######OpenITI# #META# URI: 1383CabbasMahmudCaqqad.BinjaminFranklin.Hindawi26373030 #META# Tags: biographies #META# ID: 26373030 #META# Title: بنجامين فرنكلين #META# AuthorID: 64642852 #META# Author: عباس محمود العقاد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تمهيد‏ # الجزء الأول: عن فرانكلين‏ # معالم الطريق‏ # العالم‏ # الكاتب‏ # السياسي‏ # الفيلسوف‏ # الإنسان‏ # الجزء الثاني: من فرانكلين‏ # تمهيد‏ # تقويم ريتشارد المسكين‏ # رسائل‏ # خرافات وحكايات ذات مغزى‏ # علميات‏ # اجتماعيات‏ # محاكمة السحرة في جبل هولي‏ # خاتمة‏ # تمهيد‏ # الجزء الأول: عن فرانكلين‏ # معالم الطريق‏ # العالم‏ # الكاتب‏ # السياسي‏ # الفيلسوف‏ # الإنسان‏ # الجزء الثاني: من فرانكلين‏ # تمهيد‏ # تقويم ريتشارد المسكين‏ # رسائل‏ # خرافات وحكايات ذات مغزى‏ # علميات‏ # اجتماعيات‏ # محاكمة السحرة في جبل هولي‏ # خاتمة‏ # | بنجامين فرنكلين # | بنجامين فرنكلين # تأليف # عباس محمود العقاد # | تمهيد # إنسان وافر النصيب من ثناء الناس، ومن ثناء الذين لا يثنون على أحد إلا بمقدار، وقلما ~~يثنون بمقدار. # حياه فولتير فسماه «فرنكلين المجيد الحكيم». # 1 # وحياه دافيد هيوم فقال: «إنه الفيلسوف الأول والأديب الأول الذي جذب أنظار أوروبا إلى ~~البلاد الأمريكية.» # 2 # وحياة المصلح الناقد صمويل روميلي فقال بعد زيارته: «بين المشاهير الذين اتفق لي أن ~~رأيتهم في حياتي، يلوح لي أن فرنكلين - بسيماه وحديثه - أجدرهم بالتنويه فطلعته الأبوية ~~وبساطته في هيئته وكلامه، وجدة ملاحظاته، تركت في نفسي رأيا فيه أنه من صفوة الرجال الذين ~~وجدوا في كل زمان.» # 3 # وقال بلزاك: «إنه اخترع عمود الصواعق، واخترع القفشة، واخترع الجمهورية.» # وخاطبه رئيس قومه واشنطون فقال: «إذا كان التبجيل إكراما للخير، وإذا كان الإعجاب ~~إكراما للنبوغ، وإذا كان التقدير للوطنية، والحب للإنسانية خليقة أن تلهم عقل الإنسان ~~الرضا والغبطة، فلا مشاحة يتوافر لك السلوان بالحياة التي لا تذهب سدى.» # 4 # وقال رئيس قومه فرنكلين روزفلت وهو يحيي ذكراه بعد مائة وخمسين سنة: «إن بنيامين فرنكلين ~~الذي تدين له الجامعة - جامعة ييل - بالكثير، قد أدرك أيضا أن المبادئ الأساسية في العلم، ~~والأخلاق، وآداب الاجتماع على خلودها تتجدد بالتطبيق والتنفيذ على حسب المعيشة من جيل إلى ~~جيل، وإنني على يقين أنه لو كان معنا اليوم لقرر أن الواجب الأكبر على الفيلسوف والمعلم أن ~~يحققا المثل العليا للحق، والخير، والعدل بقسطاس الحاضر لا بقسطاس الزمن الغابر.» # 5 # هؤلاء يحملون غصن التحية. # وأناس آخرون يثنون عليه وهم لا يحملون غير ms001 الميزان، وقد يحسنون حمله باليمين ~~وباليسار. # قال ليونل الفين # Lionel Elvin # في كتابه رجال أمريكا: # كان للحياة في نفسه حب وعلاقات شتى، وكان يحسن المتعة باللغو، ويجتذب إليه القلوب ~~ويملكها بتلك المودة التي تنجم من القناعة العميقة والصفاء القرير. وحق أنه كان إلى ~~العطف أقرب منه إلى الشعور اللاعج، وإلى الفطنة أقرب منه إلى القريحة الشعرية، وإلى ~~الأخلاق العملية أقرب منه إلى السريرة الصوفية، وإلى الإصلاح أقرب منه إلى الثورة، ~~والانقلاب، وإلى أن يعد في زمرة أبناء الدنيا أقرب من أن يعد في زمرة الأنبياء، ولو ~~أنه قذف به إلى جزيرة خالية لكان مسلكه فيها كمسلك روبنسون كروزو، ولم يكن مسلكه ~~ثمة كمسلك إسكندر سلكيرك من تصنيف كوبر، وإن اختلاف الرأي في عرض هذا الخلق على ~~معيار النقد ليتوقف على مزاج الناقد وتقديره، وإنما أساس النقد كله أن فرنكلين قد ~~أفرط في التوحيد بين الفضيلة والنجاح المحترم، أو كما كتب على هامش ترجمته: ما من ~~شيء كالفضيلة يكفل للمرء حظه، ولكن مما يوضع له في الكفة الأخرى أنه إذا لم يكن قد ~~عبر علمه وحبه لخير بلاده الأمريكية، كما جعل الدنيا كلها مكانا أصلح للعيش فيه. ~~وقد صعد بمجهوده في سلم وطنه الجديد، وقذف بكل عن أرفع الآفاق وأبعد الأعماق في ~~الطبيعة الإنسانية. قد جعل بفضل ما عنده في معركة الديمقراطية التي تقابل المجتمع ~~الخاضع لسلطان الاستبداد، وآمن بأن الناس جميعا ينبغي أن يكونوا - في كل مكان - ~~راضين سمحين أحرارا مثقفين، وأن العمل لمثل هذه الغاية وحسن الإبانة عنها ليس ~~بالمطلب الصغير ولا بالأمر الهين. # ومن الذين يثنون عليه من لا يحملون غصن التحية ولا يحملون ميزان الحساب، ولكنهم يحتكمون ~~إلى هوى العاشق وشوق المفتون، ويقولون بلسان قائلهم لورنس نبي الجسد في القرن العشرين: ~~«إنني لأعجب به.» ~~«أعجب بشجاعته الدءوب قبل كل شيء، ثم أعجب بحصافته، ثم ببصره النافذ في غمائم البروق ~~والرعود والكهربا، ثم بفكاهته الدارجة؛ كلها خصال الرجل العظيم الذي لم يكن قط أكبر من ~~مواطن عظيم.» # ثم ms002 يقول، أو تقول شيعته كلها بلسانه: «إنه طابع، فيلسوف، عالم، مؤلف، وطني، زوج صالح، ~~مواطن، فما باله لا يكون نموذجا يقاس عليه؟» # أتراه رائدا؟ يا للرواد! # لقد كان بنيامين رائدا من أكبر الرواد في الولايات المتحدة، ولكننا لا نستطيع أن نسلك ~~معه، فما هو جانب الخطأ فيه؟ وما هو جانب الخطأ فينا؟ ~~«إنني لأذكر في صباي كيف كان أبي يشتري الكتاب الذي يسمى التقويم، وتظهر على غلافه صور ~~الشمس والقمر والنجوم، وتتخلله النبوءات عن الحروب والمجاعات، ومعها في الزوايا نوادر ~~وأضاحيك تمازجها العبر والعظات، وقد كنت أضحك ضحكتي الصغيرة الغريرة من تلك المرأة التي ~~تعودت أن تعد الكتاكيت قبل انفراج البيض عنها وما إلى هذه الفكاهات، وعلمت من ثم أن الأمانة ~~أفضل سياسة بشيء من تلك الغرارة، وكان مؤلف هذه الشذور ريتشارد المسكين، وكان ريتشارد ~~المسكين بنيامين فرنكلين، كاتبا ما كتب في فلادلفيا قبل أكثر من مائة عام، وربما كنت حتى ~~اليوم لا أسيغ تلك العبر والعظات، ولا أزال ضائقا بها، كأنها الشوك في لحم الصبي الصغير، ~~ولأنني لا أزال أومن بأن الأمانة أفضل سياسة أراني أبغض السياسة بحذافيرها، وإنه لسواء عندي ~~أن تعد الكتاكيت قبل مولدها، وأن تعدها منهوما بمنظرها بعد خروجها من البيضة، ولقد لبثت ~~السنوات الطوال، وعانيت الوخزات التي لا عداد لها كي أخلص من ذلك السلك الشائك الذي أقام به ~~ريتشارد المسكين أسوار الأخلاق.» # وقبل ذلك يقول لورنس عن فرنكلين والروح الإنسانية: «إن الروح الإنساني غاب ألفاف، ~~وفرنكلين يقتطع منه حيزا يحرثه ويدير عليه حائط البستان.» # 6 # وهذا هو الشرط الناقص في معيار لورنس نبي الجسد في القرن العشرين، أو نبي النزوات الحسية ~~على التعبير الصحيح. # فلا يوافق ذوقه نظام متكشف لضوء النهار، ولا بد من الألفاف المتشابكة على غير نسق معلوم، ~~ولا بد من الزوايا المظلمة، واللفحات المضطربة هنا وهناك، ولا بد من صدع الحائط حول البستان ~~ليزول البستان اسما وسمة، ولا يبقى غير الغابة ذات الألفاف، وذات السباع، وحبذا لو اتسعت ~~للأفاعي مع السباع! ms003 # ولا يطلب من كل عظيم أن يكون وفقا لشروط لورنس فيما يستحق به المحبة والعاطفة المشتعلة، ~~حسب العظيم أن يكون وفقا لإعجابه وتعظيمه بسبب أو سببين، وقد كان فرنكلين وفقا لشروط ~~إعجابه بأسباب كثيرة: شجاعة وحصافة وبصر نافذ خلل الغمام، وفكاهة دارجة ووطنية جديرة ~~بالإعظام والإكرام. # ولا نكتم عن أنفسنا أننا نرضى عن معيار لورنس في تقدير العظمة بعض الرضا، ولا نحس في صميم ~~الوجدان أننا ننكره كل الإنكار. # أتكون عظمة بغير نار مقدسة؟ # كلا. لا غنى عن هذه النار المقدسة في عظمة عظيم، وليس من حق النظام ولا النور أن يسلبها ~~تلك النار التي لا يقر لها قرار. # إلا أن العبقرية كلها نار مقدسة، والعبقرية كلها لا يقر لها قرار مع اضطرام تلك ~~النار. # وفرنكلين على وفاق هذا الشرط بغير شذوذ ولا استثناء، فلا دخان ولا شرر ولا قعقعة من ~~الوقود المتأجج بين الضرام. # ولكن النار هناك في الموقد المصون. # لا صاعقة تنقض على الحطام بين البروق والرعود، ولكن العمود هناك يتلقى الصاعقة في ~~أمان. # والتفرقة بين النارين حتم في مقام الكلام على عبقرية فرنكلين. أليس هو صاحب الموقد الذي ~~نحس ناره ولا نحس دخانه وشرره؟ أليس هو صاحب العمود الذي يستنزل الصاعقة ويروضها بعد الجماح ~~رياضة الفارس الخبير؟ # إن العبقرية التي يعجب بها لورنس كالنار التي تلتهب في المدخنة، ثم تطير الحرارة منها بين ~~الجدران وبين الهواء والهباء. # ولم تذهب هذه النار بين يدي فرنكلين؛ لأنه صاحب الموقد الذي اخترعه ليحفظ النار ويبثها ~~على السواء بين الجدران، وليرسل منها إلى الفضاء ما تستغني عنه الأبدان. # والصاعقة لم تذهب كذلك بين يديه، ولكنه ساسها وقادها وأسلس زمامها، فهي صاعقة في طريقها ~~بين السماء والأرض، ولكنها من قبيل العبقرية التي خلقت لفرنكلين! # ويوشك أن يكون التشبيه هنا واقعة محتومة لا مجاز فيها، ويوشك أن يكون الموقد وعمود ~~الصاعقة من اختراع هذا العبقري؛ لأنهما أشبه النيران بعبقريته الطيعة الرفيقة: عبقرية تعجب ~~النفوس والعقول، ولكنها لا تروع ولا تهول. # لهذه العبقرية محلها ms004 بين العبقريات في كل زمن، ولعلها أولى بالمحل الأول من هذا الزمن ~~خاصة؛ لأنه زمن لا تعوزه عبقريات اللهيب والدخان، وقد تعوزه المئات من عبقريات النور ~~والهداية والأمان. # ومن رسائل هذه العبقرية في هذا الزمن أنه زمن ضاعت فيه الشخصية الإنسانية بين التخصص ~~والكثرة العددية، وكلاهما «فناء» لمزايا الإنسان أشبه بفناء «النرفانا» في عقائد المنهزمين ~~المنكرين للحياة. # إن «التخصص» قد جار على «الشخصية الإنسانية» فلم يترك في كل امرئ إلا جزءا من إنسان ~~مستغرقا في جزء من المعرفة وجزء من العناية بالعالم الواسع الذي يعيش فيه، وليس أضر، ولا ~~أوخم من هذه التجزئة في الزمن الذي ولدت فيه الفكرة العالمية وأصبحت علاقة العالم الإنساني ~~بعضه ببعض حقيقة متمكنة تتطلب الإنسان كله للمساهمة فيها، ولا تقنع منه بجزء ناقص محبوس في ~~أصداف المحار. # وإن هذه العبقرية التي تعددت جوانبها وتشعبت شواغلها، مع الاتزان والاعتدال وحسن الإحاطة ~~والإجمال، لهي الترياق الذي يشفي من هذه الآفة، والقدرة التي تستنهض الهمة لمحاكاتها، ثم لا ~~تيئسها من بلوغ الغاية في المحاكاة؛ لأنها - بطبيعتها - تعجب النفوس والعقول، ولكنها لا ~~تروع ولا تهول. # وقد جارت الكثرة العددية على معالم الشخصية الإنسانية فوق هذا الجور الذي ابتليت به من ~~داء التخصص والانحصار، وقد تجدي هذه العبقرية جدواها التي لا تشبهها جدوى العبقريات الأخرى ~~في إنصاف «الشخصية» الممتازة من طوفان الكثرة العددية؛ لأنها من هذه الكثرة خرجت، ولهذه ~~الكثرة عملت، وعلى هذه الكثرة عولت في كل مرحلة من مراحل النجاح وعلى كل درجة من درجات ~~السمو والارتفاع، فلم يمنعها ارتفاعها من غمار الكثرة العددية أن تكون من زمانها إلى هذا ~~الزمان مثلا نادرا «للشخصية» الفذة التي لا تضيع في غمار. # والصفحات التالية صور متتابعة لهذه الشخصية أو لهذه العبقرية، لم نحفل فيها بسجل الأرقام ~~ولا بإحصاء الأيام، ولم نكتبها لنبدأ فيها بسنة الولادة، ونختمها بسنة الوفاة، ونمضي فيها ~~مع التقويم شهرا بعد شهر وعاما بعد عام، ولكننا كتبناها كما نكتب تراجمنا عامة لنعرض فيها ~~لمحة بعد لمحة تتم بها ms005 ملامح الصورة بعد الفراغ من النظر إليها، وقد يتابعها القارئ فلا ~~يفوته من ذلك سجل الأرقام ولا إحصاء الأيام، وإنما يلم بها حيث يعبرها في طريقه، ويستغني ~~عنها بعد ذلك إذا شاء، أو يبقيها على حد سواء. # وسنبدأ «الصورة» بترجمة مجملة ترسم مراحل الطريق، أو ترسم حدود النظر إلى الإطار الذي ~~يحيط بملامحها وقسماتها، ثم نتبعها بصورة لكل جانب من جوانب هذه الشخصية على أعمها وأوسعها، ~~مع صعوبة التعميم والإحاطة بهذه الشخصية الفذة التي لم تدع شأنا من شئون عصرها إلا اشتغلت ~~به في وقت من الأوقات، ثم ندع لها أن تتكلم بلسانها، وتعبر لنا عن كل جانب من جوانبها، ولعل ~~الكلام الذي نسمعه منها أدل عليها من كل كلام يقال فيها. # ولنبدأ بالترجمة: ترجمة العالم الكاتب السياسي الفيلسوف الإنسان. # عباس محمود العقاد # الجزء الأول # | عن فرانكلين # | معالم الطريق # كتب فرنكلين سيرته التي سماها المفكرات، وسميت فيما بعد بالترجمة الذاتية، وبدأها وهو ~~ينوي أن يخص بها أبناء أسرته للاستفادة بها في شئونهم العائلية، ثم اطلع عليها بعض ~~أصدقائه فأعجبوا