######OpenITI# #META# URI: 1383CabbasMahmudCaqqad.Allah.Hindawi70638427 #META# Tags: philosophy #META# ID: 70638427 #META# Title: الله #META# AuthorID: 64642852 #META# Author: عباس محمود العقاد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تقديم‏ # مقدمة الطبعة الثالثة‏ # أصل العقيدة‏ # أطوار العقيدة الإلهية‏ # الوعي الكوني‏ # الله ذات‏ # مصر‏ # الهند‏ # الصين واليابان‏ # فارس‏ # بابل‏ # اليونان‏ # مرحلة جديدة في الدين‏ # الفلسفة‏ # المسيحية‏ # الإسلام‏ # الأديان بعد الفلسفة‏ # الفلسفة بعد الأديان الكتابية‏ # التصوف‏ # براهين وجود الله‏ # البراهين القرآنية‏ # آراء الفلاسفة المعاصرين في الحقيقة الإلهية‏ # العلوم الطبيعية والمباحث الإلهية‏ # خاتمة المطاف‏ # تقديم‏ # مقدمة الطبعة الثالثة‏ # أصل العقيدة‏ # أطوار العقيدة الإلهية‏ # الوعي الكوني‏ # الله ذات‏ # مصر‏ # الهند‏ # الصين واليابان‏ # فارس‏ # بابل‏ # اليونان‏ # مرحلة جديدة في الدين‏ # الفلسفة‏ # المسيحية‏ # الإسلام‏ # الأديان بعد الفلسفة‏ # الفلسفة بعد الأديان الكتابية‏ # التصوف‏ # براهين وجود الله‏ # البراهين القرآنية‏ # آراء الفلاسفة المعاصرين في الحقيقة الإلهية‏ # العلوم الطبيعية والمباحث الإلهية‏ # خاتمة المطاف‏ # | الله # | الله # تأليف # عباس محمود العقاد # | تقديم # موضوع هذا الكتاب نشأة العقيدة الإلهية، منذ اتخذ الإنسان ربا إلى أن عرف الله ~~الأحد، واهتدى إلى نزاهة التوحيد. # وقد بدأناه بأصل الاعتقاد في الأقوام البدائية، ثم لخصنا عقائد الأقوام التي تقدمت في ~~عصور الحضارة، ثم عقائد المؤمنين بالكتب السماوية، وشفعنا ذلك بمذاهب الفلاسفة الأسبقين، ~~ومذاهب الفلاسفة التابعين، وختمناه بمذاهب الفلسفة العصرية، وكلمة العلم الحديث في مسألة ~~الإيمان. # وكانت عنايتنا فيه بالعقيدة الإلهية دون غيرها، فلم نقصد فيه إلى تفصيل شعائر الأديان ولا ~~إلى تقسيم أصول العبادات؛ لأن الموضوع - على حصره في نطاقه هذا - أوسع من أن يستقصى كل ~~الاستقصاء في كتاب. # وإن موضوعا كهذا الموضوع المحيط لعرضة للتشعب والتطويل كيفما تناوله الكاتب ~~ومن أي جانب تحراه، فلا بد فيه من إيجاز، ولا بد فيه من اكتفاء. # غير أننا تحرينا الإيجاز، وتحرينا معه أن يغنينا فيما قصدناه، وذاك هو الإلمام ~~بأطوار العقيدة الإلهية على وجهتها إلى التوحيد، وأن تكون هذه الأطوار مفهومة العلل ~~والمقدمات. # وإن الله الذي هدى الأمم كافة إلى هذا المنهج البعيد، لكفيل أن يهدينا إليه، وأن يوفقنا ~~لسداد النظر فيه، فلا هداية إلا به، ولا معول إلا عليه، إنه سميع بصير مجيب. # | مقدمة الطبعة الثالثة # في نهاية الطبعة الثانية من هذا الكتاب لخصنا زبدة الآراء الراجحة ms001 فيما تستطيعه ~~العلوم الحديثة من الحكم الصادق في مسألة الحقيقة الإلهية، فقلنا: «إن العلوم الطبيعية ليس ~~من شأنها أن تخول أصحابها حق القول الفصل في المباحث الإلهية والمسائل الأبدية؛ ~~لأنها من جهة مقصورة على ما يقبل المشاهدة والتجربة والتسجيل، ومن جهة أخرى مقصورة على نوع ~~آخر من الموجودات، وهي - بعد هذا وذاك - تتناول عوارض الموجودات ولا تتناول جوهر الوجود، ~~وهو لا يدخل في تجارب علم من العلوم.» # واستطردنا في هذا التلخيص قائلين: «ولكن العالم الطبيعي يحق له إبداء الرأي بحق العقل ~~والدليل والبديهة الواعية؛ لأنه إنسان يمتاز حقه في الإيمان بمقدار امتيازه في صفات ~~الإنسان. أما العلم نفسه فلا غنى له عن البديهة الإنسانية في تلمس الحق بين مجاهل الكون ~~وخوافيه، فكيف تسري المقررات العلمية بين العلماء - فضلا عن الجهلاء - لولا ثقة البديهة؟ ~~كيف يعرف المهندس صدق الطبيب في مباحثه العلمية؟ ولا نقول: كيف يعرفها الجاهل بالطب ~~والهندسة؟ ما من حقيقة من هذه الحقائق تسري بين الناس بغير ثقة البديهة وثقة الإيمان، وما ~~من حقيقة من هذه الحقائق يعرفها جميع المنتفعين بها معرفة العلماء أو يمكن أن يعرفها جميع ~~الناس كما يعرفها بعض الناس، وهي مع ذلك مسائل محدودة يتاح العلم بها لمن يشاء، فلماذا ~~يخطر على البال أن حقيقة الحقائق الكبرى تستغني عن ثقة البديهة الإنسانية ولا يتأتى أن ~~تقوم في روع الإنسان إلا بتجارب المعامل التي يباشرها كل إنسان؟» # وقد مضى العلم قدما في كشوفه وبحوثه عن حقيقة المادة وحقيقة ما وراءها خلال هذه ~~السنوات، فلم يظهر في هذه الكشوف والبحوث ما يزيد دعوى العلم الحديث أكثر مما تقدم: قصاراه ~~أن يذهب مع التجارب العقلية والحسية إلى غاية أشواطها، ثم ينتهي إلى عمل البديهة؛ لإدراك ~~أقرب الموجودات إلى الحس وأبعدها منه، على حد سواء. # ويبدو أن الفلسفة اللاهوتية والفلسفة العلمية تتلاقيان على هذا الاتجاه، فلا تدعي الفلسفة ~~اللاهوتية أنها أقدر من العلم على بلوغ أسرار الحقيقة الكبرى، وإنما غاية ما تدعيه أن ~~الحقيقة الكبرى فرض محتوم كفروض الرياضة ms002 الصحيحة التي نسلمها لنقيس عليها الحقائق ~~البرهانية. # ونحن نكتب هذه المقدمة في أواخر السنة 1959 وأمامنا كتاب في موضوع الفلسفة الإلهية وخبر ~~عن جائزة نوبل التي منحت للممتازين بخدمة العلم الطبيعي هذه السنة، فإذا بنا واقفين مع ~~الفلسفة واللاهوت والعلم الطبيعي معا عند نهاية أشواط الحس والفكر وبداية أشواط البديهة. ~~ثم لا سبيل إلى الرجوع خطوة في هذه الطريق، ولا سبيل إلى التقدم وراءه خطوة واحدة بالتجربة ~~الحسية أو العلمية. # بين أيدينا كتاب البروفيسور ه. د. لويس # Lewis # الذي سماه ~~«تجربتنا الإلهية» أو تجربتنا عن ~~الإله # Our Experience of ~~God # ولخص بها نتائج البحث المشروعة عن الحقيقة الإلهية، فما هو غاية ~~المدى الذي تذهب إليه الفلسفة في رأي هذا الفيلسوف؟ # غاية المدى في رأيه أن الحقائق التي يقررها العلم والفكر لا تعدو أن تكون حقائق نسبية أو ~~حقائق بالإضافة إلى غيرها كما نقول في مصطلحات المنطق العربية، وبعض هذه الحقائق مقياس ~~لبعض، ولكنها جميعا لا تثبت للذهن بحال من الأحوال بغير القياس إلى حقيقة مطلقة أبدية ~~تحيط بها جميعا، وهي الحقيقة الإلهية. # وليس البروفسور «لويس» ممن يستضعفون البراهين الفكرية التي يستعان بها على إثبات وجود ~~تلك الحقيقة، وليس هو كذلك ممن يقنعون بها، ويحسبونها يقينا قاطعا يحسن السكوت عليه، ~~ولكنه يرى أن هذه البراهين هي واجب العقل الذي لا يجوز له أن يتخلى عنه في سعيه إلى هذه ~~الحقيقة وإلى كل حقيقة، أو لا يجوز له أن يركن إلى البديهة وحدها، ويعفي نفسه مما هو قادر ~~عليه، فإنه لا يستطيع أن يثق بالبديهة إن لم يبلغ بالبحث غاية الأمد المستطاع، وقد يشعر ~~العقل أحيانا أنه وثب بالإدراك الملهم وثبة تذهب به وراء المدركات التجريبية والمدركات ~~الفكرية أو المنطقية، ولكن هذه التجارب القاصرة هي جزء من التجربة الإلهية وليست شيئا ~~مناقضا لها أو مستوعبا لجميع أجزائها. # ولو كان الفيلسوف لويس من المتصوفة القائلين بإمكان المعرفة من طريق الاتحاد بين الله ~~والإنسان لما كان لفلسفته محل من البحث الحديث ولا البحث العلمي ms003 الفكري على إطلاقه، فهو لا ~~يقول بإمكان هذا الاتحاد الإلهي الإنساني، ولا يسميه تجربة إنسانية في سبيل العرفان بالله، ~~بل هو يرى أن المتصوفة يخطئون التعبير عن هذه التجربة، وينبغي أن يفرقوا بين معرفة تقوم على ~~فناء الإنسان في الذات الإلهية ومعرفة تقوم على إدراكه لوجوده في صميمه، ثم إدراكه لما هو ~~أعظم منه وأرفع من شأوه، ومحل فلسفة لويس من البحث الحديث أنه لا يعيد لنا عبارات الاتحاد ~~والفناء ووحدة الوجود كما رددها بعض المتصوفة من جميع المذاهب، ولكنه يأتي بالجديد حين ~~يقول: إن إدراك الحقيقة المطلقة عمل إنساني يعالجه الإنسان بما عنده من الوسائل المحدودة، ~~وكل ما هنالك أنها وسائل غير كافية تحتاج إلى تتمة، فهي لا تعطينا كل شيء ولا تحيط بكل شيء، ~~ولكن الفرق بينها وبين المعرفة الواجبة إنما هو فرق بين ناقص وتام وليس بفرق بين باطل وحق، ~~ولا بين شك ويقين. # وعلى الجملة يمكن أن تدل فلسفة لويس، ونظائرها من الفلسفات الدينية في هذا العصر، إلى ~~نتيجتين: # أولاهما: # أن أدلة المنكرين غير كافية للإنكار، فليس عندهم من دليل مقنع يستند إليه ~~العالم أو المفكر في الجزم بإنكار وجود الله. # وثانيتهما: # أن أدلة المؤمنين كافية لبعض الإثبات، ولا بد من ملاحظة الفرق بين هذا ~~القول وبين القول بأن تلك الأدلة لا تكفي للإثبات على وجه من الوجوه، فإن ~~ما يثبت بعض الثبوت بالعقل، ويتم ثبوته بعد ذلك بالبديهة غير الدعوى التي ~~ليس لها ثبوت على الإطلاق، وبخاصة حين نعلم أن الاعتماد على البديهة سند ~~معول عليه في الدراية الإنسانية، كما يعول الطبيب على حقائق الهندسة ويعول ~~المهندس على حقائق الطب، ويعول الناس جميعهم في الحكم ببديهتهم على الحقيقة ~~التي لا يحيطون بها كل الإحاطة. # أما المباحث التي اختص أصحابها بجائزة نوبل العلمية لهذه السنة فهي ذات مغزى كبير في ~~التعريف بالأقيسة النسبية والأقيسة المطلقة أو المجردة من ناحية أخرى: وهي ناحية الحقيقة ~~المادية. # فالباحثون في تركيب المادة يبحثون في البروتون والبوزيترون والكهرب والنيوترون، ويعلمون ~~أنها ms004 جميعا موجودات بالنسبة إلى غيرها، ولم يعرف بعد كيف يكون وجودها إذا انفردت ~~بذاتها. # فالبروتون كهربة موجبة بالقياس إلى السالبة، والنيوترون كهربة محايدة بالنسبة للاثنين، ~~والسالبة تلتزم السلب في علاقتها بالكهربات الأخرى، وقد يكون بعض هذه الموجودات سالبا في ~~حالة وموجبا في حالة أخرى. # وهذه كلها موجودات اعتبارية بالقياس إلى غيرها، فكيف يكون وجود المادة المجردة من جميع ~~هذه الاعتبارات؟ وكيف تكون المادة المطلقة على قدر ما نتصور الإطلاق في هذه ~~الموجودات؟ # إننا أشرنا إلى تجارب علماء «كليفورنيا» في هذه المباحث في باب العوالم الأخرى من كتاب ~~«القرن العشرون ما كان وما سيكون» وذكرنا أنهم يحتملون وجود كائنات لا مادية # Anti-Matter # على بعض العوالم الأخرى، ولا نعلم ماذا ثبت ~~من هذه الكائنات اللا مادية في مباحث البروتون التي أجراها العلماء المجازون وزملاؤهم ~~المشتغلون بها في شتى الميادين، ولكن المهم في الأمر أن الحقيقة المادية والحقيقة المجردة ~~لا تتناقضان عند العلم الحديث، خلافا لما جرى عليه العرف بين عامة الباحثين إلى عهد ~~قريب. # فقد كان العرف الشائع إلى أوائل القرن العشرين أن البحث عن الحقيقة المجردة والبحث عن ~~الحقيقة المادية طريقان متعارضان، ينبغي لمن يتوخى أحدهما أن يولي ظهره للآخر، ولا يترقب ~~الوصول إلى غاية معقولة من سلوكه إياه. # فاليوم قد تبين - على الأقل - أن الإمعان في البحث عن حقيقة المادة يؤدي بنا إلى الحقيقة ~~المجردة وينتهي بنا إلى التسليم بكائنات «لا مادية» تخالف ما كنا ندركه من صور المادة ~~المحسوسة. # ولا بد من الحقيقة المجردة إلى جانب الحقائق الاعتبارية، أو الحقائق التي يقاس بعضها إلى ~~بعض ولا تستقل بذواتها عن وجود آخر وراءها، وجود يسميه علماء المادة أنفسهم وجودا «لا ~~ماديا» للتمييز بينه وبين الموجبات والسوالب والمحايدات وسائر هذه المضافات. # إن السنوات التي مضت منذ تأليف هذا الكتاب عن «الحقيقة الإلهية»، قد تقدمت بنا في طريقنا ~~ولم تزل تتقدم بنا فيه وتحطم الحواجز التي يخيل إلينا بادئ الرأي أنها تنكص بنا عنه أو ~~تتشعب بنا حوله. # فإذا أردنا أن نلخص ms005 ذلك كله في سطور قليلة فخلاصته الواضحة أن الإيمان بالمحسوسات ينقص ~~على أيدي التجارب العلمية نفسها ويحل محله إيمان بالغيب المجرد الذي لا يوصف بالمادية، أو ~~كما قلنا في كتابنا «عقائد المفكرين»: إن القرن العشرين عصر الشك في الإلحاد والإنكار ~~بمقدار ما كان القرن الذي قبله عصر الشك في الإيمان والنظر إلى الغيب المجهول. # وكيف يكون الموقف يا ترى عند نهاية هذا القرن العشرين؟ # لا نراه مؤديا بنا إلى رجعة عن هذا الطريق، بل نراه - علميا كما نراه دينيا - يمعن ~~بنا في هذه الوجهة التي لمحناها على كثب يوم ختمنا هذا الكتاب عن الحقيقة الإلهية في طبعته ~~الأولى، ولعل طبعاته المتوالية أن تكون في تقدير قرائه معالم متوالية لهذا الطريق المحدود ~~إلى أن يشاء الله. # عباس محمود العقاد # | أصل العقيدة # ترقى الإنسان في العقائد كما ترقى في العلوم والصناعات. # فكانت عقائده الأولى مساوية لحياته الأولى، وكذلك كانت علومه وصناعاته، فليست أوائل العلم ~~والصناعة بأرقى من أوائل الأديان والعبادات، وليست عناصر الحقيقة في واحدة منها بأوفر من ~~عناصر الحقيقة في الأخرى. # وينبغي أن تكون محاولات الإنسان في سبيل الدين أشق وأطول من محاولاته في سبيل العلوم ~~والصناعات. # لأن حقيقة الكون الكبرى أشق مطلبا وأطول طريقا من حقيقة هذه الأشياء المتفرقة التي ~~يعالجها العلم تارة والصناعة تارة أخرى. # وقد جهل الناس شأن الشمس الساطعة وهي أظهر ما تراه العيون وتحسه الأبدان، ولبثوا إلى زمن ~~قريب يقولون بدورانها حول الأرض ويفسرون حركاتها وعوارضها كما تفسر الألغاز والأحلام، ولم ~~يخطر لأحد أن ينكر وجود الشمس؛ لأن العقول كانت في ظلام من أمرها فوق ظلام، ولعلها لا ~~تزال. # فالرجوع إلى أصول الأديان في عصور الجاهلية الأولى لا يدل على بطلان التدين، ولا على ~~أنها تبحث عن محال، وكل ما يدل عليه أن الحقيقة الكبرى أكبر من أن تتجلى للناس كاملة في ~~عصر واحد، وأن الناس يستعدون لعرفانها عصرا بعد عصر وطورا بعد طور، وأسلوبا بعد أسلوب، ~~كما يستعدون لعرفان الحقائق الصغرى، بل على نحو أصعب ms006 وأعجب من استعدادهم لعرفان هذه الحقائق ~~التي يحيط بها العقل ويتناولها الحس والعيان. # وقد أسفر علم المقابلة بين الأديان عن كثير من الضلالات والأساطير التي آمن بها الإنسان ~~الأول، ولا تزال لها بقية شائعة بين القبائل البدائية، أو بين أمم الحضارة العريقة، ولم يكن ~~من المنظور أن يسفر هذا العلم عن شيء غير ذلك، ولا أن تكون الديانات الأولى على غير ما كانت ~~عليه من الضلالة والجهالة؛ فهذه هي وحدها النتيجة المعقولة التي لا يترقب العقل نتيجة ~~غيرها، وليس في هذه النتيجة جديد يستغربه العلماء، أو يبنون عليه جديدا في الحكم على جوهر ~~الدين. فإن العالم الذي يخطر له أن يبحث في الأديان البدائية ليثبت أن الأولين قد عرفوا ~~الحقيقة الكونية الكاملة منزهة عن شوائب السخف والغباء إنما يبحث عن محال. # فأيا كان الرأي في جوهر الدين فالنقص في العبادات الهمجية أمر مفروغ منه لا يستدل به ~~على نفي ولا إثبات، وإنما يصح أن يوصف بالغرابة لسبب واحد، وهو هذا الإجماع على الاعتقاد ~~أيا كان موضوع الاعتقاد، كأنما يوجد الاستعداد للعقيدة أولا ثم توجد العقيدة على اختلاف ~~نصيبها من الرشد والضلال، أو توجد الملكة أولا ثم يوجد موضوع الاعتقاد، ولا تتوقف صحة ~~الملكة على صحة الموضوع. # ففي الطبع الإنساني جوع إلى الاعتقاد كجوع المعدة إلى الطعام. # ولنا أن نقول: إن «الروح» تجوع كما يجوع الجسد، وإن طلب الروح لطعامها كطلب الجسد لطعامه، ~~لا يتوقف على جودة الغذاء ولا على حلاوة المذاق، بل يتوقف على شعور الغريزة بالحاجة ~~إليه. # ونخال أننا لا نخرج بالمشابهة عن مداها إذا قلنا: إن إنكار الحاسة الدينية لرداءة العقيدة ~~الأولى أو سخف موضوعها كإنكار المعدة في الجوف لرداءة المأكول وسخافة الغذاء؛ فإنما المرجع ~~إلى بنية الروح وبنية الجسد في الحالتين، وكلتاهما حق لا يقبل المراء. # حق لا يقبل المراء أن الحاسة الدينية بعيدة الغور في طبيعة الإنسان. # وحق لا يقبل المراء أن الإنسان يجب أن يؤمن ولا يستقر في وسط هذه العوالم بغير ~~إيمان. # وهو قد ms007 وجد في وسط هذه العوالم لا مراء ، فإذا كان الإيمان هو الحالة التي يتطلبها منه ~~وجوده - فضعف الإيمان شذوذ يناقض طبيعة التكوين ويدل على خلل في الكيان. # وقد اتفق علماء المقابلة بين الأديان على تأصل العقيدة الدينية في طبائع بني الإنسان من ~~أقدم أزمنة التاريخ، ولكنهم لم يتفقوا على أصل العقيدة أو أصل الباعث عليها، ولا بد لها من ~~باعث، فلن يكون الوقوف على باعثها دليلا على بطلانها؛ لأنها لا تأتي بغير باعث يؤدي إليها ~~كائنا ما كان. # نعم، هي ترجع إلى باعث يحفز الطبيعة الإنسانية إلى البحث عنها، وكذلك نبحث عن الطب إذا ~~مرضنا، ونبحث عن الملجأ الأمين إذا فزعنا، ونبحث عن المال إذا افتقرنا، ولا يقدح ذلك بحال ~~من الأحوال في صحة الطب أو الأمن أو المال. # فما هو الباعث في الطبيعة الإنسانية إلى طلب العقيدة، وهل يلزم أن يكون باعثا واحدا، أو ~~يجوز أن يرجع إلى بواعث كثيرة؟ وهل يثبت هذا الباعث على حالة واحدة أو تتجدد له أحوال بعد ~~أحوال بتعاقب الأطوار أو الأجيال؟ # أما أنه باعث واحد فلا وجه للزومه، ولا مانع لتعدده، ويصح جدا أن تتفق جميع البواعث ~~التي تفرق العلماء في شرحها وسرد الشواهد عليها، وألا ينفرد باعث منها بنشأة الدين منذ أقدم ~~العصور، وألا توصد الأبواب على البواعث الأخرى التي قد تتجدد الآن، وقد تمضي في التجدد إلى ~~غير انتهاء. ~~••• # يرى كثير من العلماء أن الأساطير هي أصل الدين بين الهمج، وهو رأي لا يرفض كله ولا يقبل ~~كله؛ لأن العقائد الهمجية قد تلبست بالأساطير في جميع القبائل الفطرية، فلا يسهل من أجل ~~هذا أن نرفض القول بالعلاقة بين الأسطورة والعقيدة، ولكن لا يسهل من جهة أخرى أن نطابق بين ~~العقيدة والأسطورة في كل شيء وفي كل خاصة؛ لأن العقيدة قد تحتوي الأسطورة ولكن الأسطورة لا ~~تحتويها؛ إذ يشتمل عنصر العقيدة على زيادة لا يشتمل عليها عنصر الأسطورة، وهي زيادة الإلزام ~~الأخلاقي والشعور الأدبي بالطاعة والولاء، والأمل في المعونة والرحمة من جانب ms008 الرب ~~المعبود. # وقد وجدت أساطير كثيرة لا تتجاوز الأوصاف الرمزية والمشابهة الفنية التي طبع عليها ~~الخيال: فهي ترجع إلى ملكة التجسيم والتصوير، ولا ترجع إلى ملكة الإيمان والاعتقاد. # ووجدت أساطير كثيرة سببها عجز اللغة الإنسانية في نشأتها الأولى، كما ثبت للعلامة اللغوي ~~ماكس موللر صاحب هذا التفسير لنشأة الأساطير، فإن الذي يقول: إن الأرض أم الثمرات كالذي ~~يقول في العصر الحديث: إن فرنسا أم الثورة، ولكننا نعرف التلاقح الحي فلا نخلط بين الحقيقة ~~والمجاز، ولم يكن الأقدمون على علم بذلك، فلا يمضي الزمن على التشبيه حتى تصبح الأمومة ~~المجازية كأمومة الواقع بين الأحياء. # ولا شك أن الإنسان يسمع الأسطورة ولا يتدين بها، ويتدين بالعقيدة ولا يلزم من ذلك أن ~~تصطبغ أمامه بصبغة الأساطير، فليست كل أسطورة عقيدة، وإن كانت كل عقيدة في الجاهلية الأولى ~~قد تلبست ببعض الأساطير. ~~••• # ويرى تايلور # Tylor # أن ملكة الاستحياء # Animism # هي أصل الاعتقاد بالأرباب. # فالطفل يضرب الكرسي إذا أوقعه كما يضرب الإنسان والحيوان، وتايلور يعتقد أن الإنسان الأول ~~كان كالطفل في تخيله للأشياء وتمثله لها في صور الأحياء، فالنجوم أرباب حية تشعر وتسمع ~~وتطلب ما يطلبه الحي من غذاء ومتاع، وكذلك الرياح والسحب والينابيع والعوارض الطبيعية على ~~اختلافها، فلا جرم يشعر الهمجي الأول بما حوله من هذه القوى الحية شعور الرهبة والرغبة، ~~ويحتاج إلى استرضائها بالصلاة والدعاء كما يسترضي الأقوياء من بني قومه بالملق ~~والرجاء. # ويسبق هربرت سبنسر هذا التفسير بتفسير يوافقه في ظواهر الاستحياء ولا يوافقه في تعليل ~~الاستحياء. # فالإنسان الأول - على ما يرى سبنسر - كان يؤمن بحياة الأرباب؛ لأن عبادة الأسلاف هي أقدم ~~العبادات، وكان يرى الأطياف في المنام فيحسب أنها باقية ترجى وتخشى، وأنها تتقاضاه فروضا ~~لها عليه كفروض الآباء على الأبناء وهم بقيد الحياة. # ولكن يرد على القول بعبادة الأسلاف أنها لم تستغرق عبادات الأقدمين في زمن من ~~الأزمان، وأن النائم يرى أطياف الغرباء كما يرى أطياف الآباء، ويرى أطياف الأطفال الضعفاء، ~~بل يرى أطياف السباع التي يخافها في يقظته فلا ms009 يعبدها؛ لأنه يخافها وتتردد عليه أطيافها، بل ~~يقتلها ويحول بينها وبين الطعام. # ومهما يبلغ من قصور العقل في الهمج فهم لا يجهلون أن «الروح» الذي يحوم حولهم في طلب ~~الطعام والشراب يحتاج إليهم ولا يستغني عنهم، فإن شاءوا منعوا عنه القوت فأردوه، وإن ~~شاءوا والوه بالقوت فأبقوه، ولو لم يكن محتاجا إليهم لما حام حولهم ولا انتظر منهم أن ~~يسترضوه بإشباعه وإروائه، ولماذا لا يسعى لنفسه كما كان يسعى لها وهو مقيم بين ذويه؟ # ومن الواجب أن تسأل إذا كان الهمجي كالطفل ينظر إلى جميع الأشياء كنظرته إلى الحي الذي ~~يقصد ما يفعل: ترى لماذا لم يعبد الهمجي جميع الأشياء؟ # لا بد أنه قد عرف قبل العبادة وصفا للربوبية يميز به طائفة من الكائنات عما عداها، ويرى ~~ذلك الوصف موفورا في هذا الشيء وغير موفور في سواه. # وقد نقل السائحون عن أقزام أفريقيا الوسطى - وهم في حضيض الهمجية - أنهم يؤمنون برب عظيم ~~فوق الأرباب، وعرفت من الهمج قبائل مسفة في الجهالة لم تعبد الأسلاف، وجعلت ظواهر ~~الطبيعة مسخرة لروح عظيم. # ويرجح آخرون أن السحر هو أصل العبادة وأصل الشعائر الدينية. # ولكن يقال في الرد عليهم: إن السحر يستلزم وجود الأرواح التي تعالج به وتراض بتعاويذه؛ ~~لأن السحر لا يخلق الآلهة وإنما يخلقه السحرة والكهان الذين يخدمون تلك الآلهة، ويزعمون ~~أنهم على مقربة منها وعلى علم بما يغضبها ويرضيها. # وقد شوهد منذ القدم أن طبيعة السحر غير طبيعة العبادة في أساسها؛ لأن السحر منوط أبدا ~~بالأمور الخبيثة والوسائل الدنسة والنفايات التي تعاف وتنبذ في الخفاء، ولم تخل العبادة ~~قط من توسل إلى الخير ورجاء في كرم المعبود، وقلما تخلو من «تطهر» بنوع من أنواع الطهارة ~~يناقض وسائل السحر الخبيث، فكأنما فرق الناس بين العبادة والسحر عندما فرقوا بين الأرباب ~~المرجوة والأرباب المرهوبة، فاتخذوا العبادة لأرباب الخير والمحبة، واتخذوا السحر لأرباب ~~الشر والبغضاء. # ومهما يكن من تعليل نشوء السحر فليس لنا أن نزعم أن الناس سحروا ثم عبدوا، بل يحق لنا أن ms010 ~~نزعم أنهم قد عبدوا ثم سحروا؛ لأن السحر اختراع لا معنى له ما لم يسبقه إيمان بالمعبودات ~~التي يروضها السحرة ويخافها العباد. ~~••• # والأكثرون من ناقدي الأديان يعللون العقيدة الدينية بضعف الإنسان بين مظاهر الكون وأعدائه ~~فيه من القوى الطبيعية والأحياء، فلا غنى له عن سند يبتدعه ابتداعا ليستشعر الطمأنينة ~~بالتعويل عليه والتوجه إليه بالصلوات في شدته وبلواه. # على أن القول بضعف الإنسان تحصيل حاصل إن أريد به بطلان العقيدة الدينية وإثبات التعطيل؛ ~~لأن الإنسان ضعيف على كلا الفرضين، فليس من شأن ضعفه أن يرجح أحد الفرضين على الآخر. # فإذا ثبت أنه من خلق إله فعال قدير فهو ضعيف بالنسبة إلى خالقه، وإذا لم يثبت ذلك فهو ~~ضعيف بالنسبة إلى الكون ومظاهره وقواه، فماذا لو كان قويا مستغنيا عن قوى العالم؟ أيكون ~~ذلك أدعى إلى إثبات العقيدة الدينية والإيمان بالله؟ # إننا إذا حكمنا ببطلان العقيدة الدينية لضعف الإنسان فقد حكمنا ببطلانها على كل حال، ثبت ~~وجود الله أو لم يثبت بالحس أو البرهان! لأنه لن يكون إلا ضعيفا بالنسبة إلى الخالق الذي ~~يبدعه ويرعاه. # لكن الواقع أن الضعف لا يعلل العقيدة الدينية كل التعليل؛ لأنها تصدر من غير الضعفاء بين ~~الناس، وليس أوفر الناس نصيبا من الحاسة الدينية أوفرهم نصيبا من الضعف الإنساني سواء ~~أردنا به ضعف الرأي أو ضعف العزيمة، فقد كان الأنبياء والدعاة إلى الأديان أقوياء من ذوي ~~البأس والخلق المتين والهمة العالية والرأي السديد، ومهما يكن من الصلة بين ضعف الإنسان ~~واعتقاده فهو لا يزداد اعتقادا كلما ازداد ضعفا ولا يضعف على حسب نصيبه من الاعتقاد، وما ~~زال ضعفاء النفوس ضعفاء العقيدة، وذوو القوة في الخلق ذوي قوة في العقيدة كذاك. # فليس معدن الإيمان من معدن الضعف في الإنسان، وليس الإنسان المعتقد هو الإنسان الواهي ~~الهزيل، ولا إمام الناس في الاعتقاد إمامهم في الوهن والهزال. # وربما كان الأصح والأولى بالتقرير والتحقيق أن العقيدة تعظم في الإنسان على قدر إحساسه ~~بعظمة الكون وعظمة أسراره وخفاياه، لا على قدر إحساسه ms011 بصغر نفسه وهوان شأنه. # فمبلغ الإحساس بالعظمة هو مبلغ الإحساس بالعقيدة الدينية، وصغر الكون في نظر الإنسان نقص ~~في الشعور بظاهره وخافيه، ونقص من أجل ذلك في طبيعة الاعتقاد وطبيعة الإيمان. # ومن هنا تكون الحاسة الدينية مجاوبة صحيحة للوجود العظيم الذي يحيط بالإنسان، سرمديا ~~بعيد الأغوار عميق القرار. # فليس الكيان الصحيح هو الذي يمر بهذا الوجود السرمدي كأنه لا يراه ولا يهتز له ولا يستجاش ~~من أعماقه إذا سبر غوره فقصر عن مداه. # وإنما الكيان الصحيح هو الذي يجيش بتلك الحاسة القوية، فيستهول الكون ويستقبله بالحيرة ~~والتقديس؛ لأنه في الواقع هائل محير جامع لمعاني القداسة من حيث نجمت في لغة اللسان أو لغة ~~الضمير. # وعلى هذا تكون العقيدة من مصدر الصحة؛ لأنها تجاوب الوجود المحيط بالنفس الإنسانية، ولا ~~تكون من مصدر النقص والغفلة عن حقائق الأمور. # وإذا رجح العقل بأن العقيدة «ظاهرة اجتماعية» يتلقاها الفرد من الجماعة فليس الضعف إذن ~~بالعامل الملح في تكوين الاعتقاد؛ لأن الجماعة تحارب الجماعة بالسلاح المصنوع وقوة الجنان ~~مع القوة العددية، وتقيس النصر والهزيمة بهذا المقياس المعلوم، فلا تلجأ إلى مقياس العقيدة ~~المجهول إلا إذا آمنت به لباعث غير باعث التسلح والاستقواء. # ورأي فرويد # Freud # قريب من رأي هؤلاء الذين يردون ~~العقيدة الدينية إلى شعور الخوف في وسط العناصر الطبيعية، وربما اختلط به مزيج من الغريزة ~~الجنسية في بعض المتهوسين وذوي الأعصاب السقيمة، فإن حب الله - كما يفسره فرويد عند هؤلاء - ~~هو بمثابة الحب الجنسي في حالة «التسامي» أو حالة الحماسة، وتتشابه العوارض كلها مع هذا ~~الفارق بين الحبين. # قال فرويد في مقاله مستقبل وهم: «ومتى نما الطفل ورأى أنه قد كتب عليه أن يظل طفلا ما ~~طوال حياته، وأنه لن يستغني عن حماية في وجه القوى الجبارة المجهولة - خلع عليها صورة ~~الأبوة، وخلق لنفسه الآلهة التي يخافها ويرجو أن يستميلها، ولا بد له من أن يكل إليها أن ~~تحميه وترعاه، ومن هنا يصبح تفسير الشوق إلى الأبوة مقرونا بالباعث الآخر وهو حماية ~~الإنسان من ms012 جرائر ضعفه، فتؤدي حالة الطفل الذي يشعر بقلة حيلته ولا يقوى على الحرمان من ~~حنان الأبوة - إلى حالة الرجل الكبير الذي يشعر بقلة الحيلة أيضا ويفتقر إلى نوع من الحنان ~~الأبوي، فيصيبه في الديانة.» # وقال في الحضارة ومقلقاتها بعد أن أشار إلى آلام الواقع ومحاولة الهرب منها إلى التعزي ~~بالأوهام: «إن ديانات بني الإنسان جميعا ينبغي أن تحسب في عداد الأوهام الجماعية التي من ~~هذا القبيل، ولا حاجة إلى القول بأن الذي يخضع للوهم لا يعلم أنه من الواهمين.» ~~••• # ومن الواضح أن حالة «التسامي» هي آخر ما ارتقت إليه الديانات، فلا يمكن أن يقال إنها ~~ينبوع العقيدة الهمجية الأولى. # ولا يمكن كذلك أن يقال إن «العقيدة الدينية» حالة مرضية في الآحاد والجماعات؛ لأننا لا ~~نتخيل حالة نفسية هي أصح من حالة البحث عن مكان الإنسان من هذا العالم الذي ينشأ فيه، ولا ~~يتجاهل حقيقته إلا وهو في «حالة مرضية» أو حالة من أحوال الجهالة تشبه الأمراض. # ولا بد أن نسأل: ما هو الكون في نظر الهمج الأولين؟ لأن الهمجي إذا أدرك أن الكون «كل ~~واحد» كان قد ارتفع بنظرته عن الجهالة البدائية وقضى دهرا طويلا وهو متدين على مختلف ~~الديانات، فلا يقال إذن إنه بقي بغير أرباب حتى أدرك الكون العظيم، وأدرك ضعفه وقلة حيلته ~~بالقياس إليه. # أما إن كان الهمجي الأول يخاف العناصر المحيطة به فهو لا يتوهم أنها أحياء تفهم وتسمع ~~دعاءه بعد أن ينحلها عواطف الأبوة، بل يتوهم ذلك قبل أن ينحلها تلك العواطف، ويشعر بأنها ~~قابلة لأن تحل منه محل الآباء من الأبناء، فمرحلة الشعور بالأبوة مسبوقة لا محالة بمرحلة ~~أخرى قد نشأت فيها الأرباب والعبادات. # وقد أسلفنا في هذه الصفحات أن معدن العقيدة غير معدن الضعف، فليس أكثر الناس اعتقادا هم ~~أكثرهم ضعفا، وليس الضعيف دائما بالقوي في التدين والاعتقاد. ~~••• # وطائفة أخرى من علماء الإنسان يقرنون بين «الطوطم» والدين، ويظنون أن الطواطم هي طلائع ~~الأديان بين الهمج الأولين. # وقد تحقق أن شعائر الطواطم منتشرة بين ms013 مئات القبائل الهمجية في أستراليا وإفريقية ~~والأمريكتين وبعض أقطار القارة الآسيوية وجزائرها. # فلا تزال في هذه القارات قبائل كبيرة وصغيرة تتخذ لها على الأكثر حيوانا تجعله طوطما ~~وتزعمه أبا لها أو تزعم أن أباها الأعلى قد حل فيه، وقد يكون الطوطم في بعض الحالات نباتا ~~أو حجرا يقدسونه كتقديس الأنصاب. # وإذا اتخذت القبيلة «طوطما» لها حرمت قتله وأكله في أكثر الأحوال، وحرمت الزواج بين ~~الذكور والإناث الذين ينتمون إلى ذلك الطوطم ولو من بعيد، وقد يكون للقبيلة الكبرى بطون ~~متفرقة تتعدد طواطمها ويجوز الزواج بين المنتمين إليها، ولكنهم يحرمونه في الطوطم ~~الكبير. # ومن هذه اللوازم الطوطمية يرجح المخالفون لهذه الفكرة أن الطوطمية لم تكن أصل العقيدة ~~الدينية؛ لأنها تنشأ بعد اتساع القبائل واعترافها بأنظمة الزواج وآداب المعاملات، وليست هذه ~~المرحلة أولى المراحل في تطور الاعتقاد. # ولا شك أن الناس قد عرفوا شيئا يسمى «الروح» يحل في جسد الحيوان أو يتلبس به قبل أن ~~يعرفوا الطوطمية، وعرفوا كذلك تقديس الأسلاف قبل أن يعرفوها، وقد وجدت قبائل شتى تتخذ ~~الطواطم وتعبد أربابا غيرها، ووجدت قبائل لا تخلع على الطواطم صفة الأرباب على ~~الإطلاق. ~~••• # والفيلسوف الفرنسي - هنري برجسون - يرجع بالعقيدة الدينية إلى مصدرين: أحدهما اجتماعي ~~لفائدة المجتمع أو فائدة النوع كله، والآخر فردي يمتاز به آحاد من ذوي البصيرة والعبقرية ~~الموهوبة. # فالحاسة الدينية الاجتماعية هي «حيلة نوعية» يلجأ إليها خيال النوع الإنساني لكبح الأثرة ~~الفردية وإقناع الإنسان بنسيان مصالحه في سبيل المصالح الكبرى التي تتعلق بها حياة النوع في ~~جميع الأحوال، فإن الإنسان لو استوحى عقله وحده خدم نفسه وأطاع لذته، ولم يحمل الألم ولا ~~الخسارة من أجل أبناء نوعه، ولما كانت إرادة الحياة مستكنة في النوع كما هي ~~مستكنة في آحاده على انفراد نشأت من الغريزة النوعية ملكة يسميها برجسون بملكة ~~الخرافة الرمزية أو ملكة الأساطير، وتكفلت للإنسان بخلق العوض الذي يستعيض به عن منافعه ~~ولذاته حين يهجرها لمنفعة نوعه، فاعتقد الجزاء بعد الحياة، وأحس أنه محاسب على الإضرار ~~بغيره، مثاب على ms014 الخير الذي يسديه إلى أبناء نوعه، واقترنت فيه أثرة الفرد بأثرة النوع، ~~فاستقامت على التوازن بينهما مصلحته ومصلحة الناس أجمعين. # أما الحاسة الدينية في الفرد الممتاز فهي الإلهام أو الكشف الذي يصل بينه وبين قوة الخلق ~~أو دفعة الحياة # Elan Vital # كما يسميها برجسون، وقد تطورت ~~دفعة الحياة هذه في ذهن الفيلسوف حتى أصبحت في كتبه الأخيرة «ذاتا» إلهية تغير ولا ~~تتغير، ولكنها كونية غير منفصلة عن هذه الموجودات، وهي تتجلى على أكملها وأوضحها في بديهة ~~النخبة المختارين من كبار العباقرة الروحانيين، وهم خالدون كما يرجح الفيلسوف أو أن خلودهم ~~مسألة لا يمنعها العقل ولا يبعد أن تحققها الدراسات النفسية بالأسانيد العلمية، ولو بعد ~~حين. # ويسأل السائل هنا: إذا كانت للخلق قوة كونية تتجلى لبعض الملهمين فلماذا تكون الحاسة ~~الدينية الاجتماعية وهما مختلفا أو خرافة مزخرفة أو اختراعا لا أساس له غير الحيلة ~~النوعية لحفظ البقاء؟ لماذا لا تكون من قبيل «التلمس» البديهي لتلك القوة الكونية؟ لماذا لا ~~تكون في هذا «الوجود» ذات إلهية ثم نسمي البحث عنها حيلة مختلفة أو وهما من ~~الأوهام؟ ~~••• # وممن يسمع لهم رأي راجح في مباحث العقيدة إمام علماء اللغات المحدثين «ماكس موللر» صاحب ~~الرأي المعدود في اشتقاق اللغات ومعاني الأساطير وعلاقتها بالعقائد والعبادات، فهو يؤمن بأن ~~«البصيرة» هبة عريقة في الإنسان، وأننا كما قال - في كلامه على مقارنة الأساطير: «مهما ~~نرجع بخطوات الإنسان إلى الوراء لن يفوتنا أن نتبين أن منحة العقل السليم المستفيق كانت من ~~خصائصه منذ أوائل عهده، وأن القول بإنسانية متسلسلة على التدريج من أعماق البهيمية إنما هو ~~قول لن يقوم عليه دليل.» # ومصداقا لهذا الرأي يرجح موللر أن الإنسان قد تدين منذ أوائل عهده لأنه أحس بروعة ~~المجهول وجلال الأبد الذي ليس له انتهاء، وأنه مثل لهذه الروعة بأعظم ما يراه في الكون وهو ~~الشمس التي تملأ الفضاء بالضياء، فهي محور الأساطير والعقائد كما ثبت له من المقابلة بين ~~اللغات واللهجات. # وإذا قيل لموللر إن «الأبد» أو اللانهائية معنى لا ms015 توجد له كلمة في اللغات الهمجية ولا ~~الحضارة الأولى قال إن الإحساس بالمعاني يسبق اختراع الكلمات، وقد ثبت أن الإنسان الأول لم ~~يضع في لغاته كلمات لبعض الألوان، مع أنها قديمة محسوسة بالنظر موصولة بتجاربه اليومية. ~~فإذا بحثنا عن لفظة تدل على معنى اللانهاية فلم نجدها في لغات الإنسان القديمة فليس ذلك ~~بدليل على أن المعنى النفساني غير موجود أو غير محسوس. ~~••• # ويبدو لنا أن القول بإدراك «الهمجي» لفكرة اللانهاية بعيد التصديق، وأنه لو كان قد أدركها ~~قبل أن يتدين لتنزهت عقائده الأولى عن كثير من السخف الذي لا يجمل بتلك الحقيقة الكبرى، ولا ~~يسلم من فساد الذوق ولا من العجز عن فهم العظائم التي تتجاوز أفقه الضيق ومعيشته ~~المحدودة. ~~••• # وإلى هنا نحسب أننا قد ألممنا بأهم الفروض التي خطرت على الأذهان في تعليل العقيدة ~~الدينية، أو تعليل نشأتها الأولى. # وجملة ما يقال فيها أننا لا نجد فرضا منها يستوعب أسباب العقيدة كلها ويغنينا عن التطلع ~~إلى غيره. # وجملة ما نفهمه من ذلك أن مسألة العقيدة أكبر من أن يحصرها تعليل واحد، وأنها قد تتسع ~~لجميع تلك التعليلات معا ولا تزال مفتحة الأبواب لما يتجدد من البحوث والدراسات. # وهكذا كل شعور واسع النطاق في طبيعة الإنسان. # فما من شعور متغلغل في أصول الطبيعة يقبل التفسير على وجه واحد والانطواء في هيئة واحدة، ~~ولو كان مقصورا على العالم المحسوس فضلا عن عالم الغيب أو عالم ما بعد الطبيعة. # فلا يكفي في تفسير الحب مثلا أن نفسره بحب البقاء أو بحب الجمال أو بحب اللذة أو الغلبة ~~أو بحب التضحية والمفاداة. # ولا يكفي في تفسير الوطنية مثلا أن نفسرها بالمصلحة أو باللغة أو بوحدة التاريخ أو بوحدة ~~المكان أو بوحدة الدين أو بعصبية القرابة. # فالمسألة الكونية - بل المسألة الأبدية - أعظم جدا من المسألة النوعية أو المسألة ~~الوطنية، وأحق من جميع المسائل بتعدد الأسباب وتشعب المناحي وغرابة الأطوار. # وليس مما يقدح في النتيجة أنها نجمت من هذا السبب أو ذاك، على اختلاف قيمة ms016 الأسباب في ~~الفكر والشعور. # فالإنسان قد وصل إلى الطب النافع من طريق الشعوذة، ووصل إلى الكيمياء الصحيحة من طريق ~~الكيمياء الكاذبة، ووصل إلى الصواب على الإجمال من طريق الخطأ على الإجمال، ولا يقول أحد: ~~إنه لن ينتهي إلى صواب إلا إذا بدأ على صواب، وإنه إذا أخطأ في المحاولة وجب أن يلزمه الخطأ ~~بغير أمل في الهداية. # ويجوز على هذا أن تنبعث العقيدة عن أكثر الفروض المتقدمة ولا تنبعث عن فرض واحد، ولكنها ~~على تعدد الأسباب يمكن أن تجتمع في تفسير يشملها جميعا لأنه يعتبر بمثابة التعميم الذي لا ~~تشذ منه ناحية من نواحي التخصيص. # فنحن لا نهمل سببا يخطر على البال إذا قلنا: إن العقيدة هي ترجمان الصلة بين الكون ~~والإنسان، أو قلنا: إنها مظهر الصلة بين العالم الأكبر والعالم الأصغر كما يقول جماعة ~~المتصوفة والنساك. # فلا بد من صلة بين الكون وبين كل موجود فيه. # ولا بد من أن تمتزج هذه الصلة بالوعي والشعور متى كان الموجود من أصحاب الوعي ~~والشعور. # ومن العجيب أن يعرف العلماء شيئا يسمى الغريزة النوعية، بل شيئا يسمى غريزة الجماعة، ~~ولا يعرفون شيئا يسمى الغريزة الكونية أو السليقة الكونية، أو ما شاءوا من الأسماء. # فمن المحقق أن الصلة بين الكون وموجوداته ماثلة في جميع الموجودات، ومن المحقق أن «الوعي» ~~لا يخلو من ترجمان لهذه الصلة لا يحصره العقل؛ لأنه سابق له محيط به غالب عليه. # ومن المحقق أن «الوعي الكوني» ملكة قابلة للترقي والاتساع؛ لأن الحقائق التي تقبل الفهم ~~في الكون لا تزال على اتساع وارتفاع يفوقان كل وعي ترقى إليه بنو الإنسان. # بل هذه الحواس الجسدية - ودع عنك الحقائق الأبدية - لا تحيط بكل ما تحسه العيون ~~والأنوف والآذان، فبعض الحيوان يستنشق الرائحة على بعد أميال وهي كالعدم في أنف حيوان آخر ~~ولو كانت منه على مدى قراريط، وبعض الأصوات نلتقطها بالآلات من وراء البحار والقفار وقد كان ~~الظن قبل العصر الحاضر أن الصوت «عدم» على مد البصر القريب، ومن زعم أن «الموجود» ms017 هو ما ~~تناوله الحس دون غيره كذبه الحس نفسه وقامت الحجة عليه من العيون والأنوف والآذان فضلا عن ~~البصائر والعقول. # ففي الكون مجال «للوعي الكوني» أوسع من مجال الحواس والملكات، وما دامت الصلة بين الإنسان ~~وبين الكون قائمة فلا بد من دخولها في نطاق وعيه على مثال من الأمثلة، ولا موجب لوقوفها دون ~~غاية من الغايات التي تطيقها ملكات الجنس البشري، ومنها ملكة الاعتقاد والإيمان. # وفي الكون العظيم حقائق لم تقابلها الحواس الجسدية ولا الحواس النفسية كل المقابلة إلى ~~الآن. # ولا يوجد عقل سليم يمنع أن تترقى المقابلة بين الحواس النفسية وبين تلك الحقائق، ما دامت ~~قائمة، وما دام الوعي في طريق الارتفاع والاتساع. # ولا يوجد عقل سليم يمنع التفاوت في هذه الحواس النفسية - التي نسميها بالوعي الكوني - ~~فيمتلئ بها أناس ويقفر منها أناس، ويكون الفارق فيها بين الموهوبين والمجردين كالفارق - على ~~الأقل - بين أذن الموسيقي التي تميز مئات الألحان، وآذان السواد الذين يحسبونها كلها ~~صوتا واحدا أو بضعة أصوات. # ونقول: «على الأقل»؛ لأن المحسوسات التي تدرك بالأذن أضيق من المحسوسات التي تدرك بالكيان ~~كله مما يعيه وما لا يعيه. # فإذا قال لنا قائل إنني أحس «الحقيقة الكونية» أو أحس خالق الكون فلا ينبغي أن نكذبه ~~لزعمنا أن الحقيقة الكونية مستحيلة وأن الوعي الكوني مستحيل؛ فإن الحقيقة الكونية لا شك ~~فيها وإن الوعي الكوني لا شك فيه، ولكننا نكذبه - إن كذبناه - متى شككنا في صدقه كما نكذب ~~من نشك في روايته لوقائع العيان، ولا شك في وقائع العيان. # ولنا أن نستبعد هذا الأصل أو ذاك من أصول العقائد الهمجية الغابرة أو الحاضرة، ولكن ليس ~~لنا أن نستبعد «الوعي الكوني»؛ لأنه حقيقة يستلزمها العقل وتؤكدها المشاهدة في كل زمن وفي ~~كل موطن وفي كل قبيل. # فالعقل الذي يرى للإنسان غرائز نوعية وغرائز اجتماعية يستبعد كل الاستبعاد أن يخلق ~~الإنسان وهو ذرة من قوى الكون ومادته ثم يخلو من وعي يترجم هذه العلاقة التي هي أكثر من ~~علاقة؛ لأنها احتواء واشتمال. # والديانات ms018 في كل قبيل تترجم هذا الوعي الكوني منذ القدم وتمثله بما تشاء من الرموز ~~والعبارات، وهذا عدا الآحاد الممتازين الذين يبلغ فيهم هذا الوعي أقصاه ولا يسهل تفسير ~~حالاتهم بعوارض الجنون كما يقول عنهم الجهلاء من أبناء قومهم، فإن هؤلاء الآحاد هم في ~~الغالب من أعظم الرجال وأقدرهم على تبديل أحوال الشعوب والأجيال، ولا يسعنا أن نصرف حالاتهم ~~بهذه السهولة أو بكلمة واحدة تسمى الجنون، وهي هي الحالات التي ترتبط بها عقائد الملايين ~~وألوف الملايين، ونعلم أنها لازمة ومعقولة بل أعظم من اللازم والمعقول؛ لأننا إذا حذفنا تلك ~~الحالات وما تعبر عنه من العقائد نظرنا إلى الإنسان بعدها فإذا هو أعجب من أعجب الخرافات في ~~أسخف البدائه والعقول؛ إذ نحن نراه موجودا في عالم منبت عنه لا يحسه ولا يبالي أن ~~يحسه ولا يربط حياته بظواهره وخوافيه ولا يقابل تلك الأسرار بسر فيه، وإن غيلان الصحراء ~~وهامات الجاهلية وأصداءها لأقرب إلى العقل من هذا الإنسان. # | أطوار العقيدة الإلهية # يعرف علماء المقابلة بين الأديان ثلاثة أطوار عامة مرت بها الأمم البدائية في اعتقادها ~~بالآلهة والأرباب: وهي دور التعدد Polytheism ~~. # ودور التمييز والترجيح # Henotheism ~~. # ودور الوحدانية # Monotheism ~~. # ففي دور التعدد كانت القبائل الأولى تتخذ لها أربابا تعد بالعشرات وقد تتجاوز العشرات ~~إلى المئات، ويوشك في هذا الدور أن يكون لكل أسرة كبيرة رب تعبده أو تعويذة تنوب عن الرب في ~~الحضور وتقبل الصلوات والقرابين. # وفي الدور الثاني وهو دور التمييز والترجيح تبقى الأرباب على كثرتها ويأخذ رب منها في ~~البروز والرجحان على سائرها، إما لأنه رب القبيلة الكبرى التي تدين لها القبائل الأخرى ~~بالزعامة وتعتمد عليها في شئون الدفاع والمعاش، وإما لأنه يحقق لعباده جميعا مطلبا أعظم ~~وألزم من سائر المطالب التي تحققها الأرباب المختلفة، كأن يكون رب المطر، والإقليم في حاجة ~~إليه، أو رب الزوابع والرياح وهي موضع رجاء أو خشية، يعلو على موضع الرجاء والخشية عند ~~الأرباب القائمة على تسيير غيرها من العناصر الطبيعية. # وفي الدور الثالث تتوحد الأمة فتجتمع ms019 إلى عبادة واحدة تؤلف بينها مع تعدد الأرباب في كل ~~إقليم من الأقاليم المتفرقة، ويحدث في هذا الدور أن تفرض الأمة عبادتها على غيرها كما تفرض ~~عليها سيادة تاجها وصاحب عرشها، ويحدث أيضا أن ترضى من إله الأمة المغلوبة بالخضوع لإلهها، ~~مع بقائه وبقاء عبادته كبقاء التابع للمتبوع والحاشية للملك المطاع. # ولا تصل الأمة إلى هذه الوحدانية الناقصة إلا بعد أطوار من الحضارة تشيع فيها المعرفة ~~ويتعذر فيها على العقل قبول الخرافات التي كانت سائغة في عقول الهمج وقبائل الجاهلية، فتصف ~~الله بما هو أقرب إلى صفات الكمال والقداسة من صفات الآلهة المتعددة في أطوارها السابقة، ~~وتقترن العبادة بالتفكير في أسرار الكون وعلاقتها بإرادة الله وحكمته العالية، وكثيرا ما ~~يتفرد الإله الأكبر في هذه الأمم بالربوبية الحقة وتنزل الأرباب الأخرى إلى مرتبة الملائكة ~~أو الأرباب المطرودين من الحظيرة السماوية. # والرأي الأرجح عند علماء المقابلة بين الأديان أن الاعتقاد بالثنائية # Dualism # يأتي أحيانا كثيرة بعد اعتقاد الوحدانية على الصورة التي ~~أجملناها، وهي الوحدانية الناقصة التي تأذن بوجود الأرباب معها أو بتنازع الوحدانية بين إله ~~دولة وإله دولة أخرى. # وهم يعللون ظهور الثنائية بعد الوحدانية بأن الإنسان يترقى في هذا الطور فيحاول تفسير ~~الشر في الوجود بنسبته إلى غير إله الخير، ولا يكون هذا من قبيل النكسة في عقيدته؛ لأنه لا ~~يزال يسيغ تعدد الأرباب ويسيغ التمايز والترجيح بينها والتفاوت بين درجاتها وطبائعها، فلا ~~تكون الثنائية بعد الوحدانية نكسة من الأعلى إلى الأدنى، بل تقدما من الأدنى إلى الأعلى ~~لتنزيه الله والارتفاع بصفاته إلى أرفع صور الكمال الموافقة لترقي الإنسان في أطوار ~~العبادة. # وأثبت من هذا عندهم - أي عند علماء المقابلة بين الأديان - أن وحدة الوجود Pantheism # تأتي بعد جميع الأطوار توفيقا بين النقائض ~~والضرورات، وإثباتا لوجود الله من طريق الثبوت الذي لا شك فيه، وهو ثبوت الكون بالحس ~~والعقل والإيمان. ~~••• # ولم تكن أرباب الأمم الماضية في جميع أطوارها نوعا واحدا أو مثلا لفكرة واحدة، ولكنها ~~أنواع شتى يمكن أن نجمعها في ms020 الأنواع التالية، وهي: ~~(1) # أرباب الطبيعة أو الأرباب التي تتمثل ~~فيها مشاهد الطبيعة وقواها كالرعد والبرق والمطر والفجر والظلام والينابيع والبحار والشمس ~~والقمر والسماء والربيع. ~~(2) # أرباب الإنسانية وهي الأرباب التي تقترن بأسماء الأبطال والقادة المحبوبين ~~والمرهوبين، ويحسبهم عبادهم من القادرين على الخوارق والمعجزات. ~~(3) # وأرباب الأسرة وهم الأسلاف الغابرون، يعبدهم أبناؤهم وأحفادهم ويحيون ذكراهم بالحفلات ~~والمواسم المشهودة كما يحيي الناس ذكرى الموتى في هذا الزمان ويزورونهم بالأقوات والألطاف، ~~ولكن مع هذا الفارق البين: وهو أن الرجل الهمجي لا يمنعه مانع أن يجعل الذكرى عبادة وأن ~~يجعل هدايا القبر في حكم الضحايا والقرابين. ~~(4) # أرباب المعاني كرب العشق ورب الحرب ورب الصيد ورب العدل ورب الإحسان ورب ~~السلام. ~~(5) # أرباب البيت كرب الموقد ورب البئر ورب الجرن ورب الطعام. ~~(6) # أرباب النسل والخصب، وهي على الأغلب الأعم في صورة الإناث، ويسمونها بالأمهات ~~الخالدات، وقد ترقت مع الزمن إلى واهبات الخلود بعد هبة الحياة. ~~(7) # آلهة الخلق التي ينسب إليها خلق السماء والأرض والإنسان والحيوان. ~~(8) # الآلهة العليا وهي آلهة الخلق التي تدين عبادها بشرائع الخير وتحاسبهم عليها وتجمع ~~المثل العليا للمحاسن والأخلاق، وتضمن السعادة الأبدية للأرواح في عالم البقاء. # وهذه الطبقة من طبقات العبادة هي أرقى ما بلغته الإنسانية في أطوارها المتوالية، واستعدت ~~بعده للإيمان بإله واحد لجميع الأكوان والمخلوقات بغير استثناء أمة من الناس. ~~••• # ومن العسير جدا أن نبني من هذه الأطوار جميعا سلما متعاقب الدرجات لا تتقدم فيه درجة ~~على درجة ولا يتلاقى فيه نوعان أو أكثر من نوعين من المعبودات. # فقبائل الهوتنتوت الأفريقية التي لم تفارق مرتبة الهمجية حتى اليوم، ولا يزال أناس منها ~~يأكلون لحوم البشر، تعرف إلها واحدا فوق جميع الآلهة يسمى أبا الآباء. # وقبائل البانتو الأفريقيون يقسمون المعبودات إلى ثلاثة أنواع: نوع هو بمثابة الأطياف ~~الإنسانية الراحلة وهو الذي يسمونه ميزيمو # Mizimu ~~، ونوع هو ~~أرواح لم تكن قط في أجساد البشر وهو الذي يسمونه بيبو Pepo # ويزعمونه قابلا للتفاهم والاتصال بالعرافين والحكماء، ونوع مفرد لا جمع له وليس من الأطياف ~~ولا من ms021 الأرواح المتعددة ويسمونه «مولنجو» # Mulungu ~~. لا ~~يمثلونه في وثن ولا تعويذة ولا تفلح فيه رقية الساحر ولا حيلة العراف، وفي يديه الحياة ~~والسطوة ووسائل النجاح في الأعمال، ويصفونه بأعلى ما في وسعهم من صفات التجريد والتفرد ~~والكمال. # وكفار العرب كانوا قبيل البعثة المحمدية يدين أناس منهم بالمسيحية وأناس باليهودية ~~ويذكرون «الله» على ألسنتهم ويسمون أبناءهم بعبد الله وتيم الله، ويعبدون مع ذلك أسلافهم ~~فيقولون إن أصنام الكعبة تماثيل قوم صالحين، كانوا يطعمون الطعام ويصلحون بين الخصوم، ~~فماتوا، فحزن أبناؤهم وإخوانهم عليهم، وصنعوا تلك الأصنام على مثالهم، وعبدوهم من فرط الحب ~~والذكرى، ولكنهم لم يعبدوهم إلا ليقربوهم إلى الله زلفى. # ووصل المصريون إلى التوحيد، وبقيت أسماء الإله الواحد متعددة على حسب التعدد في مظاهر ~~التجلي المتعددة لذلك الإله، فكان أوزيريس هو إله الشمس باسم رع، وهو الإله الخالق باسم ~~خنوم وهو الإله المعلم الحكيم باسم توت وهو في الوقت نفسه إله العالم الآخر وإله الخلق ~~أيضا حيث ينبت منه الزرع ويصورونه في كتاب الموتى جسدا راقدا في صورة الأرض تخرج منه ~~السنابل والحبوب، وكانوا بعد كل هذه الأطوار يرسمون أوزيريس على مثال مومياء محنطة ويردون ~~أصله إلى العرابة المدفونة، كأنهم لم ينسوا بعد عبادة الإله الواحد الخالق للكون كله - ~~عبادة الموتى أو عبادة الأسلاف. # واليهود عبدوا العجل بعد عبادة الله الواحد، وسموا الإله الواحد باسم الجمع وهو في ~~العبرية «الوهيم» أو الآلهة، ثم أصبح الجمع علامة التعظيم. ~~••• # فالتطور في الديانات محقق لا شك فيه، ولكنه لم يكن على سلم واحد متعاقب الدرجات، بل كان ~~على سلالم مختلفة تصعد من ناحية وتهبط من أخرى، وقد أوجب هذا الاختلاف أن الشعب على حدته لا ~~يطرد في التقدم عقيدة بعد عقيدة، ولا تزال له عقائد شتى قلما يسري عليها حكم واحد في عوامل ~~التطور والارتقاء، وأن الديانات نشأت في شعوب كثيرة لا في شعب واحد، فما تقدم هنا لم يلزم ~~أن يتقدم هناك، وما استعاره شعب من شعب غريب عنه قد يكون أرفع من ms022 طبقته التي ارتقى إليها من ~~طبقات الحضارة، فيتفق له في الوقت الواحد ضربان من العبادة أحدهما سابق والآخر متخلف، ~~ويتقهقر السابق أحيانا قبل أن يتقدم المتخلف إليه، وربما سمت قبيلة متخلفة ربا من ~~أربابهم باسم خالق الأشياء جميعا ولم يكن ذلك دليلا على ارتفاع في فهم الربوبية، على ضيق ~~في حصر نطاق المخلوقات وقصرها على الحيز المحدود الذي تعيش فيه القبيلة. ~~••• # إلا أن المشاهدات التي أحصاها علماء المقابلة قد تتوافى كلها إلى نتيجة يجمعون عليها، ~~وهي: أن الإيمان بالأرواح شائع في جميع الأمم البدائية، وأن الأمم التي جاوزت هذا الطور إلى ~~أطوار الحضارة وإقامة الدول لا تخلو من مظاهر العبادة الطبيعية، أو عبادة الكواكب على ~~الخصوص وفي طليعتها الشمس والقمر والسيارات المعروفة، وأن عبادة الأسلاف تتخلل هذه الأطوار ~~المتتابعة على أنماط تناسب كل طور منها حسب نصيبه من العلم والمدنية. # أما التوحيد فهو نهاية تلك الأطوار كافة في جميع الحضارات الكبرى، فكل حضارة منها قد آمنت ~~بإله يعلو على الآلهة قدرا وقدرة وينفرد بالجلالة بين أرباب تتضاءل وتخفت حتى تزول أو ~~تحتفظ ببقائها في زمرة الملائكة التي تحف بعرش الإله الأعلى. # لكن الأديان الكتابية - بعد كل هذا - هي التي بلغت بالتوحيد غاية مرتقاه وعلمت الناس ~~شيئا فشيئا عبادة الإله «الأحد» الذي خلق الوجود من العدم ووسعت قدرته على كل موجود في ~~السماوات والأرضين، ولم يكن له شريك في الخلق ولا في القضاء. ~~••• # وذاك التوحيد الإلهي الذي نشأ من توحيد الدولة لم يعرض لخلق الكون كله، ولم يذهب بفكرة ~~التكوين إلى أبعد من خلق الإنسان من مادة موجودة لا حاجة بها إلى موجد، ولما بحثوا في خلق ~~الأرض والسماء كانت فكرة الخلق عندهم بمثابة فكرة التنظيم والتجميل؛ لأنهم نظروا إلى مادة ~~الأرضين والسماوات كأنها حقيقة راهنة ماثلة للحس والنظر في غنى عن المبدع ولا حاجة بها إلى ~~شيء غير التركيب والتنسيق، وفرضوا لتركيبها أسلوبا من الصناعة كأسلوب الإنسان في تركيب ~~مصنوعاته من موادها الحاضرة بين يديه، وظل العقل البشري محصورا في ms023 هذا الأفق إلى عهد ~~الديانة الإغريقية قبيل الدعوة المسيحية بل بعد الدعوة المسيحية في بعض الجهات بزمن غير ~~قليل، فلم يكن «زوس» كبير الآلهة خالقها ولا خالق الكون بما رحب من أرض وسماء، ولكنه كان ~~بينها كرب الأسرة بين الأبناء والأحفاد؛ أو كالسيد المطاع بين الأعوان والأتباع، وبلغ من ~~سريان هذه «الحالة العقلية» في الأذهان أن الفلاسفة أنفسهم لم يجهدوا عقولهم في البحث عن ~~أصل للمادة الأولى أو الهيولى، كأن وجودها حقيقة مفروغ منها لا تتوقف على مشيئة خارجة عنها. ~~فلما ترقى الإنسان في فهم الوحدانية الإلهية أصغر من الكون بمقدار ما أكبر من الله، فجاء ~~تفكيره في خلق الكون من طريق تعظيمه لقدرة الله وإفراده بالوجود الصحيح والقدرة السرمدية ~~على الإيجاد فاقتحم بالإيمان بابا لم يقتحمه بالتأمل والتفكير. # فالإيمان بالأرواح كان أشيع إيمان وألزمه لبديهة الإنسان في مبدأ هدايته للتدين ~~والاعتقاد. # ولا مانع من تعليل اهتدائه إلى «الروح» بالعلة التي شرحها سبنسر وتيلور: وهي الأحلام ~~واستحياء الجماد؛ إذ لم يكن في طاقته أن يفهم الروح فهما أصح من هذا الفهم في ظلمات ~~الجاهلية وعثرات النظر بين غياهب تلك الظلمات. # فكان ينام ويرى أنه كان يعدو ويرقص ويأكل ويشرب ويقاتل في منامه، ثم يستيقظ فإذا هو في ~~مكانه لم ينتقل منه قيد خطوة إلى مكان غيره، فيقع في حدسه أنه فعل ذلك بالروح الذي يسكن ~~جسده ويتركه أو يعود إليه حين يريد، وكان يرى الموتى في منامه فيحسبهم أحياء يتحركون مثله ~~كما تحرك بروحه وهو نائم بجسده، وراقب الموتى، فرأى أنهم يفقدون النفس حين يموتون، فوقع في ~~حدسه من ذاك أن النفس هو الروح المفارق للأجساد في حالة الموت، فهي شيء في لطف الهواء الخفي ~~يحتجب عن الأنظار فلا تراه، ولا شك على الإطلاق في ارتباط الروح بالهواء في بديهة المؤمنين ~~الأولين بالأرواح، فإن الكلمات التي تطلق عليها في العربية تدل كلها على ذلك، وهي الروح ~~والنفس والنسمة، وكلمة بسيشي Psyche # اليونانية معناها ~~النفس كمعنى سبريت # Spirit # في اللغات الأوربية ms024 الحديثة، وفي ~~ذلك دلالة لا شك فيها على أصلها الأول من بداهة الإنسان. # ونحن الآن نفهم الظل الذي يلازمنا ونفهم الصورة التي تتراءى لنا حين ننظر في الماء، ولكن ~~الهمجي لم يكن يفهم هذه الظلال ولا هذه الصور كما نفهمها الآن، بل كان يحسبها نسخا حية منه ~~يصاب من جهتها بالسحر والطلاسم، ويصونها من كيد أعدائه كما يصون أعضاء جثمانه، ويحار في هذا ~~الازدواج فيلحقه بازدواج الأشباح والأجساد على نحو من الأنحاء. # ولم يكن جهله بالأشياء دون جهله بالظلال والأشباح، فلا يستغرب منه أن يلبسها ثوب الحياة ~~كما يفعل الطفل حين يعطف على ما حوله من الأشياء أو يقابلها بالرهبة والإحجام، وكثيرون من ~~الراشدين المثقفين في عصرنا هذا يهتاجون فيخاطبون الجماد بالزجر والسباب كما يخاطبون ~~الأحياء، وتغلبهم عاطفة الحزن أو الوجد فيعتبون على الشيء الذي لا حس له، كأنه يحس منهم ~~العتب والدعاء. # والمهم أن الإنسان الأول قد اهتدى إلى فكرة «الروح» من نواحيه التي تلائمه، فكانت هذه ~~الهداية مفرق الطريق في الثقافة الإنسانية سواء منها ثقافة العقل أو ثقافة الضمير. # فتسنى له بذلك أن يفتح لعقله منفذا إلى ما وراء المادة المطبقة على حسه وفكره، ولو ظلت ~~مطبقة عليه هذا الإطباق لفاته العلم كما فاته الدين. # وتبدلت قيم الحياة كلها منذ دخل في روعه إمكان الوجود لما لم يلمس باليد وينظر بالعين. ~~فمن هنا كل تفرقة بين الروح والجسد، وبين العقل والمادة، وبين الحركة والجمود، وبين الخير ~~والشر، وبين النور والظلام، وبين المعاني المجردة والأجسام المحسوسة، ومن هنا كل اتساع في ~~أفق النظر وراء أفق الحيوان. # وإذا حسب الإنسان مكسبه من هذه الهداية فلا ينبغي أن يحسبه بما قصد بل بما وجد، ولا ينبغي ~~أن يقيسه على خطئه في التعليل بل على صوابه بعد ذلك في التوفيق بين العلل ~~والمعلولات. # وينفعنا هنا أن نذكر قصة الأب الذي أوصى أبناءه، وهو يودعهم ويودع الحياة أن ينبشوا الأرض ~~عن كنز دفنه فيها ونسي مخبأه منها، فلما نبشوا الأرض لم يجدوا كنزا ms025 من الذهب والفضة، ~~ووجدوا كنزا يساوي الذهب والفضة، ويثمر لهم في كل عام كنوزا بعد كنوز. # فلما وقع الإنسان الأول على فكرة الروح وقع عليها خطأ لا شك فيه، ولكنه خطأ توقف عليه ~~إلهام الصواب في عالم العقل وعالم الضمير. ~~••• # وقد امتزجت عقيدة الروح بكل عقيدة دينية بعد أطوار العقيدة البدائية وفي أثنائها فعبادة ~~الأسلاف لا تخطر على بال ما لم تخطر معها فكرة بقاء الأرواح، وإنما تترقى الأنماط على حسب ~~الترقي في المعارف والمعقولات، فالهمجي الذي جهل أسرار التناسل قد يتخذ له جدا معبودا ~~يتمثله في شبح الأسد أو الكلب أو الصقر أو العقاب، ولا ينكر أن يكون أبوه من سلالة الحيوان ~~جسدا وروحا بغير مجاز؛ لأنه لا يفقه المانع الذي يمنع الروح أن تسكن جسم حيوان كما تسكن ~~جسم إنسان، والحضري الذي تهذب واستطلع أسرار الخليقة بعض الاستطلاع يجعل أباه روحا تتجلى ~~في الشمس، ويفرق بين أبوة الأجساد وأبوة الأرواح، وعلى هذا المثال ولا ريب زعم الكهنة أن ~~هذا الفرعون أو ذاك من الفراعين ابن الشمس أو ابن أوزيريس، ولم يفهموا ولا فهم أحد من ذلك ~~أنهم ينكرون أبوته الجسدية المسجلة بالميراث، وبحقها يجلس على عرش أبيه. # ولا يرى علماء المقابلة أن عبادة الشمس كانت معدومة في أطوار الديانات القديمة، ولكنهم ~~يقررون أن «ديانة الشمس» لم تنتشر في تلك الأطوار؛ لأنها تستلزم درجة من الثقافة العلمية ~~والأدبية لا تتيسر للهمج وأشباه الهمج في أقدم عصور التاريخ، فلا بد قبل ذلك من نظرة فلكية ~~عالمية تحيط بعض الشيء بنظام الأفلاك وعلاقة الشمس بالفصول ومواعيد السنين حتى تنتظم ~~«للديانة الشمسية» مراسم ومواسم، وتقام لها معابد ومحاريب، وتنتظم لها شعائر وصلوات ~~وقرابين، ولا بد للمتدين بالديانة الشمسية من علم بآثار الشمس في إنبات الزرع، وتسيير ~~الرياح، وشفاء الأمراض، وتقليب الأيام والأعوام، وضبط مواقع السيارات، وما يتخيلونه بها من ~~طوالع السعود والنحوس، ولهذا سبقت عبادة القمر عبادة الشمس في قبائل شتى؛ لأنهم ربطوا بين ~~القمر والحيض والولادة، لانتظام الحيض في مواعيد قمرية ms026 وسهولة هذه الملاحظة من غير حاجة إلى ~~علم الفلك والحساب. # وتستدعي ديانة الشمس غير هذا أن يرتفع العقل البشري بفكرة الخلق من أفق الأرض القريب إلى ~~الآفاق العليا في السموات، فتتسع دنياه وتتعاظم فيها دواعي الحركة والسكون والحياة والموت، ~~ويقترب من الأوج الذي يستوعب فيه الكون بنظرة شاملة، ويلتمس له سببا واحدا «للحصول» كما ~~حصل بعد أن أصبح الكون كله في حاجة إلى التعليل، فإنه كان قبل ذلك يعلل حياته بهذه القوة أو ~~بتلك من العلل الكونية، فإذا بالكون كله لا يستغني عن تعليل مريح. # فديانة الشمس كانت الخطوة السابقة لخطوة التوحيد الصحيح؛ لأنها أكبر ما تقع عليه العين ~~وتعلل به الخليقة والحياة، فإذا دخلت هي أيضا في عداد المعلولات فقد أصبح الكون كله في ~~حاجة إلى خالق موجد للأرض والسماء والكواكب والأقمار، وينطبق هذا الترتيب تمام الانطباق على ~~فحوى قصة إبراهيم في القرآن الكريم # فلما جن عليه الليل ~~رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب ~~الآفلين * فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي ~~فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم ~~الضالين * فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي ~~هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما ~~تشركون * إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات ~~والأرض حنيفا وما أنا من المشركين * وحاجه ~~قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما ~~تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء ~~علما أفلا تتذكرون ~~. # وقد وصل الإنسان إلى عبادة الشمس حين قامت له دول وحضارات، فتلاقت حوله جميع الطرق مجتمعة ~~في طريق التوحيد الصحيح. # ذاك أن القبيلة عبدت أسلافها، وظلت القبائل متفرقة في عبادة الأسلاف حتى غلبت قبيلة على ~~سائر القبائل في أمة واحدة، فوجب أن يسود رب القبيلة الغالبة سائر الأرباب، وتنحدر الأرباب ~~المرجوحة إلى مكان دون المكان الأول، وعمل دون العمل الأعظم المنسوب إلى رب الأرباب، فإذا ~~كان العمل الأعظم هو الخلق فالأرباب التي تتولى ما دونه لا تتسامى ms027 إلى مرتبة الإله الخلاق ~~المستأثر بأشرف الصفات وأوحد الأعمال، ثم تنطوي الأمم في الدولة أو الإمبراطورية فيقترب ~~الناس من عبادة إنسانية عامة ، ومن تخصيص الإله الأكبر بما هو أعظم وأشرف من صفات الخلق ~~والتقدير. # وفي الدولة تستفيض العلوم الفلكية والحسابية وتحتل الشمس مكانها المنفرد بين ظواهر ~~الطبيعة جمعاء، فالجد القديم إذن هو الشمس في عليائها وأبناؤه قبس على الأرض من روحها أو من ~~قضائها، وتلتقي الديانة الشمسية بالديانة السلفية من هذا الطريق. # وإذا بقيت في الأمة فرق قوية لا تفنى كل الفناء في الديانة التي يدين بها الملك الأكبر - ~~فهي تحتفظ باستقلال كيانها في عناوين آلهتها المترادفة لا في حقيقة الإله وعنصره الأصيل، ~~فالشمس مثلا هي أوزيريس وخيرا ورع وآمون وآتون، ولكنما اختلفت الأسماء لاختلاف الكهانات ~~والأقاليم. # ومما لا منازعة فيه بين الثقات من علماء المقابلة أن أوزيريس جد قديم في مصر الوسطى، وأن ~~قصته قصة إنسان عاش عيشة الآدميين في زمن من الأزمان، ومما لا منازعة فيه أيضا أن أوزيريس ~~اسم من أسماء الشمس في مغربها أو في جهة المغرب التي اعتقدوا دهرا طويلا أنها هي عالم ~~الأموات، ومما لا منازعة فيه مع هذا وذاك أن اسم أوزيريس أطلق بعد ذلك على الشمس في جميع ~~الأحوال، فكان هذا التدرج نموذجا للسلم الذي تترقى عليه الديانات. # فأوزيريس أول ميت خالد بروحه معبود في قبيلة من جملة قبائل البلاد، ثم تمتزج القبائل ~~فتعبده الأمة كلها أو تميزه بالعبادة على سائر الأرباب، ثم تبرز ديانة الشمس بما ينبغي لها ~~من العلو والتفرد في أفق العبادات، فيتدرج أوزيريس في التلبس بالشمس حتى تنسى أشكاله الأولى ~~فيعود هو والشمس مرادفين لذات واحدة: فهو «أولا» روح إنسان محتفظ بسلطانه بعد الموت ممثل ~~في صورة المومياء للدلالة على الموت والخلود، ثم هو الشمس في حالة الغروب لأنه انتقل من ~~الأرض إلى عالم الأموات، ثم هو الشمس في جميع أحوالها مع تقادم الزمان. # وتستفيد الديانات هنا من عقيدة الروح العريقة أنها جعلت للشمس روحا أو معنى غير ms028 محسوس، ~~ينتقل منها إلى البشر المعبودين فيستحقون العبادة لأنهم كائنات علوية لا لأنهم رجال عظماء ~~أو مجرد أسلاف مذكورين بالتجلة والتقديس، وما من أحد في مصر واليونان كان ينكر أن الإسكندر ~~ابن فيليب بالوراثة الجسدية، ولكنهم مع هذا لم يروا شيئا من التناقض في انتمائه إلى عطارد ~~حين زعمت أمه أن عطارد نفخ فيها من روحه وهي تحمل هذا الجنين، ولا رأوا شيئا من التناقض في ~~انتمائه مرة أخرى إلى آمون حين زعم كهان سيوة القديمة أنه ابن آمون. # ولنا أن نقول: إن ديانة الشمس كانت هي القنطرة الكبرى بين عدوة التعديد وعدوة التوحيد، ~~وإنها وافقت اتحاد الأمم في نطاق الدول الجامعة فانتشرت حيث انتشرت الدول الجامعة من أقدم ~~العصور؛ لأنها انتشرت في مصر وبابل وفارس والهند واليابان، وكانت رموزا للقوة الكونية ~~العظمى بعد أن كانت مبدأ الأمر جرما محسوسا يعبد لذاته، وتضاف إليه الروح حينا لأنه ~~معبود حي، ولا حياة بغير روح. # ولا تزال بداءة التوحيد من طريق تأليه الشمس مسألة تخمين لا مسألة يقين، فالحضارات ~~القديمة في الدول قد عمت الأقطار الشرقية بين مصر وبابل وفارس والهند منذ ثمانية آلاف سنة ~~أو تزيد، كلها قد عبدت الشمس وميزتها بالعبادة في دور من الأدوار، فأيها هي الأمة ~~السابقة إلى التوحيد؟ أهي فارس أم الهند أم بابل أم آشور أم مصر أم اليابان في مجاهل القدم ~~قبل اتصالها بالحضارة الآسيوية؟ ليس الجواب على هذا كما أسلفنا مسألة يقين بل مسألة تخمين. ~~وأغلب الظنون المدعمة بالقرائن المعقولة أن مصر بدأت بتوحيد الدين كما بدأت بتوحيد الدولة. ~~فالمؤرخ هيرودوت القديم يقول: إن الإغريق تعلموا أمور الدين من المصريين، والسير إليوت سميث ~~- وهو مرجع موثوق به في تاريخ مصر - يقول: إن شعائر الهند القديمة في الجنائز نسخة محكية من ~~كتاب الموتى، وتفرق الديانات معقول في الدول الأخرى ولكنه غير معقول في قطر يجري فيه نيل ~~واحد ويتحد وجهاه قبل خمسة آلاف سنة على أقل تقدير. ~~••• # وجملة القول: إن أطوار العقيدة الإلهية تشعبت بين ms029 الناس فلم تطرد على مراحل متشابهة في ~~جميع الأمم ولا في جميع الأزمان. # ولكننا إذا أحطنا بوجهتها العظمى وجدنا أن عقيدة الأرواح لم تفارق أطوارها الأولى، وأن ~~عبادة الأسلاف امتزجت بعقيدة الأرواح، ثم اتسعت نظرة الإنسان إلى دنياه حتى التمس لها علة ~~في السماء فكانت الشمس هي أكبر ما رآه وتوجه إليه بالعبادة، ثم أصبحت الشمس رمزا للخالق ~~حين تجاوزها الإنسان بنظره إلى ما هو أعظم منها وأعلى، فهي القنطرة الأخيرة بين العدوتين: ~~عدوة التعديد وعدوة التوحيد. # ولم يبق بعد اعتبار الشمس رمزا للقوة الكونية إلا قبول التوحيد الصحيح، فتعلمه الإنسان ~~من الديانات الكتابية شيئا فشيئا حتى بلغ بالقوة الإلهية نهاية التنزيه. # ويبدو لنا هذا الترقي الديني من ترقي العقل في تفسير كلمة الإله، فكلمة «إيل» بالآرامية ~~مرادفة لمعنى القوي أو البطل، ثم أصبحت كلمة الإيل بالتعريف مرادفة لبطل الأبطال أو للبطولة ~~المطلقة، كما نميز عالما بكلمة العالم مع التعريف، لنقول: إنه العالم دون سواه. # ومن فكرة البطل إلى فكرة الله الحي القيوم الأول الآخر الصمد الدائم الذي لا شريك له ~~تاريخ طويل: هو تاريخ العقل في الترقي إلى التوحيد. # وقد ظل الموحدون يناضلون ديانة الشمس مئات السنين لأنها لم تتزحزح عن معقلها بغير جهاد ~~عنيف، ولا ننس أن الموحدين في جهادهم القديم لم ينكروا وجود الأرباب الأخرى، بل سلموا ~~وجودها واعتبروها من شياطين الشر التي ترين على العقول وتحجبها عن هداية الدين القويم. ~~فبقيت إلى عصرنا هذا أيام يحتفل بها أتباع الديانات الإلهية، ولا موجب للاحتفال بها إلا ~~أنها كانت مواسم لعبادة الشمس على الخصوص، فأخذتها الديانات الإلهية؛ لأن الله أحق بالتكريم ~~من أرباب الوثنية ومضى زمن طويل قبل إقصاء تلك الأرباب من حظيرة الوجود، فإنما أخرجها العقل ~~البشري أولا من حظيرة القدس والعبادة وسمح لها بالبقاء في زي الشياطين الخبيثة التي تغتصب ~~الربوبية من الجهلاء فترقى في فهم التوحيد ولم تنته جهوده بالوصول إليه. # | الوعي الكوني # ما هي صفة الوجود؟ # وبعبارة أخرى: ما هو ألزم لوازم الوجود؟ # إننا ms030 لا نعرف الشيء الموجود تعريفا سائغا إذا قلنا: إنه هو الشيء الذي ندركه بالحس أو ~~بالعقل أو بالبصيرة؛ لأننا - بهذا التعريف - نعلق الوجود على موجود آخر هو الذي يدركه بحسه ~~أو بعقله أو ببصيرته، فلا يكون الشيء موجودا إلا إذا كان له محسون ومدركون. # إلا أننا نعطي الوجود ألزم لوازمه إذا قلنا: إنه «غير المعدوم» فيكفي أن ينتفي العدم ~~ليتحقق الوجود، وكل ما ليس بمعدوم فهو لا محالة موجود. # وليس من الضروري لانتفاء العدم قوام الكثافة أو قوام التجسد الذي يقبل الإدراك بحاسة من ~~هذه الحواس الجسدية. # فليس هذا القوام الكثيف أو المتجسد ضروريا لإثبات وجود المادة نفسها، وهي التي عرفها ~~الناس ماثلة في الأجسام الكثيفة وسائر المحسوسات. # لأن الأجسام المادية كلها تنتهي إلى ذرات ثم إلى إشعاع في الفضاء، ويحق لنا أن نقول: إن ~~الإشعاع «معنى» أبسط من الحركة؛ لأن الحركة تقع في جسم متحرك وفي وسط تتأتى الحركة فيه، ~~ونحن لا نعرف الوسط الذي يسري فيه الإشعاع إلا بالفروض والتخمينات، ولا نبصر كل إشعاع ~~بالعين المجردة ولو كان على مقربة من العين. # فقوام الكثافة ليس ضروريا لإثبات وجود العناصر المادية فضلا عما عداها، ولا يستلزم ~~وجود الشيء المادي أن يكون له هذا القوام، فيجوز لنا أن نقول: إن الوجود أقرب إلى طبيعة ~~المعقولات المجردة منه إلى طبيعة الملموسات والمحسوسات. # وسواء جاز هذا أو لم يجز فلا شك أن العدم ينتفي بمجرد العلم بالوجود، ولا يستلزم انتفاؤه ~~أن يتلبس هذا العلم بمادة لها قوام، فعلم الموجود بوجوده يحقق له كل صفات الوجود التي ~~ينقضها العدم، وليس لها نقيض سواه. # وليس لأحد أن ينكر وجود شيء من الأشياء لأنه لا يدركه بحاسة من حواسه التي تعود أن يدرك ~~بها الأشياء. # فقد تتم للشيء كل صفات الوجود وهو غير محسوس، وقد تدق الحاسة الطبيعية حتى تتجاوز أضعاف ~~مداها المعهود في معظم الأحياء، وقد تتضاعف بالوسائل الصناعية فيثبت لنا أن الأسماع ~~والأبصار قد فاتها شيء كثير مما يدرك بالآذان والعيون. # فالموجودات إذن ms031 غير محصورة في المحسوسات. # ومن الواجب أن نسلم بقيام موجودات لا تحيط بها الحواس والعقول؛ لأن إنكارها جهل لا يقوم ~~على دليل ، ولأن وجودها ممكن وليس بالمستحيل! بل هو ألزم من الممكن على التحقيق؛ لأن الحواس ~~كلها لم تكن إلا محاولة مترقية لإدراك ما في الوجود، ولم تقف هذه المحاولة ولا هي مما يقبل ~~الوقوف؛ إذ وقوفها يستلزم مانعا يعوقها أن تزداد كما ازدادت فيما مضى، وأن تترقى كما ترقت ~~في طبقات المخلوقات، وليس هذا المانع بالمعروف. # فمما لا شك فيه أن الكون أعم من الوعي الإنساني على اختلاف درجاته، وأن الوعي الإنساني ~~كله أعم من هذا الوعي الظاهر الذي تترجم عنه الحواس ويدخل أحيانا في نطاق المعقولات، وقد ~~أصبحت كلمة «الوعي الباطني» من الكلمات الشائعة على الأفواه، وما «الوعي الباطني» مع هذا ~~بجماع ما احتواه تركيب الإنسان، وما تزود به من طبيعة الحياة والوجود. # وغاية ما يملكه المتردد في حقيقة الموجودات الخفية أن يقول: إن وجودها غير ثابت لديه. ~~فأما أن يقول: إن وجودها غير ثابت له ولا لغيره، وأنها لن يثبت لها وجود على الإطلاق - فذلك ~~قول لا حق له فيه ولا سند له عليه، وقد يكون المصدق بالخرافات أحكم منه رأيا وأصوب منه ~~فكرا؛ لأنه يصدق شيئا قد يتسع للتصديق والتكذيب. # ولا نقصر القول هنا على «الوعي الكوني» الذي أشرنا إليه في خاتمة الفصل المتقدم، ولكننا ~~نطلقه على كل وعي يتجاوز آماد الحواس المعهودة، وهو على ضروب كثيرة يبحثها العلماء في عصرنا ~~هذا ولا يقطع أحد منها باستحالتها وقلة جدواها، ولكنهم يتفاوتون في تقرير نتائجها وتعليل ~~هذه النتائج، ويتركون الأبواب مفتوحة فيها لزيادة البحث والاستقراء. ~~••• # والملكات النفسانية التي يدور عليها بحث العلماء، في الوقت الحاضر أكثر من نوع واحد في ~~أفعالها وتجاوزها لمألوفات الحواس الإنسانية والحيوانية، ولكنها تتلخص في بضعة أنواع هي: ~~الشعور على البعد أو ال # Telepathy # والتوجيه على البعد أو ال # Telergy # والتنويم المغناطيسي أو ال # Magnetism ~~. # وقراءة الأشياء أو معرفة الأخبار عن الإنسان من ms032 ملامسة بعض متعلقاته كمنديل أو قلم أو ~~خاتم أو علبة أو ما شاكل هذه المتعلقات # Object reading or ~~psychometry ~~. # وتفسير الأحلام # Dream Interpretation ~~. # والاستيحاء الباطني أو # Automatism ~~. # والوسواس أو # Hallueination ~~. # واستطلاع المستقبل أو Precognition ~~. # واستطلاع الماضي # Retrocognition ~~. # والكشف # Clairvoyance ~~. # وتحضير الأرواح # Spiritualism ~~. # وكل هذه الملكات قديم معهود في جميع الأجيال والعصور، لم يجد عليه إلا التسمية العصرية ~~ومحاولة العلماء أن يحققوه بالتجربة والاستقصاء. # وربما كان أشيع هذه الملكات وأقربها إلى الثبوت وأغناها عن أدوات المعالجة والتناول ~~بأساليب التلقين والتدريب هو الشعور على البعد أو «التلباثي» كما سمي في أواخر القرن التاسع ~~عشر - تركيبا مزجيا من كلمتي البعد والشعور في اللغة اليونانية. # وقد تواترت أحاديث الناس في الشعور «على البعد» فرويت فيه روايات كثيرة يتفق أصحابها في ~~أقوال متقاربة، وفحواها أنهم يستحضرون في أخلادهم سيرة إنسان بعيد لغير سبب يعلمونه فإذا هو ~~ماثل أمامهم ساعة استحضاره، أو يقلقون لغير سبب في لحظة من اللحظات ثم يعلمون بعد ذلك أن ~~إنسانا عزيزا عليهم كان يتألم أو يذكرهم في تلك اللحظة وهو في ضيق وتغويث، وقد يسمعون ~~هاتفا يلقي إليهم بعض الكلمات ثم يقال لهم إن هذه الكلمات قد هتف بها مريض يحبهم ويحبونه ~~وهو غائب عن وعيه، وندر من الناس في الحواضر والقرى من لم يسمع برواية من هذا ~~القبيل. # وقد جرب الشعور على البعد باحثون مختلفون، منهم المؤمن بالنفس ومنهم الملحد الذي لا يؤمن ~~بغير المادة، ومنهم المتدين الذي يلتمس لهذا الشعور علة من العلل الطبيعية، ولا يرى ضرورة ~~للرجوع به إلى عالم الروح والعقل المجرد. # فالنفساني الكبير وليام مكدوجال - وهو من المؤمنين بالعقل المجرد - يقول في خطاب الرياسة ~~لجماعة البحوث النفسية سنة 1920: «إنني أعتقد أن التلباثي وشيك جدا أن يتقرر بصفة نهائية ~~في عداد الحقائق المعترف بها علميا بفضل هذه الجامعة على الأكثر، ومتى بلغنا هذه النتيجة ~~فإن خطرها من الوجهتين العلمية والفلسفية سيربي كثيرا على جملة المسائل التي أدركتها معاهد ~~التحقيق النفساني في جامعات القارتين.» # وفي سنة 1927 قال ms033 الدكتور ت. و. متشل في خطابه لقسم المباحث النفسية في المعهد البريطاني: ~~«لا بد من الاعتراف بالتلباثي أو بوسيلة من الوسائل التي قد نسميها الآن خارقة للعادة. ~~لأننا إذا أنكرناه وقفنا حائرين بين يدي الظواهر المعززة بأدلة الثبوت ، مما لا نستطيع له ~~نفيا ولا تعليلا.» # والكاتب الأمريكي المشهور أبتون سنكلر # Upton Sinclair # يؤمن بالفلسفة المادية دون غيرها ويجرب الشعور على البعد بينه وبين زوجته على ملأ من الشهود ~~والمتعقبين، ويقرر أنه أجرى مائتين وتسعين تجربة يعتبر ثلاثا وعشرين في المائة منها ناجحة ~~كل النجاح وثلاثا وخمسين ناجحة بعض النجاح وأربعا وعشرين مخفقة كل الإخفاق، ويقول الدكتور ~~والترفرانكلن برنس صاحب كتاب ما وراء المعرفة ~~المألوفة # Beyond Normal Cognition # وهو من المتعقبين لسنكلر وغيره من أصحاب التجارب في هذا الموضوع: ~~«إنني - بعد سنوات من التجارب في تفسير مئات من الألغاز الإنسانية التي تشمل على الغش ~~المقصود وغير المقصود وعلى الوهم والضلال - أسجل هنا اعتقادي أن سنكلر وزوجته قد أقاما ~~الشواهد إقامة وافية على الظاهرة المعروفة بالتلباثي.» # وقد كانت تجارب سنكلر يدور معظمها على الرسوم والأشكال، فيطلب من بعض الحاضرين أن يختار ~~له شكلا هندسيا أو حيوانيا ثم يحصر ذهنه فيه، وزوجته في بلد آخر تتلقى عنه شعوره في ~~تلك اللحظة، فإذا هي ترسم الشكل بعينه، وقلما يكون الاختلاف في غير الحجم أو درجة ~~الإتقان. # وقد سمى سنكلر هذه الظاهرة بظاهرة الإشعاع ~~الإنساني # Human Radio # لأنه لا يؤمن بأسباب لنقل الأفكار والأحاسيس غير الأسباب التي من ~~قبيل أجهزة البرق والمذياع. ~~••• # ومن أصحاب التجارب المتعددة في هذه المسائل جوزف ~~سينل # Joseph Sinel # صاحب كتاب الحاسة السادسة # 1 # الذي يدل ~~اسمه على رأي صاحبه في تعليل هذه القدرة على الكشف والتلقي والإيحاء وما شابهها من الصلات ~~النفسية عن طريق غير طريق الحواس المعروفة. # فهو يقرر أن الأجسام المادية يمكن أن تحس من بعيد لأنها لا تني تبعث حولها ذبذبات متلاحقة ~~تسري إلى مسافات بعيدة، وقد تخترق الحوائل كما تفعل الأشعة السينية، ويعلل غرائز الأحياء ~~التي ms034 تهتدي إلى أمثالها أو إلى الأماكن المحجوبة عنها على المسافات الطويلة بحاسة تتلقى هذه ~~الذبذبات وتتبعها إلى مصادرها. أما الإنسان وسائر الحيوانات الفقارية فهي تعتمد على الجسم ~~الصنوبري في الدماغ للشعور بالأشياء التي لا تنتقل إليها بحاسة النظر أو الشم أو السمع أو ~~الملامسة، ويستبعد الأستاذ سينل أن يخلق هذا الجسم الصنوبري عطلا بغير عمل في جميع الأحياء ~~الفقارية؛ لأن ملاحظاته الدقيقة عن موضع هذا الجسم في الدماغ واختلاف حجمه بين الأحياء قد ~~دلته على تفسير عمله حسب اختلاف موضعه وحجمه، فهو في الأنثى أكبر منه في الذكر، وفي الهمجي ~~أكبر منه في المتحضر، وفي الطفل أكبر منه في الرجل، وفي الحيوان أكبر منه في الإنسان، وهو ~~قريب إلى فتحات الرأس في بعض الأحياء التي تعول على التحسس البعيد ولا تستغني عنه بالقياس ~~العقلي أو بالوسائل الصناعية كما يفعل الإنسان، وكلما انصرف الحي عن استخدام هذا الجسم ~~الصنوبري ضمر واقترن ضموره بضعف الشعور بالذبذبات والرسائل المتنقلة من المسافات ~~القصيرة. # قال الأستاذ سينل: «أما الكشف كما أعرفه أنا - وكما ينبغي أن يعرف - فهو إدراك الأشعة ~~المغنطيسية أو قل الموجات المغنطيسية المنبعثة من الأجسام المحيطة بنا والتي من شأنها أن ~~تخترق كل جسم يعترضها بدون حاجة إلى الاستعانة بأي عنصر من أعضاء الحس المعروفة، والكاشف في ~~رأيي هو كل من يستطيع أن يضبط جانبا من مخه ويعده لكي يستقبل الإشعاع الصادر عن الحاجز، ~~يعني من شيء ما بعد استبعاده كل أشعة أخرى، شأنه في ذلك شأن الجهاز اللاسلكي الذي يضبط لكي ~~يستقبل موجة منبعثة من محطة ما مع استبعاد كل موجة أخرى سواها.» # وفي حسبان الأستاذ سينل أن تلقي الأحاسيس على البعد ضرورة حيوية في الأحياء الدنيا، فهي ~~من أجل هذا أقدر على استخدام هذه الحاسة، ومما نقله عن العالم الطبيعي الفرنسي الكبير جان ~~هنري فابر # Fabre ~~«أنه وجد ذات يوم يرقة نوع كبير من الحشرات ~~فحملها إلى منزله ووضعها داخل صندوق في غرفة مكتبه، وبينما هو جالس في غرفة الطعام ذات ms035 ليلة ~~إذ دخل عليه خادمه فزعا وأخبره أن غرفة مكتبه امتلأت بفوج كبير من الذباب الضخم، فلما ذهب ~~ليرى ما حدث وجد أن يرقته - وكانت أنثى - قد خرجت من هذا الطور، وأن عددا كبيرا من ذكورها ~~يحوم حول الصندوق، ولما كانت كلها من نوع غير مألوف في هذه المنطقة فقد حكم بأنها لا بد ~~جاءت من مكان سحيق، فأغلق النافذة وأمسك بها جميعا وعددها خمسة عشر ذكرا. وأراد أن يعرف ~~هل استعانت هذه الذكور في حضورها بحاسة الشم أو لم تستعن بها، فنزع منها ملامسها، وهي ~~الأعضاء التي تحمل هذه الحاسة، ثم وضع الذكور في كيس، ووضع الكيس في قمطر، وفي صباح اليوم ~~التالي نقلها إلى غابة تبعد نحو الميلين، وأطلق سراح الذكران جميعا، ولكنها لم تلبث بعد ~~الغسق أن شوهدت كلها متجمهرة في حجرة مكتبه لم يتخلف واحد منها، عندئذ أيقن أن حاسة الشم لم ~~تكن النبراس الذي اهتدت به الذكور إلى مكان الأنثى.» # 2 # فالأستاذ سينل كما نرى لا يتأثر في إثباته لقدرة الكشف والشعور على البعد بإيمانه بوجود ~~الروح أو العقل المجرد، ولا يعتمد في تجربة من تجاربه الكثيرة على تعليل غير التعليل الجسدي ~~والمباحث الطبيعية، وقد سبقه إلى التنويه بشأن الجسم الصنوبري فيلسوف كبير من المؤمنين ~~بالقوة الروحية والقائلين بالتفرقة بينها وبين الكائنات المادية، وهو رينيه ديكارت الذي ~~يلقب بأبي الفلسفة الحديثة، فإنه اعتقد أن الجسم الصنوبري هو الجهاز «الموصل» بين الروح ~~والجسد، أو هو موضع التلاقي بين حركة الفكر وحركة الأعضاء. # أما الذين اعتقدوا أن الجسم الصنوبري غدة منظمة للوظائف الجنسية أو أطوار النمو الأخرى ~~فالأستاذ سينل يرد عليهم قائلا: «إذا كان هذا الجسم غدة وظيفتها تنظيم التطور أو الأمور ~~الجنسية كما يقولون فكيف صح أن يكون مقره وسط المخ بين المراكز التي تستقبل المرئيات؟ ~~ولماذا هو محمول على ساق؟ ولماذا كان في الفقاريات الدنيا فتحة تشبه النافذة في الجمجمة ~~فتسمح لهذه الحيوانات بالاتصال بما حولها قدر المستطاع؟» # على أننا إذا راجعنا أنواع التجارب التي ms036 سجلها النفسانيون لم نستغن بفكرة الإشعاع ولا ~~بفكرة الجسم الصنوبري عن تعليل آخر يتصل بالعقل أو الروح. # فنحن نفهم أن الإشعاع ينقل المجسمات والمحسوسات ولكننا لا نفهم كيف ينقل الفكرة أو الصورة ~~المتخيلة، فإذا تذبذب الشعاع بحركة الكلمات الملفوظة وصلت هذه الكلمات بحروفها وأصدائها إلى ~~جهاز التلقي فنسمعها كلمات كلما فاه بها المتكلم من محطة الإرسال، ولكن الفكرة التي في ~~الدماغ لا تتحول إلى كلمات بحروفها وأصدائها ولا تتأتى من تحولها حركة تهز الأثير كما تهزه ~~حركات لأفواه، فكيف تنتقل الفكرة بالأشعة من دماغ إلى دماغ؟ # وإذا فكر أحد في صورة هندسية أو حيوانية فكيف تصبح هذه الصورة حركة إشعاع كحركة المذياع؟ ~~لقد شوهد كثيرا أن الذي ينتقل في هذه الحالة هو معنى الصورة لا شكلها ولا خطوطها التي ~~تكونها: فإذا كان المرسل يفكر في عصفور ولا يحسن رسمه فإن المتلقي يحسن رسم العصفور إن كان ~~من الحاذقين للرسم ولا ينقله نقلا آليا كما تمثل في الذهن الذي أرسل الصورة إليه، وكذلك ~~يحدث في أشكال المثلثات والدوائر والمستطيلات، وكل شكل يختلف بالحجم والإتقان ويحافظ على ~~معناه مع هذا الاختلاف. # فإذا ثبت الكشف والشعور على البعد بالتجربة التي لا شك فيها فلا بد من إثبات الأشعة ~~العقلية أو الروحية لتعليل انتقال الأفكار بغير ألفاظ، والصور بغير حركات في الأثير. # أما الجسم الصنوبري فإذا كان عضوا طبيعيا وجب أن يكون عمله على أشده وأصحه في أصحاب ~~الأجساد الطبيعية والأمزجة السوية، ولكن الذي يشاهد في أصحاب القدرة على التلقي أنهم يشذون ~~عن سواء المزاج المعهود في الأصحاء، وأن هذه الملكة فيهم لا تحيا كما تحيا الأعضاء الأثرية ~~المهملة بل تحيا كما تحيا العبقريات الخلاقة لمعاني الفنون ومبتكرات الفهم والخيال، وأن ~~الذي يمتاز بها لا يكون أقرب إلى الحيوان بل أقرب إلى المثل الإنسانية التي تتجافى كثيرا ~~عن الغرائز الحيوانية والنوازع الجسدية. # وإذا كان الجسم الصنوبري متلقيا للحس على أسلوب العيون والآذان والآناف وجب أن تتساوى ~~عنده جميع المرسلات، وألا يميز ذبذبة عن ذبذبة ms037 ولا مكانا عن مكان، ووجب عند جلوس عشرة في ~~بقعة واحدة أن يتلقوا جميعا صوت الاستغاثة المنبعث من الأماكن القصية؛ لأن هذا الصوت حركة ~~مادية والأجسام الصنوبرية عند هؤلاء العشرة أجسام مادية تهتز بتلك الحركة على السواء، ولا ~~يقال إن الذي يعنيه الخبر هو الذي يسمعه؛ لأن العناية تتولد من سماع الخبر لا قبل سماعه، ~~وقد يكون المقصود بالخبر غافلا عنه غير متهيئ لسماعه في تلك اللحظة، وإذا كانت العناية من ~~الجانبين تضيف شيئا إلى قوة الحس فهي إذن شيء «عقلي إرادي» ينحصر في العقل والإرادة ولا ~~يعم كل حركة تخطر في الأثير. # ولا غرابة في ندرة الظواهر الروحية بين العوامل المادية، فيحس بالآثار الروحية آحاد ولا ~~يحس بها الأكثرون؛ لأننا قد تعودنا أن نرى كائنات لا تحصى بمعزل عن فعل العقل أو الروح، ~~ولكن الغرابة البالغة أن يكون في كل دماغ جسم صنوبري وأن تنبعث الذبذبات من جميع الأجساد ~~بغير انقطاع ثم تنحصر ظواهر الكشف أو الشعور البعيد في آحاد معدودين. # ولا يصح أن يقاس هذا على أجهزة المذياع التي تسكن عن الإذاعة بغير تحريك أو توجيه؛ لأن ~~امتناع هذه الآلات عن الحركة بغير مدير يعرف تركيبها هو الحالة الطبيعية التي لا يتصور لها ~~العقل حالة سواها. أما الأحياء فإنهم هم المحركون والمتحركون، وهم المفاتيح ومديرو ~~المفاتيح، فامتناع العمل الطبيعي فيهم مع شيوع أسبابه عجب يحتاج إلى تفسير. # وحسب الناظر في الأمر بعد هذا أن يعرف أن تجارب الشعور البعيد وما جرى مجراه تثبت عند ~~أناس لا يعللونها بالروح ولا بالعقل المجرد، لينتفي من ذهنه أنها وهم من أوهام العقيدة ~~وأنها خرافة متفق عليها فلا تستحق الجد في دراستها من طلاب الحقائق على سنن العلماء. # ويبدو للأكثرين من مراقبي هذه الظواهر النفسانية أن التنويم المغناطيسي أثبت من الشعور ~~على البعد وأشيع منه وأقرب إلى التصديق والتعليل، وهو فيما نرى يعرض لنا أمثلة كثيرة لا ~~نصادفها في ظاهرة الشعور على البعد لإثبات الاتصال العقلي بوسيلة غير وسيلة الذبذبات ~~واستخدام الأجسام ms038 الصنوبرية؛ لأن النائم يتلقى عن منومه صورا لا يتأتى تعليلها بالإشعاع ~~أو ما شابهه من التيارات المادية، وكثيرا ما تكون الرسائل المغناطيسية قائمة على تخيل لا ~~وجود له في عالم الحس ولكنه ينتقل إلى ذهن النائم؛ لأن المنوم لفقه وأمره بتلقيه ~~وتصديقه، وهو ما يرى ما في خيال المنوم ولا يرى ما في خيال غيره ولو كان معه في حجرة واحدة، ~~وقد تعددت تعليلات الاتصال بين فكر وفكر بالوسائل المغناطيسية، ولكنها جميعا أعجب من القول ~~بإمكان الاتصال بين العقل المجرد، والعقل المجرد بمعزل عن الحواس والوسائط المادية، ويكفي ~~في التجارب المتواترة أن يلقي المنوم نظرة على كلمة مكتوبة أو صورة مرسومة أو يستحضر الكلمة ~~أو الصورة في خلده ليراها النائم كما رآها المنوم أو تخيلها تخيلا لا يمثله شكل محسوس قابل ~~لتحريك الأشعة أو التيارات، ولا ندري لماذا لا يتأتى تنويم الحيوان الأعجم ونقل المحسوسات ~~إلى دماغه إذا كانت المسألة كلها مسألة الحواس والأعصاب والتيارات التي تنتقل كما ينتقل ~~الشعاع. # ومما لا نزاع فيه أن حق الفكر الإنساني في قبول هذه الظواهر أرجح جدا من حقه في ~~إنكارها، والبت باستحالتها كأنها شيء لا يتأتى وقوعه بحال من الأحوال، فلا استحالة في ~~ظاهرة من هذه الظواهر، غير مستثنى منها النادر المستغرب بالغا ما بلغ من الندرة والغرابة ~~في جميع الأزمان. # فالإطلاع على المستقبل غريب لم تثبته تجربة علمية قابلة للتكرار، ولكننا لا نستطيع أن ~~نجزم باستحالته إلا إذا استطعنا أن نجزم بحقيقة الزمن وحقيقة المستقبل، ثم جزمنا بأن هذه ~~الحقيقة تناقض العلم بشيء قبل أن يأتي أوانه ويجري في مجراه. # فما هو الزمن؟ # نحن نتخيله في أوهامنا على صور كثيرة لا تخلو إحداها من نقص ومناقضة لبقية المقررات ~~المسلمة لدينا. # فنحن تارة نتخيل الزمن كأنه بحر يزداد قطرة في كل لحظة ويمتلئ شيئا فشيئا، ولا يزال فيه ~~فراغ مهيأ للامتلاء، وهو فراغ المستقبل المعدوم، ولكن هل الماضي إذن هو الموجود؟ وهل هو ~~الحاصل المتجمع في بحر الزمان والمستقبل هو المعدوم؟ وما ms039 هو «الآن» الذي ليس بماض ولا ~~بمستقبل ولا يوصف إلا بأنه حاضر غير ماض ولا آت؟ # وتارة نتخيل الزمن كأنه محيط شامل لما كان وما هو كائن وما سيكون، ونحن نتقدم فيه كما ~~يتقدم المسافر في أرض يراها بعد أن تقع عليها عيناه، فالمستقبل في هذه الحالة موجود، ولكننا ~~نحن لا نراه إلا حين نصل إليه. # وتارة نتخيل الزمن كأنه خط ممتد الأوقات المتتابعة كالنقط المنطوية فيه، ولكننا إذا ~~تتبعنا هذا الخيال لم يذهب بنا إلى بعيد؛ لأن الخط ممتد في كل جانب متعمق في كل باطن، فلا ~~تشابه بينه وبين الخطوط. # وتارة نتخيل الزمن قابلا للتجزئة ولكننا لا نستقر على المقياس الذي يحكم لنا بالقرب أو ~~البعد أو العمق بين مسافات الأجزاء. # وإذا جزأنا الزمن حكمنا بأن الزمان كله محدود؛ لأن مجموع المحدود محدود، ولكن ما هي حدود ~~الحاضر، وما هو الخارج منه والداخل فيه؟ وما هو الفرق بين حاضر وحاضر بمقياس الزمان أو ~~بمقياس الفضاء؟ # على أنه إذا كان الزمان أجزاء وكان محدودا كأجزائه فقد بقي أمامنا «الأبد» الذي لا ماضي ~~فيه ولا حاضر ولا مستقبل ولا ينقسم إلى أجزاء ولا يدرك له ابتداء ولا انتهاء ولا حركة بين ~~الابتداء والانتهاء. # فمن الجائز أن «المستقبل» معدوم في الزمان المنقطع موجود في الأبد الذي ليس له ~~انقطاع. # ومن الجائز أن يكون الزمن نفسه متعدد الأبعاد فيتلاقى فيه شيء من الحاضر وشيء من الماضي ~~وشيء من المستقبل في بعض تلك الأبعاد. # ومن الجائز أن المستقبل يتكشف لعقل الإنسان من إيحاء العقل الأبدي المطلع عليه كما يطلع ~~على ما حصل وما هو حاصل بلا اختلاف، وقد جاز أن ينتقل علم من عقل إنسان إلى عقل إنسان ~~فينطبع فيه بالتوجيه والإيحاء كأنه منظور ومسموع، فلماذا لا يجوز أن تنتقل وقائع المستقبل ~~إلى علم الإنسان من العقل الأبدي؟ وهل نستطيع أن نقرر وجود العقل الأبدي دون أن نقرر أنه ~~مطلع على كل ما يقع في الأبد الأبيد؟ # فالذي يجزم باستحالة الاطلاع على المستقبل ms040 عليه أولا أن يجزم بالصورة الصحيحة للزمن ~~ويجزم بأنها لا توافق الاعتراف بوجود المستقبل على وجه من الوجوه. # وعليه «ثانيا» أن يجزم باستحالة «العقل الأبدي» واستحالة الإيحاء منه إلى العقول ~~الإنسانية. # وعليه أن يقيم الدليل على هذا المستحيل أو ذاك المستحيل، ولا دليل. # وربما خطر لبعضهم - عند النظرة الأولى - أن استطلاع ~~الماضي # Retrocognition # ظاهرة لا تثير الاعتراض ممن يعترضون على العلم بما سيكون؛ لأننا ~~نعلم حوادث التاريخ كأنها من حوادث الوقت الحاضر التي تنقل إلينا من مكان بعيد، ولأن حوادث ~~الماضي متفق على وجودها في زمانها، ولا اتفاق على وجود ما سيكون قبل أن يكون. # لكن الحقيقة أن استطلاع الماضي واستطلاع المستقبل على حد سواء في طبيعة الملكة التي ~~تقدر عليه؛ لأن القائلين بهذه الملكة لا يقصدون معرفة الماضي كما نعرف روايات التاريخ أو ~~روايات الشهود، ولكنهم يقصدون أن صاحب هذه الملكة ينكشف له منظر مضى دون أن يبلغه من طريق ~~القراء والسماع، فيشهد مثلا مجلسا من المجالس المجهولة عنده وعند غيره، ويبصر كل جالس في ~~مكانه الذي كان فيه، ويسمع ما قالوه ولو لم تدونه الكتب وتردده أقوال الرواة. # فالكشف عن الماضي محتاج إذن إلى التعليل الذي يحتاج إليه الكشف عن المستقبل؛ لأنه دائما ~~يتأتى بإيحاء عقل إلى عقل، أو بتقدير صورة للزمن لا ينتفي فيها الماضي ولا المستقبل كل ~~الانتفاء. ~~••• # وهذه الظواهر كلها - أغربها وأقربها معا - ليست بالشيء الجديد في تاريخ الإنسان، وإنما ~~الجديد عليها في زماننا هذا أنها دخلت في متناول البحوث العلمية، وأن الباحثين يتخذون منها ~~شيئا فشيئا مواقف من العطف والفهم أقرب من مواقفهم الأولى في مطلع «الثورة العلمية» على ~~سلطان رجال الدين. # ففي الأزمنة الماضية كان الناس يصدقون هذه الظواهر بغير بحث في حقيقتها وحقيقة من ~~يدعونها، أو كانوا يكذبونها تكذيبا باتا بغير بحث كما يفعل المصدقون. # ومضى زمن كان العالم الطبيعي فيه يحسب الإنكار المطبق أمام هذه الظواهر أجدر شيء بوقار ~~العلم وكرامة المباحث العلمية، ومن هؤلاء عالم في طبقة اللورد كلفن # Kelvin ms041 # الذي قال في بعض خطبه سنة 1883: «والآن قد أومأت إلى حاسة سابعة ~~محتملة وأعني بها الحاسة المغناطيسية، ولنفاسة الوقت وضيقه عن الاستطراد وابتعاد الموضوع ~~عما نحن بصدده أود أن أدفع الظن بأنني - على أي نحو من الأنحاء - أومئ إلى شيء من قبيل تلك ~~الخرافة التعسة: خرافة المغناطيسية الحيوانية وتحريك الموائد وتحضير الأرواح ومناجاتها ~~والتنويم المغناطيسي المعروف بالمسمرية والكشف والتخاطب بالدقات والنقرات الروحانية وما إلى ~~ذلك مما سمعنا عنه كثيرا في الزمن الأخير، فليس هناك حاسة سابعة من هذا النوع الغامض، ~~وإنما الكشف وما إليه نتيجة خطأ في الملاحظة على الأكثر يمتزج أحيانا بالتزوير المتعمد على ~~عقل بسيط جانح إلى التصديق.» # ولكن هذا الموقف يتغير على التدريج، ولا يشعر العالم اليوم أنه يعطي العلم حقه من الوقار ~~حين يبتدئ بالإنكار في هذا المجال، أو يرجح الإنكار بغير دليل قاطع يقاوم أدلة التصديق، فمن ~~لم يقبلها من العلماء لم يأنف من اعتبارها صالحة للقبول مع توافر الأدلة وتمحيص التجربة من ~~الوهم وخطأ الملاحظة. # على أنها سواء دخلت في مقررات العلم أو لم تدخل فيها - لن تكون هي وحدها عماد الإيمان ~~والتصديق بالغيوب، فإن الإيمان يحتاج إلى حاسة في الإنسان غير العلم بالشيء الذي هو موضع ~~الإيمان، وقد تتساوى نفسان في العلم بحقائق الكون كله ولا تتساويان بعد ذلك في طبيعة ~~الإيمان؛ لأن الإنسان لا يؤمن على قدر علمه، وإنما يؤمن على قدر شعوره بما يعتقد ومجاوبته ~~النفسية لموضوع الاعتقاد، وطبيعة الاعتقاد في هذه الخصلة مقاربة لطبيعة الإعجاب بالجمال أو ~~لطبيعة التذوق والتقدير للفنون، فإذا وقف اثنان أمام صورة واحدة يعلمان كل شيء عنها وعن ~~صاحبها وعن أدواتها وألوانها وتاريخها لم يكن شرطا لزاما أن يتساويا في الإعجاب بها ~~والشعور بمحاسنها كما يتساويان في العلم بكل مجهول عنها، وصدق من قال: إن القداسة مزيج من ~~العجب والرهبة، ولا يتوقف العجب من الأمر المقدس على استكناه كل ما ينطوي عليه. # وستظل هذه الظواهر تفصيلا يجوز الشك فيه لقاعدة مقررة لا يجوز الشك فيها: ونعني ms042 بالقاعدة ~~المقررة أن الموجودات أعم من المحسوسات. # فهناك موجودات أكثر مما نحس، بل هناك موجودات قابلة للإحاطة بها من طريق الإحساس أكثر مما ~~نحسه الآن بالآلات ووسائل التقريب والتضخيم. # ولا تزال غرائز الحيوان تدلنا على ضروب من الإحساس الخفي لا يعللها العلماء بأكثر من ~~تسميتها باسم الغريزة، كأنهم إذا لجأوا إلى كلمة مبهمة لا يفهمونها كانوا أجدر بكرامة العلم ~~من الجاهل الذي يفسر الأمر كله بقدرة إله. # وفي الغريزة عبر كثيرة لا تنسى في صدد الكلام على الحاسة الدينية وخطأ الإنسان في ~~التعبير عنها وتمثيل موضوعاتها. # فقد يساء استخدام الغريزة ولا يقدح ذلك في نشأتها ولا في وجهتها، كالطير الذي يهاجر طلبا ~~للسلامة أو للغذاء فيسقط في البحر من الإعياء لأنه يختار طريقا انقطع بطغيان البحر عليه ~~منذ عصور، فباعث الغريزة موجود ومعقول، وحب السلامة موجود ومعقول، وخطأ المحاولة في استخدام ~~الغريزة لا ينفي صدق هذا ولا صدق ذاك. # والإنسان في غريزته النوعية يخدع نفسه ويضل عن الغاية من حيث يشعر أو لا يشعر بانخداعه ~~وضلاله: يخدع نفسه حين يحسب أنه يعمل للذته أو يعمل لذاته، ويضل ضلالا بعيدا حين ~~يقتل عشرين رجلا كبيرا؛ ليكفل القوت أو السلامة لطفل واحد هو ابنه الذي لم يلده إلا لبقاء ~~النوع كله، يقتل عشرين مخلوقا ناميا من النوع لبقاء مخلوق منه غير موثوق بنمائه، وهو ~~يطاوع الغريزة النوعية بذلك ولا يناقضها في نهاية المطاف؛ لأن حب الأبناء لو توقف على ~~الحساب العددي والموازنة بين الكثرة والقلة لما حرص الناس على الأبناء، ولا ظفر النوع ~~بالبقاء. # وأدخل من ذلك في ضلال الغريزة وثبوتها في وقت واحد أن الأب الذي يدس عليه طفل غير ابنه ~~ولا يخالجه الشك فيه يحبه ويرعاه ويفتدي بقاءه ببقاء الكثيرين، ولا يجوز من أجل ذلك أن ~~يقال: إن الغريزة النوعية غير صحيحة؛ لأن الولد غير صحيح. # فالتعبيرات عن الحاسة الدينية تقبل الخطأ الكثير، ولا يستفاد من ذلك أن الحاسة الدينية ~~غير لازمة أو أنها مكذوبة النشأة في أساس التكوين. # وهذا ms043 الذي سميناه «بالوعي الكوني» هو الذي يحس بوطأة الكون فيترجمها على قدر حظه من ~~التصور والتصوير، فيقع الخطأ الكثير في التعبير وفي محاولة التعبير، ولا يمتنع من أجل ذلك ~~أن نتلقى الكون بوعي لا شك في بواعثه وغاياته، وإن أحاطت بتعبيراته شكوك وراء شكوك. # وربما كان هذا «الوعي الكوني» فرضا صادقا أو راجحا ثم ينتهي به الأمر عند ذلك لو لم ~~تكن ظاهرة التدين التي تترجم عنه ملازمة لبني آدم في جميع الأماكن ومن أقدم الأزمان، ولو لم ~~ينبغ في الناس أفراد من ذوي العبقرية تملؤهم روعة المجهول، ولكن الأديان تعم البشر ولا ~~تغنيهم عنها غريزة حب البقاء أو غريزة حب النوع أو حب المعرفة أو دواعي السياسة الاجتماعية، ~~وقد وجدت أديان تبشر بالفناء ولا تبشر بالبقاء وتحرم على كهانها النسل ولا تعدهم شيئا في ~~السماء، فهي - أي الأديان - من وعي غير وعي التحفظ والسلامة وغير وعي السياسة ودواعي ~~الاجتماع، وقام في العالم عباقرة دينيون لا يهدأون بما يجيش في نفوسهم من قوة الشعور ~~بالمجهول، ولو كان هذا المجهول المغيب عن الناس لا يستحق أن تجيش به نفس إنسانية لصرفنا ~~سيرة هؤلاء العباقرة بكلمة واحدة: هي كلمة الجنون الذي وصفوا به كلما ظهروا بين قبيل من ~~المعاندين، ولكن «المجهول المغيب» أحق من جميع الموجودات بهذا الجيشان العظيم؛ فالطبائع ~~التي امتازت باستيعابه واتسعت لدوافعه لا تمتاز بخلل خلو من المعنى، بل تمتاز باستقامة في ~~التكوين فيها كل معنى كبير من معاني الشعور العميق. # وقد أحس الإنسان قبل أن يفكر، فلا جرم ينقضي عليه ردح من الدهر في بداءة نشأته وهو يفكر ~~حسيا أو يفكر «لمسيا» فلا يعرف معنى الوجود إلا مرادفا لمعنى المحسوس أو الملموس، فكل ~~ما هو منظور أو ملموس أو مسموع فهو واقع لا شك فيه، وكل ما خفي على النظر أو دق عن السمع ~~واللمس فهو والمعدوم سواء. # وقد كان «للحاسة الدينية» فضل الإنقاذ الأول من هذه الجهالة الحيوانية؛ لأنها جعلت عالم ~~الخفاء مستقر وجود ولم تتركه مستقر ms044 فناء في الأخلاد والأوهام، فتعلم الإنسان أن يؤمن بوجود ~~شيء لا يراه ولا يلمسه بيديه، وكان هذا «فتحا علميا» على نحو من الأنحاء، ولم ينحصر أمره ~~في عالم التدين والاعتقاد؛ لأنه وسع آفاق الوجود وفتح البصيرة للبحث عنه في عالم غير عالم ~~المحسوسات والملموسات، ولو ظل الإنسان ينكر كل شيء لا يحسه لما خسر بذلك الديانات وحدها، بل ~~خسر معها العلوم والمعارف وقيم الآداب والأخلاق. # ويجيء الماديون في الزمن الأخير فيحسبون أنهم جماعة تقدم وإصلاح للعقول وتقويم لمبادئ ~~التفكير، والواقع أنهم في إنكارهم كل ما عدا المادة يرجعون القهقرى إلى أعرق العصور في ~~التفكير، والواقع أنهم في إنكارهم كل ما عدا المادة يرجعون القهقرى إلى أعرق العصور في ~~القدم، ليقولوا للناس مرة أخرى إن الوجود هو المحسوس، وإن المعدوم في الأنظار والأسماع ~~معدوم كذلك في ظاهر الوجود وخافيه، وكل ما بينهم وبين همج البداءة من الفرق في هذا الخطأ - ~~أن حسهم الحديث يلبس النظارة على عينيه ويضع المسماع على أذنيه! # ويحسبون على هذا أنهم يلتزمون حدود العلم الأمين حين يلتزمون حدود النفي ويصرون عليه في ~~مسألة المسائل الكبرى، وهي مسألة الوجود، بل مسألة الآباد التي لا ينقطع الكشف عن حقائقها ~~في مئات السنين ولا ألوف السنين ولا ملايين السنين. ~~«لا» إلى آخر الزمان في هذه المسألة الكبرى، ونحن لا نستطيع أن نقول: «لا» إلى آخر الزمان ~~في مسألة من مسائل الحجارة أو المعادن أو الأعشاب أو مسائل البيطرة وعلاج الأجسام. # وليس النوع البشري على أبواب محكمة يخاصم فيها من يثبتون أو ينكرون، ويتحداهم وهو جالس في ~~مكانه أن يثبتوا له ما ينفيه ولا يهتدى إليه بالعين والمجهار ولكنه على الأقل أمام «معمل ~~للتجارب» يبدأ فيه البحث ويعيده ثم يبدؤه ويعيده في كل عصر على ضوء جديد، وهو أمام الكون ~~خاصة لم يكد يبدأ البحث في مسألة الآباد إلا منذ مئات معدودة من السنين، فياله من علم بديع ~~هذا العلم الذي يقطع بالنفي إلى آخر الزمان، دون أن يتردد أو ينتظر ms045 مفاجآت الزمان. # والواقع أن العلم كله يقوم على أساس الإيجاب والترقب ولا يقوم على أساس النفي والإصرار. ~~وما من حقيقة علمية إلا وهي تطوي في سجلها تاريخا طويلا من تواريخ الاحتمال والرجاء ~~والأمل في الثبوت، وإن تكررت دواعي الشك بل دواعي القنوط، فبحث الإنسان عن العقاقير وبحث عن ~~المعادن، وبحث عن الثمرات والغلات بروح ترتقب إيجابا وثبوتا ولا تنتقل من نفي إلى نفي ~~ومن إصرار إلى إصرار، وهذه هي روح العلم أمام الصغائر من شئون البيوت والأسواق، فلماذا تكون ~~روح العلم إصرارا محضا وإنكارا متلاحقا على غير أساس وبغير ترقب أو انتظار في نفي كبرى ~~المسائل على الإطلاق؟ # وأجدر الأزمنة أن يتبدل فيه هذا الموقف هو الزمن الذي تكشفت فيه الأجسام عن عنصرها الأول، ~~فإذا هو إشعاع أو حركة في فضاء، فاقترب الوجود المادي نفسه من عالم المعقولات والمقدورات، ~~وتقرر لنا أن الحواس لا تستوعب معنى الوجود في الصميم؛ لأن زوال العدم هو الصفة الوحيدة ~~اللازمة للوجود، ولا يستلزم زوال العدم تجسما ولا تجرما ولا كثافة من هذه الكثافات التي ~~تتمثل بها الأجسام للحواس، بل يكفي فيه حركة مقدورة أو معنى كأنه من طبيعة المعقولات، فما ~~أضيق النطاق الذي بقي للحس الظاهر من أسرار الوجود، وما أحرانا أن نفسح للوعي الكوني ~~وللبداهة مجالا يتسع مع الزمان، ولا نحبسه في نطاق يضيق ثم يضيق حتى يسقط من ~~الحسبان. # والإنسان قد رأى نور الشمس والكواكب بعينه منذ مئات الألوف من السنين، ولم يقبس نور ~~الكهرباء من ينبوع الضياء الكوني إلا في القرن الأخير، فتدرج من قدح الحجر إلى حك الحطب إلى ~~فتيلة الدهن إلى غاز الاستصباح إلى نور الكهرباء في هذا الأمد الطويل من الدهور وراء ~~الدهور. # فوعيه الباطن لم يقصر عن وعي عينيه في هذا الشوط البعيد؛ لأنه تنقل من عبادة الحصى ~~والحشرات إلى عبادة الإله الواحد في بضعة آلاف من الدورات الشمسية، وجاز لنا أن نقول: إن ~~ضميره كان أسرع من عينيه إلى اقتباس الضياء، وكان أقدر من فكره على ms046 مغالبة الظلام، وأي ~~ظلام؟ إنه لم يكن ظلاما كظلام الليالي والكهوف يسلم مقاده لكل قادح زند أو نافخ عود، ولكنه ~~كان ظلاما تجوس فيه مردة الجهل وشياطين العادات وأبالسة المطامع والشهوات، فإن دل ذلك على ~~شيء فإنما يدل على حاجة الضمير إلى ذلك النور الذي اهتدى به، واهتدى إليه. # | الله ذات # الله ذات واعية. # فلا يجوز في العقل ولا في الدين أن تكون له حقيقة غير هذه الحقيقة، وأن يوصف بأنه معنى لا ~~ذات له أو قوة لا وعي لها كما وصف في بعض المذاهب النسكية - كالمذهب البوذي - الذي تفرع على ~~البرهمية، ولا يخرج الباحث من مراجعته على وصف مستقر للمعنى الذي أرادوه. # والكلمة العربية التي تعبر عن هذه الحقيقة - وهي كلمة الذات - أصح الكلمات التي تقابلها ~~في لغات الحضارة الغربية أو الشرقية المعروفة؛ لأنها تمنع كثيرا من اللبس الذي يتطرق إلى ~~الذهن من نظائر هذه الكلمة في اللاتينية ومشتقاتها. # فكلمة برسون تدل على «الشخص» وهو يوحي إلى الذهن صورة شاخصة للعيان، وأصله من برسونا Persona # أو النقاب الذي كان الممثلون يلبسونه ويستعيرون به ~~على المسرح وجوه أبطال الرواية أو وجوه بعض الأحياء العجماء التي لها دور في الرواية، ثم ~~أطلقوا الكلمة على الأشخاص الممثلين في عقد من عقود الاتفاق، فيقال إن الاتفاق معقود بين ~~شخصين أي بين طرفين، ويقال إن هذا «شخص» في الموضوع أي طرف له صفة في الموضوع، ومن هنا ~~أصبحت كلمة الأغراض الشخصية مرادفة للأغراض المتحيزة أو التي تنحرف عن النزاهة ~~والاستواء. # ومن العسير أن يطلق الفيلسوف هذه الكلمة على الذات الإلهية إلا وهو يشعر بشائبة فيها ~~تتنزه عنها فكرة الكمال المطلق والإله المتعالي على صفات «الشخوص» والأشباه. # وكلمة «سبستانس» # Substance # مأخوذة من كلمة # Substare # وهي مركب مزجي من كلمة # Sub # بمعنى تحت وكلمة # Stare # بمعنى يقف، والمراد بها الراسب الذي يستقر تحت ~~السائل ويبقى هناك، كأنهم عبروا بها عن الجوهر لأنه يبقى بعد زوال الأعراض؛ ولأن العرض يذهب ~~جفاء ويمكث الجوهر في مكانه، ثم استعاروها ms047 للماهية وهي حقيقة الشيء الباقية، ثم استعاروها ~~«للذات»؛ لأنها جوهر لا يتجزأ بتجزؤ الأعراض. # فإذا أطلقت هذه الكلمة فالذهن ينصرف لا محالة إلى الماهية والجوهر والذات ويجعل لها حكما ~~واحدا في التصور والتقدير، فيستدق عليه الفارق بين المقصود بالذات والمقصود بالجواهر ~~والماهيات. # أما كلمة الذات باللغة العربية فلا تستلزم التشخيص في الحقيقة ولا في المجاز، ولا تقتضي ~~نزاهتها عن التشخيص أنها معنى بغير كيان مشتمل على الوعي والصفات الواعية، فهي تدل على ~~الجوهر الذي تضاف إليه الأوصاف وتدل على الكائن الذي يملك صفاته فهو «ذو» تلك الصفات، ولا ~~تعارض صفة الوعي والإرادة والاستقلال بالكيان. # وإذا قلنا: إن «الكمال المطلق» ذات لم نشعر بما يومئ إلى التناقض بين صفة الكمال الذي لا ~~حدود له وصفة «الشخص» أو المادة المستقرة بعد رسوب. # وعلى خلاف ذلك نعدد صفات الكامل المطلق الكمال، فلا نستطيع أن نفهم بداهة أن هذه الصفات ~~الموجودة تكون لغير ذات، فإن كان الكمال المطلق يشتمل على الحكمة المطلقة والجمال المطلق ~~والخير المطلق والإرادة المطلقة فهل يكون ذلك إلا لحكيم جميل خير مريد؟ وهل يكون الحكيم ~~الجميل الخير المريد معنى عاما بغير ذات؟ # قال شكسبير في روميو وجولييت: ماذا في اسم؟ ثم قال إن الوردة تفوح عطرا ولو سميت بغير ~~ذلك من الأسماء. # ولكن الواقع أن في الاسم كثيرا من الإيحاء حتى في عقول الفلاسفة، ومن إيحاء كلمة «الشخص» ~~أنها حملت بعض الفلاسفة على التفرقة بين صفات الكمال المطلق وصفات «الذات» الإلهية؛ لأنهم ~~أخطروا في بالهم الشخوص وأخطروا معها الحدود، ففرقوا بين الكائن المطلق الكمال وبين الكائن ~~الذي له حدود. # ومن هنا وهم بعض الفلاسفة الأوروبيين أن الكمال المطلق # Absolute # معنى من المعاني يتعارض مع «الذاتية»؛ لأن الذاتية عندهم لا تكون ~~بغير حدود. # أما كلمة «الذات» العربية فلا توحي إلى الذهن بتة معنى له حدود، بل يستوجب الكمال المطلق ~~أن يكون مالكا لكل شيء، وأن يكون «ذاتا» في لفظه وفي معناه. # والكمال المطلق يحتوي كل موجود، و«الذات» الإلهية تعبر عن هذا ms048 المعنى أصح تعبير. # فالعقل يستلزم أن يكون الكمال المطلق «ذاتا» وتتطلب كائنا «كاملا» يوصف بالكمال، وينكر ~~أن يجعله معنى خلوا من الوعي؛ لأن نقص الوعي نقص من الكمال ونقص من صفات الكامل الذي لا ~~يعاب! وأعجب الصور العقلية حقا وجود يتصف بكل كمال ولا يعلم أنه كامل، والعلم بالذات ~~فضلا عن العلم بالغير أول صفات الكمال! # أما الدين فلا يستقيم بغير إله تتصل به المخلوقات ويتقبل منها الحب والرجاء ويستمع لها ~~استماع العالم المريد. # ولا نعتقد أن دينا من الأديان قط دان به الإنسان وهو في قرارة نفسه مجرد من فكرة «الذات ~~الإلهية» كل التجريد. # فالبرهمية، وقد ذاع عنها أنها دين بغير إله، مملوءة بأسماء الأرباب والشياطين والملائكة ~~والأرواح، وعقيدتها الكبرى قائمة على الثالوث المؤلف من برهما وفشنو وسيفا، وفيها للآلهة ~~صفات الذكورة والأنوثة فضلا عن صفات الشخوص. # ولما انشقت البوذية عن البرهمية قالت إن القضاء على الآلام لا يكون إلا بالقضاء على الوعي ~~والتجرد من لباس الجسد للدخول في «النرفانا»، وهي السعادة العليا التي تتاح ~~للمخلوقات. # ولزم من أجل ذلك أن تنكر الواعية في الإنسان وفي الإله، فالنرفانا هي الإله الذي لا يعي ~~نفسه ولا يعي غيره، والروح الإنسانية ليست «ذاتا» مستقلة منفصلة عن سائر الموجودات، ولكنها ~~سلسلة من الأعراض والأحاسيس تتمثل في صورة «الذات» للعقل المخدوع بالمظاهر والأوهام. # إلا أنها تنكر الروح المستقلة من ناحية وتقول من ناحية أخرى إن الإنسان يولد مرات بعد ~~مرات، وإنه يلبس أجسادا بعد أجساد، وإن القضاء الكوني يجزيه من طريق هذا التطهير بالدخول ~~في «النرفانا»، حيث يفنى آخر الأمر فلا يولد ولا يحمل الجسد في صورة من صور الأحياء. # فهذا الإنسان الذي يتجدد مرة بعد مرة - بأي شيء يتجدد في الأجسام إن لم يتجدد بذات باقية ~~وروح واعية؟ # وهذا القضاء الكوني الذي يتتبع المخلوق يتطهر بالولادات المتعاقبة ماذا عسى أن يكون وكيف ~~يتتبع المخلوقات ويحسبها ويحاسبها إن لم تكن له صفات التقدير والوعي والقضاء؟ # فلا انفصال بين طبيعة الدين وطبيعة الذات الإنسانية ms049 والذات الإلهية، ولا يتأتى أن يتدين ~~الإنسان وهو ينكر ذاته وينكر ذات الإله، ويؤمن في قرارة الضمير بالقوى الكونية التي لا تعقل ~~ولا تعي ولا تريد. # والعقل والدين في ذلك متفقان. # فلا يفهم العقل إلها بغير ذات، ولا يفهم أن الكمال المطلق يتأتى لغير كائن كامل أو ~~يتأتى له ناقصا منه الوعي، ثم يوصف بغاية الكمال. # وإنما عرض هذا الوهم من التناقض بين كلمة ال Person # وكلمة # Absolute # أو كلمة «الشخص» وكلمة الكمال بغير ~~حدود. # وحاول بعضهم كما حاول الفيلسوف الإنجليزي برادلي # Bradley # أن يقرب الفكرة إلى الفهم فطبق عليها مذهبه المعروف عن الحقائق والظواهر، وهو أن الظواهر ~~تدل على الحقائق ولكنها ليست هي إياها في الجملة والتفصيل، فالكمال المطلق هو الله، ولكن ~~الكمال المطلق هو الحقيقة، والله هو الظاهرة التي يحيط بها وعي الإنسان، فهي «ذات» كما تظهر ~~له، ومعنى مطلق من وراء هذه الظواهر، وهي حقيقة في معناها أو معنى في حقيقتها بلا ~~اختلاف. # ولم تكن بالفيلسوف حاجة إلى هذا التقريب لو أحضر في خلده أن الذات التي لا حدود لكمالها ~~معقولة، بل واجبة، فإما أن نفهم أن الكمال المطلق ذات واعية وإما أن ننفي عنه الوعي وننفي ~~عنه الوجود؛ لأنه لا كمال بغير علم بالنفس كما أسلفنا - فضلا عن العلم بالموجودات. # فمن فكر في الله فكر في ذات. # ومن آمن بالله آمن بذات. # ومن قال إن الكمال المطلق شيء وإن الله شيء آخر كما قال بعض الفلاسفة لم يكن هناك معنى ~~لتخصيصه قوة من قوى الكون باسم الله، من غير فارق بينها وبين تلك القوى، يجعلها ذاتا لها ~~كيان. # ولم نر أحدا من المفكرين يقول بأن الله «معنى» إلا ليجعله أكبر من ذات لا ليجعله أقل من ~~ذات، ولكنه لا يكون أكبر من ذات بالتجرد من صفات الذاتية بل بالزيادة عليها، فينتهون ~~بالتنزيه إلى ذات أكبر من جميع الذوات. ~~••• # والقول بالذات الإلهية يبطل القول «بوحدة الوجود»، كما يبطل القول بأن الله معنى لا ذات ~~له أو قوة ms050 غير واعية. # فإن القائلين بوحدة الوجود يرون أن الكون هو الله وأن الله هو الكون، وأنه لا فرق بين ~~الخلق والخالق ولا بين المظاهر المادية والحقائق الإلهية، وقد صدق الفيلسوف الألماني ~~شوبنهور حين قال إن أصحاب هذا المذهب لم يصنعوا شيئا سوى أنهم أضافوا مرادفا آخر لاسم ~~الكون! فزادوا اللغة كلمة ولم يزيدوا العقل تفسيرا ولا الفلسفة مذهبا ولا الدين عقيدة. ~~فالكون إذن و«الوجود الواحد» مترادفان لا يفسر أحدهما الآخر ولا يزيد عليه، وليس هذا هو ~~المقصود بالبحث في الحقائق الإلهية؛ لأنك لا تفسر الكلمة بكلمة تؤدي معناها بعينه ولا تفسر ~~الشيء بالشيء نفسه، أو لا تفسر الماء بالماء كما يقول بعض الأدباء. # فما الله؟ هو الكون كله! # وما الكون كله؟ هو الله! # وهذا قصارى ما يؤخذ من «وحدة الوجود» وليس هو البحث المقصود، وكأنما التفسير النهائي ~~لجملة الأشياء يلجئنا إلى «ذات» لا محالة تقصد وتريد، فلا تفسر القوى بالقوى ولا المعاني ~~بالمعاني ولا الأكوان بالأكوان، ولكنك تفسرها جميعا «بذات» مريدة فيسمى ذلك تفسيرا تستريح ~~إليه العقول، وشوبنهور نفسه يقرر أن الوجود فكرة وإرادة، وأن الفكرة هي القداسة الإلهية ~~والإرادة هي مظاهرها الدنيوية، وأن الفكرة تدخل في حيز الإرادة لتعود إلى حالة لا سعي فيها ~~ولا عنت ولا مجاهدة؛ لأن العنت كله من الإرادة في محاولاتها الكثيرة، فلا تفسير لشيء لا ~~فكرة له ولا إرادة إلا بكيان يفكر ويريد، وليس تصور «الذات الإلهية» عادة إنسانية تعودها ~~الإنسان بغير تفكير - كما يرى بعض النفسانيين - لأنه تعود أن يخلع صورته على الأشياء ~~ويحسبها ظلالا له تحكيه في ملامحه وخوافيه، ولكنها نهاية ما يدركه العقل واعيا صاحيا مع ~~التفكير ومتابعة التفكير إلى أقصى مداه. # | مصر # رأينا في فصل سابق أن تعميم العقائد المشتركة كان مرتهنا بقيام الدول الواسعة التي تطوي ~~فيها عقائد القبائل والشعوب وتتجاوز أطرافها حدود الأمة الواحدة، ونسميها في عصرنا هذا ~~بالإمبراطوريات. # والدول التي كان لها القسط الأوفى من هذه المساهمة العامة هي مصر وبابل والهند والصين ~~وفارس واليونان، وتضاف إليها ms051 اليابان لولا أنها في عزلتها قد أخذت أكثر مما أعطت، وقد تخلفت ~~من جراء هذه العزلة عن بعض الأطوار التي سبقتها إليها الأمم المتصلة بالمعاملات والمبادلات، ~~فتلبثت ببقايا الوثنية إلى مطلع العصر الحديث. # أما مصر فتاريخها في أطوار الاعتقاد هو تاريخ جميع الأطوار من أدناها إلى أعلاها بلا ~~استثناء. # فشاعت فيها «الطواطم» في كلا الوجهين قبل اتحاد المملكة وبعد هذا الاتحاد، ويظن الكثيرون ~~من علماء الأديان أن تقديس الصقر والنسر وابن آوي والقط والنسناس والجعل والتمساح وغير ذلك ~~من فصائل الحيوان هي بقايا «طوطمية» تحولت مع الزمن إلى رموز، ثم فقدت معنى الرموز واندمجت ~~في العبادات المترقية على شكل من الأشكال. # وشاعت فيها عقيدة الأرواح، فكان المصريون من أعرق الأمم التي آمنت بالروح، ثم آمنت بالبعث ~~والثواب والعقاب بعد الموت، ورمزوا للروح «كا» تارة بزهرة، وتارة بصورة طائر ذي وجه آدمي، ~~وتارة بتمساح أو ثعبان، وقالوا بأن الروح تتشكل بجميع الأشكال، ولكنهم لم يقولوا بتناسخ ~~الأرواح، ولعل اختلاف الرموز من بقايا اختلاف الطواطم في زمان سابق لزمان الاعتقاد بالبعث ~~والثواب والعقاب. # أما أثبت العبادات وأعمها وأقواها وأبقاها إلى آخر العصور فهي عبادة الموتى والأسلاف دون ~~مراء، فإن عناية المصري بتشييد القبور وتحنيط الجثث وإحياء الذكريات لا تفوقها عناية شعب من ~~الشعوب، وقد بقيت آثار هذه العبادة إلى ما بعد بزوغ الديانة الشمسية وتمثيل أوزيريس بالشمس ~~الغاربة، ثم تغليبه على عالم الخلود وموازين الجزاء. # فقصة أوزيريس هي قصة آدمية تشير إلى واقعة قديمة مما كان يحدث في الأسر المالكة في تلك ~~العصور السحيقة، وهي قصة ملك أحبه شعبه ثم نازعه أخوه «ست» عرشه فقتله، وجاءت زوجته «إيزيس» ~~بعد ذلك بابن اسمه «حوريس» أخفته في مكان قصي حتى بلغ الرشد، فرشحته للملك فساعده أنصار ~~أبيه على بلوغ حقه في العرش، وعاد «ست» ينازعه هذا الحق أمام الآلهة ويدعي عليه أنه ابن ~~«غير شرعي» من أب غير أوزيريس، فلم تقبل الآلهة دعواه وحكمت لحوريس بالميراث. # وتقول الأسطورة: إن أوزيريس ولد في الوجه البحري، ms052 ولكن رأسه دفن في الصعيد بقرية العرابة ~~المدفونة، وإن «ست» حين قتله فرق أعضاءه بين البقاع لكيلا يعثر على جثته أحد من المطالبين ~~بثأره، ولكن إيزيس جمعت هذه الأعضاء وتعهدتها بالصلوات والأسحار حتى دبت فيها الروح من جديد ~~وحملت منه بحوريس الذي قدح عمه في نسبه، وقد حاول أوزيريس أن يعود إلى الملك فأخفق في ~~محاولته وقنع بالسيادة على عالم «المغرب» حيث تغيب الشمس وتنحدر إلى عالم الأموات. # وللخصب شأن لا يستغرب في ديانة مصر القديمة، فهم يرمزون إلى الكون كله ببقرة تطلع من ~~بطنها النجوم، أو بامرأة تنحني على الأرض بذراعيها ويسندها «شو» إله الهواء بكلتا يديه، ~~وأقدم ما تخيلوه في أصل العالم المعمور أنه عيلم واسع من الماء طفت عليه بيضة عظيمة خرج ~~منها رب الشمس، وأنجب أربعة من الأبناء هم «شو» و«تفنوت» القائمان بالفضاء، و«جب» رب الأرض، ~~و«نوت» رب السماء، ثم تزاوجت السماء والأرض فولد لهما أوزيريس، وإيزيس وست ونفتيس، فهم تسعة ~~آلهة في مبدأ الخليقة نشأوا من تزاوج الأرض والسماء، ثم استقر الأمر لثلاثة من هؤلاء هم ~~أوزيريس وإيزيس وحورس، وهناك صيغة أخرى من قصة الخلق فحواها أن «رع» كان مزدوج الطبيعة، ~~فتولد منه الخلق فهو منهم بمثابة الأبوين. # ويتراءى لفريق من المؤرخين أن «رع» نفسه - إله الشمس - كان ملكا على مصر في زمن من ~~الأزمان، ويستدلون على ذلك بخلاصة قصته المتداولة في الأساطير: وهي أن رع ملك الدنيا قبل ~~سكانها من البشر فتمرد عليه رعاياها فسلط عليهم ربة النقمة «حاتحور»، ثم أشفق عليهم من ~~قسوتها، فاعتزل الدنيا وحملته بقرة السماء على ظهرها فأقام هناك، واندمج شخصه بعد حين بشخص ~~أوزيريس. # وقد فعل غربال الزمن فعله في تصفية هذه العقائد والأرباب، فنسي أوزيريس السلف المعبود ~~ورسخ في الأذهان وصف أوزيريس الشمس القائمة على المغرب أو عالم الأموات، وتوحدت عبادة الشمس ~~بمعناها وتعددت بأسمائها ومواعدها، وجمعت بينها كلها عبادة «آمون» ثم عبادة آتون. # وعبادة «آتون» هي أرقى ما وصل إليه البشر من عبادات التوحيد في القرن الرابع ms053 عشر قبل ~~الميلاد. # فلم يكن المراد بآتون قرص الشمس ولا نورها المحسوس بالعيون، ولكن الشمس نفسها كانت رمزا ~~محسوسا للإله الواحد الأحد المتفرد بالخلق في الأرض والسماء. # وإنما جاء هذا الطور بعد تمهيدات دينية وسياسية تهيأت لمصر ولم تتهيأ لغيرها من الدول ~~الكبرى في تلك الفترة. # فكانت في أقاليم القطر - قبل ظهور عبادة آتون - ثلاث عبادات «شمسية» تتنافس في المبادئ ~~الروحية ووسائل النفوذ التي تتغلب بها على النظراء. # فكانت منف تدين لإله الشمس باسم فتاح. # وكانت عين شمس أو «هيليوبوليس» تدين له باسم رع وأحيانا باسم «آتوم»، وكانت طيبة تدين له ~~باسم آمون. # ويتبين من مراجعة الدعوات والصلوات المحفوظة أن عبادة «فتاح» كانت أقرب هذه العبادات إلى ~~المعاني الروحية، فارتفع «فتاح» من صانع حاذق بالبناء والتماثيل وسائر الصناعات إلى صانع ~~مختص بإقامة الهيكل المقدس الذي أصبح في اعتقادهم مثالا للعالم بأرضه وسمائه، وما هي إلا ~~خطوة واحدة بين بناء الهيكل الذي يمثل العالم كله وبناء العالم كله من أقدم الأزمان قبل خلق ~~الإنسان، وارتفع فتاح طبقة أخرى في مدارج القدرة والتنزه عن النظراء، فتعالى عن الأجساد ~~الشاخصة للحس وتمثل لعباده روحا مسيطرة على كل حركة وكل سكون في جميع المخلوقات، من ذات ~~حياة وغير ذات حياة، فكان فتاح كما جاء في إحدى صلواته هو «الفؤاد واللسان للمعبودات، ومنه ~~يبدأ الفهم والمقال، فلا ينبعث من ذهن ولا لسان فكر أو قول بين الأرباب أو الناس أو ~~الأحياء، أو كل ذي وجود إلا وهو من وحي فتاح.» # وما وجد شيء من الأشياء قط إلا بكلمة من لسانه صدرت عن خاطر في فؤاده، فكلمته هي الخلق ~~والتكوين. # ويرى المؤرخ الكبير برستيد أن عقيدة فتاح هي أساس مذهب الخلق بالكلمة # Logos # عند الإغريق الأقدمين، فلا حاجة بالخالق إلى أداة ~~للخلق غير أن يشاء ويأمر فإذا بما شاء موجود كما شاء، ومن المحتمل جدا أن كهان تلك العصور ~~تدرجوا إلى فهم قوة الكلمة الإلهية من فهمهم لقوة الكلمة على لسان الساحر وقوة الكلمة على ~~لسان ms054 المبتهل بالصلاة. # ونسج كهان عين شمس على منوال كهان منف في تنزيه رع وتجريده من ملابسات الحس والتجسيد، ولا ~~سيما بعد تفرغهم للعبادة الروحية وانصرافهم إليها كلما تعاظم سلطان الكهان في طيبة وتفاقمت ~~سيطرتهم على مناصب الدولة، وهم كهان آمون. # وقد توطدت كهانة آمون في أيام المملكة الوسطى، وبلغت أوجها بعد عهد تحوتمس الثالث أكبر ~~ملوك الأسرة الثامنة عشرة، ومرشح آمون - أو كهان آمون بعبارة أخرى للسيادة المطلقة على ~~أرجاء البلاد. # واتسعت الدولة المصرية في عهد تحوتمس الثالث حتى تجاوزت حدودها بلاد النوبة والصومال في ~~الجنوب، وامتدت إلى الفرات وآسيا الصغرى في الشرق والشمال، وكان اتساع الأفق في السياسة ~~مقترنا باتساع الأفق في تصور العالم وما ينبغي لخالقه من التعظيم والتنزيه، فارتقى الفكر ~~الإنساني في هذا العهد من البيئة المحلية إلى بيئة عالمية، ثم إلى بيئة أبدية تنطوي فيها ~~أبعاد المكان والزمان. # وطغى نفوذ الكهان الآمونيين على كل نفوذ في البلاد من جراء هذه القربى بينهم وبين الملك ~~العظيم، فاستأثر رئيسهم بلقب «الرئيس» في أنحاء الديار، وضيقوا الخناق على كهان رع وفتاح، ~~ولزموا حدودهم مع الملك العظيم في أثناء حياته لقوته ورهبته وعلو اسمه بالمظافر والفتوح، ~~وفرط ما أغدق عليهم من الهبات والحبوس والأوقاف، ولكنهم ذهبوا في الطغيان كل مذهب على عهد ~~خلفائه، فطمعوا في نفوذ الملك بعد اطمئنانهم إلى نفوذ الدين. # ومن هنا خطر للملوك خاطر الخلاص من هذا النفوذ، فتكلم أمنحتب الثالث عن آمون في بعض ~~أوامره وتسجيلاته باسم آخر: هو اسم آتون. # وساعد على هذا التبديل الطفيف أن صفات الإله في أذهان المصريين كانت أقرب إلى صفاته عند ~~كهان منف وعين شمس، وأن مسالك الكهان الدنيويين من شيعة آمون لم تكن وفاق الآداب والعادات ~~التي استلزمها ارتقاء المصريين في فهم كمال الإله. # فلما تولى الملك أمنحتب الرابع - أو إخناتون كما تسمى بعد ذلك - كان التمهيد للعبادة ~~الجديدة قد بلغ مداه، وكان اتساع الأفق في النظر إلى الدنيا والنظر إلى صفات خالقها قد وسع ~~له المجال للابتكار والتجديد، ms055 وأعان عبقريته على التدعيم بعد التمهيد. ~~••• # وقد حفظت لنا النقوش والتماثيل والألواح وأوراق البردي كثيرا من أخبار إخناتون وأحواله ~~وملامحه وسيرته في مملكته وفي بيته، وتكفي لمحات عابرة إلى شكل جمجمته وتركيب بنيته وأساليب ~~تفكيره ومناحي عباراته للعلم بأنه كان عبقريا من أولئك العباقرة الملهمين، الذين يحدثنا ~~النفسانيون أنهم يتلقون العبقرية على حساب أبدانهم وهناءتهم في حياتهم ، كما نقول في تعبير ~~هذه الأيام. # وكان الفتى إخناتون حدثا ناشئا عند ولاية الملك، معروفا بالعكوف على التأمل والتفكير ~~والخلوة بنفسه في صلواته ومناجاته، وكان لطيف الحس حالم النفس منصرفا عن طلب البأس والقوة ~~ومتابعة الفتوح والغزوات التي توطد بها ملك آبائه وأجداده فطمع فيه كهنة آمون، وخيل إليهم ~~أنهم مالكون زمام الأمر كله على يديه. # غير أن الفتى الحالم كان عبقريا يحب الابتكار والتفقه في العبادة بالعقل والبداهة ~~المستقلة، ولم يكن تقليديا يلقي بزمامه لمن يسيطر عليه. # وكان مع لطف حسه قوي النفس صعب المراس، فاستنكر دسائس الآمونيين وتهافتهم على المناصب ~~والأموال. # فقمعهم قمعا شديدا ومحا اسم آمون من كل مكان حتى هياكل أبيه واسمه الذي يبدأ باسم آمون، ~~وجهر بعبادة «آتون» دون سواه، وهجر العاصمة التي ساد فيها هذا الإله إلى عاصمة أخرى في ~~أواسط الصعيد، وهبها لربه الواحد الأحد وسماها «أخت آتون». # وألغى جميع الأرباب وأعوانهم من الأرواح والجنة، وأولهم الرب القديم أوزيريس، فكان هذا ~~من أسباب غلبته يومئذ، وأسباب التمرد عليه بعد حين. # ومن صلوات إخناتون تعرف صفات الله الذي دعا إلى عبادته دون سواه، فإذا هي أعلى الصفات ~~التي ارتقى إليها فهم البشر قديما في إدراك كمال الإله. # فهو الحي المبدئ الحياة، الملك الذي لا شريك له في الملك، خالق الجنين وخالق النطفة التي ~~ينمو منها الجنين، نافث الأنفاس الحية في كل مخلوق، بعيد بكماله قريب بآلائه، تسبح باسمه ~~الخلائق على الأرض والطير في الهواء، وترقص الحملان من مرح في الحقول فهي تصلي له وتستجيب ~~لأمره، ويسمع الفرخ في البيضة دعاءه فيخرج إلى نور النهار واثبا على قدميه، ms056 قد بسط الأرض ~~ورفع السماء وأسبغ عليهما حلل الجمال، وهو ملء البصر وملء الفؤاد، وهو هو الوجود وواهب ~~الوجود، وشعوب الأرض كلها عبيده لأنه هو الذي أقام كل شعب في موطنه ليأخذ نصيبه من خيرات ~~الأرض ومن أيام العمر في رعاية الواحد الأحد آتون. # وقد عقد كل من هنري برستيد وآرثر ويجال # Weigall # مقارنة ~~بين صلوات إخناتون وأحد المزامير العبرية، فاتفقت المعاني بينهما اتفاقا لا ينسب إلى توارد ~~الخواطر والمصادفات. # ومن أمثلتها قول إخناتون: «إذا ما هبطت في أفق المغرب أظلمت الأرض كأنها ماتت، فتخرج ~~الأسود من عرائنها والثعابين من جحورها.» # ويقابله المزمور الرابع بعد المائة وفيه: «إنك تجعل ظلمة فيصير ليل يدب فيه حيوان الوعر ~~وتزمجر الأشبال لتخطف، ولتلتمس من الله طعامها.» # ويمضي المزمور قائلا: «... تشرق الشمس فتجتمع وفي مآويها تربض والإنسان يخرج إلى عمله وإلى ~~شغله في المساء، ما أعظم أعمالك يا رب كلها بحكمة صنعت! والأرض ملآنة من غناك، وهذا البحر ~~الكبير الواسع الأطراف، وهناك دبابات بلا عدد مع صغار مع كبار، هناك تجري السفن، ولوياثان ~~«التمساح» خلقته ليلعب فيه.» # ومثله في صلوات إخناتون: «ما أكثر خلائقك التي نجهلها. أنت الإله الأحد الذي لا إله غيره، ~~خلقت الأرض بمشيئتك، وتفردت فعمرت الكون بالإنسان والحيوان الكبار والصغار.» ~~«... تسير السفن مع التيار وفي وجهه، وكل طريق يتفتح للسالك لأنك أشرقت في السماء، ويرقص ~~السمك في النهر أمامك، وينفذ ضياؤك إلى أغوار البحار.» ~~«... وتضيء فتزول الظلمة ... وقد أيقظتهم فيغتسلون ويسعون ويرفعون أيديهم إليك ... ويمضي سكان ~~العالم يعملون.» ~~••• # وقد خطر لويجال - كما قال في كتابه عن حياة إخناتون وعصره - أن آتون وآتوم تصحيف «أدوناي» ~~بمعنى السيد أو الإله في اللغة العبرية، وأن إخناتون ورث آراءه من أمه وهي تنتمي إلى سلالة ~~آسيوية من شعب يقيم بين سورية وآسيا الصغرى، حيث يعبد دوناي أو أتون، على مختلف ~~اللهجات. # وهذا وهم جلبه التشابه في الأسماء؛ لأن «آتوم» من أقدم الأرباب المصرية في معابد رع، وقد ~~كان رب الكون حيث لا شيء غير اللجة ms057 الطخياء المسماة في الأساطير المصرية «نون»، وجاء في ~~الفقرة السابعة عشرة من القسم الأول في كتاب الموتى على لسانه: «... وأنا آتوم متفردا في ~~نون، وأنا رع حيث يبزغ مع الفجر ليبسط يديه على الدنيا التي خلقها.» # وكانوا يمثلونه على تمثال رجل ملتح يضع على رأسه تاجي القطرين، أي التاج الأحمر لمصر ~~السفلى والتاج الأبيض لمصر العليا مجتمعين، ويجعلونه رئيس مجلس الآلهة باسم رع هيرختي أتوم # Ra-Herakhty-atum ~~. # فهو رب أصيل وليس بالرب المستعار، ولا شبه بينه وبين أدوناي أو أدونيس - في صيغته ~~اليونانية - لأن أدونيس رب الربيع والغرام يتخيلونه في ميسم الشباب ويزعمونه زوج فينوس أو ~~الزهرة، ولا شيء من هذا في خصائص آتوم الذي يبدو على مثال الكهول ذوي اللحى، ويتقلد مفاتح ~~الحكم والحكمة، ويرجع إلى مبدأ الخليقة حيث لا شيء غير الماء والظلام. # والأرباب الشمسيون أشبه بهياكل عين شمس لأنها أرباب أصيلة فيها لا تحتاج تلك الهياكل إلى ~~استعارتها من ديانة أجنبية، ولا سيما الرب الذي يحمل تاجي القطرين ويرأس المحكمة الإلهية في ~~السماء. # وقد كانت لظهور آتون تمهيدات لازمة لم تحدث في غير المملكة المصرية، وهي تمهيدات ~~الإمبراطورية، وتمهيدات التنافس بين آمون ورع وفتاح وتمهيدات العبقرية التي تبشر بالدين ~~الجديد. # وكانت لأتون خصائص متفردة لم يشركه فيها إله آخر من آلهة الأمم القريبة إلى مصر، وهذا هو ~~المهم في نشوء الديانات وليس المهم مجرد التشابه في مخارج الحروف، فليس أدونيس عند اليونان ~~كأدوناي عند العبريين، وليس هذا ولا ذاك كأتوم في معبد عين شمس أو غيره من المعابد المصرية، ~~وليس هؤلاء جميعا كالإله آتون الذي دعا إليه إخناتون، فلا وجود لآتون بهذه الخصائص لو لم ~~تسبقه التمهيدات القديمة التي مرت بعبادة آتوم في مصر، ومنها اتساع الدولة وإيمان المصريين ~~بصفات رع وفتاح وآمون، وحاجة الزمن إلى فهم جديد لصفات الكمال في الإله، ثم عبقرية إخناتون ~~التي تممت بابتكارها واجترائها ما بدأه التاريخ. # وقد كان عرب الجاهلية مثلا يعرفون اسم الله كما نعرفه اليوم، ولكن الله الذي وصفوه والله ms058 ~~الذي وصفه الإسلام لا يتشابهان بغير الحروف، وبينهما من الفارق كما بين أبعد ~~الأرباب. ~~••• # على أن ويجال يقابل بين معاني إخناتون ومعاني المزمور فيرجح الاستعارة بينهما، ويعود ~~فيرجح أن إخناتون كان في غنى عن الاستعارة لما طبع عليه من العبقرية الدينية وما اتسم به ~~كلامه من طابع الابتكار. # وقد تناول العلامة «فرويد» مسألة المقابلة بين عقائد إخناتون والعقائد العبرية فألف آخر ~~كتبه في موضوع هذه المقابلة وسماه «موسى والوحدانية» # Moses and ~~monotheism # وانتهى من مقابلاته وفروضه إلى تقرير رأيه المرجح لديه: وهو ~~أن موسى عليه السلام تربى في مصر في كنف الوحدانية، ونشأ في أعقاب المعركة بين آتون وآمون، ~~واستعد للنبوة في هذه البيئة الموحدة، فعلم بني إسرائيل كيف يوحدون الله ويعظمون صفاته ~~وآلاءه، وكان خروج بني إسرائيل فيما بين القرن الرابع عشر والثالث عشر قبل الميلاد، أي في ~~الجيل التالي لانتشار التوحيد بالبلاد المصرية، واسترسل فرويد في تقديراته - وهو من بني ~~إسرائيل - حتى ظن أن موسى عليه السلام من دم مصري، وليس من اللاويين كما جاء في العهد ~~القديم. # لكن المحقق أن بني إسرائيل قد أخذوا كثيرا من عقائد المصريين وشعائرهم قبل عهد إخناتون ~~بعدة قرون، وبعده بعدة قرون. # إلا أن هذه الدعوة - دعوة إخناتون - كانت صحوة وجيزة تبعتها نكسة سريعة من جراء الأحداث ~~السياسية التي أحاطت بالدولة، ومن كيد الكهان المخلوعين في طيبة وما جاورها، وهم كهان آمون ~~الأقوياء الذين سلبهم إخناتون مناصبهم وحبوسهم وسيطرتهم على العرش والمحراب، ولعلهم كانوا ~~مخفقين في كيدهم لو اصطنع هذا المصطلح الكبير شيئا من الدهاء ولم تدفعه الحماسة الروحانية ~~وراء كل تقدير وتدبير؛ لأنه هجم على الشعب في أعز العقائد عليه وهي عقيدته في أساطير عالم ~~الأموات وشعائر الإله أوزيريس رب المغرب والخلود، فأنكر سلطان أوزيريس على الأرواح، وجرده ~~من قدرة الحكم عليها بالعقاب أو العذاب، فلم يؤمن بجحيم أوزيريس ولا بجحيم غيره؛ وبشر الناس ~~بحياة خالدة كحياة الأطياف، تحياها الروح بين الهدوء في ظلمة الليل واستقبال الضياء من وجه ~~آتون. # ولهذا ms059 بقيت عبادة أوزيريس وإيزيس بين المصريين، كما بقيت بين اليونان والرومان وانطوت ~~أيام آتون بانطواء أيام نبي آتون. # | الهند # ترجع الديانة الهندية القديمة إلى أزمنة أقدم من العصر الذي دونت فيه أسفارها المعروفة ~~بالكتب الفيدية. # ويختلف المؤرخون المختصون بالهند في العصر الذي تم فيه هذا التدوين، فمنهم من يرده إلى ~~ألف وخمسمائة سنة قبل الميلاد، ومنهم من يرده إلى ستة آلاف سنة قبل الميلاد، ولكنهم لا ~~يختلفون في سبق الديانة الهندية لهذا العصر بزمن طويل. # ومن المتفق عليه أن الديانة الهندية القديمة مزيج من شعائر الهنود الأصلاء وشعائر القبائل ~~الآرية التي أغارت على الهند قبل الميلاد بعدة قرون، وقد كانت هذه القبائل الآرية تقيم على ~~البقاع الوسطى بين الهند ووادي النهرين، فاتجهت طائفة منها غربا إلى أوربة، واتجهت طائفة ~~منها شرقا إلى الأقاليم الهندية من شمالها إلى جنوبها على السواحل الغربية، قبل أن توغل ~~منها إلى جميع أنحاء البلاد. # ويعتقد فريق من المؤرخين أن الديانة الهندية القديمة لا تخلو من قبس منقول إليها من ~~البابلية والمصرية، ويعللون ذلك بتوسط الموقع الذي أقام فيه الآريون الأولون، وأنهم لم تكن ~~لهم في موقعهم ذاك حضارة سابقة لحضارة مصر وبابل وآشور، فلا خلاف في أن تاريخ الأسر المصرية ~~أسبق من تاريخ الكتب الفيدية وأسبق من كل حضارة عرفها التاريخ للآريين، حيثما أقاموا من ~~البقاع الآسيوية أو الأوروبية. # وقد اشتملت الديانة الهندية القديمة على أنواع شتى من الآلهة التي تقدمت الإشارة ~~إليها. # ففيها آلهة تمثل قوى الطبيعة وتنسب إليها، فيذكرون المطر ويشتقون منه اسم «الممطر» فهو ~~الإله الذي يتوجهون إليه في طلب الغيث، ومن هنا اسم «أندرا» إله السحاب المشتق من كلمة ~~«أندو» بمعنى المطر أو بمعنى السحاب. # وكذلك يذكرون إله النار وإله النور وإله الريح وإله البحار ويجمعونها في ديانة شمسية ~~تلتقي بأنواع شتى من الديانات. # وأقدم معاني الإله عندهم معنى «المعطي» أو ديفا # Deva # بلغتهم التي بقيت آثار منها في اليونانية واللاتينية وبعض اللغات الأوروبية الحديثة، فكلمة ~~«ديو» الفرنسية # Dieu # وكلمة ديتي ms060 # Deity # الإنجليزية وكلمة زيوس اليونانية القديمة مأخوذة من أصلها الهندي ~~المتقدم، ويرجحون أن جوبيتر عند اللاتين - وهو «المشتري» في اصطلاح علم الهيئة - هو مزيج من ~~كلمة المعطي وكلمة الأب، بمعنى أبي العطاء أو الأب المعطي للجميع، وهما في الهندية القديمة ~~ديوس بيتار # Dyaus-Petar # إذ لا تزال كلمة الأب في أكثر ~~اللغات الأوروبية متفرعة من هذا الجذر الأصيل على تعدد اللهجات ومخارج الحروف. # واشتملت البرهمية القديمة على عبادة الأسلاف كما اشتملت على عبادة المظاهر الطبيعية. ~~فتقديس الملك عندهم إنما هو تقليد موروث من تقديس جد القبيلة، تحول إلى تقديس الرئيس الأكبر ~~في الدولة بعد أن تحولت القبيلة إلى الأمة، ويحسب العلامة إليوت سميث - كما قال في كتابه ~~«المبادئ» # The Beginning ~~: «إن مراسم تقديس الملك التي لا ~~تزال مرعية في جوار الهند كانت تحاكي مراسم قصة الخليقة كما تخيلها المصريون، فلم يكن حق ~~الملك مستمدا من الجلوس على العرش أو من البناء بالمملكة التي تنقل إليه حقوقه الملكية، ~~ولكنه يتولى هذا الحق بعد تقديسه في حفل يمثل قصة الخليقة، وكأنهم يعنون بهذا أن الملك ~~يستمد من ذلك التقديس قدرته على الخلق ومنح الحياة، وهي قدرة لا غنى عنها لاضطلاعه بالفرائض ~~الملكية.» # وقصة الخليقة في الهند تشبه قصة الخليقة المصرية في أكثر من صيغة واحدة من صيغها العديدة: ~~فالحياة خرجت من بيضة «ذهبية» كانت تطفو على الماء في العماء، والإله الأكبر كان ذكرا ~~وأنثى فهو الأب والأم للأحياء كما جاء في «رع» في بعض الأساطير المصرية، وبناء العالم من ~~صنع بناء ماهر في أساطير مصر والهند على السواء، وتتفق مصر وبابل والهند على أن الإله ~~الأكبر قد خلق الأرض بكلمة ساحرة، فأمرها بأن توجد فبرزت على الفور إلى حيز الوجود. ~~••• # وتعززت في الهند عبادة «الطواطم» بعقيدتهم في وحدة الوجود وتناسخ الأرواح كما تعززت ~~بعقيدة الحلول. # فعبدوا الحيوان على اعتباره جدا حقيقيا أو رمزيا للأسرة ثم للقبيلة، ثم تخلفت عبادة ~~الحيوان حتى آمنوا بأن الله يتجلى في كل موجود أو يخص بعض الأحياء بالحلول ms061 فيه، وآمنوا ~~بتناسخ الأرواح فجاز عندهم أن يكون الحيوان جدا قديما أو صديقا عائدا إلى الحياة في ~~محنة التكفير والتطهير، فعاشت عندهم الطوطمية في أرقى العصور كما عاشت في عصور الهمجية، ~~لهذا الامتزاج بين الاعتقاد الحديث والاعتقاد القديم. # لكنهم خلصوا كما خلص غيرهم من هذه العبادات إلى الإيمان بالإله الواحد، وإن اختلفوا في ~~المنهج الذي سلكوه، فلم يكن إيمانهم به على الأساس الذي قام عليه إيمان الشعوب الأخرى ~~بالتوحيد. # فهم قد بدأوا بإبطال جميع المظاهر فنسبوا إليها التعدد والاختلاف لأنها تتكرر وتزول وتستر ~~من ورائها الحقيقة الأبدية التي لا تتكرر ولا تزول، وتلك هي حقيقة القضاء والقدر، التي تقدر ~~للآلهة وتقضي عليهم كما تقدر لسائر الموجودات وتقضي عليها في أجلها المحدود. # وهنا ذهب حكماؤهم إلى مذهبين غير متفقين: فبعضهم تمثل تلك الحقيقة إلها واحدا قريبا من ~~الإله الواحد في أكثر ديانات التوحيد. قال ماكس موللر الثقة الحجة في اللغات الآرية: «أيا ~~كان العصر الذي تم فيه جمع الأناشيد المسطورة في الرجفيدا فقبل ذلك العصر كان بين الهنود ~~مؤمنون بالله الأحد الذي لا هو بذكر ولا بأنثى ولا تحده أحوال التشخيص وقيود الطبيعة ~~الإنسانية، وارتفع شعراء الفيدا في الواقع إلى أوج في إدراكهم لكنه الربوبية لم يترق ~~إليه مرة أخرى غير أناس من فلاسفة الإسكندرية المسيحيين، ولكنه فوق هذا لا يزال أرفع وأعلى ~~مما يطيف بأذهان قوم يدعون أنفسهم بالمسيحيين.» # وتبدو مداناة هؤلاء البراهمة لمذهب الموحد المؤمن «بالذات الإلهية» من إيمانهم بالخلاص ~~على يد الله، وبقاء فريق منهم بعد ذلك بمئات السنين ينقسمون في شرح سبيل الخلاص على نهجهم ~~الذي لا نستغربه من قوم يعظمون الحيوان ذلك التعظيم، فمنهم من يسمي سبيل الخلاص بالسبيل ~~القردية ومنهم يسميها بالسبيل القطية، ويقصدون بهذه التسمية أن الله يخلص الإنسان إذا تشبث ~~به كما يتشبث ولد القرد الصغير بأمه وهي تصعد به إلى رءوس الأشجار، أو أن الله على اعتقاد ~~الآخرين يخلص الإنسان وهو مغمض العينين مستسلم للقضاء، كما يستسلم ولد القطة لأمه وهي تحمله ms062 ~~مغمضا من مكان إلى مكان. # فالله الذي يخلص عباده هذا الخلاص أو ذاك هو «ذات» على كلتا الحالتين يتشبث بها العابد أو ~~يستسلم لقضائها فتسهر عليه وإن غفل عنها. # ويتسمى هذا الإله بثلاثة أسماء على حسب فعله في الوجود، فهو «برهما» حين يكون الموجد ~~الخالق، وهو فشنو حين يكون الواقي المحافظ، وهو سيفا حين يكون المهلك الهادم، ولا نهاية ~~للتداخل ولا للترجيح بين هذه الأسماء والوظائف والأفعال، على تباين النحل والملل ~~والأجيال. # أما الفريق الثاني فالحقيقة الأبدية عنده معنى ليس له قوام من «الذات» الواعية، وإنما هو ~~قانون يقضي بتلازم الآثار والمؤثرات، ويقابل الاعتقاد بالقضاء والقدر عند المؤمنين بالأديان ~~الكتابية، ونعني بها الإسرائيلية والمسيحية والإسلام. # إلا أنه قضاء يسري على الآلهة كما يسري على البشر، ويتغلغل في طبائع الخالقين كما يتغلغل ~~في طبائع المخلوقات، وحكمه الذي لا مرد له هو حكم التغير الدائم والفناء، وحكم الإعادة ~~والإبداء. # ولا نحسب أن أحدا من الأقدمين بلغ في إعظام الأكوان المادية مبلغ البراهمة، سواء في ~~تقدير السعة أو تقدير القدم أو تقدير البقاء، فإن أناسا من الأقدمين لم يجاوزوا بعمر ~~الأكوان المادية بضعة آلاف سنة، وأناسا منهم جعلوا لها خلقا واحدا وفناء واحدا خلال أجل ~~مقدور من القرون، ولكن البراهمة جعلوا لها أربعة أعمار تساوي اثني عشر ألف سنة إلهية وأربعة ~~ملايين وثلثمائة وعشرين ألف سنة شمسية، وبعض المتأخرين يضاعفها ألف ضعف ويقولون جميعا إنها ~~دورة واحدة من دورات الوجود، وإن هذه الدورة هي يوم يقظة يقابله ليل هجوع، ينقضي بين كل ~~دورة فنيت وكل دورة آخذة في الابتداء. # والقانون الأبدي # Karma # يقلب هذه الأدوار فيبدئها ويحفظها ~~ويفنيها ثم يختم هذا النهار بليل من ليالي الهجوع، ثم يعود فيطلع النهار كرة أخرى دواليك ~~إلى غير انتهاء؛ لأنه لا انتهاء للزمان. # ويتضاءل الإنسان الفاني كلما تعاظم هذا الفناء الخالد أو هذا الخلود الذي يتجدد بالفناء، ~~فليس للإنسان حساب كبير في هذه الحسبة الأبدية؛ لأنه «رقم» ضئيل يغرق في طوفان الأرقام التي ~~لا يحيط بها ms063 العد والإحصاء. # وعلى هذه القاعدة قامت البوذية التي بشر بها البوذا جوتاما قبل الميلاد المسيحي بحوالي ~~خمسة قرون. # فقبل «جوتاما» بمئات السنين كان نساك الهند يتغنون بمضامين النشيد المرهوب الذي ترجمه ~~ماكس موللر إلى الإنجليزية وجاء فيه عما كان قبل أن يكان أو يكون: # حينذاك لم يكن ما وجد أو ما لم يوجد، ولم يكن ما تثبته ولا ما تنفيه. # لا أجواء ولا سماء وراء الأجواء. # وماذا عساها تنطوي عليه؟ أين كانت وأين قرارها؟ أهي هاوية الماء التي ليس لها من ~~قرار؟ # لم يكن موت، فلم يكن خلود. # لم يمكن ما يموت، فلم يكن ما ليس يموت. # ولم يكن ثمة نهار ولا ليل، ولم يكن إلا «الأحد» يتنفس حيث لا أنفاس. # ولا شيء سواه. # وكان البدء في ظلام، عيلم بلا ضياء. # ومن البذرة في تلك القشرة قام «الأحد» بحرارة الحياة. # وانتصر الحب حين نبتت البذرة من لباب العقل السرمدي، وناجى الشعراء قلوبهم ~~فتبينوا بالحكمة ما هو مما ليس هو، فقد نفذ شعاع القلب خلال ما هنالك، فماذا نظروا ~~فوق الأحد وماذا نظروا دونه؟ كل ما هنالك حملة لبذور، قوى، قوة من أدنى ومشيئة من ~~أعلى، ولا أحد يدري، ولا من يعلم من أين جاء ما جاء، فإنما جاءت الأرباب بعد ذاك، ~~فمن إذن يعلم ما جرى؟ أهو الذي حدثت منه الخليقة؟ لعل الذي يعرفه «أحد» واحد في ~~أعلى عليين، ولعله لا يدري كذاك. # وقبل «جوتاما» آمن البرهميون بالدورة في وجود الكون والدورة في وجود الإنسان، فالكون ~~يتجدد حلقة بعد حلقة، والإنسان يتنقل في جسد بعد جسد، وسلسلة الأكوان ليس لها انتهاء، ~~وسلسلة الحياة الإنسانية قد تنتهي إلى السكينة أو الفناء. # فالبوذية إنما قامت على أساس البرهمية في كل عقيدة من عقائد الأصول، وإنما تميزت البوذية ~~بتبسيط العقائد لطبقات من الشعب غير طبقات الكهان، فأخرجتها من حجابها المكنون في المحاريب ~~إلى المدرسة والبيت وصفوة المريدين، ولا تعتبر البوذية إضافة في صميم العقائد الدينية بل ~~إضافة في آداب السلوك وفلسفة الحياة، وإضافة ms064 في عرض الآراء على غير المستأثرين بها قديما ~~من سدنة الهيكل والمحراب. # وخلاصة الفلسفة التي أتى بها البوذا جوتاما هي تقريره هذه المبادئ الأربعة وهي: # أولا: # إن هناك عذابا وشقاء. # وثانيا: # إن هناك سببا للعذاب والشقاء. # وثالثا: # إن هذا السبب قابل للزوال، و«رابعا»: إن وسيلة الانتهاء إلى هذه الغاية ~~موجودة لمن يختار. # ورابعا: # إن وسيلة الانتهاء إلى هذه الغاية موجودة لمن يختار. # أما سبب الشقاء فهو الجهل الذي جعلنا نتعلق بالأوهام وننسى لباب الأمور، أو نتعلق بالعرض ~~ونعرض عن الجوهر الأصيل. # والعرض هو كل ما يزول ويتغير، وهو من شر وفساد، وكل ما نحسه هو عرض تشمله لعنة الزوال. ~~فما من شيء ثم «يكون» بل كل شيء يصير ولا يكف عن التغير، أو كما قال: «إن الناس يؤمنون ~~بالثنائية، فيؤمنون بأن الشيء إما كائن وإما غير كائن، ولكن الناظر إلى الأمور بعين الصدق ~~يعلم أن الرأيين طرفان متطرفان، وأن الحقيقة وسط بين الطرفين.» # وعلى هذا النحو ينكر البوذا وحدة «الشخصية الإنسانية» لأنها لا تتجاوز أن تكون تلاحقا ~~مستمرا للأحاسيس يبدو لنا كأنه حزمة مضمونة في كيان واحد، ومفسروه في العصر الحديث يمثلون ~~لذلك بشريط الصور المتحركة الذي يلوح لنا شيئا واحدا وهو خطفة بعد خطفة من الألوان ~~والظلال. # وإذا كان الشقاء في التطرف بالحس إلى النقيضين، فالخلاص من الشقاء لا يتأتى بغير ~~الاعتدال بين كل طرفين، وبهذا نميط عنا غشاوة الخداع الذي يتراءى على ظاهر الأشياء للنفاذ ~~إلى ما وراءها من سر الوجود. # فلا استغراق في إرضاء الحس ولا استغراق في قمعه وتجريده، بل توسط بين الغايتين في أمور ~~الحياة الثمانية، وهي الفهم والعزم والكلام والسلوك والمعيشة والعمل والتأمل والفرح. # فالفهم طرفاه التصديق بكل ما يقال وإنكار كل ما يقال، والوسط بينهما التمييز بين الباقي ~~والزائل والظاهر والباطن والثابت والذي ليس له ثبوت. # والعزم طرفاه التهافت والإهمال، والوسط بينهما إرادة الحكمة متى تبين السبيل إليها بالفهم ~~الصحيح. # والكلام منه المهجور ومنه المطروق، والوسط بينهما قول الصدق وصون اللسان عن العيب ms065 ~~والنميمة والمحال. # والسلوك طرفاه المحاباة مع الغرض والإجحاف مع الغرض، والوسط قوام بين الغرضين لا ينقاد ~~لهذا ولا لذاك. # والمعيشة الصالحة قوامها أن يتخير الإنسان رزقا حلالا يتورع فيه عن التكسب بما يضر ~~الآخرين. # والعمل الصالح أن يعرف ما يبتغيه ويقيس طاقته على مراده ويلتزم في كل ما يريد جادة الرشد ~~والحكمة والإنصاف. # والتأمل الصالح سلام العقل وصفاء البصيرة ونبذ الوهم والعكوف على الحق البريء من ~~النزعات. # والفرح الصادق هو فرح الرضوان الذي يتاح للإنسان في هذه الحياة فيبلغ به ملكوت «النرفانا» ~~الأرضية في انتظار النرفانا الصمدية، وهي السكينة أو الفناء، وبينها وبين العدم فرق كبير. ~~لأنها هي وجود يفنى في وجود، ويفسرها بعض العصريين من أذكياء البوذيين بفناء ألوان الطيف في ~~البياض الناصع الذي ليس له لون، وهو ملتقى جميع الألوان. # بهذه الآداب ينجو الإنسان من رباط ذلك الدولاب الدائر بالولادة والموت والتجدد في حياة ~~بعد حياة وجثمان وراء جثمان، فيدخل في «النرفانا» ولا يولد بعد ذلك ولا يموت. # وحكمه في هذا المصير حكم الأرباب والملائكة وحكم السماوات والأرضين، فكلها خاضع لقانون ~~القضاء والقدر الذي لا فكاك منه لموجود، وكلها عرضة للتكفير والتطهير والتحول والتغيير، ثم ~~للذهاب في غمرة الفناء الأخير. # وموضع التناقض في هذه الفلسفة أنها تنكر «الشخصية الإنسانية» ولا تعترف بالذات أو بالروح ~~وهي مع هذا تؤمن بتناسخ الأرواح وثبوت شيء في الإنسان يبقى على التنقل بين الأجساد ~~والدورات. # وأنها تؤمن بالكل أو «المطلق» الصمدي الوجود، ثم تنفي عنه الذات كما تنفيها عن الإنسان. ~~مع أن الكل بغير ذات لا يكون كلا بمعنى من معاني الكلية، ولكنه شتات من أجزاء ~~متفرقات. # وعلينا أن نحترس من مغالاة الشراح الأوربيين بهذه الفلسفة البوذية؛ لأنهم يتعصبون لكل ~~منسوب إلى الآرية على اعتبارها عنصر الأوربيين الأقدمين والمعاصرين. # فقد رفعوها فوق قدرها بلا مراء، وزعموا أنها «جرأة العقل الكبرى» في مواجهة المشكلة ~~الكونية، وأنها الخطوة المقتحمة التي لم يذهب وراءها ذو عقيدة في مطاوح التأمل ~~والإقدام. # لكنها لا تحسب من الجرأة العقلية ms066 بوصف من الأوصاف، فما هي إلا جرأة حسية في أقصى ما تطوحت ~~إليه من الفروض والأظانين، وما البوذية كلها إلا تململا من وطأة الحس والجسد، ولا سعادتها ~~القصوى إلا ضيقا بالحس وهربا منه إلى الفناء أو «اللاوعي» على أحسن تقدير. # والمحسوس عندها شامل للمعقول، والكائن بحق الحس عندها شامل للكائن بحق العقل وحق الوعي ~~وحق الذات. # والآلهة عندها تأتي في المرتبة التالية بعد مرتبة الأكوان، وما ارتفعت الأكوان عندها إلى ~~هذه المرتبة إلا بأنها هي المحسوس، وهي أول ما يفاجئنا قبل أن نفكر وقبل أن نتأمل وقبل أن ~~ندين باعتقاد. # نعم إنها قد مدت نطاق الأكوان في الزمان والفضاء مدا قصر عنه المتدينون الأقدمون في ~~معظم الأمم والأقطار. # ونعم إنها نفذت وراء الظواهر فتجاوزتها إلى ظواهر أعم منها وأبقى، فكان البرهميون يجزمون ~~بأن الشمس لا تغيب عن الفضاء حين تغرب في المساء، يوم كان الأقدمون يحسبونها تهلك في مغربها ~~أو يحسبونها تحجب وراء الجبال أو تتوارى بما تخيلوه من ضروب الحجاب. # ولكنها مدت نطاق الأكوان بحسية كبيرة لا بالخروج من الحسية والجرأة عليها، واختصرت ~~الظواهر بالإقلال منها بعد تكثيرها ولم تردها آخر الأمر إلى ظاهرة واحدة، ولا إلى عقل ~~تتساوى فيه هذه الظواهر في عنصر التجريد. # والبوذيون المعاصرون يسوغون تجريد «الكل» من الذات، أو تجريد الإله الأعظم من الذات، بأن ~~الذات شبهة إنسانية نشأت من تخيل الإنسان كل موجود على مثاله ومنحاه. # ولكن تخيل الإنسان طبقة أعلى من تخيل الإله مجموعة من هذه الأكوان البكماء، وكل ما ~~يقولونه عن ربوات ربوات الفراسخ التي يمتد إليها الفضاء لا تزيده على أن يكون فضاء في كل ~~مكان: وذرة واعية في نواة تعيش الألوف منها على سن الإبرة - هي أوسع امتدادا في آفاق ~~الوجود من أوسع فضاء لا وعي فيه. # ومن راعه امتداد الفضاء ولم يرعه امتداد «الوعي» فهو يقيس العالم بالأشبار والأمتار ولا ~~يقيسه بعمق الحياة وكنه الوجود الذي يعلم أنه وجود، وما من فارق كبير بين وجود لا وعي له ~~وبين ms067 معدوم. # فالبوذية فتح في ميدان التصوف أو ميدان «الوجدانيات» والفضائل الخلقية، ولكنها ليست ~~بالفتح الجريء في معارج الوصول إلى الكمال: كمال الإله. # | الصين واليابان # أما الصين فإنها - كالمنتظر من أمة في ضخامتها وكثرة شعوبها وترامي أطرافها - قد اختبرت ~~جميع أنواع العبادات من أدناها إلى أرقاها. # ولكنها - على كثرة العبادات التي دانت بها - لا تحسب من أمم الرسالات الدينية كمصر وبابل ~~والهند وفارس وبلاد العرب؛ لأنها لم تخرج للعالم قيما دينية تلقاها منها، وهي باصطلاح ~~التجارة تحسب من الأمم المستنفدة في مسائل الديانات؛ لأنها أخذت من الخارج قديما وحديثا ~~عقائد البوذية والمجوسية والإسلام والمسيحية ولم تعط أمة عقيدتها، مع استثناء اليابان التي ~~أخذت عنها نحلة كنفشيوس. # وأهل الصين لا يخوضون كثيرا في مباحث ما وراء الطبيعة، ويوشك أن يكون التدين بينهم ضربا ~~من أصول المعاملة وأدب البيت والحضارة. # فأشيع العبادات بينهم عبادة الأسلاف والأبطال، وأرواح أسلافهم مقدمة بالرعاية على جملة ~~الأرواح التي يعبدونها ويمثلون بها عناصر الطبيعة أو مطالب المعيشة، ولا يقدر الصيني ~~قربانا هو أغلى في قيمته وأحب إلى نفسه من قربانه إلى روح سلفه المعبود، وهو يحتوي الأغذية ~~والأشربة والأكسية والطيوب، ومنهم من يحرق ورق النقد هبة للروح التي يعتقدون أنها تحتاج إلى ~~كل شيء كانت تحتاج إليه وهي في عالم الأجساد. # والخير والشر عندهم هو ما يرضي الأسلاف أو يسخطهم من أعمال أبنائهم. # فما أرضى السلف فهو خير وما أسخطهم فهو شر، وقد يختارون فردا من أفراد الأسرة ينوب عن ~~جده المعبود فيطعمونه ويكسونه ويزدلفون إليه ويحسبون أن روح الجد هي التي تتقبل هذه ~~القرابين في شخص ذلك الحفيد. # وتتمشى عبادة العناصر الطبيعية جنبا إلى جنب مع عبادة الأسلاف والأبطال، فالسماء والشمس ~~والقمر والكواكب والسحب والرياح آلهة معبودة أكبرها إله السماء «شانج تي» ويليه إله الشمس ~~فبقية الأجرام السماوية فالعناصر الأرضية. # وهم يتقربون إلى «شانج تي» بالذبائح ويبلغونه صلواتهم بإشعال النار على قمم الجبال، فيعلم ~~الإله - مما أودعه الكاهن دواخينها - فحوى الرسالة التي يرفعها إليه عباده، ولا يحسنون ms068 ~~الترجمة عنها كما يحسنها الكهان. # وإله السماء هو «الإله» الذي يصرف الأكوان ويدبر الأمور ويرسم لكل إنسان مجرى حياته الذي ~~لا محيد عنه، وإنما يداول تركيب الوجود من عنصرين هما «ين» عنصر السكون و«يانج» عنصر ~~الحركة، وقد يفسر عنصر السكون بالراحة والنعيم وعنصر الحركة بالشقاء والعذاب، فهما بهذه ~~المثابة يقابلان عنصري الخير والشر وإلهي النور والظلام في الأديان الثنائية. # وقد امتزجت عبادة الأسلاف بعبادة العناصر الطبيعية في القرن العاشر حين تسمى عاهل الصين ~~باسم «ابن السماء»، ويقال إنه استعار الفكرة من كاهن ياباني أراد أن يزدلف إليه فعلمه مراسم ~~تأليه الميكاد في بلاده، فنقلها العاهل إلى بلاط الصين. # وأراد الفيلسوف «شوهسي» في القرن الثاني عشر أن ينشئ بوذية صينية توافق مذهب بوذا في أمور ~~وتخالفه في أمور، فدعا إلى دين لا إله فيه ولا خلود للروح، ووضع «لي» موضع «كارما» الهندية ~~أو القانون أو القضاء والقدر. # وسمى دولاب الزمن «تايشي» لأنه هو المحرك لجميع الكائنات، وجعل القانون والدولاب والمادة ~~أو «ووشي» قوام العالم ظاهره وخافيه، فالمادة تحد من القانون، والقانون خالد لا وعي له ولا ~~يسمع ولا يجيب، وإنما ينشأ الوعي أو الإدراك في الإنسان من قدح القانون للمادة كما ينقدح ~~الحجر من الزناد فيخرج الشرر ثم ينطفئ فيموت، وتزول الأرواح كما تزول الأجساد متى نضجت كما ~~تنضج الثمرة في أجلها المعلوم، وقد يبطئ النضج فيطول بقاء الروح فهي إذن طيف أو شبح، كأنها ~~الثمرة في حالة العفن والإهمال. # وليس لأهل الصين رسل وأنبياء بل لهم معلمون ومربون، فاسم كنفشيوس أشهر هؤلاء المعلمين ~~«كنج فو» وأضيفت إليه تسي أي المعلم، وكذلك «لاو» الذي ولد قبله ولم يشتهر في خارج الصين ~~مثل اشتهاره يعرف بلاوتسي أي المعلم لاو، وكلاهما يبشر بالحلم والصبر والبر بالوالدين ~~والعطف على الأقربين والغرباء، والفرق بينهما هو فرق في الخلق والمزاج وليس بفرق في العقيدة ~~والإيمان، فلاو يقول: «من كان طيبا معي فأنا طيب معه، ومن أساء إلي فأنا طيب معه كذلك. ~~فلنجز السيئة بالحسنة ولنعمل الطيب ms069 على كل حال» أما كنفشيوس فهو يوصي بأن نقابل السيئة ~~بالعدل وأن نقابل الإحسان بالإحسان. # ولما مات كنفشيوس 478ق.م أقاموا له الهياكل وعبدوه على سنتهم في عبادة أرواح الأسلاف ~~الصالحين، وأوشكوا أن يتخذوا عبادته عبادة «رسمية» أي حكومية على عهد أسرة هان في القرن ~~الثاني قبل الميلاد، وأوجبوا تقديم القرابين والضحايا لذكراه في المدارس ومعاهد التعليم، ~~وكانت هياكله في الواقع بمثابة مدارس يؤمها الناس لسماع الدروس كما يؤمونها لأداء الصلاة. ~~ولم تزل عبادته قائمة إلى العصور المتأخرة بل إلى القرن العشرين، فخصوه في سنة 1906 بمراسم ~~قربانية كمراسم الإله الأكبر «شانج تي» إله السماء لأنه في عرفهم «ند السماء» ومن لم يؤمن ~~اليوم بربوبيته من الصينيين المتعلمين فله في نفسه توقير يقرب من التأليه، وقد جعلوا يوم ~~ميلاده - وهو السابع والعشرون - من شهر أغسطس عيدا قوميا يحجون فيه إلى مسقط رأسه، وينوب ~~عن الدولة موظف كبير في محفل الصلاة أمام محرابه. # وشعائر الدين بين أهل الصين هي شعائر الطريق أو شعائر «السلوك» وفرائض التهذيب والتثقيف، ~~ومحورها الحلم والسلم والتحذير من العنف والغضب والإفراط والإسراف، وليس في تدين الصين ~~مغالاة ولا حماسة ولا سورة من سورات الغيرة القوية والتعصب العنيف، بل ليس شيء من ذلك في ~~معرض من معارض الروح القومي التي تعبر عنها الثقافة أو الفن أو الحكمة أو قواعد الأخلاق. ~~لأن الدعة سمة عامة لمزاج القوم و«روح الأمة»، وهم متفائلون قلما يحنقون على الحياة ولا على ~~الأحياء، وغالب الرأي بين حكمائهم أن الإنسان طيب بالفطرة، وأن الحياة ترضي من لا يسرف في ~~تقاضيها ويلحف في الطلب عليها، ولا تأتي الحماسة الدينية إلا حين يمتحن الإنسان بالشدة ~~البالغة والحيرة الثائرة فيندفع إلى غاية الإصرار، وينقلب من ضميره إلى أعمق الأغوار، ولا ~~شك أن شعور النفس «بالقدرة الإلهية» يتوقف على هذه الحالات التي تتناهى إليها قدرة الإنسان. ~~فلا جرم «يتوسط» أهل الصين في عقائدهم فيخلو إيمانهم بالإله من ذلك العمق الذي يغوص إليه ~~الإنسان كلما جاشت نفسه بقوة الشعور. # ويظهر أن ms070 بيئة الصين لم تواجه أبناءها بالعقد النفسية ولكنها واجهتهم بتقلبات العناصر ~~الطبيعية التي تعودت الشعوب قديما أن تروضها بالسحر والكهانة، فجار نصيب الإيمان بالسحر ~~على نصيب الإيمان بالدين، وذاع عن أهل الصين من ثم أنهم أقدر أمة على تسخير الطبيعة ~~بالطلاسم والأرصاد. ~~••• # وموقف اليابان من الرسالة الدينية كموقف الصين على الإجمال، فقد تشابهت عقائدهم في أصولها ~~وعبدوا الأرواح والأسلاف والعناصر الطبيعية، واستعاروا البوذية والإسلام والمسيحية على ~~تفاوت في عدد الأتباع من كل دين، ومزجوا ديانة الشمس بديانة الأسلاف، فلا مخالفة بينهم في ~~هذا إلا بإفراط أهل اليابان في تأليه صاحب العرش واعتدال أهل الصين في تقديسه كاعتدالهم في ~~جميع الشئون. # وإذا كان لأهل اليابان سمة خصوصية في العبادات فهي أنهم اختاروا ربة أنثى لعبادة السلف ~~الأعلى حين وحدوا الأسلاف في أكبرها وأعلاها، وتلك الربة هي «أميتراسوا- أموكامي» التي لا ~~تزال معبودة إلى اليوم. # ويؤخذ من الأساطير اليابانية أنها كانت ربة الغزاة الذين أغاروا فيما قبل التاريخ على ~~جزيرة كيوشو وأخضعوا أهلها وطردوهم منهزمين إلى الجبال، وكان أهل كيوشو الأولون يعبدون إله ~~الريح والمطر «سوسا-نو-وو» فهبط هذا الإله بهزيمتهم إلى المرتبة التالية لمرتبة الربة ~~السلفية، ثم انعقد الوئام بين الفريقين بعد تناسي الإحن والترات وامتزاج القبائل ~~الغازية والمغزوة، فأصبح الإلاهان أخوين وأصبحت «أميتراسو» هي كبرى الأخوين. # ولا يعتقد اليابانيون أن هذه الربة خلقت الكون أو خلقت الإنسان؛ لأنهم يعتقدون أن عهدها ~~قد سبقته عهود مديدة تنازع فيها الأمر عشرات الألوف من الأرباب، وهذه الأرباب عندهم هي ~~بمثابة الأرواح والملائكة والجنة والشياطين من عناصر الخير والشر عند الأمم الكتابية. ~~ويسمون الواحد منها «كامي»، وهي كلمة تطلق على كل رائع خارق للعادة بالغ في القوة أو ~~الجمال، ثم استسلمت هذه الأرباب بعد كفاح طويل وصار الأمر إلى الربة الكبرى برضوان من خالق ~~السماوات والأرضين. # أما الخلق فهو منسوب عندهم إلى إله السماء «أزاناجي-نوميكوتو» وزوجته وأخته إلهة الأرض ~~«أزانامي-نوميكوتو»، فولدا جزر اليابان وألقحها ببذور الآلهة وجاء أبناء اليابان الآدميون ~~من سلالة هذه الآلهة، فكلهم في ms071 النسب الأعلى - وليس الميكاد وحده - إلهيون. # وفي إحدى الروايات الأسطورية أن ربة الأرض احترقت وهي تضع إله النار، فجرد رب السماء سيفه ~~وضرب به إله النار، فانبعث من وميض سيفه ومن ضرباته رهط من أرباب الزوابع والبروق والوعود. ~~ولم ترجع الأرض إلى خصبها إلا بعد شفاء ربتها وخروجها من هاوية الظلام لتلد الماء والطمي ~~وعناصر الزرع والحياة. # وينسبون الخلق في رواية أخرى إلى «ازاناجي» وحده وهو يبحث عن رفيقة صباه، فمن عينه اليسرى ~~خلقت الشمس ومن عينه اليمنى خلق القمر، ومن عطسته خلق «سوسا-نو-وو» رب الرياح والأمطار، ~~ولكنه أعجب من بين أبنائه بالشمس دون شقيقيها فخلع عليها عقدا يتلألأ بالجواهر وبوأها أرفع ~~عرش في السماء. # فالديانة اليابانية الأصلية ديانة شمسية سلفية جمعت معنى التوحيد أولا في إله السماء حيث ~~تصوروه أبا للخليقة بمفرده أو بمشاركة زوجه، ثم جمعتهما في الربة الواحدة على اعتبارها ربة ~~مختارة بين أرباب. # | فارس # لعل تاريخ الديانة الفارسية القديمة أهم التواريخ الدينية بين الأمم الآسيوية، ~~لتوشج القرابة بينه وبين الديانات الهندية والطورانية والبابلية واليونانية، وارتباطه ~~بالتواريخ السابقة له واللاحقة به واقتباس الديانة الفارسية من غيرها واقتباس غيرها منها، ~~وتقدم الفكرة الإلهية على يد زرادشت صاحب الشريعة القومية في بلاد فارس وأرفع الأعلام شأنا ~~بين دعاة المجوسية من أقدم عصورها إلى أحدثها. # فالفرس الأقدمون من السلالة الهندية الجرمانية، وموقع بلادهم قريب من دولة بابل، قريب من ~~أقاليم الطورانيين، قريب من مسالك الحضارة بين المشرق والمغرب، وقد تلاقت حضارة فارس وحضارة ~~مصر في السلم والحرب غير مرة، وانقضى زمن طويل على الدنيا المتحضرة وهي تقرن بين المجوسية ~~وبين الحكمة أو العلم بأسرار الطبيعة والسيطرة عليها بالسحر والمعرفة الإلهية، وكان لليهود ~~وأبناء فلسطين وأمم العرب علاقات قديمة بالدولة الفارسية تارة والدولة البابلية تارة أخرى. ~~فاتصل من ثم تاريخ المجوس بتاريخ اليهود والمسيحيين والمسلمين. # فالأقدمون من الفرس يلتقون مع الهند في عبادة «مترا» إله النور وتسمية الإله بال «أسورا» ~~أو إله ال «أهورا» وإن اختلفوا في إطلاقه على عناصر الخير ms072 والشر، فجعله الفرس من أرباب ~~الخير والصلاح وجعلته الهند من أرباب الشر والفساد. # والبابليون عرفوا عبادة «مترا» في القرن الرابع عشر قبل الميلاد ورفعوه إلى المنزلة ~~العلية بين الآلهة التي تحارب قوى الظلام. # واستعار الفرس من البابليين كما أعاروهم، فأخذوا منهم سنة التسبيع في عدد الآلهة، وجعلوا ~~أورمزد على رأس سبعة من أرباب الحكمة والحق وقوى الطبيعة وأنواع المرافق والصناعات . # ولم تخل الديانة المجوسية من عقائد الطورانيين؛ لأن «زرادشت» عاش بينهم زمنا وبشرهم ~~بدينه فاضطر إلى مجاراتهم في عباداتهم ليجاروه في عبادته، وأدخل أربابا لهم في عداد ~~الملائكة المقربين. # ويعتقد المجوس في بعض أساطيرهم أن «زروان» أبو الإلهين إله النور والظلام، ولعل «زروان» ~~هذا صنو لإله البابليين «نون» أو القدر الذي يتسلط على الآلهة كما يتسلط على ~~المخلوقات. # وقد آمن المجوس بالعالم الآخر كما آمن به المصريون، وآمنوا كذلك بالثواب والعقاب في الدار ~~الآخرة، ولكنهم قالوا بقيامة الموتى ونهاية العالم وبعث الأرواح للحساب في يوم القيامة، ~~ولعلهم جمعوا بذلك بين عقيدة الهند في نهاية العالم وعقيدة المصريين في محاسبة الروح ووزن ~~أعمالها في موقف الجزاء. # ولم يكن اليهود يتكلمون عن «الشيطان» قبل السبي أو قبل الإقامة فيما بين النهرين، فتكلموا ~~عنه بعد أن شبهوه «بأهرمان» الذي يمثل الشر والفساد عند المجوس. # وفي الكتب المسيحية أن حكماء المجوس شهدوا مولد السيد المسيح وعلموا بنبئه فاهتدوا إليه ~~بنجم في السماء. # وذكر أفلاطون زرادشت في كتاب «السيبادس» فسماه زرادشت بن أورمزد، وقال بليني في تاريخه ~~الطبيعي إنه المولود الذي ضحك يوم ولادته، وقال ديوكريسستوم # Dio Chrysostom # إنه لا الشاعر هوميروس ولا الشاعر هزيود بلغا مبلغ زرادشت في ~~الإشادة بمجد «زيوس» رب الأرباب في علياء مجده. # فتاريخ الديانة الفارسية عامة وتاريخ زرادشت خاصة على ارتباط وثيق بتواريخ العقائد ~~الآسيوية وتواريخ بعض العقائد في مصر واليونان. # ولكن «زرادشت» لا يعرف له تاريخ مفصل على التحقيق، فالمراجع اليونانية ترده إلى القرن ~~الستين قبل الميلاد، والمراجع العربية ترده إلى ما قبل الإسكندر بنحو مائتين وسبعين سنة. ~~فهو ms073 على هذا قد ولد حوالي سنة 660 قبل الميلاد وهو أصح التقديرات، وقد اعتمده الثقات ~~الباحثون في تاريخه فرجحوا، كما رجح كاسارتللي وجاكسون، أنه ولد سنة 660 ومات سنة 583 قبل ~~الميلاد. # ويقول الشهرستاني: إن أباه من أذربيجان وأمه من الري، ويكاد يتفق المؤرخون على أنه ولد في ~~الناحية الغربية الشمالية من البلاد الفارسية على شاطئ نهر يسمونه في الكتب المجوسية داريزا ~~ويعرف أخيرا باسم أراس. # ويزعم بعض مؤرخيه أن اسمه مركب من كلمتين في اللغة القديمة معناهما معاكس الجمل؛ لأنه كان ~~في صباه يعبث بالجمال، ويجعلون لهذه التسمية شانا في وصاياه العديدة بالإشفاق على الحيوان، ~~كأنه يكفر بذلك عن قسوته عليه في صباه. # وخلاصة ما جاء به «زرادشت» من جديد في الديانة أنه أنكر الوثنية وجعل الخير المحض من صفات ~~الله، ونزل بإله الشر إلى ما دون منزلة المساواة بينه وبين الإله الأعلى، وبشر بالثواب ~~وأنذر بالعقاب، وقال بأن خلق الروح سابق لخلق الجسد، وحاول جهده أن يقصر الربانية على إله ~~واحد موصوف بأرفع ما يفهمه أبناء زمانه من صفات التنزيه. # وليست المجوسية كلها من تعليم زرادشت أو تعليم كاهن واحد من كهان الأمة الفارسية، فقد ~~سبقه الفرس إلى عقائدهم في أصل الوجود وتنازع النور والظلام، ولكنه تولى هذه العقائد ~~بالتطهير وحملها على محمل جديد من التفسير والتعبير. # فالمجوس كانوا يعتقدون أن هرمز وأهرمن مولودان لإله قديم يسمى زروان ويكنى به عن الزمان. ~~وأنه اعتلج في جوفه وليدان فنذر السيادة على الأرض والسماء لأسبقهما إلى الظهور، فاحتال ~~أهرمن بخبثه وكيده حتى شق له مخرجا إلى الوجود قبل «هرمز» الطيب الكريم، فحقت لأهرمن سيادة ~~الأرض والسماء وعز على أبيهما أن ينقض نذره، فأصلحه بموعد ضربه لهذه السيادة ينتهي بعد تسعة ~~آلاف سنة، ويعود الحكم بعده لإله الخير خالدا بغير انتهاء، ويؤذن له يومئذ في القضاء على ~~إله الشر وتبديد غياهب الظلام. # وزعموا أن مملكة النور ومملكة الظلام كانتا قبل الخليقة منفصلتين، وأن هرمز طفق في مملكته ~~يخلق عناصر الخير والرحمة ms074 وأهرمان غافل عنه في قراره السحيق، فلما نظر ذات يوم ليستطلع خبر ~~أخيه راعه اللمعان من جانب مملكة أخيه فأشفق على نفسه من العاقبة وعلم أن النور يوشك أن ~~ينتشر ويستفيض فلا يترك له ملاذا يعتصم به ويضمن فيه البقاء، فثار وثارت معه خلائق الظلام ~~وهي شياطين الشر والفساد، فأحبطت سعي هرمز وملأت الكون بالخبائث والأرزاء، وران هذا البلاء ~~على الكون حتى كانت معركة «زرادشت » فكان البشير بانتهاء زمان وابتداء زمان، ولكنه لم يختم ~~صراع العدوين اللدودين بل آذن بتحول النصر من صف إلى صف، وتراجع الشر والظلام عن مملكة ~~الخير والنور، وسيدوم هذا الصراع اثني عشر ألف سنة، ينجم على رأس كل ألف منها بشير من بيت ~~زرادشت فيعزز جحافل هرمز ويوقع الفشل في جحافل أهرمن، وتنقضي المدة فينكص أهرمن على عقبيه ~~مخلدا في أسفل سافلين، لا فكاك له أبد الأبيد من هاوية الظلمات وسجن المذلة ~~والهوان. # وتدل تسمية الإلهين دلالة واضحة على انتقال الفكرة الإلهية طبقة فطبقة من صورة التجسيم ~~إلى صورة التنزيه، فإن هرمز مأخوذ من «أهورا» بمعنى السيد و«ومازدوا» بمعنى الحكيم، وأهرمن ~~مأخوذة من «أنجرو» بمعنى السيء وماينوش بمعنى الفكر والروح، والمعنيان معا من عالم الفكر ~~المجرد أو القريب من التجريد، ثم أصبحت كلمة أورمزد مرادفة لروح القدس وكلمة أهريمان مرادفة ~~لروح الشر أو روح الأذى والفساد، وقيل في مجمل الأساطير المجوسية أن أهريمان إنما هو فكرة ~~سيئة خطرت على بال زروان فكان منها إله الظلام. # ويخيل إلينا أن زرادشت كان خليقا أن يسمو بعقيدة المجوس إلى مقام أعلى من ذلك المقام في ~~التنزيه، وأن يسقط بأهرمن من منزلة الند إلى منزلة المارد المطرود، لولا أن وجود «أهرمن» ~~كان لازما لبقاء الكهانة الفارسية في عهود المحن والهزائم التي منيت بها الدولة وتجرعت ~~فيها الأمة غصص الذل والانكسار، فلو قال الموابذة للمؤمنين بهرمز أنه هو الإله المتفرد في ~~الكون بالتصريف والتقدير لكفروا بدينهم وحاروا في أمرهم، ولكنهم يكبرون من قوة أهرمن ~~ويجعلون انتصاره عقوبة للناس على تركهم ms075 للخيرات وحبهم للشرور، ثم يبشرونهم بغلبة الإله ~~الحكيم الرحيم بعد الهزيمة، فتهدأ وساوسهم إلى حين. ~~••• # على أن «زرادشت» قد استخلص من أخلاط المجوسية عقيدة وسطا بين العقيدة الوثنية الأولى ~~والعقيدة الإلهية الحديثة، سواء في تصحيح الفكرة الإلهية أو مسائل الأخلاق ومسائل الثواب ~~والعقاب. # فالله في مذهب زرادشت موصوف بأشرف صفات الكمال التي يترقى إليها عقل بشري يدين على حسب ~~نشأته بالثنائية وقدم العنصرين في الوجود. # فالخير عند زرادشت غالب دائم، والشر مغلوب منظور إلى أجل مسمى، وما زال «أهرمن» يهبط في ~~مراتب القدرة والكفاية على هذا المذهب حتى عاد كالمخلوق الذي ينازع الخالق سلطانه، ولا محيص ~~له في النهاية من الخذلان. # وفي «الزندفستا» يقول زرادشت إنه سأل هرمز: «يا هرمز الرحيم! صانع العالم المشهود، يا ~~أيها القدس الأقدس: أي شيء هو أقوى القوى جميعا في الملك والملكوت؟ # فقال هرمز: إنه هو اسمي الذي يتجلى في أرواح عليين، فهو أقوى القوى في عالم ~~الملكوت. # فسأله زرادشت أن يعلمه هذا الاسم فقال له إنه «هو السر المسئول» وأما الأسماء الأخرى ~~فأولها هو «واهب الأنعام» وثانيها هو المكين، وثالثها هو الكامل، ورابعها هو القدس، والاسم ~~الخامس هو الشريف، والاسم السادس هو الحكمة، والاسم السابع هو الحكيم، والاسم الثامن هو ~~الخبرة، والاسم التاسع هو الخبير، والاسم العاشر هو الغنى، والاسم الحادي عشر هو الغني، ~~والاسم الثاني عشر هو السيد، والاسم الثالث عشر هو المنعم، والاسم الرابع عشر هو الطيب، ~~والاسم الخامس عشر هو القهار، والاسم السادس عشر هو محق الحق، والاسم السابع عشر هو البصر، ~~والاسم الثامن عشر هو الشافي، والاسم التاسع عشر هو الخلاق، والاسم العشرون هو «مزدا» أو ~~العليم بكل شيء.» # وقد حرم زرادشت عبادة الأصنام والأوثان وقدس النار على أنها هي أصفى وأطهر العناصر ~~المخلوقة، لا على أنها هي الخلاق المعبود، وقال إن الخلائق العلوية كلها كانت أرواحا صافية ~~لا تشاب بالتجسيد، فخيرها الله بين أن يقصيها من منال «أهرمن» أو يلبسها الجسد لتقدر على ~~حربه والصمود في ميدانه؛ لأن عناصر ms076 الفساد لا تحارب بغير أجساد، فأبت أن تعتصم بمعزل عن ~~الصراع القائم بين هرمز وأخيه، واختارت التجسد لتؤدي فريضة الجهاد في ذلك الصراع. # ويتخيل زرادشت «هرمز» أو أورمزد أو «أهورا مازدا» أو يزدان - على اختلاف اللهجات في نطقه ~~- مستويا على عرش النور محفوظا بستة من الملائكة الأبرار، تدل أسماؤهم على أنهم صفات ~~إلهية كالحق والخلود والملك والنظام والصلاح والسلامة، ثم استعيرت لها سمات «الذوات » بعد ~~تداول الأسماء أو تداول الأنباء عما تفعله وما تؤمر به وما تتلقاه من وحي الله. # وتفيض أقوال «زرادشت» كلها باليقين من رسالته واصطفاء الله إياه للتبشير بالدين الصحيح ~~والقضاء على عبادة الأوثان، ومن أمثلة هذا اليقين قوله: «أنا وحدي صفيك الأمين، وكل من عداي ~~فهو عدو لي مبين.» وأن الله أودع الطبائع عوامل الخير جميعا، فإن هي حادت عن سواء السبيل ~~كان إرسال الرسل للتذكير والتحذير آخر حجة لله على الناس، وأن زرادشت هو هو هذه الحجة التي ~~أبرزها الله إلى حيز الوجود لتهدي من ضل وتذكر من غفل وتستصلح من فيه بقية للصلاح، وكلما ~~انقضى ألف عام برز إلى حيز الوجود خليفة له من سلالته، ولكن الأرواح التي تحف بالعرش هي ~~التي تحمل بذرته إلى رحم عذراء تلهمها تلك الأرواح أن تتطهر في تلك الساعة بالماء المقدس في ~~عين صافية مدخرة في ناحية من الأرض ليومها الموعود. # ويتخيل زرادشت أنه يناجي هرمز ويسمع جوابه ويسأله سؤال المتعلم المسترشد لمرشده وهاديه. ~~فيناديه: رب! هب لي عونك كما يعين الصديق أخلص صديق، ويسأله: رب ألا تنبئني عن جزاء ~~الأخيار؟ أيجزون يا رب بالحسنة قبل يوم المعاد؟ أو يسأله: من أقر الأرض فاستقرت ورفع السماء ~~فلا تسقط؟ ومن خلق الماء والزرع؟ ومن ألجم للرياح سحب الفضاء وهي أسرع الأشياء؟ # ولا يبعد أنه كان من أصحاب الطبائع التي تغيب عن الوعي أو تسمع في حالة وعيها أصواتا ~~خفية من هاتف ظاهر أو محجوب، كما روي عن سقراط وأمثاله من الموهوبين والملهمين. ~~••• # ورواية الخليقة في مذهب زرادشت أن هرمز ms077 خلق الدنيا في ستة أدوار، فبدأ بخلق السماء، ثم ~~خلق الماء، ثم خلق الأرض، ثم خلق النبات، ثم خلق الحيوان، ثم خلق الإنسان. # وأصل الإنسان رجل يسمى «كيومرت» قتل في فتنة الخير والشر فنبت من دمه ذكر يسمى ميشة وأنثى ~~تسمى ميشانة، فتزوجا وتناسلا وساغ من أجل ذلك عند المجوس زواج الأخوين. # ويفرق المجوس بين الخلائق جريا على مذهبهم في اشتراك الخلق بين خالق الطيبات وخالق ~~الخبائث، أو بين إله النور وإله الظلام، فالأحياء النافعة من خلق أورمزد كالثور والكلب ~~والطير البريء، والأحياء الضارة من خلق أهرمن كالحية وما شابهها من الحشرات والهوام. # والناس محاسبون على ما يعملون، فكل ما صنعوه من خير أو شر فهو مكتوب في سجل محفوظ، وتوزن ~~أعمالهم بعد موتهم فمن رجحت عنده أعمال الخير صعد إلى السماء، ومن رجحت عنده أعمال الشر هبط ~~إلى الهاوية، ومن تعادلت عنده الكفتان ذهب إلى مكان لا عذاب فيه ولا نعيم، إلى أن تقوم ~~القيامة ويتطهر العام كله بالنار المقدسة فيرتفعون جميعا إلى حضرة هرمز في نعيم ~~مقيم. # وتوزن الأعمال عند قنطرة تسمى قنطرة «شنفاد» تتوافى إليها أرواح الأبرار والأشرار على ~~السواء بعد خروجها من أجسادها، فيلقاها هناك «رشنوه ملك العدل وميتر رب النور وينصبان لها ~~الميزان ويسألانها عما لديها من الأعذار والشفاعات» ثم يفتحان لها باب النعيم أو باب ~~الجحيم. # ونعيم المجوس من جنس الحسنات التي تجزى بذلك النعيم؛ لأن المجوس لا يستحبون الزهد في ~~الحياة ولا يصدفون عن المتاع المباح، فمن عاش في الدنيا عيشة راضية وكسب رزقه بالعمل الصالح ~~وأنشأ أبناءه نشأة حسنة فجزاؤه في النعيم رغد العيش وجمال السمت وطيب المقام بين الأقرباء ~~والأصفياء، ويسقى من لبن بقرة مقدسة درها غداء الخلود، ومن كسب رزقه من السحت والحرام ~~فجزاؤه في الجحيم عيشة ضنك وألم كألم الجوع والعري والذل والاغتراب عن الأحباب. ~~••• # وهذه الخلاصة ترسم لنا اتجاه مذهب «زرادشت» ولكنها لا ترسم لنا شعب المجوسية التي يشتبك ~~بها هذا المذهب في مواضع ويفترق عنها في مواضع ms078 أخرى، وقد أجمل الشهرستاني بيان هذه ~~المذاهب في كتابه الملل والنحل فقال في فصل مطول عن المجوس وأصحاب الاثنين والمانوية وسائر ~~فرقهم المجوسية: «... كانت الفرق في زمان إبراهيم الخليل راجعة إلى صنفين: أحدهما الصابئة ~~والثانية الحنفاء، فالصابئة كانت تقول: إنا نحتاج في معرفة الله تعالى ومعرفة طاعته وأوامره ~~وأحكامه إلى متوسط، لكن ذلك المتوسط يجب أن يكون روحانيا لا جسمانيا وذلك لزكاء ~~الروحانيات وطهارتها وقربها من رب الأرباب، والجسماني بشر مثلنا يأكل مما نأكل ويشرب مما ~~نشرب يماثلنا في المادة والصورة. قالوا: # ولئن أطعتم بشرا ~~مثلكم إنكم إذا لخاسرون # والحنفاء كانت تقول: إنا نحتاج في ~~المعرفة والطاعة إلى متوسط من جنس البشر تكون درجته في الطهارة والعصمة والتأييد والحكمة ~~فوق الروحانيات، يماثلنا من حيث البشرية ويمايزنا من حيث الروحانية، فيتلقى الوحي بطرف ~~الروحانية ويلقي إلى نوع الإنسان بطرف البشرية، وذلك قوله تعالى: # قل ~~إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي # وقد قال جل ذكره: # قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا # ثم ~~لما لم يتطرق للصابئة الاقتصار على الروحانيات البحتة والتقرب إليها بأعيانها والتلقي منها ~~بذواتها فزعت جماعة إلى هياكلها وهي السيارات السبع وبعض الثوابت، فصابئة الروم مفزعها ~~السيارات، وصابئة الهند مفزعها الثوابت، وربما نزلوا عن الهياكل إلى الأشخاص التي لا تسمع ~~ولا تبصر ولا تغني عن الإنسان شيئا، والفرقة الأولى هم عبدة الكواكب والثانية هم عبدة ~~الأصنام، وكان إبراهيم مكلفا بكسر المذهبين على الفرقتين وتقرير الحنيفية السمحة ~~السهلة.» # ثم قال عن الثنوية إنهم: «... أثبتوا أصلين اثنين مدبرين قديمين يقتسمان الخير والشر والنفع ~~والضر والصلاح والفساد، ويسمون أحدهما النور والثاني الظلمة، وبالفارسية يزدان وأهرمن، ولهم ~~في ذلك تفصيل مذهب، ومسائل المجوس كلها تدور على قاعدتين: أحداهما بيان سبب امتزاج النور ~~بالظلمة، والثانية سبب خلاص النور من الظلمة، وجعلوا الامتزاج مبدأ والخلاص معادا، إلا أن ~~المجوس الأصلية زعموا أن الأصلين لا يجوز أن يكونا قديمين أزليين، بل النور أزلي والظلمة ~~محدثة، ثم لهم اختلاف في سبب حدوثها: أمن النور حدثت والنور ms079 لا يحدث شرا جزئيا فكيف ~~يحدث أصل الشر؟ أم شيء آخر ولا شيء يشترك مع النور في الأحداث والقدم؟ وبهذا يظهر خبط ~~المجوس، وهؤلاء يقولون: المبدأ الأول في الأشخاص كيومرث وربما يقولون زروان الكبير، والنبي ~~الآخر زرادشت، والكيومرثية يقولون: كيومرث هو آدم عليه السلام، وقد ورد في تاريخ الهند ~~والعجم: كيومرث آدم ويخالفهم سائر أصحاب التواريخ.» # ثم قال عن الكيومرثية: إنهم «... أثبتوا أصلين: يزدان وأهرمن، وقالوا: يزدان أزلي قديم ~~وأهرمن محدث مخلوق، قالوا: إن يزدان فكر في نفسه أنه لو كان لي منازع كيف يكون؟ وهذه الفكرة ~~رديئة غير مناسبة لطبيعة النور، فحدث الظلام من هذه الفكرة، وسمي أهرمن، وكان مطبوعا على ~~الشر والفتنة والفساد والضرر والإضرار، فخرج على النور وخالفه طبيعة وقولا، وجرت محاربة ~~بين عسكر النور وعسكر الظلمة، ثم إن الملائكة توسطوا فصالحوا على أن يكون العالم السفلي ~~خالصا لأهرمن وذكروا سبب حدوثه، وهؤلاء قالوا سبعة آلاف سنة ثم يخلي العالم ويسلمه إلى ~~النور، والذين كانوا في الدنيا قبل الصلح أبادهم وأهلكهم ثم بدأ برجل يقال له كيومرث وحيوان ~~يقال له ثور، فقتلهما فنبت من مسقط ذلك الرجل ريباس وخرج من أصل ريباس رجل يسمى ميشة وامرأة ~~اسمها ميشانة وهما أبوا البشر، ونبت من مسقط النور الأنعام وسائر الحيوانات، وزعموا أن ~~النور خير الناس وهم أرواح بلا أجساد بين أن يرفعهم عن مواضع أهرمن وبين أن يلبسهم الأجساد ~~فيحاربوا أهرمن، فاختاروا لبس الأجساد ومحاربة أهرمن على أن يكون لهم النصرة من عند النور ~~والظفرة بجنود أهرمن وحسن العاقبة، وعند الظفر به وإهلاك جنوده يكون الغاية: فذاك سبب ~~الامتزاج وذاك سبب الخلاص.» # وقال عن الزروانية: «إن النور أبدع أشخاصا من نور كلها روحانية نورانية لكن الشخص الأعظم ~~الذي هو زروان شك في شيء من الأشياء فحدث في أهرمن الشيطان من ذلك الشك، وقال بعضهم: لا بل ~~إن زروان الكبير قام فزمزم تسعة آلاف وتسعمائة وتسعين سنة ليكون له ابن، فلم يكن، ثم حدث في ~~نفسه هم من ذلك وقال: ms080 لعل هذا العالم ليس بشيء، فحدث أهرمن من ذلك الهم الواحد، وحدث ~~هرمز من ذلك العلم، فكانا جميعا في بطن واحد، وكان هرمز أقرب من باب الخروج، فاحتال أهرمن ~~الشيطان حتى شق بطن أمه فخرج قبله وأخذ الدنيا، وقيل إنه لما مثل بين يدي زروان فأبصره ورأى ~~ما فيه من الخبث والشرارة والفساد أبغضه فلعنه وطرده، فمضى واستولى على الدنيا، وأما هرمز ~~فبقي زمانا لا يدله عليه، وهو الذي اتخذه قوم ربا وعبدوه لما وجدوا فيه من الخير والطهارة ~~والصلاح وحسن الأخلاق، وزعم بعض الزروانية أنه لم يزل كان مع الله شيء رديء إما فكرة رديئة ~~وإما عفونة رديئة، وذلك هو مصدر الشيطان، وزعموا أن الدنيا كانت سليمة من الشرور والآفات ~~والفتن، وكان أهلها في خير محض ونعيم خالص، فلما حدث أهرمن حدثت الشرور والآفات والفتن. ~~وكان بمعزل من السماء، فاحتال حتى خرق السماء، وصعد، وقال بعضهم: كان هو في السماء، والأرض ~~خالية عنه، فاحتال حتى خرق السماء ونزل إلى الأرض بجنوده كلها، فهرب النور بملائكته، واتبعه ~~الشيطان حتى حاصره في جنته، وحاربه ثلاثة آلاف سنة لا يصل الشيطان إلى الرب تعالى، ثم توسطت ~~الملائكة، وتصالحا على أن يقيم إبليس وجنوده في قرار الضوء تسعة آلاف سنة بالثلاثة آلاف ~~التي قاتله فيها ثم يخرج إلى موضعه، ورأى الرب تعالى - على قولهم - الصلاح في احتمال ~~المكروه من إبليس وجنوده، ولا ينقص الشر حتى تنقضي مدة الصلح، فالناس في البلايا والفتن ~~والخزايا والمحن إلى انقضاء المدة.» # وقال عن الزرادشتية: «... زعموا أن الله عز وجل خلق في وقت ما في الصحف الأولى والكتاب ~~الأعلى من ملكوته خلقا روحانيا، فلما مضت ثلاثة آلاف سنة أنفذ مشيئته في صورة من نور ~~متلألئ على تركيب صورة الإنسان، وأحف به سبعين من الملائكة المكرمين وخلق الشمس والقمر ~~والكواكب والأرض وبني آدم غير متحرك ثلاثة آلاف سنة، ثم جعل روح زرادشت في شجرة أنشأها في ~~أعلى عليين، وغرسها في قلة جبل من جبال أذربيجان يعرف بأسموية ضر، ثم ms081 مازج شبح زرادشت بلبن ~~بقرة، فشربه أبو زرادشت، فصار نطفة ثم مضغة في رحم أمه، فقصدها الشيطان وغيرها، فسمعت أمه ~~نداء من السماء فيه دلالات على برئها فبرأت، ثم لما ولد زرادشت ضحك ضحكة تبينها من حضر، ~~واحتالوا على زرادشت حتى وضعوه بين مدرجة البقر ومدرجة الخيل ومدرجة الذئب، وكان ينتهض كل ~~واحد منهم بحمايته من جنسه، ونشأ بعد ذلك إلى أن بلغ ثلاثين سنة فبعثه الله نبيا ورسولا ~~إلى الخلق، فدعا «كشتاسف» الملك فأجابه إلى دينه، وكان دينه عبادة الله والكفر بالشيطان ~~والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجتناب الخبائث، وقال: النور والظلمة أصلان متضادان، ~~وكذلك يزدان وأهرمن، وهما مبدأ موجودات العالم، وحصلت تراكيب من امتزاجهما وحدثت الصور من ~~التراكيب المختلفة، والباري تعالى خالق النور والظلمة ومبدعها وهو واحد لا شريك له ولا ضد ~~ولا ند، ولا يجوز أن ينسب إليه وجود الظلمة كما قالت الزروانية، لكن الخير والشر والصلاح ~~والفساد والطهارة والخبث إنما حصلت من امتزاج النور والظلمة، ولو لم تميزها لما كان وجود ~~للعالم، وهما يتقاومان ويتغالبان إلى أن يغلب النور الظلمة والخير الشر ثم يتخلص الخير إلى ~~عالم والشر إلى عالم وذلك هو سبب الخلاص، والباري تعالى هو مزجها وخلطها، وربما جعل النور ~~أصلا وقال: إن وجوده وجود حقيقي، وأما الظلمة فتبع، كالظل بالنسبة إلى الشخص، فإنه يرى ~~أنه موجود وليس بموجود حقيقة، فأبدع النور وحصل الظلام تبعا لأن من ضرورة الوجود التضاد، ~~فوجوده ضروري واقع في الخلق لا بالقصد الأول كما ذكرنا في الشخص والظل، وله كتاب قد صنفه، ~~وقيل: أنزل ذلك عليه وهو «زندوستا» يقسم العالم قسمين: ميته وكيتي؛ يعني الروحاني ~~والجسماني، والروح والشخص، وكما قسم الخلق إلى عالمين يقول: إن ما في العالم ينقسم إلى ~~قسمين بخشش وكنس، ويريد به التقدير والفعل، وكل واحد مقدر على الثاني، ثم يتكلم في موارد ~~التكليف وهي حركات الإنسان فيقسمها ثلاثة أقسام منش وكونس وكنش، يعني بذلك الاعتقاد والقول ~~والعمل، وبالثلاث يتم التكليف.» ~~••• # ولم تختم المذاهب المتجددة في ms082 المجوسية بمذهب زرادشت وتفسيراته المتعددة، بل بقيت هذه ~~المذاهب تتجدد إلى ما بعد شيوع المسيحية بعدة قرون: وأشهرها وأهمها في تاريخ المقابلة بين ~~الأديان، مذهب مترا ومذهب ماني المعروف بالمانوية. # انتشر مذهب «مترا» في العالم الغربي بعد حملات «بومبي» الآسيوية وتدفق الآسيويين من جنوده ~~إلى حواضر سورية وآسيا الصغرى، وأيده القياصرة لأنه كان يرفع سلطان الملوك إلى عرش السماء، ~~ويقول: إن الشمس تشع عليهم قبسا من نورها وهالة من بركتها فيرمزون بعروشهم على الأرض إلى ~~عرش الله في عليين. # وشاع هذا المذهب بعض الشيوع في القرن الثاني قبل الميلاد، وقصر أتباعه على الذكور دون ~~الإناث وجعل لهم درجات سبعا يرتقونها إلى مقام العارفين الواصلين رمزا إلى الدرجات التي ~~تصعد عليها الروح بعد الموت من سماء إلى سماء، حتى تستقر في نهاية المرتقى عند حظيرة ~~الأبرار. # ويحتفل بالمريد كلما انتقل من درجة إلى درجة في وليمة يتناول فيها الخبز المقدس ويمسح ~~بالماء الطهور، ولا يطلع قبل الدرجة الرابعة على أسرار المحراب، بل يقتصر في العلم بتلك ~~الأسرار على التقليد، ثم يترقى في معرفة السر الأعظم إلى أن يعرف كلمة الله الخالقة في مقام ~~العارفين الواصلين. # وأصل «مترا» قديم في الديانة الآرية، يدين به الهنود كما يدين به الفارسيون، وقد هبط في ~~الديانة الزرادشتية إلى مرتبة الملك الموكل بهداية الصالحين، ولكنهم جعلوه في الديانة ~~المترية إله الشمس ورب الكون وخالق الإنسان وقاهر أهرمن بعد جلاد طويل. # ولا يسبقه في الوجود شيء غير «الأبد» أو «الزمان» أبي الأرباب عندهم وأبي كل ~~موجود. # ويمثلون مترا حين تجسد على الأرض مولودا من صخرة نائية في مكان منفرد لم يعلم بمولده ~~أحد غير طائفة من الرعاة ألهموا معرفته فتقدموا إليه بالهدايا والقرابين، ومضى بعد مولده ~~فستر عريه بورق من شجرة التين، وتغذى بثمرها حتى جاوز سن الرضاع. # وكان أهرمن يحاربه ويتعقبه بالكيد ويحبط كل عمل له من أعمال الخير والفلاح فأرسل مترا على ~~الأرض طوفانا أغرقها، ولم ينج معه إلا رجل واحد حمل آله وأنعامه في ms083 زورق صغير وجدد على ~~الأرض بعد ذلك حياة الإنسان والحيوان، ثم طهر الأرض بالنار، وتناول مع ملائكة الخير طعام ~~الوداع وصعد إلى السماء، حيث هو مقيم يتولى الأبرار بالهداية ويعينهم على النجاة من حبائل ~~الشيطان. # وكان أتباعه يفردون لعبادته يوم الشمس أو يوم الأحد، ويحتفلون بمولده في الخامس والعشرين ~~من ديسمبر لأنه موعد انتقال الشمس وتطاول ساعات النهار، ويقيمون له عيدا سنويا في اليوم ~~السادس عشر من الشهر السابع في تقويم الفرس القديم، وقد كان المسيحيون الأولون يقابلون ذلك ~~- بعد ظهور المسيحية وانتشارها - بتمجيد السيد المسيح في الأيام التي كان عباد مترا ينصرفون ~~فيها إلى تمجيد هذا الإله الشمسي القديم. # أما المانوية فهي مذهب ماني بن فاتك الذي يرجح أنه ولد في أوائل القرن الثالث بعد ~~الميلاد، ومذهبه يخالف مذاهب المجوس الأقدمين في زعمه أن آدم من خلق الشيطان لا من خلق ~~الله، وأن الشيطان أودعه كل ما استطاع أن يختلسه من نور السماء ليكفل له البقاء، فلما بصر ~~به الملائكة ولمحوا فيه قبس النور ذهبوا يستخلصونه من قبضة الشيطان ليرتفعوا به إلى العالم ~~الذي هم فيه، ولا يزالون يعملون في استخلاصه حتى يرجع إلى السماء آخر قبس من الضياء ~~المسروق، فيتجلى الله في سمائه ومن حوله تلك الأرواح النورانية، ويتخلى الملائكة الذين ~~يحملون الدنيا عن حملهم فتتساقط كسفا وتلتهمها النيران تطهيرا لها من بقايا الرجس ~~والمكيدة، ويتم الانفصال يومئذ بين عالم النور وعالم الظلام. # قال الشهرستاني عن صاحب هذا المذهب: «إنه أخذ دينا بين المجوسية والنصرانية، ويقول بنبوة ~~المسيح عليه السلام ولا يقول بنبوة موسى عليه السلام. حكى محمد بن هارون المعروف بأبي عيسى ~~الوراق وكان في الأصل مجوسيا عارفا بمذاهب القوم: إن الحكيم ماني زعم أن العالم مصنوع ~~مركب من أصلين قديمين أحدهما نور والآخر ظلمة، وأنهما أزليان لم يزالا ولن يزالا، وأنكر ~~وجود شيء إلا من أصل قديم، وزعم أنهما لم يزالا قويين حساسين سميعين بصيرين وهما مع ذلك في ~~النفس والصورة والفعل والتدبير متضادان، وفي الحيز ms084 متحاذيان، تحاذي الشخص والظل.» ~~«ثم ذكر أمثلة من الاختلاف بين جوهر النور وجوهر الظلمة فقال: إن جوهر النور حسن فاضل كريم ~~صاف نقي الريح حسن المنظر، وإن جوهر الظلمة قبيح ناقص لئيم كدر خبيث منتن الريح قبيح ~~المنظر، وإن أجناس النور خمسة: أربعة منها أبدان والخامس روحها، فالأبدان هي النار والنور ~~والريح والماء، وروحها النسيم، وإن أجناس الظلمة خمسة: أربعة منها أبدان والخامس روحها ، ~~والأبدان هي الحريق والظلمة والسموم والضباب، وروحها الدخان.» ~~••• # وقد أصاب الشهرستاني حين قال إن هذه الثنوية هي ألزم سمات المذاهب المجوسية؛ لأنها تتراءى ~~في كل مذهب منها بلا استثناء، وهي كذلك أبقى ما بقي منها في مجال التفكير ومجال الاعتقاد ~~على السواء؛ لأننا نرى منها ملامح واضحة في مباحث التفرقة بين العقل والمادة، ولا سيما ~~مباحث حكماء اليونان. # | بابل # والحضارة البابلية من أقدم الحضارات المروية في التواريخ. # ويزعم المتشيعون للحضارة الشمرية التي ازدهرت في أرض بابل قبل انتقال الساميين إليها أنها ~~أقدم الحضارات البشرية على الإطلاق، ولكنها على الأرجح نزعة من نزعات العنصرية التي تجعل ~~بعض الكتاب الأوربيين يتجاوزون كل حضارة سامية إلى حضارة سابقة لها منسوبة إلى عنصر آخر من ~~العناصر البشرية، ولهذا يبالغون في قدم الحضارة الشمرية وتقدير زمانها السابق لجميع ~~الحضارات. # إلا أن الحضارة البابلية قديمة لا شك في عراقتها على تباين الروايات. # وهي على قدمها لم يكتب لها أن تؤدي رسالة ممتازة في تاريخ الوحدانية، فكل ما أضافته إلى ~~هذا التاريخ يمكن أن يستغنى عنه ولا تنقص منه بعد ذلك فكرة جوهرية من أفكار التوحيد ~~والتقديس؛ لأن الوحدانية تحتاج إلى «تركز وتوحيد» لا يستتبان طويلا في أحوال كأحوال الدولة ~~البابلية؛ إذ كانت لها كهانات متعددة على حسب الحواضر والأسر المتتابعة، وكانت الحواضر ~~بمعزل عن البادية التي تترامى حولها وتنفرد بعقائدها وأساطيرها، أما الأسر المالكة فقد ~~كانت شمرية ثم أصبحت سامية تنتمي إلى أرومات شتى في الجزيرة العربية من الجنوب إلى الشمال، ~~وكانت أرض بابل في وسط العمران الآسيوي مفتحة الأبواب على الدوام ms085 لما تقتبسه من عقائد الفرس ~~والهنود والمصريين والعبريين، وغير هؤلاء من أصحاب الديانات المجهولين في التاريخ. # فلم تتوحد فيها العقيدة حول مركز دائم مطرد الاتساع والامتداد بعيد من طوارئ التغيير ~~والتعديل، وكانت من ثم ذات نصيب في الشريعة وقوانين الاجتماع أوفى من نصيبها في تطور ~~العقيدة الوحدانية على التخصيص. # ويستطاع الجزم بأن الرسالة البابلية في الدين لم تتجاوز رسالة الديانة الشمسية ~~السلفية. # فالغزوات التي تروى عن الأرباب الأقدمين هي غزوات أبطال من الأسلاف الذين برزوا بملامح ~~الآلهة بعد أن غابت عن الأذهان ملامحهم الإنسانية، ثم تلبست سيرتهم بظواهر الكون العليا ~~فسكنوا في مساكن الأفلاك، وحملت الأفلاك أسماءهم ولا تزال تحمل بقية منها إلى اليوم. # فمردوخ إله الحرب هو كوكب المريخ، وقد تغلب على تيمات ربة الأغوار المظلمة، فأخذ زوجها ~~وخلائفها الأحد عشر وسلسلهم أسارى في مملكته السماوية، فهم المنازل الاثنا عشر التي بقيت في ~~علم الفلك إلى اليوم. # وقد اتفق الساميون والشمريون على الأرباب الكبرى كإله النور الذي يسميه الساميون شمس ~~ويسميه الشمريون «آنو»، أو كالزهرة ربة الحب التي يسميها الساميون عشتار ويسميها الشمريون ~~ننسيانة، ولكن الأرباب البابلية أوفر عديدا من أن ينتظمها اتفاق بين قومين مختلفين؛ لأنهم ~~ارتفعوا بعددها إلى أربعة آلاف وقرنوا بها أندادا لها من الشياطين والعفاريت تبلغ هذا ~~العدد أو تزيد. # ولم ينقض على هذه الأرباب وقت كاف لإدماج صغارها في كبارها ثم فنائها جميعا في أكبر ~~الأرباب المشرفة على الكون، أو في رب واحد ينفرد بهذا الإشراف، كأن الطواطم التي عبدتها ~~القبائل والأسر لم يطل بها عهد التطور حتى يفعل بها فعله من التصفية والاستخلاص والإدماج ~~والتوحيد، فجاءت الأرباب التالية ولا تزال الأرباب السابقة لها على عهدها من النفوذ ~~والاستقرار. # ولهذا كانت سياسة الكون كما تخيلوها في الأدوار الأولى أشبه بالجمهورية بل بالمشيخة ~~القبلية، فكانوا يتخيلون أن الأرباب تجتمع كل سنة في يوم الاعتدال الخريفي لتنظر في السماء ~~مقادير السنة كلها وتكتبها في لوح محفوظ لا يمحى قبل نهاية العام، وكان الملك نفسه يتلقى ~~سلطانه ms086 على الأرض عاما بعد عام في مثل ذلك الموعد، فيمثل الكهنة رواية الخلق ويشهدها الملك ~~فردا من الأفراد، ويعتمدون في بعض مواقف التمثيل أن يهينوه ويستخفوا به ليقرروا بذلك أنه ~~فقد كل سلطان كان له على رعاياه، فلا يعود إليه السلطان إلا بإذن جديد من «مردوخ» يتلقاه ~~قبل ختام الرواية من يد حبر الأحبار. # ولم يؤثر عنهم في عهد الشمريين إيمان بعالم آخر أو بيوم للحساب والجزاء، فمن اجترأ على ~~فعل محرم أو قصر في الصلوات والقرابين فالآلهة تجزيه على ذنبه بمرض يصيبه لا يشفيه منه غير ~~كاهن المعبد بعد التوبة والتكفير، وإن لم يكن جزاؤه مرضا فهو خسارة في المال أو البنين أو ~~ذوي القربى والأعزاء، وكل مصبية من هذه المصائب تنبيه إلى ذنب مقترف أو فريضة منسية، وحث ~~على التذكير وطلب الغفران. # وقد تعم الذنوب فيعم العقاب، وترسل الآلهة على الأرض طوفانا أو وباء يأخذ البريء بذنب ~~المسيئين، ولكنها تنذر الناس قبل حلول العقاب وتلهم الكهان وحدهم تفسير ذلك النذير. # وهم يذكرون لتلك الأرباب غزوات وأخبارا قبل خلق هذه الدنيا كأنهم كائنات لا تحتاج إلى ~~خالق، ولكنهم يذكرون أخبارا قبل تلك الأخبار يروونها عن «تيمات» ربة الغمر أو ربة الأغوار ~~والظلمات، ولا يفهم من أخبارهم هذه أن تيمات أنشأت الأرباب بقدرة الخلق؛ لأنها عندهم ربة ~~الفوضى والعماء، ولكنهم يحسبون أن الأرباب كانت تحوم في أغوارها كما تحوم الأشباح في ~~الظلام، ويصورونها في إحدى أساطيرهم - كما يصورون البشر الأولين - فنصفها سمك ونصفها ~~إنسان. # أما قصص الخلق عندهم فهي مناسبة لموقع البلاد البابلية واشتغال أهلها القديم برصد الكواكب ~~ومراقبة الأنواء، وتدل القصة من أجل هذا على أنها من مأثورات قوم عريقين في سكنى تلك البلاد ~~ولم ينقلوها إليهم من بلاد أجنبية عنها، ويرجح ذلك على التخصيص ذكر الطوفان المفصل في بعض ~~القصص البابلية؛ لأن الباحثين في الآثار يعتبرون أن الطوفان قد غمر ما بين النهرين إلى ~~الشمال، وأن الجبل الذي استقرت عليه سفينة نوح هو الجبل المعروف اليوم بجبل أرارات، ms087 ولم ~~تشتمل قصص الطوفان في البلاد الأخرى على تفصيل كهذا التفصيل. # وفحوى قصة الخلق بعد استخلاصها من الأوشاب الكثيرة أن الدنيا كانت قسمة بين تيمات ربة ~~الأغمار أو ربة الماء الأجاج وبين «إيا» إله الماء العذب وعنصر الخير في الوجود، وموقع ~~الأرض البابلية يجعلها في قبضة هذين الربين ويوحي إلى أهلها الإيمان بما عندهما من المخاوف ~~والخيرات. # وقد انهزم «أنو» إله السماء أمام جحافل تيمات فلم ينتصر إلا بعد أن برز من الماء بطل ~~وليد: هو مردوخ رب الجنود وسيد الحروب. # ثم عمد مردوخ إلى تيمات فشقها نصفين: صنع الأرض من أحدهما وصنع قبة الفضاء من النصف ~~الآخر، ثم قيد أسراه في هذه القبة فهم لا يبرحونها إلا بإذنه، ورفع إلى السماء ما شاء من ~~الأرباب. # وقد كشفت الألواح التي تضمنت شروح هذه القصة بالخط المسماري في أواخر القرن التاسع عشر، ~~ونقلت إلى المتحف البريطاني بلندن حيث تحفظ الآن، وهي مقسومة إلى سبعة أقسام: كل قسم يتحدث ~~عن يوم من أيام الخلق آخرها اليوم الذي خلق فيه الإنسان، وقد جاء في اللوح المخصص لشرح قصته ~~أن «مردوخ» أفضى إلى «إيا» بأنه سيخلق الإنسان من دمه وعظمه، وأمر حاشيته أن تضرب عنقه - ~~عنق الإله مردوخ - ففعلت، وسال الدم فنجم عنه الإنسان، ويظهر أن ضرب عنق الإله لا يقتله ولا ~~يقضي عليه؛ لأن مردوخ كان يتصدر بروحه حشد الأرباب التي اجتمعت في السماء احتفالا بخلق أبي ~~البشر، وسمع منها نشيد الفرح والثناء. # ويتمم البابليون قصة خلق الإنسان بقصة أخرى عن طموحه إلى الخلود واجتهاده في اختلاس سره ~~من الآلهة، فيعاقب على ذلك بالموت، وتأبى الآلهة أن يشاركها أحد من الخلق في نعمة الحياة ~~الباقية. # وتعتبر قصة الخلق البابلية أهم نصيب ساهمت به المأثورات البابلية في علم المقابلة بين ~~تواريخ الأديان. # | اليونان # أما تاريخ العقيدة في بلاد اليونان فقد حفل بجميع أنواع العقائد البدائية قبل أرباب ~~«الأوليمب» الذين خلدوا في أشعار هومير وهزيوذ. # فعبدوا الأسلاف والطواطم ومظاهر الطبيعة وأعضاء التناسل ومزجوا هذه العبادات ms088 جميعا ~~بطلاسم السحر والشعوذة، واستمدوا من جزيرة «كريت» عبادة النيازك وحجارة الرواسب التي شاعت ~~بين أهل الجزيرة من أقدم عصورها البركانية، فرمزوا بها إلى أرباب البراكين والعوالم ~~السفلية، واتخذها بعضهم «طواطم» ينتسبون إليها انتساب الأبناء إلى الآباء. # ولما شاعت بين الإغريق عبادة «أرباب الأوليمب» كان من الواضح أنها أرباب مستعارة من الأمم ~~التي سبقتهم إلى الحضارة وتنظيم العبادات. # فالإله «زيوس» أكبر أرباب الأوليمب هو الإله «ديوس» المعروف في الديانة الهندية الآرية ~~القديمة، واسمه متداول في العبادات الأوروبية جميعا مع قليل من التصحيف بين اللغات ~~واللهجات، ومن تصحيفاته أسماء الله والإلهية عند الفرنسيين والطليان والإنجليز ~~المعاصرين. # والربة أرتميس - ومثلها الربة أفروديت أو فينوس - هي الربة عشتار اليمانية البابلية، ~~ومنها كلمة «ستار» التي تدل على النجم في بعض اللغات الأوروبية الحديثة. # والربة «ديمتر» هي إزيس المصرية كما قال هيرودوت، وهي واحدة من أرباب كثيرة تشابهت ~~عبادتها في بلاد الإغريق وعبادتها بين قدماء المصريين. # وأضيفت إلى هذه الأرباب «أدونيس» من «أدوناي» العبرية بمعنى السيد أو الإله، وأضافوا ~~إليها في مصر بعد الإسكندر المقدوني عبادة إله سموه سرابيس وهو اسم مركب من اسمي أوزيريس ~~وأبيس المعبودين المصريين، وكان لهما معبد تدفن فيه العجول التي تعبد باسم أبيس بعد موتها ~~وذهابها إلى مغرب أوزيريس. # كما أضيفت إليها عبادة «ديونسيس» في أطوارها المتتابعة التي تلبست أخيرا بعبادة «مترا» ~~في الديانة الأورفية السرية. # وقد ترقى اليونان في تصور صفات الأرباب خلال العصور التاريخية، فعبدوها قبل المسيح ببضع ~~مئات من السنين وهي على أسوأ مثال من العيوب الإنسانية، وعبدوها بعد ذلك وهي تترقى إلى ~~الكمال وتقترب إلى فكرة «التنزيه» التي سبقهم إليها المصريون والهنود والفرس ~~والعبرانيون. # فكان أرباب الأوليمب في مبدأ الأمر يقترفون أقبح الآثام ويستسلمون لأغلظ الشهوات، وقد قتل ~~زيوس أباه «كرونوس» وضاجع بنته وهجر سماءه ليطارد عرائس العيون والبحار ويغازل بنات الرعاة ~~في الخلوات، وغار من ذرية الإنسان فأضمر له الشر والهلاك، وضن عليه بسر «النار» فعاقب ~~المارد برومثيوس لأنه قبس له النار من السماء. # ولم ms089 يتصوروه قط خالقا للدنيا أو خالقا للأرباب التي تساكنه في جبل الأوليمب وتركب ~~معه متن السحاب، فهو على الأكثر والد لبعضها ومنافس لأنداده منها، وتعوزه أحيانا رحمة ~~الآباء ونبل العداوة بين الأنداد. # ولم يزل «زيوس» إلى عصر «هومير» خاضعا للقدر مقيدا بأوامره، عاجزا عن الفكاك من ~~فضائله. # ثم صوره لنا هزيود الشاعر المتدين على مثال أقرب إلى خلائق الرحمة والإنصاف ومثال ~~الكمال، ولكنه نسب الخلق إلى أرباب أقدم منه ومن سائر المعبودات الأولمبية، وهي «جيا» ربة ~~الأرض و«كاوس» رب الفضاء وإيروس رب التناسل والمحبة الزوجية، وجعل إيروس يجمع بين الأرض ~~وزوجها الفضاء فتلد منه الكائنات السماوية والأرضية وأخرها أرباب الأوليمب، وعلى رأسهم ~~«زيوس» الملقب بأبي الأرباب. # وكان «أكسينوفون» المولود بآسيا الصغرى قبل الميلاد بنحو ستة قرون أول من نقل إلى الإغريق ~~فكرة الإله الواحد المنزه عن الأشياء، فكان ينعي على قومه أنهم يعبدون أربابا على مثال ~~أبناء الفناء، ويقول: إن الحصان لو عبد إلها لتمثله في صورة الحصان، وأن الأثيوبي لو تمثل ~~إلها لقال إنه أسود الإهاب، وأن الإله الحق أرفع من هذه التشبيهات والتجسيمات، ولا يكون ~~على شيء من هذه الصفات البشرية، بل هو الواحد الأحد المنزه عن الصور والأشكال، وإنه فكر محض ~~ينظر كله ويسمع كله ويفكر كله ويعمل كله في تقويم الأمور وتصريف أحكام القضاء. # وكان أثر الديانات الآسيوية والمصرية أظهر من كل ما تقدم في الديانة الأورفية السرية. ~~لأنها كانت ملتقى عبادة إيزيس وعبادة مترا وعبادة المجوس والبراهمة. # فعرفوا «الروح» وعرفوا تناسخ الأرواح، وعرفوا أدوار التطهير والتكفير، ومزجوا بها عبادة ~~«ديونيس» الذي كان في عصورهم الغابرة إله الخمر والقصف والترف، فجعلوا خمره رمزا إلى ~~النشوة الإلهية: نشوة الحياة والشباب الخالد المتجدد على مدى الأيام. # وكانت محاريبه الكبرى بآسيا الصغرى، ولكنهم كانوا يحتفلون في أثينا بعيد يسمونه ~~الأنشستريا # Anthezteria # يوافق شهر فبراير، وتقوم ~~شعائره على مزيج من عبادة الحياة وعبادة الأسلاف والموتى، فيشربون الخمر في جرار الجنائز ~~والقرابين، ويعتقدون أن هذه الخمر تسري إلى الأجساد البالية فتنفث ms090 فيها الحياة، وتصلحها ~~للبعث من جديد في أجسام الأجنة المطهرة من أدران حياتها الماضية. # ونحن لا نعني هنا بالفلسفة اليونانية: بل نقصر القول في هذا الفصل على العقيدة اليونانية ~~التي تطورت عندهم تطور الأديان لا تطور الأفكار والمباحث العلمية أو الفلسفية. # ففي هذا المجال - مجال العقيدة - يمكن أن يقال: إن اليونان أخذوا فيها كل شيء ولم يعطوا ~~شيئا يضيف إلى تراث البشر في مسائل الإيمان، وإنهم حين بدأوا عصر الفلسفة كان أساسها الأول ~~ممهدا لهم في العقائد التي أخذوها عن الديانات الآسيوية والمصرية، وأنهم ظلوا بعد الفلسفة ~~يدينون بالوثنية التي كانوا يدينون بها قبل الميلاد بعدة قرون. # | مرحلة جديدة في الدين # بنو إسرائيل # ومثل بني إسرائيل - أو العبرانيين - مثل جميع الأمم الغابرة في تطور العقيدة. # فقد دانوا زمنا بعبادة الأسلاف كما دانوا بعبادة الأوثان والكواكب وظواهر الطبيعة وطواطم ~~الحجارة والأشجار والحيوان. # وبقيت فيهم عبادة الأوثان بعد دعوة إبراهيم عليه السلام وظهور الأنبياء، فعبدوا «عجل ~~الذهب» في سينا، بعد خروجهم من الديار المصرية، وفي الإصحاح الثامن عشر من كتاب الملوك ~~الثاني أن حزقيا ملك يهودا «... أزال المرتفعات وكسر التماثيل وقطع السواري وسحق حية النحاس ~~التي عملها موسى؛ لأن بني إسرائيل كانوا إلى تلك الأيام يوقدون لها ...» # وجاء في الإصحاح التاسع عشر من كتاب صموئيل الأول أن إحدى زوجات داود عليه السلام - ميكال ~~- «أخذت الترافيم ووضعته في الفراش ووضعت لبدة المعزى تحت رأسه وغطته بثوب.» # والمعروف أن الترافيم أو الطرافين بصيغة الجمع هي تماثيل على صورة البشر تقام في البيوت ~~وتحمل في السفر، ويرمز بها إلى الله. # وقد دعاهم موسى عليه السلام إلى التوحيد ونبذ الأصنام والأوثان، وقيل إنه عليه السلام أول ~~من سمى الإله «يهوا»، وهو اسم لا يعرف اشتقاقه على التحقيق، فيصح أنه من مادة الحياة، ويصح ~~أنه نداء لضمير الغائب؛ لأن بني إسرائيل كانوا يتقون ذكره توقيرا له ويكتفون بالإشارة ~~إليه، ويصح غير ذلك من الفروض. # وعبدوا الإله باسم «إيل» أي القوي في اللغة الآرامية، ولكن الأسماء العبرية تدل ms091 على أنهم ~~قد لبثوا زمانا يصفون الإيل بالصفات البشرية ويقبلون نسبة القرابة الإنسانية إليه، كما في ~~اسم عمائيل من «العمومة» أو «إيل أب» من الأبوة وغير ذلك من أواصر الأسرة البشرية. # وظلوا إلى ما بعد أيام موسى عليه السلام ينسبون إلى الإله أعمال الإنسان وحركاته، فذكروا ~~أنه كان يتمشى في الجنة، وأنه كان يصارع، ويأكل ويشرب، ويغشي مركبات الجبال، وأنه دفن موسى ~~حينما مات في موآب. # وقد خلت الكتب الإسرائيلية من ذكر البعث واليوم الآخر، فالأرض السفلى أو الحب، أو شيول هي ~~الهاوية التي تأوى إليها الأيتام بعد الموت، ولا نجاة منها لميت، «وإن الذي ينزل إلى ~~الهاوية لا يصعد.» # وأول إشارة ليوم كيوم البعث وردت في الإصحاح الرابع والعشرين من كتاب أشعيا الذي عاش نحو ~~القرن الثالث قبل الميلاد، وفيه نبوءة عن يوم «يطالب فيه الرب جند العلاء في العلاء ويجمعون ~~جمعا كأسارى في سجن، ويخجل القمر وتخزى الشمس؛ لأن رب الجنود قد ملك في جبل صهيون وفي ~~أورشليم»، وفي الإصحاح السابع والعشرين بعده «أن الرب يعاقب بسيفه القاسي الشديد في ذلك ~~اليوم لوياثان الحية العارية: لوياثان الحية المتحوية ويقتل التنين الذي في البحر»، ومن ~~أعمال ذلك اليوم كما جاء في الإصحاح الخامس والعشرين: «إن رب الجنود يصنع لجميع الشعوب ~~وليمة سمائن: وليمة خمر على دردي سمائن ممخة: دردي مصفى.» # وجاءت إشارة أخرى إلى يوم البعث والدينونة في الإصحاح الثاني عشر من كتاب دانيال، وهي ~~أصرح من الإشارات السابقة حيث يقول فيها النبي: «إن كثيرين من الراقدين في تراب الأرض ~~يستيقظون: هؤلاء إلى الحياة الأبدية وهؤلاء إلى العار للازدراء الأبدي»، ويلاحظ أن كتاب ~~دانيال لا يحسب من كتب العهد القديم في جميع النسخ. # ويرجع تاريخ هذه النبوءة إلى أواخر القرن الثاني قبل الميلاد حوالي سنة مائة وخمس وستين، ~~وإنما كان الثواب والعقاب قبل ذلك نصرا يؤتاه الإسرائيليون على الأعداء أو بلاء يصابون به ~~على أيدي الأقوياء، جزاء لهم على خيانة «يهوا» وعبادة غيره من أرباب الشعوب. # وكان معنى الكفر ms092 في الإسرائيلية الأولى كمعنى الخيانة الوطنية في هذه الأيام، فكانت ~~للشعوب آلهة يؤمن الإسرائيليون بوجودها، ولكنهم يحرمون عبادتها كتحريم الانتماء إلى دولة ~~أجنبية، فرب الشعب أحق بولائه وعبادته من الأرباب الغرباء. # وظلوا على ذلك إلى أن فهموا «الوحدانية» التي تتعالى على الشبيه والنظير في أيام أشعيا ~~الثاني القائل بلسان الرب: «بمن تشبهونني وتسوونني وتمثلونني لنتشابه؟» وهو الذي شدد النكير ~~عليهم قائلا: إن الله هو الأول منذ القدم، وهو المخبر منذ البدء بالأخير، ونعى عليهم أن ~~يعبدوا صنما «يرفعونه على الكتف ويحملونه ويضعونه في مكانه ليقف في موضع ولا يبرحه، ~~ويناديه الداعي فلا يجيب.» # وكان سقوط الدول الكبيرة في عهد أشعيا الثاني مؤذنا باقتراب يوم إسرائيل الموعود، فقد ~~تداعت بابل ومصر وآذنت فارس بالتداعي والانقسام، فتجدد رجاء إسرائيل في ملك العالم، وفسروا ~~سقوط الدول الكبرى بغلبة «يهوا» عليها وعقوبته لها على ما أسلفت من الإساءة إلى شعبه، ولاح ~~لهم - لأول مرة - أن ربهم يبسط ظله على الأرض بما رحبت، وأن يوم الخلاص الموعود جد ~~قريب. # والغالب في وصفهم للإله أنه غيور شديد البطش متعطش إلى الدماء، سريع الغضب ينتقم من شعبه ~~كما ينتقم من أعداء شعبه، ولكن موسى عليه السلام وصفه بالرحمة وفريقا من أنبيائهم وصفوه ~~بالحب واللطف وعلموهم أنه يحب عباده ويطلب من عباده أن يحبوه، أو كما قال هوشع «إنه يريد ~~رحمة لا ذبيحة» وأن خلائق العدل والحق والإحسان والمراحم هي خلائق الأبرار. ~~••• # وقد شغلت العقائد الإسرائيلية حيزا كبيرا من مقارنات الأديان؛ لأنها «أولا»: نقطة ~~التحول بين العبادات القديمة والعبادات في الديانة الكتابية، ولأنها «ثانيا»: صحبت التطور ~~في فكرة المسيح المنتظر في مبدئها، فكانت تمهيدا متواليا للدعوة المسيحية، وهي أوسع ~~الدعوات الكتابية انتشارا بين الأمم التي عنيت بالدراسات العلمية الحديثة في مقارنات ~~الأديان. # ولأنها «ثالثا»: موضوع مقابلة مستفيضة بينها وبين عقائد البابليين والمصريين والفرس ~~والهنود الأقدمين، ولها صلة قريبة بعقائد اليونان قبل عصر الفلسفة وبعدها إلى عصر السيد ~~المسيح. # فكانت العقائد الإسرائيلية نقطة التحول؛ لأنها بدأت بتصور الإله على ms093 صورة إنسان يأكل ~~ويشرب ويتعب ويستريح ويغار من منافسيه ويخص قبيلته وحدها بالبركة والتشريع، وقرنت هذه ~~الصورة تارة بعبادة الأصنام وتارة بعبادة الموتى أو ظواهر الطبيعة وتماثيل الطواطم من ~~الحيوان والنبات، ثم تطورت صفات الله في اعتقاد أبنائها من أعلى إلى أعلى حتى عبدوا الإله ~~الأحد المنزه عن التجسد وعن خلائق البشر القادر على كل شيء والعليم بما كان ويكون، والرحيم ~~الذي يحب الرحماء والودعاء والعاملين بالبر والعدل والإحسان. # ثبتت فكرة «المسيح المنتظر» في عقائد بني إسرائيل بعد زوال ملكهم وانتقالهم إلى الأسر في ~~بابل قبل الميلاد بنيف وخمسة قرون، ومعنى كلمة المسيح «الممسوح بزيت البركة»؛ لأنهم كانوا ~~يمسحون به الملوك والأنبياء والكهان والبطاريق، فكان شاؤل الملك يسمى بمسيح الرب كما جاء ~~على لسان داود في كتاب صموئيل الأول: «حاشاني من قبل الرب أن أعمل هذا الأمر بسيدي مسيح ~~الرب ...» وكانوا يمسحون الأنبياء بالزيت المبارك كما جاء في كتاب الملوك الأول «وامسح أليشع ~~بن شافاط ... نبيا عوضا عنك» ويمسحون به الكهان كما جاء في كتاب الخروج: «هذا ما نصنعه لهم ~~لتقديسهم ... نأخذ دهن المسحة ونسكبه على رأسه ونمسحه» ويمسحون به البطارقة ويسمونهم بالمسحاء ~~كما جاء في المزمور الخامس بعد المائة: «لا تمسوا مسحائي ولا تسيئوا إلى أنبيائي ...» بل ~~كانوا يمسحون به كل ما يريدون تقديسه كما جاء في كتاب اللاويين: «ثم أخذ موسى دهن المسحة ~~ومسح المسكن وكل ما فيه وقدسه، ونضح منه على المذبح سبع مرات، ومسح المذبح وجميع آنيته ~~والمرحضة وقاعدتها لتقديسها، وصب من دهن المسحة على رأس هارون ومسحه لتقديسه.» # وكانوا في مبدأ الأمر ينتظرونه ملكا فاتحا مظفرا من نسل داود، ويسمونه ابنا لله كما ~~قال ناتان لداود عليه السلام في كتاب صموئيل الثاني: «هو يبني بيتا لاسمي وأنا أثبت كرسي ~~مملكته إلى الأبد ... أنا أكون له أبا وهو يكون لي ابنا.» # ولكنهم أطلقوا اسم المسيح على كل من يعاقب أعداءهم ويفتح لهم باب الخلاص من أسرهم كما ~~فعل كورش بالبابليين، فجاء في كتاب أشعيا: «هكذا يقول ms094 الرب لمسيحه: لكورش الذي أمسكت بيمينه ~~لأدوس به أمما ...» # وخطر حينا للنبيين زكريا وحجاي في أواخر القرن السادس قبل الميلاد أن زر بابل - والي ~~يهودا - هو المسيح المنتظر؛ لأنه أعاد بناء البيت في السنة الثانية للملك داريوس. # وتهذبت هذه العقيدة مع الزمن فأصبحوا ينتظرون الخلاص على يد الهداة العادلين بعد طول ~~انتظاره من زمرة الغزاة الفاتحين، فقال زكريا في رؤياه: «ابتهجي جدا يا ابنة صهيون، اهتفي ~~يا بنت أورشليم، هو ذا ملكك يأتي إليك، هو عادل ومنصور وديع، راكب على حمار، على جحش ابن ~~أتان.» # وقد طالت المقارنات بين بعض الصلوات الإسرائيلية وبعض الصلوات المصرية، ولكن علماء ~~الأديان عقدوا المقارنة الكبرى بين مأثورات بابل وفارس ومأثورات إسرائيل. # فقصة الخليقة في العقائد الإسرائيلية الأولى تشابه قصة الخليقة في ألواح بابل، وعقيدة ~~«المخلص» المنتظر موجودة في الديانة الفارسية وموجودة في الديانة الإسرائيلية، وكان ~~البابليون يؤمنون بأن الإنسان تمرد على قسمة الموت، وطمح إلى خلود كخلود الأرباب، فبحث عن ~~ثمرة البقاء في السماء، وخدعه إله ماكر عن بغيته، فناوله بديلا منها ثمرة تشبهها في ظاهرها ~~ولكنها ثمرة الفناء، وهي ثمرة الحب التي تعطي الفناء في صورة البقاء، وهذه في جملتها لا في ~~تفصيلها قريبة من المأثورات الإسرائيلية في هذا الموضوع. # وعند البابليين قصة مفصلة عن الطوفان، ولكنها في الواقع قصة متواترة شاملة توجد بقاياها ~~في المأثورات القديمة من أمريكا الجنوبية إلى الهند، فيروي أهل إقليم كنديماركا # Cundimarca # بأمريكا الجنوبية أن امرأة الرجل المقدس ~~بوشيكا أولعت بالسحر وأصغت إلى وسواس الشيطان فأخرجت نهر فونزا # Funzha # من مجراه وأغرقت الإقليم كله بإنسانه وحيوانه ونباته، فلم يعتصم ~~منه إلا من تبع بوشيكا إلى الجبال، ثم عاد بوشيكا فجمع قومه وعلمهم عبادة الشمس وأسلم ~~الروح. # وقصة الطوفان عند المكسيكيين المعروفين بالشيشميين # Chichimygues # أن العصر الأول من عصور الخليقة وهو المسمى عندهم بعصر ~~أتوناتيو - أي عصر شمس الماء - قد انتهى بطوفان جارف نجا منه رجل واحد اسمه تزبي وامرأته ~~ششكتزال، وكانت نجاتهما على زورق مصنوع من خشب الصفصاف، ms095 ويروي أهل بيرو قصة شبيهة بقصة ~~المكسيكيين. # وأهل فريجية بآسيا الصغرى يروون قصة الطوفان ويجعلونها في زمن ملك من ملوكهم يسمى ~~ناناشس # Nannachus # ويسمون البلد الذي لجأ إليه الهاربون ~~من الطوفان باسم «كيبوتوس»، ومعناها السفينة في لغة الفريجيين. # وقد ترجم ماكس موللر قصة عن السنسكريتية خلاصتها أن ناسكا دعا بماء في الصباح ليغتسل، ~~فوثبت له من الماء سمكة وقالت له: احفظني فإنني سأحفظك، فسألها: ومم تحفظينني؟ قالت: من ~~الطوفان الذي سيغرق كل هذه الخلائق، وسيأتي الطوفان يوم أكبر، فاعلم يومئذ أن الساعة قد ~~أزفت، وابن لك سفينة، واتخذني دليلا للنجاة. # ويعود الإغريق بقصة الطوفان إلى عهد أوجيج # Ogyge # ملك ~~أتيكا الأول، ولعل اسمه مأخوذ من كلمة أوجا # Augha # السنسكريتية بمعنى الطوفان، وعندهم أن الماء علا حتى بلغ السماء فلاذ الملك وخاصة أهله ~~بسفينة صنعها فنجا عليها من الموت، وفي رواية إغريقية أخرى أن زيوس غضب على البشر فأغرقهم، ~~وعلم برجيوس بما انتواه فنصح لابنه دوكاليون أن يصنع السفينة لينجو عليها، فصنعها ونجا ~~عليها مع زوجته بيرها إلى جبل البرناس. # ويقول اللتوانيون في قصتهم عن الطوفان: إن الإله برمزيماس غضب على الدنيا فأرسل عليها ~~ماردين هما «واندو» و«ويجاس» أي الماء والريح، فغرق كل من في الأرض إلا من ألهمه الإله أن ~~يعتصم بالجبل. # وقصة البابليين كما نقلها المؤرخ الإغريقي بيروسس # Berosus # قديما تزيد على قصة الغرق والنجاة بقصة ألواح التشريع، وخلاصتها ~~أن إكزيسترس # Xisurus # الذي نجا بالفلك أحس قرب الطوفان فدفن ~~في الأرض ألواح الشريعة، وتفقدها أبناؤه بعد هبوط الماء فاستخرجوها من مكانها، فهي أساس ~~النظام في دولة البابليين. # وتستند قصة الطوفان عند البابليين إلى تقدير من تقديرات علم الفلك أو على الأصح علم ~~التنجيم، يزعمون فيه أن العالم تتعاوره في الآباد الطوال أدوار الطوفان وأدوار الحريق، ~~ويختلفون في تقدير هذه الأدوار بالسنين الكونية ولكنهم يحسبون السنة الشمسية كأنها ثانية ~~بالنسبة إلى اليوم العالمي أو كأنها ثانيتان بحسابنا؛ لأنهم كانوا يقسمون النهار والليل إلى ~~اثنتي عشرة ساعة لا إلى أربع وعشرين، ms096 ويحسبون السنة العالمية كأنها يوم في السنة الكونية ~~التي تقع أدوار الفناء بحسابها، وقد اختلفوا كما أسلفنا في تقدير مدة هذه الأدوار، ولكنهم ~~يقولون إن الغرق الكوني يحصل كلما اجتمعت الأفلاك السماوية في برج الجدي، وإن الحريق الكوني ~~يحصل كلما اجتمعت في برج السرطان، وهنا يقع الخلط بين حساب الآباد وحساب الفصول الأرضية كما ~~لاحظ العلامة جومبيرز مؤرخ الفلسفة اليونانية الكبير، فإنهم وهموا أن الحريق الكوني من ~~حرارة الصيف، وأن الغرق الكوني من برد الشتاء كما يقعان في تقلبات الفصول. # وعموم قصة الطوفان يثبت وقوع الطوفان وإن تقادم به العهد فتعددت به الروايات. # وقد طالت المقارنات كما أسلفنا بين مصادر العقيدة عند الإسرائيليين ومصادرها عند شعوب ~~بابل ومصر وفارس والهند على التخصيص. # فبعض علماء المقارنات يرى أن البابليين نقلوا قصة الخليقة وقصة الطوفان من قوم إبراهيم ~~عليه السلام لأنه نشأ فيهم قبل الميلاد بألفي سنة على التقريب. # وبعضهم يرى على نقيض ذلك أن هذا النقل جائز في المأثورات التي انقطعت أسنادها وأمكن أن ~~تبدأ عند البابليين والإسرائيليين على السواء، ولكنه غير جائز في المأثورات التي تسلسلت مما ~~قبلها في عقائد بابل وفارس. # ونحن هنا لا تعنينا مقارنات العقائد إلا من جانب واحد، وهو جانب التطور البشري في إدراك ~~صفات الله. # ومتى قصرنا النظر على هذا الجانب فالثابت من تاريخ الديانة الإسرائيلية أنها انقلبت بعد ~~عصر إبراهيم عليه السلام إلى وثنية كالوثنية البابلية، وأن التوحيد الذي بشر به إخناتون في ~~مصر القديمة سابق لشيوع التوحيد في شعوب إسرائيل، ولكن العقيدة الإسرائيلية عاشت بعد اختفاء ~~عقيدة إخناتون وبعد عصر موسى عليه السلام، فكانت هي كما تقدم نقطة التحول في تطور الاعتقاد ~~بالله بين الأمم التي تؤمن اليوم بالأديان الكتابية. # | الفلسفة # أول ما يقع في النفس من متابعة الأطوار الدينية كما أوجزناها كل الإيجاز فيما تقدم - أن ~~مهمة الدين هي مهمة النوع الإنساني كله، قد تلمس فيها السبيل القويم من أقصى عصور ماضيه إلى ~~حاضره الذي نحن فيه، وأنه كلما ترقى بتفكيره وترقى ms097 بأخلاقه وأحواله تهيأ لقبول عقيدة ~~التوحيد، وترقى في هذا الاتجاه من تنزيه إلى تنزيه، ومن كمال إلى كمال. # وتتجلى هذه الظاهرة في الأديان القديمة التي أتمت نضجها وبلغت مستقرها في زمانها واستكملت ~~من قبل جميع شعائرها، كالديانة المجوسية التي أسلفنا تلخيصها كما اعتقدها أهلها قبيل ~~الميلاد وبعده بقليل، فإن أبناءها قد أخذوا بعقيدة التوحيد بعد احتكاكهم بالمسلمين، وأصبح ~~المجوس الذين يسمون اليوم بالپارسيين يؤمنون بإله واحد: هو إله الخير يزدان، ولا يشركون ~~معه أهرمن كما فعل أسلافهم الأقدمون. قال العلامة جيمس دارمستتر # Darmesteter # في كلامه على زرادشت من كتاب حوادث العالم ~~الكبرى: «إنهم قد انتهوا إلى الوحدانية، وإن الدكتور ويلسون حين كان مشغولا بمناقشة ~~الپارسيين منذ أربعين سنة - نعت دينهم بالثنوية، فأنكر مجادلوه هذه التهمة، وقالوا: إن ~~أهرمن لم يكن له وجود حقيقي، وإنما هو رمز لما يجيش بنفس الإنسان من خواطر السوء، فلم يعسر ~~على الدكتور أن يبدي لهم أنهم يناقضون بذلك كتبهم المقدسة، ولم يزل النقاد الأوربيون حينا ~~بعد حين يعجبون للتقدم الذي تقدمه الپارسيون في المذهب العقلي بعد مدرسة فولتير وجيبون، ~~ولكن الواقع أنه ليس للمذاهب الأوربية تأثير وراء هذا التقدم، فإن الپارسيين قبل أن يسمعوا ~~بأوربة والمسيحية وجد فيهم من فسر أسطورة تاموراث الذي امتطى هرمن ثلاثين سنة كما يمتطى ~~الحصان - بأنها تعني أن ذلك الملك قد كبح شهواته وزجر نوازع الشر التي تحيك بسريرة الإنسان، ~~وشاع فيهم هذا التفسير المثالي نحو القرن الخامس عشر للميلاد، ولا يزال شائعا اليوم بين ~~المفسرين، وليس في الوسع أن نقرر على التحقيق مبلغ تأثير الديانة الإسلامية في هذا التحول، ~~فقد نلمح هنالك علامات ضعيفة على ابتدائه منذ عهود المجوس الأقدمين.» # ولا بد أن نلاحظ هنا أن المهم هو تهيؤ الذهن للتوحيد، وليس المهم هو ما قصده الإنسان في ~~نيته وعمله فعلا في هذا السبيل. # فلا الحقائق الدينية ولا الحقائق العلمية يقدح فيها ما قصده العقل أو قصدته النوازع ~~النفسية قبل الوصول إليها. # فإن الإنسان قصد تسيير السفن وتنظيم الملاحة ms098 فعرف الفلك ورصد ظواهر السماء، وقصد قياس ~~المزارع فعرف الهندسة، وقصد الذهب فعرف الكيمياء، وقصد الشعوذة فعرف الطب، وبدأ بالفلسفة من ~~بداءات أعجب من بداءات الأديان، ولم يحسب ذلك عيبا على الحقائق التي انتهى إليها من هذا ~~السبيل. # فالمهم في الأطوار الدينية هو الحافز الدائم الذي لزم النوع الإنساني من أقدم عصوره، وهو ~~الوجهة القويمة التي يسعى إليها ويقترب منها، ولا تزال بداهة الفطرة سابقة فيها لأشواط ~~العقل في مضمار الفلسفة والتفكير ، وهذه هي معجزة الجهود الدينية عند الالتفات إليها وإنعام ~~النظر فيها، فإن عقول الفلاسفة أقدر على التأمل من بداهة الجماعات، ولكن الذي رأيناه في ~~تاريخ الفلسفة قديما وحديثا أنها أخذت من بداهة الجماعات آساسها المتينة، ولم ترتفع إلى ~~ذروة أعلى من التي ترقى إليها الضمير بعقيدة التوحيد والتنزيه، ولا نفهم هذا عقلا إلا على ~~اعتبار واحد، وهو أن هداية الله تأخذ بيد الإنسان خطوة فخطوة في هذا المرتقى الوعر، فيهتدي ~~في كل مرحلة من مراحلها بمقدار. # لقد آمن الإنسان بالإله الواحد من طريق العقيدة قبل الميلاد بأكثر من عشرة قرون، ولكنه لم ~~يعرف «السبب الأول» من طريق الفلسفة إلا حوالي القرن الرابع قبل الميلاد، وكان جل اعتماده ~~في ذلك على الدين. # فمن الدين تلقى الفلاسفة فكرتهم عن الروح، ومن الدين تلقوا فكرتهم عن بطلان الظواهر ~~المادية، ومنه تعلموا التفرقة بين العقل والمادة فتعلموا كيف ينفذون إلى ما وراء الحس ~~ويوغلون في تصفية كنه الموجودات إلى أعماق لا تغوص فيها الأجسام وآفاق لا تدركها ~~الأبصار. # وقد استعاروا من الأديان الأولى عقائد المؤمنين بها في تعليل أصول الكائنات والتنبؤ عن ~~مصيرها بعد وفاء آجالها من الوجود، فقالوا: إن السماء والأرض خلقتا من الماء، وقالوا ~~بالدورات الكونية التي تبدئ العالم وتعيده كرة أخرى على طويل الأدهار والآباد، وقالوا ~~بالحساب والعقاب كما قال سابقوهم من المتدينين، وفهموا أن قدرة الله تخالف قدرة القوى ~~المادية التي تعمل بالجهد والعناء، فتعلموا أن الله يخلق بالكلمة أو بالمشيئة فيفعل ما ~~يريد، وأخذوا من الديانات القديمة ms099 صوابها وخطأها وحقائقها وأوهامها، ثم محصوها ومحضوها فلم ~~يجاوزوا بالتمحيص والتمحيض آفاق الإيمان بوحدانية الله. # وإننا لنحسب أن الاهتداء إلى القوة الروحية أو قوة العقل هو أعلى ما ارتفع إليه فكر ~~الإنسان وضميره، بإلهام الدين وبحث الفلسفة والعلوم، فليست القوة كثافة ولا مادة مجسمة ~~للعينين واليدين، وإن القوة المادية نفسها حين تدخل في حساب العقل لهي أقرب إلى أن تقاس ~~بالأرقام والتقديرات من أن تقاس بالثقل والضخامة، بل الثقل نفسه ليس هو إلا معنى من المعاني ~~نسميه بالجاذبية ونقيسه بالتقديرات الرياضية. # ولهذا نستكبر على البادئين بهذه الفكرة المنزهة قبل عشرات القرون أنهم وثبوا إليها وثبة ~~واحدة وقصدوا بها ما نقصده اليوم حين نتكلم في الفلسفة تارة ونتكلم في العلوم الطبيعية تارة ~~أخرى. # ونتخذ من تطور هذه الفكرة مثالا للأساليب الإنسانية في الوصول إلى حقائق الأشياء، ~~ودليلا على القاعدة التي نقررها لوزن الأطوار الدينية بميزانها الصحيح، وهي أن العبرة ~~بالوجهة التي نبلغها لا بالدواعي التي تحركنا إلى تلك الوجهة، وإن قصد الإنسان لا يعبر تمام ~~التعبير عن قصد القضاء الذي يسيره ويغريه بالعمل والاجتهاد. # فنحن نرجح أن العقل الذي خطر له أن الله يخلق بكلمة ولا يخلق بجهد من جهود الحركة المادية ~~- قد استعار هذه الفكرة السامية من شيء رآه لا من شيء بحثه واستقصاه. # وأقرب هذه الأشياء المرئية إليه هي قدرة الساحر على التأثير بكلمة يقولها والسيطرة على ~~الأجسام والأجرام الضخام بالهمهمة والتعزيم، وهي ضرب من الكلام. # والله أقدر من الساحر، فإذا قدر الساحر أن يحرك الصخور بكلمة ويكسر السلاح بكلمة، ويقتل ~~العدو الشجاع بكلمة، فأولى بالخالق الأعظم أن يملك هذه القدرة ويملك ما هو أعظم منها وأدل ~~على المضاء ونفاذ المشيئة، فلا جرم يشاء فيكون ما يشاء. # فلما جاءت الفلسفة وتناولت هذه الفكرة الكبرى لم تصل إلى شوط أبعد من شوطها ولكنها وصلت ~~إلى بداءة أقوم من بداءتها، فكان مثلها في هذا كمثل من وجد الكنز ورسم الدروب التي تتأدى ~~إليه، وكان مثل الأسبقين كمثل من عثر بالكنز فوقع ms100 فيه، وبقي الكنز بجوهره ونفاسته لمن يسلك ~~إليه منهجه القويم. # وسنرى للفلسفة - كما رأينا العقيدة - بدايات كثيرة كهذه البداية وتوفيقات كثيرة كهذا ~~التوفيق. # بل سنرى أن بداية الفلسفة نفسها لم تخل من توفيق بين لا يد فيه لتدبير ~~ذويه. ~~••• # فقد كان للتوفيق يد ملحوظة في زمان الفلسفة ومكانها، فبدأت حوالي القرن السادس قبل ~~الميلاد في العصر الذي بلغت فيه الديانات القديمة أقصى آمادها من تصور الفكرة الإلهية ~~والعقيدة الروحية، وكان ذلك العصر هو عصر النضج والتمام في الديانة الإسرائيلية، وهي آخر ~~الحلقات في السلسلة القديمة وأول الحلقات في سلسلة جديدة من ديانات الوحي والأنبياء، أو ~~الديانات الكتابية. # أما مكان الفلسفة اليونانية فهو رقعة من الأرض على اتصال بأبناء كل دين قديم من تخوم ~~الهند إلى ضفاف النيل، وزاد اتصالها بتلك الأمم زحوف الفاتحين وجموع المهاجرين، تارة من ~~الشرق إلى الغرب وتارة من الغرب إلى المشرق، فكان اليونان في آسيا الصغرى يعرفون عبادات ~~المجوس والبابليين والمصريين واليهود وكان روادهم ورحالوهم يتنقلون بين الأقطار فيعرفون ~~فيها ما لا يعرف في بلادهم من الخفايا والأسرار، وساعدهم الحظ فخلت بلادهم من الكهانات ~~الراسخة التي تستأثر بالتفكير في مسائل الكون ومسائل العقيدة؛ لأن الكهانات الراسخة إنما ~~تقوم مع العروش العريقة على أودية الأنهار الكبار، كمصر والعراق وبعض الأقاليم الهندية، ولم ~~يكن في أرض يونان كلها نهر تتأثل عليه دولة شامخة وكهانة مستقرة، فطرقوا أبواب الفكر ~~أحرارا غير محجمين عن معضلة معقدة ولا منقادين لإمامة متحكمة، فاختاروا فيما أخذوه ~~واختاروا فيما نبذوه، وتزودوا من رسالة الإيمان لرسالة البحث في الحكمة والعلوم. # وهم - على إعفائهم من سلطان الهياكل العريقة - لم تخل فلسفة لهم قط من فكرة دينية في ~~أساسها أو في مضامينها، ولا استثناء في ذلك لأكبرهم وأقدرهم، وهم سقراط وأفلاطون وأرسطو. ~~فإن طلاقة أرسطو في مباحثه العلمية والفلسفية لم تخرجه من سلطان الفكرة الدينية في القول ~~بالهيولى والحركة الأولى، فلولا الإيمان بالخالق والمخلوق والروح والجسد لما خلص أرسطو إلى ~~الصورة والمادة والتفرقة بين العقل والهيولى. # وأول ms101 المشهورين من فلاسفة اليونان طاليس المليطي الملقب بأبي الحكماء، كان يقول - كما ~~قالت الأديان - من قبله إن الماء أصل كل شيء، وإن الروح تحرك المادة، فما من متحرك إلا وهو ~~ذو روح أو منقاد لذي روح، ولا يستطيع المغناطيس مثلا أن يجذب الحديد إلا بروح فيه. # ويظن شارحوه أنه قال بأصالة الماء لأنه رأى النطفة سائلة ورأى النبات الرطب يدخل الجسم ~~فينقلب فيه إلى حرارة حيوانية، ووهم أن الأرض سابحة على الماء ، وأن الشمس تخرج منه وتعود ~~إليه، فإذا غلظ فهو أرض وإذا رق فهو بخار أو نار أو هواء. # والعالم على زعمه مملوء بالأرباب، وهي التي تحرك فيه كل متحرك من الحي والجماد. # وجاء بعده أنكسماندر - ولعله أكبر الحكماء من هذا الطراز - فقال إن الأشياء كلها تخرج من ~~مادة أولية، ولكنها ليست الماء ولا النار ولا الهواء ولا التراب؛ لأن الماء لو كان أصلا ~~لهذه العناصر لغلب عليها وطردها، وكذلك التراب والهواء والنار فهي إذن سواء كلها في ~~الانتساب إلى أصل أقدم منها، وهي تتزاوج وتتمازج ويود كل عنصر منها أن يجور على حصة غيره في ~~الوجود، فإذا خرج بها الشطط عن سواء الاعتدال عادت كلها إلى معدنها الأول وزالت الفوارق بين ~~الأجسام والأحياء لتعود إلى الوجود من جديد، وهكذا دواليك في حركة دائمة لا انقطاع لها منذ ~~القدم إلى غير نهاية، فهي على هذا دورات كونية كالدورات التي قال بها الهنود ~~البابليون. # ويقول أنكسماندر بالتطهير والتكفير في دورات الخلق المتعاقبة كما يقول بهما الهنود، «فإلى ~~المعدن الذي خرجت منه الأشياء تعود كرة أخرى كما قضي عليها، تكفيرا وترضية عن جور بعضها ~~على بعض، وفقا لقضاء الزمن.» # وهو يقول بخروج الإنسان الأول من الماء وطين البحر، ولكنه يستبعد خروجه دفعة واحدة لأنه ~~في طفولته غير مستغن عن الحضانة والكفالة، وكان الأقدمون يزعمون أن سمك «القرش» يقذف جنينه ~~من فيه ثم لا يزال يبتلعه ويقذفه في كل مرة أكبر مما قبلها حتى يبلغ أشده، فيرسله في الماء ~~ولا يعود إلى ms102 ابتلاعه، فخطر لأنكسماندر أن الإنسان الأول ربما خرج من جوف حيوان آخر على هذه ~~الوتيرة، ولا يبعد أنه استعار هذا الخاطر من أساطير أهل بابل وما يروونه عن «الإنسان» ~~المائي الذي يتألف من نصف إنسان ونصف حوت. # وظاهر من أقوال أنكسماندر أن مسألة الخلق عنده هي مسألة تحول من شكل إلى شكل ومن صورة إلى ~~صورة، وليست مسألة إنشاء أو إحداث بعد عدم، وإن المادة الأولية التي تئول إليها جميع ~~الموجودات هي كذلك مصدر الأرباب وأنصاف الأرباب، ومصدر الحركات والمتحركات، ولا مهرب لرب أو ~~مربوب من الفناء آخر الأمر في معدنها الأصيل، وهذا بعينه هو مذهب الهنود كما قدمناه. # ولم يزد أناكسمين - تلميذ أنكسماندر - شيئا يذكر عن أقوال أستاذه في باب المعرفة ~~الإلهية، وإن كانت له تخمينات قيمة في الجاذبية والذرات وتعريفات الحركة، وقد ختمت به مدرسة ~~مليطية ومات في الربع الأخير من القرن السادس قبل الميلاد. ~~••• # وكأنما كانت مدرسة مليطية نفخة في بوق مسموع في طليعة جند الحكمة، ولا سيما الحكمة ~~الإلهية، فإن آسيا الصغرى وما حولها أنجبت في الجيل التالي لجيل طاليس وزملائه طائفة من ~~أعظم الفلاسفة أثرا في مذاهب الحكمة الإلهية، ومن هذه الطائفة أكسينوفان وهيرقليطس ~~وفيثاغورث وديمقريطس وأنكسغوراس ورسالة أكسينوفان الكبرى تنحصر في إنحائه الشديد على كل ~~تشبيه أو تمثيل توصف به الأرباب؛ لأن حقيقة الإله عنده من وراء خيال الإنسان، وإنما يتخيل ~~الإنسان أربابه على هيئته ويعزو إليها أخلاقا كأخلاقه وأعمالا كأعماله، ولو كان للحصان يد ~~تحسن التصوير وسئل أن يصور إلهه لصوره حصانا مثله، ولو تخيل الأثيوبي ربه لتخيله أسود أفطس ~~على مثاله، وهيهات للعقل البشري أن ينفذ إلى الحقيقة الإلهية أو يقاربها بعض المقاربة، فكل ~~ما قيل عنها وما سيقال قد يكون فيه الصواب أو بعض الصواب، ولكنها مصادفة يجهلها القائل ولا ~~يقيسها السامع بقياس معلوم. # أما هيرقليطس فلعله أعظم هؤلاء الأربعة أو أعظم فلاسفة آسيا الصغرى على الإطلاق. # ويرجح أن هيرقليطس اتصل ببعض الآراميين أو ببعض اليهود؛ لأن الآراميين الذين تهودوا كان ms103 ~~من عادتهم - كما يتبين من ترجمتهم للتوراة المعروفة بالترجوميم - أن يذكروا كلمة الله ~~«ممرا» # Memra # والحضور «شكينة» من السكن أو مكان الحضور، ~~وينسبون إليها أعمال الله في مقام الإشارة والتعظيم، فيقولون حضرة الله كما يقولون كلمة ~~الله وهم يعنون الإله، ويؤثرون الإشارة إليه تعظيما له عن الذكر الصريح، ومثل هذا شائع إلى ~~اليوم في اللغات الشرقية التي تذكر الحضرة وتعني صاحب الحضرة، وتذكر الأمر والكلمة وتعني ~~صاحب الأمر والكلمة، فكلمة الله على هذا المعنى ترادف أمر الله أو مشيئة الله عند الآراميين ~~واليهود. # وكان هيرقليطس يقول: إن الكلمة # Logos # هي مساك الوجود ~~كله، وإنها هي النظام الذي يحيط به ويتغلغل فيه، وإنها لا تصنع إلا الصالح من الأمور «فعند ~~الله كل شيء جميل وخير، ولكن الناس هم الذين يعتبرون بعض الأمور من الخير وبعضها من ~~الشر.» # وتكاد الكلمة عنده أن تكون مرادفة لمعنى الله، فهي النظام الذي يضع كل شيء في موضعه. ~~وكذلك الله: «هو النهار والليل والشتاء والصيف، والحرب والسلم، والشبع والجوع، ويتخذ ~~الأشكال والمظاهر على اختلاف، كالنار وهي تمتزج بالأبازير فيسمى كل منها باسمه لا باسم ~~النار.» # والاختلاف هو أساس الانسجام والنظام، فلولا النقائص لما كان النغم المنسجم، ولولا التعدد ~~لما كانت الوحدة، «فكل شيء يأتي من الأحد، والأحد يأتي من كل شيء، ولكن الكثرة دون الوحدة ~~في الوجود الحقيقي، وذلك هو الله.» # لكن هيرقليطس لا يقول بالخالق ولا بحاجة الموجودات إلى موجد. «فهذه الدنيا التي هي سواء ~~للجميع لم يخلقها أحد من الآلهة ولا من الناس، ولكنها كانت منذ الأزل وتكون الآن وتظل كائنة ~~في كل زمان، نارا خالدة تتقد بحساب وتنطفئ بحساب.» # فالنار هي أصل العناصر وهي المصدر الأول لجميع الكائنات، وهي حركة دائمة لا انقطاع لها في ~~لحظة من اللحظات، فأنت لا ترى الشيء الواحد غير مرة واحدة، ولا ترى شمسا واحدة كل صباح، أو ~~أنت على تعبيره لا تنزل النهر مرتين؛ لأن أمواجه تطرد ولا تبقى كما لمستها في المرة الأولى، ~~وهذا الجيشان الدائم ms104 يستخرج من كل شيء ضده، وتتم الألفة بين الأضداد المتقابلة بميزان ~~العدل الذي لا يغفل ولا يني عن تسوية المقادير وزيادة الناقص ونقص الزائد، ولهذا الرأي في ~~الأضداد وتناسقها شأنه في مذاهب الفلسفة الحديثة؛ لأنه رائد الثنائية التي قال بها «هيجل» ~~واشتق منها كارل ماركس مذهبه المشهور في الثنائية المادية. # وهيرقليطس كما تقدم يقول باستغناء الموجودات عن الموجد، ولكنه يقول بحاجتها إلى العدل ~~الإلهي الذي لا قوام لها بغيره، ويتكلم عن الله كلامه عن «ذات» مدبرة مريدة ومن ذاك قوله ~~«إن الله لا شك مساك العدل في الكون كله»، و«إن أعمال الإنسان خلو من العقل ولكن أعمال ~~الله لا تخلو منه ... وما الإنسان إلا كالطفل بالقياس إلى الله ... وأعقل الناس كالنسناس ~~بالنسبة إلى الإله، وهو إذا قورن بالإله كان دميما شأئها كما يشوه أجمل القردة إذا قرن ~~بالإنسان ...» # وقد ولد فيثاغوراس في جزيرة «ساموس» على مقربة من آسيا الصغرى وكان مذهبه نسخة يونانية ~~من الديانة الهندية، فهو يقول بتناسخ الأرواح وبطلان المادة وتجدد الدورات الكونية، ولا يرى ~~حقيقة غير الحقيقة الإلهية المنبثة في الكون كله، ويفهم من كلامه أنه يقول بوحدة الوجود كما ~~يقول بالحلول أي حلول الروح الإلهية في الإنسان حتى يصبح أكثر من إنسان وأقل من إله، كما ~~قال: «هناك أرباب وأناسي، وكائنات مثل فيثاغورث» وأقدم الكائنات عنده أربعة هي: الأب والصمت ~~والعقل والحق، ومن الأولين صدر الاثنان الآخران. # وهو يوصي بالحيوان ويحرم أكل لحمه، ويعتقد أن جسد الحيوان قد يشتمل على روح إنسان يتطهر ~~بالتناسخ حتى يكفر عن آثامه فيلحق بالرفيق الأعلى، وتعفى روحه من عقوبة الرجعة إلى ~~الأجساد. # وليست النار ولا عنصر من العناصر التي حصرها القدماء في النار والتراب والهواء والماء ~~أصلا للموجودات، ولكن العدد هو أصل كل موجود لأنه يلازم الوجود ولا ينفصل عنه كما قد ينفصل ~~عنه اللون أو الثقل أو الحجم أو الكثافة المحسوسة، فالنسب العددية هي مناط الاختلاف بين ~~جميع الأشياء، وهذا الرأي - على ما يبدو من سخفه - هو أقرب إلى ms105 الصواب من آراء الفلاسفة ~~الآخرين؛ لأنه يتعزز بالكشوف العلمية عن المادة وسبب الاختلاف بين عناصرها وردها جميعا إلى ~~حركات تتمايز بالنسب العددية في الخلايا والذرات، وكان ديمقريطس يقول مثل قوله في تركيب ~~الأشياء من العدد، ولكنه يخالفه في المادية ويعني بالعدد عدد الذرات الصغيرة التي تتركب ~~منها جميع الموجودات ومنها الأرباب. # ويأتي أنكسغوراس بعد فيثاغوراس في الزمن والمكانة بين حكماء آسيا الصغرى، وهو الذي عمم ~~كلام هيرقليطس عن الكلمة # Logos # وسماها # Nous # أي العقل، ووصفه بأنه جوهر مجرد خالد واحد لا ~~يتعدد، وأنه هو مصدر حركة دوارة تدفع ما خف إلى أعلى الكون، وتهبط بما سفل إلى مركزه، وما ~~من شيء إلا وفيه أضداد حتى أصغر الذرات التي لا ترى بالعين، إلا العقل فإنه منزه عن التعدد ~~والتناقض، وهو الله أو هو الصلة بين الله والعالم، ولا فرق بين العقل في الإنسان وفي ~~الحيوان وفي الجماد إلا بالأداة التي يستخدمها، ولولا تفاوت الأجساد في إتقان الأداة لما ~~اختلفت عقول البشر وعقول الحيوانات وعقول الحجارة الصماء. # والأثر الأكبر الذي يذكر لهذا الفيلسوف أنه كان أول من نقل الفلسفة من آسيا الصغرى إلى ~~أثينا في أيام بركليس، وكانت أثينا قبل ذلك تتنكر للمباحث الفلسفية وتتهم من يبحثون فيها ~~وينقطعون عن الشعائر الدينية، ولم يسلم أنكسغوراس من تعصب أهلها لأنهم سنوا قانونا يعاقب ~~كل من يتعرض للأشياء «التي في العلى» ويهجر عبادة الأرباب الأولمبية وما جرى مجراها، ~~واتهموه بالكفر؛ لأنه كان يقول بأن الشمس صخر محمي، وأن القمر كالأرض من تراب، ولولا بركليس ~~لما نجا من مصير كمصير سقراط بعده بقليل. # وقبل أن ننتقل إلى المدرسة الأثينية الكبرى - وهي مدرسة سقراط وأفلاطون وأرسطو - نلم ~~بمدارس ثلاث من مدارس الفلسفة التي كانت لها عناية خاصة، أو كان لها شأن خاص - بمسائل ~~العقيدة الدينية، وهي مدرسة إيطاليا الجنوبية ومدرسة الرواقيين ومدرسة أبيقور، وبعض فلاسفة ~~هذه المدارس لاحق للمدرسة الأثينية في الزمان. # ويرجع نشاط المدرسة الإيطالية أيضا إلى مدارس آسيا الصغرى؛ لأن فيثاغوراس وأكسينوفان هما ~~صاحبا ms106 الفضل الأكبر في تنبيه الأذهان إلى مباحث الفلسفة في إيليا وصقلية بعد هجرتهما من ~~وطنهما الأول، وقد نبغ هنالك كثير من أصحاب الآراء الفلسفية أجدرهم بالذكر في هذا المقام ~~ثلاثة: هم بارمنيد وزينون وأمبدوقليس؛ لأنهم يمثلون كل ناحية من نواحي التفكير في مدارس ~~إيطاليا الجنوبية. # ولباب مذهب بارمنيد أنه لا وجود لغير الواحد، وأن كل وجود غيره وكل ما نراه من التعدد ~~والتغير إنما هو وهم الحس وخداع الظواهر، فلا تغيير ولا أضداد كما يقول هيرقليطس، وإنما هي ~~حالة واحدة نراها على درجات ونحسبها لذلك من قبيل الأضداد، فالبرد قلة في درجة الحرارة، ~~والظلام قلة في درجة الإضاءة، والمرض قلة في درجة الصحة، وقس على ذلك جميع الأضداد من هذا ~~القبيل. # قال مدللا على بطلان التغيير: «كيف يتأتى أن الشيء الذي هو كائن يفقد الكينونة؟ وكيف ~~يتأتى أن يكون بعد أن لم يكن؟ فإذا أحدث هذا الشيء فلا بد قبل حدوثه من زمن لم يكن فيه. ~~وكذلك يقال إذا كان حدوثه سيبدأ في المستقبل، وأين تبحث عن أصل الشيء الذي هو كائن؟ وكيف ~~ومتى يحدث نماؤه؟ لا أرى لك أن تقول: إنه يأتي من لا شيء، فإن اللاشيء لا يقبل التعبير، ولا ~~يقبل التفكير. # وما هي يا ترى تلك الضرورة التي توجده في زمن من الأزمان دون سائر الأزمان؟ كذلك يمنعك ~~النظر الثاقب أن تصدق أن الشيء الذي هو كائن يموت إلى جانبه كائن آخر.» # ومعنى هذا أنه لا شيء يأتي من لا شيء، فالعلم قديم لم يحدث، والواحد الذي يؤمن به بارمنيد ~~ليس خالقا للكون بل هو حقيقة الكون، ويقول في وصفه: إنه كرة محيطة لا تقبل التجزئة؛ لأن ~~كلها حاضر في كل جزء منها. # ويعتبر زينون الأيلي أبرع المدافعين عن مذهب أستاذه بارمنيد، فإنه أبدع تلك النقائض التي ~~رد بها على أنصار هيرقليطس وفيثاغوراس حين أنكروا الوحدة وسخروا من مذهب بارمنيد بتلفيق ~~الأحاجي والأماثيل، فأبدع لهم تلك النقائض البارعة التي تثبت بها الإحالة والخلف على ~~القائلين بالتغير والكثرة، ms107 ونجتزئ منها ببعض الأمثلة للدلالة على طريقة هذه المدرسة في ~~إثبات الوحدة الكونية ونفي التعديد والتغيير. # قال ما فحواه: إن الشيء الكثير إذا كانت كثرته بالامتداد فهو قابل للقسمة إلى شطرين، وكل ~~شطر منهما قابل للقسمة إلى شطرين، وهكذا إلى غير نهاية، وهو مستحيل؛ لأن المحدود لا يقبل ~~القسمة بغير حدود. أما إذا قلنا: إن الجزء الذي تنتهي إليه لا يقبل القسمة، فهو مستحيل ~~أيضا لأنه ذو امتداد، وكل ذي امتداد ينقسم إلى نصفين. # ويقال في الكثرة بالعدد ما يقال في الكثرة بالامتداد، فإن الأعداد منفصل بعضها عن بعض، ~~وبين كل منفصلين تقبل القسمة، ولا تزال تقبلها على النحو الذي تقدم في كثرة ~~الامتداد. # وهو يبطل الحركة؛ لأن التغيير إنما يقوم عليها، ويبدع لذلك نقيضه من قبيل نقائض الكثرة ~~فيقول: إن الحركة لا تنتهي إلى غايتها إلا إذا قطعت نصف المسافة ثم نصف النصف إلى غير ~~نهاية، ومن التناقض أن يقال إن حركة تنتهي بلا نهاية، ويضرب مثلا آخر بالمسابقة بين ~~عداء وسلحفاة فيقول: إذا سبقت السلحفاة العداء بأقصر مسافة فإن العداء لا يلحق ~~بالسلحفاة إلا إذا عبر المسافة التي بينهما، وفي هذه الأثناء تكون السلحفاة قد سبقته إلى ~~مسافة أخرى لا بد له من عبورها، وهكذا إلى غير انتهاء، وهو محال. # وأكثر هذه النقائض من قبيل المغالطات؛ لأنه يعتبر فيها الزمان ولا يعتبر المكان أو يعتبر ~~فيها المكان ولا يعتبر الزمان، ولكن كلامه عن الجزء الذي لا يتجزأ ينطوي على معنى صحيح يدل ~~على ضلال الحس في تصور المادة والفضاء، ولعل أفضل الحلول لهذه المناقضة هو حل الأفلاطونيين ~~الذين قالوا إن الجسم يتجزأ إلى أن ينمحق فيصير هيولى، أي مادة أولية، والمادة الأولية هي ~~الذرة المنحلة. # ولم يأت زينون الأيلي في باب الإلهيات برأي يزيد على رأي أستاذه، فهو يؤمن بالواحد الذي ~~لا يتعدد، ولا يجعله إلها خالقا منشئا للعالم من العدم؛ لأنه لا يؤمن بالتغيير ولا بحدوث ~~شيء من لا شيء! # أما أمبدوقليس فهو أقرب الفلاسفة إلى زمرة ms108 الشعراء، وكان ينظم فلسفته ويعتمد فيها على ~~الخيال، فقد تخيل العالم كرة، وقال: إن الحب هو إله العالم، والنزاع عدوه الراصد له على ~~الدوام، وكان الحب بداءة في داخل الكرة والنزاع خارجها، فكان الناس يعبدون أفروديت ربة الحب ~~وحدها، ويتجنبون التقرب إليها بالذبائح وسفك الدماء، ثم تطرق النزاع إلى داخل الكرة وخرج ~~الحب منها، ولا يزالان كذلك حتى يتغلب النزاع على الحب، فتتمزق أوصال الوجود، وتنتهي دورة ~~من دورات الأبد، ويبدأ الخلق من جديد. # وكان أمبدوقليس يدعي الحلول ويزعم أنه مشتمل على روح إله، ويروي تلاميذه معجزات له تحسب ~~من خوارق العادات، ويلتمسون منه البركة والرضوان كأنه من القديسين. # وأبقى ما بقي من آرائه في الإلهيات والطبيعيات أن الله «حب» وأن العناصر أربعة: وهي النار ~~والتراب والهواء والماء، وكان السابقون له يذكرونها عرضا ولكنهم لا يعتبرونها مبادئ المادة ~~على سبيل التحديد. ~~••• # أما المدرسة الرواقية فقد أوشكت أن تكون نحلة دينية؛ لأنها امتازت بعلم كعلم اللاهوت في ~~المسيحية أو علم الكلام في الإسلام، وهي لاحقة لمدرسة سقراط وأفلاطون وأرسطو في تاريخ ~~الظهور، ولكننا نفردها على حدة قبل الكتابة عن المدرسة الأثينية؛ لأنها نمط مستقل في مباحث ~~الفلسفة على الإجمال، وبينها وبين المدرسة الأثينية فرق واضح في الطبيعة والموضوع. # وأشهر فلاسفتها المستجمعين لنواحي التفكير فيها ثلاثة: هم زينون وكليانتاس وشريسبس، وكلهم ~~متقاربون في تاريخ الميلاد. # فزينون ولد سنة 336 قبل الميلاد في قبرص وعاش وعلم في أثينا، وخلاصة رأيه أن الموجود هو ~~الفاعل أو المنفعل، وأن أصل الموجودات كلها النار، وأصل النار الهيولى، والله هو العقل ~~الفاعل والهيولى هي المادة المنفعلة، ولكنه لا يؤمن بوجود لشيء غير مادي، فالله عنده ~~«أثير» لطيف، وروى عنه جالينوس أنه يعارض أفلاطون؛ لأن أفلاطون كان يرى أن الله جوهر منزه ~~عن المادة الجسدية، وزينون يقول: إنه جوهر ذو مادة # Soma # وأن الكون كله هو قوام جوهر الإله، وإن الإله يتخلل أجزاء الكون كما يتخلل العسل قرص ~~الخلايا، وأن الناموس # Nomos # وهو بعبارة أخرى مرادف للعقل ~~الحق ms109 # Orthos Logos # أو الكلمة الحقة - هو والإله زيوس شيء ~~واحد يقوم على تصريف مقادير الكون، وكان زينون يرى الكواكب والأيام صفة إلهية، ويعتقد أن ~~الفلك ينتهي بالحريق، وتستكن في ناره جميع خصائص الموجودات المقبلة وأسبابها ومقاديرها، ~~فتعود كرة بعد كرة بفعل العقل وتقديره، ويشملها قضاء مبرم وقانون محكم، كأنها مدينة يسهر ~~عليها حراس الشريعة والنظام. # ويترادف عنده معنى الله والعقل والقدر وزيوس، فكلها وما شابهها من الأسماء تدل على وجود ~~واحد، وقد كان هذا الوجود الواحد متفردا لا شريك له فشاء أن يخلق الدنيا فأصبح هواء، وأصبح ~~الهواء ماء، وجرت في الماء مادة الخلق أو كلمة الخلق # Spermatikos ~~Logos # كما تجري مادة التوليد من الأحياء، فبرزت منها مبادئ الأشياء وهي ~~النار والماء والهواء والتراب، ثم برزت الأشياء كلها من هذه المبادئ على التدريج. # وتعريف القدر عند زينون أنه القوة التي تحرك الهيولى، وهي قوة عاقلة؛ لأن ما يتصف بالعقل ~~أعظم مما يتجرد منه، ولا شيء أعظم من الكون # Cosmos ~~، فهو ~~عاقل لأنه عظيم. # ويفسر زينون تعدد الآلهة في معتقدات العامة بأنهم بحثوا عن الله في مظاهر الطبيعة ~~المتكاثرة فعددوها ونسجوا حولها الأساطير من تشبيهات الخيال، ولكن هذه التشبيهات إن هي إلا ~~رموز مجازية على حقيقة واقعية، فلما قال الأقدمون إن أورانوس إله السماء خصاه ابنه كرونوس ~~إله زحل - كانوا يفهمون من ذلك أن كوكب زحل هو مناط النظام في السيارات وأنه قادر بذلك على ~~تقسيم دورات الفلك وتقسيم الفصول والسنين، ومن هنا التشابه بين كلمة كرونوس # Kronos # إله زحل وكلمة كرونوس # Chronos # أي إله الزمان، كأنهم يقولون إن الزمن قد حد من حركات الأفلاك ~~والسيارات. # ولكن زينون على بلوغه هذه المنزلة من التوحيد وإنكار التشبيهات لم يخلص من اللوثة المادية ~~في تصور الله ولا في تصور الروح، فالروح عنده هي جوهر غازي حار، وهي مركبة من النفس ~~«سيكي Psyche ~~» بمعنى التنفس ومن العقل # Varros # وهو من عنصر الأثير، ومن نقائض المذهب الرواقي أنه ~~يأبى إقامة الهياكل لله مع هذه المادية ms110 فيه؛ لأنها أقل من أن تبلغ مرتقاه. # ولا ينكر زينون كهانة الكهان، بل يقول: إنها لازمة عقلا؛ لأنه لا غنى عن الكهانة مع وجود ~~العناية التي تتكفل بالسبق إلى التقدير والهداية. # وقد ولد كليانثس # Cleanthes # بعد زينون بسنوات؛ لأنه ولد ~~على الأرجح سنة 332ق.م، وكان مولده بآسيا الصغرى. # ورأيه أن الله روح يسري في جميع أجزاء الكون، وأن الروح الإنسانية قبس من ذلك الروح، وأن ~~الشمس هي مناط النظام في الكون؛ لأنها تنشئ الليل والنهار وتقلب الفصول والسنين. # وهو يقول بالدورات الكونية كما يقول زينون، فمن النار تبدأ جميع الأشياء وإلى النار ~~تعود. # وقد كان إمام اللاهوتيين بين فلاسفة الرواقيين؛ لأنه أول من أسهب في إقامة الأدلة على ~~وجود الله، ومن براهينه اللاهوتية أن اختلاف المزايا والطبائع يستدعي تمييز بعضها على بعض، ~~وأن يكون بعضها أفضل من الجميع، فالحصان مثلا أفضل من السلحفاة، والثور أفضل من الحمار، ~~والأسد أفضل من الثور، وليس على الأرض ما هو أفضل من الإنسان، ولكنه مع ذلك لا يرتقي إلى ~~المنزلة الفضلى ولا يسلم من الضعف والشر والحماقة، فليس هو مثال الكمال بين الموجودات، ولا ~~بد أن يكون الموجود الحي الكامل شيئا غير الإنسان، وأن يكون موجودا مستكملا للفضائل ~~منزها عن كل سوء، ومثل هذا الموجود يطابق صفات الإله، فالإله إذن موجود. # ومن أسباب الإيمان بالله عند كليانثس أربعة أسباب يخصها بالتنويه: وهي الوحي الذي يكشف ~~الغيب، وعظمة الخيرات التي تجود بها الأرض والسماء، ورهبة النفس أمام أسرار الوجود وظواهره ~~الرائعة كالبروق والرعود والعواصف والأهوال والأوبئة والصواعق والبراكين، وهذا النظام ~~المحكم الذي يبدو للنظر في حركات الأجرام السماوية ومواعيد الأفلاك والبروج، مما يرفض العقل ~~حدوثه بالمصادفة والاتفاق. # وكانت لهذا الفيلسوف صلوات يخاطب بها الله كأحسن ما تكون الصلاة، ولكنه يذكر الله باسم ~~زيوس كما كان معروفا بين الإغريق. ~~••• # وولد شريسبس # Chrisppus # ثالث هؤلاء الفلاسفة بعد كليانثس ~~بنحو خمسين سنة، وكان مولده في قليقية ومقر تعليمه في أثينا، وهو أوفرهم محصولا وإن لم ~~يحفظ من كتبه ms111 غير شذرات. # وقد شغل باللاهوت الرواقي كما شغل به كليانثس، ولا سيما براهين وجود الله وبراهين عدله ~~وحكمته في قضائه. # فمن براهينه على وجود الله أن الكون أكبر من أن يخلق للإنسان وحده، فوجوده عبث إن لم يكن ~~هناك إله أكبر من الإنسان. # ومن تلك البراهين أنه «إذا كان هناك شيء يعجز الإنسان عن صنعه فالذي يصنع ذلك الشيء أعظم ~~من الإنسان، وأن الإنسان يعجز عن خلق الكون فلا بد أن يكون القادر على خلقه أعظم منه، وأي ~~موجود أعظم من الإنسان غير الله؟» # ويرد على من يتخذون الشر دليلا على بطلان العناية الإلهية بأدلة كثيرة يقول منها في ~~كتابه عن العناية «إنه ليس أضل من أولئك الذين يتخيلون أن الخير قابل للوجود بغير وجود الشر ~~معه؛ لأن الخير والشر ضدان يستلزم وجود أحدهما وجود الآخر، فكيف يتأتى للعدل معنى من ~~المعاني بغير الأخطاء والإساءات؟ وما هو العدل إن لم يكن هو منع الظلم؟ وماذا يفهم إنسان من ~~معنى الشجاعة إلا أنها نقيض الجبن؟ أو من معنى العفة إلا أنها نقيض الشراهة؟ وأين محل ~~الحكمة إن لم تكن هناك حماقة؟ وما بال هؤلاء القوم في حماقتهم يطلبون أن يكون هناك حق ولا ~~يكون هناك باطل؟ وقل مثل ذلك في الخير والشر، والراحة والتعب، والسرور والألم، فإن هذه ~~الأشياء آخذ بعضها برقاب بعض كما قال أفلاطون، فإن نزعت أحدها نزع معه قرينه لا ~~محالة.» # ويعلل الفيلسوف بعض الآلام بأنها عقوبة من الله، أو أخذ من الجزء لإعطاء الكل، وحرمان ~~للفرد لإغداق الخير على المجموع، ويقول: إن زيوس المخلص المنعم مصدر العدل والنظام والسلام ~~يتنزه عن فعل ما لا يحسن ولا يجوز، ولكنه يصنع في الكون كما تصنع الدولة التي تضيق بسكانها، ~~فتبعث بفريق منهم إلى المستعمرات النائية أو إلى ميادين القتال. # ويجيز شريسبس وجود آلهة تتمثل في القوى الكونية دون الإله الأعظم زيوس، ولكنه يعتبرها من ~~أهل الفناء ولا يعفيها من قضاء القيامة التي تشمل الموجودات في نهاية كل دورة كونية، ms112 فإن ~~هذه الدورات تأتي على كل موجود غير الإله الباقي وهو مصدر النار ومعيدها إلى التركيب ~~ليستخرج منها أجزاء كون جديد. ~~••• # وتأتي مدرسة أبيقور 342-270 في الموضع الوسط بين مدرسة الرواقيين ومدرسة أثينا الكبرى: ~~ونعني منها على الخصوص مذهب أرسطو الذي اشتهر بمذهب المشائين. # فكان أبيقور وتلاميذه يعظمون الآلهة كتعظيم الرواقيين، وينسبون الإله والروح إلى مادة ~~لطيفة كالأثير أو أرق من الأثير، ولكنهم يخالفون الرواقيين في الإيمان بالقيامة الإلهية ~~ويقولون: إن الآلهة في رفيقها الأعلى سعيدة خالدة، وإن السعيد الخالد لا يكرث نفسه بأمره ~~ولا يأمر غيره، ولكنهم يقيمون فوق الكون # metakosmia # في ~~نعيم وفرح صاف مقيم، لا يعرفون تعبا ولا يتعبون أحدا، وإنما تحري الأمور عفو السجية ~~بغير تقدير ولا حاجة إلى التقدير. # وهناك مدرسة أخرى غير مدرسة أبيقور ومدرسة زينون لها شأنها في التفكير ولكن لا شأن لها في ~~العقيدة؛ لأنها لا تنقض فيها ولا تبرم، وهي مدرسة الشكوكيين أو اللاأدريين، فلا موضع لها في ~~هذا المقام. ~~••• # هذه المذاهب كلها كان لها تأثير ملحوظ في تفكير المفكرين بعدها في المسائل الإلهية، فما ~~من مذهب منها إلا وقد أعقب فكرة قام عليها رأي فيلسوف متأخر أو دخلت في رأيه على نحو من ~~الأنحاء. # إلا أن الإجماع متفق على أن المدرسة الأثينية - مدرسة سقراط وأفلاطون وأرسطو - هي أعظم ~~مدارس الفلسفة بين الإغريق على التعميم، سواء منها ما نشأ قبل الميلاد وما نشأ بعده، وسواء ~~منها ما نشأ في آسيا الصغرى أو إيطاليا الجنوبية أو مدينة الإسكندرية. # وليس هذا التمييز مرتبطا بضخامة الأثر في المسائل الإلهية؛ لأن فلسفة الرواقيين وفسلفة ~~فيثاغوراس لا تقل أثرا في هذه المسائل عن مذاهب الفلسفة الأثينية، ولكنما ارتبط هذا ~~التمييز «أولا» بعظمة الفلاسفة أنفسهم لأنهم كانوا على اليقين أعظم فلاسفة اليونان قدرا ~~وأرجحهم عقلا وأبرزهم عبقرية في شئون البحث والدراسة والحكمة على تعدد جوانبها، وارتبط هذا ~~التمييز ثانيا بمقياس المنطق الذي خلفوه واصطلح المفكرون بعدهم على الاحتكام إليه في إقامة ~~الحجة وفصل الحدود وتمحيص التعريفات، فاعتمد ms113 عليه أقطاب اللاهوت كما اعتمد عليه أقطاب العلم ~~والفلسفة، ولم يزل إلى هذه الأيام مرجعا معولا عليه لمن يقبله على علاته ومن يتناوله ببعض ~~التنقيح والتعقيب. # ورأس هذه المدرسة هو سقراط 469-399ق.م أستاذ أفلاطون، وأسبق القائلين في القدم برد ~~العقيدة والعبادة إلى الضمير. # وقد كان سقراط من أصحاب الهواتف الخفية، وكان يستمع إلى هاتف يخيل إليه أنه يلازمه ويوحي ~~إليه وينفخ في روعه بما يلهمه الرشد والصواب. # ولكنه لم ينصرف إلى مباحث ما وراء الطبيعة كانصرافه إلى مباحث الأخلاق والسياسة وقواعد ~~المعرفة والثقافة النفسية، فكان قصارى ما أثر عنه من الآراء في مسائل العقيدة أنه يؤمن ~~بخلود الروح وسلامتها من الفساد مع الجسد بعد الموت، وأنها ترجع إلى معدنها الأول من الصفاء ~~المنزه عن التجسيد والتركيب، وكان يتكلم عن الآلهة تارة وعن الإله تارة أخرى، إلا أنه ~~ينزهها جميعا عن تلك الخلائق البشرية التي تعزى إليها في قصص الرواة وأساطير الشعراء، ~~ويؤمن برعايتها للبشر وعكوفها على الخير والسعادة، وينعي على الذين يحسبون العبادة قائمة ~~على القرابين والضحايا وذبائح الماشية، ولا يرى الإنسان عبادة مقبولة إذا خلا من خلوص النية ~~وصفاء الضمير. # ولعله قد أسس قواعد البحث والمنطق بتعويده تلاميذه أن يستخلصوا الحدود والتعريفات من ~~المشاهدات والمحسوسات، وأن يجعلوا هذه الحدود أساسا للقياس وترتيب النتائج من ~~المقدمات. # ولا شك أن هذه الحدود قد وجهت المفكرين بعده إلى الفصل بين خصائص الأشياء ومقوماتها، وكان ~~أرسطو يتوخاها في تقسيماته المنطقية وتطبيقاته الفلسفية، وبها أقام ذلك السد الحائل بين ~~جميع خصائص العقل وجميع خصائص المادة الأولية أو الهيولى، فكان وضع الحد عندهم أهم من تقرير ~~الجوامع والمقاربات. ~~••• # وخلفه تلميذه أفلاطون 427-437ق.م فتبعه في مباحث الأخلاق والسياسة والثقافة النفسية، وتبع ~~فيثاغوراس في العقائد الروحية ومزج الفلسفة بالرياضة والدين. # ولو لم يكن أفلاطون وثني البيئة لكان أرفع الإلهيين تنزيها للوحدانية، ولكن البيئة ~~الوثنية غلبته على تفكيره بحكم العادة وتواتر المحسوسات، فأدخل في عقيدته أربابا وأنصاف ~~أرباب لا محل لها في ديانات التوحيد، ولا سيما عند الفلاسفة ms114 والموحدين. # فالوجود في مذهب أفلاطون طبقتان متقابلتان: طبقة العقل المطلق وطبقة المادة الأولية أو ~~الهيولى # Hule ~~. # والقدرة كلها من العقل المطلق، والعجز كله من الهيولى. # وبين ذلك كائنات على درجات تعلو بمقدار ما تأخذ من العقل، وتسفل بمقدار ما تأخذ من ~~الهيولى. # وهذه الكائنات المتوسطة بعضها أرباب وبعضها أنصاف أرباب وبعضها نفوس بشرية، وقد ارتضى ~~أفلاطون وجود تلك الأرباب المتوسطة ليعلل بها ما في العالم من شر ونقص وألم، فإن العقل ~~المطلق كمال لا يحده الزمان والمكان ولا يصدر عنه إلا الخير والفضيلة، فهذه الأرباب الوسطى ~~هي التي تولت الخلق لتوسطها بين الإله القادر والهيولى العاجزة، فجاء النقص والشر والألم من ~~هذا التوسط بين الطرفين. # وكل هذه المظاهر المادية بطلان وخداع؛ لأنها تتغير وتتلون وتتراءى للحس على أشكال وأوضاع ~~لا تصمد على حال. # وإنما الصمود والدوام للعقل المجرد دون غيره، وفي العقل المجرد تستقر الموجودات «الصحائح» ~~أو المثل كما سميت في الكتب العربية، وهي كالعقل المجرد خالدة دائمة لا تقبل النقص ولا يعرض ~~لها الفساد. # هذه الصحائح هي المثل العليا لكل موجود يتلبس بالمادة أو الهيولى، فكل شجرة - مثلا - ~~فيها صفة أو صفات ناقصة من نعوت الشجرية، فأين هي الشجرة التي لا نقص فيها؟ هي في عقل الله ~~منذ القدم، وكل ما تلبس بالمادة من خصائص الشجرية فهو محاكاة لذلك المثل الأعلى. # وبقاء هذه الموجودات هو أيضا محاكاة لبقاء الله. # فبقاء الله بقاء أبدي لا أول له ولا آخر ولا تحول فيه ولا تقلب، ولا تعرض له الزيادة ولا ~~النقصان. # أما بقاء هذه الموجودات فهو بقاء في الزمان، والزمان مخلوق من حركة الأفلاك، فهو مقياس ~~لبقاء المخلوقات وليس بمقياس لبقاء الخالق، وإنما شاء الله بجوده ورحمته أن يعطي الموجودات ~~نصيبها من البقاء فأعطاها الزمان، وهو محاكاة للأبد السرمدي الذي لا ابتداء له ولا انتهاء، ~~كما أن الموجودات المحسوسة محاكاة للموجودات المثالية التي يعقلها الله وتخرجها أنصاف ~~الأرباب إلى حيز الوجود، فتنقص؛ لأن أنصاف الأرباب لا تعقلها كما يعقلها الله؛ ولأن ms115 التلبس ~~بالمادة يحيطها بالحدود وينضح عليها من عوامل الفساد. # والعقل البشري يعلو فيدرك الحقائق المجردة، ويهبط فيدرك المحسوسات بالتجربة والمشاهدة، ~~ومن أمثلة الحقائق التي تدرك بغير تجربة حسية حقائق الرياضة العليا، فإن الله مهندس، ~~وأحكامه هي الهندسة القائمة على نسب الأعداد المجردة، ومعرفتها معرفة عقلية يدركها الإنسان ~~بصفاء القريحة، وربما كانت هذه النسب أو الأعداد مرادفة للمثل العليا أو للصحائح في فلسفة ~~أفلاطون، ولا سيما ما ذكره عنها في أيامه الأخيرة، ورجع به إلى فيثاغوراس. # وقد رجع أفلاطون إلى فيثاغوراس في القول بتناسخ الأرواح وتجدد الآجال على حسب الحسنات ~~والسيئات. # فالنفس البشرية إذا استلهمت القدرة من العقل الإلهي تغلبت على عجز المادة والجسد وصعدت ~~إلى معدنها الأول، فخلصت إلى عالم البقاء الذي لا يشوبه فساد، ولكنها إذا رزحت بثقل المادة ~~واستسلمت لعجزها ونسيت قدرتها على مكافحتها هبطت من جسد إلى جسد أحقر منه وأدنى، فكانت في ~~جسم حيوان بعد أن كانت في جسم إنسان، وانحدرت من حيوان كريم إلى حشرة لئيمة، حتى تفيق من ~~غشيتها وتستأنف في عالم العقل المجرد سيرتها الأولى. # فالهيولى مقاومة للعقل المجرد وليست موجودة بمشيئته من العدم، ولعل أفلاطون لم يحاول أن ~~يردها إلى العدم، أو يقول بوجودها من العدم؛ لأنها كانت حقيقة واقعة في رأي سابقيه من ~~فلاسفة اليونان، ولأنها ساعدته على تعليل النقص والشر والألم، فوقف بها بين الكمال المطلق ~~الذي ينبغي للإله الأعظم، وبين عوارض القصور التي تقترن بغيره من الموجودات. ~~••• # وقام بعد أفلاطون تلميذه العظيم «أرسطو» فتوسع فيما بعد الطبيعة توسعا لم يسبق إليه بين ~~فلاسفة الأوائل، ووضع للجدل معياره الذي سمي بعد ذلك بعلم المنطق، وفصل بين الحدود فبالغ ~~أحيانا في الفصل بينها، ولكنه أقام القواعد الأولى على أساس صحيح. # والله عند أرسطو هو العلة الأولى أو المحرك الأول. # فلا بد لهذه المتحركات من محرك، ولا بد للمحرك من محرك آخر متقدم عليه، وهكذا حتى ينتهي ~~العقل إلى محرك بذاته، أو محرك لا يتحرك؛ لأن العقل لا يقبل التسلسل في الماضي ms116 إلى غير ~~نهاية. # وهذا المحرك الذي لا يتحرك لا بد أن يكون سرمدا لا أول له ولا آخر، وأن يكون كاملا ~~منزها عن النقص والتركيب والتعدد، وأن يكون مستغنيا بوجوده عن كل موجود. # وهذا المحرك الأول سابق للعالم في وجوده سبق العلة لا سبق الزمان، كما تسبق المقدمات ~~نتائجها في العقل ولكنها لا تسبقها في الترتيب الزمني؛ لأن الزمان حركة العالم، فهو لا ~~يسبقه، أو كما قال: «لا يخلق العالم في زمان.» # وعلى هذا يقول أرسطو بقدم العالم على سبيل الترجيح الذي يقارب اليقين، إلا أنه يقرر في ~~كتاب «الجدل» أن قدم العالم مسألة لا تثبت بالبرهان. # وإجمال براهينه في هذه القضية أن إحداث العالم يستلزم تغييرا في إرادة الله والله منزه ~~عن الغير، فهو إذا أحدث العالم فإنما يحدثه ليبقى جل جلاله كما كان، أو يحدثه لما هو أفضل، ~~أو يحدثه لما هو مفضول، وكل هذه الفروض بعيدة عما يتصوره أرسطو في حق الله، فإذا حدث العالم ~~وبقي الله كما كان فذاك عبث والله منزه عن العبث، وإذا أحدثه ليصبح أفضل مما كان فلا محل ~~للزيادة على كماله، وإذا أحدثه ليصبح مفضولا فذلك نقص يتنزه عنه الكمال. # وإذا كانت إرادة الله قديمة لا تتغير - فوجود العالم ينبغي أن يكون قديما كإرادة الله؛ ~~لأن إرادة الله هي علة وجود العالم، وليست هذه العلة مفتقرة إلى سبب خارج عنها، فلا موجب ~~إذن لتأخر المعلول عن علته، أو لتأخر الموجودات عن سببها الذي لا سبب لها غيره. # فالإنسان يجوز أن يريد اليوم شيئا ثم يتأخر إنجازه، لنقص الوسيلة أو لعارض طارئ أو لعدول ~~عن الإرادة، وكل ذلك ممتنع في حق الله. # وقد أفرط أرسطو في هذا القياس حتى قال: إن الله جل وعلا لا يعلم الموجودات لأنها أقل من ~~أن يعلمها. # وإنما يعقل الله أفضل المعقولات، وليس أفضل من ذاته، فهو يعقل ذاته، وهو هو العاقل والعقل ~~والمعقول، وذلك أفضل ما يكون. # والعقل بالنسبة إلى الله يخالف العقل بالنسبة إلى غيره من ms117 الموجودات الفانية، فإن الإنسان ~~يعقل الجزئيات بعد وقوعها ثم يعقل الكليات بعد استقصاء الجزئيات، ويلزمه ذلك لأنه يعلم بعد ~~جهل ويتوقف علمه على المعلوم، وليس علم الله متوقفا على ما عداه. # وكل صفة من صفات الله فهي تتعلق به ولا تتعلق بغيره، وهي قائمة به ولا تقوم على غيره، ومن ~~هذه الصفات الإرادة والعلم كما تقدم، ومنها الكرم والرحمة والخير والعدل والحكمة وسائر صفات ~~الكمال. # فالله لا يريد العالم؛ لأنه لا يحتاج إليه. # ولكن العالم يريد الله؛ لأنه متوقف عليه. # ويسأل السائل: إذن كيف يكون هذا التوقف إن لم يكن بعمل من أعمال المشيئة الإلهية في ~~الجملة والتفصيل؟ # وجواب أرسطو على هذا السؤال أنه يكون بسعي الناقص إلى طلب الكمال، أو بسعي الموجودات إلى ~~التشبه بعلتها الأولى، فالله أعطاها العقل، والعقل يبعث فيها الشوق إلى مصدرها الأول. ~~فتتحرك وتعلو بالحركة، أو تكسب في كل حركة صورة أرفع من صورتها، وحظا من الكمال أرفع من ~~حظها، تقربا إلى الصورة التي لا تشوبها شائبة من عجز المادة أو الهيولى، وهي الصورة ~~السرمدية الكاملة: صورة الله. ~~••• # ولا يفهم معنى هذا الارتفاع إلا إذا فهم معنى الصورة في مذهب أرسطو فالصورة في مذهبه هي ~~حقيقة الشيء وماهيته التي يقوم بها وجوده، وليست هي شكله البادي للعين أو تمثاله الملموس ~~باليدين. # فصورة العصفور هي حقيقته التي يكون بها عصفورا، ولا يكون غير ذلك من الطيور أو الأحياء ~~على العموم. # وصورة الدرهم هي جوهره الذي يميزه من سائر قطع الفضة وسائر قطع النقد ويجعله درهما وتزول ~~عنه «الدرهمية» إذا زال. # ولا يخلو موجود في العالم من الصورة. # فكل موجود فهو صورة ومادة أو «هيولى.» # وتترقى الموجودات في شرف الوجود كلما عظم نصيبها من الصورة وقل نصيبها من الهيولى. # فالموجودات الخسيسة يوشك أن تكون هيولى محضا خالية من كل صورة، فلا فرق بين جزء وجزء ولا ~~بين فرد وآخر من الجنس نفسه. # وكلما ارتقت في سلم الوجود زاد نصيبها من الصورة المميزة وقل نصيبها من الهيولى ~~المتشابهة، ms118 وربما أصبحت صورة جسم مادة لجسم آخر، كالورق الذي هو صورة مميزة لبعض الموجودات ~~وهو في الوقت نفسه مادة للكتاب. # وأعلى الموجودات على هذا القياس هو الله؛ لأنه صورة محض لا تشوبه المادة، ومعنى مجرد لا ~~يقوم في جسد. # وأخس الموجودات جميعا هو الهيولى، وهي لم توجد قط منعزلة عن صورة من الصور، وإذا وجدت ~~منعزلة عن الصورة فهي وجود بالقوة أي وجود لم يتحقق بالفعل ولا يزال في انتظار ~~التحقيق. # والحركة هي التي تحققه. # والحركة هي التي ترتقي به من صورة إلى صورة. # ولما كان الله هو المحرك الأول كما تقدم فهو موجد العالم على هذا الاعتبار، وهو قبلته ~~التي يرتقي إليها، شوقا إلى مصدره منها. # وهذه هي الصلة كلها بين الله والعالم: فلا ينسب إلى الله في مذهب أرسطو أنه يهتم بالعالم ~~أو يفكر فيه؛ لأنه تفكير فيما دونه أو تفكير لا يليق بكماله، ولا يعقل الله جل وعلا إلا ~~أشرف معقول، وهو ذاته دون سواها. # وهذا هو الخطأ الذي جاء من الغلو في مذهب أرسطو: تناوله الحكماء الدينيون فلم ينكروا ~~المقدمات ولكنهم أنكروا النتيجة التي تأدى إليها أرسطو من مقدماته، فقالوا: إن الله لا يعقل ~~إلا أشرف معقول. نعم لا جدال في ذلك، ولكن أشرف معقول هو المعقول الذي يتحقق به كمال صفاته ~~من القدرة والعلم والرحمة والجود، وإنما يتحقق جوده بإيجاد المخلوقات، ويتحقق علمه بنفي ~~الجهل بها، وتتحقق رحمته برعايتها وتهذيبها. أما كيف يكون ذلك فالبحث فيه هو علة الخطأ في ~~جميع تلك الفروض والأقيسة؛ لأنه سبحانه وتعالى جل عن الشبيه، فليس كمثله شيء، وليست أعمالنا ~~كأعماله على فرض من الفروض. # ويقول أرسطو بوجود الروح ولكنه لا يقول ببقاء الروح الفردية بعد الموت، فالروح من عالم ~~العقل، والعقل واحد في جميع الأفراد، وهم إذا اختلفوا بالأذواق الجسدية لم يختلفوا ~~بالمدركات العقلية، فلا اختلاف بين إنسانين في إدراك الحقائق المجردة كالرياضة والمنطق وما ~~جرى مجراها، ومؤدى هذا عند أرسطو أن العقل المجرد لا فردية فيه، وأن الروح ms119 تعود إلى العقل ~~العام بعد فراقها للجسد، فلا فردية لها بعد الموت، ولكنها لا تفنى ولا تقبل الفناء. ~~••• # ذلك أوجز تلخيص مستطاع لمذهب المدرسة الأثينية في الحكمة الإلهية، وقد توخينا فيه ما يكفي ~~لتقدير خطوتها في هذه المرحلة الإنسانية الخالدة، فليس يدخل في موضوع هذا الكتاب تلخيص ~~آرائها في غير فكرة الإيمان بالله. # ولعلنا نقدر هذه الخطوة حق قدرها إذا قلنا: إن المدرسة الأثينية عرضت على الفهم ما أخذته ~~من إيمان الأولين، فنقلت البناء من أساس الإيمان إلى أساس البحث والقياس، وإن موقفها من ~~المادة كان كموقف التسليم «بالأمر الواقع» كما يقولون في لغة السياسة؛ لأنها لم تقل بقدم ~~العالم إنكارا لوجود العقل المستقل كما أنكره الماديون في العصور التالية، ولكنها قالت ~~بقدم العالم رأيا لأنها وجدته ماثلا أمامها حسا، فلم تستطع أن تقاوم الحس في الماضي كما ~~لم تستطع أن تقاومه في الحال. # | المسيحية # لما ولد المسيح عليه السلام - والأرجح أنه ولد قبل التاريخ المشهور بأربع سنوات - كان كل ~~ما في الشرق ينبئ برسالة مرتقبة واعتقاد جديد. # كان اليهود يترقبون المسيح المنتظر على رأس الألف الخامسة للخليقة، وهي عندهم مبدأ ~~التقويم؛ لأن الاعتقاد العام كما قدمنا في تاريخ فارس وما بين النهرين كان يتجه إلى انتظار ~~الخلاص في مطلع كل ألف سنة على يد رسول من السماء. # فجاش الأردن وما حوله بدعوة يحيى بن زكريا أو يوحنا المغتسل المشهور بالمعمدان، وراح هذا ~~النبي يدعوهم إلى التوبة والاغتسال من الذنوب، ويرمز إلى التطهر من الدنس بالتطهر في بحر ~~الأردن على يديه، ويبشرهم أو ينذرهم بقرب «ملكوت الله» أو ملكوت السماء، وهو الملكوت ~~الموعود منذ قرون. # وكان اليهود قد فهموا «ملكوت الله» على معنى غير الذي فهموه وتوارثوه من أيام السبي وزوال ~~مملكة داود وسليمان. # فقد كانوا ينتظرون ملكا «مسيحا» من قبيل ملوكهم الذين كانوا يمسحونهم بالزيت المقدس ~~ويسمونهم من أجل ذلك بمسحاء الرب أو المسحاء. # وكانوا يترقبون رجعة الدولة على يد فاتح ظافر من أبناء داود يجرد الكتائب ويجتاح القلاع ms120 ~~والدساكر، ويقمع أعداءهم بالنار والحديد. # وتجدد رجاؤهم في مسيح من هذا القبيل بعد سقوط أعدائهم الأقوياء وذهاب دولة البابليين ~~والمصريين، فلما تطاول الزمن ووقعت بلادهم في قبضة الدولة الرومانية - وهي في قوتها وعجز ~~اليهود عن مقاومتها لا تقل في الدولتين الذاهبتين - يئسوا من الخلاص على أيدي الفاتحين ~~الظافرين وتحولوا إلى الرجاء في قيام مسيح غير مسحاء العروش والتيجان، فترقبوه مسيحا في ~~عالم الروح، وعلم الصالحون منهم أن الخلاص المنتظر إنما هو خلاص النفوس والضمائر بالتوبة ~~والتطهير. # وكان أنبياؤهم قد بشروا بذلك المسيح قبل عصر الميلاد ببضعة قرون، فإذا هم يتدرجون من وصفه ~~بالقوة والبأس إلى وصفه بالرحمة والحنان، ويتمثلونه وديعا رضيا يتجافى صهوات الخيل ~~ويمتطي في موكبه حمارا ابن أتان. # هذا في نطاق الديانة الإسرائيلية. # أما في نطاق البحث والحكمة فإن الفلسفة كانت في ذلك العصر قد أوفت على غايتها، وأطلعت ~~أعظم أعلامها وأكبر مدارسها، وشاعت في البلاد الفينيقية على الخصوص؛ لأن هذه البلاد كانت ~~منشأ الرواقيين السابقين وكانت على اتصال دائم بآسيا الصغرى من جهة وبالإسكندرية من جهة ~~أخرى، وهي يومئذ قبلة الفلاسفة والحكماء. # ومن هؤلاء الفلاسفة من بشر بالكلمة الإلهية وقال إن هذه الكلمة - ويعني بها العقل الإلهي ~~- هي مبعث كل حركة ومصدر كل وجود. # ومنهم من قال إن الحب هو أصل جميع الموجودات ومساك جميع الأكوان، ومنهم من وعظ بالنسك ~~والعفة وأوصى بالشفقة على الإنسان والحيوان وحرم ذبحه وزعم له روحا كانت تعقل في حين مضى ~~وستعود إلى العقل بعد حين. # وليس أدل على تهيؤ الجو للرسالة الجديدة من التمهيد لها في نطاق الفلسفة ونطاق الديانة في ~~وقت واحد. # فكانت دعوة «يوحنا المعمدان» تقابلها دعوة فيلون الفيلسوف الإلهي الذي ولد بالأسكندرية ~~قبل مولد السيد المسيح بنحو عشرين سنة، وكان فيلون يجمع حكمة العصر من جميع أطرافها؛ لأنه ~~كان يهوديا محيطا بثقافة قومه وفيلسوفا محيطا بمذاهب الفلسفة اليونانية، ووطنيا ~~مصريا محيطا بالحكمة الدينية التي نبعت من معين التاريخ المصري القديم، وامتزجت بالعقائد ~~السرية الأخرى في بلاد الرومان واليونان ms121 وآسيا الصغرى، وأهمها عقيدة إيزيس وعقيدة أوزيريس ~~سرابيس التي تأسست بالإسكندرية وتفرعت في أثينا وبومبي ورومة وبعض الموانئ الآسيوية، وكانت ~~لهذه الديانة مراسم خفية يترقى فيها المريد على أيدي الكهان والرؤساء في المحاريب السرية، ~~وأول هذه المراسم صلاة القبول - التطهير - أو هي صلاة البعث التي يتقدم إليها المريد، كأنه ~~ميت بالروح يطلب الحياة بالروح أو يطلب الخلاص من أرهاق الجسد وخبائث الشهوات، ويعتبر بعدها ~~من الواصلين إلى حظيرة الرضوان. # وكان لتفسير هذه الرموز أثر في تفسير فيلون لرموز الديانة الإسرائيلية، فتجاور النصوص ~~والمراسم إلى ما وراءها من الدلالات الروحية كما تكشفت له على أضواء الفلسفة اليونانية، ~~ووصل من ثم إلى الإيمان بالعقل الإلهي أو الكلمة # Logos # كأنها «ذات» لها صفات الذات الإلهية. # بل وجد من وعاظ بني إسرائيل أنفسهم قبيل عصر المسيح من مزج الأقاويل اليونانية بالعقيدة ~~الإسرائيلية، فكان أصحاب الرؤى في كتب أخنوخ يعلمون تلاميذهم أن الحكمة خلقت الإنسان من ~~سبعة عناصر، فخلقت اللحم من التراب والدم من الندى والبصر من نور الشمس والعظام من الحجارة ~~والذكاء من السحب والملائكة، والعروق من العشب، والروح من أنفاس الله، وإن خلق الأرواح سابق ~~لخلق الدنيا بأرضها وسمائها؛ لأنها عنصر خالد لا يزول. ~~••• # في هذا الجو المتطلع إلى الرسالة الروحية ولد السيد المسيح صلوات الله عليه، وكان يستمع ~~العظات من يوحنا المعمدان ويتقبل «العمادة» من يديه، فلما قتل يوحنا لم يرهبه مصرعه الأليم، ~~ونهض بأمانة الدعوة بعده في بلاد الجليل ثم في بيت المقدس، وفي الهيكل الأكبر معقل الأحبار ~~والكهان وعاصمة «الدولة الدينية» في بني إسرائيل. # وكانت بشارته أعظم فتح في عالم الروح؛ لأنها نقلت العبادة من المظاهر والمراسم إلى ~~الحقائق الأبدية، أو نقلتها من عالم الحس إلى عالم الضمير. # فلم ينتظر ملكوت الله في حادث من الحوادث الدنيوية الكبرى أو الصغرى، بل علم الناس أن ~~ملكوت الله قائم في ضمائرهم وموجود في كل حقبة وكل مكان: «ولا يأتي على موعد فرتقب، ولا ~~يقولون هو ذا هنا أو هو ذا هناك؛ لأن ms122 ملكوت الله فيكم.» # ولم يشهد التاريخ قبل السيد المسيح رسولا رفع الضمير الإنساني كما رفعه، ورد إليه ~~العقيدة كلها كما ردها إليه. # فقد جعله كفؤا للعالم بأسره بل يزيد عليه؛ لأن من ربح العالم وفقد ضميره فهو مغبون في ~~هذه الصفقة الخاسرة. «وماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه، وماذا يعطي الإنسان ~~فداء عن نفسه؟» # والطهر كل الطهر في نقاء الضمير، فمناط الخير كله فيه ومرجع اليقين كله إليه: «فليس شيء ~~من خارج الإنسان يدنسه، بل ما يخرج من الإنسان هو الذي يدنس الإنسان.» # وهناك حياته وبقاؤه: «فليس حياته من أمواله ...» # وهناك قوامه وطعامه: «فليس بالخبز وحده يحيا ... بل بكل كلمة من كلمات الله ...» و«... الحياة ~~أفضل من الطعام.» # وكان ينعي على القراء والعاكفين على التلاوات ومراسم العبادة فرط الولع بظواهر الأفعال ~~دون حقائق الإيمان، ويقول لهم: «نقوا الكأس من داخلها» فظاهرها لا يضير ما فيها. # وكان ينكر كل ما يراد به الظاهر ولا ينبعث من أعماق الوجدان، فلا إحسان عنده لمن يتراءى ~~بالإحسان؛ لأنه تاجر أخذ ربحه، فلا حق له عند الله: «احترزوا من صدقة تصنعونها أمام الناس، ~~وإلا فلا أجر لكم عند أبيكم الذي في السموات، وإذا بذلت الصدقة فلا تنفخ أمامك بالأبواق كما ~~يفعل المراءون تفاخرا بين الناس، فالحق أقول لكم: إنهم قد استوفوا أجرهم، فلا تعرف شمالك ~~ما تفعل يمينك، فأبوك الذي يراك في الخفاء يجزيك في العلانية.» # وكل شيء في عالم الحس ينقاد لقوة الضمير: «فلو كان لكم إيمان كحبة خردل لأمرتم هذه الشجرة ~~أن تخرج من منبتها وتنغرس في ماء البحر فتطيع.» # وعلى تبشيره بالرحمة والمحبة لم يكن ينكص عن الثورة في عالم الروح؛ لأنها هي الثورة التي ~~تستحق أن تثار: «جئت لألقي نارا فماذا علي لو اضطرمت النار؟» # فجانب الضمير هو الجانب الذي توجهت إليه رسالة السيد المسيح، ورعاية الله لروح الإنسان هي ~~الملاذ الذي رأى الناس منصرفين عنه فعاد بهم إليه. # وكانوا يؤمنون بالله الخالق وبالله الذي ينزل عليهم الشرائع ms123 ويحاسبهم على الطاعة ~~والعصيان، ولكنهم نسوا رعاية الله ولم يريدوا أن يحبوه كما أرادوا أن يطيعوه، فعلمهم أن ~~الله محبة، وأن أقرب الناس إلى الله من أحب الله وأحب خلق الله، ومنهم المطرودون والعصاة، ~~ولا يستحق غفرانه من لم يتعلم كيف يغفر للمسيئين إليه: «... إن أخطأ إليك أخوك فوبخه، وإن ~~تاب فاغفر له، وإن أخطأ إليك سبعا في اليوم وتاب إليك سبعا في اليوم فاقبل توبته واغفر ~~له.» # وقد وجد عند بني إسرائيل كفاية وفوق الكفاية من كلامهم عن إله الشرائع وإله الخلق وإله ~~هذا الشعب من الشعوب دون سائر بني الإنسان، فذكرهم بالله الذي يرعاهم فوق رعاية الأب ~~الرحيم، وعليهم أن يثقوا به فوق الثقة بسعيهم في طلب المال والحيلة في تحصيل المعاش: «أليست ~~الحياة أفضل من الطعام والجسد أفضل من اللباس؟ انظروا إلى طيور السماء إنها لا تزرع ولا ~~تحصد ولا تخزن، وأبوكم السماوي يقوتها ... ألستم أنتم أحرى بالتفضيل عليها؟ من منكم إذا اهتم ~~يقدر أن يزيد على قامته ذراعا واحدة؟ تأملوا زنابق الحقل كيف تنمو وهي لا تتعب ولا تغزل، ~~وسليمان في كل مجده لا يلبس كواحدة فيها، فإن كان عشب الحقل الذي يوجد اليوم ويطرح غدا في ~~التنور يلبسه الله ذلك اللباس أفليس أحرى أن يلبسكم أنتم يا قليلي الإيمان؟!» # وعلى هذا الوجه ينبغي أن يفهم قول السيد المسيح حين قال: «ما جئت لأنقض على الناموس بل ~~لأكمله»، وحين جاءوه بالزانية فقال لهم: «من لم يخطئ منكم فليرمها بحجر»، فإنه لم يأت ~~بإلغاء الشريعة ولا بإسقاط الجزاء، ولكنه نقل الإيمان بالله من الحرف إلى المعنى، ومن ~~القشور إلى اللباب، ومن ظواهر الرياء إلى حقائق الخير الذي لا رقابة عليه لغير الضمير، ورأى ~~عند اليهود ما هو حسبهم من شرائع الأنبياء وشرائع الرومان فقال لهم: «اعطوا ما لقيصر لقيصر ~~وما لله لله»، وذكرهم بجانب الرحمة والإحسان وقد نسوه، ولم يذكروا غير جانب الغضب ~~والقصاص. # وقد أشار السيد المسيح إلى نفسه بتعريفات كثيرة رواها عنه كتاب الأناجيل، فكان ms124 إذا تكلم ~~عن نفسه قال: «أنا ابن الإنسان» أو: «أنا نور العالم» أو: «أنا خبز الحياة» أو: «أنا الطريق ~~والحق والحياة» أو: «أنا القيامة والحياة» أو: «أنا الراعي الصالح، وأنا المعلم والسيد» أو: ~~«أنا الكرمة الحقيقية.» ولم يذكر نفسه باسم المسيح ولكنه بارك الحواري بطرس حين سماه به، ~~وقال له إنه اهتدى إلى حقيقته بنفحة من نفحات الروح. # ولم تكتب هذه الأناجيل في عصر السيد المسيح بل بعد عصره بجيلين، ولكن مواضع الاتفاق فيها ~~تدل على رسالة واحدة صدرت من وحي واحد، ويؤكد لنا وحدة هذه الرسالة أن فكرة الله فيها لا ~~تشبهها فكرة أخرى في ديانات ذلك العصر الكتابية أو غير الكتابية، فقد كانت هناك ديانات ~~طافحة بالشعائر الخفية والمراسم التقليدية، وكانت هناك ديانات تفهم العلاقة بين الله ~~والإنسان كأنها ضرب من علاقة الحاكم بالمحكوم أو الصانع بالمصنوع أو العلة بالمعلول، ولكن ~~الفكرة المسيحية التي قررتها الأقوال المتفقة في الأناجيل تتميز كل التميز عن مجمل الأفكار ~~الإسرائيلية أو الأفكار الهندية والمجوسية أو أفكار المؤمنين بعقائد الفلسفة أو العقائد ~~السرية، فالعلاقة بين الإنسان وخالقه في بشارة السيد المسيح هي العلاقة بين الروح ومصدرها ~~وبين الحياة وينبوعها، بين المكفول وكافله، وبين الرعية وراعيها، ولم تتفق هذه الصفة في ~~ديانة واحدة من ديانات ذلك العصر كما اتفقت في الديانة المسيحية، وهي في رأينا علامة جوهرية ~~لا تقل في قوتها عن أسانيد التاريخ التي تبطل شكوك المترددين في وجود السيد المسيح. # وإنما طرأت الشبهة على أذهان أولئك المترددين من تماثل بعض الشعائر على النحو الذي ~~أجملناه في نقدنا لكتاب إميل لدفج عن السيد المسيح حيث نقول: إن الذي يرددونه أكثر من سواه ~~أن كل شعيرة في المسيحية قد كانت معروفة في ديانات كثيرة سبقتها، حتى تاريخ الميلاد وتاريخ ~~الآلام قبل الصليب، فاليوم الخامس والعشرون من شهر ديسمبر الذي يحتفل فيه بمولد المسيح كان ~~هو يوم الاحتفال بمولد الشمس في العبادة المثرية؛ إذ كان الأقدمون يخطئون في الحساب الفلكي ~~إلى عهد جوليان، فيعتبرون هذا ms125 اليوم مبدأ الانقلاب الشمسي بدلا من اليوم الحادي والعشرين ~~في الحساب الحديث، وقد اعترضت الكنيسة الشرقية على اختيار اليوم الخامس والعشرين لهذا ~~السبب، وفضلت أن تختار لعيد الميلاد اليوم السادس من شهر يناير الذي «تعمد» فيه السيد ~~المسيح، على أن هذا اليوم أيضا كان عيد الإله ديونيسيس عند اليونان وبعض سكان آسيا الصغرى، ~~وكان قبل ذلك عيد أوزيريس عند المصريين، ولا يزال متخلفا في العادات المصرية إلى اليوم، ~~ففي اليوم الحادي عشر من شهر طوبة - وكان يوافق السادس من شهر يناير في التاريخ القديم - ~~كان المصريون يحتفلون بعيد إلههم القديم، ولا يزالون يحتفلون به في عصرنا هذا باسم عيد ~~الغطاس، وقد اتخذت المسيحية اليوم الخامس والعشرين من شهر مارس تذكارا لآلام السيد المسيح ~~قبل الصلب، وهذا هو الموعد نفسه الذي اتخذه الرومان قبل المسيح لتذكار آلام الإله أتيس إله ~~الرعاة المولود من نانا العذراء بغير ملامسة بشرية، والذي جب نفسه في هذا الموعد ونزف دمه ~~في جذور شجرة الصنوبر المقدسة. # وقد كان اسم العذراء مريم بصيغه المختلفة اسما مختارا لأمهات كثير من الآلهة والقديسين ~~مثل أدونيس ابن ميرة وهرمز ابن مايا وفيروش ابن مريانا وموسى ابن مريم وبوذا ابن مايا ~~وكرشنا ابن مارتالا، وهكذا بحيث يظن أن هذا الاسم شائع لا يدل على ذات معينة. # ومما يجري في هذا المجرى أن تماثيل إيزيس وهي تحمل ابنها حوريس كانت رمزا في الكنائس ~~الأولى للعذراء مريم وابنها المسيح، ولما كانت إيزيس إلهة البحر وكان اسمها عند الرومان ~~كوكب البحر أي ستيلا ماريس # Stella Maris # فليس يبعد أن يكون ~~لهذا الشبه علاقة بالتشابه في الأسماء، وقد رويت روايات كثيرة عن الآلهة والأبطال المولودين ~~من الأمهات العذراوات قبل المسيح، فكان بعض الفرس يعتقدون أن زرادشت ولد من أم عذراء، وكذلك ~~كان الرومان يعتقدون في أتيس والمصريون يعتقدون في رع والصينيون يعتقدون في فوهي ولاو، وقال ~~فلوطرخس في رسالته عن إيزيس وأوزيريس إن الحمل يحصل في هذه الأحوال من الأذن وهو ما يفسر ~~صورة العذراء ms126 في القرون الوسطى؛ إذ كانوا يرسمونها وشعاع من النور يتجه إلى إحدى أذنيها. ~~وقال ترتوليان إن شعاعا سماويا هبط على العذراء فحملت بالسيد المسيح. أما التفكير بالموت ~~فكثير في قصص الديانات القديمة، وأقربه إلى مواطن المسيحية عبادة تموز الذي كانوا يحتفلون ~~بموته وبعثه في أنطاكية، وسرت عادة البكاء عليه إلى النساء اليهوديات فكن يندبنه على باب ~~الهيكل وأنبهن على ذلك النبي حزقيال، وجاء في التلمود أن رجلا يسمى يسوع قتل وعلق ~~على شجرة قبل الميلاد بمائة سنة. # والعشاء الرباني كان معروفا في عبادة مترا على الطريقة التي عرف بها في المسيحية، بل ~~الخبز الذي يتناوله عباد مترا في ذلك العشاء يصنع على شكل الصليب، وقد أسف جوستن مارتر في ~~سنة 140م لهذه المشابهة وعدها مكيدة شيطانية لتضليل المؤمنين. # والمعجزة الأولى للمسيح وهي تحويل الماء خمرا معروفة في عبادة ديونيس إله الخمر وإله ~~الشمس، ومن حيواناته المقدسة الحمل والحمار، وعلى الحمار كان ركوبه حتى قيل إنه كان له ~~حماران فجعلهما نجمين في السماء، وبهذا الرمز يرمز البابليون إلى مدار السرطان، فالخلط بين ~~المسيح وديونيس في ركوب الأتان وتحويل الماء موضع نظر، ومثله الخلط بينهما في المذود الذي ~~وضعا فيه عند الولادة كما جاء في إنجيل لوقا حيث قال: «وفي تلك الأيام صدر أمر من أوغسطس ~~قيصر بأن يكتتب كل المسكونة، وهذا الاكتتاب الأول جرى إذ كان كيرينيوس والي سورية فذهب ~~الجميع ليكتتبوا كل واحد إلى مدينته فصعد يوسف أيضا من الجليل من مدينته الناصرة إلى ~~اليهودية إلى مدينة داود التي تدعى بيت لحم لكونه من بيت داود وعشيرته ليكتتب مع مريم ~~امرأته المخطوبة وهي حبلى، وبينما هما هناك تمت أيامها لتلد فولدت ابنها البكر وقمطته ~~وأضجعته في المذود؛ إذ لم يكن لها موضع في المنزل.» أما الإحصاء في هذا التاريخ فلم يرد له ~~أي ذكر في تراجم أوغسطس ولم تجر العادة قط في دولة الرومان أن يكلف الناس السفر من بلادهم ~~إلى البلاد التي عاش فيها أجدادهم الأسبقون ليكتبوا أسماءهم هناك، ms127 فالرواية مستهدفة ~~للملاحظة من عدة جهات. # ولم يتفق على المكان الذي ولد فيه المسيح كما لم يتفق على الزمان الذي ولد فيه، فمن قائل ~~أنه ولد في الناصرة، ومن قائل أنه ولد في بيت لحم، والذين يقولون أنه ولد في بيت لحم يذهبون ~~إلى هذا القول لتأييد النبوءة التي تنبئ بظهور المسيح من نسل داود، وهو في بيت لحم لا في ~~الناصرة، وجاء في إنجيل متى أن يوسف النجار رأى في المنام أن هيرود الطاغية سيقتل كل طفل ~~يولد في بيت لحم لذلك العام، مع أن هيرود مات في السنة الرابعة قبل الميلاد، ومع أن يوسفيوس ~~المؤرخ لم يذكر خبر هذه المذبحة فيما أحصاه لهيرود من الآثام، وقد سبقت روايات كهذه عن ~~النمرود وفرعون مصر وغيرهما من الأمراء الذين أنذرتهم النبوءات بظهور أعدائهم قبل مولدهم. ~~فهي روايات لا تدل على شيء يعتمد على التاريخ ولم تكتب هي ولا كتب غيرها مما ورد في ~~الأناجيل إلا بعد عهد المسيح بعشرات السنين. أما الذين عاصروه أو قاربوه غير التلاميذ فلم ~~يذكروا عنه شيئا ولم يدونوا له خبرا، حتى عجب فوتيوس بطريق القسطنطينية حين قرأ في القرن ~~التاسع تاريخ جستس الطبري المكتوب بعد المسيح ببضع سنوات فوجده غفلا من ذكره، وهو مولود ~~حيث ولد المسيح في الجليل، ولم يشر بليني الأكبر بكلمة واحدة إلى الخوارق التي نسبت إليه، ~~وهو كثير العناية بجمع الخوارق في تاريخه الطبيعي المؤلف بعد المسيح بثلاثين أو أربعين سنة. ~~وثبت أن النسخ الصحيحة من تاريخ يوسفيوس المنتهي بالسنة الثالثة والتسعين بعد الميلاد خلو ~~من الفقرتين المشار فيهما إلى المسيح على عجل واقتضاب، وأن هاتين الفقرتين مدسوستان على بعض ~~النسخ في القرون الوسطى، ويقال مثل ذلك في كتب أخرى وردت فيها مثل هذه الإشارات المبهمة ~~بصيغة لا تثبت على المضاهاة والتمحيص. # وقد جمعنا فيما تقدم جميع الملاحظات التي أوردها المتشككون في وجود السيد المسيح، وهي ~~جديرة بالتمحيص لأنها وثيقة الصلة بأسانيد المقارنة بين الأديان، ويتوقف على تقرير قيمتها ~~تقويم الكثرة ms128 الغالبة من تلك المقارنات. # وأول ما نرى أن أصحاب هذه الملاحظات قد نسوه وأغفلوه ولم يقدروا قيمته أن السيد المسيح هو ~~صاحب الدين الذي كان أكثر الأديان نعيا على ظواهر المراسم والشعائر والنصوص، فمن الغريب أن ~~يجعلوا تشابه المراسم والشعائر والنصوص مبطلا لوجود من أنكرها وأقام دعوته الكبرى على ~~إنكارها. # وأغرب من هذا أن يتخذوا تشابه المراسم والأخبار دليلا على تلفيق تاريخ السيد المسيح، مع ~~أن التواريخ جميعا حافلة بأسماء الأبطال المحققين الذين نسب إليهم كل عمل من نوع أعمالهم ~~وكل خليقة من نوع خلائقهم، فإذا اشتهروا بالشجاعة رويت عنهم كل أخبار الشجعان، ما ثبت منها ~~لهم وما لم يثبت منها إلا لغيرهم، وإذا اشتهروا بالفكاهة نسبت إليهم فكاهات المعروفين ~~والمجهولين، ولا تزال تنسب إليهم على ممر السنين، وهكذا يصنع الرواة بأخبار كل مشهور سواء ~~كانت شهرته بالمحمود أو بالمذموم من الصفات. # فإذا اختلطت الروايات في أخبار المسيح فليس في هذا الاختلاط بدع ولا دليل قاطع على ~~الإنكار، وقد قلنا في تعليقنا على تلك الملاحظات: إنه «لو كان اختلاط الرموز والشعائر من ~~موجبات الشك في ظهور الرسل لوجب أن نشك في وجود النبي عليه السلام؛ لما في الإسلام من شعائر ~~الحج التي أحياها على سنن العرب قبله، ولوجب أن نشك في وجود علي بن أبي طالب؛ لما أحاط به ~~من أساطير بعض المذاهب الغالية، وفي مقدمتها انتظار الإمام أو المهدي أو المسيح، وهي عقيدة ~~تتشابه فيها تلك المذاهب المسيحية والإسرائيلية ووثنية المجوس.» # ومما فات أصحاب الملاحظات المتقدمة أن آباء الكنائس الأولى لم يحتفلوا بتلك الأعياد وهم ~~يجهلون تواريخها، ولكنهم بدأوا بالاحتفال بها لاعتبارهم أن إكرام السيد المسيح فيها أجدر ~~بالمسيحيين من إكرام الشمس والكواكب وسائر الأرباب الوثنية، وكانوا يرون أتباع الكنيسة ~~يندفعون إلى محافل الوثنيين في تلك الأيام فيصرفونهم عنها بإحياء المحافل التي تقابلها ~~وتمجيد السيد المسيح فيها بديلا من تمجيد الأوثان، وعلى هذه السنة خصصوا يوم الأحد للعبادة ~~لأنه كان يوم الشمس في ديانة عبادها الأقدمين، واسم هذا اليوم ms129 بالإنجليزية # Sunday # يدل على بقايا ذلك الدين المهجور. # وأقطع من هذا في استضعاف تلك الملاحظات أن روح المسيحية في إدراك فكرة الله هي روح ~~متناسقة، تشف عن جوهر واحد لا يشبهه إدراك فكرة الله في عبادة من تلك العبادات. # فالإيمان بالله على تلك الصفة فتح جديد لرسالة السيد المسيح لم يسبقه إليها في اجتماع ~~مقوماتها رسول من الكتابيين ولا غير الكتابيين، ولم تكن أجزاء مقتبسة من هنا وهناك، بل كانت ~~كلا متجانسا من وحي واحد وطبيعة واحدة، وإن وجدت هذه الأجزاء متفرقة هنا وهناك قبل ~~ذاك. # | الإسلام # مضى على مولد السيد المسيح نحو ستة قرون قبل ظهور الإسلام، تشعبت في خلالها المذاهب ~~المسيحية بين قائل بطبيعة واحدة للسيد المسيح وقائل بطبيعتين اثنتين: هما الإنسانية ~~والإلهية، وبين مؤله للسيدة مريم ومنكر لهذا التأليه، وبين مفسر لبنوة السيد المسيح بأنه ~~ابن الله ولكنها بنوة على المجاز بمعنى القرب والإيثار على سائر المخلوقات، وقائل بأن السيد ~~المسيح هو ابن الله على الحقيقة التي يفهمها المؤمن على نحو يليق بالذات الإلهية. # وتسربت هذه المذاهب جميعا إلى الجزيرة العربية مقرونة بالبراهين الجدلية التي يستدل بها ~~كل فريق على صحة تفسيره وبطلان تفسير معارضيه، وكان كثير من تلك البراهين مستمدا من المنطق ~~ومذاهب حكماء اليونان، فإن أوريجين ونسطور وآريوس أصحاب الآراء الفلسفية واللاهوتية التي ~~جاءت بها الفرق المختلفة كانوا من المطلعين على الفلسفة الإغريقية والملمين على التخصيص ~~بآراء هيرقليطس وأفلاطون وأرسطو وزينون. # وقد عرف العرب أطرافا من هذه المذاهب بعد هجرة المهاجرين منهم إلى العراق وسورية ~~وفلسطين، كما عرفوها بعد هجرة المهاجرين إلى بلادهم من رهبان تلك الأمم وتجارها وسائحيها، ~~وهم غير قليلين. # وتسربت مذاهب اليهودية قبل ذلك إلى أنحاء الجزيرة العربية، ولم تزل تتسرب إليها بعد ظهور ~~المسيحية واحتكاك اليهود بالنصارى في جوانب الدولة الرومانية، وكانت لليهود مذاهب في الدين ~~تمتزج بالفلسفة حينا وبالتأويلات اللاهوتية حينا آخر، على مثال الامتزاج بين مذاهب ~~المسيحية وأقوال الفلاسفة واللاهوتيين. # وكانت جزيرة العرب على اتصال لا ينقطع بالفرس ومن ms130 جاورهم من أمم المشرق ولا سيما في بلاد ~~البحرين وبلاد اليمن على الشواطئ وفي داخل الصحراء العامرة، فنقل الفرس إلى تلك الأصقاع ~~هياكل النار وعبادة الكواكب وغيرها من بقايا الديانة المجوسية. # ولم يتلق العرب النصرانية من مصدر واحد أو من مصدر الشمال دون غيره، فقد كانت للحبشة ~~نصرانية ممزوجة بالوثنية التي تخلفت من عقائدها الأولى، وكان يهود الحبشة على شيء من ~~الوثنية يختلط بعقائد المجوس وعقائد الأحباش والعرب الأقدمين. # ودان قليل من العرب بهذه الديانات على أوضاعها الكثيرة التي يندر فيها الإيمان بالوحدانية ~~الخالصة وعقيدة التنزيه والتجريد. أما الأكثرون منهم فكانوا يعبدون الأسلاف في صور الأصنام ~~أو الحجارة المقدسة، وكانوا يحافظون على هذه العبادة السلفية كدأب القبائل جميعا في ~~المحافظة على كل تراث من الأسلاف ولكنهم كانوا يعرفون «الله» ويقولون أنهم يعبدون الأصنام ~~ليتقربوا بها إلى الله. # فلما ظهر الإسلام في الجزيرة العربية كان عليه أن يصحح أفكارا كثيرة لا فكرة واحدة عن ~~الذات الإلهية، وكان عليه أن يجرد الفكرة الإلهية من أخلاط شتى من بقايا العبادات الأولى ~~وزيادات المتنازعين على تأويل الديانات الكتابية. # فإذا كانت رسالة المسيحية أنها أول دين أقام العبادة على «الضمير الإنساني» وبشر الناس ~~برحمة السماء - فرسالة الإسلام التي لا التباس فيها أنها أول دين تمم الفكرة الإلهية وصححها ~~مما عرض لها في أطوار الديانات الغابرة. # فالفكرة الإلهية في الإسلام «فكرة تامة» لا يتغلب فيها جانب على جانب، ولا تسمح بعارض من ~~عوارض الشرك والمشابهة، ولا تجعل لله مثيلا في الحس ولا في الضمير، بل له # المثل الأعلى # وليس كمثله شيء. # فالله وحده # لا شريك له ~~، # ولم ~~يكن له شريك في الملك ~~، # فتعالى الله ~~عما يشركون ~~، # سبحانه وتعالى عما ~~يشركون ~~. # والمسلمون هم الذين يقولون: # ما كان لنا أن نشرك ~~بالله ~~، # ولن نشرك بربنا ~~أحدا ~~. # ويرفض الإسلام الأصنام على كل وضع من أوضاع التمثيل أو الرمز أو التقريب. # ولله المثل الأعلى من صفات الكمال جمعاء، وله الأسماء الحسنى، فلا تغلب فيه صفات القوة ~~والقدرة على صفات الرحمة ms131 والمحبة، ولا تغلب فيه صفات الرحمة والمحبة على صفات القوة ~~والقدرة، فهو قادر على كل شيء وهو عزيز ذو انتقام، وهو كذلك رحمن رحيم وغفور كريم، قد وسعت ~~رحمته كل شيء، و # يختص برحمته من يشاء ~~. # وهو الخلاق دون غيره و # هل من خالق غير ~~الله ~~. # فليس الإله في الإسلام مصدر النظام وكفى، ولا مصدر الحركة الأولى وكفى، ولكن # الله خالق كل شيء ~~، # وخلق كل ~~شيء فقدره # و # إنه يبدأ الخلق ثم ~~يعيده ~~، # وهو بكل خلق عليم ~~. # ومن صفات الله في الإسلام ما يعتبر ردا على «فكرة الله» في الفلسفة الأرسطية كما يعتبر ~~ردا على أصحاب التأويل في الأديان الكتابية وغير الكتابية. # فالله عند أرسطو يعقل ذاته ولا يعقل ما دونها، ويتنزه عن الإرادة؛ لأن الإرادة طلب في ~~رأيه والله كمال لا يطلب شيئا غير ذاته، ويجل عن علم الكليات والجزئيات؛ لأنه يحسبها من ~~علم العقول البشرية، ولا يعني بالخلق رحمة ولا قسوة؛ لأن الخلق أحرى أن يطلب الكمال بالسعي ~~إليه. # ولكن الله في الإسلام # عالم الغيب والشهادة # و # لا يعزب عنه مثقال ذرة # وهو بكل خلق عليم # وما كنا عن الخلق غافلين ~~، # وسع كل شيء علما ~~، # ألا له ~~الخلق والأمر ~~، # عليم بذات ~~الصدور ~~. # وهو كذلك مريد وفعال لما يريد. # وقالت اليهود يد الله ~~مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه ~~مبسوطتان # وفي هذه الآية رد على يهود العرب بمناسبة خاصة تتعلق بالزكاة ~~والصدقات كما جاء في أقوال بعض المفسرين، ولكنها ترد على كل من يغلون إرادة الله على وجه ~~من الوجوه، ولا يبعد أن يكون في يهود الجزيرة من يشير إلى رواية من روايات الفلسفة الأرسطية ~~بذلك المقال. # وقد أشار القرآن الكريم إلى الخلاف بين الأديان المتعددة، فجاء فيه من سورة الحج # إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين ~~والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم ~~يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد # وأشار إلى ~~الدهريين فجاء فيه من سورة الأنعام: # وقالوا إن هي إلا ~~حياتنا الدنيا ms132 وما نحن بمبعوثين # وجاء فيه من سورة الجاثية: # وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ~~ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم ~~إن هم إلا يظنون ~~. # فكانت فكرة الله في الإسلام هي الفكرة المتممة لأفكار كثيرة موزعة في هذه العقائد الدينية ~~وفي المذاهب الفلسفية التي تدور عليها، ولهذا بلغت المثل الأعلى في صفات الذات الإلهية، ~~وتضمنت تصحيحا للضمائر وتصحيحا للعقول في تقرير ما ينبغي لكمال الله، بقسطاس الإيمان ~~وقسطاس النظر والقياس. # ومن ثم كان الفكر الإنساني من وسائل الوصول إلى معرفة الله في الإسلام، وإن كانت الهداية ~~كلها من الله: # يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ~~ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء ~~، # وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ~~. # ومجمل ما يقال في عقيدة الذات الإلهية التي جاء بها الإسلام أن الذات الإلهية غاية ما ~~يتصوره العقل البشري من الكمال في أشرف الصفات. # فالله هو # المثل الأعلى ~~. # وهو الواحد الصمد الذي لا يحيط به الزمان والمكان وهو محيط بالزمان والمكان و # هو الأول والآخر والظاهر والباطن ~~، # وسع كرسيه السماوات والأرض ~~، # ألا إنه بكل شيء محيط ~~. # وقد جاء الإسلام بالقول الفصل في مسألة البقاء والفناء، فالعقل لا يتصور للوجود الدائم ~~والوجود الفاني صورة أقرب إلى الفهم من صورتهما في العقيدة الإسلامية؛ لأن العقل لا يتصور ~~وجودين سرمديين، كلاهما غير مخلوق، أحدهما مجرد والآخر مادة، وهذا وذاك ليس لهما ابتداء ~~وليس لهما انتهاء. # ولكنه يتصور وجودا أبديا يخلق وجودا زمانيا، أو يتصور وجودا يدوم ووجودا يبتدئ ~~وينتهي في الزمان. # وقديما قال أفلاطون - وأصاب فيما قال - إن الزمان محاكاة للأبد؛ لأنه مخلوق والأبد غير ~~مخلوق. # فبقاء المخلوقات بقاء في الزمن، وبقاء الخالق بقاء أبدي سرمدي لا يحده الماضي والحاضر ~~والمستقبل؛ لأنها كلها من حدود الحركة والانتقال في تصور أبناء الفناء، ولا تجوز في حق ~~الخالق السرمدي حركة ولا انتقال. # فالله هو # الحي الذي لا يموت ~~، # وهو الذي يحيي ويميت # و # كل شيء هالك ~~إلا وجهه ~~. # ولا بقاء ms133 على الدوام إلا لمن له الدوام ومنه الابتداء وإليه الانتهاء. # وقد تخيل بعض المتكلمين في الأديان أن هذا التنزيه البالغ يعزل الخالق عن المخلوقات، ~~ويبعد المسافة بين الله والإنسان. # وإنه لوهم في الشعور وخطأ في التفكير. # لأن الكمال ليست له حدود، وكل ما ليست له حدود فلا عازل بينه وبين موجود، وفي القرآن ~~الكريم: # ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا ~~فثم وجه الله ~~، # ونحن أقرب إليه من ~~حبل الوريد ~~. # ولا شك أن العالم كان في حاجة إلى هذه العقيدة كما كان في حاجة إلى العقيدة المسيحية من ~~قبلها، وتلقى كلتيهما في أوانه المقدور. # فجاءه السيد المسيح بصورة جميلة للذات الإلهية. # وجاءه محمد عليه السلام بصورة «تامة» في العقل والشعور. # وربما تلخصت المسيحية كلها في كلمة واحدة هي الحب. # وربما تلخص الإسلام في كلمة واحدة هي «الحق.» # ذلك بأن الله هو الحق ~~، # إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ~~، # فتعالى الله الملك الحق ~~، # قل يا أهل ~~الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء ~~قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء ~~السبيل ~~. # ومن ملاحظة الأوان في دعوات الأديان أن المسيحية دين «الحب» لم تأت بتشريع جديد، وأن ~~الإسلام دين «الحق» لم يكن له مناص من التشريع. # فما كان الناس عند ظهور المسيح بحاجة إلى الشرائع والقوانين؛ لأن شرائع اليهود وقوانين ~~الرومان كانت حسبهم في أمور المعاش كما يتطلبها ذلك الزمان، وإنما كانت آفتهم فرط الجمود ~~على النصوص والمراءاة بالمظاهر والأشكال، فكانت حاجتهم إلى دين سماحة ودين إخلاص ومحبة، ~~فبشرهم السيد المسيح بذلك الدين. # ولكن الإسلام ظهر وقد تداعى ملك الرومان وزال سلطان الشرائع الإسرائيلية، وكان ظهوره بين ~~قبائل على الفطرة، لا تترك بغير تشريع في أمور الدنيا والدين يزعها بأحكامه في ظل الحكومة ~~الجديدة، ويوافق أطوارها كلما تغيرت مواطنها ومواطن الداخلين في الدين الجديد، والعبرة ~~بتأسيس المبدأ في حينه، ولم يكن عن تأسيس المبدأ في ذلك الحين من محيد. # وإذا بقي الإيمان بالحق فقد بقي أساس الشريعة لكل جيل، ms134 وفي كل حال. # | الأديان بعد الفلسفة # (1) اليهودية بعد الفلسفة # تقدم اليهود في الزمن وتقدموا في دراسة الفلسفة اليونانية، وبلغ اختلاطهم بمذاهب ~~الفلسفة أتمه في مدينة الإسكندرية قبيل الميلاد لأنها أصبحت مركز الثقافة في العالم ~~المتحضر، بعد انتهاء عصر الفلسفة من أثينا وسائر بلاد الإغريق. # واليهود كما هو معلوم لا يتحولون عن عقائد آبائهم وأجدادهم وإن خالفت كل ما تعلموه ~~ودرسوه ودرجوا على التفكير فيه؛ لأن عقيدتهم بالنسبة إليهم أكثر من عقيدة دينية: هي جنس ~~ومعقل دفاع في وجه الأمم التي يعادونها وتعاديهم، فهم أحوج الناس إلى التوفيق بين ~~العقيدة والفكرة لفهم الدين على النحو الذي يستبقي الصلة بينهم وبين أسلافهم ولا يقطع ~~الصلة بينهم وبين الزمن الذي يعيشون فيه، فإن استبقاء هذه الصلة بينهم وبين الزمن لازم ~~لهم مفروض عليهم إذ هم لا يتسلطون على العالم بقوة الحكم والغلبة، ولكنهم يستفيدون منه ~~بالتطور والمجاراة وملابسة المطالب الدنيوية، فاستبقاء الصلة بينهم وبين أسلافهم ~~واستبقاء الصلة بينهم وبين العالم ضرورتان تتساويان وتصبحان ضرورة واحدة: هي ضرورة ~~الحياة. # فالمفكرون اليهود لا ينقطعون عن أصولهم كل الانقطاع ولا ينقطعون عن ثقافة العالم كل ~~الانقطاع، ولا سيما الثقافة التي تدخل في اعتقاد الجماعات وتتأثر بها حركات الأمم ~~ونزعات المسيطرين عليها. # وأقدم فلاسفة اليهود الذين أسسوا قنطرة الاتصال بين الدين والفلسفة هو ولا شك فيلون ~~الإسكندري الذي ولد في السنة العشرين قبل الميلاد وتوفي بعد ذلك بنحو سبعين سنة، فإن ~~بناء هذه القنطرة بالنسبة إليه ضرورة روحية لا فكاك منها، فضلا عن ضرورة الزمن الذي ~~عاش فيه وضرورة البيئة التي اشتجرت فيها عقائد مصر وعقائد أبناء جنسه وفسلفة اليونان، ~~بعد امتزاجها بالديانات السرية في مصر وسائر الأقطار الرومانية. # وقد تعلم فيلون من دينه أن الله ذات، وتعلم من الفلسفة اليونانية أن الله عقل مطلق ~~مجرد من ملابسات المادة. # فلم يستطع أن يقبل الصفات والأنباء التي أسندت إلى الله في كتب اليهود بدلالتها ~~الحرفية ونصوصها الظاهرة، ولم يستطع أن يجاري الفلاسفة في عزلهم بين الله ومخلوقاته ~~ورفعهم ms135 عناية الله عن الاشتغال بأحوال هذه المخلوقات. # إلا أنه كان على اقتناع مكين بتنزيه الله عن صفات التشبيه والتجسيم، وكان يرى أن عقل ~~الإنسان لن يستثبت من صفات الله شيئا غير أنه موجود، ولكنه في وجوده الكامل المطلق ~~أعلى من أن تحده صفة تدركها العقول. # فكيف يتأتى الاتصال بين هذا الخالق وبين مخلوقاته في هذه الصور المادية؟ # وكيف يفهم الصفات والأنباء التي أسندت إليه في كتب أنبياء اليهود؟ # أما كتب الأنبياء فهو لا يرفضها ولكنه يقبلها على الرمز والمجاز، ويقول: إنها تنطوي ~~على حقيقة أعمق من الحروف والنصوص يفهمها المستعدون لها على درجات. # وأما الاتصال بين الخالق والمادة فإنما يكون بوسيلة العقل أو الكلمة، وهي عنده تارة ~~تقابل كلمة لوجوس # Logos # وتارة تقابل كلمة نوس # Nous # اليونانيتين. # فالعقل يصدر عن الله، والمادة تنقاد للعقل فتتحرك وتنتظم وتتعدد فيها طبقات ~~المخلوقات. # وكان فيلون يرفض أقوال الرواقيين التي تشبه القول بوحدة الوجود، وتجعل الله من العالم ~~والعالم من الله. # ولكنه كذلك كان يرفض مذهب أرسطو في تجريده الله عن العمل للمخلوقات وزعمه أن كمال ~~الله يقتضي هذا التجريد. # قال: «إن بعضهم ممن فاق إعجابهم بالعالم إعجابهم بصانعه يقولون: إن العالم أبدي ~~بغير بداية، وينسبون إلى الله نسبة خلت من التقوى والحق إذ يجردونه من العمل، وكان أحرى ~~بهم أن يقفوا موقف الروعة أمام قدرته: قدرة الصانع والأب، ولا يتجاوزوا الحد في تعظيم ~~العالم وتمجيده، وقد كان موسى الذي بلغ الذروة في الفلسفة واهتدى بوحي الله إلى أعمق ~~أسرار الطبيعة يعلم أن الضرورة أوجبت أن يوجد في الكون سبب محرك ومادة لا حراك بها، وأن ~~السبب المحرك هو العقل # Nous # أو هو عقل الكون الطهور ~~الذي يعلو على الفضيلة والعلم، ويعلو على الخير نفسه وعلى الجمال نفسه، أما المادة التي ~~لا حراك بها فليست لها روح حياة ولا طاقة لها بالحركة من عند ذاتها، ولكنها متى تحركت ~~بالعقل واستمدت منه روح الحياة صارت إلى هذا الصنع المحكم العجيب المتجلي لنا في هذا ~~العالم، ms136 وإن أولئك الذين يحسبون العالم بلا بداية لا يبصرون أنهم يقطعون بذلك الحسبان ~~ألزم عنصر من مقومات الدين وهو الإيمان بالعناية الإلهية؛ لأن العقل ينبئنا أن الأب ~~الخالق يعنى بما خلق ...» # وغني عن القول كذلك أن فيلون يرفض زعم الزاعمين أن الله يحتويه مكان أو زمان لأنه ~~محيط بكل مكان وكل زمان، ويرفض زعم الزاعمين أن الله لا يستجيب للصلاة لأن الصلاة أصل ~~من أصول العلاقة بين الإنسان والله، وعنده أن الله يستجيب دعاء «الكلمة» أو اللوجوس ~~لهذه الموجودات الأرضية، وأن موسى عليه السلام هو اللوجوس الذي استجاب الله دعاءه في ~~سيناء، وهو الذي خلص من شوائب المادة فلحق بالطبيعة الإلهية # Transmutatur in divinus ~~. # قال: «إن الله أحد، ولكنه بقدرته خير وحاكم، فبالخير صنع العالم، وبالحكم يديره، وثمة ~~شيء ثالث يجمع بين القدرتين وهو اللوجوس أو الكلمة؛ لأن الله - بالكلمة - يجود ويحكم ... ~~والكلمة كانت في عقل الله قبل جميع الأشياء ... وهي متجلية في جميع الأشياء.» ~~••• # وقد كان مذهب فيلون مبدأ ثورة دينية في بني إسرائيل، فتابعه أناس في التأويل ~~والتفسير، وأحجم أناس عن كل تأويل وتفسير مشفقين على التراث القديم، وانتهى الخلاف إلى ~~انشقاق حاسم بين القرائين وهم المتلزمون للنصوص وبين الربانيين الذين يجيزون تفسيرها ~~والتوفيق بينها وبين مقررات العلم ومذاهب الحكمة، ولم يحدث ذلك إلا بعد تسعة قرون من ~~عصر فيلون، أي بعد شيوع الفلسفة الإسلامية واستفاضة البحث في مسألة القضاء والقدر على ~~الخصوص؛ لأنها هي المسألة التي استحكم عليها الخلاف بين القرائين القائلين بالقضاء ~~والربانيين القائلين بالاختيار. ~~••• # وقد نبغ بعد فيلون فلاسفة من اليهود يدخلون في أغراض الفلسفة العامة ولا يدخلون في ~~أغراض هذا الفصل؛ لأنهم لم يشتغلوا بالتوفيق بين أحكام النصوص الكتابية وأحكام الفلسفة ~~الإلهية، وليس بين فلاسفتهم الذين اشتغلوا بالتوفيق بين النص والعقل من هو أولى بالذكر ~~في هذا المقام من موسى بن ميمون. # وكان مولد ابن ميمون في قرطبة 1135-1204، وصناعته الطب والتجارة، وقضى أيام نضجه ~~وبحثه بين مصر وفلسطين في أشد أوقات الخلاف بين ms137 القرائين والربانيين على تأويل نصوص ~~التوراة والتلمود، فأوشك أن ينصرف بجملته إلى شروح الفقه والعبادة، ولكنه قرأ علوم ~~الكلام وبحوث التوحيد الإسلامية واطلع على فلسفة اليونان باللغة العربية، فألف كتابه ~~دلالة الحائرين، وتناول فيه مسائل الفلسفة ببعض التفصيل، ولا سيما مسألة الذات والصفات ~~ومسألة المعاني والنصوص. # فقال عما جاء في سفر التكوين: «إننا نصنع إنسانا على صورتنا وشبهنا»: «إن الناس قد ~~ظنوا لفظ صورة في اللسان العبري يدل على شكل الشيء وتخطيطه، فيؤدي ذلك إلى التجسيم ~~المحض، ورأوا أنهم إن فارقوا هذا الاعتقاد كذبوا النص، وأما صورة فتقع على الصورة ~~الطبيعية، أعني على المعنى الذي يجوهر الشيء بما هو، وهو حقيقته من حيث هو ذلك الوجود ~~المعنوي الذي عنه يكون الإدراك الإنساني، فيكون المراد من الصورة الصورة النوعية التي ~~هي الإدراك العقلي لا الشكل والتخطيط.» ففسر الصورة في سفر التكوين بالصورة المقصودة في ~~مذهب أرسطو، وهذا وأمثاله قد أثار عليه المحافظين فسموا كتابه بضلالة الحائرين. # وقال عن الألواح وكلام الله الذي كتب عليها بأصبع الله: «إنها موجودة وجودا طبيعيا ~~لا صناعيا، إن كلام الله هو علمه الذي يدركه النبيون، وليس كلاما كالذي يصدر عن ~~الإنسان أو كالذي نفهمه من لفظ الكلام.» وقال عن صفات الله كلها: «إنها وضعت بحسب ~~الأفعال الموجودة في العالم، أما إذا اعتبرنا ذاته مجردا عن كل فعل فلا يكون له اسم ~~مشتق بوجه، بل اسم واحد مرتجل للدلالة على ذاته.» # وليس أسلم عنده من وصف الله بالسوالب، أي بنفي كل صفة من صفات النقص عنه جل وعلا، فقد ~~«تبرهن أن الله عز وجل واجب الوجود لا تركيب فيه، ولسنا ندرك إلا أنيته لا ماهيته، ~~فيستحيل أن تكون له صفة إيجابية لأنه لا أنية له خارجة عن ماهيته فتدل الصفة على ~~إحداها، فإما أن تكون ماهيته مركبة فتدل الصفة على جزئيها، وإما أن تكون لها أعراض فتدل ~~الصفة أيضا عليها، فلا صفة إيجاب بوجه من الوجوه ... فسبحان من إذا لاحظت العقول ذاته ~~عاد إدراكها تقصيرا، وإذا لاحظت ms138 صدور أفعاله عن إرادته عاد علمها جهلا، وإذا رامت ~~بالألسن تعظيمه بأوصاف عادت كل بلاغة عيا وتقصيرا ...» # وهو يقول: «إن الله صورة العالم وسبب وجوده لأن وجود الباري هو سبب لكل موجود وهو يمد ~~بقاءه بالمعنى الذي يكنى عنه بالفيض، فلو قدر عدم الباري لقدر عدم الوجود كله وبطلت ~~ماهية الأسباب البعيدة منه والمسببات الأخيرة وما بينها، فهو له إذن بمنزلة الصورة ~~للشيء الذي له صورة والذي بها هو ما هو، وبالصورة تثبت حقيقته وماهيته، فكذلك نسبة ~~الإله للعالم: وبهذه الجهة قيل فيه: إنه الصورة الأخيرة وإنه صورة الصور، أي إنه سبب ~~وجود كل صورة في العالم وقوامها مستند أخيرا إليه وبه قوامها.» # وهو يقول بحدوث العالم ولكنه يرى أن إثبات الحدوث بالبرهان عسير: «وغاية قدرة المحقق ~~عندي من المتشرعين أن يبطل أدلة الفلاسفة على القدم، وما أجل هذا إذا قدر ~~عليه.» # وعلى هذا الاعتبار يقول: «أما أنا فأقول: إن العالم لا يخلو من أن يكون قديما أو ~~محدثا، فإن كان محدثا فله محدث بلا شك ... وإن كان العالم قديما فيلزم ضرورة أن ثم ~~موجودا غير أجسام العالم كلها ليس هو جسما ولا قوة في جسم، وهو واحد دائم سرمدي لا ~~علة له ولا يمكن تغييره، فهو الإله ...» # أما الملائكة فهو يرى أنهم موجودون بدليل النص، وأن وجودهم لا يمنعه العقل؛ لأنه ~~يسلم وجود العقول المفارقة أي العقول المجردة عن الأجسام. # وجائز أن يوجد الله شيئا من لا شيء، «وإنا كما جهلنا حكمته التي أوجبت أن تكون ~~الأفلاك تسعة لا أكثر ولا أقل، وعدد الكواكب ما هي عليه لا أكثر ولا أقل ولا أكبر ولا ~~أصغر، كذلك نجهل حكمته في كونه أوجد الكل بعد أن لم يكن ...» ~~••• # وقد سبق ابن ميمون في الأندلس فيلسوف يهودي بحث في الحكمة الإلهية وقال بضرورة ~~الوساطة بين الله والعالم وأسند هذه الوساطة إلى المشيئة الإلهية، ولكنه لم يتوسع كما ~~توسع ابن ميمون في تأويل النصوص والتوفيق بين الفلسفة واللاهوت، وأهم مساهمة له في ~~الفلسفة ms139 عامة هي قوله بامتناع التناقض بين الروح والمادة، لوحدة العلة والمعلول في ~~الطبيعة، وإلا انتفى تأثير العقل في الجسد أو تأثير الروح في المادة. # هذا الفيلسوف هو سليمان بن جبيرول الذي ولد في مالقة سنة 1020 وألف كتاب ينبوع ~~الحياة، وربما كان له أثر في توجيه سبينوزا أكبر فلاسفة اليهود ومن أكبر فلاسفة الغرب ~~على العموم. ~~••• # ولا تزال المحافظة على أقدم النصوص الإسرائيلية شغلا شاغلا للمفكرين من اليهود حتى ~~في هذه الأيام، ففي سنة 1937 ظهر لمردخاي كبلان كتاب بالإنجليزية عنوانه «معنى الله في ~~الديانة اليهودية الحديثة» يفسر فيه نصوص الأسفار الإسرائيلية ويستمسك بكل نص من تلك ~~النصوص مع تفسير جديد يلائم الحياة العصرية، ومن ذاك عهد لبني إسرائيل ليجعلنهم شعبه ~~المختار بين الشعوب، فهو يقول: إن هذا العهد لا يناقض وحدة الإنسانية ولا وحدة الحضارة ~~الإنسانية، بل يؤيد هذه الوحدة ويؤكدها؛ لأن العهد يبشر بإنجازه بين الله وإسرائيل يوم ~~تستقر مملكة الله على الأرض ويبطل فيها البغي والعدوان ويتفق بنو الإنسان جميعا على ~~عبادة الله بالحق والإخلاص، ولكن الله لم يخلق الإنسانية آحادا بل خلقها شعوبا ~~وجماعات ووكل سعيها في سبيل الوحدة إلى جهود هذه الشعوب والجماعات: كل منها بما هو أهله ~~وكل منها بما هو مقيض له ومعهود إليه. # والمحافظة هي المسحة الغالبة على التفسيرات العصرية للعقائد الإسرائيلية الأولى، ولا ~~استثناء في ذلك لما يكتبه الأدباء الطلقاء من قيود الكهانة الدينية كالقصاص المعروف ~~شولم آش # Sholem Asch # وبعض الشعراء والكتاب ~~المحدثين، فيقول شولم في كتابه «ما أعتقد»: # إن جميع الديانات غير ديانة التوحيد كما أدركها إبراهيم يصح أن تشبه بآبار ~~ملأها الإنسان بيديه، وإنما تجد الروح الخالقة في الإنسان تعبيرها الصحيح في ~~الصور المجسمة، وقد يتلقى الإنسان الوحي من المعاني المجردة ولكنه لا يصنع ولا ~~يعمل إلا بالتجسيم، وكل ما ادخرته روح الإنسان في المجسمات فذاك الذي أسميه ~~بالدين. # خلق الله الإنسان على صورته، وعاد الإنسان فخلق الله على صورته وتمثله في ~~طبيعته، ودرج من أقدم الأزمان على ms140 أن يزدلف إلى الله بأن يصفه بما هو أجمل ~~الصفات وأفضلها في نظره، وكل جيل من أجيال البشر يرفع إلى الله خلاصة ثمرات ~~عصره، وكل جيل من أجيال البشر قد صور الله على الصورة المثلى التي يستمدها من ~~خلائقه ومزاياه، ومن هنا أصبحت الربوبية أوجا تلتقي فيه أفضل الفضائل التي ~~تتخيلها الشعوب. # فلا ضير على هذا أن يظل التجسيم ملازما للديانة كما يراها شولم آش، ولكنه يفرق ~~بين الديانة والعقيدة؛ لأن الديانة تتكون في باطن الإنسان فلا تعلو عليه، أما العقيدة ~~فهي ثقة يتلقاها من فوقه ومن أمامه ولا يتمثلها في مثال. ~~••• # وعلى الجملة يلاحظ أن الديانة اليهودية على قدمها هي أقل الديانات الكتابية تأثرا ~~بشروح الفلسفة وعوارض التجديد الأخرى، ويرجع ذلك إلى أسباب عدة: منها أن اليهودية عند ~~نشأتها لم تنهض لها ضرورة قاضية بالتعجيل في التفسير والتأويل؛ لأن اليهودية نفسها كانت ~~بمثابة فلسفة تجريدية بالقياس إلى العقائد الوثنية والأديان المجسمة التي نشأت بينها، ~~وكان أنبياء اليهود يتلاحقون واحدا بعد واحد، فيشغل النبي الأمة بأقواله عن أقوال ~~الذين سبقوه إلى استنزال الوحي من الله، وينبغي أن نذكر في هذا الصدد أن الدينين ~~الكتابيين العظيمين اللذين ظهرا بعد اليهودية إنما كانا تعديلين في نصوص الدين اليهودي ~~ومعانيه، فهما خليقان أن يشغلا كل فراغ كان متسعا لتفسير النصوص ومحاولة التوفيق بين ~~المنقول والمعقول. # وقد تلاحقت الهجرة والتشتيت على الأمة اليهودية منذ أيامها الأولى وأصابتها المحن من ~~ذوي قرباها، ونزل بها الحيف من الدول القوية المسلطة عليها، فاشتدت في نفوسها العصبية ~~القومية، ونفرت كل النفور من البدع الأجنبية، وتحصنت دونها بحصن منيع من العزلة ~~الروحية والفكرية، فأحجمت عن الفلسفة التي تطرقت إليها من جانب الإغريق وجانب المشارقة ~~الفارسيين والهنديين، ولم تكن هذه الفلسفة على هذا قد تكاملت في بلاد الإغريق أو تفرقت ~~منها بين الأقطار الشرقية؛ لأنها لبثت في دور التكوين والتكامل والتعليق إلى ما بعد ~~ميلاد المسيح. ~~(2) المسيحية بعد الفلسفة # أما المسيحية فقد تأخر تدوين كتبها وكان معظمها مسطورا باللغة الإغريقية، ms141 فلا يطلع ~~عليها سواد المسيحيين، وقد كانت جمهرة المسيحيين في أوائل الأمر من عامة الناس الذين ~~يقنعون بالإيمان اليسير ولا يتعمقون في النصوص ولا في التأويلات، فلما آمن المتعلمون ~~بالدين الجديد كان اختلافهم مقصورا على بيئات الدرس والثقافة، إلى أن قام في العالم ~~المسيحي ملوك يجلسون على العروش، فخرج الخلاف المدرسي إلى معترك السياسة الزبون، ونجمت ~~الفرق والمذاهب، وهي في أحضان الدولة تعتمد على بأس الملوك والأمراء من أحد الطرفين أو ~~من كلا الطرفين أو من جميع الأطراف في بعض الأحوال. # ومع هذا كتب إنجيل يوحنا في أواخر القرن الأول للميلاد وفي صدره هذا التمهيد الذي ~~يعتبره بعض الشراح توطئة للكتاب ويعتبره بعضهم الآخر جملة أصيلة في الكتاب ، وهو: «في ~~البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله، هذا كان في البدء عند الله، ~~كل شيء به كان، فيه كانت الحياة، والحياة كانت نور الناس، والنور يضيء في الظلمة، ~~والظلمة لم تدركه.» # وكتب بولس الرسول رسائله بعد ذلك، وهي شاهد على امتزاج الأمثلة الدينية بصور الفلسفة، ~~ولا سيما فلسفة الحلول، وكان يقول: إن المسيح جالس على يمين الله، ويدعو لمن يطلب لهم ~~الخير «أن تسكن فيهم كلمته»، ويسأل لهم الغفران منه، ويبشرهم بأنهم سيبلغون المجد متى ~~عاد إلى الأرض، ويبدو من جملة كلامه أنه كان ينتظر معاده في زمن قريب، وكثيرا ما أشار ~~إليه صلوات الله عليه «باسم ربنا يسوع المسيح» وسمى نفسه باسم «رسول يسوع المسيح بحسب ~~أمر الله مخلصنا وربنا يسوع المسيح.» # وكانت تعبيرات بولس الرسول وتعبيرات إنجيل يوحنا معا هي مثار البحث بين جماعة ~~التفسير وجماعة النصوص حين بدأ الخلاف بينهم في أواخر القرن الثاني للميلاد. # وأقوى هؤلاء المفسرين وأبعدهم أثرا في تطور المسيحية الأولى هو أوريجين ابن الشهيد ~~ليونيداس # Origen # الذي ولد بالإسكندرية سنة 185 للميلاد، ~~وتعلم على الفيلسوف آمون ساكاس - معلم أفلوطين - إمام الأفلاطونية الحديثة ~~المشهورة. # وكان أوريجين من الغلاة في النسك والعبادة، ولكنه تعلم الفلسفة وأدرك البدائة ~~العقلية، فاضطره فرط الإيمان إلى ms142 التوفيق بينها وبين نصوص الكتب الدينية، ولا سيما ~~النصوص التي تشير إلى بنوة السيد المسيح ودلالة الثالوث والتوحيد، فقال: إن البنوة ~~كناية عن القربى، وفهم معنى الكلمة التي كانت في البدء فهم الرجل الذي اطلع على مذهب ~~هيرقليطس ومذهب أفلاطون؛ لأن الأول يقول: إن الدنيا تتغير أبدا، فليس لها وجود حقيقي ~~وراء هذه الظواهر غير وجود الكلمة المجردة أو العقل المجرد الذي لا ينقطع عن تدبيرها، ~~ولأن أفلاطون يقول بسبق الصور المعقولة على الأجسام المحسوسة، فجاء أوريجين بعدهما ~~ليقول: إن السيد المسيح هو مظهر العقل الخالد تجسم بالناسوت، وإن ظهوره في الدنيا حادث ~~طبيعي من الحوادث التي يتجلى بها الإله في خلقه، واجتهد في تأويل النصوص، فجعل للكتب ~~الدينية تفسيرين ، أحدهما صوفي للخاصة والآخر حرفي لسائر الناس، وبشر بخلاص خلق الله ~~جميعا في نهاية الأمر حتى الشياطين، ولم يكن ينكر الشياطين أو ينكر قدرة السحرة على ~~تسخيرها، ولكنه - من عجب التناقض في الطبع الإنساني - كان يرى وهو منكر الحروف وداعية ~~التفسير والتأويل أن الأسماء العبرية دون غيرها هي الأسماء التي تجدي في الاستدعاء ~~والتسخير! وينسى أنه جعل هنا للأسماء والحروف سلطانا على الكون يقصر عنه سلطان المعاني ~~والمسميات. # وخلف أوريجين تلميذان قويان: هما آريوس في الإسكندرية ونسطور في سورية، فمضيا في ~~التأويل والتوفيق بين النصوص والمعاني، ولكنهما اختلفا بينهما أشد اختلاف يخلقه اللدد ~~والشحناء، وتراميا كما ترامى أتباعهما زمنا بتهمة الكفر والجحود؛ لأن آريوس كان يقول ~~بأن المسيح إنسان حادث، ونسطور كان يؤمن بالطبيعة الإلهية في المسيح ويأبى التسوية بينه ~~وبين الله في الدرجة والقدم، ودخلت السياسة في هذا الخلاف فدفعت به إلى أقصى ~~مداه. # هذه كلها كما رأينا مذاهب في الدين تصطبغ بالصبغة الفكرية ويمتزج فيها الإيمان ~~بالتفكير، أما مذاهب الفلسفة المسيحية فلم تظهر في العالم المسيحي قبل انقضاء عدة قرون، ~~وتأخر ظهورها - إذا استثنينا فلسفة القديس أغسطين - إلى ما بعد ظهور الفلسفة الإسلامية ~~في أوربا الغربية. # على أن القرون الخمسة الأولى بعد المسيح لم تخل قط من خلاف ms143 محتدم بين المجامع ~~والكنائس على تفسير المقصود من كلمات الأب والابن والروح القدس والكلمة وغيرها من ~~الأوصاف الإلهية التي وردت في الأناجيل، فاتفقوا جميعا على الوحدانية ولكنهم اختلفوا ~~في أقانيم الثالوث: هل الابن مساو للأب؟ وهل هو ذو طبيعة واحدة أو ذو طبيعتين إلهية ~~وإنسانية؟ وهل هو إله أو إنسان مفضل على سائر البشر؟ وهل يصدر الروح القدس من الأب وحده ~~أو من الأب والابن معا؟ وهل المسيح هو الكلمة أو هو الابن فقط أو أن الكلمة والابن ~~مترادفان؟ أو أن الكلمة هي الأب والإله؟ # وليس من موضوعنا هنا أن نبسط أوجه الخلاف وأسانيد المختلفين وقد كتبت فيها مئات ~~المجلدات، ولكننا نلخص الرأي الغالب في تفسير الأقانيم: وهو أن الأقانيم جوهر واحد، وأن ~~الكلمة والأب وجود واحد، وإنك حين تقول الأب لا تدل على ذات منفصلة عن الابن أو عن ~~الروح القدس: لأنه لا انفصال ولا تركيب في الذات الإلهية، ولكنها تتجلى بالأبوة في معرض ~~الإنعام وبالبنوة في معرض التلقي والقبول، ويوشك أن يكون الشأن في تعدد الأقانيم كالشأن ~~في تعدد الصفات عند بعض المفسرين. # وقد استقر الرأي على ذلك مع خلاف بين الكنيستين الشرقية والغربية في موضوع الروح ~~القدس وعلاقته بالأب والابن، فإن الكنيسة الشرقية تقول: إنه يصدر من الأب وحده والكنيسة ~~الغربية تقول: إنه يصدر من الأب والابن على السواء. # ولم تفصل المجامع - كمجمع نيقية ومجمع إفسس ومجمع خلقدونية - كل الفصل في موضوع هذه ~~التفسيرات، فإن دعاة الإصلاح قد أعادوا البحث فيها خلال القرن السادس عشر، فوقف ~~الأكثرون منهم عند التعبيرات القديمة، وخالفهم سوسينس # Socinus # في مسألة الطبيعة الإلهية، فنفي عن المسيح كل إلهية، وتفرع ~~على مذهبه مذهب الموحدين # Unitarians # الذي نشأ في ~~بولونية وقرر أن الإله لا يحل في البشر وأن السيد المسيح إنسان كسائر الناس. # ومما لا خفاء به أن آباء الكنيسة الأولين ما كانوا لينظروا إلى مسألة الثالوث كأنها ~~مشكلة تتطلب الحل لو لم يكن عصرهم كله عصر فلسفة وعصر اتجاه إلى التوحيد؛ لأن هذه ms144 ~~المسألة بعينها لو عرضت للمتدينين قبل المسيح ببضعة قرون لقبلوا حرفها على ظاهره في ~~جميع نصوصه، ولم يجدوا في معاني الثالوث بالنسبة إلى الآلهة حاجة إلى التأويل. # على أن الفكرة الإلهية - بمعزل عن مسألة الثالوث - قد لقيت من آباء الكنيسة المفكرين ~~أوفى نصيب من الدراسة الفلسفية التي تتلمذوا فيها على حكماء اليونان أو على حكماء ~~المسلمين، وكان للفيلسوف الإسرائيلي فيلون أثر في توجيه هذه الدراسة غير قليل. # فالقديس أوغسطين - الذي ولد في منتصف القرن الرابع - كان أسبق هؤلاء المفكرين ~~اللاهوتيين إلى البحث عن حقيقة الله وحقيقة النفس وحقيقة العبادة. قرأ شيشرون وأفلاطون ~~وبعض المذاهب اليونانية، ودان في شبابه بالمانوية فلم يعجبه منها تسليمها بقوة الشر، ~~ونفر منها إلى القول بأن الله لا يصنع الشر؛ لأن الشر ليس بشيء يصنع، ولكنه هو بطلان ~~الخير، واحتكم إلى العقل في فهم المسائل الدينية، ولكنه قرر أن العقل وحده لا يهدي إلى ~~الله، وأنه لا بد من الإيمان، ولا بد للمؤمن من تصديق ما لا يراه، فالعقل يعلمنا أن ~~الأجسام المتغيرة لا تخلق نفسها، وأن العقل لا يخلق حقائقها بل قصاراه أن يفهمها، ولكن ~~هذه الحقائق لها عقل خالق هو عقل الله، وهو جوهر مجرد لا تركيب فيه ولا تعديد، وإنما ~~صفاته هي ذاته لا فرق فيها بين صفة وصفة على الإطلاق، فالقادر على كل شيء هو العالم بكل ~~شيء، والقدرة المطلقة هي العلم المطلق، ومحل الإيمان - بعد محل العقل في الاهتداء إلى ~~الله - هو تكملة العجز الذي يعتري العقل إذ يحاول أن يتصور ما لا قبل له بتصوره من عظمة ~~الله وحكمته في خلقه، فليس للعقل من مخرج من هذه المآزق غير التسليم. # ولا يتردد أغسطين في الجزم بأن العالم مخلوق، وأنه لم يوجد هكذا من أزل الآزال، فلا ~~تناقض بين قدم الإرادة الإلهية وحدوث المخلوقات، ولا يفهم خلق الله للعالم في ستة أيام ~~على ظاهره بل على معناه؛ لأن اليوم من أيام الخلق غير اليوم الذي نحسبه من تقلب الليل ~~والنهار، فلم ms145 يكن ليل ولا نهار قبل خلق الكواكب، وهي كما جاء في سفر التكوين قد خلقت في ~~اليوم الرابع، فلا مناص من تقدير تلك الأيام بغير المقدار الذي نجريه في حساب الأفلاك، ~~ولا محل للاعتراض على خلق العالم في هذا الزمان دون ذاك؛ لأن الزمان لم يكن قبل العالم ~~حتى يقال: إنه خلق فيه فإذا خلق من العدم، فليس هناك مفاضلة بين زمانين، ولا موجب ~~للسؤال عن تفضيل زمان على زمان. # ولا اعتراض بوجود الشر على وجود الله في مذهب أوغسطين كما تقدم؛ لأن الشر ليس بموجود ~~فيخلق وينسب خلقه إلى الله، ولكنه هو عدم الخير ولا بد من عدم بعض الخير في المخلوق ~~المحدود؛ لأن المحدود لا يمكن عقلا أن يكون خيرا محضا أو يكون هو كل الخير، ولكن ~~الله يتدارك هذا النقص بحكمته ويمنح الإنسان إرادة تعينه على الاختيار وشوقا إلى ~~الكمال يهديه إلى حسن الاختيار، ولا يفوت أغسطين أن القول بهذا يستلزم القول بحرية ~~الإنسان، فهو في اعتقاده حر الإرادة ولولا ذلك لبطل التكليف. # وقد عرض القديس أغسطين لمسألة الثالوث فقال: «إن للأب والابن وروح القدس جوهرا ~~واحدا ليس الأب فيه شيئا والابن شيئا آخر وروح القدس شيئا غيره، وإن كان الأب ذاتا ~~والابن ذاتا وروح القدس ذاتا كذاك» ومثل هذا الاتحاد باتحاد نور النار ولهيبها، ~~وهما جوهر واحد. # ويعتبر القديس أغسطين أوفى آباء الكنيسة الأسبقين بحثا في معضلات الفكر من وجهتي ~~النظر الدينية والعقلية، ولكنه كان ينتهي منها أحيانا إلى حلول يراها فصل الخطاب، وهي ~~في رأي غيره مثار بحث لا تقف العقول لديه. # ثم أخرجت الكنيسة بعده بأجيال مفكرا يعتبر تلميذه في كثير من تحقيقاته ويعتبر في ~~طليعة المفكرين الإلهيين في العالم كله؛ لأنه - على استقلال فكره - قد وعى حكمة اليونان ~~وحكمة المسلمين وحكمة الآباء الأسبقين، ونظر فيها جميعا نظر المتصرف في الفهم ~~والانتقاد، وهو القديس توما الأكويني المولود في أوائل القرن الثالث عشر ~~للميلاد. # وهو يعتمد على أرسطو كثيرا كما يعتمد على ابن سينا في ms146 الفكرة الإلهية، ويقول: «إن ~~حدوث العالم مسألة يفصل فيها الوحي ولا يتأتى إثباتها بالبرهان، ويصف الله بجميع صفات ~~الكمال ومنها العلم بكل شيء من الكليات والجزئيات، مخالفا بذلك أرسطو الذي يقول: إن ~~الله يعقل ذاته وحدها لأنها أشرف المعقولات، ودليل القديس توما على ذلك أن الله يعلم ~~ضرورة ما هو خلاف ذاته؛ لأنه يعقل ذاته عقلا تاما كا هو جلي ظاهر، وإلا كان وجوده ~~ناقصا لأن وجوده هو عقله، ومتى كان الشيء معروفا معرفة تامة لزم من ذلك أن تكون قدرته ~~أيضا معروفة معرفة تامة، ولكن هذه القدرة لا تعرف تماما إلا بمعرفة المدى الذي تمتد ~~إليه، ومتى كانت قدرة الله تمتد إلى الأشياء بمقتضى أنها هي علتها الأولى فمن اللازم أن ~~يعلم الله جميع الأشياء ...» # ويقول القديس توما كما قال بعض فلاسفة الشرق من قبله: إن صفات الله السلبية أيسر ~~فهما من صفات الله الثبوتية، فالله غير مركب وغير متعدد وغير فان وغير ناقص، ويلزم ~~من ذلك أنه كامل كل الكمال، وأن صفات العلم والخير والجمال هي من معاني هذا الكمال ولا ~~تدل على التعدد والتركيب. # وقد عرض القديس توما لمسألة الثالوث فلم يخرج فيها عن مقررات الكنيسة، ولكنه رأى أن ~~الصدور بالنسبة إلى الأقانيم لا يمكن تمثيله إلا بالصدورات العقلية لأنها أقرب ~~الموجودات إلى الصفات الإلهية، فالروح القدس تصدر من الأب مثلا كصدور المعقول من العقل ~~دون أن يقتضي ذلك فصلا أو تفرقة بين الصادر ومصدره، أو كصدور الكلمة من الإنسان وهي ~~بصدورها لا تفارقه ولا تنفصل عنه. # وقد بلغ القديس توما الذروة في موضوعات الفلسفة المسيحية فلا حاجة إلى سرد الآراء ~~الأخرى التي أثرت عن بعض الآباء، وهي لا تزيد شيئا على فحواه. # إلا أن الكلام على الفكرة الإلهية في المسيحية لا يتم بغير الإشارة إلى عقيدة الخطيئة ~~وعقيدة التكفير. # فالأديان القديمة قد عرفت الخطيئة من عهود الإنسانية الأولى؛ لأنها عرفت المحرم # Taboo # وهو المحظور في العلاقات الجنسية أو في بعض ~~المأكولات. # وقد عرف التكفير بعد ارتقاء ms147 الأديان، فقال الهنود والأورفيون وأتباع فيثاغورس ~~بتناسخ الأرواح للتكفير والتطهير، وقال اليهود بالتكفير عن خطايا الشعب فسموه الخلاص، ~~وهم يقصدون به خلاص الشعب من ربقة البابليين أو المصريين. # ولكن المسيحية جعلت للخطيئة معنى آخر وسمتها الخطيئة الأصلية، وهي مخالفة آدم أمر ~~ربه بالأكل من الشجرة المنهي عنها، وجعلت آلام السيد المسيح كفارة عن الجنس البشري كله ~~لوقوع آدم في تلك الخطيئة، وازداد القول بذلك تواترا بعد عهد الإصلاح. ~~(3) الإسلام بعد الفلسفة # وكان الاستعداد لظهور الفرق والمذاهب في الإسلام على غير ما رأينا في اليهودية ~~والمسيحية من جميع الوجوه؛ إذ كانت الأسباب مهيأة لظهورها منذ الجيل الأول، سواء من ~~جانب الفلسفة أو من جانب المشكلات اللاهوتية التي شغلت عقول الباحثين بين اليهود ~~والمسيحيين. # كان الإسلام خلوا من الكهانة التي تستأثر بالدرس والتأويل، وكان القرآن صريحا في ~~الأمر المتكرر بالنظر والتفكير، وكان القرآن كتابا محفوظا في حياة النبي عليه السلام، ~~فلم يطل العهد بالمسلمين في انتظار التدوين والاتفاق على نصوص الكتاب، وكان المسلمون ~~يؤمنون بأن محمدا عليه السلام خاتم النبيين، فلا ينتظرون نبيا آخر يتمم الرسالة أو ~~يغنيهم عن الاجتهاد في معاني الكتاب أو معاني الأحاديث النبوية. # ولم يجهر محمد عليه السلام بالدعوة الإسلامية حتى كانت مشكلات المذاهب المتقدمة قد ~~ملأت آفاق الشرق العربي وانعقدت عليها الأقوال من طوائف المختلفين هنا وهناك، وتسرب ~~الكثير منها إلى الجزيرة العربية قبل الدعوة الإسلامية سواء منها أقوال الفلاسفة وأقوال ~~رجال الدين من جميع النحل والأجناس، وكان بعض المسلمين يسمعون بالتوراة ولم يطلعوا ~~عليها، ولكنهم سمعوا أنها أنبأت بظهور النبي وبغير ذلك من أحداث آخر الزمان، وأن ~~الأحبار يخفون هذه النبوءات إمعانا منهم في الكفر والضلالة وحب الرئاسة في الدنيا، ~~وقال لهم كعب الأحبار: «ما من الأرض شبر إلا مكتوب في التوراة التي أنزل الله على موسى ~~ما يكون عليه وما يخرج منه إلى يوم القيامة.» # وفهم المسلمون أن هذه الأسرار لا يعقل أن تودع في التوراة ولا تودع في القرآن، ~~لأن الله لم يفرط في ms148 الكتاب من شيء، وإنما تبذل هذه الأسرار لأهلها، وإنما سبيلهم في ~~معرفتها أن يتوسلوا بالتقوى ويستعينوا بمن سبقهم من أخبار الأمم الأولى، ويستدرجوهم ~~بالمحاسنة والنصيحة إلى الكشف عنها، فلم يكن لطلاب المعرفة بد من الدخول في معترك الفرق ~~الدينية بين من يزعم أنه على الحق ومن يقال إنه على الضلال. # ولما انتشر الإسلام كان انتشاره في الرقعة التي جمعت كل هذه الفرق والمذاهب وشهدت ~~بينها مجالس المناظرة ومصارع النزاع والقتال، وكانت الفلسفة الإغريقية قد بلغت أوجها في ~~آسيا الغربية ومدرسة الإسكندرية، وترددت أقاويلها ومناقضاتها ما بين مصر وسورية والعراق ~~وأطراف البلاد الفارسية، حيث يتصدى للتعليم أطباء النساطرة ومعهم كتب الإغريق في الحكمة ~~والتصوف والمنطق والجدل وأشباه هذه الموضوعات، فلم يبق سبب من الأسباب التي تنشئ الفرق ~~والمذاهب إلا وقد تهيأ للظهور من جميع نواحيه عند قيام الإسلام. # على أن السبب الذي طوى هذه الأسباب جميعا هو قيام الدولة مع قيام الدين الإسلامي في ~~وقت واحد، وهو ما لم يحدث في بني إسرائيل ولا في عالم المسيحية، وعليه تدور الخلافات ~~بين الفرق جميعا من قريب أو بعيد. # فالنزاع على الدولة بين علي ومعاوية مرتبط بنشوء الخوارج ونشوء الشيعة، ومرتبط كذلك ~~بنشوء القدرية والمرجئة، والقائلين بالرجعة وتناسخ الأرواح، ومذهب أهل الحقيقة ومذهب ~~أهل الشريعة، وما استتبعه من فرق الباطنية وأصحاب الرموز والأسرار، على تفاوت نصيبهم من ~~الحكمة الدينية والحكمة الفلسفية. # ويستطاع رد الخلاف هنا إلى محور واحد: وهو الخلاف بين أنصار الواقع وأنصار التغيير، ~~أو بين أنصار المحافظة وأنصار التجديد حيث كان. # روي عن يزيد بن معاوية وقد حمل إليه رأس الحسين أنه سأل من حوله وهو يشير إلى ~~الرأس الشريف: «أتدرون من أين أتي هذا؟ إنه قال: أبي علي خير من أبيه، وأمي فاطمة ~~خير من أمه، وجدي رسول الله خير من جده، وأنا خير منه وأحق بهذا الأمر؛ فأما أبوه فقد ~~تحاج أبي وأبوه إلى الله، وعلم الناس أيهما حكم له، وأما أمه فلعمري فاطمة بنت رسول ~~الله خير من ms149 أمي، وأما جده فلعمري ما أحد يؤمن بالله واليوم الآخر يرى لرسول الله فينا ~~عدلا ولا ندا، ولكنه أتي من قبل فقهه ولم يقرأ: # قل اللهم ~~مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن ~~تشاء ~~.» # فمن خدمه الواقع هذه الخدمة الجلى لا جرم يؤمن بأن الواقع هو قدر الله وقضاؤه ~~الذي يدان به العباد، ومن خالفه في ذلك لا جرم يعتصم بالرأي والتفسير ليفهم القدر ~~الإلهي على الوجه الذي ينهض به دليله ويسقط به دليل خصمه. # ومن ثم تنفرج الطريق بين طلاب الواقع وطلاب التغيير في كل مجال. # فطلاب الواقع يقولون بطاعة السلطان القائم، وطلاب التغيير يقولون بطاعة الإمام ~~المستتر، ويقولون بعلم الظاهر وعلم الباطن، أو بعلم الحقيقة وعلم الشريعة، أو بالفرق ~~بين الكلام الواضح الذي يفهمه الدهماء والكلام الخفي الذي يفطن له ذوو البصر ~~والاطلاع. # يروى عن الإمام الباقر أنه قال: «إن اسم الله الأعظم ثلاثة وسبعون حرفا، يعرف منها ~~سليمان حرفا واحدا تكلم به فأتي إليه بعرش مملكة، ونحن عندنا منها اثنان وسبعون ~~حرفا، وحرف عند الله استأثر به في عالم الغيب وحده.» # ويدور على هذا المحور في جانب آخر خلاف القائلين بإسلام بني أمية والقائلين بتكفيرهم ~~والقائلين بإرجاء الحكم عليهم إلى يوم القيامة، وهم أصحاب الفرقة التي اشتهرت باسم ~~المرجئة من أوائل فرق الإسلام. # ويغلو من هنا فريق كالخوارج فيكفرون عليا ومن والاه، ومن هنا فريق كالسبائية ~~فيؤلهون عليا، وينكرون القول بموته، وإنما شبه للناس فقتل ابن ملجم شيطانا تصور ~~بصورته، وصعد علي إلى السحاب، فالرعد صوته، والبرق سوطه، وموعده يوم يرجع فيه إلى ~~الأرض فيملأها عدلا ويقضي على الظالمين، أو يقولون كما قال البنانية أتباع بنان بن ~~سمعان: إن روح الله حلت في علي ثم في ابنه محمد ابن الحنفية ثم في ابنه أبي هاشم ثم ~~في بنان، أو يقولون بتناسخ الأرواح من آدم إلى علي وأولاده الثلاثة، أو يقولون كما ~~قالت الزرامية: إن الله قد حل في إمام بعد إمام إلى أبي مسلم الخراساني ms150 صاحب الدعوة ~~العباسية، وإنه لم يقتل ولا يجوز عليه الموت وفيه روح الله. # ويكثر الكلام بين هذه الفروض والظنون على ماهية الروح وماهية الحقيقة الإلهية، وما ~~ينبغي لله جل وعلا من التنزيه وما يمتنع في حقه من التجسيم والتشبيه، وتمتزج النوازع ~~الذهنية بنوازع المصلحة والسياسة والعواطف المكبوتة، فيستمد كل منها عونه من الآخر على ~~الإقناع واستجلاب الأنصار والأشياع. # ومن البديه أن دعاة التغيير يتقون جهدهم سلطان الواقع حيث هو قائم عزيز الجانب مبثوث ~~العيون، فابتعدوا من دمشق الشام واتخذوا لهم ملاذا مأمونا عند أطراف الدولة الشرقية ~~فيما وراء النهر خاصة، كما كانت تسمى في تلك الأيام. ~~••• # وأهم ما يتصل بالفكرة الإلهية من هذه البحوث هو البحث في القضاء والقدر والبحث في ذات ~~الله وصفاته. # فالله عادل حكيم، وهو خالق كل حي وكل موجود، وهو يأمر وينهى ويعاقب على الطاعة ~~والعصيان. # فكيف يكون التكليف؟ وكيف يكون الثواب والعقاب؟ # إن الإنسان مخلوق مسخر لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا، فكيف يحاسب على ما قضاه الله ~~عليه؟ # هل هو حر مريد قادر على الخروج من مشيئة القدر إن أراد؟ فكيف يكون حرا مريدا من هو ~~مخلوق بأفعاله وبإرادته وبكل ما يحيك بنفسه ويوسوس في ضميره؟ # وإذا كان مقيدا مكرها على فعله ونيته فكيف نفهم ما جاء في القرآن الكريم من الآيات ~~التي تسند إليه الفعل وتنذره بالعقاب: # اليوم تجزى كل ~~نفس بما كسبت ~~، # اليوم تجزون ما ~~كنتم تعملون ~~، # وما منع الناس أن ~~يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ~~، # فمن شاء ~~فليؤمن ومن شاء فليكفر ~~، # فمن شاء ~~اتخذ إلى ربه سبيلا ~~، # سيقول ~~الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ~~، # بل سولت لكم أنفسكم ~~، # وما ربك بظلام للعبيد ~~. # وتساءل المختلفون في هذا الأمر: هل يخلق الله الكفر؟ بل كان منهم من يسأل: هل يخلق ~~الله الكافر، وكيف خلقه والله # أحسن كل شيء ~~خلقه # وهو القائل: # ما خلقنا السماوات ~~والأرض وما بينهما إلا بالحق # فهل الكفر حسن؟ وهل الكفر ~~حق؟ # واختلفوا في الجواب كما اختلف جميع الباحثين في ms151 مسألة القضاء والقدر من جميع النحل ~~الدينية والمذاهب الفلسفية. # فالمعتزلة يقولون: إن الإنسان حر مريد وإلا سقط عنه التكليف، ويقولون: إن الله لم ~~يكره الناس على الذنب، ولكنه علم ما يكون من ذنبهم، وعلم أنهم يسيئون الاختيار، فرتب ~~العقاب على هذا العلم: # ولقد أهلكنا القرون من ~~قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات وما ~~كانوا ليؤمنوا كذلك نجزي القوم ~~المجرمين ~~. # والأشعرية يقولون إن المخلوقات تريد كما تريد المخلوقات، ولكن الله يخلقها ويخلق ~~أفعالها، وعلينا أن نؤمن بعدله وإن غابت عنا حكمته؛ لأن الوحي والعقل كليهما يمنعنان ~~نسبة الظلم إلى الله، فهو عادل عدلا شاملا لا تحيط به عقول البشر، ولا ينتهون من ~~البحث فيه إلى غير التسليم. # والمتشددون في التزام النصوص ينفرون من التعليل والتأويل ويقولون إن الله يفعل ما ~~يريد بالعباد، وإنه لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. # قال الفخر الرازي في رده على من يقولون: لو أراد الله كفر الكافر لكان الكافر ~~مطيعا بكفره: «إن الطاعة موافقة الأمر لا موافقة الإرادة، وإن الكفر ليس نفس القضاء بل ~~متعلق القضاء.» ~~••• # وتعد مسألة القضاء والقدر - أو مسألة العدل الإلهي - تابعة في الواقع لمسألة ~~الصفات في جملتها، ولكنها سبقتها لأن مسألة القضاء والقدر من المسائل الدينية البحت ~~التي تعرض للمؤمن بمعزل عن الفلسفة ولا تعرض للفيلسوف إلا إذا اعتقد الحساب والعقاب في ~~عالم آخر كما يعتقدهما أصحاب الأديان. # أما الصفات الإلهية فليس في تعددها ما يناقض عقيدة المؤمن بعظمة الله وتفرده ~~بالكمال، ولكنه يفتح باب البحث فيها متى عرف - من الفلسفة - أن الله هو المحرك الذي ~~لا يتحرك، وهو العلة الأولى للوجود، وهو العقل المحض أو الصورة المنزهة عن الهيولى وما ~~يجري عليها من قوانين التركيب والانحلال، فيخطر له التساؤل عن كنه الوجود وكنه ~~الذات وما قد تدل عليه الصفات من التوحد أو التعدد، ومن البساطة أو التركيب. # وقد وصف «الإله» جل وعلا في الإسلام بالصفات التي تعرف بالأسماء الحسنى، ومنها: ~~الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، الغفار، القهار، السميع، ~~البصير، ms152 الحكم، العدل، الخبير، الصمد، القادر، الظاهر، الباطن، الرزاق، النافع، ~~الضار، المتكلم، الحسيب - وهي تدل على أفعال واقعة متجددة لا تقف عند الحركة الأولى ~~ولا عند العلة الأولى كما يقول أرسطو وأتباعه، فحاول العلماء أن يوفقوا بين ما ينبغي ~~لله في الدين وما ينبغي لله في المنطق والفلسفة، وتساءلوا: هل هذه الصفات متعددة أو هي ~~أسماء مختلفة لحقيقة واحدة؟ وإذا كانت متعددة فهل في تعددها تركيب يمتنع في حق الله ~~المنزه عن التركيب، أو هو تعدد لا يستلزم التركيب؟ وإذا كانت مفردة فهل يعلم الله ~~بقادريته ويقدر بعلمه؟ وهل هذه الصفات جميعها هي عين الذات أو هي زائدة على الذات؟ وكيف ~~تكون زائدة على الذات والله «أحد» لا زيادة على ذاته؟ # واشتد الجدل في هذه المسألة حين ظهرت بدعة القول بخلق القرآن، فقال أناس بأن لفظ ~~القرآن حديث ومعناه قديم، وقال غيرهم: إن كلام الله قديم بلفظه ومعناه، واحتج الأولون ~~سائلين: كيف يقول الله في الأزل: # إنا أرسلنا نوحا # ونوح لم يرسل بعد؟ وكيف يكون له لفظ واللفظ صوت في الهواء من مخارج الأعضاء؟ # وعادوا إلى مسألة العلم والإرادة، فقال أنصار أرسطو: إن العلم بالجزئيات يقتضي ~~التغير، ولا تغير في ذات الله، وإن الإرادة تقتضي الطلب والاختيار، والله لا يطلب، ولا ~~شيء بالنسبة إليه أفضل من شيء، فيقع الاختيار بين الشيئين. # وتبلغ الفرق الإسلامية التي خاضت في هذه البحوث عشرات معروفة بأسماء أصحابها أو ~~بأسماء موضوعاتها، ولكننا نستطيع أن نجملها في ثلاث فرق جامعة وهي: أصحاب العقل، ~~وأصحاب النقل، وأصحاب النقل مع اتخاذ الحجة والبرهان من المعقول. # فأصحاب العقل يقولون في مسألة الصفات: إنها تدل كلها على صفة واحدة هي الكمال، وإن ~~كمال الله هو عين ذاته؛ لأن قولنا: «الذات الكاملة» لا يقتضي ذاتا وكمالا، بل يدل على ~~معنى واحد، وإن ماهية الله هي عين وجوده إذ لم يكن له مشارك في الماهية، ويتلخص مذهبهم ~~في أن طريق السلب أقرب من طريق الإيجاب في فهم صفات الله، فأنت لا تجد صعوبة ms153 في الفهم ~~حين تقول إن الله غير جاهل، وإنه غير عاجز، وإنه غير متعدد، وإنه غير مركب، وإنه غير ~~ظالم، ولكنك تجد الصعوبة حين تتفهم كنه العلم وكنه القدرة وكنه الوحدانية ~~وغيرها من معاني الأسماء الحسنى، وأجمل ابن مسكويه ذلك في كتاب الفوز الأصغر فقال: «إن ~~البراهين المستقيمة الموجبة يحتاج فيها إلى إثبات مقدمات موجبة للمبرهن عليه ذاتية له ~~أولية، وهي التي يوجد الشيء بوجودها ويرتفع بارتفاعها، والله تعالى أول الموجودات كما ~~بيناه وبرهنا عليه، وهو فاعلها ومبدعها، فإذن ليس له أول يوجد في المقدمات، فلا يمكن ~~إذن أن يبرهن عليه بطريق الإيجاب بالبرهان المستقيم، فأما برهان الخلف على طريق السلب ~~فإنما يحتاج فيه إلى إزالة الأسباب والمعاني عنه، كما نقول: إنه ليس بجسم ولا بمتحرك ~~وليس بمحدث ولا بمتكثر، كما قلنا: إنه ليس يمكن أن يكون للعالم أسباب لا ترتقي إلى ~~واحد، فقد تبين أن برهان السلب أليق الأشياء بالأمور الإلهية وأشبهها بأن تستعمل ~~فيها.» # ويرى الفلاسفة المسلمون أنه لا تعارض بين كمال الله وعلمه بالجزئيات؛ لأن علم الله لا ~~يتوقف على الجزئيات، بل الجزئيات هي التي تتوقف على علمه، أو كما قال ابن سينا: «إن ~~الأشياء حصلت لأن الله قد علم بها، وليس علم الله بها تابعا لحصولها في حينها، وكذلك ~~لا تعارض بين القول بخلق العالم وقدمه؛ لأن العالم لم يسبقه زمان، وإنما سبقته ذات الله ~~التي لا زمان لها ولا أول لوجودها، فقدم العالم معناه أن أوله كأول الزمان، وليس ~~معناه أنه مستغن عن الإيجاد.» # وقال ابن سينا: «إنه ليس يجوز أن يكون واجب الوجود يعقل الأشياء من الأشياء؛ لأنه من ~~ذاته يبدأ كل وجود فيعقل من ذاته ما هو مبدأ له وهو مبدأ للموجودات التامة بأعيانها ~~وللكائنة الفاسدة بأنواعها أولا وبتوسط ذلك بأشخاصها.» # وقال الغزالي في مناقشة ابن رشد: «إن تجريد الله من العلم بالجزئيات ومن التأثير في ~~الموجودات ومن صفات العقل والإرادة - هو تنزيه يشبه العدم، وإنه لا برهان على أن ~~«الواحد» لا يعقل ms154 غير الواحد ولا يصدر عنه غير الواحد، فإن دعوى الفلاسفة في ذلك دعوى ~~لا يثبتها العقل ولا يعتمدون فيها على المشاهدة، ومتى سلموا أن عقل الله أشرف العقول ~~فأشرف العقول لا محالة يتنزه عن الجهل بما تعلمه العقول المخلوقة، وإن اختلف علم الخالق ~~عن علم المخلوق.» # أما أصحاب النقل والوقوف عند الحروف فقد سخفوا في فهم الصفات سخفا ينكره كل عقل ~~سليم، فأثبتوا له أعضاء مجسمة، وقالوا بتحيزه في المكان، وأجازوا رؤيته بالعين كما نرى ~~المحسوسات، وبلغ بعضهم من السخف أنه سئل: ألله يد؟ فقال: نعم، كيدي هذه! وليس ~~لهم شأن عند جمهرة المسلمين. # وقد توسط أصحاب النقل مع اتخاذ الحجة والبرهان من المعقول فقالوا: إن الصفات متعددة، ~~وإن العلم غير القدرة، والرحمة غير الجبروت، وإن اليد هي القدرة، والوجه هو الوجود، ~~وليست هي بأعضاء يجوز فيها التجسيم، ولكن الصفات موجودة والكيفيات مجهولة، فهم يمسكون ~~عن البحث في ذات الله؛ لأنه جل وعلا بغير شبيه وليس كمثله شيء، واحتجوا لذلك بسببين؛ ~~أحدهما: أن الدين ينهى عن الخوض في ذلك لما ورد في التنزيل من قوله تعالى: # فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما ~~تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما ~~يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون ~~آمنا به كل من عند ربنا # والسبب الثاني أن التأويل أمر ~~مظنون بالاتفاق، والخوض في صفات الباري بالظن لا يجوز. # وقد أجاز هؤلاء رؤية الله بمعنى العلم الذي يحصل من النظر لا بمعنى الحس الذي يقع على ~~المجسمات. # وإجماع المسلمين على أن هؤلاء هم أهل السنة، وأن معرفتهم بالله هي أسلم المعرفة ~~التي يطالب بها المؤمنون. # والواقع أن التسليم في المسائل الإلهية أمر يقتضيه العقل ولا يأباه؛ لأن القياس إنما ~~يكون فيما يقاس عليه، وما ليس له شبيه ولا مثيل لا يقاس عليه إلا كان القياس عرضة للخطأ ~~والوهم والقصور، ونحن نعيش في الزمان الذي له ماض وحاضر وغيب مجهول، فكيف نقيس أعمالنا ~~على الموجود الأبدي وليس في الأبد ماض ولا حاضر ms155 ولا نقطة يجوز منها الابتداء أو يصير ~~إليها الانتهاء؟ فكيف نمنع أن يتكلم الله مثلا عن المستقبل كأنه واقع أو عن الماضي ~~كأنه حاضر؟ أو يتكلم عن الأمور باعتبار جملتها في الأبد الأبيد ونحن لا نرى إلا الجزء ~~بعد الجزء والحال بعد الحال؟ ~~••• # ومن الأمثلة العالية للفكرة الإلهية في الإسلام خطبة وردت في نهج البلاغة ذكرت فيها ~~الصفة بمعنى التمثيل لذات الله لا بمعنى الأسماء الحسنى، فإن الأسماء الحسنى ثابتة في ~~القرآن الكريم لا ينكرها مسلم، وهذا بعض ما جاء في تلك الخطبة المنسوبة إلى الإمام علي ~~رضي الله عنه: # الحمد لله الذي لا يبلغ من حقه القائلون، ولا يحصي نعماه العادون، ولا ~~يؤدي حقه المجتهدون، الذي لا يدركه بعد الهمم، ولا يناله غوص الفطن، ~~الذي ليس لصفته حد محدود، ولا نعت موجود، ولا وقت معدود، ولا أجل ممدود، ~~فطر الخلائق بقدرته، ونشر الرياح برحمته، ووتد بالصخور ميدان أرضه، أول ~~الدين معرفته، وكمال معرفته التصديق به، وكمال التصديق به توحيده، وكمال توحيده ~~الإخلاص له، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه؛ لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف، ~~وشهادة كل موصوف أنه غير الصفة، فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه، ومن قرنه فقد ~~ثناه، ومن ثناه فقد جزأه، ومن جزأه فقد جهله، ومن أشار إليه فقد حده، ومن ~~حده فقد عده، ومن قال: فيم؟ فقد ضمنه، ومن قال: علام؟ فقد أخلى عنه، ~~كائن لا عن حدث، موجود لا عن عدم، مع كل شيء لا بمقارنة، وغير كل شيء لا ~~بمزايلة، فاعل لا بمعنى الحركات والآلة، بصير إذ لا منظور إليه من خلقه، متوحد ~~إذ لا سكن يستأنس به ولا يستوحش لفقده، أنشأ الخلق إنشاء، وابتدأه ابتداء، بلا ~~روية أجالها ولا تجربة استفادها، ولا حركة أحدثها، ولا همامة نفس اضطرب فيها، ~~أجال الأشياء لوقتها، ولاءم بين مختلفاتها، وغرز غرائزها، وألزمها أشباحها، ~~عالما بها قبل ابتدائها، محيطا بحدودها وانتهائها، عارفا بقرائنها ~~وأحنائها. # ولنا أن نقول على الجملة: إن هذه الفكرة الإلهية هي فكرة الإجماع ms156 في الإسلام، أما ~~الفرق التي تنتمي إلى الإسلام وتقول بالحلول أو بتناسخ الأرواح أو بالوساطة بين الخلق ~~والخالق - فالرأي المتفق عليه أن اعتقادها مخالف للكتاب والسنة وإجماع ~~المسلمين. # | الفلسفة بعد الأديان الكتابية # نشأت المذاهب الفلسفية بعد الأديان الكتابية متأثرة بها على نحو من الأنحاء: فإما ~~للموافقة وإما للمخالفة وإما للمناقشة والتفسير. # فقد كان الفلاسفة يولدون هودا أو مسيحيين أو مسلمين، فيأخذون في التوفيق بين أديانهم ~~وبين الفلسفة التي تعلموها أو علموها، ومن ألحد منهم فإلحاده في معظم الأحيان إنما هو إنكار ~~لعقائد الأديان، وليس بالمذهب القائم على حدة بمعزل عنها، وعلى غير علم أو مبالاة ~~بوجودها. # وكان أقدم النحل الفلسفية التي شاعت بعد اليهودية والمسيحية مذهب المعرفيين أو ~~الجنوسيين # Gnostics # الذي تقدم السيد المسيح بزمن ~~قصير. # وكان الغرض منه استخلاص المعرفة من جميع العقائد التي كانت يومئذ معتقدة مرعية بين أمم ~~الحضارة، فأخذ من المجوسية والفرعونية واليهودية والوثنية الإغريقية، كما أخذ من فلاسفة ~~اليونان، ولا سيما فيثاغوراس. # ولما شاعت المسيحية آمن بها أكثر المعرفيين وأدخلوا في مذهبهم عقيدة البنوة الإلهية ~~وعقيدة الخلاص على نحو يوفق بين الفلسفة والدين، وكان إمامهم الأكبر بعد المسيحية ~~فالنتينوس # valentinus # من الإغريق المتمصرين، فافتتح في ~~رومة سنة 140 مدرسة لتعليم مذهبه وأضاف إليها كثيرا من الشعائر والرموز والتأويلات. # وخلاصة «الفلسفة المعرفية» أن عالم الغيب - أو العالم غير المرئي - وجد فيه منذ الأزل ~~«الأب السرمدي» ومعه الصمت المطلق، والحقيقة الأبدية، وأن الأب السرمدي أودع العقل في ~~الصمت، فالعقل ولده ونده لأنه عقله، ومن ثم كانت أصول القدم أربعة كما في مذهب فيثاغوراس، ~~وهي: الأب والصمت والحقيقة والعقل أو «الكلمة» كما كانوا يسمونه في بعض الأحيان. # ويأخذ المعرفيون من المجوسية إيمانها بعنصري النور والظلام، ويزيدون عليها أن حجب ~~الظلام تحول بين الإنسان وبين رؤية الله، ويقولون إنها سبعة آلاف حجاب تمر بها الروح ~~الإنسانية في هبوطها من العالم الأعلى إلى عالم الفساد، وعملها - وهي في ثوب الجسد - أن تشق ~~هذه الحجب وترتفع إلى نور الله من جديد. ms157 # وقد نشأ الشر بخروج روح من الأرواح العلوية من عالم النور إلى عالم الظلام، فكل ما في ~~عالم الأجساد هو صنع ذلك الروح، وهذه هي الخطيئة الأصلية في رأي المعرفيين. # وهم يعتقدون أن «المعرفة» هي سبيل الخلاص والرجعة إلى الله؛ لأن المعرفة تبدد حجب الظلام ~~حجابا بعد حجاب، فلا يبقى في النهاية غير النور المطلق، وهو الله. # والمعرفيون لا ينكرون تعدد الأرباب دون الإله الأكبر وهو الأب السرمدي، بل يؤمنون بوجود ~~آلهة أخرى بمثابة أرواح نورانية أو أرواح ظلامية، ويحسبون إله العهد القديم في عداد هذه ~~الأرواح. # ولولا أن المعرفية هي أول محاولة عقلية لاستخلاص العقائد من الأديان والفلسفات لما اتصلت ~~لها بالفلسفة علاقة تذكر في معرض الكلام على المباحث العقلية؛ لأنها أشبه بنحل العباد ~~منها ببحوث المفكرين. ~~••• # وأول مفكر تقدم المفكرين بعد الميلاد وتخلص من هذه التلفيقات الوثنية وواجه ~~الحكمة والدين بعقل الفيلسوف وسليقة المؤمن - هو أفلوطين إمام الأفلاطونية الحديثة، الذي ~~ولد بإقليم أسيوط في السنوات الأولى من القرن الثالث للميلاد. # وهو أجدر فيلسوف أن يحسب من صميم المتصوفة، أو يقال عنه بغير جدال إنه إمام التصوف الذي ~~امتزجت آراؤه بالطرق الصوفية ولا تزال تمتزج بها إلى هذا الزمان. # وقد بلغ أفلوطين غاية المدى في تنزيه الله، فالله عنده فوق الأشباه وفوق الصفات ولا يمكن ~~الإخبار عنه بمحمول يطابق ذلك الموضوع. # بل هو عنده فوق الوجود. # وليس معنى ذلك أنه غير موجود أو أنه عدم؛ لأن العدم دون الوجود وليس فوق الوجود، وإنما ~~معناه أن حقيقة وجوده لا تقاس إلى الجواهر الموجودة ولا تدخل معها في جنس واحد ولا تعريف ~~واحد، فهو «أحد» بغير نظير في وجوده ولا في صفاته ولا في كل منسوب إليه. # ويغلو أفلوطين أحيانا فيقول إن الله لا يشعر بذاته؛ لأنه لا يميز ذاته من ذاته فيعرفها، ~~ولكنه لصفاء وجوده يتنزه عن ذلك التمييز ويتنزه عن ذلك الشعور. # وبديه أن هذا المذهب يقتضي وسائط متعددة لربط الصلة بين هذا الإله «الأحد» الملطق الصفاء، ~~وبين المخلوقات ms158 العلوية وهذه المخلوقات السفلية - ولا سيما خلائق الحيوان المركب في ~~الأجساد. # وهكذا لزم أفلوطين أن يقول: إن الواحد خلق العقل، وإن العقل خلق الروح، وإن الروح خلقت ما ~~دونها من الموجودات على الترتيب الذي ينحدر طورا دون طور إلى عالم الهيولى أو عالم المادة ~~والفساد. # وليست مسألة الخلق مسألة مشيئة في مذهب أفلوطين، بل هي مسألة ضرورة لازمة من طبيعة الخير ~~الذي هو الله، فالخير يعطي ضرورة وينشأ من عطائه ضرورة شيء من الأشياء، ولن يكون هذا الشيء ~~إلا أقرب الأشياء إليه، وإن لم يبلغ مبلغه من الكمال، وهذا ما يسميه بضرورة الفيض أو ~~الصدور. # غير أن الإعطاء لا ينقص المعطي في عالم التجريد والصفاء؛ لأن الفكرة لا تنقص بالإعطاء، بل ~~تزيد من أخذ ولا تنقص شيئا ممن أعطاه، وأقرب مثال للفيض والصدور في المحسوسات صدور ~~النور من الشمس، أو صدور الطيف في المرآة من صاحب الطيف، فلا نقص على الإطلاق في مثل هذا ~~الصدور. # ولا تزال الروح تخلق ما دونها ثم يصدر عنه ما دونه حتى تتلبس الروح الإنسانية بالجسد أو ~~الهيولى، ويتناقض أفلوطين في وصف الشر فيحسبه تارة من الروح التي تخلق الهيولى ويحسبه تارة ~~من الهيولى التي تهبط بالروح إلى دركها الأسفل؛ لأنها سلب محض يهبط بالروح فتجاهده وتبلغ ~~الخلاص بهذا الجهاد. # ومن ها هنا لزم أفلوطين أيضا أن يقول بتناسخ الأرواح وبالثواب والعقاب في أدوار التجسيم، ~~فزعم أن الولد إذا قتل أمه عاد امرأة ليقتلها ابنها فتكفر بذلك عن ذنبها، وأن الظالم يعود ~~ليظلمه غيره، وأن الضارب في عمر من الأعمار يقتص منه ضارب في عمر جديد. # ولا تذكر الروح ما مر بها في أعمارها الأولى؛ لأن الذاكرة عرض من عوارض التلبس بالأجسام ~~الفانية وما يجري منها أو عليها، أما الروح المجردة فهي أبدية لا تتغير باختلاف الأعمار ~~عليها، فلا تستبقي بعد مفارقة الجسد أثرا مما طرأ عليها فيه. # ويرى أفلوطين أن الله لا يعرف بالعقل وهو في الجسد، بل تراه الروح وهي في حالة الغيبوبة؛ ms159 ~~لأنها حالة تجاوزت فيها جسدها فتصعد إلى مقام الإلهام، وهي لا تبصر في تلك الحالة شيئا ~~يدخل في نطاق المعقولات، ولكنها تترجم عنه إذا هبطت من مقام «الأحد» إلى مقام العقل ~~والتفكير. # ويخالف أفلوطين سابقيه من جماعة المعرفيين في إنكارهم كل جمال وكل خير في هذه المخلوقات ~~التي ابتدعها الروح الهابط بالخطيئة من سماء عليين، فإنهم يقولون: إن المحسوسات كلها - حتى ~~الشموس والكواكب - شرور ونحوس، ويقول هو: إن جمالها هو الدليل على مصدرها الأول، وإنها ~~تستمد الكمال طبقة بعد طبقة من كمال الله. ~~••• # ولم يظهر بعد أفلوطين فلاسفة لهم خطر في التفكير الإلهي غير فلاسفة الإسلام في الشرق ~~والأندلس وفلاسفة الكنيسة المسيحية، وقد تقدمت خلاصة أقوالهم في الفكرة الإلهية، عند الكلام ~~على الأديان الكتابية بعد الفلسفة الإغريقية. # ثم انطوت القرون في ظلمات العصور الوسطى إلى القرن السابع عشر الذي اشتهر فيه ديكارت ~~الفرنسي 1596-1650 ثم القرن الثامن عشر الذي اشتهر فيه بركلي الإيرلندي 1685-1753 وهما بحق ~~مجددا حياة الفلسفة في العالم الحديث. # فأما ديكارت فهو يرى أن إثبات وجود العالم يتوقف على ثبوت وجود الله، فهو لا يتخذ من ~~العالم دليلا على وجود صانعه - بل يتخذ من وجود الصانع الكامل الأبدي دليلا على أن العالم ~~حقيقة وليس بالوهم الباطل. # ويرى ديكارت أن وجود النفس ووجود الله حقيقتان ثابتتان بغير برهان، فهو يقول «أنا افكر ~~أنا موجود» فيعلم أن النفس موجودة لا شك فيها، ولا يسوق هذا العلم مساق القضية المنطقية ~~التي لها مقدمة ونتيجة، بل يسوقه مساق المعرفة اللدنية التي يتلقاها مباشرة من الوجود ~~الثابت، وإن كانت الكلمة التي قرر بها وجود النفس صالحة لأن تتخذ قضية ذات دليل. # وفكرة الكمال المطلق كفكرة «الأنية» حقيقة مباشرة يتلقاها العقل من مصدرها، ويستلزمها ~~كذلك بالبرهان الصحيح. # فلو لم يكن الكائن الكامل موجودا لما خطرت فكرته على بال، ولو لم تخطر على بال لكان ~~الكائن الذي لا حدود له ضرورة عقلية؛ لأن وضع هذه الحدود تعسف لا يقوم عليه دليل. # والله كامل مطلق ms160 الكمال، سرمدي مطلق الدوام، خلق الأرواح والأجساد، أو خلق الروح والمادة ~~جوهرين مختلفين، وزود المادة بمقدار من الحركة لا يزيد ولا ينقص، وجعل لها قوانين أو نواميس ~~لا تخرج منها إلا بإذنه وتقديره، وقد يشاء الله خرق العادات، بل يشاء تغيير الحقائق ~~الرياضية والبراهين البديهية؛ لأنه هو خالق كل شيء، وقدرته تحيط بكل شيء، وكل ما أراده فهو ~~ممكن وهو معقول لصدوره منه ورجوعه إليه، ولا يزال الخلق متجددا بلا انقطاع؛ لأن الخلق إنما ~~يقوم بالخالق الدائم ولا يفرغ عمله في وقت محدود. # وقد حاول ديكارت أن يقيم بين العقل والمادة قنطرة تنتقل بها المؤثرات بين هذين الجوهرين ~~المختلفين، فقال: إن الغدة الصنوبرية في الدماغ هي الحلقة المتوسطة بين روح الإنسان وجسده، ~~وقد رأينا مما تقدم أن بعض العلماء المعاصرين يؤيدون هذا القول ويدعمونه بالمشاهدة ~~والاستقراء، ولكن ديكارت لم يعن بإيجاد مثل هذه القنطرة بين الله والعالم؛ لأنه كما يفهم ~~من مجمل آرائه يرى أن قدرة الله في غنى عن ذلك الوسيط، وقد قال تلميذه لويس دي لافورج: إن ~~تأثير الأجسام في الأجسام واقع مفروغ منه، ولكننا إذا حاولنا فهم الحقيقة التي يقع بها ~~التأثير لم تكن أيسر فهما من تأثير الأرواح في الأجسام، ولولا الواسطة الإلهية لما وصلت ~~الأفكار نفسها إلى العقول والأرواح. ~~••• # أما جورج بركلي فلا وجود في رأيه لغير العقل أو الروح، ولا وجود للمادة في الخارج إلا من ~~عمل العقل الباطن؛ لأن الصفات التي تنسب إلى الأشياء ليست في الأشياء بل في العقل الذي ~~يدركها، فالامتداد والشكل والحركة وهي الصفات الأولية المنسوبة إلى المادة هي عوارض فكرية ~~لا توجد في خارج العقول: واللون والطعم والصوت هي كذلك إحساس عقلي وليس صفات عالقة ~~بالأشياء، وإذا قيل له إن الصوت حركة نراها في الهواء قال: ولكن الحركة ترى ولا تسمع، ~~فالصوت إذن من عمل السامع على كل حال. # وسخر بعضهم من هذا الإنكار فنظم أبياتا فكاهية يقول فيها ما فحواه: «إنك أيتها الشجرة لا ~~توجدين إذا أغمضت عيني ms161 ولم أنظر إليك»، فأجابه بركلي قائلا: «كلا، بل توجد إذا أغمضت ~~عينك؛ لأن الله لا يغمض عينه.» # وهذا هو البرهان الأكبر على وجود الله في مذهب بركلي، وهو توقف الموجودات كلها على عقل ~~شامل الإدراك يحتويها، ومن هذا العقل يصل إلى عقولنا علمنا بالموجودات؛ لأن العقل لا يفهم ~~إلا عن عقل يلقي إليه بالمعرفة إذ لا معرفة في غير العقول. # قال في أصول المعرفة الإنسانية: «إن التحقق من إدراك وجود الله لأكثر جدا من تحقق وجود ~~الإنسان؛ لأن مؤثرات الطبيعة تزيد زيادة لا نهاية لها على جميع المؤثرات المعزوة إلى ~~الناس.» # وقد نظر بركلي في هذا إلى رأي لوك # Locke # سلفه في الفلسفة ~~الإنجليزية حيث يقول: «إن لنا من المعرفة اليقينية بوجود الله ما يزيد على كل معرفة لم ~~تكشفها لنا الحواس، لا بل يسعني أن أقول: إن يقيننا بوجود إله أقوى من اليقين بوجود أي شيء ~~خارج عنا.» # ولكن بركلي كما رأينا قد جاوز رأي لوك في إثبات الوجود للعقل وحده، وكان أثره في إنشاء ~~الفلسفة المثالية # Idealism # أعظم من آثار جميع ~~سابقيه. ~~••• # وخلف ديكارت وبركلي في القارة الأوروبية والجزر البريطانية فلاسفة كثيرون من ذوي ~~الآراء المعدودة في الحكمة الإلهية، أشهرهم سبنوزا وليبنتز في أوروبة، وهيوم ومل وهاملتون ~~وريد في الجزر البريطانية، عدا فلاسفة ألمانيا الذين ظهروا في القرن التاسع عشر قبل الفلسفة ~~المعاصرة، وأشهرهم كانت وهيجل وشوبنهور. # ومذهب سبنوزا 1634-1677 أن الله والكون والطبيعة جوهر واحد؛ لأن الجوهر ما قام بنفسه، أو ~~هو واجب الوجود، وهو لا يتعدد. # ولهذا الجوهر فكر وامتداد، وكل ما في الوجود من المعقولات والمحسوسات فهو مظاهر للفكر أو ~~للامتداد، فالفكر تبدو مظاهره في عقل الإنسان، والامتداد تبدو مظاهره في هذه ~~الأجسام. # والله علة الأشياء كلها بالمعنى الذي نفهمه من أنه هو علة نفسه، فليس خارج اللانهاية شيء، ~~والله هو اللانهاية، وإنما الفرق بين الله ومجموعة الظواهر المتفرقة أن مجموعة الظواهر ~~المتفرقة تمثل الجانب المخلوق # Natura Naturata # وأن الله ~~يمثل الجانب ~~الخلاق # Natura ~~Naturans ms162 ~~. # فإذا قال قائل: إن هذا الإنسان يفكر، يفهم سبنوزا أن الله هو الذي يفكر بمقدار ما يتجلى ~~في ذلك المظهر، وكذلك إذا قلنا إن تلك الشجرة تنمو أو ذلك الكوكب يتألق، فكل ذلك هو مظاهر ~~إلهية تتراءى لنا في صورة الأعراض لأننا نحن أنفسنا من الأعراض. # وسبنوزا لا يصف الله بالإرادة والسمع والبصر والرضا والغضب والحكمة؛ لأن الله لا يمكن أن ~~يتحول إلى حالة أكبر أو حالة أقل من وجوده فيرضى أو لا يرضى ويريد أو لا يريد، وهو - لأنه ~~جوهر قائم بذاته - ليس وراءه شيء يحتاج إليه، فإذا أسندت هذه الصفات إلى الله وجب أن نقصي ~~من أذهاننا كل مشابهة في الحقيقة أو المجاز بينها وبين الصفات التي نسندها إلى المخلوقات، ~~وإنما هي أوهامنا نحن تمثل لنا هذه المشابهات، ولو أن المثلث عقل نفسه لحظة لخيل إليه أن ~~الله مثلث الأركان. # والله لا يعمل الشر ولا يعلمه؛ لأنه ليس هنا شر بالقياس إلى اللانهاية، ولكنه يأتي من ~~اكتفاء كل جزء من هذه الأعراض المحسوسة بنفسه كأنه جزء منفصل عما حوله، أو هو نفي وليس ~~بثبوت، وليس في حق الله نفي بل كله ثبوت، ولا يعرض النفي إلا للمحدود الذي ينقص ~~ويزيد. # والخلق لا يفيد معنى الإنشاء من العدم في مذهب الفيلسوف، بل هو لازم لزوم الأعراض أو ~~المظاهر للجوهر الإلهي القائم بغير ابتداء. «وكل ما جرى فهو يجري بقوانين سرمدية في الجوهر ~~الإلهي مستمدة من ضرورة وجوده على الوجوب؛ إذ ليس في الكون ممكن على الإطلاق، ولكن الأشياء ~~محتومة الوجود والعمل على نحو تستلزمه ضرورة الطبيعة الإلهية، ولا سبيل إلى نشوء هذه ~~الأشياء على أي نحو أو أي نظام يخالف ما وقع، ولهذا لزم أنها وجدت على أكمل الأنحاء والنظم ~~إذ هي نشأت ضرورة من طبيعة على أتم كمال.» # وواضح من هذا أنه لا محل للحرية الإنسانية ولا للثواب والعقاب في هذا المذهب، ولكن ~~الإنسان يترقى فيتحد بالجوهر الإلهي بقدر مقدور أو بالمعرفة و«الحب العقلي» كما سماه، أي حب ms163 ~~العارفين الذين استحقوا أن يتجاوزوا مرتبة الأعراض إلى الجوهر الأبدي المطلق الذي يتجردون ~~فيه من التجزؤ والانفراد. # وقد نفى سبنوزا في بعض رسائله أنه يقول بوحدة الله والطبيعة، وفسر كلامه بأن الله «حاضر» ~~في الطبيعة لا ينفصل عنها ولا تنفصل عنه؛ لأنه لا انفصال عن اللانهاية، وهي الله. # وعقدة الإشكال كلها - على ما رأينا - هي أن سبنوزا لم يرد أن يفرق بين وجود الأبد ووجود ~~المكان والزمان، فالمكان يأخذ من المكان، والزمان يلحق بما له حركة تبتدئ وتنتهي في أمد ~~محدود، وليس للانهاية حيز يجوز عليه مكان ولا زمان، فلا تناقض بين كمال الله ووجود الكائنات ~~التي تتحيز في قضاء محدود أو تجري إلى أمد محدود. ~~••• # ويعد جوتفريد ويلهم ليبنتز 1646-1726 أكبر الكارتيين بحق بين فلاسفة الألمان وفلاسفة ~~القارة الأوروبية على التعميم. # وشعار ليبنتز في مسألة الخلق «أنه ليس في الإمكان أبدع مما كان» وأن هذا العالم ليس ~~بالعالم الوحيد الممكن في قدرة الله، فإن قدرة الله لا تنحصر في ممكن واحد بل تتناول جميع ~~الممكنات، ولكن هذا العالم أحسن العوالم الممكنة التي تقبل الوجود، وكان في قدرة الله أن ~~يخلقه بغير شر ولا قبح فيه، ولكنه يكون إذن بغير خير ولا جمال؛ إذ الخير مرتبط بالشر ~~والجمال مرتبط بأضداده، ومن تمثيله لذلك أن الظمآن إذا نقع غليله بالماء البارد القراح شعر ~~بلذة جديرة باحتمال الظمأ في سبيلها ويطيب له تكرارها وتكرار ألم الظمأ الذي يشوقه ~~إليها. # وفي الوجود على مذهب ليبنتز جواهر لا عداد لها يسميها الوحدات أو الأحاديات وهي ~~باليونانية موناد # Monads ~~: كل منها بمثابة مرآة للوجود كله ~~يختلف نصيبها من تمثيله باختلاف نصيبها من الصفاء والجلاء، وهي لا تتطلب أن يؤثر بعضها في ~~بعض لأنها تعمل جميعا بقانون واحد مذ كانت كلها منطوية على مثال الوجود كله، وهي كالساعات ~~التي تدق دقاتها معا بغير تأثير من إحداها على الأخرى؛ لأنها متفقة التركيب ~~والحركات. # وإذا اجتمعت هذه الوحدات في بنية واحدة كانت لتلك البنية «أميرة» ممتازة من تلك ms164 الوحدات، ~~وهذه الأميرة لا تحركها ولا تؤثر فيها، ولكنها إذا تحركت كانت أصدق الوحدات تمثيلا لنظام ~~الوجود، كما تكون الساعة المجلوة المتقنة أوضح في رصد الوقت وضبط الحركات من سائر ~~الساعات. # وكل هذه الوحدات جواهر بسيطة لا امتداد لها ولا مقياس لها إلا مقياس الحركة المجردة، ~~والله أعلى هذه الوحدات جميعا، ومنه تصدر القدرة التي تنتقل إليها على سبيل المحاكاة، وهي ~~قدرة لا تنقطع عن الخلق ولا يزال صدور الوحدات منها في اطراد. # ولو لم تكن وحدات الوجود «بسائط» لكانت المركبات كلها أعراضا وهو محال، فلا يكون جوهرا ~~إلا ما هو بسيط، ولا يكون المركب موجودا وجودا صحيحا إلا باشتماله على هذه البسائط أو ~~الوحدات. # وقد امتاز ليبنتز بحسن تلخيصه للبراهين المثبتة لوجود الله، فمن تلخيصاته أنه قسم ~~المقررات إلى وقائع زائلة وحقائق أبدية كالحقائق الرياضية ، فاستدل من دوام الحقيقة على حق ~~دائم هو الله، ومن التلخيصات أن وجود الممكنات لا يشتمل على سبب كاف لتعليل وجودها، فنحن ~~نسأل لماذا وجد العالم؟ فلا نفهم لذلك علة كافية إلا إذا تعلق الأمر بخالق واجب الوجود، ~~شاء له أن يوجده لحكمة تحسن بواجب الوجود. ~~••• # وأكبر الفلاسفة الذين ظهروا في الجزر البريطانية بعد بركلي هو دافيد هيوم 1711-1776 ولعله ~~أكبر الفلاسفة المحدثين في القارة الأوروبية. # والشك في الحواس وفي طاقة العقل الإنساني هو سمة هيوم في كل ما كتب من المباحث الفكرية، ~~ورأيه في وجود الله يوافق هذه السمة الغالبة عليه، فهو يرى أن إثبات وجود الله لم يكن رغبة ~~من رغبات العقل، ولكنه رغبة كبرى من رغبات الضمير والشعور، فالأسباب التي تشكك الفيلسوف في ~~الإيمان هي بعينها أسباب المتدين التي تبعثه إلى الإيمان، وهي الشكايات والآلام والشرور، ~~وقد تعلق البشر بالله لأنهم يعتصمون بالرجاء وينشدون السعادة، وكلاهما باعث أصيل في النفس ~~الإنسانية، فليكن هذان الباعثان مناط الإيمان بوجود إله قادر على الإسعاد وتلبية ~~الرجاء. # وقد عرضنا لرأي جون ستيوارت مل في موضع آخر من هذا الكتاب، فلم يبق في الفترة التي بين ms165 ~~فلسفة هيوم وفلسفة المعاصرين من هو أولى بتلخيص رأيه من ريد الذي ولد في أوائل القرن ~~الثامن عشر 1710، وهاملتون الذي ولد في أواخره 1788. # ويبني ريد فلسفته على الحقائق اللدنية التي يقرها الإدراك السليم # Common Sense # ولا تحتاج إلى برهان، ومنها وجود المدركات وهي العالم ~~الخارجي، ووجود القوة المدركة وهي النفس الإنسانية، فلا يمكن عقلا أن يكون أساس الوجود ~~أكذوبة أو أن يكون «الوجود» غير موجود إن أدركناه على غير حقيقته الخفية، ووجود العالم ~~ووجود النفس هما الدليل على وجود الله، بل وجود الله حقيقة من حقائق الإدراك السليم، وليست ~~بساطة الاستدلال على الصانع من صنعه مضعفة من قوة الدليل؛ لأن الحقائق لا تكتسب القوة ~~بالتنويع والتركيب، بل أبسطها هو في الواقع أقدمها وأغناها عن الزخرفة والاختراع. # وهاملتون يبني فلسفته في الدين على فلسفته في أصول المعرفة، وخلاصتها أن الإدراك موقوف ~~على الكيفية، فلا يقبل الإدراك ما ليست له كيفية # Unconditioned # وقولك إنك تفكر مرادف لقولك إنك تضع ~~حدودا وشروطا لما تفكر فيه، فالوجود المطلق لا يدخل في حيز التفكير ولا تدركه العقول، ~~وليست نتيجة ذلك أننا ننكر الوجود المطلق؛ لأن معرفتنا بقصور معرفتنا لا ينتج منه أن نجعلها ~~حكما في الإثبات والإنكار، وإنما تستلزم هذه الحقيقة نتيجة أخرى وهي ضرورة الاعتقاد، وأنه ~~لازم لإتمام عمل العقل في الإنسان، ولا يحب هاملتون أن يخلي ضرورة الاعتقاد من أسبابها ~~الفكرية الراجحة، بل يجعلها قضية معقولة قائمة على أن الفرضين المتعارضين أحدهما صحيح لا ~~محالة، فنحن إذا أردنا أن نعرف الوجود المطلق - أو نعرف الله - فإما أن يتمثل لنا كأنه «لا ~~نهاية» مكيفة، أو يتمثل لنا بلا كيفية من الزمان والمكان والصفات، ونحن لا ندرك اللانهاية ~~بحال لأنها غير قابلة للإدراك، فليس أمام العقل إلا أن يدركها كما تتصل بالكون، فتمثل بذلك ~~نوعا من «الكيفية» لا سبيل إلى غيره، فهو دون غيره ما يسلمه العقل ويتممه الإيمان. # وتعد الفترة التي بين أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر عصر كانت ~~1724-1804 وهيجل ms166 1770-1830 في الفلسفة الأوروبية؛ لأنهما قد هيمنا بمذهبهما على مسالك ~~التفكير التي شاعت بعدهما في أوروبة، ولا يزالان يهيمنان عليها إلى العصر الحاضر. # كان «كانت» من المؤمنين بالله، إلا أنه يكل الإيمان إلى الضمير ولا يعتمد فيه على ~~البراهين العقلية التي تستمد من ظواهر الطبيعة. # فالعقل في مذهب كانت لا يعرف إلا الظواهر الطبيعية Phenomena # ولا ينفذ إلى حقائق الأشياء في ذواتها # Noumena ~~. # والروح فاعلة أبدا وليست مفعولا أو موضوعا للمعرفة، فهي عارفة غير معروفة. # وليست مسألة الإيمان من ثمة مسألة علاقة بين الله والطبيعة، أو بين الله وهذه الأكوان ~~المادية، ولكنها مسألة علاقة بين الله وضمير الإنسان، فمن ضمير الإنسان إذن نستمد الدليل ~~على وجود الله. # وفي ضمير الإنسان شعور أصيل بالواجب الأدبي، وقسطاس مستقيم يوحي إليه أن يعامل الناس كما ~~يحب أن يعاملوه. # وهذا الوحي الذي أودعه الله النفس الإنسانية ضمين بإسعاد من يطيعونه وحسن الجزاء لهم من ~~الله. # ولكنهم لا يسعدون في كثير من الأحيان، وقد يسعد الآثمون ويشقى العاملون بالواجب في هذه ~~الحياة. # فلا بد من عالم آخر يتكافأ فيه واجب الإنسان وجزاؤه، وهذا هو البرهان الأدبي على خلود ~~الروح وحرية الإنسان. # وهيجل يؤمن بالله كذلك ولكن على نحو يشبه الإيمان بوحدة الوجود، فليس في الكون غير العقل، ~~والعقل هو الكون - وهو العقل المطلق - يتجلى في الموجودات على سنة مطردة: وهي السنة ~~الثنائية # Dialectic ~~. # وخلاصة هذه السنة أن كل موجود في هذا الكون ينشئ نقيضه، ثم يجتمعان في موجود أكمل من ~~الموجود الأول، ويعود هذا الموجود الأكمل فينشئ نقيضه، ويكون هذا التطور سبيلا إلى استيفاء ~~الحقيقة من وجوه عدة، بدلا من حصرها في وجه واحد. # فهناك التقرير # Thesis # ثم النقيض # Antithesis # ثم التركيب # Synthesis # وهو يجمع ~~التقرير والنقيض. # وإذا طبقت هذه السنة على مسألة الوجود الكبرى بدأنا بالوجود المطلق، وهو التقرير، ~~ونقيض الوجود المطلق هو العدم، والتركيب الجامع للوجود المطلق والعدم هو الصيرورة؛ لأن ~~الشيء في حالة الصيرورة يكون موجودا وغير موجود، ولا يأخذ في الوجود ms167 من ناحية حتى يأخذ في ~~الزوال من ناحية أخرى. # ومن الضروري لفهم هيجل في هذه المسألة أن نفهم ما يعنيه بالعدم الذي يقابل الوجود ~~المطلق. # فالوجود المطلق هو الوجود الكامل الذي لا تقيده صفة من الصفات ولا حالة من الحالات، وخلو ~~الوجود من كل صفة وكل حالة يقابله العدم الذي يعنيه الفيلسوف. # ومتى حدثت الصيرورة في الوجود المطلق كان منه الوجود الذي له صفات وأحوال، وهو يتطور على ~~السنة المتقدمة من تقرير، إلى نقيض، إلى تركيب. # وقد تجلى الوجود المطلق في هذه التطورات حتى بلغ طور الإنسان، وهو طور الوعي أو إدراك ~~الوجود لنفسه، ولا يزال الوجود المطلق متجليا حتى يشمل الوعي كل موجود. # فالصيرورة قنطرة بين الكمال المطلق، والعدم المطلق، لا بد منها لإخراج هذه الموجودات ~~المحدودة التي ليست بكاملة ولا معدومة. # والله هو كل الوجود سواء في كماله المطلق أو في تجليه في كل محدود من هذه ~~الكائنات. ~~••• # ومن البديه أننا لا نستقصي بهذه العجالة كل رأي لكل فيلسوف ظهر في العصور الحديثة، فذلك ~~شرح يطول ولا تدعو إليه الحاجة فيما نحن فيه، ولكننا توخينا أن نكتفي بالفلاسفة الذين فصلوا ~~آراءهم ومذاهبهم في المسألة الإلهية، وأن نكتفي من هؤلاء بمن يعبرون عن جوانب النظر ~~المتعددة، ولا نحصيهم جميعا على سبيل الاستقصاء. # وقد عرفت لغير هؤلاء الفلاسفة آراء تستحق الإلمام بها لأنها تعبر عن وجهات نظر لم تذكر ~~كلها فيما أسلفناه. # وأحقها بالذكر هنا رأي نيوتن الإنجليزي وكونت الفرنسي، وأولهما مؤمن وثانيهما لا يثبت ~~الله ولا ينفيه. # أما رأي نيوتن فهو أننا لا نصف العالم بالإحكام والإتقان لنستدل بإحكامه وإتقانه على وجود ~~صانعه وهو الله، فإن هذا الدليل ينطوي على تناقض في رأي الفيلسوف؛ لأن العالم المحكم المتقن ~~يستغني بقوانينه ونواميسه عن العناية الإلهية بعد خلقه، والإيمان بالله قائم على الإيمان ~~بالعناية التي تحيط بالخلق في كل حين، فوجود النقص في العالم لا ينفي وجود الصانع الحكيم، ~~بل وجود هذا الصانع الحكيم يقتضي أن يكون العالم مخلوقا لا يبلغ ms168 الكمال كله، ويفتقر إلى ~~موجده على الدوام. # ويسخر ليبنتز بعالم نيوتن؛ لأن ليبنتز كما تقدم يرى «أنه ليس في الإمكان أبدع مما كان»، ~~ويقول: إن عالم نيوتن كالساعة التي تحتاج إلى إدارة اللوالب وإصلاحها من حين إلى حين، ~~وجلت صنعة الله عن مثل هذا الصنيع. # وخير ما يستفاد من هذه المقابلة بين العقلين الكبيرين أن المسألة أكبر من أن يحاط بها في ~~تفكير واحد، وأنها قابلة للرأيين معا بعد التدبر والإنعام. # فمذهب ليبنتز لا ينفي أن العالم ناقص كما تكون جميع «الممكنات»، فكون العالم «أحسن عالم ~~ممكن» لا يخرجه من عداد الممكنات التي لا تبلغ في الكمال مبلغ واجب الوجود. # وكون العالم محكما متقنا على أي معنى من معاني الإحكام والإتقان لا يسوغ الاعتراض من ~~جانب نيوتن، بل يحتاج إلى تكملة من رأي الفلاسفة الآخرين الذين يقولون إن الخلق عمل مستمر ~~وليس بعمل منقطع في وقت ينتهي إليه ، فلا يزال الوجود قائما بقدرة الله لأنه لا يستقل ~~بكيانه أبدا ولا ينحصر كيانه في وقت من الأوقات. ~~••• # وأوجست كونت إمام الفلسفة الوضعية يقول: إن البشر يتقدمون من طور الدين إلى طور الفلسفة ~~إلى طور العلم الوضعي، ثم يعتمدون على هذا العلم وحده في كل معرفة يدركونها، ولا وسيلة إلى ~~الإدراك غير التجربة والمقابلة والاستقراء. # ومهما يجهد العقل فلن يصل إلى حقيقة بغير هذه الوسيلة، فإدراك المسائل الغيبية من وراء ~~أمد العقول، وقد تستغني العقول عن إدراكها لأنها لا تغير حياتها على هذه الأرض، وهي حياة ~~قائمة على التجارب في حدود المعلوم من القوانين والنواميس. # وليس أمامنا غاية مثالية نتجه إليها بالإيمان ونثبتها بوسائل المعرفة الميسورة غير «سعادة ~~الإنسانية» وتقديس أمثلتها العليا في الخير والحق والجمال. # ومن الجديرين بالتقديس أنبياء الماضي وأئمة الإصلاح في كل جيل؛ لأنهم خدموا الإنسانية ~~وزودوها بالأمل والعزاء وفتحوا لها طريق الاستقامة والعمل المشكور، وقد جعل لكل نبي من ~~هؤلاء الأنبياء، موعدا يذكر فيه وشعائر مرعية لعبادة الإنسانية في ذكراه. # وخير ما يستفاد من مذهب كونت أن الدين ms169 حاجة إنسانية لا غنى عنها، وأن الله كما قال ~~فولتير: لو لم يكن موجودا لوجب إيجاده في العقل والضمير، ويبقى أن كونت يتخطى الركن الأكبر ~~من أركان الإيمان وهو الصلة بين النوع البشري وعالم اللانهاية، فإذا كانت الصلة بين الإنسان ~~واللانهاية تنقطع لأن اللانهاية لا يحاط بها في العقول، فمعنى ذلك أن «اللانهاية» لن يؤمن ~~بها لأنها لا نهاية، وأن الكمال المطلق لن يؤمن به لأنه كمال مطلق، وأن يكون السبب المستحق ~~للإيمان هو السبب المبطل للإيمان في رأي فيلسوف العقل والتجربة، وما كان العقل والتجربة ~~لينكرا قولا هو أحق بالإنكار من هذا الرأي العجيب، وأصح من هذا أن يقال: إن الكمال المطلق ~~لا يحاط به، ولكن هناك وسيلة للإيمان به غير تجارب العلوم وحدود المنطق، وقد وجدت هذه ~~الوسيلة فعلا ولم يقتصر القوم فيها على أنها فرض من الفروض. # | التصوف # لا بد من فصل خاص عن التصوف بين فصول الكلام على الفكرة الإلهية؛ لأنه ينفرد بتفسيرات ~~في هذا الموضوع لا تتواتر في العقائد العامة ولا تشبه المذاهب العقلية التي يذهب إليها ~~الفلاسفة. # وهو ملكة فردية يستعد لها بعض الآحاد ولا تشيع في الجماعات، وقد توصف «بالعبقرية الدينية» ~~إذا بلغت مرتبة التأصل والابتكار. # ومن لغو القول أن يقال إن هذه العبقرية هي نوع من التسامي بالغريزة النوعية أو الجنسية، ~~لكثرة ما يرد في أقوال المتصوفة من عبارات الغزل وكنايات الوجد والشوق والهيام. # فهم في الواقع يكثرون من هذه العبارات والكنايات، ويتكلمون في الوصل والهجر والشوق ~~والدلال كما يتكلم العشاق في قصائد الغزل والمناجاة. # فيقول الحلاج مثلا: «يا أهل الإسلام! أغيثوني، فليس يتركني ونفسي فآنس بها، وليس يأخذني ~~من نفسي فأستريح منها، وهذا دلال لا أطيقه.» # وتقول رابعة العدوية: # أحبك حبين حب الهوى # وحب لأنك أهل لذاكا # ويبرز هذا المعنى كل البروز حيث يقول ابن عربي في حلم رآه: # رأيت ليلة أني نكحت نجوم السماء كلها فما بقي منها نجم إلا نكحته بلذة عظيمة ~~روحانية، ثم لما أكملت نكاح النجوم أعطيت ms170 الحروف فنكحتها، وعرضت رؤياي هذه على ~~من عرضها على رجل عارف بالرؤيا بصير بها، فقال: صاحب هذه الرؤيا يفتح له من العلوم ~~العلوية وعلوم الأسرار وخواص الكواكب ما لا يكون لأحد من أهل زمانه. # فهذا وأشباهه كثير من أقوال أهل التصوف الذين امتازوا بالعبقرية الدينية هذا ~~الامتياز. # ولكنهم لا ينفردون بهذه الحالة بين أصحاب العبقريات؛ فإن ما يصدق عليهم يصدق على عباقرة ~~الفن وعباقرة الحرب وعباقرة المعرفة على التعميم، فما من أحد من أصحاب هذه العبقريات إلا ~~لوحظ في تكوين مزاجه اختلاف قوي يمس الغريزة النوعية أقوى مساس، فمنهم من يفرط فيها ومنهم ~~من يهملها، ومنهم من يصاب بالعقم ومن يولد له أولاد يموتون في الطفولة أو يولد له الإناث ~~دون الذكور، ومنهم من يرتبط وحيه الفني بعاطفة من عواطف الحب تشغله في الحقيقة والخيال، ~~فإذا قلنا إن العبقرية كلها نوع من التسامي بالغريزة النوعية بقي أن نعرف دواعي التمييز بين ~~عبقرية المتصوف وعبقرية الفنان وعبقرية العالم وعبقرية القائد الفاتح والسياسي القدير، ~~وإنما نذكر الواقع فنفهم الحقيقة في هذا الأمر على وجهه المستقيم، والواقع من جهة هو أن ~~العبقرية «يقظة وتنبه» وأن الغريزة النوعية عميقة القرار في تركيب كل بنية حية، فلا ~~تتيقظ النفس في أعماقها إلا تنبهت معها تلك الغريزة فبرزت بتعبيراتها على نحو من الأنحاء، ~~والواقع من جهة أخرى أن العبقرية خدمة للنوع كله من جانب الخلق العقلي أو الروحاني لا من ~~جانب الخلق الحيواني أو جانب التوليد، فلا عجب أن تنازع الغريزة مكانها وأن تنمو واحدة ~~منهما «على حساب» الأخرى، ولا عجب أن تتلاقيا على حال من الأحوال وكلتاهما مرهونة بطلب ~~التجديد والدوام في نوع الإنسان. # فالتسامي بالغريزة النوعية لا يفسر لنا التصوف أو العبقرية الدينية، ولا يفسر لنا البراعة ~~الحربية أو القدرة على نظم الشعر ونحت التماثيل وتنسيق الألحان وكشف القوانين العلمية أو ~~الرياضية، وإلا لكانت كل هذه العبقريات سواء في المعدن والقدرة، ولم يكن هنالك فرق بين ~~الشاعر والفاتح والرياضي والموسيقار، وليس ذلك بتفسير وتوضيح، ms171 بل هو الإبهام كل ~~الإبهام. # إنما التصوف - أو العبقرية الدينية - قدرة على الشعور بحقائق الدين والعبادة، وهو كجميع ~~العبقريات قلق يتطلب الراحة بالتعبير عن نفسه، والتوفيق بين النقائض التي تعتريه والشكوك ~~التي تساور الضمير فيما يجب عليه. # وقد أصاب الغزالي حين سمى هذه العبقرية بالذوق والسلوك، ولا نحسب أننا نختار في وصف قلق ~~النفس ونوازعها إلى التصوف كلاما هو أصدق من كلامه في التعبير عن هذه الحالة، حيث قال في ~~كتابه المنقذ من الضلال: # ثم تفكرت في نيتي في التدريس فإذا هي غير خالصة لوجه الله تعالى، بل باعثها ~~ومحركها طلب الجاه وانتشار الصيت، فتيقنت أني على شفا جرف هار، وأني قد أشفيت ~~على النار إن لم أشتغل بتلافي الأحوال، فلم أزل أتفكر فيه مدة وأنا بعد على مقام ~~الاختيار: أصمم العزم على الخروج من بغداد ومفارقة تلك الأحوال يوما، وأحل العزم ~~يوما، وأقدم فيه رجلا وأؤخر عنه أخرى، لا تصدق لي رغبة في طلب الآخرة ~~بكرة إلا ويحمل عليها جند الشهوة حملة فيفترها عشية، فصارت شهوات الدنيا ~~تجاذبني بسلاسلها إلى المقام ومنادي الإيمان ينادي: الرحيل الرحيل؛ فلم يبق من ~~العمر إلا قليل، وبين يديك السفر الطويل، وجميع ما أنت فيه من العلم والعمل رياء ~~وتخييل، ثم يعود الشيطان ويقول: هذه حالة عارضة، وإياك أن تطاوعها؛ فإنها سريعة ~~الزوال، فلم أزل أتردد بين تجاذب شهوات الدنيا ودواعي الآخرة قريبا من ستة أشهر، ~~وفي هذا الشهر جاوز الأمر حد الاختيار إلى الاضطرار؛ إذ قفل الله على لساني حتى ~~اعتقل عن التدريس، فكنت أجاهد نفسي أن أدرس يوما واحدا تطبيبا لقلوب ~~المختلفين إلي، فكان لا ينطق لساني بكلمة ولا أستطيعها البتة، ثم أورثت هذه ~~العقلة في اللسان حزنا في القلب بطل معه قوة الهضم وقرم الطعام والشراب، فكان لا ~~ينساغ لي شربة ولا يهضم لي لقمة، وتعدى إلى ضعف القوى حتى قطع الأطباء طمعهم، فلا ~~سبيل إلى العلاج إلا بأن يتروح السر من الهم الملم، ثم لما أحسست بعجزي وسقط ~~اختياري التجأت ms172 إلى الله تعالى التجاء المضطر الذي لا حيلة له، فأجابني الذي يجيب ~~المضطر إذا دعاه، وسهل على قلبي الإعراض عن الجاه والمال والأهل والولد والأصحاب، ~~وأظهرت عزم الخروج إلى مكة وأنا أوري في نفسي سفر الشام، ففارقت بغداد وفرقت ما كان ~~معي من مال ولم أدخر إلا قدر الكفاف وقوت الأطفال. # ويختلف المخرج من هذه الحيرة باختلاف مزاج الصوفي وتكوينه، فإذا غلب عليه الشعور طلب سلام ~~النفس بالزهد والتخلي عن العلاقات واستراح إلى سكينة التسليم، وإذا غلب عليه العقل والبحث ~~طلب سلام النفس من طريق المعرفة التي ترفع النقائض، وتجمع الخواطر إلى وحدة يطيب للعقل أن ~~يستقر عليها. # وهؤلاء هم الذين يقولون مع معروف الكرخي: إن التصوف هو معرفة الحقائق الإلهية، يكثر فيهم ~~الاشتغال بالفلسفة وتأويل مذاهبها، ولكنهم ينقلونها من الفكر إلى الشعور ويحاولون أن ~~«يحسوها» كإحساس المرء بالكائنات التي يتعلق بها الحب ويشهد عليها الجمال. # وكل فكرة يؤمن بها الصوفية تنطوي في فكرة واحدة أصيلة شاملة لكل ما عداها: وتلك هي بطلان ~~الظواهر وقيام الحقيقة فيما وراءها. # فمن قديم الزمن قال الفلاسفة إن هذه المادة المتغيرة خداع من الحس وإن جوهر الوجود الصادق ~~إنما هو العقل السرمدي الذي لا تغير فيه، أو هو الروح السرمدي كما يرى بعض الفلاسفة الذين ~~يوحدون العقل والروح. # ولكن التصوف هو الشعور بهذه الحقيقة لا مجرد التفكير فيها، وسبيل المتصوف إلى ذلك هو ~~الإعراض عن هذه الظواهر بالزهد فيها والتنصل منها، فهي الحجب التي تستر الحقيقة الإلهية عن ~~النفس البشرية، وكلها باطل تتكشف عن وهم زائل؛ إذ لا موجود كما قال ابن عربي: «إلا الله، ~~ولا يعرف الله إلا الله.» # ومنهم من يغلو فيقول بوحدة الوجود، ويقول: إن الله هو جميع هذه الموجودات، وإنها ليست فيه ~~على سبيل التجزئة والتفرقة، ولكنها تكمن فيه كما يكمن الربع والنصف في الواحد، فليس هو كله، ~~وليس هو منفصلا عنه، وليس هو موجودا على التحقيق، ولكنه موجود بالإضافة إلى وجود الله، أو ~~أن وجوده كوجود الفرد بالنسبة إلى ms173 حقيقة النوع، فهو ليس بمعدوم، ولكنه لا يزيد تلك الحقيقة ~~ولا ينفصل عنها. # وليس في الكون قبح أو شر عند هؤلاء المتصوفة إلا بالمقابلة بين بعض الموجودات وبعضها دون ~~الوجود المطلق الذي لا يقبل التعيين والمقابلة، ولا توجد الأشياء بالنسبة إليه وجود ~~الانفصال والتخصص والموافقة والنفور، كما قال بهاء الدين العاملي: «إن نجاسة الأشياء ~~وتقذرها ليست وصفا ثابتا في أنفسها، فإن كل طبيعة متعينة لها ملاءمة بالنسبة إلى ~~البعض ومنافرة بالنسبة إلى البعض الآخر، وذلك من آثار ما به الاشتراك وما به الاختلاف ~~الواقع من التعيين، فأيهما غلب ظهر حكمه من الملاءمة والمنافرة، والنجاسة الواقعة في بعض ~~الأشياء إنما هي بالنسبة إلى ما يقابلها من الطبائع التي وقعت بينها أسباب المخالفة، فهي لا ~~تثبت لشيء إلا بالنسبة إلى ما يقابلها، لا بالنسبة إلى الإطلاق والمطلق، فهي وما يقابلها ~~مما سمي نظافة على السوية بالنسبة للمطلق.» # والمتصوفة في النظر إلى هذه الأشياء فريقان: فريق يرى أن «الكشف» حاضر يتحقق باحتجاب هذه ~~الموجودات الباطلة، ومنها معالم الشخصية الإنسانية، فإذا غاب الإنسان عن حسه وعن محسوساته ~~فهو في حضرة الله، وإذا استولى الحق على قلب أخلاه من غيره كما قال الحلاج: «وإذا لازم ~~أحدا أفناه عمن سواه»، وذاك هو الفناء في الله بلغة أبي يزيد البسطامي، أو حب الذات للذات ~~كما يقول ابن الفارض: # وما زلت إياها وإياي لم تزل # ولا فرق، بل ذاتي لذاتي أحبت # ويستوي في هذا الشعور متصوفة الشرق والغرب من جميع الأديان، فانتفاء الشعور بالموجودات ~~الباطلة هو الشعور بالله عندهم؛ لأن الشعور بالبطلان هو الذي يحجب الشعور بالحقيقة. قالت ~~القديسة تريزا # St. Teresa ~~: «في الفترة التي تتحد فيها ~~الروح تتجرد الروح من كل شعور، وإذا استطاعت أن تشعر فهي لا تشعر بشيء معين، فلا حاجة بها ~~إلى حيلة لحجز العقل عن التفكير؛ لأنها تظل مأخوذة في سكينتها حتى لتجهل ما تحب وما تريد، ~~أو هي بالإيجاز في حكم الميتة، بالنظر إلى أشياء هذه الدنيا، ولا تعيش إلا في الله.» ms174 # وكان إكهارت # Eckhart # يسمي الله الذي يشعر به في هذه ~~الحالة: «باللاشيء الذي لا يسمى»، ولا يقصد باللاشيء نفي الوجود، بل يقصد به نفي الأشياء ~~المعينة التي تحمل الأعيان والأسماء. # قالت كرستيان شلدرب # Schilderups # في وصف هذه الحالة: «هي ~~السعادة بغير شاغل ولا علاقة، في انسجام مطلق، لا تفكير فيه، ولست فيه نفسا فردية، بل أنا ~~إذا مشيت مشيت ولا شيء غير مجرد المشي هناك، لا رغبة، لا حاجة في كل ما هناك، وإنما هو شعور ~~واضح بأنك أنت شيء واحد مع كل شيء. «فأنا» في تلك الحالة ليست إلا كل شيء آخر، أنا النور، ~~أنا الثلج، أنا ما أسمع وما أرى.» # أنا من أهوى ومن أهوى أنا # نحن روحان حللنا بدنا # وليس جميع المتصوفة من هذا الفريق، أي من الفريق الذي يغيب عن الموجودات لينفذ إلى حقيقة ~~الوجود، فإن فريقا غيرهم من كبار المتصوفة يرى أن نفي الحس لا يكفي للوصول إلى الله، وأن ~~الله ظاهر في موجوداته، فالوصول إليه عمل وعلم بتلك الموجودات. # وفي كل شيء له آية # تدل على أنه الواحد # وهناك طريقة إلى الحقيقة الإلهية من داخل النفس وطريقة إليها من داخل العالم، ولا تغني ~~واحدة منهما عن الأخرى كل الغناء. # ولكن الفريقين يتفقان في طريقة واحدة هي طريقة «الحب الإلهي» الذي يشمل العقل والشعور، ~~فكلهم يلتمس في الحب شفاء من الحيرة وحلا للنقائض واقترابا من الحقيقة التي تحول دونها ~~نوازع البغضاء ومطامع العيش وانحصار النفس في النفس انحصارا يسد عليها منافذ الوجود المطلق ~~العظيم. # كانت لقلبي أهواء مفرقة # فاستجمعت مذ رأتك العين أهوائي # والمعول في جميع العبقريات - لا في العبقرية الدينية وحدها - على المعنى المعبر عنه لا ~~على التعبيرات اللفظية التي ترد على لسان هذا العبقري أو ذاك. # فالشاعر الذي يستهويه صفاء الماء فيقول لنا إن في جوف البحر عرائس تغويه باللمح وتغريه ~~بالوثوب إليه - يعبر لنا عن حقيقة نحسها وإن كذبنا ألفاظه وحروفه. # والموسيقي الذي تستهويه بهجة الربيع ينقلها إلينا بألحانه وأصواته، وإن كانت ms175 الرياحين ~~والنسمات والأمواه شيئا غير الأصداء والأصوات. # والعبقرية الدينية ظاهرة في الآحاد - مع ظهور الأديان في الجماعات - فلا شك في دلالتها ~~الجوهرية وإن كانت عباراتها اللفظية محلا للخلاف بل للإنكار في كثير من الأغراض؛ لأننا ~~لم نعرف في نفس الإنسان عبقرية قائمة على العدم، خلوا من المعاني والقيم، فلا يسعنا أن ~~نصرف العبقرية الدينية من عالم الحقيقة أو نصرف دلالتها التي تلح بها على عقولنا وضمائرنا؛ ~~لأن بعض أصحابها تعوزه سلامة البنية أو دقة التعبير أو يشذ بأعماله وأقواله عن عادات ~~الجماعات والأمم، فكل العبقريات - وليست العبقرية الدينية وحدها - سواء في هذه الخصلة، ~~وتبقى دلالة العبقرية في النهاية بعد كل تعقيب وتعليل، ودلالتها التي تلزم من وجودها: أنها ~~تعبر عن حقيقة إلهية من وراء المجاز والرمز والكناية وتعدد الصور والأساليب في التصوير ~~والتعبير. # | براهين وجود الله # في رأينا أن مسألة وجود الله مسألة «وعي» قبل كل شيء. # فالإنسان له «وعي» يقيني بوجوده الخاص وحقيقته الذاتية، ولا يخلو من «وعي» يقيني بالوجود ~~الأعظم والحقيقة الكونية؛ لأنه متصل بهذا الوجود، بل قائم عليه. # والوعي والعقل لا يتناقضان، وإن كان الوعي أعم من العقل في إدراكه؛ لأنه مستمد من كيان ~~الإنسان كله، ومن ظاهره وباطنه، وما يعيه هو وما لا يعيه، ولكنه يقوم به قياما مجملا ~~محتاجا إلى التفصيل والتفسير. # ونحن نخطئ فهم العقل نفسه حين نفهم أنه مقصور على ملكة التحليل والتجزئة والتفتيت، وأنه ~~لا يعمل عمله الشامل إلا على طريقة التقسيم المنطقي وتركيب القضايا من المقدمات والنتائج ~~وإثباتها بالبراهين على النحو المعروف. # فالعقل موجود بغير تجزئة وتقسيم. # وهو في وجوده ملكة حية تعمل عملا حيا ولا يتوقف عملها على صناعة المنطق وضوابطه في عرف ~~المنطقيين. # وهو في وجوده هذا يقول: «نعم» ويقول: «لا» ويحق له أن يقولهما مجملتين في المسائل المجملة ~~على الخصوص. # وقد يخطئ القول في بعض الأشياء ولا يضمن الإصابة في كل شيء، ولكن الخطأ ينفي العصمة ~~الكاملة ولا ينفي الوجود، فقد يكون العقل المجمل موجودا عاملا وهو غير ms176 معصوم عن الخطأ ~~الكثير أو القليل، ولن يقدح ذلك لا في وجوده ولا في صلاحه للتفكير؛ لأن «التقسيم المنطقي» ~~يخطئ أيضا كما يخطئ العقل المجمل في أحكامه المجملة، ولا يقال من أجل ذلك إن التقسيم ~~المنطقي غير موجود أو غير صالح للتفكير. # فإذا قالت البداهة العقلية: «نعم. هناك إله» فهذا القول له قيمة في النظر الإنساني لا تقل ~~عن قيمة المنطق والقياس؛ لأنها قيمة العقل الحي الذي لا يرجع المنطق والقياس إلى مصدر غير ~~مصدره أو سند أقوى من سنده، وقد كان العقل المجمل أبدا أقرب إلى الإيمان أو أقرب إلى قولة ~~«نعم» في البحث عن الله، ولم يستطع التقسيم المنطقي أن يقول: «لا» قاطعة مانعة في هذا ~~الموضوع. # ويبقى بعد ذلك أن «الوعي» أعم من العقل المجمل وأعمق منه وأعرق في أصالة وجوده مع الحياة ~~الإنسانية منذ نشأتها الأولى، ونعتقد أن الوعي الكوني المركب في طبيعة الإنسان هو مصدر ~~الإيمان بوجود الحقيقة الكبرى التي تحيط بكل موجود. # وللإنسان وعي بما في الكون من جمال، وله وعي بما فيه من نظام، وله وعي بما فيه من أسرار ~~وألغاز وغيوب، فإذا احتجب الجمال عن أناس وأسفر لأناس آخرين فليس ذلك بقادح في وجوده أو ~~صدق الإحساس بمعانيه، وإذا تناسقت البدائه «الرياضية» والنظم الكونية في بعض العقول فليس ~~يقدح في هذا النسق أنه مضطرب أو مفقود في غيرها من العقول، وإذا خيل إلى فريق من البشر أن ~~هذا الكون السرمدي خلو من الأسرار والغيوب فليس لهذا الفريق حق الاستئثار بالتصديق دون ~~الفريق الذي يستشعر تلك الأسرار والغيوب ويبادلها المكاشفة والمناجاة، وليست «لا» أحق ~~بالتصديق من «نعم» لأنها إنكار؛ إذ إن الإنكار في المسائل السرمدية هو الادعاء الذي يطالب ~~صاحبه بالدليل، وما زالت صورة الكمال المطلق مقترنة بصورة الحقائق السرمدية في بدائه ~~العقول، فالذي يقول إن الحقيقة السرمدية الكبرى يمكن أن تكون قاصرة في هذه الصفة أو يمكن أن ~~يتخيلها العقل بغير كمال وإطلاق فهو الذي يدعي ما يناقض البدائه ولا يقوم عليه ms177 دليل. # ونحن إذا رجعنا إلى تاريخ الإيمان في بني الإنسان وجدنا أن اعتماده على «الوعي» الكوني ~~أعظم جدا من اعتماده على القضايا المنطقية والبراهين العقلية، وأنه أقوى جدا من كل يقين ~~يتأتى من جانب التحليل والتقسيم، ولم تكن الفلسفة نفسها في عصورها القديمة معنية بإقامة ~~البراهين على وجود الله للإقناع بعقيدة والتوسل إلى إيمان، وإنما كان الكلام في وجود الله ~~عند الفلاسفة الأقدمين من قبيل الكلام على مباحث العلوم وتفسير الظواهر الطبيعية، فأرسطو ~~مثلا لم يثبت وجود الله ليقنع به منكرا يدين بالكفر والإلحاد، ولكنه أثبته لأن تفسيره ~~لظواهر الكون لا يتم بغير هذا الإثبات، ولم يحاول أن يقنع به أحدا في زمانه على طريق ~~التدين والإيمان. # فليس وجود الله عند أرسطو وأمثاله مسألة دينية أو مسألة غيبية يختلف الأمر فيها بين ~~الإثبات والنفي كاختلاف الهدى والضلال، ولكنها حقيقة عقلية كالحقائق الهندسية التي يتم بها ~~تصور الحركات والأشكال في الأفلاك والسماوات. # ولما ظهرت الأديان الموحدة كان الجدل في صفات الله أكثر وأعنف من الجدل في وجوده، فقضى ~~اللاهوتيون زمنا وهم لا يشعرون بالحاجة إلى إقناع أحد بوجود خالق لهذه المخلوقات، ولم ~~يشعروا بهذه الحاجة إلا بعد اختلاط العقائد الدينية بالآراء الفلسفية، ومناظرتهم للمناطقة ~~والمتفلسفين في صناعة الجدل والبرهان. # وقد أسفرت مباحث الفلاسفة المؤمنين عن براهين مختلفة لإثبات وجود الله بالحجة والدليل، ~~ونحسب أننا نضعها في موضعها حين نقرر في شأنها هذه الحقيقة التي يقل فيها التشكك والخلاف: ~~وهي أن البراهين جميعا لا تغني عن الوعي الكوني في مقاربة الإيمان بالله والشعور بالعقيدة ~~الدينية، وأن الإحاطة بالحقيقة الإلهية شيء لا ينحصر في عقل الإنسان ولا في دليل يتمخض عنه ~~عقل الإنسان، وإنما الترجيح هنا بين نوعين من الأدلة والبراهين، وهما نوع الأدلة والبراهين ~~التي يعتمد عليها المؤمنون، ونوع الأدلة والبراهين التي يعتمد عليها المنكرون، فإذا كانت ~~أدلة المؤمنين أرجح من أدلة المنكرين فقد أغنى الدليل غناءه وأدى القياس رسالته التي ~~يستطيعها في هذا المجال، وهي في الواقع أرجح وأصلح للإقناع بالفكر ms178 - فضلا عن الإقناع ~~بالبداهة - كما يبدو من كل موازنة منصفة بين الكفتين. # ولا يخفى أن قاعدة الإثبات والنفي في مناقشات الخصوم لا تنطبق على هذا الموضوع الجليل، ~~فليس للعقل البشري خصومة في الإثبات ولا في خصومة في الإنكار، وليس على أحد عبء الدليل كله ~~ولا على أحد عبء الإنكار كله في البحث عن حقيقة الوجود، وليس للمنكر أن يستريح في مرقده ~~ليقول للمؤمن: إنها قضيتك فابحث عنها وحدك واجهد لها جهدك ثم أيقظني لتسمع مني ما أراه فيما ~~تراه، فربما كان المنكر هنا هو صاحب الادعاء وهو أحق الخصمين بالجهد في طلب الدليل؛ لأنه ~~إذا قال إن المادة قادرة على كل تدبير نراه في هذا الكون فليس كلامه هنا مجرد إنكار لوجود ~~الله أو التزام للخطة الوسطى بين الإثبات والإنكار. ~~••• # ونحن لا نحصي هنا جميع البراهين التي استدل بها الفلاسفة على وجود الله فإنها كثيرة يشابه ~~بعضها بعضا في القواعد وإن اختلفت قليلا في التفصيلات والفروع، ولكننا نكتفي منها بأشيعها ~~وأجمعها وأقربها إلى التواتر والقبول، وهي: برهان الخلق، وبرهان الغاية، وبرهان الاستكمال ~~أو الاستقصاء، وبرهان الأخلاق أو وازع الضمير. # أما برهان الخلق - ويعرف في اللغات الأوروبية باسم البرهان الكوني أو # The ~~Cosmological argument ~~- فهو أقدم هذه البراهين وأبسطها وأقواها في ~~اعتقادنا على الإقناع، وخلاصته أن الموجودات لا بد لها من موجد؛ لأننا نرى كل موجود منها ~~يتوقف على غيره ونرى غيره هذا يتوقف على موجود آخر دون أن نعرف ضرورة توجب وجوده لذاته، ولا ~~يمكن أن يقال إن الموجودات كلها ناقصة وإن الكمال يتحقق في الكون كله؛ لأن هذا كالقول بأن ~~مجموع النقص كمال، ومجموع المتناهيات شيء ليس له انتهاء، ومجموع القصور قدرة لا يعتريها ~~القصور، فإذا كانت الموجودات غير واجبة لذاتها فلا بد لها من سبب يوجبها ولا يتوقف وجوده ~~على وجود سبب سواه. # ويسمى هذا البرهان في أسلوب من أساليبه المتعددة ببرهان المحرك الذي لا يتحرك، أو المحرك ~~الذي أنشأ جميع المحركات الكونية على اختلاف معانيها، ومنها الحركة ms179 بمعنى الانتقال من مكان ~~إلى مكان، والحركة بمعنى الانتقال من حال إلى حال، والحركة بمعنى الانتقال من حيز الإمكان ~~إلى حيز الوجود، أو من حيز القوة إلى حيز الفعل، وفحوى البرهان أن المتحرك لا بد له من ~~محرك، وأن هذا المحرك لا بد أن يستمد الحركة من غيره، وهكذا إلى أن يقف العقل عند محرك واحد ~~لا تجوز عليه الحركة لأنه قائم بغير حدود من المكان أو الزمان، وهذا هو «الله.» # وجواب الماديين على هذا البرهان أنه لا مانع أن يكون المحرك الأول ماديا أو كونيا وأن ~~يكون وجوده أبديا أزليا بغير ابتداء، ولا انتهاء؛ لأن قدم العالم أمر لا يأباه العقل ~~ولا يستحيل في التصور، وحدوثه مشكلة تستدعي أن نسأل: ولم كان بعد أن لم يكن؟ وكيف طرأت ~~المشيئة الإلهية بإحداثه وليست مشيئة الله قابلة للطروء ولا لتغير الأسباب ~~والموجبات؟ # ومن هؤلاء الماديين من يجزم بأن هذا الكون كله لا يحتوي شيئا واحدا يلجئنا إلى تفسيره ~~بموجود غيره، ولا استثناء عندهم في ذلك للنظام ولا للعقل ولا للحياة. # فمن أقوالهم: إن المصادفة وحدها كافية لتفسير كل نظام ملحوظ في الكائنات الأرضية، وضربوا ~~لذلك مثلا صندوقا من الحروف الأبجدية يعاد تنضيده مئات المرات وألوف المرات وملايين ~~المرات على امتداد الزمان الذي لا تحصره السنون ولا القرون، فلا مانع أن هذه التنضيدات تسفر ~~في مرة من المرات عن إلياذة هوميروس أو قصيدة من الشعر المنظوم والكلم المفهوم، ولا عمل ~~في اتفاق حروفها على هذه الصورة لغير المصادفة الواحدة التي تعرض بين ملايين الملايين من ~~المصادفات. # وهكذا الكون المادي في اضطرابه المشتت الذي تعرض له جميع المصادفات الممكنة في العقول، ~~فلا مانع في العقل أن تسفر مصادفة منها عن نظام كهذا النظام وتكوين كهذا التكوين في عالم ~~الجماد أو في عالم الحياة. # وهذا المثل نفسه ينقض دعوى قائليه ويستلزم فرضا غير فروض المصادفات التي تتكرر على جميع ~~الأشكال والأحوال. # فقد فاتهم أنهم قدموا الفرض بوجود الحروف المتناسبة التي ترتبط بعلاقة اللفظ وينشأ ms180 منها ~~الكلام المفهوم، فإن وجود الفاء والياء واللام والسين والواو مثلا لا يكون قبل وجود كلمة ~~أو كلمات تشتمل على هذه الحروف، فمن أين لهم أن أجزاء المادة المتماثلة ترتبط بينها علاقة ~~التشاكل أو التشكيل على منوال العلاقة التي بين الحروف الأبجدية؟ ومن أين للمادة هذا ~~التنويع في الأجزاء؟ ومن أين لهذا التنويع أن تكون فيه قابلية الاتحاد على وجه ~~مفهوم؟ # وفاتهم كذلك أنهم قدموا الفرض بوجود القوة التي تتولى التنسيق والتنضيد، وليس من اللازم ~~عقلا أن توجد هذه القوة بين الحروف، وأن يكون وجودها موافقا للجمع والتنضيد وليس موافقا ~~للبعثرة والتفريق. # وفاتهم مع هذا وذاك أنهم فرضوا في هذه القوة الجامعة أنها تعيد تنسيق الحروف على كل ~~احتمال كأنها تعرف بداءة كيف تكون جميع الاحتمالات، فلم تستنفد هذه القوة جميع الاحتمالات ~~إلى آخرها ولا تتخبط في بعضها قبل انتهائها ثم تعيدها وتعيدها أو تكررها بشيء من الاستئناف ~~وشيء من التجديد في جميع المرات إلى غير انتهاء؟ # وفاتهم عدا ما تقدم أن الوصول إلى «تنضيدة» مفهومة منظومة لا يستلزم الوقوف عندها وتماسك ~~الأجزاء عليها، فلماذا تماسك النظام في الكون بعد أن وجد مصادفة واتفاقا ولم يسرع إليه ~~الخلل وتنجم فيه الفوضى قبل أن ينتظم على نحو من الأنحاء؟ وما الذي قرره وأمضاه وجعله ~~مفضلا على الخلل والفوضى وهما مثله ونظيره في كل احتمال؟ # والعجب في تفكير الماديين أنهم يستجيزون الكمال المطلق في كل عنصر من عناصر الوجود إلا ~~عنصر «العقل» وحده فإنهم يحدونه بالعقل الذي يتراءى في تكوين الإنسان دون سواه، فلا حدود ~~عندهم لمادة الأكوان ولا لاستمرارها في الزمان والمكان، ولا لما اشتملت عليه من القوة ~~والحركة والتكرار، ولكنهم إذا تكلموا عن أشرف هذه العناصر - وهو العقل - أجازوا حصره في ~~البنية الإنسانية ولم يطلقوه من الحدود التي أطلقوا منها جميع عناصر الوجود. # فكيف جاز عندهم أن تكون المادة قادرة على خلق العقل ثم جردوها منه ملايين الملايين من ~~السنين قبل ظهور الإنسان بين هذه الكائنات؟ # وهل هي ملايين الملايين ms181 من السنين وكفى؟ # كلا، فإن الكون الذي لا أول له قد انقضت عليه آماد وآماد لا تحسب بالملايين ولا بأضعاف ~~أضعاف الملايين، فلماذا طبعت المادة على تكوين العقل ثم تجردت منه إلى ما قبل ظهور العقل ~~الإنساني، وهو تاريخ قريب - بل جد قريب - بالقياس إلى تلك الأوائل التي لا يحيط بها ~~الحساب؟ # إن بعضهم يفسرون ذلك بتسلسل الدورات في المادة منذ الأزل الذي لا أول له إلى الأبد الذي ~~لا تعرف له نهاية في الزمان، ويعنون بتسلسل الدورات أن الكون ينتظم ثم ينحل في كل دورة من ~~دوراته التي تمتد ربوات بعد ربوات من الدهور فتنشأ المنظومات السماوية ويتهيأ كوكب من ~~كواكبها لظهور الحياة عليه، وترتقي أطوار هذه الحياة حتى تبلغ مرتبة الحياة الإنسانية بما ~~يقارنها من العقل والتمييز، ثم تنتهي بعد ذلك إلى تمامها فتؤذن بالدثور والانحلال، ثم تعود ~~كرة أخرى دواليك من بداية السديم المنتشر في الفضاء إلى نهاية تلك الدرجة المقدورة من عنصر ~~العقل: وهي درجة العقل الإنساني أو ما يشبه عقل الإنسان. # ويحسب هؤلاء الماديون أنهم أبطلوا بتفسيرهم هذا غرابة الظاهرة العقلية التي تختفي من ~~الأزل ولا تبرز في الكون إلا قبل آلاف محدودة من السنين، أو قبل الملايين وهي في حكم ~~الآلاف، فلا غرابة إذن في دعواهم لأن العقل قديم يتجدد من أزل الآزال إلى أبد ~~الآباد. # فهل زالت الغرابة بهذا الفرض العجيب؟ وهل يجيز العقل أن يكون العقل وحده هو العنصر ~~المحدود بأرقى ما يرتقي إليه الإنسان؟ وأنه هو العنصر الطارئ العرضي في كائن واحد من ~~الكائنات وهو الإنسان؟ لماذا لا يكون العقل أزليا في الوجود فيكون عقل إله لأن الأزل أليق ~~الصفات بصفات الله؟ لماذا نقبل «الدورات الأزلية» ولا نقبل العقل الأزلي وهو أولى بالقبول؟ ~~لماذا نتحكم في تقرير حدود العقل ونتحكم في اختلاق تلك الدورات الأبدية وليس شيء من ذلك ~~بعيان شهود، ولا بمنطق صحيح ولا بعلم من علوم التجربة والاستقراء؟ # إن قبول فكرة الله أيسر من قبول هذه الأوهام ومن التعسف ms182 في إقامة هذه الحدود، وآخر من ~~يجوز لهم هذا التطوح في تلك الأوهام والفروض هم أولئك الماديون الذين يبطلون كل شيء غير ~~الحس والتجربة والاستقراء، فإنهم إذا دخلوا في عالم الغيب والإيمان سقط مذهبهم كله من تحتهم ~~وهم لا يشعرون. ~~••• # ومن المذاهب الفلسفية الحديثة التي نشأت في القرن العشرين لتعليل ظهور الحياة في المادة ~~مذهبان متقاربان في الأسس مع تباعد النتائج بينهما في الشرح والتفصيل، وهما مذهب الحيوية ~~المنبثقة الذي يقول به الفيلسوف الإنجليزي صمويل إسكندر ويعرف في الإنجليزية باسم # Emergent Vitalism ~~، ومذهب التركيبة الكاملة الذي يقول ~~به المارشال سمطس زعيم إفريقية الجنوبية المشهور، ويعرف في الإنجليزية بالهولزم # Holism # من كلمة إغريقية بمعنى «الكل الكامل.» # وخلاصة الفكرة الأساسية في هذين المذهبين أن المادة تتجه إلى التركيب أو تكوين المركبات ~~الكاملة، وأن الحياة تظهر فيها عند التركيب كما تظهر الخصائص الكيمية من بعض العناصر عند ~~امتزاجها، ولم تكن قبل ذلك ظاهرة في هذه العناصر على انفراد، ومذهب صمويل إسكندر أعم من ~~مذهب المارشال سمطس في هذه الفكرة؛ لأنه يقول بأن العقل الإلهي نفسه قد نشأ في الكون على ~~هذا المنوال، فكانت المادة من أزل الآزال ثم بزغ منها العقل الإلهي في طور من أطوار التفاعل ~~والتآلف بين الذرات والأجزاء. # والمسألة هنا كما نرى مسألة اعتقاد وتقدير، ومتى كانت كذلك فلا ندري لماذا يسهل على العقل ~~البشري أن يتصور الله مخلوقا من المادة ولا يتصور المادة مخلوقة بقدرة الله؟ ولماذا يرجح ~~ذلك الاعتقاد على هذا الاعتقاد؟ # أما القول بأن المادة تتجه إلى التركيب فتنبثق الحياة منها ضرورة في بعض الأطوار فليس فيه ~~تفسير لظهور الحياة، بل كل ما فيه أنه وصف للظواهر الحية التي يقع عليها الحس ونعرفها ~~بالاختبار، فقد شوهدت الأجسام الحية فقيل إن المادة تميل إلى تكوين الأجسام الحية ووقف ~~التفسير عند تسجيل الظواهر المحسوسة واعتبار وجودها تفسيرا لأسباب هذا الوجود. # لكن هذا القول لا يفسر لنا اختصاص بعض الأجزاء بظهور الحياة فيها دون جميع الأجزاء التي ~~تشتمل عليها الأكوان ms183 في الأرض والسماء، فإن أجزاء المادة قد بدأت معا ولم تبدأ بفروق بينها ~~تستلزم أن يتركب بعضها ويبقى سائرها بغير تركيب، فلماذا وقع فيها هذا الاختلاف؟ بل لماذا ~~كان هذا الاختلاف مقصودا لتدبير البيئة التي تعيش فيها الحياة، وموافقة هذه البيئة لمطالب ~~الأحياء من غذاء وحركة وامتياز عما حولهم من الجماد. # وإذا فرضنا أننا استطعنا في يوم من الأيام أن نركب عناصر المادة كما تتركب في جسم الكائن ~~الحي المريد فهل تبرز فيها الحياة على المنوال الذي وصفوه؟ وإذا أتينا إلى رجل بعينه ~~فاتخذناه مثالا للتركيب، ووضعنا في المخلوق المركب نموذجا لكل خلية من خلايا جسمه بمادتها ~~الطبيعية، فهل تظهر في هذا المخلوق المركب أعراض الأخلاق الموروثة والملكات العقلية ~~والخصائص التناسلية التي ينقلها الآباء إلى الأبناء؟ ترى لو أننا ركبنا أسدا بخلايا جسمه ~~كلها، هل ينجم هذا الأسد مفترسا محبا لأكل اللحوم صالحا لتوليد الأشبال من اللبؤات؟ ~~ترى لو أننا ركبنا بلبلا بخلايا جسمه كلها، هل ينجم هذا البلبل مغردا يتعشق الورود ويألف ~~الغناء بالليل ويخشى الصقور والنسور كما تخشاها هذه البلابل المتوالدة من الذكور والإناث؟ ~~ترى لو ركبنا رجلا على مثال أهل الصين ورجلا على مثال الزنوج ورجلا على مثال الهنود ~~الحمر ورجلا على مثال الأمريكيين البيض هل تكفي محاكاة الخلايا المادية لإبراز ما بين هذه ~~الأجناس من الفروق والمزايا، ومن العداوة والصداقة، ومن الأذواق والشهوات؟ وهل يسعى هذا ~~الرجل إلى الزوجة أو المعشوقة كأنه الرجل الأصيل؟ وهل يحنو على الوليد كأنه أبوه؟ وهل يتكلم ~~اللغة التي يتكلمها صاحب النموذج المحكي في تركيب الخلايا والأعضاء؟ # الواقع أن خلايا الحياة تحمل في تركيبها من الخصائص ما لا تحمله خلية أخرى في عالم المادة ~~جمعاء، وأول هذه الخصائص قابلية التكرار والتنويع وتعويض النقص وحفظ النوع وتجديده على ~~النحو الذي ينفرد به كل نوع من الأنواع، فكل خلية في الجسم تعمل ما ينبغي على النحو الذي ~~ينبغي وفي الوقت الذي ينبغي أن تعمل فيه، وأعجب العجب في توزيع أعمالها إنما هو ذلك ms184 التنويع ~~المعجز الذي يظهر من خلية واحدة يضعها الذكر وخلية واحدة تضعها الأنثى، فتنقسم بالمقدار ~~اللازم لتكوين الجسم كله، وتذهب كل خلية إلى موضعها في القلب أو الرئة أو الكبد أو الدماغ، ~~فيتسق منها الجسم وتجري فيها وظائف الحياة، وليس يقتصر عملها بعد ذلك على الانتظام في بنية ~~واحدة، بل تنحل وتندفع الأجزاء المنحلة إلى حيث ينبغي أن تندفع، وتتلقى البنية العوض الذي ~~يعيدها إلى الانتظام من جديد، حتى الخلايا التي تتجه إلى تكوين الأسنان مثلا تتجه بالمقدار ~~الذي يحفظ لكل سن مادتها وحجمها وعملها في مضغ الطعام، وتتجه في وقتها وأوانها وعلى حسب ~~الحاجة إليها، وتتجه في كل نوع على حسب المعهود في ذلك النوع مع وحدة المادة التي تتألف ~~منها في جميع الأنواع، ومن اللغو الهازل أن يقاس هذا التقسيم العجيب إلى تقسيم البلورات ~~التي تتكرر على نحو واحد في بعض المواد، فإن العوامل الآلية تحدث هذا التكرار ولا يمكن أن ~~تحدث سواه، ولكن الأمر يحتاج إلى عوامل غير العوامل الآلية العمياء لتفسير هذا القصد المحكم ~~في وضع كل خلية تتركب منها أجسام الأحياء. # والحكم العقلي المستقيم إذا رأينا عملا يحقق قصدا أن نفهم أن القصد له قاصد مريد، إلا ~~إذا كان واجب العقل أن ينكر كل قصد ولا يقبل تفسيرا غير تفسير المصادفة والاتفاق، وهل ~~للعقل أن يفترض المصادفة إلا إذا استحال عليه أن يفترض القصد والإرادة؟ أو كان التفسير ~~بالمصادفة والاتفاق أيسر وأوضح من التفسير بعمل القاصد المريد؟ # إن بعض العلماء البيولوجيين يزعمون أن قوانين المادة وحدها كافية لتفسير ظواهر الحياة في ~~الأجساد، ويخيل إلى بعض الناس أن «البيولوجيين» أحق العلماء بالحكم الفصل في هذا الموضوع، ~~لأن علمهم يسمى على الألسنة بعلم الحياة. # أما الحقيقة فهي أن البيولوجيين يعرفون أعضاء الأجسام الحية ولكنهم في أمر الحياة نفسها ~~لا يمتازون على أحد من العلماء، وليس من اللازم أن يكون النبوغ في التشريح ودراسة الوظائف ~~العضوية مقارنا للنبوغ في الفلسفة والبحث عن الأصول الكونية الكبرى وأولها أصل الحياة، ms185 ~~وعلى هذا المثال لا يجوز للكيماوي أن يستأثر بالقول في أصل المادة وقدم الزمان والمكان لأنه ~~يعرف تراكيب الأجسام ويعرف النسب التي تختلف بها هذه التراكيب، ولا يجوز لمهندس الطباعة أن ~~يستأثر بالحكم في معاني الحروف وأسرار الكلمات لأنه يصب الحروف ويدير الآلات ويخرج من بين ~~يديه كل نسخة من الكتاب، ولا يجوز للنجار الذي يصنع الشطرنج أن يزعم أنه أقدر اللاعبين على ~~تحريك هذه القطع في الرقعة وفقا للحساب وطبقا للقصد الذي يتوخاه اللاعب الماهر، وإن كان ~~هذا اللاعب الماهر أعجز الناس عن صنع قطعة أو إصلاح رقعة أو التفرقة بين خشب وخشب في صنع ~~القطع والرقاع. # على أن الماديين لا يعرفون من قوانين المادة وخصائص الأجسام ما يسوغ لهم الجزم بامتناع ~~المؤثرات الأخرى في حركاتها؛ لأن المطابقة التامة في التجارب المادية لم تتقرر بعد بتجربة ~~واحدة، فكل تجربة تعاد لا تأتي بالنتيجة نفسها على وجه الدقة الكاملة بالغا ما بلغ الإحكام ~~في تركيب الآلات ويقظة المجربين ، وتعرف هذه الملاحظة بملاحظة هيزنبرج # Heisenberg # الذي ضبط مقدار الخلل في هذه الاختلافات على وجه التقريب، وهو ~~مقدار - مهما يبلغ من صغره - كاف لفتح الباب وبقائه مفتوحا لاحتمال المداخلة الروحية في ~~بعض الحالات. # وخلاصة الرأي في برهان الخلق أن القول بأن الحياة والعقل من عمل حي عاقل قضية عقلية لا ~~غبار عليها، وأن القول بأن المادة هي مصدر كل شيء في الكون يلجئنا إلى فروض لا يقرها الحس ~~ولا المنطق، ولا توافق القسطاس الذي جعله الماديون مرجعا لجميع الآراء والأحكام، وهو قسطاس ~~المشاهدة والدليل المحسوس. ~~••• # أما برهان الغاية # Teleological Argument # فهو في لبابه ~~نمط موسع من برهان الخلق مع تصرف فيه زيادة عليه. # لأنه يتخذ من المخلوقات دليلا على وجود الخالق ويزيد على ذلك أن هذه المخلوقات تدل على ~~قصد في تكوينها وحكمة في تسييرها وتدبيرها، فالكواكب في السماء تجري على نظام وتدور بحساب ~~وتسكن بحساب، وعناصر المادة تتألف وتفترق، وتصلح في ائتلافها وافتراقها لنشوء الحياة ودوام ~~الأحياء، وأعضاء الأجسام الحية تتكفل ms186 بأداء وظائفها المختلفة التي تتحقق الحياة بمجموعها ~~وتكملة عضو منها لعضو ووظيفة لوظيفة، ومن عرف التركيب المحكم الذي يلزم لأداء وظيفة البصر ~~في العين تعذر عليه أن يعزو ذلك كله إلى مجرد المصادفة والاتفاق، ويقال في كل حاسة من ~~الحواس ما يقال في العين أو العيون التي تتعدد بتعدد الأحياء. # وقد توجهت لهذا البرهان ضروب شتى من النقد لم تصدر كلها من جانب الماديين أو القاطعين ~~بالإلحاد. # فقد أنكر بعض الإلهيين أن يحيط العقل البشري بحكمة الله وأن تكون لله جل وعلا غايات تناط ~~بالأحياء والمخلوقات، وفهموا الغاية على أنها نوع من الحاجة التي يتنزه عنها الواحد الأحد ~~المستغني عن كل ما عداه. # وليس أضعف من هذا الاعتراض سواء عممناه على الخلق كله أو فصلناه بالنظر إلى جميع الخلائق ~~من الأحياء وغير الأحياء. # فإذا كان الله غنيا عن الحاجة فالمخلوقات لا تستغني عنها، وإذا كانت حكمة الله أجل ~~وأسمى من طاقة العقل البشري فالعقل البشري يستطيع أن يميز بين الأعمال المقصودة والأعمال ~~المرسلة سدى بغير قصد وعلى غير هدى، وإذا كانت القدرة السرمدية لا تحدها الغايات فالكائن ~~المحدود لا بد له من غاية ولا بد لتلك الغاية من تقدير وتدبير، ومن أين يكون التقدير ~~والتدبير في نظر الإلهيين إن لم يكن من الله؟ # وليس اعتراض الماديين على هذا البرهان بأقوى من اعتراض هؤلاء الإلهيين؛ لأنهم يقولون: إن ~~نظام الكواكب لا يحتاج إلى تنظيم، وإن كيان العناصر لا يحتاج إلى تكوين، وإن طبائع المادة ~~وحدها كافية لفهم هذا النظام وتفسير ذلك الكيان. # فالمادة الحامية تتحرك، والحركة تشع الحرارة، ومتى حدث الإشعاع قلت الحرارة في بعض ~~الأجزاء واختلفت بينها درجة البرودة، فانشق بعضها عن بعض، ووجب بقانون الحركة المركزية أن ~~يدور الصغير حول الكبير ويصمد على الدوران، وهكذا تحدث المنظومات الشمسية وتثبت الثوابت ~~وتدور السيارات حولها بحساب يوافق اختلافها في الحجم والسرعة والمسافة ودرجة ~~الإشعاع. # ويقولون: إن العناصر تتركب من نواة وكهارب، ولا يعقل العقل إلا أن تكون نواة وكهربا ~~واحدا أو ms187 نواة وكهربين أو نواة وثلاثة كهارب أو أربعة أو خمسة إلى آخر ما تحتمله قوة ~~النواة على التماسك والاجتذاب، وكلما اختلف العدد ظهر في المادة عنصر جديد بالضرورة التي لا ~~محيص عنها، وليس هنالك سبب غير هذا السبب لتعدد العناصر والأجسام. # وكل هذا صحيح من وجهة الواقع الذي نراه. # ولكن من أين لنا أن الواقع الذي نراه هو كل ما يحتمله العقل من فروض ووجوه؟ # ألازم هذا بحكم البداهة؟ أم هو لازم لغير شيء إلا أنه كان على هذا النحو وشهدناه؟ # فالبداهة لا تستلزم أن تكون الحركة ملازمة للحرارة وأن تكون الحرارة ملازمة ~~للإشعاع. # والبداهة لا تستلزم أن يكون الصغير منجذبا إلى الكبير، وأن تقضي الحركة المركزية ~~بالدوران في فلك لا تتعداه. # وجائز في رأي العقل كل الجواز أن تكون حرارة ولا إشعاع، وأن يكون انشقاق ولا ~~انجذاب. # وجائز في حكم العقل ألا تكون نواة ولا تكون كهارب، أو أن تكون حرارة ولا برودة، وأن يكون ~~تركيب من أجزاء متشابهة لا يتولد منها اختلاف. # فلماذا حدث هذا ولم يحدث غير هذا؟ # ولماذا كان حدواث هذا موافقا لاختلاف الكواكب، وكان اختلاف الكواكب موافقا لاختلاف ~~العناصر، وكان اختلاف العناصر موافقا لاختلاف الفصول والمواسم، وكان اختلاف الفصول ~~والمواسم موافقا لقبول الحياة وتدبير ما يلزمها من نسب الحرارة وما يلزمها من قوام ~~وغذاء؟ # إن العقل البشري هنا بين فرضين يختار منهما ما يشاء، ولا محيص له من الاعتماد على سبب ~~مفهوم لهذا الاختيار. # فإما أن يفرض أن القصد مستحيل وأن الجائز دون غيره هو أن يحدث النظام لامتناع الفوضى، ~~وتحدث الحياة لامتناع الموت، ويحدث الإبصار لامتناع العمى، ويحدث كل شيء سلبا بغير ~~إيجاب. # وإما أن يفرض أن القصد يدل على القاصد المريد، وأن الحقيقة الإيجابية شيء له وجود، وليس ~~الوجود كله للحقيقة السلبية في هذا الكون «الموجود.» # ولكنه لا يستطيع أن يفرض الفرض الأول لغير سبب، فما هو هذا السبب؟ وما هو الموجب لهذا ~~الادعاء؟ # بل نحن لو فرضنا أن العلل السلبية هي التي ms188 تؤدي إلى هذه النتائج الإيجابية لما أعفانا ذلك ~~من الحكم بأن العلل السلبية هي التدبير الذي يؤدي إلى تحقيق الغاية المقصودة. # فلك أن تقول: إن الأحياء قد عاشت لأنها لم تنقرض كما انقرضت الأحياء الأخرى التي أعوزتها ~~وسائل المعيشة وأسباب البقاء، ولكن ليس لك أن تقول: إن هذا التفاضل بين الأحياء لم يكن هو ~~الطريق الذي اختاره الخالق المريد لاستبقاء الحياة المثلى والترقي بها في معارج الكمال، ولا ~~أن تقول إن المصادفة أقرب إلى التصور من هذا التفسير، ولا سيما إذا رأيت أمامك أمثلة الترقي ~~بالحياة من الخلية المفردة إلى عقل الإنسان. # ويبدو لنا أن الاعتراض الذي يقام له وزن بين جميع الاعتراضات المتجهة إلى هذا البرهان هو ~~الاعتراض بوجود الشر والألم في الحياة، فكيف يقال: إن القصد ظاهر في هذا العالم ثم يجتمع ~~القصد مع وجود الشر والنقص والظلم فيه؟ هل يقال إذن: إن الشر مقصود؟ وهل يقال: إن الظلم مما ~~يليق بحكمة الحكيم؟ # وليس جوابنا على هذا الاعتراض أن نعزو إلى الله دواعي مقدرة لخلق هذه الأمور، فإن الدواعي ~~التي نقدرها لن تبلغ بنا إلى نهايات الأشياء، ولن تزال واقفة بنا عند بدايات مفروضة لا تغني ~~عن تلك النهايات. # ولكننا نرجع إلى المقابلة بين هذا العالم وبين العالم الذي يتخيله أولئك المعترضون وافيا ~~بالقصد أو جديرا بحكمة الله، فإن كان هو أقرب إلى التصور فقد صدقوا وأصابوا، وإن كان ~~العالم الذي نحن فيه هو الأقرب إلى التصور فقد سقط الاعتراض. # فما العالم الذي يتخيل المعترضون أنه أجدر من عالمنا هذا بحكمة الله وقصد المدبر ~~المريد؟ # هو عالم لا نقص فيه فلا نمو فيه، ولا آباء ولا أبناء، ولا تفاوت في السن والتهيؤ ~~والاستعداد، ولا تقابل في الجنس بين الذكور والإناث، بل جيل واحد خالد على المدى لا يموت ~~ولا يتطلب الغذاء ولا الدواء. # عالم لا نقص فيه فلا حدود فيه، وكيف يوجد الناس بلا حدود بين واحد منهم وأخيه؟ بل لماذا ~~يوجد الألوف ومئات الألوف نسخة واحدة لا ms189 فرق فيها بين أحد وأحد، ولا محل فيها للاختلاف، إذ ~~كان الاختلاف يستدعي نقص صفة هنا ووجودها هناك؟ # إذن يخلق إنسان واحد يحقق معنى الإنسانية كلها ولا يكون فيه نقص ولا تعدد ولا تكون له ~~بداية ولا نهاية، فلذلك إذن إله آخر مستمتع بكل صفات الكمال والدوام! # عالمهم المتخيل هو عالم لا حرمان فيه، فلا ينتظر فيه الحي شيئا يجيء به الغد ولا يشتاق ~~اليوم إلى مجهول. # بل ماذا نقول؟ أنقول الغد واليوم؟ ومن أين يأتي الغد واليوم في عالم لا تغاير فيه ولا ~~تنوع في التراكيب والحركات؟ إنما يأتي اليوم والغد من تغاير الكواكب بالحركة والضخامة ~~والدوران، فإذا بطل التغاير والتركيب فلا شمس ولا أرض ولا قمر ولا أيام ولا أعوام. # هو عالم لا ألم فيه ولا اجتهاد فيه، ولا اتقاء لمحذور ولا اغتباط بمنشود. # هو عالم لا أمل فيه ولا محبة ولا حنان ولا صبر ولا جزع ولا رهبة ولا اتصال بين مخلوق ~~ومخلوق؛ لأن الاتصال تكملة ولا حاجة إلى التكملة بأرباب الكمال. # هو عالم لا ظلم فيه، فلا فضيلة ولا رذيلة؛ لأن الفاضل هو الإنسان الذي يعمل الخير ولو شقي ~~به، ويجتنب الشر ولو طاب له مثواه، فإذا ضمن الجزاء العاجل على أعماله أولا فأول فلا فضل ~~له على الشرير، وإذا وجد العالم وفيه أشرار يجزون أبدا بالعقاب وأخيار يجزون أبدا بالثواب ~~فذلك ظلم أكبر من هذا الظلم الذي يأباه المنكرون للقصد والتدبير. # هو عالم لا فرق فيه بين الأبد الأبيد واللحظة العابرة؛ لأنك تريد في كل لحظة عابرة من ~~لحظاته أن تجمع حكمة الآباد، وأن تكون مقاصدها هي مقاصد الكون الذي لا تعرف نهاية طرفيه، ~~فلا انتظار لبقية الزمن ولا موجب للانتظار، ولن يحيا المخلوق المحدود بغير انتظار إلا كان ~~في حسه لون آخر من ألوان الفناء. # وقد يتم هذا المعنى حوار كتبته في موضوعه: وهو موضوع وجود الله من كتابي «في بيتي» ~~حيث أقول على لسان سائل ومسئول: # قال صاحبي: وهل وصلت قط من فلسفة ms190 حياتك إلى شيء؟ # قلت: نعم، إن الله موجود. # قال: باسم الفلسفة تتكلم أو باسم الدين؟ # قلت: باسم الفلسفة أتكلم الآن، والفلسفة تعلمنا أن العدم معدوم فالوجود موجود، ~~موجود بلا أول ولا آخر؛ لأنك لا تستطيع أن تقول: كان العدم قبله أو يكون العدم ~~بعده، وموجود بلا نقص لأن النقص يعتري الوجود من جانب عدم ولا عدم هناك، موجود بلا ~~بداية ولا نهاية ولا نقص ولا قصور، والوجود الكامل الأمثل هو الله. # قال: وكيف توفق بين الوجود الأمثل وبين الشرور والآلام في هذه الحياة؟ # قلت: هذا سؤال غير يسير؛ لأننا نحن الفانين لن نرى إلا جانبا واحدا من الصورة ~~الخالدة في فترة واحدة من الزمان، ومن يدرينا أن هذا السواد الذي يصادفنا هنا وهناك ~~هو جزء لازم للصورة كلزوم النقوش الزاهية والخطوط البيضاء؟ وماذا تستطيع أن تصنع لو ~~ملكت الأمر وتأتى لك أن تقذف بالشرور من الحياة؟ بغير الألم والخسارة ما الفرق بين ~~الشجاع والجبان وبين الصبور والجزوع؟ وبغير الشر والسوء ما الفرق بين الهدى ~~والضلالة وبين النبل والنذالة؟ وبغير الموت كيف تتفاضل النفوس وكيف تتعاقب الأجيال؟ ~~وبغير المخالفة بينك وبين عناصر الطبيعة من حولك كيف يكون لك وجود مستقل عنها منفصل ~~عن موافقاتها ومخالفاتها؟ وبغير الثمن كيف تغلو النفائس والأعلاق؟ # قال صاحبي: أليس عجزا أن نشقى وفي الوسع ألا نشقى؟ أليس عيبا أن نقصر عن الكمال ~~وفي الوسع أن نبلغ الكمال؟ # قلت: وكيف يكون في الوسع أن يكمل المتعددون؟ إنما يكون الكمال للواحد الدائم الذي ~~لا يزول. # قال صاحبي: قل ما شئت فليس الألم مما يطاق، وليس الألم من دلائل الخلود ~~الرحيم. # قلت: على معنى واحد إن هذا لصحيح! # إنه لصحيح إذا كانت حياة الفرد هي نهاية النهايات وهي المقياس كل المقياس لما كان ~~وما يكون، ولكن إذا كانت حياة الفرد عرضا من الأعراض في طويل الأزمان والآباد - ~~فما قولك في بكاء الأطفال؟ إن الأطفال أول من يضحك لبكائهم حين يعبرون الطفولة، ~~وإنهم أول من يمزح في أمر ذلك الشقاء، ms191 وليس أسعد الرجال أقلهم بكاء في بواكير ~~الأيام. # يا صاحبي! هذا كون عظيم، هذا كل ما نعرف من العظم، وبالبصر أو بالبصيرة نظرنا ~~حولنا لا نعرف العظم إلا من هذا الكون، ماذا وراء الكون العظيم مما نقيسه به أو ~~نقيسه عليه؟ فإن لم نسعد به فالعيب في السعادة التي ننشدها، ولك أن تجزم بهذا قبل ~~أن تجزم بأن العيب عيب الكون وعيب تدبيره وتصريفه وما يبديه وما يخفيه، ولك أن تنكر ~~منه ما لا تعرف، ولكن ليس لك أن تزعم أنه منكر لأنه مجهول لديك. # ونحسب أننا نقابل الاعتراض على دلائل الحكمة المقصودة بما يرجح عليه إذا قابلناه بمثل هذا ~~التذكير والتعقيب، ويكفي عندنا أن يكون برهان الإثبات أقوى من برهان الإنكار، فلسنا نغتر ~~ببرهان من براهين العقل الإنساني حتى نزعم له أنه يستوعب الوجود الإلهي كل الاستيعاب، أو ~~أننا نبلغ به مبلغ البراهين التي نقيمها على كل محدود في عالم المحسوس والمعقول؛ لأن وجود ~~الله أكبر من ذرع العقول، وإنما نعطي العقل حقه حين نضع له البرهانين وندع له أن يوازن ~~بينهما، وأن يطالب نفسه بدليل على الترجيح. ~~••• # ويعتبر البرهان الثالث من براهين أهل الصناعة؛ لأنه مما يتداول بين الباحثين في المنطق ~~والفلسفة الدينية ولا نسمع به كثيرا بين جمهرة المؤمنين الذين لا يطرقون أبواب هذه البحوث، ~~وذلك هو برهان الاستعلاء والاستكمال أو برهان المثل الأعلى، ويسمى عندهم # The ~~Ontological Argument ~~. # وقد صاغه القديس أنسلم # Anselm # في صورته الأولى، وزاده ~~اللاحقون به ونقحوه حتى بلغ كماله في فلسفة ديكارت، وأوشك أن ينسب إليه. # وفحواه في صيغته الجامعة أن العقل الإنساني كلما تصور شيئا عظيما تصور ما هو أعظم منه؛ ~~لأن الوقوف بالعظمة عند مرتبة قاصرة يحتاج إلى سبب، وهو - أي العقل الإنساني - لا يعرف سبب ~~القصور. # فما من شيء كامل إلا والعقل الإنساني متطلع إلى أكمل منه، ثم أكمل منه، إلى نهاية ~~النهايات، وهي غاية الكمال المطلق التي لا مزيد عليها ولا نقص فيها. # وهذا الموجود الكامل الذي لا ms192 مزيد على كماله موجود لا محالة؛ لأن وجوده في التصور أقل من ~~وجوده في الحقيقة، فهو في الحقيقة موجود؛ لأن الكمال المطلق ينتفي عنه بسبب عدم وجوده، ولا ~~يبقى له شيء من الكمال، بل نقص مطلق هو عدم الوجود. # فمجرد تصور هذا الكمال مثبت لوجوده. # والله ثابت الوجود لأنه هو غاية الكمال، وكل نقص عن هذه المرتبة القصوى لا يتصوره العقل ~~ولا يقبله ولا يستريح إليه؛ لأن تصور الكمال الأسمى مرادف لتصور الكمال الموجود. # فالعقل الإنساني لا يتصور إلا أن الله موجود. # وقد سخر من هذا البرهان رجال الدين أنفسهم من معاصري القديس أنسلم في القرن الحادي عشر، ~~وعلى رأسهم الراهب جونلو # Gaunilo ~~، وجاراه في معنى هذه ~~السخرية عمانويل كانت من كبار الفلاسفة المحدثين، وخلاصة انتقادهم أنك إذا تصورت جزيرة ~~بالغة الكمال في مجاهل البحار لم يلزم من ذلك أن الجزيرة قائمة هناك، وإذا تصورت عشرة ~~دنانير لم يلزم من ذلك أن تنطبق كفك على تلك الدنانير، وأن وجود الشيء المتصور غير ~~محتوم. # والبرهان في الواقع أقوى وأمتن من أن ينال بمثل هذا الانتقاد؛ لأننا نستطيع أن نتصور عشرة ~~دنانير دون أن نستلزم وجودها في الحقيقة، ولكننا لا نستطيع أن نتصور كمالا لا مزيد عليه، ~~ثم نتصوره في الوقت نفسه نقصا لا مزيد عليه؛ لأنه معدوم، وإذا قلنا إن الديشليون لا يمكن ~~أن يكون أكبر عدد فالديشليون كالواحد موجود بغير كلام، وإن لم نستخدمه في عد شيء من ~~الأشياء. # وليس ديكارت بالمغالي حين يتوسع في هذا البرهان فيرى أن وجود الله هو الثابت المحقق ومنه ~~يستدل على وجود العالم وما فيه من المحسوسات؛ لأن المحسوسات متغيرة متقلبة والحس قاصر مضلل، ~~والوهم غالب عليه ما لم يثبت وجوده من طريق الحقيقة المطلقة، وهي الله. # فالعقل يستلزم وجود كائن كامل حق منزه عن العيوب، ولا حقيقة ما لم تكن هذه الحقيقة ~~المطلقة ثابتة في العقول، ومن إيمان العقول بها يعلم أن هذا العالم موجود وليس بوهم ولا ~~خداع؛ إذ كان الله خالقه ms193 منزها عن الوهم والخداع. # ونحن على دأبنا في تلخيص هذه البراهين نكتفي بالموازنة بينها وبين براهين الإنكار أو ~~بينها وبين الردود عليها، ونعلم أنها براهين تستحق الاعتبار إذا رجحت في كفة الميزان على ما ~~يقابلها ويناقضها. # وهذا هو قول المثبتين في تصور الكمال. # فأما المنكرون فيقولون إنهم يستطيعون أن يتصوروا الكون ناقصا في عنصر العقل مع أنه سرمد ~~لا أول له ولا آخر ولا حدود لمقداره في المادة والقوة، أو يقولون إنهم يستطيعون أن يتصوروا ~~الكون كاملا في كل شيء إلا في عنصر العقل، فإن محتواه منه لم يتجاوز حدود عقل ~~الإنسان. # ولمن شاء أن يختار من القولين ما يشاء. ~~••• # ويعتمد عمانويل كانت - الذي يستضعف هذا البرهان - على برهان أقوى منه وأصح في الدلالة ~~على «الله» كما ينبغي له من الصفات. # فعنده أن برهان الخلق وبرهان القصد يثبتان وجود الصانع القادر ولكنه لا يلزم من قدرته ~~وصنعته أنه «الإله» الذي يصدر منه الخير والرحمة ويعبده الناس عبادة الحب والإيمان. # وإنما يثبت وجود هذا الإله بعلامة في النفس الإنسانية لا يتأتى وجودها فيها بغير وجود ~~إله، وتلك هي علامة الوازع الأخلاقي أو علامة الواجب أو علامة الضمير. # فمن أين استوجب الإنسان أن يدين نفسه بالحق كما نعرفه إن لم يكن في الكون قسطاس للحق يغرس ~~في نفسه هذا الوجوب؟ ومن أين تقرر في طبع الإنسان أن الواجب الكريه لديه أولى به من إطاعة ~~الهوى المحبب إليه، وإن لم يطلع أحد على دخيلة سره؟ # المستضعفون لهذا البرهان يقولون: إنها العادة الاجتماعية رسخت في النفس حتى استحالت إلى ~~رغبة مقبولة أو مطلب محبوب. # ولكنهم ينسون أن معرفة السبب لا تقضي بإبطال الغاية أو بفقدان الحكمة. # فنحن نعلم أن القطار يتحرك بغليان المرجل فيه، ونعلم أن المهندس قد مد قضبانه لأنه يكافأ ~~على مدها بأجر يحتاج إليه، وأن نظار المحطات ييسرون حركة القطار لأنهم مجزيون على ذلك أو ~~معاقبون على إهماله، ولكن ذلك كله لا يبطل الغاية ولا يقضي بمسير القطار لغير حكمة وقيام ms194 ~~العمل كله بغير تدبير. # ثم ينسى المستضعفون لبرهان الضمير أن «العادة الاجتماعية» ليست بالتفسير الذي يعلل ~~نشأتها وإنما هي تكرير للمشاهدة كما رأيناها، فإذا سألهم سائل: لماذا نشأت العادة ~~الاجتماعية؟ قالوا للمصلحة الاجتماعية! ولكنهم لا يسألون أنفسهم: لماذا كانت المصلحة ~~الاجتماعية أمرا مفروغا منه مقضيا بوقوعه، ولماذا تعلل المصلحة الاجتماعية نشوء العادة ~~ولا تحتاج هي إلى تعليل؟ # ولم يكن «عمانويل كانت» أول من قال بهذا البرهان بين الغربيين؛ لأن برهانه صورة مختصرة ~~من برهان القديس توما الأكويني الذي يستدل به على وجود الله من آيات الخير ومحاسن الجمال في ~~نفس الإنسان وفي مشاهد الطبيعة. # فنحن نفضل جميلا على جميل ومأثرة على مأثرة، ولا تتأتى لنا المفاضلة بينها بغير قسطاس ~~شامل نرجع إليه في فهم الخير والجمال، وهذا القسطاس الشامل لا يكون فيما دون تلك الخيرات ~~والمحاسن، بل فيما فوقها إلى مصدرها الأصيل، وهو الله. # ولا يتعين أن يكون كل شيء جميلا وكل شيء خيرا لنبحث عن ذلك القسطاس في العالم كله، بل ~~يكفي أن يكون في العالم خير وجمال ليبحث الذهن عن ذلك القسطاس ويقتضيه. ~~••• # هذه هي زبدة البراهين الفلسفية العامة على وجود الله، ومن الحق أن نعيد هنا أن الإيمان ~~الإلهي لا يقوم عليها وحدها في البصيرة الإنسانية، وأن قصاراها من الإقناع أنها أرجح وزنا ~~من ردود المنكرين، ولا سيما المنكرين الذين في إنكارهم ادعاء وهجوم على الفروض بغير دليل، ~~وبغير إيمان. # ولقائل أن يقول في هذا الصدد: ولماذا يحوجنا الله إلى البراهين لإثبات وجوده؟ لماذا لا ~~يتجلى للعيان فيعرفه كل إنسان؟! # ونقول نحن: إننا لا ندري، ولكننا إذا طلبنا أن تتجلى الحقيقة الإلهية لكل مخلوق، وأن ~~تتساوى العقول جميعا في استكناه جميع الحقائق بغير خفاء، عدنا إلى المخلوقات ~~المتشابهة في الكمال بغير اختلاف قط وبغير حدود في المعرفة والخليقة، وليس تخيلنا لذلك ~~العالم المطلوب بأيسر من تخيلنا للعالم المشهود كما عهدناه، فإن العالم الذي يوجد فيه ~~الإيمان وجودا آليا أقل حكمة من العالم الذي يجاهد فيه الضمير جهاده ms195 للوصول إلى ~~الإيمان. # | البراهين القرآنية # لم تتكرر البراهين على إثبات وجود الله في كتاب من كتب الأديان المنزلة كما تكررت في ~~القرآن الكريم. # فليس في التوراة ولا في الإنجيل أكثر من إشارات عارضة إلى الملحدين الذين ينكرون وجود ~~الله. # لأن أنبياء التوراة كانوا يخاطبون أناسا يؤمنون بإله إسرائيل ولا يشكون في وجوده، فلم ~~يكن همهم أن يقنعوا أحدا من المرتابين أو المنكرين، وإنما كان همهم تحذير القوم من غضبه ~~وتخويفهم من عاقبة الإيمان بغيره، وتذكيرهم بوعده ووعيده كلما نسوا هذا أو ذاك، في هجرتهم ~~بين الغرباء الذين يعبدون إلها غير «ياهواه» إله إسرائيل دون غيرهم من الشعوب! # نعم دون غيرهم من الشعوب؛ لأن أبناء إسرائيل كانوا يحسبونه لهم ولا يحبون أن يشركهم فيه ~~غيرهم، فلا هم يشركون معه غيره من الآلهة ولا هو يشرك معهم غيرهم من الشعوب، وهكذا كانوا ~~يفهمون التأليه في تاريخهم القديم، قبل خلوص الإيمان بالتوحيد من شوائب الشرك ~~والتعديد. # فعباد «ياهواه» لم يكونوا ينكرون وجوده ولا ينكرون وجود غيره، وإنما كان هو إلههم ~~المفضل على غيره من الآلهة، كما كانوا هم الشعب المفضل على الشعوب. # فالأرباب الأخرى عندهم موجودة كما يوجد إلههم «ياهواه»، ولكنها لا تستحق منهم العبادة ~~لأنها أرباب الغرباء والأعداء، وكل عبادة لها فهي من قبيل الخيانة العظمى وليست من قبيل ~~الكفر كما فهمه الناس بعد ذلك، وغاية ما في الأمر أن طاعة الآلهة الغريبة هي كخدمة الملك ~~الغريب، نوع من العصيان والخيانة. # لهذا لم يشغل أنبياء التوراة السابقون بإثبات وجود «ياهواه» أو بإثبات وجود الأرباب على ~~الإجمال، وإنما كان شغلهم الأكبر أن يتجنبوا غيرة «ياهواه» وغضبه، وأن يدفعوا عن الشعب ~~نقمته وعقابه، ولم يكن له عقاب أشد وأقسى من عقابه لأبناء إسرائيل كلما انحرفوا إلى عبادة ~~إله آخر، من آلهة مصر أو بابل أو كنعان. # ولما ظهرت المسيحية لم يكن بينها وبين المذاهب الإسرائيلية خلاف على وجود الله ولا على ~~أنبياء التوراة، وإنما كان الخلاف الأكبر على نفاق الرؤساء والكهان في مظاهر العبادة ms196 ~~واستغلالهم الشعائر المقدسة في كسب المال وجلب السلطان، وتغليبهم مطامع الدنيا على فرائض ~~الإيمان. # ولم يشعر الدعاة المسيحيون بالحاجة إلى تمحيص القول في الربوبية إلا بعد عموم الدعوة في ~~بلاد اليونان والرومان وغيرهم من أمم الحضارة في ذلك الحين، أي بعد كتابة الأناجيل بعهد ~~غير قصير. # فلم تتكرر البراهين على إثبات وجود الله في أسفار التوراة والإنجيل لذلك السبب الذي ~~أجملناه، أما القرآن فقد كان يخاطب أقواما ينكرون وأقواما يشركون وأقواما يدينون ~~بالتوراة والإنجيل ويختلفون في مذاهب الربوبية والعبادة، وكانت دعوته للناس كافة من أبناء ~~العصر الذي نزل فيه وأبناء سائر العصور، ومن أمة العرب وسائر الأمم، فلزم فيه تمحيص القول ~~في الربوبية عند كل خطاب، وقامت دعوته كلها على تحكيم العقل في التفرقة بين عبادة وعبادة ~~وبين الإله «الأحد» وتلك الآلهة التي كانت تعبد يومئذ بغير برهان. # كان فيمن خاطبهم القرآن أناس ينكرون وجود الله # وقالوا ما هي ~~إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر ~~وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون ~~. # وكان فيهم من يدينون للأوثان ولا يقبلون عبادة غير العبادة الوثنية كما توارثوها عن ~~الأجداد والآباء. # وكان فيهم من يشوبون الوحدانية بالوثنية ومن يختصمون على تأويل الكتب المنزلة كما ~~اختصمت طوائف اليهود وطوائف المسيحيين. # وكان يخاطب العقل ليقنع المخالفين بالحجة التي تقبلها العقول الإنسانية، فجاء بكل برهان ~~من البراهين التي لخصناها في الفصل السابق، وجعل الهدى من الله ولكنه من طريق العقل ~~والإلهام بالصواب. # قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء ~~، # قل إن الهدى هدى الله ~~، # وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس ~~على الذين لا يعقلون ~~، # فمن يرد الله أن ~~يهديه يشرح صدره للإسلام ~~. # وآيات الله مكشوفة لمن يريدها ويستقيم إلى مغزاها، ولكنها هي وحدها لا تقنع من لا يريد ~~ولا يستقيم: # ولو فتحنا عليهم بابا من السماء ~~فظلوا فيه يعرجون * لقالوا إنما سكرت ~~أبصارنا بل نحن قوم مسحورون ~~. # فحتى العيان لا يكفي لإقناع من صرف عقله عن سبيل ms197 الإقناع؛ لأنه يتهم بصره وسمعه فيما رأى ~~بعينيه وسمع بأذنيه، وكل شيء في الأرض والسماء كاف لمن جرد عقله من أسباب الإنكار ~~والإصرار. # ومن آياته خلق السماوات والأرض ~~واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات ~~للعالمين ~~. # ألم نجعل الأرض مهادا * ~~والجبال أوتادا * وخلقناكم أزواجا * وجعلنا نومكم سباتا * وجعلنا ~~الليل لباسا * وجعلنا النهار معاشا * وبنينا فوقكم سبعا شدادا * ~~وجعلنا سراجا وهاجا * وأنزلنا من ~~المعصرات ماء ثجاجا * لنخرج به حبا ~~ونباتا * وجنات ألفافا ~~. # وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من ~~أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء ~~واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ~~ذلك لآيات لقوم يعقلون ~~. # وأنبتنا فيها من كل زوج ~~بهيج ~~. # وأنه خلق الزوجين الذكر ~~والأنثى ~~. # وما خلق الذكر والأنثى ~~. # فاطر السماوات والأرض جعل لكم من ~~أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه ~~ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ~~. # ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا ~~أنتم بشر تنتشرون ~~. # ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم ~~أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ~~. # قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن ~~يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ~~ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله ~~. # والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا ~~تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ~~ لعلكم تشكرون ~~. # قل أغير الله أتخذ وليا فاطر ~~السماوات والأرض وهو يطعم ولا يطعم ~~. # ليس كمثله شيء ~~. # ولله المثل الأعلى ~~. # وفوق كل ذي علم عليم ~~. # يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا ~~يحيطون به علما ~~. # وليست هذه جميع الآيات التي وردت في القرآن الكريم بإقامة البرهان على وجود الله، ولكنها ~~أمثلة منها تجمع أنواعها، ونرى منها أنها قد أحاطت بأهم البراهين التي استدل بها الحكماء ~~على وجوده: وهي براهين الخلق والإبداع وبراهين القصد والنظام، وبراهين الكمال والاستعلاء ~~والمثل الأعلى. # ومما يستوقف النظر أن البراهين التي جاء بها القرآن الكريم وخصها بالتوكيد والتقرير هي ~~أقوى البراهين إقناعا وأحراها أن تبطل القول ms198 بقيام الكون على المادة العمياء دون غيرها، ~~ونعني بها؛ «أولا»: برهان ظهور الحياة في المادة # يخرج الحي ~~من الميت ~~، # وجعل لكم السمع ~~والأبصار والأفئدة ~~«وثانيا»: برهان التناسل بين الأحياء لدوام ~~بقاء الحياة # جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن ~~الأنعام أزواجا ~~، # وأنبتنا فيها من كل ~~زوج بهيج ~~. # فلم يحاول الماديون قط أن يفسروا ظهور الحياة في المادة الصماء إلا وقفوا عند تفسير ~~الحاصل بالحاصل، أو تخبطوا في ضروب من الرجم بالغيب لا يقوم عليها دليل، وهم إنما يهربون من ~~الإيمان بوجود الله لأنهم لا يصدقون بالغيب ولا يعتمدون غير المشاهدة وما هو في حكمها من ~~دليل ملموس. # فمنهم من يفسر ظهور الحياة في المادة بأن المادة فيها طبيعة الحياة بعد التركيب والتناسق، ~~وليس في هذا القول تفسير، بل هو بمثابة تفسير الواقع المحسوس بالواقع المحسوس. # وبعض العلماء كاللورد كلفن يرجح أن جراثيم الحياة قد انتقلت إلى الكرة الأرضية على نيزك ~~من تلك النيازك الهائمة في الفضاء، ولكنه لا يستغني بهذا التفسير عن تعليل ظهور الحياة حيث ~~انتقلت من موضعها إلى الكرة الأرضية، ولا يرى أن الحياة من نتاج المادة الصماء. # ولا يسع العقل في أمر ظهور الحياة إلا أن يأخذ بأحد قولين! فإما أنها خاصة من خواص المادة ~~ملازمة لها فلا حاجة بها إلى خالق مريد، وإما أنها من صنع خالق مريد يعلم ما أراد. # فإذا كان هذا العالم كله مادة ولا شيء غير المادة، لزم من ذلك أن المادة أزلية أبدية ~~لا أول لها ولا آخر، وأنها موجودة منذ الأزل بكامل قواها وجملة خصائصها، وأن خصائصها ملازمة ~~لها حيث كانت بغير تفرقة بين المادة في هذا المكان من الفضاء، والمادة في غير ذلك ~~المكان. # ولا معنى إذن لظهور الحياة في كوكب دون كوكب، وفي زمان دون زمان، ولا معنى لأن تظل خصائص ~~الحياة بلا عمل ملايين الملايين من السنين، بل فوق ملايين الملايين من حساب السنين، ثم تظهر ~~بعد ذلك في زمان يحسب تاريخه بالآلاف، ولا يقاس إلى الأزل الذي ms199 لا يدخل في حساب. # والمسألة هنا مسألة اضطرار لا اختيار فيه، فلو كانت إرادة مريد لجاز تقدير زمن دون زمن ~~وكوكب دون كوكب؛ لأن التقدير طبيعة الاختيار والإرادة، ولكنها خصائص ضرورية لا تملك ~~الاحتجاب من أزل الآزال قبل أن تظهر على الكرة الأرضية أو غيرها من الكواكب في هذا الأمد ~~المحصور من الدهور، فأين كانت خصائص التركيب منذ أزل الآزال؟ ولماذا يكون التركيب محتاجا ~~إلى زمان إذا كان من طبيعة المادة وكانت طبيعة المادة ملازمة لها منذ وجد لها وجود؟ ولماذا ~~يحتاج التركيب إلى هذا المقدار من الزمان بعينه ولا يتم في غير جزء من المادة وفي غير مكان ~~محدود من الفضاء؟ إن المسألة ليست مسألة ألف سنة ولا عشرة آلاف سنة ولا مليون سنة ولا عشرة ~~ملايين ولا ألف مليون ولا ملايين الملايين من السنين، ولكنها مسألة «أبد» لا يحصى من بداية ~~العالم وليست له بداية تقف عندها العقول، فلماذا تأجلت خصائص التوزيع والتركيب في أجزاء ~~الفضاء وآماد الزمان؟ ولماذا جاءت الحياة مصادفة ثم دامت هذه المصادفة بكل ما يلزم لدوامها ~~من تدبير، وليس للمادة الصماء تدبير؟ # على العقل أن يبدي أسبابه لترجيح القول بهذه الفروض على القول بظهور الحياة من صنع خالق ~~مريد، ولا نعرف أسبابا لترجيح الفرض العسير على الفرض اليسير. # والفرض اليسير هو الفرض الآخر: وهو أن الحياة قد ظهرت من صنع خالق مريد، وإننا إذا فاتنا ~~أن نعلم مقاصده كلها أو بعضها - فليس في ذلك ما يأباه العقل أو ينفيه؛ لأن الخالق المريد هو ~~الذي يعلم مراده كله، ولا يلزم من ذلك أن يعلمه كل عقل ويحيط به كل عاقل، فنحن لا نستطيع أن ~~نقول: إن قوانين المادة العمياء قد اختارت لظهور الحياة هذا الزمان وهذا المكان، ولا نستطيع ~~أن نقول: إن قوانين المادة في شأن الحياة لا تسري إلا بعد ملايين الملايين من الدهور منذ ~~أزل الآزلين، ولكننا نستطيع أن نقول: إن اختيار الزمان والمكان من فعل مختار مريد، وإنه هو ~~الذي يعلم ما ms200 قد اختار وما قد أراد، ولسنا بعد هذا محتاجين إلى التساؤل عن اختيار الزمان ~~والمكان لظهور الحياة؛ لأنه - مع وجود الخالق المريد - لا تكون الحياة الحيوانية أو الحياة ~~الإنسانية هي أول نشأة للحياة الكونية في الزمان كله والمكان كله، وإنما هي ظاهرة من ظواهر ~~الحياة الكونية لا عجب أن يكون لها وقت محدود وحيز محدود. # فإخراج الحياة من المادة الصماء - أو إخراج الحي من الميت - معجزة حقيقة بتوكيد القرآن ~~الكريم وتقريره وتعجيب العقول من خفاء دلالتها على من تخفى عليه؛ فإن المادة قد تنتظم في ~~أفلاك ومدارات وبروج؛ لأن الانتظام حالة من الحالات التي تقع للمادة ولا تضطر العقل إلى ~~افتراض قوة من خارجها، أما أن تنشئ المادة لنفسها أسماعا وأبصارا وأفئدة فليست هذه من ~~حالاتها التي يقبلها العقل بغير تفسير، وكل ما قيل في نفي العجب عن تركيب الجسم الحي - أنه ~~لا عجب فيه؛ لأننا نرى الآلات المادية تعمل بنظام وتوزع العمل فيها لمقصد معلوم، ولكن العجب ~~كل العجب في هذا التشابه بين الآلات والأجسام الحية؛ لأن الآلات لا تنشأ بغير صانع مريد، ~~ولا يغنينا تعليل أعمالها بقوانين الحرارة والحركة عن تجاوز القوانين إلى إرادة المهندس ~~المسخر لهذه القوانين. # وقد كان الناس ينظرون بالعين المجردة إلى أعضاء الجسم الحي فيعجبون وسعهم من العجب لدقتها ~~وتساند أجزائها وتعاون وظائفها وسريان عوامل النمو فيها بمقاديره الضرورية على حسب السن ~~والنوع والفصيلة، سواء في جسم الإنسان أو جسم الحيوان أو جسم الحشرة أو جسم النبات، فأحرى ~~بهم أن يعجبوا أضعاف ذلك العجب بعد أن عرفوا بالمجاهر والتحليلات مم تتألف تلك الأعضاء، ~~وعلى أي نحو تتساند تلك الوظائف، وتبين لهم أن هذه الأعضاء البارزة للعيان مجموعة من ذرات ~~لا ترى الألوف منها بالعين المجردة، وأن كل ذرة منها تقع في موقعها من الجسم وتعاون بقية ~~الذرات فيه كأنها على علم بها وبما تطلبه منها، ولا تضل واحدة منها عن طريق لمرض أو عجز طرأ ~~عليها إلا تكفل سائرها بإصلاح خطئها وتقويم ضلالها. # قال ms201 الأستاذ ليثز # Leathes # في خطاب الرئاسة السنوي بقسم ~~الفزيولوجي من جامعة أكسفورد عام 1936 ما فحواه أن كل خلية من البروتين تتألف من سلسلة فيها ~~بضع مئات من الحلقات، وأن كل حلقة منها هي تركيبة من ذرات قوامها حمض من الأحماض ~~النوشادرية، وهي أحماض يبلغ المعروف منها نحو العشرين، ويجوز أن يقع كل منها موقعه على ~~اختلاف في النسبة والترتيب، ولكننا لا نراها في بعض الأنسجة إلا على ترتيب واحد ونسبة واحدة ~~بغير شذوذ ولا اختلاف. # فهل نستطيع أن نتخيل مبلغ الدقة في هذه الإصابة بين احتمالات الخطأ التي لا تحصيها ~~أرقامنا المألوفة؟ # يكفي لتقريب هذه الدقة من الخيال أن نذكر أن الحروف الأبجدية في لغات البشر كافة لا ~~تتجاوز الثلاثين، ويتألف من تراكيبها المتغيرة كل ما تلفظ به الأمم من الكلمات والعبارات، ~~فإذا كانت خلية البروتين في حجمها الخفي قابلة لأضعاف ذلك التكرار ثم لا نشاهد فيها إلا ~~كلمة واحدة في ترتيب واحد لا يتغير فقد عرفنا على التقريب معنى تلك الإصابة في التوفيق ~~والتركيب. # يقول الأستاذ ليثز لتقريب هذا الخيال: إن الضوء يصل من طرف المجرة إلى الطرف الآخر في ~~ثلاثمائة ألف سنة، فإذا أردنا أن نشبه إصابة الخلية في تركيبها بمثل مفهوم - فهذه الإصابة ~~تضارع إصابة الرصاصة التي تنطلق من الأرض فتصيب هدفا في نهر المجرة بحجم عين الثور ولا ~~تخطئه مرة من المرات، وهذا على فرض أن حلقات الخلية خمسون فقط وليست بضع مئات! # لقد بطل معنى القصد في لغة العقل إن كان هذا كله مصادفة لا تستلزم الخلق والتدبير. # ونحن مع هذا لا نبلغ غاية التعجب من هذا التركيب المحكم المصيب؛ لأن الجسم الحي الذي ~~تتكرر فيه هذه المعجزات كل لحظة من لحظاته لا تزال فيه بقية للعجب لعلها أعجب من كل ما ~~تخيلناه، وهي أن هذه الذرات الخفية تتجمع وتتفرق وتلتئم وتنفصل على نحو يضمن لها التجدد أو ~~يضمن الدوام للحياة، فيتألف كل حي من جنسين، وتخرج من كل منهما خلية واحدة يتكون منهما ms202 حي ~~جديد، وتنقسم هاتان الخليتان تارة أزواجا وتارة فرادى على الوضع المطلوب في المرحلة ~~المطلوبة، ويتفق عددها في كل نوع من الأنواع الحية بغير زيادة ولا نقصان، وينطبع كل حيوان ~~على عادات وغرائز تسوقه إلى التناسل في موعده المقدور، فيبني العش قبل أن ينسل إن كان من ~~الطيور، ويفارق الماء الملح إلى مداخل الأنهار أو الخلجان قبل أن ينسل إن كان من سمك ~~البحار، ويمتلئ بالشوق إلى شريكه في التوليد قبل موعد التوليد على اختلاف الأنواع ~~والأجناس. # ونعود فنقول مرة أخرى: إن معنى القصد قد بطل في عقل الإنسان إن كان القول بالمصادفة هنا ~~أيسر من القول بالخلق والتدبير. # فالقرآن الكريم قد خاطب الأحياء بلغة الحياة، وخاطب العقلاء بلغة العقل، حين كرر برهان ~~الحياة وبرهان النسل في إثبات وجود الخالق الحكيم. # وبرهانه على وحدة هذا الخالق يضارع برهان الحياة وبرهان النسل على وجوده وحكمته ~~وتدبيره. # لو كان فيهما آلهة إلا الله ~~لفسدتا ~~. # ولن يقوم على ثبوت الوحدانية برهان أقوى من هذا البرهان، وهو برهان التمانع كما يسميه ~~المتكلمون والباحثون في التوحيد. # وقد اختلفوا فيه ولكنه اختلاف لا موجب له مع فهم البرهان على معناه الصحيح الذي لا ينبغي ~~أن يطول الجدل عليه. # فالإمام التفتازاني يقول إنه برهان إقناعي أو برهان خطابي، لجواز الاتفاق بين الإلهين أو ~~بين الآلهة، وأن العقل لا يستلزم الخلاف. # والإمامان أبو المعين النسفي وعبد اللطيف الكرماني ينحيان عليه أشد الإنحاء ويقذفانه ~~بالكفر؛ لأن الاستدلال ببرهان إقناعي «يستلزم أن يعلم الله سبحانه ~~ورسوله # صلى الله عليه وسلم # ما لا يتم الاستدلال به على المشركين، فيلزم أحد الأمرين إما الجهل وإما السفه، وتعالى الله عن ~~ذلك علوا كبيرا.» # والإمام محمد البخاري تلميذ التفتازاني يدفع التهمة عن أستاذه بأن الأدلة على وجود الصانع ~~تختلف بحسب إدراك العقول، والتكليف بالتوحيد يشمل العامة وهم قاصرون على إدراك الأدلة ~~القطعية البرهانية، ولا يجدي معهم إلا الأدلة الخطابية العادية. # وقال الرازي: إن الفساد ممكن إذا تعددت الآلهة، وقد أجرى الله الممكن مجرى الواقع ms203 بناء ~~على الظاهر. # وقال الإمام نور الدين الصابوني فيما رواه عنه صاحب سفينة الراغب: «لو ثبتت الموافقة ~~بينهما - بين الإلهين - فهي إما ضرورية فيلزم عجزهما واضطرارهما، أو اختيارية ويمكن تقدير ~~الخلاف بينهما فيتحقق الإلزام.» # وأحسن الإمام إسماعيل الكلنبوي حيث قال في حاشيته على شرح الجلال: «لا يخلو إما أن يكون ~~قدرة كل واحد منهما وإرادته كافية في وجود العالم، أو لا شيء منهما كاف، أو أحدهما كاف ~~فقط، وعلى الأول يلزم اجتماع المؤثرين التامين على معلول واحد وهو محال، وعلى الثاني يلزم ~~عجزهما لأنهما لا يمكن لهما التأثير إلا باشتراك الآخر، وعلى الثالث لا يكون الآخر خالقا ~~فلا يكون إلها.» # وصواب الأمر أن وجود إلهين سرمديين مستحيل، وأن بلوغ الكمال المطلق في صفة من الصفات يمنع ~~بلوغ كمال مطلق آخر في تلك الصفة، وأن الاثنينية تتحقق في موجودين كلاهما يطابق الآخر ولا ~~يتمايز منه في شيء من الأشياء، وكلاهما بلا بداية ولا نهاية ولا حدود ولا فروق، وكلاهما ~~يريد ما يريده، ويقدر ما يقدره ويعمل ما يعمله في كل حال وفي كل صغير وكبير، فهذان وجود ~~واحد وليسا بوجودين، فإذا كانا اثنين لم يكونا إلا متمايزين متغايرين، فلا ينتظم على هذا ~~التمايز والتغاير نظام واحد، وإذا كانا هما كاملين فالمخلوقات ناقصة ولا يكون تدبير المخلوق ~~الناقص على وجه واحد بل على وجوه. # وعلى هذا فبرهان القرآن الكريم على الوحدانية برهان قاطع وليس ببرهان خطاب أو ~~إقناع. # وشأن القرآن في عالم الدين والعقيدة معروف، وهذا شأنه في عالم الحكمة الإلهية إذ يتناول ~~وجود الله ووحدانية الله. # | آراء الفلاسفة المعاصرين في الحقيقة الإلهية # كان الأقدمون يقولون بالإله «المقيد» لأنهم يؤمنون بتعدد الآلهة أو بوجود إلهين اثنين ~~يتناظران ويتغالبان، وهما إله الخير وإله الشر، أو إله النور وإله الظلام. # ولما شاع الإيمان بالتوحيد بطل القول بالإله المقيد؛ لأن الإله الواحد لا يحده شيء ولا ~~تحيط به القيود والنهايات، وكل ما قبلته العقول الفلسفية في حقه أن قدرته جل وعلا لا تتعلق ~~بالمستحيل، ولم ms204 يقبل بعض المتكلمين حتى هذا القول؛ لأنهم رأوا أن الاستحالة نوع من التقييد ~~الذي تتنزه عنه قدرة الله. # ثم عرف الناس أن الأرض كرة سيارة تدور في الفضاء كما يدور غيرها من السيارات. # وعرفوا مذهب النشوء والتطور، فقال لهم دعاته إن الإنسان حي كسائر الأحياء التي نشأت على ~~الأرض وتحولت بها أحوال البيئة من طور إلى طور ومن طبقة إلى طبقة في مراتب ~~المخلوقات. # فتواتر القول بما كان لهذين الكشفين من الأثر الخطير في نظرة الإنسان إلى الكون، ونظرته ~~إلى نفسه، ونظرته إلى حقيقة الحياة. # كان يحسب أن الأرض مركز الوجود، وأنه هو مركز الأرض أو غاية الخلق كله في الأرضين ~~والسماوات. # وكان يحسب أنه شيء علوي تسخر له الأحياء الأرضية، ولا يحسب أنه فرع من فروع الشجرة التي ~~نبتت منها سائر الفروع. # فتغير نظره إلى الكون ونظره إلى نفسه. # ولكن هل تغير نظره إلى الله؟ # لم يكن ذلك حتما لزاما من نتائج العلم بدوران الأرض أو العلم بمذهب النشوء والارتقاء، ~~لأنهما خليقان أن يحدا من قدر الإنسان ولكنهما لا يحدان من قدرة الله. # وغاية ما هنالك أن هذين الكشفين قد زعزعا عقائد أناس من المتدينين الذين أخطأوا فهم ~~الدين، فحسبوا أن الدين يفرض عليهم الإيمان بدوران الشمس حول الأرض وانقطاع العلاقة الجسدية ~~بين الإنسان وسائر المخلوقات. أما الذين تعقلوا هذين الكشفين فلم يغيروا إيمانهم بالله، بل ~~وجدوا فيهما دليلا جديدا على اتساع الكون وانتظام قدرة الله في خلقه من أهون الأشياء إلى ~~أرفع الأحياء. # فمن أين إذن جاءت هذه النزعة الحديثة في بعض الفلسفات العصرية التي تؤمن بوجود الله ~~ولكنها تقيده بقوانينه أو تقيده بنواميس المادة والقوة؟ أو تفرط في هذه الوجهة فتزعم أنه من ~~ثمرات التطور في الكون الشامل، أو أنه عنصر من عناصره التي تضبطه أحيانا وتنضبط به في كل ~~حين؟ # ليس ذلك من إيحاء مذهب النشوء والارتقاء ولا هو من إيحاء القول بدوران الأرض في الفضاء ~~كما جاء في بعض الآراء، ولكنه من نتائج الأطوار الاجتماعية ms205 وليس من نتائج الكشوف الفلكية أو ~~العلمية، وأشبه الأطوار الاجتماعية بإيحاء هذا المعنى هو طور «الحكومة المقيدة» في السياسة ~~الأرضية، فإن الملك المقيد بقوانينه ومشيئة شعبه ومقتضيات ملكه هو أحدث الأفكار العصرية في ~~أطوار الاجتماع، وليست النقلة بعيدة بين تقييد الحاكم في الأرض وتقييد الحاكم في جميع ~~الأكوان. # وربما كانت هذه النقلة غريبة في بعض الأمم الشرقية التي تعودت أن تدين ملوكها بكتابها ~~السماوي في شئون المعاش وشئون المعاد على السواء، ولكن الكتب الدينية التي آمن بها الملوك ~~الغربيون لم تتعرض للشئون المعاشية وتركتهم مطلقين في وضع الشرائع لهذه الشئون، فلما سهل ~~على الأذهان عندهم أن تتصور الحاكم المطلق مقيدا بعد انطلاقه الطويل في سياسة الشعوب لم ~~يصعب عليها أن تقبل القيود لكل حكم مطلق لم تكن له قيود. # لقد كان الإنسان يؤمن بأنه مركز الوجود، ولكنه كان يخضع للملوك المطلقين، فلم يكن في وسعه ~~أن يتخيل كيف يجوز الحساب أو التقييد على ملك الملوك في جميع الأرضين والسماوات. # ثم عرف أن الأرض ليست بمركز الوجود، وأنه هو فرع من فروع شجرة الحياة، فكان خليقا بهذه ~~المعرفة أن تزيده خضوعا على خضوع وأن ترضيه من الأقدار الإلهية بكل ما تفرضه عليه، ولكنه ~~صغر من جانب وكبر من جانب: صغر في الكون وكبر في حياته السياسية، وراح يحاسب الحاكمين الذين ~~كانوا مطلقين، وتعود أن يشاركهم في القوانين وقد كانوا وحدهم مصدر القوانين، فليس بالمستغرب ~~في هذه البيئة الاجتماعية أن تنشأ بينها عقول تسيغ السلطان المقيد في الكون كله، وحيثما قام ~~قائم بالتصريف والتدبير، وقد ساغ لها فهم «التقييد» حيث لم يكن قبل ذلك سائغا في الواقع ~~ولا في التفكير. # وليس من محض المصادفات فيما نعتقد أن تبدأ هذه النزعة الفلسفية في البلاد الإنجليزية التي ~~يقال عنها إن وظيفة الملك فيها وظيفة اسمية، وإن حامل التاج هناك لا يتعرض لسياسة حكومته ~~إلا بمقدار ما يدعوه رعاياه. # وليس من محض المصادفات كذلك أن يكون البادئ بها هو جون ستيوارت مل صاحب المراجع المعتمدة ms206 ~~في مباحث الحكومة النيابية ومباحث الحرية والدستور، وصاحب الوظيفة التي تخلى عنها في شركة ~~الهند الشرقية، حين آلت إدارتها إلى سيطرة الحكومة البريطانية. # وقد ولد جون ستيوارت مل في أوائل القرن التاسع عشر 1806-1873 واقترنت حياته كلها بأنشط ~~الأطوار في الرقابة البرلمانية وحركات التوسع في حقوق الانتخاب، فنظر في حكومة الكون وعينه ~~لا تتحول عن حكومة الأرض وعلاقة المحكومين فيها بالحاكمين. # ولم يكن جون ستيوارت مل من الفلاسفة الإلهيين ولا من المعنيين كثيرا بما وراء الطبيعة ~~أو حقائق الأديان، وقد أنكر أبوه جميع عقائده الدينية في أخريات حياته ولم يكن في مبدأ ~~حياته من ذوي التدين والاعتقاد، فلا جرم ينظر ابنه إلى إله الكون ومدبر العالم فلا يستكبر ~~عليه قيود المادة والنواميس. # وإنما عرفت فلسفة مل في الدين من رسائله الثلاث التي كتبها عن «الديانة» ولم ينشرها في ~~حياته، ولكنه أودعها صفوة آرائه في هذا الموضوع، ولعله قد أودعها كلمته الأخيرة فيه. # فالرسالة الأولى عنوانها الطبيعة، وخلاصتها أن «سلوك الطبيعة» ليس بالسلوك الذي يجتذبه ~~الإنسان في طلب الكمال، وأن الإنسان خليق أن يروضها ويقودها لا أن يتخذها قدوة له في آدابه ~~ومعاملاته، ومن ثم لا يرى أنها من خلق إله رحيم قادر على كل شيء؛ لأنها قد أفعمت بالقسوة ~~والألم والعذاب، وقلما يظفر الإنسان منها بخير أو بركة غير ما يحصله هو بالسعي الحثيث ~~والجهد الشديد. # والرسالة الثانية عنوانها فائدة الديانة، وخلاصتها أن الديانات قد أفادت قديما في تعليم ~~الإنسان مكارم الأخلاق ومحاسن العادات، وكانت هي المرجع الوحيد الذي كان يرجع إليه في ~~التفرقة بين الحسن والقبيح والمباح والمحظور، ولكنها قيدت عقله بأحكامها وفروضها فأعجزته عن ~~التفكير في مضامينها والتخلص من عيوبها، وعنده أن العقائد الإنسانية كافية في تهذيب الناس ~~وقيادتهم بعد زوال العقائد التي تقوم على ما وراء الطبيعة، لولا مزية لهذه العقائد لا توجد ~~في العقائد الإنسانية، وهي تعزية النفس برحمة الله ودوام الحياة في العالم الآخر، ولا مانع ~~عقلا ولا علما في رأي مل أن يصح وعد ms207 الديانات بالحياة بعد الموت. # والرسالة الثالثة عن «الربوبية» وفيها يعترف الفيلسوف بنظام الكون ولا يستريح إلى تفسير ~~ظواهر الحياة بمذهب النشوء والارتقاء، إلا أنه يعود فيقول: إن هذا النظام لا يثبت وجود ~~الإله القادر على كل شيء، ولا يلزم منه أن مدبر الكون إله مطلق القوة والكمال؛ لأن الدنيا ~~على ما فيها من النظام لا تخلو من الآفات والشرور التي لا يرتضيها إله وهو قادر على ~~تبديلها، فالله موجود مريد لخير المخلوقات وسعادتها ولكنه محدود القدرة والإرادة، منصرف ~~العناية إلى أمور كثيرة غير أمور الناس ودائب على تذليل المادة والقوة وتطويعها لما ~~يرتضيه. ~~••• # كانت هذه الآراء مقدمة لظهور القول بالإلهية المقيدة في العصر الحديث، وكانت في آراء جون ~~ستيوارت مل نواة أخرى لظهور هذا المذهب على اختلاف شروحه؛ لأنه كان يقول بالكيمياء العقلية ~~ويعني بها أن امتزاج الأفكار تنشأ عنه أطوار فكرية جديدة لم تكن بينة في الأفكار المتعددة ~~قبل امتزاجها، كأنها العناصر المادية التي يمتزج بعضها ببعض فتنبثق منها مادة جديدة لم تكن ~~بينة في عناصرها الأولى - وأشهر الأمثلة على ذلك تولد الماء من الهيدروجين والأكسجين، ~~وكلاهما مخالف للماء في خصائصه ومزاياه. # وشاعت في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين صيغ القول بالنشوء والارتقاء، ثم ~~شاعت على أثره فلسفة النسبية التي قررها أينشتين وقرر فيها أن الفضاء رباعي الأبعاد وأن ~~البعد الرابع هو الزمان، فلا يتأتى قياس حركة من الحركات بالطول والعرض والعمق وحدها دون ~~أن نضيف إليها الزمان وهو البعد الرابع المتمم لهذه الأبعاد. # فآراء جون ستيوارت مل كانت نواة للفلسفة الإلهية الحديثة في البلاد الإنجليزية، وساعدتها ~~الآراء التي تتابعت على أثرها واحدة بعد الأخرى، فلم يكد يظهر من الفلاسفة الإنجليز في ~~القرن العشرين فيلسوف واحد يخلو مذهبه من آثار هذه الآراء متجمعات أو متفرقات. # وفي وسعنا أن نطلق عنوانا واحدا على هذه المذاهب في جملتها؛ لأنها تقوم على أساس واحد ~~وإن تنوعت في التخريج والاتجاه، فهي كلها صالحة لأن تسمى باسم «التطور الانبثاقي» أو ~~«التركيب المنتخب» ms208 على حد سواء، ويتضح معنى هذه التسمية من تلخيص المذهب كله فيما يتصل ~~بموضوع هذا الكتاب. # ومن المتعذر مع هذا أن نلخص المذهب كله كما شرحه جميع الكاتبين فيه، فقد خاض في شرحه ~~وتخريجه طائفة من الفلاسفة يتجاوزون العشرين، ونحا كل منهم منحى يعارض به زميله في لباب ~~المذهب أو قشوره، فليس من المفيد في مقصدنا هذا أن نحيط بجميع هذه الفوارق والمعارضات، ~~ولكننا نجتزئ بأكبر هذه الشروح وأبرزها وأدلها على الغاية من جملة تلك الأقوال، ولعلنا نخرج ~~منها بالخلاصة الكافية إذا اقتصرنا على شروح ثلاثة من أساطينه وهم مورجان والإسكندر وسمطس، ~~وهم نخبة القائلين بالتركيب والانبثاق. ~~••• # ولد لويد مورجان # Lioyd Morgan # في سنة 1852 وتعلم ~~هندسة المناجم وعلم طبقات الأرض، ثم حضر دروس البيولوجية على العلامة توماس هكسلي، ووعى في ~~صباه مختارات جيدة من الشعراء المحدثين والأقدمين، وحثه أستاذه وهو في أثناء فترة التمرين ~~على مطالعة الفيلسوفين بركلي وهيوم، فقرأهما كما قرأ فلسفة ديكارت وسبنوزا وليبنتز، وزاول ~~التدريس في شعاب شتى من الثقافة العصرية بينها من التفاوت ما يدل على سعة الأفق وغزارة ~~الاطلاع، ومنها العلوم الطبيعية والتاريخ الدستوري وآداب اللغة الإنجليزية وعلم طبقات الأرض ~~وعلم الحيوان، وكان أول تدريسه في أفريقية الجنوبية، ثم عاد إلى إنجلترا فأسندت إليه مهمة ~~التدريس في كلية بريستول فترقى فيها إلى منصب العمادة خلال سنوات معدودات. # وكان مذهبه في مبدأ الأمر تعديلا لمذهب هربرت سبنسر الذي يقول بأن الارتقاء في عالم ~~المادة العضوية وغير العضوية على السواء - هو انتقال من البساطة إلى التركيب ومن التشاكل ~~إلى التنويع، فكان من رأي مورجان أن الانتقال من البساطة إلى التركيب لا يكفي لتفسير ظهور ~~الحياة ما لم يكن في التركيب شيء جديد، وقال بأن التركيب يخلق الشيء الجديد على النحو الذي ~~قدمناه في تولد الماء من الهيدروجين والأكسجين، وقال كذلك باستقرار الخصائص النفسية أو ~~الحيوية في المادة من أقدم الأزمان، وإنما يتوالى التركيب فتبرز الخصائص النفسية بعد أن ~~كانت مكنونة في حالة التفرد والبساطة، ومثل الأشياء ms209 في ذلك كمثل الهرم الذي يتسع من أسفله ~~ويتحدد في أعلاه، فالمادة هي قاعدته السفلى والعقل هو قمته العليا، وكل طبقة فيه تعلو على ~~طبقة تحتها فإنما تعلو ببروز الخصائص النفسية بعد الخفاء. # ودرجات الارتقاء عنده هي المادة في صورتها البسيطة المفردة، ثم المادة في أخلاطها ~~الطبيعية الكمية، ثم الحياة، ثم العقل، وهو أرقى ما وصلت إليه الموجودات، ولكنه طبقة جديدة ~~من خاصة قديمة مستكنة في أبسط الموجودات، ففي وسعك أن تقول عقل الذرة وعقل الجماد ~~وعقل الشجرة؛ لأنها جميعا لا تخلو من عنصر العقل إما على حالة من النزارة التي تكفيها في ~~كيانها، وإما على حالة الاستقرار والاستكنان إلى أن تبرز البروز المعهود في عقل ~~الإنسان. # ومجمل القول في الاتصال بين العقل والمادة أنهما يتطوران معا ولا يتطور أحدهما من الآخر، ~~ولكنهما متلازمان لا ينفصلان فلا عقل بلا مادة ولا مادة بلا عقل في شيء من الأشياء. # وكان مورجان يسمي مذهبه هذا «بمذهب التركيب المنتخب» أي التركيب الذي ينتقي من المركبات ~~صفوة بعد صفوة من خصائص الوجود # Selective Synthesis # ثم قبل ~~اسم «التطور الانبثاقي» # Emergent Evolution # لأنه أيسر على ~~الأفواه وأقرب إلى الأذهان. # ولا فرق بين مورجان وزملائه «الانبثاقيين» في اعتبار العقل والحياة من خصائص المادة ~~المستكنة فيها من أزل الآزال، ولكنه يخالف أكثرهم في إثبات الإرادة الإلهية مع إثبات ~~الخصائص المادية، فيسأل غير مرة: وما الذي يخرج هذه الأطوار بعضها من بعض على هذا الترتيب ~~العجيب؟ ويجيب غير مرة: إنه تدبير الإله أو توجيه الإله، فليست قوانين التركيب والانتقاء ~~عنده بمغنية عن العناية الإلهية في نهاية المطاف. ~~••• # أما ثاني الفلاسفة الثلاثة الذين يجمعون شتات المذهب فهو الأستاذ صمويل الإسكندر وقد أصبح ~~اسم الإسكندر وحده علما عليه. # وهو من أبناء أستراليا، ولد في مدينة سدني 1855، وتخرج من جامعة ملبورن ثم من جامعة ~~أكسفورد، حيث اشتهر بالألمعية والذكاء وأحرز كثيرا من الجوائز والمكافآت، وكانت الدعوة ~~الفلسفية الغالبة في عهد دراسته هي دعوة هيجل يتممها مذهب دارون وتفسيرات هكسلي وسبنسر، فهي ms210 ~~بهذه المثابة أقرب إلى الواقعية منها إلى المثالية التي اشتهر بها هيجل في عصره، ولهذا ~~يعتبر الإسكندر من أساطين الواقعيين. # وهذا الفيلسوف هو أوسع أنصار الفلسفة «الانبثاقية» نطاقا في شروحه وتعليقاته وأبعدهم ~~أمدا في نتائجه وأشدهم تطوحا في مزاعمه؛ لأنه يشمل الإله بأحكام مذهب التطور المنبثق، ~~ويقول: إنه ثمرة من ثمراته هي الثمرة التالية لظهور «العقل» في الوجود، أو هي الثمرة ~~التالية أبدا لأرفع الثمرات التي يترقى إليها التطور والإنبثاق، فكل ما وصلت المادة إلى ~~طبقة من طبقات الارتفاع كانت الفكرة الإلهية هي الفكرة التالية لها أبدا بغير ~~انتهاء. # فالإسكندر يجمع بين مذهب التطور ومذهب «هيجل» إذ يقول هيجل بأن الله هو «الوجود المطلق» ~~الذي يتمثل في حدود الوجود المشهود، وأن العقل الإنساني هو آخر مثال وصل إليه الوجود في هذا ~~التجلي الإلهي، فهو أرفع مثال. # وعند الإسكندر أن المادة ومظاهرها جميعا قد صدرت من مصدر واحد وهو الكون المؤلف من ~~المكان والزمان، فليس المكان فراغا إلا إذا انعزل من الزمان، وليس الزمان عدما إلا إذا ~~انعزل من المكان، ولكنهما إذا اجتمعا - وهما مجتمعان أبدا - نجمت الحركة، وهي أصل المادة ~~وأصل جميع الموجودات. # ولا شك أن مذهب أينشتين عن الزمان والمكان كان له أثر كبير في وقوع هذا الخاطر في روع ~~الفيلسوف، ولكن الأثر الأكبر ولا شك يرجع إلى مباحث العلوم الطبيعية في الحرارة والكهرباء، ~~ولا سيما المباحث التي قررت أن ذرات المادة تتحول إلى إشعاع، فإذا كان الإشعاع هو أصل ~~المادة وكان الإشعاع مجرد حركة فلا جرم يخطر للفيلسوف أن حدوث الحركة في الفضاء هو أصل ~~المادة في صورتها الأولى، وأن حدوث الحركة في الفضاء هو بعبارة أخرى اتصال الزمان والمكان، ~~لأن الزمان هو الحركة ووقع الحركة هو اتصالها بالمكان. # فإذا حدثت الحركة فذلك هو اتصال الزمان والمكان، وإذا وجدت الحركة وجد الإشعاع وتسلسلت ~~الأشياء المادية من هذا الإشعاع. # وهي تبدو على درجات، فأدنى طبقات المادة - بعد صدورها من الفضاء والزمان - هي المادة ذات ~~الخصائص الأولية وهي الحجم والشكل ms211 والعدد والحركة، ثم تعلوها طبقة الخصائص التي تترقى إلى ~~اللون والصوت والرائحة ودرجة الحرارة، أو بعبارة أخرى إن الخصائص الأولية تدرك بجميع ~~الحواس، وإن الخصائص التالية لها تحتاج إلى التخصيص فتدرك منها بإحدى الحواس، ولا تتم ~~الخاصة للشيء إلا مع اتصاله بشيء آخر، كما يتم اللون مع اتصال الشيء بالنور، ويتم الصوت مع ~~اتصال الشيء بالهواء، فلا بد له في هذه الحالة من بعض التركيب. # قال في كتابه المفصل «المكان والزمان والإله»: # ومن الناحية الأخرى إذا نحن استبدلنا كلمة النظام بكلمة المنظم لم نعد بذلك أن ~~نسمي هذه الحقيقة الواقعة: وهي أن العالم يجري على نسق يخرج منه النظام، وفي وسعنا ~~أن نسمي العالم الذي ندركه على هذا النحو «إلها»، وننسى - أو لعلنا بذلك نفسر - ~~ذلك السرف أو ذلك التلف المنطويين في ذلك الإجراء، ولكن بأي معنى من المعاني يصلح ~~إله كذلك الإله للعبادة؟ إنما يصلح للعبادة على معنى واحد، وهو أن نعود فندخل على ~~فكرة النظام التي هي وصف لبعض الوقائع المقررة فكرة المنظم المدبر، وهو الرأي الذي ~~سبقنا فأدحضناه. # والذي نرجو أن نصنعه هنا هو شيء أقرب إلى التواضع والاعتدال من ذاك وأدنى إلى ~~السياق العلمي المطرد في بعض المسائل الأخرى، فلا نحاول تعريف الله مباشرة، بل نسأل ~~أنفسنا: هل هناك محل في العالم للصفة الإلهية؟ ثم نمحص حقيقة ذلك الكائن الذي يتصف ~~بتلك الصفة، ونرجع إلى الحاسة الدينية لكي يطابق ذلك الكائن صفات الإله الذي هو أهل ~~للعبادة، فأين إذن محل الإله في مجرى الأشياء إن كان له محل على الإطلاق؟ # في هذه المادة الشاملة التي تتولد من الفضاء والزمان لا يزال الكون يعرض انبثاقا ~~بعد انبثاق لسلسلة من الكائنات المحدودة يتسم كل منها بخصائصه وصفاته، وأرفع هذه ~~الكائنات المعروفة لدينا هو العقل أو الواعية، فالإله هو الكائن الذي يعلو على أعلى ~~ما عرفناه. # ولما كان الزمان أبديا بغير انتهاء، وكان هو مصدر النماء والارتقاء، فليس في ~~استطاعتنا أن نتخيله واقفا عند إخراج تلك الكائنات المحدودة التي ms212 تتسم بسمة العقل ~~أو الواعية، ولا بد لنا من أن نرسل الفكر على الاتجاه الذي ترسمناه من تجارب ~~الانبثاق السابقة التي تمخضت عن الصفة الرفيعة، فإن في الزمان والفضاء باعثا يدفع ~~مخلوقاتهما إلى طبقة أرفع فأرفع كما دفع بها إلى الطبقة العاقلة أو الواعية، وليس ~~في العقل ما يدعونا إلى الوقوف عند حد من الحدود لنقول إنه هو الحد الأقصى لما يبثه ~~الزمان من الآن إلى أبد الآباد، بل يكرهنا الزمان نفسه على انتظار مولود آخر من ~~مواليده، ومن ثم يسوغ لنا أن نتتبع سلسلة الصفات ونتخيل تلك الكائنات المحدودة التي ~~سميناها بالملائكة وهي كائنات تستمتع بوجودها الملائكي ولكنها تتأمل العقل على نحو ~~يعجز العقل عنه كما نرى العقل يتأمل ما دونه من مراتب الحياة والموجودات السفلى، ~~وعلينا أن نسأل: كيف تكون العلاقة بين هذه الآلهة المحدودة المسماة بالملائكة وبين ~~الإله الذي ليست له حدود. # فالإله إذن هو الطبقة المثالية التي تعلو على طبقة العقل الواعية والتي يتمخض ~~الكون الآن ليخرجها من أطوائه، ونحن من وجهة الاستطراد الفكري على يقين من استجنان ~~هذه الصفة في الكون وتهيئه لولادتها، ولكن ما هي يا ترى تلك الصفة الموعودة؟ ~~إننا لا ندري؛ لأننا لا نقدر على التحلي بها ولا على تأملها، ولا تزال محاريبنا ~~الإنسانية معدة لاستقبال ذلك الإله المجهول، ولا سبيل لنا أن نعرف ما هو ولا كيف ~~تكون الإلهية وكيف يشعر الإله بوجوده إلا إذا أنعمنا بصفة الآلهة قبل ذاك. # إلى أن قال: فالإلهية صفة تتولى الصفات التي دونها من طبقة العقل الذي يقوم هو أيضا على ~~ما دونه من صفات وينبثق عن ما تبلغ الكائنات مبلغا مقدورا من التركيب والتنسيق. # ويمضي الفيلسوف في التقدير والتخمين فيقدر أن الإله الأعلى الذي ينبثق عنه العالم هو من ~~معدن الروح والعقل لأنهما الطريق التي تأدينا منها إليه، ولكنه يشارك الموجودات في خصائصها ~~الكونية كما يشترك الإنسان العاقل في خصائص المادة وخصائص سائر الأحياء على نحو من ~~الأنحاء. ~~••• # فالوجود على رأي هذا الفيلسوف درجات ms213 هي؛ «أولا»: وجود الزمان والمكان، و«ثانيا»: وجود ~~المادة التي لا كيفية لها غير الشكل والحكم والعدد وما لا يحتاج إلى علاقة بغيره ولا حاسة ~~مميزة لإدراكه، و«ثالثا»: وجود المادة التي تتكيف باللون والرائحة والصوت ويبلغ بها ~~التركيب مبلغ التميز بالحاسة التي تناسبها، و«رابعا»: وجود الحياة وتبدأ بالاستجابة الحسية ~~التي تشبه في ظاهرها استجابة بعض المواد - غير العضوية - لبعض المؤثرات، و«خامسا»: وجود ~~الحياة العاقلة الواعية، و«سادسا»: وجود الإله الذي يعلو ويعلو مع الزمان الأبدي السرمدي ~~بغير انتهاء. ~~••• # والرأي الذي يقول به المارشال كرستيان سمطس لا يطابق رأي الإسكندر في نتائجه القصوى ولا ~~في مبادئه الأولى، ولكنه يلتقي في عقيدة الانبثاق والتركيب، بل يجعل الكون كله «تركيبات ~~كاملة» تترقى في مراتب التركيب وتستجد لها صفة لم تكن معهودة فيها قبل ارتقائها من مرتبتها ~~إلى المرتبة التي تعلوها. # فليست مادة الكون شيئا واحدا متشابها متكررا على النحو الذي تخيله معظم الفلاسفة ~~والعلماء، وليست عناصرها فتاتا متماثلا يتأتى عزل كل فتاتة منه كأنها جزء لا فرق بينه ~~وبين سائر الأجزاء، ولكنه مجموعة من التراكيب التي تتماسك كل تركيبة منها كما تتماسك بنية ~~الأحياء، ولا انعزال بينها وبين ما حولها بل هي متأثرة به مؤثرة فيه، وكل جزء في التركيب ~~يأخذ من الكل ويأخذ الكل منه، ويجري في ذلك على سنة الأعضاء في الأجسام، ومن هنا جاء اسم ~~«الهولزم» # Holism # الذي يطلق على هذا المذهب لأنه تشتق منه ~~كلمة # Holo # اليونانية بمعنى «الكل» أو المجموع. # فالذرة تركيبة، والعناصر الأولية تركيبة، والأخلاط الكيمية تركيبة، وكل جماد أو نبات أو ~~ذي حياة تركيبة كاملة تلازمها صفات تناسب ذلك التركيب. # والحياة هي الصفة التي تناسب التركيبة العضوية، والعقل هو الصفة التي تناسب التركيبة ~~الإنسانية، وكلما ارتقت التركيبة نجمت فيها خاصة جديدة لم تكن في أجزائها المتفرقة، أو في ~~التركيبات التي هي أقل منها في طبقات الوجود. # يقول سمطس: «إن من طبيعة الكون أن يسعى إلى تحصيل «الكلية» والكمال والبركة، والهزيمة ~~الحقة للإنسان - وللطبقات الأخرى من الموجودات - هي في ms214 تلطيف الألم بالكف عن الجهاد، أو ~~الكف عن السعي في سبيل الخير والصلاح، وإن النزعة التركيبية التي تنبثق من أعمق أعماق ~~الكون كالفوارة الحية هي الضمان لنا بأننا لا نواجه الإخفاق والحبوط، وإن آمال الاستقامة ~~والحق والجمال والخير مستكنة في طبائع الأشياء ولن تنتزع أو تضيع، وقد اتفقت كلمات ~~الكلية والشفاء والقداسة # holiness, Wholeness, healing # في ~~مصدرها من اللغة وفي مصدرها من الواقع والتجربة، وهي قائمة في المرتقى الوعر من الكون تنال ~~حينا بعد حين وستنال مع الزمن منالا أصدق وأوفى، وهذا الارتقاء والاكتمال في الكليات داخل ~~الكل الأكبر هو السعي المطرد - وإن كان بطيئا - إلى هدف الكون الكلي في النهاية.» # أي أن الموجودات تستمد طبيعة التركيبة الكاملة من وجودها في الكون ثم يصبح الكون نفسه ~~مفتقرا إلى التركيب الكامل فلا يبلغه إلا من طريق التكامل والتراكب في تلك ~~الموجودات. # وقد شهد سمطس الحرب العالمية الأولى وهو يشتغل بإنضاج هذا المذهب في نفسه وفي ذهنه، فلم ~~تيئسه الحرب من طموحه إلى «الكون الكلي» بل رأى في محاولات عصبة الأمم عند إنشائها بشيرا ~~بتحقيق الطموح إلى التركيبة الإنسانية الكلية، وما هي إلا خطوة في مرتقى «الكون الكلي» الذي ~~تتآخى فيه التراكيب كما تتآخى الأعضاء في الجسم الواحد، فترتفع أجزاؤه عن مرتبة التنافر ~~والعداء، إلى مرتبة التآلف والصفاء. # وهذه الشعبة من مذهب الانبثاق لا تستلزم الإلحاد ولا القول بانبثاق الإله من مادة الزمان ~~والفضاء، بل يسأل أناس من أساطينها: من أين تأتي الخاصة الجديدة كلما ارتقت التركيبات أو ~~المجاميع الكاملة؟ فبعضهم يقول: لعلها من منقولات كون آخر غير هذا الكون، وبعضهم يقول: ~~لعلها من الله. # وقد نشأت في البلاد الإنجليزية مذاهب فلسفية أخرى غير مذاهب الانبثاق، واشتهر فلاسفتها في ~~أوربة وأمريكا شهرة تضارع شهرة الانبثاقيين، وعلى رأس هؤلاء الفلاسفة، هويتهيد 1861 ~~الفيلسوف الرياضي الواقعي الذي يعرف مذهبه بمذهب الكيان العضوي # organism # لأنه يقول بأن الكون كله «كيان عضوي» كالبنية الحية في تركيب ~~أجزائه، وإن كل ما فيه من كيانات عضوية لها طبيعة ms215 الأجسام الحية في تجمع الأعضاء، وتساند ~~الوظائف العضوية، فمذهبه من ثم أولى المذاهب أن يذكر مع مذاهب «البنية الحية» وإن لم يؤسس ~~مذهبه على فكرة الانبثاق. # وعند هويتهيد أن الكون يشتمل على حوادث لا على الأشياء، وكل حادث من هذه الحوادث يتجدد ~~على الدوام ولكنه يحتفظ بالقدم كله من أقدم الأزمان، ولا يتأتى فصل حادث منه عن الكون ~~بحذافيره لأنه مشتبك بكل ما في الكون من زمان ومكان. # وما الزمان؟ # إن الزمان هو هذا التجدد نفسه وليس بوجود مستقل عنه أو بظرف له يحتويه ويسبقه أو ~~يليه. # وما المكان؟ # ليس هنا مكان معزول عن الحوادث التي تقع فيه، ولكنه هو الصورة التي ندرك بها ~~الامتداد. # وفيما عدا هذه السلسلة الواقعية من الحوادث المتجددة لا يشتمل الكون على وجود آخر غير ~~وجود «الكليات الممكنة»، فإن الحادثة يمكن أن تقع على صور متعددة، ولكنها متى وقعت فهي صورة ~~واحدة، فتلك الصور المتعددة هي الكليات الممكنة، وهذه الصورة الواحدة هي الحادثة الواقعية، ~~غير أن الكليات الممكنة ليست لها صفة في الوجود إلا بما يتحقق من الواقع في عالم ~~الحدوث. # وعند هويتهيد أن الحادثة التي تبدو لنا شيئا من الأشياء هي بنية عضوية كاملة التركيب، ~~فالذرة نفسها بنية عضوية لأنها تختل وتفقد مشخصاتها أو «شخصيتها» إذا اختلف تركيبها، كما ~~تختل بنية الحيوان إذا اختلف فيها تماسك الأعضاء. # وليس في الموجودات عقل وجسم منفصلان، وإنما العقل والجسم قطبان ملازمان لكل موجود، ~~والترقي في التركيب هو الذي يرجح موجودا على موجود بصفات الحياة والإدراك. # وهذا الترقي هو تكوين بنية حية جديدة، فمليون ذرة من الهيدروجين هي مليون بنية حية ~~متشابهة ولا زيادة، ولكن إذا اجتمعت مليون ذرة مختلفة وكملت باجتماعها بنية جديدة فهنا يظهر ~~الرجحان في بنية على بنية، وهنا تنشأ في العالم حياة تساوي جملة أجزائها وزيادة، على خلاف ~~المفهوم في الحساب، وهذه الزيادة هي تطور الفكر والحياة. # فليس الكل مجموع أجزائه في كيمياء الحياة، ذلك في الحساب صحيح، أما في كيمياء الحياة ~~فكلما اختلفت ms216 الأجزاء وتكاملت بها تركيبة جديدة ظهرت فيها زيادة على تلك الأجزاء لم تكن ~~ملحوظة فيها وهي متفرقة، ولكنه ظهور بعد كمون، وليس بوجود بعد عدم، ولا بارتفاع على غير ~~أساس. # ويكمن في الحوادث مستقبلها كما يكمن فيها ماضيها؛ لأن المستقبل لن يخرج عن تجدد الحادثة ~~بعد التوفيق بينها وبين الكليات الممكنة، فإذا اتفق الحادث الواقع و«الكلي» الممكن فتلك ~~طريق المستقبل التي لا يعدوها. # ولولا «الكليات» الممكنة لكانت الحادثة الجديدة تكرارا للحادثة السابقة بغير اختلاف، ~~ولجاء التكرار آليا لا يوافق طبائع الأحياء. # تلك هي حقيقة الكون في مذهب هويتهيد وأساطين مدرسته التي تسمى تارة بمدرسة الكيان العضوي ~~وتارة بمدرسة الواقعية الحديثة، فأين مكان الله من هذا الكون الذي يتخيله الفيلسوف؟ هل له ~~مكان لازم فيه؟ # نعم. له مكان لا تتم للكون حقيقة بغيره. # فتلك الكليات الممكنة ما الذي يقرر الخيرة بينها حين تصبح حادثة واقعة؟ تلك الكثرة ~~المتعددة ما الذي يستخرج منها واقعة واحدة؟ # هو الله. # وتلك الكيانات العضوية ما الذي يعادل بينها ويصاحب مرتقاها من تركيبة كاملة إلى تركيبة ~~أكمل منها؟ # هو الله. # ولكن الله في هذا الكيان العضوي الأعظم إنما يتولى التعديل والموازنة فيه على النحو الذي ~~يتولاه دماغ البنية الحية، فهو يريد ويفعل، ولكنه لا يريد كل ما يشاء ولا يفعل كل ما يشاء، ~~بل تأتيه دواعي الإرادة أحيانا من تلك البنية، كما تأتيه منها دواعي العمل وميسرات التدبير ~~والتصريف. # وإذا التفتنا من البلاد الإنجليزية إلى البلاد الأمريكية قابلتنا هناك مذاهب فلسفية تلاقي ~~المذاهب البريطانية في جانب وتفارقها في جانب آخر. # تلاقيها في فكرة الإلهية المقيدة وفي العجز عن التوفيق بين وجود الإله القادر على كل شيء ~~ووجود الشر والألم في العالم، وتفارقها في تعليل المشكلة والتماس المخرج منها. # وأشهر المذاهب الأمريكية وأجمعها لوجهات النظر المختلفة عندهم ثلاثة، وهي: # مذهب وليام جيمس 1842-1910. # ومذهب جوسيا رويس 1855-1916. # ومذهب جورج سانتيانا 1863-1948. # فوليام جيمس # William James # هو صاحب مذهب البراجمية أو ~~مذهب الذرائع كما عرف في اللغة العربية، والواقع ms217 في رأي وليام جيمس هو مقياس الصحة في كل ~~شيء، فمقياس الصحة في المسائل العلمية هو تكرار التطبيق وتكرار النتيجة، ومقياس الصحة في ~~مسائل الأخلاق والآداب هو تكرار التطبيق وتكرار المنفعة الكبرى منه لأكبر عدد من الناس، ~~وقياسا على ذلك يحق لنا أن نؤمن بالله في المسائل التي لا تثبت بالتجربة العلمية ولا ~~بالبراهين المنطقية؛ إذ كان الإيمان يريح ضمائرنا ويطابق أشواقنا النفسية وعواطفنا الحيوية، ~~وما دامت طبائعنا قد أشرجت على وفاق تركيب الكون فإن العقيدة التي تستمد من تلك الطبائع لن ~~تخلو من حقيقة كونية، فما من حقيقة حسية لها عندنا دليل غير الانفعال بها على نحو من أنحاء ~~الحس والتعقل، وما من حقيقة روحية تحتاج إلى أكثر من هذا الانفعال الذي يتم به التجاوب ~~بيننا وبين حقائق الكون، وقد خطب وليام جيمس جماعة من العلماء المثقفين فقال لهم: إن ~~الإيمان من أمثالهم يحتاج إلى شجاعة خلقية يحسن بهم أن يروضوا عليها العقول والضمائر، وقال ~~لهم في مقدمة خطابه: إنه لو كان يتحدث في العقائد إلى جماعة من عامة الجند لنصح لهم بالتشجع ~~على قبول النقد والأدلة العقلية في دراسة الأديان ؛ لأنهم أحوج ما يكونون إلى الحرية الفكرية ~~في شئون العقيدة، ولكنه إذا خطب العلماء والفلاسفة فأحوج ما يراهم محتاجين إليه هو الشجاعة ~~على احتمال تبعة الاعتقاد، وإن لم تؤيده التجربة العلمية والبراهين المنطقية، فإنهم يخسرون ~~إذا كانت العقيدة صحيحة وجبنوا عنها في انتظار تجربة أو برهان. # إلا أن المقدمات التي يستند إليها وليام جيمس لم تمنع عنده أن يكون في الوجود أكثر من إله ~~واحد، أو أن يكون قصارى الإله الواحد أنه أكبر من الإنسان وأقدر على معونته من سائر ~~الموجودات، فهو يقول في كلامه على صحائح الدين: «ويبدو لي أن معالجة الديانة ومطالبها ~~العملية تجد كفايتها في الاعتقاد بوجود قوة أكبر من الإنسان تصادقه وتعطف على آماله، وكل ما ~~تستلزمه الوقائع التي بين أيدينا أن تكون تلك القوة غير أنفسنا الواعية وأكبر منها وأوسع ~~وأقوى، فكل قوة ms218 بهذه الصفة تغني إذا كانت فيها الكفاية للاعتماد عليها في الخطوة التالية، ~~ولا يلزم من ذاك أن تكون قوة غير متناهية أو قوة منفردة، فقد يكون قصاراها أنها نفس أكبر ~~وأقدس من نفس الإنسان تمثلها نفس الإنسان هذه تمثيلا ناقصا، ولا يكون الكون كله إلا ~~مجموعة من تلك الأنفس الكبرى القدسية على درجات وأقدار مختلفة لم يجمع بينها كيان لا نهائي ~~على الإطلاق، ويعرض لنا هنا تعدد الآلهة على نوع من التعدد لا أدافع عنه في هذه الآونة ~~لأنني أحصر مقصدي الآن في إقرار التجربة الدينية في حدودها الصحيحة ...» ~~••• # فمسألة الاعتقاد في رأي جيمس مسألة «بخت» قد يعبر عنها البيتان المشهوران للمعري أحسن ~~تعبير حيث يقول: # قال المنجم والطبيب كلاهما # لا بعث بعد الموت. قلت: إليكما # إن صح قولكما فلست بنادم # أو صح قولي فالخسار عليكما # أما جوسيا رويس فمذهبه أقرب المذاهب الحديثة إلى «وحدة الوجود» لأنه يقول بأن الله ذات ~~تتصل بكل ذات من هذه الموجودات. # فالعلوم لا تعرفنا بحقائق الكون الكبرى ولا تكشف لنا عن كنه المادة والحركة ولا عن كنه ~~الزمان والمكان، وغاية ما نعلمه أن نرجع إلى معرفتنا بذاتنا فنستمد منها معرفتنا بالذات ~~العظمى، وهي الله. # فما هي الذات الإنسانية؟ ما هي هذه «الشخصية المستقلة» التي نسميها «نفسنا» ونتميز بها ~~مما حولنا؟ # هبنا منفردين وحدنا في عالم لا نشعر فيه بحي ولا جماد ولا بأرض ولا سماء ولا يكون فيه ما ~~يدخل في الوعي ويتعلق بالشعور، فهل يكون لنا يومئذ وعي أو شعور، وهل تكون لنا يومئذ نفس أو ~~ذات؟ هل يكون لك وعي وليس هناك ما تعيه؟ وهل تكون لك ذات وليس هناك خلاف الذات؟ # يقول رويس: كلا، إن الذات موقوفة على ما عداها، وإن وجودها هو وجود غيرها، وعلى هذا يصح ~~أن يقال إن الذات لا تستقل بالوجود عن الأشياء وإن الأشياء لا تستقل بالوجود عن ~~الذات. # فما نراه وما نذكر أننا رأيناه وما نتخيله أنه كائن أو يكون هو قوام «ذاتنا» وهو مساك ms219 ~~وعينا وشعورنا، وعلى قدر اتصال الإنسان بالموجودات تكون غزارة وعيه وسعة شعوره وعظمة ذاته، ~~فالاتصال بالكون - أو الإتصال بالله - هو أكبر تحقيق للذات وأثبت إقرار للوجود. # والذات العظمى - وهي الله - هي التي تتصل بكل شيء وتحيط بكل شيء وتطلع على كل شيء، وهي ~~كلية الوجود لأنها واعية لكل موجود، وقوام وعيها هو هذا الاتصال الذي يشبه اتصال الواعية ~~الإنسانية بما حولها، ولكنه أوسع نطاقا وأبعد أمدا وأحرى بالخلود والدوام. # وهذه العقيدة الدينية هي عقيدة خلقية في صميمها؛ لأنها تجعل الإيثار وملابسة الأغيار ~~معيار الحياة الواسعة و«الذات» المستفيضة والوجود الكامل والمناقب المأثورة، فمن فني في ~~الذوات الأخرى فذلك هو الموجود حق الوجود، ومن فني في الله فذلك أعظم الأحياء. ~~••• # وتكملة الثلاثة بجميع معاني التكملة - هو جورج سانتيانا الذي لا يحسب فيلسوفا في غير ~~القارة الأمريكية، وفي غير الفترة الأخيرة من القرن الأخير. # فوليام جيمس يمثل الواقعية الفكرية في القارة الأمريكية، وجوسيا رويس يمثل المثالية ~~الفكرية في تلك القارة، ويبقى بعدهما مكان فارغ لمن يمثل الواقعية الشعبية كما يفهمها جمهور ~~كل يوم وكل مكان، بغير تفكير وبغير بحث طويل أو قصير. # ويعتبر سانتيانا تكملة للفيلسوفين بمعنى آخر يتعلق بالجنس الذي ينتمي إليه، فوليام جيمس ~~أعرق في الأمريكية ورويس بريطاني حديث العهد بالقارة، أما سانتيانا فهو أسباني ولد في مدريد ~~وعاش في جزر الفلبين وحضر العلم في لندن وحمل الجنسية الأمريكية مع غيره من المهاجرين، فهم ~~في جملتهم يمثلون الخليط الأمريكي من عدة أطراف. # ونقول إن سانتيانا لا يحسب فيلسوفا في غير القارة الأمريكية؛ لأن الأمريكيين الشماليين ~~على التخصيص قد جعلوا لهم طابعا معروفا في كل مطلب من مطالب الحياة يتميز بالسرعة ~~والاقتضاب والمساهمة في جميع تلك المطالب بمقدار، ومنها الفلسفة والفن والعلم والتاريخ، ~~فللشعب هنا فيلسوف وفلسفة كما للشعب لاعب وملعب وصحفي وصحيفة ونصيب مقسوم من كل ~~موضوع. # وسانتيانا هو فيلسوف «الشعب» غير مراء؛ لأن فلسفته لا تتطلب ملكة واحدة غير موفورة لجمهرة ~~الشعب وأوساط القراء. # فالحس هو الحكم الأعلى في مسائل ms220 الفلسفة ومسائل العقيدة، وكل ما هو محسوس فهو حق أو فيه ~~من الحق الكفاية لحياتنا في هذه الدنيا، وحسبنا «العقيدة الحيوانية» التي تفعم شعورنا ~~بالثقة من حصول الحاصل كما نتناوله بحواسنا، وليس بالضروري لنا أن نمحص العقائد الدينية ~~تمحيصنا للتجارب العلمية، ولا بالضروري أن نجحد الغريزة في سبيل العقل والمعرفة؛ لأن العقل ~~ينسق الغريزة ولا يناقضها، فهذه العقائد الغريزية - ويسميها أحيانا بالأساطير - هي أخيلة ~~شعرية جميلة نتقبلها كما نتقبل الشعر المعجب والصورة المنمقة، ومن ضيق الصدر أن نتعصب عليها ~~أو نلح في تفنيدها، فهي إن لم تكن قيمة علمية أو قيمة فلسفية فلا شك أنها قيمة فنية وقيمة ~~شعورية، ولها الحق في الوجود بشفاعة الحس الذي تثيره والذوق الذي توافقه والأمل الذي ~~ترضيه. # وهذه المادة التي يختلف الفلاسفة في صحتها لا ندري ما هي ولا يضيرنا أن ندعها للعلماء ~~يكشفون لنا عن كنهها ويردونها إلى أجزائها أو إلى أصولها، ولكننا خلقاء أن ندعوها بالمادة ~~ونكتفي بما نعرفه من اسمها ومسماها، كما تسمي صديقك «سميث» و«جورج» وغير ذلك من الأسماء ~~وأنت لا تكشف عن شيء من أسراره وخباياه، ولا تحلل أجزاءه تحليل المعامل ولا تحليل القضايا ~~المنطقية. # ولا ينكر سانتيانا نظام الكون ولا تناسق قوانينه، ولكنه يقول: إننا نحسب الكون منتظما ~~لأنه الكون الذي وجدنا فيه وأخذنا منه العقول التي نفهم بها النظام، وهكذا كنا نحسب كل كون ~~نوجد فيه ونقتبس منه عقولنا ومادة حياتنا؛ لأننا لا نستطيع الخروج منه لنقيسه على غيره، ومع ~~هذا نرقب كل حركة منتظمة في دنيانا فهل نرى أنها تستوحي نظامها من حكم عقلية أو حكم أدبية؟ ~~يسأل سانتيانا هذا السؤال ويقول في جوابه: كلا، بل هي الحكمة المادية التي نقابلها بالعقيدة ~~الحيوانية ونستوفي حقها بالأخيلة والخوالج المشربة بروح التدين والإيمان، وأول ما يفهم من ~~ذلك أن الإرادة الإلهية - إن وجدت - لا تريد أن تتراءى لنا على غير هذا المثال. ~~••• # وبعد فهذه خلاصات موجزة لمدارس الفلسفة البريطانية والأمريكية في العصر الحاضر، لم نؤثرها ~~بالتلخيص لأنها أهم ms221 المدارس ولا أرجحها في ميزان الفلسفة، ولكننا آثرناها بالتلخيص لأنها ~~تجمع الفكرة الغالبة من شتى أطرافها، وهي كما رأى القراء فكرة تقوم على قطبين أو تتسم ~~بسمتين؛ «الأولى»: عجز الفلاسفة المحدثين عن التوفيق بين قدرة الله على كل شيء ووجود الشر ~~والألم في خليقته كما يوجدان في هذا العالم. # و«الثانية»: محاولة الخروج من هذه المشكلة بتعميم قوانين التطور وإدخال الحقيقة الإلهية ~~في نطاقها. # وليس في وسع أحد أن ينكر وجود الشر والألم في هذا العالم بأسره؛ لأن الأديان والفلسفات ~~وشرائع الإنسان جميعا تتلاقى في تحريم الشرور والمعاقبة عليها ومعالجة الخلاص منها، ولكن ~~المطلوب من الفيلسوف - إذا تعذر عليه فهم العالم مع اعتقادنا القدرة الإلهية - أن يمثله لنا ~~في صورة أقرب إلى العقل وأصح في النظر وأثبت في البرهان، وأن يكون إلهه معقولا إذا زعم أن ~~الإله القادر على كل شيء غير معقول. # وذلك ما لم يصنعه واحد من أولئك الفلاسفة ولا اقترب من صنيعه، بل لعلهم قد عرضوا على ~~العقل الإنساني حلولا لا يقبلها ببرهان ولا يقبلها باعتقاد، ولا يقبلها بتخمين. # ونحن لا نزعم أننا نحيط بحكمة الله فيما يلقاه الأحياء من العذاب والبلاء، وفيما يقع منهم ~~أو يقع عليهم من الإيلام والإيذاء، ولكننا نبحث عن صورة للعالم أقرب إلى العقل من صورته هذه ~~فلا تكمل له هذه الصورة عندنا، ولا نرى فيما افترضه الفلاسفة إلا إشكالا يضاف إلى ~~إشكال. # فعلى أي حال كانوا يفهمون وجود الله القادر على كل شيء إن لم يكن في مقدورهم أن يفهموه ~~على هذه الحال؟ # إما أن يكون ولا خلق معه على الإطلاق. # وإما أن يكون ومعه خلق كامل لا ينقص ولا يولد ولا يموت، ولا يشتهي ولا يحرم من باب أولى ~~ما يشتهيه. # فأما أن يكون الله القادر على كل شيء ولا خلق معه على الإطلاق - فليس ذلك بأدل على القدرة ~~ولا بأدل على الرحمة، ولا بالأمنية التي يرتضيها سائر الناس إذا ارتضاها الفلاسفة المتعللون ~~على قدرة الله. # وأما أن يكون ومعه خلق ms222 كامل فليس له معنى إلا أنهم يطلبون من الله أن يخلق إلها آخر ~~يماثله في الكمال والسرمدية والاستغناء، وكل فرض من فروض العقل البشري أقرب من هذا الفرض ~~المستحيل. # وليس بالمعقول أن يكون خلق كامل لا يشكو ولا يتألم ولا يتحول ولا يتبدل إلا أن يكون إلها ~~آخر يخلقه الله القادر على كل شيء قادرا مثله على كل شيء، فإننا إذا تخيلنا ألف إنسان أو ~~مليون إنسان أو ما شئنا من ملايين الإنسان مخلوقين جميعا على قدرة الإله وكماله لم يكن هذا ~~التخيل أسلم ولا أقرب إلى الصدق مما نراه في العالم على نظامه المعهود، ولماذا يستأثر هؤلاء ~~بالحياة والدوام ونسمي ذلك عدلا من الله بينهم وبين من هو قادر على خلقهم بغير انتهاء؟ ~~وكيف يخلقون بهذه العدة وهم كاملون سرمديون وكل منهم في استغناء الله ودوامه بغير ~~اختلاف؟ # فإذا كان العقل لا يستريح إلى صورة الإله القادر على كل شيء، وليس معه خلق كثير ولا قليل، ~~ولا سعيد ولا شقي على الإطلاق، وكان العقل لا يستريح إلى صورة الإله القادر على كل شيء يخلق ~~إلها آخر قادرا على كل شيء مثله، بغير فارق بين الخالق والمخلوق - فماذا بقي للعقل من ~~صورة يستريح إليها بين هذه الصور غير صورة العالم كما عهدناه؟ وكيف يكون خلق محدود ولا يكون ~~لتلك الحدود مظهر من النقص والألم والحرمان؟ # إن هذه الصورة لهي أقرب صورة يقبلها العقل مع وجود الله القادر على كل شيء، وليست هي ~~بالصورة التي تناقض وجوده وتعضل على العقل في التخيل أو في التأمل أو في ~~الاعتقاد. # إما إله ولا شيء. # وإما إله خالق وإله مخلوق بغير فارق بين الإلهين. # وإما هذا العالم كما عهدناه، ونحن نجهل عقباه أو لا نملك أن نقيس العقبى السرمدية على ما ~~شهدناه. # ومع اقتراب هذه الصورة من المعقول لم تترك للعقل البشري يبتلعها بغير مسوغ من تجاربه ~~المحدودة في حياته الفكرية أو حياته العاطفية أو حياته الاجتماعية على تعاقب ~~الأجيال. # فقد يفصل بين الطفل ms223 وأبيه فارق عشرين سنة أو دون العشرين، وهذا الفارق الصغير هو الذي ~~يسمح للأب في دخيلة قلبه أن يبتسم وهو ينظر إلى دموع ولده الذي يتولاه بالتربية والتأديب، ~~ولا يعلم الأب من نفسه أنه قاس غليظ، ولا الناس يعلمون فيه القسوة والغلظة من أجل هذا ~~التباين في الشعور، ويكبر الابن نفسه فلا يتهم أباه؛ لأنه يبتسم لتلك القسوة المزعومة كما ~~ابتسم أبوه وهو دامع العينين. # فإذا كان هذا ما نسمح به لفارق عشرين سنة، فبماذا نسمح لفارق الآباد والآزال؟ وما أجد ~~بكاء الطفل إلى جانب ذلك البكاء الهازل قياسا على فارق العلم وفارق الزمان؟ # وقد يحب الإنسان إنسانا فيلتذ الألم والعذاب في حبه، ويتخذ من ألمه وعذابه غذاء لتلك ~~المتعة النفسية وعلامة على الوفاء والإيثار، ويجوز أضعاف ذلك في شريعة الحب الإلهي إذا جاز ~~ذلك وأمثاله في حب الإنسان للإنسان، فمن حق الوجود الإلهي أن يكون له في قلوب عارفيه حب لا ~~يضارعه حب فان محدود، نهواه لما نتخيله من صفات قلما تصدق في غير الخيال. # ونحن ننظر إلى حيز واحد من التحفة الفنية الخالدة فلا نرى فيها إلا بقعة تقبح في النظر أو ~~قطعة من الحجر والطين، ولا نقيس التحفة الفنية مع ذلك على البقعة الشائهة في الحيز المحدود، ~~ولو طال أجل هذا النوع الإنساني أضعاف مطاله لما كان في تلك البقعة الشائهة غير ذرة هباء، ~~لأنه بقعة ضئيلة في صورة تتناول الدهور التي لا نحصيها والمكان الذي لا نستقصيه، فمن أين ~~لنا أن نقيس جمال الصورة الأبدية على بقعة الحاضر كما تمثلناه؟ وكيف نحصر الآزال والآباد في ~~لمحة من حاضر عابر؟ وكيف نستوعب بالحواس ما تضيق به الحواس بل تضيق به العقول؟ # ولقد كانت هذه «الفترة» الخاطفة في سعة الأبد الأبيد دليلا حسنا على ما سيكون أو يرجى ~~أن يكون؛ لأننا أيقنا بما أحصيناه فيها أن آلام الأحياء ليست بالآلام الجزاف على غير طائل، ~~فهي وسيلة الارتقاء والانتقاء، وهي التفرقة التي لا تفرقة غيرها بين الفاضل والمفضول وبين ms224 ~~المحمود والمذموم، وهي مزيج يذاق به طعم الحياة وبغيره لا يعرف لها طعم ولا مذاق. # فهذه المؤلمات في دنيانا لا تعوق العقل عن إدراك الإله القادر على كل شيء؛ لأننا لن ندرك ~~صورة أخرى هي أقرب إلى عقولنا من هذه الصورة التي لا تناقض فيها، وهي تنفي التناقض الذي ~~يواجه عقولنا من غيرها: تنفي تناقض القول بأن الله قادر على كل شيء ولا يخلق شيئا، وتنفي ~~تناقض القول بأن الله لا مثيل له ويخلق إلها آخر يماثله بغير خلاف. ~~••• # ومهما يبق من مشكلة السر - مع هذا التفسير أو بغير هذا التفسير - فالكون الذي يخلقه إله ~~قادر على كل شيء وتديره حكمة تتعالى على العقول - أقرب إلى القبول من الإله المتطور عن ~~المادة العمياء؛ لأنها موجودة منذ القدم على النحو الذي يخرج منها الآلهة، فلماذا تخرج منها ~~الآلهة بعد دهور متتابعة؟ وكيف نقدر لزومها لإخراج الآلهة ومن هم دون الآلهة من ~~الأحياء؟! # فهذه الآلهة المتطورة لن تثبت لنا بالبرهان المنطقي القاطع، ولن تثبت لنا بالتجربة ~~العملية، ولن تثبت لنا بالإيمان؛ لأنها لا توافق طبيعة الإيمان. # وكل ما فيها أنها تخمين يلفقه الخيال ويلتمس له القرائن والشبهات من بعض الظواهر العلمية ~~التي لا تستقر في تفسيراتها وتأويلاتها على حال. # ونحن نحاول أن نفهم «التطور» في كون غير محدود فلا نستطيع أن نفهمه ولا أن نقربه إلى ~~المفهوم؛ لأن الكون «غير المحدود» لم يبدأ في زمن معلوم فيقال إنه يحتاج في تطوره إلى زمن ~~معلوم، ولم يبدأ منقوصا من بعض صفاته وقواه فيقال إنه قد استتم هذه الصفات والقوى في طريق ~~التطور والارتقاء، ولم يبدأ حركته في خط مستقيم فيتحرك من نقطة إلى ما بعدها في الزمان أو ~~المكان، فكل تطور فيه فهو قول يحتاج إلى تصديق لا يحتاج إليه دين من الأديان. # وإذا تجاوزنا عن هذا فنحن لا نفهم التطور في الكون المادي إلا بالقياس إلى مخلوق ذي ~~حياة، ثم بالقياس إلى حادث مقصود قبل وقوعه بأزمان. # فلماذا يكون الماء أرقى من ms225 الهيدروجين والأوكسيجين؟ لا يكون كذلك إلا إذا قدرنا أنه أنسب ~~لتقويم بعض الأحياء؛ لأن السيولة ليست أرقى من «الغازية» وليست ممتنعة على الغازات، وإذا ~~قيل إنها أجمل في منظرها فهو قول مشكوك فيه، ولن يكون الحكم فيه إلا لحي من الأحياء. # ولماذا تكون المشمومات والمنظورات والمسموعات أرقى من ذوات الحجوم والأشكال بلا رائحة ولا ~~لون ولا صوت؟ لا تكون كذلك إلا إذا كانت الحياة هي معيار التطور والارتقاء بين جميع ~~الموجودات، وكانت مقدورة على نوع من التقدير قبل ظهورها بأزمان. # ولماذا تكون الكواكب الدوارة أجمل من السديم المتوهج الهائم في أجواز الفضاء؟ إنها لا ~~تكون كذلك إلا لأنها أصلح لمعيشة الحي في بعض أدوارها، وأجمل في النفوس والعيون. # بل لماذا يحسب التحول من دور الاشتعال السديمي إلى دور «التكوكب» ضربا من التطور ~~والارتقاء؟ # إنه في وضعه «العلمي» نوع من الدثور والهمود؛ لأنه علامة على تسرب الحرارة وتفرق الطاقة ~~ونزوع المادة إلى الجمود، فإذا كانت هذه الخطوة مقدمة لظهور الحياة لانحلال القوى - فتلك ~~علامة القصد والتدبير وليست علامة «القانون الآلي» المطرد في مجاهل الضرورة العمياء. # وغاية ما أثبته هؤلاء الفلاسفة «التطوريون» أن العقل أرقى من الحياة، وأن الحياة أرقى من ~~المادة، وأن العالم يستقيم في طريق الارتقاء. # فلماذا يكون نصيب الكون من العقل هو النصيب المحدود، ويكون نصيبه من المادة منذ القدم ~~الذي لا أول له نصيبا غير محدود؟ # إن هؤلاء «الفلاسفة» كثيرا ما يعيبون على المعتقدين بالأديان أنهم يخلعون التصورات ~~الإنسانية على حقيقة الله وعلى حقيقة الوجود، وأنهم يتصورون الله خالقا كما يتصورون ~~الإنسان في خلقه لبعض المصنوعات. # وواقع الأمر أن هذه «العادة الذهنية» تلازم أولئك الفلاسفة وهم يهربون منها؛ لأنهم ~~يتصورون الكون كما يتصورون الإنسان في مراحل حياته: يتصورونه طفلا فصبيا فيافعا فشابا ~~فرجلا فكهلا يترقى في ملكات الجسم والعقل يوما بعد يوم وعاما بعد عام، يتصورونه كذلك ~~وينسون أنهم فرضوه كونا غير محدود في قوة ولا أجل ولا اتساع، فكيف ينمو نمو الأحياء ~~المنظورة إلى آجال؟ وإلى أي ms226 غاية يترقى وليست هناك غايات ولا بدايات؟ وإذا بلغ غاية «العقل» ~~في الزمان الذي لا نهاية له فهل يصبح العقل بعد ذلك مقيدا بأحكام المادة كأنه لا يزال ذلك ~~الوليد المتعثر في عجز الطفولة؟ أو يصبح قادرا على كل شيء بعد فوات الفرصة السانحة للقدرة ~~على كل شيء؟ أي يصبح قادرا على كل شيء لكيلا يقدر على شيء من الأشياء، ولا يجد أمامه ما ~~يعمله غير النظر إلى ما كان كما ينظر إليه العاجز عن جميع الأشياء! فينشأ العقل الإلهي ~~عبثا بعد الاستغناء عنه وتمام كل شيء بغير حاجة إليه. ~~••• # وحال الفلسفة الفرنسية الحديثة كحال زميلتها الفلسفة البريطانية والفلسفة الأمريكية، مع ~~فارق في المعنى دون الاتجاه. # فأكبر الفلاسفة المحدثين في فرنسا هو هنري برجسون صاحب مذهب التطور الخالق، ولعله قد سبق ~~الفلاسفة البريطان والأمريكان إلى التنويه بشأن التطور في الحكمة الإلهية، ولكنه يخالفهم في ~~رأيين جوهريين: وهما التفرقة بين الزمان والمكان، والتفرقة بين المادة والروح. # فعندهم كما رأينا أن الزمان والمكان وحدة لا انفصال فيها، وأن الروح خاصة من خواص المادة ~~أو طور من أطوارها المكنونة. # أما برجسون فيرى أن الزمان غير المكان، وأن الروح غير المادة، بل إنهما متعارضتان ~~متناقضتان، والحياة في رأيه أقرب إلى عنصر الزمان منها إلى عنصر المكان؛ لأنها حركة لا ~~استقرار فيها، وأمكن ملكاتها - وهي الذاكرة - إن هي إلا زمن مخزون، وكذلك الغرائز الحيوية ~~في بعض الأحوال. # ومعدن المادة في رأيه غير معدن الروح لأن الروح صاعدة حرة، والمادة هابطة مقيدة، وليس أدل ~~على تناقض الطبيعتين من تعليل الضحك في رأيه، فنحن نضحك إذا رأينا إنسانا يتصرف تصرف الآلة ~~المادية؛ لأنه تصرف لا يحسن بالحياة، ونحن لا نضحك من مادة ولا من حشرة مسلوبة الحرية، ~~ولكننا نضحك من «ذي روح» يتصرف تصرف الجماد. # والعقل الإنساني أعرف بالحقائق المكانية، ولكنه لا ينفذ إلى بواطن الحركة «الزمانية» في ~~صميمها، وإنما تنفذ إليها «البداهة» وهي أرقى ما ترتقي إليه الغرائز الحيوية، إلا أن برجسون ~~لا يقيد العقل بالدماغ ms227 كما يفعل بعض الفلاسفة الماديين أو الفلاسفة الآليين: بل يقول إن ~~العقل قد يفكر بغير دماغ، كما يهضم بعض الأحياء بغير معدة، فليست مادة الدماغ هي مصدر العقل ~~الأصيل، وما هي إلا أدة تتهيأ لتوجيهات العقل بعد استعداد طويل. # واعتمادا على تعليق الحياة بعنصر الزمان يبسط الفيلسوف أوسع الآمال على مستقبل الحياة في ~~الزمان الباقي إلى أبد الأبيد، فقد تعلو الحياة حتى تتغلب على الموت، وقد يسمو العقل حتى ~~يحطم قيود المكان أو قيود المادة التي هي عنده ألصق بعنصر المكان. # أما «الخالق» في مذهب برجسون فليس كما صوره أصحاب العقيدة الدينية ولا كما صوره أصحاب ~~الفلسفة الآلية. # أولئك قد شبه لهم عمل الخالق بعمل الإنسان فحسبوا الكون مصنوعا من مصنوعات إنسان كبير ~~ليس له انتهاء. # وهؤلاء رانت على أفكارهم غاشية الصناعة فحسبوا الكون على مثال الآلات الضخام التي تدار ~~بالبخار أو الكهرباء في دقة وإحكام. # ومفصل القول بين الفريقين على مذهب برجسون أن القوة الخالقة - أو التطور الخالق - موجود ~~«في الكون» وليست موجودة خارج الكون، وأنها حركة دائمة تلقى العنت من مقاومة الجمود الدائم، ~~وهو جمود المادة الصماء . # على أن المشكلة الكبرى كما قدمنا هي اعتقادهم أن القوة الخالقة هي «في الكون» وأنها مقيدة ~~به ثم يأتي منها الخلق على أطوار. # فلماذا يأتي خلقها على أطوار مع الزمان؟ لماذا لا يحدث دفعة واحدة من أزل الآزال؟ # أهي تزداد وتنتصر؟ أم أن المادة تنقص وتنهزم؟ إن المعسكرين والسلاحين والجيشين والقيادتين ~~كلها قائمة من عهد ليس له ابتداء، فلم التطور؟ ولم التغير في الزمن؟ وما هي العقبى ~~بعد النصر المبين من هنا والخذلان المبين هناك؟ ~~••• # وننتقل من الفلسفة الإنجليزية والفسلفة الفرنسية إلى فلسفة الجرمان، فلا نرى هنالك مذهبا ~~أفضل من هذه المذاهب في إدراك الحقيقة الإلهية وتفسير الطبيعة وما بعد الطبيعة على وجه يرضي ~~العقل ويريح الضمير. # والمعروف عن البلاد الجرمانية أنها بلاد مخصبة بالفلسفة الإلهية - ونريد بها الفلسفة التي ~~تعنى بما وراء الطبيعة، ولكنها في النصف الأخير من القرن التاسع ms228 عشر لم تخرج في هذا ~~المجال مذهبا جديدا يضارع مذاهب الفلاسفة الجرمان المتقدمين على ذلك الجيل، وازداد ~~فلاسفتها بعدا عن هذا المجال في الزمن الأخير، فكان أشهر المذاهب التي شرحوها ~~كالظاهرية Phenomenology # أو الوجودية # Existentialism # منصرفة إلى وضع المقاييس لتمحيص الحقائق ~~والتفرقة بين نطاق العلم ونطاق الفلسفة ونطاق التجارب النفسية، وربما أعرضوا كل الإعراض عن ~~مسائل ما بعد الطبيعة كأنها موضوع ميئوس منه، ومن تناولها منهم لم يتوسع فيها توسع الفلاسفة ~~الذين اعتبروها موضوع الفلسفة قبل كل موضوع. # وقد تلخص الفكرة الإلهية بينهم بتلخيص الآراء التي رددها أشهر مفكريهم إلى مطالع القرن ~~العشرين، ويكفينا منهم ثلاثة هم نيتشه وهارتمان وشبنجلر، وهم الذين قرروا في مسائل ما بعد ~~الطبيعة رأيا مستقلا لا يحسب شرحا من شروح الكثلكة أو البروتستانتية، ولا يحسب حاشية ~~على مقاييس المنطق ومعايير العلوم. # فعند نيتشه 1844-1900 أن الله «قد مات»، وأن الشجاعة هي الدين الذين ينبغي أن يتدين به كل ~~إنسان جدير بالحياة؛ لأن الشجاعة ألزم ما يلزم النفس من خليقة - أو عقيدة - في عالم خلا من ~~الله، ويرى نيتشه أن العالم - كقوة - لا يتأتى أن يتخيل بلا حدود ؛ لأن فكرة القوة التي ~~لا حدود لها تناقض فكرة القوة ذاتها في الصميم، ومن هنا تعدم الدنيا وسائل التجديد الأبدية، ~~وتتكرر فيها الكائنات ولا يزالون متكررين بغير انتهاء، وهذا التكرار هو عوض نيتشه عن البعث ~~في نعيم السماء؛ لأن الأمل في ذلك النعيم هو عزاء الضعفاء الذين تنكرت لهم حياتهم الدنيا، ~~ففيه إلغاء للحياة وليس فيه كذلك التكرار إثبات للحياة. # وعند إدوارد فون هارتمان أن الله ليس بذات وأنه غير شاعر بنفسه أو صاحب «أنا» تتشخص في ~~كيان؛ لأن الذاتية والأنانية أبعد شيء في رأي هارتمان عن القداسة الإلهية، ولكن الكون فكرة ~~وإرادة، وهما يقابلان عنده إله النور وإله الظلام عند المجوس، فالشر كله من عالم الإرادة ~~وهو عالمنا الذي نعاني فيه الآلام والآثام، وإنما تمتحن الفكرة بالإرادة لتعود إلى صفائها ~~مجردة عن الوعي ومنزهة عن الذات، وليس ms229 بالمستغرب في مذهب هارتمان أن يكون للإرادة قصد دون ~~أن يكون لها وعي وشعور بما تقصد إليه؛ لأن الغريزة الحيوانية - وهي وليدتها البارزة - تقصد ~~إلى غاية ولا تعي ما تقصد إليه. # وليس الله في رأي شبنجلر 1880-1936 إلا «إرادة» على عادة الألمان المحدثين في ترجيح ~~الإرادة على الفكرة، ففي كلامه عن كيان الروح من كتابه «انحدار الغرب» يقول: «إن الله ~~بالنسبة إلينا - الله الذي هو سعة العالم والذي هو القوة الكونية، والذي هو الفعال الوهاب ~~على الدوام، والذي ينعكس من فضاء العالم إلى فضاء الروح القائم بالخيال، فلا تحسه بالضرورة ~~إلا حضورا واقعيا - هو ولا مشاحة إرادة، ويقترن بالثنائية المجوسية في العالم ~~الأصغر وثنائية الروح والنفس وثنائية فوما وسيكي اليونانيتين - ثنائية لازمة من الله ~~والشيطان، أو من أرمزد وأهريمان عند الفرس، ويهوا وبعلزبوب عند اليهود، والله وإبليس عند ~~المسلمين، أو ثنائية الخير المطلق والشر المطلق بالإيجاز، ولتلاحظ فوق هذا كيف يبهت هذان ~~الضدان معا في إحساس الغرب بالوجود، وعلى قدر ما تتراءى الإرادة في الصراع القوطي على ~~السيادة بين الذهن والعزيمة لتقرير مركز للوحدانية الروحية - تضمحل صورة الشيطان من الدنيا ~~الواقعة، أما في طراز القرن الثامن عشر فوحدة الوجود التي انعكست على العالم الخارجي من ~~عالم النفس أسفرت عن التقابل بين كلمة «الله» وكلمة «الدنيا» ودلت تمام الدلالة على ما يراد ~~بالتقابل بين الروح والإرادة، وهي القوة التي تحرك كل ما يقع تحت سلطانها، ولا استثناء ~~للإلحاد من هذا الشعور؛ فإن الملحد أو الدارويني الذي يتكلم عن الطبيعة التي تنظم كل شيء ~~وتنتخب ما تشاء وتوجد وتفني ما تشاء لا يخالف المؤمن بالله من أبناء القرن الثامن عشر إلا ~~بمقدار لفظة واحدة؛ لأن الشعور بالدنيا لم يطرأ عليه تغيير، وما هو إلا أن يتحول العقل من ~~الدين إلى العلم حتى تبدو لنا الأسطورة المزدوجة في إصلاح الطبيعيات والنفسيات، فالقوة حين ~~تقابلها المادة والإرادة حين تقابلها الرغبة أو الشهوة لا تستند إلى تجربة خارجية وإنما ~~تستند إلى شعور حيوي كمين، وما ms230 الداروينية إلى صيغة سطحية لهذا الشعور، ولن تتخيل إغريقيا ~~يستخدم كلمة الطبيعة بالمعنى الذي يستخدمه البيولوجيون كأنها نشاط مطلق منظوم، وما قولنا ~~إرادة الله إلا من قبيل الحشو والتكرار؛ لأن الله - أو الطبيعة كما يقول بعضهم - ليس إلا ~~إرادة، وقد نفضت فكرة الله بعد عهد الإصلاح ملامح الشخصية والحسية وأوشكت أن تتمثل كأنها ~~اتساع الفضاء الذي ليس له انتهاء، فأصبحت بمثابة الإرادة الكونية المتعالية على الكون، ~~ولهذا وجب أن يتنحى فن التصوير منذ حوالي سنة 1300 لفن الموسيقى؛ إذ هو الفن الوحيد القادر ~~في النهاية على التعبير الواضح عما نشعر به من فكرة الله ...» ~~••• # وكذلك يتلاقى هؤلاء الفلاسفة المتفرقون عند توكيد الإرادة في الحقائق الكونية والصفات ~~الإلهية، فالإرادة - أو «السلطة» بعبارة أخرى - هي الحقيقة الكبرى في أصول الوجود. # وذلك هو موضوع العبرة التي تنطوي على عظات كثيرة للعقول، فإن توكيد السلطة في المذاهب ~~الجرمانية، وتوكيد الإلهية «الدستورية» في البلاد الإنجليزية لم يأت من مجرد اتفاق. # وموضع العبرة هنا أن الفلاسفة المحدثين يأخذون على المتدينين أنهم يدخلون المشابه الآدمية ~~في فهم الحقائق المجردة، فينسبون إلى الله صفات وأعمالا لا تصدر إلا من الإنسان، ويتخذون ~~ملك الأرض نموذجا يقيسون عليه ملك الوجود، ويفخر أولئك الفلاسفة بالترفع عن هذه «العادة ~~الذهنية» والتخلص من هذا الخلط بين المحسوس والمفهوم، أو بين المجسمات والمجردات، ولكنهم ~~كما رأينا لا يخلصون من أسر المشابه، ولا يسلمون من الخلط بين «الحكم الأرضي» كما يحسونه ~~«والتدبير الكوني» كما يتخيلونه وهم يحاولون التجرد عن ضلالات الحس والخيال، فالإرادة في ~~المذاهب الألمانية هي كل شيء بين الأرض والسماء! وهي الله أو هي القوة المسيطرة على الوجود، ~~وهي أحيانا قوة عمياء غير واعية ولا شاعرة بما تعمل وما تريد؛ لأن السلطة الغاشمة قوة ~~عمياء. # أما هذه «الإرادة» فلا إطلاق لها في المذاهب الإنجليزية الحديثة؛ لأن إرادة الحاكم لا ~~تنطلق من جميع القيود في الحكومة الدستورية، فهي عند فلاسفتهم مشمولة بنظام واحد يسري على ~~سائر الموجودات. # فالمشابه الآدمية لا تفارق هؤلاء الفلاسفة الذين ms231 يفخرون بالتجريد والتنزيه، ولا نظن أن ~~الإرادة العمياء تظفر بكل هذا التوكيد في المذاهب الجرمانية وتلقى كل ذلك التقييد في ~~المذاهب الإنجليزية والفرنسية لو كان فلاسفة الفريقين قد تجردوا حقا من وحي المشابهات ~~والملابسات. ~~••• # وبين العدوتين مع ذلك برزخ التقاء تتماثل فيه مذاهب الفريقين؛ فإن النزعة الغالبة ~~في الدراسة النفسية بين الألمان والإنجليز هي نزعة القول «بالتركيب» أو بالتركيبة الكاملة ~~التي تتقدم في الاعتبار على الأجزاء والمفردات. # ومدرسة الجستالت # Gestalt # الألمانية، أو مدرسة الشكل ~~المركب، أروج المدارس العصرية بين النفسانيين في القارة الأوربية، وهي معنية بعلم النفس ~~في المنزلة الأولى، ثم يشتق منها المشتقون ما يخطر لهم من التطبيقات في باب الحكمة الإلهية ~~وفي مباحث الطبيعة وما بعد الطبيعة. # وخلاصة هذا المذهب أن «الكل» سابق على الأجزاء في تلقي المحسوسات، وأن علم الإنسان بالكون ~~لا يأتي من جمع المفردات بل من وعي المركبات، وما من مركب في قولهم إلا وهو مجموعة من ~~مركبات أخرى يقسمونها إلى خمسة أقسام تختلف في الدقة والإحكام. # فمنها المركبات المادية «غير العضوية» كالحجارة وفقاقيع الصابون، ومنها المركبات الصناعية ~~كالآلات وقطع الأثاث وأعشاش الطيور، ومنها المركبات العضوية وتشمل كل بنية ذات حياة، ومنها ~~المركبات المتداخلة كاللحن الموسيقي الذي يتألف من نغمات أو كالعبارة المفهومة التي تتألف ~~من كلمات، ومنها المركبات الجماعية كالأمم والقطعان والأسراب. # والعقل قد خلق ليدرك الأشياء مركبة ثم يحللها متى سنحت له حاجة إلى تحليلها، فهو يعول في ~~إدراكه على ما يسمونه البصيرة أو الفطنة النافذة، وليس تعويله الأكبر - كما وقر في الأذهان ~~قبل ذلك - على أشتات الإحساس وأجزاء المفردات. # فإن لم تكن ثمة فطنة نافذة تبادر بإدراك «الكل» فلا إدراك ولا تذكر ولا خيال، والحيوان ~~الأعجم - كالقطة مثلا - نعلمها أن تحل الشبكة بيديها فتحلها بأسنانها إذا عاق يديها عائق، ~~ولولا أنها نفذت إلى «الشيء» جملة واحدة لما اهتدت إلى هذا الابتكار، فليست العقدة في ~~كمين إدراكها حركة يد تلامس خيطا ولا تعدو هذه الحركة، ولكنها شيء تنفذ إليه جملة ~~بإدراكها جملة فلا ms232 يتوقف على الإحساس بالمفردات. # ومن العبث أن تقصر الالتفات إلى جزء واحد وتضم إليه جزءا من هنا وجزءا من هناك وتزعم ~~أنك قد أحطت «بالكل» من طريق الأجزاء، وإنما الطريق المستقيم أن تنفذ إلى الكل وتعرف موضع ~~الأجزاء منه ومرجعها إليه؛ إذ لا يقف جزء قط على انفراد، ولا يخلو جزء قط من علاقة يؤثر بها ~~في غيره ويتأثر بها من غيره وتتجاوب فيها جميع الأجزاء كما تؤلف بينها التركيبة الكاملة أو ~~البنية المتماسكة. # وارتباط هذا المذهب بالحكمة الإلهية أنه مرتبط بكنه العقل وكنه الجسد، وأنه يضع ~~العقل في الموضع الوسط بين جماعة الآليين وجماعة القصديين أو القائلين بإمكان عزل العقل عن ~~العوارض الجسدية. # فالآليون - وعلى رأسهم العالمان الروسيان بافلوف وبخترو # Bechterow # يردون كل فكرة إلى الفواعل الجسدية حاضرة وماضية، ومعلومة لنا أو ~~مجهولة لدينا يدل عليها المعلوم، ويكررون تجاربهم في الحيوان لإثبات العلاقة بين التصورات ~~والحركات العضوية والإفرازات الجسدية، وتعرف المدرسة المعتدلة من دعاة هذا المذهب بالمدرسة ~~السلوكية # Behaviourism # لأنها تفسر السلوك بضرورات ~~التجاوب بين المؤثرات والأعضاء، وليس للعقل المجرد مكان عند هذه المدرسة سواء في الإنسان أو ~~في الطبيعة أو فيما وراءها. # والقصديون وعلى رأسهم وليم مكدوجال الأمريكي # McDougall # يثبتون العقل المجرد وينكرون على بعض البيولوجيين والفزيولوجيين دعواهم أن العقل من عمل ~~الدماغ والأعصاب؛ لأن ظواهر الحياة غير ظواهر المادة، وظواهر العقل غير ظواهر الغريزة في ~~الأحياء السفلى، ولم يقرر العلم قط ما ينفي أن الدماغ آلة العقل التي يعمل بها في الجسد، ~~ولم يثبت العلم قط أنه مصدر العقل دون سواه. # فجماعة الشكل المركب أو جماعة «الجستالت» وسط بين فريق الآليين وفريق القصديين؛ لأنهم ~~يثبتون للعقل وجودا لا يتوقف على الإحساس، ويتشعبون بعد ذلك شعبتين متقابلتين، فمن فهم أن ~~العقل كنه مجرد قد يستقل عن الحواس كما يستقل عن الإحساس قال بالقصد وتأثيره في أعمال ~~الإنسان، وقال فوق ذلك بالعقل المطلق وتأثيره في حركات الكون وعوارض الأجسام والنفوس، ومن ~~فهم أن الفرق كله فرق بين تلقي المركبات ms233 وتلقي الأجزاء، وأن الفواعل الجسدية كافية لتفسير ~~الإدراك العقلي على اختلاف مصادره، فهو ينكر محل العقل المجرد ويحسب في مسألة الخلق والخالق ~~من زمرة الآليين والماديين. ~~••• # ولم تخل القارة الأوروبية من مذاهب أخرى غير هذه المذاهب ظهرت في البلاد السلافية ~~كالروسيا وبولونيا، أو في البلاد التيوتونية كالدنمرك والسويد والنرويج، أو في البلاد ~~اللاتينية كإيطاليا وأسبانيا وبعض بلاد البلجيك، ولكنها على الأكثر بين مذاهب مادية بحتة ~~تقف عند حد الإنكار ولا تتعداه، وبين نظرات خاصة في الديانة المسيحية تنضوي تارة إلى كنيسة ~~من الكنائس المعروفة، أو تنفصل عن الكنائس جميعا وتكتفي من الديانة بالعقيدة الفردية دون ~~شعائرها الاجتماعية. # فلا نحسبنا بحاجة في هذا السياق إلى تخصيص مذهب منها بالذكر غير مذهب واحد لا يدخل في ~~الإنكار البحت ولا في التفسيرات الدينية البحتة، وهو مذهب «بنديتو كروشي» الإيطالي الذي ~~يلقب بهيجل الحديث؛ لأنه يدين بالفكرة مثله ويخالفه في شرح أطوارها التي تتجلى بها في ~~العالم. # وخلاصة مذهب كروشي - فيما نحن بصدده - أن الفكر هو الوجود المحقق الذي لا شك فيه، وأن ~~الفكر الأبدي يتجلى في حلقات متوالية ينسخ بعضها بعضا وتتجه جميعا إلى مجاهدة الشر ~~والغلبة عليه، وأن هذه الأضداد المتناسخة بعضها ضد لبعض، ولكنها ليست بضد «للوحدة» الكاملة ~~التي تنطوي فيها جميع الأضداد، وأن الأديان طور من أطوار الفكر، ولكنها خطوة مترقية من ~~خطوات الأساطير الأولى في تقدم الإنسانية إلى الفكر الصحيح، ولا محل للأديان في رأيه بعد ~~ارتقاء الفلسفة وتجردها من بقايا الأساطير. قال في الفصل الأخير من كتابه أدب الحياة أو ~~مسالك الحياة: «إن العصر الذي نعيش فيه يتهم بهدم الديانات التي أصابت فيها الحياة ~~الإنسانية منطقها وآداب سلوكها ومواطن استقرارها وأمانها، إلا أنها تهمة لا ثبات لها؛ لأن ~~عصرنا بهذا الذي صنعه قد صنع شيئا لا قبل له باجتنابه؛ إذ لم يكن هنالك بد من تساقط بعض ~~الجوانب القيمة من البنية القديمة في خلال تعرية الديانات من جلابيب الأساطير، وفي هذه ~~الجوانب أفكار نفيسة وفضائل لا يسهل تقويمها ms234 مما كان متصلا بالقضايا الأسطورية، ولكن عصرنا ~~قد بادر إلى استخلاص هذه الأفكار والفضائل ووضعها في المكان اللائق بها بعد صقلها وتنظيفها ~~وإثباتها في أركان صرح جديد هو أرسخ وأنبل وأوسع وأقوى من صرحها المهدوم، وإنه لفخر عظيم ~~لجيلنا هذا أن يفلح في تأسيس ديانة إنسانية، وعقيدة مصفاة تبزغ من محض الفكر الصراح، ولكنه ~~فكر تتجسم فيه الحياة أو يسخو بالجديد من الحياة.» ~~••• # ومواضع الملاحظة على هذا المذهب هي: # أولا: # أن الإيمان بأن «الفكر» هو الحقيقة المطلقة عجيب جد العجب مع القول بأن ~~المادة تقف في طريق الفكر وهي وجود «غير صحيح» وهو هو وحده الوجود الصحيح، ~~فالذين يقولون: إن المادة متلبسة بالفكر مشتملة عليه يقولون شيئا مفهوما ~~حين يتخيلون أن الفكر متوقف على أطوار المادة وإن كانت هذه الأطوار زعما ~~غير مفهوم، أما الذين يعرفون للفكر حقيقة مطلقة فلا يقولون شيئا مفهوما ~~حين يتخيلون أن الفكر يزداد أو يترقى من مغالبة «وجود» غير صحيح. # وثانيا: # أن الأبدية أو «اللانهائية» ليست مجموعة الحلقات المحدودة؛ لأن مجموع ~~المحدود محدود، وليس امتداد فترة من الفترات بجاعلها في النهاية أو البداية ~~شيئا بلا انتهاء ولا ابتداء، وإنما الأبد فوق «المحدودات» وليس بمجموعة ~~المحدودة بالغة ما بلغت من التعدد والاستطالة والاتساع، وما كان الأبد ~~شيئا يسبق هذه المسافة من الزمان أو يلحق بتلك المسافة من الزمان، ولكنه ~~شيء يحتوي الزمان والزمان لا يحتويه، أو شيء لا يعد الزمان قطعة منه؛ لأننا ~~إذا أخرجنا هذه القطعة من حسابه لم يخرج منه شيء ولم يكن في موضعها ~~فراغ. # وثالثا: # أن عنصر الأسطورة غير عنصر العقيدة، وعنصر العقيدة غير عنصر الفلسفة أو ~~المعرفة العقلية على العموم، فإن الأسطورة - إذا انعزلت عن العقيدة - لم ~~تكن إلا تشبيها فنيا يعوزه الرخام أو ريشة التصوير، أما الفلسفة فهي ~~معرفة بالكون، وليست كالعقيدة إحساسا بالكون، فقصارى الفلسفة أن يعلم ~~الإنسان أن الله موجود، وليس هذا قصارى التدين أو الاعتقاد، ولو كان هذا ~~قصارى الإنسان من الاعتقاد لأغناه وجود الكون الأعظم وهو ms235 موجود لا شك فيه، ~~ولكنه يعتقد بالله ليشعر بالصلة بين نفسه وبين الله وبين الله وبين نفسه، ~~أو ليشعر بأن الله يعطيه الحياة لا بأن الله يأخذ حياته الأبدية منه ومن ~~سائر الكائنات. # فالأسطورة والديانة والفلسفة ليست حلقات متوالية في سلسلة واحدة؛ لأن الأسطورة لا تزال ~~باقية في تعبيرات الشعر والفنون وفي كل تشبيه يراه الخيال في اليقظة أو في المنام، ولأن ~~الفلسفة قد تقول كل ما عندها ولا تستأصل بذلك عنصر العقيدة من الوجدان، وقد تمحو العقيدة أو ~~تفسدها ولا يلزم من ذلك أن تكون بديلا منها أو خطوة تالية لخطوتها، فليست قدرة الفلسفة على ~~تفنيد بعض العقائد دليلا على أنها عقيدة من عنصرها، بل هي دليل على أنها تفسح المكان ~~لعقيدة أخرى لا تبطلها الفلسفة ولا يكون بينها وبين الفلسفة علاقة النقيض بالنقيض. # وفحوى ذلك كله بكلمة موجزة أن الفلسفة والديانة ليستا بالنقيضين، ولكنهما ليستا بشيء ~~واحد، فقد يوجد الشيئان المنفصلان ولا يتناقضان. # على أننا نحاول أن نستخلص من هذه المذاهب جميعا زبدتها التي تستمد من كل واحد منها، ~~فيبدو لنا أنها تفضي بنا إلى نتيجتين واضحتين: فالنتيجة الأولى أنها «تدين» كلها بالتطور ~~أو بالتغير من بساطة إلى تركيب ومن وضيع إلى رفيع. # ولكن لا سبيل إلى التطور ولا التغير إذا كان الكون كله مادة سرمدية لا مصدر لها ولا غاية؛ ~~إذ كل ما فيه اليوم قد كان فيه كل يوم، فإذا لم يكن وراءه عقل يصرفه ويملك مقاديره فلا معنى ~~للتطور فيه، أما تصريف العقل له فلا ينقضه أن تغيب عنا علل التصريف والتقدير؛ إذ اللازم ~~منطقيا أن المادة الأبدية لا تزيد ولا يجد عليها جديد، ولكن ليس من اللازم منطقيا أن ~~نحيط بكل ما يحيط به العقل المدبر لجميع الوجود. # والنتيجة الثانية أن العلوم التجريبية كانت ثورة على العرفان من طريق الفلسفة القديمة ~~وعلى العرفان من طريق المنطق والقياس بغير تجريب، وإن هذه الفلسفات الحديثة جاءت ثورة على ~~العلوم التجريبية وعلى دعوى هذه العلوم أنها دون ms236 غيرها مصدر المعرفة الصحيحة بالكون ~~والحياة. # والثورة على الثورة أقرب إلى الإقرار منها إلى الإنكار. # فإذا لاح للوهلة الأولى أن هذه المذاهب الفلسفية إمعان في إنكار العقيدة والإيمان فالنظرة ~~التالية قد ترينا فيها مغزى غير ذلك المغزى واتجاها غير ذلك الاتجاه. # إذ هي إقرار لوسائل المعرفة التي تأتي من غير طريق التحليل والمشاهدة الحسية، واعتراف ~~للنفس بحق في الحكم على الوجود والموجودات لا يتوقف على المعمل والمشرط والمنظار. # وذلك عود إلى حق النفس في الإيمان، وفتح لباب الإلهام والبديهة، بعد أن أوشك الحس أن ~~يغلقه ويقيم عليه الأرصاد. # ولن تفتح باب الإلهام طويلا دون أن يطرقه الطارق المأمول. # | العلوم الطبيعية والمباحث الإلهية # بقي رأي العلم الحديث في المسألة الإلهية. # ويحق للعالم الطبيعي أن يبدي رأيا يحتج به في المباحث الإلهية بمقدار نصيبه من صحة العلم ~~وسعة الأفق وقوة العارضة وصدق العبارة، وهو يستفيد هذه الخصال من طول البحث وتعود التمحيص ~~والتجربة ووفرة المعلومات في موضوع واحد أو موضوعات متعددة، ويستطيع - إذا كان ممن يستدلون ~~بنظام الكون على قدرة صانعه - أن يتوسع في تفصيل الشواهد على دقة النظام واطراده في ظواهر ~~المادة وخفاياها التي تحتجب عن غير العلماء المتفرغين لهذه العلوم. # أما العلوم الطبيعية نفسها فليس من شأنها أن تخول أصحابها حق القول الفصل في المباحث ~~الإلهية والمسائل الأبدية؛ لأنها من جهة مقصورة على ما يقبل المشاهدة والتجربة والتسجيل، ~~ومن جهة أخرى مقصورة على نوع واحد من الموجودات، وهي بعد هذا وذاك تتناول عوارض الموجودات ~~ولا تتناول جوهر الوجود، وهو لا يدخل في تجارب علم من تلك العلوم. # فالبيولوجي يدرس أعضاء الجسم الحي، ولكنه لا يستطيع بعلمه أن يبين أسباب الاختلاف بين ~~الخلية الحية والخلية الميتة أو الخلية الجامدة، ولا يستطيع أن يقرر ماهية الحياة؛ لأن ~~أعمال الأعضاء شيء والقوة التي تعمل بها تلك الأعضاء شيء آخر لا يدخل في نطاق البيولوجية ~~التي يتعلمها أقدر المشرحين أو العارفين بتركيب الأجسام الحية. # وإذا قرر العالم البيولوجي أن المادة قابلة لتوليد الحياة فهو ms237 لا يقرر ذلك في حدود علمه، ~~بل يقرره في حدود ظنه وتقديره، ويجوز لعالم المعادن - بمثل هذا الحق - أن يقرر أن المادة لا ~~تملك خاصة الحياة؛ لأنه درس ذرة المادة في صورها المعدنية دراسة العلماء. # فالعلم الطبيعي لا يحق له الفصل في المسألة الإلهية. # ولكن العالم الطبيعي يحق له إبداء الرأي في هذه المسألة بحق العقل والدليل والبديهة ~~الواعية؛ لأنه إنسان يمتاز حقه في الإيمان بمقدار امتيازه في صفات الإنسان، أما العلم نفسه ~~فلا غنى له عن البديهة الإنسانية في تلمس الحق بين مجاهل الكون وخوافيه. # وبعض العلماء ينكرون ثقة البديهة ويزعمون أنها تناقض أصول البحث والدراسة، فيغفلون عن عمل ~~هذه الثقة في سريان العلوم وتعميم نفعها بين من يعرفونها ومن لا يعرفونها على ~~السواء. # فكيف تسري المقررات العلمية بين العلماء - فضلا عن الجهلاء - لولا ثقة البديهة؟ # كيف يعرف المهندس صدق الطبيب في مباحثه العلمية؟ ولا نقول كيف يعرفها الجاهل بالطب ~~والهندسة؟ # كيف تصبح المقررة العلمية حقيقة يعتمد عليها العارف والجاهل في إنفاق المال على بناء ~~العمائر وتصحيح الأجسام ومد السكك وصناعات الحديد والخشب والحجارة وما إليها؟ # ما من حقيقة من هذه الحقائق تسري بين الناس بغير ثقة البديهة وثقة الإيمان. # ما من حقيقة من هذه الحقائق يعرفها جميع المنتفعين بها معرفة العلماء، أو يمكن أن يعرفها ~~جميع الناس كما يعرفها بعض الناس. # وهي مع ذلك مسائل محدودة يتاح العلم بها لمن يشاء. # فلماذا يخطر على البال أن حقيقة الحقائق الكبرى تستغني عن ثقة البديهة الإنسانية ولا ~~يتأتى أن تقوم في روع إنسان إلا بتجارب المعامل التي يباشرها كل إنسان؟ # نعم إن الحقيقة العلمية يعرفها كل من اختبرها ويتبين صدقها بالامتحان إذا تيسرت موازينه ~~ومعاييره، وهي عند الطلب ميسورة لأكثر الناس. # ولكنك تستطيع أن تجزم كل الجزم أن الأمر كذلك في العقيدة والإيمان، فإن الذين يختبرون ~~شعور الرسل والقديسين بإيمانهم لا بد أن يشعروا بذلك الإيمان كما شعر به الرسل والقديسون، ~~وقد يعبرون عنه بأسلوب غير أسلوب العلماء في صوغ ms238 النظريات وتركيب المعادلات، فلا يدل ذلك ~~على عجب، بل يدل على أمر مألوف معهود: وهو أن التعبير عن الوجدانيات غير التعبير عن ~~المعقولات، وآية ذلك في مبتكرات الفنون، وفيما نراه كل يوم من أساليب الناس في التعبير عما ~~يحسون. # فبهجة الربيعة ينعم بها الطائر والجواد والإنسان، فيرسلها الطائر تغريدا، ويطلقها الجواد ~~صهيلا، وينظمها الإنسان قصيدا إن كان من الشعراء، وينحتها تمثالا إن كان من المثالين، ~~ويرددها ألحانا إن كان من الموسيقيين، وينقلها إلى شخوص قصة إن كان من كتاب القصص ~~والروايات، ويؤلف منها أسطورة إن كان ممن يتخيلون الأساطير، ولا نشك في وجود الشعر لاختلاف ~~العبارات؛ لأن الشعور موجود لا شك فيه. # ويبلغ إنسانا ما يسره فيترجم عن سروره بتوزيع الصدقات وإطعام المساكين، ويبلغ غيره ذلك ~~النبأ بعينه فيترجم عنه بوليمة يدعو إليها الأحباب والأصدقاء، ويبلغ آخرين فيعبرون عنه ~~بالقصف واللهو أو بالراحة وإعفاء النفس من الأعمال أو بالصلاة والدعاء، وقد يتهلل الوجه وقد ~~تسيل الدموع من العيون، ولا شك فيما يترجمون عنه، وإن كان لكل سرور ترجمان يوافق ~~الإنسان. # فثقة البديهة لازمة في مقررات العلم فضلا عن مقررات الإيمان بالغيوب، ولزومها يقتضيه ~~العقل ولا يعتمد على وحي البديهة وحده، أو على مجرد التسليم. # إن الكائن الذي يستحق الإيمان به هو الكائن المطلق الكمال، كما أسلفنا في ختام الكلام على ~~خلاصة الفلسفة الوضعية، أي فلسفة أوجست كونت. # والكائن المطلق الكمال هو الكائن الذي لا يدخل في حدود العقول ولا يخضع لتجارب ~~العلماء. # فما الذي يقضي به العقل في هذه المناقضة؟ # إنه لا يقضي بأن يكون سبب الإيمان هو مبطل الإيمان؛ لأنه كلام لا يسيغه عقل ولا علم، ~~ولكنه يقضي بما قضى به الواقع أيضا واتفق عليه المفهوم والمحسوس، وهو ألا نكتفي بالعقل ~~وحده ولا بالعلم وحده في الإيمان بالكائن الذي يستحق الإيمان، وأن نعلم أن ثقة البديهة متمم ~~لا غنى عنه لوظيفة العقل والعلم في معرفة الله، ولا عجب في ذلك، وهي مسألة أكبر من المسائل ~~العقلية والمسائل العلمية؛ لأنها ms239 مسألة الوجود كله في جوهره وعرضه وفي ظاهره وخافيه، ومسألة ~~العالم والمعلوم والعقل والمعقول. # وقد اختارت طائفة من العلماء المعاصرين موقفا غير هذا الموقف في مواجهة الغيب وتفسير ~~العقيدة الإلهية، وكان أكثرهم من البيولوجيين الذين يقررون أن المادة تشتمل على خواص ~~الحياة، وأنه لا حاجة إلى فرض قوة غير القوى المادية لتفسير نشأة الأحياء على الكرة ~~الأرضية. # وكلامهم هذا لا قيمة له من العلم نفسه إلا في اليوم الذي يروننا فيه مكانا تنشأ فيه ~~الحياة من الجماد كما نشأت في زعمهم قبل التطور الأخير، أو في اليوم الذي يروننا فيه مادة ~~مخلوقة بأعين العلم تتحول إلى حياة، أو في اليوم الذي يحللون فيه خلية تلد إنسانا سويا ~~فيصنعون خلية مثلها في مقاديرها تلد إنسانا يرث ما ينمو في الخلية الحية من خلائق الآباء ~~والأجداد منذ آلاف السنين. # والكيميون الذين يقولون كما يقول هؤلاء إن الإشعاع كاف لتفسير المادة وتراكيبها العضوية ~~وغير العضوية مطالبون بمثل ما يطالب به أولئك البيولوجيون، فالإشعاع يملأ الفضاء. # فليركبوه كما حللوه، أو يرونا مكانا يتحول فيه الشعاع إلى ذرة وتتحول فيه الذرة إلى ~~خلية، ولا يكونون بعد ذلك قد أبطلوا قولا من أقوال المؤمنين بالله؛ لأن عمل الصانع لا يثبت ~~عمل المصادفة، بل يرده إلى صانع ألهمه وجعله في حكم الطبيعة التي تتخلق كما أراد. ~~••• # ويعزز القول بأن إنكار الحقيقة الإلهية هو مسألة العالم لا مسألة العلم - أن كثيرا من ~~العلماء الممتازين ينكرون هذا الإنكار ويؤمنون «بالعقل» في هذا الوجود، ويعتبرون تفسير ~~الكون بالإرادة الإلهية أقرب تفسير إلى العقل وإلى الضمير، وبين هؤلاء أفذاذ من علماء ~~الطبيعة وعلماء الرياضة أو من العلماء الذين جمعوا بين الطبيعة والرياضة واستقرت لهم في هذه ~~العلوم مكانة أعلى وأثبت من مكانة المنكرين، وإذا جازت المفاضلة بين حقوق العلماء في بحث ~~المسألة الإلهية فأرجح العلماء حقا في هذه المباحث هم علماء الطبيعة الفلكيون؛ لأن الفلكي ~~يعتمد على بديهة العقل الرياضية، والطبيعي يعتمد على تجارب الحس الخارجية، والذي يجمع ~~بينهما يجمع بين ms240 دلائل العقل والمشاهدة، ويبني حكمه على نظام السماوات ونظام هذه الأشياء ~~التي نلابسها في حياتنا الأرضية، فهو يتلقى الفكرة الإلهية في أوسع نطاق. # وقد يرجح حق العالم الرياضي في هذه المباحث اعتبار آخر تبرزه لنا الكشوف الحديثة في ~~مختلف العلوم الطبيعية، ونعني به أن الكون كله يوشك أن يتراءى لنا في نسيج من النسب ~~الرياضية التي تسوغ قول الفلكيين الأقدمين: «إن الله يهندس» وإن الهندسة تترجم لنا حكمة ~~الله في مخلوقاته العلوية والسفلية على السواء. # ومن أكبر هؤلاء العلماء سير أرثر إدنجتون # Eddington # الذي ~~يقول: «إن تفسير الكون بالحركة الآلية أمر لا يسيغه العلم الحديث، وإن الكون أحرى أن يفسر ~~بالنسب الرياضية في عقل عاقل، ولكن الإنسان هو سر الكون الأكبر، وهو الذي يدرك هذه النسب ~~ويدرك ما بين عقله وعقل الكون من علاقة وثيقة، وإنه إذا جاز للحركة الآلية أن تخلق في ~~المستقبل «إنسانا آليا» فليس مما يجوز في العقول أن تتخيل ذلك الإنسان سائلا عن الحقيقة ~~أو مباليا بأسباب الحق والباطل، ولكن هذا الشوق إلى الحقيقة هو هو لب لباب الحياة وهو هو ~~محور الوجود الإنساني منذ نجم من صلب هذه الطبيعة: هذا هو الذي يجعل الإنسان شيئا مغايرا ~~كل المغايرة لما حوله من الظواهر الطبيعية ويجعله قوة روحانية، ومتى ارتفعت الصيحة من قلب ~~الإنسان: فيم كل هذا؟ لم يكن جوابا صالحا لتلك الصيحة أن ننظر إلى هذه التجارب التي ~~نتلقاها من حسنا ونقول: كل هذا هو ذرات وفوضى، وهو كرات نارية تحوم وتحوم حول القضاء ~~المحتوم، كلا، بل الأحرى أن نفهم أن كل هذا وراءه روح يستوي الحق في محرابها، وتكمن فيها ~~قوابل لتنمية الذات بمقدار ما فيها من النزوع إلى تلبية عناصر الخير والجمال.» ~~••• # ومن كبار العلماء الفلكيين الطبيعيين الذين ينظرون إلى الحقيقة الإلهية هذه النظرة ~~جينز # Jeans # صاحب المباحث المعدودة في الإشعاع والذرات ~~الغازية، وهو ينبذ التفسير الآلي كما ينبذه إدنجتون، ويستدل بالنسب الرياضية على وجود الله؛ ~~لأننا لم نستخرج هذه النسب من الكون بل ms241 استخرجناها من عقولنا، فلما عرفناها وطبقناها على ما ~~حولنا عرفنا أنها كانت موجودة عاملة قبل أن نهتدي إليها ونترقى إلى مراقبة عملها في نواميس ~~الكون ونواميس الحياة، فحق لنا أن نفهم أن هذه الحقائق الرياضية هي حقائق عقل إلهي أودعها ~~أفكارنا كما أودعها هذه العوالم من حولنا. قال: «إن العقل لا يعد بعد طفيليا على عالم ~~المادة كما بدا لبعضهم من قبل، بل نحن آخذون أن نراه ونرفع إليه التمجيد لأنه هو خالق عالم ~~المادة والمهيمن عليه، وليس المقصود بالبداهة عقولنا الإنسانية، ولكنما المقصود هو العقل ~~الذي نحسب من أفكاره تلك الذرات التي تنمي لنا العقول»، فالكون أحرى أن يسمى «فكرة عظيمة» ~~لا آلة عظيمة، وإنه لأهول خطرا من الأفكار في رأس إنسان. ~~••• # والعلامة ألبرت أينشتين صاحب النسبية حجة في الرياضيات وفي الطبيعيات وله مشاركة في فن ~~الموسيقى ومقاصد الفلسفة، وهو قوي الإيمان بوجود الله، ويقول: «إن أصحاب العبقريات الدينية ~~من جميع العصور قد عرفوا بهذا النوع من الشعور الديني الذي لا ينتمي إلى نحلة ولا يتمثل ~~الله في أمثلة بشرية، فكيف يتأتى أن ينتقل هذا الشعور الديني الكوني من إنسان إلى إنسان ~~إذا لم يبرز في صورة معينة أو مراسم معلومة؟ إنني لأرى أن أهم وظيفة من وظائف الفن والعلم ~~هي أن يوقظا هذا الشعور وأن يستبقياه حيا في الذين تهيئوا له ...» # ومن طبقة هؤلاء العلماء الكبار من يتدين ويقرر فائدة الصلاة ولا يكتفي بإيمان العقل أو ~~الضمير بوجود الله، فالسير أوليفر لودج الرياضي الطبيعي المشهور يؤمن بالله وبالروح وبفائدة ~~الصلاة، ويرد على الذين يزعمون التناقض بينها وبين القوانين الأبدية بأنهم يخطئون التصور إذ ~~«يتصورون أنفسهم كأنهم شيء منعزل عن الكون وخارج منه يعمل فيه من ظاهره ويحاول أن يبدل ~~مظاهره بالابتهال إلى نظام في القوى المسيرة» ... و«لكننا إذا استطعنا أن نتفطن إلى أنفسنا ~~وأننا نحن جزء صميم من النظام بأسره، وأن رغباتنا ومطالبنا هي نفحة من الإرادة المسيطرة ~~الهادية لم يمتنع على حركات عقولنا أن يكون لها أثر ms242 فاعل إذا سرنا بها وفاقا لأصدق ما في ~~الكون من القوانين وأعلاها.» # ويضرب السير أوليفر مثلا لذلك بالدولة العادلة التي تكون خلجات الآحاد فيها جزءا من ~~التشريع والإدارة إذا هي سلكت سبيلها الحق إلى التعبير السليم والتوفيق بينها وبين أصول ~~النظام. # ولا تزال كتب العلماء المؤمنين تطالع القراء في الغرب بآرائهم في وجود الله وأسبابهم التي ~~تبعث فيهم الإيمان به والثقة بتدبيره، ومن أحدثها كتيب الأستاذ كريسي موريسون # Cressy Morrisson # الذي كان رئيسا لمجمع العلوم في ~~نيويورك، وقد سماه: «ليس الإنسان بوحيد»، ولخص فيه سبعة أسباب للإيمان بالحقيقة الإلهية ~~يعرفها الطبيعيون والرياضيون وتأبى عليهم أن يردوها إلى المصادفة؛ لأنها لا تختل أبدا مع ~~أن التوافق بينها بالمصادفة لا يتجاوز نسبة الواحد إلى ألوف الملايين، ومن أقوى هذه الأسباب ~~السبعة قوله عن الناسلات # Genes # وفحواه «أنها تبلغ من الدقة ~~أن جميع الناسلات التي يتولد منها سكان الكرة الأرضية جميعا لو وضعت في حيز واحد لما زادت ~~على قمع الخياطة، ولكنها كانت في كل خلية حية وفي طواياها أسرار الخصائص التي يتصف بها جميع ~~الآدميين.» قال: «وإن قمع خياطة لحيز صغير إذ يحتوي فيه جميع خصائص الأفراد الموزعة بين ~~ألفي مليون من البشر، ولكنه واقع لا ترقى إليه الشكوك، فكيف إذن تنطوي في هذه الناسلات جميع ~~عوامل الوراثة المتخلقة من حشود الأسلاف وتستبقي لكل فرد مقوماته النفسية في مثل هذا الحيز ~~الذي بلغ الغاية من الدقة والصغر.» # ونحن نرى من هذا المثال ما يستطيعه العالم من تفصيل الأدلة التي يتناقلها من لا يدرسون ~~العلوم الطبيعية، فإن خلق الذكر والأنثى معجزة كافية لإثبات القصد والتدبير في خلق الحياة ~~واستدامة أسباب البقاء للأحياء، وإن الغرائز النوعية التي تؤدي هذه المعجزة لأبرز من أن ~~تخفى على عالم أو غير عالم، ولكن العالم الطبيعي وحده هو الذي يستطيع أن يضاعف هذه الدلالة ~~أضعافا فوق أضعاف؛ لأنه يرينا بمثل الدليل المتقدم أعجب أعاجيب هذه الغريزة التي تخفى على ~~سواه، ويبين لنا أن الحياة قوة من عالم المكان ms243 والزمان؛ لأن الحيز الذي يحتوي الناسلة هو ~~الحيز الذي يحتوي كل ذرة في حجمها من الذرات المادية، ولكنه يتسع لآفاق من القوى لا أثر لها ~~في ذرات الأجساد، وقد قيل على سبيل التعجيب والإغراب أن «لو» تضع باريس في علبة صغيرة، وظن ~~القائل أنه بالغ أقصى المبالغة في تصوير الاستحالة والإعجاز الذي تستطيعه الفروض أو الأماني ~~المشتهاة. ولسنا هنا بصدد فرض باطل أو أمنية خيالية، ولكننا في صدد حقيقة أعجب من جميع ~~الفروض والأخيلة؛ لأنها لا تضع باريس وحدها في علبة صغيرة، بل تضع النوع الإنساني كله في ~~أقل من العلبة الصغيرة: في قمع لا يتسع لأكثر من أنملة، وهو يتسع مع ذلك لكل ما في النفوس ~~من الأحاسيس والحوافز والأسرار، ولكل ما في العقول من الأفكار والفلسفات والمبتكرات، ولكل ~~ما في الضمائر من العقائد والأخلاق والأشواق، ولكل ما في الأجسام من الوظائف والمحاسن ~~والأشباه، ولكل ما بين هؤلاء من الأواصر والوشائج والعلاقات. # فإن كان العلم هو الذي يعوق هذه الآية عن الوصول إلى العقول فما هو بواصل إلى شيء وما من ~~شيء هو واصل إليه. # لكن العلم براء من هذا التعطيل الذي يشل العقول ويفقدها شجاعة الاعتقاد، فإذا جاز له أن ~~ينكر فإنما يجوز له ذلك بحجة واحدة: وهي أنه يجهل وليس أنه يعلم، ومن الجهل لا من العلم أن ~~نجعل الجهل مرجعا للوجود من أعلاه إلى أدناه، فليقل «العالم» إنه يجهل لأن الأمر أكبر من ~~أن يعرفه ويحيط بحدوده، ولكن الأمر الذي لا يعرفه ولا يحيط بحدوده موجود لا شك فيه. # | خاتمة المطاف # مهما يكن من تشعب الرحلة التي قضيناها على صفحات هذا الكتاب، فهي نقلة يسيرة بالقياس إلى ~~الرحلة الإنسانية الكبرى في هذا السبيل، ولعل ما بقي منها أضعاف ما سلف؛ لأن السعي إلى ~~الحقيقة الأبدية لن يزال سعيا موصولا في كل جيل. # وقد أوجزنا وكان لا بد لنا من أن نوجز، ولكننا توخينا في الإيجاز ألا يتخطى حد ~~الضرورة، وحد الضرورة هو أن يكون البيان كافيا ms244 للإشارة إلى الوجهة العامة وأن يكون ~~كافيا لتقرير النتائج التي يرتضيها العقل ويتطلبها الضمير، سواء من جانب العقائد الدينية ~~أو من جانب المباحث الفكرية. # وخاتمة المطاف قد تنتهي بنا إلى النتائج الآتية، وهي «أولا»: أن التوحيد هو أشرف العقائد ~~الإلهية وأجدرها بالإنسان في أرفع حالاته العقلية والخلقية، ولكن الإنسان لم يصل إلى ~~التوحيد دفعة واحدة، ولم يفهمه على وجهه الأقوم عندما وصل إليه، بل تعثر في سعيه، وأخطأ في ~~وعيه، ولم يزل مقيدا بأطوار الاجتماع وحدود المعرفة عصرا بعد عصر وحالا بعد حال، فلم ~~يلهم من هذه العقيدة إلا بمقدار ما يفهم، ولم يهتد إلى خطوة جديدة فيها إلا بعد تمهيد ~~أسبابها وتثبيت مقدماتها، فكان الإيمان مساوقا للخلق والعرفان. # وليس في ذلك كله ما يقدح في الغاية البعيدة التي يؤمها من وراء هذه الخطوات، وليس في جميع ~~هذه الأخطاء ما يقدح في الحقيقة الكبرى؛ لأن معرفة الإنسان بالحقيقة الكبرى دفعة واحدة هي ~~المحال الذي لا يجوز، وترقيه إليها خطوة بعد خطوة هو السنة التي اتبعها في كل مطلب ~~بعينه. # فلم يكن من الجائز أن يتعرف الصناعات والعلوم جزءا جزءا في هذه الآماد الطوال، وأن ~~يتلقى حقيقة الوجود الكبرى كاملة مستوفاة منذ نشأته على هذه الأرض أول نشأة، ولقد مضى عليه ~~عشرات الألوف من السنين وهو يخلط في طهو غذائه، وحاجته إلى الطعام لا شك فيها، ومادة الطعام ~~بين يديه، وعلم الطعام ليس بالعلم المغيب وراء الحجب والأستار، فإذا فاته أن يدرك الوجود ~~المطلق قبل أن يتقن غذاءه فليس من الجائز أن نعجب لذلك، أو أن نستفتح به أبواب التشكك في ~~كنه العقيدة أو في لباب الحقيقة، وإنما العجب ألا يكون الأمر كما كان. # والنتيجة الثانية التي يرتضيها العقل ويتطلبها الضمير في خاتمة المطاف أن الإله الأحد ~~«ذات» ولا يسوغ في العقل أن يراه غير ذلك. # فقد مرت بنا أقوال تضاربت فيها الآراء، وأحكام تنوعت فيها المقاييس، ولكننا وجدنا بينها ~~إجماعا على شيء واحد مع صعوبة الإجماع في هذه الأمور، وهو ms245 أن «الذاتية» أعلى ما نتصوره من ~~مراتب الكائنات على الإطلاق. # فالأقدمون الذين قالوا بالعقل والهيولى، والمحدثون الذين قالوا بالنشوء والارتقاء، ~~والنشوئيون الذين قالوا ببقاء الأنسب أو قالوا بالانبثاق، وغير هؤلاء وهؤلاء مجمعون على قول ~~واحد، وهو أن الترقي إنما هو الانتقال من وجود بغير ذات إلى وجود له ذات: إلى وجود يعلم ~~ذاته ويشعر بوجوده. # فالجماد المبهم الذي لا تعيين فيه أقل من الجماد الذي تعين بعضه من بعض وتميزت له أشكال ~~وصفات. # وهذا الجماد أقل من النبات. # وكلما ارتقى النبات ظهر فيه التعيين بين شجرة وشجرة، وبين ثمرة وثمرة، واتجه إلى التخصيص ~~بعد التعميم. # وهكذا آحاد الحيوان. # وهكذا آحاد الإنسان. # حتى إذا بلغ غاية مرتقاه أصبح «ذاتا» لا تلتبس بذات أخرى من نوعه، وكان هذا هو المقياس ~~الصادق لترتيب درجات الكمال في جميع الكائنات. # فالكائن الأكمل لن يكون مجردا من الذات، ولن يتخيله العقل عقلا مجردا من الذاتية كما ~~وهم بعض أصحاب الديانات، وناقضوا أنفسهم فيما وهموه. # فالعقل يعقل وجوده لا محالة. # ومتى عقل وجوده فهو «ذات.» # أما العقل الذي لا يعقل وجوده فتسميته بالعقل ضرب من العي والإحالة، وتسميته بغير هذا ~~الاسم تلفيق يحار فيه التعبير، فإذا كان قوة مادية فلا معنى لفرضها بمعزل عن قوى الكون، ~~وإذا كان قوة عقلية فلن تكون القوة العاقلة في غير ذات. ~~••• # ونأتي بعد ذلك إلى النتيجة الثالثة وهي إدراك هذه الذات. # فكل شرط يذهب إليه الذاهبون لتقييد «الذات» الإلهية بصفة من الصفات المعهودة لدينا فهو ~~شرط قائم على غير أساس. # فلا أساس للقول بأن «الله» لا تكون له صفات متعددة؛ لأنه جوهر بسيط. # ولا أساس للقول بأن الله لا يريد لأن الإرادة اختيار بين أحوال، والله منزه عن ~~الأحوال. # ولا أساس للقول بأن الله لا يعلم الجزئيات لأنه يعلم أشرف المعقولات، وهو ذات ~~الله. # فنحن قد جهلنا البساطة في المادة وأحكامها ونحن نلمس الأجسام ونعيش في الأجسام. # جهلنا البساطة المادية فقال الأقدمون: إن المادة كلها من النار والتراب والهواء والماء، ~~ثم ms246 عللنا التركيب بتعدد العناصر واختلاف توليف الذرات، ثم علمنا أن الذرات كلها تنتهي إلى ~~إشعاع وهو أبسط ما تراه العين ويلم به الخيال، وقد كانوا قديما يقولون إن الأجرام العلوية ~~خالدة أبدية لا يعرض لها الفساد والتغير لأنها نور بسيط، فكل الأجسام إذن نور بسيط لا نعلم ~~منه إلا أنه حركة في فضاء! ونحن قد جهلنا أحكام البساطة وصفاتها في المادة المحسوسة قرونا ~~بعد قرون، ولا نزال نعلم أننا واهمون فيما تتصف به من الحركة والسكون، فمن أين لنا أن ندرك ~~أحكام البساطة الإلهية قياسا على وصف لا تحيط به العقول؟ # من أين لنا أن إرادة الله من قبيل إرادتنا؟ وأن علم الله من قبيل علمنا؟ وكيف يكون الوجود ~~إن لم يكن وجودا يفعل ويخالف العدم؟ وكيف يخالف العدم إذا كان سلبا لا أثر له على سبيل ~~الثبوت؟ # هنا نعلم أن الدين لم يكن أصدق عقيدة وكفى، بل كان كذلك أصدق فلسفة حين علمنا أن الله جل ~~وعلا # ليس كمثله شيء ~~. # فكل ما نعلمه أنه جل وعلا كمال مطلق وأن العقل المحدود لا يحيط بالكمال الملطق الذي ليست ~~له حدود، وليس لهذا العقل أن يقول للكمال المطلق كيف يكون وكيف يفعل وكيف يريد. ~~••• # ويفضي بنا الكلام في طاقة العقل إلى نتيجة رابعة، وهي الصلة بين العقل والإيمان. # فكيف نؤمن إذا كان العقل الإنساني قاصرا عن إدراك الذات الإلهية؟ وكيف تأتي الصلة بين ~~الكمال المطلق وبين الإنسان؟ # وقد نمهد للجواب على هذا السؤال بسؤال آخر يرد البحث إلى نصابه، فنسأل: أيراد بالعقل إذن ~~أن يكف عن الإيمان حتى يكون عقلا كاملا مطلق الكمال؟ أم يراد بالعقل أن يؤمن بإله دون ~~مرتبة الكمال؟ # لا هذا ولا ذاك مما يراد أو يقع في حسبان، فالكائن الذي يستحق الإيمان به هو الكائن الذي ~~يتصف بالكمال المطلق في جميع الصفات، وغير معقول أن يكون سبب الإيمان هو السبب المبطل ~~للإيمان، وغير معقول أن يستحيل الإيمان مع وجود الإله الذي يتصف بأكمل الصفات، فالمخرج ~~الوحيد من ms247 هذا التناقض أن الصلة بين الخالق وخلقه لا تتوقف على العقل وحده، وأي عجب في ذاك؟ ~~إن الإنسان كله لفي الوجود؟ وليس العقل وحده هو قوام وجود الإنسان، فلماذا تنقطع الصلة بين ~~الخلق والخالق إذا حسرت العقول دون ذلك المقام. # أفمعنى هذا أن العقل الإنساني لا عمل له في مسألة الإيمان؟ # كلا، بل له عمل كبير، ولكنه ليس بالعمل الوحيد. # وفرق بين أن يعرف العقل حدوده وبين أن يبطل عمله، فإن العقل ليستطيع التفرقة بين عقيدة ~~الشرك وعقيدة التوحيد ويستطيع التفرقة بين أدلة الإيمان وأدلة التعطيل، ويستطيع التفرقة بين ~~ضمير مؤمن وضمير عطل من الإيمان، ويستطيع أن يبلغ غاية حدوده ثم لا ينكر ما وراءها لأنه ~~وراء تلك الحدود، ويستطيع أن يسأل نفسه: أممكن أن يمتنع علي الإيمان بالله لا لشيء إلا ~~لأنه متصف بأكمل الصفات التي يتعلق بها إيمان المؤمنين؟ فإن لم يكن ذلك ممكنا فليعترف ~~«بالوعي الديني» لأنه ضرورة لا محيص عنها، ولأنه واقع ملازم للإنسان في محاولاته الأولى، ~~ولن يزال ملازما له في مقبل عصوره أبد الأبيد. ~~••• # وهنا يعرض السؤال عن مشكلة الخير والشر التي برزت بعد الأديان الكتابية إلى الصف الأول ~~بين مشكلات علم الكلام وعلم اللاهوت، وكانت قبل الأديان الكتابية سببا للقول بالتثنية ~~وتعدد الوساطات بين الله وعالم المادة أو عالم الهيولى. # ففي سياق الكلام على كمال الذات الإلهية يسألون: كيف يتفق هذا الكمال وما نحسه في هذا ~~العالم من النقص والشر والعذاب؟ # والسؤال متواتر ولكنه عجيب؛ لأن الكمال المطلق صفة الخالق وليس صفة المخلوقات، وكل مخلوق ~~محدود، وكل محدود فلا بد فيه من نقص يحس على صورة من الصور: صورة قبح أو صورة شر أو صورة ~~عذاب. # ولو جاز أن يخلق الله إلها آخر لوجب أن يكون هذا الإله محدودا وأن يكون حده نقصا على ~~صورة من تلك الصور أو على صورة غيرها لا نعرفها. # ونحن لا نعالج أن نحل المشكلة كما يحلها القائلون بأن الألم والشر والرذيلة أوهام زائلة ~~ليست لها حقيقة باقية، ms248 فإن كانت أوهاما فهذا لا يحل المشكلة ولا يصرفها؛ إذ لا شك أن وهم ~~السرور أطيب من وهم الألم، وأن وهم الخير أفضل من وهم الشر، وأن وهم الفضيلة أكرم من وهم ~~الرذيلة. # ولكننا نرى أن المشكلة كلها مشكلة اقتراح بعد التسليم بوجوب النقص في المخلوقات، وأن ~~المراد بالاقتراح أن يكون النقص مرضيا للناقصين، أو أن يكون خلوا من الألم ~~والعذاب. # إلا أن اقتراح الإنسان على الكون كاقتراح كل جزء صغير على مجموعه الكبير، ولا فرق بينه ~~وبين اقتراح الحجر الذي يريد أن يدخل الجدار في الوسط أو في الزاوية، وكاملا أو مكسورا من ~~بعض الأطراف دون الأطراف الأخرى، وعاليا على المشارف أو مدفونا في جوف الأساس. # ومن لنا أن النقص الذي لا يرضينا هو أقرب إلى الكمال من النقص الذي نرضاه؟ أليس حافز ~~الألم هو وسيلة الشوق إلى الكمال والتفرقة بينه وبين النقص في شعور الضمير؟ # بل الواقع أننا نرى هذه الآلام وسيلة الارتقاء بتنازع الأحياء، وأنها وسيلة التهذيب ~~والازدياد في نمو فضائل الإنسان، ولو أننا سألنا رجلا ناضجا أن يسقط من حياته آثار آلامه ~~أو آثار مسراته لتردد كثيرا بين الآلام والمسرات، ولعله في النهاية يسقط آثار المسرات ولا ~~يسقط آثار الآلام. # ونحن نحكم على غايات الأبد بتجارب العمر القصير، فلا فرق في ذلك بيننا وبين من يحكم على ~~الرواية المعروضة أمامه بكلمة في خطاب أو كلمة في جواب، ثم يحكم على التأليف والمؤلف كأنه ~~شهد جميع الفصول وقابل بينها وبين شتى الفصول والروايات. # والأمر كما أسلفنا في هذا الكتاب فرض من ثلاثة فروض: فإما إله قادر على كل شيء ولا يخلق ~~شيئا، وإما إله يخلق إلها مثله في جميع صفات الكمال، وإما إله يخلق كونا محدودا يلم به ~~النقص الذي يلم بكل محدود. # وهذا هو الفرض الوحيد المعقول، وإذا اقترح مقترح أن يكون النقص على صورة لا نحسها فليس ~~اقتراحه هذا بمقبول عند جميع العقول الآدمية فضلا عن العقل الإلهي المحيط بما كان وما ~~يكون؛ لأن الإحساس ms249 بالنقص أقرب إلى الكمال عند الكثيرين من نقص لا نحسه ولا يفرق في شعورنا ~~بين الحسن الشهي وما هو أحسن منه وأشهى. # والإنسان بعد قرين الزمن وليس بقرين الآزال والآباد، ولا بد لقرين الزمن من عوارض ومن ~~غير، ولا بد في هذه العوارض والغير من فوارق بين الأحوال وفوارق بين الآحاد وفوارق ~~بين الجماعات، وإلا كانت أبدية إلهية لا يطرأ عليها اختلاف. # وهذه الفوارق هي ما نشكوه ونقترح غيره، فغاية ما يقال في هذا الاقتراح أنه يقبل المراجعة ~~والمناقضة وليس بالحكم الأخير في أسرار هذه الأكوان. # ونحسب أننا نظلم نصيب الحس إذا قلنا إن مسألة الإيمان مسألة عقل ومسألة «وعي» ليس للحس ~~فيها من نصيب. # فنحن نستطيع أن نرى بأعيننا أن الإيمان ظاهرة طبيعية في هذه الحياة؛ لأن الإنسان غير ~~المؤمن إنسان «غير طبيعي» فيما نحسه من حيرته واضطرابه ويأسه وانعزاله عن الكون الذي يعيش ~~فيه، فهو الشذوذ وليس هو القاعدة في الحياة الإنسانية في الظواهر الطبيعية، ومن أعجب العجب ~~أن يقال إن الإنسان خلق في هذا الكون ليستقر على إيمان من الوهم المحض، أو يسلب ~~القرار. # وليست حجة للمنكر أن يقول إن الإنكار ممكن في العقول، بل حجة للمؤمن أن يقول إن حال ~~المنكر ليست بأحسن الأحوال، وإنه إذا أنكر عن اضطرار تبين لنا على الفور أنه في حال «غير ~~الحال الطبيعي» الذي يستقيم عليه وجود الأحياء. # وخاتمة المطاف أن الحس والعقل والوعي والبديهة جميعا تستقيم على سواء الخلق حين تستقيم ~~على الإيمان بالذات الإلهية، وأن هذا الإيمان الرشيد هو خير تفسير لسر الخليقة يعقله المؤمن ~~ويدين به المفكر ويتطلبه الطبع السليم. ms250