######OpenITI# #META# URI: 1383BishrFaris.MafraqTariq.Hindawi60251839 #META# Tags: plays #META# ID: 60251839 #META# Title: مفرق الطريق #META# AuthorID: 59095370 #META# Author: بشر فارس #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # توطئة‏ # إلى نشأة المسرح المصري‏ # توطئة‏ # إلى نشأة المسرح المصري‏ # | مفرق الطريق # | مفرق الطريق # تأليف # بشر فارس # | توطئة # إن وجهة هذه المسرحية مما انساق له قلمي، ورفت إليه نفسي بعد ~~التحصيل، والروية، والاجتهاد، فرأيت أن أصنع للمسرحية مقدمة ~~أبسط فيها الأسلوب الذي أجريتها عليه، فضلا عن قصائد نظمتها، ~~قد وقف على مقاصدها من يدأب في قراءة «المقتطف» خاصة؛ لكي تكون ~~بيانا لبعض ما نشرته حتى اليوم، ثم بعض ما أنا ناشر بعده إن ~~شاء ربك. ~~••• # هذه قصة تمثيلية على الطريقة الرمزية - إذا شئت - وليست ~~الرمزية ها هنا بموقوفة على الرمز بشىء إلى شىء آخر، ولكنها - ~~فوق هذا - استنباط ما وراء الحس من المحسوس، وإبراز المضمر، ~~وتدوين اللوامع والبواده بإهمال العالم المتناسق المتواضع عليه ~~المختلق اختلاقا بكد أذهاننا، طلبا للعالم الحقيقي الذي ~~نضطرب فيه، رضينا أو لم نرض، تدهشنا ظواهره، وتروعنا بواطنه، ~~وتعجزنا مبادئه، عالم الوجدان المشرق، والنشاط الكامن، والجماد ~~المتأهب للتحرك إلى ما يجري بينها من العلاقات الغريبة، والإضافات ~~التائهة في منعطفات الروح، ومثاني المادة، يشترك في كشفها ~~الإحساس الدفين، والإدراك الصرف، والتخيل المنسرح. # كلنا يطوي في المكان القصي من سريرته شيئا لا بد له من أن ~~يقال، شيئا أجنبيا عما يتصل بالمألوف أو المنتظم أو ~~الاجتماعي، صاحبه يكتمه حتى من نفسه وربما جهله، على أنه يتكلم ~~ويتحرك، وهذا الشىء شاغله بحيث تمسي طائفة معينة من أقواله ~~وأفعاله مجموعة رموز، لا رموز آراء تنكشف مصادرها، وتطرد ~~مجاريها، ولكن رموز نزعات مبهمة، وممكنات ضائعة، وممتنعات ~~متمثلة، ومغالبات، إنما ترتقب عواصفها في الساعة التي يهتم ~~فيها الظلام أن ينفرش فيتصور المرتقب هزيز الريح، وصفق ~~الموج، ثم إن مثل هذا الشىء لا يفصل، ولا يعلل، ولكنه ~~يعرض خطفا، فكأن المنشئ يتوجس كيف تجاوب نفسه جرس ~~الأشياء الخارجية من دون أن يتحمل ترتيبها ولا تأويلها، فيعدل عن ~~البسط والتبيين إلى إثبات البرق الذي التوى في السحاب، فغزا الظلمة ~~لحظة كأنما البرق آية وحي. # وبعيد أن يكون الرمز لونا من التشبيه أو الكناية إلى غير ms01 ذلك من ~~ضروب المجاز، للذهن في وضعها، ثم قبولها الحظ الأعلى، بل هو ~~صورة، أو قل: سرب صور جزئية ينتزعها المنشئ من المبذول كما ~~تنتزع الأشكال من هيئات الموجودات على مرقم رسام موفور ~~الحواس، مشغول المخيلة، محدث القلب، يعد الملموس منبثق ~~الانطلاق إلى عالم أمثل، إلى عالم روحاني يوفق بين الواقع ~~والموهوم، فيجعل ذاته الفنانة تعكس على اللوح الموضوع المرئي ~~بفضل عينين دربتا على لمح مشاهداته الباطنة، فيمزج الرسم لوائح ~~الرسام بالخارجيات، فتنسجم سرا كأن الخطوط الأفقية انبساط ~~نفسه، والخطوط العمودية انبعاثها، والدوائر انطواؤها، والمنحنيات ~~انقباضها، وكأن الضياء من صحوها، والظلال بعض مشكلاتها، وكأن ~~الوجوه الوضاحة أشواقها، والمناظر المغبرة من غمومها: الوجداني ~~يحل في المادي، حتى إن الأشكال ربما تبدو ناقصة أو مختلة، ~~أو ماثلة تتردد عند حدود المعقول لمن لم يكن موطأ الفهم لها، ~~مرهف البصيرة. # وذلك بأن هذا الرسام لا يكاد يحفل بالمنطق؛ لأن المنطق ~~اصطلاح آلته العقل، والعقل إنما يجرد الأشياء أو يشذبها، ~~ثم يغفل بعضها أو يجهل بعضها، فالتوضيح الذي ينتهي إليه أقرب إلى ~~الاختراع منه إلى التحقيق، والعرفان الجد شعور بالحقيقة لا العلم ~~بها، وبين العقل والشعور ما بين الهضبة الصخرة والروض ~~الرفاف. # وإن قيل: إن المنطق هو القانون بل المعيار بل ضابط التناسب، وإن ~~قيل: إن المنطق كمثل الزخرفة العربية في أبعادها ومسافاتها، ~~ومقاديرها، فمما لا يرتقي الشك إليه أن المنطق ينشأ عنه تدبير ~~معقول إنما يعوزه لهب الحياة، انظر إلى صورة اتفق أهل الدراية على ~~أنها خطافة للعين تصب في جوانبها شيئا يترجرج؛ شيئا يقول لك: ~~«بيني وبين بصرك صلة، صلة اليقظة والإحساس بالوجود.» ثم انظر إلى رسم ~~لا يخرج عن خطوط هندسية غاية في الدقة أفلا تقبض صدرك البرودة ~~المنسابة فيه؟ هذا الرسم الذي دبره العقل من باب الحساب لا يعرف ~~السبيل إلى نفسك؛ لأن النفس على فطرتها تهوى كل ما يرجع إلى الطبيعة ~~الصادقة، والطبيعة تجهل الإحكام في التخطيط والجمود في التعبير: ~~«الطبيعة - على قول المصورين التأثريين # les ~~Impressionnistes ~~- لون تخاطبنا ms02 من طريق اهتزازته ~~الضوئية مخاطبة متقطعة ومتقلبة». # ومثل المنشئ إذن مثل راقصة تنحرف عن قواعد الرقص المضبوط ~~فنه المتأمم اعتيادا لا اندفاعا، فتأبى أن تخط أشكالا ~~محصورة في نظام سرعان ما يهتدى إليه بأن تحلل النغمات وتقطع ~~الموازين؛ لكي تردهما في الفضاء وحدة متماسكة حتى التشنج، واضحة ~~وضوحا يتفرق البصر له، وإنما تكني بالتلوي والتوتر، والنزوان ~~والتقبض عن انفعالات إحساسها الموسيقي، السماع ينقلب حركة! فتراها ~~تنقل قدميها على الأرض خفيفتين تتهيأ لقفزة هل تعود بعدها؟ ~~وتسلط ذراعيها على الخلاء الذي حولها تعزف منه طرائف تهبها لمن ~~تلحظه عيناها دون أعيننا، وتمد أصابعها وتزويها كأنها تحث وتزجر ~~قلوبا تطوف بها، ثم تهصر الخصر وتطلق العطف، وتنفض الثدي، وتثني ~~الرأس كأنها تنادي ربا لا يلتفت إلى عباده حتى تتأوه أجسامهم فتريد ~~أن تنهدم، فإذا بها ترقص حسبما يخفق قلبها، وينبض عرقها إذعانا ~~لإشراق الساعة، وانقيادا لهواجسها، فتخلص الغريزة من الكبت، وتنصر ~~الاضطراب النفساني من الاختلاج العضوي، فترد الرقص وثبة حرة، ~~وثبة النفس اللطيفة نحو الغبطة المضنية. # ولا يستخلص من هذا أن الإنشاء يصبح ضربا من الهذيان، أو أنه ~~يستحيل مجموعة رؤى شوارد، وبدوات نوادر، فإنما المنشئ يعرض عن ~~المراسيم الجامدة إرادة أن يجعل الكتابة لحنا يغلب فيه الارتجال ~~الملهم على الصناعة الموقوفة؛ إذ يتجنب فيه النغم الحادي المعلق ~~كالسيف الصدئ فوق المقاطع واللوازم والفواصل، ويحذف الانتقال ~~المتواتر تارة المستدير أخرى من القرار حتى الجواب، ثم من الجواب ~~حتى القرار في مجرى متساوي النسب منتظم التقاطيع، وينبذ تدريج الصوت ~~من الشدة إلى اللين، أو من اللين إلى الشدة، ويهمل توطئة الخروج من ~~طبقة إلى طبقة، ويترك تحلية القفلة لينهض التأليف على خط هش ~~متكسر، ينحني ويستقيم مع موضوع اللحن، يمهل ويندفع به، كأنما اللحن ~~حديث يتجاذبه فتية أنس بعضهم إلى بعض، فينقطع ويتصل ويذهب ويجيء ~~ويصعد وينخفض، وإنما الذي يحدو اللحن طائفة من المدات والهمسات ~~والهمزات تلائمه مرة وتنافره مرة، طائفة من الأصوات المفردة بين ~~حادة وثقيلة، ومفخمة ومرخمة، ومن النقلات المنفصلة بين ms03 مقلقلة ~~ومضغوطة ، ومقيمة وطافرة، كأنها من فضلات اللحن تحكي تفاصيل موضوعه، ~~وتراسل تعاريجه، فتساوق أنفاسه حتى ينقضي. # بقي أن هذا الإنشاء الذي يعالج ما يلي المادة المباشرة لا ~~صلة له بأنواع أخرى من التأليف، منها الخطابة التي تأكل أدبنا شعره ~~ونثره منذ نشأته؛ لأن الخطابة حيلة ثم كذب، فإما أن تستر بمفرداتها ~~الضخمة، وجملها الوارمة بضاعة ضاوية، وإما أن تزوق ما يكاد يكون ~~مدركا، وتبالغ في التعبير عما يكاد يكون محسا، ومنها التحليل ~~المطرد اطرادا الذي يفصل الآراء والميول، ويشد بعضها إلى بعض ~~فتبدو بسيطة معقولة متلاحقة؛ لأن مباعثها لا تزال طي الضمائر، ~~ومنها التأثير القريب الغور الذي يهز أعصابك دون أن يجعلك تتقرى ~~العواطف البعيدة، أو تجس الرعدات الدقيقة بالتماسه الموضوعات العنيفة ~~السهلة في آن نحو مقابلة الحب بالواجب، ومنها الوصف الواقعي الذي ~~يقعد عن الخلوص إلى ما وراء المنظورات من خواطر وواردات لا تبرز لمشهد ~~الحس، ومنها التلفيق الأدبي الذي يستل الأشخاص من العالم الإنساني، ~~فتارة يعليهم فتحسبهم آلهة، وأخرى يهبطهم فتحسبهم شياطين، ثم منها ~~الإبداع