######OpenITI# #META# URI: 1383CabbasMahmudCaqqad.AtharCarabFiHadaraUrubbiyya.Hindawi57380918 #META# Tags: history #META# ID: 57380918 #META# Title: أثر العرب في الحضارة الأوروبية #META# AuthorID: 64642852 #META# Author: عباس محمود العقاد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # كلمة في تقديم الطبعة الثانية‏ # من هم العرب؟‏ # العقائد السماوية‏ # آداب الحياة والسلوك‏ # التدوين‏ # صناعات السلم والحرب‏ # الأصل والنقل‏ # الطب والعلوم‏ # الجغرافيا والفلك والرياضة‏ # الأدب‏ # الفنون الجميلة‏ # الموسيقى‏ # الفلسفة والدين‏ # أحوال الحضارة‏ # الدولة والنظام‏ # أثر أوروبا الحديثة في النهضة العربية‏ # سداد الديون‏ # الاجتماع والسياسة‏ # الحكومة البرلمانية‏ # الوطنية‏ # الحركات الدينية‏ # الأخلاق والعادات‏ # الأدب والفن‏ # الصحافة‏ # إجمال‏ # كلمة في تقديم الطبعة الثانية‏ # من هم العرب؟‏ # العقائد السماوية‏ # آداب الحياة والسلوك‏ # التدوين‏ # صناعات السلم والحرب‏ # الأصل والنقل‏ # الطب والعلوم‏ # الجغرافيا والفلك والرياضة‏ # الأدب‏ # الفنون الجميلة‏ # الموسيقى‏ # الفلسفة والدين‏ # أحوال الحضارة‏ # الدولة والنظام‏ # أثر أوروبا الحديثة في النهضة العربية‏ # سداد الديون‏ # الاجتماع والسياسة‏ # الحكومة البرلمانية‏ # الوطنية‏ # الحركات الدينية‏ # الأخلاق والعادات‏ # الأدب والفن‏ # الصحافة‏ # إجمال‏ # | أثر العرب في الحضارة الأوروبية # | أثر العرب في الحضارة الأوروبية # تأليف # عباس محمود العقاد # | كلمة في تقديم الطبعة الثانية # وصل إلى علمي - منذ ظهرت الطبعة الأولى لهذا الكتاب - مراجع كثيرة في موضوعه لم أكن قد ~~اطلعت عليها، كما ظهرت في المكتبة الأوروبية مئات من كتب البحث والرحلة تزخر بالمعلومات ~~الجديدة عن الشرق العربي القديم والحديث؛ لأن فترة ما بعد الحرب - كما هو معلوم - صرفت جهود ~~الباحثين والمستطلعين في الغرب إلى تحقيق أحوال الأمم الشرقية التي برزت بعد الخفاء في ~~ميادين السياسة الدولية. # وكانت أمم الشرق العربي في مقدمة الأمم التي انصرفت إليها جهود أولئك الباحثين ~~والمستطلعين؛ إذ كانت في موقعها المتوسط بين القارات الثلاث قبلة الأنظار، ومحور المقاصد، ~~ومدار البحث في أصول التواريخ والعقائد، بل أصول الثقافة الأوروبية التي لا تعدو أن تئول ~~إلى الديانات الكتابية أو ثقافة اليونان. # وأعود بعد المقابلة بين هذه المراجع الحديثة والمراجع التي اعتمدت عليها من قبل، فلا أرى ~~اختلافا في النتيجة، مع هذه الزيادة الضافية في المعلومات ومصادرها المتعددة. # فليس فيما وصل إلينا عن تاريخ الثقافة العربية شيء ينقض قواعد الفكرة الغالبة عن أثر ~~حضارة العرب في التاريخ الأوروبي الحديث، وإنما تتجه هذه الزيادة إلى التوكيد والتثبيت، ولا ~~تتجه إلى النقض والتغيير، فمن المراجع ms001 الأخيرة نعلم - مثلا - أن أثر السلالة العربية أقدم ~~جدا مما يظنه الكثيرون، وأنها توغل في القدم إلى ما قبل التاريخ، وقد يكون هذا الأثر ~~نتيجة لهجرة العرب إلى القارة الأوروبية قبل هجرة القبائل الهندية الجرمانية إلى تلك ~~القارة. # ويعزز هذا الرأي أن البلاد العربية كانت في تلك العصور القديمة أقدر على صناعة السفن، ~~وأرقى عدة للملاحة في عرض البحار؛ لأنها كثيرة الغابات، موفورة المنابع التي يستخرج ~~منها الطلاء واللحام. # ومن الباحثين اللغويين من يرجح نسبة بعض المواقع اليونانية إلى سلالة من العرب أسستها أو ~~سكنتها في زمن مجهول، ومنها مدينة لاريسا (العريش)، ومدينة لسكرا (العسكر)، وجبل الفنديس ~~(الفند)، وهو في العربية الجبل العظيم. # فالمراجع الحديثة تؤكد أثر العرب في القارة الأوروبية، وتعود به إلى أزمنة أقدم من تاريخه ~~الذي كان مفروضا قبل جيل أو جيلين. # وهذه المراجع الحديثة تزودنا في العصور التاريخية بالبراهين التي كانت تعوزنا لتقرير بعض ~~الحقائق، والخروج بها من دائرة الظن والاستنتاج المعقول ... فمنذ أربعين سنة كان المستشرق ~~الإسباني بلاسيوس يظن أن الشاعر الإيطالي، دانتي أليجيري، قد استمد وصفه لمناظر الجحيم ~~والأعراف والفردوس من الكتب الإسلامية التي تتكلم عن البعث وعن المعراج، وهو يشير إلى سبق ~~أبي العلاء المعري إلى هذا الضرب من القصص في رسالة الغفران، ويبني ظنه على مجرد التشابه ~~بين الأوصاف العربية والأوصاف التي ترددت في أناشيد الكوميدية الإلهية. # ولكن الدراسات الأخيرة تثبت وجود هذه الأوصاف العربية في المكتبة اللاتينية والإيطالية ~~التي كانت متداولة في أيدي المثقفين من الإيطاليين في حياة دانتي، ويقول الدكتور محمد عوض ~~محمد: إنه اطلع على هذه «الحلقة المفقودة» طبقا لعنوان الترجمة اللاتينية والفرنسية ~~القديمة والإيطالية. # قال الدكتور الفاضل في محاضرة ألقاها بمؤتمر أندية القلم في مدينة طوكيو منذ سنتين: ~~... هذه الترجمة علمت كما هو منتظر في قصر الملك ألفونسو في إشبيلية، الذي كان يعد ~~نفسه ملكا مزدوجا على المسلمين والنصارى على حد سواء. وفي حوالي عام 1264م قام ~~الطبيب اليهودي، إبراهيم الفقين، بترجمة قصة المعراج المتداولة بين الناس إلى ms002 لغة ~~قشتالة، وهذه الترجمة فقدت، غير أن العالم الإيطالي «بونا فنتورا» (1221-1274) ~~تولى ترجمة هذا النص الإسباني إلى اللغتين اللاتينية والفرنسية. # ووجدت نسخ من هذه الترجمة في أكسفورد وباريس والفاتيكان، وهذه النصوص نشرت في ~~وقت واحد بواسطة الأستاذ تشيرولي في إيطاليا، والأستاذ مونيوز في إسبانيا، وكلاهما ~~لم يكتف بنشر هذا النص القديم الذي يرجع إلى عام 1264؛ أي في العام السابق لميلاد ~~دانتي، بل تحدث أيضا عن أثره في كتاب دانتي. # وقد أورد الأستاذ جبرييلي أدلة عديدة تثبت أن هذه التراجم كانت متداولة وفي ~~متناول الكتاب بوجه خاص، وأورد من جملة الأدلة قصيدة من مرتبة دون مرتبة دانتي ~~بكثير، ولكنه معاصر له، ويشير فيها صراحة إلى محمد وقصة المعراج ... # فالمراجع الحديثة التي تستقصي البحث عن أثر العرب في الحضارة الأوروبية لم تغير شيئا ~~من قواعد الفكرة الغالبة التي شرحناها في هذا الكتاب، وإنما استحدثت في هذا البحث توكيدا ~~لها وأدلة عليها، ولا تزال تتجه كل عام إلى مزيد من التوكيد والتثبيت. ~~••• # أما الشق الآخر من هذا الكتاب - عن أثر الحضارة الأوروبية في العالم العربي الحديث - فهو ~~من مسائل العيان التي لا تلجئنا إلى تاريخ وراء ما نذكره ونشاهده يوما بعد يوم. # إن العالم العربي يتقدم في الاستفادة من حضارة الغرب، ويخرج من محنة الخضوع السياسي للدول ~~الغربية بكيان مستقل، وحياة ثقافية تنسب إليه، وتوشك أن تسلك به مسلك المناظرة لأمم الغرب ~~في ميادين الأدب والفن، ومسلك الاقتداء الناجح في ميادين العلم والصناعة ... ومن الآمال ~~الصادقة - لا من الأماني الحالمة - أن تكون مهمة الكاتب عن أثر العرب في الحضارة الأوروبية ~~وأثر الأوروبيين في حضارة العرب المحدثين مهمة الموازنة بين كفتين متقابلتين، قبل نهاية ~~القرن العشرين. # ويعلم قارئ هذا الكتاب من نعنيهم باسم العرب في التاريخ القديم، فهم أولئك الأسلاف من ~~المتكلمين بالعربية التي لم تكن في العالم عربية سواها قبل خمسة آلاف سنة. ويخلفهم اليوم ~~بهذا الاسم جميع الناطقين بالضاد ممن يشتركون في تراث واحد، ويرتبطون بمصير واحد، كلما ~~تميزت الأقوام بمصايرها ms003 في ميادين الفكر والعمل والاجتماع. # وصفوة القول في موقف العالم العربي اليوم أنه الموقف الذي يطيب فيه النظر إلى الغد، كما ~~يطيب فيه النظر إلى الأمس، فلا يفرد فيه الفخر بالآباء دون الأمل في الأبناء. # عباس محمود العقاد # | من هم العرب؟ # هم أمة أقدم من اسمها الذي تعرف به اليوم؛ لأنها على أرجح الأقوال أرومة الجنس السامي ~~التي تفرع منها الكلدانيون والآشوريون والكنعانيون والعبرانيون، وسائر الأمم السامية التي ~~سكنت بين النهرين وفلسطين، وما يحيط بفلسطين من بادية وحاضرة. وقد تتصل بها الأمة الحبشية ~~بصلة النسب القديم مع اختلاط بين الساميين والحاميين. # فهذه الأمم كلها تتكلم بفرع من فروع لغة واحدة هي أصل اللغات السامية، ويدل على تلك اللغة ~~اشتراك فروعها في بنية الفعل الثلاثي الذي انفردت به بين لغات العالم بأسره، وتشابه الضمائر ~~والمفردات وكثير من الجذور والمشتقات، فضلا عن التشابه في ملامح الوجوه وخصائص الأجسام، ~~قبل أن يكثر التزاوج بينها وبين جيرانها من الأمم الآسيوية أو الأفريقية. # وإذا كان لهذه الأمم جميعا أصل واحد، فأرجح الأقوال وأدناها إلى التصور أن يرجع هذا ~~الأصل إلى الجزيرة العربية لأسباب كثيرة؛ منها: أن التحول من معيشة الرعاة إلى معيشة الحرث ~~والزرع والإقامة في المدن طور من أطوار التاريخ المعهودة، وليس من أطواره المعهودة أن يتحول ~~الناس إلى معيشة الرعاة الرحل في بوادي الصحراء بعد الإقامة في الحواضر والبقاع ~~المزروعة. # ومنها أن الجزيرة العربية - في عزلتها المعروفة - أشبه المواقع بالمحافظة على أصل قديم، ~~وهي كذلك أشبه المواقع أن تضيق فيها موارد الغذاء عن سكانها فيهجروها إلى أودية الأنهار ~~القريبة. # ومنها أن اتجاه الهجرة من ناحية البحرين وناحية الحجاز متواتر في الأزمنة التاريخية ~~القريبة والبعيدة، وأقربها ما حدث بعد الإسلام في وقت واحد من زحف العرب على العراق وزحفهم ~~على الشام في عهد الخليفة الصديق. وليس لدينا ما يمنع أن يكون التاريخ الحديث دليلا على ~~التاريخ القديم، ولا سيما إذا خلا التاريخ كل الخلو من رواية يقينية أو ظنية تومئ إلى هجرة ~~النهريين وسكان ms004 الأودية إلى الجزيرة العربية في زمن بعيد أو قريب، فإن السمريين سكان ما ~~بين النهريين الأقدمين كانوا هنالك قبل عشرة آلاف سنة، ولم يصل إلينا قط خبر عن هجرتهم إلى ~~مكان في الجزيرة العربية، كائنا ما كان موقعه من تلك البلاد، بل ثبت على التحقيق أن ~~الساميين هم الذين هجروا مواطنهم إلى ما بين النهرين؛ حيث قامت العواصم التي تسمى بالأسماء ~~السامية كمدينة بابل «باب الله» أو «باب إيل». ~~••• # أما الرأي الآخر الذي يرجح أن الأمم السامية نشأت في بقعة من الأرض غير الجزيرة العربية، ~~فأشهر القائلين به هو الأستاذ «جويدي الكبير»، العالم الإيطالي المعروف في القاهرة، وأقوى ~~الحجج التي يستند إليها مستمد من مضاهاة اللغات السامية، وكثرة أسماء النبت والأمواه في ~~لهجاتها الأولى. وعنده أن اشتراك اللغات السامية في هذه المفردات مما يدل على أرومة نشأت في ~~بلاد مخصبة كثيرة الزروع والأنهار، ولم تنشأ في صحراء العرب وما شابهها من البقاع. # وهذا الرأي ضعيف لا يقوم بالحجة الناهضة، ولا تؤيده حالة الجزيرة العربية قبل الكشوف ~~الحديثة بزمن طويل، فضلا عن حالة الجزيرة التي تدل عليها تلك الكشوف في طبقات الأرض وعوارض ~~الجو وعلم الأجناس. # فالمروج الفيحاء والبقاع المخصبة لم تكن مجهولة قط في جنوب الجزيرة ولا في جوانبها ~~الشرقية الشمالية عند البحرين ووادي اليمامة، وهي البقاع التي مر بها المهاجرون من قديم ~~الزمن، تارة من اليمن إلى البحرين إلى ما بين النهرين وبادية الشام، وتارة من البحرين بداءة ~~إلى ما وراءها من المشارف الشمالية. # ولم تزل بقاع اليمامة إلى ما بعد الإسلام مشهورة بالمراعي الواسعة، والعيون الثرارة، ~~والأمطار الغزيرة، والمروج المعشبة التي تخلفت مما هو أخصب منها وأعمر بالإنسان والحيوان في ~~أقدم الأزمان. وقد لاحظ الرحالة الألماني شوينفرت أن القمح والشعير والجاموس والمعز ~~والضأن والماشية وجدت في حالتها الآبدة في اليمن وبلاد العرب القديمة قبل أن تستأنس في مصر ~~والعراق. # وتبين من الكشوف العلمية في العهد الأخير أن الجزيرة العربية تعرضت لأدوار الجفاف وطوارئ ~~الزلازل منذ عصور موغلة في ms005 القدم، فكان القفر فيها يجور على الخصب في أدوار طويلة بعد أدوار ~~أخرى على التدريج، قبل أن تجور الصحراء على معظمها في عصور التاريخ. # فحالة الجزيرة العربية كافية لتفسير التشابه بين لغات الساميين في ألفاظ الخصب والثمرات ~~والأمواه، ولكن الرأي الآخر - رأي الأستاذ جويدي - لا يفسر لنا الفرض القائل بهجرة العرب ~~مثلا مما بين النهرين أو من الشام إلى قفار الصحراء. وهو فرض لا دليل عليه من الروايات ~~القديمة، ولا من الأحوال المرجحة على حسب التقدير المعقول، ولا من السوابق المألوفة كما ~~رأينا الأمثلة عليها في التاريخ الحديث. ~~••• # وعلى هذا يصح أن نعتبر أن سلالة العرب الناشئين في جزيرتهم الأولى قد سكنت أواسط العالم ~~المعمور منذ خمسة آلاف سنة على أقل تقدير، وأن كل ما استفاده الأوروبيون من هذه البقاع في ~~هذه العصور هو تراث عربي أو تراث انتشر في العالم بعد امتزاج العرب بأبناء تلك ~~البلاد. # وليس هذا التراث بقليل؛ لأنه يشتمل على كل أصل عريق - عند الأوروبيين - في شئون العقل ~~والروح، وأسباب العمارة والحضارة؛ وهي: (1) العقائد السماوية، و(2) آداب الحياة والسلوك، ~~و(3) فنون التدوين والتعليم، و(4) صناعات السلم والحرب وتبادل الخيرات والثمرات. # | العقائد السماوية # والأديان الكتابية هي أول ما يخطر على البال حين يجري الكلام على العقائد السماوية التي ~~تلقاها الأوروبيون من تراث الجزيرة العربية، أو من تراث الأمم السماوية؛ لأن الأديان ~~الكتابية الثلاثة - وهي الموسوية والمسيحية والإسلام - ظهرت وانتشرت بين سلالات الجزيرة ~~العربية، على اختلاف موعدهم من الهجرة منها إلى الأقطار التي تليها. # ولكننا لا نعني هذه الأديان حين نتكلم في هذا الفصل عن العقائد السماوية؛ لأنها من وقائع ~~العيان التي لا تزال قائمة في وقتنا الحاضر بغير حاجة إلى استقراء التواريخ، ومضاهاة ~~الأخبار والروايات. # وإنما عنينا بالعقائد السماوية كل ما عرفه الأوروبيون الأقدمون عن السماء وأفلاكها ~~ومداراتها، وسلطانها المزعوم على الأرضين، وطوالعها النافذة في جميع الأحياء، سواء ما انطوى ~~منها تحت عنوان «علم الفلك»، أو ما انطوى تحت عنوان الكهانة والتنجيم. # فمما لا خلاف عليه أن ms006 العرب نشئوا في بلاد أصحى سماء، وأسطع فضاء من البلاد الأوروبية، ~~وأنهم سبقوا أبناء البلاد الغائمة والآفاق المحجبة إلى رصد النجوم، ومراقبة المطالع ~~والمغارب في القبة الزرقاء؛ لأنهم على سهولة الرصد عندهم كانوا في حاجة دائمة إلى توسم ~~المطر، وترقب الأنواء، والخبرة بمواقيت الإدلاج والإسراء في رحلاتهم الطويلة ~~بالصحراء. # ووافق علمهم هذا علم المدائن والأمصار التي قامت بين النهرين؛ إذ من المحقق أن تقسيم ~~الأشهر والأيام كما شاع في بلاد الكلدانيين والساميين قد كان عليه طابع اللغة العربية ~~القديمة، وأن النسيء في حساب الأشهر، والأسبوع في حساب الأيام كانا من المخلفات السامية في ~~تلك البلاد، وظلت بقاياه بين العرب في الصحراء إلى ما بعد الإسلام. # وكائنا ما كان الرأي في الاقتباس من الحضارات السمرية بين النهرين، فليس «الأسبوع» من ~~عمل السمريين، ولم يظهر بينهم قبل ظهور البابليين. # وعن هذه الأقوام العربية الأولى تلقى الأوروبيون عقائدهم عن الأسبوع، وأرباب الأيام ~~وسلطانها على الأحياء أو على الأحداث والزروع والضروع. # ولا تزال أسماء الأيام الإفرنجية تحمل طابع العقائد «السماوية» كما كان يعتقدها أسلاف ~~العرب المعرقون في القدم، وتتداولها لغات الغربيين إلى هذه الساعة التي نحن فيها. # جاء في الجزء الأول من إخوان الصفاء عن أوائل ساعات الأيام: «اعلم أن الليل والنهار ~~وساعاتهما مقسومة بين الكواكب السيارة؛ فأول ساعة من يوم الأحد للشمس، وأول ساعة من يوم ~~الاثنين للقمر، وأول ساعة من يوم الثلاثاء للمريخ، وأول ساعة من يوم الأربعاء لعطارد، وأول ~~ساعة من يوم الخميس للمشترى، وأول ساعة من يوم الجمعة للزهرة، وأول ساعة من يوم السبت ~~لزحل ...» # ونضرب صفحا عن تقسيم الليالي والساعات؛ لأن تقسيم أوائل الأيام يغنينا فيما نحن فيه، ~~فيوم الأحد يعرف في الإنجليزية باسم «سنداي» # Sunday # أو يوم ~~الشمس. # ويوم الاثنين يعرف باسم «منداي» # Monday # أو يوم القمر، ~~ويوم الثلاثاء يعرف باسم «ثيوزداي» # Tuesday # أو يوم «ثيوز»؛ ~~إله الحرب عند أمم الشمال الأولى، وتوضحه التسمية الفرنسية لهذا اليوم؛ لأن يوم الثلاثاء ~~يعرف فيها باسم # Mardi # أو يوم مارس، وهو ms007 المريخ. # ويوم الأربعاء يعرف في الإنجليزية باسم «ودنزداي» # Wednesday # أو يوم «ودين»؛ إله المعارف والفنون عن قدماء ~~التيوتون، وتوضحه التسمية الفرنسية أيضا؛ لأن يوم الأربعاء يعرف فيها باسم # Mercredi ~~؛ أي يوم عطارد، وهو بالفرنسية # Mercure # أو بالإنجليزية # Mercury ~~. # ويوم الخميس يعرف في الإنجليزية باسم «ثورزداي» # Thursday ~~، أو يوم «ثور» إله الرعد عند قدماء التيوتون، ~~وتوضحه التسمية الفرنسية؛ لأن يوم الخميس فيها يعرف باسم # Jeudi ~~؛ أي المشترى أو الإله جوبيتر # Jovis dies ~~. ويرجع هذا الاسم «ياهو» # Jehova # الذي يشير به أبناء الأمم السامية إلى الله، ولا ~~يزال كثير من العرب حتى اليوم يستغيثون بالله فينادون «يا هو!» # ويوم الجمعة يعرف في الإنجليزية باسم «فرايداي» # Friday ~~، ~~أو يوم الربة فريج # Frig # زوجة عطارد ومقابلة الزهرة في ~~صفاتها، وتوضحه التسمية الفرنسية؛ لأن يوم الجمعة يعرف فيها باسم يوم الزهرة # Vendredi ~~، أو يوم فينوس. # ويوم السبت يعرف في الإنجليزية باسم «ساترداي» # Saturday ~~، ~~أو يوم زحل # Saturn # في تلك اللغة إلى اليوم. ~~••• # ويتبين من معاني أيام الأسبوع عندهم أن عقائد التنجيم التي أخذوها عن السلالات العربية قد ~~تغلغلت في شعوبهم الأوروبية من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، ومن أقصى الشمال إلى أقصى ~~الجنوب، وهي العقائد التي ترتبط بالمعيشة اليومية، وطوالع الأوقات، وسلطان الأفلاك العليا ~~على الأحياء وحوادث الأيام. # فهي على هذا أكبر شأنا وأشد إيغالا في الحياة من تسمية مقتبسة من تقويم منقول. # وقد اصطبغت حياتهم العاطفية بما تلقوه من أسماء تلك الأرباب وخصائصها، فشملت الشعور ~~بالقداسة، والشعور بالغضب، والشعور بالحب والغرام والجمال. # فاسم الإله الأكبر # Jove # أو # Jehova # مأخوذ كما قدمنا من اسم «ياهو» الذي يجري على ~~ألسنتنا إلى أيامنا الحاضرة. # وإله الغضب والحرب عندهم مأخوذ بلفظه ومعناه عند الساميين الأقدمين؛ لأن # Mars # هي تصحيف ظاهر لكلمة المريخ. # وربة الحب أو العذراء الفاتنة «فينس» هي تصحيف كلمة «بنت» السامية، وكانت تكتب عندهم ~~بالباء ثم صحفت إلى الفاء كما يقع ذلك في كثير من الأسماء، وهكذا فعلوا بأسماء الزهرة ~~الأخرى، فصحفوا عشتار إلى «استار»؛ أي ms008 النجمة، وهي عثتار في اللغة العربية اليمانية ~~القديمة، ثم عرفها الساميون في شمال الجزيرة العربية باسم عشتار وعشتروت. # وكذلك أخذوا أدونيس # Adonis # إله الفتوة والجمال من ~~«أدوناي»، بمعنى السيد أو الرب عند الكنعانيين. # فهم قد مزجوا معيشتهم اليومية وحياتهم العاطفية بعقائد السماء التي تلقوها عن السلالة ~~العربية، ولم يقصروا النقل على علم الفلك ولا أزياج النجوم؛ فإنهم - كما سيلي في بعض فصول ~~هذا الكتاب - قد ظلوا ينقلون عن العرب في هذا العلم إلى ما بعد الإسلام بزمن طويل، وقد بقيت ~~في لغاتهم عشرات الأسماء العربية للكواكب والمصطلحات الفلكية بتحريف قليل أو بغير ~~تحريف. # | آداب الحياة والسلوك # وقد كانت المدرسة الكبرى المعنية بآداب الحياة والسلوك - بين مدارس الفلسفة التي اشتهرت ~~باسم «الفلسفة الإغريقية» - هي مدرسة شرقية في أصول أساتذتها، وأصول مبادئها، وأصول تفكيرها ~~التي انفردت بها بين أصول التفكير الغالبة على عقول حكماء الإغريق الأصلاء. # ونعني بتلك المدرسة الشرقية الرواقيين؛ فقد كان رأس هذه المدرسة «زينون» من أصل «كنعاني» ~~أو فينيقي كما كان الإغريق يسمون بعض الكنعانيين، وكان مولده على الشاطئ الشرقي من جزيرة ~~قبرص في أواخر القرن الرابع قبل الميلاد. # وكان من أقطاب هذه المدرسة من ولد في صيداء، ومن ولد على ضفاف نهر العاص أو نهر ~~دجلة. # وكان لها شأن جليل في الثقافة الإغريقية، ثم في الثقافة الرومانية، ثم في المدرسة ~~الأفلاطونية التي نشأت بالإسكندرية، وبقي لها هذا الشأن في تفكير الأوروبيين وآداب سلوكهم ~~إلى عصور النهضة والإصلاح الديني وما لازمه من ضروب الإصلاح الأدبية، فكانت الفلسفة ~~الرواقية هدى لطلاب الإصلاح في طلب الكمال، وطلب السعادة، وطلب الحكمة العلمية في ~~الحياة. # وحسبك شاهدا على مكان هذه المدرسة من السيطرة على الآداب الأوروبية في دولة الرومان، أن ~~سنيكا وشيشرون وإبيكتيتس ومارك أورليوس كانوا من أتباع الرواقيين، وأنها المدرسة التي طاولت ~~كل مدرسة أخرى في أمد البقاع واتساع النطاق، فلم تضارعها في طول بقائها واتساع نطاقها مدرسة ~~فلسفية نشأت على عهد الإغريق والرومان، وأن النمط الرواقي في الحياة كان ولم يزل ms009 بين ~~الغربيين قدوة الرجل الكامل - أو طالب الكمال - إلى عهد ديكارت الفرنسي، وإمرسون الأمريكي، ~~ومن تتلمذ عليهما إلى هذا الجيل. # وقد كان طابع الذهن السامي - ونكاد نقول: طابع الجزيرة العربية - ملحوظا على كل ما ~~علمته المدرسة الرواقية في باب الغيبيات، أو باب العلم الطبيعي، أو باب الأخلاق. # فكانت تدين بالتوحيد ونسبة الفعل كله إلى الله، والانفعال كله إلى المادة، وقد تميل ~~أحيانا إلى وحدة الوجود فيما طرقته من بحوث ما وراء الطبيعة. # وكانت ترى في باب العلم الطبيعي أن الشيء الموجود هو الذي يفعل أو ينفعل، ولا وجود لغير ~~ذلك من الفروض المثالية أو الفروض الخيالية؛ فكل ما في الكون مرجعه إلى الحس والتجربة، ~~وقدرة الفعل والانفعال. # ولعلهم كانوا في هذا الباب روادا سابقين للمدرسة التجريبية التي ظهرت بعدهم بألفي ~~سنة. ويعزو «سترابو»، الجغرافي الكبير، إلى موخوس الصيداوي أنه أول من قال بالجوهر الفرد ~~قبل حرب طروادة. ويستند في هذا الخبر إلى رواية بوسيدنيوس، الفيلسوف الرواقي المعروف، وهو ~~سبق له معناه في عصر الكلام على الجوهر الفرد والقنبلة الذرية. # أما في الأخلاق، فلا قيمة عندهم للبحث الفلسفي إن لم يكن له نفع في طلب الحياة الفاضلة، ~~ونشدان السعادة، والتطلع إلى الكمال. ومساك الأخلاق المثلى عندهم ضبط النفس، وتربية ~~الإرادة، واجتناب المطامع والشهوات. # وليس من العسير تعليل هذه النزعة الرواقية، أو هذه الفلسفة العربية القديمة؛ لأنها تنبعث ~~من مصادر ثلاثة كل منها خليق أن يتجه بها هذا الاتجاه؛ وهي: سلطان القبيلة، وسلطان الدين، ~~وسلطان الدولة والنظام. # فالقبيلة تفرض على أبنائها حياة الصبر والشظف، والمحافظة على التراث القديم، وتجعل كل فرد ~~من أبنائها مسئولا عن القبيلة بأسرها، فعليه من أجل ذلك حساب عسير في كل صلة بين سائر ~~الأفراد من تلك القبيلة، أو من أبناء القبائل الأخرى، وغاية ما يحذره الرجل في ظل هذا ~~السلطان أن «يخلع»؛ فيصبح كما يسمونه خليعا لا حساب عليه. # ثم يأتي سلطان الدين والكهانة بعد انتظام القبيلة في دور الحضارة والعرف الموروث، ولم ~~تفترق الكهانة القديمة عن ms010 المواسم والآداب التي تلتزم في آداب المعيشة والسلوك، ويتعرض ~~الخارج عليها لخطر جسيم يضارع خطر «الخلع» أو يزيد عليه؛ لأنه يخلعه من حظيرة قومه وحظيرة ~~الله على السواء. # ويتمشى مع سلطان الدين سلطان النظام والقانون في الدولة المهيبة قائما على ركنين من ~~وشائج العصبية وفرائض العبادة، أو قائما على الحاسة الموروثة في عنصر النسب، وعلى العقيدة ~~المستقرة في الضمير. # فإذا اتفقت هذه المصادر الثلاثة على إنشاء مدرسة من مدارس الحكمة، فلن يكون عجيبا أن ~~تنشأ هذه المدرسة على مثال الرواقيين، فإن نشأتها بين السلالات العربية مفهومة قريبة ~~التعليل، وإنما المستغرب الذي يخفى تعليله للوهلة الأولى أنها انتشرت في البيئة الإغريقية ~~والبيئة الرومانية أو البيئة الأوروبية على الإجمال، فلولا ما أصاب العالم الأوروبي من ~~القلق النفساني بعد فتوح الإسكندر وقبل الدعوة المسيحية لتعذر فهم ذلك الانتشار. # | التدوين # ولا تستطاع المبالغة فيما استفاده البشر من اختراع طريقة لإثبات المعاني بالحروف، وإثبات ~~الأعداد بالأرقام؛ فإن تدوين المعارف البشرية كلها راجع إلى هذا الاختراع النفيس. # ومما يقل فيه الخلاف بين المؤرخين والمنقبين أن حروف الكتابة العربية والكتابة الإفرنجية ~~ترجع إلى مصدر واحد، وأن الأوروبيين اعتمدوا على الكنعانيين أو الإرميين في اقتباس حروفهم ~~الأولى، وهي مشابهة في لفظها ورسمها لبعض الحروف السامية، ولا سيما الألف والباء والجيم ~~والدال، وكلها ذات معان معروفة في لغات الساميين. # ومعظم الباحثين في هذا الموضوع يرجحون أن الحروف الكنعانية أو الإرمية تدرجت من حروف ~~مصرية مأخوذة عن الصور الهيروغليفية القديمة، وأن اللوحة التي عثر بها سير فلندرس بتري، في ~~شبه جزيرة سيناء (سنة 1906)، تشتمل على النموذج الوسط بين الصور القديمة والحروف الأبجدية ~~كما نشرها الكنعانيون والإرميون. ويقدرون أن هذه اللوحة ترجع إلى أقدم من ثلاثة آلاف ~~وخمسمائة سنة. وقد كان الإرميون في ذلك العهد يعيشون في شبه جزيرة سيناء. # ولعل الصور الهيروغليفية في مصر سبقت مثيلاتها في بلدان العالم لتوافر ورق البردي ومداد ~~الكتابة الثابت في وادي النيل. ولكن الأوروبيين لم يقتبسوا مباشرة من وادي النيل لحرص ~~الكهنة على إخفاء ms011 هذه الأسرار ... فلما بلغت من الزمن طور الحروف الشائعة أمكن أن تنتقل إلى ~~جوار مصر في سيناء وتخومها الشرقية، حيث أقام الإرميون والكنعانيون. # ومما لا شك فيه أن فضل النشر والتعميم لأبناء الجزيرة العربية في هذا الاختراع النفيس؛ ~~لأنهم نقلوه إلى الأقطار الآسيوية كما نقلوه إلى الأقطار الأوروبية، فأخذ الهنود حروفهم من ~~اليمن كما أخذ الإغريق حروفهم من عرب الشمال بفلسطين. # وطريقة الترقيم الحسابية أحدث كثيرا من طريقة الكتابة بالحروف، ولكن تقويم الحروف بالقيم ~~الحسابية قديم في الشعوب السامية، ولما اقتبسوا الأرقام الهندية بعد الإسلام صقلوها، ~~وأضافوا إليها علامة الصفر والطريقة العشرية، ومن ثم عرفت هذه الأرقام عند الأوروبيين باسم ~~الأرقام العربية، ولا يزال اسم الصفر عندهم «زيرو» # Zero # محرفا عن اسمه فيها. # | صناعات السلم والحرب # ويرى «إسحاق تايلور» # Issac Taylor # أن الإغريق اقتبسوا ~~نظام الأوزان وسك النقود عن البابليين من طريق الإرميين فالليديين في آسيا الصغرى. # وقد كان للإرميين بطون في العراق وبطون في سيناء وفلسطين، فكانوا ينشرون ما اقتبسوه من ~~وادي النهرين ووادي النيل على السواء، وكان الإغريق على اتصالات بهم في الموانئ الشرقية من ~~آسيا الصغرى إلى تخوم سيناء، فنقلوا عنهم وسائل الحضارة والتجارة قبل أن يهتدي إليها أبناء ~~القارة الأوروبية بزمن طويل. # والإغريق ملاحون قدماء في صناعة الملاحة، ولكنهم لم يسبقوا الكنعانيين إلى هذه الصناعة؛ ~~لأن هؤلاء قد عكفوا على نقل التجارة البحرية وأوشكوا أن يحتكروها في شرق البحر الأبيض إلى ~~ما بعد أيام الإسكندر ونشأة الإسكندرية، وأعانهم على تجويد الملاحة كثرة الأخشاب الصالحة ~~لبناء السفن في أرض كنعان، وكثرة المحاصيل التي يحتاجون إلى بيعها والمبادلة عليها في ~~الموانئ القريبة أو البعيدة، ووقوع بلادهم على شواطئ بحر تفضي إليه التجارة الآسيوية في ~~أبعد الأقطار. # وربما تعلم الإغريق صناعة السفن من الكنعانيين أو من البابليين، وقد تفيدنا هنا قصة نوح ~~وسفينته؛ لأنها سفينة ورد لها ذكر في التاريخ، ولا شك أنها لم تبن في بلاد الإغريق، بل ~~بنيت في بلاد قريبة من بلاد التوراة، أو قريبة مما ms012 بين العراق وفلسطين، وقد وجدت آثار ~~السفن الفينيقية القديمة الجنوبية. وقد ذكر هيرودوت رحلات الفينيقيين والمصريين في عهد ~~الفرعون نيخاوس، وكانوا أول من عرف الأمم في ساحل أفريقيا الشرقية معرفة يقين. إنما كان ~~الإغريق يعرفونهم على أيام هوميروس معرفة سماع. # فإذا كان تحقيق السبق عسيرا اليوم، فالأمر الذي لا يعسر تحقيقه أن الكنعانيين - أو ~~الفينيقيين كما سماهم الإغريق - توسعوا في الملاحة وإقامة المستعمرات البحرية البعيدة ~~توسعا لم يبلغه الإغريق في الزمن القديم، وأنهم إذا كانوا قد اقتبسوا الموازين والنقود ~~والكتابة وأرصاد النجوم وخصائص الأيام الفلكية عن الساميين، فليس بالبعيد أنهم تلقوا عنهم ~~دروسا في الملاحة والتجارة، وبناء السفن وتوجيهها في البحر على حسب الطوالع ~~والنجوم. # ومما يلاحظ في سياق الكلام على مقتبسات الإغريق من الدول السابقة في شئون الحياة اليومية ~~وشئون الحضارة عامة، أن أبقراط الملقب بأبي الطب قد نشأ في جزيرة كوس، وأن جالينوس أشهر ~~الأطباء اليونان بعده قد نشأ في آسيا الصغرى، وأنهما قد ساحا في أرض كنعان وإرم كما ساحا في ~~الديار المصرية، ولا خلاف في اقتباس أبقراط وجالينوس من طب الفراعنة القديم، ولكن المعارف ~~التي اقتبسها أهل آسيا الصغرى من كنعان وبابل لا بد أن تشمل المعارف الطبية التي تلازم ~~الحضارات العريقة، ولا يمكن أن تستثنى منها بفرض من الفروض. ~~••• # وتلك هي خلاصة الحضارة القديمة في كلمات معدودات، فلم تكن هناك صناعة من صناعات السلم لم ~~يتتلمذ فيها الإغريق على أمة من سلالة الجزيرة العربية، أو لم يكونوا فيها لاحقين على إثر ~~سابقين. # وعلى هذا الاعتبار - أي اعتبار الساميين جميعا من سلالة الجزيرة العربية - يجب أن يعود ~~إليهم فضل الفنون الحربية التي استفادها