######OpenITI# #META# URI: 1383CabbasMahmudCaqqad.AfyunShucub.Hindawi93626303 #META# Tags: philosophy #META# ID: 93626303 #META# Title: أفيون الشعوب #META# AuthorID: 64642852 #META# Author: عباس محمود العقاد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # المذاهب الهدامة‏ # العلم والمذاهب الهدامة‏ # بارود لم ينفجر وطباعة لم تطبع‏ # قدوة غير صالحة‏ # الإصلاح والمذاهب الهدامة‏ # الدعوات الهدامة والناشئة (1)‏ # الدعوات الهدامة والناشئة (2)‏ # العائلة والوطن والدين‏ # العامل والماركسية‏ # الحرية والإذاعة‏ # الشيوعية والإسلام‏ # القرم الإسلامية والمذاهب الهدامة‏ # الأدب والمذاهب الهدامة‏ # الوجودية‏ # الوجودية أو الوجدانية‏ # الوجودية بين أنصارها وخصومها‏ # الفوضوية والوجودية‏ # المدرسة الرمزية‏ # المصير‏ # المذاهب الهدامة‏ # العلم والمذاهب الهدامة‏ # بارود لم ينفجر وطباعة لم تطبع‏ # قدوة غير صالحة‏ # الإصلاح والمذاهب الهدامة‏ # الدعوات الهدامة والناشئة (1)‏ # الدعوات الهدامة والناشئة (2)‏ # العائلة والوطن والدين‏ # العامل والماركسية‏ # الحرية والإذاعة‏ # الشيوعية والإسلام‏ # القرم الإسلامية والمذاهب الهدامة‏ # الأدب والمذاهب الهدامة‏ # الوجودية‏ # الوجودية أو الوجدانية‏ # الوجودية بين أنصارها وخصومها‏ # الفوضوية والوجودية‏ # المدرسة الرمزية‏ # المصير‏ # | أفيون الشعوب # | أفيون الشعوب # تأليف # عباس محمود العقاد # | المذاهب الهدامة # يقول كارل ماركس وأتباعه: إن الأديان أفيون الشعوب، وإن الناس يقبلون على الدين لأنه ~~يخدرهم ويلهيهم عن شقاء الحياة. # وهذا القول الهراء عن الدين آخر وصف يمكن أن ينطبق عليه، وأول وصف ينطبق على مذهب كارل ~~ماركس بجميع معانيه. # فالشعور بالمسئولية والمسكرات نقيضان، وما من دين إلا وهو يوقظ في نفس المتدين شعورا ~~حاضرا بالمسئولية في السر والعلانية، ويجعله على حذر من مقارفة الذنوب بينه وبين ضميره، ~~ويوحي إلى الفقراء والأغنياء على السواء أنهم لن يستحقوا أجر السماء بغير عمل، وغير ~~جزاء. # وشتان هذا، وقول القائلين: إن الدين يخدر المرء، كما تخدره المسكرات وعقاقير ~~الأفيون. # إنما المسكر حقا هو مذهب كارل ماركس من جميع نواحيه؛ لأنه يرفع عن الضمير شعوره ~~بالمسئولية ويغريه بالتطاول والبذاء على ذوي الأقدار والعظماء. # إنه يرفع عن الضمير شعوره بالمسئولية؛ لأنه يلقي بالمسئوليات كلها على المجتمع، ويقول ~~ويعيد للعجزة وذوي الجرائم والآثام إنهم ضحاياه المظلومون، وإن التبعة كلها في عجزهم ~~وإجرامهم واقعة عليه، ويتمم عمل السكر بحذافيره حين يطلق ألسنتهم بالاتهام على كل ذي شأن ~~ينظرون إليه نظرة الحسد والضغينة، ويعز عليهم أن يساووه بالعزيمة والاجتهاد. # ولو أنك نظرت إلى فعل «السكرة» في المخمور لم تجد لها في نفسه شهوة تستهويه غير ms01 هذا ~~الشعور بإسقاط المسئولية، وهذا التطاول على أعظم عظيم، كما يقول كل سكران غابت به السكرة عن ~~حقائق الأشياء. وما كان للماركسية من سحر يستهوي السفلة إليه غير هذا السحر الذي يبذلون فيه ~~الدراهم ويجدونه في الماركسية جما بغير ثمن، وعليه المزيد من التغرير بالعقول، وشفاء ~~أدواء الحسد والانتقام. # سكرة رخيصة لا أكثر ولا أقل. # وإنهم ليتحدثون عن «المذهب العلمي» أو يتحدثون عن التفسير «العلمي» للتاريخ، ويكثرون من ~~ذكر العلم والبحث والاستقراء، ثم تنظر فيمن يستهوونهم بهذا الهراء، فلا ترى أحدا منهم يحفل ~~بالعلم، أو يعنيه أمر المعرفة والاستقراء، ولكنك واجد فيهم - على يقين - من يعميهم الحسد عن ~~كل فضيلة، وتندفع بهم الغرائز كما تندفع السائمة على غير هداية، ومن يعملون ولا يفكرون في ~~عاقبة ما يعملون. # إن «الماركسية» إذن لهي الحقيقة بما تفتريه من وصف للأديان والمعتقدات، وإنها لأفيون ~~الشعوب بغير مراء، وكلما بحثت عن سبب صالح لشيوع المسكرات في بيئة من البيئات؛ فاعلم أنه ~~سبب صالح كذلك لشيوع المذاهب الهدامة، ولتفسير هذه الشهوات التي تتلخص في أول الأعراض التي ~~تبدو على السكران: بإسقاط للتبعة، وخلع للحياء، واستمراء للتطاول والبذاء على كل محسود، وإن ~~لم يكن من الأغنياء. # وفي هذه الكلمة الوجيزة - وما يلي من الأحاديث المذاعة في حينها - تنبيه سريع إلى هذه ~~الحقيقة البينة. # ولكنه تنبيه لمن؟ # لا للمخمور الغارق في سكرته، فإنه لا يفيق، ولا يحب أن يفيق، وفي رأسه بقية من ~~خمار. # ولكنها تنبيه لمن ينظرون، لا يكلفهم إلا أن يديروا إليه الآذان والعيون. # عباس محمود العقاد # | العلم والمذاهب الهدامة # من الدعاوى العريضة التي يدعيها أصحاب المذاهب الهدامة أنهم يعتمدون على الحقائق العلمية، ~~ويتجنبون الأوهام والخيالات التي تعلق بها دعاة الإصلاح الأقدمون. ومن أجل هذا يسمون ~~الاشتراكيين السابقين لهم بالحالمين، ويقولون عنهم إنهم خادعون مخدوعون، وإن الاشتراكية ~~الحديثة التي يبشرون بها هي الاشتراكية العلمية التي لا تقيم وزنا لغير الواقع المقرر ~~بالتجربة والمشاهدة، ولا تعد الناس شيئا إلا أن يكون مضمونا حاصلا أو في حكم الحاصل ms02 بعد ~~زمن قريب. # وإذا كان أصحاب المذاهب الهدامة مضللين أو مضللين في كثير من الأمور، فالأمر الأول ~~منها: هو هذه الصفة العلمية التي يسبغونها على مذهبهم، وهو مناقض لكل علم، مخالف لكل حساب ~~صحيح. # مثال ذلك، أنهم يسمون مذهبهم بالمذهب المادي، ويعنون به أنهم يفسرون كل حادث من حوادث ~~التاريخ بالأسباب المادية، ولكنهم يخطئون في تفسير أكبر الحوادث، كما يخطئون في تفسير ~~أصغرها وأهونها، كلما طبقوا عليها سببا من تلك الأسباب. # فإنهم يتحدثون مثلا عن عصور الفرسان والنبلاء، ويعللون زوال هذه العصور بظهور البارود ~~وظهور المدن التجارية، ومن يتحكمون فيها من كبار التجار وأصحاب الأموال. # قالوا: إن الفرسان كانوا يسودون الولايات لخبرتهم بفنون الحرب وأصول الفروسية، واعتصامهم ~~بالقلاع والحصون، وإن سلطانهم قد زال بعد اختراع البارود؛ لأن البارود قد جعل استخدام ~~السلاح هينا سهلا على عامة الناس. وقد جعل الهجوم على القلاع والحصون هينا سهلا كذلك ~~على العامة ومن يقودهم من الأعيان والأغنياء. # وقالوا أيضا: إن انتشار المدن التجارية قد حول النفوذ إلى أيدي أصحاب الأموال والتجار ~~الذين يعرفونهم باسم البرجوازيين، ولهذا زالت سيادة الفرسان الإقطاعيين، وقامت بعدها سيادة ~~التجار وأصحاب الأموال، أو سيادة الطبقة البرجوازية. # ولا يخفى أن تفسير الحركة البرجوازية هو أهم المسائل في الدعوات الهدامة، لأن ظهور هذه ~~الطبقة عندهم هو الدليل على صدق حرب الطبقات، وهو المقدمة عندهم لزوال النظام الحاضر الذي ~~يسمونه بنظام رأس المال. # فهل صحيح أن البارود والمدن التجارية تفعل هذا الفعل في تطورات التاريخ؟ # ألم يظهر البارود في الصين قبل ظهوره في القارة الأوروبية؟ ألم تظهر المطبعة نفسها في ~~الصين قبل ظهورها في الغرب بعدة أجيال؟ ألم يكن في الصين سادة يملكون الأقاليم الواسعة من ~~الضياع والبقاع؟ ألم تكن في الصين مدن تجارية راجت فيها التجارة من قبل عصر الميلاد؟ فلماذا ~~لم يحدث في الصين ما حدث في القارة الأوروبية، إن صح ما يزعمون عن تفسيراتهم للتاريخ؟ ~~ولماذا صنع البارود وصنعت المدن التجارية في الغرب ما لم تصنعه في مملكة ابن السماء ms03 . # ندع هذا وننظر في نبوءاتهم عن المستقبل، وهي في اعتقادهم حق محتوم كالنبوءات الفلكية عن ~~اقتران الكواكب وعن الكسوف والخسوف. # فمن هذه النبوءات عن المستقبل أن البلاد التي تتقدم فيها الصناعة هي البلاد التي تسرع إلى ~~الدعوة الماركسية قبل غيرها، ويتعرض فيها نظام رأس المال للتداعي والانهيار. # فهل هذا هو الواقع المشاهد كما يدعون؟ # كلا! بل الواقع المشاهد أن الماركسية ظهرت في البلاد التي تأخرت فيها الصناعة، وأن نسبة ~~المذاهب الهدامة فيها كنسبتها في التأخر، على النقيض من تفسيرات الماديين. # فالصحيح أنه على قدر التأخر في الصناعة يكون الاندفاع إلى المذاهب الهدامة، ولهذا ظهرت في ~~روسيا ثم في إيطاليا وإسبانيا، ثم في البلاد الصناعية الأخرى على درجات تناسب نصيبها من ~~الصناعة الكبرى، وقد بلغت العصمة من المذاهب الهدامة أشدها في الأمم الصناعية العريقة، كما ~~يشاهد في الولايات المتحدة والجزر البريطانية وبلاد الشمال التي أخذت من الصناعة بنصيب ~~موفور. # وتكاد هذه القاعدة أن تطرد في آسيا كما اطردت في أوروبة وأمريكا، ومن هنا كانت الصين أقرب ~~إلى الشيوعية من اليابان. ولم تنجح الشيوعية بين اليابانيين كما نجحت بين الصينيين الذين لم ~~يمارسوا الصناعة الكبرى، ولم يمارسوا ما هو دونها من الصناعات. # ومن نبوءات هؤلاء القوم الذين يفخرون بالنبوءات العلمية أن العمال والصناع تنقص أجورهم، ~~كلما تضخمت المصانع وتضاعف رأس المال، ولا يزال النقص مستمرا حتى يعز القوت على العامل، ~~ولا يبقى عنده شيء يفقده غير السلاسل والقيود، ويومئذ يطيع من يدعونه إلى الثورة العالمية؛ ~~لأنها تعطيه ملك العالم كله ولا تضيع عليه شيئا غير تلك السلاسل والقيود. # تلك هي النبوءة العلمية التي لا تحسب عندهم من الخرافات ولا من الأوهام، أما الواقع ~~العملي الذي لا شك فيه، فهو أن الأجور تزداد مع تقدم الصناعة، وأن العمال يزدادون اعتمادا ~~على الوسائل الدستورية أو البرلمانية في تحسين أحوالهم، ويزدادون نفورا من الوسائل التي ~~تعرف بالوسائل المباشرة، أي وسائل الثورة والانقلاب. # ومن الجهل بالحقائق أن يقال: إن الثورات التي تحدث في هذا العصر دليل ms04 على صدق النبوءات ~~الشيوعية، وأن العالم يمضي إلى الخاتمة التي تنبأ بها كارل ماركس وتلاميذه المؤمنون بما ~~تخيله وادعاه. # فالثورات والفتن لم تنقطع في القرن التاسع عشر، ولم تنقطع في القرن الثامن عشر، ولم تنقطع ~~في القرون الوسطى، ولم تنقطع قبل ذلك في عهد الدولة الرومانية، ولكنها كانت تحدث لأسباب ~~كثيرة تارة لأجل العقيدة، وتارة لأجل الوطن، وتارة لتبديل حاكم بحاكم أو دولة بدولة. وكل ما ~~تدل عليه أن هناك أسبابا كثيرة لسخط الأمم واندفاعها إلى إصلاح الحكومات. # ولعل هذا العصر الذي نحن فيه يمتاز بخاصة لم تكن شائعة في العصور الغابرة، وهي الدعوة ~~المتوالية إلى السلام والتحكيم وتوحيد المعاملات والعلاقات. فإنها لم تعهد بهذا الإجماع في ~~زمن قبل الزمن الحاضر، وإن كانت لا تزال في مبدئها ناقصة مختلة، ككل عمل إنساني كبير في ~~حالة الابتداء. # والخلاصة مما تقدم أن الاشتراكية العلمية المزعومة ليست من العلم في شيء، وليست نبوءاتها ~~ولا مقرراتها بأصدق من بشائر المخرفين والحالمين من أدعياء الإصلاح في أزمة الجهالة، وربما ~~كانت نبوءتها الكبرى هي أكذوبتها الكبرى، كما سينجلي بعد حين، ولعله قد انجلى من اليوم ~~لعيان الكثيرين. # فالنبوءة الكبرى في عرف الماركسيين هي نبوءتهم عن اليوم الذي تزول فيه الطبقات التي ~~تستولي على وسائل الإنتاج، ولا يبقى فيه أحد غير المعامل والعمال. # فمن اليوم قد تبين أن وسائل الإنتاج تئول شيئا فشيئا إلى أيدي خبراء الصناعة، وخبراء ~~الاقتصاد، وخبراء الدعوة، ومن اليوم قد تبين أن إدارة المعامل وتدبير الثروة لا تئول إلى ~~العامل الصغير بمجرد زوال رأس المال؛ بل تستولي على تلك الإدارة طبقة من ذوي الاختصاص الفني ~~لا تستغني عنها الحكومة؛ بل ستكون هي الحكومة المتصرفة في الإنتاج، وفي المطالب المختلفة، ~~وفي التوزيع والإشراف على طلب الخامات وتصريف المصنوعات، كما قلنا في حديث غير هذا ~~الحديث. # وعلى نقيض ما يزعمه الماركسيون، يأتي الحاضر بتكذيب النبوءات الهدامة واحدة بعد واحدة، ~~ولا يتقدم الزمن فترة بعد فترة إلا انهدم ركن من مذهب هدام، ولحقت به أركان لا ms05 تقوى على ~~الثبات. ~~••• # لو كانت المذاهب الهدامة فلسفة مقنعة لما عول أصحابها على الجهلاء الذين لا يفكرون ولا ~~يهتدون إلى الحقائق ولو صبروا على التفكير فيها. فإن الحكم على حقائق التاريخ في أطوار ~~الإنسانية جميعها مطلب عسير لا يقدر عليه الجهلاء الذين يجندهم الهدامون للتخريب والفتنة ~~العمياء، ومثل هؤلاء قد انقادوا من قبل لكل ناعق، ولم يسألوه قط عن فلسفة ولا برهان مقنع، ~~وحسبهم من الدعاة أنهم يقودونهم إلى الشر والفوضى، ويفتحون أمامهم مصرفا لما طبعوا عليه من ~~نوازع الجهل والخراب. # وقد يتفق للهدامين أن يستجيب لهم طائفة من المتعلمين أو العلماء، فمن عرف هذه الطائفة ~~أيقن أنها لا تخلو من أحد اثنين: فالعالم الذي يستجيب لمذاهب الهدم إما أن يكون من زمرة ~~ممسوخة الطبائع، مطوية على الحسد والبغضاء، ممتلئة بالغرور الذي يسول لها أن تطاوع كل نقمة، ~~وتستكثر الخير على كل إنسان، فإن لم يكن العالم المستجيب للمذاهب الهدامة من هذه الزمرة فهو ~~مخدوع فيها يتحول عنها بعد العلم بحقائقها والاطلاع على مساوئها، كما قد تحول عنها كثير من ~~الكتاب والحكماء الذين أقبلوا عليها مخلصين، ثم أعرضوا عنها مخلصين. ~~••• # إن الاشتراكية العلمية إذن خرافة لا علم فيها، وقد يطول شرح هدف الاشتراكية، ويطول البحث ~~في قواعدها ومبادئها، وفي مواطن الضعف منها، ولكن العقل الذي يعرف شيئا من العلم والفهم، ~~لا يحتاج إلى شرح طويل ليعلم أن نظرة القوم إلى أطوار الإنسانية نظرة باطلة، وأن حكمهم على ~~المستقبل القريب أو البعيد حكم مردود. # إنهم يدعون أن زعيمهم كارل ماركس قد فرض على المستقبل نظاما لن يختلف بعد آلاف السنين، ~~وأنه قد أجرى حكمه على المجتمعات الإنسانية إجراء حاسما دائما، لن يقبل التبديل ~~والتنويع، وقد تجوز على العقل الآدمي المستقيم كل خرافة من خرافات الأساطير، قبل أن تجوز ~~عليه خرافة تزعم أن الفرد الواحد يسلط فكره على الدهور المقبلة إلى غير نهاية، فإن الغول ~~والعنقاء لأقرب إلى العلم من هذه الدعوى التي لا علم فيها ولا تقدم، والتي يروجها دعاتها مع ms06 ~~هذا، وهم يفخرون بأنهم هم العلميون، وهم التقدميون. # | بارود لم ينفجر وطباعة لم تطبع # تواتر القول بأن اختراع المطبعة واختراع البارود قد كانا فاتحة عهد، أو نقطة تحول في ~~تاريخ الحضارة الحديثة. وبين المطبعة والبارود مناسبة، أو مشابهة قريبة، وهي مشابهة ~~«التعميم». # فقد أصبح الكتاب ميسورا لكل من يطلبه بعد نشر الطباعة، وقد كان قبل ذلك موقوفا على رجال ~~الدين أو على الذين يتفرغون لنسخ الكتب ودرسها، وكلاهما يلجئ الطالب إلى تفرغ ~~وانتظار. # وقد أصبح حمل السلاح ميسورا لمئات الألوف وألوف الألوف بعد صنع الرامية البارودية، وقد ~~كان السلاح الفعال حكرا قبل ذلك لفرسان القلاع. # ولهذا ارتبطت العلاقة بين المطبعة والبارود وبين الديمقراطية وحرية الشعوب، وصور المؤرخون ~~هذه العلاقة على صور شتى يصح بعضها، ويحيط الخطأ الكثير ببعضها الآخر. وهو الذي نتناوله هنا ~~بالتصحيح. # فالخطأ الكبير أن يقال إن المطبعة والبارود هما سبب التحول، أو سبب القضاء على دولة ~~الكهانة، ودولة الفرسان. # والصواب أن يقال: إنهما أداة التحول أو علامة التحول، وإن الفكرة الإنسانية هي السبب ~~الفعال وراء كل أداة. # فالقلعة قد انهدمت في اليوم الذي أنكر فيه الناس سلطانها، وطلبوا السلاح الذي يقاومها ~~ويغني عنها، ومسألة السلاح واختراعه بعد ذلك، هي مسألة زمن، أو مسألة تجويد لصناعة من ~~الصناعات المستحدثة، كما تحتاج كل صناعة إلى زمن للتجويد. # والكهانة قد انهدمت يوم أنكر الناس علمها بكل شيء، واطلاعها على كل سر، وحاجة الإنسان ~~إليها في خلاص روحه من الهلاك، وخلاص عقله من الجهالة. ومسألة الكتب وانتشارها بعد ذلك هي ~~مسألة الوسيلة التي ارتسمت غايتها قبل اختراع آلاتها. ~~••• # حذار في هذه القضايا التاريخية من اثنين: أحدهما القائل الذي يحب تسيير الأقوال، وإبرام ~~الأحكام، فهو يتخير الأعاجيب لتسير، ويفضل من الأحكام أسرعها إلى الإبرام. # وثانيهما: الخليق بأن نحذره، هو المفسر المادي للتاريخ، فإنه يرفض كل سبب يرجع إلى النفس ~~والوجدان، حتى إذا عثر على سبب يرجع إلى مادة جامدة هلل له وكبر، وكانت صحة السبب عنده على ~~قدر جموده وخلوه من الفكر ms07 والضمير. # أما حقيقة الأسباب التي لا شك فيها، فهي أن الفكرة الإنسانية هي الأداة وراء كل أداة، وأن ~~الأدوات والمكنات، ما لم تكن وسيلة لفكرة إنسانية هي والحجارة المنبوذة بالعراء ~~سواء. ~~••• # قالوا: إن البارود هو الذي هدم القلعة، وإنه هو الذي نقل السلطان من أبطال الحصون إلى ~~أبطال المدن التجارية. # وهذه حركة قوامها عند المفسرين الماديين للتاريخ، هو براميل البارود والنبلاء وتجار ~~المدن، ولا سيما المدن التي على البحار. # هذه هي عناصر الحركة التي نقلت الدنيا من عهد الإقطاع إلى عهد «البورجوازية»، إلى ما ~~وراءه من العهود. # وهذه العناصر كلها كانت في الصين من عشرات القرون، البارود والنبلاء والمدن التجارية، فلم ~~تنتقل خطوة واحدة من تلك الخطوات التي حركت الحضارة الأوروبية من أطوار القرون الوسطى إلى ~~أطوارها في القرن العشرين. # إن بعض المؤرخين يشك في سبق أهل الصين إلى اختراع البارود؛ لأنه يربط اختراعه بالكشف الذي ~~سجله «روجرز باكون» في معمله عند منتصف القرن الثالث عشر، ويرى أن وجود البارود يتوقف على ~~وجود ملحه # Saltpetre ~~، وهو لم يكن معروفا - في زعمه - قبل ~~روجرز باكون. # إلا أن الراجح، أن روجرز باكون نفسه قد عثر على الصيغة الكيمية في المرجع العربي، الذي ~~أشار إليه «أومان» في تاريخ فن الحرب، فإن لم يصح هذا، فالصحيح بلا مراء أن هذا الملح يوجد ~~على سطح الأرض في بلاد آسيا الشرقية، ومنها الهند التي يوجد بها على سطح الأرض إلى ~~اليوم. # وندع هذا، ونرجع إلى الزمن الذي انقضى بين كشف البارود والانتفاع به في الحملات على ~~القلاع والحصون. # لقد مضت ثلاثة قرون منذ جاء ذكر البارود في أوراق روجرز باكون، إلى أن أصبح قوة فعالة في ~~الهجوم على المعاقل المحصنة، وقد مضت هذه القرون في تنقية الأخلاط، وضبط المقادير الصالحة ~~لسرعة الانفجار، وتركيب هذه الأخلاط تركيبا موافقا للأدوات التي أمكن اختراعها يومئذ، ~~سواء أكانت مما تحمله اليد، أم تجره الخيول، وكانت مشكلة الوقت الذي ينقضي بين إطلاق ~~القذيفة، وتعبئة المدفع أو الرامية عقبة معوقة، ولم تكن ms08 من أسباب الإسراع والتغلب. # ولا شك أن المنجنيق الذي كان يقذف الحجارة على قرب قد كان أفعل من المدافع الأولى في ~~تهديد الحصون والقلاع، بل استطاع الهوجنوت إلى أوائل القرن الثامن عشر أن يقاوموا المدفع ~~حول الحصون بمتاريس التراب، وما إليها، فلم يكن البارود إذن هو القوة الحاسمة في تغلب نظام ~~على نظام، ولم يكن استخدام المدفع الأول أسهل من فنون الفروسية، التي احتكرها نبلاء القرون ~~الوسطى. # وأصح من هذا أن يقال إن البارود في أوروبة، قد أفاد في ميدان الصناعة قبل أن يفيد في ~~ميدان القتال، لأن بدعة الأسلحة النارية حولت الأنظار إلى البحث عن الحديد والفحم، فنشطت ~~حركة التعدين، واستفادت منها الصناعات الحديثة، مع توالي الطلب عليه حسب حاجة العصر ~~الحديث. ~~••• # إن كان في سبق أهل الصين إلى اختراع البارود قليل من الشك، أو كثير فليس هناك قليل من ~~الشك أو كثير في سبقهم إلى اختراع المطبعة بنوعيها، ونعني بالنوعين المطبعة الثابتة التي ~~تطبع الصفحات دفعة واحدة، والمطبعة التي تعتمد على الحروف المنفصلة قبل تركيبها في ~~الصفحات. # هذان النوعان من الطباعة وجدا في الصين واليابان وكورية، منذ اثني عشر قرنا أو تزيد، ~~ولكن الطباعة بنوعيها، لم تنقل الصين من أطوارها التي كانت عليها في القرون الأولى للميلاد ~~إلى أطوار القرن العشرين كما شهدتها البلاد الأوروبية. # فلماذا لم يحدث هذا الانتقال في الصين بفضل المطبعة، كما حدث في البلاد الأوروبية؟ # لاختلاف الفكرة واختلاف الثقافة. فإن الفكرة التي اخترعت الكتابة الصينية قد جعلت لزاما ~~على الطابع أن يستعد بمئات العلامات قبل أن يحيط بمقاطع الهجاء، فلم يكن في الطباعة تيسير، ~~ولم يكن فيها إسراع ولا إيجاز، ولم تنفع أصحابها الذين سبقوا الغرب إلى اختراعها بعدة ~~قرون. # أما اختلاف الثقافة، فهو ها هنا بيت القصيد. # في الغرب كانت الثقافة هي التي طلبت المطبعة؛ فوجدت المطبعة سدا لحاجة مطلوبة. # وفي الصين وجدت المطبعة، ولم تطلبها الثقافة، فوقفت المطبعة عند غايتها الأولى، وهي نقش ~~الحرير وغيره من المنسوجات، ولم تكن المطبعة وحدها هي ms09 القوة الفعالة في توجيه الأفكار ~~وتنبيه النفوس. # وها نحن أولاء نبصر المطابع بيننا على أحسن صنع وأحدث طراز، ونبصر كل يوم صنوفا من الكتب ~~والمجلات والصحف تنشرها هذه المطابع، وتيسر عرضها، وتعلن القراء بظهورها، ولكنني أسعى إلى ~~كتاب فأطلبه، وأبذل فيه ثمنه، وأمر بعشرات غيره فلا أطلبها، ولا أقبلها بغير ثمن، لأن ~~المطبعة في الواقع هي الأداة التي تكمن وراءها الفكرة الإنسانية، وليست هي العامل الحاسم ~~الذي يملي على الإنسان ما يقرأه، وما يحب قراءته، فضلا عما يأباه، ولا يلقي عليه نظرة، ولو ~~كان بين يديه. # وقد قيل إن المطبعة هي التي هدمت سلطان الكهانة، ونسي هؤلاء القائلون أن سلطان الكهانة ~~كان هو «العميل الأكبر» للمطبعة، ولا يزال حتى اليوم كذلك. فإن ملايين النسخ من الكتب ~~الدينية لم تزل تصدر كل عام من المطابع منذ منتصف القرن الخامس عشر إلى يومنا هذا، ولو أننا ~~أحصينا نسخ الأناجيل والشروح الدينية، وأحصينا نسخ الكتب الأدبية والعلمية لكانت مادة الدين ~~أرجح من كل مادة منفردة في أبواب العلوم والفنون والآداب، ولو شاء قائل أن يقول إن المطبعة ~~عززت سلطان الكهانة؛ لكان له من الإحصاء دليل لا يقل في صدقه ووفرة شواهده، عن أدلة ~~القائلين بالهدم والتقويض. # والمطبعة هي هي في كل مكان، فما بال المطبعة في بلد تخرج للناس مليون مصحف، وتخرج في ~~البلد الآخر مليون إنجيل؟! بل ما بال المطبعة في البلد الواحد تخرج هنا صحيفة محافظة، وتخرج ~~إلى جانبها صحيفة حرة، وتخرج معهما صحيفة بين بين، ولا تمتد يد القارئ إلا إلى الصحيفة التي ~~يعرفها، ويريديها، ويقبل آراءها؟! # إن سبب هذا كله في رأس الإنسان وبين جوانحه، وليس مرجعه إلى حديدة كبيرة هنا، أو حديدة ~~صغيرة هناك، أو إلى مطبعة تخرج مليونا في الساعة، ومطبعة لا تخرج غير الألوف في الساعات ~~والأيام. # ولقد كانت المطبعة حقا «نقطة تحول» في تاريخ الحضارة الإنسانية، ولكن الإنسان هو الذي ~~تحول؛ فحولها، وهو الذي طلب الكتاب؛ فأوجد الأداة التي تعطيه الكتاب. # وإذا كان في هذا ms10 العالم أناس ينظرون إلى العقول وهي تزدهر، وإلى النفوس وهي تتوثب، فلا ~~يستريحون حتى يردوا ذلك كله إلى رطل من الحديد، أو حفنة من الملح المسحوق، فمن حقنا نحن أن ~~لا نستريح كلما رأينا أداة تصنع الأعاجيب وتزودنا بسلاح المعرفة أو سلاح القوة، إلا أن نشير ~~من وراء ذلك إلى النفس المتوثبة، والعقل الخالد والقريحة المنجبة لنا ما نريد. # | قدوة غير صالحة # تعود بعض الناس أن يعطلوا عقولهم عند وزن الكلام الذي يعرض عليهم، فهم لا يزنونه بميزان ~~النقد والعلم والخبرة الصادقة، ولكنهم يتركون حقائق الأقوال، ويغترون بمظاهر القائلين. فإن ~~كان قائل الكلام غنيا، أو وجيها، أو صاحب نفوذ فكلامه صادق وبليغ ومقبول، وإن لم يكن ~~كذلك فحكمته جهالة، وصدقه كذب، وإخلاصه مشكوك فيه. # لهذا جاء في المثل السائر: «انظر إلى ما قيل، لا إلى من قال.» وهي نصيحة رشيدة، إذا كان ~~الغرض منها أن نهتم بحقائق الأقوال، ولا نجعل اهتمامنا كله مقصورا على مظاهر ~~القائلين. # إلا أن تمحيص الكلام لا يغنينا عن تمحيص المتكلم في كثير من الأحوال، ولهذا يهتم الناس ~~دائما بتراجم العظماء، وسير البلغاء، ليعرفوا موضع الثقة، ويتبينوا الفرق بين المخلصين ~~وغير المخلصين في الهداية ودعوات الإصلاح. وقد أشرنا إلى ذلك في مقام آخر فقلنا: «إن الكلمة ~~تختلف معانيها باختلاف قائليها.» وكلمة مثل قول المعري: # تعب كلها الحياة فما أعج # ب إلا من راغب في ازدياد # يؤخذ منها ما لا يؤخذ مما تسمعه في كل حين بين عامة الناس من السخط على الحياة. فإننا نثق ~~بأن المعري مارس الأمور الجوهرية في الحياة، ودرس الشئون التي تكون بها عذبة أو مرة، ونكدا ~~أو رغدا، ولم يسبر منها أولئك العامة إلا ما يقع لهم من أمور عرضية لا تكفي للحكم على ماهية ~~الحياة. وقد يقول أحدهم إن الدنيا كلها شر وظلم؛ لأنه كان يطمع في عشرين قرشا، فلم يصل إلى ~~أكثر من عشرة قروش. # فنحن نعرف الكثير من دعاة الإصلاح خاصة إذا عرفنا كيف كانوا يطبقون كلامهم على أنفسهم، ms11 ~~ونتبين الفرق بين الجدير منهم بالثقة، والجدير منهم بالشك والريبة، إذا عرفنا أمانتهم في ~~تطبيق المذهب الذي يدعون إليه. # على هذه القاعدة نعرض في هذا الحديث لسيرة زعيم من زعماء المذاهب الهدامة؛ بل لعله أكبر ~~زعيم من زعمائها، وهو كارل ماركس الذي تنسب إليه الشيوعية، فتسمى بالماركسية في بعض ~~الأحيان. # كان هذا الزعيم يبني مذهبه كله على أساس واحد، وهو: «أن من لا يعمل لا يأكل» ... وبهذا ~~المبدأ أراد في دعواه أن يبطل استغلال العاطلين للعاملين. # فإذا رجعنا إلى سيرته في حياته، فماذا نرى من دلائل الأمانة في تطبيق هذا المبدأ، الذي ~~أراد أن يكون فيه قدوة للمقتدين؟ # خلاصة الحقائق المستمدة من حياته أن الناس جميعا لو جروا على طريقته لماتوا جوعا، وأنه ~~هو لو عاش بما كسبه من عمله لما عاش أكثر من سنة واحدة على أبعد احتمال. # في خطاب من خطابات أبيه المحفوظة يقول له: «ماذا تظن! كأننا مصنوعون من الذهب؟» وفي خطاب ~~آخر يقول له: «لسوء الحظ أراك تؤيد بسلوكك رأيي الذي كونته عنك، وهو أنك على ما فيك من خصال ~~حسنة - أناني تغلب الأنانية على جميع صفاتك.» # وإنما كتب أبوه إليه ما كتب في هاتين الرسالتين، لأنه كان لا ينتهي من طلب المال وإنفاقه ~~في غير جدوى، وكان يثقل على أبيه بالطلب مع علمه باتساع أسرته، وقد كان فيها ثمانية أبناء ~~يحتاجون إلى التربية والتعليم. # ومات أبوه فوجب أن يخلفه هو في رعاية بيته، ولكن الذي حدث هو أنه لبث إلى الرابعة ~~والعشرين من عمره عالة على أمه وإخوته؛ فاضطرت أمه أن تكتب إليه ومعها أخته التي كانت تسمى ~~صوفي، وقالتا له: إنه لا ينتظر بالبداهة أن يعيش «طفيليا أبديا»، وأنذرتاه بقطع المعونة ~~عنه إذا لم يبحث له عن مورد رزق يغنيه. # في تلك الآونة كانت تصدر في بلاد الرين صحيفة تسمى «رنيش جازيت # Rhenish Gazette ~~» وكانت تتطرف في دعوتها إلى الاشتراكية، فأنذرتها الحكومة ~~بالإغلاق إذا هي لم تعدل عن خطتها وتخرج منها الكاتب المسئول عن ms12 سياستها، وكان شابا من ~~أصحاب كارل ماركس اسمه روتنبرج # Rutenberg ~~. فلما سئل كارل ~~ماركس عن رأيه في موقف الحكومة أشار بإخراج ذلك الكاتب، وقبل أن يتولى تحرير الصحيفة بعده. ~~وتولى التحرير فعلا على خطة جديدة تنحي على الاشتراكية والاشتراكيين، وأعدادها التي كتب ~~فيها تلك الحملات محفوظة إلى اليوم. # أغلقت الصحيفة بعد شهور من أجل مقالة تتعلق بالطلاق والزواج ولا شأن لها بالدعوة ~~الاشتراكية، فهجر كارل ماركس بلده وذهب إلى باريس ليعلن الدعوة الاشتراكية التي كان ينحي ~~عليها، فلم تفلح الصحيفة الجديدة، وعاد كما كان بلا عمل ولا رغبة في العمل، وظل يعيش من ~~معونة كان يتلقاها من بعض أصهاره في هولندة، حتى انقطع هذا المورد فألقى عبأه كله على ~~أصحابه ومريديه. # قد يخطر لأحد أن الرجل كان يترك طلب الرزق لأنه كان مشغولا بالدعوة إلى مذهبه، سواء كان ~~مخلصا لهذا المذهب أو كان متهما في إخلاصه. # لكن الواقع أنه كان لا يطيق العمل لطلب الرزق ولا لنشر الدعوة. ففي هذه الأثناء أشفق عليه ~~بعض رفقائه فأقنعوا لسكي # leske # بالاتفاق معه على تأليف ~~كتاب في موضوع الاقتصاد وعلاقته بالسياسة، وهو الموضوع الذي تدور عليه دعوته الشيوعية. فتم ~~الاتفاق في سنة 1844 وقبض كارل ماركس من ثمن الكتاب ألفا وخمسمائة فرنك، ومضت أربع عشرة ~~سنة، ولم يظهر الكتاب. وحلت سنة 1858؛ فإذا بكارل ماركس يتفق مرة أخرى مع ناشر آخر على ~~تأليف الكتاب. وكان الناشر الجديد هو الهر دنكر # Dunker # الذي كان ينشر رسائل الزعيم الاشتراكي لاسال فانقضت السنون، ولم يظهر الكتاب ~~الموعود. # وضاقت موارد الرزق بالرجل لكسله وإخلافه لوعوده واتفاقاته، وكان قد انتقل إلى العاصمة ~~الإنجليزية، وسعى بعض عارفيه لتدبير عمل له يواظب عليه، ويكسب منه قوته. فاتفق مع صحيفة ~~نيويورك تربيون # Tribune # على مقال أسبوعي أو مقالين يرسلهما ~~إليها من العاصمة الإنجليزية، ويؤجر على كل مقال بعشرين شلنا، فلم ينشط لكتابة هذه الرسائل، ~~واعتمد على زميله أنجيلز ليكتبها باسمه، ويساعده مع ذلك بمعونة من عنده، ولم يزل كذلك حتى ~~انقطعت مراسلته ms13 للتربيون. # ويعتبر كتاب «رأس المال» إنجيل الشيوعية المقدس عند أتباعها. فكان من المعقول أن يفرغ نبي ~~الشيوعية لإتمام إنجيله الذي تقوم عليه دعوته، ولكن النبي لم يكن يقترب من صفحات إنجيله إلا ~~تحت ضغط شديد من الحاجة العاجلة الملحة. وما هو إلا أن استقل زميله أنجيلز بتجارة أبيه ~~واستطاع أن يخصص لكارل ماركس معاشا سنويا دائما، حتى طوى النبي كتابه المقدس طي الأبد، ~~وتركه ناقصا كما بقي حتى الآن. # هذا هو الإمام الذي خرج للناس ليبشرهم بقداسة العمل، ويبغضهم في المتبطلين الذين يعيشون ~~عالة على غيرهم. فلو أنه عومل بالشريعة التي أراد أن يفرضها على الناس، لهلك جوعا، وأنصفته ~~الدنيا على حد قوله: «من لا يعمل لا يأكل»، ولم يكن هو من الذين يعرفون أمانة العمل، ~~ويتحرجون من أخذ المال بغير جزاء. # والعجب العاجب في أمر هذا الرجل الذي استباح الأجر بغير عمل، أنه خشي من منافسة الزعيم ~~باكونين، وبحث عن سبب للتشهير به وتجريحه وحمل المؤتمر الاشتراكي على فصله، فماذا كان السبب ~~الذي بنى عليه حملة التشهير، وطلب الفصل والتحقير؟ سبب عجيب من كارل ماركس: وهو أن باكونين ~~قد دنس سمعة الاشتراكيين، لأنه اتفق مع ناشر في روسيا على ترجمة كتاب، ولم ينجز ترجمة ذلك ~~الكتاب. # ونص الحملة موجود في سجلات المؤتمر، ونص الاتفاق بين ماركس وبين لسكي وبين دنكر موجود ~~كذلك في تراجم هذا الرجل المريب. # فإذا كانت هذه الصفحة المدنسة مفتقرة إلى سواد فوق سوادها، فقد يزيدها سوادا، أن نعلم أن ~~باكونين كان استاذا لكارل ماركس في الآراء الديمقراطية، وأن هذا الجزاء السيئ كان نصيب كل ~~أستاذ، وكل زميل، وكل صاحب اتصلت حياته بحياة هذا الرجل. وقد مضى بنا اسم الزعيم لاسال في ~~هذا الحديث، وعرفنا منه أنه توسط لكارل ماركس عند ناشر مؤلفاته ليساعده بنشر كتابه، فمن شاء ~~أن يرجع إلى رسائل كارل ماركس فلينظر، كيف كان وفاؤه لهذا الفضل عليه؟ إنه كان يقول عن ~~لاسال أنه يفكر تفكير الزنوج، وأن ملامحه تدل على وراثة زنجية، ms14 ثم يشفع ذلك بالتلميح إلى ~~عفاف أمهاته قبل جيل! # ويستطيع من شاء أن يرجع إلى أسماء أساتذته وزملائه واحدا واحدا، فلن يجد إنسانا منهم ~~سلم من تهمة شائنة أو وصف بغيض. ولا استثناء لغير شخص واحد هو الذي كان محتاجا إلى معونته ~~المالية مدى الحياة، وهو فردريك أنجيلز. ومع ذلك نقرأ رسائل أنجيلز إليه فنرى كيف وصفه في ~~إحداها بجمود العاطفة والأنانية، ونقص المروءة والشعور. ~~••• # إن الحقائق التي لخصناها هنا عن زعيم الشيوعية بعض ما عرف عنه من هذا القبيل، وكلها مستمد ~~من سجلات الحركة الشيوعية، التي دونها دعاتها وأنصارها، فمن كان لا يعميه غرض ولا هوى، فلا ~~صعوبة عليه في فهم الرجل على حقيقته التي لا تحتمل المغالطة والخداع، فهو مثل في التطفل، ~~ومثل في طوية الشر والكنود، ومن كان كذلك لا يقتدى به في شريعة العمل، ولا تفيض نفسه بخير ~~صحيح لمن يجهلهم من بني آدم وحواء، وقد كان أقربهم إليه يلقون منه الشر في موضع الخير، ولا ~~يجدون فيه موضعا للثقة والاقتداء. # | الإصلاح والمذاهب الهدامة # كل مذهب من المذاهب الاجتماعية، فالداعون إليه يزعمون أنهم يريدون به الخير ويقصدون إلى ~~الإصلاح. # ولكن هذه الدعوى لا تصدق في جميع الأحوال؛ بل تختلف المذاهب في صلاحها حتى يأتي منها ~~الضرر، حيث تراد المنفعة. فمنها ما يصلح كثيرا، وما يصلح قليلا، ومنها ما يعطل الإصلاح ~~ويفسده؛ لأنه بطبيعته مناقض لطبيعة الإصلاح. # مذهب الماركسيين - فيما نعتقد - من هذه المذاهب التي تناقض الإصلاح بطبيعتها، وتعطل ~~الحركات المصلحة أن تستقيم في وجهتها، وتضيع جهود الأمم التي ينبغي أن تتوفر، وتصان عن ~~الضياع، وقد تعرف هذه الحقيقة بالتفصيل، وقد يكفي فيها القليل من البيان؛ لأنها لا تحتجب ~~إلا حين تحجبها عماية الهوى ولجاجة الغرض، وهي لولا ذلك أقرب الحقائق إلى الظهور ~~والجلاء. # فلا حاجة بالإنسان إلى البحث الطويل ليعلم أن الطب الذي يداوي جميع الأمراض بدواء واحد طب ~~فاسد، أو ليعلم أن الطبيب الذي يعالج كل بنية بوصفة واحدة يدعي الطب ولا يصلح ~~للتطبيب. # فإذا ms15 كان الطب طب الأمم والمجتمعات فعلامة الجهل، أو علامة التدجيل، أن يحاول الطبيب ~~المزعوم مداواتها من جميع العلل بوصفة واحدة، وأن ينسى ذلك الطبيب أن الأمم تتفاوت في ~~الطبائع، وتتفاوت في العلل، وتتباعد في أسباب الشكوى، كما تتباعد في أسباب البرء من شكواها، ~~ولا يحدث في وقت من الأوقات أن تشكو كلها علة واحدة، وتصح كلها بعلاج واحد، فقد يكون الشفاء ~~لواحدة منها مرضا لغيرها، وقد يكون النظام الذي يضرها في فترة من الزمن، هو المنفعة كل ~~المنفعة في غير تلك الفترة. # إن الأمة من الأمم تحس شكواها فتبحث عن علتها، وقد تهتدي إلى العلة مرة، وتضل عنها مرة، ~~وهي في اهتدائها وضلالها على السواء، تتعلم وتقترب يوما بعد يوم من العلاج المفيد. # وهكذا يكون العلاج الذي تستمده الأمة من كيانها، وتعتمد فيه على تجاربها وهداية فكرها ~~ووجدانها، فتختار حكومة بعد حكومة، وتنشئ نظاما بعد نظام، وتشرع في التجربة، ثم تمضي فيها، ~~أو تعدل عنها، أو تحتال على تعديلها، وبهذه المحاولات تتربى الأمم وتتقدم، وتبلغ رشدها من ~~طريق النمو الطبيعي الذي ينمو عليه جميع الأحياء. # ماذا يصنع الماركسيون، أو الشيوعيون لأمم الأرض في هذا العصر الذي نشطوا فيه للدعوة أو ~~للإصلاح المزعوم؟ # هل تركوا الأمم تتربى وتتعلم، وتستفيد من التجربة، وتتخذ لها من ماضيها سبيلا إلى ~~حاضرها، ومن حاضرها سبيلا إلى مستقبلها؟ # كلا. لم يفعلوا ذلك، ولم يميزوا بين أمة وأمة في علل فسادها، وأسباب صلاحها، بل جعلوا ~~الأمم كلها مريضا واحدا يتداوى بعلاج واحد، وصنعوا كما يصنع الخرافيون، الذين يدعون الناس ~~إلى ترك دوائهم وترك أطبائهم، ويصفون لهم المعجزة التي تشفي من جميع السقام، وتبرئ من جميع ~~الشكايات. # إن اسم الدجال هو الاسم الذي يطلقه الناس بداهة على من يتصدى للعلاج وليس لديه غير علاج ~~واحد يصفه لمن يشكو بجوفه، ويصفه لمن يشكو بعظامه، ومن يشكو بأعصابه، أو يصفه للطفل في ~~الرابعة وللفتى في العشرين وللشيخ في الستين والسبعين، أو يصفه للعجوز والفتاة والصبية ~~والجارية، كما يصفه للرجال في ms16 جميع الأسنان، وعلى اختلاف الأمزجة والأجسام. # إن اسم الدجال هو الاسم الوحيد الذي ينطبق على من يتعاطى الطب على هذه الوتيرة، ولكن ~~هؤلاء الماركسيين أو الشيوعيين، ينكرون أنهم دجالون، ويؤكدون للناس أنهم هم الأطباء ~~النطاسيون، ووصفتهم مع هذا - وصفة واحدة للصين والهند، وللعراق ومصر، ولروسيا وفرنسا، وللجزر ~~البريطانية والولايات الأمريكية - معجزة لا معجزة مثلها في خرافات الأولين والآخرين، تشفي من ~~الحمى والجذام، وتشفي من السل والزكام، وتشفي من الهيضة والطاعون، وتشفي من العته والجنون، ~~وتشفي من الكسور والجراح، ومن العجز والكساح، ومن الورم والسرطان، وتصلح لكل إنسان، في كل ~~أمة وفي كل مكان. # وآفة هذا المذهب الخبيث أنه يعطل الإصلاح، ويضلل عن طريق الصلاح، فلا يعالج الأمم من ~~دائها، ولا يتركها تلتمس دواءها من تجاربها ومحاولاتها، ولا سبيل إلى تقدم أمة بغير هذه ~~التجارب والمحاولات. # ولقد ظهرت عواقب هذا البلاء، وتزداد ظهورا مع الأيام والأعوام، ولكننا نتمثلها، ونتمثل ~~مبلغها من الضرر الوخيم إذا رجعنا مع الزمن، وقدرنا أن هذه الدعوة الماركسية قد شاعت قبل ~~خمسين سنة، أو قبل مائة سنة، فماذا تكون العاقبة اليوم؟ وأين تذهب الجهود التي أثمرت ~~ثمراتها في هذه السنين؟ أين كانت تذهب اليقظة التي تيقظتها الصين؟ وأين كانت تذهب نهضة ~~الحرية في الهند، وأين كانت تذهب حركات الاستقلال في أقطار المشرق والمغرب؟ وأين كانت تذهب ~~العلوم والصناعات التي أسفرت عنها دعوات الإصلاح، كما تنوعت بين أنواع الأمم ~~والأقوام؟ # لو قال قائل للأمم قبل خمسين سنة: إن الإصلاح كله عبث ضائع، وإن الدواء كله هو الثورة ~~العالمية التي يبشر بها الماركسيون، فأي خسارة كانت تحيق بالأمم، وأي ضياع للجهود كانت ~~تبتلى به لو سمعت منهم ذلك النعيب، وانطلقت معهم في الهدم والتخريب؟ # لا فرق بين كثير من الأمم في وقتنا هذا، وبين كثير من الأمم كما كانت قبل خمسين سنة، ولا ~~تزال هذه الأمم في حاجة إلى التقدم بوسائلها، التي لا تتشابه بين أمة وأمة، ولا يتأتى ~~الاعتماد فيها على شيء غير تراث الأمة في ماضيها وتجاربها ms17 في حاضرها، فإذا ابتليت إحداها ~~بدعوة الشيوعية فسوف تعوقها خمسين سنة عن طريقها ثم تعود بعد زوال الغاشية إلى نفسها ~~لتستأنف جهودها في طريق تعترضه الخرائب والإطلال. # وكما تعوق الماركسية إصلاح الشعوب، تتسرب إلى ضمائر الأفراد؛ فتعوق إصلاحهم، وتصرفهم حتى ~~عن محاولة الإصلاح بالوسيلة التي تم بها كل إصلاح، وهي وسيلة الندم، ومحاسبة النفس، وعرفان ~~الخطأ، والعمل على اجتنابه، والخلاص من جرائره ومغرياته ودواعيه. # فمن قديم الزمن، لم يعرف الإنسان سبيلا إلى إصلاح عيوبه غير محاسبة النفس، والعودة عليها ~~باللائمة في حالة التقصير، فيندم المخطئ على خطئه، ويجتهد العاجز في استدراك نقصه، والأخلاق ~~كلها تقوم على شعور الإنسان بمسئوليته أو إيمانه بأنه مكلف مسئول عن عمله. # أما الماركسية فهي تهدم هذا الأساس الذي لا قوام للأخلاق بغيره. وتقول للمذنبين والمقصرين ~~إنكم جميعا أبرياء من التهمة، منزهون من الوصمة، لأن اللوم كله على المجتمع في عجز العاجز، ~~وفساد الفاسد، وإجرام المجرم، وتقصير المقصر؛ فليس على اللص أن يعف عن مال غيره؛ لأن ~~المجتمع كله قائم على السرقة والاستغلال، وليس العجز من عيوب الإنسان؛ لأن القادرين في ~~المجتمع هم المتغلبون بالقوة، والفائزون بغير استحقاق، وليس الكذب عيبا، ما دامت العلاقات ~~الاجتماعية قائمة على النفاق والاختلاق، وليست الفحشاء عارا؛ لأنها نتيجة محتومة لنظام ~~العائلة والزواج، كلما شاعت آداب رأس المال، وليس السقوط في مراتب الاجتماع نقصا يلام عليه ~~الساقط؛ لأن المزايا الاجتماعية غش وخداع واختلاس، وهذا وأشباهه هو الذي يقال للعجزة ~~والساقطين، فيصرفهم عن الاجتهاد في إصلاح نفوسهم، ويفعل في ضمائرهم فعل المسكرات ~~والسموم. # وإذا فرضنا نجاح الشيوعية يوما، فإن مقاييس الأخلاق بعد نجاحها أهبط وأدنأ من مقاييسها ~~في إبان نشر الدعوة إليها؛ لأنها لا تعلم الناس أن يمتنعوا عن السرقة؛ عفة وأنفة من خستها، ~~ولا تعلمهم أن يمتنعوا عن الظلم برا بالضعيف وإيمانا بمبادئ العدل والكرامة، ولا تعلمهم ~~أن يمتنعوا عن الفساد؛ صيانة للأعراض وغيرة على الأنساب. كلا، إنها لا تعلم الناس الفضيلة ~~بل تصور لهم المجتمع الشيوعي كأنه عالم يمتنع فيه ms18 السرقة؛ لامتناع وسائلها وعجز الناس عن ~~ارتكابها، ويمتنع فيه الظلم لامتناع الاستغلال، وامتناع التسلط الذي ينشأ من الاستغلال، ~~ويمتنع فيه الفساد؛ لأن المباح والمحرم يستويان في الأنظمة الشيوعية، فكل ما عند المجتمع ~~الشيوعي من وعود الإصلاح هو تجريد اللص من السلاح، وإخلاء الصندوق من المال المطموع فيه، ~~ولن يقوم مجتمع قط على هذه الخلائق السلبية التي لا تعترف بقوة الضمير، فليس فيه فضيلة، إلا ~~وهي في حقيقتها رذيلة موقوفة التنفيذ. # وصلاح العقل مهدد في النظام الشيوعي كصلاح الأخلاق، لأن المطلوب فيه من العلم أن يوافق ~~المبادئ الشيوعية، وليس المطلوب فيه من المبادئ الشيوعية أن توافق العلم، أو توافق المنطق ~~المعترف به بين جميع الناس. وعندهم أن العلم ينبغي أن يكون علما شيوعيا، خاضعا لتفكير ~~ماركس ولنين وستالين، وكلامهم عن ذلك صريح يعلنونه في الخطب، وينشرونه في الكتب. ومنه كلام ~~الأستاذ فافيلوف # Vavilov # رئيس مجمع العلوم في موسكو، حيث ~~يقول من بحثه عن العلم السوفيتي في صورته الجديدة: «إن العلم السوفيتي لم يكن قصاراه أنه ~~فرع من العلم العالمي يتخذ مكانه في الجمهوريات الروسية المتحدة. كلا، بل هو علم منعزل ~~مختلف بطبيعته ونطاقه. ومزيته الأولى، هي أنه دون غيره يقوم على أساس فلسفي واضح، وهو ~~الأساس الذي لا غنى عنه للبحوث العلمية، وعلمنا نحن له أساس من المادية الثنائية التي قررها ~~ماركس وأنجلز وزكاها لينين وستالين.» # وهذا هو البيان الصريح الذي يجهر به رئيس مجمع العلوم في البلاد الشيوعية، ولا يخلو كلام ~~للعلماء الشيوعيين أمثاله من عبارات الحزبية العلمية كحديثهم عن روح الحزب في الرياضيات ~~والنظريات الماركسية اللنينية في الجراحة، فكل فكرة علمية أو فلسفية أو أدبية تخالف الأصول ~~التي وضعها ماركس ولنين وستالين فهي تهمة للعالم، أو الفيلسوف، أو الأديب الذي يهتدي إليها، ~~وشبهة على إخلاصه للحزب والمذهب والدعوة كلها في جملتها، ولم يعرف التاريخ في أظلم عصور ~~الظلام حجرا على العقل البشري، كهذا الحجر العنيف في منتصف القرن العشرين، الذي يقال عنه ~~إنه عصر الحرية والنور. ~~••• # إن الحياة الإنسانية ms19 كثيرة النقائص والعيوب، وإنها لفي حاجة دائمة إلى الإصلاح والعلاج، ~~وإن المذاهب الاجتماعية التي تدعو إلى إصلاحها لكثيرة منوعة، ولكننا نهتدي إلى شيء نافع، ~~حين نعرف منها المذاهب التي تعالج مشاكل الناس بحكمة وتؤده، وتتجنب المذاهب الهدامة، ولا ~~سيما المذهب الوخيم الذي يشعوذ على الأمم المختلفة بعلاج واحد، ويسقط عن الإنسان مسئولية ~~عمله، ويحجر على العقل البشري أن يمضي في طريقه المستقيم. # | الدعوات الهدامة والناشئة (1) # يستحق أن يسمى مذهبا هداما كل مذهب يقضي على جهود الإنسانية في تاريخها القديم والحديث، ~~ولا سيما الجهود التي بذلها الإنسان للارتفاع بنفسه من الإباحية الحيوانية إلى مرتبة ~~المخلوق، الذي يعرف حرية الفكر، وحرية الضمير. # ومذهب كارل ماركس - صاحب الدعوة التي اشتهرت باسم الاشتراكية العلمية - في مقدمة المذاهب ~~التي تهدم ما بنته الإنسانية في تاريخها الطويل؛ لأنه يبيح لكل طبقة أن تهدم ما بنته الطبقة ~~التي تقدمتها، كأنه لم يكن من عمل بني الإنسان. # هذه المذاهب ينتقدها المنتقدون من الوجهة العلمية، كما ينتقدونها من الوجهة التاريخية، ~~ولولا أنها مذاهب تختلط بالغرائز والشهوات، وتسري بين الأغرار والجهلاء، لما تحملت شيئا من ~~النقد العلمي، ولا من النقد التاريخي، لأن بطلانها أظهر من أن يحتاج إلى عناء شديد في النقد ~~والتفنيد. # فمهما يكن نصيب الإنسان من العلم قليلا، ومهما يكن نصيبه من استقلال الفكر محدودا، فهو ~~- لولا الغرائز والشهوات - يستطيع أن يفهم أن العلم الإنساني لن ينتهي إلى إنسان واحد ~~كائنا ما كان، ويستطيع أن يفهم أن الرأس الذي يدعي أنه أحاط بأسرار الكون كله، ونفذ إلى ~~حقائق التاريخ كلها، ووصل إلى النتيجة التي لا تتغير من بعده ولا يطرأ عليها تعديل ولا ~~تبديل إلى آخر الزمان - هذا الرأس يدعي ما لا يقبله عقل عاقل، ولا يصلح لهداية الإنسانية في ~~طريق العمار والفلاح. # وكارل ماركس لا يدعي شيئا أقل من هذه الدعوى العريضة التي لم يجترئ على ادعائها أحد من ~~قبله؛ لأنه يزعم أن فلسفته أحاطت بأسرار المادة والحياة، وأسرار التاريخ والاجتماع، ووجب أن ~~يدين بها الناس فلا ms20 يغيروا منها كثيرا ولا قليلا، فيما يأتي من الدهور والأجيال؛ بل وجب ~~أن يعتمد الناس على فلسفته هذه ليهدموا عالمهم بأيديهم، كأنه معصوم من كل خطأ يدعو إلى ~~التردد قبل هذه المجازفة، وأي مجازفة؟ إنها المجازفة بتحطيم عالم كامل، لا بمجرد تحطيم بيت ~~أو مدينة أو وطن واحد يجمع المدن والبيوت. # لا حاجة إلى الإطالة في البحث العلمي لإنكار هذه الدعوى من أساسها، فهي كلام لا يحتمل ~~البحث الجدي، ولا يصغي إليه المرء، وهو مفيق من غمرة الشهوات والغرائز العمياء. # على أن بطلانها من ناحية الشعور لا يقل عن بطلانها من ناحية التفكير. # فعندما يخاطب كارل ماركس أتباعه ويأمرهم بتخريب المجتمعات قاطبة يقول لهم ما معناه: ~~اخربوها فليس عندكم ما تفقدونه فيها ...؟ # وما من عقل يفيق من غمرة الشهوات والغرائز العمياء، يسمع هذه الدعوة فيخطر له أنها دعوة ~~خير وفلاح؛ لأنها حركة يأس وقنوط، ولن يتحقق رجاء العالم من وراء اليأس والقنوط، ولن يصلح ~~العالم من لا يبالون بخرابه ولا يترددون في تحطيمه. ولن يعطي الإنسانية أملا من فقد كل أمل، ~~وتساوى عنده التخريب والتعمير. بل أصبح التخريب أحب إلى نفسه من التعمير. # اليائس لا يفكر ولا يبالي، ولأنه لا يفكر ولا يبالي يخاطبه دعاة التخريب والتحطيم، ولا ~~يهمه صدقوا أو كذبوا في وعودهم. فإن صدقوا فهو مخرب، وإن كذبوا فهو مخرب. وويل للإنسانية من ~~مصير يهجم عليه من فقد العقل والرجاء. # ومن الجائز أن يوجد بين الناس من يستبيحون تخريب العالم لأنهم محرومون فيه. ولكنها إذن ~~حركة شر لا حركة خير، ولا فرق بين هذه الحركة، وبين حركة السباع التي تنطلق من الغابات في ~~طلب الفريسة؛ فليست هي على هذا الاعتبار عقيدة إنسانية، أو مذهبا من مذاهب الفكر التي تقنع ~~بالدليل، وتقبل المناقشة بالبرهان. وإنما هي كارثة تمسخ الطبيعة الآدمية فترتد إلى ضراوة ~~الوحشية، ولا تميز بين العمار والخراب. # وفي العصر الحاضر كثير من الشبان المتعلمين تروعهم حالة البؤس والفاقة التي يبتلى بها ~~المحرومون، وهي حالة تروع النفوس الكريمة، ms21 وتحزن من يفكرون فيها، ولا يلام أحد على إنكارها ، ~~وطلب الخلاص منها، ولم يكن بلاء الحرمان فقط موضع خلاف بين طلاب الإصلاح، وإنما الخلاف في ~~العلاج الذي يدعو إليه طلاب الهدم والخراب. فإذا كان العلاج سما فهو شر من الداء الذي ~~يعانيه المريض. ومن الواجب على من ينكر المرض أن ينكر السم من باب أولى. # ما من أحد يقول إن المريض غير مريض، ولكن الذي يقولونه هو أن الطبيب غير طبيب، وأن الدواء ~~الذي يصفه سم يميت، ولا يرجى منه شفاء، وفرق عظيم بين القولين. # على أن الحلال بين، والحرام بين، وللحق علاماته وللباطل كذلك علاماته، وأبناء هذا ~~الجيل - ممن أصابوا حظا من العلم، خليقون أن يعرفوا تلك العلامات من تجارب الإنسانية التي ~~نسميها التاريخ، ومن بداهة الفكر التي يهتدي إليها الطبع السليم. # فلا حق ولا صلاح في مذهب يدعي علم الماضي كله، وعلم المستقبل كله، ويرسم لأبناء هذه ~~الدنيا مستقبلا لا ينحرفون عنه ولا يتصرفون فيه أو تصرفهم فيه نواميس الكون وطبائع ~~الأمور. # ولا حق ولا صلاح في مذهب يجعل الأطوار التاريخية جميعها مرهونة بالفوارق بين الناس في ~~المال أو في إنتاج المال، وينسى تلك الفوارق التي لا عداد لها بين القوي والضعيف، وبين ~~الذكي والغبي، وبين المجتهد والكسلان، وبين الطموح والقانع، وبين الجميل والقبيح، وبين ~~المنجب والعقيم. فإن كان هناك عقل يتوهم أن هذه الفوارق ملغاة معطلة في تاريخ الإنسانية، ~~وأن الفارق الوحيد الذي يعمل في هذا التاريخ هو فارق الأجور وأسباب الإنتاج، فهو هو العقل ~~المعطل أو العقل المضلل الذي لا يدرك طبائع البشر، ولا يصلح لهدايتهم إلى سبيل التقدم ~~والفلاح. # ولا حق ولا رجاء في مذهب يقوم على اليأس والقنوط، ويأمر بالشر والعداء، ويوجه خطابه إلى ~~أسوأ الأخلاق في أسوأ النفوس، مستعينا بالحسد تارة وبالحقد تارة أخرى، وبالغرور والتواكل ~~في جميع الأحوال. # ولا حق ولا إنصاف في مذهب يمحو مسئولية الفرد ويلقي المسئولية كلها فيما يعيبه على ~~المجتمعات والأمم، بعد أن تقدم الفرد في طريق الحرية، ms22 وكاد أن ينحصر التقدم الإنساني في ~~نتيجة واحدة: وهي المسئولية الفردية: مسئولية الإنسان الذي يحاسب بأخلاقه وأعماله، ولا يفرض ~~فيه أنه في قبضة المجتمع آلة من الآلات. # ولا حق ولا تمييز في مذهب يطلق نوع الإنسان بعضه على بعض وحوشا تتوثب على وحوش، مذهب ~~يجهل نوع الإنسان أو يتجاهله تعصبا لطبقة واحدة منه دون سائر الطبقات، كأنها هي وحدها التي ~~تستحق صفة الإنسانية، وما عداها من غير بني الإنسان. # فليس الأغنياء كلهم بالشياطين الأشرار، وليس الفقراء كلهم بالملائكة الأخيار. وقد أساء ~~الأغنياء قديما وحديثا، ويسيئون غدا إلى غير نهاية، وأساء الفقراء قديما وحديثا، ~~ويسيئون غدا إلى غير نهاية. # فما كان الغنى كله إثما وإجراما، ولا كان الفقر كله طهرا وبراءة. وقد استفادت ~~الإنسانية من عمل الأغنياء كما استفادت من عمل الفقراء. بل لولا الغنى الذي مكن لبعض الناس ~~من إقامة الصروح الباذخة والتدثر بالملابس الفاخرة، واقتناء التحف الثمينة، لما وجدت هذه ~~الصناعات التي يعيش منها ألوف العاملين في كل بقعة من بقاع العالم المعمور، ولولا مطالب ~~الغني في الأزمنة الماضية لما سارت القوافل في القفار، ولا مخرت السفن المشحونة عباب ~~البحار، ولا اهتم أحد برصد الأفلاك التي تهدي الراحلين في الملاحة والسياحة، ولا ارتقى فن ~~البناء، أو فن النجارة، أو فن النسيج، وما إليها من هذه الفنون التي عم نفعها الغني والفقير ~~والمالك والأجير. # وإن كاتب هذه السطور يبغض الشيوعية، وليس هو من الأغنياء، ولم يكن قط من الأغنياء ولن ~~يكون يوما من الأغنياء. ولكنه يرى أن الفقير الذي يحجب الحقيقة عن نظره بيديه يحرم نفسه ~~نعمة الفهم، ويجمع خسارة العقل إلى خسارة المال. ومن ظن أن مذهبا من المذاهب سيمحو عيوب ~~الأغنياء، ويترك بني الإنسان مبرئين من العيوب فهو غافل راض عن الغفلة، ومثل هذا أجدر ~~بالرثاء له من الجائع والمحروم. # كل أولئك المذاهب والدعوات بين الضلال والبطلان، ولا يستعصي على أحد أن يلمح علامات ~~بطلانه إذا جرد نفسه من الهوى المفسد للشعور والتفكير؛ لأنه يعمي ويصم كما يقولون. ms23 # إنما يرجى صلاح الإنسانية من المذاهب التي تبشر بالتعاون والإخاء، لا من المذاهب التي ~~تثير العداوة والبغضاء. إنما تتقدم الإنسانية بجميع أجزائها لا بجزء واحد منها نسميه باسم ~~طبقة ما في كل عصر من العصور. # ومن علامات المخربين والهدامين أنهم يخدعون الناس بالأباطيل، ومن علامات الخداع بالأباطيل ~~أن يقال لليائسين إنكم إن خربتم هذا العالم بما فيه من الفساد جاءكم عالم آخر كله صلاح وعدل ~~وإنصاف. # فالحق الذي لا شك فيه أن الناس لن يستغنوا عن إصلاح جديد في كل عصر جديد؛ كأنهم الطفل ~~الذي يودع نقص الطفولة ليعالج نقص الشباب، ويودع نقص الشباب ليعالج نقص الرجولة، ويترقى ~~بذلك درجة بعد درجة في معارج الكمال. # وغاية الفرق بين الفرد والنوع الإنساني أن الفرد يشيخ، والنوع الإنساني لا يشيخ. وأولى ~~الناس أن يؤمنوا بهذه الحقيقة هم أبناء الجيل الجديد. لأنهم شباب يرجى منه العمل لتخليد ~~الشباب. وتلك دون غيرها هي العصمة من آفة الهدم؛ لأنها دعامة كل بناء. # | الدعوات الهدامة والناشئة (2) # اشتهر عصرنا هذا بالدراسات النفسية، وتناول الباحثون بهذه الدراسات أحوال الأفراد على ~~اختلافهم، وأحوال الأمم على اختلافها، فبحثوا في نفسية البطل، ونفسية العبقري، ونفسية ~~المجرم، ونفسية الطفل والمراهق، وبحثوا كذلك في أطوار الجماعات وعقائدها، وعوامل التأثير ~~فيها. واستفاد الناس من هذه المباحث فوائد شتى في شئون التربية والتعليم والسياسة. # ولكن هذه الدراسات النفسية قد أصابها ما يصيب كل بدعة جديدة يلهج الناس زمنا من الأزمان: ~~أصابها الإفراط في تطبيقها على كل شيء وكل حالة، فأصبحنا ونحن نسمع بالعقد النفسية في تعليل ~~كل مشكلة من المشكلات الخاصة أو العامة، وكلما ذكر الذاكرون بدعة في سلوك بعض الجماعات، أو ~~سلوك بعض الأفراد، وجدنا من يقول: هذه عقدة نفسية، هذه نزعة مكبوتة، هذه حالة من حالات ~~الوسواس التي يعالجها الأطباء النفسانيون، وليس الأمر دائما على هذا الوصف الذي يصفونه، ~~فإن المشكلات الاجتماعية كثيرا ما ترجع إلى أسباب لا علاقة لها على الإطلاق بالعقد ~~النفسية، سواء بحثنا عن هذه العقد في نفوس الأمم أو ms24 نفوس الأفراد، ومن الواجب أن نعرف هذه ~~الحقيقة إذا أردنا أن نواجه مشكلاتنا، ونصلح من أمورنا؛ لأن الصواب في تشخيص الداء هو نصف ~~العلاج. # من المشكلات التي يردونها إلى العقد النفسية مشكلة الشاب العصري وموقفه من الدعوات ~~الهدامة ومذاهب الفوضى والانقلاب. # فمن المحقق أن الأمراض النفسية تدفع ببعض الشبان إلى الإصغاء لهذه الدعوات، بغير بحث فيها ~~ولا معرفة لحقيقتها. # ولكن من المحقق أيضا أن مشكلة الشاب العصري - في هذه المسألة - لا ترجع كلها إلى الأمراض ~~النفسية المزعومة؛ بل يرجع الكثير منها إلى أحوال تتعلق بنظام التعليم، أو تتعلق باتساع ~~التعليم، أو باتساع العلاقات العالمية واشتراك بني الإنسان جميعا في ظروف متشابهة، وكل ~~أولئك لا شأن له بالأمراض النفسية ولا بالأطباء النفسانيين، وقد يكون الشأن فيه للمصلحين من ~~رجال التربية والسياسة، قبل غيرهم من القائمين بالإصلاح. # فمن المصاعب التي تصادف الشاب العصري أنه يبقى في المدارس إلى نحو الخامسة والعشرين من ~~عمره، إذا أراد أن يتخرج من المدرسة العالية. # لم تكن هذه المشكلة مما يواجه الشاب في العصور الماضية، لأنه كان يكتفي بمعرفة القراءة ~~والكتابة، ومبادئ الحساب، وشيء من المعارف العامة، ولا يبلغ الخامسة عشرة حتى يكون قد أخذ ~~نصيبه في المعرفة اللازمة له في معيشته، ثم يتزوج وهو في باكورة صباه، فيحمل أثقال ~~المسئولية ولا يتسع وقته لغير شواغله الخاصة، أو يشتغل بما يسمعه من المسائل العامة، وهو ~~على انفراد. لأنه لا يجتمع بالمئات والألوف من أقرانه كما يجتمع اليوم طلاب الكليات ~~والجامعات. # أما اليوم فالشاب يتعلم في مدرسة بعد مدرسة حتى يبلغ الخامسة والعشرين أو يجاوزها أحيانا ~~إلى الثلاثين. فهو يقضي فورة الشباب الأولى في دور التعليم. لا يزاول تجارب الحياة، ولا ~~تثقله تكاليف المسئولية، ولا تتيسر له المعيشة الزوجية قبل إتمام تعليمه، واستعداده للعمل ~~في المجتمع، أو في وظائف الحكومة، ومع خلوه من المسئوليات والتجارب التي تضطره إلى التأني ~~والتردد، لا يزال في قلق الشباب مشتركا مع المئات من أقرانه في مثل هذا القلق، ومثل هذا ~~الخلو من ms25 المسئولية، وهذه فرصة سانحة لمن ينشرون دعوات الهدم والفوضى ، فإذا استغلوا فرصتهم ~~فهناك أسباب غير العقد النفسية تفسر هذا الاستغلال، أو تفسر موقف الشاب العصري من تلك ~~الدعوات. # وهذا الشاب الذي يتعلم حتى يناهز الثلاثين، يفوق في المعرفة أنداده من أبناء العصور ~~الماضية بلا مراء، ولكنه لا يفوقهم في الخبرة، ولا في المسئولية. لأن الشاب في العصور ~~الماضية إذا بلغ الثلاثين كان صاحب أسرة ومسئولية، وكان قد مارس التجارب عدة سنين، فهو ~~يعوض بالتجربة والمسئولية ما فاته من المعارف المدرسية التي يتعلمها الشبان العصريون في ~~هذه الأيام. # على أن المعرفة القليلة كانت كافية للشاب في العصور الماضية؛ لأن المسائل العامة التي ~~تشغله قلما تتخطى حدود قريته أو حدود وطنه، وهي لا تتطلب منه رأيا جديدا، أو حلا جديدا ~~لمشكلات ذلك الوطن أو تلك القرية. # أما اليوم فأخبار العالم من جميع القارات تصل إلى البيوت في كل قطر وكل بلدة: تصل من طريق ~~الإذاعة، أو من طريق الصحف، أو من طريق الصور المتحركة. فالمعارف الكثيرة التي يتلقاها ~~الشاب العصري في المدرسة لا تكفي لإدراك مشكلات العالم بأسره، ولا تغني في الإحاطة بأسبابها ~~ودواعيها ووجوه النظر فيها، ومنها ما يحتاج إلى دراسة التاريخ الإنساني من أوله، ومنها ما ~~تشتبك فيه معضلات العلم والاقتصاد والسياسة والتشريع، فهو بالنسبة إلى أنداده في العصور ~~الماضية أقل منهم قدرة على فهم مشكلاته وتدبير سلوكه، وإن كان أوفر نصيبا في الدرس ~~والاطلاع. # وإذا أردنا أن نضرب مثلا للفرق بينهما، قلنا: إن الشاب في العصور الماضية كان يستضيء ~~بشمعة واحدة ولكنها تنير له مسكنه كله، لأنه كان يسكن في حجرة صغيرة. # أما الشاب العصري فإنه يستضيء بعشرات الشموع، ولكنه لا يزال في الظلام، لأنه يريد أن يضيء ~~منزلا متعدد الغرف والحجرات. ~~••• # وهناك فارق آخر بين الشاب العصري والشاب في العصور الماضية، يرجع أيضا إلى اختلاف النظم ~~الاجتماعية والسياسية، ولا يرجع إلى مرض من أمراض النفس المزعومة، ولكنه فارق يؤثر في ~~اختلاف الموقف بينهما من ناحية المذاهب أو الآراء ms26 الاجتماعية. # هذا الفارق الكبير هو فارق الحرية في العصور الحديثة. # ففي العصور الماضية كانت سياسة الدول سرا من أسرار القصور لا يطلع عليها أحد غير حكام ~~الدول والمقربين إليهم، وإذا اتصل خبر من أخبارها بعامة الناس تلقوه بين التصديق والتكذيب، ~~واغتبطوا بالاطلاع عليه والتحدث فيه، كأنهم قد اطلعوا على نبأ من أنباء العالم الآخر، ولم ~~يكن خبر من هذه الأخبار ينتشر بين الناس في صورة الوقائع العلنية التي يتناولها الكلام ~~الصريح والتعليق المتواتر، سواء كان ذلك الخبر من الأسرار الشخصية الخاصة، أو من أسرار ~~الدولة ومعلومات السياسة العليا كما يقولون في هذه الأيام. # وكان من نتيجة هذا الكتمان الذي يحيط بأعمال الحكام وأحوالهم أن عيوبهم ونقائصهم ظلت ~~مجهولة مشكوكا فيها، ولم تكن على الأقل موضوع الأحاديث الشائعة في المحافل والبيوت، ~~فاحتفظوا بالهيبة التي تعصمهم من الابتذال، وأحاطت بهم شعائر التوقير التي توجب الثقة ~~والاطمئنان. # أما اليوم - في ظل الحكومات الديمقراطية - فأحوال الحكام معلومة ونقائصهم مشهورة، وهم ~~يتنازعون فيما بينهم، ويجتهد كل فريق منهم في إعلان أخطاء خصومه ومنافسيه، وربما شاع اللغط ~~بشئونهم الخاصة في بعض الصحف أو النشرات التي لا تتورع عن الخوض في هذه الشئون. وكثيرا ما ~~يحدث أن حكام دولة يحملون على حكام دولة أخرى، ليتهموهم بنقض العهود وتعكير صفو السلام ~~وتهديد العالم بالمنازعات والحروب. # ومن البديهي أن هذه العيوب كانت موجودة في حكام العصور الماضية، وربما كان حكام العصر ~~الحديث خيرا من أسلافهم في كثير من المزايا والصفات، ولكن الحكام في العصور الماضية كانوا ~~مستورين فكانوا موضع الاحترام والثقة والاطمئنان، أما حكام العصر الحديث فلا تخفى عيوبهم ~~ونقائصهم كما تخفى عيوب الأقدمين ونقائصهم، فلا عجب إذا اجترأ عليهم المجترئون، واستعدت ~~الأسماع دائما لقبول الطعن في الحكومات وقبول دعوات التغيير والتبديل؛ بل قبول دعوات ~~الفوضى والانقلاب، وبخاصة إذا كان السامعون خلوا من التجربة، قاصرين عن فهم المقارنة بين ~~الحاضر والماضي، والمقارنة بين الحاضر والمستقبل، مسرعين إلى استجابة كل صوت ينادي ~~بالتغيير، عن جهل منهم بسوء النية وسوء المصير. ms27 # واتفقت هذه الفوارق، في جيلين متعاقبين، شهد كل منهما حربا عالمية عمت جوانب الكرة ~~الأرضية، ديست فيها الحقوق والحرمات، وتخللها ما يتخلل الحروب من شر وفساد واجتراء على ~~الأنفس والأعراض، واختلال في توزيع الثروة بالكسب الحلال أو بالكسب الحرام، ونشأ الأطفال ~~والصبية في هذين الجيلين وآباؤهم مشغولون عنهم في ميادين القتال أو في ميادين السعي ~~والاجتهاد، فلم يشعروا بالوازع الأخلاقي الذي كان الناشئون يشعرون به فيما مضى، وينتفعون به ~~في التأني والتريث قبل الاندفاع فيما يجهلون عقباه. # هذه العوارض كلها ترجع إلى أسباب نظامية أو سياسية لا علاقة لها بالعقد النفسية التي ~~يتردد ذكرها في هذا الزمن، وليس حديثنا اليوم مما يتسع للبحث في علاجها واتقاء أضرارها، لأن ~~البحث في هذا الموضوع مهمة يشترك فيها المصلحون من أقطاب التربية والتشريع والسياسة. ~~وتستلزم النظر في تقدير زمان التعليم ومكانه، والتوفيق بين تحصيل العلم ومسئوليات الحياة ~~البيتية أو الحياة الزوجية، وكل أولئك محل للتأمل والمراجعة وتكرار التجارب في مختلف ~~البيئات والمجتمعات. # إنما أردنا بالإشارة إلى هذه العوامل أن نرجع ببدعة العقد النفسية إلى حدودها المعقولة. ~~فليست كل مشكلة اجتماعية عقدة نفسية في الأمة، وليس كل نزعة طارئة عقدة نفسية في هذا ~~الإنسان أو ذاك، وللمشكلات الكبرى والصغرى أسباب غير العقد النفسية والأمراض النفسية، فما ~~كانت هذه الدنيا مستشفى نعلل كل حادث فيه بالعلل. ونحول كل داخل فيه إلى حجرة الإسعاف. ~~ولكنها دنيا معاش وعمل، قد تطرأ شكاياتها من جانب الصحة كما تطرأ من جانب المرض. والمهم أن ~~نعرف ما نشكوه على حقيقته، لأننا لا نزيل الشكوى ونحن نجهل أسبابها، ومن عرف ماذا يشكو، عرف ~~كيف يطلب السلامة والنجاة. # | العائلة والوطن والدين # العائلة والوطن والدين أقوى الدعائم التي قام عليها بناء الحضارة الإنسانية. # ولو أننا نزعنا من تاريخ الإنسان كل ما استفاده من تكوين العائلة والوطن والدين؛ لما بقي ~~من الإنسان المتحضر أثر، ولعاد الإنسان كرة أخرى إلى الهمجية، بل إلى الوحشية، لأن الفارق ~~الأكبر بين أبناء الحضارة وبين الهمج أو الوحوش، هو ms28 الألفة بين الإنسان وأهله وإخوته في ~~وطنه، وهو الهداية التي استمدها من شرائع الوطن وآداب الدين. # ومن تعاسة الهدامين الداعين إلى الفوضى والفساد أنهم يهدمون كل دعامة من هذه الدعائم، ~~ويزعمون أن الخير كل الخير في نقضها ومحو آثارها وإعلان العداء للماضي بأسره، كأنهم ~~يعلنون العداء على ماضي نوع آخر من الحيوان، غير نوع الإنسان. # ولو كان التقدم الذي يتحدثون به معناه أن يهدم الناس كل ما بنته الإنسانية في غابر ~~عصورها، لوجب أن نلغي ما تعلمناه من صناعاتها في مآكلنا وملابسنا ومساكننا وآلات المعيشة في ~~بيوتنا ومجتمعاتنا، ولكن دعاة الهدم والتخريب لا يجترئون على الدعوة إلى هذه الحماقة، لأن ~~الخراب الذي تؤدي إليه محسوس ملموس لا يقبل الجدل ولا المغالطة، ويخيل إليهم أن الخراب الذي ~~يؤدي إليه هدم العائلة والوطن والعقيدة أهون من ذلك الخراب الذي نحسه ونلمسه، والواقع أن ~~هدم العائلة والوطن والدين أسوأ عاقبة من هدم الأماكن والبيوت. # من العائلة دون غيرها تعلم الإنسان أصول الاجتماع وقواعد الأخلاق وعلاقات التعاون بين ~~العاملين في البيئة الواحدة، وفي كل لغة من لغات العالم شواهد على ذلك تظهر لنا من مراجعة ~~الكلمات التي تدل على الفضائل والصفات المحمودة. # فالرحمة مأخوذة من الرحم وهو القرابة في الأمهات والآباء. # والكرم مأخوذ من الأصل العريق المنزه عن الأخلاط والأوشاب. # والحرية أيضا تفيد هذا المعنى بعينه، فيطلق وصف الحر على النسب الخالص من الهجنة ~~والعبودية. # والعزة تطلق على الأسرة التي لا تغلب لكثرتها، «وإنما العزة للكاثر»، كما قال الشاعر ~~المعتز بقبيلته وقومه. # والشيخ والكبير والرئيس هي كلها كلمات كانت تطلق على الأب الذي تقدم في السن، ثم أطلقت ~~على كل متقدم في جماعة من الجماعات، حتى أطلقت على الحكيم الفيلسوف، كما سمي ابن سينا ~~بالشيخ الرئيس. # وإلى العائلة يرجع الفضل في حفظ كثير من الصناعات التي توارثها الأبناء عن الآباء ~~والأجداد. # وإلى العائلة يرجع الفضل في عمل العاملين للمستقبل، وسعي الإنسان لما بعد حياته. # وعيب العائلة في رأي دعاة الهدم والفوضى أنها تحرض الآباء ms29 والأمهات على توريث الأبناء ~~والبنات، وقد يكون في نظام التوريث عيب كبير أو صغير لا يستحيل إصلاحه بالقوانين وآداب ~~الاجتماع. أما المستحيل قطعا فهو إلغاء الوراثة من قوانين الطبيعة. فإن الأب يورث ابنه ~~الحميد والذميم من أخلاقه، ويورثه القوي والضعيف من وظائف بنيته، ويورثه الصحيح والسقيم من ~~طباعه وأعضائه، ويورثه الجميل والقبيح من ملامحه وقسمات وجهه، وليس من حق المجتمع أن يحرم ~~الولد كل ميراثه من مال أبيه إذا كان المجتمع عاجزا عن حماية هذا الولد من وراثة الضعف ~~والقبح وسوء الاستعداد، بل ليس من مصلحة المجتمع أن يسوي بين الرجل الذي يعمل للغد، والرجل ~~الذي يعمل لساعته والرجل الذي يتواكل ويتوانى ولا يعمل لغده ولا لساعته، لأنه قانع بالعيش ~~من معونة المجتمع وفضل إحسانه. # إن الهدامين المخربين سريعون إلى الهدم والتخريب لغير سبب يقنع أحدا ممن يكرهون الهدم ~~والتخريب، ولولا شهوة الخراب في نفوسهم الممسوخة لما تهجموا على نظام الأسرة ذلك التهجم ~~الذي لا يقنع أحدا بهدم جحر من جحور الحشرات، على أن التهجم في دعوتهم إلى هدم الوطن أغرب ~~من هذا التهجم على هدم العائلة، لأن التدبير العالم بغير أوطان مستحيل، أما تدبير المجتمع ~~بغير عائلة فقد يتيسر إلى حين. # فما من وطن من الأوطان يزرع كل ما يحتاج إليه أو يخرج من المعادن كل ما يستخدمه في ~~صناعاته، وما من حكومة تستطيع أن تنفرد في مكان واحد بتنظيم المحصولات والمصنوعات على حسب ~~الحاجة في كل وطن على حدة، وما من حكومة تستطيع أن تنفرد في مكان واحد بتنظيم مواصلات البر ~~والبحر والهواء على حسب المواعيد التي توافق جميع الأقطار والأنحاء، فلا غنى في نهاية الأمر ~~عن الإدارة الوطنية، ولا غنى عن استقلال كل وطن بشئونه، ثم اشتراك جميع الأوطان في الشئون ~~العالمية، وكلما اتسع العالم تعددت فيه جوانب التخصص، ووجب أن يختص فريق من الناس بجانب من ~~هذه الجوانب. فلماذا نهدم الأوطان ونحن أحوج إليها في هذا الزمن الذي شاع فيه التخصص وتوزيع ~~الأعمال؟ # يقول دعاة الهدم ms30 والفوضى: إن الوطن للغني وحده وإنه لا وطن للفقير ، ويقولون: إن الغرض من ~~قوة الوطن هو حماية الدولة التي يسيطر عليها الأغنياء. # ولم ينكر أحد أن الأغنياء يطمعون وأن الفقراء يهانون، ولم يقل دعاة الهدم والفوضى في ~~اتهام الأغنياء إلا بعض ما قالته كتب الدين، ومنه: إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى، ومنه: ~~إن دخول الجمل في سم الخياط أيسر من دخول الغني إلى ملكوت السماوات. # لم ينكر أحد هذا، ولم يقل دعاة الهدم والفوضى إلا بعض هذا، ولكن الذي ننكره ولا ينكره ~~أعداء الهدم والفوضى هو تقبيح الوطنية على إطلاقها وإقامة هذه العلاقة الإنسانية، وكل علاقة ~~غيرها على أساس واحد هو أساس الفلوس، وتوزيع الفلوس. # إن في نفوس الناس شيئا، بل أشياء جمة لا تحكمها هذه الفلوس، ومنها الغيرة الوطنية ~~الصادقة التي تعلموا منها دروس التضحية والنخوة، وهانت عليهم أرواحهم وأرواح أبنائهم في ~~سبيلها، وليس تاريخ الإنسانية تاريخ بنك أو شركة تجارية حتى نرجع بأطوار الإنسانية جميعا ~~إلى توزيع الأسهم والأرباح وتدبير الحصص وأساليب الاستغلال، ولو كان المال وحده كافيا لخلق ~~الأوطان وإقناع الناس بالتضحية لما كانت هناك حاجة - مع وجود المال - إلى الإيمان بشيء من ~~الأشياء، ولا احتاج الشيوعيون أنفسهم إلى تسمية الحرب العالمية بالحرب الوطنية، بعد أن ~~جربوا حفز الهمم بمذهبهم المميت فتخاذلت في ساعة الشدة والفداء. # كلا. ليس تاريخ الأوطان تاريخ بنك ولا شركة، وإنما نرجع إلى تاريخ الأوطان فنعلم يقينا ~~أنها تقوى وتزدهر بمقدار ما في النفوس من الشجاعة والإقدام والتضحية والصبر على الشدائد ~~والشغف بالمعرفة والجمال، وإنما تزول الأوطان أو تقترب من الزوال كلما استسلمت للغنى ~~والثروة وغلب فيها النزف والمتاع على الفضيلة والثبات؛ تزول أو تقترب من الزوال كلما طغى ~~فيها طمع المال على الشجاعة وقوة الأخلاق. # ومن تحصيل الحاصل أن يقال إن الوطنية تقترن بكثير من الشرور والأخطاء، ومن تحصيل الحاصل ~~أن يقال إن الحياة نفسها ما خلت قط، ولن تخلو أبدا من شرورها وأخطائها، ولكن من السخف ~~واللغو أن نحكم من ms31 أجل هذا بإلغاء الحياة أو إلغاء الوطنية، وأن نعتقد لحظة واحدة أن النظام ~~الذي نستبدله بالوطنية سيأتي إلينا معصوما من كل نقص مبرأ من كل عيب. # يخطر لي أحيانا أن أسأل نفسي: ترى لو هبط على الكرة الأرضية نوع من الأحياء عدو للنوع ~~الإنساني منطو على حب النكاية به وتحقير أعماله وآثاره - ماذا يقول عن تاريخ البشر فيما مضى ~~غير ما يقوله الشيوعيون ودعاة الهدم والفوضى على العموم؟ وبأي أسلوب يعبر عن حقده وضغينته ~~على الأجيال الماضية غير الأسلوب الذي يعبر به الشيوعيون عما يسمونه تارة بالفروسية وتارة ~~بالبرجوازية، وتارة برأس المال، وينسون أنهم يطلقون هذه الأسماء على نوع الإنسان الذي ~~ينتسبون إليه؟ # يكفي هذا السؤال ليعلم السائل والمجيب أنه يواجه أعداء الإنسانية حقا حين يواجه دعاة ~~الهدم والفوضى، وأنهم لو كانوا نوعا غريبا طارئا على الكرة الأرضية، لما كان تصويرهم ~~للإنسانية أقبح من هذا التصوير. فهم يحكمون على الإنسانية حكم الأعداء على الأعداء ~~ويعاملونها معاملة الخصوم البغضاء في ميادين القتال، ويتعقبون كل أثر من آثارها كأنهم ~~يكرهون أن يبقى لها أثر أو يتخلف منها تراث مذكور، فلا جرم يستديرون إلى العقائد والأديان ~~ليبطلوها أصلا وفصلا، كما استداروا على العائلة لتمزيقها وعلى الوطن لازدرائه وتدنيسه، ~~وحسبهم من العقائد والأديان أنها تراث إنساني ماض لتستحق منهم أن ينقلبوا عليها بالمقت ~~والتفنيد والإلغاء. # ونعود فنقول: إن اشتمال العقائد الإنسانية في العصور الماضية على الخرافات والأباطيل أمر ~~مفروغ منه بين المتدينين أنفسهم فضلا عن غير المتدينين، ولكننا نسأل عن ألزم اللوازم ~~الجسدية للأحياء وهو الطعام: هل خلا طعام الناس قط في الزمن الحاضر أو الغابر من الفاسد ~~والضار، ومن الغث والتافه الذي لا يفيد؟ هل عرف الناس حتى اليوم حقائق الهضم وأصول التغذية؟ ~~هل ينسون شهوات الذوق والطعم التي تعود عليهم بالوبال؟ # إن سوء التغذية مشكلة الساعة في جميع الأيام وبين جميع الطبقات، ولم يقل أحد من أجل هذا ~~إن الطعام باطل أصلا وفصلا، وإن الإنسانية ينبغي في المستقبل أن تكف عن طلب ms32 الغذاء. فمن ~~السخف واللغو أن يقال: إن الضمير الإنساني يكف عن الاعتقاد لأن بعض العقائد ممتزج بالخرافات ~~والأباطيل، وليست المسألة في طعام الجسد ولا في طعام الروح أن هناك أطعمة فاسدة وشهوات ~~جامحة، وإنما المسألة أن هناك معدة تطلب غذاء الجسد، وأن هناك ضميرا يطلب غذاء ~~الروح. # وإذا جازت المقارنة بين خرافة وخرافة فدعاة الهدم والفوضى هم الخاسرون في هذه المقارنة. ~~لأن المتدينين الذين يؤمنون برب أعظم من الإنسان معذورون إذا نسبوا إليه الخوارق والمعجزات. ~~أما غير المعذورين وغير المعقولين فهم الذين يؤمنون بمذهب إنسان من بني آدم وحواء ويصدقون ~~أنه قد نقض تاريخ العالم فيما مضى وقرر للعالم تاريخا لما يأتي من الزمن، وكذلك يؤمنون ~~بكارل ماركس ومن نحا منحاه. ~~••• # إن تاريخ الإنسانية هو تاريخنا، وليس تاريخا لنوع آخر نعاديه ويعادينا، ومن الحق له ~~علينا أن نتردد طويلا قبل هدمه وتقويضه، ولو قامت الحجة القوية عليه وتواترت الأدلة على ~~نقضه. فربما كان الخطأ في الحجة، أو كان التأني خيرا من العجلة، ولكن الهدامين المخربين ~~ينظرون إلى تاريخ الإنسانية كأنه تاريخ أعداء ألداء يتعقبونهم في ميادين القتال. فالهدم ~~عندهم هو الأصل، والعفو أو الإعفاء هو الاستثناء، ولم يكن تعجلهم إلى هدم نظام العائلة ودك ~~قواعد الوطن وتدنيس حرمات الدين منبعثا من قوة الحجة، بل من سهولة الهدم والتخريب على بعض ~~الطبائع المبتلاة بالمسخ والتشويه، وستزول هذه الغاشية، وتتحطم معاول الهدم في أيدي ذويها، ~~فليس للهدامين حظ من النجاح الدائم ما دام للإنسانية بناء قائم وأجل ممدود. # | العامل والماركسية # من الأوهام الشائعة أن الحكومة الماركسية هي حكومة العمال والصناع، وأن العمال والصناع في ~~البلاد الماركسية هم أصحاب السلطة في الحكومة، وأصحاب الحق في إدارة المصانع وتوجيه النظم ~~الصناعية، وأن نقابات العمال هي اللجان التي توكل إليها مهام النظر في مصالح الطبقات ~~العاملة على اختلافها، وأن العامل بعبارة وجيزة هو الحاكم المتصرف في الدولة الشيوعية، سواء ~~من طريق السلطة الفعلية أو من طريق السلطة بالتوكيل والانتخاب. # هكذا يتوهم الجاهلون بحقائق الأحوال، وهكذا ms33 يتخيلون النظام المزعوم على صورة هي أبعد ما ~~تكون عن الواقع الماثل للعيان، وأشد ما تكون عن المبادئ المقررة في أقوال الزعماء ~~الشيوعيين. # فالواقع المقرر في المذهب الشيوعي أن التعويل على النقابات مذهب مكروه عند أتباع كارل ~~ماركس، وأنه معطل للحركة الشيوعية التي يبشر بها هو وتلاميذه ومريدوه، لأن التعويل على ~~النقابية هو مذهب النقابيين والسندكاليين الذين يخالفون الشيوعية في الوسائل والغايات، ~~وينكرون الاعتماد على الحكومات جميعا بغير تفرقة بين الحكومة الموقوتة والحكومة الدائمة، ~~ومن الواجب في مذهب الماركسيين أن ينظروا إلى نقابات العمال بعين الشك والحذر، وأن يحولوا ~~بينها وبين السلطة الفعالة في إدارة الدواوين الحكومية، خوفا من أن تتغلب سلطة النقابة على ~~سلطة الحزب، وأن يجري العمل على مذهب النقابيين السندكاليين، لا على مذهب الشيوعيين ~~الماركسيين. # ومن كلام «لينين» قبل الثورة الروسية: إن جماعات العمال، أو نقاباتهم، قد ينافس بعضها ~~بعضا، وقد يعمل فريق منها على محاربة فريق آخر بالمناقصة في الأجور والمزايدة في ساعات ~~العمل، ولهذا يجب عنده أن تكون سلطة الحزب غالبة على النقابات جميعا، وأن يكون الرأي ~~الأعلى للسلطة السياسية التي تتولى شئون الدولة، ولا يكون رأي النقابات إلا تابعا خاضعا ~~لتلك السلطة السياسية. # أما الجماعات أو اللجان التي يسمونها بالسوفييت فليست هي جماعات مؤلفة من العمال والصناع، ~~كما يخطر على البال، ولكنها جماعات مختلطة من المديرين والمشرفين على المصانع والقائمين ~~بتنفيذ المشروعات الاقتصادية، ومعهم بعض الصناع والعمال اليدويين ممن لا صوت لهم في أمثال ~~هذه الاجتماعات، ويمكن أن يقال بعبارة أخرى: إن جماعات «السوفييت» هي نسخة أخرى من اللجنة ~~التي يسمونها لجنة الفابريقة، أو لجنة إدارة المصنع، وهي أشبه ما تكون بمجلس الإدارة في ~~المصانع الأوروبية التي تخضع لنظام رأس المال، وغاية الفرق بين لجنة الفابريقة وبين مجلس ~~الإدارة في المصانع والشركات أن الأعضاء أصحاب الأسهم يحلون في مجلس الإدارة محل المديرين ~~والمهندسين في لجان السوفييت أو لجان الفابريقات، وربما تشابهت مجالس الإدارة ولجان ~~الفابريقات تمام المشابهة؛ لأن أصحاب رءوس الأموال في البلاد الأوروبية ms34 والأمريكية يتركون ~~العمل أحيانا للمهندسين والمديرين. # خلاصة هذا كله أن السلطة السياسية غير السلطة النقابية في البلاد الشيوعية، وأن العمال ~~والصناع لم يزالوا تابعين للساسة وكبار الموظفين في الدولة، وأنهم مسخرون لنظام الإنتاج ~~الذي يفرضه عليهم السياسيون وأصحاب الشأن في الحكومات. # ومنذ قامت الثورة الشيوعية تجتمع النقابات في ناحية، وتجتمع لجان الحزب المسيطرة على ~~الحكومة في ناحية أخرى، وقاعدة النظام في النقابات أنه إذا اجتمع في النقابة ثلاثة من أعضاء ~~الحزب السياسي وجب أن يرجعوا إلى رئاسة الحزب في جميع الأوامر والتعليمات، ووجب على النقابة ~~أن تخضع لما يمليه عليها الأعضاء الحزبيون. # لهذا يقال من حين إلى حين إن المؤتمر العاشر للنقابات قد اجتمع في هذه المدينة أو تلك، ~~ويقال في الوقت نفسه إن المؤتمر الخامس عشر أو السادس عشر للحزب الشيوعي قد اجتمع قبل ذلك ~~أو بعد ذلك، ويتفق كثيرا أن تكون القرارات هنا مناقضة للقرارات هناك، ولكن الرأي الأخير ~~على كل حال لإدارة الحزب في جميع الأمور، أما الرأي الأخير في قرارات الحزب نفسه فهو رأي ~~البوليس السياسي من داخل الحزب، بغير تعقيب ولا استئناف. # ويمكن أن تعرض على مؤتمرات النقابات طلبات الزيادة في الأجور، ولكن السلطة السياسية هي ~~التي تقدر الأجور المختلفة، وتلاحظ في ذلك أن تختلف الأجور «أولا» باختلاف نوع الصناعة، ~~و«ثانيا» باختلاف القدرة على العمل، و«ثالثا» باختلاف عدد القطع التي ينتجها العامل، ~~و«رابعا» باختلاف الأقاليم والمدن واختلاف المحصولات التي تلزم للتموين في كل إقليم. وحجة ~~السياسيين في ذلك أن النقابات لا تستطيع الإشراف على هذه المسائل المتعددة، وأن إشرافها ~~مقصور على صناعتها في مدينتها أو إقليمها، فلا مناص إذن من ترك الأمر للسلطة السياسية في ~~تقدير الأجور. # وإلى زمن قريب لا يتجاوز بضع سنوات كانت النقابات مقسمة على حسب الصناعات، فصناع الفحم في ~~البلاد كلها ينتمون إلى نقابة واحدة، وصناع الحديد ينتمون إلى نقابة أخرى، وصناع المنسوجات ~~ينتمون إلى نقابة غير هاتين النقابتين، وكانت لهذه الطريقة في تأليف النقابات عيوبها ~~ومزاياها، فمن عيوبها أنها لا ms35 تتفق على خطة واحدة ولا تجتمع على كلمة واحدة، ومن مزاياها ~~أنها تحصر الجهود في الصناعة التي يحسنها أربابها، فتعطيهم سلطانا متحدا في تدبيرها ~~والإشراف عليها. # أما الطريقة الجديدة التي اختارها السياسيون منذ ثلاث سنوات فهي تسمح للنقابات المتفرقة ~~في كل مدينة أو كل إقليم بالاتحاد في الإدارة والتدبير، فعمال الفحم وعمال الحديد وعمال ~~النسيج في المدينة الواحدة يتشاورون ويتداولون في شئون هذه الصناعات جميعا، وقد يصدر من ~~عمال الفحم في هذا البلد قرار يخالف القرار الذي يتخذه زملاؤهم في بلد آخر. وظاهر من هذا ~~النظام أنه توحيد لصفوف العمال في كل إقليم، ولكنه في الباطن يخالف هذا الظاهر الخداع، لأنه ~~يفرق كلمة العمال في الصناعة الواحدة فلا تجتمع على رأي متفق في الإدارة والإنتاج، ويترتب ~~على ذلك أن السلطة السياسية تشرف على جميع المسائل الفنية، وأن سيطرة الحزب السياسي تتغلب ~~على سيطرة النقابات في كل صناعة متفرقة، كما تتغلب على نقابات جميع الأقاليم. # هذه الحيلة النظامية تركت لسلطان السياسيين أن يسيطروا على شئون العمال والصناعات كما ~~يشاءون، فإذا اتفقت مطالب عمال الحديد مثلا في جميع البلاد، احتالوا على تفريقها بقرارات ~~العمال الآخرين كعمال الفحم وعمال النسيج. أما إذا اتفقت مطالب الفحامين والنساجين من ~~الإقليم الواحد، فهنالك فرصة للخروج على هذه القرارات من طريق النقابة العامة لعمال الحديد ~~في جميع الأقاليم. # وعلى هذا بقي سلطان الساسة كما كان أمام مصلحة العمل ومصلحة العامل، وبقيت القضية القديمة ~~بين الحاكمين أو المحكومين على صورة أخرى، وبقيت هناك طبقة حاكمة لها خطة تحمي بها وجودها ~~وتحفظ بها نفوذها، ولو لم تكن في ذلك منفعة للعمال والصناع أو منفعة للمحكومين على ~~العموم. # والواقع الذي لا شك فيه أن العمال والصناع في البلاد الشيوعية مسخرون لمصلحة الساسة أو ~~لمصلحة الطبقة الحاكمة، وأن الأيدي العاملة لا تشتغل لكي تنتج طعامها وكساءها ولوازم ~~معيشتها، وإنما تشتغل قبل كل شيء لأنها مسخرة في سبيل السلطة الحاكمة أو في سبيل الحماية ~~اللازمة لطبقة الحاكمين. # هذه الطبقة - طبقة الحاكمين في ms36 البلاد الشيوعية - تأخذ الأقوات من أفواه العاملين لتنفقها ~~على جيوش من الجواسيس والأرصاد، وعلى جيوش من العساكر والضباط، وعلى جيوش من الدعاة ~~والمداحين. # هذه الطبقة - طبقة الحاكمين في البلاد الشيوعية - تنفرد بعيشة الرخاء وتختار لنفسها ما ~~تشاء من المساكن والأطعمة، وتأمر وتنهي، وتعز وتذل، وتغدق الخير على أناس وتصب الشر على ~~أناس آخرين، وغايتها من كل ذلك أن تحمي وجودها وتحفظ نفوذها وتقطع الطريق على كل منافسة ~~تخشاها، ولو هلكت الأيدي العاملة وطال عليها عهد التسخير والتضليل. # ولم يحدث قط في التاريخ أن سلطانا غاشما مستبدا أنفق من الأموال على السلاح والجاسوسية ~~ما ينفقه هؤلاء الطغاة المستبدون في بلاد الشيوعيين. # ألوف الألوف من الضباط والجنود. ألوف الألوف من الدعاة والجواسيس. ألوف الألوف من المدافع ~~والدبابات والسفن والطيارات، وكل ذلك لتسخير العمال والصناع في سبيل طائفة من الحكام وأصحاب ~~السلطان، ويعرف هؤلاء الحكام أن هذه الأموال الضائعة ثقيلة الوطأة على أعناق العمال ~~المكدودين والصناع المجهودين، فيشغلونهم بالمنازعات الدولية، ويخدعونهم بالفتن العالمية، ~~وينشرون الفوضى هنا، ويلهبون نيران العداوة هناك. ولا يتركون الأمم لحظة واحدة في سلام، ~~ليخيفوا رعاياهم من خطر الحرب، ويدخلوا في روعهم أنهم مهددون بالهجوم عليهم من كل جانب، وأن ~~تبذير الأموال على التسليح والتجنيد ونشر الدعوة وبث الجواسيس - كل أولئك ضرورة لازمة ~~لاتقاء تلك الأخطار واتخاذ الحيطة لأولئك الأعداء. # تلك هي حقيقة الأحوال في بلاد الشيوعيين: سلطة سياسية تستعبد الأيدي العاملة وتسخر ~~الصناعة كلها لحماية وجودها وتمكين سلطانها. وأين العمال ونقابات العمال؟ لا صوت ولا حركة. ~~لأن صوتها ضائع بين مجالس الحزب ولجان السوفييت ومكاتب الفابريقات. ومما لا ريب فيه أن ~~العمال في بلاد العالم قاطبة أرفع صوتا وأوفر حرية من زملائهم في بلاد الشيوعيين. ~~وهي هي البلاد التي يصول فيها الحاكمون باسم العمال ~~المظلومين. وصدق أبو العلاء، حين قال قبل ألف سنة: # ظلموا الرعية واستباحوا كيدها # وعدوا مصالحها وهم أجراؤها # وهكذا يرجعون إلى الوراء، باسم التقدم والارتقاء، ولا تقدم هناك. # | الحرية والإذاعة # نعني بالإذاعة كل وسيلة من وسائل ms37 النشر على اختلافها، ومنها - بل أهمها بالبداهة - وسيلة ~~الإذاعة اللاسلكية أو الأثيرية التي تسمعونها الآن. # فهل هناك علاقة وثيقة بين الحرية والإذاعة على اختلافها؟ # الجواب السريع نعم، والجواب بعد طول الروية والأناة نعم أيضا. لأن العلاقة وثيقة بين ~~الاستبداد والحجر على الأقوال والأفكار والحرص على التستر والكتمان، وبقدر الصلة بين ~~الاستبداد والكتمان تكون الصلة بين الحرية وإذاعة الأخبار والأفكار. # وفي وسعنا أن نراجع تاريخ الإنسانية منذ القدم، فنرى أن كل خطوة في طريق الإذاعة كانت ~~كذلك خطوة في طريق الحرية، كأن الحرية والإذاعة مظهران متلازمان لحركة واحدة من حركات ~~التطور والارتقاء. # كان الكتمان شديدا يوم كان الاستبداد شديدا في العصور الأولى، فكانت الكهانة السرية ~~تتسلط على ضمائر الناس من طريق العقيدة الدينية، وكانت السياسة في جملتها سرا من أسرار ~~الملوك والحكام، وقد يتفق أحيانا أن يجتمع سر الكهانة وسر الدولة عند شخص واحد، بل يتفق ~~أحيانا أن يكون السيد الحاكم إلها يعبده المحكومون، ولا يسألونه عن صنيعه بهم وبالدولة، ~~لأنه سر يعنيه وحده ولا يجوز لهم أن يعرفوه. # ولم يزل هذا شأن الناس في حريتهم الدينية وحريتهم السياسية حتى ظهرت أول وسيلة من وسائل ~~التسجيل والإذاعة، وهي الكتابة على الورق. فازداد نصيبهم من الحرية بمقدار نصيبهم من ~~الكتابة، واطردت هذه الزيادة جيلا بعد جيل. # إلا أن هذه الوسيلة - وسيلة الكتابة - كانت محدودة الأثر عند نشأتها الأولى - وظلت محدودة ~~الأثر زمنا طويلا من فجر التاريخ إلى العصور التاريخية المعروفة. لأن الكتابة كانت محصورة ~~بين عدد قليل من المحكومين بالنسبة إلى الأميين، ولأن الكتابة كانت في تلك الأزمنة تنقسم ~~إلى طريقتين: طريقة الكتابة المقدسة، أو الكتابة الرسمية، وأكثرها ألغاز ورموز لا يفقهها ~~غير النخبة المعدودة من الكهان والحكام، وطريقة الكتابة العامة، وهي الطريقة المباحة لسائر ~~الطبقات والأفراد، فلم تكن معرفة الكتابة العامة من وسائل الاطلاع على الأسرار والخفايا، ~~وظلت هذه الأسرار والخفايا محجوبة عن الأمم حتى شاع فيها الإيمان بالأديان الكتابية، فارتفع ~~الحجاب عن كثير من المؤمنين بهذه الأديان. # على أن الشعوب ms38 التي عرفت طريقة للنشر والإذاعة غير الكتابة كانت تنعم بنصيب من الحرية ~~أكبر وأوسع من نصيب الأمم التي عولت على الكتابة وحدها، فكانت قبائل العرب تحفظ القصائد ~~الشعرية المنظومة في المسائل العامة، وكانت - مع انتشار الأمية بينها - تملك حريتها ولا ~~تخضع لسلطان غير سلطان العرف والعادة الذي يخضع له كبارها وصغارها، وكذلك كانت قبائل أخرى ~~كقبائل اليونان في أوروبة، فأخذت من الحرية بمقدار ما أخذت من الإذاعة، وقل فيها الاستبداد ~~بمقدار ما قل فيها الحجر على الأخبار والأقوال. # وتمضي الشعوب الإنسانية على هذا النهج عدة قرون: خطوة في طريق الإذاعة تقترن بها خطوة في ~~سبيل الحرية، حتى ظهرت المطبعة في القرن الخامس عشر، وهي أقوى وسيلة من وسائل النشر بعد ~~اختراع الكتابة على الورق. فإذا بالخطوات في سبيل الإذاعة والحرية تتلاحق سراعا تباعا، ~~وتتحطم أمامها حواجز الاستبداد حاجزا بعد حاجز، فلم ينقض قرن واحد حتى عمت الدعوة إلى ~~إصلاح الحكومة تارة مع الثورة الإنجليزية وتارة مع الثورة الفرنسية. وعجل ابتداع الصحافة ~~بحركة الإصلاح فأصبح انتشارها بين الشعوب مقياسا لانتشار الحرية فيها، وشوهدت هذه الظاهرة ~~الشاملة - ظاهرة اقتران الإذاعة بالحرية - على نحو لم يسبق له مثال في الأزمنة الماضية. ~~فبلغ الناس من حرية القول والفكر في مائة سنة ما لم يبلغوه من قبل في عدة مئات. # كانت «السرية» أو الكتمان الشديد مبدأ متفقا عليه معترفا به في السياسة الدولية، وكانت ~~الشعوب من جانبها تسلم هذا المبدأ ولا تطالب الساسة بشيء من الإعلان والصراحة فيما يجري ~~بينهم من المخاطبات أو الاتفاقات، ودامت الحال على ذلك خلال القرن التاسع عشر إلى مقربة من ~~منتهاه، ولكن هذا المبدأ المتفق عليه لم يلبث أن تزعزع من شتى الجوانب بعد انتشار الصحف ~~وإقبال الجماهير على مطالعتها، تزعزع هذا المبدأ من جهة لأن الصحف كانت تتسابق إلى التقاط ~~الأخبار الخفية واستنباط الحقائق المكتومة، فأصبح من المتعذر على الساسة أن يكتموا خبرا من ~~الأخبار ويحافظوا على كتمانه إلى زمن طويل، ثم تزعزع مبدأ السرية لسبب آخر أهم من ms39 هذا وأعمق ~~في آثاره ونتائجه، وهو اشتراك الجماهير في معالجة الشئون الدولية والوقوف على خباياها، ~~فانتهى العهد الذي كانت فيه سياسة الدول حكرا في أيدي الساسة يصرفونه كما يصرفون مصالحهم ~~الشخصية وأعمالهم الخاصة، وأحس هؤلاء الساسة بالحاجة إلى إفهام الجماهير وإقناعها بصواب ~~الخطط السياسية التي يفرضونها عليهم، وقد ينتهي بعضها إلى إقحام الأمم في الحروب وتحميلها ~~نفقات القتال، فلا أقل من إقناعها بضرورة هذه المخاطر ولزوم تلك النفقات. # لقد كانت الصحافة خطوة واسعة إلى قبلة الحرية؛ لأنها هي خطوة واسعة من خطى النشر ~~والإذاعة. # لكن الإذاعة الصحفية من الوسائل التي تخضع لسيطرة الحكومات المستبدة. ففي وسع الحاكم ~~المستبد أن يفرض الرقابة عليها داخل بلاده، وأن يمنع الصحف الخارجية أن تصل إلى رعاياه، ~~فيبطل حقوق الحرية التي تقترن بالإذاعة الصحفية، وقد حدث ذلك غير مرة في العصر ~~الأخير. # ويبدو من تطور الأحداث التاريخية أنها تتجه إلى وجهة الحرية والنشر، وتستعصي على الحجر ~~والتقييد. فلم يبدأ القرن العشرون حتى أقبل على العالم بوسيلة جديدة من وسائل الإذاعة، وهي ~~هذه الإذاعة الأثيرية. والنسبة بينها وبين الصحافة في النشر، كالنسبة بين المطبعة ونقل ~~الكتابة بالنسخ والرواية. فهي أقوى من الإذاعة الصحفية وأعسر منها على من يحاول تقييدها، ~~ولا سيما التقييد الذي يحتاج إلى الاتفاق بين عدة حكومات أو عدة بلاد. # إن الإذاعة الأثيرية أقوى من الإذاعة الصحفية، لأسباب متعددة. # من هذه الأسباب أنها أسرع انتقالا بين جوانب الكرة الأرضية، فهي لا تنتظر البريد ولا ~~تتوقف على السفر بالسفن أو الطيارات. # ومن هذه الأسباب أنها تصل إلى من يعرف الكتابة ومن لا يعرفها، فلا حاجة بالسامع إلى أكثر ~~من إدارة المفتاح إلى الصوت في اللغة التي يفهمها، وقد تصل إليه الأخبار والأحاديث بعدة ~~لغات. # ومن هذه الأسباب أن جهاز الإذاعة يوضع في البيوت والحجرات حيث تعجز الرقابة الحكومية عن ~~الوصول إلى مستمعيه، فلا يتأتى منع الأخبار التي تتسرب من خارج البلاد، ولو كانت الحكومة ~~القائمة تقاومها وتحجر على جمهرة المستمعين أن تصغي إليها. # ومن المفهوم ms40 أن الحجر على الإذاعة الأثيرية ليس بالأمر المستحيل، ولكنه - إذا أمكن - فهو ~~ممكن بصعوبة