الفني؛ لأن بلوغ التمام المتناهي في الصناعة نتيجة الحذق لا ~~نتيجة الشعور، وإنما نتيجة الشعور تطلع قلق إلى تمام لا ~~يتناهي. ~~••• # وبعد فإن أشخاص هذه المسرحية دمى تحركهم عواطفهم الدفينة، كما ~~أن الناس آلات في قبضة الحياة الجائشة إذا هم استبسلوا فنزلوا إلى ~~ساحتها، وقلما يفعلون. # وكما أن الحياة الجائشة تحير العقل الغر فتختلط عليه شئونها ~~اختلاطا شديدا حتى يتاح له أن يتدرب على خشونتها، ويستأنس ~~بدقائقها من طريق التألم والتأمل والتفهم، فيقدر أن يطوح ببصره ~~إلى الحوادث التي وقعت له حياته فتنتسق فصولها كلها، أو بعضها بين ~~يديه، كذلك يحسن بمن يقف على هذه المسرحية - المبهمة معالمها ~~أول الأمر - أن يتدبر نواحيها من بعد الوقوف عليها، مستضيئا ~~باللاحق ليبصر السابق. # والذي يزيد في إبهام معالم هذه المسرحية أنها تجمع في ألفاظ ~~معدودة طائفة من الآراء، والتأثرات صبها الزمان في قوالبها، وكل ~~شيء لاحق بعالم الفكر طال عهد نشأته، واستوائه لا ينقاد ms04 للذهن دفعة ، ~~بل على الذهن أن يتأتى له يستشفه، وفي ذلك من اللذة ما فيه، وعندي ~~أنه قد حان الزمن الذي فيه أصبح الإيجاز، والإيماء في الإنشاء الرفيع ~~أحب إلى القارئ العربي المهذب من التطويل والتذييل، حتى إذا رجع ~~القارئ عن الحس الظاهر إلى الحس الباطن تجلى له ما وراء السطور، ~~فتدرك بذلك غاية الأدب العالي، ومدارها أن يجعل المنشئ القارئ ~~يشاطره فنه. # وأما لغة المسرحية فقد أردتها سهلة؛ لأنه من العسف أن يغرب ~~المؤلف، أو يتكلف الصياغة ابتغاء التهويل، ولا سيما إذا ألف ~~للمسرح؛ ذلك أن المسرح إنما هو منقل ألوان الحياة، والحياة الحق ~~طفل يلهو، وما يدري أنه لاه، وزهرة تضوع، وتعجب لمن يستروح ~~شذاها، ونهر يهدر ولا يطرب لترنيمه، وليس في هذه التعابير كلها تصنع ~~ولا استكراه، ثم إن الذي أميل إليه أنه كلما بعد غور التفكير فشطت ~~المعاني ونزع الأسلوب إلى الإيهام والتلويح، بحيث ينبسط على الكلام ~~ظل لطيف، جدر الأداء أن يلتزم السلاسة والوضوح، على أن تنزه ~~الكتابة عن المبتذلات عن تلك التراكيب المطروقة المطروقة حتى صارت ~~وساوس ينصبها الأدب اليابس في وجه استقلال القلم، فتمنع الإنشاء أن ~~يدل على صاحبه دلالة حافلة، ثم على أن يتخير اللفظ محاذرة ~~أن يزوغ مدلوله عن المعنى المقصود فتهزل الفكرة، وأن تهذب العبارة؛ ~~لئلا تسقط إلى الركاكة فيسمج الأدب. # القاهرة، ديسمبر 1937م # | إلى نشأة المسرح المصري # ب. ف ~~(1) تبيين # المسرح # في مفرق الطريق؛ أي حيث ينفرج يمينا منارا وصاعدا، ~~ويسارا مظلما ومنحدرا، يلتقي العقل والشعور، فيتجاذبان ~~المرء ولكل منهما حظه من القوة والغلبة، وأما الجانب المظلم ~~فحيث يقهر الشعور العقل فينحدر المرء، وقد عمي رشده إلى غاية ~~تحترق عندها النفس، وأما الجانب المنار فحيث يصرع العقل ~~الشعور فيسلك المرء في صعود مثلوجة يحيا عندها بنجوة من ~~الاحتراق، يحيا كمثل شجرة شظف عودها وجف ورقها وذوى زهرها، ~~على ما هو مبين في رسم الغلاف. # الأشخاص # سميرة: # نفس مضطربة تتنازعها حلاوة الماضي الموجع ~~وراحة الحاضر المقفر، تطمئن إلى حياة يلجمها ms05 ~~العقل، وتجذبها حياة يندلع فيها الشعور، فهى ~~كالموسوسة، يبدو كلامها هذيانا؛ لأن رأيها لا ~~قرار له، وتراها كلما لمست الحقيقة القاحلة ~~فزعت منها إلى متمثلاتها الورقة، وإذا انقضت ~~هذه أوت إلى التلف المعنوي إرادة أن تحبس ~~حركات نفس رغابة في الاحتراق. # الأبله: # لا يقوى على الكلام، ولكنه يفهم كل شيء، ولا ~~ينكشف أمره حتى ينخلع قلبه، كمظلوم راض بما ~~قسم له يحسبه الناس سادرا، قاعد الإحساس ~~فيستخفون به، حتى إذا بغى الجرح الذي يضرب ~~في جنبه فار فارفض فأصاب الظالم منه رشاش ~~يرده إلى الواقع، فبكاء الأبله في مختتم هذه ~~القصة؛ ذلك البكاء الذي نزع الغطاء عن عيني ~~سميرة، فمنعها أن تبعث على يد مغريها إلى ~~الشعور، صرخة مظلوم يعرف أنه من أجلها ~~مقتول. # هو: # عنوان الإنسان العادي، المنشأ في حلقة ~~المواضعات الاجتماعية - وما أكثرها