقق هدف الضحية في حب الإنسان، فكانوا الأحياء ~~حقا بين أموات يتوهمون أنهم أحياء. # وفي انعطاف الحديث في هذا الاتجاه في يوم من أيام الشهر السادس الأخيرة، سأل أحد الشابين ~~التلميذ قائلا: والتاج، هل انتهى المشعوذ من صنعه؟ # التلميذ ~~: # والله إنني في حيرة من أمر هذا الساحر وفي أمر تاجه. # أراه لا يفعل شيئا، يقضي بعض أوقاته في استقبال أوليائه وأتباعه، يحدثهم عن ~~مستقبل باهر قريب، ويعدهم ويمنيهم ليكونوا له من الصادقين، ويمضي القسم الآخر في ~~الولائم والحفلات والدس والمؤتمرات في قصور بعض أركان الدولة، وفي دور المتنفذين ~~المستغلين، ثم ينام ليله وغطيطه يملأ الدار، ولا يستيقظ إلا بعد الضحى، وقد أصبحت ~~ردهة الاستقبال تعج بالمنتظرين، فيصبحونه بالتملق والتذلل وتكرار عبارات التأليه ~~والولاء والاستعباد، جرا لمغنم أو درءا لمغرم، وأكاد أجن مما يكال لي من هذا ~~المديح والثناء والإطراء؛ لأسهل لهم شرف تقبيل يدي الأستاذ الجليل، أما مصالح الأمة ~~ورفاه الناس وقطع دابر الظلم والإسراف والتحرير من العبوديات، وإيصال صاحب الحق إلى ~~حقه، فهي من الكلمات التي يسرف في استعمالها في خطب يلقيها من وقت إلى آخر بمناسبة ~~ودون مناسبة، ليخدع بها عقول الناس، ويستخدمها تغطية لآثامه، ولم أجد أي أثر لأي ~~عمل يقوم به في صنع التاج المنتظر، وقد أصبح حديث الناس. # الثاني ~~: # لعله يعتمد على أحد مهرة الصاغة، ثم يلبسه ثوبه السحري، فيبهر عيون الناس. # أحدهما ~~: # بل لعله تاج مصنوع منذ القديم، يهتم في آخر يوم بتنظيفه وتلميعه، ويظهر له بريقا ~~متلألئا بمواد يعرفها ويطمئن إليها، فلا ms091 يلبث أن يشع منه سحر أشبه ما يكون بدخان ~~الشياطين. # التلميذ ~~: # كل افتراض ممكن في مثل هذه الأجواء، والمهم أنه لم يعمل شيئا معينا، وفي غرفته ~~السحرية إلى اليوم، وكل همه منصرف لإلحاق الأذى بأستاذنا الحكيم وللنكاية به، ولا ~~راحة له ولأوليائه وأتباعه على ما يبدو لي إلا بالتخلص منه ومن فكراته ~~وتوجيهاته. # أحدهما ~~: # مسكين هذا الأستاذ، فلا يزال هو ومن يدين بآرائه عرضة لانتقام الانتهازيين ~~المستغلين، ولكن الله ناصره، ألا ترى كيف يزداد المعجبون به على الرغم من خيانة ~~الكثيرين؟ ألم تسمعه يردد دائما قوله: طريق الحقيقة مفعم بالأشواك، وليس لمن يدعو ~~إليها سوى الصبر والثبات والتضحية. # الثاني ~~: # ما أسمى ثباته وصبره، وما أكبر تضحياته في سبيل المبدأ. # التلميذ ~~: # وما أشد عناد هذا المشعوذ في سبيل تحقيق المطامع. # أحدهما ~~: # وما أعظم صبر الملك في سبيل هذا التاج، ولكن ما دمنا من ليلة حفلة التاج قاب ~~قوسين أو أدنى فلننتظر، ولكل حادث حديث، فما أقصر حبل الكاذب الخائن يلبس على ~~مليكه وعلى الناس أنه الصادق الأمين! وما أشد حقارة من هذا شأنه! وما