شديدة بالغة في الشدة، ممكن حين تلجأ الحكومات المستبدة إلى إطلاق الجواسيس ~~والعيون في كل بيت وفي كل مسكن. وممكن حين تعمد الحكومات المستبدة إلى تسخير الابن في ~~التجسس على أبيه وأمه، وتسخير الزميل في التجسس على زميله. ومتى اضطرت الحكومة المستبدة إلى ~~ذلك فهي في مأزق وعر لا تقوى حكومة من حكومات هذا الزمن على الثبات فيه، مأزق يكلفها الكثير ~~من المال، ويكلفها الكثير من الأعوان والأتباع، ويكلفها الكثير من أساليب الخداع والإقناع، ~~ويرهقها كما يرهق رعاياها بالجهد المضني والنفقة الثقيلة، والحجر على الحركات الاجتماعية ~~والفردية، وليس الحكم على هذه الأوضاع الشاذة مما يطيقه الحاكم أو المحكوم فترة طويلة من ~~الزمن، فلا مناص له من التعثر والإعياء ثم الزوال القريب. # ومن أساليب الحجر على الإذاعة التي تتبع في البلاد الشيوعية أن تفرض على الشعب أجهزة ~~مقصورة على نقل الإذاعات المحلية دون غيرها، وهنا يسوء الظن بجميع الأخبار المذاعة حتى ~~يتساوى الصدق والكذب عند سامعيها، وهي حالة مريبة لا تحمد مغبتها طويلا إذا أمكن أن يحمدها ~~الشعب بعض حين. # من هذا العرض التاريخي السريع يبدو لنا أن كل خطوة في سبيل النشر والإذاعة تقترن بخطوة ~~مثلها في سبيل الحرية، ومعرفة الحقوق الإنسانية، وأن الخطوة هنا على قدر الخطوة هناك، وأننا ~~قد خطونا في عصر الإذاعة الأثيرية أوسع هذه الخطى وأصعبها على المراقبة والتقييد، فإن لم ~~يكن الحجر عليها مستحيلا فهو من أشق الممكنات وأعسرها على المستبدين، ولن يصبر الحاكم ~~المستبد طويلا على هذه المشقة حتى تسومه ما لا طاقة به من ضروب الحيرة وعوامل العجز ~~والإخفاق. # ولو كان عمل النشر والإذاعة مقصورا على هذا لكان عملا قوي الأثر في تعميم الحرية ~~ومقاومة السلطة المستبدة، ولكنه في الواقع يخدم الحرية في نطاق أوسع من هذا النطاق: يخدمها ~~لأنه يعود الناس أن يسمعوا الرأي ونقيضه ويقابلوا بين الخبر وما يخالفه أو يدحضه وينفيه، ~~وإنما تضيق صدور الناس إذا ms41 تعودت أن تسمع من جانب واحد وتتجه إلى وجهة واحدة. فإذا تعودت ~~السماع من جوانب شتى فقد تعودت السماحة في الرأي والصبر على المخالفة وراضت النفس على حرية ~~الموافقة والمعارضة، فعاشت في جو من الطلاقة يتسع لمختلف الآراء. # إن في عصرنا هذا كثيرا من نذر الشر والبلاء، فإذا أردنا أن نقابلها ببشائر الخير ففي ~~طليعتها أننا نعيش في عصر النشر والإذاعة، وهو مقدمة لا غنى عنها لعصر الحرية والسماحة. ~~فقلما يدوم الاستبداد حيث تتفتح الأسماع، وتتفتح معها الأبصار والأفكار. # | الشيوعية والإسلام # كلمة الشيوعية ترجمة عربية لمذهب «كارل ماركس» في حالة التطبيق؛ لأنه يزعم أن مذهبه ينتهي ~~إلى إباحة كل شيء على الشيوع أو المشاع، ولكن أصحاب المذهب جميعا يسمونه بالمادية ~~التاريخية أو المادية الثنائية الحوارية تمييزا له عن جميع مذاهب الاجتماع والفلسفة، ~~وعنوانه هذا هو خلاصة كافية لقواعده التي يقوم عليها، وهي الإيمان بالمادة دون غيرها وإنكار ~~كل ما عداها من عالم الغيب أو عالم الروح. # ومن البديهي إذن أن المذهب ينكر الأديان ويكفر بجميع الأنبياء والرسل، ولا يدع أصحابه هذه ~~الحقيقة للفرض والاستنتاج بل يصرحون بعقيدتهم ويقولون عن الدين إنه «أفيون الشعوب» لأنه ~~يخدر أتباعه بالأمل في الآخرة فلا يطلبون الإنصاف ولا النعم في هذه الدنيا. # وهم يسوون بين الأديان جميعا في هذه الصفة، وقد حاربوا المسيحية والإسلام والصهيونية ~~حربا عنيفة، في مبدأ قيام الثورة الروسية، ودأبوا على معاداتها وتعطيلها إلى أيام الحرب ~~العالمية الثانية التي اضطرتهم إلى الاعتراف بقوة الدين في تثبيت العزائم والاستخفاف ~~بالخطر، فصالحوا رجال الدين وعاهدوهم على تبادل المعونة، وكفوا عن حملتهم على العقائد ~~الدينية إلى السنة الماضية، ثم بدا لهم أن الشعب الروسي يثوب إلى التدين ويندفع إلى معاهد ~~العبادة فجددوا تلك الحملة وعادوا إلى إدارة المتحف الذي أنشئوه من قبل باسم «متحف الدين ~~والإلحاد» وخصصوه لنشر المساوئ التي تنفر الناس من الإيمان بالله. # إلا أن الشيوعية قد تصبر على المسيحية ولا تطيق الصبر على الإسلام إلا ريثما تتحفز له ~~وتغل أيدي أتباعه عن ms42 المقاومة؛ لأن المسيحية دين العديد الأكبر من الروسيين والشعوب التي ~~تدخل في حوزة الدولة الروسية، ولأن المسيحية من الجهة الأخرى تدع شئون الدولة للدولة ولا ~~تتعرض للنظم الاجتماعية أو لإقامة المجتمع على أساس جديد. وقد نشأت المسيحية كما هو معلوم ~~في بلاد تخضع للسلطة الرومانية في الشئون الدنيوية ولسلطة الهيكل الإسرائيلي في الشئون ~~الدينية فاجتنبت نقض «الناموس» وأوصت بإعطاء ما لقيصر لقيصر وما لله لله. # أما الإسلام فهو نظام اجتماعي له منهجه في علاج المسائل التي تتصدى لها الشيوعية، وهو ~~يواجه مشكلة الفقر بحلوله المتعددة ولا يقصر مواجهتها على فرض الزكاة لمستحقيها كما يسبق ~~إلى الظن لأول وهلة. إذ هو ينكر الإسراف والترف والاحتكار ويأبى أن تكون الأموال «دولة بين ~~الأغنياء» ولا يصدق عليه قولهم إنه أفيون الشعوب لأنه يأمر المسلم ألا ينسى نصيبه من الدنيا ~~ويحثه على دفع المظالم ومنع الشرور، ويعلم المسلم أن يقدس الحرية ويثور على المذلة ~~والاستعباد فلا يتسنى للحاكم الأجنبي أن يخضعه لغير معتقده أو يسومه الهوان في أمور الدنيا ~~والدين. # لهذا وصفوه في دائرة المعارف الشيوعية بالرجعية وتأييد الاستغلال وحاربوه بكل وسيلة من ~~وسائلهم الظاهرة والخفية لإضعاف سلطانه الروحي، وتشتيت المسلمين وتمزيق كل وحدة تجمعهم في ~~البلاد التي يحكمونها، وهدم المعالم الدينية في جميع تلك البلاد. # والمسلمون التابعون للحكومات الشيوعية يعلمون حق العلم عداوة الشيوعية لدينهم وسعيها ~~الحثيث في طمس معالمه وأركانه، ويعرفون حقيقة ما يذاع عن حرية المعتقدات بين الشعوب التي ~~يسيطر عليها الروسيون، ولكن المسلمين في كل أرض يستطيعون أن يعرفوا هذه الحقيقة من عدد ~~الحجاج الذين تسمح لهم الحكومة بأداء الفريضة كلما سمحت لهم بذلك من حين إلى حين. فإنهم على ~~قلتهم يحاطون بالرقابة الشديدة بينهم ومن حولهم، ولا يؤذن لهم بالتحدث إلى غيرهم في أمر من ~~أمورهم الدينية أو الوطنية. # والكلام المكتوب يكشف من أسرار الدعوة الشيوعية كل ما تحاول ستره والمغالطة فيه. فإن ~~المسلمين في حوزة الشيوعية قد حرمت عليهم كل رابطة يرتبطون بها غير قيود الحكم الروسي ~~وثقافة ms43 اللغة الروسية، فلا جامعة إسلامية ولا جامعة طورانية ولا قراءة للغة العربية، ومن ~~يشتغل بشيء من ذلك يتهم في إخلاصه للدولة ويعامل معاملة الجواسيس المسخرين للائتمار بها ~~والثورة عليها. # فصحيفة الدولة «برافدا» تعلن في عددها الصادر بتاريخ 7 أكتوبر سنة 1952 من مقال رسمي ~~نشرته على الصفحة الرابعة أن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي منعت «سموم الجامعة الإسلامية» ~~التي يروجها كتاب من قبيل الكتاب المسمى «ديد كركوت» عن أذربيجان. # وقد شنت صحيفة الدولة هذه حملتها الشعواء على المؤرخ القاجاتي «سليمانوف» في مقال نشرته ~~في الثالث عشر من شهر يناير سنة 1953 لأن هذا المؤرخ تكلم عن الثقافة التركية المشتركة بين ~~الشعوب الطورانية، وأوعزت الحكومة إلى ذنب من أذنابها المسمى يوسبوف لينفي وجود وحدة ما بين ~~الترك في آسيا، وينادي بانفصال كل شعب منها عن سائرها في شئون الثقافة ولا سيما الأزبكيين. ~~وقد أعلنت صحيفة «أزفستيا» قبل ذلك (في الثاني من شهر سبتمبر سنة 1951) حملة كهذه على مجمع ~~العلوم بأزبكستان لأنه يجنح إلى إحياء تراث الإسلام، وحملت هذه الصحيفة نفسها (في السادس من ~~شهر يونيو سنة 1949) على أمم آسيا الوسطى لولعها بالمخطوطات العربية الرثة وغلبة النفوذ ~~الثقافي العربي على أدبائها وعلمائها، ولا يمكن أن تكتب صحيفة من الصحف الروسية حرفا ~~واحدا عن الثقافة العامة بغير علم الحزب وإيعازه وتكليف الحكومة وإشرافها، وبخاصة حين يمس ~~الرأي أمما ترسم لها سياسة مقررة في جميع هذه الشئون. # وهؤلاء الذين ينادون بهدم العصبيات الوطنية ينعون عليها في حالة واحدة، وهي حالة الأمم ~~التي تنهض للاستقلال عن الدولة المسيطرة عليها. أما عصبية القومية الروسية، واللغة الروسية ~~والثقافة الروسية فهي مفروضة على أبنائها، وغير أبنائها من عبيد الكرملين «المتحررين» من ~~ربقة الأسلاف الرجعيين، وقد وقف باجيروف عضو لجنة الحزب خطيبا من الخطباء المقررين في ~~مؤتمره التاسع عشر ليحمد الفرصة السعيدة التي أنقذت المسلمين على أيدي القياصرة بضمهم إلى ~~الحظيرة الروسية الواسعة، ولم ينس أن يقول إنه لا يحمد القياصرة، ولا ينكر مساوئهم، ولكنهم ~~ولا ريب قد يسروا لشعوب ms44 المسلمين فرصتها الوحيدة بالدخول في زمرة الروس والاستعداد للتقدم ~~بفضل اللغة الروسية. # إن عداوة الشيوعية للإسلام عداوات متكررة وليست بعداوة واحدة. فإنها تعاديه معاداة الخوف ~~من منافسته في تنظيم المجتمع على قواعده وأحكامه، وتعاديه معاداة الحاكم الروسي للمحكوم ~~المطموع في ماله واستقلاله، وتعاديه أخيرا معاداة الشعور بالخطر والإفلاس على أثر إخفاق ~~التجارب الماركسية واحدة بعد الأخرى خلال السنوات الأخيرة. فقد اعترفت الدولة على كره بحق ~~الملك والتوريث، واعترفت بالفوارق بين الأجور وأحوال المعيشة، واعترفت بفصل الجنسين في ~~معاهد التعليم، واعترفت بالأسرة ومواثيقها، وبالوطنية وقوتها الفعالة في الدفاع عن الأمة ~~والارتفاع بها إلى مطامحها العليا. # في مثل هذه الحالة يشعر الأقطاب الشيوعيون بتقدم الإسلام وتقهقر المادية الماركسية، ~~ويعلمون أن النزاع المقبل إنما هو نزاع بين ما يسمونه «الأيديولوجي» الماركسي والأيديولوجي ~~الإسلامي. إذ ليست الديمقراطية دينا ينازع الشيوعية في ميدانه، وغاية ما يرجى منها أنها ~~دعوة مانعة لسوء الحكم، ومانعة للحجر ومانعة للقيود الجائرة في تقسيم الأعمال والأرزاق، ~~وأما التطبيق «الإيجابي» فليس من رسالة الديمقراطية في عصر من العصور، ولكنه من رسالة ~~الإسلام بغير جدال في هذا الزمن على الخصوص؛ لأنه زمن يتقدم فيه المسلمون، ويتعلمون فيه كيف ~~يطبقون الإصلاح الاجتماعي موفقا بين مطالب المادة ومطالب الروح ومقتضيات العلم ~~الحديث. # ولا هوادة في هذا النزاع. ولا يبغض الشيوعيون بين أمم الشرق الأسيوي نفوذا روحيا أو ~~فكريا أخطر عليهم من نفوذ الإسلام، وعدة أبنائه تناهز في القارة الأسيوية ثلاثمائة ~~مليون. # هذه حرب حياة أو موت، وقد عاش الإسلام وماتت عداوات كثيرة ناصبته الحرب منذ مئات السنين، ~~وسيعيش مئات السنين والشيوعية وأمثالها في خبر كان. # | القرم الإسلامية والمذاهب الهدامة # نشأ كارل ماركس إمام الشيوعية من سلالة إسرائيلية، وكان أجداده لأبيه وأمه كهانا متعصبين ~~لعقيدتهم، غالين في رعاية شعائرهم، ولكن أباه ارتد عن دينه إلى المسيحية على غير اعتقاد أو ~~رغبة صادقة في الإيمان بدينه الجديد؛ بل كان ارتداده احتيالا للكسب، وتطلعا إلى الوظائف ~~العامة، ولا شيء غير «الانتهاز» والاتجار بالضمير. # ويتبين من تاريخ المذاهب ms45 الهدامة كلها أنها تعتبر هذا الاتجار بالضمائر وسيلة من وسائلها ~~المشروعة لخدمة المطامع الشخصية أو لخدمة السياسة العامة في الدولة، فهي تنادي «بالمادية» ~~وتنكر كل شيء في الوجود غير المادة وتسمي الأديان «أفيون الشعوب» لأنها تبشر بعالم الروح ~~وتخدر شعور الفقراء كما يزعم الشيوعيون، فيتعللون بالنعيم الأبدي ولا يثورون طلبا للنعيم ~~في حياتهم الأرضية! # ولا يهمنا هنا أن نعرض لسخافة الدعوى التي تفسر كل شيء بالمادة وهي - أي المادة - سر غير ~~معروف ولم يره أحد بعينيه كما تقرر في العلم الحديث. # ولا يهمنا كذلك أن نعرض لسخافة القول باختراع الأديان لتخدير الفقراء مع أن الإيمان ~~بالدين بين الأغنياء وأصحاب السلطان لا يقل عن الإيمان به بين الفقراء والمسخرين. # ولكن الذي يهمنا هو اتجار القوم بالضمير في مسألة الدين واتخاذه ذريعة مكشوفة للاحتيال ~~على المصالح السياسية. فإن الزعماء الماركسيين الذين هدموا البيع والمساجد واعتقلوا ~~القساوسة والرهبان بجزيرة «سلفيتسكي» الجهنمية وجعلوا الصلاة شبهة تثبت على صاحبها الخيانة ~~والتآمر على الدولة - عادوا في إبان الحرب العالمية فاحتاجوا إلى إثارة النخوة في جنودهم ~~ووجدوا أن المبادئ الشيوعية هي التي خدرتهم وأماتت فيهم الهمة والشجاعة، وأن «أفيون الشعوب» ~~هو الذي يثير النخوة ويبتعث الهمة، فتملقوا رجال الدين وأذاع ستالين في الرابع من شهر ~~سبتمبر سنة 1943 بلاغا يقول فيه: «إن الحزب الشيوعي لا يسعه بعدما بدا من وطنية رجال الدين ~~في صفوف القتال أن يحرم الروسيين بعد الآن من حرية الضمير أو حرية الاعتقاد.» # هذه اللعبة السياسية المكشوفة لم ينخدع بها أحد من الروسيين ولا غير الروسيين، ولا سيما ~~الشعوب الإسلامية التي انصب عليها القسط الأوفر من الاضطهاد بجميع أنواعه وألوانه، لأنه ~~الاضطهاد الذي يصبه عليهم من يتعصب للمادية الشيوعية، ومن يتعصب للعقيدة الدينية، ومن يتعصب ~~للقومية الروسية ويعتبر التكلم بلغة غير اللغة الروسية ثورة على الاستعمار وثورة على نظام ~~الحكم القائم في أيدي الشيوعيين. # وسيطلع القارئ العربي في كتاب «كارثة القرم» على طرف موجز من تلك الفظائع الوحشية التي ~~حلت بأولئك المساكين لغير ذنب ms46 إلا أنهم يدينون بشريعتهم، ولا يدينون بالشريعة الماركسية، ~~ويتكلمون بلغتهم ، ولا يتكلمون باللغة الروسية، ويعرفون لهم حقوقا من حرية الضمير يعترف بها ~~حكامهم قولا ويعاقبونهم عليها فعلا أشد العقاب. # وإذا كانت الحرب قد ألجأت أولئك الحكام إلى مجاملة الرعايا المسيحيين فهي على عكس ذلك قد ~~وضعت المسلمين الخاضعين للكرملين موضع التهمة والاشتباه، خوفا من ثورتهم وانتقاضهم لما ~~أصابهم من ضروب المظالم التي تقشعر لهولها الأبدان. # لقد استباحوا المساجد واتخذوا منها مسارح للهو أو اصطبلات للخيل أو حظائر للأغنام، وجمعوا ~~نسخ القرآن والأحاديث النبوية وأحرقوها في الميادين العامة، وبطشوا بكل من يتوقعون منه ~~المقاومة ونكلوا بالشبان الأقوياء ونشروا الخوف والفزع بين العاملين والفلاحين، فأقفرت ~~الديار وأجدبت المزارع وعمت المجاعة واشتدت قسوة الجوع على الناس حتى أكلت الأم ولدها وهي ~~تبكي عليه، ثم نظروا شزرا إلى المحسنين الذين خفوا لإنقاذ المنكوبين فاتهموهم بالادخار ~~والوقوف من السلطة موقف «المتحدي» الذي يأخذ بأيدي ضحاياها، فقتلوهم لأنهم يطعمون الجياع ~~ويعطفون على الآدمية أن يمسخها الجوع مسخ الضواري والسباع! # ولو كانت المادية الماركسية تبقى في الآدمي مسحة من الإنسانية لرثى المسيطرون لأولئك ~~المنكوبين رثاء الإنسان للإنسان. ولكن الإنسانية كلمة لا معنى لها في شريعة الماركسية، لأن ~~الشريعة عندهم هي شريعة «الطبقة» المزعومة فكل من عارضها فهو خارج من زمرة البشر مستباح ~~الدم والذمار كما يستباح الوحش أو يستباح البهيم. # وليس قداسة «البابا» حبر الكنيسة الكاثوليكية مسلما تجمعه بالقرميين جامعة الدين، ولكنه ~~إنسان يحفظ للإنسانية حقها من الرحمة كائنا ما كان الدين الذي تنتمي إليه، ولهذا عطف ~~قداسته على ضحايا القرم المسلمين فأرسل إليهم المعونة من الطعام والدواء، وإن لم تمكنه ~~أحوال الدول من بذل المعونة السياسية لتلك الشعوب المظلومة، فاستحق الشكر الجزيل من أبناء ~~القرم جميعا وسجلوا له شكرهم في هذه الصفحات. # وماذا يردع الطغاة المسلطين على ضحاياهم تلك أن ينكلوا بها غاية ما في وسعهم من نكال ~~القوي بالضعيف؟ هل تردعهم عن ذلك عقيدتهم الشيوعية؟ هل تردعهم عنه أواصر القومية والوطنية؟ ~~هل تردعهم عنه طبائع ms47 الهمجية التي ركبت فيهم من قديم الزمن؟ هل تردعهم عنه شناعة السمعة في ~~بلاد العالم وقد عزلوا ضحاياهم عن العالم كله من جميع منافذه ونواحيه؟ لا شيء من هذا يردعهم ~~عن الفرائس العزلاء الملقاة بين أيديهم والموكولة إلى رحمتهم، ولا رحمة عندهم في طباع ~~الهمجية ولا في تعاليم الماركسية، فما أشقى المساكين الذين حاق بهم ذلك العذاب ولا منفذ ولا ~~حامي ولا معين! # إنه عذاب لا حد له ولا غاية، فإن كانت مصيبتهم العظمى مصيبة الفداء الذي يفتح أعين ~~الغافلين إلى مصير البشر على أيدي هؤلاء الزعانف الذين حسبوا أن كلمة «الشيوعية» تشفع ~~للآدمي في نكسته إلى الوحشية، فقد حملوا وحدهم ضريبة الفداء لإنقاذ البشرية من ذلك البلاء، ~~ولعله إنقاذ قبل فوات الأوان. # | الأدب والمذاهب الهدامة # من العناء الضائع تعريف الأدب على صورة من الصور للاعتراف بنوع من الأدب وإنكار نوع آخر. ~~فما من تعريف سمعناه إلا وهو يسمح لكل أدب أن ينطوي فيه. # يقال مثلا إن الأدب ظاهرة اجتماعية، أو يقال إنه ظاهرة اقصادية أو ظاهرة بيولوجية، أو غير ~~ذلك من الظواهر المختلفة، ولك أن تقول عن ظاهرة من هذه الظواهر، أو عنها جميعا: حسن، ثم ~~ماذا؟ فلا يسع صاحب التعريف أن ينتهي بك إلى باب مغلق على نوع من أنواع الآداب. # ذلك أن الأدب كالحياة لأنه تعبير عنها، فلا يستوعبه مذهب ولا يستغرقه أسلوب. # قل مثلا إن الأدب ظاهرة اجتماعية، فماذا في هذا؟ # إن المجتمع لا يستنفد أغراضه ومقاصده في أربع وعشرين ساعة، ولا في سبعة أيام، ولا في عام ~~أو بضعة أعوام. # ومن الجائز أن ظاهرة اجتماعية تتحقق خلال خمسين سنة، وتبدأ في هذه السنة، وكأنها معزولة ~~عن المجتمع أو مناقضة لمصالحه الظاهرة، ولكنها بعد خمسين سنة تؤتي ثمراتها التي لا نعرفها ~~اليوم ولا نعرف سلفا كيف تكون. # وليس أضر بالمجتمع مثلا من قطع النسل، ولكن الكاتب قد يشجع العزوبة في قصة يكتبها، وقد ~~يكون تشجيعه لها احتجاجا على نظام الزواج في المجتمع، وقد يؤتى هذا الاحتجاج ms48 ثمرته بعد ~~سنوات، فيصح على هذا الاعتبار أن يكون تشجيع العزوبة ظاهرة اجتماعية ودليلا على مرض ~~اجتماعي يحتاج إلى العلاج. # فإذا قلنا إن الأدب مسألة اجتماعية فما الذي أبحناه بهذا التعريف؟ وما الذي ~~حرمناه؟ # بل أنت مستطيع أن تشيد بالأدب الذي يسمونه أدب البرج العاجي، ولا تخرج به عن الأدب الذي ~~هو مسألة اجتماعية. # فإذا جاز في المجتمع أن تغرس حديقة للنزهة لا تزرع فيها القمح والشعير ولا تغرس فيها ~~التفاح والكمثرى فقد جاز في هذا المجتمع نفسه أن تنظم الشعر وصفا للأزهار ~~والبساتين. # وإذا جاز في المجتمع أن تنشأ مصلحة للآثار لا تبيع تحفها ولا تساوم عليها فقد جاز في هذا ~~المجتمع نفسه أن تصف أبا الهول بمقال أو عدة مقالات، وجاز فيه أيضا أن تحكي تلك الآثار ~~بصناعة الصور والتماثيل. # ومن السخف أن يقال إن الطبقة الحاكمة هي التي تنجرف بالأدب عن خدمة المجتمع لخدمة مصالحها ~~ومآربها. وأن الأمر لو وكل إلى الشعب لما نظم أحد شعرا ولا كتب حرفا في غير القوت والكساء ~~والدواء وما يلحق بهذه الأشياء. # فقد عرفنا الأدب الشعبي بمصر سبعة قرون متوالية، فلم نعرف فيه هذه الشروط ولا تلك ~~الموانع، ولم نعرف له صبغة عامة غير الصبغة الإنسانية التي تعم جميع الطبقات في جميع ~~الأوقات. # على أي موضوع كان الأدب الشعبي يدور بمصر منذ القرن السادس للهجرة؟ # إنه كان يدور على ملاحم أبي زيد الهلالي والزناتي خليفة والزير سالم وسيف بن ذي يزن ~~وغيرهم من أبطال هذا الطراز. # وقد اختلفت الهيئة الحاكمة خلال هذه القرون من الدولة الفاطمية إلى الأيوبية إلى دول ~~المماليك إلى الدولة العلوية. # واختلفت الأحوال الاقتصادية من رواج النقل في تجارة المشرق والمغرب، إلى انقطاع الصلة ~~بينهما، إلى نشأة الزراعة القطنية، إلى تجدد المعاملات التجارية بين القارات الشرقية ~~والغربية. # وفي جميع هذه القرون كانت قصة أبي زيد هي هي، وقصة الزير سالم على نسختها الأولى، وقصة ~~الذوين والتبابعة مسموعة في القرن الثالث عشر كما كانت تسمع قبل ذلك بثلاثة أو ms49 أربعة ~~قرون. # وهذا هو رأي الشعب في الأدب الشعبي، لا سلطان عليه للطبقة الحاكمة لأن هذه الطبقة الحاكمة ~~كانت تجهل اللغة التي نظمت بها قصائد السيرة الهلالية وما شابهها، ولأن قبائل بني هلال وبني ~~تغلب وبني من شئت من الآباء لم يكن لها سلطان على الدولة الحاكمة، ولا كانت الدولة الحاكمة ~~معتزة بهم أو جارية في نظام المجتمع على مثالهم. # فلماذا أقبل الشعب على تلك الملاحم يسمعها ولا يمل سماعها سبعة قرون أو تزيد؟ # وإذا كانت الأفلام والروايات المسرحية في قبضة المخرجين، وكان المخرجون في قبضة رأس ~~المال، فشاعر الربابة الذي تسخره عشرة دراهم من العشاء إلى مطلع الفجر تراه في أي قبضة كان؟ ~~وما هي المناورات المصرفية أو البرجوازية أو الحركية أو الاسترخائية التي كانت تدبر من وراء ~~الستار لصرف الشاعر عن الكلام في الرغيف والفول المدمس إلى الكلام في البطولة والغزل وغرام ~~مرعي وسعدى وآخرين وأخريات؟ # إن هذه الملاحم حقيقة واقعة، وإن غرام الشعب بها حقيقة واقعة، وإن ثباته على الافتتان بها ~~مع اختلاف الدول والأحوال الاقتصادية والطبقات الحاكمة حقيقة واقعة. # فأين يذهب تعريفنا الأدب بأنه مسألة اجتماعية بين هذه الحقائق الواقعة؟ وأي فرق بين الأخذ ~~بذلك التعريف وإهماله غاية الإهمال؟ # أليس المقصود بالأدب الشعبي أن يكتب بلغة الشعب؟ # أليس المقصود به أن يلقى القبول والإقبال عند طبقة الشعب؟ # أليس المقصود به أن يصدر من صميم الشعب ولا يصدر من الحكام أو المستغلين؟ # أليس المقصود به أن يأتي طواعية من الناظم إلى المستمعين بغير تسليط ولا إكراه؟ # بلى، وكل أولئك كان موفورا للملاحم الهلالية وما جرى مجراها. فلماذا كانت هذه الملاحم ~~دائرة على البطولة والغزل، ولم تكن دائرة على الرغيف والفول المدمس؟ ومن الذي أكره الشعب ~~على طلب هذه المعاني والإعراض عما عداها؟ # جواب واحد لا سبيل إلى الحيد عنه بكلمة من كلمات الرطانة التي يلفظ بها أصحاب الأمر ~~والنهي في تعريفات الآداب. # وذلك الجواب هو شعور الإنسان. # فالشعب «إنسان» قبل كل شيء، ونفس الإنسان تهتز في كل ms50 زمان لأريحية البطولة والغزل، وتجري ~~في ذلك على سنة الحياة التي لا سنة غيرها للأدب والفن، كيفما اختلفت الطبقة الحاكمة، ~~واختلفت أحوال المعيشة، واختلف الناظمون والمستمعون. # لقد كان الشعب يستمع إلى ملاحم أبي زيد وهو موفور الطعام ناعم بالرخاء والسلام، وكان ~~يستمع إليها وهو مهدد بالمجاعة والوباء، ولم يكن من هم الحاكمين أن يعلموا المحكومين ~~البطولة ويعرضوا أمامهم قدوة المجازفة والهجوم على الموت والخطر، ولعلهم قد مضى عليهم زمن ~~وهم لا يعلمون من هو أبو زيد ولا يسمعون باسمه، بل لعلهم منعوا الجلوس على القهوات التي ~~تنشد فيها تلك الملاحم مرات بعد مرات منعا للضوضاء والشجار، وهم لا يدرون من أسبابه الكثير ~~أو القليل. # ثم بطلت ملاحم أبي زيد وخلفتها بطولة رعاة البقر في البراري الأمريكية، أو خلفتها بطولة ~~العصابات في المدن الكبرى، ولم تكن لرعاة البقر ولا للعصابات دولة تروج لها الدعوة في وادي ~~النيل، ولم يكن إقبال الشعب على هذه الملاحم بعد تلك الملاحم لأنه (تأمرك) بعد أن تعرب، ~~وإنما حلت دار الصور المتحركة محل القهوة البلدية وبقي حب البطولة والغزل كما كان، لأنه ~~حياة يفهمها الحي كائنا ما كان القائلون والممثلون. # وإذا انحدرنا من عالم الإنسان إلى عالم الحيوان والنبات فما هو العنوان الاجتماعي الذي ~~يندرج تحته زهر الفول وتغريد العصفور؟ # إننا نتخيل في هذه اللحظة رطانا من أصحاب البرجوازيات والاسترخائيات والانتهازيات قد شال ~~بأنفه وصعر خده وامتلأ عجبا من هؤلاء الناس الذين يسألون أمثال هذه الأسئلة الفضولية، ~~ويخفى عليهم أن الأمر متعلق باللقاح والتناسل ووفرة الغذاء في الربيع! # وأفادهم الله وإن لم يفيدونا شيئا. # ولكنهم مسئولون بعد ذلك: لماذا يغني العصفور يا ترى إذا شبع؟ أليس الشبع هو المقصود وفيه ~~الكفاية؟ ولماذا يغني إذا تغزل؟ أليست الغريزة الجنسية هناك؟ ولماذا تضيع الطبيعة وقتها في ~~تزويق أوراق الفول؟ أليس هذا ترفا برجوازيا استرخائيا مظهريا إلى آخر هذه ~~المنسوبات؟ # ما عهدنا في تاريخ الإنسان حطة دون هذه الحطة التي يهبط إليها - منتفخين بكبرياء الجهل - ~~من يسمون أنفسهم بالتقدميين. ms51 # وما عهدنا أحدا أشد على الشعب قسوة من هؤلاء الذين يزعمون الغيرة على الشعب ويجمعون عليه ~~بين الحرمان من المال والحرمان من الشعور. فإذا كان المجتمع «الرأسمالي» يقسو على الفقير ~~فيحرمه ضرورات العيش فأفظع من ذلك قسوة من يجرده من الشعور الإنساني ويفرض عليه أن يجهل ~~معاني البطولة والعاطفة لأنه فقير. وإذا كان المجتمع «الرأسمالي» يفرض على الفقير أن يعمل ~~لقوته فأفظع منه قسوة من يفرض عليه أن يقرأ لقوته ويتريض لقوته وينام ويصحو ويحلم ويعلم ~~لقوته، ولا شيء غير قوته في الصناعة ولا في العلم ولا في الفن ولا في الأدب ولا في الواقع ~~ولا في الخيال. # لقد كان أجهل جاهل من المستمعين إلى ملاحم الهلالي والزير سالم إنسانا أكرم من هؤلاء ~~التقدميين الذين يرسمون للأدب طريقه وللحياة طريقها، وهم عالة على الأدب وعلى ~~الحياة. # وسيعاد تعريف الأدب على ألف صورة: مسألة اجتماعية تارة ومسألة اقتصادية تارة ومسألة حركية ~~أو سكونية تارة أو تارات. ولكنه لن يمتنع بذلك عن موضوع ولن ينقطع لموضوع، ولن يكون أدبا ~~ما لم يكن له نصيب من شعور الإنسان، وبهذه المثابة يحدثنا عن القطب الشمالي فيحدثنا عن ~~قريب، ويروي لنا خبر البطولة فيروي لنا خبرا يهز نفس الفقير والغني، والصغير والكبير، ~~ويذكر لنا الزهرية فلا يقول له قائل حي: دعها واذكر قدرة الفول المدمس، ما دام إنسانا يرجع ~~إلى الطبيعة إن لم يرجع إلى نفسه، فيلمس منبت الفول وزهرته من تربة الحياة. # | الوجودية # إن الوجودية في أساسها مذهب محترم مقبول أو مذاهب محترمة مقبولة لا يستدعيها قيام المذاهب ~~الهدامة التي تلغي وجود الفرد واستقلاله في غمار الجماعات التي ينتمي إليها. وإنما قامت ~~الوجودية كأنها رد فعل لتلك المذاهب يحفظ للفرد كيانه واستقلاله ويعرفه بحقوقه وواجباته بين ~~قومه وبين إخوته من بني الإنسان في جميع الأمم وجميع الحقب، ولكن هذه الوجودية قد تنحدر مع ~~المنحدرين بطبائعهم حتى تصبح ضربا من العدمية أو ضربا من الإباحية التي لا تعترف بشيء غير ~~شهوات الفرد ودوافع الأثرة والأنانية. ms52 # ومن الوجودية التي تستحق اسم العدمية تلك العقائد التي تنكر معنى الوجود وتقطع الوشائج ~~العميقة بين وجود الإنسان ووجود هذه الأكوان في آزالها وآبادها التي لا حقيقة وراءها ولا ~~معنى لكلمة العبث إن نسبت إليها. # وهذه العدمية هي التي يسخر منها فيلسوف العصر برتراند رسل في كتابه عن الكوابيس فيضع على ~~لسانها هذا النشيد باللغة الفرنسية: # في صحراء شاسعة الأطراف # فراغ واسع من الرمال # ذهبت فيه أبحث وأنقب # ذهبت أبحث عن الطريق المفقود # الطريق الذي أبحث عنه ولا أصل إليه # تتيه روحي هنا وتتيه هناك # في كل جهة من الجهات الأربع # وكلما بحثت لم أجد شيئا # في ذلك الفراغ الذي ليس له آخر # ذلك الفراغ الذي لا ينقطع # رمال ... رمال ... رمال # تلك الرمال الخادعة الخانقة # تلك الرمال الرتيبة المحزنة # تمتد إلى نهاية الأفق # وأسمع صوتا في النهاية # صوتا صاعقا يحلو أو حلوا يصعق # ثم يقول لي ذلك الصوت # أتحسب أنك روح ضائع؟ # أتحسب أنك روح؟ # أنت غلطان! # أنت لست بروح # أنت لست بضائع # أنت عدم # أنت غير موجود ... # والكابوس في هذا النشيد راكب على أنفاس «وجودي» يريد أن يثبت مذهبه. # ومذهبه أن الألم والخجل يخلقان الشعور في الضمير. فالضمير موجود وصاحبه غير معدوم، ومن ~~تجارب الكابوس أن يبتلى هذا «الوجودي» بالتعذيب في معسكرات النازية، وأن يجيعه في روسيا، ~~وأن يدخله في الشيوعية الصينية ليتهم فتاة بريئة مخلصة بتهمة الخيانة والجاسوسية لعله يشعر ~~بالخجل وتبكيت الضمير فينسب نفسه إلى الوجود. # ثم يعود إلى باريس فتنعقد المجامع ترحيبا بالمجاهد العائد من ميادينه، ويدعى إلى مجمع من ~~هذه المجامع فيقبل وهو ينظر إلى مكان ضيف الشرف فإذا فيه غراب وإذا الغراب ينعب له بصوت ~~يسمعه المجتمع كله: # فلسفتك يا هذا ليس لها وجود # فلسفتك يا هذا عدم # إنها ليست بشيء # وينهض أخيرا على صدى هذا النعيب فيسمع نفسه يصيح: # ها أنت أخيرا تتعذب. ها أنت أخيرا موجود # هذه صورة من الوجودية الممسوخة ترادفها صورة أخرى على شاكلتها في المسخ والضلالة، وقوامها ~~أن الفرد ms53 موجود والنوع الإنساني وهم ليس له وجود، أو كما يقولون باصطلاحهم أن الوجود سابق ~~للماهية، وأن الإنسانية التي هي «ماهية» الإنسان كلمة على اللسان، وليس لها حق عليه لأنه هو ~~مصدر الحق كله ومرجع الواجب كله فيما يختلج فيه من شعور الأنانية والانفراد بالذات. ~~••• # وعلى هذا الاعتبار أوجزنا القول في الفصلين اللاحقين عن الوجودية بمذاهبها المتعددة، ~~ليتبين منها موضع المذهب الصالح وموضع المذهب الذي انحدر بانحدار القائلين به أو الداعين ~~إليه. # | الوجودية أو الوجدانية # ما هي الوجودية؟ هي كلمة منسوبة إلى الوجود. # ولكن لا يفهم منها بالبداهة أن المراد بها هو مطلق الوجود، لأن الحجر موجود والشجرة ~~موجودة والحيوان موجود، وقد تكون كلها موجودة بالنسبة إلى غيرها؛ لأن غيرها هو الذي يحس ~~وجودها ويعرف لها صفة الموجودات. # والإنسان على كونه مخلوقا حيا عاقلا قد يكون موجودا أيضا بالنسبة إلى غيره لا ~~بالنسبة إلى نفسه، ويكون حكمه في وجوده كحكم الحجر والشجرة والحيوان أو قريبا منها في مجمل ~~التقدير. # فهل نفهم من الوجودية إذن أنها منسوبة إلى الحياة؟ كلا، ولا هذا هو المقصود بالمعنى ~~الفلسفي لهذه الكلمة، لأن الإنسان يكون في الحياة من مولده إلى مماته، ولا يخرج منها في ~~خلال ذلك ولو ذهب في النوم أو غاب عن وعيه. # فالوجودية لا تعني مطلق الوجود ولا مطلق الحياة، ولكنها تعني أن يهتدي الإنسان إلى وجوده ~~بنفسه، وأن يكون موجودا بالنسبة إلى نفسه، وأن يسبر غور وجدانه ويستجمع نقائضه في وحدة ~~شاملة تمضي إلى اتجاه متناسق لا تنازع فيه، وأن يكون بهذه المثابة شيئا لا يتكرر ولا ~~يتعدد، لأن الناس - من حيث هم موجودات - خلائق متشابهة، يجوز فيها التعدد والتكرار. ولكن ~~الإنسان الذي اجتمع بنفسه وسبر غورها وعمل في الحياة بكل قوة من قواها شيء واحد لا تعدد له ~~ولا تكرار لكيانه، وهو في امتناع تكراره أحرى من الكف التي يمتنع تكرارها بين إنسانين اثنين ~~بالغا ما بلغ التقارب بينهما في النسب، أو في الملامح والقسمات. وإذا امتنع أن تتشابه كفان ~~فتشابه ms54 الوجودين النفسانيين أحرى وأقمن بالامتناع. # وتسأل: كيف نهتدي إلى هذا الوجود فنعرف به أنفسنا كما نعرف به مدى العلاقة بين وجودنا ~~وهذا الوجود العظيم المحيط بكل كائن من هذه الكائنات؟ # أترانا من هذه الكائنات؟ # أترانا نهتدي إليه بالتحليل النفساني والمراقبة الباطنية؟ # كلا، لأن التحليل النفساني يفترض انقساما في النفس بين القوة التي تحلل والقوة التي تخضع ~~للتحليل، أو يفترض نوعا من القرابة بين المستطلع وما يراد استطلاعه، وإنما يتحقق الوجود ~~بكل جوانب الوجود، ويتحقق بأن يعمل الإنسان «موجودا متناسقا» ولا يتحقق بأن يعرف ويقنع ~~بمجرد العرفان. # كذلك لا نهتدي إلى الوجودية أو الوجدانية بهدي الأخلاق المقررة وأصول الآداب المتواضع ~~عليها، لأن الأخلاق والآداب تسيطر على الجماعات، وتنشأ قبل نشوء الأفراد، ولا تنبعث من ~~أعماق الفرد في دخيلة وجوده التي ينطوي عليها دون غيره. # وإنما نهتدي إلى وجودنا بثورة في أعماق هذا الوجود: نهتدي إليه بصدمة في عاطفة قوية، أو ~~بيقظة من يقظات الضمير، أو بضربة من ضربات التجارب تفصلنا من المجتمع الذي نعيش فيه أو ~~تتناول مكاننا منه بالتحويل والتبديل. # نهتدي إليه بمحنة تردنا إلى أغوار حياتنا وتطيل بحثنا في سراديبها وزواياها، وتضع أيدينا ~~على ميزان شعورنا وتفكيرنا وخيالنا، فنعرف كم «نزن» في كل هذا وماذا نستطيع وماذا لا ~~نستطيع، وماذا نقف عنده فلا نحاول الاستطاعة فيه. # ومتى أدركنا هذه الآونة وجب علينا أن «نعقد اختيارنا» ولا نتردد في مفترق الطريق بين ~~نهجين حائرين إلى غير التقاء. # مؤسس هذا المذهب الدنمركي سورين كركجرد # Soren Kierkegard # ولد في سنة 1813 وتوفي في الثالثة والأربعين. # وحياته تفسر مذهبه أتم تفسير. # لأنه صدم الصدمة التي تضطر الإنسان إلى «الاختيار» وهو في مقتبل الشباب، أحب الفتاة ~~ريجينا ألسن، وبادلته الحب في بادئ الأمر، ولكنها تركته واقترنت بغيره، وتبين له وهو في ~~الثامنة عشرة أنه لم يخلق للصلة الجنسية المثمرة، فقرر المتجه الذي يتجه إليه عند مفترق ~~الطريق. # وهذا الاختيار هو ما عناه في كتابه الباكر المسمى «إما. أو». # وفحواه: إما أن تجد نفسك أو ms55 تفقدها كل الفقدان. # وقد أدار الكتاب على الحوار بين إنسان فنان وإنسان يدين بالأخلاق، وكان كركجرد نفسه ~~مزيجا من الإنسانين؛ لأنه كان مطبوعا على التدين، مطبوعا على تذوق الفن والجمال، وقد جعل ~~الفنان في كتابه مثلا للحيرة المضللة، وجعل المتدين مثلا للطمأنينة الوادعة وهي - من ~~العجب - طمأنينة الأسرة والزواج! # واختار كركجرد وجوده، فاختار أن يعيش على سنة السيد المسيح في هذه الدنيا التي لا تجتمع ~~فيها القداسة والوجاهة، واتخذ شعاره أن لا يخدم سيدين، فإن السيد المسيح قد خلص من تبعات ~~الأسرة والوطن والعرف الشائع، وكان قدوة لمن يخدم سيدا واحدا لا يدين بسواه. # وكانت أطوار الفيلسوف غريبة وأسلوبه في الكتابة أغرب، فقد يصدر له كتابان في وقت واحد ~~أحدهما بتوقيع صريح والآخر بتوقيع مستعار، وقد يؤلف كتابا كله مقدمات وليس فيه غير ~~المقدمات موضوع، وقد يستخدم عبارة الوعاظ تارة ويستخدم عبارة الملغزين المتصوفين تارة أخرى، ~~ويبدو في جميع ذلك صادقا لطبيعة واحدة: وهي طبيعة الإيمان. # وكان مذهب «هيجل» الفيلسوف الألماني الكبير هو البدعة الفلسفية الشائعة في شباب كركجرد، ~~وخلاصة هذا المذهب أن الكون كله هو مرآة «الكائن الأبدي المطلق». وأن هذا الكائن الأبدي ~~المطلق تجلى في الموجودات جميعا وبلغ أقصى مراتب التجلي وعرفان الذات في الإنسان، فالإنسان ~~إذن هو صورة العقل الإلهي في أرفع مظاهر الوجود. # ولم يتعرض مذهب هيجل هذا لحملة قط أعنف من حملات كركجرد عليه؛ لأنه يرتفع بالصورة الإلهية ~~عن هذه الصورة الإنسانية، ويؤمن بأن الوجود الإنساني على عكس ذلك هو الذي يتسامى إلى عرش ~~الله، فلا يسمو إلى مرتبة أعلى وأشرف من أن يحب الله ويشعر بحب الله إياه، وكل إنسان محبوب ~~من الله في اعتقاد كركجرد، ولكن الفرق بين إنسان وإنسان هو الفرق بين من يشعر بهذا الحب ~~الإلهي ومن لا يشعر به، لأنه مستغرق في ألوان أخرى من الحب أو من العلاقة: كعلاقة الطمع أو ~~كعلاقة الهوى أو علاقات الأزواج والأبناء. # وغني عن القول أن كركجرد يتدين على سنة في الدين غير سنة ms56 العرف المتفق عليه بين سواد ~~الناس، لأنه يؤمن بأن حق الفرد في اختيار عقيدته أعظم من حق الكنيسة وحق الجماعة، ويؤمن كما ~~قدمنا بأن وجود الفرد وحدة غير قابلة للتكرار، وكل ما يستطيعه المؤمن للمؤمن أن يريه بالمثل ~~المحسوس أن باب الاختيار مفتوح، وأنه إما أن يختار وجوده بإلهام ضميره أو يضيع. # والذي نراه أن مكان كركجرد بين كبار المتعبدين وذوي الشاعرية أصح وأوفق من مكانه بين كبار ~~الفلاسفة، لأنه كان حساسا ثاقب الذكاء عميق الوجدان، ولم يكن من أصحاب العارضة القوية ~~والفكر الواسع المحيط بآفاق القضايا العظمى. # فلا جرم كان يفصل بين العقيدة والمعرفة، ويباعد بين عالم الفكر وعالم الحقيقة، ويعتبر ~~التعمق في الوجود ممكنا بغير التعمق في الوعي المفكر والمنطق السديد. ~~••• # على أن الوجودية قد بدأت بكركجرد ولكنها لم تنته بالخاتمة التي وقف عندها واستقر عليها في ~~حياته القصيرة. # فإن هذا المذهب قد سرى إلى البلاد الألمانية وتجدد نشاطه في أعقاب الحرب الأولى على أثر ~~الهزيمة التي مني بها الألمان، وجنحت ببعضهم إلى العقائد المادية، وببعضهم إلى التنفيس عن ~~ضمائرهم بنزعة من النزعات الروحية أو الوجدانية. واشتهر من فلاسفة المذهب أعلام نابهون مثل ~~كرل جسبرز # Karl Jaspers # وادمند هسيرل # Hasserel # ومارتن هيدجار # Heidegger # ودلثي # Dilthey # وزيمل # Zimmel # وقد مات منذ سنوات. # واتسعت أطراف المذهب حتى وجد فيه من يؤمن إيمان كركجرد ومن ينكر وجود الله ولا يرى في ~~الكون ظاهرة إلهية على الإطلاق، ولكنهم كانوا على التقاء في بعض المسائل المتشابهة لا تخفي ~~الصلة بينها وبين الوجودية في جوهرها الصميم. # فجميع الفلاسفة الوجوديين قليلو التعويل على «معنى عقلي» يفسرون به الحياة، متبرمون ~~بالمقررات المنطقية والعلمية وسائر المقررات التي ترجع بالأمر إلى سلطان أو نظام. # وجميعهم معتصمون بتجارب النفس ودوافع السريرة التي تستقل بها الشخصية الإنسانية في جهادها ~~الباطني ونزوعها الدائم نحو التوفيق بينها وبين مشكلات الوجود الكبرى. # ومعظمهم يوصي بتماسك الأخلاق ومقابلة الحيرة النظرية بالعمل الخلقي وتجريد النفس في ~~جملتها لكفاح الحياة. # ولم تنقض على الحرب العالمية الأولى ms57 أربع سنوات حتى ظهر المذهب في فرنسا واشتغلت به ~~الطبقة التي بلغت من الثقافة ومن الذوق الفني أن تبحث لها عن فلسفة للوجود تملأ بها فراغ ~~الضمائر من العقائد الروحانية في عصرنا الحديث. # لكن الوجودية لم تزل في فرنسا بدعة مقصورة على فئة عليلة من طلاب الغرائب، إلى أن كانت ~~الحرب العالمية الثانية ومنيت فيها فرنسا بتلك الهزيمة النكراء. فثارت على المادية الشيوعية ~~وعلى الروحانية التقليدية في وقت واحد واندفعت فيها بين الطبقة الوسطى دفعة جامحة إلى ~~الإيمان بالحرية الديمقراطية، ولكنه الإيمان الذي لا يدين بالسلطان لرياسة مقررة أو هيئة من ~~الهيئات. # وأعلام هذه المدرسة في فرنسا هم: جان بول سرتر # Sartre # وألبرت كاموس # Albert Camus # ومدام سيمون دي بوفوار # Simone de Beuavoire # ويتبعهم طائفة غير قليلة من الكتاب ~~الصحفيين! # فالوجودية التي تتمثل في كتابة سرتر هي وجودية الفخر بالألم والشدة، واعتماد النفس على ~~النفس في اختيار الطريق المرتسم لها في أعماق سريرتها، على وفاق كيانها الشخصي، ولو كان ~~اختيارها مناقضا لاختيار المقادير. # والوجودية التي تتمثل في كتابة كاموس هي وجودية الاطمئنان إلى عبث الحياة. وعنده أن ~~الإنسان في هذه الدنيا شبيه ببطل الأسطورة الإغريقية سيسفوس. وهو رجل عصى مشيئة الأرباب ~~والتمس منهم بعد الموت أن يعود إلى الدنيا ليؤدب زوجته على خيانتها، فسمحوا له بالعودة إلى ~~أجل محدود، وجاوز هو الأجل المحدود غير مكترث بنذير القضاء، فحكموا عليه بأن يتردى إلى ~~الجحيم مسخرا في عمل لا طائل تحته وليس له انتهاء، وذاك أن يستجمع جهده ليرفع صخرة عظيمة ~~من أسفل الجبل إلى قمته، ثم تنحدر الصخرة فيعود إلى رفعها مرة بعد مرة إلى غير نهاية معلومة ~~ولغير قصد معروف. # وكل إنسان في رأي كاموس هو سيسفوس مسخر في مثل هذا الجهد الضائع والعبث العقيم، ولكنه ~~يبحث عن معنى هذا الكفاح فيشقى، ويطمئن إلى خلوه من كل معنى فيخرج منه ببطولة الجلد والثبات ~~ويستريح من قلق الانتظار، ومتى قدر على الإنسان أن يحرم الجهاد في قضية رابحة معلومة ~~الأسباب فأشرف ms58 الجهاد بعد ذلك جهاده في قضية خاسرة مجهولة الأسباب. # ومدام بوفوار تضرب على نغمة كهذه النغمة، وتزيد عليها بشيء من الغلواء والتكلف واتخاذ ~~الأوضاع أو «البوزات» كما يسمونها في لغة التمثيل. ~~••• # هذه الوجودية في فرنسا - بعد الحرب العالمية - ظاهرة تقبل التعليل القريب. # ففيها النزعة الوجدانية، وفيها الإيمان بالحرية الفردية، أو باختيار الإنسان لنفسه في ~~عالم الضمير، وفيها التمرد على سلطان الكهانة وسلطان الرياسة المقررة على الإجمال، وليس ~~بعجيب أن تروج بين الفرنسيين - بعد الحرب العالمية - عقيدة تجمع هذه النزعات في نسق واحد، ~~لأنها النتيجة الطبيعية لطغيان الحركات الجماعية أو الزحامية، ويقظة الإيمان الفردي مع ثورة ~~الفرد والأمة على رجال الدين. # ويمكن أن يقال إن فلسفة «هيجل» قد تمخضت عن أخوين شقيقين يجمعان نقائض الأسرة كلها في ~~طرفين متقابلين، كما يشاهد في كثير من الأشقاء بين أسر الآباء والأبناء. # فأحد الشقيقين هو المادية الجماعية، أو هو المادية الثنائية # Dialectical Materialism # كما شرحتها الشيوعية المركسية. # والشقيق الآخر هو الوجودية أو الوجدانية، كما تسلسلت من مذهب كركجرد، وهذه الوجودية هي ~~معسكر الوجدان والحرية الفردية يتأهب لاتخاذ مكانه في الميدان أمام معسكر المادة والجماعة ~~العمياء. # ولا بد للمعركة من قرار. # | الوجودية بين أنصارها وخصومها # ونحن نكتب هذا العنوان لنسرع إلى نقضه، أو تعديله، في السطر الأول من المقال! # إذ كانت الوجودية أقل المذاهب قبولا للتنازع الشديد بين الأنصار والخصوم؛ لأنها تتسع ~~للنقائض من أقصى اليمين إلى أقصى الشمال، وتضم تحت عنوانها الشامل أناسا يؤمنون إيمان ~~العجائز، وأناسا يكفرون بكل معتقد ويتحللون من كل دين. # وحسبنا من عنوان الوجودية أنه يضم تحته فلاسفة من أمثال كيركجرد، وبرداييف، وجابرييل ~~مارسل، وهيدجر، وسارتر، وكرشنامورتي ... وآخرين! # فكيركجرد # Kierkegaard # دانمركي يميل إلى الكنيسة ~~البروتستانتية. # وبرداييف # Berdayaef # روسي يميل إلى الكنيسة ~~الأرثوذكسية. # ومارسل # Marcel # فرنسي يميل إلى الكنيسة ~~الكاثوليكية. # وهيدجر # Heidegger # ألماني يهودي يميل إلى الإلحاد ويكاد أن ~~ينكر كل موجود وراء الطبيعة. # وسارتر # Sartere # فرنسي «نصف يهودي» يفرط في الإلحاد ~~والإنكار غاية الإفراط. # وكرشنا مورتي # Krishna Murti # هندي يتصوف ms59 تصوف النساك ويجعل ~~لكل روح بشرية محرابا مستقلا تتعبد فيه بمعزل عن جميع الديانات. # مذاهب الوجوديين # ويوجد بين «الوجوديين» مثل هذا الاختلاف في مسائل الأخلاق والواجبات الاجتماعية. ~~فمنهم من يدين بالإباحة المطلقة، ومنهم من يروض نفسه على التقوى كأنه راهب في ~~صومعة. # فهم متفرقون بين العقائد والمذاهب والآراء، وليس بينهم من جامعة تسوغ وضعهم تحت عنوان ~~واحد إلا أنهم يؤمنون جميعا بأن الوجود مقدم على الماهية. # وهذا اصطلاح فلسفي يمكن تبسيطه وتقريبه بلغة الكلام الشائع في كل يوم. # فهم يؤمنون بأن الوجود الحقيقي إنما هو وجود الأفراد، وإنما النوع كله اسم من الأسماء ~~لا وجود له في الخارج. # زيد وعمرو وإبراهيم ويوسف وفلان وعلان - هؤلاء موجودون حقيقيون لا شك في وجودهم، ولكن ~~«الإنسان» أو النوع الإنساني كلمة لا حقيقة لها في الخارج، ولا يراد بها إلا تقريب ~~التصور والإدراك. # وما دام الأمر كذلك ... # وما دام الفرد هو الحقيقة الموجودة فمن الظلم أن نضحي به في سبيل الكلمة الوهمية أو ~~الصورة الخيالية التي تجري على اللسان ولا تظهر للعيان. # كيف يتقرر وجود الفرد؟ # إن الفرد هو الموجود فمن حقه أن يقرر وجوده أو أن يثبت وجوده قبل كل شيء، وليدع كلمة ~~«الإنسان» موزعة بين الجميع تصدق على هذا كما تصدق على ذاك، ولا أثر لها في تحقيق ~~الوجود أو إبطال الوجود. # ومن هنا يبدأ الخلاف بين الوجوديين أنفسهم، وكلهم مع ذلك وجوديون. # فما هي الطريقة التي يقرر بها الفرد وجوده ويتحرر بها من الوهم والخيال؟ # عند فريق من الوجوديين أن وجود الفرد يتقرر ويتحقق بإطلاق العنان لرغباته وشهواته ~~يفعل ما يشاء ولا يبالي العرف أو الدين. # وعند فريق آخر من الوجوديين أن الفرد يتحقق وجوده إذا اتصل بالوجود الأعظم، وجود ~~الإله أو وجود الكون، أو وجود «الكارما» في عرف البرهميين. # وعند فريق غير هؤلاء وهؤلاء أن وجود الفرد يتحقق بمواجهة المخاوف والأخطار والتعرض ~~للقلق والمحنة واستخراج كل قوة في أعماق النفس بتجربة الخوف والتغلب عليه وقبول الأقدار ~~قبول الاختيار. # وعند غيرهم ms60 جميعا أن الاشتراك في العقيدة تكرار وتقليد، وأن التقليد تزييف وتلفيق، ~~وأن الوجود الصحيح إنما يكون بالعقيدة التي لا تقبل التكرار. # مذهب قديم! # هل هذا المذهب حديث في مذاهب القرن التاسع عشر أو القرن العشرين؟ # كلا، إن الخلاف بين القائلين بالوجود والقائلين بالماهية أقدم من أرسطو ~~وأفلاطون. # والقول بالمثل، جمع مثال، في مذهب أفلاطون أو القول بالصور، جمع صورة، في مذهب أرسطو، ~~إنما هما نسخة قديمة من الخلاف على وجود الفرد ووجود النوع، أو على الجنس والفصل كما ~~يقولون في لغة المناطقة الأقدمين. # وقد تجدد هذا الخلاف على أشده وأعنفه في القرون الوسطى بين الواقعيين # Realists # والاسميين # Nominalists ~~. # فالواقعيون يقولون إن الوجود الحق للأفراد، والاسميون - في رأي خصومهم - يتعلقون باسم ~~على اللسان لا وجود له في الحس والعيان، وكل ما فيه أنه عنوان. # فهذا خلاف قديم لم يخلقه الوجوديون المتأخرون، ولكن الوجودية الحديثة تعد مع ذلك - ~~ظاهرة من ظواهر القرن العشرين لم يعرفها الأقدمون كما عرفها اليوم الفلاسفة ~~المعاصرون. # الوجودية الحديثة # هذه الوجودية الحديثة في الواقع هي ظاهرة اجتماعية نشأت بعد نشوء الديمقراطية وتجسمت ~~وتضخمت بعد نشوء الشيوعية. # ضاع الفرد في غمار المجموع. # أصبح الشأن كل الشأن للعدد لا للمزية والخصائص الفردية. # فالوجودية الحديثة هي ثورة احتجاج من الفرد على طغيان الجماعات، وهي إثبات لحق الفرد ~~أمام الدعاوي الكثيرة التي تكاد أن تلغيه وتفنيه في غمار السواد. # ومما لا جدال فيه أن الوجودية بهذا المعنى ظاهرة طبيعية معقولة، وأن الحاجة ماسة في ~~العصر الحاضر إلى إقامة الحد الفاصل بين طغيان الكثرة العددية وحقوق المزايا الفردية، ~~وأن كل وجودي متدين أو غير متدين في زماننا هذا يريد أن يثبت حقه أمام السلطة الدينية ~~أو السلطة العرفية أو السلطة السياسية. # شرط الاعتدال # إلا أن المغالاة محذورة من الطرفين، لأن المغالاة من هنا أو هناك تضر بالفرد كما تضر ~~بالمجموع. # فمن المغالاة أن يمحي الفرد محوا في سبيل الجماعة، لأن في هذا المحو تضييعا ~~للمزايا والكفايات. # ومن المغالاة إنكار النوع وإثبات الفرد وحده، ms61 لأن النوع موجود في جسم الفرد متمثل في ~~غرائزه النوعية التي هي أقوى دوافعه النفسية، سواء تمثلت في الحب بين الرجل والمرأة، أو ~~في الحنان الأبوي على الأبناء أو في غريزة الاجتماع. # وقوام الأمرين أن الفرد موجود وأن النوع موجود، وأن صلاح النوع في الانتفاع بمزايا ~~الأفراد، وأن صلاح الفرد في الاعتراف بغرائزه النوعية وعلاقاته الإنسانية التي لا فكاك ~~منها. # هذا هو الجانب الاجتماعي النفساني من المذاهب الوجودية على تعددها وافتراقها. # وأما الجانب الفلسفي فمداره على البحث القديم في مبلغ إدراكنا للحقيقة بحواسنا ~~وعقولنا. # هل نحن نعرف الوجود بالحواس والعقول، أو وراء ذلك حقائق الأشياء في ذواتها لا تدركها ~~الحواس ولا تنفذ إليها العقول؟ # وسيظل الخلاف على ذلك قائما ما دام في الدنيا موجودون يبحثون عن الوجود. # | الفوضوية والوجودية # قامت في فرنسا في القرن الماضي حركة سياسية سميت في تاريخ الفلسفة باسم # L’anarchisme # بزعامة Pierre Proudhon # وتلخص سياسته هذه بالحرية المطلقة فلا جبر ولا إلزام على ~~الأشخاص ولا دين ولا دولة؛ بل تهدف الفوضوية إلى القضاء على الخضوع للسلطة سوى سلطان ~~العلم والعقل. ولكن لم يقدر لهذا المذهب السياسي أي نجاح فضلا عن إهمال علماء السياسة ~~لدراسته. # وفي فرنسا الآن حركة أدبية وأخلاقية واسعة هي المذهب الوجودي. ومن المعروف عن هذا ~~المذهب أن كل إنسان يعمل ما يريد، وفي عمله يجب أن يكون بعيدا عن الخيال، وقد قال ~~سارتر: «إننا نعيش في المادة فيجب أن نخضع للطبيعة ونتركها تفعل ما تريد.» # ولشدة الشبه بين المذهب السياسي السابق والمذهب الأدبي الموجود الآن نسأل: هل هناك ~~علاقة بين المذهبين؟ وهل يمكن اعتبار الوجودية امتدادا للفوضوية ولكن في ثياب الأدب ~~... # إدوارد فؤاد # طالب بآداب القاهرة # قسم التاريخ # أحسن الطالب الأديب أولا في تسمية الفوضوية والوجودية بالحركة. لأن الحركة أليق بهما من ~~اسم المذهب الذي ذكره بعد ذلك، وقد تكون الوجودية مناقضة للتمذهب بحكم قواعدها الأولى، وهي ~~تجتمع كلها في التعويل على استقلال الفرد بآرائه وميوله، وينتمي إليها - أي إلى الوجودية - ~~أكثر من عشرين ms62 مفكرا لا يلتقي واحد منهم بالآخر إلا في عرض الطريق. فهي مذاهب كثيرة وليست ~~بمذهب واحد. # وكذلك الفوضوية في تشعبها وكثرة مدارسها وأقاويلها، فإن برودون وباكونين وكروبتكين ~~وأتباعهم من روسيا وإسبانيا يختلفون بالرأي كما يختلفون بالعمل، ولا بد من هذا الاختلاف بين ~~القائمين بالحركة التي تهدم كثيرا ولا تتفق على خطط البناء. # وأحسن الطالب أيضا في التفرقة بين الحركتين، لأن إحداهما سياسية وهي الفوضوية، والأخرى ~~أخلاقية أدبية وهي الوجودية، وما بينهما من التوافق العرضي فإنما هو من طريق المصادفة ~~السلبية، حيث يتفق المنكرون للأسس القائمة في بعض الأمور وإن تفرقوا في الأسباب ~~والأغراض. # بل تكاد الحركتان تتناقضان في مبدأ أصيل يميز كلا منهما ويرجع إليه الفارق الأكبر ~~بينهما. # فالوجودية تعول على استقلال الفرد كل التعويل، ولا وجودية في رأي من الآراء بغير هذا ~~الاستقلال. # والحركة الكبرى من حركات الفوضوية - وهي المعروفة بالفوضوية الشيوعية - تخرج الفرد من ~~حسابها وتكاد تمحوه في سبيل الجماعة، ولم تنشأ الوجودية إلا بمثابة احتجاج الفرد على طغيان ~~الجماعة وتهوينها من شأن الاستقلال الفردي في الحركات الاجتماعية، ولا استثناء في ذلك ~~للديمقراطية ولا للاشتراكية المعتدلة ولا لدعوات التأميم والخطط المرسومة لتنظيم العمل ~~والثروة. # فالوجودية في ناحية من نواحيها الهامة احتجاج على الفوضوية كلها واحتجاج على الفوضوية ~~الشيوعية قبل غيرها، وما يتلاقيان فيه من إنكار التسلط فإنما هو مصادفة عرضية لا تلبث أن ~~تبتدئ على اتفاق حتى تتشعب على شقاق ونضال. لأن إنكار التسلط في الحركة الفوضوية يحمل بين ~~طواياه إنكار المزايا الفردية ورد الأمر كله إلى الجمهرة الغالبة بالعدد والكثرة دون القيمة ~~والكفاية. # إلا أن الحركتين تتشابهان في خصلة واحدة وهي أنهما معا غير مفهومتين على اتضاح وجلاء، ~~لكثرة الشعب التي تتفرع عليهما وكثرة الأدعياء الذين يلصقون بهما وكثرة الآخذين منهما ~~بالقشور دون اللباب. # الفوضوية لا تنكر النظام # فالذي يسبق إلى الذهن من اسم الفوضوية - ولا سيما اسمها باللغة العربية - أنها تبطل ~~النظام وتلغيه وتدعو إلى مجتمع مطلق من الآداب لا نظام فيه. # وهذا غير صحيح. # لأن ms63 الفوضوية إنما تنكر «التسلط» كما قال الطالب النجيب في خطابه، ولكنها لا تنكر ~~الهيئات التي تتولى الأعمال العامة بالمشاركة والمشاورة، ولا تلغي هيئة واحدة لازمة ~~للتعليم أو لصيانة الصحة أو لإدارة المصانع أو لتوزيع المطالب والحاجات. # ودعوة برودون على الخصوص قائمة على لزوم هذه المصالح العامة واستغنائها عن ~~«المتسلطين» الذين يعتمدون على القوة دون غيرها في تغليب مصلحتهم على سائر المصالح ~~الاجتماعية. # وقد ألف كتابه: «ما هي الملكية؟» ليقول إنها هي السرقة، ويقول من ثم إن اغتصاب ~~السارقين للثروة المشتركة يضطرهم إلى اغتصاب آخر لحفظ ما سرقوه في أيديهم وهو اغتصاب ~~«السلطة» واحتكار الشريعة والقانون. # وعند برودون أن اغتصاب الملكية واغتصاب السلطة هما الباعث الأكبر على الجريمة ~~والفساد، فحيث لا اغتصاب لا إجرام ولا فساد ولا حاجة إلى التسلط والمتسلطين. # وهذا الرأي قد بطل عند علماء السياسة وعلماء الاجتماع كما قال الطالب النجيب، لأن ~~الدراسات النفسية والمقارنات الاجتماعية بين المجتمعات الأولى والمجتمعات الحديثة قد ~~عرفت الناس ببواعث الجريمة ولم تحصرها في البواعث الاقتصادية. # ولا تدعو إلى القتل # ومن الشائع على الفوضوية أنها تدعو إلى القتل أو إلى الاغتيال السياسي لتحقيق ~~برنامجها. # وهذا أيضا من الإشاعات التي تصدق على نفر قليل من الفوضويين ولا تصدق على الحركة ~~كلها، وقد بدأ الاغتيال السياسي قبل عصر برودون وعاش بعده ولم يكن موقف الدعاة الكبار ~~منه موقف التأييد والتقرير إلا على سبيل الإغضاء والاضطرار. # والنفر القليل الذي يدين بالاغتيال السياسي بين الفوضويين يطلق على الاغتيال اسم ~~«الدعاية بالفعل» أو الدعاية المثيرة، ويعتقد أن حوادث الاغتيال تنبه الأذهان إلى مقاصد ~~الفوضوية فيتساءل عنها من يجهلها ولا يباليها ويفهمها الناس من طريق هذا التساؤل ~~فيقبلون عليها. # وقد أنكر كروبتكين مبدأ الاغتيال السياسي في مقاله الذي استكتبته إياه دائرة المعارف ~~البريطانية بطبعتها الحادية عشرة. وحاول أن يفسره بقوله إنه من قبيل القصاص ورد الفعل ~~للتنكيل بأصحاب هذه الحركة. وإن المغتالين لا يعتدون على الناس جزافا بغير تفرقة بينهم ~~لمجرد التنبيه ولفت الأنظار. ولكنهم يعتدون على المعتدين ويجزونهم ms64 بما فعلوه في حماية ~~السلطة والقانون. # ثم نشأت في روسيا طائفة فوضوية اشتراكية تنادي بمقت الاغتيال وترى أنه من معوقات ~~الدعوة والمنفرات منها. ولكنها لم تكن تشتد في إدانة المغتالين ولم يكن بينها وبين ~~الشيوعيين فارق كبير في الوجهة الأخيرة. فإنما كان الفارق الجوهري بين الفوضوية ~~والشيوعية أن الشيوعية ترضى عن قيام السلطة أثناء فترة الانتقال لقمع العناصر الرجعية، ~~وتمهل هذه السلطة الموقوتة أن تذبل على شجرتها فتسقط بغير جهد من المجتمع لانتهاء ~~الحاجة إليها. # ولا تنكر الاعتقاد # وليس من الصحيح أن الفوضويين جميعا ينكرون الاعتقاد، أو ينكرون الديانة في صورة من ~~صورها التقليدية أو المبتدعة. # فإن الشعبة التي يقودها سوريل ويقترح فيها إقامة النقابات مقام الحكومات تبني دعوتها ~~كلها على العقيدة التي تسميها ال # myth # وتؤمن بضرورتها ~~لكل حركة إنسانية. # وإنما ينكر الفوضويون الديانات التي يتخذها المتسلطون ذريعة للسيطرة على الضعفاء، وهي ~~من قبيل المذاهب التي قال عنها أبو العلاء: # إنما هذه المذاهب أسباب # لجلب الدنيا إلى الرؤساء # وليس برودون مؤسسها # كذلك يقال دائما إن برودون هو أبو الفوضوية وصاحب الدعوة الأولى إليها. # وهو قول صحيح إذا أريد به تنسيق الفلسفة وتطبيقها على النظم العصرية. ولكنه مع ذلك ~~غير صحيح على إطلاقه في الزمن القديم أو في الزمن الحديث. # فالفيلسوف الرواقي زينون الذي نشأ في القرن الرابع قبل الميلاد كان يؤمن بالمجتمع ~~المتحرر من السلطة ويفخر بأن تلاميذه يتعلمون منه أن يصنعوا طوعا ما يصنعه سائر ~~الرعايا مكرهين أو مهددين. # والمفكر الإنجليزي وليام جدوين # Godwin # الذي ظهر في ~~القرن الثامن عشر شرح في كتابه عن «العدل السياسي» وسائل الحكم الذي يتوزع بين الهيئات ~~ولا ينحصر في سلطة مركزية تملك وسائل الإرهاب والإكراه. # ويمكن أن يقال إن فلسفة الحكم منذ وجدت كانت تشتمل في كل عصر على مدرستين متقابلتين: ~~مدرسة التوسع في سلطان الحكومة لتنظيم المجتمع، ومدرسة التضييق من هذا السلطان ~~والاكتفاء منه بأقل ما يستطاع لحماية الأبرياء، وليست الفوضوية إلا تطرفا في هذه ~~المدرسة إلى أقصى اليسار، يدعو إليه ms65 تطرف الاستبداد على النحو الذي كان عليه قبل الثورة ~~الفرنسية. # الوجوديات # أما الوجودية فالاضطراب في قواعدها أشد من الاضطراب في قواعد الفوضوية؛ لأنها وجوديات ~~كثيرة لا وجودية واحدة، وربما تناقض الفيلسوفان الوجوديان في العصر الواحد والبلد ~~الواحد كما يتناقض الإيمان العميق والإلحاد السافر، أو كما يتناقض الزهد والإباحية، ~~ولعل الكثيرين لا يفهمون منها إلا اللغط عن الإباحية الأخلاقية المنطلقة من جميع ~~القيود، فيقبلون عليها لأنها سند فلسفي يسوغون به ضعفهم وانحلالهم، وهم يخجلون - أو ~~ينبغي أن يخجلوا - من الضعف والانحلال بغير سند منسوب إلى الفكر والفلسفة. # والأساس الصحيح الذي تقوم عليه الوجوديات السليمة هو إنصاف ضمير الفرد من طغيان ~~الجماعة على استقلاله، ولكن الاستقلال كالمال يلزم الإنسان لأغراض كثيرة، فمنه ما يلزمه ~~للعصمة من الزلل، ومنه ما يلزمه للتورط في الزلل وتيسير الذرائع إليه. # وأسوأ الوجوديات الإباحية لا يسوغ الانطلاق من قيود الآداب بغير نظر إلى العواقب ~~والضحايا، فإذا اختار الوجودي أن يستوفي كيانه الفردي بإشباع شهواته فهو حر في اختياره ~~واحتمال جرائر هواه، وهو حقيق أن يوازن بين الخطر والإحجام على علم بما يصيبه من المتعة ~~وما يصاب به من الأذى، وتلك هي قيمة «الاختيار» الملائم في عرف هؤلاء الوجوديين. # أما المسوغ الفلسفي الذي يستند إليه الوجوديون الإباحيون فهو أسخف الإسناد الفلسفية ~~التي ظهرت في عالم الفكر والعقيدة. # إنهم يقولون إن الوجود الحقيقي هو وجود الفرد المعروف بشخصه وكيانه، وإنما النوع كلمة ~~أو لفظة أو خيال لا جود له في غير التصور، وليست «الإنسانية» إلا كلمة خاوية لا توجد ~~بمعزل عن هذا الفرد وذاك الفرد أو هذا الإنسان وذلك الإنسان. # ومن هنا اسم الوجودية الذي ينتسبون إليه ويحسبونه تصويرا للواقع لا مراء فيه. # إلا أن الواقع الذي لا مراء فيه أن النوع موجود في تركيب كل إنسان وإنسانة، وأنه ما ~~من خلية في بنية الفرد لم يتمثل فيها النوع تمثيلا أوفى وأعمق من تمثيل الفرد ذاته ~~بجميع خصائصه ومقوماته. # ولقد ثبت ثبوت اليقين أن قوام البنية مرتبط بالغدد الصماء ms66 وغير الصماء، وأن علاقة هذه ~~الغدد بالخصائص النوعية وثيقة جدا في عملها المنفصل وأعمالها التي تتعاون ~~عليها. # وإذا كان تمثيل النوع حيويا أو «بيولوجيا» حقيقة لا ريب فيها فالتمثيل النفساني ~~أو السيكولوجي تضارعها ثبوتا ويقينا إن لم تكن أبرز منها للوعي والشعور. # وعلى هذا لا يمكن أن يقال إن الفرد موجود حقيقي وإن النوع وهم ليس له وجود؛ لأننا لا ~~نستطيع أن نتخيل فردا مجردا من الخصائص النوعية في كل خصلة من خصاله وكل خلجة من ~~خلجات وعيه وشعوره، ومن قال إنه ينطلق على هواه ويمضي على رأسه غير مبال بمصير النوع ~~إلى الفناء فعليه قبل كل شيء أن يخرج من دعوى «الوجودية» إلى دعوى «العدمية»، لأن ~~فلسفته تقوده إلى فناء الفرد وفناء الإنسانية، حين يزعم أنه يبالي بحاضره ولا يبالي ~~بمصيره ولا بمصير الإنسانية جمعاء. # وبعد فهذه الوجودية كلها شيء والمدارس الفوضوية كلها شيء آخر. # إن الوجودية لا تسري على الجماعة ولا تتجه إليها إلا من طريق الاتجاه إلى استقلال ~~الفرد على حدة. # أما الفوضوية فهي جماعية قبل كل شيء، وهي حركة سياسية لا تنظر إلى الأفراد متفرقين ~~ولا تبالي بهم مستقلين، وكلهم سواء عندها في ظل النظام الذي لا سلطة للطغاة عليه، وإذا ~~اتفق الوجوديون والفوضويون في كراهة التسلط فقد يتضارب الفريقان إذا كانت المسألة مسألة ~~طغيان الجماعة لا مسألة الطغيان من أصحاب السلطان. # أنا وجودي # وكاتب هذه السطور «وجودي» إذا كان معنى الوجودية إنصاف الضمير الفردي وتقديس الإنسان ~~المستقل بفكره وخلقه. وعندنا أن الجماعة المثلى هي الجماعة التي تهيئ للفرد غاية ما ~~يستطاع من الكرامة والاستقلال، وأنها إذا توقف وجودها على فناء الفرد ومحو استقلاله ~~جماعة جديرة بالفناء. # إلا أن الوجودية التي تؤمن بوجود الفرد لينسى واجبه، ولا يذكر غير هواه ليست في الحق ~~إلا عدمية باسمها وفعلها، وهي من المفارقات والأغاليط بالنسبة إلى الآحاد وإلى الأنواع ~~والجماعات. # | المدرسة الرمزية # والمدرسة الرمزية - كالوجودية - إحدى المذاهب الصالحة التي قد يفسدها من يقولون بها أو ~~يدعون إليها. # فهي صالحة ms67 إذا اعتبرنا أن الكلام كله رمز إلى المعنى، وأنه يتفاوت في الوضوح على حسب ~~تفاوته في الألفة والجريان على الألسنة والتفاهم عليه بين المتخاطبين، وقد يكون المعنى من ~~نوادر الذهن فلا يكون له رمز شائع بين جميع المتخاطبين، ويستلزم التعبير عنه أن يبتدع له ~~صاحبه رمزا من عنده، قد يكون من قبيل المجاز والكناية كما يكون من قبيل الخطاب ~~الصريح. ~~••• # والكلام عن المدرسة الرمزية في المقال التالي يرمي إلى الفصل بين هذه الحدود، ليلحق ~~بمذاهب البناء أو مذاهب الهدم ما هو أدنى إليها من أساليب هذه الرموز. ~~(1) حب الأزياء # كانت باريس فيما بعد القرون الوسطى عاصمة الحضارة الأوروبية، وكان بلاطها الفخم مصدر ~~المراسم والتقاليد في أرجاء الغرب كله، تصدر عنه الأزياء والآداب والعرف المتبع في ~~مجالس الطبقات العليا، وكان لها الشأن - كل الشأن - يومئذ في جميع البلدان. فلا تنقضي ~~فترة يسيرة من الزمن دون أن يسفر التنافس بين فرسان البلاط وحسانه عن شارة جديدة وزي ~~جديد، ولم يكن لهم بد من طرافة يتحدثون بها في عالم الأدب والفن كما يتنافسون بالطرائف ~~في عالم الشارات والأزياء. فلما بدأت نهضة الأحياء الحديثة باستيحاء الأساليب اللاتينية ~~واليونانية رحب بها طلاب الجديد ريثما طال العهد فبرموا بها وتطلعوا إلى نمط جديد. ~~فتوالت الأنماط بين أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن العشرين من المدرسة المجازية ~~إلى المدرسة الواقعية إلى المدرسة البرناسية إلى المدرسة الرمزية، إلى هذه المدارس التي ~~تسمى بالمستقبلية تارة وبما وراء الواقعية تارة أخرى، ولا تستقر طويلا على حال. # ولم يكن التفات الناس إلى عاصمة الأزياء وانتظارهم منها الجديد بعد الجديد هو الباعث ~~الوحيد إلى تعاقب هذه المدارس بمختلف الأسماء والآراء، وإنما صادفت هذه الحالة معينا ~~لها من حب الاندفاع في السليقة الفرنسية، فأصبح حب التغيير نتيجة لازمة لكل اندفاع بلغ ~~مداه واستنفد قواه. # فلا تجد في غير فرنسا ولعا كهذا الولع بالمدارس الأدبية المتلاحقة، ولا سأما كهذا ~~السأم من أسلوب بعد أسلوب، وصبغة بعد صبغة. # المدرسة الرمزية # وفي فرنسا نفسها لا تجد ms68 هذه المدارس في القمم العالية أو الأعلام البارزة من ~~أفذاذ الأدب المعدودين، وإنما تجدها في بيئات الأوساط وأشباه الأوساط الذين يخضعون ~~لموجات التقلب وحركات التكلف والاصطناع. # أما أعلام الأدب الفرنسي من أمثال موليير وراسين وفولتير وشاتوبريان ولامرتين ~~وهوجو وموسيه وأناتول فرانس وبروست فأنت لا تجدهم تحت راية من هذه الرايات، ولا على ~~شارة من هذه الشارات، وإذا بدت على أحدهم مسحة من هذه الصبغة أو تلك فهي مسحة لا ~~تنحرف به قط عن اللونين الخالدين اللذين يرجع الانقسام بينهما إلى طبيعة الإنسان لا ~~إلى تقلب الأزياء بين جيل وجيل، وهما لون الواقعية ولون المجازية أو لون البساطة ~~ولون التنسيق، وسمهما بعد ذلك بما تشاء من الأسماء. ~~(2) ظهور الرمزية # وكان الصف الأول من صفوف الطليعة في هذه المدارس هو صف الأحياء، أو صف الأساليب ~~اللاتينية واليونانية القديمة، ولا يخلو من دعوة إلى بساطة «الطبيعة» على ألسنة ~~الفلاسفة والشعراء. # ثم تفنن الأدباء في المجاز على أنماط شتى من الأساليب المزوقة التي يوشك أن تتعدد ~~بتعدد الآحاد. فأسلوب هوجو مجازي، ولكنه مجاز يريك الدنيا كأنها في موكب دائم من الطبول ~~والأبواق ومن الغنائم والأسلاب؛ وأسلوب لامرتين مجازي ولكنه مجاز يريك الدنيا كأنك تعيش ~~منها أبدا في عالم مسحور تتهامس فيه الأرواح وتتخافت فيه الأصداء. # واتفق في الأيام الأخيرة من هذه المدرسة المجازية أن شاعت مباحث العلم ومقررات ~~العلماء المحدثين، فظهرت المدرسة الواقعية والمدرسة البرناسية ونزعت كلتاهما إلى ~~الأسلوب المدرسي البسيط - أسلوب اللاتين واليونان - ممزوجا بلون الدراسات العلمية التي ~~اشتغل بها كل عقل مثقف في عهد المدرسة البرناسية على التخصيص. # ويدل اسم المدرسة البرناسية على مذهبها بعض الدلالة، لأن أصحابها يسمون أنفسهم ~~بالبرناسيين المعاصرين منتسبين إلى البرناس وهو جبل أبولون وعرائس الفن في اليونان ~~القديمة، فالبرناسيون المعاصرون مدرسيون من ناحية الاقتداء بأعلام الأدب اليوناني ~~القديم، ومحدثون علميون من ناحية التجديد العصري على نمط لم يعرفه قدماء ~~اليونان. # وكان شعارهم «الكلمة المحكمة» أي الكلمة في موضعها الذي لا تتجاوزه للتنميق أو ~~للتهويل، وعقيدتهم «أن الفن ms69 للفن» بغير قصد آخر غير إحكام التعبير وحسن الأداء. # وأفرط البرناسيون كما يفرط الدعاة إلى المدارس الخاصة فيندفعون فيها إلى الطرف الآخر، ~~أو إلى حيث يحسن الارتداد والرجوع، وكان إفراطهم هذا مسوغا بعض التسويغ لظهور ~~الرمزيين. ~~(3) مسوغات الرمزية # والتعبير بالرموز عادة قديمة في تعبير الإنسان؛ بل عادة قديمة في بديهة ~~الإنسان. # فالحالم مثلا يعبر في منامه عن شعور الضيق أو الخوف بقصة رمزية يتمثل فيها شيئا ~~مخيفا في صورة وحش أو مارد مرهوب. # والكاتب الذي لم يعرف الحروف الأبجدية يرمز إلى المعاني بالشخوص والرسوم، ويعبر لك عن ~~الكتابة بصورة الكاتب أو صورة القلم أو صورة المكتوب، وقد يلجأ إلى الاستعارة بعد عرفان ~~الحروف لأنها نوع من التصوير الذي يساعد على اختصار التعبير. # وكهان الديانات يرمزون ويعمدون كثيرا إلى الكنايات والألغاز؛ لأنهم يجعلون لغة الدين ~~لغة سرية ينفردون بها ولا يطلعون سواد الناس على دخائلها، فيختارون الرمز في التعبير ~~وإن قدروا على الإفصاح والتصريح. # والنساك المتصوفون يرمزون لأنهم لا يستوضحون المعاني الغامضة التي تجيش بها نفوسهم في ~~حالة كحالة الغيبوبة أو نشوة من نشوات الذهول، فيؤثرون التشبيه لأنهم عاجزون عن ~~التوضيح، ويخاطبون من يعرف حالهم برمز من هنا وتورية من هناك؛ فلا يحتاج منهم إلى زيادة ~~إيضاح. # وكان بعض الدول يقهر الرعية على عقيدة لا يدينون بها وقد يدينون بغيرها، فيشيرون إلى ~~عقائدهم برموز يفهمونها ويجعلون للألفاظ الشائعة معاني غير معانيها المتفق عليها في ~~اللغة المتداولة ثم ينبذون تلك الرموز إذا ارتفع عنهم الضغط والإكراه. # وقد يكون الرمز اختصارا لعبارة مفهومة أو صورة ظاهرة كرمز الرياضيين والكيميين ~~بالخطوط والنقط إلى الأفلاك أو العناصر أو المقادير. # فالرمز شيء مألوف في تعبير الإنسان وفي طبيعة الإنسان، ولكنه مألوف على