في الشرق ~~العربي عامة، ومصر خاصة! - المبني على ~~البغي، الرقيق لساعته، العاجز عن إدراك ~~المعاني المجردة حتى يؤخذ بيده فيقاد إليها ~~فيصرعه جلالها، ثم يود لو يعيش في ظلها ~~دون أن يبذل نفسه بذلا في سبيلها كأنه يقنع ~~بالوقوف بباب هيكلها لعله يظفر ببعض ما فاته ~~من اللذة الخاصة، فتعوزه الفرصة لتبدل الأحوال ~~التي كانت تكتنفه. # المسرح # مؤخره: صف من المنازل المنخفضة على شكل المنازل التي تصاب ~~الآن في الأحياء القديمة في مصر، من نافذة من نوافذ أحد ~~المنازل الواقعة في الجانب الأيمن من المسرح يخرج نور، نور ~~مصباح «جاز» كبير، المصباح لا يرى، وإذا أريد إظهاره فليكن ~~معلقا بالحائط بمسمار ضخم معقوف. # مقدمه: طريق ضيق، على الأرض جزازات ورق وبقايا من قصب ~~السكر، يمتد إلى جانبي المسرح يمينا ويسارا. الجانب الأيمن ~~منه يضيئه النور الخارج من النافذة إضاءة ضئيلة، وأما الجانب ~~الأيسر فبين المظلم والمنار، وتشتد الظلمة في أوله من اليسار، ~~والطريق ينحدر من الجانب الأيمن المنار إلى الجانب الأيسر ~~المظلم، ثم إنه غير مستقيم بحيث يلتقي جانباه وسط المسرح ~~زاوية منفرجة. # الأشخاص # سميرة: # امرأة في السابعة والعشرين أو تقاربها، ~~نحيفة، رشيقة، حسنة الشكل، ms06 بشرتها ضاربة ~~إلى الصفرة، شعرها أسود متدل بعض الشيء حتى ~~كتفيها، ترتدي «فستانا» نظيفا عاديا أسود ~~لا يخلو من أناقة بسيطة كالذي ترتديه فتيات ~~من العامة في مصر لعهدنا هذا، مشدودا إلى ما ~~فوق خصرها، ليس بالواسع بحيث يشف عن رشاقة ~~جسمها، مرتفعا إلى أسفل العنق، ساقطا إلى ~~القدمين حتى الحذاء وإلى الذراعين حتى ~~المعصمين، فلا يرى من الفتاة سوى وجهها ~~السافر وكفيها، الحذاء أسود، والمطلوب أن ~~تشتد المقابلة بين سواد اللبس وصفرة الوجه ~~واليدين. # الأبله: # فتى لا عمر له، مستحكم البنية، منفوش ~~الشعر، يرتدي «جلبية بلدي» (جلبابا ~~مصريا) صفراء، حذاؤه أسود عتيق جدا، تبدو ~~على هيئته القذارة. # هو: # شاب في الثلاثين أو يقاربها، جميل المنظر، ~~على رأسه طربوش [هذا غير واجب]، يرتدي «بدلة» ~~لونها زاهر، وفي عروة في أعلى «البدلة» وردة، ~~حذاؤه أبيض، بشرته سمراء بل شديدة ~~السمرة. # المشهد الأول ~~(الأبله - سميرة) # الأبله جالس في الجانب المنار على الأرض، على ~~مقربة من جدار منزل، بين يديه رزمة قصب سكر، يقشر قصبة بأضراسه ~~ثم يدفع «عقلة» القصبة (الأنبوبة) إلى المرأة فتمضغ منها شيئا ~~وتعيدها إليه فيأتي عليها مصا. من آن إلى آن يضحك ضحكة خفيفة ~~لا معنى لها، سميرة تجيء وتذهب أمامه في هدوء وبطء، تنظر إليه ~~أحيانا في ذهول. # يستمر هذا التمثيل الصامت زهاء دقيقتين، ~~وبينما الأبله يكسر «عقلة» من عود قصب على ركبته إذ يشد العود ~~إليه بقوة كأن أحدا يريد خطفه من خلف، وذلك في أثناء مرور سميرة ~~أمامه بحيث تراه. # سميرة ~~: # ما بك! أيريد أحد خطف قصبك؟ # الأبله ~~: ~~(يومئ أن ~~نعم.) # سميرة ~~: # معاذ الله! ومن هذا؟ # الأبله ~~: ~~(يحاكي صوت الكلب، وهو لا يزال ~~قابضا على عود القصب بحرص.) # سميرة ~~: # كلب؟ ومتى كانت الكلاب تمتص القصب؟ # الأبله ~~: ~~(يضحك.) # سميرة ~~: # كفى ضحكا! كم أشتهي أن أراك تبكي يوما، فتبكيني. ~~(مهلة) # أممكن هذا؟ ~~(تنظر ~~إليه) ~~. # الأبله ~~: ~~(يتأملها في ~~جد.) # سميرة ~~: # أممكن هذا؟ ولم لا؟ فهذه الكلاب أصبحت تمتص ~~القصب. # الأبله ~~: ~~(يطرق.) # سميرة ~~: # أكلب هو؟ # الأبله ~~: ~~(يومئ أن ~~نعم.) # سميرة ms07 ~~: # لا، إن هذا لا يمكن حصوله ... كما أن بكاءك لن ~~يكون. ~~(صمت) # المستحيلات ~~في هذا العالم معروفة ~~(تحدق ~~إليه) ~~. # الأبله ~~: ~~(يرفع ببصر تائه إليها، ورأس ~~القصبة بين أضراسه، وهذه لا تتحرك.) # سميرة ~~(تخاطب نفسها) ~~: # ولربما أحببنا أن يكون الأمر المستحيل ... ممكنا. ~~(مهلة) # ماذا أقول؟ لا ... لا ... ولو ~~أن الكلاب أصرت على امتصاص القصب لقتلتها جميعا، ~~جميعا. ~~(تخاطب الأبله) # أتسمعني؟ ~~(آمرة) # اضحك! # الأبله ~~: ~~(يضحك ضحكة فيها تكلف وشبه ~~رنين أسى.) # المشهد الثاني ~~(الأبله - سميرة - هو) ~~«هو» يقدم من الجانب الأيسر في تباطؤ شديد فينصرف إلى أول منزل ~~من هذا الجانب. يحاول أن يقرأ اسم الطريق عليه. الأبله ينظر إليه ~~شزرا. سميرة ترمقه في غير عناية. يقبل «هو» وسط الطريق حيث المكان ~~بين المظلم والمنار وحيث المرأة واقفة. البعد بينه وبين المرأة ~~مقدار «مترين» بحيث يشمله الظلام فوق ما يشمل المرأة. يلزم الأبله ~~نظرته طوال الحديث الذي يجري بين «هو» وسميرة مهملا امتصاص القصب. ~~يعبر عن انفعالاته في صمت. # هو ~~(لسميرة) ~~: # من فضلك يا ست: هل هذا زقاق سي عبود؟ إني، والظلمة ~~على هذه الشدة، لا أستطيع قراءة الاسم المكتوب على جدار ~~هذا المنزل ~~(يشير إلى المنزل ~~الذي كان انصرف إليه) # إن كانت هنالك ~~كتابة. # سميرة ~~: # نعم، هذا زقاق سي عبود. # هو ~~: # شكرا. # سميرة ~~: # هل لك أن تفيدني كما أفدتك؟ # هو ~~: ~~(يشير أن ~~افعلي.) # سميرة ~~: # هل بلغك، عمرك، أن الكلاب تمتص القصب؟ # هو ~~: ~~(يؤخر رجلا كمن ذعر من ~~أمر.) # سميرة ~~: # سألتني عن شيء أفلا يحق لي أن أسألك عن آخر؟ # هو ~~: # ولكنه سؤال ... سؤال ... # سميرة ~~(في لهجة من ينفي شيئا قائما في ~~ذهن خصمه) ~~: # لا غرابة فيه. # هو ~~: ~~(يتعجب ~~صامتا.) # سميرة ~~(في بطء) ~~: # كل شيء يبدو غريبا لك إنما هو جد معقول عند صاحبه. ~~إن سؤالي يدهشك، ولو جالت أفكاري في ذهنك وتجاوبت على نحو ~~ما تجول في ذهني وتتجاوب لزال دهشك. إن الأشياء لا ~~وجود لها إلا بنا، وكل واحد منا عالم قائم ~~برأسه. # هو ~~: # هل لك أن تجيلي أفكارك في ms08 ذهني وتجعليها تتجاوب ~~لعلي أقوى على الرد؟ # سميرة ~~(في تهيج) ~~: # اسمع. إن هذا ~~(تشير إلى ~~الأبله) # لا يستطيع غير الضحك، وإني ~~بضحكه لسعيدة. وإن عرف يوما ما البكاء شقيت به. ~~(مهلة) ~~(في تحسر كأنها تخاطب ~~نفسها) # ولكن ... أصادقة أنا؟ ~~(تتم فكرتها بإشارة) # وعندي ~~أنه يستطيع البكاء إذا استطاعت الكلاب امتصاص ~~القصب. # هو ~~: # إني أوثر ألا يجول مثل هذه الأفكار في ذهني وألا ~~يتجاوب. # سميرة ~~: # لأنها أفكار مجانين. ~~(صمت) # كلا، بل هي أفكار فئة من الناس ~~يشعرون فوق ما تشعرون. والحق أني لا أفهم لم قدرة هذا ~~الأبله على البكاء مرتبطة بقدرة الكلاب على امتصاص القصب. ~~خاطر هجم علي من جانب غامض. # هو ~~(ساخرا) ~~: # صدقت. # سميرة ~~: # مهما تقل جميعا ففي يقيني أن وقوع الأمر الثاني ~~ينشأ عنه وقوع الأمر الأول. # هو ~~: # يقين مشكوك فيه. # سميرة ~~: # قلت: يقيني. # هو ~~: # ولكن إذا بدا لكل واحد منا أن يستقل بيقين له فإلى ~~أين مصيرنا؟ إلى الشك العام. # سميرة ~~: # كلا! إلى الأمل. ~~(مهلة) ~~(في بطء شديد) # الحقيقة، ~~أليست ذلك الوادي الشظف يخضله فيض مشاهداتي ~~الباطنة؟ # هو ~~: # أف لهذا الكلام المعقد! ~~(يهم بالانصراف من حيث جاء) ~~. # سميرة ~~: # تريدون الأمور واضحة ~~(«هو» ~~يلبث في مكانه) # خوفا على سلامة أذهانكم. ~~أينبغي لكل أمر يحصل أن ينساق إلى ناحية معلومة في ~~ملتويات أفهامكم تنتظره؟ ~~(في ~~سخرية) # متاع يندرج في خزانة! لا شيء أكره إلى ~~الحياة من إطار يعد لمجراها، إن الروح والفكر مع ما ~~يجيش فيهما من نزعات ووثبات ينكران السد والحد. ~~إنكم تفتكون بهما. # هو ~~(في ضجر، يشير في عنف) ~~: # كفى! # سميرة ~~(آمرة في لهف) ~~: # أعد هذه الكلمة! # هو ~~: # لم؟ # سميرة ~~(آمرة) ~~: # أعد. # هو ~~(في شيء من الخشية) ~~: # كفى ... # سميرة ~~: # لا. أعدها بالنبرة نفسها وأردفها بالإشارة عينها ... ~~ادن مني ... لا تخف. # هو ~~(يدنو منها ويشير كالمرة ~~الأولى) ~~: # كفى! # سميرة ~~(بالنبرة نفسها والإشارة عينها) ~~: # كفى! # هو ~~(كمن يخاطب معتوها) ~~: # مساء الخير! # سميرة ~~(تهجم عليه وتمسك بثيابه وترسل طرفها ~~في وجهه ثم في جسمه منتفضة) ~~: # أين سميرة؟ # هو ~~: # من سميرة؟ ms09 # سميرة ~~: # هل عرفت سميرتين؟ # هو ~~(ينكس رأسه ثم يرفعه ويحدق إلى وجه ~~المرأة ويقول في لهجة المدهوش) ~~: # أنت؟! # سميرة ~~: ~~(لا تجيب، وعيناها تكادان ~~تقتلانه.) # هو ~~(يواصل كلامه) ~~: # هنا؟ وهكذا؟ # سميرة ~~: # الحب مرحلة إلى الفناء! ~~(مهلة) # أمر آخر غريب. ~~(من الآن فصاعدا ينظر «هو» إلى سميرة ~~وجلا، زائغ البصر، مختلج النفس. يحرك يديه الحين بعد الحين ~~في تهيج، ولكن التحريك ليس فيه غلو. وجهه إلى الجمهور ~~وسميرة ظهرها إلى الجمهور بحيث لا يرى منها إلا التفاتات ~~يديها وكتفيها. وأما الأبله فيظل طوال حديث المرأة مبهوتا ~~كالمستفيق على كره من حلم لذيذ والقصبة في يده ماثلة ممدودة ~~نحو فمه. يشاهد ما يجري وهو يتألم في صمت. كل ذلك حتى يسمع ~~صوت الناي فتتبدل هيئات الأشخاص الثلاثة.) # سميرة ~~(في هدوء، متممة حديثها) ~~: ~~... وما غرابته؟ جرت الحوادث لي كما يجب أن تجري. ~~أحببتك؟ فائتمنتك على ما تملكه يداي حتى أتى يوم قلت لي ~~فيه: كفى! وأشرت على نحو ما أشرت الآن ~~(تعيد اللفظة بالنبرة والإشارة مرتين ~~كأن اللفظة شبح يلازم ذهنها) ~~... فانطلقت ~~عنك إلى حيث تنطلق المرأة التي تريد أن تذل الرجال لأن ~~واحدا منهم أذلها. ~~(مهلة) ~~(في سرعة) # وأتاني يوما ~~فيمن كان يأتيني من الرجال الذين كنت ألهو بهم شاب صوته ~~منحوت من صوتك، فطربت لحديثه وأنا لا أعلم السبب. وأردت ~~أن أطرب فوق ما طربت ~~(مهلة) ~~(في تهيج) # أممنوع ~~هذا؟ ~~(في بطء) # فعلمته ~~الكلمات التي كنت تنطق بها وأنت مائل علي ... ظل عريض ~~مطروح على صورة ناصعة. وما كنت لأذكر أنها منك، لأن ~~نفسي كانت شربتها فطوتها أضلعي، ونشرتها شفتا قلبي. وإذا ~~الشاب يوما يلفظ تلك الكلمات في ذلك الصوت ... ذلك الصوت، ~~وهو مائل علي. فإذا بك تتمثل لي دفعة، فكنت ~~كالنار ترفع من بعيد للتائه المطمئن ... أنت أنت الذي ~~أشربني تلك الكلمات، أنت الذي قال لي: كفى! بذلك الصوت ~~(تشير على نحو ما كان ~~أشار) # أنت منقاد لي مرة أخرى، وتظفر بي؟ ... ~~فخنقته! ~~(«هو» يتراجع ~~ويرفع يده كأنه يرد شبحا) ~~(سميرة ms10 تواصل كلامها) # إن أمور القلب لا تنقضي إلا بالخنق! ~~(مهلة) # منذ ذلك اليوم أشرقت ~~نجاتي؛ إذ غاب الذي كان يحس من نفسي وانطفأ الذي كان ~~يشتعل. والآن أعيش في الثلج ... ابعد ~~(تلتفت إلى الأبله وتصيح) # اضحك! # الأبله ~~: ~~(يضحك في ~~تراخ.) # سميرة ~~: # هذه الضحكة هي التي تثلجني، كل يوم، كل لحظة. أراك ~~دهشا لأن بيئتنا بيئة إحساس محض ... إلا أنه إحساس لا ~~يبلغ الاحتراق. أما أنا فقد جبلت من نار فيأكل بعضي ~~بعضا. ~~(مهلة) # إنما ~~أحيا، والثلج من حولي، طيف شجرة جرداء! # هو ~~: # ولكن ألا تهفو نفسك إلى الدفء أحيانا؟ # سميرة ~~(في استرخاء) ~~: # تغالبني فتهفو، غير أن الذي يدفئنا الشمس، ولذة ~~الشمس في حرقتها. # هو ~~: # بقليل من التعقل تتجنبين الحرقة. # سميرة ~~: # التعقل جعل لمن يحسب أنه يحس. مثلي لا بد له ~~من الاحتراق. # هو ~~: # إنك مسرفة. # سميرة ~~: # كنت كذلك لما كنت إنسانة، لما كنت أحبك، أيام ~~احترقت. # هو ~~: # كم أود أن أبذل لك الدفء. # سميرة ~~: # مثلك يحرق ولا يدفئ. # هو ~~: # علميني كيف أدفئ. # سميرة ~~: # فات الأوان. ما أعرف اليوم إلا كيف أحرق، أفلم ~~أتخرج على يديك؟ ولم تريد العودة إلى ما كان؟ هل انتهى ~~إحساسك إلى أقصاه؟ كلا، بل تراني أحاول النجاة من أرضكم ~~فأسمو عليكم، فتندم على تهيئتك لي هذه القدرة. ~~(في شدة) # ابعد! ~~(مهلة) # إنما حياتي في ~~الثلج. # هو ~~: # بينك وبين الثلج لا أبرح قائما. # سميرة ~~: # بيني وبين الدفء رائحة حريق. # هو ~~: # ولكن ... قلبك. # سميرة ~~(في غير عناية) ~~: # قلبي؟ ~~(مهلة) # لفظ ~~طالما أداره لساني حتى ضاع معناه. # هو ~~: # سميرة! # سميرة ~~: # ألم أقل لك إني لست أنا. هذا اسم فني. # هو ~~: # ولكن ... # سميرة ~~: # إنك تكثر الاستدراك. ألا تستطيع إطلاق الكلام؟ # هو ~~: # أما تعرفين أن كل شيء مقيد؟ ~~(صمت) # هل من شيء يبطل عنده ~~الاستدراك؟ # سميرة ~~(بعد مهلة، في بطء ثقيل) ~~: # إذا احترق. ~~(مهلة) ~~(في تلهف) # قلبي! ~~... # هو ~~(في لهجة من لا يسلم بحصول أمر) ~~: # لفظ ضاع معناه. # سميرة ~~(في لهجة من يقيم الحجة) ~~: # ألا ترى البدوي يتأمل الصحراء ليله ونهاره، ms11 إذا ~~سئل عن لون رمالها تلعثم؟ # هو ~~: # قد عرفتك امرأة لا تحمل كل هذا القدر من العلم. فمن ~~أين أتاك؟ # سميرة ~~(في بطء) ~~: # أما للحرق فيض؟ ~~(مهلة) ~~(في تلهف) # قلبي! ~~... # هو ~~(في لهجة الحائر) ~~: # لفظ ضاع معناه ... ولكن هنالك ألفاظا لا تموت. هذه لفظة ~~الله لا ينفك الخلق يذكرونها، أفلا يزال الله ~~الله؟ # سميرة ~~: # كما أن القلب لا يزال على حروفه. ~~(تنظر إليه تائهة ~~البصر) ~~. # هو ~~(يدنو منها ويهمس إليها يغريها) ~~: # الدفء! الدفء! # سميرة ~~(تحول نظرها عنه كأنها تخاف أن تلين ~~لكلامه. على أنها لا تبتعد عنه. تظهر أنها ~~منجذبة) ~~: # ذلك وهم. # هو ~~(يقنعها) ~~: # لولا السراب أية قافلة لا ينهكها طول الرحلة: ساعة ~~اليأس - إذا وارت البئر كنزها عن الأعين القلقة كأنها فتاة ~~غضة خفرة، أو أمست كعجوز تشنج جلدها لا تبذل سوى ~~الجفاف - يضحك السراب فتعلو الهمم. # سميرة ~~: # إني عرفت ذلك السراب، بل شربت منه. وكان الماء أجاجا ~~على لذة. وإني أود لو أرتشفه مرة أخرى. آه! حتى هذا ~~يفوتني اليوم. ~~(مهلة) ~~(في بطء) # الحب ~~معترك قتلاه الأوهام. # هو ~~(يدنو منها، يقنعها) ~~: # الشعور عكاز المرأة. # سميرة ~~(تنظر إليه في هياج) ~~: # وما هو للرجل؟ # هو ~~: # معراجه إذا أدرك جوهره. # سميرة ~~: # ومتى أدركته؟ # هو ~~: # الليلة. # سميرة ~~: # شيء تم بعد حين تمامه. # هو ~~(مدافعا) ~~: # من ذا يرى أن ليس للعنب نشوة من بعد نضجه؟ # سميرة ~~(نافية) ~~: # في ظني أن المرأة جعلت لتحيا بالحب، وقد مت به. ~~وها أنت ذا كأنك تحيا به عني ... إن الأمور تنقلب أوضاعها ~~على أيديكم، لأنكم يفزعكم الخلوص إلى أسرارها. # هو ~~: # ما أغلظ كلامك! # سميرة ~~: # ولم أنته بعد. ~~(مهلة) # أصبت امرأة تأتيك راضية فرحة، ~~فقلت متعة. وما كنت لتقوى على النزول إلى مضطرب الحياة، ~~فتعرف مرحها، فتقول نعمة ... المرأة عندكم زهرة تقتلع ~~لأن إناثكم لم يعلمنكم أنها تقطف. وأنى لهن أن ~~يفعلن وهن يخشينكم أبدا ... في عرفكم أن نساءكم ~~يهبن لكم أنفسهن. ما أسخفكم! إنهن يفرشنها لكم. ~~(مهلة) # أما أنا ~~فقد أردت أن أشذ عنهن فوهبت لك نفسي ms12 حقا. فرحت ~~ضحية ادعاء جديد للمرأة. # هنا يعلو صوت ناي من النافذة المنارة. صوت ~~خفيت يظل دقيقة. يلتفت الأبله وسميرة و«هو» إلى النافذة. ~~الأبله ينظر شزرا ويطرح بالقصبة التي بيده أرضا. سميرة تضم ~~يديها إلى صدرها كالمصلية. «هو» ينظر كالمأخوذ. # سميرة ~~(ل «هو») ~~: # كم يشغلك الناي! # هو ~~: # إنه لجميل المدات! # سميرة ~~(كأنها في وجد، شاخصة إلى ~~النافذة) ~~: # إنها لضلوعي تنقصف مصعدة في معارج الهواء الصافي. وكم ~~يلذ لي أن تفلت ضلوعي من بين جوانبي! هل تدري ما ~~الإفلات مما يلازمك على كره منك؟ إن هذا الناي يعينني ~~على النجاة من الأرض. ولذلك ألبث في هذا المكان، تحت هذه ~~النافذة ... صاحب الناي ينفخ فيه كل ليلة، فأحب أن ~~أعيره ضلوعي وهو لا يدري. ولو درى لهشم حلمي. وما ~~أشد حاجتي إليه! آه، إني أحس الحين بعد الحين كأن ~~ضلوعي تريد أن تفلق صدري لعطش فيه أعرفه وأهابه. # هو ~~(يشير نحو الأبله كأنه يقول: ألا ~~يسكن هذا عطشك.) ~~: # وهذا؟ # سميرة ~~: # ضحكه لا يقوى على تسكين ذاك العطش، ولا سيما في ~~الليل. برودة إلى برودة تهد العزم، عزم امرأة. # هو ~~: # وفيم كل هذا؟ # سميرة ~~: # أنت لا تفهمني وأنا أفهمك. # هو ~~(يشير نحو الأبله) ~~: # وهل هذا يفهمك؟ # سميرة ~~: # إن جهله بي من باب آخر. ~~(هنا يعلو صوت الناي، فيتمتم ~~الأبله.) # هو ~~(ينظر إلى سميرة ويشير إلى ~~الأبله) ~~: # ماذا؟ # سميرة ~~: # كثيرا ما يضج إذا سمع الناي. # هو ~~: # أترى صوت الناي يغيظه؟ # سميرة ~~: # أتظنه يدرك أن الناي يسعدني على عشرته؟ سترى أنك ~~مخطئ. ~~(تلتفت إلى الأبله ~~تأمره) # اضحك! # الأبله ~~: ~~(لا يضحك بل ينظر إلى الأرض ~~واجما.) # سميرة ~~(التمثيل نفسه) ~~: # اضحك! # الأبله ~~: ~~(التمثيل ~~نفسه.) # هو ~~(لسميرة) ~~: # لعله يفهمك وأنت لا تفهمينه. # سميرة ~~: ~~(تظهر التعجب ~~والتفكر.) # هو ~~(يواصل فكرته) ~~: # علمتني اليوم أن الحياة مجموعة سوء تفاهم. # سميرة ~~(في لهجة المنكر، تشير نحو ~~الأبله) ~~: # إلا أنه خفيف العقل. # هو ~~: # كما أنك واهمة. # سميرة ~~: # كما أنك مغرور. # هو ~~(بعد مهلة قصيرة) ~~: # ثلاث أحوال من منزلة واحدة. ~~(هنا يعلو صوت الناي ms13 مرة ثالثة ، ولكن نصف ~~دقيقة فقط.) # سميرة ~~(في أثناء ذلك، ل «هو») ~~: # اسكت الآن! # هو ~~(بعد سكوت الناي) ~~: # حقا! إنه لأخاذ. # سميرة ~~: # إنه لمعطاء! # هو ~~: # يبذل لك النجاة. # سميرة ~~: # من الاختناق. # هو ~~(بعد مهلة) ~~: # مسكينة! ~~(سميرة لا تحفل بهذا الرد، بل تتطلع إلى ~~النافذة في شغف. وأما الأبله فيرمقها مغيظا.) # المشهد الثالث ~~(سميرة - هو) ~~«هو» (يدنو من سميرة ويجعل كفه على كتفها ويجذبها بلطف إلى ~~الطريق المظلم وهي منقادة مذهولة وعينها منصرفة إلى النافذة ووجهها ~~محول إلى مؤخر المسرح لا إلى الجمهور. يرى الأبله هذا فينهض يتبعها ~~بحركات وإشارات ضالة. وبعد أربع خطوات أو خمس يعود أدراجه وينزوي ~~عن المسرح ناحية الغيابات (الكوليس # les coulisses ~~). في هذه اللحظة يعلو صوت الناي غاية في ~~الشجى.) # سميرة ~~: # أمهل. ~~(يقفان. يظل صوت الناي دقيقة كاملة) # هو ~~(بعد سكوت الناي) ~~: # أصبحت لا حاجة لك فيه. ~~(يعود الناي دقيقة أخرى كاملة إلى مداته ~~الشجية. تستمع سميرة إليه كأنها تنتفض.) # سميرة ~~: # دعني أودعه ... إنه قام مقام عكاز لي دهرا ... ولم ~~ينحطم قط. وما يدريني؟ ربما عدت إليه ... أفلا أفارقه على ~~وداد؟ ~~(في بطء) # لا تزال ~~بنا حاجة إلى ما ملأ أيدينا مما لم نؤمل ~~(تميل بأذنها نحو النافذة كأنها تريد ~~أن تسمع صوتا منقبضا.) ~~(في هذه اللحظة عينها يسمع من داخل ~~الغيابات يمينا - حيث الأبله منزو - نشيج رقيق يقارب مدات ~~الناي الشجية.) # سميرة ~~: # اسمع الناي يبكيني. # هو ~~(يرهف الأذن) ~~: # لا. إن هذا بكاء الأبله ~~(مهلة قصيرة) # عدو الناي. ~~(سميرة ترهف الأذن وتلوي رأسها تحدق إلى ~~داخل الغيابات من اليمين وتبسط يدها كأنها تدفع شيئا مكروها. ~~في هذه اللحظة يرسل الناي بعض مدات مبهمة تشابه نشيج ~~الأبله.) # هو ~~(يواصل حديثه) ~~: # عجبا! إن الناي يراسل الأبله في البكاء. ~~(مهلة قصيرة) # عدوان ~~اتفقا. # سميرة ~~: # ألم نتفق نحن؟ # هو ~~: # جمعتنا اللذة وجمعهما الألم. # المشهد الرابع ~~(الأبله - سميرة - هو) ~~(تنفض سميرة كتفها من كف «هو» وتسرع نحو الأبله، فتجذبه من يده ~~في شيء من العنف حتى وسط المسرح، ثم تدور بحيث ms14 تجعل ظهرها ناحية ~~الجانب المنار وظهر الأبله ناحية الجانب المظلم على بضع خطوات أمام ~~«هو».) # سميرة ~~(للأبله) ~~: # أتبكي؟ ومن علمك البكاء؟ # الأبله ~~: ~~(ينظر إليها في ~~تضاؤل.) # سميرة ~~(للأبله، في شدة) ~~: # إن الكلاب تمتص القصب إذن! وقد فاتني قتلها. ~~(ثم ل «هو» في لين) # أحرقته وهو يثلجني. ~~(ثم ~~للأبله في تراخ) # بكاؤك منع البعث! ~~(يتراجع الأبله حتى يقرب من «هو») # سميرة ~~(والأبله يتراجع) ~~: # ها! ها! أنت مثلنا. تبكي وتضحك. ولكن ضحكك أكثر من ~~بكائك. فاذكر، إذ كنت في بدء أمرك، أن للبكاء الغلبة ~~أبدا. ~~(مهلة) ~~(للأبله و«هو»، وهما واقفان ~~جنبا إلى جنب) # سيثلج بعضي بعضا منذ الآن ... ~~(في لهجة التائه) # إذا قدرت. ~~(تتراجع حتى تكاد تلصق ~~بالغيابات) ~~. ~~(في هدوء تضطرب فيه مأساة، ~~مشيرة إلى الطريق الذي هما فيه) # خذا هذا ~~الطريق ... الذي لا نور فيه ... الذي ينحدر. ~~(سميرة تغيب عن العين. «هو» يأخذ بيد ~~الأبله مطأطئ الرأس، والأبله ينشج في سكون، وكأن النشيج ~~يذكر بمدات الناي الشجية، ثم يمضيان، الأبله خلف «هو»، ~~حتى يغيبا.) ms15