أشد انهيار ~~الأمم إذا ما انخدعت به وبأمثاله من المنافقين! # | الفصل الخامس والعشرون # قال الراوي: إنها ليلة التاج، في السهرة وبعد العشاء سيضع الساحر المشعوذ تاجه السحري ~~الموعود على رأس الملك، سحره انتظار ذلك التاج، فغض النظر، وحاول أن يتجاهل كل ما بلغه عن ~~سوء تصرفات المشعوذ وسفهه وسخفه، ولعله لم يكن يصدق ما كان يسمع عنه من أحاديث، أو ما يقرأ ~~من تقارير، فباب وهم التاج قد سحر عينيه وأذنيه وكل حواسه، وعقد لسانه، وقيد تفكيره وأخرس ~~شعوره، وعلى كل، فقد دنت الليلة المنتظرة الموعودة، ولم يكن يفصل الشباب عنها سوى بضع ~~ساعات، وكانوا يتبادلون الأحاديث على الوجه التالي: # أحدهما ~~: # أين الساحر؟ إننا لم نره اليوم. # التلميذ ~~: # إنه مهموك في أمر التاج وليلته، حضر منذ دقائق من القصر؛ حيث أشرف على تهيئة ~~الاحتفال بوضع التاج على رأس الملك هذه الليلة، وما دخل الدار حتى أمرني بألا ms092 ~~أستأذن عليه لأحد، وانزوى في غرفة السحر مقفلا بابها من الداخل على عادته كلما ~~أراد أن يهيئ أمرا خطيرا. # الثاني ~~: # وهل انتهى من صنع التاج؟ # التلميذ ~~: # إنه ليدهشني في حكاية تاجه هذا إنني لم ألاحظ عليه أي عمل يتعلق بهذا التاج إلى ~~اليوم، وكل ما في الأمر أنه أحضر معه الآن طبقا واسعا من ذهب، وهو طبق عالي ~~الجوانب، مع تقعير قليل، غطاه بقطعة ثمينة من الديباج المرقش، ويدعي أنه سيضع فيه ~~التاج. # الثاني ~~: # ألم تسأله عن تاجه هذا؟ # التلميذ ~~: # سألته، فأجابني: إنه تاج لا يرى إلا على رأس الملك، وهذا من أسرار السحر ~~فيه. # أحدهما ~~: # إنه أشبه ما يكون إذن «بعرقية الإخفاء». # الثاني ~~: # ولعل فيه أعجوبة إخفاء ذاته، ودوت القاعة بضحك الشباب وقهقهتهم، ثم أردف الثاني ~~قائلا: وما شأن هؤلاء الناس يتجمهرون ويهزجون، وكأن حدثا سعيدا هاما سيحدث في ~~البلاد؟ # التلميذ ~~: # ألم تعلم أنهم قد أدخل في روعهم أن هذا التاج، سيكون سعدا على المملكة، فيكون ~~بدء عهد، كله خصب ورفاهية واطمئنان؟ فهم يتفاءلون بالخير واليمن والبركة، ثم همس ~~قائلا: وكل ذلك بتدجيل هذا المشعوذ الكبير. # أحدهما ~~: # نجى الله الأمة من شروره، فنفسي متشائمة، وإنني لأخشى الفتنة، وأخاف ضربة تصيب ~~أستاذنا الحكيم ومن والاه، فإنها تحدثني بشر مستطير! # التلميذ ~~: # لا يحيق المكر السيئ إلا بأهله، فلنكن على استعداد للمفاجآت، ولعلها تكون ~~مؤاتية، فننقذ البلاد من الشعوذة وذيولها، ومن التدجيل وآفاته، فالله حكيم، يمهل ~~ولا يهمل، والعاقبة للمخلصين المجاهدين. # أحدهما ~~: # أراك مسرفا في تفاؤلك، وكأني بك تحاول أن تتناسى هذا الصمت الذي يستولي على ~~نفوس الشعب الثائر منذ بدأ هذا الساحر يفتنه بشعوذته، فأين اندفاع الثورة في ~~النفوس؟ وأين مظاهر تدفقها في القلوب؟ فلا انفعال يبعثه الألم، ولا تحفز تغذيه ~~الحماسة والأمل، وكأن الناس ولا سيما الشباب سكارى وما هم بسكارى، ولكنهم مخدرون لا ~~يعون الواقع، اللهم إلا واقع حاجات البطن وما يلابسه، ويغفلون عن مستقبل كانوا - ~~ولا يزالون - يدعون أنهم في سبيل تحقيقه يجدون ويكدحون ويفكرون ويتأملون، ~~والحقيقة أنهم ms093 لا يعرفون ماذا يريدون، فلا يزالون في تيههم يعيثون. # التلميذ ~~: # لا تبتئس يا أخي ولا تيأس، إنه الوجوم، وجوم شعب ينتظر، خدعوه بالتاج وبفعله ~~السحري في إصلاح حاله وتحقيق رفاهه ورغده، فخدع وصدق، ودفعه الأمل لانتظار العجائب، ~~وهل نحن في زمن المعجزات؟ الشعب يريد تحسين أحواله، ويرغب في الحصول على حاجاته، ~~ولا يزال يعلق آماله على من يعده، حتى ييأس فينهار، أو يعي، وإذا ما وعى كانت ~~الثورة، ولا فرق لدى الشعب أكان الإنقاذ عن طريق حكومته أو عن طريق الثائرين، ولكنه ~~لا يكاد يقنط من الحكومة، وينجلي له انخداعه بالاتكال عليها حتى يثور مع الثائرين، ~~وإنني لمتفائل بأن هذ الليلة ستكون ليلة انكشاف خداع الشعوذة، ولعلها ستكون ليلة ~~الإنقاذ. # الثاني ~~: # إنني متفائل مثلك، فحبل الكذب قصير. # وفيما كان هذا الشباب الواعي يتبادل الأحاديث بين التفاؤل والتشاؤم في هذا الجو الواجم ~~يكتنفه الغموض، ناداهم الساحر قائلا: تهيئوا فقد دنا موعد الخروج إلى القصر العامر، وإنها ~~لليلة لها ما بعدها، ثم دنا من تلميذه وأسر في أذنه: إياك إذا لم تر التاج أن تنكر ~~وجوده، ففي إنكارك حتفك، أفهم رفيقيك فإنني ضنين بكم وسأبين لكم السر بعد حين، وإياكم أن ~~تعلنوا عن أي ارتياب قبل أن أوضح لكم أمر هذا التاج، فإن تأثير سحره عجيب، إنه في حراسة ~~قوم من عفاريت الأرصاد، فلا يظهر إلا لمن كان على هيئة روحية ملائمة، فإذا لم تتحقق فيكم ~~أو في أحدكم فليصطنع وليظهر أنه يراه، وعلي إنقاذ الفاقد لتلك الهيئة الخاصة من شرور ~~نفسه، فكونوا يقظين، ولا تخشوا ضرا ولا أذى ما دمتم مع أستاذكم ظاهرا وباطنا، وفقكم ~~الله. # في هذا الجو المفعم بالوجوم والشكوك والحيرة، سار الشبان الثلاثة في موكب الساحر ~~والخواطر تغلي في نفوسهم، إذ تشتعل نيران الارتياب والخوف في قلوبهم، ولكن لا بد من ~~الصبر حتى تسنح ساعة المبادرة، والصبر مفتاح الفرج، وقد أدهشهم تحمس الجماهير لرؤية الموكب، ~~ولا سيما عندما كانت عيونهم تقع على طبق تاج الإنقاذ، فالتاج السحري المنتظر ms094 أصبح في نظرهم ~~رمز إنقاذ مما هم فيه من فاقة واضطراب وظلم، وهكذا يفعل الجهل بالجماهير الغافلة، ترقص على ~~قبور أعدت لوأدها. # وصل الموكب إلى القصر بعد مظاهرات وصخب وتهليل، وأودع الطبق في غرفة خاصة ينتظر الساعة، ~~ولا خوف عليه من أن يكشف الغطاء عنه أحد؛ لأن الجميع غدوا يعلمون أن التاج لا يرى إلا ~~على رأس