######OpenITI# #META# URI: 1383CabbasMahmudCaqqad.BarnardShu.Hindawi27504042 #META# Tags: biographies #META# ID: 27504042 #META# Title: برنارد شو #META# AuthorID: 64642852 #META# Author: عباس محمود العقاد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # عصر برنارد شو‏ # نشأته‏ # مؤلفاته‏ # شو والعلم‏ # شو والفن‏ # فلسفته‏ # أحاديثه‏ # وسائل السوبرمان‏ # أقوال الناس فيه وأقواله في الناس‏ # شو ومصر‏ # صورة مجملة‏ # عصر برنارد شو‏ # نشأته‏ # مؤلفاته‏ # شو والعلم‏ # شو والفن‏ # فلسفته‏ # أحاديثه‏ # وسائل السوبرمان‏ # أقوال الناس فيه وأقواله في الناس‏ # شو ومصر‏ # صورة مجملة‏ # | برنارد شو # | برنارد شو # تأليف # عباس محمود العقاد # صورة تمثاله. # | عصر برنارد شو # في هذه الرسالة تعريف وجيز بالكاتب الأيرلندي، الإنجليزي، العالمي، جورج برنارد ~~شو. # والكاتب قد يسبق عصره في أشياء، وقد يتخلف عنه في أشياء، وقد يخالفه في أشياء، ولكنه لا ~~ينفصل عنه كل الانفصال في جميع الأشياء. فلا بد بين الكاتب والعصر الذي ينشأ فيه من صلة ~~نعرفها لتمام التعريف به والاستدلال على مصادر أدبه وقواعد تفكيره. # وقد نشأ برنارد شو في النصف الأخير من القرن التاسع عشر، وهو عهد كثير المعالم كثير ~~الأطوار في ميادين الحياة العامة، ولكنه يتسم في كل ميدان منها بسمة ظاهرة تحيط بما ~~حولها أو تدل عليه، وفي هذه السمات الظاهرة ما يكفي لتصوير «البطانة الثقافية» التي ارتبطت ~~بها نشأة شو، وارتبطت بها - من ثم - مصادر أدبه وقواعد تفكيره. # في ميدان العلم الطبيعي غلبت فكرة التطور بمذاهبها المتعددة، وأهمها مذهب لامارك ومذهب ~~داروين. # وفي ميدان الأخلاق غلبت مباحث الدراسات النفسية، وتطبيقها على المسائل الاجتماعية ~~كالجريمة وروح الاجتماع، وعلى المسائل الجنسية كطبيعة المرأة وتفسير الأخلاق عامة بغرائز ~~الجنس الظاهرة والخفية. # وفي ميدان السياسة والاجتماع غلبت الدعوة إلى الحرية عامة وإلى الحرية الفردية على ~~الخصوص. ~~••• # نشأ برنارد شو والعالم الأوروبي كله يجادل ويساجل في مذاهب التطور والارتقاء، وأهمها كما ~~تقدم مذهب لامارك الذي يقول بدفعة الحياة، ومذهب داروين الذي يقول بالانتخاب الطبيعي ~~وبقاء الأصلح. # والفرق بينهما أن الأول أقرب إلى الإيجاب والثاني أقرب إلى السلب، فمذهب لامارك يفسر ~~طول عنق الزرافة بأنها جمعت قواها كلها في عنقها؛ فطال وتمكنت به من بلوغ الأوراق الطرية ~~في ذؤابات الشجر، ولولا ذلك لحل بها الفناء. # ومذهب دارون يفسر طول عنقها بالتفاوت بين ms01 الزرافات في طول العنق، فما كان منها طويل ~~العنق أدرك الورق العالي فعاش وبقيت ذريته، وما كان منها قصير العنق فاته الطعام فانقرض ولم ~~تبق له ذرية. # وقد كان لفكرة التطور على اختلاف مذاهبه أثر قوي واضح في دعوات المفكرين والفلاسفة، وأخطأ ~~بعضهم فهمه - كما أخطأ نيتشه - فظن أن القرد ترقى إلى الإنسان، وأن الإنسان سيترقى على ~~هذا النحو إلى السوبرمان، ومعناه الإنسان الأعلى! وأن النسبة بين هذا السوبرمان والإنسان ~~الحاضر ستزيد على النسبة بين الناس والقردة في تركيب الأجسام أو تركيب العقول. # وتطرقت فكرة التطور إلى أشهر المذاهب الفلسفية في فرنسا خلال السنوات الأخيرة من القرن ~~التاسع عشر، وهو مذهب برجسون الذي يتلخص في كلمتين، هما: التطور الخلاق، وخلاصته أن قوة ~~الحياة تتطور في علاقتها بالأجسام المادية حتى يأتي زمن لا يستبعد فيه استقلال «الفكر ~~الحي» عن المادة وأجسادها وأعضائها، فامتزجت نظرية التطور بالفلسفة المثالية الفكرية في ~~مذهب برجسون على هذا المنوال. # ولم يبق في إنجلترا والولايات المتحدة عالم ولا أديب ولا فيلسوف لم تدخل نظرية التطور ~~في تقديره، ولا يزال أثرها كبيرا ظاهرا في فلسفة مورجان، وفلسفة صمويل إسكندر، وفلسفة ~~هوايتهد، وغيرهم من أصحاب مذاهب التطور والانبثاق، عدا ما كان لها من الشأن الشامل في تفسير ~~جميع العلل الكونية على طريقة هربرت سبنسر على الخصوص. # أما الدراسات النفسية «السيكولوجية»، فقد أسرعت في اتخاذ طريقها إلى الأدب وإلى فن ~~الرواية بصفة خاصة، فكاد كل بطل من أبطال الروايات أن يصبح نموذجا لدراسة نفسية، وذاع ~~هذا الأسلوب الروائي من روسيا حيث كان يكتب دستيفسكي، إلى فرنسا حيث كان يكتب بورجيه، إلى ~~النرويج حيث كان أبسن ينظم ملاحمه ومسرحياته. # ولم يبق نوع من الناس - آحادا وجماعات - إلا تناوله البحث من ناحية نفسية، فكتب ~~العلماء والمفكرون والأدباء عن: نفسية المجرم، ونفسية الجماعة، ونفسية العبقري، ونفسية ~~السادة والعبيد، وأعاد النقاد تحليل «الشخصيات الأدبية والفنية» على هذا النمط الحديث، ~~وكانت الغريزة الجنسية أهم ما تناوله البحث، واقترن به تعليل الأخلاق والبواعث، بل تعليل ~~الحركات ms02 الفنية والاجتماعية، وخرجت «المرأة» خاصة من هذه المشرحة بتكوين جديد يختلف فيه ~~معنى الغواية، ومعنى الخطيئة، ومعنى الرذيلة عما كان عليه في «تكوينها» الذي عرفه أبناء ~~العصور الوسطى، وأبناء العصور الغابرة على الإجمال. # ويمكن أن يقال إن النصف الأخير من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين كانا ~~في مجال الدراسات النفسية عصر لمبروزو وأتباعه من جهة، وعصر فرويد وأتباعه من جهة أخرى، ~~فأصبح للدوافع العقلية كالعبقرية، والدوافع الحيوية كالحب، تفسير غير تفسيرها في آراء ~~الأقدمين. ~~••• # وظهرت في هذه الفترة دعوات سياسية، أو دعوات اجتماعية، تنزع كلها إلى التحرير وتحطيم ~~القيود، ولا سيما القيود التي تطلق «الفرد» من ربقة العرف، أو ربقة السادة المستأثرين بحقوق ~~المجتمع ومزاياه. # ونحن في هذا العصر نفرق بين الدعوة إلى الشيوعية والدعوة إلى الحرية الفردية؛ لأنهما ~~يتعارضان في تقدير حق الفرد بجانب حق الحكومة. # إلا أن الشيوعية نفسها كانت تحسب في أواسط القرن ~~التاسع عشر من حركات الدعوة إلى الحرية الفردية وإنقاذ الآحاد من طغيان الجماعات؛ لأن ~~خطوتها الأولى كانت تستلزم إنكار الامتيازات التي يستأثر بها أبناء بعض الطبقات، فهي تسوية ~~بين آحاد وآحاد، واتجاه إلى المساواة العامة في الحقوق السياسية، يتلاحق فيه الفرد الوضيع ~~والفرد الرفيع. ~~••• # ومع اختلاف هذه الميادين - ميادين العلوم، وميادين الأخلاق، وميادين السياسة - كانت ~~النزعات الغالبة عليها جميعا مما يتجه بالذهن الإنساني إلى وجهة واحدة، وهي إعادة النظر في ~~القيم المسلمة على العموم. # ما قيمة الإنسان؟ ما قيمة العرف؟ ما قيمة السلطة؟ ما قيمة النظم القائمة؟ ما قيمة ~~الحقوق المحترمة؟ ما قيمة البطل؟ ما قيمة المرأة؟ ما قيمة المصطلحات والمعارف ~~والآراء؟ # فاتسع في الجواب عن هذه الأسئلة مجال السخرية كما اتسع مجال الأمل، وعمت الرغبة في ~~التجديد والابتداع حتى بلغت حد الإغراب والاصطناع. # وسيرى القراء أن برنارد شو لم يكن بعيدا من آثار هذه النزعات في أدبه وتفكيره، وقد تناول ~~بهما مذاهب العلم والفن، كما تناول بهما مذاهب السياسة والأخلاق والاجتماع. # | نشأته # تكاد كل علاقة بين شو ومنشئه تأتي مصداقا ms03 للحقيقة التي ألمعنا إليها في تصدير هذه ~~الرسالة، وهي الصلة الوثيقة بين البيئة والأديب أو الفنان. # فنشأته في أيرلندا، ونشأته في أسرته، ونشأته من أبويه، ونشأته في جيله السياسي، ونشأته في ~~جيله الثقافي؛ كل أولئك على صلة وثيقة بعنصر من عناصر حياته، أو عنصر من عناصر استعداده ~~وعمله في حياته الفنية والثقافية. # قال عن تلك النشأة: «لا أثر في تكويني من العنصر الإسباني الشمالي الذي استورد كما ~~تستورد السلع، وجرى العرف على اعتباره أصلا عريقا للأيرلنديين. إنني أيرلندي مثالي من ~~عناصر الزحوف الدانية والنورمانية والكرمولية، والأيقوسية على الخصوص، وأنا بحكم التقاليد ~~البيتية فخور بالمذهب البروتستانتي، شديد التشيع إليه، ولكن لا تعتمدن حكومة إنجليزية من ~~أجل ذلك على ولائي، فإن الإنجليزية التي أشتمل عليها تكفي لأن تجعل مني جمهوريا لدودا، ~~ومطالبا عنيدا بالحكومة الذاتية. وصحيح أن جدي الأعلى كان من الأورنجيين، ولكن صحيح كذلك ~~أن أخته كانت رئيسة دير، وأن عمه - وأقولها فخورا - شنق مع الثائرين.» # ولو أراد شو لقال أيضا إن الأيرلندية التي اشتمل عليها كافية لأن تجعل منه مفكرا ~~«عالميا» يثور على السيطرة الأجنبية، فإن الوطنية التي تثور على الاستعمار والاستغلال ~~قريبة من العالمية في المبدأ والاتجاه. # والأيرلنديون - أو الأمة التي امتزجت من بعض السلالات فأصبحت تعرف بهذا العنوان - قوم ~~معروفون بالدأب في طلب الرزق، ونزعة التمرد مع حب الفكاهة. ألجأهم الحكم الأجنبي إلى ~~التمرد، وألجأهم التمرد والفقر إلى الرحلة في طلب الرزق، والكدح وراء المال، وأعانتهم ~~الفكاهة على الضنك والسلطان المكروه، فليس أصلح من هذه البيئة لإخراج برنارد شو المتمرد ~~الساخر الدءوب المؤمن برسالة المال في حياة الآحاد وحياة الجماعات. # وانتماء شو في أصله القديم إلى سلالة «إنجليزية» لا يخرجه من حكم النشأة الأيرلندية، ~~حتى في الثورة على السيطرة الإنجليزية. # والمصريون خاصة خلقاء، أن يذكروا في هذا الصدد أن طلاب الاستقلال في مصر كان الكثيرون ~~منهم ينتمون إلى سلالة الترك الذين كانوا يحكمون البلاد. # ويرجع شو بأصله إلى «ماكدوف» المعروف في رواية «ماكبث» من تأليف شكسبير. # ولكن لا ms04 خلاف في انتمائه من جانب أبيه وجانب أمه إلى فرسان العصور الوسطى، وقد تزوجت ~~حفيدة كرومويل بواحد من أسرة شو، وكان أحدهم «السير روبرت شو» صاحب مصرف في دبلن عند أوائل ~~القرن التاسع عشر، ثم تغيرت بهم الحال كما تغيرت بكثير من سلالة الفرسان الذين لم ~~يحسنوا الاحتفاظ بالثروة القديمة، ولم يحسنوا جمع الثروة من مواردها في العصر ~~الحديث. # فلما آل أمر الأسرة إلى أبيه - جورج كار شو - كان من فقراء أبناء النبلاء، وكان في صباه ~~يعمل في مصنع للحديد، ثم وصل بنفوذ آله إلى وظيفة حكومية، ثم باع معاش الوظيفة بعد إلغائها، ~~واشترك مع صاحب له في إدارة متجر لم يلبث أن أفلس، ولم يترك له غير مورد صغير يعول عليه في ~~معاشه ومعاش بيته. # وكان يعاقر الخمر، ويتشاغل عن الجد باللهو، ويهرب من الهموم والأزمات، ويتقي مواطن الحسم ~~ما استطاع. # فلما علم بإفلاسه أوى إلى حجرة معزولة، وظل يضحك ويستغرق في الضحك والقهقهة حتى أفاق من ~~تلك الصدمة القاسية، وخرج من الحجرة كأنه لم يسمع بشيء. # وكان عجبا في رعايته للتقاليد واستخفافه بالتقاليد، فكان يجمع أسرته للصلاة ويقرأ لهم في ~~التوراة، ثم لا يلبث أن يلقي بالكتاب من يده ويقول كأنما يخاطب نفسه: «كلام فارغ ... كلام ~~فارغ» ... ويقطع الصلاة والقراءة ليعود إليهما بعد يوم أو يومين. # وكان يعزو سوء حظه إلى سبب «خرافي» غريب، ولكنه يدل على ضمير يحس الندم والرحمة؛ فقد كان ~~يلهو بالصيد في صباه، فأطلق كلبا من كلابه على قطة عابرة فمزقها، فلم يزل نادما على ~~فعلته إلى آخر أيامه، ولم يزل يعزو ما أصابه من العثرات والخسائر إلى ذلك الحادث ~~الكريه. # كان جورج كار واحدا من اثني عشر أخا وأختا، لم يتمم تعليمه منهم غير أخ واحد، هو العم ~~الذي تعهد برنارد الصغير بالمدرسة والتعليم في صباه. # وأب كهذا لا يظن به أنه يورث ابنه شيئا يظهر أثره في حياته الثقافية، وبخاصة إذا كان ~~هذا الابن كاتبا من أكبر الكتاب في عصره. # لكنه في ms05 الواقع «مورث» ظاهر الميراث في ثقافة برنارد شو، وإن لم يورثه شيئا في ~~رزقه. # فقد أورثه الاعتزاز بالوجاهة، وهو صفة يتشبث بها النبيل الخائب أشد من تشبث الناجحين ~~الأعزاء في طبقة النبلاء. # وأورثه الاستخفاف بالتبعات والتقاليد، وربما أورثه أيضا صفة من الصفات الفنية التي ~~تلاحظ في روايات برنارد شو، وهي اجتناب الأزمات ومواقف الحرج القصوى، فإن روايات شو ~~جميعا تنتهي دون هذه المواقف ولا تتمادى إلى الذروة القصوى من الشعور. # بل أورثه خصلة لا يخطر على البال، للوهلة الأولى، أنها تستفاد من هذا الأب السكير، وهي: ~~تحريمه المسكرات على نفسه؛ فإنه قد نشأ وهو يعافها ويلمس زرايتها وهوانها، ومثله في ذلك ~~أناس كثيرون، منهم في عالم الأدب والدعوة الاجتماعية «أبتون سنكلير» الكاتب الأمريكي ~~المشهور. # ولعله قد أورثه قليلا من ميله إلى الموسيقى؛ لأن أسرة شو عرفت بحب المرح ~~والغناء. ~~••• # وقد كانت والدته - ليوسندا أليصابات، أو بيسي كما كانوا يدللونها - تنتمي كأبيه إلى أسرة ~~من أسر النبلاء المفتقرين. ماتت أمها وهي صغيرة فكفلتها قريبة لها حدباء على شيء من ~~الثراء، أنشأتها نشأة بنات النبلاء، ودعت لتعليمها البيان والموسيقى الأستاذ لوجير المشهور، ~~وأخذتها بالصرامة في تربيتها كما هو معهود في النساء الشائهات ومن تصطنع منهن سمت النبالة ~~على الخصوص، وكان أبو الفتاة حيا ولكنها لا تراه إلا في الحين بعد الحين، ثم انقطعت صلتها ~~به بعد أن فكر في البناء بزوجة جديدة، واتهم فتاته بالإيقاع بينه وبين أقاربه وتحريضهم ~~على حبسه؛ لأنه مدين. # وضاقت الفتاة بمعيشة الصرامة والتزمت، فنزعت إلى التمرد، واستجابت لدعوة «جورج كار ~~شو» حين اقترح عليها الزواج، وهو في نحو الأربعين وهي في نحو العشرين. # فخسرت الميراث الموعود، وشعرت بخيبة الرجاء وهي تقضي شهر العسل مع عريسها في لڤربول، فقد ~~عرفت من كثرة القناني الفارغة في المطبخ كثرة ما يشربه هذا العريس من المسكرات، فهامت على ~~رأسها من الدار إلى الميناء تنوي أن تعمل في السفن، ولا تعود أبدا إلى ذلك الزوج السكير، ~~ولكنها شهدت هناك عربدة النواتية في ms06 سكرهم وهجرهم، فحمدت نصيبها من سكيرها المهذب الأنيس، ~~وبقيت معه على مضض، وهي لا تعرف لها مهربا بعد انقطاع الصلة بينها وبين أبيها وأكثر ~~أقربائها. # ورزقت منه بنتين وولدا هو برنارد، وفي ذلك يقول برنارد على طريقته المعهودة من السخرية ~~والادعاء: إن ميلاد عبقري يحتاج إلى هذه التجربة التي سبقته بولادة بنتين! ولم يطل العمر ~~بأحد من هذه الذرية غير برنارد. # وثابرت الفتاة على دراستها للموسيقى ودراستها للغناء، وكان لها صوت رخيم وذوق مطبوع. ~~وانتهى شغفها بالموسيقى وضجرها من زوجها إلى علاقة قوية بينها وبين أستاذها «جورج لي» ... ~~فهجرت منزل زوجها، وعاشت مع أستاذها، ثم بدا للأستاذ أن يرحل إلى العاصمة الإنجليزية فلحقت ~~به هناك، وتركت برنارد في مسكنها وعنده «البيان» الموسيقي الذي يحرص عليه. # حدث ذلك بعيد سنة 1870، وكانت أوروبا كلها يومئذ - والعاصمة الإنجليزية على الخصوص - ~~تموج بالمذاهب والدعوات في الفن والأدب والعلم والفلسفة والاجتماع، ومعظمها يجنح إلى التمرد ~~وإنكار التقاليد. # كان فيها الماديون الملحدون، وكان فيها الروحيون الذين يتدينون بالتصوف ويباشرون ~~تحضير الأرواح، ويقتدون بالبراهمة في اجتناب اللحوم والاقتصار على النبات وإحراق جثث ~~الموتى. # وكان على رأس المدرسة الروحية آنا بيزانت المعروفة بدعوتها الصوفية، وإعجابها بالعقائد ~~الهندية. # لكن البدعة النباتية قد جاوزت المتصوفين إلى الشعراء والأدباء، فكان بيرون وشلي يعلنان ~~هذا المذهب، ولا يأكلان اللحوم أمام الناس، وإن شك الكثيرون في التزامهما هذا المذهب وراء ~~الناس! # وكانت الدعوة الاشتراكية في إبانها، ومعها الدعوة إلى استخدام الفن في عرض الآراء ~~الاجتماعية. # فكانت لندن جوا ثقافيا صالحا يتنفس فيه عقل الأديب الناشئ، الذي تهيأت له رسالة ~~في الأدب العالمي من قبيل رسالة برنارد شو. # وقد كانت أمه تعيش في صميم هذه البيئة الفنية الثقافية؛ إذ كانت تحترف الموسيقى، وكانت ~~بنتها الكبرى تحترف الغناء، ثم اشتغلت بالحركة الصوفية الروحية بعد وفاة بنتها الصغرى ~~(1876)، عسى أن تتصل بروحها على نغمات الألحان كما كان يفعل بعض المحضرين للأرواح. # ويعتقد النقاد - كما يعتقد شو نفسه - أنه مدين لوالدته بتوجيه فطرته وتوجيه ~~بيئته. # فمنها ورث ms07 ذوقه الموسيقي الذي يكاد يضارع في العمق والأصالة عبقريته الأدبية، ومنها ورث ~~الصلابة التي لا تبالي بمخالفة العرف والتمرد على سلطان التقاليد، ومنها ورث البنية ~~السليمة؛ لأنها على الرغم من طول مراسها لمضانك الفاقة قد نيفت على الثمانين، ومن البيئة ~~التي عاشت فيها تعلم الاهتمام بالدعوة الصوفية النباتية، فأصبح من النباتيين. ~~••• # وصل برنارد شو إلى لندن وهو يناهز العشرين، وكان مولده في دبلن (في السادس والعشرين من ~~شهر يوليو سنة 1856). # وبين هذين الأبوين اللذين لا مشاركة بينهما في غير الثورة على التقاليد والاستخفاف ~~بالتقاليد، درج برنارد الصغير. # درج وهو مفتح الذهن والعينين، وتعلم القراءة وهو في نحو الثالثة، ومن أقواله المأثورة ~~إنه ولد قارئا ... وإنه لا يذكر زمنا كان فيه من الأميين! # وكان له خال طبيب بحري، فكان يستمع إلى أقاصيصه عن بلاد العالم وأممه وراء البحار. # وكان له عم متعلم، فكان يتعهده بالإرشاد إلى كتب المطالعة والحث على التوسع فيها، فكاد ~~أن يأتي - وهو دون العاشرة - على الكتب التي يهواها الصغار، كألف ليلة وليلة، وروبنسون ~~كروزو، ورحلة الحاج، وعشرات الكتب التي لا يقرؤها الأطفال عادة في تلك السن، كتراجم ~~الفنانين وروايات ديكنز وموليير وشكسبير، ولم تفارقه عادة التوسع في المطالعة بعد ذلك إلى ~~شيخوخته المباركة، وقد أدرك الرابعة والتسعين. # كان له معلم وكانت له مربية. أما المعلم فطرده هو ذات يوم وعدا وراءه يهم بضربه، وأما ~~المربية فقد كان يألفها؛ لأنها كانت تأخذه إلى الحانات والأزقة حيث تلقى أصحابها ~~وصويحباتها، وتشبع شوقه إلى المناظر والأعاجيب في هذه البيئة المريبة، والمفروض في البيت ~~أنها تأخذه إلى الحدائق والمنازه والخلوات، وقد أوشك أن يحرم هذه المنازه لولا ولع أبيه ~~بالسباحة واصطحابه إياه إلى البحر من حين إلى حين. # ثم عز على أهله أن يحتفظوا له بمربية أو معلم، فذهب إلى المدرسة، وأعجلته الحاجة فعمل في ~~قسم الحسابات ببعض المتاجر الكبيرة، ولم ينس في وقت من الأوقات أن يرود المكتبات العامة ~~للقراءة والاطلاع واستعارة المصنفات التي لا يقوى على شرائها، واستطاع أن ms08 يتعلم قليلا من ~~اللاتينية والإغريقية، وأن يتكلم الفرنسية ويفهمها أكثر مما يتكلمها. # عمل لكسب قوته وهو في نحو الخامسة عشرة، وأرضى رؤساءه بذكائه وأمانته وحسن تصريفه لعمله. ~~فلما تركهم - وهو في نحو العشرين ليلحق بأمه في العاصمة الإنجليزية - راجعوه كثيرا، ثم ~~قبلوا استعفاءه آسفين. # ولم تكن معيشة أمه ميسرة حين لحق بها في العاصمة الإنجليزية، وكانت على هجرها لأبيه ~~تعتمد على معونة ضئيلة منه قبل وفاته لمساعدة بنتيه، وزادهم نزول برنارد بينهم عبئا على ~~أعبائهم، فقد تعسرت عليه سبل الأعمال، ولم يسترح طويلا إلى وظائف الشركات التي كان ~~يختارها له أستاذ أمه الموسيقي «لي»، فقضى زمنا لا طعام له غير البطاطس المسلوق، ولا كساء ~~غير بذلة واحدة يلبسها في جميع الفصول. # وحاول أن يكسب قوته بالكتابة إلى الصحف في نقد الموسيقى والتمثيل، فأبطأت عليه ثمراته، ~~وجرب كتابة القصة، فألف قصصا لم يفد منها شيئا في رزقه، وأفاد منها بعض الشهرة بين ~~طائفة من القراء والأدباء، وقد فتحت له مقالاته في نقد التمثيل أبواب المسرح، فتحول إلى ~~معالجة المسرحيات، وأصاب من خطواته الأولى حظا غير يسير من النجاح، فثابر على الكتابة في ~~هذا الباب وأبدع في موضوعاته وأساليبه، فأصبح طرازا مستقلا في أدب المسرح نحو جيلين ~~كاملين، ولم يدع مسألة من مسائل البحث التي تساور العقول في عصره إلا أحاط بها في رواية ~~من رواياته، فتكلم عن: مشكلات العقيدة، ومشكلات الفكر، ومشكلات الحكم، ومشكلات السياسة ~~الوطنية العالمية، وأبدع الرواية التي تسمى بالملحمة التمثيلية لطولها وتعدد مواقفها، ~~وأعانه على ترويج هذه البدعة ذيوع اسمه، وإقبال الناس على مصنفاته وآثاره، وتقدم العرض ~~السينمائي الذي يستطاع فيه ما تعجز عنه المسارح من الحيل والتوفيقات، وأهم رواياته من هذا ~~القبيل رواية «العودة إلى متوشالح»، الذي جاء في التوراة أنه عاش تسعمائة وتسعا وستين سنة، ~~ورواية «الإنسان والسوبرمان»، ورواية «جان دارك»، ورواية «أندروكليز والأسد»، ومدارها ~~جميعا على شرح فلسفته في أصل الوجود وحقائق الدين ومصير الإنسان وأمله في مستقبل الحياة. ~~وقد بلغ من ثقته بأسلوبه المسرحي ms09 أنه نقح رواية لشكسبير هي رواية «سمبلين»، ليبين ~~الفارق بين أسلوبه وأسلوب شكسبير. # وجرى على عادة طريفة في نشر رواياته المسرحية، فمهد لكل رواية منها بمقدمة مسهبة تصلح ~~أن تكون كتابا وافيا في موضوعها، وتغني فيه من لا يرتاد المسرح من القراء. # ولا يكتم برنارد شو ارتياحه إلى نجاح مسرحياته لما جناه من أرباحها، بل لا يكتم هواه ~~للمال وحبه للاستزادة منه ما استطاع، ولكنه - مع هذا - ترك الكتابة للمسرح وهو يدر عليه ~~الألوف من حقوق التمثيل والنشر والترجمة والعرض في دور الصور المتحركة؛ ليكتب مؤلفاته التي ~~يعلم بها النساء، والجمهور عامة، ما لهم وما عليهم من الحقوق الاجتماعية، وما ينبغي لهم ~~من السلوك آحادا وطوائف في المجتمع الحديث. # ومنحته لجنة نوبل جائزتها عن الأدب (سنة 1925)، فرفض الجائزة وكتب إلى أمين السر في ~~اللجنة يقول: # إن المال كالعوامة التي ألقيت إلى السابح بعد وصوله إلى بر النجاة ... # وأوصى بإنفاق المال في توثيق الصلات الأدبية والثقافية بين السويد والجزر ~~البريطانية. # على أن طريقه في الكتابة المسرحية لم يكن بالطريق المفروش بالورود أو الذي خلت وروده من ~~الأشواك، فقد أعنته أصحاب المسارح بطلب التنقيح والتبديل طويلا كما أعنتهم ~~بالرفض والتقريع، وقد أعنته الرقباء وأعنتهم كذاك، فحظروا بعض الروايات، وقال ~~الرقيب عن إحداها - وهي «صناعة مسز وارين»: إن المؤلف لا يشعر بحرج الضمير. # ولما سمع أهل نيويورك أنها ممنوعة في البلاد الإنجليزية تدفق طلاب «المحظورات» ~~وطالباتها على المسرح، واشتجروا على تذاكر الدخول، وأوشكت أن تكون فتنة لا تؤمن «على الأمن ~~والنظام» ... فوثب الشرطة إلى المسرح وقبضوا على فرقة التمثيل بقضها وقضيضها، وذهبوا بها إلى ~~ساحة القضاء، فاستمهلهم القاضي ريثما يقرأ الرواية، ثم حكم بوقف التمثيل، وظل تمثيلها ~~موقوفا إلى أن صدر الحكم من قضاء الاستئناف بإباحته، وكان شو يقول كلما سأله الرقباء الذين ~~يمنعون تمثيل رواياته: إن الرواية تهزأ بالأخلاق، إن كنتم تقصدون بالأخلاق هذا العرف ~~الشائع بين الناس، وإنه ما من رواية تستحق أن تكتب إن لم يكن فيها تصحيح ونقد للعرف ms10 ~~المألوف . # في خلال ذلك كله كان شو يتردد على جماعات الاشتراكيين ويؤيدهم بلسانه وقلمه، وهو خطيب ~~مقبول المحضر، أخاذ الصوت، حسن الإيقاع. # وكان يجذبه إلى الاشتراكية أكثر من جاذب واحد في أوائل جهاده على الخصوص، كان يجذبه إليها ~~فقره وتمرده على النظم القائمة ونشأته الأيرلندية التي تعلم منها الثورة على الاستعمار ~~والاستغلال، فانضوى إلى جماعة الفابيين وعمل معهم وخطب في محافلهم وندواتهم، ولكن دعوته ~~الاشتراكية كانت أبعد شيء عن ضيق العصبية ولجاجة البغض والحرد والشنآن، وعلمته سعة الأفق ~~وسعة الاطلاع ألا يتشيع إلى مذهب محدود بين مذاهب الفكر والإصلاح، فلوحظ على رواياته ~~أن نصيب الدعوة الاشتراكية فيها أقل نصيب إلى جانب مسائل الأخلاق والعقائد، ومسائل الحياة ~~الإنسانية الكبرى على التعميم. # ولا حصر لما قرأه شو من آداب عصره وآداب سائر العصور، إلا أن المؤثرين فيه من ~~مفكري العصر الحديث محصورون معروفون، وهم على الأغلب: لامارك، وبرجسون، ونيتشه، وهنري ~~جورج، وأبسن، وصمويل بتلر الفيلسوف الموسيقي المصور الذي أدركه شو وهو في أوج الشهرة ~~والنفوذ. # فمن لامارك وبرجسون أخذ نظريته في التطور الخلاق. # ومن نيتشه أخذ نظريته في السوبرمان ومستقبل الإنسان. # ومن هنري جورج أخذ آراءه الاشتراكية. # ومن أبسن أخذ طريقته المسرحية ورأيه في البيت وحقوق المرأة العصرية. # ومن صمويل بتلر أخذ مقاييسه في نقده للفن، ونقده لمذهب النشوء والارتقاء، وأسلوبه اللاذع ~~في كلماته الموجزة، وقد تدل كلمة أو كلمتان من مفكرات بتلر على أثره الواضح في كلمات شو، ~~فمن ذاك أنه يقول: «خير للإنسان أن يخطئ مع الروح القدس من أن يخطئ مع المال، فقد يبالي ~~الروح القدس بآحاد الناس أو لا يبالي بهم، ولكنه يحسب حساب المال ولا جدال؛ فمن كان له مال ~~أغناه وكفاه.» # ومن ذاك قوله: «إن أبانا الذي في السماوات يعطينا خبزنا، ولكنه لا يجري على طريقة المخابز ~~في أوقات التوزيع.» # وكلمات شو في مفكرات الثائر أو في حوار مسرحياته تطبيقات مختلفة لهذا الأسلوب، وإن كان ~~توقير التلميذ للعقيدة الإلهية أظهر وأكرم من توقير الأستاذ. ~~••• # هذه عجالة ms11 موجزة غاية الإيجاز، قد تغني - في مثل هذه الرسالة الصغيرة - في الإلمام ~~بالخطوط البارزة من هذه السيرة الحافلة، ولكنها لا تغني عن سؤال يتردد لا محالة على لسان ~~من يسمع ببرنارد شو أو يقرأ عنه، وهو: كيف يعيش هذا الرجل في حياته الخاصة؟ كيف تكون ~~المعيشة البيتية للرجل الذي يجهر بازدراء التقاليد، ويتنقل بين عشرات من النساء في جو الفن ~~أو جو الثورة على النظم الاجتماعية، وكلهن أو أكثرهن يتحدثن عن الحب الحر و«حقوق المرأة ~~الشخصية»، ويباهين بالانطلاق من أسر العرف وفرائض الدين؟ # إن أعاجيب برنارد شو كثيرة، وأعجبها فيما نظن هذا التناقض التام بين الصورة التي يستوحيها ~~قارئه عن حياته الخاصة من كتبه وآرائه، وبين الصورة الحقيقية التي يعرفها كل من عاشروه ~~واختبروه. # فالقارئ يستوحي من كتبه وآرائه صورة رجل غارق في الإباحة والشذوذ عن العرف، ~~والمتعة بما تمهده له وسائل الشهرة والثروة. # ولكنها أكذب صورة للرجل كما عرفه صحابته ومعاشروه، ولعلها تصدق على كل إنسان في البلاد ~~الإنجليزية، وفي العالم كله، قبل أن تصدق عليه. # إنه ليس بالإباحي ولا بالشهوان الغارق في المتع والملذات، بل هو على نقيض ذلك أقرب إلى ~~النسك والتقشف، يقصر طعامه على النبات ولا يقرب الخمر ولا يحتفل بالمائدة في طعامها ولا ~~زينتها، ولا يقتني من الأثاث غير السهل البسيط الذي يلزم كل اللزوم في الاستعمال؛ كأنه ~~يقيم في معسكر على أهبة الرحيل. # عاش مع أمه إلى أن توفيت (سنة 1913) وهو يعلم أنها لا تقرأ كلمة من مؤلفاته، ولا تحفل ~~بعمل من أعماله، ولم يقع بينه وبينها خلاف أو جفاء حتى ودعها الوداع الأخير، فاحتفل ~~بإحراق جثتها على حسب وصيتها، وظل وفيا لذكراها إلى هذه الأيام. # في شبابه. # والعجيب في أمره، أنه أقام الصلوات عليها بعد وفاتها، وكذلك فعل في تشييع جميع أعزائه، ~~ومنهم أخته التي نهت في وصيتها عن إقامة الشعائر الدينية على جثتها، وما كان ذلك عن إيمان ~~منه بالشعائر التي تقام على جثث الموتى، بل لأنه يرى أن الأمر أهون من ms12 أن يساوي مصادمة شعور ~~من حوله، ولا سيما شعور المعزين الذين يواسونه في مصابه. # أما علاقاته بالمرأة عامة، فخلاصتها أنها مهمة في كتبه ومذهبه، غير مهمة في حياته ~~وعواطفه، وهو لا يؤمن بالحب إلا أن يكون علاقة مراسلة لا مغامسة، ولا يرى في الشهوات ~~الجسدية ما يستحق أن يتهالك عليه، بل يعاف هذه الشهوات ويعجب كيف يتلاقى في وضح النهار رجل ~~وامرأة قضيا الليل في مغامستها. ويقول: لولا هوان هذه الشهوة لما اختيرت لها أعضاء ~~النفايات! # كانت له علاقات مع كثيرات، أشهرهن في عالم الفن الممثلة البارعة إللن تيري، وأشهرهن في ~~عالم الدعوات الفكرية آنا بيزانت، وأشهرهن في عالم الدعوات الاجتماعية إلينور أصغر بنات ~~كارل ماركس. # وهو يقول عن إللن تيري إنها تعبت من خمسة أزواج ولم تتعب منه إلى يوم مماتها؛ لأنه أبى أن ~~يشوب الصلة بينهما بشائبة المتعة الجسدية، وقد تبين فعلا أنها بقيت على حبه إلى ~~سويعاتها الأخيرة، فكان آخر ما كتبته كلمة تحية له وثناء عليه. # أما آنا بيزانت فقد كانت مثلا في غرابة الأطوار وتقلب المزاج؛ خطيبة مفوهة وكاتبة ~~فصيحة، تجمع خطبها ورسائلها بين الدفاع عن الإلحاد والدفاع عن الصوفية والإشادة ~~بالبرهمية، وقد هامت به وهي متزوجة لا سبيل إلى ربط حياتها بحياته كما كانت تريد، إلا أنها ~~لجأت إلى وسيلة تعوضها عن رابطة الزواج وتوافق ما اشتهرت به من غرابة الأطوار ... جاءته يوما ~~وفي يدها ميثاق مكتوب تطلب منه أن يوقعه ويتعهد بتنفيذه، وإذا بالميثاق جملة من الشروط ~~المطولة تلزمه وتلزمها بتنظيم علاقة الحب بينهما ... فضحك ولما يفرغ من قراءتها، وقال ~~لها: «إن الميثاق أصعب من جميع العهود التي تفرضها جميع الكنائس في رابطة الزواج.» فغضبت ~~وجاءته مرة أخرى برسائله تردها إليه، وتؤذنه بانقطاع المودة بينهما، فصاح بها مظهرا للدهشة ~~والامتعاض: ماذا؟ ألا تحرصين حتى على هذا الأثر مني؟ ... حسن. وقذف بالأوراق في ~~النار. # أما بنت كارل ماركس، فقد أراحه منها زميل في الدعوة الاشتراكية من العلماء يسمى إدوارد ~~أفلنج، خدعها وهي تحسب أنه ms13 أعزب، وعاشت معه حتى ماتت زوجته، فلما عرضت عليه أن يتزوج بها ~~أعرض عنها، فبخعت نفسها كما فعلت أخت لها من قبل، إيثارا للموت على الشيخوخة في ~~أوانها. # ولا يدعي شو أنه كان ملكا نورانيا في جميع مغامراته مع النساء، فقد غلبته مآزق الفتنة ~~غير مرة، ولكنه لم يكن صاحب الإغراء في كل مرة، بل كان في أكثرها هو المغرى الذي تحيط به ~~الشبكة قبل أن يتمكن من الإفلات. # ثم تزوج شو كما تزوج أبوه بعد أن جاوز الأربعين، فعقد زواجه (أول يونيو سنة 1898) على ~~الآنسة باين تونزند، وهي فتاة أيرلندية من الوارثات اللائي أضجرهن فراغ الغنى وتفاهة الحياة ~~بغير وجهة، فشغلت نفسها بالدعوة الاشتراكية، وأحبت شو لطلاوة أحاديثه وطيبة قلبه وشهرته ~~واشتغاله بالإصلاح والمسائل الإنسانية، وأشفقت عليه في عزلته وسوء معيشته في مسكنه، وأشفق ~~هو على سمعتها من طول ملازمتها إياه، فاتفقا على الزواج، ولبثت على إعجابها به وإكبارها له ~~بعد الألفة الزوجية، فكانت لا تذكره باسمه إذا تحدثت عنه، وإنما تسميه «العبقري» فتقول: ~~هكذا أراد العبقري، وهنا يحب العبقري أن يجلس، فيعلم السامعون من تعنيه، وهي التي كانت ~~تغريه بالسياحة والطواف حول «الكرة الأرضية» وتعنى به عناية الأمهات بالأبناء. # ثم فقدها وانقطع لعزلة الشيخوخة وهو أحوج ما يكون إليها. # من يره اليوم في الرابعة والتسعين يذكر تلك الصورة الوصفية الرائعة التي صوره بها أديب ~~التشك الأكبر - كارل كابك - حيث قال: «لكأنه شخصية مما وراء الطبيعة. مفرط الطول مفرط ~~النحافة، يبدو كأنه نصف إله ونصف ساتير، طال تساميه مع الزمن آلاف السنين حتى أنبتت كل صلة ~~تلصقه بالطبيعة. له شعر مشتعل ولحية بيضاء وبشرة موردة، وعينان صافيتان لا تشبهان عين ~~إنسان، وعليه سمة من سمات دون كيشوت، فهو من جانب يلوح في هيئة الرسل، ومن جانب يلوح ~~كالعابث الذي يهزأ بكل ما في الدنيا وهو منها. وما رأيت في حياتي قط كائنا مختلفا كهذا ~~الكائن. لقد خفت منه، وخطر لي أنه روح من الأرواح يزعم أنه الشهير برنارد شو ms14 ، وهو يفيض ~~بالحياة، ولديه آكام من الأحاديث الشائقة عن نفسه أو عن سترندبرج أو عن رودان، وغيرهم من ~~الناس المشهورين والأشياء المشهورة، وإصغاؤك إليه مسرة مقرونة بالروعة والهول.» # على الطعام. # وأحسن ما يزكيه، أنه يخلف ظن زائره بالمناقضة بين صورته في الذهن وصورته في الواقع، كما ~~قالت صحفية فرنسية رأته في بيته، فغالبت نفسها لحظة ثم صاحت: ماذا أرى؟ كنت أحسبني أرى أجرأ ~~المفكرين المتمردين في البلاد الإنجليزية، فإذا بي أنظر إلى حضري من أوساط المقلدين. ~~••• # واليوم، وقد بلغ الغاية من تحقيق الظنون واختلاف الظنون، يتم غرائبه وهو يتحدث عن المصير ~~الذي لا معدى عنه لحي من الأحياء، فيوصي جادا أو هازلا، ألا يتبعوا نعشه بالسيارات في ~~شارات الحزن والحداد، بل بقطعان من البقر والضأن والخنازير، وأسراب من الحمام والإوز ~~والدجاج، وحوض يعوم فيه السمك الحي، موشحات كلها بالبياض، مشتركات كلها في كرامة الرجل الذي ~~كان يؤثر أن يهلك على أن يشبع بلحوم زملائه من المخلوقات الحية! # ولو تحققت هذه الوصية يوما لصارت جنازة شو أليق الجنازات بشو، وفاقا للغرابة التي ~~يتوخاها في كل شيء، فهي كما قال أغرب موكب شوهد من نوعه، بعد موكب الذاهبين إلى سفينة ~~نوح! # | مؤلفاته # وفيما يلي طائفة من أسماء مؤلفاته على حسب أبوابها، تشير إلى أهمها ولا تستقصيها: # الروايات القصصية # المراهقة (1930)، عقدة غير معقولة (1885-1887)، الحب بين الفنانين (1887-1888)، صناعة ~~كاشيل بيرون (1885-1886)، اجتماعي لا يجتمع (1887). # المسرحيات من 1892 إلى 1949 # منازل الأيامى، زير النساء، صناعة مسز وارين، السلاح والإنسان، كانديدا، رجل القدر، ~~قلما تدرس، تلميذ الشياطين، قيصر وكليوباترا، ارتداد الكابتن براسبوند، الإنسان ~~والسوبرمان، جزيرة جون بول الأخرى، كيف كذب لزوجها، ماجور بربارا، حيرة الطب، يتزوج، ~~مطلع بلانكوبوسنيث، سوء التوفيق، سيدة الأغاني السمراء، رواية فاني الأولى، أندروكليز ~~والأسد، مغلب، بجماليون، بيت القلب الكسير، كاترين الكبرى، عودة إلى متوشالح، سان جوان، ~~عربة التفاح، أصدق من أن يجود، على الصخور، المليونيرة، جنيڤة، في أيام الملك شارل ~~الصالح الذهبية، سمبلين منقحة. # فصول ومقالات # لباب الأبسنية، الڤاجنري الكامل، ms15 صحة الفن، مغامرات الزنجية في البحث عن الله. # كتب سياسية # دليل المرأة الذكية في الاشتراكية ورأس المال (1928)، دليل السياسة للجميع ~~(1944). # وله غير ما تقدم مسرحيات صغيرة ومقالات في الدعوة الاشتراكية، وتعليقات على ~~الفنون، وردود على ناقديه، وتراجم له في بعض أدوار حياته. # | شو والعلم # قال شو في مقدمة روايته «عقدة غير معقولة»: # لما كنت مشغوفا بالعلوم الطبيعية، وكنت أقرأ تندال # Tyndall # وهلمهولتز # Helmholtz ~~، عدا ~~ما تعلمته من صديق لي من بني عمومة جراهام بل # Bell # وذوي العلم بالكيمياء والطبيعة؛ فقد كنت - على ما أعتقد - الرجل الوحيد في المؤسسة ~~كلها الذي يعرف شرح الأجهزة التليفونية، واتفق أنني عقدت عرى الصداقة بيني ~~وبين محاضر «رسمي» من كولشستر له ميل قوي إلى درس الزراعة الفطرية، فاستطعت أن ~~أنوب عنه في أداء عمله، وأفلحت في ذلك فلاحا يخيل إلي أنه أقام الأساس لشهرة ~~مستر أديسون في لندن. # وهو يعني هنا شركة التليفونات التي كانت تحمل اسم أديسون في العاصمة ~~الإنجليزية. # والذي قاله شو عن نفسه تؤيده ترجمة حياته وشواهد مؤلفاته، فهو لم ينقطع قط عن متابعة ~~الحركة العلمية في عصره، واستهوته فكرة السوبرمان فأقبل على مطالعة المباحث العلمية التي ~~تتصل بموضوع التطور، ومنها التاريخ الطبيعي وعلم الحياة، وكاد أن يستوعب كل ما كتب في هذه ~~الموضوعات، ولا سيما كتب صمويل بتلر ولامارك ودارون وهربرت سبنسر. # وكان هواه مع مذهب لامارك وصمويل بتلر، وهو المذهب الذي يفرض للحياة قوة «موجبة» تسعى إلى ~~التقدم، وتملك وسائل الاستزادة من أسبابه ودواعيه، فلم تعجبه فكرة دارون الذي وكل الأمر ~~كله إلى «الانتخاب الطبيعي»، وجعل هذا الانتخاب حكما فاصلا في استبقاء الأحياء التي ~~امتازت - بالمصادفة - على غيرها. # ومذهب دارون أقرب إلى العلم، لالتزامه حدود التفسير المعلوم، ومذهب بتلر ولامارك أقرب إلى ~~الفروض الفلسفية، لتقديرهما قوة للحياة لا تخضع للتجارب والمشاهدات. # وقد جنح شو إلى المذهب القائل بقوة الحياة أو بدفعة الحياة؛ إذ هو أقرب المذهبين إلى ~~تسويغ الأمل في ظهور «الإنسان الأعلى» أو السوبرمان. # وفيما عدا هذه الفكرة العلمية ms16 الفلسفية، لا نعرف لشو مساهمة في الآراء العلمية يأخذ بها ~~المختصون بهذه الموضوعات. # فمعظم آرائه بهذا الصدد من قبيل التعليق على سلوك بعض العلماء، وبخاصة علماء الطب ~~والعلاج. # فهو ينكر دعوى الأطباء في «إعجاز هذه الصناعة» أو سلامتها من النقص والخطأ، ويقول إن ~~البشر مطبوعون على مهابة من يتصرفون بالحياة والموت، ومن هنا إكبارهم لصناعة الطب في العصر ~~الحديث، بعد شيوع الجراحات التي قد تحيي وقد تميت. # وفي مقدمة رواية «حيرة الأطباء» يقول: «إنه لا جدوى من إفهامك الطبيب أن مريضه الطفل ~~محتاج إلى راحة أكثر وملابس أفضل ومآكل أنفع، وبيت أنقى في هوائه وجداره، وليست حاجته إلى ~~العقاقير.» # وقد ألقى على لسان سير باتريك من أبطال تلك الرواية كلمة يقول فيها: «إنه كان في أيام ~~أبي صديق يسمى جورج بدينجتون اهتدى إلى العلاج بالهواء الطلق في سنة 1840، فخرب وأفلس ~~واضطر إلى هجر صناعته لغير شيء إلا أنه كان يفتح النوافذ، واليوم نعود نحن فلا نكاد نبقي ~~على رأس المريض بالسل سقفا يغطيه.» # ومن حملاته على الطب ما تسوغه كل سجية إنسانية كريمة، كإنكاره الشديد لتشريح الحيوان وهو ~~بقيد الحياة. # إلا أنه في حملات أخرى يتهجم بغير سند، كحملته على اللقاح والتطعيم وادعائه أن الجراثيم ~~لا تخلق الداء، بل لعلها عرض من أعراض الداء. # ولإنكار اللقاح الجبري ناحية تسوغها آراء شو في الحرية الفردية، وإن كانت وقاية المجتمع ~~كله تسمح بالإجبار لاتقاء أخطار الوباء وما شابهها من الأخطار. # على أن الناحية التي توصف بالتهجم حقا هي إنكار حقائق الجراثيم، وهي لا تقبل الإنكار ~~بهذه السهولة. # ولا يسلم شو من النقد في هذا التهجم. # ولكنه لا يخلو من عذر في أول عهده بالهجوم على علم الجراثيم وأساليب العلاج بالحقن ~~واللقاح، فلا ننس أن العلماء أنفسهم أنكروا دعوى كوخ وباستور في تعليل الأوبئة والأمراض ~~المعدية بهذه المخلوقات التي تخفى على أدق الأبصار، وأن تصوير هذه الخلائق الدقيقة لم يبلغ ~~من الإتقان مبلغ الحقيقة الملموسة قبل بضع سنوات. # ويجوز أن نعتذر لشو بمعاذير ms17 طبعه إن كانت هذه المعاذير مقبولة في مآخذ الرأي والثقافة ؛ ~~فمن طبعه النزوع إلى المخالفة والنزوع إلى تحدي الدعوى والكبرياء، وقد كان ادعاء ~~«العلميين» في أيام نشأته مما يغري - والحق يقال - بالتحدي والهجوم. # وقد يكون شو على حق في استخفافه بالكشوف العلمية، وميله إلى اعتبارها عملا من أعمال ~~الدأب والمثابرة يقدر عليه كل من يصبر وينتظر، ولكن المسألة في جوهرها ليست مسألة البحث ~~في كفاءة هذا المكتشف أو مكافأة ذاك، وإنما هي مسألة الانتفاع بما يكتشفون، وقد تكون منفعة ~~العقار عظيمة غاية في العظم مع قلة الكفاءة العقلية التي أعانت على كشفه، كما انتفع الناس ~~بكثير من العقاقير التي اهتدى إليها الباحثون على غير قصد وعلى غير انتظار. # وأيا كان رأي شو في العلم، فهو رأي يسمع ويحل عند سامعيه محل الاعتبار؛ لدلالته ~~- على الأقل - على موقع هذا العلم في عقول النوابغ من الأذكياء. # أما أن «شو» يساهم في المباحث العلمية، فتلك مساهمة في غير بابه، فقد خلقه الله بذهن ~~الفنان المفكر، ولم يخلقه بذهن العالم كائنا ما كان منحاه من العلوم التجريبية أو العلوم ~~الرياضية، وقد كادت تلتقي في الزمن الأخير. # فالعقل العلمي يأخذ بتجربة الحقائق الخارجية، والعقل الرياضي يأخذ بأقيسة الفروض الذهنية، ~~والعقل الفني يأخذ بالذوق والتحليل والفطنة، ولا يقف عند التجارب الملموسة والفروض ~~المشهورة. # وقد قال شو عن قدرته الرياضية في مقدمة روايته «حيرة الأطباء»: «إنه لم يستخدم قط ~~لوغارتما، ولا يضمن أن يستخرج مربع أربعة بغير خطأ.» # ومبالغته في الإنكار على نفسه كمبالغته في الادعاء لها، وكلتاهما تدل على ذهن غير ذهن ~~الرياضي المقدر وغير ذهن العالم المجرب، إنما هو ذهن فنان يسمع قوله في العلوم والفروض، ~~ولا ينسى سامعوه أنه فنان. # | شو والفن # والمقصود بالفن في سياق الكلام على شو هو فن المسرح قبل كل شيء، ثم فن الموسيقى، ثم سائر ~~الفنون. # وشو صاحب مدرسة مستقلة في المسرحيات. # نعم، إنه يقتدي بالشاعر النرويجي هنريك أبسن، ولكنه أوسع نطاقا من أبسن في جانب، وأضيق ~~منه نطاقا ms18 في جانب آخر. # فقد تناول شو في مسرحياته كل ما يتناوله الفكر من مسائل الفلسفة، ونظم الحكم، ومشكلات ~~المجتمع والسياسة، وفصل القول في أمور لم يبحثها أبسن ولم يكن في طاقته أن يبحثها، وأطلق ~~التمثيل من قيود الفصول القصار بما أبدعه من الملاحم المسرحية التي تستغرق الصفحات الطوال، ~~وكانت منزلته الأدبية خير شفيع لتلك الملاحم عند الفرق التمثيلية التي تشتغل بالمسرح أو ~~بالصور المتحركة. فلولا تلك المنزلة لما ظهرت روايات بهذه الضخامة على المسرح أو اللوحة ~~البيضاء. # ومزية شو في مسرحياته تكاد تنحصر في حسن الحوار وعرض الأفكار، فهي فقيرة في المواقف، ~~فقيرة في تكوين «الشخصيات» وتلوينها، وعبثا تحاول أن تلقى في رواياته شخصية كشخصيات ~~شكسبير وموليير وسفوكليز، أو موقفا كالمواقف المحكمة التي يعرضها لنا أولئك الشعراء في ~~مهارة خفية، يخيل إلينا أنها أحكمت تلك المواقف بغير عناء. فما في روايات شو من محزنات ~~أو مضحكات فهو من كلمة تقال أو حوار مرتب بين السائل والمجيب، ولنا أن نقول إنه أقام ~~لنا مسرحا أو فتح لنا ناديا بمعنى واحد، فالمسرح ونادي السمر والحديث في روايات شو ~~توءمان. # يقول شرشل في مقاله البديع عن روايات شو: «إن من تجديداته الأخرى - والكبرى - أنه لا ~~يعتمد في مسرحياته على التجاوب بين الشخصية والشخصية، أو على التجاوب بين الشخصية والبيئة، ~~ولكنه يعتمد فيها على التجاوب بين الحوار والحوار، وبين الخواطر والخواطر، فتصبح خواطره ~~شخوصا تتصارع فيما بينها، تارة بقوة مسرحية شديدة وتارة بغير ذلك، وتصبح شخوصه الإنسانية ~~- مع استثناء قليل - عائشة بما تقوله، وليست عائشة بما تعمله، ولكنها مع ذلك ~~تعيش.» # والفيلسوف «جود» تلميذ شو يتقبل هذا النقد ويضيف إليه قول القائلين: إن شخوص شو لا تعدو ~~أن تكون أبواقا ينفخ فيها آراءه ودعواته. ثم يقول: إن هذا النقد تحصيل حاصل؛ لأنه يصدق على ~~جميع المؤلفين وجميع الشخوص. ~~«إلا أن بطلان التهمة إذا أريد بها أن الشخوص ليست أفرادا حية، بل مجرد تسجيلات ~~صوتية كقوالب الحاكي، يكفي في إظهاره سرد أسماء كأسماء: ديك، ودجيون، ms19 ولادي سيسلي، ونفليث، ~~ولويس، ديوبدات، وكانديدا، والقديسة جون، وكابتن شوتوفر ، وهم شخوص يعيشون بحقهم في الحياة ~~لا بحق التأليف، ونحن نذكرهم أفرادا أحياء كما نذكر شخوص شكسبير وديكنز ...» # والذي ينساه جود أن تمييز الشخوص قد يرجع إلى فارق في صفة من الصفات غير صفة الحياة ~~الطبيعية، كالفارق بين رسوم الصور المتحركة التي نفرق بينها لطول ما نعهدها في صورها، وإن ~~خلت تلك الصور من الملامح النفسية التي يحدث بها التمييز بين إنسان وإنسان. # وشو في هذه الخصلة يكاد لا يختلف عن أستاذه هنريك أبسن، فهو أيضا يرسم لنا أفكارا في ~~شخوص، ويعطيها من الحياة بمقدار ما لها من عبارات الحوار، وإنما الاختلاف بينهما في سعة ~~النطاق من جانب، وضيق النطاق من جانب آخر، فشو أكبر منه تارة وأصغر منه تارة أخرى، وموضع ~~امتياز شو هو ما أشرنا إليه من سعة موضوعاته وتعدد آفاقه، وموضع امتياز أبسن في عبارة ~~الأداء لا في لباب الموضوع؛ إذ هو شاعر ينظم الملاحم في قصائد من الشعر السلس المطبوع، وشو ~~لم يكن له من الشعر نصيب كثير ولا قليل. # صورة فحمية من عمل جارته كلير ونستن. # وقد حاول شو أن ينظم الشعر، فلم يعلن منه غير مقطوعات غزلية فكاهية، تحسب مع الشعر الذي ~~ينظم لمحفوظات الأطفال، وسئل عن محاولته الشعر وعدوله عنه، فقال إنه تركه لأنه رآه يملي ~~عليه ما تحكم به القافية ولا يقول فيه ما يعنيه، وهو عذر لو منع شاعرا لامتنع الشعر كله، ~~ولكنه عذر من ليس بشاعر؛ لأنه لا يستطيع أن يعبر بالشعر عما يريد. ~~••• # ومنزلة شو في التعليقات الموسيقية تلي منزلته في المسرحيات، وإن لم يصح فيها أن يقال إنه ~~صاحب مدرسة في هذه التعليقات. # ويظهر أن سليقة الموسيقى ملكة موروثة من أمه، وأن فائدته من الملحنات التي وضعها نوابغ ~~الموسيقيين - ولا سيما ڤاجنر - أكبر من كل فائدة استفادها من المسرحيات التي وضعها كبار ~~الشعراء والكتاب؛ إذ يغلب على مسرحياته أنها ملحنات لفظية تنوب فيها النكات والكلمات عن ~~الأغاني والألحان، ms20 وأنها سمط ينتظم النكتة هنا والجواب المسكت هناك، كما جعلت الملحنات ~~سمطا لانتظام الألحان الموقعة في شتى المناسبات. # واعتقاد شو في الموسيقى أنها تنقل إليك الشعور نفسه من حيث يعجز القصاص عن نقله فيكتفى ~~بوصفه. وإننا إذا أصغينا إلى الرواية الموسيقية غمرتنا حالة كالحالة التي جاشت بنفس البطل، ~~واستولت عليه في تلك اللحظة، وهو يقول: «إنني نفذت إلى فكتور هوجو وشيلر من طريق الموسيقي ~~دونيزتي والموسيقي فردي والموسيقي بيتهوفن، ونفذت إلى التوراة من طريق هاندل، وإلى جيتي من ~~طريق شومان ...» # والذين يعقبون على هذا الرأي، منكرين لا يبخسون الموسيقى حقها، بل يعطونها فوق هذا الحق ~~ويجعلونها غرضا مقصودا لذاته، ولا يحصرون مهمتها في التعبير عن الأغراض الأخرى، وهي عندهم ~~«حياة مستقلة» وليست بكلام أو أداة للكلام. # وفي اعتقادنا أن الموسيقى قد تكون معبرا، كما قد تكون هي نفسها «شيئا معبرا ~~عنه». # وهي لا تكون كذلك إلا إذا كانت صورة للنفس في حالات انتظامها، وتناسق الشعور فيها، وتطابق ~~النغمات بينها وبين نظام الكون الذي نعيش فيه، وهي بهذه المثابة أكثر من تعبير؛ لأنه ليس ~~هناك ما تعبر عنه غير هذه المطابقة بين عالم السريرة وعالم الوجود كله، وما أندرها من ~~مطابقة! وما أندر الموسيقى التي تحكيها وتغنينا بها عن كل حكاية سواها! # وقد اشتغل شو بالنقد الموسيقي زمنا، واشتغل معه بنقد الآثار الفنية على الإجمال، ومأثرته ~~العظمى في هذا الباب أنه أنقذ النقد الفني من «المشرحة الطبية» التي حاول بعض النقاد ~~العلماء أن يردوه إليها ويقصروه عليها، وفي طليعتهم «ماكس نورداو» الطبيب الكاتب المفكر ~~المعروف صاحب كتاب «الانحلال والاضمحلال»، الذي أنحى فيه على عشرات من الأدباء والفنانين ~~بسلاح المشرطة ولغة الوصفات والتحليلات. # وكان هم نورداو أن يثبت على الفنان أعراض المرض كما «يشخصها» من كتاباته وترجمة حياته، ~~ثم يحكم على فنه بالشذوذ والانحلال. # ومن الواضح أن هذه الطريقة كثيرة المزالق، كثيرة الأخطاء؛ لأن إثبات الشذوذ على النوابغ ~~لا يزيد على القول بأن شذوذ المزايا يقترن بشذوذ التركيب، وتعليل الإحساس بعلة مرضية ms21 - أو ~~فزيولوجية - لا ينفيه، فقد يكون ورم الجلد علة لفرط الإحساس ، ولا يعني هذا أن الإحساس باطل ~~وأن المحسوس به غير موجود، وقد يقول قائل إن الألماس من الفحم، ولا ينفي بذلك أن الألماس ~~جوهر نفيس، وقديما فهم الناس «أن صاحب العاهة جبار»، وفهموا أن المختلين والمعتلين سر من ~~الأسرار، فلم يكن هذا الأسلوب الجديد من «النقد الطبي» للفن والأدب جديدا في مجموعه، بل ~~الجديد فيه هو تسليطه على الأدباء والفنانين لإنكار آثارهم من طريق المشرحة ووصفات ~~الدواء. # وقد تصدى برنارد شو لهذه المدرسة النقدية فعصف بها عصفا، ومثل بها تمثيلا، قضى عليها ~~في البلاد الإنجليزية والأمريكية على الخصوص، فجاءته المقترحات من كل فج للكتابة في نقد ~~الفنون، ومنها نقد الشعر ونقد الصور والتماثيل ونقد المباني والآثار. # إلا أن تفصيلات النقد في هذه الأبواب لم تسجل له فضلا أكبر من فضله في تصحيح المقاييس ~~وتمحيص الطريقة، ورد النقد العلمي أو النقد الطبي إلى مكانه الأمين. # وقد تقرر مكانه هو في عالم الفن وعالم النقد باتفاق بين النقاد قلما يمتري فيه ~~ناقدان. # فهو في المسرح صاحب عمل، وهو في الموسيقى صاحب رأي، وهو في سائر الفنون صاحب ذوق يسلكه ~~بين «المستنفدين» الذين يحسنون الاختيار، ولا يرتقي به إلى طبقة المنتجين الخلاقين، ~~وعمله في المسرح ورأيه في الموسيقى، وذوقه في سائر الفنون، حظ من أوفر الحظوظ التي يطمح ~~إليها الفنان الناقد، وقليلا ما يجتمعان. # | فلسفته # يدين «شو» بأن العقل هو وسيلتنا الوحيدة إلى فهم الحقائق والتفاهم عليها، ولكنه لا يدين ~~بأن العقل وحده كاف لفهم جميع الحقائق؛ لأنه في رأيه قاصر عن فهم الحقائق الأبدية التي ~~تتعلق بأصول الأشياء. # وفي رسائله التي جعل عنوانها «ست عشرة صورة ذاتية» يقول: «إن العقل يستطيع أن يبين لك ~~خير طريق - طريق الحافلة أو الترام أو السرداب أو سيارة الأجرة - للوصول من پيكادللي إلى ~~پوتني، ولكنه لا يستطيع أن يبين لك لماذا ينبغي أن تطلب الذهاب إلى پوتني بدلا من البقاء ~~في پيكادللي.» # فالعقل يبين لك ms22 الطريق ولكنه لا يبين لك البواعث التي تحركك إلى ذلك الطريق ، أو ~~بعبارة أخرى يبين لك الوسائل ولا يبين لك المبادئ والغايات. # ولم يشتهر شو بالفلسفة، في باب من أبوابها، بل اشتهر بكتابة المسرحيات والفصول الانتقادية ~~اللاذعة، وبعض الأجوبة المستغربة التي يفضي بها حينا بعد حين إلى الذين يسألونه عن أمر من ~~الأمور العامة، وقلما تخلو أجوبته هذه من السخرية والتقريع والولع بالمخالفة. # ولكنه في الواقع قد تناول مسائل الفلسفة بأجمعها، ومنها فلسفة «ما وراء الطبيعة» وفلسفة ~~الاجتماع والأخلاق، وفلسفة السياسة وما يتصل بها من أنواع الحكومات والحكام. # تناول هذه المسائل في الحوار الذي يدور بين شخوص رواياته، كما تناولها في المقدمات ~~المطولة التي يصدر بها تلك الروايات. # ولهذا يصعب استخراج مذهبه الفلسفي على التحقيق، أو يصعب تمييز ما يعتقده هو وما يلقيه على ~~لسان شخص من شخوص الرواية، ويرد عليه بلسان شخص آخر. # فأسلوب الكلام وحده هو الذي يميز لنا اعتقاده بما يتخلله من التوكيد أو التسخيف، فإذا ~~وافق هذا الكلام آراءه التي يشرحها في مقدماته تبين اعتقاده واعتقاد غيره، وأمكن الفصل ~~بين أفكاره وسائر الأفكار التي يلقيها على ألسنة الشخوص الروائية في معرض المناقشة وتبادل ~~الأفكار. # ومن هذه المقابلة بين مقدماته وفصوله ومساجلاته نستخلص مذاهبه في الفلسفة بأنواعها، ~~وأولها فلسفته في المسائل الأبدية: مسائل الخلق والتكوين والفكرة الإلهية وما إليها من ~~المباحث التي اصطلحنا على تسميتها بفلسفة «ما وراء الطبيعة». ~~(1) فلسفة ما وراء الطبيعة # يتردد اسم الله كثيرا في كتابات شو على اختلاف موضوعاتها، ولكنه لا يؤمن بإله مطلق ~~الإرادة، خالق لجميع الأشياء. # كذلك لا يؤمن بالمادية المطلقة، ولا يقول بأن الوجود كله مادة مسيطرة على الفكر ~~والحياة. # بل يؤمن بقوة غير مادية يسميها «القوة الحيوية»، ويقول إنها تتطور بإرادتها، وإن ~~المادة عدو لها في تطورها، وإن ارتقاء هذه القوة الحيوية في معارج الفكر إنما يأتي من ~~طريق واحد، هو طريق الخطأ والتصحيح والتكرار والمثابرة، ولا نهاية للارتقاء الذي تبلغه ~~الحياة من هذا الطريق، فإنها تسلكه وتتطلع في ms23 كل مرحلة من مراحله إلى القدرة المطلقة ~~والعلم المطلق، وقد تبلغهما في زمن من الأزمان بعد الملايين التي لا تحصى من ~~السنين. # قال على لسان برانكلن في روايته الكبرى «العود إلى متوشالح»: «إن التقدم إلى القدرة ~~المطلقة والعلم المطلق، إلى قدرة أكبر وعلم أكبر، هو المسعى الذي ندأب عليه ولو ~~جازفنا في سبيله بالحياة وكل ما فيها من متاع. والتطور هو المسعى كله ولا شيء غيره، إنه ~~هو السبيل إلى الإلهية، وما يترقى الإنسان عن الجرثومة الضئيلة إلا بمقدار تقدمه في ~~هذا السبيل.» # وأول خطوة من خطوات التطور عنده أن القوة الحيوية تلبست بالأجساد المادية؛ لتعمل ~~وتستفيد من معاركة المادة وإملاء إرادتها عليها، فأصبحت القوة الحيوية أفرادا متفرقة ~~بعد أن كانت جملة مجتمعة لا تفرق بين أجزائها. # وظهر «الفكر» وتقدم من علاج الإرادة الحية للمادة التي تقاومها وتعاديها. # فكل معالجة تتقرر فيها تجربة ثابتة، وكل تجربة ثابتة تجري مجرى العادة، وكل عادة ~~تتجمع مع العادات الأخرى فتهتدي بها الحياة وتتعود التفكير. # ولكن المادة من طبعها أن تعوق الفكر وتصده عن الانطلاق بغير قيد ولا حائل، وينتهي هذا ~~التعويق بتنبيه إرادة الحياة إلى طلب الخلاص من هذه العوائق واعتماد الحياة على «الفكر» ~~المجرد مستقلا عن الأجسام، فلا تزال تطلب وتكرر الطلب، وتخطئ وتصحح الخطأ، وتثابر على ~~الطلب والتصحيح حتى تبلغ ما تريد. # ويومئذ لا يبقى من هذه الأجساد الحية غير الفكر الحي المجرد المطلق من جميع ~~القيود. # قال في رواية «العود إلى متوشالح» أيضا على لسان «القدامى» والمولود الجديد: # القديم ~~: # إننا ما دمنا مرتبطين بهذا الجسد المستبد، فنحن خاضعون معه لسلطان الموت، ولا ~~تتحقق غايتنا من أجل هذا. # المولود الجديد ~~: # وما هي غايتك؟ # القديم ~~: # أن أصبح خالدا. # القديمة ~~: # سوف يأتي اليوم الذي لا يبقى فيه «أناس» ولا يبقى شيء غير «الفكر ~~المجرد». # القديم ~~: # وهذه هي الحياة الأبدية. # وفي الكتاب الأول من الرواية بعينها يقول على لسان الحية وحواء: # الحية ~~: # التخيل بدء الإيجاد والتكوين. تتخيل أنك تشتهي، وتريد ما تتخيل، ولا تزال ms24 حتى ~~تخلق ما تريد. # حواء ~~: # وكيف أخلق شيئا من لا شيء ! # الحية ~~: # كل شيء لا بد أن يخلق من لا شيء. انظري إلى هذه العضلة من اللحم الصلب على ~~ذراعك. إنها لم تكن من قبل هناك. إنك لم تكوني قادرة على تسلق شجرة يوم ~~رأيتك للمرة الأولى، ولكنك أردت وحاولت ثم أردت وحاولت، وإرادتك خلقت من لا ~~شيء هذه العضلة في ذراعك لبلوغ ما اشتهيت. # وليس في مذهب شو مطلب بعيد على الإرادة، فسوف تتحقق الحياة بالفكر المجرد، كما تحقق ~~الفكر نفسه، وكما تحقق الحس والنظر والسمع وسائر الحواس بالمحاولة بعد المحاولة، ~~والتصحيح بعد التصحيح. # وفي مقدمة تلك الرواية يقول: «إن لم تكن لك عينان وأردت أن تنظر، وأصررت على محاولة ~~النظر وجدت لك عينان، وإن كانت لك عينان وأردت كما أراد الخلد أو السمكة التي تعيش ~~تحت الأرض ألا تنظر فقدت عينيك. # وإذا كنت تحب طعم الأوراق الطرية على رءوس الشجرة، ويبلغ من حبك أن تجمع إرادتك كلها ~~في عنقك لتمدها وتطيلها، فسوف تكون لك في النهاية عنق طويلة كعنق الزرافة. ويبدو هذا ~~سخيفا أول الأمر لمن لا ينتبهون لما حولهم، ولكنها حقيقة في متناولنا جميعا. ونشاهد ~~تحقيق هذه المحاولة بعينها كلما شاهدنا الطفل المتعثر قد أصبح ولدا يمشي على قدميه ~~منتصب القامة، وكلما شاهدنا رجلا مسلوخ الذقن أو مصدوما في مؤخرة رأسه على الثلج قد ~~أصبح من راكبي الدراجات أو البارعين في الانزلاق. وليست هذه الحركة مستمرة متصلة إذا ~~كان التدريب وحده هو الذي يعمل عمله فيها؛ فإنك إن تقدمت في ركوب الدراجة درسا بعد ~~درس لا تعود في الدرس الثاني إلى حيث انتهيت، بل تعود ظاهرا إلى حيث ابتدأت أول مرة، ~~وإذا بك أخيرا قد نجحت كأنما قد نجحت فجأة بلا نكسة ولا رجعة. وأشبه من ذلك بالمعجزة ~~أنك تباشر هذه القدرة الجديدة غير شاعر بها ولا ملتفت إليها ... # لقد خلقت فيك قدرة جديدة، وخلق فيك بغير شك نسيج جسدي كعضو تتلبس به تلك القدرة، ~~وقد أتممت ms25 ذلك كله بمحض الإرادة، فليس هنا محل لانتخاب البيئة أو بقاء الأصلح؛ لأن ~~الرجل الذي يتعلم ركوب الدراجة لا فضل له على غيره في معركة البقاء، بل على عكس ذلك، ~~وإنما اكتسب عادة جديدة لغير سبب إلا أنه أرادها، وما زال يحاولها حتى أضيفت إلى تكوينه.» # صورة شمسية من «صورة زيتية». ~~••• # وواضح من هذه المتفرقات أن «شو» يستمد فلسفته من مصدرين: أحدهما علمي وهو نظرية ~~النشوء والارتقاء، والآخر فلسفي وهو مذهب «برجسون» القائل بنظرية «التطور الخالق» أو ~~ما يسميه في بعض الأحيان بدفعة الحياة. # والاعتراضات على فلسفة «شو» كثيرة كالاعتراضات على كل مذهب من مذاهب الفلاسفة فيما ~~يدور حول مسألة الخلق وأصول الأشياء خاصة. # ومن المعترضين من يعترف لشو بالأستاذية، ولكنه يخالفه في الفلسفة الإلهية على ~~التخصيص، كالأستاذ «جود» الفيلسوف الإنجليزي المشهور. # وقد بنى اعتراضه على أسباب علمية، ولم يبنه على أسباب فلسفية كما ينتظر من فيلسوف ~~يتكلم في مسألة فلسفية، فاستند في نقض فلسفة شو على القانون الثاني من قوانين الحرارة ~~والحركة # Thermodynamics ~~، وفحواه أن الحرارة في الكون ~~تتسرب من الجسم الحار إلى ما دونه في الحرارة حتى تتساوى الأجزاء كلها في درجة الحرارة، ~~فتبطل الحركة ويصاب الكون بالشلل، فلا يبقى فيه محل لمؤثرات الحياة أو غيرها من ~~المؤثرات. # فإذا كانت القوة الحيوية جزءا من الكون فلا نجاة لها من هذا المصير، وليس للحياة ولا ~~للفكر شأن في النهاية غير شأن المادة والأجسام المادية. فكيف يترقى الفكر إلى الغاية ~~التي تعلو على المادة وعلى الأجساد؟! # والاعتراض فيما نرى غير حاسم؛ لأنه لا مانع «أولا» من استقلال الفكر المجرد ببقاء ~~غير بقاء الأجساد المادية. # ولا موجب «ثانيا» للجزم بفناء الحركة في الكون بناء على المعروف الآن من قوانين ~~الحرارة؛ فإننا لا نعلم حتى الآن كيف بدأت الحركة والطاقة، وكل ما نعلمه عن الحرارة ~~أنها حركة في وسط لا اختلاف بين أجزائه يسمونه بالأثير، وقد يسمونه أحيانا بالفضاء؛ ~~لأنهم لم يعرفوا فرقا قط بين الأثير والفضاء، في الخواص والصفات. # فإذا جاز ms26 نشوء الحركة مع الأثير الساكن المستقر المتساوي الجوانب والأجزاء، فما هو ~~الموجب للجزم بفناء الحركة عند تساوي الحرارة في أنحاء الكون؟ # أليس الأثير متساويا، وقد وجد فيه الضوء ووجدت فيه الحرارة والحركة؟ # أليس من الجائز أن هذا الأثير المتساوي هو مصدر الحرارة الأول، وهو مصدرها الذي ~~يعيدها كرة أخرى؟ # أليس من الجائز أن التساوي في أنحاء الكون يناسب الفكر المجرد المطلق من جواذب ~~الحركة المادية؟ # كل أولئك جائز. # وما لم يكن شيء منه مستحيلا، فلا موجب للجزم ببطلان مذهب شو في تطور الحياة. # إنما الاعتراض القوي على مذهب شو يعتمد في اعتقادنا على سبب غير هذا السبب العلمي ~~الذي اعتمد عليه الأستاذ جود. # وأحرى بنقض الفلسفة على أسباب فلسفية، وهي التي نعتقد أنها تزعزع مذهب شو وتتركه بغير ~~سند متين. # فالمفهوم من كلام شو أن قوة الحياة التي يقول بها قوة ناقصة متطورة لا تشمل ~~جميع الموجودات. # وما دامت كذلك فهي ليست واجبة الوجود بذاتها، وليست أزلية قائمة في الكون من قديم ~~الأزل. فما الذي أوجدها، ومن أي مادة كان إيجادها؟ # يجوز أن يقول شو إنها وجدت من هذه المادة الكونية على سبيل الخطأ، وإنها مدينة ~~بوجودها للمصادفة التي لم تقصدها المادة ولم تقصدها الحياة. # ولكن أصعب شيء على العقل أن يتصوره أن الخطأ هو مصدر كل خلق وكل حياة وكل فكر في هذا ~~الوجود، وأنه هو الأصل الذي ترتد إليه جميع الأصول. # فليس من الصواب أن نبني كل شيء على الخطأ، وأن يكون التصحيح نفسه خطأ من أخطاء ~~المصادفات! ~~(2) الدين # وعلى أية حال يزعم شو أن التطور الخلاق صالح لأن يصبح ديانة جديدة لأبناء القرن ~~العشرين. # وكما قيل عن المعري إنه سئل عن قرآنه فقال: اتركوه حتى تصقله الألسنة في المحاريب. ~~كذلك يقول شو عن ديانته هذه: إنها لا تشيع بين جمهرة الناس حتى تنشأ حولها أساطيرها ~~وأماثيلها ومعجزاتها، ولكنها مع هذا خير من الديانات العتيقة، وخير من الشكوكية، وخير ~~من المادية العمياء، ومن مذهب داروين القديم والحديث. # على ms27 أن «شو» يحترم الديانات التي يسميها بالديانات العتيقة، ويتكلم عن أنبياء الأمم ~~بلهجة الإعجاب والتوقير، ويقول في مقدمة «مسرحياته السارة»: «هناك ديانة واحدة وإن ~~تعددت منها مائة نسخة.» # وفي وصاياه التي سماها «دليل المرأة الذكية» ينصح الأمم أن تلقن طفلها سببا ما، ~~يقنعه بالاستقامة في سلوكه حين لا يشعر بأحد يراقبه ويحصي عليه غلطاته، ولا ضرر من ~~إيمان الطفل بهذا السبب ولو أنكره عقله بعد ذلك. قال يخاطب الأمم: «إنك إذا قلت ~~للصغير إنك مسئول أمام نفسك عن الكلام بالصدق لم يشعر قط بهذا الالتزام، وإذا قلت ~~له إن الكذب يجعل الناس ينبذون كلامك ولا يصدقونك فهذه أكذوبة صارخة تزعمينها؛ إذ ~~تعلمين جيدا أن كثيرا من الأكاذيب تروج وتنجح، وأن المجتمع الإنساني لن يخلو من ~~أكاذيب شتى يتداولها بنية حسنة.» # ثم مضى يعلم الأم الذكية أن تخويف الطفل من الله وتأميله في حسن رضاه أجدى من هذه ~~الحيل جميعا في تربيته على الصدق والاستقامة. # وقال في مقدمة روايته «أندروكليز والأسد»: «إن الحكومة بغير دين مستحيلة ... وإن الرجل ~~الذي يريد أن يعقل كل شيء يموت ولا أثر له ولا صيت بعده.» # وفي كتابه «مرجع السياسة للجميع» يقول: «إنني - بما أعلمه من الدنيا - أرى أن السياسي ~~ينبغي أن يتدين، ولكنه ينبغي كذلك أن ينبذ من ديانته كل تخصيص لا يصلح للتعميم.» # ثم يشفع ذلك بشرح التخصيص الذي يعنيه، وهو التخصيص الذي يستثني أناسا دون آخرين، ~~ويزيد الشرح فيتضح من جملة كلامه أن الديانة التي يؤثرها للساسة هي ديانة التطور ~~الخلاق، أو هي ديانته التي سماها بديانة القرن العشرين. «فإذا جاز للسياسي أن يشخص ~~العامل الخلاق في البيولوجي باسم الرب، فليس له أن يصبغه بالصبغة القومية كأنه هو ~~يهوا أو الله أو بوذا أو برهما. # وينبغي فوق كل شيء ألا يتطلع إلى الرب ليقوم عنه بأداء عمله، وإنما عليه أن يعتبر ~~نفسه خادما غير معصوم لرب غير معصوم، عاملا بالنيابة عن الرب، ومفكرا بالنيابة عن ~~الرب؛ لأن الرب - وهو لا ينجز مقاصده بغير ms28 أيدي أو رءوس - قد هيأ لنا أن نرقي أيدينا ~~ورءوسنا لنعمل باسمه ونفكر باسمه، ونوجز فنقول: إننا لسنا في أيدي الرب بل الرب في ~~أيدينا. فليس للوالي أن ينادي نداء العجز: فلتكن مشيئتك. بل عليه أن يرسم هذه المشيئة ~~وأن يبحث عن وسيلة إنجازها وأن ينجزها فعلا وحقا. ولا يكونن إلهه كمالا موجودا ~~مطلق القدرة مطلق المعرفة، بل مثلا أعلى يسعى إليه التطور الخلاق، ويكون النوع ~~الإنساني بالنسبة إليه أحسن محاولة من محاولاته حتى اليوم، ولكنها على هذا محاولة معيبة ~~جدا معرضة في كل لحظة للاستبدال إذا بدا للتطور الخلاق أنها محاولة ميئوس منها. ~~وعليه، على السياسي أن يواجه الشر في الدنيا - وهو الذي يغض من الخير الإلهي ويجعله ~~ظافرا في حكم السخف والإحالة - كأنه بقية متخلفة من أخطاء حدثت بنية حسنة في أصلها، ~~وأن ينظر إلى الحياة كأنها خالدة دائمة، ولكنه ينظر إلى معاصريه كأنهم خلائق زائلة لا ~~حياة لها وراء القبر تعوضها عن أي ظلم لحق بها في دنياها.» ~~••• # وهكذا نخرج من كلام برنارد شو عن الدين في مواضعه المختلفة بنتيجتين عن ديانته هو وعن ~~الديانات القائمة بين الجماعات البشرية. # فديانته هي إيمان التطور الذي يخطئ ويصيب من طريق المحاولة بعد المحاولة، وهو علامة ~~على ارتقاء الإنسان في معارج التطور، يدين به طواعية بغير مثوبة ولا عقاب، ولكنها ~~طواعية مستمدة من ضروريات «التطور الخلاق» والأمل في زيادة الارتقاء. # والديانات التي تؤمن بها الجماعات البشرية عامة لازمة محترمة في نظره وتقديره، ويغلب ~~أن يكون لزومها عنده لزوم المصلحة الاجتماعية والنفسانية التي لا غنى عنها للجماعات أو ~~الآحاد. # ولا يصلح الإنسان على كل حال بغير إيمان. ~~(3) الفلسفة الاجتماعية # أما الفلسفة الاجتماعية التي يبشر بها شو فخلاصتها في كلمتين: إنها «الاشتراكية ~~الفابية» أي الاشتراكية في صورتها المميزة عن الشيوعية الماركسية. # وتنسب الفابية إلى القائد الروماني القديم فابيوس # Fabius # المتوفى سنة 203 قبل الميلاد. # وقد فوض إليه الرومان الحكم بأمره في سنة 217 قبل الميلاد بلقب «دكتاتور»، مكافأة ~~له على بلائه في ms29 خدمة الدولة، وتزويدا له بالسيطرة اللازمة لمحاربة هانيبال بأسلوبه ~~المعروف. # وكان أسلوبه هذا قائما على الحرب المتقطعة والمناوشات المفاجئة، التي تنهك العدو ~~وتحيره وتجره إلى المواقع التي لا ينتفع فيها بمزاياه العسكرية قبل الاشتباك معه في ~~موقعة فاصلة. # وقد نسبت إليه الجماعة الفابية في إنجلترا؛ لأنها أرادت أن تجري على هذه الخطة في ~~الدعوة إلى مبادئها ومحاربة العناصر التي تعاديها، فهي لا تعول على «الضربة القاضية» ~~كما يعول عليها الماركسيون الشيوعيون، ولا تيأس من إصلاح المجتمع بالمناوشات والمساجلات ~~في غير عنف ولا اضطرار إلى سفك الدماء. # والفابيون لا يؤمنون بالعداء بين الطبقات، ولا يرون ضرورة لإعلان الحرب بينها، وإثارة ~~البغضاء في نفوس أبنائها، ومن تحقيقاتهم التي يسجلونها ويذيعونها أن أحوال العمال ~~والأجراء تتحسن بالوسائل التشريعية والإصلاحية، ولا تسوء على الدوام كما يرى ~~الماركسيون الشيوعيون. # تأسست الجماعة في سنة 1884 وفيها نحو أربعين من نخبة الباحثين والمفكرين، ولم يزد عدد ~~أعضائها قط على ألفين في وقت من الأوقات، وخير أعمالها الاجتماعية قائم على الدعوة ~~وتمكين المجالس البلدية والنقابات من تحسين أحوال الأجراء والعمال. # وغني عن القول أن الاشتراكية الفابية - كغيرها من المذاهب الاشتراكية - هي حركة إصلاح ~~في المجتمع والحكومة، وليست مجموعة من الآداب والوصايا تحض على الرحمة والعطف والبر ~~بالفقراء والمحرومين، فهي كما قال في «الدليل أو المرجع السياسي للجميع»: «ليست صدقة ~~ولا عاطفة من عواطف الرأفة والمحبة أو الشفقة على الفقير، وليست نزعة من نزعات الخير ~~والاحسان في الأمة تنزع إلى إعطاء بعض الشيء لغير شيء بين الصدقة والتسول، ولكنها هي ~~كراهية الاقتصادي للتلف والخلل، وكراهية صاحب الذوق للدمامة والقذارة، وكراهية القانوني ~~للظلم والإجحاف، وكراهية الطبيب للعلل والآفات، وكراهية القديس للخطايا السبع ~~الكبار.» # وأغراض هذه الاشتراكية كثيرة متشعبة، ولكننا إذا لخصناها على حسب دعوة «شو» أمكن أن ~~تنحصر في غرض واحد تتبعه جميع الأغراض، وهو توفير المال في أيدي الجميع. # فالمال عند «شو» شيء مقدس مطلوب عميم النفع والوقاية، والاهتمام الشائع به هو علامة ~~الأمل الوحيدة في حضارتنا والموضع السليم ms30 الوحيد في الضمير الاجتماعي، وهو - كما جاء في ~~مقدمة روايته «ماجور بربارا» - أهم شيء في العالم ، «يمثل الصحة والقوة والشرف والكرم ~~والجمال تمثيلا فيه من الكفاية ما في عدمه من تمثيل المرض والضعف والعار والخسة ~~والدمامة، وليس أقل فضائله أنه يوبق الأردياء كما يحوط النبلاء بالمناعة ~~والكرامة». # ولا تناقض بين نشدان المال ونشدان المتعة الروحية في عقيدة شو، ففي كتابه «بيت القلب ~~الكسير» يجري هذا الحوار بين شخصين من شخوصها على هذا السياق: # إيلي ~~: # إن بعض الناس من الطراز العتيق يظنون أنك تستطيع أن تحتفظ بروح من غير مال، ~~ويخيل إليهم أنه كلما قل النصيب من المال زاد النصيب من الروح، إلا أن ~~«الشباب» في هذه الأيام أعرف منهم وأخبر، فإن الروح قنية عظيمة التكاليف، قنية ~~أعظم كلفة من السيارة. # كابتن شوتوڤر ~~: # أهي كذلك؟ كم تأكل روحك إذن؟ # إيلي ~~: # أوه! كثيرا جدا. تأكل الموسيقى والصور والكتب، والجبال والبحيرات، وأشياء ~~جميلة للكساء، وأناسا لطافا للمصاحبة والمعاشرة، ولا يسعك في هذه البلاد أن ~~تنالها بغير مال، ومن أجل هذا أصيب أرواحنا بهذه المجاعة النكراء. # كابتن شوتوڤر ~~: # إن روح «مانجان» تعيش على طعام الخنازير. # إيلي ~~: # نعم، لأن المال يهال عليه، وأحسب أن روحه كانت جائعة وهو صغير، بيد أن ~~المال لا يهال علي أنا، وإنما أتزوج من أجل المال؛ لأنني أريد أن أنقذ حياتي ~~الروحية، وكل امرأة سلمت من الحماقة تصنع هذا الصنيع ... # ومن ثم كان تدبير المال للناس كافة أنجح وسائل الخلاص من الآفات الروحية والجسدية، ~~فليست الاشتراكية برا بالفقراء؛ لأنهم قديسون أو ملائكة. كلا، إنه لمن خطأ العواطف ~~الإنسانية في تقدير «شو» أنها إذا عطفت على مظلوم تخيلته من الملائكة أو القديسين، وقد ~~يكون على نقيض ذلك من الشياطين والأشرار، بل قد يكون الفقير سيئا رديئا لأنه فقير، ~~ومن هنا تجب العناية به وإنقاذه من السوء والرداءة، ولن يتأتى ذلك وهو فقير ~~محروم. # ولم تكن الاشتراكية الفابية بدعا بين المذاهب الاشتراكية على تعدد مناحيها في ~~الحملة على نظام رأس المال، فإن ms31 هذا النظام الذي يميز طائفة من الأمة على سائر ~~الطوائف بغير مميز، آفة لا هوادة معها في رأي جميع الاشتراكيين، ومنهم الفابيون. # وحملتهم جميعا على الاستعمار كحملتهم جميعا على رأس المال؛ إذ كان رأس ~~المال هو القوة المسخرة الكامنة وراء كل استعمار. # ولم يعرف عن «شو» أنه شذ عن هذه القاعدة في غير موقفين اثنين أوشكا أن يحدثا في ~~الجماعة الفابية صدعا لا يرأب، وهما ترشيحه للشاعر «كبلنج» في الانتخابات البرلمانية ~~باسم «شاعر الإمبراطورية»، وتأييده للدولة البريطانية في غاراتها على البوير. # والعجيب أن الموقف الأول - موقفه في ترشيح كبلنج - كان أحرج له بين الجماعة الفابية ~~من موقفه في حرب البوير؛ إذ كان المؤيدون للدولة البريطانية في حرب البوير كثيرين بين ~~أعضاء الجماعة الفابية، وحجتهم في هذا التأييد المستغرب من الاشتراكيين أن الاشتراكية ~~ترمي إلى الوحدة في تدبير الثروة العالمية، وأن الدولة البريطانية هي أقرب نظام إلى هذه ~~الوحدة في انتظار توحيد العالم، وتدبير ثروته على أساس الاتفاق والتفاهم بين جميع ~~الشعوب والأقوام. # في موقف وداع. # أما ترشيح نائب لأنه من دعاة الاستعمار والصولة الإمبراطورية، فهو الأمر الذي لا ~~يسوغه الاشتراكيون، وعندهم من هو أولى بالترشيح والمساعدة من طلاب النيابة ~~الإنجليز. # على أن المعتذرين لشو من هذا الموقف لم يفتهم أن يلتمسوا له المعاذير من اضطراره ~~إلى التذرع بذرائع النجاح في الدعوة الانتخابية، وأنه كان في دعوته هذه براء من المآرب ~~الشخصية والشبهات النفعية، وأنه هو نفسه لم يتقدم لترشيح نفسه قط في انتخابات ~~البرلمان، ولم يقبل الترشيح حين عرضوه عليه للانتفاع باسمه في معترك الأحزاب. # وأيا كان منزعه في الدعوة، فالواقع أن المجال كله مجال «نظريات وآمال» فيما تناولته ~~الجماعة الفابية من المساعي والجهود، فإن آثارها في مجال العمل السياسي جد قليلة، ومعظم ~~آثارها إنما كان تعليما مقبولا بين الناشئين والمثقفين ممن لا يملكون في مساعيهم ~~وجهودهم قوة فعالة أكبر من قوة الإقناع في هذا المجال المحدود. # وكان هذا من باب أولى نصيب «شو» في مساعيه وجهوده، فلا جرم يقل ms32 نصيبه من المشاركة ~~العملية في الإصلاح السياسي، وهو يعلق الإصلاح كله على الأمل البعيد، أو الأمل في تطور ~~«السوبرمان». # فما من إصلاح خليق أن يتم ويكتمل في عالمنا هذا قبل ظهور السوبرمان، واستلامه لزمام ~~الحكم والإرشاد. # فلا غنى للمصلح العظيم عن العمر الطويل والتربية الكافية، ومتى تيسر للإنسانية أن ~~تنجب جيلا من الساسة يعيش أحدهم ثلاثمائة سنة على الأقل، فقد حان موعد الإصلاح المفيد ~~والسياسة الرشيدة. أما قبل ذلك فالمصلح يكاد أن يموت قبل أن يهتدي هو نفسه إلى مواطن ~~الإصلاح وإلى الوسائل الفعالة التي تحقق له ما اهتدى إليه. وما كان مصلح راسخ القدم ~~في عمله ليكتفي بأقل من مائة سنة للنمو، ومائة سنة للتجربة والمحاولة، ومائة سنة للعمل ~~الثابت الآمن من عثرات التردد والمحاولات. ~~(4) الفلسفة السياسية # وأول ما يخطر على البال عن فلسفة شو السياسية أنه يدين بالنظام الديموقراطي ولا يعدل ~~به نظاما من نظم الحكم الأخرى. # إلا أنه الخاطر الأول كما قلنا، وليس هو بالخاطر الصحيح. # والواقع أن شو لا يؤمن بالديموقراطية ولا يكتم إعجابه «بالدكتاتوريين»، أو الحاكمين ~~بأمرهم سواء كانوا من معسكر الفاشية كموسيليني وهتلر، أو معسكر الشيوعية كلينين ~~وستالين. # ولا داعي لاستغراب عقيدته هذه في السياسة، فإنها هي العقيدة الموافقة لجملة آرائه ~~وميوله بعد مراجعتها والمقابلة بينها. # فمن جهة ينتمي شو إلى الجماعة الفابية، وهي مسماة باسم «دكتاتور» أو «حاكم بأمره ~~قديم»، فلا تناقض بين الدكتاتورية وما يدعو إليه الفابيون، وبخاصة إذا ذكرنا أن معظم ~~الاشتراكيين يسعون إلى ترميم المرافق العامة وإشراف الحاكم على إدارتها. # ومن جهة أخرى، يبشر «شو» بالسوبرمان، وينتظر اليوم الذي يطل فيه على العالم فيقبض على ~~زمامه بيديه عنوة، أو من طريق الحيلة القوية والتأثير الذي يجتاح ما يعترضه من ~~العقبات. # والدكتاتور - أو الرجل القوي - هو البديل الموقوت من السوبرمان، ريثما يحين الأوان ~~لظهوره واستسلام الشعوب إليه. # وليس «شو» ممن ينكرون حرية الرأي وحرية النقد وحرية الاجتماع، ولا هو ممن ~~يجهلون جناية الحاكمين بأمرهم على هذه الحريات كلها حيث يحكمون ويتحكمون. ms33 فقد كتب وقال ~~غير مرة: «إن الحضارة لن تتقدم بغير النقد، ولا مناص لها - إذا هي أرادت أن تتجنب ~~العفن والركود - من إعلان حرية المناقشة.» # وقد كتب وقال غير مرة: «إن التقدم يتوقف على إبائنا أن نلجأ إلى وسائل العنف حتى حين ~~تجدي وتفيد.» # ولكنه يرى مع هذا «أنه ليس في مقدور مجرم واحد أن يملك من أسباب الشر والتمادي فيها ~~ما تملكه أمة منتظمة ... فإنها تكسب جرائمها حقوق الشريعة المطاعة، وتزيف لها وثائق ~~الصلاح والفضيلة، ولا تبالي أن تعذب كل من يجسر على كشف حقيقتها وإظهار ~~زيوفها». # فليس الكفر بالديموقراطية الحاضرة على الأقل مستغربا من رجل يبشر بالسوبرمان، ويرى ~~أن الحاكم بأمره سلف يعقبه ذلك الخلف المنظور مع الزمان. # ومن جهة غير هذه وتلك، يعرف القارئ من أقوال «شو» وكتاباته - كما لمحنا مما تقدم - ~~أنه يسيء الظن بالدهماء وقادة الدهماء، ولا يصدق أن جمهرة الناخبين من هؤلاء ~~الدهماء يختارون من يريدون، أو أنهم يحسنون الاختيار إذا اتفق لهم أن يختاروا ~~من أرادوه. # وفي زعمه أن الناخبين لا يمنحون أصواتهم أفضل المرشحين المستحقين للترشيح والنيابة، ~~وإنما تتاح لهم الفرصة مرة بعد مرة لرفض أسوأ المرشحين، وتجربة غيرهم من جديد، ثم إعادة ~~هذه التجربة في انتخاب بعد انتخاب على وتيرة واحدة. # أما الفرصة التي تتاح لهم، فهي من تدبير لجان الأحزاب وليست من تدبير دهماء ~~الناخبين، ولا من يكون بينهم من ذوي النظر الثاقب والخلق الشريف. # ولجان الأحزاب ترشح الرجل المأمون في الدائرة المأمونة، والرجل المأمون عندها هو ~~«النعجة» المنقادة التي لا تثور على رعاتها، ولا تقدر على الثورة إذا جنحت إليها، ~~والدائرة المأمونة هي التي تضعف فيها المنافسة، ويقل فيها أمل المنافس من الحزب الآخر ~~في النجاح. # فإذا كان في الحزب أناس أقوياء قذف بهم الحزب في المعركة الحامية يكسبونها له أو ~~ينخذلون فيها، فيستخدمهم في غير الأعمال البرلمانية إذا راضتهم الهزيمة واستكانوا ~~للقادة والرؤساء. # ومن هم القادة ومن هم الدهماء؟ # إنهم كما قال في كتابه «الفاجنري الكامل»: «كلهم طائفة ms34 من الناس؛ بعضهم دجالون كبار، ~~وبعضهم ساسة كبار، وبعضهم مزيج من هؤلاء وهؤلاء، وأكثرهم قادرون على قضاء مآربهم ~~الشخصية غير قادرين على الإحاطة بالنظم الاجتماعية، أو تناول المشكلات التي تخلقها لهم ~~معيشتهم في جماعات عظيمة. فإن كان معنى «الإنسان» هذه الكثرة، فالإنسان لم يتقدم، بل هو ~~نقيض ذلك قد عمل على تعطيل التقدم، وهو في هذه الحالة لا يريد أن ينهض بتكليف شيء حتى ~~تكاليف النظم القائمة، وإنما تؤخذ منه هذه التكاليف خلسة من طريق الضرائب غير ~~المباشرة ... # إن هؤلاء الناس لا غنى لهم عن قوانين تحكمهم كتلك القوانين التي تحكم جبابرة ڤاجنر، ~~ولا يتأتى إخضاعهم لتلك القوانين إلا بالتواطؤ على شحن نفوسهم بالتقاليد والأوهام وملء ~~خيالاتهم بمظاهر الهيبة والتوقير. ومن البديهي أن الحكومة إنما يتولاها القلائل الذين ~~يقدرون على حكم غيرهم، ولكنها متى انتظمت أدواتها وآلاتها فالغالب أن تجري شئون الحكم ~~بغير روية على أيدي أناس من غير القادرين على تأسيسها، ويتصدى لها القادرون حينا بعد ~~حين لترميمها وإصلاحها كلما تخلفت طويلا وراء خطوات الحضارة في تقدمها أو اضمحلالها ... # يطل من منزل جيرانه. # ولا تزال الحيرة جاثمة حتى يفتح الزمن على عقول الساسة بوحي البطولة، الذي يلهمهم أن ~~عملهم لا ينحصر في تلفيق القوانين والنظم لكبح الدهماء وضمان البقاء لغير الأصلح، ~~وإنما الواجب عليهم تنشئة جيل يعتمد على إرادته وذكائه، لتحقيق رخاء المجتمع وصلاح ~~أحواله طواعية في غير كلفة ولا مشقة.» # ولا يفهم من كل ما قاله «شو» في سخريته بالديمقراطية والنظم البرلمانية أنه يدعو ~~إلى إلغاء «البرلمانات» والاستغناء عن الحكومة النيابية، فقد يكون وجودها أسلم من عدمها ~~في تقديره، ولعلها وقاية للشعوب مما هو أخطر منها وأدهى، وحسبها عنده أنها منفس للتفريج ~~عن الصدور بالمناقشة واختلاف الآراء وإقناع المختلفين بأنهم أحرار فيما يقولون ~~ويعملون. # وقد استشاره «جود» الفيلسوف في ترشيح نفسه للنيابة، فكتب إليه يقول ما فحواه: إن ~~الفلاسفة الذين دخلوا البرلمان غير قليلين - ومنهم ميل وبرادلو ووب الذي كان عضوا في ~~الوزارة - فهل صنعوا شيئا هناك؟ # وقال ms35 له إن تشرشل لم يكن عضوا في البرلمان حتى الحرب العالمية، ثم ساقوه إلى دائرة ~~انتخابية أخلوها له لأنهم في حاجة إليه، وأنه هو نفسه قد رفض النيابة يوم عرضوها عليه ~~وكرروا العرض مرات، ثم لم يندم قط على الرفض والإصرار. # وقال له أخيرا: إن ورق اللعب لا يزال أمامك على المائدة، فإن شئت فجرب حظك ~~والعب ورقك ... فلما مضى جود في عزمه، ولم تثنه عنه نصيحة أستاذه الأولى أرسل إليه تذكرة ~~بريدية يقول فيها: «حسنا، إنك سوف تتعلم على الأقل شيئا واحدا، وهو أن تعرف كيف لا ~~يتم العمل» ... ثم شفعها بتذكرة ثانية قال فيها: «امض في عزمك بكل وسيلة، فقد تحصل على ~~تجربة مباشرة لا تخلو من فائدة للفلاسفة السياسيين.» ~~••• # لقد كان «شو» منطقيا في سماحه للمجالس النيابية بالبقاء، وسماحه لتلميذه «جود» ~~بترشيح نفسه، فلو أنه أشار على الأمم بإلغاء المجالس النيابية، وسألوه عوضا منها لما ~~وجدوا عنده عوضا غير «الدكتاتورية»، وهي شيء يحصل بالقوة، ولا يحصل على حسب الطلب ~~بالانتخاب أو الاقتراح. # كان منطقيا في هذا وكان مجافيا للمنطق في كل ما عداه؛ فقد نظر إلى الدكتاتورية ~~كأنها تجربة مفتوحة، ونظر إلى الديمقراطية كأنها تجربة منتهية، فعكس الحقيقة في ~~الحالتين، وأغلق حيث ينبغي أن يفتح وفتح حيث ينبغي أن يغلق. # فما كان حكم العصور الماضية على أغلبه وأعمه إلا حكما دكتاتوريا على وجه من ~~الوجوه، فاستنفذ كلمته واستحق حكم التاريخ عليه، وما جرب حكم الحاكمين بأمرهم تجربة ~~حديثة إلا جر البلاء عليهم وعلى بلادهم وعلى العالم بأسره. في حين أن الديموقراطية ~~تبتدئ تجاربها في نطاقها الواسع، فتصلح تارة أو تسوء، فلا تهبط في السوء مهبطا دون حكم ~~الحاكمين بأمرهم إذا ساء. ~~(5) الفلسفة الأخلاقية # والمفهوم بين نقاد «برنارد شو» أن فلسفته الأخلاقية أثبت وأوضح من فلسفته في أمور ما ~~بعد الطبيعة، وفيما يدور على قواعد المجتمع وأنظمة السياسة. # وتقوم هذه الفلسفة على أسس ثلاثة، وهي: (1) أن الغريزة الإنسانية تضل وتخطئ، و(2) ~~أن إصلاح خطئها وضلالها من الممكنات ومن ms36 الواجبات، (3) أن هذا الإصلاح يتم بالمعرفة ~~والإيثار. # ففي كتابه «دليل السياسة للجميع» يقول: «إن العقل قد يخطئ أفحش الخطأ ، ولكن هكذا تخطئ ~~البصيرة مع الغباء، ولن يصل كلاهما إلى النتائج السليمة بغير الاعتماد على الوقائع ~~الصحيحة. فإن الدلائل والتخمينات على السواء غير سليمة، على أن الوقائع لا تقودنا ~~دائما إلى دلائل معقولة؛ إذ ربما هاجت فينا نقمة البغضاء أو ميول العاطفة، كما تهيج ~~فينا الآمال والمخاوف والأوهام والمطامع، داعية إلى انفجار الخوالج النفسية التي تعصف ~~بالسداد في العقول التي لم تتدرب على دقة الحكم ونزاهة الضمير، ولا بد للقائمين بأمر ~~المدن من أن يكونوا مولودين لعملهم ومتعلمين إياه.» # وقال في مقدمة «على الصخور»: «إنه لا شيء هو أعظم قبولا للتغيير كل التغيير من ~~الطبيعة البشرية إذا بادر الموكلون بها مبكرين في تعهدها وتهذيبها.» # ومن أقواله التي يجريها كعادته بين الجد والفكاهة، كلمة يقول فيها من مقدمته «لحيرة ~~الأطباء»: «إنني لم أكبر آدم دائما. إنه انتظر حتى تغويه امرأة وحتى تغوي المرأة ~~حية قبل أن يقطف التفاحة من شجرة المعرفة، ولو كنت في موضعه لأتيت على كل تفاحة في ~~الشجرة أول ما أدار صاحب الحديقة ظهره إلي.» # ومهما يكن من شأن المعرفة أو الحكمة أو الخلق، فهي كلها تفاهة في عرف «شو» ما لم ~~تكن حية جياشة تضطرب بالشعور والحركة، أو كما قال على لسان لوقا في رواية «السلاح ~~والإنسان»: «إنك تنتزع الشجاعة كلها من نفسي بحكمتك الباردة.» # ومثل ذلك قوله في مقدمة روايته «سوء التوفيق»: «إن الرجل الذي لا يملك حرية المجازفة ~~بعنقه طيارا، أو بروحه مجتهدا مخالفا، ليس له نصيب من الحرية على الإطلاق، وحق ~~الحرية لا يبتدئ في السنة الحادية والعشرين بل في الثانية والعشرين.» # يريد أنها حرية مولودة مع الإنسان تنمو معه بالنشأة والتجربة والتدريب، وغايتها ~~القصوى هي البطولة التي تعلو على طبقات الناس المألوفة، وهي طبقة الإنسان المتوفز ~~المستسلم لشهواته ومطامعه، وطبقة الإنسان البليد المطيع الذي يعبد الأقوياء وأصحاب ~~المال، وطبقة الإنسان الذكي الموهوب صاحب الأخلاق ms37 الذي يدبر الأمور ويحكم أبناء جنسه ... ~~«الفاجنري الكامل». # والمشكلة هي أن طالب الكمال مطالب بتحسين غيره، كما هو مطالب بتحسين نفسه، فلا غنى ~~له - كما قال في قضية المساواة - عن أن يرفع مستوى الحياة حوله إذا أراد أن يبلغ كماله، ~~وكل تحسين يأتي بعد ذلك طواعية متى تم هذا التحسين. # ولا يؤخذ من هذا أن «شو» يوجب الإيثار وخدمة الآخرين على البطل دون غيره، فإن ~~الأنانية وخدمة النفس في مذهبه الأخلاقي مسخ يضير كل حي يعنيه، سواء الخلق واجتناب ~~العلل والآفات. # ويذكر القارئ أن «شو» يؤمن بالتطور الخلاق، ويعتقد أن سنة الوجود كله هي التقدم إلى ~~غاية فوق حياة الفرد، وفوق ما يشغله من أهوائه ومنافعه «الفردية». # فإذا وجد إنسان ينحرف عن هذه السنة فهو ممسوخ مشوه، يحسن به أن يداوي نفسه من علة ~~المسخ والتشويه، وجزاؤه الوحيد على الإيثار واجتناب الأثرة أنه يصحح تكوينه وينقذ ~~جسده وروحه من شرور الزيغ والانحراف. # إلا أن خدمة الآخرين لا تنحصر في الرحمة والرفق على الدوام، فربما سمعنا من «شو» ~~نغمات في تمجيد القوة والأقوياء والإنحاء على الضعف والضعفاء، تذكرنا بنيتشه في أعنف ~~أقواله وأقسى وصاياه. # قال في كلامه عن تكاليف المعيشة في الجماعات: إذا كان الناس صالحين للحياة فدعوهم ~~يعيشون العيشة اللائقة بالأحياء، وإذا كانوا غير صالحين لها فدعوهم يموتون الميتة التي ~~تليق! # وقال أيضا: «في اللحظة التي نواجه فيها الحقيقة، ننتهي حتما إلى الإيمان بحق ~~الجماعة في أن تفرض ثمنا لحق الحياة.» # وقال في مقدمة «على الصخور»: «إذا أردنا طرازا معلوما من الحضارة والثقافة، فعلينا ~~أن نستأصل أولئك الذين لا يوائمون ذلك الطراز.» # تلك شريعة الجماعة عنده، أما شريعته لنفسه فهي كما قال: «أقول لكم إنني طالما أدركت ~~أمامي شيئا خيرا مني، لن أهدأ حتى أبلغه أو أمهد إليه الطريق، وذلك عندي هو قانون ~~الحياة» ... # على أن القارئ ينبغي أن يشك في كل تلخيص لمذاهب «شو» لا يقع فيه بعض التناقض ~~والارتداد على ما يؤكده من القوانين والاراء. # مثال ذلك في ms38 سياقنا هذا أنه - كما أسلفنا - يقدس المال ويفرض حبه على كل عامل، ~~ويحسبه سبيل الخلاص من جرائر الحرمان في المجتمعات البشرية، كما يفعل الكثيرون من ~~الاشتراكيين. # لكن «شو» هذا بعينه هو الذي يقول في وصاياه للمرأة الاشتراكية: «إن أولي الأفكار ~~جميعا يؤكدون لك أن السعادة والشقاء مسألة بنية ومزاج لا شأن لها بالمال؛ إذ المال قد ~~ينقذ من الجوع ولكنه لا ينقذ من الشقاء، والطعام قد يشبع شهوته ولكنه لا يشبع شهوة ~~الروح.» # ويقول كذلك: «إن فينا شيئا خفيا يسمى الروح تقتله الرداءة المتعمدة، ولن تجدي ~~مغانم المادة بغيره فتيلا في احتمال الحياة ... والسلوك الحسن لا يمليه العقل، بل تمليه ~~بداهة إلهية فوق ذرع العقول.» # إلا أن الإنصاف يقتضي القارئ أن يعرف أعذار «شو» من التناقض ودواعيه التي توقعه فيه، ~~وتوقع كل كاتب غيره في مثل هذا التناقض إذا كتب كما كتب وتوخى النهج الذي ~~يتوخاه. # فمن اللازم أن نذكر أولا أن «شو» يلقي وجهة نظره أحيانا على لسان بطل أو بطلة في ~~الرواية فيجعلها وجهة نظر من ناحية واحدة، ويبالغ فيها ليفسح مجال الرد عليها من الوجهة ~~الأخرى، ومن أجل هذا تتعرض آراؤه للمناقضات كما تتعرض جميع المبالغات. # ومن اللازم أن نذكر ثانيا أن الرجل قضى سبعين سنة يكتب في موضوعات شتى متعددة ~~الجوانب متفرقة الشعاب، وأنه أعاد الكتابة فيها مرة بعد مرة على أضواء الحوادث الحاضرة ~~أمامه في كل مرة، ولا أمان من تعدد الجوانب والوجهات في هذه الأحوال. # ولا يمنعنا ذلك كله أن نلقي التبعة على أطواره التي تسوقه إلى المناقضة عامة أو غير ~~عامة، فهو مولع بالمخالفة، قادر على التماس حججها والبراعة في التماسها ... ومن برع في ~~استعمال سلاح فقلما يسلم من الشطط في الإصابة به حيث أمكنه أن يصيب. # وهو صاحب «نظريات» لا يتحرى تطبيقها عملا في فترة محدودة من الزمن أو في مدى حياة ~~واحدة، ولو أنه سيم أن يطبق نظرياته لاضطرته الوقائع إلى القصد في المبالغات، وهي على ~~الدوام معثرة المبالغين، وسائقتهم إلى ms39 التناقض والاضطراب. # وجملة ما يقال في هذا الصدد إنصافا له وللحقيقة: إنه على كثرة مبالغاته ونقائضه ~~يعطيك شيئا مقررا ، ولا يتركك بعد الاطلاع على مذاهبه جميعا صفر اليدين. # فإذا قال مرة بقداسة الروح، وقال مرة أخرى بقداسة المال، فهو يقول في المرتين وفي كل ~~مرة: إن الإيثار سنة الحياة، وإن السمو إلى المثل الأعلى قانون الخلق القويم. ومن قال ~~هذا فقد أعطانا على تناقضه قسطاسا نزن به ما يطلبه من قداسة الروح وقداسة المال، ومن ~~أحب المال على سنة الإيثار فقد أحب الروح ... ويطرد هذا القياس في معظم نقائضه، على ~~هذا النحو من الاطراد. ~~(6) التربية والثقافة # والمنتظر بطبيعة الحال من رجل كبرنارد شو أن يعالج الثقافة والتربية معالجة عملية؛ ~~لأنه اعتمد على نفسه في تثقيفها وتربيتها، ولم يكد يعول على شيء في تحصيل ما حصله غير ~~جهوده ورغباته. # وهو عدو الحشو الذي يملأ الدماغ بالمعلومات، ولا ينفذ منه إلى الذوق والفطنة والمعرفة ~~بحقائق الحياة، فمهما يحشو المرء في دماغه من المعلومات فهي ذرة ضئيلة إلى جانب ~~المعلومات التي يجهلها ولا يتأتى له أن يحيط بلبابها ولا بقشورها. # قال على لسان نيوتن في رواية «أيام الملك شارل الذهبية» من حوار بينه وبين ~~فوكس: # فوكس ~~: # إنني أتألم من فرط الخجل لما أنا عليه من الغباء. # نيوتن ~~: # إن الخجل لا يجديك شيئا أيها القس. إنني قضيت عمري أتأمل محيط جهالتي الذي ~~ليس له نهاية، وقد ازدهاني الغرور مرة فقلت إنني التقطت حصاة على شاطئ ذلك ~~المحيط، وكان الأجدر بي أن أقول إنها ذرة من رماله. # وقال في مقدمة «سوء التوفيق» عن تعليم الجامعات: # إنهم يتكلمون على الثقافة ويفكرون في الثقافة وينتقدون فوق ذلك هذه الثقافة، ~~فإذا كان هؤلاء القوم يتكلمون ويفكرون وينتقدون على أي جدوى، فمن اللازم أن ~~يعرفوا الدنيا خارج الجامعة كما يعرفها على الأقل صاحب دكان في عرض الطريق، ~~ولكن الواقع أن هذا هو الذي لا يفقهونه في الوقت الحاضر. ولك أن تقول عنهم مغزى ~~كلمة كبلنج حين سأل: ماذا يعرف ms40 عن أفلاطون من لا يعرف غير أفلاطون؟ ... فلو أن ~~جامعاتنا أبعدت عنها كل طالب أو طالبة لم يدبر معيشته بجهوده سنتين على الأقل، ~~لكانت آثارها أعظم جدا من آثارها الآن. # وهو لا ينكر «أن قليلا من المعرفة خطر» ... ولكنه يرى أنه الخطر الذي لا مناص منه ولا ~~مفر من الإقدام عليه؛ لأن هذا القليل - كما قال في مقدمة الرواية جنيڤ - هو غاية ما ~~تحمله أكبر الرءوس. # وحسب المرء من قليل معرفته ما يعنيه على الرياضة النفسية، والرياضة الذوقية، والرياضة ~~الجسدية. # فالعلوم غير مجدية إن لم تهيئ لصاحبها هذه الرياضات، وهو يسخر بالعلم الحديث # Science # ومن يجعلونه مفخرة للعصور الحديثة، فغاية ~~شأنه أنه منافع ومرافق. وما من أحمق يعجز عن كشف من تلك الكشوف العلمية، أو كما قال ~~السيد الشيخ في رواية «العودة إلى متوشالح»: «إنني يا سيدتي أجل الكشوف الفخمة التي ~~نحن مدينون بها للعلوم، ولكنه ما من أحمق يعجز عن كشف منها. فكل طفل في سنواته الأولى ~~له كشوف تفوق في عددها كل ما كشفه في معمله روجر باكون.» # وجرى الحديث في بيت «شو» بينه وبين بعض جلسائه فقال: إن الألمان لو انتصروا لجردوني ~~من كل ما أملك، ولكنني - لحسن الحظ - لا أحتاج إلى كثير. # قال جليسه ما فحواه: لست أنسى ماكس نورداو، وقد جاء يزورنا بعد الحرب العالمية ~~الأولى، فطفق يشكو الحكومة الفرنسية التي جردته مما عنده حتى أوشكت أن تهبط به إلى ~~التسول والاستجداء. # فقاطعه «شو» قائلا: كلا، إنه من عملي أنا. إنني ضربته الضربة القاضية، وكنت الوحيد ~~في هذه الديار الذي استطاع أن يخرجه من أعماقه ويتركه حيث يغرق ... # فعقب محدثه قائلا: إن تولستوي قد صنع بأستاذ نورداو مثل ما صنعت أنت بنورداو، فقد ~~زاره لمبروزو في أوج عظمته، فراح يتحدث إليه في زهو وعظمة عن عصر العقل وتقدم العلوم، ~~فأخذه تولستوي إلى بحيرة بجوار المزرعة وسأله: أتحسن السباحة؟ وبدا لصاحبنا لمبروزو ~~أنه ما من معرفة تخفى عليه، فغطس تولستوي وتبعه هو في أثره، وما هي ms41 إلا هنيهة حتى صاح ~~في طلب النجدة، فأسرع إليه تولستوي وأخرجه من الماء، فخرج منه مبتلا ولكن متعظا ... ~~ووقع الدرس في موقعه، فعلم صاحبنا أن الرجل قد يتعرض لشرح جميع الأمور، ثم يفتقر بعد ~~ذلك إلى العون والإنقاذ. # فأغرب «شو» ضحكا، وقال في شيء من الشيطنة: لو كنت تولستوي لتركته يغرق؛ فإنني على ~~يقين أن العظة قد ضاعت لديه. # ثم عطف قائلا: أنت تعلم أن تولستوي - مثلي - لم تخدعه هذه الخرافات التي يسمونها ~~بعلوم العلماء وطب الأطباء. # وقد أجمل شو غرضه من هذا الاستخفاف بالعلم في الحوار الذي أشرنا إليه آنفا بين نيوتن ~~وفوكس. فبعد أن شرح العالم المتصوف بعض الحقائق الفلكية للقس الحكيم قال هذا: الآن أنا ~~من الحكمة بحيث كنت قبل أن أعلم ما شرحت ... يريد أن معرفة الحقيقة العلمية لا تزيد ~~الإنسان حظا من الحكمة أو الفطنة أو «الحقيقة الحية»، وهي أحق الحقائق ~~بالتحصيل. # ولا يمنعك «شو» أن تقرأ ما تستطيع وتطلع على كل ما في وسعك أن تطلع عليه، ولكنه ~~يحسبه كله عبثا مضيعا إن لم تستفد منه رياضة النفس ورياضة الذوق ورياضة الجسد، وقد ~~يكون قليل من البصر بالفنون والخبرة الرياضية أجدر بصبغة الثقافة من معارف العلوم كلها ~~بمعزل عن الذوق والرياضة. # أما مذهب «شو» في التربية، فمتفق مع مذهبه في الثقافة على النحو الذي أجملناه. # فهو ينهى عن الضغط والقسر، ولكنه يحث على النظام والترويض، ومما قاله خلال كلامه عن ~~المراهقة: «إنني على يقين أن كل نشاط غير طبيعي للدماغ ضار ككل نشاط غير طبيعي للجسد، ~~وأن إكراه الناس على تعلم ما لا يحتاجون إلى تعلمه كإكراههم على أكل ~~النشارة. # وإن الحضارات ليتطرق إليها التهدم على الدوام من جراء تعليم الطبقات الحاكمة ما ~~يسمونه بالدراسة الثانوية، وهي الدراسة التي تثمر الغباء المطبق كما تثمر العته العقلي ~~والخلقي بإساءة المعلمين توجيه القوى المدركة، وما من طفل يتعلم أن يمشي على قدميه أو ~~يلبس نفسه لو حبست يداه وقدماه بحيث لا يتحرك، إلا إذا أراده على ms42 الحركة مربوه.» # وقال في «دليل السياسة للجميع»: «لا أتخيل فيما عدا قانون الجنايات عملا أقسى ولا ~~أضر من إكراه طفل رزق ملكات العالم الطبيعي، أو الشاعر، أو الرسام، أو الموسيقي، أو ~~الرياضي على استعباد نفسه لكرة القدم أو الكريكيت، حيث يحسن أن يتجول أو يشتغل بالتخطيط ~~في الخلاء أو بالمطالعة أو العزف على آلة من الآلات، أو الإصغاء إلى المذياع والفرق ~~الموسيقية.» # إلا أنه يوجب الاعتماد على نظام ما في التعليم، ويقول في الكتاب نفسه: «إن أي نظام ~~للتعليم والتهذيب خير من عدم النظام على الإطلاق، وخطتنا الحاضرة في التعليم ينبغي أن ~~تتبع حتى نستبدل بها ما هو أصلح منها.» # وعلى رأس كل نظام في رأي «شو» أن نعنى بتطبيع الأطفال على العقائد النبيلة والمثل ~~العليا والطموح إلى الترقي بالنظم القائمة إلى ما هو أشرف وأعلى. # وللأطفال حقهم في أسرارهم وخصوصياتهم، فإن أراد الآباء أن يرشدوهم فلا يكن ذلك ~~بإقامتهم أنفسهم قدوة للسير على منهجها، بل بإقامتهم أنفسهم نذيرا بسوء ~~العاقبة. # ويحتاج الطفل كما قال في «دليل السياسة للجميع» إلى «وطن طفلي»، ولا تقتصر حاجته إلى ~~المدرسة والمنزل. فيعيش في «وطنه الطفلي» مواطنا صغيرا يتبع قوانينه وحقوقه ~~وواجباته ورياضاته التي تناسب كفاءة الطفولة كما تناسب قلة كفاءتها. # ومما يجعل «شو» خليقا بفهم الأطفال أنه محب للأطفال خبير بكسب صداقتهم على اختلاف ~~أعمارهم، وعنده كما قال في مقدمة «سوء التوفيق»: أن الطفل مولع بالصحة وينبغي أن يولع ~~بها، «وإنني على يقين أن الناس لو خيروا بين بيت لا تنقطع فيه ضجة الأطفال، وبيت لا ~~تسمع فيه هذه الضجة على الإطلاق، لفضل كل إنسان سليم طيب النحيزة دوام الضجة على ~~دوام السكون.» # وتتلخص التربية إذن في الحرية المنظمة التي تتجه بالطفل إلى المثل العليا، ولا يحول ~~عرفانها بنقائص الطبيعة البشرية دون الإيمان بقدراتها على الصلاح والارتقاء. ~~••• # هذه خلاصة فلسفة «شو» في جميع ما تتناوله الفلسفة من مباحث ما وراء الطبيعة والدين أو ~~مباحث الاجتماع والسياسة والثقافة. # يجلس للمثال تروبتزكي. # وإذا قسمنا الفلسفة ms43 إلى أصلين كبيرين: أصل الفلسفة الروحية، وأصل الفلسفة المادية، ~~فليس في وسعك أن تضع «شو» مع الروحيين ولا مع الماديين؛ إذ هو وسط بين الخالصين للعقيدة ~~الروحية والخالصين للعقيدة المادية، وإنما نضعه في موضعه إذا حسبناه دائما من ~~التقدميين المثاليين، وقسناه بمقاييس المستقبل الذي يبشر به وينتظره ويوصي العالم ~~أن ينتظره ويطيل انتظاره، فليس من الإنصاف له أن نأخذه بحاضر أعماله، ولا من الإنصاف أن ~~نأخذ أحدا من أصحاب النظريات بهذه الأعمال، وهم فيما يدعون بشراء الغد القريب أو ~~البعيد. # | أحاديثه # اشتهر برنارد شو كما تقدم في أكثر من باب واحد. # اشتهر بالقصة والرواية المسرحية، واشتهر بالنقد الفني والإصلاح الاجتماعي، واشتهر ~~بالخطابة والمناظرة، واشتهر بالنكتة البارعة والكلمة السائرة في أحاديثه التي تتلاقى فيها ~~الحقائق والأوابد على نسق واحد. # غير أننا إذا قلنا إنه محدث بارع وسكتنا على ذلك، لم نظلمه ملكة من ملكاته؛ لأن كتاباته ~~كلها من قبيل الأحاديث التي تصدر عن صاحبها عفو الخاطر، واهتمامه بوقع النكتة في مفاجأتها ~~أشد من اهتمامه بتحليل الحقيقة بعد درسها، ومعظم آرائه مسوق في رواياته على صيغة الحديث ~~المرتجل الذي يرد عليه بحديث مثله. فهو محدث غير مدافع، سواء كتب أو تكلم، ومحاسبته بغير ~~حساب الأحاديث كمحاسبة «النكتة» بالنقد والمراجعة. # فهي «نكتة» قبل كل شيء. # ولك بعد ذلك أن تفهم منها ما تشاء، مع إعطاء النكتة حقها من المبالغة أو المفارقة أو ~~الجناس في لفظة ومعناه. # ومن الصعب أن يقال عن رجل أربى على التسعين، وقضى نحو سبعين سنة منها يكتب ويفكر، أنه ~~يرتجل آراءه ولا يرجع فيها إلى روية سابقة، ولكننا نعني بالارتجال هنا أنه تعود أن ~~يفوه بما يحضره لساعته عفو الخاطر، سواء ذكر ما قاله فيه من قبل أو لم يذكر شيئا عنه قبل ~~ذلك، فطابع الارتجال هو الطابع الظاهر على كل ما يكتب ويقول، ومفاجأة السامع أهم عنده من ~~مخاطبته بما يألف أو بما ينتظر، وقد يكون الإغراب عنده كالجرس الذي ينبه السامع إلى حامله، ~~ثم تتلوه «الفرجة» على ms44 المألوف أو غير المألوف. # وليس من اليسير جمع أحاديثه الكثيرة في حيز واحد، فقد تحدث إلى مئات، وسأله السائلون ~~وأجابهم خلال عشرات السنين، فحسبنا من أحاديثه الكثيرة نماذج شتى في موضوعات متشعبة جرى ~~الحديث فيها بينه وبين جاره وصديقه مستر «ونستين» وبعض صحابته، ثم جمعها هذا في كتاب ~~سماه «أيام مع برنارد شو» ... وكل منها مثال صالح لجملة أحاديثه، وفيما يلي دلالة عليها لم ~~نتعمد فيها الانتقاء والتمييز؛ إذ كان الاختيار «الجزاف» أليق «اختيار» للدلالة على الحديث ~~المرتجل في جميع الأوقات. ~~••• # جرى الحديث عن غاندي فقال شو عن نفسه إنه هو مهاتما الغرب - وكلاهما كما هو معلوم لا يأكل ~~اللحوم. # ثم قال: «لما لقيته في إنجلترا قضيت معه لحظة في حديث غاية في الطرافة، وكان شديد التلطف ~~بي، فسألني عند انصرافي كيف أنوي أن أعود إلى منزلي؟ فقلت له: سأركب سيارة من سيارات ~~الأجرة! فلم يقبل هذا وأصر على أن يدبر لي طريق العودة بنفسه، ودعا بسيارة فخمة يسوقها ~~شاب أنيق جميل الهندام، فحرت ماذا أعطيه حين وقف بي على باب داري! وأحسست أنه جدير بهبة غير ~~«نصف الشلن التقليدي» الذي ننفح به سائقي السيارات، فاعتزمت أن أنفحه بخمسة شلنات، وأدهشني ~~أنه يرفضها، وخيل إلي أنه يستقلها، ولكنني لم أشأ أن أفسده بالسرف. وإذا به يعود في ~~اليوم الثاني ليسأل عني، فسبق إلى خاطري أنه جاء في طلب الهبة المرفوضة، ولكنه أفهمني ونحن ~~ندخل المنزل أنه جاء ليسألني عن راحتي في نقلة الأمس، وأنه أمير صاحب ملايين، وقضينا فترة ~~من الوقت نتحدث عن السيارات، وكل حديث عن المكنات يطيب لي على الدوام.» ~~••• # وتحدث الجلساء مرة عن الدعوة الانتخابية في المذياع، فتبين أن شو كان يصغي إليها ~~ويزجي الفراغ بإعطاء أصحابها درجات في فن الإلقاء، وأنه رضي عن صوت مستر «أتلي»؛ لأنه لا ~~ينم على احتراف السياسة. # وتكلم عن مجتمع رأس المال فقال: إن التنازع أول صفات الانسانية في مجتمعات رأس المال؛ ~~ولهذا تصبح الحياة موحشة عسيرة من ألف وجهة لا ms45 تستلزمها الضرورة، ومن ثم يندر وجود ~~الإنسان الذي يبلغ من ذكائه وكياسته وضبط نفسه أن يسلك طريقه في الدنيا بغير إساءة يلقيها ~~أو يتلقاها، ويمتلئ الجو كله بالدعاوى الكاذبة حتى لا يتهم بالدجل والفساد أحد غير الذي ~~ينشد الحقيقة. إنني أنفر من البغضاء، ولكنني لا أوصي بالقناعة. فإذا سمعت الشيوخ يدعون إلى ~~القناعة، فاعلم أنهم عطل من الفكر أو أنهم منافقون. ~~••• # ولما دار الحديث على القذيفة الذرية قال: «إن لم نتفق على الحكومة العالمية، فسوف تأتي ~~الحكومة العالمية بغير اتفاق على نحو أخطر وأعنف، ستأتي بطغيان دولة واحدة على العالم ~~بأسره، ولن تكون إنجلترا هي تلك الدولة.» ~~••• # وتكلم محدثه مرة عن الفن وعلاقته بجهل أسرار الزوجية، كلاما أكثر فيه من الشروح ~~والتعليلات، فقال شو: «ها أنت ذا تعود إلى الشروح كأن هذه الشروح تنفع أحدا من الناس. إن ~~الوقائع وحدها قد تكفينا حيث تخطئ الشروح في معظم الأحوال؛ لأنها تجري في نطاق تفكيرنا ~~المحدود. وأذكر مثلا تلك الشروح التي تعود أسلافنا أن يقنعوا بها ويعتمدوا عليها ...! لقد ~~كانت إلين تيري - الممثلة المشهورة - تعتقد أنها ستلد طفلا بعد أن قبلها واطس، ولم تكن ~~على هذا بالمرأة الحمقاء. وكثير من المتعلمين في أكسفورد وكامبردج لا يفقهون شيئا عن ~~المسائل الجنسية أو يفقهونها فوق ما ينبغي، وكلاهما سواء في الضرر والوخامة.» ~~••• # وذكروا أمامه أن القوة أو السلطة مفسدة لأصحابها، فقال: ماذا نتوقع إذا كنا من الحماقة ~~بحيث نضع السلطة بين أيدي الحمقى؟ إن السلطة على كل حال لا تفسد الناس، ولكن الحمقى من ~~الناس إذا ملكوا السلطة أفسدوها. وهذا ما حدث مع هتلر والبلاد الألمانية، وهذه هي صناعة ~~اللعب بامتطاء السلطة ... ولقد عرفت جيدا تلك القسوة التي يصبها أولئك الآلهة من القصدير على ~~الوادعين والحالمين، ولكنني عرفت كذلك جيدا تلك الأرواح العظيمة التي تزداد على القوة ~~عذوبة وبساطة، وتتلقى الشبهات والمفتريات وتظل بعد ذلك على عصمتها من الفساد. ~~••• # وقال عن أهل الصين إنه يحسبهم مستطيعين أن يحاربوا أبدا ولا يفقدوا ما جبلوا عليه ms46 من ~~روح الفكاهة. ثم قال إن عبادات الصين تحف بها السكينة؛ لأن المعيشة هناك محورها السن لا ~~الشباب، ولست أخالف القائلين إن اليونان هم المسئولون عن هذه العبادة للشبيبة. وقد حاولها ~~هتلر ... وها أنت ذا ترى مصير قومه، ونحن في الغرب نخجل من التقدم في العمر، أما الشرقي فإنه ~~يقول لك إذا أراد أن يسترضيك إنك تبدو أكبر من عمرك. وحذار - بعد - أن تهرف بهذا في ~~محضر سيدة من سيداتنا؛ فقد ترى قبل أن تشعر أن سقف الدار منطبق على أذنيك. # وأخرج يوما لجليسين معه وثيقة طويلة مرقومة رقما حسنا بالآلة الكاتبة، وطلب إليهما أن ~~يوقعاها، وقال لهما: إنها وصيته المعدلة. # فسألاه: ألم نوقعها من قبل؟ # فقال لهما: ولا يبعد أن تعودا بعد توقيع هذه إلى توقيعها مرة أخرى. فإنها لتسلية ظريفة أن ~~تحتجن قسطا وافرا من المال وتلهو بإلقائه عنك هكذا بين حين وحين، وقد جاءني بعضهم ~~ذات يوم واقترح علي أن أهبها كلها للفنانين، إلا أن المرء إذا لم يكن قد تعود حيازة ~~المال خليق أن يضيعه. وقد كان شلي يحسن التصرف؛ لأنه تعود حيازة المال، أما والتر سكوت ~~ودستيفسكي فقد بددا ما كسبا وآل بهما الأمر ألا يكتبا إلا وعلى الباب غريم يلحف في ~~المقاضاة. وسأوصي بمالي لهيئات منتظمة لا لآحاد متفرقين. إن أمي قد تنغصت حياتها؛ لأنها ~~كانت تترقب أن يترك لها الميراث، فلما لم يترك لها شقينا بذلك أجمعين. ~~••• # ومن كلامه عن الأحاديث الصحفية: إن أناسا عديدين يتحدثون إلي خمس دقائق ويقصون سائر ~~أيامهم بعدها، وهم يثلبونني وينعون علي. قال: «ولا شيء يثيرني كما يثيرني كما يثيرني ~~الثناء علي لصفات أزدريها، وإن كنت لا أبالي أن يزدريني من شاء لتلك الصفات التي أنفقت ~~السنين بعد السنين في تكوينها واكتسابها. وقد عولت في المستقبل على أن أطلب من كل صحفي أن ~~يطلعني على نص الحديث معي قبل أن آذن له بالمحادثة!» # وكان قد قال قبل ذلك: إن صحفيا جاءني ذات يوم فبلغ من ضعفي أن آذن ms47 له بمحادثتي، فإذا ~~هو قد أتم شغلة الحديث وحده ولم يترك لي لحظة أقول فيها كلمة واحدة، فلما انصرف سمحت له ~~بنشر الحديث على شرط، وهو أن يكتفي بما قلت ويحذف كل ما قال! ~~••• # ولقيه أسير ألماني فأعرب له عن إعجابه وتمنيه أن يلقاه من قبل أن ينظر إليه بعيني رأسه، ~~وقال له: إنه ساعة لمحه من بعيد قال لرفاقه: إن جيتي شاعرنا قد قال عن نفسه إنه طفل العالم، ~~ولكن برنارد شو خليق أن يسمى «شيخ العالم». # قال شو: إن إنجليزيتك جيدة؛ لأنك - كسائر أبناء القارة - قد اطلعت على الجميل من ~~آدابنا، والإنجليزي إذا تكلم عن الأدب الألماني أحضر في خاطره جيتي وهيني، ولكنه إذا تكلم ~~عن الأدب الإنجليزي فالذي يعنيه هو تلك الشرطيات والمقاتل التي يتسلى بها حين يذهب إلى ~~فراشه. ~~••• # وزار يوما جيرانه فقدموا له كوبا من عصير التفاح، فاعتذر قائلا إنه لا يأكل ولا يشرب ~~شيئا بين وجبة الغداء (الساعة الأولى والدقيقة الخامسة عشرة) ووجبة العشاء (منتصف ~~الثامنة). ثم أضاف قائلا: وعدا هذا أرى أن الأكل يقتضب حفاوة اللقاء؛ فإن الإنسان لا ~~يتكلم وهو يأكل! # ثم استعاد ذكرى رحلته الإيطالية واندفع يغني، ورأسه إلى الوراء ويده تضبط النغمة، وعند ~~الساعة السادسة إلا عشر دقائق تماما امتدت يده إلى ساعته الذهبية الكبيرة، فأخرجها ونظر ~~فيها، وهم واقفا وهو يقول: لا مؤاخذة، لا بد أن أعود الساعة إلى امرأتي، فمن عادتنا أن ~~نسمع معا أخبار الساعة السادسة. ~~••• # وتحدث قس القرية التي يعيش فيها إلى بعض جيرانه فقال له الجار: إنك لم تنجح قط في ~~إقناعه بزيارة الكنيسة على ما أرى. # قال القس: إنه حضر مدرسة الأحد ذات مرة، ولست أنسى أسلوبه في خطابه لأطفال القرية ~~المساكين، مستغرقا في «الاقتصاديات» والحيويات وما يسميه بقوة الحياة! وكان الأطفال يصغون ~~إصغاءهم الذي لا يحسنه غيرهم. # قال الجار: أحسبهم كانوا مبتهجين لعلمهم بمن يخاطبهم. # قال القس: إنهم لم يعرفوا عنه شيئا قط، وكل ما عرفوه أنه رجل غني صاحب سيارة، ~~واعتبروها حسنة ms48 منه - وهو القادر على الخطابة في «ألبرت هول» - أن يتنزل إلى الكلام مع بضعة ~~أطفال مثلهم ليقول لهم إن الدنيا أكبر من قريتهم الصغيرة، وإنهم إذا أحبوا أن يزدادوا علما ~~بها فعليهم أن يقرءوا كتبا شتى من قبيل رحلة ~~الحاج Pilgrim’s Progress ~~، ثم قرأ لهم صفحة وداعبهم فأضحكهم؛ لأنه كما تعلم ممثل مطبوع ولد ~~للتمثيل! # ومضى القس يقول: وإنني لأستعيد ذلك اليوم فأذكر أنه لم يسألني قط عن نفسي، كأنه يشعر ~~بأن أخوتي له أمر مفروغ منه، ولما عاد بعد ذلك كانت معه نخبة من النبات النادر، فقال ~~إن زوجته كانت تحضرها بنفسها لو أنها عائشة، وقد كان من عادته أن يزور قبرها كل يوم، فيضع ~~عليه نثارة من الزهر البسيط، وينثني راضيا. # ووصل إليه خطاب من ناظر مدرسة يستأذنه في اختصار روايته «جان دارك» لقراءة التلاميذ، ~~فأخبر أصحابه أنه كتب إليه يقول: إنه لا يذكر في الرواية كلمة زائدة، وإن الأطفال إذا كانت ~~قراءة كتبي بعد نضجهم ميسورة لهم، فالخير أن تبقى هذه الكتب بعيدا من المدرسة. # إن شكسبير - كما قلت للناظر - قد مسخوه بتحويله إلى موضوع من الموضوعات المدرسية، والدنيا ~~لا ترضى أن تحطم عبقرياتها، فإن العبقرية لا تخلق كل يوم. وما قضت ثلاثمائة سنة في تكوينه ~~- يعني المدة بين شكسبير وبينه - يستطيع ناظر المدرسة أن يفسده في يوم واحد. # فعارضه جاره وقال إنه على نقيض رأيه يعتقد أن شكسبير قد عاش لاحتضانه في المدارس. # فابتدره «شو» مؤكدا أنه بقي في هذه الأيام؛ لأنه هو قد أنحى عليه. # فعاد صاحبه يقول: حسن، ولكنهم يجعلون اليوم رواياتك موضوعا للأسئلة في الامتحانات. # عائد في موعد الغداء. # قال: لا أبالي أن يفعلوا ما دام نظار المدارس لا يطبعونها مذيلة بالتعليقات والشروح، ~~وأنا نفسي لم أنجح قط في امتحان ... وأحسبني أرسب إذا كانت الأسئلة من رواياتي! # ثم عقب مستفسرا: وبعد، فما هو نموذج الأسئلة التي يسألونها عن مؤلفاتي؟ # قال صاحبه: قد يسألون مثلا هل كان «وب» أو «ولز» هو الذي ألف المسرحيات ms49 «الشوئية» ~~...؟ # فضحك «شو» وأجاب: لعل وب كتبها؛ لأنه صاحب ذوق حسن في التسلية والفكاهة، ولعل ولز هو كاتب ~~المقدمات ... وإلا فكيف يتسنى لرجل لم يتعلم قط مثل شو أن يكتب حرفا. # وعرض الحديث لشكسبير في سياق الكلام عن التمثيل، وكان محدثه يزعم له أنه ممثل بارع، ~~وأنه لو اشتغل بفن التمثيل لغطى على هنري أرفنج بلا مراء، فقال شو: إن الرجل صاحب القريحة ~~يأتي منه ممثل ردئ، وإنني - لسوء الحظ - قد رزقت دماغا من أدمغة القرائح، وإلا لصلحت كما ~~صلح شكسبير للعمل في فرقة جوالة. وفي جانبي مزية أخرى هي أنني على استعداد للعمل ~~المشترك مع غيري، وقد كنت على الدوام قاصر الحيلة في الاقتحام والمعارك، إلا أنني - لو أبيح ~~لي - قادر على تنقيح متن الرواية التي قد أمثلها، كما صنعت برواية سمبلين. # قال محدثه: إنني ليدهشني أن تبيح لنفسك تنقيح شكسبير وأنت لا تبيح لمخرج أفلامك أن يبدل ~~كلمة واحدة من كلماتك. # فأجاب «شو»: هات لي امرأ أعظم من شو وأنا أبيح له أن يبدل كلامي حتى لا أميزه إذا ~~قرأته! ~~••• # واستدعى الطبيب - وهو في المدينة - لشعوره بتعب يلزمه الفراش، فصعد الطبيب الدرج على ~~قدميه لعطل أصاب المصعد قبل دعوته، وجلس وهو يلهث ويوشك أن يتداعى في مجلسه، فوثب شو من ~~فراشه وناول الطبيب قرصا من الدواء يزيل التعب، وقال له: إنه يريحك على الأثر، بيد أن ~~الآفة كلها معك هي فرط التغذية، فجرب أن تمسك عن لحم الجزار واكتف بالخضر والفاكهة، ~~وأنت ترى أن عمري ضعف عمرك ولا أزال أنشط منك مائة مرة ... ألم تلحظ كيف وثبت من الفراش في ~~سهولة وخفة؟ فوافقه الطبيب وأثنى على خفته ونشاطه. # فسأله شو: أترقص؟ قال الطبيب: لا. فأدار شو قرصا موسيقيا وطفق يرقص على نغماته، وعاد ~~ينصح الطبيب أن يرقص كل يوم ربع ساعة على الأقل، فإذا هو مثله في النحافة والخفة. وأضاف ~~قائلا: إنكم معشر الأطباء تنصحون المرضى بما لا يوافقهم؛ تقولون لساعي البريد «امش»، وهو ~~يستنفد قواه سعيا على ms50 قدميه، وتقولون لي «لا تكتب» وأنا بالكتابة أحفظ قواي، ولو انقطعت عن ~~الكتابة كل صباح لتساقطت كسفا ... والآن وقد أعطيتك مشورة خبير فهات الشلنات الخمسة ~~المقررة للعيادة. # فابتسم الطبيب وطالبه بجنيهين. قال شو: ويحك! ولم؟ قال الطبيب: لأنني نجحت بالحيلة في ~~علاجك؛ فإنني حين ادعيت التعب والإعياء أنسيتك تعبك وإعياءك وجعلتك تثب وترقص ~~وتريني أنك ناشط وأنك خفيف. # فضحك شو، واعترف بغلبة الطبيب الباقعة له في ميدانه. ~~••• # وحدثوه عن رسم العرايا فأنكره وقال: لعمري ماذا يتعلمون من هذه التجربة؟ إن الحياة لا ~~تفشي أسرارها بدريهمات في الساعة يدفعونها لهذه المخلوقات التي ليس لها حياة. # وقال ذلك لأنهم يطلقون على حجرة الرسم العاري عنوان «حجرة الحياة». # وحدثوه عن حرق الموتى فاستصوبه؛ لأن مصير القبور جميعا مع الزمن إلى الإهمال ~~والاندثار. ~~••• # وقد تتناول أحاديثه أعماق الفلسفة فلا يحجم عن الإجابة لتوه في معضلة من معضلاتها، قال ~~عن الحقيقة في رأي الفلاسفة: «إنني ألقي من يدي بكل كتاب يفتتحه مؤلفه بالسؤال عن الحقيقة، ~~موقنا أنه لا يعرفها وأنني لن أعرفها ولو أتيت على كتب الفلاسفة بأجمعها. إن الفيلسوف ~~ورجل الواقع المحسوس قد يتفقان على بضعة أمور حقيقية، ويفسرها كل منهما تفسيرا يناقض ~~تفسير صاحبه. ومن عادة الفيلسوف أن يجعل الحقيقة والظاهر ضدين؛ حيث يعتقد رجل الواقع أن ~~الظاهر هو الحقيقة، وأن الأمور التي لا ظاهر لها نصيبها من الصحة والثبوت أقل من نصيب هذه ~~المحسوسات.» # وأبدى له جليسه رأيا في المصاعب وأثرها في الارتفاع بمن يذللونها ويتغلبون عليها، وأنه ~~هو قد تسنم الذروة في عالم الأدب والشهرة لما تمرس به من المصاعب أيام الشباب. # فقال شو: «لغو وهذر. إن أصعب المصاعب التي عانيتها هي الفاقة، فلما «اقترنت» بالغنى ~~تيسر لي أن أستقر وأن أكتب المسرحيات التي لا تصلح للتمثيل كالعودة إلى متوشالح. وإن ~~غاية الفنان لهي بلوغ ما لا يدرك، ولن يتاح لك أن تبلغ ما لا يدرك إلا إذا لم تكن ~~مضطرا إلى شق الطريق بكفيك.» # ثم استطرد فقال: «هناك أناس على ms51 الدوام يرتضون أن يتحملوا الأذى في سبيلك، هؤلاء لا ~~ينجحون أبدا ولا يزال «الضحية» منهم عبئا وتبعة وملامة لا تجد من يقبلها، وينتهي الأمر ~~بالضحية أن يتعزى بفشله، بينما يمضي خادم نفسه قدما إلى النجاح.» ~~••• # ومن أواخر أحاديثه أيام الحرب أنه أشار إلى الألمان، فقال: إنهم فقدوا فطنتهم التي ~~امتازوا بها، وظنوا أنهم يخرجوننا بالرعب عن صوابنا، فإذا بهم قد ردونا بالرعب إلى ~~الصواب. ~~••• # هذه الخواطر السريعة مثال لتفكيره كله في كتبه ورواياته وخطبه، وليست مقصورة على أحاديثه ~~في المجالس دون غيرها. # فهو فيما يخط بالقلم أو ينطق باللسان لا يتلعثم ولا يتردد، بل يجيب عن سؤال السائل بما ~~يعن له، أيا كان السؤال وأيا كان الجواب. # وأنفع ما تكون هذه الخصلة له حين يريد التخلص في مآزق من الخطابة أو المساجلة، ومثلها كما ~~رأينا مآزق الكتابة. # كان يخطب في ناد حافل فقاطعه مخالف محنق، واختطف الكلام من فمه ومضى يتكلم كأنه هو خطيب ~~النادي. # فقال له شو كأنه يعتذر: إذا سمح لي السيد بمقاطعته ... # وقبل أن يتم جملته كان السامعون قد أغرقوا الفضولي المقاطع بالضحك، فأسكتوه. واستأنف ~~شو كلامه غير مقاطع ولا معترض عليه. # واقترحت عليه فنانة أن يتزوج بها عسى أن يرزقا طفلا له رأس أبيه ووجه أمه، فكان جوابه ~~أنه يرحب بالمقترح الجميل لولا خوفه من مكائد الوراثة؛ فقد يأتي الطفل وله رأس أمه ووجه ~~أبيه. # وهذه النكتة الحاضرة يقولها ويجيب بها على الرسائل، ويكتبها في المؤلفات، فهو متحدث ~~بالقلم وكاتب باللسان، وأسلوبه فيهما أسلوب «النكتة» التي يفهم منها السامع معنى مرادا، ~~ويعفيها من الإلحاف في النقد والتحليل. # | وسائل السوبرمان # إلى هنا نتبين أن مناهج الفلسفة الشوئية تدور كلها على محور واحد، وهو عقيدته في التطور ~~الخلاق، وترمي كلها إلى غاية واحدة وهي خلق السوبرمان. # ولما كان سوبرمان شو مزيجا من المثل الأعلى والبنية البيولوجية، فوسائله قائمة بيننا في ~~عناصر الحياة الإنسانية، وهي موزعة بين المرأة والبطل العبقري، ولا سيما العبقري ~~الفنان. # فالمرأة في فلسفة شو هي ms52 الأداة الكبرى للتطور الخلاق، وهي القوة الأصيلة في مهمة حفظ ~~النوع وبلوغ غاياته، وهي قوة دءوب ملحاح تعمل عمل المسخر الذي لا ينصرف عن وجهته، ولا تني ~~ولا تكل ولا تحجم عن مشقة في سبيل هذه الوجهة التي تنقاد إليها عمياء كأنها لا ترى شيئا ~~دونها، بصيرة كأنها تراها دون غيرها. # أما الرجل فهو وسيلة عرضية في مهمة «الخلق»، وهو أشبه بالطريدة التي تصطاد منه بالصائد ~~الذي ينصب الفخاخ، وقد أراحته مهمة الخلق من عنائها فانطلق في طلب البأس والمعرفة والثروة ~~والسلطان، وتنوعت همومه وأطماعه ومزاياه، فأتاحت للمرأة أن تختار منها ما يعينها على ~~مهمتها، وهي كما تقدم مهمة التطور الخلاق. # ويولد البطل ما بين هذا التطور وهذا السباق. # ويولد العبقري الفنان كذلك، ولكنه كالفلتة التي تنبت على غير قصد في فرع من فروع شجرة ~~الحياة، ثم تصبح الفلتة مثلا يحتذى وقالبا يصب فيه الأنداء والنظراء. # والبطل والعبقري يتشابهان في التفدية بكل شيء في سبيل الغاية التي يقصدان إليها، أو ~~ينساقان إليها على غير قصد منهما، والناس ينساقون معهما ولو أهلكتهم مطامع البطولة ومطالب ~~العبقرية. # وفي رواية «العودة إلى متوشالح» يجري الحوار بين نابليون وكاهنة الوحي على هذا ~~المنوال: # نابليون ~~: # إن العلو يفرض نفسه يا سيدتي. بيد أنني حين أقول إنني أملك هذه المزية لا ~~أصيب العبارة كل الصواب، فالحق أن طبائعي ومواهبي تملكها؛ إنها العبقرية، إنها هي ~~التي تدفعني إلى تجربتها وإنجازها، ولا مناص لي من التجربة والإنجاز، وإنني لعظيم ~~حين أجربها وأدأب على إنجازها، أما في غير ذلك المسعى فلست بشيء. # كاهنة الوحي ~~: # حسن، فجربها وأنجزها إذن. أتحتاج إلي وحي لتجربتها وإنجازها؟ # نابليون ~~: # مهلا! فهذه المزية تستلزم سفك الدم البشري. # كاهنة الوحي ~~: # أأنت إذن جراح؟ أأنت إذن طبيب أسنان؟ # نابليون ~~: # مه يا سيدتي! إنك لا تقدرينني. إنني أعني سفك بحار من الدماء، وموت ملايين من ~~بني الإنسان. # كاهنة الوحي ~~: # إنهم لا يسمحون لك بهذا على ما أحسب. # نابليون ~~: # كلا، بل هم يعبدونني. # والعبقري كالبطل النابغ «يقدم على الصلب ms53 ويتضور جوعا إذا اقتضى الأمر فوق سطوح ~~المنازل، ويدرس النساء ويعيش على كدهن ... وينهك أعصابه حتى ترث كالخرقة البالية بغير ~~جزاء. إيثاري نبيل في نسيان نفسه، أناني شنيع في قلة مبالاته بغيره، وهنا تلقى المرأة ~~مأربا مثل مأربها في العنف والتجرد عن اللبانة الشخصية، وإنه لصدام فاجع في كثير من ~~الأحيان». # وكلا البطل والعبقري معذور في عنفه وإصراره وانطلاقه إلى الغاية التي لا محيد عنها؛ ~~لأنهما يطلبان ما ينفع الحياة والأحياء، ولا ينفعهما إلا بمقدار ما يحققان من تلك المنفعة ~~الباقية. # غير أن البطل والعبقري قد يتفاوتان في هذه الخصلة، فإن البطل قد ينحرف عن الجادة الكبرى ~~مرضاة لكبريائه وسلطانه، ولا يكترث العبقري لجاه أو سلطان إذا حادا به عن غايته، وهي خلق ~~الأمثلة الجديدة والقيم البديعة في أحلام الناس ثم في واقع الحياة. # يصلح شاربه في المرآة. # وهذه القدرة على خلق الأمثلة الجديدة هي ذريعة التقدم إلى السوبرمان، فإن شو يعتقد أن ~~«خلائق الفن» هي القدوة التي تقتدي بها الطبيعة في محاولاتها، ولولا نماذج الجمال ونماذج ~~العظمة التي تتمخض عنها العبقرية، لما ظهرت في الطبيعة هذه الأنماط التي تحكيها وتنمو على ~~غرارها. # ثم يأتي السوبرمان. # وهو إنسان حي ذو بنية جسدية صحيحة وطاقة عقلية خارقة، إنسان أعلى يترقى إليه هذا الإنسان ~~الأدنى، بعد جهد طويل تشترك فيه الأنوثة والبطولة والعبقرية الفنية. # وهو كما أسلفنا بنية بيولوجية، يطول عمره حتى ينيف على ثلاثمائة سنة، ويستطيع أن ينتفع ~~بما استجمعه من أطوار العصور وما استجمعه من أطوار حياته الطويلة، فلا تكون الفاجعة في ~~حياته أنه يموت ساعة نضجه كما يموت العباقرة والأبطال في طور الحياة الذي نحن فيه، فلا ~~ينتفع بتجاربه ولا ينفع بها الناس. # ويحسب «شو» أن الإنسان كان عسيا أن ينجب السوبرمان وشيكا، لولا أنه يقيم العراقيل في ~~طريقه بيديه، كلما غلبته صغائره فألهته عن غايات الكون العظيم. # ويلوح لنا أن سوبرمان شو ليس بالمستحيل، وأن دعوته إليه لا تخلو من حقيقة ثابتة، وهي أن ~~النوع الإنساني يعظم كلما ms54 وسع الإنسان آفاق وجوده، ويصغر ويضمحل كلما انحصر في وجوده ~~المحدود. # | أقوال الناس فيه وأقواله في الناس # إننا نعرف الرجل من أقوال الناس فيه. # ولكننا نعرفه أكثر من ذلك من أقواله هو في الناس. # لأن الناس قد يغبنونه بعض حقه، وقد يعطونه فوق حقه، وقد يختلفون - بل لا بد أن يختلفوا - ~~في النظر إليه. # أما أقواله في الناس فلن تظلمه شيئا في الإبانة عن مبلغ فهمه، وطوية نفسه، وطبيعة خلقه، ~~ومقياسه الذي يقيس به الرجال والأعمال من وحي تفكيره وشعوره وخلجات ضميره. # وفيما يلي طائفة من أقوال المشهورين في برنارد شو ومن أقواله هو في المشهورين، أوردناها ~~لإتمام التعريف به من حكم الناس عليه وحكمه هو على الناس، وتوخينا فيها أن نعدد وجهات ~~النظر بتعديد الناقدين والمنقودين في جوانب العلم والعمل ومناهج التفكير. ~~••• # فالعالم أينشتاين يقول له مهنئا في عامه التسعين: «إنك قد أدركت حب الناس وإعجابهم المرح ~~بك من طريق قادت الآخرين إلى الاستشهاد، ولم تعظ الناس بمواعظ الأخلاق وكفى، بل اجترأت ~~على السخرية من أشياء يحسبها غيرك فوق أن تنال. وما من أحد يقدر على عمل كعملك غير الفنان ~~المولود لفنه، وقد فتحت صندوق لعبك فأخرجت منه دمى لا عداد لها، تماثل الناس ولكنها مع هذه ~~المماثلة ليست من لحم ودم، بل من روح وجمال، وهي في ناحية من النواحي الأخرى أصدق منا ~~تمثيلا للرجال والنساء، حتى لتجعلنا ننسى أنها لم تكن من خلقة الطبيعة، بل من خلقة برنارد ~~شو.» # وقال شرشل السياسي المشهور: «أخذت أولادي يوما لنشهد تمثيل ماجور بربارا، ومضت عشرون سنة ~~منذ شهدناها، وهي أفظع عشرين سنة شهدتها الدنيا. # تغير فيها على وجه التقريب كل نظام إنساني على أحسم ما يكون التغير، وزالت معالم ~~القرون، وبدل العلم أحوال حياتنا ومظاهر المدينة والقرية، وجرت في ركب هذه الفترة ~~المرهوبة أمور جسام من التطور الاجتماعي الصامت، والانقلاب السياسي العنيف، والاتساع في أسس ~~المجتمع، والإنطلاق الذي لا حد له من الضوابط والتقاليد، والتشكيل الجديد للآراء القومية ~~والآراء الفردية، ms55 إلا أن الرواية لم تكن فيها شخصية واحدة تحتاج إلى تصويرها من جديد، وليس ~~فيها كلمة واحدة أو إشارة واحدة يقال عنها إنها قد فات أوانها، وقد دهش أولادي حين علموا ~~أنها قد كتبت قبل ميلادهم بأكثر من خمس سنوات.» # وقال الروائي بريستلي: «إنه في الواقع رجل من أندر ذوي الحس والفطنة في زماننا هذا وفي كل ~~زمان، وهو كذلك مخلوق نبيل، واسع الأفق، كريم النحيزة، موفور الشرف والكرامة. وكل ما عرف ~~به من قوة النقد الهادم وسخرية اللذع والتبكيت لم ينخ به قط على آحاد من الناس؛ لأنه ~~لا يكن لآحاد الناس غير اللطف والمودة، بل هو قد أنحى به على الأنظمة والعادات والنماذج ~~ومذاهب الرأي والشعور، وما كانت شدته إلا مظهرا من مظاهر العلنية العامة. # أما في الحياة الخاصة فهو على حصافته لطيف ودود، وهو بالإيجاز رجل جدير بالحب إلى الحد ~~الأقصى. وإذا كنا نراه على شبه بالأنبياء الأقدمين وكان مثلهم يعيش على الجراد (الخضر) ~~والعسل البري، فقد رأينا المظاهر مرة غير خادعة ولا مرائية؛ إذ هو نبي من الطراز ~~القديم.» # وقال بريستلي أيضا: «كان شو ناقدا فنيا، ومن خيرة الناقدين الذين عرفوا على ~~الإطلاق، خلال عهد لم تكن فيه المسرحيات غير مهزلة صغيرة، أو بقية سخيفة من بقايا المجازات ~~و(الأحلاميات). فرأى من النظرة الأولى أنه قادر على ما هو أفضل جدا من هذا الهراء، ومضى ~~يعمله، فأفلح في عمله، كما نعلم لفرط سرورنا وارتياحنا، ولم يغير قالب الدرام كما صنع ~~شيخوف، بل غير لبابه ومحتواه. # فكانت النتيجة حيرة للنقاد المعاصرين ونظارة التمثيل، وهي الحيرة التي تفسر لنا انتظاره ~~الطويل للفوز في ميدان المسرح، إلا أنه حين أقبل وقت التقدير والاعتراف سحر الملايين بهذه ~~المسرحيات ذات الحوار والمناظرة، وإنه لسحر سيظل باقيا بعد عصرنا هذا بزمن طويل.» # وقال عنه روائي آخر هو كمبتون ماكنزي: «أدع لغيري أن يؤدوا فروض التحية للكاتب صاحب ~~الأسلوب الذي لم نعرف نظيره في السلاسة بعد أسلوب (سويفت) وللناقد الموسيقي والفيلسوف ~~الاجتماعي، وحسبي أن ms56 أؤدي التحية للبداهة السليمة التي لم تخفق قط - منذ عرفت البداهة ~~السليمة - في تقرير وجودها والإعراب عن نفسها ... # وما من مؤلف هو أحق بالغبطة من المؤلف الذي يطول به العمر حتى يرى ما كان محسوبا من ~~الشطط المغرب في شبابه، أو محسوبا من النقائص في رجولته، قد أصبح محسوبا من البداهة ~~السليمة، بل من الحقائق المفروغ منها في الجيل الذي تلاه، وإن برنارد شو لجدير بالغبطة، فما ~~اتفق قط أن مؤلفا ظفر بمثل ما ظفر به بين الشباب من طول التوقير والإعجاب.» # وقال العالم الأديب جلبرت موري: «يذكرني شو أحيانا بالمثل الأعلى - في عرف أبيقور - ~~للرجل الحكيم، وهو الرجل الذي يستطيع أن يشعر بالسعادة وهو على آلة العذاب؛ لأن روحه تنعم ~~بحياة الفكر والتأمل، وقلما يزعجها الجسد بما يلقاه من برحاء الألم والتعذيب. اتفق له في ~~(هندهيد) حادث أليم تركه وهو أمشاج من الرضوض وفيه رسغ مكسور، ولا شك أنه كان في ألم واصب ~~لا يطاق. # وذهبت أعوده، فقيل لي إنه قد وضع على أرجوحة الحديقة، فبينا أنا أبحث عنه إذ سمعت ~~قهقهة من وراء أجمة، وإذا بشو هناك ملفوفا في الضمادات، إلا أنه مستغرق في الكتابة ويضحك ~~مما يكتب. ولم يكن رسغه الأيمن لحسن الحظ هو المصاب، فكأن فرط الحياة في نشاطه الذهني قد ~~جعله يحيا أبدا على قدم السرعة الفائقة، طلقا غير حافل بالمنغصات والمنافسات والمعارك ~~التي تضني كثيرا من الكتاب. ولقد خاض معارك شتى في سبيل القضايا التي لا علاقة لها في ~~الأعم الأغلب بالشئون الشخصية، فخاضها مرحا غير واهن ولا وان، ولم يكن في جميعها متحرجا ~~من الإجحاف، كما يقول: من أنا حتى أستحق أن أكون عادلا؟ ... على أنه - مع ما وهبه من القدرة ~~على السخر والهجاء - لم أسمع منه قط كلمة تشف عن الحقد، أو تنم على كراهية ينطوي ~~عليها بعد المعركة لمن حاربوه. وقد قيل إنه لم يصادق أحدا إلا أن يكون قادرا على الضحك ~~منه، وقد أصابوه، ولكنه ضحك لا ضغن فيه.» # وقال ms57 ناقد صحيفة الإذاعة ~~“The Radio Times” ~~: «إنه - عدا ~~نجاحه في مختلف الميادين - صاحب صوت من أحسن أصوات المذياع وقعا في الأسماع.» # وقال ييتس ~~“Yeats” # الشاعر الأيرلندي : «إنه أحد أبناء ~~النور الذين نشئوا بين أبناء الدنيا. إنه ينطق بلغتهم ويفكر مثلهم، ولكنه مأخوذ بطبيعة ~~أرفع وأسمى.» # وقال عنه السياسي لورد بلدوين: «إنه ساحر غاية السحر مع جليس واحد، قلق مع جليسين، ويقف ~~على رأسه مع أربعة جلساء!» # وقال ماسفيلد الشاعر يحييه في عامه التسعين من قصيدة شعرية: «أيتها الرءوس النيرة على هذا ~~الكوكب كرميه وهو بقيد الحياة، وليأت ولاة الفن الجميل بعد قرون فليأمروا له بالنصب ~~والتماثيل، وحسبنا من الوفاء أن نسمي مجده - وهو بيننا - باسم العظيم.» # وروى مترجمه بيرسون عن سيدة من مضيفاته قالت: إنك تدعوه إلى بيتك، وتحسب أنه سيمتع ضيوفك ~~ببراعة حديثه، وقبل أن تشعر بنفسك ترى أنه قد اختار مدرسة لولدك، وأملي عليك وصيتك، ونظم ~~لك وجبات طعامك، واتخذ لنفسه وظائف وكيل أشغالك، وصاحب دكانك، وقسيسك، وطبيبك، وخائط ~~ملابسك، وحلاقك، وناظر ضيعتك. فإذا فرغ من هذا التفت إلى الصغار فحرضهم على الثورة والتمرد، ~~ثم ينصرف حين لا يجد أمامه ما يعمله أو يقوله، وينساك كل النسيان. # ومن طريف المناوشات بينه وبين أناطول فرانس أنه قال له بالفرنسية عند أول لقاء: أنا أيضا ~~عبقري مثلك ... فقال له فرانس: حسن، حسن. إنه لمن حق المرأة اللعوب أن تقول عن نفسها إنها ~~تاجرة سرور! # فلم يغضب شو. وعاد فرانس فقال لصحبه: «إنه لظرف من الفتى ومهارة، فإنه لم يعلن لي عبقريته ~~بهذه الكلمات وكفى، بل هو قد منحني الثقة بعبقريتي كذاك.» ~~••• # أما أقواله هو في الناس فالغالب عليها أنها ميزان دقيق لأقدار الناس وملكاتهم، ولكن على ~~شريطة واحدة، وهي أن نحسب حسابا لصنجتين موضوعتين في الميزان على الدوام، وهما صنجة ~~المبالغة التي يحق لنا أن نسميها صنجة القافية - إذا كانت القافية لا تعذر. # يعزف لزوجته قبل أن تنام. # والأخرى صنجة الشطط في ادعاءاته لنفسه، فهو تارة قد أنقذ شكسبير من ms58 الخمول بالحملة عليه، ~~وهو تارة قد دفن ماكس نورداو بعد أن قضى عليه بضربة واحدة، وهو في كل على حال على وزن ~~أفعل التفضيل أو أفعل التفضيل مع الألف واللام. # ولا بد أن نلاحظ في هذا الشطط أمرين: أحدهما أنه في الواقع ثورة على عرف الرياء في ~~زمنه، أو ثورة على التواضع الكاذب الذي تواضع عليه المقلدون الاجتماعيون في جميع الأزمان، ~~وإيمان بأن رأي المرء في نفسه غير مستثنى من الصراحة الواجبة في جميع الآراء، وبخاصة حين ~~يعم الإنكار المغرض لأقدار ذوي الأقدار. # والأمر الآخر الذي يلاحظ على شططه في ادعاءاته لنفسه أن الناس يتقبلون تلك الادعاءات ~~وعلى شفاهم ابتسامة وفي نفوسهم مسامحة وهوادة، كأنهم يستمعون إلى شيطنة طفل محبوب، أو إلى ~~غرور شيخ طيب لا ضرر من مجاراته وتقبل غرائبه وبدواته، فهي عندهم أقرب إلى المزاح المحتمل ~~منها إلى الجد المستنكر، ولا بأس من النظر إلى الميزان بعد إسقاط هذه «الصنجة» من الحساب، ~~فإن وزنه بعد ذلك صحيح مفيد. ~~••• # قال عن غاندي في مناسبات عدة: إنه من العظماء الذين لا يجود التاريخ بأمثالهم إلا مرة في ~~كل ألف سنة. # وقال عن ستالين: «إنهم يصورون ستالين دائما في صورة طاغية عبوس بليد، وأؤكد لك أننا ~~وشيكون أن نعرفه على حقيقته، وحقيقته أنه سياسي على خبرة فذة، وأهم من ذلك أنني وجدت عنده ~~حاسة فكاهية، وقد تعلم أن هتلر لم تكن عنده هذه الحاسة، وقد فاجأني من ستالين أنني لمحت له ~~ابتسامة عجيبة، على شبه من ابتسامتي ...!» # وذكر ستالين مرة أخرى في صدد الكلام على لورنس المشهور في القضية العربية، فقال: «إن ~~لورنس بلاد العرب وقد عرفته معرفة جيدة؛ كان يؤثر عن عمد أن يظل منزويا في أقل المراتب ~~العسكرية، ويأبى أن تصدر عنه الأوامر ويسجل نفسه في قيد الأميين، وما كان يفعل ذلك لتواضع ~~أو حياء أو تضحية، بل لاعتقاده أنه أقوى حيث هو من مكانه في وظيفتة الضابط أو القائد، وهي ~~مفتوحة له على السواء. وقد سبقه ستالين في ms59 هذا المضمار؛ إذ ارتفع من حضيض المجتمع إلى قمة ~~السيطرة السياسية في روسيا دون أن يلحق باسمه لقبا من ألقاب السيطرة، ولو لقب وزير. ولم ~~يعدل عن هذه الخطة إلا في آخر الأمر يوم اضطرته الحال إلى توقيع المعاهدات وتدبير الحركات ~~الحربية مع حلفائه الغربيين، فاتخذ لنفسه لقب رئيس وزراة ولقب قائد القواد.» # وقال عن كارل ماركس وداروين: لقد كانت في ماركس تلك الصفات التي لم تكن في داروين، وهي ~~اللدد ولطف الملكة الأدبية المعهودة في أبناء جلدته اليهودية، وقوى هائلة من قوى المقت ~~والكراهية والهجر والسخرية، وسائر خلائق المرارة التي خلفتها المقاومة والاضطهاد في طباع ~~عبقرية مدللة (كان ماركس طفلا مدللا في أسرة ميسرة)، لفرط التنافر بين هذه العبقرية ~~والبيئة التي نشأت فيها، ثم أعقبت تلك المرارة في سنواته الأخيرة مرارة النفي ~~والفاقة. # وقال عن أثر رجال الأفكار في رجال الأعمال: إن فولتير وديدرو وروسو جعلوا روبسبير ~~ونابليون ممكنين، ولاسال وماركس وإنجلز وريشارد فاجنر وستالين