الرومان من القائد القرطاجي المشهور باسم هنيبال؛ ~~فإن معركة «كاني» # Gannae # التي هزم فيها الرومانيين بنصف ~~عددهم على وجه التقريب لا تزال محورا للبحث والمناقشة، ومرجعا للدرس والتعلم في أحدث ~~مدارس أوروبا العسكرية، وهي على هذا لم تكن إلا فنا من فنون كثيرة فوجئ بها الرومانيون ~~من أساليب ذلك القائد العظيم في نقل ms013 الجنود بالبر والبحر، والنزول بهم على الشواطئ ~~المكشوفة، والصعود بهم إلى قلل الجبال، واستخدام السفن المبتكرة في البحر، وابتكار الخطط ~~السريعة لتسخير الحيوان في المعارك البرية، ومنه الفيل والحصان. # ولو شاء المؤرخ أن يعد هنيبال عربيا بحتا - ولا يجعله من السلالة العربية وحسب - لكانت ~~له قرينة من اسمه واسم وطنه وتاريخ ظهوره ... فإنه ظهر في القرن الثالث قبل الميلاد حين كانت ~~الأمة العربية قد شارفت طورها الحديث الذي بقيت عليه إليه اليوم، وكانت في اسمه لهجة ~~العربية كما كانت تلفظ في ذلك الزمان، أو على نحو مقترب منها غاية الاقتراب؛ لأنه سمي ~~«حنى بعل»، وهو اسم يرادف نعمة بعل أو نعمة الله. وسميت بلدته «قرية حداش» أو القرية ~~الحديثة، فصحفت إلى قرتاش فقرطاج - بتعطيش الجيم - كما نطق بها الرومان. وكان اسم أبيه ~~حامي القرية أو «هاملكار» بعد التصحيف والتحريف. ~~••• # وخلاصة ما تقدم أن الأوروبيين تتلمذوا على أبناء الجزيرة العربية في مسائل العقيدة ومسائل ~~الحضارة والمعيشة اليومية، قبل أن تبلغ أوروبا مبلغ المعلم لغيره في أمر من الأمور. # ولا يقدح في هذا أن السمريين - سكان ما بين النهرين الأولين - كانوا شعبا من شعوب العنصر ~~الآري، كما جاء في بعض التقديرات التي تستحق النظر والترجيح. # فإن المحقق الذي لا تختلف فيه الظنون أن المعارف الفلكية التي وصلت إلى الأوروبيين، وبنوا ~~عليها عقائدهم في الكواكب والأيام مصبوغة بالصبغة البابلية، سواء في الأسماء أو الصفات، ~~وأن الكتابة قد وصلت إلى الأوروبيين والهنود من طريق أبناء الجزيرة العربية في أقصى الشمال ~~أو أقصى الجنوب، وأنه مهما يكن الظن بالابتكار في أطواره الأولى، فالطابع السامي ظاهر على ~~أول ما اقتبسه الأوروبيون من دروس الفلك والكتابة والحكمة الرواقية، وبعض أسباب التجارة ~~والملاحة والعمارة، وليس في شيء من ذلك، لا في غيره، طابع ظاهر للسمريين. # | الأصل والنقل # الأصالة قدر مشترك بين جميع الحضارات، فكل حضارة أبدعت ونقلت، وكانت لها سمة تميزها بين ~~الحضارات العالمية، ولم توجد قط حضارة تفردت بالإبداع، أو تفردت بالنقل، أو خلت من السمة ~~التي ms014 تميزها بين سمات الحضارة. # إلا أن البدعة الحديثة التي نشأت حول الآرية والسامية قد جنحت بالأوروبيين منذ ظهرت فيهم ~~إلى اختصاص الحضارة العربية بالنقل دون الإبداع، وحببت إليهم أن يميزوا عليها حضارات الأمم ~~الآرية - ولو كانت شرقية - بملكة الإبداع والتفكير الحر، ولا سيما في المباحث النظرية التي ~~يراد بها العلم للعلم، ولا يراد بها العلم للتطبيق أو للانتقاع به في مرافق المعيشة؛ لأن ~~تمييز الشرقيين الآريين ينتهي إلى تمييز العنصر الأوروبي في أصوله الأولى، وهي الدعوى التي ~~يسوغ بها سيادته على أمم العالمين. # وقال منهم قائلون: إن هذه السمة - سمة النقل - لازمت الجنس العربي منذ كان له تاريخ متصل ~~بتاريخ العالم في أقدم العصور، فالسمريون سبقوا الأمم العربية فيما بين النهرين، وبلغوا ~~شأوا عظيما من الحضارة والعمران تدل عليه الآثار التي بقيت بعدهم، ولا تزال فضلة منها ~~كافية لتقديرها أحسن تقدير؛ فلا جرم كان البابليون الكلدانيون مسبوقين إلى حضاراتهم فيما ~~بين النهرين، ولم يكونوا فيها سابقين ولا مبتدعين. # ولما تجدد ظهور العرب بعد الإسلام كانت لهم حضارة، ولكنها كانت كذلك حضارة منقولة، ولم ~~تكن بالحضارة المبتدعة على أيديهم، وثبتت سمة النقل بإحصاء أسماء العلماء والمفكرين الذين ~~نهضوا بأمانة الثقافة في ظل الدولة العربية، فإنهم كلهم - إلا القليل منهم - كانوا من ~~الشعوب الأعجمية التي دانت بالإسلام، ولم يكونوا من العرب الأصلاء، وتلك هي الحجة التي ~~يستند إليها دعاة العصبية الأوروبية في تجديد الأمم التي لا تتوشج بينها وبين الأوروبيين ~~واشجة قرابة، من مزايا الإبداع والتفكير. # وهذا الكتاب - فيما نرى - هو موضع الفصل في هذه الدعوى الشائعة، أو هو على الأقل موضع ~~الإشارة إلى البيئة الراجحة والبيئة المرجوحة من أقوال دعاتها؛ لأن تمحيص المزايا العربية ~~هو قوام الكلام على آثار العرب في الحضارة الأوروبية. # وأول ما يوجب التشكيك في هذه الدعوى أن نسأل: أين هي الحضارة التي أبدعت ولم تنتقل؟ وأين ~~هي الحضارة التي يقال عن جميع علمائها: إنهم من عنصر محض خالص ينتمون إليه ولا يمتزج ~~بالعناصر الأخرى؟ # فالإغريق نقلوا قبل ms015 أن يبدعوا، وعلماؤهم - كما أشرنا إلى ذلك في غير هذا الموضع - قد ~~نبغوا في آسيا الصغرى وجزر الأرخبيل وصقلية والإسكندرية وفلسطين والشام وتخوم العراق، ولم ~~ينحصر نبوغهم في مكان واحد يقال إنه هو موطن العنصر الخالص الذي لا يشوبه عنصر دخيل. # ويصدق هذا على الهند وفارس والصين، كما يصدق على أية أمة من سلالات الأوروبيين ~~المحدثين. # ولا شك أن السمريين الأقدمين كانوا سلالة أخرى غير السلالة العربية؛ لأنهم يخالفونها في ~~معدن اللغة وخصائص المزاج، ولكن الجزم بمنشئهم الأصيل أمر لم ييسر للباحثين إلى يومنا هذا؛ ~~فقد تباين القول في منشئهم حتى قال أناس: إنهم من المغول، وقال آخرون: إنهم من المصريين، ~~وقال غير هؤلاء وهؤلاء: إنهم أوروبيون منحدرون من الشمال. # إلا أن القول بأن العرب الذين وفدوا إلى بلادهم لم يبدعوا شيئا غير ما أبدعه السمريون هو ~~محض تخمين وتظنين؛ لأن العالم لم يتلق عن السمريين أثرا من آثار حضارتهم في حينها، ولما ~~اتصلت العلاقة بين بلادهم وما جاورها كانت السمات العربية ظاهرة في معدن اللغة، وعادات ~~الاجتماع، ومزايا التفكير؛ فلا موضع هنا للجزم بأن العرب نقلوا ولم يبدعوا، وأن السمريين ~~قبلهم أبدعوا ولم ينقلوا، مع جهلنا كل الجهل بما أبدعوه وما نقلوه. # أما في العهد الإسلامي فقد اشتركت الأمم الأعجمية حقا في أمانة الثقافة، وكان لفضلائها ~~قسط عظيم في مختلف العلوم والدراسات، ولكنها لم تنهض هذه النهضة إلا بعد ظهور الإسلام فيها، ~~ولم تكن لها في إبان مجدها القديم فضلة على العنصر العربي في الدراسات النظرية التي يراد ~~بها العلم للعلم، ولا يراد بها العلم للتطبيق أو للانتفاع به في مرافق المعيشة. # وكل نظر صحيح في هذه المسألة يوجب الشك في السبب الذي يردها إليه دعاة العصبية العنصرية، ~~وهو العجز الأصيل في تفكير العربي، وقلة استعداده للبحث الفلسفي، والدراسة النظرية، ~~والاهتمام بالمعرفة والاستطلاع لغير الكسب والانتفاع، مثال ذلك: أن الذين جمعوا الحديث في ~~أول حركة الجمع كانوا من الأعاجم، وكانوا أقلهم من العرب الأصلاء، ولم يقل أحد قط: إن ms016 ~~العربي تعوزه ملكة الرواية وحفظ الأنساب والإسناد، وهو الذي وعى بالمحافظة من أنسابه ~~وإسناده ورواياته ما لم يدخل في وعي أمم كثيرة من أمم البداوة أو الحضارة. # فلا بد من الرجوع إذن إلى سبب غير السبب العنصري المزعوم لتعليل القلة الملحوظة في عدد ~~العلماء من العرب الأصلاء في بعض العصور. # وأدعى من هذا إلى البحث عن سبب غير ذلك السبب، أن العرب الأصلاء قد اشتغلوا بالفلسفة ~~والحكمة في الأندلس، وعلى عهد العلويين وأواخر العباسيين، وأن تاريخ الثقافة العربية يشتمل ~~على أناس، مثل: ابن الهيثم، والحسن بن أحمد الهمداني (المتوفى سنة 334) صاحب كتاب سرائر ~~الحكمة، وأنساب حمير، وهو محيط بمباحث الفلسفة عن أصل العالم، وقواعد النطق والكلام، ومثل ~~ابن النضر القاضي الذي قال فيه أبو الصلت في رسالته عن منجمي مصر: # أما المنجمون الآن بمصر فهم أطباؤها كما حذيت النعل بالنعل، لا يتعلق أكثرهم من ~~علم النجوم بأكثر من زائجة يرسمها ومراكز يقدمها، وأما التبحر ومعرفة الأسباب ~~والعلل والمبادئ الأول فليس منهم من يرقى إلى هذه الدرجة، ويسمو إلى هذه المنزلة، ~~ويحلق في هذا الجو، ويستضيء بهذا الضوء، ما خلا القاضي أبا الحسن علي بن النضر ~~المعروف بالأديب، فإنه كان من الأفاضل الأعيان المعدودين من حسنات الزمان. # وفي كتب التراجم والسير - ولا سيما أخبار الحكماء للقفطي - خلاصات طيبة عن كثير من ~~الفلاسفة والحكماء ممن لم يرزقوا الشهرة في صدر الإسلام، وقد اشتهر مع هذا رجال كالكندي، ~~ومحمد بن إبراهيم الفزاري، وأبناء موسى بن شاكر الثلاثة؛ محمد وأحمد والحسن، في العهد الذي ~~برزت فيه أسماء العلماء من الغرباء عن السلالة العربية. # ولا يذهب بنا البحث عن سبب القصور العنصري إلى بعيد؛ فإن الأسباب كثيرة مكشوفة قريبة ~~التناول لمن يريد أن يراها، ومنها أن الأعاجم سبقوا العرب إلى صناعة الكتابة؛ لأن العرب ~~كانوا في صدر الإسلام أصحاب قيادة ورئاسة، شغلتهم الفتوح وسياسة البلدان المفتوحة عن دراسة ~~العلوم التي يغني عنهم فيها أعوانهم من الأتباع والمرءوسين. # ومن تلك الأسباب أن الأمم الطارئة على الإسلام ms017 كانت أحوج إلى تعلم اللغة والفقه والبحث عن ~~مصادرها، وإلى الاستمساك في بلادهم النائية بعروة الدين لا تربطهم بالدولة عروة ~~سواه. # ومنها أن الدولة العباسية قامت على الأعاجم ، فقربتهم وتعهدتهم بالمكافأة والتشجيع، ~~فأقاموا على البحث والعلم وهم على ثقة من حسن الجزاء. # ومنها أن عدد الفضلاء الأعاجم هو عددهم بالقياس إلى جميع أفراد الأمم التي ينتمون إليها، ~~أما عدد الفضلاء من صميم العرب، فهو عددهم بالقياس إلى الفاتحين الراحلين عن الجزيرة ~~العربية، وهم قلة صغيرة إلى جانب الذين تخلفوا بعدهم في البادية على نحو معيشتهم ~~الأولى. # ومنها أن الجدل والمناظرة من لذات الأمم المغلوبة؛ لأنها تلتمس فيها الغلب الذي فاتها ~~من جانب السيادة والقيام على العروش، فالقصور العنصري سبب لا تلجئنا إليه الحقائق ولا ~~تزكيه عند المنصفين. # أما الثابت من هذه الحقائق فهو أن الدفعة التي أحيت الحضارة في رقعة الدولة الإسلامية قد ~~جاءت من السلالة العربية، وأن حضانة الدولة الإسلامية هي التي سمحت ببقاء ما بقي من حضارة ~~الفراعنة والإغريق والفرس والهنود، ولولا قوة «موجبة» في العبقرية العربية لما جاءت تلك ~~الدفعة، ولا تيسرت تلك الحضانة. # ليس كل ما انتقل على أيدي الحضارة الإسلامية عربيا محضا في الأصول والفروع، ولكن ~~حسبها أنه لم ينقطع على أيديها، فاتصلت بفضلها وشائجه بالتاريخ القديم والحديث، فحفظت تراث ~~الإنسانية كلها، وزادت عليه، ونقلته إلى من تلاها. وكل حضارة صنعت ذلك فقد صنعت خير ما ~~يطلب من الحضارات، ومن طلب إليها ألا تورث الناس إلا شيئا جديدا من ابتداعها فقد طلب ~~إليها أن تلغي كل ما تقدمها، أو هو قد طلب إليها ما يناقض الحضارة في فضيلتها الكبرى، وهي ~~فضيلة السماحة والحرص على تراث بني الإنسان. وفيما يلي بعض ما حملته من أمانة الحضارة إلى ~~العالم الحديث. # | الطب والعلوم # أشاد هوميروس في الأوديسا بمهارة الأطباء المصريين، وقال هيرودوت غير مرة: إنهم كانوا ~~يعالجون أنواعا شتى من الأمراض يختص كل منهم بمرض يبرع في علاجه، وروى أن قورش أرسل إلى ~~مصر في طلب طبيب للعيون، ms018 وأن دارا كان عظيم الإعجاب بهم، كثير الثناء عليهم. وكان الإغريق ~~يعرفون اسم «أمحوتب» رب الحكمة في مصر القديمة، ويسمونه بلغتهم أموثيس، وقد نقلوا عن الطب ~~المصري كثيرا من العقاقير، كما نقلوا آلات الجراحة بغير تبديل. # وتلقى الإغريق شيئا من الطب الكلداني كما كان في عصوره القديمة مزيجا من السحر والتعويذ ~~والعلاج. # ثم دارت دورة الثقافة الإنسانية على أتمها في هذه الصناعة التي يحتاج إليها جميع الناس، ~~فأعاد الإغريق ما أخذوه وما زادوه إلى المصريين في عهد مدرسة الإسكندرية، وإلى الكلدان ~~والسريان في أواخر الدولة الرومانية الشرقية، وكان في ذلك الحين حصة من تراث الأديرة ~~وكهانها يتدارسه من يتدارسون العلوم باليونانية أو اللاتينية، وكان معظمهم يومئذ من رجال ~~الدين. # واستعان الفرس بأطباء السريان والروم، فأنشئوا المدرسة الطبية والمستشفى المشهور ~~بجنديسابور، وكان عليه معول الشعوب القريبة كلها في إتمام معارفهم الطبية، والتوسع في ~~الاطلاع على فنون العلاج عن سائر الأمم، ومن تلاميذه النابهين بين أطباء العرب الحارث بن ~~كلدة الذي تعلم الطب في الجاهلية وأدرك الإسلام. # وقد عرف العرب التطبيب في أقدم عصور الجاهلية على طريقة البداوة في مزج الطب والكهانة، ~~وعلاج الأمراض بالوسائل البدائية، فكان لكل قبيلة عرافها الذي يستشار في كل ما حزبها من ~~الأمور، ومنها العلل والشكايات. # جعلت لعراف اليمامة حكمه # وعراف نجد إن هما شفياني # وكان طلب هؤلاء العرافين يخلط بين الرقى والتبخير وتعاطي الأدوية التي تقترن بالعزائم ~~والتعاويذ، ومع العرافين أطباء مختصون بالعلاج لا يزاولون الكهانة، ولا يموهون على ~~المرضى باسم الجن أو الأصنام، ويعالجونهم بالفصد والكي والحجامة والحمية، وبعض العقاقير ~~والأعشاب التي تنبت في بلاد العرب، أو تجلب من الهند والصين. # ووصايا هؤلاء الأطباء تدل على خبرة حسنة بتصحيح الأجسام كما قال الحارث بن كلدة: «من سره ~~البقاء ولا بقاء؛ فليباكر الغداء، وليخفف الرداء، وليقلل غشيان النساء.» # وسأله معاوية: ما الطب يا حارث؟ فقال: الأزم يا معاوية! يعني الجوع. وكان ينهى عن ~~الاستحمام بعد الطعام، ويوصي بالتخفيف من الديون والهموم. وكانت لهم طريقة عملية ناجعة ms019 في ~~التماس الدواء لما استعصى عليهم دواؤه، وهي أن يخرجوا المريض إلى طريق القوافل ليراه من ~~أصيب بمثل مرضه، ويصف له الدواء الذي شفاه. # ويبدر لنا أن اشتغال العرب الطويل برعي الماشية قد باعد بينهم وبين طب الكهانة والخرافة، ~~وقارب بينهم وبين طب التجارب العملية؛ لأنهم راقبوا الحمل والولادة والنمو وما يتصل به من ~~الأطوار الحيوية، وشرحوا الأجسام فعرفوا مواقع الأعضاء منها، وعرفوا عمل هذه الأعضاء في ~~بنية الحيوان نحوا من المعرفة السليمة، فافتربوا من الإصابة في تعليل المرض ~~والشفاء. # وجاء الإسلام فقضى على الكهانة، وفتح الباب للطب الطبيعي على مصراعيه؛ لأنه أبطل المداواة ~~بالسحر والشعوذة، ولم يحدث في مكان الكهان طبقة جديدة تتولى العلاج باسم الدين، بل سمح ~~النبي - عليه السلام - باستشارة الأطباء ولو من غير المسلمين، فلما مرض سعد بن أبي وقاص في ~~حجة الوداع عاده النبي وقال له: إني لأرجو أن يشفيك الله حتى يضر بك قوم وينتفع آخرون، ~~ثم قال للحارث بن كلدة: «عالج سعدا مما به» والحارث على غير دين الإسلام. وذكر القرآن ~~لقمان الحكيم: # ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر ~~لله ~~، ومنها: التطبيب، أو هي الطب قبل سائر ضروب الحكمة، فجعل الإسلام هذه ~~الصناعة نعمة يشكرها من أسبغها الله عليه، واتخذها وظيفة معترفا بها ولو لم تكن من أعمال ~~المتدينين. # لهذا كثر اشتغال المسيحيين بالطب في ظل الدولة الإسلامية، ونبغ الأطباء بين نصارى المشرق، ~~في الوقت الذي كانت فيه الكنيسة الغربية تحرم صناعة الطب؛ لأن المرض عقاب من الله لا ~~ينبغي للإنسان أن يصرفه عمن استحقه، وظل الطب محجورا عليه بهذه الحجة إلى ما بعد انقضاء ~~العهد المسمى بعهد الإيمان، عند استهلال القرن الثاني عشر للميلاد، وهو إبان الحضارة ~~الأندلسية. # وقد دعي إلى الامتحان في بغداد نحو تسعمائة طبيب على عهد المقتدر بالله، وهم غير ~~الأساتذة الثقات الذين تجاوزوا مرتبة الامتحان، وهي عناية بالطب والصحة لم تشهدها قط حاضرة ~~من حواضر التاريخ القديم. # ومن هذه الكثرة في عدد الأطباء ومعلمي الطب يتبين لنا أن ms020 الحاجة إلى دراسة الطب والعلوم ~~كانت حاجة عمران كامل، ولم تكن حاجة أفراد أو طوائف محددة. # فمن الجائز في بداية الأمر أن الملوك احتاجوا إلى الأطباء البارعين، فاستقدموا إليهم من ~~ترامت إليهم سمعتهم بالقدرة والدراية، ومن الجائز كذلك أن بعض الرهبان أو العلماء في طوائف ~~السريان والروم كانوا ينقطعون لدراسة العلم فيما انقطعوا له من صنوف الدراسات، ولكن العاصمة ~~لا تتسع لأكثر من ألف طبيب في وقت واحد ما لم تكن الحاجة إلى الطب والعلم حاجة عمران واسع ~~الأطراف. # وقد كان السريان والروم في أماكنهم، وكان معهم أقوامهم وذووهم وكتبهم وودائعهم في ظل ~~القياصرة والأكاسرة، فلم يتسع نطاق المعرفة هذا الاتساع، ولم يبلغ ارتقاء المعيشة في عهد ~~الحضارة الرومانية أو الفارسية هذا المبلغ، وإنما الجديد في الأمر هو التفاعل الطيب في بنية ~~المجتمع مع قيام الدولة الصالحة التي نهضت بها العبقرية الإسلامية، وتكفلت بها سماحة الدين ~~الجديد. # ولم تكن مزاولة الصناعة وحدها هي الغرض المقصود من هذه النهضة الواسعة، وهذا التعليم ~~المستفيض؛ لأن أشهر الأطباء كانوا يضيفون إلى علم الطب علما آخر كالفلسفة أو الهندسة أو ~~الفلك أو الكيمياء، وكانوا يؤلفون الموسوعات ويطلبون البحث في أمهات هذا العلم حيث ~~كان. # وقد كان بعض الدراسة كافيا لمزاولة الصناعة في تلك العصور، ولكنهم طلبوا العلم للعلم؛ ~~فلم يقنعوا بما وجدوه من كتب الإغريق الأقدمين أو كتب الفرس والهنود، ورجعوا إلى كل مظنة ~~من مظان التوسع في هذه البحوث، فتساوى بحثهم عن كتب الطب، وبحثهم عن كتب الهندسة والنجوم ~~وسائر المعلومات، ووضعوا الكتب فيما قرءوه وترجموه؛ فإذا هو موسوعات تشمل «الوصفة» الهندية ~~إلى جانب الوصفة العربية أو الفارسية أو اليونانية، وإذا هي مباحث تهذيب واستقصاء، وليست ~~متاجر أرباح. # ومن موسوعات الطب الإسلامية ما لم يوضع له نظير في الضخامة والتمحيص على قدر أسباب ~~التمحيص في زمانه، وقد ترجمت كلها إلى اللاتينية، فنقلت هذه الصناعة بين أطباء أوروبا من ~~حال إلى حال، ولم يضارع مؤلفي العربية فيها أحد من علماء الأوروبيين إلى مطلع العصور ms021 ~~الحديثة مع شغف الأوروبيين أخيرا بادعاء ملكة العلم، واتهام الشرقيين بأنهم لا يطلبون ~~العلم إلا للصناعة وأرباحها، فعكست الآية هنا، وأصبح أطباء أوروبا يقرءون كتب العربية ~~ليستفيدوا منها في مزاولة الصناعة وكسب الأموال، وتشابهوا في ذلك جميعا ما لم يكونوا من ~~الرهبان والقسوس الذين انقطعوا عن الدنيا، فلا يجهرون بطلب المال من صناعة الطب ولا غيرها ~~من الصناعات. # فترجم كتاب القانون لابن سينا في القرن الثاني عشر - وهو موسوعة جمعت خلاصة ما وصل إليه ~~الطب عند العرب والإغريق والهنود والسريان والأنباط - وترجم كتاب الحاوي للرازي سنة 1279، ~~وهو أكبر تلاميذ الرازي بعد موته، لأنه عمل لا يضطلع به الأفراد. # وترجمت كتب ابن الهيثم في ذلك العصر، فكان عليها معول الأوروبيين اللاحقين جميعا في ~~البصريات. # وظهر من برامج جامعة لوفان المحفوظة أن كتب الرازي وابن سينا كانت هي المرجع المعول عليه ~~عند أساتذة تلك الجامعة إلى أوائل القرن السابع عشر، وجاء المدد من الأندلس العربية، فأمد ~~أوروبا بمرجعها الأكبر في الجراحة وتجبير العظام، وهو كتاب «التعريف لمن عجز عن التصريف»، ~~لأبي القاسم خلف بن العباس، وقد طبع باللغة اللاتينية في القرن الخامس عشر، وكان قبل طبعه ~~دروسا متداولة بين أبناء الصناعة يعتمدون عليها في الأعمال الجراحية، ولا سيما فتح المثانة ~~وإخراج الحصاة، وقال العالم الطبيعي الكبير هاللر في رواية جوستاف لوبون: إن كتب أبي ~~القاسم كانت مرجع الجراحين جميعا بعد القرن الرابع عشر للميلاد، وقد ترك كتيبا صغيرا عن ~~الآلات الجراحية التي تستخدم في العمليات على اختلافها، مع توضيحها بالأشكال وطرائق ~~الاستخدام. # وتكاثرت المستشفيات باسم المارستانات في أنحاء الدولة الإسلامية بعد القرن الثالث الهجري، ~~وكانت لهم طريقة لطيفة للتحقق من جودة الهواء وصلاح الموقع لبناء المستشفيات تغني عن ~~الأساليب العلمية التي اتبعت في العصر الحاضر، بعد كشف الجراثيم والإحاطة بوسائل ~~التحليل، فكانوا يعلقون اللحوم في مواضع مختلفة من المدينة في وقت واحد، فأيها أسرع إليه ~~العفن اجتنبوا مكانه، واختاروا المكان الذي تتأخر فيه عوارض الفساد. # وقد تسلم العرب الطب في مرحلة من ms022 مراحله الطويلة بين النظريات القديمة والنظريات الحديثة، ~~فكانت نظرية بقراط أن الأخلاط أربعة: دم وبلغم وصفراء وسوداء، وأن المرض هو اختلال النسبة ~~بين هذه الأخلاط، والعلاج هو ردها إلى نسبتها الأولى، وكانت نظرية جالينوس أن الأمزجة ~~أربعة؛ وهي: الحرارة والبرودة واليبوسة والرطوبة، فمن أصيب من قبل الحرارة فعلاجه البرودة، ~~ومن أصيب من قبل الرطوبة فعلاجه اليبوسة، وعلاج كل عرض من هذه الأعراض يقتصر على هذا ~~القياس. # وكثر بين أطباء مدرسة الإسكندرية انتقاد هذه النظريات، ولا سيما نظرية بقراط، فأبطلها ~~إرازسترات # Erasistratus ~~، ونصح لأتباعه بإهمالها وإيثار ~~الملاحظة الدقيقة عليها، وجاء بعدهم من اكتفى في التوصيف بسؤال المريض، والمقابلة بين حالته ~~وأحوال المرضى الآخرين، وتسجيل الظواهر والأعراض في جميع الأحوال. # فلما تناول العرب الطب كانت هذه الصناعة في المرحلة بين تناسي النظريات القديمة ونشأة ~~النظريات الحديثة، ولم تكن العلوم في جملتها قد وصلت إلى الطور الذي يسمح بابتكار هذه ~~النظريات، فاعتمدوا الملاحظة والتجربة، ولم يعولوا كل التعويل على التزام النظريات أو ~~ابتكار الجديد منها، وتصرفوا في العلاج فلم يتقيدوا برأي جالينوس في علاج البرودة بالحرارة، ~~أو الحرارة بالبرودة، بل كان منهم من يعالج البرد بالبرد في بعض الحالات، أو يجمع بين ~~الحمية والتبريد والترطيب كما كان يفعل صاعد بن بشر، رئيس المستشفى العضدي ببغداد، وقد ~~عرفوا العلاج بالعوض كما يؤخذ من كلامهم عن خصائص أعضاء الحيوان، فإن الدميري، صاحب كتاب ~~الحيوان، يذكر منافع رئة الثعلب مثلا أنها تداوي الصدر؛ لأن هذا الحيوان لا يلهث إذا عدا، ~~ويذكر غير ذلك من خصائص أعضاء الحيوان. # وسبقوا الإفرنج إلى وصف الجذام، وشرح مرضي الجدري والحصبة، وعلاج أمراض العين، وحاموا ~~حول مذهب فرويد في الطب النفساني وعلاقته بالمسائل الجنسية على نحو تجريبي خليق بأن يحتذى ~~في تقرير المعارف والمشاهدات، فمن ذلك أن حظية للرشيد تمطت في بعض الأيام ورفعت يدها ~~فبقيت منبسطة لا يمكنها ردها، وعولجت بالتمريخ والدهن فلم تنتفع بهما، فلما سئل جبرائيل بن ~~بختيشوع قال للرشيد: «إن لم يسخط علي أمير المؤمنين فلها عندي ms023 حيلة، قال له الرشيد: ما ~~هي؟ قال: تخرج الجارية إلى ها هنا بحضرة الجميع حتى أعمل ما أريده، وتمهل علي ولا تعجل ~~بالسخط. فأمر الرشيد بإحضار الجارية فخرجت، فأسرع إليها جبرائيل ونكس رأسه وأمسك ذيلها ~~كأنه يريد أن يكشفها، فانزعجت الجارية وبسطت يدها إلى أسفل ذيلها» ... فقال جبرائيل: قد برئت ~~يا أمير المؤمنين. ولما سئل في تعليل ذلك قال: «هذه الجارية انصب إلى أعضائها وقت المجامعة ~~خلط رقيق بالحركة وانتشار الحرارة، ولأجل أن سكون حركة الجماع يكون بغتة جمدت الفضلة في ~~بطون الأعصاب، وما كان يحلها إلا حركة مثلها، فاحتلت حتى انبسطت حرارتها وحلت الفضلة ~~فبرئت». # ويروى عن ابن سينا أنه دعي لعيادة فتى مريض لم يهتد الأطباء إلى علته، فأمر باستدعاء ~~رجل من عرفاء المدينة، وتناول يد الفتى يجس نبضها ويرقب وجهه، وطلب من العريف أن يسرد أسماء ~~الأحياء في المدينة، فسردها حتى جاء ذكر حي منها فازداد نبض الفتى، ثم سأله أن يذكر بيوت ~~الحي، فازداد نبض الفتى عند واحد منها؛ فسأله عمن في البيت من الفتيات، وقال لأهل الفتى: ~~زوجوه تلك الفتاة؛ فهذا هو الدواء. # وعالج أطباء العرب الجنون علاج الأمراض الطبيعية، وقد كان يسمى عند الإفرنج بالمرض ~~الإلهي أو المرض الشيطاني؛ لأنهم كانوا يحسبونه من إصابات الأرواح أو الشياطين. ~~••• # واقترنت بحوث العرب في الطب ببحوثهم في الكيمياء؛ فاستفاد الأوروبيون منهم كثيرا في هذا ~~العلم المستحدث، وربما كانت فائدتهم من دروس العرب الكيمية أعظم مما استفادوه من دروسهم ~~الطبية. # فالقلويات معروفة في مصطلحات الكيمياء الحديثة باسمها العربي # Alkali ~~، وماء الفضة - وهو من أهم الحوامض المستخدمة في ~~التجارب الكيمية - لم يظهر وصفه في كتاب قبل كتب جابر بن حيان، وهو صاحب الفضل فيما عرفه ~~الأوروبيون عن ملح النوشادر وماء الذهب والبوتاس وزيت الزاج وبعض السموم. # وقد ترجم له كتابه السبعون وكتاب تركيب الكيمياء إلى اللغة اللاتينية في أوائل القرن ~~الثاني عشر، وظلت كتبه عمدة في هذا العلم بين الأوروبيين إلى أواخر القرن السابع عشر، ~~فترجم كتابه الاستتمام إلى ms024 اللغة الفرنسية سنة 1672. # ونقلت كتب الرازي كما نقلت كتب جابر بن حيان، ومنها تلقى الأوروبيون تقسيم المواد ~~الكيمية إلى نباتية وحيوانية ومعدنية، وتقسيم المواد المعدنية أدق تقسيم عرف في العصور ~~الوسطى، ولعل التاريخ الأوروبي لم يتأثر بشيء من كشوف العرب في المعدنيات كما تأثر بكشف ~~البارود واستخدامه في قذائف الحصار وأسلحة القتال. # وفي الطبيعيات أخرج العرب الثقل النوعي لكثير من العناصر والجواهر النفيسة، ونقلوا رأي ~~الإغريق في الجاذبية وتعليل الثقل، وفحواه أن الأجسام الثقيلة مجذوبة إلى أصلها في السماء، ~~ولكن البيروني شك في ذلك، ووجه إلى ابن سينا سؤاله الذي يدل على ميله إلى القول بأن الأجسام ~~كلها مجذوبة إلى مركز الكرة الأرضية، وذلك حيث يقول: «ما الصحيح من قول القائلين: أحدهما ~~يقول: إن الماء والأرض يتحركان إلى المركز، والهواء والنار يتحركان من المركز، والآخر يقول: ~~إن جميعها يتحرك نحو المركز، ولكن الأثقل منها يسبق الأخف في الحركة إليه؟» # وقد مهدت هذه الآراء سبيل نيوتن إلى كشف قانون الجاذبية وتعليل الثقل على أساس العلم ~~الحديث. # وللبيروني أيضا فضل السبق إلى درس السوائل في عيون الأرض ومرتفعات الجبال، وما تحكم به ~~حركاتها في حالي التوازن والارتفاع، ومن رواد هذه المباحث في اللغة العربية أبناء موسى بن ~~شاكر أصحاب كتاب الحيل، الذي يعد أصلا من أصول «الميكانيكا» قبل تطورها الأخير في عصر ~~الآلات. # وعلى سذاجة البحوث التي انتهى إليها علم التاريخ الطبيعي قبل القرن الثامن عشر كانت ~~مؤلفات العرب خير المراجع في هذه العلوم للأوروبيين وغير الأوروبيين؛ فإنهم جمعوا المتفرق ~~من المعلومات القديمة عن الحيوان والنبات، وزادوا عليه، وتوسعوا فيه. فنقلوا عن الهند ~~والكلدان واليونان والأنباط، واعتمدوا على المشاهدة في بلادهم وغير بلادهم، كما فعل ضياء ~~الدين المالقي المعروف بابن البيطار، فقد ولد بمالقة وساح في أنحاء العالم الإسلامي، ووصل ~~إلى أقصى بلاد الروم للبحث عن الأعشاب وأصناف النبات، وعينه الكامل الأيوبي رئيسا ~~للعشابين بالديار المصرية، وهم يقابلون في عصرنا هذا علماء النبات وعلماء الصيدلة في وقت ~~واحد، وألف كتاب «الأدوية المفردة»، ms025 فاستوعب فيه صفوة المعلومات التي أدركها علم زمانه في ~~هذه البحوث. # جاء في كتاب «الحضارة الأوروبية سياسية واجتماعية وثقافية» لمؤلفيه أساتذة الفلسفة؛ جيمس ~~وستفال توسون وفرانكلن شارلز بام وفان نوستراند : «في خلال قرنين نقل إلى العربية كل ما ~~خلفه الإغريق من التراث العلمي على التقريب، وأصبحت بغداد والقاهرة والقيروان وقرطبة مراكز ~~لامعة لدراسة العلم وتلقينه ... وأخذت المعرفة بهذه الثقافة الإغريقية العربية تتسرب إلى ~~أوروبا الغربية في أواخر القرن الحادي عشر والقرن الثاني عشر. # ولم يكن تسربها من أثر الغزوات الصليبية كما سبق إلى الخاطر، ولكنه جاء من طريق صقلية إلى ~~إيطاليا، ومن إسبانيا المحمدية إلى إسبانيا المسيحية، ثم إلى فرنسا. وتسابق الرجال من ذوي ~~العقول اليقظى إلى بلارمة وطليطلة لتعلم اللغة العربية، ودراسة العلوم العربية، والعجيب أن ~~معظم هؤلاء الرجال كانوا من الإنجليز، # 1 # مثل: أديلارد أوف بات، ودانيال أوف مورلي، وروجر أوف هيرفورد، وإسكندر نكوام، ~~وكانت أوروبا الغربية في القرون الوسطى، وقضى بعض الطلاب سنين عدة في ترجمة الكتب العلمية ~~العربية إلى اللغة اللاتينية ... وترجم جيرارد أوف كريمونا، المتوفى سنة 1187 في الثالثة ~~والسبعين من عمره، واحدا وسبعين كتابا مختلفا من هذه الكتب، وقاربه في وفرة الإنتاج ~~أفلاطون أوف تيفولي. # وعلى هذا النحو كانت أوروبا قد استولت في مستهل القرن الثالث عشر على محصول العلم ~~الإغريقي والعربي بحذافيره، وأصبح تدريس العلم في الجامعات الحديثة من الأمور المقررة ~~المتفق عليها، وكان أعظم علماء ذلك العصر الإنجليزي الفرنسيسكاني روجر باكون (1214-1292)، ~~وهو لا يقصر في عظمته عن شأن البرنس الكبير، وكلاهما قد تولى التدريس في جامعة باريس، ولم ~~ينتصف القرن الثالث عشر حتى ظهرت مجموعة هذه المعارف في سفر ضخم من تصنيف فنسنت أوف بوفيس ~~سماه مرآة الطبيعة، وحوى فيه كل ما وسعته المعرفة البشرية في ذلك الحبل من طب وظواهر ~~كونية وفلك وجغرافية وظواهر جوية، وكلام عن طبقات الأرض والمعادن والنبات والأحياء والتشريح ~~... إلخ». ~~••• # على أن الجانب المهم من أثر هذه الموسوعات الثقافية في أوروبا لا يتوقف على تعديد ~~المعلومات: ms026 كم «معلومة» بلغت، وكم معلومة أخذها العرب أو أخذها منهم الأوروبيون؟ وإنما ~~المهم أن الأوروبيين تناولوا مشعل العلم من أيدي العرب فاستضاءوا به بعد ظلمة، وبلغوا به ~~بعد ذلك ما بلغوه من هذا الضياء العميم الذي انكشفت به أحدث العلوم، ولو لم يحمل العرب ذلك ~~المشعل شرقا وغربا لكان من أعسر الأمور أن يقدح الأوروبيون نوره من جديد، وإذا أفلحوا ~~في قدحه فقصاراه في ثلاثة قرون أن يقف دون الشأو الذي انتهى إليه جهد الإنسان في عشرات ~~القرون. # | الجغرافيا والفلك والرياضة # يعتبر بطليموس، صاحب «المجسطي»، معلم الجغرافية الأول في العصور القديمة؛ لأن اسمه كان ~~أشهر الأسماء التي أذاعها العرب في أوروبا بعد مولده بعدة قرون. # ومن الخطأ أن يظن أن علم الجغرافية علم يوناني في أصوله ومبتكراته لاشتهاره باسم مؤلف من ~~كلمتين يونانيتين؛ لأن بطليموس نفسه قد اقتبس كثيرا من المصريين كما اقتبس كثيرا من ~~الكنعانيين، وقد سبقه من اليونان جغرافيون وسياح اعتمدوا على أهل مصر وبابل فيما أثبتوه من ~~الأصول الجغرافية التقليدية، ومنها الكلام عن النيل وإثيوبيا، وتقسيم الدنيا إلى سبعة ~~أقاليم، ويبدو على هذا التسبيع طابع البابليين الذين تحدثوا قديما عن الكواكب السبعة، ~~والأيام السبعة، وجعلوا التسبيع سمة من سمات الخليقة الإلهية. # فبطليموس نشأ في الإسكندرية، واقتبس فيها ما توارثه المصريون من الأرصاد والتقاويم، ~~وأخبار الرحلات، وقصص السياح على عهد الفراعنة عما طرقوه من البرور والبحور، وقد بلغ من ~~شيوع هذه الرحلات بين الإغريق الأقدمين أنها تطرقت إلى الإلياذة والأوديسا من شعر هومر، كما ~~تطرقت إلى شعر غيره من فحول الشعراء. # ولصلة لا شك فيها بين علم المصريين الأقدمين وعلم الإسكندريين راجت المدرسة الجغرافية في ~~الإسكندرية رواجا لم تبلغه في أرض الرومان ولا اليونان، فاشتهر فيها بولبيوس وبسدونيوس ~~وثيوفان ومتلين، كما وفد إليها استرابون قبل بطليموس بنحو مائة سنة، وهذا عدا الفلكيين ~~الذين كان لهم من البحث الجغرافي نصيب. # ويعزو بطليموس فضلا كبيرا إلى كتاب مارنيوس الصوري الذي دون في كتابه خبرة الكنعانيين ~~وخبرة المصريين، واعتمد عليه بطليموس ms027 كثيرا من تقسيم خطوط العرض وخطوط الطول. # والواقع الذي تتفق عليه آراء المؤرخين أن أوروبا لم تطلع على جغرافية بطليموس قبل ~~انتقالها إليها من طريق الثقافة العربية، وأنها وصلت إلى الأوروبيين مزيدة منقحة بما أضافه ~~إليها الجغرافيون المسلمون، ولا سيما البيروني في رحلاته إلى آسيا الشرقية. # واخترع ابن يونس المصري في القرن التاسع للميلاد الرقاص، ثم توالى بعده من ضبط حركاته، ~~وانتظام ذبذباته. # وليس أرجح من الأقوال التي ترجع بتاريخ الإبرة المغناطيسية إلى الملاحين العرب والمسلمين؛ ~~لأن الأقوال التي ترجع بهم إلى مخترعات الصين يشوبها كثير من الشك، ومثلها الأقوال التي ~~ترددها بين الرومان واليونان، ولم يكن باب الاقتباس مغلقا بين الصين والعرب في فنون ~~الملاحة؛ إذ كانت السفن تغدو وتروح زمنا طويلا قبل الإسلام بين الحيرة العربية وموانئ ~~الصين. وقد أثبت العلامة جوستاف لوبون نسبة الإبرة إلى العرب في كتابه عن الحضارة العربية، ~~وهو إثبات له قيمته في بابه، فإن أعوزته أدلة الجزم القاطع لم تعوزه أدلة الترجيح. # وقد اشتهر في المشرق الإسلامي جغرافيون مبرزون أضافوا إلى العلم أحسن التحقيقات من طريق ~~الأرصاد الفلكية، ومشاهد الرحلات، وتمحيص الروايات، ولكن الأندلس هي التي جعلت صفوة هذه ~~المعلومات، وأشاعتها في الأقطار الأوروبية التي تجاورها، وكان للشريف الإدريسي خاصة أعظم ~~الفضل في جمع هذا العمل وتجديده، وإحياء العناية به بين ذوي الشأن في زمانه. # فلما أراد روجر الثاني، ملك صقلية النورماني في القرن الثاني عشر، أن يستوفي معلومات عصره ~~الجغرافية لم يجد من يعتمد عليه في ذلك غير الشريف الإدريسي، الذي ولد في سبتة، ودرس في ~~قرطبة، وتطايرت شهرته في بلاد الحضارة الإسلامية والمسيحية. فوضع كتابه «نزهة المشتاق في ~~اختراق الآفاق»، وصنع له الملك كرة فضية - تمثل كرة الأرض - زنتها أربعمائة رطل رومي؛ ~~ليتخذها مثالا لما يثبته من معالم الكرة الأرضية. # ولا يعرف أن أحدا سبق الإدريسي إلى بيان الحقيقة عن منابع النيل العليا، كما حفظت في ~~الخرائط التي بقيت في بعض المتاحف الأوروبية، ومنها خريطة محفوظة بمتحف سان مرتين الفرنسي ~~ترسم ms028 النيل آتيا من بحيرات إلى جنوب خط الاستواء، بعد أن تخبط الجغرافيون في وصف منابعه ~~وتعليل فيضانه منذ أيام هيرودوت الملقب بأبي التاريخ. # ومن الخرائط المرسومة والآراء النظرية التي نقلت عن العرب تلقى كولمبس صورته عن الكرة ~~الأرضية، وتخيل أن الأرض كثمرة الكمثرى المستطيلة ترتفع قمتها في الهند، وترتفع لها قمة ~~أخرى مقابلة لها في مكان آخر يشبه إقليم الهند بمناخه وثمراته، ومحصول أرضه ومائه، وكانت ~~الخريطة التي أوحت إليه هذه الفكرة مباشرة خريطة الكردينال بطرس الإيلي التي سماها «صورة ~~الدنيا» # Image mundi ~~، واعتمد فيها على المصادر العربية ~~ونشرها في أوائل القرن الخامس عشر قبل رحلة كولمبس بنحو ثمانين سنة، وهو فضل يحسب للعرب في ~~كشف العالم الجديد. # ولقد كانت آراء البيروني ومروياته في علمي الجغرافية والفلك شائعة بين الأوروبيين ~~المهذبين، ومما نقله البيروني عن أهل الهند «أن على ترابيع خط الاستواء أربعة مواضع هي ~~جمكوت الشرقي والروم الغربي، وكنك الذي هو القبة والمقاطر لها، فلزم من كلامهم أن العمارة ~~في النصف الشمالي بأسره»، ثم قال: «وأما اليونان فقد انقطع العمران من جانبهم ببحر ~~أوقيانوس، فلما لم يأتهم خبر إلا من جزائر فيه غير بعيدة عن الساحل، ولم يتجاوز المخبرون عن ~~الشرق ما يقارب نصف الدور جعلوا العمارة في أحد الربعين الشماليين، لا أن ذلك موجب أمر ~~طبيعي؛ فمزاج الهواء الواحد لا يتباين، ولكن أمثاله من المعارف موكول إلى الخبر من جانب ~~الثقة، فكان الربع دون النصف هو ظاهر الأمر، والأولى أن يؤخذ به إلى أن يرد دليل لغيره ~~...» # ومعنى هذا الكلام الواضح أن موجب العقل يقضي بوجود جانب مغمور في الجانب الغربي من الكرة ~~الأرضية، ولكن لا يقطع بوجوده إلا بعد المشاهدة وتواتر الخبر من الثقات. وهذه هي الحقيقة ~~التي اعتمد عليها كولمبس فاقتحم بحر الظلمات على رجاء تحقيق الفكرة المنطقية برؤية ~~العيان. # ولو بقي الرأي الغالب على أهل أوروبا عن تسطيح الأرض كما كان قبل شيوع كتب الجغرافيين من ~~العرب - مع إنكار الكنيسة للقول باستدارتها ودورانها - لكان من ms029 المتعذر جدا أن يسنح في ~~ذهن كولمبس خاطر السفر إلى الغرب للوصول إلى الأقطار الآسيوية، ولكن العرب أشاعوا هذه ~~الحقيقة في أهم الكتب الجغرافية التي ألفوها، فكتب ابن خرداذبة - المتوفى سنة 885 للميلاد ~~- «أن الأرض مدورة كتدويرة الكرة موضوعة في جوف الفلك كالمحة في جوف البيضة»، وقال ابن رستة ~~- المتوفى سنة 903: «إن الله جل وعز وضع الفلك مستديرا كاستدارة الكرة أجوف دوارا، والأرض ~~مستديرة أيضا كالكرة مصمتة في جوف الفلك»، وأتى بالبراهين على ذلك فقال: «والدليل على ذلك ~~أن الشمس والقمر وسائر الكواكب لا يوجد طلوعها ولا غروبها على جميع من في نواحي الأرض في ~~وقت واحد، بل يرى طلوعها على المواضع المشرقية قبل غيبوبتها عن المغربية، ويتبين ذلك من ~~الأحداث التي تعرض في العلو؛ فإنه يرى وقت الحدث الواحد مختلفا في نواحي الأرض، مثل كسوف ~~القمر، فإنه إذا رصد في بلدين متباعدين بين المشرق والمغرب، فوجد وقت كسوفه في البلد ~~الشرقي منهما على ثلاث ساعات من الليل مثلا، أقول: وجد ذلك الوقت في البلد الغربي على أقل ~~من ثلاث ساعات بقدر المسافة بين البلدين ... إلخ»، وقال المسعودي - المتوفى سنة 956: «جعل ~~الله عز وجل الفلك الأعلى وهو فلك الاستواء وما يشتمل عليه من طبائع التدوير، فأولها كرة ~~الأرض يحيط بها فلك القمر، ويحيط بفلك القمر فلك عطارد إلخ.» وقال المسعودي في مروج الذهب: ~~إن الشمس «إذا غابت في هذه الجزائر - أي جزائر الأقيانوس - كان طلوعها في أقصى الصين، وذلك ~~نصف دائرة الأرض.» # وقد تولى العلماء غير الجغرافيين تقرير هذه الحقيقة بالأدلة الفلسفية، كما فعل ابن سينا ~~في جوابه عن سؤال أبي حسين أحمد السهلي عن علة قيام الأرض في الفضاء وثبات الأجسام عليها؛ ~~حيث قال: «... ينبغي حينئذ ضرورة أن تكون جميع الأجسام الثقال، حيوانا كانت أو غير حيوان، ~~تميل بطبعها وتنجذب من جميع الجوانب كلها إلى وسط العالم.» وألم في ختام الرسالة بأقوال ~~الأقدمين فقال: «ذهبت طوائف من القدماء إلى آراء أخرى غير ما سبق؛ فمن أصحاب فيثاغورث من ~~قال: ms030 إن الأرض متحركة دائمة على الاستدارة، ومنهم من قال: إنها هابطة إلى أسفل، وغيرهم من ~~ذهب إلى سكونها.» # فشيوع العلم باستدارة الأرض بفضل تداوله في الكتب العربية هو الخطوة الأولى التي تسبق كل ~~خطوة في طريق كولمبس ومن صدق بدعوته من أبناء زمانه، ولولا هذه الخطوة لكان أهل أوروبا ~~الشمالية أولى بكشف الدنيا الجديدة لأنهم أقرب إليها، ولهم دراية بالملاحة كدراية أبناء ~~الشواطئ الجنوبية. # على أننا قرأنا رأيا لبعض المشتغلين باللغة والتاريخ عندنا يؤكد فيه سبق العرب إلى كشف ~~الدنيا الجديدة بأدلة لغوية تاريخية يعتمد عليها، وأشهر من قال بذلك الأب أنستاس الكرملي ~~صاحب البحوث الطويلة في مشتقات الألفاظ وتواريخها، فإنه يشير إلى تيار الخليج الحار في ~~المحيط الأطلسي فيقول: # سبق العرب سائر الأمم إلى معرفة هذا التيار وخواصه، وإلى حركته من المكسيك إلى ~~أرلندة، ومن هذه إلى تلك، فكانوا يركبونه من موطن إلى موطن بحيث كانوا يدهشون سكان ~~جزر المانش؛ أي جزر القصدير وأهالي جزيرة أرلندة، فكانوا إذا ظعنوا إلى أنحاء ~~المكسيك مكث بعضهم فيها، وعاد القليلون منهم إلى بلادهم راكبين متن ذلك التيار ~~المبارك مسبحين ربهم، مباركين مسلمهم. ونعرف أنهم كانوا يقيمون في الديار التي ~~عرفت بعد ذلك بالمكسيك من أسماء الحيوانات التي سموها بها، وهي أسام تعرف بها ~~إلى اليوم، لكن لا يفقه أهلها معانيها ولا علماء الغرب الذين اتخذوها ... # إلى أن يقول: «وأما بعض هذه الألفاظ فمنها التمساح المسمى عندهم # Aligator ~~؛ فإنهم لم يعرفوا من أي لغة هي، إنما يقولون: ~~إنها بلسان البلاد التي يعيش فيها. ولم يزيدوا على هذا القدر. أما أنها من لغتنا المصرية ~~فمما لا شك فيه؛ لوجود العمامة والكوفية في رأسها؛ أي الألف واللام، وهي العمرة التي يمتاز ~~بها القحطاني دون غيره ...» # وقد كنا نود أن يستند القول بوصول العرب إلى بينة أقوى من هذه البينة، لأن الواقع أن أصل ~~تسمية التمساح بهذا الاسم الإسباني معروف؛ إذ هو مأخوذ من # El ~~Lagarto # الإسبانية المصحفة من # lacerata # اللاتينية، بمعنى فصيلة الضب والعظاية، وإلى ms031 اللاتينية ترجع كلمة # lizard # الإنجليزية التي يسمى بها ذلك الحيوان، ~~وكلتاهما قريب من قريب. # إلا أننا مع هذا لا نوافق الأب أنستاس الكرملي على أن كولمبس كان مدينا بالفضل في معرفة ~~العالم الجديد لمراجع من القرن الخامس للمسيح، وذلك ما يؤخذ من مقال الأب حيث قال: «وأول من ~~انتبه لهذا الأمر راهب اسمه برندان السائح البحار المولد ... سنة 483م، وهو من أصل شريف يرتقي ~~إلى ملك أرلندة ... ففي عام 545م تهيأ لتحقيق ما يختلج في صدره من الأماني مع أربعة عشر ~~راهبا من مقتحمي الأهوال، فابتنوا مركبا كبيرا ليستكشفوا ما هنالك ... وفي سنة 552 نزل ~~برندان ورفاقه على ساحة أميركة ... ولا جرم أن كلنبس كان واقفا أتم الوقوف على خبر رحلة ~~برندان، فتمكن من أن يقنع الملك فردينند والملكة إيزابلة بأن يوافقا على هذه الرحلة للبحث ~~عن العالم الجديد ...» # فقصة برندان هذه من الأقاصيص التي يرتاب فيها الثقات، ولا يجدون لها أصلا مكتوبا قبل ~~القرن الحادي عشر للمسيح، وهي التي يصح أن يقال: إنها مقتبسة من المصادر العربية؛ لأنها ~~تحكي لنا حكاية الحوت الكبير الذي نزل عليه المسافرون وظنوه جزيرة راسية، فتحرك بهم وأوشك ~~أن يغرقهم، وليس في القصة وصف للقارة الجديدة، بل وصفها كله خيال عن نعيم الأبرار الموعود ~~في أرض الصالحين والقديسين. # وقد تواترت أقاصيص الجغرافيين العرب عند المغررين الذين طرحوا بأنفسهم في بحر الظلمات، ~~فهلك منهم من هلك، وعاد منهم من عاد بأخبار تشبه الأساطير، ولا تبدو عليها مظنة الثقة ~~والاعتماد. ومن ذلك إشارة المسعودي في مروج الذهب إلى أخبار «من غرر وخاطر بنفسه في ركوبه، ~~ومن نجا منهم ومن تلف، وما شاهدوا منه وما رأوا». # ومنه وصف الإدريسي في «نزهة المشتاق» حيث يقول: «إنهم وصلوا - من لشبونة بعد اثني عشر ~~يوما - إلى بحر غليظ الموج، كدر الروائح، كثير القروش، قليل الضوء، فأيقنوا بالتلف، ثم ~~فردوا قلاعهم في اليد الأخرى، وجروا في البحر في ناحية الجنوب اثني عشر يوما، فخرجوا إلى ~~جزيرة الغنم، وفيها من الغنم ما ms032 لا يأخذه عد ولا تحصيل، وهي سارحة لا راعي لها ولا ناظرة ~~إليها، فقصدوا الجزيرة فنزلوا بها، فوجدوا عين ماء جارية وعليها شجرة تين بري، فأخذوا من ~~تلك الغنم فذبحوها، فوجدوا لحومها مرة لا يقدر أحد على أكلها.» # إلى أن يقول: «فاعتقلوا فيها في بيت ثلاثة أيام، ثم دخل عليهم في اليوم الرابع رجل يتكلم ~~باللسان العربي، فسألهم عن حالهم وفيما جاءوا وأين بلدهم، فأخبروه بكل خبرهم، فوعدهم خيرا ~~وأعلمهم أنه ترجمان الملك ... فلما علم الملك ذلك ضحك وقال للترجمان: خبر القوم أن أبي أمر ~~قوما من عبيده بركوب هذا البحر، وأنهم جروا في عرضه شهرا إلى أن انقطع عنهم الضوء ~~وانصرفوا في غير حاجة ولا فائدة تجدي.» # وهذه وما جرى مجراها أقاصيص ملفقة تحيط بها الشكوك، ولا سيما قول الرواة: إن المغررين ~~وجدوا في الجزيرة «رجالا شقرا زعرا، شعور رءوسهم سبطة، وهم طوال القدود، ولنسائهم جمال ~~عجيب». # ولو وصل أولئك المغررون إلى القارة الجديدة لرأوا هناك ما رآه كولمبس، وعادوا بخبر أصح من ~~هذه الأوصاف، وليس فيها جميعا ما يزيدنا على الظن بأن روادا من العرب حاولوا استطلاع بحر ~~الظلمات؛ فلم يصلوا منه إلى نهاية، وهو ظن نستطيع أن نذهب إليه، بل نجزم به بغير حاجة إلى ~~تلك الأقاصيص. # وأقوى من هذا التقدير دلالة على سبق العرب إلى ارتياد العالم الجديد، أن كولمبس عاد من ~~أمريكا بذهب مخلوط بالنحاس على النحو الذي يخلط به أهل غانة الأفريقية، وبالنسبة التي ~~يلاحظونها في هذا الخليط، وأن لغات الهنود الحمر تشتمل على كلمات أوروبية، وأقدم منها ~~الكلمات العربية التي تتخللها مع بعض التصحيف والتحريف، ولكن قرينة الذهب أقوى وأقرب إلى ~~الاحتمال، لأن تحقيق الزمن الذي تسربت فيه الكلمات المزعومة أمر عسير المراجع؛ إذ كانت ~~الرحلات قد توالت بعد كشف أمريكا بين الشواطئ الأمريكية في أيام رواج النخاسة واختلاط ~~النخاسين والعبيد بمن يتكلمون العربية في أفريقيا الغربية، وليس من السهل إثبات تواريخ ~~الألفاظ في لغات كلغات الهنود الحمر لا تعتمد على الكتابة والتسجيل. ms033 # وأجدر بنا أن نقول كما قال البيروني: إن الأمر موكول إلى الخبر من جانب الثقة، فإن فضل ~~العرب القائم على الحقائق في المعارف الجغرافية يغنيهم عن كل فضل قائم على الظنون. # وليس للجغرافية - بعد - من عماد تقوم عليه غير السياحة والاستقراء والأرصاد الفلكية، وفي ~~كل أولئك فضل ثابت للعرب والمسلمين غير منسي ولا منكور. # فقد كانت السياحة فيما بين القرن العاشر والقرن السادس عشر فنا إسلاميا من فنون أهل ~~المغرب على الخصوص، وهم قدوة الأوروبيين في هذه الشئون، ومن سياح المسلمين المشهورين أبو ~~عبيد الله البكري، الذي ولد في مرسية، وألف كتابي «معجم ما استعجم»، و«المسالك والممالك»؛ ~~وتوفي في أواخر القرن الحادي عشر للميلاد، ومنهم الشريف الإدريسي المتقدم ذكره، ومنهم محمد ~~بن عبد الرحيم المازني الذي ولد في غرناطة وألف «نخبة الأذهان في عجائب البلدان»، وتوفي ~~في القرن الثاني عشر، ومنهم ابن جبير الذي ولد في بلنسية قبل منتصف القرن الثاني عشر وكتب ~~رحلته المتداولة بين قراء العربية، ومنهم ابن بطوطة صاحب «تحفة النظار في غرائب الأمصار»، ~~أكبر الرحالين في القرن الرابع عشر على الإطلاق. # وهؤلاء غير الرحالين الشرقيين من أمثال: المسعودي، وابن حوقل، وياقوت الحموي، والبيروني، ~~وعشرات آخرين لم يشتهروا هذه الشهرة، ولم يتركوا بعدهم من المطولات مثل ما ترك ~~هؤلاء. # ويدل على أثر المسلمين في الملاحة تلك الكلمات التي لا تزال محفوظة في لغات الأوروبيين ~~بما يشبه حروفها العربية، مثل: # Tare # من طرح السفينة، ~~و # Felouque # من الفلك، ~~و # Calfata # من القلفطة، ~~و # Amiral # من أمير البحر، # Arsenal # من دار الصناعة، # risk # بمعنى المغامرة في طلب المعاش من كلمات رزق، # Avala # من كلمة حوالة ~~و # Avaare # من كلمة عوار، # Wissil # الألمانية من كلمة وصل ~~و # Calibre # من كلمة قالب، وغير ذلك كثير ولا سيما في كلام ~~أهل الأندلس والبرتغال. # وقد كشفت على شواطئ البحر البلطي وفي البلاد الأوروبية الشمالية أحافير شتى ترجع إلى ~~القرون الوسطى، منها نقود إسلامية، وهي تدل على اتصال التجارة الشرقية بأطراف أوروبا في ~~الشمال، ms034 وعلى دخول تلك الأقطار في نطاق الجغرافية الإسلامية بالمعاملة أو العيان. # وإذا كان وصول العرب إلى القارة الأمريكية قبل كولمبس مقطوع به على سبيل التحقيق، فمن ~~المحقق أنهم وصلوا في المحيط الأطلسي إلى أمد بعيد، وانتهوا إلى جزيرة الآزور، وكشفوا ~~سواحله إلى أقصى الجنوب. # أما المعارف الجغرافية من طريق الأرصاد الفلكية، فمن مآثر العرب فيها أنهم قاسوا محيط ~~الكرة الأرضية في عهد المأمون، ثم قاسوه على طريقة البيروني بتقدير ارتفاع الجبال بالدقائق ~~والدرجات؛ وأنهم صححوا خطوط الطول والعرض، وحققوا الاعتدال الشمسي، وضبطوا التقاويم، ~~وأحكموا الأزياج، قال جوستاف لوبون في كتابه عن حضارة العرب: إن التقويم السنوي الذي أصلح ~~في عهد السلطان ملك شاه أصح من التقويم الغريغوري الذي أتمه الأوروبيون بعد ستمائة سنة؛ لأن ~~التقويم الغريغوري يقع فيه خطأ ثلاثة أيام في كل عشرة آلاف سنة، ولا يقع بحساب التقويم ~~العربي غير خطأ يومين، وأنهم عرفوا مقياس خط النهار قبل الأوروبيين بألف سنة، وأنهم كشفوا ~~الاختلاف الثالث في سير القمر الذي أغلقه بطليموس، وأنهم هم الذين عينوا الأماكن على ~~الخرائط، واستدركوا كثيرا من الأخطاء التي وقع فيها الإغريق في درجات العرض والطول، ومنها ~~أخطاء بطليموس الكبير، وكانت أخطاؤهم لا تتجاوز الدقائق حيث تتجاوزها أخطاء الإغريق إلى ~~الدرجات. # ولا حاجة إلى استقصاء طويل في علم الفلك لإقرار فضل العرب فيه على الأمم الأوروبية، فإن ~~الأسماء العربية باقية بلفظها في المعجمات الفلكية الأوروبية سواء في أسماء الكواكب ~~والنجوم، أو أسماء المدارات والمصطلحات، ومن مئات هذه المفردات نكتفي بالقليل للدلالة على ~~الكثير كالطرف # Altaref # وكرسي الحوزاء # Cursa # والكف # Caph # والأرنب # Armab # والعرقوب # Arkab # والسمت # Azimuth # وأدحى النعام # Azha # والبطين # Botein # وزبانتي العقرب # Zuben Hakrabi # والوزن # Wezn # والنسر الواقع # Wega # والساهور # Saros # وصدر الدجاجة # Sadr # وسعد السعود # Sadalsud # ورجل الجبار # Rigel # والزورق # Zaurek # وقرن الثور # Tauri # والراعي # Errai # والذنب # Denob ~~... وأمثال هذه ~~الأسماء المحفوظة بألفاظها كثير غير ما ترجموه بالمعاني دون الألفاظ. ~~••• # والعلاقة بين الفلك والعلوم الرياضية توجز لنا البيان عن خط الثقافة العربية ms035 من الرياضيات ~~في جملتها. وقد تغني العناوين هنا عن التفضيلات التي تلتمس في مطولات هذا الباب؛ فإن الجبر ~~يعرف باسمه العربي في جميع اللغات الأوروبية؛ لأن الإغريق وقفوا به عند القواعد الأولى ~~التي أثبتها ديوفانتس # Diophantus # الإغريقي السكندري في ~~القرن الثالث للميلاد. وقد لخص جوستاف لوبون تجديداتهم في هذه العلوم فقال: إنهم أدخلوا ~~الخط الممارس إلى حساب المثلثات، وحلوا المعادلات المكعبة، وقد توسعوا في مباحث المخروطات، ~~وأحلوا الجيوب محل الأوتار، وأنشئوا النظريات الأساسية لحل مثلثات الأضلاع. وروي عن بعض ~~الثقات أن تجديدات العرب في هذه المسائل وأمثالها كانت ثورة علمية بعيدة الآثار. # وليس بالشرقيين غلو في القول إذا ارتفعوا ببعض الرياضيين الإسلاميين إلى الذروة العليا في ~~علم الرياضة جمعاء؛ فإن الأستاذ كارل ساخاو، الذي كان أستاذا للغات السامية في جامعة ~~فيينا، يقول عن البيروني: إنه أعظم العقول التي ظهرت في العالم. # والأستاذ لالاند الفلكي الفرنسي المشهور في القرن الثامن عشر يقول عن البتاني: إنه واحد ~~من عشرين رياضيا ظهروا في العالم القديم والعالم الحديث. # ومن تمحيص القول في نشأة العلوم الرياضية أن نلغي منه اللغو الذي يتداوله بعض الأوروبيين ~~المحدثين ليؤثروا الإغريق وحدهم بالفضل في ابتداع الهندسة وتطبيق الرياضة النظرية على الفلك ~~وسائر الفنون، فقد بلغت العصبية «الأوروبية» ببعضهم أن يعزوا إلى طاليس فضل الإنباء بالكسوف ~~قبل وقوعه، وينسوا الحقائق الحسية التي تدل على سبق المصريين والبابليين في هذه الدراسات، ~~ومن هؤلاء من يكتب عن تاريخ الفلسفة الإغريقية قديمها وحديثها؛ كجون برنيت # Burnet ~~، أو يكتب خاصة عن تاريخ هذه الفلسفة من طاليس إلى ~~أفلاطون، ويغفل عما كتبه أفلاطون نفسه في نشأة الرياضيات؛ لأن أفلاطون قرر في حوار فيدراس ~~أن توت، الإله المصري، هو الذي اخترع الحساب والهندسة والفلك وكتابة الحروف، وكان ينعى على ~~قومه أنهم لا يعنون بهذه العلوم عناية المصريين كما جاء في الفصل السابع من قوانينه؛ حيث ~~قال: «إن الأحرار عليهم أن يتعلموا من هذه المسائل بمقدار ما يبذل للتعليم في مصر لعدد ~~كبير من الأطفال حين يتعلمون ms036 الكتابة»، وإن الأطفال المصريين يتدرجون من تعلم الجمع والطرح ~~والقسمة إلى التمرينات في قياس الأطوال والسطوح والمكعبات، ثم ختم الكلام الذي ورد في ذلك ~~الحوار على لسان الأثيني آسفا لذلك الجهل المخجل المضحك الذي أطبق على سائر بني الإنسان في ~~هذه الدراسات. # وقد كان إقليدس - الذي ينسب إلى صور - يتلقى العلم على تلاميذ أفلاطون في أثينا، ويسمع ~~منهم أمثال هذا الكلام عن شغف الحكماء المصريين بالدراسات الرياضية، وسعة المجال الذي ~~يدرسون فيه الرياضيات على الإجمال ، فلا جرم يرحل بعد ذلك إلى الإسكندرية، وينبغ بعد ذلك في ~~هندسته نبوغا لم يسجل لأحد من الأثينيين الذين اقتصروا على معارف بلادهم في هذا الباب، ~~ولم يرحلوا عنها إلى مصر أو بين النهرين. # طاليس نفسه قد حضر إلى مصر وقال هيرونيمس # Heronymus # الرودسي: «إنه لم يتعلم قط إلا في أيام رحلته إلى مصر واختلاطه هناك بالكهان.» # وهيرودوت هو الذي روى لنا قصة إنباء طاليس بالكسوف قبل وقوعه، وهو الذي روى كذلك أن ~~الإغريق أخذوا آلة قياس الانتقال الشمسي والاعتدالين بالظلام من البابليين، وتواترت الأقوال ~~في كتب التاريخ الرياضي بأن البابليين قد رصدوا الكسوف، وحسبوا له دورة تتم بعد مائتين ~~وثلاث وعشرين دورة قمرية؛ أي في ثماني عشرة سنة وأحد عشر يوما، وطبقوا ذلك الحساب من أزمنة ~~مجهولة قبل كل رصد منسوب إلى الإغريق. # فليس مما يليق بالعالم أن ينكر الحقيقة تعصبا لجنس من الأجناس؛ لأن العلم الصحيح وحب ~~الحقيقة لا يفترقان. ومهما يكن من غلو الغالين في تقويم حصة الإغريق من التراث الرياضي، ~~فالحقيقة التي لا تقبل النزاع أنهم أخذوا من الشرق قبل أن يأخذ منهم الشرق، وأن أبناء هذا ~~الشرق هم الذين أعطوا الأوروبيين وديعة تلك الحصة كبرت أو صغرت، وزادوا عليها ما زادوه ~~بالتنقيح والابتكار. # | الأدب # كتب الأستاذ جب # Gibb # في مجموعة تراث الإسلام فصلا ~~ممتعا عن أثر العرب في الآداب الأوروبية، استشهد فيه بكلمة للأستاذ ماكييل # Mackail # من محاضراته على الشعر قال فيها: «إن أوروبا مدينة ~~لبلاد العربية بنزعتها المجازية الحماسية ms037 # Romance ~~، كما هي ~~مدينة بعقيدتها لبلاد اليهودية ...» ~~«وإننا - يعني الأوروبيين - مدينون لبطحاء العرب وسورية بمعظم القوى الحيوية الدافعة، أو ~~بجميع تلك القوى التي جعلت القرون الوسطى مخالفة في الروح والخيال للعالم الذي كانت تحكمه ~~رومة.» # ولا يقر الأستاذ جب كل هذا التعميم والإطلاق، ولكنه لا يبطله كل الإبطال، ولا ينفي ~~الأثر الذي تركه الأدب العربي في شعر الأوروبيين ونثرهم منذ القرن الثالث عشر إلى القرون ~~الحديثة، وإن كان يرجح أن هذا الأثر قد تسرب من طريق الإيحاء والرواية اللسانية بين ~~المسلمين الذين كانوا يتكلمون العربية وبعض اللغات الأوروبية، وبين شعراء فرنسا الجنوبيين ~~ممن لم تثبت معرفتهم بالعربية على التحقيق. # والذي نعتقده على أية حال أن العقل يأبى كل الإباء أن قيام الأدب العربي في الأندلس يذهب ~~من صفحة التاريخ الأوروبي بغير أثر مباشر على الأذواق والأفكار والموضوعات، والدواعي ~~النفسية، والأساليب اللغوية التي تستمد منها الآداب. # ويزيدنا اعتقادا لذلك أن أوروبا كانت تتلقى آثار الثقافة العربية من ثلاث جهات متلاحقة ~~في القرون الوسطى؛ أولاها: جهة القوافل التجارية التي كانت تغدو وتروح بين آسيا وأوروبا ~~الشرقية والشمالية من طريق بحر الخزر أو طريق القسطنطينية، وربما كانت هذه هي الطريق التي ~~وصلت منها أطراف الأخبار الإسلامية إلى بلاد الاسكندناف. # والجهة الثانية: هي جهة المواطن التي احتلها الصليبيون وعاشوا فيها زمنا طويلا بين ~~سورية ومصر وسائر الأقطار الإسلامية. # والجهة الثالثة: هي جهة الأندلس وصقلية وغيرهما من البلاد التي قامت فيها دول المسلمين، ~~وانتشر فيها المتكلمون باللغة العربية. # وقد اقترنت بموضوعات الأدب العربي أسماء طائفة من عباقرة الشعر في أوروبا بأسرها خلال ~~القرن الرابع عشر وما بعده، وثبتت الصلة بينهم وبين الثقافة العربية على وجه لا يقبل ~~التشكيك، أو لا يسمح بالإنكار. # ونخص منهم بالذكر بوكاشيو ودانتي وبترارك الإيطاليين، وشوسر الإنجليزي، وسوفانتيز ~~الإسباني، وإليهم يرجع الأثر البارز في تجديد الآداب القديمة بتلك البلاد. # ففي سنة 1349، كتب بوكاشيو # Boccaccio # حكاياته التي سماها ~~«الصباحات العشرة»، وحذا فيها حذو «الليالي العربية» أو ألف ليلة وليلة التي كانت يومئذ ms038 في ~~دور النشر والإضافة بين مصر والشام. وقد ضمنها مائة حكاية من طراز حكايات ألف ليلة وليلة، ~~وأسندها إلى سبع من السيدات، وثلاثة من الرجال اعتزلوا المدينة في بعض الضواحي فرارا من ~~الطاعون، وفرضوا على كل منهم حكاية يقصها على أصحابه في كل صباح تزجية للفراغ، وقد ملأت ~~هذه الحكايات أقطار أوروبا، واقتبس منها شكسبير موضوع مسرحيته «العبرة بالخواتيم» # All is Well That ends Well ~~، كما اقتبس منها لسنغ ~~الألماني مسرحيته «ناثان الحكيم». # وكان «شوسر»، إمام الشعر الحديث في اللغة الإنجليزية، أكبر المقتبسين منه في زمانه ؛ لأنه ~~لقيه حين زار إيطاليا، ونظم بعد ذلك قصصه المشهورة باسم «قصص كانتربري»، وأدارها على محور ~~يشبه المحور الذي اختاره بوكاشيو لقصص الديكاميرون، ومنها قصة «السيد» التي اقتبس فيها إحدى ~~قصص ألف ليلة وليلة، واستهلها بالكلام على بلاط خان من خانات التتر أو المغول. ولم يزل ~~الشعراء الغربيون ينسجون على هذا المنوال في نظم القصص إلى عهد لونجفلو # Longfellow ~~، صاحب الديوان الذي سماه «قصص خان بمنعطف ~~الطريق». # وربما كانت صلة «دانتي» بالثقافة العربية أوضح من صلة بوكاشيو وشوسر؛ لأنه أقام في صقلية ~~على عهد الملك فردريك الثاني الذي كان يدمن دراسة الثقافة الإسلامية في مصادرها العربية، ~~ودارت بينه وبين هذا الملك مساجلات في مذهب أرسطو كان بعضها مستمدا من الأصل العربي، ولا ~~تزال نسخته المخطوطة محفوظة في مكتبة السير توماس بودلي بأكسفورد. # وقد لاحظ غير واحد من المستشرقين أن الشبه قريب جدا بين أوصاف الجنة في كلام محيي الدين ~~بن عربي وأوصاف دانتي لها في القصة الإلهية. وقد كان دانتي يعرف شيئا غير قليل من سيرة ~~النبي - عليه السلام - فاطلع على الأرجح من هذا الباب على قصة المعراج، ووصف الإسراء، ~~ومراتب السماء، ولعله اطلع على رسالة الغفران لأبي العلاء، واقتبس من هذه المراجع كلها ~~رحلته إلى العالم الآخر كما وصفها في القصة الإلهية. وأكبر القائلين بالاقتباس على هذا ~~النحو هو عالم من أمة الإسبان انقطع للدراسات العربية، وهو الأستاذ آسين بالسيوس # Asin Palacios ~~. # وعاش ms039 بترارك في عصر الثقافة العربية بإيطاليا وفرنسا، وحضر العلم بجامعتي مونبليه وباريس، ~~وكلتاهما قامتا على تلاميذ العرب في الجامعات الأندلسية. أما «سرفانتس» فقد عاش في الجزائر ~~بضع سنوات، وألف كتابه «دون كيشوت» بأسلوب لا يشك من يقرؤه في اطلاع كاتبه على العبارات ~~العربية والأمثال التي لا تزال شائعة بين العرب حتى هذه الأيام. وقد جزم برسكوت Prescott ~~، صاحب الاطلاع الواسع على تاريخ الإسبان، بأن ~~فكاهة «دون كيشوت» كلها أندلسية في اللباب. ~~••• # إلا أن الأثر الذي يفوق هذه المقتبسات الفردية جميعا هو الأثر الشامل الذي يعزى إليه ~~أكبر الفضل في إحياء اللغات الأوروبية الحديثة، وترقيتها إلى مقام الأدب والعلم بعد أن كانت ~~مجفوة مزدراة في حساب العلماء والأدباء، وبعد أن كان كل أدب وكل علم لا يكتب بغير ~~اللاتينية أو الإغريقية، ولا يكاد يكتب فيها أحد غير رجال الدين ومن في حكم رجال الدين، وهم ~~يقصرون الفهم على أنفسهم، ولا يشركون فيه جمهرة، ولا سيما طبقة السواد. # فقد كان شيوع التعليم بالعربية سببا لإهمال اللاتينية والإغريقية، وخطوة لا بد منها ~~لإحياء اللغات الشعبية وتداول الشعر والبلاغة، والعلم من طريق غير طريق القسوس والرهبان ~~والمنقطعين للمباحث الدينية. ويروي لنا دوزي في كتابه عن «الإسلام الأندلسي» رسالة ذلك ~~الكاتب الإسباني، الفارو، الذي كان يأسى أشد الأسى لإهمال لغة اللاتين والإغريق، والإقبال ~~على لغة المسلمين، فيقول: «إن أرباب الفطنة والتذوق سحرهم رنين الأدب العربي؛ فاحتقروا ~~اللاتينية، وجعلوا يكتبون بلغة قاهريهم دون غيرها.» وساء ذلك معاصرا كان على نصيب من ~~النخوة الوطنية أوفى من نصيب معاصريه، فأسف لذلك مر الأسف وكتب يقول: «إن إخواني ~~المسيحيين يعجبون بشعر العرب وأقاصيصهم، ويدرسون التصانيف التي كتبها الفلاسفة والفقهاء ~~المسلمون، ولا يفعلون ذلك لإدحاضها والرد عليها، بل لاقتباس الأسلوب الفصيح. فأين اليوم من ~~غير رجال الدين من يقرأ التفاسير الدينية للتوراة والإنجيل؟ وأين اليوم من يقرأ الأناجيل ~~وصحف الرسل والأنبياء؟ وا آسفاه، إن الجيل الناشئ من المسيحيين الأذكياء لا يحسنون أدبا ~~غير الأدب العربي واللغة العربية، وإنهم ليلتهمون كتب ms040 العرب ويجمعون منها المكتبات الكثيرة ~~بأغلى الأثمان، ويترنمون في كل مكان بالثناء على الذخائر العربية، في حين يسمعون بالكتب ~~المسيحية فيأنفون من الإصغاء إليها؛ محتجين بأنها شيء لا يستحق منهم مؤنة الالتفاف. فيا ~~للأسى! إن المسيحيين قد نسوا لغتهم، فلن نجد فيهم اليوم واحدا في كل ألف يكتب بها خطابا ~~إلى صديق. أما لغة العرب فما أكثر الذين يحسنون التعبير بها على أحسن أسلوب! وقد ينظمون بها ~~شعرا يفوق العرب أنفسهم في الأناقة وصحة الأداء ...» # وقد قال دانتي: إن الشعر الإيطالي ولد في صقلية، وشاع نظم الشعر باللغة العامية في ~~إقليم بروفنس Provence ~~؛ حيث تلتقي الأمم اللاتينية في ~~الجنوب، فانتشر من ذلك الإقليم أولئك الشعراء الجوالون الذين عرفوا باسم التروبادور # Troubadour ~~، واشتق الأوروبيون اسمهم هذا من كلمة ~~تروبر # Trobar ~~، وقيل في رأي بعض المستشرقين: إنها ~~مأخوذة من كلمة «طرب» أو طروب، وإن اسم قصيدهم # Tenson ~~«تنزو» مأخوذ من كلمة «تنازع» العربية ... لأنهم كانوا يلقون الشعر سجالا يتنازعون فيه ~~المفاخر والدعاوى كما يفعل القوالون حتى اليوم بين أبناء البادية المحدثين، ولوحظ بين ~~أوزانهم وأوزان الزجل الأندلسي تشابه جد قريب. # وقد ظهر الزجل قبل ظهورهم، وتغنى به المطربون، وتداوله المنشدون في البيوت والأسواق، ~~ووجدت في أشعار الأوروبيين بشمال الأندلس كلمات عربية، وإشارات إلى عادات لم توجد بين قوم ~~غير المسلمين، وهي: تخميس الغنائم، واختصاص الأمير بالخمس منها. ~~••• # ولم تنقطع الصلة بين الأدب العربي - أو الأدب الإسلامي على الجملة - وبين الآداب ~~الأوروبية الحديثة من القرن السابع عشر إلى اليوم. ويكفي لإجمال الأثر الذي أبقاه الأدب ~~الإسلامي في آداب الأوروبيين أننا لا نجد أديبا واحدا من نوابغ الأدباء عندهم خلا شعره أو ~~نثره من بطل إسلامي أو نادرة إسلامية، ومنهم شكسبير وأديسون وبيرون وسوذي وكولردج وشلي بين ~~أدباء الإنجليز، ومنهم جيتي وهردر ولسنغ وهيني بين أدباء الألمان، ومنهم فلوتير ومنتسكيو ~~وهيجو بين أدباء الفرنسيين، ومنهم لافونتين الفرنسي. وقد صرح باقتدائه في أساطير بكتاب ~~كليلة ودمنة الذي عرفه الأوروبيون من طريق المسلمين. # ولقد تأثرت القصة ms041 الأوروبية في نشأتها بما كان عند العرب من فنون القصص في القرون الوسطى، ~~وهي المقامات وأخبار الفروسية ومغامرات الفرسان في سبيل المجد والغرام، وترى طائفة من ~~النقاد الأوروبيين أنفسهم أن رحلات جليفر التي ألفها سويفت، ورحلة روبنسون كروزو التي ألفها ~~ديفوي مدينة لألف ليلة وليلة، ورسالة حي بن يقظان التي ألفها الفيلسوف ابن طفيل. وقد كان ~~لألف ليلة وليلة بعد ترجمتها إلى اللغات الأوروبية أول القرن الثاني عشر أثر يربى على كل ~~آثارها السماعية قبل الترجمة المطبوعة، واقترن ذلك بنقل التصانيف الأخرى التي من قبيلها، ~~فأصبح الاتجاه إلى الشرق حركة مألوفة في عالم الأدب كما كانت مألوفة في عالم السياسة ~~والاستعمار. # على أن المدرسة المجازية الحماسية في أوروبا في القرون الوسطى إنما هي وليدة الحياة ~~الحماسية المجازية التي سرت إلى الغرب كله من فاتحي العرب والمسلمين بالقدوة العملية التي ~~لا فكاك منها، ويعتقد «أبانيز» الكاتب الإسباني المشهور - كما يرى القارئ في موضع آخر من ~~هذا الكتاب - أن أوروبا لم تكن تعرف الفروسية، ولا تدين بآدابها المرعية ولا نخوتها ~~الحماسية قبل وفود العرب إلى الأندلس وانتشار فرسانهم وأبطالهم في أقطار الجنوب، وهو اعتقاد ~~يعززه كثير من الأسانيد. # ولعل أقوى الأسانيد التي تعززه ذلك النموذج العسكري الجديد الذي لم يكن معهودا في أبطال ~~الوقائع الرومانية أو الإغريقية، وذلك الغرام الملتهب الذي لم يسبق له نظير في غزل الغربيين ~~من أهل الجنوب أو الشمال، وذلك التقديس للمعشوقة على نمط العذريين، أو على النمط الذي أجاز ~~لمتصوفة المسلمين أن يمزجوا بين نغمة العبادة ونغمة التشبيب، ولم يكن تشبيب العاشق بالحبيب ~~في آداب الغرب إلى هذا المقام. # وقد بلغت المفردات العربية التي أضافها الإسبان وأهل البرتغال إلى لغتهم ما يملأ معجما ~~غير صغير، ولكن العبرة مع ذلك بدخول تلك المفردات في الحياة الاجتماعية والمقاصد النفسية، ~~لا بمجرد دخولها في صفحات المعاجم، فإنها لم تتمثل على الألسنة إلا بعد أن تمثلت في أحوال ~~المعيشة ونوازع الإحساس والتفكير، ومن هنا يعزى إليها من فعل الإيحاء والتوجيه أضعاف ms042 ما ~~يعزى إليها من فعل النقل والتلقين. # | الفنون الجميلة # فنان جميلان لم يكن لهما نصيب كبير في الحضارة العربية؛ وهما: التمثيل والتصوير بنوعيه، ~~ونوعاه هما: الرسم والنحت؛ أي صنع التماثيل. # وشأن العرب في ذلك كشأن كثير من الأمم الشرقية أو الغربية، فإن التمثيل والتصوير لم يكونا ~~في التاريخ القديم من الفنون الشائعة بين شعوب الحضارة، ولا بين البداوة من باب ~~أولى. # وقد نشأ التمثيل حيث نشأ في بلاد الإغريق من بعض الشعائر الدينية التي كانت في موسم إله ~~الخمر والصبوة ديونيسس # Dionysus ~~. # وكان في أول عهده مقصورا على الرقص والغناء، ثم أضيف إليه ممثل واحد يشغل الوقت بين ~~الرقصات والأغاني ببعض الألاعيب والتراتيل، ثم أضيف إلى الممثل الواحد زميل فزميلان، ~~وتعددت الأدوار في العرض الواحد تبعا لهذه الزيادة وهذا التنويع، حتى نشأت الرواية ~~المسرحية على وضعها المعروف عند قدماء الإغريق. # فالشعوب التي دخلت عباداتها الدينية الأولى من أمثال هذه الشعائر لم تخلق فيها فرصة ~~لتطوير فن التمثيل على هذا المنوال، وربما كان في المجتمع العربي سبب آخر من الأسباب التي ~~حالت دون تطور التمثيل من أصل اجتماعي غير أصول العبادات؛ فإن التمثيل بعض الفنون التي ~~ترتبط بالحياة الاجتماعية أوثق ارتباط، ولا يعقل التمثيل في بيئة لم تتعدد فيها أدوار ~~الحياة الاجتماعية على حسب اختلاف الأعمال والصناعات والمشارب والطبقات، فإنما يقوم التمثيل ~~من الناحية الاجتماعية على التجاوب بين الأفراد والأسر كلما تعددت العلاقات، وتنوعت المطامع ~~والنزعات، ولم يكن في مجتمع البداوة مجال كبير لهذا التجاوب الكثير بين أسرة وأسرة، وبين ~~إنسان وإنسان، وما كان من ذاك قائما في حياتهم البدوية أو حياتهم الحضرية، فقد وجد الكفاية ~~للتعبير عنه في القصائد والأغاني، وألعاب الفروسية، وضروب المساجلات والمفاخرات التي تتفق ~~لهم من حين إلى حين. # أما التصوير فقد قيلت في تعليل نقصه عند العرب أقوال شتى لا تستند إلى رأي جدير بالإقناع، ~~ومنها أن قلة التصوير من قلة الإحساس، أو قلة انطباع المحسوسات في النفس بتلك القوة التي ~~تفيض عنها، فتلتمس لها مخرجا ms043 بالتمثيل والتجسيم. # ولما قيل: إن التصوير لم يبلغ مداه من التوسع والارتقاء في الحضارة العربية لأسباب دينية، ~~قال المتهمون للقريحة السامية: إن تحريم الصور والأنصاب إنما هو نتيجة لضيق الحظيرة، ونضوب ~~الحس، وليس هو بالسبب الأصيل لإعراض العرب عن رسم الصور ونحت التماثيل. # قالوا: ولولا انقطاع التعاطف الحي بين العربي وبين الحيوان لما صدف عن تشبيه الأحياء ~~وتصويرها في الأبنية والأوراق كما صنع أبناء الأمم الأخرى في الشرق القديم. # ولكن الصحيح الذي ينساه أصحاب هذه الأقاويل، أن الشعوب الأخرى لا تعرف تعاطفا حيا بين ~~الإنسان والخلائق الحية التي تلازمه أوثق ولا أكرم من التعاطف الذي كان بين العربي والجواد ~~أو الناقة، أو كلب الصيد، أو ظباء الفلاة ومهاها وطيورها وسائر حيواناتها. وقلما نظم شاعر ~~عربي في عهد البداوة قصيدة من الشعر إلا استهلها بوصف محبوب، أو وصف جمل أو ناقة وصف جواد ~~كريم. # ولم يشبه الشعراء في أمة من الأمم القديمة جمال الأحباب والحسان بجمال المها والظباء ~~كما فعل شعراء العرب الأسبقون ومن اقتدى بهم من الشعراء اللاحقين، وهذا ولا شك إحساس نافذ ~~قد وجد سبيله إلى التعبير بفن من الفنون الميسورة لأبناء الصحراء؛ إذ ليس التصوير وحده ~~وسيلة للتعبير عن الإحساس، ولا سيما التعبير في بيئة بدوية تمتنع فيها أدوات ~~التصوير. # وجدير بالذكر في معرض الكلام على تحريم الصور، أن هذا التحريم قد دان به أناس كثيرون في ~~آسيا الصغرى، واشتهرت به طائفة كبيرة من طوائف الكنيسة الرومانية الشرقية عرفت باسم محطمي ~~الأصنام أو الأيقونات # Iconoclast ~~، وكانت دعوتها في القرن ~~السابع مقدمة لانفصال الكنيسة الشرقية عن الكنيسة الغربية. ولم تخل الكنيسة الغربية بعد ~~هذا الانفصال من أتباع أشداء يدينون بمذهب أولئك المحرمين. ولولا احتضان المعابد لفن النحت ~~والتصوير لكان من المشكوك فيه أن تفي المطالب الاجتماعية وحدها في أقطار أوروبا بحاجة هذين ~~الفنين، وحاجة المشتغلين بهما من نوابغ المصورين والمثالين. # ويجوز أن يقال في هذا الصدد: إن الفرق بين العرب والأوروبيين في تطور النحت والتصوير ~~إنما هو فرق بين ms044 تخطيط المسجد وتخطيط الكنيسة كما توحيه العقيدتان. # فلم يكن في هذا الإسلام محل للوسطاء بين الله والإنسان، وليس فيه من ثم محل لأسرار ~~الكهانة ومحاريبها، ولا لتجسيم الإله والقديسين، وليس بالمنظور من العبادة الإسلامية - مع ~~هذا الاعتقاد - أن تحتضن الفنون التي تزخرف المعابد بالصور والتماثيل، وليس أفعل في تشجيع ~~الفنون من رعاية المعبد وغيرة العقيدة، وهما قد فعلا في ترقية فن البناء بين المسلمين ما ~~فعلته الرغبة في تمجيد القديسين من ترقية النحت والتصوير بين الأوروبيين. # فالمسجد لا يحتضن الصور والتماثيل، فلم يتسع لها المجال في الحضارة الإسلامية كما اتسع ~~لها في الأقطار الأوروبية. # ولكنه لا يمنع البناء الجميل والقباب الفاخرة، فكان هو أساسا لفن العمارة العربية الذي ~~ضارع أجمل فنون البناء في القديم والحديث. # وقد كانت للسليقة العربية - أو الشرقية - سمة خاصة فيه تدل على طابع مستقل عن الأساليب ~~التي اقتبس منها العرب فنون البناء؛ فمن الخطأ أن يقال: إن الأسلوب البيزنطي هو أساس ~~المدرسة التي اتخذت البناء في الشرق على هذا الطراز؛ لأن الطراز البيزنطي نفسه نفحة من ~~نفحات الشرق التي خالفت بينه وبين أساليب القارة الأوروبية من قوطية أو رومانية، ولولا هذه ~~النفحة من روح الشرق لما حدث هذا الاختلاف بين بناء بيزنطة وبناء الجرمان أو ~~الطليان. # ومما لا شك فيه أن العرب قد اعتمدوا على فنون البناء في الأمم التي سبقتهم إلى هذه ~~الفنون، ومنهم الفرس والروم والمصريون، وأنهم قد استعانوا بالبنائين من القبط والأرمن في ~~كثير من العمارات، ولكن الذي لا شك فيه كذلك أن اليد الصانعة لم تكن في الحقيقة إلا الأداة ~~المعبرة عن الروح العربية التي لا تلتبس بغيرها. # فمن ذا الذي يتملى منظرا من مناظر القصور العربية ويعزل بينه وبين رشاقة النخلة الهيفاء، ~~وخفة الفرس الضامر، وهودج الحرم المكنون، وتناوب الحياة بين الفضاء والظلال؟ ومن ذا الذي ~~ينظر إلى تلك الأقواس والنوافذ ولا يعقد الصلة بينها وبين الحافر تارة، والخف تارة أخرى؟ بل ~~من ذا الذي يسمع المقابلة بين المصاريع والقوافي في ms045 الشعر العربي ولا يلمح المصدر الذهني ~~الذي أوحى به ماثلا في الأنساق والمقابلات، أو في المربعات المتقابلة كما ظهرت في أول بناء ~~مقدس حج إليه العرب، وهو البيت الحرام؟ # فالروح العربي قد أضفى مثاله على طراز البناء المنسوب إليه بغير مراء، فلا يرى الناظر ~~عربية ثم يخطر له أنها من وحي أوروبا، أو وحي الصين، أو وحي فارس على تشابه الطرز في بعض ~~الصفات. # ونحسب أن هذا الطابع الصراح هو الذي منع اقتباس الطراز العربي بتفصيلاته في الأقطار ~~الأوروبية التي اتصلت بالحضارة الإسلامية؛ لأنه إما أن يكون طراز إقليم أو طراز مسجد، ~~وكلاهما لا يقتبس بتفصيلاته لاختلاف المناخ والعقيدة والمراسم الدينية. # ومن هذا اقتبس الأوروبيون ما وسعهم اقتباسه من طراز البناء العربي متفرقا في القصور ~~والقلاع والأماكن التي لا شأن لها بالعقائد والمراسم الدينية. # فشاع في إنجلترا على عهد الملكة اليصابات وما بعده بعض النقوش البارزة التي أطلقوا عليها ~~اسم النقوش العربية # Arabesque ~~، وبنوا قلاعهم بعد الحروب ~~الصليبية على طراز العربي في مضاعفة الجدران وإقامة البروج ما بينها، وتخطيط الحصون ~~المركزة، وإقامة الأبواب المنحرفة ذات الزوايا القائمة التي تحول دون استخدام الباب عند ~~الوصول إليه لتصويب القذائف إلى الأفنية الداخلية. وقد أخذوا من الكنائس الشرقية التي تأثرت ~~بالطراز العربي أنماطا من الزوايا والبروج المستديرة لم يكن لبناة الكنائس عهد بها في ~~المغرب قبل الحروب الصليبية. # ولا أدل على مدى السلطان الفني الذي كان لمصنوعات العرب بين الأوروبيين من محاكاتهم لها ~~بغير تصرف فيها دون أن يفهموا معناها، ومنها ما كان حروفا مكتوبة ينقلها الصياغ وهم لا ~~يحسنون قراءتها؛ لأنهم حرصوا على محاكاة الزخارف والمزركشات العربية كما رأوها على الأقمشة ~~والمعادن والأخشاب المرصعة أو المنقوشة. # وقد ذكر الأستاذ توماس أرنولد في كتاب «تراث الإسلام» أنهم عثروا في أرلندة على صليب من ~~مصنوعات القرن التاسع - على الأرجح - نقشت البسملة على زجاجة في وسطه بالحروف الكوفية، ~~واشتملت كنيسة بمدينة فلورنسة في منظر تتويج السيدة العذراء على أنسجة بين أيدي الملائكة ~~منقوشة بالحروف العربية، ms046 ودخلت الأشكال الشرقية على هذا النحو في ظهارات الصور وبين المناظر ~~المرسومة على الجدران، فكان لها نصيب من توجيه فن الرسم عند نهضته في القرون الوسطى. # على أن العرب لم يتجافوا الصور بتة في عصور الجاهلية أو عصور الدولة الإسلامية؛ لأن ~~أشعارهم حافلة بأوصاف الدمى والعرائس والتصاوير في الملابس والمباني والآنية، وحلى ~~الزينة، وقصور الملوك والأمراء. وقد أشار النابغة إلى دمى الرخام حين قال: # أو دمية مرمر مرفوعة # بنيت بآجر تشاد وقرمد # وأحصى البحاثة المرحوم أحمد تيمور باشا في كتابه القيم عن التصوير عند العرب مئات ~~الأبيات التي تدل على انتشار الرسم والنحت، ومصنوعات هذين الفنين في المباني والمصوغات ~~والمنسوجات التي يصنعها المسلمون، وأتى على أسماء كثير من مصوري العرب الذين فرغوا لنقش ~~الرسوم أو نحت التماثيل من المعادن والأحجار. # وليس بنا في هذا الفصل أن نتوسع في الشواهد والأمثلة التي تدل على وجود الصور والمصورين ~~في الحضارة العربية، فإنما يعنينا هنا أن العرب لم ينفردوا بالتخلف في فني التصوير والنحت ~~بين أمم العصور القديمة، وأنهم لم يقصروا فيهما لنقص في الحاسة الفنية أو العواطف الحيوية، ~~وقد كان ذوقهم الفني زمنا من الأزمان قدوة للأوروبيين في مجال الفن الذي يعم القصور ~~والبيوت والمصانع والأسواق، ولا ينحصر في دوائر الفن ومراسم ذويه. # | الموسيقى # أما في الموسيقى فالاختلاف ظاهر بين الموسيقى العربية وموسيقى العصر الحديث في أوروبا، من ~~القرن الثامن عشر إلى الآن. # ولكن هذا الاختلاف لا يرجع إلى فارق أصيل بين الفطرة العربية والفطرة الأوروبية، كما خطر ~~لبعض المحدثين الغربيين في معرض المفاضلة بين العناصر والأجناس؛ لأن الموسيقى الأوروبية ~~القديمة كانت على مثل هذا الفارق بينها وبين الموسيقى الأوروبية في أطوارها الأخيرة، فكانت ~~موسيقى اليونان والرومان قائمة على الأغاني الحسية، أو على الأنغام التي تصاحب الرقص ~~والغناء، ويتغلب فيها قصد الطرب على قصد التعبير، وكانت الألحان الأوروبية إلى ما قبل القرن ~~الثامن عشر ألحان ترنيم وتنغيم، ولم تكن ألحان تنسيق وتنويع على الأسلوب الذي سماه المحدثون ~~«بالهرمونية»، أو فن تناسق الألحان ms047 المختلفة. # والأوروبي الحديث مع هذا لا يطرب لموسيقى «الهرمونية» فطرة وارتجالا بغير تعليم أو ~~تدريب، فإذا تعددت الأنغام، وتفاوتت الطبقات، واتسع نطاق التباعد بين القوافي المرددة؛ ~~فالسامع الأوروبي يضل طريقه إليها، ويشعر بالجهد والإعياء في محاولة التوفيق بينها، وربط ~~فواصلها، وانتظار اللازمة التي تسري بين فصولها، ولا بد له من إحاطة واسعة بمواضع الإيقاع ~~وطبقات الأنغام حتى يسيغ تلك الموسيقى المركبة، ويغتبط بسماعها اغتباط المرء بفنون الذوق ~~والجمال، وقد يكون على أرقى نصيب من الفن الموسيقي الرفيع، ثم يستمع إلى توقيع جديد فينفر ~~منه حتى يسيغه ويستعذبه بعد التأمل والأناة، وفي ذلك يقول الأستاذ دوجلاس مور # Douglas Moore ~~، أستاذ الموسيقى بجامعة كولومبيا، في ~~كتابه «من الأنشودة إلى الموسيقى العصرية»: # إن السامع الذي تدرب على سماع النماذج السهلة خليق أن يشعر بالانقباض إذا أحس أنه ~~يضل طريقه عاجلا وهو يصغي إلى السيمفونية. فليطمئن إذن، ولا بأس على ذلك؛ لأن ما ~~يتفق له من هذا القبيل يتفق لغيره على نحو من الأنحاء بالغا ما بلغ نصيبه من ~~التدريب والاختبار؛ إذ إن قدرتنا على الانتباه المركز أضيق من أن تتسع كثيرا ~~لتعليق الإصغاء مع صحة السماع، وأهل الصناعة أنفسهم يرتاحون للمألوف من الموسيقى ~~فوق ارتياحهم إلى الجديد منها؛ لأن مجهودهم في الإصغاء إلى المألوف قليل بالقياس ~~إلى الجديد، ولكن المرانة والدأب على الانتباه مع الصبر والتفهم يمهدان الطريق إلى ~~الألفة، ويعجلان بتمهيده، فتزداد القدرة على استيعاب معاني الموسيقى الجليلة ~~وآياتها الرفيعة أوفر مزيد ... # فالذي طرأ على الموسيقى الأوروبية الحديثة من التنويع والتركيب قد باعد بينها وبين موسيقى ~~اليونان والرومان، كما باعد بينها وبين موسيقى العرب والشعوب الشرقية على التعميم، ولم يكن ~~طارئا على الفطرة الأوروبية أو الفطرة الإنسانية، وإنما كان طارئا من طوارئ المعارف ~~والمخترعات بعد التوسع في علم الصوت، وتركيب الآلات، وتلقيح الموسيقى الحسية بموسيقى ~~العبادات، ثم بموسيقى السبحات الروحية والتأملات الفلسفية. # فقد تباعد الاختلاف بين الموسيقى القديمة والموسيقى الحديثة في اليوم الذي اتسعت فيه؛ ~~للاشتمال على العواطف الدينية والصلوات الإلهية، وأصبح ms048 السامع يصغي إليها في محاريب ~~العبادة وهو متهيئ للخشوع والإنابة إلى عظمة الله، والغوص في سرائر الأكوان، فلما اتسعت ~~الموسيقى لهذه التعبيرات العليا لم يكن لها أن تضيق بتعبيرات الحكمة العميقة، والبداهة ~~الصوفية، والنفحات العبقرية التي شاع سلطانها في أوروبا بعد وهن السلطان الديني فيها من ~~جراء ثورات التمرد والتجديد. # وليس بعجيب من أجل هذا أن تكون بلاد الموسيقى الكنسية هي بلاد الموسيقى الهرمونية، أو ~~بلاد الموسيقيين الذين أبدعوا في الأوبرا والسيمفوني وسائر فنون التركيب، وهي - على الأغلب ~~- بلاد إسبانيا وإيطاليا والنمسا وألمانيا، ثم روسيا التي شاعت في كنائسها فرق الترتيل ~~والتقسيم. وقد يلفت النظر في هذا الصدد أن الأقاليم التي انقض فيها سلطان الموسيقى الكنسية ~~مرة واحدة - وهي أقاليم ألمانيا اللوثرية - كان نصيبها من كبار الموسيقيين دون نصيب ~~الأقاليم التي اتصل فيها القديم بالحديث. ~~••• # إلا أن الصلة لم تنقطع بين العرب وتطور الموسيقى الأوروبية في هذا الطريق؛ لأن الأندلس هي ~~البلاد التي تلقت فن الأنغام على العرب، وامتزجت فيها الموسيقى الحسية بموسيقى العبادة عدة ~~أجيال بعد زوال الدولة العربية، فكان للإنسان رقص ديني ترعاه الكنيسة، وتنعقد فيه الصلة بين ~~موسيقى الأقدمين وموسيقى المحدثين. # ومن الحقائق المقررة أن أبناء أوروبا الغربية كانوا يتعلمون أفانين الأنغام على أساتذة من ~~العرب الأندلسيين، وأنهم نقلوا أسماء بعض الآلات بألفاظها العربية، فبقيت في اللغات ~~الأوروبية حتى اليوم بعد تصحيف يسير؛ فكلمة لوت # Lute # من ~~العود، وكلمة نكر # Naker # من النقارة، وكلمة # Clef # أو المفتاح الموسيقي من أقليد، وكلمة # Rebec # من الرباب، وأزياء الفنانين التي توارثتها أوروبا ~~بعد تبدل أسبابها قد بقيت مشابهة لأزياء المغنين حين كانوا في المغرب يتجملون كما يتجمل ~~القيان، فيرسلون الشعر، ويطلون الخدود، ويكحلون الجفون. # على أن بعض الأوروبيين الخبراء بتاريخ الموسيقى العربية - كالأستاذ فارمر # Farmer ~~- يرون أن العرب قد سبقوا الأوروبيين إلى نوع من ~~الهرمونية يسمونه «التركيب»، ويعنون به توقيع النغمة الواحدة من عدة طبقات في وقت واحد، وهو ~~غير الهرمونية كما تفهم اليوم، ولكنه خطوة إليها من طريق الترنيم ms049 المعهود. # ولا خلاف بين المؤرخين في تداول العلماء الأوروبيين لبحوث العرب في الموسيقى النظرية، ~~فإنهم على قلة ما ترجموه من تلك البحوث قد كان منهم مئات يطلبون العلوم بمدارس قرطبة ~~وغيرها، ومنها الموسيقى النظرية، وقد كانت الخبرة باللغة العربية شرطا من شروط الرجل ~~المثقف بين الإسبان المسيحيين؛ فكان طلابهم في جامعة أكسفورد الإنجليزية يسخرون من العالم ~~المشهور «روجر باكون» كلما أخطأ في الترجمة اللاتينية العربية؛ لأنهم كانوا يطلعون فيها على ~~النص الصحيح. # وقد خيل إلى بعض النقاد الأوروبيين في الزمن الحديث أن أصوات العرب لم تكن تحتمل ~~التفخيم والارتفاع قياسا على ما يسمعونه في الأسواق من الصيحات البدوية التي تغلب عليها ~~الحدة و«النحافة » ... وهو تخيل كان خليقا بهم أن يعلموا مكانه من الخطأ إذا أحضروا في ~~أذهانهم «الحداء» في الصحراء، وهو غناء العرب القديم، وفيه ما فيه من مجال للأصوات التي ~~تملأ الفضاء، وترتفع إلى جميع الطبقات. ~~••• # وليس بين الموسيقى العربية والموسيقى الأوروبية فرق أصيل في السلم المعتمد عند العرب ~~والأوروبيين، إلا أن الموسيقي العربي المتشبث بالمألوفات يعتز بما يسميه ربع المقام، ويحسبه ~~فرقا جوهريا بين أنغام الشرقيين وأنغام الأوروبيين، ولكن ملاحظة هذا «الربع» ليست شرطا ~~للسمع في الآذان العربية، وإنكاره ليس شرطا للسمع في الآذان الأوروبية. # وقد صنع الموسيقي الحديث هانس بارت # Hans Barth # بيانا ~~لوحظ فيه ربع المقام، وألف إيفان ~~وشنجرادسكي # Ivan Wischnegradsky # كتابا في الربع والموسيقى الهرمونية، ووضع ألواز هابا # Alois Haba # أوبرا وتوقيعات أخرى على قاعدة الربع ~~الملحوظ في الأغاني العربية، وصنع جوليان ~~كاريلو # Julian Carello # قيثارا على هذه القاعدة، ولحن بها جون أبليبي # Appleby # موضوعا يدور على حديث لسقراط، وأنشأ نيقولا رمسكي كورساكوف # Korsakof # جماعة لدراسة ربع المقام منذ نيف وعشرين سنة في ~~لننجراد. «راجع موسوعة مكملان للموسيقى والموسيقيين». # وهؤلاء عدا الموسيقيين الذين أدخلوا الأنغام العربية في تقسيماتهم المسرحية وغير ~~المسرحية، أمثال: روبنشتين، وفليكان دافيد، وسان ~~سنس # Saint Seans ~~، وقربوا بين الترنيم والهرمونية بعض التقريب. # فإذا شاعت هذه القاعدة في أوروبا ودخلت في تركيبات الآلات ms050 وتوزيع الأدوار؛ فهي أثر جديد ~~للفن العربي يضاف إلى الأثر القديم. # | الفلسفة والدين # من الآراء التي شاعت بين الأوروبيين في القرن التاسع عشر أن الأمم الشرقية تطلب العلم ~~للمنفعة، ولا تطلبه للمعرفة والمتعة العقلية، كما كان يطلبه الإغريق في الزمن ~~القديم. # وآية ذلك عند أصحاب هذا الرأي أن المصريين والبابليين والفرس والهنود كانت لهم علوم ~~يتدارسونها، ولكنها كانت كلها من قبيل الصناعات التي تنفعهم في البناء والزراعة، وعلاج ~~الإنسان والحيوان، وأن الإغريق وحدهم الذين عرفوا العلم والفلسفة كلفا بالبحث والنظر ~~المجرد لغير منفعة مقصودة من منافع المعاش. # وهذا الرأي يروج بين الأوروبيين بغير تمحيص ولا مناقشة؛ لأنه يعجبهم ويرضي غرورهم ~~ومصلحتهم في وقت واحد: يرضي غرورهم؛ لأنه يميزهم على الأمم الشرقية بأشرف المزايا ~~الإنسانية، ويرضي مصلحتهم؛ لأنه يسوغ لهم استعمار الشرق واستغلاله في عصر الاستعمار ~~والاستغلال. # ولكن الطريف في الفكرة أنها هي نفسها ليست من الأفكار الفلسفية أو العلمية التي تخلو من ~~المنفعة والتسليم بغير سبب معقول؛ فإن العقل المطبوع على الفلسفية والبحث المجرد لا يقبل أن ~~يتركب العقل الإغريقي طبعا وأصلا على غير التركيب الذي استقر في السلالات البشرية الأخرى، ~~ولا يستريح إلى هذا الحكم المعتسف بغير علة يرد إليها هذا الاختلاف العجيب في أصل ~~التركيب. # والواقع أنه لا اختلاف هناك في أصل الطبيعة بين العقل البشري في الإغريق والعقل البشري في ~~السلالات الشرقية التي ذكروها، وإنما يقع الاختلاف لأسباب موضوعية تجوز على الإغريق كما ~~تجوز على المصريين والبابليين والعرب والفرس والهنود. # وإنما امتاز الإغريق بالبحوث الفلسفية في زمن من الأزمان لسبب واضح: هو أن هذه البحوث ~~كانت مباحة عندهم؛ حيث كانت تمتنع على غيرهم من أبناء الدول الشرقية العريقة، وهي لم تكن ~~مباحة لهم لمزية أصلية في طبيعة التركيب كما وهم القائلون بذلك الرأي المتعجل العسوف، ~~ولكنها أبيحت لهم لأن بلادهم نشأت وتطورت دون أن ينشأ فيها ملك قوي وكهانة قوية، ولو قامت ~~عندهم الدولة القوية والكهانة القوية كما قامت في مصر وبابل لكان شأنهم في أسرار الدين ms051 ~~والمسائل الإلهية كشأن البابليين والمصريين. # فالبلاد التي تجري فيها الأنهار الكبيرة تنشأ فيها الممالك الراسخة، وتنشأ مع الممالك ~~كهانات قوية السلطان تستأثر بالبحث في أصول الأشياء، وحقائق التكوين، وتتولى شئون العلم ~~والتعليم كأنها حق لها مقصور عليها لا يجوز الافتيات عليه، وإلا كان المفتئت كالمعتدي على ~~نظام الدولة ومحراب العبادة، ومتى طال الأمد بهذه الكهانات جيلا بعد جيل، وعصرا بعد عصر ~~تمكن سلطانها، وتشعبت دعاواها، وتلبست معلوماتها بلباس الأسرار والطلاسم، وابتعدت شيئا ~~فشيئا من نطاق البحث الحر إلى نطاق المحفوظات والمأثورات. # ولو نشأ لليونان دولة كهذه الدولة، وكهانات كهذه الكهانات؛ لما اجترءوا على التعرض لمسائل ~~الخلق والخالق وطبائع الكون ومكونه بين سواد الناس وجمهرة النظارة، ويسمعهم من شاء منهم ~~بلا رقيب ولا حسيب. # إذا حدث للأوروبيين ما حدث في الشرق حين قامت في بلادهم الكهانات القوية، وبسطت سلطانها ~~على التعليم ومعارض البحث في حقائق الدين، وأسرار الطبيعة، وقوانين الوجود، فبطلت الفلسفة ~~والدراسات العلمية في القرون الوسطى، وحيل بين الناس وبينها إلا بإذن من رجال الدين في حدود ~~النص المقررة كما كانوا يفهمونها، ويبيحون فهمها، واستطاعت الكهانة الأوروبية أن تفعل ذلك ~~وهي حديثة العهد لم تبلغ من العراقة مبلغ الكهانة المصرية أو البابلية؛ إذ كانت تعد أعوامها ~~بالعشرات أو المئات القليلة، وقد غبرت على الكهانات القديمة ألوف من الأعوام بعد ~~ألوف. # على أن الإغريق لم يتحركوا للبحث في الأسرار الإلهية والعلوم الطبيعية إلا بهداية من أمم ~~الكهانات التي سبقتهم إلى التدين وعبادة الخالق العظيم، يوم كانوا يجهلون قدرة الخالق، ولا ~~يعرفون أنها صفة لإله العالم بأسره، كما عرفها الموحدون في ظل الإله الواحد العظيم. # كان في أرض الإغريق وفي جزيرة كريت أناس من السلالة الإغريقية التي تشملهم على اختلاف ~~القبائل واللهجات، وكانت لهم حضارة يظهر من بقايا الحفر في مواضعها أنها ازدهرت قبل ميلاد ~~المسيح بسبعة عشر قرنا على أقل تقدير، فلم تكن لهم فلسفة، ولا نبغ بينهم حكماء متفلسفون في ~~طوال تلك القرون، وإنما نبغ فلاسفتهم على الشواطئ الآسيوية أو ms052 الجزر القريبة منها بعد ~~احتكاكهم بالأمم الشرقية ذوات الحضارة العريقة. # ولو لم يكن لعقائد الشرقيين وعلومهم فضل في تنبيه أذهان الإغريق إلى أصل الوجود وتقديرات ~~الفكر الإنساني الأول لعلل الأشياء، لما كان هناك معنى لظهور الفلاسفة الأولين على مقربة ~~من تلك الحضارات، وليس بصحيح أن الإغريق قصدوا الفلسفة النظرية ابتداء منذ أخذوا في البحث ~~عن حقائق الأشياء؛ فإن فيثاغوراس كان يمزج الدين بالحكمة، ويشرف على تنظيم الجماعات السرية ~~التي تطمح إلى ولاية الحكومة. # وكان أكسينوفان # Xenphanes # يبشر بدين التوحيد، وينحى على ~~تعديد الأرباب، وقد كان فيثاغوراس يؤمن كما يؤمن الهنود بتقمص الأرواح، وثنائية الخير ~~والشر، والنور والظلام، ودورات الحياة والأزمان، ويرى أنه لا نجاة للمرء من دولاب الطبيعة ~~الذي تقيده به تلك الدورات إلا بالرياضة والتقشف ، وخلوص النفس للمعرفة والحكمة، وكان ~~نباتيا يحرم أكل اللحوم على طريقة البراهمة. وقد حذا حذوه في معظم آرائه إمبيدوقليس، ودخل ~~من فلسفته الروحية في مذهب أفلاطون. # وليس أدل على الصبغة الشرقية في الفلسفة الإغريقية الأولى من غلبة علم الفلك والرياضيات ~~على رواد هذه الفلسفة الآسيويين، ومن غلبة الصبغة الدينية على فيثاغوراس وأكسينوفان ~~والمريدين لهذين الحكيمين، ومن عدد السبعة الذي أطلق على الحكماء السبعة السابقين، ومنهم ~~تاليس وصولون؛ فإن المعارف الفلكية تقدمت في بابل ومصر قبل أن يتناولها الإغريق بألوف ~~السنين، والجماعات الدينية السرية انتقلت من بلاد الكهانات القديمة إلى آسيا الصغرى وما ~~يليها. وليس هذا كله مما يفهم منه أن السليقة الإغريقية هي التي ابتكرت البحوث الفلسفية، أو ~~كانت هذه الفلسفة ملازمة لها في جميع العصور. # على أن المصادر الشرقية - ومنها التوراة وأقوال المصريين والبابليين - ظاهرة في أقدم ~~المذاهب الإغريقية، وهو مذهب طاليس الذي لا يخلو مذهب فلسفي بعده من بعض آرائه؛ فهو - كما ~~قال الشهرستاني - يرى «أن للعالم مبدعا لا تدرك صفته العقول من جهة جوهريته، وإنما يدرك ~~من جهة آثاره، وهو الذي لا يعرف اسمه فضلا عن هويته إلا من نحو أفاعيله وإبداعه وتكوينه ~~الأشياء؛ فلسنا ندرك له اسما من نحو ذاته، ms053 بل من نحو ذاتنا» ... إلى أن يقول: «ونقل عنه أن ~~المبتدع الأول هو الماء ... والماء قابل لكل صورة، ومنه أبدع الجواهر كلها من السماء والأرض ~~وما بينهما، وهو علة كل مبدع وكل مركب في العنصر الجسمان، فذكر أن من جمود الماء تكونت ~~الأرض، ومن انحلاله تكون الهواء، ومن صفوة الماء تكونت النار، ومن الدخان تكونت ~~السماء، ومن الاشتعال الحاصل من الأثير تكونت الكواكب ...» # قال الشهرستاني: «وفي التوراة في السفر الأول مبدأ الخلق هو جوهر خلقه الله تعالى، ثم نظر ~~إليه نظر الهيبة فذابت أجزاؤه فصارت ماء، ثم ثار من الماء بخار مثل الدخان، فخلق منه ~~السموات، وظهر على وجه الماء زبد مثل زبد البحر فخلق منه الأرض، ثم أرساها بالجبال. وكان ~~ثاليس الملطي إنما تلقى مذهبه من هذه المشكاة النبوية ...» ~~••• # أما حب العلم للعلم فشأن الإغريق فيه كشأن جميع الأمم والسلالات، وحسبك أنهم سموا علم ~~الهندسة علم «قياس الأرض» بعد تقدمه وظهور تطبيقات له غير مساحة الأرض، وتقسيم المزارع ~~والمروج. ولعل هذا مما يشير إلى الأصل الذي اقتبسوا منه معارفهم الهندسية؛ لأن المصريين ~~كانوا يحتاجون إلى إعادة مسح الأرض بعد الفيضان، ولم تكن باليونان حاجة إلى المساحة ~~والتقسيم كل عام. # وإنما جاء الفارق الظاهر في أسلوب الاشتغال بالعلوم من ضعف الكهانات في الأوطان ~~الإغريقية، وقوتها في الأوطان الشرقية، فلما ابتدأ الإغريق بحوثهم مضوا فيها طلقاء من قيود ~~الدولة والدين، وتيسر لهم ما تعذر على غيرهم لهذا الفارق العرضي، لا لفارق في تركيب العقول ~~وعناصر التفكير. # وليس أصعب من إثبات السلالة الإغريقية الخالصة لجميع الفلاسفة الموزعين بين آسيا الصغرى ~~وأرض يونان وجزر الأرخبيل وصقلية والإسكندرية وتراقية، وهي تشتمل على شتى الأجناس غير ~~الإغريق. # ومن الواضح أن فيض البحوث الفلسفية عن الإغريق لم يكن ذلك الفيض الدافق العرم الذي يحطم ~~القيود ويقتحم السدود؛ لأن سدا من أضعف السدود التي ابتليت بها الأمم الشرقية في تاريخها ~~الطويل قد غيض ما فاض من قرائح اليونان في بضعة أجيال معدودات؛ فانقضى عصر الفلسفة ~~اليونانية أمام ms054 صدمة مقدونية وأخرى رومانية، وعاش الإغريق بعد ذلك في بلادهم دون أن يظهر ~~منهم فيلسوف واحد إلى هذه الأيام. # فلا جرم تفعل الحواجز والقيود التي استلزمتها طبيعة تكوين الدولة في الأمم الشرقية مثل ما ~~فعلته في اليونان خلال عصور الجمود والإقفار. ولا حاجة بنا إلى تفسير آخر غير هذا التفسير ~~نغوص فيه على أصول التركيب التي لا تقبل التعليل بعلة من علل الفلسفة، أو علل الدراسة ~~العلمية، فإنما هي عوارض من أثر البيئة والتاريخ أصابت الساميين بأسبابها المعروفة، كما ~~أصابت الفرس والهنود أيضا وهم غير ساميين، ثم أصابت الإغريق والأوروبيين أيضا دهورا ~~طوالا تحت سلطان الدول والكهانات، فكانوا أضيق بالبحث العلمي صدرا من شعوب الشرق جمعاء، ~~وحسبنا من ذاك محاكم التفتيش وعقوبات الإحراق والحرمان. # ولم تكن للعرب في الجاهلية دولة قوية كالدول التي قامت بين النهرين أو على ضفاف النيل، ~~ولكنهم عاشوا عيشة البدو الرحل في طلب الكلأ والماء، أو عيشة البدو الرحل في تجارة القوافل ~~بين الصيف والشتاء، وأحوجتهم مطالب المعاش إلى الغزو والدفاع بغير هوادة ولا انقطاع. وما من ~~أمة سامية أو غير سامية تقضي أيامها في أمثال هذه الشواغل ثم يتسع لها المقام لدرس الفلسفة ~~وتحصيل المعارف النظرية التي يعين عليها الأمان والاستقرار ... # ومن ضروب التجني التي لا تحمد من العلماء أن يقال: إن العقل العربي لن يستطيع التفلسف ~~بحال من الأحوال؛ لأن الفارابي وابن سينا مثلا كانا من سلالة فارسية على أشهر الأقوال، ولم ~~يكونا من سلالة عربية أو سامية، كأنما كانت للفرس قبل ذلك فلسفة فارسية، أو كان لهم عذر ~~كعذر العرب في هجر البحوث الفلسفية طوال العهود التي مرت بهم في الحضارة والعمران. # وإنما الرأي السليم الذي يقبله المنطق والعلم على السواء أن موانع الفلسفة واحدة؛ حيث ~~كانت الأمة من مواقع الأرض، وكيفما كانت السلالة من عناصر الأجناس والأقوام؛ فالإغريق في ~~موضع العرب لا يتفلسفون، والعرب في موضع الإغريق لا يحجمون عن الفلسفة ودراسة ~~العلوم. # على أن يعقوب الكندي عربي أصيل لم يعرف له ms055 نسب دخيل، وفلاسفة الأندلس كانوا من العرب ولم ~~يكونوا من الفرس أو الأوروبيين، أو كانت عروبتهم كالإغريقية التي ينتمي إليها سكان تراقية ~~وجزر الأرخبيل وكريت وصقلية وآسيا الصغرى وجالياتهم بصور وصيدا ووادي النيل. # ولعل هؤلاء الفلاسفة الأندلسيين هم أحق الفلاسفة المسلمين بالتنويه بهم في معرض الكلام ~~على توجه الأوروبيين إلى البحوث الفلسفية والدراسات المنطقية؛ فإن فلاسفة الشرق كالفارابي ~~وابن سينا وغيرهما لم يذاعوا بين الطلاب الأوروبيين عامة إلا من هذا الطريق، وكان الفضل ~~المباشر في تعريف الأوروبيين بهم لأمثال ابن باجة، وابن طفيل، وابن رشد، وابن زهر، وغيرهم ~~ممن زاولوا الفلسفة والطب، أو زاولوا الطب على انفراد. أما قبل ذلك فقد كان العلم بهم ~~مقصورا على الخاصة والمتفرغين للاستبحار في العلوم. # والأوروبيون قد بدءوا بالاطلاع على فلسفة ابن سينا قبل أن يسمعوا بأسماء الفلاسفة ~~الأندلسيين؛ لأن رايموند، أسقف طليطلة، أمر بترجمة بعض مؤلفاته إلى اللاتينية قبل منتصف ~~القرن الثاني عشر للميلاد، ولم يكن هذا أول عهد المتفقهين من أبناء أوروبا العربية بالاطلاع ~~على الثقافة العربية في حلقات الدرس بالجامعات الأندلسية؛ فمن تلاميذ هذه الثقافة قبل نهاية ~~القرن العاشر رجل اشتهر بها، وعده أبناء عصره من السحرة وأصحاب الخوارق لفرط ما أدهشهم من ~~سعة علمه، ووفرة محصوله، وهو الكاهن جربارت، الذي عرف باسم سلفستر الثاني حين ارتقى إلى ~~عرش البابوية سنة تسعمائة وتسع وتسعين. # وجاء الفلاسفة الأندلسيون ففتحوا الباب على مصراعيه، وكان فقهاء المسيحية يبغضون أكبرهم ~~وأشهرهم أبا الوليد بن رشد؛ لاتهامهم إياه بالنزعة المادية وإنكار خلود النفوس الفردية، ~~لكنهم كانوا يستريحون إلى ابن باجة وابن طفيل؛ لأنهما يؤمنان بالإشراق والمعرفة التي تستلهم ~~بالتأمل والرياضة. # وقد ظهرت توجيهات هذين الفيلسوفين المعتدلين في آراء القديس توما الأكويني وألبرت الكبير، ~~ولم تخف مع ذلك توجيهات ابن سينا نفسه فيما كتبه ألبرت الكبير عن «المعرفة» على الخصوص، بل ~~بقيت لابن رشد أيضا توجيهاته القوية في مدارس الفلسفة الأوروبية قرونا عدة بعد تحريم ~~كتبه، وإشهار هذا الحرمان في العالم المسيحي كله، ولم يزل عزيز المكانة ms056 على المفكرين ~~والمتفلسفين إلى عهد النهضة الفلسفية الحديثة بعد موته بعدة قرون. # ومن طريف ما يروى في ذلك أن الفيلسوف الألماني فردريك أوبرفيج # Friedrich Ueberweg # تصدى لتبرئته من تهمة الكفر التي رماه بها بعض المتشددين ~~من فقهاء المسلمين، فقال: إن القرآن نزل على سبعة أحرف، وقيل: على سبعين، وقيل: على ~~سبعمائة؛ فإذا وقف العامة عند حرفه الظاهر فلن تخلو الأحرف التي يفهمها الخاصة من موافقة ~~بينها وبين معاني الحكمة الخفية وأسرار الفلسفة العويصة! ~~••• # ويظن - والظن من الأوروبيين قبل الشرقيين - أن الفيلسوف الصوفي محيي الدين بن عربي كان له ~~أثر كبير في عقول النساك والمتصوفة من فقهاء المسيحية الذين ظهروا بعده، فإنه نشأ في ~~مدينة مرسية قبل ختام القرن الثاني عشر للميلاد، وانتقل من دراسة علوم الكلام ومذاهب ~~الفلسفة إلى الرياضة الصوفية والإيمان بوحدة الوجود، وقد حببه إلى المسيحيين أنه وحد بين ~~الأديان كما وحد بين حقائق الوجود، فقال: # عقد الخلائق في الإله عقائدا # أنا اعتقدت جميع ما اعتقدوه # وهو القائل: # لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي # إذا لم يكن ديني إلى دينه دان # فأصبح قلبي قابلا بكل صورة # فمرعى لغزلان وديرا لرهبان # وبيتا لأوثان وكعبة طائف # وألواح توراة ومصحف قرآن # أدين بدين الحب أنى توجهت # ركائبه فالحب ديني وإيماني # ويرى الأستاذ آسين بلاسيوس الإسباني # Asin Palacios # أن ~~نزعات دانتي الصوفية وأوصافه لعالم الغيب مستمدة من محيي الدين بغير تصرف كثير. # ومن المعلوم أن أول الفلاسفة الصوفيين من الغربيين، وهو جوهان أكهارت الألماني، قد نشأ في ~~القرن التالي لعصر ابن العربي، ودرس في جامعة باريس، وهي الجامعة التي كانت تعتمد على ~~الثقافة الأندلسية في الحكمة والعلوم. وأكهارت يقول كما يقول ابن العربي: إن الله هو الوجود ~~الحق ولا موجود سواه، وإن الحقيقة الإلهية في جميع الأشياء، ولا سيما روح الإنسان التي ~~مصيرها إلى الاتصال بالله، من طريق الرياضة والمعرفة والتسبيح، وإن صلة الروح بالله ألزم من ~~صلة المادة بالصورة، والأجزاء بالكل، والأعضاء بالأجسام. # ومن هذه الفلسفة قبسات واضحة في مذاهب «سبينوزا» ms057 الذي نشأ في هولندة، وأصله من يهود ~~البرتغال الذين أكرهوا على التدين بالمسيحية؛ فقد كان كلامه عن الذات والصفات، وتجلي ~~الخالق في مخلوقاته، وتلقي الخلق نور المعرفة الصحيحة بالبصيرة والإلهام نسخة من فلسفة ~~المتصوفة المسلمين مع قليل من التحوير. # وإذا جاز أن يكون أكهارت وسبينوزا قد استقيا بعض هذه المعتقدات والآراء من الأفلوطينية ~~الإسكندرية مباشرة، فليس مما يجوز فيه الشك أن الفيلسوف المتصوف الإسباني «رايموند لول» قد ~~اقتبس من ابن عربي خاصة في كتابه أسماء الله الحسنى؛ لأنه كان يحسن العربية، وعاش بعد ابن ~~عربي بقرن واحد، وجعل أسماء الله مائة، وهي لم تعرف بهذا العدد في الديانة المسيحية قبل ~~ذاك. ~~••• # وقد تراخى الزمن بين فلاسفة الدول الإسلامية والفلاسفة العصريين، وقل من فلاسفة هذا ~~العصر من اطلع على كتب فلاسفة الأندلس وفلاسفة الشرق الإسلامي كما يطلع على الفلسفة ~~اليونانية القديمة في كتبها الأصيلة، ولكن الآراء الفلسفية التي قام بها أمثال الفارابي ~~والكندي وابن سينا والغزالي وابن رشد وابن طفيل لا تعد غريبة كل الغرابة عن مذاهب العصر ~~الحديث؛ لأنها لم تخل من آراء تكلم فيها أساطين الفلسفة الإسلامية وعرضوا لها إما بالإسهاب ~~أو بالإيجاز. # فالقائلون قديما بالعقل الهيولاني والعقل الفعال يذهبون إلى قول قريب جدا من قول ~~كانت عن ظاهرة الأشياء Phenomena ~~، وحقيقة الأشياء في ذواتها # Noumena ~~، وهي الحقائق التي يستحيل النفاذ إليها بالعقل ~~والتفكير، وإنما بحقيقتنا في ذاتها ندرك تلك المجهولات من طريق الإلهام الأدبي، وهو شيء ~~قريب من إلهام المتصوفين. # ودافيد هيوم يقول: إن حصول الأشياء في ترتيب معين مرة أو ألف مرة لا يستلزم أن يكون ~~السابق منها علة للمسبوق وسببا لوجوده. وهذا بتفصيله ما قد سبق إليه الغزالي حين قال في ~~تهافت الفلاسفة: «إن الاقتران بين ما يعتقد في العادة سببا وما يعتقد مسببا ليس ضروريا ~~عندنا، بل كل شيئين ليس هذا ذاك ولا ذاك هذا، ولا إثبات أحدهما متضمن لإثبات الآخر، ولا ~~نفيه متضمن لنفي الآخر؛ فليس من ضرورة وجود أحدهما وجود الآخر، ولا من ms058 ضرورة عدم أحدهما عدم ~~الآخر، مثل الري والشرب، والشبع والأكل، والاحتراق ولقاء النار، والنور وطلوع الشمس، والموت ~~وحز الرقبة، والشفاء وشرب الدواء، وإسهال البطن واستعمال المسهل، وهلم جرا إلى كل ~~المشاهدات من المقترنات في الطب والنجوم والصناعات والحرف، وإن اقترانها لما سبق من تقدير ~~الله سبحانه لخلقها على التساوي لا لكونه ضروريا في نفسه غير قابل للفوت، بل لتقدير، وفي ~~المقدور خلق الشبع دون الأكل، وخلق الموت دون حز الرقبة، وإدامة الحياة مع حز الرقبة، وهلم ~~جرا إلى جميع المقترنات.» ثم فصل القول في هذا على ثلاث مقامات من أدق ما كتب المفكرون ~~في حقائق التعليل. # واتخاذ المصلحة قياسا للحقيقة مذهب عرض له ابن رشد - قبل وليام جيمز - حين تكلم في ختام ~~«تهافت التهافت» عن الشرائع وحقيقتها ولزومها، و«أن الجميع متفقون على أن مبادئ العمل يجب ~~أن تؤخذ تقليدا؛ إذ كان لا سبيل إلى البرهان على وجوب العمل إلا بوجود الفضائل الحاصلة من ~~الأعمال الخلقية والعملية ... وأن الحكماء يرون في الشرائع هذا الرأي؛ أعني أن يتقلد من ~~الأنبياء والواضعين مبادئ العمل والسنن المشروعة في ملة ملة. # والممدوح عندهم من هذه المبادئ الضرورية هو ما كان منها أحث للجمهور على الأعمال الفاضلة؛ ~~حتى يكون الناشئون عليها أتم فضيلة من الناشئين على غيرها، مثل كون الصلوات عندنا، فإنه لا ~~يشك في أن الصلوات تنهى عن الفحشاء والمنكر كما قال تعالى. # وإن الصلاة الموضوعة في هذه الشريعة يوجد فيها هذا الفعل أتم منه في سائر الصلوات ~~الموضوعة في سائر الشرائع، وذلك بها شرط في عددها وأوقاتها وأذكارها وسائر ما شرط فيها من ~~الطهارة ومن التروك؛ أعني ترك الأفعال والأقوال المفسدة لها، وكذلك الأمر فيما قيل في ~~المعاد منها هو أحث على الأعمال الفاضلة مما قيل في غيرها». # وسبينوزا يقول بوحدة المادة والروح، وهذه هي الفلسفة التي شرحها قبله ابن جبيرول الأندلسي ~~في كتابه ينبوع الحياة، وأقام الدليل عليها بوحدة العلة والمعلول في الطبيعة أو في بعض ~~أجزائها، وإلا انتفى تأثير العقل في الجسد، ms059 أو تأثير الروح في المادة. # ومن المشابهات غير البعيدة أن الأقدمين يقولون بتلازم الزمان والمكان، وأينشتين يقول بأن ~~الزمان هو البعد الرابع من أبعاد المكان. # ومنها ما يصح أن يسمى الطور الأول لمذهب التطور، وقد عبر عنه الفارابي حيث قال في آراء ~~أهل المدينة الفاضلة مفسرا لأقوال المعلم الأول: إن «ترتيب هذه الموجودات هو أن تقدم أولا ~~أخسها، ثم الأفضل فالأفضل إلى أن تنتهي إلى أفضلها الذي لا أفضل منه. فأخسها المادة الأولى ~~المشتركة، والأفضل منها الأسطقسات، ثم المعدنية، ثم النبات، ثم الحيوان غير الناطق، وليس ~~بعد الناطق أفضل منه.» # وقد توسع اللاحقون في القول بالتدرج نصا، والإشارة إلى بعض المشابهة بين القرد ~~والإنسان، فقال ابن خلدون: «انظر إلى عالم التكوين كيف ابتدأ من المعادن، ثم النبات، ثم ~~الحيوان على هيئة بديعة من التدريج، وآخر أفق المعادن متصل بأول أفق النبات مثل الحشائش وما ~~لا بذر له، وآخر أفق النبات مثل النخل والكرم متصل بأول أفق الحيوان مثل الحلزون والصدف، ~~ولم يوجد لها إلا قوة اللمس فقط. # ومعنى الاتصال في هذه المكونات أن آخر أفق منها مستعد بالاستعداد الغريب لأن يصير أول أفق ~~الذي بعده، واتسع عالم الحيوان وتعددت أنواعه، وانتهى في تدريجه التكويني إلى الإنسان صاحب ~~الفكر والروية، ترتفع إليه من عالم القردة الذي اجتمع فيه الحس والإدراك، ولم ينته إليه ~~الفكر والروية بالفعل، وكان ذلك أول أفق الإنسان من بعده، وهذا غاية شهودنا.» # والمشهور عن ديكارت أنه إمام الفلسفة الأوروبية الحديثة، وهو مسبوق إلى ثلاث من أهم ~~قضاياه الفلسفية فيما كتبه الغزالي وابن سينا على الخصوص؛ فإن الغزالي يقول بأن الشك أول ~~مراتب اليقين، والشك هو مقدمة الفلسفة الديكارتية إلى البراهين اليقينية. وأول هذه البراهين ~~اليقينية عند ديكارت هو قضيته التي يثبت بها الوجود فيقول: «أنا أفكر فأنا موجود.» # وهي بعينها قضية الإنسان المعلق بالفضاء كما عبر عنه ابن سينا حين تصدى لإثبات «الأنية»، ~~أي وجود النفس بمعزل عن الموجودات الخارجية، فقال: إننا لو علقنا إنسانا في الفضاء ms060 لا ~~يتصل عضو منه بعضو، ولا تقع حاسة منه على موجود لشعر بأنيته، أو شعر بذاته، وتأتي بعد ذلك ~~مسألة الموجودات وحاجتها بعد وجودها إلى النعمة الإلهية لدوام قوة الوجود فيها، فهي لا تكسب ~~الإيجاد مرة واحدة، بل تكسبه على التجدد بنعمة فياضة من الله جل وعلا. وهذا هو مذهب ابن ~~سينا وديكارت بلا اختلاف. ~~••• # ويخطئ من يرى أن كل ما تركه فلاسفة المسلمين قد نقلوه قبل ذلك بحرفه عن فلاسفة اليونان، ~~فقد وجد من الفلاسفة الإسلاميين من تصرف واستقل برأيه، كما وجد منهم من وقف عند النقل ~~والتفسير، وأكثرهم قد تلقوا مذاهب الأولين على أنها عمل قابل للتعديل، وليس على أنها قضية ~~مسلمة لا يأتيها الباطل بحال. # فالغزالي، مثلا، كان على علم وثيق بأصول المنطق، وكان من أقدر المفكرين السابقين ~~واللاحقين على مناقشة البراهين اليونانية بمثلها، أو بما يفوقها وضوحا في بعض القضايا ~~العقلية. # وابن سينا لا يرضى على مذاهب المشائين كل الرضى؛ فيتخذ له منطقا مقابلا لمنطقهم ~~يسميه «منطق المشرقيين»، ويقول في مقدمته: ~~... ولا نبالي من مفارقة تظهر منها لما ألفه متعلمو كتب اليونانيين إلفا عن غفلة ~~وقلة فهم، ولما سمع منا في كتب ألفناها للعاميين من المتفلسفة المشغوفين ~~بالمشائين الظانين أن الله لم يهد إلا إياهم ... # وقد أخذ البيروني على أرسطو في أسئلة لابن سينا أنه يعتقد بآراء الأقدمين، «وأنه جعل ~~أقاويل القرون الماضية والأحقاب السالفة في الفلك ووجودهم إياه على ما وجده عليه حجة ~~قوية.» # وقال عن أرسطو: إنه يرى «أن الشكل البيضي والعدسي محتاجان في الحركة المستديرة إلى فراغ ~~وموضع خال، وأن الكرة لا تحتاج إلى الفلك، وليس الأمر كما ذكره»، فاستصوب ابن سينا انتقاده ~~وذكر له أعذار المفسرين، ومنها ما رواه عن تامسطيوس في تفسيره لكتاب السماء؛ إذ يوصي بأن ~~يحمل قول الفيلسوف على أحسن الوجوه. # وأشباه هذه المتناقضات كثيرة في كتب الفلاسفة والمتصوفة وعلماء الكلام، فليس في أقوال ~~الفلاسفة الكبار ما يسوغ رميهم بالنقل والتقيد بالمنقول، ولا نستثني منهم ابن رشد - وهو ~~أشدهم ms061 إكبارا لأرسطو - لأنه كان يتناول بعض ما ينتقل عنه ببعض التهذيب. # وهنا مجال لكلمة تقال ويتلاقى فيها النقيضان على خطأ واحد؛ فإن الذين يثبتون أخذ ~~الإسلاميين عن اليونان هم كالذين ينكرون ذلك إذا اعتقدوا فيه غضاضة على الآخذين، كائنا ما ~~كان مقدار ما أخذوه، إذ لا يطلب من أمة أن تبتدع ثقافة جديدة تنقطع عن جميع الثقافات ~~الأولى، ولا يعاب عليها أنها تحج إلى المعرفة حيثما وصلت إليها، وإنما يعاب عليها أن ~~تنطفئ شعلة الثقافة الإنسانية في يديها، وأن تنقطع عندها السلسلة التي اتصلت من مبدأ ~~التاريخ الإنساني إلى أن بلغتها. # وأجمل ما يذكر بالثناء للفلاسفة الإسلاميين في هذا المقام أنهم نسبوا كل مقال إلى صاحبه، ~~ولم يسكتوا عن الإشادة بفضله كلما عرفوه وحققوه، خلافا لما جرى عليه الإغريق فيما أخذوه من ~~علوم الحضارات الأولى، وأن الفلسفة لم تكن في العالم الإسلامي من عمل الحكماء دون غيرهم، بل ~~كانت عملا مشاعا بين كثير من المتعلمين وأشباه المتعلمين. ومن أجل هذا دعت الحاجة إلى ~~المناظرات في مجالس الخاصة، وكتابة الرسائل في المساجلات والردود مما لم يسبق له نظير بين ~~اليونان معاصريهم في الزمن القديم. ~~••• # هذه الفلسفة - أو الفلسفة الصوفية على الخصوص - هي الطريق التي ظهر منها ما ظهر من آثار ~~التفكير الجديد في العالم المسيحي، وفي العقائد الأوروبية على الإجمال. # وربما دلت على مصدر هذه الآثار نظرة واحدة في أرقام السنين التي ازدهر فيها اللاهوت ~~المسيحي، ونجحت فيها دعوة الإصلاح الديني، واشتدت فيها الحملة على الرهبانية، وأعقبها ذلك ~~الترخص المطرد في قيود النسك وقيود الزواج، فلم يحدث شيء من ذلك كله قبل احتكاك أوروبا ~~بالحضارة العربية تارة في الأندلس، وتارة في أثناء الحروب الصليبية، ولبثت المشكلات العقلية ~~والدينية وما يرتبط بها من المشكلات الاجتماعية كامنة في البلاد الأوروبية لا تتسع لها فسحة ~~للظهور والتماس العلاج والتعديل. # فلما توالى الاحتكاك بين المجتمع العربي والمجتمع الأوروبي، وتوالى معه الاحتكاك بين ~~العقول والعقائد، توالى كذلك ظهور الفهم الجديد والنزعة الجديدة إلى التفسير والإصلاح على ms062 ~~النمط الأوروبي العتيق، وجاء الباحثون الأوروبيون بما يوافق الفلسفة العربية أحيانا، ~~ويخالفها أحيانا أخرى، ولكن المخالفة لا تنفي مصدر التنبيه، ولا تدحض الباعث على التفكير ~~الجديد. # فالقديس توما الأكويني، أكبر فلاسفة اللاهوت المسيحي في القرون الوسطى، ولد في سنة ~~1225، وتوفي في سنة 1274، وألف كتبه بعد أن شاعت بين الرهبان والقسوس دروس الفلاسفة ~~الأندلسيين وفلاسفة المشرق من المسلمين، ولم يكن في كل ما كتب في الله والروح ووسائل الوصول ~~إلى الحقيقة رأي واحد لم يتناوله ابن سينا والغزالي وابن رشد على الخصوص. وكل ما استجد من ~~خلافاته فهو تلك الخلافات التي يقضي بها الفارق بين أصول المسيحية وأصول الإسلام. # وقد سمى المسلمون الغزالي حجة الإسلام، وسمى دانتي القديس توماس قبسا من نور السماء؛ ~~لأنهما قاما بعمل واحد في مناقشة أرسطو وأفلاطون، وتغليب العقيدة الإلهية على مواضع الشك من ~~الفلسفة المادية، ولكن المقابلة بين آراء الحكيمين خليقة أن تبدي لنا للوهلة الأولى أيهما ~~صاحب السبق في الزمن والاستقلال. وعلى الرغم من ردود القديس توما؛ شاعت مذاهب العرب بين ~~الرهبان، ولا سيما الفرنسيسكان، وتحدى عشاق هذه المواهب قرار الحرم الصريح، الذي أصدره ~~مجمع باريس اللاهوتي سنة 1269، في حق كل من يردد كلام ابن رشد - على الخصوص - في النفس ~~والإنسان الأول والقدم والحدوث. # واتصلت الدراسات الفلسفية والصوفية بين رجال الكنيسة، فكان من آثارها تلك الحملة القوية ~~على نظام الرهبانية، وتعززت هذه الحملة في البيئات الدينية بحملة أخرى في البيئات الأدبية، ~~قام بها أديب إيطالي يدين للثقافة العربية بمؤلفه الكبير الذي نسج فيه على منوال ألف ليلة ~~وليلة، وهو «الديكامرون»، وعرض فيه الرهبنة للغمز والتشهير. # فلم ينته القرن الخامس عشر حتى كانت مسألة الرهبانية قد وصلت إلى المفترق الحاسم بين ~~مذهبين؛ فأصدر مجمع «ترنت» (1545) قراره بتحريم الزواج على رجال الدين من جميع الرتب ~~والدرجات، وتزوج «لوثر»، إمام المذهب الإنجيلي، براهبة كاثوليكية قبل ذلك على سبيل التحدي ~~والاحتجاج. وكان لوثر من أكثر الناس اطلاعا على فلسفة القرون الوسطى؛ لأنه كان أستاذا ~~للفلسفة في جامعة ويتمبرج، ولم ms063 يكن غريبا عن مناقشات علماء اللاهوت وعلماء الكلام. # ولقد ترجم لوثر التوراة إلى اللغة الجرمانية بعد أن حجرت اللاتينية على لغة الدين والعلم ~~مئات السنين، ولم يحطم قيودها المرهقة إلا ذلك الإقبال المطرد على دراسة العربية بين من ~~كانوا قبل ذلك منقطعين لدراسة اللاتينية، مترفعين على الكتابة بلغاتهم الوطنية. وأفرط ~~الناشئون في الإعراض عن اللاتينية حتى شكا من إفراطهم هذا بعض الجامدين، ونعى على قومه ذلك ~~التحول الخطير كما جاء في كتاب دوزي عن إسبانيا الإسلامية. ~~••• # وقد أشار الأستاذ نيكولسون في كتاب «تراث الإسلام» إلى المشابهات بين أقوال الصوفية ~~المسلمين وأقوال الصوفية الأوروبيين من الأقدمين مثل أكهارت الألماني، والمحدثين كاربنتر ~~الإنجليزي، وتوسع في مقاله القيم في متابعة العلاقة بين صوفية المسيحية وصوفية الإسلام ~~... وليس العجب أن تثبت هذه العلاقة التي يستلزمها المنطق والتاريخ، ولكن العجب أن ينفيها من ~~يعلم أن العرب أقاموا في الأندلس عدة قرون، وأن دروسهم حضرها رجال الدين والدنيا هناك، وأن ~~كتبهم قرأها الباحثون في الأديرة والجامعات، وأن النهضة الأوروبية لم تظهر لها علامة واحدة ~~قبل هذا الاحتكاك بينهم وبين الأوروبيين. # وللمبالغة هنا طرفان متقابلان يتساويان في الضلال عن الحق ومجافاة الإنصاف، وهما أن يقال: ~~إن الصوفية التي تلقاها الأوروبيون عن العرب هي صوفية أجنبية لا فضل للعرب فيها، ولا تشمل ~~في أطوائها على مزية من مزايا الروح العربية، وأن يقال من الجهة الأخرى: إنها عربية محض لا ~~مشاركة فيها للشعوب الأخرى. # فهذا وذاك باطلان على السواء؛ لأن أشواق الروح الإنسانية قسط مشترك بين بني آدم لا تنفرد ~~به أمة من الأمم، ولا تخلو منه أمة من الأمم، ولم تستوعبها عقيدة واحدة كل الاستيعاب دون ~~سائر العقائد الدينية. # والصوفية العربية مازجت صوفية الهند القديمة وصوفية الأفلوطينيين بالإسكندرية، ولكنها ~~أضافت إليها كما أخذت منها، ولا حاجة بنا إلى تعقب التواريخ والأسانيد لتقرير هذه الحقيقة ~~البينة، فإن عناصر الصوفية الإسلامية مبثوثة في آيات القرآن الكريم، محيطة بالأصول التي ~~تفرعت عليها صوفية البوذية والأفلوطينية، والمسلم يقرأ في كتابه أن: # ليس ms064 كمثله شيء وهو السميع البصير # فيقرأ خلاصة العلم ~~الذي يعلمه دارس اللاهوت في كتب القديس توما حيث يقول: إن الله مباين للحوادث، وإنه يعلم ~~بالتنزيه والإبعاد عن مشابهتها، أو يعلم «بما ليس هو»، ولا يعلم بما هو عليه في ذاته أو ~~صفاته، أيا كان المصدر الأول الذي استقى منه القديس توما أصول هذه العقيدة. # ويقرأ المسلم في كتابه: # ففروا إلى الله إني لكم ~~منه نذير مبين # فيعلم ما يعلمه تلاميذ المتصوفة البوذيين حين يؤمنون ~~بأن ملابسة العالم تكدر سعادة الروح، وأن الفرار إلى الله هو باب النجاة. # ويقرأ المسلم في كتابه أن الله: # هو الأول والآخر ~~والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم # و # كل شيء هالك إلا وجهه ~~، فلا يزيده المتصوفة شيئا ~~حين يقولون له: إن الله أزلي أبدي قديم بغير زمان ولا مكان، عليم بالكليات ~~والجزئيات. # ويقرأ المسلم في كتابه أن: # الله نور السماوات ~~والأرض ~~، # ولله المشرق والمغرب ~~فأينما تولوا فثم وجه الله ~~... # ونحن ~~أقرب إليه من حبل الوريد ~~، فلا يزيد المتصوفة إلا التفسير حين ~~يقولون: إن الوجود الحقيقي هو وجود الله، وإنه أقرب إلى الإنسان من نفسه؛ لأنه قائم في كل ~~مكان يصل له كل كائن # وإن من شيء إلا يسبح بحمده ~~ولكن لا تفقهون تسبيحهم ~~. # والله يخلق ويأمر فهو فعال مريد، وليست إرادته مانعة من الخلق كما يرى الفلاسفة؛ إذ ~~يقولون: إن الإرادة القديمة لا ينشأ منها اختيار حديث، أو مخلوق حادث # ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب ~~العالمين ~~. # ومما يعلمه المسلم من كتابه أن عقل الإنسان لا يدرك من الله إلا ما يلهمه إياه؛ لأنه ~~تعالى: # يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا ~~يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء ~~. # ومنه يعلم الخلاف ما بين عالم الظاهر وعالم الباطن، أو عالم الحقيقة وعالم الشريعة؛ لأنه ~~يقرأ مثلا واضحا لهذا الخلاف فيما كان بين الخضر وموسى - عليهما السلام - من خلاف ... # فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا ~~وعلمناه من لدنا علما * قال له موسى هل ms065 ~~أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا * قال ~~إنك لن تستطيع معي صبرا وكيف تصبر على ما لم تحط به ~~خبرا * قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي ~~لك أمرا * قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن ~~شيء حتى أحدث لك منه ذكرا * فانطلقا حتى ~~إذا ركبا في السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها ~~لقد جئت شيئا إمرا * قال ألم أقل إنك لن ~~تستطيع معي صبرا * قال لا تؤاخذني بما نسيت ~~ولا ترهقني من أمري عسرا * فانطلقا حتى إذا ~~لقيا غلاما فقتله قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس ~~لقد جئت شيئا نكرا * قال ألم أقل لك إنك ~~لن تستطيع معي صبرا * قال إن سألتك عن شيء ~~بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا * ~~فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا ~~أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه ~~قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا * قال هذا ~~فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه ~~صبرا * أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في ~~البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل ~~سفينة غصبا * وأما الغلام فكان أبواه ~~مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا * ~~فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما ~~* وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في ~~المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ~~ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك ~~ وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تسطع عليه ~~صبرا ~~. # وهذه آيات بينات يقرؤها جميع المسلمين في كتابهم الذي لا يختص به فريق منهم دون فريق، ~~وبينهم ولا شك أناس مطبوعون على التصرف، واستخراج الأسرار الخفية والمعاني الروحية من طوايا ~~الكلمات؛ فإذا عمد هؤلاء إلى تفسير تلك الآيات وما في معانيها، فليس أيسر