بها وأشاروا عليه بإتمامها وتعميم نشرها، ولكنها لم تنشر في حياته ولم ~~يحصل عليها الناشرون كاملة، إلا بعد مساومات ومفاوضات طويلة مع الذين جمعوا أجزاءها في ~~فرنسا، حيث ظهر الجزء الأول منها للمرة الأولى مترجما إلى اللغة الفرنسية. # وقد كتبت هذه الترجمة على أربعة أجزاء في أوقات متعددة وأماكن متفرقة. # كتب الجزء الأول منها في إنجلترا وهو في الخامسة والستين من عمره، واشتمل بعد تاريخ ~~أسلافه على تاريخ حياته من مولده في سنة 1706 إلى زواجه سنة 1730. # وكتب الجزء الثاني في باسي بفرنسا بعد ذلك بثلاث عشرة سنة (أي سنة 1784). # وكتب الجزء الثالث بعد أربع سنوات (1788) على أثر عودته إلى فلادلفيا وبلغ به حوادث ~~سنة 1757 حين كان في الحادية والخمسين. # والمظنون أنه أضاف إليها الجزء الرابع ما بين أواخر سنة 1789 وأوائل سنة 1790 قبل ~~وفاته بفترة وجيزة. # ولا توجد بين الترجمات الذاتية ترجمة لها نصيب هذه الترجمة من الإقبال ms006 والقراءة ~~العامة؛ لأنها حديث شائق عن رجل مشهور محبوب يروي قصة حياته ، ويحسن روايتها على النسق ~~الذي يهم كل قارئ وقارئة كأنها قصة للتسلية، وكأنها في الوقت نفسه قصة القارئ في حياته ~~الإنسانية التي تتشابه بين جميع الناس على اختلاف الحوادث والأوقات. # وهذه الترجمة تصور صاحبها أصدق تصوير فيما ذكره من أخباره وأعماله، وفيما يستخلصه ~~القارئ من بين السطور على غير قصد من المؤلف؛ لأن أسلوبه فيها يفسر الناحية المهمة في ~~شخصية فرنكلين، وفي عوامل نجاحه وسهولة مسلكه بين الناس في كل مكان عمل فيه، من وطنه ~~إلى إنجلترا إلى فرنسا، ومن بيئة الصناع الفقراء إلى بيئة الملوك والأمراء والنبلاء، ~~ومن طوائف الأميين وأشباه الأميين إلى طوائف العلماء والحكماء وقادة الآراء. # إن الرجل لم يكسب هذا المسلك السهل بالملق والموافقة؛ لأنه كان يبدي رأيه على أتمه ~~إذا خالف سامعيه، وكان لا يثني على أحد بغير أسلوب العالم الذي يعني كل ما يقوله وإن ~~تلطف في التعبير، ولكنه كسب هذا المسلك السهل بتسليمه للضعف الإنساني حيث لا تجدي ~~المكابرة، فكان يعرف عيوبه ولا يداريها، وكان حكمته التي كتبها في تقويمه «نظف أصابعك ~~قبل أن تنظر إلى بقعي» شعارا له يتبعه ولا يلزم أحدا أن يتبعه مثله، فإذا كتب عن ~~عيوبه خيل إلى القارئ أنه بريء من تلك العيوب، وإذا شرح أعماله وتكلم عن أسباب نجاحه لم ~~يكتم القارئ أنه فخور بها كما يصنع الكثيرون من أدعياء التواضع وإنكار الذات، ولكنه ~~يتكلم عنها ويدع القارئ يفهم أنه قادر على مثلها إذا أراد، وأن الأسباب التي استعان بها ~~مبسوطة بين يديه لأنها في ميسوره ومقدوره. # ومن مفتتح الترجمة إلى ختامها يجري المؤلف على هذا الأسلوب الصريح بغير تكلف ولا ~~مداجاة، فيقول في مفتتح الترجمة أنه كتبها ليرضي شهوة التحدث عن النفس التي تملك الشيوخ ~~في أخريات أيامهم دون أن يضجر أحدا من سامعيه؛ لأنهم أحرار في السماع أو الإعراض، وأنه ~~لا يكتم عن القارئ أنه فخور بنجاحه، ولا يبدأ الكلام قائلا على سبيل ms007 الاعتذار «بلا ~~فخر، ولا ادعاء» ثم يتلوه كلام كله فخر وادعاء، وبمثل هذا الأسلوب يجرد الفخر من شوكته ~~المؤذية، ويجرد التواضع من طلائه الكاذب، ويقف «بإنسانيته» الضعيفة القوية بين أيدي ~~إخوته من الناس. # ويستخلص القارئ من الترجمة صفة أخرى كان لها ولا ريب أثرها العظيم في ألفة فرنكلين ~~للناس، وألفة الناس إياه، فإن القارئ ليفهم من الصفحات الأولى أنه يعيش مع «مخلوق ~~اجتماعي» من فرعه إلى أصبع قدمه، وقد قيل قديما وحديثا: إن الحاسة العائلية أساس ~~الحاسة الاجتماعية وقرارها الذي ترجع إليه في الأعماق، وهذه الحاسة العائلية أو هذه ~~الحاسة الاجتماعية هي التي تنضح بها كل صفحة من صفحات الترجمة من بدايتها إلى نهايتها، ~~فإنه على علمه بفقر آبائه وأجداده، وعلى عزيمة الهجرة الأبدية التي اعتزمها مؤثرا دار ~~الهجرة على مواطن الآباء والأجداد، وعلى كثرة الشواغل التي تشغل السفير الأمريكي عند ~~حكومة الدولة البريطانية في إبان الخلاف والشقاق، لم يمنعه هذا كله أن يبحث عن تواريخ ~~أسلافه البسطاء، وأن يتحرى منها كل ما أمكنه العثور عليه، وأن يثبته كما انتهى إليه ~~بغير صقل ولا تزويق وبغير حشو ولا ادعاء. # ويستطيع القارئ من قراءة السطور وما بينها أن يفهم أن «بنيامين» قد ورث من كل سلف ~~مذكور حمل اسم فرنكلين بنية قوية ومزاجا كأقرب ما يكون المزاج الإنساني إلى الاعتدال، ~~فسلك سبيله بين الناس بغير عقدة خفية، وبغير خبيئة مطوية، واستعان بتلك البنية على ~~احتمال ما يعيا به الكثيرون من خلائق الناس التي تطاق أو لا تطاق، ولا وجه لاستغراب ~~النجاح من رجل عليم بالضعف الإنساني مقتدر على المعذرة مطبوع على الحاسة الاجتماعية، ~~سليم الأعصاب، غير مضطرب المزاج. # ونحن لا نريد في هذا الفصل - بداهة - أن ننقل الترجمة كلها، أو نلخصها، ولا نريد كما ~~ذكرنا في التمهيد أن نستقصي هذه الترجمة في سائر فصول الكتاب؛ لأننا آثرنا أن نتكلم على ~~جوانب الصورة التي ترسم لنا ملامح فرنكلين، وندع الكلام عن وقائع الحوادث وأرقام ~~السنين، فيعنينا فرنكلين العالم كيف كان عالما، وفرنكلين ms008 الكاتب كيف كان كاتبا، ~~وفرنكلين السياسي، وفرنكلين الفيلسوف كيف كان في مناهجه السياسية وفي آرائه الفلسفية، ~~وكيف كان فرنكلين الإنسان بعد ذلك إنسانا حقا في جميع تلك الجوانب، أو جميع تلك ~~الملامح من الصورة الشاملة، ولا يعنينا ما عدا ذلك من التاريخيات التي لا تصحبها ~~«نفسية» من هذه النفسيات. # نحن لا نريد أن ننقل الترجمة أو نلخصها، ولكننا لا نستطيع مع هذا أن نغفلها وندع ~~النقل منها في كتاب عن «شخصية» الكاتب الذي ألفها، فما ننقله هنا من الترجمة فإنما هو ~~الجزء الذي يكفي للإبانة عن أسلوبه والجزء الذي تنفرد الترجمة به، فلا يشاركها فيه مصدر ~~آخر من مصادر السيرة التاريخية، وذلك هو الجزء الذي يتكلم فيه فرنكلين عن سلفه إلى ~~مولده وطفولته واختياره لصناعته على آسال من سوابق أولئك الأسلاف، ثم نتبع هذا الجزء ~~بالإشارة إلى خطوات هذه الحياة الحافلة بين أرقام السنين؛ لأنها سجل يراجع عند الضرورة ~~كلما دعت الحاجة إليه في متابعة فصول الكتاب، ولا يفوتنا أن نعد من أسباب هذا الاكتفاء ~~أن مفكرات فرنكلين ليست من قبيل التراجم التي تختصر وتلخص فيغني عنها الاختصار ~~والتلخيص؛ لأنها بنية حية، وليست أشتاتا من الحوادث يمسكها السمط، ويأتي من يشاء فيقطع ~~السمط حيث يشاء، ولكنها تؤخذ جانبا جانبا كما تؤخذ الصور من جوانبها المتعددة، وهذا ~~هو جانبها الذي اخترناه لنقله بغير تصرف فيه، للسبب الذي ~~قدمناه. # قال فرنكلين في النسخة الأولى من مفكراته: # هنا سأرضي تلك النزعة المألوفة في الشيوخ: نزعة التحدث عن أنفسهم وأعمالهم ~~الماضية، دون أن أزعج بها غيري ممن يحسبون - رعاية للسن - أنهم مطالبون ~~بالإصغاء إلي، إذ كان في وسعهم أن يقرءوا أو يدعوا القراءة متى شاءوا، ~~وسأعترف أخيرا بأنني سأرضي غروري لأنني إن أنكرته لم يصدقني أحد، والحق أنني ~~ما سمعت ولا قرأت قولة لقائل في التمهيد لكلامه: أنه لا يريد أن يدعي أو يغتر، ~~إلا رأيت بعد ذلك ضربا من الادعاء أو الغرور يأتي على الأثر، وإن كثيرا من ~~الناس ليبغضون الغرور في الآخرين ms009 مهما يكن من وفرة نصيبهم منه، ولكنني تعودت أن ~~أفسح له مكانا كلما التقيت به، لعلمي أنه يفيد أحيانا من يغترون ومن يتصلون ~~بهم في جوارهم، وليس من العبث إذن أن يشكر الإنسان ربه على ما يسديه إليه من ~~الغرور بين سائر النعم التي يستمتع بها في حياته. # والآن أقول بعد حمد الله متطامنا بين يديه أنني مدين بما نعمت به من السعادة ~~لحكمته الرحيمة التي هدتني إلى الوسائل التي توسلت بها وبلغت ما بلغت من النجاح ~~بفضلها، وأن يقيني بهذا يدعوني إلى الأمل، وإن كنت لا أعلم الغيب، أن تلك ~~الحكمة الرحيمة سوف تتولاني لاستبقاء تلك السعادة أو للصبر على ما يصيبني من ~~خيبة الرجاء كما يصيب الآخرين؛ إذ لا يعلم مصيري غير الله القدير على أن يجعل ~~في كل شيء بركة حتى العذاب. # إن المذكرات التي أسلمها إلى أحد أعمامي المعنيين مثلي باستطلاع الأخبار ~~والنوادر عن أسلافي قد زودتني ببعض المعلومات الخاصة عن أولئك الأسلاف، وقد ~~علمت من هذه المذكرات أن العائلة سكنت القرية بعينها - قرية أكتون في ~~نورثامبتون شاير - ثلثمائة سنة، ولا يعلم كم من السنين أقامت فيها قبل ذلك، ~~ولعلها بدأت منذ اتخذت اسم فرنكلين، الذي كان علما على طائفة من الناس، لقبا ~~لها يوم ذهب الناس جميعا يقرنون أسماءهم بالألقاب في سائر أنحاء ~~المملكة. # وكانوا يعيشون على نحو ثلاثين فدانا مستعينين مع غلتها بصناعة الحدادة التي ~~احترفتها الأسرة إلى أيامه، وكان أكبر الأبناء يتدرب من نشأته على هذه الصناعة، ~~عادة جرى عليها الآباء من القدم، ونهج هو، وأبي على مثالهم فيها. # ولما ذهبت لمراجعة السجلات المحفوظة في قرية أكتون وجدت فيها تسجيلات لمولدهم ~~وزواجهم ووفاتهم منذ سنة 1555، ولم أجد لهم تسجيلات محفوظة قبل تلك السنة، ~~وعلمت من تلك التسجيلات أنني كنت أصغر الأبناء لأصغر الأبناء خمسة أجيال ~~متعاقبة، وكان جدي توماس الذي ولد سنة 1598 معمرا عاش في أكتون حتى أقعدته ~~السن عن مباشرة الصناعة، فذهب إلى بانبري من إقليم «أكسفورد شاير» ليعيش مع ~~ابنه ms010 جون الذي كان يحترف الصباغة وعلى يديه تعلم أبي هذه الصناعة، وقد توفي جدي ~~ودفن بها ورأينا شاهد قبره سنة 1758. # وسكن ابنه الأكبر - توماس - في منزل أكتون ثم تركه ومعه الأرض لابنته الوحيدة ~~التي باعت الميراث - هي وزوجها المسمى فيشر من ولنجبورو - لمستر استيد مالك ~~الأرض الآن. # وقد كان لجدي أربعة أبناء شبوا وكبروا وهم توماس، وجون، وبنيامين، وجوشيا، ~~وسأخبرك بما علمته عنهم بعيدا من مراجعي وأوراقي معتمدا على ما وعته الذاكرة. ~~فإن لم تكن تلك الأوراق قد ضاعت، فإنك واجد فيها مزيدا من التفصيلات. # نشأ توماس حدادا بصحبة أبيه، ولكنه كان ذكيا فشجعه السيد بالمر عميد ~~البلد كما شجع إخوته على التعلم والاستزادة من المعرفة، فتدرب على كتابة العقود ~~ونبه شأنه في أمور البلد، وأصبح وعليه المعول في توجيه المسائل العامة ~~بنورثامبتون وقريته التي روت لنا أخبارا كثيرة عنه، وذاع صيته في أكتون فتولاه ~~لورد هليفاكس يومئذ برعايته. ثم مات في السادس من شهر يناير سنة 1702 حسب ~~التقويم القديم قبل مولدي بأربع سنوات، وتدل سيرته التي تلقيناها من شيوخ أكتون ~~كما أذكرها على أمر عجب لشدة الشبه بينها وبين سيرتي، ولو أنه مات في نفس اليوم ~~الذي ولدت فيه لخطر لك أنني تقمصت روحه. # ونشأ جون صباغا يشتغل على ما أظن بصبغ الصوف، ونشأ بنيامين صباغا للحرير ~~متتلمذا في الصناعة بلندن. وكان رجلا ألمعيا أذكره جيدا؛ لأنه جاءنا إذ ~~كنت طفلا ليزور والدي في بوستون، وسكن معنا بالمنزل بضع سنوات، وقد عمر ~~طويلا، وحفيده صمويل فرنكلين يعيش في بوستون اليوم، وقد ترك بعده مجلدين من ~~نظمه يشتملان على مقطوعات منظومة لمناسباتها موجهة إلى أصدقائه وأقاربه، ومنها ~~واحدة وجهها إلي. # 1 # واخترع طريقة للاختزال علمني إياها، ولكنني لم أستعملها قط ونسيتها الآن. وقد ~~سميت على اسم هذا العم للعطف المتبادل بينه وبين أبي، وكان تقيا جدا شديد ~~المواظبة على حضور العظات من أبلغ الوعاظ يسمعها ويدونها بطريقة الاختزال ~~ويحتفظ عنده بمجموعات كبيرة منها. وكان كذلك مشغولا بالسياسة كثيرا، ولعل ms011 ~~اشتغاله بها كان أكثر مما يلائم مركزه. وقد عثرت له في لندن على مجموعة ~~للكراسات التي صدرت في موضوعات المسائل العامة من سنة 1641 إلى سنة 1717، ضاع ~~منها بعضها كما يتبين من ترقيمها، وبقي منها ثمانية مجلدات من القطع الكبير ~~وأربعة وعشرون مجلدا بين متوسط وصغير، وكان رجل من باعة الكتب القديمة أعرفه ~~وأشتري منه بعض الكتب قد عثر بها فأحضرها إلي، ويظهر أن عمي تركها عند سفره ~~إلى أمريكا إذ كان قد جاوز الخمسين من عمره، ودون على هوامشها كثيرا من ~~تعليقاته وملاحظاته. # لقد كانت عائلتنا الخاملة هذه بين السابقين إلى قبول مذهب الإصلاح، ولبثت على ~~المذهب البروتستانتي خلال حكم الملكة ماري، وتعرضت للمتاعب أحيانا من جراء ~~غيرتها في مقاومة البابوية، وكان لديهم نسخة إنجليزية من الكتاب المقدس يحتالون ~~على إخفائها بوضعها في داخل كرسي ينطوي وينبسط ويضعه جدي الأكبر