صاحب الجلالة. # لم يكد المدعوون من أركان الدولة والأمراء والوجوه ينتهون من تناول طعام العشاء على ~~المائدة الملكية الباذخة، وقد تعود الأستاذ الجليل مراسيمها، فلم يعد يخطئ بها كما سبق له، ~~حتى استعد الجميع في القاعة الكبرى لاستقبال ذلك التاج، يزين رأس الملك، ويحل بسحره مشاكل ~~الدولة. # دخل الأستاذ الجليل الغرفة التي وضع فيها الطبق الذهبي، ثم خرج على هيئة خاصة، يتلو ~~الأسماء ويعزم ويدمدم، حتى بلغ العرش وقد جلس عليه الملك تتأكله نار صبر الانتظار، صمت ~~الساحر برهة، ثم صرخ بانفعال وشدة: إلي يا هامان ويا دمدمان، اكشفا الحجب عن هذا التاج ~~السحري ولتكونا رصديه الملازمين إلى الأبد، ثم وضع يديه على رأس صاحب الجلالة، وكأنه يضع ~~شيئا سريع العطب، وما رفع يديه حتى انقسم الحضور، فبعض بدأ بالتهليل وبإيراد كلمات الإعجاب ~~بهذا التاج العجيب، مدعيا أن أنواره تكاد تخطف الأبصار لما فيه من جواهر ومن نفائس ~~الأحجار، وبعض أنكر وجود أي تاج على رأس الملك، وبعضهم وقف مشدوها لا يدري ماذا ~~يقول. # انكشف السر للشبان، فلا تاج ولا إنقاذ، وإنما هي شعوذة، بنيت على فراغ يستغلها المشعوذ ~~الأكبر، ويحاول استمرار الاستغلال في شركة سرية، ضحيتها الشعب والمملكة، ويحميها الملك، وما ~~انكشف الأمر حتى حاول التلميذ الكلام ليوضح هذه الأمور، ولكن مفاجأة الملك للجميع بانسحابه ~~إلى دائرة الحريم أعاد للصمت الرهيب سلطانه في تلك القاعة، وقد أصبح الناس فيها في شبه ~~غيبوبة، شملت الجميع حتى المشعوذ، وقد كادت تخونه أعصابه في تلك اللحظة الرهيبة، وما زال ~~الذهول مستوليا على هؤلاء المشدوهين المضطربين وقد تملكتهم الحيرة في تفسير رموز ما وقع، ~~حتى سمعت ms095 من دائرة الحريم المجاورة أصوات استغاثة تطلب النجدة، فتردد هؤلاء قليلا في بادئ ~~الأمر، ولكن ازدياد صراخ النساء دفعهم إلى داخل الحرم، فإذا الملك في حالة ثورة نفسية عنيفة ~~وفي يده خنجر يحاول الفتك به بأمه، وكان يردد بصوته المرتفع وبحزم شديد قوله: إن لم ~~تخبريني الحقيقة قتلتك توا. # وكانت الأم تقول له بصوت عاطف حنون: إنك واهم، فوالله إنني كنت ولا أزال الأمينة الوفية ~~على شرف أبيك الملك، فلا مرية في بنوتك له، لعن الله من شوش عليك عقلك، وأدخل في صدرك ~~الوساوس، وأساء ظنك بالمخلصين حتى بلغ شره أمك، وهي من أفنت ذاتها في ذاتك. # أدرك المشعوذ بسرعة البرق أن الملك ارتاب بأمه؛ لأنه لم يشعر بالتاج على رأسه، ولعله ~~عندما دخل إلى دائرة الحريم نظر في المرآة فلم يجد على رأسه شيئا فثارت نفسه، وحاول قتل ~~تلك الأم لثقته بصدق شعوذاته، فابتسم ابتسامة ماكرة تسر الارتياح لهذه الثقة العمياء وتظهر ~~الاعتماد على تلك الثقة في تهدئة ثورة الملك، ثم استمر في شعوذته بجرأة نادرة وحضور ذهن ~~غريب فقال: أسرعت