######OpenITI# #META# URI: 1383CabbasMahmudCaqqad.Ana.Hindawi31475247 #META# Tags: biographies #META# ID: 31475247 #META# Title: أنا #META# AuthorID: 64642852 #META# Author: عباس محمود العقاد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # | أنا # | أنا # تأليف # عباس محمود العقاد # | الفصل الأول # (1) أنا # الكاتب الأمريكي «وندل هولمز» يقول: إن الإنسان - كل إنسان بلا استثناء - إنما هو ~~ثلاثة أشخاص في صورة واحدة. # الإنسان كما خلقه الله ... الإنسان كما يراه الناس ... والإنسان كما يرى هو نفسه ... # فمن من هؤلاء الأشخاص الثلاثة هو المقصود بعباس العقاد؟! # ومن قال إنني أعرف هؤلاء الأشخاص الثلاثة معرفة تحقيق أو معرفة تقريب؟! # من قال إنني أعرف عباس العقاد كما خلقه الله؟ # ومن قال إنني أعرف عباس العقاد كما يراه الناس؟ # ومن قال إنني أعرف عباس العقاد كما أراه، وأنا لا أراه على حال واحدة كل يوم؟ # هذه هي الصعوبة الأولى، ولا أتحدث عن غيرها من الصعوبات. # ولكني أضربها مثلا واحدا من أمثلة كثيرة، ثم أختصر الطريق، وأنتقل إلى الموضوع من ~~قريب. # إنني لن أتحدث - بطبيعة الحال - عن «عباس العقاد» كما خلقه الله ... # فالله - جل جلاله - هو الأولى بأن يسأل عن ذلك ... # ولن أتحدث - بطبيعة الحال - عن «عباس العقاد» كما يراه الناس، فالناس هم المسئولون عن ~~ذلك ... # ولكن سأتحدث عن عباس العقاد كما أراه. # وعباس العقاد كما أراه - بالاختصار - هو شيء آخر مختلف كل الاختلاف عن الشخص الذي ~~يراه الكثيرون من الأصدقاء أو من الأعداء ... هو شخص أستغربه كل الاستغراب حين أسمعهم ~~يصفونه أو يتحدثون عنه، حتى ليخطر لي في أكثر الأحيان أنهم يتحدثون عن إنسان لم أعرفه ~~قط، ولم ألتق به مرة في مكان. # فأضحك بيني وبين نفسي وأقول: ويل التاريخ من المؤرخين ... # أقول: ويل التاريخ من المؤرخين؛ لأن الناس لا يعرفون من يعيش بينهم في قيد الحياة، ~~ومن يسمعهم ويسمعونه، ويكتب لهم ويقرأونه، فكيف يعرفون من تقدم به الزمن ألف سنة، ولم ~~ينظر إليهم قط، ولم ينظروا إليه؟! # فعباس العقاد هو في رأي بعض ms001 الناس - مع اختلاف التعبير وحسن النية - هو رجل مفرط ~~الكبرياء ... ورجل مفرط القسوة والجفاء ... # ورجل يعيش بين الكتب، ولا يباشر الحياة كما يباشرها سائر الناس. # ورجل يملكه سلطان المنطق والتفكير، ولا سلطان للقلب ولا للعاطفة عليه! # ورجل يصبح ويمسي في الجد الصارم، فلا تفتر شفتاه بضحكة واحدة إلا بعد استغفار ~~واغتصاب. # هذا هو عباس العقاد في رأي بعض الناس. # وأقسم بكل ما يقسم به الرجل الشريف أن عباس العقاد هذا رجل لا أعرفه، ولا رأيته، ولا ~~عشت معه لحظة واحدة، ولا التقيت به في طريق ... ونقيض ذلك هو الأقرب إلى الصواب. # نقيض ذلك هو رجل مفرط في التواضع، ورجل مفرط في الرحمة واللين، ورجل لا يعيش بين ~~الكتب إلا لأنه يباشر الحياة؛ رجل لا يفلت لحظة واحدة في ليله ونهاره من سلطان القلب ~~والعاطفة، ورجل وسع شدقاه من الضحك ما يملأ مسرحا من مسارح الفكاهة في روايات شارلي ~~شابلن جميعا ... # هذا الرجل هو نقيض ذاك ... # ولا أقول: إن هذا الرجل هو عباس العقاد بالضبط والتحقيق، ولكني أريد أن أقول: إنهم لو ~~وصفوه بهذه الصفة لكانوا أقرب جدا إلى الصواب، ولأمكنني أن أعرفه من وصفه إذا التقيت ~~به هنا أو هناك، خلافا لذلك الرجل المجهول الذي لا أعرفه بحال! # مكان التواضع واللين # إنني لا أزعم أنني مفرط في التواضع. # ولكنني أعلم علم اليقين أنني لم أعامل إنسانا قط معاملة صغير أو حقير، إلا أن ~~يكون ذلك جزاء له على سوء أدب. # وأعلم علم اليقين أنني أمقت الغطرسة على خلق الله؛ ولهذا أحارب كل دكتاتور بما ~~أستطيع، ولو لم تكن بيني وبينه صلة مكان أو زمان، كما حاربت هتلر ونابليون ~~وآخرين. # وأنا لا أزعم أنني مفرط في الرقة واللين. # ولكنني أعلم علم اليقين أنني أجازف بحياتي، ولا أصبر على منظر مؤلم أو على شكاية ~~ضعيف. # فعندما كنت في سجن مصر رجوت الطبيب أن يختار لي وقتا للرياضة غير الوقت الذي ~~تنصب فيه آلة الجلد لعقوبة المسجونين. # فدهش الطبيب، ظن أنه يسمع نادرة ms002 من نوادر الأعاجيب ... # وقال لي في صراحة: ما كنت أتخيل أن أسمع مثل هذه الطلب من العقاد ~~«الجبار». # وأصبت في السجن بنزلة حنجرية حادة حرمتني النوم وسلبتني الراحة، ولم تزل هذه ~~النزلة الحنجرية عندي مقدمة لأخطر الأمراض كما حدث قبل نيف وعشرين سنة، ونجوت منها ~~يومئذ بمعجزة من معجزات العلاج والعناية وتبديل الهواء، ومن أجل هذه النزلة ~~الحنجرية ألبس في الشتاء تلك الكوفية التي علقتها الصحف الفكاهية في رقبتي لا تحل ~~عنها في صيف أو شتاء، ولا في صبح أو مساء، حتى أوشكت أن تكون من علامات تحقيق ~~الشخصية قبل الملامح والأعضاء. # وكانت زنزانة السجن التي اعتقلت بها على مقربة من أحواض الماء، شديدة الرطوبة ~~والبرودة، يحيط بها الأسفلت من أسفلها إلى أعلاها، ولا تدخلها الشمس إلا بإشارة من ~~بعيد. # فعرض المحامون أمري على المحكمة وحولته المحكمة إلى النيابة، ودرسته النيابة مع ~~وزارة الداخلية ومصلحة السجون، وتقرر بعد البحث الطويل نقلي إلى المستشفى، وإقامتي ~~هناك في غرفة عالية تشرف على ميدان واسع وحديقة فسيحة، وتتصل بالداخلين والخارجين ~~أثناء النهار، ويتردد عليها الأطباء والموكلون بالخدمة الطبية من الصباح إلى ~~الصباح. # فرج من الله، وأمنية عسيرة التحقيق تمهدت بعد جهد جهيد! # فصعدت إلى المستشفى وأنا أعتقد أن الخطر الأكبر قد زال أو هان، ولكني لم ألبث ~~هناك ساعة حتى شعرت أن الزنزانة المغلقة أهون ألف مرة من هذا المكان الذي أصغي فيه ~~إلى أنين المرضى، وشكاية المصابين والموجعين، ثم غالبت نفسي ساعة فساعة، حتى بلغت ~~الطاقة مداها ولما يطلع الفجر من الليلة الأولى، وإذا بي أنهض من سريري وأنادي حارس ~~الليل ليوقظ ضابط السجن ويعود بي إلى الزنزانة من حيث أتيت، ولتفعل النزلة الحنجرية ~~وعواقبها الوخيمة ما بدا لها أن تفعل. # أنا أعلم من نفسي هذا، وأعلم أن الرحمة المفرطة باب من أبواب العذاب في حياتي منذ ~~النشأة الأولى، وأعلم ما أعلم عن تلك العواطف التي يتحدث بها بعض الفضوليين ولا ~~يعرفون منها غير التصنع والتمثيل، وتدميع العيون، وتبليل المناديل، ثم أسمع ms003 جبلا ~~من هذه الجبال البشرية يذكر الرحمة وما إليها، كأنها حلية لا يزين الله بها إلا ~~أمثاله، ولا يعطل الله منها إلا أمثال عباس العقاد ... فماذا يكون حكمي بعد هذا على ~~آراء الناس في الناس؟! # لن يكون إلا قلة اعتداد برأي من الآراء يحسبونها الكبرياء وليست هي الكبرياء، ~~ولكنها موقف من لا يبالي أن يعتقد من يشاء ما يشاء. # كرامة الأدب والأدباء # إلا أن الناس معذورون بعض العذر في شبهة الكبرياء هذه، وإن كانوا لا يطالبون ~~أنفسهم بأقل مجهود في تصحيح هذه الشبهات. # فقد أراد الله - وله الحمد - أن يخلقني على الرغم مني متحديا «تحديا خصوصيا» ~~لكل تقليد من التقاليد السخيفة التي كانت ولا تزال شائعة في البلاد المصرية والبلاد ~~الشرقية على العموم. # أنا أطلب الكرامة من طريق الأدب والثقافة، وأعتبر الأدب والثقافة رسالة مقدسة يحق ~~لصاحبها أن يصان شرفه بين أعلى الطبقات الاجتماعية، بل بين أرفع المقامات ~~الإنسانية بغير استثناء. # أفي ذلك عار؟! أفي ذلك موجب للحقد والضغينة؟! # كلا! بل فيه مأثرة وفيه فضل جديد على عالم الأدب في هذا الشرق المسكين الذي كان ~~أدباؤه لا يرتفعون عن منزلة المضحكين، والندماء المهرجين على موائد الأغنياء ~~والرؤساء، فإذا ارتفعوا عن هذه المنزلة قليلا أو كثيرا، فهم لا يرتفعون بفضل ~~الأدب والفن، بل بفضل وظيفة يعتصمون بها، أو شهادة علمية ينتحلون سمعتها، أو ثروة ~~يحسبون من أهلها، ثم يحترمون لأجلها على الرغم من كونهم كتابا وشعراء! # وها هو ذا إنسان يعرف حقه في الكرامة، ولا يعرف حقا لتلك الأصنام الاجتماعية ~~تفرضه عليه. # صنم المال، وصنم العناوين العلمية، والشارات الرسمية، وصنم المناصب، وصنم ~~الألقاب، كيف تتجاهلها يا هذا؟! وكيف تطلب الكرامة لنفسك من غير طريقها؟! # إن الأصنام لا تقنع بما دون العبادة، فكيف بالإعراض وقلة المبالاة؟! وكيف ~~بالتحطيم والكفران؟! # جهنم الأرباب جميعا قليلة - قليلة جدا - في جانب هذا الذنب العظيم ... # وإذا بهذه الأصنام جميعا تدعوني إلى دفع الجزية المفروضة عن يد ونحن صاغرون، ~~وإذا بها جميعا تعود خالية الوفاض غير محفول بما ms004 تعمل وما تقول. # قالت: أتريد لك حقا وكرامة؟ # قلت: نعم ... # قالت: إذن كن غنيا وإلا فليس لك كرامة ... # قلت: كلا ... سأكون غنيا عن الغنى، ولي الكرامة التي أريدها ... # قالت: إذن كن صاحب لقب وعنوان ... # قلت: كلا ... سيعرفني العالم والأديب، وسأصعد في هذه السماء صعودا حيث تزحف ~~الألقاب والعناوين. # قالت: إذن كن صاحب منصب، كن صاحب أحساب وأنساب، كن شيئا في طريقي، ولك المسعدة ~~مني بعد ذلك في كل طريق. # قلت: سأمضي في كل طريق أريد المضي فيه، ولا حاجة بي إليك. # ثم دارت الأيام، والتقيت بالأصنام. # قالت في شماتة وهي تتساءل: كيف الحال؟ # قلت: عال ... أنت تعلمين على الأقل أنني لم أدفع الجزية المفروضة، وأنت تعلمين على ~~الأقل أنني لم أخسر شيئا يعنيني. # قالت: نعم ... ولكنك تعبت كثيرا، وخرجت آخر المطاف بسمعة الكبرياء والجفاء ~~... # قلت: يغفر الله لك أيتها الأصنام! أتعنين السمعة على الألسنة، والإشاعة في ~~المجالس، وسوء القالة بين الفارغين؟! هذه أيضا صنم من الأصنام التي لا أعرف لها ~~جزية تؤدى، فاكتبي جزيتها وجزيتك في حساب واحد، وانتظري بالأجل إلى يوم ~~الدين! # ولا عجب أن تغضب الأصنام غضبتها التي تضيق بها اللحوم والدماء، ولكن العجب أن ~~يغضب عبادها المساكين الذين لا يظفرون منها بطائل، وأعجب منه أن يغضب عبادها ~~الحانقون عليها المتلهفون على الخلاص منها؛ لأنهم نسوا هذا، وأصبحوا يذكرون أن ~~واحدا أفلح حيث يفشلون، فلماذا تمرد فاستطاع وهم يتمردون فلا يستطيعون؟! # ذلك هو الثأر الذي لا يغفر! # وذلك وأمثاله هو الأصل الأصيل في شبهة الكبرياء، أسوقه على هذا النحو الذي لا ~~يشبه الاعتذار، وأفسره بهذا التفسير الذي لا يتضمنه طلب البراءة؛ لأنني أكره ~~الاعتذار عن الحسنات حينما يتفاخر الناس بالسيئات والوصمات، وبحسبي أنني نازل عن ~~حقي في الثناء؛ لما صنعت من جميل لكرامة الأدب والأدباء. # العزلة والانطواء # وعذر آخر للناس - وإن كان لا ذنب لي فيه - أن يذهب بعضهم من النقيض إلى النقيض في ~~فهم رجل يعيش بينهم على قيد الحياة. # عذر هؤلاء أنني مطبوع على العزلة والانطواء ms005 على النفس في أحسن الأحوال وأسوئها ~~على السواء. # ولا حيلة لي في ذلك؛ لأن أسبابه عميقة، يرجع بعضها إلى الوراثة، وبعضها إلى ~~الطفولة الباكرة، وبعضها إلى تجارب الدنيا التي لا تنسى. # ورثت حب العزلة من كلا الأبوين. # وعرض لي حادث دون السابعة من عمري أتمثله الآن كأني حضرته منذ يومين، وهو حادث ~~الوباء الذي كان معروفا باسم الهيضة، أو الهواء الأصفر في أسوان. # أقفرت المدينة شيئا فشيئا من سكانها. # مات كثيرون منهم ورحل آخرون، وخلا الشارع الذي أقيم فيه؛ فأغلقت الحكومة أبوابه، ~~ولطختها بالعلامة الحمراء التي معناها أن هذا البيت قد زاره الوباء. # ومن لحظة إلى لحظة يتراءى في الشارع نعش عار يمشي من ورائه رجلان أو ثلاثة، وقد ~~يكون بينهم وبين حمل هذا النعش مسافة الطريق، وتوصيلة أخرى من توصيلاته التي لا ~~تنقطع طول النهار. # وبيتنا وحده فيه إصابتان ... # وليس في الشارع - إذا خرجت إليه - طفل واحد يحوم بين تلك البيوت المغلقة ~~بالعلامة الحمراء. # وإذا نزلت إلى شارع النيل حيث كان يطيب لي التجوال على غير هدى، وجدته مقفرا من ~~الناس، ومن حين إلى حين تعبر في النيل سفينة شاردة لا تجترئ على ملامسة الشاطئ؛ ~~خوفا من العدوى، ويصيح منها صائح كلما لمح على المورد زميلا يسأله عن ~~الخبر: كم المحصول اليوم؟ # فيجيبه: مصري كامل ... أو مجيري ... أو بنتو ... أو نصف جنيه فقط في أسلم ~~الأيام. # ما هذا المحصول؟! وما هذه العملة التي يحسبونه بها؟! # إنها تهكم المصائب الوجيع! # إنه عدد الموتى في ذلك اليوم: جنيه مصري كامل: أي مائة ميت، ونصف جنيه: أي خمسون، ~~ولم أسمع قط ذكر الريال إلا في ختام الموسم الشنيع: موسم الحصاد! # صورة لا أنساها، ولا ألتفت إليها إلا تمثلت وحشتها وبلواها، وإليها - ولا شك - ~~يرجع شيء من هذه الوحشة التي تحبب إلي الخلوة والانفراد ... # وتزيد عليها تجارب الدنيا التي لا تنسى، وخلاصتها: أن العواطف المزيفة أروج في ~~هذه الدنيا من العواطف الصحيحة؛ فلا أسف إذن على رأي الناس في الناس، ولا اعتداد ~~إذن ms006 بما يقال ومن يقول ... # الصداقة والعداوة # ما أسلفته لا أذكره على أنه فضائل محمودة، ولا على أنه رذائل مذمومة ... ولكنه صفات ~~حقيقية وكفى. # ومن هذه الصفات الحقيقية التي أعهدها في نفسي أنني لا أميل إلى التوسط في الصداقة ~~ولا في العداوة، فلا أعرف إنسانا نصفه صديق ونصفه عدو، وإنما أعرفه صديقا مائة في ~~المائة، أو عدوا مائة في المائة، ولا تهمني مع ذلك عداوته إذا حفظها لنفسه ... ~~ولكنه إذا تعقبني بها وأبى إلا أن يكشف عنها فهي الحرب التي لا توسط فيها كذلك: إما ~~كاسر وإما مكسور، إلا أن يريحني احتقاره من عناء هذا وذاك ... # ومن هذه الصفات، أنني أمام الألفة أو العادة ضعيف لا أقدم على التبديل إلا بعد ~~عناء طويل. # ومثل من أمثلة ذلك أن البيت الذي أسكنه قد تغير له أربعة من الملاك، وأنا الساكن ~~فيه لا أتغير. # وإنني في مصر الجديدة، ودكان حلاقي في شارع محمد علي إلى الآن؛ لأنني منذ عشرين ~~سنة كنت أسكن هناك. # وإنني كنت أشكو مرض الكلى قبل نيف وعشرين سنة، فأشار علي الطبيب باتباع نظام ~~مخصوص في الطعام يناسب الحالة التي أشكوها، وقد زالت تلك الحالة بعد سنة واحدة، ~~ولكني لا أزال إلى الساعة أجري على النظام الذي ألفته من جرائها، ولا أستطيب أن ~~أعود إلى كل طعام! # ومن هذه الصفات أن الظنون عندي قوية السلطان، وعلة ذلك عندي معالجة التفكير ~~المنطقي في كل شيء، فليس أسهل في المنطق من فتح أبواب الاحتمالات، أما إغلاقها - أو ~~الجزم بنفيها - فلا يكون إلا ببرهان قاطع، والبراهين القاطعة قليل. # ومن هذه الصفات أن التجديد والمحافظة عندي يلتقيان في معظم الأمور، وعلة ذلك على ~~ما أعتقد أنني نشأت بأسوان، وهي أعرق مدينة بين مدن مصر القديمة بموروثاتها التي لا ~~تبلى، وهي في الوقت نفسه مدينة أوروبية في الشتاء، أو كانت كذلك يوم نشأت بها نشأتي ~~الأولى، فأوروبا كلها كانت تتراءى هناك كل شتاء بملاهيها، وأزيائها، وعاداتها، ~~ومؤلفاتها، وفنونها، واختلاف أقوامها. # وأنا أحب الأطفال جدا، وكان ms007 في منزلنا جماعة من الأطفال أكبرهم في السادسة من ~~عمره، وهم جميعا أصدقائي، وكثيرا ما يصعدون إلى مسكني يسألونني، ويتحدثون معي ما ~~شاء لهم الحديث. # أنا يأسرني الفن الجميل، حتى إنني أبكي في مشهد عاطفي أو درامي متقن الأداء، ~~وأذكر أنني بكيت في أول فيلم أجنبي ناطق، وكان يمثله الممثل القديم «آل ~~جولسون»، وكان مع «آل جولسون» طفل صغير يمثل دور الطفل الذي حرم من أمه، وظل ~~هدفا للإهمال حتى مات ... وتأثرت من الفيلم وبكيت، ولم أستطع النوم في تلك الليلة، ~~إلا بعد أن غسلت رأسي بالماء الساخن ثلاث مرات متتالية ... وأنا أستعين بغسيل الرأس ~~بالماء الساخن على إبعاد الأفكار السوداء عني عندما تتملكني. # ومن صفاتي التي لا يعرفها الناس، أنني إذا عوملت بالتسامح لا أبدأ بالعدوان ~~أبدا، وإذا هاجمني أحد فلا أرحمه، وقد قالت سارة عني ذات مرة: «إن من يظهر طرف ~~السلاح للعقاد يا قاتل يا مقتول!» # ولدي صفة عجيبة أعتز بها أيما اعتزاز، وهي أن لدي حاسة سادسة لا تخطئ، ففي ~~أحد الأيام - كنت بأسوان - سألت أخي فجأة عن صديق لي لم أكن قد رأيته منذ مدة، وفي ~~المساء جاءتني برقية تنعى ذلك الصديق، وقد تبينت بعد ذلك أنه توفي في اللحظة نفسها ~~التي تذكرته فيها، وقد تكررت مثل تلك الحوادث كثيرا حتى عرف عني أصدقائي هذه ~~الصفة. # وأنا وفي جدا لأصدقائي من الأحياء والأموات، كما أنني وفي لذكرياتي، وأعتز ~~بها كل الاعتزاز، وقد كنت شديد التعلق بوالدتي، وعندما كنت أزور أسوان كان أول ما ~~أفعله هو أن أنزل من القطار وأهرع إلى غرفة والدتي، وألتصق بها ... فلما توفيت إلى ~~رحمة الله لم أدخل غرفتها حتى الآن؛ كي لا أراها فارغة منها، حتى الشوارع التي كنت ~~أغشاها مع صديقي المازني - رحمه الله - لم أستطع أن أغشاها بعد مماته، وصرت أتجنب ~~ما يذكرني بفجيعتي فيهما حتى لا أحزن من جديد. # ولدت في أسوان # ولدت في أسوان يوم 28 يونيو سنة 1889، ولي إخوة أشقاء وغير أشقاء، فقد كان ~~والدي ms008 متزوجا قبل والدتي، ثم ماتت زوجته، وبعدها تزوج أمي ... وكبير أشقائي أحمد، ~~وكان يعمل سكرتيرا لمحكمة أسوان، وهو الآن على المعاش، وعبد اللطيف وهو تاجر، ولي ~~شقيقة واحدة نحبها جميعا، وهي متزوجة تعيش في القاهرة إلى جواري، أما إخوتي غير ~~الأشقاء، فهم جميعا أكبر مني سنا، وبعضهم يعيش في القاهرة، والبعض الآخر ~~بأسوان. # بدأت حياتي الأدبية وأنا في التاسعة من عمري، وكانت أول قصيدة نظمتها في حياتي هي ~~قصيدة مدح العلوم، وقلت فيها: # علم الحساب له مزايا جمة # وبه يزيد المرء في العرفان # والنحو قنطرة العلوم جميعها # ومبين غامضها وخير لسان # وكذلك الجغرافيا هادية الفتى # لمسالك البلدان والوديان # وإذا عرفت لسان قوم يا فتى # نلت الأمان به وأي أمان # وتدرجت في المدارس، ثم جئت إلى القاهرة للكشف الطبي عندما التحقت بإحدى وظائف ~~الحكومة عام 1904، وكان عمري إذ ذاك 15 سنة، وكانت وظيفتي في مديرية قنا، ولم تكن ~~اللوائح تسمح بتثبيتي؛ لأنني لم أكن قد بلغت بعد سن الرشد، ثم نقلت إلى الزقازيق، ~~ثم كنت أول من كتب في الصحف يشكو الظلم الواقع على الموظفين، ثم سئمت وظائف ~~الحكومة، وجئت إلى القاهرة، وعملت بالصحافة، وأخيرا عينت عضوا بمجلس الفنون ~~والآداب ... كما عينت بالمجمع اللغوي. ~~(2) أبي # هل يعرف أحد من أين لي باسم «العقاد»؟ # لا أحد طبعا ... وهناك غير هذا أشياء كثيرة لا يعرفها الناس عني، أشياء قد تبدو غريبة، ~~لكنني أقولها في هذا المقام. # أما اسم «العقاد» فأذكر أن جد جدي لأبي كان من أبناء دمياط، وكان يشتغل بصناعة ~~الحرير، ثم اقتضت مطالب العمل أن ينتقل إلى المحلة الكبرى حتى يتخذها مركزا لنشاطه، ~~ومن هنا أطلق عليه الناس اسم «العقاد»، أي الذي «يعقد» الحرير ... والتصقت بنا، وأصبحت ~~علما علينا ... ~~••• # قد تعجب إذ تعلم أن جدنا الأكبر من دمياط، مع أن الجميع يعرفون أنني من أسوان، وأن ~~عددا من أبناء أسرتنا لا يزال يعيش في أسوان حتى اليوم. # وإني أتمثل «أبي» الآن في الصورة التي رأيتها ألفي مرة بل أكثر من ألفي ms009 مرة؛ لأنني ~~كنت أراها كل يوم منذ فتحت عيني على الدنيا، إلى أن فارقت بلدتي بعد اشتغالي بالوظائف ~~الحكومية ... # وتلك هي صورته على مصلاه، يؤدي صلاة الصبح، ويجلس على سجادة الصلاة من مطلع الفجر إلى ~~ما قبل الإفطار؛ ليتلو سورا خاصة من القرآن الكريم، ويعقبها بتلاوة الدعوات. # وكان يؤدي الصلوات الخمس في أوقاتها، ولكن جلسته في الصباح الباكر هي التي انطبعت في ~~ذاكرتي إلى هذه الساعة؛ لأنها كانت أول ما أستقبله من الدنيا كل صباح. # ومن أجل الصلاة حدث بيني وبينه خلاف يوصف بالعصيان؛ فإنه - رحمه الله - كان يدين ~~بالجد في الواجب، أو بالشدة في الجد، وكان يرى للطفل ما يراه للشيخ، إذا كان الأمر أمر ~~فريضة، أو عمل محمود، أو عرف مأثور ... # من ذلك أنه كان يراني فيما دون الثامنة من عمري أجلس في المنزل بين قريباتي وخالاتي ~~وجارات المنزل، فيصيح بي مستغضبا: عباس ... ماذا تصنع هنا بين النساء؟ ... تعال معي فاجلس بين أمثالك ... # ومن هم أمثالي؟! شيوخ فيما بين الأربعين والسبعين، كانوا يسمرون معه في «المندرة»، ~~ويقضون الوقت في أحاديث الشيوخ عن السياسة تارة، وعن قضايا الأسر الكبيرة تارة أخرى، ~~وقلما يمزحون أو يتفكهون إلا ثابوا إلى وقارهم كالمعتذرين ... وكانت السهرة تنقضي على ~~أحسن حال إذا حضرها شيخ متحذلق معلوم فيه بعض الغفلة ... فيناوشونه بالأسئلة المحرجة، ~~والدعابات المتناقضة ... ثم يعودون إلى ما كانوا فيه. ~~••• # وقد أفادتني هذه الجلسات كل فائدة تأتي من التوقر قبل سن الوقار، وقلما يخلو من بعض ~~الأضرار. # ولكن فائدتها الكبرى كانت - ولا ريب - معرفتي بالقاضي أحمد الجداوي - رحمه الله - ~~فإنه كان من أدباء الفقهاء الذين عاصروا السيد جمال الدين، وأخذوا عنه دروس الحكمة ~~والغيرة القومية، وكان قوي الذاكرة، واسع المحفوظ من المنظور والمنثور، يستظهر مقامات ~~الحريري، وبديع الزمان، ودواوين الشعراء الفحول، ويطارح خمسة أو ستة من الأدباء في وقت ~~واحد فيسكتهم دائما، ولا يسكتونه مرة واحدة. فكانت معرفتي به إحدى الدواعي التي حفزتني ~~للمطالعة، والإقبال على الكتب والدواوين. # ومن أمثلة الجد الشديد في السيد ms010 الوالد - رحمه الله - أنه كان ينظر إلى «الصور» كأنها ~~ألاعيب فارغة لا تليق بالعقلاء، فلم يتخذ له صورة قط، ولم يوافقني على شراء صورة من صور ~~الفصول المدرسية التي كانت ترسم للمدرسة كل عام. # على هذه السنة من الجد الشديد أراد - رحمه الله - أن أواظب على الصلاة في أوقاتها ~~قبل العاشرة من عمري، فكان أثقل ما أعانيه في ذلك يقظة الفجر في الشتاء، وهو الوقت الذي ~~يرين فيه النوم على الأطفال، فلا يستيقظون إلا بعد جهد عنيف. # وصبرت على هذا الجهد العنيف مرتين أو ثلاث مرات أو أربع مرات، ثم تمردت دفعة واحدة، ~~وقلت لمن جاء يوقظني: «اذهب عني، فلست بالمستيقظ ... ولست بالمصلي اليوم!» # وسمع أبي ما قلت فصاح بي: «ماذا تقول؟ ... أتقول إنك لا تصلي؟» ووثب إلى عصاه ... # فذهب بي الإصرار مذهبه، وقلت: «نعم!» # فصمت ولم يزد، وأعرض عني أياما لا يكلمني حتى تناسينا هذا الخلاف، وكنا مع ذلك نجلس ~~إليه جميعا على الطعام في الصباح والمساء، وأحيانا في طعام الغداء. ~~••• # وموضع الشدة في هذه المسألة أنني لم أكن أنفر من الصلاة، ولا من الفرائض الدينية، بل ~~كنت أخف إلى المسجد بعض الأوقات، وأنشد على المئذنة أناشيد الجمعة الأولى، وظللت أنشدها ~~بعد ذلك وأنظمها، ولا أذكر للمؤذن أنني نظمتها؛ لئلا يستصغرها ويرفض إنشادها، ولكن ~~الشدة صدمتني لأنها كلفتني ما لا أطيق قبل الأوان، وجاءتني في معرض الإكراه والإلزام، ~~وهي عبرة تساق للاستفادة منها في هذا المقام. # ولا أزال أذكر ملامح السرور التي رأيتها على وجه أبي حين أنشدته قصيدة من تلك القصائد ~~التي كنت أنظمها في مدح النبي عليه السلام، فإنه تهلل واستبشر، ولعله تهلل واستبشر ~~لنزعتي الدينية قبل براعتي في نظم الشعر أو تجويد الكتابة، ولا يلاحظ علي إلا أنني ~~ختمت القصيدة بشطر أقول فيه على ما أذكر مشيرا إلى نفسي: «عباس من هو في الأشعار ~~مدرارا.» # فقال: «إن الأباصيري أكبر مادحي النبي قد ختم مدائحه معتذرا عن التقصير، فافعل كما ~~فعل، أو فاسكت عن الاعتذار وعن الإطراء.» ms011 ~~••• # وكان - رحمه الله - يحتقر المال أن يطلبه بما يسوء في الضمير، أو يسيء إلى ~~إنسان. # وقد كان في وسعه أن يجمع الثروة العريضة من وظيفته، فلم يكسب منها غير مرتبه، وما هو ~~بالكثير. ~~••• # كان أمينا «للمحفوظات» بإقليم أسوان، وكانت أسوان خارجة من القلاقل الجسام التي حاقت ~~بها في حرب الدراويش، فمعظم أبنائها الأغنياء كانوا يتجرون في السودان، فانقطعوا هناك ~~بعد انقطاع المواصلات، وذهبت الوثائق فلم يدر أحد ما ذهب منها وما بقي بدار المحفوظات، ~~وتداولت هذه المحفوظات أيد كثيرة على غير انتظام في التسليم والاستلام ... وكثر ~~المدعون للأرض والعقار؛ اعتمادا على ضياع الوثائق وغياب المالكين وموت بعض الوارثين، ~~فلو شاء أبي في هذه الفترة أن يخفي ويظهر، وأن يقبل المساومة والإغراء، لقاسم الكثيرين ~~فيما يدعون أو فيما يملكون، ولكنه أوصد هذا الباب فلم يطمع فيه طامع، وسلم دار ~~المحفوظات لمن بعده، وهي مثل في الدقة والضبط وسهولة المراجعة والإحصاء. ~~••• # ومن تقديراته أنه في احتقار المال الذي يكسب عن طريق الإساءة إلى الناس، أنه زجر ~~أخي الكبير زجرا شديدا، حين علم أنه ينوي التبليغ عن بعض المتهمين في قضية جعلت ~~للمبلغ فيها مكافأة قدرها خمسون جنيها - أو مائة جنيه - لا أذكر الآن على ~~التحقيق. # وجلية القضية أن فتى من الشبان الوارثين بالقاهرة حضر إلى أسوان في الشتاء ومعه ألف ~~جنيه، وكانت أسوان مرتاد السائحين والسائحات في موسم الشتاء، وفيها من أسباب الإنفاق ~~والمتعة مطمع لأمثال ذلك الوارث، ومن يلوذون بالمبذرين والمسرفين، وسرق الوارث قبل أن يستنفد من الألف مائة أو مائتين، وانحصرت الشبهة في شاب موظف ~~بالمحكمة، كان يسكن مع أمه وأبيه في بيت لنا مجاور للبيت الذي نقيم فيه، فراحت أمه إلى ~~جارة لها تستجهلها، وتظن أنها لا تعرف ورق النقد الذي كان في الواقع غير معروف بين أكثر ~~الناس، فاستودعتها لفافة من الورق هي جملة المبلغ المسروق، ولكن المرأة أطلعت زوجها على ~~الخبر، وهو من كتاب العرائض المدربين؛ فعرف الورق وعرف سر القضية، وأخفى كل ما وصل ~~إليه. ~~••• # مثل ms012 هذا الخبر لا يخفى بين سكان حي من أحياء الريف؛ فعرفنا ما حدث، وعرفنا أن الوارث ~~سمح بالمكافأة التي ذكرناها لمن يرشد إلى السارقين، ونظر أخي الكبير إلى القضية نظر ~~الرجل العصري الذي لا يبالي أن ينتفع بالمال للتبليغ عن مجرمين، ونظر أبي إليها نظرة ~~الجيل القديم يستعيذ من فضيحة الحرمات من أجل ما يبذره وارث سفيه ... فدعا بأخي أمامنا ~~جميعا، وأقسم له أغلظ الأيمان لئن أقدم على التبليغ ليبرأن منه مدى الحياة، ولا يأذن ~~له أن يمشي في جنازته بعد الممات. # وكان يحاسب نفسه على كل حصة من المال تجتمع في حوزته، وتفرض عليها الزكاة فيوزعها ~~خفية، ويرسلني بها إلى بيوت بعض الفقراء الذين لا يتعرضون للسؤال، ولا يرد مسكينا ~~يطلب الطعام من المساكين الذين يترددون على الأبواب. # وكان كثير العطف على ذوي قرباه، يزورهم في المواسم والأعياد، سواء منهم من كبر ومن ~~صغر، ومن استغنى ومن افتقر، على ما كان في انتقاله إليهم من المشقة بعد أن جاوز ~~الخمسين، وإذا استخلص منهم واحدا لسداد رأيه، وخلوص طويته، شاوره في الجليل والدقيق من ~~شئون الأسرة، واعتمد على مشورته في كثير من الأحيان. # ولم يكن يغضب لشيء كما كان يغضب لكرامته وسمعة اسمه، ومن ذاك أنه كان له حمار ينتقل ~~عليه من قرية إلى قرية، حين كان معاونا للإدارة، فلما استقر في المدينة باعه لبعض ~~المكارين، # 1 # وكان الحمار مشهورا بالسرعة وهدوء الحركة، فكان المستأجرون ~~يطلبونه ويقولون للمكاري: «هات حمار العقاد.» ثم اختصروا كعادتهم فأصبحوا يطلبونه ~~فيقولون: «هات العقاد! هات العقاد.» فلما سمع بذلك عاد فاشتراه، وقبل المغالاة في ~~ثمنه على غير حاجة إليه، واستبقاه يعلفه، ويتحمل ضجته حتى اشتراه من ينقله إلى قرية ~~بعيدة لا يستخدمه فيها بالكراء! ~~••• # ولم يكن مكثرا من القراءة في غير الكتب الدينية، ولكنه كان يحدثنا دائما عن تجاربه ~~ومصاعب حياته، ويأبى علينا أن نستمع إلى أقاصيص العجائز وحكايات الأساطير. # على أنني وجدت في دواليب «المندرة»، بعد أن بلغت سن القراءة، أعدادا كثيرة من مجلة ms013 ~~«الأستاذ» لصاحبها عبد الله نديم؛ فاتصلت بالحركة الوطنية قبل أن تنشأ في القطر صحيفة ~~من صحفها الحديثة. # وجملة ما أذكره لذلك الأب الكريم، أنني مدين له بالكثير، وأنني لم أرث منه مالا ~~يغنيني ... ولكني استفدت منه ما لا أقدره بمال ... ~~(3) أمي # في سنة 1930 ذهبنا إلى الصعيد في رحلة انتخابية، وكان النقراشي - رحمه الله - قائد ~~«التجريدة» كما سميناها يومذاك؛ لأن النقراشي كان كعادته يسير في ترتيب أعمالها، وتنظيم ~~مواعيدها على خطة عسكرية لا تختل قيد شعرة، وكان نظامها يستلزم في بعض الأيام أن نستيقظ ~~قبل الفجر لإدراك موعد القطار، فكان القائد اليقظ يسبقنا إلى البكور، ولا تمضي دقائق ~~معدودات حتى تصبح التجريدة كلها على استعداد. # ونزلنا سوهاج فاسترحنا بمنزل الأستاذ محمد حسن المحامي، وجاءني الأستاذ يقول: «هل ~~يتسع الوقت للقاء خالك؟» فالتفت إلى النقراشي أسأله، فقال: «نعم ... وزيادة.» ~~••• # ثم عاد الأستاذ صاحب الدار يقول: «إن الزوارق حاضرة»؛ لأننا كنا ننوي أن نعبر النيل ~~إلى أخميم، ونعود منها قبل إطباق الظلام، فسأله النقراشي: «أولسنا منتظرين حتى يحضر خال ~~العقاد؟!» # قال الأستاذ محمد حسن: «ها هو ذا قد حضر، ولا يزال حاضرا، وإن شاء عبر النيل ~~معنا.» # والتفت النقراشي إلى جانبي فرأى شيخا أبيض الوجه، أميل إلى الشقرة، وتوليت التعارف ~~بينهما، فحياه النقراشي وهو يقول ضاحكا: «عجبا ... لقد كنت أقرأ في الكشكول والصحف ~~الشتامة عن «بخيتة السودانية» أم عباس العقاد، وكنت أحسبهم يجدون فيما يكتبون، فخطر ~~لي أنني أنتظر رجلا أسود أو قريبا من السواد حين جلسنا ننتظر خالك ... أما أن يكون ~~رجلا أشقر له بقايا شعر أصفر، فهذا ما لم يخطر ببال.» # وسألني مازحا: «لماذا لم تكذب الخبر؟» # قلت: «إنني لم أكذب أخبارا أكذب من هذه، فما بالي أكذب نسبتي إلى أم سودانية؟ ~~ليس في الأمر ما يوجب البراءة منه، والاهتمام بتكذيبه ... فكم أنجبت السودانيات من رجال ~~يفخرون بالأمهات.» # لقد كانت أسرة «أمي» من أبويها جميعا كردية قريبة عهد بالقدوم من ديار بكر، وقد رأيت ~~أحدهم لا تميزه من أمم الشمال ms014 في لونه وقامته، وقد بقي بعضهم إلى أيام طفولتنا نعاكسه ~~حين ندعوه إلى أكلة «ملوحة» أو «ملوخية»؛ لأنهم لم يتعودوا أكلها، فكنت أقرأ الأكذوبة ~~عن «بخيتة السودانية»، وقد وقر في نفسي أنها أبعد من أن تصدق، واقترنت هذه الأكذوبة ~~بأكذوبة أخرى في ذلك الحين تروى عني أنني أهمل زوجتي، وأتركها تتسكع في الطرقات، ولم ~~تكن لي زوجة قط حتى تتسكع في طريق أو في بيت! فلماذا أحفل بما يقال، وكله من هذا ~~اللغو المحال؟! # ولكن هل كانت حكاية «السودانية» كذبا محضا من الألف إلى الياء؟ كلا ... ويا للعجب! ~~فإن أجداد أمي جميعا قد تزوجوا في السودان، وكان جدها لأبيها وجدها لأمها في الفرقة ~~الكردية التي توجهت إلى السودان بعد حادثة إسماعيل بن محمد علي الكبير، وهناك عاش عمر ~~أغا الشريف قبل قدومه إلى أسوان، وهو جد أمي لأبيها، وأبوها هو محمد أغا الشريف الذي ~~اختار «أطيان» المعاش في قرية من قرى الإقليم ... # الذي يتذاكره كبراء السن الأسوانيون عن عمر أغا الشريف أنه كان رجلا شديد التقوى، ~~شديد القوة البدنية، يدرب أبناءه على الرياضة العسكرية كأنهم على الدوام في خدمة ~~الميدان. # ولد له محمد وعثمان ومصطفى وحورية وفاطمة، وخطبت حورية وفاطمة فأراد أن يحتفل ~~بزواجهما معا، ثم علم أن خطيب فاطمة لا يصلي، فأبطل الخطبة في اللحظة الأخيرة، وقال ~~للوسطاء الذين حاولوا أن يصلحوا الأمر: إني لا أزوج ابنتي لتارك صلاة، ولا لمحدث نعمة، ~~كلاهما يجحد نعمة الله ... # وشاعت حوادث «العبد» قاطع الطريق في الصحراء، وخافه الجند، وهابه تجار القوافل، فقال ~~عمر لأصغر أبنائه مصطفى: أتسمع هذا وتترك ذلك العبد يعيث في الأرض فسادا؟! فما انقضى ~~أسبوع حتى عاد مصطفى بالعبد مكتوف اليدين. # وقد مات مصطفى هذا على أثر ضربة من ضرباته أغراه بها فرط قوته، فإنه تصدى لثور هائج، ~~فقمعه وألقاه على الأرض، فلم تنقض أيام حتى لقي نحبه، وقيل إنها حسد ... ولعلها كانت ~~مزقة في داخل الجسم من ذلك الجهد العنيف ... # أما محمد أغا جدي لأمي فقد كانت فيه ms015 تقوى أبيه، وصلابته، وكثير من أنفته واعتزازه ~~بكرامته، وقد كان يمزج هذه الأنفة بالعمليات، ولا يقصرها على القول أو السلوك. # ذهب إلى قرى الإقليم ليختار أطيان المعاش، فكان كلما سأل عن زراعة أرض، فقالوا له: ~~إنها عدس أو فول ... قال: لا شأن لي بها، حسبنا من العدس والفول ما استوفيناه في السنجق، ~~أي الفرقة العسكرية ... حتى جاء إلى أرض قيل له إنها تزرع قمحا أو شعيرا. # فقال: هذه أرضي: القمح لمحمد أغا، والشعير لحصانه! واختارها مع ما بينها وبين الأطيان ~~الأخرى من فرق في الثمن يبلغ ثلاثة أضعاف! # ورثت أمي تقواها وسلامة بنيتها من أبيها وجدها، ففتحت عيني أراها وهي تصلي وتؤدي ~~الصلاة في مواقيتها، ولم يكن من عادة المرأة أن تصلي في شبابها، إنما كانت النساء لا ~~يصلين إلا عند الأربعين ... # ومما ورثته عن أبويها حب الصمت والاعتكاف ... كان الناس يحسبون هذا الصمت والاعتكاف عن ~~كبرياء في جدي رحمه الله، وكانوا يقولون إنها «نفخة أتراك!» # لكنها لم تكن «نفخة أتراك» كما توهموا، بل كانت طبيعة تورث، وخلقة بغير تكلف، ولم ~~أر في حياتي امرأة أصبر على الصمت والاعتكاف من والدتي، فربما مضت ساعة وهي تستمع من ~~جاراتها وصديقاتها، وتجيبهن بالتأمين، أو بالتعقيب اليسير، وربما مضت أيام وهي عاكفة ~~على بيتها أو على حجرتها، لا تضيق صدرا بالعزلة وإن طالت، ولا تنشط لزيارة إلا من باب ~~المجاملة ورد التحية. # ومن المصادفة اتفاق والدي ووالدتي في هذه الخصلة، ولست أنسى فزع أديب زارني يوما ~~وعلم أنني لم أبرح الدار منذ أسبوع، فهاله الأمر كأنه سمع بخارقة من خوارق الطبيعة ... ~~إنها وراثة من أبوين يؤكدها الزمن الذي لا تحمد فيه معاشرة أحد ... إلا من رحم ~~الله! # وقوة الإيمان في والدتي هي التي بنت فيها العزيمة ليلة احتضاري ... # نعم أيها القارئ الكريم ولا تعجب ... فقد احتضرت قبل نيف وثلاثين سنة، كما تخيل عوادي ~~في تلك الليلة، فإذا بالوالدة هي الإنسان الوحيد الذي يتحامل على نفسه إلى جانب سريري ~~ليقنعني أنني بخير ... وتنطوي على ms016 ذلك ساعات وهي على عزيمتها، حتى جاء الطبيب أخيرا ~~وأنبأهم أنه عارض غير ذي بال، فإذا بالمحتضر قد نجا، وإذا بالمؤاسية قد سقطت مغمى ~~عليها. # وكانت الوالدة لا تنكر من شئوني شيئا إلا الورق ... نعم: ما هذا الورق؟ الورق الذي لا ~~ينتهي! # هذا الورق الذي لا ينتهي هو الذي يمرضني، وهذا الورق الذي لا ينتهي هو الذي يصرفني عن ~~الزواج، وهذا الورق الذي لا ينتهي هو سبب الشهرة ... # ووالدتي أيها القارئ من أعداء الشهرة تتطير بها، ولا تغتبط بها لحظة إلا تشاءمت ~~لحظات. # هذه الشهرة هي التي «تشيل غارتك» ... أي تجعلهم يتحدثون عنك، وما تحدث الناس عن أحد ~~وسلم من ألسنة الناس! # وقلت لها ذات يوم: «لو وجدت لي زوجة مثلك تزوجت الساعة ...» ولم أكن مجاملا والله ~~ولا مراوغا ... فإنني لا أنسى كمال تدبيرها لبيتها منذ صباها، وكنا بفضل تدبيرها هذا ~~ننتفع بالجورب حتى بعد أن يرث ويبلى ... فإنه يصلح عندئذ كرة محبوكة! ... ويغنينا عن شراء ~~الكرات التي لا تحتمل أقدامنا مثل احتمالها. # ولقد توفي والدي وهي في عنفوان شبابها، وكان لي أخ صغير، فتوفرت على تربيته وتركت ~~كل شاغل غير طفلها هذا وأبنائها الكبار. # ولقد ورثت منها كثيرا إلا القصد في النفقة، وتدبير المال، وحسبي بحمد الله ما ورثت ~~منها. ~~(4) بلدتي # صفاء في جو المكان قلما تشوبه غاشية، وامتلاء في جو الزمان قلما تخلو منه زاوية ... ~~تنتقل فيها من عصر إلى عصر كما تنتقل فيها من حارة إلى حارة، وترجع في تاريخ مصر إلى ~~أقصى الماضي فتلقى لها تاريخا مثله! # هي بلدة خالدة! بل هي بلدة مخلدة! لأن معالم الخلود في الهياكل والتماثيل مستعارة من ~~محاجرها، فهي كالزمن حين تهب الخالدين مادة الخلود ... تلك هي بلدتي أسوان، ولم تكن قط ~~شيئا هملا في عصر من العصور ... # كانت على أيام الفراعنة مفتاح الجنوب، ومثابة التجارة بين جانبي الوادي القديم، ~~وملتقى القوافل بين جوانب الوادي جميعا، وصحراء المغرب والمشرق من البحر الأحمر إلى ~~بحر الظلمات، صاحبت الأرباب منذ عرف الناس الأرباب ms017 ... فأقيمت فيها الصلوات لإله النيل، ~~وأقيمت لإزيس وأوزوريس، وأقيمت «ليهوا» رب الجنود، وتلاحقت فيها أديرة الرهبان من ~~أتباع السيد المسيح، وصوامع النساك من أتباع محمد عليه السلام ... # وفد إليها «هيرودوت» و«سترابون» من آباء التاريخ، وكان أبو التاريخ يقول عن كهانها: ~~إنهم كانوا يسخرون به كما يسخر الرجل الكبير في حديثه إلى الطفل الصغير! ... وذكرها ~~«حزقيال» في نبوءات التوراة، وعرفها الشاعر الآبق دعبل، كما عرفها الشاعر رهين المحبسين ~~أبو العلاء: # أسوان أنت لأن الركب وجهتهم # أسوان أي عذاب دون عيذاب # وبين أسوان وعيذاب، كان طريق حجاج المسلمين منذ اضطربت بلاد أبي العلاء بالفتن ~~والثورات، وتحول قصاد بيت الله إلى هذا الطريق. # وفيها من ذكرى العلم، كما فيها من ذكرى الحرب والسياسة، فعرفت فيها أصدق الأرصاد عن ~~محيط الأرض قبل ميلاد السيد المسيح بأكثر من مائتي سنة ... كما عرفت فيها أصدق الأرصاد ~~عن جرم الشمس بعد المسيح بقرابة ألفي سنة ... ولا تزال في جزيرتها بئر يدلونك عليها، ~~ويقولون لك: إنها البئر التي نظر فيها «أراتوستين» علامة زمانه في علوم السماء حين ~~قاس زاوية الأرض من الإسكندرية إلى أسوان ... # واتصلت فيها أسباب العلم من عهد الفراعنة واليونان إلى عهد الإسلام ... فقال «كمال ~~الدين جعفر بن ثعلب» في القرن الثامن الهجري: «قد خرج من أسوان خلائق كثيرة لا يحصون ~~من أهل العلم والرواية والأدب ... قيل إنه حضر مرة قاضي قوص، فخرج من أسوان أربعمائة راكب ~~بغلة للقائه ...» كناية عن العالم؛ لأن البغلة كانت ركوبة العلماء ... # وكانت إلى ذلك العهد تسمى «الثغر»؛ لأنها تزدحم ازدحام الثغور الحافلة بطلاب ~~العلم، وطلاب التجارة، وطلاب اللهو والفراغ ... وفيها يقول كمال الدين: # أسوان في الأرض نصف دائرة # الخير فيها والشر قد جمعا # تصلح للناسك التقي إذا # أقام والفاتك الخليع معا # وقد تغيرت تواريخ الدول، وتعاقبت حكومة بعد حكومة، ولا تزال أرضها هي أرضها، وسماؤها ~~هي سماءها، ومناظرها هي ما كانت عليه من نمط فريد بين مناظر الطبيعة المصرية، لا تشاهد ~~في بلد من بلاد مصر ما تشاهده فيها من ms018 جزر وجنادل وتيارات وصخور في الماء والصحراء، ~~تجمع من الألوان ما تجمعه المعادن والجواهر، وتحكي الذهب والفضة والشبه كما تحكي الزمرد ~~والمرجان والياقوت، وذهب من جنادلها ما ذهب، فقام في مكانها الخزان، وتلفتت مصر تترقب ~~من لدنها مطامع الضياء كما كانت من قبل تترقب منابع الماء. # ولدت فيها بمشيئة القدر، ولو أنني ملكت الأمر لولدت فيها بمشيئتي؛ لأنها الموطن ~~الذي يستفاد منه خير ما آثرته لنفسي من النظر إلى الحياة ... فليس مما أحبه لنفسي أن ~~يحصرني الحاضر في نطاقه، ولا أن يحويني الخير الأرضي في حدوده ... # أدعو إلى الإنسانية في الأدب، وأنظر إلى «العالمية» في المستقبل، وأحب مصر والشرق، ~~ولكني لا أحب ضيق الأفق في عصبية وطنية أو شرقية ... # وفي أسوان رأيت التقاء التاريخ الماضي بالحاضر الذي نعيش فيه، فالمتحف فيها والبيت ~~يتقابلان، والتاريخ فيها حي يرزق، ويتنفس الهواء؛ لأنه ماثل شاخص في الأحياء، ~~والحياة فيها تتسربل بقداسة التاريخ العريق؛ لأنها صورة منه تتجدد مع الأجيال. وفي ~~أسوان رأيت التقاء المشرق والمغرب، ودرجت وأنا أشهد الحضارة الأوروبية في كل جنس من ~~أجناسها، وكل ناحية من أنحائها. # وفي أسوان - من أهل أسوان فضلا عن الغرباء عنها - عصبة أمم صغيرة يتجاور فيها من ~~ينتمي إلى الفراعنة، ومن ينتمي إلى العرب، ومن ينتمي إلى البجاة، وتسأل عن نسب الأسرة ~~فيدلك عنوانها على أصل من الفرس، أو من الترك، أو من المجر، أو من البوشناق، أو من ~~العباسيين، أو من العبيديين؛ لأنهم جميعا وفدوا إليها مع قوافل التجارة، أو مع سرايا ~~الجيوش، أو مع اللائذين الناجين بأنفسهم من تقلب الدول، وتنازع الحكومات ... # فإذا ذكرت أسوان بلدتي جاز لي أن أذكرها فأقول مدرستي؛ لأنني - كما أسلفت - أدين ~~بالإنسانية في الأدب، وبالعالمية في السياسة، وبالوطن الذي تتسع له آفاق الفكر، وآفاق ~~الشعور ... ولعلي قد تنفست هذه الدروس من هواء الموطن قبل أن أقبسها من صفحات كتاب ~~... ~~(5) طفولتي # يقال إن الذاكرة ملكة مستبدة، ويراد بنسبة الاستبداد إلى هذه الملكة العقلية أنها ~~تحفظ وتنسى على غير قانون ثابت، ms019 فتذكر الأمور على هواها، ولا تذكرها بقدر جسامتها ~~واقتراب زمانها، وقد تحتفظ بأثر صغير مضى عليه خمسون سنة، وتهمل الأثر الضخم، وإن عرض ~~لها قبل شهور أو أسابيع. # هذه الدعوى التي يدعونها على الذاكرة الإنسانية غير مكذوبة من أساسها، وفيها ولا ريب ~~ما يوجب الشبهة، إن لم نرد أن نقول: ما يوجب الثبوت واليقين. # كل ما أراجعه من معاهد الطفولة بأسوان يصلح أن يكون شاهدا لاتهام الذاكرة بهذه ~~المحاباة، إلى أن يثبت أنها محاباة استبداد وهوس، على أسلوب ابن عباد: # لا تمدحن ابن عباد وإن هطلت # يداه بالجود حتى شابه الديما # فإنها خطرات من وساوسه # يعطي ويمنع لا بخلا ولا كرما # فمن هذه المحاباة أن بعض معاهد الطفولة يذكرني بأشياء رأيتها في الثالثة من العمر، ~~وأشياء رأيتها في السابعة، وغيرها رأيتها في التاسعة والعاشرة، ولا أحتاج في ~~استعادتها وإحيائها بتفصيلاتها إلى جهد عسير، بل أراها أمامي تتمثل بألوانها وأشكالها ~~ومناسباتها كأنها من مشاهدات العيان منذ ساعات. # وإنني - مع هذا - لأجتهد بما وسعني من الجهد أن أغالب النسيان المطبق في أمور لم يمض ~~عليها غير سنين، ثم أذكرها - بعد إعنات الفكر - فتظهر لي كأنها ملتفة بغواشي الضباب، ~~بين الكثيف منه والرقيق ... # لكنني أعود إلى أسباب هذه المفارقات، فلا أكاد أعتقد أنها محاباة على أي معنى من ~~معاني المحاباة، ودعنا من قول القائلين إنها وساوس ابن عباد في الهوس ~~والاستبداد. # فكل ما تذكرته قبل العاشرة فهو من ذكريات «الانتباه الأول» ... ومن نوع الحوادث التي ~~تأتي وحدها متميزة بين غيرها، ولا تأتي مع حوادث «الوتيرة»، والسياق المتكرر المملول ~~... # في الثالثة من عمري # كنت في الثالثة يوم جربت رحلتي النيلية للمرة الأولى، وكانت السفينة تضطرب بين ~~الشاطئين، ويضطرب معها الشراع الذي يحاول أن يستقبل مهب الريح على غير جدوى، وكان ~~بيننا وبين ضريح ولي الله الذي نقصده لوفاء نذر الفدية، والزيارة أكثر من عشرة ~~أميال، فوقفت السفينة على الشاطئ الشرقي، وخرج النواتية يطبخون طعامهم تحت نخلات ~~هناك، وكانت لي في تلك الطبخة حصة القهوة ms020 التي تعودت أن أشربها ملونة بلون ~~البن، مشبعة بالسكر، كأنها تعلة من تعلات الفطام. # ليس من استبداد الذاكرة - إذن - أن يثبت هذا المنظر في الثالثة، وأن تزول بعده ~~عشرات المناظر من الرحلات النيلية أو البرية، التي تمر على وتيرتها مع تيار الحوادث ~~والأخبار ... # وكنت في السابعة يوم عصف وباء الهيضة (الكولرا) بأسوان، وكاد الحي الذي نقيم فيه ~~أن يخلو من سكانه بين مصاب وميت ومهاجر، ومعتكف يحاذر زبانية الحجر الصحي محاذرة ~~السائر آجام السباع ... # ويرن في أذني إلى الساعة صياح النواتية إذ يعبرون النيل ويسألون: كم أسعار ~~اليوم؟ فيجيبهم زميل من المرسى المهجور يفهم معنى السؤال، ويعلم أنهم يسألون بهذه ~~الكناية وما شابهها عن عدد المصابين من أول النهار: جنيه مصري؛ أي مائة ... # بنتو ... أي ثمانين ... # بندقي ... أي خمسين ... # وهكذا حتى هبط السعر إلى الريال «الشنكو»، والريال المجيدي، «وأم خمسة»، أي ~~القطعة ذات الخمسة قروش! # منظر آخر لا نظن أن الذاكرة تحابيه، ولا نظن محاباتها إياه - إن صحت الشبهة ضربا ~~من الاستبداد. # منظر فتاة # وأجمل المناظر التي تحتفظ بها الذاكرة من ذخائر العاشرة - وما دونها - منظر فتاة ~~أوروبية هيفاء لفت نظري أنها تسير في وسط المدينة - على غير عادات السائحين ~~والسائحات - وتدير على خصرها حزاما «أو مشدا» لا يزيد قطره على بضعة قراريط ... ~~وتخطر في الطريق الوعر كأنها تلمس أغصان الشجر بقدمي قطاة. # ولم أكن أفهم يومئذ أن نحافة الخصر جمال محبوب، ولكنني فهمت أنه أعجوبة نادرة، ~~وتبعت الفتاة الهيفاء حول منعطفات الطريق، ولا أعلم لماذا أتبعها، ولا يدور في خلدي ~~خاطر غير الاستزادة من هذا المنظر العجيب، الرشيق. # لو أنني مصور لاستطعت اليوم أن أصور هذه الفتاة من الذاكرة، فلا أخطئ منها لمحة ~~يثبتها المصور على قرطاسه، ولست أذكر اليوم نقوش كسوتها، ولكنني إذا أثبتها بجملتها ~~لم تخالف ما يثبته المصور من نقوش الكساء على البعد، ويقنع به الناظرون. # ولمن أراد من علماء «السيكولوجيا والبداجوجيا» أن ينعت هذه المحاباة بما يحلو له ~~من أوصاف الاستبداد. ولكنني - بعد هذه السنين ms021 الطويلة - أستغفر لهم ذنوبهم إلى ~~الذاكرة، وأقول إنها ملكة مظلومة على الغاية من العدل والديمقراطية، إن كانت ~~محاباتها كلها على مثال هذه المحاباة ... # الإنشاء في المدرسة # بدأت الكتابة بموضوعات الإنشاء في المدرسة، وقد يكون في الإشارة إليها شيء يهم ~~الناشئ المتطلع إلى التأليف؛ لأنه يعلم منه مبلغ فعل التشجيع حين يتلقاه الناشئون ~~من ذوي مكانة ملحوظة في العلم والحياة العامة. # كانت المفاضلة بين شيئين هي المحور الغائب على موضوعات الإنشاء في أيامي بمدرسة ~~أسوان، أيهما أفضل المال أو العلم؟ الذهب أو الحديد؟ الصيف أو الشتاء؟ الرأي أو ~~الشجاعة؟ السيف أو القلم؟ الحرب أو السلم؟ إلى أشباه هذه المفاضلات. # وكان من عادتي أن أختار أضعف الجانبين حتى اخترت الجهل مرة في مفاضلة بينه وبين ~~العلم! ... وكان لنا أستاذ فاضل «هو الشيخ فخر الدين محمد» يحمد هذا الاختيار على أن ~~يكون من قبيل مرانة القلم، ويعرض كراستي على كبار الزوار بين ما كان يعرضه من ~~كراسات التلاميذ، فلما زارنا الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده ذات شتاء أراه الكراسة ~~فتصفحها باسما، وناقشني في بعض مفاضلاتها، ثم التفت إلى الأستاذ، وقال ما أذكره ~~بحروفه: «ما أجدر هذا أن يكون كاتبا بعد ...» # ونطق «بعد» بضم الدال غير واقف على السكون، ولم أزل أذكر ذلك حتى عللت به وقوف ~~زعيمنا «سعد زغلول» على أواخر الكلمات محركة غير ساكنة، وقلت: إنها «مدرسة واحدة» ~~تحرص على تحريك أواخر الكلمات؛ أنفة من الهرب على حد قول القائلين: «سكن تسلم ~~...» فهم لا يهربون من الحقيقة، ولا يحرصون على السلامة. # وأبالغ إذا قلت: إن كلمة الأستاذ الإمام هي دون غيرها التي حفزتني إلى الكتابة، ~~ولكنها كانت ولا ريب حافزا قويا بين الحوافز الكبرى، وجاءت بعد عزيمة سابقة ~~فأعانتها، ودفعت عنها عوارض التردد والإحجام. # أما ظروفي المادية «عندما كنت صغيرا أتعطش إلى قراءة الأدب»، فلم تكن ظروف ثراء ~~مهما نقتصد في حدود الثراء، ولكنها كذلك لم تكن ظروف ضنك وفاقة، ولا ظروف شعور ~~بالحاجة إلى الضروريات. # كان أبي وأخي الأكبر موظفين يعيشان ms022 في بيت واحد ، وكان مرتبهما معا بضعة عشر ~~جنيها وهو مقدار لم يكن بالقليل في ذلك الحين، وكنت الطفل الوحيد بالمنزل إلى أن ~~ولدت أختي، فلم تكن في تربيتها كلفة؛ لأن تعليم البنت في أسوان لم يكن معروفا ~~قبل نموها إلى سن التلمذة ... # فنشأت أحسب أنني غير محتاج، وأنني أجد من راحة المعيشة ما لا يجده الكثيرون من ~~زملائي. # مكتبة بخمسين قرشا # على أن الرزق الذي يتيسر للضروريات لا يتيسر لشراء الكتب عن سعة، وأحمد الله أن ~~شراء الكتب عن سعة لم يكن لازما في أيام صباي للاطلاع على أوائل المعرفة الأدبية، ~~بل على المعرفة الأدبية في مراحلها المتقدمة. # فلا أحسب أن المكتبة التي اشتريتها بنقودي في صباي زاد ثمنها على خمسين قرشا أو ~~نحو الخمسين. # كان الكتاب من الطبعة الأزهرية يباع بقرشين أو ثلاثة قروش، ويشتمل أحيانا على ~~ثلاثة كتب بين المتن والحاشية والتذييل ... # وكانت هذه الكتب تباع في دكان إلى جانب المدرسة مع أصناف العطارة والحبوب ولوازم ~~أهل الريف، ومنها ما كان يرتفع إلى خمسة قروش أو إلى عشرة قروش كالمقامات ~~والدواوين. # ولم يكن «مصروفي» يزيد على خمسة مليمات في اليوم إلا ليدرك خمسة قروش في الأسبوع، ~~أتسلمها كل يوم خميس، فلا أشتري بها مأكولا أو فاكهة، ولا أذهب بها إلى ملعب ~~البهلوان إن كان بالمدينة ملعب منها، وهي لا تقيم فيها بل تزورها غبا كل بضعة ~~أشهر ... # فإذا كان معي ثمن الكتاب اشتريته لساعته، وإلا أعطيت العطار قرشين بعد قرشين حتى ~~يتم الثمن المطلوب. # وبهذه الطريقة قرأت العقد الفريد، وثمرات الأوراق، والمستطرف، والكشكول، ~~والمخلاة، ومقامات الحريري، وبعض الدواوين. # ولم تكلفني المكتبة التي اشتريتها - كما قلت - إلا أقل من جنيه واحد، وقد يزيد ~~ثمنها على نصف الجنيه بقليل ... # بعض من كل # لكن هذه الكتب هي مقتنياتي التي اشتريتها بنقودي في أسوان، ولم تكن هي كل ما ~~قرأته في فترة التلمذة وما بعدها، بل كانت لي وسائل إلى كتب أخرى من غير طريق ~~الشراء. # فقد كان أبي يقرأ كتب ms023 الفرائض والعبادات، وبعض كتب التاريخ، ولا سيما تاريخ ~~السيرة النبوية، وتراجم الأولياء الصالحين. ومع هذه الكتب كنت أجد عنده مجموعة ~~كبيرة من أعداد صحيفة «الأستاذ»، وصحيفة «الطائف» لعبد الله نديم، وصحيفة «العروة ~~الوثقى» لجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ... # وكان أخوالي يقرأون كتب التصوف والأدب الديني، ولا سيما كتب الغزالي، ومحيي الدين ~~بن عربي، وطائفة من المتصوفة المتأخرين. # ولم تكن مكتبة المدرسة مفتوحة يومئذ للتلاميذ، ولا كان فيها من كتب الأساتذة ما ~~يملأ رفين أو ثلاثة رفوف من دولاب، وكانت مجلة المقتطف إحدى المجلات التي تصل إليها ~~من وزارة المعارف العمومية، فأذن لي الناظر في التردد عليها والاستعارة منها، ~~والاعتماد عليها في تحضير المناظرات والمطارحات ... # وساعدني - من المصادفات التي لا تتيسر في كل حين - أن أسوان كانت يومئذ مرتادا ~~لمئات السائحين كل شتاء، وكان فيها فندقان كبيران، وفنادق أخرى دونهما في العظم ~~والوجاهة تزدحم بالسائحين من أقطار العالم، فتعودنا أن نرى فيها كل شتاء مكتبات ~~عامرة بالمراجع التاريخية، والقصص، والصحف، والمجلات الأدبية والفكاهية، ولم يكن من ~~العسير علينا أن نحصل على بعضها بالثمن المستطاع، بل كان يتفق أحيانا أن يزور ~~مدرستنا أناس من علية السائحين، ومعهم أبناؤهم وبناتهم يطلبون عنواناتنا لتبادل ~~الرسائل، ويبعثون إلينا بالهدايا من الكتب التي تعجبهم، ويقدرون أنها تعجبنا، ولا ~~أنسى أحد السائحين - وكان إنجليزيا مسلما يسمى «ماجور ديكسون» - يوم جاءني منه ~~بعد عودته إلى بلاده كتابان: أحدهما: ترجمة القرآن، والآخر: كتاب كارليل عن الثورة ~~الفرنسية ... وهو الوحيد الذي اختار لي هذا الاختيار، ولا أزال أذكره كلما توسعت في ~~القراءة، فعلمت أنها تقوم في الأغلب الأعم على هذين القطبين من المطالعة: أصول ~~العقائد، وفلسفة الثورات الاجتماعية من وجهة البطولة والأبطال. # هذه الندرة من الكتب التي تيسرت لي أيام التلمذة وما بعدها علمتني دستورا ~~للمطالعة أدين به إلى الآن، وخلاصته: أن كتابا تقرؤه ثلاث مرات أنفع من ثلاثة كتب ~~تقرأ كلا منها مرة واحدة. ~~(6) ذكريات العيد # من العيد تعلمنا أن الطفل الصغير «شيء مهم» في البيت، أو أننا نحن ms024 بذواتنا «أشياء ~~مهمة » ... لأننا أطفال ... # تبتدئ تهنئات العيد في مدن الريف بعد مغرب الشمس من يوم الوقفة، وتكون مقصورة في ذلك ~~اليوم على الجارات القريبات من المنزل؛ لأن الغالب عليهن أن يذهبن صباح العيد مبكرات ~~إلى «القرافة» لتفريق الصدقة على أرواح الأموات. # وتدخل الجارات واحدة بعد الأخرى يرددن صيغة لا تتغير، تنتهي بهذا ~~الدعاء: ~~... يعود عليك كل سنة بخير ... أنت وصغيريك وصاحب بيتك ~~والحاضرين والغائبين في حفظ الله. # وقبيل المغرب، تكون عملية التغيير وتوزيع الملابس الجديدة على صغار البيت قد ابتدأت ~~على يد الوالدة في نشاط وسرعة، ولكن - وهذا هو العجب - في غضب وشدة، وأحيانا في سخط ~~وصياح: تعالى يا ولد ... اذهب يا مسخوط ... الحق ادخل الحمام ... مع تسبيحة أو اثنتين من قبيل: ~~إن شاء الله ما لبست ... إن شاء الله ما استحميت! # ولقد تعودنا هذا الموشح كل عيد على قدر ما تعيه الذاكرة في سن الطفولة، وأكثر ما يكون ~~ذلك حين تزدحم الجارات، وحين تكون أقربهن إلى الدار على استعداد للشفاعة، وترديد الجواب ~~المألوف في هذه الأحوال: «بعد الشر ... بعيد عن السامعين!» # وقد خطر لي يوما أن هذا كثير على عملية التغيير، فرفضت الكسوة الجديدة، وذهبت صباح ~~العيد إلى منزل جدتي بثوبي القديم. # وكان من تقاليد العيد أن ترسل رءوس الذبائح إلى الجدات: أم الأب، أو أم الأم، من كانت ~~منهما على قيد الحياة، وأم الأب مفضلة إذا كانت الجدتان تعيشان. # فلما دخلت منزل جدتي «أم أمي» وهي ضريرة: سمعت الأطفال يعجبون لأنني لم ألبس جديدا ~~في العيد، فقربتني الجدة العطوف إليها، وسألت في شيء من اللهفة: ما الخبر يا ولدي؟ لماذا لم تلبس ثوبك الجديد؟ ألم يحضروا لكم ثيابا ~~جديدة؟! ~~- بلى ... إنهم قد أحضروها، ولكنني أبيت أن آخذها من يد بنتك ... لأنها تشتمنا وتزعق فينا ~~... # فابتسمت وهي تعرف بنتها حق المعرفة، وصاحت: بنتي؟! وكيف كانت القصة؟ فأعدت عليها القصة مرددا كلمات السخط التي أغضبتني، ~~فسألت: أكان أحد من الجيران عندكم في تلك الساعة؟ # فحسبت أنها تطلب شهودا على ms025 الواقعة، وقلت لها : كثيرات ... فلانة ... وفلانة و... # فلم تمهلني أن أتم أسماء جاراتنا اللاتي تعرفهن، وجعلت تربت على كتفي، وتقول: «وأنت ~~العاقل يا عباس تقول هذا؟! ... إن أمك لا تبغضك ولا تدعو عليك، ولكنها تصرف النظرة ~~...» # وفهمت معنى «تصرف النظرة» بعد شرح قليل، وخلاصتها: أن رؤية الأم في مساء العيد بين ~~أطفالها الفرحين المتهللين بالعيد تفتح أعين الحاسدات اللاتي حرمن الأطفال، ولا ~~يحتفلن «بتغييرات» العيد هذا الاحتفال، فإذا شهدن أمارات السخط بدلا من الفرح والرضا ~~بطل الحسد، وسلم الصغار وأمهاتهم من عيون الحاسدات. ~~••• # لأول مرة أشعر بأن الطفل في البيت «قنية نفيسة» يحسد عليها الأمهات والآباء، وما ~~كنت أفهم قبل ذلك إلا أنه من «غلب الحياة أو هموم المعيشة»، وأنه هو - في شعوره بنفسه ~~- شيء صغير يتطلع إلى اليوم الذي يساوي فيه هؤلاء الكبار، ويحسب في زمرة الناس ~~المعدودين! ... # وكان ذلك «درسا» في تفسير القرآن، وتفسير الكتب المدرسية ... # فقد كنت أذهب مع أبي إلى المسجد القريب يوم الجمعة، فأسمع الفقيه يقرأ في سورة الكهف: # المال والبنون زينة الحياة الدنيا ~~، ~~فلا أدري كيف تكون زينة، ونحن نتطلع إلى أيسر سلعة من سلع الزينة الغالية؟ # وكان من قطع المحفوظات التي كتبناها في المدرسة قصة نسميها «قصة المرأة البائخة»، هذه خلاصتها: # امرأة زارت إحدى صديقاتها، فراحت صاحبة الدار تفاخرها بجواهرها وتفرجها ~~عليها، ثم ذهبت صاحبة الدار ترد الزيارة لصاحبتها، وتسألها: أين جواهرك لأتفرج ~~عليها؟ واستمهلتها هذه ساعة إلى أن حضر ولداها من المدرسة، فاستدعتهما إلى حجرة ~~الاستقبال، وقالت للضيفة المدلهة بجواهرها: ها هما جوهرتاي ... وليس لهما ثمن ~~تحتويه خزائن الأموال. # وكان جوابا مخيبا للآمال، ومسقطا للقصة كلها في موازين النقد عندنا نحن الأطفال، ~~أو نحن الجواهر التي لا تقدر بالمال! # ونخرج من ذكريات الطفولة إلى تجارب الحياة، فنعلم الآن - فلسفيا واجتماعيا ~~ونفسيا - أن الطفولة هي قوام العيد كله، فلولا الأطفال لما استطاع المجتمع أن يوقت ~~الفرح مقدما بميقات معلوم في يوم من الأيام، ولكن هات للمجتمع أطفالا يفرحون بالكساء ~~الجديد واللعب المباح، وأنت ms026 الكفيل بفرح المجتمع كله على الرغم منه ... إذا صح الفرح ~~بالإرغام وهو صحيح في شريعة «الديكتاتوريين» الصغار، فليس في استطاعة كبير أن يعصي ~~سلطان الفرح وهو ينظر إلى صغار فرحين. # ومن العيد تعلمنا مفارقات النفوس في الأسرة الواحدة، علما يسبق كل ما عرفناه بعد ذلك ~~من قوانين الوراثة في ذمة السيكولوجيين والبيولوجيين. # تعودنا أن نزن الأقدار في بيئتنا «العائلية» بمقدار العيدية التي كانت تتفاوت من خمسة ~~قروش على الأكثر إلى خمسة مليمات على الأقل. # وكان لنا من الأقارب، والمعارف غير الأقارب، ذخيرة وافية للرقابة النفسية من الإخوة ~~الأشقاء. # أخوان شقيقان يتشابهان أقرب الشبه في الملامح والأزياء، هذا يمنح القروش الخمسة، وذاك ~~لا يزيد على الخمسة مليمات، وهذا بشوش مازح، وذاك عبوس صارم، وهذا ثرثار لا يفرغ من ~~الحديث، وذاك صموت نزر الكلام ... # ولكنا - مع الإيمان بصحة الميزان الذي يفرق بين خمسة قروش وخمسة مليمات - قد تعلمنا ~~مبكرين أن النقود ليست هي الميزان الوحيد لأقدار المعيدين ... # إذ كان من أولئك المعيدين صديق للأسرة لا يبذل مليما، ولا يسكت مع هذا عن مسألة ~~العيدية بحذافيرها مداراة لإفلاسه ... بل يلقانا مبادرا بطلب العيدية منا، ونفهم منه - ~~بداهة - أنه يمزح، ولا ينتظر منا أن نعطيه، ولا ننتظر منه أن يعطينا. # إلا أنها فاتحة للمعايدة لا بد منها، ثم تتبعها أدوار متلاحقة من الفوازير والألغاز ~~الحسابية أو اللغوية، وأدوار أخرى من محاكاة القطط والكلاب والخرفان والحمير. # ولم نكن نحن نطلب «عيدية» من أحد يبذلها أو لا يبذلها، ولكن أبانا - رحمه الله - كان ~~حريصا على أن يحذرنا من طلب العيدية خاصة من هذا الصديق؛ لأنه «على قد حاله» كما كان ~~يقول، فكان هذا الصديق «الذي على قد حاله» على رأس القائمة بين المنتظرين من المعيدين، ~~وكنا نميزه بالحصة الوافية من ضيافة الأعياد: قرفة، وكعك، وبقايا المكسرات من رمضان ~~... # وقد كان في ذهني درس من دروس العيد يوم قرأت مذهب «أبي العلاء» في ظلم الضعفاء ~~والأقوياء، فرحبت به، ولم أستغربه وهو غريب لا تقدر على هضمه معدة ms027 الطفولة، ~~كقوله: # ظلم الحمامة في الدنيا وإن حسبت # في الصالحات كظلم الصقر والبازي # ففي إحدى زيارات العيد، علمت أن «سعادة المأمور» بجلالة قدره مظلوم، يظلمه بهلوان أو ~~شبيه بالبهلوان، من أصحاب الأراجيح. # وكانت لعبة الأراجيح أحب ألاعيب العيد إلى الأطفال، وقد أقيمت على ساحة قريبة من ~~المنزل قبل الوقفة بأيام، ثم فوجئنا بحلها، ورفعها من مكانها، وقيل إنها حلت ~~ورفعت بأمر سعادة البك المأمور. # وشاعت التعليقات من قبيل قولهم: # رجل مستبد يظن أن الإدارة هي التحكم في خلق الله ... # رجل فظ ينكد على الأطفال الصغار في موسم اللعب والفرح ... # رجل غليظ القلب يقطع أرزاق المساكين الذين على باب الله ... # ويأتي هذا الرجل الموصوف بكل هذه الصفات للتعييد على الوالد الذي كانت تربطه به رابطة ~~العمل في ديوان واحد؛ إذ كانت دار المحفوظات يومئذ تشغل المكاتب التي تجاور مكتب ~~المأمور. # فلم نخف إلى استقبال الرجل «المستبد الفظ الغليظ» إلا حين علمنا بعد هنيهة أنه في ~~الواقع هو الرجل المظلوم. # وكأنه سيق إلى التحدث عن قصة الأراجيح، فقال: إنها حلت ورفعت؛ لأنها قد ظهر بعد فحصها أنها مفككة اللوالب و«الصماويل»، وأن ~~حادثا حدث فيها، وتهشم من جرائه ثلاثة أو أربعة أطفال من أبناء البلدة التي كانت فيها ~~قبل وصولها إلى أسوان، ووجدت الورقة التي يحملها صاحبها وعليها تعهد منه بأن يصلح خللها ~~قبل إدارتها، ولكنه لم يصلح هذا الخلل، ولم يكن من المأمون على حياة الأطفال أن تدار ~~وهي بتلك الحال ... # كم من حاكم مظلوم، وكم من محكوم ظالم! # وكم من حجة للقائلين: # لو أنصف الناس استراح القاضي # وبات كل عن أخيه راضي # وإن لم يخل من الحجة قول القائلين: لو أنصف القاضي استراح الناس ... نعم ... وكم للعيد ~~من دروس تمر بالصغار والكبار، ولا ندري متى تصلح للعظة والاعتبار! # | الفصل الثاني # (1) أساتذتي # كان زعيم مصر الكبير سعد زغلول - رحمه الله - يعد من مزايا نظام التعليم في ~~الجامع الأزهر على عهده، أنه كان نظاما يسمح للطالب أن يختار أساتذته، ويجلس في الحلقة ~~التي ms028 يروقه أن يجلس فيها ... # وهي مزية لا شك في نفعها للمعلمين والمتعلمين؛ لأنها تنوط مكانة الأستاذ بعمله ~~واجتهاده، ولا تقيد التلميذ بفرصة واحدة في درس من دروسه، وليس في هذا النظام ضرر ~~على الأخلاق ما دام طلب العلم هو الغرض الخالص للأساتذة والتلاميذ. # ومما أحمد الله عليه أن أساتذتي جميعا قد اخترتهم بنفسي، ولم يفرضهم علي أحد يملك ~~سلطة التعيين والفصل دون غيره؛ لأنهم كانوا جميعا مؤلفين مشهودا لهم برسوخ القدم في ~~صناعة التأليف، أقرأ منهم ما أشاء في المرحلة الأولى من مراحل التعليم الدراسي، أفدت ~~منهم غير قليل، ولكنني كنت في استفادتي منهم على اختيار يرجع إلي، ولا يرجع إلى ~~البرنامج المقرر أو النظام المفروض. # في المرحلة الأولى # استفدت في مرحلة التعليم الابتدائي من أستاذين اثنين على اختلاف بينهما في طريقة ~~الإفادة، فإن أحدهما قد أفادني وهو قاصد، والآخر قد أفادني على غير قصد منه، فحمدت ~~العاقبة في الحالتين. # كان أحدهما الأستاذ الفاضل مدرس اللغة العربية والتاريخ الشيخ محمد فخر الدين، ~~وكان «الإنشاء» صيغا محفوظة في ذلك الحين كخطب المنابر، وكتب الدواوين، ولكنه كان ~~يبغض الصيغ المحفوظة، وينحى بالسخرية والتقريع على التلميذ الذي يعتمد عليها، ويمنح ~~أحسن الدرجات لصاحب الموضوع المبتكر، وأقل الدرجات لصاحب الموضوع المقتبس من نماذج ~~الكتب، وإن كان هذا أبلغ من ذاك، وأفضل منه في لفظه ومعناه. # وكان درسه في التاريخ درسا في الوطنية ... فعرفنا تاريخ مصر، ونحن أحوج ما نكون ~~إلى شعور الغيرة على الوطن والاعتزاز بتاريخه؛ لأن سلطان الاحتلال الأجنبي كان قد ~~بلغ يومئذ غاية مداه ... # أما الأستاذ الآخر، فقد كان أستاذ حساب وهندسة ورياضة، ولا داعي لذكر اسمه في هذا ~~المقام، كان يؤمن بالخرافات وشفاعات الأولياء، وكان محدود الفهم في دروسه، ولا سيما ~~المسائل العقلية في درس الحساب، وقد كانت هذه المسائل شائعة في ذلك الحين، ثم ~~أبطلوها بعد ذلك؛ لأنهم زعموا أن القدرة على الحساب شيء والقدرة على فض المغلقات ~~العقلية شيء آخر، وقد أصابوا من ناحية وأخطأوا من ناحية؛ لأن القدرة ms029 على فض ~~المغلقات ألزم اللوازم لإتقان العلوم الرياضية خاصة، وإتقان العلوم الأخرى على ~~العموم ... # وكان يتردد على مسجد يعتكف في زاويته رجل من المشهورين بالولاية وصنع الكرامات، ~~فدعانا جميعا - نحن تلاميذ السنة النهائية - إلى صلاة المغرب معه في ذلك المسجد؛ ~~للتبرك بالرجل الصالح، وتلقي النصائح منه فيما نحن مقبلون عليه من امتحان ~~قريب. # وجاء دوري في تلقي النصيحة، فقال لي الرجل: «أما أنت فعليك باللغة الإنجليزية ...» # وعجبت وعجب زملائي من هذه النصيحة؛ لأنني كنت من المتقدمين في هذه المادة على ~~الخصوص، وكنت أقرأ فيها بعض الكتب الأدبية وأنا في السنة الرابعة الابتدائية، ولكن ~~زملائي فسروا هذه النصيحة بسر الولاية ... فلعل الرجل يعلم من سر الامتحان في تلك ~~السنة ما لا يعلمون. # فلما اجتمعنا بالمدرسة في أول حصة للحساب، قال الأستاذ الرياضي: «تذكر نصيحة ~~الشيخ يا فلان؟» # قلت: «إن الشيخ لم يقل شيئا!» # قال وهو يحوقل وزملائي يأخذهم الوجل، ومنهم كثيرون بقيد الحياة: «كيف لم يقل ~~شيئا؟! ... ألم ينصحك بالاجتهاد في اللغة الإنجليزية؟!» # قلت: «نعم؛ فعل ... ولكنه سيظفر بالسمعة في علم الغيب أيا كانت النتيجة، فإن ~~نجحت قيل إنها بركة لنصحه، وإن أخفقت قيل إنه قد عرف هذا فحذرني منه.» # فما زاد الأستاذ على أن قال: «دع هذا الضلال هداك الله.» # ولكن الدرس الأكبر - الدرس الذي أحسبه أكبر ما استفدته من جميع الدروس في صباي - ~~كان بصدد مسألة حسابية من تلك المسائل العقلية ... كنت شديد الولع بهذه المسائل لا ~~أدع مسألة منها بغير حل مهما بلغ إعضالها ... # وكان الأستاذ يحفظ منها عددا كبيرا محلولا في دفتره يعيده على التلاميذ كل ~~سنة، وقلما يزيد عليه شيئا من عنده ... # وعرضت في بعض الحصص مسألة ليست في الدفتر، فعالجنا حلها في الحصة على غير جدوى، ~~ووجب في هذه الحالة أن يحلها الأستاذ لتلاميذه فلم يفعل، وقال على سبيل التخلص: ~~«إنما عرضتها عليكم امتحانا لكم؛ لتعرفوا الفرق بين مسائل الحساب ومسائل الجبر، ~~وهذه من مسائل الجبر؛ لأنها تشتمل على مجهولين!» # لم أصدق صاحبنا، ولم أكف ms030 عن المحاولة في بيتي، وقضيت ليلة ليلاء حتى الفجر ~~وأنا أقوم وأقعد عند اللوحة السوداء حتى امتلأت من الجانبين بالأرقام ... وجاء الفرج ~~قبل مطلع النهار، فإذا بالمسألة محلولة، وإذا بالمراجعة تثبت لي صحة الحل، فأحفظ ~~سلسلة النتائج وأعيدها لأستطيع بيانها في المدرسة دون ارتباك أو نسيان. # قلت: «لقد حلت المسألة.» # قال الأستاذ: «أية مسألة؟!» # قلت: «المسألة التي عجزنا عن حلها في الحصة الماضية.» # قال: «أوصحيح؟! ... تفضل أرنا همتك يا شاطر ...» # وحاول أن يقاطعني مرة بعد مرة، ولكن سلسلة النتائج كانت قد انطبعت في ذهني لشدة ~~ما شغلتني، وطول ما راجعتها وكررت مراجعتها. # وانتظرت ما يقال ... # فإذا بالأستاذ ينظر إلي شزرا وهو يقول: «لقد أضعت وقتك على غير طائل؛ لأنها ~~مسألة لن تعرض لكم في امتحان!» # وإذا بالزملاء يعقبون على نغمة الأستاذ قائلين: «ضيعت وقتنا ... ما الفائدة من كل ~~هذا العناء؟!» # كانت هذه صدمة خليقة أن تكسرني كسرا، لو أن اجتهادي كان محل شك عندي أو عند ~~الأستاذ أو عند الزملاء، أما وهو حقيقة لا شك فيها، فإن الصدمة لم تكسرني بل نفعتني ~~أكبر نفع حمدته في حياتي، وصح فيها قول نيتشه: «إن الفضل قيمته فيه لا فيما يقال ~~عنه، أيا كان القائلون.» ولم أحفل بعدها بإنكار زميل أو رئيس. ~~••• # كان أساتذتي جميعا ممن اخترتهم بنفسي ... # نعم! ... ولكنني أحب أن أستثني أستاذا واحدا كان حضوري عليه من اختيار أبي لا من ~~اختياري، وذاك هو الشيخ أحمد الجداوي - رحمه الله - كان الشيخ أحمد من أبناء ~~أسوان، وحضر العلم في الأزهر، وزامل الأستاذ الإمام «محمد عبده» على أيام السيد ~~جمال الدين. # وتولى القضاء في قنا، ثم تولى إدارة التعليم في السودان، ثم نشبت الفتنة المهدية، ~~فهجا «محمد أحمد» بقصيدة نونية نشرتها الحكومة في جميع الأقطار السودانية، ومنها ~~على ما أذكر قوله: # يا ذا الذي حسب الضلال هداية # ما أنت إلا مبتلى بجنون # فجعل المهدي جائزة لمن يأتيه برأس «الكويفر» الجداوي حيا أو ميتا، وبادرت ~~الحكومة بإبعاده إلى أسوان عند استفحال الثورة مخافة عليه، ms031 فأقام في بلده، وفتح ~~بيته الواسع لإلقاء الدروس الأدبية والدينية، وكان الرجل في عمله على النهج القديم، ~~ولكنه كان على دأب تلاميذ الأفغاني جميعا نهما بالمعرفة، يطلب منها كل ما استطاع ~~طلبه، ولو لم يكن من سلكه ولا اتجاهه. # من ذاك أنه تعلم اللغة الإنجليزية في شيخوخته على المرحوم نعوم شقير باشا، وكان ~~يومئذ شابا ناشئا يعمل في قلم الترجمة بمعسكر الجيش، وقد ذكره نعوم باشا في ~~كتابه عن السودان ... # ومن ذاك أنه تعلم الشعوذة، وألعاب السينما، وحيل الحواة حتى برع فيها ... # ولم يكن أعجب من مفاجآته حين يتكلم إلى أحد الضباط الإنجليز باللغة الإنجليزية، ~~أو حين يجتمع بالموظفين والأعيان لمشاهدة «حاو» ماهر يبهرهم بألعابه، وكان ~~«الحواة» يكثرون يومئذ في أسوان لازدحامها بالطارئين عليها، فيقف الأستاذ ويشمر عن ~~أكمامه العريضة، ويفحم «الحاوي» المسكين في صميم فنه، أو يضربه بعصاه! ~~••• # كان هذا النابغة الألمعي أوسع من لقيت محفوظا في الشعر والنثر. # كان يطارح وحده خمسة أو ستة من القضاة والمدرسين والأدباء. # والمطارحة هي أن تأتي ببيت من الشعر فيأتي مطارحك ببيت يبدأ بحرف القافية في ~~البيت الأول ... فإذا اجتمع خمسة أو ستة من الأدباء كان لكل منهم أن يقترح بيتا، ~~وكان الشيخ الجداوي هو الذي يرد عليهم جميعا ... فيسكتون في النهاية وهو لا يسكت، ~~ولا ينضب معينه، وكان كثيرا ما يتعمد التعجيز؛ فيذكر في رده بيتين أو ثلاثة أبيات ~~أو أربعة. # وكان يحفظ مقامات الحريري والهمذاني، ويلقيها أحيانا موقعة مفسرة، فيأخذني والدي ~~معه إلى بيت الشيخ؛ لأنه كان من أصدقائه ومحبيه، أو يدعوني إلى حضور المجلس إذا ~~زارنا الشيخ كما كان يفعل أحيانا. # ومن خصائصه أنه على قدرة فائقة في نظم الشعر المؤرخ، أو الشعر الذي يجتمع من حروف ~~كل شطرة فيه أو كل بيت فيه تاريخ سنته. وقد نظم في استقبال الخديو عباس - عند مروره ~~بأسوان في طريقه إلى السودان - قصيدة كبيرة في كل بيت منها تاريخان. # ولم يكن مجلسه كله مقامات ودروسا ومطارحات، بل كان من طرائفه أنه يعرف ms032 ألعاب ~~الحواة ، ويبتدع الملح والفكاهات، وكان مولعا بشيخ معمر جاوز الثمانين اسمه «علوب»، ~~لا يفتأ يناوشه ويستثيره ويحرك غيظه؛ ليستمع إلى ردوده الساذجة التي لا يبالي فيها ~~بكبير ولا صغير. # ومن دعاباته معه أنه كان يقسم له لئن وصل من مكانه إليه قبل أن يفرغ من عد ~~«خمسة» ليعطينه قطعة بخمسة ... # وقطعة بخمسة في ذلك العصر شيء مهول عند «علوب». # ثم يأخذ القاضي الجداوي في العد، فيطيل نفسه «بالواحد» حتى تستغرق ثواني كثيرة، ~~والسلحفاة تطمع في الوصول من أول المجلس إلى آخره إذا استمر العد على هذه النغمة، ~~فيتحرك الطمع في صدر «علوب». # ويدس قدميه خفية في النعال ليفاجئ القاضي بالجري إليه قبل أن يفرغ من عده. # فما هو إلا أن يخطو خطوتين أو ثلاثا، وينطلق في جلاله ووقاره عاديا مهرولا حتى ~~يسرع القاضي، فيأتي على بقية الخمسة عدا في نفس واحد. # فيحوقل الشيخ، ويصيح به: «والله ما أحسبك تعلمت الفتاوى الشرعية إلا لتأكل على ~~«علوب» هذه الخمسة القروش.» # وربما تمادى القاضي في إطماعه عمدا فيستمر في عده على النغمة الأولى حتى يصل ~~إليه «علوب»، ويكسب الرهان، ويعترف له القاضي بالهزيمة، ويأتي دور التسليم بعد ~~البحث في الجيوب من اليمين والشمال، و«علوب» واقف بالانتظار ... # ويطول البحث في الجيوب و«علوب» ضاحك متهلل ضحك الشماتة والانتصار، ثم يصيح به ~~القاضي وقد أطال لهفته، وأثار طمعه: «خذ يا شيخ، بارك الله لك فيما أعطاك.» # ويدس في يده شيئا فيرتاع «علوب»؛ لأنه يحس في يده خمسة مليمات لا خمسة ~~قروش. # ويأتي دور القاضي في الشماتة والنكاية، ويعود إلى الفتاوى الشرعية التي يكرهها ~~«علوب» فيقول له: قطعة بخمسة يا صاحبي، يعني خمسة مليمات، أتحلف بالطلاق أن القرش ~~التعريفة لا يسمى قطعة بخمسة يا «شيخ علوب»؟ ... إن حلفت فلك خمسة القروش التي ~~تريدها، ولكن - يا «شيخ علوب» - حاسب قبل اليمين ... كم مؤخر صداق «الولية» يا أبا ~~العلاليب؟! # وهكذا تنقضي مجالسه في سرور وفائدة وإيناس، ولا أدري على التحقيق كيف تعلم ألعاب ~~الحواة وأشباهها من الحيل الحسابية ms033 والسينية، ولكني لاحظت عليه أنه لا يرى أمامه ~~بابا للمعرفة إلا تطرق إليه، ومن ذلك أنه تعلم الإنجليزية؛ لأن مجلسه كان يجمع بعض ~~الأدباء المحيطين بها، ومنهم المرحوم نعوم شقير الذي كان يومئذ مترجما بمعسكر ~~أسوان، فانتهز هذه الفرصة ليتعلم عليه الإنجليزية، ويعلمه درسا في الآداب العربية ~~... # وليس الشغف بالمعرفة على هذا النحو بالخلق المستغرب من تلاميذ جمال الدين، فلولا ~~حبهم للمعرفة ومخاطرتهم في سبيلها لما عرفوه. # وقد حببت مجالس الجداوي الأدب إلى نفسي لأول مرة، ورغبت أن أتخذه فنا أضرب ~~فيه بسهم، كما ضرب فيه الأستاذ، وصرت من ذلك الحين مهتما بحفظ الشعر، ومطالعة كتب ~~الأدب. # ومما يلذ ذكره أنني لما أغرمت بالأدب أخذت أتمرن على نظم الشعر، وساعدني في ~~ذلك مباراتنا المدرسية التي كان الناظر يعقدها لنا في إلقاء الشعر العربي، حتى كنت ~~أستعيض عن محفوظاتي الشعرية بأبيات أنظمها من تلقاء نفسي، وكانت أول أبيات نظمتها - ~~وأنا لم أتجاوز الحادية عشرة - هذه الأبيات التي أذكرها هنا على سبيل ~~الفكاهة: # علم الحساب له مزايا جمة # وبه يزيد المرء في العرفان # النحو قنطرة العلوم جميعها # ومبين غامضها وزين لسان # وكذلك الجغرافيا هادية الفتى # لمسالك البلدان والوديان # وإذا علمت لسان قوم يا فتى # نلت الأمان به وأي أمان! # الشيخ محمد عبده # والشيخ محمد عبده في اعتقادي أعظم رجل ظهر في مصر وما جاورها منذ خمسة قرون، أثره ~~في نفسي من أقوى الآثار ... # وقد أعجبت به؛ لأنني سمعت بذكره في مجلس الأستاذ الجداوي مرات، وكان محبوبا في ~~بلدتي أسوان على الرغم من الضجة التي شنها عليه حساده، والجاهلون بفضله. # وذلك لأنه توسط في قضية متشعبة الأطراف شغلت المدينة والإقليم كله أكثر من عشر ~~سنوات؛ حتى سماها ظرفاء المدينة قضية دريفوس ... وكان أحد الطرفين فيها رجلا سريا ~~مفرط الذكاء، شديد العناد، خبيرا بحيل المقاضاة، وأساليب المراوغة والتأجيل، ~~وإعادة النظر، وإهمال التنفيذ، وكان الطرف الآخر رجلا من المهاجرين إلى السودان ~~الذين عادوا إلى وطنهم مفتقرين بعد الثورة المهدية، فلما بحث عن بيوته وأمواله ~~وجدها ms034 في يدي ذلك السري الذكي العنيد، ولم يجد معه دليلا حاضرا يعينه على ~~المقاضاة، ولولا العداوة بين ذلك السري الذكي العنيد وبين أسرة أخرى في المدينة لما ~~استطاع الإنفاق على القضية سنة واحدة. # ومع هذا عز على الأسرة القوية إثبات حقه، وأوشكت القضية أن تنقلب عليه، لولا أن ~~هداه نائب أسوان في مجلس الشورى إلى الشيخ محمد عبده، فقص عليه قصته، واستفز نخوته، ~~فتولى القضية بنفسه، وخاطب فيها زعيمنا الكبير سعد زغلول رحمه الله، بعد أن تحولت ~~إليه، فحكم فيها حكما فاضلا هز الإقليم بأسره، وتحدث به الكبار والصغار في كل ~~مجلس وفي كل قرية، وغلبت هذه السمعة الحسنة التي تكلل بها اسم الشيخ محمد عبده في ~~أسوان على كل تهمة باطلة من تهم الحساد الذين افتروا عليه الزندقة والإلحاد. # ومن حظي الحسن أنني سمعت به في تلك الأيام فراقني أن أقتدي به في غيرته على الحق، ~~ونجدته للضعيف، وقلة اكتراثه للقيل والقال، واطلعت على معظم ما كتب في شئون الدين ~~والدنيا، ولكنني أعجبت بخلقه فوق إعجابي بعلمه، فإن الاقتداء بخلقه نافع لكل إنسان ~~كائنا ما كان مذهبه في الدراسة والتفكير، ولكن العلوم والمعارف تتعدد بين فريق ~~وفريق من الناس، فلا ينتفع المرء إلا بمن يماثله في معارفه وعلومه. # وأنا مدين بخطتي في السياسة الوطنية لإعجابي بالشيخ محمد عبده ومريديه. # فإعجابي به هو الذي أعظم في نفسي الثقة بسعد زغلول يوم كان الفتيان من عمري كلهم ~~أنصارا لمصطفى كامل وعبد العزيز جاويش، وأتباعا لهما في الحملة على سعد ~~زغلول. # ولما اشتدت هذه الحملة ذهبت إلى سعد في ديوان المعارف لأستطلع رأيه، وأسمع حجته ~~على حضور، وقلت في خطابي إنني أثق به لأنني أثق بأستاذه، ودخلت المكتب فاستقبلني ~~واقفا، وأشار إلى كرسي أمامه فجلس وجلست، وسألني: «أعرفت الشيخ محمد عبده؟»، قلت: ~~«نعم! ... قرأت رسائله وتفسيراته، وترجمة حياته.» قال: «أين؟ ... أفي الأزهر؟» قلت: «لا ~~... بل في أسوان، قدمني إليه أستاذي فناقشني في علومي المدرسية، وبعض الآراء العامة، ~~ثم سمعت منه بشرى طيبة ms035 ...» # قال: «ماذا سمعت منه؟» # قلت: «التفت إلي الأستاذ، وقال وهو يربت على كتفي: ما أجدر هذا أن يكون كاتبا ~~بعد!» # فتبسم الباشا وقال: «أرى أن نبوءة الإمام تتحقق.» واستطرد إلى كلام عن الشيخ يثني ~~عليه. # وهكذا ترتسم لنا في بواكير الصبا مناهج السياسة التي نقاد بها، ونقود بها غيرنا ~~مدى الحياة. # شيطنة التلاميذ # ولا أحسب أن أحدا يتكلم عن أساتذته إلا انتظر منه القارئ شيئا عن «شيطنة» ~~التلاميذ مع الأساتذة. # وللقارئ حق ... # فما خلت قط علاقة تلميذ بأستاذ من تلك «الشيطنة»، ولم أكن أنا من أبطال «الشيطنة» ~~المدرسية ... ولكنني كنت أستطيبها، وأشجع عليها حين تقع في موقعها، ولا أطيل في سرد ~~النوادر، فهي كثيرة تكفي هنا واحدة منها على سبيل المثال ... # كان معلم الخط في مدرستنا من أبرع الخطاطين في البلاد العربية، ولكنه كان رجلا ~~غريب الأطوار، يهتاج لأقل خطأ، فيشتم التلميذ المغضوب عليه شتما يناله هو قبل أن ~~ينال التلميذ؛ لأنه يبدأ كل شتيمة بقوله: يا ابني ... ثم يكيل الشتائم كيلا، فإذا هي ~~كلها مردودة إليه. # وكان التلاميذ يهجونه لشتمهم وشتم نفسه على هذا النمط الغريب، ومنهم تلميذ خبيث ~~أعيى أساتذته وأهله خبثا في جميع سنوات الدراسة، يملك أهله مطاحن بخارية توشك أن ~~تحتكر طحن الغلال في المدينة. # ولم يكن من الميسور طحن مقطف من القمح في اليوم الذي يرسل فيه إلى المطحنة؛ لأنها ~~كانت تكتظ بالمقاطف وأصحابها؛ فيبيتون إلى جوارها في بعض الأيام ... # واغتنم معلم الخطوط فرصة وجود هذا التلميذ في فصله، فجعل يستدعيه إلى المنزل ظهر ~~كل خميس ليحمل الطحين إلى مطحنة أهله ويعود به في اليوم نفسه ... # وما أدراك ما يوم الخميس؟! ... إنه هو اليوم الذي ينتظره التلميذ بنافد الصبر ليسرح ~~ويمرح، لا ليخزن نفسه في مطحنة تعج بأصوات الآلات وأصوات الطاحنين. # وصبر التلميذ الخبيث أسبوعا وأسبوعين وثلاثة أسابيع، ثم نفد صبره، وعول على ~~استنجاد خبثه ... وهو لا يخذله حيث يتخابث في غير طائل، فكيف بالخبث الذي ينقذه من ~~هذا البلاء؟! # وجملة القول أنه باع المقطفين ms036 بأبخس ثمن، ولم يذهب في يومها إلى المطحنة، ولا رجع ~~إلى بيت الأستاذ. # وقبل حصة الخط جمعنا وهو لا يملك نفسه ضحكا، فحدثنا بما حدث ... فدخلنا الفصل ونحن ~~نتلهف شوقا إلى ما يكون! # وكان التلاميذ يتعلمون الخط يومئذ في كراسة مذهبة تسمى «المشق»، على رأس ~~كل صفحة منها نموذج مطبوع، تحته نموذج مفرغ بالنقط، تحته فراغ لكتابة التلميذ ~~... # ولا أذكر ما هو النموذج الذي كان مكتوبا في رأس الصفحة ذلك اليوم ... ولكنني أذكر ~~أنه كان مبدوءا بحرف «ميم». # وجاء دور التصحيح، فذهب التلاميذ واحدا بعد واحد إلى منصة الأستاذ، فجعل لا ~~يلتفت إليهم إلا قليلا، ولا يشتمهم على عادته في كل تصحيح؛ لأنه على ما يظهر كان ~~يدخر «الشتيمة» كلها لتلميذ واحد، هو ذلك التلميذ الخبيث. ~~- أهذه «ميم» تكتب يا ابني يا ابن ال ...؟! # قالها قبل أن يضع التلميذ كراسته أمامه ... فنظر التلميذ الخبيث إلى أستاذه ~~متجاهلا، وهو يسأل: «أي ميم يا أفندي؟! إنني لم أكتب ميما!» # وكانت الكراسة قد استوت أمام الشيخ فنظر فيها، فرأى أن الخبيث قد تخطى الصفحة إلى ~~التي بعدها عن عمد أو سهو ... # فلم يسكت الشيخ بل راح ينطلق في شتمه لهذا السبب الجديد، وقال له: «وتتخطى الصفحة ~~أيضا يا ابني يا ابن ال ...» # ثم ضحك على الرغم منه ... # فنجا الخبيث بهذه الضحكة من العقاب، ومن سخرة الطحين في كل خميس ... # رحمهم الله جميعا، وأطال بقاء الأحياء منهم ... # إنهم كانوا أساتذة نافعين: نافعين بما علمونا من دروس، ونافعين بما علمونا من ~~أطوار بني آدم، ونافعين بما قصدوه وما لم يقصدوه ... ~~(2) ثلاثة أشياء جعلتني كاتبا # إنني أومن بكلمات التشجيع التي يتلقاها الناشئ في مطلع حياته ممن يثق بهم ويعتز ~~برأيهم، فيمضي إلى وجهته على يقين من النجاح. # وأومن بالظروف وفعلها في تمهيد أسباب النجاح، وتيسير البدء في طريقه، ثم المثابرة ~~عليه إلى غاياته القريبة والبعيدة. # وأومن بالرغبة في الوجهة التي يتجه إليها الناشئ، والعمل الذي يختاره، ويحس من نفسه ~~القدرة عليه، والاستعداد له مع الاجتهاد، والتذرع ms037 بالوسيلة الناجعة. # أومن بها مجتمعات، ولا أومن بها متفرقات. # أومن بالتشجيع والظروف والرغبة تتلاقى معا، وتتوافق في الخطوات الأولى ... ولا أومن ~~بها متفرقة يتيسر بعضها ويتعذر سائرها في مستهل الطريق. # فكلمات التشجيع إذا امتنعت الظروف المواتية قلما تفيد، وكلمات التشجيع مع مؤاتاة ~~الظروف تضيع كلها عبثا إذا امتنعت الرغبة في نفس الناشئ، ودل امتناعها على نقص ~~الاستعداد أو على الرغبة في عمل آخر يضل عنه حتى يهتدي إليه في ظرف من الظروف. # واتجاهي إلى الصحافة - أو إلى الكتابة على الأصح - قد تلاقت فيه كلمات التشجيع مع ~~مؤاتاة الظروف، والرغبة الكامنة في الطوية من أيام الطفولة، ولا أقول من أيام الصبا أو ~~الشباب؛ لأنني عرفت أنني أحب الكتابة، وأرغب فيها قبل العاشرة، ولم أنقطع عن هذا الشعور ~~بعد ذلك إلى أن عملت بها، واتخذتها عملا دائما مدى الحياة. # كان أستاذنا في اللغة العربية والتاريخ الشيخ فخر الدين محمد الدشناوي يعرض كراساتي ~~التي أكتب فيها موضوعات الإنشاء على كبار الزوار لمدرسة أسوان، وكان كبار الزوار لهذه ~~المدرسة أكثر عددا وأعظم شأنا من كبار الزوار لمدارس القطر كله؛ لأن أسوان كانت قبلة ~~العظماء والكبراء من جميع الأرجاء في موسم الشتاء. # واطلع الأستاذ الإمام الشيخ «محمد عبده» على إحدى هذه الكراسات، فقال: «ما أجدر هذا ~~أن يكون كاتبا بعد! ...» # فكانت هذه الكلمة أقوى ما سمعت من كلمات التشجيع، ولكنها جاءت بعد سنوات في القراءة، ~~ومحاولة الكتابة، وإصدار الصحف التي تطبع على «البالوظة» ... ولا يقرؤها أحد غيري وغير ~~تلميذين أو ثلاثة من الزملاء ... # كان والدي - رحمه الله - من أنصار الحركة العرابية، وتعلمت الأبجدية وكتابة الحروف ~~الأولى وأنا أرى بين يدي أعداد مجلة «الأستاذ»، وغيرها من مجلات عبد الله نديم، ومعها ~~أعداد قليلة من «أبو نضارة»، والعروة الوثقى، ونشرات الثورة التي كانت توزع في ~~الخفاء. # وكنت أسمع على الدوام أخبارا في سير الكتاب الذين يصدرون هذه الصحف، ولا سيما عبد ~~الله نديم. # فأصدرت يوما صحيفة باسم «التلميذ» محاكاة لصحيفة «الأستاذ»، وافتتحتها بمقال عنوانه: ~~«لو كنا مثلكم ms038 لما فعلنا فعلكم» معارضة لمقال النديم المشهور: «لو كنتم مثلنا لفعلتم ~~فعلنا» يعني بها الأوروبيين. # واقترنت بهذه الظروف رغبة ملحة في القراءة والكتابة، بل في النظم والنثر المسجوع ~~بعض الأحايين. # ولعل المرة الأولى التي عرفت فيها أنني أكتب ما يستحق التنويه بين الأقران قد عرضت لي ~~من قبيل المصادفة وأنا في السنة الثانية الابتدائية، وكان مدرس الخط والكتابة عندنا ~~الخطاط المشهور الشيخ مصطفى عاصم رحمه الله، وهو والد زميلنا أحمد عاصم «بك» الذي أصبح ~~بعد ذلك من رجال التربية المعدودين ... # طلب منا الشيخ مصطفى أن نكتب بالخط النسخ كلاما من عندنا نصف به المدرسة التي نتعلم ~~فيها، ولم تكن دروس الإنشاء مقررة علينا في تلك السنة، ولكنه أراد أن يجعلها درسا من ~~دروس الخط بكتابة من عندنا غير كتابة «المشق» المرسوم. # ونسيت هذا الطلب لأنه «نافلة» لا يدخل في باب المقررات، فلما التقيت قبل دق الجرس ~~بزملائي سألني أحدهم: «هل كتبت ما طلبه مدرس الخط؟» فتذكرت ذلك الطلب «النافلة»، وبدا ~~لي أن كتابته خير من إهماله، وأخرجت كراسة التجارب فكتبت صفحة من صفحاتها في هذا ~~الموضوع. # وكان من المفاجآت لي وللزملاء الصغار - الذين علموا كيف كتبت ذلك الموضوع بعد تنبيههم ~~إياي - أن المدرس لم يقرأ في الفصل غير ذلك الموضوع! وغار الزملاء، فقال بعضهم: إنه يا ~~أفندي كان ناسيا، وذكرناه به في اللحظة الأخيرة ... # وظنوا أنهم يهبطون بدرجة الإنشاء في تقدير الشيخ، فإذا هو يضاعف التقدير، ويقول ~~لهم: إن هذا أدل على الإجادة وحسن الاستعداد. # وبلغت السادسة عشرة وأنا أعمل في وظيفة حكومية، وكان علي أن أنتظر سنتين قبل ~~التثبيت؛ لأن الوظائف الدائمة لا تثبت قبل الثامنة عشرة! # فخطر لي ذات مرة أن أريح نفسي من هذا الانتظار، وأن أتوفر على إصدار صحيفة أسبوعية ~~باسم «رجع الصدى»، واتخذت مستشاري لهذا العمل «كتبيا» بحي الأزهر كنت أشتري منه الكتب ~~الأدبية بأرخص الأثمان؛ لأنها كانت مطبوعة - كلها - على الورق الأصفر، وبعضها مرجوع ~~يباع بنصف الثمن، ولا يزيد ثمنه على بضعة قروش. # قال ms039 لي الكتبي الناصح: إياك أن تفعلها وتترك خدمة «الميري» من أجل هذه الصناعة ~~الملعونة! # ولم تمض ساعة حتى شهدت بعيني أنها في الحق صناعة ملعونة كما قال، أو كانت على الأقل ~~ملعونة إلى ذلك الحين! # على مقربة من المكتبة مطبعة صغيرة تطبع فيها صحيفة أو اثنتان من الصحف الأسبوعية، ~~ويقف فيها «مدير الصحيفة» ينتظر الوكيل الذي أرسله إلى المشتركين للتحصيل وسداد حق ~~المطبعة من محصول الاشتراكات. # وحضر الوكيل. # مخلوق أشعث أغبر ليس على بدنه كسوة من قطعة واحدة، ولحيته مرسلة بغير قصد منه؛ لأنها ~~معلقة على قرش واحد يؤديه للحلاق، ولا سبيل إليه ... وبادره المدير قائلا: ماذا صنعت؟ ~~... # فأخرج له إيصالا معادا من أحد المشتركين، وقال له: إن صاحب هذا الإيصال قد أنبأني ~~أنه سدد الاشتراك لك قبل الآن، وعنده إيصال بالسداد. # قال المدير: وأين الإيصال الآخر؟ ... # قال الوكيل: قطعه الرجل ورماه في خلقتي! ... # فانتهره المدير وهو يضربه، وقال له: مستحيل! ... إن هذا الرجل ممن يخافون من الكتابة ~~عنهم خوف البرد، ومسألة بنته أو أخته معروفة يخشى منها الفضيحة ... فلا تقل لي أنه قطع ~~الإيصال ورماه في خلقتك الشريفة ... بل قل إنك قبضت الاشتراك، وسكرت به كعادتك ... # وكانت بقية الفصل خناقة لا أدري كيف انتهت؛ لأنني لا أحب منظر «الخناق» ... فتركتها ~~وأنا أردد قول الكتبي الناصح: إنها صناعة ملعونة وايم الله! ~~••• # بعد هذا كانت علاقتي بالصحافة علاقة الكتاب من «منازلهم» ... # فكنت أكتب إلى «الجريدة» التي أشرف على تحريرها الأستاذ الجليل أحمد لطفي السيد، ~~وكتبت قبلها إلى صحيفة «الظاهر» التي كان يصدرها «أبو شادي» المحامي، وإلى صحيفتي ~~«المؤيد» و«اللواء»، ونشر أول ما نشر لي من الشعر في إحداها، وأذكر أنه في صحيفة ~~«اللواء». # وإنني لأقرأ الصحف ذات يوم إذا بالأستاذ «محمد فريد وجدي» يعلن عن صحيفة يومية ينوي ~~أن يصدرها باسم الدستور، ويطلب مخاطبته في شئون الصحيفة، ومنها شأن التحرير. # فتناولت ورقة في المقهى التي كنت أجلس بها بحي شبرا، وكتبت إليه خطابا أرشح فيه نفسي ~~للاشتغال بتحرير الدستور، ولم يمض ms040 يومان حتى جاءني الرد منه بالقبول، فذهبت إليه حيث ~~اختار مكتب الصحيفة الأولى بدار مطبعة «الواعظ» لصاحبها الأستاذ محمود سلامة بدرب ~~الجماميز، وعدت لأستقيل من وظيفتي الحكومية، وأبدأ حياتي الصحفية المنتظمة، ولم أزل ~~أعمل في تحرير «الدستور» حتى اضطرت إلى التوقف عن الصدور. # وإنني لأحمد الله أن كانت بداية عملي المنتظم في الصحافة مع رجل كالأستاذ وجدي - رحمه ~~الله - قليل النظير في نزاهته، وصدقه، وغيرته على المصلحة القومية، واستعداده للتضحية ~~بماله وراحته في سبيل المبدأ الذي يرعاه، ولا يتزحزح عنه قيد أنملة، فقد عطل صحيفته ~~وبين يديه عرض سخي من جماعة «تركيا الفتاة» التي أرادت أن تتخذ منها لسان حال لها في ~~مصر والشرق باللغة العربية، وهذا غير العروض السخية التي توالت عليه من جانب «المعية ~~الخديوية» ... فأقدم على تعطيل الصحيفة لكيلا يخالف عقيدة من عقائده السياسية مرضاة ~~لهؤلاء أو هؤلاء، وباع كتبه ليؤدي حساب العمال والصفافين والموظفين مليما ~~بمليم. # أحسن الله ذكراه في مثواه. # وأكثر الله بين الصحفيين من ينحو في هذه الصناعة «المباركة» منحاه. ~~(3) هجرت وظائف الحكومة ~~«الاستخدام رق القرن العشرين.» # كان هذا عنوان مقال كتبته في «الجريدة» حوالي سنة 1907 وأنا في وظيفتي الحكومية، وكنت ~~يومئذ على أهبة «الاستعفاء» منها للاشتغال بالصحافة ... # ومن «السوابق» التي أغتبط بها وأحمد الله عليها أنني كنت - فيما أرجح - أول موظف مصري ~~استقال من وظيفة حكومية بمحض اختياره، يوم كانت الاستقالة من الوظيفة والانتحار في طبقة ~~واحدة من الغرابة، وخطل الرأي عند الأكثرين، بل ربما كانت حوادث الاستقالة أندر من ~~حوادث الانتحار ... ولو ظفرنا اليوم بإحصاء ثابت لحوادثهما معا منذ بدأت عندنا الوظائف ~~الحكومية إلى أوائل القرن العشرين لتحقق لنا أن الاستقالة من الوظيفة كانت أندر من ~~الانتحار، ولا يخرج هذا عن حيز المعقول؛ لأن الوظيفة كانت معيشة وشرفا ومزية اجتماعية، ~~ولأن عدد الموظفين الذين تسجل عنهم حوادث الاستقالة أقل من عدد الجمهرة الكبرى التي ~~تسجل عنها حوادث الانتحار، ولعلنا لو أخذنا في العددين بالنسبة المئوية لما اختلفت ~~دلالة الإحصاء. # كان الشرف ms041 كله يومئذ منوطا بالوظيفة الحكومية، وكانت كلمة القائلين: «إن خدمة الميري ~~شرف» مثلا سائرا في كل طبقة من طبقات الأمة، ويضارعه في الشيوع قول القائلين: «إن ~~فاتك الميري اتمرغ في ترابه» وهو القول القاطع الذي شاع وظل شائعا إلى عهد ~~قريب. # وليس في الوظيفة الحكومية لذاتها معابة على أحد، بل هي واجب يؤديه من يستطيع، ولكنها ~~إذا كانت باب المستقبل الوحيد أمام الشاب المتعلم فهذه هي المعابة على المجتمع بأسره، ~~وتزداد هذه المعابة حين تكون الوظيفة - كما كانت يومئذ - عملا آليا لا نصيب فيه ~~للموظف الصغير والكبير غير الطاعة وقبول التسخير، وأما المسخر المطاع فهو الحاكم ~~الأجنبي الذي يستولي على أداة الحكم كلها، ولا يدع فيها لأبناء البلاد عملا إلا كعمل ~~المسامير والآلات في تلك الأداة. ~~••• # وأعود فأقول مرة أخرى: إن نفوري من الوظيفة الحكومية في مثل ذلك العهد الذي يقدسها ~~كان من السوابق التي أغتبط بها، وأحمد الله عليها ... فلا أنسى حتى اليوم أنني تلقيت خبر ~~قبولي في الوظيفة الأولى التي أكرهتني الظروف على طلبها كأنني أتلقى خبر الحكم بالسجن ~~أو الأسر والعبودية؛ إذ كنت أومن كل الإيمان بأن الموظف رقيق القرن العشرين. # وقد اشتغلت بوظائف كثيرة في المديريات، ومصلحة التلغراف، ومصلحة السكة الحديد وديوان ~~الأوقاف، ويلحق بها - أي بهذه الوظائف - عملي في تعلية الخزان؛ لأنه كان بمثابة الوظيفة ~~الحكومية في ذلك الحين. # وأذكر أنني تقدمت للامتحان في «نظارة الحقانية» يوم كان الكاتب المشهور في زمنه «أحمد ~~سمير» رئيسا من الرؤساء الكتابيين فيها، وكان موضوع الامتحان حسابا وترجمة وإنشاء ~~عربيا، سئلنا فيه أن نكتب تاريخ حياتنا؛ فكتبت تاريخ حياتي في الوظائف الحكومية ~~قبلها، ومهدت له بمقدمة عن الوظائف، وما ينبغي لها من الإصلاح، ونظر الأستاذ أحمد ~~سمير في ورق الإنشاء أمامنا، فقال: «يظهر أن خوجة هذا الطالب كان من المجاورين الحناشيص ~~في اللغة العربية ...» ثم أتم القراءة، فقال لي بعد أن دعيت باسمي: «ومن لنا بأنك تبقى ~~عندنا أكثر مما بقيت عند غيرنا ... أنت يا بني تريد إصلاح الوظائف ms042 كلها، ونحن مش قدك، ~~والله العظيم!» # فقلت له: «والآن تستطيع أن تعتبر ورقة الطلب ورقة استعفاء، ما دامت هذه طريقتكم في ~~الامتحان.» ~~••• # ولو أنني أردت أن أسجل تجاربي في تلك الوظائف جميعا لما وسعتني المقالات؛ فإنها مما ~~تستوفيه الكتب المطولات. # ولكنني أذكر هنا تجربة أو اثنتين من مهازلها ومآسيها، ويقاس عليها غيرها من هذا ~~الباب، وغير هذا الباب ... # كانت الرسائل تسمى يومئذ «بالإفادات» ... # وكانت «للإفادة» صيغة مقررة مكررة لا تختلف من الديباجة إلى التقفيلة كما كانوا ~~يسمونها، وكان من نماذجها ترتيب الألقاب من «حميتلو» إلى «رفعتلو» إلى «سعادتلو» إلى ~~«عطوفتلو»، بين ملاحظ البوليس وناظر المالية الذي كنا تابعين له في أقسامنا المالية ~~بالمديريات ... # فإذا قلت «صاحب الحمية، أو صاحب العطوفة» بدلا من «حميتلو» أو «عطوفتلو» بطلت ~~الإفادة، ووجبت إعادتها من جديد. # وكذلك تبطل الإفادة إذا ختمتها بعبارة غير عبارة التقفيلة المعهودة، «وهذا ما لزم ~~عرفناكم به أفندم.» # وتتخلل الإفادة قوالب تعبيرية أو «كليشيهات» على هذا المثال لا يجوز فيها التبديل ولا ~~التقديم ولا التأخير. # وأكتب عشرين أو ثلاثين إفادة دفعة واحدة، فإذا هي تعاد إلي «لتصحيحها وكتابتها مرة ~~أخرى بالأسلوب المعهود». ~~••• # ويتكرر هذا مرة بعد مرة، ولا متسع من الوقت لكتابة الإفادات جميعا، فضلا عن كتابتها ~~وتغييرها بلا سبب غير هذا الجمود على الأسلوب العتيق. # ويتفق يوما أن أدخل على «الباشكاتب» بالإفادات المشطوبة فأجده منفردا في المكتب، ~~وتزين لي «شقاوة» التلمذة أن أعبث بالرجل عبثا لم يكن يخطر له على بال، وبخاصة هذا ~~الباشكاتب الذي اشتهر في مديريات القطر بالحزم والمهابة والدراية بأصول الإدارة، ~~وأساليب المكاتيب. # قلت له في كل بساطة: «يا أيها الحمار الأزعر ... أمثلك يصحح الكتابة العربية، وأنت لا ~~تعرف منها غير الهجاء، وكتابة (العرضحالات)؟!» # ولم يصدق الرجل أذنيه، وظن أنه أمام مجنون لا يؤمن أن يبطش به ويعتدي على حياته، فقفز ~~من كرسيه إلى خارج الحجرة ينادي الفراشين والموظفين المساعدين، ثم ذهب إلى مكتب وكيل ~~المديرية يشكوني إليه؛ لأن المدير (محمد محب باشا) كان غائبا عن البلد ms043 ، وينوب عنه ~~«محمد خليل نائل بك» الذي كان معروفا في ذلك الوقت بأنه رجل «رياضي» بحبوح قبل أن تشيع ~~كلمة ال «سبورت». # ويدعوني الوكيل فأقول له مقسما أنني ما خاطبت الرجل إلا بما يستحقه من الاحترام. ~~ويبتسم الوكيل الظريف، ثم يقول للبك الباشكاتب: دعه لي ... فإنني سأنظر في أمره «بما يستحقه». # وما كاد الباشكاتب يولي قفاه حتى ضحك الوكيل وكاد أن يقهقه، ثم اصطنع العبوس وهو ~~يقول: اسمع يا بني ... شغل الحواة في المدارس لا ينفع هنا في الوظائف، ولو ثبت عليك أنك ~~تطاولت على حضرة الباشكاتب لكان جزاؤك الفصل العاجل، فلا تعد إليها مرة ثانية. # وقد علمت بعد ذلك أن الباشكاتب قد استكبر على مهابته المشهورة أن يذاع عنه أن موظفا ~~صغيرا قال له: «يا حمار» ... فلم يذكر للوكيل إلا بعض ما قيل! # وتجربة أخرى في هذا الديوان نفسه أننا كنا نعمل في بقسم المكلفات - أي تدوين الملكيات ~~الزراعية - أيام فك الزمام، وليس أكثر من هذه الأيام من العقود الواردة من المحاكم ومن ~~الأقاليم، فلا طاقة للموظف بإنجاز العمل مرة واحدة فضلا عن إنجازه مرتين. # وأقرر ... نعم أقرر، وأقولها الآن وأنا أضحك كما يضحك القارئ وهو يتصفحها ... # أقرر عددا من العقود أنجزه كل يوم ولا أزيد عليه ولو تراكمت الأوراق على المكتب ~~كالتلال. # ومن هذه العقود عقد أذكر تماما ... أنه كان لأمين الشمسي باشا والد السيد علي الشمسي ~~الوزير السابق المعروف، مضت عليه أشهر وهو بانتظار التنفيذ في الموعد الذي قررته لنفسي، ~~وجاء الباشا يسأل عنه، فرأيته لأول مرة ورأيته لا يغضب ولا يلوم حين تبينت له الأعذار ~~التي استوجبت ذلك القرار. ~~••• # وإذا كان هذا قليلا من كثير من تجاربي في وظائفي الحكومية، فلا أحسب القارئ المعاصر ~~يعجب لاستقالتي منها واحدة بعد واحدة ... # غير أنني أقول اليوم كما أقول كلما ذكرت أمثال هذه التجارب ... # وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير ~~لكم ~~. # 1 # وهكذا مرت بي تجارب الوظائف على خير لا شك فيه، فلولا اشتغالي بالمديريات بين قنا، ~~والزقازيق، والفيوم، ms044 ولولا تنقلي فيها بين أعمال تتصل بالملكيات الزراعية، وأخرى تتصل ~~بمساوئ الأوقاف، وغيرها بالمواصلات ومشروعات الأبنية والمقاولات، لفاتني كثير، بل كثير ~~جدا، من العلم بحقائق بلدي ومواطن الإصلاح فيه. # ولو اطلعتم على ما في الغيب لاخترتم الواقع. # ولعلي لم أكن أختار هذه الوظائف بعينها، ولكنني أختار أن أعرف ما عرفت من حقائق وطني ~~بالثمن الذي «تستحقه» ... وهي تستحق الكثير. # | الفصل الثالث # (1) قلمي # من ذكريات المدرسة التي أستعيدها الآن لمناسبتها، حادث شجار عنيف بين تلميذين على ~~قلمين من أقلام الكتابة العربية، يدعي كلاهما أن أحد القلمين قلمه، ويرد الآخر إلى ~~صاحبه. # أكان النزاع على القلم المطلوب من أجل قيمته الغالية؟ ... # كلا ... فإن قيمة القلمين معا لم تكن تزيد على ثلاثة مليمات أو أربعة؛ لأنهما من أقلام ~~البوص التي كانت توجد يومئذ في جميع الأسواق. # فلم يكن النزاع بين الزميلين لغلو الثمن، وإنما كان لنفاسة أخرى غير نفاسة المال، وهي ~~أن القلم الذي تنازعا عليه كان من الأقلام التي براها الأستاذ وقطها بيديه، فهو صالح ~~لتجويد الخط، وضمان بعض الدرجات في الامتحان! # كان ذلك يوم كان القلم ثمرة من ثمرات الطبيعة، وكان لكل قلم شخصية ممتازة بما يكتبه ~~من نوع الخط، ثلثا كان، أو نسخا، أو رقعة، أو حرفا من الحروف الديوانية أو الفارسية ~~... ويوم كانت لكل قلم شخصية ممتازة يستمدها ممن براه، وقطه، وهيأه للكتابة، وقلما يحسن ~~ذلك غير أستاذ خبير بالأقلام، وبما تخطه الأقلام. # كان ذلك على التقريب شأن كل قلم في المدرسة، وفي غير المدرسة، فكان قلم البوص هو ~~القلم المعتمد بين التلاميذ، وبين الموظفين، وبين الكتبة في كل مكان. # أما اليوم فلا «شخصية» للأقلام؛ لأنها جميعا من صنع «الفابريكة» التي تخرج مصنوعاتها ~~بالألوف، وعشرات الألوف! # إنها «نمر» مرصوصة في صناديق، وكل قلم فيها ككل قلم بلا اختلاف في غير علامة ~~«الفابريكة» أو قدم القلم وجدته ... وفيما عدا ذلك فالأقلام جميعا سواء! ~~••• # وكنت في المدرسة من المعدودين بين المتقدمين في الخط، فلم تكن درجتي فيه تقل عن ~~الدرجة العليا ms045 بأكثر من درجتين أو ثلاث. # ولكنني لم أكن من المتقدمين في صناعة البري، والقط، وتنويعها على حسب الحروف والخطوط ~~... وكنت أعول في هذه الصناعة على الأستاذ، وأحتفظ بأقلامه طوال العام، فلما تركت المدرسة ~~لبثت برهة أنتفع بأقلامي المدرسية، ثم عدلت عنها مضطرا إلى الريشة المعدنية، ولم أزل ~~أكتب بها في الدواوين، حتى اشتغلت بالصحافة، ووجدت الكلفة في الاستملاء، وحمل الدواة ~~إلى كل جهة أذهب إليها، وأحتاج إلى الكتابة فيها ... # ولم يكن من اليسير أن أحصل على قلم «مداد» أو قلم «أمريكاني» كما كان يسمى في تلك ~~الأيام، فلجأت إلى استخدام القلم الرصاص. # وأتعبني القلم الرصاص؛ لأنه ينقصف، ويؤلم الأصابع بضغطه، ويترك فيها مثل علامة السجدة ~~في جباه المصلين، ولكنها علامة لا تنفع أصحابها كما تنفع علامة السجدة من ينتفعون بها ~~في سوق الرياء! # فما هو إلا أن تيسر لي ثمن القلم المداد، أو القلم «الأمريكاني»، حتى استبدلته بأقلام ~~الرصاص، وما زلت أكتب به إلى اليوم. # واتفق أنني عملت في عدة صحف صباحية على التوالي، فظهر لي أن المداد الأحمر «أريح» ~~للنظر في ضياء الليل، فهو المداد الذي استعملته إلى عهد قريب ... # هل احتفظت بقلم من أقلامي هذه أو غيرها لمناسبة خاصة تهمني ذكراها؟ ... # نعم ... احتفظت بأقلام ثلاثة، كان لاحتفاظي بكل منها سبب وتاريخ، وكان كل منها باينا ~~لصاحبيه في سببه وتاريخه ... # قلم منها احتفظت به لأنه كان هدية من إنسان أعزه، وكان قد كتب به قصيدة من شعري في ~~وصف ليلة على النيل، ثم أهدى إلي القلم، والصحيفة المكتوبة بخطه. # وقلم ثان كتبت به الفصول الأولى من كتابي عن «ابن الرومي»، ثم أدركني وأدركه شؤم ~~الرجل، وسوء طالعه، فدخلت السجن، ودخله معي حيث قضى فيه تسعة أشهر، ولكن في مخزن ~~الأمانات! # وقلم آخر أخرجته لخصم من خصومي السياسيين، وأقسمت له لتسقطن الوزارة النسيمية قبل أن ~~ينبري هذا القلم ... وقد كان من أجود الأقلام المعروفة «بالكوبية» أهديت بصندوق من نوعه، ~~فجعلت أرواح في الكتابة العجلى بينه وبين القلم المداد. # أين هذه ms046 الأقلام الآن؟ هل هي محفوظة كما احتفظت بها في أوانها؟ # كلا ... مع الأسف، فليس عندي منها اليوم قلم واحد؛ لأنها ضاعت بسبب وتاريخ، كما كان لها ~~في الاحتفاظ بها سبب وتاريخ. # القلم الذي أهداه إلي إنسان عزيز عاد بعد فترة من الوقت، فأصبح في حياتي غصة لا ~~تطاق. # فحملته ذات ليلة، وحملت معه الصحيفة التي كتبها بيد ذلك الإنسان العزيز، ووهبته للنيل ~~في الموضع الذي وصفته بذلك القصيد! # والقلم الذي صاحبني في السجن، أفرجت عنه، وأصررت على أن أتم به الكتاب الذي شرع معي ~~في تأليفه. # ثم أدركه نحس «ابن الرومي» مرة أخرى، فامتدت إليه يد سارق لا بد أنه حبس بعد ذلك ...! ~~إذا جرى «ابن الرومي» على عاداته، سامحه الله! # فإنني على ما أظن قد عثرت بالقلم عينه، وإن خطر لي في ذلك الحين - ولا يزال يخطر لي ~~الساعة - أنه شبيه به مشابهة الزميلين في صنعة واحدة ... # ولقد رثيت القلم المسروق بقصيدة أقول في مطلعها: # زاملني في السجن ذاك القلم # وناله ما نالني من قسم # ومنها أقول: # أما وقد فارقتنا يا قلم # وصالح اليأس عليك الألم # فخير ما أرجوه ألا ترى # في كف خوان ولا متهم # ولا تخط الجهل في صفحة # أبيض ما فيها سواد الحمم # ولا تكن يا قلمي آلة # تشتمني باللغو فيمن شتم # بدأت في الأوج فلا تنحدر # إلى حضيض الذل في المختتم # ثم عثرت بقلم «مرجوع» من لونه، ونقشته، وعلامته، فاشتريته وقلت فيه: # شبيه القلم المفقو # د في لون وفي حجم # وفي البائع والشا # ري وفي الصنعة والرسم # ستغنيني إذا استغني # ت بعد الروح بالجسم # أو استغنى بتمثال # فؤاد الأب والأم # ولكنني أعطيته لمن طلبه في الإسكندرية، وذهب به إلى الشاطئ فضاع! ... # أما القلم الذي راهنت به على الوزارة النسيمية، فقد احتفظت به زمنا بعد سقوط تلك ~~الوزارة، ثم التبس علي بفضلات من أقلام أخرى تشبهه، فلم أشأ أن أحتفظ بنسخ متعددة لا ~~أدري أيها الجدير بالاحتفاظ، وتركته مع شبيهاته لما يصيبه من صروف الأقدار. # وقيل ms047 لي كثيرا: «احتفظ بهذا القلم أو ذاك؛ لأنك كتبت به هذا الكتاب أو ذاك ...» فلم ~~أجد معنى للاحتفاظ بقلم تغني عنه في عملي، وفي نظري أقلام. ~~(2) لماذا هويت القراءة # أول ما يخطر على البال حين يوجه هذا السؤال إلى أحد مشتغل بالكتابة أنه سيقول: ~~إنني أهوى القراءة لأنني أهوى الكتابة! # ولكن الواقع أن الذي يقرأ ليكتب وكفى هو «موصل رسائل» ليس إلا ... أو هو كاتب ~~«بالتبعية» وليس كاتبا بالأصالة. فلو لم يسبقه كتاب آخرون لما كان كاتبا على الإطلاق، ~~ولو لم يكن أحد قبله قد قال شيئا لما كان عنده شيء يقوله للقراء. # وأنا أعلم فيما أعهده من تجاربي أنني قد أقرأ كتبا كثيرة لا أقصد الكتابة في ~~موضوعاتها على الإطلاق، وأذكر من ذلك أن أديبا زارني، فوجد على مكتبي بعض المجلدات في ~~غرائز الحشرات، فقال مستغربا: وما لك أنت والحشرات؟! ... إنك تكتب في الأدب وما إليه، ~~فأية علاقة للحشرات بالشعر والنقد والاجتماع؟! # ولو شئت لأطلت في جوابه ... ولكنني أردت أن أقتضب الكلام بفكاهة تبدو كأنها جواب وليس ~~فيها جواب ... # فقلت: نسيت أنني أكتب أيضا في السياسة! # قال: نعم نسيت والحق معك! ... فما يستغني عن العلم بطبائع الحشرات رجل يكتب عن السياسة ~~والسياسيين في هذه الأيام! # والحقيقة - كما قلت مرارا - أن الأحياء الدنيا هي «مسودات» الخلق التي تتراءى فيها ~~نيات الخالق كما تتراءى في النسخة المنقحة، وقد تظهر من «المسودة» أكثر مما تظهر بعد ~~التنقيح. فإذا اطلع القارئ على كتاب في الحشرات، فليس من اللازم اللازب أن يطلع عليه ~~ليكتب في موضوعه، ولكنه يطلع عليه لينفذ إلى بواطن الطبائع وأصولها الأولى، ويعرف من ثم ~~كيف نشأ هذا الإحساس أو ذاك الإحساس، فيقترب بذلك من صدق الحس وصدق التعبير، ولو في غير ~~هذا الموضوع. # كذلك لا أحب أن أجيب عن السؤال كما أجاب قارئ التاريخ في البيت المشهور: # ومن وعى التاريخ في صدره # أضاف أعمارا إلى عمره # فليست إضافة أعمار إلى العمر بالشيء المهم إلا على اعتبار واحد، وهو أن يكون ms048 العمر ~~المضاف مقدارا من الحياة لا مقدارا من السنين، أو مقدارا من مادة الحس والفكر ~~والخيال، لا مقدارا من أخبار الوقائع وعدد السنين التي وقعت فيها؛ فإن ساعة من الحس ~~والفكر والخيال تساوي مائة سنة أو مئات من السنين، ليس فيها إلا أنها شريط تسجيل لطائفة ~~من الأخبار، وطائفة من الأرقام. # كلا ... لست أهوى القراءة لأكتب، ولا أهوى القراءة لأزداد عمرا في تقدير الحساب ~~... # وإنما أهوى القراءة لأن عندي حياة واحدة في هذه الدنيا، وحياة واحدة لا تكفيني، ولا ~~تحرك كل ما في ضميري من بواعث الحركة. # والقراءة دون غيرها هي التي تعطيني أكثر من حياة واحدة في مدى عمر الإنسان الواحد؛ ~~لأنها تزيد هذه الحياة من ناحية العمق، وإن كانت لا تطيلها بمقادير الحساب ... # فكرتك أنت فكرة واحدة ... # شعورك أنت شعور واحد ... # خيالك أنت خيال فرد إذا قصرته عليك ... # ولكنك إذا لاقيت بفكرتك فكرة أخرى، أو لاقيت بشعورك شعورا آخر، أو لاقيت بخيالك خيال ~~غيرك ... فليس قصارى الأمر أن الفكرة تصبح فكرتين أو أن الشعور يصبح شعورين، أو أن الخيال ~~يصبح خيالين ... # كلا ... وإنما تصبح الفكرة بهذا التلاقي مئات من الفكر في القوة والعمق ~~والامتداد. # والمثل على ذلك، محسوس في عالم الحس والمشاهدة، ومحسوس في عالم العطف والشعور. # ففي عالم المشاهدة يجلس المرء بين مرآتين فلا يرى إنسانا واحدا أو إنسانين اثنين، ~~ولكنه يرى عشرات متلاحقين في نظره إلى غاية ما يبلغه النظر في كل اتجاه. # وفي عالم العطف والشعور نبحث عن أقوى عاطفة تحتويها نفس الإنسان فإذا هي عاطفة الحب ~~المتبادل بين قلبين ... لماذا؟ لأنهما لا يحسان بالشيء الواحد كما يحس به سائر الناس ~~... # لا يحسان به شيئا ولا شيئين، وإنما يحسان به أضعافا مضاعفة، لا تزال تتجاوب وتنمو ~~مع التجاوب إلى غاية ما تتسع له نفوس الأحياء. # هكذا يصنع التقاء مرآتين، وهكذا يصنع التقاء قلبين ... فكيف بالتقاء العشرات من المرائي ~~النفسية في نطاق واحد؟ # وكيف بالتقاء العشرات من الضمائر والأفكار؟ # إن الفكرة الواحدة جدول منفصل. # أما الأفكار ms049 المتلاقية فهي المحيط الذي تتجمع فيه الجداول جميعا، والفرق بينها وبين ~~الفكرة المنفصلة كالفرق بين الأفق الواسع والتيار الجارف، وبين الشط الضيق والموج ~~المحصور. # وقد تختلف الموضوعات ظاهرا أو على حسب العناوين المصطلح عليها، ولكنك إذا رددتها إلى ~~هذا الأصل كان أبعد الموضوعات كأقرب الموضوعات من وراء العناوين. # أين غرائز الحشرات مثلا من فلسفة الأديان؟ # وأين فلسفة الأديان من قصيدة غزل وقصيدة هجاء؟ # وأين هذه القصيدة أو تلك من تاريخ نهضة أو ثورة؟ # وأين ترجمة فرد من تاريخ أمة؟ # ظاهر الأمر أنها موضوعات تفترق فيما بينها افتراق الشرق من الغرب والشمال من الجنوب، ~~وحقيقة الأمر أنها كلها مادة حياة، وكلها جداول تنبثق من ينبوع واحد وتعود إليه. # غرائز الحشرات بحث في أوائل الحياة. # وفلسفة الأديان بحث في الحياة الخالدة الأبدية. # وقصيدة الغزل أو قصيدة الهجاء قبسان من حياة إنسان في حالي الحب والنقمة. # ونهضة الأمم أو ثورتها هما جيشان الحياة في نفوس الملايين، وسيرة الفرد العظيم معرض ~~لحياة إنسان ممتاز بين سائر الناس. # وكلها أمواج تتلاقى في بحر واحد، وتخرج بنا من الجداول إلى المحيط الكبير. # ولم أكن أعرف حين هويت القراءة أنني أبحث عن هذا كله، أو أن هذه الهواية تصدر من هذه ~~الرغبة. # ولكنني هويتها ونظرت في موضوعات ما أقرأ فلم أجد بينها من صلة غير هذه الصلة الجامعة، ~~وهي التي تتقارب بها القراءة عن فراشة، والقراءة عن المعري وشكسبير. # لا أحب الكتب لأنني زاهد في الحياة. # ولكنني أحب الكتب لأن حياة واحدة لا تكفيني ... ومهما يأكل الإنسان فإنه لن يأكل بأكثر ~~من معدة واحدة، ومهما يلبس فإنه لن يلبس على غير جسد واحد، ومهما يتنقل في البلاد فإنه ~~لن يستطيع أن يحل في مكانين، ولكنه بزاد الفكر والشعور والخيال يستطيع أن يجمع الحيوات ~~في عمر واحد، ويستطيع أن يضاعف فكره وشعوره وخياله كما يتضاعف الشعور بالحب المتبادل، ~~وتتضاعف الصورة بين مرآتين. ~~(3) الكتب المفضلة عندي # هذا موضوع جليل، ولكن هل تعرف أنني أفضل قراءة كتب فلسفة الدين، وكتب ms050 التاريخ ~~الطبيعي، وتراجم العظماء، وكتب الشعر؟ # إنني أقرأ هذه الكتب وأعتقد أن العلاقة بينها متينة، وإن كانت تفترق في الظاهر؛ لأنها ~~ترجع إلى توسيع أفق الحياة أمام الإنسان ... فكتب فلسفة الدين تبين إلى أي حد تمتد الحياة ~~قبل الولادة وبعد الموت. وكتب التاريخ الطبيعي تبحث في أشكال الحياة المختلفة وأنواعها ~~المتعددة، وتراجم العظماء معرض لأصناف عالية من الحياة القوية البارزة، والشعر هو ~~ترجمان العواطف، فإنني أفضل من الكتب كل ما له مساس بسر الحياة. ~~••• # وتسألني ما هو سر الحياة، فأقول على الإجمال إنني أعتقد أن الحياة أعم من الكون، وأن ~~ما يرى جامدا من هذه الأكوان أو مجردا من الحياة إن هو في نظري إلا أداة لإظهار ~~الحياة في لون من الألوان أو قوة من القوى ... والحياة شيء دائم أبدي أزلي، لا بداية له ~~ولا نهاية ... # فإذا كنت تستطيع أن تعرف سر الله عرفت سر الحياة، ولكننا مطالبون بأن نحفظ لأنفسنا في ~~هذا المحيط الذي لا نهاية له أوسع دائرة يمتد إليها شعورنا وإدراكنا. والكتب هي وسائل ~~الوصول إلى هذه الغاية، وهي النوافذ التي تطل على حقائق الحياة، ولا تغني النوافذ عن ~~النظر. # ومن جهة أخرى فإن الكتب طعام الفكر، وتوجد أطعمة لكل فكر كما توجد أطعمة لكل بنية، ~~ومن مزايا البنية القوية أنها تستخرج الغذاء لنفسها من كل طعام، وكذلك الإدراك القوي ~~يستطيع أن يجد غذاء فكريا في كل موضوع. وعندي أن التحديد في اختيار الكتب إنما هو ~~كالتحديد في اختيار الطعام، وكلاهما لا يكون إلا لطفل في هذا الباب أو مريض، فاقرأ ما ~~شئت تستفد إذا كان لك فكر قادر أو معدة عقلية تستطيع أن تهضم ما يلقى فيها من ~~الموضوعات، وإلا فاجعل القابلية حكما لك فيما تختار؛ لأن الجسم في الغالب يغذيه ما ~~نشتهيه. # ولا تغني الكتب عن تجارب الحياة، ولا تغني التجارب عن الكتب؛ لأننا نحتاج إلى قسط من ~~التجربة لكي نفهم حق الفهم، أما أن التجارب لا تغني عن الكتب؛ فذلك لأن الكتب هي تجارب ms051 ~~آلاف من السنين في مختلف الأمم والعصور، ولا يمكن أن تبلغ تجربة الفرد الواحد أكثر من ~~عشرات السنين. ~~••• # ولا أظن أن هناك كتبا مكررة لأخرى؛ لأني أعتقد أن الفكرة الواحدة إذا تناولها ألف ~~كاتب أصبحت ألف فكرة، ولم تعد فكرة واحدة؛ ولهذا أتعمد أن أقرأ في الموضوع الواحد أقوال ~~كتاب عديدين، وأشعر أن هذا أمتع وأنفع من قراءة الموضوعات المتعددة. فمثلا: أقرأ في ~~حياة نابليون أكثر من أقوال ثلاثين كاتبا، وأنا واثق من أن كل نابليون من هؤلاء هو غير ~~نابليون الذي وصف في كتب الآخرين. # أما تأثير كل من أنواع الكتب الثلاثة: العلمية، والأدبية، والفلسفية فهو أن الكتب ~~العلمية تعلمنا الضبط والدقة، وتفيدنا المعارف المحدودة التي يشترك فيها جميع الناس، ~~والكتب الأدبية توسع دائرة العطف والشعور، وتكشف لنا عن الحياة والجمال، والكتب ~~الفلسفية تنبه البصيرة وملكة الاستقصاء، وتتعدى بالقارئ من المعلوم إلى المجهول، وتنتقل ~~به من الفروع إلى الأصول. # وكل من هذه الأنواع لازم لتثقيف الإنسان، وتعريفه جوانب هذا العالم الذي يعيش فيه. ~~وأنا أفضلها على هذا الترتيب: الأدبية، فالفلسفية، فالعلمية. # ولا يستطيع القارئ أن يحصر مقدار الفائدة التي يجنيها من كتاب، فرب كتاب يجتهد في ~~قراءته كل الاجتهاد، ثم لا يخرج منها بطائل، ورب كتاب يتصفحه تصفحا، ثم يترك في نفسه ~~أثرا عميقا يظهر في كل رأي من آرائه، وكل اتجاه من اتجاهات ذهنه، فأنت لا تعرف حق ~~المعرفة «الطريقة» التي تضمن الفائدة التامة من قراءة الكتب، ولكن لعل أفضل ما يشار به ~~- على الإجمال - هو ألا تكره نفسك على القراءة، وأن تدع الكتاب في اللحظة التي تشعر ~~فيها بالفتور والاستثقال. ~~••• # أما مقياس الكتاب المفيد فإنك تتبينه من كل ما يزيد معرفتك وقوتك على الإدراك والعمل، ~~وتذوق الحياة، فإذا وجدت ذلك في كتاب ما، كان جديرا بالعناية والتقدير، فإننا لا نعرف ~~إلا لنعمل أو لنشعر، أما المعرفة التي لا عمل وراءها ولا شعور فيها فخير منها عدمها، ~~وعلى هذا المقياس تستطيع أن تفرق بين ما يصلح للثقافة والتهذيب، ms052 وما لا يصلح. ~~(4) منهجي في كتابة المقالات # أكتب أكثر المقالات الصحفية للمجلات الأدبية باقتراح من الزملاء المشرفين على ~~تحريرها، وأرحب بهذه الطريقة كل الترحيب؛ لأنني عرفت بالتجربة الطويلة أن محرر المجلة ~~أولى باقتراح موضوعاتها، وأقدر على اختيارها، واجتناب التكرار فيها؛ إذ هو أعرف بمنهج ~~صحيفته وأذواق قرائه، وبرنامج الأعداد التي تصدر منها مبوبة، أو مرتبة على حسب مواعيدها ~~... فهو يعفي الكاتب من مؤنة البحث عن موضوع يوافق هذه المطالب ويجهله - أكثر الأحيان - ~~أو لا يعلم بتفصيلاته علم صاحب الدار. # فاقتراح موضوع المقال من قبل المجلة ييسر لمحررها أن يلاحظ مطالبها، ويعفي الكاتب من ~~البحث عنها، وليس فيها مشقة على الكاتب في استجابة الاقتراح كائنا ما كان؛ لأنني - من ~~وجهة نظري - لا أرى عنوانا من العناوين غير صالح للكتابة فيه، ولو على سبيل الاستطراد، ~~وإبداء وجهة النظر في قلة صلاحه أو قلة جدوى الكتابة فيه، إن رأى الكاتب أنها لا تجدي ~~في حالة من الحالات، أو في جميع الحالات. ~~••• # أما المقالات الصحفية التي كتبتها في صحف يومية توليت تحريرها فقد كانت الصعوبة ~~الكبرى في تقديم موضوع منها على موضوع، أو في تأجيل بعضها إلى ما بعد يومه ومناسبته؛ ~~لأننا تولينا العمل الصحفي في إبان الحركة الوطنية قبل الحرب العالمية الأولى وبعدها، ~~فلم يخل يوم من أيام كتابتنا الصحفية من خبر خارجي أو داخلي، يستدعي المبادرة بالتعقيب ~~عليه، ولم تزل أعمال الإصلاح التي يشتغل بها ولاة الأمور، ويدعو إليها المصلحون ~~الوطنيون سيلا متدفقا بالآراء والنصائح والمشروعات والبرامج على اختلاف المذاهب ~~والنيات، بين أنصار الدعوة من جانب، ومعارضيها من جانب واحد، أو جوانب شتى، وكثيرا ما ~~كانت الصحف اليومية تصدر في وقت واحد من النهار، وفيها ما يستلزم الرد عليه قبل فوات ~~يومه، وقد يصدر بعض الصحف صباحا، ويتبعه الرد على ما فيه من طبعات المساء ... فقد كانت ~~الصعوبة - كما تقدم - أن نؤجل موضوعا منها، أو نجمع ما بينها في وقت واحد، وقد يكون ~~الجمع بين الموضوعين أيسر الأمرين، فينشر أحدهما بتوقيع صريح ms053 وينشر الآخر بتوقيع ~~مستعار أو مختصر معروف. وربما لجأنا أحيانا إلى الاقتراع بين أسماء الموضوعات إذا تعذر ~~نشر المقالين معا لسبب من الأسباب الفنية. ~~••• # ولم تكن المقالات الأدبية أقل في موضوعاتها، وازدحام مناسباتها من مقالات السياسة في ~~الصحافة اليومية وملاحقها الأسبوعية، فقد كان الأسبوع لا ينقضي على غير كتاب ينقد، أو ~~قصيد يتبع بالتعليق عليه، أو خبر عن أديب مشهور في الثقافة الغربية يستحق الكتابة عن ~~سيرته أو ذكراه، أو مناقشة مذهبه ومذهب مدرسته في مسائل الفن والفكر وما إليها، وقد ~~يتسع المجال كل وقت لكتابة المقالات المتتابعة عن موضوع من موضوعات الأدب التي تتجدد ~~مناسباتها ولا تحتاج إلى مناسبة خاصة لإعادة البحث فيها، ومن هذا القبيل مقالات الشعر ~~والقصص والمبادئ الفكرية، وهي حاضرة في أذهان قرائها وعلى أقلام كتابها لا يستغرب ~~ابتداؤها والعودة إليها في سن من السنين ولا في موعد من مواعيد الصحف والمجلات ما لم ~~يكن هناك موضوع يشغل الأذهان لمناسبة عاجلة تميزه بالتقديم، فهو في هذه الحالة يختار ~~نفسه للكتابة فيه، ولا يلقي على الكاتب مؤنة الاختيار. ~~••• # هذا هو الغالب في أسباب اختياري لموضوعات المقالات والفصول، ولكن اختيار موضوعات ~~الكتب يجري على غير هذه الطريقة في أهم موضوعات التأليف عندي، وهو موضوع التراجم والسير ~~التاريخية أو الأدبية. # فالقاعدة في اختيار ترجمة ما للكتابة فيها أن تكون كتابتها لازمة لإبراز حق ضائع أو ~~حقيقة مجهولة، وتستوي في ذلك سير العظماء والنوابغ من كل طراز، وفي كل طبقة من طبقات ~~العظمة والنبوغ. # فالحافز الأكبر على تأليف كتابي عن «ابن الرومي» أنه مجهول القدر، مبخوس الحق، يصطلح ~~على بخسه، والنزول به عن قدره جهل النقاد، وظلم الأغراض والأهواء، ورأيي فيه أنه أعظم ~~شعراء العالم بلا استثناء في ملكة الوصف التصويري، والعاطفة الممثلة في قالب الحس ~~والخيال، ولكن نقادنا يذكرونه، ويحسبون أنهم يتعطفون عليه إذا ألحقوه بشاعر كالبحتري أو ~~ابن المعتز على غير مساواة، وهما بالقياس إليه كمن ينطق بحروف الهجاء في مجالس ~~البلغاء. ~~••• # ولقد كان إنصافه - مما أصابته به ms054 خرافة الجهل وخرافة الشؤم - حافزا يوشك أن يكون من ~~حوافز الغيرة الدينية إلى جانب لذته الأدبية، وفضلت البدء به على البدء بتأليف غيره في ~~موضوع النقد وتواريخ الآداب. # ولا يقال عن عظمة النبي - عليه الصلاة والسلام - إنه بحاجة إلى إنصاف أحد، أو دفاع ~~في وجه ناقد ناقم يفتري عليه؛ لأنها عظمة القداسة التي تعلو على إنصاف المنصفين وافتراء ~~المفترين. ولكنني كتبت «عبقرية محمد» للقارئ «الإنسان» الذي تضطره مقاييس الإنسانية ~~العليا إلى تعظيم نبي الإسلام ولو لم يكن على دين المسلمين، وتوخيت في بيان خلائقه ~~وأعماله أن تسقط عذر الخلاف في الدين لمن يحجم عن تقدير تلك العظمة جهلا منه بدين ~~الإسلام أو بتاريخ النبوة الإسلامية، ولم أشأ أن أجعل الاعتراف بها موقوفا على صفة ~~يدين بها المسلم لأنه مسلم، ويرفضها المخالف لأنه يرفضها بحكم العقيدة الدينية. # وممن أختارهم للترجمة عظماء الفرصة الذين بلغوا بالحيلة ما يلم يبلغوه بالقدرة ~~الخالصة، وتوسلوا إلى منافعهم في أزمنتهم بتلك الوسائل التي نسميها اليوم بالوسائل «المكيافيلية» # 1 ~~... فإن الغرض الأول من الترجمة التاريخية أن يعرف الناس الفارق بين حق الفرصة ~~في زمن من الأزمان وحق القدرة في كل زمن، ومع اختلاف الفرص وعوارض الظروف، فلا ينبغي أن ~~يأخذ عظيم الفرصة من التاريخ فوق ما أخذه من منافع عصره، وبخاصة حين يكون حكم التاريخ ~~الكاذب جورا على خصومه، وتغطية لنقائض عصره. ولست أجد في نفسي باعثا قويا للكتابة ~~عن العظماء الذين اتفقت لهم الفرصة والعظمة معا فاستحقوا المجد الذي نالوه، ولكن بشيء ~~من المبالغة العاطفية أو مبالغة الظروف ومناسبات الحوادث؛ ولهذا أفضل الكتابة عن عبقرية ~~خالد على الكتابة عن عبقرية صلاح الدين؛ لأن إنصاف صلاح الدين لا يحتاج إلى ~~مزيد. ~~••• # ومن حظوظ التآليف التي لها حكم كحكم الحظ في كل شيء، أنني أؤجل أحب الموضوعات عندي ~~وقتا بعد وقت على أمل في اقتراب الوقت الموافق لتأليفها، فلا يقترب كما أريد مع توالي ~~الأعمال، واعتراض المطالب العاجلة التي لا تحتمل التأجيل، وأحب الموضوعات عندي تلقى مني ~~هذا ms055 التأجيل بعد التأجيل؛ لأن توفية الكلام فيها تستغرق الوقت الطويل، وتستلزم الإحاطة ~~بجميع الأطراف، ولا يتم إجمال القول فيها - فضلا عن التفصيل - فيما دون المئات من ~~الصفحات. وقد تأخرت من أجل هذا كتابتي عن أبي حامد الغزالي، وهو أحب المفكرين ~~الإسلاميين إلي، وأقدرهم تفكيرا على الإطلاق، ولم يتيسر لي أن أكتب عن خليفته الأستاذ ~~الشيخ «محمد عبده» إلا بعد أن أجمعت على اطراح التردد في أمره، وأقنعت نفسي بثلاثمائة ~~صفحة تكتب في ترجمته، حيث كانت ألف صفحة دون الكفاية عندي لمثل هذا الموضوع. # إن الاقتراح يعمل في تأليف الكتب أحيانا عمل الاقتراح في تأليف المقالة الصحفية، وقد ~~ألفت كتبي عن «سن ياتسن» و«شكسبير»، و«برنارد رشو»، و«فرنكلن»، و«عقائد المفكرين» ~~وغيرها؛ تلبية للمقترحات التي وافقت رغبتي كما وافقت زمانها في إبانها، ولكنها كلها - ~~من التراجم وغير التراجم ومن الموضوعات التي أختارها أو أوافق على اختيارها - لا تخرج ~~عن مقصد واحد لا هوادة فيه، ولا يتجرد منه موضوع كتاب أو مقال: وهو إحياء الثقة بالروح ~~الإلهي الخالد من لوثة المادة، ومهانة الإنكار العقيم، أو مهانة كل اعتقاد وخيم يغلب ~~فيه عامل السلب والنفي على عامل الثبوت والإيجاب. # طريقتي في الكتابة # أما طريقتي في الكتابة، فإني أبدأ المقال وفي ذهني جميع أصوله، و«نقطه» مرتبة على ~~الجملة حسب التسلسل المنطقي، ولكني إذا مضيت في الكتابة عرضت لي حاشية من هنا، أو ~~لمحة من هناك، تطرأ في عرض الكلام، ولا تغير شيئا من جوهر المقال إلا أن تزيده ~~جلاء في بعض الأحيان، أو تضيف إليه عنصر الفكاهة والتبسيط. # وأكتب في كل مكان خلا من الضوضاء، أما إذا لم تقيدني الضرورة بمكان معين فأكثر ما ~~أكتب وأنا مضطجع على الفراش، وثلاثة أرباع مقالاتي السياسية كتبت كذلك، هذا في ~~النثر، أما الشعر فيغلب أن أنظمه وأنا أتمشى أو أسير في الخلاء. ~~••• # ويهمني كثيرا أن أعود إلى كلامي قبل الطبع لأصححه وأراه في صورته الأخيرة، إلا ~~أن يعوقني عن ذلك عائق ... ومتى نظرت فيه قبل تسليمه إلى المطبعة فقد ms056 أحذف وأزيد ~~عليه، ويندر جدا أن يمس الحذف أو الزيادة جوهر الموضوع ... # وإذا شطبت على الكلمة أثناء الكتابة عنيت بأن أطمسها طمسا تاما كأنني لا ~~أريد أن تتراءى لنظري بعد ذلك، ويكثر الشطب إذا كنت مشغول الذهن منحرف المزاج، ويقل ~~إذا أقبلت على العمل بنفس راضية وجسم مستريح، أما زمان الكتابة فشرطي الوحيد فيه ~~ألا يكون بعد تناول الطعام. # وخطتي في المناقشة أن أعمد إلى أقوى الحجج بداءة فأجتهد في تقويضها، ثم أقفوها ~~بأضعف الحجج، وقد أعود إلى ما فيه مساك من القوة، وربما كانت في هذه الخطة مفاجأة ~~للقارئ، ولكنها مفاجأة لا تخلو - كما شاهدت بالتجربة - من تأثيرها المحمود. ~~••• # وأفضل الكتابة منفردا لا يحيط بي أحد، ولم أكتب قط في الأدب خاصة ومعي آخر في ~~الحجرة، إلا أن أملي عليه ما أقول، وهو جد نادر. # ولم أتعود أن أستعين بشيء من المنبهات التي يألفها بعض الكتاب أثناء العمل ~~كالتدخين وشرب القهوة وما إليها، حتى أيام كنت أدخن ... بل لقد كنت يومئذ أترك ~~التدخين حين أشرع في الكتابة. ~~(5) منهجي في تأليف الكتب # منهجي في التأليف يلخص في كلمتين، هما: التقسيم، والتنظيم، وهما - كما سيرى - ~~تختلفان بعض الاختلاف عن منهج التبويب والترتيب. # فعملي الأول عند تأليف الكتاب أن أتبين في ذاكرتي أقسامه الواسعة التي تحيط بأجزائه ~~المتفرقة، فإذا فرغت من الإحاطة بها كتبت عنوان كل قسم على غلاف متوسط الحجم يتسع لعدة ~~أغلفة أصغر منه إذا وضعت فيه ... # ثم أراجع في ذهني مصادر الأخبار والآراء والحوادث التي تتصل بهذه الأقسام ... وهي الكتب ~~التي اطلعت عليها في المبحث المطلوب من جميع نواحيه، وقد أضيف إليها كتبا أخرى لم أطلع ~~عليها، ولكنها مشتركة في مدار البحث أو معدودة من موسوعاته عند النظر في الاستقصاء، ~~والمقابلة بين الوجهات والآراء ... ~~••• # أذكر كيف ألفت - على سبيل المثال - كتابي في البحث عن العقيدة الإلهية، وهو الكتاب ~~الذي أطلقت عليه اسم «الله»، ولاحظ بعض النقاد بعد صدوره أن الأحرى به من ناحية البحث ~~العلمي أن يسمى «الإله»؛ لأن ms057 اسم «الله» عنوان لعقيدة خاصة في «الإلهية» لا يدين بها ~~جميع المؤمنين بالربوبية، وكان موضع الخطأ في هذا النقد أن مدار البحث هو «الله» الذي ~~انتهى إليه الإيمان ب «الإله» وهما بحثان مختلفان؛ لأن الوصول إلى فكرة «الإله» قد تم ~~قبل ظهور العقيدة في «الله» بدهر طويل ... # ولا بد من تحقيق اسم الكتاب قبل الشروع في حصر أقسامه، فلو كان موضوع الكتاب «الإله» ~~كما اقترح أولئك النقاد لاكتفينا في تقسيمه بدرجات التقدم مع العقيدة إلى أن ظهرت في ~~التاريخ فكرة الربوبية على إطلاقها؛ لأن «الرب» يطلق على كل «إله» بغير تعريف، خلافا ~~لاسم «الله»، فإنه هو «الإله» كما انتهت إليه غاية البحث في عقيدة الوحدانية. ~~••• # أما والعقيدة المطلوبة هي العقيدة في «الله»، فالأقسام التي تناولها البحث هنا غير ~~الأقسام التي يستوفيها البحث بمجرد الوصول إلى الاعتقاد بأي إله، وأي رب معبود ... # وقد كان من أهم هذه الأقسام: قسم عن نشأة العقيدة الدينية من مبدئها، وقسم عن ~~الاعتقاد بالأرباب على إطلاقها، وقسم عن العقيدة الإلهية في أمم التاريخ الكبرى، وقسم ~~عن العقيدة الإلهية في الديانات الكتابية، وقسم عن الإله في مذاهب الفلسفة قبل الديانات ~~المشهورة، وقسم عن مذاهب الفلسفة بعدها وعن مذاهب الفلسفة بعد شيوع العلوم العصرية التي ~~أطلق عليها اسم العلوم التجريبية، ثم ختام لهذه الأقسام لجمع أطرافها والتعقيب ~~عليها. ~~••• # وكان ابتداء التأليف في هذا الكتاب صيفا بمدينة الإسكندرية، فنقلت إليها مكتبة صغيرة ~~مما قرأته قبل ذلك، وطلبت من مكتبة المعارف - وهي ناشرة الكتاب - أن تستحضر أكثر من ~~مائة مرجع من المؤلفات الأوروبية، فلم يتيسر في ذلك الحين استيرادها ولم نجد في فرع ~~الإسكندرية غير نصفها وبعض الكتب المطلوبة باللغة الإنجليزية منقولة إلى اللغة ~~الفرنسية، وبدأنا المراجعة تصفحا واستعراضا لا نتوسع فيه إلا بمقدار ما يكفي ~~للاستذكار، والتعليق، والعلم بما يلزم في كل قسم من الأقسام، وكادت أن تنقضي إجازة ~~الصيف في هذا الاستذكار والتعليق. # فالعمل الأول على حسب هذا المنهج هو الإحاطة بأقسام الكتاب، وتخصيص غلاف مستقل لكل ~~قسم ms058 منها، ويليه جميع المصادر اللازمة للرجوع إليها عند كتابة كل قسم من هذه ~~الأقسام. # ويأتي بعد ذلك عمل التصفح والمراجعة، والغرض منه حصر المسائل المتفرقة، وتوزيعها على ~~أقسامها. ~~••• # فإذا مرت بي مسألة من تلك المسائل في المرجع الذي أتصفحه أثبت رقم الصفحة التي وردت ~~فيها، وعرفتها بعنوانها المختصر، وألحقت بها إشارة تتضمن تعقيبي عليها بالموافقة أو ~~الشك أو تعليق الرأي إلى موعده، ولم تزد هذه الإشارات على علامة كعلامة «صح» في ~~الكراسات المدرسية، أو علامة كعلامة الاستفهام أو التعجب أو التضمين، أفهم المقصود بها ~~ساعة النظر إليها، وتغنيني عن كتابة التعليق بالكلمات. # وتكتب كل إشارة من هذه الإشارات على قصاصة صغيرة، ثم توضع في الغلاف الخاص بها ~~حسب أقسام الكتاب، وإلى نهاية التصفح والمراجعة في المصادر المجموعة بين يدي، فلا يبتدئ ~~التأليف قبل الفراغ من حصر هذه المسائل المتفرقة في موضعها، وتيسير الرجوع إليها ساعة ~~الحاجة ... # ثم تأتي بعد ما تقدم مرحلة تالية، وهي مرحلة التصفية والتنظيم. # وفي هذه المرحلة يعاد النظر إلى قصاصات كل غلاف على حدة؛ لإبقاء ما يظهر من مجموعة ~~المسائل أنه جوهري ضروري لا غنى عنه لاستيفاء مقاصد الكتاب، وتنحية ما يظهر على نقيض ~~ذلك أنه زيادة يستغنى عنها، وتكرار يدخل في خلال المقاصد الأخرى، ويلحق بها على هذا ~~الاعتبار، ولا يندر في هذه الحالة تغيير عناوين الأقسام وتفريع المسائل إلى أبواب في ~~القسم الواحد، كل باب منها منفرد بجانب من جوانب البحث يستقل بعنوانه وحدوده. # وقد يرى هنا موضع الاختلاف اليسير بين منهج التقسيم والتنظيم، ومنهج التبويب ~~والترتيب ... فإن التبويب على منهجنا هذا ينطوي في التقسيم ولا يسبقه، بل لا يتأتى ~~التفريع قبل الفراغ من تقرير الأصول. # أما الترتيب فليس من أسرار الصناعة أن أقول إنني لست ألتزمه في جميع الأحوال، فموضوع ~~البراهين القرآنية في الكتاب الذي نحن بصدده كان أول فصل كتب فيه، وموضوع الفلسفة ~~اليونانية جاء - على ما أذكر - بعده في ترتيب الكتابة ... ولست أغفل الترتيب لغير سبب ~~يستدعيه تنظيم أوقات العمل. ولكنني ms059 أنظر إلى الوقت الميسور لكتابة الفصل، وإلى الأيام ~~التي أفرغ فيها للتأليف بين الأعمال الأخرى، فإذا كان أمامي ثلاثة أيام تركت الفصل الذي ~~يحتاج إلى خمسة أيام أو عشرة أيام متوالية، وفضلت الابتداء بالفصل الذي يكفيه الوقت ~~الميسور بغير انقطاع أو تأجيل. ~~••• # وقد كان صديقنا المازني يقول: إن أسلوبه الاستطرادي لا يمكنه من بناء الدور الثالث في ~~المنزل قبل الدور الثاني على حسب تعبيره ... ولكنني أعتقد أن تشبيه المراحل هنا بمسافات ~~الطريق أقرب إلى الواقع من تشبيهها بطبقات البناء؛ لأن فصول الكتاب لا تقوم على ~~اختلافها في العلو والارتفاع كما تقوم على اختلافها في الابتداء والانتهاء على خطوط ~~الطريق، ومتى عرفت مسافات السير من الميل الأول إلى الميل الألف فلا فرق بين الابتداء ~~بالتمهيد من الميل الأول إلى العشرين والثلاثين وبين الابتداء به من الميل العشرين ~~والثلاثين، إلى ما بعد ذلك من المراحل والمسافات. # وإنما المهم هو التحقق من حدود كل مسافة بالنسبة إلى سائر الحدود، وهذا هو العمل ~~الواجب قبل الشروع في الكتابة من مبدئها، فلا بد من الاطلاع على عناصر الكتاب عنصرا ~~عنصرا في كل مبحث قبل كتابة فصل من الفصول. # وليس لكتابة المقالات منهج يخالف هذا المنهج في تأليف الكتب سوى الخلاف الضروري بين ~~الإطالة والإيجاز، وبين التشعب ووحدة الموضوع، فكل فكرة في المقالة حاضرة قبل أن تكتب ~~كلمتها الأولى، ولكن أفكار المقال غير تعبيراته، بل غير صبغته الفنية في أكثر الأحيان؛ ~~لأن إشباع المعنى ساعة الكتابة قد يوحي بألفاظ العبارة التي تليها، وقد يكون للعاطفة ~~صلة بأسلوب التعبير عن المعنى، فيشتد شعوري بها على قدر إشباعها وقوة أدائها، وربما ~~تحول القلم من أسلوب الانفعال إلى أسلوب السخرية والتهكم، أو من أسلوب النقد إلى أسلوب ~~التنديد والتفنيد، إذا ارتفعت نغمة المعنى وارتفعت طبقته أثناء الأداء، كما يحدث في ~~أداء أصوات الغناء حيث تظهر آثار الفوارق العاطفية بين نغمة ونغمة، وبين توقيع وتوقيع ~~مع وحدة النوطة الموسيقية. ويحدث هذا في فصول الكتب، كما يحدث في المقالات المنفصلة، ~~فربما ms060 كتبت الفصل وعيناي مغرورقتان كما حدث في كتاب «أبي الشهداء»، وربما كتبت المقال ~~وفي نفسي مغالبة عنيفة للبكاء كما حدث في مقالات الرثاء للمازني، والنقراشي، وغاندي، ~~وسعد زغلول. # ولم أعالج كتابة القصة في غير قصة واحدة مطولة هي قصة «سارة»، وقصص قلائل من الحكايات ~~أو الأماثيل القصار. # ورأيي في منهج القصة أن إبلاغ مؤثراتها النفسية إلى وجدان القارئ هو كل ما يطلب من ~~كاتبها بغير قيد مرسوم، ولا اتباع لمذهب مدرسة خاصة أو فنان معلوم. # وقد قيل غير مرة إن «سارة» لا تجري على منهج القصة المتبع، ولم يقل أصحاب هذا الرأي ~~ما هو المنهج المتبع الذي يعنونه، وما هو القانون الفني الذي يفرض على كل كاتب، ولا ~~يسمح له بالتصرف فيه ... # وكل ما هنالك أن الناقد يلقي بهذا الرأي، وهو يعرض في ذهنه أساليب قصص مختلفة ويريد ~~مني أن أوافقها جميعا في أسلوب قصة واحدة، وينسى أنني لا بد أن أخالف أسلوب عشرات من ~~القصص إذا وافقت واحدا منها، بل ينسى أنه لم يكلف نفسه تعريف موضوع القصة في «سارة» ~~قبل مطالبة الكاتب بالمنهج الذي يمليه عليه. # فقصة «سارة» ليست قصة حياة همام بطل الرواية، ولا قصة حياة سارة بطلتها، ولا قصة حياة ~~أحد من المذكورين أو المذكورات فيها، ولكنها قصة العلاقة في فترة محدودة من الزمن بين ~~فتى وفتاة، فلا منهج لها غير المنهج الذي يصور البواعث الظاهرة والباطنة التي عملت في ~~تعريضها للشك والاضطراب، ثم انتهت بها إلى ختامها، ولم تبتدئ الرواية إلا حيث ينبغي أن ~~تبدأ؛ لأنها بدأت بموقف الفصل بين دواعي بطل الرواية وبطلتها إلى استئناف علاقتهما ~~ودواعيهما إلى القطيعة والانفصال، ومن هنا ينبغي أن يبدأ تساؤل المطلع عن طبيعة تلك ~~الصلة، وطبيعة الدواعي التي ألحت عليها بدواعي التردد إلى خاتمة التردد على غير يقين ~~... ~~••• # ولست أدعو كل قلم إلى اتباع هذا المنهج في وصف هذه العلاقة، ولكنني أدعو من شاء أن ~~يقترح لها منهجا آخر يوافق النقاد والشعراء على أنه أصلح من منهجها لإبلاغ ms061 مؤثراتها ~~النفسية إلى وجدانهم، ولا أحسبهم موافقين ... # وبعد، فما هو المقياس الذي يقاس به هذا المنهج، وكل منهج سواه؟ # إنه هو ذلك المقياس المتفق عليه في خطوط المواصلات جميعا: وهو وقت السفر ومحطة ~~الوصول. ~~(6) ما لم أكتب وما أريد أن أكتب # إذا سألني القارئ ما الذي تريد أن تكتبه؟ وما الذي لم تكتبه عمدا أو لضرورة من ~~ضرورات الوقت والحالة؟ فالجواب عن هذه الأسئلة قد يعرفه القارئ الذي يلم بعناوين كتبي ~~وموضوعاتها؛ لأنه يعرف منها ما يهمني وما أستطيع أن أكتب فيه، ويعرف من ثم كيف يتم ما ~~بدأته من تلك الموضوعات، وما الذي يحتاج منها إلى إتمام. # فالغالب على القراءة والكتابة عندي أنهما تتصلان بمسائل شاملة، يجمعها برنامج واضح ~~يحيط بتفصيلاتها، وكلها تدور على مسائل الوجود والعقيدة والعظمة الإنسانية والفنون، ~~وأكثر ما كتبت فيه من هذه المسائل يشير إلى أن بقيتها «تحت التأليف». # كتبت عن وجود الخير الأكبر، وهو الله خالق كل شيء ... # وكتبت عن وجود الشر الأكبر، وهو إبليس أو الشيطان، رمز الفساد في كل شيء؛ لأن الكون ~~هو الخلق الأعظم في مجموعته الواسعة الكاملة، ولأن الإنسان هو أشرف المخلوقات التي ~~نعلمها، وأقربها إلى الوجود الإلهي، وقد يراه المتصوفة أكبر من الكون كله كما قال ~~شاعرهم: # وتزعم أنك جرم صغ # ير وفيك انطوى العالم الأكبر # لأنهم يرون أن وجود الكون بما رحب إنما هو وجود مادي مجرد من الروح والحياة، وليس فيه ~~من مظهر روحي حي أشرف من الإنسان. # في هذا الباب إذن أريد أن أؤلف كتابا عن الكون وكتابا عن الإنسان، أشرح فيهما ما ~~أفهمه وما أحسه من معنى وجود المادة، ومعنى وجود الفكرة أو الضمير أو الروح. # وقد ألفت عن الأنبياء فكتبت «عبقرية محمد»، و«عبقرية المسيح»، و«أبي الأنبياء ~~إبراهيم». # بقيت «عبقرية موسى» الكليم. # وبقيت معها «عبقرية بوذا»، و«عبقرية كنفشيوس». # ذلك أني تبينت من دراسة تاريخ النبوءات أن أنبياء الأديان الثلاثة الكبرى - وهي ~~الموسوية والمسيحية والإسلام - قد ظهروا في الشرق الأوسط بين الأمم السامية، وتفسيري ~~لذلك أن ms062 النبوة لم تكن لتظهر في بلاد الدول المتسلطة؛ لأنها تخضع في شرائعها وآدابها ~~لقوانين السلطان، وعرف الكهان، ولم تكن لتظهر في الصحراء؛ لأنها تخضع لقوانين النار ~~والعصبية، ولكنها تحتاج إلى بيئة تجمع بين أحوال الدولة وأحوال البادية، وهي مدينة ~~القوافل. # إن مدينة القوافل تعرف المعاملات العامة والمصالح المختلفة والشرائع التي تقوم على ~~حقوق المتعاملين غير مقيدين بسياسة السلطان ولا بعصبية القرابة، وفيها - أي في مدينة ~~القافلة - تتعرض الأخلاق للفتنة والغواية لكثرة المتقلبين على المدينة من المترحلين ~~المتنقلين، وكثرة طلاب الكسب والارتزاق حيث تروج التجارة وتروج دواعي اللهو والمتعة ~~... # ففي هذه البيئة تتهيأ الأحوال النفسية والاجتماعية لظهور هداة الأديان ودعاة الإصلاح ~~والإنصاف من الرسل والأنبياء؛ ولهذا ظهر إبراهيم في مدن القوافل بين «أور» في الفرات ~~وبعلبك في سورية وبيت المقدس في فلسطين، وظهر موسى في مدين وما حولها، وظهر المسيح في ~~الجليل، ثم في بيت المقدس، وظهر نبي الإسلام في مكة بعد أن ظهر أنبياء العرب حيث تقوم ~~العلاقات وسطا بين شريعة الدولة وشريعة البادية. # وموسى - عليه السلام - هو ثالث الرسل العظام في السلالة السامية، بعد أبي الأنبياء ~~إبراهيم. # أما «بوذا» و«كنفشيوس» فهما نوع آخر من أنواع الرسالة يقترب تارة إلى الشك، وتارة إلى ~~تعليم الأدب والسلوك، وتفصيل البحث فيهما بقية لازمة بعد جلاء آيات النبوة في إبراهيم ~~وبنيه عليهم السلام. ~~••• # وقد تضاف هنا إضافة مناسبة ولكنها لا تخطر على البال لأول وهلة ... قد يقال: إن هذا ~~شأن النبوة فيما مضى، فكيف يكون الإصلاح الديني بيننا في العصر الحديث ولا موضع هنا ~~للبعث ولا للرسالة؟! # أقول إنه - حيث لا ينتظر البعث أو الرسالة - تنتظر الهداية على سنة النبوة، ولن ~~تكون الهداية فيما أعتقد إلا بفضل «الشخصية الإنسانية» في صورة من صور الإلهام والتأثير ~~بالقدرة المهيمنة على العقول والضمائر ... # كذلك كانت هداية جمال الدين، وكذلك كانت من بعده هداية تلميذه محمد عبده، وأحب ما ~~أتمناه من موضوعات التأليف أن ألحق بعبقريات الإسلام كتابا عن عبقرية جمال الدين، ~~وكتابا جامعا يترجم لهما في ms063 نسق واحد، ويترجم معهما ببعض الإيجاز لمن عمل على ~~نهجهما في ديار الإسلام. # وقد ألفت عن «ابن سينا» وعن «ابن رشد»، وهما أكبر فلاسفة اللغة العربية في المشرق ~~والمغرب. # وبقي كتاب عن «الغزالي» الفيلسوف الذي يصارع الفلاسفة، والفقيه الذي يؤدب الفقهاء، ~~والمتصوف الذي يكشف عن عالم الخفاء، كما يكشف عن عالم الشهادة. # وليس في المشرق والمغرب من هو أرجح فكرا وأصفى عقلا وأقوى «دماغا» من هذا الإمام ~~الجليل، ولولا اتساع الأفق الذي تدفعنا إليه الكتابة عنه لبدأت بترجمته ونقده قبل «ابن ~~سينا» و«ابن رشد»، وغيرهما من حكماء المشرق والمغرب، ولعله مانع وشيك أن يزول؛ لأنه ~~مانع يقتضينا واجبين معا، إذا كان العمل السهل يقتضينا واجبا واحدا لا موانع فيه ~~... # ولقد كتبت عن شعراء كثيرين. # كتبت المؤلفات المستقلة عن «ابن الرومي»، و«أبي نواس»، و«عمر بن أبي ربيعة»، و«جميل ~~بثينة»، والفصول المتفرقة عن «المتنبي»، و«أبي العلاء»، و«دعبل»، و«بشار»، و«ابن ~~زيدون»، و«ابن حمديس»، وغيرهم من المشارقة والمغاربة، ولا يزال في المجال متسع للمطولات ~~عن أدب «أبي الطيب»، وأدب «أبي العلاء» على التخصيص. # وأريد أن أكتب ما يغني عن تفصيل الكتابة في الشاعرين الحكيمين، وفيمن عداهما من شعراء ~~الأدب الغنائي، أو شعراء الرونق والجمال، وأحسب أنني أستغني عن ذلك اضطرارا، بكتاب ~~يتناول موازين النقد في الشعر وفلسفة الجمال كما نطبقها على الفنون في صورتها التي ~~تمتزج بالفكرة والعبارة النفسية على الإجمال، وشواهد هذا البحث من كلام الشعراء ~~والبلغاء دليل يرجع إليه من شاء فيما تقوله فلسفة الجمال عن شعرائنا الحكماء وغير ~~الحكماء. # وقادة الفكر بين أمم الحضارة - قديمها وحديثها - كتبت عن بعض منهم ولم أكتب عن بعض، ~~وليس في الوسع ولا في النية أن أستقصيهم بقضهم وقضيضهم، فليكن خلاصة، أو عصارة لمذاهبهم ~~وآراء المفكرين فيهم، وبها تتأدى حصتي الصغيرة من أمانة تحملها الأرض والجبال، ~~والإنسان! ثم ماذا بعد هذا؟ # سيرة «سعد زغلول» ظهرت في زمن لا تظهر فيه حقائق الحكم والمحكومين، فمن الخير أن ~~تعاد، وأن يزاد عليها ما لم يكن يزاد في عهد ms064 أحمد فؤاد ... # وإلى هنا أراني ذكرت حقا ما لم أكتب، وذكرت طرفا أو أطرافا مما أريد أن أكتب، ~~ولكن «ما أريد» يصدق عليه قول القائل: «إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون.» # وسأريد ما يكون، وقد يكون ما لم أذكره وما لم أرده، وعلمه عند الله. # | الفصل الرابع # (1) عرفت نفسي # وهل يعرف الإنسان نفسه؟ # كلا، بغير تردد، فلو أنه عرف نفسه لعرف كل شيء في الأرض والسماء وفي الجهر والخفاء، ~~ولم يكتب ذلك لأحد من أبناء الفناء ... # إنما يعرف الإنسان نفسه بمعنى واحد، وهو أن يعرف حدود نفسه حيث تلتقي بما حولها من ~~الأحياء أو من الأشياء. والفرق عظيم بين معرفة النفس ومعرفة حدودها؛ لأننا نستطيع أن ~~نعرف حدود كل مكان، ولكن لا يلزم من ذلك أن نعرف خباياه، وخصائص أرضه وهوائه، وتاريخ ~~ماضيه، ولو قسنا كل شبر في حدوده. # والأحرى أن يقال: إن الإنسان يعرف الفواصل بينه وبين غيره، فيعرف مداها ولا يتعداه ~~... # وقد عرفت أنني أثق بنفسي وأعتمد عليها، ولكني أعتقد أنني وثقت بها من طريق النفي قبل ~~وثوقي بها من طريق الثبوت، فقد كنت في بادئ الأمر أحسب أنني أنا المخطئ وحدي، وأن جميع ~~الناس على صواب ...! # هناك اختلاف لا شك فيه فمن المخطئ ومن المصيب؟ أنا المخطئ إذن لا جدال ... # كنت في طفولتي أحب مراقبة الطير والحيوان، وكان فضاء بلدي - أسوان - يمتلئ في أوائل ~~الشتاء وأوائل الصيف بأسراب الطير المهاجرة إلى إفريقية الوسطى أو القافلة من الهجرة، ~~فاتفق أنني تتبعت سربا منها وهو يحط على الأرض ويرتفع عنها، حتى ضللت الطريق في ~~الصحراء وعدت إلى المنزل بعد هبوط الظلام. # فلما سئلت وأجبت كان جوابي أضحوكة الكبار والصغار، وشاع بين أندادي في المدرسة، ~~فتندروا به وأكثروا من السخرية به، والتعقيب اللاذع عليه؟ # هم إذن على صواب ... وإلا فلماذا ضللت الطريق وحدي وراء ذلك السرب، ولم يحفل به غيري من ~~كبير أو صغير! # وأقيم لقريب لي عرس في دار ريفية ذات فناء رحيب من تلك الأفنية التي ms065 تكثر في قرى ~~الصعيد الأعلى، فاجتمع أهل القرية حول المشاعل الموقدة يصفقون ويهللون، وانحرفت وحدي ~~إلى الفناء المعزول، فإذا الظلام الحالك قد أطلع في السماء كل كوكب يسري على ذلك ~~المدار، فجلست على الرمل أتملى هذا المنظر الساحر، فريع أهلي إذ تفقدوني ولم يجدوني، ~~وكنت في نحو التاسعة من عمري، فما أشعر إلا والمشاعل كلها قد تحولت إلى مكاني من ~~الفناء، وأصوات الدهشة تنبعث من جميع الأفواه، حتى سئلت فأجبت، فانتقلت الدهشة منهم ~~إلي، ودهشت أنا؛ لأنهم راحوا يقهقهون ولم أدر لماذا يقهقهون، ولولا أن اليقظة كانت ~~ملء عيني لقالوا طفل حالم، أو طفل مخبول ... # إذن نحن لا نتفاهم، وخير لي أن أنطوي على جد نفسي وهزلها لأسلم من الضحك والسخرية إلى ~~أن يغيرني الله، فأهتدي كما اهتدى سائر خلق الله ... # وإني لعلى هذا التوجس من البوح بما في نفسي، وعلى هذا الشك الشديد في جدها وهزلها، ~~إذا بي أقرأ ما كتب عن بعض الشعراء ومحبي الطبيعة وهم يعتزلون العالم ليمتعوا النظر ~~بصورة من تلك الصور السماوية، وإذا بي أقع على جزء قديم من «مجلة المقتطف» صدر في سنة ~~1899م، وفيه مقال عن الطائر الطنان ويليه مقال عن مناقير الطيور، وأقرأ في كليهما أن ~~مراقبة الطير شغل شاغل لبعض العلماء والرحالين، وأن حركة الطائر وهو يتقدم ويتأخر أو ~~يأكل ويشرب، أو يغني ويلعب، مسألة ذات خطر وليس سخرية لمن سخر ... # أكذاك هو؟ # إذن يبسط أبو حنيفة رجله، ولا مبالاة ...! # وكان أبو حنيفة كما قيل يبسط رجله في حلقة الدروس؛ لأنه لم يكن يستطيع أن يثنيها من ~~مرض أو من إعياء ... فأقبل على درسه ذات يوم شيخ غزير اللحية، وقور المشية، هابه أبو ~~حنيفة فثنى رجله على ألم، ثم أخذ في درسه عن موعد صلاة الصبح، فإذا بالشيخ يسأل: «وما ~~العمل إذا طلعت الشمس قبل الفجر؟» قال أبو حنيفة: «العمل أن أبا حنيفة يبسط رجله ويحمد ~~الله!» # وقد بسطت رجلي وحمدت الله من ذلك الحين، وعلمت أن خطأ الكثيرين جائز، وأن ms066 سخريتهم لا ~~تضير، فلم أحفل بتلك السخرية، ولعلي بالغت في قلة الاحتفال بها «وأخذت راحتي» جدا في ~~بسط رجلي حيث أشاء. # لقد علمتني تجارب الحياة أن الناس تغيظهم المزايا التي ننفرد بها، ولا تغيظهم النقائص ~~التي تعيبنا، وأنهم يكرهون منك ما يصغرهم لا ما يصغرك، وقد يرضيهم النقص الذي فيك؛ لأنه ~~يكبرهم في رأي أنفسهم، ولكنهم يسخطون على مزاياك؛ لأنها تصغرهم أو تغطي على مزاياهم ... ~~فبعض الذم على هذا خير من بعض الثناء، لا بل الذم من هذا القبيل أخلص من كل ثناء؛ لأن ~~الثناء قد يخالطه الرياء. أما هذا الذم فهو ثناء يقتحم الرياء. # وود أبو حنيفة لو يصل رجله برجل أخرى ليبسطها كل البسط في وجه كل مذمة من هذا ~~الطراز. # وعرفت أن الذين أسخطهم لا يرضيهم عني شيء، وأن الذين أرضيهم لا يسخطهم علي شيء، فلا ~~فائدة إذن من اتقاء السخط ولا من اجتلاب الرضى؛ لأن الذين يسخطون علي يرجعون إلى ~~خلائقهم التي لا تتغير، والذين يرضون عني يعرفونني من عملي الذي يرتضونه، ولا يريدون ~~مني شيئا سواه. # وأعجب ما عرفته من أمر نفسي أنني أسيء الظن بالناس؛ لأنني أحسن الظن بهم ... # فأول ما يخطر لي على بال أن أتهم من يقترف عملا من الأعمال المنكرة بسوء النية وتعمد ~~الإساءة؛ لأنني لا أحسب أن إنسانا عاقلا يقع في خطأ جسيم عفوا أو جهلا بالفرق بين ~~الحسن والقبيح ... # فإذا ظلمته فقد يشفع لي أنني أظلمه في سبيل الإنصاف ...! ~~••• # وعرفت أنني من أعجز الناس عن رفع حاجز واحد يقام بيني وبين إنسان، ولا سيما حاجز ~~الكلفة والإعراض، فإذا تلقاني إنسان بمثل هذا الحاجز فلا اقتراب بيني وبينه أبد الدهر، ~~وليس أشق على نفسي من تلك الزلفى التي يزدلف بها بعضهم لكسب صداقة أو تمكين علاقة ... فإن ~~زال الحاجز وحده فهنالك يمتزج العقل بالعقل، والنفس بالنفس - طواعية وعفوا - كأننا في ~~عشرة حميمة منذ سنتين. # وعرفت أنني أكره الهزيمة في كل مجال، ولكن يشهد الله إنني أعاف النصر إذا رأيت أمامي ms067 ~~ذل المنهزم وانكسار المستسلم، ولولا أن هزيمتي أبغض إلي من هزيمة خصمي لأبغضت النصر ~~الذي يفضي لا محالة إلى انهزام واستسلام ... # وأعرف أن العادة قوية السلطان على سليقتي وخلقي، ولا تعصمني منها إلا الثورة النفسية، ~~وأشدها ما كان ثورة للكرامة أو الحقيقة كما أومن بها ... فكل بناء تبنيه السعادة ينهار ~~فيما بين ليل ونهار إذا ثارت النفس لحقيقة محجوبة، أو كرامة مغلوبة، وقلما تكون للإرادة ~~يد في الحالتين. # وأعرف أنني أعامل الناس والأشياء كأنهم معان مجردة في الضمير، لا كأنهم شخوص ~~ومحسوسات ... فعشرة ملايين جنيه - مثلا - معناها عندي المتعة أو الترف أو السطوة أو ~~الجاه. وطلبي لها يتوقف على حاجتي إلى تلك المعاني لا على حسابها بلغة الأرقام والمصارف ~~والقصور والضياع ... # وأكره الظلم حين أكره الظالم، والشر حين أكره الشرير، والخبث حين أكره الخبيث ~~... # ولهذا يفوتني أحيانا أن أفرق بين كراهة المبدأ وصاحب المبدأ، ولا يسيغ طبعي ما ~~يقال عن التفرقة بين العمل وعامله؛ لأن العمل لا يكون خبيثا وعامله من ~~الأطهار! # وعرفت كثيرا من أمثال هذه الحدود، ولكنني لم أعرف كثيرا ولا قليلا مما تحيط به تلك ~~الحدود ... فعرفت أن الفيلسوف سقراط كان يستعير لغة الكهانة حقا حين قال: «اعرف ~~نفسك!» # لأنه كان كمن يطالبنا بمعرفة الغيب أو معرفة المجهول، وكلاهما من صناعة ~~الكهان! ~~(2) عرفت طريقي للنجاح # يعرف المعنيون بطبائع الطيور المهاجرة أنها قد تضل عمدا - أو على غير عمد - عن ~~طريقها، فتضل عنه مرة أو مرتين أو ثلاث مرات على الأكثر، ويبدو عليها في المرة الأولى ~~تردد طويل قبل الاستقامة على نهجها، ثم يقل هذا التردد في المرة الثانية، ثم يزول أو ~~يكاد في المرة الثالثة، ولا يلبث الطير المهاجر أن يتجه إلى وجهته، ويستقيم عليها إلى ~~أقصاها. # يصدق هذا على النفس البشرية، وهي تلتمس طريقها السوي في أوائل حياتها كما يصدق على ~~الطيور المهاجرة، فتضل الطريق مرة أو مرات، ثم لا يلبث أن تعتدل على نهج تتحراه إلى ~~أقصاه. # وهذا الذي حدث لي في أوائل صباي بين ms068 المناهج المختلفة التي اعتقدت أنني مهيأ للمسير ~~عليها بالفطرة وهداية الظروف ... ~~••• # خطر لي في مبدأ الأمر أنني مهيأ لحياة الجندية وأنني أبلغ أمنيتي من الحياة إذا بلغت ~~مرتبة القيادة في جيش مصر، وطردت جيش الاحتلال، وبين زملائي في الدراسة من يذكر هذه ~~الأمنية أو هذه الطليعة، ومنهم الأستاذ سيد جودت المهندس الكبير، واللواء محمود عسكر ~~الذي اتجه دوني إلى الحياة العسكرية، وترقى فيها إلى غاية الدرجات التي يرتقي إليها ~~الضابط المصري قبل سن الإحالة إلى المعاش. # ثم خطر لي أنني خلقت لدراسة علوم الزراعة والحيوان، فاقترحت على والدي أن أتمم ~~الدراسة في كلية الزراعة العليا بدلا من التوظف بدواوين الحكومة. # ثم علمت يقينا أنني خلقت للأدب ولم أخلق لغيره، وأن التفاتي إلى الجندية ~~والزراعة إنما كان التفاتا للأدب من طريق آخر: طريق الإنشاد الحماسي قبل المبارزة، ~~وطريق الشغف بالأزهار وعامة الأحياء. ~~••• # وكانت أسوان ميدانا لمختلف الجنود المصريين والسودانيين والإنجليز أيام حرب ~~الدراويش، وكنا في المدرسة نؤلف الجيوش، ونتقاتل في الوقت المخصص للرياضة، وكنا نبدأ ~~القتال بإنشاد الشعر الحماسي على سنة الفرسان الأقدمين كما قرأنا عنهم في كتب الملاحم ~~والغزوات. # وشاقني أن أنظم الشعر لأنشده في هذه المواقف، فكان هذا في الواقع موطن هواي للجندية ~~التي اعتقدت أنني خلقت لها، وللتقدم في صفوفها إلى مرتبة القيادة. # أما دراسة الزراعة فالذي حولني إليها شغفي بأزهار الحديقة المدرسية، وسائر الحدائق ~~المحيطة بالمدينة الخالدة: مدينة أسوان. # وقد حولني إليها كذلك أن أسوان كانت معبر الطيور المهاجرة في أوائل الشتاء وأوائل ~~الصيف، فلم تزل تلفتني هذه الظاهرة وتلفتني الظواهر الأخرى من قبيلها في طبائع الحيوان، ~~حتى ظننت أنني خلقت للزراعة، ثم علمت الحقيقة من هداية وجداني، فأيقنت أن الولع ~~بالشجر والطير إنما هو ولع بالوصف والتعاطف مع الحياة في شتى ظواهرها، فهو تمهيد للأدب ~~وللهيام بالطبيعة كما يهيم بها الشعراء. ~~••• # ولي أن أقول من باب المجاز القريب إلى الحقيقة إن حياتي الأدبية لم تخل من نضال ~~الجندية، ولا من الغرس وتعهد الغراس الفكري من الجذور ms069 إلى الثمرات ... # فإذا سئلت: هل نجحت؟ وجب أن أبين في البداءة ماذا قصدت، ووجب أن يكون الجواب على ~~وفاق المقصد المطلوب. # نجحت لأنني قصدت إلى العمل بالقلم، ووصلت في هذا العمل إلى نتيجة يحمدها الأديب ~~العربي لنفسه، ويحمدها له قراؤه، ولا محل للدعوى والإنكار في هذا التقدير، فإنه مما ~~يقدر بأرقام الحساب ولا يكتفى فيه بتقدير الآراء. # ولا أحسب أنني اعتمدت على المعجزات أو الغرائب في توفير أسباب هذا النجاح، ولكنني ~~أحسب أنها أسباب طبيعية معروضة للعاملين في كل صناعة، يلتفتون إليها باستعدادهم لها، ~~ويعينهم على الالتفات إليها نصح الناصح، وهداية الدليل. ~~••• # أول هذه الأسباب الرغبة الصادقة في النجاح، فإنني لا إخال أحدا ينجح في عمل لا يرغب ~~في نجاحه. # ويلي هذا السبب الأول أن يعنى العامل بعمله لذاته، لا للنتيجة التي يترقبها من ~~ورائه، سواء كانت ربحا من المادة أو شهرة على الألسنة أو وجاهة في المجتمع أو ~~التاريخ. # وأقرر هذه الفكرة تقريرا آخر حين أقول: إن الذي خلق للأدب لا يتحول عنه إلى منهج ~~آخر من مناهج العمل؛ لأن هذا المنهج يعطيه الربح والشهرة والوجاهة حيث يفقدها أو يتعذر ~~عليه بلوغها في منهج الأدب ... ولعلي لا أخطئ التشبيه إذا قلت: إن مثل الأديب في هذا كمثل ~~الأب الذي يعرض عليه أن يختار ولدا غير ولده يطيعه، ويسره بالفلاح والتقدم حيث يخيب ~~ولده ويعصيه، فإنه لن يقبل هذا العرض مع يقينه برجحان الولد الناجح المطيع من غير ذريته ~~على ولده المخفق المصر على العصيان ... # وسبب لا يقل عن الرغبة الصادقة والعمل للعمل لا للنتيجة المترقبة منه هو الثقة ~~بالنفس والاستخفاف بالعقبات، وبإنكار المنكرين عن جهل أو حسد، أو تباين في الرأي ~~والخليقة. ~~••• # ولو أنني سئلت أن أرتب أسباب النجاح بالنسبة إلي لبدأت بهذا السبب وأخرت بعده جميع ~~الأسباب. # ولو أنني سئلت عن الفضل فيه هل هو للقدرة والتعليم والظروف أو هو للسليقة المطبوعة، ~~لقسمت هذا الفضل بينها قسمين متعادلين، وزدت قسم السليقة المطبوعة بعض الزيادة في معظم ~~الأحوال. # وبحمد ms070 الله، أقول إنني نجحت فيما قصدت إليه، وأنتهي بذلك إلى عبرة هذا النجاح، فألخصه ~~في عوامله الغالبة التي لا يخلو منها نجاح في صناعة من الصناعات، وتلك هي الاهتداء إلى ~~استعداد الفطرة، ثم صدق الرغبة في تحقيق ذلك الاستعداد، وصرف الجهد إلى العمل دون ~~النتيجة المرتقبة منه، وتعزيز الثقة بالنفس أمام الموانع والعقبات. # ومن الحق أن أتبع هذا بالتفرقة بين النجاح وبين تحقيق كل ما يراد، وكل ما يرجوه المرء ~~من نفسه ويرجوه عنه الناس. # فما من أحد يحقق كل ما يريد وكل ما يراد منه، وإن كان أنجح الناجحين، وإنما يقاس ~~النجاح بما أستطيع فعلا، وبما يستطاع حقا لو اتسع الوقت وأسعدت الظروف. ~~(3) تعلمت من أوقات الفراغ # أوقات العمل تملكنا ... # ولكننا نحن الذين نملك أوقات الفراغ ونتصرف فيها كما نريد، فهي من أجل هذا ميزان ~~قدرتنا على التصرف، وميزان معرفتنا بقيمة الوقت كله، وليست قيمة الوقت إلا قيمة الحياة ~~... # فالذي يعرف قيمة وقته يعرف قيمة حياته، ويستحق أن يحيا وأن يملك هذه الثروة التي لا ~~تساويها ثروة الذهب؛ لأن مالك وقته يملك كل شيء، ويصبح في حياته سيد الأحرار. # إن أفرغ الناس هو الذي لا يستطيع أن يملأ ساعات فراغه، وعندنا في الشرق كثيرون، بل ~~كثيرون جدا، من هؤلاء الفارغين. # على القهوات، وعلى أفاريز الطرقات، في الصباح وفي المساء، خلال أيام الصيف وخلال أيام ~~الشتاء ... # في كل وقت وكل موسم وكل مكان ألوف من الشبان الأقوياء والرجال الناضجين يقضون ساعات ~~الفراغ في لعب النرد والورق، أو في تعاطي الراح والدخان، أو في مراقبة الغادين ~~والغاديات والرائحين والرائحات. # ليس هذا وقتا فارغا لأنهم مشغولون فيه، وليس هذا وقتا مملوءا لأنهم يملأونه بما ~~هو أفرغ من الفراغ. # هذا ليس بوقت على الإطلاق ... # هذا عدم خارج من الزمان، خارج من الحياة! # وليس معنى «وقت الفراغ» أنه الوقت الذي نستغني عنه ونبدده ونرمي به مع الهباء، ولكن ~~وقت الفراغ هو الذي بقي لنا لنملكه ونملك أنفسنا فيه، بعد أن قضينا وقت العمل مملوكين ms071 ~~مسخرين لما نزاوله من شواغل العيش وتكاليف الضرورة. # قرأت مرة في تاريخ أمريكا الشمالية أن الإنجليز والفرنسيين تسابقوا على استعمار ~~«كندا»، فنجح الإنجليز حيث أخفق الفرنسيون ... لماذا؟ # زعموا في تعليل ذلك - وأصابوا - أن استعمار القفار من الأرض البور يحتاج إلى قضاء ~~الأوقات الطوال في عزلة عن المدن الحافلة، وأن الإنجليز نجحوا في استعمار تلك الأرض؛ ~~لأنهم يستطيعون أن يقضوا أوقات الفراغ منفردين منعزلين، وأن الفرنسي لا يطيق العزلة ولا ~~يحتمل أن يفرغ لنفسه ولا يزال في شوق إلى المدينة لقضاء السهرات والأصائل بين الناس في ~~الأندية والمجتمعات، فترك ميدان الخلاء لمن هم قادرون عليه ... ~~••• # ويصدق علينا في الشرق ما يصدق على الفرنسيين، فإن الإنسان منا لا يستطيع أن يجد في ~~نفسه ما يشغله ساعة فراغ، ولا يحس بفراغ من الوقت حتى يلوذ بالطرقات والقهوات. # ولا يهتدي بعد البحث الطويل في أعماق ضميره وأطواء دماغه إلى شيء يملأ به ذلك ~~الفراغ. # إن كان قصارى ما أصاب الفرنسيين من هذه الخصلة أنهم أخفقوا في استعمار «كندا» ... ~~فالأمر معنا أخطر وأعظم، فلعلنا لم نذهب فريسة الاستعمار إلا لأننا فارغون، وأننا لا ~~نجد في نفوسنا ما ننطوي عليه! # قيل عن «أسبرطة» إنهم كانوا ينبذون الطفل الضعيف في العراء، وأنهم كانوا يمتحنون قوة ~~الأطفال بوضعهم في إناء مملوء بالنبيذ، فمن بقي منهم مفيقا بعد هذه التجربة أبقوه ~~واستحق عندهم التربية، ومن ظهر عليه التخدر والسبات أهملوه ونبذوه ... # ولو أنني أردت امتحان الأقوياء من الرجال لما تركتهم فترة في آنية النبيذ، بل تركتهم ~~فترات في مكان مغلق يقضون فيه ساعات فراغهم، فمن صبر على هذه الساعات فهو رجل ملآن بقوة ~~الفكر، وقوة الخلق، وقوة الاحتمال، ومن لم يصبر عليها فهو الفارغ الذي لا خير ~~فيه. ~~••• # ماذا نتعلم من ساعات الفراغ؟ # نتعلم منها كل شيء، ولا نتعلم شيئا من الحوادث أو الكتب أو الأعمال إلا احتجنا بعده ~~أن نتعلمه مرة أخرى في وقت فراغ ... # فالمعارف التي نجمعها من التجارب والكتب محصول نفيس، ولكنه محصول لا يفيدنا ما ms072 لم ~~نغربله ونوزعه على مواضعه من خزائن العقل والضمير ... # ولن تتيسر لنا هذه الغربلة، وهذا التوزيع في غير أوقات الفراغ ... # إن معارف التجربة والاطلاع زرع في حقله ينتظر الحصاد والجمع والتخزين، ولا فائدة ~~للحرث والسقي والرعاية ما لم تأت بعد ذلك ساعة التخزين ... # وهي ساعة الفراغ ... # ساعة هي ألزم لنا من ساعات العمل؛ لأن العمل كله موقوف عليها في النهاية، فلا ثمرة ~~لأعمال الحياة بغير فراغ الحياة. # ولولا أننا نخشى أن يقدس الناس الفراغ لقلنا إن تاريخ الإنسانية من أوله إلى عهده ~~الحاضر مدين لساعات الفراغ. # لقد عرف التاريخ الإنساني أقواما فارغين جنوا عليه بفراغهم أشنع الجنايات، ودفعوا به ~~إلى الحرب تارة وإلى الفتنة تارة أخرى؛ لأنهم وجدوا أمامهم متسعا من الفراغ يعيشون ~~فيه. # ولكننا - حتى مع هذا - لا نستغني عن ثمرات ذلك الفراغ جميعا دون أن نجازف بالجانب ~~الصالح النافع من تاريخ الإنسان. # ماذا يبقى من تاريخ الإنسانية لولا الفارغون الذين اتسعت أوقاتهم للبذخ والترف بين ~~الحلي والحلل في ظلال القصور؟ # من كان يجوب الأرض ويمخر عباب البحر ليجلب الحرير والبهار، والحجر النفيس، والحجر ~~الذي تبنى به الصروح؟ # من كان يتعلم الملاحة؟ من كان يتعلم صناعة السفن؟ ومن كان يتعلم النسيج؟ من كان ~~يستخرج اللآلئ، أو يبحث عن شذور الذهب والفضة؟ من كان يرسل القوافل، ويحذق فنون ~~التجارة؟ من كان يرصد النجوم، ويدرس حركة الأفلاك في السماء؟ # من كان يعرف هذه الأعمال التي يعيش عليها الملايين لولا ذلك الفراغ الذي تقدم به ~~الزمن في تواريخ الأمم! # لقد كان فراغا ذميما في أكثر نواحيه، ولكنه على مذمته قد أفادنا درسا خالدا لا ~~يصح أن ننساه. ذلك الدرس الخالد هو حاجة الناس جميعا إلى أوقات الفراغ، فهو شيء لا غنى ~~عنه في حياة أمة، ولا في حياة أحد ... # وحبذا قضاء الفراغ كله فيما هو خير، ولكننا إذا خيرنا بين الفراغ بخيره وشره، وبين ~~ضياع الفراغ كله لاخترنا أهون الشرين. # إن العقلاء من أصحاب الأعمال يطلبون اليوم متسعا من الفراغ لعمالهم بعد ms073 أن كان طلب ~~الفراغ مقصورا على العمال. # فالعامل الذي يتسع وقته للرياضة ينشط لعمله بعد عودته إليه. # والعامل الذي ينفق بعض الوقت ينفق بعض المال؛ فتدور الحركة حركة البيع والشراء في ~~الأسواق. # حسبة من حساب الحرص لا من حساب الإسراف، وحسبة يرضى عنها علم الاقتصاد ولا يغضب عليها ~~علم الأخلاق. # والاقتصاد الأعظم بعد هذا وذاك هو الذي تعلمناه ونتعلمه من تاريخ الإنسانية من أوله ~~إلى عهده الحاضر. # لا بد من فراغ! # ولا بد من فراغ نحفظه! # والفراغ الذي نحفظه هو الذي يحفظنا؛ لأننا نستخلص فيه خير ما ندخره من غربلة التجارب ~~والمعارف والعظات. ~~(4) أحرج ساعة في حياتي # إنها كانت ساعة من ساعات كارتر البوليس السري المشهور؛ ذلك أني كنت مدة الحرب ~~العالمية الأولى «ناظر المدرسة الإسلامية بأسوان»، وكان عندنا إذ ذاك مدير متأله طالما ~~كابد الأهالي من غطرسته شرا. وصادف أن وقعت حادثة إلقاء القنبلة على السلطان حسين ~~كامل فنجا منها، واحتفلت البلاد بنجاته، وكان حقا علينا أن تحتفل مدرستنا بهذه ~~المناسبة، فلما أعددت العدة لهذا الاحتفال دعوت سعادة المدير لحضوره، ولكنه لم يقبل، ~~فاحتججت عليه في ذلك فكان جوابه أن طوق المدرسة بخيله ورجاله، فرفعت عنه تقريرا إلى ~~السلطان حسين ... فلما وصل عظمته استدعى المدير إلى القاهرة وأطلعه على شكواي. ويظهر أنه ~~أنبه تأنيبا شديدا؛ إذ ما عاد المدير حتى استدعاني ... فلما حضرت إلى مكتبه جلست على ~~أحد المقاعد التي فيه، فما كان منه إلا أن انتفض قائلا: «قف أمامي يا أفندي» فلم أملك ~~أمام تلك الفظاظة إلا أن أقول له: «ولأي شيء هذه الكراسي المرصوصة التي اشترتها الحكومة ~~للجلوس في هذا المكتب؟» فبهت الرجل من هذه الإجابة ... ولكنني تركته وانصرفت، فتهيج ~~الرجل، وأمر أعوانه باللحاق بي، فلما رجعت إليه جعل يهددني بالنفي إلى «مالطة» وأنا ~~أعلم أن النفي إلى «مالطة» إذ ذاك معناه الإعدام؛ لأن صحتي كانت لا تسمح لي بتحمله، ~~ولكني لم أعبأ بذلك وقلت له: «افعل ما تريد.» وانصرفت. # وكان مفتش الداخلية إذ ذاك في أسوان، ms074 وكنت في هذه المدة تحت المراقبة ... وكان يلازمني ~~عسكري بوليس أينما ذهبت نهارا، فإذا جاء الليل وقف على باب داري خفيرا إلى الصباح، ~~وهكذا دواليك ... فما إن وقعت تلك الحادثة بيني وبين المدير حتى أخذ يشدد علي المراقبة، ~~وكتب خطابا إلى رئيس جمعية المدرسة بفصلي، ثم جعل يرسل التقارير ضدي إلى الداخلية، ~~ويزعم أني أقوم بتهييج الأهالي. واستقر رأيه هو ومفتش الداخلية على نفيي إلى «مالطة»، ~~ولكن قبل أن أنتظر موافقة الداخلية دبرت طريقة للخروج من أسوان. ففي ذات يوم، وضعت ~~«عفشي» في قفة من قفف الطحين، وغطيته بطبقة من القمح، وأرسلت القفة إلى بيت أحد أقاربي ~~بالبلدة، وهناك وضعوا «العفش» في «شنطة» وأخذها أحدهم إلى المحطة الثانية التي تلي ~~أسوان، وفي اليوم الثاني كلفت صديقا لي بأن يقطع تذكرة من محطة أسوان إلى ~~الأقصر. # بقي أمر خروجي أنا من المنزل مع هذه المراقبة الشديد التي تستمر صباحا ومساء ... فلم ~~أجد وسيلة إلا تكليف أحد أقاربي بإحداث «شكلة» مع أحد المارة بقصد إبعاد الخفير عن ~~البيت - وقد كان - وفي أثناء اشتغال الخفير بالمتنازعين خرجت ورفيق لي إلى ظاهر البلدة؛ ~~حيث كنا أعددنا الحمير للركوب في المساء ... فما إن ركبنا حتى حثثنا السير إلى المحطة ~~الثانية. فلما وصلنا إليها وجدنا حامل التذكرة المذكورة، فأخذتها منه واعتليت القطار. ~~ولسوء الحظ وجدت في المركبة التي دخلتها معاون بوليس أسوان مسافرا لكتابة محضر حريق في ~~«كوم أمبو» فأحرجت، وكانت تلك الساعة ما بين محطة أسوان، ومحطة كوم أمبو هي أحرج ساعة ~~في حياتي، ولكنها مضت بخير، ووصلت إلى القاهرة بعد أن انتقلت إلى قطارين آخرين بقصد ~~التمويه على إدارة أسوان؛ حتى لا ترسل من يلحق بي في الطريق، ولما حضرت إلى القاهرة ~~أخذت أقابل ولاة الأمور في شأني. وبينما كنت أقابلهم للشكوى من المدير كان هو يكتب ~~إليهم التقرير إثر التقرير، ويزعم أني أقوم في ذلك الوقت بتحريض الناس ، وتهييجهم في ~~أسوان؛ مما أدى إلى افتضاح كذبه وإحالته إلى المعاش. ~~(5) كنت شيخا في شبابي ms075 # كنت شيخا في الشباب، فلا عجب أن أكون شابا في الشيخوخة ... قياس منطقي غير صحيح كما ~~يظهر لأول وهلة ... # فإذا كانت الشيخوخة قد بكرت إلى الفتى في إبان شبابه، فالمعقول أن يصبح شيخا قبل ~~الأوان، وأن يأتي عليه السن، وليست فيه بقية من الشباب ... # هذا هو المعقول، ولكن لأول نظرة كما تقدم ... # أما بعد نظرة أو نظرات، فالمعقول غير هذا على التحقيق. # المعقول بعد النظرة والتجربة أن الشباب المرح المندفع في شرته وعنفوانه يبعثر قواه ~~عاجلا، ويستنفد رأس ماله سريعا، فيخطو إلى الشيخوخة خطوات واسعات كأنه يسير إليها بكل ~~قوة الصبا والفتوة! # إن الشباب الذي يحس الشيخوخة قبل أوانها يتأنى ويتئد، فلا يصل إلى شيخوخته في الأوان ~~... # وهذا هو المعقول في القياس. # وهذا هو المعقول؛ لأنه هو الواقع الذي أعلمه من نفسي كيفما كان حكم القياس ... # نعم ... لقد كنت شيخا في الشباب، وأصح من هذا أن أقول: بل كنت شيخا في الطفولة الأولى ~~قبل أن أجاوز سبع سنوات. # ولا أطيل في وصف العوارض والبدوات التي تدل على أطوار الشيخوخة في تلك السن المبكرة، ~~فإن طورا واحدا يغني عن عشرات الأطوار، وحسبي أن أذكر أنني لم ألبس قط بنطلونا ~~قصيرا، وأصررت كل الإصرار على رفضه مع فرحي بالملابس الجديدة المجهزة لدخول المدرسة مع ~~زملائي وأقربائي، وقد كنت من أصغر التلاميذ سنا في السنة الأولى الابتدائية، وكانوا ~~جميعا بالبنطلونات القصيرة ما عداي، فقد أصبح إيجاد البنطلون الطويل لمن كان في مثل ~~سني مشكلة تجارية في المدينة الصغيرة، لو لم يسعفني طول القامة الذي جعلني أطول من ~~لداتي بنحو سنتين! # هذا المثل يغني عن أمثال ... ~~••• # وأحسب أن هذا الشعور قد لازمني في كل مرحلة من مراحل حياتي، وأحسبني أشير إليه حين ~~قلت أخاطب الشيب وأنا في السادسة والعشرين: # دون الثلاثين تعروني وما انصرمت # إلا كما تنقضي الأعوام في الحلم! # قل لابن تسعين لا تحزن فذا رجل # دون الثلاثين قد ساواك في الهرم # إذا ادكرت شبابا في النعيم مضى # لم يدكر من شباب كان ms076 أو نعم # وما انتفاعي وقد شاب الفؤاد سدى # إن لم تشب أبدا كفي ولا قدمي # وليس ما يخدع الفتيان يخدعني # كلا، ولا شيم الفتيان من شيمي # وهو الصحيح، فلم تكن شيم الفتيان قط من شيمي، وأعي بها اللهو والغي والتمادي في طلب ~~المتعة والسرور، وهذا التحفظ الذي لم يفارقني فترة في حياتي هو «القصد» الطبيعي الذي ~~حفظ لي ثروة الفتوة، فجاوزت الستين وأنا أعمل عملي في العشرين، وفي الثلاثين، وفي ~~الأربعين، وقد أزيد عليه ... # وهذا هو المقياس الصحيح لدوام قوة الشباب، ولكنه مقياس واحد من عدة مقاييس، يكثر ~~تردادها في مثل هذا المقام. # فعندهم مقياس الشعور، وأصحاب هذا المقياس يقولون ما معناه: عمرك شعورك أو أنك تبلغ ~~العمر الذي تحس أنك بلغته، فأنت في الثلاثين إن شعرت شعور ابن الثلاثين، وأنت في الستين ~~إن شعرت شعور ابن الستين، وإن كانت تذكرة ميلادك تقول إنك لم تبلغ نصفها من السنين ~~... # وعندهم مقياس القلب والهوى، وأصحاب هذا المقياس يقولون إنك شاب إذا كانت الفتاة تسعدك ~~وتشقيك، وكهل إذا كانت تسعدك ولا تشقيك، وشيخ إذا كانت لا تسعدك ولا تشقيك. # أي إنك شاب ما دمت تنخدع بالهوى، وما دمت تطلبه، فإن أصبحت لا تنخدع به ولا تطلبه، ~~فقد جاوزت الشباب، وجاوزت الكهولة بعد الشباب. # وشاعرنا العربي على هذا المذهب حين قال: # يا عز هل لك في شيخ فتى أبدا # وقد يكون شباب غير فتيان # وعندهم مقياس الهمة والطموح، وأصحاب هذا المقياس يحسبون المرء شابا ما دام له مطمع ~~في المجد والعظمة، فإن ونى وقنع فهو هرم الهمة وإن كان فتى الأيام ... # وعندهم من يقول إن الخمسين شباب الشيخوخة وشيخوخة الشباب ... # ولكنها كلها مقاييس عامة لجميع الناس، وإنما المقياس الخاص ما يقيسك بنوع عملك، أو ~~شغل نفسك الذي لازمك في كل الأعمار، فإذا استطعت في الستين عملا كنت تقدر عليه وعمرك ~~عشرون أو ثلاثون سنة، فأنت في شيخوخة يمازجها الشباب، ومهما يقل أصحاب مقياس الشعور، أو ~~أصحاب مقياس القلب والهوى، أو أصحاب مقياس الهمة ms077 والطموح، أو أصحاب مقياس الخمسين ~~... # والمقياس الواحد الذي أقيس به جهدي في جميع أدوار حياتي هو النهم إلى المعرفة، فإنني ~~لا أذكر سنا لم أكن فيها أحب أن أعرف، وأن أقرأ وأن أختبر، وأن أفيد من كل ذلك توسعة ~~في آفاق الشعور. # صديقنا الأستاذ توفيق الحكيم تخيلني في بعض كتبه قد دخلت الجنة، وذهبت أطوف في ~~أرجائها عسى أن أرى وجهة مكتبة أقف أمامها، وأتأمل عناوين الكتب فيها، فلما طال بي ~~المطاف، ولم أجد مكتبة ولا كتبا ضجرت منها، وطفقت أقول: «ما هذا؟! ... جنة بغير ~~كتب؟!» # وصديقنا الحكيم لم يبالغ في تخيله؛ لأنني فعلا لا أستطيع أن أعيش في جنة لا أطلع ~~فيها ... نعم لا أطلع فيها، وليس من الضروري أن أقرأ في كتاب ... # وأود أن ألفت القارئ إلى هذا الفارق المهم جدا في نظري بين القراءة والاطلاع ~~... # فقد يقرأ الإنسان ولا يطلع، وقد يطلع ولا يقرأ، فالقراءة هي إحدى وسائل الاطلاع، ~~وليست هي وسيلته الوحيدة. # ولماذا لا نطلع في الجنة؟ # يجب أن نطلع في الجنة قبل غيرها؛ لأن المكان الذي تسكنه وتحب أن تسكنه هو أحق الأمكنة ~~أن تطلع عليه وتعرف كل ما قيل فيه، وكل ما خطر بالبال عنه، وكل ما خامر به النفوس - غير ~~نفسك - من خوالج الغبطة، والشوق، والرغبة، والاستطلاع. # يجب أن نطلع في الجنة؛ لأن الساعة الحاضرة فيها لا تكفينا، ومن حقها علينا أن نعرفها ~~ماضيا وحاضرا ومستقبلا، وأن نحيط فيها بشعورنا وشعور الآخرين الذين اختبروها غير ~~خبرتنا، وشهدوا منها غير ما شهدناه ... # فإن لم تكن لنا وسيلة إلى ذلك غير الكتاب فليكن الكتاب في الجنة، ولا يعقل أن تنقص ~~الجنة حيث تكمل المدن العامرة في هذه الدنيا. # ويقول قائل: أقراءة في الجنة؟! إذن أنت سوسة كتب يا صاح! # كلا أيها القائل، وهذه غلطتك الكبرى، فإن سوسة الكتب هو الذي يعيش في الكتب كما يعيش ~~السوس، وأما الذي يقرأ الكتاب ليوسع حياته في العالم، فالكتاب عنده طريق إلى عالمه، أو ~~هو نظارة يكبر بها نظره ms078 ليضاعف رؤيته، فهو من صميم الحياة، وليس بالصومعة التي تعزل ~~ساكنها عن الحياة ... # وأيا كان الرأي في طلب المعرفة فالواقع أنها هي المقياس الذي أعرف به ما بقي لي من ~~الشباب؛ لأنها هي العمل الواحد الذي حصل بالأمس، ويحصل اليوم، وسيحصل غدا إلى أن يشاء ~~الله. ~~••• # وأحمد الله، لم يتغير من ذلك شيء إلا قوة النظر على طول القراءة، فليس في طاقتي اليوم ~~أن أثابر على القراءة أكثر من ساعة واحدة، ثم أستريح هنيهة قبل أن أعاودها، وقد كانت ~~تطول في إبان الشباب بضع ساعات متواصلات. # وأحمد الله مرة أخرى؛ لأنه نقص يقابله عوض حسن، فالساعة اليوم أبرك من ساعات، مع ~~المرانة على التحصيل، وعلى الكتابة والتسجيل. # ولا أراني صنعت معجزة إذا احتفظت بهذا القسط من الشباب؛ لأنه حظ يصيبه من شاء، وأخال ~~طريقتي في إصابته من أيسر الطرق للجميع ... # فلي وقت للعمل، ولي وقت للرياضة، ولي يوم كل أسبوع أكف فيه عن كل عمل، وكل قراءة حتى ~~مطالعة الصحف وفض رسائل البريد، ولي مواعيد للطعام والنوم لا تختل في يوم، ولي قاعدة ~~عامة تشمل العمل والرياضة، والطعام، والجد واللهو، والبطالة، وهي التوسط بين الإفراط ~~والتفريط ... # وقبل ذلك كله كانت لي شيخوخة في مقتبل الشباب. # ولم يخل شبابي من الشيخوخة، فمن الحق ألا تخلو شيخوختي من الشباب. # | الفصل الخامس # (1) أصدقائي وأعدائي # لي بحمد الله أصدقاء ... # ولي كذلك أعداء بحمد الله ... # وأحمد الله على الأصدقاء حمد الغبطة والرضا والمسرة ... # وأحمد الله على الأعداء حمد الإنعام بالبلوى، و... # قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت # ويبتلي الله بعض القوم بالنعم # كما قال أبو تمام ... # ومن الأعداء من تود لو تشتريه بمالك وسعيك، إذا أنت افتقدته فلم تجد من حولك ... # ومن حقك أن تشتري بالمال والسعي عدوا يزينك بمخالفته إياك، فإنه لا يزينك بهذه ~~المخالفة إلا إذا كان على خلق يعيبه، ولا يشرف من يوافقه عليه ... # ومن حقك أن تشتري العدو الذي لا يعاديك إلا حسدا على النعمة، فليس أسوأ حالا من ~~إنسان على ms079 حالة لا يحسد عليها، وليس من الخير اتقاء حسده بخسارة نعمتك ... # ومن حقك أن تحرص على الأعداء الذين يقولون بعداوتهم لك إنك تضر وتنفع، فمن لا يضر ولا ~~ينفع موجود لا يحس له وجود، ولا ضير عليك أن يخال بعض الناس أنك تضره أكبر الضرر أو ~~أصغره، فإن من الناس لمن يكون ضرره عقوبة على الشر، وإن منهم لمن يجهل ضرره ونفعه، وإن ~~منهم لمن يبتليه الله بالضرر لصلاح أمره، ومن يكون ضرره في نفسه كضرر عداوته ~~لغيره. # فعلى عداوة هؤلاء جميعا نحمد الله الذي لا يحمد على مكروه سواه، ولكنه مكروه ~~يستزاد. # وعلى صداقة من يبقى لنا بعد عداوتهم فلنحمد الله، حمدا لله، ثم حمدا لله ... # وحمدا لله مرة بعد مرة؛ لأنني لا أصادق أحدا، ولا أعاديه في مأرب من مآرب النفس، ~~ولا في صغيرة من صغائر الضعف الذي يبتلى به كل إنسان، فما عرفت صديقا، فعرفت لصداقتي ~~له سببا غير فكرة نشترك فيها أو مطلب من مطالب الأدب نتفق عليه، أو غاية من الغايات ~~العامة نسلك السبيل إليها، أو طرفة من طرف الراحة الروحية تعم كل من يستريح إليها، ولا ~~تخصني أو تخصه بداع من دواعي الأثرة والمحاباة. # وكذلك أعدائي الكثير منهم والقليل ... # أعاديهم، وأصح من ذلك أنهم هم يعادونني؛ لأننا نتعادى على عقيدة أو خطة أو برنامج أو ~~مصلحة من مصالح الناس، ونحن من أولئك الناس. # وفي ذلك ألقى العجاب من عداوة النقيضين، وضغينة العدوين المتعارضين. # لقد حاربت الطغيان وحاربت الفوضى ... # لقد حاربت رءوس الأموال وحاربت مذاهب الهدم والبغضاء ... # لقد حاربت التبشير وحاربت التقليد الأعمى والدجل المريب باسم الدين ... # لقد حاربت الجمود والرجعية وحاربت الإنكار والجحود ... # لقد حاربت الأحزاب وحاربت الملوك ... # لقد حاربت هتلر، ونابليون، وحاربت المستعمرين في صفوف الديمقراطيين ... # لقد حاربت أعداء الأدب المسمى بالقديم، وحاربت أصدقاء الأدب المسمى بالجديد ... # لقد حاربت الصهيونية، وحاربت النازية أكبر أعداء الصهيونية ... # لقد حاربت جميع هؤلاء، فالتقى على محاربتي أناس من جميع هؤلاء ... # صهيوني إلى جانب نازي، إلى جانب فوضوي ms080 إلى جانب رجعي، إلى جانب ملحد إلى جانب حامل ~~اللحية والعذبة باسم الدين، إلى جانب الماركسي من اليسار والمبشر من اليمين. # وفي معسكر الأعداء - كما يقال في لغة المعسكرات - يلتقي «المليونير» والمتشرد، ~~ويلتقي المعجب بالخنساء والمعجب بساجان، ويلتقي الصوفي والخليع، ومن ورائهم معسكر ~~الشاردات من الجنس اللطيف، ومعسكر الشاردين من الجنس المخشوشن الكثيف. # جيش جرار بحمد الله ... # نعم؛ بحمد الله - حقا وصدقا - حمدين متواترين ... # حمدا لله «أولا»؛ لأنه أرسل علي هذه السيوف المشرعة من كل جانب، ولكنه أسبغ علي ~~الدروع التي تتكسر عليها تلك السيوف، فقال رب الجنود: أنت «قدهم وقدود» ... # وحمدا لله «أولا وأخيرا»؛ لأنه خصني من بين هذا العموم بصداقة «الإنسان» حيث كان، ~~وفي جميع هذه الأشكال والألوان ... # فحيثما اختلفت هذه الجماعة وتلك الجماعة، وحيثما افترقت الأسماء والأزياء، فالإنسان ~~الذي يكمن في كل مكان وراء العناوين والجدران، يبسط يديه إلي، ويلتقي بصاحبه لدي، ~~ويتقلب على حزبه ولو كان مستخفيا في سرية، فهم شيع وأحزاب من بعيد، وهم معي في محراب ~~«الإنسانية» الوحيد، صديق رشيد إلى جانب صديق رشيد ... # ولا ننسى من هذه الأشكال والألوان، عباد الأصنام والأوثان ... # والأوثان هنا هي أوثان المظاهر والألقاب لا أوثان المذاهب والأرباب ... # وقد نكب هذا البلد المسكين بداء الاستبداد القديم، فوقر في أخلاد بنيه على توالي ~~العصور أن قيم الناس مرهونة بتقدير الحاكم المطلق المتصرف في الأقدار والمقامات، فلا ~~قدر لإنسان بغير مظهر، ولا مقام لأحد بغير لقب، ولا جاه ولا حسب ولا علم ولا يقين بغير ~~صيغة مرسومة في سجلات الدواوين ... # وبلغ من عبادة الأوثان أن «الصوفية» خلقت في هذا البلد منذ قرون، فما لبثت أن عاشت ~~على المظاهر والألقاب، وعلى الشيع والأحزاب، بين عريف ووكيل ورئيس، وبين منتسب إلى هذا ~~الضريح، ومنتسب إلى ذلك الهيكل، أو تلك الزاوية أو ذلك الكنيس ...! ومعهم كلهم ألوان من ~~الشارات وأشتات من الرايات والفوانيس ... وإنهم لكذلك وهم يتصوفون ويتقشفون، أو هكذا ~~يقولون لينبذوا مظاهر الدنيا، وألقاب التعظيم والتقديس ... # وقبل أن تتحطم هذه الأوثان، يظهر في ms081 هذا البلد مخلوق وأي مخلوق، وقل إن شئت إنسان وأي ~~إنسان ... # أديب مشهور، وليس بليسانس ولا دكتور. # وعضو في مجلس الأعيان، وليس في حوزته نصف فدان ... # وليس ببيك ولا باشا، ولكنه يقول للبيك والباشا: كلا وحاشا! # وصاحب أعوان وأنصار، وما هو بزعيم حزب ولا بصاحب عصبية، ولا مصطبة ولا دوار ... # وفقير جد فقير، ولكن ليس بهين ولا حقير ... # وصاحب قلم مسموع الصرير مرهوب النفير، ولكن ليس بصاحب صحيفة ولا بمدير، ولا برئيس ~~تحرير، ولا سكرتير تحرير ... # يا حفيظ ... # شيء يجنن ... # ويزيد المغيظين من هذا «المقتحم المتهجم» أن يهاجم «الأصلاء» فلا يبالي هجوما عليه ~~أو يباليه، ولكنه بأصبع واحدة من إحدى يديه يرده على عقبيه ... # يا حفيظ ... شيء يجنن شيء يغيظ! # ولقد أراحنا الله من هذه الأوثان في عالم الرتب والنياشين، وبقي الطقم الأخير من ~~أوثان الألقاب، والمظاهر في عالم «العلم» المحجوز على ذمة المعاهد والدواوين ... # وكان خليقا بهذا الوثن المتخلف أن يتحطم أو يتهشم أو يقبع في عقر داره بعيدا عن ~~الأنظار والأسماع، ولكنه - وهو الوثن «الحيلة» والبقية الباقية من القبيلة - قد ضوعفت ~~حوله القناديل والقرابين، وأوشك وحده أن يخلف أوثان الدنيا والدين. # وأغيظ ما يكون عابد الوثن إذا كان للوثن صلاته وصيامه، وكان حول الوثن طوافه وقيامه، ~~وكان كل حقه في سمعة العلم مرهونا بلقبه، وكل توهين لشأن هذا اللقب موهنا لحجته في ~~دعواه، وما من حجة له سواه ... # إن من أهل العلم من هو على موثق من فضله، ومن هو في غنى عن قشور المظهر بلبابه، فلا ~~موضع لصغائر الدعوى في سبيل هذه النافلة عنده، ولي صديق في كل إنسان، وكل ذي أمانة من ~~هؤلاء، ولهم حق على الناس أراه على سنة الإنصاف والوفاء، ولكنني أدعو الله ألا يحرمني ~~من عداوة مدع دخيل على حرم المعرفة وحرمتها، نكرانه للفضل على قدر شعوره بعرفان ~~غيره، وكفرانه بالحق على قدر صواب المحق لا على قدر خطئه، فإن الذي لا صواب له يكفي ~~الحاقدين مئونة النقمة عليه واللجاجة في مذمة عمله ms082 وبخس جهده واجتهاده. # والحمد لله على عداوة هؤلاء، ووقانا الله شر الرضا من هؤلاء، وشر الصداقة والأصدقاء ~~«الألداء» من هؤلاء وأشباه هؤلاء ... # ولست أحدث القارئ بجديد في أمر العداوة على المظهر والعنوان، ولا في أمر الغيرة على ~~الأصنام والأوثان، وأقبحها أوثان المظاهر والعناوين في أمة شقيت طويلا بأرباب الطغيان، ~~قبل أرباب الأديان ... # ولكنني أود لو يعلمون كم يبلغ العابدون في محراب هذه الوثنية من أهلها ومن غير أهلها، ~~فإنهم لكثيرون بل جد كثيرون ...! # فإن بين المحرومين من كل مظهر لمن هو أخلص عبادة لهذا الوثن من أقرب المقربين إليه، ~~وأوفرهم حظا من نعمته؛ لأنه ينقم عليك أن تساويه في مظهره ولا تساويه في هوانه، وأن ~~تعلو حيث يهبط وترتفع حيث ينحدر، وتسلم لك الشهادة حيث تبطل عندك المكابرة واللجاجة، ~~فلا يقاربك بواقعه ولا بدعواه! # وخذ مثلا من هؤلاء العباد «المتطوعين»، مخلوقا عرفته لا له في العلم ولا في دعواه، ~~ولا يخطر له يوما أن يحسب في زمرة العلماء من حملة الألقاب، ولا في زمرة العلماء ~~العاطلين، ولا العلماء المغمورين والمجهولين المنسيين، بل لعله - وهو طرزي بلدي - لم ~~يطمع إلى مزيد من الشهرة فوق مكانته بين أهل الصناعة، ناجحين أو كاسدين ... # ولكنه كان أغيظ ما يغيظه أن ينهض الناس تحية لفاضل من فضلاء عصره لم يكن من ذوي ~~الألقاب والأحساب، ولكنه كان موفور القدر في أعين ذويها، وفي أعين الناس ممن يعبر بهم ~~في طريق الطرزي، من ميدان التوفيقية حيث يسكن، إلى قهوة «الإسبلندد» حيث يلتقي بالإخوان ~~والصحاب، وأكثرهم من ذوي المراتب والمظاهر، وكلهم يلقاه بذلك التوقير وذلك الترحاب ~~...! # وينفجر الطرزي غيظا وقد عبر الرجل الفاضل أمام دكانه، وقد وقفت أتحدث إلى صديق لقيته ~~في ذلك الدكان فكدت أحسبها ترة من ترات الدم بين ذلك الطرزي وذلك الفاضل الموقر بغير ~~لقب ولا حسب، ولا جاه ولا مال ... قلت له: أتعرفه؟ # قال: لا والله، ولكنني عرفت حاله ، وهو «غلبان» في بيته وفي مأكله ومشربه وكسائه، ~~فعجبت: ما هذه النفخة في غير شيء؟! ms083 وما هذا التوقير من هؤلاء المغفلين لإنسان لا يحسب ~~من «الأفندية» ولا البكوات ... إلا بتقليد اللسان: «حتى مش بيه إلا بالكدب.» # ولقد عرفت الرجل فلا والله ما عرفت عليه سمة من سمات «النفخة» التي ادعاها عليه، ~~ولكنه كان لا يقبع في حاله - كما قال - وهو يعلم أنه ليس من «الباشوات»، ولا من أصحاب ~~المناصب والأموال ... # وحول «الأوثان» ألوف من هؤلاء العباد «المتطوعين» ذهبت بهم دولة الرتب والنياشين، ~~ولكنهم حول الوثن الأخير لا يزالون راكعين ساجدين، وفاء لعهد المذلة والعادة، وإن فاتهم ~~كل وفاء لكل علم ولكل دين. ~~(2) أصدقائي الأطفال # أزاهير الرياض بشائر الخير والجمال، وترجمان الربيع بالألوان والعطور، والناس يحبونها ~~ولا يعجبون من حبها، بل لعلهم يعجبون إذا قيل لهم: إن هذا أو ذاك لا يحب الأزاهير ~~... # ولكنهم قد يحسبون أن حب الأطفال «خبر» يروونه عن هذا أو ذاك ويفسرونه كما يفسرون ~~غرائب الأخبار ... # أتراهم يظنون أن نضرة الزهرة أجمل من نضرة الطفل الصغير؟ ... # لا نخالهم يظنون ذلك، ولكنها «الأنانية» تدخل هنا في الحساب، فتضلهم عن حسن التقدير ~~... # لأنهم تعودوا كلما ذكروا الأطفال أن يتصوروهم أبناء لآباء وأمهات ... فإذا سمعوا أن ~~الأب يحب وليده، وأن الأم تحب صغيرها فلا عجب ولا حاجة إلى خبر ... # ولكن ما بال من ليس بأب يحب أبناء آبائهم وهم عنه غرباء؟! ... # هذا هو وسواس الأنانية الذي يدخل في الحساب، فيضل الخيال عن التقدير الصحيح ... # أما الواقع - بمعزل عن هذه الأنانية - فهو أن الأطفال محبوبون؛ لأنهم أزاهير ~~الإنسانية وترجمان ربيعها، محبوبون لأنهم بشائر الشباب والحياة ... # بل هم محبوبون، وينبغي أن يحبوا؛ لأننا نتعلم منهم، ولأننا نستمتع في صحبتهم ~~برياضة من رياضات النفس تجدد لنا كل شيء، ولأنهم عزاء - وأي عزاء - حتى حين يبكون بكاء ~~الطفولة الساذج المضحك المأمون ... # إنهم معلمون من الطراز الأول؛ لأن أخلاق الإنسانية مكتوبة في نفوسهم بالخط البارز ~~الذي تقرؤه لأول نظرة، وهي في نفوس الكبار ضامرة أو مصحفة أو ملتبسة بوشي الرياء وزركشة ~~العرف، وزخارف التكلف والتمويه ... # إن معلمينا الصغار لا يكتمون ms084 شيئا، وكل ما كتموه أبرزوه، وضاعفوا إبرازه، فمن لم ~~يتعلم حقائق الضمير الإنساني من الطفل فما هو بمستفيد شيئا من علوم الكبار، ولو كانوا ~~من كبار العلماء ... # وصحبة الطفل الصغير رياضة، وما أجملها من رياضة ... # إن الأوروبيين يعبرون عن الرياضة بالخلق الجديد # recreation # كأنهم يقولون إن الترويح عن النفس ~~يخلقها خلقا جديدا، ويعيدها نشأة أخرى كما كانت أو خيرا مما كانت عليه ... # والطفل يريك هذا الكون قشيبا عجيبا كأنك تراه خارجا من يد الله في يوم الخليقة ~~الأول ... # إن الصغير الذي يرفع العصا ليدرك بها القمر يعود بك كما كنت يوم ملأت عينيك من القمر ~~أول مرة، فزعم لك خيالك الطريف أنه على مد الذراع القصيرة، وأنه إذا احتاج منك إلى جهد ~~فغاية هذا الجهد أن تصعد إلى سقف، وترفع العصا إليه، فتنزل به إليك! # إن التليفون لا يدهشك إذا نظرته أو استمعت إليه، ولكنه يملؤك بالدهشة كلما حدثت طفلا ~~من وراء المسافات البعيدة فسمعته يهلل ويصيح على من حوله أن ينظروا إليك مختبئا في جوف ~~السماعة المسحورة ... وأكبر عجبه أن تحتويك تلك السماعة وهي تضيق عن كفيه ~~الصغيرتين. # إن كل محادثة مع الطفل عن هذه المنظورات المملة المطروقة إنما هي احتفال برفع الستار ~~للمرة الأولى عن تلك المنظورات العتيقة ... كأنها أعجوبة لم تقع عليها من قبل ~~عينان. # وهؤلاء الصغار عزاء عن مثله عزاء الحكماء ... # ألا يبكون من مصائبهم التي تضحك الثكلى؟! ألا نعلم من هذا البكاء المضحك أننا سنضحك ~~غدا مما يبكينا في هذه الساعة؟! ألا نعود إلى ما كان يبكينا في طفولتنا، فنعلم أن ~~كثيرا من البكاء هزل، وأن كثيرا من العزاء جد ويقين؟! # ولهم محرجات تخنق في حينها، ولكنها حتى حين «تخنقنا» من الحرج تكاد تخنقنا من الضحك ~~المكتوم. # وكلكم عرفتم هذه المحرجات وتعرفونها وستعرفونها، فأنتم في غنى عن الإفاضة في سرد ~~الأمثال والنوادر، وقد تذكركم نادرة واحدة بمئات من هذه الأمثال ... # حضرنا مجلسا كان فيه رجل وقور أعور بين العور، وفي الدار طفل في الثالثة من ms085 عمره، ~~سليط اللسان، يكاد لا يدخل لسانه في فمه من فرط الثرثرة والفضول. # ووقف هذا الثرثار على باب الحجرة، ثم رأيناه يطيل النظر إلى الرجل الوقور الأعور، ثم ~~اقترب منه وهو يضع إصبعه في فمه، ويرفع نظره إلى العين العوراء ... # قلنا: يا ساتر استر، إنه لن يسكت ولن يطول الانتظار حتى نسمعه قائلا شيئا، فما عسى ~~أن يقول؟ # وقبل أن نفرغ من هذا الخاطر رأيناه يصعد على ركبتي الرجل، ويمد يده إلى عينه العوراء، ~~ويسأله كأنه يسأل عن ساعة أو سلسلة أو خاتم، أو حلية مما يثير الفضول: «لماذا أقفلت ~~عينك هكذا؟» # تشاغلنا كأننا لا نسمع لعله يكتفي بسؤال واحد، فلا نلجئ الرجل ولا نلجئ أنفسنا إلى ~~حرج. # ولكنه كأنما قد أقسم ليعرفن السر في تلك الحيلة المستغربة: حيلة هذا المشعوذ الذي ~~يستطيع أن يقفل عينه، وكل من رآهم حوله لا يستطيعون. # فعاد يلح ويسأل: ألا تقول لي لماذا أقفلت هذه العين؟ # فبطلت الحيلة، وأخذته أمه جذبا بإحدى ذراعيه، وخرجت وهي تختنق كما نختنق نحن من ~~الحرج المضحك أو من الضحك المحرج، وهو مع هذا يمد ذراعه الأخرى غاية امتدادها مشيرا ~~إلى العين المقفلة، ويكرر على أمه هذا السؤال: ولكن لماذا يقفلها يا ماما؟ ... ولم تسترح ~~«ماما» منه إلا حين قذفت به إلى داخل الحجرة المجاورة، وهي تقول ولا تملك نفسها من ~~الغضب والضحك المكتوم: أنت مالك ومالعينه؟! # هؤلاء المحرجون «مصائب» في أوقات الحرج. # إلا أنها المصائب التي نذكرها بعد ضاحكين، ولا ندري هل نتمناها أو نتمنى انقطاعها ... ~~فإنها المصائب التي يسوءنا أن تنقطع من الحياة ... # وأي مخلوق أحب إلى القلب من المخلوق الذي يسليك وهو يحرجك، ويعزيك وهو يبكي أمامك، ~~ويجددك أنت، وهو ينظر إلى كل قديم من حولك، ويعلمك وأنت تحسب أنك لا تفرغ من تعليمه، ~~وأن دروسه التي يمليها عليك لأنفع من دروسك التي تمليها عليه. # لكن ... ويا لها من لكن! # لكنها - كما نعلم جميعا - متعة غالية الثمن. غالية جدا لا نملك ثمنها؛ لأنه قاصم ~~للظهور في ms086 كثير من الأحوال. # فنظرة إلى طفل مريض تنسيك متاع الدنيا بأسرها، وصيحة ألم من ذلك الصغير تزلزل عزائم ~~الأبطال. # أما إذا كان الخطب أجسم من ذلك فلا حول ولا قوة فيه إلا من حول الله وقوته ... وكلاهما ~~ليس في اليدين ... # وجاهل بهذا الخطب من يحسب أن الحزن على الصغير أهون من الحزن على الكبير؛ إذ الواقع أن الحزن على الكبار قد يهون عند الحزن على هؤلاء الصغار؛ لأنك تحزن عليهم ~~بمقدار تعويلهم عليك ومقدار الرجاء في غدهم، وغدهم طويل مفتوح لآمال الخيال، ونظرتهم ~~إليك وهم مرضى على يديك تطالبك بالمعجزات، وتعجزك بعد ذلك عن الصبر على ذلك الأمل الذي ~~ضاع فيك وضاع فيهم، فلا عزاء. # متعة نفيسة، وثمن غال، ومما زهدني في اقتناء المتعة النفيسة علمي بغلو الثمن ... ولا ~~أخالني مع هذا نجوت مما ابتليت به في طائفة من هؤلاء الأصدقاء الأعزاء ... ~~(3) أنا في السجن # فتحت الكوة الصغيرة، ثم فتح باب الرتاج الكبير، ثم احتوانا البناء المحفور الذي ~~يعرف في مصلحة السجون باسم «سجن مصر العمومي»، ويعرف على ألسنة الناس باسم «قره ~~ميدان»، أي الميدان الأسود باللغة التركية! ... # وخطر لي - وأنا أخطو الخطوة الأولى في أرض السجن - قول الفيلسوف ابن سينا وهو يخطو ~~مثل هذه الخطوة: # دخولي باليقين بلا امتراء # وكل الشك في أمر الخروج # فهو تقرير فلسفي صحيح للواقع! ... # أما الدخول فها هو ذا يقين لا شك فيه، وأما الشك كل الشك فهو في أمر الخروج ... متى ~~يكون، وإلى أين يكون؟ أإلى رجعة قريبة من السجن وإليه؟ أم إلى عالم الحياة مرة أخرى؟ أم ~~إلى عالم الأموات؟ # في تلك اللحظة عاهدت نفسي لئن خرجت إلى عالم الحياة لتكونن زيارتي الأولى إلى عالم ~~الأموات، أو إلى ساحة الخلد كما سميتها بعد ذلك ... أي ضريح سعد زغلول ... # ولم تقع مني هذه الرحلة بين الدار والسجن # 1 # موقع المفاجأة؛ لأنني كنت أنتظرها منذ زمن طويل ولو على سبيل الحجز الذي ~~ينتهي بإفراج سريع، ولكنني كنت لا أرى فرقا بين أيام أو أسابيع ms087 أقضيها على ذمة التحقيق ~~وبين مدة أقضيها في الحبس بحكم القضاء؛ لأنني كنت أقدر أن حبس التحقيق - وإن قصر - كاف ~~لأن يصيبني بأكبر الضرر الذي يخشاه الناس من السجن، وهو ضرر العلة التي لا تزول، وعلى ~~توقعي الاتهام والحبس كانت الأنباء تتوالى علي بما يؤكد ذلك التوقع من جهات عدة، ~~وسمعت النبأ اليقين في هذا الأمر من صديقنا المغفور له سينوت حنا بك، لقد لقيني مرة ~~فاستوقفني، وقال لي: «حذار يا أستاذ!» فقلت له باسما: «لا يغني الحذر من القدر!» قال ~~لي: «إني أروي لك ما أعلم لا ما أظن: إن مقالاتك تراجع في بعض الدوائر مراجعة خاصة، ~~وإنهم ينتظرون يوما معينا ربما كتبت فيه ما يساعد على تأييد التهمة، ثم يقدمونك إلى ~~المحاكمة بما استجمعوا من أدلة قديمة وحديثة!» ~~••• # وكان في نيتي أن أسافر صيف سنة 1930 إلى لندن مع وفد مجلس النواب؛ لتمثيل مصر في ~~مؤتمر المجالس النيابية الذي عقد تلك السنة في العاصمة الإنجليزية، فقد استخرجت جواز ~~السفر السياسي، واشتريت دليل لندن ودليل العواصم الأوروبية التي كنت أنوي زيارتها، ولم ~~يبق إلا تذكرة السفر والاتفاق على الموعد واللحاق بإخواننا الذين سبقونا إلى باريس ~~ليشهدوا فيها الاحتفال بعيد الحرية، ثم بدا لي أنني إذا سافرت فقد أمهد بيدي وسيلة ~~لنفيي في أوروبا سنوات بلا عمل، ولا قدرة على البقاء في ذلك الجو القارس أيام الشتاء، ~~وربما كان منع عودتي أسهل على الوزارة من محاكمة قد تنتهي بالبراءة أو بعقوبة لا ترضيها ~~... فعدلت عن السفر في اللحظة الأخيرة، وقلت إن السجن أحب من النفي الذي لا عمل فيه، ولا ~~ضمان للصحة ولا للحياة! # وفي اليوم الثاني عشر من شهر أكتوبر دق الجرس أصيلا وأنا وحدي بالمنزل؛ لأن أخي كان ~~معتقلا في قضية «البلطة» المشهورة متهما بالتآمر على حياة رئيس الوزراء، ولأن الخادم ~~لم يعد من راحته الظهرية وصلاته العصرية، ففتحت الباب فإذا ضابط من رتبة «اليوزباشي» - ~~على ما أذكر - يبادرني بالسؤال: هل حضرتك فلان؟ # قلت: نعم ... # فمد إلي ورقة ms088 من دفتر في يده على هيئة ذكرتني الكونت نيمور، وهو يلقي القفاز في ~~محضر لويس الحادي عشر. # قلت: تفضل أولا فاجلس. ~~••• # فتردد في الدخول، ثم دخل وجلس، فتناولت الورقة وقرأت فيها دعوة من صاحب السعادة ~~النائب العمومي للحضور إلى مكتبه في الساعة العاشرة من صباح اليوم التالي، ووقعت على ~~الدفتر - كما طلب الضابط - بأنني تسلمت الورقة. وأخذت في إعداد الكتب التي سأقرأها في ~~السجن، والأدوية التي أتعاطاها، والملابس البيتية التي أحتاج إليها هناك، وزدت فأعددت ~~الأغطية الصوفية التي تلزمني للفراش والغطاء؛ لأنني كنت حتى تلك الساعة أجهل «تقاليد ~~السجون» وأظن أن الأغطية الخاصة مسموح بها كالملابس الخاصة أثناء التحقيق، وفي الفترة ~~التي تسبق المحاكمة، ثم حضر الطاهي فأريته هذه الأشياء كلها، وقلت له: إنه سيحضرها لي ~~في السجن غدا عند اللزوم. # فظهر لي أنه لم يفهم ... وأنه ينوي أن يقصد بها سجن الأجانب الذي كان أخي معتقلا ~~فيه. # فقلت له: «بل هي لي أنا في السجن الذي سيخبرونك عنه غدا بدار النيابة!» # ووصفت له الدار واجتهدت أن أفهمه جهد المستطاع، وذلك جهد يعرف العارفون بالشيخ «أحمد» ~~أنه ليس باليسير! # وذهبت في الموعد المحدد إلى دار النيابة، واستغرق التحقيق ساعات، ثم قال لي حضرة ~~المحقق: «إنني آسف لأننا سنضطر إلى إبقائك عندنا قليلا يا أستاذ!» وبدأ حضرات المحامين ~~يوجهون نظر رجال النيابة الحاضرين إلى «الحيطة الصحية» الواجبة في هذه الحالة، ومنها ~~اختيار السجن الذي يوافقني أثناء الحبس «الاحتياطي» أكثر من سواه، وكان الأساتذة ~~المحامون - لحسن الحظ - من الخبيرين بمزايا سجون القاهرة التي تردد عليها في سنوات ~~الثورة السياسية معظم المشتغلين بالقانون والسياسة، فأضافوا خبرتهم بالسجن إلى خبرتهم ~~بالمحكمة، وقدرتهم على النصح السديد للمتهمين والموكلين، واستحسنوا أن يكون الحبس في ~~«سجن مصر»؛ لأن الجو فيه أوفق لي من سجن الاستئناف ... وقد كان ... # فذهبت مع الضابط والجند في سيارة خاصة إلى «قره ميدان»، وتخطيت الباب فإذا هدوء غير ~~مألوف لأن الوقت كان وقت الراحة عقب الغداء، وتوجه بي الضابط نحو حجرة الكتاب لتسليم ms089 ما ~~عندي من الودائع وكتابة الأوراق التي لا بد منها لكل مسجون جديد، وما هي إلا لحظة حتى ~~توافد الموظفون وكثر دخول السجانين ينظرون إلى القادم الذي سرى بينهم نبأ قدومه ... وأخذ ~~كاتب هناك مرح ثرثار يداعبهم واحدا بعد واحد كلما مروا به وتصنعوا سؤاله عما يضمره لهم ~~بريد اليوم، فيقول لأحدهم: «اطمئن ... لقد عينوك مديرا لمصلحة السجون ...»، ثم يحدج ببصره ~~كمن يستغرب دهشته، ويقول: «ألا تصدق؟ آه يا ابن الحلال معذور؛ فإنك في السجن ولست في ~~البيمارستان ...» # أو يقول لغيره: «تعال هنا ... قرب أذنيك! قرب أيضا» ... ثم يناديه بصوت يسمعه كل من ~~في المكان: «افرح ... نقلوك إلى أسوان، لا تقل لأحد يا ولد!» # وهكذا في أثناء التسليم والتدوين، فاستعدت في ذهني موقف هملت وحفاري القبور ... إذ ~~يغنون وهم في ذمار الموت! # الليلة الأولى # لم يكن مكتب الموظفين إلا بمثابة «الأعراف» التي تفصل بين نعيم الحرية وجحيم ~~الاعتقال، ولكنها «أعراف» تنقل من النعيم إلى الجحيم كما تنقل من الجحيم إلى النعيم ~~... وقد كانت في اليوم الذي سجلت فيه اسمي بين الداخلين تسجل أسماء شتى للخروج، أو ~~للإفراج كما يسمونه في لغة السجون! # وعبرنا مكتب الموظفين، ومكتب المأمور مع ضابط العنبر في هذه المرة، لا مع ضابط ~~الشرطة الذي انتهى مقامه عند الباب، فاتجه الضابط إلى عنبر «ب»، وفتح الباب ~~الحديدي، ودخلنا العنبر، فكان أول ما صادفنا فيه منظرا عجيبا لا تألفه العين: ~~«أناسا بملابسهم العادية جالسين القرفصاء في صمت لا يلتفت أحدهم يمنة ولا يسرة، ~~ومن ورائهم نفر مكبون على الأيدي كما تمشي الدواب يزحفون زحفا، ويتغنى أحدهم بصوت ~~خفيض، والباقون يجيبونه بصدى - لا بكلام - يقولون فيه: «هيه هيه» ... أما المغني ~~فالذي أذكره من أنشودته الآن عبارة واحدة: «رايحه له فين! ده عليه سنتين!» # فقلت: فأل جميل وايم الله! وللفأل شأن كبير في «نفسيات» المسجونين، كما سيرى ~~القراء في بعض هذه الذكريات ... # وكان لا بد لي من «فرجيل » يصاحبني كما صاحب الشاعر الإيطالي «دانتي» في طبقات ~~الجحيم؛ ليدله على أنواع ms090 العذاب، ودرجات المعذبين ... فمن هؤلاء الجالسون القرفصاء؟ ~~ومن هؤلاء المكبون على أربع؟ أهذا ضرب من العقاب في مكان العقوبات؟ وما بال أناس ~~منهم يلبسون ثيابهم العادية على اختلافهم بين المعمم والمطربش، ولابس «الطاقية» ... ~~ولا يلبسون كأهل السجون؟ # على أنني لم ألبث طويلا حتى عثرت على الدليل الذي ينوب في جحيمنا عن فرجيل! # فقد كان على يسار الحجرة التي خصصت لي حجرة للصحفي الظريف علي أفندي شاهين ~~رحمه الله، وكان محبوسا رهن المحاكمة في قضية مقالات ورسوم، قذف بها بعض الوزراء ~~وعلى رأسهم إسماعيل صدقي باشا كبير الوزراء في تلك الأيام، وكان واقفا عند باب ~~حجرته ينتظرني بعد أن سبقت البشائر إلى العنبر بقدومي، فلقيني مرحبا، وعلى مقربة ~~منه اثنان أو ثلاثة من أهل بولاق «دائرتي الانتخابية» كانوا في مؤخرة صفوف الجالسين ~~القرفصاء، فنهضوا يحيونني ويهمون بالصياح، لولا أن شاهدوا الضباط والسجانين ~~فعادوا جالسين. # وعلمت بعد ذلك بهنيهة أن هؤلاء الجالسين القرفصاء هم المحبوسون على ذمة التحقيق ~~ممن آثروا البقاء بملابسهم العادية. # وأنهم جلسوا تلك الساعة في انتظار الخروج «للطابور» الذي هو موعد الرياضة المصطلح ~~عليه مساء كل يوم، وللمحبوسين شوق إلى موعده يفرحون به أشد من فرح الطلقاء بنزهة ~~الأصيل على شاطئ النيل وطريق الأهرام! ~~••• # أما المكبون على أربع فهم أصحاب النوبة المنوط بهم تنظيف بلاط العنبر وتلميعه، ~~وهم يتغيرون كل شهر مرة، ويقومون بهذا العمل طول النهار، ويؤثرونه على أعمال السجن ~~الأخرى؛ لأنهم ينطلقون فيه على مدى واسع بعض السعة، ولا يحبسون في ~~الحجرات. # قال دليلي أو «فرجيلي» بعد الشرح المتقدم: «وإن هؤلاء المساكين يعانون هذا العناء ~~من أثر دعوة النبي يوسف عليه السلام.» # قلت: «وماذا أفادك الله؟!» # قال: لقد دعا يوسف ربه في السجن أن يغزر ترابه، ويحلي طعامه، ويقصر أيامه ... ~~فالتراب لا ينقطع لحظة عن أمثال هذا المكان.» # قلت: «يخيل إلي أن يوسف - عليه السلام - قال: اللهم غزر رغامه، ولم يقل ~~غزر ترابه؛ لأن السجعة تقضي بذلك!» # وما لبثت في السجن نصف ساعة حتى رأيت بعيني حرص ms091 الأقدار على إجابة ذلك الدعاء، ~~فما هو إلا أن يزحف الماسحون من طرف العنبر إلى طرفه حتى يكون التراب قد سفا على ~~المكان الذي تركوه. # وإلى هنا لم أكن قد تناولت طعام الغداء مع اهتمامي برعاية المواعيد في تناول ~~الوجبات. # فأين الطعام؟ هل أحضره الطاهي أو نسي إحضاره، وفهم غير ما تعبت بالأمس في إفهامه ~~إياه؟! # هنا ظهرت لي قيود السجن دفعة واحدة، فليس من المستطاع أن أعرف هذا الخبر الصغير ~~إلا بعد أن أسأل السجان، وبعد أن يسأل السجان الضابط، وبعد أن يسأل الضابط البواب، ~~وبعد أن يحيل البواب الأمر إلى المأمور وأطباء المستشفى، وبعد أن ينقضي في ذلك كله ~~وقت غير قصير ... # ولم يكن الذنب في هذه المرة على ذكاء «الشيخ أحمد» كما توهمت لأول وهلة، فإنه قد ~~أحضر الطعام بعد انصرافي من دار النيابة، ولكنهم حجزوه على الباب حتى يتلقوا أمرا ~~بقبوله وانتظام حضوره، وحتى يراه الطبيب ويرى الأدوية التي معه، وحتى يتم الفحص عن ~~حالتي الصحية وما يصلح لي من الدواء، ثم قبلوا الطعام والدواء، وردوا الغطاء ~~والفراش؛ لأن السجن - كما قالوا - فيه الكفاية من غطاء وفراش! ~~••• # وفي هذه الأثناء بدأت أشعر بقشعريرة الرطوبة التي ينضح بها الأسفلت في أرض العنبر ~~وسقوفه، ثم فرغ السجان وصاحب النوبة الموكل بحجرتي من إعداد سريرها وأدواتها ~~ولوازمها، فألقيت نظرة على الغطاء الذي سيغنيني عن غطائي، فلم أطمئن إليه كثيرا، ~~ولكني قلت: لا بأس بالتجربة هذه الليلة، وبقيت متوجسا من هذه النافذة المفتوحة على ~~رأسي يندفع منها الهواء طول ليل الخريف ... فما العمل فيها؟ # قال دليلي أو «فرجيلي» علي أفندي شاهين: «لا عليك من هذه النافذة! فسترى كيف ~~نعالج خطبها»، والتفت إلى صاحب النوبة فأوصاه أن يسدها بالحصيرة المفروشة على أرض ~~الحجرة كما يصنع في حجرته هو، ففعل صاحب النوبة توا ليريني كيف يحكم هذه ~~الصناعة، وضحك شاهين أفندي ضحك العلم والمعرفة وهو يقول لي: «احمد الله على أنهم لم ~~يختاروا لك سجن الاستئناف. فهناك النافذة أربعة أضعاف النافذة هنا، ms092 ولا أمل في سدها ~~بحال من الأحوال، فضلا عن الظلام المطبق من الصباح إلى المساء.» # قلت: «الحمد لله!» ~~••• # وهبط ظلام الليل شيئا فشيئا، وعاد المسجونون قبل ذلك أفواجا إلى الحجرات، ~~وتعالت بينهم ضجة كضجة السوق في يوم زحام، ثم توالى إغلاق الأبواب، وإدارة المفاتيح ~~في الأقفال، ثم بدأ «التتميم» أو المراجعة حجرة حجرة: كم يا ولد! ... عشرة! # كم يا ولد؟ ... أربعة ... وهكذا إلى نهاية الدور، وفي كل عنبر أربعة أدوار، ولن يبرح ~~السجان دوره حتى يستوثق من مطابقة العدد الموجود للعدد المكتوب في سجله المعلق عند ~~الباب. # وازدادت الضجة بعد انتهاء المراجعة، فلم يكن للسامع أن يسمع إلا أسماء تتقاذفها ~~أفواه رجال ونساء، وصرخات وأهازيج، وشتائم هي عندهم في منزلة التحيات المباركات! ثم ~~سكنت الضجة بعض الشيء وتبين من هنا وهناك نداء مفهوم، وشرع اثنان في قافية من ~~القوافي المعروفة في محافل الأعراس والموالد المصرية، وكأنهما علما بمقدم الصحفي ~~الطارئ على السجن في تلك الليلة، فجعلا للصحافة قسما من هذه المساجلات المحفوظة ~~... ~~- الأولاد تنادي وراك وتقول: ~~- إيش معنى؟ ~~- المؤيد! المؤيد ... وهو يعني «المقيد». ~~- فوق رأسك يا معلم علي. ~~- إيش معنى؟ ~~- المقطم. # وهذه حقيقة واقعة وليست بمجاز؛ لأن بناء السجن وقع في حضن جبل المقطم. ~~- الرغيف في سقف بيتكم. ~~- إيش معنى؟ ~~- كوكب! ~~- تطلع من هنا تقابلك في البيت. ~~- إيش معنى؟ ~~- الحمارة. # وقس على ذلك ما يقال، وما يسمع كرها ولا يقال. # وقد أظلمت الحجرة عندي - حينذاك - ظلامين؛ لأن النافذة المغلقة حجبت كل ضياء ~~يتسلل إلى الحجرة من فناء السجن المنار بنوره الضئيل، فلم أستطع أن أعرف مكان الكوب ~~ولا سلة الطعام في ذلك الظلام، ولبثت أسمع الأصوات تخفت وتخفت حتى انقطعت أو كادت ~~نحو الساعة التاسعة كما أنبأتني الساعة العربية التي تدق في مسجد القلعة، ولم يبق ~~من مسموع إلا وقع أقدام الحراس على البلاط، وإلا صيحاتهم كل نصف ساعة يطيلونها، ~~ويتنافسون في إطالتها، فذكرتني مبيت ليلة على حدود الصحراء، أسمع فيها صياح ~~الذئاب. ~~(4) خواطر في الصحة والمرض # في ديواني الأول ms093 قصيدة بعنوان «الشاعر الأعمى» أقول في مطلعها: # شكا الشاعر الباكي عمى قد أصابه # وأظلم ما نال العمى جفن شاعر # ومنها أبيات يصرخ فيها الشاعر سائلا: # لمن تجمل الأكوان إن كان لا يرى # بدائعها عين ترى كل باهر؟! # فما كانت الدنيا سوى حسن مظهر # وما جاد فيها الحظ إلا لناظري # وهل كنت أخشى الموت إلا لأنه # سيحجب عني حسن تلك المناظر؟! # ثم ينعى الشاعر قسمته في الحياة، فيقول: # جمعت شقاء العيش في ظلمة الردى # فيالي من ميت شقي الخواطر! # أرى الصبح وهاجا بمقلة نائم # ويلحظه قلبي بحسرة ساهر # فمن لي إلى هذا الوجود بنظرة # أراه ولم يعم التراب بصائري # إلى أن يقول متأسيا بنور البصيرة عن نور البصر: # فيا قلب أنفق من ضيائك واحتسب # لدى الشمس لألاء الوجوه النواضر # حادثة عارضة # قصيدة لا شك كان لها باعثها كغيرها من القصائد التي ينظمها الشعراء، وحي من خاطر ~~نفساني أو حادثة عارضة. فما هو الخاطر النفساني هنا؟ أو ما هي الحادثة ~~العارضة؟ # هل كنت أحس في صباي ضعفا في النظر بعث في نفسي الإشفاق من فقدانه، والمصير إلى ~~مثل ذلك الظلام الذي شكاه الشاعر المنكود في بلواه؟ # ذلك أقرب ما يرد على الخاطر في تفسير باعث القصيدة، ولكنه على قربه بعيد من ~~الواقع؛ لأنني كنت أيام نظم الديوان الأول على أقوى ما يكون الإنسان بصرا في صباه، ~~وكنت - بالإيجاز - أستطيع أن أقرأ الصحيفة على نور القمر تحت قبة السماء. ~~••• # ومن الجائز أنني كنت لا أعرف هذه القوة في بصري، وأنني كنت أكبر وأجاوز الشباب ~~والكهولة، ولا أدري مبلغ بصري من القوة، كما يتفق كثيرا أن يجهل الإنسان ما يألفه ~~من قوته ويحسبه من المألوفات التي لا غرابة فيها، ولم يكن هنالك ما يدعوني إلى ~~القراءة على نور القمر؛ لأن المصابيح أوفر من أن تفتقد في مدينة كبيرة أو صغيرة، ~~ولكنني أعلم الآن أنني استطعت أن أقرأ على نور القمر وأذكر ذلك جيدا؛ لأنني حين ~~اضطررت إلى هذه القراءة مرة واحدة كان ذلك مقرونا ms094 بمناسبات متشابكة جامعة بين الجد ~~والفكاهة، وبين ذكريات الأسرة والموطن، وغرائب الروايات، والتقاليد المتواترة في ~~الريف، فليس في وسعي أن أنساها بعد حين، ولا أزال أذكرها اليوم كأنها حدثت قبل يوم ~~أو يومين، ولم تمض عليها - كما مضى فعلا - أربعون سنة أو تزيد. # وفي جوار أسوان - بلدتي - ضاحية صغيرة جميلة على مسافة قصيرة منها، أهلها من أقدر ~~خلق الله على التشبيه المحكم أو على الإصابة بالعين كما اشتهروا في الإقليم كله، ~~ويقال عنهم إن أحدا منهم لا يملأ عينيه من الشيء إلى قضى عليه، وأصابه بما يعطبه ~~أو يضره لساعته، وآية امتلاء العين من الشيء المنظور عندهم أنها تستوعبه بالتشبيه ~~المحكم، فلا تعدو صفة من صفاته ... فالتشبيه المحكم والإصابات القاتلة في عرف القوم ~~مترادفان ... # أمثلة من التشبيهات # قالوا إن أحدهم نظر إلى بستان من التين، فصاح إعجابا بثمراته المتفتحة: «ما هذا ~~التين الذي يحكي خياشيم السمك؟!» # وقالوا إن أحدهم رأى رهوانا محلى السرج واللجام بالألوان المختلفة، فصاح قائلا: ~~«أتراه يحمل بيارق الأحمدية؟!» ... يعني طريقة من الطرق الصوفية تسمى بالطريقة ~~الأحمدية، ويحمل أتباعها الرايات المتعددة بمختلف الألوان ... # وقالوا: إن أحدهم نظر إلى ساقية بخارية، فقال: «إنها تبلع البحر بحوته ...» # وقالوا غير ذلك كثيرا من أمثال هذه التشبيهات، ولم ينسوا مرة من المرات أن ~~يردفوا التشبيه بذكر العاقبة التي تلحق به على الأثر، وهي التلف والبوار ... # وكان في هذه الضاحية عرس نعرف أصحابه، وذهبنا نشترك في إحياء العرس، فمر القطار ~~بالصحف قبل وصوله إلى أسوان، وجاءتنا الصحيفة فطويناها حتى خرجنا من الدار نتنسم ~~الهواء فوق كثيب من الرمال البيضاء، وفتحت الصحيفة على غير التفات مني إلى الخطر ~~المزعوم من وراء هذه المجازفة ... وإذا بزميلي يختطفها من يدي على عجل، ويصيح بي: ~~«ويحك! ... أتريد أن تعمى؟! ألا تعرف أين أنت؟! ... أهنا مكان تقرأ فيه الصحيفة على نور ~~القمر وتسلم من العاقبة؟!» # حادث بطرائفه ومناسباته لا ينسى، فليس في وسعي إذن أن اجهل أنني كنت على قوة ~~مبصرة خارقة فيما بين الخامسة عشرة والثلاثين، ms095 وليس الباعث على نظم القصيدة - قصيدة ~~الشاعر الأعمى - أنني أشفقت من مصير كذلك المصير الذي وصفته بتلك الأبيات. # أما الباعث في الواقع فلا أعرفه على التحقيق، ولكنني أظن ظنا أنه يرجع إلى ~~مطالعاتي في تلك الفترة، وأكثر ما كنت أحفظ يومئذ شعر أبي العلاء، وشعر ملتون في ~~قصيدة الفردوس المفقود، ولعلي قرأت يومئذ لأول مرة قصيدة الشاعر المحدث الضرير ~~فرنسيس فتح الله مراش التي يقول في مطلعها: # هل عاد عندك يا زمان بعادي # خطب تعاندني به وتعادي؟ # ويقول منها: # يبدو النهار لكل عين أبيضا # ولأعيني متوشحا بسواد # وليست هي على طائل من جودة الشعر، ولكنها على ضعفها معبرة عن شعور صحيح. # أحكام سن الأربعين # ومضت الأيام والسنون، وجاوزت الأربعين، فسمعت عن تقاليدها المرعبة بين أصحاب ~~النظارات، وعملت بتلك التقاليد على غير اضطرار في مبدأ الأمر؛ لأنني كنت أستطيع ~~القراءة نهارا وليلا بعد الأربعين، ولكنني أردت المزيد من الوقت في مطالعاتي ~~الليلية، فصنعت النظارة بين الخامسة والأربعين والخمسين، ولم أستخدمها إلا قليلا ~~جدا في ذلك الحين ... # ثم شعرت في السنوات الأخيرة بالحاجة إليها تزداد على مر الأشهر، ولا أقول على مر ~~الأعوام، وكدت أنسى قصيدة الشاعر الأعمى في الديوان الأول بعد ما نظمته من قصائد ~~الدواوين المتوالية، فإذا بهذه القصيدة أثبت القصائد إلى ذاكرتي خلال السنتين ~~الأخيرتين ... ~~«عملية جراحية» وإلا فلا نظر! ... # وهانت العملية والعمليات مع هذه العاقبة المحذورة التي يهون معها فقد الحياة ~~... # وتمت العملية بسلام، ودخلت في ظلام الغماء راضيا به مغتبطا بسواده المحتوم؛ ~~لأنه الليل الذي يطلع على فجر الضياء ... # وتشاء المقادير أنني أضع الغشاء على عيني في صبيحة اليوم الذي أظلمت بعده سماء ~~مصر الجديدة حيث أقيم؛ لأنني أجريت العملية في أواخر شهر أكتوبر، وفي تلك الأيام ~~منيت مصر الجديدة بغارات الخريف المشئوم ... # إن كان في تلك البلية رحمة من رحمات الغيب فرحمتها أنها لم تتقدم يوما واحدا، ~~ولم تفاجئنا والمشرط بين العين ويد الطبيب القدير، ثم أطبقت البلية ساعات من أحلك ~~ساعات الليل والنهار على السواء، ms096 فحمدت الله الذي لا يحمد على المكروه سواه ... ~~حمدته لأنني ألازم موضعي بحكمة وشجاعة أو بغير حكمة ولا شجاعة! ... ولأنني أطفأت ~~النور قبل أن تتصايح الأصوات حول الدار: أطفئوا الأنوار ... أطفئوا الأنوار ... # ظلمات فوق ظلمات # ولعلك تسألني عن تلك الساعات الطوال كيف كنت أقضيها، وبأي الأطياف والأشباح كنت ~~أعمر ظلماتها وأملأ فراغها! ... # والحق أنها كانت ظلمات من أحلك الظلمات، وأنها كانت فراغا من أثقل الفراغ، ~~ولكنني لم أسعد فيها - أو لم أشق - بطيف من أطياف الظلام ولا بهاجس من هواجس ~~الفراغ، ولست أعجب لذلك لأنني تعلمت من تجارب الليالي والأيام أن الشواغل إنما تكون ~~على قدر الحيرة والقلق، وأنه حيث يكون في الأمر قولان أو عدة أقوال فهناك التردد ~~والاضطراب، وهناك الهواجس والأخيلة والأوهام والأشباح، وأما مسألة البصر فأي اختلاف ~~فيها ...؟! وأي حيرة وأي موازنة وأي ترجيح؟! ... إنما هو القبول والاستسلام أو الرفض ~~والخلاص من الظلام إلى الظلام! # وقد كنت أنتظر إحدى النتيجتين ولا أزيد، وكان جانب الرجاء - بحمد الله - أقوى في ~~النفس من جانب الخوف والقنوط، فتراجعت الأشباح والأطياف إلى ظلماتها، وقضينا ~~الساعات الطوال بالشواغل التي تضحك ولا تبكي وتسلي ولا تشجي، ومنها ما يضحك السامع ~~ضحكتين لا ضحكة واحدة! ... لأنه يضيف إلى ضحكة العبث ضحكة المثل القائل: «إن الزمار ~~يموت ويداه تلعبان!» # ومن أمثلتها الكثيرة مثل «البحث اللغوي» في إطفاء الأنوار ... # إنهم يسمونه في سورية ولبنان «بالتعتيم» ونسميه في مصر بالإظلام أو إطفاء ~~الأنوار. # ونحن في جوار الغارات الجهنمية نستمع إلى زلازلها وضوضائها، ونتساءل: أيهما ~~الصحيح؟ ... # ونمضي في التعليق بين قائل: إن التعتيم خطأ؛ لأن العتمة ظلام خاص بأول الليل، ~~وقائل: إنها ظلام الليل على إطلاقه، ونتشاور برهة في الموازنة بين التغمية والتغشية ~~والتخفية، وغيرها وغيرها بديلا من التعتيم ومن الإظلام ... وكلها كالشر الذي تخفيه ~~بلاء لا خيار فيه! # وانجابت الغمة # وانجابت الغمة بحمد الله، وأسفر الصباح بعد ليال مطبقات، وإنني لأصدق النور حقه ~~فأقول: بل أسفرت الغمة عن فجر أو شفق، ولم تسفر عن صباح أو نهار. ms097 # ولا بأس بالفجر والشفق في عالم الشعر والشعراء، فربما طاب لنا الفجر كما يطيب ~~الشفق بوحي من ذوق الجمال وغبطة السكينة والسلام، وإن لم يكن في سطوعه ولمعانه ~~ندا للصباح أو قرينا للنهار. # | الفصل السادس # (1) إيماني # أومن بالله ... أومن بالله وراثة، وشعورا، وبعد تفكير طويل. # فأما الوراثة فإني قد نشأت بين أبوين شديدين في الدين لا يتركان فريضة من الفرائض ~~اليومية، وفتحت عيني على الدنيا وأنا أرى أبي يستيقظ قبل الفجر ليؤدي الصلاة ويبتهل ~~إلى الله بالدعاء، ولا يزال على مصلاه إلى ما بعد طلوع الشمس فلا يتناول طعام الإفطار ~~حتى يفرغ من أداء الفرض والنافلة وتلاوة «الأوراد» ... ~~••• # ورأيت والدتي في عنفوان شبابها تؤدي الصلوات الخمس، وتصوم وتطعم المساكين، وقلما ترى ~~النساء مصليات أو صائمات قبل الأربعين. وندر بين أقاربي من لا يسمى باسم من أسماء ~~النبي وآله سواء منهم الرجال والنساء أو من أسماء الأنبياء على العموم، وكان في بيت ~~أخوالي درس لقراءة الكتب الدينية، وأذكر منها مختارات الأحاديث النبوية، وإحياء علوم ~~الدين؛ فللوراثة شأن فيما عندي من سليقة الاعتقاد. # أما الإيمان بالشعور فذاك أن مزاج التدين ومزاج الأدب والفن يلتقيان في الحس والتصور ~~والشعور بالغيب، وربما كان «وعي الحياة» شعبة من «وعي الكون»، أو من «الوعي الكوني» ~~الذي يتعلق به كل شعور بعظمة العالم، وعظمة خالق العالم ... والوعي الحيوي مصدر النفس ~~والوعي الكوني مصدر الدين. # أما الإيمان بالله بعد تفكير طويل، فخلاصته أن تفسير الخليقة بمشيئة الخالق العالم ~~المريد أوضح من كل تفسير يقول به الماديون، وما من مذهب اطلعت عليه من مذاهب الماديين ~~إلا وهو يوقع العقل في تناقض لا ينتهي إلى توفيق، أو يلجئه إلى زعم لا يقوم عليه دليل، ~~وقد يهون معه تصديق أسخف الخرافات والأساطير فضلا عن تصديق العقائد الدينية، وتصديق ~~الرسل والدعاة. فالقول بالتطور في عالم لا أول له خرافة تعرض عنها العقول؛ لأن ابتداء ~~التطور يحتاج إلى شيء جديد في العالم وحدوث التطور بغير ابتداء تناقض لا يسوغ في اللسان ~~فضلا عن ms098 الفكر أو الخيال، والقول بالاتقاء الدائم من طريق المصادفة زعم يهون معه ~~التصديق بالخرافات، وخوارق العادات في تركيب الأجسام أو الأحياء. # والقول بأن المادة تخلق العقل كالقول بأن الحجر يخلق البيت، وأن البيت يخلق الساكن ~~فيه، وأيسر من ذلك عقلا، بل ألزم من ذلك عقلا أن يقال إن العقل والمادة موجودان، ~~وإن أحراهما بأن يسبق الآخر ويخلقه هو العقل؛ لأن المادة لا توجد ما هو أفضل منها، ~~وفاقد الشيء لا يعطيه ... فأنا أومن بالله وراثة، وأومن بالله شعورا، وأومن بالله بعد ~~تفكير طويل. # هذا في مجال العقيدة ... ~~••• # أما في مجال الأخلاق، فلا موجب عندي لعمل الخير غير طلب الكمال، وفهم الكمال ... # ومن الخير ما هو عسير على النفس، محفوف بالخطر، مكروه العواقب، مستهدف للنقد والمذمة ~~بين من يجهلونه أو يصابون في منافعهم من جرائه، فلا باعث لعمل هذا الخير أقوى من باعث ~~الشوق إلى الكمال والارتفاع بالنفس إلى ما ترضاه ... # إن الإنسان لا يرائي بحب الطعام الجيد أو الطعام المفيد، إنه يحبه في السر كما يحبه ~~في العلانية، وإنه ليبذل فيه ثمنه وإن غلا ويجلبه من مكانه وإن بعد، وإنه ليكتفي به ~~ويحسبه جزاء حسنا، ولا ينتظر عليه المثوبة أو الشكران من أحد؛ لأنه يتناوله لنفسه ولا ~~يتناوله مرضاة لغيره. # وهكذا طعام العقل أو طعام الروح حيثما عرفت الروح ما يصلح لها، وما يليق بها من طعام، ~~إنها لا تستريح بغيره، ولا تتوانى عن طلبه، ولا تنتظر المثوبة أو الشكر؛ لأنها تختار ~~غذاءها فتحسن اختياره، ولا ترضى بما دونه، وإنما المهم أن تعرف هذا الغذاء فإذا هي ~~عرفته فلا باعث لها إلى الخير أقوى من الشوق إليه، ولا وازع لها، ولا عقوبة تخشاها في ~~سبيله أوجع من فواته والحرمان منه ... # وقد ترى الطفل يؤجر على تجرع الدواء، ويساق إليه بالحيلة والإغراء؛ لأنه لا يعرف ~~ما هو الداء، ولا ما هو الدواء ... # ولكنك تنتظره سنوات حتى يعرف هذا وذاك فإذا هو يبذل الأجر لمن يعطيه الدواء، ويسعى ~~إليه عند الأطباء في ms099 أبعد الأرجاء، وما تغير طعم الدواء، ولا تغير عمله، ولا تغيرت ~~الحاجة إليه، ولكن تغير شعور الطفل بالصحة الجسدية، وتغير شعوره بالواجب عليه لتصحيح ~~جسده، وتغير فهمه «للكمال» في عالم الأجساد. ~~••• # وهناك عالم للضمائر، وعالم للأفكار، وعالم للأذواق والأخلاق، كما هناك عالم للأجساد، ~~وهناك أطفال في هذه العوالم كما هناك أطفال في ذاك. # وهؤلاء الأطفال هم الذين يقبلون الصحة؛ لأنهم يثابون عليها، ويتجرعون الدواء؛ لأنهم ~~يساقون إليه، فدعهم حتى يكبروا في أعمار العقل، أو في أعمار الضمير، ولا تتكلف أن تعرض ~~عليهم الدواء، أو تلحف عليهم في تعاطيه؛ لأنهم ينشدونه حيث كان، ويبذلون فيه أغلى ~~الأثمان ... # في عالم الأخلاق لا باعث إلى الخير أقوى من شعور الإنسان بكماله، ولا وازع عن الشر ~~أقوى من شعور الإنسان بنقصه، ولا أخلاق لمن يحسن؛ لأنه يؤجر على الإحسان، أو يسيء ~~لأنه في أمان. # فساعة من الغبطة ببلوغ الكمال هي غاية ما تصبو إليه النفس من مراتب السعادة، وساعة من ~~تبكيت الضمير على النقص هي غاية ما تنحدر إليه النفس من الشقاء. # وإيماني في المعاملات أن الطيبة موجودة في الطبيعة الإنسانية، ولكنك لا تجدها في كل ~~إنسان ولا تجدها في جميع الأوقات ... # ولكنك إذا بحثت عن المعين لم تضمن وجوده حين تريده، وإذا وجدته حين أردته لم تضمن أن ~~يوافقك على رأيك ويساعدك على قصدك، فلعله يعين إذا اعتقد وجه الصلاح في العمل الذي ~~يدعى إليه، ولعله لا يعتقد اعتقادك فيما ترى من الصلاح. ~~••• # فلا تقنط من طيبة الناس كل القنوط، ولا تعول عليها كل التعويل، بل أحسن الظن بالناس ~~كأنهم كلهم خير، واعتمد على نفسك كأنه لا خير في الناس. # وقديما قلت: # أنا لا ألوم ولا ألام # حسبي من الناس السلام # أنا إن غنيت عن الأنا # م فقد غنيت عن الملام # وإذا افتقرت إليهم # فاللوم من لغو الكلام # ولا أزال كلما نسيت هذه الخطة في سهوة من السهوات ردتني الحوادث إليها ، وزادتني ~~إيمانا بصوابها. ~~••• # وإيماني بالأدب أنه رسالة عقل إلى عقول، ووحي خاطر ms100 إلى خواطر، ونداء قلب إلى ~~قلوب. # وأن الأدب في لبابه قيمة إنسانية، وليس بقيمة لفظية. # فالأديب الذي يقرؤه القارئ فلا يعرف شيئا جديدا، ولا يحس بشيء جديد، فسكوته خير من ~~كلامه. # والأديب الذي يقصر جهده على التسلية وإزجاء الفراغ خادم جسد، وليس بصاحب رسالة في ~~عالم العقل والروح، والعلاقة بين الكاتب وقارئه علاقة تعاون واشتراك لا يغني فيها الجهد ~~المفرد على الجهدين المتساندين. # فالقارئ الذي يفرد الكاتب بواجب التفهيم لا يستحق من الكاتب أن يلتفت إليه؛ لأنه واحد ~~من ثلاثة: فإما رجل يظن أن القراءة لا تستحق التعب وهو يتعب في طلب اللهو والتسلية، فلا ~~نفع فيه. # وإما رجل يتعب فكره ولا يصل بالتعب إلى نتيجة فذلك أيضا لا نفع فيه، وإما رجل لا ~~تهمه نتيجة القراءة التي يتسلى بها أو يتعب فيها، فهو كصاحبيه لا نفع فيه. ~~••• # وإيماني بالشهرة والثناء كإيماني بالثواب والجزاء فما أجفلت قط من نقد، ولا توسلت قط ~~إلى ثناء، ويعزيني عن كثير من الثناء أن الناس لا يبذلونه لمن يكبرونه بل يبذلونه لمن ~~لا يملأ قلوبهم بالإكبار، ولا يبلغون من إعظامه مبلغا يحسدونه وينفسونه عليه، وأن ~~الأدب شيء هين كل الهوان إن ضاعت قيمته بكلمة حاسد أو جاءت قيمته من كلمة كاذب منافق، ~~فإذا كانت له قيمة فلا خوف عليها، وإن لم تكن له قيمة فلا حرص عليه. ~~••• # وبعد، فإيماني كله في العقيدة والأخلاق والمعاملة والأدب يوزن بميزان واحد وهو ~~ميزان المثل الأعلى، أو طلب الكمال؛ لأنه إيمان يغنينا عن طلب الجزاء، ويعزينا عن فقدان ~~الحمد والثناء ... ~~(2) لو عدت طالبا # من قديم الزمن يشعر كل طالب في حياته المدرسية بالتنازع بين قطبين متقابلين، أحدهما ~~ما نسميه «بالنظام» والآخر ما اشتهرت به الطفولة والشباب من حب التمرد والهرب ومخالفة ~~النظام. # فالتلمذة بغير نظام مستحيلة، ولا بد لكل مدرسة من مواعيد وفصول وواجبات في المدرسة، ~~وواجبات في خارجها، ولا بد للتلميذ من القيام بهذه الواجبات إذا أراد أن يضمن النجاح، ~~ومن لم يأخذ نفسه برعايتها حقا فهو ms101 على الأقل مضطر إلى رعايتها غشا وتزييفا؛ لأنها ~~لا يمكن أن تخرج كل الخروج من الحساب ... # لا بد للتلمذة من نظام ... # ولكن من القول في الطفولة أو في الصبا الباكر على العموم، وكلاهما ملازم للتلمذة في ~~أدوارها الأولى؟ # هل يمكن أن تخلو الطفولة من قلق وعربدة و«شقاوة»، وولع بالشيطنة والمخالفة؟ # لا يمكن ... فلا بد من فلتة، إن لم تكن الطفولة كلها فلتة في نفوس الشذاذ الميئوس من ~~فلاحهم، وهم غير قليلين ... # نظام وشيطنة، أو نظام ومخالفة، وهذان هما القطبان اللذان يتنازعان كل تلميذ في دراسته ~~الباكرة، إن لم يتنازعاه في جميع أدوار الدراسة بعد سن الطفولة والصبا، فقد قرأت للقس ~~الإنجليزي الفيلسوف المطران «إنج» أنه هو وزملاءه في كلية اللاهوت كانوا «يعاكسون» ~~أستاذهم الكبير «فارار» على توقيرهم لعلمه وحبهم لشخصه، وكانوا يتعمدون أن يسوقوه إلى ~~تكرير لوازمه ليضحكوا منها في «أكمامهم» كما يقول الإنجليز ... # وهؤلاء رجال لاهوتيون من أهل الورع والوقار، فما بالك بالتلاميذ الطلقاء من رهبة ~~الدين وسمت الهيبة والسكينة؟! # فإذا عدت طالبا، فماذا أصنع بين هذين المتنازعين؟ ... هل أندم على قلة النظام أو على ~~قلة التمرد فيما سلف من تلك الأيام؟ # أحسب أنني أخذت من كليهما الكفاية، وأنني لا أبالي أن أعود كما كنت بغير تبديل كثير ~~... # كنت «نظاميا» في مواعيدي، فلا أذكر أنني تخلفت عن موعد حضور أو موسم امتحان أو حصة ~~مذاكرة حين تفرض للمذاكرة حصص في ختام السنة الدراسية ... # وكنت إذا خالفت النظام، فإنما أخالفه في شيء يعنيني، ولا يعني المهتمين بدروسي ~~وواجباتي. # إنما أخالفه في قليل من «البهدلة» التي تظهر في إهمال الملابس، وإهمال الحلاقة، وربما ~~خالفته حبا للسرعة لا حبا للبهدلة والإهمال، فإنني لم أكن أطيق أن أنتظر «البذلة» ~~عند الكواء، ولم أكن أعطي اللبس - ولا أنا أعطيه الآن - أكثر من بضع دقائق في عجلة ~~وهرولة، وقد أترك للفراش تغيير «البذلة» دون أن أختار له «بذلة» أخرى، وقد يغيرها وأنا ~~لا أعلم بالتغيير ... ~~••• # لهذا كنت في مقدمة التلاميذ المرضي عنهم من وجهة النظام، ms102 وكان بعض الأساتذة وبعض ~~الزملاء يتناولونني أحيانا بنكتة هنا وتشنيعة هناك من أجل البهدلة الكسائية، ولكنهم ~~كانوا مع ذلك يتجاوزون عن هذه البهدلة اضطرارا إذا وجب استقبال زائر كبير بخطبة أو ~~تحية شعرية، أو وجب حل مسألة حسابية أو حل مشكلة من مشكلات الأجرومية الإنجليزية يعيى ~~بعلاجها زملائي المتخلفون في الحساب واللغة ... # وكنت - لحسن الحظ - محسوبا من المفرطين في رعاية النظام وأداء الواجبات، حين كنت في ~~الحقيقة مفرطا في الخروج على النظام وإهمال الواجبات ... ~~••• # كنت أجلس إلى المصباح في حجرتي حتى منتصف الليل أطالع وأذاكر، في ماذا؟! # كلهم في المنزل يحسبون أنني أذاكر دروسي وأطالع كتب المدرسة، ويصفونني من أجل ذلك ~~بالغيرة على الواجب والأنفة من التأخر في الترتيب، وكلهم في الواقع لا يعلمون الحقيقة؛ ~~لأنهم لا ينظرون في الكتب والدراسات التي أدمن مطالعتها ... # إنها تارة ديوان شعر، وتارة أخرى قصة من قصص ألف ليلة ونحوها، وتارة غير هذه، وتلك ~~مجلة شهرية «كالمقتطف»، و«الهلال»، و«المحيط»، و«المفتاح»، وغيرها من مجلات تلك ~~الأيام! # ولهذا لا يسوءني أن أعود طالبا، فأعود نظاميا على هذه الوتيرة؛ إذ هي نظامية تجمع ~~بين قضاء حق الواجب، وقضاء حق التمرد في رأي الذين يطالبونني بالنظام ... ~~••• # كدت أنسى أن أقول للقارئ إن هذه المغالطة لم تكن غاية شوطي من التمرد على النظام أيام ~~التلمذة ... # فقد ذهبت في التمرد إلى النقيضين، وكان بعض هذا التمرد خطرا على الحياة؛ لأنه كان ~~يغريني بالسباحة في النيل، وما أدراك ما النيل عند أسوان؟! # إنه يبلغ من العرض قرابة ميل، ويندفع فيه التيار من شلال وراء شلال، وتلتف الدوامات ~~بصخوره، فلا يقدر على عبورها غير السابح الخبير، وتكمن التماسيح في مائه متربصة ~~بالسابحين، ولا سيما قبل تمام أعمال البناء على عيون الخزان ... # وكنا نخرج من المنازل وعلى سيقاننا خواتم سليمان مرسومة بالمداد الخفيف الذي لا يحتمل ~~الماء، ولكننا مع هذا كنا نستجيب لغواية النيل، ونعوم بين جزائره المترامية في أخطر ~~أيام الفيضان، ونعتمد على فن الرسم لإخفاء معالم العصيان، فلا يخذلنا هذا الفن ms103 إلا حين ~~ننسى ونتعجل، فنرسم خاتم سليمان على اليمنى بدلا من اليسرى، أو على اليسرى بدلا من ~~اليمنى، فيأخذ منا النظام حقه عصيا، أو سياطا معدودات ... ثم نعود إلى العصيان وتزييف ~~خاتم سليمان. ~~••• # هذه مجازفة في سبيل الرياضة البدنية ... # مجازفة بالخروج على النظام، ومجازفة بالتعرض للغرق، ومجازفة بالتعرض للعقاب ... # فهل كنت مع هذا من محبي الرياضة البدنية؟ # كلا ... بل كنت أغيب عن حصتها عمدا، وأعلم أن جزاء الغياب حبس ساعات ... # وهذا هو الذي عنيته حين قلت فيما تقدم: إنني ذهبت في التمرد إلى النقيضين، وأعود ~~فأسأل نفسي وأسأل القارئ أيضا: هل هما نقيضان حقا؟ وهل السباحة التي نهواها ~~«كالجمباز» الذي نساق إليه على الرغم منا ونهدد بالعقاب لنقبل عليه مكرهين؟ # من جهة، هما نقيضان ... # ومن غير هذه الجهة لا تناقض بين هوى السباحة، وكراهة الجمباز المفروض بالإكراه، فقد ~~يكون الذنب على الطريقة لا على الجمباز ... # ولكنني بعد هذه السنين الطوال أقول: إنني أود لو عدت طالبا لأمسح «تمردي» في صفحة ~~واحدة هي صفحة الألعاب الرياضية، فقد تعبت كثيرا من جراء كراهتها وإهمالها، ولو أنني ~~أعطيتها جانبا من الوقت إلى جانب الأوقات التي أخذها المعري وشركاؤه لاسترحت في بدني ~~من بعض المتاعب ولعلي أكفر - من حيث لا أشعر - عن خطيئتي في حقها بما كتبته وكررته ~~عن فضائلها وحقوق أبطالها، فهي في رأيي أحد الترياقين الموصوفين لكل أمة تشكو الخمول ~~وتطلب السلامة والقوة، والترياق الآخر هو الفن الجميل ... # لو عدت طالبا ... # ولماذا أعود طالبا؟ ... إن كانت العودة للتكفير عن خطيئة الألعاب الرياضية، فالصلح ~~معها على طريقتنا المختارة يغنينا عن مشوار الرجوع كل تلك السنين ... ~~••• # كلا ... لا أحب أن أعود؛ لأن الحاضر خير من الماضي فيما أرى، وبخاصة حين نعود إليه. ~~وإنما يحلو الماضي حين ننظر إليه بأعيننا الحاضرة ... # فلننظر بها قانعين إلى ما بين أيدينا من السنين ... ~~(3) فلسفتي في الحب # ما ليس بالحب أسهل في التعريف مما هو الحب، وهكذا الشأن في كل تعريف لمعنى من المعاني ~~أو كائن من الكائنات، فنحن ms104 نستطيع في لمحة عين أن نعرف أن زيدا ليس بعمرو، ولكننا لا ~~نستطيع في هذه السهولة أن نذكر تعريف عمرو أو زيد، ونحيط بأوصاف هذا أو ذاك، ولو كنا من ~~أعرف العارفين بالاثنين ... # وعلى هذا القياس نعرف الحب من طريق النفي قبل تعريفه من طريق الإيجاب ... # فليس الحب بالغريزة الجنسية؛ لأن الغريزة الجنسية تعم الذكور والإناث، ولا يكون الحب ~~بغير تخصيص وتمييز. # وليس الحب بالشهوة؛ لأن الإنسان قد يشتهي ولا يحب، وقد يحب وتقضي الشهوة على ~~حبه. # وليس الحب بالصداقة؛ لأن الصداقة أقوى ما تكون بين اثنين من جنس واحد، والحب أقوى ما ~~يكون بين اثنين من جنسين مختلفين. # وليس بالانتقاء والاختيار؛ لأن الإنسان قد يحب قبل أن يشعر بأنه أحب، وقبل أن يلتفت ~~إلى الانتقاء والاختيار. # وليس الحب بالرحمة؛ لأن المحب قد يعذب حبيبه عامدا أو غير عامد، وقد يقبل منه ~~العذاب مع الاقتراب، ولا يقبل منه الرحمة مع الفراق ... # والحب كذلك يعرف جزءا جزءا قبل أن يعرف كاملا شاملا مستجمعا لكل ما ينطوي ~~عليه. # ففي الحب شيء من العادة؛ لأن المحب يهون عليه ترك حبيبه إذا كان تركه لا يغير عاداته ~~ومألوفاته، وأقوى ما يكون الحب إذا طال امتزاجه بالعادات والمألوفات ... # وفي الحب شيء من الخداع؛ لأن المرأة الواحدة قد تكون أفضل المخلوقات في عين هذا ~~الرجل، وتكون شيئا مهملا لا يستحق الالتفات في عين ذاك، ثم تعود كالشيء المهمل في عين ~~الرجل الذي فضلها من قبل على جميع المخلوقات ... # وفي الحب شيء من العداوة؛ لأن المحب مكره على البقاء في أسر الحب، عاجز عن الإفلات ~~من قيوده، ويقترن الشعور بالإكراه، والعجز دائما بشعور النقمة والعداء ... # وفي الحب شيء من الأنانية ولو أقدم صاحبه على التضحية؛ لأنه لا يترك محبوبه لغيره ولو ~~كان في ذلك إسعاده ورضاه، ولكنه قد يضحي بنفسه إذا اعتقد أن محبوبه لا يصير إلى سواه ~~... # وفي الحب شيء من الغرور، ولولا ذلك لما اعتقد الإنسان أن إنسانا آخر يهمل الألوف من ~~أمثاله ليخصه وحده ms105 بتفضيله وإيثاره ... # وقد يخلو الحب من كل شيء إلا من شيء واحد، وهو الاهتمام ... فصدق إن قيل لك إن حبيبا ~~يبغض حبيبه ويؤذيه، وصدق إن قيل لك إن حبيبا يتقبل من حبيبه البغض والإيذاء، وصدق ~~إن قيل لك إن الحب والازدراء يجتمعان، وصدق إن قيل لك إن الحب يخون أو يقبل الخيانة من ~~المحبوب، فأما إن قيل لك إن حبا يبقى في النفس بغير اهتمام، فذلك هو المحال الذي لا ~~يقبل الصديق. ~~••• # وفي الحب شيء من القضاء والقدر، كما يعبرون عنه في لغة الحوادث والتحقيقات ... # لماذا ولد فلان؟ لماذا مات علان؟ لماذا أحب فلان؟ إن «التأشير» على المحضر بكلمتي ~~«القضاء والقدر» هو أصدق ما يقال في تعليل هذه الأحداث المتشابهات؛ لأنها كلها من ~~أطوار الحياة التي لا يملكها الإنسان، ولا يحسب أنه سيطر عليها حتى يرى أنها هي مسيطرة ~~عليه ... # وإلا فماذا تقول إذا سألك سائل: لماذا أحب فلان فلانة؟ ألأنها أجمل من يرى من النساء؟ ~~ألأنها أقرب الناس إليه؟ ألأنها تجزيه الحب بمثله؟ ألأنها تروعه بالفطنة النافذة والخلق ~~الحميد؟ ألأنها تنفرد بمزية من المزايا لا توجد في العشرات والمئات؟ # ماذا تقول غير «القضاء والقدر» إذا كانت «لا» هي جوابك على كل سؤال من هذه الأسئلة؟ ~~ولعلها هي كذلك جواب المحب المفتون! # فقد تعمى الأبصار عن الحب كما تعمى عن الأقدار، أو يسير الحب إلى فريسته كما قال ابن ~~الرومي في مسير القضاء: # أو مسير القضاء في ظلم الغي # ب إلى قاصد له بالتواء # وربما خطر للفريسة المخدوعة أنها تهرب وتمعن في الهرب، وهي تقترب في كل خطوة من ~~الشرك المنصوب في الخفاء، وربما أنكر المحب أنه محب كما ينكر السكران أنه سكران، بل ~~لعله يشتد في الإنكار كلما اشتد به الدوار، ولا يدري أنه قد سكر حقا إلا حين يأخذ في ~~الإفاقة، ويقوى بعض القوة على فتح عينيه وتحريك قدميه. # وأوجز ما يقال : إن الحب قضاء يملك الإنسان ولا يملكه الإنسان، ولو دخل في مشيئته لما ~~استولى عليه، ولا ms106 غلبه على أمره ... # قال بعض الحكماء: إن الحجر الذي تقذفه بيديك يحسب أنه يطير في الجو باختياره، لو كان ~~له شعور ... # وهكذا يحسب العاشق وهو يتهالك على معشوقته ... يحسب أنه هو الذي يريد ما يصيبه، ولا ~~يزال على حسبانه حتى يحاول ألا يريد، فلا يستطيع ... # وخلاصة القول: إن الحب عواطف كثيرة، وليس بعاطفة واحدة، ومن هنا كان أقوى وأعنف من ~~العواطف التي تواجه النفس على انفراد ... # ففيه من حنان الأبوة، ومن مودة الصديق، ومن يقظة الساهر، ومن ضلال الحالم، ومن الصدق ~~والوهم، ومن الأثرة والإيثار، ومن المشيئة والاضطرار، ومن الغرور والهوان، ومن الرجاء ~~والقنوط، ومن اللذة والعذاب، ومن البراءة والإثم، ومن الفرد الواحد، والزوجين ~~المتقابلين، والمجتمع المتعدد، والنوع الإنساني الخالد على مدى الأجيال ... # والذي يعجب لذلك يعجب في الحقيقة من أقرب الأشياء إلى المألوف، وأبعدها من العجب ~~والغرابة. # فكيف يكون الحب شعورا يستولي على نفسين كاملتين، ثم يخلو من كل ما يخامر النفوس في ~~مختلف الأوقات والأحوال؟! # وكيف يكون الحب مشتملا على جسدين، ثم لا يضطرب فيه النزاع بين الجسدين والنفسين كما ~~يضطرب الجسد الواحد في منازعة النفس الواحدة، ثم يزيد على هذا الاضطراب؟! # وكيف يكون الحب ترجمانا لإرادة النوع، ثم لا ينطق بكل عاطفة يتسع لها كيان ~~الإنسان؟! ~~••• # يسألونك عن الحب، قل هو اندفاع جسد إلى جسد، واندفاع روح إلى روح ... # ويسألونك عن الروح، فماذا تقول؟ # قل هي من أمر ربي ... خالق الأرواح! # لهذه الكثرة الزاخرة في عناصر الحب، تكثر العجائب في العلاقات بين المحبين فيجمع الحب ~~بين اثنين لا يخطر على البال أنهما يجتمعان ... # ويتكرر الحب في حياة الإنسان الواحد حتى ليكون المحبوب اليوم على نقيض المحبوب بالأمس ~~في معظم المزايا ومعظم الصفات ... # ويتقارب البعيدان، ويتباعد القريبان، ويتجدد القلبان بين آونة وأخرى كأنها من طبيعة ~~الجان، والواقع أن العاطفة حرارة ونار، ولا فرق بين طبيعة الجان وطبيعة النيران ~~... # إلا أن القلوب أقرب إلى التناسب والتجاوب إذا هي تناسبت في العمر، وتجاوبت في المزاج، ~~وحب الفتى للفتاة كحب الفتاة ms107 للفتى لا يدوران على الجسد وحده كما قد يخطر على البال، ~~ولكنهما يتناسبان ويتجاوبان؛ لأنهما ينظران إلى الدنيا بعين واحدة، ويستقبلان الحياة ~~بشوق واحد، ويطربان ويغضبان على نحو واحد، ويعطيهما الجسدان المتشابهان فرصة واحدة ~~للتفاهم على الآراء، وتبادل الخواطر والأهواء. # فلا تجاوب بين المحبين أقرب ولا أعم، ولا أقوى من تجاوب العمر والمزاج ... # ولكن اختلاف السن قد يفتح الأبواب لداعية من دواعي التجاوب بين النفسين لا تتوافر في ~~السن الواحدة على الدوام. وحاجة نفس إلى عطف الأبوة، وطمأنينة التجربة، وسكينة الرضى قد ~~تقابلها حاجة نفس إلى دفء العاطفة، وحماسة الرغبة، وإسداء العطف والرعاية، فتقبل النفس ~~على النفس، ويعتصم الضمير بالضمير، ويقع التبادل بين بضاعتين مختلفتين لا بين بضاعة ~~واحدة من كلا الطرفين. ولكنها الندرة التي لا يقاس عليها، والمصادفة التي لا تنتظم في ~~حساب، وكأنما يختلقها الحب اختلافا ليفتح باب الشك فيه، ويبطل اليقين في أمره، وهو لا ~~يتقي خطرا من الأخطار كما يتقي خطر اليقين الجازم والضياء الحاسم؛ فالحب بخير ما دام ~~في القلب باب للشك مفتوح ... فإذا أوصد الباب مصراعيه على يقين لا شك فيه، فالحب مارد في ~~قمقم مأمون، أو رفات في قبر مدفون ... # وخلاصة التجارب كلها في الحب أنك لا تحب حين تختار ولا تختار حين تحب، وأننا مع ~~القضاء والقدر حين نولد وحين نحب وحين نموت؛ لأن الحياة وتجديد الحياة وفقد الحياة هي ~~أطوار العمر التي تملك الإنسان، ولا يملكها الإنسان ... # وقد تسألني في خاتمة المطاف: هل الحب إذن أمنية نشتهيها؟ أو هي مصيبة نتقيها! # ولي أن أقول: إنه مصيبة حين تحمل به نفسا ثانية مع نفسك وأنت تريدها ولا تريدك، وإنه ~~أمنية حين تتعاون النفسان ولا تتخاذلان ... # وليس بالمصيبة، ولا يكفي فيه أن يوصف بالأمنية، حين لا عبء ولا تخفيف، بل تنطلق ~~النفسان محمولتين معا على كاهل «النوع» كله أو على أجنحة الخلود التي تسبح في أنوار ~~عليين ... وما من محبين إلا اتفقت لهما هذه الرحلة السماوية في سهوة من سهوات الأيام ... ~~(4) فلسفتي في ms108 الحياة # من فلسفة الحياة ما نستمده من الطبع الموروث ... # ومنها ما نستمده من تجربة الحوادث والناس ... # ومنها ما نستمده من الدرس والاطلاع ... # وهي في اعتقادي على هذا الترتيب في القوة والأصالة، فلا يتفق الناس في فلسفة الحياة ~~إذا كان بينهم اختلاف في الطبع الموروث، وإن اتفقوا في الدرس والاطلاع، أو اتفقوا في ~~تجارب الحياة ... # وأهم جانب من جوانب فلسفتي في الحياة هو ما استفدته من الطبع الموروث، وجاءته بعض ~~الزيادة من التجربة أو القراءة ... # وأعني به قلة الاكتراث للمقتنيات المادية ... # فأعجب شيء عندي هو تهالك الناس على اقتناء الضياع والقصور، وجمع الذخائر والأموال ~~... ~~••• # وربما امتد العجب من هذا إلى ما هو أكبر وأعظم إلى رجالات التاريخ، وأبطال الفتوح ~~والغزوات ... # فالمتوسعون في الفتح أعجب عندي من المتوسعين في الثراء، وكلامي عن هتلر ونابليون ~~والإسكندر هو أثر من آثار هذه العقيدة أو هذا الشعور ... # وقد يخطر لبعض القراء أنها «فلسفة نظرية»، أو نزعة من نزعات الرأي والتدبير ... # أما الواقع الذي أعلمه من نفسي فهو أن الطبع أغلب هنا من التطبع ... # فلم أشعر قط بتعظيم إنسان لأنه صاحب مال، إن لم يكن أهلا للتعظيم بغير مال ... # ولم أشعر قط بصغري إلى جانب كبير من كبراء الثراء، بل شعرت كثيرا بصغرهم حيث يستحقون ~~التصغير ... # وكنت أعتقد دائما أن نابليون مهرج إلى جانب باستور، وأن الإسكندر المقدوني بهلوان ~~إلى جانب أرشميدس، وأن البطل الذي يخوض الحرب ذودا عن الحق والعقيدة أكرم جدا من كل ~~«بطل» يقتحم الحروب ليقال إنه دوخ كذا من الأمم، وفتح كذا من البلدان ... # من هنا كنت قليل المبالاة بالمقتنيات المادية؛ لأن احتواءها لا يعظم من يحتويها في ~~نظري، ونقصها عندي لا يصغرني بالنسبة إليه ... ~~••• # أما فلسفتي في الحياة من الناس، فأثر التجربة والدرس فيها أغلب من أثر الطبيعة ~~الموروثة ... # كنت أتعب في معاملتهم، ثم عرفت ما أنتظره منهم، فأرحت نفسي من التعب ... # واتخذت لنفسي شعارا معهم: ألا تنتظر منهم كثيرا، ولا تطمع منهم في كثير. # والطمع في إنصاف الناس، إذا كان ms109 في الإنصاف خسارة لهم، أو معارضة لهواهم، هو الكثير ~~الذي ما بعده كثير. # فهم منصفون إذا لم يكلفهم الإنصاف شيئا، ولم يصدمهم في هوى من أهوائهم ... # ومنهم المنصف وإن جنى عليه الإنصاف، ولكنه واحد في ألوف ... لا تجده في كل حين ... # ولقد رضت نفسي معهم على هذه الحقيقة، وتعودت منهم مجافاة الإنصاف حتى كدت أشعر ~~بشيء من «خيبة الرجاء» إذا وقعت اتفاقا على أحد المنصفين! # فهل هم أهل خير؟ # هل هم أهل شر؟ # ليبحث من أراد أن يبحث في أمرهم على مهل، ولكنه قادر على أن يستريح معهم في خلال ذلك ~~إذا لم يطمع في خيرهم وهم أخيار، ولم يحفل بشرهم وهم أشرار ... ~~••• # وفلسفتي في العمل تتلخص في أصول ثلاثة هي: # قيمة العمل فيه ... # وقيمة العمل في بواعثه لا في غاياته ... # وأساس العمل كله نظام ... # فإذا علمت شيئا له قيمته، فثق أنها قيمة «محفوظة» لا ينقص منها قول منكر، ولا يزيد ~~فيها قول معترف ... # وإذا لم تبلغ بك الثقة هذا المبلغ فاجعلها فرضا بين فرضين ليس لهما ثالث: إما أن ~~يكون للعمل قيمة مرهونة به فلا بأس عليه، وإما أن تكون قيمته مرهونة بمشيئة هذا أو ذاك ~~فهو أهون من أن تأسى عليه ... # وقد درج الناس على النظر إلى غايات الأعمال حتى أوشكوا أن يجهلوا بواعثها، أو يغفلوا ~~عنها. # واختلاف البواعث هو الذي ينتهي إلى اختلاف الغايات، فالناس يختلفون في طلب المجد حين ~~يطلبه أحدهم في الرئاسة، ويطلبه غيره في العلم، ويطلبه غيرهما في الثروة، ويطلبه آخرون ~~في الإيمان ... # وإنما اختلفت غاياتهم لاختلاف بواعثهم، فما يبعث هذا إلى العمل لا يبعث ذاك، وما يزهد ~~فيه بعضهم يتناحر عليه غير الزاهدين فيه ... # فعول على صحة الباعث لك على العمل قبل التعويل على صحة الغاية؛ لأنك إذا صدرت عن ~~باعث صحيح هان عليك أن تفوتك الغاية المرجوة، وعملت ما ينبغي أن تعمله، وبقي عمل الزمن ~~أو عمل الأقدار ... # وأصعب الأعمال سهل مع النظام ... # والعمل الكثير مستطاع إذا نيط كل عمل بوقته؛ لأن ms110 حكم الأعمال الكثيرة في هذه الحالة ~~حكم العمل الواحد ... ما دام له وقت لا يشترك فيه عمل آخر، وشعاري مع النظام كلمتان: «لا ~~ترتبك» ... # وإنما تأتي الربكة من المفاجأة التي تطرأ على نظامك فتلجئك إلى تغييره ... # فلا تغير نظاما لغيرة ضرورة ... # وإذا حلت الضرورة فلا تتردد في تغييره، وخذ بين ذلك بالمهم في وقته الذي لا يحتمل ~~التأجيل ... ~~••• # فصواب هذه الخطة ثابت من جانب لا شك فيه، وهي أنها كل ما يستطاع وخير ما يستطاع، وإنك ~~بها تعمل شيئا، وبالتردد لا تنتهي إلى عمل شيء ... # فلسفة حياة في بضعة سطور: غناك في نفسك، وقيمتك في عملك، وبواعثك أحرى بالعناية من ~~غاياتك، ولا تنتظر من الناس كثيرا ... ~~(5) الحياة ... هل هي جديرة بأن نحياها؟ # نعم ... ولكن أي حياة؟ ... لقد عاب القرآن الكريم على بني إسرائيل في عهد النبي خوفهم من ~~الموت، فقال: إنهم أحرص الناس على «حياة»، ولم يقل على الحياة ... لأن الحرص على الحياة ~~واجب طبيعي وواجب إلهي لا عيب فيه، فلا يلام الحي على أن يحرص على الحياة ... وإنما ~~يلام لأنه يحرص على كل حياة وأي حياة، ولو قبل الهوان، وهرب من الواجب، وامتنعت عليه ~~وسائل العمل النافع، ووسائل الرجاء في صلاح الأمور ... # وفي ختام مقال لي عن «فلسفة الحياة» قلت ما معناه: إن الحياة تستحق أن نصونها إذا ~~كانت لنا شروط نمليها عليها وتقبلها، ولكنها غير جديرة بالصون إذا كانت كلها شروطا ~~تمليها هي علينا فنقبلها صاغرين، ولا نملك العرف والعدل فيها ... # وهذا هو الفاصل الحاسم الذي نفرق به بين الحياة الكريمة والحياة المهينة، والحياة ~~الأولى نعمة تصان، والثانية سخرة وسخرية في آن ... ومن الأمثلة التي يتضح بها هذا ~~الفارق مثال الحياة في الشباب المقبل والحياة في الشيخوخة الفانية، فالشاب له أن يأكل ~~ويشرب وينعم ويطرب، وعلى الحياة أن تديم له الصحة والنشاط والقدرة على هضم كل طعام، ~~واحتمال كل شراب، والإعراض حينا بعد حين عن المنام ... # له أن يسرف، وعلى الحياة أن تعوضه تعويضا كاملا عن كل خسارة ms111 تصيبه من ذلك ~~الإسراف. # له أن يطيش، وعلى الحياة أن تصبر على طيشه حتى يثوب إلى الحكمة، ويصلح بيديه ما كانت ~~تصلحه هي بيديها ... # له أن يعذب أبويه بالمغامرة والمخالطة، وعلى الحياة أن تحبب إليهما العذاب، وتلهمهما ~~الصفح والحنان ... فهو صاحب شروط، والحياة تتقبل منه تلك الشروط، فهي جديرة بأن يحياها، ~~وهو جدير بأن يتقبلها على هواه وعلى هواها ... # أما الشيخوخة الفانية، فهي على نقيض ذلك من الألف إلى الياء ... حق للحياة أن تحرمها ~~الطعام والشراب شيئا فشيئا، وواجب عليها هي أن تقنع بما بقي لها، وتجرب الاكتفاء ~~بالموجود عن كل مفقود. من حق الحياة أن تطيش معها، ومن واجبها هي أن تتقي ذلك الطيش ~~بالحكمة، وتحسب له الحساب بالتدبير بعد التدبير ... فالحياة كلها شروط تمليها عليه، ~~فيتقبلها، والحياة إذن غير جديرة بأن يحياها ولكنه يحياها، فلماذا؟ ... إنه يحياها بحكم ~~العادة وبحكم الضعف عن فراقها؛ لأن الإنسان لا ينبذ الحياة إلا بقوة مستمدة من الحياة. ~~ومن أجل هذا، كانت نسبة الانتحار بين الشبان أكبر من نسبة الانتحار بين الشيوخ ... ~~••• # ويشبه هذا المثال مثال الفارق بين الحياة المستقلة والحياة المستعبدة لأهواء الآخرين ~~... فالحياة المستقلة نعمة، والحياة المسخرة «مدة سجن» تقضى؛ لأن المستقل يملك شروطه ~~ويمليها على الحياة فتقبلها، ولأن الحياة تملي شروطها على «المسخر» فلا يملك الفكاك ~~منها ... يعمل المستقل حين يشاء، ويستريح حين يشاء ... أما المسخر فلا يعمل لنفسه، ولا ~~يستريح لنفسه، ولكنه يجري في العمل والراحة على قانون مفروض عليه ولا رغبة له فيه ~~... # ولنا أن نتخذ الأمثلة من الحياة الفنية كما نتخذها من الحياة الطبيعية، فنقول: إن ~~الحياة الفنية تستحق العناء إذا كان عندك ما تقوله وتصنعه - وفاقا لذوقك، ووحي وجدانك ~~وعقلك - ولكنها لا تستحق عناء قل أو كثر إذا كان كل ما تقوله موافقة لأذواق الناس ~~وعقولهم، ومرضاة لهم في مطالب المصلحة والجد أو مطالب اللهو والفراغ ... # والشروط بالأمل الصحيح كالشروط بالعمل الواقع في تقويم قيم الحياة ... فليس من الضروري ~~أن تكون شروطك كلها منجزة بين يديك ms112 في كل ساعة؛ لأن الحياة ليست ساعة واحدة، وليست ~~يوما واحدا، وليست سنة ولا بضع سنوات ... ~~••• # فإذا كانت لك شروط مؤجلة فيها، فهي كالشروط المعجلة على حد سواء، ومثلك في ذلك مثل ~~المنفق على حساب المحصول في المزرعة، وهو يعلم أن المحصول آت لا ريب فيه ... فالحياة ~~مصرف كبير، وأموال المصارف ليست كلها حاضرة منجزة في كل لحظة من لحظات النهار والليل، ~~وإنما تغني عنها الثقة التي لا غنى عنها. # فاقنع بشروط الثقة في بعض الأحوال، كما تقنع بشروط الثقة في كثير من الأحوال ... # والحياة لعوب ماكرة، لا يحيط بمكرها جميع الأحياء ولو كانوا من أبناء آدم وحواء، وهي ~~تعلم أنها تستهوي الخلق باللعب والدهاء، وتحول بينهم وبين الموت بالحيلة الناجحة في ~~كثير من الأوقات، ولولا ذلك لشردوا منها كما يشرد الأطفال من الحبس الكريه الذي لا ~~يلعبون فيه كما يشتهون؛ لهذا تعطي بعض الشروط وتمنع بعضها، فلا تكون جديرة بالحب كله، ~~ولا بالبغض كله في وقت واحد من أوقات عمر الإنسان. # فالشاب له شروط كثيرة على الحياة في الصحة والنشاط، ولكنها قد تملي عليه شروطها ~~الثقيلة في مسائل العمل والمال، أو مسائل الجاه والنفوذ، والشيخ عليه شروط يطيعها في ~~شئون بدنه ونفسه، ولكنه قد يملك شروطه في تدابير المعيشة التي تريحه، ويعوض بها مسافات ~~من راحة العافية والسلامة. # والفنان المستقل قد يقول ما يشاء، ولكن الفنان «الهواش» قد يربح ما يشاء ... ولولا ذاك ~~لانتحر نصف الناس، وعاش الباقون في حكم المنتحرين ... أو منتحرين مع وقف التنفيذ! # قبل أن أطبع ديواني الأول - على ما أذكر - كنا ثلاثة أو أربعة من قراء الشعر والأدب ~~في بعض الضواحي التي يطيب فيها تناشد الأشعار، فتمثل أحدهم بهذين البيتين: # قالوا الحياة شقاء # قلنا فأين النعيم؟ # إن الحياة حياة # ففارقوا أو أقيموا # وكان بعضنا لا يعلم أن هذين البيتين من نظمي، فقال هذا الكلام صعب ... هذا كلام استغناء ~~... كأنه يقول: من لم تعجبه الحياة فليشرب من البحر! # قلت: ليته يجد البحر ليشرب منه؛ لأن الموت ms113 قفر تنضب فيه جميع البحار إلا أن تكون حياض ~~الموت التي قال فيها الشاعر: # أتت وحياض الموت بيني وبينها # وجادت بوصل حين لا ينفع الوصل # فالحق أننا بين أمرين اثنين، لا ثالث لهما: فإما أن تكون الحياة جديرة بأن نحياها، ~~وإما أن يكون الموت جديرا بأن نموته ... ولا خيار بعد هذا الخيار ... # وأحسب أن إيماني بالحياة لم يتبدل منذ نظمت تلك الأبيات، وقد كان إيمانا جديرا ~~بالتقدير والتكرير في غاشية الضعف التي رانت على زملائنا من أبناء الجيل كله أو جله؛ ~~لأنهم كانوا يتباكون، ويظنون أن البكاء علامة الظرف والذوق؟ ويشكون الحقيقة ويظنون أن ~~جهاد الحياة شيء لا يليق بأصحاب المزاج «الرقيق». # وليس معنى هذا أننا لا نشكو من حالة من الحالات، فإن الدنيا ما خلت قط، ولن تخلو ~~أبدا من أسباب الشكاية بسبب معقول أو غير معقول ... ولكننا نعني أن شكوى الطفل لأمه غير ~~شكوى الرجل لنفسه، وأن الحياة حياتنا ... فنحن مسئولون عنها، ونحن نصلحها، ونعالج نقصها، ~~ونجعلها أهلا لنا، أو جديرة بأن نحياها، وقولنا إن الحياة غير جديرة بأن نحياها مرادف ~~لقولنا إننا نحن غير جديرين بالحياة ... # فلا نقل هذا ولا ذاك، ولنقل إن الحياة جديرة بأن نحياها فنراها كذلك ... # | الفصل السابع # (1) طفت العالم من مكاني # أعتقد أن كبار الرحالين الذين تستحوذ عليهم رغبة ملحة في الطواف بين أرجاء العالم ~~تملكهم على الرغم منهم «ملكة شخصية» يصح أن تسمى عبقرية السياحة، ويصح أن تتجاوز ~~الحد فتسمى هوسة السياحة ... # وأعتقد أن هذه الملكة الشخصية مستمدة من ملكة قوية أصيلة في الأمة التي يخرج منها ~~أولئك الرحالون المنقطعون للسياحة ... # لأن معظم الرحالين الكبار خرجوا من أمم قد تعود أبناؤها الرحلة، وشقت عليهم الإقامة ~~الطويلة، كالعرب لأنهم من أبناء البادية، والفينيقيين والإغريق لأنهم يقيمون على ~~الشاطئ، ويحتاجون إلى الملاحة، وكالبنادقة والبرتغاليين والإنجليز في العصور المتأخرة؛ ~~لأنهم جميعا بحريون وملاحون ... # وأكثر الرحالين الكبار الذين اشتهروا في التاريخ، ونسب إليهم الفضل في الكشوف ~~الجغرافية، هم من أبناء هذه الأمم، أو أبناء أمم تشبهها ms114 في البداوة والاشتغال بالملاحة ~~... # ملكة شخصية مستمدة من ملكة قومية ... # هذه هي عادة الرحلة التي تغلب على بعض الناس، أو هذه هي هوسة الرحلة إذا تجاوزت حدها ~~المعقول ... # على أنني أعتقد - إلى جانب هذا الاعتقاد - أن ملكة الرحالة غالبة على الرحالين وغير ~~الرحالين. # ولكنها تظهر في صور كثيرة غير صورة الرحلة الخارجية، ومنها الرحلة في داخل النفس أو ~~في عالم الخيال. # وبين كبار الرحالين من هذا الطراز أناس لم يفارقوا مكانا واحدا خلال عشرات السنين ~~كأبي العلاء المعري! # فإنه سمى نفسه «رهين المحبسين» لملازمته داره وحبسه في جسده، ولكنه شاء أن يرحل في ~~كتاب من كتبه - وهو رسالة الغفران - فلم يقنع بأقل من الرحلة إلى السماء، وإلى ~~الجحيم! # وكجول فيرن الكاتب الفرنسي الحديث ... # فإن ما رآه من جوانب الأرض بالقياس إلى المشاهدات المأثورة عن كبار الرحالين شيء لا ~~يذكر، ولكنه ساح بخياله في جوف الأرض، وفي أعماق البحار، وفي أجواء السماء، بل ساح في ~~عالم الغيب، فوصف للناس مخترعات لم تخلق بعد، ثم خلقت في أوانها، فإذا هي كما وصف ~~...! حتى قال ليوتي القائد الفرنسي الكبير: إن الناس اليوم «يعيشون أحلام جول فيرن» ~~... ~~••• # لا بد من السياحة إذن في الخارج أو في الداخل! سياحة مع الانتقال، أو سياحة بغير ~~انتقال. # والظاهر - لا بل المحقق - أنني أنا أحد الرحالين بغير انتقال، كما لاحظ بحق أحد ~~أصدقائي، حين علم مرة باعتذاري من تلبية الدعوة إلى كثير من السياحات، وبعضها بغير نفقة ~~على الإطلاق ... # ومع هذا يجوز لي أن أقول: إنني طفت العالم من مكاني الذي لا أبرحه؛ لأنني رأيت في هذا ~~المكان ما يراه الرحالون المتنقلون ... # لقد تعلقت بالسياحة في أوائل صباي، وشاقني أن أسيح هنا وأسيح هناك بين مشارق الأرض ~~ومغاربها، ولكنها كانت كلها كما تبين لي بعد ذلك عارضا من عوارض الصبا التي تنزوي مع ~~الزمن وراء غيرها من الميول المتمكنة في السليقة، فما زالت تضعف وتضعف حتى ليسعني أن ~~أقول اليوم: إنني لولا رياضة المشي التي تعودتها لما خطر ms115 لي أن أبرح المنزل أياما بل ~~أسابيع. # ولذلك سبب مني، وسبب من أحوال العصر الذي نعيش فيه. # فأما السبب الذي مني فبعضه يرجع إلى حب العزلة التي نشأت عليها وورثتها من أبوي ~~... # وبعضها يرجع إلى شعوري بالقراءة التي تعنيني، فإنني أشعر بأنني لا أقرأ سطورا على ~~ورق، ولكنني أحيا في تلك الأوراق بين أحياء. # ومن هنا ألفت بعض شخوص التاريخ كأنني أعاشرهم كل يوم، وألفت بعض الأدباء في قراءة ~~كلامهم فتمثلتهم في ملامح وجوههم وعاداتهم، في حركتهم وسكونهم، واستمليت من ديوان شاعر ~~كابن الرومي سيرة حياته أو صورة حياته، وثبت له في خيالي شكل لا يتغير ولا يزال يلوح لي ~~على هيئة واحدة كلما طاف بي طيفه في منام. # ومثله المعري والفارابي وابن سينا وطائفة من مشاهير الأدب والفن بين الشرقيين ~~والغربيين. # فلو كنت مصورا لاستطعت أن أرسم لكل منهم صورة كاملة كما يرسم المصور أناسا من ~~الأحياء يراهم كل يوم. ~~••• # أما السبب الذي من العصر، فلك أن تقول إنه في الحقيقة جملة أسباب ... # لأن العاصر الحاضر أول عصر ييسر للإنسان - وهو جالس في مكانه - أن يدرك بالبصر والسمع ~~بلادا واسعة على مدى مئات الفراسخ وألوفها، فينظر مساكنها وسكانها، ويشرف على بطاحها، ~~ويتغلغل في دروبها، ويتراءى له في لحظات من معالم هذه المدينة، أو تلك القرية ما ليس ~~يتراءى لساكنها في ساعات أو أيام. # كانت السياحة هي الوسيلة الوحيدة للإحساس بالبلاد البعيدة. # أما اليوم فنحن نحسها بالعين والأذن كلما أردنا، ونحن في الدار أو على مقربة من الدار ~~... # الصحف تنقل إلينا أخبارها. # والإذاعة تسمعنا أصواتها وأصداءها. # والصور المتحركة تستدني للآذان - كما تستدني للعيون - كل ما هو خليق منها بمشاهدته ~~أو الاستماع إليه. # وعلم تخطيط البلدان قد يعرفك بما يجهله المقيمون فيها، ومراجع التاريخ قد تملأ نفسك ~~بما يملأ عصورها من الأحداث والذكريات، ونقوش الفنانين وأغاني الشعراء والموسيقيين تهيئ ~~لك أن تنفذ إلى روحها، وتمتزج بعبقريتها، وتحياها على أحسن أنماطها في الحياة. ~~••• # نعم، إن الإحساس بالمكان - وأنت فيه - غير الإحساس به ms116 وأنت على مسافة منه ... ولكن هل ~~نستطيع أن نقول: إن الإحساس بالمكان القريب يغني عن الإحساس بالبعيد؟ أو هل نستطيع أن ~~نقول: إن الإحساس من الداخل يغني عن الإحساس من الخارج؟ أو أن الإحساس بالعين والأذن ~~يغني عن الإحساس بالوعي والخيال؟ # هما إحساسان - ولا شك - لازمان ... # والخير كل الخير أن تجمع بينهما، وأن تكون رحلتك الخارجية مقرونة برحلتك الداخلية ~~... # فإذا تعذر الخير كل الخير، فالخير بعض الخير «خير» من لا شيء! # ولست أزين لأحد أن يفضل طريقتي في السياحة على طريقته، ولكنني أنا على الأقل لن أنقطع ~~عن السياحة في العالم رحالة بغير رحلة، وطوافا بغير طواف! ~~(2) أجمل أيامي # قال: حدثنا عن أجمل أيامك من شبابك إلى مشيبك. # قلت: أمهلني حتى أذكر. # ثم راجعت نفسي قبل أن أمعن في التذكار، وأستقصي ما عندي من ودائع الأسرار والأخبار، ~~فسألتها مصارحا في سؤالها: فيم هذا الإمهال، وفيم هذه المراجعة؟ إنك لا تفعل ذلك إلا أن تكون أيامك الجميلة ~~قد بلغت من الكثرة أن تفوق الحصر والحساب، وأن تحتاج منك إلى العناء في التمييز بينها، ~~وتفضيل ما يذكر منها، بعد طول الأخذ والرد والترجيح والتعديل! # فهل تراك تزعم لنفسك، أو تزعم لقرائك، أنك صاحب هذه الثروة التي لا تحصى من الأيام ~~الجميلة، وأنك في حيرة بين ما تأخذ منها وما تدع، وبين ما تقدم منها وما تؤخر، ~~وبين ما تنشره منها وما تطويه؟ # دعواك هذه - إن ادعيتها - لا يدعيها أحد من بني آدم وحواء، فما بلغت السعادة بهذا ~~النوع البشري المسكين أن يستمتع في حياته بكل هذا المقدار من جمال الأيام أو جمال ~~الأوقات التي تحسب بالساعات. # فإن لم يكن هذا مبلغ ثروتك من الأيام الجميلة، ففيم العناء في التذكر والاستعادة، ~~وفيم التسويف والإرجاء؟ # هل هذه الأيام الجميلة من الخفاء بحيث يحجبها ظلام السنين عن النظر، وتطويها حوادث ~~الأيام في زوايا النسيان؟ # كلا ... ولا كل هذا التواضع «الجميل» في رأي الكثيرين من المزيفين للأقوال والأعمال، ~~فما من إنسان يعمل في دنياه، ويتصل بإخوانه ms117 من ذرية آدم وحواء تفوته الأيام المذكورة ~~التي لا تنسى على طول العهد أو التي تغلب النسيان ولو تقلب عليها الليل ~~والنهار. # فلا محل للبحث في أعماق الذاكرة لاستخراج تلك الودائع الباقية، وإنما البحث في أعماق ~~الذاكرة لغرض آخر غير حصر أيام الحياة التي تحسب من الحياة، ونحب من أجلها ~~الحياة. # إنما البحث في أعماق الذاكرة للتمييز بين الأيام التي يحق لنا أن نصفها بالجمال، ~~والأيام التي يكفي أن تحسب من أيام المتعة واللذة، أو أيام السرور والارتياح ... # وبين الصنفين فارق بعيد فيما يذكر وما لا يذكر. # بينهما الفارق الذي يجعل أحد الصنفين جديرا بالغبطة والتنويه ولو لم يكن منه في ~~العمر غير يوم واحد، ويجعل الصنف الآخر على أحسن الأحوال نموذجا يتكرر على نمط واحد، ~~ويكفي أن يذكر منه عنوانه ليغنينا بعد ذلك عن ذكر المئات والألوف من الأيام، يدل ~~عليها ذلك العنوان ... ~~••• # في حياة كل إنسان ذخيرة وافرة من الأيام اللذيذة الهنيئة، والأوقات الرخية الراضية، ~~ولكنك تحسبها من أمتع أيام الحياة، ولا تحسبها من أجمل أيام الحياة. # فمن هذا الذي يعرف ما يذكر وما ينسى من الأيام، ثم يستوقف السامعين ليحدثهم عن ~~الأكلة الشهية التي ساغت له أمس أو قبل عشر سنين؟! ... # ومن هذا الذي يعرف معنى الجمال، ثم يحسب منه تلك الليلة اللذيذة التي قضاها في أحضان ~~الحب والهوى، ونعم فيها بنعومة ذلك الجسد وحرارة ذلك العناق. # هذه اللذائذ لا تفوت إنسانا من بني آدم وحواء، وليست من جمال النفس الإنسانية في ~~شيء، وإنما هي تمرينات محبوبة للحواس ينعم بها كل ذي حس من الحيوان كما ينعم بها كل ذي ~~نفس من بني الإنسان. # ليست هذه أجمل أيام الحياة، ولكنها كما تقدم أمتع أيامها، أو قد تكون في حساب الجسد ~~أحب الأيام إليه. # أما اليوم الجميل فهو اليوم الذي يرتفع بنا إلى مقام فوق المتعة والألم والراحة، وفوق ~~المعدات والأكباد والجلود ، وفوق مطامع النفس التي يغلبها الطمع، ويسومها أن تقبل الجميل ~~والقبيح، وأن ترضى بالحميد والذميم ... ~~••• # اليوم ms118 الجميل هو الذي نملك فيه دنيانا ولا تملكنا فيه، وهو اليوم الذي نقود فيه ~~شهواتنا ولذاتنا، ولا ننقاد لها صاغرين أو طائعين. # ومن هذه الأيام ما أذكره ولا أنساه، ولا أحتاج إلى العناء في البحث عن ذكراه ... # فكل يوم ظفرت فيه بنفسي، وخرجت فيه من محنة الشك فيما أستطيع وما لا أستطيع؛ فهو يوم ~~جميل بالغ الجمال. # جميل ذلك اليوم الذي قضيت عشرات الأيام في انتظاره مترددا بين إغراء اللذة وإيحاء ~~الكرامة، حتى وصلت إليه فحمدت لنفسي أنها عملت بما ينبغي أن تفعل، واستطاعت أن تفعله ~~ولا تندم عليه ... # جميل ذلك اليوم الذي ترددت فيه بين ثناء الناس، وبين عمل لا يثني عليه أحد، ولا يعلمه ~~أحد، فألقيت بالثناء عن ظهر يدي، وارتضيت العمل الذي أذكره ما حييت، ولم يسمع به إنسان ~~... # جميل ذلك اليوم الذي وقفت فيه بين الخوف من عواقب الخروج على زمرة الأقوياء القابضين ~~على أزمة الأمر والنهي في البلد، وبين الرضا بمساوئهم وأباطيلهم، وغنائم رضاي ورضاهم، ~~فخرجت من الزمرة غير ملتفت إلى الوراء، وأسعدني الطالع المبارك، فجمعت بين جرأة المجترئ ~~وحكمة الحكيم، وبين تضحية المجازفة، وثواب الحزم والروية. # جميل ذلك اليوم الذي كاد يحشو جيوبي بالمال، ويفرغ ضميري من الكرامة، فآثرت فيه فراغ ~~اليدين على فراغ الضمير. # جميل ذلك اليوم الذي احتجت فيه، واحتاج فيه مسكين، فغلبت شح النفس، ووجدت بين جوانحي ~~طاقة الصبر على الضيق، ولم أجد فيها طاقة الصبر على منظر العين الذليلة، والقلب الكسير ~~... # جميل ذلك اليوم الذي استغنيت فيه عن العمل، وملكت فيه ما يغري بالكسل، فطاب لي التعب ~~الذي لا حاجة إليه، ولم يطب لي الكسل الذي يحببه إلي طول الجهد، وقلة الجزاء على ~~العمل الكريم ... ~~••• # هذه الأيام جميلة أجمل ما فيها أن نصيبي منها جد قليل، إلا أن يكون النصيب عرفاني ~~باقتدار نفسي على ما عملت، فهو إذن كثير بحمد الله لا أبادل عليه المكثرين من خيراتهم ~~وطيباتهم، كما يحسبون الخيرات والطيبات ... # أجمل ما في الحياة يوم تملك فيه نفسك، ms119 فتعلم أنك ملكت الثروة التي لا يقاس بها ملك ~~المال، ولا ملك اللذة، ولا ملك الثناء. # أيام لا أقول إنها تكثر حتى تعد بالعشرات ولا أقول إنها تندر حتى لا تذكر، ~~ولكنني أذكرها وقد سئلت عنها؛ لأنها تعريف بالجمال حين نتحدث عن جمال الأيام، وعزاء ~~لمن قنع بها من حياته ليعلم أنها تبقى في الذاكرة، وأنها محصول سني العمر، ويحمده من ~~ملكه، ولو لم يملك سواه ... ~~(3) أكره الصيف # قال شاعر حديث: # يطلب الإنسان في الصيف الشتا # فإذا جاء الشتا أنكره # ليس يرضى المرء حالا واحدا # قتل الإنسان ما أكفره! # 1 # أما أن الإنسان كنود كفور، فحقيقة لا شك فيها، إنه كثيرا ما ينعم بالخير فلا ~~يشكر ولا يذكر، وكثيرا ما يقابل الخير بالشر، والإحسان بالإساءة، فلا يخطئ الشاعر الذي ~~ينعى عليه كنوده ونكرانه، وكفره بنعماء ربه وبني جنسه ... ~~••• # وقريبا كنت أعاود القراءة في مقالات طبيب عالم فاضل له شهرة بالعطف على الحيوان، ~~فقرأت للمرة الثالثة أو الرابعة قوله: إن «حب النوع الإنساني» فضيلة عليا، ولكنه هو ~~«آسف لأنه لا يستطيع أن يدعي هذه الفضيلة» ... وحسبه منها أنه قانع بحبه لأنواع الحيوان ~~ومصاحبته لما عنده من الكلاب والقردة، وهو الذي لا يطيق أن يزيد في حديثه مع أحد من ~~الناس على نصف ساعة ثم يحاول النجاة، ويعجب لمحدثه كيف لم يسبقه إلى هذه ~~المحاولة! # قرأت هذا الاعتراف لكاتبه الدكتور «آكسل مونته» أصدق الناس عطفا على العجماوات، فلم ~~أعجب لقراءته في هذه المرة ولا في المرات السابقة؛ لأنه في الواقع رجل صادق لا يخفي ~~حقيقة شعوره، ولا يلقي القول على عواهنه، فإن جنسنا البشري - ولا فخر - يستحق هذا، ~~وأكثر منه من فضلاء أبنائه، والدكتور (آكسل مونته) في طليعة هؤلاء الفضلاء ... # قتل الإنسان ما أكفره ... صدق الشاعر وصدق الطبيب، ولكن الشاعر لم يصب في اختيار ~~«الحيثيات» كما أصاب في الحكم على المتهم، فقد يشتاق الإنسان في الشتاء إلى الصيف، وقد ~~يشتاق في الصيف إلى الشتاء، ولا يستحق وصف الكفر والكنود من أجل هذا! ms120 ولا يقال فيه ~~إلا أنه يصبر إلى حين، ثم يخذله الصبر بعد ذلك الحين. # فتقسيم الفصول في الدنيا لم يقصد به الدوام، ولم تجمع الخيرات كلها في موسم واحد، ~~بل وزعت على الفصول كلها، وجعلت في بعض الأقطار فصلا واحدا لا تختلف مواسمه على ~~طول السنة، فلا يلام الإنسان إذا هو تمنى بعض الخير الذي غاب عنه، أو شكا بعض الشر ~~الذي ألح عليه، وقد يمهد له العذر في ذلك «أن الحال من بعضه»، وأن الكرة الأرضية نفسها ~~تتقلب في دوائر الفلك، فلا تصبر على صيف أو شتاء، ولا تقنع بربيع أو خريف ... # وحتى لو كانت «الفصول» رضى النفس في كل موسم لا أحسب أن الملل منها يدل على «الكفر ~~والكنود» كما يدل على طلب التقدم وحب الاستطلاع، فإن الإنسان يترقى ويتقدم لأنه يترقب ~~حالا بعد حال، ويطمح إلى المزيد من الخير الذي يحصل في يديه، ولولا ذلك لبقي على نقصه ~~وسوء حاله، ولم يرتفع إلى طبقة بعد طبقة في تاريخه، ولو جاز لنا أن نلوم الإنسان؛ لأنه ~~يتغير ويحب التغير، لجاز لنا أن نلوم الطفل الذي ينتقل إلى الصبا، ونلوم الصبي الذي ~~ينتقل إلى الشباب، ونلوم الشاب الذي يبلغ كمال الرجولة مع الزمن، ثم لا يقنع بذلك حتى ~~يتمنى الخلود. # كلا أيها الشاعر الحكيم الذي صدق في حكمه ولم يصدق في حيثياته، فقل ما شئت في كنود ~~الإنسان وكفره بالنعماء، ولكننا ندع لك «حيثياتك» تعيد النظر فيها على مهل، ونقول لك: ~~يا صاح، إننا نحن أيضا نطلب الصيف في الشتاء، ونطلب الشتاء في الصيف، ونعرف لكل فضله ~~وحسنه، وسبب اختياره، فنحسب هذا العرفان «عرفانا بالجميل»، ولا نحسبه من الكنود والكفر ~~بالنعماء. # وإذا لم يكن بد من طلب الدوام ... فليدم لنا فصل الشتاء وليذهب عنا الصيف حيث شاء إلى ~~أقصى الأرض أو أطراف السماء! ~~••• # يقال إن الناس يختلفون في تفضيل الفصول على حسب اختلافهم في المولد وموعده من تلك ~~الفصول، فمن ولد في الصيف فهو صيفي الهوى والمزاج، ومن ولد ms121 في الشتاء فهو محب للبرد ~~مستريح إليه! ... # فإن صدق هذا الزعم فليصدق على من شاء من مواليد الصيف، ولكنه - مع الأسف - لم يصدق ~~علي قط ولا هو صادق علي الآن؛ لأنني ولدت في أشد أيام الصيف من شهر يونيه بمدينة ~~أسوان - ولا يزعجني شيء كما يزعجني الصيف إذا ارتفعت حرارته فوق حرارتي على الخصوص، ~~وتقدم من «الثلاثينات» إلى حدود الأربعين، وهي - كما يقولون - سن النضج، وقد صدقوا ... ~~ولكنه نضج الجلود لا نضج الأعمار ... # ولا تزعجني منه مضايقة المزاج فقد تعودنا من الدنيا مضايقات كثيرة أشد على النفس من ~~هذه المضايقات، وإنما يزعجني منه أنه «يتعب الكبد» حقيقة ومجازا، وتعب الكبد - والعياذ ~~بالله - غاية الإزعاج، وقلب المزاج ... # وقد سألت كثيرين ممن ولدوا مثلي في هذا الفصل الخانق، وإن لم يوصف بأنه بارد، ~~فكان لسان حالهم أنهم نسوا مولدهم فيه، ويخيل إليهم أنهم سيموتون فيه! ~~••• # ومن نقائض الصيف أن يمتد فيه وقت العمل، وتقصر فيه القدرة عليه عند معظم العاملين، ~~فيبلغ النهار أربع عشرة ساعة، وتهبط الطاقة إلى بضع ساعات، فلا هو بالموسم العامل، ولا ~~هو بالموسم المريح، وإذا احتالوا عليه في الغرب بتقديم الساعات، فهذه الحيلة في الشرق ~~قلما تقدم أو تؤخر؛ لأنه يطالب أبناءه بالقيلولة في الظهر الأحمر كما يقولون، فينامون ~~في النور الساطع، ولا ينامون في الظلام الحالك، وينقلب ليلهم بنهار، وهم يفرون من ~~الديار ولات حين فرار. # ومن نقائضه أنه يدعى موسم الثمرات؛ لأنه موسم الحصاد، ولولا أنها نبتت في الشتاء أو ~~الخريف لما حصدت فيه ... # وإذا ارتفعت فيه الحواجز، وتفتحت فيه الأبواب، فكثيرا ما تنفتح للناس وهو من ورائهم ~~كرار قهار، يطردهم طردا إلى الخلاء بغير قرار، وقد يطردهم من ديارهم إلى خارج الديار، ~~وإن شط المزار. # وإذا أغناهم عن النار أحوجهم إلى الثلج، أو أغناهم عن الكساء أحوجهم إلى نسمات ~~الهواء. # يتأففون منه بحكم الفطرة قبل حكم المشيئة، فهم بين زافر ونافر، وبين نافخ في الهواء ~~أو متطلع إلى السماء، فلو أراد أن يتجمل ويتلطف، غلبته ms122 «القافية» فتململ وتأفف، وأوجس ~~شرا، وضاق صدرا، وإن اتسعت حوله منادح الفضاء! # إلا أنني أحمد له ساعة لا يحمدها أحد؛ لأنها الساعة التي ينام فيها كل أحد، ولا أحس ~~فيها لاغية في الطريق، ولا في البلد! ... # عودت الليالي في صيفها أو شتائها ألا أقضيها كلها نائما، وإن قصرت مسافتها بين ~~المغرب والمشرق، فلا بد من يقظة أو يقظات، ولا بد من كل يقظة من جلسة إلى صفحة أو ~~أسطوانة، أو نظرة على الأقل إلى الشرفة قد تطول في كثير من الليالي إلى مطلع الفجر، وقد ~~تنسيني الفراش حتى الصباح ... # يتعمق بي الليل أو أتعمق به في هذه الجلسات الطوال، فتنقطع الرجل من الطريق كما ~~يقول سهارة الليل، وتنقضي اللحظة بعد اللحظة ولا حس ولا خبر، ولا موقع قدم، ولا همسة ~~هامس من قريب أو بعيد. # وحدي في الكون كله، أو الكون كله لي وحدي ... وحسبك من الصيف أن يعطيك لحظات معدودات ~~تحس فيها بالكون كله بين يديك، مخلوقا لك بغير منازع ولا شريك. # تحس بهذا، نعم، مجرد إحساس لا تستولي به على الحقيقة في ظاهرها وباطنها، ولكنه ~~الإحساس الذي يكفي؛ لأنه غاية الكفاية، وغاية الإمكان ... # لحظة تنفرد فيها بالكون كله ولو في عالم بين اليقظة والمنام، وهل يتفرد أحد بشيء من ~~الأشياء في غير عالم الوهم، أو عالم الأحلام؟! # أنانية؟! ... # أتقول: أنانية؟! ... قل ما تشاء، ولكن لا تنس أن «الأنانية» التي تتسع للكون كله أوسع ~~من الزحام الذي تتصادم فيه الرءوس والأقدام ... # في تلك اللحظات لا أنسى حكيمنا # 2 # رهين المحبسين وهو يقول: # ولو أني حبيت الخلد فردا # لما أحببت بالخلد انفرادا # نعم؛ لا أنساه ولا أزال أقول معه: إنني كذلك لا أحب الخلد منفردا به على حال، ولست ~~أحسب أحدا يحب هذا الذي كرهه أبو العلاء، أو يحسبه نعيما يحرص عليه أبناء الحياة ~~الفانية. # فكلنا في هذا سواء ... أحكم الحكماء وأجهل الجهلاء ... # لا انفراد بالخلد ولا نعمة فيه، ولا نعيم عين ... أما التفرد بالكون كله ساعة أو بعض ~~ساعة ms123 فذلك غاية المنى ولو في الحلم، أو في يقظة كأنها من حلم الصيف! # فإذا أعطانا الصيف تلك اللحظة نحسها واهمين أو متخيلين، فتلك شفاعة له من لفحات ~~لهيبه، ونفحات صبيبه، ومن أسباب الغفران أنه أوان لا يخلد به الزمان، وما دام يزول فله ~~من إقباله عذر مقبول ...! # | الفصل الثامن # (1) بعد الأربعين # من الأقوال الشائعة أن الشباب يبدأ حياته «خياليا»، ثم يصير إلى الواقع شيئا ~~فشيئا حتى ينكر كل خيال ... # لكنني أذكر أن البداءة معي كانت على خلاف هذه القاعدة، وأنني الآن أقل إيمانا بما ~~يسمونه التفكير الواقعي مما كنت في مستهل الشباب. # ففي مقدمة «خلاصة اليومية» وهي أول كتاب طبعته قبل عشرين سنة قلت ألخص الأفكار التي ~~جمعتها في تلك الخلاصة: # أولا: # إن كل ظواهر هذا الكون علويها وسفليها، ظاهرها وباطنها، نتيجة ~~تفاعل القوى المختلفة ... وكذلك الأمر في الاجتماع البشري ~~... # ثانيا: # إن اللذة والألم أو - بعبارة أعم - المنفعة والضرر هما ~~الدعامتان اللتان عليهما تقوم الأخلاق البشرية كافة ~~... # ثالثا: # إن الإنسان حيوان راق، ولكنه لا يزال «حيوانا» ~~... # فهذه نظرة «واقعية» لا أومن بها الآن بعد أن جاوزت الأربعين، وليس يتسع المقام هنا ~~لتفصيل الخلاف بين رأيي في العشرين ورأيي في الأربعين، فهذا مجال واسع كثير الشعب ~~كثير التفاصيل، ولكنني أردت أن أقول إن الأمر قد يختلف أحيانا، فيبدأ الشاب بالنزعة ~~الواقعية، ثم ينتهي إلى التعديل فيها، وليس من الضروري في كل حال أن يبدأ بالخيال، ~~وينتهي بالنزعة الواقعية ... # على أن الحقيقة التي لا ريب فيها أن «النزعة الواقعية» عند الشاب لا تخلو من الغضب ~~العنيف على محاسن الخيال والأمثلة العليا، فكما أن الفتى المدله يشعر بالخيانة من ~~حبيبته فيروح ثائرا غاضبا يقسم أنها دميمة، وأنها حقيرة، وأنها لا تستحق منه الشغف، ~~ولا الغضب، ولا النقمة، كذلك يفعل الشاب الذي يخيب أمله في المثل الأعلى فينقلب عليه ~~ثائرا غاضبا يقسم أن المثل الأعلى خرافة، وأن الحياة كلها «مادة »، وأن الإنسان حيوان، ~~وخير له أن يعيش كالحيوان. # فلا ينبغي أن نصدق العاشق المخدوع ms124 الثائر على الحبيبة، ولا الفتى المفكر الثائر على ~~المثل الأعلى فإن العاشق يثور وينكر جمال حبيبته؛ لأنه يحب ويريد أن يحب، والفتى المفكر ~~يثور وينكر جمال المثل الأعلى؛ لأنه يؤمن ويريد أن يؤمن. وهذا هو الفرق بين النزعة ~~الواقعية عند الشباب والنزعة الواقعية عند الشيوخ ... ففي الشباب تكون النزعة الواقعية ~~أشبه بالغضب من محاسن الخيال والمثل العليا، وفي الشيخوخة تكون النزعة الواقعية إنكارا ~~لوجود تلك المحاسن والمثل، وعجزا عن الشعور بوجودها مع الرضى عنها أو الغضب عليها ~~... # فأنا في التفكير بدأت بشبابي «واقعيا»، وانتهيت إلى الشك في قدرة الإنسان على إدراك ~~الواقع كله ... لأن إدراك الواقع كله لا يتأتى لإنسان محدود في زمانه ومكانه وتفكيره ~~وشعوره؛ إذ الواقع كله شيء يتناول الكون في ظاهره وخافيه، وليس للكون حدود في الزمان ~~والمكان، ولا في مؤثراته على الفكر والشعور ... فالذين يحسبون أنهم قادرون على إدراك ~~الواقع في المسائل الكبرى، والأصول الخالدة هم الواهمون، وهم هم الذين لا يستحقون اسم ~~«الواقعيين». ~~••• # هذا في التفكير ... # أما في المسائل النفسية، فالذي أجزم به أن الزمن لا يغير عناصر النفس الأصيلة، ولا ~~يزيد عليها ولا ينقص منها ... # فكل ما كان في نفسي من أخلاق وأطوار وشهوات أحسستها في إبان الشباب الأول لا تزال ~~قائمة هناك أراها في العشرين، وفي الخامسة والعشرين، وفي الثلاثين وفي الأربعين ~~... # كل ما اختلف منها أنها كانت في حالة الفوران، ثم هي جانحة قليلا إلى الاستقرار ~~... # فكأنما هي مواد في قدر تغلي وتضطرب ... # ففي إبان الشباب الأول كان الغليان شديدا، فكانت هذه المواد تذوب وتتحلل، ويختلط لون ~~منها بلون، وعنصر منها بعنصر، ولا تني صاعدة هابطة لا تلمحها إلى اليمين حتى تراها إلى ~~الشمال، ولا تهم بأن تحصرها وتعرف مقدارها حتى تغيب عنك وتفلت من الإحصاء. # أما فيما بعد ذلك فقد جنحت إلى الاستقرار فأمكن أن تراها، وأن تحصرها وأن تعرف ~~معادنها وألوانها، وقد رسب منها ما رسب ، وطفا منها ما طفا، وقل اختلاطها وتميزت ~~ألوانها؛ فسهل من إحصائها ما كان صعبا، ms125 وأسلس من بيانها ما كان عصيا، ولكنها في جميع ~~الناس هي هي بلا زيادة ولا نقصان. # فالسن لا تغير الطبائع ولا تضيف إلى عناصر النفس، أو تأخذ منها، ولكنها تعرفنا ~~بمقاديرها ومواقعها، وتنقلها من غليان مبهم إلى استقرار واضح، ولكل من هاتين الحالتين ~~فضله ورجحانه، ففي الغليان قوة وفي الوضوح معرفة، والمعرفة مع ذلك قوة للعارفين ~~... # ذلك مجمل ما يقال في التغيير الذي طرأ علي بين العشرين والأربعين من حيث التفكير، ~~ولا سيما في المسائل الكبرى، ثم من حيث الأخلاق والبواعث النفسية. ~~••• # أما شئون المعيشة أو ما يسمى في بعض الأحيان بفلسفة العيش، فالاختلاف فيه بين العشرين ~~والأربعين غير قليل ... # ففي العشرين كنت كالمسافر الموعود في رحلته بأمتع المناظر وأعجب المفاجآت، فلا يزال ~~يعرض عما يراه؛ لأنه دون ما كان ينتظر ويتخيل، ولا يزال مستهينا بالحاضر أملا فيما ~~يليه. # أو أنني كنت في العشرين كالجالس على المائدة وهو يظن أن أطايب الطعام لا تزال مؤخرة ~~محجوزة؛ لأنه لم يجد أمامه طعاما يستحق الإقبال ... # فهو لهذا يصيب منها القليل، ويعف عن الكثير، ويزهد فيما بين يديه ويتشوق لما ~~بعده. # حتى إذا أشفق أن ينهض جائعا تناول مما بين يديه في اعتدال؛ فأمن الجوع، وأمن فوات ~~المقبل الموعود. ~~••• # وكذلك كنت في العشرين وأصبحت في الأربعين، فكنت أرى كل متعة حقيرة زهيدة شوقا إلى ما ~~بعدها وارتيابا في قيمتها، وأن تكون هي كل ما تزلفه الحياة لأبنائها، ثم أخذت نفسي بأن ~~أتناول ما على المائدة تناول رجل لا يفوت الحاضر، ولا يحب أن يفوته المستقبل، والعجيب ~~أنني كنت متنطسا عازفا عن الدنيا حين كانت عندي كلها مادة وحيوانية، وأنني أقللت من ~~التنطس والعزوف حين رأيت في الدنيا شيئا غير المادة والحيوانية...وإنما يبدو هذا عجيبا ~~في الظاهر الذي نراه لأول نظرة دون الباطن الذي نراه بعد إنعام النظر، فإن العزوف الأول ~~كان عزوف عاشق ساخط يطلب من الحياة الكثير ، فإن لم يأخذه أنف من القليل ... ومن طلب ~~صاحبته كلها لم يقنع منها بنفاية ما ms126 تعطيه! ... فالفرق ظاهر بين هذه العلاقة وعلاقة ~~العشرة الهينة التي تقوم على رأي بشار: # إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى # ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه # وبعد، فما النصيحة التي ينصح بها رجل في الأربعين للشبان الناشئين؟ # أحسب أن الشيوخ أولى مني بنصيحة نافعة في هذا المقام، وتلك هي أن يجتنبوا اللجاج في ~~النصح للشبان الناشئين؛ لأنه أضيع شيء عندهم ولا لوم عليهم؛ إذ ليس في وسع الشاب أن ~~يعيش في عمرين مختلفين، ولا في وسعه أن يجمع بين حياة المجرب وحياة غير المجرب، كائنا ~~ما كان نصيبه من اليقظة والذكاء، ولو كانت النصيحة تغني عن التجربة كل الغنى، لكانت ~~الحياة عبثا ضائعا ولاستطاع الفتى في العشرين أن يعلم ما قد علم الشيخ في الستين أو ~~الثمانين؛ فالشيخ الذي يحاول أن يلقن الشاب الناشئ حكمة الشيخوخة كالبستاني الذي يحاول ~~أن يغرس نبات الشمال في حرارة خط الاستواء، فهذا وذاك على خطأ لا يليق ~~بالمجربين. ~~••• # إنما النصح أن توجه ذهن الفتى الناشئ إلى ناحية من الحياة توضحها له ما استطعت ~~التوضيح، فأنت تصوب النور أمام عينيه، ولكنك لا تعطيه النظر، ولا الرغبة في المسير، ~~ولا القدرة عليه، وهذا هو مدى النصيحة المعقول، من تعداه من المجربين فتجربته عبث، وهو ~~- قبل الناشئين - في حاجة إلى الناصحين! ~~(2) وحي الخمسين # من كلمات «فيكتور هيجو» - على ما أذكر - أن الخمسين شيخوخة الشباب، ولكنها شباب ~~الشيخوخة. # وفي هذه الكلمة حقيقة أكثر من مجازها، على خلاف كلمات هيجو التي يكثر فيها المجاز ~~وتقل الحقيقة، ذهابا مع الجرس أو إيثارا لمحاسن التشبيه ... # فذو الخمسين شاب بين الذين نيفوا على السبعين أو الثمانين، يشعر بهذا كما يشعرون به ~~وإن لم يقصدوه ويتعمدوه؛ فإذا اجتمع مجلس من المجالس التي يختار لها الأعضاء ممن جاوزوا ~~الأربعين، كبعض المجالس النيابية وبعض المجامع العلمية والأدبية، رأيتهم يتصرفون في ~~التقديم والتأخير والإيثار بالراحة والرعاية، تصرف الأبناء والآباء في الأدب والمعاملة ~~وهم دون ذلك في السن بكثير، ورأيت أبناء الخمسين، وربما بدرت منهم «شيطنة» التلاميذ ms127 في ~~معاملة الأساتذة الذين يوقرونهم ويحبونهم، ولا يخلونهم من فلتات «الشيطنة» مع ~~ذاك! # ولا حاجة بنا إلى إطالة التذكير بتلك الحقيقة الخالدة التي لا ينبغي أن تنسى في ~~مقام، ونعني بها أن المسألة اعتبارية إضافية في جميع الأعمار والعلاقات، فما يصدق على ~~الخمسين عند فريق من الناس، قد يصدق على غيرهم، وعلى الستين عند آخرين، فإنما الكلام في ~~هذه الأمور على الإجمال، ولا يتأتى أن يساق الكلام فيها على التفصيل لكل فرد من الناس ~~على حدة. ~~••• # ومن الصور التي كانت شائعة في أوائل القرن الحاضر - ولا ترى الآن كثيرا - صورة ~~العمر الإنساني وأدواره من السنة الأولى إلى المائة، فندر دكان حلاق دخلت إليه قبل ~~ثلاثين سنة إلا كانت فيه هذه الصورة التي كان لكل زائر وقفة عندها يتبين فيها مكانه من ~~الدرج الصاعد أو الدرج الهابط، وربما كان التفات الشيوخ إليها أكثر من التفات الصبية ~~والشبان؛ لأن الصبية والشبان واثقون من المكان في حاضرهم وبعد زمن طويل، أو طويل على ما ~~يحسبون، ولكن الشيوخ لا يثقون من مكانهم على هذه الدرجات إلا إلى حين - فهم دائمو ~~التلفت إليه، مخافة أن يضيع! ... # في تلك الصورة طفل مولود في مهده، ثم ولد في العاشرة يعدو وراء طوقه، ثم شاب في ~~العشرين يصاحب فتاة في مثل عمره أو دون عمره بقليل، ثم رجل في الثلاثين معه امرأة ~~تقاربه سنا، وبينهما طفل أو طفلان، ثم كهل في الأربعين تمت له مظاهر السمت والقوة ~~والقوام، ثم يرتقي على قمة الدرج في أوسطه شيخ في الخمسين قد أدار ظهره إلى الدرج ~~الصاعد وقد أدركه بعض الانحناء، واستقبل بوجهه الدرج الهابط وقد تزايد انحناء الهابطين ~~عليه درجة بعد درجة، أو دركة بعد دركة، حتى انتهوا إلى كرسي كمهد الطفل في سنته الأولى، ~~يجلس عليه شيخ فان في المائة، قد نكس رأسه، لا يلتفت إلى الأمام ولا وراء ... # تمثيل حسن لأدوار العمر الإنساني على كل درجة من درجاته مع استحضار الفوارق النسبية ~~بين إنسان وإنسان. # ويصح على هذا ms128 التصوير أن تكون الخمسون أعلى الذروة في درجات العمر كله، قبلها الصعود ~~وبعدها الهبوط، وهي بينهما في مكان الاعتدال والاستواء. # ومن المحقق أو الراجح في جميع الأعمار، أن الخمسين نهاية الكسب أو التحصيل من الحياة، ~~ليس بعدها ما يأخذه الإنسان من الدنيا، ويضيفه إلى تكوين عقله وجسمه، ولكنه لا يزال ~~بعدها يعطى الكثير ويفقد الكثير، إيذانا بفقد كل شيء يأخذه التراب من التراب. # إذا قيل على هذا التعبير: إن الثلاثين سن التحصيل، وإن الأربعين سن الجمع والثروة، ~~فالذي يقال في الخمسين إنها سن التصفية و«عمل الحساب» ليعرف الإنسان نصيبه من الربح ~~ونصيبه من الخسارة. # وهي من ثم سن اغتناء وليست سن افتقار، وإن جاز لي أن أقيس على نفسي فهي لا تقل غنى عن ~~الأربعين، وقد تفوقها غنى من وجوه. # تفوقها غنى لأن التدبير فيها أفضل، لا لأن الثروة فيها أعظم، أو تفوقها غنى لأن ~~الحساب فيها أضبط لا لأن الثروة فيها تزداد على التوالي كلما ازدادت السنون؛ إذ هي في ~~الواقع كما أسلفنا تكف عن الازدياد في جملة المكاسب من خيرات الحياة. # فالرجل الذي ضبط حسابه - بعد التصفية الكاملة - قد يستفيد من مائة دينار ما ليس ~~مستفيده غيره من مائتين قبل ضبط الحساب، والرجل الذي عرف ما له وما عليه يعرف على ~~التحقيق أين يضع ماله وأين يمسك عن الإنفاق، وتلك معرفة لا يحيط بها الرجل الذي عنده ~~المال الكثير، ولكنه قد ينفق من ديون، ويكف عن النفقة من الملك المضمون ... ~~••• # هذه هي فضيلة الخمسين على أدوار العمر السابقة: فضيلة المال المحسوب والنفقة ~~المقدورة، والثروة التي لا تزيد يوما بعد يوم، ولكنها لا تضيع في غير طائل، ولا تذهب ~~في غير المفيد. # ووحي الخمسين هو وحي هذه الفضيلة، أو هو وحي الملك الخالص لا يعتمد على الاستعارة، ~~ولا يقوى على الإسراف في انتظار التعويض من الوارد الجديد ... # إذ الوارد الجديد قليل ... # إذا جاء الوارد الجديد فقلما يتسع الوقت لتصريفه وإعادة تثميره، وقلما يكون له موضع ~~إلا أن يضاف إلى ms129 ما قبله، كل باب إلى بابه وكل نظير إلى نظيره ... # وحي الغنى المحسوب، وليس هو بوحي الغنى بغير حساب، أو هو التدبير وليس هو بوحي ~~التجميع والازدياد. # ذلك هو وحي الخمسين الذي يرتقي إلى ذروة السلم، ثم يقف حيث لا يطول الوقوف. # ومن أمثلة كثيرة بين أصحاب الوحي - وأصحاب الوحي هنا هم المنتجون في عالم الذوق ~~والتفكير - نرى أن ثمرات الخمسين بين الفلاسفة والشعراء، وأرباب الفنون تضارع خير ~~الثمرات في سائر الأعمار ... # ولا يبدو هذا عجيبا في الكلام على الفلسفة والمذاهب الفكرية؛ لأن الفلسفة حكمة، ~~والحكمة مقرونة في الأذهان بالشيخوخة وتقدم العمر، وزيادة التجربة والروية. # ولكنه يبدو عجيبا حين نتكلم عن الشعر والفنون؛ لأن الشعر والفنون جمال، والجمال ~~مقرون في الأذهان بالشباب وصحوة العمر، وقد يكون مقرونا إلى حد كبير بالغرارة، وقلة ~~النصيب من التجربة والروية. # وهنا وهم يجب الالتفات إليه. # إذ يجب التفريق بين الجمال وتقدير الجمال، ويجب التفريق بين تقدير الجمال، والتعبير ~~عن تقديره. # ومهما يختلف المختلفون في جمال الشباب وجمال كل عمر من الأعمار، فالحقيقة التي لا خلاف فيها أن تقدير الجمال لا ينتهي بانتهاء الشباب، وأن القدرة على التعبير لا تنقص ~~بنقصان الشباب، بل لعلها تزيد. # ومهما يقل القائلون عن استطاعة المتعة بالحياة، فالحقيقة التي ليس فيها قولان أن ~~المعدة التي تهضم أعسر المأكولات ليست هي المعدة التي تتذوق أحسن المأكولات؛ لأن الخبز ~~والملح لذيذان عند من يهضم ويستخلص من الطعام القليل أكثر ما فيه من غذاء، ولكن ~~الاختيار الأنيق إنما يكون لمن لا مناص له من الاختيار، فلا يستهويه إلا ما كمل أو قارب ~~الكمال. # فإذا كانت الأعمار الأولى أوفر حظا من متعة الحياة، فالأعمار التالية أوفر حظا من ~~التمييز بينها والشعور بمزاياها والعرفان بما لكل منها من قيمة وحظوة، وهذه هي الحقيقة ~~التي تزيل الوهم العارض الذي أشرنا إليه، وهو الوهم الذي يلقي في روعنا أن وحي الأربعين ~~أو وحي الخمسين لا يوحي جمالا؛ لأن الجمال مقرون بالشباب. # إن جمال الجوهرة غير تقويم الجوهرة، ms130 وغير تمييز الجوهرة، وغير السرور بالجوهرة لمن ~~يقتنيها، وهذا هو بعينه ما يقال عن جوهرة الحياة فيما شئت من الأعمار وما شئت من ~~الأقدار. # ولو اتسع المجال لأتينا هنا بالأمثلة من عشرات الدواوين الشعرية، وعشرات التحف ~~الفنية، وقابلنا بين ما نتج منها في الثلاثين، وما نتج في الأربعين أو الخمسين أو ~~الستين، فإننا لخليقون أن نعلم بالمقابلة والمضاهاة أن المزايا تتعادل وتتفاضل، فلا ~~تنحصر المزايا كلها ولا الفضائل كلها في عهد من عهود الحياة، ولا تزال لكل سن فضيلة ~~تعوضها فضيلة مثلها في سن أخرى، فإذا توفرت حماسة الشعور في بواكيره فقد تقابلها ~~المعرفة بأنواع الشعور بعد فوات البواكير أو تقابلها القدرة على التعبير، والالتفات إلى ~~الفروق، أو تقابلها تصفية تأخذ الخلاصة بعد أن تجمع لديها الكثير من الأزواد. # وفي الشرق تبكر الشيخوخة أحيانا كما يبكر الشباب فيسرع الذبول كما تسرع النضارة، ~~ويكثر النبوغ قبل الأوان كما يكثر الجمود قبل الأوان، ويندر بين أدبائنا من أتى بالفلق ~~بعد الخمسين كما أفلق أناس من أدباء الغرب الذين جاوزوا السبعين أو الثمانين، ولكننا ~~إذا رجعنا إلى أدبائنا الذين بلغوا تلك السن ألفينا لهم حسنات يعيشون بها في عالم ~~الخلود يقرنها الناقد بأجمل حسناتهم المأثورة في أيامهم الأولى، وكلها ذات سمعة واحدة ~~لا تعدوها وهي سمعة الثروة المملوكة والكنز المحسوب ... ~~(3) وحي الستين # إحياء ذكرى الميلاد، أو عيد الميلاد - كما يسميه بعضهم - عادة جميلة لسبب واحد على ~~الأقل، وهو أن الاحتفال بهذا اليوم فرصة سنوية لاجتماع الأهل والإخوان في مودة وصفاء ~~وإيمان بالإقبال على الحياة، كأنهم يشعرون جميعا بأن دخول الحياة «مناسبة سعيدة» تستحق ~~التذكر والاحتفال ... # ولكنني، فيما عدا ذلك، لا أفهم في الواقع معنى لهذا الاحتفال بيوم الميلاد أو بعيد ~~الميلاد ... # هل هو احتفال بانقضاء ما مضى من العمر؟ ... أو هو احتفال بالسنة القادمة التي لا نعلم ~~كيف تكون؟ ... وهل لا يكفينا الاحتفال برءوس السنوات إذا كان المقصود هو الاحتفال ~~بالمستقبل المجهول؟ ... ~~••• # لم أتعود لزاما أن أحتفل بيوم ميلادي، ولم يعلم أحد مني ms131 أنا ببلوغي الستين في هذه ~~السنة ... ولكن أصحابي الذين يعرفون تاريخ ميلادي علموا بذلك، وتفضل بعضهم فكتب في الصحف ~~مهنئا ومحييا لهذه المناسبة ... فلم أفرغ بعد ذلك من الأسئلة التي ساقتها إلي هذه ~~المناسبة السعيدة ... ولم أزل أتلقى هذه الأسئلة التي تدل - أو معظمها - على فكرة واحدة ~~عند سائليها، وهي أن الستين «نقطة تحول» في تاريخ الإنسان يكون له من بعدها شأن غير ~~شأنه قبل بلوغها ... ولا أدري كيف؟ ... # إن الحياة ليست كالساعة أو الخريطة المرسومة بخطوط للتوقيت أو بخطوط للعرض والطول، ~~وليس كل خط من هذه الخطوط المعروضة فيها فاصلا حاسما بين عمرين ... # والستون من ناحية أخرى رقم ثابت لا يتغير ... وأين الرقم الثابت الذي لا يتغير من أطوار ~~الحياة التي هي حركة متغيرة على الدوام في كل حي من الأحياء؟ ... # وأين الرقم الثابت الذي لا يتغير من أطوار الحياة في الأحياء المتعددين الذين يحسبون ~~بالملايين؟ ... ~~••• # لقد سمعنا من زميلنا الأديب الظريف الشيخ عبد العزيز البشري - رحمه الله - نكتة قالها ~~لعضو جليل من أعضاء المجمع اللغوي حين أحيل على المعاش، فقال له متبسطا: «إنك لأصغر ~~من بلغ الستين!» # وكانت هذه النكتة تروى على أنها مزاح تجوز فيه المفارقات، ولا تستلزم فيه الدقة في ~~التعبير ... ولكن الواقع أنها جد دقيق وليست بالمزاح المرسل على عواهنه؛ لأن الستين ~~بالنسبة إلى إنسان قد تكون «أصغر» من الخمسين بالنسبة إلى آخر، وأكبر من السبعين ~~بالنسبة إلى غيره! # والمرجع في ذلك إلى العلم والتجربة المعهودة بين الناس، فإن علماء التاريخ الطبيعي ~~يقررون نسبة بين سن النضج وعمر الحي من الآدميين وغير الآدميين: بعضهم يقول إن عمر الحي ~~ثمانية أضعاف السن التي يتم فيها نموه ونضجه، وبعضهم يقول إنه سبعة أضعافه أو ستة ~~أضعافه ... ولكنهم متفقون على وجود النسبة بين أسنان النمو وبين أعمار الأحياء. # فلا غرابة على هذا أن يكون المبكر في النمو مبكرا في الشيخوخة، وأن يكون ابن الستين ~~في هذا الإقليم أصغر من ابن الخمسين في ذلك الإقليم، على حسب اختلاف الجو ms132 والمناخ، وعلى ~~حسب اختلاف أثرهما في تكوين الأجسام والأعضاء. ~~••• # كذلك تختلف القدرة والعجز في الشيخوخة، على حسب اختلاف الأعمال أو الأعباء التي ينهض ~~بها الإنسان ... وقبل أن نقول مثلا إن الشيخوخة أعجزته عن عمله، ينبغي أن نعرف أولا ما ~~هو هذا العمل الذي أعجزته عنه؟ ... # فالرجل الذي يجاهد بأعضائه وعضلاته غير الرجل الذي يجاهد بتفكيره وعزيمته، أو الرجل ~~الذي يجاهد بحسه وشعوره ... # بل تختلف المجاهدة بالتفكير والعزيمة على حسب الاختلاف في نوع التفكير ونوع ~~العزيمة. # فمصطفى كامل قد استطاع أن يثابر على القتال وأضلاعه مكسورة، وسعد زغلول قد عاش برصاصة ~~في صدره وهو إلى جانب ذلك مصاب بالربو وبغيره من الأدواء ... # إن الزعامة بنوعيها هذين، تتطلب هذه القوة الخارقة في تكوين البنية الجسدية ... # ولكن هل يحتاج إلى مثل هذه البنية رجل يقوم عمله الأكبر على الدراسة والبحث والاطلاع! ~~... # على هذا النحو من الاختلاف، يتغير الحكم على أبناء الستين أو أبناء أية سن من أسنان ~~الحياة ... # ثم هو لا يتغير من سنة إلى سنة، كأنما تقع السنون في الحياة موقع الخطوط على الخرائط ~~والساعات ... # ولكنه يتغير من فترة إلى فترة، يحسبها كل إنسان بما يتفق له من التجربة والاختبار ~~... ~~••• # ومن هنا أعود فأقول: إن «الستين» لم تكن في حياتي نقطة تحول بين عهدين أو بين عمرين ... ~~ولكنني إذا نظرت إلى الفترة التي تمت بها الستون والفترة التي تمت بها الخمسون مثلا، ~~فهناك بعض الاختلاف بين الفترتين ... # وهو فيما يخيل إلي اختلاف في التلوين أو في التمكين، وليس اختلافا في جوهر ~~الموضوع ومادة القدرة والشعور. # ومثال ذلك أنني قد زادت قدرتي على البحث والدراسة، ونقصت قدرتي على مواصلة الكتابة ~~والقراءة، ولكنني عوضت هذا النقص بازدياد المرانة على الكتابة، وازدياد الخبرة بالتقاط ~~أصعب الفوائد من أيسر القراءات ... # زادت حماستي لما أعتقد من الآراء، ونقصت حدتي في المخاصمة عليها؛ لقلة المبالاة ~~بإقناع من لا يذعن للرأي والدليل ... # لم تنقص رغبتي في طيبات الحياة، ولكنني اكتسبت صبرا على ترك ما لا بد من تركه، ~~وعلما ms133 بما يفيد من السعي في تحصيل المطالب وما لا يفيد ... ~~••• # وارتفع عندي مقياس الجمال، فما كان يعجبني قبل عشر سنين لا يعجبني الآن، فلست أشتهي ~~منه أكثر مما أطيق ... # كنت قبل عشرين سنة كما أنا الآن ... قليل الرجاء في خير بني الإنسان، وكنت أقول قبل ~~عشرين سنة: # بحسبي من أبناء آدم إن صفا # لي العيش يوما أن تكف أذاها # ولكن فلسفة الشعور هنا قد تحولت إلى فلسفة العمل، ولا أطيل في شرح هذا الفارق بين ~~الفلسفتين، ولكنني أبينه بمثل من الأمثلة العملية يغني عن الشروح والنظريات ... # كنت أقول لمن معي في مسكني إذا نمت أو تفرغت للكتابة: لا توقظوني ولا تقاطعوني إذا دق ~~التليفون أو جاءكم زائر ... ما عدا هذا الاستثناء، وذاك الاستثناء، وذلك الاستثناء، أما ~~اليوم فلا استثناء على الإطلاق. # كنت أحب الحياة كعشيقة تخدعني بزينتها الصادقة وزينتها الكاذبة، فأصبحت أحبها كزوجة ~~أعرف عيوبها وتعرف عيوبي، ولا أجهل ما تبديه من زينة وما تخفيه من قبح ودمامة ... # وتلك فيما أرى نماذج كافية لبيان الفوارق بين الفترتين ... فترة الستين، وفترة الخمسين، ~~أو ما قبلها من أرقام العقود! ... # وفي الجملة يتبين لي من التجربة والاختبار أن المشتغلين بالأعمال الفكرية لا تهيض ~~السن من قدرتهم كما تهيض من قدرة العاملين بالعضلات، وما يشبه العضلات ... # إن السن مكسب للعاملين بالقلم، أو هي إلى المكسب أقرب منها إلى الخسارة ... ~~••• # ويسأل سائل: «وأين خرف الشيخوخة؟» # فيجيب قبلي مجيبون كثيرون: «إن الذين حسبوا أن الخرف والشيخوخة حالتان متلازمتان، ~~بقية من بقايا القرون الغابرة؛ لأن العلم الحديث يعلم أن خرف الشيخوخة مرض من أمراض ~~البنية وليس بعرض من أعراض الأسنان والأعمار ... فمن نجا من جراثيمه نجا من أعراضه كما ~~ينجو من الأمراض، وكما ينجو من الجراثيم.» ~~(4) وحي السبعين # في الشباب نأخذ الحياة «مقايضة» لأنها تطلبنا كما نطلبها...أو نبذل فيها أضعاف ثمنها؛ ~~لأننا نجهل حقيقتها، ونملك ثروة الشعور التي تساعدنا على الإسراف والبذل الجزاف. # وفي الشيخوخة نأخذ كل شيء بثمنه، ولا نعطيه فوق حقه؛ لأننا فقراء لا نملك ms134 الثروة التي ~~ننفقها كما نريد، وعلى الرغم منها ننفقها كما نستطيع ... # لا تسل أي الحالتين أفضل و«أعقل» فلا اتفاق على جواب لهذا السؤال ... ~~••• # ولكنك إذا سألت: أيهما أحب وأجمل، فلا خلاف على الجواب: بين الشباب والشيخوخة فروق ~~كثيرة، فما من حالتين من أحوال هذه الدنيا بينهما من الفروق أكثر مما بين هاتين ~~الحالتين. # ولكن الفارق الأكبر بينهما أن الشباب حالة نتمناها على علاتها، وأن الشيخوخة حالة ~~نرضاها أو لا نرضاها على حسب الظروف! # نتمنى الشباب على علاته، ونتمنى جهله كما نتمنى هداه، إن كان له هدى أو هداية مع ~~هواه! ... # بل نحن نتمنى جهله قبل هداه ... # لأن جهله هو الذي يعطينا الجديد من مرارته وأسراره، وجهله هو الذي يعطينا أول قطفة من ~~ثماره وأزهاره، وجهله هو الذي يشوقنا إلى غده في كل يوم من أيامه، ويجعل كل يوم من هذه ~~الأيام كأنه يوم «كولمبس» في بحر الظلمات، أو يومه بعد ذلك في العالم الجديد. # والمرء يتمنى ما يجهل، ولا يتمنى ما يعرف، ولو عرفه لما تمناه، ولا وافق مناه؛ لهذا ~~نتمنى الشباب على العلات! ... # ولا يضيرنا أن نكون من الجهلاء! ... # فهل نتمنى الحياة في السبعين؟ ... # كلا ولا كلام ... ولا نتمناها في السبعين بل نتمناها في العشرين وفي الثلاثين ونتمناها ~~كلما جهلناها أو عرفناها على الظن لا على التحقيق. # أما في السبعين - وأنت في السبعين - فالتمني كلمة كبيرة عليها، وعلى كل شيء تعرفه ~~قبلها وبعدها. # التمني كلمة كبيرة جدا على المقام أو على المناسبة، ولا بد لها من تواضع كثير قبل ~~الطمأنينة والاستقرار، فحسبها أن تهبط من هذه العلياء إلى الوادي المطمئن بين ~~القمتين! ~~••• # حسبها أن تهبط إلى وادي الرضا والقبول، فقد يكون الرضى بها غاية ما تستحقه من صاحبها، ~~على اضطرار وعلى اختيار! # هل ترضى الحياة في السبعين؟ ... نعم ... فيها ما نرتضيه ولا ريب، وفيها البديل الصالح ~~أحيانا مما فقدناه في العشرين ، ولم نجده في الثلاثين، ومما فقدناه في الثلاثين ولم ~~نجده في الأربعين، ومما فقدناه ونفقده في كل سن ms135 ولا نجده ... # فيها بديل بالرضى المعلوم عن الأمل الموهوم، وقد يكون الرضى بما تعلم بديلا صالحا ~~من كل ما نرجو ونتوهم، ثم تندم عليه ولات مندم! # نحمد من السبعين أنها تعطينا الرغبة على قدر الطاقة، وأنها تعطينا الرغبة ومعها ~~لجامها الصغير، تشد عليه إذا خطر لها أنها في حاجة إليه. # ونحمد منها أنها تعودنا الاستغناء عما يلزم وما لا يلزم ... فليس في السبعين من ضروري ~~لا غنى عنه، حتى الحياة، وحتى المجد، حتى الخلود! ... # ونحمد منها أنها تعوضنا بالخبرة عن القوة، بل تعوضنا بالخبرة عن الوقت الثمين وهو ~~مادة الحياة. # فإذا احتجنا في العشرين إلى عشرين سنة لنعرف إنسانا نصاحبه، فحسبنا في السبعين عشرون ~~ساعة لنعرف ذلك الإنسان غاية المعرفة التي تتاح للإنسان، بل حسبنا كلمة نسمعها منه أو ~~نسمعها عنه لنستغني بها عن الزمن الطويل في عشرته، وندخله في زمرة السواد التي تشمل كل ~~بني آدم وحواء، كما قال أبو العلاء: # وما العلماء والجهال إلا # قريب حين تنظر عن قريب # وإذا كان ابن السبعين ممن يقرأون ويكتبون فحسبه عشرون سطرا من كتاب ليعرف ما هو ~~الكتاب في الجوهر واللباب، ويعود إلى ما شاء من أبوابه أو يقنع منه إذا شاء بهذا الباب ~~بعد ذلك الباب. # وفي السبعين جديدها الذي لا تشتهيه - الأنفس - ولكنه جديد يذهب بسآمة التكرار، فابن ~~الأربعين يتبدل نظاما للمعيشة أو نظاما للصحة سنوات بعد سنوات. ~~••• # إذا تغير نظام المعيشة عنده في الثلاثين لم يسأل عن نظام جديد قبل الأربعين أو ~~الخمسين، وإذا تغير نظام المعيشة عنده في هذه السن، فلعله لا يسأل عن غيره قبل الخامسة ~~والخمسين أو السادسة والخمسين، أو الستين ... # أما نظام الستين فما هو بصالح للحادية والستين إلا بشق الأنفس، وتعب الرأس، وجهد الطب ~~والصيدلة، ودع عنك الخامسة والستين والسبعين وما فوق السبعين. # ولقد سئلت قبل عشر سنين عن شعوري بالحياة في الستين، فقلت: إنه شعور الحب لا مراء، ~~ولكنه حب غير حب الحياة في ريعان الشباب؛ لأن الحياة لا تخدع الشيخ في ms136 الستين بالأبيض ~~والأحمر والكحل والطلاء، ولا تطمع منه في حب كحب المعشوقة الفاتنة تخلبه بزينتها وتروعه ~~بما تبديه وما تخفيه، وارتبطت به وارتبط بها على الخير والشر وعلى الحسنة والسيئة وعلى ~~الوئام والخصام، وليست بالمعشوقة التي تتحبب إليه، ويتحبب إليها، وتلقاه ويلقاها على ~~نمط من الإعجاب لا يخلو من التمثيل! ... # فإن يكن لا بد من تشبيه الفارق بين مكان ابن السبعين ومكان ابن العشرين من الحياة ... ~~فهو على ما أحسب مكان واحد عند المائدة المشتهاة ... # وإنما الفارق في «القابلية» أو اشتهاء الصحاف والصنوف، فلا نسيغ في السبعين ما كنا ~~نسيغه في العشرين، ولا ننتفع اليوم بما كان ينفعنا بالأمس، ولكنني لو تخيلت الحياة ~~طاهيا يبسط أمامنا صحافه وصنوفه، لتخيلته مبتهجا متهللا كلما مددت يدي إلى صنف من ~~صنوفه التي يبسطها على المائدة لضيوفه ... فلا فخر للطاهي في نهم الجائع الذي يلتهم كل ~~شيء ولا يعزف عن شيء، وله الفخر كل الفخر في كل لقمة يتناولها الشبعان القانع أو ~~المتردد المصدوف. ~~••• # ومن سألني: هل تبادل؟ ... هل تساوم على الزيادة والنقص في البدل؟ ... هل تعطي وتأخذ وأنت ~~مفتوح العينين في هذه الصفقة الرابحة؟ ... وهل تسميها «صفقة رابحة» إذا أعطيت السبعين ~~وأخذت العشرين والأربعين؟ ... # فلا يحسبن السائل أنه يسأل عن تحصيل حاصل، ولا يعجلن بالجواب؛ لأنه يخاله من فصل ~~الخطاب. # كلا ... لا أبادل، ولا أقبل المساومة بغير معارضة على الشروط، ولن أقبل كل ما في ~~العشرين أو أنفي عن كل ما في السبعين. # يفتح الله ... فإما الحياة «على السكين» وإما لا حياة، ولن تجدني يوما أحرص الناس على ~~حياة، فما هي بشيء في حسابي إذا تجردت أمامي من الألف واللام، وحبذا هي من حياة إذا ~~علمت أنها «الحياة» للعهد والتعريف ... # وسأنفي من العشرين والأربعين كل ما سوغ لي ما لا يسوغ، وكل ما هون عندي ما لا يهون، ~~إما في باطل لا يتحقق ولا خير فيه إذا تحقق، أو مجاملة لمن تستر لهم جهالتهم ولا ~~يسترونها، ومن يسترون كل فضيلة ولا يكادون يرونها ms137 ... # وسأبقي معي في السبعين كل ما يعين النفس على هجران الحياة إذا وجب أن تهجر، ~~وهجرانها واجب يوم تستبقيني وأنا آسف للبقاء فيها. ~~••• # ولئن تمنيت شيئا بعد السبعين، لأتمنين أن أعيش فلا أعيش عبثا ولا فضولا، وأن أعيش ~~كما عشت بحمد الله على الدوام، أحقابا وأحقابا إلى الأمام، فيقول الناس اليوم ما كنت ~~أقوله قبل عشرات الأعوام، فذلك هو العمر الذي أحتسبه سلفا وأعيشه قبل حينه، فلا يكلفني ~~انتظاره إلى الختام. ~~(5) اعترافاتي # دارت عادة الاعترافات دورة تامة منذ وجدت قبل أكثر من ثلاثة آلاف سنة، إلى أن دخلت ~~في نطاق الطب النفساني والجسماني قبل نحو ثلاثين أو أربعين سنة. # وقد اشتهرت الاعترافات في الهياكل على عهد الحضارة البابلية قبل ميلاد السيد المسيح ~~بعدة قرون، وكانت في حقيقتها ضربا من العلاج الجثماني الذي يتطلبه المريض من الطبيب؛ ~~لأن البابليين كانوا يعتقدون أن المرض والبلاء على اختلافه عقوبة إلهية يقتص بها ~~الأرباب من أصحاب الذنوب والخطايا، وأن الذي يبوح بخطيئته ويندم عليها يشفى من دائه ~~بوساطة الكهان والأحبار، فكان الاعتراف بهذه المثابة ضربا من الاستشفاء، كعلاج الأمراض ~~بالطب في العصر الحديث. # وهكذا عاد كما بدأ، في أوائل القرن العشرين، فشاع الكلام عن الكبت، وعن العقد ~~النفسية، وعن أثر التنفيس عنها بالاعتراف، والكشف في شفاء الأبدان والنفوس، فتمت ~~الدائرة في حلقة مفرغة من أيام البابليين إلى أيامنا هذه من القرن العشرين. # ولن يكون الاعتراف اعترافا في رأي بعضهم، إلا إذا كان اعترافا بأمر يغلب على الناس ~~إنكاره وكتمانه، فلا يفهمون من الاعتراف إلا أنه إعلان لخبيئة في النفس تشين صاحبها، ~~وتدعوه إلى إخفائها. # لكنها على التحقيق مغالطة من مغالطات «العرف» التي تواضع عليها أبناء آدم وحواء على ~~سنة الكذب والرياء، فهم جميعا سواسية في الخطايا والعيوب التي يخفونها ولا يعترفون ~~بها، ومتى صدق عليهم قول السيد المسيح: «من لم يخطئ منكم فليرمها بحجر.» فلا حاجة بهم ~~إلى الحجارة ولا إلى الرجم، ولا معنى لخجل قوم وشموخ آخرين، وما لم يكن الإنسان مجرما ~~غارقا ms138 في الإجرام أو نذلا مغرقا في الخسة، فعيوبه وخطاياه «قاسم مشترك أعظم» بينه ~~وبين الآدميين جميعا من قبل الطوفان إلى نهاية الزمان. # وحسبي اعترافا في هذا الصدد أن أحدا من الناس لم يسلم من عيوبي وخطاياي؛ فهل في ~~وسعهم جميعا أن يدعوا مساواتي في جميع فضائلي ومزاياي؟ # من شاء أن يدعي فليدع ما يشاء، ولكنني لا أرى من الإنصاف أن أستهدف للحجارة، ~~وعندي حجارة مثلها أقابل بها كل حجر بعشرة من أمثاله حين أريد أو حين أستطيع. # وأنا بحمد الله لا أريد ولا أستطيع، فلتكن حجارتي محفوظة في محجرها الأمين، وليكن ~~اعترافي نوعا من التعريف الذي يفيد، أما تبادل الحجارة طردا وعكسا، وعكسا وطردا ~~فهو عبث لا يعيى به راجم ولا مرجوم، وهو كذلك لا يفيد. # أعترف بالخصائص النفسية التي تدل الناس على بعض الحقائق في الطبيعة الإنسانية، وذلك - ~~ولا ريب - أجدى من الاعتراف بالعيوب والخطايا التي يتشابه فيها أبناء آدم وحواء على ~~السواء أو على مقربة. ~~••• # وأول ما أعترف به أنني مطبوع على الانطواء، وأنني - مع هذا - خال بحمد الله من العقد ~~النفسية الشائعة بين الأكثرين من أندادي في السن ونظرائي في العمل، وشركائي في العصر ~~الذي نعيش فيه. # ولقد ورثت طبيعة الانطواء من أبي وأمي، فلا أمل الوحدة - وإن طالت - بغير قراءة ولا ~~تسلية، ولا أزال أقضي الأيام على حدة؛ حيث يتعذر على الآخرين قضاء الساعات ~~واللحظات. # كيف يتفق هذا؟ ... كيف يتفق الانطواء على النفس والخلو من العقد النفسية أو من الأسرار ~~المكبوتة في اصطلاح النفسانيين المحدثين؟ # هنا محل للاعتراف الذي قلنا: إنه خير وأجدى من تبادل الحجارة، فإن تفسير ما أعرفه من ~~عادات طبيعتي خليق أن يصحح الأوهام عن معنى الانطواء، ومعنى العقد النفسية. # فليس كل انطواء كبتا للنفس، أو كتمانا لسر من الأسرار الخفية، وهناك فارق كبير بين ~~السكوت خشية من الكلام، والسكوت لأنك لا ترى حاجة إلى الكلام. # فإذا سكت الإنسان خاشيا فهنالك عقدة نفسية، وإذا سكت الإنسان لأنه لا يشعر بالحاجة ~~إلى الإفضاء والتصريح ms139 فلا عقدة هناك، ولا كتمان. # وقد تعودت أن أقول ما أريد حين أريد، فلا أعكف على العزلة كبتا ولا حذرا، ولا أحس ~~التناقض بين الانطواء والاستراحة من آفات الكبت والعقد النفسية. ~~••• # ويغلب على المنطوين أنهم لا يألفون الناس بسهولة، وأعترف بأنني واحد من المنطوين في ~~هذه الخصلة ... # ولكنني أعترف كذلك بأن الألفة التي تصح بيني وبين أحد من الإخوان لا تنقطع ولا تتعرض ~~للقطيعة باختياري، وقد يتعدى الأمر ألفة الإخوان إلى ألفة غيرهم من الأحياء والأشياء؛ ~~فالحلاق الذي عرفته منذ ثلاثين سنة هو الحلاق الذي أعرفه اليوم، والطاهي الذي عمل عندي ~~في سنة خمس وعشرين أو نحوها هو الطاهي الذي يعمل عندي في سنة خمسين أو إحدى وخمسين، بل ~~أدع الأحياء من الآدميين، وأذكر المنزل الذي أقيم فيه، فهو مسكني منذ أربع وعشرين سنة، ~~ولا أحسبني أسكن غيره ما دمت تسعني سكناه. # وأعترف إلى جانب هذا بأنني لا أعرف التوسط بين الحب والكراهية، ولا أريد أن أعرفه، ~~وشعاري في ذلك هو شعار أبي إسحاق الصولي الذي قال: # خل النفاق لأهله # وعليك فالتمس الطريقا # واربأ بنفسك أن ترى # إلا عدوا أو صديقا # فأنا أفهم أن يقبل الإنسان نصف صداقة إذا كان مضطرا إليها، وأفهم أن يقبل الإنسان ~~نصف عداوة إذا كان خائفا منها، ولكنه إذا وجد الصداقة كاملة، فلماذا يجمع بينها وبين ~~نصف الصداقة؟ ... وإذا استوجب العداوة كاملة فلماذا يتقيها ويداريها! ... # إن طائفة من الخلق يستبقون العلاقة بينهم مع انقطاع المودة طلبا لدوام المنفعة، ~~فهؤلاء يمثلون ويتاجرون، ولا ضير من التمثيل فنا، ولا من التجارة عملا، ولكن الضير ~~كل الضير من التمثيل في الضمير والاتجار بالعاطفة، ففي هذا من المعابة ما يعاب على ~~المتاجرة بالأجسام والشهوات. ~~••• # وعندي صفة يسميها الشانئون عنادا وتشبثا، ويسميها المحبون عزيمة وصدق إرادة ~~... # أعترف بأنهم مصيبون في جانب، ومخطئون في جانب ... فقد يبلغ من ضعف إرادتي أحيانا أن ~~أحتال على نفسي كأنها شخص آخر أطلعه على بعض مرادي، وأخفي عنه بعضه، فإذا اعتزمت ~~الإقلاع عن التدخين مثلا ms140 قلت لنفسي: اتركيه أسبوعا وانظري ما يكون بعد أسبوع. أقول ~~لها هذا وأنا أنوي أن أتركه أبدا فلا أقطع بهذا الترك دفعة واحدة، ثم أعود بعد أسبوع ~~فأقول لها: إن شيئا تقدرين على تركه أسبوعا لا حاجة إلى احتماله على مضض، ولا حكمة في ~~العودة إليه. # أعترف بهذا وأعترف معه بأنني في المواقف الحاسمة أملي على تلك النفس بعينها شروطا ~~كشرط القائد الذي لا يرحم: العدو أمامك والبحر وراءك ... وافعلي ما تشائين. # ومن لطف الله بالعباد أن هذه المواقف الحاسمة لم تتكرر في حياتي أكثر من خمس مرات أو ~~ست مرات، ولم أندم قط - بحمد الله - مرة في جميع هذه المرات. # أعترف بأنني من الزاهدين في البذخ والحطام، ولكنني أعترف بأنه زهد لا فضل لي فيه؛ ~~لأنه لم يكلفني مشقة المغالبة والمقاومة، فليس في النفس هوى أغالبه وأقاومه، وإنما ألوذ ~~في هذه العصمة بسند واحد، وهو سهولة احتقاري للباذخين ومن ينظر إليهم نظرة الإكبار ~~والإعجاب؛ فهؤلاء وهؤلاء أهون عندي من الهباء. # وأعترف بأن عنان النفس يفلت من يدي في حالات كثيرة، ولكنها حالات أراجعها أحيانا فلا ~~آسف لإفلاته، بل أرى أن ضرر الإطلاق أخف من ضرر الشد والكظم وثني العنان. # أما اعترافاتي في ميدان الأدب فمنها ما يخصني ومنها ما يعم القراء معي ... # وأول هذه الاعترافات أنني أقرأ لنفسي، وأقرأ أحيانا في موضوعات لم أكتب فيها للقراء ~~حرفا واحدا حتى الساعة. # ولا أطالب أحدا بجميل؛ لأن جميلي لنفسي سابق لكل جميل، ولكنني أعترف كذلك بأنني لا ~~أطيق التواضع الكاذب، الذي هو رياء في المتكلم، وغفلة في السامع، فإذا بخسني الباخسون ~~حقا فدعواي إذن أمام ضميري لا يزعزعها إجماع الخافقين. # أعترف بأنني أحب الشهرة والخلود، ولكنني أعترف كذلك بأنني لا أطلبهما بثمن يهيض من ~~كرامتي، وأنني إذا أحسست أن إنسانا يمتن علي بشهادة يبذلها أو شهادة يمنعها فلا ~~نصيب له عندي غير التحدي الذي يذهب به إلى الحائط، ولتذهب الشهرة، وليذهب الخلود معها ~~إلى الشيطان. # ولقد تعبت كثيرا في تحصيل الأدب ms141 والثقافة، ولكنني أعترف بعد هذا التعب كله بقصوري عن ~~الغاية التي رسمتها أمامي في مقتبل صباي، فلم أبلغ بعد غاية الطريق، ولا قريبا من ~~غايته، وإذا قدرت ما صبوت إليه بمائة في المائة، فالذي بلغته لا يتجاوز العشرين أو ~~الثلاثين. # | الفصل التاسع # (1) في مكتبتي # قلت لك يا صاحبي: إنني أحب مدينة الشمس لأنني أحب النور. # أحبه صافيا وأحبه مزيجا، وأحبه مجتمعا وأحبه موزعا، وأحبه مخزونا كما يخزن في ~~الجواهر وأحبه مباحا كما يباح على الأزاهر، وأحبه في العيون، وأحبه من العيون، وأحبه ~~إلى العيون! # ويوم سكنت في هذا المكان، ونظرت من هذه النافذة، أعجبني أنني أفتحها فلا أرى منها إلا ~~النور والفضاء. # والحق أنه لا فضاء حيث يكون النور. # وكيف يكون فضاء، ما يملأ العينين، ويملأ الروح، ويصل الأرض بالسماء؟! # قلت لك يا صاحبي: إنني أحببت النور فكسنت في مدينة النور! ... # وأود أن تفهمني حين أقول لك: إنني أحب النور. # فإنني لا أحبه لأنه يريني الدنيا وما فيها، أو لأنه هو واسطة الرؤية وأداتها، ولكنني ~~أحبه لأراه ولو لم أر شيئا من الأشياء. # وقديما كنت أقول: إن الأرواح تخف في النور كما تخف الأجساد في الماء، كأنها هي تسبح ~~فيه وتطفو عليه. # وكنت أقول: # النور سر الحياة # النور سر النجاة # ألمحه بالروح لا # لمح العيون الخواة # ما تبصر العين من # معناه إلا أداة # وكنت أحسبه «روحانية» ترى بالعين و... # أرى الأرض روحانية في جمالها # وإلا فما بال النفوس بها تسمو # إذا فاض منها النور هزت قلوبنا # سعادة روح ليس يعرفها الجسم # ولو أنها من لذة الحس عفتها # كما قد يعاف اللمح والسمع والشم # كرهت من الدهر الكثير ولم يزل # بقلبي من شمس النهار هوى جم # ترى كل يوم وهي عندي كأنها # غريب عرا لم يدر وصف له واسم # عجبت لأرض تخطر الشمس فوقها # وتشرق فيها، كيف يطرقها الغم؟! # فلا أتكلم بالمجاز حين أقول لك يا صاحبي: إنني أراه من عالم الروحانيات، وإنني أشبع ~~منه الروح والعين ولا أشبع منه العين ms142 وكفى، وإنه شيء يرى ويرى ويري، ولا تمل رؤيته ~~ولا يشبع من النظر إليه، وليس هو الشيء الذي غاية ما يكفيك منه أنه يريك ~~الأشياء. # قال صاحبي: هذا من عمل النشأة الأولى ... هذا من عمل أسوان! # قلت: أوتظن ذلك؟ ... ولم لا تظن أن النشأة الأولى تزهدنا فيما هو مبذول لدينا، بل فيما ~~هو مسلط علينا؟ # هل رأيت شاعرا من شعراء الصحراء يتغنى بالشمس المجيدة أو الشمس الفاخرة أو الشمس ~~الباهرة كما يتغنى بها أبناء الغيوم أو أبناء الشمال؟ # لست معك يا صاحبي فيما قدرت، ولعلي كنت أقدر معك هذا التقدير لو أنني نشأت في أسوان ~~أحب الظلال وأكره سطوة النور وأحسبه من قضاء الله الذي يطاق ولو في بعض المواسم ~~والساعات ... # ولكنني - على ما رأيت - أستطيع أن أقول لك: بل إنني لأحب النور على الرغم من النشأة ~~في أسوان، وإنني أحبه حين أنظره وأحبه حين أنظر به، وأحبه حين أهتدي به في عالم البصر ~~وأحبه حين أهتدي به في عالم البصيرة؛ لأنني أحسبه سر الأسرار أو أحسبه سبيل الهداية إلى ~~سر الأسرار، وأوشكت أن أومن بهذا الحسبان كل الإيمان. # قال صاحبي: ما أعجب أن يكون أظهر الأشياء هو أخفى الأشياء! # قلت: يا صاحبي لا عجب أن يكون أظهر الأشياء هو المظهر للخفاء في كل معانيه، ولا أحسب ~~أن حجابا من الحجب الكونية سيرتفع في مجال العلم أو مجال الحكمة من طريق غير طريق ~~النور، مهما يطل الزمان. # وكنا نتحدث في المكتبة، فتناولت بعض الكتب التي تبحث في الروح والمادة، وقلت لصاحبي: ~~أعرفت حجة السياسي الفيلسوف «آرثر بلفور» في نفي الصلة بين عالم المادة وعالم الروح؟ ... ~~إنه يقول: إن الروح لن تؤثر في الأجساد إلا بجسد مثلها، فكيف يكون هذا التأثير؟ ... إن ~~الروح تخالف الجسم في تكوينه فكيف تعمل فيه عملها وما هي الأداة الجسدية التي تتلقى ~~عنها دوافعها! فإما أنهما شيئان منفصلان فلا تتأتى بينهما صلة على وجه من الوجوه، وإما ~~أنهما شيئان متشابهان فلا اختلاف إذن بين تكوين الأرواح ms143 وتكوين الأجساد! # قال صاحبي: إخاله قوي الحجة في مقاله. # قلت: وكذاك إخاله، ولكننا إذا شككنا في أحد العنصرين: عنصر المادة، وعنصر الروح؛ ~~فأيهما أولى بالشك فيما تراه؟ # قال: على كل حال لا أستطيع الشك في المادة وهي تحيط بي وتصدني وتصدمني، إذا أنا غالطت ~~نفسي فيها. # قلت: بل في المادة تستطيع أن تشك وتفرط في الشك قبل أن تواتيك دواعي الشك في عالم ~~الروح. # وإنما ساء فهم المادة والروح معا من تصور الأقدمين هذه وتلك؛ إذ وضعوهما موضع ~~النقيضين، وجعلوا المادة كثافة لا حركة فيها، وجعلوا الروح حركة لا كثافة فيها. # فهل المادة كذلك؟ # هل هذه الكثافة التي تصدمها بقدمك وتضربها بيدك هي الحقيقة التي لا تستطيع ~~إنكارها؟ # أقول لك: كلا ... إنك حين تضرب الأرض بقدمك فتزعم أنك صدمت الحقيقة التي لا تقبل ~~المراء، إنما تصدم شيئا غير الكثافة أو الجرم الذي يحسب عند بعض الناس وجودا لا ~~يقبل الإنكار، فإنما الوهم كل الوهم هذه الكثافة، وإنما الوجود الحق هو ما وراءها من ~~قوة تصدم القوى فتصدم الحواس. # هذه الكثافة المادية لا شيء يا صاحبي لولا القوة التي تكمن في أطوائها، وإن شئت ~~مصداقا لذلك؛ فافرض أن يدك التي تقف عند هذه الخشبة قد زادت قوتها ألف ضعف أو عشرة ~~آلاف، ثم عد إلى لمس الخشبة بتلك القوة المضاعفة، فهل تقف عندها؟ ... كلا ... إنها لا تقف ~~عندها بل تعبرها كما تعبر الهواء. # أو تعال إلى الماء والهواء وهما مثال التخلخل في تلك الكثافة المادية، فادفع الماء ~~بقوة من بعض العيون ... إنك إذن لتضربه بالسيف القاطع فلا يمضي فيه ويرتد إليك، وادفع ~~الهواء بقوة مع بعض الفوهات ... إنك إذن لا تثبت أمامه على قدميك. # فليست الكثافة المادية هي الحقيقة التي لا مراء فيها، بل القوة هي الحقيقة الكامنة في ~~تلك الكثافة وفي كل مادة ملموسة أو محسوسة. # قال صاحبي: مهلا ... مهلا ... وأين هذا من النور؟ ... وأين هذا من سر الأسرار؟ # قلت: صبرا يا صاح، إن كل جسم من الأجسام يتألف من ms144 الذرات، وكل ذرة من هذه الذرات ~~تتألف من النواة والكهارب، ثم من الحركة أو من طاقة الإشعاع والنور ... تقلصت كثافة ~~المادة كلها ووصلنا إلى الشعاع والإشعاع: وصلنا إلى النور، واقتربنا ولا نزال نقترب ~~كثيرا من عالم الحركة التي لا كثافة فيها، وابتعدنا ولا نزال نبتعد كثيرا من عالم ~~الكثافة التي لا حركة فيها، إننا هبطنا بالكثافة المادية إلى أدناها، إننا نظرناها ~~بالأحداق ثم دقت حتى عن النظر بالأحداق. نعم، إننا لم نصل إلى طرف الروح الأقصى، ولكننا ~~وصلنا إلى طرف المادة الأقصى، أو لعلنا قد عرفنا طريق القنطرة بين العدوتين إن لم نكن ~~قد أقمناها، وشرعنا في العبور عليها. ماذا بقي من المادة الغليظة الجاسية؟ ... ماذا بقي ~~من الجرم الجاثم الذي يناقض الروحانية؟ ... إننا نقترب، إننا نقترب، إننا نقترب، إننا مع ~~النور نصل إلى الملتقى الموعود، ولعلنا لا نصل إليه إن وصلنا من طريق غير هذه ~~الطريق. # قل: إن الكون حركة لا مادة فيه. ذلك أيسر لك من أن تقول: إن الكون جرم لا روح ~~فيه! # قل: إن الكون نور. قل: إن الله نور السماوات والأرض، فإذا قصر بك الحس عن نور الله ~~فثق أن هذا الضياء الذي يملأ الفضاء هو النور الإلهي الذي كتب لابن الفناء أن ~~يراه. # وكان النهار بساما، مدلا بشمسه مزهوا بنوره، كأنما يحس روعته في الأنظار وبهجته ~~في الأرواح، وكأنما يتوهج من نظر العيون إليه كما تتوهج الوجنة الصبوح تحت لمحات ~~الأحداق، كان نهارا مبتكرا عليه جدة لا تحسبها قد مضت عليها سويعة من يوم! ... خلقا ~~مبتكرا يخيل إليك أنه يتلألأ في فضائه للمرة الأولى ... وهل هنالك من فارق بين نور ~~نهارنا هذا وبين النور في أبعد مكان من الفضاء، وفي أبعد فترة من الزمان؟ ها هنا شيء ~~على الأقل تستطيع أن تقول: إنه لم يفتك أن تراه قبل ألف ألف من السنين، وإنك تذهب ~~معه إلى أبعد من مذهب أبي العلاء حين سأل الفرقدين: # واسأل الفرقدين عمن أحسا # من قبيل وآنسا من بلاد # كم ms145 أقاما على بياض نهار # وأنارا لمدلج في سواد # إن الفرقدين وأخواتهما في السماء لأطفال تلعب في حجر هذا الشيخ السرمدي، يلوح لك من ~~جدته اليوم كأنه لم تنقض عليه ساعة من نهار! # قال صاحبي وهو يرسل الطرف في السماء، ولا نهاية لمد البصر تصعيدا ولا تصويبا، ولا ~~من يمين ولا شمال: قصرت عين تحسب وهي تنظر إلى هذا النور أنها تنظر إلى شيء مكشوف لا ~~عمق فيه، ولا طوية وراءه: كاشف الخفاء هذا هو ينبوع الخفاء! ... # وشاء أن يتكلم بلغة المكان، لغة المكتبة، لغة المجازيين والبلغاء، فقال: ونحن إذن في برزخ الأنوار، وراء الجدران نور الشمس في مدينة الشمس الخالدة، وبين ~~الجدران نور القرائح، ونور الحكمة، ونور البيان! # قلت: مجاز حسن وإن طال به عهد أصحاب المجاز، الكتب علم، والعلم نور، ولكنني لا أحسبه ~~مجازا يجري في النفس كما يجري في لفظ اللسان، فهل من الحق أننا نواجه المكتبة كما ~~نواجه النور؟ ... وهل خطر لك قط أن تسأل نفسك: كيف تبده الكتب الكثيرة - مجتمعة في مكان ~~واحد - من يدخل عليها لأول مرة؟ ... كيف يقع ألف كتاب أو عشرة آلاف كتاب موقعها ممن يفجأ ~~بها ويعرف ما هي، وإن لم يعرف معناها؟ ... إننا في هذه الحضارة قد تعودنا منظر الكتب ~~مجتمعات بالمئات والألوف. ولكننا خلقاء أن نتجرد من فعل العادة، ولو لحظة عابرة لننظر ~~إلى هذه الظاهرة من جانب غرابتها لا من جانب ألفتها، فكيف تبد هنا رؤية الكتب لمئات من ~~أصحاب القرائح والعقول محشورة في بضعة رفوف؟ ... # إنني لا أسأل عن أولئك القراء والدارسين الذين ألفوا عشرات الكتب بالليل والنهار. إن ~~هؤلاء ينظرون إلى كتبهم كما ينظر الجوهري إلى الثروات المخزونة عنده في صناديق البلور ~~من نوادر الفصوص والأحجار الكريمة، أو كما ينظر البستاني إلى أحواض الزهر وهي ترعرع أو ~~تذبل بين يديه، أو كما ينظر صاحب القصر إلى أسراب الحسان المقصورات فيه، أو كما ينظر ~~المهندس إلى الأزرار التي في لوحته، وقد ينطلق كل زر منها بما يحرك مدينة ms146 بأسرها، وكلهم ~~يملكون زمامهم، أو زمام تلك المرئيات وهم يحسون بها، وكلهم يحضرون منها ما ألفوه ~~وتعودوه وكرروه، وقد يغيب عنهم منها جانب المفاجأة والغرابة. ولكنني أحب من حين إلى حين ~~أن أستغرب ما آلف وأن آلف ما أستغرب، ويثير هذا الشوق في خاطري أن أشهد وقع هذه الغرابة ~~مرتجلا في بعض النفوس، ولا سيما النفوس التي تقارب الكتب من بعيد. # قال صاحبي: وماذا وقع من صورتها في نفسك كلما استغربت ما ألفت منها ... # قلت: لا أحدثك بهذا الآن ... وإنما أحدثك بما شهدت وعاينت، ثم أحدثك بما استدرجني إليه ~~الخيال كلما ألقيت بمقادتي إليه. # لا أنسى وهلة فتاة ذكية حين دخلت هذه المكتبة عرضا في بعض الأيام ... # كانت على شيء من التعليم، وكانت تميل إلى القراءة كلما اتفقت لها قصة سائغة أو قصيدة ~~شائقة، ولكنها فوجئت بهذه الكتب المتجمعة، فصاحت على غير روية منها: يا سلام، كتب، ~~كتب، كتب، كل هذا كتب ... شيء يدوخ! ... ومالت برأسها كأنها تهرب من دوار ينذرها بإغماء ~~... # ألا ترى يا صاحبي أن هذه الفتاة قد عرفت الكتب فلم تعرفها جلودا وأوراقا وألوانا ~~تشوق العيون، ولكنها عرفتها كما هي في الحقيقة زحمة من الأفكار والمعارف تشفق منها على ~~رأسها الصغير؟ ... # لقد عجبت يومئذ من هذه الوهلة؛ لأنني أعلم على التحقيق أن الفتاة شاهدت المكتبات في ~~المدرسة وشاهدتها في السوق. فسألتها: أهذه أول مكتبة رأيتها في حياتك؟! # تعجبت هي أيضا معي من هذه الوهلة، ولم تزد على أن تقول: رأيت غيرها كثيرا، ولكني لا ~~أدري لماذا «دخت» وأنا أنظر إليها هنا ... # ثم راجعت نفسي في تفسير ذلك فلم أعجب من وهلة الفتاة كما عجبت من صدق حاستها، أو من ~~مبادرة هذه الحاسة إلى التفرقة بين الأشياء المتشابهة حين يتفرق بها المكان ... # فإنما تختلف الأشياء عندنا بما يقترن بها من تداعي الخواطر، وما توحيه من اللوازم ~~والملابسات، فالكتب في السوق بضاعة للبيع، والكتب في المدرسة موزعة بين الأساتذة ~~والطلاب، ولعلهم مئات ولعلهم ألوف فلا توحي إلى الخاطر تلك ms147 «الزحمة» التي ترهق الرءوس، ~~أما الكتب في حجرة واحدة في بيت رجل واحد، فللفتاة العذر إذا أجفلت منها تلك الجفلة ~~وخافت منها على رأسها الدوار ... # إننا نمر بالمائدة في الفندق العامر، فلا نستغربها وإن امتلأت بطعام جيد، ولكننا إذا ~~رأينا هذه المائدة بعينها أمام ضيف واحد خطرت لنا التخمة أو خطر لنا الغثيان، ولنا ~~المعذرة في هذه التفرقة بين المائدتين! ... ~~••• # واحتجنا يوما إلى نقل بعض الرفوف من هذه الحجرة إلى الحجرة التي تليها ريثما نصلحها، ~~ونفرغ من طلائها، فاستعنا بقريب لبواب المنزل يومئذ على النقل مع خدم البيت، وكان ~~ريفيا أميا يزور قريبه أو يزور «آل البيت» على التعبير الصحيح، أو لعلها أول ~~زياراته للقاهرة في طلب الخدمة، وطلب البركة على السواء ... ولم يكن له علم بالأحرف ~~العربية، ولا بالأحرف الإفرنجية، فإذا رأى كتابا في هذه الأحرف أو في تلك فكله كتاب، ~~وكله مما يقرؤه المطهرون. # فلما اقترب من باب المكتبة خلع نعليه وتهيب أن يمد يده إلى الكتب؛ لأنه - كما قال - ~~لم يكن على وضوء! # أليس لهذا الريفي الأمي منطق صادق فيما فعل على البداهة؟ ... إنه تعود أن يقرن صورة ~~الرجل العالم بصورة رجل الدين، فما باله لا يقرن كتاب العلم بالقداسة الدينية؟ ... وهل ~~يكون الكتاب لغير علم أو لغير قداسة؟! ... # لقد أكبرت تحية الجهل للعلم في مسلك هذا الريفي الصالح، وأستغفر الله لأنني أفسدت ~~سمعة الكتب في رأيه على الكره مني، فأعلمته أنها كأبناء آدم وحواء فيها الصالح والطالح، ~~وفيها الطيب والخبيث، وأنها لا تحرم في جميع الأحوال على اللمس بغير وضوء، فلم أجرئه ~~على حرمتها ولا أقنعته بلمسها، حتى أريته على غلاف بعضها صور التماثيل العارية، وفي ~~صفحات بعضها صور السادة والسيدات، فتحلل من حرج وأقدم بعد إحجام ... # ولا إخال هذه «الهيبة» للكتاب بعيدة جدا من هيبة «المكتوب» عند القبائل الفطرية كما ~~أنبأنا عنها رواد المجاهل الإفريقية؛ فإنهم لا يفهمون هناك كيف يقرأ الرجل الورقة ~~ويفهمها ويعمل بما فيها دون أن يكون فيها روح مرصد أو طائف ms148 من الجان، وقد روى بعض ~~الرحالين أنه أرسل خادمه الأسود إلى زوجته على مسيرة ساعات ليطلب بعض الأمتعة والأدوات ~~من بيته، فكتب له ورقة، وأمره أن يأتيه بجوابها، فحمل الورقة مطمئنا، ولم يلق إليها ~~كبير اكتراث، ولكنه لما رأى السيدة تقرؤها، وتراجعها كلما أسلمته أداة من الأدوات ~~المطلوبة فيها خامره الشك، وأيقن أنها تستوحي بمراجعة الورقة روحا تفقه عنها ما تسأل ~~عنه في صمت ووقار، فلما أسلمته السيدة تلك الأدوات تقبلها وحملها ولم يوجس منها، ولكنه ~~تردد وأوجس حين أسلمته الورقة بالجواب! ... وحملها كمن يحمل ثعبانا يخاف أذاه، أو ~~شيطانا يخاف سخطه وغضبه، وأدى الأمانة بتمامها؛ لأنه في حراسة رقيب ينقل عنه ما يظهره ~~ويخفيه ... # قال صاحبي: ويح الأسود المسكين، لو انطلق عليه روح من وراء كل كلمة مخزونة في هذه ~~الرفوف! ... إن عفاريت الآجام جميعها لتصبحن عنده من ملائكة الرحمة بالقياس إلى هذه ~~العفاريت، وإن سحرة إفريقية على بكرة أبيها لا ينقذونه من وبال هذا السحر المخيف! ~~... # قلت: أولم يحصل؟ ... بلى قد حصل وفرغنا من محصوله! ... وقد انهزم السحرة المساكين في وجه ~~هذه الأرواح، وهربت عفاريت الآجام من سطوة هذه العفاريت، وهل المعركة بين القارة ~~السوداء وبين الواغلين عليها إلا المعركة بين الكتاب وتعويذة السحر القديم؟! ... # والتفت صاحبي إلى الرفوف يتصفح عناوينها، ويسألني: أولا يزعجك بعض الأحيان أن تخلع عن ~~الكتب هذه الصورة، وأن تراها حاضرة الأرواح، جياشة الحركة بحياة مؤلفيها؟ ... # قلت: بل أنا لا أراها إلا على هذه الصورة كلما أعرضت عن صورتها الممثلة في الجلود ~~والأوراق: أراوح في انتظار الطلسم، أو مردة في قماقم سليمان، وأين برج بابل من لهجات رف ~~واحد ها هنا لو تحركت له ألسنة، وتفتحت له أفواه؟! ... وأين الجحيم كلها لو انبعثت المردة ~~من أرصادها، وتمردت على الطلسم الأعظم الذي يحبسها في قماقمها؟! ... # قال صاحبي: خير للكتب وأولى ... نعم؛ خير للكتب ألف مرة أن تكون أرصادا للأرواح أو ~~قماقم للمردة من أن تكون على تلك الصورة التي يصورها لنا أصحاب المائدة وصحاف الطعام! ms149 ... ~~ولست أدري لم يحضرني خاطر الطعام المخزون في العلب كلما تحدثوا عن الكتب وما فيها من ~~طعام العقول؟! ... فما القول في رأس فيلسوف مجفف لساعة الحاجة إليه؟! ... # وما القول في هذه الأغذية المحنطة على الرفوف لطول البقاء واجتناب الفساد؟! ... هي ولا ~~ريب أفضل ما اخترع الإنسان من صناعات الخزن والتجفيف، وأحسن ما ابتكر من وسائل الصيانة ~~والتعقيم. ليت الثمرات كلها تصان وتظفر بالتعقيم والتجفيف على هذا المنوال. ولكننا لا ~~نشتهي طعام العقول للعقول حين نعرض لها الرءوس المجففة، والثمرات المحنطة ليوم القراءة ~~أو ليوم التغذية المشتهاة ... لا ... لا؛ إننا لا نود أن نشتهي الكتب هكذا لنأكلها برءوسنا ~~وأدمغتنا، وإنما نؤثرها مردة في قماقم وأرواحا في أرصاد. فعلى بركة الله فلنمض معها ~~في سياحتنا إلى حيث تلقي بنا في آماد المكان والزمان، ولنطلقها فرادى إن عز علينا أن ~~نطلقها أسرابا وجماعات ... على بركة الله! # قلت: نطلق ماذا يرحمك الله؟! ... وإلى أين المنتهى إذا ابتدأنا معها واحدا واحدا، أو ~~سربا سربا إلى حيث تستطيع المسير؟! ... هذا يا صاحبي مارد يحملنا إلى قطب الشمال، ~~وبجانبه مارد مثله يحملنا إلى قطب الجنوب! ... وها هنا مارد ثالث يتعدى بنا أقطاب الأرض ~~إلى الشعرى اليمانية، وما وراء السديم ... فمع أيها نسير؟! ومتى المعاد إن سرنا مع هذا أو ~~ذاك؟! ... وإنك لتعلم أنها قديرة على السفر في رحاب الزمان قدرتها على السفر في رحاب ~~المكان، فهذا يحملك إلى القرن الأول للهجرة، وهذا يحملك إلى القرن الأول للميلاد، وغير ~~هذا وذاك يحملك إلى ما قبل الهجرة والميلاد من أزمنة يضل فيها التاريخ، وقلما يهتدي ~~فيها الخيال، وخطوة من هنا تلاقيك بهوميروس، وخطوة من هناك تلاقيك بامرئ القيس، وخطوة ~~أخرى تجمعك بآدم وأبنائه الأولين، فأين المنتهى بعد هذا ومتى القرار؟! ... لا يا صاحبي ~~يرحمك الله ... لا نهاية لانطلاق هذه المردة في مداها فرادى ولا مجتمعات، فدعها في ~~قماقمها، وانظر إليها ومعك أرصادها، فليس هذا أوانها، وليست سياحتنا هذه بالسياحة ~~السرمدية التي لا نرقب نهايتها ... فعلينا بالأفق الذي نحن فيه ms150 نلزمه ولا نتعداه، وحذار ~~أن تفتح القماقم مجتمعات ولا متفرقات، ولك عندها بعد ذلك ما تشاء ... # فالتفت صاحبي إلى القماقم يتصفح عناوينها، ونظر هنا ونظر هناك على غير اطراد كأنه ~~يرتجح، ولا يملك الانبعاث في طريقه دون أن يرجع إلى حيث كان، ثم هتف بي سائلا: ما هذه ~~المفارقات؟! ... بل ما هذه المقارنات؟! شعر وتاريخ، وفن ودين، وسير وطبائع حشرات، تصاحبها ~~طبائع عظماء، وخليط من المطالب لا تعرف لها وحدة، ولا يطرد لها نظام، فهل هي مكتبة ~~قارئ واحد أم هي مكتبات شتى أعددتها لمن يشاء؟! # قلت: بل هي مكتبة واحدة أعددتها لقارئ واحد، ولا أحسب أن مكتبة القارئ الواحد تتفق ~~على غير هذا النظام؛ لأنك تعد الكتب في مطلب واحد لمئات القراء الذين يشتغلون به ~~ويرجعون إلى مصادره، ولكنك لا تحصر القارئ في مكتبة واحدة إلا إذا نوعتها له وأغنيته ~~بها عن غيرها. ولا بد للقارئ الواحد على الأقل من مطلبين مختلفين: أحدهما: للصناعة ~~والعمل، والآخر: للمتعة والتسلية، فإن كانت صناعته الكتابة فقد تعدد ما يقرأ للعمل ~~والصناعة، وتعدد ما يقرأ للمتعة والتسلية، وكثيرا ما يكون التعدد مع ذلك في العناوين ~~لا في بواعث القراءة. فإن القارئ قد ينظر في خمسة موضوعات أو ستة أو سبعة لباعث واحد ~~ونزعة واحدة، وليس أقرب من بواعث القراءة في بعض الأحايين، مع تباعد الموضوعات ~~والعناوين. # خذ لذلك مثلا هذين الموضوعين الغريبين: طبائع الحشرات، وما وراء الطبيعة! أيبتعد ~~عنوانان قط أبعد من هذا الابتعاد؟! ... أيفترق شيئان في ظاهر الأمر كما يفترق البحث في ~~الكون والسماء والخلود، والبحث في جحور النمال، ومباءة الجراثيم؟! ... ومع هذا يتقاربان ~~جد الاقتراب حين يهديك كلاهما إلى بداية الحياة أو نهاية الحياة، وربما فسرت لك طبائع ~~الحشرات «تصميم» بناء الحياة تفسيرا تعجز عنه عقول الفلاسفة والحكماء، وربما عرفت من ~~دوافعها وجواذبها وأنت ترقب الحشرة الضئيلة في أطوارها المتعاقبة ما لست تعرفه من ~~مقاييس المنطق، وتقديرات البديهة، ودراسة المذاهب والتأويلات. # وخذ مثلا آخر، هذين الموضوعين الغريبين: الشعر والدين ... إنهما ليبدوان ms151 في الغرابة ~~كما يبدو لك منظر الناسك في الصومعة، وإلى جانبه منظر الشاعر في مجال الأنس والسرور، ~~ولكنهما يلتقيان أقرب لقاء حين يعبر الشاعر عن نفسه، ويريك جمال الخالق في خلقه، وحين ~~يبرز لك الإنسان من وراء مسوح الزهاد فإذا هو شاعر مستتر أو شاعر موثق بسلاسل العبادة، ~~وإذا العبادة لا تخرج به من نطاق الشعور، ولا تنكر له فتنة الحياة، بل تمثلها له قوية ~~مخيفة، يتقيها بالمجانبة فيشعر بها كما يشعر بها من يواقعها ولا يتقيها. وإذا الفراش ~~الذي يقع في النار، والفراش الذي يهرب من النار ... كلاهما فراش! ... # ولقد سألت نفسي عن هذه البواعث المتوافقة وراء هذه النقائض المفترقة، فأجابتني عنها ~~جوابا أرتضيه، ولعلك ترتضيه، ولخصته لي في كلمات معدودة: وهي: «الاستزادة من ~~الحياة». # ولك أن تستزيد من الحياة بتعميقها أو بتوسيعها أو بتفسيرها، ولك أن تتوسل إلى ذلك كله ~~بقصيدة من عيون الشعر، أو بنظرة في عجائب حشرة ضئيلة تخالها من أسرار الصناعة مكتومة، ~~بل من مسودات الخلق الأولى ... أو باستقصاء آماد الحياة فيما وراء الغيب، وفيما بعد الموت ~~وقبل الميلاد، أو بالمقابلة بين سير العظماء على ضروب شتى من العظمة، وبين سير الصغراء ~~على ضروب شتى من الصغار ... فكل أولئك باعث واحد مختلف العناوين، وكله صحاف تعطيك ألوانا ~~شتى من الطعم والمذاق، ولكنها لا تعطيك في النهاية غير دم واحد ينبض في العروق ... ومعذرة ~~بعد من هذه اللفتة إلى الطعام، وأنت لا تحب ذكر الطعام في هذا المقام ... # قال: لا عليك من المعذرة بعد هذه الفترة، فقد أوشكت الساعة أن أستطيب التشبيه الذي ~~كنت أعافه منذ برهة، وأوشكت مع هذا أن أؤمن بأن الثبات على الرأي في البلاغة غير الثبات ~~على الرأي في الأخلاق، فقديما قيل لنا إن الثبات فضيلة، وأخشى أن أكون اليوم قد أخللت ~~بهذه الفضيلة ... لولا باب من الرحمة في هذا الخلاف بين شرعة البلاغة وشرعة الأخلاق. ~~وليست هي مسألة فكرة تقاس بالرأي، بل هي شيء أحسه الساعة، ولا أبالي أن أفكر فيه، ms152 فما ~~أرتضيه من البلاغة وأنا شبعان مكظوظ لا أرتضيه منها وأنا جائع أتلمس الطعام، وأنت لا ~~تشهي الكتب إلي ... حين تشبهها بالمائدة وأنا من الكظة أعاف المائدة وأحاديثها، ولكنك ~~تشهيها إلي حين تصفها بهذه الوصفة وأنا متفتح المعدة والرأس لكل غذاء ... # قلت: هو ما قالوه قديما، وأصابوا فيه أكثر مما أرادوا، فالبلاغة هي «مراعاة مقتضى ~~الحال» ... ولقد كنت بليغا في إشارتك هذه ... فلك عندي من المكافأة عليها مائدة غير مائدة ~~أفلاطون، وأشباه مائدة أفلاطون! # وعدنا نستطيب القماقم والأرصاد بعد هنيهة، ولكن على أن نتركها بسلام فلا نطلقها فرادى ~~ولا جماعات، وحسبنا منها العناوين والرفوف. # ثم راح يجول ببصره جولة الطائر فيما يعبره وهو يقول: ما أصغر نصيب القصص من هذه ~~الرفوف! # قلت: نعم ... وإنه لو نقص بعد هذا لما أحسست نقصه؛ لأنني - ولا أكتمك الحق - لا أقرأ ~~قصة حيث يسعني أن أقرأ كتابا أو ديوان شعر، ولست أحسبها من خيرة ثمار العقول. # قال: كيف؟! ... أليس في الرواة والقصاصين عبقريون نابهون كالعبقريين النابهين في الشعر، ~~وسائر فنون الآداب؟! # قلت: بلى ... ولكن الثمار العبقرية طبقات على كل حال، وقد يكون الراوية أخصب قريحة ~~وأنفذ بديهة من الشاعر، أو الناثر البليغ، ولكن الرواية تظل بعد هذا في مرتبة دون مرتبة ~~الشعر، ودون مرتبة النقد، أو البيان المنثور ... والمثل هنا أقرب إلى الإيضاح من سوق ~~القضية بغير تمثيل: إن الحديقة التي تنبت التفاح لا يلزم أن تكون في خصبها ووفرة ~~ثمراتها أوفى من الحديقة التي تنبت الجميز أو الكراث، ولكن الجميز أو الكراث لا يفضلان ~~التفاح وإن نبتا في أرض أخصب من الأرض التي تنبته وتزكيه. ~~••• # ونحن نقرأ القصص التي تجود بها قرائح العباقرة من أمثال ديكنز، وتولستوي، ودستيفسكي، ~~وبورجيه، وبروست، وبيراندلو، فنؤمن بتلك العبقريات التي لا تجارى في هذا المضمار، ولكن ~~إيماننا بها لا يلزمنا أن نضع القصة في الذروة العليا من أبواب الآداب، ولا يمنعنا أن ~~نقدم عليها غيرها في التقدير والتمييز. # قال: وما المقياس الذي نرتب به هذه الرتب يا ترى؟ ms153 # قلت: لعله مقاييس شتى لا مقياس واحد، ولعل الناس يختلفون فيها كاختلافهم في كل شيء ~~يرجع إلى المشرب والتعبير، غير أنني أعتمد في ترتيب الآداب على مقياسين يغنياني عن ~~مقاييس أخرى، وهما الأداة بالقياس إلى المحصول، ثم الطبقة التي يشيع بينها كل فن من ~~الفنون. # فكلما قلت الأداة وزاد المحصول ارتفعت طبقة الفن والأدب، وكلما زادت الأداة وقل ~~المحصول مال إلى النزول والإسفاف. # وما أكثر الأداة وأقل المحصول في القصص والروايات؟ إن خمسين صفحة من القصة لا تعطيك ~~المحصول الذي يعطيكه بيت كهذا البيت: # وتلفتت عيني فمذ بعدت # عني الطلول تلفت القلب # أو هذا البيت: # كأن فؤادي في مخالب طائر # إذا ذكرت ليلى يشد به قبضا # أو هذا البيت: # ليس يدرى أصنع إنس لجن # سكنوه أم صنع جن لإنس # أو هذا البيت: # وقد تعوضت عن كل بمشبهه # فما وجدت لأيام الصبا عوضا # لأن الأداة هنا موجزة سريعة والمحصول مسهب باق، ولكنك لا تصل في القصة إلى مثل هذا ~~المحصول إلا بعد مرحلة طويلة في التمهيد والتشعيب، وكأنها الخرنوب الذي قال التركي عنه ~~- فيما زعم الرواة - إنه قنطار خشب ودرهم حلاوة! ... أما مقياس الطبقة التي يشيع بينها ~~الفن فهو أقرب من هذا المقياس إلى أحكام الترتيب والتمييز، ولا خلاف في منزلة الطبقة ~~التي تروج بينها القصة دون غيرها من فنون الأدب، سواء نظرنا إلى منزلة الفكر أو منزلة ~~الذوق، أو منزلة السن، أو منزلة الأخلاق، فليس أشيع من ذوق القصة، ولا أندر من ذوق ~~الشعر والطرائف البليغة، وليس أسهل من تحصيل ذوق القصة، ولا أصعب من تحصيل الذوق الشعري ~~الرفيع حتى بين النخبة من المثقفين. ~~••• # قال صاحبي: على أنهم قد أثاروا في أوائل هذا القرن ضجة حول القصة بالغوا فيها أيما ~~مبالغة، وخيلوا إلى الناس أن فنون الأدب كلها عالة عليها، وأنه لا كتابة لمن ليست له ~~قصة. # قلت: لقد فعلوها حقا، وكان ذلك على أثر ضجة أخرى هي ضجة الكلام الكثير في الدراسات ~~النفسية و«السيكولوجية» بأنواعها، فبدا لبعضهم أن القصة ms154 هي المعرض الوحيد لتطبيق هذه ~~الدراسات في الكتابة الأدبية، وأنها هي الوسيلة القريبة لفهم العلاقات بين النفوس ~~البشرية، وتفسير المواقف والمشكلات التي تنجم عن غرائب الطباع، ولم تخل ضجة القصة من ~~أسباب قوية غير «السيكولوجية»، وكثرة الكلام فيها، فإن شيوع القراءة بين الدهماء قد ~~أشاع معها القصة التي تفهمها الدهماء، وتؤثرها على غيرها من الفنون الأدبية، وجاء شيوع ~~الصور المتحركة بعد شيوع القراءة، فأملى للدهماء في هذه النزعة أو هذه «الهواية» حتى ~~غلبت عليهم، وسرت منهم إلى النقاد الذين يتبعون الجماهير، ويسمون نزواتها بروح العصر ~~وهي نزوات بغير روح! # ونظرت إلى صاحبي فإذا هو يضم ما بين الخنصر والبنصر، ويقول: ها نحن أولاء نقلب صفحة ~~جديدة، أو نفتح كتابا جديدا ... وها نحن أولاء نتكلم بالقول الصريح، وبالقول المستعار ~~في وقت واحد، فما أبعد النقلة ما بين الخنصر والبنصر في عالم الكتب، ما أبعد النقلة بين ~~الأرض والسماء، وبين المعاش والمعاد! # قلت: كلاهما يتصدى لعمل واحد، وهو تفسير الكون، وترتيب المعاش في هذه الدنيا على هذا ~~التفسير. ~~••• # وكان صاحبي قد انتقل كما قال، فيما بين الخنصر والبنصر إلى عالم السماء: عالم البحث ~~في الله، وسر الوجود - وأصل الحياة، وما قبل الحياة، وما بعد الحياة ... # وكان على ديدن الكثيرين يرى أن هذا البحث فيما وراء الطبيعة من الوقت الضائع أو فضول ~~القول، فسألني وهو يتحرج قليلا؛ لأنه يعلم أنني لا أستضيع وقتا أنفقه في بحث هذه ~~الأمور، ما فائدة هذا كله وهو غموض في غموض، وفروض من وراء فروض؟! # ألا يمكن أن يعيش الإنسان على هذه الأرض وهو في غنى عن هذه الفلسفة التي يسمونها سر ~~الوجود؟! # وأردت ألا أتخلف عنه في جرأة الرأي، فقلت: بل هي آخر شيء يستغني عنه الإنسان. وما أنت ~~مستطيع أن تطل من هذه النافذة أو تبدأ عملك في الصباح ما لم تكن لك «فلسفة» وجود على ~~نحو من الأنحاء ... # قل لي: «ماذا تستبيح وماذا تحرم وأنت تنظر من هذه النافذة»؟ أتستبيح ألا تملأ عينيك ~~من شيء ms155 غيرك كما قال الأديب الحجازي؟ وإذا استبحته فلماذا تستبيحه؟ وإذا حرمته فلماذا ~~تحرمه؟ وما حدود المتاع بالنظر فيما تراه؟ أله حدود أم ليست له حدود؟ # وأنت تذهب إلى عملك كل يوم في الصباح، فلماذا تعمل أو لماذا تهمل عملك؟! أعليك واجب؟ ~~أمناط هذا الواجب مصلحتك أم مصلحة الأمة؟ ومشيئة الخالق أم مشيئة المخلوق؟ وأن آمنت ~~بهذه المشيئة أو بتلك فلماذا آمنت؟ وإن لم تؤمن بهذه أو بتلك فلماذا كفرت؟ وإن لم تفكر ~~في شيء من ذلك، فهل أنت إذن مثل حسن للآخرين؟! ~~••• # مرحلة الحياة يا صاحبي كجميع المراحل التي نقطعها من مكان إلى مكان، لا تركب القطار ~~حتى تحصل على التذكرة ولا تحصل على التذكرة حتى تعرف الغاية التي تسير إليها. غاية ما ~~هنالك من فرق بين راكبين أن أحدهما يقرأ التذكرة، والثاني لا يقرؤها أو أن أحدهما يؤدي ~~ثمنها من ماله، والثاني يؤدى له الثمن من مال غيره ... وإن أبيت المجازات فأحد ~~الراكبين في مرحلة الحياة يبحث عن غايتها بنفسه والآخر توصف له غايتها بلسان غيره ... ~~لا بد يا صاحبي من هذه الفلسفة التي تريد أن تلقي بها في اليم وأنت على الشاطئ. وثق ~~يا صاحبي أنها آخر شيء يلقيه راكب السفينة حين تلعب به الأعاصير في البحار اللجية، بل ~~هو الشيء الذي لا يتركه ولو ترك السفينة أو تركته إلى الأعماق، ألم تسمع قولهم في ~~الأمثال: «إنهم كالنواتية لا يذكرون الله إلا ساعة الغرق؟!» فاعلم يا صاحبي أن هذا ~~الذكر هو فلسفة الحياة التي تبقى مع راكب السفينة بعد كل بضاعة يستغني عنها، وبعد ~~السفينة نفسها إذا حان حينها؟ # قال صاحبي: وهل وصلت قط من فلسفة حياتك إلى شيء؟ # قلت: نعم ... إن الله موجود. # قال: باسم الفلسفة تتكلم أو باسم الدين؟ # قلت: باسم الفلسفة أتكلم الآن، والفلسفة تعلمنا أن العدم معدوم فالموجود موجود ... ~~موجود بلا أول ولا آخر؛ لأنك لا تستطيع أن تقول: كان العدم قبله أو يكون العدم بعده! ~~وموجود بلا نقص يعتري الوجود من جانب عدم، ms156 ولا عدم هناك ... موجود بلا بداية ولا نهاية، ~~ولا نقص؛ لأن الكامل الأمثل هو الله ... # قال: وكيف توفق بين الوجود الأمثل وبين الشرور والآلام في هذه الحياة؟! # قلت: هذا سؤال غير يسير؛ لأننا - نحن الفانين - لن نرى إلا جانبا واحدا من الصورة ~~الخالدة في فترة واحدة من الزمان، ومن يدرينا أن هذا السواد الذي يصادفنا هنا وهناك هو ~~جزء لازم للصورة كلزوم النقوش الزاهية والخطوط البيضاء؟! وماذا تستطيع أن تصنع لو ملكت ~~الأمر، وتأتى لك أن تقذف بالشرور من الحياة؟! بغير الألم والخسارة ما الفرق بين الشجاع ~~والجبان وبين الصبور والجزوع، وبغير الشر والسوء ما الفرق بين الهدى والضلالة، وبين ~~النبل والنذالة؟! وبغير الموت كيف تتفاضل النفوس، وكيف تتعاقب الأجيال؟! وبغير المخالفة ~~بينك وبين عناصر الطبيعة من حولك كيف يكون لك وجود مستقل عنها منفصل عن موافقاتها ~~ومخالفاتها؟! وبغير الثمن كيف تغلو النفائس والأعلاق؟! # قال صاحبي: أليس عجزا أن نشقى وفي الوسع ألا نشقى؟! أليس عيبا أن نقصر عن الكمال، ~~وفي الوسع أن يكمل الكمال؟! # قلت: وكيف يكون في الوسع أن يكمل المتعددون؟! إنما يكون الكمال للواحد الدائم الذي لا ~~يزول. # قال صاحبي: قل ما شئت، فليس الألم مما يطاق، وليس الألم من دلائل الرحمة وآيات ~~الخلود الرحيم. # قلت: على معنى واحد إن هذا لصحيح! ... # إنه لصحيح إذا كانت حياة الفرد هي نهاية النهايات، وهي المقياس لما كان وما يكون، لكن ~~إذا كانت حياة الفرد عرضا من الأعراض في طويل الأزمان والآباد - فما قولك في بكاء ~~الأطفال؟ ... إن الأطفال أول من يضحك، لبكائهم حين يعبرون الطفولة، وإنهم أول من يمزح في ~~أمر ذلك الشقاء، وليس أسعد الرجال أقلهم بكاء في بواكير الأيام ... # يا صاحبي هذا كون عظيم، هذا كل ما نعرف من العظم، وبالبصر أو البصيرة لو نظرنا حولنا ~~لا نعرف العظم إلا من هذا الكون، ماذا وراء الكون العظيم مما نقيسه به أو نقيسه عليه؟ ... ~~فإن لم نسعد به فالعيب في السعادة التي ننشدها، ولك أن تجزم بهذا قبل ms157 أن تجزم بأن العيب ~~عيب الكون، وعيب تدبيره وتصريفه، وما يبديه وما يخفيه. ولك أن تنكر منه ما لا نعرف، ~~ولكن ليس لك أن تزعم أنه منكر؛ لأنه مجهول لديك. ~~••• # وبسط صاحبي ذراعيه وهو ينظر حوله بالبصر والبصيرة معا في أجواز الفضاء السرمد، ~~ويخيل إلى من يراه في تلك الساعة أنه يفتح بصيرته وسعها كما يفتح المشدوه عينيه وسع ~~الأجفان، حين يحب أن يملأ العينين مما تريان، وكأنه أغمض بعد إعياء من التأمل ~~والاستقصاء فقال: هذه آفاق شاسعة! ... هذه أغوار لا يسبر لها قرار. وتساءل: أليس إلى ~~معرفة الحقيقة من طريق غير هذه الطريق؟! أليس للرياضة الروحانية مسلك إلى هذه الآفاق ~~والأغوار؟! إن نساك الهند - على ما يبدو لي - لأخبر بهذه المسالك، وأهدى في هذه ~~الدروب ... إنهم لا يصدعون رءوسهم بالبحوث والفروض، ولكنهم يعرفون! ... # قلت: بل أحسب أن الطريقين مختلفان، إن نساك الهند لا يطلبون المعرفة ولا يجعلونها ~~غاية الغايات؛ فإن المعرفة قد تنال من إقرار الجسد كما تنال من إنكاره، وقد تنجم من ~~الإقبال على الدنيا كما تنجم من الإعراض عنها، ولكنهم طلبوا الطمأنينة والراحة، أو ~~طلبوا الرضوان، وشتان بين من يطلب الرضوان ومن يطلب المعرفة حيثما وصل إليها أو وصلت ~~إليه ... ~~••• # قال: أي رضوان وأي راحة؟! ... إنهم ليعذبون أبدانهم، ويقدعون نفوسهم، ويشلون أعضاءهم ~~بمشيئتهم، فكيف ينشدون الرضوان والراحة بهذا العذاب ...؟! # قلت: هل يعذبون أبدانهم إلا لأنهم راضون بهذا العذاب ومطمئنون إلى عقباه؟! وهل يشاء ~~الإنسان أمرا لا يشاؤه، أو يختار أمرا لا يختاره، أو يرضى بأمر لا يرضاه؟! ~~••• # لعمري لئن لم يفتح النساك فتحا عظيما في جانب المعرفة لقد فتحوا أعظم الفتوح في ~~جانب الأخلاق ... بل أقاموا الأخلاق على أوثق أساس حين علموا الإنسان أن رضوان النفس ~~مطلب يهون في سبيله كل عذاب، وأنه لا جزاء أوفى من رضوانها، ولا عذاب أنكأ من سلب ذلك ~~الرضوان، وأي فهم لمعنى الثواب والعقاب أكمل وأفضل من هذا الفهم الذي لم يأت من جانب ~~البحوث والفروض؟! # لا عذاب للنفس أنكأ من ms158 شعورها بالنقص، ولا نعيم لها أنعم من شعورها بالرضوان، فكفى ~~بهذا الفتح انتصارا في معترك الأخلاق، وإن لم ننسك كما ينسكون، ولم نتعذب كما يتعذبون ~~... # قال صاحبي: الحق أنني لم أشق في حياتي بشقاء أمر وأوجع من اتهامي لنفسي وسوء ~~الظن بطويتي، ولو لم يكن هذا الشقاء أمر الشقاء على الطبيعة البشرية لما تحصنت منه ~~بحصن الغرور، وهو أعم الخلائق في البشر أجمعين. # قلت: والغرور هو الجوهر الزائف الذي نتحلى به كلما أعوزنا الجوهر الصحيح، وإنه على ~~هذا لحصن مطروق لا يستعصم كل الاستعصام من ذلك الرقيب الحسيب ... # فربما اغتر الإنسان فكبرت قيمته عنده ولم يقنع بما دونها؛ فآلمه النقص وفاتته نعمة ~~الرضوان. ~~••• # ولقد قال اليونان قديما: اعرف نفسك، فإذا قلنا معهم: نعم، وارض عن نفسك أيضا، ~~بلغنا كمال العلم، وكمال الأخلاق. ترى هل يطلب الناس أجرا لأنهم يلبسون حلل الحرير، ~~ولا يلبسون الكرابيس؟! ترى هل يأكل الناس الطعام المريء اللذيذ، ويصدفون عن الطعام ~~المسقم الخسيس؛ لأنهم يخشون العذاب؟! ... فإذا عرفوا الكمال وعرفوا النقص؛ فهل تراهم ~~يطلبون أجرا لأنهم تجنبوا النقص، وتعلقوا بالكمال! ... وإذا عرفوا صحة النفس فهل تراهم ~~يلتمسون الأجر على الصحة كما يلتمس الأطفال أجرهم على تناول الدواء؟! ... إنما الخوف من ~~النقص هو أمر العذاب، والرضوان عن الكمال هو أحسن الجزاء. # وقد يتعذب الإنسان في طلب الكمال وهو راض، وقد يرفض النعمة فرارا من النقص وهو لا ~~يخشى العقاب، فارض عن نفسك وأنت في غنى بعد هذا عن الوعد والوعيد في نشدان الكمال؛ ~~لأنك لا تحتاج إلى الوعد والوعيد لتستطيب ما أنت شاعر بطيبه، وتنفر مما تعاف. # قال صاحبي: أكبر الظن أن «الذوق» هنا قد يغني ما ليست تغنيه المعرفة أو تغنيه ~~التقاليد والموروثات، وهنا يستوي الفن الجميل في مكانه إلى جانب المعرفة، وإلى جانب ~~الدين. ~~(2) بين كتبي # وكان صاحبي يداعب على القرب رفا أمامه يقرأ عليه عناوين الكتب في تماثيل اليونان، ~~ومدارس الفن القديم والحديث، فما هو إلا أن طرأ اسم الفن الجميل على لسانه حتى تناول ms159 ~~واحدا منها، ثم تناول ثانيا وثالثا ورابعا وهو يقلب صفحاتها، ويقابل بين صورها، ~~ويقرأ سطورا هنا وسطورا هناك في التعقيب على تلك الصورة أو ذلك التمثال، ولم يفته أن ~~يدرك ما أدركته الأجيال بداهة وارتجالا من ذلك الفضل السابق على جميع الأفضال في باب ~~التماثيل، وهو فضل الإغريق الأقدمين، فراح يقول: صدق الذين أطنبوا في شأن هؤلاء ~~الإغريق، ووصفوهم بأنهم تراجمة الطبيعة الصادقون في كل باب، ولا سيما باب التماثيل وباب ~~التمثيل، فما يبصر الإنسان تمثالا إغريقيا إلا اتصل بصره بالطبيعة على بساطتها بغير ~~حائل وبغير حجاب، وما يقرأ قصة من قصصهم المسرحية إلا اتصل بصره بالطبيعة كما يعيش ~~فيها، وتسيطر عليها العناصر والأقدار. # واختطف كلمة في هذا الكتاب، وكلمة في ذاك عن فن مريون وفيدياس وليسبس، ومن تلاهم من ~~المتخلفين، فإذا الفن أيضا مظهر لبروز الفرد الإنساني من الغمار الشامل إلى مكان ~~التخصيص والتمييز، فالتمثال القديم نموذج للشكل والقالب والقوام يتساوى فيه كل ذي خلق ~~سوي من الناس، ولكنه شامل عام لا تتميز فيه الملامح والتعبيرات، ولا يتمثل فيه التخصص ~~والانفراد، ثم تتعاقب صور الأفراد بروزا وتباينا حتى ينسى الناظر إليها النماذج ~~الشاملة، ويتناولها بالتقسيم والتفصيل، ويظهر هذا في تماثيل العصور الإغريقية؛ لأنهم ~~صدقوا وصف الطبيعة، وصدقوا الشعور بها على السواء ... وكأنهم حين يمثلون الأبطال الأقدمين ~~يمثلون عناوين شتى لكل نموذج من نماذج البطولة يصنع على غراره قالب باق، وتتعدد منه ~~أنماط متكررات. # ولم ينته صاحبي من تقليب تلك الصور إلا وهو يقول: فن جميل. نعم فن جميل، ولكن ما ~~غناء الفنون الجميلة في عصرنا هذا، عصر العلوم والصناعات ...! وأية أمة في عصرنا هذا تفرغ ~~للفن كما فرغ له الإغريق، وعليها ذلك الإلحاح الدائم من حاجتها إلى العلم، وحاجتها إلى ~~الصناعة؟ # وتذكرت في تلك اللحظة سؤالا سمعه الناس، ولا يزالون يسمعونه منذ ظهرت بينهم الصناعة ~~الحديثة والعلم الحديث، وقد سئلته مرات، وأحببت في هذا المقام أن أكون أنا السائل قبل ~~أن أكون المسئول، فقلت لصاحبي: وأيهما أحق بالعناية والتقديم؟ ms160 ... وأيهما أجدر بالأمم أن ~~تفخر به وترعاه؟ # قال: وهل في ذلك جدال؟! ... أحقها بالعناية والتقديم هو الذي تحتاج إليه، ولا تستغني ~~عنه! ... # قلت: ولكن هذا المقياس يا صاحبي أخطأ مقياس للتفضيل بين شيئين يتعلقان بالإنسان؛ لأن ~~الذي لا نستغني عنه دائما هو الضرورات الحيوانية التي تقارب بيننا وبين من دوننا من ~~الأحياء ... والذي نحسبه من الكماليات هو الكمال الذي تتفاضل به منازل الناس، فدع الحاجة ~~ومقاييسها يا صاحبي، فليست هي بمقياس صحيح، وكيف يكون مقياسا للاختيار ما يسلبك ~~الاختيار، وينزلك على حكم الضرورة والإكراه؟! # قال: فماذا ترى أنت؟ # قلت: إذا لم يكن في الأمر اضطرار فنحن إذن قادرون على أن نختار بين أمة جاهلة ناقصة ~~الأداة، وأمة مريضة توشك أن تموت. # فالأمة بغير علم أمة جاهلة، ولكنها قد تكون على جهلها وافية الخلق والشعور، والأمة ~~بغير صناعة أمة تعوزها أداة العمل، ولكنها على هذا قد تكون صحيحة الحس صحيحة التفكير، ~~والأمة بغير تعبير أمة مهزولة أو مشرفة على الموت، وكذلك تكون الأمم التي خلت من ~~الفنون؛ لأن الفنون هي تعبير الأمم عن الحياة. # ولا أكتمك يا صاح أن الاختيار بين هذه المقاصد الثلاثة خليق أن يعنت المختار؛ لأن ~~الفن والعلم والصناعة ليست بديلا من بديل، وليست قرينا يقاس إلى قرين، وما أعطي ~~الإنسان التعبير ليبادل بينه وبين العلوم، أو بينه وبين الصناعات. فإنما التعبير جزء من ~~حياة الإنسان ... والعلم حالة من حالاته، والصناعة أداة من أدواته ... ولا محل للمفاضلة بين ~~جزء لا ينفصل من النفس الإنسانية، وحالة من حالتها التي قد تنفصل عنها، ولا محل ~~للمفاضلة بين هاتين وبين عصا يحملها المرء في يده، أو فأس يضرب بها الأرض، أو مطية ~~يركبها، أو شيء من هذه الأشياء المصنوعة على الإجمال. # وما ظنك برجل يقول لك: تعال يا فلان! ... إنك حي تعبر عن سرورك وألمك، وتقول: إني أحب ~~وإني أبغض، وإني أرجو وإني أخاف، وإني أبتهج لتلك الروضة، وأنقبض لتلك المتاهة، وأعجب ~~بهذا البطل الجسور، وأهيم بذلك الوجه الصبوح ... تعال يا ms161 فلان! ... إنك تستطيع أن تقول هذا ~~فلا تقله، وخذ في مكانه العلم، أو خذ في مكانه عشر سيارات وبضع طيارات، ومصنعا للحديد، ~~ومنسجا للحديد ... ما قولك في هذا الرجل يا صاح؟! ... هل تراه قد عرض عليك الخيار في أمر ~~يصلح للخيار؟! وهل تراك قادرا على أن تجيبه ولو طاب لك أن تأخذ البدل المعروض، وتعطيه ~~التعبير المزهود فيه؟! # ذلك هو شأن الذين يفاضلون بين الفنون والعلوم والصناعات، يخيرون الناس في غير موضع ~~للخيار، ويسألونهم عن الأسعار في غير موضع للبيع والشراء أما إن كان المقصد من هذه ~~التسعيرة تقويم القيم والعلم بأقدارها فليعلموا إذن ما شاءوا أن يعلموه: ليعلموا أن ~~للإصبع قيمة، وأن للمصباح قيمة، وأن للسيف قيمة، وأن للرغيف قيمة، ولكن المبادلة بينها ~~لا تقبل في سوق الاختيار ... وليس في سوق البيوع الجبرية مجال للإيجاب والقبول! # ووقعت يد صاحبي على مجلدات الصور التي تسمى بصور المدارس الحديثة، وهي أشكال ~~وألوان من المستقبلين إلى فوق الواقعيين إلى الإحساسيين الغلاة، إلى أشباه ذلك من البقع ~~والخطوط والأصباغ التي تحمل عنوان التصوير، وليست هي من التصوير في شيء؛ لأنها في ~~استطاعة كل من يتناول الريشة، ويغمسها في الألوان، وليست بالفن الذي تعرف له أصول، ~~وتدرس له مبادئ، ويمتاز به الفنان بين سائر الناس. # نظر صاحبي إلى تلك الصور فاشتدت عليه النقلة من فنون الأقدمين، ونظرائهم المحدثين إلى ~~هذا الهراء الذي يشبه هذيان المجانين، فقال: إن كان الفن تصويرا فليس هذا بتصوير، وإن ~~كان هذا الفن الذي يسمونه بالحديث تصويرا فلنبحث عن اسم آخر لذلك الفن القديم ... لن ~~يجمع الفنين اسم واحد بأية حال. # قلت: لا حاجة للبحث عن اسم آخر للفن القديم فهو التصوير الذي يصنعه المصورون، أما هذا ~~فهو ألغاز وأحاجي كتلك الألغاز والأحاجي التي تنشر في صحف التسلية عن الحروف المتقطعة ~~والأرقام المثلثة أو المربعة، أو عن العيون التي ليس لها آناف، والآناف التي ليس لها ~~عيون، وكلها من عمل الملغزين والمفسرين، فلا اختصاص بها للمصورين والنحاتين دون غيرهم ~~من ms162 العالمين. # قال صاحبي: ونستغفر الألغاز والأحاجي قبل هذا التشبيه بين الفنين، فإن الألغاز ~~والأحاجي ترجع إلى تفسير يتفق عليه كل من يفهمها بلا استثناء، أما هذه البقع والخطوط ~~والأصباغ فهي شيء لا يفهمه غير صاحبه، ولا يستطيع أن يعمم فهمها بين طائفة من الناس، ~~فكل صورة هنا كلمة من لغة لا يعلمها إلا إنسان واحد، إن صح أنها شيء معلوم، وقد كانت ~~الفنون لغة إنسانية عامة يفهمها على البداهة من لا يتفاهمون باللغات، فأصبحت على أيدي ~~هؤلاء المجان خرافة سرية في ذهن رجل واحد لا يمثلها مرتين على نمط معروف. # ثم أومأ صاحبي إلى صحائف الإحساسيين، فقال: هؤلاء هم الذين فتحوا الباب جزاهم الله! ~~... # قلت: أصبت، إنهم هم فتحوا باب التصرف في الأصول الموروثة، ولكنهم أصابوا في فتحه، ~~وهؤلاء دخلوا فيه، ولكنهم دخلوا واغلين ... # لقد كان الأساتذة الأقدمون يصورون ما يعلمون ويحسون، فجاء من بعدهم أساتذة المدرسة ~~«الإحساسية» ليصوروا ما يحسون وما يشهدون ... # كان الأستاذ القديم يعلم وهو يصور الشجرة أن لها غصونا وأوراقا فيصورها ذات غصون ~~وأوراق مفروزة كما يعلمها، وإن كان يراها من حيث يجلس لتصويرها لونا أخضر لا تنفصل ~~ورقة فيه عن سائر الأوراق. # وكان الأستاذ القديم يحسب الظل سوادا؛ لأنه نقيض البياض، وإن كان ليضرب أحيانا إلى ~~لون البنفسج أو الرماد. # فجاء الإحساسيون فأصلحوا هذا وذاك، وكان لهم الفضل والتوفيق في هذا الابتداء. # وكأنما حسب الذين خلفوهم أن التصرف مقصود لغير غرض مقصود، فوصلوا إلى ما هم فيه من ~~هذيان المجانين. # كان الأقدمون يصورون ما يعلمون ويحسون، وكان الإحساسيون الصادقون يصورون ما يحسون ~~ويشهدون، فجاء من بعدهم من يصورون ما يتوهمون، وجاء من بعد هؤلاء من يصورون ما يزعمون ~~أنهم توهموه، وهم كاذبون. # توهم مزعوم ... فماذا يكون وراء الوهم الملفق، والزعم المكذوب؟! # لن يكون إلا هذه البقع والخطوط والأصباغ، ولن تكون فنا يتولاه فنان؛ لأنها في مقدور ~~كل يد تصبغ الألوان. # انظر إلى هذا الكلب الذي صوره رجل من المستقبليين! ... أرأيت كلبا قط له اثنتا عشرة ms163 ~~قدما وذيلان أو ثلاثة ذيول؟! ... إن هذا «المستقبلي» يصوره كذلك لأنه يزعم أن الكلب وهو ~~يجري قد يرى له هذا العدد من الأقدام والذيول! ... فمن الذي أنبأه أن فن التصوير قد ~~خلق لتصوير الكلاب وهي واقفة لا تنقل قدما في قصارى شوطها فلم يجهل أحد رآها أنها ~~تعدو غاية العدو، وأن الحركة شيء داخل في صناعة المصورين، ولو جرى المصورون على هذا ~~المذهب لما جاز أن يرسم إنسان بعينين اثنتين؛ لأنه يقلب عينيه ذات اليمين وذات ~~الشمال، ويرفعهما إلى أعلى ويصوبهما إلى أسفل فلا تستقران في لمحتين! # وانظر إلى هذا المنكود من غلاة الواقعيين كيف يصور الفتاة؟! ... أفهذه فتاة أم جثة ~~غريقة وارمة؟ ... أم جلد آدمي محشو كما تحشى جلود الحيوان؟! # ولكنه يقول لك إنه يصور ما يراه الوعي الباطن، ولا يصور ما تراه العينان، فمن قال له ~~إن الوعي الباطن مخلوق في هذه السنوات التي سميناه فيها باسمه؟! ومن قال له إن الأساتذة ~~الأقدمين كانوا يعيشون في هذه الدنيا بغير وعي باطن وبغير أوهام وأحلام؟! إنه سمع اسما ~~جديدا فظنه خلقا جديدا يرينا الدنيا على صورة لم تكن لها في الزمن القديم ... ثم جاء ~~المتجرون بالغرائب فسخروه وشجعوه، ووقع في الفخ من يدعون غير ما يعلمون، ومن يخافون أن ~~يقال عنهم إنهم قوم متخلفون، لا يفقهون الجديد ولا يجرون مع العصر الذي يعيشون ~~فيه. # قال صاحبي: ترى لو تمثل صاحبنا في وعيه الباطن صورة السيارة كأنها الفتاة الحسناء ~~اللعوب، أيؤمن بوعيه الباطن هذا فيلقي بنفسه تحت قدميها، أو يقف في طريقها ليغازلها ~~ويسعد بقربها؟! # قلت: ليتهم يصدقون الوعي الباطن هذا التصديق، فيلحقوا بالوعي الباطن في عالم الخفاء، ~~وتسلم القرائح والأذواق ... لكنهم عند الجد قوم عقلاء ينظرون بالعين التي ينظر بها الناس، ~~ولا يرون السيارة إلا سيارة، ولا الرجل إلا رجلا، ولا الفتاة إلا فتاة! # وألقى من يده تلك المجاميع ليتناول مجموعة من صور التماثيل التي صنعها الأقدمون ~~والمحدثون، وحفظت أصولها في دور الفنون والآثار، بعضها في متحفنا المصري، وبعضها ms164 في ~~العواصم الأوروبية، فبدرت منه هتفة إعجاب بنخبة من تماثيل الملوك والملكات والكهان في ~~عصور الفراعنة، وأدهشه ما يمثله الحجر - ثم تمثله الصورة المأخوذة عن الحجر - من قوة ~~الخلق ودقة الملامح، وبروز السمات على خلاف ما توسم في تماثيل الإغريق. # قال: ما كنت أحسب أن المصريين برعوا الإغريق في هذه الفنون، ولا سيما في النحت ~~والتصوير. # قلت: كما ينبغي أن تحسب ذلك بداهة قبل أن تلمحه بالعيان، فالمصري القديم كان يعنيه ~~التخليد قبل أن يعي بالنقل عن نماذج الطبيعة، ومن عني بنقل النماذج العامة أغناه ~~الوصف المشترك بينها عن السمات الخاصة والملامح الشخصية، ولكن المصري الذي كان يصنع ~~التمثال كما يحنط المومياء لتخليد صاحبها ودوام جسده ومقومات شخصه لم يكن له معدى عن ~~تمييز معارفه والتدقيق في تمثيل صفاته، فمن ثم كان المصريون الأقدمون أبرع من الإغريق ~~الأقدمين في نقل الملامح والقسمات، ولولا أن الإغريق أطلقوا الدنيا، وأن المصريين قيدوا ~~دنياهم بآخرتهم لجاء فن الإغريق بعد فن الفراعنة الأقدمين بأشواط فساح. # قال: ولعلهم من أجل هذا قربوا الصلة بين قيود الفن وقيود الأخلاق، فندر في صورهم ~~العري، وعرض المفاتن المثيرة، وتعمدوا أن يستروا من الأجسام ما تقضي الأخلاق بستره، ~~خلافا للسنة الشائعة في رسم الصور، ووضع التماثيل. # قلت: إنهم في الواقع أقرب إلى ستر الأعضاء من غيرهم، فلم يكشفوا من عورات الأجسام إلا ~~ما صنعوه لآلهة التناسل في المحاريب المزوية، ولكني لا أخال المسألة هنا مسألة حياء ~~اتصف به قدماء المصريين وتجرد عنه الآخرون، وإنما كانت تماثيل المصريين الأقدمين تماثيل ~~أشخاص معروفين لا تماثيل أجسام يتخذونها نموذجا للجسم القوي والجسم الجميل، ولا حاجة ~~إلى عرض خفايا الجسم في تماثيل الأعلام المعروفة، أما نماذج القوة ونماذج الجمال فيختلف ~~الحكم عليها بعض الاختلاف؛ فإن إظهار العضلات والألواح، وإظهار الزوايا والمدارات، قد ~~يتمم النموذج، ويلزم المثال في أداء عمله أشد من لزوم الوجوه والرءوس . # ثم قلت: وعلى هذا ربما أدهشك كما أدهشني حين قرأت لأول مرة أن الأصل في ستر الأعضاء ~~إنما يرجع ms165 إلى الأنفة من وظائفها لا إلى الحياء من شهواتها، وأنهم كانوا يعافونها ~~فيسترونها، ولم يستروها؛ لأنهم يخشون فتنتها، فما أعجب أصول الأخلاق، وما أعجب منبت ~~الحياء! # قال صاحبي، وكان من الذين يتحرجون، ولا يمنعهم تحرجهم أن يسمعوا وجهات الأنظار: من أي ~~منبت نبت فهو اليوم فضيلة من كبريات الفضائل، أو لعله اليوم أصل الفضائل جميعا، فلماذا ~~يكشفون ما ينبغي أن يستر؛ ولماذا يلزمون تماثيل الناس قلة الحياء وهم يطلبون الأصل ~~الأصيل؟! # قلت: أولى لهم أن يستروا ما يعاب كشفه ولا حاجة إلى إبدائه، على أن المثالين قد ~~خدموا الأخلاق من حيث لا يريدون حين عودوا الناس أن ينظروا إلى الجسد الواحد نظرات ~~متعددات؛ لأن النظر للشهوة وحدها معيب كعيب الخلاعة والابتذال، وما زال العزل بين أنواع ~~الشعور ثروة لنفس الإنسان تخرجها من فاقة الطبع إلى غناه، فالطبيب ينظر إلى جسد المرأة ~~الحسناء فينسى الجمال والشهوة، ويذكر الطب والرحمة، والرجل ينظر إلى أخته أو ابنته ~~فينسى أنها امرأة من جنس النساء ويذكر الحنان والمودة، والممثل يقبل الممثلة وينسى لذة ~~التقبيل ليذكر براعة التجويد والإتقان، والعينان اللتان تبصران ألف جسد على شاطئ البحر ~~في كساء الحمام لا تفتنان، كما تفتنان بجسد واحد في مثل هذا الكساء بين الجدران، ~~فإذا تعود الناس أن ينظروا إلى التمثال فيذكروا جماله واتساق أعضائه وتناسق أوصاله، ~~وينسيهم ذلك أنهم من ذوي الشهوات بضع لحظات، فهم كاسبون في الأخلاق فضلا عن الأذواق، ~~وليسوا بخاسرين. ~~••• # وعاد صاحبي إلى ترتيب المكتبة الذي بدا لأول وهلة أنه لا يعجبه ولا يريحه، ولا يتيح ~~له أن يجد طريقة فيه؛ لأنه أعرض عن كتب الصور والتماثيل، ومد يده إلى بعض الكتب التي ~~تجاورها على رفها، فإذا هي في المنطق وما إليه. قال: ما هذا؟! ... أمن بيكاسو وأروزكو ~~وبراك، وتماثيل الفراعنة والجرمان إلى أرسطو وكانت وهيوم؟! ... لم أر موضوعا أبعد عن ~~المنطق من موضعه في هذا المكان. # وكانت هذه الملاحظة وأشباهها ما تفتأ تعاد من كل زائر طرق هذه الحجرة ونظر في كتبها ~~ورفوفها، ms166 ولم تكن بي حاجة إلى بيان عنها؛ لأن البيان الوحيد أنني أجددها كل حين، ولا ~~أملك أن أرتبها كل حين، وأنني مع هذا لا أضل فيها عن طريق كتاب أريده منها فما حاجتي ~~إلى ترتيب لها غير هذا الترتيب؟! # ولكنني رجعت بصاحبي إلى المنطق الذي احتكم إليه، فقلت: وهل يقضي المنطق بغير ما ~~تراه؟! ... ما الحاجة إلى عناء الترتيب والتبويب إن كنت بغير ترتيب ولا تبويب تدرك ما ~~تريد؟! ... وأي ترتيب ينتظم في هذه الحجرة من ناحية إلا ليختل من ناحية أخرى؟! أترتيب ~~الحجم أم الموضوع أم تاريخ الاقتناء أم المؤلفين؟! ولم العناء؟! إن المنطق الذي تحتكم ~~إليه أسباب وعلل ... فهل من سبب، وهل من علة؟! # قال: لست على المنطق بغيور فاصنع به ما تشاء، وضعه حيث تشاء، وما جدوى المنطق في ~~المكتبة وما في الحياة من منطق يعقله العقلاء؟! # قلت: أما هذا يا صاحبي فلا، وإننا لعلى شرطنا الأول أن ندع المردة في قماقمها ولا ~~نطلقها، ولكننا قادرون - وهي حبيسة - أن نقول في أمان: إن المنطق والحياة لا يفترقان! ... ~~وإن الآفة فيمن لا يفهمون المنطق أنهم لا يحسونه، وفيمن لا يحسون الحياة أنهم لا ~~يفهمونها، فما من شيء في هذه الحياة يناقض المنطق بحال، فإن فهمناه فهو مفسر بأسبابه ~~ومقدماته، وإن لم نفهمه فليس لنا أن نناقض بينه وبين المنطق أو القياس. # قال: عجبا! ... أوكذلك؟! ... إننا لنرى كل يوم أمورا لا نفهمها ولا يراها الناقدون تجري ~~إلا على خلاف وجهها، ونقيض استقامتها، هذا الغني بخيل، وذلك الفقير كريم، هذا الفتى ~~المقبل على الحياة يقدم على الموت في شجاعة وخيلاء، وذلك الشيخ الذي شبع من الحياة ~~يجبن ويخاف، هذا الذكي محروم، وهذا الغبي مجدود ... فأي منطق في هذا وأي قياس؟! # قلت: كل المنطق وكل القياس ... أن الذكي لا يصنع مقاديره فيصيب فيها بذكائه وأن الغبي ~~لا يصنع مقاديره فيخطئ فيها بغبائه ، وإننا لنضع المنطق في غير موضعه حين نجعله حسبة ~~أرقام وأعوام، فإن الفتى الذي يقدم على الموت لا يفعل ms167 ذلك لأنه يحسب الأعوام التي عاشها ~~والأعوام التي ينبغي أن يعيشها، ولا يقدم على الموت لأنه يريد أن يقدم عليه، ولكن الوضع ~~الصحيح أن نضع دوافع الحياة التي تحفزه إلى المجد والغلبة والثناء وتخجله من العار ~~والمهانة والعقاب ثم نضع أمامها دواعي الحرص والحذر والإشفاق، فإذا كانت تلك الدوافع ~~أقوى من هذه الدواعي، فالمنطق الصحيح إذن أن يقدم على الموت ولا يستسلم للحذر والمخافة، ~~وإذا كان الشيخ على نقيض ذلك قد تغلبت فيه المخاوف على دوافع الشباب، فالمنطق الصحيح أن ~~يتشبث بالحياة التي يرفضها ذلك الشاب وهو في مقتبل صباه ... وما من غرابة إلا وهي مفهومة ~~معقولة منطقية قياسية حيت نضعها في وضعها الصحيح، وإنما نخطئ المنطق؛ لأننا نخطئ ~~الإحساس، فلا تصدق خصيان العقول والنفوس حين يزعمون أنهم من ذوي الإحساس؛ لأنهم لا ~~يفكرون ولا يقيسون. فإنما الإحساس القويم هو الفارق الوحيد بين المنطق القوي والمنطق ~~الضعيف، وإنما الخطأ في المنطق خطأ في الإحساس بالأمور على حقائقها النفسية ... أتعرف ~~أولئك النظامين الذين يحفظون التفاعيل ليحسنوا وزن الشعر، فلا تستقيم لهم التفاعيل ولا ~~تستقيم لهم الأوزان؟ لو أحسوا بآذانهم لصححوا التفاعيل وصححوا الأوزان معها، وكذلك ~~الذين صغرت نفوسهم، فلا يشعرون بالحياة على حقائقها يتهمون المنطق وهو براء، وهم الذين ~~لا ينطقون ولا يحسون. # ترى هل يخطئ المخطئون فيحسبون الغني أولى بالسخاء والفقير أولى بالضنانة؛ لأنهم ~~يحسون ولا يفكرون، أو لأنهم لا يحسون ولا يضعون شعورا أمام شعور بل أرقاما أمام ~~أرقام؟! ترى لو أحسوا ماذا يختلج في نفس الغني فيبخل، وماذا يختلج في نفس الفقير ~~فيجود، أكانوا يخطئون في المنطق، ويضلون عن سواء السبيل؟! # إننا نتكلم في الغنى والفقر، فلنمض في القافية ولا ندع الكلمتين قبل أن نقول: إن فقر ~~العقول لم يكن قط شهادة بغنى النفوس، وإن ثروة النفس لا تحرم صاحبها ثروة العقل بل ~~تعينه عليها وتزيده منها، وهذا فيما أحسب فصل الخطاب في قضية الفقراء المنطقيين الذين ~~يثبتون غناهم في الحس والشعور بشهادة فقر في باب المنطق والتفكير. ms168 ~~••• # وقبل أن يتقدم صاحبي إلى ركن الشعر والشعراء وهو ربع المكتبة بادرته بالشرط المعهود: ~~لا نفتح القماقم، ولا نتجاوز العناوين! ... # قال: نعم الشرط فيما أرى، فما نحن بخارجين من هذه الحجرة لو أطلقنا ماردا واحدا ~~هنا، وانطلق وراءه إخوانه المتحفزون، ولا أخفي عليك أنني لست على مذهبك في الحفاوة ~~بالشعر؛ لأنه فضول شبعنا منه نحن الشرقيين، وطال اشتياقنا إلى تعويد أبنائنا ملكة العمل ~~بعد ملكة الكلام! ... # قلت: لك رأيك في الحفاوة بالشعر والشعراء، أما الحقيقة فهي أننا كنا عاملين عندما كنا ~~قائلين، وأنه لم توجد قط أمة عرفت كيف تعمل إلا عرفت كذلك كيف تقول، فلا تناقض بين ~~القدرة على العمل والقدرة على القول، وما يستطيع إنسان أن يعمل حسنا أو يقول حسنا إلا ~~بوعي صحيح، والوعي الصحيح قسط مشترك بين ملكة العمل وملكة الشعر، ولولا أن الشعراء ~~يحتاجون إلى صناعة التعبير، ويفرغون لإتقانها لما منعهم الشعر أن يكونوا أقدر ~~العاملين. # أتحسب العرب كانوا متخلفين في ميادين الأعمال؛ لأنهم كانوا سباقين في ميادين القصيد ~~زمنا من الأزمان؟! ... أرأيت اليونان قد نبغ فيهم القادة والساسة والمدبرون إلا حين نبغ ~~فيهم الشعراء والمنشدون؟! ... أتعلم أمة من أمم الأرض في العصور الحديثة كانت أطبع على ~~مراس الواقع والعناية بالفكر العملي والخلائق العملية من أمة الإنجليز؟! ... فهل رأيت أمة ~~من جيرانهم ومنافسيهم سبقتهم في مضمار الشعر، وأنجبت نصف من أنجبوه من عباقرة ~~الشعراء؟! # زعموا - أو زعمنا لأنفسنا نحن الشرقيين - أننا خياليون، وأننا لو أصبحنا واقعيين ~~لنفضنا عنا غبار الخمول، والحق الذي لا مرية فيه عندي أننا واقعيون فاشلون في ~~الواقعيات، فليست قصور ألف ليلة ولا حسانها وجواهرها وموائد طعامها وشرابها خيالا ~~يحتاج إلى ملكة من ملكات التصور والإدراك، ولكنها كلها واقع ناقص أو واقع موقوف ~~التنفيذ، فإذا حصل التنفيذ حصل الواقع الذي يلمس ويرى ويشم ويذاق ... واليوم الذي ~~نتخيل فيه، فنحسن التخيل هو اليوم الذي ننفض فيه غبار الخمول ... لأننا نحسن الوعي بهذا ~~التخيل، ونطبع الصورة الصادقة في بدائهنا من صورة الوجود، ولن تنطبع ms169 في النفس صورة ~~صادقة لما حولها وهي راكدة قاعدة، أو عازفة عن الحركة والسعي، والاستجابة لتحول ~~الأحوال. # فكن على رأيي أو رأي غيري في الحفاوة بالشعر والشعراء، ولكن لا تجعل الشعراء مقياسك ~~الذي تقيس به قدرة العمل؛ لأنهم يتفرغون للتعبير فيفوتهم التفرغ لما عداه من الشئون، ~~واتخذ مقياسك من الأمم العاملة القائلة تجد أن الشعر الأصيل والعمل الأصيل يرجعان معا ~~إلى فرد مقياس، وهو الوعي الأصيل. # وهممنا أن نترك الحجرة التي قضينا فيها معظم هذه السياحة فأنصفناها أعدل الإنصاف؛ ~~لأننا في الواقع نقضي فيها معظم الحياة. # وعدل صاحبي عن الرفوف إلى الجدران، فقال: إننا دخلنا هذه الحجرة ونحن نقول: إن النور ~~أخفى الأشياء؛ لأنه أظهر الأشياء، بل مظهر الأشياء، وها نحن أولاء نغضي عن الجدران ~~الظاهرة، ونبحث عن الرفوف والصفوف، فمن هذا وما ذاك، وما هنالك على هذه الجدران التي ~~رأيناها أول ما رأينا؟ ... ألم تكن أحق منا بالسؤال عنها أول ما سألنا؟! # وكانت على الجدران صورة فنية واحدة لا ثانية لها من نوعها وهي صورة الفتاة الحزينة ~~على قبر حبيبها الدفين، وقد كتبت عنها في ساعة من الساعات بين الكتب فلم يكن السؤال ~~بحاجة إلى جواب، أما سائر الصور فقد كانت أوضح من أن تحتاج إلى توضيح، جمال الدين ومحمد ~~عبده وسعد زغلول، وكارليل وبيتهوفن، وصورتان من صنع الفنان النابغ صلاح الدين طاهر ~~إحداهما صورتي بعد الأربعين، والأخرى بعد الخمسين! # ولقد تجمعت هذه الصور في أماكنها بمحض الاتفاق، في نيف وعشرين سنة، فلم أعرف لها وحدة ~~تجمعها إلا بعد أن تجمعت وحدها، وساءلت نفسي عن تلك «الوحدة» كما كان يسألني الناظرون ~~إليها. # قال صاحبي وهو يومئ إلى الصور واحدة بعد واحدة: هذا موسيقي ألماني، وهذا حكيم ~~إنجليزي، وهذا مصلح أفغاني، وهذا وزير وهذا مفت، وهما مصريان! ... فما الذي جمعهم في ~~صعيد واحد وهم بهذا التفرق في المواطن والشواغل والأهداف؟! # قلت : الجد والكفاح ونبل السليقة وقلة الاستخفاف. # فهؤلاء الثلاثة شرقيون من رجال العمل والحركة، وأعمالهم فيها النهضة الاجتماعية ~~والثقافة الدينية ms170 والثورة الوطنية، ولكنهم كلهم مجدون مكافحون نبلاء، لا يستخفون ~~بما يعملون ولا يدينون بشريعة الاستخفاف التي يتراءى بها بعض الساخرين من ~~الحكماء. # قال: لكأني بك لا تحب الساخرين! # قلت: كلا؛ بل أحبهم ساخرين، وجادين مكافحين. ومن أعجبه كارليل وبيتهوفن لا يكره السخر ~~بل لا يكره السخط أحيانا على الحياة، ولكن شتان سخط وسخط، وشتان رضوان ورضوان. # أتعلم يا صاحبي ماذا أحب، وماذا أبغض من مذاهب السخرية، بل من مذاهب السخط ~~والتشاؤم؟ # إن النظرة إلى المرأة هنا هي مقياس النظرة إلى الحياة، فإنك لا تسخط عليها إلا لأنك ~~تكبرها، ولا تترك السخط عليها والسخرية منها إلا لأنها هينة عليك حقيرة في ~~عينيك. # الزوجة تغضبك وتقيمك وتقعدك، ولكن البغي المستباحة لا تثير منك غضبة، ولا تكلفك ~~حسابا ولا عناية، فإذا اقترن السخط بالجد والاهتمام، فالحياة شريفة مرعية تلقاك منها ~~المغضبات بغير ما تتوقعه وما تتمناه، وإذا بطل السخط وبطل معه السخر اللاذع، فالحياة ~~جثة مستباحة بلا عرض ولا كرامة، وهذا الذي أوثر عليه سخط الساخطين وسخر ~~الساخرين. # وإني لأسمع من هذه النافذة بين حين وحين صوت امرأة لا تني تنذر وليدها بالخيبة وسوء ~~المآل: أأنت تفلح في شيء أبدا؟! والله ما أنت بمفلح، ولا بمقلع عما أنت فيه! ... خيبني ~~الله إن لم أرك خائبا هكذا بين أبناء الأمهات ... # وهذا سخط كسخط فريق من الفلاسفة المتشائمين على الدنيا ومن فيها، ولكنه سخط من يريد ~~الخير، ومن يسوءه صدق ما يقول، ومن هو أول الفرحين المستبشرين لو جرى الأمر على غير ~~النبوءة التي يقسم عليها جاهدا، ويخيل إليك أنه قد جزم بها كل الجزم، وفرغ منها ~~غاية الفراغ. # هذا سخط من يعنيه أن يسخط ويعنيه أن يرضى، هذا سخط من يسخط على نفسه وهو ساخط، أو من ~~يسخط لأنه يحاول أن يرضى فما استطاع ... # أما أولئك الفلاسفة الراضون بالدنيا لأنهم يلتذون عيوب الإنسان، ويبحثون عنها بحث ~~المحبور بالنقص المحزون بالكمال فبينهم وبين أولئك الساخطين بون بعيد، بين هؤلاء وهؤلاء ~~ما بين الأم التي تنعى ms171 خيبة وليدها، والعدو الذي ينعى خيبة عدوه، فتلك تنعى وهي كارهة ~~آسفة وهذا ينعى وهو راض قرير، وتلك تحفز إلى العمل والصلاح، وهذا يصد عن العمل ~~والصلاح. # أولئك المتشائمون أصدقاء الحياة والإنسان، وهؤلاء المتشائمون أعداء الحياة ~~والإنسان. # وليست العبرة في مذاهب الحكمة بالأسماء والعناوين، ولكنما العبرة حق العبرة بالبواعث ~~والنيات، وربما نظرت إلى البواعث والنيات فرأيت بعض المتشائمين أقرب إلى حب الحياة، ~~والإشادة بفضائل الأحياء من بعض المازحين والضاحكين. # قال صاحبي: إن كثيرا من الناس ليفهمون قولنا حين نقول لهم: إن كارليل فيلسوف متشائم، ~~ولكن كم منهم يفهموننا حين نقول: إن بيتهوفن موسيقار متشائم أو مناضل؟! ... وكم من الناس ~~في الشرق خاصة يرى في صناعة الألحان متسعا لآراء المتفائلين، وآراء المتشائمين، وآراء ~~المناضلين؟! ... إنما يحسبون ذلك وقفا على التعبير بالكلام دون التعبير بالألحان، فإن ~~وصفوا لحنا بالتشاؤم فأول ما يسبق إلى أخلادهم أنه لحن جنازة، أو لحن شجن وأنين ... ~~وإنما يسوغ التعبير الموسيقي في معاني المذاهب الفلسفية عند طبائع الغربيين، ولا يسوغ ~~عند طبائعنا نحن الشرقيين، أوليس هذا هو الفارق بين موسيقى الغرب وموسيقى الشرق التي ~~ورثناها عن الآباء منذ عهد بعيد؟! ... # قلت: لا أحب أن أظلم الطبائع الشرقية، ولا أود أن أفرد الطبائع الغربية دون سواها ~~بتلك الفضيلة، فإن الموسيقى الغربية لم تكن من قديم الزمان على هذا الطراز الذي نسمعه ~~من بيتهوفن وأمثاله، وإنما اتخذت منهجها الحديث حين نشأت في ظل القداسة الدينية، ثم ~~عبرت عن مسائل الروح، وأسرار الوجود التي تشتمل عليها الأديان، ثم استولت عليها المذاهب ~~الكونية حين استولت في الغرب على تراث الدين كله، وعلى مسائل الروح بما رحبت، فلم ينعزل ~~الموسيقيون عن الفلاسفة والشعراء، وباعثي النخوة في صدور الأمم يوم تعاقبت بينهم نهضات ~~الإصلاح والحرية، وقديما كان في اليونان، وفي بلاد الجرمان منشدون وملحنون فلم ينهجوا ~~على هذا المنهج الحديث، ولم يرتفعوا بالموسيقى كثيرا عن منزلة الطرب، وتمليق الحواس، ~~وتمثيل الشعور المحدود. # لعلنا نقترب إلى الإنصاف وندنو من التحقيق حين نقسم الموسيقى إلى نهجين ms172 يختلفان ~~باختلاف الذوق والبديهة، ولا نقسمها إلى إقليمين «جغرافيين»: بين أناس في الشرق وأناس ~~في الغرب، أو أناس في الشمال وأناس في الجنوب ... # فهناك موسيقى حس محدود، وهي التي تؤدي لنا وظيفة الجارية والنديم، وتسلينا بأنغام ~~الفرح حين نفرح، وأنغام الشجن حين ننوح. # وهناك موسيقى الروح، وهي التي تخاطبنا من منبر الإلهام وشرفات الغيب، وتجلس لنا مجلس ~~المفسرين والهداة، وتقول لنا ما يعجز عنه الكلام؛ لأن الألحان لا تقصر عن وصف الأسرار ~~حين تقصر عنها المعاني والحروف ... # ولدينا من جهة أخرى موسيقى الحس الحي التي تطربنا وتشجونا كما يختلج الطرب والشجو ~~بالجسم القوي الصحيح. # ولدينا من جهة أخرى موسيقى الحس المريض التي تطرب من تطرب وتشجو من تشجو كأنها السم ~~المخدر، أو الشهوة السقيمة التي تترهل بها الأجسام في مخادع اللذات. # وقد تقترن الموسيقى بالسعة والضيق، وبالسمو والهبوط، على حسب السامع المصغي إليها ~~والمتعقب لأنغامها. # فمن الآذان الشعرية مثلا ما ليس يتسع لغير القافية الواحدة في القصيد الطويل. # ومنها ما يسمع القصيدة الواحدة، وفيها عشر قواف تتكرر في أماكنها، فتحسن انتظارها ~~حين تعود، وتجري مع كل قافية منها في مدار. # وكذلك الأوزان الموسيقية في آذان السامعين، ربما أتعبت أناسا بتكرارها، وأراحت ~~أناسا بهذا التكرار، وإنما المعول في الحالتين على الأذن التي تتعقب وتحسن التعقب ~~والتعقيب. # أترى اليدين اللتين تلعبان بخمس كرات وسكينتين، وبضع بيضات مع الكرات، والسكينتين لا ~~تزال تقذفها اليمين وتتلقاها الشمال، أو تقذفها الشمال وتتلقاها اليمين؟! ... إنهما يدان ~~من لحم ودم كتينك اليدين اللتين تكسران البيضة الواحدة إذا تناولتاها على غشم وجفاء، ~~فإذا مرنت البديهة الصافية فقد تداول بين عشرين وزنا تتلقاها في مواقيتها، ولا تحار ~~بين واحدة منها وواحدة كلما رجعت إليها، وإذا أخطأتها هذه المرانة - أو هذه القدرة - ~~فقد يعنتها الوزن الواحد في غير ميقاته المحدود، ولا خطأ في الموسيقى هنا وهناك، وإنما ~~هو الخطأ في التناول والاتباع ... ~~••• # قال صاحبي مبتسما: وإخالها لعبة عسرة على آذان المستمعين ... عندنا خمس كرات وبضع ~~بيضات وسكينتان في يدين اثنتين ms173 ... هذا كثير على سامعي العود والقانون في هذا الشرق ~~«اللطيف» ... إني ليائس من اليوم الذي يتجمع فيه لسماع الموسيقى العالية جمهور يعد ~~بالمئات والألوف، كذلك الجمهور الذي يتجمع لها في أندية الأوروبيين. # قلت: إن أجلنا اليأس فلا ضير في تأجيله، فإن الأغاني الشعبية عندنا لا تزال سليمة من ~~مرض الترهل والغواية، وهي لا تحتاج إلى مرانة كبيرة في المنشدين ولا في المستمعين ... ~~فأما الموسيقى التي لا غنى فيها عن مرانة الآذان والأذواق، فهي تلك الموسيقى العالية ~~التي نتمنى لنا نصيبا منها كنصيب الأوروبيين أو أوفى من ذلك النصيب. وليس لنا أن نيأس ~~من عقباها بيننا حتى نؤدي واجب المرانة المطلوبة في الجيل الناشئ تمهيدا لما بعده من ~~الأجيال، فإذا حسنت هذه المرانة جيلا واحدا لم تثمر في الشرق ثمراتها المنشودة، فهناك ~~مجال لليأس أو للشروع فيه. # ويخيل إلينا أننا لم نبدأ هذه المرانة بعد على وجهها المفيد؛ لأننا خلقاء ألا ~~نترقب فنا موسيقيا عاليا قبل أن نفصل بين الذوق الفني وبين المتعة الجنسية أو ~~المتعة الجسدية، ونحن لا نزال نقبل على مجلس السماع جنسيين جسديين، يتعصب الذكور منا ~~للمغنيات الإناث، ويتعصب الإناث منا للمغنين الذكور. # قال: وما آية هذا الفصل بين ذوق الفن وبين الغريزة الجنسية؟ # قلت: آيته أن ترى السامعين يحيون السماع بغير ما ألفناه من التصدية والتصفيق، وبغير ~~ذلك الأسلوب الناشز من الخبط والصريخ، فإن الصفة الأولى التي لا تنفصل من الموسيقى ~~والغناء هي صفة الانسجام والتناسب بين الأصوات، ولن تسيغ الأذن الموسيقية زعيقا ولا ~~اقتضابا وهي تصغي إلى تناسب وانسجام. إنما السامع المصغي إلى الغناء الذي يصيح تلك ~~الصيحات المزعجة حيوان لذعته الغريزة، فجمح في غير أناة، وليس هو بإنسان يملكه جمال ~~النسق، وتستهويه متابعة النغم في مسالك الألفة والنظام، وليس في وسع الأذن أن تكون ~~أذنا موسيقية ثم تنتقل من الفوضى إلى النسق، ومن النسق إلى الفوضى في لمحة عين، وليس ~~في وسعها أن تسيغ الفن، وتسيغ نقيضه في آونة واحدة، وهل الفن إلا أوزان؟! ... وهل ms174 نقيضه ~~إلا الأصداء، والأخلاط التي تنطلق بغير عنان؟! # فالصاخب الذي تلذعه الغريزة فيصيح، ويقتضب الغناء معقول ومفهوم ... # أما الذي لا يفهم ولا يعقل فهو ذو نظام وذو فوضى ينطلقان في لحظة واحدة، ولا يزالان ~~كذلك متقلبين مترددين في شخص واحد ساعة أو بضع ساعات ... # قال: كأنما الذنب ذنب المستمعين! # قلت: ليس في فنون الجماهير ذنب واحد، بل ذنوب تشمل المسمعين، ومن يستمعون إليهم، ومن ~~لا يسمعون ولا يستمعون. ~~••• # وكانت صورة بتهوفن تنحني إلينا كأنها تصغي إلى حديثنا، فقال صاحبي: ما كان أعظم فجيعة ~~المسكين بسمعه وهو السفير بينه وبين عالم الأصداء والأصوات، لو كان هو الذي أمامنا ولم ~~تكن صورته لما سمع من حديثنا أكثر مما سمعت هذه الصورة الصماء، فماذا كان على الدنيا لو ~~أسمعت هذا الذي أسمعها من أقصاها إلى أقصاها، ولا يزال يسمعها إلى اليوم؟! # قلت: هي محنة تمثلت فيها نزاهة الفن وخلوصه من ظاهرة الحس القريب، فقد سمعنا من نقاد ~~الغرب من يقول: إن روفائيل لو ولد مقطوع اليدين لكان هو في ملكة التصوير روفائيل الذي ~~علمناه، فإن كان هؤلاء النقاد قد بالغوا بعض المبالغة فقد شاء القدر أن نرى أعظم ~~الموسيقيين مقفل الأذنين لا يسمع ما يوحيه؛ لأنه يتلقاه من عالم النسب المحض التي لم ~~تترجمها الأصوات ... وما يتفق هذا لأصحابنا وأصحاب العود والقانون وربع المقام؛ لأنهم ~~كالمرأة التي تنظر إلى مرآتها ولا تفارقها، فإن فاتهم أن يسمعوا أنفسهم فقرة بعد فقرة ~~لم يحسنوا إسماع الآخرين ... ~~••• # وتهيأ صاحبي لسؤال يتردد فيه، فقال وهو ينقل بصره بين الصور المتجاورات: إنك لم ~~تجمعها عمدا على هذا التفاوت البعيد فيما بينها، فأما وقد اجتمعت على غير قصد منك فهل ~~خطر لك قط أن توازن بين أصحابها، وأن تسأل نفسك أيهم أعظم، وأيهم أحق بالإكبار ~~والإعجاب؟ # قلت: لا يخطر لك على أية حال أنني أنزل بقدر الموسيقي العظيم عن قدر المصلح العظيم أو ~~الزعيم العظيم، إن الأئمة الموسيقيين أندر في العالم من أئمة الاجتماع وأئمة السياسة، ~~فلا تحسبه حتما ms175 لزاما أن يكون زعماء الاجتماع أو السياسة أعظم من زعماء الفنون؛ لأن ~~المعول على الكفاءة اللازمة للعبقرية لا على أثرها في مواطن الجاه والسلطان، وليست حاجة ~~الناس إلى شيء هي مقياس العظمة فيه؛ لأن الناس يحتاجون إلى سنابل القمح، ويستغنون عن ~~اللؤلؤ، وليس القمح بأجمل ولا أبدع في التكوين، ولا أغلى في الثمن من الجوهر الذي لا ~~نحتاج تلك الحاجة إليه ... ~~••• # قال: وهؤلاء الثلاثة العاملون ... من أعظمهم في موازين الرجال؟ # وأشار إلى جمال الدين، ومحمد عبده، وسعد زغلول ... # قلت: أعظمهم أثرا في قطر واحد هو سعد زغلول، وأعظمهم أثرا في جميع الأقطار هو جمال ~~الدين، وأعظمهم نفسا فيما أرى هو محمد عبده، أوسط الاثنين. # قال: وبم كان أعظمهم في موازين النفوس؟ # قلت: إن عظماء البطولة الإنسانية لا يوزنون بغير الصفة العليا التي تتجلى في ~~البطولة، وهي الإيثار. # فإذا تعادلت كفاءات العقل واللسان، وكفاءات العزم والعمل، فليس في الميزان الإنساني ~~أصدق من وزنه الإيثار للمفاضلة بين المتقاربين في الأعمال والأقدار ... # قال صاحبي متعجبا: ومحمد عبده الذي تسنم المناصب، ولم يحرم نفسه متعة الأبوة والزواج ~~أعظم إيثارا من جمال الدين؟! # قلت: قد تكون العزوبة مزيدا من الاعتداد «بالشخصية»، وقد تكون الأبوة مزيدا من ~~الإيثار. # قال: عليهم سلام الله أجمعين، سابقين ولاحقين، وراجحين ومرجوحين، فليس بالمرجوح من له ~~الرجحان على الألوف وألوف الألوف، وإن سبقه بالرجحان أستاذ أو مريد، وتحول صاحبي إلى ~~صورتي، فقال وهو يردد النظر بيني وبينها: لقد سألتك عن صور غيرك، فما لي لا أسألك عن ~~صورتك؟! ... كيف ترى صديقك الفنان قد مثلك في هذه الأصباغ والألوان؟! # قلت: على شرطي في كل تمثيل ... # وشرطي في الممثل القدير - على المسرح - أنه هو الممثل الذي يمثل لك ما لا يقال، أو هو ~~الممثل الذي يشغل فراغ القول بين عبارة وعبارة من كلمات المؤلفين؛ لأن مصاحبة الكلمة ~~الضاحكة بالمنظر الضاحك أو مصاحبة الكلمة الباكية بالمنظر المحزن فن لا يعسر على ~~الكثيرين، وإنما يعسر عليهم أن يمثلوا لك ما لا يقال بين الكلمتين أو ms176 بين المنظرين؛ ~~يصعب عليهم أن يمثلوا لك ما تدركه أنت ولا يقوله المؤلف بلسانه ولا تسمعه أنت ~~بأذنيك. # وكذلك أرى صورتي كما صورها صديقنا الأستاذ صلاح؛ لأنه يمثل القابليات قبل تمثيل ~~الملامح والمحسوسات، فليس في الصورة حالة محسوسة عني بها دون غيرها، ولكن ما من حالة ~~قد تطرأ على النفس إلا نظرت إلى الصورة فرأيتها قابلة لها موافقة للتعبير عنها، وهذه هي ~~ملكة الإيحاء التي تشترط في جميع الفنون، فما تحبسه الكلمات والأصباغ من المعاني أو ~~الملامح أقل في العمل الفني مما ينطق به الخيال، أو يسترسل فيه تداعي الخواطر ~~والأفكار. ~~••• # وكان آخر ما ودعه صاحبي من المكتبة نخبة من الكتب في فن الغذاء، وأقوال المحدثين عن ~~وحدات الحرارة والفيتامينات. وأول ما استقبله وهو منصرف عنها باب المطبخ على اليمين، ~~فنظر فيه ضاحكا، وبادرته سائلا: إنك الآن تضحك؛ لأنك في حل من المقارنة بين طعام العقول وطعام الجسوم! # قال: غير هذا قد خطر ببالي حين ضحكت، وإنما ذكرت قولة لصديق لي كان يستعيدها في ~~مناسباتها كما تستعاد الحكم المحفوظة، ولست أدري كيف أطبقها في هذا البيت، فإنها غير ~~قابلة فيه للتطبيق. # قلت: طبقها ولا حرج عليك ... # قال: لا ... إنها لا تنطبق هنا بحال من الأحوال؛ لأن صاحبي كان يقول ويزهى بالعلم الذي ~~أوحي إليه حين يقول: إن خطبت فتاة فلا تسأل عن أبيها ولا أمها ولا تسأل عن مالها ولا ~~أدبها، وإنما تحتال حتى تلقي نظرة فاحصة على مطبخ بيتها، ثم تخطبها إذا أعجبك نظام ~~المطبخ وأنت مغمض العينين ... # قلت: لم يعد صاحبك الصواب، ولو شاء لعمم هذا الحكم المصيب على الأمم، فقال: إن أردت ~~أن تخبر أمة من الأمم فلا تسأل عن نسبها ولا حسبها، ولا تسأل عن مالها ولا أدبها، وإنما ~~تسأل عن «مطبخها» فيغنيك العلم به عن كل سؤال. # قال: وكأني بهذا الرأي - لو صح - يتيح لنا أن نقول إننا نحن الشرقيين سادة العالم ~~وقادة الشعوب؛ لأننا أساتذة الشعوب في المطبخ والمخدع باتفاق الآراء، وما ينازعنا القوم ms177 ~~في الأستاذية إلا حين يذكرون المعمل والمدرسة، أو حين يذكرون العلوم والصناعات. # قلت: وهنا أراك قد أخطأت التطبيق يا صاحبي في حكمة صاحبك الأديب، فإن المطبخ ~~«المثالي» هو المطبخ الذي يستخدم للغذاء، وليس بالمطبخ الذي يستخدم للذة الطعام أو ~~لذة النوم، وقد يكون الطعام اللذيذ سما في باب الغذاء، ويكون الطعام وافر التغذية وهو ~~قليل اللذة، أو لا لذة فيه. # ولا ينكر علينا أحد أننا برعنا في مطبخ اللذة، وورثنا في هذا الفن تركات روما، ~~وبيزنطة، ومنف، وبغداد، وفارس، والهند، والصين ... وعرفنا كيف نطبخ الطبخة التي تمتع، ~~والطبخة التي تكظ البطون، والطبخة التي تهيج الأكباد، والطبخة التي تعين على الشراب، ~~وجرب ذلك الغربيون فشهدوا لنا بالسبق في المجال من نساء ورجال. ~~(3) في بيتي # كتبت «إيزادورا دنكان» أجمل الراقصات في العصر الحديث تاريخا لرحلاتها في الغرب ~~والشرق، فذكرت أكلة لها في قطر من أقطار أوروبا الشرقية، فلم تنس أن تقول إنها أكلتها ~~ونامت، فاستيقظت وهي تعلم يومئذ كيف يستيقظ الرجال من النوم، ويخرجون من البيوت! # وهذه البراعة في المطبخ الشرقي الفاخر لا نزاع عليها ولا تخلو من الدلالة مع هذا على ~~نصيب الأمة من شواغل العيش ومطالب الحياة، ولكنها تقف بنا دون البغية المرموقة إذا ~~طمحنا بها إلى مقام الأستاذية بين الشعوب، وإنما كتب «سوء التغذية» على أغنيائنا ~~وفقرائنا على السواء بهذا المطبخ اللذيذ، وربما كان داء الغني المستمتع بهذا المطبخ ~~أوبل من داء الفقير المحروم. # وأعرف من فتياننا الموسرين فتى تزوج فأراد أن يستعين على المخدع بالمطبخ فأصيب بداء ~~السكر في أقل من شهرين، وكان مصابه بالمطبخ المعين قبل مصابه بالمخدع المستعان عليه، ~~لأنه أقبل على الدسم والتوابل والمشهيات، فأرهق الكبد وأجحف بالبدن كله من حيث أراد له ~~الصحة والمتاع. فبئس المطبخ مطبخ اللذة، ونعم المطبخ مطبخ الغذاء، وأعني مطبخ الفرد ~~والأمة على السواء. # قال صاحبي وهو يصطنع المزاح، ولعله أقرب إلى الجد منه إلى المزاح: إنك تخيفني الساعة ~~بهذا التمهيد، أترانا مقبلين على مائدة لا تلذ الآكلين؟ أتحسبني أطيق ms178 أن نقلب صفحة من ~~صفحات هذه الكتب الملعونة كلما أقبلنا على صحفة من الصحاف؟! # قلت: هونا هونا أيها الصديق، فمهما يكن من حكم هذه الكتب الملعونة فكن على يقين ~~أننا في هذه الحجرات المعدودات لا نعرف كتابا يطاع كل الطاعة، ولا إماما يتبع كل ~~الاتباع، ولك أن تطمئن فيها بعض الاطمئنان إلى غاندي، وإن عز عليك أن تطمئن كل ~~الاطمئنان إلى أبيقور. # زاهد الهند نعى الدنيا وصام # أنا أنعاها ولكن لا أصوم # طامع الغرب رعى الدنيا وهام # أنا أرعاها ... ولكن لا أهيم # بين هذين لنا حد قوام # وليلم من كل حزب من يلوم # إن هذه الكتب الملعونة - كتب الغذاء والفيتامين - حقيقة أن تراجع وتستشار، وليست ~~بحقيقة أن تسيطر على العقول والأجساد؛ لأنها تعطي الجسد ما يحتاج إليه بمقدار ما يحتاج ~~إليه ... فتسلبه بذلك ألزم خصائص الجسم الحي، وهي طبيعة التعويض والتمثيل والتصحيح. وخير ~~من هذا أن نعطي أجسامنا شيئا ناقصا في هذه الوجبة، وشيئا زائدا في تلك، فتبقى للجسم ~~قدرته على تعويض النقص، وتوجيه الزيادة إلى وجهتها، ونعامله معاملة الراشد الذي يعمل ~~لنفسه، ولا يكلفنا أن نعمل له في كل لقمة وكل جرعة وكل طبخة، ولست ممن يرتضي القصور ~~للعقول ولا للأجسام، فكلاهما في القصور معيب، وكلاهما في الرشد جميل ... # قال صاحبي: وإن جسمي لمن أرشد الأجسام في ساعة الطعام. # قلت: إنك الساعة تخيفني أشد مما أخفتك يا صاح بذلك التمهيد. # واستقبلنا في ركن من أركان ردهة المائدة الصغيرة صندوقا مربعا يوحي إلى الناظر ~~باسمه المتفق عليه، وهو التابوت! # سماه باسم التابوت المقدس كل من رآه؛ لأنه يشبه في منظره وموقعه توابيت القديسين في ~~أركان المزارات، ولم أنكر التسمية؛ لأن التابوت فيه تقديس وفيه تخليد، وماذا على ~~الموسيقى التي اشتمل عليها التابوت أن تتصف بالتقديس والتخليد؟ # كان هذا التابوت مشتملا على حاك قديم، وبضع مئات من القوالب الموسيقية أو الغنائية ~~المختارة من مسموعات الشرق والغرب، ومنها توقيعات على بعض الآلات السماعية العجيبة التي ~~تختلف بسلمها الموسيقي عن السلم الشائع في ms179 معظم البلدان، كتوقيعات أهل الصين. # ومزح صاحبي مزحة ليست بالأولى من نوعها لأنها كذلك من وحي المقام، فقال: إن هؤلاء ~~العازفين في موضعهم هنا؛ لأنهم يعزفون لك على الطعام، فلا يفوتك حظ الخواقين والشاهات ~~في قصور البذخ والسلطان! # وأجبته كما كنت أجيب هذه المزحة في كل حين: إن الإنسان يا أخانا لا يأكل أكلتين في ~~لحظة واحدة - أكلة روح وأكلة معدة - وما من كرامة الموسيقى الرفيعة ان تشتغل بشيء آخر ~~وأنت تستمع إليها، فإنها شاغل كاف لمن يستوعبها ويتقصاها، ويتأمل في معانيها وشاراتها، ~~وليست تلك الموسيقى التي تتحدث وتأكل وتتشاغل عنها وأنت تسمعها إلا بمنزلة الجارية ~~المستعبدة من السيدة المطاعة؛ لأنها تسليك وتلهيك ولا تخاطب روحك وخيالك ووجدانك، ~~فتستدعيك إلى الإصغاء والمبالاة. # لا يا أخانا وكرامة! إنني أختار لهذا التابوت أحيانا ساعات كساعات التهجد في جنح ~~الظلام، فإن كان الوقت شتاء فأكثر ما أرجع إلى هذا التابوت في ساعات اليقظة الباكرة بعد ~~هدأة النوم الأولى، ويطول الليل وتثقل المطالعة في الهزيع الثاني أو الهزيع الثالث من ~~ليل الشتاء المديد. إن قبلت هذا التقسيم والترتيب للهزع الليلية، فإذا بي أعرض عن رفوف ~~الكتب، وأتوجه إلى هذا التابوت، لا علالة من الأرق، ولا بديلا من الورق، ولكن تلبية ~~لنجوى العبقريات في وقت لا يسمع فيه غيرها، ولا يوحي فيه السكون السابغ على الكون ~~بغير وصية الإصغاء، وكأي من مدلج في الطريق تتسرب إليه تلك الأصداء غير مفسرة ولا ~~متصلة، فيخالها من همسات الأرواح والأشباح في غفلة الإنس وناشئة الصباح ... # وتعمدت العبث والدعابة، فقلت لصاحبي: إننا لا نسمعها في أيام إذا سمعنا أناشيدها ~~أنشودة أنشودة، فليتنا نسمعها دفعة واحدة في وقت واحد! ترى كيف تتلقاها المسامع التي ~~تطرب لها متفرقة؟! أليس من حقها أن تسر بالكثير أضعاف سرورها بالقليل؟! # قال صاحبي: ما أحسب أن أحسن الأنغام إذا قيلت معا تفضل أسوأ الأصوات وأنكرها في ~~الآذان ... # قلت: ألا نستخلص من ذلك عبرة من عبر الحياة العظمى؟ أليس الذين يتعجلون النغم ~~فيخيل إليهم أن ازدحامها ms180 خير من تفرقها وأجمع لمحاسنها، يخطئون كما يخطئ الذين ~~يتعجلون النغم؛ فيحسبون أن مائة لحن في وقت واحد خير من اللحن الفرد وأوفى؟! # شيء واحد في وقت واحد، وجميع الأشياء في جميع الأوقات ... وهذا هو نظام العيش وقوام ~~الجمال في كل نفع وكل سرور. # قال صاحبي: وهل تسمعها في الصيف كما تسمعها في الشتاء؟ # قلت: الحق أقول لك يا صاحبي إنني أود أن أسمعها صيفا وشتاء كلما انتبهت في هذا ~~الموعد، وقلما تمضي ليلة لا أنتبه فيها. ولكن الشتاء مقفل مستور والصيف مفتح مكشوف. ~~ومنظر رجل يستمع إلى الحاكي في الساعة الثالثة بعد منتصف الليل منظر يرشحني لسمعة ~~الجنون المطبق بعد ليلتين أو ثلاث، ولن تؤمنني من هذه السمعة اللازبة ألف شركة من شركات ~~التأمين، لو عنيت الشركات بالتأمين على العقول. # كلا ... إنني لا أسمعها في ذلك الموعد من الصيف، ولكنني أستعيض منها بجلسة في الشرفة، ~~ونظرة إلى الطريق، وقد يبلغني الإصغاء إلى السكون أحيانا ما يبلغنيه الأصغاء إلى ~~أنبياء النشيد ... # إننا نكبر بالليل جدا يا صاح ... # إن الليل هو عالم النفس، وأما النهار فهو عالم العيون والأسماع والأبدان ... # إننا بالنهار جزء صغير من العالم الواسع الكبير، ولكن العالم الواسع الكبير كله جزء ~~من مدركاتنا حين ننظر إليه بالليل، وهو في غمرة السبات أو في غمرة الظلام. # ذلك النجم البعيد الذي تلمحه بالليل هو منظور من منظوراتك، ووجود منفرد بك أمام ~~وجودك. # ذلك الصمت السابغ على الكون هو شيء لك أنت وحدك، رهين بما تملؤه به من خيالك وفكرك، ~~ومن ضميرك وشعورك. # تلك المدينة الصاخبة التي نضيع فيها إذا أضاءتها الشمس هي شبح مسحور يلقيه رصد الليل ~~تحت عينيك، وهي ضائعة كلها إذا لم تأخذها في حوزة نفسك ومجال بصرك، وكأنما هي من تلك ~~المدن التي تسحرها لنا الأساطير ... فكلها مفقود في غيبوبة الأرصاد، إلا السائح الذي ساقه ~~إليها القدر وهو ساهر الظلام! # أنت عالم النفس بالليل، كأنما توازن وحدك عالم الأنظار والأبدان. # وأنت تشمل الدنيا بالليل وهي تشملك بالنهار. ms181 # وأنت في حضرة أعظم من حضرة الحس حين لا حس يشغلك عن عالم السريرة ... # أنت في حضرة الخالق حين لا تكون في حضرة المخلوقات. # ومن سعد بهذه النشوة في ساعة من ساعات الهزيع الأخير، فلا ضير عليه أن تفوته نشوة ~~السماع. # وكنا قد فرغنا من الطعام وقضينا سويعة في أشباه هذا الكلام، فإذا بصاحبي ينهض من ~~المائدة وهو يقول: هذه المائدة، وهذا التابوت! # قلت: وهذه المزامير! # وسمعنا بعض أدوار المطربين وشيئا من أغاني الصعيد ولبنان ... ثم نقلت صاحبي نقلة ~~بعيدة، فأسمعته بعض الألحان التي لا تعذب في جميع الآذان ... # وسألته: أفهمت شيئا مما سمعت؟ # قال: لا والله ... # قلت: وأنا مثلك ... هذا موسيقار الغرب الأشهر ولهلم فاجنر، وأنا لا أفهم منه إلا أقل من ~~القليل، ولكنه عند نقادهم موسيقار جليل، وعبقري نادر المثيل ... # قال: وهل يفهمه الغربيين كلهم وهو مغلق على أناس منا كل هذا الإغلاق؟! # قلت: بل يسخر بعض الغربيين بهذه الموسيقى وأمثالها كما نسخر نحن منها، ولهم في التندر ~~عليها قفشات تذكرنا بقفشات أولاد البلد؛ لأنها تجري على أسلوبها، هذا يزعم أن القرن ~~النحاسي اعتدل من النفخ فيه بأمثال هذه الأنغام، وذاك يزعم أن طبيبا أخذ مريضه الأصم ~~إلى فرقة من هذه الفرق ليشفيه بضجيجها، فسمع المريض وصم الطبيب! # فليست كل موسيقى مفهومة عند كل سامع، ولو كان الموسيقيون والسامعون من بلد واحد، وليس ~~من اللازم أن يستطيب محب الغناء كل غناء، ولا أن يستطيب محب الشعر كل قصيد، ولو كان من ~~نظم أجود الشعراء ... # قال: ولماذا لا نلغيه من عداد الموسيقيين كما ألغينا أولئك المبتدعين المحدثين من ~~عداد المصورين؟ # قلت: أولئك فهمنا أنهم سخفاء، أما هذا فنحن لا نفهمه ولا ندينه بما لا نفهم، ولو كنا ~~نحيط بكل سر من أسرار الموسيقى، ونتلبس بكل مزاج من أمزجتها لصح أن نقضي عليه، وعلى ~~المعجبين به وبفنه، فقصارانا إذن نقضي فيه بأنه عندنا نحن «غير مفهوم»! # وامتدت السياحة خطوة فإذا نحن في حجرة النوم ... وحجرة النوم في بيت الرجل الأعزب ms182 كحجرة ~~الاستقبال، وحجرة المائدة، وحجرة المكتب ... ليس عليهما حجاب ... # غير أنني قلت لصاحبي: إن هذه الحجرة تعنيني ولا تعني أحدا غيري من الناس، اللهم إلا ~~بعض الصور الفنية التي فيها، وكلها منسوخة من أصولها المحفوظة في متاحفها، فليس فيها من ~~صورة أصيلة أو تحفة غالية، ما عدا واحدة بمفردها، هي بينها آية الاستثناء في كل قاعدة ~~من قواعد التعميم. # هذه شالومة أو سلامة، صاحبة هيرود، من تصوير الفرنسي بروسيير: كان ثمن رقصتها في ~~زمانها رأس نبي من أنبياء بني إسرائيل. ولا تزال رقصات الفاتنات من خليفاتها تكلف الناس ~~كثيرا من الرءوس، وإن لم تكن رءوس أنبياء، فإن هذا الصنف قد انقطع عند الدنيا منذ زمن ~~بعيد! # وهذه صورة الزهرة من تصوير الإسباني فيلاسكيه: جسد بديع وقوام ساحر ومعاطف منسوقة ... ~~لولا أمانة فيلاسكيه المشهورة لحسبناها من تنسيق الخيال ... شغل بها المصور فمثلها ~~على تمامها، ولم يمثل لنا الوجه إلا في مرآة رفعها رب الحب أمام ربة الجمال. ~~••• # وهذه صورة تاييس وهي تهدم إيمان الناسك المسكين، وقف أمامها وقد تبادلا الفتنة فأخذها ~~بوعظه وأخذته بغواية جسدها، ولبس هو طيلسان الأثرياء، وخلعت هي كل طيلسان، وكأنما شاء ~~المصور أن يعقد المقارنة بين هذه الفاكهة الشهية وبين ثمرات البساتين، فجود ما شاء في ~~العنب والموز والبرتقال، ولكنه تركها إلى جانب هذا البستان الحافل كأنها الماء الذي لا ~~طعم له ولا لون، ولا يروي الظمآن إلا شراب ذلك البستان ... ~~••• # قوتان متناجزتان لم تشغل الميدان قوتان أكبر منهما منذ تصارعت في هذه الأرض قوتان: ~~عقيدة، وشهوة، نسك وفتنة، جسد تمرد من فرط الحرمان، وروح تمردت من فرط المتاع ~~بالشهوات. # ولقد رزقت المرأة فتنة قوية ولم ترزق عظمة قوية، فلم يزل عزيزا عليها أن تنخذل ~~بالفتنة أمام العظمة، ولم يزل من دأبها أن تجرب هذا السلاح أمام كل سلاح، فجربته في ~~كفاح الوفاء وكفاح البطولة وكفاح النسك والزهادة ، وشاءت في هذه الجولة أن تضرب أقوى ~~ضرباتها لأنها آخر ضرباتها، فلما ضربتها سقطت من الإعياء ساجدة، فكانت سجدة ms183 العمر إلى ~~الممات، وخرجت الراقصة عابدة من ميدان صراع. # وانتصر الخصمان وهما منهزمان أكبر انهزام: راقصة تفتن ناسكا، وناسك يصلح راقصة، وذلك ~~أقصى مدى الهزيمة والانتصار. # فلما انجلى الغبار كانت الراقصة راهبة في الدير، وكان الراهب مفتونا يهيم في وادي ~~الغواية، وكلاهما صارع مصروع، ومفلح مخفق، وصامد هارب من الميدان. # وهذه صورة لسوق الرقيق في عاصمة من عواصمنا الشرقية: تعجبني منها عصبية الفنان لوطنه، ~~وإن لم تعجبني منها حيدته عن الحقيقة في هذه العصبية ... # فهذه السمراء الشرقية تراها مزهوة بعرض محاسنها كأنها ترحب بنظرات سيدها الذي أوشك أن ~~يشتريها، ولا يعنيها الخجل كما يعنيها أن تظفر في هذا الموقف المخجل بنظرة استحسان ~~... # وهذه البيضاء الغربية تداري وجهها بيديها وتطرق برأسها، وتدع الأنظار ترتع في محاسنها ~~كأنها تتلقاها على الرغم منها. # وفي الشرق خفر كثير لأنه وطن الحجاب، وفي الغرب جرأة كثيرة؛ لأنه وطن السفور ... فإذا ~~وجدت شرقية واحدة وغربية واحدة في سوق واحدة، فهل من المحتم أن تكون الشرقية مثلا ~~للتهتك الوقاح، والغربية مثلا للخفر الخجول؟ # قال صاحبي: أولا يجوز للفنان أن يتعصب لوطنه؟! # قلت: بلى يجوز بل يجب في كثير من الأحيان، ولكن على أن يصدق البيان، ولا يتكفل بتشويه ~~الحقيقة؛ لأن الفن جمال، والجمال عدو لكل تشويه ... # وتلي صورة الجواري في سوق الرقيق صورة الينبوع العذب الصافي البرود، وبرودته تتراءى ~~من صفائه في مجراه، وقد جعله «انجرز» صبية كاعبا تنضح بالصباحة والطهارة، وبراءة ~~المحيا ونقاوة القسمات، وأعطاه عمرا وحياة كأنه لم يبلغ بعد سن الينابيع الكبار، ~~وكأنه بين موارد الماء الفياضة تلك الصبية الكاعب بين أمهاتها وجداتها من ~~النساء. # وأصبحنا أمام الصورة الأصلية التي انفردت بين هذه النسخ المنقولة ... # قال صاحبي: إنني أفهمها وإن لم أعلم بخبرها. # قلت: إنها لا تحتمل غير معنى واحد: فطيرة حلوى يشتهيها الجائع والشبعان، بل يشتهيها ~~المتخوم والمكظوظ ... وعليها صرصور وذباب يحوم، وفي القدح الذي يفرغ عليها الحلاوة عسل ~~يضطرب فيه بعض الذباب ويموت ... فلا يأكل من الفطيرة الحلوة على هذه الصورة شبعان ms184 ولا ~~جوعان، بل تعزف النفس حين تراها عن كل طعام. # وقيمة الصورة أن تاريخ الفن كله - بل تاريخ العبادة من أوائله - مرتبط بالباعث على ~~تمثيلها في هذه الرموز. # فقد وجد الفن في الدنيا؛ لأن النفوس تمتلئ بالشعور وتشتغل به كل الاشتغال، فلا تقنع ~~به شعورا بل تطلبه حسا منظورا، ولا تشاء أن تظل فيها حاسة من حواسها فارغة منه غير ~~مملوءة بمثاله، ومن هنا نشأ التصوير، ونشأ التجسيم، ومن هنا نشأت هذه الصورة اليوم ~~كأنها أول اختراع لفن التصوير. ~~••• # وكانت جولة الوداع في حجرة الاستقبال. # قال صاحبي وهو يستقر فيها: لقد سمعت عن حديقة الحيوان، وقرأت في وحي الأربعين عنها ~~أنها «لا تجمع إلا الفنان أو المحب للفنون، سمي كل زميل من زملائها باسم حيوان يلاحظ ~~في اختياره اتفاق الشبه في الملامح والعادات، وقد جمعها الفن كما كان أورفيوس المعروف ~~في أساطير اليونان يجمع الأحياء حين يغني ويعزف، فتقبل عليه كل فصيلة وهي لا تشعر بخوف ~~أو تهم بعدوان» ... فهل لي مكان في جوار أورفيوس؟ # قلت: إن طال استقرارك ظفرت بمكان، بعد الموافقة والامتحان ... ولا تحسبن الطموح إلى هذه ~~المنزلة من يسير الأمور التي تبلغ بغير عناء، فأولى لك أن تحسبه من الادعاء الذي ~~يتطلب التزكية والشهادة، ولا تحسبه من التواضع الذي يقبل بغير تزكية ولا شهادة ... فهل ~~تدري من هم أكثر الناس حرصا على مظاهر الوجاهة، وشارات الثروة، وعناوين الفخار؟ إنهم ~~أحدث الناس نعمة وأقربهم إلى الضياع في غمار الوضعاء والأذلاء إن لم يتميزوا أبدا بتلك ~~المظاهر، وتلك الشارات، وتلك العناوين. وكذلك مقياس الإنسانية عندنا في هذه الحديقة، ~~أصحاب الإنسانية المحدثة هم أحرص على مظاهرها وشاراتها وعناوينها، وأشبه الناس بالأحياء ~~الدنيا من ينخلع عنه شعار الإنسانية باسم وعنوان، وإنما يقاس نصيب المرء من الإنسانية ~~بمقدار عطفه على الحيوان واقترابه من فهمه وفهم شعوره، فمن قام بينه وبين معاطفة ~~الحيوان حجاز حاجب فذلك حجاز بينه وبين الفهم والعطف والشعور، وهي أكرم مزايا الإنسان ~~... ~~••• # قال صاحبي: أنا لا أنكر شيئا في ms185 الحديقة وترشيحاتها، ولكنني أود أن أعرف كيف ~~جمعتموها، وكيف جاءت هذه التسمية، أو كيف اخترتموها؟ ... # قلت: أحسبها تسمية ترجع إلى مرجعين لا إلى مرجع واحد، أحدهما قريب ظاهر والآخر بعيد ~~باطن، فأقرب هذين المرجعين هو فن المحاماة عند صديق من أصدقائنا الأعزاء، فما تقع عينه ~~على أحد يلفت النظر إلا أسرع إلى تشبيهه ومحاكاته، فإذا هو شبه محكم ومحاكاة تطابق ~~الشبه من جميع وجوه المطابقة، ولا يعفى من هذه العادة ألصق الناس به وأقربهم إليه، بل ~~هؤلاء هم في الغالب هدفه الأول، وإصابته المسددة ... وخلقته هو على هذا القياس هي أول ما ~~يستهدف، وأول ما يصيب. # فإذا تألب عليه الصحاب تندرا وسخرية ومزاحا شهر عليهم هذا السلاح، وأسكتهم عنه ~~بالبدء بنفسه، والعدل في توزيع نقمته، ومن دلائل عدله أنه لا يطلق على أحد شبها من ~~الأشباه إلا وافقه الحاضرون جميعا ما عدا صاحب الشبه ... فإنه قد يمانع هنيهة، ثم يلقي ~~يد السلم، ويعترف «بالخلعة السنية» التي خلعت عليه ... # أما المرجع الآخر فأحسبني أنا المسئول عنه من حيث أريد أو لا أريد؛ فإن عادة عندي - ~~بل أقوى من عادة - أن أشعر بوحدة الخلق كله، وأن أنظر إلى جميع الأحياء كأنها تجربة ~~واحدة تنجلي عن مقصد واحد، وإننا ربما فهمنا مقصد التجربة من مسوداتها الأولى قبل أن ~~نفهمه من النسخة المنقحة المصقولة ... وإن كانت النسخة المنقحة المصقولة أجود في التعبير ~~وأفصح في الأداء. ~~••• # وما قرأت قط خرافات الأقدمين عن وشائج الأحياء إلا خيل إلي أنها تنطوي على أكثر ~~من خرافة أو لعبة خيال، وتساءلت قبل نيف وثلاثين سنة عن مغزى تلك الأساطير التي تحكي عن ~~أناس لهم أجسام آدميين ووجوه كلاب، أو مغزى تلك التماثيل التي تجمع بين أجسام الوحوش ~~ورءوس الآدميين، فقلت من كتاب الفصول: «ما مغزى هذا الإجماع والتواتر؟ ... وماذا في طي ~~هذا الاعتقاد بأن الإنسان يتحول أحيانا من هيئته إلى هيئة حيوان أدنأ منه، أو أن في ~~عالم الحياة مخلوقا بعضه إنسان وبعضه حيوان؟ ... هذا شعور لم يرد إلينا ms186 من ناحية الحواس ~~ولكنا لا نجله، وصحيح أن الخيال مفطور على مزج أشكال الحس وإلباس الموجودات لباس ~~الإنسانية، ولكن لماذا فطر الخيال على ذلك؟ أكان يستحيل أن يفطر على غير هذه ~~الفطرة؟ وهل لو خلق الإنسان من غير عنصره المعروف كان يتخيل هذا الخيال بعينه؟ ألا ~~يجوز أن يكون مغزى هذا الإجماع والتواتر أن في جبلة الإنسان شعورا راسخا بوحدة الخلق، ~~وتلاحم سلسلة المخلوقات ... شعورا أعمق من الفكر لا بل أعمق من الخيال نفسه، يتكلم ~~باللسان فيكني ويلفق، ويتكلم بالبديهة فيصرح ويصدق؟ ولماذا ننفي وجود شعور كهذا يصل ~~الإنسان على وجه ما بشيء من أسرار الحياة مع علمنا أن الإنسان قد اتصل بالحياة قبل أن ~~يصله بها عقله وحواسه؟ ... أليس ترجيح وجود هذا الشعور أولى وأحرى بقدم العلاقة بين ~~الأحياء والطبيعة؟ فلا يبلغن من قصور العقل ألا يصدق إلا بالعقل وحده، ولا يبلغن من ضيق ~~النظر أن نقسر حواس النفس كلها على أن تنمو نمو الحواس الخمس ... كأن الإنسان لا يتصل ~~بالدنيا إلا بها، وكأنما الخيال ليس جزءا من الإنسان كما هي جزء منه ...» # وهذا الشعور الكمين لا أحسبه كان غائبا عني يوم نشرت خلاصة اليومية وكتبت في ~~تصديرها: «إن الإنسان حيوان راق ولكنه لا يزال حيوانا ...» ويوم كتبت مجمع الأحياء ~~وعقدت فيه مؤتمر الحياة بين الحمامة والأسد والنمر والقرد والثعلب والإنسان والمرأة ~~وسائر الأحياء، ثم يوم رثيت كلبي بيجو، وجعلته شاهدي على بعض المذاهب في التربية ... ~~والدراسات النفسية ... فإذا كانت «حديقة الحيوان» فكاهة من فكاهات المجالس فليست هي من ~~الفكاهات العابرة، ولا من الفكاهات الرخيصة؛ لأن لها أصلا أصيلا من الجد بعيد ~~القرار. ~~••• # ونظر صاحبي إلى يمينه، وأوشك أن يجفل جفلة الخوف؛ لأنه رأى هنالك تمثالي بومتين ~~دقيقتين، يحفان بالساعة الصغيرة عن اليمين وعن الشمال، وقال: رب هذا من ذاك! ... ثم قال: ~~ترى لو دخل صاحبك ابن الرومي هذه الحجرة ونظر إلى هذين التمثالين المخيفين، ماذا كان ~~يصنع يا ترى؟ # قلت: لا شك أنه كان ناكصا على عقبيه على ms187 الأثر، وإن كنت قد وضعت هذين التمثالين في ~~موضعهما، وتحديت الشؤم كله لأجله هو جزاه الله ... # لاحقه الشؤم في حياته وقل منصفوه بعد مماته، وضل معظم النقاد في أمره؛ لأنه من طراز ~~غير الطراز الذي يقيسون عليه، فهو عندي - بغير خلجة من الشك - وحيد شعراء العالم من ~~مشرقه إلى مغربه ومن قديمه إلى حديثه في ملكة «الوعي» والتصوير ... وهي أنفس الملكات التي ~~يرزقها رجال الفنون، فلا يضارعه في هذه الملكة شاعر عربي، ولا شاعر أعجمي، ولا يناظره ~~فيها فحل من فحول التشبيه والتصوير في أدب اليونان والرومان، ولا في أدب الغربيين ~~المحدثين، ولم أعرف بين أدباء الأمم الأخرى التي اشتهرت بدقة التشبيه - كأدباء الصين ~~واليابان - من يجري في غباره أو ينسج على غراره، ومثل واحد يغني عن مئات الأمثال، وهو ~~وصفه لحقل الكتان حيث يقول في بيتين اثنين: # وحقل من الكتان أخضر ناعم # توسنه داني الرباب مطير # إذا اطردت فيه الشمال تتابعت # ذوائبه حتى يقال غدير # فالواعية الفنية وحدها هي التي تغريه بوصف حقل من حقول الكتان التي مرت بألف شاعر منذ ~~الخليقة ولم يلتفتوا إليها؛ لأن حقل الكتان لا يحسب من موضوعات الوصف التقليدية بين ~~شعراء التقليد، فليس هو بروضة من رياض الورد والياسمين، وليس هو بستانا من بساتين ~~الفاكهة والثمرات، ولا هو بمنزه من منازه الحسان، أو موعد من مواعيد الغرام ... فانظر كيف ~~علق هذا المنظر بوعيه اللاقط المستوعب، وكيف أحصى عليه كل ما يحصيه التصوير في شرط ~~النقد الحديث، بعد طول المشاهدة والمراجعة لآيات الأساتذة من نوابغ التصوير ... واذكر كيف ~~صنع ذلك بداهة وابتداعا غير عامد ولا متنبه، وهم يتعمدون ما يسجلون من ملاحظات النقد، ~~ويتنبهون إليه. # فالنقد الحديث يشترط على المصور النافذ البصر والبصيرة أن يستوعب المنظر فلا يفوته ~~اللون ولا الملمس ولا الزمان، ولا جو المكان، ولا الحركة التي تشيع فيه إن كانت فيه ~~حركة، أو السكون الذي يشمله إن كان به سكون ... # وكل أولئك تجده في البيتين الاثنين مطبوعا منقولا إليك نقل البداهة عن ms188 تلك الواعية ~~المستوعبة التي لا تفوتها مدركة من مدركات الحس والخيال: لمح اخضرار اللون، ونعومة ~~الملمس، وأحاط بوقت الصورة كما مثلت أمامه فهو وقت الوسن، وأحاط بجو المكان فهو المكان ~~الذي يظل عليه رباب مسف فويق الأرض يؤذن بالمطر القريب، وأحاط بالحركة، وبمصدرها من ريح ~~الشمال، فإذا رءوس الشجر تموج بالحركة الذاهبة الآيبة فكأنها صفحة غدير، لا موضع لنقص ~~في الصورة، ولا محل فيها لزيادة، وليس أصدق من الوعي الذي أحسن اللقط، وأحسن التمثيل في ~~لمحة عين، وفي بيتين اثنين. ~~••• # مثل هذا المقياس التي تقاس به الواعية الفنية لم يكن مقياس أولئك النقاد الذي جهلوا ~~فضل ابن الرومي، وأشادوا بفضل سواه، ولو أنهم تتبعوا مئات الأبيات من شعره - بل ألوفها ~~- على هذا المنوال لعلموا أنه مغبون - جد مغبون - حين يقرن بشاعر من شعراء العالم ~~كائنا ما كان في هذه الملكة الفريدة ... فكيف بالغبن الذي يصيبه إذا قدموهم وأخروه، ~~وأشادوا بفضلهم وأنكروه! # أثارني هذا الظلم فآليت لأدفعنه عنه، فإذا بصحبي يثنونني عن إنصافه وهم وجلون، ولئن ~~كانوا غير جادين لقد كانوا كذلك غير مازحين، فما لقيني أحدهم مشتغلا به إلا صاح بي: ~~حذار حذار، إنه مركب غير مأمون العثار! ... والرجل موصوف ببأسه في شؤمه، فلا شأن لك ~~بإنصافه وظلمه، ودعه لقضائه، واقنع بأنك من قرائه، فقد يتحداك شقاؤه إذا تهجمت على حرمة ~~شقائه! # وكانت ثورة فأصبحت ثورتين: لقد ذل من يخاف ذلك الشؤم المعتز بجبروته، ولقد طغى ذلك ~~الشؤم الذي يسطو على فريسته في حياتها وبعد مماتها، ثم ينذر بالنقمة من يتصدى لغوثها، ~~فإذا أنصفنا الشاعر المغبون، وغضب الشؤم الواقف له بالمرصاد، فليصنع الشؤم إذن ما ~~يشاء. # وسكنت هذا البيت ورقمه ثلاثة عشر، ووضعت فيه التليفون ورقمه يومئذ مبدؤه بثلاثة عشر، ~~وجعلت أسأل الشؤم في كل دعوى من دعاويه، وأولها دعواه الكبرى على البومة المسكينة: ما ~~لهذه الطريدة المظلومة وهي قد تركت الدنيا والنهار للإنسان، ولاذت منه بالليل والخلاء؟! ~~وما عيبه عليها وهي أوفى الطيور في عشرة الأليف منها للأليف؟! أليست ms189 هي إحدى الأحياء ~~النادرة التي يسكن الزوج منها إلى زوجه مدى الحياة؟! أليست هي التي تغني لنور القمر ~~ولعزلة الليل ولا تقحم صوتها على من يأباه؟! ... ألم تكن عند الأثينيين - وهم عباد الجمال ~~- رمزا للمدينة ينقشونه على الدراهم مع أغصان الزيتون؟! ... فإذا جنى الظلم على سمعتها، ~~ولاحقها الظلم في خلوتها، فليصنع ما بدا له فإننا نتلقاه منها باثنتين لا بواحدة؛ لأنها ~~لا تحب الفراق، وإن زعموها نذير الفراق ... ~~••• # قال صاحبي: وكيف رأيت العاقبة؟ # قلت: خير بعد شر، وفلاح بعد كفاح، فلا أخفي عليك يا صاحبي أن أمر ابن الرومي في سمعته ~~تلك أمر عجيب مفرط في العجب، وأنني لو صدقت خرافة من الخرافات لصدقت خرافة الشؤم ~~والتشاؤم، وصدقتها في ابن الرومي هذا قبل غيره. فما حدث منه قد شهدته بنفسي، وخبرته في ~~صحبي، ولم أعتمد فيه على رواية الأقدمين، وعلى مبالغات المتندرين؛ لأنني تعاقدت على طبع ~~كتابي عنه مع مدير المطبعة، فمات هو وسجنت أنا قبل الفراغ من ملازم الكتاب الأولى، ~~وكان وزير المعارف «أحمد حشمت» قد أوصى بطبع ديوانه، وأقام على تصحيحه مفتش اللغة ~~العربية في الوزارة، فعزل الوزير والمفتش وماتا قبل الفراغ من جزئه الثاني، وكتب ~~المازني فصولا عنه فكسرت رجله، ونشر صاحب الثمرات قصائد من ديوانه فكسرت رجله، ~~وهم صاحب البيان بنشر مطولاته والعناية بأخباره فتعطلت مجلة البيان، فلو كانت هذه ~~المصادفات أسبابا يؤخذ بها وترتبط بنتائجها لكان الشؤم المزعوم حقيقة من الحقائق ~~العلمية التي لا شك فيها، ولكنها مصادفات سيئة تقترن بها مصادفات حسنة، ولا يجوز لنا أن ~~نركن إلى هذه، ولا إلى تلك على انفراد، فقد أنجزت كتابي عن ابن الرومي فكانت السنة التي ~~ظهر فيها من أسعد السنوات في حياتي الخاصة، وأبرزها في حياتي العامة، وسلك الكتاب سبيله ~~بين مراجع الأدب المعدودة في هذا الجيل، فإن كان الشؤم على صولته التي يتخيلونها فقد ~~تحديناه، ونجحنا في تحديه بحمد الله. # ولم يكن في الحجرة شيء سبقته إلى سكن هذا البيت منذ سكنته قبل زهاء عشرين ms190 سنة، فكل ما ~~فيها قد دخل البيت يوم دخلته، وبقي هناك كما بقيت ... إلا بعض الصور، والمذياع! ... # ففيها صورة للقصر المعروف باسم «أنس الوجود» من صنع الفنان التركي القدير الأستاذ ~~هدايت، تلمح من نظرة واحدة إليها غرابة الجو المصري، والألوان المصرية الوضاءة على ~~آثارنا الخالدة كما تبدو في عيني الفنان الغريب عن الديار. ~~••• # وفيها صورة لي من صنع الأستاذ «أحمد صبري» وهو من أساطين فن التصوير في هذا البلد، ~~وله ريشة ثابتة وألوان صحيحة وطريقة مأثورة عن عباقرة المدرسين الأقدمين، لا تستهويه ~~البدع المستحدثة، ولا يروقه من ملامح الوجوه إلا ما ينم على جد واهتمام. # وفيها صورة لشاطئ الزمالك من صنع المصور الموهوب الأستاذ شعبان زكي، وهو فنان ينظر ~~ويحلم، ويسبغ من أحلامه كثيرا على المناظر الطبيعية، أو الحوادث التاريخية التي ~~يسجلها، ومن آثاره التي تتجلى فيها أحلام التصوير والأدب صورة امرئ القيس والعذارى، وهو ~~مرابط لهن على حافة الغدير. # وهناك تمثال نصفي أهداه إلي بعض الهواة ممن يشتغلون بغير النحت، ولا يظهرون آثارهم ~~الفنية. # أما المذياع فلم يكن قد ذاع يوم سكنت هذه الدار، ولم أكن أرى منه في مصر الجديدة إلا ~~أدوات عاجلة يركبها بعض الكهربائيين على أيديهم، وتسمع أو لا تسمع كالمركب ~~الشراعي الذي يسير أو لا يسير «على حسب التسهيل». # قال صاحبي: إن نقل الصوت من المكان البعيد معجزة كافية، فكيف إذا أضيفت إلى هذه ~~المعجزة معجزة النقل من زمان بعيد؟! إنهم يزعمون ذلك في الإمكان، ويقولون إن استخلاص ~~أصوات الأقدمين كما نطقوا بها في حياتهم ليس بالمستحيل؛ لأنها محفوظة في بعض طبقات الجو ~~البعيد، لا يؤثر عليها الاختلاط إلا كما يؤثر الاختلاط على أصوات المحدثين ... # قلت: لو كان لي لسانان لقال أحدهما: مرحى! ... وقال الآخر في الوقت نفسه: أعوذ ~~بالله! ~~••• # إننا نحب أن نسمع الأنبياء وهم يخطبون، والأبطال وهم يناضلون، والشعراء وهم ينشدون، ~~وأصحاب الأغاني وهم يترنمون ... ولكن من من هؤلاء الأبطال يرضى أن تسمعه وهو في خاصة ~~وقته بين أهله أو ندمائه! ... ومن من ms191 الناس في عصرنا يحب أن تنقل عنه كل كلمة قالها، ~~وكل سر همس به، وكل آهة من آهات الضعف فارقت شفتيه؟! إن الاستعاذة بالله هنا تحتاج إلى ~~مائة لسان إذا كان الترحيب يكفيه لسان واحد، فليكن «وعيد» العلماء إذن من المستحيل، ~~وإلا أصابهم منه ما يصيبون به الآمنين في القبور ... ms192