على ركبتيه ~~كلما أراد أن يقرأ على الأسرة شيئا من آياته، وكان أحد الأطفال يقف عند الباب ~~لينبههم إلى قدوم الرقيب الموظف بالمحاكم الروحية كلما بصر به قادما من بعيد، ~~فينطوي الكرسي في هذه الحالة، ويختفي الكتاب المقدس فيه كما كان. وقد أنبأني ~~بهذه القصة عمي بنيامين، وعلمت أن الأسرة كلها دانت بمذهب الكنيسة الإنجليزية ~~إلى أيام شارل الثاني التي حدث فيها فصل بعض القساوسة لانحرافهم عن مذهب ~~الكنيسة الملكية، فاستقلوا بنحلتهم في «نورثامبتون شاير» وانضوى إليهم بنيامين ~~وجوشيا وظلت بقية الأسرة على مذهب الكنيسة الرسولية. # وتزوج أبي - جوشيا - صغيرا فانتقل بزوجته وأطفاله الثلاثة إلى نيو إنجلاند ~~بأمريكا حوالي سنة 1682 لصدور القانون بتحريم قيام النحل المخالفة للكنيسة في ~~البلاد الإنجليزية، وأقنع طائفة من صحبه بالهجرة إلى هذه البلاد لما كان يلقاه ~~من العنت في وطنه، فاقتنع هو وصحبه بضرورة الهجرة أملا في التحرر من الحجر على ~~عقائدهم، وولد له من زوجته الأولى أربعة أطفال آخرين، ثم عشرة أطفال من زوجة ~~أخرى، فتم عددهم سبعة عشر، وأذكر منهم ثلاثة عشر يجلسون على مائدته عاشوا حتى ~~أصبحوا رجالا ونساء وتزوجوا ms012 جميعا. وكنت أنا أصغر الأبناء وأصغر الأطفال ~~جميعا ما عدا طفلتين أصغر مني، وولدت في بوستون بنيو إنجلاند. # وزوجته الثانية - أمي - هي آببا فولجر بنت بطرس فولجر أحد السابقين من ~~المهاجرين إلى نيو إنجلاند، وأشار إليه كوتون ماثر إشارة مشرفة في تاريخه ~~لكنيسة ذلك الإقليم فقال عنه - إذا لم تخني الذاكرة: إنه رجل إنجليزي صالح ~~مثقف. # وسمعت أنه كتب مقطوعات متفرقة كثيرة في مناسباتها لم تطبع منها غير واحدة ~~اطلعت عليها منذ سنوات، وقد نظمها في سنة 1675 على النسق الذي كان متداولا ~~مألوفا يومذاك، ووجهها إلى القائمين بالحكم في ذلك الحين حاثا فيها على حرية ~~الضمير منافحا عن عقيدة العماديين وجماعة الصحابيين وغيرها من النحل التي كانت ~~عرضة للحجر والاضطهاد، وعزا فيها مصائب الحرب الهندية والمصائب الأخرى التي ~~ابتليت بها البلاد إلى تلك السيئة البغيضة التي يصب الله غضبه على مرتكبيها، ~~داعيا إلى إلغاء القوانين التي سنت للتضييق على ضمائر الناس، وقد لاح لي أن ~~المقطوعة كلها كتبت بأسلوب الصراحة اللائقة والرجولة الكريمة في الذود عن ~~الحرية، وإني لأذكر سطورها الستة الأخيرة حيث يقول: إنني لأمقت المذمة من كل ~~قلبي، وأناديكم من مدينة شربورن التي أقيم فيها موقعا باسمي، غير مسيء إلى أحد ~~منكم، أنا بطرس فولجر. # وتتلمذ إخوتي الكبار جميعا في صناعات مختلفة، وأدخلت أنا مدرسة الأجرومية في ~~الثامنة من عمري، وأراد والدي أن ينذرني للكنيسة لأنني عاشر أبنائه، وقد كان ~~استعدادي المبكر لتعلم القراءة - ولا بد أنه كان مبكرا جدا لأنني لا أذكر ~~زمنا كنت فيه أجهلها - موافقا لنبوءة أصدقائه الذين اعتقدوا أنني خليق ~~بمستقبل حسن في الأستاذية، فشجعه اعتقادهم على إتمام مقصده. وقد أقره عمي ~~بنيامين على رأيه، واقترح أن يهب لي كل ما عنده من مجاميع العظات الدينية، ~~ولكنني بقيت في المدرسة مدة لا تزيد على السنة نقلت خلالها من وسط الفصل إلى ~~مقدمته ثم نقلت من هذا الفصل إلى الفصل الذي يليه كي أنتظم في الفصل الثالث عند ~~نهاية السنة. # على أن والدي وجد ms013 أثناء ذلك أن التعليم الجامعي كبير النفقة لا ينهض بأعبائه ~~مع تكاليف عائلته الكبيرة ووفرة مطالب المعيشة التي تلائم المتعلمين، وسرد هذه ~~الأسباب على مسمع مني لأصدقائه تسويغا لنقلي من مدرسة الأجرومية إلى مدرسة ~~أتعلم فيها الكتابة والحساب يديرها رجل مشهور يسمى جورج برنويل ناجح في صناعته ~~لوداعته وطيب معشره، ومنه تعلمت الكتابة المقبولة في وقت وجيز، ولكنني أخفقت في ~~تعلم الحساب ولم أتقدم فيه، ولما بلغت العاشرة خرجت من المدرسة لمساعدة والدي ~~في صناعته وهي صناعة الشمع والصابون التي لم يكن قد تدرب عليها منذ صباه، بل ~~اتخذها بعد وصوله إلى نيو إنجلاند؛ لأن رزقه من الصباغة لم يقم بنفقة العائلة ~~الكبيرة لقلة الحاجة إليها في نيو إنجلاند، فعملت في قطع الفتائل للشمع وصب ~~السائل في القوالب وملاحظة الدكان وإيصال الرسائل والطلبات. # ونفرت من هذه الصناعة وشعرت بميل شديد إلى العمل في البحار، ولكن والدي أبى ~~علي هذا العمل، وظللت - لقربي من الماء - متعلقا بالبحر، فتعلمت السباحة ~~وتسيير الزوارق وأصبح من المألوف كلما اجتمعت في زورق أو قارب مع زملائي من ~~الصبية أن يعهدوا إلي في تسييره، وبخاصة في الحالات المتعسرة، وتكررت قيادتي ~~لهم في غير تلك الحالات، فكنت أقودهم إلى بعض المناوشات التي أذكر هنا مثلا ~~منها لما فيه من الدلالة على الدوافع العامة، وإن لم يكن مثلا لحسن تدبيرها ~~وتصريفها. # كان في جوارنا مستنقع ملح يحيط ببركة المصنع، تعودنا أن نقف عند حافته ساعة ~~المد لنصطاد السمك الصغار، وطال ترددنا على تلك الحافة حتى توحلت وجعلت تسيخ ~~بأقدامنا. فعن لي أن نبتني عليها رصيفا نستخدم في بنائه كوما من الحجارة ~~معدا لإقامة منزل جديد بجانب المستنقع وصالحا كل الصلاح لبناء الرصيف الذي ~~نريده، وعلى هذا جمعت بعض الرفاق - بعد انصراف العمال في المساء - وأخذنا في ~~نقل الحجارة كأننا سرب من النمل يتعاون اثنان منا أو ثلاثة أحيانا على نقل ~~الحجر الواحد حتى نقلنا الحجارة كلها، وأتممنا بناء الرصيف، وجاء العمال صباح ~~اليوم التالي، فدهشوا لاختفاء الحجارة وعلموا ms014 أنها نقلت إلى الرصيف الذي ~~بنيناه، وبحثوا عن الجناة فعرفونا وشكونا إلى آبائنا، ولم ينفعني عند أبي ~~اعتذاري له بأنه عمل نافع؛ لأنه قال لي: إنه ما من عمل يخل بالأمانة يوصف ~~بالمنفعة. # وأحسبك تواقا الآن إلى الإلمام بشيء من صفاته وأخلاقه. فاعلم أنه كان ضليع ~~البنية معتدل القامة لا بالطويل ولا بالقصير، ولكنه مدمج الجسم قوي الأركان، ~~ذكيا يرسم رسما حسنا، ويجيد العزف على آلات الموسيقى بعض الإجادة، وله صوت ~~مقبول يتغنى به حين يوقع المزامير على القيثار كما تعود في المساء بعد الفراغ ~~من أعمال النهار، فيطربنا جدا أن نصغي إليه، وكانت له براعة في تناول الأدوات ~~والآلات يستخدم منها ما ليس من صناعته فيحسن استخدامه. غير أن المزية الواضحة ~~التي كان يمتاز بها سلامة الفهم والرأي في تناول المسائل الخاصة والعامة، وإن ~~تكن شواغله العائلية لم تدع له قط وقتا للعمل في هذه المسائل العامة، واستغرقت ~~أوقاته جميعا في القيام بتعلمها والتفرغ لكسب الرزق مع قلة المورد والعائدة. ~~إلا أنني أذكر جيدا أن أناسا من الوجهاء البارزين كانوا يزورونه فينة بعد ~~فينة؛ لاستشارته في شئون البلد أو شئون الكنيسة التي ينتمي إليها، ويتقبلون منه ~~الرأي والنصيحة بالتجلة والاحترام، كما أذكر أن أناسا من أصحاب المشكلات ~~الخاصة كانوا يسألونه النصيحة ويحتكمون إليه فيما يشجر بينهم من خلاف، وكان من ~~عاداته أن يدعو إلى مائدته صديقا أو جارا من ذوي الفطنة يتحدث إليه، ويحاول ~~على الدوام أن يختار للحديث موضوعا يفتق أذهان الأطفال ويلفتنا بهذه الوسيلة ~~لما ينبغي من الخير والعدل والحكمة في تدبير شئون الحياة. # هذه النبذة من مفكرات فرنكلين معينة لنا - على وجازتها - في تصوير الجانب الموروث من ~~تكوينه واستعداده وعامة أخلاقه، وتتلخص في قوة البنية، واستقامة الطبع، وسداد الفطنة، ~~والاعتراف بالواقع مع الشجاعة، وإباء الضيم، والتأهب للمخاطرة إيثارا لها على الخضوع ~~للمذلة، وقد تكون هذه النبذة الوجيزة معينة لنا في تصوير الاستعداد الاجتماعي الذي ~~ينتقل بالوراثة مع كيان البنية، ولكنه لا يظهر في المجتمعات كافة على ms015 درجة واحدة، بل ~~يتوقف ظهوره على مؤاتاة الحوادث والبيئات، ومن هذه الموروثات الفطرية الاجتماعية حسن ~~الاستعداد للسلوك مع الناس من الأنداد والرؤساء، وحسن الاستعداد للفهم والمعرفة، وحسن ~~الاستعداد للحكم على عوارض الحياة ما كان منها عاما مشتركا، وما كان منها خاصا ~~محصورا في شئون المرء وذويه، وقد تكون الدراية بالصناعات من المعادن «المصنوعة» كما ~~يؤخذ من اسمها ولكنها لا تكسب في جميع البيئات على السواء، ولا تكسب في البيئة الواحدة ~~على درجة واحدة، وقد يطول البحث في وراثة المزاج الذي يعين صاحبه على مطالب الحياة ~~الاجتماعية، هل هو موروث كله، أو هو مكسوب كله من البيئة الاجتماعية؟ غير أننا نخال أن ~~البحث قليل في صلاح المرء للسلوك مع الناس، وحسن التصرف في علاقاته الاجتماعية، كلما ~~اعتدل مزاجه، وسلم تكوينه، واستقامت فطرته. فلا شك هنا في معاونة الأخلاق الموروثة ~~للأخلاق الاجتماعية، ولا في التفرقة بين الصالحين للحياة وغير الصالحين لها كائنة ما ~~كانت شروط المجتمعات على الأحياء. # بهذه الوراثة - وراثة الصلاح للحياة - ولد فرنكلين وعاش إلى ختام حياته في سنه ~~العالية، وقد كان هذا المزاج الموروث فيه أشبه بالبنية الصالحة لاهتضام كل طعام ~~واستخراج كل ما فيه من غذاء، فما كان عسيرا على غيره أن يهتضمه ويستفيد منه لم يكن ~~عسيرا عليه أن يجعله غذاء صالحا على ما يعيبه من غثاثة أو مرارة، ولم يكن يعيبه أن ~~يهيئ ذلك الغذاء لغيره بعدوى الحكمة المطبوعة والسجية السمحة، وقد يصنع ذلك مع الزملاء ~~المنافسين كما يصنعه مع الرؤساء والمرءوسين، ونادرته مع جفرسون - وهو من أعظم زملائه في ~~قيادة الثورة الأمريكية - مثل لهذا الخلق المطبوع على الترويض والتهوين: ترويض الطبائع ~~العصبية وتهوين المشكلات الصعاب. # فقد عز على جفرسون أن يعارضه آباء الاستقلال في كل كلمة كتبها في الإعلان الذي أذيع ~~به استقلال الأمة الأمريكية، وجلس كئيبا حانيا رأسه بين يديه لا يدري ماذا يصنع بتلك ~~الملاحظات المتناقضة؟ وكيف يكتب ما يرضاه هذا الفريق وذاك الفريق وهم يجددون الملاحظة ~~مع كل تعبير، ولا ملامة عليهم ms016 في التدقيق الشديد؛ لأنه إعلان تاريخي توزن فيه كل كلمة ~~بموازين الحقوق والأرواح. # فخرج فرنكلين من تلك الجلسة الغائمة بفكاهة من فكاهاته السمحة، هونت على جفرسون ما ~~كان يلقاه ونشطت به إلى تجديد العناء في الحذف والإبدال والإصغاء. # قال فرنكلين: إنها قصة جون تومبسون تعاد من جديد. # وسأل جفرسون: من جون تومبسون هذا؟ # فعاد فرنكلين يقول: جون تومبسون هذا صديق قديم، كان يتتلمذ على معلم مشهور بصناعة ~~القبعات، ثم خطر له أن ينفرد بالعمل ويفتتح له دكانا يكتب له إعلانا جامعا يجتذب ~~إليه طلاب القبعات. فكتب الإعلان وقال فيه: «إن جون تومبسون قبعاتي، يصنع القبعات ~~ويبيعها نقدا». وراح يعرض الإعلان على أصدقائه ليسألهم رأيهم فيه، فقال له أولهم: إنه ~~لا حاجة به إلى كلمة «قبعاتي» ما دام في الإعلان أنه يصنع القبعات ويبيعها، وقال له ~~الصديق الثاني: إن الناس لايهمهم أنه صانع القبعة ما داموا يجدونها أمامهم معروضة ~~للبيع، وقال له الثالث: إنه من السخف أن يقول «يبيعها نقدا» ما دام معروفا عنه أنه لم ~~يكن من أصحاب المصارف التي تقرض على الحساب، وقال له الرابع: إنه ما من أحد ينتظر منه ~~أن يتبرع له بالقبعة إحسانا، أو هدية، فما حاجته أن يقول أنه يبيع القبعات؟ وبقي ~~الإعلان هكذا بعد كل هذه التنقيحات: (جون تومبسون. قبعات) فقال له الصديق الخامس: إنه ~~لا حاجة إلى كلمة قبعات ما دامت صورة القبعة مرسومة في الإعلان، وانتهت النصائح ~~والتعديلات ببقاء اسم جون تومبسون وإلى جانبه صورة قبعة، وهكذا تنتهي بلاغة البلغاء ~~كلما عرضوها على الناس للتنقيح وإبداء الآراء. # وهذه القصة - وحدها - كلمات فارغة لا يقرؤها أحد ويظن أنها تساوي أن ينفق فيها وقت ~~استماعها، ولكنها في ذاكرة فرنكلين وضعت في موضعها فصلحت لتفريج أزمة، ودفع سآمة وتجديد ~~نشاط في نفس عظيمة، ولم يستطع فرنكلين أن يصنع بها هذه المعجزة لأنه يعرف حكاية تروى، ~~وإنما استطاع المعجزة لأنه اتخذ من تلك الحكاية أداة للطبيعة السمحة المفطورة على تذليل ~~الصعاب، وتقدير المعاذير، وقبول الدنيا على ms017 علاتها وأخذ الناس جملة بما طبعوا عليه من ~~الهنات. # ونحن لا يفوتنا في معرض الكلام على الأخلاق الفطرية ، أو الأخلاق الموروثة، أن نقرر ~~تلك الحقيقة المشهودة التي يتوقف عليها إنصاف «الشخصية الإنسانية» وتقويم كل ترجمة من ~~تراجم العظماء بقيمة صاحبها، ونعني بتلك الحقيقة المشهودة أن الخلق الموروث لا يلغي ~~المزايا الفردية ولا ينقص من فضل الفرد في الانتفاع بما ورث مع اختلاف الزمن وتبدل ~~المواطن والمناسبات التي ينتفع فيها بتلك المزايا. فإذا استطاع الفرد في الجيل الحاضر ~~أن يستخدم مزاياه الموروثة التي كانت نافعة لآبائه قبل جيل أو جيلين فلا بد من فضل له ~~في حسن الاستخدام وحسن الاحتفاظ بما آل إليه من تراث الأقدمين، وإذا كان الحطام الموروث ~~قابلا للضياع، أو كان الغالب عليه أن يضيع ولا يبقى، فالأخلاق الموروثة تضيع كما يضيع ~~الحطام إذا آلت إلى المفرط فيها والعاجز عن صيانتها، وقد توضع الفطنة في غير موضعها ~~فتضر ولا تنفع، وتجور الشهوات على الجثمان القوي فتنهكه، وقد يكون الشعور بالقوة من ~~بواعث الشطط والتمادي في الغواية، وقد كان مساك الاعتدال في خلائق الآباء ~~والأجداد. # وفرنكلين لم يضيع ما ورث ولم يحتفظ به كما ورثه، بل نماه وثبته وقواه، وعاش إلى ~~ختام أيامه بثروته النفسية وعليها أضعاف مضاعفة من ثمرات السنين. # رآه شاب من شارلستون يسمى فيليب ماكنزي وهو في السبعين فكتب إلى صديق له يقول: «إنه ~~يقارب خمس أقدام وتسعة قراريط، وبدنه أضخم مما يناسب طوله، وعيناه رماديتان نفاذتان ~~كالصلب الحديد. وله رأس كبير وجبين عال وعلى خده الأيسر خال. لا يلبس الشعر المستعار ~~وشعره الطبيعي مرسل يتدلى على كتفيه، ومن الغريب أنه لم يخطه الشيب إلا قليلا مع أنه ~~في السبعين، وقد تحدث إلى أعظم العظماء في العالم، ولكنه كان يصغي إلى تعليقاتي الغريرة ~~كأنها تستحق الإصغاء حقا، وقد أبديت ملاحظتي هذه بعد انصرافه لصديقي ايد روتلدج فضحك ~~وقال لي: «إياك أن تخطئ فهمه. إن الدكتور فرنكلين كان مهتما حقا وأنت لا تعرف، فإنه ~~ليهتم بكل شيء ms018 وكل إنسان، ويعنيه من تكون أنت وماذا عملت في حياتك».» # 2 # واهتمام فرنكلين هذا الاهتمام بكل شيء وبكل إنسان ، هو موطن العجب والإعجاب بتلك ~~القدرة التي صمدت لمهام الحياة طوال ذلك العمر المديد، ولم تبخل على مهمة منها بحقها من ~~العناية ولا على أحد بحقه من المبالاة، وبقي الرجل بعد هذه التكاليف جميعا وكأنه في ~~وهم من يراه لا يهتم بشيء ولا يكثرث لخطب ولا يرى على حال من القلق والاضطراب. # وليس أكثر من الحوادث والأنباء التي اعترضت هذه الحياة في مراحل طريقها، بل طرقها ~~العديدة. وليس من اللازم للتعريف به أن نحصيها ونرتبها على حسب تواريخها، فكل ما يهمنا ~~في ترجمة العظيم من حوادثه وأنبائه أن تصور لنا جانبا من جوانب شخصيته وسرا من أسرار ~~عظمته واقتداره، وسنتحرى ذلك فيما سنكتبه عن فرنكلين العالم، وفرنكلين الكاتب، وفرنكلين ~~السياسي، وفرنكلين الفيلسوف، ونكتفي بالسلسلة التالية من أرقام السنين ومعالم الطريق ~~لمراجعة المواقيت كلما دعت الحاجة إليها في مناسباتها، وهذه هي كما نقتبسها من تقويم ~~سيرته في كتاب رجال أمريكا تأليف ليونل الفين، وهو تقويم واف في بابه لمن يتتبع مراحل ~~الطريق من هذه السيرة: # السنة # الحدث # 1706 # ولد في السابع عشر من يناير في بوستون. # 1714 # قضى سنة في مدرسة الأجرومية. # 1714-1716 # في مدرسة تجارية. # 1716 # مساعدا لأبيه في عمله. # 1718 # تلميذا لأخيه من أبيه، جيمس، في صناعة الطباعة. # 1721 # ينشئ جيمس فرنكلين صحيفة «ذي إنجلاند كورانت» رابع صحيفة في ~~المستعمرات. # 1722 # بنيامين فرنكلين يحرر الصحيفة أثناء حبس أخيه لانتقاداته ~~السياسية. # 1723 # أخوه لا يحسن معاملته فيهجر بوستون إلى فلادلفيا ويعمل في ~~الطباعة. # 1724 # يغرى بالسفر إلى لندن لشراء اللوازم ويتخلى عنه صاحب عمله الحاكم كيث ~~ولا يبعث إليه برسائل التوصية التي وعده بها، ويعمل في الطباعة. # 1725 # ينشر كتابه الأول نقدا لبعض الآراء الدينية. # 1726 # يعود إلى فلادلفيا ليعمل في دكان، ولكنه يعود إلى الطباعة. # 1730 # ينفرد بحيازة مطبعة، ويتزوج. # 1730-1748 # طباع ناجح مطرد النجاح. يصدر تقويم ريتشارد المسكين وصحيفة ms019 بنسلفانيا ~~جازيت، ويتولى شئونا مهمة في حياة فلادلفيا العامة، ولا سيما مشروعات ~~إصلاح المدينة وخدماتها الاجتماعية. يشتغل بمباحثه ومخترعاته العلمية، ~~ويؤسس في سنة 1743 جماعة الفلسفة الأمريكية، وتناط به أمانة سرها. # 1748 # يعتزل العمل محتفظا بمورد سنوي منه يكفل له معيشته. # 1749-1752 # تجاربه الكهربية الأولى، وإثباته للكهربية في الصواعق، واختراعه لعمود ~~الصاعقة، وشهرته العلمية الواسعة. # 1751 # نائب عن فلادلفيا في هيئتها النيابية. # 1753 # نائب مدير لمصلحة البريد في المستعمرات. # 1754 # ينوب عن بنسلفانيا في مؤتمر ألباني للمستعمرات ويقترح تكوين ~~الاتحاد. # 1755 # منظم تموين البعثة التي قادها الجنرال برادوك في قتال الفرنسيين ~~والهنود الحمر. # 1757 # سافر إلى لندن للنيابة عن الشعب في خلافه مع ملاك الإقطاع في ~~بنسلفانيا. # 1762 # عاد إلى أمريكا. # 1764 # سافر إلى إنجلترا مرة أخرى. # 1766 # نوقش علنا بمجلس النواب في مطالب الأمريكيين بصدد القانون المعروف ~~بقانون الدمغة. # 1767-1775 # تزداد شكوكه في سياسة وزراء جورج الثالث، ويزداد اقتناعه بضرورة إعلان ~~المستعمرات لاستقلالها، ويثابر مع ذلك على بحوثه العلمية، وتتصل صداقته ~~العلمية والسياسية والفلسفية بالعالم «بريستلي»، ويتصل العطف بينه وبين ~~بيرك خطيب الأحرار. # 1775 # يعود إلى وطنه، ويختار عضوا للمؤتمر القومي الثاني، وعضوا في لجنته ~~المنوط بها تحرير إعلان الاستقلال، ويباشر إعداد العدد العملية ~~للمقاومة. # 1776 # أرسل مع اثنين للنيابة عن بلده في فرنسا. # 1777 # نجاح عظيم، وشهرة سياسية وفلسفية ودبلوماسية في فرنسا. # 1778 # عقد المعاهدة بين فرنسا والولايات المتحدة، وفرنكلين هو المندوب ~~الأمريكي الوحيد في فرنسا. # 1783 # أحد المندوبين في مفاوضات الصلح مع بريطانيا العظمى، ويتم توقيع معاهدة ~~الصلح بباريس. # 1785 # يعود إلى وطنه، ويتقلد رياسة بنسلفانيا. # 1787 # مندوب في لجنة الدستور. # 1788 # يعتزل الحياة العامة. # 1790 # توفي في السابع عشر من شهر أبريل. # | العالم # إذا وجب أن نكتفي بصفة واحدة لفرنكلين تغني عن جميع صفاته، وتنطوي فيها جميع الملكات ~~والمواهب التي أعانته على جميع أعماله وآرائه، فتلك هي صفة العالم. # يقول كروثر في كتابه عن مشاهير رجال العلم في أمريكا: «إنه لولا شهرته العلمية لم يكن ~~خليقا ms020 أن يصبح عبقري أمريكا السياسي في باريس.» # 1 # وهو قول صحيح من وجوه كثيرة. ولكننا لا نعني هذه الشهرة التي استفادها من ~~بحوثه العلمية حين نقول: إن صفة العالم تغني عن صفاته الأخرى إذا وجب أن نكتفي منها ~~بصفة واحدة، وإنما نعني أن ملكته العلمية كانت ملحوظة في جميع أعماله على اختلافها، ~~فكان عالما في سياسته، وكان عالما في صناعاته اليدوية والفكرية، وكان عالما في ~~وظائفه الإدارية، وكان عالما في معيشته اليومية، وربما استطاع في أطوار كثيرة من حياته ~~أن ينسى أنه سياسي، أو ينسى أنه موظف، أو ينسى أنه كاتب، أو ينسى غير ذلك من تكاليفه، ~~وجهوده، إلا صفته العلمية فإنها لم تفارقه قط في مهمة من المهام الكبرى أو الصغرى التي ~~تصدى لها طول حياته، ولم يكن يشرع في مهمة منها إلا كانت ملكته العلمية أسرع ملكاته إلى ~~الظهور فيها والاقتران بها إلى أن يفرغ منها. # والملكات العلمية كثيرة حين ننظر إليها متفرقة في العلماء المنقطعين لدراسات العلم ~~وتجاربه، وإذا قلنا عنها: إنها «ملكة علمية» بصيغة المفرد، فهي في هذه الحالة عنوان ~~لصفات كثيرة قد تجتمع للعالم الواحد، وقد تتفرق بين كثير من العلماء، ولكنها في جملتها ~~لم تتوافر للكثيرين كما توافرت لفرنكلين من بواكير صباه إلى ختام حياته. # فمن الملكات العلمية جمع الحوادث المتفرقة المتشابهة في ظاهرة واحدة. وقد كان فرنكلين ~~عالما في طفولته حين رأى أباه يصلي صلاة البركة على طعام كل وجبة فسأله: لماذا لا تصلي ~~يا أبي على الذبيحة مرة واحدة تغنيك عن تكرار الصلاة قبل كل وجبة؟ # ومن الملكات العلمية ملاحظة الأحوال الطبيعية التي تعرض لنا مصادفة، ثم تكرار التجربة ~~عليها للتثبت من حصولها بالاتفاق أو على التواتر والاطراد. وقد كان فرنكلين عالما في ~~صباه حين راقب نفسه وهو يسبح في الماء وفي يده طيارة الورق، فرأى أن العوم أيسر له وأسر ~~له في هذه الحالة من العوم بغير طيارة، وعاود التجربة على أوضاع مختلفة حتى تثبت من ~~تيسير الطيارة لجهود السابح في ms021 الماء على أوضاع متعددة. # وقد كان فرنكلين عالما في اختيار الخطة التي تيسر له إتقان الكتابة، وكان عالما ~~كذلك في اختيار الخطة التي يتوخاها لمراقبة أخلاقه وتهذيب نفسه، والعلم بنصيبه من كل ~~خلق من هذه الأخلاق ومقدار حاجته إلى المرانة عليه في معيشته اليومية، فقد كانت التجربة ~~والملاحظة والإحاطة بالعوامل المختلفة والبحث في جملة الفروض الممكنة بعض وسائله في هذه ~~المحاولات وما جرى مجراها، وكان قياسه للنجاح الفكري والنجاح النفساني مرصودا عنده على ~~الورق يقرره ويستدل منه على مبلغه من التقدم فيه ومبلغ الصعوبة أو السهولة في هذا ~~التقدم على توالي الأيام. # أعجبه أسلوب الكاتب الإنجليزي «أديسون» في مجلة السبكتاتور فأراد أن يمتحن نفسه في ~~القدرة على محاكاته، وأن يدرب قلمه على الكتابة بهذا الأسلوب وهو في أوائل عهده ~~بالكتابة، فاختار مقالة من مقالات الكتاب ودون معانيها وأغراضها العامة على ورقة، ثم ~~ترك القراءة في الكتاب لينسى عباراته وألفاظه. وعاد إلى الورقة بعد أيام فأعاد كتابة ~~المعاني التي دونها فيها معنى بعد معنى بعبارات من عنده لا يذكر ما يقابلها من عبارات ~~الكتاب، ورجع إلى الكتاب بعد ذلك ليقابل بين الأسلوبين في التعبير عن المعنى الواحد، ~~فوضح له الفرق بينهما ووقف على الأخطاء التي تحتاج إلى العناية بإصلاحها واجتنابها، ~~وعرف من عيوبه أنه قليل المحصول من مفردات اللغة، وأنه يبحث عن الكلمة التي يؤدي بها ~~المعنى فلا يجدها حاضرة في ذهنه. فعمد إلى المقالات ينظمها شعرا؛ لأنه يعلم أن الشعر ~~يحتاج إلى المترادفات من الكلمات التي تتفق في معناها وتختلف في أوزانها وعدد حروفها ~~ومقاطعها، وأنه يحتاج إلى القوافي والفواصل في سطوره المتوالية، وأنه على ذلك سهل الحفظ ~~والإعادة؛ لأن الكلمة التي نبحث عنها مع العلم بوزنها وقافيتها لا تتعبنا في البحث كما ~~تتعبنا الكلمة المرسلة بغير وزن ولا قافية. وكان يجرب مع هذه الطريقة طريقة أخرى في ~~امتحان القدرة على الترتيب والتعبير، فكان يدون المعاني مختلطة مبعثرة، ثم يعود إليها ~~بعد أيام ينسى فيها ألفاظها وعباراتها، فيبدأ بجمعها وترتيبها ms022 ثم يعاود كتابتها بألفاظ ~~وعبارات من عنده، ويسجل الفروق بين أسلوبه وأسلوب أديسون، كما يسجل درجات التقدم في ~~تجربة بعد تجربة، فلا يترك هذا التسجيل للظن والتخمين، بل يراه أمامه محصورا بالأمثلة ~~والشواهد والأرقام، ولا يبالغ في الثقة بنفسه، ولا في قلة الثقة بها على الحالين، بل ~~يعرف عيوبه وحسناته ويقول لنا في ترجمته لنفسه أنه كان يغتبط أحيانا كلما رأى له عبارة ~~تفوق عبارة الكاتب في جمالها ودقتها. # وأراد في سن الرجولة أن يروض نفسه على محاسن الأخلاق، وأن يهتدي إلى حظه منها ومبلغ ~~افتقاره إلى زيادتها أو تمكينها أو تهذيبها، فأحصى الأخلاق المثلى، وعرفها على النحو ~~الآتي: ~~(1) # الاعتدال: # لا تأكل حتى الشبع، ولا تشرب ~~حتى النشوة. ~~(2) # الصمت: # لا تنطق إلا بما ينفع الناس أو ~~ينفعك، وتجنب الفضول والثرثرة. ~~(3) # النظام: # اجعل لكل شيء موضعه، واجعل لكل ~~جزء من أعمالك وقته وموعده. ~~(4) # العزيمة: # اعزم على أن تعمل ما يلزم، ~~واعمل ما تعزم على عمله بغير وناء ولا تقصير. ~~(5) # القصد: # لاتنفق شيئا في غير مصلحة لك ~~أو لغيرك، ولا تبدد شيئا أو تنفقه عبثا. ~~(6) # النشاط: # لا تضيع وقتا، واشغل وقتك ~~بما يفيد، وانقطع عن كل عمل لا ضرورة له ولا داعية إليه. ~~(7) # الإخلاص: # لا تلجأ إلى خداع ضار، وفكر ~~ببراءة وإنصاف، وتكلم وفقا لما تفكر فيه. ~~(8) # العدل: # لا تسئ إلى أحد بما يضره، ولا ~~تهمل منفعة واجبة عليك. ~~(9) # التقدير: # تجنب الإفراط والتفريط، ولا ~~تستسلم لرد الإساءة بما توحيه إليك بواعثها. ~~(10) # النظافة: # لا تغفل عن النظافة في شخصك، ~~ولا في ملبسك، ولا في مسكنك. ~~(11) # السكينة: # لا تقلق للصغائر، ولا للحوادث ~~التي لا تمتنع ولا حيلة لك فيها. ~~(12) # العفة: # لا تطاوع شهوات الجسد في غير ~~داع من دواعي الصحة أو