عليهم من الوصول ~~إلى باب التصوف الذي شغلت به خواطر الحكماء في جميع الأجيال، وبين جميع الأجناس، وعندهم من ~~هذا القسط وحده ما يجعلهم أصلاء في الفلسفة الربانية، ويجعل لهم فيها شيئا ينقلونه إلى ~~الأمم غير ms066 ما استعاروه من حكماء الهند أو حكماء الإسكندرية. # | أحوال الحضارة # بعض الكلمات أدل من طوال المجلدات. # ومن هذا القبيل تلك الكلمات التي تنتقل من لغة قوم إلى لغة قوم آخرين، فتدل على ما انتقل ~~معها من أحوال المعيشة وألوان الحضارة، وتبسط لنا في قليل من المفردات ذلك الفارق البعيد في ~~شئون الأمة بين ما كانت عليه قبل اقتباس تلك الكلمات المعدودات، وبعد اقتباسها وتداولها في ~~أحاديثها اليومية. # وفي لغات الأوروبيين كلمات لها مثل هذه الدلالة على أثر المعيشة العربية في المعيشة ~~الأوروبية، وبالمعاشرة، أو الاتباع في الحكم، أو تبادل التجارة. # منها الكلمات الدالة على القطن # Cotton ~~، أو على الحرير ~~الموصلي # Muslin ~~، أو الحرير الغزي # Gause ~~، أو الحرير الدمشقي # Damas ~~، أو الجلد القرطبي # Cordevan ~~، أو الجلد المراكشي # Morocco ~~، أو الجبة # Jupe ~~، أو المسك # Musk ~~، أو العطر # Attard ~~، أو الزعفران # Saffron ~~، أو الشراب # Syrup ~~، أو الجرة # Jar ~~، أو الصفة بمعنى ~~المقعد الطويل # Sofa ~~، أو الأرز # Rice ~~، أو البرتقال من النارنج # Orange ~~، ~~أو الليمون # Lemon ~~، أو السكر # Sugar ~~، أو القهوة # Coffee ~~، أو القنوة # Condy ~~، إلى أشباه هذه المفردات. # وقد شاعت هذه المفردات في الإنجليزية والفرنسية وبعض اللغات الأوروبية الأخرى. أما الذي ~~دخل الإسبانية والبرتغالية من الكلمات الدالة على أحوال المعيشة فقد يحصى بالمئات، ولا ~~يقصر على العشرات، ومنها: القباء # Gaban ~~، والبناء # Albanil ~~، والمخزن # Almacen ~~، والقطران # Alquitran ~~، ~~والسطيحة # Azotea ~~، والطريحة # Al ~~Tariha ~~، والفندق # Fonda ~~، والطاحون # Tahone ~~، والحجر الكريم أو الجوهر # Alhaja ~~، والبراءة # Albaran ~~، والكراء # Alquiler ~~، والقبة # Alcoba ~~، والساقية # Assaquiya ~~، وبعض ~~المكاييل كالفنيقة، وهي الغرارة # Fanega ~~، والثماني # Celemines ~~، والقطيفة # Alcatifa ~~، والربعة # Arroba ~~، والجيب # Algibeira ~~، والخياط # Afaiate ~~، والرطل # Arratel ~~، وألفاظ كثيرة من ~~أسماء الحاجيات المتداولة أو الأعلام على المواقع والبلاد. # وليس كل الشأن في انتقال هذه المفردات إلى الإسبانية أو البرتغالية أنها صفحات زيدت على ~~معجم اللغتين، وإنما الشأن الصحيح فيها أنها دليل على صبغة المعيشة العربية التي اصطبغت بها ~~تلك البلاد وكل بلد غيرها اقتبس مثل هذا الاقتباس، أو بعض هذا الاقتباس، وأنها مقياس الفارق ms067 ~~بين أحوال الأمم الأوروبية قبل اتصالها بالحضارة العربية، وبعد شيوع هذا الاتصال. # ولم تكن الجزيرة الأندلسية هي المجاز الوحيد بين القارة الأوروبية والحضارة العربية؛ لأن ~~القوافل التي تنقل البضائع من آسيا الغربية إلى أوروبا الشرقية لم تنقطع كل الانقطاع في عصر ~~من العصور، ولأن الأوروبيين قد عرفوا الشيء الكثير عن الشرق في إبان الحروب الصليبية، ولكن ~~الجزيرة الأندلسية هي القطر الوحيد الذي يقال فيه على التحقيق: إنه لم يعرف له عصرا ~~ذهبيا في تاريخه كله غير العصر الذهبي الذي رآه في أيام الدولة العربية الزاهرة، ولا ~~استثناء في ذلك لعهد فيليب الثاني وما كان فيه من مظاهر الأبهة والرخاء؛ لأنه كان رخاء ~~مستعارا من الخيرات التي تدفقت على إسبانيا من مستعمراتها الأمريكية بعد كشف العالم ~~الجديد، ولم يكن رخاء محمولا على حضارة تزدهر فيها المعارف الإنسانية، وتتفتق فيها عقول ~~الأمة عن فتح مبتكر ينسب إلى أهل البلاد. # ففي عصر الأندلس الذهبي كانت المدن الأندلسية أعمر المدن في القارة الأوروبية من أقصاها ~~إلى أقصاها، وكان في قرطبة وحدها دكان نسخ واحد يستخدم مائة وسبعين جارية في نقل المؤلفات ~~لطلاب الكتب النادرة، وكان في قصر الخليفة أربعمائة ألف كتاب، وكان سادات أوروبا يفاخرون ~~بما يقتنونه من منسوخاتها، أو مصوغاتها المعدنية، أو آنية الفخار التي لا يعرف لها نظير في ~~بلد آخر، وكان عدد سكانها نحو ألف ألف، يسكنون نحو مائتين وخمسين ألف بيت. ولم تكن مدينة في ~~أوروبا تأوي إليها أكثر من ثلاثين ألفا أو خمسين ألفا على أكبر تقدير. # وإلى قرطبة وزميلاتها غرناطة وأشبيلية وطليطلة ومرسية ومالقة كانت تتجه وفود العواهل ~~الأوروبيين في طلب الأدوية أو التحف، أو أدوات الترف والزينة وفرق الموسيقى والغناء. وأجمل ~~بعض هذا المؤرخ الإنجليزي استانلي لاين بول، فقال: «إن حكم عبد الرحمن الثالث الذي قارب ~~خمسين سنة أدخل على أحوال إسبانيا تجديدا لا يلم الخيال - على أجمح ما يكون - بحقيقة ~~فحواه» ... # ولا نعرف شهادة لهذا العصر الذهبي أعظم ولا أصدق من ذلك الحنين الذي يذكره به ms068 غلاة ~~الوطنيين الإسبان وكبار كتابهم، حين يلتفتون إلى ماضي بلادهم، ويتمنون لها حاضرا كماضيها ~~في أيام الدولة العربية؛ فلم تنجب إسبانيا في عصرها الحديث وطنيا غيورا، ولا كاتبا ~~مبرزا أشهر من بلاسكوا أبانيز، الذي توفي منذ بضع سنوات، ولكنك لا تقرأ لعربي ولا شرقي ~~كلاما في الإشادة الحماسية بمجد العرب الأندلسيين كالذي تقرؤه لهذا الكاتب النابه في أهم ~~مصنفاته، وهي «ظلال الكنيسة»، حيث يقول: ~~... لقد أحسنت إسبانيا استقبال أولئك الرجال الذين قدموا إليها من القارة ~~الإفريقية، وأسلمتهم القرى أزمتها بغير مقاومة ولا عداء، فما هو إلا أن تقترب كوكبة ~~من فرسان العرب من إحدى القرى حتى تفتح لها الأبواب، وتتلقاها بالترحاب ... وكانت ~~غزوة تمدين، ولم تكن غزوة فتح وتدويخ، ولم يزل ميل المهاجرين يتدفق من جانب المضيق، ~~وتستقر معه تلك الثقافة الغنية الموطدة الأركان، نابضة بالحياة، بعيدة الشوط، ولدت ~~منتصرة، وبث فيها النبي حمية قدسية، واجتمع إليها أفضل ما في وحي بني إسرائيل وعلم ~~بيزنطة وتراث الهند وذخائر فارس والصين. # وهكذا تسرب الشرق إلى أوروبا على نهج غير نهج داردا وزركسيس من قبيل أثينا التي ~~قاومته خوفا على حريتها، وإنما اختار له في هذه المرة نهجا مقابلا لأثينا من ~~الناحية الغربية، وهو الجزيرة الأندلسية؛ حيث سلطان الملوك «اللاهوتيين» والقساوسة ~~المجاهدين؛ فتلقته مفتوحة الذراعين. # وفي خلال سنتين اثنتين استولى الغزاة على ملك قضى مستردوه سبعة قرون كاملة في ~~استرداده، ولم يكن في الواقع فتحا فرض على الناس برهبة السلاح، بل حضارة جديدة ~~بسطت شعابها على جميع مرافق الحياة، ولم يتخل أبناء تلك الحضارة زمنا عن فضيلة ~~حرية الضمير، وهي الدعامة التي تقوم عليها كل عظمة حقة للشعوب؛ فقبلوا في المدن ~~التي ملكوها كنائس النصارى وبيع اليهود، ولم يخش المسجد معابد الأديان التي سبقته، ~~فعرف لها حقها، واستقر إلى جانبها غير حاسد لها ولا راغب في السيادة عليها، ونمت ~~على هذا ما بين القرن الثامن والقرن الخامس عشر أجمل الحضارات وأغناها في القرون ~~الوسطى. # وفي الزمن الذي كانت أمم الشمال فريسة للفتن ms069 الدينية والمعارك الهمجية، يعيشون ~~عيشة القبائل المستوحشة في بلادهم المتخلفة، كان سكان إسبانيا يزدادون فيزيدون على ~~ثلاثين مليونا تنسجم بينهم جميع العناصر البشرية والعقائد الدينية، وخفق قلب ~~الحياة الاجتماعية بأقوى نبضاته التي عرفها تاريخ الجماعات البشرية، فلا نرى لها ~~قرينا نقابله به غير ما نجده في الولايات المتحدة الأمريكية من تنوع الأجناس، ~~واتصال الحركة والنشاط. # فعاشت في الجزيرة الأندلسية طوائف من النصارى والمسلمين، وأهل الجزيرة والشام، ~~وأهل مصر والمغرب، ويهود إسبانيا والشرق، فكان منهم ذلك المزيج الذي تميز منه ~~المستعربون والمدجنون والمولدون، وعاشت بفضل هذا التفاعل الحي بين العناصر والعروق ~~جميع الآراء والعادات، والكشوف العلمية، والمعارف والفنون والصناعات، والمخترعات ~~الحديثة، والأنظمة القديمة. # وانبثقت من تجاوب هذه القوى مواهب الإبداع والتجديد، ووصل من الشرق الحرير والقطن ~~والقهوة والورق والليمون والبرتقال والرمان والسكر مع هؤلاء الوافدين، كما وصلت ~~السجاجيد والمنسوجات والبارود والمعادن المنقوشة، وأخذنا عنه الحساب العشري والجبر ~~والكيمياء والطب وعلم الفلك والشعر المقفى. # ونجا الفلاسفة الإغريق من الضياع في غمرة النسيان؛ حيث تبعوا العربي في فتوحه ~~وغزواته، فتربع أرسطو في جامعة قرطبة التي ذاعت شهرتها في الآفاق، وظهرت بين العرب ~~الأندلسيين فكرة الفروسية التي تبناها فيما بعد رجال الشمال كأنها ميزة مقصورة على ~~الأمم المسيحية. # وبينما كانت شعوب الفرنجة والسكسون والجرمان يعيشون في الأكواخ، ويعتلي ملوكهم ~~وأشرافهم قمم الصخور في القلاع المظلمة، ومن حولهم رجالهم هم عالة عليهم يلبسون ~~الزرد، ويأكلون طعام الإنسان الأول قبل التاريخ، كان العرب الأندلسيون يشيدون ~~قصورهم القوراء، ويرودون الحمامات كما كان سراة رومة يرودونها من قبل للمساجلة في ~~مسائل العلم والأدب، وتناشد الأشعار، وتناقل الأخبار. # وكلما آنس راهب من نفسه رغبة في العلم اختلف إلى الجامعات العربية أو المجامع ~~الإسرائيلية في إسبانيا، ووقر في أخلاد الملوك والأمراء أنهم مبرءون من أمراضهم ~~لا محالة إذا أسعدهم الحظ بطبيب إسباني، مهما يكلفهم ذلك. # ثم انفصل العنصر الوطني عن الغزاة، وتجمعت القوميات المسيحية الصغيرة؛ فاشتبك ~~العرب والإسبان في حروب سجال لا تنتهي إلى الإبادة والاستئصال بعد الانتصار، وأضمر ~~كل ms070 منهم لصاحبه احتراما عميقا، فهو يعاهده على فترة طويلة من فترات السلم كأنما ~~يحاولون بذلك تأجيل تلك اللحظة التي يحم فيها الفراق الأخير، ويعاونه خلال ذلك في ~~بعض الأعمال التي تفتقر إلى اشتراك الجهود. # ولقد عمت الحرية في ذلك العهد أقاليم إسبانيا المسيحية نفسها قبل أوروبا الشمالية ~~بزمن طويل، واستقلت بتنظيم أمورها المالية، وجعلت الملك أو الأمير بمقام رتبته ~~العسكرية، وأصبحت المقاطعات كالجمهوريات الصغيرة التي يتولاها حكامها ~~المنتخبون. # وكان المتطوعون في المدن قدوة مثلى للجيوش الديمقراطية، وكانت الكنيسة المسيحية ~~وهي على اتصال بالشعب تعيش بسلام في جوار الأديان المختلفة، ونجمت في الأمة طبقة ~~وسطى فعالة، فأبدعت الصناعات المتعددة، وأنشأت على السواحل أعظم قوة بحرية في ~~زمانها، وراجت المنتجات الإسبانية في جميع المرافئ الأوروبية، وقامت في البلاد مدن ~~تضارع في تعداد سكانها الحواضر الحديثة، واختصت بعض القرى بمعامل النسيج، ووزعت ~~الأرض في شبه الجزيرة بأسرها. # وقد ارتقى العرش ملوك الكثلكة في الوقت الذي بلغت فيه القوى الوطنية أوجها، وإنما ~~يرجع طول ملكهم إلى موارد القرون الوسطى الفياضة بالإبداع، المخزونة في ودائع ~~العصور السابقة. # إلا أنه كان ملكا مشئوما بغيض العواقب؛ لأنه حاد بالسياسة الإسبانية عن سواء ~~السبيل، فاندفع بإسبانيا إلى التعصب الممقوت، ونفخ فينا نزعة التوسع في ~~الاستعمار. # كانت إسبانيا يومئذ تتبوأ المكانة التي تتبوأها إنجلترا في عهدنا الحاضر، ولو ~~أنها اتبعت سياسة التسامح الديني والتعاون بين الشعوب، وواصلت عمل العرب الصناعي ~~والزراعي بدلا من مغامرات الحرب، ومطامع الاستعمار؛ لكان لنا اليوم شأن غير شأننا ~~الذي وصلنا إليه. # وإن الطابع الإسباني لأبرز في عصر النهضة الأوروبية من الطابع الإيطالي الذي ~~اتسمت به إيطاليا، بما انبعث فيها من آداب الأمم القديمة وفنون الإغريق؛ فإن النهضة ~~لم تقتصر على الميادين الأوروبية والفنية، بل أخرجت إلى العالم حضارة جديدة ~~بتقاليدها وصناعتها وجيوشها وعلومها. وهذا كله من ثمرات إسبانيا العربية ~~والإسرائيلية والمسيحية. # فالقائد العالم القرطبي الكبير «جون سالفو» رسم خطط الحرب الحديثة، وتفوق ~~«بدرونوفارو» في الهندسة، واستخدمت الجيوش الإسبانية الأسلحة النارية لأول مرة في ~~التاريخ، ms071 فكان استخدامها هو الذي خلق فرق المشاة، وجعل من الحرب قوة ديمقراطية؛ ~~لأنه قدم الشعب على جماعة الفرسان الذين كانوا سجناء تلك الشكة العسكرية ~~الأرستقراطية. # إلى أن يقول: # أسرعت دونا إيزبيلا بذلك التعصب النسائي الذي امتلأت به فأنشأت محاكم التفتيش، ~~وانطفأ من ثم مصباح العلم في المسجد والبيعة، وخلفته في الدير المسيحي ذبالة ~~العبادة؛ لأن الساعة ساعة صلاة، وقد ولت ساعة العلم، وانزوت الفكرة الإسبانية في ~~غياهب الظلمات؛ حيث ترتعد بردا في عزلتها المضنية، وتخبو شيئا فشيئا إلى أن ~~تموت، وإن بقيت منها بقية، فهي تلك التي تنصرف إلى الشعر والمسرح والجدل الديني، مذ ~~كان العلم يفضي بصاحبه إلى نار الحريق ... # هذه الشهادة الإسبانية الصحيحة - شهادة أبانيز - للدول العربية في الجزيرة الأندلسية هي ~~خلاصة التاريخ المتفق عليه، وليست تحية إعجاب وكفى من رجل منصف متوثب الخيال. # ولم يمار في هذه الخلاصة التاريخية أحد من المؤرخين المعول عليهم، سواء كانوا من ~~العرب أو الأوروبيين أو الإسبان، إلا أفرادا قلائل زعموا أن الحضارة العربية في الأندلس ~~قامت على أيدي أبنائها الأصلاء دون الغرباء الوافدين عليها، وهو زعم عجيب يوحي أول ما يوحيه ~~إلى الذهن أن يسأل: ولم لا تزدهر العبقرية الإسبانية إلا في ظل الحكومة العربية، فلا تؤتي ~~ثمراتها قبل وفود العرب، ولا بعد ذهابهم وذهاب آثارهم في العلم والصناعة والعمران؟! # وجواب هذا السؤال ينفي كل زعم يلهج به أمثال أولئك المنكرين المتعصبين، وبخاصة حين يرسلون ~~زعمهم إرسالا لا يؤيده اسم واحد من أسماء أبناء البلاد الأصلاء الذين ساهموا مع العرب في ~~أعمال الحكم والتعمير، أو كانت مساهمتهم دليلا على مشاركة عامة متسعة النطاق. # وأول ما يستخلص من قيام الحضارة الأندلسية على هذا الوصف المتفق عليه، أن آثارها في ~~أوروبا كانت أعم وأعمق مما تسجله الكتب المطولة أو الكلمات المقتبسة؛ لأننا نرى بأعيننا في ~~عصرنا الحاضر كيف يكون أثر القدوة بالسماع، فضلا عن القدوة بالمعاشرة الطويلة بين الشعوب. ~~وهذه الثورة الفرنسية قد تخللت أوروبا وآسيا وأفريقيا بمبادئها وحوافزها ولما يتجاوز ~~المطلعون على ms072 حقيقتها آحادا معدودين في كل بلد من بلدان تلك القارات، فإذا كانت القارة ~~الأوروبية لا تغير نظرتها إلى الحياة بعد معاشرة تلك الحضارة الأندلسية على استفاضتها وطول ~~أمدها؛ فالتهمة هنا تتجه إلى العنصر الأوروبي ولا تتجه إلى العنصر العربي أو الإسلامي ~~بحال. # وقد أصاب أبانيز حين قال: إن عصر النهضة مدين للحضارة الأندلسية قبل الحضارة الإيطالية ~~التي أعقبتها؛ لأن عصر النهضة لم يكن عصر تجديد للفنون الإغريقية القديمة ولا مزيد على ذلك ~~من عنده، ولكنه كان عصر تجديد في الحياة العملية، والمرافق الصناعية والتجارية، وفهم مستحدث ~~للعقيدة وللعالم وللعلاقات بين الحاكمين والمحكومين، أو كان عصر معيشة جديدة تناولت ~~بالتبديل والتعديل طبقات الشعوب من العلية إلى السواد. وأولى أن يأتي ذلك من القدوة الشعبية ~~في جميع الشئون العملية بعد اتصال المعاشرة بين حضارة العرب وأبناء أوروبا الغربية عدة ~~قرون. # وفي وسع الأرقام والألفاظ أن تحصي لنا آثار العرب في بعض العلوم أو بعض الصناعات، ولكن ~~آثار العرب في الحضارة العامة لا تستقصيها الأرقام ولا الألفاظ، ولا هي موقوفة على استقصاء ~~أرقام وألفاظ ؛ لأن زعم الزاعم أنها قد مضت بغير أثر كبير يناقض العقل البشري كما يناقض ~~المشاهد والمحسوس. وإسناد هذا الأثر إلى غيرها بلا مشاركة منها على الأقل تعسف لا يؤخذ به ~~في سياق التاريخ. # وقد جاءت النهضة بعد عهد الحضارة الأندلسية، وجاء الإصلاح الديني بعد النهضة، وجاءت ~~الحرية السياسية بعد الإصلاح، ولم ينكر أحد من الأوروبيين أثر واحدة من هذه الحركات في ~~الأخرى؛ فليس في وسع المنكرين المتعصبين منهم أن يقطعوا الصلة بين الحركة الأولى وما تلاها، ~~مع هذا التلازم في الزمان والأسباب. # | الدولة والنظام # من المفارقات في ظاهر الأمر أن يقال: إن الحضارة الإسلامية كان لها أثر في فصل الدولة عن ~~الكنيسة، وفيما تلا ذلك من حركات التحرير أو دعوات التغيير في معنى الدولة والملك، وعلاقة ~~الرعايا والملوك. # وإنما يبدو هذا القول كأنه من قبيل المفارقات؛ لأن المعلوم الشائع عن الإسلام أنه وحد ~~الملك والخلافة الدينية، وجمع بينهما في ms073 كثير من الدول الإسلامية شرقيها وغربيها، وقديمها ~~وحديثها، فكان لقب أمير المؤمنين وخليفة رب العالمين من ألقاب الملوك المسلمين إلى زمن غير ~~بعيد، ولا يزال من هؤلاء الملوك من يتسمى به في مملكته إلى الآن. # ولكن الواقع - كما أسلفنا - أن المفارقة في الظاهر لا في الحقيقة؛ لأن حركة التحرير في ~~هذا الاتجاه بين الأوروبيين إنما أتت على خطوات متلاحقات منذ القرن الحادي عشر للميلاد إلى ~~عصر الثورة الفرنسية. وكانت الخطوة الأولى في هذا الاتجاه هي ثورة الملوك على سلطان ~~الكنيسة، ونزع بعضهم كما حصل في إنجلترا إلى الجمع بين الرياسة الدنيوية والرياسة ~~الدينية. # وكان استقلال الملك المسلم عن سلطان رجال الدين في الشرق والغرب من أقوى الحوافز التي ~~جالت في خواطر الملوك الأوروبيين زمنا بعد مقاربتهم للدول الإسلامية في الأندلس تارة، وفي ~~البلاد التي تناولتها الحروب الصليبية تارة أخرى، فنزعوا بدافع من الغيرة والقدوة الماثلة ~~أمام أعينهم إلى محاكاة أندادهم وأقرانهم، والتمرد على ذلك السلطان الشامل الذي فرضته ~~الكنيسة عليهم وعلى رعاياهم. # فقد كان للأحبار الرومانيين حق الحرمان والغفران يسلطونه تارة على الملوك والأمراء، وتارة ~~على آحاد الناس، وربما أعلنوا حرمان الملك وأحلوا رعاياه من الطاعة له؛ فتذرع الأتباع ~~الناقمون عليه بهذا الإعلان لنقض طاعته، وتمزيق ملكه، وربما ألفى الملوك أنفسهم مضطرين في ~~كثير من الأحيان إلى تملق الأحبار في رومة، والسعي إليهم لاستغفارهم وطلب المعونة منهم على ~~أتباعهم ومنافسيهم. # ونظروا بأعينهم إلى ملوك مثلهم في أوروبا نفسها، وفي البلاد الشرقية التي عرفوها، فوجدوهم ~~أحرارا من هذه الربقة، آمنين على عروشهم من ذلك السيف المصلت على الرقاب، فلا جرم تحيك في ~~صدورهم نازعة من الغيرة وطلب المحاكاة، ويغتنمون الفرصة الأولى لإدراك ما تمنوه وفكروا ~~فيه. # ومهما يكن من تعدد الأسباب التي تقدمت ثورة الملوك على الكنيسة، فمن أسبابها التي تذكر ~~ولا تنسى هذه القدوة الملكية الماثلة في الأندلس ومصر وبلاد الشرق الأدنى. ولم يتفق عبثا ~~على ما نرى أن تبدأ الثورة في ألمانيا وإنجلترا، وهي البلاد التي كان لها ملوك ms074 وأمراء ~~أقاموا بالشرق في خلال الحروب الصليبية، فإن هؤلاء الملوك جربوا إنشاء الدول بأسمائهم في ~~البلاد الشرقية، بعد أن غلب على الظن أن هذه الدول ستقام باسم السلطة البابوية، والحرب حرب ~~صليبية، والمرجع فيها إلى رجال الدين وأحبار الكنيسة ... فلما استقامت لهم التجربة، ومثلت ~~أمامهم القدوة، وأتيحت لهم أو لخلفائهم الفرصة المواتية؛ خرجوا على سلطان الكنيسة، فكانت ~~هذه هي الخطوة الأولى في سبيل الفصل بين الدين والدولة، أو في سبيل عزل الكنيسة عن تدبير ~~الشئون السياسية في البلاد الأجنبية عنها. # وقد كانت هذه الثورة الملكية ضرورية قبل الثورة الشعبية التي تلتها، وكانت حرية الشعوب مع ~~ملوكهم على قدر حرية الملوك مع رجال الكنيسة. # ولولا أن ثورة الملوك كانت لازمة قبل ثورة الشعوب لاستفاد الأوروبيون من مقاربة الدول ~~الإسلامية معنى آخر أجل وأسمى من هذا المعنى، في فهم حقيقة الدولة، وحقيقة الرعاية أو ~~العلاقة بين الراعي والرعية؛ لأن أوروبا ظلت إلى القرن السابع عشر تعتبر الدولة سيادة ~~للحاكمين على المحكومين، وظل علماؤها ينكرون حق الشعب في الإشراف على الحكومة، ويعتبرون أن ~~هذا الحق طريق إلى الفوضى والفساد، كما قرر جروسيوس في كلامه عن حقوق الحرب والسلام. # وقبل جروسيوس - إمام القانون الدولي عندهم في زمانه - كان المعري يقول في أوائل القرن ~~الحادي عشر للميلاد؛ أي قبل جروسيوس بستة قرون: # ظلموا الرعية واستباحوا كيدها # وعدوا مصالحها وهم أجراؤها # وقبل المعري بأربعة قرون كان القرآن يعلم الناس أن أمر الرعية شورى بينها، وكان الرسول ~~- عليه السلام - يعلمهم أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وكان الفاروق يعلمهم ~~أنهم ولدوا أحرارا لا يستعبدهم خليفة ولا أمير. # على أن الأوروبيين إذا كان قد فاتهم أن يتلقوا عن الدول الإسلامية هذا الدرس الرفيع في ~~معنى الدولة، والعلاقة بين الحاكمين والمحكومين فيها، فإنهم قد عرفوا من تلك الدول ~~الإسلامية شيئا جديدا في العلاقات الدولية، ومعاهدات السلم والصلح والمتاركة بين الأعداء ~~والمختلفين بالعقائد والعناصر واللغات؛ فإن الإسلام قد أباح لأتباعه معاهدة المشركين ~~والذميين وأهل الكتاب، كما أباح لهم معاهدة ms075 إخوانهم في الدين. # وقد كانت نشأة الدول الإسلامية على الأرض الأوروبية مناسبة حية لتطبيق هذه المعاملات مع ~~المحاربين والمسالمين، ومع الحكومات وآحاد الناس، وكان الأمير المسلم لا ينقض عهد أمانة لمن ~~أمنهم على أنفسهم وأموالهم ولو كانوا من أعدى أعدائه، فكان الفرسان المسيحيون يترددون على ~~العواصم الأندلسية لينازلوا أبطال المسلمين ذوي الصيت الذائع في حلبات الفروسية والرياضة ~~البدنية، فلا يعتدى عليهم غالبين ولا مغلوبين، وكانت الحكومات المسيحية التي ترتبط بعهود ~~المسالمة أو المتاركة مع المسلمين على ثقة من الوفاء بهذه العهود في أحرج الأوقات وأحفلها ~~بالمخاوف والأخطار. # وشاهد الصليبيون في المشرق مثلا آخر من أمثلة هذه القداسة المرعية للمعاهدات الدولية، ~~وهذه السنة الجديدة في معاملات الحكومات والشعوب، فتغنى الروائيون والشعراء الإنجليز بصدق ~~صلاح الدين وشممه وأريحيته في معاملاته لخصومه، وسجلوا له بالثناء والإعجاب صدقه الذي ~~لازمه في كل وعد من وعوده، فلم ينقض كلمة قط، ولم يحنث مرة بيمين. # وأعجب من هذا في باب التفرقة بين حدود الخصومة وحدود المعاملة: أن قيام الحرب بين العرب ~~والصليبيين لم يكن ليقطع أسباب التعامل بين المتقاتلين في غير ما تستدعيه ضرورات القتال، ~~ومن ذاك ما رواه الرحالة ابن جبير حيث قال: # ومن أعجب ما يحدث به أن الفتنة تشتعل بين الفئتين مسلمين ونصارى، وربما يلتقي ~~الجمعان منهم، ويقع المصاف بينهم ورفاق المسلمين والنصارى تختلف بينهم دون ~~اعتراض عليهم. شاهدنا في هذا الوقت، الذي هو شهر جمادى الأولى، من ذلك خروج صلاح ~~الدين بجميع عساكر المسلمين لمنازلة حصن الكرك - وهو من أعظم حصون النصارى، وهو ~~المعترض في طريق الحجاز، والمانع لسبيل المسلمين على البر: بينه وبين القدس مسيرة ~~يوم أو أشق قليلا، وهو سرارة أرض فلسطين، وله منظر عظيم الاتساع، متصل العمارة. ~~يذكر أنه ينتهي إلى أربعمائة قرية - فنازله هذا السلطان وضيق عليه، وطال حصاره، ~~واختلاف القوافل من مصر إلى دمشق على بلاد الإفرنج غير منقطع، واختلاف المسلمين من ~~دمشق إلى عكة كذلك. # وتجار النصارى أيضا لا يمنع أحد منهم ولا يعترض، وللنصارى على ms076 المسلمين ~~ضريبة يؤدونها في بلادهم وهي من الأمنة على غاية. وتجار النصارى أيضا يؤدون في ~~بلاد المسلمين على سلعهم، والاتفاق بينهم على الاعتدال في جميع الأحوال وأهل الحرب ~~مشتغلون بحربهم، والناس في عافية، والدنيا لمن غلب. هذه سيرة أهل هذه البلاد في ~~حربهم، وفي الفتنة الواقعة بين أمراء المسلمين وملوكهم كذلك، ولا تعترض الرعايا ولا ~~التجار؛ فالأمن لا يفارقهم في جميع الأحوال سلما أو حربا، وشأن هذه البلاد في ذلك ~~أعجب من أن يستوفى الحديث عنه ... # وقد كان لفهم الدولة على معناه الصحيح أثره النافع في العلاقات السلمية والحربية بين ~~الحكومات، فلم يحدث قط في العالم العربي أن دولة حاربت أخرى للمطالبة بحصة أميرة في العرش، ~~أو للخلاف على ميراث الأصهار وتركات البيوت الملكية؛ لأن الحضارة العربية رفعت معنى الدولة ~~من مرتبة الحطام الذي يورث أو ينتقل بالنسب والمصاهرة، إلى المرتبة الإنسانية التي ارتقت ~~إليها الحضارة الحديثة بعد ذلك ببضعة قرون؛ وهي قيام الدولة على علاقة حرة بين الراعي ~~المسئول والرعايا الطلقاء من أسر العبودية والاسترقاق، فلا جرم يقال بحق: إن الحضارة ~~العربية سبقت أوروبا زمنا طويلا في مجال التربية الدولية، وسلكت المنهج الوحيد الذي يؤدي ~~إلى انتظام المعاملات العالمية على الوجهة القديمة التي يممها دعاة الإصلاح في عهد عصبة ~~الأمم المتحدة، وما يشبهها من الجامعات. # | أثر أوروبا الحديثة في النهضة العربية # | سداد الديون # مضى زمن كانت أوروبا فيه - كما رأينا في بعض فصول هذا الكتاب - تتلقى الحضارة العربية وهي ~~نافرة متبرمة، أو حائرة مستسلمة؛ إذ كان شيوخها وأصحاب زمامها ينعون الزمان، ويسخطون على ~~الدنيا ومن فيها؛ لأن وجوه الناشئين قد تحولت عن القبلة التي كانوا يأتمون بها، وعقول ~~المتعلمين قد انصرفت عن المطالب التي كانوا يعكفون عليها، فأصبحوا ولا هم لهم إلا الإقبال ~~على كل ما هو عربي غريب، والإعراض عن كل ما هو أوروبي أصيل. # ثم دارت الأفلاك دوراتها التي تدورها كأنما هي مستقرة في مكانها، فإذا بصيحة كهذه الصيحة ~~تسمع من جانب الشرق العربي كأنها منقولة من ms077 أفواه أولئك الأوروبيين الذين رددوها قبل ألف ~~سنة؛ لأن أبناء الشرق أصبحوا ولا هم لهم إلا الإقبال على كل ما هو أوروبي غريب، والإعراض ~~عن كلما هو شرقي أو عربي أصيل! # ذلك سداد الديون! # وكثيرا ما يكون سداد الديون غير مقصود وغير مشكور، ولا سيما ديون الحضارات الإنسانية ~~التي تتوارثها الأمم دواليك بين الأخذ والإعطاء. # وتعلم الشرق الحديث من أوروبا كما تعلمت أوروبا من الشرق القديم. # ولا ضير في التعليم، ولولا أنه كان تعليم قصور. # فإن الولع لكل جديد كالوالع بكل قديم، دليل على نقص في التمييز، وعلى اتباع يخلو من ~~الابتداع. # وقد عشنا زمنا في الشرق ومقياس الحرية عندنا أن نقبل على كل جديد لأنه جديد، وأن نثور ~~على كل قديم لأنه قديم. # فكان ذلك عهد تعليم، وكان كذلك عصر قصور. # ثم بلغ هذا العصر مداه فبرزت في صفوف الشرقيين طائفة تملك حريتها في وجه الجديد كما ~~تملكها في وجه القديم، فلا يفقد الإنسان صفة الحرية لأنه يفضل بعض القديم على بعض ~~الجديد، ولا يكسب الإنسان صفة الحرية لأنه يفضل كل جديد على كل قديم، بل يكون مقياس ~~الحرية هو مقايس التمييز لكل ممتاز، والاختيار لكل ما يستحق أن يختار. # نقلة من عصر القصور إلى عصر الرشد والاستقلال. # تعلمنا مكرهين متبعين، ثم نتعلم مختارين مبتدعين. # ولم يقتصر ما تعلمناه من قبل أو ما نتعلمه اليوم على باب دون باب، أو فريق دون فريق، بل ~~شمل المدرسة والبيت والسوق، وعم الجامدين والمتوسطين والمتطرفين، ولا يزال علينا أن نتعلم ~~الكثير في كل باب، وأن نترقب التقدم من كل فريق، ولكن على سنة الرشد لا على سنة ~~القصور. # وسيبلغ هذا العصر مداه بعد حين، وستدور الأفلاك دوراتها التي يتشابه فيها المدار بالقرار، ~~فغير بعيد أن تسمع الصيحة مرة أخرى في جانب من جوانب الكرة الأرضية ... وغير بعيد أن يمليها ~~الشرق في هذه المرة على نحو جديد ... فقد يتسع لها عالم الروح إن لم يتسع لها عالم الفكر ~~والعلم، أو عالم الحكم والسلطان. ms078 # | الاجتماع والسياسة # شاع التعليم الحديث في الشرق كما شاعت فيه القدوة المعيشية بكثير من مظاهر الحضارة ~~الأوروبية، وكان لشيوعهما معا فعل سرع في بعض آداب الاجتماع ومقوماته، تقابلت فيه المحاسن ~~والمساوئ، على حكم العادة المألوفة في كل تغير سريع. وقلما يقع التغير في العرف ~~الاجتماعي دون أن تبدو آثاره ومصاحباته في الأسرة، وفي العادات العامة، وفي العلاقة بين ~~الطبقات. # وقد كان لذلك التغير السريع آثاره في هذه المناحي الثلاثة، ولا سيما الأسرة، فإن التعليم ~~وتحرير المرأة وتطور لوازم المعيشة قد اتحدت كلها على تقليل الرغبة في تعدد الزوجات؛ لأن ~~الرجل المتعلم يطلب الزوجة للمشاركة في الفهم والشعور، ويضن ببنته وأخته في الوقت نفسه أن ~~تتعرضا لمتاعب الضر والمنازعة بينها وبين الزوجات الأخريات، والمرأة المتحررة تنشد الزوج ~~الذي يشاطرها الحب والمودة، ويعاملها معاملة الشريكة في حياته البيتية وحياته النفسية. ~~وتكاليف المعيشة وتعليم الأبناء عبء لا يقوى عليه الزوج الذي يضطلع بهذه التكاليف في أكثر ~~من أسرة واحدة. # وأصبح اقتناء الجواري محرما بحكم القانون بعد اتفاق الدول على تحريم الرق، فبطلت الذرائع ~~إلى تعديد الزوجات بالتسري والاسترقاق، وكان ضربا من الوجاهة ترضاه بعض الأسر الغنية على ~~هذا الاعتبار. # وشوهدت في الأسر المصرية عناية بالحفلات البيتية لمناسبات لم تكن شائعة بين الشرقيين قبل ~~الحضارة الأوروبية، وهي ذكريات الزواج، وذكريات ميلاد الآباء والأمهات والأبناء، وغيرها من ~~المناسبات العامة التي يحتفل بها الغربيون؛ كرأس السنة الشمسية، وبعض مواسم الفصول، وأبيح ~~في هذه المناسبات ما لم يكن مباحا قبل ذاك في مجتمعات الأسر كالمقامرة والشراب. # وقد كسبت الأسرة الشرقية من ناحية، وخسرت من ناحية أخرى بهذا الازدواج العجيب في آداب ~~المعيشة، فإن الأمم الشرقية اقتبست من الغرب كثيرا من عادات الفراغ والنزهة «خارج البيت»، ~~ولم تكن كلها مما يرافق حياة الأسرة وواجبات التربية التي تناط بالأمهات والآباء داخل ~~البيوت، وساء فهم الحرية النسائية في