######OpenITI# #META# URI: 1383CabbasMahmudCaqqad.AbuShuhadaHusaynIbnCali.Hindawi93024958 #META# Tags: biographies #META# ID: 93024958 #META# Title: أبو الشهداء الحسين بن علي #META# AuthorID: 64642852 #META# Author: عباس محمود العقاد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # 1 - مزاجان تاريخيان‏ # 2 - الخصومة‏ # 3 - الخصمان‏ # 4 - أعوان الفريقين‏ # 5 - خروج الحسين‏ # 6 - هل أصاب؟‏ # 7 - كربلاء‏ # 8 - جريرة كربلاء‏ # 9 - نهاية المطاف‏ # 10 - في عالم الجمال‏ # مقدمة‏ # 1 - مزاجان تاريخيان‏ # 2 - الخصومة‏ # 3 - الخصمان‏ # 4 - أعوان الفريقين‏ # 5 - خروج الحسين‏ # 6 - هل أصاب؟‏ # 7 - كربلاء‏ # 8 - جريرة كربلاء‏ # 9 - نهاية المطاف‏ # 10 - في عالم الجمال‏ # | أبو الشهداء الحسين بن علي # | أبو الشهداء الحسين بن علي # تأليف # عباس محمود العقاد # | مقدمة # يسرني أن أقدم إلى حضرات القراء هذه الطبعة من كتاب «أبي الشهداء» ويعظم رجائي أن يصل إلى ~~أيد كثيرة غير التي وصل إليها في طبعاته السابقة، وأن يتحقق له من عموم الرسالة بهذه ~~المثابة ما يتمناه كل مؤلف لكل كتاب يريد به رسالة من الرسالات. # ليس من عادتي أن أطلع في كتبي بعد الفراغ من طبعها، ويتفق أن تمضي السنوات دون أن ألقي ~~عليها نظرة لغير مراجعة عاجلة، فإذا حدث بعد ذلك أن أنظر فيها لتقديمها إلى طبعة جديدة، ~~أمكنني أن أشعر بها شعور القارئ الذي يطلع عليها لأول مرة، بعد أن شعرت بها شعور المؤلف ~~الذي امتلأ بها، وأدارها في نفسه عدة مرات. وقد أستغرب منها أمورا كالتي يستغربها القراء ~~الذين يحكمون على موضوعاتها حكم «الأجانب الغرباء». # عجبا! إن مشكلة الحياة الكبرى لم تتغير منذ ألف وثلاثمائة سنة، ولم تزل الحرب على أشدها ~~بين خدام أنفسهم وخدام العقائد والأمثلة العليا، ولم يزل الشهداء يصلونها نارا حامية من ~~عبيد البطون والأكباد، ولم يزل «داؤنا العياء» كما قال أبو العلاء! # كان هذا شعوري بكتاب أبي الشهداء حين قرأته من جديد؛ لتقديمه إلى هذه الطبعة. مسكينة هذه ~~الإنسانية! لا تزال في عطش شديد إلى دماء الشهداء؛ بل لعل العطش الشديد يزداد كلما ازدادت ~~فيها آفات الأثرة والأنانية ونسيان المصلحة الخالدة في سبيل المصلحة الزائلة، أو لعل العطش ~~الشديد إلى دماء الشهداء يزداد في هذا الزمن خاصة دون سائر الأزمنة الغابرة؛ لأنه الزمن ~~الذي وجدت فيه الوحدة الإنسانية وجودا ماديا ms001 فعليا، وأصبح لزاما لها أن توجد في ~~الضمير وفي الروح كما وجدت في الخريطة الجغرافية وفي برامج السفن والطيارات. # الوحدة الإنسانية اليوم حقيقة واقعية عملية، ولكنها حقيقة واقعية عملية في كل شيء إلا في ~~ضمير الإنسان وروح الإنسان. # حقيقة واقعية في اشتباك المصالح التجارية، وفي اتصال الأخبار بين كل ناحية من الكرة ~~الأرضية وناحية أخرى. # حقيقة واقعية في أعصاب الكرة الأرضية - إذا صح هذا التعبير - فلا يضطرب عصب من أعصابها في ~~أقصى المشرق حتى تتداعى له سائر الأعصاب في أقصى المغرب وفي أقصى الشمال والجنوب. # حقيقة واقعية في كل شيء إلا في ضمير الإنسان وفي روح الإنسان، وهذا هو المهم والأهم إذا ~~أريدت للإنسانية وحدة صحيحة صالحة جديرة بالدوام. # ولن توجد هذه الوحدة إلا إذا وجد الشهداء في سبيلها، فأنعم بمقدم «أبي الشهداء» من جديد ~~إلى ضمائر فريق كبير من بني الإنسان، لعلهم يقدمون رسالته خطوة واحدة أو خطوات في سبيل ~~اليقين والعمل الخالص لوجه الحق والكمال. # نتفاءل أو لا نتفاءل. # نتشاءم أو لا نتشاءم. # ليست هذه هي المسألة؛ وإنما المسألة هي أن طريق التفاؤل معروف وطريق التشاؤم معروف، فلا ~~تتحقق مصلحة الإنسانية إلا إذا عمل لها كل فرد من أفرادها، وهانت الشهادة من أجلها على ~~خدامها، وتقدم الصفوف من يقدم على الاستشهاد، ومن ورائه من يؤمن بالشهادة ~~والشهداء. # لا عظة ولا نصيحة، ولكنها حقيقة تقرر كما تقرر الحقائق الرياضية، فلا بقاء للإنسانية بغير ~~العمل لها، ولا عمل لها إن لم ينس الفرد مصلحته؛ بل حياته في سبيلها. # لا بقاء للإنسانية بغير الاستشهاد. # وفي هذه الآونة التي تتردد فيها هذه الحقيقة في كل زاوية من زوايا الأرض نلتفت نحن أبناء ~~العربية إلى ذكرى شهيدها الأكبر فنحني الرءوس إجلالا لأبي الشهداء. # عباس محمود العقاد # الفصل الأول # | مزاجان تاريخيان # طبائع الناس # يتناوب طبائع الناس مزاجان متقابلان؛ مزاج يعمل أعماله للأريحية والنخوة، ~~ومزاج يعمل أعماله للمنفعة والغنيمة. # والمزاجان لا ينفصلان كل الانفصال. # فقد تقترن الأريحية بالمنفعة، وتقترن المنفعة بالأريحية، ولكنهما إذا اصطدما - ولا ms002 ~~سيما في الأعمال الكبيرة - لم يعسر عليك أن تفصل المزاجين وتعزل المعسكرين. فهذا ~~للأريحية حتى يجب المنفعة ويخفيها، وهذا للمنفعة حتى يجب الأريحية ويخفيها، أو ~~كذلك يتراءيان. # وأصحاب المطالب الكبرى في التاريخ يعتمدون على هذا المزاج كما يعتمدون على ذاك؛ فمنهم ~~من يتوسل إلى الناس بما فيهم من الجشع والخسة وقرب المأخذ وسهولة المسعى، ومنهم من ~~يتوسل إلى الناس بما فيهم من طموح إلى النبل والنجدة وركوب المخاطر ونسيان الصغائر ~~في سبيل العظائم. # ولكل منهما سبيله إلى النفوس وأمله في النجاح على حسب الأوقات والبيئات. # إلا أن الأريحية أخلد من المنفعة بسنة من سنن الخلق التي لا تتبدل مع الأوقات ~~والبيئات؛ لأن منفعة الإنسان وجدت لفرد من الأفراد. # أما الأريحية التي يتجاوز بها الإنسان منفعته: فقد وجدت للأمة كلها أو للنوع الإنساني ~~كله؛ ومن ثم يكتب لها الدوام إذا اصطدمت بمنافع هذا الفرد أو ذاك. # ولقد يبدو من ظواهر الأمور أن الأمر على خلاف ما نقول؛ لأن الحريص على منفعته يبلغها، ~~ويمضي قدما إليها، فينال المنفعة التي لا ينالها صاحب الأريحية؛ لأنه يتركها إذا ~~اصطدمت بما هو أجل منها. # وهذا صحيح مشهود لا مراء فيه. # ولكن النجاح في الحركات التاريخية لن يسمى نجاحا إذا هو لم يتجاوز حياة فرد أو طائفة ~~من الأفراد، فإذا قيل: إن حركة من الحركات التاريخية قد نجحت، فمغزى ذلك بداهة أن ~~الأفراد القائمين بها يذهبون وهي الباقية بعد ذهابهم. ومن هنا يصح أن يقال: إن الأريحية ~~أبقى وأنجح إذا هي اصطدمت بالمنفعة الفردية؛ لأن ذهاب الفرد هنا أمر مفروغ منه بعد كل ~~حساب، سواء أكان حساب الأريحيين أم حساب النفعيين. # وأصحاب الأريحية إذن أبعد نظرا من دهاة الطامعين والنهازين للفرص والمغانم العاجلة؛ ~~لأنهم خلقوا بفطرتهم على حساب أعمال تتجاوز حساب عمرهم القصير. فهم - شعروا أو لم ~~يشعروا - بعيدو النظر إلى عواقب الأمور، وإن خيل إلى الناس أنهم طائشون ~~متهجمون. # أما موقف المؤرخين في العطف على حركات التاريخ؛ فهو على ما نرى موقف مزاج من هذين ms003 ~~المزاجين، وليس بموقف سبيل من سبل البحث أو مذهب من مذاهب التفكير. # فالذين يجنحون بمزاجهم إلى المنفعة يفهمون أعذار المنتفعين ، وينكرون ملامتهم على ~~ناقديهم. # والذين يجنحون بمزاجهم إلى الأريحية يفهمون دوافع النخوة، ويحسبونها عذرا لأصحابها ~~أقوى من غواية المنافع والأرزاق. # إلا أن الصواب هنا ظاهر جد الظهور لمن يريد أن يراه. # الصواب أن العطف على جانب المنفعة عبث لا معنى له ولا حكمة فيه. # وأن العطف على جانب الأريحية واجب يخشى على الناس من تركه وإهماله؛ إذ كان تركه ~~مناقضا لصميم الفطرة التي من أجلها فطر الناس على الإعجاب بكل ما يستحق ~~الإعجاب. # فليس يخشى على الناس يوما أن ينسوا منافعهم ويقصروا في خدمة أنفسهم، سواء عطف عليها ~~المؤرخون أو أعرضوا عنها ساخرين منكرين. # ولكنهم يخسرون الأريحية إذا فقدوها وفقدوا الإعجاب بها والتطلع إليها، وهي التي ~~خلقت ليعجب بها الناس؛ لأن حرص الإنسان على منفعته لا يغنيهم في حياتهم العامة أو في ~~حياتهم الباقية، أما الأريحية التي يتجاوز بها الإنسان نفسه في سبيل معنى من المعاني ~~أو مثل عال من الأمثلة العليا، فهي الخليقة النافعة للنوع الإنساني بأسره، وإن جاز ~~اختلافهم في كل معنى وفي كل مثل عال. # صراع بين الأريحية والمنفعة # في ماضي الشرق وحاضره كثير من الحركات التاريخية التي وقع الصدام فيها بين الأريحية ~~والمنفعة على أكثر من غرض واحد. # ولكننا لا نحسبنا مهتدين إلى نموذج لهذا الصدام أوضح في المبادئ، وأهدى إلى النتائج، ~~وأبين عن خصائص المزاجين معا من النموذج الذي عرضه لنا التاريخ في النزاع بين ~~الطالبيين والأمويين، ولا سيما النزاع بينهما على عهد الحسين بن علي، ويزيد بن ~~معاوية. # قلنا في كتابنا «عبقرية الإمام» ما فحواه أن الكفاح بين علي ومعاوية، لم يكن كفاحا ~~بين رجلين أو بين عقلين وحيلتين. ولكنه كان على الحقيقة كفاحا بين الإمامة الدينية ~~والدولة الدنيوية، وأن الأيام كانت أيام دولة دنيوية؛ فغلب الداعون إلى هذه الدولة من ~~حزب معاوية، ولم يغلب الداعون إلى الإمام من حزب الإمام. # ولو حاول معاوية ms004 ما حاوله علي لأخفق وما أفلح، ولو أراد علي أن يسلك غير مسلكه ~~لما أفاده ذلك شيئا عند محبيه ولا عند مبغضيه. # فإذا جاز لأحد أن يشك في هذا الرأي، وأن يرجع بنجاح معاوية إلى شيء من مزاياه ~~الشخصية، فذلك غير جائز في الخلاف بين الحسين ويزيد، وكل ما يجوز هنا أن يقال: إن أنصار ~~الدولة الدنيوية غلبوا أنصار الإمامة على سنة الخلفاء الراشدين؛ لأن مطالب الإمامة غير ~~مطالب الزمان. # ما من أحد قط يزعم أن الصراع هنا كان صراعا بين رجلين أو بين عقلين وحيلتين، ~~وإنما هو الصراع بين الإمامة والملك الدنيوي، أو بين الأريحية والمنفعة في جولتهما ~~الأولى، ولم يكن ليزيد قط فضل كبير أو صغير بما قد بلغه من الفوز والغلبة. # بل لا يمكن أن يتعلل أحد هنا بما يتعلل به أنصار المنافع عامة من «تقريره للنظام ~~وحفظه للأمن العام»؛ فإن يزيد لم يكن له فضل قط في قيام الدولة كما قامت على عهده وبعد ~~عهده؛ وإنما كانت الدولة تتماسك برغبة الراغبين في بقائها لا بقدرة الأمير المشرف ~~عليها، وقد حدث بعد موت يزيد أن بويع ابنه معاوية الثاني بالشام - وكان من الزاهدين في ~~الحكم - فنادى الناس إلى صلاة جامعة، وقال لهم: «أما بعد، فإني قد ضعفت عن أمركم، ~~فابتغيت لكم مثل عمر بن الخطاب حين استخلفه أبو بكر فلم أجده، فابتغيت ستة مثل ستة ~~الشورى فلم أجدهم، فأنتم أولى بأمركم فاختاروا له من أحببتم.» ثم أوى إلى بيته، ومضت ~~شئون الدولة على حالها حتى مات بعد ثلاثة أشهر، وله مع هذا منافس قوي كعبد الله بن ~~الزبير بالحجاز. ~~••• # فلا وجه للمفاضة بين الحسين بن علي ويزيد بن معاوية، ورأي معاوية وأعوانه في هذا ~~أسبق من رأي الطالبيين وخصوم الأمويين. فقد ترددوا كثيرا قبل الجهر باختيار يزيد ~~لولاية العهد وبيعة الخلافة بعد أبيه، ولم يستحسنوا ذلك قبل إزجائهم النصح إلى يزيد غير ~~مرة بالإقلاع عن عيوبه وملاهيه، ولما أنكر بعض أولياء معاوية جرأة الحسين عليه في ~~الخطاب، ms005 وأشاروا عليه أن يكتب له كتابا «يصغر إليه نفسه»، قال: «وما عسيت أن أعيب ~~حسينا؟ والله ما أرى للعيب فيه موضعا.» ~~••• # وثم تعلة أخرى يتعلل بها المفاضلون بين علي ومعاوية، ولا موضع لها في ~~المفاضلة بين ولديهما الحسين ويزيد، وتلك ما يزعمونه من غلبة معاوية على «علي» بحجته ~~في الإقناع ونشاطه أو نشاط أصحابه في الدعوة السياسية. # فهذه التعلة إن صلحت لتعليل نجاح معاوية، فما هي بصالحة لتعليل نجاح يزيد؛ لأن الذين ~~انخدعوا أو تخادعوا للصيحة التي صاح بها معاوية في المطالبة بدم عثمان، كانوا يرددون ~~هذه الصيحة، ويساعدهم على ترديدها حقد الثأر المزعوم، وسورة العصبية المهتاجة، ثم ~~يساعدهم على ترديدها في مبدأ الأمر أن معاوية لم يكن مجاهرا بطلب الخلافة ولا ~~متعرضا لمزاحمة أحد على البيعة، وإنما كان يتشبث بمقتل عثمان والمطالبة بدمه، ولا ~~يزيد في دعواه على ادعاء ولاية الدم وصلة القرابة. # ولكن الصائحين بهذه الصيحة مع معاوية قد عاشوا حتى رأوا بأعينهم مبلغ الغيرة على تراث ~~عثمان، وعلموا أن الملك هو الغرض المقصود من وراء تلك الفتن والأرزاء، وأن معاوية لا ~~يقنع بأن يملك لنفسه حتى يورث الملك ولده من بعده، وليس هو من أهل الرأي، ولا هو من ~~أهل الصلاح، ولا هو ممن تتفق عليه آراء هؤلاء، ولكنه فتى عربيد يقضي ليله ونهاره بين ~~الخمور والطنابير، ولا يفرغ من مجالس النساء والندمان إلا ليهرع إلى الصيد فيقضي فيه ~~الأسبوع بعد الأسبوع بين الأديرة والبوادي والآجام، لا يبالي خلال ذلك تمهيدا لملك ~~ولا تدريبا على حكم ولا استطلاعا لأحول الرعية الذين سيتولاهم بعد أبيه؛ ثقة بما صار ~~إليه من التمهيد والتوطيد وما سوف يصير. # فكل خلاف جاز في المفاضلة بين علي ومعاوية غير جائز في المفاضلة بين الحسين ويزيد، ~~وإنما الموقف الحاسم بينهما، موقف الأريحية الصراح في مواجهة المنفعة الصراح، وقد ~~بلغ كلاهما من موقفه أقصى طرفيه وأبعد غايتيه، فانتصر الحسين بأشرف ما في النفس ~~الإنسانية من غيرة على الحق وكراهة للنفاق والمداراة، وانتصر يزيد بأرذل ما ms006 في النفس ~~الإنسانية من جشع ومراء وخنوع لصغار المتع والأهواء. # أقام الحسين ليلته الأخيرة بكربلاء، وهو لا ينتظر من عاقبته غير الموت العاجل بعد ~~سويعات، فأذن لأصحابه أن يتفرقوا عنه تحت الليل إن كانوا يستحيون أن يفارقوه في ضوء ~~النهار، فأبوا إلا أن يموتوا دونه، وقال له مسلم بن عوسجة الأسدي: «أنحن نتخلى عنك، ولم ~~نعذر إلى الله في أداء حقك؟ أما والله لا أفارقك حتى أكسر في صدورهم رمحي وأضربهم بسيفي ~~ما بقي قائمه بيدي، ولو لم يكن معي سلاحي لقذفتهم بالحجارة دونك حتى أموت معك.» وقد بر ~~بقسمه وبقي ومات، ودنا منه حبيب بن مظاهر وهو يجود بنفسه، فقال له: «لولا أني أعلم أني ~~في أثرك لاحق بك لأحببت أن توصيني حتى أحفظك بما أنت له أهل.» فقال وكان آخر ما قال: ~~«أوصيك بهذا - رحمك الله - أن تموت دونه.» وأومأ بيده نحو الحسين. # وقتل الحسين، وذهب الأمل في دولته ودولة الطالبيين من بعده إلى أجل بعيد، ولكنه كان ~~يشتم بالكلمة العوراء فيهون على الرجل من أصحاب الأريحية أن يموت ولا يصبر على سماع ~~تلك الكلمة، أو يترك الجواب عليها. # فلما نعي الحسين في الكوفة نادى واليها ابن زياد إلى الصلاة الجامعة، وصعد إلى ~~المنبر، وخطب القوم فقال: «الحمد لله الذي أظهر الحق وأهله، ونصر أمير المؤمنين يزيد بن ~~معاوية وحزبه، وقتل الكذاب ابن الكذاب الحسين بن علي وشيعته.» # فما أتمها حتى وثب له من جانب المسجد شيخ ضرير هو عبد الله بن عفيف الأزدي الذي ذهبت ~~إحدى عينيه يوم الجمل، وذهبت عينه الأخرى يوم صفين، فصاح بالوالي غداة يوم انتصاره ~~وزهوه: «يابن مرجانة! أتقتل أبناء النبيين، وتقوم على المنبر مقام الصديقين؟ وإنما ~~الكذاب أنت وأبوك والذي ولاك وأبوه.» # فما طلع عليه الصباح إلا وهو مصلوب. # إلى هذا الأفق الأعلى من الأريحية والنخوة ارتفعت بالنفس الإنسانية نصرة ~~الحسين. # وإلى الأغوار المرذولة من الخسة والأثرة هبطت بالنفس الإنسانية نصرة يزيد. وحسبك من ~~خسة ناصريه، أنهم كانوا يجزون بالحطام وهتك الأعراض ms007 على غزو «المدينة» النبوية واستباحة ~~ذمارها فيسرعون إلى الجزاء، يسرعون إليه وليسوا هم بكافرين بالنبي الدفين في تلك ~~المدينة، فيكون لهم عذر الإقدام على أمر لا يعتقدون فيه التحريم! # بل حسبك من خسة ناصريه أنهم كانوا يرعدون من مواجهة الحسين بالضرب في كربلاء؛ ~~لاعتقادهم بكرامته وحقه، ثم ينتزعون لباسه ولباس نسائه فيما انتزعوه من أسلاب! ولو أنهم ~~كانوا يكفرون بدينه وبرسالة جده، لكانوا في شرعة المروءة أقل خسة من ذاك. ~~••• # وتتقابل وسائل النجاح في المزاجين كما تتقابل المقاصد والغايات. # فكان شعار معاوية وأشياعه: «إن لله جنودا من العسل.» وهو يعني العسل الذي يداف ~~بالسم؛ ليخلي طريق النجاح من كل معترض فيها ولو كان من الأصدقاء، فكثرت روايات المؤرخين ~~عن مقتل الحسن بن علي والأشتر النخعي بهؤلاء الجنود! وأعجب منها ما قيل عن مقتل عبد ~~الرحمن بن خالد، وقد كان نصيرا لمعاوية في حروب الشام؛ فإنه قد مات مسموما على ما ~~اشتهر من الروايات لأنه رشح للخلافة بعد معاوية دون يزيد، وعلم ذلك أقرباء عبد ~~الرحمن بن خالد، فقتلوا طبيب معاوية «ابن أثال» الذي اتهموه بسمه في الدواء. # ولو استباح الحسين وشيعته هذه الوسائل مرة واحدة، لكانوا وشيكين أن يبلغوا مقصدهم من ~~قريب، فقد كان هانئ بن عروة شيخ كندة من أنصار الحسين وأبيه، وكانت كندة كلها تطيعه ~~وتلبيه حتى قيل إنه «إذا صرخ لباه منهم ألف سيف». فزاره عبيد الله بن زياد - والي يزيد ~~على الكوفة - ليعوده في بعض مرضه ويتألفه ويستميله إليه، وقيل: إن هانئا عرض على مسلم ~~بن عقيل بن أبي طالب أن يقتل عبيد الله بن زياد وهو عنده، وقيل: إن الذي عرض ذلك رجل من ~~صحبة هانئ المقربين، فأبى مسلم ما عرضه هذا وذاك، وهو يومئذ طلبة ذلك الوالي، وجنوده ~~قد تعقبوه وأهدروا دمه وأجزلوا الوعود لمن يسلمه أو يدل عليه، وقال: «إنا أهل بيت ~~نكره الغدر.» ولو أنه بطش بابن زياد، لقد بطش يومئذ بأكبر أنصار يزيد. # وليقل من شاء: إن قتل ابن زياد كان ms008 صوابا راجحا. # وإن التحرج من قتله كان خطأ فادحا من وجهة السياسة أو من وجهة الأخلاق، فالذي لا يشك ~~فيه أنه إن كان صوابا فهو صواب سهل يستطيعه كثيرون، وإن كان خطأ فهو الخطأ الصعب الذي ~~لا يستطيعه إلا القليلون. ~~••• # كذلك يقول من يقول: إن الأريحية التي سمت إليها طبائع أنصار الحسين، إنما هي أريحية ~~الإيمان الذي يعتقد صاحبه أنه يموت في نصرة الحسين، فيذهب لساعته إلى جنات النعيم. ~~فهؤلاء الذين يقولون هذا القول يجعلون المنفعة وحدها باعث الإنسان إلى جميع أعماله، حتى ~~ما صدر منها عن عقيدة وإيمان، وينسون أن المنفعة وحدها لن تفسر لنا حتى الغرائز ~~الحيوانية التي يصاب من جرائها الفرد طوعا أو كرها في خدمة نوعه، بل ينسون أن أنصار ~~يزيد لا يكرهون جنات النعيم ولا يكفرون بها، فلماذا لم يطلبوها كما طلبها أنصار الحسين؟ ~~إنهم لم يطلبوها لأنهم منقادون لغواية أخرى، ولأنهم لا يملكون عزيمة الإيمان ونخوة ~~العقيدة، ولا تلك القوة الخلقية التي يتغلبون بها على رهبة الموت؛ ويقدعون بها وساوس ~~التعلق بالعيش والخنوع للمتعة القريبة، فلولا اختلاف الطبائع لظهر شغف الناس جميعا ~~بجنات النعيم على نحو واحد، ومضى الناس على سنة واحدة في الأريحية والفداء، ومرجع ~~الأمر إذن في آخر المطاف إلى فرق واضح بين طبائع الأريحيين وطبائع النفعيين. # وكذلك يقول من يقول: إن الأريحية في نفوس أنصار الحسين كانت أريحية أفراد معدودين ~~ثبتوا معه، ولم يخذلوه إلى يومه الأخير. وينسى هؤلاء أن الارتفاع ليقاس بالقمة ~~الواحدة كما يقاس بالقمم الكثيرة، وأن الغور ليسبر في مكان واحد كما يسبر في كل مكان، ~~وإنما تكون الندرة هنا أدل على جلالة المرتقى الذي تطيقه النفس الواحدة أو الأنفس ~~المعدودات، ولا تطيقه نفوس الأكثرين. # فمدار الخلاف إذن في هذه الجولة التاريخية إنما هو الفارق الخالد بين مزاجين بارزين ~~كائنا ما كان تفسير المفسرين للعقائد الروحية والمطامع السياسية، ولم يتلاق هذان ~~المزاجان على تناحر وتناجز كما تلاقيا عامة في النزاع بين الطالبيين والأمويين، ~~وخاصة في النزاع بين الحسين ms009 ويزيد. # فحياة الحسين - رضي الله عنه - صفحة لا صفحة تماثلها في توضيح الفارق بين خصائص هذين ~~المزاجين، وبيان ما لكل منهما من عدة للنجاح في كفاح الحياة، سواء نظرنا إلى الأمد ~~البعيد أو قصرنا النظر على الأمد القريب. # الفصل الثاني # | الخصومة # أسباب التنافس والخصومة # قبل أن يقف الحسين ويزيد متناجزين، كانت الحوادث قد جمعت لهما أسباب التنافس والخصومة ~~منذ أجيال، وكان هذا التنافس بينهما يرجع إلى كل سبب يوجب النفرة بين رجلين: من ~~العصبية، إلى الترات الموروثة، إلى السياسة، إلى العاطفة الشخصية، إلى اختلاف ~~الخليقة والنشأة والتفكير. # تنافس هاشم وأمية على الزعامة قبل أن يولد معاوية؛ فخرج أمية ناقما إلى الشام وبقي ~~هاشم منفردا بزعامة بني عبد مناف في مكة، فكان هذا أول انقسام وتقسيم بين الأمويين ~~والهاشميين: هؤلاء يعتصمون بالشام، وهؤلاء يعتصمون بالحجاز. # ثم علا نجم «أبي سفيان بن حرب بن أمية» في الحجاز، فأصبحت له زعامة مرموقة إلى جانب ~~الزعامة الهاشمية، فلما ظهرت الدعوة المحمدية أخذته الغيرة على زعامته، فكان في طليعة ~~المحاربين للدعوة الجديدة، وندرت غزوة من الغزوات لم تكن فيها لأبي سفيان إصبع ظاهرة في ~~تأليب القبائل وجمع الأموال، وشاءت المصادفات زمنا من الأزمان أن يظل وحده على زعامة ~~قريش في حربها للنبي # صلى الله عليه وسلم ~~، فمات الوليد بن المغيرة زعيم مخزوم، ودان زعماء تيم وبني ~~عدي وغيرهم من البطون القرشية الصغيرة بالإسلام، وبقي أبو سفيان وحده على رأس الزعامة ~~الجاهلية والزعامة الأموية في منازلة النبي ومن معه من المهاجرين والأنصار، وبلغ من ~~تغلغل العداء في هذه الأسرة للنبي # صلى الله عليه وسلم # أن أبا لهب عمه كان أوحد أعمامه في الكيد له ~~والتأليب عليه؛ وإنما جاءه هذا من بنائه بأم جميل بنت حرب، أخت أبي سفيان التي وصفها ~~القرآن بأنها «حمالة الحطب»؛ كناية عن السعي في الشر وتأريث نار البغضاء. # ثم فتحت مكة، فوقف أبو سفيان ينظر إلى جيش المسلمين، ويقول للعباس بن عبد المطلب: ~~«والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك ms010 اليوم عظيما.» فلما قال العباس: «إنها ~~النبوة.» قال: «نعم إذن!» # وقد أسلم أبو سفيان وابنه معاوية عند فتح مكة، وكان إسلام بيته أعسر إسلام عرف بعد ~~فتحها، فكانت زوجه هند بنت عتبة تصيح في القوم بعد إسلامه: «اقتلوا الخبيث الدنس الذي ~~لا خير فيه، قبح من طليعة قوم، هلا قاتلتم ودفعتم عن أنفسكم وبلادكم!» ~~••• # وظل أبو سفيان إلى ما بعد إسلامه زمنا يحسب غلبة الإسلام غلبة عليه، فنظر إلى النبي ~~مرة، وهو بالمسجد نظرة الحائر المتعجب وهو يقول لنفسه: «ليت شعري بأي شيء غلبني!» فلم ~~يخف عن النبي # صلى الله عليه وسلم # معنى هذه النظرة، وأقبل عليه حتى ضرب يده بين كتفيه، وقال له: ~~«بالله غلبتك يا أبا سفيان!» # وكان في غزوة حنين يشهد المسلمين هزيمة الأولى فيقول: «ما أراهم يقفون دون البحر!» ~~وقيل إنه كان في حروب الشام يهتف كلما تقدم الروم: «إيه بني الأصفر!» فإذا تراجعوا عاد ~~فقال: «ويل لبني الأصفر!» ~~••• # وقد تألفه النبي # صلى الله عليه وسلم # ما استطاع قبل فتح مكة وبعد فتحها، فتزوج بنته أم حبيبة ~~قبل الفتح، وجعل بيته بعد الفتح حرما «من دخله فهو آمن ومن أغلق عليه داره فهو آمن.» ~~وأقامه على رأس المؤلفة قلوبهم الذين يزاد لهم في العطاء عسى أن يذهب ما في نفوسهم من ~~الكراهة لغلبة الإسلام. # ومع هذا كان المسلمون يوجسون منه فلا ينظرون إليه ولا يقاعدونه، حتى برم بذلك، ~~وأحب أن يمسح ما بصدورهم من قبله؛ فتوسل إلى النبي أن يجعل معاوية كاتبا بين يديه، وأن ~~يأمره ليقاتل الكفار كما كان يقاتل المسلمين. # ثم قبض النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، ونجم الخلاف على مبايعة الخليفة بعده بين المهاجرين ~~والأنصار وبين بعض الصحابة من جهة أخرى. فاشرأب أبو سفيان إلى هذه الفتنة، وخيل إليه ~~أنه مصيب بين فتوقها ثغرة ينفذ منها إلى السيادة على قريش، ثم السيادة من هذا الطريق ~~على الأمة الإسلامية بأسرها. فدخل على «علي» والعباس، يثيرهما ويعرض عليهما المعونة ~~بما في وسعه من خيل ورجل، ms011 فنادى بهما: «يا علي! وأنت يا عباس! ... ما بال هذا الأمر في ~~أذل قبيلة من قريش وأقلها؟ والله لو شئت لأملأنها عليه - على أبي بكر - خيلا ورجلا، ~~وآخذنها عليه من أقطارها.» # وهو لا ريب لم يغضب لأن الخلافة قد فاتت بني هاشم، ولا كان يسره أن تصير الخلافة ~~إليهم فتستقر فيهم قرارا لا طاقة له بتحويله، ولكنه أراد خلافا يفتح الباب لزعامة ~~أموية يملك بها زمام قريش والدولة العربية جمعاء. # فلم يخف مقصده هذا على «علي» رضي الله عنه، وقال له: «لا والله لا أريد أن ~~تملأها عليه خيلا ورجلا، ولولا أننا رأينا أبا بكر لذلك أهلا ما خليناه ~~وإياها.» # ثم أنبه قائلا: «يا أبا سفيان! إن المؤمنين قوم نصحة بعضهم لبعض، وإن المنافقين قوم ~~غششة بعضهم لبعض، متخاونون وإن قربت ديارهم وأبدانهم.» # وانقضت خلافة أبي بكر وخلافة عمر، والأمور تجري في مجراها الذي يأخذ على المطامع ~~سبيلها، ويخيف أصحاب الفتن أن يبرزوا بها من جحورها. # حتى قامت خلافة عثمان بن عفان فانتصر بها الأمويون أيما انتصار؛ لأنه رأس من رءوسهم ~~وابن عم قريب لزعماء بيوتهم، وأصبحت الدولة الإسلامية أموية لا يطمع في خيراتها ولا ~~ولاياتها إلا من كان من أمية أو من حزبها، فمروان بن الحكم وزير الخليفة الأكبر يغدق ~~العطاء على الأقرباء ويحبسه عن سائر الناس، ومعاوية بن بي سفيان والي الشام يجتذب إليه ~~الأقرباء والأولياء ومن يرجى منهم العون ويخشى منهم الخلاف. # فلما قتل عثمان - رضي الله عنه - كان المنتفعون بمناصب الدولة وأموالها جميعا من ~~الأمويين أو من صنائعهم المقربين، ومال السلطان إلى جانب أمية على كل جانب آخر من ~~القرشيين وغير القرشيين. ~~••• # لا جرم كان الصراع بعد ذلك صراعا معروف النهاية من مطلع البداية، فقتل علي بن أبي ~~طالب غيلة، وخلصت الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان. # ثم بايع أناس من أهل العراق وفارس الحسن بن علي، فلم يستقم له أمرهم، وضاق صدره ~~بجدالهم ومحالهم، وكان رجلا سكيتا يكره المنازعة ويجنح إلى العزلة، فصالح معاوية على ~~شروط ms012 وفى له معاوية بالمعجل منها والتوى عليه بمؤجلها، وزاد على ذلك كما تواتر في شتى ~~الروايات أنه أغرى امرأته «جعدة بنت الأشعث» بسمه، ووعدها أن يزوجها يزيد ويعطيها مائة ~~ألف درهم، فوفى بوعد المال ولم يف بوعد الزواج. # وقد أوصى الحسن - رضي الله عنه - أن يدفن عند قبر جده إلا أن تخاف فتنة، فلما توفي ~~أرادوا دفنه حيث أوصى، فقام مروان بن الحكم وجمع بني أمية وزمرتهم ومنعوا مشيعيه. فأنكر ~~الحسين عليهم منع سبط النبي أن يدفن إلى جوار جده، فقيل له: «إن أخاك قال إذا خفتم ~~الفتنة ففي مقابر المسلمين سعة. وهذه فتنة.» فسكت على مضض. # أهداف معاوية # وقد كان معاوية ولا ريب ينوي أن يجعلها دولة أموية متعاقبة في ذريته من بعده، منذ ~~تصدى للخلافة، وخلا له المجال من أقوى منافسيه، إلا أنه كان يتردد ويتكتم ولا يفضي ~~بنيته إلى أقرب المقربين إليه، ثم كبرت سنه وخاف أن يعجل عن قصده، فمهد لبيعة ابنه ~~يزيد بعض التمهيد، وتوسل إلى ذلك بما طاب له من وسيلة؛ فلباه أهل الشام وكتب بيعته إلى ~~الآفاق، ثم همه أمر الحجاز فكتب إلى مروان بن الحكم عامله أن يجمع من قبله لأخذ البيعة ~~منهم ليزيد، فأبى مروان وأغرى رءوس قريش بالإباء لأنه كان يتطلع إلى الخلافة بعد معاوية ~~ويحسبه أقدر عليها من يزيد؛ لما اشتهر به من نقص وعبث ... فعزله معاوية وولى سعيد بن ~~العاص مكانه، فلم يجبه أحد إلى ما أراد، فكتب معاوية إلى عبد الله بن عباس، وعبد الله ~~بن الزبير، وعبد الله بن جعفر، والحسين بن علي، وأمر عامله سعيدا أن يوصل كتبه إليهم ~~ويبعث إليه بجواباتها، وقال لسعيد: «فهمت ما ذكرت من إبطاء الناس، وقد كتبت إلى رؤسائهم ~~كتبا فسلمها إليهم، ولتشد عزيمتك وتحسن نيتك، وعليك بالرفق، وانظر حسينا خاصة فلا ~~يناله منك مكروه، فإن له قرابة وحقا عظيما لا ينكره مسلم ولا مسلمة، وهو ليث عرين، ~~ولست آمنك إن ساورته ألا تقوى عليه.» ~~••• # فأعيت سعيد بن العاص كل ms013 حيلة في إقناع وجهاء الناس وعامتهم بهذه البيعة البغيضة، وخف ~~معاوية إلى مكة ومعه الجند وحقائب الأموال، ودعا بأولئك النفر ، فقال لهم: «قد علمتم ~~سيرتي فيكم وصلتي لأرحامكم، يزيد أخوكم وابن عمكم، وأردت أن تقدموا يزيد باسم الخلافة، ~~وتكونوا أنتم تعزلون وتؤمرون، وتجبون المال وتقسمونه.» # فأجاب عبد الله بن الزبير، وخيره بين أن يصنع كما صنع رسول الله إذ لم يستخلف ~~أحدا، أو كما صنع أبو بكر إذ عهد إلى رجل ليس من بني أبيه، أو كما صنع عمر إذ جعل ~~الأمر شورى في سته نفر ليس فيهم أحد من ولده ولا من بني أبيه. # فقال معاوية مغضبا: «هل عندك غير هذا؟» # قال: «لا!» # والتفت إلى الآخرين يسألهم قائلا: «فأنتم؟» فوافقوا ابن الزبير. # فقال متوعدا: «أعذر من أنذر! إني كنت أخطب فيكم فيقوم إلي القائم منكم فيكذبني على ~~رءوس الناس فأحمل ذلك وأصفح، وإني قائم بمقالة، فأقسم بالله لئن رد علي أحدكم كلمة ~~في مقامي هذا، لا ترجع إليه كلمة غيرها حتى يسبقها السيف إلى رأسه، فلا يبقين رجل إلا ~~على نفسه!» # ثم أمر صاحب حرسه أن يقيم على رأس كل منهم رجلين مع كل واحد منهما سيف، وقال له: «إن ~~ذهب رجل منهم يرد علي كلمة بتصديق أو تكذيب، فليضرباه بسيفيهما.» # ثم خرج بهم إلى المسجد ورقي المنبر، فحمد الله وأثنى عليه وقال: «هؤلاء الرهط سادة ~~المسلمين وخيارهم لا يبرم أمر دونهم ولا يقضى إلا على مشورتهم، وإنهم قد رضوا وبايعوا ~~ليزيد فبايعوه على اسم الله.» فبايع الناس. # وهكذا كانت البيعة ليزيد في الحجاز. ~~••• # ومات معاوية وهو يعلم أن بيعة كهذه لا تجوز ولا تؤمن عقباها؛ فأوصى ابنه «أنه لا يخاف ~~إلا هؤلاء من قريش: الحسين بن علي، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير». قال: «فأما ~~عبد الله بن عمر فرجل قد وقذته العبادة وإذا لم يبق أحد غيره بايعك، وأما الحسين بن ~~علي فلا أظن أهل العراق تاركيه حتى يخرجوه، فإن خرج عليك فظفرت به فاصفح ms014 عنه، فإن له ~~رحما ماسة وحقا عظيما، أما ابن الزبير فإنه خب ضب، فإذا أمكنته فرصة وثب، فإن هو ~~فعلها فقدرت عليه، فقطعه إربا إربا إلا أن يلتمس منك صلحا، فإن فعل فاقبل واحقن ~~دماء قومك ما استطعت.» # خلافة يزيد # وآل الأمر على هذا النحو إلى يزيد في سنة ستين للهجرة، وهو بين الرابعة والثلاثين ~~والخامسة والثلاثين، ولكنه دون أنداده في تجارب الأيام، وليس حوله من المشيرين والنصحاء ~~أمثال المغيرة وزياد وعمرو بن العاص، وغيرهم من القروم الذين كانوا حول أبيه؛ فتهيب ما ~~هو مقدم عليه، وكتب إلى عامله بالمدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان: أن «خذ حسينا ~~وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير بالبيعة أخذا شديدا ليست فيه رخصة حتى يبايعوا، ~~والسلام». # فبعث الوليد إلى مروان بن الحكم يستشيره، وكان مروان يريد الخلافة لنفسه، ولكنه علم ~~بعد موت معاوية وقيام يزيد أن الأمر اليوم أمر بني أمية، فإن خرج منهم فقد خرج منهم ~~أجمعين، فنصح للوليد نصيحة ذات وجهين: ظاهرها الشدة في الدعوة ليزيد، وباطنها السعي إلى ~~الخلاص من يزيد ومنافسيه. فقال: «أرى أن تبعث الساعة إلى هؤلاء النفر فتدعوهم إلى ~~البيعة، أما ابن عمر فلا أراه يرى القتال، ولكن عليك بالحسين وعبد الله بن الزبير، فإن ~~بايعا وإلا فاضرب أعناقهما.» # وضرب عنق الحسين وابن الزبير معناه الخلاص من أعظم المنافسين ليزيد، ثم الخلاص من زيد ~~نفسه بإثارة النفوس وإيغار الصدور عليه! ~~••• # وقد ذهب رسول الوليد إلى الحسين وابن الزبير، فوجدهما في المسجد؛ فعلم الحسين ما يراد ~~منه، وجمع طائفة من مواليه يحملون السلاح، وقال لهم وهو يدخل بيت الوليد: «إن دعوتكم أو ~~سمعتم صوتي قد علا فاقتحموا علي بأجمعكم، وإلا فلا تبرحوا حتى أخرج عليكم.» # فلما عرضوا عليه البيعة ليزيد قال: «أما البيعة فإن مثلي لا يعطي بيعته سرا، ولا ~~أراك تقنع بها مني سرا.» # قال الوليد: «أجل!» # قال الحسين: «فإذا خرجت إلى الناس فدعوتهم إلى البيعة دعوتنا معهم فكان الأمر ~~واحدا.» # ثم انصرف ومروان ms015 غاضب صامت لا يتكلم، وما هو إلا أن توارى الحسين حتى صاح بالوليد: ~~«عصيتني والله! لا قدرت منه على مثلها أبدا حتى تكثر القتلى بينكم وبينه.» # فأنكر الوليد لجاجته وقال له: «أتشير علي بقتل الحسين! والله إن الذي يحاسب بدم ~~الحسين يوم القيامة لخفيف الميزان عند الله.» ~~••• # وهكذا انتهت المنافسة بين بني أمية وبني هاشم إلى مفترق طريق لا سبيل فيه إلى توفيق، ~~ولم تنقطع قط سلسلة هذه المنافسة منذ أجيال، وإن غلبها الإسلام في عهد النبوة، وفي عهد ~~الصديق والفاروق. # وكفى بالإسلام فضلا في هذا المجال أنه غلب العصبية بالعقيدة، فجعلها تابعة لها غير ~~قادرة على الجهر بمخالفتها! ولكن العصبية المكبوحة عصبية موجودة غير معدومة. ~~••• # وكثيرا ما يفلت المكبوح من عنانه، وإن طالت به الرياضة والانقياد. # فاتفق كثيرا في مساجلات شتى بين كبار الصحابة، أن بدرت إلى اللسان بوادر العصبية ~~والنبي # صلى الله عليه وسلم # حاضر، فلما أشار عمر بقتل أبي سفيان - على خلاف رأي العباس في استبقائه ~~وتألفه - قال العباس: «مهلا يا عمر! فوالله لو كان من رجال بني عدي بن كعب ما قلت ~~مثل هذا، ولكنك قد عرفت أنه من رجال عبد مناف.» # ولما توثب أسيد بن حضير لضرب أعناق المفترين على السيدة عائشة، ثار به سعد بن عبادة ~~وصاح به: «كذبت لعمر الله! ما تضرب أعناقهم، أما والله ما قلت هذا المقالة إلا أنك قد ~~عرفت أنهم من الخزرج، ولو كانوا من قومك - الأوس - ما قلت هذا.» # وقد مات الفاروق وهو يوصي عليا فيقول: «اتق الله يا علي، إن وليت شيئا فلا ~~تحملن بني هاشم على رقاب المسلمين.» ثم يلتفت إلى عثمان فيقول له: «اتق الله، إن وليت ~~شيئا فلا تحملن بني أمية على رقاب المسلمين.» ~~••• # ومن عجائب الحيل التي تحاول بها الغرائز الإنسانية أن تبقي وجودها وتمضي لطيتها، أن ~~بني أمية انتفعوا من حرب الإسلام للعصبية في تعزيز عصبيتهم، فجعلوها حجة على بني هاشم ~~أن النبوة لا تحصر الأمر فيهم، وأن الأنبياء لا يورثون. وإذا ms016 نهضت هذه الحجة على بني ~~هاشم، فبنو أمية أقوى المنتفعين بها من بطون عبد مناف! # وقد أوجبت الضرورة قبول المجاملة في هذه المنافسات فترة من الزمن على عهد معاوية بن ~~أبي سفيان، فكان يلطف القول إلى أبناء علي ويواليهم بالهدايا والمجاملات، ولكنه كان ~~مضطرا إلى مجاملة آل علي ومضطرا إلى تنقص علي والغض من دعواه، فكان بذلك مضطرا ~~إلى النقيضين في آن. # إنه ملك وبايع بالملك ليزيد وهو يعلم أنه غالب بالسلاح والمال، مغلوب بالسمعة ~~والشعور، فكان الناس يفضلون عليا عليه، وهو لا يملك أن يفاضله بقرابة النبي، ولا ~~بالسابقة إلى الإسلام، ولا بالعراقة في قريش، فتجنب النسب والسابقة، وعمد إلى شخص علي ~~في منازعات الخلافة؛ فاتهمه بتفرقة الكلمة بين المسلمين، وأمر بلعنه على المنابر عسى أن ~~يضعف من تلك المكانة التي هو مغلوب بها، ويستبقي الدولة التي هو بها غالب، ولج في ~~ذلك حتى قتل أناسا لم يطيعوه في لعن علي واتهامه، وأبى أن يجيب الحسن بن علي إلى ~~شرطه الذي أراد به أن يرفع اللعن عن أبيه. وكان معاوية على حصافته يجهل أنه قد أضاع ~~سمعة وشعورا من حيث حارب عليا في مقام السمعة والشعور. # وإن مجاملة كهذه التي تحيي الرجل وتغض من قدر أبيه لهي أضعف مجاملة بين متلاقيين، ~~فضلا عن خصمين متنافسين قد آل بهما التنافس بعد أجيال إلى مفترق الطريق. # زواج الحسين # وكأنما كانت هذه المنافسة المؤصلة الجذور لا تكفي قصاص التاريخ، فأضاف إليها أناس من ~~ثقاتهم قصة منافسة أخرى هي وحدها كافية للنفرة بين قلبين متآلفين، وهي قصة زواج الحسين ~~- رضي الله عنه - بزينب بنت إسحاق التي كان يهواها يزيد هوى أدنفه وأعياه. # وكانت زينب هذه على ما قيل أشهر فتيات زمانها بالجمال، وكانت زوجة لعبد الله بن سلام ~~القرشي والي العراق من قبل معاوية. # فمرض يزيد بحبها وأخفى سره عن أهله، حتى استخرجه منه بعض خصيان القصر الذين يعينونه ~~على شهواته، فلما علم أبوه سر مرضه أرسل في طلب عبد الله بن سلام، ms017 واستدعى إليه أبا ~~هريرة وأبا الدرداء، فقال لهما: إن له ابنة يريد زواجها ولم يرض لها حليلا غير ابن ~~سلام ؛ ولدينه وفضله وشرفه ورغبة معاوية في تكريمه وتقريبه، فخدع ابن سلام بما بلغه ~~وفاتح معاوية في خطبة ابنته، فوكل معاوية الأمر إلى أبي هريرة ليبلغها ويستمع ~~جوابها، فكان جوابها المتفق عليه بينها وبين أبيها أنها لا تكره ما اختاروه، ولكنها ~~تخشى الضر وتشفق أن يسوقها إلى ما يغضب الله، فطلق ابن سلام زوجته واستنجز معاوية ~~وعده، فإذا هو يلويه به، ويقول بلسان ابنته إنها توجس من رجل يطلق زوجته وهي ابنة ~~عمه وأجمل نساء عصره. # وقيل إن الحسين سمع بهذه المكيدة، فسأل أبا هريرة أن يذكره عند زينب خاطبا، فصدع أبو ~~هريرة بأمره، وقال لزينب: «إنك لا تعدمين طلابا خيرا من عبد الله بن سلام.» # قالت: «من؟» قال: «يزيد بن معاوية والحسين بن علي، وهما معروفان لديك بأحسن ما ~~تبتغينه في الرجال.» # واستشارته في اختيار أيهما، فقال: «لا أختار فم أحد على فم قبله رسول الله، ~~تضعين شفتيك في موضع شفتيه.» # فقالت: «لا أختار على الحسين بن علي أحدا، وهو ريحانة النبي، وسيد شباب أهل ~~الجنة.» # فقال معاوية متغيظا: # أنعمي أم خالد # رب ساع لقاعد # ولم يلبث الحسين أن ردها إلى زوجها قائلا: «ما أدخلتها في بيتي وتحت نكاحي رغبة في ~~مالها ولا جمالها، ولكن أردت إحلالها لبعلها.» # فإن صحت هذه القصة وهي متواترة في تواريخ الثقات، فقد تم بها ما نقص من النفرة ~~والخصومة بين الرجلين، وكان قيام يزيد على الخلافة يوم فصل في هذه الخصومة لا يقبل ~~الإرجاء، وكان بينهما كما أسلفنا مفترق طريق. # الفصل الثالث # | الخصمان # موازنة # لخص المقريزي المنافسة التي بين الهاشميين والأمويين في بيتين فقال: # عبد شمس قد أضرمت لبني ها # شم حربا يشيب منها الوليد # فابن حرب للمصطفى، وابن هند # لعلي، وللحسين يزيد # وسنعرض في ختام هذا الفصل عرضا موجزا لهذه المقابلة المتسلسلة بين أفراد الأسرتين ~~لتحقيق الرأي فيها، ولكننا نجتزئ هنا بالمقابلة بين ms018 الخصمين المتصاولين من هاشم وعبد ~~شمس في شخصي الحسين ويزيد؛ فأيا كان الميزان الذي يوزن به كل من الرجلين، فلا مراء ~~البتة في خير الرجلين. # وما من رجل فاز حيث ينبغي أن يخيب، كما قد فاز يزيد بن معاوية في حربه للحسين، وما ~~اختصم رجلان كان أحدهما أوضح حقا وأظهر فضلا من الحسين في خصومته ليزيد بن ~~معاوية. # والموازنة بين هذين الخصمين هي في بعض وجوهها موازنة بين الهاشميين والأمويين من ~~بداءة الخلاف بين الأسرتين، وهي موازنة حفظت كفتيها على وضعهما زهاء سبعة قرون، فلم ~~يظهر في هذه القرون أموي قح، إلا ظهرت فيه الخصال الأموية المعهودة في القبيلة ~~بأسرها، ولم يظهر في خلالها هاشمي قح، إلا رأيت فيه ملامح من تلك الخصال التي بلغت ~~مثلها الأعلى في محمد بن عبد الله # صلى الله عليه وسلم ~~. # والهاشميون والأمويون من أرومة واحدة ترتفع إلى عبد مناف، ثم إلى قريش في أصلها ~~الأصيل. # ولكن الأسرتين تختلفان في الأخلاق والأمزجة وإن اتحدتا في الأرومة؛ فبنو هاشم في ~~الأغلب الأعم مثاليون أريحيون ولا سيما أبناء فاطمة الزهراء، وبنو أمية في الأغلب الأعم ~~عمليون نفعيون، ولا سيما الأصلاء منهم في عبد شمس من الآباء والأمهات. # وتفسير هذا الاختلاف مع اتحاد الأرومة غير عسير؛ فإن الأخوين في البيت الواحد قد ~~يختلفان في الأخلاق والأعمال، كما يختلف الغريبان من أمتين بعيدتين، تبعا لاختلاف ~~سلسلة الميراث في الأصول والفروع، على ذلك النحو الذي يأذن أحيانا باختلاف الألوان ~~والملامح في نسل واحد، تأخذ كل شعبة منه بناحية من نواحي الوراثة. ~~••• # ومن الثابت الذي لا نزاع فيه أن عبد المطلب وأمية كانا يختلفان حتى في الصورة والقامة ~~والملامح. # وفي نسل أمية شبهة نشير إليها ولا نزيد، فهي محل الإشارة والمراجعة في هذا ~~المقام. # دخل دغفل النسابة على معاوية فقال له: «من رأيت من عليه قريش؟» فقال: «رأيت عبد ~~المطلب بن هاشم وأمية بن عبد شمس.» فقال: «صفهما لي.» فقال: «كان عبد المطلب أبيض، مديد ~~القامة، حسن الوجه، في جبينه نور ms019 النبوة وعز الملك، يطيف به عشرة من بنيه كأنهم أسد ~~غاب.» قال: «فصف أمية.» قال: «رأيته شيخا قصيرا، نحيف الجسم ضريرا، يقوده عبده ~~ذكوان.» فقال معاوية: «مه! ذاك ابنه أبو عمرو.» فقال دغفل: «ذلك شيء قلتموه بعد ~~وأحدثتموه. وأما الذي عرفت فهو الذي أخبرتك به.» # وذكر الهيثم بن عدي في كتاب المثالب أن أبا عمرو بن أمية كان عبدا لأمية اسمه ذكوان ~~فاستلحقه، ونقل أبو الفرج الأصفهاني - وهو من الأمويين - ما تقدم فلم يعرض له ~~بتفنيد. # ووضح الفرق بين بني هاشم وبني أمية في الخلائق والمناقب في الجاهلية قبل الإسلام. ~~فكان الهاشميون سراعا إلى النجدة ونصرة الحق والتعاون عليه. ولم يكن بنو أمية كذلك، ~~فتخلفوا عن حلف الفضول الذي نهض به بنو هاشم وحلفاؤهم، وهو الحلف الذي اتفق فيه نخبة ~~من رؤساء قريش «ليكونن مع المظلوم حتى يؤدوا إليه حقه، وليأخذن أنفسهم بالتآسي ~~في المعاش والتساهم في المال، وليمنعن القوي من ظلم الضعيف والقاطن من عنف الغريب»، ~~واتفقوا على هذا الحلف لأن العاص بن وائل اشترى بضاعة من رجل زبيدي ولواه بثمنها، ~~فنصروا الرجل الغريب على القرشي وأعطوه حقه. # ولما تنافر عبد المطلب وحرب بن أمية إلى نفيل بن عدي، قضى لعبد المطلب وقال ~~لحرب: # أبوك معاهر وأبوه عف # وذاد الفيل عن بلد الحرام # يشير إلى فيل أبرهة الذي أغار به على مكة، وقال عن أمية إنه «معاهر»؛ لأنه كان يتعرض ~~للنساء، وقد ضرب بالسيف مرة لأنه تعرض لامرأة من بني زهرة، وكان له تصرف عجيب في ~~علاقات الزواج والبنوة، فاستلحق عبده ذكوان وزوجه امرأته في حياته، ولم يعرف سيد من ~~سادات الجاهلية قط صنع هذا الصنيع. # اختلاف النشأة # وندع اختلاف الطبائع ومغامز النسب، ثم ننظر في اختلاف النشأة والعادة - مع اختلاف ~~الخلقة الجسدية - فنرى أنهما صالحتان لتفسير الفارق بين أبناء هاشم وأبناء عبد شمس بعد ~~جيلين أو ثلاثة أجيال. # فقد كان بنو هاشم يعملون في الرئاسة الدينية، وبنو عبد شمس يعملون في التجارة أو ~~الرئاسة السياسية، وهما ما هما ms020 في الجاهلية من الربا والمماكسة والغبن والتطفيف ~~والتزييف، فلا عجب أن يختلفا هذا الاختلاف بين أخلاق الصراحة وأخلاق المساومة، وبين ~~وسائل الإيمان ووسائل الحيلة على النجاح. # ويتفق كثيرا في الكهانات أن يتصف رؤساء الأديان بصفات الرياء والدهاء والعبث بأحلام ~~الأغرار والجهلاء، ولكنهم يتصفون بهذه الصفة حين يعلمون الكذب فيما يمارسون من شعائر ~~الكهانة ومظاهر العبادة، ويتخذونها صناعة يروجونها لمنفعتهم أو لما يقدرون فيها من ~~منفعة أولئك الأغرار والجهلاء. # أما أبناء هاشم فلم يكونوا من طراز أولئك الكهان المشعوذين، ولا كانوا من المحتالين ~~بالكهانة على خداع أنفسهم وخداع المؤمنين والمصدقين؛ بل كانوا يؤمنون بالبيت ورب ~~البيت، وبلغ من إيمانهم بدينهم أن عبد المطلب جد النبي # صلى الله عليه وسلم # أوشك أن يذبح ابنه فدية ~~لرب البيت؛ لأنه نذر «لئن عاش له عشرة بنين لينحرن أحدهم عند الكعبة»، ولم يتحلل من ~~نذره حتى استوثق من كلام العرافة بعد رمي القداح ثلاث مرات. ~~••• # والأخلاق المثالية توائم الرئاسة الدينية التي يدين أصحابها بما يدعون إليه، فإن لم ~~تكن في بني هاشم موروثة من معدن أصيل في الأسرة، فهي أشبه بسمت الرئاسة الدينية ~~والعقيدة المتمكنة والشعائر المتبعة جيلا بعد جيل، وهي أخلق أن تزداد في الأسرة ~~تمكنا بعد ظهور النبوة فيها، وأن يتلقاها بالوراثة والقدوة أسباط النبي وأقرب الناس ~~إليه. # وإنك لتنحدر مع أعقاب الذرية في الطالبيين - أبناء علي والزهراء - مائة سنة ومائتي ~~سنة وأربعمائة سنة، ثم يبرز لك رجل من رجالها فيخيل إليك أن هذا الزمن الطويل لم ~~يبعد قط بين الفرع وأصله في الخصال والعادات، كأنما هو بعد أيام معدودات لا بعد ~~المئات وراء المئات من السنين، ولا تلبث أن تهتف عجبا: إن هذه لصفات علوية لا شك فيها؛ ~~لأنك تسمع الرجل منهم يتكلم ويجيب من يكلمه، وتراه يعمل ويجزي من عمل له، فلا تخطئ في ~~كلامه ولا في عمله تلك الشجاعة والصراحة، ولا ذلك الذكاء والبلاغ المسكت، ولا تلك ~~اللوازم التي اشتهر بها علي وآله وتجمعها في كلمتين اثنتين تدلان عليها أو ms021 في دلالة، ~~وهما: «الفروسية والرياضة». # طبع صريح، ولسان فصيح، ومتانة في الأسر يستوي فيها الخلق والخلق، ونخوة لا تبالي ما ~~يفوتها من النفع إذا هي استقامت على سنة المروءة والإباء. # فمن يحيى بن عمر، إلى علي بن أبي طالب، خمسة أو ستة أجيال. ولكن يحيى بن عمر يوصف لك، ~~فإذا هو صورة مصغرة من صور علي بن أبي طالب على نحو من الأنحاء، فمن أوصافه التي وصفه ~~بها الكاتب الأموي أبو الفرج الأصبهاني أنه كان «رجلا فارسا، شجاعا، شديد البدن، ~~مجتمع القلب، بعيدا عن رهق الشباب وما يعاب به مثله». # ومما روي عنه «أنه كان مقيما ببغداد، وكان له عمود حديد ثقيل يكون معه في منزله، ~~وربما سخط على العبد أو الأمة من حشمه؛ فيلوي العمود في عنقه فلا يقدر أحد أن يحله عنه ~~حتى يحله يحيى رضي الله عنه». # ولما ضايقه الأمراء وضنوا عليه بجرايته في بيت المال، كان يجوع ويعرض عليه الطعام ~~فيأباه ويقول: «إن عشنا أكلنا.» # ثم ثار وبلغت أنباء ثورته بغداد، فأقبلت عليهم الجموع المحشودة لقتاله، وأسرع إليه ~~بعض الأعراب فصاح به: «أيها الرجل أنت مخدوع، هذه الخيل قد أقبلت.» فوثب إلى متن فرسه ~~فجال به، وحمل على قائد القوم فضربه ضربة بسيفه على وجهه، فولى منهزما وتبعه أصحابه، ~~فجلس معهم ساعة وهو لا يبالي ما يكون. ~~••• # ولما تكاثرت عليه الجموع وقتل بعد ذلك، اتهم الناس صاحبه الهيضم العجلي أنه كان ~~مدسوسا عليه، وأنه غرر به لينكص عنه عند احتدام القتال، فأقسم الرجل بالطلاق إنه لم ~~يكن له في الهزيمة صنع مدبر. قال: «وإنما كان يحيى يحمل وحده ويرجع، فنهيته عن ذلك فلم ~~يقبل، وحمل مرة كما كان يفعل، فبصرت عيني به وقد صرع في وسط عسكرهم، فلما رأيته ~~قتل انصرفت بأصحابي.» # ويحيى الشهيد هذا هو الذي قال ابن الرومي جيميته المشهورة في وصف قتاله ومقتله، وهي ~~طويلة، منها قوله يخاطب أمراء زمانه: # فلو شهد الهيجا بقلب أبيكم # غداة التقى الجمعان والخيل تمعج # 1 # لأعطى يد ms022 العاني أو ارتد هاربا # كما ارتد بالقاع الظليم # 2 # المهيج # ولكنه ما زال يغشى بنحره # شبا الحرب حتى قال ذو الجهل: أهوج # وحاشى له من تلكم غير أنه # أبى خطة الأمر الذي هو أسمج # وأين به عن ذاك؟ لا أين، إنه # إليه بعرقيه الزكيين محرج # كأنى به كالليث يحمي عرينه # وأشباله لا يزدهيه المهجهج # كدأب علي في المواطن قبله ~~- أبي حسن - والغصن من حيث يخرج # كأني أراه إذ هوى عن جواده # وعفر بالترب الجبين المشجج # فحب به جسما إلى الأرض إذ هوى # وحب به روحا إلى الله تعرج ~~••• # وقد أصاب ابن الرومي الوصف والتعليل، فما كان كل من يحيى ولا أسلافه من قبله إلا ~~عليا صغيرا يتأسى بعلي الكبير، أو غصنا زاكيا يخرج من دوحته الكبرى، «والغصن من ~~حيث يخرج» كما قال، ولولا قوة هذه الطبائع في أساس الأسرة الطالبية لما انحدرت على هذه ~~الصورة الواضحة بعد ستة أجيال، فنحن نرى يحيى بن عمر بعد هذه الأجيال - وهو بعموده ~~الحديدي وجرأته التي لا تتزعزع ويقينه الذي لا يلوي به الإغراء والوعيد - كأنما هو نسخة ~~أخرى من جده الكبير الذي يحمل باب خيبر وقد أعيا حمله الرجال، وينهد لعمرو بن ود وقد ~~تهيبه مئات الأبطال، ويتوسط الصفوف حاسرا وقد برزوا له بشكة القتال ودروع ~~النزال. # ولم يكن لبني أمية - على نقيض هذا - نصيب ملحوظ من الخلائق المثالية والشمائل ~~الدينية، ولا كان ظهور النبوة في أسرة منافسة لأسرتهم من شأنه أن يعزز مناقبها فيهم كما ~~يعتز بها أبناء بيتها وفروع أرومتها؛ بل لعله كان من شأنه أن يجنح بهم من طرف خفي إلى ~~صفات تقابل تلك الصفات، ومزايا تعوض لهم ما فاتهم من تلك المزايا، فتمكنت فيهم قبل ظهور ~~النبوة وبعدها خلائقهم العملية التي دربتهم عليها المساومات التجارية، وراضهم عليها ~~مراس المطامع السياسية، فاشتهر أناس من رءوسهم بمحاسن هذه الخلائق ومعائبها على السواء، ~~وشاعت عنهم صفات الحلم والصبر والحنكة والدهاء كما شاعت عنهم صفات المراوغة والجشع ~~والإقبال على الترف ومناعم الحياة. ~~••• # ولقد ms023 تقابل الحسين بن علي ويزيد بن معاوية في تمثيل الأسرتين، كما تقابلا في كثير من ~~الخلائق والحظوظ، ولكنهما تفاوتا في تمثيل أسرتيهما كما تفاوتا في غير ذلك من وجوه ~~الخلاف بينهما، فكان الحسين بن علي نموذجا لأفضل المزايا الهاشمية ولم يكن يزيد بن ~~معاوية نموذجا لأفضل المزايا الأموية؛ بل كان فيه الكثير من عيوب أسرته، ولم يكن له من ~~مناقبها المحمودة إلا القليل. # وليس بنا هنا أن نفصل القول في أحوال كل من الرجلين وخصائص كل من النموذجين، ولكننا ~~نجتزئ منهما بما يملأ الكفتين في هذا الميزان، وهو ميزان الأريحية والنفعية في حادث ~~كبير من حوادث التاريخ العربي يندر نظيره في جميع التواريخ. # مكانة الحسين # وإذا كانت المعركة كلها هي معركة الأريحية والنفعية، فالمزية الأولى التي ينبغي ~~توكيدها هنا للحسين بن علي - رضي الله عنه - هي مزية نسبه الشريف ومكانه من محبة ~~النبي # صلى الله عليه وسلم ~~. # إن المؤرخ الذي يكتب هذا الحادث قد يكون عربيا مسلما أو يكون من غير العرب ~~والمسلمين، وقد يؤمن بمحمد أو ينكر محمدا وغيره من الأنبياء، ولكنه يخطئ دلالة الحوادث ~~التاريخية إذا استخف بهذه المزية التي قلنا إنها أحق مزايا الحسين بالتوكيد في الصراع ~~بينه وبين يزيد. # فليس المهم أن يؤمن المؤرخون بقيمة ذلك النسب الشريف في نفوسهم أو قيمته في علوم ~~العلماء وأفكار المفكرين، ولكنما المهم أن أتباع يزيد كانوا يؤمنون بحق ذلك النسب ~~الشريف في الرعاية والمحبة، وأنهم مع هذا غلبتهم منافعهم على شعورهم فكانوا من حزب يزيد ~~ولم يكونوا من حزب الحسين. # فلولا هذه المزية في الحسين لما وضح الصراع بين الأريحية والنفعية عند الفريقين، ولا ~~كان المصطرعون هنا وهناك من مزاجين مختلفين، ولا كان للمعركة كلها تلك الدلالة التي ~~كشفت النفس الإنسانية في جانبين منها قويين، يتنازعان حوادث الأمم والأفراد من زمان ~~بعيد، وسيظلان على نزاعهما هذا إلى زمان بعيد. ~~••• # ولقد كان الحسين بن علي بهذه المزية أحب إنسان إلى قلوب المسلمين، وأجدر إنسان أن ~~تنعطف إليه القلوب. # كان النبي ms024 # صلى الله عليه وسلم # هو الذي سماه، وسمى من قبله أخاه. قال علي رضي الله عنه: لما ~~ولد الحسن سميته حربا، فجاء رسول الله فقال: «أروني ابني، ما سميتموه؟» # قلت: «حرب!» فقال: «بل هو حسن.» فلما ولد الحسين سميته حربا، فجاء رسول الله فقال: ~~«أروني ابني، ما سميتموه؟» قلت: «حرب!» فقال: «بل هو حسين.» # وذهب إلى الحسين وإخوته كل ما في فؤاد النبي # صلى الله عليه وسلم # من محبة البنين، وهو مشوق ~~الفؤاد إلى الذرية من نسله. فكان - عليه السلام - لا يطيق أذاهما، ولا يحب أن يستمع إلى ~~بكاء منهما في طفولتهما، على كثرة ما يبكي الأطفال الصغار، وخرج من بيت عائشة يوما، ~~فمر على بيت فاطمة فسمع حسينا يبكي، فقال: «ألم تعلمي أن بكاءه يؤذيني؟» # وكان يقول لها: «ادعي إلي ابني.» فيشمهما ويضمهما إليه، ولا يبرح حتى يضحكهما ~~ويتركهما ضاحكين. وروى أبو هريرة أنه كان عليه السلام يدلع لسانه للحسين، فيرى الصبي ~~حمرة لسانه فيهش إليه، وكان عيينة بن بدر، شهده في بعض هذه المجالس فقال متعجبا: «يصنع ~~هذا بهذا؟ فوالله إن لي الولد ما قبلته قط!» قال عليه السلام: «من لا يرحم، لا ~~يرحم!» ~~••• # وخرج ليلة في إحدى صلاتي العشاء وهو حامل حسنا أو حسينا، فوضعه ثم كبر للصلاة ~~فأطال سجدة الصلاة. قال راوي الحديث: «فرفعت رأسي فإذا الصبي على ظهر رسول الله وهو ~~ساجد فرجعت إلى سجودي، فلما قضى الصلاة قيل يا رسول الله: إنك سجدت بين ظهري صلاتك سجدة ~~أطلتها حتى ظننا أنه قد حدث أمر أو أنه يوحى إليك.» قال: «كل ذلك لم يكن، ولكن ابني ~~ارتحلني فكرهت أن أعجله.» # وقام عليه السلام يخطب المسلمين، فجاء الحسن والحسين وعليهما قميصان أحمران يمشيان ~~ويعثران، فنزل عليه السلام من المنبر، فحملهما ووضعهما بين يديه ثم قال: «صدق الله! # إنما أموالكم وأولادكم فتنة # نظرت ~~إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران، فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما.» ~~••• # ولا يوجد مسلم في العصر القديم أو العصر الحديث يحب نبيه كما يحب ms025 المؤمنون ~~أنبياءهم، ثم يصغر عنده حساب هذا الحنان الذي غمر به قلبه الكريم سبطيه وأحب الناس ~~إليه. فبهذا الحنان النبوي قد أصبح الحسين في عداد تلك الشخوص الرمزية التي تتخذ منها ~~الأمم والملل عنوانا للحب، أو عنوانا للفخر، أو عنوانا للألم والفداء. فإذا بها ~~محبوب كل فرد ومفخرته، وموضع عطفه وإشفاقه، كأنما تمت إليه وحده بصلة القرابة أو بصلة ~~المودة. # وقد بلغ الحسين بهذا الحنان - مع الزمن - مبلغه من تلك المكانة الرمزية فأوشك بعض ~~واصفيه أن يلحقه في حمله وولادته ورضاعه بمواليد المعجزات. فقال بعضهم: «لم يولد مولود ~~لستة أشهر وعاش إلا الحسين وعيسى ابن مريم.» وقال آخرون: إنه - رضي الله عنه - لم ترضعه ~~أمه ولم ترضعه أنثى «واعتلت فاطمة لما ولدت الحسين وجف لبنها، فطلب رسول الله مرضعة ~~فلم يجد، فكان يأتيه فيلقمه إبهامه فيمصه، ويجعل الله في إبهام رسوله رزقا يغذيه، ففعل ~~ذلك أربعين يوما وليلة، فأنبت الله - سبحانه وتعالى - لحمه من لحم رسول الله.» # وروي عنه غير ذلك كثير من الأساطير التي تحيط بها الأمم تلك الشخوص الرمزية التي ~~تعزها وتغليها فتلتمس لها مولدا غير المولد المألوف، والنشأة المعهودة، وتلحقها أو ~~توشك أن تلحقها بالخوارق والمعجزات. # ولقد كانت حقيقة الحسين الشخصية كفؤا لتلك الصورة الرمزية التي نسجتها حوله الأجيال ~~المتعاقبة قبل أن يرى منه أبناء جيله غير تلك الحقيقة. # فكان ملء العين والقلب في خلق وخلق، وفي أدب وسيرة، وكانت فيه مشابه من جده ~~وأبيه، إلا أنه كان في شدته أقرب إلى أبيه. قال علي - رضي الله عنه - مشيرا إلى الحسن: ~~«إن ابني هذا سيخرج من هذا الأمر، وأشبه أهلي بي الحسين.» واتفق بعض الثقات على أن ~~«الغالب على الحسن الحلم والأناة كالنبي، وعلى الحسين الشدة كعلي». # صفات الحسين # وقد تعلم في صباه خير ما يتعلمه أبناء زمانه من فنون العلم والأدب والفروسية، وإليه ~~يرفع كثير من المتصوفة وحكماء الدين نصوصهم التي يعولون عليها ويردونها إلى علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه. # وقد أوتي ملكة الخطابة ms026 من طلاقة لسان وحسن بيان وغنة صوت وجمال إيماء، ومن كلامه ~~المرتجل قوله في توديع أبي ذر وقد أخرجه عثمان من المدينة بعد أن أخرجه معاوية من ~~الشام: «يا عماه! إن الله قادر على أن يغير ما قد ترى، والله كل يوم في شأن، وقد منعك ~~القوم دنياهم ومنعتهم دينك، وما أغناك عما منعوك وأحوجهم إلى ما منعتهم! فاسأل الله ~~الصبر والنصر، واستعذ به من الجشع والجزع، فإن الصبر من الدين والكرم، وإن الجشع لا ~~يقدم رزقا والجزع لا يؤخر أجلا.» # وكان يومئذ في نحو الثلاثين من عمره فكأنما أودع هذه الكلمات شعار حياته كاملة منذ ~~أدرك الدنيا إلى أن فارقها في مصرع كربلاء. ~~••• # وتواترت الروايات بقوله الشعر في أغراض الحكمة وبعض المناسبات البيتية، ومن ذلك هذه ~~الأبيات: # اغن عن المخلوق بالخالق # تغن عن الكاذب والصادق # واسترزق الرحمن من فضله # فليس غير الله من رازق # من ظن أن الناس يغنونه # فليس بالرحمن بالواثق # ومنه هذان البيتان في زوجته وابنته: # لعمرك إنني لأحب دارا # تكون بها سكينة والرباب # أحبهما وأبذل كل مالي # وليس لعاتب عندي عتاب # وهما - سواء صحت نسبتهما إليه أو لم تصح - معبران عن خلقه في بيته وبين أهله، فقد كان ~~من أشد الآباء حدبا على الأبناء وأشد الأزواج عطفا على النساء، ومن وفاء زوجاته بعد ~~مماته أن الرباب هذه التي ذكرت في البيتين السابقين خطبها أشراف قريش بعد مقتله ~~فقالت: «ما كنت لأتخذ حما بعد رسول الله» وبقيت سنة لا يظلها سقف حتى فنيت وماتت، وهي ~~لا تفتر عن بكائه والحزن عليه. # خلق كريم # وقد سن الحسين لمن بعده سنة في آداب الأسرة تليق بالبيت الذي نشأ فيه، ووكل إليه ~~أن يرعى له حقه، ويوجب على الناس مهابته وتوقيره، فهو على فضله وذكائه وشجاعته ورجحانه ~~على أخيه الحسن في مناقب كثيرة ومآثر عدة كان يستمع إلى رأي الحسن ولا يسوءه بالمراجعة ~~أو المخالفة. فلما هم الحسن بالتسليم لمعاوية كان ذلك على غير رضى من الحسين. فلم ~~يوافقه وأشار ms027 عليه بالقتال، فغضب الحسن وقال له: «والله لقد هممت أن أسجنك في بيت وأطين ~~عليك بابه، حتى أقضي بشأني هذا وأفرغ منه ثم أخرجك.» # فلم يراجعه الحسين بعدها وآثر الطاعة والسكوت. # ومن رعايته لسنن الأسرة ووصايا الأبوة أنه ركبه دين فساومه معاوية بمائتي ألف ~~دينار أو بمبلغ جسيم من المال على عين «أبي نيزر» فأبى أن يبيعها مع حاجته إلى بعض ما ~~عرض عليه؛ لأن أباه تصدق بمائها لفقراء المدينة، ولو أنه باعها لوقفها معاوية على أولئك ~~الفقراء. # وقد أخذ نفسه بسمت الوقار في رعايته أسرته ورعاية أسرته ورعاية الناس عامة؛ فهابه ~~الناس وعرف معاوية عنه هذه المهابة فوصفه لرجل من قريش ذاهب إلى المدينة فقال: «إذا ~~دخلت مسجد رسول الله فرأيت حلقة فيها قوم كأن رءوسهم الطير، فتلك حلقة أبي عبد الله ~~مؤتزرا إلى أنصاف ساقيه.» # ولم يذكر عنه قط أنه كان يواجه الناس بتخطئة وهو يعلمهم ويبصرهم بشئون دينهم، إلا أن ~~تكون مكابرة أو لجاجة فله في جواب ذلك أشباه تلك القوارص التي كانت تؤثر عن ~~أبيه. # وما لم تكن مكابرة أو لجاجة فهو يحتال على تصحيح الخطأ حيلة لا غضاضة فيها على ~~المخطئين. # فمن آدابه وآداب أخيه في ذلك أنهما رأيا أعرابيا يخفف الوضوء والصلاة فلم يشاءا أن ~~يجبهاه بغلطه، وقالا له: «نحن شابان وأنت شيخ ربما تكون أعلم بأمر الوضوء والصلاة منا، ~~فنتوضأ ونصلي عندك، فإن كان عندنا قصور تعلمنا.» فتنبه الشيخ إلى غلطه دون أن يأنف من ~~تنبيههما إليه، ومر يوما بمساكين يأكلون فدعوه إلى الطعام على عادة العرب، فنزل وأكل ~~معهم ثم قال لهم: «قد أجبتكم فأجيبوني.» ودعاهم إلى الغداء في بيته. ~~••• # ورويت الغرائب في اختبار حذقه بالفقه واللغة كما رويت أمثال هذه الغرائب في امتحان ~~قدرة أبيه عليهما السلام. فقيل: إن أعرابيا دخل المسجد الحرام فوقف على الحسن - رضي ~~الله عنه - وحوله حلقة من مريديه فسأل عنه، فقال لما عرفوه به: «إياه أردت. جئت ~~لأطارحه الكلام، وأسأله عن عويص العربية.» فقال له بعض ms028 جلسائه: «إن كنت جئت لهذا فابدأ ~~بذلك الشاب.» وأومأ إلى الحسين عليه السلام، فلما سلم على الحسين وسأله عن حاجته قال: ~~«إني جئتك من الهرقل والجعلل والأيتم والهمهم.» فتبسم الحسين وقال: يا أعرابي! لقد ~~تكلمت بكلام ما يعقله إلا العالمون. # فأجابه الأعرابي قائلا يريد الإغراب: وأقول أكثر من هذا، فهل أنت مجيبي على قدر ~~كلامي؟ ثم أذن له الحسين فأنشد أبياتا تسعة، منها: # هفا قلبي إلى اللهو # وقد ودع شرخيه # فأجابه الحسين مرتجلا بتسعة أبيات في معناها ومن وزنها، يقول منها: # فما رسم شجاني قد # محت آيات رسميه # سفور درجت ذيلي # ن في بوغاء قاعيه # هنوف مرجف تترى # على تلبيد ثوبيه # إلى آخر الأبيات، ثم فسر له ما أراد من الهرقل وهو ملك الروم، والجعلل وهو قصار ~~النخل، والأيتم وهو بعض النبات، والهمهم وهو القليب الغزير الماء، وفي هذا الكلمات ~~أوصاف البلاد التي جاء منها وإشارة إليها. # فقال الأعرابي: «ما رأيت كاليوم أحسن من هذا الغلام كلاما، وأذرب لسانا، ولا أفصح ~~منه منطقا.» # وتلك رواية من روايات على منوالها، إن لم تنبئ بما وقع فهي منبئة بما تداوله الناس من ~~شهرة الحسين في صباه الباكر بالعلم والفصاحة. # ولخبرته بالكلام وشهرته بالفصاحة، كان الشعراء يرتادونه وبهم من الطمع في إصغائه أكبر ~~من طمعهم في عطائه، ولكنه على هذا كان يجري معهم على شرعة ذوي الأقدار والأخطار من ~~أنداده، فيبذل لهم الجوائز ما وسعه البذل، ويؤثرهم على نفسه في خصاصة الحال. وقد ~~لامه أخوه الحسن في ذلك، فكتب إليه: «إن خير المال ما وقي به العرض.» إلا أنه في الواقع ~~لم يكن يعطي لوقاية العرض وكفى، ولكنه كان يعطي من قصده من ذوي الحاجات ولا يخيب رجاء ~~لمن استعان به على مروءة. # وفاء وشجاعة # وقد اشتهر مع الجود بصفتين من أكرم الصفات الإنسانية وأليقهما ببيته وشرفه، وهما: ~~الوفاء والشجاعة. # فمن وفائه أنه أبى الخروج على معاوية بعد وفاة أخيه الحسن؛ لأنه عاهد معاوية على ~~المسالمة، وقال لأنصاره الذين حرضوه على خلع معاوية ms029 إن بينه وبين الرجل عهدا وعقدا لا ~~يجوز له نقضه حتى تمضي المدة، وكان معاوية يعلم وفاءه وجوده معا، فقال لصحبه يوما وقد ~~أرسل الهدايا إلى وجوه المدينة من كسى وطيب وصلات: «إن شئتم أنبأناكم بما يكون من ~~القوم. أما الحسن: فلعله ينيل نساءه شيئا من الطيب ويهب ما بقي من حضره ولا ينتظر ~~غائبا، وأما الحسين: فيبدأ بأيتام من قتل مع أبيه بصفين فإن بقي شيء نحر به الجزر ~~وسقى به اللبن.» # وشجاعة الحسين صفة لا تستغرب منه؛ لأنها «الشيء من معدنه» كما قيل، وهي فضيلة ورثها ~~عن الآباء وأورثها الأبناء بعده، وقد شهد الحروب في إفريقية الشمالية وطبرستان ~~والقسطنطينية، وحضر مع أبيه وقائعه جميعا من الجمل إلى صفين، وليس في بني الإنسان من ~~هو أشجع قلبا ممن أقدم على ما أقدم عليه الحسين في يوم كربلاء. # وقد تربى للشجاعة كما تلقاها في الدم بالوراثة، فتعلم فنون الفروسية كركوب الخيل ~~والمصارعة والعدو من صباه، ولم تفته ألعاب الرياضة التي تتم بها مرانة الجسم على الحركة ~~والنشاط، منها لعبة تشبه «الجولف» عند الأوروبيين كانوا يسمونها المداحي: جميع مدحاة، ~~وهي أحجار أمثال القرصة يحفرون في الأرض حفيرة ويرسلون تلك الأحجار، فمن وقع حجره في ~~الحفيرة فهو غالب. ~~••• # أما عاداته في معيشته: فكان ملاكها لطف الحس وجمال الذوق والقصد في تناول كل مباح. ~~كان يحب الطيب والبخور، ويأنق للزهر والريحان. # وروى أنس بن مالك أنه كان عنده فدخلت عليه جارية بيدها طاقة من ريحان فحيته بها. فقال ~~لها: «أنت حرة لوجه الله تعالى.» فسأله أنس متعجبا: «جارية تجيئك بطاقة ريحان ~~فتعتقها؟!» قال: «كذلك أدبنا الله. قال تبارك وتعالى: # وإذا ~~حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها # وكان ~~أحسن منها عتقها.» # وكان يميل للفكاهة ويأنس في أوقات راحته لأحاديث أشعب وأضاحيكه، ولكنه على شيوع الترف ~~في عصره لم يكن يقارب منه إلا ما كان يجمل بمثله؛ حتى تحدث المتحدثون أنه لا يعرف رائحة ~~الشراب. # وكانت له صلوات يؤديها غير الصلوات الخمس، وأيام من ms030 الشهر يصومها غير أيام رمضان، ولا ~~يفوته الحج عاما إلا لضرورة. # وقد عاش سبعا وخمسين سنة بالحساب الهجري، وله من الأعداء من يصدقون ويكذبون. فلم ~~يعبه أحد منهم بمعابة، ولم يملك أحد منهم أن ينكر ما ذاع من فضله، حتى حار معاوية ~~بعيبه حين استعظم جلساؤه خطاب الحسين له، واقترحوا عليه أن يكتب إليه بما يصغره في ~~نفسه، فقال: إنه كان يجد ما يقوله في علي، ولكن لا يجد ما يقوله في حسين. # تلك جملة القول في سيرة أحد الخصمين. # خلق يزيد # ويقف خصمه أمامه موقف المقابلة والمناقضة لا موقف المقارنة والمعادلة في معظم خلائقه ~~وعاداته وملكاته وأعماله. # فيزيد بن معاوية عريق النسب في بني عبد مناف ثم في قريش، ولكن الأصدقاء والخصوم ~~والمادحين والقادحين متفقون على وصف الخلائق التي اشتهر بها أبناء هذا الفرع من عبد ~~مناف. وأشهرها الأثرة، وأحمد ما يحمد منها أنها تنفع الناس من طريق النفع لأصحابها، ~~وندر من وجوه الأمويين في الجاهلية أو الإسلام من اشتهر بخصلة تجلب إلى صاحبها ضررا أو ~~مشقة في سبيل نفع الناس. # وبيت أبي سفيان بيت سيادة مرعية لا مراء فيها. # ولكن الحقيقة التي ينبغي أن نذكرها في هذا المقال أن معاوية بن أبي سفيان لم يكن ليرث ~~شيئا من هذه السيادة التي كان قوامها كله وفرة المال؛ لأن أبا سفيان على ما يظهر قد ~~أضاع ماله في حروب الإسلام، ولم يكن له من الوفر ما يبقى على كثرة الوارث، وروي أن ~~امرأة استشارت النبي # صلى الله عليه وسلم # في التزوج بمعاوية فقال لها: «إنه صعلوك!» ~~••• # كذلك ينبغي أن نذكر حقيقة أخرى في هذا المقام، وهي أن معاوية لم يكن من كتاب الوحي ~~كما أشاع خدام دولته بعد صدر الإسلام، ولكنه كان يكتب للنبي # صلى الله عليه وسلم # في عامة ~~الحوائج وفي إثبات ما يجبى من الصدقات وما يقسم في أربابها، ولم يسمع عن ثقة قط أنه ~~كتب للنبي شيئا من آيات القرآن الكريم. # وعرفت لمعاوية خصال محمودة من خصال ms031 الجد والسيادة كالوقار والحلم والصبر والدهاء، ~~ولكنه على هذا كان لا يملك حلمه في فلتات تميد بالملك الراسخ، ومنها قتله حجر بن عدي ~~وستة من أصحابه؛ لأنهم كانوا ينكرون سب علي وشيعته، فما زال بقية حياته يندم على ~~هذه الفعلة ويقول: «ما قتلت أحدا إلا وأنا أعرف فيم قتلته ما خلا حجرا فإني لا أعرف ~~بأي ذنب قتلته.» # وأم يزيد هي ميسون بنت مجدل الكلبية من كرائم بني كلب المعرقات في النسب، وهي التي ~~كرهت العيش مع معاوية في دمشق، وقالت تتشوق إلى عيش البادية: # للبس عباءة وتقر عيني # أحب إلي من لبس الشفوف # وبيت تخفق الأرواح فيه # أحب إلي من قصر منيف # ومن هذه الأبيات قولها: # وخرق من بني عمي فقير # أحب إلي من علج عنيف! # فأرسلها وابنها يزيد إلى باديتها، فنشأ يزيد مع أمه بعيدا عن أبيه. ~~••• # وقد أفاد من هذه النشأة البدوية بعض أشياء تنفع الأقوياء، ولكنها على ما هو مألوف في ~~أعقاب السلالات القوية تضيرهم وتجهز على ما بقي من العزيمة فيهم. # فكان ما استفاد من بادية بني كلب بلاغة الفصحى، وحب الصيد، وركوب الخيل، ورياضة ~~الحيوانات ولا سيما الكلاب. # وهذه صفات في الرجل القوي تزينه وتشحذ قواه، ولكنها في أعقاب السلالات - أو عكارة ~~البيت كما يقال بين العامة - مدعاة إلى الإغراق في اللهو والولع بالفراغ؛ لأنها هي عنده ~~كل شيء وليست مددا لغيرها من كبار الهمم وعظائم الهموم. # وهكذا انقلبت تلك الصفات في يزيد من المزية إلى النقيصة؛ فكان كلفه بالشعر الفصيح ~~مغريا له بمعاشرة الشعراء والندماء في مجالس الشراب، وكان ولعه بالصيد شاغلا يحجبه عن ~~شواغل الملك والسياسة، وكانت رياضته للحيوانات مهزلة تلحقه بأصحاب البطالة من ~~القرادين والفهادين، فكان له قرد يدعوه «أبا قيس» يلبسه الحرير ويطرز لباسه بالذهب ~~والفضة، ويحضره مجالس الشراب، ويركبه أتانا في السباق، ويحرص على أن يراه سابقا ~~مجليا على الجياد، وفي ذلك يقول يزيد كما جاء في بعض الروايات: # تمسك أبا قيس بفضل عنانها # فليس عليها إن سقطت ضمان ms032 # ألا من رأى القرد الذي سبقت به # جياد أمير المؤمنين أتان # وقد يكون عبد الله بن حنظلة مبالغا في المذمة حين قال فيما نسب إليه: «والله ما ~~خرجنا على يزيد حتى خفنا أن نرمى بالحجارة من السماء. إن رجلا ينكح الأمهات والبنات ~~والأخوات ويشرب الخمر ويدع الصلاة، والله لو لم يكن معي أحد من الناس لأبليت الله فيه ~~بلاء حسنا.» # ولكن الروايات لم تجمع على شيء كإجماعها على إدمانه الخمر، وشغفه باللذات، وتوانيه ~~عن العظائم. وقد مات بذات الجنب وهو لما يتجاوز السابعة والثلاثين، ولعلها إصابة ~~الكبد من إدمان الشراب والإفراط في اللذات. ولا يعقل أن يكون هذا كله اختلاقا ~~واختراعا من الأعداء؛ لأن الناس لم يختلقوا مثل ذلك على أبيه أو على عمرو بن العاص، ~~وهما بغيضان أشد البغض إلى أعداء الأمويين، ولأن الذين حاولوا ستره من خدام دولته لم ~~يحاولوا الثناء على مناقب فيه تحل عندهم محل مساوئه وعيوبه، كأن الاجتراء على مثل هذا ~~الثناء من وراء الحسبان. # ولم يكن هذا التخلف في يزيد من هزال في البنية أو سقم اعتراه كذلك السقم الذي يعتري ~~أحيانا بقايا السلالات التي تهم بالانقراض والدثور، ولكنه كان هزالا في الأخلاق ~~وسقما في الطوية، قعد به عن العظائم مع وثوق بنيانه وضخامة جثمانه واتصافه ببعض ~~الصفات الجسدية التي تزيد في وجاهة الأمراء كالوسامة وارتفاع القامة، وقد أصيب في صباه ~~بمرض خطير - وهو الجدري - بقيت آثاره في وجهه إلى آخر عمره، ولكنه مرض كان يشيع في ~~البادية، ولم يكن من دأبه أن يقعد بكل من أصيب به عن الطموح والكفاح. ~~••• # وعلى فرط ولعه بالطراد حين يكون الطراد لهوا وفراغا، كانت همته الوانية تفتر به عن ~~الطراد حين تتسابق إليه عزائم الفرسان في ميادين القتال، ولو كان دفاعا عن دينه ~~ودنياه. # فلما سير أبوه جيش سفيان بن عوف إلى القسطنطينية لغزو الروم ودفاعهم عن بلاد ~~الإسلام - أو بلاد الدولة الأموية - تثاقل وتمارض حتى رحل الجيش، وشارع بعد ذلك أنه ~~امتحن في طريقه ببلاء المرض ms033 والجوع، فقال يزيد: # ما إن أبالي بما لاقت جموعهم # بالفرقدونة من حمى ومن موم # إذا اتكأت على الأنماط مرتفقا # بدير مران عندي أم كلثوم # فأقسم أبوه حين بلغه هذان البيتان ليلحقن بالجيش ليدرأ عنه عار النكول والشماتة بجيش ~~المسلمين بعد شيوع مقاله في خلواته. ~~••• # من أعجب عجائب المناقضة التي تمت في كل شيء بين الحسين ويزيد أن يزيد لم يختص بمزية ~~محمودة تقابل نظائرها من مزايا الحسين، حتى في تلك الخصال التي تأتي بها المصادفة، ولا ~~فضل فيها لأصحابها، ومنها مزية السن وسابقة الميلاد. # فلما تنازعا البيعة كان الحسين في السابعة والخمسين مكتمل القوة ناضج العقل وافي ~~المعرفة بالعلم والتجربة، كان يزيد في نحو الرابعة والثلاثين لم يمارس من شئون الرعاة ~~ولا الرعية ما ينفعه بين هؤلاء أو هؤلاء. # ومزية السن هذه قد يطول فيها الأخذ والرد بين أبناء العصور الحديثة، ولكنها كانت تقطع ~~القول في أمة العرب حيث نشأ الأسلاف والأخلاف على طاعة الشيوخ ورعاية الأعمار. وهذا على ~~أن السابعة والخمسين ليست بالسن التي تعلو بصاحبها في الكبر حتى تسلبه مزية الفتوة ~~ومضاء العزيمة. # كذلك لا يقال إن «الوراثة المشروعة» في الممالك كان لها شأن يرجح بيزيد على الحسين في ~~ميزان العروبة والإسلام. فقد كان توريث معاوية ابنه على غير وصية معروفة من السلف بدعة ~~هرقلية كما سماها المسلمون في ذلك الزمان، ولم يكن معقولا أن العرب في صدر الإسلام ~~يوجبون طاعة يزيد لأنه ابن معاوية، وهم لم يوجبوا طاعة آل النبي في أمر الخلافة لأنهم ~~قرابة محمد # صلى الله عليه وسلم ~~. # فقد شاءت عجائب التاريخ إذن أن تقيم بين ذينك الخصمين قضية تتضح فيها النزعة النفعية ~~على نحو لم تتضحه قط في أمثالها من القضايا، وقد وجب أن ينخذل يزيد كل الخذلان لولا ~~النزعة النفعية التي أعانته وهو غير صالح لأن يستعين بها بغير أعوان من بطانته وأهله، ~~ولئن كان في تلك النزعة النفعية مسحة تشوبها من غير معدنها الوضيع لتكونن هي عصبية ~~القبيلة من بني أمية، وهي ms034 هنا نزعة مواربة تعارض الإيمان الصريح ولا تسلم من الختل ~~والتلبيس. ~~••• # لهذا شك بعض الناس في إسلام ذلك الجيل من الأمويين، وهو لا شك لا نرتضيه من وجهة ~~الدلائل التاريخية المتفق عليها. فقد يخطر لنا الشك في صدق دين أبي سفيان؛ لأن أخباره ~~في الإسلام تحتمل التأويلين، ولكن معاوية كان يؤدي الفرائض، ويتبرك بتراث النبي، ~~ويوصي أن تدفن معه أظافره التي حفظها إلى يوم وفاته. وليس بيسير علينا أن نفهم كيف ~~ينشأ معاوية الثاني على تلك التقوى وذلك الصلاح وهو ناشئ في بيت مدخول الإسلام، يتصارح ~~أهله أحيانا بما ينم على الكفر به أو التردد فيه. # إنما هي الأثرة، ثم الخرق في السياسة، ثم التمادي في الخرق مع استثارة العناد ~~والعداء، وفي تلك الأثرة ولواحقها ما ينشئ المقابلة من أحد طرفيها في هذه الخصومة، ويتم ~~المناظرة في شتى بواعثها بين ذينك الخصمين الخالد، ونعني بهما ها المثالية والواقعية، ~~وما الحسين واليزيد إلا المثالان الشاخصان مهما للعيان. # الفصل الرابع # | أعوان الفريقين # رجال المعسكرين # كان الحسين في طريقه إلى الكوفة - يوم دعاه شيعته إليها - يسأل من يلقاهم عن أحوال ~~الناس، فينبئونه عن موقفهم بينه وبين بني أمية، وقلما اختلفوا في الجواب. # سأل الفرزدق وهو خارج من مكة - والفرزدق مشهور بالتشيع لآل البيت - فقال له: «قلوب ~~الناس معك وسيوفهم مع بني أمية، والقضاء ينزل من السماء، والله يفعل ما يشاء.» # وقال له مجمع بن عبيد العامري: «أما أشراف الناس فقد أعظمت رشوتهم وملئت ~~غرائرهم، فهم ألب واحد عليك، وأما سائر الناس بعدهم فإن قلوبهم تهوي إليك وسيوفهم ~~غدا مشهورة عليك.» # وقد أصاب الفرزدق وأصاب مجمع بن عبيد، فإن الناس جميعا كانوا بأهوائهم وأفئدتهم مع ~~الحسين بن علي ما لم تكن لهم منفعة موصولة بملك بني أمية، فهم إذن عليه بالسيوف التي ~~تشهرها الأيدي دون القلوب. # وقد «أعظمت الرشوة» للرؤساء، وأعظمت لهم من بعدها الوعود والآمال، فعلموا ~~أن دوام نعمتهم من دوام ملك بني أمية. # فأما الرؤساء الذين كانت لهم مكانتهم بمعزل عن الملك ms035 القائم، فقد كانوا ينصرون ~~حسينا ولا ينصرون الأمويين، أو كانوا يصانعون الأمويين، ولا يبلغون بالمصانعة أن ~~يشهروا الحرب على الحسين. # ومن هؤلاء هانئ بن عروة من كبار الزعماء في قبائل كندة، وشريك بن الأعور، وسليمان بن ~~صرد الخزاعي، وكلاهما من ذوي الشرف والدين. # بل كان من العاملين لبني أمية من يخزه ضميره إذا بلغ العداء للحسين أشده، فيترك ~~معسكر بني أمية ليلوذ بالمعسكر الذي كتب عليه الموت والبلاء. كما فعل الحر بن يزيد ~~الرياحي في كربلاء، وقد رأى القوم يهمون بقتل الحسين ولا يقنعون بحصاره. فسأل عمر بن ~~سعد قائد الجيش: «أمقاتل أنت هذا الرجل؟» فلما قال: «نعم.» ترك الجيش الأموي وذهب يقترب ~~من الحسين حتى داناه فقال له: «جعلت فداك يا بن رسول الله. أنا صاحبك حبستك عن ~~الرجوع وجعجعت بك في هذا المكان، وما ظننت أن القوم يردون عليك ما عرضته عليهم، ووالله ~~لو علمت أنهم ينتهون بك إلى ما أرى ما ركبت مثل الذي ركبت، وإني تائب إلى الله مما ~~صنعت، فهل ترى لي من توبة؟» # فقبل الحسين توبته وجعل الرجل يقاتل من ساعتها حتى قتل، وآخر كلمة على لسانه فاه ~~بها: «السلام عليك يا أبا عبد الله!» ~~••• # فمجمل ما يقال على التحقيق أنه لم يكن في معسكر يزيد رجل يعينه على الحسين إلا وهو ~~طامع في مال، مستميت في طمعه استماتة من يهدر الحرمات، ولا يبالي بشيء منها في سبيل ~~الحطام. # ولقد كان لمعاوية مشيرون من ذوي الرأي كعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وزيادة بن ~~أبيه، وأضرابهم من أولئك الدهاة الذين يسميهم التاريخ أنصار دول وبناة عروش. # وكان لهم من سمعة معاوية وذرائعه شعار يدارون به المطامع، ويتحللون من ~~التأثيم. # لكن هؤلاء بادوا جميعا في حياة معاوية، ولم يبق ليزيد مشير واحد ممن نسميهم بأنصار ~~الدول وبناة العروش، وإنما بقيت له شرذمة على غراره أصدق ما توصف به أنها شرذمة جلادين، ~~يقتلون من أمروا بقتله ويقبضون الأجر فرحين. # فكان أعوان معاوية ساسة وذوي مشورة. # وكان ms036 أعوان يزيد جلادين وكلاب طراد في صيد كبير. # وكانوا في خلائقهم البدنية على المثال الذي يعهد في هذه الطغمة من الناس، ونعني به ~~مثال المسخاء المشوهين، أولئك الذين تمتلئ صدورهم بالحقد على أبناء آدم ولا سيما من كان ~~منهم على سواء الخلق وحسن الأحدوثة، فإذا بهم يفرغون حقدهم في عدائه وإن لم ينتفعوا ~~بأجر أو غنيمة، فإذا انتفعوا بالأجر والغنيمة فذلك هو حقد الضراوة الذي لا تعرف له ~~حدود. # وشر هؤلاء جميعا هم شمر بن ذي الجوشن، ومسلم بن عقبة، وعبيد الله بن زياد. ويلحق ~~بزمرتهم على مثال قريب من مثالهم عمر بن سعد بن أبي قاص. # فشمر بن ذي الجوشن كان أبرص كريه المنظر قبيح الصورة، وكان يصطنع المذهب الخارجي؛ ~~ليجعله حجة يحارب بها عليا وأبناءه، ولكنه لا يتخذه حجة ليحارب بها معاوية وأبناءه. ~~كأنه يتخذ الدين حجة للحقد، ثم ينسى الدين والحقد في حضرة المال. ~~••• # ومسلم بن عقبة مخلوق مسمم الطبيعة في مسلاخ إنسان. ~~«وكان أعور أمغر ثائر الرأس، كأنما يقلع رجليه من وحل إذا مشى». # وقد بلغ من ضراوته بالشر وهو شيخ فان مريض، أنه أباح المدينة في حرم النبي # صلى الله عليه وسلم # ثلاثة أيام، واستعرض أهلها بالسيف جزرا كما يجزر القصاب الغنم حتى ساخت الأقدام في ~~الدم، وقتل أبناء المهاجرين والأنصار وذرية أهل بدر، وأخذ البيعة ليزيد بن معاوية على ~~كل من استبقاه من الصحابة والتابعين على أنه عبد قن لأمير المؤمنين! # وانطلق جنده في المدينة إلى جوار قبر النبي يأخذون الأموال ويفسقون بالنساء، حتى بلغ ~~القتلى في تقدير الزهري سبعمائة من وجوه الناس وعشرة آلاف من الموالي. ثم كتب إلى يزيد ~~يصف له ما فعل وصف الظافر المتهلل، فقال بعد كلام طويل: «فأدخلنا الخيل عليهم، فما صليت ~~الظهر - أصلح الله أمير المؤمنين - إلا في مسجدهم! بعد القتل الذريع والانتهاب العظيم، ~~وأوقعنا بهم السيوف، وقتلنا من أشرف لنا منهم، واتبعنا مدبرهم، وأجهزنا على جريحهم، ~~وانتهبناها ثلاثا كما قال أمير المؤمنين - أعز الله نصره - وجعلت دور ms037 بني الشهيد عثمان ~~بن عفان في حرز وأمان، والحمد لله الذي شفا صدري من قتل أهل الخلاف القديم والنفاق ~~العظيم، فطالما عتوا وقديما ما طغوا. أكتب هذا إلى أمير المؤمنين وأنا في منزل سعيد ~~بن العاص مدنفا مريضا ما أراني إلا لما بي. فما كنت أبالي متى مت بعد يومي ~~هذا.» ~~••• # وكل هذا الحقد المتأجج في هذه الطوية العفنة إنما هو الحقد في طبائع المسخاء ~~الشائهين، يوهم نفسه أنه الحقد من ثأر عثمان أو من خروج قوم على ملك يزيد. # وكان عبيد الله بن زياد متهم النسب في قريش؛ لأن أباه زيادا كان مجهول الأب فكانوا ~~يسمونه زياد ابن أبيه. ثم ألحقه معاوية بأبي سفيان؛ لأن أبا سفيان ذكر بعد نبوغ زياد ~~أنه كان قد سكر بالطائف ليلة فالتمس بغيا فجاءوه بجارية تدعى سمية، فقالت له بعد ~~مولد زياد إنها حملت به في تلك الليلة. # وكانت أم عبيد الله جارية مجوسية تدعى مرجانة فكانوا يعيرونه بها وينسبونه إليها، ~~ومن عوارض المسخ فيه - وهي عوارض لها في نفوس العرب دخلة تورث الضغن والمهانة - أنه كان ~~ألكن اللسان لا يقيم نطاق الحروف العربية. # فكان إذا عاب الحروري من الخوارج، قال: «هروري» فيضحك سامعوه، وأراد مرة أن يقول ~~أشهروا سيوفكم، فقال: افتحوا سيوفكم. فهجاه يزيد بن مفرغ قائلا: # ويوم فتحت سيفك من بعيد # أضعت وكل أمرك للضياع # ولم يكن أهون لديه من قطع الأيدي والأرجل والأمر بالقتل في ساعة الغضب لشبهة ولغير ~~شبهة. ففي ذلك يقول مسلم بن عقيل وهو صادق مؤيد بالأمثال والمثلات: «ويقتل النفس التي ~~حرم الله قتلها على الغضب والعداوة وسوء الظن، وهو يلهو ويلعب كأنه لم يصنع ~~شيئا.» # وقد كانت هذه الضراوة على أعنفها وأسوئها يوم تصدى عبيد الله بن زياد لمنازلة الحسين؛ ~~لأنه كان يومئذ في شرة الشباب لم يتجاوز الثامنة والعشرين، وكان يزيد يبغضه ويبغض أباه؛ ~~لأنه كان قد نصح لمعاوية بالتمهل في الدعوة إلى بيعة يزيد، فكان عبيد الله من ثم ~~حريصا على دفع الشبهة والغلو ms038 في إثبات الولاء للعهد الجديد. # والذين لم يمسخوا في جبلتهم وتكوينهم هذا المسخ من أعوان يزيد بن معاوية، كان ~~الطمع في المناصب والأموال واللذات قد بلغ بهم يبلغه المسخ من تحويل الطبائع وطمس ~~البصائر ومغالطة النفوس في الحقائق. ~~••• # ومن هذا القبيل، عمر بن سعد بن أبي وقاص الذي أطاع عبيد الله بن زياد في وقعة كربلاء، ~~ولم يعدل بتلك الوقعة عن نهايتها المشئومة، وقد كان العدول بها عن تلك النهاية في يديه. ~~فقد أغرى عمر بن سعد بولاية الري، وهي درة التاج في ملك الأكاسرة الأقدمين. وكان يتطلع ~~إليها منذ فتحها أبوه القائد النبيل العزوف، وينسب إليه أنه قال وهو يراود نفسه على ~~مقاتلة الحسين: # فوالله ما أدري وإني لحائر # أفكر في أمري على خطرين # أأترك ملك الري والري منيتي # أم ارجع مأثوما بقتل حسين # وفي قتله النار التي ليس دونها # حجاب، وملك الري قرة عيني # فإن لم تكن هذه الأبيات من لسانه فهي ولا شك من لسان حاله؛ لأنها تسجل الواقع الذي لا ~~شبهة فيه. ~~••• # ومن الواقع الذي لا شبهة فيه أيضا، أن عمر بن سعد هذا لم يخل من غلظة في الطبع ~~على غير ضرورة ولا استفزاز، فهو الذي ساق نساء الحسين بعد مقتله على طريق جثث القتلى ~~التي لم تزل مطروحة بالعراء؛ فصحن وقد لمحنها على جانب الطريق صيحة أسالت الدمع من ~~عيون رجاله، وهم ممن قاتل الحسين وذويه. # هؤلاء وأمثالهم لا يسمون ساسة ملك ولا تسمى مهنتهم تدعيم سلطان، ولكنهم يسمون جلادين ~~متنمرين يطيعون ما في قلوبهم من غلظة وحقد، ويطيعون ما في أيديهم من أموال ووعود، وتسمى ~~مهمتهم مذبحة طائشة لا يبالي من يسفك فيها الدماء أي غرض يصيب. ~~••• # ومنذ قضي على يزيد بن معاوية أن يكون هؤلاء وأمثالهم أعوانا له في ملكه، قضي عليه ~~من ساعتها أن يكون علاجه لمسألة الحسين علاج الجلادين الذين لا يعرفون غير سفك الدماء، ~~والذين يسفكون كل دم أجروا عليه. # وهكذا كان ليزيد أعوان إذا بلغ أحدهم حده في ms039 معونته فهو جلاد مبذول السيف والسوط ~~في سبيل المال. # وكان للحسين أعوان إذا بلغ أحدهم حده في معونته فهو شهيد يبذل الدنيا كلها في ~~سبيل الروح. # وهي إذن حرب جلادين وشهداء. # الفصل الخامس # | خروج الحسين # الحسين في مكة # عمل يزيد بوصية أبيه، فلم يكن له هم منذ قيامه على الملك إلا أن يظفر ببيعة ~~الحسين وعبد الله بن الزبير في مقدمة النفر الذين أنكروا العهد له في حياة ~~معاوية. # وكان الوليد بن عقبة بن أبي سفيان والي معاوية يومئذ على المدينة، فلما جاءه كتاب ~~يزيد بنعي أبيه، وأن يأخذ أولئك النفر بالبيعة «أخذا شديدا ليس فيه رخصة» دعا إليه ~~بمروان بن الحكم، فأشار عليه بمشورته التي جمعت بين الإخلاص وسوء النية، وفحواها أن ~~يبعث إلى الحسين وابن الزبير، فإن بايعا وإلا ضرب عنقيهما! # وحدث بين الحسين والوليد ما تقدمت الإشارة إليه في محضر مروان؛ إذ عاد الحسين إلى ~~بيته، وقد عول على ترك المدينة إلى مكة كما تركها ابن الزبير من قبله، فخرج منها ~~لليلتين بقيتا من شهر رجب سنة ستين للهجرة، ومعه جل أهل بيته وإخوته وبنو أخيه، ولزم ~~في مسيره إلى مكة الطريق الأعظم فلم يتنكبه كما فعل ابن الزبير مخافة الطلب من ورائه. ~~فصحت في الرجلين فراسة معاوية في هذا الأمر الصغير، كما صحت في غيره من كبار ~~الأمور. # وانصرف الناس في مكة إلى الحسين عن كل مطالب بالخلافة غيره، ومنهم ابن الزبير، فكان ~~ابن الزبير يطوف بالكعبة كل يوم ويتردد عليه في صباحه ومسائه، يتعرف رأيه وما نمي ~~إليه من آراء الناس في الحجاز، والعراق، وسائر الأقطار الإسلامية. # فلبث الحسين في مكة أربعة أشهر على هذه الحال، يتلقى بين آونة وآونة دعوات المسلمين ~~إلى الظهور وطلب البيعة، ولا سيما أهل الكوفة وما جاورها؛ فقد كتبوا إليه يقولون: إن ~~هنالك مائة ألف ينصرونك. وألحوا في الكتابة يستعجلونه الظهور. # وتردد الحسين طوال هذه الأشهر فيما يفعل بهذه الدعوات المتتابعات، فبدا له أن يتمهل ~~حتى يتبين جلية القوم ويستطلع ms040 طلعهم من قريب. # وآثر أن يرسل إليهم ابن عمه مسلم بن عقيل بن أبي طالب يمهد له طريق البيعة إن رأى ~~فيها محلا لتمهيد، وكتب إلى رؤساء أهل الكوفة قبل ذلك كتابا يقول فيه: «أما بعد، فقد ~~أتتني كتبكم وفهمت ما ذكرتم من محبتكم لقدومي عليكم، وقد بعثت إليكم أخي وابن عمي وثقتي ~~من أهل بيتي مسلم بن عقيل، وأمرته أن يكتب إلي بحالكم وأمركم ورأيكم، فإن كتب إلي ~~أنه قد أجمع رأي ملئكم وذوي الفضل والحجى منكم على مثل ما قدمت علي به رسلكم وقرأت ~~في كتبكم، أقدم عليكم وشيكا إن شاء الله، فلعمري ما الإمام إلا العامل بالكتاب، والآخذ ~~بالقسط، والدائن بالحق، والحابس نفسه على ذات الله، والسلام.» ~~••• # ثم بلغ الحسين أن مسلما قد نزل الكوفة، فاجتمع على بيعته للحسين اثنا عشر ألفا، ~~وقيل: ثمانية عشر ألفا؛ فرأى أن يبادر إليه قبل أن يتفرق هذا الشمل ويطول عليهم عهد ~~الانتظار والمراجعة، فظهر عزمه هذا لمشيريه من خاصته وأهل بيته فاختلفوا في مشورتهم ~~عليه بين موافق ومثبط وناصح بالمسير إلى جهة غير جهة العراق. # وكان أخوه محمد ابن الحنفية يرى - وهو بعد في المدينة - أن يبعث رسله إلى الأمصار ~~ويدعوهم إلى مبايعته قبل قتال يزيد فإن أجمعوا على بيعته فذاك، وإن اجتمع رأيهم على ~~غيره «لم ينقض الله بذلك دينه ولا عقله». # وكان عبد الله بن الزبير يقول له: «إن شئت أن تقيم بالحجاز آزرناك ونصحنا لك ~~وبايعناك، وإن لم تشأ البيعة بالحجاز توليني أنا البيعة فتطاع ولا تعصى.» # ويزعم كثير من المؤرخين أن ابن الزبير كان متهم النصيحة للحسين، ومن هؤلاء المؤرخين ~~أبو الفرج الأصبهاني. قال: «إن عبد الله بن الزبير لم يكن شيء أثقل عليه من مكان الحسين ~~بالحجاز، ولا أحب إليه من خروجه إلى العراق طمعا في الوثوب بالحجاز؛ لأن ذلك لا يتم له ~~إلا بعد خروج الحسين، فلقيه وقال له: «على أي شيء عزمت يا أبا عبد الله؟» # فأخبره برأيه في إتيان الكوفة، وأعلمه بما ms041 بعث به مع مسلم بن عقيل، فقال الزبير: «فما ~~يحبسك؟ فوالله لو كان لي مثل شيعتك بالعراق ما تلومت في شيء.» ~~••• # ولعل أنصح الناس له في هذه المسألة كان عبد الله بن عباس؛ لما بينهما من القرابة، وما ~~عرف به ابن عباس من الدهاء. سأله: إن الناس أرجفوا أنك سائر إلى العراق، فما أنت ~~صانع؟ # قال: قد أجمعت السير في أحد يومي هذين. # فأعاذه ابن عباس بالله من ذلك، وقال له: إني أتخوف عليك في هذا الوجه الهلاك، إن أهل ~~العراق قوم غدر، أقم بهذا البلد فإنك سيد أهل الحجاز، فإن كان أهل العراق يريدونك كما ~~زعموا فلينفوا عدوهم ثم أقدم عليهم، فإن أبيت إلا أن تخرج فسر إلى اليمن، فإن بها ~~حصونا وشعابا ولأبيك بها شيعة. # فقال له الحسين: يابن العم! إني أعلم أنك ناصح مشفق، ولكني قد أزمعت وأجمعت على ~~المسير. # قال ابن عباس: إن كنت لابد فاعلا، فلا تخرج أحدا من ولدك ولا حرمك ولا نسائك، فخليق ~~أن تقتل وهم ينظرون إليك كما قتل ابن عفان. # السفر إلى العراق # وخرج في الثامن من ذي الحجة لا ينتظر العيد بمكة؛ لأن أخبار البيعة بالكوفة حفزته إلى ~~التعجيل بالسفر قبل فوات الأوان. # وكان مسلم بن عقيل قد نزل بالكوفة، فأقبل عليه الناس ألوفا ألوفا يبايعون الحسين ~~على يديه، وبلغوا ثمانية عشر ألفا في تقدير ابن كثير، وثلاثين ألفا في تقدير ابن ~~قتيبة. # وهال الأمر النعمان بن بشير - والي الكوفة - فحار فيما يصنع بمسلم وأتباعه وهم ~~يزدادون يوما بعد يوم، فصعد المنبر وخطب الناس معلنا أنه لا يقاتل إلا من قاتله ولا ~~يثب إلا على من وثب عليه. ~~••• # وتسابق أنصار بني أمية إلى يزيد ينقلون إليه ما يجري بالكوفة، فأشار عليه سرجون ~~الرومي مولى أبيه أن يعزل النعمان ويولي الكوفة عبيد الله بن زياد، مضمومة إلى البصرة ~~التي كان يتولاها في ذلك الحين. # وقدم عبيد الله إلى الكوفة فكان أول ما عمل بها أن جمع إليه عرفاء المدينة - أي مشايخ ms042 ~~أحيائها - فأمرهم أن يكتبوا له أسماء الغرباء ومن في أحيائهم من «طلبة أمير المؤمنين ~~والحرورية وأهل الريب» وأنذرهم: «أيما عريف وجد في عرافته من بغية أمير المؤمنين أحد لم ~~يرفعه إليه، صلب على باب داره، وألغيت تلك العرافة من العطاء». # والتمس وجوه المدينة من شيعة الحسين يترضاهم ويستخرج خفاياهم. فسأل عمن تخلف منهم ~~عن لقائه وعلى رأسهم هانئ بن عروة، فقيل له: إنه مريض لا يبرح داره، وكان يتعلل بالمرض ~~تجنبا للقائه والسلام عليه. # فذهب عبيد الله إليه يعوده ويتلطف إليه، وجاء في بعض الروايات أنه قد أشير على مسلم ~~بن عقيل بقتله وهو في بيت هانئ، فأبى أن يغتاله وهو آمن في بيت مريض يعوده. # وقال ابن كثير ما فحواه أنهم أشاروا على مسلم بن عقيل بقتله وهو في دار شريك بن ~~الأعور، وقد علم شريك أن عبيد الله سيعوده؛ فبعث إلى هانئ بن عروة يقول له: «ابعث مسلم ~~بن عقيل يكون في داري ليقتل عبيد الله إذا جاء يعودني.» فتحين مسلم عن قتله، وسأله ~~شريك: «ما منعك أن تقتله؟» قال: «بلغني حديث عن رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «إن الإيمان قيد ~~الفتك، لا يفتك مؤمن.» وكرهت أن أقتله في بيتك.» # قال شريك: «أما لو قتلته لجلست في الثغر لا يستعدي به أحد، ولكفيتك أمر البصرة، ولكنت ~~تقتله ظالما فاجرا.» # ثم مات شريك بعد ثلاثة أيام. ~~••• # وتضطرب الأقاويل في وقائع هذه الأيام؛ لتلاحقها وكثرتها وكثرة رواتها والعاملين ~~فيها، ولكن الشائع من تلك الأقاويل ينبئنا عن عنت شديد لقيه عبيد الله بن زياد في ~~مغالبة مسلم وشيعته، وأنه هرب مرة من المسجد؛ لأن الناس بصروا بمسلم مقبلا فتصايحوا ~~بعبيد الله فاعتصم بقصره وأغلق عليه أبوابه. # واجتمع إلى مسلم أربعة آلاف من حزبه، فأمر من ينادي في الناس بشعار الشيعة: «يا ~~منصور! أمت.» ثم تقدم إلى قصر الإمارة في تعبئة كتعبئة الجيش. # ولم يكن في القصر إلا ثلاثون رجلا من الشرط وعشرون من أهل الكوفة، فخامر اليأس ~~عبيد الله وظن ms043 أنه هالك قبل أن يدركه الغوث من مولاه، ولكنه تحيل بما في وسع المستميت ~~من حيلة هي على أية حال أجدى وأسلم له من التسليم، فأنفذ أنصاره إلى كل صوب في المدينة ~~يعدون ويتوعدون. وانطلق هؤلاء الأنصار يرجفون بقرب وصول المدد الزاخر من يزيد، وينذرون ~~الناس بقطع العطاء، وأخذ البريء بالمذنب والغائب بالشاهد، ويبذلون المال لمن يرشى ~~بالمال، والوعد لمن يقنع بالوعد إلى حين. # مقتل مسلم بن عقيل # وتوسلوا بكل وسيلة تبلغ بهم ما أرادوا من تخذيل الناس عن مسلم بن عقيل حتى كانوا ~~يرسلون الزوجة وراء زوجها والأم وراء ولدها والأخ وراء أخيه، فيتعلقون بهم حتى يقفلوا ~~إلى دورهم أو يدخلوا بهم في زمرة عبيد الله. # فلما غربت شمس ذلك اليوم، نظر مسلم حوله فإذا هو في خمسمائة من أولئك الآلاف الأربعة، ~~ثم صلى المغرب فلم يكن وراءه في الصلاة غير ثلاثين تسللوا من حوله تحت الظلام، وبقي ~~وحيدا في المسجد لا يجد معه من يدله على منزل يأوي إليه. # وتسمع عبيد الله من القصر حين سكنت الجلبة، وسأل أصحابه أن يشرفوا ليروا من بقي من ~~تلك الجموع؛ فلم يروا أحدا ولم يسمعوا صوتا. فخيل إليهم أنها مكيدة حرب وأن القوم ~~رابضون تحت الظلال، فأدلى القناديل والمشاعل حتى اطمأن إلى خلو المسجد وتفرق مسلم ~~وأتباعه، فدعا إلى الصلاة الجامعة وأمر المنادين في أرجاء الكوفة: «ألا برئت الذمة من ~~رجل من الشرطة والعرفاء والمناكب - رءوس العرفاء - والمقاتلة، صلى العشاء إلا في ~~المسجد.» ~~••• # وأقام الحراس خلفه وهو يصلي بمن أجابوه وقد امتلأ بهم المسجد، فخطبهم بعد الفراغ من ~~صلاته قائلا: «برئت ذمة الله من رجل وجدنا ابن عقيل في داره.» # وصاح في رئيس شرطته: «يا حصين بن نمير! ثكلتك أمك إن ضاع باب سكة من سكك الكوفة وخرج ~~هذا الرجل ولم تأتني به، وقد سلطتك على دور أهل الكوفة فابعث مراصد على أفواه السكك، ~~وأصبح غدا فاستبرئ الدور وجس خلالها حتى تأتيني بهذا الرجل.» # وما هي إلا سويعات حتى جيء بابن ms044 عقيل وقد دافع الشرط عن نفسه ما استطاع، ووصل إلى ~~القصر جريحا مجهدا ظمآن فأهوى إلى قلة عند الباب فيها ماء بارد ، فقال له أحد أصحاب ~~عبيد الله: «أتراها ما أبردها! والله لا تذوق منها قطرة حتى تذوق الجحيم في نار ~~جهنم!» # وأنكر عمر بن حريث هذه الفظاعة من الرجل، فجاءه بقلة عليها منديل ومعها قدح فصب منها ~~في القدح وأدناه منه، فإذا هو ينفث الدم في القدح كلما رفعه للشرب منه حتى امتلأ وسقطت ~~فيه ثنيتاه، فحمد الله وقال: «لو كان لي من الرزق المقسوم لشربته.» # وأدخلوه على عبيد الله، فنظر إلى جلسائه وفيهم عمر بن سعد بن أبي وقاص، فناشده ~~القرابة ليسمعن منه وصية ينفذها بعد موته، فأبى أن يصغي إليه! ثم أذن له عبيد الله فقام ~~معه، فقال مسلم: «إن علي بالكوفة دينا استدنته، سبعمائة درهم، فبع سيفي ودرعي ~~فاقضها عني، وابعث إلى الحسين من يرده، فإني قد كتبت إليه أعلمه أن الناس معه ولا أراه ~~إلا مقبلا.» # فعاد عمر إلى عبيد الله فأفشى له السر الذي ناجاه به وأوصاه أن يكتمه، ثم دعا عبيد ~~الله بالحرسي الذي قاومه مسلم وضربه على رأسه - واسمه بكير بن حمران - فأسلم ~~مسلما إليه وقال له: لتكن أنت الذي تضرب عنقه. # وصعدوا به إلى أعلى القصر فأشرفوا به على الجموع المحيطة به وضربوا عنقه، فسقط رأسه ~~إلى الرحبة وألقيت جثته إلى الناس. ثم أرسل برأسه إلى يزيد مع رءوس سراة في المدينة ~~كان مسلم يأوي إليهم أول مقدمه إليها، ومنهم هانئ بن عروة الذي تقدمت الإشارة ~~إليه. # طلائع الفشل # كان مقتل مسلم بن عقيل في التاسع من ذي الحجة ليلة العيد، وكان خروج الحسين من مكة ~~قبل ذلك بيوم واحد، فلم يسمع بمقتله إلا وهو في آخر الطريق. # ولما شارف العراق أحب أن يستوثق مرة أخرى قبل دخوله، فكتب إلى أهل الكوفة كتابا مع ~~قيس بن سهر الصيداوي يخبرهم بمقدمه ويحضهم على الجد والتساند، فوافى قيس القادسية وقد ~~رصد فيها شرط ms045 عبيد الله فاعتقلوه وأشخصوه إليه. فأمره عبيد الله أن يصعد القصر فيسب ~~«الكذاب بن الكذاب الحسين بن علي» وينهى الناس أن يطيعوه . # فصعد قيس وقال: «أيها الناس، إن هذا الحسين بن علي خير خلق الله، ابن فاطمة بنت ~~رسول الله، وأنا رسوله إليكم! وقد فارقته بالحاجز فأجيبوه، والعنوا عبيد الله بن زياد ~~وأباه.» # فما كان منهم إلا أن قذفوا به من حالق، فمات. # وحدث مثل هذا مع عبد الله بن يقطر، فأبى أن يلعن الحسين، ولعن عبيد الله بن زياد، ~~فألقوا به من شرفات القصر إلى الأرض فاندكت عظامه ولم يمت، فذبحوه. # وجعل الحسين كلما سأل قادما من العراق أنبأه بمقتل رسول من رسله أو داعية من دعاته، ~~فأشار عليه بعض صحبه بالرجوع، وقال له غيرهم: «ما أنت مثل مسلم بن عقيل، ولو قدمت ~~الكوفة لكان الناس إليك أسرع.» # ووثب بنو عقيل فأقسموا لا يبرحون حتى يدركوا ثأرهم أو يذوقوا ما ذاق مسلم. # ولم ير الحسين بعد ذلك أن يصحب معه أحدا إلا على بصيرة من أمره وما هو لاقيه إن تقدم ~~ولم ينصرف لشأنه، فخطب الرهط الذين صحبوه وقال لهم: «وقد خذلنا شيعتنا، فمن أحب منكم أن ~~ينصرف فلينصرف، ليس عليه منا ذمام.» # فتفرقوا إلا أهل بيته وقليلا ممن تبعوه في الطريق. # الحسين والحر بن يزيد # والتقى الركب عند جبل ذي حسم بطلائع جيش عبيد الله يقودها الحر بن يزيد التميمي ~~اليربوعي في ألف فارس، أمروا بأن لا يدعوا الحسين حتى يقدموا به على عبيد الله في ~~الكوفة. # فأمر الحسين مؤذنه بالأذان لصلاة الظهر، وخطب أصحابه وأصحاب الحر بن يزيد فقال: # أيها الناس، إني لم آتكم حتى أتتني كتبكم ورسلكم أن أقدم علينا فليس لنا ~~إمام؛ لعل الله يجمعنا بك على الهدى والحق. فقد جئتكم، فإن تعطوني ما أطمئن ~~إليه من عهودكم ومواثيقكم أقدم مصركم، وإن لم تفعلوا أو كنتم لقدومي كارهين ~~انصرفت عنكم إلى المكان الذي أقبلت منه. # فلم يجبه أحد. # فقال للمؤذن: أقم الصلاة! # وسأل الحر: أتريد ms046 أن تصلي أنت بأصحابك وأصلي بأصحابي؟ # فقال الحر: بل نصلي جميعا بصلاتك. ~~••• # ثم تياسر الحسين إلى طريق العذيب، فبلغها وفرسان عبيد الله يلازمونه، ويصرون على أخذه ~~إلى أميرهم، وصده عن وجهته حيثما اتجه غير وجهتهم، فأقبل عليهم يعظهم وهم يصغون إليه، فقال: # أيها الناس! إن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قال: «من رأى سلطانا جائرا مستحلا ~~لحرم الله مخالفا لسنة رسول الله يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغير ~~ما عليه بفعل ولا قول كان حقا على الله أن يدخله مدخله.» ألا وإن هؤلاء قد ~~لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطلوا الحدود، ~~واستأثروا بالغي، وأحلوا حرام الله وحرموا حلاله، وأنا أحق من غيري، وقد أتتني ~~كتبكم ورسلكم ببيعتكم وأنكم لا تسلمونني ولا تخذلونني، فإن بقيتم على بيعتكم ~~تصيبوا رشدكم، وأنا الحسين بن على وابن فاطمة بنت رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، نفسي ~~مع أنفسكم وأهلي من أهلكم، فلكم في أسوة. وإن لم تفعلوا ونقضتم عهدي، وخلعتم ~~بيعتي، فلعمري ما هي لكم بنكير، والمغرور من اغتر بكم، فحظكم أخطأتم، ونصيبكم ~~ضيعتم. ومن نكث فإنما ينكث على نفسه وسيغني الله عنكم، والسلام. # فأنصت الحر بن يزيد وأصحابه، ثم توجه إليه يحذره العاقبة، وينبئه: «لئن قاتلت ~~لتقتلن!» # فصاح به الحسين: أبالموت تخوفني! ما أدرى ما أقول لك، ولكني أقول كما قال أخو الأوس ~~لابن عمر وهو يريد نصرة رسول الله، فخوفه ابن عمر وأنذره أنه لمقتول فأنشد: # سأمضي وما بالموت عار على الفتى # إذا ما نوى خيرا وجاهد مسلما # وآسى الرجال الصالحين بنفسه # وخالف مثبورا وفارق مجرما # فإن عشت لم أندم، وإن مت لم ألم # كفى بك ذلا أن تعيش وترغما ~~••• # ثم سار الركبان ينظر بعضهما إلى بعض كلما مال الحسين نحو البادية أسرع الحر بن ~~يزيد فرده نحو الكوفة. حتى نزلا بنينوى، فإذا راكب مقبل عليه بالسلاح، يحيي الحر ولا ~~يحيي الحسين، ثم أسلم الحر كتابا من عبيد الله يقول فيه: «أما بعد؛ فجعجع بالحسين ~~حتى ms047 يبلغك كتابي ويقدم عليك رسولي، فلا تنزله إلا بالعراء في غير حصن وعلى غير ماء. وقد ~~أمرت رسولي أن يلزمك فلا يفارقك حتى يأتيني بإنفاذك أمري، والسلام.» # فلما بدا من الحر بن يزيد أنه يريد أن ينفذ أمر عبيد الله بن زياد ويخشى رقيبه الذي ~~أمر ألا يفارقه حتى ينفذ أمره، قال أحد أصحاب الحسين - زهير بن القين: إنه لا يكون ~~والله بعد ما ترون إلا ما هو أشد منه، يابن رسول الله! إن قتال هؤلاء أهون علينا من ~~قتال من يأتينا بعدهم، فلعمري ليأتينا من بعدهم ما لا قبل لنا به، فهلم نناجز ~~هؤلاء. # فأعرض الحسين عن مشورته وقال: إني أكره أن أبدأهم بقتال. # عمر بن سعد # وكان الديلم قد ثاروا على يزيد بن معاوية، واستولوا على دستبي بأرض همذان، فجمع ~~لهم عبيد الله بن زياد جيشا عدته أربعة آلاف فارس بقيادة عمر بن سعد بن وقاص الذي يذكر ~~الديلم اسم أبيه - سعد - فاتح بلادهم، وقد وعد بولاية الري بعد قمع الثورة الديلمية، ~~فلما قدم الحسين إلى العراق قال عبيد الله لعمر: نفرغ من الحسين ثم تسير إلى ~~عملك. # فاستعفاه، وعلم عبيد الله موطن هواه فقال له: نعم نعفيك على أن ترد إلينا ~~عهدنا. # فاستمهله حتى يراجع نصحاءه، فنصح له ابن أخته حمزة بن المغيرة بن شعبة - وهو من أكبر ~~أعوان معاوية - ألا يقبل مقاتلة الحسين، وقال له: والله لأن تخرج من دنياك ومالك وسلطان ~~الأرض لو كان لك، خير من أن تلقى الله بدم الحسين. ~~••• # وبات ليلته يقلب وجوه رأيه، حتى إذا أصبح ذهب إلى ابن زياد، فاقترح عليه أن يبعث إلى ~~الحسين من أشراف الكوفة من ليس يغني في الحرب عنهم، فأبى ابن زياد إلا أن يسير إلى ~~الحسين أو ينزل عن ولاية الري، فسار على مضض وجنوده متثاقلون متحرجون، إلا زعانف ~~المرتزقة الذين ليس لهم من خلاق. # وكان جنود الجيش يتسللون منه ويتخلفون بالكوفة، فندب عبيد الله رجلا من أعوانه - هو ~~سعد بن عبد الرحمن المنقري ms048 - ليطوف بها ويأتيه بمن تخلف عن المسير لقتال الحسين، وضرب ~~عنق رجل جيء به وقيل: إنه من المتخلفين. فأسرع بقيتهم إلى المسير . # وقد أدرك الجيش الحسين وهو بكربلاء، على نحو خمسة وعشرين ميلا إلى الشمال الغربي من ~~الكوفة، نزل بها في الثاني من المحرم سنة إحدى وستين. # وخلا الجو في الكوفة لرجلين اثنين يسابق كلاهما صاحبه في اللؤم وسوء الطوية، وينفردان ~~بتصريف الأمر في قضية الحسين دون مراجعة من ذي سلطان، وهما عبيد الله بن زياد، وشمر بن ~~ذي الجوشن. # عبيد الله المغموز النسب الذي لا يشغله شيء، كما يشغله التشفي لنسبه المغموز من رجل ~~هو - بلا مراء - أعرق العرب نسبا في الجاهلية والإسلام، فليس أشهى إليه من فرصة ينزل ~~فيها ذلك الرجل على حكمه، ويشعره فيها بذله ورغمه. # شمر بن ذي الجوشن # شمر بن ذي الجوشن الأبرص الكريه الذي يمضه من الحسين ما يمض كل لئيم مشنوء من كل كريم ~~محبوب وسيم. # وكان كلاهما يفهم لؤم صاحبه، ويعطيه فيه حقه وعذره، فهما في هذه الخلة متناصحان ~~متفاهمان! # ولم يكن أيسر من حل قضية الحسين على وجه يرضي يزيد، ويمهد له الولاء في قلوب المسلمين ~~ولو إلى حين، لولا ذلك الضغن الممتزج بالخليقة الذي هو كسكر المخمور لا موضع معه ~~لرأي مصيب، ولا لتفكير في عاقبة بعيدة أو قريبة. # فالحسين في أيديهم ليس أيسر عليهم من اعتقاله وإبقائه بأعينهم في مكان ينال فيه ~~الكرامة ولا يتحفز لثورة. # لكنهما لم يفكرا في أيسر شيء، ولا أنفع شيء للدولة التي يخدمانها، وإنما فكرا في ~~النسب المغموز والصورة الممسوخة، فلم يكن لهما من هم غير إرغام الحسين وإشهاد الدنيا ~~كلها على إرغامه. # تلقى ابن زياد من عمر بن سعد كتابا يقول فيه إن الحسين «أعطاني أن يرجع إلى المكان ~~الذي أقبل منه أو أن نسيره إلى أي ثغر من الثغور شئنا، أو أن يأتي يزيد فيضع يده في ~~يده». # والذي نراه نحن من مراجعة الحوادث والأسانيد أن الحسين ربما اقترح الذهاب إلى يزيد ms049 ~~ليرى رأيه، ولكنه لم يعدهم أن يبايعه أو يضع يده في يده؛ لأنه لو قبل ذلك لبايع في ~~مكانه، واستطاع عمر بن سعد أن يذهب به إلى وجهته، ولأن أصحاب الحسين في خروجه إلى ~~العراق قد نفوا ما جاء في ذلك الكتاب، ومنهم عقبة بن سمعان حيث كان يقول: «صحبت ~~الحسين من المدينة إلى مكة ومن مكة إلى العراق، ولم أفارقه حتى قتل، وسمعت جميع ~~مخاطباته إلى الناس إلى يوم قتله، فوالله ما أعطاهم ما يزعمون من أن يضع يده في يد ~~يزيد، ولا أن يسيروه إلى ثغر من الثغور»، ولكنه قال: «دعوني أرجع إلى المكان الذي أقبلت ~~منه أو دعوني أذهب في هذه الأرض العريضة حتى ننظر إلى ما يصير إليه أمر الناس.» ~~••• # ولعل عمر بن سعد قد تجوز في نقل كلام الحسين عمدا؛ ليأذنوا له في حمله إلى يزيد ~~فيلقي عن كاهله مقاتلته وما تجر إليه من سوء القالة ووخز الضمير، أو لعل الأعوان ~~الأمويين قد أشاعوا عن الحسين اعتزامه للمبايعة ليلزموا بالبيعة أصحابه من بعده، ~~ويسقطوا حجتهم في مناهضة الدولة الأموية. # وأيا كانت الحقيقة في هذه الدعوى فهي تكبر مأثمة عبيد الله وشمر ولا تنقص منها، ~~ولقد كانا على العهد بمثليهما؛ كلاهما كفيل أن يحول بين صاحبه وبين خالجة من الكرم ~~تخامره أو تغالب اللؤم الذي فطر عليه، فلا يصدر منهما إلا ما يوائم لئيمين لا يتفقان ~~على خير. # وكأنما جنح عبيد الله إلى شيء من الهوادة حين جاءه كتاب عمر بن سعد، فابتدره شمر ~~ينهاه، ويجنح إلى الشدة والاعتساف، فقال له: أتقبل هذا منه وقد نزل بأرضك وإلى جنبك! ~~والله لئن رحل من بلادك ولم يضع يده في يدك ليكونن أولى بالقوة والعزة، ولتكونن أولى ~~بالضعف والعجز؛ فلا تعطه هذه المنزلة، ولكن لينزل على حكمك هو وأصحابه، فإن عاقبت كنت ~~ولي العقوبة، وإن عفوت كان ذلك لك. # ثم أراد أن يوقع بعمر ويتهمه عند عبيد الله؛ ليخلفه في القيادة، ثم يخلفه في الولاية، ~~فذكر لعبيد الله ms050 أن الحسين وعمر يتحدثان عامة الليل بين المعسكرين. # فعدل عبيد الله إلى رأي شمر وأنفذه بأمر منه أن يضرب عنق عمر إن هو تردد في إكراه ~~الحسين على المسير إلى الكوفة أو مقاتلته حتى يقتل. وكتب إلى عمر يقول له: # أما بعد ... فإني لم أبعثك إلى الحسين لتكف عنه ولا لتمنيه السلامة والبقاء ولا ~~لتطاوله ولا لتعتذر عنه ولا لتقعد له عندي شافعا. انظر فإن نزل الحسين وأصحابه ~~على الحكم واستسلموا فابعث بهم إلي مسلما، وإن أبوا فازحف إليهم حتى ~~تقتلهم وتمثل بهم، فإنهم لذلك مستحقون. فإن قتل الحسين فأوطئ الخيل صدره ~~وظهره فإنه عاق مشاق قاطع ظلوم. فإن أنت مضيت لأمرنا جزيناك جزاء السامع ~~المطيع، وإن أنت أبيت فاعتزل جندنا وخل بين شمر بن ذي الجوشن وبين العسكر، ~~والسلام. # وختمت مأساة كربلاء كلها بعد أيام معدودات. # ولكنها أيام بقيت لها جريرة لم يحمدها طالب منفعة ولا طالب مروءة، ومضت مئات السنين ~~وهي لا تمحو آثار تلك الأيام في تاريخ الشرق والإسلام. # الفصل السادس # | هل أصاب؟ # خطأ الشهداء # خروج الحسين من مكة إلى العراق حركة لا يسهل الحكم عليها بمقياس الحوادث اليومية؛ ~~لأنها حركة من أندر حركات التاريخ في باب الدعوة الدينية أو الدعوة السياسية. لا تتكرر ~~كل يوم، ولا يقوم بها كل رجل، ولا يأتي الصواب فيها - إن أصابت - من نحو واحد ينحصر ~~القول فيه، ولا يأتي الخطأ فيها - إن أخطأت - من سبب واحد يمتنع الاختلاف عليه. وقد ~~يكون العرف فيها بين أصوب الصواب وأخطأ الخطأ فرقا صغيرا من فعل المصادفة والتوفيق، ~~فهو خليق أن يذهب إلى النقيضين. # هي حركة لا يأتي بها إلا رجال خلقوا لأمثالها فلا تخطر لغيرهم على بال؛ لأنها تعلو ~~على حكم الواقع القريب الذي يتوخاه في مقاصده سالك الطريق اللاحب والدرب ~~المطروق. # هي حركة فذة يقدم عليها الرجال أفذاذ، من اللغو أن ندينهم بما يعمله رجال من غير ~~هذا المعدن وعلى غير هذه الوتيرة؛ لأنهم يحسون ويفهمون، ويطلبون غير الذي يحسه ويفهمه ~~ويطلبه أولئك ms051 الرجال. # هي ليست ضربة مغامر من مغامري السياسة، ولا صفقة مساوم من مساومي التجارة، ولا وسيلة ~~متوسل ينزل على حكم الدنيا أو تنزل الدنيا على حكمه، ولكنها وسيلة من يدين نفسه ويدين ~~الدنيا برأي من الآراء هو مؤمن به ومؤمن بوجوب إيمان الناس به دون غيره. فإن قبلته ~~الدنيا قبلها وإن لم تقبله فسيان عنده فواته بالموت أو فواته بالحياة، بل لعل فواته ~~بالموت أشهى إليه. # هي حركة لا تقاس إذن بمقياس المغامرات ولا الصفقات، ولكنها تقاس بمقياسها الذي لا ~~يتكرر ولا يستعاد على الطلب من كل رجل أو في كل أوان. # ولا ننسى أن السنين الستين التي انقضت بعد حركة الحسين، قد انقضت في ظل دولة تقوم على ~~تخطئته في كل شيء، وتصويب مقاتليه في كل شيء. ~~••• # إن القول بصواب الحسين معناه القول ببطلان تلك الدولة، والتماس العذر له معناه إلقاء ~~الذنب عليها. وليس بخاف على أحد كيف ينسى الحياء وتبتذل القرائح أحيانا في تنزيه ~~السلطان القائم وتأثيم السلطان الذاهب. فليس الحكم على صواب الحسين أو على خطئه إذن ~~بالأمر الذي يرجع فيه إلى أولئك الصنائع المتزلفين الذين يرهبون سيف الدولة القائمة، ~~ويغنمون من عطائها، ولا لصنائع مثلهم يرهبون بعد ذلك سيفا غير ذلك السيف، ويغنمون من ~~عطاء غير ذلك العطاء. # إنما الحكم في صواب الحسين وخطئه لأمرين لا يختلفان باختلاف الزمان وأصحاب السلطان، ~~وهما البواعث النفسية التي تدور على طبيعة الإنسان الباقية، والنتائج المقررة التي مثلت ~~للعيان باتفاق الأقوال. # وبكل من هذين المقياسين القويين حركة الحسين في خروجه على يزيد بن معاوية، فنقول إنه ~~قد أصاب. # أصاب إذا نظرنا إلى بواعثه النفسية التي تهيمن عليه، ولا يتخيل العقل أن تهيمن عليه ~~بواعث غيرها. # وأصاب إذا نظرنا إلى نتائج الحركة كلها نظرة واسعة، لا يستطيع أن يجادل فيها من يأخذ ~~الأمور بسنة الواقع والمصلحة، أو من يأخذ الأمور بسنة النجدة والمروءة. # فما هي بواعث النفسية التي قامت بنفس الحسين يوم دعي في المدينة بعد موت معاوية ~~لمبايعة ابنه يزيد؟ ms052 # هي بواعث تدعوه كلها أن يفعل ما فعل، ولا تدعو مثله إلى صنيع غير ذلك الصنيع، وخير ~~لبني الإنسان ألف مرة أن يكون فيهم خلق كخلق الحسين الذي أغضب يزيد بن معاوية، من أن ~~يكون جميع بني الإنسان على ذلك الخلق الذي يرضى به يزيد. # فأول ما ينبغي أن نذكره لفهم البواعث النفسية التي خامرت نفس الحسين في تلك المحنة ~~الأليمة، أن بيعة يزيد لم تكن بالبيعة المستقرة ولا بالبيعة التي يضمن لها الدوام في ~~تقدير صحيح. # فهي بيعة نشأت في مهد الدس والتمليق، ولم يجسر معاوية عليها حتى شجعه عليها من له ~~مصلحة ملحة في ذلك التشجيع. ~~••• # كان المغيرة بن شعبة واليا لمعاوية على الكوفة، ثم هم بعزله وإسناد ولايته إلى ~~سعيد بن العاص جريا على عادته في إضعاف الولاة قبل تمكنهم، وضرب فريق منهم بفريق ~~حتى يعينه بعضهم على بعض ولا يتفقوا عليه. فلما أحس المغيرة نية معاوية، قدم الشام ودخل ~~على يزيد وقال له كالمستفهم المتعجب: لا أدري ما يمنع أمير المؤمنين أن يعقد لك ~~البيعة؟! # ولم يكن يزيد نفسه يصدق أنه أهل لها، أو أن بيعته مما يتم بين المسلمين على هينة. ~~فقال للمغيرة: أوترى ذلك يتم؟ # فأراه المغيرة أنه ليس بالعسير، إذا أراده أبوه. # وأخبر يزيد أباه بما قال المغيرة، فعلم هذا أن فرصته سانحة، وأنه سيبادل معاوية رشوة ~~آجلة برشوة عاجلة. يرشوه بإعانته على بيعة يزيد، ويأخذ منه الرشوة ببقائه على ولاية ~~الكوفة إلى أن يقضي في أمر هذه البيعة، وله في التمهيد لها نصيب. # فلما لقي معاوية سأله هذا عما أخبره به يزيد، فأعاده عليه وهو يزخرفه له بما يرضيه. ~~قال: قد رأيت ما كان من سفك الدماء والاختلاف بعد عثمان، وفي يزيد منك خلف فاعقد له، ~~فإن حدث بك حادث كان كهفا للناس وخلفا منك، ولا تسفك دماء ولا تكون فتنة. # فسأله معاوية وهو يتهيب ويتأنى: ومن لي بذلك؟ # قال: أكفيك أهل الكوفة، ويكفيك زياد أهل البصرة، وليس بعد هذين المصرين أحد ms053 ~~يخالفك. # فرده معاوية إلى عمله كما كان يتمنى، وأوصاه ومن معه ألا يتعجلوا بإظهار هذه النية. ~~ثم استشار زياد بن أبي سفيان ، فأطلع هذا بعض خاصته على الأمر وهو يقول: إن أمير ~~المؤمنين، يتخوف نفرة الناس ويرجو طاعتهم. ويزيد صاحب رسلة وتهاون مع ما قد أولع به من ~~الصيد. فالق أمير المؤمنين وأد إليه فعلات يزيد وقل له رويدك بالأمر، فأحرى أن يتم ~~لك ولا تعجل فإن دركا في تأخير خير من فوت في عجلة. # فأشار عليه صاحبه «ألا يفسد على معاوية رأيه ولا يبغضه في ابنه»، وعرض عليه أن يلقى ~~يزيد فيخبره أن أمير المؤمنين كتب إليك يستشيرك في البيعة له، وأنك تتخوف خلاف الناس ~~لهنات ينقمونها عليه، وأنك ترى له ترك ما ينقم عليه؛ لتستحكم له الحجة على ~~الناس. ~~••• # وقالوا: إن يزيد كف عن كثير مما كان يصنع بعد هذه النصيحة، وإن معاوية أخذ برأي ~~زياد في التؤدة فلم يجهر بعقد البيعة حتى مات زياد. # وقد أحس معاوية الامتعاض من بيته قبل أن يحسه من الغرباء عنه. فكانت امرأته «فاختة» ~~بنت قرطة بن حبيب بن عبد شمس تكره بيعة يزيد، وتود لو أثر بالبيعة ابنها عبد الله، ~~فقالت له: ما أشار به عليك المغيرة؟ أراد أن يجعل لك عدوا من نفسك يتمنى هلاكك كل ~~يوم. # واشتدت نقمة مروان بن الحكم - وهو أقرب الأقرباء إلى معاوية - حين بلغته دعوة العهد ~~ليزيد فأبى أن يأخذ العهد له من أهل المدينة، وكتب إلى معاوية: «إن قومك قد أبوا إجابتك ~~إلى بيعتك.» فعزله معاوية من ولاية المدينة وولاها سعيد بن العاص. فأوشك مروان أن يثور، ~~ويعلن الخروج، وذهب إلى أخواله من بني كنانة فنصروه وقالوا له: نحن نبلك في يدك ~~وسيفك في قرابك. فمن رميته بنا أصبناه، ومن ضربته قطعناه ... الرأي رأيك، ونحن طوع ~~يمينك. # ثم أقبل مروان في وفد منهم كثير إلى دمشق، فذهب إلى قصر معاوية وقد أذن للناس، فمنعه ~~الحاجب؛ لكثرة من رأى معه فضربوه واقتحموا الباب. ودخل مروان ms054 وهم معه حتى سلم على ~~معاوية وأغلظ له القول. فخاف معاوية هذا الجمع من وجوه قومه، وترضى مروان ما استطاع، ~~وجعل له ألف دينار كل شهر ومائة لمن كان معه من أهل بيته. ~~••• # ولم يكن مروان وحده بالغاضب بين بني أمية من بيعة يزيد، بل كان سعيد بن عثمان بن عفان ~~يرى أنه أحق منه بالخلافة؛ لأنه ابن عثمان الذي تذرع معاوية إلى الخلافة باسمه. فقال ~~لمعاوية: يا أمير المؤمنين، علام تبايع ليزيد وتتركني! فوالله لتعلم أن أبي خير من أبيه ~~وأمي خير من أمه، وأنك إنما نلت ما نلت بأبي. # فسرى معاوية عنه، وقال له ضاحكا هاشا: يابن أخي، أما قولك إن أباك خير من أبيه، ~~فيوم من عثمان خير من معاوية، وأما قولك إن أمك خير من أمه، ففضل قرشية على كلبية فضل ~~بين، وأما أن أكون نلت ما أنا فيه بأبيك فإنما الملك يؤتيه الله من يشاء. قتل أبوك ~~رحمه الله فتواكلته بنو العاص وقامت فيه بنو حرب، فنحن أعظم بذلك منة عليك، وأما أن ~~تكون خيرا من يزيد فوالله ما أحب أن داري مملوءة رجالا مثلك بيزيد، ولكن دعني من هذا ~~القول وسلني أعطك. وولاه خراسان. # فكان أكبر بني أمية أعظمهم أملا في الخلافة بعد معاوية، وكان بغضهم لبيعة يزيد على ~~قدر أملهم فيها، وهؤلاء - وإن جمعتهم مصلحة الأسرة فترة من الزمن - لم تكن منافستهم هذه ~~ليزيد بالعلامة التي تؤذن بالبقاء وتبشره بالضمان والقرار. # وعلى هذا النحو ولدت بيعة يزيد بين التوجس والمساومة والإكراه. # وبهذه الجفوة قوبلت بين أخلص الأعوان وأقرب القرباء. # وظهر من اللحظات الأولى، أن المغيرة بن شعبة كان سمسارا يصافق على ما لا يملك؛ فقد ~~ضمن الكوفة والبصرة ومنع الخلاف في غيرهما، فإذا الكوفة أول من كره بيعة يزيد، وإذا ~~البصرة تتلكأ في الجواب وواليها يرجئ الأمر، ويوصي بالتمهل فيه، فلا يقدم عليه ~~معاوية في حياته، وإذا أطراف الدولة من ناحية همذان تثور، وإذا بالحجاز يستعصي على بني ~~أمية سنوات، وإذا باليمن ليس ms055 فيها نصير للأمويين، ولو وجدت خارجا يعلن الثورة عليهم ~~لكانت ثورتها كثورة الحجاز. # بل يجوز أن يقال - مما ظهر في حركة الحسين كل الظهور - إن الشام نفسها لم تنطو على ~~رجل يؤمن بحق يزيد وبطلان دعوى الحسين. فقد كانوا يتحرجون من حرب الحسين، ويتسلل من ~~استطاع منهم التسلل قبل لقائه، إلا أن يهدد بقطع الأرزاق وقطع الرقاب. # والحوادث التي تلت حركة الحسين إلى ختام عهد يزيد أدل مما تقدم على اضطراب عهده ~~وقلة ضمانه؛ لأن الأحداث والنذر لم تزل تتوالى بقية حياته وبعد موته بسنين. # ونحن اليوم نعلم من التاريخ كيف انتهت هذه الحوادث والنذر في عهد يزيد أو بعد عهده، ~~فيخيل إلينا أن عواقبها لم تكن تحتمل الشك ولم يكن بها من خفاء، ولكن الذين استقبلوها ~~كانوا خلقاء ألا يروا فيها طوالع ملك تعنو له الرءوس ويرجى له طول البقاء. # بواعث الخروج # نعم، كانت هناك ندحة عن الخروج لو كان يزيد في الخلافة رضى المسلمين من العقل والخلق ~~وسلامة التدبير وعزة الموئل والدولة، وكان المسلمون قد توافوا على اختياره لحبهم ~~إياه، وتعظيمهم لعقله وخلقه، واطمئنانهم إلى سياسته، واعتمادهم على صلاحه ~~وإصلاحه. # ولكنه على نقيض ذلك، كان كما علمنا رجلا هازلا في أحوج الدول إلى الجد، لا يرجى له ~~صلاح ولا يرجى منه إصلاح. وكان اختياره لولاية العهد مساومة مكشوفة، قبض كل مساهم فيها ~~ثمن رضاه ومعونته جهرة وعلانية من المال أو الولاية أو المصانعة، ولو قبضوا مثل هذا ~~الثمن ليبايعوا وليا للعهد شرا من يزيد لما همهم أن يبايعوه وإن تعطلت حدود ~~الدين وتقوضت معالم الأخلاق. # وأعجب شيء أن يطلب إلى الحسين بن علي أن يبايع مثل هذا الرجل ويزكيه أمام المسلمين، ~~ويشهد له عندهم أنه نعم الخليفة المأمول، صاحب الحق في الخلافة وصاحب القدرة عليه. ولا ~~مناص للحسين من خصلتين: هذه، أو الخروج! لأنهم لن يتركوه بمعزل عن الأمر لا له ولا ~~عليه. ~~••• # إن بعض المؤرخين من المستشرقين وضعاف الفهم من الشرقيين ينسون هذه الحقيقة ولا ~~يولونها نصيبها ms056 من الرجحان في كف الميزان. # وكان خليقا بهؤلاء أن يذكروا أن مسألة العقيدة الدينية في نفس الحسين لم تكن مسألة ~~مزاج أو مساومة، وأنه كان رجلا يؤمن أقوى الإيمان بأحكام الإسلام، ويعتقد أشد الاعتقاد ~~أن تعطيل حدود الدين هو أكبر بلاء يحيق به وبأهله وبالأمة العربية قاطبة في حاضرها ~~ومصيرها؛ لأنه مسلم ولأنه سبط محمد، فمن كان إسلامه هداية نفس فالإسلام عند الحسين ~~هداية نفس وشرف بيت. # وقد لبث بنو أمية بعد مصرعه ستين سنة يسبونه ويسبون أباه على المنابر، ولم يجسر أحد ~~منهم قط على المساس بورعه وتقواه ورعايته لأحكام الدين في أصغر صغيرة يباشرها المرء ~~سرا أو علانية، وحاولوا أن يعيبوه بشيء غير خروجه على دولتهم فقصرت ألسنتهم وألسنة ~~الصنائع والأجراء دون ذلك. فكيف يواجه مثل هذا الرجل خطرا على الدين في رأس الدولة ~~وعرش الخلافة مواجهة الهوادة والمشايعة والتأمين؟ وكيف يسام أن يرشح للإمامة من لا ~~شفاعة له ولا كفاية فيه إلا أنه ابن أبيه؟ # لقد كان أبوه معاوية على كفاءة ووقار وحنكة ودراية بشئون الملك والرئاسة، وكان له مع ~~هذا نصحاء ومشيرون أولو براعة وأحلام تكبح من السلطان ما جمح وتقيم ما انحرف وتملي له ~~فيما عجز عنه، وهذا ابنه القائم في مقامه لا كفاءة ولا وقار ولا نصحاء ولا مشيرون، إلا ~~من كان عونا على شر أو موافقا على ضلالة. فما عسى أن تكون الشهادة له بالصلاح ~~للإمامة إلا تغريرا بالناس وقناعة بالسلامة أو الأجر المبذول على هذا التغرير؟ # ثم هي خطوة لا رجعة بعدها إذا أقدم عليها الحسين بما أثر عنه من الوفاء وصدق ~~السريرة. فإذا بايع يزيد فقد وفى له بقية حياته كما وفى لمعاوية بما عاهده عليه، ولا ~~سيما حين يبايع يزيد على علم بكل نقيصة فيه قد يتعلل بها المتعلل لنقض البيعة وانتحال ~~أسباب الخروج. # فملك يزيد لم يقم على شيء واحد يرضاه الحسين لدينه أو لشرفه أو للأمة الإسلامية، ~~ومن طلب منه أن ينصر هذا الملك فإنما يطلب منه أن ms057 ينصر ملكا ينكر كل دعواه، ولا يحمد ~~له حالة من الأحوال، ولا تنس بعد هذا كله أن هذا الملك كان يقرر دعائمه في أذهان الناس ~~بالغض من الحسين في سمعة أبيه وكرامة شيعته ومريديه. فكانوا يسبون عليا على المنابر ~~وينعتونه بالكذب والمروق والعصيان، وكانوا يتحرون أنصاره حيث كانوا فيقهرونهم على سبه ~~والنيل منه بمشهد من الناس، وإلا أصابهم العنت والعذاب، وشهروا في الأسواق بالصلب ~~والهوان. فمجاراة هذه الأمور كلها في مفتتح ملك جديد معناه أنها سنة قد وجبت ~~واستقرت الجيل بعد الجيل بغير أمل في التغيير والتبديل. فمن أقر هذه السنة في مفتتح ~~هذا الملك الجديد فقد ضعف أمله، وضعف أمل أنصاره فيه يوما بعد يوم، وازداد مع الزمن ~~ضعفا كما ازدادت حجة خصومه قوة عليه. # هذه هي البواعث النفسية التي كانت تجيش في صدر الحسين يوم دعاه أولياء بن أمية إلى ~~مبايعة يزيد والنزول عن كل حق له ولأبنائه ولأسرته في إمامة المسلمين، كائنا من كان ~~القائم بالأمر وبالغا ما بلغ من قلة الصلاح وبطلان الحجة. وهي بواعث لا تثنيه عن ~~الخروج، ولا تزال تلح عليه في اتخاذ طريق واحد من طريقين لا معدل عنهما، وهما ~~الخروج إن كان لابد خارجا في وقت من الأوقات، أو التسليم بما ليست ترضاه له مروءة ولا ~~يرضاه له إيمان. # مصرع وانتصار # أما نتائج الحركة كلها - إذا نظرنا إليها نظرة واسعة - فهي أنجح للقضية التي كان ~~ينصرها من مبايعة يزيد. # فقد صرع الحسين عام خروجه، ولحق به يزيد بعد ذلك بأقل من أربع سنوات. # ولم تنقض ست سنوات على مصرع الحسين حتى حاق الجزاء بكل رجل أصابه في كربلاء، فلم يكد ~~يسلم منهم أحد من القتل والتنكيل مع سوء السمعة ووسواس الضمير. # ولم تعمر دولة بني أمية بعدها عمر رجل واحد مديد الأجل، فلم يتم لها بعد مصرع الحسين ~~نيف وستون سنة! وكان مصرع الحسين هو الداء القاتل الذي سكن في جثمانها حتى قضى ~~عليها، وأصبحت ثارات الحسين نداء كل دولة تفتح لها ms058 طريقا إلى الأسماع والقلوب. # ولإصابة هذه الحركة في نتائجها الواسعة دخل في روع بعض المؤرخين أنها تدبير من ~~الحسين رضي الله عنه ، توخاه منذ اللحظة الأولى وعلم موعد النصر فيه؛ فلم يخامره الشك ~~في مقتله ذلك العام، ولا في عاقبة هذه الفعلة التي ستحيق لا محالة بقاتليه بعد ~~أعوام. # فقال ماريين الألماني في كتابه (السياسة الإسلامية): «إن حركة الحسين في خروجه على ~~يزيد إنما كانت عزمة قلب كبير عز عليه الإذعان وعز عليه النصر العاجل، فخرج بأهله ~~وذويه ذلك الخروج الذي يبلغ به النصر الآجل بعد موته، ويحيي به قضية مخذولة ليس لها ~~بغير ذلك حياة.» # فإن لم يكن رأي الكاتب حقا كله، فبعضه على الأقل حق لا شك فيه، ويصدق ذلك - في ~~رأينا - على حركة الحسين بعد أن حيل بينه وبين الذهاب لوجهه الذي يرتضيه، فآثر الموت ~~كيفما كان ولم يجهل ما يحيق ببني أمية من جراء قتله ... فهو بالغ منهم بانتصارهم عليه ما ~~لم يكن ليبلغه بالنجاة من وقعة كربلاء. ~~••• # وقد جرى ذكر الموت على لسان الحسين من خطوته الأولى، وهو يتهيأ للرحيل، ويودع ~~أصحابه في الحجاز. فقال لهم: «إن الموت حق على ولد آدم.» ولم يخف عليه أنه يركب الخطة ~~التي لا يبالي راكبها ما يصيبه من ذلك القضاء. # لكنه لم يكن ييأس من إقناع الناس والتفافهم به منذ خطوته الأولى. ولم يعقد عزمه على ~~ملاقاة الموت حتى ساموه الرغم، وأبوا عليه أن ينصرف إلى أي منصرف قبل التسليم المبين ~~- مسوقا على الكره منه - إلى عبيد الله بن زياد. # وتتباين آراء المتأخرين خاصة في خروج الحسين بنسائه وأبنائه، أكان هو الأحزم والأكرم ~~أم كان الأحزم والأكرم أن يخرج بمفرده حتى يرى ما يكون من استجابة الناس له أو إعراضهم ~~عنه وضعفهم في تأييده. # وليس للمتأخرين أن يقضوا في مسألة كهذه بعقولهم وعاداتهم؛ لأنها مسألة يقضى فيها ~~بحكم العقل العربي وعاداته في أشباه هذه المواقف. وقد كان اصطحاب النساء والأبناء عادة ~~عربية في البعوث التي يتصدى لها المرء ms059 متعمدا القتال دون غيره فضلا عن البعوث التي ~~قد تشتبك في القتال، وقد تنتهي بسلام كبعثة الحسين. # فكان المقاتلون في وقعة ذي قار يصطحبون حلائلهم وذراريهم، ويقطعون وضن الرواحل - أي ~~أحزمتها - قبل خوض المعركة، وكان المسلمون والمشركون معا يصطحبون الحلائل والذراري في ~~غزوات النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وكان مع المسلمين في حرب الروم صفوة نساء قريش وعقائل بيوتاتها، ~~وكان النبي # صلى الله عليه وسلم # يصطحب زوجة أو أكثر من زوجة في غزواته وحروبه، وحكم الواحدة هنا ~~حكم الكثيرات، وهي عادة عربية عريقة يقصدون بها الإشهاد على غاية العزم وصدق النية فيما ~~هم مقبلون عليه، وفي معلقة ابن كلثوم إشارة مجملة إلى معنى هذه العادة العربية من قديم ~~عصورها حيث يقول: # على آثارنا بيض حسان # نحاذر أن تقسم أو تهونا # يقتن جيادنا ويقلن لستم # بعولتنا إذا لم تمنعونا # وقد كان الحسين - رضي الله عنه - يندب الناس لجهاد يخوضونه إن قضي عليهم أن يخوضوه ~~فلا يبالون ما يصيبهم في أنفسهم وفي أبنائهم وأموالهم؛ لأنهم يطلبون به ما هو أعز على ~~المؤمن من النفس والولد والمال، فليس من المروءة أن يندبهم لأمر ولا يكون قدوة لهم ~~فيه. # وكان على الحسين - وقد أزمع الخروج - أن يجمع له أقوى حجة في يديه، ويجمع على خصومه ~~أقوى حجة تنقلب عليهم، إذا غلبوه وأخفق في مسعاته، فيكون أقوى ما يكون وهو منتصر، ~~ويكونون أبغض ما يكونون وهو مخذول. # والمسلم الذي ينصر الحسين لنسبه الشريف أولى أن ينصره غاية نصره وهو بين أهله ~~وعشيرته، وإلا فما هو بناصره على الإطلاق، وتنقلب الآية في حالة الخذلان، فينال المنتصر ~~من البغضاء والنقمة على قدر انتصاره الذي يوشك أن ينقلب عليه. # صواب الشهداء # وجملة ما يقال أن خروج الحسين من الحجاز إلى العراق كان حركة قوية لها بواعثها ~~النفسية التي تنهض بمثله، ولا يسهل عليه أن يكبتها أو يحيد بها عن مجراها. # وإنها قد وصلت إلى نتائجها الفعالة من حيث هي قضية عامة تتجاوز الأفراد إلى الأعقاب ~~والأجيال، سواء أكانت ms060 هذه القضية نصرة لآل الحسين أم حربا لبني أمية. # إنما يبدو الخطأ في هذه الحركة حين ننظر إليها من زاوية واحدة ضيقة المجال قريبة ~~المرمى، وهي زاوية العمل الفردي الذي يراض بأساليب المعيشة اليومية، ويدور على النفع ~~العاجل للقائمين به والداعين إليه. # فحركة الحسين لم تكن مسددة الأسباب لمنفعة الحسين بكل ثمن وحيثما كانت ~~الوسيلة. # وعلة ذلك ظاهرة قريبة، وهي أن الحسين - رضي الله عنه - طلب الخلافة بشروطها التي ~~يرضاها، ولم يطلبها غنيمة يحرص عليها مهما تكلفه من ثمن، ومهما تتطلب من وسيلة. # وهنا غلطة الشهداء. # بل قل: هنا صواب الشهداء. # ومن هو الشهيد إن لم يكن هو الرجل الذي يصاب، ويعلم أنه يصاب؛ لأن الواقع يخذله، ولا ~~يجري معه إلى مرماه؟ # ومن هو الشهيد إن لم يكن هو الرجل الذي «يكلف الأيام ضد طباعها» ويصدق الخير في طبيعة ~~الإنسان، والخير عزيز والدنيا به شحيحة؟ # منذ القدم، أخطأ الشهداء هذا الخطأ، ولو أصابوا فيه؛ لما كانوا شهداء، ولا شرفت ~~الدنيا بفضيلة الشهادة. # فالحسين - رضي الله عنه - قد طلب خلافة الراشدين حيث لا تتسنى خلافة الراشدين، أو حيث ~~تتسنى الدولة الدنيوية التي يضن بها أصحابها، ويتكالبون عليها، ويتوسلون إليها ~~بوسائلها. # فكانت عنايته بالدعوة والإقناع أعظم جدا من عنايته بالتنظيم والإلزام. # نزل رسوله الأول مسلم بن عقيل بالكوفة صفر اليدين من المال حتى احتاج فيها أن يقترض ~~سبعمائة درهم هي التي أوصى بردها إلى أصحابها قبل قتله. # وتلك عقبة من العقبات التي تعوق الدعوات الكبار، ولكنها على هذا لم تكن بالعقبة ~~العصية التذليل. # فلو أنه قد طلب المال من وسائله الدنيوية أو السياسة، لما استعصى عليه أن يأخذ منه ما ~~يكفيه. فلعله كان ميسورا له بعد أن تجمع حوله الأنصار، وبايع الحسين على يديه ثلاثون ~~ألفا كما جاء في بعض الروايات. ففي تلك اللحظة لعله كان يستطيع أن يحيط بقصر الوالي ~~الأموي، ويستولي عليه، وينشئ الحكومة الحسينية فيه. ثم لعله كان يستطيع بعد ذلك أن يوجه ~~الدعاة إلى أطراف الدولة الشرقية ليلتقى ms061 البيعة، ويقيم الولاة، ويحشد الأجناد. # فإذا كان هذا فاته حتى خف الأمويون لدرء الخطر عنهم وبعثوا إلى الكوفة بعبيد الله بن ~~زياد ، فقد سيق عبيد الله هذا في يوم من الأيام إلى يديه، وكان في وسعه أن يبطش به، ~~ويستوي على كرسيه، ويحرم يزيد بن معاوية نصيرا من أعنف أنصاره. # وقد فاته هذا؛ لأن شريعة الخلافة لا تبيحه في رأيه، أو لأنه اعتقد أن الحق بين وأن ~~الباطل بين؛ فلا حاجة به بعد التمييز بينهما إلى فتكة الغدر كما سماها، ولا محل عنده ~~لإهدار الدماء، وهو ينعي على الدولة القائمة أنها تهدر الدماء بالشبهات. # ولقد رأى مسلم أن حق صاحبه في الخلافة قائم على شيء واحد، وهو إقبال الناس إليه ~~طائعين، ومبايعتهم إياه مختارين. فأما وقد تفرقوا عنه رهبة من السلطان أو ضعفا في ~~اليقين، فالرأي عنده أن يكتب إلى صاحبه يعلمه بانفضاض الناس عنه، ويثنيه عن القدوم، ولا ~~حق له عليهم بعد ذلك حتى يثوبوا إليه. # وقيام الخلافة على هذا الاختيار عقيدة لا نفهمها نحن الآن، ولكن قد يفهمها يومئذ من ~~كان على مقربة من عهد النبوة وعهد الصديق والفاروق. # فقد كان الصراع بين الحسين ويزيد أول تجربة من قبيلها بعد عهد النبوة وعهد الخلفاء ~~الأولين. # لم يكن الصراع بين علي ومعاوية على هذا الوضوح الذي لا شبهة فيه بين الحق والباطل ~~وبين الفضيلة والنقيصة. # لكنه في بيعة الحسين كان قد وضح وضوح الصبح لذي عينين. # وكان ذلك كما قلنا أول تجربة من قبيلها بعد عهد الفداء في سبيل العقيدة والإيمان، بعد ~~العهد الذي كان الرجل فيه يخرج من ماله، وينفصل من ذويه، ويتجرد لحرب أبيه أخيه وبنيه ~~إن خالفوه في أمر الإسلام، بعد العهد الذي كان القليل فيه من المسلمين يصدون الكثير من ~~المشركين وفي أيديهم السلاح والعتاد ومن ورائهم المعاقل والأزواد، بعد العهد الذي تغير ~~فيه الناس، وخيل إلى من كان يعهدهم على غير تلك الحال أنهم متغيرون. # الناس عبيد الدنيا # فكيف ينخذل الحسين وينتصر يزيد في ms062 عالم شهد النبوة وشهد الخلافة على سنة الراشدين؟ إن ~~كلمة واحدة قالها الحسين في ساعة يأسه تشف عن مبلغ يقينه بوجوب الحق ، وعجبه من أن يكون ~~الأمر غير ما وجب، وذلك حيث قال: «الناس عبيد الدنيا، والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ~~ما درت به معائشهم، فإذا محصوا بالبلاء قل الديانون.» # إن الطبائع الأرضية لا تنخدع في صلاح الناس، ولا تعجب هذا العجب؛ لأنها لا تخرج من ~~نطاقها المحدود، ولا تصدق ما وراءه من الآمال والوعود. # إنها لا تضل عن طريق المنفعة؛ لأنها لا تعرف غيرها من طريق، إنها تؤثر القنديل الخافت ~~في يدها على الكوكب اللامع في السماء، لا لأنها لا ترى الكوكب اللامع في السماء؛ بل ~~لأنها ترى القنديل والكوكب فتعلم أن هذا قريب وأن ذاك جد بعيد. # إنها لا تنخدع بالسراب؛ لأنها لا تخرج من عقر دارها، ولا تشعر بظمأ الفؤاد، ولا تنظر ~~إلى السراب. # ولكن طبيعة الشهداء غير طبيعة المساومة على البيع والشراء. # طبيعة المساومة موكلة بالحرص على الهنات. # وطبيعة الشهادة موكلة ببذل الحياة لما هو أدوم من الحياة. # وشتان طبيعة وطبيعة، وشتان خطأ الشهداء وخطأ المساومين. # وليست موازين المساومة بالموازين الفذة التي يصلح عليها أمر بني الإنسان، فإن بني ~~الإنسان ما بهم عن غنى قط عن الذين يخطئون؛ لأنهم أرفع من المصيبين، وأنهم لهم ~~الشهداء. # وإنهم لعلى صواب في المدى البعيد، وإن كانوا على خطأ في المدى القريب، مدى الأجواف ~~والمعدات والجلود لا مدى الأرواح والأخلاد. # من هؤلاء كان الحسين - رضي الله عنه - بل هو أبو الشهداء، وينبوع شهادة متعاقبة لا ~~يقرن بها ينبوع في تاريخ البشر أجمعين. # فلا جرم يصيب في المدى البعيد، ويخطئ في المدى القريب، مدى المنفعة التي تناله هو في ~~معيشة يومه، وهو المدى الذي لا يأسف عليها ولا ينص الركاب إليه. # الفصل السابع # | كربلاء # الحرم المقدس # عرفت قديما باسم «كوربابل» ثم صحفت إلى كربلاء، فجعلها هذا التصحيف عرضة لتصحيف آخر ~~يجمع بين الكرب والبلاء، كما رسمها بعض الشعراء. # ولم يكن لها ms063 ما تذكر به في أقرب جيرة لها فضلا عن أرجاء الدنيا البعيدة منها؛ فليس ~~لها من موقعها، ولا من تربتها، ولا من حوادثها، ما يغري أحدا برؤيتها، ثم يثبت في ~~ذاكرة من يراها ساعة يرحل عنها. # فلعل الزمن كان خليقا أن يعبر بها سنة بعد سنة وعصرا بعد عصر، دون أن يسمع لها اسم ~~أو يحس لها بوجود، إلا أن تذكر «نينوى» وجيرتها فتدخل في زمرة تلك الجيرة بغير ~~حساب. # وشاءت مصادفة من المصادفات أن يساق إليها ركب الحسين بعد أن حيل بينه وبين كل وجهة ~~أخرى، فاقترن تاريخها منذ ذلك اليوم بتاريخ الإسلام كله. ومن حقه أن يقترن بتاريخ بني ~~الإنسان حيثما عرفت لهذا الإنسان فضيلة يستحق بها التنويه والتخليد. # فهي اليوم حرم يزوره المسلمون للعبرة والذكرى، ويزوره غير المسلمين للنظر والمشاهدة، ~~ولكنها لو أعطيت حقها من التنويه لحق لها أن تصبح مزارا لكل آدمي يعرف لبني نوعه ~~نصيبا من القداسة وحظا من الفضيلة؛ لأننا لا نذكر بقعة من بقاع هذه الأرض يقترن ~~اسمها بجملة من الفضائل والمناقب أسمى وألزم لنوع الإنسان من تلك التي اقترنت باسم ~~كربلاء، بعد مصرع الحسين فيها. # فكل صفة من تلك الصفات العلوية التي بها الإنسان إنسان وبغيرها لا يحسب غير ضرب من ~~الحيوان السائم؛ فهي مقرونة في الذاكرة بأيام الحسين - رضي الله عنه - في تلك البقعة ~~الجرداء. # وليس في نوع الإنسان صفات علويات أنبل ولا ألزم من الإيمان والفداء والإيثار، ويقظة ~~الضمير، وتعظيم الحق، ورعاية الواجب، والجلد في المحنة، والأنفة من الضيم، والشجاعة في ~~وجه الموت المحتوم، وهي - ومثيلات لها من طرازها - هي التي تجلت في حوادث كربلاء منذ ~~نزل بها ركب الحسين، ولم تجتمع كلها ولا تجلت قط في موطن من المواطن تجليها في تلك ~~الحوادث، وقد شاء القدر أن تكون في جانب منها أشرف ما يشرف به أبناء آدم؛ لأنها في ~~الجانب الآخر منها أخزى ما يخزى به مخلوق من المخلوقات. # وحسبك من تقويم الأخلاق في تلك النفوس، أنه ما من ms064 أحد قتل في كربلاء إلا كان في ~~وسعه أن يتجنب القتل بكلمة أو بخطوة، ولكنهم جميعا آثروا الموت عطاشا جياعا مناضلين ~~على أن يقولوا تلك الكلمة أو يخطوا تلك الخطوة؛ لأنهم آثروا جمال الأخلاق على متاع ~~الحياة. # أو حسبك من تقويم الأخلاق في نفس قائدها وقدوتها أنهم رأوه بينهم فافتدوه بأنفسهم، ~~ولن يبتعث المرء روح الاستشهاد فيمن يلازمه إلا أن يكون هو أهلا للاستشهاد في سبيله ~~وسبيل دعوته، وأن يكون في سليقة الشهيد الذي يأتم به الشهداء. # نموت معك # أقبل الفتى الصغير علي بن الحسين على أبيه، وقد علم أنهم مخيرون بين الموت والتسليم ~~فسأله: ألسنا على الحق؟ # قال الوالد المنجب النجيب: بلى، والذي يرجع إليه العباد. # فقال الفتى: يا أبه! فإذن لا نبالي! # وهكذا كانوا جميعا لا يبالون ما يلقون، ما علموا أنهم قائمون بالحق وعليه ~~يموتون. # وأراد الحسين - وقد علم أن التسليم لا يكون - أن يبقى للموت وحده، وألا يعرض له أحدا ~~من صحبه، فجمعهم مرة بعد مرة، وهو يقول لهم في كل مرة: «لقد بررتم وعاونتم والقوم لا ~~يريدون غيري، ولو قتلوني لم يبتغوا غيري أحدا، فإذا جنكم الليل فتفرقوا في سواده ~~وانجوا بأنفسكم.» # فكأنما كان قد أراد لهم الهلاك ولم يرد النجاة، وفزعوا من رجائهم إياه كما يفزع غيرهم ~~من مطالبتهم بالثبات والبقاء، وقالوا له كأنهم يتكلمون بلسان واحد: «معاذ الله والشهر ~~الحرام، ماذا نقول للناس إذا رجعنا إليهم؟ أنقول لهم: إنا تركنا سيدنا وابن سيدنا ~~وعمادنا، تركناه غرضا للنبل ودريئة للرماح وجزرا للسباع، وفررنا عنه رغبة في الحياة؟ ~~معاذ الله، بل نحيا بحياتك ونموت معك.» # قالوا له: نموت معك ولك رأيك. ولم يخطر لأحد منهم أن يزين له العدول عن رأيه إيثارا ~~لنجاتهم ونجاته، ولو خادعوا أنفسهم قليلا؛ لزينوا له التسليم، وسموه نصيحة مخلصين ~~يريدون له الحياة، ولكنهم لم يخادعوا أنفسهم ولم يخادعوه، ورأوا أصدق النصيحة له أن ~~يجنبوه التسليم ولا يجنبوه الموت، وهم جميعا على ذلك. # ولم يكونوا جميعا من ذوي عمومته وقرباه؛ بل ms065 كان منهم غرباء نصحوا له ولأنفسهم هذه ~~النصيحة التي ترهب العار ولا ترهب الموت، فقال له زهير بن القين: «والله لوددت أني ~~قتلت ثم نشرت ثم قتلت حتى أقتل هكذا ألف مرة، ويدفع الله بذلك الفشل عن ~~نفسك وعن أنفس هؤلاء الفتيان من أهل بيتك.» # وقال مسلم بن عوسجة كأنه يعتب لما اختار له من السلامة: «أنحن نخلي عنك؟ وبم نعتذر ~~إلى الله في أداء حقك؟ لا والله حتى أطعن في صدورهم برمحي وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه ~~في يدى، ولو لم يكن معي سلاح أقاتلهم به؛ لقذفتهم بالحجارة، والله لا نخليك حتى يعلم ~~الله أنا قد حفظنا غيبة رسوله فيك. وأما والله لو علمت أنني أقتل ثم أحيا ثم ~~أحرق ثم أحيا ثم أحرق ثم أذرى ويفعل بي ذلك سبعين مرة ما فارقتك حتى ألقى حمامي ~~دونك.» # وجيء إلى رجل من أصحابه الغرباء بنبأ عن ابنه في فتنة الديلم، فعلم أن الديلم أسروه، ~~ولا يفكون إساره بغير فداء، فأذن له الحسين أن ينصرف وهو في حل من بيعته ويعطيه فداء ~~ابنه، فأبى الرجل إباء شديدا، وقال: «عند الله أحتسبه ونفسي.» ثم قال للحسين: «هيهات ~~أن أفارقك ثم أسأل الركبان عن خبرك، لا يكن والله هذا أبدا.» ~~••• # وقد تناهت هذه المناقب إلى مداها الأعلى في نفس قائدهم الكريم، يخيل إلى الناظر في ~~أعماله بكربلاء أن خلائقه الشريفة كانت في سباق بينها أيها يظفر بفخار اليوم كله، فلا ~~يدري أكان في شجاعته أشجع، أم في صبره أصبر، أم في كرمه أكرم، أم في إيمانه وأنفته ~~وغيرته على الحق بالغا من تلك المناقب المثلى أقصى مداه، إلا أنه كان يوم الشجاعة لا ~~مراء، وكانت الشجاعة فضيلة الفضائل التي تمدها سائرها بروافد من كل خلق نبيل يعينها على ~~شأنها. فكان الحسين - شبل علي - في شجاعته الروحية والبدنية معا في غاية الغايات، ~~وكان مضرب المثل بين الرعيل الأول من أشجع الشجعان في أبناء آدم وحواء. # ملك جأشه، وكل شيء من حوله يوهن الجأش، ويحل ms066 عقدة العزم، ويغري بالدعة ~~والمجاراة. # ملك جأشه ومن حوله نساؤه وأبناؤه في نضارة العمر، يجوعون ويظمأون، ويتشبثون به ~~ويبكون، وملك جأشه روية وأناة، ولم يملكه وثبة واثب إلى الغضب أو هيجة مهتاج إلى الوغى، ~~فكان قبل القتال وفي حومة القتال قويا بصيرا ينفض الضعف عن عزائمه، كما ينفض الأسد ~~غبرات الحصباء عن لبده، ولم يخامره الأسف قط في ذلك الموقف المرهوب إلا من أجل أحبائه ~~وأعزائه الذين يراهم ويرونه، ويسمع صيحتهم ويسمعونه. فقال وهو ينظر إلى الأخبية ومن ~~فيها: «لله در ابن عباس فيما أشار به علي!» # وجلس ليلة القتال في خيمته يعالج سهاما له بين يديه، ويرتجز وأمامه ابنه ~~العليل: # يا دهر أف لك من خليل # كم لك بالإشراق والأصيل # من صاحب وماجد قتيل # والدهر لا يقنع بالبديل # والأمر في ذاك إلى الجليل # وكل حي سالك سبيلي # فرد ابنه عبرته لكيلا يزده ألما على ألمه، وسمعته أخته زينب، فلم تقو على حنانها ~~ووجلها، وخرجت إليه من خبائها حاسرة تنادي: «وا ثكلاه! اليوم مات جدي رسول الله وأمي ~~فاطمة الزهراء وأبي علي وأخي الحسن، فليت الموت أعدمني الحياة يا حسيناه! يا بقية ~~الماضين وثمالة الباقين!» # فبكى لبكائها ولم ينثن ذرة عن عزمه الذي بات عليه، وقال لها: يا أخت! لو ترك ~~القطا لنام. ولم يزل يناشدها ويعزيها، وهو في قرارة نفسه مستقر كالطود على مواجهة الموت ~~وإباء التسليم أو النزول على «حكم ابن مرجانة» كما قال، ثم احتملها مغشيا عليها حتى ~~أدخلها الخباء. ~~••• # تزول الممالك وتدول الدول وتنجح المطامع أو تخيب وتحضر المطالب أو تغيب، وهذه الخلائق ~~العلوية في صدر الإنسان أحق بالبقاء من الممالك وما حوته، ومن الدول وما حفظته أو ~~ضيعته؛ بل أحق بالبقاء من رواسي الأرض وكواكب السماء. # حرب النور والظلام # وكانت فئة الحسين صغيرة كما علمنا قد رصدت لها هنالك تلك الفئة الكبيرة التي تناقضها ~~أتم ما يكون التناقض بين طرفين، وتباعدها أبعد ما تكون المسافة بين قطبين، فكل ما فيها ~~أرضي مظلم مسف بالغ في ms067 الإسفاف، وليس فيها من النفحة العلوية نصيب. # أللمصادفات نظام وتدبير؟! # نحن لا نعلم إلا أنها مصادفات يخفى علينا ما بينها من الوشائج والصلات، ولكنها - لذلك ~~- هي الأعاجيب التي تستوقف النظر لعجبها العاجب، وإن لم تستوقفه لما يفهمه فيها من نظام ~~وتدبير. # فجيرة كربلاء كانت قديما من معاهد الإيمان بحرب النور والظلام، وكان حولها أناس ~~يؤمنون بالنضال الدائم بين أورمزد وأهرمان، ولكنه كان في حقيقته ضربا من المجاز وفنا ~~من الخيال. # وتشاء مصادفات التاريخ إلا أن ترى هذه البقاع التي آمنت بأورمزد وأهرمان حربا هي ~~أولى أن تسمى حرب النور والظلام من حرب الحسين ومقاتليه. ~~••• # وهي عندنا أولى بهذه التسمية من حروب الإسلام والمجوسية في تلك البقاع وما وراءها من ~~الأرض الفارسية لأن المجوسي كان يدافع شيئا ينكره؛ ففي دفاعه معنى من الإيمان بالواجب ~~كما تخيله ورآه، ولكن الجيش الذي أرسله عبيد الله بن زياد لحرب الحسين كان جيشا يحارب ~~قلبه لأجل بطنه أو يحارب ربه لأجل واليه؛ إذ لم يكن فيهم رجل واحد يؤمن ببطلان دعوى ~~الحسين أو رجحان حق يزيد، ولم يكن فيهم كافر ينفح عن عقيدة غير عقيدة الإسلام، إلا من ~~طوى قلبه على كفر كمين هو مخفيه، ولا نخالهم كثيرين. # ولو كانوا يحاربون عقيدة بعقيدة، لما لصقت بهم وصمة النفاق ومسبة الأخلاق؛ فعداوتهم ~~ما علموا أنه الحق وشعروا أنه الواجب أقبح بهم من عداوة المرء ما هو جاهله بعقله ومعرض ~~عنه بشعوره؛ لأنهم يحاربون الحق وهم يعلمون. # ومن ثم كانوا في موقفهم ذاك ظلاما مطبقا، ليس فيه من شعور الواجب بصيص واحد من ~~عالم النور والفداء؛ فكانوا حقا في يوم كربلاء قوة من عالم الظلام تكافح قوة من عالم ~~النور. # أقربهم إلى العذر يومئذ من اعتذر بالفرق والرهبة؛ لأنهم أكرهوه بالسيف على غير ما ~~يريد، فكان الجبن أشرف ما فيهم من خصال السوء. # وكان منهم أناس كتبوا إلى الحسين يستدعونه إلى الكوفة ليبايعوه على حرب يزيد، لما ~~ندبهم عمر بن سعد للقائه وسؤاله أحجموا عما ندبهم له ms068 واستعفوه؛ لأن جوابهم إن سألوه في ~~شأن مجيئه إليهم: إنني جئتكم ملبيا ما دعوتم إليه! # وركب أناسا منهم الفزع الدائم بقية حياتهم ؛ لأنهم عرفوا الإثم فيما اقترفوه عرفانا ~~لا تسعهم المغالطة فيه، ومن هؤلاء رجل من بني أبان بن دارم كان يقول: قتلت شابا أمرد ~~مع الحسين بين عينيه أثر السجود، فما نمت ليلة منذ قتلته إلا أتاني فيأخذ بتلابيبي حتى ~~يأتي جهنم فيدفعني فيها، فأصيح فما يبقى أحد في الحي إلا سمع صياحي. ~~••• # ورأى هذا الرجل صاحبا له بعد حين، وقد تغير وجهه واسود لونه، فقال له: «ما كدت ~~أعرفك.» وكان يعرفه جميلا شديد البياض. # ومنهم من كان يتزاور عن الحسين في المعمعة، ويخشى أن يصيبه أو يصاب على يديه، ولو ~~أنهم حاربوه لأنهم علموا أنه أهل للمحاربة فلم يتزاوروا عنه ولم يتحاشوه؛ لكانت الحرب ~~هنالك حربا بين رأيين ومذهبين وشجاعتين، ولكنهم كشفوا أنفسهم بتحاشيهم إياه، فإذا هم ~~يحاربون رأيهم الذي يدينون به، ووليهم الذي يضمرون له الحرمة والكرامة، في ذلك خزيهم ~~الأثيم. # على أن الجبن والجشع لا يفسران كل ما اقترفه جيش عبيد الله من شر ولؤم في أيام ~~كربلاء. # فلا حاجة بالجبان ولا بالجشع إلى التمثيل والتنكيل أو التبرع بالإيذاء حيث لا تلجئه ~~الضرورة إليه، وليس قتل الطفل الذي يموت من العطش وهو على مورد الماء بالأمر الذي يلجئ ~~إليه الجبن أو يلجئ إليه طلب المال، وقد حدث في أيام كربلاء من أمثال هذا البغي اللئيم ~~شيء كثير رواه الأمويون، ولم تقتصر روايته على الهاشميين والطالبيين أو أعداء بني ~~أمية! ~~••• # وينبغي أن نفهم ذلك على وجه واحد لا سبيل إلى فهمه بغيره، وهو نكسة الشر في النفوس ~~البشرية، حين تلج بها مغالطة الشعور وحين تغالب عنانها حتى تعييها المغالبة فينطلق بها ~~العنان. # فالرجل الخبيث المغرق في الخباثة قد يتصرف في خلوته تصرف الأنذال، ثم لا يبالي أن ~~يعرف نذالته وهو بنجوة من أعين الرقباء، ولكن أربعة الآلاف لا يتصارحون بالنذالة ~~بينهم، ولا يقول بعضهم لبعض إنهم يعملون ms069 ما يستحقون به التحقير والمهانة، ولا تقبل لهم ~~فيه معذرة ولا علالة، وإنما شأنهم في هذه الحالة أن يصطنعوا الحماسة، ويجاهدوا التردد ~~ما استطاعوا؛ ليظهروا في ثوب الغلاة المصدقين الذين لا يشكون لحظة في صدق ما يعملون، ~~فيغمض الرجل منهم عينيه، ويستتر بغشاء من النفاق حتى ليوشك أن يخدع نفسه عن طوية ~~فؤاده. # وتلك لجاجة المغالطة في الشعور. # أما مجاذبة النفس عنانها وانطلاقها بعد هذه المجاذبة المخفقة، فالشواهد عليها كثيرة ~~فيما نراه كل يوم؛ يحاول الرجل أن يجتنب الخمر فلا يستطيع، فإذا هو قد خلع العذار، وغرق ~~فيها ليله ونهاره غير مبال بما يقال كأنما هو القائل: «دع عنك لومي فإن اللوم ~~إغراء.» # وتحب المرأة أن تستحيي وتتوارى من المسبة في هواها، ثم يغلبها هواها فإذا هي ألقت ~~حياءها للريح، وصنعت ما تحجم عنه التي لم تنازع نفسها قط في هوى، ولم تشعر قط بوطأة ~~الخجل والاستتار. # واندفاع المتهجمين على الشر في حرب كربلاء بغير داع من الحفيظة ولا ضرورة ملزمة تقضي ~~بها شريعة القتال، لهو الاندفاع الذي يسبر لنا عمق الشعور بالإثم في نفوس أصحاب يزيد، ~~وقد رأينا من قبل عمق الشعور بالحق في أصحاب الحسين، وما بنا من حاجة إلى البحث عن علة ~~مثل هذه العلة لمن خلقوا مجرمين، وخلقت معهم ضراوة الحقد والإيذاء لهذا الميدان ~~وغير هذا الميدان، كشمر بن ذي الجوشن، ومن جرى مجراه؛ فهؤلاء لا يصنعون غير صنيعهم ~~الأثيم كلما وجدوا السبيل إليه. # على أنها - بعد كل هذا - حرب بين الكرم واللؤم، وبين الضمير والمعدة، وبين النور ~~والظلام؛ فشأنها على أية حال أن تصبح مجالا من الطرفين لقصارى ما يبلغه الكرم، وقصارى ~~ما يبلغه اللؤم، وقد بلغت في ذلك أقصى مدى الطرفين. ~~••• # ومن المتعذر بعد وقوف هاتين القوتين موقف المراقبة والمناجزة، أن نتقصى أوائل القتال، ~~ونتتبع ترتيب الحوادث واحدة بعد واحدة على حسب وقوعها؛ فإن الأقوال في سرد حوادث كربلاء ~~لا تتفق على ترتيب واحد، سواء كان هذا الترتيب في رواية أنصار الحسين أو رواية ms070 أنصار ~~يزيد. # إلا أن الترتيب الطبيعي يستبين للعقل من سبب الوقوف في ذلك المكان، وهو منع الحسين أن ~~ينصرف إلى سبيله، وأن يرد الماء حتى يكرهه العطش إلى التسليم، وكان الموقف كما وصفه ~~أبو العلاء بعد ذلك بأربعة قرون: # منع الفتى هينا فجر عظائما # وحمى نمير الماء فانبعث الدم # ولم يمتنع طريق الماء في بادئ الأمر دفعة واحدة؛ لأن حراس المورد من جماعة عمر بن سعد ~~لم يكونوا على جزم بما يصنعون في مواجهة الحسين وصحبه، فلما اندفع بعض أصحاب الحسين إلى ~~الماء بالقرب والأداوى، مانعهم القوم هنيهة، ثم أخلوا لهم سبيل النهر خوفا وحيرة، ~~فشربوا وملأوا قربهم وأداواهم بما يغنيهم عن الاستقاء إلى حين. # والظاهر أن الشر كله كان في حضور شمر بن ذي الجوشن على تلك الساحة، متربصا كل التربص ~~بمن يتوانى في حصار الحسين ومضايقته، فيعزله ويعرضه لسوء الجزاء، ثم يطمع من وراء ذلك ~~أن يتولى قيادة الجيش وإمارة الري بعد عزل عمر بن سعد بن أبي وقاص؛ فبطل التردد شيئا ~~فشيئا، وتعذر على الحسين وأصحابه بعد الهجمة الأولى أن يصلوا إلى الماء، ولبثوا ~~أياما وليس في معسكرهم ذو حياة من رجل أو امرأة أو طفل أو حيوان إلا وهو يتلظى على ~~قطرة ماء فلا ينالها، ومنهم الطفل العليل والشيخ المكدود والحيوان الأعجم، وصياح هؤلاء ~~الظماء من حرقة الظمأ يتوالى على مسمع الحسين ليل نهار وهو لا يملك لهم غير الوصاية ~~بالصبر وحسن المواساة. # وفي ذلك المأزق الفاجع، نضحت طبائع اللؤم في معسكر ابن زياد بشر ما تنضح به طبيعة ~~لئيمة في البنية الآدمية؛ فاقترفوا من خسة الأذى ما تنزه عنه الوحوش الضاريات، وجعلوا ~~يتلهون ويتفكهون بما تقشعر منه الجلود وتندى له الوجوه، ونكاد نمسك عن تسطيره أسفا ~~وامتعاضا لولا أن القليل منه جزء لا ينفصل من هذه الفاجعة، وبيان لما يلي من وقعها في ~~النفوس وتسلسل تراتها إلى أمد بعيد. # مآثم مخزية # فمن هذه المآثم المخزية أن الحسين برح به العطش فلم يباله، ولكنه رأى ولده ms071 عبد الله ~~يتلوى من ألمه وعطشة، وقد بح صوته من البكاء، فحمله على يده يهم أن يسقيه، ويقول ~~للقوم: «اتقوا الله في الطفل إن لم تتقوا الله فينا.» فأوتر رجل من نبالة الكوفة قوسه، ~~ورمى الطفل بسهم وهو يصيح ليسمعه العسكران: «خذ اسقه هذا.» فنفذ السهم إلى ~~أحشائه! # وكانوا يصيحون بالحسين متهاتفين: «ألا ترى إلى الفرات كأنه بطون الحيات؟! والله لا ~~تذوقه حتى تموت ومن معك عطشا.» # ولما اشتد عطش الحسين دنا من الفرات ليشرب، فرماه حصين بن نمير بسهم وقع في فمه، ~~فانتزعه الحسين وجعل يتلقى الدم بيديه فامتلأت راحتاه بالدم، فرمى به إلى السماء وقد ~~شخص ببصره إليها وهو يقول: «إن تكن حبست عنا النصر من السماء، فاجعل ذلك لما هو خير ~~منه، وانتقم لنا من القوم الظالمين!» # وقد كان منع الماء - قبل الترامي بالسهام - نذيرا كافيا بالحرب، يبيح الحسين أن ~~يصيب منهم من يتعرض للإصابة، ولكنه رأى شمر بن ذي الجوشن - أبغض مبغضيه المؤلبين عليه - ~~يدنو من بيوته، ويجول حولها؛ ليعرف منفذ الهجوم عليها، فأبى على صاحبه السلم بن عوسجة ~~أن يرميه بسهم، وقد أمكنه أن يصميه، وهو من أسد الرماة؛ لأنه كره أن يبدأهم ~~بعداء. ~~••• # وكأنه لمح منهم ضعف النية وسوء الدخلة في الدفاع عن مولاهم، وعلم أنهم لا يخلصون في ~~حبه، ولا يؤمنون بحقه، وأنهم يخدمونه للرغبة أو الرهبة ولا يخدمونه للحق والذمة؛ ~~فطمع أن يقرع ضمائرهم وينبه غفلة قلوبهم، ورمى بآخر سهم من سهام الدعوة قبل أن يرمي ~~بسهم واحد من سهام القتال، فخرج لهم يوما بزي جده - عليه السلام - متقلدا سيفه لابسا ~~عمامته ورداءه، وأراهم أنه سيخطبهم، فكان أول ما صنعوه دليلا على صدق فراسته فيهم؛ لأن ~~رؤساءهم ومؤلبيهم أشفقوا أن يتركوا له آذان القوم فينفذ إلى قلوبهم ويلمس مواقع الإقناع ~~من ألبابهم، فضجوا بالصياح والجلبة، وأكثروا من العجيج والحركة؛ ليحجبوا كلامه عن ~~أسماعهم، ويتقوا أثر موعظته فيهم، وهو بتلك الهيئة التي تغضي عنها الأبصار، وتعنو لها ~~الجباه. # ولكنه صابرهم حتى ملوا، ومل ms072 إخوانهم ضجيجهم هذا الذي يكشفون به عن عجزهم ~~وخوفهم، ولا يوجب الثقة بدعواهم عند إخوانهم، فهدأوا بعد لحظات وسمعوه بعد الحمد ~~والصلاة : «انسبوني من أنا! هل يحل لكم قتلي وانتهاك حرمتي؟ ألست ابن بنت نبيكم؟ أولم ~~يبلغكم ما قاله رسول الله لي ولأخي: هذان سيدا شباب أهل الجنة؟ ويحكم! أتطلبونني بقتيل ~~لكم قتلته أو مال لكم استهلكته؟» # ثم نادى بأسماء أنصاره الذين استدعوه إلى الكوفة ثم خرجوا لحربه في جيش ابن زياد. ~~فقال: «يا شيث بن الربعي! يا حجار بن أبحر! يا قيس بن الأشعث! يا يزيد بن الحارث! يا ~~عمر بن الحجاج! ألم تكتبوا إلي أن قد أينعت الثمار واخضرت الجنبات، وإنما تقدم على ~~جند لك مجند؟» # فزلزلت الأرض تحت أقدامهم بهذه الكلمات، وبلغ بها المقنع ممن فيه مطمع لإقناع، وتحولت ~~إلى صفه فئة منهم تعلم أنها تتحول إلى صف لن تجد فيه غير الموت العاجل، واستطابت هذا ~~الموت، ولم تستطب البقاء مع ابن زياد لاغتنام الغنيمة وانتظار الجزاء من المناصب ~~والأموال. ~~••• # ولم تكن كلمة الحسين كل ما شهره عسكره من سلاح الدعوة قبل الاحتكام إلى السيف؛ فقد ~~كانت للبطل المجيد زهير بن القين كلمات في أهل الكوفة أمضى من السيوف والرماح حيث تصيب، ~~فركب فرسه وتعرض لهم قائلا: «يا أهل الكوفة! نذار لكم من عذاب الله نذار. إن حقا على ~~المسلم نصيحة المسلم، ونحن حتى الآن إخوة على دين واحد ما لم يقع بيننا وبينكم السيف، ~~فإذا وقع السيف انقطعت العصمة، وكنا نحن أمة وأنتم أمة. إن الله قد ابتلانا وإياكم ~~بذرية نبيه محمد # صلى الله عليه وسلم # لينظر ما نحن وأنتم عاملون، وإنما ندعوكم إلى نصر حسين وخذلان ~~الطاغية ابن الطاغية عبيد الله بن زياد، فإنكم لا تدركون منهما إلا سوءا: يسملان ~~أعينكم، ويقطعان أيديكم وأرجلكم، ويمثلان بكم، ويرفعانكم على جذوع النخل، ويقتلان ~~أماثلكم وقراءكم أمثال حجر بن عدي وأصحابه وهانئ بن عروة وأشباهه.» # فوجم منهم من وجم، وتوقح منهم من توقح، على ديدن المريب المكابر إذا ms073 خلع العذار ~~ولم يأنف من العار، وتوعدوه وتوعدوا الحسين معه أن يقتلوهم أو يسلموهم صاغرين إلى ~~عبيد الله بن زياد. # تخاذل وضعف # ولا يظهر من عدد الفريقين ساعة القتال أن المتحولين إلى معسكر الحسين كانوا كثيرين أو ~~متلاحقين، ولكن بداءة التحول كانت مما يخيف ويزعج؛ لأنها اشتملت على قائد كبير من ~~قواد ابن زياد وهو الحر بن يزيد الذي أرسلوه في أول الأمر ليحلئ الحسين عن دخول الكوفة، ~~وقد كان يحسب أن عمله ينتهي إلى هذه المراقبة ولا يعدوها إلى القتال وسفك الدم، فلما ~~تبين نية القتال، أقبل يدنو نحو عسكر الحسين قليلا قليلا، وتأخذه رعدة وينتابه ألم ~~شديد، حتى راب أمره صاحبه المهاجر بن أوس فقال له: والله إن أمرك لمريب! ما رأيت منك قط ~~مثل ما أراه الآن، ولو قيل: من أشجع أهل الكوفة؟ ما عدوتك. # فباح له الرجل بما في نفسه، وقال له: إني أخير نفسي بين الجنة والنار، ولا أختار ~~على الجنة شيئا ولو قطعت أو حرقت. # ثم ضرب فرسه، ولحق بالحسين، وهو يعتذر قائلا: لو علمت أنهم ينتهون إلى ما أرى ما ~~ركبت مثل الذي ركبت، وإني قد جئتك تائبا مما كان مني إلى ربي، مؤاسيا لك بنفسي حتى ~~أموت بين يديك! # ولن يخلو معسكر ابن زياد من مئات كالحر بن يزيد يؤمنون إيمانه، ويودون لو يلحقون به ~~إلى معسكر الحسين، ويزعجهم أن يتحول أمامهم إلى ذلك المعسكر وهم ناظرون إليه؛ لأنه ~~يبكتهم ويكشف مغالطتهم بينهم وبين أنفسهم، ويحضهم على الاقتداء به والتدبر في أسباب ~~ندمه، لا لأنه ينتقص عددهم أو ينذر بالهزيمة في ميدان القتال؛ فكلهم ولا ريب يشعر ~~بشعوره، ويعتقد في فضل الحسين على يزيد مثل اعتقاده، وبعيد على العقل أن يصدق في هؤلاء ~~الشراذم أنهم قد أطاعوا يزيد؛ لأنه صاحب بيعة حاصلة، وأنهم قد «تأدبوا بأدب الدولة» ~~أدبا يغلب شعور الجماعة وإيمان المرء بحق الشريعة وحرمة البيت النبوي، ويهون عليه قتل ~~سبط النبي في هذا السبيل، وكيف وإن منهم لمن بايع الحسين ms074 على البعد، ودعاه إليه ليقود ~~«الجند المجند» إلى قتال يزيد؟ فكلامهم في البيعة الحاصلة لغط يلوكونه بألسنتهم، ولا ~~يستر ما في طويتهم ، وليس أثقل على أمثال هؤلاء من عبء المغالطة كلما تلجلج في مكانه ~~وحركته القدوة التي يريدونها ولا يقوون عليها، كتلك القدوة الماثلة بصاحبهم الحر بن ~~يزيد. # لا جرم كان أعظم الجيشين قلقا وأشدهما حيرة وأعجلهما إلى طلب الخلاص من هذا المأزق ~~الثقيل هو أكبر الفئتين وأقوى العسكرين. # شجاعة جند الحسين # كان هناك عسكران أحدهما صغير، ويلح عليه العطش والضيق، ولكنه كان مطمئنا إلى حقه ~~يلقى الموت في سبيله، ويزيده العطش والضيق طمأنينة إلى هذا المصير. # والعسكر الآخر أكبر العسكرين، ولكنه كان «يخون» نفسه في ضمير كل فرد من أفراده، ~~وتملكه الحيرة بين ندم وخوف وتبكيت ومغالطة واضطراب، يحز في الأعصاب، ويقذف بالمرء إلى ~~الخلاص كيفما كان الخلاص. # وطال القلق على دخيلة عمر بن سعد فأطلقه سهما في الفضاء كأنه كان متشبثا بصدره ~~فاستراح منه بانطلاقه. # فزحف إلى مقربة من معسكر الحسين، وتناول سهما فرماه عن قوسه إلى المعسكر، وهو يصيح: ~~اشهدوا لي عند الأمير أنني أول من رمى الحسين. # ثم تتابعت السهام فبطلت حجة السلم، وذهب كل تأويل في نية القوم، وقام الحسين وهو ينظر ~~إلى السهام وينظر إلى أصحابه، فقال: قوموا يا كرام، فهذه رسل القوم إليكم. # وبذلك بدأ القتال. # وقد تأهب الحسين لهذه المنازلة المنتظرة، وإن كان على انتظاره إياها قد تريث حتى ~~يبدءوه بالعدوان من جانبهم، وحتى يجب عليه الدفاع وجوبا لا خلاف فيه. # فاختار له رابية يحتمي بها من ورائه، ووسع وهدتها حتى أصبحت خندقا لا يسهل عبوره، ~~فأوقد فيه النار ليمنع عليهم الالتفاف به من خلفه، وهم في كثرتهم التي ترجح عدة صحبه ~~ستين ضعفا قادرون على مهاجمته من جميع نواحيه. # وكان معه اثنان وثلاثون فارسا وأربعون راجلا، وهم نيف وأربعة آلاف، يكثر فيهم ~~الفرسان وراكبو الإبل، ويحملون صنوفا مختلفة من السلاح. # ومع هذا التفاوت البعيد في عدد الفريقين، كان المعسكر القليل كفؤا ms075 للعسكر الكثير لو ~~جرى القتال على سنة المبارزة التي كانت دعوة مجابة في ذلك العصر، إذا اختارها أحد ~~الفريقين. # فإن آل علي جميعا كانوا من أشهر العرب - بل من أشهر العرب والعجم - بالقوة ~~البدنية والصبر على الجراح والاضطلاع بعناء الحرب ساعات بعد ساعات، ومنهم من كان يلوي ~~الحديد فلا يقيمه غيره، ومنهم محمد ابن الحنفية الذي صرع جبابرة القوة البدنية بين ~~العرب والعجم في زمانه، ومن أشهر هؤلاء الجبابرة رجل كان في أرض الروم يفخر به أهلها، ~~فأرسله ملكهم إلى معاوية يعجز به العرب عن مصارعته واتقاء بأسه. فجلس محمد ابن الحنفية ~~وطلب من ذلك الجبار الرومي أن يقيمه، فكان كأنما يحرك جبلا لصلابة أعضائه وشدة أسره. ~~فلما أقر الرجل بعجزه رفعه محمد فوق رأسه ثم جلد به الأرض مرات. # والحسين - رضي الله عنه - قد كان هو ومن معه من شباب آل علي ممن ورث هذه القوة ~~البدنية كما ورثوا ثبات الجأش وحمية الفؤاد، وكانوا كفؤا لمبارزة الأنداد واحدا ~~بعد واحد حتى يفرغ جيش عبيد الله من فرسانه القادرين على المبارزة، ولا يبقى منهم غير ~~الهمل يتبددون في منازلة الشجعان، كما تتبدد السائمة المذعورة بالعراء. # وكان مع الحسين نخبة من فرسان العرب كلهم له شهرة بالشجاعة والبأس وسداد الرمي بالسهم ~~ومضاء الضرب بالسيف، ولن تكون صحبة الحسين غير ذلك بداهة وتقديرا لا يتوقفان على ~~الشهرة الذائعة والوصف المتواتر؛ لأن مزاملة الحسين في مثل تلك الرحلة هي وحدها آية على ~~الشجاعة على ملاقاة الموت وكرم النحيزة في ملاقاة الفتنة والإغراء، فإذا جرى القتال كله ~~مبارزة بين أمثال هؤلاء ومن يبرزون لهم من جيش عبيد الله، فهم كفء للمنازلة، وليس أملهم ~~في الغلب بضعيف. # وقد بدأ القتال بهجوم الخيل من قبل جيش ابن زياد، فأشرع أصحاب الحسين لها رماحهم، ~~وجثوا على الركب ينتظرونها، فلم تقم الخيل للرماح، وأوشكت أن تجفل مولية ~~بفرسانها. # فعدل الفريقان إلى المبارزة، فلم يتعرض لها أحد من جيش ابن زياد إلا فشل أو نكص على ~~عقبيه، فخشى رءوس ms076 الجيش عقبى هذه المبارزة التي لا أمل لهم في الغلبة بها، وصاح عمر بن ~~الحجاج برفاقه: أتدرون من تقاتلون؟ تقاتلون فرسان المصر وقوما مستميتين. لا يبرز إليهم ~~منكم أحد فإنهم قليل، لو لم ترموهم إلا بالحجارة لقتلتموهم. # فاستصوب عمر بن سعد مقاله، ونهى الناس عن المبارزة. # فلما برز عابس بن أبي شبيب الشاكري بعد ذلك وتحداهم للمبارزة، تحاموه لشجاعته ووقفوا ~~بعيدا منه. فقال لهم عمر: ارموه بالحجارة. # فرموه من كل جانب فاستمات وألقى بدرعه ومغفره، وحمل على من يليه، فهزمهم، وثبت ~~لجموعهم حتى مات. # وعجزت خيل القوم مع كثرتها عن مقاومة خيل الحسين، وهي تنكشف كل ساعة عن فارس قتيل، ~~فبعث عروة بن قيس مقدم الفرسان في جيش ابن زياد يقول لعمر بن سعد: «ألا ترى ما تلقى ~~خيلي هذا اليوم من هذه العدة اليسيرة؟ ابعث إليهم الرجال والرماة.» فبعث إليه بخمسمائة ~~من الرماة وعلى رأسهم الحصين بن نمير، فرشقوا أصحاب الحسين بالنبل حتى عقروا الخيل ~~وجرحوا الفرسان والرجال. # وكان أبو الشعثاء يزيد بن زياد الكندي ممن عدل إلى جيش الحسين، وهو من أشهر رماة ~~زمانه. فلما تكاثر عليهم رمي النبال والسهام، جثا بين يدي الحسين وأرسل مائة سهم لم يكد ~~يخيب منها خمسة أسهم، وقاتل حتى مات. # وكان الذين عدلوا إلى عسكر الحسين أشد أنصاره عزمة في القتال وهجمة على الموت، ومنهم ~~الحر بن يزيد الذي تقدم ذكره. فجاهد ما استطاع ليقنع أصحابه الأولين بالكف عن حرب ~~الحسين أو بالعدول إلى صفه، وقام على فرسه يخطب أهل الكوفة ويزجرهم، فسكتوا هنيهة ثم ~~رشقوه بالنبل فعقروا فرسه وجرحوه، فما زال يطلب الموت ويتحرى من صفوفهم أكثفها جمعا ~~وأقتلها نبلا حتى سقط مثخنا بالجراح وهو ينادي الحسين: «السلام عليكم يا أبا عبد ~~الله.» # ولم يكن من أصحاب الحسين إلا من يطلب الموت، ويتحرى مواقعه وأهدافه، فكان نافع بن ~~هلال البجلي يكتب اسمه على أفواق نبله ويرسلها فيقتل بها ويجرح، وقلما يخطئ مرماه. ~~فأحاطوا به وضربوه على ذراعيه حتى كسرتا، ثم أسروه ms077 والدم يسيل من وجهه ويديه، فحسبوه ~~يلين للوعيد ويجزع من التمثيل به، فأسمعهم ما يكرهون، وراح يستزيد غيظهم ويقول لهم: ~~«لقد قتلت منكم اثني عشر رجلا سوى من جرحت، ولو بقيت لي عضد وساعد لزدت.» # مصرع الحسين # واستهدف الحسين - رضي الله عنه - لأقواس القوم وسيوفهم، فجعل أنصاره يحمونه بأنفسهم، ~~ولا يقاتلون إلا بين يديه. وكلما سقط منهم صريع، أسرع إلى مكانه من يخلفه؛ ليلقى حتفه ~~على أثره. # فضاقت الفئة الكثيرة بالفئة القليلة، وسول لهم الضيق بما يعانون من ثباتها أن ~~يقوضوا الأخبية التي أوى إليها النساء والأطفال؛ ليحيطوا بالعسكر القليل من جميع جهاته. ~~ثم أخذوا في إحراقها، وأصحاب الحسين يصدونهم ويدافعونهم، فرأى رضي الله عنه أن اشتغال ~~أصحابه بمنعهم يصرفهم عن الاشتغال بقتالهم، فقال لهم: دعوهم يحرقونها؛ فإنهم إذا ~~أحرقوها لا يستطيعون أن يجوزوا إليكم منها. # وظل على حضور ذهنه وثبات جأشه في تلك المحنة المتراكبة التي تعصف بالصبر وتطيش ~~بالألباب، وهو جهد عظيم لا تحتويه طاقة اللحم والدم، ولا ينهض به إلا أولو العزم من ~~أندر من يلد آدم وحواء. فإنه - رضي الله عنه - كان يقاسي جهد العطش والجوع والسهر ونزف ~~الجراح ومتابعة القتال، ويلقي باله إلى حركات القوم ومكائدهم، ويدبر لرهطه ما يحبطون به ~~تلك الحركات ويتقون به تلك المكائد، ثم هو يحمل بلاءه وبلاءهم، ويتكاثر عليه وقر الأسى ~~لحظة بعد لحظة كلما فجع بشهيد من شهدائهم. ولا يزال كلما أصيب عزيز من أولئك الأعزاء ~~حمله إلى جانب إخوانه وفيهم رمق ينازعهم وينازعونه، وينسون في حشرجة الصدور ما هم فيه؛ ~~فيطلبون الماء، ويحز طلبهم في قلبه كلما أعياه الجواب، ويرجع إلى ذخيرة بأسه فيستمد من ~~هذه الآلام الكاوية عزما يناهض به الموت ويعرض به عن الحياة، ويقول في أثر كل صريع: ~~«لا خير في العيش من بعدك.» ويهدف صدره لكل ما يلقاه. # وإنه لفي هذا كله، وبعضه يهد الكواهل ويقصم الأصلاب، إذا بالرماح والسيوف تنوشه من كل ~~جانب، وإذا بالقتل يتعدى الرجال المقاتلين إلى الأطفال والصبيان من عترته ms078 وآل بيته، ~~وسقط كل من معه واحدا بعد واحد فلم يبق حوله غير ثلاثة يناضلون دونه ويتلقون الضرب ~~عنه، وهو يسبقهم ويأذن لمن شاء منهم أن ينجو بنفسه وقد دنت الخاتمة ووضح المصير. # وكان غلام من آل الحسين - هو عبد الله بن الحسن أخيه - ينظر من الأخبية، فرأى رجلا ~~يضرب عمه بالسيف ليصيبه حين أخطأ زميله، فهرول الغلام إلى عمه، وصاح في براءة بالرجل: ~~يا ابن الخبيثة! أتقتل عمي؟ # فتعمده الرجل بالسيف يريد قتله، فتلقى الغلام ضربته بيده فانقطعت وتعلقت بجلدها، ~~فاعتنقه عمه، وجعل يواسيه وهو مشغول بدفاع من يليه. # ثم سقط الثلاثة الذين بقوا معه، فانفرد وحده بقتال تلك الزحوف المطبقة عليه، وكان ~~يحمل على الذين عن يمينه فيتفرقون، ويشد على الخيل راجلا ويشق الصفوف وحيدا، ويهابه ~~القريبون فيبتعدون، ويهم المتقدمون بالإجهاز عليه ثم ينكصون؛ لأنهم تحرجوا من قتله، ~~وأحب كل منهم أن يكفيه غيره مغبة وزره، فغضب شمر بن ذي الجوشن وأمر الرماة أن يرشقوه ~~بالنبل من بعيد، وصاح بمن حوله: ويحكم! ماذا تنتظرون بالرجل؟ اقتلوه ثكلتكم ~~أمهاتكم. # فاندفعوا إليه تحت عيني شمر مخافة من وشايته وعقابه، وضربه زرعة بن شريك التميمي على ~~يده اليسرى فقطعها، وضربه غيره على عاتقه فخر على وجهه، ثم جعل يقوم ويكبو وهم يطعنونه ~~بالرماح ويضربونه بالسيف حتى سكن حراكه، ووجدت به بعد موته - رضوان الله عليه - ثلاث ~~وثلاثون طعنة وأربع وثلاثون ضربة غير إصابة النبل والسهام، وأحصاها بعضهم في ثيابه فإذا ~~هي مائة وعشرون. # ونزل خولي بن يزيد الأصبحي ليحتز رأسه، فملكته رعدة في يديه وجسده، فنحاه شمر وهو ~~يقول له: فت الله في عضدك! # واحتز الرأس وأبى إلا أن يسلمه إليه في رعدته؛ سخرية به وتماديا في الشر، وتحديا به ~~لمن عسى أن ينعاه عليه! وقضى الله على هذا الخبيث الوضر أن يصف نفسه بفعله وصفا لا ~~يطرقه الشك والاتهام، فكان ضغنه هذا كله ضغنا لا معنى له ولا باعث إليه إلا أنه من ~~أولئك الذين يخزيهم اللؤم فيسليهم بعض السلوى ms079 أن يؤلموا به الكرام، ويجلعوه تحديا ~~مكشوفا كأنه معرض للزهو والفخار، وهم يعلمون أنه لا يفخر به ولا يزهى! ولكنهم يبلغون ~~به مأربهم إذا آلموا به من يحس فيهم الضعة والعار. # وبقيت ذروة من الحمية يرتفع إليها مرتفع. # وبقيت وهدة من الخسة ينحدر إليها منحدرون كثيرون. # فلم يكن في عسكر الحسين كله إلا رمق واحد من الحياة باق في رجل طعين مثخن بالجراح، ~~تركوه ولم يجهزوا عليه لظنهم أنه قد مات. # ذلك الرجل الكريم هو سويد بن أبي المطاع أصدق الأنصار وأنبل الأبطال. # فأبى الله لهذا الرمق الضعيف أن يفارق الدنيا بغير مكرمة يتم بها مكرمات يومه، وتشتمل ~~عليها النفوس الكثيرات فإذا هي حسبها من شرف مجد وثناء. ~~••• # تنادى القوم بمصرع الحسين فبلغت صيحتهم مسمعه الذي أثقله النزع وأوشك أن يجهل ما ~~يسمع. فلم يخطر له أن يسكن لينجو وقد ذهب الأمل وحم الختام، ولم يخطر له أنه ضعيف ~~منزوف يعجل به القوم قبل أن ينال من القوم أهون منال، ولم يحسب حساب شيء في تلك اللحظة ~~العصيبة إلا أن يجاهد في القوم بما استطاع، بالغا ما بلغ من ضعف هذا المستطاع. # فالتمس سيفه فإذا هم قد سلبوه، ونظر إلى شيء يجاهد به فلم تقع يده إلا على مدية صغيرة ~~لا غناء بها مع السيوف والرماح، ولكنه قنع بها وغالب الوهن والموت، ثم وثب على قدميه من ~~بين الموتى وثبة المستيئس الذي لا يفر من شيء ولا يبالي من يصيب وما يصاب. فتولاهم ~~الذعر وشلت أيديهم التي كانت خليقة أن تمتد إليه، وانطلق هو يثخن فيهم قتلا وجرحا حتى ~~أفاقوا له من ذعرهم ومن شغلهم بضجتهم وغيمتهم. فلم يقووا عليه حتى تعاون على قتله ~~رجلان، فكان هذا حقا هو الكرم والمجد في عسكر الحسين إلى الرمق الأخير. # خسة ووحشية # وكان حقا لا مجازا ما توخيناه حين قلنا إنهما طرفان متناقضان، وإنها حرب بين أشرف ~~ما في الإنسان وأوضع ما في الإنسان. # فبينما كان الرجل في عسكر الحسين ينهض من بين ms080 الموتى ولا يضن بالرمق الأخير في سبيل ~~إيمانه، إذا بالآخرين يقترفون أسوأ المآثم في رأيهم - قبل رأي غيرهم - من أجل غنيمة ~~هينة لا تسمن ولا تغني من جوع. فلو كان كل ما في عسكر الحسين ذهبا ودرا لما أغنى ~~عنهم شيئا وهم قرابة أربعة آلاف، ولكنهم ما استيقنوا بالعاقبة - قبل أن يسلم الحسين ~~نفسه الأخير - حتى كان همهم إلى الأسلاب يطلبونها حيث وجدوها، فأهرعوا إلى النساء من ~~بيت رسول الله ينازعونهن الحلي والثياب التي على أجسادهن، لا يزعهم عن حرمات رسول الله ~~وازع من دين أو مروءة، وانقلبوا إلى جثة الحسين يتخطفون ما عليها من كساء تخللته الطعون ~~حتى أوشكوا أن يتركوها على الأرض عارية، لولا سراويل لبسها - رحمه الله - ممزقة، وتعمد ~~تمزيقها ليتركوها على جسده ولا يسلبوها. ثم ندبوا عشرة من الفرسان يوطئون جثته الخيل ~~كما أمرهم ابن زياد، فوطئوها مقبلين ومدبرين حتى رضوا صدره وظهره. # وقد يساق الغنم هنا معذرة للإثم بالغا ما بلغ هذا من العظم، وبالغا ما بلغ ذاك ~~من التفاهة. لكنهم في الحقيقة قد ولعوا بالشر للشر من غير ما طمع في مغنم كبير أو صغير. ~~فحرموا الري على الطفل الظامئ العليل، وأرسلوا إلى أحشائه السهام بديلا من الماء، ~~وقتلوا من لا غرض في قتله، وروعوا من لا مكرمة في ترويعه، فربما خرج الطفل من الأخبية ~~ناظرا وجلا لا يفقه ما يجري حوله، فينقض عليه الفارس الرامح فوق فرسه، ويطعنه الطعنة ~~القاضية بمرأى من الأم والأخت والعمة والقريبة، ولم تكن في الذي حدث من هذا القبيل ~~مبالغة يزعمونها كما زعم أجراء الذمم بعد ذلك عن حوادث كربلاء وجرائر كربلاء. فقد قتل ~~فعلا في كربلاء كل كبير وصغير من سلالة علي رضي الله عنه، ولم ينج من ذكورهم غير ~~الصبي علي زين العابدين، وفي ذلك يقول سراقة الباهلي: # عين جودى بعبرة وعويل # واندبي ما ندبت آل الرسول # سبعة منهم لصلب علي # قد أبيدوا وسبعة لعقيل # وما نجا علي زين العابدين إلا بأعجوبة من أعاجيب المقادير؛ لأنه ms081 كان مريضا على حجور ~~النساء يتوقعون له الموت هامة اليوم أو غد، فلما هم شمر بن ذي الجوشن بقتله، نهاه ~~عمر بن سعد عنه إما حياء من قرابة الرحم أمام النساء - وقد كان له نسب يجتمع به في عبد ~~مناف - وإما توقعا لموته من السقم المضني الذي كان يعانيه؛ فنجا بهذه الأعجوبة في لحظة ~~عابرة، وحفظ به نسل الحسين من بعده، ولولا ذلك لباد. # ثم قطعوا الرءوس ورفعوها أمامهم على الحراب، وتركوا الجثث ملقاة على الأرض لا ~~يدفنونها ولا يصلون عليها كما صلوا على جثث قتلاهم، ومروا بالنساء حواسر من طريقها ~~فولولن باكيات، وصاحت زينب رضي الله عنها: يا محمداه! هذا الحسين بالعراء، وبناتك ~~سبايا، وذريتك مقتلة تسفى عليها الصبا. # فوجم القوم مبهوتين، وغلبت دموعهم قلوبهم؛ فبكى العدو كما بكى الصديق! ~~••• # لم تنقض في ذلك اليوم خمسون سنة على انتقال النبي محمد # صلى الله عليه وسلم # من هذه الدنيا إلى ~~حظيرة الخلود، محمد الذي بر بدينهم ودنياهم فلم ينقل من الدنيا حتى نقلهم من الظلمة إلى ~~النور، ومن حياة التيه في الصحراء إلى حياة عامرة يسودون بها أمم العالمين. ثم هذه ~~خمسون سنة لم تنقض بعد، وإذا هم في موكب جهير يجوب الصحراء إلى مدينة بعد مدينة: سباياه ~~بنات محمد حواسر على المطايا وأعلامه رءوس أبنائه على الحراب، وهم داخلون به دخول ~~الظافرين! # وبقيت الجثث حيث نبذوها بالعراء «تسفي عليها الصبا». # فخرج لها مع الليل جماعة من بني أسد كانوا ينزلون بتلك الأنحاء، فلما أمنوا العيون ~~بعد يوم أو يومين سروا مع القمراء إلى حيث طلعت بهم على منظر لا يطلع القمر على مثله - ~~شرفا ولا وحشة - في الآباد بعد الآباد. # وكان يوم المقتل في العاشر من المحرم، فكان القمر في تلك الليلة على وشك التمام، ~~فحفروا القبور على ضوئه، وصلوا على الجثث ودفنوها، ثم غادروها هناك في ذمة التاريخ. ~~فهي اليوم مزار يطيف به المسلمون متفقين ومختلفين، ومن حقه أن يطيف به كل إنسان؛ لأنه ~~عنوان قائم لأقدس ما ms082 يشرف به هذا الحي الآدمي بين سائر الأحياء. # فما أظلت قبة السماء مكانا لشهيد قط هو أشرف من تلك القباب بما حوته من معنى الشهادة ~~وذكرى الشهداء. # الفصل الثامن # | جريرة كربلاء # موطن الرأس # اتفقت الأقوال في مدفن جسد الحسين عليه السلام، وتعددت أيما تعدد في موطن الرأس ~~الشريف. # فمنها: أن الرأس قد أعيد بعد فترة إلى كربلاء فدفن مع الجسد فيها. # ومنها: أنه أرسل إلى عمرو بن سعيد بن العاص والي يزيد على المدينة، فدفنه بالبقيع عند ~~قبر أمه فاطمة الزهراء. # ومنها: أنه وجد بخزانة ليزيد بن معاوية بعد موته، فدفن بدمشق عند باب ~~الفراديس. # ومنها: أنه كان قد طيف به في البلاد حتى وصل إلى عسقلان، فدفنه أميرها هناك، وبقي بها ~~حتى استولى عليها الإفرنج في الحروب الصليبية؛ فبذل لهم الصالح طلائع وزير الفاطميين ~~بمصر ثلاثين ألف درهم على أن ينقله إلى القاهرة حيث دفن بمشهده المشهور. قال الشعراني ~~في طبقات الأولياء: «إن الوزير صالح طلائع بن رزيك خرج هو وعسكره حفاة إلى الصالحية، ~~فتلقى الرأس الشريف، ووضعه في كيس من الحرير الأخضر على كرسي من الأبنوس، وفرش تحته ~~المسك والعنبر والطيب، ودفن في المشهد الحسيني قريبا من خان الخليلي في القبر ~~المعرف.» # وقال السائح الهروي في الإشارات إلى أماكن الزيارات: «وبها - أي عسقلان - مشهد الحسين ~~- رضي الله عنه - كان رأسه بها، فلما أخذتها الإفرنج نقله المسلمون إلى مدينة القاهرة ~~سنة تسع وأربعين وخمسمائة.» # وفي رحلة ابن بطوطة أنه سافر إلى عسقلان «وبه المشهد الشهير حيث كان رأس الحسين بن ~~علي عليه السلام، قبل أن ينقل إلى القاهرة». # وذكر سبط بن الجوزي فيما ذكر من الأقوال المتعددة أن الرأس بمسجد الرقة على الفرات، ~~وأنه لما جيء به بين يدي يزيد بن معاوية قال: «لأبعثنه إلى آل أبي معيط عن رأس ~~عثمان.» وكانوا بالرقة، فدفنوه في بعض دورهم، ثم دخلت تلك الدار بالمسجد الجامع، وهو ~~إلى جانب سوره هناك. # فالأماكن التي ذكرت بهذا الصدد ستة في ست مدن، هي: المدينة، ms083 وكربلاء، والرقة، ودمشق، ~~وعسقلان، والقاهرة. وهي تدخل في بلاد الحجاز والعراق والشام وبيت المقدس والديار ~~المصرية، وتكاد تشتمل على مداخل العالم الإسلامي كله من وراء تلك الأقطار، فإن لم تكن ~~هي الأماكن التي دفن فيها رأس الحسين فهي الأماكن التي تحيا بها ذكراه لا ~~مراء. # وللتاريخ اختلافات كثيرة، نسميها بالاختلافات اللفظية أو العرضية؛ لأن نتيجتها ~~الجوهرية سواء بين جميع الأقوال، ومنها الاختلاف على مدفن رأس الحسين عليه السلام. ~~فأيا كان الموضع الذي دفن به ذلك الرأس الشريف، فهو في كل موضع أهل للتعظيم ~~والتشريف. وإنما أصبح الحسين - بكرامة الشهادة وكرامة البطولة وكرامة الأسرة النبوية - ~~معنى يحضره الرجل في صدره وهو قريب أو بعيد من قبره. وإن هذا المعنى لفي القاهرة، وفي ~~عسقلان، وفي دمشق، وفي الرقة، وفي كربلاء، وفي المدينة، وفي غير تلك الأماكن ~~سواء. # وقاحة ابن زياد # ويقل الاختلاف أو يسهل التجاوز عنه كذلك فيما حدث بين فاجعة كربلاء ولقاء ~~يزيد. # فالمتواتر الموافق لسير الأمور أنهم حملوا الرءوس والنساء إلى الكوفة، فأمر ابن زياد ~~أن يطاف بها في أحياء الكوفة ثم ترسل إلى يزيد. # وكانت فعلة يدارونها بالتوقح فيها على سنة المأخوذ الذي لا يملك مداراة ما فعل. ~~فبات خولي بن يزيد ليلته بالرأس في بيته، وهو يمني نفسه بغنى الدهر كما قال. فأقسمت ~~امرأة له حضرمية: «لا يجمع رأسها ورأسه بيت وفيه رأس ابن رسول الله.» # ثم غدا إلى قصر ابن زياد، وكان عنده يزيد بن أرقم من أصحاب رسول الله، فرآه ينكث ~~ثنايا الرأس حين وضع أمامه في إجانة، فصاح به مغضبا: ارفع قضيبك عن هاتين الثنيتين؛ ~~فوالذي لا إله غيره، لقد رأيت شفتي رسول الله على هاتين الشفتين يقبلهما، ~~وبكى. # فهزئ به ابن زياد، وقال له: لولا أنك شيخ قد خرفت وذهب عقلك، لضربت عنقك! # فخرج يزيد، وهو ينادي في الناس غير حافل بشيء: أنتم معشر العرب العبيد بعد اليوم، ~~قتلتم ابن فاطمة وآثرتم ابن مرجانة، فهو يقتل شراركم ويستعبد خياركم. # وأدخلت السيدة زينب بنت علي ms084 رضي الله عنها، وعليها أرذل ثيابها ومعها عيال الحسين ~~وإماؤها، فجلست ناحية لا تتكلم ولا تنظر إلى ما أمامها. فسأل ابن زياد : من هذه التي ~~انحازت ناحية ومعها نساؤها؟ # فلم تجبه، فأعاد سؤاله ثلاثا وهي لا تجيبه، ثم أجابت عنها إحدى الإماء: هذه زينب بنت ~~فاطمة بنت رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~. # فاجترأ ابن زياد قائلا: الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم وأبطل أحدوثتكم. # وقد كانت زينب - رضي الله عنها - حقا جديرة بنسبها الشريف في تلك الرحلة الفاجعة ~~التي تهد عزائم الرجال، كانت كأشجع وأرفع ما تكون حفيدة محمد وبنت علي وأخت الحسين. ~~وكتب لها أن تحفظ بشجاعتها وتضحيتها بقية العقب الحسيني من الذكور، ولولاها لانقرض ~~من يوم كربلاء. # فلم تمهل ابن زياد أن ثارت به قائلة: الحمد لله الذي أكرمنا بنبيه وطهرنا من الرجس ~~تطهيرا، إنما يفضح الفاسق ويكذب الفاجر، وهو غيرنا والحمد لله. # فقال ابن زياد: قد شفى الله نفسي من طاغيتك والعصاة. # فغلبها الحزن والغيظ من هذا التشفي الذي لا ناصر لها منه، وقالت: لقت قتلت كهلي، ~~وأبدت أهلي، وقطعت فرعي، واجتثثت أصلي، فإن يشفك هذا فقد اشتفيت. # فتهاتف ابن زياد ساخرا وقال: هذه سجاعة، لعمري لقد كان أبوها سجاعا ~~شاعرا. # فقالت زينب: إن لي عن السجاعة لشغلا. ما للمرأة والسجاعة؟ # علي زين العابدين # ثم نظر ابن زياد إلى غلام عليل هزيل مع السيدة زينب فسأله: من أنت؟ # قال: علي بن الحسين. # قال: أولم يقتل الله علي بن الحسين؟ # قال: كان لي أخ يسمى عليا قتله الناس. # فأعاد ابن زياد قوله: الله قتله. # فقال علي: الله يتوفى الأنفس حين موتها، وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن ~~الله. # فأخذت زيادا عزة الإثم وانتهره قائلا: وبك جرأة لجوابي! # وصاح الخبيث الأثيم بجنده: اذهبوا به فاضربوا عنقه. # فجاشت بعمة الغلام قوة لا يردها سلطان، ولا يرهبها سلاح؛ لأنها قوة من هان لديه ~~الموت وهانت عليه الحياة، فاعتنقت الغلام اعتناق من اعتزم ألا يفارقه إلا وهو جثة ~~هامدة، وأقسمت لئن ms085 قتلته لتقتلني معه. فارتد ابن زياد مشدوها، وهو يقول متعجبا: يا ~~للرحم! إني لأظنها ودت أني قتلتها معه. # ثم قال: «دعوه لما به.» كأنه حسب أن العلة قاضية عليه. # وعلي هذا هو زين العابدين جد كل منتسب إلى الحسين عليهما السلام، وكان كما قال ابن ~~سعد في الطبقات: «ثقة كثير الحديث عاليا رفيعا ورعا.» وكما قال يحيى بن سعيد: «أفضل ~~هاشمي رأيته في المدينة.» # ولولا استماتة عمته كما ترى، لقد كادت تذهب بهذه البقية الباقية كلمة على شفتي ابن ~~زياد! # الرأس عند يزيد # ولما قضى الخبيث نهمة كيده من الطواف برأس الحسين في الكوفة وأرباضها، أنفذه ورءوس ~~أصحابه إلى دمشق مرفوعة على الرماح، ثم أرسل النساء والصبيان على الأقتاب، وفي الركب ~~علي زين العابدين مغلول إلى عنقه يقوده شمر بن ذي الجوشن ومحضر بن ثعلبة؛ فتلاحق ~~الركبان في الطريق ودخلا الشام معا إلى يزيد. # وتكرر منظر القصر بالكوفة في قصر دمشق عند يزيد، ولا نستغرب أن يتكرر بعضه حتى يظن ~~أنه قد وقع في التاريخ خلط بين المنظرين؛ لأن المناسبة في هذا المقام تستوحي ضربا ~~واحدا من التعقيب وضربا واحدا من الحوار. # فارتاع من بمجلس يزيد من نبأ المقتلة في كربلاء حين بلغتهم، وقال يحيى بن الحكم وهو ~~من الأمويين: # لهام بجنب الطف أدنى قرابة # من ابن زياد العبد ذي الحسب الوغل # سمية أمسى نسلها عدد الحصى # وبنت رسول الله ليست بذي نسل # فأسكته يزيد، وقال وهو يشير إلى الرأس وينكث ثناياه بقضيب في يده: أتدرون من أين أتي ~~هذا؟ إنه قال: «أبي علي خير من أبيه وأمي فاطمة خير من أمه، وجدي رسول الله خير من ~~جده وأنا خير منه وأحق بهذا الأمر.» فأما أبوه فقد تحاج أبي وأبوه إلى الله وعلم الناس ~~أيهما حكم له، وأما أمه فلعمري فاطمة بنت رسول الله خير من أمي، وأما جده فلعمري ما ~~أحد يؤمن بالله واليوم الآخر يرى لرسول الله فينا عدلا ولا ندا، ولكنه أتي من ~~قبل فقهه ولم يقرأ: ms086 # قل اللهم مالك الملك تؤتي ~~الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء ~~[آل عمران: 26]. # وهو كلام ينسب مثله إلى معاوية في رده على حجج علي في الخلافة، ولعل يزيد قد ~~استعاره من كلام أبيه وزاد عليه. # ونظر بعض أهل الشام إلى السيدة فاطمة بنت الحسين - وكانت جارية وضيئة - فقال ليزيد: ~~«هب لي هذه.» فأرعدت وأخذت بثياب عمتها، فكان لعمتها في الذود عنها موقف كموقفها بقصر ~~الكوفة؛ ذيادا عن أخيها زين العابدين، وصاحت بالرجل: كذبت ولؤمت، ما ذلك لك ولا ~~له. # فتغيظ يزيد وقال: «كذبت، إن ذلك لي، ولو شئت لفعلت.» # قالت: «كلا والله، ما جعل الله لك ذلك، إلا أن تخرج من ملتنا وتدين بغير ~~ديننا.» # فاشتد غيظ يزيد وصاح بها: «إياي تستقبلين بهذا؟! إنما خرج من الدين أبوك ~~وأخوك.» # قالت: «بدين الله ودين أبي وأخي وجدي اهتديت أنت وأبوك وجدك.» # فلم يجد جوابا غير أن يقول: «بل كذبت يا عدوة الله.» # فقالت: «أنت أمير تشتم ظالما، وتقهر بسلطانك.» # فأطرق وسكت. # وأدخل علي بن الحسين مغلولا، فأمر يزيد بفك غله، وقال له: إيه يا ابن الحسين، ~~أبوك قطع رحمي وجهل حقي ونازعني سلطاني، فصنع الله به ما رأيت. # قال علي: # ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في ~~أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك ~~على الله يسير * لكيلا تأسوا على ما فاتكم ~~ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال ~~فخور ~~[الحديد: 22، 23]، فتلا يزيد الآية: # وما ~~أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ~~[الشورى: 30] ثم ~~زوى وجهه وترك خطابه. # وكان لقاء نساء يزيد خيرا من لقائه؛ فواسين السيدة زينب والسيدة فاطمة ومن معهما، ~~وجعلن يسألنهن عما سلبنه بكربلاء فيرددن إليهن مثله وزيادة عليه. # وأحب يزيد أن يستدرك بعض ما فاته، فلجأ إلى النعمان بن بشير واليه الذي عزله من ~~الكوفة لرفقه بدعاة الحسين، وأمره أن يسير آل الحسين إلى المدينة، ويجهزهم بما ~~يصلحهم. وقيل: إنه ودع زين العابدين، وقال له: «لعن الله ابن مرجانة، أما والله ms087 لو أني ~~صاحب أبيك ما سألني خصلة أبدا إلا أعطيته إياها، ولدفعت الحتف عنه بكل ما استطعت ولو ~~بهلاك بعض ولدي، ولكن الله قضى ما رأيت يا بني! كاتبني من المدينة، وأنه إلي كل ~~حاجة تكون لك.» # تبعة يزيد # والناس في تقدير التبعة التي تصيب يزيد من عمل ولاته مشارب وأهواء، يرجع كل منهم إلى ~~مصدر من مصادر الرواية فيبني عليه حكمه. # فمنهم من يرى أنه بريء من التبعة كل البراءة، ومنهم من يرى أنه أقر فعلة ابن زياد ثم ~~ندم عليها، ومنهم من يقول: إنه قد أمر بكل ما اقترفه ابن زياد، وتوقع حدوثه، ولم ~~يمنعه وهو مستطيع أن يمنعه لو شاء. # والثابت الذي لا جدال فيه، أن يزيد لم يعاقب أحدا من ولاته كبر أو صغر على شيء مما ~~اقترفوه في فاجعة كربلاء، وأن سياسته في دولته بعد ذلك كانت هي سياسة أولئك الولاة على ~~وتيرة واحدة مما حدث في كربلاء، فاستباحة المدينة - دار النبي # صلى الله عليه وسلم ~~- وتحكيم مسلم ~~بن عقبة في رجالها ونسائها، ليست بعمل رجل ينكر سياسة كربلاء بفكره وقلبه، أو سياسة رجل ~~تجري هذه الحوادث على نقيض تدبيره وشعوره، وما زال يزيد وأخلافه يأمرون الناس بلعن ~~علي والحسين وآلهما على المنابر في أرجاء الدولة الإسلامية، ويستفتون من يفتيهم ~~بإهدار دمهم وصواب عقابهم بما أصابهم، ومن تجب لعنته على المنابر بعد موته بسنين، فقتله ~~جائز أو واجب في رأي لاعنيه. # ومن أفرط في سوء الظن، رجح عنده أن عبيد الله كان على إذن مستور بكل ما صنع، ويملي ~~لهم في هذا الظن أن استئصال ذرية الحسين من الذكور خطة تهم يزيد لوراثة الملك في بيته ~~وعقبه، ويفيده أن يقدم عليها مستترا من وراء ولاته ثم ينصل منها ويلقي بتبعتها عليهم، ~~ولو لم يكن ذلك لكان عجيبا أن توكل حياة الحسين وأبنائه وآله إلى والي الكوفة بغير ~~توجيه من سيده ومولاه؛ فقد كان الزمن الذي انقضى منذ خروج الحسين من مكة إلى نزوله ~~بالطف على ms088 الفرات كافيا لبلوغ الخبر إلى يزيد، ورجوع الرسل بالتوجيه الضروري في هذا ~~الموقف لوالي الكوفة وغيره من الولاة، فإن لم يكن الأمر تدبيرا متفقا عليه فهو ~~المساءة التي تلي ذلك التدبير في السوء والشناعة، وهي مساءة التهاون الذي لا تستقيم على ~~مثله شئون دولة. وقد روى ابن شريح اليشكري أن عبيد الله صارحه بعد موت يزيد فقال: «أما ~~قتلي الحسين فإنه أشار إلي يزيد بقتله أو قتلي فاخترت قتله.» وهو كلام متهم لا تقوم ~~به حجة على غائب قضى نحبه. # ويبدو لنا أن الظن بتهاون يزيد هنا أقرب إلى الظن بإيعازه وتدبيره؛ لأنه جرى عليه ~~طوال حكمه، وألقى حبل ولاته على غاربهم وهو لاه بصيده وعبثه، وأنه ربما ارتاح في ~~سريرته بادئ الأمر إلى فعلة ابن زياد وأعوانه، ولكنه ما عتم إن رأى بوادر العواقب توشك ~~أن تطبق عليه بالوبال من كل جانب، حتى تيقظ من غفلته بعد فوات الوقت فعمد إلى المحاسنة ~~والاستدراك جهد ما استطاع، ولم يكن في يقظته على هذا معتصما بالحكمة والسداد. # ولقد رأى البوادر منه غير بعيد، ولما تنقض ساعات على ذيوع الخبر في بيته قبل عاصمة ~~ملكه، فنعى ابن الحكم فعلة ابن زياد، وناح نساؤه مشفقات من هول ما سمعن ورأين، وبكى ~~ابنه الورع الصالح معاوية فكان يقول إذا سئل: «نبكي على بني أمية لا على الماضين من بني ~~هاشم.» # ومهما تكن غفلة يزيد، فما أحد قط يلمح تلك البوادر، ثم يجهل أنها ضربة هوجاء لن تذهب ~~بغير جريرة، ولن تهون جريرتها في الحاضر القريب ولا في الآتي البعيد. # والواقع أنها قد استتبعت بعدها جرائر شتى لا جريرة واحدة، وما تنقضي جرائرها إلى ~~اليوم. # فلم تنقض سنتان حتى كانت المدينة في ثورة حنق جارف يقتلع السدود ويخترق الحدود؛ ~~لأنهم حملوا إليها خبر الحسين محمل التشهير والشماتة. وضحك واليهم عمرو بن سعيد حين سمع ~~أصوات البكاء والصراخ من بيوت آل النبي، فكان يتمثل قول عمرو بن معديكرب: # عجت نساء بني زياد عجة # كعجيج نسوتنا غداة ms089 الأرتب # وكانت بنت عقيل بن أبي طالب تخرج في نسائها حاسرة وتنشد: # ماذا تقولون إن قال النبي لكم: # ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم # بعترتي وبأهلي بعد مفتقدي # منهم أسارى ومنهم ضرجوا بدم # ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم # أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمي # فكان الأمويون يجيبون بمثل تلك الشماتة، يقولون كما قال عمرو بن سعد: «ناعية كناعية ~~عثمان.» # ولا موضع للشماتة هنا بالحسين؛ لأنه قد أصيب على باب عثمان وهو يذود عنه، ويجتهد في ~~سقيه وسقي آل بيته، ولكنا شماتة هوجاء لا تعقل ما تصنع ولا ما تقول. # ثورة المدينة # وللقدر المتاح لجت بالولاة الأمويين رغبتهم في تلفيق «المظاهرات الحجازية» فلم ~~يرعوا ما بأهل المدينة من الحزن اللاعج والأسى الدفين. وجعلوا همهم كله أن يكرهوا القوم ~~على نسيان خطب الحسين واصطناع الولاء المغتصب ليزيد. فحملوا إلى دمشق وفدا من أشراف ~~المدينة لم يلبثوا أن عادوا إليها منكرين لحكم يزيد مجمعين على خلع بيعته، وراحوا ~~يقولون لأهل المدينة: «إنا قدمنا من عند رجل ليس له دين، يشرب الخمر، ويضرب بالطنابير، ~~ويعزف عنده القيان، ويلعب بالكلاب، ويسمر عنده الخراب.» # وقال رئيسهم عبد الله بن حنظلة الأنصاري، وهو ثقة عند القوم لصلاحه وزهده: «لو لم أجد ~~إلا بني هؤلاء - وكان له ثمانية بنين - لجاهدت بهم. وقد أعطاني وما قبلت عطاءه إلا ~~لأتقوى به.» # والتهبت نار الثورة بالألم المكظوم والدعوة الموصولة، فأخرج المدنيون والي يزيد وجميع ~~من بالمدينة من الأمويين ومواليهم وأعلنوا خلعهم للبيعة. # وصدق ابن حنظلة النية، فكان يقدم بنيه واحدا بعد واحد حتى قتلوا جميعا، وقتل ~~بعدهم أنفة من حياة يسام فيها الطاعة ليزيد وولاته. # وبدا في ثورة المدينة أن يزيد لم يستفد كثيرا ولا قليلا من عبرة كربلاء؛ لأنه سلط ~~على أهلها رجلا لا يقل في لؤمه وغله وسوء دخلته، وولعه بالشر والتعذيب، وعبثه بالتقتيل ~~والتمثيل، عن عبيد الله بن زياد، وهو مسلم بن عقبة المري. فأمره أن يسوم الثائرين ~~البيعة بشرطه، وأن يستبيح مدينتهم ثلاثة أيام إن لم ms090 يبادروا إلى طاعته، وكان شرطه الذي ~~سامهم إياه بعد اقتحام المدينة وانقضاء الأيام الثلاثة التي انتظر فيها طاعتهم «أنهم ~~يبايعون أمير المؤمنين على أنهم خول له يحكم في دمائهم وأموالهم ما شاء». # وإذا كان شيء أثقل على النفوس من هذا الشرط، وأقبح في الظلم من استباحة الأرواح ~~والأعراض في جوار قبر النبي # صلى الله عليه وسلم ~~؛ فذاك هو ولاية هذا النكال بيد مجرم مفطور على ~~الغل والضغينة مثل مسلم بن عقبة، كأنه يلقي على الناس وزر مرض النفس ومرض الجسد ومرض ~~الدم الذي أبلاه، ولم يبل ما في طويته من رجس ومكيدة. «فاستعرض أهل المدينة بالسيف ~~جزرا كما يجزر القصاب الغنم، حتى ساخت الأقدام في الدم وقتل أبناء المهاجرين ~~والأنصار». # وأوقع كما قال ابن كثير: «من المفاسد العظيمة في المدينة النبوية ما لا يحد ولا ~~يوصف» ولم يكفه أن يسفك الدماء ويهتك الأعراض حتى يلتذ بإثارة الآمال والمخاوف في نفوس ~~صرعاه قبل عرضهم على السيف، فلما جاءوه بمعقل بن سنان صاحب رسول الله هش له وتلقاه ~~بما يطمعه، ثم سأله: «أعطشت يا معقل؟ حوصوا له شربة من سويق اللوز الذي زودنا به أمير ~~المؤمنين.» فلما شربها قال له: «أما والله لا تبولها من مثانتك أبدا.» وأمر بضرب ~~عنقه. # ويروي ابن قتيبة أن عدد من قتل من الأنصار والمهاجرين والوجوه ألف وسبعمائة، ~~وسائرهم من الناس عشرة آلاف سوى النساء والصبيان. # وحادث واحد من حوادث التمثيل والاستباحة يدل على سائر الحوادث من أمثاله، دخل رجل من ~~جند مسلم بن عقبة على امرأة نفساء من نساء الأنصار ومعها صبي لها. فقال: «هل من ~~مال؟» # قالت: «لا، والله ما تركوا لنا شيئا.» # قال: «والله لتخرجن إلي شيئا أو لأقتلنك وصبيك هذا.» # فقالت له: «ويحك! إنه ولد ابن أبي كبشة الأنصاري صاحب رسول الله.» فأخذ برجل الصبي ~~والثدي في فمه، فجذبه من حجرها فضرب به الحائط فانتثر دماغه على الأرض. # وهو مثل من أمثال قد تكررت بعدد تلك البيوت التي قتل فيها أولئك الألوف من ms091 النسوة ~~والأطفال والآباء والأمهات. # وقد مات هذا السفاح وهو في طريقه إلى مكة يهم بأن يعيد بها ما بدأ بالمدينة، فدفن في ~~الطريق، وتعقبه بعض الموتورين من أهل المدينة فنشبوا قبره وأحرقوه. # جريرة العدل # ولم تنقض سنوات أربع على يوم كربلاء حتى كان يزيد قد قضى نحبه، ونجمت بالكوفة جريرة ~~العدل التي حاقت بكل من مد يدا إلى الحسين وذويه. # فسلط الله على قاتلي الحسين كفؤا لهم في النقمة والنكال يفل حديدهم بحديده ويكيل لهم ~~بالكيل الذي يعرفونه، وهو المختار بن أبي عبيد الثقفي داعية التوابين من طلاب ثأر ~~الحسين. فأهاب بأهل الكوفة أن يكفروا عن تقصيرهم في نصرته، وأن يتعاهدوا على الأخذ ~~بثأره فلا يبقين من قاتليه أحد ينعم بالحياة، وهو دفين مذال القبر في العراء. # فلم ينج عبيد الله بن زياد، ولا عمر بن سعد، ولا شمر بن ذي الجوشن، ولا الحصين بن ~~نمير، ولا خولي بن يزيد، ولا أحد ممن أحصيت عليهم ضربة أو كلمة أو مدوا أيديهم بالسلب ~~والمهانة إلى الموتى أو الأحياء. # وبالغ في النقمة فقتل وأحرق ومزق وهدم وتعقب الهاربين، وجوزي كل قاتل أو ضارب أو ~~ناهب بكفاء عمله، فقتل عبيد الله وأحرق، وقتل شمر بن ذي الجوشن وألقيت أشلاؤه ~~للكلاب، ومات مئات من رؤسائهم بهذه المثلات وألوف من جندهم وأتباعهم مغرقين في النهر أو ~~مطاردين إلى حيث لا وزر لهم ولا شفاعة. فكان بلاؤهم بالمختار عدلا لا رحمة فيه، وما ~~نحسب قسوة بالآثمين سلمت من اللوم أو بلغت من العذر ما بلغته قسوة المختار. # ولحقت الجريرة الثالثة بأعقاب الجريرة الثانية في مدى سنوات معدودات. # فصمد الحجاز في ثورته أو في تنكره لبني أمية إلى أيام عبد الملك بن مروان، وكان ~~أحرج الفريقين من سيق إلى أحرج العملين. وأحرج العملين ذاك الذي دفع إليه - أو اندفع ~~إليه - الحجاج عامل عبد الملك، فنصب المنجنيق على جبال مكة، ورمى الكعبة بالحجارة ~~والنيران، فهدمها وعفى على ما تركه منها جنود يزيد بن معاوية؛ فقد كان قائده الذي ms092 خلف ~~مسلم بن عقبة وذهب لحصار مكة أول من نصب لها المنجنيق، وتصدى لها بالهدم ~~والإحراق. # وما زالت الجرائر تتلاحق حتى تقوض من وطأتها ملك بني أمية، وخرج لهم السفاح الأكبر ~~وأعوانه في دولة بني عباس، فعموا بنقمتهم الأحياء والموتى، وهدموا الدور، ونبشوا ~~القبور، وذكر المنكوبون بالرحمة فتكات المختار بن أبي عبيد، وتجاوز الثأر كل مدى خطر ~~على بال هاشم وأمية يوم مصرع الحسين. # لقد كانت ضربة كربلاء، وضبة المدينة، وضربة البيت الحرام، أقوى ضربات أمية؛ لتمكين ~~سلطانهم، وتثبيت بنيانهم، وتغليب ملكهم على المنكرين والمنازعين؛ فلم ينتصر عليهم ~~المنكرون والمنازعون بشيء كما انتصروا عليهم بضربات أيديهم، ولم يذهبوا بها ضاربين حقبة ~~حتى ذهبوا بها مضروبين إلى آخر الزمان. # وتلك جريرة يوم واحد هو يوم كربلاء، فإذا بالدولة العريضة تذهب في عمر رجل واحد مديد ~~الأيام، وإذا بالغالب في يوم كربلاء أخسر من المغلوب إذا وضعت الأعمال المنزوعة في ~~الكفتين. # الفصل التاسع # | نهاية المطاف # من الظافر؟ # غبن أن يفوت الإنسان جزاؤه الحق على عمله وخلقه. # وأثقل منه في الغبن أن ينقلب الأمر فيجزى المحسن بالإساءة، ويجزى المسيء ~~بالإحسان. # وقد تواضع الناس منذ كانوا على معنى للتاريخ والأخلاق، ووجهة للشريعة والدين. # والجزاء الحق هو الوجهة الواحدة التي تلتقي فيها كل هذه المقاصد الرفيعة، فإذا بطل ~~الجزاء الحق ففي بطلانه الإخلال كل الإخلال بمعنى التاريخ والأخلاق، ولباب الشرائع ~~والأديان. وفيه حكم على الحياة بالعبث وعلى العقل الإنساني بالتشويه والخسار. # والجزاء الحق غرض مقصود لذاته يحرص عليه العقل الإنساني كرامة لنفسه ويقينا من صحته ~~وحسن أدائه، كالنظر الصحيح نحسبه هو غرضا للبصر يرتاح إلى تحقيقه ويحزن لفواته وإن لم ~~يكن وراء ذلك ثواب أو عقاب؛ لأن النظر الصحيح سلامة محبوبة والإخلال به داء ~~كريه. # ولا يستهدف هذا القسطاس المستقيم لمحنة من محنه التي تزري بكرامة العقل الإنساني، ~~كاستهدافه لها وهو في مصطدم التضحية والمنافع، أو في الصراع بين الشهداء وأصحاب الطمع ~~والحيلة. # ففي هذا المصطدم يبدو للنظرة الأولى أن الرجل قد أضاع كل شيء ms093 وانهزم، وهو في الحقيقة ~~غانم ظافر. # ويبدو لنا أنه قد ربح كل شيء وانتصر، وهو في الحقيقة خاسر مهزوم. # ومن هنا يدخل التاريخ ألزم مداخله وأبينها عن قيمة البحث فيه؛ لأنه المدخل الذي يفضي ~~إلى الجزاء الحق والنتيجة الحقة، وينتهي بكل عامل أفلح أو أخفق في ظاهر الأمر إلى نهاية ~~مطافه وغاية مسعاه في الأمد الطويل. # وقد ظفر التاريخ في الصراع بين الحسين بن علي ويزيد بن معاوية بميزان من أصدق ~~الموازين التي تتاح لتمحيص الجزاء الحق في أعمال الشهداء وأصحاب الطمع والحيلة، فقلما ~~تتاح في أخبار الأمم شرقا وغربا عبرة كهذه العبرة بوضوح معالمها وأشواطها، وفي تقابل ~~النصر والهزيمة فيها بين الطوالع والخواتم على اختلاف معارض النصر والهزيمة. # فيزيد في يوم كربلاء هو صاحب المؤزر الذي لا يشوبه خذلان. # وحسين في ذلك اليوم هو المخذول الذي لم يطمح خاذله من وراء الظفر به إلى مزيد. # ثم تنقلب الآية أيما انقلاب. # ويقوم الميزان، فلا يختلف عارفان بين كفة الرجحان وكفة الخسران. # وهذا الذي قصدنا إلى تبيينه وجلائه بتسطير هذه الفصول. ~~••• # وما من عبرة أولى من هذه بالتبيين والجلاء لدارس التاريخ ودارس الحياة وطالب المعنى ~~البعيد في أطوار هذا الوجود. # ولسنا نقول إن الصراع بين الحسين ويزيد مثل جامع لكل أوان الصراع بين الشهادة ~~والمنفعة، أو بين الإيمان والمآرب الأرضية؛ فإن لهذا الصراع لألوانا تتعدد ولا تتكرر ~~على هذا المثال، وإن له لعناصر لم تجتمع كلها في طرفي الخصومة بين الرجلين، وأشواطا لم ~~تتخذ الطريق الذي اتخذته هذه الخصومة في البداية أو النهاية. # ولكننا نكتفي بحقيقة واحدة توجب الاعتبار بهذه الخصومة وحدها وتفردها بارزة ماثلة ~~للتأمل والتعقيب، وهي أن مسألة الحسين ويزيد قد كانت صراعا بين خلقين خالدين، وقد ~~كانت جولة من جولات هذين الخلقين اللذين تجاولا أحقابا غابرات ولا يزالان يتجاولان ~~فيما يلي من الأحقاب، وقد أسفرا عن نتيجة فاصلة ينفرد لها مكان معروف بين سائر الجولات، ~~وليست جولة أخرى منهن بأحق منها بالتعليق والتصديق. # ووجهتنا من هذه العبرة أن ms094 يعطى كل خلق من أخلاق العاملين حقه بمعيار لا غبن ~~فيه. # فإذا سعى أحد بالحيلة فخدع الناس وبلغ مأربه فليكن ذلك مغنمه وكفى، ولا ينفعه ذلك في ~~استلاب السمعة المحبوبة والعطف الخالص والثناء الرفيع. # وإذا خسر أحد حياته في سبيل إيمانه فلتكن تلك خسارته وكفى، ولا ينكب فوق ذلك بخسارة ~~في السمعة والعطف والثناء. # فلو جاز هذا لكان العطف الإنساني أزيف ما عرفناه في هذا الدنيا من الزيوف؛ لأن خديعة ~~واحدة تشتريه وتستبقيه، وما من زيف في العروض الأخرى إلا وهو ينطلي يوما وينكشف بقية ~~الأيام. ~~••• # وإذا كان احتيال الإنسان لنفسه معطيه كل ما تهبه الدنيا من غنم النفع والمحبة ~~والثناء، فقد ربح المحتالون وخسر نوع الإنسان. # وإذا كانت خسارة المرء في سبيل إيمانه تجمع عليه كل خسارة، فالأحمق الفاشل من يطلب ~~الخير للناس ويغفل عن نفسه في طلابه. # فكفى الواصل ما وصل إليه. # وكثير عليه أن يطمع عند الخلف والسلف فيما ادخرته الإنسانية من الثناء والعطف لمن ~~يكرمونها بفضيلة الشهادة والتضحية، ويخسرون. # وهذا الفيصل العادل أعدل ما يكون فيما بين الحسين ويزيد. # فإذا قيل إن معاوية قد عمل وقد أفلح بالحيلة والدهاء، فيزيد لم يعمل ولم يفلح بحيلة ~~ولا دهاء، ولكنه ورث المنافع التي يشتري بها الأيدي والسيوف، فجال بها جولة رابحة في ~~كفاح الضمائر والقلوب. # فينبغي ألا يربح بهذه الوسيلة، فأما وقد ربح؛ فينبغي أن يقف به الربح عند ذاك، ~~وينبغي للعذر الكاذب والثناء المأجور ألا يحسبا على الناس بحساب العذر الصادق والثناء ~~الجميل. # وقد تزلف إلى يزيد من يتزلفون إلى أصحاب المال والسلطان، ثم أخذوا أجورهم، فينبغي أن ~~يقوم ذلك الثناء بقيمة تلك الأجور، وأن يكون ما قبضوه من أجر غاية ما استحقوه، إن كانوا ~~مستحقيه. # أما أن يضاف ثناء الخلود إلى صفقة أولئك المأجورين، فقد أصبح ثناء الخلود إذن صفقة ~~بغير ثمن، أو هو علاوة مضمونة على صفقة كل مأجور. # إن صاحب الثناء المبذول لا يسأل عن شيء غير العطاء المبذول، ولكن التاريخ خليق أن ~~يسأل ms095 عن أعمال وأقوال قبل أن يبذل ما لديه من ثناء. # وليس في تاريخ يزيد عمل واحد صحيح أو مدعى، ولا كلمة واحدة صحيحة أو مدعاة، ~~تقيمه بحيث أراده المأجورون من العذر الممهد والمدح المعقول، أو تخوله مكان الترجيح في ~~الموازنة بينه وبين الحسين. # كل أخطائه ثابته عليه ومنها - بل كلها - خطؤه في حق نفسه ودولته ورعاياه، وليس له فضل ~~واحد ثابت، ولا كلمة واحدة مأثورة تنقض ما وصفه به ناقدوه وعائبوه. # فقد كانت له ندحة عن قتل الحسين، وكان يخدم نفسه ودولته لو أنه استبقاه حيث يتقيه ~~ويرعاه. # وكانت له ندحة عن ضرب الكعبة، واستباحة المدينة، وتسليط أمثال مسلم بن عقبة وعبيد ~~الله بن زياد على خلائق الله. # وكانت له ندحة عن السمعة التي لصقت به ولم تلصق به افتراء ولا ادعاء كما يزعم ~~صنائعه ومأجوروه؛ لأن واصفيه بتلك السمعة لم يلصقوا مثلها بأبيه. # ومن كان حقه في النعمة التي نعم بها مغتصبا ينتزعه عنوة، لا يكن حقه في الفضل ~~والكرامة جزافا لا حسيب عليه. ~~••• # وتسديد العطف الإنساني هنا فرض من أقدس الفروض على الناظرين في سير الغابرين؛ لأن ~~العطف الإنساني هو كله ما يملك التاريخ من جزاء، وهو الثورة الوحيدة التي يحتفظ بها ~~الخلود. # وإننا لندع الخطأ في سياسة النفعيين، وننظر إليهم كأنهم مصيبون في السياسة بصراء ~~بمواقع التدبير. # فعلى هذه الصفة - لو تمت لهم - لا يحق لخادم زمانه أن ينازع الشهداء في ذخيرة العطف ~~الخالد، وهم خدام العقائد التي تتخطى حياة الأجيال كما تتخطى حياة الأفراد. # فإن حرمان الشهداء حقهم في عطف الأسلاف والأخلاف خطأ في الشعور، وخطأ كذلك في ~~التفكير. # والناس خاسرون إذا بطل عطفهم على الشهداء، وليس قصارى أمرهم أنهم قساة أو جاحدون؛ لأن ~~الشهادة فضيلة تروح وتأتي وتكثر حينا وتندر في غير ذلك من الأحيان. أما حب المنفعة فإن ~~سميته فضيلة من الفضائل التي لن تفارق الأحياء أجمعين، من ناطقة وعجماء. ~~••• # على أن الطبائع الآدمية قد أشربت حب الشهداء والعطف عليهم وتقديس ذكرهم بغير ~~تلقين ms096 ولا نصيحة، وإنما تنحرف عن سواء هذه السنة لعوارض طارئة أو باقية تمنعها أن ~~تستقيم معها. وأكثر ما تأتي هذه العوارض من تضليل المنفعة والهوى القريب، أو من نكسة في ~~الطبع تغريه بالضغن على كل خلق سوي وسجية سمحة محببة إلى الناس عامة، أو من الإفراط ~~في حب الدعة حتى يجفل المرء من الشهادة استهوالا لتكاليفها واستعظاما للقدوة بها، ~~فيتهم الشهداء بالهوج، ويتعقب أعمالهم بالنقد؛ لكيلا يتهم نفسه بالجبن والضعة، ويستحق ~~المذمة واللوم في رأي ضميره. وإن لم يتهمهم بالهوج ولم يتعقبهم بالنقد، وقف من ~~فضائلهم موقف ازورار وفتور، وجنح إلى معذرة الآخرين والتفاهم بينه وبين من لا يستشهدون، ~~ثم يعارضون الشهداء فيما يطمحون إليه. # ومعظم المؤرخين الذين يعارضون الشهداء ودعاتهم لغير منفعة أو نكسة هم من أصحاب الدعة ~~المفرطة وأنصار السلامة الناجية، ويغلب على هذه الخلة أن تسلبهم ملكة التأريخ ~~الصحيح؛ لأنها تعرضهم للخطأ في الحكم والتفكير، كما تعرضهم للخطأ في العطف ~~والشعور. # ومن المعقبين على تاريخ هذه الفترة عندنا - في العربية - مؤرخ يتخذ منه المثل لكل ~~من العذر والعطف حين يصل الأمر إلى الاستشهاد كراهة للظلم ودرءا للمنكرات، وهو الأستاذ ~~محمد الخضري صاحب تاريخ الأمم الإسلامية رحمه الله. # ففي تعقيبه على ثورة المدينة التي قدمنا الإشارة إليها يقول: «إن الإنسان ليعجب من ~~هذا التهور الغريب والمظهر الذي ظهر به أهل المدينة في قيامهم وحدهم بخلع خليفة في ~~إمكانه أن يجرد عليهم من الجيوش ما لا يمكنهم أن يقفوا في وجهه. ولا ندري ما الذي كانوا ~~يريدونه بعد خلع يزيد؟ أيكونون مستقلين عن بقية الأمصار الإسلامية، لهم خليفة منهم يلي ~~أمرهم أم حمل بقية الأمة على الدخول في أمرهم؟ وكيف يكون هذا وهم منقطعون عن بقية ~~الأمصار ولم يكن معهم في هذا الأمر أحد من الجنود الإسلامية؟ إنهم فتقوا فتقا وارتكبوا ~~جرما فعليهم جزء عظيم من تبعة انتهاك حرمة المدينة، وكان اللازم على يزيد وأمير الجيش ~~ألا يسرف في معاملتهم بهذه المعاملة؛ فإنه كان من الممكن أن يأخذهم بالحصار.» ms097 ~~••• # ويخيل إليك وأنت تقرأ كلام الأستاذ عن هذه الفترة كلها أن لديه أعذارا ليزيد وليس ~~لديه عذر لأهل المدينة؛ لأنه يفهم كيف يغضب المرء لما في حوزته، ولا يفهم كيف تضيق به ~~كراهة الظلم وغيرة العقيدة عن الاحتمال. # وشعوره هذا يحول بينه وبين الحكم الصحيح على حوادث التاريخ؛ لأنه يحول بينه وبين ~~انتظار هذه الحوادث حيث تنتظر لا محالة، واستبعادها حيث هي بعيدة عن التقدير. # فلم يحدث قط في مواجهة الظلم وانتزاع الدول المكروهة أن شعر الناس كما أرادهم ~~الأستاذ أن يشعروا، أو فكروا في الأمر كما أرادهم أن يفكروا. # ومستحيل حدوث هذا أشد الاستحالة، وليس قصاراه أنه لم يحدث من قبل في حركات ~~التاريخ. # فهذه الحركات التي تواجه الدول المكروهة لا تنتظر - ولا يمكن أن تنتظر - حتى تربى ~~قوتها وعدتها على ما في أيدي الدولة التي تكرهها من قوة وعدة، ولكنها حركة أو دعوة تبدأ ~~بفرد واحد يجترئ على ما يهابه الآخرون، ثم يلحق به ثان وثالث ورابع ما شاء له الإقناع ~~وضيق الذرع بالأمور، ثم ما ينالهم من نقمة فيشيع الغضب وينكشف الظلم عمن كان في ~~غفلة عنه، ثم يشتد الحرج بالظالم فيدفعه الحرج إلى التخبط على غير هدى، ويخرج من تخبط ~~غليظ أحمق إلى تخبط أغلظ منه وأحمق؛ فلا هم يقفون في امتعاضهم وتذمرهم ولا هو يقف في ~~بطشه وجبروته، حتى يغلو به البطش والجبروت، فيكون فيه وهنه والقضاء عليه. # وعلى هذا النحو يعرف المؤرخ الذي يعالج النفوس الآدمية ما هو من طبعها، وما هو خليق ~~أن ينتظر منها، فلا يعالجها حق العلاج على أنها مسألة جمع وطرح في دفتر الحساب بين هذا ~~الفريق وذاك الفريق. # وعلى هذا النحو تكون حركة الحسين قد سلكت طريقها الذي لا بد لها أن تسلكه، وما كان ~~لها قط من مسلك سواه. ~~••• # وصل الأمر في عهد يزيد إلى حد لا يعالج بغير الاستشهاد وما نحا منحاه. # وهذا هو الاستشهاد ومنحاه، وهو - بالبداهة التي لا تحتاج إلى مقابلة طويلة - منحى غير ~~منحى ms098 الحساب والجمع والطرح في دفاتر التجار. # ومع هذا يدع المؤرخ طريق الشهادة تمضي إلى نهاية مطافها، ثم يتناول دفتر التجار كما ~~يشاء ؛ فإنه لواجد في نهاية المطاف أن دفتر التجار لن يكتب الربح آخرا إلا في صفحة ~~الشهداء. # فالدعاة المستشهدون يخسرون حياتهم وحياة ذويهم، ولكنهم يرسلون دعوتهم من بعدهم ناجحة ~~متفاقمة فتظفر في نهاية مطافها بكل شيء حتى المظاهر العرضية والمنافع الأرضية. # وأصحاب المظاهر العرضية والمنافع الأرضية يكسبون في أول الشوط ثم ينهزمون في وجه ~~الدعوة المستشهدة حتى يخسروا حياتهم أو حياة ذويهم، وتوزن حظوظهم بكل ميزان فإذا هم بكل ~~ميزان خاسرون. # وهكذا أخفق الحسين ونجح يزيد. # ولكن يزيد ذهب إلى سبيله، وعوقب أنصاره في الحياة والحطام السمعة بعده بشهور، ثم ~~تقوضت دولته ودولة خلفائه في عمر رجل واحد لم يجاوز الستين. # وانهزم الحسين في كربلاء وأصيب هو وذووه من بعده، ولكنه ترك الدعوة التي قام بها ملك ~~العباسيين والفاطميين، وتعلل بها أناس من الأيوبيين والعثمانيين، واستظل بها الملوك ~~والأمراء بين العرب والفرس والهنود، ومثل للناس في حلة من النور تخشع لها ~~الأبصار. # وباء بالفخر الذي لا فخر مثله في تواريخ بني الإنسان غير مستثنى منهم عربي ولا أعجمي ~~ولا قديم ولا حديث. # أبو الشهداء # فليس في العالم أسرة أنجبت من الشهداء من أنجبتهم أسرة الحسين عدة وقدرة وذكرة، وحسبه ~~أنه وحده في تاريخ هذه الدنيا الشهيد ابن الشهيد أبو الشهداء في مئات السنين. # وأيسر شيء على الضعفاء الهازلين أن يذكروا هنا طلب الملك ليغمزوا به شهادة الحسين ~~وذويه. # فهؤلاء واهمون ضالون مغرقون في الوهم والضلال. # لأن طلب الملك لا يمنع الشهادة، وقد يطلب الرجل الملك شهيدا قديسا، ويطلبه وهو ~~مجرم بريء من القداسة. # وإنما هو طلب وطلب، وإنما هي غاية وغاية، وإنما المعول في هذا الأمر على الطلب لا ~~على المطلوب. # فمن طلب الملك بكل ثمن، وتوسل له بكل وسيلة، وسوى فيه بين الغصب والحق، وبين ~~الخداع والصدق، وبين مصلحة الرعية ومفسدتها؛ ففي سبيل الدنيا يعمل لا في سبيل ms099 ~~الشهادة. # ومن طلب الملك وأباه بالثمن المعيب، وطلب الملك حقا ولم يطلبه لأنه شهوة وكفى، وطلب ~~الملك وهو يعلم أنه سيموت دونه لا محالة، وطلب الملك وهو يعتز بنصر الإيمان ولا يعتز ~~بنصر الجند والسلاح، وطلب الملك دفعا للمظلمة وجلبا للمصلحة كما وضحت له بنور إيمانه ~~وتقواه، فليس ذلك بالعامل الذي يخدم نفسه بعمله، ولكنه الشهيد الذي يلبي داعي المروءة ~~والأريحية، ويطيع وحي الإيمان والعقيدة، ويضرب للناس مثلا يتجاوز حياة الفرد الواحد ~~وحياة الأجيال الكثيرة. # ومن ثم يقيم الآية بعد الآية على حقيقة الحقائق في أمثال هذا الصراع بين الخلقين ~~أو بين المزاجين والتاريخين. # وهي أن الشهادة خصم ضعيف مغلوب في اليوم والأسبوع والعام. # ولكنها أقوى الخصوم الغالبين في الجيل والأجيال ومدى الأيام. # وهي حقيقة تؤيدها كل نتيجة نظرت إليها بعين الأرض أو بعين السماء على أن تنظر إليها ~~في نهاية المطاف. # ونهاية المطاف هي التي يدخلها «نوع الإنسان» في حسابه ويوشج عليها وشائج عطفه ~~وإعجابه، لأنه لا يعمل لوجبات ثلاث في اليوم، ولا ينظر إلى عمر واحد بين مهد ولحد، ~~ولكنه يعمل للدوام وينظر إلى الخلود. # الفصل العاشر # | في عالم الجمال # عاشق الجمال # إذا لحقت السيرة بعالم المثال الذي يتطلع إليه خيال الشعراء، وتتغنى به قرائح أهل ~~الفن، فقد تنزهت عن ربقة الجسد، وأصبحت صورة من الصور المثلى في عالم الجمال. # ومن آيات الجمال أنه يتحدى المنفعة، ويؤثر البطولة على السلامة. # فإذا تعلقت القريحة بالجمال، فلا جرم تزن الأمور بغير ميزان الحساب والصفقات، فتعرض ~~عن النعمة وهي بين يديها، وتقبل على الألم وهي ناظرة إليه، وتلزمها سجية العشق الآخذ ~~بالأعنة، فتنقاد له ولا تنقاد لنصيحة ناصح أو عذل عاذل؛ لأن المشغوف بالجمال ينشده، ~~ولا يبالي ما يلقاه في سبيله. # وقد تمثلت سجية عاشق الجمال في كل شعر نظمه شعراء الحسين وذويه تعظيما لهم وثناء ~~عليهم؛ فلم يتوجهوا إليهم ممدوحين، وإنما اتجهوا إليهم صورا مثلى يهيمون بها كما يهيم ~~المحب بصورة حبيبه، ويستعذبون من أجلها ما يصيبهم من ملام وإيلام. ms100 # وفي معنى كهذا المعنى يقول الكميت شاعر أهل البيت: # طربت وما شوقا إلى البيض أطرب # ولا لعبا مني، وذو الشيب يلعب # ولم يلهني دار ولا رسم منزل # ولم يتطربني بنان مخضب # ولا أنا ممن يزجر الطير همه # أصاح غراب أم تعرض ثعلب # ولا السانحات البارحات عشية # أمر سليم القرن أم مر أعضب # 1 # ولكن إلى أهل الفضائل والنهى # وخير بني حواء، والخير يطلب # إلى النفر البيض الذين بحبهم # إلى الله فيما نالني أتقرب # بني هاشم، رهط النبي، فإنني # بهم ولهم أرضى مرارا وأغضب # خفضت لهم مني جناحي مودة # إلى كنف عطفاه أهل ومرحب # يشيرون بالأيدي إلي وقولهم # ألا خاب هذا، والمشيرون أخيب # فطائفة قد كفرتني بحبكم # وطائفة قالوا: مسيء ومذنب # فما ساءني تكفير هاتيك منهم # ولا عيب هاتيك التي هي أعيب # يعيبونني من خبهم وضلالهم # على حبكم، بل يسخرون وأعجب # وقالوا: ترابي # 2 # هواه ورأيه # بذلك أدعى فيهم وألقب # على ذاك إجرياي فيكم ضريبتي # ولو جمعوا طرا علي وأجلبوا # وأحمل أحقاد الأقارب فيكم # وينصب لي في الأبعدين فأنصب # وقد مر بنا حديث زين العابدين - رضي الله عنه - وهو غلام عليل أوشك أن يتخطفه الموت ~~بكلمة من عبيد الله بن زياد؛ لأنه استكبر «أن تكون به جرأة على جوابه». # فهذا الغلام العليل قد عاش حتى انعقد له ملك القلوب حيث انعقد ملك الأجسام لهشام بن ~~عبد الملك سيد ابن زياد وآله. # وذهب هشام بين جنده وحشمه يحج البيت ويترضى الناس، فلم يخلص إلى الحجر الأسود؛ لتزاحم ~~الحجيج عليه. وإنه لجالس على كرسيه ينتظر انفضاض الناس إذا بزين العابدين يقبل إلى ~~الحجر الأسود في وقاره وهيبته، فيتنحى له الحجيج ويحفون به وهو يستلم الحجر مطمئنا ~~غير معجل، ثم يعود من حيث أتى والناس مشيعوه بالتجلة والدعاء. # وتهول رجلا من حاشية هشام هذه المهابة التي لم يرها لمولاه فيسأل: «من هذا الذي هابه ~~الناس هذه الهيبة؟!» # ويخشى هشام أن يطلع جنده على مكانة رجل لم يتطاول إلى مثل مكانته بسلطانه وعتاده ~~فيقول: «لا ms101 أعرفه.» ويقتضب الجواب. # وهذا الذي تصدى له شاعر آخر قد غامر بحياته ونواله؛ ليقول بالقصيد المحفوظ ما ثقل على ~~لسان هشام أن يقوله في كلمتين عابرتين. # وذلك هو الفرزدق حيث قال: # هذا الذي تعرف البطحاء وطأته # والبيت يعرفه والحل والحرم # هذا ابن خير عباد الله كلهم # هذا التقي النقي الطاهر العلم # هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله # بجده أنبياء الله قد ختموا # وليس قولك من هذا بضائره # العرب تعرف من أنكرت والعجم # إذا رأته قريش قال قائلها: # إلى مكارم هذا ينتهي الكرم # من معشر حبهم دين، وبغضهم # كفر، وقربهم منجى ومعتصم ~~••• # وتصدى عبيد الله بن كثير لأمير مكة - خالد بن عبيد الله - فلعنه، وهو قادر على قتله؛ ~~لأنه يلعن عليا وحسينا في خطبه، وأنشد: # لعن الله من يسب عليا # وحسينا من سوقة وإمام # أيسب المطهرون جدودا # والكرام الآباء والأعمام # يأمن الطير والحمام ولا يا # من آل الرسول عند المقام # طبت بيتا وطاب أهلك أهلا # أهل بيت النبي والإسلام # رحمة الله والسلام عليه # كلما قام قائم بسلام ~~••• # وتنقضي السنون، وتتسامع العربية بشاعر فحل لم يسلم من لسانه أحد، ولم ينزه أحدا من ~~المجزلين له أو المقترين عليه من استحقاق الهجاء، فكان ينشد الأبيات المقذعة، ويسأل عن ~~صاحبها فيقول: «لم يستحقها أحد بعينه بعد، ولسوف يستحقها كثيرون.» # هذا الشاعر العجيب هو دعبل الخزاعي الذي يهز أوتار النفوس بأمثال هذه الأبيات في آل ~~البيت: # مدارس آيات خلت من تلاوة # ومنزل وحي مقفر العرصات! # لآل رسول الله بالخيف من منى # وبالركن والتعريف والحجرات # ديار علي والحسين وجعفر # وحمزة والسجاد ذي الثفنات # 3 # ديار عفاها كل جون مبادر # ولم تعف للأيام والسنوات # إلى أن يقول: # ملامك في أهل النبي فإنهم # أحباي ما عاشوا وأهل ثقاتي # فيا رب زدني من يقيني بصيرة # وزد حبهم يا رب في حسناتي # أحب قصي الرحم من أجل حبهم # وأهجر فيهم أسرتي وبناتي # لقد حفت الأيام حولي بشرها # وإني لأرجو الأمن بعد وفاتي # ألم تر أني من ثلاثين حجة # أروح وأغدو ms102 دائم الحسرات # أرى فيئهم في غيرهم متقسما # وأيديهم من فيئهم صفرات # فآل رسول الله نحف جسومهم # وآل زياد حفل القصرات # 4 # بنات زياد في القصور مصونة # وآل رسول الله في الفلوات! # إذا وتروا مدوا إلى أهل وترهم # أكفا عن الأوتار منقبضات! # ووهب علي بن موسى الرضا للشاعر جائزة من دراهمه المضروبة باسمه وخلع عليه من ثيابه، ~~فبذل له أهل «قم» ثلاثين ألف درهم ليبيعهم الخلعة فضن بها. ثم ترصدوا له في الطريق ~~ليأخذوها منه عنوة تبركا وذكرى؛ فسمح بالمال ولم يسمح بالخلعة، واسترضوه فلم يرض إلا ~~أن يعطوه كما من أكمامها؛ ليدفن معه في كفنه، وتقسموا الخلعة بينهم فخورين بها غير ~~مبالين ما بذلوه في ثمنها. # وانقضت فترة لم تطل، وتسامعت العربية بشاعر آخر أفحل من دعبل، وأقدر منه على التصرف ~~بالهجاء والمديح. # ذلك هو العباس علي بن الرومي الذي نسي ممدوحيه من آل طاهر وبني العباس؛ ليذكر حق حفيد ~~الحسين يحيى بن عمر الشهيد. ولو كلفه ذكره القتل والحرمان. # وفي بعض ما ساقه من النذر لأمراء زمانه مهلكة له قلما يفلت منها قائل بحياته، وذلك ~~حيث يقول من قصيدته الجيمية: # غررتم لئن صدقتم أن حالة # تدوم لكم، والدهر لونان، أخرج # لعل لهم في منطوى الغيب ثائرا # سيسمو لكم والصبح في الليل مولج # بمجر تضيق الأرض من زفراته # له زجل ينفى الوحوش وهزمج # 5 # يود الذي لاقوه أن سلاحه # هنالك خلخال عليه ودملج # فيدرك ثأر الله أنصار دينه # ولله أوس آخرون وخزرج # ويقضي إمام الحق فيكم قضاءه # مبينا، وما كل الحوامل تخدج # وكل أولئك شاعر ينسى التقوى في مواطن شتى من عمله وقوله، ولا ينساها في حق الشهداء من ~~آل الحسين وصحبه؛ لأنه يحس الجمال إحساس الشعراء ويهتز «للصورة المثلى» اهتزاز الأريحية ~~التي يحلم بها رواد الخيال. فهم هنا بمربأة من قيود العيش، ووساوس الحاجة، وأعباء ~~النوازع الأرضية، يستوحون سليقة القول فيما ينبغي أن يقال؛ فيجري على لسانهم كأنهم ~~مسوقون إليه. # بل كل أولئك شاعر لا يسخو بالمدح وهو موصول ms103 بالعطاء الجزيل، ثم هو يسخو به للشهداء ~~وآلهم على غير أمل في نوال، وعلى خوف شديد من الحرمان والوبال. ~~••• # وشاعر آخر لم يكن يهجو من الناس هذا أو ذاك، ولكنه كان سيئ الظن بالناس أجمعين، وكان ~~يقول ما بدا له في الدنيا والدين، ولكنه يجامل مع المجاملين فلا يقصر عن شأوهم في ~~السابقين أو اللاحقين. # ذلك هو أبو العلاء المعري حيث قال في الفجر والشفق: # وعلى الدهر من دماء الشهيدي # ن علي ونجله شاهدان # فهما في أواخر الليل فجرا # ن وفي أولياته شفقان # ثبتا في قميصه ليجيء ال # حشر مستعديا إلى الرحمن # وإن وحي الشعر من سرائر النفوس لأصدق حكما من لسان التاريخ إذا اختلف ~~الحكمان. # ولكنهما قد توافيا معا على مقال واحد، فجلوا لنا من سيرة الحسين - رضي الله عنه - ~~صورة الجمال في عالم المثال، وكذلك يعيش ما عاش في أخلاد الناس. ms104