الذرية، ولا تبلغ بها مبلغ البلادة والضعف أو ~~الإضرار بسلامتك وسمعتك أو سلامة غيرك وسمعته. # وأنبأه بعض أصدقائه أنه يوصف أحيانا بالكبرياء، فأضاف إلى هذه الأخلاق خلق التواضع ~~ولم يعرفه كما عرفها، بل اكتفى بأن كتب أمامه: «سر على منهاج المسيح وسقراط.» # ولما ms023 فرغ من إحصاء هذه الأخلاق بعد عرض الأخلاق الإنسانية جميعا على ذهنه، ورأى أن ~~هذه الأخلاق التي اختارها هي مساك المروءة وأجدرها منه بالارتياض عليها واستدراك نقصها ~~- جعل لها درجات يومية في كل أسبوع، وأخذ نفسه بتقدير هذه الدرجات ومحاسبة ضميره عليها، ~~ليبدأ الأسبوع التالي على عزيمة وبصيرة بحظه من النجاح، والإخفاق. # وهكذا كان يصطحب مقياسه العلمي في معيشته اليومية وفي ملاحظاته العارضة، ولا ينتهي ~~إلى حكم فيها إلا على قدر معلوم وحساب مرقوم، ومن تجاربه العارضة في ذلك أنه رأى في ~~طريقه واعظا يلقي على الناس خطبة من خطبه الدينية، وأحب أن يعرف مقدار الإقبال عليه ~~ومبلغ أثره في سامعيه، فتراجع إلى أقصى مكان في الحلقة وعد خطواته وراقب انصراف الناس ~~عن الخطيب وبقاءهم حوله، وقدر لكل رقعة محدودة من الأرض عدد الواقفين عليها، وعلم بذلك ~~مكانة الخطيب. # أما كشوفه العلمية فقد كانت مقاييسه فيها تجمع هذه المقاييس وتزيد عليها خصلتين ~~نادرتين في زمانه، ولا تزالان نادرتين في هذا الزمان، ولعلهما من الخصال التي لا تكثر ~~في زمان من الأزمنة. # هاتان الخصلتان هما: توحيد القوانين الطبيعية في أرجاء الكون، وتفتح الذهن لكل فرض ~~واحتمال. # فقد كان له عقل يفكر في حوادث السماوات والأرضين على نسق واحد، ولا يقيم بين الحوادث ~~فرقا تختلف فيه قوانين الطبيعة بين مكان ومكان، فلم يجد في تفكيره فرقا بين انتقال ~~الكهربا من سحابة إلى سحابة، وبين انتقالها من جسم إلى جسم في الأجهزة المصنوعة على ~~النمط البدائي الذي شاع بين العلماء في القرن الثامن عشر، ولم يجد فرقا بين حركة ~~الهواء في الحجرة من أثر التسخين الصناعي، وبين حركة الهواء في عواصف البحار ~~والمحيطات. # وكان يلتفت إلى المشاهدات ولا يرفض منها شيئا بغير بينة وقبل التجربة والمراجعة، ~~وسنقرأ له في المختارات من كلامه أنه كان يعيب المحدثين لاستخفافهم بمشاهدات الأقدمين، ~~ويعيب العلماء لاستخفافهم بمشاهدات العامة والجهلاء، فكل مشاهدة لها عنده حق من ~~الاستماع والعناية إلى أن يتحقق من صحتها أو بطلانها، وربما انتهى إلى ms024 حكم فيها ثم علق ~~هذا الحكم على التجارب التالية التي يتهيأ لأصحابها أن يكشفوا عن عواملها وأسرارها ما ~~ينكشف للباحثين في الوقت الحاضر. # ونذكر لهذه الخصائص العقلية أسبابا شتى لتعليمها والرجوع بها إلى ظروفها ~~وملابساتها. # فمن هذه الأسباب أنه كان يعيش في عصر «نيوتن» علامة الفلك والرياضة في عصره، وأنه ~~اطلع على قوانين نيوتن التي يعلل بها حركات الأجسام العلوية والسفلية، وألوان النور ~~المنبعث من الشموس، ومن المصابيح الصناعية. # ومن هذه الأسباب أنه سليل آباء وأجداد من الصناع الذين تعودوا التجربة العملية في ~~تركيب المعادن والأجسام، وقد سلمت طوائف الصناع بعض السلامة من التقاليد الخرافية التي ~~يتوارثها المتكلمون على الغيب وعلى عوارض الخصب والجدب والوفر والشح في محصولات الأرض ~~ومزروعاتها، فتحرر ذهنه من الخرافات الموروثة التي تعلل الحوادث بغير عللها المتكشفة ~~لعقل الإنسان، وتسنى له أن يصل إلى العلة المعقولة من طريق لا تعوقه فيه السوابق ~~والغوامض والمحجبات. # وأسعده على هذه الخصلة أنه كان من سلالة الثائرين على السلطان الديني في القرون ~~الوسطى، وأنه لم يكن هو ولا آباؤه من المتقيدين برياسة كهنوتية في مذهبه أو غير مذهبه، ~~فلم يشعر بالحجر الذي كان يشعر به الجامدون على العقائد الموروثة من بقايا القرون ~~الوسطى. # ويحصي كروثر صاحب كتاب مشاهير رجال العلم المتقدم ذكره أسبابا موضعية أو محلية هيأت ~~له النجاح في بحوثه العلمية، ولم يكن - على رأيه - لينجح فيها لولا تلك الأسباب. # فعنده أن هجرة فرنكلين من بوستون إلى فلادلفيا كان لها أكبر الأثر في الوجهة التي ~~اتجه إليها وفي المباحث العلمية التي توافر عليها؛ لأن بوستون كانت على أيام فرنكلين ~~معقلا للمحافظين والمتشددين في العقائد والأفكار التي ترتبط بالديون وعادات ~~الاجتماع. # وعنده أن فلادلفيا كان يتوافر فيها الجفاف الذي يعين على التجارب الكهربية، وكانت ~~تتوافر فيها إلى جانب ذلك مواد الخامات التي تجرى عليها تلك التجارب وتصنع منها أصناف ~~االورق كالخرق والنفايات، ولولا هذه المواد الميسرة لأحجم فرنكلين عن تجاربه الكهربية ~~وعن التعويل على الصحافة والطباعة ونشر المطبوعات. # وقد تقبل ms025 هذه التعليلات جميعا، وتبقى بعدها بقية لا يفسرها إلا انفراد فرنكلين ~~بالعبقرية التي ميزته بين الألوف من المشاركين له في جميع هذه الظروف وجميع هذه ~~الأسباب. # فماذا كان فرنكلين يعلم من قوانين نيوتن وسائر القوانين الطبيعية إلى جانب علم ~~الفطاحل من أعضاء مجمع العلوم في بريطانيا العظمى؟ # لقد كانوا في مجموعهم على الأقل يحيطون بما لم يحط به من معارف عصره، ولكنه أدرك أن ~~الكهربا في البروق والصواعق هي الكهربا في الصمغ والزجاج، وأغربوا هم ضاحكين حين أفضى ~~إليهم بهذا الرأى فلم يتحولوا إليه إلا بعد سنتين. # وربما صح أن افتقاره إلى العلم كان من مزاياه، ولم يكن من عيوبه في تلك الآراء التي ~~كان يسبق إليها العلماء المتخصصون؛ لأنه - كما قال برنارد جاف في كتابه عن علماء أمريكا # 2 ~~- لم يكن مثقفا، ولكنه لم يكن مشكولا أو مربوطا ~~(Untramell) # فلم تقف عقبات الآراء المحفوظة في ~~طريقه، ولم تعقه القواعد التقليدية في دراسة الآراء، ولكن فقدان الشكال على كل حال ~~لا يوجد لنا الجواد، فلا بد من جواد سباق وراء ذلك اللجام المخلوع أو المفقود. # ويجوز أن «فلادلفيا» ساعدت على التجارب الكهربية، ولا يمتنع أن يكون الجو الرطب ~~مساعدا عليها في معرض آخر من معارض البحث والدراسة. ولقد حصل فرنكلين من بوستون على ~~جهاز أعاره إياه صديقه الدكتور سبنس # Spence # الذي لا ~~نعلم عنه شيئا غير هذه الإشارة إليه لهذه المناسبة في ترجمة فرنكلين، وكم بين ~~المنتقلين من بوستون إلى فلادلفيا من مسافر ومقيم؟ وكم بينهم من فرنكلين؟ # إن الملكة العلمية الطبيعية في هذا العقل العبقري هي التفسير الذي لا غنى عنه لجميع ~~أعماله وبحوثه، وغير هذا التفسير تفسيرات كثيرة من قبيل ما تقدم، لا يستغني واحد منها ~~عن هذا المرجع الأول والأخير لجميع تلك التفسيرات. # وهذه الملكة الطبيعية هي التي أوحت إليه بغير تعليم وبغير تلقين أن يضع البحث العلمي ~~في موضعه الواجب، فكل ما يقع تحت الحس فهو موضوع بحث ودراسة من الوجهة العلمية. وربما ~~عاش معه في ms026 عصره - أو عاش قبل عصره - أناس من الباحثين جعلوا هذه البحوث ترفا مختارا ~~ترتقي إليه بعض الموضوعات وتقصر دونه موضوعات أخرى، ولكنه هو لم يكن ليفرق بين ما هو ~~صالح للحس، وما هو صالح للبحث والدراسة، فتراوحت مباحثه بين السحب والأمواج، وبين درجات ~~الحرارة وألوان الأقمشة، وبين إصلاح النظارات، وإصلاح نظام الإضاءة في المدن، وبين ~~التبريد بالتبخير ، وتهذيب الحروف الأبجدية، ولم يتفتح أمامه موضوع بحث فأعرض عنه؛ لأنه ~~لا يدخل في صدد البحوث العلمية كما يصنع الباحثون الذين لم يرزقوا مثل هذه الهبة ~~الفطرية. # وقد كان للخيال شأنه - كما كان للواقع شأنه - في البحث الذي اشتهر به وأكسبه إعجاب ~~العارفين وغير العارفين، وهو بحثه في الكهربا، واستخدامه في الوقاية من الصواعق، أو من ~~غضب الآلهة كما كانوا يسمونه في الأزمنة الغابرة. # فقد كان المعجبون به يقولون عنه: إنه انتزع الصولجان من عاهل الدولة البريطانية، ~~وانتزع الصولجان من رب الصواعق والبروق جوبيتير إله الآلهة عند الأقدمين، ولم يخلع ~~الخيال على عمل فرنكلين هذا مكانة أكبر من مكانته الحقيقية التي لا مجاز فيها، فإن ~~الوقاية من الصواعق حقيقة أعظم من خيال المتخيلين عن عروش الأساطير، وحقيقته العظمى فوق ~~ذلك أنه صحح العقول والعقائد فأدركت حوادث الأرض والسماء كما ينبغي أن تدرك، وأدركت ~~صفات الإله المعبود كما ينبغي له من التنزيه والتعظيم. # ولقد تناول فرنكلين بحوث الكهربا وهي - على أحسن ما تكون - لعبة للتسلية، فإن هذه ~~البحوث بدأت في حجر الكهربا الذي تنسب إليه قبل الميلاد بستة قرون، وعرف طاليس (600 ~~ق.م) أن الكهربا المحتكة تجذب الزغب والنثارة الخفيفة فلم يفهم منها إلا أنها «ذات روح» ~~أو ذات حياة، ثم جاء ثيوفراستس # Theophrastus # فاكتفى ~~بتسجيل مشاهداته، ولم يهتد إلى تفسير معقول لهذه الظاهرة. ووقفت التجارب الكهربية عند ~~هذا الحد إلى القرن السادس عشر، ثم تقدمت خطوة أخرى على يد العالم الإنجليزي وليام ~~جلبرت طبيب الملكة اليصابات حين استطاع أن يثبت أن هذه الظاهرة تتكرر في بعض المواد، ~~وأن أجساما غير الكهربا تجذب الزغب ms027 والنثارة بعد حكها وتسخينها كالشمع والكبريت ~~والماس، وبعض المعادن النفيسة، وأن الرطوبة تفقدها هذه القوة إذا صبت عليها السوائل، ~~إلا الزيت فإنه لا يضعف تلك الجاذبية فيها، وأن لأحوال الجو تأثيرا في الجاذبية يختلف ~~باختلاف الرطوبة والجفاف، وتقدم جويرك # Guericke # مخترع ~~المضخة الهوائية قليلا بالبحث الكهربي، فلاحظ أن الأجسام المكهربة تتدافع أحيانا وأن ~~الشرر يتطاير من بعضها ويصحبه صوت مسموع بمقداره من القوة، ثم ورد خاطر التشبيه بالبرق ~~والرعد على ذهن العالم الإنجليزي وال # Wall # ولكنه لم ~~يفسره وترقب أن ينبغ في العالم ذهن عبقري يفلح في تفسيره، ووقفت الدراسات العلمية ~~والاختراعات الصناعية بهذا البحث عند هذا الحد فلم تستخدم في شيء أنفع من تركيب بعض ~~الأجهزة التي تعرض هذه الظواهر ولا تقرن بها «نظرية» عامة أو فرضا من الفروض التي تؤسس ~~عليها العلوم. # وفي هذه المرحلة تسلم فرنكلين مباحث الكهربا، فلم يزل بها حتى وضع لها تلك الفروض على ~~قواعدها المقررة إلى هذا اليوم، فوحد بين ظواهر الكهربا في الأرض والسماء، وعرف ~~الكهربية الزائدة والكهربية الناقصة، أو الكهربية المشبعة والكهربية المتعطشة وهما ~~المعروفتان اليوم باسم الموجبة والسالبة، وراقب خاصة التوصيل والاقتباس فصنع الطيارة ~~المشهورة لاستخراج الكهربا من السحاب، ولم تكن هذه التجارب مأمونة العاقبة في تلك ~~المرحلة؛ لأن خصائص المادة الموصلة للكهربا لم تكن معروفة بتفصيلاتها ولم تزل متفرقة ~~مبعثرة لا تربط بينها رابطة تجمع المتشابهات منها على قاعدة واحدة، وفي إحدى هذه ~~التجارب أوشك أن يهلك لابتلال الخيط الذي ربط به الطيارة أثناء نزول المطر، ولولا أنه ~~لم يتشبع بالماء في جميع أجزائه لهلك رعدة كما هلك الأستاذ ريشمان # Richmann # السويدي في تجربة مثل هذه التجربة كان يجريها في بطرسبرج، ~~فكان استمرار فرنكلين على تجاربه - مع هذه العوارض المبهمة - مخاطرة أخطر مما يقال عنه: ~~«إنه لعب بالنار.» # ونحن في عصر التحليل وتوزيع الأعمال نتساءل: هل كان فرنكلين عالما أو مخترعا؟ هل ~~كان يدرس العلم بعقل الباحث الذي ينقب عن الحقيقة ويضع النظريات، ويوفق بين الحوادث ~~المبعثرة ليجمعها إلى ms028 قانون واحد، أو كان يدرس العلم دراسة الصانع الحاذق الذي يخترع ~~الآلات أو يحكم صنعها بزيادة المعرفة والتحقيق؟ # إن التفرقة بين العقلين سهلة بينة في كثير من الأحوال؛ فهناك العالم الذي يحسن ~~التفكير والفهم والإحاطة بالأفكار والمفهومات، ولكنه لا يحسن تنفيذ الأفكار في آلات ~~مخترعة، ولا يحسن توجيه المنفذين إلى صنعها واختراعها، وهناك الصانع الذي يباشر التركيب ~~والفك، وإعادة التركيب بمهارة يدوية وحيلة تطرأ في ساعتها من تلك الحيل التي جعلت العرب ~~يطلقون اسم علم الحيل على علم المكنات، وربما كانت هذه الحيل جميعا خفية على الصانع ~~عند ابتداء المحاولة الأولى، ثم تظهر له بالمعالجة والاختبار كأنها طرق يسير فيها حتى ~~يراها مغلقة أمامه فيرجع عنها ويتحول إلى غيرها، أو كأنها في النهاية من قبيل المصادفة ~~التي لم يكن ينتظرها. # وفرنكلين كان صانعا نشأ بين الصناع يعمل ويجرب ويحاول ويعتمد على التواتر كما يعتمد ~~على المصادفة، ولكنه في البحث عن النظريات والعلاقات بين الحوادث المبعثرة لم يكن ~~مقصرا عن شأو أمثاله من المفكرين الباحثين، فلم تكن تعوزه ملكة لازمة للعالم الباحث عن ~~الحقائق والنظريات، وكل ما يحتاج إليه هذا العالم الباحث من تفتح الذهن وصدق الملاحظة ~~وحسن الترجيح والموازنة بين الأسباب والاحتمالات فهو من عاداته الذهنية في مباحثه ~~العلمية وفي معيشته اليومية، فلم يكن ينهض من مكتب العالم ليدخل إلى مصنع العامل ~~المخترع، بل كان مكتبه ومصنعه موضعا واحدا تشترك فيه ملكاته وخصائص ذهنه هنا ~~وهناك. # إلا أنه كان يعتقد أن المعرفة مصلحة إنسانية، وأن العلم الذي لا يتحول إلى منفعة عامة ~~لا قيمة له في العقل ولا في الحياة، ومن رأيه أن الكشف العلمي الذي لا يوضع موضع ~~التطبيق في المنافع العامة ولا يصلح لشيء من الأشياء هو كشف «غير صالح» على ~~الإطلاق. # وكأنما كان خجلا من إضاعة الوقت في قدح الشرر وجذب الريش والزغب وتجريب هذه الألاعيب ~~الكهربية على غير جدوى، فكتب (صيف سنة 1749) إلى صديقه العالم الإنجليزي كولنسون # Collinson # يروي له - في شيء من التهكم - كيف يعتذر ms029 إلى ~~أولئك الذين ساءهم، أو أحفظهم، قليلا أن يسمعوا عن تجارب الكهربا، ولا يحسوا لها أثرا ~~ملموسا في نفع بني الإنسان، فقال له: إنه خرج مع طائفة من صحبه إلى نزهة خلوية تطهو ~~طعامها على نار مستمدة من الكهربا: «ويشتعل فيها الكحول بشرارة تعبر النهر من شاطئ إلى ~~شاطئ بغير موصل غير الماء، ويقتل فيها ديك رومي بالهزة الكهربية، وينضج على سفود تديره ~~الكهربا أمام نار مقدوحة من القناني الكهربية، وعما قليل يستطاع أن يشرب نخب الكهربيين ~~المشهورين في إنجلترا وهولندا وفرنسا وألمانيا في أكواب مكهربة ترعش الشفاه قليلا عند ~~مساسها بفعل التيار المنبعث من بطرية كهربية.» # 3 # ومنافع الكهربا اليوم لا تحصى، ولا يضارعها شيء مما كان يستخدم قبلها في الصناعة ~~وتيسير أعمال الناس أو تيسير الأعمال للملايين من المهندسين والصناع والتجار والوسطاء ~~بين الصناعة والتجارة، ولكن فرنكلين استطاع أن يقنع العالم بفائدة لها تساوي جهود ~~المئات من العلماء في المئات من السنين؛ لأن العمود الذي اخترعه للوقاية من الصواعق قد ~~وازن تلك الجهود وأربى عليها، ولم يوازنها ويرب عليها عند الذين أصابتهم الصواعق أو ~~تعرضوا للإصابة بها حيث يتتابع نزولها، بل هو قد وازنها وأربى عليها عند الملايين من ~~الذين لا يتعرضون للصاعقة، ولا يعرفون منها إلا اسما يهول ويتردد في مقام الإنذار ~~والوعيد، ووازنها وأربى عليها عند أرباب الخيال الذين تصورا جوبيتير على السحاب وتصوروا ~~فرنكلين على الأرض ندين يتبارزان، ويخلع الند البشري منها سلاح الند السماوي المقدس في ~~ملاحم الشعر ومزاعم الأساطير. # ولم يعدم المازحون قائلا يقول: «إن عمود الصواعق قد صب على فرنكلين صواعق الغضب ~~والنقمة من عاهل في الأرض يناظر جوبيتير في السماء، ذلك هو جورج الثالث ملك إنجلترا في ~~أيام الثورة الأمريكية». فإنه كره أن يشيع في العالم اختراع رجل ثائر على التاج ولم ~~يقدر على منعه وتحريمه؛ لأن خوف الناس من صواعق السماء أعظم من كل خوف يخافونه من صاحب ~~التاج، فتوسل بكل وسيلة يقدر عليها لهزيمة فرنكلين في هذا الاختراع. # وكان ms030 فرنكلين على طريقته البسيطة قد عرف أن كهربا السحاب تنجذب إلى الموصل السهل ~~فتسري فيه ولا تصطدم بعائق على الأرض تنفجر الصاعقة من جراء المصادمة بينها وبينه، ~~فاختار لجذب الكهربا السحابية وتوصيلها إلى الأرض بغير عائق وبغير مصادمة عمودا قائما ~~ينتهي إلى أسلاك صالحة للتوصيل بالكهربية الأرضية، وفضل العمود المسنن على العمود ~~المستدير من أعلاه؛ لأنه يقلل المصادمة وبواعث الانفجار. # فلما ثبتت فائدة العمود لمنع الصواعق نشب الخلاف على الرأس المسنن والرأس المستدير ~~أيهما أسلم في الوقاية وأصلح في تحقيق النظرية العلمية، فأوعز الملك إلى سير جون برنجل Pringle # رئيس مجمع العلوم أن يفضل العمود المستدير ~~على العمود المسنن، ونقل المسألة من ميدان العلم إلى ميدان السياسة وواجبات الولاء ~~والطاعة، فأجابه العالم النبيل بالجواب الذي يستحقه وألقى إليه في جوابه أن قوانين ~~الطبيعة لا تخضع للمراسيم الملكية، واعتزل العمل في منصبه الرفيع إيثارا للأمانة ~~العلمية على الحظوة والجاه، وشاعت يومئذ في إنجلترا أبيات من الشعر خلاصتها أن صواعق ~~الغضب التي تملكها أيها الملك جميعا لا تنفعك إذا أردت أن تجاوز الحد # The point # وهي كلمة في الإنجليزية ترادف معنى السن ~~والنقطة وتقابل في هذا المقام معنى الدائرة والكتلة، يريد الناظم بذلك حد العمود المسنن ~~الذي فضله فرنكلين ووافقه على تفضيله كبير العلماء، ومعه سائر العلماء. # ومباحثه العلمية التي لم تشتهر هذه الشهرة منوعة في جوانب منوعة من الحياة العامة ~~والخاصة، أحاطت بالعلاج الكهربي وعلاقة الصحة بالعرق والتبريد بالتبخير، وفنون شتى من ~~الاستشفاء بالوسائل الطبيعية، وشملت البحث في غازات المستنقعات وحفائر الأرض وسرعة ~~السفن في الماء الضحل والماء الغزير، ولغات القبائل البادية في أمريكا الشمالية، ~~وإشارات التخاطب بين النمل والحشرات، ومستقبل الطيران ومستقبل علم الضوء على اعتبار ~~الضوء حركة من حركات التموج في الفضاء، ولم يدع البحث في التشريح ووظائف الأعضاء ~~وأساليب التطبيب، ولا في الموسيقى وفن الإيقاع ولا في الألوان والأشكال، وجرى في هذه ~~المباحث كلها على وتيرته المعهودة من تسخير المعرفة للمنفعة وتطبيق النظريات على ~~الوقائع المتداولة، وهي عادة ms031 ذهنية لا تعيب التفكير العلمي الصحيح إلا إذا كانت المنفعة ~~المقصودة منفعة شخصية ينسى المرء في سبيلها منافع أبناء نوعه وحقائق العلم أو قوانين ~~الطبيعة، وتلك هي الخلة التي برئ منها هذا العقل العلمي المطبوع، فكانت فائدة بني ~~الإنسان أجمعين مقدمة لديه على كل فائدة، ولم يكن نصيبه من هذه الفائدة الكبرى غير ~~الفتات على المائدة. # وقد ظهر موقفه من المباحث النافعة في اختراعه للموقد الذي سمي باسمه ويعرف الآن باسم ~~موقد فرنكلين، على ما دخل عليه بعد ذلك من التعديل والتحسين. # فهذا الموقد من الآلات التي يمكن أن تصنع بالمئات والألوف، ويحتكرها المخترع فلا تباع ~~إلا من مصنعه أو بإذن منه، وكان تعويل الأمريكيين قبل اختراع هذا الموقد على كوانين ~~المداخن التي تستنفد الكثير من الوقود، وتضيع الكثير من الحرارة المستفادة منه. وتصيب ~~المستدفئين بكثير من الأضرار؛ لأنها تدفئ الجانب المواجه لها من الجسم والجانب القريب ~~إليها من الحجرة، وتدع الجسم كما تدع المكان مختل التوازن في درجات الحرارة مع غلاء ~~الوقود الضائع، وشدة الحاجة إلى الدفء والوقاية من البرد في الشتاء، وشدة الحاجة إلى ~~المواقد على العموم لمطالب الغذاء وغيره من اللوازم البيتية. # فاخترع فرنكلين موقدا يوضع وسط الحجرة، وينقل إلى حيث يشاء الساكن، ويحفظ الحرارة ~~كلها للتدفئة، ويرسل الدخان إلى المدخنة من أنبوبة تركب عليه وترفع منه على حسب الحاجة، ~~وأراد حاكم المدينة أن يكافئه على هذا الاختراع، فكتب له تسجيلا باحتكاره، وقرر أن ~~يحرم صنعه وبيعه بغير إذن من مخترعه، فشكره فرنكلين واعتذر من قبول هذا التسجيل، وقال ~~في اعتذاره: إنه ينتفع هو وأبناء عصره بمخترعات الأقدمين، ولا يؤدون إليهم ثمنا ~~لمنافعها الجزيلة، فمن الإنصاف أن ننفع إخواننا وأبناءنا بما نهتدي إليه من المصنوعات ~~والمخترعات بغير جزاء. # ولم يجهل فرنكلين وهو يعتذر هذا الاعتذار أن الشهرة الأدبية غير مضمونة للمخترعين ~~والباحثين، وليست عوضا خالصا من الحسد والادعاء، فقد كان أعلم بالطبيعة الإنسانية من ~~أن ينخدع هذه الخديعة، وكان يكتب إلى صديقه جون ليننج # Lining # بعد ظهور ms032 العشرات من مخترعاته فيقول: إن ~~الحسد يأبى على المنافسين أن يعترفوا للمخترع بفضل اختراعه، وإن الغزو يسول لهم بعد ~~ثبوت نفعه أن يدعوه لأنفسهم ويكابروا في الدعوى فيصدقهم الحساد والجهلاء، وإنه ما من ~~إنسان مالك لقواه العقلية يتمنى لصديقه أو لولده أن يشتغل بالاختراع. # 4 # ولعله من مصداق ما تقدم في كل معنى من معانيه حوار الدكتور جونسون وتلميذه بوزويل عن ~~تعريف فرنكلين للإنسان. # قال بوزويل: «أحسب أن تعريف الدكتور فرنكلين للإنسان تعريف حسن: حيوان صانع ~~للآلات.» # والذين قرءوا مفكرات بوزويل عن أحاديث الدكتور جونسون يعلمون أن الأستاذ لم يسمع من ~~تلميذه فكرة إلا سارع إلى مخالفته فيها، وأنه لم يكن من عادته أن يمنح موافقته لشيء من ~~الأشياء بغير اعتراض. # وعلى هذه العادة أجابه الدكتور قائلا: «لكن كم من الناس لم يصنع آلة قط، وهب إنسانا ~~بغير ذراعين، فإنه لا يقدر على صنع آلة من الآلات؟» # إن تعريف فرنكلين للإنسان في الحقيقة أصدق تعريف له وأوفاه بالشرط الجامع المانع في ~~التعريف، فما من فارق بين الإنسان والحيوان أوضح وأثبت من قدرة الإنسان على صنع الآلة ~~واستخدامها، وهذه القدرة هي المقصودة بتعريف فرنكلين لا وجه للاعتراض عليها بتفاوت ~~الناس فيها. فليس الاعتراض الصالح على تعريف الإنسان بالحيوان الناطق أن بعض الناس لا ~~ينطقون ولا يفكرون، وأن بعضهم يولدون بكما أو مجانين، وليس من الاعتراض الصالح على ~~تعريف الإنسان بالحيوان الاجتماعي أن يشذ بعض الناس ويتأبد في الخلاء وينفر من ~~الاجتماع، ولكن العبرة من هذه القصة أوسع وأدق من أن يحيط بها تعليق واحد، وكفى منها ~~هنا أن تبرز قدرة العقل العلمي المطبوع على التعريف وإقامة الحدود والفوارق، وأن تبرز ~~تلك الرابطة الوثيقة في طبيعة فرنكلين بين الإنسانية وصنع الآلات، وأن تبرز مع هذا وذاك ~~سهولة الإنكار حتى من الفضلاء! # ولم يقنع فرنكلين بخدمة العلم بفكره منفردا مستقلا عن القادرين على خدمة العلوم في ~~بيئته وعصره، فأنشأ نادي «الجاتنو» الذي أصبح مجمعا للعلوم والآداب، ثم أصبح بعد ذلك ~~جامعة بنسلفانيا القائمة ms033 إلى اليوم، ونظم الجماعة الفلسفية الأمريكية، كما نظم أول ~~مكتبة عامة تقتني الكتب بالشراء والاستعارة وتعيرها القراء ومن يحتاجون إلى المراجع من ~~أصحاب المباحث والدراسات، وقد كافأته الجماعة الفلسفية على غيرته العلمية وجهوده في نشر ~~المعرفة، وتمكين العلماء من نشرها بانتخابه رئيسا لها مدى الحياة، وهو تقدير من النخبة ~~المختارة يفوق التقدير الذي يلقاه طلاب الرياسة في مناصب السياسة، وكان فرنكلين فخورا ~~به متعزيا به عما كان يلقاه من حساده الأقوياء من البخس المتعمد ونكران الجميل. # ومهما تتعدد جهوده ومشاركاته في الأدب والسياسة والاجتماع، فليس من الحصر الذي يزري ~~بها أن نقول: إنها كانت في جملتها وتفصيلها جهود العالم المطبوع، بذلك المعنى الذي ~~افتتحنا به الكلام في هذا الفصل عن فرنكلين العالم، وزبدته أن الملكة العلمية لم تفارقه ~~قط في تلك الجهود والمشاركات. # | الكاتب # إذا كنا قد عرفنا طبيعة هذا العقل من الإلمام السريع بحياته العلمية، فمن اليسير ~~علينا أن نعرف خطته إذا اشتغل بالكتابة في عصر المطبعة، فإنه على التحقيق لم يكن ~~ليستطيع أن يعفي نفسه من عمل يتصل بهذه الصناعة، وكذلك كان كاتبا وطابعا وناشرا ~~ومديرا للعمل، وسنرى كيف كان كاتبا يسهم بقلمه في جميع الموضوعات التي تسهم فيها ~~الأقلام. أما الطباعة فقد كان فيها صفافا وحفارا ومديرا للمكنات ومصلحا لما يختل ~~منها، ويكاد يحسب مع المهندسين المكنيين في زمانه؛ لأن هذه الهندسة لم تتشعب في ذلك ~~الزمن تشعبا يصعب عليه أن يحيط به على طريقته في الإحاطة بكل عمل قريب من رأسه ويديه! ~~وأما النشر فلم يترك شيئا يشتغل به الناشر في عصره دون أن يتولاه ويبلغ به ~~مداه. # ويقول فرنكلين في ترجمته لنفسه: إنه لا يذكر زمنا لم يكن يقرأ فيه، وهذا مع ذاكرته ~~القوية التي أعانته على حفظ الكلمات وادخار المفردات والعبارات، واستيعاب ذلك المحصول ~~اللفظي، والفكري، الذي يسر له الكتابة المشوقة بأسهل أسلوب. # وقد قيل عنه: إنه لم يوجد في العصر الحديث كاتب كان حظه من التعليم المدرسي أقل من ~~حظه، وكان فضل المعلمين ms034 عليه أقل من فضله في تعليم نفسه، وكان عاشر أبناء أبيه فنذره ~~لخدمة الدين، ثم تبين أن التعليم في المدرسة الكهنوتية يفوق طاقته فأدخله مدرسة من ~~مدارس الأجرومية والتربية الأولية، ومكث في هذه المدرسة - مدرسته الثانية ~~- من الثامنة إلى العاشرة، ثم أخرجه أبوه لمساعدته في ~~صناعته. # وكان الصبي المشغوف بالقراءة يلتهم كل ما صادفه من الكتب في داره وعند أقربائه، فقرأ ~~الكتب التي يقتنيها أبوه في مسائل الدين وخلافات