######OpenITI# #META# URI: 1383CabbasMahmudCaqqad.AbuNuwas.Hindawi95297381 #META# Tags: biographies #META# ID: 95297381 #META# Title: أبو نواس: الحسن بن هانئ #META# AuthorID: 64642852 #META# Author: عباس محمود العقاد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # أبو نواس عند العامة‏ # أبو نواس الإباحي‏ # أسرار الغدد‏ # شخصية منحرفة‏ # الشعر والشيطان‏ # عقدة الإدمان‏ # طبيعته الفنية‏ # غزل المؤنث والمذكر‏ # الجاحدون واللادينيون‏ # خاتمة‏ # أبو نواس عند العامة‏ # أبو نواس الإباحي‏ # أسرار الغدد‏ # شخصية منحرفة‏ # الشعر والشيطان‏ # عقدة الإدمان‏ # طبيعته الفنية‏ # غزل المؤنث والمذكر‏ # الجاحدون واللادينيون‏ # خاتمة‏ # | أبو نواس # | أبو نواس # | الحسن بن هانئ # تأليف # عباس محمود العقاد # | أبو نواس عند العامة # شهرة أبي نواس # اشتهر في الأدب العربي عشرات من الشعراء والأدباء، يعرفهم قراء الأدب ورواته، ~~ولا تصل أسماؤهم - فضلا عن أخبارهم - إلى الأميين وأشباه الأميين من جهلاء ~~العامة، ما عدا شاعرا واحدا اشتهر من بين هؤلاء الشعراء والأدباء في بابه ~~فسمع به الأميون وأشباه الأميين، واتخذوا من اسمه علما على كل من يشبهه في ~~صورته عندهم، وصحفوا ذلك الاسم تصحيفا يدل على مصادره الأمية، فعرفوه باسم ~~«أبي النواس» بتشديد الواو وزيادة الألف واللام للتعريف على الدوام. # ولم يكن شذوذ هذا الشاعر عن هذه القاعدة لسهولة شعره، فإن الأميين الذين ~~يتناقلون أخباره ونوادره لا ينقلون بيتا واحدا من شعره، ولا يروونه مصحفا أو ~~بغير تصحيف، وإنما يعرفون الشاعر «شخصية» ذات أخبار، ولا يعرفونه قائلا ينظم ~~الأشعار. # ولم تكن هذه الشهرة أيضا لقرب عهده وقصر الزمن بينه وبين رواته المتأخرين، فإن ~~النواسي عاش في القرن الثاني للهجرة، وهؤلاء الأميون الذين يتناقلون أخباره ~~المزعومة قد يجهلون أسماء الشعراء والأدباء في عصرهم، أو يجهلون على التحقيق ~~أسماء الشعراء والأدباء بعد القرن الثاني للهجرة بلا استثناء، ما عدا هذا ~~الاستثناء. # ولكن هذا الاستثناء لم يكن على أية حال مصادفة لغير سبب، كما سنرى في موضع ~~البيان عن أسباب هذه الشهرة عند نشأتها الأولى، ومتى وجدت الشهرة فهي قابلة بعد ~~ذلك للإضافة والزيادة، ولو من غير القبيل الذي نشأت من أجله في مرحلتها ~~الأولى. # وإذا كان هذا شأن الأميين في التحدث بأخبار الشاعر المجدود، فلا عجب أن يتحدث ~~به أشباه الأميين وهم أقرب إلى الأدب المقروء في الكتب، والقدرة على فهم القليل ~~منه، إن فاتهم ms001 فهم أكثره وأصحه. # ونعني بأشباه الأميين أولئك الذين يقرءون ولا يقدرون على تصحيح نسبة الكلام ~~واستقصاء وجوه التصحيح، فإذا سمعوا كلاما لشاعر مشهور غيره، جاز عندهم أن يكون ~~لهذا أو لذلك، وإن كان الفارق بينهما واضحا لنقاد الأدب ورواته ~~المتثبتين. # هؤلاء القراء أشباه الأميين يعرفون النواسي كإخوانهم الأميين؛ أي يعرفونه لأنه ~~شخصية ذات أخبار، وقلما يعنيهم منه ذلك الشعر الذي ينسبونه إليه سواء صحت نسبته ~~إليه أو إلى غيره، أو كان مختلقا ملفقا لا تصح نسبته إلى أحد من الشعراء ~~المشهورين. # والغالب على هذه الشخصية أنها شخصية النديم اللاهي - «الحاذق» - ونكاد نكتبها ~~«الحدق» بالدال، وعلى غير صيغة اسم الفاعل؛ لأن «الحداقة» كما يفهمها العامة هي ~~أم الصفات التي تتغلب على «النواسي» في روايات أشباه الأميين، ومنها سرعة ~~الجواب والفهم بالإشارة، أو الفهم الذي يوشك أن يكون اطلاعا على الغيب، مع ~~اللباقة في اللعب بالكلام أو اللعب بالأفهام على حسب المقام، ولا سيما اللهو ~~ونبذ الحياء والملام. # وليس أشهر من الأدب المنسوب إلى أبي نواس في الكتب التي تروج بين أشباه ~~الأميين، ومنها ألف ليلة، وأعلام الناس فيما جرى للبرامكة مع بني العباس، ~~وقليله يغني عن الكثير. # قيل: «إن أمير المؤمنين هارون الرشيد أرق ذات ليلة، فقام يتمشى في قصره بين ~~المقاصير، فرأى جارية من جواريه نائمة فأعجبته فداس على رجلها، فانتبهت فرأته، ~~فاستحيت منه، وقالت: يا أمين الله ما هذا الخبر؟ # فأجابها يقول: # قلت: ضيف طارق في أرضكم # هل «تضيفوه» إلى وقت السحر # فأجابت بسرور سيدي # أخدم الضيف بسمعي والبصر # فبات عندها إلى الصباح، فلما كان الصباح سأل: من بالباب من الشعراء؟ قيل له: ~~أبو نواس، فأمر به فدخل عليه، فقال: هات ما عندك على وزن: يا أمين الله ما هذا ~~الخبر! فأنشد يقول: # طال ليلي وتولاني السهر # فتفكرت فأحسنت الفكر # إلى أن يقول: # فإذا وجه جميل مشرق # زانه الرحمن يزري بالقمر # فلمست الرجل منها موطئا # فدنت مني ومدت بالبصر # وأشارت لي بقول مفصح # يا أمين الله ما هذا الخبر ms002 ؟ # قلت: ضيف طارق في أرضكم # هل «تضيفوه» إلى وقت السحر # إلى آخر البيتين. فتعجب أمير المؤمنين وأمر له بصلة.» ~~«وذكر الخطيب في بعض مصنفاته أن الرشيد دخل يوما وقت الظهر إلى مقصورة جارية ~~تسمى الخيزران على غفلة منها، فوجدها تغتسل فلما رأته تجللت بشعرها حتى لم ير ~~من جسدها شيئا، فأعجبه منها ذلك الفعل واستحسنه، ثم عاد إلى مجلسه وقال: من ~~بالباب من الشعراء؟ قالوا: بشار وأبو نواس، فأمر بهما فحضرا وقال: ليقل كل ~~منكما أبياتا توافق ما في نفسي، فأنشأ بشار يقول: # تحببتكم والقلب صار إليكم # بنفسي ذاك المنزل المتحبب # إلى أن يقول: # وقالوا: تجنبنا ولا قرب بيننا # وكيف وأنتم حاجتي أتجنب # على أنهم أحلى من الشهد عندنا # وأعذب من ماء الحياة وأطيب # فقال الخليفة: أحسنت، ولكن ما أصبت ما في نفسي، فقل أنت يا أبا نواس، فجعل ~~يقول: # نضت عنها القميص لصب ماء # فورد خدها فرط الحياء # وقابلت الهواء وقد تعرت # بمعتدل أرق من الهواء # ومدت راحة كالماء منها # إلى ماء معد في إناء # فلما أن قضت وطرا وهمت # فأسبلت الظلام على الضياء # وغاب الصبح منها تحت ليل # فظل الماء يجري فوق ماء # فسبحان الإله وقد براها # كأحسن ما تكون من النساء # فقال الرشيد: سيفا ونطعا يا غلام! قال أبو نواس: ولم يا أمير المؤمنين؟ قال: ~~أمعنا كنت؟ قال: لا والله، ولكن شيئا خطر ببالي. فأمر بأربعة آلاف ~~درهم!» # وأمثال هذه الحكايات كثير، حد «الحذاقة» فيها - أو «الحداقة» - هو حدها عند ~~أشباه الأميين، وهو شرطهم في أرباب الفن إلى هذه الأيام. # أخباره عند الأدباء # وغني عن القول: أن أخبار النواسي ليست مقصورة على الأميين وأشباه الأميين، ولكن ~~اهتمام الأميين وأشباه الأميين بها هو وجه الغرابة في هذا الباب من الأدب، وأما ~~العارفون بأدب الفصحى فلا وجه للغرابة في اهتمامهم به وبأمثاله من موضوعات ~~الأدب والفنون. # على أن الأمر في هذه الناحية لا يخلو من غرابته التي تخص أخبار أبي نواس بخاصة، ~~ولم يشاركه فيها أعلام الشعر والثقافة الفنية ms003 ، فإن رواة الأدب الصحيح لا يهتمون ~~بأبي نواس وأنداده من الأعلام على نحو واحد، بل يلوح عليهم أنهم يودون لو ~~يشركونه بسهم في سيرة كل أديب. ويحبون إذا نسب الخبر إليه أو إلى غيره أن ~~يؤثروه به لو استطاعوا، وأن يجعلوه من مروياته ومأثوراته دون المرويات ~~والمأثورات عن سواه. # فصاحب العقد الفريد - ابن عبد ربه - من أعلم الرواة بأخبار الشعراء، ولكنه يروي ~~عن أبي نواس بعض الأخبار التي نقلناها فيما تقدم عن الأميين وأشباه الأميين، ~~ويضيف إليه أخبارا مشهورة عن ذي الرمة وصاحبته مية، وتغني بها تلك الأخبار ~~التي تدور حول البيتين المنسوبين إليه وهما: # على وجه مي مسحة من ملاحة # وتحت الثياب العز لو كان باديا # ألم تر أن الماء يخبث طعمه # ولو كان لون الماء في العين صافيا # وقد سئل ذو الرمة عنهما فأنكرهما وقال: وكيف أقول هذا وقد قطعت دهري وأفنيت ~~شبابي أشبب بها! # فيأتي صاحب العقد الفريد، ولا يبالي كذب الرواية من أصلها، ويحتفظ بها ليسندها ~~إلى أبي نواس بلسان أبي بكر الوراق، وهذا مقام من المقامات الفنية التي يؤلفها ~~خاصة الأدباء تأليفا؛ ليذكروا فيها ملحة أو طرفة عن ذلك الشاعر ~~المجدود. # روي عن أبي بكر الوراق عن الحسن بن هانئ أنه قال: «حججت مع الفضل بين الربيع ~~حتى إذا كنا ببلاد فزارة، وذلك إبان الربيع، نزلنا منزلا بإزاء ماء لبني تميم ~~ذا روض أريض ونبت غريض، تخضع لبهجته الزرابي المبثوثة والنمارق المصفوفة، فقرت ~~بنضرتها العيون وارتاحت إلى حسنها القلوب، وانفجرت لبهائها الصدور، فلم نلبث أن ~~أقبلت السماء فانشق غمامها، وتدانى من الأرض ركامها، حتى إذا كانت كما قال أوس ~~بن حجر حيث يقول: # دان مسف فوق الأرض هيدبه # يكاد يدفعه من قام بالراح # همت برذاذ ثم بطش ثم بوابل، ثم أقلعت وغادرت الغدران مترعة تتدفق، والقيعان ~~تتألق، رياض مونقة ونوافح من ريحها عبقة، فسرحت طرفي منها في أحسن منظر، ونشقت ~~من رباها أطيب من المسك الأذفر، فلما انتهينا إلى أوائلها إذا نحن بخباء على ~~بابه ms004 جارية مشرقة، ترنو بطرف مريض الجفون، وسنان النظر، أشعرت حماليقه فترة ~~وملئت سحرا، فقلت لزميلي: استنطقها. قال: وكيف السبيل إلى ذلك؟ قلت: استسقها! ~~فاستسقاها، فقالت: نعم ونعما عين، وإن نزلتم فعلى الرحب والسعة، ثم مضت تتهادى ~~كأنها خوط بان أو قضيب خيزران، فراعني ما رأيت منها، ثم أتت بماء فشربت منه ~~وصببت باقيه على يدي، ثم قلت: وصاحبي أيضا عطشان! فأخذت الإناء فذهبت فقلت ~~لصاحبي: من الذي يقول: # إذا بارك الله في ملبس # فلا بارك الله في البرقع # يريك عيون الدمى غرة # ويكشف عن منظر أشنع # وسمعت كلامي فأتت وقد نزعت البرقع، ولبست خمارا أسود وهي تقول: # ألا حي ربعي معشر قد أراهما # أقاما فما أن يعرفا مبتغاهما # هما استسقيا ماء على غير ظمأة # ليستمتعا باللحظ ممن سقاهما # فشبهت كلامها بعقد در وهى فانتثر، بنغمة عذبة رخيمة، ولو خوطب بها صم الصلاب ~~لابنجست، مع وجه يظلم في نوره ضياء العقل، وتتلف من روعته مهج النفوس، وتخف في ~~محاسنه رزانة الحليم ويحار في بهائه طرف البصير: # فدقت وجلت واسبكرت وأكملت # فلو جن إنسان من الحسن جنت # فلم أتمالك أن خررت ساجدا، فأطلت من غير تسبيح، فقالت: ارفع رأسك غير مأجور! ~~لا تذم بعدها برقعا؛ فلربما انكشف عما يصرف الكرى، ويحل القوى ويطيل الجوى، من ~~غير بلوغ إرادة ولا درك طلبة ولا قضاء وطر، ليس إلا للحين المجلوب والقدر ~~المكتوب والأمل المكذوب، فبقيت والله معقول اللسان عن الجواب حيران لا أهتدي ~~لطريق، فالتفت إلي صاحبي وقال: ما هذا الجهد بوجه برقت لك منه بارقة لا تدري ~~ما تحته! أما سمعت قول ذي الرمة: # على وجه مي مسحة من ملاحة # وتحت الثياب العر لو كان باديا # فقالت: أما ما ذهبت إليه فلا أبا لك، وإني لأنا بقول الشاعر: # منعمة حوراء يجري وشاحها # على كشح مرتج الروادف أهضم # لها أثر صاف وعين مريضة # وأحسن إبهام وأحسن معصم # خزاعية الأطراف سعدية الحشا # فزارية العينين طائية الفم # أشبه من قولك الآخر. ثم رفعت ثيابها بلغت بها ms005 نحرها وجاوزت منكبيها، فإذا قضيب ~~فضة قد أشرب ماء الذهب، ثم قالت: أعرا ترى لا أبا لك؟ قلت: لا والله، ولكن ~~سبب القدر المتاح، ومقربي من الموت الذباح يضيق علي الضريح، ويتركني جسدا بغير ~~روح. # فخرجت عجوز من الخباء، فقالت له: امض لشأنك، فإن قتيلها مطول لا يودى، وأسيرها ~~مكبول لا يفدى، فقالت لها: دعيه فإن له مثل قول غيلان ذي الرمة: # وإن لم يكن إلا تعلل ساعة # قليلا فإني نافع لي قليلها # فولت العجوز وهي تقول: # وما نلت منها غير أنك «واصل» # بعينيك عينيها فهل ذاك نافع؟ # فنحن كذلك حتى ضرب الطبل للرحيل، فانصرفت بكمد قاتل وكرب خابل وأنا ~~أقول: # وا حسرتا مما يكن فؤادي # أزف الرحيل بعبرتي وبعادي # فلما قضينا حجنا وانصرفنا راجعين مررنا بذلك المنزل، وقد تضاعف حسنه ونمت ~~بهجته، فقلت لصاحبي: امض بنا إلى صاحبتنا، فلما أشرفنا على الخيام وصعدنا ربوة ~~ونزلنا وهدة إذا هي تتهادى بين خمس ما تصلح أن تكون خادمة لأدناهن، وهن ~~يجنين من نور ذلك الزهر، فلما رأيننا وقفن، وقلنا: السلام عليكن، فقالت من ~~بينهن: وعليك السلام، ألست صاحبي قلت: بلى! قلن: وتعرفينه؟ قالت: نعم، وقصت ~~عليهن القصة ما خرمت حرفا. قلن: ويحك! أما زودته شيئا يتعلل به؟ قالت: بل ~~زودته لحدا ضامرا وموتا حاضرا! فانبرت لها أنضرهن خدا وأرشقهن قدا، ~~وأسحرهن طرفا وأبرعهن شكلا، فقالت: والله ما أحسنت بدءا ولا أجملت ~~عودا، ولقد أسأت في الرد ولم تكافئيه على الود، فما عليك لو أسعفته بطلبته ~~في مودته؟ وإن معك من لا ينم عليك. فقالت: أما والله لا أفعل من ذلك شيئا حتى ~~تشركيني في حلوه ومره! قالت لها: تلك إذن قسمة ضيزى! تعشقين أنت وأوخذ ~~أنا؟ قالت أخرى منهن: قد أطلتن الخطاب في غير أرب، فسلن الرجل عن نيته وقصده ~~وبغيته، فلعله لغير ما أنتما فيه قصد. فقلن: حياك الله وأنعم بك عينا، ممن؟ ~~ومن أنت؟ وما تعاني، وإلام قصدت؟ قلت: أما الاسم فالحسن بن هانئ، من اليمن ثم ~~من سعد ms006 العشيرة، وخير شعراء السلطان الأعظم، ومن يدنى مجلسه، ويتقى لسانه ويرهب ~~جانبه، وأما قصدي فتبريد غلة وإطفاء لوعة قد أحرقت الكبد وأذابتها، قالت: لقد ~~أضفت إلى حسن المنظر كرم المخبر، وأرجو أن يبلغك الله أمنيتك وتنال بغيتك، ثم ~~أقبلت عليهم فقالت: ما واحدة منكن إلا ملتمسة مرغبة، فتعالين نشترك فيه ونتقارع ~~عليه، فمن واقعتها القرعة منا كانت هي البادئة، فاقترعت فوقعت القرعة على ~~المليحة التي قامت بأمري، فعلقن إزارا على باب الغار وأدخلت فيه وأبطأت علي، ~~وجعلت أتشوف لدخول إحداهن علي، إذ دخل أسود كأنه سارية. ثم صحت بصاحبي وكان ~~متدانيا. ووالله ما تخلصت منه حتى خرجنا من الغار، وإذا هن يتضاحكن ويتهادين ~~إلى الخيمات، فقلت لصاحبي: من أين أقبل الأسود؟ قال: كان يرعى غنما إلى جانب ~~الغار، فدعونه فوسوسن إليه شيئا فدخل عليك». # والقصة كلها كما يرى القارئ مقامة مؤلفة، وتلك علامة على تمكن شهوة الكلام عن ~~الشاعر في سياق الخبر التاريخي، أو سياق الاختراع والتأليف. # وتتم الغرابة بالمصادر الأجنبية القليلة التي عنيت بأبي نواس من جانب الأدب، أو ~~من جانب النوادر والأقاصيص الموضوعة، فإنها سايرت مصادر العربية في هذه النزعة، ~~وأسندت إلى أبي نواس ما حدث وما لم يحدث، أو ما حدث منه وما حدث من غيره، ومنها ~~رسالة إنجليزية طبعت في إحدى الجزر الهندية، وأهداها مؤلفها إلى ذكر الأستاذ ~~«برتون» مترجم ألف ليلة وليلة، وقسمها إلى أخبار «أبو كريفية» تشبيها بالأخبار ~~التي يدسها بعض الرواة على الكتب الدينية، وإلى أخبار خرافية من قبيل الأساطير ~~والغرائب المروية عن عجائب المخلوقات، وهذه إحدى نوادرها «الأبوكريفية»: # كان أبو نواس يلهو ويقصف بين صحبه، فإذا الخليفة يفجؤهم بحضوره، ~~ويسوءه ما يرى فيصيح بأبي نواس متأففا: ما أراك تصلح إلا أن تكون ~~إماما للقوادين وقاضيا للفجرة الفاسقين، فأجابه أبو نواس وهو لا ~~يعيى بالجواب على البديهة: وهل من قضية تعرضونها؟ فغضب الخليفة ~~وأمر به من الغد حيث دخل الديوان أن يجردوه من ثيابه ويضعوا على ~~ظهره بردعة حمار، ويطوفوا به بين الخدم ms007 والجواري؛ ليسخروا منه ~~ويبعثوا به ثم يسلموه إلى الجلاد يطيح برأسه، ولكن أبا نواس الذي ~~لا يغلب ظرفا وفكاهة لم يزل يلطف الجواري بدعابته وطرائف نكاته، ~~ولم تزل هداياهن تنثال عليه حتى عاد من مطافه ممتلئ اليدين بالمال ~~والجوهر، ورآه الوزير جعفر البرمكي وهو بهذه الحالة فسأله: فيم كان ~~عقابه، ولأي شيء يحمل بردعة الحمار على ظهره؟ فأجابه في غير مهل: ~~ما من شيء صنعت إلا أنني مدحت أمير المؤمنين، فخلع علي خلعة من ~~خاصة ثيابه. # ونقلوا إلى الخليفة ما قال فضحك وعفا عنه وأمر له بهدية وخلعة ~~سنية. # وهذه بعض النوادر التي جمعها المؤلف من إفريقية الشمالية، قيل: إن الشاعر كان ~~يمشي في جنازة فسأله بعضهم: أيهما أكرم في تشييع الميت، أن تمشي أمام نعشه أو ~~تتبعه؟ # فقال: # لا تكن داخل النعش # وسر حيث طاب لك السير # وأمر الخليفة ذات يوم بجلده مائة جلدة؛ لأنهم وجدوا معه قارورة خمر فارغة يذهب ~~بها ليملأها. # فسأل أبو نواس، علام الجلد يا أمير المؤمنين؟ # قال الخليفة: على الخمر التي ستملأ بها القارورة. # قال: إذن فاحكم علي بالموت؛ لأنني أحمل لسانا قد يكفر بالله. # ورئي أبو نواس يوما سكران يتمايل في الطريق؛ فعجب الناظرون وسألوه: ألم تنظر ~~من قبل إلى سكران؟ # قال: ومن أين لي أن أرى السكارى، وأنا أول من يسكر وآخر يفيق؟! # نوادره الأسطورية # أما النوادر الأسطورية فقد جمعها المؤلف من مصادر لا يخطر على بال الكثيرين ~~أنها سمعت باسم أبي نواس، ومنها القبائل التي تسكن سواحل إفريقية الجنوبية مما ~~يلي زنجبار، وتتكلم «اللغة السواحلية»، وهي مزيج من الزنجية والعربية والهندية ~~والفارسية، وبعض حكاياتها منقول عن أقوام إفريقية الأصلاء، الذين تدور حكاياتهم ~~على السحرة والكهان والعفاريت. # ويقول المؤلف في تقديم هذا القسم من كتابه: إن شهرة أبي نواس وصلت إلى هناك ~~مشافهة، «وإنه يعرف بين السواحليين من أهل زنجبار باسم كيبو نواسي وبنواسي ~~وأبا نواسي.» ومن تصوراتهم له أنهم يلبسونه شخصية الأرنب الذي نعرفه في ألعاب ~~خيال الظل؛ لأنهم يمثلونه سريع ms008 الفطنة حاضر الجواب، ويلبسونه شخصية أخرى هي ~~شخصية خيال الظل في زنجبار، ولعله أصل صاحبنا الأرنب، واسم هذه الشخصية في ~~اللغة السواحلية بواليم كرجوش، وهي كلمة تمت إلى الأرنب؛ لأنها بالفارسية ~~شرجوش وتعني الأرنب. ~~«ومقطع «كي» الذي يقدمون به اسم «كيبو نواسي» تصغير لكلمة الشاعر في اللغة ~~السواحلية، حيث يتخيلونه ضئيل الجسم عظيم الفطنة، ويقال: إن اسم النواسي قد ~~أصبح علما على كل من كان عنده جواب حاضر لكل سؤال، ومخرج قريب من كل ورطة، ~~أو علم على اللبيب الذي نقول نحن: إنه يضحك كثيرا؛ لأنه يضحك أخيرا». # 1 # ومن أمثلة هذه الحكايات حكاية أنقذ فيها أبو نواس مسكينا متسولا من براثن ~~تاجر طالبه بعوض عن رائحة طعامه، قالوا: «إن تاجرا ذبح معزة ومر به مسكين، ~~فجلس إلى جانب القدر لعله يستسيغ الخبز القفار باستنشاق رائحتها، ثم لقى التاجر ~~فقال له: إنك أيها السيد قد أحسنت إلي أمس إذ منحتني رائحة معزتك فاصطبغت بها ~~هنيئا، فأخذ التاجر بتلابيبه وهو يقول له: الآن علمت كيف ضاعت النكهة من ~~لحمها، فقد اختلستها أنت إذن ولا ندري، وساقه إلى هارون الرشيد - وقد كان شديد ~~المحاباة للتجار - فحكم على المسكين بتغريمه اثنتي عشرة روبية يأخذها التاجر ~~ثمنا لنكهة ذبيحته، وخرج المسكين يبكي؛ لأنه لا يملك فلسا من هذه الغرامة، ~~فوجد أبا نواس في الطريق، وعطف عليه أبو نواس حيث علم منه سبب بكائه، ووعده أن ~~يساعده، ثم أعطاه اثنتي عشرة روبية، وأوصاه أن يغدو بها إلى السلطان لا يؤديها ~~له حتى يحضر هو مجلسه، ثم كان الغد فجاء إلى المجلس ورأى المسكين يعد الدراهم، ~~فأخذها منه ورنها على الأرض، وسأل التاجر: أسمعت رنينها؟ قال: نعم؟ ومد يده إلى ~~الدراهم يريد أن يقبضها، فرده أبو نواس وصاح به: حسبك، لقد وصل إليك الثمن ~~رنينا برائحة، فإذا كان المسكين قد شبع من رائحة طعامك، فأنت حري أن تملأ ~~يديك من رنين دراهمه، وترك الروبيات للمسكين وانصرف إلى داره.» # وإلى جانب هذه الحكاية وما جرى مجراها حكايات ms009 مطولة يقول المؤلف: إنها تسمع ~~إلى الآن بين القبائل الزنجية، وتنقل عن غيرها من القبائل التي تتداول طرائف ~~السحرة وأصحاب التعاويذ والكهانات، ولا ر يب أن أبا نواس قد انفرد بهذه الخاصة ~~بين أدباء العربية في جميع العصور، ولا يقدح في هذه الحقيقة أن الأميين، وأشباه ~~الأميين يروون النوادر عن عنترة بن شداد، ويضيفون إليه غرائب الشجاعة والإقدام، ~~فإن نوادر عنترة بين الأميين وأشباه الأميين أقل كثيرا من النوادر النواسية في ~~بابها أو في أبوابها، فقد أصبحت لها أبواب ولم تنحصر في باب واحد. # ما سر هذه الشهرة المنفردة؟ # سرها بإيجاز أن أبا نواس قد أصبح عند عارفيه الأولين «شخصية نموذجية»؛ أي ~~شخصية تمثل نموذجا اجتماعيا، ويعيش في كل زمن، وسر رجحانه على الشخصيات ~~النموذجية من قبيل عنترة بن شداد أن وقائع الشجاعة أندر من وقائع «الحذاقة» في ~~المجتمع، وأنها لا تصادف الناس في كل زمن كما تصادفهم الوقائع التي تدخل في ~~مجال الشخصية النواسية. # وقد قيل: إن الناس مولوعون بالتحدث عن الشخصيات النموذجية يضيفون إليها كل خبر ~~من جنس أخبارها. # وهذا صحيح. فقد أضاف الناس كثيرا من أخبار الجود إلى حاتم الطائي، وهي لم تقع ~~له ولا لأحد من الكرماء المعروفين، وبعضها قد وقع لأناس آخرين على سبيل ~~التحقيق. # وكذلك فعلوا بأخبار الحكمة مع لقمان، وأخبار الشجاعة مع عنترة وأخبار الطب مع ~~بقراط، وأخبار كل شخصية نموذجية سمعوا بها في زمن من الأزمان. # لكن الأصح أنهم يضيفون إلى الشخصيات النموذجية ما هو من جنس أخبارها، وما ليس ~~من جنسها، فإذا كان الأمر الأعم أنهم يراعون التناسب في جنس الأخبار، فلا يمتنع ~~مع هذا أنهم يضيفون إليها أخبارا أخرى لا تناسب بينها وبين تلك الشخصيات، ~~ويكفيهم منها أنهم يعرفون علما مشهورا يتكلمون عنه كلما أرادوا التعالم ~~بمعرفة المشهورين. # ومن طرائف ما حدث لنا من ذلك، ونحن ندرس «الإنشاء» في إحدى المدارس الثانوية ~~أن تلميذا نقل في موضوعه عدة أسطر من الشواهد الفلسفية نسبها إلى الشاعر ملتون ~~الإنجليزي، واتفق في ذلك ms010 الحين أنني كنت معنيا بمعارضة قصائد ملتون على رسالة ~~الغفران لأبي العلاء المعري، وكنت أعيد النظر في كل ما كتب ملتون من المنظوم ~~والمنثور، ولم يكن الكلام الذي نسبه التلميذ إلى ملتون مما يناسب أقوال هذا ~~الشاعر وموضعاته، ولم أذكر أنني رأيت له كلاما مثله، فلما حققت الأمر علمت أن ~~التلميذ قد جرى على هذه العادة للتهويل على أساتذة اللغة العربية الذين لا ~~يعرفون لغة أجنبية، وأن التلميذ رأى أمامه مدرسا عربيا، فلم يخطر له أنه ~~يعرف لغة غير العربية، ولم يخطر له بطبيعة الحال أن ملتون كان موضوع قراءته ~~الوحيدة على وجه التقريب في ذلك الحين، فادعى ما ادعاه وهو يحسب أنه في أمان، ~~وأنه على ثقة من زيادة درجة أو درجتين. # ولما سألته على مسمع من زملائه بالإنجليزية: أين وجدت هذه العبارة من كلام ~~ملتون؟ دهش ولم يكد يصدق أذنيه، ثم تبين أنه من الجهل بملتون وكلامه، بحيث لا ~~يعلم أنه صاحب كتب ومصنفات، وكل ما عرفه عنه أبيات من المحفوظات سمع أخاه ~~يستظهرها، وسمع أن ملتون هو ناظمها! # وليس أكثر بين العامة والجهلاء من الإحالة على أقوال المشاهير الذين لا يعرفون ~~عنهم شيئا غير أسمائهم، فمنهم من يحيل على مشاهير عصره، ومن يمعن في التعالم، ~~فيحيل على مشاهير العصور الغابرة، ومنهم من له لباقة الوضع والاختلاق فهو ~~مجتهد في وضع الأقوال التي ينحلها مشاهير الرجال حسبما يتوهم مقدرتهم ومأثور ~~أقوالهم؛ ولهذا يتفق أحيانا أن تنحرف «الشخصية النموذجية» من دلالتها الأولى ~~إلى غير تلك الدلالة، حتى يتباعد ما بينهما وتصلح كل منهما لتمثيل شخصية ~~نموذجية غير الشخصية الأخرى. # وعلى هذا النحو انحراف شخصية «لقمان الحكيم»، فإنها تستحق وحدها دراسة مستقلة ~~من هذه الوجهة دون غيرها، ونعني بها دلالة «الشخصية النموذجية» في العصور ~~المتتابعة، وكيف يطرأ عليها الانحراف عن وضعها الأول شيئا فشيئا حتى يصح أن ~~تصبح عنوانا على إنسان آخر، أو عدة أناس غير صاحبها. # ففي مبدأ الأمر عرف لقمان بطول العمر وامتداد الأجل في أزمنة متعاقبة، ثم ms011 ~~تأول المتأولون طول عمره بحكمته وسحره، وعرفانه سر الحياة والموت، وأنه بهذه ~~المعرفة قرن عمره بأعمار سبعة نسور كان يربيها عنده واحدا بعد واحد، حتى ~~انتهى أجله بانتهاء أجل النسر السابع، فمات معه في لحظة واحدة، ومن حكمة ~~المواعظ والسحر والعلم بأسرار الحياة تحولت حكمة لقمان «الحكيم» إلى الطب ~~والعلاج، وغلبت عليه خلة القدماء الذين تعودوا أن يكتموا عن الناس أسرار ~~صناعاتهم، فلا يبوحون بها إلا على قدر، ولا يختصون بها غير الصفوة المختارين من ~~تلاميذهم ومريديهم، ولا شك أن حكاية «ماء اللفت» هي أحدث هذه الأخبار الموضوعة ~~أو المختلقة، ولكنها مع ذلك حملت معها بقايا العصور الغابرة من أوصاف هذه ~~الشخصية النموذجية، كما عرفها على التتابع أبناء تلك العصور. # وخلاصة الحكاية التي تروى على عدة روايات أن ولي الأمر في عهد لقمان حبسه ~~لغضبه عليه، أو خوفه من سحره ومكره، أو لضنه عليه وعلى الناس بأسرار حكمته ~~وطبه، ثم سمع في حبسه بمرض إنسان يوشك أن يموت ودواؤه في ماء اللفت، وشق عليه ~~أن يخالف عاداته أو يخالف أمر الحاكم، فلم يشأ أن يبوح بسر الشفاء إلا بأسلوب ~~التورية والجناس، فصاح في سجنه يقول: «مات العليل وما ألفت له دوا». فسمع ~~السامع العليم بأسلوبه أن ماء اللفت هو دواء العلة، فأعطاه الدواء ~~وشفاه. # وفي هذه الحكاية مسحة من كل شخصية نموذجية تشكل بها لقمان في تاريخه، وآخرها ~~شخصية الطبيب التي لم تظهر في العلم الحديث، إلا حين شاعت تسمية الطبيب ~~بالحكيم، وشاع التداوي بماء اللفت بين العامة، وهم يتداوون به إلى ~~اليوم. # الشخصية النموذجية # وقد انحرفت «الشخصية النموذجية» التي عرف بها أبو نواس على هذا النحو، فصارت ~~في آخر هذا النموذج الأخير، وذاك هو نموذج الحاذق اللبق السريع إلى الجواب ~~المفحم، ذي الدراية بالمخارج السهلة من الورطات العسيرة، وقد كان أبو نواس ولا ~~ريب على حظ من اللباقة غير قليل، وكان يحسن الجواب ويتحيل على اللذات، ولكنه ~~لم يكن آية الآيات في زمنه على سرعة الجواب والخروج من المآزق، ms012 بل لعله كان إلى ~~التورط في المآزق أقرب منه إلى الدراية بمخارجها، ولعله كان من أولئك الذين ~~نسميهم في عصرنا «باللخمة»؛ لتعذر الجواب عليه في مواقف الحرج، فلم يكن يحسن ~~الدفاع عن نفسه حين تتألب عليه التهم بين أيدي الخلفاء والأمراء، ويروى في ~~أخبار مجونه أنه كان يذهب إلى مجالس القيان متعمدا إخجالهن، فينقلب الأمر عليه ~~ويخجلنه ويفحمنه، فلا يحير جوابا ولا يقد على البقاء في المجلس، وأبياته في ~~جنان مشهورة حيث يقول: # وإن وقفت له كيما يكلمني # في الموضع الخلو لم ينطق من الحصر # ولا يكون كذلك هو مثال «الشخصية النموذجية» في سرعة الجواب، وإفحام النظراء. ~~ونحسب أنه لم يكن صالحا بطبيعة تكوينه للإفحام والإحراج، فإنه كان - كما تواتر ~~وصفه - ألثغ نحيف الصوت مضطرب الأعصاب، وليس أيسر من إحراج مثله بمحاكاة لثغته ~~ونحافة صوته واضطرابه، وإنما آلت «شخصيته النموذجية» إلى هذه الصورة بحكم ~~الشهرة، وما يفهمه كل جيل من مناسباتها وأحوالها، فإذا تحولت به الشهرة من ~~شخصيته الأولى إلى شخصية الشاعر الملازم للبلاط المنادم للأمراء في ساعات السكر ~~والغضب والنزوات والبدوات، فلا جرم تكون النكتة الحاضرة والحيلة السريعة من ~~أدواته وآلاته، ويصبح تصور الناس لصفات الشاعر هنا تابعا لما يتصورونه من صفات ~~الأمير المطاع؛ حتى ليكون من صفاته في بعض الأزمنة أنه يغضب، ويأمر بالقتل بغير ~~سبب، وأنه يدين ويعفو في لحظة واحدة، وأنه لا يقبل الكلام إلا أن يكون من باب ~~الملحة أو الكناية أو الجناس. # هذه الشخصية النموذجية «حديثة» ولا ريب طرأت بعد عصر أبي نواس بعد أجيال، ~~وسنعرض لحقيقة هذه الشخصية في الفصول التالية، ونعود به إلى الأصل الذي نجم منه ~~النموذج الأول، ولكننا نزيد على ما تقدم في هذا الفصل أن الشهرة النادرة التي ~~ظفر بها أبو نواس لم يكن مداراها كلها على شخصيته النموذجية، بل يرجع الكثير ~~منها إلى اقترانه بطراز آخر من الشخصية النموذجية، لعله أشهر أمثاله في التاريخ ~~العربي أو في تاريخ العالم، وتلك هي شخصية هارون الرشيد الذي قيل عن أبي ms013 نواس : ~~كان شاعره ونديمه، وأنه كان يلازمه في حله وترحاله، ويطلع على أسرار بيته ~~وخفايا حريمه. ~~••• # ولأمر ما شاعت عن هارون الرشيد هذه الشهرة، وتعلم من لا يعلم شيئا عنه أن ~~يتشبه به كلما قضى ليلة لهو ومرح، وخيل إليه أنه أحاط نفسه بكل ما يشتهيه ~~المشتهي من الترف والمتاع، ولم يكن هارون الرشيد بهذه الصفة على التحقيق، ولم ~~يكن شاهروه بهذه السمعة جميعا يحسنون النية، ويجهلون معنى ما يفترون، فربما ~~كان منهم من يحنق على الخلافة العباسية، ويختلق المثالب لها ولأقطابها على سبيل ~~الدعوة لخصومها، وربما كانت نوادر ألف ليلة كلها أو جلها من الأخبار الموضوعة ~~للتشهير بدولة والترويج لدولة غيرها، وقد كان أبو نواس ذريعة للتشهير بالخلفاء ~~في زمانه قبل تمادي الزمن، واختفاء الحقيقة أو نسيانها، فكان أعداء الخليفة ~~الأمين بن هارون يعيبونه، فلا يجدون في عيبه ما هو أقدح وأقبح من مصاحبة أبي ~~نواس وتقريبه إلى مجلسه، فلا عجب أن تعمل الدعوة بعد قرن أو قرنين عملا يجول ~~فيه الملفق والمفتري كل مجال، ولا يرى من يعترضه بين العامة إذا جمع في تهمة ~~واحدة بين الخليفة المثالي من بني العباس، والشاعر المثالي من أبناء عصره، وهو ~~أبو نواس. # والمحافظة على اسم ذي كلمتين أسهل من المحافظة على معالم شخصية إنسانية تحتاج ~~المحافظة عليها إلى عالم بخصائص الطباع والنفوس، وعلم بوقائع التاريخ ومطامع ~~السياسة، ولكن الطوائف التي شاع بينها اسم هارون الرشيد كانت كالطوائف التي شاع ~~بينها اسم أبي نواس، أو كانت هي إياها كما يقول النحاة، فتناولت بالتحريف اسمه ~~كما تناولت معالم شخصيته، وسمته هارون الرشيدي كما سمت صاحبنا أبا نواس بتشديد ~~الواو، ولعل تلقيب هارون الرشيدي قد نشأ في مصر مع أقوال الدعاة الفاطميين ~~فيها، فحسبه المتحدثون والسامعون منسوبا إلى رشيد، أو سبقت النسبة إلى ~~ألسنتهم؛ لأنهم يسمعونها مقترنة بكثير من الأسماء، ولا نخالها من تصحيف المطبعة ~~حين طبع كتاب ألف ليلة وليلة بمصر غير مرة، فإن تصحيف المطبعة إنما جاء على ما ~~هو ظاهر بعد ms014 تصحيف اللسان. # وجملة القول: إن «شخصية نموذجية» واحدة تفعل الأعاجيب في تزويد صاحبها بالأخبار ~~والأوصاف، من حيث لا يحتسب فماذا تفعل شخصيان اثنتان! # لا جرم يظفر الحسن بن هانئ بنصيب من الأخبار والأوصاف والمعالم الشخصية لم يظفر ~~به عربي غيره في المشرق أو المغرب، ولا في الزمن القديم أو الزمن الحديث. ولا ~~جرم يحتاج بعد ذلك إلى تمييز وجهه لصحيح بين شتى الوجوه، التي عرضت على الناس ~~باسم أبي نواس. # إلا أننا نعود فنقول: إن هذا النصيب الكبير من الشهرة لم يأت من جانب «الشخصية ~~النموذجية» وحدها، ولا من تلاقى الشخصيتين النموذجتين بالحق وبالباطل، حيث ~~التقت شخصية الشاعر وشخصية الخليفة. # فمن مزايا السمعة السيئة أنها تكف الحسد عن صاحبها من ذوي السمعة ~~الحسنة. # وقد كان أبو نواس سيئ السمعة ولا مراء، وكان من أنداده الشعراء وأضرابه في سوء ~~السمعة من يحسده، وينفس عليه مكانته ولهج الناس بأخباره وأشعاره، أما ذوو ~~الوقار من علماء الأدب واللغة ورواة الشواهد والأمثال، فقد هان عندهم في ميزان ~~الجد والوقار، فلم يحسدوه ولم يضنوا عليه بالشهادة «اللغوية» والتزكية العلمية، ~~ولم ينكروا عليه البصر باللغة والسلامة من الخطأ، وأجمعوا أو كادوا يجمعون، على ~~أنه أسبق المحدثين بعد الجاهليين والمخضرمين في مقام الاستشهاد باللفظ المحرر، ~~والأسلوب الجزل والنسج القويم، لو كان بينهم وقار كوقار أبي الطيب أو أبي ~~العلاء - لما خلصت له هذه الشهادة بغير بخس وانتقاص: فقد تكفلت لهم ببخسه ~~وانتقاصه سمعة سيئة لا تتقاضاهم من عندهم مزيدا عليها، وربح أبو نواس من هذه ~~«المزية» منزلة الأستاذين المتفقهين في اللغة والأدب، فأخذ من أهل الوقار كما ~~أخذ من أهل المجون، ونجا من الإهمال حيث استحق الإهمال بميزان الخلق ~~والدين. # ولا يزال بعد كل هذا مدد آخر من أمداد الشهرة النواسية غير الشخصية النموذجية، ~~وغير شهادة العلماء والرواة والثقات. # ذلك المدد الآخر هو الفاكهة المحرمة، أو الفاكهة المحببة، على العهد بين كثير ~~من الناس أن يحبوا كل ممنوع، ويلهجوا بكل محظور. # فقد كانت الفاكهة المحرمة بضاعة أبي ms015 نواس ، سواء حرمتها شريعة الأخلاق أو حرمتها ~~شريعة الأديان، وكانت الزندقة والشذوذ بعض ما يبيع في سوق الفسوق. وشأن الفاكهة ~~المحرمة أن يسأل عنها سرا من لا يسأل عنها علانية، وأن يقاربها من يألفها، ~~ويتجسس عليها من يجهلها وينكرها، وأنها من بضائع السوق السوداء كما نقول في ~~العصر الأخير، فهي من بضائع المساومة والمغالاة. # وفي عصرنا هذا نظير لأبي نواس في الآداب الغربية سيأتي الكلام على المشابهة ~~بينه وبين أبي نواس في بعض الفصول التالية؛ لأنها مشابهة بمقاييس الأدب والخلق ~~والمزاج والدراسات النفسية، وأهم من ذلك فيما نحن بصدده أنها متشابهة في أسباب ~~الشهرة بالفاكهة المحرمة، وما يصح أن يسمى بالزندقة الاجتماعية. # فالشاعر الأيرلندي الحديث «أوسكار وايلد» أشبه «الشخصيات النموذجية» في الأدب ~~الغربي بأبي نواس، ومهما يكن من قيمة أوسكار وايلد الفنية، فشهرته أكبر من ~~قيمته بكثير، ولم يعرف في القرن التاسع عشر أديب استهجنت سيرته كما استهجنت ~~سيرة «أوسكار وايلد»، ولا أديب شاعت كتبه من أجل ذلك كما شاعت كتب هذا الأديب ~~المحروم المجدود، وقد ترجم إلى كل لغة أوروبية، وكتب عنه النقاد في كل بلد، ~~وتضاعفت الكتابة عنه بعد شيوع التحليل النفسي والمباحث العلمية في مسائل الجنس ~~والأخلاق، وإنما أصابه هذا النصيب في سوق الفاكهة المحرمة اتجر فيها من قبل ~~أبو نواس. # وكل سبب من أسباب هذه الشهرة هو في الواقع غطاء على حقيقة أبي نواس فوق غطاء، ~~فهي تخفيه ولا تبديه، ومن عمل الدراسة النفسية والدراسة التاريخية أن تبرزا تلك ~~الحقيقة من وراء تلك الأغطية، وهذا ما سنبدؤه في الفصل التالي بالكلام على ~~سريرته النفسية: وهي السريرة النرجسية. # | أبو نواس الإباحي # النرجسية # كان أبو نواس إذن «شخصية نموذجية». # ولكنها ليست هي الشخصية التي شاع بها ذكره بين الأميين وأشباه الأميين، وبين ~~طائفة من خاصة المطلعين على الأدب الفصيح، وهي الشخصية التي تقوم على الحيلة ~~والجواب السريع والقدرة على الخلاص القريب من المآزق والمحرجات. # فما هي حقيقة الشخصية النواسية التي أشاعت ذكره في أيام حياته، وقبل أن تتحول ms016 ~~بها الشهرة من دلالة إلى دلالة؟ # أيسر ما يقال في كلمة واحدة أنه «إباحي». # وقد كان حقا إباحيا غاليا في الإباحة، إذا كان المقصود بالإباحة أنه كان ~~يستحل المحرمات، ويخالف الدين والعرف والطبيعة. # ولكن الإباحي قد يخفي رذائله وموبقاته، وقد يداري الناس ويتسم بينهم بسمة ~~الصلاح والتقوى، ولعل الأكثرين من الإباحيين في عصر أبي نواس خاصة كانوا على ~~هذه السنة؛ لأنه كان باتفاق واصفيه عصر شكوك واختلاط ونفاق. # وأيسر ما يقال بعد ذلك أنه «إباحي متهتك» يظهر أمره، ولا يتكلف لإخفائه. # وذلك كذلك وصف صحيح، فمن قال عن أبي نواس: إنه «إباحي متهتك» فقد وصفه بما كان ~~عليه؛ لأنه كان يقارف المنكرات ويعلنها ولا يحفل بمداراتها، وهذا يكفي للصدق في ~~وصفه على حقيقته، ولكنه لا يغني شيئا إذا كان المقام مقام دراسة نفسية، إذ ~~المرء قد يستبيح الرذائل ويتهتك في البطالة، ويتمادى في تهتكه غادية التمادي ~~لعلتين متناقضتين ترجع كل منهما إلى خلال نفسية بعيدة من خلال الأخرى في ~~بواطنها وظواهرها. # فقد يتهتك المرء؛ لأنه هين على نفسه يعلم أنه هين على الناس، مسلم بحقارته، ~~شاعر بقلة الجدوى من التستر والمداراة، وأنه يهبط من المهانة إلى حضيضها، فلا ~~ينفعه أن يحتجب ولا يضره أن يتكشف ويتبذل، ومثله في هذا مثل الوضيع الساقط الذي ~~لا يبالي أن يخرج للناس في مباذله، إذ ليس له زي غير زي المباذل، ولسان حاله ~~كلما أحاطت به نظرات الاحتقار قول القائل: # أنا الغريق فما خوفي من البلل # بل لعل النظرات لا تحفل به وتتخطاه لهوان شأنه، فلا تقف عنده محتقرة أو غير ~~محتقرة. # هذه حالة من حالات التهتك أو المجون، وهو كلمة واحدة في اللغة العربية تعبر عن ~~الإباحة المتهتكة. # أما الحالة الأخرى فهي نقيض هذه الحالة في باطنها وظاهرها؛ لأن صاحبها يتحدى ~~بها الناس عامدا أن يسخر منهم، ويكشف رياءهم، وقد يهون عليه شأن الرياء ~~والصراحة، فلا يعلن رذائله كراهة للرياء وحبا للصراحة؛ بل يعلنها لأنه يريد ~~أنه «يقرر شخصيته» ويشعر الناس بوجوده، ويستخف ms017 بما يسترونه ويعلنونه، فلا هو ~~مكترث لهم متسترين ولا مكترث لهم معلنين. # حالتان نقيضتان: حالة من ينسى «شخصيته»، ولا يراها أهلا للذكر مشهورا أو غير ~~مشهور، وحالة من يقرر «شخصيته» ويتعمد الجهر بالمخالفة؛ لأن الجهر هو سبيله إلى ~~هذا التقرير. # فأية الحالتين هي حالة أبي نواس؟ # ليست هي الحالة الأولى على التحقيق؛ لأن ما روي عنه وما روي من كلامه يعربان عن ~~رغبة في التهتك والمجاهرة به، ولا يقفان عند حد الجرأة، وقلة التكلف ~~للمدارة. # ولا نستقصي هنا كلامه في هذه الأغراض، فإن لهذا الاستقصاء مواضعه عند نقده ~~وتحليله، ولكننا نجتزئ بأبيات في جملة أغراضه تشير بغير عناء إلى هذا ~~المعنى. # فهو الذي يقول في الجهر بمعاقرة الخمر بيته المشهور: # ألا فاسقني خمرا وقل لي: هي الخمر # ولا تسقني سرا إذا أمكن الجهر # وهو الذي يقول في العشق: # الحمد لله أني # على حداثة سني # فقت المحبين طرا # ببعض ما شاع عني # وهو الذي يقول في مقارفة اللذات عامة: # أطيب اللذات ما كا # ن جهارا بافتضاح # وهو الذي سمى السمعة السيئة جاها يحتفظ به، ولا يفرط فيه حين نصح أبو ~~العتاهية بالتوبة، فقال ساخرا منه: # أتراني يا عتاهي # تاركا تلك الملاهي # أتراني مفسدا بالنس # ك بين المرد جاهي # ومهما يكن من تبذله فلم تكن مسألة التبذل عنده علما بهوانه ورضاء بهذا ~~الهوان، ويأسا من دفعه بالصيانة والمداراة، إذ كان معروفا عنه أنه كان يتعمد ~~أن يلقى ذوي الوجاهة والرئاسة بالتيه والكبرياء، وكان يذكر ذلك في شعره، فيقول ~~في غير موضع: # لقد زادني تيها على الناس أنني # أراني أغناهم وإن كنت ذا فقر # وإنما كانت مسألة التبذل عنده مسألة ظهور متعمد، واستخفافا برأي الناس؛ لأنه ~~يريد أن يلقي في روعهم أنهم أهون لديه من أن يتستر لهم، وأن ينزل عن لذة من ~~لذاته لمرضاتهم، وأنهم من هوانهم عليه يتحداهم، ويطلب مذمتهم ويؤثرها على ~~ثنائهم. # والواقع أن الإغاظة والظهور هما بيت القصيد، وأن صاحب المزاج قد يهمه أن يغيظ ~~جمهرة الناس بالمخالفة، وإن ms018 كانت مخالفة إلى التقوى والصلاح؛ لأن «الظهور» ~~وإثارة الشعور هما الهوى الغالب عليه. # ولو كانت الإباحية النواسية مقصورة على ما اشتهر به أبو نواس من إدمان السكر، ~~وإيثار الذكران على الإناث، لما فسرتها ولا فسرت شيئا منها هذه الظاهرة ~~النفسية الواضحة؛ ظاهرة التحدي بالإباحية المتهتكة، فإن صاحب الإباحية المقصورة ~~على إدمان السكر، وإيثار الذكران على الإناث قد يخجل منها، ويسترها ويجتهد ~~اجتهاده للخلاص منها، وقد ينتهي به الأمر إلى التهتك الذي وصفناه في الحالة ~~الأولى، وهي حالة المهانة والاستكانة إليها. # وإنما تفسر آفات أبي نواس جميعا ظاهرة نفسية أخرى هي «النرجسية»، التي جعلناها ~~عنوانا لهذا الفصل، وفيها تفسير لآفته الكبرى وتفسير للآفات الصغرى التي تتفرع ~~على جوانبها. # هذه «النرجسية» شذوذ دقيق يؤدي إلى ضروب شتى من الشذوذ في غرائز الجنس وبواعث ~~الأخلاق، ويلتبس الأمر من أجل هذا بين النرجسية، وتلك الضروب المختلفة من ~~الشذوذات الجنسية، وهي مخالفة لها في دخيلها، مناقضة لبعضها في ميولها ~~ونزعاتها، فقد تميل بصاحبها إلى العلاقة الطبيعية بين الذكر والأنثى، أو تميل ~~إلى علاقة شاذة بين شخصين من جنس واحد، كما كان يحدث أحيانا من أبي نواس في ~~غزله بالمذكر تارة وغزله بالمؤنث تارة أخرى، وفي الجمع أحيانا بين ما يزعمه ~~عشقا لأكثر من فتاة واحدة، وما يزعمه عشقا لأكثر من فتى واحد، ولا أصل ~~للعشيقين في نهاية المطاف غير النرجسية في قرارها العميق. # ما هي النرجسية؟ # وقبل أن نشرح هذه النرجسية كما يفهمها المحللون النفسيون نذكر نشأة اللفظ ~~والاصطلاح؛ لأنها ذات صلة قوية بالمعاني التي أوحت إلى المحللين النفسيين أن ~~يطلقوا الكلمة على مدلولها بين الآفات الجنسية على الخصوص. # كان اليونانيون الأقدمون يطلقون اسم نرجس على فتى من فتيان الأساطير بارع الحسن ~~ساحر الشمائل، يفتن من يراه ويشقي بجماله وتيهه قلوب العذارى الخفرات، فلا ~~يلتفت إليهن ولا يستجيب لضراعتهن، ولم يزل كذلك حتى ضجت السماء بدعاء عاشقاته ~~وصلواتهن إلى الأرباب أن يصرفوهن عنه أو يصرفوه عنهن، واستجابت «نمسسي» ربة ~~القصاص والجزاء إلى هذا الدعاء، فقضت ms019 عليه أن يهيم بحب نفسه ويلقى منها الشقاء ~~الذي تلقاه منه عاشقاته، قال رواة الأساطير: «فما هو إلا أن ذهب يشرب من ينبوع ~~صاف حتى لمح بصورته في مائه، فوقف عندها يعجب من جمالها، وأذهلته الفتنة عن ~~شأنه فلم يبرح مكانه مطرقا إلى الماء؛ ليتملى تلك الصورة ويرتوي من النظر ~~إليها، فلا يزيده النظر إلا لهفة وشوقا، ولا تزيده اللهفة إلا هزالا حتى فني، ~~وذهبت عرائس الماء تطلب رفاته فلم تجد في مكانه غير نرجسة مطرقة ترنو إلى ~~الماء، ولا ترفع بصرها إلى السماء، فالنرجس أبدا مطرق مفتوح العين لا يشبع من ~~النظر إلى خياله على حوافي الجداول والغدران». # وتروى الأسطورة على رواية أخرى، فيقول الرواة: إنه لما لمح طلعته في الماء حسب ~~أنها عروس الينبوع، فألقى بنفسه فيه يحاول أن يمسكها، فغرق ولم يعثر الباحثون ~~عنه على جثمانه، ولكنهم وجدوا في الينبوع نرجسة على مثاله، فغرسوها على حافته، ~~وكانت أبا للزهر الذي يعرف باسمه ويتطبع في عشقه لصورته بطباع أبيه. # ومن غلوهم في عشق «نرجس» لنفسه يزعمون أن حملة الأرواح في نهر الموت، الذي يفصل ~~بين الدنيا والآخرة عجبوا له حين رأوه مطرقا إلى النهر، ولم يزل منهم العجب ~~حتى نظروا حيث ينظر، وعلموا أنه برح الدنيا ولم يبرح مفتونا بخياله كما كان ~~وهو بقيد الحياة. # وللقصة علاقة بقصة أخرى عن عروس من عرائس الأساطير تسمى «الصدى» # Echo ~~، وترتبط قصتها بقصة نرجس؛ لأنها ~~كانت تهواه. # قالوا: إن هيرا زوجة زيوس أبي الآلهة والأرباب خرجت كعادتها تتجسس على خليلات ~~زوجها، وتتعقب الحور اللائي يسعدن بقربه من ورائها، فلما كانت في بعض الطريق ~~لقيتها عروس الصدى، فشغلتها عن سعيها بثرثرتها وفضولها وحلاوة أحاديثها التي ~~تحكي بها مناجاة ضميرها، فلما غابت عنها نظرت حولها، فإذا بالحور والعرائس ~~الآلهات قد تغفلنها وهي مشغولة مع عروس الصدى، فغضبت على تلك العروس الثرثارة، ~~وقضت عليها أن تعيى بابتداء الكلام، فلا تقدر على النطق إلا ترديدا لما يلقى ~~إليها. # ثم هامت عروس الصدى بنرجس وهو على ms020 دأبه من الهيام بنفسه؛ وأبلاها الحب لأنها ~~عجزت عن مفاتحته بغرامها، وكادت تيأس لولا أنها ظفرت به يوما ينادي أحد رفاقه، ~~ويصيح به من بعيد: ألا أحد في هذا المكان؟ # فسنحت لها الفرصة وأجابته قائلة في شوق وحنين: أحد في هذا المكان. # قال: هلم. # قالت: هلم. # فأعرض محنقا وهو يقول: «لا، لا، لست أعني هذا، سأموت ولا يكون لك سلطان ~~علي». # فلما مضى في سبيله غير ملتفت إليها عافت نفسها، ولاذت بالكهوف والمغاور فلا ~~يحسها السامع بعد ذلك إلا في كهف أو مغارة، ومن هنا كانت علاقة الصدى بمن يحب ~~نفسه، ويروقه أن يستمع إلى كلامه معادا إليه. # ويرى الكاتب بلوتارك أن كلمة نرجس مأخوذة من كلمة نارس أو نارك الإغريقية بمعنى ~~الخدر والغيبوبة، ومنها كلمة ناركوسس # Narcosis # التي تطلق على النبات المخدر المذهب للحس، ولم يكن النرجس من هذا النبات، ~~ولكنهم أطلقوا عليه اسمه كأنه قد تعاطى المخدر، وبدا لمن يراه كالساهم ~~المسبوت. # وكل هذه الأقاويل عن النرجس والصدى والخدر والسبات لاحقة بما تنطوي عليه آفة ~~«النرجسية» من الغرائز، أو من الميول والأحاسيس، فهي آفة متصلة بالغيبوبة ~~والنشوة والهيام، وحب المصاب بها لملامحه وكلامه؛ ولهذا وقع عليها اختيار ~~المحللين النفسيين، فلم يجدوا اصطلاحا أوفق منها لأعراض تلك الظاهرة النفسية، ~~مع عراقة الاصطلاح في اللغة اليونانية التي يختارونها لابتداع الأسماء الجديدة ~~في العلوم، كما فعلوا بأسماء السيارات الفلكية أو العناصر والعقاقير التي تكشف ~~حديثا، وأوفقها عندهم ما اشتهر في أساطير. # وأول من أدخل هذا المصطلح في الطب النفسي الدكتور هافلوك أليس # Havelock Elis # رائد المباحث الجنسية ~~المشهور، ثم توسع الأطباء النفسيون في دراسة هذه الآفة، وتتبعوا أعراضها ~~ولوازمها واستقصوا ما هو من لوازمها الأولية، وما هو من لوازمها الثانوية أو ~~التبعية، فأصبحت بعد هذه الدراسات قسما قائما بنفسه من شذوذات الغريزة ~~الجنسية، واشتملت على آفات متعددة تنطوي تحت عنوان واحد هو عنوان ~~النرجسية. # الاشتهاء الذاتي والتوثين الذاتي # وتعنينا هنا شعابها التي تتصل بدراسة أبي نواس وموضوعات عشقه وغزله، وأهمها ~~شعبتان: ms021 تسمى إحداهما الاشتهاء ~~الذاتي # Auto-erotism ~~، وتسمى الأخرى التوثين الذاتي # Auto-Fetishism ~~، وبينهما فرق دقيق ولكنه غير حاسم؛ لأن ~~أعراض كل منهما قد تنساب إلى الأخرى في مسارب النفس الخفية، ودخائل الغريزة ~~المكنونة، وما أكثر المسارب والدخائل في هذه الشئون. # فالاشتهاء الذاتي يغلب على الحالات الجسدية التي تقترن باختلال وظائف الجنس في ~~صاحبها، ويبلغ من اختلاف هذه الوظائف أن المصاب به يمنى إذا أطال النظر إلى ~~بدنه عاريا في المرآة وما إليها، وأنه يشتهي بدنه كأنه بدن إنسان غريب عنه، ~~ولكنها شهوة يبالغ فيها المريض؛ لأن الإعجاب بالأبدان الغريبة لا يستغرق شعور ~~المرء كما يستغرق الاشتهاء الذاتي صاحبه، ويغريه على الدوام بتأمل جسده ومعاودة ~~النظر إليه، ويحدث أحيانا ألا يكون النظر استحسانا محضا، بل أسفا لبعض ~~النقص، واجتهادا في تحسينه والمغالطة فيه. # والتوثين الذاتي يغلب على الحالات العاطفية والفكرية، فيتخذ المصاب به من نفسه ~~وثنا يعبده ويعزله ويدلله، ويشوب هذا التوثين حب كحب المرء لمعشوقه، فهو لا ~~يخلو من اختلال وظائف الجسد، ولكنه لا يبلغ بها مبلغ الحالة الأولى. # وتلازم الاشتهاء الذاتي والتوثين الذاتي معا لوازم متفاوتة في درجة الالتصاق ~~بالآفة وتوابعها. # فمن أبرزها وأقواها لازمة التلبيس أو التشخيص # Identification ~~، ومنها لازمة العرض # Exhibitionism # ولازمة الارتداد # Regression ~~. # لازمة التلبيس والتشخيص # فلازمة التلبيس والتشخيص لا غنى عنها في هذا الضرب من الشذوذ الجنسي، وهو عشق ~~الإنسان لذاته من الناحية الشهوانية، فالشاذ في حب جنسه أو حب الجنس الآخر يجد ~~طلبته ويقضي مأربه، أما الذي يشتهي بدنه فليس في وسعه أن يقضي مأربه منه بغير ~~الاحتيال لذلك بالتلبيس والتشخيص، فهو يلبس شخصيته شخصا آخر يتوهم أنه هو ذاته ~~أو يحل محل ذاته، كما يفعل جالد عميرة حين يضع أمامه صورة، أو يتخيل في ذهنه ~~عشيقة يتوهم أنه يواقعها، يحدث للمصاب بالاشتهاء الذاتي أن يختار شخصا آخر ~~يحله محل نفسه في أوصافه البدنية أو الخيالية، ويتعلق به وهو في الواقع متعلق ~~بذاته. # ولازمة العرض تشمل الإظهار بجميع درجاته، فإذا أمعن في الجسدية والشواغل الحسية ~~شوهد ms022 المصاب به، وهو يكشف عورته، ويعرض أعضاءه ويتعرى من ثيابه أو يلبس الثياب ~~التي تشبه العري، ولا تستر ما وراءها. # ولكن الأكثر الأعم في لازمة العرض أنها لا تمعن هذا الإمعان إلا في حالة ~~الجنون، وما يقاربه، وإنها تتحول إلى إظهار ولفت الأنظار على أساليب لا تحصى، ~~وقد ينتهي بها التناقض أحيانا إلى إعلان التقوى والظهور بين الناس بآثار ~~التعذيب والتمريغ، وسمات العبادة، وإذلال النفس بتشويه الجسد وتلويثه. # ومن لم ينته التناقض به هذا المنتهى يشاهد عارضا نفسه بالأزياء الغريبة ~~والألوان الصارخة، ماضيا في كل عمل من أعماله العامة على سنة الاشتهار ~~بالمخالفة، على القول الشائع: «خالف تعرف». # أما الارتداد فهو يعتري الشواذ على أطوار منوعة، وإنما يعتري النرجسيين من ~~تلبيس ذواتهم بغيرهم، أو خلع ذواتهم على شخص آخر يلتمسون المشابهة بينهم وبينه، ~~ولكنهم لا يظفرون في كل حين بشخص تام الشبه بهم في كل صفة وصبغة، فإذا اتفق ~~لأحدهم أنه رأى شخصا يشبهه في الملامح والقوام ويخالفه في القوة، فالذي يحدث ~~في هذه الحالة أنه ينتحل صفة القوة لنفسه كأنه ارتدها إليه من الشخص الذي تلبس ~~بملامح ذاته، وتتفاوت درجات الارتداد بتفاوت المصاب في درجات المرض، فمن ~~المصابين من ينتحل صفة ليست له ولكنها قابلة للادعاء، كالقوة والمهارة ~~والمهابة، ومنهم من ينتحل صفة ليست له ولكنها لا تقبل الادعاء، كالطول واللون ~~الأبيض أو الأحمر، فيكون قصيرا ويروض نفسه على اعتقاد الطول، أو أسمر ويروض ~~نفسه على ادعاء البياض والشقرة، بل قد يدعي الوصفين المتناقضين إذا تناول ~~بالتلبيس والتشخيص مثالين مختلفين، وهذه الحالة عرضة للأعاجيب في أوهامها ~~وأخيلتها، فقد تفضي بصاحبها إلى مجاراة الطبيعة والشذوذ في وقت واحد، فيخلع ~~ذاته على امرأة مشتهاة، فهو من هنا طبيعي في حبه للجنس الآخر، ثم يتشبه ~~بالنساء؛ لأنه أعاد إليه بالارتداد خصلة من خصال تلك المرأة لا توجد في الرجال، ~~فهو من هنا شاذ عن السواء يحس إحساس المرأة نحو الرجل الذي تعشقه ~~وتتصباه. ~~••• # هذه اللوازم على أبي نواس في خلائقه الأولية وخلائقه ms023 التبعية، وتفسر جميع ~~أحواله حيث لا يفسرها ضرب آخر من ضروب الشذوذ في المسائل الجنسية. # فالشذوذ الذي يميل بصاحبه إلى عشق أبناء جنسه، والعزوف عن الجنس الآخر آفة لا ~~تنطبق على أبي نواس؛ لأنه يغازل الجواري كما يغازل الغلمان، وكلامه كثير في ~~استحسان الفتاة؛ لأنها كالغلام واستحسان الغلام؛ لأنه كالفتاة: # غلام وإلا فالغلام شبيهها # وريحان دنيا لذة للمعانق # ويقول في غلام: # من كف ذي غنج حلو شمائله # كأنه عند رأي العين عذراء # ويقول في أخت وأخ: # يديرهما دعجاء رود وأدعج # أخ واخته في القوم واسمها إسم # يقال له: معن فإما نكسته # لتدعو أخته يوما فمنكوسه نعم # والشذوذ بمعنى حب الإنسان لجنسه # Homosexuality # لا يفسر هذه الحالة بل يزيدها إبهاما عند البحث عن أسباب النزعة ومواضع الزيغ ~~فيها، وإنما تفسرها النرجسية وما طبع عليه المصابون بها من اختلاف الهوى حسب ~~اختلاف التلبيس والتشخيص، فإذا اشتهى ذاته ولبسها بواحدة من الجنس الآخر ظهر ~~أنه مستقيم على سواء الطبيعة، وهو في الحقيقة شاذ على الحالتين؛ لأن العلة هي ~~الاشتهاء الذاتي، ولازمه التلبيس والتشخيص. # وقد كان هذا التلبيس يبدو في غزل أبي نواس صراحا مكشوفا حين يختار لهواه ~~غلاما ألثغ كأبي نواس، وإن كانت لثغة هذا بالراء ولثغة ذاك بالسين، ~~فيقول: # وا بأبي ألثغ لاججته # فقال في غنج وإخناث # لما رأى مني خلافي له: # كم لقي الناث من الناث # نازعته صهباء كرخية # قد حلبت من كرم حراث # أو يختار غلاما لا يحسن النطق بالراء تكسيرا لها كما يقول: # يكسر الراء وتكسيرها # يدعو مع السقم إلى الحتف # أو يختار «ظبيا» يعجبه منه ما يصنعه فوه بالراء: # يا ذوب قلبي من ظبي كلفت به # ما تصنع الراء في فيه إذا نطقا # وتعجبه البحة التي كانت إحدى خواصه الصوتية، فلا ينساها وهو يقول في وصف ~~غلام: # وبه غنة الصبا تعتليها # بحة الاحتلام للتشريف # وكان هذا التلبيس يبدو كذلك مكشوفا على نحو آخر حين يقول في جارية تتشبه ~~بالكتاب: # مؤزرة مؤنثة # بها ألم، وبي ألم # تجرر ذيل مئزرها ms024 # وفارس أذنها قلم # ويذكر مثال الحسن في الجنسين إذا تكلم عن حسناء كما يقول فيمن عرضوها عليه؛ ~~ليتزوجها: # ولو أنها في الحسن كانت كيوسف # وبلقيس أو كانت كخط مثال # وقالت: تزوجني على مهر درهم # لقلت: اغربي عني فمهرك غال # ومما أشار إليه في مجونه، ولا حاجة إلى إيراده، أنه كان يخاطب معشوقيه من ~~الغلمان فيقول لهم: إنه كان معشوقا مثلهم، ويحكي لهم كيف يتشبهون به مع ~~عاشقيه، وفي نسيبه بالنساء تدليل لنفسه يومئ إلى أنوثة كامنة في طبعه كما يقول ~~لإحداهن: # لا تفجعي أمي بواحدها # لن تخلفي مثلي على أمي # وفيه استغاثة تحكي استغاثة المرأة بأخواتها: # تجمعوا علموني # يا إخوتي كيف آتي # يا ويلتا أي شيء # بين الحشا واللهات # فهو في طبيعة النرجسية يسهل عليه أن يلبس ذاته لكلا الجنسين، وأن يكون شاذا ~~في حالة ومساوقا للفطرة في حالة، وما كان على الفطرة في الحالتين! # ومما هو خليق بأن يتأنى عنده الدارسون للنرجسية ولوازمها أن «جنان» كانت أحب ~~معشوقاته إليه، وأنها كما جاء في كتاب ابن منظور عن أخبار أبي نواس كانت تحب ~~النساء وتميل إليهن، فربما كان هذا الكلف الخاص بهذه الفتاة؛ لأن لازمة التشخيص ~~والتلبيس تتحقق بها على نحو لا يتحقق بغيرها، إذ كانت لها السمات النفسية ~~والبدنية التي تتراءى فيها ميول الجنسين. # وخليق بالدارسين كذلك أن يلتفتوا إلى سر هيامه بالجارية «حسن»، واستيحائه من ~~اسمها معنى التوحيد بينه وبينها، كما قال متغزلا بها متشفعا لديها بهذه ~~الحرمة: # إن لي حرمة فلو رعيت لي # لا جوار ولا أقول قرابه # غير أني سمي وجهك لم أحر # مه في اللفظ والهجا والكتابه # فإذا ما دعيت غير مكنى # لم أقصر حفظا له في الإجابه # فاكتبي وانظري إلى شبه الأ # حرف ثم اجمعيهما في الحسابه # فليس أقرب من مسارب الشعور الجنسي من الانتقال بتداعي الخواطر بين هذا التشبيه، ~~والتقريب وبين عادة التشخيص والتلبيس. # فهو في طبيعة النرجسية يسهل عليه كما قدمنا أن يلبس ذاته لكلا الجنسين، وأن ~~يكون شاذا في حالة ومساوقا ms025 للفطرة في حالة، وما كان على الفطرة في ~~الحالتين. # لازمة العرض # وتنطبق عليه لازمة العرض كما تنطبق عليه لازمة التلبيس والتشخيص، ولعل لازمة ~~العرض فيه؛ لأنها من شأنها أن تتلمس وسائل الإظهار. # فلم ينظم شعرا في الخمريات أو الغزل أو المجون، إلا تبين منه أن الجهر ~~بالمحرمات أدنى إلى هواه من المتعة بالمحرمات: # وإن قالوا: حرام، قل: حرام # ولكن اللذاذة في الحرام # وتكبر المتعة في حسه وفي وصفه بمقدار المخالفة لا بمقدار المتعة والتذاذها، فلا ~~يتساوى شراء الخمر والفسوق بمال حلال وشراؤهما بمال حرام: # واركب الآثام حتى # يبعث الله الأناما # فلكم نلنا بدينا # ر قمرناه غلاما # وشربنا يومنا ذا # ك بباقيه مداما # لا نصرف في حرام # أبدا إلا حراما # أو كما قال - فيما نسب إليه - إن الخمر لا تشرب إلا بثمن خنزير مسروق من زانية ~~وكأنما ينعت محبوبه الذي يقول فيه: # كطالب مثلا قي # ل خالف الناس تذكر # إن كبر الناس غنى # وإن تغنوا يكبر # ومن اللغو أن يبحث الباحث جدا عن مذهب أبي نواس في الزندقة، فليس له في ~~الزندقة مذهب غير «العرض الإظهار». وقد روي عنه أنه انصرف من بعض المواخير ~~سكران، فمر بمسجد قد حضرت فيه الصلاة فدخل فقام في الصف الأول، فقرأ الإمام: ~~«قل يا أيها الكافرون» قال أبو نواس: لبيك! فلما قضيت الصلاة لببوه وساقوه ~~للحساب. فأي مذهب من مذاهب الزندقة يسول لصاحبه هذا المجون، إنما هي آفة العبث ~~بالمخالفة ولا شيء سواها يغريه بهذا السخف الذميم. # ومن اللغو كذلك أن يقال كما قال بعض المستشرقين: إنه يكره الإشارة إلى الطلول ~~في مطالع القصائد ولعا منه بالتجديد، ونفورا من القديم. # فما كان ينعي على الشعراء بكاء الطلول إلا لينعي من وراء ذلك معيشة البادية على ~~أهلها أجمعين، وبهذه النزعة كان يكثر من التعريض بالعرب العدنانيين، والفخر ~~بالعرب القحطانيين، ولم يكن له نسب ثابت في هؤلاء ولا هؤلاء، وقد كان من شعراء ~~عصره من لهم نسب ثابت في اليمن أو نسب ثابت في الحجاز، فلم يجعلوا ms026 هذا النسب ~~هجيراهم كما جعله أبو نواس، وإنما أغراه بالخبط في هذا المعرض الشائك أنه ~~كان مسعر النار في عصره، وكانت النفوس تستثار به حيث لا تستثار بغيره، فقد أطاح ~~النزاع بين القبائل بالدولة الأموية، وأطاح هذا النزاع بالخليفة الأمين في دولة ~~العباسيين، وخيفت العصبيات يومئذ أشد ما تخاف في حقبة من الحقب، ومن هنا كان ~~أمر الخلفاء له بذكر الطلول كما قال: # دعاني إلى وصف الطلول مسلط # لقد ضقت ذرعا أن أجوز له أمرا # ولم يكن هذا الأمر تأييدا منهم لمذهب من مذاهب الأدب على سواه، ولكنه كان ~~اتقاء للشغب وإبعادا لباب الخصومات والعصبيات، ولو لم تكن المسألة مسألة عرض ~~وإظهار عند صاحبنا لما عناه رأي الأقدمين ولا رأي المحدثين، فقد كان ينحو في ~~الطرد والغزل والمدح والهجاء منحى الشعر القديم، ويلهج بمحاكاته على نمط لم ~~يؤثر عن أحد من نظرائه ومعاصريه. # ومن تغلغل هذه اللازمة في خليقته - لازمة العرض والإظهار، والتحدي بالمخالفة - ~~أنه جعل الصلاح تهديدا لإبليس في قصيدته التي يقول منها: # لما جفاني الحبيب وامتنعت # عني الرسالات منه والخبر # واشتد شوقي فكاد يقتلني # ذكر حبيبي، والحلم والفكر # دعوت إبليس ثم قلت له # في خلوة والدموع تنحدر # أما ترى كيف قد بليت وقد # أقرح جفني البكاء والسهر # إن أنت لم تلق لي المودة في # قلب حبيبي وأنت مقتدر # لا قلت شعرا ولا سمعت غنا # ولا جرى في مفاصلي السكر # ولا أزال القرآن أدرسه # أروح في درسه وأبتكر # وألزم الصوم والصلاة ولا # أزال دهري بالخير أأتمر # فما مضت بعد ذاك ثالثة # حتى أتاني الحبيب يعتذر # إلى آخر القصيدة. # قال رزين الكاتب عن سبب نظمه لهذه القصيدة: «اجتمعنا يوما وأبو نواس وعلي بن ~~الخليل في سوق الكرخ، وكنا نجتمع ونتناشد الأشعار ونتذاكر الأخبار ونتحدث بها، ~~فقال أبو نواس: أدبر من كان في نفسي وكان أسرع الخلق إلى طاعتي، فما أدري ما ~~أحتال له؟ فقال علي بن الخليل يمازحه: يا أبا علي! سل شيخك وأستاذك يعطفه عليك، ~~فقال أبو نواس: من ms027 تعني؟ فقال: من أنت في طاعته ليلك ونهارك، يعني إبليس! فإن ~~لم يقض لك هذه الحاجة فما ينبغي لك أن تسأله مسألة ولا أن تقر عينه بمعصية، ~~فقال: هو أسد لرأيه من أن يخل بي أو يخذلني. وانقضى مجلسنا ذلك، فلما كان بعد ~~أيام اجتمعنا في ذلك الموضع وأخذنا في أحاديثنا، فضحك أبو نواس. فقلنا له: ما ~~أضحكك؟ قال: ذكرت قول علي بن الخليل يومئذ: سل شيخك يعطفه عليك. حينئذ قد سألته ~~يا أبا الحسن فقضى الحاجة، وما مضت والله ثالثة حتى أتاني من غير أن أبعث إليه ~~ومن غير أن أستزيره، فعاتبني واسترضاني، وكان الغضب مني والتجني، وأحسب الشيخ - ~~يعني إبليس - كان يتسمع علينا في وقت كلامنا». # هذه هي القصة كما رواها رزين الكاتب لا يعنينا صحت روايته أو لم تصح، فإن ~~القصيدة لأبي نواس لا تروى لأحد غيره، ولولا دخيلة طبع مطوية على آفتها ~~ولوازمها لقد كان اقتراح علي بن الخليل خليقا أن يوحي إلى أبي نواس أن يتوجه ~~بالطلب إلى إبليس على غير ذلك الأسلوب، ولكنه جرى على دأبه فصنع مع إبليس ما ~~يصنعه مع الناس، فهو يتحدى الناس بالمعصية والفسوق ويتحدى إبليس بالإصلاح ~~والعفاف، وهي إذن خلة واحدة ذات صبغتين! # وتتمثل هذه الشهوة «النرجسية» شهوة المخالفة والمغايظة في قصيدة أخرى صور فيها ~~إبليس بصورة المتوسل إليه بغواياته؛ ليختار منها ما يحلو له وهو يأباها غواية ~~بعد غواية، ولا يزيد على أن يقول له: «لا» من قبيل المكايدة والمعاندة لا من ~~قبيل الزهد والعفاف. # قال: # نمت إلى الصبح وإبليس لي # في كل ما يؤثمني خصم # رأيته في الجو مستعليا # ثم هوى يتبعه نجم # أراد للسمع استراقا فما # عتم أن أهبطه الرجم # فقال لي لما هوى: مرحبا # بتائب توبته وهم # هل لك في عذارء ممكورة # يزينها صدر لها فخم # ووارد جثل # 1 # على متنها # أسود يحكى لونه الكرم # فقلت: لا. قال: فتى أمرد # يرتج منه كفل فعم # كأنه عذراء في خدرها # وليس في لبته نظم # فقلت: لا. قال: ms028 فتى مسمع # يحسن منه النقر والنغم # فقلت: لا. قال: فتى كل ما # شابه ما قلت لك الحزم # ما أنا بالآيس من عودة # منك على رغمك، يا فدم # لست أبا مرة إن لم تعد # فغير ذا من فعلك الغشم # ولا يخطئ القارئ في هذه الإبليسيات التي تروى لأبي نواس أو تروى عنه، ما تحتويه ~~من خبيئة التعلل بالوجاهة والامتياز والظهور بين الأقران، فمما رواه والبة بن ~~الحباب أستاذ أبي نواس أنه «كان نائما، وأبو نواس غلام نائم إذ أتاه آت في ~~منامه، فقال: أتدري من هذا النائم إلى جانبك؟ قال: لا. قال: هذا أشعر منك وأشعر ~~من الجن والإنس، أما والله لأفتنن بشعره الثقلين ولأغرن به أهل المشرق والمغرب، ~~قال: فعلمت أنه إبليس فقلت له: فما عندك؟ قال: عصيت ربي في سجدة فأهلكني، ولو ~~أمرني أن أسجد لهذا ألف سجدة لسجدت». # ومن رضاء أبي نواس أن يسجد إبليس له ولا يسجد لآدم، أما والبة فحسبه أن يقول: ~~غلامي أبو نواس! # وقد كان من منافع إبليس في مجون أبي نواس أن يكفل له وجاهة التمييز بالخمرة ~~التي هو كفء لها دون عذاله، فهو يخصه بهذا ويصرف عذاله عنها. # دعوت إبليس ثم قلت له: # لا تسق هذا الشراب عذالي # وما كل من يشرب الخمر نظيرا لأبي نواس: # فالخمر قد يشربها معشر # ليسوا إذا جدوا بأكفائها # وكثيرا ما تبدو شهوة الوجاهة والظهور في ولع أبي نواس بشرب الخمر كائنا ما ~~كان نوعها، فهي فضلا عما تخيله لشاربها من العظمة والسلطان ليست مما يرتقي إلى ~~«كفاءته» كل شارب وطالب، وأبو نواس حين يشربها أجدر بشربها من أمم وآحاد، وعلى ~~لسانها يقول: # فاستوحشت وبكت في الدن قائلة: # يا أم ويحك، أخشى النار واللهبا # فقلت: لا تحذريه عندنا أبدا # قالت: ولا الشمس؟ قلت: الحر قد ذهبا # قالت: فمن خاطبي هذا؟ فقلت: أنا # قالت: فبعلي؟ قلت: الماء إن عذبا # قالت: لقاحي؟ فقلت: الثلج أبرده # قالت: فبيتي، فما أستحسن الخشبا؟ # قلت: القناني والأقداح ولدها # فرعون: قالت: لقد هيجت لي ms029 طربا # لا تمكنني من العربيد يشربني # ولا اللئيم الذي إن شمني قطبا # ولا المجوس فإن النار ربهم # ولا اليهود ولا من يعبد الصلبا # ولا السفال الذي لا يستفيق ولا # غر الشباب ولا من يجهل الأدبا # ولا الأراذل إلا من يوقرني # من السقاة، ولكن أسقني العربا # يا قهوة حرمت إلا على رجل # أثرى فأتلف فيها المال والنشبا # ولم يكن عرضا أنه كان يدعي لها جلالة الشأن على الملوك، ويعيد هذا المعنى ~~كقوله: # ومدامة تحيا الملوك بها # جلت مآثرها عن الوصف # وكقوله: # ومدامة سجد الملوك لها # باكرتها والديك قد صدحا # أو قوله: # صهباء فضلها الملوك على # نظرائها لفضيلة القدم # وكذلك ترديد ذكر التاج عند ذكر سقاتها كما يقول: # نتجت من كرم كسرى # قبل إبان النتاج # وغزال من بني الأص # فر معصوب بتاج # شخصه مني بعيد # وهو مني كالمناجي # أو كما يقول: # لها تاج مرجان وإكليل لؤلؤ # ترنم كالنشوان بين العواشق # يدور بها ظبي غرير متوج # بتاج من الريحان ملك القراطق # فإن الخمر أداة حب للتدليل الذي يكمن في أعماق «النرجسية»، وحب أبي نواس لها حب ~~للتدليل الذي لا تستغني عنه طبيعة الافتتان بالذات أو توثين الذات، ومن هذا ~~التدليل هذا الترنم بالتاج والملك والامتياز بمقام للشرب لا يكافئه كل مقام، ~~وما كان هذا الشعور خبيئة عميقة في نفس الشاعر «النرجسي» وحسب، بل كان على طرف ~~لسانه، وكان أحيانا يلحى السكر في سبيل أحلامه، وهو لا يلتفت إلى مغزى ما يقول ~~حيث قال: # وأصبحت ألحى السكر والسكر محسن # ألا رب إحسان علي ثقيل # كفى حزنا أن الجواد مقتر # عليه، ولا معروف عند بخيل # سأبغي الغنى إما جليس خليفة # يقوم سواء أو مخيف سبيل # بكل فتى لا يستطار جنانه # إذا نوه الزحقان باسم قتيل # لنحمي مال الله من كل فاجر # أخي بطنة للطيبات أكول # فها هنا حلم مستقل عن حلم الخمر، ولكنه لا ينفك عن لازمة «النرجسي» المدلل ~~لنفسه، ويكاد ينسى صاحبه - وهو من الساخرين - أنه عرضة للسخرية التي لا سخرية ~~بعدها حين يتخيله ms030 القارئ نديما لخليفة لا يقبل منادمته بغير شرط، بل يشترط فيه ~~«السواء ». ثم يشرئب إلى عزة أكبر من هذه العزة، فيزين له الحلم أنه قاطع سبيل ~~مخيف؛ ليجمع الغنائم وينفق خمسها في سبيل الله، ويحرمه على الولاة ذوي البطنة ~~الذين يأكلون الطيبات. ولا يغلط فيقول: ويشربون المحرمات. فمثل هذا الغلط من ~~أبي نواس غير معقول حتى في الأحلام! # ونحسب أن الفارق قد اتضح من هذه الأمثال بين أنواع التفكير والإباحة، ولا سيما ~~إباحة «الشخصية العاتية»، وإباحة «الشخصية النرجسية». # فالعاتي الذي يستبيح المحرمات يبطل التحريم والتحليل ولا يعرفهما، كما قال أبو ~~الطيب في وصف الأسد: # في وحدة الرهبان إلا أنه # لا يعرف التحريم والتحليلا # ويود لو فرض على الناس حرامه وحلاله شريعة يأخذهم بها، وينزلها منزلة الشريعة ~~التي درجوا عليها، أما الشخصية النرجسية فلا يلوح من عملها وقولها: أنها تريد ~~إبطال المحرمات، بل يلوح من كل أعمالها وأقوالها أنها على نقيض ذلك؛ تريد أن ~~تستبقي شيئا محرما لتستبيحه، وأمرا ملزما لتنعم بعصيانه، وشأنها شأن الطفل ~~المدلل الذي يعطي هواه، ويقيس هواه ودلاله بمقياس التجني والحرمان، والولع بما ~~يمتنع والإعراض عما يبذل ويسهل مناله، أو يستباح. # والتدليل هنا هو قوام توثين النفس والشعور بهذا التوثين من الآخرين، وغاية ~~الهوى هنا في الطفل المدلل أنه يكلف أهله ما لا يوجد، ويأبى ما هو موجود ~~وميسور. # وتلك هي الإباحية النرجسية التي تقترن بتوثين النفس وتدليها، ولا نموذج لها في ~~الأدب العربي أوفى لعوارضها ولوازمها من أبي نواس. # لازمة الارتداد # أما «الارتداد» وهو اللازمة الثالثة التي ذكرناها من لوازم النرجسية، فهو الذي ~~يعرف أحيانا باسم الصفات الثانوية، وليس من طبيعته أن يظهر قبل المراهقة، ~~وربما تأخر إلى ما بعد المراهقة بسنوات إلى أن توجد النوازع الجنسية، التي لا ~~تتأتى الاستجابة لها حين يكتفي النرجسي بتوثين نفسه. # ويسمى الارتداد بالصفات الثانوية؛ لأنه لا يبلغ مبلغ التشخيص والعرض في ملازمة ~~النرجسية؛ ولأنه يأتي مرجوعا في شخص واحد، ويأتي لهذا على ثلاث درجات: # أولاها: توثين النفس. # وثانيتها: خلع ms031 الشخصية على إنسان آخر، ومن المتعذر أن يكون هذا الإنسان نسخة ~~مكررة من الشخصية النرجسية كما تهواها، ففيها لا بد شيء من الاختلاف بالتحسين ~~أو بالتقصير. # وثالثة الدرجات: أن تعود الشخصية النرجسية، فتستعير الملامح المختلفة، وتتلبس ~~بها وتحسبها من ملامحها وصفاتها، وبخاصة إذا رأت أنها ناقصة فيها. # ولا حاجة إلى استقصاء شواهد «الارتداد» في شعر أبي نواس، فكل ما وصف به أكفاء ~~المنادمة والظرف، وجعلهم من أقرانه لا يخلو من هذا الارتداد، وكان قريبا في ~~تداعي الخواطر - أو تداعي الهواجس - أن يرى أنه يشبه «حسنا» اسما ورسما إذ ~~كان مفتونا بطول قامتها وهو غير طويل: # طويلة خوط المتن عند قياسها # ولي بالطويلات المتون ولوع # ويخطر على البال أن أكثر الصفات المرتدة إنما كانت من صفات المخلوع محمد ~~الأمين، ومن حبه إياه أنه كان صديق الخمر، وأنه كان ينهاه عنها لينفي عن سمعته ~~قالة السوء. # بل قيل - وما هو بالخاطر البعيد - إن شغفه بالأمين إنما كان شغف عاشق لا شغف ~~تابع بمتبوع، فما كان أبو نواس بالذي يبقى على ولائه بعد خلع الخليفة تشيعا ~~لرأي أو تعصبا لمذهب، وتقول طائفة من الرواة: إن أبيات الشاعر الدالية التي ~~يقول منها: # أصبحت صبا ولا أقول بمن # من خوف من لا يخاف من أحد # إن أنا فكرت في هواي له # أحسست رأسي قد طار عن جسدي # إنما نظمها في الأمين، وأنه كان يشرب معه يوما، فنشط الأمين للسباحة فلبس ثياب ~~ملاح، ولبس غلامه كوثر مثل لباسه، ووقعا في البركة، ونظر أبو نواس إلى بدن ~~الأمين فرأى ما لم ير مثله، فلما كان من غد جاء الحسين بن المنذر مسلما عليه، ~~قال الحسين: فسألته عن خبره مع محمد فقال: ويلك! رأيت الفتنة، وأنشد هذا الشعر ~~فقلت له: ويحك اتق الله في رأيك، فإنه إن بلغه قتلك. # ولعل أبو نواس لم يحفظ للأمين من ذكراه ما هو أدنى إلى طبعه من معاقرته الخمر، ~~ومن مجونه وملاحته: # أأرفضها والله لم يرفض اسمها # وهذا أمير المؤمنين صديقها # فإذا ms032 كانت لازمة «الارتداد النرجسي» بحاجة إلى مورد يستعير منه الشاعر ما ليس ~~عنده من الزينة الشخصية، فليس أحرى من الأمين أن يكون هذا المورد الرفيع، مع ما ~~تقدم من ولع الشاعر بترديد الزهو بسمات الملوك وزينة التاج والإكليل. ~~••• # وخلاصة القول في النرجسية: إن أبا نواس كان من الشواذ في تكوينه الجنسي ودوافعه ~~النفسية، ولكن شذوذه غير الشذوذ الذي اشتهر به، وهو إيثاره الذكران على الإناث، ~~ولا بد من التفرقة بين الشذوذين؛ لأن النرجسية تفسر أطوار أبي نواس جميعا، ~~والشذوذ الآخر لا يفسرها، وهذا عدا ضرورة التفرقة بين الشذوذين للكشف عن بواطن ~~السريرة، وفهم الأخلاق الخاصة والأخلاق الاجتماعية. # فغرام أبي نواس بالجنسين وانحرافه مع بني جنسه فاعلا ومنفعلا أمر لا يفسره ~~إيثار الذكران على الإناث # Homosexuality ~~، ولكن ~~النرجسية تفسره كل التفسير من جميع نواحيه. # والنرجسية تفسر الولع بالمجاهرة الإباحية، ولكن الشذوذ الآخر لا يفسرها؛ لأنه ~~قلما يغري صاحبه بالمجاهرة وكثيرا ما يوحي إليه التخفي والاستتار، وإذا تبذل ~~فإنما يتبذل لاعتقاده أنه أهون من أن يلفت الأنظار وأهون من أن يبالي الإهانة؛ ~~لا لأنه يعمل على لفت الأنظار والاستهانة بالملام. # وقد تكون التفرقة هامة للعلاج النفسي لا محالة يوم تنكشف خصائص الغدد، ~~ومفرزاتها وعلاقتها بالأطوار الجنسية والنفسية، فقد يصبح تعديل هذه المفرزات ~~بالعلاج الجسدي ميسورا، كما يصبح ضروريا لتقويم الأبدان والأفكار. # أبو نواس وأوسكار وايلد # واعتقادنا في مثل هذه الدراسات أن المقارنة أفضل وسائل التمييز فيها، وأن أفضل ~~المقارنات ما كان بين المتباعدين في البيئة والزمان، فإن التشابه بين أبناء ~~البيئة الواحدة والزمن الواحد لا يميز الأضداد، ولكننا إذا قارنا بين اثنين ~~تفرقهما البيئة والزمان، ثم رأينا علامات التشابه بينهما واضحة، فهذا هو الدليل ~~القاطع على فعل العلة التي يشتركان فيها. # وقد أسلفنا أن الشاعر العصري أوسكار وايلد كبير الشبه بأبي نواس في لوازم ~~النرجسية، وهما مختلفان بعدها في كل شيء، في الزمن والموطن واللغة والدين ~~والطبقة الاجتماعية، ولكنهما على هذا يتماثلان في كل لازمة من لوازم النرجسية، ~~ويختلفان فيكون اختلافهما أدل ms033 على وحدة المزاج. # ففي أوسكار وايلد نلقى الملامح الأنثوية، وخصل الشعر والصوت الذي تمازجه ~~الرخامة. # وفيه نلقى حب الظهور ولفت الأنظار وشغل الأذهان، ولم تكن مصطلحات التحليل ~~النفسي قد شاعت في أيامه، فلم يصفوه بحب العرض # Exhibitionism # كما كانوا يصفونه لو عاش ~~بعد زمنه بخمسين سنة، ولكنهم أطلقوا عليه اصطلاح العرف الذي يقابل اصطلاح ~~التحليل النفسي تمام المقابلة وقالوا: إنه نموذج حي للزهو المتبرج # Dandyism ~~، ومنه جاءت كل بلواه. # وليس الزهو المتبرج كل ما هنالك، بل هو الزهو الذي يصدم ويغضب كما قال صديقه ~~أندريه جيد الأديب الفرنسي المعروف في ذكرياته عنه، وكان يتكلم بلغة عصره - لغة ~~الثورة الفرنسية وأعقابها - فيقول: إن المستبدين ثلاثة: «مستبد يطغى على الجسد، ~~ومستبد يطغى على النفس، ومستبد يطغى عليهما معا، أما الأول فيسمونه الأمير، ~~وأما الثاني فيسمونه الحبر والكاهن، وأما الثالث فيسمونه الرأي العام». # وكانت لذته الكبرى أن يتحدى الرأي العام ويثيره، ويتغنى بفضائل الرذيلة أو ~~الخطيئة، ويكتب وهو يدافع عن الشاعر الفرنسي بودلير - زميله في النرجسية: «إن ~~ما يسمى الخطيئة عنصر جوهري من عناصر التقدم تأسن الدنيا بغيره، أو تشيخ أو ~~تنصل من كل لون، فهي بما تنطوي عليه من التطلع تزيد تجارب النوع الإنساني، وهي ~~بتوكيدها المزايا الفردية تنجينا من إرهاق القوالب المطردة». # وقال: «إن الطيبة على المثال الذي تفهمه السوقة سهلة بينة، فكل ما تتطلبه مقدار ~~من الذعر، ونقص في الفكر المتخيل ومعيار دارج من معايير كرامة ~~المساتير». # أما الخطيئة العظمى عنده فهي البلادة، وعلامات الحضارة عنده اثنتان: الثقافة ~~والفساد. # وذهب إلى أمريكا وعاد منها ينعي على قوم غاية البطولة في عرفهم أن يكون الرجل ~~على غرار واشنطون لا يحسن أن يخلق لك كذبة واحدة. # وذهب إلى بلدة من بلاد إفريقيا الشمالية التي يغشاها طلاب الفراغ، وخرج منها ~~وهو يقول لأندريه جيد: «غاية مناي أن أكون قد نجحت في إفساد هذه ~~القرية». # وكتب ونظم وتحدث وعمل ليبشر بمذهب واحد يتكرر في صيغ مختلفة، وهو أن الفن ~~والعلم منعزلان، وينبغي أن ينعزلا ms034 في مقاييس الأخلاق. # ومما يستوقف النظر غرام أوسكار وايلد بقصة نرجس في الأساطير الإغريقية، قبل أن ~~يشتق منها النفسيون اصطلاحهم على عادات تلك الآفة الجنسية أو النفسية، فمن ~~أحاديثه عن أندريه جيد أنه قال له ذات يوم بغير تمهيد: إنك تصغي بعينيك؛ ولهذا ~~أقص عليك القصة التالية: ~~«لما مات نرجس أصبحت بركته كأسا من الدمع المر بعد أن كانت من الماء الزلال، ~~وأقبلت عليها الأزهار باكية عسى أن تغني لها وتغريها، فقلن لها حين رأين هذا. ~~لا عجب أن تحزني حزنك على نرجس، فما كان أجمله وأحلاه. # فأجابت البركة: أو كان نرجس جميلا حلوا كما تصفنه! # قالت الأزهار: ومن ذا الذي يعرف جماله إن لم تعرفيه؟ لقد كان يمر بنا ولا ينظر ~~إلينا، ولكنه ينحني عليك ويدمن النظر إليك، وفي مرآة مائك الجميل كان يستجلي ~~بعينيه جماله هو في تلك المرآة. # وعادت البركة تقول: ولكنني أحببت نرجس إذ كان ينحني على حافتي وينظر إلي؛ ~~لأنني كنت أنظر إلى عينيه فأرى جمالي متجليا في تينك العينين». ~~••• # وما كان وايلد إلا ناظرا في أعماق سريرته حين لمح بواطن النرجسية، فلم يلمحها ~~في نرجس وحده، بل لمحها في البركة معه، فإذا هي النرجسية متقابلة ~~بمرآتين. # هذه هي النسخة العصرية من أبي نواس، وتمامها أن أوسكار وايلد كان يتصل ~~بالجنسين، وكان متزوجا وله ولدان. # وأتم من ذلك في المشابهة أن أوسكار وايلد لم يكن يدمن الخمر كما يدمنها أبو ~~نواس، وهذا على دين التحدي بالإباحية هو المعقول، فإن تحريم الخمر لم يبلغ في ~~مجتمع وايلد تلك الشدة التي بلغها في مجتمع أبي نواس، فلا إثارة في إعلان حبها ~~هنا كالإثارة التي يتعمدها أبو نواس في إعلان حبها هناك. # | أسرار الغدد # الجنس والنفس # أشرنا قبل ختام الفصل السابق إلى فعل الغدد في التفرقة بين الأمزجة، وإلى ~~آثارها المرجوة في علاج أمراض النفس والجسد مع تقدم العلم بأسرار كل منها على ~~حدة، أو على التعاون بينها وبين الغدد الأخرى. # وكل ما عرفه العلماء حتى اليوم من ms035 الأسرار لا يعدو أن يكون مقدمة وجيزة من كتاب ~~ضخم متعدد الأجزاء والأبواب، ولكنه على قلته يبدو كالخوارق التي لا تقبل ~~التصديق لولا أنه محسوس مؤيد بالتجربة المتكررة، وسينجلي من أسراره مع الزمن ما ~~يعلم المنكرين المتهجمين كثيرا من الأناة والروية قبل التهجم والإنكار. فإن ~~الذين استغربوا أسرار الروح بالأمس، فأنكروها لغرابتها ليحارون اليوم بين تلك ~~الغرابة وبين الغرابة التي تحيط بكل غدة من هذه الغدد في عملها المفرد وعملها ~~المرتبط بغيرها، إن أغرب الغرائب ليدخل في حكم المألوف إذا قيس إلى هذه ~~الغرائب، وهي كما أسلفنا لما تجاوز مقدمة الكتاب. # هذه الغدد تعمل معا كالفرقة الموسيقية التي يعطي كل منها اللحن الذي يناسبه، ~~ويناسب آلات الفرقة بأجمعها. # بل هي في تجاربها أدق من ذلك وأعجب؛ لأن الآلة الموسيقية إذا اختلت في أداء ~~لحنها لم تصلحه لها آلة أخرى، أما هذه الغدد فكل اختلال فيها تتصدى لإصلاحه غدة ~~أخرى بعينها، وإذا اختلت غدتان في وقت واحد تعاونت الغدد الأخرى على تعويض ~~عملهما، وبادرت كل واحدة منها إلى أداء مهمة لم تكن تؤديها قبل ذلك، ولا يقع ~~الاختلاط بين هذه المهام المتقابلة، أو المتناقضة في بعض الأحوال، إلا إذا كان ~~الفساد قد عم البنية جميعها فلا يرجى لها صلاح. # والمعروف من عملها حتى اليوم في توجيه الجنس، وتحويل الأحوال النفسية يهول ~~العلماء بما يرونه اليوم، وما ينتظرون غدا أن يروه، ويحسب بعضه من الحقائق ~~المقررة ويحسب بعضه الأكبر من الفروض والتأويلات، بل من الظنون والتخمينات، ~~وهذه هي المرحلة الخطرة في طريق هذا العلم الجديد. لأنها توجب الحذر والانتباه، ~~وقد يفوت الأوان إذا توغل الباحثون مندفعين وهم لا يحذرون ولا يتنبهون. # لقد مضت القرون الأولى ودراسة «الجنس» مهملة، أو مسكوت عنها باتفاق العلماء ~~والجهلاء على السواء، وقد توطئوا جميعا على السكوت؛ لأنهم لم يفلتوا بعد من ~~أسر الطوطمية وتحريماتها، ولا من وهم المتوهمين أن العلاقة الجنسية دنس معيب، ~~أو أنها وصمة مخجلة لمن يتحدث بها ولمن يسمعها ولمن يعنى بها ولو للعلم ms036 ~~والعلاج. # ثم اندفع العصر الحديث من الحظر إلى الثرثرة بالجنس في الدراسات وغير الدراسات، ~~وأوشك الخطر من الإفراط في القول أن يضارع الخطر من الإفراط في السكوت أو يزيد ~~عليه. # وهذه كما أسلفنا مرحلة الحذر والانتباه، يواجهها الباحث كما يواجهها القارئ ~~والسامع، وبخاصة حين نذكر أن كثيرا من البحث في هذه المرحلة ضرب من الظن ~~والتخمين. # ووسيلتنا نحن في الحذر والانتباه، أن نقسم أقوال الباحثين النفسيين في مسائل ~~الجنس إلى قسمين: ملاحظات، وتعليلات أو تخريجات. # فأما الملاحظات فالكثير منها مقبول مقصور على الوقائع والمشاهدات، وأما ~~التعليلات فالكثير منها تخمين يجوز عليه ما يجوز على كل تخمين، ولا استثناء في ~~هذا الحكم لمذهب أحد من المتخصصين أو غير المتخصصين، فما اتفقت مدارس التحليل ~~النفسي على أساس واحد من أسس البواعث النفسية الكبرى، فما الظن بغير الأسس من ~~الفروع والتشاعيب؟ # وليس أشهر في هذه المدارس النفسية، وما إليها من مدارس فرويد # Freud # ويونج # Jung # وأدلر # Adler # ورانك # Rank # وسليفان # Sullivan # وهورني # Horney # وفروم # Fromm # وبرنزهورن Prinzhorn ~~، وهم أقطاب ~~النفسيين في القارة الأوروبية، ولا نذكر النفسيين في إنجلترا وأمريكا؛ لأن ~~أقطابهم لا يتوسعون في علم النفس «السيكلوجي» إلى التطبيق وتعليل الأخلاق على ~~مثال المدارس الأوروبية، ولا سيما مدارس أوروبا الوسطى، وأعلى ما ترتفع إليه ~~هذه المدارس عنهم إنما بمثابة المحاولات البوليسية للكشف عن الأمراض بدل ~~الجرائم والجنايات. # وإذا سألنا هذه المدارس عن الدافع الأكبر في النفس الإنسانية فماذا نسمع؟ أهو ~~الجنس؟ أهو تغليب الشخصية؟ أهو الغريزة الاجتماعية؟ أهو الدوافع الواعية؟ أهو ~~الدوافع غير الواعية؟ وهل هي موروثة أو مكسوبة؟ وهل هي قابلة للتعديل قبل ~~الولادة أو بعد الولادة؟ # إن الجواب عن كل سؤال من هذه الأسئلة خمسة أجوبة أو ستة لا تتفق مدرسة واحدة ~~على أحدها كل الاتفاق فضلا عن الاتفاق عليها بين المدارس المتعددة، وربما ~~ابتدأ الباحث منهم برأي في تجاربه الأولى، ثم عدل عنه إلى غيره في تجربة لاحقة، ~~ولا يستطيع في الحالتين أن يقول: إنه يقرر «علما» قاطعا باليقين، منزها ms037 عن ~~ظنون التأويل والتخمين، وربما اتفقوا على الاصطلاح كما تتفق مدرسة فرويد فيما ~~بينها على اصطلاحات أستاذها التي يطلقها على دوافع الوعي الباطن ودوافع النزعة ~~الحيوية، من قبيل الإيد # Id # واللبيد # Libido # والذات العليا # Super-ego # إلى أشباه هذه الاصطلاحات ~~المخترعة، ثم يفسرونها ويشرحون محورها الذي تدور عليه، فإذا ثم أشتات متفرقة في ~~التصوير والتعليل، ينقض أحدهم ما يثبته زميله، وقد ينقضون جميعا ما أثبته ~~الأستاذ عند وضع الاصطلاح، أو عند التصرف فيه بعد المراجعة. # وأولى الأقطاب النفسيين بالحذر من تعليلاته وتعميماته هو رائدهم الأول سيجموند ~~فرويد، وإنما كان الأولى بالمحاذرة؛ لأنه الرائد الأول وفيه إلى جانب فضائل ~~الرواد كل عيوب الارتياد، ومنها الاقتحام. # فالفضل الذي يشكر عليه فرويد لا نزاع فيه بين مؤيديه ومخالفيه، فقد دخل ~~بالتحليل النفسي في دور جديد لم يسبق إليه، ولكنه وثب منه إلى تعليلات وتعميمات ~~لا تستند إلى الوقائع والمعلومات، وقد تبطلها وتفندها جميع الوقائع والمعلومات، ~~كدعواه الأخيرة عن إرادة الموت في الإنسان، وأنها إرادة كإرادة الحياة. # وقد بدأ فرويد عمله بالعلاج الطبي، ثم عكف على دراسة الأعصاب، وانتقل منها إلى ~~دراسة الحالات النفسية وهو في نحو السادسة والثلاثين، ثم بنى فلسفته في مسائل ~~الجنس النفسية على أحوال العلاج، أو على حجرة الاستشارة # Consulting room # كما يقول ناقدوه. # وكان أستاذه في طب العلاج النفسي الدكتور بروير # Breuer ~~، الذي نقل هذا الطب من تجارب التنويم المغناطيسي ~~وشعوذاته إلى الإيحاء البريء من الشغوذة، وكان معوله الأول في علاجه على قاعدة ~~«التسرية»، أو رد الفعل التمثيلي # Abreaction # وهي تتلخص في البحث عن الصدمة العصبية، التي أحدثت المرض ثم إعادة تمثيلها ~~للمريض بحيث يشعر بمنشأ العلة في نفسه، وقد استمد هذا العلاج من الراحة التي ~~يشعر بها الإنسان إذا رأى شكواه النفسية ممثلة في قصة يقرؤها، أو ينظر إليها ~~على المسرح، فأصاب في الملاحظة ولم يتوسع في القياس. # ولكن فرويد زاد على الصدمة العصبية التي يعرفها المريض أنه بحث عن صدمات الوعي ~~الباطن، والصدمات التي لا يعيها أحد، فكان ms038 على بر الأمان وهو يتتبع الأعراض ~~المرضية في كل مريض على انفراد، ولكنه لم يلبث أن وثب من حجرة الاستشارة إلى ~~العالم بأسره، وإلى النوع الإنساني من أبعد نشأته، بل إلى الكيان الحيواني ومن ~~ورائه الكيان المادي الذي يخبط فيه فلاسفة ما وراء الطبيعة، ولا يحسبونه في علم ~~التجربة والمشاهدة، ولا يستخرجون منه علاج الأبدان والأخلاق. # وحسبك حذرا من تعليلاته وتعميماته أنها تجعل الشذوذ أساس الحياة الإنسانية، ~~فكل إنسان مصاب بعقدة الأب أو عقدة «أوديب» المكبوتة، وكل إنسان عرضة من جراء ~~هذه العقدة للقلق في بيئته النفسية وعلاقاته الخارجية، وليست العقائد والشعائر ~~والعبادات والفنون إلا تعبيرا عن هذا القلق، أو دفاعا عن النفس أمام طغيانه ~~في داخلها وخارجها. # وعقدة أوديب هذه ما هي؟ وفي أي عصر كان الإنسان الهمجي براء من كبتها؟ # إن عقدة أوديب # Oedipus Complex # هي غيرة الابن ~~من أبيه على أمه، وتقابلها عند المرأة عقدة ألكترا # Electra ~~، وهي غيرة البنت من أمها على أبيها، ويقول فرويد: ~~إن هذه العقدة ترجع إلى أيام قيادة القطيع ثم قيادة العشيرة، ثم كفالة العائلة، ~~وفي هذه الأدوار يوجد ذكر واحد - وهو الأب - مستأثرا بجميع الإناث في القطيع ~~أو العشيرة أو العائلة، وتنجم نزعات الانحراف الجنسي بين سائر الذكور، كما تنجم ~~بينها المؤامرة على قتل الأب تخلصا من احتكاره للإناث. # هل شوهدت حالة من حالات الجماعات الإنسانية كانت سابقة لهذا الكبت المزعوم؟ هل ~~توجد الآن حالة كهذه بين الجماعات الهمجية، التي تقاس عليها الجماعات البدائية ~~في الأزمنة السحيقة؟ وإن كان هذا التطور مغرقا في القدم فكيف عرفناه؟ هل وجد ~~بين جماعات الحيوانات مثال لهذه النوازع يتأتى لنا أن نشاهد ما يقاس ~~عليه؟ # من المحقق أن كل ما شوهد ويشاهد من أطوار الجماعات الإنسانية، أو الحيوانية لا ~~يسمح بهذه الوثبة الطويلة العريضة في التعليل والتعميم. # على أن الوثبة الطويلة العريضة لم تقف عند أطوار الإنسان الأول أو الحيوان ~~الأعجم، بل جاوزتها بعيدا جدا إلى ما وراءها، فاستخرجت من أطوار المادة «غير ~~العضوية» ما ms039 يسميه فرويد غريزة الموت، ويكاد يحصر فيه كل دفعة لا تحتويها ~~الغرائز الجنسية. # ففي طوية الإنسان - على رأي فرويد - دوافع ضارة به تهيئ له طريق الموت من حيث ~~لا يشعر ولا يريد، ومرجع هذه الدوافع حنين المادة في كيانه إلى حالتها الأولى ~~قبل الحياة! # هذا ضرب من التعليلات التي تنقض الحس والعلم والمشاهدة، ولا يعززها اللفظ في ~~عبارة فرويد نفسها إذا أراد أن نفهم من اللفظ أصدق معانيه. # فهل فارقت المادة في الجسم الحي شيئا من خصائصها «غير العضوية» حتى يقال: إنها ~~تحن إلى معاودته، وإن حنينها إلى معاودته هو الذي يسمى بغريزة الموت. هل فارقت ~~قانون الجاذبية؟ هل فارقت قوانين اللون والإضاءة؟ هل فارقت قانونا واحدا من ~~قوانين الطاقة، سواء نظرنا إلى الطاقة الحيوية كلنها طاقة مادية أو طاقة ~~روحانية؟ # الواقع أن المادة تحافظ على خصائصها هذه مع قوة الحياة كما تحافظ عليها مع كل ~~قوة، وينبغي أن يقال إذن: إن غريزة الموت تعم الكون كله ما دامت للمادة هذه ~~المقاومة، أو هذا القصور الذاتي مع كل طاقة، فمن أين جاءت الطاقة التي لا ~~تحتويها المادة؟ وإلى أين ننتهي إذا نحن ذهبنا نتخبط في هذه التعليلات ~~والتعميمات. # إننا لا نستطيع في هذا العصر أن نصف المادة حتى «بالقصور الذاتي» الذي يعزلها ~~عن الطاقة. ولا نستطيع أن نقول: إنها ذات طاقة تريد ما لا تريده الحياة، ولو ~~كان معنى الإرادة المقصود أنها تطيع قانونا لا فكاك لها من طاعته، فلا نستطيع ~~أن نفهم غريزة الموت على أي معنى من معاني فرويد ومدرسته، وكل معنى نفهمه قد ~~يصدق على المادة التي تحيط بالجسم الحي والمادة التي تكمن فيه. # أقل ما يقال عن هذه التعليلات والتعميمات أنها لم تثبت حتى يسوغ لنا أن نثبت ما ~~يقوم عليها، وغاية ما تنتهي إليه أنها خواطر موحية تومئ إلى مواضع البحث ~~والمناقشة، وتتفرق إلى كل مفترق حتى يختار منها الناقد ما هو أحرى ~~بالاتباع. # فمن أراد أن ينظر فيها على أمان فلينظر إليها كأنها ضرب ms040 من الحدس لا يزال يتردد ~~بين الافتراض والاحتمال؛ وليأخذ به على حسب اقترابه من المعرفة العلمية في ~~تجارب الغدد، وتطور الوظائف الجنسية. # ونسميها المعرفة العلمية عمدا للتمييز بينها وبين العلم المقرر، إذ لم تبلغ ~~المعرفة بالغدد وتطور الجنس مرتبة العلم المقرر الذي تتفق عليه جميع المذاهب، ~~وتتساوى تجاربه في كل حالة، وليس من السهل أن يرتقي إلى هذه المرتبة في مدى هذه ~~السنوات القصار؛ لأنه متعلق بحياة الحيوان والإنسان، ولا يسهل ضبط الملاحظات ~~على نمط واحد في جميع الأحياء. # ومن المعرفة العلمية العامة أن الغدد الصماء وثيقة العلاقة بتكوين الجسم، ~~وتكوين وظائفه الجنسية على الخصوص، وهي الغدة النخامية والغدة الصنوبرية في ~~الدماغ، والغدتان الدرقيتان والشبيهتان بالدرقيتين في الرقبة، والغدتان ~~السعتريتان في أعلى الصدر، والغدتان الكظريتان فوق الكليتين، والخصيتان في ~~الرجل والمبيضان في المرأة. # وليس من غرضنا في هذا السياق أن نتوسع في شرحها وبسط وظائفها، وإنما نكتفي ~~بالمعلومات الحديثة عن كل منها فيما يتعلق بالوظائف الجنسية، والأطوار العاطفية ~~أو النفسية. # فقد كان المنظور قبل هذه الكشوف أن الخصيتين والمبيضين هي الغدد الجنسية دون ~~غيرها في جسم الرجل والمرأة. # فتبين بعد مراقبة الإنسان وإجراء التجارب الكثيرة على الحيوان أن الغدة ~~النخامية ذات أكثر كبير في تكوين خصائص الحي، ومنها خصائص الرجولة ~~والأنوثة. # الجنس # فالخصية تفرز الخلايا المنوية والخلايا البينية # Interstitial # المعروفة باسم خلايا ~~ليدج # Leydig ~~، وهي التي ترتبط بها صفات ~~الرجل الثانوية، فيشبه الرجال في بعض الصفات، ويشبه النساء في صفات أخرى على ~~حسب إفراز الخلايا البينية، # 1 # وهي تتلقى التنبيه بإفراز من الغدة النخامية، وتتوقف سلامتها على ~~سلامة هذه الغدة. # وتبين من تجارب الدكتور ستيناخ # Steinach # أن ~~وقف الخلايا المنوية يضاعف إفراز الخلايا البينية ويجدد الحيوية. # ومن تجترب الأستاذ زوكرمان # Zuckerman # أستاذ ~~التشريح بجامعة برمنجهام أن الطيور وسائر الحيوانات، التي يراد تأخير مواسم ~~الولادة عندها تتغير مواسم الحمل عندها بمقدار ما تتعرض له من النور، وأن ~~التجارب المتكررة أظهرت أن هذا التأثير يسري من غددها النخامية إلى غددها ~~التناسلية، وينقطع ms041 أثره في الأحيان التي تستأصل الغدة النخامية منها. # وإذا أفرط عمل الغدة النخامية تضخم الجسم، وأصابه المرض الذي يسمى بمرض الإفراط ~~النخامي # Hyper-pituitarism ~~، فتطول العظام وتمتد ~~القامة نحو ثمانية أقدام. # وتتعاون الغدة الدرقية والغدة السعترية على إنماء الجسم إلى سن المراهقة، ولكن ~~الغدة الدرقية موكلة بنمو التطور، والغدة السعترية موكلة بنمو الحجم والبدانة، ~~فإذا حقنت الشفدع (فرخ الضفدع) بإفراز الغدة الدرقية تطورت، وتحولت إلى ضفدع ~~وهي على حجمها. # ويحدث عند ضمور الغدة الدرقية، أو إزالتها مرض التوقف العقلي والبدني # Cretinism ~~، فلا يتقدم المصاب به من حالة ~~الطفولة العقلية أو الجسدية. # ويفهم من هذا أن النمو مرتبط بالغدد جميعها، ولا يرتبط بالغدد الجنسية أو ~~التناسلية وحدها. # ولا بد من استمرار الغدة الدرقية في أداء وظيفتها قبل المراهقة، وبعد البلوغ ~~وتمام النضج في الجنسين، أما الغدتان السعترية والصنوبرية، فتنموان إلى سن ~~المراهقة، ثم تسلمان الجسم إلى عمل الغدة التناسلية التي تبدأ في تلك السن ~~وظيفتها المولدة. # وشوهد فعل الغدة الكظرية في الصفات الجنسية، فتبين أن الطفل الذي تختل غدته ~~الكظرية قبل الولادة يصاب بحالة شبيهة بحالة الجنس المشكل # Ipeudo-hermophroditism ~~، الذي يتميز فيه ~~الجنسان ببعض الصعوبة. # أما إذا اعتراه الخلل بعد الولادة فقد تتميز فيه صفات الجنس، وتصاحبها سرعة ~~المراهقة، فتظهر ملامح الذكورة أو الأنوثة في الخامسة أو السادسة. # وقد تصاب الغدة بعد سن المراهقة، فينبت الشعر على جسم المرأة ويغلظ صوتها، ~~وتشتد عضلاتها. # وقد بسط بروستر Proster # في كتابه «غلاف الغدة ~~الكظرية» # Adrenal Cortex # أحوال نحو عشرين فتاة ~~أصبن في غلاف غدتهن الكظرية، فغلظت أصواتهن وتغطت بطونهن بالشعر، وأشبه البظر ~~عندهن شكل الذكر الصغير، ولا يلزم في جميع هذه الأحوال أن تتغير أطوارهن ~~الأنثوية، وقد يشفى غلاف الغدة، ويخف ورمه فتزول هذه الأعراض وتعود الفتاة إلى ~~أنوثتها. # ويشاهد على وجه التقريب أن العواطف والأحاسيس ترتبط بأعمال الغدة الكظرية، وأن ~~أعمال الدماغ ترتبط بالغدة الدرقية، وأن تكوين العضل يرتبط بالغدة ~~النخامية. # أما الغدة الصنوبرية فعملها مهم جدا، ولكنه لم يتميز من عمل الجزء ms042 المقارب ~~لها من الدماغ # Hypothalmus ~~، فلا يتيسر الآن على ~~سبيل اليقين أن يعرف أي هذه الآثار من فعلها، وأيها من فعل الدماغ كله. # ويذكر للفيلسوف ديكارت على سبيل الإعجاب ببداهته الفلسفية أنه أدرك شأن هذه ~~الغدة قبل ثلاثة قرون، وخطر له أنها مركز القوة الروحية ، وعزز هذا الخاطر عنده ~~أنه رآها الغدة المفردة دون غيرها بين غدد الجسم كله، ويعترض عليه المحدثون ~~بانفراد الغدة النخامية، فيرد عليهم أنصاره مشيرين إلى انقسام الغدة النخامية ~~كأنها غدتان! # وكل غدة من هذه الغدد الصماء تفرز في الدم مباشرة مادة خاصة بها يطلق عليها اسم ~~الهرمون من كلمة هرماو # Hormao # اليونانية بمعنى ~~التنبيه أو التحريض، وكل هرمون من هذه الهرمونات يؤثر في الهرمونات الأخرى ~~ويتأثر بها، ولا ينحصر تأثيره في مفرزات الغدد الصماء دون غيرها، بل يسري إلى ~~الغدد الأخرى للتعاون تارة والمقاومة أو التعويض تارة أخرى، وقد لاحظ الأستاذ ~~هوسى # Houssay # من بونيس أيريس بالأرجنتين ~~أنه عند استئصال البنكرياس والغدة النخامية معا من جسم الحيوان لا تنشأ من ~~إزالتهما الإصابة بمرض السكر، كما تنشأ من إزالة البنكرياس وحده، # 2 # ولوحظ مثل هذا التجاوب بين الغدد التي تفرز هرموناتها في الدم ~~مباشرة كالصماء، أو تفرزها بالواسطة كالغدد الأخرى. # ودلت مراقبة التوالد في الكائنات الحية على أن هذه الغدد تبدأ في الظهور مع ~~انقسام الجنسين، ولا تتميز خصائصها كل التميز في أنواع الأحياء التي تميزت فيها ~~الذكورة والأنوثة. # وهنا ينبغي أن نذكر أن الأحياء توالدت قبل أن يكون فيها جنسان متميزان. # فالأميبا # Amoeba # مثلا - وهي حيوان من خلية ~~واحدة - تتوالد بالانقسام، فتنشق الخلية شقين ينمو كل منهما حتى يستوفى نموه، ~~ثم ينشق مثل هذا الانشقاق. # ويتم التوالد في أحياء أرقى منها بالنتوء، أو الأزهار تشبيها له بنتوء الكم من ~~فرع الشجرة، فإذا أدرك الحيوان سن الولادة شوهد على ظاهره نتوء يكبر حتى ينفصل ~~ويستقبل بكيانه، ويجري السؤال على هذا النمو في الأحياء التي تتعدد خلاياها، ~~ومنها بعض ديدان الماء والطحالب. # التوالد # ويتم التوالد في أحياء ms043 أرقى من الطحالب بالطريقة الجرثومية Polysporogonia # أي: بانعزال بعض الخلايا ~~داخل الجسم وتطورها حتى تشابه جرثومتها الأصلية، ثم تخرج من جسم الحيوان ~~كالجنين من الرحم، وتأخذ في النمو ثم التوالد على هذا المثال، والحيوانات ~~المرجانية والدودة المتشعبة من هذا القبيل. # ويلي هذا التوالد الجرثومي توالد متوسط بين هذه الطريقة، وطريقة الحيوان ذي ~~الجنسين، ويسمى البوغية أو الغبارية # Sporogenia ~~، ويجري التوالد فيها بانعزال خلية ~~واحدة من الجسم تبدأ بالنمو بعد انعزالها، وتتعدد خلاياها وهي في جسم واحد حتى ~~تشابه أصلها الذي نشأت فيه، وهذه الطريقة شائعة في بعض الفصائل من النباتات ~~السفلى. # ويلي الطريقة البوغية طريقة تسمى بالتوالد العذري Parthenogenesis ~~، ويكاد يحسبها بعضهم ~~نكسة من طريقة أرقى منها. # فتتوالد من الحيوان جرثومة قابلة للنمو بغير تلقيح، وهي نفسها قد تلقح فيختلف ~~النتاج، كما يحدث في جراثيم النحل الذي تنمو خلاياه غير الملقحة، فتصبح ذكورا ~~وتنمو خلاياه الملقحة فتصبح إناثا، ولا يبقى النوع بغير هاتين ~~الطريقتين. # ومن الأحياء الطفيلية ما يجمع بين الذكورة والأنوثة، ومنها ما يجري التلاقح فيه ~~بين حيوانين كل منهما لاقح وملقوح، كالدودة التي تسمى دودة الأرض # Earthworm # والقوقعة الحلزونية # Snail ~~، وأعلى من هذه الطبقة قليلا ~~حيوانات تتناوب الذكورة والأنوثة موسما بعد موسم، فالمحار # Oyster # أنثى ويصبح ذكرا في موسم تال، ~~وقد يرتد إلى الأنوثة في موسم يليه. # والطبقة التي تعلو على هذه الطبقة هي طبقة التوالد من جنسين يستقل كل منهما ~~بوظيفة لا يؤديها الجنس الآخر، والمسافة شاسعة جدا بين أدنى الحيوانات من هذه ~~الطبقة وبين الإنسان، ولكن الإنسان مع هذا لا يزال مختلفا في كيانه بأصول ~~التوالد في طبقات الأحياء، ويوجد في شبك المبيض مثلا جزء كخصية الرجل ولا يقال ~~فيه: إنه الجزء المقابل للخصية وحسب، ويصح أن يقال بعبارة أخرى: إن كل أنثى ~~تطوي في لباب المبيض «مشروع» خصية # 3 # قد ينمو حتى يعمل عمل الخصية في الذكور، ويغير أطوار المرأة في ~~صفات الجنس الثانوية. # ويؤخذ من شواهد متكررة أن مبيض الأنثى يفرز الهرمون المذكر المسمى ms044 بالأندروجين # Androgen ~~، كما يفرز الهرمون المؤنث ~~المسمى بالأستروجين # Estrogen ~~، ومن التجارب في ~~الحيوان أن الدجاجة التي يستأصل مبيضها يضمر عرفها، ولا تعود إلى النمو الطبيعي ~~إلا إذا ألقحت بالأندروجين دون الأستروجين، مما يفيد أن مبيض الدجاجة لا غنى له ~~عن إفراز الأندروجين لاستقامة كيانها. # ويحتاج الذكر كما هو معلوم إلى وقت للنضج، واستيفاء كيان الرجولة أطول من الوقت ~~الذي تحتاج إليه المرأة، فينضج الشاب في نحو العشرين، وتنضج الشابة في نحو ~~الثانية عشرة، فإذا ألقح الحيوان بهرمون المرأة - أي: الأستروجين - بكر نضجه ~~والتحمت كراديس جمجمته # Epiphyses # قبل ~~الأوان. # والمعلوم أن الذكر في الحيوانات الفقارية أجسم من الأنثى، فإذا خصي الذكر ~~والأنثى من صغار الحيوانات، فالخصي يعطل نمو الذكر ويعجل نمو الأنثى، كأنما ~~هرمون الأنثى يعطل النمو فإذا غاب نما الجسم وإذا بقي أبطأ نموه، ويجري العلماء ~~هذه التجربة على نحو آخر، إذ يلقحون ذكور الجرذان وإناثها بالأستروجين، فيتعطل ~~نمو الذكور والإناث. # 4 # كذلك يحدث تضخم البروستاتة في الشيخوخة لنقص إفراز هرمون الذكر، أي: ~~الأندروجين، وزيادة إفراز هرمون الأنثى، أي: الأستروجين. # ويشاهد على الأغلب أن أثر الأندروجين في عموم الجسم أقوى من أثره في جهاز ~~التناسل مباشرة، فإذا نقص نقصت في الرجل صفات الذكورة الثانوية، وإن لم يضعف ~~جهازه التناسلي، فتغلب عليه بعض أطوار الأنوثة، ولا تتعطل قدرته على ~~التوليد. # ومن هذه المشاهدات المتكررة يجنح ذوو التجارب إلى القول بأن غياب أطوار الرجولة ~~يبرز أطوار الأنوثة ولا يحدث عكس ذلك، أي: أن غياب أطوار الأنوثة لا يعطي الرجل ~~صفات جنسه النفسية أو الجسدية. # وأيا كان مقطع الرأي في هذه التجارب، فالثابت من أطوار الصبغيات والناسلات أن ~~أنوثة الجنين مطردة، حيث يغيب الصبغي الذي ينفرد الذكر بإفرازه، وإنه حيث يوجد ~~هذا الصبغي يكون الجنين ذكرا على الدوام. # فمن عجائب الخلقة أن الخلايا المولدة التي تصل إلى رحم المرأة تبلغ نحو مائتي ~~مليون خلية، كل خلية منها تحتوي على أربعة وعشرين صبغيا، وكلها متشابهة إلا ~~بعض صبغيات الذكر؛ فإن الصبغي الرابع والعشرين منها ms045 يشتمل على خلية واحدة ذات ~~جزئين مختلفين، ولا يأتي هذا الاختلاف إلا على النسبة التي يتعادل بها عدد ~~الذكور، وعدد الإناث في النوع الإنساني بوجه التقريب. # وأعجب من ذاك أن هذا الصبغي # Chromosome # يعين ~~جنس المولود، ولكنه لا يعين الطبائع الموروثة، بل يرجع توريث هذه الطبائع إلى ~~الناسلات # Genes ~~، فتنتقل إلى بعض الذرية ولا ~~تنتقل إلى بعضها؛ لأن الناسلات تتزاوج، وتتلاقى ناسلات الأب وناسلات الأم، ~~ويختلف الولدان من ثم في الذرية الواحدة، ولا يندر أن يكون الذكر وارثا لصفات ~~أمه، وأن تكون الأنثى وارثة لصفات أبيها، بل لا يندر أن تكون الصفات الموروثة ~~منقولة من الأجداد والأسلاف: صفة من الجد الأبوي وصفة من الجد الأموي، وكلتا ~~الصفتين قد خفيتا في الأب والأم على السواء. # وكثيرا ما يرث الولد استعدادا تحول البيئة دون ظهوره، ولكنه لا يكسب في ~~البيئة خلقا لم يكن على استعداد له بتكوينه. # وقد تقدم أن الصبغيات في النوع الإنساني أربعة وعشرون، أحدها هو الذي يعين ~~الجنس، فينمو الجنين ذكرا أو أنثى على حسبه، ويبقى ثلاثة وعشرون صبغيا تعمل ~~في تكوين الجنين، فهذه الحقيقة يبني عليها بعض العلماء رأيا قويا في تعليل ~~الوراثة المختلفة، ويسمون هذه الصبغيات بالمستقلة أو الذاتية # Altosomes # تمييزا لها من الصبغي المختص ~~بتعيين جنس المولود، ولم ينكشف بعد من مراقبة مواليد الإنسان ما يكفي للجزم ~~برأي في علاقة هذه الصبغيات الثلاثة والعشرين بوراثة الأخلاق والمزايا؛ لأن ~~التجارب على الحيوان لا تصلح للقياس عليها. # ولكن العلماء يتابعون البحث على هذه الخطوط الواسعة؛ أملا في الوصول إلى تعيين ~~عمل الصبغيات جميعا في نقل الأخلاق والخلال الموروثة، وهو بحث عويص محفوف ~~بالمجازفات والصعوبات، ندرك شيئا من صعوباته كلما أحضرنا في خلدنا دقة الناسلة ~~التي تعد بمئات الملايين في إفراز الغدة الواحدة، وتحمل فيها ما ظهر، وما خفي ~~من خلائق الآباء والأجداد من طرفي الأبوة والأمومة إلى أجيال لا ندرك أولها في ~~القدم، ولا نهايتها في المستقبل، ومن المجازفة الشديدة أن يتصدى أحد - بالغا ~~ما بلغ علمه - لمحاولة ms046 التعديل في مثل هذه الناسلة الدقيقة حتى يمحو منها ~~خلقا، أو يسويه من عوج إلى اعتدال. # الفوارق بين الجنسين # وبعد فهذه عجالة توخينا الإلمام فيها بما هو ضروري من المعارف العلمية من أعمال ~~الغدد، وتطور الوظائف الجنسية، فما هي النتيجة التي تنتهي إليها؟ # إنها لا تنتهي بأية حال إلى تهوين الفوارق بين الجنسين، ولا إلى زعم الزاعم أن ~~الإنسان مزدوج الجنسين # Bisexual # مختلط الذكورة ~~والأنوثة بطبيعته، وأن الشذوذ الجنسي فيه فطرة عامة تتخذ أطوارها على حسب العمر ~~من الطفولة إلى تمام النمو في الجنسين، كما يقول فرويد ومتبعوه، إن النتيجة ~~التي تنتهي إليها بحوث المختصين بتطور الجنس لا تنتهي إلى هذه النتيجة، بل ~~تنتهي إلى نتيجة تناقضها، وهي أن الفوارق بين الجنسين تتعدد وتتوزع، وتتشعب حتى ~~لا يكفي لتعيينها جهاز التناسل وحده، ولا بد معه من دلائل أخرى تنطوي فيها ~~وظائف الغدد وسائر أطوار البنية. # وإذا كانت هذه الخصائص لا تتوافر جميعها في بنية واحدة، فهذا شأن جميع الخصائص ~~في كل تراكيب الأحياء أو الجماد، فلا يوجد إنسانان ولا شجرتان ولا حجران على ~~مثال واحد، ولا يلزم من عموم المادة الكربونية مثلا أن الفحم والماس، والسكر ~~أشباه لا فوارق بينها في جميع المزايا والقيم والأغراض. # وللنوع الإنساني ولا شك خصال عامة يشترك فيها الجنسان، ولكن التطور الجنسي لم ~~يتقدم هذا التقدم ليتشابه الجنسان في النهاية، وإنما تقدم الجنس لتظهر بينهما ~~الفوارق اللازمة، ويبقى كل منهما بعد ذلك إنسانا فيما عدا هذه الفوارق ~~اللازمة؛ لأنها لا تخرج الذكر من إنسانيته، ولا تخرج الأنثى من إنسانيتها، ولن ~~يكون النوع الذي ينتميان إليه نوعا واحدا إذا اختلفا في كل شيء. # وقد وجدت حالات من الشذوذ الجنسي لا شأن لها بالخصائص الموروثة، ومرجعها كلها ~~إلى العوارض الاجتماعية، أي العوارض التي تطرأ بعد الولادة. # فالذين راقبوا الشذوذ الجنسي في الحيوانات وجدوا أنه يعرض للقردة والكلاب، وبعض ~~الطيور كالحمام، ولكنه لا يعرض لها إلا في غيبة الإناث وحين يتربى الذكور من ~~هذه الحيوانات في مكان واحد ms047 تنعزل فيه، ولا تظل على شذوذها بعد اختلاطها ~~بإناثها. # والذين راقبوا الشذوذ الجنسي في القبائل البدائية وجدوا كذلك أنه يعرض ~~للناشئين، وهم منعزلون في المزارع والغابات، ثم يتعقبونه بالسخرية والاشمئزاز. # 5 # وهذه هي العوارض التي يتخذها بعضهم شاهدا على النزعة الفطرية في الشذوذ ~~الجنسي؛ لأن الحيوانات والهمج يباشرونه كأنما كانت استقامة الفطرة وقفا على ~~الحيوان والهمج المتخلفين عن المدنية. # وقد درست في عواصم المدينة أحوال الشواذ المحترفين، فلم يوجد بمعظمهم شذوذ في ~~تكوين البنية، ودلت دراستهم وفحصهم على أنهم يحترفون البغاء طمعا في الكسب، ~~ولا ينقادون للغواية بدافع فطري من النزوة الجنسية. # وتفعل البواعث النفسية فعلها في حالات شتى من الشذوذ الجنسي، الذي لا يقبل ~~التعليل بغيرها ولا يتأتى خلوه منها، إذ لا يخفى أن الصلة بين الرجل والمرأة لا ~~تقوم على الوظيفة التناسلية بمفردها، بل تسبقها في المجتمعات المتحضرة ومجتمعات ~~البداوة أحيانا أشواق نفسية، ومطالب اجتماعية، فيجوز أن يكون الرجل سليم ~~البنية، ولكنه لا يروق المرأة ولا يثير شعورها أو يستولي على عواطفها، ويجوز ~~أنه يشعر بذلك فيحجم عن طلب المرأة هربا من المهانة وألم الخيبة، ويجوز أن يحس ~~من نفسه ضعفا فيتجنب الصلة التي تخجله أمام شريكته، ويجوز أن ينفر من امرأة ~~واحدة ذات شأن عنده، أو ينفر من امرأة واحدة أضرته واحتقرها أو احتقرته، فيسحب ~~احتقاره على جميع بنات جنسها، ويجوز أمثال ذلك كثير من علل الشذوذ الجنسي الذي ~~ينفر صاحبه من المرأة، ولا يمكن أن يخلو من البواعث النفسية. # فإذا قيل مثلا: إن الناشئ الذي نقصت وظائف الرجولة عنده يتشبه بالنساء وينقاد ~~لشهوات الرجال، أو قيل: إن الناشئة التي جارت فيها هرمونات الذكورة على هرمونات ~~الأنوثة تتشبه بالرجال، وتتعشق بنات جنسها، فكيف يمكن أن نعلل بعلة الهرمونات ~~حالة الناشئ الذي لا يحب المرأة، ولا يميل بعاطفته الجنسية إلى غير أبناء جنسه؟ ~~إن زيادة الهرمونات المذكورة خليقة أن تصرفه إلى الإفراط في حب الإناث، وإن ~~نقصها خليق أن يلحقه بالمتأنثين: أما الرغبة التي تقيد الرجل بأبناء جنسه، ms048 فليس ~~لها تعليل معقول من قبل الهرمونات، ولا بد من الرجوع بها إلى الحالات النفسية ~~والعادات العارضة، سواء نشأت من ظروف المجتمع، أو من البيئة المنزلية في نطاقها ~~المحدود. # وقد أحصى هرشفيلد # Hirchfield # وستيكل # Steckel # وستيناخ # Steinack ~~، وغيرهم حالات كثيرة يعزى النفور فيها من المرأة ~~إلى علل نفسية، ولا ارتباط لها بفعل الهرمونات وما إليها. # إحدى هذه الحالات حالة فتى كان يحب أمه حب العبادة، ثم ماتت فوقع في صندوقها ~~على رزمة من الأوراق قرأها، فوجد أنها رسائل غرامية، وعلم منها أن أمه كانت ~~تخون أباه وتخون عشاقها، وأنهم كانوا يتبذلون في الكتابة إليها عن أفانين ~~الرذيلة التي كانوا يقترفونها معها، ويستعيدون ذكراها. # وإحدى هذه الحالات حالة فتى أصابه المرض من امرأة يهواها، وغيرها حالة فتى ~~أذلته فتاة، وصدمته في كبريائه فجعل يتمثلها في كل فرد من بنات جنسها، وأشباه ~~ذلك حالات تحصى بالمئات. # فمن السخف أن يقال - اعتمادا على المعرفة العلمية في مسائل الغدد، وتطور ~~الوظيفة التناسلية: إن هذه المعارف أثبتت أن الشذوذ الجنسي طور من أطوار العمر ~~كما هو مذهب فرويد وشيعته، أو أن الشذوذ الجنسي جنس ثالث مستقل بين الذكورة ~~والأنوثة، كما هو مذهب هرشفيلد وطائفة من تلاميذه، وكل ما يصح بعد هذه المعارف ~~العلمية في العصر الحديث أن الشذوذ الجنسي قد يرجع إلى أصل في البنية، وأنه قد ~~يرجع إلى علل نفسية أو عوارض اجتماعية، ويجزم طبيب من أقطاب النفسيين الجنسيين ~~بنفي العلل البيولوجية، ويقصر علل الشذوذ كلها على الصدمات العصبية والعادات ~~المكتسبة، وهذا الطبيب هو ولهلم ستيكل الذي كان مديرا للكلية الطبية بجامعة ~~فيينا، وصاحب التواليف المعتمدة في العلاج النفسي والتحليلات النفسية، وأشهرها: ~~كتاب «الأمراض العصبية في الشواذ» # The Homosexual ~~Neurosis # وكتاب «حب الجنس المزدوج» # Bisexual Love ~~، وهما موضوعان لنفي العلل ~~البيولوجية الموروثة، وإثبات العلل النفسية والعصبية بالأمثلة المستمدة من ~~تجاربه الشخصية. # وقد سجلت الإحصاءات التي أشرفت عليها لجان العلماء المسئولين ممن خولوا درس هذه ~~المسائل في الجامعات، والمدارس والمستشفيات والحقول، والمعاهد المزدحمة بأفراد ~~الجنسين ms049 أو أفراد الجنس الواحد، فدلت هذه الإحصائيات على أن نسبة الشواذ مدى ~~الحياة لا تزيد على أربعة في المائة، وأن الحالات التي تعرض بعض الناس للشذوذ ~~الجنسي قد تعرض أمثالهم للاتصال بالحيوان، وأن الوسائل المصطنعة في العواصم ~~تشجع الشذوذ، ومنها البؤر والمباءات التي يديرها طلاب الكسب، ويتردد عليها طلاب ~~الاستطلاع ممن تستهويهم تجربة اللهو حيثما اطلعوا منه على لون غريب، ولا نظير ~~لهذه البؤر والمباءات في القرى الصغيرة، فهي لذلك قليلة الشواذ بين أبنائها ~~بالنسبة إلى العواصم الكبرى. # 6 # ويتحرج ومعظم العلماء في تقرير القواعد والأوصاف التي يسوقونها مساق الجزم ~~واليقين في هذه الأمور، فلم يسلم من الملامة أمثال جريجوريو مارنون الإسباني # Gregorio Maranon ~~؛ لأنه سرد في بحثه ~~العلمي عن تطور الجنس # Evolution of Sex # أشباها وملامح زعم أنها تلازم الشواذ وتميزهم من غيرهم، وربما شملت هذه ~~الملامة أناسا من أجل الأساتذة الموقرين بين تلاميذهم، ومريديهم من طبقة ~~هرشفيلد وستيناخ المتقدم ذكرهما، أو طبقة العلامة الفرنسي أندريه تريدون # Andre Tridon # صاحب كتاب «التحليل ~~النفساني والأخلاق»؛ لأنه زاد عليهم فعمم الحكم على طائفة كاملة لا تجمع بينها ~~ملامح خاصة، بل يجمعها اليتم أو فراق الأبوين. # فمثل هذه التعميمات، في الحق تهجم لا مسوغ له من العلم ولا من أدبه، ولسنا نقصد ~~بهذا أن الشواذ مجردون من الملامح والخصائص التي قد تدل عليهم، ولكننا نقصد ~~أنها قد توجد فيهم وفي غيرهم، وقد تميز الشواذ حين تفترن بدلالات كثيرة تلصق ~~بهم مجتمعة ولا تميزهم متفرقة، وسنضرب المثل على ذلك بهذه المياسم المتعددة ~~حين تجتمع في شخصية «أبي نواس». # وينبغي أن نثوب إلى قسطاس مفهوم لا يعتسف التفرقة بين العلامة الجسدية، وهي عرض ~~من أعراض الشذوذ الجنسي، وبين هذه العلامة بعينها، وهي لا تدل على مرض من أمراض ~~النفس، ولا تتعدى موضعها من البنية. # فالنفسانيون متفقون على أن العاهات النفسية إنما هي توقف في النمو، أو احتباس ~~له يعوق المصاب عن أن يستوفي نمو العاطفة أو الفكر أو الحاسة الاجتماعية أو ~~وظائف البنية، وتقترن ms050 بهذه العاهات أحيانا علامة محسوسة أو عادة جسدية نابية، ~~إلا أن هذه العلامات قد تكون موضوعية، فلا تدل على نقص مستتر، كعثرات النطق ~~مثلا، فإنها قد تدل على احتباس القوى الناطقة عند دور الطفولة، فيظل الرجل ~~طفلا تلازمه عيوب النطق الناقص إلى سن الشيخوخة، وقد تطرأ بعد تمام النمو ~~فيلثغ الرجل في الخمسين أو الستين إذا سقطت ثناياه، ويتمتم أو يرت لسانه إذا ~~اصطدم واختل جهازه الصوتي دون مساس بعاطفته وشعوره. # كذلك الطفل اليتيم أو الطفل الذي افترق أبواه، وتربى مهملا أو مدللا في حضانة ~~أم جاهلة لاهية، فهو عرضة للشذوذ الجنسي إذا كان ضعيف المزاج في بيئة مغرية، ~~شبيها بالنساء في سماته وملامحه، ولكنه قد يندفع إلى السطو والإجرام إذا كان ~~قوي المزاج متغلبا على أقرانه، وقد يسلم من الشذوذ والإجرام معا وهو ضعيف ~~المزاج مشابه للنساء إذا نشأ في بيئة بعيدة عن مغريات الرذيلة والجريمة، أو ~~كانت الرذيلة والجريمة في بيئته مما ينفر الطفل، ويثير سخطه واشمئزازه. # فالعلامات الجسدية وحدها لا تكفي لتمييز الشواذ، والدلالة على عاهات الأخلاق ~~والطباع، ولا بد معها من قرائن عدة تتناول البيئة في نطاقها المحدود، وفي نطاق ~~المجتمع الكبير، وتأتي دلالتها حتمية قاطعة متى ثبت المرض، وتجمعت أعراضه ~~الأخرى. أما قبل ذلك فهي دلالة ناقصة تسقط من كل تقدير صحيح. ~~••• # وسنرى عند تطبيق هذه العلامات على أبي نواس نماذج من الأعراض، التي لا تدل على ~~شيء حين تنفرد، ولا تنقض دلالتها حين تجتمع؛ فإن أعراض البنية والتربية البيتية ~~ونشأة المجتمع، وأحداث العصر قد اجتمعت في حالته الخاصة دون سائر الحالات التي ~~وجد فيها شعراء عصره، فجعلته تلك «الشخصية النموذجية» التي تكاد لا تتكرر في ~~جيل. # | شخصية منحرفة # شخصية أبي نواس # والآن نستطيع أن نثبت من سيرة «الحسن بن هانئ» صاحب الشخصية النموذجية، التي ~~وجدت حقا ولم يخلقها الوهم من تصورات السامعين به على حسب اختلاف الأوقات ~~والأحوال. # وهذه الشخصية النموذجية غير شخصية «أبي النواس» هي شخصية «نرجسية» باصطلاح ~~النفسيين المحدثين على أن تفهم ms051 «النرجسية» فهما يخالف تعليلات «فرويد» ~~وتعميماته، وهي تلك التعليلات والتعميمات التي لا يقرها أحد من نظرائه وأنداده، ~~ومنهم أناس ضارعوه في المنزلة العلمية، والشهرة العالمية بعد أن تتلمذوا ~~عليه. # فليست النرجسية طورا طبيعيا من أطوار العمر يمر به كل إنسان، ولكنها آفة ~~نفسية تولد مع صاحبها في رأي بعض النفسيين، وتنشأ من التربية البيتية وعوارض ~~المعيشة الاجتماعية في رأي آخرين. # فمن الذين أنكروا تعليل فرويد لهذه الآفة العالم الفرنسي الدكتور رولان دالبيج # Dalbieg ~~، الذي عقب على مذهب فرويد ~~بمجلدين ضخمين خلاصتهما أن فرويد لا يفرق بين منهج العلاج وفلسفة علم ~~«النفاسيات»، وقد تناول دراسة النرجسية خاصة فقال في لهجة حاسمة: «ولكن هل ~~لدينا ما يسوغ الذهاب إلى أبعد من هذا المدى لنقول كما قال فرويد: إن النرجسية ~~درجة طبيعية في التطور الجنسي؟ إننا لا نتردد في الإجابة عن هذا السؤال بالنفي، ~~فليس التطور الجنسي سلسلة متتابعة من الشذوذات، وليس النمو الجسدي كذلك سلسلة ~~متتابعة من المسوخات». # 1 # ومن معارضيه هرشفيلد المؤلف الموسوعي في النفاسيات الجنسية، وهو يتناول ~~النرجسية في الفصل السادس من الجزء الأول من كتابه عن النفاسيات الجنسية، وهو ~~كذلك ينكر أن النرجسية درجة طبيعية في التطور الجنسي، ويردها إلى فعل الغدد ~~واختلاف تركيب البنية. # ومنهم الدكتور لوينفلد # Lowenfeldt # مؤلف كتاب ~~«الجنسيات والأمراض العصبية»، وعنده أن النرجسية ليست طورا طبيعيا أو درجة ~~طبيعية، ولكنها انحراف يميل إلى الشذوذ الجنسي، ويجري أحيانا في مجرى واحد مع ~~غرام النرجسي بأبناء جنسه. # ومنهم الدكتور سادجر # Sadger # تلميذ فرويد الذي ~~يخالف أستاذه، ويوافق الدكتور لوينفلد في رأيه وتفسيره. # 2 # ومنهم إمام مدرسة مستقلة عن المدارس الأوروبية، وهو الدكتور وليام مكدوجال ~~ورأيه في كتابه «إجمال العلل النفسية» أن غرام الطفل بنفسه حالة غير النرجسية. # 3 # ومنهم سيدة طبيبة # 4 # تطبق العلل النفسية على الخصوص من الوجهة الأنثوية، وهي الدكتور ~~كارين هورني # Horney # التي تقرر في كتابها عن ~~الأساليب الحديثة في التحليل النفسي أن فرويد لم يفرق بين تعظيم النفس، ~~وتمديدها # Self-Inflation ~~، وبين النرجسية بمعنى ms052 ~~عشق النفس والتدله بها من الناحية الجنسية. # فالنرجسية التي نتتبع أعراضها في الحسن بن هانئ ليست حالة طبيعية تلاحظ على ~~أنداده وفي مثل عمره، ولكنها حالة منحرفة ولد ببعض أعراضها، وجاءته الأعراض ~~الأخرى من البيت والمجتمع، والعصر الذي نشأ فيه وعاش فيه سائر حياته، وهي حالة ~~لا يشابهه فيها أحد من شعراء عصره، ولم يخطئ معاشروه الذين أفردوه بها، وأحسوا ~~أنه هو دون غيره تلك «الشخصية» النموذجية التي طبعت بطابع واحد لم يتعدد في ~~زمانه، ولعله لم يتعدد على هذا النمط بعد زمانه. # ولقد توافقت الدلالات والأعراض على تمييز هذه الشخصية النموذجية، فاجتمعت فيها ~~دلالات التكوين ودلالات النشأة البيتية، ودلالات المجتمع ودلالات العصر ~~بحذافيره حيث عاش بين البصرة والكوفة وبغداد، أو حيث عاش فترة من عمره في ~~الديار المصرية. # وعلينا أن نقيم الفاصل الواضح بين هذه الدلالات في سيرة الحسن بن هانئ، وبين ~~هذه الدلالات بعينها حين تؤخذ متفرقة، وحين تنفرد كل منها بالاستدلال على ~~«شخصية مجهولة». # فالآفة هنا ثابتة والدلالات إنما تأتي بعد ذلك لتطبيقها، واستخراج أسبابها ~~ومراجعة هذه الأسباب على النشأة والبيئة. # فليست الدلالات هنا هي التي تهم الحسن بن هانئ، وتقيم البينة على اتصافه بآفته ~~النفسية، ولكنها قرائن تنتظر التطبيق والمضاهاة بينها وبين الآفة الموجودة، فلا ~~حرج من الاستدلال بها وهي متفرقة، أو من الاستدلال بها وهي مجتمعة. # أما الاعتماد على أشباه هذه الدلالات لإثبات آفة غير ثابتة، فهذا هو موضع الحرج ~~والأناة، فإن كلا منها قد يؤخذ على حدة، فلا يدل على شيء وقد تجتمع معا ~~فيبقى الشك في حقيقة الارتباط بينها، ومقدار التوافق في جوانب هذا الارتباط ~~وتلاقيها حقا على وجهة واحدة. # لهذا يجوز أن يعتمد الباحث على بعض الأغراض في دلالتها على هذه الشخصية، ولا ~~يجوز أن يعتمد عليها في سائر الشخصيات، ومرجع ذلك إلى ثبوتها مجتمعة ومتفرقة ~~ثبوتا لا خلاف عليه. # ونبدأ بدلالات التكوين الجسدي كما جاءت في أوصاف لم يخالفها أحد من مترجميه. # التكوين الجسدي # قال ابن منصور في أخبار أبي نواس: ms053 «كان حسن الوجه، رقيق اللون، أبيض، حلو ~~الشمائل، ناعم الجسم، وكان في رأسه سماحة وتسفيط - أي: كان شعره منسدلا على ~~وجهه وقفاه - وكان ألثغ بالراء يجعلها غينا، وكان نحيفا، وفي حلقه بحة لا ~~تفارقه». # وقال من سيرته مع والبة بين الحباب: «فرأى بدنا حسنا، وكان جميل الوجه وحسن ~~البدن، فأطار عقله». # وقال في سبب تسميته بأبي نواس: «سئل مرة أخرى فقال: سبب كنيتي أن رجلا من ~~جيراني بالبصرة دعا إخوانا له، فأبطأ عليه واحد منهم فخرج من بابه يطلب من ~~يبعثه إليه ليستحثه على المجيء إليه، فوجدني مع صبيان ألعب معهم، وكانت لي ~~ذؤابة في وسط رأسي فصاح بي يا حسن امض إلى فلان وجئني به، فمضيت أعدو لأدعو ~~الرجل وذؤابتي تتحرك، فلما جئت بالرجل قال: أحسنت يا أبا نواس، لتحرك ذؤابتي، ~~فلازمتني هذه الكنية». # وكان يعتز بفراهة بدنه، قال أبو القشير: «نظمت الشعر وأنا غلام وأبو نواس غلام، ~~وكنا جميعا نضرب العود، وكنت أحسن وجها من أبي نواس وأبو نواس أطبع مني، ~~فتفاخرنا بالشعر وغيره، ثم قلت له: إني أجمل منك وجها، فقال: بل أنا أحسن منك ~~وجها وأفره.» # وكان لا ينسى ملاحته وتيهه بها، وقد جاوز الشباب كما قال من شعره: # تتيه علينا أن رزقت ملاحة # فمهلا علينا بعض تيهك يا بدر # فقد طالما كنا ملاحا وربما # صددنا وتهنا ثم غيرنا الدهر # وتكاد تتمثل لنا من هذه الملامح صورة نرجسية للحس والعيان قبل النرجسية التي ~~يدور عليها بحث علماء الأمراض النفسية، فالبياض والرقة والنعومة والملاحة ~~والشعر المتهدل أشبه ما تكون بملامح الفتى نرجس، الذي حنا على الجدول فاستحال ~~نرجسة واتخذه الأسطوريون اليونان نموذجا للجمال المفتون بمحاسنه. # ودلالات التكوين الأخرى تتم هذه الملامح فيما تسمعه الأذن ولا تراه العين، ~~فاللثغة وبحة الصوت تشيران إلى تكوين وسط بين كيان الصبي وكيان الشباب الناضج، ~~وليس هذا الاحتباس في جهاز الصوت موضعيا لا يرتبط بحالة كامنة في وظائف ~~البنية؛ لأنه غير مقصور على لثغة اللسان بل شامل للحنجرة كما يبدو من بحة ms054 الصوت ~~التي لا تفارقه، ولعلهم لو كانوا في زمانه يعرفون مراكز الدماغ التي تسيطر على ~~النطق عامة لأضافوا إلى ذلك لوازم أخرى مع اللثغة والبحة الحنجرية، ولكن ما ~~ذكروه كاف للدلالة على أن النقص شامل لجهاز النطق كله، وما يليه من الغدد التي ~~تسيطر على إعداد البنية للمراهقة، وليس بالمقصور على الحنجرة واللسان. # ولا يخفى أن جهاز النطق شديد العلاقة بالنمو الجنسي في الرجال على الخصوص، فلا ~~يدرك الرجل سن النضج حتى يغلظ صوته، ويعمق ويبرأ لسانه من لكنة الطفولة ولثغات ~~الحروف، فإذا عم النقص لسانه وحنجرته كان لذلك علاقة بوظائفه الجنسية مدى ~~الحياة. # وتضاف إلى لثغة أبي نواس، وبحته ظاهرة لها علاقة بالنفسية الجنسية، وبالكيان ~~الجسدي المتصل بهذه النفسية، فالضفيرة التي كانت مرسلة من رأسه تنبئ من الوجهة ~~النفسية التي كان أهله يشعرون بها ولا ريب عن صبي شبيه بالبنات ترسل له الضفائر ~~تدليلا ومجاراة لسيماه الغالبة عليه، هذا التدليل من علامات النرجسية التي ~~يرجع فيها إلى أثر البيت والتربية. # ويظهر أن أبا نواس قد أراد الاحتفاظ بهذه الضفيرة بعد بلوغه سن الرجولة معتزا ~~بغزارة شعره، فأشفق من السخرية والعبث ولم يسترح إلى نبذها مرة واحدة، فاستعاض ~~عنها بتسفيط شعره وبقائه منسدلا على جبهته وقذاله، وهذا إلى نعومة الجسم وخلوه ~~من الشعر، علامة جنسية لا تهمل مع إضافتها إلى غيرها من العلامات ~~المتوافقة. # فالمعهود في شعر الرأس أنه من العلامات الجنسية الثانوية، وأنه على صلة ~~بهرمونات الذكور والإناث على السوء. # ويتعرض الرجل للصلع بعد سن الشباب على الأغلب، فقلما يصلع الشبان في إبان القوة ~~الجنسية. # ولو وقف الأمر عند هذا لما احتاج إلى بحث طويل، فيكفي أن يقال: إن غزارة شعر ~~الرأس مرتبطة بالقوة الجنسية، ثم يتساقط الشعر مع تقدم السن، وتناقص هذه ~~القوة. # ولكن المشاهد أيضا أن النساء قليلات الصلع، وأنه قلما يصيب الخصيان المجبوبين ~~قبل البلوغ. # فبماذا يكون تعليل الصلع مع النظر إلى جميع هذه الملاحظات؟ هل يأتي من ضعف ~~هرمونات الذكورة؟ إن كانت هذه هي العلة ms055 فالأولى أن يصاب به النساء ~~والخصيان. # فهل يأتي من قوة تلك الهرمونات؟ على هذا التقدير ينبغي أن يصلع الشبان، ولا ~~يصلع الشيوخ. # والتعليل المعقول إذن أنه يأتي من تحول طبيعة هرمونات الذكورة، فإذا كانت في ~~نشأتها قوية غالبة، ثم شاخت مع شيخوخة البنية حدث الصلع، وإن لم تكن من نشأتها ~~قوية غالبة لم يتحول الشعر عن حالته، وإذا بقيت على قوتها بقي شعر الرأس كأنه ~~في سن الشباب. # فأبو نواس إذن بقي على حالة واحدة من صباه إلى شيخوخته، فحكمه في هذه الحالة ~~حكم النساء والخصيان. # وإذا أضيف إلى هذا خلو جسمه من الشعر واحتباس جهازه الصوتي عند الحالة التي ~~تتوسط بين الصبا والشباب كانت هذه العلاقة أيضا خليقة أن يتلفت إليها، ولا ~~تهمل في سياق الفحص عن الجنسيات والنفسيات. # ولا حاجة إلى الإسهاب في الكلام عن شعوره بمحاسن بدنه شعورا نرجسيا كالعشق ~~الذي يعنيه الأطباء النفسانيون، فإن مفاخرته لأبي القشير واعتزاه بفراهة بدنه، ~~وذكرى التيه الذي كان ينعم به في صباه وأشباه ذلك من نوادره وقصائد مجونه، تغني ~~عن الإسهاب في هذا الباب. # البيت # وعنوان النرجسية التي اندست إليه من تربية البيت هي تلك الضفيرة، التي ظلت ~~مرسلة من رأسه إلى السن التي يلعب فيها مع الصبيان، سواء كانت هي سبب تسميته ~~بأبي نواس، أو كان لهذه التسمية سبب غيرها. # فهو طفل مدلل في كفالة أمه؛ وربما دللته لأنه وحيدها كما قال في شبابه: # لا تفجعي أمي بواحدها # لن تخلفي مثلي على أمي # فقد عاشت حتى شاخت وقالت فيها الجارية «عنان» تهجوه وتهجوها: # عليك أمك (خذها) # فإنها كندبيرة # والكندبيرة بالفارسية هي العجوز الخرفة. # ولا يمنع أنه واحدها ما جاء في ترجمته من سيرة أخيه وأخته، فربما كانا أخويه ~~لأبيه؛ إذ كانت أمه قد تطلقت من أبيه وهو غلام صغير، ولبث بعد ذلك في كفالة ~~أمه، ولا يبعد أن يكون أبوه قد تزوج قبلها أو بعدها. # ومن أسباب التدليل التي أحصاها أطباء الأمراض النفسية أن تشتهي الأم أن ترزق ~~بنتا ms056 لغربتها، أو وحدها واقترابها من الشيخوخة التي تحتاج فيها إلى عناية ~~المرأة، فترزق ولدا ذكرا بدلا من البنت التي تتمناها، ويحدث في هذه الحالة ~~أنها تربي الولد تربية البنات تسلية لها ومغالطة لأمنيتها، وليست هذه الأمنية ~~بعيدة من خاطر أمه؛ لأنها كانت امرأة من قرى الأهواز تزوج بها هانئ وهو في جيش ~~الأمويين، ثم نقلها إلى البصرة بعد قيام الدولة العباسية، فجاءتها وحيدة منقطعة ~~عن أهلها، وجعلت تعيش في موطنها الجديد بإرضاع الأطفال، وصنع الجوارب وبيع ~~الملابس لنساء البيوت. # يقول أندريه تريدون # Tridon # في كتابه «التحليل ~~النفسي والأخلاق»: # إن المحللين النفسيين متفقون جميعا على تكوين الشذوذ الجنسي في ~~صورته المنفعلة، فإن الصبي الشاذ المنفعل هو في جميع الحالات ابن ~~أيم أو زوجة مطلقة فارقت زوجها بالموت أو الهجر والمقاضاة عقب ~~ولادة الطفل، فنما الطفل مضطرا إلى التماس قدوة يقتدي بها فوجد ~~هذه القدوة في أمه، وكبر وهو يحاكيها في الإعراض عن النساء ~~والمبالاة بالرجال، وأصبح كالمرأة في كل اعتبار غير اعتبار ~~التشريح، ثم يدرك الرغبة الجنسية على النحو الذي تدركه المرأة، ~~فيتمنى مثلها أن يحرزه رجل كما يحرز النساء. # ويجاري النفسيين في مثل هذا الرأي أستاذ لعلم الأمراض النفسية قليل ~~الشطط في آرائه، وهو الدكتور جوردون آلبورت # Allport # أستاذ هذا العلم ~~بجامعة هارفارد، فيقول في كتابه عن الشخصية والترجمة النفسية: # 5 ~~«إن الولد النحيل الذي يعاني جرحا نرجسيا يجد ~~ملاذا له في أن يصبح عشيرا مدللا Pet # لأستاذه». # ولم يكن التدليل هو كل ما ابتلي به أبو نواس في صباه من مغامز الآفات الجنسية، ~~فقد قيل: «إن أمه كانت تستخدم في صناعاتها في الاتجار بملابس النساء للجمع بين ~~الغواني وطلابهن في بيتها «وكان لها بيت تنادي فيه الغواني»، ولصقت به هذه ~~السمعة إلى ما بعد شبابه، فقال فيه الشاعر أبان بن عبد الحميد اللاحقي: # أبو نواس بن هاني # وأمه جلبان # والناس أفطن شيء # إلى دقيق المعاني # وكانت الجارية عنان تغري به السفهاء والعيارين أن يصيحوا به كلما رأوه: # أبو نواس ms057 اليماني # وأمه جلبان # والنغل أفطن شيء # إلى حروف المعاني # وتريد بالنغل أبا نواس، وتشير إلى امرأة كانت كما قيل ترضع أولاد الزنا ~~وتربيهم، وهي أمه جلبان!» # أما أبوه «هانئ» فالأرجح أنه من سلالة زنجية تنتمي إلى مولى من اليمن، وكان ~~أسود شديد السواد، قال فيه إبان: # هانئ الجون أبوه # زاده الله هوانا # وكان أبو نواس يتعصب لليمانية أحيانا، ويهجو من أجلهم النزارية كثيرا، ولكن ~~أصدق الأقوال في نسبه ما قاله فيه الرقاشي أنه: # واضع نسبته حيث اشتهى # فإذا ما رابه ريب رحل # فقد ادعى زمنا أنه من ولد عبيد الله بن زياد بن ظبيان من بني عامر من تيم ~~اللات الذي ينتهي نسبه إلى وائل. فقيل له: إن الرجل الذي تدعي النسب إليه لا ~~عقب له؛ لأنه فلج ومات ولا ولد له، فترك الانتساب إليه وذهب يتنقل بين الأنساب ~~اليمانية حيث شاء، ولم يلبث أن هجا اليمانية فقال: # لأزد عمان بالمهلب نزوة # إذا افتخر الأقوام ثم تلين # وبكر ترى أن النبوة أنزلت # على مسمع # 6 # في الرحم وهو جنين # وقالت تميم: لا نرى أن واحدا # كأحنفنا حتى الممات يكون # وفي غير هذا الكلام يهجو نزارا فيقول: # واهج نزارا وافر جلدتها # واهتك الستر عن مثالبها # وفي هذه القصيدة يقول مفتخرا بقطحان: # فافخر بقطحان غير مكتئب # فحاتم الجود من مناقبها # ولا ترى فارسا كفارسها # إن زلت الهام عن مناكبها # عمرو وقيس والأشتران وزيد # الخيل أسد لدى ملاعبها # وربما تعاجم وتنكر للعرب جميعا كما قال: # تراث أبي ساسان كسرى ولم تكن # مواريث ما أبقت تميم ولا بكر # وربما فضل منادمة العجم على منادمة العرب حيث يقول: # نادمتهم أرتاض في آدابهم # فالفرس عدوى سكرهم محسوم # ولفارس الأحرار أنفس أنفس # وفخارهم في عترة معدوم # ويستكثر في قصيدة أخرى منادمة الشراب على الأمم جميعا غير العرب فيقول: # لا تمكنني من العربيد يشربني # ولا اللئيم الذي إن شمني قطبا # ولا المجوس فإن النار ربهم # ولا اليهود ولا من يعبد الصلبا # ولا السفال الذي لا يستفيق ولا # غر ms058 الشباب ولا من يجهل الأدبا # ولا الأراذل إلا من يوقرني # من السقاة، ولكن أسقني العربا # وهكذا راح أبو نواس يفخر اليوم بما ازدراه أمس، ويمدح لهذه المناسبة أو تلك ما ~~ذمه لمناسبة أخرى، ويلهج بهذه المفاخرات والمهاترات في مطالع القصائد؛ لينعي ~~على العرب طلولهم وبواديهم ويؤثر عليها التغني بالمدامة والمنادمة، أو يلهج بها ~~في المدائح ليقدح في كل نسب غير نسب الممدوح، أو في الأهاجي ليعيب من يقصده ~~بالهجاء، وكانت هذه النغمة هجيراه لا يكاد يسكت عنها في باب من أبواب ~~المعصية. # ومن اللغو أن تؤخذ هذه المهاترات مأخذ الدعاوى الجدية التي يحققها مدعيها، ~~ويعول على تحقيقها، فإن المرء لا يلهج هذا اللهج بشيء إلا أن يكون له مساس بهوى ~~دفين يغريه باللغط فيه على غير مشيئته، والمساس بالهوى الدفين هو الذي يسميه ~~العصريون بالعقدة النفسية، وها هنا عقدة نفسية على متناول اليد لا تعنت السائل ~~عنها من قريب، ولا تلجئه إلى سر غير مكشوف. # فليس في نفس النرجسي عقد آلم لها من تلك التي تمسها في فتنتها بذاتها، وتمسها ~~من ثم في شهوة العرض والمعارضة، ونزوة التحدي والاستثارة. # ومشكلة النسب تمس أبا نواس في هذه وتلك، أي أنها تمس فتنته بذاته، وشهوة العرض ~~والمعارضة في دخيلة طبعه. # فليس أثقل على الفتى المغمور النسب في أبويه معا من المفاخرات، التي تتعالى ~~بها الأصوات من حوله، ولا يسمع له بينها صوت. # وقد كان العصر عصر المفاخرة بين الشعوبيين والعرب أجمعين، وكان عصر المفاخرة ~~بين القحطانيين والعدنانيين، وكان عصر المناجزة والمعاجزة بين العلويين ~~والعباسيين، ولم يكن أبو نواس قصير اللسان منزويا عن الناس فيسكت وينزوي، ولم ~~يكن صغيرا عند نفسه فيعترف عليها بالصغر والمهانة. # ونخالها العقدة الوحيدة التي شقيت بها نفس أبي نواس؛ لأن العقد النفسية لا تعيش ~~في دخائل الإباحيين، إذ كانت العقدة بطبيعتها كبتا وكتمانا، وكانت الإباحية ~~مجاهرة بما يكبته الناس ويكتمونه، ولكن مشكلة النسب شيء لا يباح به ولا يكشف ~~إلا على المغالطة والتحدي، وهذا ما فعله أبو نواس. ms059 # ولا شك أن هذه العقدة كانت من أقوى بواعث أبي نواس على معاقرة الخمر وألفة ~~مجالسها، واختيار المجالس التي لا تسمع فيها المفاخرة بالأنساب أو تسمع فيها، ~~ولكنها تعاب على سنة الظرفاء والأحباب: # راح الشقي على الربوع يهيم # والراح في راحي، فرحت أهيم # بمزمزمين عدوا بسدفة ليلة # والليل ملتبس الظلام بهيم # نادمتهم أرتاض آدابهم # فالفرس عدوى سكرهم محتوم # ولفارس الأحرار أنفس أنفس # وفخارهم في عترة معدوم # وإذا أنادم عصبة عربية # بدرت إلى ذكر الفخار تميم # وعدت إلى قيس وعدت قوسها # سبيت تميم وجمعهم مهزوم # وبنو الأعاجم لا أحاذر منهم # شرا فمنطق شربهم مذموم # لا يبذخون على النديم إذا انتشوا # ولهم إذا العرب اعتدت تسليم # وجميعهم لي حين أقعد بينهم # بتذلل وتهيب موسوم # نعم وهذه العقدة، فهو يختار المنادمة حيث لا مضايقة بالمفاخر والدعاوى، وحيث ~~يرى من حوله التوقير والتسليم، ولكنه لا يسكت سكوت الواجم الذليل في غير هذا ~~المجال، بل يصول صولته هاجيا أو مباهيا ليتحدى ويستثير. # ولا شك أن ولاءه لقوم من اليمانية غير مكذوب من أساسه، ولكنه ولاء العبد الذي ~~تدرج من الفخر بسادته إلى ادعاء ولائهم ثم ادعاء نسبهم، وليس من المصادفات أن ~~يكون اسم أبيه هانئا كاسم بطل اليمن المشهور في حرب ذي قار «هانئ بن مسعود بن ~~بكر»، وقائد قومه في النصر على جيش الأكاسرة، وليس من المصادفات أن يسمى أخوه ~~أبا معاذ على اسم معاذ بن جبل الخزرجي الذي كان من اليمن، وكان رسول النبي - ~~عليه السلام - إلى اليمن وقاضيها المختار لهدايتها وإرشادها، وكذلك