وأتاتورك بعدهم في حيز ~~الإمكان، وأن ولز وشو وألدوس هكسلي وجود يفتحون باب من الإمكان في إنجلترا لمن لا يدريه ~~إلا الشيطان، ولعله مخلوق لا يقبله أحد من هؤلاء الحكماء ... فلا غنى للديموقراطية من مستمعين ~~غير الساخطين في عالم الأدب، أو أن تعد نفسها لمواجهة القلق منهم جهد ما تستطيع. # وتكلم عن علاقة العبقرية بالخبرة العملية أو خبرة الشغل - مستشهدا بشكسبير - فقال: # إليك مثلا حالة شكسبير، لقد هجر المدرسة مبكرا ليساعد أباه، وكان متاجرا لا ~~بأس به من المتاجرين في ستراتفورد، ويبدو من سيرة شكسبير التالية أنه كان خليقا ~~بهذه الخبرة التجارية أن يربح في قريته ويعيش في رخاء، غير أنه انطلق مع رسالته ~~الأدبية ومهمته التاريخية، فبرح قريته وذهب إلى لندن - كما ذهبت - حيث تمكن من ~~توطيد مقامه على باب المسرح بتنظيم مواقف الجياد التي يمتطيها رواد المسرح من ~~الفرسان، وقد كان مارلو صاحب القلم القدير ملك الكتاب المسرحيين يومذاك، فلما قضى ~~نحبه أثبت شكسبير أنه لا يقدر على كتابة الروايات بالكيلة على ms60 نحو يضارع قدرة ~~مارلو في صناعة القلم وحسب، بل هو قادر على إيداعها نفحة المتعة والفطنة فوق ذلك، ~~فطفق يعيد تأليف الروايات القديمة و«يمسرح» الحكايات المهجورة، وبلغ من إتقانه ~~لصوغها أنه لم يحاول في عمره القصير (52 سنة) غير مرة واحدة أن يضع رواية من ~~مبتكراته. على أنه مع اعتباره التأليف حرفته الأولى لم ينس عادات (الشغل)، ولم ~~يزل يقرنها بعمله حتى استطاع في الأربعين أن يعود إلى ستراتفورد وهو الجنتلمان ~~وليام شكسبير صاحب الأرض المملوكة والدرع الضافية، بعد أن فارقها وهو الهارب ~~شاكزبر # Shaxper ~~، وأقام هنالك في أجمل بيت على ~~مشرع الطريق، وقد كان زملاؤه في كتابة المسرحيات فئة من أساتذة الجامعات لم تجبرهم ~~الضرورة على إتقان عاداته العملية، وأتقنوا بدلا منها تلك العادات التي لا جدوى ~~لها في (الشغل) كتسطير التوجيهات المسرحية بلسان اللاتين؛ فابتلوا بالفاقة وعاشوا ~~وماتوا - كما حدث لشاپمان أكبر منافسيه - عيشة ضنك ومتربة بالقياس إليه، ولو أن جون ~~شاكسبير تسنى له أن يعلم ولده في الجامعة لشقي وليام بذلك التعليم. # وقال عما استفاده من موليير وديكنز: «ألفيت أن الوسيلة المثلى لبلوغ التأثير الذي يصطبغ ~~بصبغة التجديد والابتكار أن أستحبي الأثر العتيق للخطب الطنانة المسهبة، وأن أتشبث بأسلوب ~~موليير، وأنتزع الشخصيات كما هي من صفحات شارلز ديكنز.» # وقال عن سياسة أبسن: «لما كانوا يلحون على هنريك أبسن أن يتصل بهذا الحزب أو ذاك من ~~الأحزاب السياسية، كان يقول إنني لا أنتمي إلى حزب من الأحزاب، فإنني أجمع في نفسي بين ~~اليمين واليسار، ويرضيني أن أشعر بآرائي المستحدثة وهي تمتزج بآراء الأحرار والاشتراكيين ~~والمحافظين ولا سيما العمال والنساء. إلا أنني لا أعنون نفسي بعنوان الحر أو المحافظ أو ~~الاشتراكي أو المطالب بحق الانتخاب للنساء، فالقواعد الحزبية ليست بالقواعد الذهبية، وليست ~~هنالك قاعدة ذهبية على الإطلاق.» # ثم قال: أراني في مثل الموقف الذي كان فيه أبسن من حيث العلاقة بالأحزاب. # وقال عن فاجنر الموسيقي العظيم: «إن العالم تحكمه الأعمال ولا تحكمه النيات، وإن خاطئا ~~واحدا فعالا ليساوي عشرة ms61 من القديسين والشهداء الفاشلين. ولقد كان لفاجنر - كسائر ~~العباقرة - صفات الإخلاص الممتاز والتقدير الفائق للوقائع والطلاقة الممتازة من غواية ~~الشهرة بين الحركات الشعبية، وكانت له فطنة ممتازة إلى حقائق السلطة السياسية بمعزل عن ~~الدعاوى والوثنيات التي يكمن وراءها السادة الحقيقيون الذين يجذبون السلك ويحشون ~~المدفع.» # وقال عن بيرون: «إن استغراقه في وساوس الفشل - فشل غيره وفشل نفسه - في المطابقة بين ~~حياتهم وأمثلتهم العليا، وانغماسه من جراء ذلك في سوء الظن بالإنسانية، وثقته الصبيانية ~~المطلقة بصدق تصوراته وخبث هذه الدنيا التي لا توليها حقها من التصديق ... كل أولئك أكسبه ~~تلك السمة التي نصفها فاجع ونصفها مضحك، وغاص به في الوحشة الخفية التي توحي إليه صورة ~~تاريخ غريب مفزع لم يعقب غير الحسرة والندامة.» # وقال عن نيوتن في سياق الكلام على العبقرية والمناصب الحكومية: «إن نيوتن كان وشيكا أن ~~يصل إلى حيث وصل أينشتاين، لو لم يشغلوه بمنصب ناظر المسكوكات.» ~~••• # ولبرنارد شو أقوال كثيرة في عظماء زمانه وعظماء سائر الأزمنة موزعة في رواياته وأحاديثه، ~~ولا فرق في جوهرها وطبيعتها بينها على الجملة وبين الأمثلة التي أوردناها. # ولعله قد أعطانا فيها ميزانا لنفسه لا يختلف كثيرا عن الميزان الذي وزنه به ناقدوه، وهي ~~- إذا رفعنا عن كفة الميزان بعض الصنجات كما تقدم - تعرضه لنا في صورة جمعت بين الطيبة ~~والحصافة والإقدام، ولم تخل من شيطنة الحيوية أو الصبيانية، وما نحسب «الحيوية» قد خلت ~~قط من شيطنة تلائمها، سواء منها حيوية الذهن وحيوية الغريزة وحيوية الطفولة ... وما مصدر ~~الشيطنة كلها في الطفل الصغير؟ إنها الحيوية النامية لا مراء! # ومن ثم ذلك الشبه الدائم بين العباقرة والأطفال. # | شو ومصر # هناك كلمة واجبة في كل ترجمة لبرنارد شو تكتب في مصر باللغة العربية، وهي الكلمة التي ~~ينبغي أن يشار بها إلى موقفه الكريم من الأمة المصرية بعد حادث دنشواي المشهور. # وقد يحتاج القارئ العصري إلى تلخيص وجيز لهذا الحادث؛ لأنه حدث في سنة 1906 قبل أن يولد ~~أبناء الأربعين في الجيل الحاضر، فهم لا يعرفونه إلا ms62 من طريق السماع أو الاطلاع. # وخلاصة الحادث بغاية الإيجاز أن ثلة من جيش الاحتلال خرجت للصيد على مقربة من قرية دنشواي ~~منتصف الصيف سنة 1906 (13 يونيو) فاحترق بعض الأجران ، وقتلت زوجة أحد الفلاحين من طلقة ~~نارية، واشتبك الفلاحون بالضباط فتفاهم هؤلاء على اللياذ بأقرب موقع لطلب النجدة، ومات ~~أحدهم بضربة الشمس بعد أن عدا مسافة طويلة في ذلك القيظ الشديد، كما ثبت من تقرير ~~الطبيب. # وما وصل الخبر إلى القاهرة حتى صدر الأمر العاجل بعقد المحكمة المخصوصة، ونقل المشنقة إلى ~~القرية، ثم صدر الحكم بالشنق على أربعة وبالسجن المؤبد على اثنين، وبالسجن خمس عشرة سنة على ~~واحد، وبالسجن سبع سنوات على سبعة، وبالسجن سنة وخمسين جلدة على ثلاثة، وبخمسين جلدة على ~~خمسة. وتم تنفيذ الحكم في ساحة تطل عليها مساكن المشنوقين والمجلودين. # هذه خلاصة الحادث الذي جرد له برنارد شو حملة من أقوى حملاته، وكتب عنه في مقدمة روايته ~~«جزيرة جون بول الأخرى» فصلا مسهبا في ست عشرة صفحة، لم يكتب أحد عن قضية دنشواي ما ~~يضارعها في صدق الدفاع ومضاء الحجة وشدة الغيرة على المظلومين في الحادث المشئوم. # وقد كاد اسم شو أن يقرن باسم دنشواي في تلك الآونة، بل تهكم بعض الكتاب ~~المستعمرين، فاشتق من اسم شو واسم دنشواي نسبة واحدة باللغة الإنجليزية، وهي شافيان # Shavian ~~... إذ كانت هي النسبة إلى شو وهي النسبة أيضا إلى ~~دنشواي بعد اختصارها على عادة الإنجليز من # Denshavian # إلى # Shavian # مقطعها الأخير. # ومما قاله في تلك المقدمة: إن الفلاحين المصريين لم يتصرفوا في الحادث غير التصرف الذي ~~كان منتظرا من جمهرة الفلاحين الإنجليز لو أنهم أصيبوا بمثل مصابهم في المال والحرمات، ~~وإن الضباط لم يكونوا في الخدمة يوم وقوع الحادث، بل كانوا لاعبين عابثين أساءوا اللعب ~~وأساءوا المعاملة، وإن الفلاح الإنجليزي ربما احتمل عبثا كهذا؛ لأنه على ثقة من التعويض، ~~ولكن القرويين في دنشواي لم تكن لهم هذه الثقة بالتعويض ولا بالإنصاف. وأن أحد المشنوقين - ~~حسن محفوظ - كان شيخا في الستين ms63 يبدو من الضعف كابن السبعين، فلو لم يشنق لجاز أن يموت ~~في السجن قبل انقضاء خمس سنوات. # وأجمل شو تاريخ المحكمة المخصوصة التي أنشئت لمحاكمة من يعتدون على جنود الاحتلال، ~~وأجمل وقائع المحاكمة وأقوال الشهود، وما جوزي به بعضهم على الصراحة في أداء الشهادة، وأشبع ~~لورد كرومر ووكيله مستر فندلي تقريعا وسخرية على ما كتباه عن القضية إلى وزارة الخارجية. ~~ومنه قول مستر فندلي في تسويغ عقوبة الجلد بمصر: «إن المصريين قدريون لا يهمهم الموت كما ~~تهمهم العقوبة البدنية» ... فكان تعقيب شو على هذا التعليل العجيب أن العجب إذن في أمر ~~الأربعة المشنوقين ... أليسوا من المصريين القدريين. # وقد شملت حملته الوزارة البريطانية والبرلمان الإنجليزي؛ لأنهم لم يمنعوا تنفيذ الحكم بعد ~~تبليغه، وقال إن الإفراج عن السجناء من أهل القرية أقل تكفير منتظر عن هذه الكارثة ~~البربرية. # ولم يزل شو يتابع القضية بعد إقالة لورد كرومر، وأعلن اغتباطه بعد سنة حين أثمرت حملته ~~ثمرتها المشكورة، وأبلغوه أن العفو عن السجناء قريب. # وقد يرد على الخاطر أن شو وقف من قضية دنشواي موقف الأيرلندي المحنق من الدولة ~~البريطانية، فمن خطر له ذلك ليغض من غيرته الإنسانية في موقفه هذا فتصحيح خطئه يزيد الرجل ~~فضلا على فضله، وبيانا لغيرته الإنسانية الخالصة في دفاعه؛ إذ كان بين الضباط البريطانيين ~~المشتركين في الحادث اثنان أيرلنديان من أبناء قومه، فشملهما باللوم الذي شمل به الآخرين. # مناقشة. # والتعريف بهذه الناحية الإنسانية لازم فيما يكتب عن برنارد شو حيثما كان كاتبوه، غير أنه ~~ألزم ما يكون في كتاب ينشر في مصر لقراء اللغة العربية. ~~••• # على أن مصر شغلت «شو» لمناسبة أخرى غير هذه المناسبة المحزنة، ولعلها أقرب إلى الفكاهة ~~التي يجد فيها صاحبنا متاعا لقلمه ولسانه. # فقد تقرر في سنة من السنين الدراسية (1927-1928) تدريس روايته «جان دارك» في الجامعة ~~المصرية، فأثار القرار اعتراضا شديدا ممن سمعوا الرواية ولم يطلعوا عليها؛ لأن النبي ~~عليه السلام يذكر فيها باسم راعي الإبل. # وصلت الحملة على الرواية إلى مجلس النواب، وتصدى ms64 أربعة من النواب لاستجواب الحكومة في ~~هذه المسألة، وكان كاتب هذه السطور عضوا فيه فاشتركت في المناقشة لبيان الحقيقة، وذكرت ~~المجلس بموقف الرجل في قضية دنشواي، وقلت إن العبارة المشار إليها قد وردت على لسان شخص من ~~شخوص الرواية لا على لسان المؤلف، وإن المؤلف وضع على لسان شخص آخر رده المفحم عليها، ~~فقال إن أتباع محمد عليه السلام أوفر أدبا من هذا في كلامهم عن السيد المسيح، وإنهم يوقرون ~~الحواريين، ولا يقولون عن واحد منهم إنه «صياد أسماك». # ونمى الخبر في أثناء ذلك إلى برنارد شو، فقال لمندوب صحيفة «نيوز كرونيكل» الذي قصد إليه ~~لمحادثته في شأنه: «إن ما جاء في الرواية لم يكن رأيي أنا، بل هو رأي الكنيسة في القرون ~~الوسطى.» # وكان ناقلو الخبر قد أساءوا نقله، وأفهموا الكاتب أن الاعتراض على الرواية قد جاء من ~~قبل الأساتذة والطلبة، فقال: «إن الطلبة المصريين فاتهم على ما يظهر أن العبارة التي لم ~~ترقهم لم تصدر مني، وإنما صدرت من كوشون الذي عاش في القرن الخامس عشر، وإنني أفهم أن تسيء ~~هذه العبارة وأمثالها إلى جماعة من الأميين، بيد أنني لا أدري كيف يأتي سوء الفهم من ~~هيئة علمية كالجامعة المصرية. ألم يستطع أولئك الجامعيون أن يروا ما في المقارنة من المدح ~~والثناء على النبي؟ ... ولماذا لم يقرءوا ما قال إيرل وأرديك من الإشادة بالإسلام على حساب ~~المسيحية؟» # ثم ختم الحديث بشطحة من شطحاته فقال: «إن آخر كلمة أقولها في هذه القصة: إن الأساتذة ~~يستحقون العزل العاجل جزاء لهم، أما الطلبة فقد يستحقون الصفح والإغضاء.» # وعزاء الأساتذة الذين عناهم شو أن العقوبة التي اختارها لهم أخف عقوباته لمن يتهمهم ~~بالجمود والتضييق على الحرية الفكرية ... فهي رحمة وغفران منه حيث لا يقبل الرحمة ~~والغفران. # | صورة مجملة # تخلص لنا مما تقدم صورة مجملة لبرنارد شو واضحة الملامح، كثيرة الإشراق، قليلة ~~التظليل، يقبلها الصديق ولا يرفضها العدو؛ لأن أصدقاء برنارد شو يحسبون حساب المبالغة ~~المألوفة منه فلا يبلغون به مبلغ دعواه، أما ms65 أعداؤه فلا يحقدون عليه. # ومجمل الصورة التي تخلص لنا من أوصاف برنارد شو «الإنسان» أنه رجل طيب القلب محمود ~~الطوية، مطبوع على البساطة والسلامة، يكاد يعيش في حياته الخاصة معيشة النساك المتألهين، ~~فلا يأكل اللحوم ولا يشرب الخمر، ولا يحتفل بالمائدة في طعام ولا شراب ولا حلية، وأيسر ما ~~يقال عن بساطة مائدته المفضلة أنها خشب بغير مفرش؛ لأن المفرش فضول، وجمال الفن مطلوب في ~~مواضعه، وليس من مواضعه مائدة الطعام. # يعيش في حياته الخاصة معيشة البساطة، بل التقشف الذي لا يميزه من عامة الفقراء، وهو على ~~هذا معدود من كبار الأغنياء، بل هو فعلا من أكبر الأغنياء بين زمرة الأدباء العالميين، ~~وكثير من غير زمرة الأدباء. # وليست معيشته هذه عن شح ولا كزازة، ولكنها نفور من البذخ والبهرجة، وإيثار للسهولة و«ذوق» ~~الرياضة ... وإنه ليحب المال ويعلن حبه ولا يرى معابة في جمعه وتوفيره، ولكنه حب لا يملك عليه ~~رشده، ولا ينسيه ما هو خير من المال وأولى بتقديمه وإيثاره، فترك التأليف المسرحي زمنا وهو ~~يدر عليه الألوف من أرباح المسرح، والصور المتحركة، وحقوق الطبع والترجمة في البلاد ~~المختلفة، وشغل نفسه بتأليف كتاب رخيص الثمن يعلم به النساء ما ينبغي أن يتعلمنه من حقوق ~~السياسة وآدابها وأسرارها، ولا تقل خسارته في هذا البدل المغبون عن عشرات الألوف من ~~الجنيهات. # وهو على حقيقة طبعه في حياته الخاصة، لا صفة له أصدق وأعمق من البساطة والسلامة، وكل ما ~~يعزى إليه من البذخ والتهجم فهو في ميدان الحياة العامة، على سن القلم وصفحات ~~القرطاس. # ولك أن تسمي التنفج المألوف منه بذخا، والغلو الذي يلازمه في نقده وسخريته تهجما، إلا ~~أنه بذخ القافية وتهجم النكتة، فليس بينه وبين النية المدخولة والطبيعة السيئة وشيجة من ~~وشائج الطبع الذميم. # ونحن نستطرد هنا من صورة الرجل في حياته الخاصة إلى صورته في حياته الفكرية، أو حياته ~~العامة على الإجمال. # فقياس النكتة هو قياسه الوحيد في هذه الصورة. # وهو لا يرتضي هذا القياس، ولا يزال يقول كلما فرق ms66 بينه وبين شكسبير إنه هو صاحب رسالة ~~لجيله وللأجيال المقبلة، وإن شكسبير لم تكن له رسالة يؤديها لجيل من الأجيال. # والواقع أن هذه التفرقة نفسها هي إحدى نكاته التي تخضع لذلك القياس، وليس هو في حكمه على ~~شكسبير ولا في حكمه لنفسه بمصيب. # إن شكسبير قد أحيا التاريخ بقريحته الخالقة، فعرف أبناء قومه بأنفسهم وعرف الناس بالتاريخ ~~وعرفهم بالحياة، وليس بعد إيجاد الوجدان القومي ولا بعد تعريف الناس بالتاريخ والحياة من ~~رسالة يطمع فيها شاعر عظيم. # أما شو فلو أراد الناس أن يتبعوه في وجهة من وجهاته المتعددة لحاروا في مفترقها، ولم ~~يجدوا بين تلك الوجهات المتعارضة غير جامعة واحدة، وهي جامعة النكتة البارعة أو «الوثبة ~~الرياضية» التي ترضيه بحركتها وهو يقفز إلى اليمين كما ترضيه بالحركة نفسها وهو يقفز إلى ~~اليسار! ومن حوله النظارة يعجبون ويصفقون، ولا يعنيهم أن يقيسوا مسافة الاتجاه كما تعنيهم ~~الوثبة «الفنية» على أي اتجاه! # فهو من الفرديين مع أبسن، ومن الاشتراكيين تارة مع كارل ماركس، وتارة مع جماعة ~~الفابيين. # وهو هو من أنصار الحرية المتطرفين، ومن المشيدين بالسلطة الموحدة، والدولة التي يحكمها ~~بأمره زعيم. # وهو من أنصار الجماعات البشرية، ومن المؤمنين بالبطل أو السوبرمان. # وهو يوصي بحب المال ويعظم شأنه، ثم يرى أنه قاصر عن إسعاد صاحبه، وأن سعادة الضمير تكسب ~~بثروة الروح لا بثروة المال. # ينظر إلى صورة زوجته من صنع المصور «سرتوربوس». # ونقائضه في المسائل الصغيرة أكثر من نقائضه في تلك المسائل الكبيرة، وقد يقول الكلمة ويرد ~~عليها بغيرة واحدة في القول وفي الجواب، والقراء أو المستمعون يعجبون بضربته هنا وضربته ~~هناك، كما يعجبون بضربة اللاعب وقرنه في حلقة الملاكمة والصراع. # فالشعور الرياضي، أو الشعور بالنكتة البارعة، هو الشعور الغالب على فارس هذا الميدان ~~والناظرين إليه. # ولهذا تسمع الإعجاب به من المحافظ والمجدد، ومن الروحي والمادي، ومن أنصار الديمقراطية ~~وأنصار الفاشية، وكلهم يقبلون «النكتة» ولا يمعنون بعد قبولها في التحليل ~~والتعليل. # قال شرشل في الفصل القيم الذي كتبه عنه: «يخيل إلي أن ms67 الندماء المهرجين الذين قاموا ~~بذلك الدور النفيس في القرون الوسطى إنما أنقذوا جلودهم من السلخ، ورقابهم من اللي بتلك ~~الحيدة أو تلك المساواة التي كانوا يتوخونها في توزيع نكاتهم وسخرياتهم على كل جانب وكل ~~إنسان بغير تمييز ولا استئثار، فقبل أن يجرد هذا النبيل سيفه ليجزي النديم على ما أصابه ~~من لسانه اللاذع، إذا به يغرب ضاحكا مما أصاب منافسه أو زميله، وإذا بهم جميعا في شاغل ~~بأنفسهم عن مد أرجلهم بالرفس لمن يرفسهم، وهكذا نجا النديم المهرج ووجد سبيله إلى أخطر ~~المواطن، ونعم بألاعيبه في الحرية تحت نظرات الهمجية والطغيان الزائغة من العجب ~~والدهشة.» # وقد أصاب السياسي الكبير في تصويره للأديب الكبير، فهذا الذي جعل شو كما قال أينشتاين: ~~«يدرك حب الناس وإعجابهم المرح به من طريق قادت الآخرين إلى الاستشهاد». # فلا محل للاستشهاد حيث لا يضرب الضارب في معسكر واحد، وقلما يتعصب الناس على أحد لم يتعصب ~~لشيء يؤثره بحماسته وتوقيره، ويغضب من أجل هذا من كانت لهم حماسة في جانب سواه. # على أنه لا محل للاستشهاد عامة في معركة شو بين الأرباب والأوثان، فقد أصبحت الأرباب التي ~~يضربها وليس لها عابدون ولا مقدسون، وتحطمت الأوثان من حوله وهو يقذف النظارة بأعشارها، ~~فيحسبونها لعبة رماية واتقاء، ولا يخطر على بالهم أنها معركة هياج وسفك دماء. ~~••• # ومن إغراء السانحة الأولى تلك المقارنة التي تنعقد أحيانا بين شو وڤولتير على اعتبار ~~أنهما الساخران الثائران في القرن التاسع عشر والقرن العشرين. # والحقيقة أن الشبه بينهما لا يتقارب في موضع حتى يتباعد في مواضع، وأهم ما بينهما من ~~مواضع الخلاف أن ڤولتير قد اتخذ «النكتة» اللاذعة سلاحا في حرب حامية. أما شو فقد عكس ~~الآية وجعل «الحرب الحامية» نكتة أو ملعب رياضة. وكان ڤولتير يعمل في ميدان قائم الأصنام ~~والأوثان، ولم يكن في ميدان شو غير أصنام دالت دولتها وأوثان مالت قوائهما، ولعله لم يطلق ~~غاراته على وثن قائم غير وثن «العلم الحديث» دون غيره، فذاك هو الوثن الذي حاربه شو وهو ms68 ~~قائم الأركان في أوج القوة والسلطان. # ولم يحاربه شو لأنه يعادي العلم كما عاداه أبناء القرون الوسطى، وإنما عاداه لأنه عدا ~~طوره وجاوز حده، وطلع على الناس أول مطلعه في نهاية القرن الثامن عشر كأنه صانع المعجزات ~~وخليفة الدين والفلسفة والمعرفة الإنسانية في جميع شعابها غير مدافع إلى آخر زمان. فطامن ~~شو من هذه الدعوى العريضة، وأعطى ما للعلم للعلم وأخذ منه ما ليس له أن يدعيه فضلا عن أن ~~يدعي التفرد فيه، وكان توفيقه الأكبر في تفنيد مزاعم العلماء الذين زحفوا على محاريب الفنون ~~الجميلة، فحاولوا أن يأخذوها بالمبضع والمشرحة كما يصنعون في المعامل والمستشفيات، فكانت ~~صولة شو عليهم زاجرا نافعا جاء في إبانه، واستنقذ النقد الفني على الخصوص من المبضع ~~والمشرحة ليرد إلى الفنون ما للفنون، ويعلم العلماء أين يسكتون وأين يتكلمون! # إلا أن حرب الأوثان لا تتشابه في جميع الأحوال، ولا سيما وثن العلم الحديث في أواخر القرن ~~العشرين. # فليس لوثن العلم الحديث سدنة يقدرون على تسخير العامة والجهلاء في خلق الشهداء ~~والضحايا، وربما كان الراضون بنقد العلم أكثر عددا وأشد بأسا من الساخطين على ~~ناقديه. # ولا ننس أن العلم الحديث كان قد مضى على نشأته قرن كامل في عصر شو «الذهبي» وهو أوائل ~~القرن العشرين، وكان في هذه الفترة قد استنفد قوة الدفعة الأولى، وترك أنصاره ومنكريه سواء ~~على استعداد للشك في معجزاته أو الشك في خلافة «البحث التجريبي» لسائر البحوث الإنسانية، ~~ومنها بحوث العقل والعقيدة. فلم يكن في المعركة محل للشهداء، بل كانت على دأب شو في جولاته ~~وصولاته معركة رياضية، يتصافح بعدها الغالبون والمغلوبون. # ويبقى بعد هذا جميعه أن البراعة الفنية هي غاية ما ينشده برنارد شو من نكاته ولذعاته، ~~وأنه قد ينسى الواقع والصواب، بل ينسى التبعة الأدبية في سبيل البراعة و«اللعبة» البهلوانية ~~المتقنة. # ويبدو لنا أن تعليل هذه الخصلة في الرجل والكاتب على السواء غير عسير، فإنه ورث من أبيه ~~وأمه معا قلة الاكتراث بالأوضاع القائمة، وقلة الشعور بالتبعة و«المسئولية»، وكثيرا من ms69 ~~الاستخفاف بما يهم الناس ويلعجهم ويضطرهم إلى الجهد والتدبر الطويل. # فكان أبوه يدمن السكر ولا يحفل بشيء، وكان إذا أصيب بخسارة أو تعرض لبلية أرسل القهقهة ~~وراء القهقهة، حتى يخيل إلى ناظره أنه مسلوب الرشاد، وقد اجترأت أمه على أن تترك زوجها ~~وتعيش مع معلمها الموسيقي، دون أن تحفل بالبيت والبنين، وبما تلوكه الأفواه من التهم أو ~~المعاذير. # أما تعليل تلك الخصلة من الناحية الفنية فقد نلتمسه في شيئين اثنين؛ أحدهما: نشأته ~~الموسيقية وانصرافه إلى العزف والإيقاع منذ صباه الباكر، فأصبح «الوقع» عنده مقدما على ~~الجوهر واللباب، ولا سيما الوقع الذي يتوخاه من لم يبلغ من الفن الموسيقي مبلغ الرجل الذي ~~يؤدي فيه معاني الجوهر واللباب. # وثانيهما: أنه بلغ سن الكتابة والاشتغال بالمسائل العامة في أواخر القرن