يا مولاي، ولو سألتني في القاعة لأخبرتك أن حامل هذا التاج لا يراه، وإنني ~~أنا المذنب؛ لأنني لم أجل لصاحب الجلالة ذلك السر قبلا، فاحكم علي بما تشاء، فوالدة صاحب ~~الجلالة هي من أطهر النساء، وأنا أثق كل الثقة بما أقول؛ لأن الأرواح تؤكد لي ذلك الآن في ~~هذه اللحظة، وتظاهر المشعوذ بالانخطاف. # كاد الملك يخدع أيضا، وعلى الرغم من جميع ما مر به من إفك ذلك الرجل ومينه، لولا أن ~~وقف التلميذ وطلب الخلوة بصاحب الجلالة لأمر خطير ينقذ المملكة من الدمار، وما أجيب إلى ~~طلبه حتى طلب الحجز على جميع من حضر الحفلة إلى ما بعد انتهاء حديثه في خلوته بمليكه، وهكذا ~~كان. # وفي تلك الخلوة، وضع التلميذ بين يدي الملك تلك الأوراق التي كان أمره أستاذه المشعوذ ~~بحرقها، ولكنه لم يكن ليحرقها، وإنما موه على أستاذه بإحراق غيرها برشاقة ماهر نجيب حسب ~~للأمور حسابها، وما ms096 اطلع الملك على تلك الأوراق وهي تثبت الجرائم التي ارتكبها كل من وزير ~~الميمنة والمشعوذ حتى أظهر دهشته، فأعلمه الشاب عن كل شيء وعن العهد المشترك في خداعه، ~~فأرسل الملك حالا من يكشف عن نسختي العهد في قصر الوزير وفي دار الساحر الدجال، ويا لشدة ~~ثورته، عندما اطلع على نص العهد وهو يعرف خط كل من المتعاهدين وإمضاءه، فأمسك بالجرم بيديه ~~وعينيه وأذنيه، ولم يعد ثمة أي وجه للارتياب. # خرج الملك من الخلوة كالأسد المكلوم، فإذا الشعب وقد عرف كل شيء بتدبير من الشابين، يصخب ~~ويصرخ مطالبا برءوس الخونة المضللين والمجرمين المستغلين والدجلة المشعوذين، فاستجاب الملك ~~لمطالب الشعب، وأصدر أوامره - كما يقول الرواة - بالقضاء على جميع السحرة، وبتحريم السحر ~~والشعوذة في جميع أرجاء المملكة، وفي مقدمتهم ذلك المشعوذ الأكبر، وقد أفسد البلاد، وكاد ~~يهلك العباد؛ لكثرة ما استغل ولوفرة ما هيأ من وسائل الاستغلال. # ولكن هل انتهى السحر بشعوذاته ودجله مع تلك الحادثة؟ وهل قضي بإنفاذ حكم الملك على جميع ~~السحرة والمشعوذين؟ # | خاتمة وعبرة # قال الراوي: ما كادت تلك الليلة - ليلة التاج - تتنفس عن فجرها - وقد كانت لجلالته ليلة ~~بيضاء، كتلك الليلة التي استعاد فيها في نفسه تاريخ حياته - حتى كان الملك قد دبر كل شيء، ~~فكان نهارها انقلابا داويا، تغيرت معه وجوه المسئولين في المملكة، وكان تبدلا جذريا، ~~استقر به الاتصال الوثيق بين الدولة في حكومتها وبين الشعب في آماله ومثله، وأصبح الأستاذ ~~الحكيم الثائر مستشارا أول للملك وموجها للحكومة، وراعيا لمصالح الأمة في جماهيرها، ~~وقد عبرت زينة الأنوار المتلألئة على السطوح والشرفات والمندفعة في الأجواء، عن فرح الناس ~~واغتباطهم وعما استعادته الحياة في تلك البلاد من بهجة ومرح، كما عبرت الهتافات والزغاريد ~~المتصاعدة من أفواه الناس وقلوبهم عن حبور