حالة واحدة لا ~~يخلو منها معرض الرمز والكناية، وهي حالة الاضطرار والعجز عن الإفصاح، فلم يرمز الإنسان ~~قط وهو قادر على التصريح والتوضيح، ولم يجد كلمة واضحة لمعنى واضح ثم آثر عليها ~~الالتواء شغفا بالالتواء. # فإذا لوحظت هذه الحالة فالرمز أسلوب متفق عليه لا ms70 يحتاج إلى مدرسة تنبه الأذهان إليه. ~~فالخيال لا يستشير مدرسة من المدارس لتشير عليه أن يحلم بالصور والتشبيهات أو يحلم ~~بقواعد التحليل والتركيب في معامل الكيمياء، والشاعر لا يعاب إذا مثل لنا الكواكب ~~والأزهار فألبسها ثياب الأحياء، ومن ضاق به اللفظ فعمد إلى التخييل والتشبيه فالناس لا ~~يحسبونه من هذه المدرسة أو تلك؛ لأن المدرسة التي يصدر عنها في هذه الحالة هي مدرسة ~~البديهة الإنسانية حيث كان الإنسان وبأي لغة من اللغات ألغز أو أبان. # وفحوى ذلك أنه لا حاجة إلى مدرسة لتعليم الناس كيف يرمزون ويكنون حين ينبغي الرمز ~~وتنبغي الكناية، ولكنهم قد يحتاجون إلى مدرسة لتذكيرهم بحقيقة واحدة قد ينسونها في دفعة ~~الإفراط والمغالاة، وهي أن الحياة تنطوي على كثير من الأسرار، وأن العالم نور وظلام ~~وجهر وخفاء، وأنه يفاجئنا أحيانا بمعاني لا تترجم عنها الألفاظ ولا غنى فيها عن ~~الإشارة والاستعارة، أو عن تمثيل الظل بالظل، والحجاب بالحجاب. # وقد كانت الآداب الفرنسية بحاجة إلى هذا التذكير في النصف الأخير من القرن التاسع ~~عشر، ولم تكن هذه الحاجة مقصورة على الآداب الفرنسية في الواقع؛ لأنها كانت حاجة من ~~حاجات التطور العقلي في العالم بأسره، ولكنها أظهر ما تكون حين يكون الاندفاع من ~~الأطراف إلى الأطراف. # فالعالم الأوروبي قد تنقل في ثلاثة أطوار عقلية منذ عصر الإصلاح: طور لم يكن فيه ~~سلطان للعقل في تفسير الوجود، وطور ثار فيه العقل لحقوقه المشروعة ثم بالغ في الثورة ~~حتى أوشك أن يستبد بكل سلطان، وطور ثارت فيه البديهة الإنسانية لتذكر العقل بالحقيقة ~~التي نسيها في شططه وغلوائه، وهي أن البديهة الإنسانية تشاطر العقل حقوقه في تفسير ~~العالم والاتصال بخفايا الوجود. # ففي الطور الأول كان السلطان للكهنة ورجال الدين، وكانت النصوص التي يساء فهمها، ~~ويساء العمل بها هي مرجع المراجع كلها في العلم والحكمة والفنون والآداب. # وفي الطور الثاني تفرد العقل بتفسير كل شيء وزعم أن العلوم التجريبية وحدها كفيلة ~~بالكشف عن جميع الحقوق وجميع الأسرار. # وفي الطور الثالث صنع «رد الفعل» ms71 صنيعه المعهود في أمثال هذه الأطوار، فثار المفكرون ~~أنفسهم على العقلية # Rationalism # كما ثار الفنانون على ~~الواقعية # Realism ~~، وسمعنا بضروب شتى من دعوات المثاليين ~~والنفسانيين والروحانيين وفلاسفة المنطق الحديث الذي يدين بالبصيرة كما يدين بالقياس ~~والتحليل. # في هذه الفترة ظهر الرمزيون في الآداب الفرنسية وكان لهم حق في الظهور. # بل ظهروا «متأخرين» عن رواد هذا المذهب في الآداب الأوروبية الأخرى، وفي عالم الفنون ~~التي لها تأثير بين على الآداب. # فكانت موسيقى «فاجنر» تدوي بين أرجاء القارة الأوروبية قبل أن تتحول الموسيقى ~~الفرنسية من لغة الطرب والمشاهد الواقعية إلى لغة الأغوار والكنايات، وكان كولردج ~~وبروننج وسوينبرن وتنيسون من أعلام الشعر الإنجليزي يتناولون المعاني الغامضة تارة ~~بالرمز والكناية وتارة بالكلمات التي تماثلها في الغموض. ويكفي أن يذكر القراء تأثير ~~دافيدهيوم في روسو وفولتير، وتأثير بيرون في لامرتين، ليذكر أن المدرسة الرمزية في ~~الآداب الفرنسية لم تكن فريدة بين الآداب الأوروبية حين ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر ~~وراجت إلى أوائل القرن العشرين. # لكنها ظهرت سائغة مدعوة إلى الظهور بدعوة التطور في التفكير والشعور، ثم استحقت ~~الاحتجاب قبل أن تتمكن من الثبات على الأساس الصحيح. وصدقت عليها الفكاهة التي تحدث بها ~~ظرفاء بغداد عن بهلول المجنون، حين قالوا إنه كان يغني بدرهم ويسكت بدرهمين. # فإن المدرسة الرمزية التي وجب ظهورها مرة وجب سكوتها بعد ذلك مرتين، ولم يلبث ~~الفرنسيون أن أطلقوا عليها اسم مدرسة الهبوط والانحدار # Decadents # ولم يظلموها بهذه التسمية الصادقة، لأن ~~شعراءها وكتابها قد جعلوا ديدنهم من الرمز أن يرمزوا إلى كل وضيع خليع، وأن يعتبروا ~~التعمية مطلوبة لذاتها لا لمزية من مزايا التعبير والتقرير. فلو تهيأت لهم للمعنى ~~الواحد عبارتان تؤديانه على السواء لفضلوا الأغمض منهما على الأوضح في غير سبب معقول ~~لهذا التفضيل، بل يفضلون الغموض على الوضوح ولو كان الوضوح أجمل في اللفظ وأقرب إلى ~~البديهة وأثبت في الأفهام. # وما هو إلا أن تلقفوا من الأفواه كلمة عن مذهب فرويد وأقوال العلماء النفسانيين عن ~~«الوعي الباطن» و«اللاوعي» المكنون ms72 في أطواء النفس حتى اندفعوا من الرمزية المتطرفة ~~الجامحة إلى رمزية أبعد منها في التطرف والجموح. فنشأت بينهم مدرسة يسمونها بمدرسة ما ~~وراء الواقع، تترجم الرموز بالرموز والألغاز بالألغاز وراجت هذه البدعة الجديدة في عالم ~~التصوير، لأن رواجها في عالم الكتابة والشعر يستلزم جمهورا كاملا من المخبولين ~~والأدعياء، وقلما يجتمع جمهور كامل من هؤلاء، كما يتفق اجتماع الآحاد من طلاب الصور ~~الملفقة بين الأغنياء. # وخلاصة ما وعاه هؤلاء الرمزيون الغلاة من الوعي الباطن أنهم لا يفقهون ما هو الوعي ~~الباطن وما هو الوعي الظاهر على السواء. فإن الوعي الباطن قديم لم تخلقه التسمية ~~الحديثة في كتب العلماء النفسانيين، وقد كان الناس بوعيهم الباطن حين وصفوا ما وصفوه ~~وصوروا ما صوروه من المناظر والضمائر والوجوه، ومن شأن العقل الباطن أن يظل عقلا ~~باطنا حيث خلقه الله، فإن برزت لنا بعض خباياه فليس معنى بروزها أنها تلغي العقل ~~الظاهر وتبطل عمل الحواس وتقلب معالم الأجسام والأشياء، ولا موجب لتمييز المصورين - ~~حاملي القلم أو حاملي الريشة - بالتخمين والتنجيم عن الوعي الباطن أو العقل الباطن ~~لأنهم يستعدون لصناعتهم بمزج الألوان ونقل الأشباه بالتدرب على الكهانة ونقش الطلاسم ~~ووضع الألغاز. # فالرمزية في حدودها المعقولة - ما لم تجعل الدنيا كلها رموزا وكنايات وأطيافا - ~~تعيش في الظلام ولا تعيش في الضياء، وهي ضرورية ما شعر الإنسان بضرورتها في تمثيل ~~الدقائق والأسرار ولكنها تخرج من الضرورة إلى الضرر إذا أصبحت مطلوبة لغير سبب وأصبح ~~شعارها «الرمز للرمز» والغموض للغموض والتلفيق للتلفيق. # وهي على الجملة «خطر» حين تصبح مدرسة قائمة بذاتها لأن الإنسان لا يحتاج إلى مدرسة ~~ليكون إنسانا يعبر باللفظ الصريح حين يتأتى له التعبير باللفظ الصريح، ويعبر بالكناية ~~حين لا تسعفه وسيلة غير وسيلة الكناية. وقد عرف الناس «الاستعارة» في جميع اللغات فلم ~~تكن استعارتهم إلا ضربا من الرموز والتصوير بالكلام، ولم تفسد هذه الاستعارات إلا حين ~~أصبحت فنا مصطنعا وانقطع ما بينها وبين البداهة الصادقة والتخيل السليم. # وكذلك أفاد الرمزيون الفرنسيون حين التزموا هذه الحدود المعقولة ms73 ومثلوا ثورة البديهة ~~على غرور العلميين والعقليين، وأطلقوا الشعر الفرنسي والشعر الأوروبي عامة من أوزانه ~~المتحجرة وقيوده العتيقة، ولكنهم لم يقفوا عند ذلك فاستحقوا أن يقال فيهم: إنهم غنوا ~~بدرهم وسكتوا بدرهمين. # | المصير # تظهر هذه المجموعة من الأحاديث والفصول في وقت من الأوقات الحاسمة في تطور المذاهب ~~الهدامة؛ لأنها تنتهي الآن إلى مصيرها الأخير من ناحيته الأدبية، ويبدو من بوادر كثيرة أنها ~~منتهية لا محالة إلى مصير كهذا المصير الأخير من ناحيتها الاجتماعية. # وكل ما ثبت من حق المذاهب الهدامة في الظهور من الناحية الاجتماعية أنها ظهرت في بلاد ~~تقوضت نظمها العتيقة وتعذر بقاؤها لعجزها عن مواجهة الزمن ومطالبه، فظهرت المذاهب الهدامة ~~لأن النظم التي سبقتها لم يكن لها حق البقاء، ولم تظهر لأنها هي ذات حق في البقاء، ولم تبق ~~بعد ذلك عاما واحدا إلا بجهد جهيد في الترقيع والتعديل، حتى أصبحت اليوم وليس فيها من ~~قواعدها التي تدعي أنها قامت عليها غير العناوين. # فهم يعترفون اليوم في بلاد تلك المذاهب بالملكية الفردية ويفتحون الباب واسعا للتفاوت ~~بين الأجور وأنماط المعيشة، ويسمحون بتثمين الحاجيات على حسب العرض والطلب، ويعرضون ~~الكماليات التي تباع بالألوف ولا يطمع في اقتنائها أجير من عامة الصناع، ومن رأى رؤساءهم في ~~المحافل الدولية رآهم أفخر وأعظم ترفا من أقرانهم الوزراء والرؤساء في بلاد رأس ~~المال. # وقد اعترفوا بالوطنية التي كانوا يحسبونها خدعة من خدع الطبقات المستغلة وتغاضوا أخيرا ~~جدا عن المعابد والشعائر الدينية وبالغوا في تحيتها حيث نزلوا من بلاد الشعوب المتدينة، ~~ولا يستطيع من يرقب أحوالهم في بلادهم أن يزعم أنهم يتقدمون في تطبيق الماركسية سنة بعد ~~سنة، بل يعتقد أنهم يرجعون بعد أربعين سنة عن مبدأ أو عن دعوى بعد دعوى. فلا تنقضي أربعون ~~سنة أخرى إلا وقد أصبحوا مع سائر الأمم على شقة متساوية بينهم وبين تلك الماركسية. # أما مذاهب الهدم التي شاعت في عالم الأدب والثقافة فلا حياة لها في مواطنها. # ماتت الرمزية في الأدب الفرنسي، وماتت قبل ذلك في الأدب ms74 الأمريكي الذي تظهر فيه أحيانا ~~طائفة من الآراء على سبيل المحاكاة للمذاهب الأوروبية، ولكنها محدودة قليلة الأتباع. # ونحن لا نحسب جورج أورويل # Orwell # زعيم الرمزيين ~~الأمريكيين واحدا من أدباء هذه المدرسة. لأن الأسلوب الرمزي أسلوب تعبير وليس بأسلوب تشخيص ~~أو خلق للشخوص والأبطال. وقد اختار أورويل في بعض قصصه أن يجعل شخوصها من الحيوانات ~~العجماء، ولكنه ألقى الكلام على ألسنتها صريحا مستقيما كما يتكلم به الحيوان الناطق، وليس ~~هذا من الرمزية «التعبيرية» في شيء. # ولحقت الوجودية المريضة بالرمزية المتداعية إلى هذا المصير، فهي اليوم «إباحية» سافرة لا ~~فرق بين من يتعاطونها وبين سائر الإباحيين في كل زمن، وسقط عنها ذلك البرقع الذي كانت ~~تتراءى من خلفه بوجه جديد. # ومنذ سنتين نسمع من جانب الأدباء الروسيين ثورة على أدب «الصناعة» المصطنع الذي درجوا ~~عليه كرها بتوجيه الرقابة وتحت الحظر من العقاب والمصادرة كلما بدرت من الأدباء المنكودين ~~بادرة استقلال أو مخالفة في التطبيق والتنفيذ. وكتبت الشاعرة أولجا برجولتز تقول إنها كانت ~~تنشد بعض القصائد في جمع من «الصعاليك» فصاح بها صائح منهم: أسمعينا شيئا من الغزل ~~الإنساني لا من الغزل في المكنات والجرارات. # وقالت في حملتها التي شنتها على الأدب المصطنع على صفحات الجازيته الأدبية: «إن أهم شيء ~~في جوهر الأدب ناقص في أدبنا وهو عنصر الإنسانية أو عنصر الكائن الآدمي. ولست أعني أن ~~الكائنات الآدمية مهملة في أدبنا كل الإهمال، فالواقع أننا نرى هناك نماذج شتى من السواقين ~~والوقادين والبستانيين يوصفون أحيانا وصفا بارعا ولكنهم موصوفون أبدا من الخارج ولا ~~يزال أهم الأشياء ناقصا في أشعارنا؛ وذلك هو البطل الغنائي العاطفي ذو العلاقة الفردية ~~بالدنيا وبالطبيعة.» # وقد استجاب لها في حملتها شاعران نابهان وهما فردوسكي وقسطنطين بستوفسكي ومعهما اتحاد ~~النقاد، فأطبقوا جميعا على التذمر في المسرحيات «الملقنة والآداب الموحاة». # واجترأت الشاعرة فيرا أنبار على التهكم من وصايا المربين الفنيين الذين يدعون لأنفسهم ~~الخبرة بتدريب الناشئة من الطفولة على «الاندماج» في الحضارة العصرية، فقالت: «إنهم يزعمون ~~أن أغاني الأطفال توضع في ms75 الأمم البرجوازية لينام عليها الطفل ولكنها في روسيا توضع لتوقظه ~~وتقلق منامه.» # وكتب كبيرهم أهر نبورج يقول: «إن الكاتب المؤلف ليس بالآلة الميكانيكية، وأنه لا يؤلف ~~كتابه لأنه يعرف صناعة الكتابة ولا لأنه عضو في مجمع كتاب السوفيت - يجوز أن يسألوه ما باله ~~لم يؤلف كتابا منذ زمن بعيد، ولكن الكاتب يؤلف لأنه يشعر بضرورة إبلاغ الناس شيئا من ذات ~~نفسه ويلعجه هذا الشعور حتى يتخلص منه ...» # هذه شرارة من النار الكامنة في الصدور، تتطاير اليوم كلاما ولم تكن قبل ذلك خامدة أو ~~منطفئة في قلوب المكتوين بها، ولكنهم كانوا يعبرون عنها بما كان في وسعهم من ضروب التعبير ~~الفاجع الأليم. # كانوا يعبرون عنها بالانتحار. # ولهذا مات ثلاثة من أكبر أدبائهم منتحرين قبل سن الخامسة والثلاثين، وهم مايكوفسكي ~~وايسنين وباجريتسكي، ومات غيرهم ميتة غامضة تحيط بها الشكوك، ولم يعرف عن أحد من أدبائهم ~~الموهوبين أنه جاوز الشباب في سلام. # وليس في الشرق العربي من يعرف هذه المذاهب على بصيرة بها أو عن استقلال بالرأي والشعور، ~~ولكنهم يلقنونها تلقينا «ببغاويا» أو يتهافتون عليها ولعا بكل غريب مجهول؛ وقد تموت ~~المذاهب في الغرب ولها في الشرق دعاة يهتفون لها ويترنمون بها ويشبهون في صيحات الإعجاب بها ~~زميلهم الأصم الذي قيل في نوادر الأضاحيك إنهم أيقظوه بعد انقضاض السامر؛ فهب من نومته ~~مصفقا للمطرب المبدع، بعد سكوته بساعات. # ولعل أناسا من الداعين إلى أدب الحياة كما بشر به مايكوفسكي لم يقرءوه ولم يعلموا أنه ~~انتحر هو وزميلاه من أدباء الحياة على هذا الطراز، ولو أنهم علموا بذلك لما أقحموه في ~~المقال ليتخذوه قدوة لطلاب الحياة وأدب الحياة! # بل اليقين الذي لا شك فيه أنهم لا يقرءون ما ينتقدونه إذا جاز الشك في إلمامهم بنماذج ~~الأدب «المقتدى به» على سنة الحياة والأحياء. # فقد ثاروا، أو أثيروا، على دعوتنا الأدبية لأنها جمود على القديم واستبقاء لميزان النقد ~~كما غبر عليه المقلدون في عصور الضعف والانحلال، وقالوا إننا ندين بوحدة البيت ونتغنى ببيت ~~القصيد ونجهل وحدة ms76 القصيدة كلها كأنها «بنية حية» تحل فيها الأبيات محل الجوارح والأعضاء، ~~وأجمل ما يقال في الاعتذار لهم أنهم مساكين لم يتعلموا القراءة قبل خروجهم من بطون أمهاتهم ~~منذ نيف وأربعين سنة. وإلا لقرءوا يومئذ في عالم الغيب ما كتبناه نقدا لوحدة البيت أو ~~نقدا لبيت القصيد! # وفيما يلي تسجيل لهذه الأعجوبة التي لا نظير لها في آداب الأمم ولا في أدب الأمة العربية ~~من قديم إلى حديث، لأن هذه الأعجوبة ظاهرة منقطعة عن الأدب كل الانقطاع، معزولة عما يقال ~~إنه جيد معبر عن الحياة وما يقال إنه رديء جامد على القديم، ولولا أن هذه الأعجوبة ظاهرة ~~فريدة في بابها لما استحقت أن تذكر ولا أن يكون لها موضع في تاريخ النقد والأدب، وإنما تسجل ~~لأنها أول تزييف من نوعه للدعوات الأدبية في لغة من اللغات، وقديما كان تزييف من نوعه ~~للدعوات الأدبية في لغة من اللغات، وقديما كان تزييف الذهب بالنحاس وتزييف الذهب بخليط من ~~المعدن كيف كان. فأما تزييف الذهب بالحصى أو بالتراب فمن أعاجيب الزمن التي لا تقع في حساب. ~~وهل قامت قط دعوة أدبية تنكر ما لم تقرأه وتنتقد ما لم تقرأه وتبلغ من الغفلة أن تداري ما ~~وراءها بمثل هذا الغشاء، ولا غشاء! ~~••• # وهذه القصة بالتمام والكمال كما سجلناها منذ عام في هذا المقال. # شيء من هذا، بل أغرب من هذا قيل عن كاتب هذه السطور وهو إنني جامد على مذهب الأقدمين في ~~نقد الشعر والأدب، وإنني لا أفهم وحدة القصيدة ولا أصول البنية الحية في الكتابة، وخير من ~~الاستطراد في الحكاية عن هؤلاء القائلين أن ننقل هنا كلامهم كما قالوه. قالوا أفادهم الله: # نجد هذا في الحكم النقدي وفي التعبير الأدبي نثره وشعره على السواء، وكما كان ~~نقاد العرب القدامى يعدون بيتا من الشعر أبلغ ما قالته العرب وبيتا آخر أهجى ما ~~قالته العرب، وإلى غير ذلك من أفعال التفضيل، لا يزال نقادنا وأدباؤنا من المدرسة ~~القديمة يحتفلون كذلك بهذا المعنى الواحد أو البيت المنفرد ms77 لما فيه من أسلوب رائق ~~ومعنى شائق ... فالعقاد مثلا يترنم بهذا البيت: # وتلفتت عيني فمذ خفيت # عني الطلول تلفت القلب # فلا يلبث أن يقرر أنه يساوي عنده ألف قصيدة. لماذا؟ لأن العقاد مثله في ذلك مثل ~~بقية أدبائنا القدامى، لا يبصر بالظاهرة الأدبية في الوحدة العضوية المتكاملة للعمل ~~الأدبي وإنما في البيت، في المعنى، في النادرة اللطيفة، في العبارة ~~المفردة. # أعلمت أيها القارئ إذن ما هو مذهب العقاد؟ مذهبه في الأدب أنه هو ذلك الخلط الذي ~~قضى حياته ينحي عليه وينكره ويشرح عيوبه وسخافاته. # من سنة 1909 # إن قراءنا كادوا يتهموننا باللت والعجن بل بالإفراط في اللت والعجن، لكثرة ما كتبناه ~~في هذا المعنى منذ نيف وأربعين سنة. # منذ حملنا القلم في الصحافة ونحن نكتب ونعيد أن القصيدة بنية كاملة، وأن الإعجاب ببيت ~~القصيد جهل بالشعر والأدب وميزان في النقد يجب أن نحطمه ونعفي عليه. # وفي سنة 1909 نشر حافظ إبراهيم قصيدته التي يقول في مطلعها: # لقد نصل الدجى فمتى تنام # أهم ذاد نومك أم هيام # فكتبنا في صحيفة الدستور ما خلاصته أنه أخذ قطعة من الحرير وقطعة من المخمل وقطعة من ~~الكتان، وكل منها صالح لصنع كساء فاخر من نسجه ولونه، ولكنها إذا أجمعت على كساء واحد ~~فتلك هي «مرقعية الدراويش». # وفي سنة 1921 أصدرنا كتابا مستقلا لنقد الشعر الذي لا تلاحظ فيه بنية القصيدة، ~~وقلنا في الصفحة السابعة والأربعين من ذلك الكتاب، كتاب الديوان: ~~... ورأيتهم يحسبون البيت من القصيدة جزءا قائما بنفسه لا عضوا متصلا ~~بسائر أعضائها، فيقولون أفخر بيت وأغزل بيت وأشجع بيت، وهذا بيت القصيد وواسطة ~~العقد كأنما الأبيات في القصيدة حبات عقد تشترى كل منها بقيمتها فلا يفقدها ~~انفصالها عن سائر الحبات شيئا من جوهرها. # وقلنا قبل ذلك: «إن القصيدة الشعرية كالجسم الحي يقوم كل قسم منها مقام جهاز أجهزته ~~ولا يغني عنه غيره في موضعه إلا كما تغني الأذن عن العين أو القدم عن الكف أو القلب عن ~~المعدة، أو هي كالبيت المقسم لكل ms78 حجرة منه مكانها وفائدتها وهندستها.» # وختمنا هذا البحث قائلين: «إننا لا نريد تعقيبا كتعقيب الأقيسة المنطقية ولا تقسيما ~~كتقسيم المسائل الرياضية، وإنما نريد أن يشيع الخاطر في القصيدة ولا ينفرد كل بيت ~~بخاطر، فتكون كما أسلفنا بالأشلاء المعلقة أشبه منها بالأعضاء المنسقة ...» # إلى سنة 1928 # وكتبنا في البلاغ سنة 1928 جوابا عن سؤال من الأستاذ عبده حسن الزيات عن الفرق بين ~~الشعر العربي القديم والشعر الإنجليزي على عمومه فقلنا بعد شرح طويل: «... ومن هنا كانت ~~وحدة الشعر عندنا البيت وكانت وحدته عندهم القصيدة. فالأبيات العربية طفرة بعد طفرة، ~~والأبيات الإنجليزية موجة تدخل في موجة لا تنفصل من التيار المتسلسل الفياض.» # وقد طبعت هذه المقالة مع ثماني مقالات من قبيلها حتى الآن ثلاث طبعات. # إلى سنة 1930 # وفي سنة 1930 ألفنا كتابا عن ابن الرومي خصيصا لشرح الأسباب التي تدعونا إلى ~~الإعجاب به، وأولها أنه أقرب الشعراء الأقدمين إلى المذهب الذي نختاره، وأن عصره أول ~~العصور التي فطنت لتجديد الشعر على هذا الأسلوب. # واستشهدنا في الصفحة السادسة والأربعين بكلام الحاتمي حيث يقول: # مثل القصيدة مثل الإنسان في اتصال بعض أعضائه ببعض، فمتى انفصل واحد عن ~~الآخر وباينه في صحة التركيب غادر الجسم ذا عاهة تتخون محاسنه وتعفي معالمه ~~... # ثم استقصينا الشواهد من قصائد ابن الرومي وعقبنا عليها في الصفحة ال (316) فقلنا: «إن ~~العلامات البارزة في قصائد ابن الرومي هي طول نفسه، وشدة استقصائه المعنى واسترساله ~~فيه، وبهذا الاسترسال خرج عن سنة النظامين الذين جعلوا البيت وحدة النظم، وجعلوا ~~القصيدة أبياتا متفرقة يضمها سمط واحد قل أن يتوالى فيه النسق تواليا يستعصي على ~~التقديم والتأخير والتبديل والتحوير، فخالف ابن الرومي هذه السنة وجعل القصيدة كلا ~~واحدا لا يتم إلا بتمام المعنى الذي أراده على النحو الذي نحاه. فقصائده موضوعات كاملة ~~تقبل العناوين، وتنحصر فيها الأغراض، ولا تنتهي حتى ينتهي مؤداها، وتفرغ جميع جوانبها ~~وأطرافها، ولو خسر في سبيل ذلك اللفظ والفصاحة.» # إلى سنة 1947 # وفي سنة 1947 كتبنا في مجلة الكتاب خلاصة ms79 شروط الشعر الحسن فعددنا في أولها أن الشعر ~~قيمة إنسانية وليس بقيمة لسانية، ثم قلنا: «إن القصيدة بنية حية وليست قطعا متناثرة ~~يجمعها إطار واحد. فليس من الشعر الرفيع شعر تغير أوضاع الأبيات فيه ولا تحس منه ~~تغييرا في قصد الشاعر ومعناه.» # وهذه المزية خاصة هي المزية التي شرحناها وكررناها وعدنا إليها خلال هذه السنوات في ~~مقالات متفرقة، وتداولها القراء في كتب متوالية أعيد طبعها ثلاث مرات وأربع مرات. ومنها ~~كتاب أعيد طبعه بعد أسبوع واحد وهو كتاب الديوان، ولم يسبق لكتاب عربي حديث مثل هذا ~~الذيوع والانتشار. # الأدب للمجتمع قبل ربع قرن # وقبل ربع قرن - أي قبل أن يعرف الأدعياء كيف يتهجون كلمة المجتمع - كنا نكتب فنقول إن ~~آفة الأدب المصري أنه يعيش بمعزل عن الأمة، ومن ذلك ما كتبناه بالبلاغ في سنة 1927 ~~فقلنا: «إن العزلة بين الشعب والحكومة، والفوارق الدائمة بين الحياة القومية والحياة ~~الرسمية هي علة الجدب الغريب الذي يلاحظ على آداب مصر الرسمية، أي الآداب التي تجري على ~~تقاليد الحاكمين والرواة في العصرين القديم والحديث.» # كتبنا هذا ورددناه ولا نزال نردده ونعني به حين نذكر الشعب أنه مجموعة من النفوس ~~والضمائر والأذواق والأخلاق وليس كما يريده الماديون الحيوانيون مجموعة من البطون ~~والجلود وكفى. # وبعد تسجيل هذه الأعجوبة نستطيع أن نسجل معها بحمد الله أن أدب مصر برئ من لوثة ~~المذاهب الدخيلة، لأن النقد الذي يستوحي تلك المذاهب لم يصدر قط من وحي بديهتها، ولم ~~يعتمد قط على سند صحيح في موازين التقدير على نوعيه، من تقدير استحسان واقتداء أو تقدير ~~استهجان وتفنيد. # ولن يضير الأدب المصري في لبابه أن يلصق به أناس يستوحون المذاهب الدخيلة ولعا ~~بالغريب أو مجاراة للإغراء والترغيب، ونرجو ألا يضيره الأدب المصطنع عند أصحاب جرثومته ~~الكبرى أو أصحاب مذاهبه الهدامة؛ لأنها تنهدم على قواعدها في صميم بلادها، وما تهدم ~~منها ركن قائم إلا كان في انهدامه بشير بالعمار والسلام. ms80