التاسع عشر ~~وأوائل القرن العشرين، وهي الفترة التي كثرت فيها الدعوة إلى نبذ كل قديم والتعلق بكل جديد، ~~فأصبح الإغراب والإبداع مقدمين على التحقيق والتمحيص، وأصبحت الحاجة إلى التنبيه ~~والإعلان لازمة من لوازم الصحافة والمسرح وما يتصل بهما من أبواب الكتابة. # قال في جزيرة جون بل الأخرى: «إن طريقتي في المزاح أن أقول الحق الصراح ... إنه أعجب مزحة ~~في هذه الدنيا.» وقال في أجوبته على الأسئلة التسعة: «إن أسلوبي هو أن أتعب غاية التعب في ~~استنباط ما ينبغي أن يقال، ثم أن أقوله بعد ذلك بأدنى العبارات إلى الاستخفاف.» # وقد يكون سر صناعته في هاتين الكلمتين بغير مواربة ولا تدجيل؛ لأنه على أسوأ ما يكون ~~يعربد ولا يدجل. # ولن يستخلص من كلامنا في هذه الصورة المجملة أن شو لم يعمل شيئا، ولم تكن له رسالة خاصة ~~في تاريخ الإنسانية، فغاية ما في الأمر أن الرسالة التي أداها فعلا غير الرسالة التي ~~أرادها أو أراد أن يتسم بها في حكمه وتقديره. # وإنما يقال عن الكاتب إنه لم يعمل شيئا ولم تكن له رسالة إذا استوى ظهوره وخفاؤه، وكان ~~الميدان بعده كما كان يوم وصوله إليه. # وكل شيء يمكن أن يقال عن شو غير هذا ms70 المقال. # فإن الفرق لعظيم بين ما كانت عليه الثقافة الفنية في منتصف القرن التاسع عشر، وما صارت ~~إليه في منتصف القرن العشرين، وفضل شو في هذه النقلة البعيدة لا يعلو عليه فضل كاتب ولا ~~أديب في تاريخ الثقافة الحديث. # لقد خلت الساحة التي عمل عليها من ركام الأنقاض والطلول التي كانت مبعثرة فيها، وقامت على ~~موضعها أسس تنتظر البناء وحجارة تصلح للتعمير. # وقد عود الناس السماحة معه فتعودوها مع غيره، ووسع الآفاق الإنسانية بمحاسنه وعيوبه على ~~السواء، فقد عيب عليه أنه يقول بالرأي ونقيضه، ويهجم على المعقل الذي ذب عنه وحماه، فلما ~~رأى الناس كتابا واحدا يحيط بالفكرة الواحدة من جانبي نقدها وتأييدها، آمنوا بحق الخلاف ~~بين الخصمين، وألفوا تعدد النظر حيثما انحصر النظر في جانب واحد يتشبث به ولا يمتد إلى ~~سواه، ولم يعرف العصر الحديث في الأدب الإنجليزي - أو الأدب العالمي - كاتبا ينسب إليه ~~فضل مأثور في ذلك التحول إلا اقترن به فضل مثله لشو، لا ينقص عنه وقد يزيد عليه. # وقد تم لشو ما لم يتم لأقرانه من حسن الأداة في صناعتيه: صناعة الكاتب وصناعة الخطيب، فهو ~~صاحب أسلوب لا يضارعه أسلوب معاصر في السلاسة والصفاء، وهو صاحب صوت أخاذ، يستهوي الآذان ~~ويستحب السامعون أن يصغوا إليه وإن لم يعتقدوا ما يقول. # وقد أنصفه أبناء عصره بما أحاطوه به من الشهرة والإعجاب، فإذا كان نصيبه من الشهرة أوفى ~~نصيب فهو حق لا محاباة فيه ولا مغالاة. # سطور وشذور # نختتم هذا الكتيب بمقتبسات من مؤلفات شو توخينا فيها الإيجاز لتمثيل أسلوبه الخاص ~~في صوغ الكلمات الجامعة، والأوابد البارعة والمفارقات «المعقولة»، وهي المجال الذي يفوق ~~فيه غيره، حتى ليصح أن مطولاته جميعا لم تكن إلا مناسبة يسوق فيها هذه «الفلتات» ~~المقصودة. # ولم نر ضرورة لترتيبها على حسب الموضوعات؛ اكتفاء بما أجملناه في الصفحات السابقة ~~من آرائه في هذه الموضوعات. # وهي على هذا النسق أدنى إلى طبيعة التفرق التي صدرت بها أو صدرت عنها، في مختلف ~~الأوقات والمناسبات. # التقاليد # لا ms71 تغضي من شأن الحكمة الهاجعة التي يتخذها التقليديون، فليس في مقدور أحد أن ~~يعيش في مجتمع بغير تقاليد، والذي يجعل معشر الحصفاء تقليديين جهد استطاعتهم أن ~~التقاليد تغنيهم عن كثير من الوقت والفكر والتعب والاحتكاك في مواطن شتى، فتبقى ~~لهم من وقت الفراغ للحرية ما لا يجدونه إذا خرجوا على التقاليد. وصدقيني إذا ~~قلت لك: إنك إذا لم تكوني قد وطنت النفس على قضاء العمر مبشرة بالخروج على ~~التقاليد كأنها صناعة محترفة، فأنت كلما التزمت التقاليد من غير إسفاف إلى ~~البلاهة أو العبودية أو الابتئاس والنكد، كانت الحياة أسلس لك وأيسر، وعليك ~~حتى إذا اتخذت الإصلاح صناعة أن تقنعي بضرب واحد من مخالفة التقاليد تبشرين به ~~وتقتصرين عليه، فإذا عولت مثلا على محاربة الكعب العالي في الأحذية، فاحرصي ~~على أن تفعلي ذلك وعلى رأسك قبعة من الطراز الأنيق. # الدليل السياسي للمرأة الذكية # فاجعتان # في الحياة فاجعتان: إحداهما أن تفقد أمنية قلبك، والأخرى أن تظفر بها. # الإنسان والسوبرمان # نوع من الانتحار # أكبر التضحيات في الزواج هي التضحية بمسلك الإقدام والاقتحام قبل الحياة، وهي ما ~~يسمونه بالاستقرار. إن الذين ولدوا متعبين يشوقهم أن يستقروا، ولكن الاستقرار عند ~~من ولدوا بنفوس نضرة قوية نوع من الانتحار. # مقدمة أندروكليز والأسد # متى تموت الأكذوبة # إذا شاعت الأكذوبة كما تشيع أحاديث الخرافات والمعجزات فاللحاق بها في سرعتها ~~مستحيل، ومهما يجتهد المفندون في إثبات بطلانها، فالأغبياء لا يزالون يرددونها ~~والصحفيون يتناقلونها، حتى يسأموا الرغبة في تصديقها، ويومئذ تموت ميتتها ~~الطبيعية، ولكنها لن تموت قبل ذلك. # وإنها لميتة بطيئة قد تظل قرنا أو قرنا ونصفا إذا جاز أن أعتمد على إحصاء ~~الأكاذيب التي كشفت في طفولتي ولا تزال حية في مختتم حياتي. # الدليل السياسي للجميع # إن الناس مسئولون أن يقترفوا كثيرا من الخسة ليحتفظوا بالكرامة. # على لسان دورا في رواية فاني # القانون # سير هوارد سيسلي ~~: # إذا أردت أن تفعلي شيئا يخالف القانون، فارجعي دائما إلى مشورة رجل ~~قدير من رجال القانون. # ليدي سيسلي ~~: # نعم، هكذا أفعل ... # ارتداد كابتن ms72 براسبوند # أشفقوا على الأغنياء # إن الأغنياء يخافون الفقر أشد من خوف الفقراء إياه؛ لأن الفقراء قد تعودوه ~~وألفوه. # دليل السياسة للجميع # يستقبل جبرييل پاسكال وڤيڤيانلي. # الجاذبية الجنسية # إن أقوى الجاذبيات الجنسية قد توجد بين اثنين يختلفان في الذوق والكفاءة اختلافا ~~لا يطيقان معه العشرة مدى أسبوع فضلا عن مدى الحياة؛ ولهذا لا ينبغي أن يقترن ~~أحدهما بالآخر، وإن بدا أن ذريتهما - وهي مقصد الطبيعة - خليقة أن تأتي على أصلح ما ~~يكون من الوجهة الحيوية. # دليل السياسة للجميع # الحب مبالغة # إنك كجميع الفتيان تبالغ في تقدير الفرق بين فتاة وفتاة. # ماجور بربارا # السعادة # السعادة. السعادة. إنها لشيء ليس في الحياة ما هو أدعى منه إلى الملل والسآمة. ~~أتحسبني أبلغ ما بلغت لو باليت بالسعادة! # نابليون في رجل القدر # السعادة والعظمة # ليس المهم ما أحب وما أكره، وإنما المهم أن أفعل ما يلزم، ولا متسع من الوقت عندي ~~للاشتغال بنفسي. هذه ليست بسعادة، ولكنها هي العظمة. # كليوبترا في قيصر وكليوبترا # نصائح الأطباء # منذ خمسين سنة، أكد لي جمع موقر من الأطباء أنني سأهلك من سوء التغذية إن لم ~~آكل اللحم، ولا يزال الأطباء على هذه النصيحة كأنما قد مات جميع النباتيين - ومنهم ~~أنا - في الموعد المقدور. # دليل السياسة للجميع # الفضائل والرذائل # الناس لا يحفظون فضائلهم ورزائلهم منسقة منضدة كل منها على حدة. إنها مخلوطة! # بيت القلب الكسير # الأمانة # لو أنني أصبحت رجلا أمينا لأصبحت كذلك رجلا فقيرا، ويومئذ لا يوقرني أحد، ~~ولا يعجب بي أحد ولا يشكرني أحد. أما إذا كنت على نقيض ذلك جسورا طماعا غير ~~متحرج، ثم نجحت واستغنيت، فهم جميعا يوقرونني ويعجبون بي ويزدلفون إلي ~~وينحنون أمامي. يومئذ ولا شك أستطيع أن أحتمل ترف الأمانة! # من الجودة لا يصدق # الحرية الكاملة # الحرية الكاملة يحلم بها العبيد؛ لأنهم لم يجربوا أهوالها. # من الجودة لا يصدق # الأوهام والأحلام # إننا وشيكون أن نموت من العته الذي يصيبنا لقلة «تشغيل» عقولنا، إن لم نملأ ~~رءوسنا بالأحلام الفارغة التي نستمدها من الصحف المصورة والأقاصيص ms73 والمسرحيات ~~والأفلام. # إن هذا الحشو يحيينا وإن كان يزيف لنا كل شيء، حتى يحيلنا أخيرا إلى طائفة من ~~المجانين الخطرين في هذه الدنيا. # دليل المرأة الذكية # الحرب # لو كنت ربا نافذ القضاء لوقفت الحرب في أسبوع واحد ببضعة ملايين من الجراد ~~والأرضة، أطلقها على كل فدان في كل إقليم من أقاليم المقاتلين، فلا يلبثون يوما ~~حتى يجدوا أنفسهم مقاتلين، ولكن لا ليقاتل بعضهم بعضا بل ليقاتلوا تلك الجيوش ~~الدقاق، التي تستبسل في الهجوم عليهم وعلى جثث موتاهم، وبيادر أطعمتهم في عدد لا ~~يحصى ونظام لا يقهر ... في ذلك اليوم لا يعرفون ساميين وأعداء للساميين، ولا ~~بريطانا وجرمانا، ولا أمريكيين ويابانيين، ولا صعاليك وأصحاب أموال، ولا ~~ديمقراطيين ومستبدين، ولا مسلمين وبرهميين، ولا سودا وبيضا، ولا صفرا وحمرا، ~~ولا أيرلنديين أيضا ... بل رجالا ونساء يستنقذون الحياة الإنسانية في لهفة وفزع من ~~تلك الغارة التي لم يعرفوها من قبل إلا نماذج في حيز الاحتمال. # دليل السياسة للجميع # العظماء # إن فلتات الطبيعة التي نسميها بالعظماء لا تسجل ما أدركته الإنسانية، بل ما هو ~~مستطاع ومأمول. # مقدمة جنيف # الإنجليزي # خذ مع الإنجليزي في حديث من أحاديث الجد ينصت إليك لحظة كما ينصت إلى عازف ~~يسمعه دورا من أدوار الموسيقى السلفية، ثم يرتد إلى ملعبه أو نادي سياراته أو ~~طياراته، أو إلى امرأته كما ترتد قطعة من المطاط جذبتها لحظة ثم أرخيتها. # عودة إلى متوشالح # المخالفون # إنني بلغت من السن ما يتيح لي أن أعلم وأن أخاف تلك الكراهية العنيفة التي تلقى ~~بها الحيوانات الإنسانية - كغيرها من الحيونات - كل مخلوق تعس ساء حظه، فلم يشبههم ~~في كل شيء وأصبح خرقا في الطبيعة كما يقولون. # عودة إلى متوشالح # المرح # لا ينقطع المرح من الدنيا؛ لأن الناس يموتون، ولا ينقطع الجد من الدنيا؛ لأنهم ~~يضحكون. # مشكلة الطبيب # جاذبية الجنس # إن جاذبية الجنس على نفعها في تعمير العالم، لا شأن لها بالجمال، ولعلها تعمينا ~~عن القبح بدلا من أن تفتح أعيننا للجمال، وهي التي تهيئ لنا أن نطيق هذا ms74 العالم ~~المفعم بكل قبيح من المناظر والأصوات والآدميين، وفي وسعك أن تستغني عن زهرة ميلو؛ ~~لأن الفتاة التي على مقصف المرطبات تنسيك إياها. # فرانكلين برنابا # البكم # هيباشيا: آه لو تسنى لي أن أقضي إجازة في ملجأ الصم والبكم. ما أشد حسدي ~~للعجماوات. إنها لا تعرف الكلام. # سوء التوفيق # في التسعين. # الشغل # شغل كل إنسان ليس بشغل لإنسان. # سوء التوفيق # الحق # الحق هو الشيء الذي لا يريد أحد أن يصدقه. # رجل القدر # سر ملك # شارل ~~: # دعني أطلعك على سر، سر ملك يا عزيزي جيمس. إن بطرس الصياد لم ~~يكن يعرف كل شيء، ومثله مارتن لوثر. # جيمس ~~: # ولا أنت أيضا. # شارل ~~: # نعم، ولكنني مطالب بأن أعمل غاية ما أستطيع كما أعرف أنا، لا كما يعرف ~~بطرس أو مارتن ... # أيام الملك شارل الذهبية # السيد والعبد # ستتعلم أيضا أن السيد إذا بلغ به الاتكال على عبده أن يصنع كل شيء بيديه، فقد ~~أصبح العبد سيده؛ لأنه لا يستطيع أن يعيش بغيره. # عودة إلى متوشالح # الوثنية # إن تقديسنا المقرر للمبادئ السياسية إنما هو نقاب نستر به وثنيتنا في عبادة ذوي ~~المكانة من المشهورين. # التأييد # إن الحكومة التي تسرق بطرس لتعطي پولس، تستطيع أن تعول دائما على تأييد ~~پولس. # الحرية # لن يكون المدخنون وغير المدخنين على درجة واحدة من الحرية في مركبة السكة ~~الحديدية. # العقل والمعرفة # لا قبل لي بتغيير عقولهم، ولكنني قادر على زيادة نصيبهم من المعرفة. # مقدمة جنيڤ # الطبيعة تقلد الفن # لاحظت عند شيوع نمط من أنماط الملامح، في الصور التي نعجب بجمالها، أنه لا يلبث ~~طويلا حتى يشيع في الطبيعة، فإذا بالفاتنات اللائي يتلقين قصائد الشعراء الصغار ~~باسم «السيدات» في جيل من الأجيال، قد ظهرن في الجيل الذي يليه وصيفات ~~وخادمات. # تجربة أخرى # على النوع الإنساني أن ينقذ نفسه، فليس ثمة من سبب يدعو إلى الإيمان بضرورة ~~نجاته، وإنها حقيقة واقعة لا مناص منها، ليس هو بالمخلوق المثالي على أي وجه من ~~الوجوه، وكثير من أساليبه في حالته الراهنة تبلغ من السماجة ألا ms75 يجسر هو نفسه على ~~التصريح بها في المجالس المهذبة، وتبلغ من الإيلام أن تضطره أحيانا إلى وصف الألم ~~بالخير. # إن الطبيعة لا تدين للنوع الإنساني بالعصمة أو البراءة. # فهو تجربة تفلح أو تخيب بنتائجها دون غيرها ، فإن لم تسفر التجربة عن جدوى، فغيرها ~~بالمحاولة أولى. # عودة إلى متوشالح # الطبيعة الطاغية # أقول لك للمرة الأخيرة: إننا لم نولد أحرارا، ولن نصبح أحرارا في وقت من ~~الأوقات، فإذا قتل جميع الطغاة من البشر أو خلعوا، بقي هنالك الطاغية الذي لا ~~يقتل ولا يخلع، وليس هذا الطاغية غير الطبيعة نفسها، وقد تكون الطبيعة سهلة رخية في ~~جزر البحار الجنوبية، تغمرك بالشمس ولا تكلفك من الجهد في طلب الطعام إلا أن تلقطيه ~~بيديك، ولكنك - حتى في تلك الجزر - مضطرة إلى بناء كوخ، ومضطرة - وأنت أنثى - أن ~~تحملي البنين، وتسهري على تربيتهم بالجهد والمشقة. والرجال - بعد - ذوو ملاحة ~~ولجاجة وخصام وغيرة، ولا عمل لهم غير الحب والغريزة الجنسية، فهم يخلطون الرياضة ~~بالدربة ليتقاتلوا ويتناحروا، وعليك أنت أن تدفعي عن نفسك بيديك. # دليل المرأة الذكية # الحكمة # لا نستفيد الحكمة بذكريات الماضي، بل بما نتوقعه من تبعات المستقبل. # عودة إلى متوشالح # الرأسمالية # إن الرأسمالية ليست مهرجانا للخسة البشرية. إنها طوبى من الطوبيات المثالية التي ~~أزاغت ببريقها أناسا محبوبين أذكياء من عهد ترجو وآدم سميث إلى كوبدن وبرايت. ~~والذين يسندون نظام رأس المال قوم حالمون من عشاق الرؤيا الذين يعملون أسوأ ~~الأعمال بالنية الحسنة، خلافا لإبليس الذي يعمل أحسن الأعمال بالنية السيئة. وبهذه ~~الخامات في أيدينا يتسنى لنا بضع دنياوات جديدة متى جمعنا الوقائع واستوعبنا الدروس ~~التي نتعلمها منها؛ إذ إن الرجل الطيب صاحب النيات الطيبة مسئول قبل أن يقوى على ~~إنجاز نياته ألا يقنع بالوقائع وحسب، بل يجتهد في وعيها وتمحيصها. # دليل السياسة للجميع # الثوريون # طالما قلت إن الحركات الثورية تجتذب إليها القاصرين عن البقاء في الأنظمة ~~القائمة، كما تجتذب إليها القادرين على ما هو خير منها. # أندروكليز والأسد # ما ليس عندي # لا ذوق عندي لما يسمى ms76 بالفنون الشعبية، ولا احترام عندي لما يسمى بالأخلاق ~~الشعبية، ولا إيمان عندي بما يسمى بالديانة الشعبية، ولا إعجاب عندي بمن ~~يسمونهم أبطالا شعبيين. # عن نفسي # الشجاعة # كل شجاعة متدينة، وبغير الدين نحن جميعا جبناء. # دليل المرأة الذكية # الحرب الحديثة # وقفت في ميدان حديث من ميادين الحرب أرقب طائفة من الجند يشنون غاراتهم، فأشفقت ~~عليهم؛ لفرط الملل الذي يعروهم. كان لديهم مدفع مستور يغذونه بالقذائف، وكان لكل ~~قذيفة فتيل يثبتونه فيها قبل تسليمها إلى الموكلين بحشو المدفع، ثم يشد الجندي ~~خيطا فتندفع القذيفة في الهواء، وينطلق معها صوت مرعب. أين ذهبت؟ وماذا صنعت حيث ~~ذهبت؟ هل انفجرت؟ هل لم تنفجر؟ كل أولئك لا علم به لأحد من هؤلاء السائمين الذين ~~يحملون القذائف، ويثبتون الفتائل، ويشدون الخيوط، ويعيدون ما يفعلون مرة بعد مرة، ~~دون أن يحسوا شيئا من الضجة التي تنجم عن هذا العمل المكرر المتشابه، ولم أستطع أن ~~أفتعل في حسي أقل اهتمام بهذه الحركة، حتى بعد اجتهادي في تخيل جنود الألمان من ~~الجانب الآخر دائبين على إرسال القذائف بمثل هذه السآمة، ولعل واحدة منها تسقط على ~~التل الذي وقفنا عليه. واستعدت في تلك اللحظة ذكر المعارك التي وصفها ~~هوميروس وقرأناها في صبانا، فهاجت خيالنا وأشاعت فيه النشوة والاهتمام، وتساءلت ~~ساخرا: ترى ماذا كان هوميروس عسيا أن يقول في وصف هذه المعركة التي أقف تحت ~~نيرانها، والتي يحاول المراسلون الحربيون منا أن يجعلوها على الورق شائقة مثيرة، ~~كما كانت تجري على بطاح طروادة تلك المعارك التي اشترك فيها الأرباب ~~والربات؟ # لست أعرف شاغلا أثقل على النفس، وأدعى إلى الضجر من هذا الشاغل، ولكنه أعاد إلى ~~خاطري ذلك الانقطاع التام بين الجندي وعمله المملول، فلا حس له ولا بصر بما يصنع، ~~وكل ما هنالك أيد تحمل القذائف أو تشد الخيوط. # وعلى مسافة ستة أميال بيتهوڤن يصرع أو طفل يموت، وصاحبنا قد تعلق شعوره كله ~~بالتطلع إلى نهاية خدمته وانتظار جرايته. ولم يخامرني قط ما خامر جيتي على ~~ميدان ڤالمي أو فاجنر على ms77 ميدان درسدن، أو خامر سائق سيارتي في كنجكروس خلال إحدى ~~الغارات الجوية. وإن القول بأن هؤلاء الجند المثقلين بالضجر يؤدون عملا من أعمال ~~البطولة، أو عملا من أعمال القسوة، أو عملا كائنا ما كان له حظ من السحر ~~والخيال، إنما هو من أقاويل الهزل السخيف ... # دليل السياسة للجميع # الحماقة # ليست الحماقة لغوا فارغا ... إنها أحمق ما تكون، أقرب ما تكون إلى المنطق، وأشبه ~~ما تكون باللباقة، وأفصح ما تكون، وألمع ما تكون. # القاضي في رواية جنيف # الفاجعة الحديثة # كانوا يفيضون الصبغة الإلهية على الحياة، فيحسبون من أجل ذلك أنها لا تكون فاجعة ~~إلا إذا حدث حادث خطير أو قضي على إنسان. أما الفاجعة في الحياة الحديثة فهي أنه ~~لا شيء يحدث، وأن الملل الذي ينجم عن هذا لا يميت. # خرافة مذهب زولا # عبقرية # إيلي ~~: # أحس الآن كأنه لا شيء في هذه الدنيا أحجم عن عمله؛ لأنني أزهد في كل شيء ~~ولا رغبة لي في شيء. # كابتن شوتوڤر ~~: # هذه هي القوة الحقيقية. هذه هي العبقرية! # بيت القلب الكسير # الأبدية # لا بد من نهاية. لا بد من أية نهاية. فالأبدية عبء لا طاقة لي باحتماله. # آدم في العودة إلى متوشالح # كلمة الخلاق # لا موجب لأن نعتقد في أنفسنا أننا نحن كلمة الخلاق الأخيرة. # دليل السياسة للجميع # نموذج من مسوداته. # مزية السوبرمان # إن السمو في طوايا النفس (غير الواعية) سوف يكون هو المزية الحقة ~~للسوبرمان. # الإنسان والسوبرمان # وهذه السطور التالية مقتبسة كلها من كتاب «مفكرات الثائر» الذي ألحقه برواية الإنسان ~~والسوبرمان: # لا تعمل لغيرك ما يعمله لك غيرك؛ فقد تختلف الأذواق. # القاعدة الذهبية هي أنه لا قاعدة ذهبية. # البيروقراطية تقوم على موظفين، والأرستقراطية تقوم على أوثان، والديموقراطية ~~تقوم على عباد أوثان. # إذا كان في وسع العقل الصغير أن يقيس العقل الكبير كما يقاس الهرم بالمسطرة؛ ~~فالانتخاب العام حل يحسن السكوت عليه، أما والأمر على ما هو عليه فالعقدة باقية ~~بغير حلول. # الديموقراطية تستبدل الاختيار من قبل الكثيرين العاجزين بالتعيين من قبل ~~القليلين الفاسدين. ms78 # إن القول بأن الضابط ينبغي أن يكون إنسانا أفضل من الجندي، كالقول بأن حجر ~~العقد ينبغي أن يكون أفضل من حجر الأساس. # عقل الأحمق يهضم الفلسفة فإذا هي سخافة، ويهضم العلم فإذا هو خرافة، ويهضم ~~الفن فإذا هو حذلقة . ومن ثم تعليم الجامعات. # أحسن الأطفال نشأة من عرفوا آباءهم على حقائقهم، فليس النفاق إذن أول واجب ~~الآباء. # من يقدر يعمل، ومن لا يقدر يعلم. # الرجل العلامة كسلان يزجي الوقت بالمذاكرة. حذار من علمه فإنه لأخطر من ~~الغباء. # أقوى اختراع ثوري في القرن التاسع عشر هو اختراع التعقيم. # تعدد الزوجات - حسب تطبيقه في العصر الحديث على طريقة المورمون - نظام تحطمه ~~الثورة من جانب رجال منحطين لا يجدون زوجة واحدة في ظله؛ إذ إن غريزة المرأة ~~توحي إليها أن تفضل نصيب العشر من رجل في الطبقة الأولى على النصيب الكامل من ~~رجل في الطبقة الثالثة. # المجرمون لا يموتون بيد القانون. إنهم يموتون بأيدي أناس آخرين. # حاذر من الإنسان الذي وضع إلهه في السماء! # ليست الفضيلة إحجاما عن الرذيلة، بل عزوف عنها. # إذا استطاع رجل عظيم أن يعرفنا بقدره، وجب علينا شنقه. # أشد الآلام إطالة ألذ المسرات. # أخطر التحفظ في الرجل الكيس (جنتلمان) أنه يفدي شرفه بكل شيء إلا ~~الكياسة! # من أصغى إلى الحكمة ضاع، فالحكمة تستعبد كل عقل لا يستطيع أن يحكمها. # اللياقة هي تواطؤ الخزي على السكوت. # لا يعقل الناس بمقدار ما يجربونه، بل بمقدار استعدادهم لأن يجربوا. # جهنم مرصوفة بحسن المقاصد لا بسوئها. # حق الحياة سخف إن لم يكن ثمة ما يتحداه. # قيل لنا: إن «يهواه» حين خلق الدنيا نظر إليها وقال: هذا حسن! ماذا تراه ~~يقول الآن؟ # كل إنسان فوق الأربعين محتال. # التضحية بالنفس تزين لنا التضحية بالآخرين. # حذار من الرجل الذي لا يرد صفعتك. إنه لا يغتفر لك ولا يدع لك أن تغتفر ~~لنفسك. # في أوقات التقدم ينجح الشرفاء؛ لأن الدنيا تجري في مجراها، وفي أوقات النكسة ~~ينجح الأوغاد للسبب بعينه، ومن ثم لا تخلو الدنيا من الإعجاب ms79 بالنجاح ~~الحاضر. # المصلح الذي لا تصلح له الدنيا ينتهي به الأمر أن يعيش كتفا لكتف مع من ~~لا يصلحون لها. # لا تخلط بين كراهتك للهزيمة وكراهتك للقتال، ولا بين كراهتك لاسترقاقك ~~وكراهتك للرق، ولا بين كراهتك لزيادة جارك في الغنى وكراهتك للفاقة. إن ~~الجبان والمتمرد والحسود شركاء لك في هذه الكراهية. # كلما ازدادت ثروة الإنسان على حاجته زادت همومه. # العبقرية في الأمة الغبية كالإله؛ كلهم يعبدونه ولا يعمل أحد بأمره. # حب اللعب المنصف فضيلة المتفرج لا فضيلة اللاعب الأصيل. # الرجل المعقول يوفق بين نفسه وبين العالم، والرجل غير المعقول يحاول أن ~~يوفق بين العالم ونفسه، ومن ثم كان التقدم كله في العالم مرهونا بغير ~~المعقولين. ms80