الشعب واطمئنانه وسعادته. # استمرت تلك الأعياد، وقد دعيت بأعياد النصر، أياما متواصلة، اتصلت فيها أفراح الليل ~~بأفراح النهار، والناس يهنئ بعضهم بعضا، فتتسامى أرواحهم إلى العلاء، في أجواء المثل ~~الوطنية والقيم الاجتماعية والمناقب الإنسانية، فيلتقون عندها جميعا ملكا وحكومة ms097 وشعبا ، ~~وليست الأفراح والأتراح - يشترك فيها الشعب والحكومة معا اشتراكا عفويا يصدر عن طبيعة ~~الذات وعن تحسسها الأصيل تلقائيا، لا اصطناع فيه ولا افتعال، ولا استعارة ولا استئجار، ~~دون تكلف أو محاولة تغطية - إلا وسائل قوة وعزة وبناء صروح للأمجاد، تتباهى بها الأمم ~~وتتفاخر الحكومات ويزهو الملوك، وتكون النتيجة انتصارا على الذات وانتصارا على الأعداء، ~~والحوادث تتوالى، هي الدليل الصادق على صحة هذه النظرات. # فما سمع شداد بما جرى، وما اتصل به نبأ العواقب الوخيمة تبلغ أعناق أنصاره من الخونة في ~~رجال الدولة وأركانها، حتى استشاط غضبا، فقرر اقتحام المملكة بهجومه الصاعق. # إنه قد سبق، وهيأ شداد جنده لهذا الهجوم بالاتفاق مع الخونة المارقين والسحرة المشعوذين ~~من رجال الدولة وقادة الشعب، فهل يضيع الفرصة والدولة هناك - على ما كان يعلم - منهوكة ~~القوى بفعل الترف، والشعب في تلك المملكة متفككة أوصاله بفعل إفساد من أغرى من الخونة ~~المارقين، يخلصون لمن يستأجرهم ويغريهم من أعداء البلاد الطامعين في مرافقها وثرواتها، ~~ويحسنون خداع شعوبهم في خدمته؟ إنه النصر الأكيد ما دامت الأمة في تخاذل وانقسام، وما دام ~~الشعب مع حكومته على خلاف، وأولئك الأنصار والأصدقاء ممن خانوا بلادهم في سبيل تحقيق مطامعي ~~في أطماعهم، ألم يرحني منهم ملكهم الملقب بالعادل، فلم أعد مطالبا بوفاء في إبان النصر، ~~عندما تستحق وعودي لهم الاستيفاء؟ وهل كنت حقا مصمما على الوفاء إلا بمقدار ما تقتضيه ~~مصلحتي من تجدد الخدمات، أو يتعذر علي - وأنا المنتصر - أن أجد في غيرهم أطماعا تغريهم ~~بالخيانة وبأبخس الأجور والأثمان، ما دامت الأمة في حكومتها وفي شعبها لا ترى في غير المال ~~والزهو والترف أي معنى للوجود أو أية قيمة للحياة؟ # وفي خضم تموجات هذه الخواطر السوانح البوارح، أصدر شداد أمره بالهجوم غادرا ليفاجئ ~~الخصم، فيربح المعركة على أهون سبيل وبسرعة برق الصاعقة، ولكن ساء فأله وخاب أمله، وكان برق ~~صاعقته خلبا، إنها روح الثورة تأتي في مقاومتها بالأعاجيب وتفعل المعجزات، فتتفجر بها ~~ذرات الضعف قوة، إذ يتحول الانقسام تماسكا والتخاذل تناصرا، ms098 والتعدد في التفرق والاختلاف ~~وحدة في التجمع والاتفاق. # انتصر الملك العادل، وانهزمت جيوش شداد، وطابت لملك عرف كيف ينسجم مع شعبه الحياة، ~~فلانت للشعب، يعرف كيف يعيد إلى مليكه صوابه، واستحالت رغدا وعزة ومجدا وسعادة، فاطمأنت ~~النفوس