المذاهب ومناظرات العلماء اللاهوتيين، ~~ووقعت له نسخة من كتاب «رحلة الحاج» للكاتب المتصوف بنيان # Bunyan # فقرأها وأعاد قراءتها، ثم باعها ليشتري بثمنها أجزاء من مجموعة المتسببين # 1 # Chapmen Books # التي تنشر تباعا وتلم ~~بالموضوعات المنوعة من التاريخ والجغرافيا والنوادر والسير والعجائب الصناعية أو ~~الطبيعية، وهي قراءة توافق ذهن فرنكلين المشغول بالتوسع والتنويع. # ولم يبلغ السادسة عشرة حتى كان قد استوعب العشرات من أمهات الكتب النافعة من قبيل ~~تراجم بلوتارك، وذكريات زينوفون، ودراسات لوك وشافتسبري، ورسائل ديفوي، ومقالات كوتون ~~ماثر عن فعل الخير، وغيرها من أشباه هذه المؤلفات القيمة التي كانت في متناول يده، وقد ~~أعجب أصحاب أبيه بذكائه وإقباله على القراءة وفهمه لما يقرأ، فتبرعوا بإعارته ما عندهم ~~من الكتب، وشجعهم على إعارته بإعادته كل ما يستعيره في أيام معدودات، ومنهم بائع كتب ~~كان يعيره ما يطلبه كتابا كتابا في المساء ليعيده إليه في النهار التالي، ولا يتمكن ~~من البر بوعده إلا أن يسهر على مطالعته طوال الليل إلى الفجر على نور المصباح ~~الضئيل. # والذي قرأه على هذا المنوال كثير ليس فيه كتاب واحد من كتب اللغو والفضول، فبلغ ~~السادسة عشرة، ومعلوماته تزيد على معلومات أبناء الثلاثين من طلاب العلم، والمشتغلين ~~بالاطلاع، وفكر في الكتابة على سبيل التجربة، فأحسن اختيار المؤلف الذي يقتدي به، ~~ويوافق منحاه وثابر على الاقتداء به والطموح إلى محاكاته والتفوق عليه إذا تسنى له سبيل ~~التفوق، حتى أخذ منه كل ما في وسع تلميذ أن يستفيده على البعد من أستاذ. # كان اختياره للكاتب أديسون صاحب مجلة السبكتاتور ms035 دليلا على ملكة ناقدة مبكرة عرفته ~~بملكات ذهنه ومنهج تفكيره وتعبيره، فليس في الكتاب من تتراءى ملامحه جلية مفصلة في ~~أسلوب فرنكلين مدى حياته كما تتراءى فيه ملامح هذا «الأب» الفكري الذي اختاره لقدوته ~~بين عشرات من الكتاب. # وكان أخوه جيمس في هذه الأثناء قد اشتغل بالطباعة وعهدت إليه صحيفة بوستن جازيت # Boston Gazette # بإصدارها في مطبعته، فأصدر منها في ~~أواخر سنة 1719 أربعين عددا ثم اختلف أصحابها معه، فعهدوا بطبعها وإصدارها إلى مطبعة ~~أخرى ، فخطر له أن يستقل بإصدار صحيفة يملكها ويحررها ويدير عليها أعمال مطبعته التي ~~أوشكت أن تتعطل وتخسر سمعتها وعملاءها أمام المطبعة الأخرى التي تنافسها، فأنشأ صحيفة ~~جواب إنجلترا الجديد # New England Courant # في شهر أغسطس ~~سنة 1721. # وألحق قرنكلين بالعمل في المطبعة متتلمذا على أخيه في صناعة الطباعة وهو في الثانية ~~عشرة، فلما استقل أخوه بإصدار صحيفته لم يكن قد جاوز الخامسة عشرة، ولم يبق في الصناعة ~~عمل لم يجرب يده فيه ولم يتقنه غير الكتابة، فأخذ في معالجة هذه الصناعة على منهجه الذي ~~شرحناه إجمالا في الكلام على طريقته العلمية. # وكان حب الإتقان في هذه الصناعة مطلبا طبيعيا يحسه من أعماق نفسه، فلم يذهب مع ~~الغرور، وتحرى الإتقان من أبوابه الصالحة، وعلم أنه لا يستغني - بعد كل ما قرأه ~~- عن المزيد ثم المزيد من القراءة، فاقتطع من قوته ~~ليشتري الكتب التي لا تستعار، وخيل إليه من بعض مطالعاته أنه آمن بمذهب النباتيين، ~~فاقترح على أخيه أن يعطيه طعاما بغير لحوم، ويضيف ثمنه إلى أجره القليل، فكان يشتري ~~الكتب بثمن الطعام. # وأدركته حصافته التي لا تغيب عنه وهو يطرق أبواب الشهرة الكتابية فأخفى اسمه واتخذ له ~~توقيعا مستعارا باسم سيلنس دوجود # Silence Dogood ~~(أي ~~صمتا واعمل خيرا أو واصنع معروفا) وجعله اسما لامرأة وصفها في بعض مقالاته، وعني في ~~جميع تلك المقالات بالتشويق واجتذاب القراء بالفكاهة والنقد الاجتماعي الذي يعجب القراء ~~من الرجال والنساء معا؛ لأنه يلمس شكاياتهم ويحدثهم عن مشكلاتهم وأوجاعهم ولا يحيف على ~~طائفة ms036 لمرضاة أخرى، بل يسوي بينهم جميعا في النقد وملاحظة العيوب. ومن دأب الناس ~~دائما أن يعجبوا بهذا التعميم في الملامة والسخرية؛ لأنه يصيبهم كما يصيب الآخرين، ~~ويقيم الكاتب أمامهم مقام الحكم العدل، أو الحكم الحكيم الذي يعرف أحوالهم، ولا يجور ~~على أحد منهم أو يحابيه بإخفاء ما يعرفه عن نفسه وعن صحبه من المآخذ والعيوب. # وأصلح ما يكون لهذا النقد الشامل كاتب مقنع واسم مستعار؛ لأن هذا الاسم المستعار ~~يجرده من «اللون الشخصي» الذي يدعو إلى الاتهام بالحيف والمحاباة، أو يدعو إلى المنافسة ~~والحسد، وتقدير الكاتب بمظاهره الاجتماعية دون مزاياه الكتابية، وقد خطر لفرنكلين حين ~~أخفى اسمه أن مقالاته عرضة للإهمال والاستخفاف قبل النظر فيها، وربما بخسها أخوه، ~~وزملاؤه الذين يراجعون معه موضوعات الصحيفة كل حق لها حتى حق النشر والاستحسان، وصح ~~تقديره بعد انكشاف أمره ومعرفة اسمه. فإن أخاه قد توهم أنه اغتر بالسمعة والإعجاب، ~~وتطلع إلى منزلة أكبر من منزلته في أعمال الصحيفة، فتغيرت معاملته وتعددت مشاجراته ~~واضطر الأخ الصغير بعد حين إلى مفارقة الأخ الكبير ومفارقة المدينة كلها ثم مفارقة ~~الديار الأمريكية إلى العاصمة الإنجليزية. # ومن يقرأ البقية الباقية من مقالات «سيلنس دوجود» يشعر أن النواة كلها كامنة فيها، ~~فقد برزت فيها ملامح الرجل التي يراها قارئه لأول وهلة في كتاباته بعد الستين وبعد ~~السبعين والثمانين، وكل ما جد عليها فإنما هو من قبيل النمو الطبيعي للبنية المتكونة أو ~~الصقل والتركيب للجوهر النفيس. # وقد تعلم الفرنسية بعد سن الكهولة وكتب بها أو ترجم إليها بعض كتاباته الإنجليزية، ~~وأخلصت أستاذته فيها - مدام بويون - في امتحان أسلوبه الفرنسي فقالت: إنه «واضح إن لم ~~يكن صافيا» وقال غيرها: ما يشبه هذا في كتاباته الفرنسية والإنجليزية على السواء، فهي ~~واضحة سهلة محكمة، والنقاد متفقون على دقتها وجلائها وصحة تعبيرها عن معانيها، ولكنهم ~~يختلفون فيما عدا ذلك من محاسن البلاغة ومقاصد الكتابة، ولا سيما القدرة على النفاذ إلى ~~الأعماق أو التحليق في القمم، والآفاق. # وقد لخص آراء النقاد فيه كتاب مدرسي وجيز ms037 في تاريخ الأدب الأمريكي لثلاثة من أساتذة ~~الأدب في الجامعات الأمريكية. يغربل هذه الآراء من مصادرها المتعددة، ويجتهد في أمانة ~~النقل كما يجتهد في حسن الموازنة والترجيح. # فذكر من محاسن هذه الكتابة وضوحها وسلامتها وقوة تعبيرها وما يتخللها من الصور ~~الخلابة والفكاهة السائغة والقدرة على جوامع الكلم مع سلامة الإدراك وإيراد الحقائق ~~التعليمية في صياغة ترضي وتشوق. # وذكر من عيوبها أنها تفتقر إلى جزالة الخيال والرشاقة التي اتسم بها أسلوب أستاذه ~~أديسون، والإفراط في النزعة العلمية المادية التي لا ترتفع إلى القيم العليا. # 2 # ونعتقد أن هذه الموازنة تلخيص عادل لما قيل في محاسنه وعيوبه الكتابية، وأن فرنكلين ~~نفسه لم يكن يجهل هذه العيوب ولم يشغل باله بمحوها أو إنكارها، وألقى باله كله إلى ~~محاسنهم المحققة فاحتفل بتحسينها وحافظ عليها. # وكل ما كتبه عن البلاغة الكتابية يعزز تلك الآراء عن «نزعته العملية المفرطة» وإخضاعه ~~كل فكرة تجول في ذهنه لحدود التقرير والتطبيق. # وفن الكتابة عنده كغيره من مزاولات الحياة وضروب الأعمال وسائر الفنون؛ فكرة تتجمع من ~~البحث في الغرض المقصود منها، ثم نظرية يتأدى إليها من ذلك التفكير، ثم تطبيق يصححه ~~بالتجربة والمراقبة وتقدير التقدم فيه بمقياس من مقاييس الواقع المحسوس. # ومن الحوار التالي نتبين مذهبه في الفكرة النظرية عن الكتابة وعن التطبيق العلمي ~~الناجح لتلك الفكرة النظرية. # قال: «كيف نحكم على جودة الكتابة؟ أو ما هي الصفات التي ينبغي أن تتوافر للكتابة كي ~~تعد من الكتابات الجيدة التامة في نوعها؟ # والجواب أن الكتابة تكون جيدة إذا جنحت إلى إفادة القارئ بزيادة قسطه من الفضيلة ~~والمعرفة، وبغير نظر إلى نية الكاتب ينبغي أن يكون المنهج محكما يستطرد - على انتظام - ~~من الأمور المعلومة إلى الأمور المجهولة في تحديد وتوضيح وبغير لبس ولا اختلاط، وينبغي ~~أن تكون الكلمات المستخدمة أقواها تعبيرا عن معانيها على شريطة أن تكون كذلك أشيعها ~~وأدناها إلى الأفهام، ولا ينبغي أن يقال في كلمتين ما يمكن أن يقال في كلمة، ولا حاجة ~~إلى المترادفات إلا نادرا، وعلى أن ms038 يكون وقعها في جملته سائغا في الأسماع، ونوجز ~~فنقول: إنها ينبغي أن تكون سلسة واضحة موجزة؛ لأن الصفات التي تناقض هذه الصفات لا ~~تروق. وننظر إلى المسألة من ناحية أخرى فنقول: إن الرجل السيئ قد يكتب المعنى السيئ ~~كتابة جيدة، وإنه إذا ساءت نيته قد يستخدم أصلح الأساليب والبراهين على حسب القراء ~~للوصول إلى بغيته، وعلى هذا الاعتبار نقول: إن أجود ما يكتب هو أجود ما يصيب به الكاتب ~~مرماه.» # فالكتابة الناجحة هي الكتابة الجيدة في تقدير فرنكلين، ومقياس النجاح هو «التطبيق ~~العملي» لفكرة مقررة ووجهة مرسومة، وهذا هو فرنكلين كله مرة أخرى يتمثل في صناعة القلم ~~وفي كل صناعة. # ويصادفنا في تراجم فرنكلين رأي متفق عليه بين الواقعيين العمليين والنظريين ~~المثاليين، وهو هذه الغاية الواقعية العملية التي يرتادها في كل مطلب يعنيه، وربما ~~لمسنا في كلام الواقعيين العمليين شيئا من الإعجاب في التنويه بهذه الصفة، وربما لمسنا ~~من الجانب الآخر شيئا من الغضاضة في تصريح النظريين المثاليين بها أو تلميحهم إليها، ~~ولكنهم لا يختلفون في وصفه بهذه الصفة واعتبارها إحدى صفاته البارزة، بل كبرى صفاته ~~العقلية والنفسية بين سائر الصفات. # على أننا نرى أن النزعة الواقعية والنزعة المثالية فيه تتقاربان، أو أنهما على الأقل ~~لا تتنافران ولا تتعارضان؛ فإنه يستقصي العمل إلى غاية مداه ولا يستطيع أن يدخر جهدا ~~من جهوده يتسع أمامه المجال لبلوغ الكمال الواجب في عمل من الأعمال. # وقد نجح في الكتابة الصحفية وقرر مكانته فيها وأصبح في مجالها علما فردا لا يدانيه ~~أحد من معاصريه، وكان هذا النجاح خليقا أن يقنع غيره بالوقوف عنده والاكتفاء به في ~~صناعة الصحافة وصناعة الطباعة، ولكنه لم يقنع به ولم يقف عنده، ولم يدع شيئا يقدر عليه ~~في هذه الصناعة، إلا حاول أن يبلغ منه ما يعينه على الاستقلال والكفاية، حتى سبك الحروف ~~للمطبعة، ولم يكن في بلاده يومئذ سباكون للحروف. # وديدنه في هذه الخطة هو ديدنه في كل مطلب، فإنه يفكر في الشروط التي ينبغي أن تتوافر ~~للصحفي ms039 ثم يأخذ نفسه بتحصيلها وتوفيرها ولا تثنيه عقبة ترصد له في طريقها، مما ينثني ~~أمامه النظريون المثاليون ولا يتجشمه كل عامل من المجتهدين الواقعيين، وعلى هذه الخطة ~~أخذ نفسه بالاطلاع على المعلومات الفلكية الضرورية لإصدار التقويم، وفهم أن الإلمام ~~باللغات مزية واجبة للصحفي الذي يريد أن يتقن عمله بين زملائه، وبخاصة في ذلك الزمن ~~الذي تعددت فيه لغات النازلين بالولايات الأمريكية، ولم تنتشر فيه لغة واحدة للكتابة ~~والكلام كما حدث بعد حرب الاستقلال، فتعلم من الأسبانية والإيطالية والألمانية ما ~~يكفيه، وتوسع بعض التوسع في اللغة الفرنسية، وجرى في تعلم اليونانية واللاتينية على ~~مذهبه في التعليم المدرسي متوسطا بين الإهمال والإلزام، فهو لا يهملها ولا يرى أن ~~تفرضا على الطالب فرضا إن لم يكن يشعر بالحاجة إليهما في مطالبه الثقافية، وأحق منها ~~بالفرض في البرامج لغات الأحياء أو اللغات الحية الشائعة بين أمم الحضارة، وبين أبناء ~~وطنه على التخصيص. # ومما يدخل في هذه الخطة العملية المثالية أنه يجتنب تبديد الجهود ويأبى الإسراف بطبعه ~~فيما يبتغيه من الكماليات أو الضروريات، وهو لا يجور بذلك على حق الكماليات؛ لأنه كذلك ~~لا يسرف ولا يبدد الجهد في طلب الضروريات. # ولا يخفى على الذين اختبروا تعلم اللغات أن الصعوبة فيها درجات؛ أولاها درجة الفهم من ~~الكلام المكتوب، وتليها درجة الفهم من الكلام المسموع؛ لأنه يرتبط بلهجات النطق الذي لا ~~يسهل التقاطه على السمع ساعة النطق به، كما يسهل التقاط الحرف المكتوب ثم التأمل في ~~الكلمات على الإجمال، وتلي هذه الدرجة في الصعوبة درجة السماع والإجابة عليه بالكلام ~~المفيد، ولا سيما الكلام المصطلح عليه فيما جرت به تقاليد أبناء اللغة من المثقفين وغير ~~المثقفين. # وفرنكلين لم يبدد جهده في لغة من اللغات التي تعلمها لغير ضرورة، وقد عاش في فرنسا ~~زمنا، واتصل فيها بصفوة العلماء والمتعلمين، وعالج الكتابة وأحسنها إلى حد الرضا