بعض البيئات، فسبق إلى الأوهام أن الحرية تحرر من ~~جملة القيود، ومنها قيود الوفاء للأزواج والأبناء، فتداعى بنيان الأسر التي فشت فيها ms079 هذه ~~البدعة الغربية، وامتحن المجتمع الشرقي بمحنة خطيرة يحاول اليوم أن ينجو منها، ولا يزال في ~~محاولاته حتى يتاح له الاستقرار على ملتقى مريح بين دواعي الحاضر ودواعي الماضي، ودواعي ~~الحرية الفردية ومطالب المجتمع والأسرة. # أما العلاقة بين الطبقات فلم تتغير تغيرا كثيرا في الأمم الشرقية بعد الاحتكاك بالحضارة ~~الأوروبية؛ لأن أوروبا منعت قيام الصناعات الكبرى في بلاد الشرق، واحتكرت أسواقها ~~لمصنوعاتها، فوقف الزراع وأصحاب الأرض في موقفهم القديم، وركدت الصناعة فلم تجتمع عصبة من ~~العمال في صعيد واحد للمطالبة بحقوقها كما تفعل جماعات العمال في العواصم الصناعية ~~الكبرى. # وحالت أوروبا دون تجدد الطبقات بحائل آخر لم تقصده، ولكنه فعل فعله في جميع الأقطار ~~الشرقية على تنوع مرافقها الاقتصادية، وذاك أنها أرسلت إلى الشرق أموالها ومصارفها وشركاتها ~~لتستغل أغنياءه وفقراءه على السواء، فأصبحت الطبقات الاجتماعية كلها في حكم الطبقة العاملة ~~أمام هذا الاستغلال، وتأجل تقسيم الطبقات من جراء هذا الاتفاق بينها في مواجهة رءوس الأموال ~~الأجنبية. # وفيما عدا نشوء الحركة التعاونية في المدن والقرى على نطاق ضيق محدود، لم تتغير علاقات ~~الاقتصاد بين الطبقات تغيرا يناسب الخطوات السياسية التي خطاها الشرقيون سعيا إلى التحرير ~~والاعتراف بالمركز القانوني في المعاملات الدولية. # وأهم ما يذكر في باب تجديد الطبقات أن انتشار التعليم وازدحام المدن قد ضاعفا قوة الطبقة ~~الوسطى، فارتفع لها صوت مسموع في توجيه السياسة الوطنية، ولم تزل الطبقة الفقيرة عالة على ~~الطبقة الوسطى في المطالبة بحقوقها، والإفضاء بشكايتها، ولكنها تستقل بالرأي شيئا فشيئا ~~خلال هذه السنوات، ولا سيما سنوات الحرب العالمية وما تخللها وأعقبها من دعوات الإنصاف ~~والتقريب بين الطبقات. # وإذا استطرد القول إلى الاقتصاد الاجتماعي - أو الاقتصاد الذي له علاقة بروح المجتمع ~~وأخلاقه - فمن المستحدثات التي لا تهمل في هذا الصدد أن الشرق الإسلامي ترخص في إنشاء ~~المصارف المالية، وقبل التعامل بالفائدة الطفيفة التي لا يعتبرها من الربا الفاحش المحرم ~~بنصوص القرآن. # على أننا ننظر إلى جهود الأمم الشرقية من جميع الاعتبارات، فيجوز لنا أن نقول: إن الوعي ~~السياسي ms080 فيها قد سبق الوعي الاجتماعي شوطا أو شوطين ... وإن المصلحة القومية تدفع بها ~~الموازنة بين مساعيها في ميدان السياسة وميدان الاجتماع، بعد أن استنفدت قوتها الكبرى على ~~إثر يقظتها الأولى في تحقيق غاياتها الوطنية وآمالها في الحكومة النيابية. # وقد أجملنا الكلام في غير هذا الفصل على الوطنية والحكومة النيابية ... ونضيف إليه في باب ~~التجديد السياسي أن اصطدام الغرب بالشرق كانت له آثار أخرى في أعمال الحكومات غير هذه ~~الآثار في أعمال الشعوب، فعمدت كل حكومة تملك بعض التصرف في شئونها إلى تبديل نظامها ~~العسكري، وإنشاء المحاكم الحديثة التي سميت بالمحاكم الأهلية أو المحاكم المدنية. ولم يكن ~~لها مناص - قبل إلغاء الامتيازات الأجنبية - من اقتباس القضاء الأوروبي، ومبادئ القوانين ~~الأوروبية على الإجمال. # ومن الآثار التي لا تغفل في صدد الكلام على التفاعل بين الحضارتين الأوروبية والعربية: ~~أن سياسة أوروبا قوبلت في الشرق العربي بقوة جديدة في عالم السياسة تعرف بالجامعة العربية، ~~وهي قوة لا تقتصر على أعمال الساسة وولاة الأمور؛ لأنها في واقع الأمر مستمدة من يقظة ~~الشعوب وإحياء التراث العربي منذ مائتي سنة، في كل مكان يحتاج أهله إلى معرفة اللغة ~~العربية. # ومن المألوف على ألسنة المتعجلين إذا رأوا موافقة بين خطة أوروبية وحركة شرقية أن ينسبوا ~~هذه الحركة إلى تدبير الأوروبيين، ويحسبوها من المناورات المصطنعة التي لا ترجع إلى سبب غير ~~ذلك التدبير، وكذلك فعلوا في حكمهم على الجامعة العربية حين لاح لهم أن السياسة الأوروبية ~~تماشيها ولا تعمل على إحباطها. وفي هذا ولا شك انحراف عن الفهم الصحيح؛ فإن السياسة ~~الأوروبية كائنا ما كان بأسها واقتدارها على التدبير والتمويه لا تمالئ شبحا في الخيال، ~~ولا تخلق شيئا من لا شيء، ولا تصطنع حركة من الحركات التي يساهم فيها الملايين تقوم كلها ~~على محض اصطناع. # ومن شأن الدعاة السياسيين أن يستفيدوا من الدعوات في إبانها وفي مكانها، ولكنهم لا ~~يسبقونها ولا يخلقونها، بل لا يفهمونها قبل وقوعها ولا يتسلقون النظر إليها؛ فلم يكن أكثر ~~من المؤتمرات الدولية التي انعقدت ms081 في القرن الثامن عشر والذي يليه، ولكنها لم تعرض مرة من ~~المرات للمناداة بحقوق الشعوب، أو مبادئ تقرير المصير، ولم يحجموا عن ذلك عجزا عن الخداع ~~أو كراهة منهم للمناورات، ولكنهم أحجموا عنه لأن هذه الدعوات لم تكن لها حقيقة ماثلة في ~~حركات الشعوب، فلما وجدت هذه الحقيقة الماثلة كثرت المناداة بها في خطب الساسة، وبرامج ~~الوزارات، ومباحث المؤتمرات، وكان من نتائجها فعلا أن عدد الشعوب المستقلة يزداد عاما بعد ~~عام. # واليقظة العربية حقيقة ماثلة وحركة طبيعية لا شك فيها، قامت في نشأتها الحديثة على الرغم ~~من السياسة الأوروبية، ولم تقم باختيارها وتدبيرها، وعادت إلى المجتمع والوحدة بين الحربين ~~العالميتين؛ لأنها لا بد أن تعود بعد قوتها الأولى؛ فمنذ أوائل القرن التاسع عشر سئل ~~إبراهيم باشا وهو يناضل الدول العثمانية: إلى أين تنتهي فتوحاته؟ فقال: حيث لا يوجد من ~~يتكلم العربية. يريد بذلك أن ينشئ دولة عربية محضا، ولا يريد أن يتجاوزها إلى بلاد ~~أخرى. # وحوالي هذا الوقت كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب في نجد يعلن الثورة على الحكومة ~~العثمانية ، ويجمع القبائل في جزيرة العرب لتوحيد كلمتها، والاتجاه بها إلى وجهة الاستقلال ~~عن السيطرة الخارجية. # ولم تكن جزيرة العرب يومئذ تعترف بشيء من السلطان الأجنبي غير السيادة الاسمية والرقابة ~~البعيدة التي لا تتعرض لشئونها الداخلية؛ فكان أمراء نجد والكويت والحجاز واليمن يأخذون ~~وقلما يعطون في علاقتهم بالدولة العثمانية، وكانوا على استقلالهم الذي تعودوه منذ القدم في ~~حواضر الصحراء وبواديها، ولا سيما البوادي التي تحجم عنها جنود الدولة، ولا تنفذ إليها بغير ~~إذن من أبنائها، ولولا قرب العراق من مراكز الحدود التي تحميها الدولة بجيوشها لكان شأنها ~~في جملته كشأن الجزيرة العربية. # وكانت أفريقية الشمالية تعتمد على نفسها في مدافعة الفرنسيين عن استقلالها، وحوزة أمرائها ~~وشعوبها. أما في سورية ولبنان، فقد رحبت جمهرة الشعب بحركات الوحدة مع الأمم العربية ~~الأخرى، وكانت على اتصال دائم بوادي النيل والجزيرة، وكانت علاقة أمرائها سرا وجهرا ~~بمحمد علي الكبير مثار القلق الدائم للحكام العثمانيين. ms082 # وفي كل هذا كانت السياسة الأوروبية تقف من حركات العرب موقف المقاومة والتثبيط؛ لأنها ~~عملت على بقاء الأمم العربية في حوزة الدولة العثمانية، محرومة جهد المستطاع من حقوق ~~السيادة والاستقلال. ولم تفلح هذه المقاومة إلا ريثما استجدت تلك الأمم نشاطها وتحفزت مرة ~~أخرى للوثوب إلى غايتها. # فقامت في مصر حركة المطالبة بمصر للمصريين، وقامت في السودان حركة الثورة على «الترك» كما ~~كانوا يسمون الأجانب أجمعين، وقامت في بلاد العرب دعوة واحدة إلى الاستقلال، لكنها كانت ~~تمتحن من آونة إلى أخرى بمحنة المنافسة بين زعماء العشائر وأمراء الأقاليم، ودخل السوريون ~~واللبنانيون والعراقيون في حزب تركيا الفتاة؛ لأنه الحزب الذي كان يمنيهم بالحكومة ~~«اللامركزية»؛ أي حكومة العرب في بلادهم، كما يشاءون وبمن يشاءون. # وفي هذا الدور أيضا من أدوار القضية العربية كانت السياسة الأوروبية تخذل العرب أو ~~تمنعهم من الاستقلال غاية ما يقدرون عليه. # ثم نشبت حرب الأمم قبل ثلاثين سنة، فتحركت الجامعة العربية من جديد، تارة على هدى، وتارة ~~على ضلال، فتسابقت دول أوروبا إلى كسب الأنصار من أمم العرب التي استقلت أو التي طمحت إلى ~~الاستقلال، وانتهت الحرب والأمم العربية جمعاء متفقة على المطالبة بالحرية، والمناداة باسم ~~العروبة في جامعة تتوافر لأعضائها حقوق الاستقلال. # وعلى ما كان من موقف أوروبا في المقاومة والتثبيط كانت لها فلتات هنا وفلتات هناك تبدر ~~منها حينا بعد حين، في سبيل التشجيع والإغراء. # فكان الإنجليز مثلا يشجعون المناداة بمصر للمصريين؛ لأنها تفصل مصر عن الدولة العثمانية، ~~ولكنهم يثبطونها من جهة أخرى؛ لأنها ثورة صريحة على الاحتلال البريطاني، وما عسى أن يتطور ~~إليه من بسط الحماية البريطانية في صورها الكثيرة. # وكان الفرنسيون ينشئون المدارس في البلاد السورية كما ينشئون فيها المطابع والمجامع؛ لنشر ~~كتب العرب وثقافة العرب، وإحياء التراث العربي القديم؛ سعيا إلى الفصل بين العرب والدولة ~~العثمانية لا سعيا إلى استقلالهم عن جميع الطامعين، وكانوا يجتنبون ذلك في أفريقيا ~~الشمالية حيث يتفردون بالحكم ولا يستريحون إلى عواقب هذه اليقظة، أو هذه الجامعة الثقافية ~~الدينية. # وكان ms083 الألمان يقابلون هذا بالتقرب إلى «الجامعة الإسلامية»؛ لأنها تشمل التقرب من الترك ~~والعرب على السواء، ولكنهم يطمحون من وراء هذه الجامعة إلى بلاد العرب في طريقهم إلى الهند ~~والأقطار الآسيوية، ويدفعون السلطان عبد الحميد إلى مد خطوط المواصلات في أنحاء سورية ~~والجزيرة تحقيقا لأحلامهم، التي تتلخص في صيحتهم من «برلين إلى بغداد» ... ثم إلى الهند من ~~هذه الطريق. # فالسياسة الأوروبية قد وجدت حركة قائمة فاستفادت منها تارة بالمقاومة، وتارة بالتشجيع. ~~أما أنها تخلقها خلقا فذلك مخالف للواقع، مخالف لفحوى التاريخ. وهي تدخل اليوم في طور جديد ~~بفضل كيانها القديم لا بفضل السياسة المصطنعة، أو التدبير الخارجي من جانب الإنجليز أو جانب ~~الأمريكيين. # وقد تكون لبريطانيا العظمى مصلحة في مصادقتها، ورغبة في معاملتها، ولكنها تجد هذه المصلحة ~~في التفاهم بينها وبين الإغريق أو الإيطاليين، فلا يقول قائل: إنها خلقت القومية الإغريقية، ~~أو خلقت القومية الإيطالية، أو إنها قادرة على تجاهل القوميتين وإحباط ما ترميان إليه إذا ~~تحولت السياسة من خطة إلى خطة في المستقبل القريب أو المستقبل البعيد. # فالجامعة العربية حركة طبيعية من قديم الزمن، وهي طبيعية في هذا الزمن على التخصص؛ لأن ~~العصر الحاضر ينادي باحترام حقوق الأوطان، وينادي بالتعاون في الجوار، وينادي بالتعاون ~~الشامل في المسائل العالمية الكبرى. وأبناء العربية يحبون الاستقلال لأوطانهم ويتجاورون، ~~فيحتاجون إلى التعاون فيما بينهم على المرافق المشتركة، وهي أكثر من أن تنحصر في مرافق ~~الماضي، أو مرافق الحاضر، أو مرافق المستقبل على انفراد، وكلهم يودون أن يعانوا وأن يعينوا ~~في المسائل العالمية الكبرى التي تمسهم مباشرة، أو تمسهم بنتائجها التي تعم البشر ~~أجمعين. # وللجامعة العربية مستقبل سياسي رهين بأحوال العالم وتقلباته، وانتظام العلاقات بين شعوبه ~~وحكوماته، ولكن اليقظة العربية حقيقة لا ترتهن بالسياسة وحدها؛ لأنها مستمدة من طبيعة ~~الأشياء لا من برامج الدولة والرؤساء. # | الحكومة البرلمانية # حرم القرآن الكريم الحكم المطلق، وأنكر سلطان «الجبارين» في الأرض، وفرض الشورى على النبي ~~وخلفائه فقال: # وشاورهم في الأمر ~~، # وأمرهم شورى بينهم ~~، وقرر المساواة في العدل بين ~~جميع ms084 الناس وإن قضى بينهم بتفاوت الدرجات. # ويقرأ المسلم القرآن فيحس إحساسا «شوريا»، ويتعلم فريضة الشورى بالإيحاء والتلقين، ~~فضلا عما فيه من الأمر الصريح بالمشاورة، وسؤال أهل الذكر، واجتناب الطغيان في السلطان ~~والاستبداد بالحكومة؛ لأنه يرى أن أول عمل من أعمال الخليقة الإنسانية كان حقيقا أن يسمى ~~بلغة العصر الحاضر عملا «دستوريا» من جانب الخالق جل جلاله، ويقوم على الإقناع ولا يقوم ~~على الإكراه والإخضاع. # وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض ~~خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ~~ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا ~~تعلمون * وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم ~~على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم ~~صادقين * قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما ~~علمتنا إنك أنت العليم الحكيم * قال يا آدم ~~أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل ~~لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون ~~وما كنتم تكتمون ~~... # فلم يكن الاستخلاف في الأرض بالإخضاع بل بالإقناع، ولم يصبح الخليفة الموعود أهلا لهذه ~~الأمانة إلا بعلم يعلمه، ويجهله سائر الخلائق ممن فضله عليهم الخالق بهذا ~~الاستخلاف. # ووحي هذه المعاني المستفادة بالإيحاء والاستكانة يلقن المؤمن بالقرآن «حس» الشورى، ~~والنفرة من الاستبداد؛ لأن الإيحاء والاستكناه أقرب إلى التلقين من الأمر الصريح. # فالأمر «بالحكم الدستوري» قديم في الحياة العربية، أصيل في الدولة الإسلامية، ولكنه ~~المبدأ الذي سبق الأطوار الشعبية بعدة قرون، فلم تتهيأ له الجماعات الإنسانية إلا بعد ~~الدعوة المحمدية بألف سنة أو تزيد؛ لأن الأمر بالشورى ينفذ نفاذه حين يوجد معه صاحب الحق ~~الذي يطالب به من ينساه، ويرد إليه من يحيد عنه. # وليس صاحب الحق هنا غير «الشعب» الذي يتعلم ذلك الحق، ثم يشعر بالحاجة إليه، ثم يملك ~~الوسيلة التي تخرجه من حيز «المبدأ» الواجب إلى حيز «العمل» النافذ، ولم يكن تمام هذه ~~الأطوار ميسورا قبل أجيال تعقبها أجيال، وأهوال تتلوها أهوال. ويومئذ تصبح الشورى «نظاما» ~~يأتمر به الحاكمون والمحكومون، ويوشك أن يجري في الأمم مجرى الحوادث الطبيعية ms085 التي تتقرر ~~بالضرورة الغالبة قبل أن تتقرر بالاختيار والاستحسان. # فلما بلغت هذه الأطوار تمامها كانت الحكومة الشورية أو الحكومة الدستورية نظاما ~~أوروبيا يتلقاه الشرقيون عن الأوروبيين، ولا يتلقونه مذهبا غريبا يحتاج إلى إقناع، ولا ~~عقيدة جديدة تحتاج إلى تبشير. ~~••• # نعم إن القارة الأوروبية عرفت النظام البرلماني على صورة من صوره الأولى قبل الميلاد بعدة ~~قرون، فنشأ مجلس الشيوخ في رومة، ونشأت المجالس التي تمثله في أثينا وإسبرطة وبعض الأقاليم ~~الإغريقية، ثم نشأت بعدها مجالس أخرى أدنى إلى نظام المجالس التمثيلية الحديثة، وأقرب إلى ~~الحكم الديمقراطي الذي تشترك فيه جميع الطبقات. # ولكنه كان هنا «نظاما» من النظم الخاصة، ولم يكن الأمر فيه أمر المبدأ العقلي والحقوق ~~الإنسانية، فلم يعمل اللاتين والإغريق بهذه النظم تقريرا لحق الإنسان في الحرية، أو ~~تعميما «لمبدأ عقلي» يجوز تطبيقه أو يجب تطبيقه في جميع المدن وبين جميع الشعوب، ولكنهم ~~عملوا به لأنه حيلة صالحة لسياسة أمة بعينها على أقدار من فيها من رؤساء العشائر، ومن ~~يتنافسون على الحكم والسيادة. # ولما تطور الحكم الشعبي في أثينا على عهد كليستين الديمقراطي حتى أصبح حق النيابة حقا ~~عاما لمن بلغ الثلاثين في الدوائر الانتخابية المختلفة، لم يكن هذا «التطور» عقيدة ~~إنسانية قابلة للتعميم، ولا تسليما بالمبدأ الذي يقوم على الحرية وتقضي به الأصول ~~الأخلاقية، ولكنه كان تدبيرا موضعيا يناهض به تدبير الطغاة الذين كانوا ينافسون ذلك ~~الزعيم الديمقراطي بقوة القبيلة أو قوة العصبية. ولعله قد خطر له الاستنجاد بجماهير السواد ~~لإشراكها في الحكم كما خطر له الاستنجاد بالفرس لانتزاع الحكومة من طغاة القبائل ~~والعصبيات. # فالحضارة العربية قد سبقت الغرب بمبدأ الحكومة الشورية في مجال العقيدة والأخلاق. # والغرب قد سبق الحضارة العربية بحكومة الشورى في مجال النظم الواقعية التي تتمخض عنها ~~حوادث التاريخ. # ولا نظن أن الحكم الدستوري كان ينتقل إلى بلاد الشرقين الأدنى والأوسط بهذه السهولة لو لم ~~يكن له أساس قائم من عقائد الناس، واعتراف الحاكمين والمحكومين بمبادئه وأصوله؛ فإن الأمم ~~الغربية قد ضيعت جهودها الأولى في إكراه ms086 الحكام المطلقين على النزول لها عن دعوى الولاية ~~«بالحق الإلهي»، ودعوى السيادة عليها بتفويض السماء، فكان عليها أن تجتاز نصف الطريق - بل ~~نصفه الأوعر الأطول - في تقرير المبدأ الذي سلمه العرب حكاما ومحكومين قبل نشأة الحياة ~~النيابية الحديثة بألف سنة، وهو مبدأ الشورى، والمبالغة الحرة، والرجوع بالحكومة إلى مصلحة ~~الرعية، واتفاق الكلمة بين ذوي الرأي فيها. # والحاكم المطلق - في الشرق أو الغرب - يأبى أن يشارك في أمره، ولا يذعن للحكم الشوري ~~باختياره، ولكن الفرق العظيم بين حاكم يستطيع أن ينكر أساس الحكومة النيابية، وحاكم لا ~~يستطيع إنكاره، ولا يجسر على الجهر بذلك الإنكار مخافة اتهامه بالخروج على أحكام الدين ~~وعصيان رب العالمين، بل الفرق عظيم بين حاكم ينكر الحكم النيابي وهو يعتصم بالحق الإلهي ~~وتفويض السماء، وحاكم يخاف من إنكاره لأنه يخالف الحق الإلهي كما يخالف تفويض السماء بذلك ~~الإنكار. # لذلك كانت معارضة السلاطين والأمراء الشرقيين في الحكومة الدستورية معارضة تقوم على ~~الأعذار الموقوتة، ولم تكن معارضة قائمة على الأسس والأصول، وكان معظم هذه الأعذار مما يرجع ~~إلى السياسة الأوروبية والعلاقات الأجنبية التي كانت تعوق النظام النيابي في بلاد ~~المشرق، وتمهد العذر للسلاطين والأمراء في المعارضة أو التسويف. # فكان سلطان الدولة العثمانية يؤمن بواجب الشورى، ويسمي الرتبة الكبرى عنده رتبة ~~«المشير»؛ لأنه يخشى أن يصارح رعيته بأنه يستأثر بالرأي، ويتولى شئونها على سنة ~~الاستبداد، ولكنه كان يمانع في تعميم الحكم النيابي بين رعاياه؛ لأن فريقا من هؤلاء ~~الرعايا يخالفونه في الجنس والدين واللغة، ويمالئون الدول الأوروبية عليه، ولا يخلصون في ~~خدمة الدولة إذا تسنموا مناصبها العليا، واطلعوا على موضع الأسرار من سياستها الخارجية أو ~~سياستها الداخلية. # وكانت المناظرة بين روسيا وبريطانيا العظمى في البلاد الإيرانية تحول دون استقرار الأمر، ~~وانتظام السعي في توطيد الحكومة النيابية؛ لأنهما تبلغان من بطانة الحكم المطلق ما لا ~~تبلغانه من حكومة نيابية تخضع لرقابة الشعب، وتكشف له عن تصرفاتها في مسائل الشركات ~~والامتيازات. # وقد نزل المحتلون الإنجليز بمصر في أواخر القرن التاسع عشر وفيها حكومة ms087 نيابية تطورت بها ~~التجارب المتوالية من عهد محمد علي الكبير، فعطلوها لأنهم لا يستطيعون أن يجمعوا بين ~~إشرافهم على الإدارة المصرية وإشراف المجلس النيابي عليها، ثم اقترن طلب الدستور بطلب ~~الاستقلال، فأصبحت الحكومة النيابية مرادفة للحكومة الوطنية في برامج الأحزاب المصرية، ~~وأصبح الحكم الأجنبي هو الحائل الأكبر دون قيام الحكم النيابي الذي ينشده أحرار ~~المصريين. # وعلى هذا تعتبر الحياة النيابية كما رسمتها الأوضاع الحديثة ثمرة أوروبية انتقلت إلى ~~الشرق من حضارة الغرب في العصر الحديث، ولكن الشرقيين عرفوها فاقتبسوها، ولم يعرفهم بها ~~الغربيون فيفرضوها عليهم فرض المعلمين دروسهم على التلميذ الذي يكره ما يفرضونه عليه؛ لأن ~~مطامع الغرب كثيرا ما عرقلت خطوات الشرق كما رأينا في حركاته الدستورية، والفضل في تهيؤ ~~الشرق لقبول هذه الثمرة الأوروبية راجع إلى عقيدة الحرية والشورى التي بثتها حضارة العرب ~~بعد ظهور الإسلام، ولم تكن غريبة عن الحياة العربية الأولى قبل ظهور الإسلام. # | الوطنية # حب الوطن غريزة معروفة في الإنسان من أقدم عصوره الاجتماعية، عرفت في البدو الرحل كما ~~عرفت في سكان المدن وأصحاب الأرض الزراعية ، وبقيت لنا من دلائلها في اللغة العربية هذه ~~القصائد التي يتغنى بها إلى اليوم من يذكرون الديار، ويحنون إلى المرابع والأطلال، ولو طال ~~بهم عهد فراقها، وانقطعت عليهم سبيل الرجعة إليها. # لكن الوطنية بمعناها الحديث شيء غير هذه الغريزة؛ لأنها مجموعة من الحقوق أو الصلات ~~الروحية والثقافية قد انفرد بها الإنسان في عصره الحديث، بعد القرن الثامن عشر على وجه ~~التقريب، واختلف فهم الناس إياها عن ذلك الشعور الغريزي الذي يتفق فيه الإنسان وكثير من ~~الأحياء الأنيسة، بل يتفق فيه الإنسان وبعض الضواري التي تأوي إلى عرائنها وأوجارها ~~وآجامها، ولا تستبدل بها غيرها ما استطاعت المقام فيها. # ولم يكن من الميسور أن تنشأ الوطنية بمعناها الحديث قبل القرن الثامن عشر، أو قبل الأطوار ~~الاجتماعية التي تقدمتها وكانت ممهدة لظهورها وانتقالها من حيز الغرائز المشتركة إلى حيز ~~الصلات الروحية والثقافية التي ينفرد بها الإنسان في مجتمعاته؛ لأن هذه الأطوار كانت ms088 تناقض ~~الوطنية في بعض الأحوال، وكانت تخيفها في أحوال أخرى، وكانت على الجملة خطوات سابقة لا بد ~~منها قبل التطرق إلى الخطوات التي تليها. # فكان لا بد من تطور عهد الإقطاع قبل شعور الإنسان بوطنه في نطاقه الواسع، ومصالحه ~~المتشابكة؛ لأن انتماء الناس إلى «إقطاعات» متعددة في قطر واحد يربطهم بضروب شتى من الولاء ~~للسادة المتعددين الذين يسيطرون عليها، ويعودهم ضروبا من المخالفات والمخاصمات تتغلب ~~فيها الزمرة والطائفة على الأمة أو الدولة نفسها في بعض الأمور. # وكان لا بد من تطور الجامعات الدينية قبل الشعور بمعنى هذه الوطنية؛ لأن الإنسان يرضى في ~~الجامعات الدينية أن يحكمه من ليس من أبناء وطنه لاتفاق الحاكم والمحكوم في العقيدة ~~والمراسم الروحية، ويكره أن يحكمه من لا يدين بدينه ولو كان من بلده وجواره، ولا يزال كذلك ~~حتى يتعذر حكم الأوطان المختلفة بحكومة واحدة قائمة في مراكزها البعيدة عنها؛ لاختلاف ~~المرافق، واختلاف النظر إلى الحقوق والتبعات، ونشوء الطبقات الاجتماعية التي تتنافس في ~~الأوطان المتعددة، وإن جمعتها علاقة وثيقة واحدة. # ولما تطور عصر الإقطاع وعصر الجامعات الدينية معا، أو على التعاقب بين جيل وجيل، قام من ~~بعدهما سلطان الملوك المطلقين الذين ساعدتهم قوتهم المطلقة على قهر أمراء الإقطاعات، ~~والاستئثار بسلطان العرش وما يرتبط به من الدعاوى والحقوق، وكانت قوتهم كفيلة لهم ببسط ~~كلمتهم على رعاياهم، وحصر فرائض الولاء في أشخاصهم أو في أسرتهم، وكانت «المملكة» سابقة ~~للأمة، أو سابقة - بطبيعة الحال - للحقوق التي تنشأ من الاعتراف للأمة بالسيادة على بلادها، ~~ولا يفهم الوطن على أنه بلاد «الأمة» ومناط سيادتها قبل أن تصبح الأمة مصدرا للسلطان كله، ~~ويصبح الملك خادما للوطن ينوب عن الأمة في تدبير مصالحها، وقبل أن تنبغ الطبقة الوسطى التي ~~تضطلع بالحكم مع تقييد الملوك وزوال السادة الإقطاعيين. # وهذه هي العقيدة التي تمخضت عنها أطوار كثير من عصر النهضة إلى عصر الثورة الفرنسية، ولم ~~يكن قد توطد لها الأساس الذي تعلو عليه قبل تمام تلك الأطوار. # ولقد كانت الأمة العربية أولى الأمم أن ms089 تنشأ فيها الوطنية بهذا المعنى الحديث قبل نشأتها ~~في أعقاب الثورة الفرنسية؛ لأنها كانت تدين بأن الأرض لله، وأن الملك خادم الشعب يحكمه ~~باختياره قبل أن تتقرر هذه الآراء في أمم الحضارة الغربية، ولكن التاريخ لا يسبق أوانه، ولا ~~بد للجامعة الدينية من دور تجري فيه وتبلغ مداه. # وقد كانت في أوجها وكانت معالم الوطنية في غيبها تنتظر أسبابها ومواقيتها، فلما حان ~~الميقات المقدور كان من عجائب أطوار التاريخ أن يأخذها الشرقيون عن الغربيين، وأن يأخذوها ~~تارة كارهين وتارة مختارين. # نعم أخذوها تارة كارهين وتارة مختارين؛ لأنهم أخذوها بالتعليم والمحاكاة، وأخذوها بكفاح ~~الثورة على الاستعمار، فكانت المناداة بحقوق الإنسان هي فاتحة الاعتراف بحقوق الأوطان، ~~وكانت غارة الأوروبيين على أوطان الشرقيين محرضا لأبناء تلك الأوطان على المطالبة بتلك ~~الحقوق، وأشعل فيهم نار الغيرة الوطنية أن الاستعمار يمسهم في كرامتهم وعقائدهم ومصالحهم، ~~ولا يرضيهم بحالة واحدة من الحالات التي تسوغ للمرء باختياره أن يحتمل الخضوع لمن يخالفه في ~~الموطن واللغة والدين، وينازعه الرزق، وينكر عليه الحقوق التي ينادي بها في بلاده ويسميها ~~بحقوق الإنسان. # نعم إن المغلوبين كانوا يثورون على الغالبين في جميع العصور قبل المناداة بحقوق الإنسان، ~~ولكنهم كانوا يثورون للأنفة من الغلبة، والألم من الغصب والمشاركة في الأرزاق، وهي ثورة لا ~~ترجع إلى الإيمان بالحقوق الوطنية، ولا إلى إنكار حق الغالبين في تسخير المغلوبين، بل ترجع ~~إلى كراهة الضيم، ومقابلة العدوان بالعدوان. # ويختلف الصراع على الغلبة جد الاختلاف من هذا الصراع بين غاصب الحق والمطالب به، وهما ~~متفقان معا على حق صاحب الوطن في وطنه؛ فإن الثائر القديم إنما كان يثور لأن حالة السيد ~~المطاع خير من حالة العبد المطيع، ولأن الأمر لا ينزل عن رزقه وكرامته وهو قادر على أن ~~يحتفظ بهما لنفسه. أما الثائر الحديث فهو في موقف «المقاضي» الذي يطالب بتراثه وماله، ويرد ~~الأقوياء إلى شريعة غير شريعة الغلبة المرفوضة في ضمائر الناس. # وظلت العاطفة الوطنية ممزوجة بالعاطفة الدينية في شئون السياسة العامة ردحا من الزمن بعد ms090 ~~الاعتراف بسيادة الأمة، وقيام «فكرة الوطن» على هذه السيادة، وكان شأن أوروبا في ذلك كشأن ~~الأمم الشرقية بغير اختلاف كبير، فثارت إيطاليا واليونان في طلب الاستقلال، وكلتاهما أمة ~~ذات تاريخ عريق في الثقافة والفن وأصول الحضارة الأوروبية، ولكن حماسة أوروبا لنصرة القضية ~~الإيطالية لم تبلغ قط الحماسة الشعبية لنصرة القضية اليونانية؛ لأن اليونان كانت تثور على ~~الترك إذ كان الإيطاليون يثورون على النمسا أو على الكنيسة البابوية. # وفي الوقت الذي كانت فيه أمم كأمم البلقان تظفر من العطف الأوروبي بأوفى نصيب في قضايا ~~المطالبة بالاستقلال، كانت أوروبا تنظر بعين الموافقة أو قلة الاكتراث إلى تقسيم الوطن ~~البولوني بين روسيا والنمسا وألمانيا، وعلى بعضها حكومات تغلغلت فيها جراثيم الفساد ~~والاستبداد، وأنكرت حقوق الإنسان ومبادئ الاعتراف بالأوطان. # وظهرت نزعة الاستقلال عن دعوى الخلافة الدينية بين الشرقيين المسلمين في أوائل القرن ~~الثامن عشر مقترنة بظهور هذه النزعة في القارة الأوروبية، فكان السلطان العثماني الذي ~~يلقب بلقب الخلافة يولي على مصر واليا من قبله، ويختار المصريون المسلمون واليا غيره ~~كما حدث على عهد محمد علي الكبير. # ونادى طلاب الاستقلال «بأن مصر للمصريين» في أواسط القرن التاسع عشر، وجعلوا هذا المبدأ ~~شعارا لهم في حركة التحرير مع قيام السيادة العثمانية التي زالت بعد ذلك بخمسين سنة ... ثم ~~ظلت هذه السيادة تتردد في بيئات الأحزاب السياسية إما بفعل الشعور الديني، أو بدافع من ~~الرغبة في مقاومة الاحتلال البريطاني بحجة شرعية لا ينكرها. # فلم يكن هذا الامتزاج بين عواطف الوطن وعواطف الدين غريبا في عالم الواقع أو عالم ~~التفكير؛ لأن العواطف الجديدة في تطور الأمم لا تولد دفعة واحدة خالصة من آثار سوابقها ~~وملابستها، وكان على العالم كله - بين شرقيه وغربيه - أن يقضي زمنا ما قبل أن يفهم أبناء ~~الوطن أن حرمانهم نعمة الحرية والاستقلال هو اعتداء عليهم وعلى كرامتهم، ولو جاءهم هذا ~~الاعتداء ممن يماثلهم في النحلة أو اللغة أو العقيدة الدينية. # وربما كان الأصح - أو الأوضح - في تفسير الحقائق أن يقال: إن معنى الوطنية الحديث ms091 وليد ~~الحضارة العصرية لا وليد الذهن الأوروبي أو الطبائع الغربية؛ لأن قارة أوروبا وجدت منذ ~~القدم ولم توجد فيها الوطنية بمعناها الحديث، فلما انتهت أطوار الاجتماع إلى حضارة العصر ~~الحاضر كانت أوروبا هي مسرح التاريخ الذي تمثلت فيه هذه الأطوار، وكان فضل الأمم الشرقية في ~~فهم هذا المعنى الحديث أنها نقلته بشيء من الاختيار والتمييز، ولم تنتظر به تسلسل الوقائع ~~التي مرت تباعا بالأوروبيين قبل أن تفرضه عليهم الضرورات. # | الحركات الدينية # تعلم الشرقيون من أوروبا ليقاوموها بسلاحها. # ويقال هذا عن الشرق الأقصى كما يقال عن الشرق الأدنى، مع اختلاف العقائد والبيئات ~~والأحوال الاجتماعية؛ فإن اليابانيين لم يتحركوا لمحاكاة أوروبا في حضارتها وعلومها ~~وصناعاتها إلا بعد أن اصطدموا بها وعجزوا عن مقاومتها. # وكان الفضل الأكبر لأوروبا على الشرق كله هو الفضل الذي جاء على الرغم منها، وهو تنبيه ~~أذهان الشرقيين إلى حقائق الحياة، وتفتيح أنظارهم على الأسباب الصحيحة التي تقترن بها نهضات ~~الشعوب. # وكان الشرقيون قبل ذلك يعلمون أنهم متأخرون متخلفون، ولكنهم يفهمون العلل التي أخرتهم ~~وقضت عليهم بالتخلف في سباق الأمم كما يفهم الجاهل علة مرضه وعجزه، فيرجع إلى الشعوذة ولا ~~يرجع إلى الطب الصحيح، ويسأل الدجالين والممخرقين ولا يسأل الأطباء والعارفين، وقد جهلوا ~~دينهم كما جهلوا دنياهم؛ لأنهم خلطوا بين عاداتهم وعقائدهم، وبين خرافات الجمود وحقائق ~~العبادات، فإذا قيل لهم: إنهم تأخروا لمخالفة دينهم ونسيان وصاياه وآدابه؛ عادوا إلى ~~الخرافة الفاشية ولم يعودوا إلى الدين المهجور. # فلما قهرتهم أوروبا مرة بعد مرة في عدوانها عليهم ومقاومتهم لعدوانها؛ فهموا مضطرين أسباب ~~هذه الغلبة، ورجعوا بعد حين إلى علومها وصناعاتها ونظم السياسة والحكم فيها، فرجعوا إلى ~~الأسباب الطبيعية، وفهموا علل الوقائع أمامهم على وجهها المعقول، فكان ذلك أول تدريب للذهن ~~على حسن التعليل وفهم طبائع الأشياء، وكادت