وسكنت الأعصاب، واعترف الجميع بأن الفضل للشباب في وثبات الثورة في نفسه وفي استقرار ~~المقاومة فيها، يعبر عنها باستمرار خفقان القلوب ودوران الدماء، نعم، الدماء. # يؤكد الراوي: إنه مضت على هذه المملكة بعد نجاح الثورة سنوات عزة وإقبال، ورغد ورخاء، ~~ولكنها سنوات لم تتجاوز عدد أصابع الكف، إذ ما لبث الملك أن استعاد بتأثير طفيليات نبتت من ~~جديد في أوساط رجال الدولة جميع ميول السخف بالارتياح إلى تملق الناس وإلى البذخ والترف، ~~وكأن الشيخوخة وقد بدأت تراوده وإن باكرا، قد أضعفت ما في صميم ذاته من مقاومة، فخمدت شعلة ~~الثورة، وأصبح كارها لها، يخيفه أن يذكر اسمها، أو أن يسمع بأنها لا تزال يذكرها الناس ~~في أحاديثهم ولو في الخلوات. # يا ويل الأمة من أذكيائها إذا ما أصبحوا وصوليين انتهازيين، ففي قدرة هؤلاء أن يفسدوا ~~الأولياء والقديسين، وأن ينحرفوا بالأتقياء المصلحين، إذا لم يتدارك الشعب أمره بوعي صادق، ~~تبعثه وثبات المقاومة، تدخلها روح الثورة، تتأجج نارها في النفوس، وهذا ما وقع، فإن الشعب ~~وقد احتفظ بفاعلية المقاومة تحميها شعلة الثورة في النفوس، لم يحتمل طويلا، ولكنه وقد مل ~~دلع الملوك المتألهين وسيطرتهم جبارين متغطرسين، لا يرضيهم إلا البذخ والإسراف والمراسم ~~السخيفة، في إشباع حب الظهور والمباهاة بما يشبه التمثيل والتهريج، حفظا لهيبة الملك ~~والدولة على ما يدعون، وإنما هو في الحقيقة شعوذة تتخذ وسيلة للتخدير والتنويم، استعبادا ~~للناس وقد خلقوا أحرارا، إنه الشعب تلتهب في نفسه روح الثورة، تفجر ذرات المقاومة، فلا ~~يعقل - وهو في تقدميته - أن يصطبغ بصبغة شعوب الانهزام والتأخر والانهيار، فما لبث أن ثار ~~ناقما على الملك بل على النظام الملكي نفسه، فخلعه وطرده من البلاد وطرد أسرته وقلب الحكم ~~جمهوريا، يصدر عن إرادة الشعب في خدمة الشعب، ويظل تحت ms099 سيطرة شعب أراده حكما ديمقراطيا ~~صادقا، لا يظلم في ظله الفرد ولا يستغل المجتمع، إن الشعب قد أراد بالجمهورية ~~الديمقراطية حكما تمثل سيادته سيادة كل فرد من أفراده، فلا يجد الحاكم فيه حقا في ~~كبرياء سيادة يؤجر عليها من أسياده الناخبين، فيكيف أنت بالأجير يتكبر على أسياده ويبذخ ~~بمالهم ولا يخجل. ويقول الراوي: إن تلك المملكة سعدت بجمهوريتها، إذ صدقها من انتخبت من ~~الحكام وأخلصوا لشعبها. وإلى هنا انتهت جدتي في سرد الحكاية مرددة إحدى العبارات المألوفة ~~في نهاية كل حكاية يشتد فيها الصراع: «وظلوا في سعادتهم إلى أن أتاهم هازم اللذات ومفرق ~~الجماعات.» ومن يدري؟ # العبرة # لن أطيل، فعبرة القصة في ثنايا حروفها وبين السطور والكلمات، إنما أريد أن ألفت نظر ~~القارئ الكريم إلى ما لا يزال حولنا وحوله طبعا من صائغي التيجان المسحورة، يضللون بها ~~الناس بشعوذة سحر الكلمات ودجل تنميق الألفاظ وغيرها، فأنت مؤمن ووطني من أبناء الحلال، ~~إذا ما توهمت وجود تاج صاغوه، وخدعت نفسك بادعاء رؤيته، وأنت الكافر وأنت الخائن وابن ~~الحرام طبعا، إذا ما كانت لك عينان تريان غير ما يريدونك أن تراه واهما، وإذا ما ~~كانت لك أذنان تسمعان غير ما يدعون سماعه، فلا ذات محسوسة يحكم العقل بصحة وجودها، وإن ~~وجد شيء بالفرض فتوهم شبح، ولا رنين صوت يسمع فتتذوقه الروح، وإن سمع شيء فضجيج وصخب، ~~ويجب عليك أن تعجب بما لا ترى، وأن تطرب بما لا تسمع، وإلا فإنك من أبناء الحرام، لا ~~ترى التاج، تاج الوهم على رءوس المتألهين، ولا تدهش لتلألؤ جواهره، فأنت الكافر الخائن؛ ~~لأنك تعبر عن وهم الشبح، فتقول: إنه وهم. وأنت الأعمى؛ لأنك لا ترى ما لا يرى، وأنت ~~الأصم؛ لأنك لا تسمع ما لا يسمع، أنت لم تخدع، إنك لا ترى التاج المسحور، ولا يشعر ~~بوجوده من يدعون أنه يعلو رأسه، ولكن يجب أن تراه وإلا فإنك ابن حرام، تكفر بدينك، ~~وتخون بلادك، وتحتقر المثل والقيم، يجب أن تخادع نفسك، وأن تخدع غيرك أيضا، لتحشر ms100 في ~~زمرة أرباب العلم والفن والذوق، ولتعتبر مواطنا ومؤمنا، وإلا فكيف يستغلون ويثرون ~~ويرتشون ويسرقون، أو يقطعون على عباد الله الطرق؟ فإذا ما أنكرت الوهم، وأعلنت الحقيقة، ~~فإنك لم تر التاج، تاج السحر والشعوذة، فلست من ظهر أبيك، ولذلك يحكم عليك هؤلاء ~~الصائغون لتيجان السحر والشعوذة والتدجيل بالجهل وقلة الذوق وبالكفر وبالخيانة. # فانتبه يا قارئي الفطن وإياك أن تخدع، واتركهم يقولون، فإذا ما استقرت روح المقاومة ~~في نفسك اتقدت نار الثورة حواليك، فيستنير الناس وينكشف الغطاء، فلا يحاول مخلص صريح أن ~~يقتل أمه أو وطنه وبلاده، أو أن يتهم دينه، فأنت مدعو للاختيار بين تقهقرية الشعوذة ~~وهدم الدجل، وبين تقدمية الحرية والإدراك وبناء الفكر والتأمل، ولا إخالك مختارا عن ~~التقدمية والبناء بديلا؛ لأنك إنسان، وإنسانية الإنسان إنما تتحقق بالتحرر والإدراك، ~~وبالتفكير والتأمل، والإنسان لا يستعبد، وخضوعه كعبد إنما يعني تنازله عن إنسانيته، ~~والإنسان لا يستعبد؛ إذ بمحاولة إخضاع الناس رجعة إلى حياة التوحش في كهوف السباع ~~الضارية، ولسنا في عصر التوحش، ولا في عهد استعباد من للحرية خلق، ورسالة كل إنسان يعي ~~لإنسانيته أن يكافح شعوذة التيجان الساحرة ودجل الاستغلال الخادع، لا فيما يأتي به ~~الجهلاء والسذج الأغبياء، بل فيمن يحسن الصياغة من المتأدبين والمتعالمين، ولا سيما من ~~حملة الشهادات، ففي هؤلاء قد تكون الأخطار والأضرار، ومن أذكيائهم استعاذ المصلحون ~~فقالوا: اللهم أنقذ الأمة من أذكيائها، وقد استجار نبي العرب منهم في قوله: «أعوذ بالله ~~من عالم اللسان جاهل القلب.» فتأمل فيما أقول أيها الشاب، وفكر، فأنت الأمل. ms101