جاءت نسبة ~~أبي نواس إلى الذوين من اليمانيين، بل كذلك اختار أبو نواس جميع أساتذته أو ~~أكثرهم من اليمانية وأصحاب الولاء فيهم، منهم يعقوب الحضرمي وخلف الأحمر وأبو ~~زيد الأنصاري وغيرهم من المنتمين إلى اليمن بالنسب أو بالولاء. # فليس هذا مما يتفق بالمصادفة، ولكن صاحبنا علم أصل ولائه، ونما وترعرع وهو ~~يستمع إلى الأسماء اليمانية في بيته، فأراد أن يغرس عقيدته في الانتساب إلى ~~اليمانية بالإيحاء إلى نفسه، والتماس القربى ms060 لكل لاهج مثله بهذه النسبة، ومكنها ~~بهجو النزارية عسى أن يقبله القحطانيون، فيتمكن بينهم بالإغضاء والسكوت إن لم ~~يتمكن بينهم بلحمة الآباء والأجداد. # وأصل هذه الدعوى كلها على ما هو ظاهر أن هانئا آباه كان من زنج اليمن أقرب ~~بلاد العرب إلى جلب الزنج من طريق البحر الأحمر، ولم يختلط قومه طويلا بغير ~~الزنج، فلم يفارق أباه سواد لونه، وتزوجت أخته من عبد يسمى فرجا القصار، ~~وولد الشاعر أبيض بلون أمه، فاختار من النسب أقربه إليه، ولم يخترع إلا وهو ~~مستعد للإنكار وتشديد النكير على من ينكر دعواه، وبخاصة حين يجد من طبعه نزوعا ~~إلى تشديد النكير للتحدي والإثارة. # والحسن الصغير - على هذا - قد أخذ من بيته النرجسية مولودا، وأخذها وهو يتربى ~~مدللا مهملا محروما من الرعاية الرشيدة، وأخذها من مشاهداته فيه، وهو يخطو ~~إلى الفهم ويظن أنه يتعقل ما يراه، فليس أعون على الإباحية النرجسية من مشاهدة ~~الرياء حاسرا بغير قناع في حظائر الأسرار بين جدران البيت. وخليق بمن طبع على ~~العبث بالعرف ألا يكترث له، وهو يرى المساتير من الرجال والنساء أمام الناس ~~بادين على حقيقتهم في خلوات الفجور والمجون! # بيئة المجتمع # وتطبق البلية من بيئة المجتمع حيث فتح الحسن عينيه على الدنيا العريضة من مدينة ~~البصرة فرضة العالم كله في ذلك الزمان. # فالبصرة في موقعها مثابة الطلاب والقصاد من كل بلد وكل نحلة، وفيها محاسن ~~الحاضرة ومساوئها مبذولة لمن يشاء كيف شاء، وكل مصيب فيها بغية من العلم والأدب ~~أو من الكسب والتجارة، أو من اللهو والغواية أو من الثورة على الدولة والولاء ~~لها في ذلك الزمن المريج المتقلب بين شتى الدعوات والغارات. # وكان من حولها قطاع الطريق يتربصون بالقوافل برا وبحرا، وينهبون من استطاعوا ~~نهبه، ثم ينفقون السلب على الخمر والقمار والدعارة في الحاضرة الكبيرة، ولا ~~يزالون بين اجتراء واختفاء كلما أنسوا غرة من الدولة وشاغلا من حفاظ الأمن، أو ~~أحسوا لها شدة ويقظة في تعقب الشطار والخراب. # وكان عصر أبي نواس أول عهد البصرة بالبوهيمية ms061 المتشردة المتهجمة، كما عرفتها ~~مدن الحضارة حيث شاعت وفشت في أدوار القلاقل والمنازعات، ففي ذلك العصر أخذ ~~«البوهيميون» يفدون من مواطنهم الآسيوية الهندية، ويزحفون إلى الغرب جموعا أو ~~متفرقين، بل جيوشا أو عصابات على حسب المكان الذي يغيرون عليه. # هؤلاء هم الزط أو النور أو البوهيميون بعاداتهم وأساليبهم، التي تجمع بين غارات ~~الفتك والعدوان، وغارات الغواية والمتاع المبذول، حيث يستطاع الفتك أو يروج ~~المتاع. # والزط هم البوهيميون بعينهم، والكلمة مصحفة من كلمة أوروبية قديمة أطلقت عليهم؛ ~~لأن الأوروبين حسبوهم قادمين من الديار المصرية، فسموهم تارة «جيتو» وتارة ~~«جبسي» # Gipsy # من كلمة جبسيانو أو إجبسيانو التي ~~يطلقونها على المصريين، إلى أن قامت طائفة منهم في أواسط أوروبا، فغلب عليهم ~~اسم البلد الذي أقاموا فيه، واشتهروا من ثم بالبوهيميين. # والبوهيمية بعاداتها وأساليبها معروفة لم تتغير منذ تسربت إلى بلاد الحضارة، ~~وأولها التشرد وقلة المبالاة بالعرف الاجتماعي، وطلب الكسب اختطافا أو ~~اختلاسا، أو متاجرة باللذات والشهوات حيثما اتفقت، وهذه على الأقل هي ~~البوهيمية كما اصطلح عليها العرف الشائع بين أبناء الحضارة وصفا لما عهدوه من ~~عادات «الزط» المترحلين. # وكان هؤلاء الزط ينزلون حيث نزلوا إلى جوار الحواضر، ومعهم فتياتهم يردون لهم ~~البيوت والديار، وقد يكشفن لهم ثغرات المدن للإغارة عليها كلما أمكنتهم الفرصة ~~أو العوز. # قال ابن خلدون: «هم قوم من أخلاط الناس غلبوا على طريق البصرة وعاشوا ~~فيها». # وتفاقم خطبهم أيام الخليفة المعتصم فاجترءوا على مهاجمة المدن، ونهب بيادرها ~~وحمل أرزاقها، ولم يأمن شرهم حتى جرد لهم قائده عجيفا، وحصرهم بقطع الأنهار ~~وسد مسالك الطرق، ثم أسر منهم أكثر من عشرة آلاف مقاتل نقلهم إلى عين زربة، ~~فأخذهم الروم بنسائهم وذراريهم في غارة من غاراتهم على تخوم آسيا ~~الصغرى. # أما في جيل أبي نواس فلم يكن قد وفد منهم على جيرة البصرة غير طلائع متفرقة، ~~يقطع بعضهم الطريق في البادية، وينزل بعضهم إلى جوار الأرباض المتطرفة، ويجرون ~~على عاداتهم التي تلخصها كما أسلفنا كلمتان: التشرد والتحلل من عرف المجتمع ~~وآداب الحضارة. # وكانت ms062 الثقة التي اشتهرت باسم «الشطار» بعض طلائع هؤلاء الأخلاط، وهم المثل ~~المقتدى به عند أبي نواس كما جاء في مجونه وخمرياته، ومنها فيمن يقول: إنها ~~لامته على صحبتهم جاهلا شرورهم: # وملحة باللوم تحسب أنني # بالجهل أوثر صحبة الشطار # ومن كلامه في منادمة الفتاك: # حندريس عطر النك # هة كالمسك السحيق # إنما طابت لذي فتك # تردى بفسوق # جاهر الناس بما يأ # تيه في ضنك وضيق # وبدا في الناس مشهو # را كذي الرأس الحليق # أي: كالفاتك الذي يأخذه أولياء الأمر ويحلقون شعره ويطوفون به للتشهير، وفي كل ~~هذا مواضع تأمل لما يتحدث به الوعي الباطن من سريرة أبي نواس ، أو يحن إليه مزاج ~~الإباحية والغرام بالخروج على العرف المألوف. # ومن أمانيه في هذا المقصد أن يقطع الطريق إن لم يرتفع إلى منامة ~~الخلفاء: # سأبغي الغنى إما جليس خليفة # يقوم سواء، أو مخيف سبيل # بكل فتى لا يستطار جنانه # إذا نوه الزحفان باسم قتيل # لنخمس مال الله من كل فاجر # أخي بطنة للطيبات أكول # ولما خرج من بغداد ينوي الرحلة إلى مصر أحب أن يمثل الشطارة بزيه وثيابه، إذ ~~كان لا يقوي على تمثيلها بسيوفه وحرابه، فخرج كما جاء في أخباره لابن منظور ~~«بزي الشطار»، مصففا شعره موسعا كميه يجرر ذيله على حد قوله في ~~مجونياته: # يجرر أذيال الفسوق ولا فخر # ويروى في ترجمته أنه سأل أستاذه والبة بن الحباب أن يخرج إلى البادية مع وفد ~~بني أسد ليتعلم العربية والغريب، فأخرجه مع قوم منهم، فأقام بالبادية سنة ثم ~~قدم، ففارق والبة ورجع إلى بغداد. # ولم يرد في ترجمة أديب من بني عصره أنه ذهب إلى صحراء بني أسد؛ ليتعلم العربية ~~والغريب فيها، فالراجح أنها كانت جمحة من جمحاته في مصاحبة الشطار، ثم أشفق من ~~مغبتها وسكت عنها مخافة الطلب والقصاص. ~~••• # تقول الدكتور كارين هورني في مراقبتها النسوية للنرجسيين: إنهم يتعلقون ~~بالمشروعات ولا يثبتون عليها، ويتنقلون من حرفة إلى حرفة، ومن مظهر إلى مظهر؛ ~~ليطمئنوا إلى تمثيل الشخصية التي يستريحون إليها. # ويقول فليشر # Flesher ms063 # في كتابه عن الصحة ~~العقلية والوقاية من الأمراض النفسية أو العصبية: # 7 ~~«إن اشتهاء القوة المشتق من غريزة العدوان وحب النفس النرجسي يشترك ~~على التساوي في هذه الرغبة - رغبة التشبه بالكبار في كل ما يفعلون - وإن إعجاب ~~الطفل بقدرة الكبار ينبغي أن يعزى إلى تمديد الشخصية الغالبة في النرجسية ~~ليخلعها على أحدهم، وبخاصة خلال الطور الأول من أطوار الافتتان بالذات». # فإذا كانت الشطارة حلما من أحلام اليقظة تكبح مخاطرة الغلام النحيل الرقيق، ~~الذي لا قبل له بتلك المخاطر المستهولة، ففي البيئة الاجتماعية التي ترعرع ~~بينها هذا الغلام ألوان مستطاعة مما يحلم به، ويميل إليه طبعه ويرضي أهواء ~~النرجسية في طويته، ويكاد أبو نواس يتشكل بكل شكل منها على التعاقب أو في وقت ~~واحد، متتبعا للمطالب المتنافرة التي لا يتأتى له الجمع بينها، ولا يجمع بينها ~~عنده إلا تجاربه للشخصيات الجذابة التي يقدر أنها تلفت إليه الأنظار وتوافق ~~«الفتنة الذاتية» التي لا تستقر على قرار. # فتعلم العزف على العود، ودق الدفوف ليسلك مسلك المسمعين والقيان بين طلاب ~~الملاهي والفنون، وتعلم اللغة وتعلم التنجيم وتعلم الفقه والحديث، وتعلم ~~القراءة والتجويد، ونظم الشعر وروي قصائد الفحول، وتعلم العطارة والتجارة، ~~وتعلم الأخبار والأنساب، وتردد على معاهد الدرس ومعاهد الرقص والسكر والمجون، ~~وتداول هذه الأدوار كأنما يخلع لباس دور من أدوار التمثيل؛ ليلبس غيره على ~~المسرح، ولكنه مسرح الحياة. # وروى أبو هفان: «أن أبا نواس لما تأدب ونشأ وظرف، ورغب فيه فتيان البصرة ~~للمصادقة قال: لا أصادق إلا رجلا غريبا شاعرا يشرب الخمور، يصفها ويصف ~~المجالس، ويكون له سخاء وشجاعة، فذكروا له جماعة، فلم يحب أن يكون الرجل من أهل ~~بلده، فهرب إلى الكوفة، وذكر له بها رجل من بني أسد يقال له: والبة بن الحباب، ~~يشرب الخمر ويقول الشعر ويجمع الخصال التي أرادها». # وهذا تلفيق ظاهر لا نخاله يروي قصة واقعية، ولكنه إذا أريد به تمثيل «الشخصية ~~النواسية» أصدق من التاريخ في تصور هذه الشخصية، ولا يكون أبو نواس إلا هكذا في ~~اختياره للناس، ms064 والتذرع للسفر والإقامة. # وأيا كانت الشخصية التي يتلبس بها للعرض والظهور، لقد كانت وراءها جميعا تلك ~~«النرجسية الجنسية»، التي تغريه أن يتشكل بجميع هذه الأشكال، ويتطور بجميع هذه ~~الأطوار، وما نسيها ولا انسلخ منها وهو يغشى معاهد الدرس والتفوق، وكان كل أمرد ~~يغشى معاهد الدرس على هذا المثال في عرفه كما قال: # إذا ما وطئ الأمر # د للعلم حصا المسجد # فقل حل لنا عقدا # من العفة واستسفد # فإن كان عروضيا # فها ذاك له أجود # وإن مال إلى الفق # ه فللفقه له أفسد # وإن كان كلاميا # فحرك طرف المقود # وميله إلى الخير # ففيه قرب ما يبعد # وخذه كيفما شيء # ت اقتضابا أو على موعد # وقل: هذا قضاء الل # ه هل يدفع أو يجحد؟ # وانتهى مصرحا: # فيا من وطئ المسجد # من ذي بهجة أغيد # أنا قست على نفسي # فهذا الأمر لا أجحد # وقد كان يستند إلى سارية في معهد من هذه المعاهد حين كتب إليه ابن مناذر يمدحه ~~بأبيات من الشعر فيما روى الرواة، فأجابه يفهمه أنه يتصدى للحباء وزينة ~~الأزياء: # وألذ عندي من مديحك لي # سود النعال ولين القمص # ويخيل إلينا أنه لو نبت في بيئة اجتماعية تخالف بيئته تلك لما انثنى عنانه إلى ~~غير المواطن التي تجذبه إليها آفته النفسية، فإنما هي الآفات كالثمرات في ~~التربة المزروعة تمتص كل ثمرة من أرضها وهوائها وضيائها ما يلائم بذورها، ~~ويوائم طعمها وشكلها ولونها. وإلى جانبها على مد الباع ثمرة أخرى تمتص من ~~التربة والجو طعما غير ذلك الطعم، وشكلا غير ذلك الشكل ولونا غير ذلك اللون ~~وفي البذور سر ذلك التباعد على القرب بين الثمرتين. # أما وهو قد نبت بين إباحية الشطار وإباحية الشذاذ من جميع الآفاق في مآلف ~~الغواة والفساق، فقد كانت المحنة أقوى من طاقة المقاومة عنده لو أنه يقاوم، ~~وإنما كان على عكس ذلك ينطلق انطلاقه ليسبق النظراء في حلبة الجماح ~~والمجاورة. # العصر السياسي # العصر الذي أحاط بحياة أبي نواس يبتدئ من أوائل القرن الثاني للهجرة إلى ~~نهايته، وهو ms065 عصر سقطت فيه دولة بني أمية وقامت فيه دولة بني العباس، وأمثال هذا ~~العصر في تواريخ الأمم يتسم بسمات الانقلاب، ويشيع فيها اليأس من جانب ~~والمجازفة من جانب، ويتبدل فيها الولاء غير مرة بين النجم الآفل والنجم الطالع، ~~ولا تطول فيها الثقة بشيء حتى تثوب الأمور إلى قرار. # كان فيه لسان حال الأمويين يتردد في صيحة ابن سيار: # أرى خلل الرماد وميض جمر # ويوشك أن يكون له ضرام # وما أدري ولست إخال أدري # أأيقاظ أمية أم نيام # ففري عن رحالك ثم قولي # على الإسلام والعرب السلام # ومثلها أبيات عباس بن الوليد: # إني أعيذكم بالله من فتن # مثل الجبال تسامى ثم تندفع # إن البرية قد ملت سياستكم # فاستمسكوا بعمود الدين وارتدعوا # ولم يكن بنو أمية خلوا من ذلك الملل الذي قال ابن الوليد: إنه عم البرية، فإن ~~الأمويين انقسموا في بيت الملك منذ ابتدعوا عادة التوصية لولاية العهد باثنين ~~في وقت واحد، يزاحمهما من بينهما من لم تشمله الوصاية، فلم ينقض عهد خليفة من ~~خلفائهم دون مؤامرة من هنا ودسيسة من هناك، ونفاق يتراءى هنا وهناك. # وهذه المؤامرات في بيت الملك تقابلها في الرعية شعب متفرقة بين الفرس والعرب، ~~وبين القحطانيين والعدنانيين من العرب أنفسهم، بل شعب متفرقة بين كل معسكر من ~~هذه المعسكرات، فلا القحطانيون ولا العدنانيون مجتمعون على هوى واحد، ولا ~~الخلاف حيث كان يرجع إلى سبب واحد، فربما تمرد أناس من الفرس لثقل الضريبة، ولا ~~سبيل إلى تخفيفها كلما افتقرت الدولة المتداعية إلى المال للتدعيم والتقويم، أو ~~افتقرت إليه لاستشراء عادات الترف، وانتشار الغصب والاختلاس بين العمال، وربما ~~تمرد أناس منهم؛ لأنهم على حد قول القائل: # إذا لم يمكن للمرء في دولة امرئ # نصيب ولا حق تمنى زوالها # فلا تسلم الدولة من عداء السوقة الفقير، الذي حرمته رزقه، وعداء السيد الغني ~~الذي حرمته الدولة ميراثه من الجاه والعتاد. # ووراء هؤلاء جميعا قوم لا يرضون عن أحد ولا يرضى أحد عنهم، وهم الخوارج الذين ~~حكموا على هذه الطوائف جميعا ms066 بالكفر، وجردوا مرتكب المعاصي من الإسلام، وليس ~~أكثر من مرتكبيها في ذلك الزمان. # وبعد شقاق طويل في معسكر الدولة الذاهبة تقبل الدولة الجديدة، وهي مشعبة بين ~~فرعين: فرع بني علي وفرع بني العباس، وقد والاها من والاها في إبان الدعوة ~~إليها باسم العلويين، ثم اتفق وجود زعيم بني العباس بالكوفة عند انهزام بني ~~أمية، فبادر أعوانه إلى مبايعته، وذاع يومئذ أنها بيعة إلى حين انتظار إمام ~~العلويين، ولم تمض غير سنوات حتى وضح أن العباسيين لا ينزلون عنها، وتولى الأمر ~~خليفتهم الثاني بعد أن كان الغالب على الظن أن الخليفة الأول يوصي بها لصاحبها ~~العلوي من أيام الدعوة ، وهو محمد «صاحب النفس الزكية». فنشط محمد لها وآزره ~~العديد الجم من الأهواز والعراق، واقتحم أخوه إبراهيم البصرة فدان له أهلها، ~~وتمت البيعة له أو كادت لولا غلبة أبي جعفر على بغداد، فلم يلبث أولياء ~~العلويين في البصرة أن تحولوا فجأة، أو على مهل إلى ولاء العباسيين. # كل هذا وأبو نواس في سن الفهم والوعي يناهز العاشرة، ولا يفوته أن يعي ما يرى ~~من تبدل الحال، وتبدل الولاء وتقلب الناس مع السلطان والمال. # ثم تتساند الدولة الجديدة ويسطع فيها نجم الرشيد، ثم يذهب الرشيد والناس لم ~~يتركوا الحديث عن المستخلفين الموعودين من أئمة العلويين، ولكن الرشيد يقسم ~~الدولة بين ولديه، ويجعل للأمين ولاية العهد بعده، ويجعل للمأمون ولاية المشرق ~~برعاية أخيه، فلا يمضي قليل حتى ينتقض العهد بين الأخوين، ويعيش الشاعر على ~~مقربة من قصر الملك ببغداد، فيرى سيد القصر بين خاصته وجنده وذويه، وهم ~~يتداولون تسليمه إلى عدوه مرة بعد مرة، ويقتله من اؤتمن عليه. # وكان الشاعر يذهب حيث ذهب، فلا يلقى في الرقعة الطويلة العريضة غير الثورة ~~وأشراطها ومقدماتها، وقسم له في مصر أن يشهد بوادرها، وأن يعين واليها «الخصيب» ~~على تسكينها، فخاطب الشاغبين بأبياته التي يقول فيها: # منحتكم يا آل مصر نصيحتي # ألا فخذوا من ناصح بنصيب # ولا تثبوا وثب السفاه فتحملوا # على حد حامي الظهر غير ركوب # فإن ms067 يك باق إفك فرعون فيكم # فإن عصا موسى بكف خصيب # رماكم أمير المؤمنين بحية # أكول لحيات البلاد شروب # ولم تكن هذه الثورة يومئذ إلا إلى عودة، ولم تقمع بعد عودتها إلى أن حشد ~~المأمون جيوشه بقيادته، ولم يعتمد في قيادتها على أحد من ولاته. # والذين زاملوا أبا نواس في هذا العصر كثيرون، منهم الشعراء والأدباء، ومنهم ~~الظرفاء والندماء، ومنهم العلماء والحكماء، ولكن أحدا منهم لم يبتل بمحنة ~~العصر كما ابتلي بها؛ وليس ذلك لأنه كان مستعدا للإباحة بتكوينه وتربيته ~~وحسب؛ بل لأنه عاش في قلب التقلبات ولم يكن أثرها فيه مقصورا على المعية في ~~الزمن، فأبوه كان من جند بني أمية وضاع رزقه في الجيش الأموي بقيام الدولة ~~الجديدة، وأمه من الأهواز حومة القتال بين كل خصم وكل خصم ينازعه، ومن جراء هذه ~~المنازعات، وحرمان زوجها الرزق الرتيب هاجرت من موطن قومها إلى البصرة، وهذه ~~البصرة كانت حومة أخرى للدعوة السياسية جهرا وسرا وبالإقناع والإرهاب، فلما ~~آن لوليد هذين الأبوين أن يفهم ويعقل فهم أن الدنيا كلها نفاق وشقاق، ولم يعقل ~~من أحداثها وخلائقها إلا أنها إباحة ورياء. # العصر الثقافي # وتصطلح على الفتى محنة العصر الثقافي، ومحنة العصر السياسي في ضربة واحدة، فقد ~~كانت مدن العراق يومئذ ملتقى كل ملة ومجتمع كل نحلة، وكان يغشى البصرة والكوفة ~~مجوس وزنادقة، كما يغشاها أهل الهند والصين على اختلاف عاداتهم وشعائرهم، ~~ومطالبهم في أوقات جدهم ولهوهم، وكان من حوله مشتجر المذاهب حتى في النحو ~~والفقه بل في الفلسفة وعلوم الكلام، وما يجاورها أحيانا من حذلقة المتعالمين ~~ودعاوى المتظرفين. وتعدى اللغط بالخلاف والجدال في هذه المسائل طائفة المتأدبين ~~والمتحذلقين إلى سواد الناس ممن يطلع في الكتب الغريبة، أو يطلع في الكتب ~~المأثورة، أو لا يطلع على هذه ولا تلك، ولا يرجع في اعتقاده إلى اطلاع. # فالإباحية التي نادى بها بابك الخرمي في السنة الأولى من القرن الثالث للهجرة ~~لم تفاجئ العراق ولا جيرتها من البلاد الفارسية، ولكنها كانت نحلة يدين بها ~~ألوف من العامة ms068 وسواد الناس في شمال العراق، ويتفلسف بها المتحذلقون من ~~المتظرفين؛ ليجعلوا لها محلا من الفكر والطبيعة كأنها تبالي الحلال والحرام، ~~وهي في جوهرها تستبيح كل محظور، وقد هزم «بابك الخرمي» جيشا بعد جيش من أقوى ~~الجيوش العباسية، ولم يهزم قائد المعتصم الجبار إبراهيم بن مصعب جموع الخرميين ~~إلا بعد أن قتل منهم ستين ألفا وشتت أكثرهم، فلبثوا في انتظار الفرصة إلى حين، ~~ثم أغار عليهم جباره الآخر حيدر بن كاوس الإفشيني، فطاولهم وطاولوه حتى ظفر ~~بزعيمهم، وساقه مع أهله أسارى إلى بغداد. # ولم يقض أبو نواس سنة واحدة بعد خروجه من البصرة والكوفة إلا حيث ينغمس كما ~~أسلفنا في «قلب التقلبات»، ولا يلامسها ملامسة «المعية» في الزمن وحسب، فلما ~~طلعت بوادر الثورة في مصر كان هو ضيف الخصيب ونديمه، ولما استفحلت الثورة في ~~عاصمة الدولة كان هو ضيف الأمين ونديمه، ولما أقصاه الأمين عنه حذرا من وصمته ~~كان ذو الرئاستين - داعية المأمون - يصف القوم جميعا فيقول: إنهم «أهل فسق ~~وفجور وخمور وماخور.» # بل كان رهط الزندقة قاطبة يقيم حيث أقام أبو نواس. # ومن آفات الإباحة في العصر الثقافي ما يصيب أبا نواس وأضرابه خاصة، فيغريهم ~~بالإباحة حيث لا يغرى بها كل نابت في ذلك العصر، أو مطلع على مذاهبه ~~الثقافية. # فالهوس بالإباحة - احتجاجا على نفاق العلية وأرباب المقامات - إنما يعتري أبا ~~نواس وأضرابه؛ لأنهم يرشحون أنفسهم بحكم ثقافتهم لأرفع المناصب وأشرف المجالس ~~وأوجه المراسم، فهم أكفاء أهلها بالثقافة والدراية، أو أرجح منهم كفاءة وكفاية، ~~ولكنهم يصدون عنها ويرون من أهلها الاحتجاز عنهم، والاعتزاز عليهم بسمتهم ~~ومهابتهم، فلا يلعجهم شيء كما يلعجهم الولع بهتك ذلك الحجاز، وتلويث ذلك السمت ~~واستباحة ذلك الذمار. # فلا يعاني الوضيع الجاهل مثل هذا الدافع العنيف إلى استباحة الوقار الذي يتدثر ~~به سادة المجتمع، ولا يعاني الوجيه العالم دافعا مثله؛ لأن وقار المجتمع ~~وقاره، وسيادة العرف سيادته. وإنما يعانيه أشد المعاناة وضيع يتسامى إلى ~~الوجاهة بحقها، ولا يزال مذودا عنها، منظورا إليه بين أهلها من عل وإن ms069 ~~ضارعهم في مراتبها ومراسمها. # وعلى هذا الرفرف المضطرب بين الضعة والوجاهة كان أبو نواس. # لا حرمة له بين الحرمات، فما له يغار عليها من الإباحة والابتذال؟! # ولا نعرف اسما أصدق من اسم الهوس يطابق ذلك الولع بعرض الإباحة، والتحدي بها، ~~كما اشتهر بها أبو نواس غير مزاحم في هذه الشهرة بين أبناء عصره. # فلا يكفي لإغراء المرء بهذا الولع أن يكون صاحب مذهب في الزندقة، فقد يعتقد ~~الزنديق استحلال المحرمات فيبيحها لنفسه، ويقارفها سرا أو لا يعنت نفسه ~~بالتستر والتجمل، ثم لا يزيد على ذلك. # ولا يكفي لإغرائه بذلك الولع أنه يتحدى ذوي الوقار؛ لأنهم يحتقرونه ويترفعون ~~عليه بسمتهم وكبريائهم، فإن المرء إذا تسامى إلى الرفعة ونبذه أهلها قد يضطر ~~المغيظ المحنق إلى هتك الستار عن ريائهم، والاستخفاف بصيانتهم وهو يود لو لم ~~تلجئه الضرورة إلى هذا المأزق المكروه، وفرق بعيد بين هذا التحدي المستنكر ~~وبين ارتياح المرء إلى عرض الإباحة كأن العرض غرض مقصود لذاته، وكأنه لذة أمتع ~~من اللذات التي يستبيحها. # وقد كان أبو نواس يتقي من حسن السمعة ما يتقيه الإنسان السوي من مذمتها، وقد ~~أشرنا إلى طرف من كلامه في ذلك عند الكلام على النرجسية، ونشير هنا إلى نادرة ~~هي جماع النوادر في هوى العرض وشهرة السوء. رواها ابن منظور في أخباره فقال: إن ~~إخوانا له أشاعوا أنه تاب ونزع عما كان عليه من الفسوق والخمر، فأقبل الناس ~~يهنئونه، فجعل يكذب ذلك ويقول: والله أنا شر مما كنت، فلما كثر ذلك عليه دعا ~~بخمار يهودي غلام، وأجلسه في جانبه ومعه خمر، فكلما جاء من يهنئه يقول لليهودي ~~قبل أن يتكلم: صب لي من خمرك، فيشرب قدحا ثم يقبل اليهودي، ويقول للذي جاء ~~يهنئه: قد رأيت صحة التوبة! ثم قال في ذلك: # قالوا: نزعت ولما يعلموا وطري # في كل أغيد ساجي الطرف مياس # كيف النزوع وقلبي قد تقسمه # لحظ العيون ولون الراح في الكاس # إذا عزمت على رشد تكنفني # رأيان قد شغلا يسري وإفلاسي # فاليسر في القصف ms070 واللذات أخلسها # والعسر في وصل من أهوى من الناس # لا خير في العيش إلا في المجون مع الأ # كفاء والحور والنسرين والآس # ومسمع يتغنى والكئوس لها # حث علينا بأخماس وأسداس # يا موري الزند قد أعيت قوداحه # اقبس إذا شئت من قلبي بمقياس # فليس هذا ولع المتمذهب بزندقة ولا ولع المضطر على رغمه، وإنما هو هوس المغلوب ~~على طبعه منحرفا عن الخلق السوي في كمين هواه. # والانحراف الوحيد الذي يفسر هذا المرض في جميع أعراضه هو النرجسية، أو الغرام ~~بالذات. # فداء أبي نواس هو النرجسية بدخائلها وتوابعها وخفاياها وألوان شذوذها. # وليس داؤه الشذوذ الجنسي بمعنى الشغف بأبناء جنسه، والإعراض عن المرأة، فإنه لم ~~يكن يعرض عن المرأة، وليس الشذوذ الجنسي بهذا المعنى دافعا إلى العلانية ~~والإباحة، وعلماء الأمراض النفسية يدرسون حالتين من أحوال هذا الشذوذ لكل منهما ~~أسبابها وعوارضها، وعلاقتها بسلامة البنية إجمالا وبالغدد الصماء على التخصيص، ~~ولكل منهما كذلك ملابستها البيتية والاجتماعية، فلا يتشابه الشاذ الفاعل والشاذ ~~المنفعل بالملامح والسمات، ولا بالأخلاق أو عوامل النشأة البيتية والاجتماعية، ~~ثم لا يتشابهان في العلاج النفسي عند الأطباء المختصين. # والقرائن التي تفسر إحدى الحالتين من الشذوذ لا تفسر الحالة الأخرى، بل لعلها ~~تناقضها وتبطلها، فلا يمكن أن يجتمعا إلا في شذوذ واحد هو شذوذ النرجسية، بل ~~تجتمع معهما في النرجسية هوى المرأة وغير هذا الهوى من العادات المريضة كالدلك ~~أو جلد عميرة، وقد كان أبو نواس أول من لهج به من الشعراء، ونظم فيه لمناسبات ~~لا داعي لاستقصائها، وهذا الدلك من أعراض المتعة النرجسية، حيث يستخدم النرجسي ~~خياله لتشخيص ذاته # Autoerotic ~~Gratification ~~. ~~••• # وجملة القول: أن هذه الآفة تفسر كل عادة من عادات الحسن بن هانئ، وكل خبر من ~~أخباره وكل نزعة من نزعاته: تفسر غرامه الفاعل والمنفعل، وتفسر غرامه بالنساء ~~وكل ما عرف عنه من الشذوذات الجنسية، وتفسر ولعه بالعرض والعلانية، واستهتاره ~~بسوء القالة. لأن هذا كله يتولد من تشخيص الذات بالصورة التي يستملحها النرجسي ~~ويتخيلها في خوالجه الجنسية، ومن هيامه بالعرض والعلانية، ms071 ولفت الأنظار إلى ~~«الذات» وتقرير وجودها بالتحدي والمخالفة، أو ما يسمونه في التعبير الشائع ~~المكايدة، ويوشك أن يقصروه على الشواغل الجنسية دون غيرها. # وكلما أمعن الباحث النفسي في دراسة هذه الشخصية بدا له أنها من كل وجه «شخصية ~~نموذجية» في بابها، وأنها «لقطة» لا تظفر بها المشرحة النفسية في كل دراسة، ~~ففيها أثر التكوين المولود وأثر البيت، وأثر البيئة الاجتماعية وأثر العصر من ~~جانب السياسة وجانب الثقافة، ولديها تثبت العلامات التي يتشكك فيها النفسيون ~~إذا طرأت منفردة متفرقة لا تتصل بالقرائن الأخرى، فإذا اتصلت جميعا كما اتصلت ~~في هذه الشخصية النموذجية، فهي أدل ما تكون على أعراضها وآفاتها. # | الشعر والشيطان # الشيطان # للشيطان تاريخ قديم مع الشعر، وموقع متغلغل في الدراسات النفسية، وأولها دراسة ~~الدخائل المرضية. # فنحن نعلم من أدب الجاهلية قصة أولئك الشياطين الذين يصحبون الشعراء، ويوسوسون ~~لهم بدقائق المعاني وخفايا الأفكار التي لا ينفذ إليها الناس بغير معونة الجن، ~~ونعلم من شعر النابغة أن الجن هي التي بنت لسليمان بن داود هياكل بعلبك كما ~~قال: # إلا سليمان إذ قال المليك له # قم في البرية فاحددها عن الفند # وخيس الجن أني قد أذنت لهم # يبنون تدمر بالصفاح والعمد # ولكن الشيطان هنا شيطان فني أو أستاذ فنان لا شأن له بوساوس الضمائر ووساوس ~~الأخلاق، وكل شأنه أن يصنع ما يعجز الإنس عن صنعه لدقته أو ضخامته وفخامته، وقد ~~كان أرباب الفصاحة كما قال أبو العلاء: # كلما رأوا حسنا عدوه من صنعة الجن # هذا الشيطان «الفني» لا يعني أصحاب الدراسات النفسية، ولا مدخل له في الوساوس ~~المرضية، إنما يعنيهم الشيطان «الأخلاقي» الذي يرمزون به لحالة من حالات ~~الضمائر على سواء أو على عوج؛ لأنهم يرمزون به أبدا لقيمة وجدانية تتشخص في ~~ضمير الإنسان على نحو من الأنحاء. # وعلى هذا لم يكن الشيطان عندهم شيطانا واحدا بل عدة شياطين، وهم يصاحبون ~~الشعراء أيضا في هذا المجال، ولكن الآية في هذا المجال معكوسة يقوم فيها ~~الشعراء بصنع شياطينهم على الصورة التي يتخيلونها، فكل شيطان ms072 هو بطل يصوره ~~الشاعر كما يصور أبطال ملامحه وتواريخه، ويكاد كل شيطان من هذا القبيل أن يعرف ~~باسم شاعره المختار. فهناك الشيطان رمز الكبرياء والتمرد، وقد صوره الشاعر ~~الإنجليزي ملتون # Milton # في فردوسه المفقود، ~~وصوره الشاعر الإيطالي # Carducci # في نشيده إلى ~~إبليس، وأجمع النقاد على أن الشاعرين قد صوراه مريدا متكبرا ثائرا؛ لأنهما ~~عاشا في إبان ثورة عنيفة، فوضعا على لسانه الكلام الذي يريدانه ويخفيانه في ~~مضامين القول أو يعلنانه. # ومع هذا الارتباط بين ثورة إنجلترا وشيطان ملتون، وبين ثورة إيطاليا وشيطان ~~كروتشي، يرى النقاد أن هذين الشيطانين نسخة مقتبسة من أقدم الشياطين المتمردين ~~في آداب العالم المحفوظ، وهو الرب اليوناني القديم برومثيوس Prometheus ~~، الذي تمرد على رب الأرباب ~~زيوس؛ ليعلم أبناء آدم ما أخفاه الأرباب عنهم، ويتخذ من هؤلاء الآدميين تلاميذ ~~له ومريدين. # وملتون وكردوتشي مسيحيان، ولكن النقاد يقولون: إن الشيطان في شعرهما أقرب إلى ~~صورة برومثيوس من الصورة التي مثلها العهد القديم لإبليس الرجيم. # وعلماء النفس يستنبطون من صورة برومثيوس والنسخ المنقولة عنها أن التمرد عريق ~~في طبيعة الإنسان. # وهناك عدا الشيطان الذي يرمز إلى التمرد والكبرياء شيطان يرمز إلى السحر، ~~والمعرفة الباطنية وهو مفستوفليس بطل رواية فوست من نظم جيتي شاعر ~~الألمان. # واسم مفستوفليس على الأرجح منحوت من ثلاث كلمات يونانية بمعنى الذي لا يحب ~~النور؛ لأنه يتعلم المعرفة ويعلمها كأنها ضرب من التجسس في الظلام على الأسرار ~~الإلهية، فهو يلتمسها في السحر والطلاسم، ويجعلها ألغازا يتولى حلها لمن ~~يشاء. # وهذا الشيطان كما صوره جيتي والشعراء من قبله، يصنع إكسير الحياة ليطيل به ~~العمر، ويرد به الشباب إلى الشيوخ ويساوم به على الضمائر والأرواح، فمن باعه ~~الحياة الأبدية أخذ بديلا منها المتعة والقوة والسيطرة بالمعرفة في حياته ~~الأرضية. # وعند النفسيين أن هذا الشيطان متمرد متكبر كذلك الشيطان، ولكنه يتمرد بعقله من ~~حيث يتمرد ذلك الشيطان بنفسه، وسلاحه المعرفة من حيث يتسلح زميله القديم ~~بالشجاعة الحربية. # ولم يبتدع النفسيون المحدثون هذه الفكرة بعلمهم الحديث، إذ الواقع أن الأقدمين ms073 ~~من أهل الثقافة اليونانية أو العبرية كانوا يحسبون المعرفة كلها ضربا من ~~التمرد والتطاول على علم الإله العليم، فاليونان الأقدمون كانوا يسمون هذا ~~الفضول الإنساني بالهوبري # Hubris # والعبرانيون ~~الأقدمون كانوا يسمون الشجرة، التي أكل منها آدم بشجرة المعرفة، ولا يحمدون من ~~الإنسان أن يتطاول إلى علم كعلم الإله. # فالتمرد خلة مشتركة بين شيطان ملتون وكردوتشي وشيطان جيتي، وقد فضل جيتي شيطان ~~المعرفة؛ لأنه كان في عصر النهضة العلمية ببلاده، وفضل الشاعر الإنجليزي ~~والشاعر الإيطالي شيطان الغضب والتحدي؛ لأنهما كانا يغضبان ويتحديان، ويمثلان ~~ثورة الأمتين على سلطان الملوك وسلطان الكهان. # وتزاد على هاتين «الشخصيتين» الشيطانيتين صورة أخرى من قريحة شاعر شرقي، ~~يتخيلها في بعض أحلامه ويرينا فيها الشيطان فاتنا وسيما يكذب بملاحته أقاويل ~~أبناء آدم عن دمامته وقبحه؛ لأنهم مطرودون موتورون! # ذلك الشاعر الشرقي هو (السعدي) صاحب البستان والجلستان، وأكثرهما مترجم إلى ~~اللغة العربية. # فمن قصائده تلك القصيدة التي يتحدث فيها عن حلم رآه كما زعم أو كما تخيل، ~~فيقول: # رأيت الشيطان في حلم، فيا عجبا لما رأيت. # رأيته على غير ما وهمت من صورة شنعاء تخيف من ينظر إليها. # قامة كفرع البانة، عينان كأعين الحور، طلعة كأنها تضيء بأشعة ~~النعيم! # قاربته وسألت: أحق أنت الشيطان المريد؟ أحق ذاك ولا أرى ملكا له ~~جمال محياك؟ ولا عينا قد نظرت إلى شبيه سيماك. # ما بال أبناء آدم يتخذونك لهم ضحكة فيما يصورونك؟ # وفي وسعك أن تجلو لهم وجها كصفحة البدر، ونظرة تتهلل ببهجة ~~الرضوان؟ وابتسامة تشرق بالنعيم؟ # أولئك الرسامون يبغضونك إلى العين، وحمامات الإنس تكشفك لنا في ~~صورة تنقبض لها القلوب! # ويقولون لي: إنك كالليل البهيم. # وما أرى أمامي إلا الصباح المنير. ~~••• # سألت وتسمعت. # فتحرك الحلم الساحر، وترفع له صوت فخور. # ولاحت على طلعته كبرياء، وقال: # لا تصدق يا صاح أنه مثالي ذاك الذي رأيت فيما يمثلون. # فإن الريشة التي ترسمني تجري بها يد عدو حسود. # سلبتهم السماء، فسلبوني الجمال. # وهذه صورة للشيطان لا نستغربها من مصورها، فقد كانت للسعدي طبيعة يمتزج ms074 فيها ~~التصوف بالحكمة العملية، وقد طاف الرجل أقطار المشرق وجاس خلال فارس والعراق ~~والهند، وعاش بين الوشايات وقصور الأمراء والوزراء، ورأى أناسا بعد أن سمع ~~عنهم وسمع عن أناس بعد أن رآهم، فخرج من سياحاته وتجاربه، وهو يعلم ما وراء ~~الثناء وما وراء المذمة، وشعاره في الحياة «ألا تصدق كل ما يقال»، ولا شك في ~~أنه لم يصور الشيطان على تلك الصورة التي تخيلها أو حلم بها إلا بعد أن رأى ~~الشياطين من الإنس في أجمل صورة، وقاس الأمر بعقله فخطر له أن الشيطان خادع ~~محتال، وأنه يخدع الناس ويستهويهم بوجه يقابلونه بالنفور والإعراض. # وتزاد بعد هذه الشخصيات الشيطانية المتباعدة، أو المتقاربة شخصية أخرى يعدونها ~~مثالا للشيطان الذي يخلقه الشاعر على صورته، وذلك هو شيطان الشاعر الروسي ~~لرمنتوف # Lermentov ~~، الذي عاش في أوائل ~~القرن التاسع عشر، وسمع من بعيد بمقلقات الفكر في غرب القارة الأوروبية. # فهذا الشيطان الذي صوره لرمنتوف هو لرمنتوف بعينه مزيدا عليه ما يتمناه ولا ~~يناله لأنه إنسان، فإن الشيطان يتشكل بما شاء من الأشكال ويظهر للعيان أو ~~يتوارى كما يشاء، وقد يتوارى عن قوم ويبدو لغيرهم وهم في مجلس واحد. # وهذا الشيطان مسكين معرض للغواية باختياره، فهو يحب فتاة من الإنس ويتراءى لها ~~متجملا في أبهج حلله، فتهواه وتكاد أن تجفو خطيبها من أجله، ثم يغار الشيطان ~~من ذلك الخطيب فيقتله، وينقل جثته إلى الفتاة لتوقن من وفاته وتنساه، فتنقلب ~~الآية وتحزن عليه حزنا يحجب عن عينيها محاسن الحياة، فتأوي إلى الدير وتنذر ~~الرهبانية مدى الحياة. ويجن جنون الشيطان فيلاحقها ويتصدى له الملك الحارس عند ~~باب الدير وتصطرع قوة الشر وقوة الخير، فينهزم الملك وينتصر الشيطان، وينفذ إلى ~~حجرة الفتاة فيملك الجسد وتصعد الروح إلى السماء. # ولم يتصرف لرمنتوف كثيرا في نقل هذه الصورة من ذات نفسه، ولم يبتعد بالحادثة ~~كلها عن المكان الذي أقام فيه وهو يكتب القصة، فقد أجراها في بلاد القوقاز حيث ~~كان يقيم منفيا مغضوبا عليه. # هذه نماذج من الشياطين، بين نموذج ms075 الشيطان المتكبر المتمرد ونموذج الشيطان ~~الوسيم القسيم، ونموذج الشيطان الساحر الساخر، ونموذج الشيطان الخادع ~~المخدوع. # ولعه بالشيطان # وقد كان أبو نواس كثير اللهج بذكر الشيطان، كثير التعويل عليه في غواياته ~~ومغامراته، فأي هذه الشياطين هو شيطانه «المختار؟» وأي أثر لشخصية أبي نواس ذلك ~~الشيطان؟ # إن شيطان أبي نواس هو الشيطان الذي يريده أبو نواس، أو هو الشيطان الذي يلزم ~~أبا نواس. # ففيه كل خلة من الخلال بالقدر الذي ينتفع به أبو نواس، فيه التيه والخبث والعلم ~~والحلية والظرف على حسب الطلبة الموقوتة والحاجة العارضة، وكأنه لم يخلق إلا ~~لأبي نواس خاصة، ولا عمل له إلا أن يرضي أبا نواس ولو خالف مهمة حياته، وهي ~~الإغراء بالمعاصي. # فمن مهمة إبليس أن يغري الناس بشرب الخمر ما استطاع، ولكنه مطالب عند أبي نواس ~~بأن يكف عنها عذاله، ومن يترفع عن مشابهتهم إياه في تعاطيها: # ناديت إبليس ثم قلت له: # لا تسق هذا الشراب عذالي # وإبليس في صورته عند أبي نواس تياه خبيث: # عجبت من إبليس في تيهه # وخبث ما أظهر من نيته # وهو في صورته عنده عليم فقيه يستنبئه فيفتيه: # إني قصدت إلى فقيه عالم # متنسك حبر من الأحبار # متعمق في دينه متفقه # متبصر في العلم والأخبار # قلت: النبيذ تحله؟ فأجاب: لا # إلا عقارا ترتمى بشرار # قلت: السماع فما علمت؟ أجابني # لا تعدلن عن ماجن غيار # قلت: الصلاة؟ فقال: فرض واجب # صل الصلاة وبت حليف عقار # أجمع عليك صلاة حول كامل # من فرض ليل فاقضه بنهار # قلت: الصيام؟ فقال لي: لا تنوه # واشدد عرى الإفطار بالإفطار # إلى أشباه هذه الفتاوى الإبليسية. # وهو عنده ظريف يعينه على فساده: # لم يرض إبليس الظريف فعالنا # حتى أعان فسادنا بفساد # ولكنه في كل أولئك إبليس خاص بأبي نواس، يخدمه على الطلب ويؤثره بالخدمة ويذلل ~~له من يعصيه: # فرده الشيخ عن صعوبته # وصار قوادنا ولم يزل # وكأنما خلق إبليس لأبي نواس على تفضيل «المزاج النرجسي»، الذي يتذلل ويتأبى، ~~ولا يملك إلا أن يجاريه في دلاله وتأبيه. # وليستحضر ms076 القارئ صورة طفل مدلل يسوم أبويه ما يرضيه وما يغضبه، ففي أية صورة ~~يتمثله؟ # إنه إذا شاء أن يهدد أبويه أنذرهم لا يأكلن الطعام، ولا يشربن الدواء ولا يدخلن ~~الحمام حتى يرى ما يشتهيه بين يديه، وإنه ليسوق الحران أحيانا، فيرفض كل شيء ~~ويلوي وجهه عن كل سلوى. # أليس هذا هو أبا نواس بعينه حين يهدد إبليس وينذره: # إن أنت لم تلق لي المودة في # صدر حبيبي وأنت مقتدر # لا قلت شعرا ولا سمعت غنا # ولا جرى في مفاصلي السكر # ولا أزال القرآن أدرسه # أروح في درسه وأبتكر # أليس هذا هو أبا نواس بعينه وهو يزعم التوبة، ويتجنى على إبليس فيأبى كل ما ~~يبذله له من شهوة ومتاع: # هل لك في عذراء ممكورة # يزينها صدر لها فخم # ووارد جثل على متنها # أسود يحكي لونه الكرم # فقلت: «لا» قال: فتى أمرد # يرتج منه كفل فعم # كأنه عذراء في خدرها # وليس في لبته نظم # فقلت: «لا» قال: فتى مسمع # يحسن منه النقر والنغم # فقلت: «لا» قال: ففي كل ما # شابه ما قلت لك الحزم # ما أنا بالآيس من عودة # منك على رغمك يا فدم! # وينم أبو نواس على أخفى الخفايا بين جوانحه حين يعجب من تيه إبليس على آدم ثم ~~خدمته لشهوات أبنائه، أو بعبارة أخرى لشهوة ابنه أبي نواس خاصة: # عجبت من إبليس في تيهه # وخبث ما أظهر من نيته # تاه على آدم في سجدة # وصار قوادا لذريته # أو على الأصح أنه قد صار قوادا «خصوصيا» لأبي نواس: # فرده الشيخ عن صعوبته # وصار قوادنا ولم يزل # فمن هنا ننتهي إلى عقدة العقد في طوية الشاعر، وقد أسلفنا أن مثله لا يتعرض ~~كثيرا للعقد النفسية؛ لأنه يبوح برذائله ولا يكتم أقبحها وأفضحها، فلا سبيل ~~للعقد النفسية إلى طويته من قبل هذه الرذائل، ولكن مشكلة النسب المدخول هي ~~العقدة التي غلبته، فكانت من دوافعه إلى إدمان الخمر ومن بواعث الاحتيال عليها ~~بالحيل الملتوية التي يصطنعها «مركب النقص» في أمثال هذه المشكلة. # فبماذا يفخر ms077 الفاخرون بالآباء من الآدميين قاطبة أكثر من أنهم أبناء آدم؟ ومع ~~هذا يتيه إبليس على آدم، ولا يتيه على ابنه «أبي نواس» خاصة حين يخدمه، ويكاد ~~يفرغ لخدمته قبل سواه. # بل مع هذا يأبى إبليس أن يسجد لآدم، ولا يأبى أن يسجد للحسن بن هانئ! كما جاء ~~في حديث والبة: «ترى غلامك الحسن بن هانئ؟ قلت: ما شأنه؟ قال: إن له لشأنا، ~~فوالله لأغوين به أمة محمد، ثم أرضى حتى ألقي محبته في قلوب المرائين من أمته ~~وقلوب العاشقين لحلاوة شعره، قال والبة: فعلمت أنه إبليس، قلت: فما عندك؟ قال: ~~عصيت ربي في سجدة فأهلكني، ولو أمرني أن أسجد لهذا ألف سجدة لسجدت». # ورواية القصة على هذا النسق أليق رواياتها بسياقها، وسواء كان والبة قد أوحاها ~~إلى غلامه، أو كان غلامه قد أوحاها إليه، فقد رسخت في ذهن الغلام وأعجبته ~~وارتفعت به هواجس أحلامه وأمانيه إلى الغاية القصوى من الفخر بالآباء، وهل بعد ~~آدم غاية يرتفع إليها أبناء آدم وحواء؟ # الشيطان ومذهب فرويد # ويدعونا الكلام عن الشيطان وعقدة الأدب، أو النسب إلى استطراد في مذهب «فرويد» ~~حول هذا الموضوع، يدور على قصة مصور من أبناء القرن السابع عشر، فقد أباه وحالف ~~الشيطان ودفعته إلى هذه المحالفة الشيطانية تلك العقدة النفسية التي يسميها ~~فرويد بعقدة أوديب، ويقول في شرحها: إنها عقدة تتولد من حب الطفل لأمه وغيرته ~~عليها من أبيه، ويكاد فرويد يزج بهذه العقدة في تعليل التاريخ الإنساني من أوله ~~غير قانع باستخدامها في تعليل المسائل الفردية، والأزمات الوجدانية التي تعتري ~~هذا وذاك من حين إلى حين. # وعقدة أوديب في رأينا لا تؤخذ جملة ولا ترفض جملة. إذ ليست كل غيرة على الأب ~~غيرة جنسية، وبخاصة حين تكون الأم هي كل شيء في حياة الطفل الرضيع، فيغار عليها ~~غيرة على حظوته وغيرة على طعامه وغيرة على سلامته، وغيرة على كل شيء يحسه ~~ويدركه، وقد رأينا كلابا تغار من كل شيء يعنى به صاحبها، ومن كل أحد يدلله ~~أمامها، ولا تختلف ms078 هذه الغيرة باختلاف الذكورة والأنوثة، ولا باختلاف الحياة ~~والجماد، وإذا كان الجنس يفسر كل شيء على رأي فرويد، فهو لا يفسر شيئا على ~~الإطلاق، ولا يميز لنا بين دافع ودافع من دوافع الحياة. # ومن ضعف مذهب فرويد في هذه النقطة أنه يفترض حينا أن الطفل الذكر يغار من أبيه ~~على أمه، ويفترض حينا آخر أنه يغار من أمه على أبيه، ويحب أن يستأثر بالأب ~~استئثارا جنسيا كاستئثار الزوجة بالزوج، ثم لا ينجح أقل نجاح في التفرقة ~~البيولوجية «الحيوية»، أو النفسية بين الطفل الذي يغار من أبيه على أمه، والطفل ~~الذي يغار من أمه على أبيه. # وهذا الشطط في تعليلات فرويد وتخريجاته يعيبه عليه تلاميذه قبل العلماء ~~المعارضين له في أساس مذهبه، فيرى «أدلر # Adler ~~» أن عقدة أوديب ليست غريزة أساسية تستقر في الوعي الباطن ~~لكل وليد، وإنما هي ميل عارض يحدثه سوء التصرف من بعض الآباء وبعض الأمهات، ~~ويرى «ينج # Jung ~~» أن الطفل لا يدرك في أمه صفة ~~جنسية، وأن «عقدة أوديب» إنما تستحكم عند مفارقة الفتى لبيت الأسرة الذي عاش ~~فيه بين أبويه، فإن لم تشغله في هذه الآونة وشيجة روحية لجت به علاقته بالبيت، ~~ولم يستطع أن يغفل عن الفارق بين جو الأسرة بحنانه وعطفه، وجو العالم الخارجي ~~بقسوته وعنفه، ودارت نفسه حول شعوره بأمه أو شعوره بأبيه، وقد وضع «ينج» عقدة ~~«إلكترا # Electra ~~» إلى جانب عقدة «أوديب» ~~خلال تفسيره لما يشاهد من ميل البنات إلى الآباء وميل البنين إلى ~~الأمهات. # أما «سليفان # Sullivan ~~»، فلعله أكثرهم توفيقا ~~في تفسيره لحب البنات للآباء وحب البنين للأمهات، وهو يرد ذلك إلى سلوك كل من ~~الأبوين نحو الطفل المخالف لجنسه، فالأب لا يتدخل مع بناته في الخصوصيات والأم ~~لا تتدخل مع أبنائها الذكور فيما يقابل هذه الخصوصيات عندهم، ويؤدي هذا إلى ~~استخفاف البنات لوطأة الآباء وشعورهن بالأمان معهم، كما يؤدي إلى استخفاف ~~البنين لوطأة الأمهات، وشعورهم بالأمان معهن، وإذا شاب هذا الشعور مس خفيف من ~~النظرة الجنسية، فهو عارض لا يتعمق ms079 إلى مكمن الغرائز في باطن كل إنسان. # فعقدة أوديب قابلة للتفسير بتخريجات كثيرة غير العاطفة الجنسية، وهي في القصة ~~التي نسرد خلاصتها صالحة للمقارنة بين بطلها وبين أبي نواس؛ لأنها تشتمل على ~~عقدة الأب ومحالفة الشيطان، وبطلها فنان يتعاطى الخمر، ويكثر منها أحيانا ~~فتتجسم أمامه الرؤى والأشباح. # تناول فرويد موضوع هذه القصة في تقرير مفصل كتبه سنة 1923، وبناه على وثيقة ~~مأخوذة من دار المحفوظات الإمبراطورية بمدينة فيينا فحواها أن المصور «كريستوف ~~هايتزمان» من أهالي بافاريا عاهد الشيطان، وكتب معه عقدا موقعا بالمداد ~~الأسود، ثم عقدا موقعا بالدم على أن يبيعه روحه ويسعد بمعونته، وحدث ذات يوم ~~(29 أغسطس سنة 1677) أن هذا المصور كان يصلي في الكنيسة، فسقط مصروعا وجيء به ~~إلى الأسقف، فاعترف له بتلك المعاهدة وتوسل إليه أن يسأل السيدة العذراء أن ~~تعتقه من أوهاق الرجيم، وتسترد منه الوثيقة التي تسلط بها عليه، ثم رأى المصور ~~بعد فترة قضاها في التوبة والتكفير أن الشيطان جاءه بوثيقة الدم، وحفظ عنده ~~وثيقة المداد الأسود، فشفى من داء الصرع برهة ثم عاودته النوبات، وتمثلت له في ~~خلالها الأطياف المقدسة من عليين، ووقع في روعه أنها لا ترضى عنه ما بقيت في ~~حوزة الرجيم تلك الوثيقة السوداء. # ويستدل من الأوراق المحفوظة على سر هذه المعاهدة، وهو حالة اليأس والهبوط التي ~~استولت على الفتى بعد فقد أبيه فحرمته لذة الإقبال على العيش، ثم حرمته فوق ذلك ~~قدرته على إتقان فنه، فاضطربت موارد رزقه وغامت على عقله غيمة الخوف والتشاؤم، ~~وظهر له الشيطان في إبان هذه الأزمة. فساومه على روحه، وأطمعه في رد كل ما فقده ~~من بشاشة العيش وبراعة الفن، فانقاد له، ولكنه رفض ما عرضه عليه الشيطان من ~~العلم بطلاسم السحر، والمتعة بالمسرات والأموال، ولم يطلب منه إلا طلبة واحدة، ~~وهي أن يكون ابن جسده وأن يندمج فيه روحا وبدنا بعد تسع سنين، وأن يحل في ~~خلال هذه السنوات التسع محل أبيه. # وللقصة حواش متفرعة لخصها فرويد في رسالته، وعلق عليها فكان موفقا ms080 في جوهر ~~تعليقاته. # قال: إن عجز المصور عن إتقان فنه بعد وفاة أبيه إن هو إلا طاعة مرجأة # Deferred obedicnce ~~؛ لأن أباه كان ينهاه ~~عن الاحتراف بهذا الفن، فعصاه أثناء حياته وغام عليه تبكيت الضمير بعد موته، ~~ففر من هذا الفن وعزفت عنه نفسه وتعذر عليه إتقان صوره، فكسدت سوقه وبارت ~~تجارته وثقلت عليه أعباء العيش وتبكيت الضمير، فساورته الأوهام وود الخلاص، وهو ~~يؤمن كغيره من أبناء القرون الوسطى بقدرة الشيطان على السحر والطب، فخيل إليه ~~الوسواس أنه عاقده، واعتمد على سنده، وشخصه في صورة أبيه الذي يحنو عليه ~~ويرعاه. # قال فرويد ما فحواه: إن شعور الابن بأبيه - ولا سيما الابن المختل كهذا المصور ~~- هو شعور مزدوج متقابل # Ambivalent # يريه أباه ~~في صورة الحامي الودود، وفي صورة العائق المخيف معا، فهي صورة تلتبس في باطن ~~السريرة بصورة الشيطان المقتدر المرهوب، وما كان الشيطان عند ذلك المصور إلا ~~بديلا من أبيه لا يبغي منه إلا الحماية والإنقاذ. # والقصة في جملتها تغري بالمقارنة بين هذا المصور وأبي نواس، فكلاهما فنان ~~وكلاهما يعاقر الخمر وكلاهما يحالف الشيطان على نهجه. # والإغراء بالمقارنة يأتي من أوجه الشبه، ومن أوجه الاختلاف بين ~~«الشخصيتين». # فأبو نواس لا يشعر بالكبت فلم يصبه الخبل، ولا يثقل عليه نهي أبيه عن مزاولة ~~فنه، فلم يعجز عن قرض الشعر في حياة أبيه ولا بعد موته. # إلا أن الواضح من سيرة أبي نواس أن الشيطان كان بديلا عنده من المعلم لا من ~~الأب، وكان كل من معلميه الذين طالت عشرتهم له في صباه فاسقا شاذا يتخذ معه ~~شكل الشيطان في تعليمه إياه الفجور والانقياد للشهوات، فوالبة بن الحباب معلمه ~~الشعر زنديق ماجن، وبدر الجهني البراء معلمه العطارة على هذه الخليقة من الفجور ~~والمجون، وقد تقدم في الفصل السابق أن التلميذ النرجسي يتوق إلى أستاذ يكون ~~عنده بمثابة العزيز المدلل Pet ~~، ويتطلع إلى ~~مكانة خاصة لديه، فهذا الشيطان الذي كان أبو نواس يسميه شيخه هو بديل الأستاذ ~~حين شب عن طوق التتلمذ على ms081 والبة الشاعر وبدر العطار. # ولو كان أبو نواس يعاقد الشيطان سرا لاختبله الوسواس، الذي اختبل المصور ~~وأوقع في روعه أنه هنالك ما بقي في يد الشيطان ذلك العقد الموقع بالمداد ~~الأسود، وذلك العقد الموقع بالدم، ولكن أبا نواس كان يحالف الشيطان ويجهر ~~بمحالفته، وكان يلعنه ويحسب أن اللعنة هي التحية المحببة إليه، فسلم من الخبل ~~بالعلانية، وإن لم يسلم من كل عقدة نفسية تتعلق بالنسب كما سنرى في بيان العقدة ~~التي ألجأته إلى إدمان السكر، والهيام بالخمر هيام المتهوس المفتون. # | عقدة الإدمان # أبو نواس والخمر # نكرر هنا أن طبيعة أبي نواس لم تكن من الطبائع التي تتسلل إليها العقد النفسية؛ ~~لأنه كان يبوح برذائله ويتكشف بها ويتعمد أن يجبه الناس بها علانية، وإنما تكمن ~~العقدة النفسية في طوية الإنسان، أو تتسلل إليها من الكبت وطول الكتمان. # إلا عقدة واحدة هي الاستثناء لهذه القاعدة وهي عقدة الإدمان. فقد كان إدمانه ~~الخمر هوسا، ولم يكن مجرد عادة أو لذة ذوقية، ولا بد وراء كل هوس من عقدة ~~نفسية. # فما هي هذه العقدة التي أثبت نفسا محصنة من العقد، فغلبتها ولم تفلح فيها ~~إباحته، ولا العلانية التي عاش فيها من طفولته إلى ختام عمره. # إنها غلبته؛ لأنها جاءته من قبل طبيعته، ونعني بها الطبيعة النرجسية. # فهي الطبيعة التي تزين للنرجسي عادات العرض والظهور، وهذه العقدة النفسية ليست ~~مما يتقبل العرض والظهور؛ لأنها مهينة لصاحبها مذلة له بين قومه، وهي خسة النسب ~~في عصر الأنساب والأحساب. # وربما خطر لبعضهم أن إنسانا مثل أبي نواس في مجونه واستخفافه لا يعيى بمثل هذه ~~العقدة، ولا يتحرج منها وهو لم يتحرج قط من منكر أو رذيلة، لكنه عند النظر إليه ~~خاطر خاطئ لا يثبت على التأمل والمراجعة، فإن احتمال الهوان يهدم النرجسي، ولا ~~يبقي له بقية يعتصم بها، وأما احتمال الملام والنقد فقد يجاري طبيعته إذا كان ~~فيه معنى التحدي ولفت الأنظار، وقد يهزأ النرجسي بالملام والنقد مع علمه برياء ~~اللائمين وتذبذب الناقدين، واعتقاده أنهم مثله في ms082 الفجور وإن خالفوه في ~~الظهور. # وينبغي أن نعرف قوة هذه العقدة النفسية في زمان أبي نواس، خاصة قبل أن نعرف ~~السر في غلبتها عليه، وعلاجه لها بإدمان السكر والتهافت على عشرة ~~الندماء. # فالعصر الذي عاش فيه أبو نواس كان معترك الأنساب والأحساب بين كل إنسان، وكل ~~إنسان في الدولة الإسلامية. # هب فيه الشعوبيون يفاخرون العرب، ولا يعترفون لهم بفضل غير فضل النبوة، ثم ~~يغمزون فضلهم هذا بتعييرهم بما جنوه على عترة النبي - عليه السلام - ومفاخرتهم ~~إياهم بانتصارهم لتلك العترة، وتشيعهم لآل البيت من العلويين والعباسيين، ولم ~~يزل هؤلاء الشعوبيون يفخرون على العرب بالحضارة والصناعة، والترف والكياسة حتى ~~قال قائلهم: «لا يفلح العربي إلا ومعه نبي يوحى إليه!» # والعرب أنفسهم كانوا فيما بينهم يتنازعون الفخار بين قطحان وعدنان، أو بين عرب ~~الشمال وعرب الجنوب، وكانت كل قبيلة من القحطانية تفاخر القبائل الأخرى بالكثرة ~~والعزة، وسوابق التاريخ ومكارم الآباء والأبطال، وكذلك كانت تفعل كل قبيلة من ~~قبائل العدنانيين. # بل كان أبناء البيت النبوي العلويين والعباسيين يتنافسون على شرف النسب، ويرى ~~أبناء العباس لإخوتهم شرفا لا يرونه لأبناء علي؛ لأن العباس عم وعليا ابن ~~عم، فيقابلهم أبناء علي بالانتماء إلى فاطمة الزهراء، وهي بنت النبي - عليه ~~السلام. # وتكاد لا تسمع بأحد في ذلك العصر إلا سمعت حوله بفخر نسبه أو بمنازعة له عليه، ~~ولا استثناء في ذلك للخلعاء المتبذلين بل لعلهم أحرص على دعوى النسب من غيرهم ~~على سبيل التعويض والعزاء. # فهذا والبة بن الحباب أستاذ أبي نواس لم يهبط أحد إلى حضيض المهانة والزراية، ~~كما هبط بين سواد الناس وبين زملائه من الشعراء والأدباء، وكان مع هذا يستطيل ~~عليهم بنسبه العربي، ويدعو شاعرا كأبي العتاهية إلى هجوه وإنكار نسبه، والنزول ~~به إلى طبقته، أي: طبقة الموالي المعترفين بحرمانهم من عراقة النسب ومن الأصالة ~~العربية، فيقول له فيما قال: # وابن الحباب صليبة # 1 # زعموا # ومن المحال صليبة أشقر # ويقول: # هلم إلى الموالي الصي # د في سعة وفي رحب # فأنت بنا لعمر الله # أشبه ms083 منك بالعرب # وقد تلخص هذا الشغل الشاغل بالنسب في ذلك العصر حقيقة مشهورة في علم الأنساب، ~~وهي ظهور أول كتاب عن الأنساب في تلك الفترة لإمام النسابين ابن الكلبي صاحب ~~جمهرة الأنساب المتوفى حوالي سنة خمس ومائتين للهجرة، وقد ظهر في مدينة الكوفة ~~وهي من بيئات أبي نواس. # ذلك هو مبلغ شغلان العصر بالنسب وهو المهم في هذا الصدد؛ لأنه هو مقياس قوة ~~العرف في هذه المسألة التي تمتحن بها طبيعة أبي نواس، وكلها تشوف إلى العرض ~~والظهور. # أما مبلغ شغلان أبي نواس بها فهو من التواتر والتواطؤ بين الشواهد والأعراض، ~~بحيث تكفي فيه الإشارة دون الإسهاب. # فلا خفاء بلهفة أبي نواس على النسب العربي يتلمسه تارة في هذه القبيلة، وتارة ~~في غيرها من اليمانية أو النزارية حيثما اتفق مقامه، وتفتحت له أبواب الدعوى ~~والانتماء، وما كان هو يكره أن يفخر في الحانات بالنسب لو سلم له هذا الفخر بين ~~أربابه المسلم لهم بحقه، فمن شعره في الخمريات ذلك الحوار الذي دار بينه وبين ~~الخمار يسأله عن نسبه ويجيبه: # وخمار طرقت بلا دليل # سوى ريح العتيق الخسرواني # فقام إلي مذعورا يليي # وجوف الليل مثل الطيلسان # وقال: أمن تميم؟ قلت: كلا # ولكني من الحي اليماني # وأشد من ذلك إبانة عن هذه اللهفة المطوية في قرارة نفسه أنه كان يهجو، فلا يقع ~~على هجاء لأحد أقبح من الأصل الخسيس كما قال للرقاشي: # والله لو كنت جريرا لما # كنت بأهجى لك من أصلكا # وكما قال للهيثم بن عدي: # الحمد لله هذا أعجب العجب # الهيثم بن عدي صار في العرب # وأدق منه في الإبانة عن طوية الشاعر قوله لحمدان بن زكريا: # ما أنت بالحر فتلحى ولا # بالعبد نستعتبه بالعصا # فرحمة الله على آدم # رحمة من عم ومن خصصا # وموضع الدقة الذي نعنيه هنا وثوبه بالنسب إلى أبى الآباء آدم وهو الذي أعجب ~~الشاعر؛ لأن إبليس يتيه على ذريته، وداخله الوهم أن إبليس قد أبى له السجود، ~~ولا يأبى السجود لابنه أبي نواس ألف سجدة. ms084 # وربما كان أشد من ذلك إبانة عن لهفته على النسب أنه يمدح خليفة يتسع للشاعر ~~مجال تعظيمه، وتمييزه بالصولة والنعمة والسجايا، والسمات ما صدق منها وما كذب، ~~فلا يرى مدحا له أبلغ من نسبه: # أبوك الذي لم يملك الأرض مثله # وعمك موسى الصفوة المتخير # وجدك مهدي الهدى وشقيقه # أبو أمك الأدنى أبو الفضل جعفر # ومن مثل منصوريك منصور هاشم # ومنصور قحطان إذا عد مفخر # فمن ذا الذي يرمي بسهميك في العلا # وعبد مناف والداك وحمير # وفي مقطوعة غير هذه يقول في هذا المعنى: # رضينا بالأمين عن الزمان # فأضحى الملك معمور المعاني # تمنينا على الأيام شيئا # فقد بلغتنا تلك الأماني # بأزهر من بني المنصور تنمي # إليه ولادتان له اثنتان # وليس كجدتيه أم موسى # إذا نسبت ولا كالخيزران # له عبد المدان وذو رعين # كلا خاليه منتخب يماني # فمن يجحد بك النعمى فإني # بشكري الدهر مرتهن اللسان # وتنطوي هذه اللهفة في نفس إنسان لم تكن المهانة هينة عليه، بل كان تياها ~~بطبيعته «النرجسية»: # لقد زادني تيها على الناس أنني # أراني أغناهم وإن كنت ذا عسر # وكان يهتبل الفرصة للتعالي على الذين يتعالون عليه، فكان يجلس حيث جلس ويتلقى ~~التحية من القادة والرؤساء فلا ينهض لواحد منهم، ولم ينهض لأحد حياه غير أبي ~~العتاهية. وفي هذا أيضا دلالة على دخيلة نفسه من هذا الجانب؛ فقد كان أبو ~~العتاهية من الموالي، وكان في شبابه على زي المخنثين، وكان هو معاصره الوحيد من ~~الشعراء الذي صافاه ولم يقاطعه أو يترفع عنه، ونكاد نرى أن انتماءه إلى والبة ~~في صباه إنما كان لدخيلة كهذه الدخيلة، فإن والبة كان مطعونا في نسبه، وكان ~~أبيض كأبي نواس - أو أشد بياضا - وأبوه أسود كأنه زرزر، كما قال أبو ~~العتاهية: # ما لي رأيت أباك أسود غر # بيب القذال كأنه زرزر # وكأن وجهك حمرة رثة # وكأن رأسك طائر أصفر # وقد تناقضت علاقة الشاعرين بوالبة، فأبو العتاهية يهجوه؛ لأنه مثله في عقدة ~~نفسه وأبو النواس يألفه؛ لأنه مثله في محاولة الخلاص من شبهة ms085 نسبه. # ونعتقد أن أبا نواس إنما تشبث بالكنية وترك اسم أبيه فرارا من هذا النسب ~~المدخول، فهي مناط الدعوى عنده، ولم يكن نسبه الصحيح إلا مسبة له من السفلة ~~والعلية على السواء. # كانت الجارية عنان تريد النكاية به فتذكر له اسم أمه جلبان، وكان الخليفة ~~الأمين يسبه فيذكر له اسمها الآخر «شحمة»، وكان أبان ومن لف لفه من الشعراء ~~يهجونه، فيسمون أباه «هنيا» أو النساج المتستر على حريمه وما شاكل ذلك من ~~المثالب، التي كان يعيى الجواب عنها على تعجله بالهجاء حين يشاء، فلا جرم ~~تساوره العقدة فلا يجد لها حلا في غير الإدمان. # لماذا يشرب الخمر؟ # وللمؤرخ النفسي أن يكتفي بما تقدم للإبانة عن شدة اهتمام العصر بالنسب، وشدة ~~اهتمام أبي نواس به في عشرته لكل طبقة من طبقات المجتمع الذي احتواه، إلا أننا ~~نرى على الدوام أن ديوان الشاعر أصدق ترجمة لحياته الباطنية، ويصدق هذا على أبي ~~نواس كما يصدق على سائر الشعراء المطبوعين، وهو أصدق ما يكون على خمرياته التي ~~تفيض بدلائل العقدة النفسية، ومركب النقص الذي يساوره من انتسابه إلى كل من ~~أبويه. # فهو يشرب الخمر؛ لأنها شراب الملوك أو الشراب العريق الذي عاش مع أجداد ~~الأكاسرة والقياصرة، وقبل مدار النجوم: # تحيرت والنجوم وقف # لم يتمكن بها المدار # وهو يستريح إلى شربها حيث لا فخار بالآباء والأجداد بين الندامى الذين يهابونه ~~ويتذللون بين يديه: # وإذا أنادم عصبة عربية # بدرت إلى ذكر الفخار تميم # وبنو الأعاجم لا أحاذر منهم # شرا فمنطق شربهم مذموم # وجميعهم لي حين أقعد بينهم # بتذلل وتهيب موسوم # وجنونه المتسلط عليه أن يفتتح كل خمرية، أو يتخللها بالنعي على الطلول والرسوم ~~ومن يذكر الطلول والرسوم، ومن ذاك ما لا نحصيه: # لتلك أبكي ولا أبكي لمنزلة # كانت تحل بها هند وأسماء # حاشا لدرة أن تبنى الخيام لها # وأن تروح عليها الإبل والشاء # له بكيت كما يبكي النوى رجل # على المعالم والأطلال بكاء # ومنه: # أعرض عن الربع إن مررت به # واشرب من الخمر أنت أصفاها # ومنه: ms086 # أيا باكي الأطلال غيرها البلى # بكيت بعين لا يجف لها غرب # ومنه: # دع الأطلال تسقيها الجنوب # وتبكي عهد جدتها الخطوب # وخل لراكب الوجناء أرضا # تحث بها النجيبة والنجيب # ولا تأخذ عن الأعراب أرضا # ولا عيشا فعيشهم جديب # فأين البدو من إيوان كسرى # وأين من الميادين الدروب # ومنه: # دع الربع ما للربع فيك نصيب # وما إن سبتني زينب وكعوب # ولكن سبتني البابلية أنها # لمثلي وإن طال الزمان سلوب # ومنه: # عد عن رسم وعن كثب # واله عنه بابنة العنب # ومنه: # يأيها العاذل دع ملحاتي # والوصف للموماة والفلاة # ومنه: # سقيا لغير العلياء فالسند # وغير أطلال مي بالجرد # ومنه: # لا تبك رسما بجانب السند # ولا تجد للدموع بالجرد # وبيت القصيد من هذا الهوس بالنعي على الرسوم والطلول إنما هو الازدراء بأهلها ~~وبعيشهم، وفخارهم الذي عز عليه أن يجاريهم فيه، والإشادة بالخمر التي لا يدرك ~~الكفاءة لها كل شارب، ولا يسمو الشاربون لها إلى مثل شمائل أبي نواس: # عاج الشقي على رسم يسائله # وعجت أسأل عن خمارة البلد # يبكي على طلل الماضين من أسد # لا در درك قل لي من بنو أسد؟ # ومن تميم ومن قيس ولفهما؟ # ليس الأعاريب عند الله من أحد # نعم كل الأعاريب من شمال أو جنوب، وما يفخرون به من حسب حسيب وعيش جديب! # وأحيانا ينقل هذه النفرة من مفاخر القبائل والأنساب إلى لسان الخمار الذي يقصد ~~إليه: # فقلت له: ما الاسم؟ قال: سموأل # على أنني أكنى بعمرو ولا عمرا # وما شرفتني كنية عربية # ولا ألبستني لا ثناء ولا فخرا # لا جرم تصبح المنادمة قرابة تغني عن قرابة النسب بين أناس لا يتفاخرون ولا ~~يتعاظمون: # فذلك ما حييت له وإني # أبر بمثله من والديه # ورابعها فللندمان حق # سوى حق القرابة والجوار # ولم يخف على أحد من أبناء عصره ما كان يعنيه بالإنحاء على الطلول، وباللجاجة في ~~هذا الإنحاء، ولم يكن هو يخفي مقصده منه وهو يتبعه بالإنحاء على الأعراب من كل ~~قبيل، ويقابل بين الخيام وإيوان كسرى، وبين الدروب والميادين؛ فلهذا ms087 نهاه ~~الخليفة عن الاستمرار في هذه اللجاجة وأمره بوصف الطلول، فقال: # دعاني إلى وصف الطلول مسلط # لقد ضقت ذرعا أن أجوز له أمرا # فليس اللهج بالنعي على الطلول دعوة إلى الجديد كما يتراءى من النظرة السطحية ~~إلى ظاهر العبارة، ولم يأمره الخليفة بالكف عنه؛ لأنه تجديد ينكره، ولكنه فهمه ~~على معناه الذي لا يفهم على سواء من هذا التهوس بتحقير الأطلال وأهل الأطلال، ~~وخشي منه مغبته بين القبائل المتحفزة في تلك الآونة، فنهاه عنه نهيا عن هجاء ~~سياسي لا تحمد عقباه. # وبعد فهل كان أبو نواس يتجنب بكاء الأطلال إيثارا للتجديد، أو إيثارا لمذهب ~~كائنا ما كان من المذاهب الفنية؟ كلا، فإنه لم يدع إلى تجنبها إلا ليستطرد من ~~ذلك إلى النعي على أهلها ومفاخر أنسابها. وإلا فمطالعه في بكاء الأطلال والديار ~~تزيد على مطالع الشعراء من معاصريه أو المتقدمين عليه، وهذه بعض تلك المطالع ~~المتكررة. # قال في أحدها: # هل عرفت الربع أجلى # أهله عنه فزالا # وقال في مطلع آخر: # ألا حي أطلال الرسوم الطواسما # عفت غير صقع كالحمام جواثما # وفي مطلع آخر: # لمن طلل لم أشجه وشجاني # وهاج الهوى أو هاجه لأوان # وفي مطلع آخر: # ألا لا أرى مثلي امترى اليوم في رسم # تعرفه عيني ويلفظه وهمي # وفي مطلع آخر: # لمن الديار تسربلت ببلاها # نسيتك ربتها وما تنساها # وفي مطلع آخر: # هل لديار حييتها درس # من صمم ما هتفت أو خرس # وفي مطلع آخر: # غننا بالطول كيف بلينا # واسقنا نعطك الثناء الثمينا # وفي مطلع آخر: # ألا حي أطلالا بسيحان فالعذب # إلى برع فالبئر بئر أبي زغب # وفي مطلع آخر: # ألم تربع على الطلل الطماس # عفاه كل سحم ذي ارتجاس؟ # فالأطلال لا تهمه إذن إلا ليستطرد منها إلى عقدته، وإلى التنفيس عنها بالخمر ~~كلما برمت بمفاخر النسب من تميم ومن قيس ومن أسد. وليس الأعاريب جميعا عند ~~الله من أحد. # ومنادمة الخمر هي الوجاهة التي يسمو بها الشاعر على النظراء، وهي التي تنفث فيه ~~الزهو والفخار بديلا من زهو السادة ms088 الأصلاء وفخار الأبناء والآباء. # نوبات السآمة # وثمة خلة أخرى من خلال الطبيعة النرجسية تعرضها لإدمان الخمر، وما إليها من ~~عقاقير التخدير، وتلك هي نوبات السآمة التي تعاود النرجسي كلما خلا إلى نفسه ~~وفرغ من العمل، إن كان له عمل يشغله. # فالوقت ثقيل على الطبيعة النرجسية تدفعه بكل ما تستطيع من الشواغل والملاهي، ~~وعواطفها الموكلة بشيء واحد - وهو عشق الذات - لا تزال أبدا في حاجة ملحة إلى ~~التنبيه والاستثارة. # وقد يتصف النرجسي بدقة الحس أو رقة العاطفة وخفة الشعور، ولكنه محروم من تلك ~~الدوافع الحيوية المتدفقة، وتلك الطبائع العميقة التي تستجيش النفس أبدا بما ~~يشغلها ويجدد نشاطها، ويوثق روابطها بالعالم وما فيه، فإذا ترك النرجسي لنفسه ~~لم يجد فيها ما يملأ فراغه كله، ولم يزل متلمسا للفرجة والتسلية، والنشوة التي ~~تلهيه وترضيه عن ذاته وتجدد لها أشواقها فيما يعنيها من فتنتها ~~وغوايتها. # ومن ثم يتسرب حب الخمر إلى الطبائع النرجسية، فإذا أعانتها بواعث أخرى من غواية ~~الطبع أو البيئة تمادى بها حب الخمر إلى الإدمان والإصرار عليه. # ويلاحظ في خمريات أبي نواس هذا الولع بكل ما ينبه الشعور، ويدفع السآمة ويوقع ~~في خلده أنه مشغول بما يشغل ويثير، فهو مع السكر والسماع لا ينسى أن يمثل لنا ~~مخافة صاحب الحان، وذعره وانتباهه من النوم في وجل وريبة، ويوشك أن يكون وصف ~~الخوف ملازما لكل قصة من قصص السعي إلى الحانات، والبحث عن الجيد النفيس من ~~الشراب، فيعجبه أن يرى الساقي بين الخوف والرجاء حيث يقول: # لما قرعت عليه الباب أوجله # وقال بين مسر الخوف والراجي # أو فزعا شديد الفزع كما قال: # فقام لدعوتي فزعا مروعا # وأسرع نحو إشعال الذبال # أو ممتلئا ذعرا كما قال: # فلما قرعنا بابه هب خائفا # وبادر نحو الباب ممتلئا ذعرا # ومثله قوله: # فقام إلي مذعورا يلبي # وجون الليل مثل الطيلسان # ومثله: # ففزع من إدلاجنا بعد هجعة # وليس سوى ذي الكبرياء رقيب # تناوم خوفا أن تكون سعاية # وعاوده بعد الرقاد وجيب # ومثله: # يا رب صاحب حانة قد رعته ms089 # فبعثته من نومة المتزمل # وهكذا يروقه أن نستثيره الخمر، وهو يسعى إليها وتستجيشه وهو يشربها ويستمع إلى ~~ندمائها. # وما هو غاية الحرمان عنده؟ وما هو عقاب البخل على الخمرة بالمال؟ # إنه لا شيء غير الشعور بطول الوقت وثقلة الملل حتى تكون الساعة كالحين: # واصرفنها عن بخيل # دان بالإمساك دينا # طول الدهر عليه # فيرى الساعة حينا # ولهذا نرى الشاعر يستريح إلى كر الأيام بأسمائها في شعره، كما يستريح المسافر ~~الملول إلى عدد الفراسخ والمراجل التي خلفها وراءه، وكثيرا ما لغط قراؤه بما ~~أراده من إحصاء هذه الأيام، ولا مراد له غير السرور بفواتها وعدها وهي تنقضي ~~وتنصرم، وهو يشعر بعدها «بالوجاهة النرجسية»؛ لأنه لم يكن كذلك البخيل الذي ~~طول الدهر عليه. # ومن كلامه في هذا الغرض ذلك البيت المشهور: # أقمنا بها يوما ويومين بعده # ويوما له يوم الترحل خامس # ومنه: # تترك المرء إذا ما # ذاقها يرخى الإزارا # ويرى الجمعة كالسبت # وكالليل النهارا # ومنه: # فلم تزل في صباح السبت نأخذها # والليل أجمعه حتى بدا الأحد # ثم ابتدأنا الطلا باللهو من أمم # في نعمة غاب عنها الضيق والنكد # حتى بدت غرة الإثنين واضحة # والسعد معترض، والطالع الأسد # وفي الثلاثاء أعملنا المطي بها # صهباء ما فرغتها بالمزاج يد # والأربعاء كسرنا حد سورتها # والكأس يضحك في تيجانها الزبد # ثم الخميس وصلناه بليلته # قصفا وتم لنا بالجمعة العدد # ويلحق بهذا طي الشهر والشهرين بين حانات القفص وقطربل، كما حدثوا في بعض ~~خمرياته أنه أقام بقطربل من أول يوم في رجب إلى آخر يوم في شعبان، ثم عاد ليشرب ~~قبل أن تثبت رؤية الهلال، ونسبوا إليه أنه قال: # لو شئت لم نبرح من القفص # نأخذها صفراء كالجص # نسرق هذا اليوم من شهرنا # فربما يعفى عن اللص # فهذا الملل وذاك الفتور من مغرياته بالشراب وإدمان المعاقرة: إلا أنه إدمان حسي ~~لا يلزم منه أن يتهوس صاحبه بالخمر ذلك التهوس، الذي ينم على العقد النفسية ~~ويلعج فريسته، كأنما يركبها الشيطان فلا يدعها أو يوردها المورد الذي ~~يبغيه. # وينبغي ألا ms090 ننسى في معرض المغريات التي سولت لأبي نواس إدمان الشراب باعثا ~~قويا نظنه إحدى هذه المغريات ظن الاحتمال والترجيح، وذاك هو سوء العيش ونقص ~~الغذاء، وافتقار الجسم إلى الحركة والتنبيه، فإن أبا نواس قد عاش في ضنك وفاقة ~~معظم أيامه على غير ما يتوهم المتوهمون، وكان يسمي نفسه العاشق المفلس في بعض ~~شعره، ويبالغ فيما أنفقه على الخمر أحيانا فيروي لنا أنه أنفق عليها الثمانين ~~دينارا التي عاد بها من مصر ممتلئ الوطاب بجوائز الخصيب، وفي كل يوم يمتلئ ~~الوطاب هذا الامتلاء! فإذا كانت جوائز الخصيب التي كاثر بها المكاثرون لم تخلف ~~عليه إلا هذه الدنانير الثمانين، فما الظن بأيامه الأخرى التي تفرقت بين السجن ~~والإقصاء، وتبدل السادات والأولياء؟ تلك حال لا يستبعد على صاحبها أن يحوجه سوء ~~الغذاء إلى استفزاز البنية بالكحل وما إليه، كأنه بديل من الفخر بالآباء، وبديل ~~من السآمة والخواء. ~~••• # ونرجع إلى المقابلة بين أبي نواس وأوسكار وايلد في الخلة، خلة الإدمان، تطبيقا ~~لما أسلفناه من أن الاختلاف بينهما يثبت المشابهة كما يثبتها الوفاق. # فالشاعر الإيرلندي لا يشكو من عقدة النسب؛ لأنه من سلالة النبلاء، ولا يشكو من ~~سوء الغذاء؛ لأنه من الأغنياء، ولا يدفع السآمة بالخمر وحدها؛ لأنه مقتدر على ~~السياحة والتردد على المقاصف والملاهي والتشاغل بإقامة المآدب، وحضورها عند من ~~يدعونه إليها، وليس من همه أن يتحدى الناس بالشراب؛ لأن بيئة عصره لم تكن كتلك ~~البيئة التي كان أبو نواس يتحداها حين يقول: # ألا فاسقني خمرا وقل لي: هي الخمر # ولا تسقني سرا إذا أمكن الجهر # ولهذا اختلف النرجسيان في أمر الإدمان، فكان اختلافهم أدل على الآفة المشتركة ~~بينهما من الوفاق. # | طبيعته الفنية # الفن وأبو نواس # أحق الشعر النواسي بالدراسة النفسية - بعد الخمريات - هو شعره في الغزليات ~~والنسكيات، ولكن البحث النفسي يتقاضانا قبل ذلك أن نتكلم عن طبيعة فنه على ~~الجملة، فإننا إذا فهمنا طبيعته الفنية لم نجد صعوبة في فهم عاطفة الحب، ونوازع ~~العقيدة كما عبر عنها بقصائد الغزل أو القصائد الدينية. # وصفوة ms091 ما يقال في طبيعة فنه أنه ظاهرة من ظواهر العرض، الذي أشرفت عليه الطبيعة ~~النرجسية، وإذا كان الكلام عن شاعر فالعرض النرجسي والعرض الفني تعبيران ~~مترادفان. # يواجهنا الشعر النواسي بألغاز لا تفهم حيث تتلاقى الزندقة بالنسك، ويتلاحق غزل ~~المؤنث وغزل المذكر ويمتزج الهزل والجد، ولكننا إذا أدخلنا في حسابنا طبيعة ~~العرض النرجسي ومشتقاته، ولوازمه لم يبق من هذه النقائض لغز يستعصي على الفهم، ~~وأصبحت هذه الألغاز في كثير من المناسبات، وهي المفتاح الحاضر الذي يحل كل ~~إشكال. # فالعرض الفني هو قوام شعر أبي نواس، لا يهمه أن يتغزل أو يرثي أو ينظم في النسك ~~والحكمة، وإنما يهمه أن «يعرض» من طويته «دورا مسرحيا» يلفت النظر، وكل ~~عروضه الفنية هي مسرحيات تتميز بالموضوع، ولكنها تتساوى في صبغة واحدة: هي صبغة ~~التمثيل. # ولا نقصد بهذا أن شعره خلو من الشعور، بل نقصد به أن العرض هو الباعث الأول ~~عليه، وما عدا ذلك من شعور واقعي أو شعور فني، فهو تابع من توابع الباعث ~~الأصيل. # ولا يغيب عن بالنا أن الممثل المقتدر في فنه يستوحي شعور الدور الذي يمثله من ~~سليقته وخياله، ولا يغيب عن بالنا إلى جانب ذلك أن «التشخيص» # Identifcation # فطرة في النفس النرجسية، ~~يبلغ من غلبتها على الحس أن يخلع الإنسان شخصيته على كائن غيره، وهو لا يشعر ~~بذلك كل الشعور في صميم وعيه، فليس من العسير على الفطرة الفنية المطبوعة على ~~التشخيص أن تستوحي الشعور الذي يلائم عملها الفني، وتودعه قالب الكلام المطبوع ~~فإذا هو مطبوع. # نظم هذه الأبيات في رثاء خلف الأحمر: # لما رأيت المنون آخذة # كل شديد، وكل ذي ضعف # بت أعزي الفؤاد عن خلف # وبات دمعي أن لا يقف يكف # أنسى الرزايا ميت فجعت به # أمسى رهين التراب في جدف # 1 # وكان ممن مضى لنا خلفا # فليس منه إذ بان من خلف # ولم يكن خلف الأحمر قد مات حين نظمها، وسواء كان نظمها مستجيبا لاقتراح خلف ~~على الشعراء أصحابه، أو كان نظمها بغير اقتراح منه، فأبو ms092 نواس هو الشاعر الوحيد ~~الذي رويت له مرثاة لخلف الأحمر في حياته، وبقية القصة في بعض الروايات جديرة ~~بالشاعر في عبثه وسخريته، فإن خلفا على ما قيل قد استحسن أبيات الرثاء فقال له ~~تلميذه الهازل: يا أبا محرز! مت ولك عندي خير منها، فقال خلف: كأنك قد قصرت؟ ~~قال: لا، ولكن أين باعث الحزن؟ # وندع الرثاء وهو معلق بفقيد يموت، وننظر في شعر النسك الذي لا يتوقف النظم فيه ~~على غير الناظم، فإنما كان يطرق هذا الباب، أو يدعه كأنه دور من أدوار التمثيل ~~يأخذ منها ما يأخذ، ويوزع منها بين زملائه ما يحبونه وما يكرهون أن ينافسهم ~~عليه. # قال أبو مخلد الطائي: جاء أبو العتاهية إلى عندي فقال لي: إن أبا نواس لا ~~يخالفك، وقد أحببت أن تسأله ألا يقول في الزهد شيئا، فإني قد تركت له المديح ~~والهجاء والخمر والرقيق وما فيه الشعراء، وللزهد شوقي. فبعثت إلى أبي نواس فجاء ~~إلي وأخذنا في شأننا، وأبو العتاهية لا يشرب النبيذ معنا، فقلت لأبي نواس: إن ~~أبا إسحاق من قد عرفت في جلالته وتقدمه، وقد أحب أنك لا تقول في الزهد شيئا. ~~فوجم أبو نواس عند ذلك وقال: يا أبا مخلد! قطعت علي ما كنت أحب أن أبلغه من ~~هذا، ولقد كنت على عزم أن أقول فيه ما يتوب به كل خليع، وقد فعلت، ولا أخالف ~~أبا إسحاق فيما رغب فيه! # فمعارض الشعر إذن في عرفه وعرف زميله أبي العتاهية أدوار توزع على حسب الحاجة ~~إلى العرض الفني لا على حسب البواعث الصادقة من إلهام السريرة. وليس مما يفوت ~~الناقد في هذه القصة أن أبا العتاهية كان أثيرا عند أبي نواس، وأنه دون غيره ~~من معاصريه كان لديه في مقام التوقير والاستجابة للرجاء، وتلك إحدى العلامات ~~على عصبية الانحراف التي تقرب بين المنحرفين كأنها من وشائج اللحم والدم، وقد ~~كانت هذه العصبية على أشدها بين الشاعرين، وكانت القرابة بينهما في هوس ~~الانحراف أشد من النسب المدخول، ولو كان في المقام ms093 متسع للبحث في دخيلة أبي ~~العتاهية لفصلنا هنا أخباره ودلائل أطواره، ولكن قصة واحدة من قصصه تصور لنا ~~هذه الطبيعة المضطربة بين المجون والنسك، فتبدو لنا من بعض جوانبها كأنها ملامح ~~مكبرة مؤكدة من أبي نواس، فهما زميلان في أكثر من زمالة، وهذه القصة ترينا أن ~~أبا نواس كان على حق حين قبل من أبي العتاهية أن يستأثر دونه بالزهديات. # حدث مخارق المغني قال: جاءني أبو العتاهية فقال: عزمت على أن أتزود منك يوما ~~تهبه لي، فمتى تنشط؟ فقلت: متى شئت، فقال: أخاف أن يقطع بي، فقلت: والله لا ~~فعلت وإن طلبني الخليفة، فقال: يكون ذلك في غد. فلما كان من غد باكرني رسوله ~~فجئته فأدخلني بيتا له نظيفا فيه فرش نظيف، ثم دعا بمائدة عليها خبز سميذ وخل ~~وبقل وملح وجدي مشوي، فأكلنا منه، ثم دعا بسمك مشوي فأصبنا منه حتى اكتفينا ثم ~~دعا بحلواء فأصبنا منها وغسلنا أيدينا، وجاءونا بفاكهة وريحان وألوان من ~~الأنبذة، فقال: اختر ما يصلح لك منها، فاخترت وشربت، وصب قدحا ثم قال: غنني في ~~قولي: # أحد قال لي ولم يدر ما بي # فغنيته فشرب قدحا وهو يبكي أحر بكاء، ثم قال: غنني في قولي: # ليس لمن ليست له حيلة # ميسورة خير من الصبر # فغنيته وهو يبكي وينشج، ثم شرب قدحا آخر ثم قال: غنني فديتك في قولي: # خليلي ما لي لا تزال مضرتي # تكون من الأقدار حتما من الحتم # فغنيته إياه. # وما زال يقترح علي كل صوت غني به في شعره فأغنيه، ويشرب ويبكي حتى صارت ~~العتمة، فقال: «أحب أن تصبر حتى ترى ما أصنع، فجلست، فأمر ابنه وغلامه فكسر كل ~~ما بين أيدينا من النبيذ وآلته والملاهي، ثم أمر بإخراج كل ما في بيته من ~~النبيذ وآلته، فأخرج جميعه فما زال يكسره ويصب النبيذ وهو يبكي حتى لم يبق من ~~ذلك شيء، ثم نزع ثيابه واغتسل، ثم لبس ثيابا بيضاء من صوف، ثم عانقني وبكى، ثم ~~قال: «السلام عليك يا حبيبي وفرحي من ms094 الناس كلهم، سلام الفراق الذي لا لقاء ~~بعده» وجعل يبكي ويقول: «هذا آخر العهد بك في حالة تعاشر أهل الدنيا»، فظننت ~~أنها بعض حماقاته وانصرفت وما لقيته زمانا، ثم تشوقته، فأتيته فاستأذنت عليه، ~~فأذن لي، فدخلت فإذا هو قد أخذ قوصرتين - أي: وعائين من قصب - وثقب إحداهما ~~وأدخل رأسه ويديه فيها وأقامها مقام القميص، وثقب الأخرى وأخرج رجليه منها ~~وأقامها مقام السراويل. فلما رأيته نسبت كل ما عندي من الغم عليه والوحشة ~~لعشرته، وضحكت والله ضحكا ما ضحكت مثله قط، فقال: «من أي شيء تضحك؟» فقلت: ~~«سخن الله عينك؟ هذا أي شيء هو؟ من بلغك عنه أنه فعل مثل هذا من الأنبياء ~~والزهاد والصحابة أو المجانين؟! انزع عنك هذا يا سخين العين» فكأنما استحى مني، ~~ثم بلغني أنه جلس حجاما، فجهدت أن أراه بتلك الحال فلم أره، ثم مرض فبلغني أنه ~~اشتهى أن أغنيه فأتيته عائدا فخرج إلي رسوله يقول: «إن دخلت إلي جددت لي ~~حزنا، وتاقت نفسي من سماعك إلى ما قد غلبتها عليه، وأنا أستودعك الله وأعتذر ~~إليك من ترك الالتقاء، ثم كان آخر عهدي به».» # وهذه القصة التي قصها علينا مخارق تمثل لنا نسخة من نسخ العرض المضطرب بين ~~المجون والنسك، وترينا وشيجة من وشائج القرابة في الانحراف بين نفس أبي ~~العتاهية ونفس أبي نواس، وسنرى فيما بعد أن القرابة بينهما أوثق من ذلك، ولا ~~سيما في باب النسك والتوبة، وأن الحكمة التي تقول لنا: إن الجنون فنون أعمق ~~وأصدق مما أراد القائلون. # وبديه أن أبا نواس لم تكن به حاجة إلى طبيعة العرض في معظم الأبواب، التي قال ~~أبو العتاهية: إنه ترك النظم فيها كالمديح والهجاء وما فيه الشعراء، فهذه ~~الأبواب قد اصطلح الناس جميعا على بداهتها، وفهموا أنها تدور على العطاء ~~والمنح والمودة والجفاء، فلا حاجة للشاعر إلى خلق أسبابها من عنده، ولكن بابا ~~من الأبواب تركه أبو العتاهية، وأكثر أبو نواس من النظم فيه قد كان يصدر منه عن ~~طبيعة العرض، ولا تدعوه إليه ms095 حاجة الشاعر إلى الكسب أو إلى التسلح بالمدح ~~والهجاء؛ لترغيب الأصدقاء وترهيب الأعداء، وذلك الباب هو باب الطرد ووصف الصيد، ~~فكل بواعثه عند أبي نواس إنما هي من قبيل العرض الفني بغير مشاركة من البواعث ~~«المعيشية» المصطلح عليها بين معاصريها. # ولا يعتمد الناقد على تعليل قصائد الطرد بطبيعة العرض لو كان أبو نواس من هواة ~~الصيد في غير صحبة يجاريها، كما يجاري كل صحبة. # وإنما يكون الشعر من «العرض الفني» حين يكون مداره على الصورة والحكاية، وهكذا ~~كان شعر أبي نواس في قصائده الطردية على الإجمال، فإنه وإن صاحب الصيادين على ~~ما يظهر من بعض شعره، لم يؤثر عنه أنه كان يحب الطرد والصيد ذلك الحب الغلاب، ~~وإنما نظم فيه ليعرض قدرته على النظم في هذا الباب ، فاختار أكثر طردياته من ~~الرجز وهو وزنه التقليدي عند الشعراء، واصطنع فيه الغريب ليحكي إمام الرجاز ~~رؤبة بن العجاج وهو مشهور بكثرة غريبه في أراجيزه. فكل ما في هذا الباب «عرض ~~فني» تنحصر بواعثه في هذه الرغبة، ولا تعبر عن باعث نفسي غير هذا الباعث، ومن ~~اتفاق العرض أنه كان يتخير القوافي الفخمة العسيرة كالطاء والظاء، ومن أمثلتها ~~قوله في وصف كلب: # أنعت كلبا جال في رباطه # جول مصاب فر من إسعاطه # 2 # عند طبيب خاف من سياطه # هجنا به وهاج من نشاطه # كالكوكب الدري في انخراطه # عند تهاوي الشد وانبساطه # يقمم القائد في حطاطه # وقده البيداء في اعتباطه # 3 # لما رأى العلهب في أقواطه # سحابه وقر في التباطه # 4 # كالبرق يذري المرو بالتقاطه # مثل قلي طار في إنفاطه # 5 # وانصاع يتلو على قطاطه # 6 # أغضف لا ييأس من خلاطه # إلى آخر الأرجوزة على هذا المثال. # وفي هذا الباب على حرف الظاء: # أعددت كلبا للطراد فظا # إذا غدا من نهم تلظى # وجاذب المقود واستلظا # كأن شيطانا له ألظا # يكظ أسراب الظباء كظا # حتى تراها فرقا تشظى # يجوز منها كل يوم حظا # حتى ترى جميعها مفتظا # وقس على ذلك سائر طردياته وهي من أجود ms096 منظوماته، وباعثها كلها ما علمنا من حب ~~العرض الفني المتمكن من خليقته من ناحية الطبيعة النرجسية والهبة الفنية، فلولا ~~أن رؤبة قد أغرب في رجزه، ولولا أن الطرد ينظم في الرجز، ولولا أن أبا نواس قد ~~حفظ الغريب وأحب أن يعرضه، فلم يجد لغرضه بابا غير هذا الباب، لما ألح على هذا ~~الباب ينظم فيه، ويعيد النظم على السهل والصعب من قوافيه. # وقد أجمع مؤرخو الأدب لعصر أبي نواس على علمه بالغريب، وأغرق بعضهم في توسعة ~~نصيبه من العلم به حتى زعم أنه لم ينظم الشعر إلا بعد أن حفظ ألف أرجوزة، ثم ~~أمره أستاذه خلف الأحمر بنسيانها، وأغرق هو في مثل هذه المبالغة فقال: إنه لم ~~ينظم الشعر إلا بعد أن روى لأكثر من ستين شاعرة، وناهيك عن الشعراء الفحول، ~~فإذا تركنا جانب الإغراق من هذه الأقاويل، فالذي يبقى ثابتا لا مبالغة فيه أنه ~~كان وافر العلم بالغريب والأراجيز، وأنه احتاج إلى العرض في هذا الباب؛ لأنه ~~كان في شعره كله سهلا قليل الإغراب لا يطرق الحوشى من الألفاظ إلا في الندرة ~~النادرة، ولا بد هنا من ملاحظتين على تقليد أبي نواس للأقدمين حين يكون هذا ~~التقليد سبيلا للعرض ولفت النظر، فأولى هاتين الملاحظتين أنه كان حريصا على ~~محاكاة الأعراب في أسلوبه ونسي هنا الإزراء على جفاء الأعراب؛ ولأن العرض في ~~باب الطرد لا يأتي له مع نبذ جفاء الأعراب، والملاحظة الثانية أنه اجتنب التصرف ~~في مطالع الأراجيز، فهي تحكي مطالع الأقدمين في هذا الباب، ومنها تكراره «أنعت ~~كلبا» و«قد أغتدي» و«يا رب» و«لما»، وكلها مما تفتح به الأراجيز، وهو يحافظ ~~عليها حتى حين يترك الأرجوزة إلى ما يشبهها من المجزوءات كما قال: # ربما أغدو مع كلبي # طالبا للصيد في صحبي # ثم يعود في هذا الوزن الخفيف إلى الإغراب في الغريب فيقول: # فسعونا للحزيز به # 7 # فدفعناه على أظب # فاستدرته فدر لها # يلطم الرفقين بالترب # فادراها وهي لاهية # وجحيم الحاذ والغرب # 8 # ففرى جماعهن كما # قد مخلولان من عصب ms097 # غير يعفور أهاب به # جاب دفيه عن القلب # 9 # ضم لحييه بمخطمه # ضمك الكسرين بالشعب # وانتهى للباهيات كما كسر # ت فتخاء # 10 # عن لهب # فتعانى التيس حين كبا # ودنا فوه من العجب # 11 # ظل بالوعساء # 12 # ينفضه # أزما منه على الصلب # تلك لذاتي وكنت فتى # لم أقل من لذة حبي # وقد غير هنا البحر ولم يستطع أن ينزع عن لوازم العرض في باب الطرد، وهي الإغراب ~~في اللفظ، فملأ هذا البحر المستخف بالجلاميد الجافية من مفردات اللغة الوعرة؛ ~~لأن الغرض الأكبر هو إظهار القدرة على الإغراب ومحاكاة الأعراب. # فالشاعر على هذا ماض مع طبيعة العرض تملي عليه هذه الطبيعة أن ينعي على الأطلال ~~فينعاها، وتملي عليه أن يحذو حذو الأقدمين فيبالغ في محاكاتهم، وينتزع من ~~درايته باللغة شملة بدوية لا ملاءمة بينها وبين أسلوبه، حيث يلبس للحضر لبوسه ~~ويناجي أبناءه وبناته بما يأنسون من لغة الأندية ومجالس اللذات. # وقد سئل الشاعر عن جيده ورديئه فقال: إذا أردت أن أجد قلت مثل قصيدي: «المنتاب ~~من عفره»، وإذا أردت العبث قلت مثل قصيدي: «طاب الهوى لعميده». فأما الذي أغني ~~فيه وحدي وكله جد «فإذا وصفت الخمر». # وهذه رواية تشككنا في صحتها أو تشككنا في صواب أبي نواس حين يحكم على شعره، ~~فإن قصيدته: «طاب الهوى لعميده» ليست من شعره الرديء على كثرة الرديء منه، ولكن ~~الصواب - لو كان أبو نواس ينفذ إلى دخيلة طبعه - أن يقول: إنه يجيد حين يجمع ~~قريحته للعرض الفني، ويسف ويهبط حين ينسى العرض، ويترك قريحته في ~~مباذلها! ~~••• # على أن النرجسية قد استوفت نصيبها من كل مسماها، فليس التهافت على العرض كل ما ~~يجنيه الفنان من الطبيعة النرجسية، وليس بالنادر أن يستفيد منها نفخة من لطافة ~~الحدس، وشفافية الحس تلهمه الخواطر التي تدق على الطبيعة الخشنة، وهذه المزية ~~لم يحرمها أبو نواس، فأفادته زكانة في كثير من طرائفه كأنها زكانة تلك اللغة ~~الوحيدة، التي كان يتفاهم بها مع أودائه ويعنيها بقوله: # أزور محمدا فإذا التقينا # تكلمت الضمائر في ms098 الصدور # فأرجع لم ألمه ولم يلمني # وقد رضي الضمير عن الضمير # أمور ليس يعرفها سوانا # يحير لطفها بصر البصير # أو يعنيها بقوله: # تجمع عيني وعينها لغة # مخالف لفظها لمعناها # إذا اقتضاها طرقي لها عدة # عرفت مردودها بفحواها # فإذا لم تكن طرائفه كلها من وحي هذه اللغة، فمن وحيها ولا شك قسط غير يسير. # | غزل المؤنث والمذكر # الحب والغزل # قال أبو نواس في جنان: # ما هوى إلا له سبب # يبتدي منه وينشعب # فتنت قلبي محجبة # وجهها بالحسن منتقب # خليت والحسن تأخذه # تنتقي منه وتنتخب # فاكتست منه طرائفه # واستزادت بعض ما تهب # فهي لو صيرت وفيه لها # عودة لم يثنها أرب # 1 # صار جدا ما لعبت به # رب جد جره اللعب # وقال في عريب: # صيرني عبدا لها مذعنا # حبي لها، والحب شيء عجب # لو وعدتني موعدا صادقا # أو كاذبا، بالجد أو باللعب # ظننت أني نلت ما لم ينل # ذو صبوة من عجم أو عرب # وقال: # جفن عيني كاد يس # قط من طول ما اختلج # وفؤادي لحر حب # ك والهم قد نضج # خبريني فداك نفس # ي وأهلي متى الفرج # كان ميعادنا خرو # ج زياد، وقد خرج # أنت من قتل عائذ # بك في أضيق الحرج # وقال في دنانير: # صليت من حبها نارين واحدة # بين الضلوع وأخرى بين أحشائي # وقد حميت لساني أن أبين به # فما يعبر عني غير إيمائي # يا ويح أهلي أبلى بين أعينهم # على الفراش وما يدرون ما دائي # لو كان زهدك في الدنيا كزهدك في # وصلي مشيت بلا شك على الماء # وقال في حسن: # طفلة خوذ رداح # هام قلبي بهواها # قدها أحسن قد # فاسألوا من قد رآها # ما براها الله إلا # فتنة حين براها # تنثر الدر إذا غن # ت علينا شفتاها # وترى للعود زهوا # حين تحويه يداها # ربما أغضيت عنها # بصري خوف سناها # هي همي ومناي # ليتني كنت مناها # وقال في عنان: # لولا حذاري من جنان # لخلعت عن رأسي عناني # وركبت ما أهوى ولم # أحفل مقالة من نهاني # وخرجت أخبط سادرا ms099 # لم أغن عن حب الغواني # قد ذبت غير حشاشة # في النفس تحسبها الأماني # يا من يلوم على الصبا # دعني فشأنك غير شاني # لم تلق من حر الهوى # ما قد لقيت على عنان # أني ترد علي قلب # راح في غلق الرهان؟ # قلبا إذا كلفته # غير الذي يهوى عصاني # قد خضت في لجج الهوى # وشربت صافية الدنان # ومضمخات بالعب # ير نزلن من غرف الجنان # راضعتهن من الصبا # كأسا عقدن بها لساني # أقبلن من باب الرصا # فة كالتماثيل الحسان # يحففن أحور كالغزا # ل أمر إمرار العنان # يمشي بردف كالنقا # يختال تحت قضيب بان # ولقد أقول لمن دعا # ه من الهوى ما قد دعاني # أبلغ هواك من الغنا # والكأس واغن عن الزمان # لا يشغلنك غير ما # تهوى فكل العيش فان # ودع الهوان لأهله # إن زلت عن دار الهوان # وقال في جنان: # دع جنانا وحبها # عنك إن كنت عاقلا # لا تذكر بنفسك المو # ت إن كان غافلا # أنت إن لم تمت بها ال # عام لم تنج قابلا # رجمت نفسك التي # ذهبت عنك باطلا # وقال فيها: # ولقد سباك منعم # ميسان مبتهج ربيب # خود يحول وشاحها # في طي مئزرها كثيب # وإذا تقوم لشأنها # يمشي بأعلاها قضيب # فالويل لي ما حل بي؟ # قد شفني حزن مذيب # بين الجوانح والمفا # صل كالشرار له لهيب # وقال في منية: # أبت عيناي بعدك أن تناما # وكيف ينام من ضمن السقاما # بكيت من الفرق لما ألاقي # وراجعت الصبابة والغراما # رجعت إلى العراق برغم أنفي # وفارقت الجزيرة والشآما # على شط الشآم وساكنيه # سلام مسلم لقي الحماما # مذكرة مؤنثة مهاة # إذا برزت تشبهها الغلاما # تعاف الماء والعسل المصفى # وتشرب من فتوتها المداما # وقال موريا أو مصرحا: # لما تكشف عني أنني كلف # كشفت عمدا لهم عمن به الكلف # جيم وجدت لها نونين بينهما # لمن تهجى اسمها أو خطه ألف # يضمه من ثقيف بعض دورهم # ما بينكم بعد ذا التبيان مختلف # وقال من غزل المذكر: # غزال به فتر وفيه تأنث # وأحسن مخلوق وأجمل من مشى # أقول له ms100 يوما وقد مضني الهوى: # أطلت عذابي فيك يا خير من نشا # فقال: ألما يأن أن نترك الصبا # وما لك يا هذا؟ وما لي؟ وما تشا؟ # فقلت له: أقصر عن اللوم سيدي # فمن ذا يطيق الصبر عن مشبه الرشا # أرى لك وجها فتت القلب حسنه # به ينجلي كربي وقد ينجلي الغشا # أتقتلني إن قلت: إني أحبه # ولا ذنب لي إن كان في الناس قد فشا # كتمت الهوى حتى أضر بمهجتي # وكان الهوى طفلا صغيرا فقد نشا # فرق لي المولى ففزت بموعد # وقال: انتظرني قبل مقتبل العشا # وقال منه: # ومعشوق الشمائل والدلائل # كقرن الشمس في قد الغزال # تأزر بالملاحة وارتداها # وسربل بالكمال وبالجمال # ضيا شمس تفرع في قضيب # ودعص نقا ترجرج في اعتدال # له في خده خال مليح # بنفسي ذاك من خذ وخال # وقال: # مستيقظ اللحظ في أفنان وسنان # قبلت فاه فحياني بريحان # مستبعد للأماني حسن منظره # عف الضمير ولكن لحظه زان # يا من تأنق باريه وصوره # دعصا من الرمل في غصن من البان # وقال: # وظبي تقسم الآجا # ل بين الناس عيناه # وتورى البث والأشجا # ن في القلب ثناياه # وتحكي البدر وقت التم # للأعين خداه # تعالى الله ما أحس # ن ما صوره الله # ولو مثل نفس الحس # ن شخصا ما تعداه # له آخرة قد أش # بهت في الحسن دنياه # فلو أنا جحدنا الل # ه يوما لعبدناه # بنفسي من إذا ما النأ # ي عن عيني واراه # كفاني أن جنح اللي # ل يغشاني وأغشاه # وقال: # متتايه بجماله صلف # لا يستطاع كلامه تيها # للحسن في وجناته بدع # ما إن يمل الدهر قاسيها # لو كانت الأشباح تعرفه # أجللنه إجلال باريها # لو تستطيع الأرض لانقبضت # حتى يكون جميعه فيها # وقال: # أيها الناس ارحموني # وتمشوا بي إليه # كلموه في سكون # لا تشقن عليه # كلموه اليوم يرضى # عن أسير في يديه # لو رأيتم حين يمشي # كاسرا من حاجبيه # في إزار قد لواه # ثم دلى طرفيه # قلتم: ذا الفتك حقا # ليس ما نحن عليه # وقال موريا أو مصرحا: # لكن إذا ms101 عيل صبري # ذكرته في هجاتي # عين ولام وميم # مليحة النغمات # وقال كذلك: # لم أزل أخلع في الحب الرسن # وفؤادي عند طبي مرتهن # وجفوني ساكبات دمعها # والحشا في حشوه مني الحزن # منذ أبصرت هلالا طالعا # يتثنى بقوام كالغصن # ميمه شف فؤادي في الهوى # وبحاء، فيه قلبي قد فتن # وبميم بعدها أقلقني # وبدال سل روحي من بدن # هذه أمثلة متفرقة من غزل أبي نواس في المؤنث والمذكر، جمعناها بين جدها وهزلها، ~~ومبالغتها واعتدالها، وجيدها ورديئها، وعرضناها معا ليقابل بينها من يشاء كما ~~قابلنا بينها، فهي على ما نرى سواء في لبابها وقشورها، لا يجزم الناقد برجحان ~~غزل المؤنث منها على غزل المذكر، ولا برجحان غزل المذكر منها على غزل المؤنث، ~~وإذا اتفق تفضيل قطعة من هذا الغزل على قطعة من ذلك الغزل، فكما يتفق تفضيل ~~القطعة على الأخرى في الغزل الواحد، أو كما يتفق التفاضل بين كلام الشاعر في ~~بعض أغراضه أو في جميع أغراضه، فلا يكون الشاعر مجيدا في كل ما يقول ولو قصر ~~النظم على بابه الذي فرغ له، ولم يستحسن له قول في غيره. # وتتشابه الصفات والملامح التي يهواها الشاعر في معشوقاته ومعشوقيه، ويهوى ~~المعشوقة أحيانا؛ لأنها «مذكرة مؤنثة» ويهوى المعشوق أحيانا؛ لأنه «متفتر ~~وفيه تأنيث»، فكما يكون من محببات الأنثى إليه أنها تشبه الغلام في بعض أوصافه، ~~كذلك يكون من محببات الأنثى إليه أنها تشبه الأنثى في بعض الأوصاف. # إنما جزم بعض النقاد برجحان غزله في المذكر على غزله في المؤنث؛ لأنهم ساقوا ~~أنفسهم اضطرارا إلى هذا الترجيح، وفرضوا فرضهم الأول بغير فهم لحقيقته، ثم ~~ألزموا أنفسهم نتائجه عن اعتساف لا دليل عليه. # فرضوا أن الشذوذ الجنسي شيء واحد يستلزم أن يكون الشاذ منحرفا إلى هوى أبناء ~~جنسه، ثم وجدوا أبا نواس يتغزل بالجواري كما يتغزل بالغلمان، ووجب أن يعللوا ~~هذه الغرابة فعللوها بالصدق في أحد الغزلين والكذب في الغزل الآخر، ولكنهم إذا ~~رجعوا إلى الحقيقة لم يجدوا علامة من علامات الصدق عندهم ينفرد بها غزل المذكر ~~أو ms102 غزل المؤنث، سواء نظروا إلى التعبير عن الشعور، أو نظروا إلى الإجادة ~~الفنية، وهذا على فرض أن الإجادة الفنية شرط من شروط الشعور الطبيعي في أهل ~~الفنون وفي سائر الناس. # وتصحيح هذا الخطأ إنما يكون بالرجوع إلى العلل النفسية، كما شرحتها الدراسات ~~الأخيرة، فأصل الخطأ سوء فهم الشذوذ الجنسي الذي انطوت عليه طبيعة أبي نواس، ~~فلم يكن شذوذه يستلزم الشغف بأبناء جنسه دون غيرهم، ولم يكن جنسه هو سويا غير ~~مشترك حتى يظن أنه يميل إلى جنس واحد، وإنما كانت له طبيعة جنسية تشتبه بكلا ~~الجنسين، وتتشكل بهذا الشكل مرة وبذلك الشكل مرة أخرى، على حسب غوايات الطبيعة ~~النرجسية، ومن ثم حبه الفتى؛ لأنه كالفتاة وحبه الفتاة لأنها كالفتى، ونظرته ~~إلى الرجولة بعين المرأة في بعض الأحايين. # وإذا اعتبرنا رجحان الغزل بما ينم عليه من حرارة الشعور، فربما توافقت الآراء ~~على أن غزله في جنان أنم على حرارة الشعور من سائر غزله، فإن لم تتوافق الآراء ~~على ذلك فلا نعرف قصيدة في غزل المذكر يحسبها النقاد راجحة بحرارة الشعور على ~~سائر القصائد الغزلية. # والمدار في غزل أبي نواس جميعه على الصورة التي يشخص بها نفسه في ذات معشوقه أو ~~معشوقته على دأب النرجسيين، وقد مر بنا أنه كان يعجبه ممن يتغزل به أن يلثغ ~~بالراء وأن يتشبه بالأدباء، وأن يقتدي به يوم كان معشوقا في صباه، ولم تفارقه ~~هذه الخليقة النرجسية حتى بعد أن كبر واكتهل، فكان يقول في معشوق ملتح: # قال الوشاة: بدت في الخد لحيته # فقلت: لا تكثروا، ما ذاك عائبه # الحسن منه على ما كنت أعهده # والشعر حرز له ممن يطالبه # بهى وأكثر ما كانت محاسنه # أن زال عارضه واخضر شاربه # وصار من كان يلحي في مودته # إن سال عني وعنه قال: صاحبه # وبديه أن النظر في غزل أبي نواس لا محل فيه للكلام على وفاء العشاق بالمعنى، ~~الذي عرفه قراء الأدب العربي من أخبار العذريين، بل لا محل فيه حتى للتجمل الذي ~~كان يناسب سمت الشعراء ms103 الغزليين من أمثال ابن أبي ربيعة، فقد كانت بيئة أبي ~~نواس بعيدة عن بساطة البداوة، وبعيدة عن تجمل ذوي البيوتات من الفتيات ~~والعقائل، وكانت بيئته على الأكثر بين الجواري والقيان وبين المتعرضين لشعراء ~~المجون من الغلمان، وقد زاد عدد معشوقاته المذكورات في ديوانه على عشر، منهن ~~جنان ودر ودنانير ونبات وحسن ومنى ومنية وسمجة وعنان ومكنون وعريب وقاتل، عدا ~~اللاتي تغزل بهن ولم يذكر أسماءهن، وكان يبث لوعته لعنان في إبان مناجاته ~~لجنان، فيقول: # لولا حذاري من جنان # لخلعت عن رأسي عناني ~~... ... ... ... ~~... ... ... ... # يا من يلوم علي الصبا # دعني فشأنك غير شأني # لم تلق من حرق الهوي # ما قد لقيت على عنان # وتغزل بمثل هذا العدد أو أكثر من المعشوقين، فلم يحرص على ظاهر الوفاء فضلا عن ~~مضمره ومكنونه، ولم يكن عرف البيئة يتطلب منه هذا المظهر في غزله بالمؤنث أو ~~غزله بالمذكر، فما كان الغزل في عرفهم إلا تسلية وتزجية فراغ وشغلانا بثرثرة ~~المجالس، ووشايات المجتمع ومناوشات الأندية التي يجتمع فيها الشاربون، وطلاب ~~السماع والمسمعات أو المسمعون من القيان والمغنيين. # ذلك كان ديدن العصر بجملته. أما الزيادة من أبي نواس على عرف عصره، فهي زيادة ~~الطبيعة الموكلة بالعرض والتشخيص، وهي زيادة الطبيعة النرجسية التي تجعل ~~العاطفة نحو غيره كالمنقولة أو العارية المستردة؛ لأن النرجسي كما تقدم يتمثل ~~نفسه في غيره، ولا يحب ذلك الغير إلا بمقدار الدور الذي يحكيه أو الزي الذي لا ~~يلبث أن يخلعه، وبخاصة حين يكون النرجسي كأبي نواس «مشترك الجنس» قادرا على ~~تمثل شخصه في الإناث والذكور، وعلى تمثل نفسه محبوبا للرجال والنساء. # ويبدو لنا أن شعره الذي يعلن فيه زهده في المرأة إنما كان من إعراض المرأة عنه ~~لا من إعراضه هو عن المرأة، وأنه كان يشتهي المرأة فلا يستهويها فيداري خيبته ~~معها، ويوهم الناس أنه يتركها باختياره، ولا يتركها على الكره منه. # وكان يعجب الناس أن يتحدثوا بعجائبه وشذوذ طبعه، فيجمع المتكلمون عنه على رفض ~~الزواج، ولم يصدقوا كل الصدق على ما يظهر من ms104 قوله يخاطب ابنة له: # يا ابنتي أبشري بميرة مصر # وتمني وأسرفي في الأماني # وقوله عمن تركها في بيته: # تقول التي عن بيتها خف مركبي # عزيز علينا أن نراك تسير # ولا بد من الرجوع بشيء من مبالغات أبي نواس في الولع بالغلمان إلى البدعة التي ~~نشأت في زمانه ولم تكن لها سابقة في الأدب العربي قبله، فلم يسمع عن شاعر من ~~الجاهليين والمخضرمين أنه نظم الشعر غزلا بالمذكر، ولم يكن غزل ابن مناذر قبيل ~~أبي نواس بقليل على هذا التهتك والمجون، الذي فشا حوالي منتصف القرن الثاني ~~وقبل نهايته، ففي هذه الفترة كان غزل المذكر بدعة يلهج بها من لم يكن من أهل ~~الفسوق والمجانة، ومن أخبار ابن منظور التي رواها عن أبي نواس أنه عشق فتى يسمى ~~جمالا الدارمي، وكان لا يشرب الخمر ولا يغشى معارض الشبهات، وقد تغزل بخمسين ~~غلاما ولما يجاوز العشرين. وفي هذا الفتى يقول أبو نواس: # يا واصف الخمسين لو تعدل # لكان فيهم اسمك الأول # وصفت خمسين فميزتهم # وأنت أنت الظبية المغزل # جمال دع عنك لنا وصفهم # أنت وربي منهم أجمل # وما كان من شيم أبي نواس - وهو المطبوع على العلانية والتحدي - أن يشهد البدعة، ~~ولا يتمادى فيها حتى يسبق مبتدعيها، فالإفراط في غزل المذكر لا يحسب كله على ~~أبي نواس، ولا يتخذ كله دليلا على نوازعه وأهوائه، ويصدق عليه في هذه الخلة ما ~~يصدق على الشيطان في أمثال الغربيين، فليس هو من السواد الحالك بحيث يرسمه ~~الرسامون! # ثم تنحسر الشهرة عن زياداتها وتثوب الطبيعة إلى حدودها، فتبدي لنا الحسن بن ~~هانئ في تلك الحدود على حقيقة شذوذه الجنسي، الذي يفسر غزله بالمؤنث وغزله ~~بالمذكر، ويفسر تأنثه في صباه ويفسر مبالغته ودعواه، وذلك هو شذوذ الطبيعة ~~النرجسية التي مكنتها فيه بيئته من أهله وعصره ومعاشريه. # | الجاحدون واللادينيون # عقيدة أبي نواس # ينقسم الناس إلى مؤمنين وجاحدين، أو كافرين. # وهذا تقسيم شائع في اصطلاح المباحث الدينية، ولكن النفسيين يهمهم الاستعداد ~~النفسي، وارتباطه بتركيب البنية، وبواطن السريرة، فهم يقسمون ms105 الناس على حسب هذا ~~الاستعداد إلى قسمين آخرين وهما الدينيون واللادينيون. # وهنالك فارق أصيل بين الجاحدين واللادينيين: فالجاحد قد ينكر دينا لم تطمئن ~~سريرته إلى عقائده وشعائره، ويظل متفتح القلب للإيمان بدين آخر، وقد ينكر ~~الأديان التي يعرفها جميعا، ويجاهد في إنكارها بحماسة تشبه حماسة المؤمن ~~المستبسل في جهاده، ولعله ينكر الأديان التي يعرفها تشوقا إلى دين يسمو عليها، ~~ويرتفع لديه إلى المثل الأعلى الذي يحلم به ويتمناه. # فإن لم يكن منكرا للدين على نحو من هذه الأنحاء، فهو مهتم بالدين على أية حال، ~~وليس مكان الدين من باطنه خواء لا يتسع لإيمان ولا إنكار، ولا مناقشة ولا ~~انتظار. # أما اللادينيون فهم مخالفون للجاحدين في هذه الخلة، إذ هم لا يحفلون بالدين ~~ولا ينشطون لقبوله ولا لإنكاره، ولا يشغلون عقولهم به لمحة عين كأنهم ولدوا قبل ~~وجود الأديان فلم يسمعوا بها، ولم يشعروا قط بخاطر من خواطرها، فهم غرباء ~~منقطعون عن هذا الشاغل القوي من شواغل الوجدان. # إن الجاحد قد يكون عدوا أو مهادنا أو على الحيدة بين معسكرين، أما اللاديني ~~فليس هو بعدو ولا مهادن ولا محايد، ومجمل القول فيه: أنه غريب عن ~~الميدان. # وذلك كما تقدم فارق أصيل بين الجاحدين واللادينيين: فمن أي الفريقين كان ~~الشاعر أبو نواس؟ # لم يكن عن يقين من اللادينيين؛ لأنه لم ينقطع قط عن اللهج بالأديان، وإن كان ~~ليلهج بها لهجا لا يطيب للمتدينين الصالحين. # وليقل من شاء ما شاء في زندقته ومجونه وعصيانه ولغو لسانه، فإنه بعد كل ما يقال ~~من هذا القبيل بعيد جدا أن يحسب من اللادينيين، الذين صغر مكان الدين من ~~نفوسهم، فلم يشغلهم منه شاغل ولم يكن فيه ولا في أهله ما يهمهم على وجه من ~~الوجوه. # وإذا صرفنا النظر عن نوع اشتغاله بشأن الدين، فليس بين شعراء العربية من عناه ~~هذا الشأن كما عناه؛ إذ هو لم يذكر قط مجلسا من مجالس لهوه، ولا معرضا من ~~معارض غزله إلا أشار معه إلى جوه الديني أو علاقته الدينية، ms106 بغير داعية من ~~دواعي الموضوع أو المقام. # ولو ذهبنا نستقصي هذه الإشارات لأوشكنا أن ننقل ديوان غزله ومجونه، ولكننا ~~نجترئ بما يكفي للدلالة على هذه النزعة العجيبة في قريحته ووجدانه. # منها في موعد: # وظباء يتلون سفرا من الإنجي # ل باكرن سحرة قربانا # ومنها: # صفراء مجدها مرازبها # جلت عن النظراء والمثل # ومنها: # خذها على دين المسيح إذا نهى # عن شربها دين النبي محمد # ومنها: # آذنك الناقوس بالفجر # وغرد الراهب في العمر # ومنها: # حراما كان أوله حلالا # فخل الحل يذهب بالحرام # ومنها في الغزل: # يا سمي الكليم من كلم الله # وأدنى مكانه تقريبا # وشبيه الذي تلبث في السجن # سنينا وكان برا نجيبا # وابن قارئ القرآن غضا كما # أنزل قد سمت قلبي التعذيب # ومنها في الغزل أيضا: # ألا يا قمر الدار # ويا مسكة عطار # ويا نفحة نسرين # ويا وردة أشجار # ويا عرش سليم # ان إذا هم بأسفار # ويا مزمور داود # إذا يتلى بأسحار # ويا كعبة بيت الل # ه ذا ركن وأستار # لقد أصبحت من حبك # بين الخلد والنار # ولا نهاية لهذا المعنى إلا باستنفاد خمرياته وغزلياته، فهو لا يني في قصائده ~~هذه «يتحرش» بالدين والعبادة، وينم تحرشه هذا على العاطفة التي ينم عليها ~~التحرش عادة، وهي عاطفة ليست من العداء وليست من الازدراء، ولكنها شغلان يشوبه ~~العبث واهتمام لا يقوى على الجد، ولا على الترك والنسيان، وفهمه ميسور إذا ~~قسناه على كل تحرش من قبيله في العواطف الإنسانية، فالتحرش قبل كل شيء ~~اهتمام. # مغالاة بقيمة اللذة # وهذا الاهتمام بذكر الحرمات في شعر أبي نواس إنما هو مغالاة بقيمة لذته، ~~وتقريبه بين الشعور بها والشعور بالقداسة، فليس هو في وعيه الخفي حطا من قيمة ~~الحرمات، بل رفع لقيمة اللذات واعتزاز بمقاربتها لمكان الصون من العبادة ~~والتقوى. # دخل أبو نواس السجن لاتهامه بالزندقة، وطال حبسه حتى زار السجن خال الوزير ~~الفضل بن الربيع يتفقد السجناء، ويتحرى أسباب سجنهم، فسأل أبا نواس: أزنديق ~~أنت؟ قال: معاذ الله! قال: لعلك ممن يعبد الكبش؟ قال: أنا آكل الكبش ms107 بصوفه، ~~قال: فلعلك ممن يعبد الشمس؟ قال: إني أترك القعود فيها بغضا لها، فكيف أعبدها؟ ~~قال: أفتذبح الديك؟ قال: ذبحت ألف ديك؛ لأن ديكا مرة نقرني فحلفت لا آخذ ديكا ~~إلا ذبحته. فسأله: ألك ذنب غير هذا؟ قال: لا والله! اتهموني أنني أشرب شراب أهل ~~الجنة وأنام خلف الناس. قال - وكانت فيه غفلة: فأنا أيضا أفعل هذا فلماذا ~~حبست؟ ثم خرج إلى الفضل فقال: ما تحسنون جوار النعم، تحبسون من لا ذنب ~~له! # ولم يكذب الخبيث في جواب واحد، فما كانت له نحلة من هذه النحل، ولم يعتقد ~~شيئا من عقائد الزنادقة في عصره عن جد ودراية، ولكن الذين حبسوه على هذا لم ~~يظلموه، ولم يعتقلوه لغير جريرة، فإنه لم يدع تهمة تلحقه بالزنادقة إلا تعرض ~~لها وأورد نفسه كل مواردها، وأعلن من كلامه وفعاله ما يثبتها ويستغني عن الشهود ~~والبينة عليها. # على أن المحتسبين الموكلين بالزنادقة والمفسدين لا يعوزهم الشهود ممن كانوا ~~يحبون الوقيعة بالشاعر لسيئاته وحسناته على السواء، فلم يكن أكثر من حساده بين ~~أنداده كما قال محمد بن عمر: «ولم يكن شاعر في عصر أبي نواس إلا وهو يحسده لميل ~~الناس إليه، وشهوتهم لمعاشرته وبعد صبته وظرف لسانه»، وأشد من حساده سعيا إلى ~~الوقيعة به من كان يهجوهم، أو يرتفع عليهم أو يسخر منهم، وهم غير ~~قليلين. # وأكثر منهم عددا من كانوا يشهدونه ويسمعونه، وهو يجهر بالعصيان والدعوة إليه، ~~ويقول في بعض غزله: # يا أحمد المرتجى في كل نائبة # قم سيدي نعص جبار السموات # أو يقول في بعض مجونه يخاطب الفيلسوف إبراهيم النظام: # قولا لإبراهيم قولا هترا: # غلبتني زندقة وكفرا # أو يقول: # فدعي الملام فقد أطعت غوايتي # وصرفت معرفتي إلى الإنكار # ورأيت إتياني اللذاذة والهوى # وتعجلي من طيب هذي الدار # أحرى وأحزم من تنظر آجل # علمي به خبر من الأخبار # ما جاءنا أحد يخبر أنه # في جنة مذ مات أو في نار # ومن لم يسمع شعره فربما سمع نوادره وشهد مساخره، وقد دخل المسجد مرة وهو على ms108 ~~أقبح السكر وسمع الإمام يقرأ: «قل يا أيها الكافرون» فصاح به من ورائه: لبيك. ~~وشرب في يوم مطير فوضع قدحه تحت السماء، فوقع فيه المطر وقال لمن حوله: «أنتم ~~تزعمون أنه ينزل مع كل قطرة ملك، فكم تراني أشرب الساعة من الملائكة»، ثم شرب ~~ما في القدح. # ولعله كان يتحدث هنا وهناك بمذهب الثنوية، ويروي كلامهم في الظلمة والنور، ~~ويهرف بما يعرف وما لا يعرف من هذه الأمور. # وقد مضى أبو نواس ومتهموه والشهود عليه، ومضى عصره كله وبقي من أخباره أنه كان ~~يتزندق؛ لأنه كان يتفلسف، وأنه اطلع على علم النجوم، وعلوم الأوائل من الهند ~~والروم، فزاغ عن اليقين، ومرق من الدين، إذ كانت كلها علوما منقولة عن الكفرة ~~والملحدين. # أما أن أبا نواس سمع شيئا من تلك العلوم، وألم بطرف من آراء القوم، فذلك مفهوم ~~من أقوال نذكر منها: # تحيرت والنجوم وقف # لم يتمكن بها المدار # وهو من قول أهل الهند أن مدارات الأفلاك يحيط بها مدار واحد، وإن الأفلاك ~~الصغار تدور وتعود إلى المدار، ولكن المدار الأكبر إذا انتهى من دائرته توقف ~~كما كان قبل الحركة، فتكون القيامة ويعود الكون سيرته الأولى دواليك، وربما كان ~~من ذلك قوله: # حتى بدت حركات # مخلوقة من سكون # وربما سمع كلام في الطبائع على مذهب الأقدمين كما يؤخذ من قوله: # سخنت من شدة البرودة ح # تى صرت عندي كأنك النار # لا يعجب السامعون من صفتي # كذلك الثلج بارد حار # أو سمع أسماء الكواكب باليونانية وطوالعها التي نقلها اليونان عن العراق ~~قديما، فتحدث بها كأنها من المستحدثات: # صورة المشتري لدى بيت نور اللي # ل والشمس أنت عند انتصاب # ليس «زاويش» حين سار أمام الح # وت والبدر إذ هوى لانصباب # منك أسخى بما تشح به الأنف # س عند انتقاص در الحلاب # لا و«بهرام» تستقل به العق # رب بالليل زائدا في الحساب # منك أمضى لدى الحروب ولا أهو # ل في العين عند ضرب الرقاب # والمشتري وزاويش «زيوس» شيء واحد، وبهرام أو المريخ سيار يقال ms109 عنه في الأساطير: ~~إنه إله الحرب، والعقرب برج من البروج المتوهمة في الفلك، والمنجمون المخرفون ~~يزعمون المزاعم عن مقارنات السيارات والبروج، ودلالتها على الوفر والرخاء أو ~~على الحرب والقحط. ومن سمع الحذلقة بهذه الأراجيف في نظم الشاعر خيل إليه أنها ~~هي المعميات التي قادته إلى زندقته ومروقه، ولا شأن لهذا بذلك إلا أن يكون شأن ~~السعود والنحوس، التي هذر بها المنجمون - في وادي النهرين على الخصوص - من قبل ~~التاريخ. # ولعله سمع كلاما في الصفة والموصوف من قبيل قوله في حسن: # إن اسم حسن لوجهها صفة # ولا أرى ذا في غيرها اجتمعا # فهي إذا سميت فقد وصفت # فيجمع الاسم معنيين معا # إلى نظائر من هذه الأقاويل يستطيع المتلقف أن يجمعها في بضعة أيام، وهو يجلس ~~إلى المتفيقهين بها ممن تعمقوا فيها أو تخطفوها لماما، ثم لا يقال عنه: إنه ~~عرف ما يناقض الدين أو يبيح المحظورات، ويغري المرء بركوب رأسه في ~~الموبقات. # ولقد كان إبراهيم النظام من أعلم أهل زمانه بهذا الذي يسمونه علوم الأوائل، ~~وكان أبو نواس يحضر عليه، فينهاه عن التبذل ويذكره الوعيد ويقول له: إن من ترقب ~~وعد الله فعليه أن يحذر وعيده، فلا يرعوي عن لغوه ومجونه حتى يئس منه، فطرده من ~~مجلسه فنظم فيه قصيدته التي اشتهرت بالإبراهيمية ومطلعها: # دع عنك لومي فإن اللوم إغراء # وداوني بالتي كانت هي الداء # وفيها يسخر منه: # فقال لمن يدعي في العلم فلسفة # حفظت شيئا وغابت عنك أشياء # لا تحظر العفو إن كنت امرءا حرجا # فإن حظركه بالدين إزراء # فالذين اتهموا أبا نواس لم يظلموه، ولم تعوزهم البينات على دعوته للفساد، ~~ولعلهم قد ظلموا الفلسفة وعلوم الأوائل، فظنوها مدرجة المطلعين عليها إلى ~~الزندقة ومذاهبها، ولا زندقة هنا ولا مذهب ولا شيء غير المجون وحب الظهور، وعند ~~أبي نواس منه - كما أسلفنا - أسباب لم تكن عند أحد معاصريه! ولكنه لم يكن يعيبه ~~من نفسه كما كان يعيبه من غيره على حد قوله في إبان اللاحقي، إذ كان يتظرف ~~بادعاء الزندقة: # جالست ms110 يوما أبانا # لا در در أبان # ونحن حضر رواق الأ # مير بالنهروان # حتى إذا ما صلاة الأ # ولى دنت لأوان # فقام منذر ربي # بالبر والإحسان # وكلما قال قلنا # إلى انقضاء الأذان # فقال: كيف شهدتم # بذا بغير عيان؟ # لا أشهد الدهر حتى # تعاين العينان # فقلت: سبحان ربي # فقال: سبحان ماني # 1 # فقلت: عيسى رسول # فقال: من شيطان # فقال: موسي نجي # المهيمن المنان # فقال: ربك ذو مق # ول إذن ولسان # أنفسه خلقته # أم من؟ فقمت مكاني # وقلت: ربي ذو رحم # ة وذو غفران # وقمت أسحب ذيلي # عن منكر القرآن # عن كافر يتمرى # بالكفر بالرحمن # يريد أن يتساوى # بالعصبة المجان # أبو نواس ماجن # والمجان في عرف تلك البيئة هم الظرفاء، والمجون هو الظرف على اعتقادها وفي ~~طليعتها أبو نواس، نصح له الأمير أبو العباس محمد أن يتوب عن المجون ، فقال له: ~~أما المجون فما كل أحد يقدر أن يمجن، وإنما المجون ظرف. ولست أبعد فيه عن حد ~~الأدب أو أتجاوز مقداره، أما المعاصي فإني أثق فيها بعفو الله - عز وجل - وقوله ~~تعالى، فوالله لو أن السندي يقول ما قاله الله - عز وجل - لوثقت به، فكيف يقول ~~رب العالمين وهو يقول: # يا عبادي الذين أسرفوا ~~على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله ~~يغفر الذنوب جميعا ~~. # والعصبة المجان الذين أراد أبان اللاحقي أن يتشبه بهم هم طائفة من زملاء أبي ~~نواس، كحماد عجرد ووالبة بن الحباب ومطيع بن إياس وقاسم بن زنقط وعيسى بن غصين ~~وعبيد العاشقين، الذي لقب بذلك لجمعه عاشقا ومملوكه وعاشقا وجاريته، وغيرهم ~~ممن يكبرونه في السن أو يقاربونه، ولكنه كان أشهرهم بمنحاهم في المجون؛ لأن ~~دواعيه إليه أكثر وشعره فيه أسير، فهل يحل من هذه الطائفة محل «الشخصية ~~النموذجية» التي تقدم الكلام عليها، معظمهم مثله من الموالي الذين فتحت لهم ~~ثقافة العصر أبواب المعرفة، وكلهم من الذين ابتلوا بمركبات النقص على اختلافها، ~~وليس فيهم من تسلطت عليه جميعا كما تسلطت عليه. # فلا زندقة عند صاحبنا ولا فلسفة، وكل ما ms111 عنده ولع بالظهور، وضعف عن مقاومة ~~الغواية والفجور. # وبغير «دراسات نفسية» أو تحليلات عويصة في البواطن الخفية أيمكن أن يكون ~~إنسانا كأبي نواس منكرا للدين كله مواجها الظلام المجهول بذلك ~~الإنكار؟ # ليست المعضلة في هذا السؤال معضلة الصلاح والبصيرة الروحانية، وليس فقدان ~~الصلاح والبصيرة الروحية هو كل ما يلزم للإنكار والإصرار عليه، فقد يكون المرء ~~مجردا من صلاح الدين والخلق، مقفر الوجدان من البصيرة الروحانية. ثم لا يقوى ~~على مواجهة الموت الأبدي والظلام السرمدي على يقين وإصرار، ولا بد له في هذا ~~الموقف من صرامة واقتحام يواجه بهما تلك المخافة، التي لا مخافة مثلها في ~~الحياة ولا بعد الحياة. # فهل طبيعة كالطبيعة النواسية تنبني على ذلك المعدن الصلد الجسور، وهل عنده من ~~الشكوك ما يتغلب في أعماق طبعه على تعلات الأمل والرجاء؟ # لو اجتمع شهود العالم ومعهم الأطباء النفسيون على زعم كذلك الزعم لما أقنعوا ~~أحدا بزعمهم، الذي تنقضه كل لحمة وسداة في نسيج هذه النفس الرخية المهلهلة، ~~ولكن الأطباء النفسيين على الأقل لا يزعمون له تلك القوة الصماء؛ لأن طبيعته ~~والقوة بأشكالها وأنواعها لا تتفقان. # وأقرب من ذلك إلى المألوف أننا أمام نفس ضعفت عن غواية الظهور وغواية الفجور، ~~ولم تخل قط من شاغل بالدين تتمسح به أو تتحرش به كما تقدم في صدر هذا المقال، ~~وأعيتها عقيدة العزم والمناعة، فاحتالت حيلتها كي تظفر بعقيدة تركن إليها، ~~فوجدتها في نحلة من نحل عصرها، نخالها هي النحلة الوحيدة التي تكلف النواسي ~~الاطلاع على مراجعها، أو على ما يلائمه من تلك المراجع فطابت له، وتقبلتها ~~سريرته على الكره منها؛ لأنها لا تستطيع الخلو من عقيدة، ولا تستطيع عقيدة ~~العزم والمناعة. # تلك هي نحلة «المرجئة» كما توسع فيها طلاب الرخصة من قبيل أبي نواس، وقد وسعوها ~~بأهوائهم فوسعت لهم كل ما اشتهوه. # نحلة المرجئة # نشأت فرقة المرجئة على اعتدال وحكمة في أيام الخلفاء الراشدين، واعتصم بها ~~الذين كرهوا الخوض في الخلاف بين أجلاء الصحابة بعد مقتل عثمان بن عفان - رضي ~~الله عنه ms112 - فتركوا الأمر لله يحكم فيه يوم الدين، وسموا بالمرجئة لأنهم لم ~~يتعجلوا الحكم على فريق من الفريقين، وجماع هذا الرأي في الشعر قول ثابت بن كعب ~~الملقب بقطنة: # يا هند إني أظن العيش قد نفدا # ولا أرى الأمر إلا مدبرا نكدا # إني رهينة يوم لست سابقه # إلا يكن يومنا هذا فقد أفدا # يا هند فاستمعي لي إن سيرتنا # أن نعبد الله لم نشرك به أحدا # ترجى الأمور إذا كانت مشبهة # ونصدق القول فيمن جار أو عندا # المسلمون على الإسلام كلهم # والمشركون استووا في دينهم فددا # ولا أرى أن ذنبا بالغا أحدا # في الناس شركا إذا ما وحدوا الصمدا # لا نسفك الدم إلا أن يراد بنا # سفك الدماء طريقا واحدا جددا # من يتق الله في الدنيا فإن له # أجر الحساب إذا وفى الحساب غدا # وما قضى الله من أمر فليس له # رد وما يقض من شيء يكن رشدا # كل الخوارج مخط في مقالته # ولو تعبد فيما قال واجتهدا # أما علي وعثمان فإنهما # عبدان لم يشركا بالله مذ عبدا # وكان بينهما شعب وقد شهدا # شق العصا وبعين الله ما شهدا # يجزي عليا وعثمانا بسعيهما # ولست أدري بحق أية وردا # الله يعلم ماذا يحضران به # وكل عبد سيلقى الله منفردا # وكان ثابت بن كعب صاحب هذه القصيدة - وهو شاعر مجاهد - يعتدل على الجادة المثلى ~~بين الطرفين: الخوارج الذين يتهجمون على التكفير جزافا وطرف الطوائف ~~المتنازعة، التي كانت تخبط في التهم ذات اليمين وذات الشمال، فلا تكفير لأحد ~~آمن بالوحدانية والوحي المنزل، ولا جدوى من الخبط بالتهم بين عثمان وعلي أو بين ~~فرقة وفرقة من الصحابة، وأمرهم جميعهم موكول إلى حساب الله. # أما عصر أبي نواس فقد تباعدت فيه الفجوة بين الطرفين إلى أقصى مداها، فجزم ~~الخوارج بتكفير كل من عداهم، وحملوا السلاح لقتاله، واعتبروا كل من خالف الدين ~~في معصية ارتكبها كافرا مخلدا في العذاب، وتعددت فرق المرجئة فنجم منهم من ~~كاد يسقط الأوامر والنواهي، ويقول: إن الإيمان عقيدة في القلب لا شأن ms113 لها ~~بأعمال الجوارح، فكل من اعتقد الوحدانية والوحي المنزل، فله جزاء المؤمنين يوم ~~الحساب. # ونقبس هنا بعض ما كتبه الشهرستاني عن هذه الفرق في كتابه «الفصل في الملل ~~والنحل»، حيث قال في الجزء الرابع: # غلاة المرجئة طائفتان: إحداهما الطائفة القائلة: بأن الإيمان قول ~~باللسان وإن اعتقد الكفر بقلبه فهو مؤمن عند الله - عز وجل - من ~~أهل الجنة، وهذا قول محمد بن كرام السجستاني وأصحابه، وهو بخراسان ~~وبيت المقدس، والثانية الطائفة القائلة: إن الإيمان عقد بالقلب وإن ~~أعلن الكفر بلسانه فهو مؤمن كامل الإيمان عند الله - عز وجل - وهذا ~~قول أبي محرز جهم بن صفوان السمرقندي مولى بني راسب كاتب الحارس بن ~~سريج التميمي أيام قيامه على نصر بن سيار بخراسان، وقول أبي الحسن ~~علي بن إسماعيل بن أبي اليسر الأشعري البصري وأصحابهما. وقالت ~~طائفة الكرامية: المنافقون مؤمنون مشركون من أهل النار، وقالت ~~طائفة منهم أيضا: من آمن بالله وكفر بالنبي # صلى الله عليه وسلم ~~، فهو مؤمن ~~كافر معا، ليس مؤمنا على الإطلاق ولا كافرا على الإطلاق، وقال ~~مقاتل بن سليمان - وكان من كبار المرجئة: لا يضر مع الإيمان سيئة ~~جلت أو قلت أصلا، ولا ينفع مع الشرك حسنة أصلا. # إلى آخر هذه الأضاليل التي لا طائل تحتها، فلا جرم يتلقف أبو نواس رأيا كهذا ~~ويتهافت عليه؛ ليجمع بين لهوه واعتقاده الإيمان، وطفق ينادي بإنكار الشرك ولا ~~يبالي ما عداه فقط: # ترى عندنا ما يسخط الله كله # من العمل المردي الفتي ما خلا الشركا # وقال: # ترى عندنا ما يكره الله كله # سوى الشرك بالرحمن رب المشاعر # ثم تشبث بأن الكبائر لا تسلك صاحبها مع الكفار، ولا تحرمه الرجاء في عفو الله، ~~فكان من أقواله الكثيرة في ذلك: # وثقت بعفو الله عن كل مسلم # فلست عن الصهباء ما عشت مقصرا # ومنها: # غاد المدام وإن كانت محرمة # فللكبائر عند الله غفران # ومنها: # تكثر ما استطعت من الخطايا # فإنك بالغ ربا غفورا # تعض ندامة كفيك مما # تركت مخافة النار السرورا # ومنها: # خوفتماني الله ربكما ms114 # وكخيفتيه رجاؤه عندي # ومنها: # يا كبير الذنب عفو الل # ه من ذنبك أكبر # ومنها: # لم - وعفو الله مبذ # ول غدا عند الصراط # خلق الغفران إلا # لامرئ في الناس خاط # ويبدو أن أقوال المرجئة هي أكثر المراجع التي تتبعها من أولها، فإن المرجئة في ~~زمانه لم يصطنعوا الصمت والعزلة في معترك الفتن، وإنما كان هذا ديدن الصالحين ~~من الصحابة أيام الشقاق بعد عهد عثمان بن عفان - رضي الله عنهم - وأكثرهم في ~~ذلك الوقت أخذوا بالحديث الذي رواه أبو بكر عن النبي - عليه السلام - وفيه أنه: ~~«ستكون فتن القاعد فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، ألا فإذا ~~نزلت أو وقعت فمن كان له إبل فليلحق بإبله ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه، ومن ~~كان له أرض فليلحق بأرضه. فقال رجل: يا رسول الله! من لم تكن له إبل ولا غنم ~~ولا أرض؟ قال: يعمد إلى سيفه فيدق على حده بحجر، ثم لينج إن استطاع ~~النجاة». # فإلى هذا المسلك من مسالك المرجئة الأولين ثاب أبو نواس في أخريات أيامه حين ~~اضطرمت نيران الفتن بين طلاب الخلافة، فقال: # خل جنبيك لرام # وامض عنه بسلام # مت بداء الصمت خير # لك من داء الكلام # ربما استفتحت بالمز # ح مغاليق الحمام # رب لفظ ساق آجا # ل نيام وقيام # إنما السالم من ألج # م فاه بلجام # فالبس الناس على الصح # ة منهم والسقام # وعليك القصد إن ال # قصد أبقى للجمام # شبت يا هذا وما تتر # ك أخلاق الغلام # والمنايا آكلات # شاربات للأنام # وليس من المستبعد أن كلامه الذي حمل على الإنكار إنما كان شططا في الدعوة إلى ~~الإرجاء، كقوله في الخلاف بين القدرية والجبرية: # يا ناظرا في الدين ما الأمر # لا قدر صح ولا جبر # ما صح عندي من جميع الذي # يذكر إلا الموت والقبر # أو كقوله: # ما جاءنا أحد بخبر أنه # في جنة مذ مات أو نار # إلى آخر الأبيات، إذ كيفما كان قوله فالمرجع في «الاستعداد» للعقيدة إلى معدنه، ~~وطبيعته، وليس من معدن ms115 هذه الطبيعة أن تقدم على ظلام المجهول منكرة ثابتة الجأش ~~على الإنكار، وليس من معدنها كذلك أن تغلب الغواية بمناعة العزم، والتوبة بين ~~وهن الطبيعة وقوة الإغراء، وما كان من دأبه أن يخفي هذه النقيصة فيه؛ لأن ~~إخفاءها يسومه الكبت وهو لا يقوى عليه، وقد صدق وصف نفسه إذ قال: # ما أبعد النسك من قلب تقسمه # قطربل فقرى يني فكلواذي # أو كما قال بعناد كعناد الأطفال: # فلا والله لا والله # لا والله لا أقصر # ومن قبيله قوله: # عررت بتوبتي ولججت فيها # فشقي اليوم ثوبك، لا أتوب # وهو يردد هذا الاعتراف على طريقته المطردة في جميع أحواله، وهي «اتخاذ الفضيلة ~~من الضرورة» كما يقول الغربيون في أمثالهم، فإذا اعترف بنقيصة لاح من اعترافه ~~كأنها مفخرة يباهي بها المحرومين منها، وتلك خديعة الطبع الضعيف. # أشعاره في النسك والتوبة # أما أشعاره في النسك والتوبة، فلم يكن جادا فيها طول حياته إلى ما قبل وفاته، ~~فمنها ما كان يصطنعه خوفا من الأمين حين يصرح قائلا: # أطع الخليفة واعص ذا عزف # وتنح عن طرب وعن قصف # أو قائلا: # ولئن وعدتك تركها عدة # أني عليك لخائف خلقي # أو قائلا: # ولهو لتأنيب الأمير تركته # وفيه للاه منظر وسماع # وقد يغلو متهكما في وصف تقواه كما قال يخاطب الفضل بن الربيع: # أنت يا ابن الربيع ألزمتني النس # ك وعودتنيه والخير عاده # فارعوى باطلي وأقصر حبلي # وتبدلت عفة وزهاده # لو تراني ذكرتك الحسن البصر # ي في حسن سمته أو قتاده # المسابيح في ذراعي والمصح # ف في لبتي مكان القلاده # وإذا شئت أن ترى طرفة تعج # ب منها مليحة مستفاده # فادع بي لا عدمت تقويم مثلي # وتفطن لموضع السجاده # لو رآها بعض المرائين يوما # لاشتراها يعدها للشهاده # ولقد طالما شقيت ولكن # أدركتني على يديك السعاده # على أنه كان يعلم أنه «نهي سياسي» لجأ إليه الخليفة دفعا لسوء السمعة، التي ~~لصقت به من مصاحبته، وقد يجهر بذلك فيصيح كالنافر المغضب: # أأمنعها والله لم يمنع اسمها # وهذا أمير المؤمنين صديقها # هذا أو ms116 يكون النظم في النسك بابا من أبواب «العرض» وصدق التمثيل، ليقال: إنه ~~قال في النسك وهو ماجن ما لم يحذقه النساك، وروى محمد بن صالح بن بيهس الكلابي ~~أن أديبا من بغداد أسمعه على سبيل التنويه بشاعرية أبي نواس أبياتا في الزهد ~~و«ليس هو من طريقته»، وهذه هي الأبيات: # أخي ما بال قلبك ليس ينقى # كأنك لا تظن الموت حقا # ألا يا ابن الذين فنوا وبادوا # أما والله ما ذهبوا لتبقى # وما للنفس عندك من مقام # إذا ما استكملت أجلا ورزقا # وما أحد بزاد منك أحظى # ولا أحد بذنبك منك أشقى # ولا لك غير تقوى الله زاد # إذا جعلت إلى اللهوات ترقى # وكان أبو العتاهية يقول: سبقني أبو نواس إلا ثلاثة أبيات، ووددت لو أني سبقته ~~إليها بكل ما نظمته، فإنه أشعر الناس فيها، منها قوله: # يا كبير الذنب عفو الل # ه من ذنبك أكبر # وقوله: # من لم يكن لله متهما # لم يمس محتاجا إلى أحد # وقوله: # إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت # له عن عدو في ثياب صديق # قال: وقد نظمت في الزهد ستة عشر ألف بيت، ووددت لو أن أبا نواس له ثلثهما بهذه ~~الأبيات، والبيت الأخير من قصيدة أولها: # ألا رب وجه في التراب عتيق # ويا رب حسن في التراب رقيق # ويا رب حزم في التراب ونجدة # ويا رب رأي في التراب وثيق # فقل لغريب الدار: إنك راحل # إلى منزل نائي المحل سحيق # وحدث من شاهد أبا نواس لما حج مع جنان، وقد أحرم أنه لما جنه الليل جعل يلبي ~~بشعره، ويحدو بطرب في صوته حتى اجتمع به كل من سمعه، وجعل يقول: # إلهنا ما أعدلك # مليك كل من ملك # لبيك قد لبيت لك # لبيك إن الحمد لك # والملك لا شريك لك # ما خاب عبد سألك # إلى آخر هذه التلبية، وقد أفسدها بما رواه عن نفسه في نظمه إذ يقول: # وعاشقان التف خداهما # عند التئام الحجر الأسود # فاشتفيا من غير أن يأثما # كأنما كانا على موعد # لولا دفاع ms117 الناس إياهما # لما استفاقا آخر المسند # ظل كلانا ساترا وجههه # مما يلي جانبه باليد # نفعل في المسجد ما لم يكن # يفعله الأبرار في المسجد # ونكاد نجزم بأنه كذب على نفسه؛ ليستخرج من هذا الموقف ملحة نتخيلها ولا نراها ~~تحدث في مزدحم الطواف، وشبيه بذلك ما تحاكى به من شربه في ليلة العيد، كأنما ~~خاف على ما كان يسميه «جاهه» عند المجان ولا جاه له يخاف عليه بين أهل ~~الصلاح. # وما لم يكن من شعر التوبة إطاعة لأمر أو إدلالا بقدرة فنية، فعله خاطرة من ~~خاطرات الندم تطيف بقلبه ساعة، ثم تمحوها داعية من دواعي اللهو فينساها. # ويسري هذا على شعره كله في التوبة والعظة ما خلا نتفا يسيرة من نظمه في أخريات ~~عمره، قد تستشف منها خاطرة الأسف الصادق والحزن الخاشع، ولم تأت هذه التوبة إلا ~~بعد مطاولة ومراوغة يستبقي بهما بقية الشباب: # كأن الشباب مطية الجهل # ومحسن الضحكات والهزل # كان الجمال إذا ارتديت به # ومشيت أخطر صيت النعل # كان المشفع في مآربه # عند الفتاة ومدرك النبل # 2 # والباعثي والناس قد رقدوا # حتى أبيت خليفة البعل # والآمري حتى إذا عزمت # نفسي أعان يدي بالفعل # والآن صرت إلى مقاربه # وحططت عن ظهر الصبار حلي # والراح أهواها وإن رزأت # بلغ المعاش وقللت فضلي # وبعد يأس ما قال معترفا بتأخير التوبة بعد فوات حينها أو أحيانها: # دب في الفناء سفلا وعلوا # وأراني أموت عضوا فعضوا # ذهبت شرتي وجدة نفسي # وتذكرت طاعة الله نضوا # ليس من ساعة مضت بي إلا # نقصتني بمرها لي جزوا # لهف نفسي على ليال وأيا # م سلكتهن لعبا ولهوا # قد أسانا كل الإساءة - يا ر # ب - فصفحا عنا إلهي وعفوا # ثم جعل يودع دنياه بأمثال هذين البيتين: # يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة # فلقد علمت بأن عفوك أعظم # ما لي إليك وسيلة إلا الرجا # وجميل عفوك ثم إني مسلم # وأبلغ منها قوله: # أراني مع الأحياء حيا وأكثري # على الدهر ميت قد تخرمه الدهر # فما لم يمت مني بما مات ناهض ms118 # فبعضي لبعض دون قبر البلى قبر # فيا رب قد أحسنت عودا وبدأة # إلي فلم ينهض بإحسانك الشكر # فمن كان ذا عذر لديك وحجة # فعذري إقراري بأن ليس لي عذر # توبة أبي نواس # وقد تعقبنا الأطوار الجنسية في هذه الطبيعة وأثرها في صباها وكهولتها، فإذا ~~مضينا إلى نهايتها فقد تكون هذه التوبة المترددة أثرا من آثار الطور الجنسي ~~الأخير، وهو سن الحرج # Climacteric # الذي عاجله ~~قبل أوانه لإفراطه في مهلكات النفس والجسد، وهو القائل: # إذا كنت لا أنفك من طاعة الهوى # فإن الهوى يرمي الفتى ببوار # فأدركه ولم يبلغ الخمسين: # وإذا عددت سني كم هي لم أجد # للشيب عذرا في النزول برأسي # ومن آثار هذا الطور الجنسي الأخير أزمات قاسية على الشيوخ، الذين لم يتأهبوا له ~~بشاغل من شواغل الحنان، أو العمل النافع خاصا كان أو عاما، فيدفعهم إلى ~~الصغائر ويبدي منهم للناس بدوات يستغربونها منهم بعد ما ألفوه من رصانتهم ~~واتزانهم، ويصاحب هذه الأزمات شيء من رد الفعل، وتغير المألوف، فيرعوي السادر ~~في الغواية، ويسدر في الغواية من لم يكن من أهلها، وقد رأينا أثر هذه الأزمات ~~في لوثة أبي العتاهية، وهوسه الذي أضحك منه صديقه مخارقا فساءله بحق: من من ~~النساك والصالحين صنع بنفسه مثل هذا الصنيع؟ فزميله النواسي قد أدركته هذه ~~الأزمة، وجنحت به إلى ذلك الوجوم أو السهوم الذي ترجم عنه بتلك الأبيات، ولم ~~تدركه قاسية عنيفة على مثال زميله؛ لأنه لم يستقبلها فجأة بالانتقال إلى النقيض ~~فيما بين عشية وضحاها. ~~••• # وإن أبا نواس في استعداده للعقيدة الدينية لخليق أن يكون من نماذج طبيعته، كما ~~كان نموذجا لها في مياسم شتى، فتلك طبيعة لا تصمد للإنكار ولا تقدر على ضبط ~~الهوى ولا تخلو من مساورة الهواجس التي تحوم بها حول الدين وتقارف بها حرماته، ~~فإذا ترقبت التعلة من حولها فوجدتها بعد لهفة عليها كانت لها تلك التعلة ~~كخشبة الغريق تتشبث بها إلى الرمق الأخير، ولا ترسلها من يديها. # وليس حتما لزاما أن تسترسل النفس المنحرفة أو الزائغة ms119 في أهوائها، فإن خصلة ~~التسامي بالأهواء معهودة في النفوس المبتلاة بالنشوز، سواء كانت من ذوات القوة ~~والبأس أو ذوات الوهن والهزال، ولا استثناء للمنحرفين من خصلة التسامي بالعيوب ~~التي تنشأ في الطبع عيوبا، فيجعلها التسامي نقيبة من أنبل النقائب وأشرفها، ~~ويتيح بها للإنسان فرصة يعلو بها على نزواته وصغائره، وقد كان سقراط الحكيم ~~مصابا بهلواس السمع وسبات اليقظة، وكان يحب الفتى السبيادس حب الأستاذية ~~المرشدة، ويحار السبيادس - لمجونه وخلاعته - في معاني هذا الحب، فيستدرج أستاذه ~~ويعرض عليه نفسه، ويروي لنا أفلاطون في مائدته بلسان السبيادس أن هذا الفتى ~~أولم لسقراط وليمة عامة، ثم اجتهد أن يبيت معه على انفراد، قال أفلاطون بلسانه: ~~«فلما أطفئت الأنوار وذهب الخدم لم أرد أن أحوم مع سقراط حول الغرض، وعولت على ~~الإفضاء إليه بما في نفسي، فناديته: سقراط! أنائم أنت؟ فأجابني : ما أبعدني عن ~~النوم! قلت: أوتعلم بماذا أفكر الساعة؟! قال: لا، بماذا تفكر؟ قلت: إنني أشعر ~~أنك الوحيد من عشاقي الجدير بي، ولكنك تخاف أن تفصح عما في قلبك، فاعلم إذن ~~أنني لأرى من الحماقة ألا أستجيب لرغباتك، فأصغى إلي ثم أجابني جوابا على نمطه ~~وبسخريته المعهودة، فقال: إنك ولا ريب فتى لبق يا عزيزي السبيادس! ولا بد أنك ~~ترى في جمالا يفوق جمال جسدك وملامحك، فإن كنت ترى ذلك فإأنت تحاول الساعة ~~أن تبادلني سلعة بسلعة أغلى منها كثيرا، وتخرج رابحا من الصفقة»، ومضى ~~الفيلسوف يعلم الفتى ما لا يعلمه من هداية جمال النفوس حين تواجه جمال ~~الأجسام. # وفي الأدب العربي أمثلة كثيرة لهذا الانحراف الذي اعتدل به التسامي غاية ~~الاعتدال، فالشاعر تقي الدين السروجي قد كان ولا ريب على انحراف في التكوين، ~~وقال الشهابي محمود: إنه كان مع دينه وورعه وزهده مغرما بالجمال، وكان يكره ~~مكانا فيه امرأة، ولما توفى حلف أبو محبوبه ألا يدفنه إلا في قبر ابنه، وقال: ~~كان الشيخ يهواه بالحياة وما أفرق بينهما بالممات، وهذا لما كان يعلمه من دينه ~~وعفته. # وكان الشيخ مدرك الشيباني صاحب «عمرو ms120 النصراني» على هذا الخلق، وهو صاحب ~~القصيدة التي أولها: # من عاشق ناء هواه دان # ناطق دمع صامت اللسان # موثق قلب مطلق الجثمان # معذب بالصد والهجران ~~••• # من غير ذنب كسبت يداه # لكن هوى نمت به عيناه # شوقا إلى رؤية من أشقاه # كأنما عافاه من أبلاه # ومنها يستحلف بالمقدسات المسيحية: # يا عمرو بالحق مع اللاهوت # والروح روح القدس والناسوت # ذاك الذي في مهده المنعوت # عرض بالنطق عن السكوت ~~••• # بحق ما في محكم الإنجيل # من منزل التحريم والتحليل # وخبر ذي نبأ جليل # يرويه جيل قد مضى عن جيل # إلى آخر القصيدة التي كان أبناء جيله من المسلمين والمسيحيين يتناشدونها، ~~ويتبركون بناظمها ولا تطوف بنفوسهم طائفة من الشك فيه وفي معشوقه. ~~••• # وقبل هؤلاء ذاع في البصرة هوى الشيخ محمد بن داود الظاهري لصاحبه محمد ~~الصيدلاني، وكلاهما مثل في العفة والأدب، وكان ابن داود هذا يتحرج في الدين حتى ~~يحرم القياس ولا يقبل غير النص، فلما نظم هذين البيتين في محبوبه: # ما لهم أنكروا سوادا بخد # يه ولا ينكرون ورد الغصون # إن يكن غيب خده بدد الش # عر فعيب العيون شعر الجفون # قيل له: أنكرت القياس في الفقه وأثبته في الشعر، فقال: هي غلبة الحب! ~~••• # ومثل هذا التسامي يخلق من النقص فضلا ومن الزيغ اعتدالا، ويعلم النفوس من ~~الرياضيات ما ينفعها في تصفية الأخلاق وتزكية الضمير، وليس أحد من ذوي العلل ~~الكمينة أو العارضة بعاجز عنه إذا استجمع له نيته وعقد عليه عزيمته، ولكن هذه ~~المحاولة أعجزت أبا نواس؛ لأنه وقع من مولده في بيئة تعالج التسامي على أسلوب ~~آخر، وهو اتخاذ الفضيلة من الضرورة وطلب الوجاهة من وراء الشهرة المخالفة، أو ~~تحدي الرياء بالاجتراء عليه، وهذا بديل من التسامي في الواقع يجنح إليه من طبع ~~عليه، ولم تسعده البيئة بمن يروض طبعه على أسلوب سواه. # | خاتمة # وبالكلام على عقيدة أبي نواس تنتهي هذه الرسالة، وهي كما يرى القارئ من عنوانها ومحور ~~بحثها مقصورة على الدراسة النفسية لا ترمي إلى ترجمته أو نقد أدبه وشعره ms121 ولا تمس ~~وقائع الترجمة أو شواهد الأدب والشعر إلا لما فيها من الإبانة عن طبيعته والإعانة على ~~تفسيرها واستطلاع كوامنها. # ومن الخير أن تقال كلمة الخير في كل ترجمة. # وهي لا تكون خيرا إلا أن تكون صدقا. # وكلمة الخير التي تقال صدقا في الشاعر أن الآفة عنده إنما هي آفة الضعف والشعور ~~المغلوب وليست آفة الشر والأذى. فلم يعرف عنه أنه سعى إلى إيقاع الأذى بأحد أو إنه سر ~~بوقوعه فيه، وعرف عنه على خلاف ذلك أنه كان يسعى إلى المساعدة والمؤاساة ما اقتدر ~~عليهما، فلما أشفق جماعة الشعراء الخاملين من الوفود على الخصيب بمصر وأبو نواس وافد ~~عليه، طيب خواطرهم واستعطف الخصيب عليهم، ولم يطلب جائزته إلا بعد الاطمئنان على ~~جوائزهم، ولما غضب الرشيد على الشاعر ابن مناذر وأمر بلطمه وإقصائه لحرمنه جوائز ~~الصلات في حياته قصد إليه أبو نواس وترك بين يديه بدرة من المال لعله لم يكن يملك ~~غيرها في تلك الآونة. # ولئن كان حبه مشوبا بشهواته لقد كان لمحاسن الدنيا حب مطبوع في وجدانه وذوقه، وكان ~~له في تلك المحاسن وصف يكسو الحياة زينة ويصقل ما اخشوشن من شدائدها وأكدارها على ~~نفوس الأحياء. # وبعد فهل زادت عيوب أبي نواس مقدار الرذيلة في الدنيا؟ إن المقدار ليختلف هنا مع ~~المقدرين، ولكنهم لا يختلفون فيما زاده من ثروة النفس والبيان. ms122