الآراء أن تتفق على منهج واحد للإصلاح: وهو ~~اقتباس العلم الحديث، ومجاراة العصر في المعيشة والتفكير. # وأقبل المسيحيون من أبناء الشرق على المدارس العصرية يتعلمون ما تلقيه عليهم من دروس ~~التعليم الحديث غير متحرجين ms092 من موضوعاتها، ولا من نيات التعليم فيها، وأحجم المسلمون عن ~~المدارس التي فتحت في بلادهم؛ لأنها كانت في أيدي المبشرين وأعوان التبشير، ولكنهم لم ~~يحجموا عن إرسال أبنائهم إلى أوروبا نفسها حيث تنفصل المدارس عن الهيئات الدينية، فجمعت ~~حكومة مصر في عهد محمد علي الكبير مئات من نخبة الطلبة لإرسالهم إلى العواصم الأوروبية، ~~وتعليمهم الطب والهندسة والآداب والفنون العسكرية على أساتذتها، أو لتزويدهم في مصر بما ~~يستطاع تدريسه بها من تلك العلوم على أساتذة من الأوروبيين. # ولم ينقض جيل أو جيلان بعد احتكاك أوروبا بالشرق حتى اتفقت كلمة المسلمين على نظرة جديدة ~~إلى الدين، وأجمعوا في أنحاء الأرض على أن البدع والخلافات التي شقي بها أسلافها، وشقوا بها ~~في زمانهم ليست من الدين الإسلامي في شيء، ولكنهم سلكوا في علاج الداء مسلكين مفترقين على ~~حسب نصيبهم من العلوم العصرية؛ فجنحت الأمم التي أخذت بنصيبها منها إلى التوفيق بين الدين ~~والعلم الحديث، وجنحت الأمم الأخرى إلى نبذ جميع المستحدثات والرجوع بالدين إلى بساطته ~~الأولى كما فهموها، ونشأت هنا وهناك حركات دينية شتى بعضها على هدى، وبعضها على ضلال، ~~ولكنها كلها كانت من قبيل الحركات الطبيعية التي تتصل بطبائع الأمم، وبواعث البيئة في ~~حاضرها وماضيها، ولم تكن محض اختراع منقطع عن الدنيا، محصور في النزعات الأخروية التي يفرغ ~~لها من خرجوا بنسكهم وعبادتهم من معترك الحياة. # ولهذا أخذت هذه الحركات من طبائع الأمم التي ظهرت فيها، سواء منها ما اهتدى أو ضل عن ~~السواء. # فظهر في الهند «غلام أحمد القادياني»، فزعم أنه هو عيسى ابن مريم، وأنه هو المهدي وهو ~~الإمام المنتظر في مذهب الشيعيين؛ ليوفق بين الإسلام والمسيحية، وبين الشيعيين والسنيين، ~~وادعى فيما ادعى أنه تلبس بروح مريم العذراء، ثم تلبس بروح المسيح على النحو الذي يمثل به ~~البراهمة صورة برهما وهو يجمع بين الذكورة والأنوثة في جسد واحد. وصدق نفسه وصدقه أناس من ~~مريديه حين خيل إليه أنه روح الله حلت في جثمان إنسان؛ لإنقاذ المسلمين والمسيحيين ~~والبراهمة بدينه الجديد. ms093 # ومن اليسير جدا أن يلمس المرء في هذه الحركة بقية من بقايا البيئة الهندية التي نشأت ~~فيها عقيدة تقمص الأرواح، وتجدد الروح في جثمان بعد جثمان، تارة جثمان ذكر، وتارة جثمان ~~أنثى، ومرة رسم حيوان، ومرة رسم إنسان. # وظهر في إيران ميرزا علي محمد الشيرازي، وزعم أنه الإمام المنتظر، ثم انتحل عقيدة ~~الإسماعيلية، وبث فيها عقيدة وحدة الوجود، ثم وثب من ذلك إلى القول ببطلان الشريعة الظاهرة، ~~والأخذ بالحقيقة الباطنة التي تبيح أصحاب الحلول - حلول الإله في الإنسان - أن يتصرفوا في ~~الأحكام والقواعد الدينية تصرف الوحي الجديد؛ لأنهم يستوحون مشيئة الله فيما يقولون ~~ويعملون، ثم جهر بإلغاء بعض الشعائر المقدسة التي اتفق عليها المسلمون بنصوص القرآن. # ومن اليسير جدا أن نلمس في هذه الحركة نزعة البيئة التي نشأت فيها طلائع الباطنية ~~والإسماعيلية، بل نزعة البيئة التي نشأ فيها الإيمان بحلول أورمزد في جسد «مترا» رسوله ~~الأمين في حربه الأبدية لإله الشر أهرمان. # وظهرت في الجزيرة العربية دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب التي تنكر الترف في الكساء ~~والبناء، وتبطل معاني الرموز والإشارات والتوسل بشيء من الأشياء يقع عليه الحس، من جماد أو ~~ذي حياة. # ومن اليسير جدا أن نلمس فطرة الصحراء في هذه الصرامة الخلقية، وهذا الفصل الحاسم بين ~~عالم الحس وعالم الغيب، خلافا لتلك الأقاليم الهندية والفارسية التي امتزج فيها الحس ~~بالتخيل، واتصل فيها عالم الأرض وعالم السماء. # وظهرت في السودان دعوة المهدية لتحريم الترف والتبلغ بالطعام اليسير، والاكتفاء بالمرقعات ~~التي يلبسها الدراويش، وتحريك الشعب لجهاد «الترك» وإخراجهم من البلاد، وهم عند أصحاب هذه ~~الدعوة كل جنس غير الجنس العربي، ولا سيما الأجناس البيضاء. # ومن اليسير جدا أن نلمس في هذه الدعوة ثورة السوداني على مستغليه بالوسيلة التي في وسعه ~~أن يثير بها إخوانه للجهاد، ومحاولته أن يعالج الفساد بالعلاج الذي يجدي في معيشة السودان ~~البدائية، التي كانت يومذاك خلوا من عقد الحياة العصرية ومشكلات المجتمع الحديث. # وظهرت في مصر دعوة الإصلاح التي وجدت إمامها الأكبر في الشيخ محمد ms094 عبده - رحمه الله - ~~فكانت تعليما جديدا في مدرسة قديمة، أو كانت تفسيرا للقوانين الإلهية لا يخرج بها عن ~~نصوصها، ولكنه يحفظها في تلك النصوص، ويقتبس منها المعنى الذي يوافق معارف العصر ~~الحديث. # ومن اليسير جدا أن نلمس في هذه الدعوة روح مصر التي عرفت نظام الحكم منذ ألوف السنين، ~~وتعودت أن تدين بنصوص الأمر والنهي من ملك بعد ملك، وأسرة بعد أسرة، فليس فيما تعمله أو ~~تدين به إلا ما هو نص محفوظ، أو مستمد من النص المحفوظ، بالمعنى الذي لا يخرج عليه ... أو هي ~~روح مصر التي عرفتها منذ قام فيها بالنبوءة فرعونها أخناتون ... وهي الأمة الوحيدة التي تلقت ~~نبوتها من عرش وصولجان. # وليست الحركات الجامحة بين هذه الحركات هي الأثر الباقي أو الأثر الشامل الذي أحاط ~~بالعالم الإسلامي في حركة الاضطراب التي جاشت بين أرجائه من جراء الصدام بينه وبين الحضارة ~~الأوروبية، ولكنها هي العجاجات التي دلت على قوة الرجة واختلاف مهاب الرياح. أما الأثر ~~الباقي أو الأثر الشامل، فهو خلوص الأذهان من أوشاب الخرافات والأباطيل التي كانت تعوقها عن ~~فهم الحقائق، وإدراك العلل والأسباب، والاستواء على نهج التفكير الصحيح، والإيمان بالدين ~~إيمانا لا يمنع التقدم، ولا يعرقل جهود المصلحين، وتمكين المسلم من أن يرضي عقله، ويرضي ~~ضميره، ويزيل الفوارق ما استطاع بين رضى العقل ورضى الضمير. # وقد صمد الإسلام للرجة الأولى وانتظمت المصالحة بينه وبين الحضارة العلمية، فلم تعد ~~المشكلة اليوم بينه وبين العلم الحديث أو التفكير المستقيم، وإنما المشكلة اليوم أن يؤدي ~~رسالته ورسالة الأديان عامة في مكافحة اللوثة المادية التي تلغي مطامح الروح، وتود لو جعلت ~~الإنسان حيوانا بغير دين غير دين المعدات والأجسام. # | الأخلاق والعادات # من العسير أن يقال: إن الأخلاق الأوروبية انتقلت إلى الشرق بمحاسنها أو مساوئها بعد ~~احتكاك الشرقيين بالحضارة الغربية؛ لأن العوامل التي تتولد منها الأخلاق - بين وراثية ~~وإقليمية واجتماعية - لا تنقل من أمة إلى أمة في فترة قصيرة كالفترة التي مرت بالشرق الحديث ~~بالقياس إلى تاريخه الطويل. # لكن التشبه بالأمم ms095 الغالبة في عاداتها ومظاهر معيشتها هو نفسه عادة من العادات الأصيلة في ~~طبائع الناس، وقد تعودها الشرقيون كما تعودتها من قبلهم سائر الأمم، فتشبهوا بالأوروبيين في ~~هذه المظاهر منذ شعروا بالافتقار إلى مصنوعاتهم، واستكانوا إلى الضعف أمام قوتهم، فلبسوا ~~ملابسهم، وأكلوا مأكلهم، وسلكوا في أوقات فراغهم ولهوهم مسلكهم، وكثر ذلك في المدن الكبرى ~~والموانئ المطروقة لضرورة الاتصال بين أهلها وبين الأوروبيين في المعاملات والمرافق ~~التجارية، ثم تسرب قليلا قليلا إلى داخل البلاد جريا على سنة أهل الريف في محاكاة ~~أهل الحضر، والتمثل بهم في سمت الوجاهة، وشارات الترف والحضارة، فتجاوزت المحاكاة حدود ~~الضرورة ومقتضيات المعاملة. # وكان من تلك العادات ما هو خير وما هو شر؛ فمن الخير الإقبال على الألعاب الرياضية ~~والنزهة الخلوية، ومن الشر الإقبال على المراقصة والمخاصرة بين الجنسين، ومع وجود الرقصات ~~الوطنية البريئة التي يتلاقى فيها الجنسان على نحو لا يخالف آداب المروءة والفروسية، ولا ~~يصعب تهذيبه وتحسينه حتى يصبح رياضة من الرياضيات التي تحيي النفس والجسد، ولا تخل بالأدب ~~والحياء. # وليس من الحق أن الحضارة الأوروبية خلقت الفساد في الشرق خلقا من حيث لم يكن له وجود قبل ~~تمرس الشرقيين بأسباب تلك الحضارة؛ فإن الشرق قد مني في أيام جموده واضمحلاله بضروب شتى ~~من الفساد كانت تنخر في عزائمه وتضنيه، ولكن الحق أن الحضارة الأوروبية زودت الفساد بمسحة ~~من الطرافة تستهوي النظر، وتنفي عنه الشين الذميم الذي كان يصد عنه أصحاب المروءات، ~~فاستباحه من لم يستبحه قبل ذلك. # ولم تسلم أصول الأخلاق من صدمة عنيفة أو مساس رفيق من جراء الالتقاء بين الشرق القديم ~~والحضارة العصرية؛ فإن أصول الأخلاق تقوم على العرف أو سلطان الجماعة على الأفراد، وقد ~~صدمت هذه الأصول في الصميم، عن قصد وعن غير قصد، من الأوروبيين أو الشرقيين على السواء، ~~وكانت صدمتها من جهتين مختلفتين، وقد يبدو للنظرة الأولى أنهما متناقضتان. # فالمظاهر الأوروبية قد خامرت قلوب الشرقيين بالشك القوي في حقائق العرف الاجتماعي الذي ~~درجوا عليه، فرجعوا إلى أنفسهم يتساءلون عن قواعد ms096 ذلك العرف ومبلغها من الحقيقة والسداد، ~~واعتراهم هذا الشك في عرفهم القديم قبل أن يخلفوه بعرف جديد يناسبهم، ويصلح لهم، ويتأتى لهم ~~أن يتواضعوا عليه. وهذه إحدى الصدمتين. # أما الصدمة الأخرى، فكانت من قبل الحرية الفردية التي أباحت للفرد فجأة أن يستقل ~~بأهوائه ونزواته وآرائه، وإن خرج بها عن آداب الجماعة المتفق عليها؛ فأصبحت الحرية مرادفة ~~لطلب التغيير والتبديل، أو مرادفة للجرأة على النقد والمعابة، واقترنت قلة الحياء بقلة ~~المبالاة، كما اقترنت الشجاعة الأدبية أحيانا بالإقدام على المعايب والشهوات. # وإذا كان في هذا التحول مدعاة للتشاؤم والتطير من المستقبل، فهو لا يخلو في بعض دلالاته ~~من دواعي التفاؤل والرجاء؛ لأن عصر الجمود في البلاد الشرقية قد خلف وراءه كثيرا من ~~الأنقاض المعطلة والأركان المتداعية، ولا بد من هدم قبل كل بناء، ولا بد من غبار وسقوط حول ~~كل مهدوم، ولا بد من تعثر قبل كل استقامة على السواء، فإذا تكشف الغبار واتضحت القواعد ~~الباقية، والقواعد التي يرتفع البناء الجديد على أساسها؛ فقد يهون التشاؤم، ويبطل التطير، ~~وتتراءى للبصائر والأبصار معالم الثقة والاطمئنان. # والحكم للغد فيما يقر عليه القرار؛ فليس على الغيب بعزيز أن تنبعث من جانب الشرق رسالة ~~روحية تتجدد بها أخلاق الشرقيين وأخلاق الغربيين، فكلها في حاجة إلى التجدد في هذا ~~الزمان. # | الأدب والفن # تصدى للترجمة إلى اللغة العربية قديما أناس من غير أهلها. # واشتغل أهلها بالترجمة وهم يجهلون لغتهم ولا يحفظون قواعدها أو يحسنون أساليبها. # فوقر في الأذهان أن أسلوب الترجمة علم على الضعف والركاكة، ومخالفة الذوق العربي والقواعد ~~اللغوية؛ لأنه لم يخل في الزمن القديم ولا الزمن الحديث من الدخيل والمبتذل، واللحن، ~~والتواء العبارة، وسقم التركيب. # ولكن النهضة في الشرق العربي صحبت بإحياء الكتب المهجورة، وذخائر الشعر والنثر، والتي ~~تفيض بالبلاغة العربية من معدنها، فتجددت الأساليب، وصقلت العبارات، وسلمت الأذواق، واقترنت ~~معرفة العربية بمعرفة اللغات الأوروبية، فخلصت الترجمة من وصمة الضعف والركاكة، وظهرت في ~~اللسان العربي كتب علمية وأدبية تضارع أصولها في صحة تعبيرها، وفصاحة ألفاظها، ودقة ms097 ~~معانيها. # وعادت الترجمة في هذه الكرة بنفع جزيل على اللغة العربية؛ لأنها عودت أقلام الكتاب ~~«قصد العبارة»، وأن يعني الكاتب ما يقول، ويتابع المعنى باللفظ الذي يؤديه، ولا يرسل الكلام ~~إرسالا بغير قصد مفهوم. # وكان الكاتب لا يحسب من البلغاء إلا إذا توخى السجع، وحشا كلامه بالقوالب المحفوظة من ~~أقوال الأقدمين، وكان على هذا سجعا سقيما واقتباسا يساق في غير موضعه، ويند عن السياق ~~الذي وضع فيه، فبرئت الكتابة العربية من هذه الآفة، وتخلصت شيئا فشيئا من التقليد، وثابت ~~إلى الطبع الأصيل حسبما يستوحيه الكاتب من معارفه ومشاهداته. # وكانت الصحافة مما نقله الشرق العربي عن الغرب، فساعدته على سهولة الكتابة، وشيوع الكلمات ~~الفصيحة، وتعدد أغراض القول، وكانت العلوم الحديثة والكتب المترجمة من الموارد الفكرية التي ~~وسعت مسارح التأليف والتصنيف، وأنشأت طوائف شتى من الأدباء في مذاهب الوصف، ودراسة ~~الأطوار النفسية، وقصص الواقع والتاريخ. ~~«والقصد» هو الفائدة التي تتلخص فيها النهضة الشعرية كما كان هو الفائدة التي تتلخص فيها ~~نهضة النثر بأنواعه، بعد احتكاك الشرق العربي بالحضارة الأوروبية. # فكان الشاعر يقول ما تعود الناس أن يقال لهم في كل مناسبة من المناسبات لا ما يريد هو أن ~~يقول، وكان على هذا قلما يحسن المحاكاة أو يتجاوز محاكاة الببغاء لما يقع في سمعها من ~~الجمل الجوفاء. # فنشأ الشعر المقصود، وبرزت ملامح «الفرد» المستقل في دواوين الشعراء، وقلت القوالب ~~المطروقة بمقدار ما كثرت المعاني المطبوعة، والأغراض المبتكرة، وضاقت الأوزان القديمة بهذه ~~الأغراض، فنجمت الدعوة إلى القافية المرسلة، والأوزان الحرة، وتوسع الشعراء في أوزان ~~الموشحات القديمة، فأضافوا إليها كثيرا من المجزوءات والأوضاع الحديثة. # ومن المقابلة بين ديوان قديم وديوان جديد يتبين التغيير العصري الذي تجاوز الصيغ والألفاظ ~~إلى الأغراض والموضوعات. # فلم تكن للديوان القديم سمة يتميز بها بين الدواوين غير نسبته إلى ناظمه بالاسم أو ~~باللقب أو بالكنية؛ كديوان جرير، أو ديوان البحتري، أو ديوان أبي تمام، ولم يكن للقصائد ~~أغراض غير الأبواب المعهودة في المدح والفخر، والوصف والغزل، والحكمة والرثاء والهجاء، ولم ~~يكن ms098 للقصيدة عنوان يميزها بين قصائد الديوان الأخرى. # فبرزت «الملامح» المعنوية في الدواوين الحديثة، وأصبح للديوان اسم يشير إلى فحواه، ~~وللقصيدة اسم ينم على موضوعها، وللنظم أغراض في الرواية والمشاهدات النفسية أو الاجتماعية، ~~والرموز الفلسفية أو الفنية، واعتمد الشعراء على القراء وما يحسونه ويتوقون إلى النظم فيه، ~~وكان معتمدهم قبل ذلك على الممدوحين وأصحاب الهبات. # وتفاوتت الأقطار العربية في مدى التجديد على حسب تفاوتها في أسباب المحافظة على القديم، ~~وأقوى هذه الأسباب هو الاقتراب من المناسك، أو مواطن البداوة، أو جامعات العلم التاريخية، ~~فهي تمنع التجديد أن ينطلق بغير كابح يشتد أو يلين. ~~••• # وراجت الفنون الجميلة في الشرق العربي على قدر نصيب الفن من الطبيعة الاجتماعية، فسبق ~~التمثيل، ولحق به الغناء ثم التصوير، وكان أروج الفنون ما يجمع بين الرؤية والسماع والفكاهة ~~في وقت واحد، كالعرض (الريفيو أو الاسكتش)، والحوار، والديالوج، والألقية (المونولوج)؛ ~~لأنها تجمع في المحافل بين التمثيل والموسيقى والرقص في بعض الأحوال، ولهذا لا تزال صبغة ~~التسلية أوضح وأروع من صيغة الفن المحض الذي يراد لمعناه الرفيع. ~~••• # ومن المفارقات الصادقة أن الاقتباس من أوروبا عاق فن التمثيل عن بلوغ شوطه في التقديم ~~والأصالة؛ لأن أصحاب المسارح استطاعوا تسلية الجماهير بنقل المناظر التمثيلية التي تقوم على ~~المفاجآت والألاعيب المسرحية، ولا ترجع إلى طبيعة البيئة لتستلهم منها موضوعاتها ونماذجها ~~الشخصية، ولم تزل آفة التسلية في جميع معارضها أن توكل الفن بالذوق الشائع المبتذل، وليس هو ~~على الجملة بأفضل الأذواق. # ثم ابتلي التمثيل بمزاحمة الصور المتحركة؛ فأصبح من الميسور أن يعمل في التمثيل ~~السينمائي من لا يحسنون الفن، ولا يتكلفون جهدا من الجهود الثقافية؛ لأن التمثيل السينمائي ~~يجري في عزلة عن النظارة، ويستطاع تحضير أدواره قطعة قطعة في أوقات متفرقة، كما يستطاع ~~تصحيح أخطائه كلما وقع الممثلون والممثلات في خطأ منها؛ فبطلت الحاجة إلى الإتقان ودراسة ~~الثقافة الفنية، وتيسر الربح الجزيل مع الخبرة الناقصة والجهد اليسير؛ فأصيب الفن الصحيح ~~بحبسة في النمو يحاول الخلاص منها، ولم تسفر هذه المحاولات بعد عن مصيرها. ms099 # واستقر الذوق الاجتماعي في الموسيقى والغناء على نبذ الألحان القديمة؛ لأنها في جمودها ~~وقعوها وغلبة «التثاؤب» عليها لا تلائم حركة الجيل الحديث، ولكنه أعرض عن القديم ولم يخلق ~~له نمطا مطبوعا يستقل به عن المحاكاة والتلفيق؛ فأصبحت الأغاني الفنية الحديثة توقيعا لا ~~يعرف له زي مرسوم. # ومن عجيب ما يلاحظ أن التصوير الشرقي على تأخر ظهوره بين الفنون الجميلة كان أسبقها إلى ~~التقدم والاستقلال، فنبغ في الشرق العربي مصورون من أصحاب الطريقة المدرسية، أو الطريقة ~~الإحساسية يضارعون نظراءهم في الأقطار الأوروبية، أو يحسبون من تلاميذهم المجودين، ولعل هذا ~~الفن قد نشط في طريق التقدم لأنه يستند إلى ثقافة الأفراد، سواء كانوا من المصورين أو من ~~طلاب الصور ومشجعيها، وأذواق الأفراد في جملتها أسبق من أذواق الجماعات. # وحدث ما كان منظورا أن يحدث من تعديل في طرز البناء وزخارف فن العمارة، تبعا لتغير ~~العادات وعوارض العمران، فبعد سفور المرأة لم تعد ثمة حاجة إلى المغالاة في إقصاء زوايا ~~الحريم عن الطرقات العامة والأفنية المكشوفة، وبعد المراوح الكهربائية وأجهزة التكييف ~~الهوائي لم تعد ثمة حاجة إلى الخوخات والأقبية والمشربيات، ولا إلى تعلية السقوف ومداخل ~~التظليل، وبعد غلاء ثمن الأرض وتقسيم الطرق والميادين تعذر اقتناء الفدادين الواسعة لإقامة ~~القصور في قلب المدينة. # وكان سراة القوم يختارون السكن في قلب المدينة ليستأثروا بوسط العمار، فلما انتظمت ~~المواصلات الخاصة والعامة عظم الإقبال على الضواحي النائية، وشاعت نماذج «الفيلات» التي ~~اشتق الغربيون اسمها من اسم الريف والخلاء. # ولا يخفى أننا نلم هنا بالخطوط المجملة والخطوط العريضة الناتئة، ولا نستقصي جميع ~~التفصيلات التي تتشعب هنا وهناك ويقع فيها الاختلاف بين أمة وأمة، وبين إقليم وإقليم في ~~الأمة الواحدة حيثما اختلفت دواعي الحضارة والعمران. # | الصحافة # نشر الدعوة السياسية عمل من الأعمال التي حذقتها الأمة العربية في إبان دولتها الأولى، ~~وهي دولة بني أمية، فبلغ الدعاة العباسيون بالدعوة مبلغ الفن المحكم الذي يحاط بجلائله ~~ودقائقه ومبادئه ومراميه، ووضعوا فيه القواعد لاختيار أشخاص الدعاة، وعلاقة بعضهم ببعض في ~~درجات الرئاسة ms100 أو درجات الزمالة، ورتبوا الدعاية وموضوعاتها، وما يذاع منها وما يضن به ~~على غير الخاصة والصفوة المختارة. # وجاء الفاطميون فتمموا هذا الفن من جميع نواحيه، وقسموا الدعوة إلى دعوة ثقافية ودعوة ~~دينية أو سياسية، وتذرعوا بالفلسفة لإقناع بعض العقول، وبالتصوف لإقناع بعض العقول الأخرى، ~~وجعلوا لهم حلقات حول الدعوة لا تطلع على سر من أسرارها، ولا تفضي إلى غرض من أغراضها، ~~ولكنها تشايعهم بمودتها فتكون لهم على خصومهم ساعة الفتنة التي يدبرون مواعيدها ~~ومقدماتها. # ولا بد من التفرقة بين هذا الذي سبقت به الأمة العربية سائر الأمم، وبين «المؤامرات» التي ~~كانت تدبر في الخفاء لإقامة دولة وإسقاط أخرى، فإسقاط الدول بالمؤامرات الخفية تدبير قديم ~~عرفه الطامحون إلى الملك منذ فجر التاريخ الإنساني، وقامت به الدول في كل أرض، وبين كل ~~قبيل، ولكنها كانت «مؤامرات» للاستطلاع والتأليب، وتحين الفرص، وتجنيد القوى العسكرية ~~والمالية للعمل المفاجئ في الوقت الملائم الذي يرجى فيه النجاح. # ولم تكن دعوة إقناع أو حملة توجيه منظم للفكر والشعور، فإن التاريخ لم يعرف دولة قامت على ~~مثل هذه الدعوة قبل الدولة العباسية والدولة الفاطمية، ولم تكن في ذلك خارقة ولا داعية ~~للعجب ... لأن العباسيين والفاطميين كانوا يعتمدون في مطالبتهم بالخلافة على الحجة الدينية، ~~والفتاوى الشرعية، فلا بد لهم من كسب الشعور وكسب العقول، ومن التوسل إلى ذلك بالدعوة ~~المقنعة مع الاستعداد للأمر بعدة الأسلحة والجيوش. # فالدعوة السياسية - أو فن النشر - قد كانت معروفة قبل ظهور هذا الفن في أحدث صوره العصرية ~~وأروجها وأقواها، وهي الصحافة الدورية. # ولكن الصحافة مع هذا «توليد» عصري لم يكن من المستطاع أن يوجد قبل أوانه الذي وجد فيه، ~~وإن كثرت الحاجة قديما إلى الدعوة والدعاة. # فليس من المستطاع أن توجد الصحافة قبل عصر المطبعة السريعة التي تطبع الألوف من النسخ كل ~~يوم، وقبل عصر الأنباء البرقية التي تجعل الاهتمام بقراءة الصحيفة منتشرا في نطاق واسع بين ~~جمهور كبير يتشوق إلى مطالعة تلك الأنباء، وقبل وسائل المواصلات التي تتكفل بتداولها في ~~أوانها، وقبل اختراع ms101 الصور الشمسية التي تثبت الوقائع وتمثلها، وتعرض للقراء فنونا من ~~الملامح والأشياء للتسلية أو للتوضيح. # وإذا توافرت الأدوات جميعها، فلا بد معها من الأداة الكبرى التي هي أكبر وألزم لرواج ~~الصحافة من كل أداة، ونريد بها أداة الجمهور الذي يعرف القراءة ويدخل في حساب الصحفيين ~~والساسة والكتاب. # فقبل وجود هذا الجمهور لا توجد الصحافة بحال، ولا تدوم إذا وجدت بمحض الاتفاق، وقد أصبحت ~~الصحافة مخترعا لازما يوم أصبح الجمهور قواما للدولة، أو أصبح كما يسمونه في العصر ~~الحديث «رأيا عاما»، وأصبح «الرأي العام» مصدر السلطات والقوانين. # وانتقلت الصحافة من أوروبا إلى الشرق العربي بعد أن تمهدت لها جميع هذه المقدمات. # انتقلت إليه بخيرها وشرها، فاستفاد من خيرها كثيرا، وابتلي من شرها بكثير، ولا يزال ~~يبتلى بها ويستفيد. # فمن خيرها - ولا شك - أنها كانت وسيلة فعالة سريعة الفعل في نشر المعرفة العامة، وبث ~~الدعوات القومية، واستنهاض العزائم لمكافحة السيطرة الأجنبية، وترقية اللغة، ودوام التقريب ~~بين لغة العلم والأدب، ولغة البيت والسوق. # ومن شرها - ولا ريب - أنها شغلت الناس بسفساف الأمور، وطلبت الرواج والانتشار بإثارة ~~الفضول وتزويد القراء بما يرضيهم دون ما ينفعهم من الآراء والأنباء، وأنها سلمت زمام ~~الجماهير لمن يستطيع أن يشتري أقلامها أو يسخرها، وأن الإقبال عليها يصرف القراء عما هو ~~أفضل منها وأولى بالانصراف إليه من أنواع المطالعة والتحصيل المفيد. # ومهما يكن من مآخذ الصحافة عندنا وعند غيرنا فهي مآخذ لا تخلقها الصحافة، ولا ترجع ~~اللائمة فيه على الصحافة وحدها؛ لأنها بضاعة لا تنفق ما لم تطلب ويكثر الإقبال عليها، ~~وإن كانت الصحافة تزيد الإقبال بالترغيب والترديد. # وبنية الأمة التي تروج فيها الصحافة هي المسئولة عن شرورها، وهي المطالبة بخلق الترياق ~~الذي يدرأ سمومها ويحتفظ بغذائها الصالح السليم. # والذي تبين من تجارب الأمم الغربية أنها أخذت تقسم الصحف عندها إلى قسمين تتسع الفجوة ~~بينهما عاما بعد عام، وهما: قسم التسلية، وقسم المراجعة والدراسة. ومن المشاهد المتواتر في ~~أوروبا وأمريكا أن صحف التسلية تطبع الملايين في اليوم الواحد، ولكنها ms102 لا تؤخذ مأخذ الجد ~~والتوقير، ولا يحفل الناس ماذا تقول وماذا تبدي من الآراء، وأن صحف المراجعة والدراسة ~~محدودة القراء، أو محدودة النطاق في الأقاليم، ولكنها مرجع معول عليه في تكوين الأفكار ~~وتلقي المعلومات. # إلا أن الصحيفة المسلية قد تقنع قراءها بالتأثير «الآلي»، ولا تهتم بالتأثير «الأدبي» إذا ~~ضمنت الرواج. # ومعنى ذلك أن الخبر الذي يتلقاه ثلاثة ملايين من القراء، وتتوخى الصحيفة وقته المناسب، ~~وصيغته الشائقة، وهدفه المقصود، لن يخلو من أثر يصيب المصالح العامة، ويشيع القلق في ~~النفوس، ويصبغ السياسة الحسنة بما يشوهها، كما يصبغ السياسة الشائهة بما يزخرفها ويحببها ~~إلى الأنظار، ولا مبالاة في هذه الحالة بمكانة الصحيفة وكتابها في قلوب القراء؛ لأن ~~الأثر «الآلي» يسلك سبيله إلى ملايين القراء بمعزل عن الأثر الأدبي الذي يستقبلونه بالحذر ~~أو الإعراض إذا صيغ لهم في قالب النصيحة والتوجيه. # ولا نعلم اليوم كيف يحل الغرب والشرق مشكلة الصحافة في الجيل القادم، ولكننا نستطيع أن ~~نعلم ماذا يكون إذا سارت الأمور على استقامة وصلاح، وماذا يكون إذا سارت على نقيض الاستقامة ~~والصلاح. # فإذا بقى التأثير الآلي مقرونا بالرواج والقوة؛ فهو خطر وبيل العواقب قد يربي على جميع ~~ما ابتلاه الناس من أخطار الدعاية في أطوار التاريخ. # وإذا خيف من الشر أن يبلغ مداه فقد تعتصم منه الإنسانية بالترياق الوحيد الذي يجدي عليها ~~في هذه الحالة، وهو إسقاط «الدعاية الآلية» من كل حساب، والفصل بين صحافة التسلية وصحافة ~~الرأي بفاصل منيع لا يأذن لجانب الخطر أن يطغى على جانب الأمان. وقد يكون في ذلك باب للخير ~~الشامل يوفض منه بنو الإنسان إلى عالم جديد؛ لأنهم يعرضون عن «الآلية» بعد استنفادها ~~والانتهاء بها إلى غايتها القصوى، ولا يقيمون وزنا لغير رسالة الروح إلى الروح، وتوجيه ~~الفكر للفكر، وعقيدة الإنسان في إمامة الإنسان. # | إجمال # غني عن القول أن البلاد الشرقية تلقت دروسا كثيرة في العلوم والصناعة التي تسمى ~~أحيانا بعلوم أوروبا وصناعاتها، إما في مدارس أوروبا نفسها، وإما في المدارس الشرقية التي ~~أنشئت على غرارها. ms103 # وهذه حقيقة واقعة غنية عن الإفاضة في شرحها، مفهومة بطبيعتها، ولأن المهم عندنا في تسجيل ~~آثار الحضارة الأوروبية في الشرق هو الآثار النفسية التي كان لها مساس بروح الشرق وضمائر ~~أبنائه، ولسنا ممن يرون أن العلوم والصناعات المنقولة كان لها في ذاتها ذلك الأثر، إلا من ~~طريق الخطأ في فهمها واستخلاص مراميها؛ لأنها تدخل في حيز المنقولات العقلية والمنقولات ~~الآلية التي لا تستتبع بعدها انقلابا خطيرا في عالم الروح وسرائر الوجدان. # وعلى سبيل التفسير لهذا الرأي نرجع إلى القول بكروية الأرض ودورانها، فهذا القول لم يكن ~~بالجديد على الثقافة الشرقية، ولكن الأدلة الحسية لم تكن مثبتة له في تصوير الدهماء وأشباه ~~الدهماء من أصحاب المعلومات القاصرة، فاستطاع الجهلاء أن ينكروه، وأن يلصقوا إنكاره بما ~~فهموه من ظواهر النصوص الدينية. # فلما جاء القول بكروية الأرض ودورانها عن طريق الغرب، وجاءت الكشوف الجغرافية بما يثبت ~~هذا القول القديم، أخطأ الجهلاء فهم الدين وفهم العلم الحديث زمنا سرى فيه الشك إلى ضمائر ~~المتعلمين، ولم يسع هؤلاء المتعلمون إنكار كروية الأرض أو إنكار دورانها، وظل هذا الشك ~~ساريا إلى أن قرت الحقيقة العلمية في نصابها، وعجز الجهلاء عن مقاومتها بالنصوص الدينية، ~~فزال العارض الذي أصاب الضمائر من خطأ الفهم وخطأ التأويل. # وهذا الذي عنيناه بقولنا: إن العلوم والصناعات لم يكن لها مساس جوهري بالحياة الروحية في ~~البلاد الشرقية؛ لأنها قد استطاعت أن تستقر في حيز المعارف العقلية أو المعارف الآلية دون ~~أن تقلق بواطن الضمير. # والأولى عندنا أن يقال: إن الحياة الروحية في البلاد الشرقية قد تأثرت من طريق ظواهر ~~المعيشة ومن طريق المذاهب الفكرية، ولم تتأثر مباشرة من طريق العلم أو الصناعة. # فظواهر المعيشة التي حملها الأوروبيون معهم إلى بلاد الشرق العربي قد نشرت معها جوا من ~~الإباحة الفعلية، والاستخفاف بالقيود الأخلاقية الموروثة ... فقل الحرج من سماع الآراء ~~الطارئة وتوجيه النقد إلى الشعائر المرعية، وكان أثر هذا كله في الحياة الروحية أعمق جدا ~~من كل أثر سرى إلى الضمائر من معارف العلم والصناعة. ms104 # أما المذاهب الفكرية التي لامست عالم الروح في الشرق، فهي من قبيل مذهب النشوء والارتقاء ~~لنيتشه، ومذهب التفسير المادي للتاريخ وفلسفة المقارنة بين تواريخ الأديان، وهي - على أقوى ~~ما نلحظه من آثارها - لم تتجاوز أثر الفلسفة القديمة، ولا مذاهب الشيع المعتزلة التي شغلت ~~عقول المشارقة في أواسط الدولة العباسية وما بعدها، وقد كانت آثارها هذه فردية لا تتعدى ~~المئات من المفتونين بها ممن يتلقفونها ويتخطفون عناوينها، ولا يحيطون بأسرارها ~~ومضامينها. # وكانوا في الزمن القديم كما كانوا في الزمن الحديث على غرار الآخذين بمذهب النشوء ~~والارتقاء، ممن خيل إليهم أن هذا المذهب قد حل مشكلة الوجود ... وهو في جوهره - على ~~التحقيق - لم يزد على أن جعل «خلق الإنسان والحيوان» مسألة ملايين من السنين بدلا من مسألة ~~ألوف ومئات؛ ولم يلمس قط سر الخلق الأبدي الذي لا يزال بابا مفتوحا للتفكير والاعتقاد، ~~بعد كل ما قيل في مذهب النشوء والارتقاء. # فالمذاهب الفكرية التي أشرنا إليها لمست روح الشرق في نطاق الأفراد المعدودين، ولمسته في ~~هؤلاء الأفراد لمسا عاجلا قريبا لا يستأصل جذور اليقين ، إلا ما كان من هذه الجذور قريب ~~الاستئصال. # والمهم فيما بقي بعد هذا من آثار الحضارة الأوروبية على بلادنا وشعوبنا هو الذي عرضنا له ~~في الفصول السابقة، ويتلخص في انتباه الشرقيين إلى فهم الدين، وفهم الوطنية، وفهم العلاقة ~~بين الفرد وبين الله، والعلاقة بين الفرد والدولة فهما يتحدى أساطير الجمود ومخلفات ~~الجهالة في عصور الضعف والاضمحلال. # وننتهي بالبحث كله إلى عبرتين خالدتين؛ أولاهما: أن الأمم الشرقية والغربية جميعها دائنة ~~ومدينة في تراث الحضارة الإنسانية، وأنه ما من أمة لها تاريخ إلا وقد أعطت كما أخذت من ذلك ~~التراث. # وثانية العبرتين: أن الأمم تستفيد في باب الحضارة على الرغم منها، وعلى الرغم ممن يفيدها؛ ~~فالمستعمرون الغربيون لم يقصدوا تعليم الشرقيين حرية الأوطان، ولكنهم تعلموها وهم ناقمون، ~~والشرقيون قد شحذوا السلاح الذي ضربتهم به يد الاستعمار، وأصيبوا به قبل أن يعرفوا ~~كيف. # وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم ~~. # ولولا دفع ms105 الله الناس بعضهم ببعض لفسدت ~~الأرض ~~. # وتلك الأيام نداولها بين الناس ~~. ms106