من ~~طبقة المتكلمين بالفرنسية النقية في زمانه، ولكنه ظل إلى آخر أيامه بين الفرنسيين يفهم ~~الكلام في المجلس، ولا يفهم الكلام في الخطابة العامة، ms040 ولا سيما الخطابة السريعة التي ~~لا تجري مجرى الحوار على حسب المفهوم من السؤال والجواب، والتي يترتب على فوات معنى من ~~معانيها فوات المعاني التالية لها إلى آخر الخطاب. # ومن طرائفه في هذه المآزق - وهي طريفة تدل على لطف الحيلة كما تدل على حب المجاملة - ~~أنه حضر اجتماعا عاما تعاقب فيه الخطباء وتعذر عليه أن يتابع فهم الخطب، وعز عليه أن ~~يهمل واجب التحية وينفرد بهذا الإهمال بين المستمعين، فاحتال على الخروج من هذا المأزق ~~بمراقبة إحدى السيدات الحاضرات ممن يثق بذوقهن وفهمهن وبعدهن من الغرض في مهب الأهواء ~~السياسية، وجعل يتابعها بالتصفيق كلما صفقت، وبالسكوت كلما سكتت، وهو يحسب أنه قد أحسن ~~الحيلة، وتخلص من المأزق، وأدى واجب المجاملة للمتكلمين والمستمعين، ثم علم بعد ذلك أنه ~~كان يجامل نفسه على غير قصد منه، وقال له حفيده: إنه كان يصفق للثناء عليه والتنويه ~~بمآثره! وإنه كان يكثر من التصفيق كلما أكثر الخطباء من الثناء والتنويه، وكان لا يكتفي ~~بتصفيق السيدة، ومن يصفقون معها بل يحب دائما أن يزيد عليه فضلة من عنده ... ولعله لم ~~يخسر بهذا الموقف الطريف الذي ساقه إليه جهله باللغة وحبه للمجاملة، فإن أذكياء ~~الباريسيين والباريسيات لا تفوتهم حيلته التي كشفها لهم على الرغم منه، ولا تضيره عندهم ~~ولا تحرمه لديهم من ابتسامة العطف والتسلية! ... وقد روى الكثيرون ممن سمعوه يتكلم ~~الفرنسية مع صفوة المجتمع الباريسي من العلماء والنبلاء أن الخطأ في كلامه كان أحب ~~إليهم من الصواب؛ لأنهم يتفكهون به ويكشفون ما ينطوي فيه من حسن الاحتيال على ~~التعبير. # ولم يكتب فرنكلين لغير الصحافة إلا القليل، وأطول مؤلفاته ترجمته التي كتبها لنفسه ~~ولم يتمها إلى نهايتها ولم تظهر في حياته، وله رسالة في الأخلاق كتبها في إنجلترا ~~وسماها «مبحث في الحرية والضرورة والسرور والألم» غلبت فيها عليه فلسفة العصر كله، وذهب ~~فيها مذهب القائلين بأن الفضيلة والرذيلة لا وجود لهما في الطبيعة التي تسيرها قوانين ~~الضرورة وتدار وفاقا لتلك القوانين كما تدار الآلات، ثم عدل عن ms041 هذا الرأي أو عدله ~~تعديلا يبقي للفكرة قالبها ويغير جوهرها، فكان مذهبه الذي صمد عليه بقية حياته أن ~~الفضيلة أهل لأن يفضلها المختار لو أنه أحسن الاختيار، وأن الخبثاء الدهاة لو عرفوا ~~قيمتها لأصبحوا باختيارهم فضلاء بوحي من الخبث والدهاء، وتعود بنا هذه المصالحة بين ~~الضرورة والاختيار إلى تلك النزعة الواقعية التي تلاقي النزعة المثالية في منتصف ~~الطريق، فتتقاربان، أو هما على الأقل لا تتنافران. # وفيما عدا الترجمة والرسالة الأخلاقية، لم يفرغ لتأليف الكتب مع اشتغاله بالصحافة ~~والتجارب العلمية ووظائف الحكومة التي وكلت إليه بعد اشتهار اسمه وذيوع مخترعاته ~~وعلومه. وقد كان عمله في الصحافة أعمالا متشعبة كما تقدم، فإنها كانت تشمل التحرير ~~والطباعة والنشر وإنشاء الصحف وتوزيعها وبيع الكتب التي يطبعها أو يستوردها من البلاد ~~الإنجليزية، وكانت الطباعة التي يتولاها تشمل سبك الحروف. وإدارة المكنات وحفر النقوش ~~وكل صناعة طباعية يحتاج إليها الصحفي والناشر في عمله. وقد عقد النية منذ فارق أخاه على ~~أن يشتغل بإنشاء صحيفة يملكها ويتصرف في إدارتها وتحريرها، فبدأ بعد عودته من لندن إلى ~~فلادلفيا بشراء مطبعة نجحت في إتقان مطبوعاتها وتوفير عملائها، ثم اشترى في سنة (1729) ~~صحيفة بنسلفانيا جازيت، وأصدر تقويم ريتشارد المسكين بعد ذلك بثلاث سنوات، وضم إلى ~~الصحيفة مجلة سماها المجلة العامة # The General Magazine and Historical ~~Chronicle # صدرت في سنة (1741) وكانت ثانية المجلات التي صدرت في ~~الولايات الأمريكية، وحاول في أثناء ذلك إصدار صحيفة ألمانية يكتبها أستاذ من أساتذة ~~اللغات، فصدرت منها أعداد قليلة، ولكنها لم تعمر طويلا لقلة القراء باللغة الألمانية، ~~ومكنته سمعته الحسنة في الصحافة والطباعة من المشاركة في بعض صحف الجنوب، ثم أرادت ~~الجماعة النيابية بكارولينا الجنوبية أن تشجع الطباعين على إنشاء مطبعة فيها، فتبرعت ~~بألف جنيه لمن يقيم مطبعة كاملة في الولاية، فاتفق فرنكلين مع أحد زملائه على إقامة ~~المطبعة مشتركين في إدارتها وأرباحها، وحيل بينه وبين الحصول على المعونة الموعودة فلم ~~يكف عن السعي حتى حصل عليها بعد وفاة الطباع المزاحم له (سنة 1732) وأصبح هو وشريكه ms042 ~~مستقلين بإصدار صحيفة الولاية باسم «سوث كارولينا جازيت» أي صحيفة كارولينا ~~الجنوبية. # وكان فرنكلين كفؤا لكل صعوبة تعترضه في أعماله الصحفية، ولا سيما أعمال النشر ~~والتوزيع، ومن أخطر هذه الصعوبات التي تغلب عليها أنه مني بمزاحمة أندرو برادفورد مدير ~~البريد يوم كان البريد «التزاما» يتولاه المدير لحسابه، ولا يدخل في عداد المصالح ~~الحكومية، فمنع برادفورد سعاته من توزيع صحيفة فرنكلين وأوشك أن يشل حركتها لولا ذلك ~~الخلق المطبوع الذي أسعد فرنكلين بالأنصار والأعوان في جميع المآزق المحرجة، وهو خلق ~~الكياسة، وطيب المعاشرة، وحسن التفاهم مع الناس من كل طبقة، فلم يلبث أن تفاهم مع ~~السعاة، واسترضاهم بالهدايا تارة والإقناع تارة أخرى، فأقبلوا على توزيع صحيفته على غير ~~علم من مديرهم، ونجح حيث أخفق مدير البريد. # وأعانه هذا الخلق على اجتذاب العملاء، فأقبلت دواوين الحكومة على طبع أوراقها عنده، ~~واختاره تجار الكتب لطبع الكتب التي يوزعونها، وكان هو يطبع من التصانيف السلفية ما ~~يقدر له الرواج في كل زمن، كالمجاميع القانونية، ومجاميع الصلوات، ودساتير الماسونيين، ~~ومفكرات التطبيب، والإسعاف، ودواوين القصائد التي تصلح للمناسبات، ونصائح الإرشاد في ~~مشكلات الأسر، وأصحاب المعاملات، ومراجع الصناعة التي تجمع بين العلم والفائدة، غير ما ~~كان يستورده من المطبوعات الأدبية الي يقبل عليها قراء الشعر والنثر من خاصة القراء، ~~ولم يكن يستورد منها غير العدد الذي ينفد لساعته، ويضمن له ثقة الخاصة من قراء الإقليم ~~وتعويلهم على مطبوعاته ووارداته. # ومن المحرجات في صناعة الطبع والنشر ما يحسه فرنكلين بصفة خاصة؛ لأنه على إيمانه ~~بحرية الرأي يكره العداوات، ولا يميل إلى إغضاب المخالفين ما استطاع أن يرضيهم بالكلمة ~~الحسنة والصراحة المقبولة، وليس من اليسير على طابع أو ناشر أن يقصر مطبوعاته ومنشوراته ~~على ما يرضي الناس جميعا ولا يسوء أحدا منهم، وأعسر ما كان ذلك في عصر المجادلات ~~السياسية والدينية بين أناس من مختلف الأقدار والعقائد والميول، فاجتهد فرنكلين في ~~اجتناب ما يمكن اجتنابه مما يسوء القارئ لغير ضرورة، ولم يبال بعد ذلك أن ينشر ويكتب ما ~~يخالف ms043 أناسا ويوافق آخرين، وكتب دفاعه عن صناعة الطباعين توضيحا لمسلكه بين الآراء ~~المتضاربة، فكاد يرضى الجميع به لو كان إلى إرضاء الجميع من سبيل. # إلا أنه - مع حرصه على المجاملة حرص الإفراط في بعض الأحيان - لم يجامل أحدا فيما ~~يشذ عن آداب المناظرة أو يقحم المثالب الشخصية بين مباحث النقد ومناقشات الآراء، وكان ~~يقول كما ذكر في ترجمته: «إنني أتحاشى في تحرير الصحيفة كل إساءة شخصية من تلك الإساءات ~~التي وصمت بلادنا في السنوات الأخيرة. وكلما ألح الملحون علي لنشر كلام من هذا القبيل ~~واحتجوا كعادتهم بحرية الصحافة، وشبهوا الصحيفة لتسويغ طلبهم بالمركبة الحافلة التي ~~ينبغي أن تتسع لكل راكب وكل مشترك - كان جوابي لهم أنني على استعداد لطبع كلامهم على ~~حدة ولهم أن يطبعوا منها النسخ التي يريدونها ويباشرون توزيعها، ولكنني أنا غير مسئول ~~أن أشترك معهم في عمل لا أرضاه.» # ولا نخاله كان بحاجة خاصة إلى مطبعة خصوصية لطبع رسائله في باريس، فربما كان حكم ~~العادة وحب الصناعة التي شب عليها سلواه في أيام الشيخوخة وباعثه الأول إلى اقتناء ~~المطبعة الخصوصية قبل كل باعث من بواعث الأعمال السياسية أو الأدبية، ولكن مطبعة «باسي» ~~على هذا قد أخرجت له نخبة من الرسائل والنشرات لم تخرج مطابعه الأولى نظيرا لها أيام ~~الشباب، ولو سقطت هذه المطبوعات من مجموعته الكاملة لاختفى باختفائها أجمل ما كتب من ~~الفكاهة والنقد بعد تهذيب السن وحنكة الشيخوخة والاطلاع. # وفقا للخطة المقررة. # هذه عبارة شاعت أيام الحرب الأخيرة، في بلاغات القيادات العسكرية، وتعود القراء بعد ~~تكرارها أن يفهموا منها أنها تكتب في البلاغات التي تنذر بالارتداد من غير اعتراف ~~بالهزيمة! فإذا سمعوا خبرا يبتدئ بالتراجع والارتداد بادروا إلى تمامه متهكمين: نعم. ~~وفقا للخطة المقررة. # ترى هل كان أصحاب هذه البلاغات من قراء فرنكلين؟ # لا نظنهم قرءوه. ولكنه قد سبقهم إلى هذه العبارة وأمثالها، وعود قراءه قبلهم أن ~~يتوقعوا كل حركة كبيرة من حركات سيرته الحافلة، وفقا للخطة المقررة! وعودهم أن يبتسموا ~~لهذه الخطة التي ترسم كل ms044 حركة من حركاته سلفا حتى حركات الأفكار والأخلاق! ولكنهم ~~يبتسمون هنا لتلك العادة المزمنة التي لا تتغير ولا تذكر إلا مقرونة بأخبار النجاح، ~~فليس في ابتسامتهم المتوالية شيء من التهكم أو السخرية على إخفاء الفشل بالدعوى، بل هي ~~ابتسامات العطف التي ترتفع إلى الشفاه كلما نظر الناظر فرأى أمامه وجها قديما يطالعه ~~من جديد، ويرجع إليه في كل مرة على ديدنه وهجيراه. # قال فرنكلين يصف مقدمات سيرته الطويلة: «إن الذين يكتبون عن فن الشعر يعلموننا أننا ~~لا ننظم شيئا جديرا بأن يقرأ إلا إذا رسمنا له من البداءة خطة مفصلة عن مقاصده، وإلا ~~تورطنا في السخف والإطالة، وأراني أعتقد أن هذه الخطة تصدق على الحياة برمتها، خلافا ~~لمنزعي الأول إذ كنت لا أتبع في حياتي خطة موحدة، ولا أرى الحياة على هذه الحالة إلا ~~شتيتا من المناظر لا تربط بينها رابطة. وإنني الآن لمقدم على حياة جديدة، ولا بد لي من ~~عزائم أمضي عليها ومسالك في الأعمال أتوخاها؛ كي أعيش من جميع الوجوه عيشة مخلوق عاقل. ~~فليكن لزاما علي إذن أن أتحرى القصد زمنا لأبرئ ذمتي من كل زيف، وأن أروض نفسي على ~~قول الصدق في كل موقف، فلا أدع إنسانا يتوقع من كلامي أملا لا يتحقق، ولا أحيد عن سنة ~~الإخلاص في كل كلمة أفوه بها أو عمل أعمله، وهي أحب السنن في مناقب العقلاء، وأن أفرغ ~~نفسي بجهد وعناية لكل شاغل أقدم عليه، فلا أنصرف بذهني عنه سعيا وراء الأمل الخادع في ~~الثروة العاجلة؛ لأن الاجتهاد والمثابرة أضمن وسائل الثراء، وعلي ألا أنبس بكلمة ~~مسيئة عن إنسان من الناس ولو في سياق الإفضاء بالحقيقة، بل أحاول أن ألتمس المعاذير لما ~~أسمعه من أخطاء الناس، وأن أذكرهم بالثناء في كل مقام.» # 3 # وعلى هذا البرنامج سار فرنكلين في حياته الكتابية وحياته الصحفية، فلم يقصر عن غاية ~~كان في وسعه أن يبلغها، وتقدم إلى الطليعة بين كتاب عصره في وطنه وغير وطنه، ونظم من ~~حياته قصيدة لا اختلال في أوزانها ms045 على النحو الذي رواه عن فن الشعر في رأي معلميه. ولا ~~ريب أن هذه القصيدة الحية، بل هذه الملحمة الوافية، أبدع قصائده من منظوماته وأناشيده، ~~فلم ينظم من الشعر ما أبقاه أو تركه للبقاء، ولم يطاوع هواه مع عروس الشعر إلا ليستعين ~~بها على حفظ كلمات المنثور أو توقيع الأناشيد في مجلس من مجالس الحبور، فلم تبق له غير ~~قصيدة واحدة ذات قواف متعددة، هي الحياة على هذا الوزن الرتيب، ومن قوافيها المتعددة ~~قافية الكاتب الأديب. # | السياسي # يعمل في السياسة اليوم أناس كثيرون كلهم له وظيفة سياسية، وكلهم له عمل غير أعمال ~~الآخرين، وقد يقضي الواحد منهم حياة معمرة ولا يشتغل في السياسة بوظيفة غير الوظيفة ~~التي استعد لها بترتيبه وتعليمه. # فالوزير، أو الزعيم، الذي يقود الرأي العام سياسي، والسفير الذي ينوب عن دولته عند ~~الدول الأخرى سياسي، والحاكم الذي يدير الديوان أو يحكم الإقليم يعد من ساسة البلد، ~~والعالم الباحث الذي يدرس النظريات الاجتماعية ومبادئ الحكم عالم سياسي أو خبير مختص ~~بعلم السياسة. # وهذه كلها أعمال محدودة في العصر الحاضر، لا يختلط واحد منها بغيره، وإن كانت كلها ~~تنتظم تحت عنوان السياسة. # ولكنها لم تكن محدودة في عصر فرنكلين، ولم تكن محدودة في وطنه بصفة خاصة إبان حركة ~~الاستقلال؛ لأن الشعب الأمريكي في ذلك العصر كان يتطلع إلى زعمائه البارزين في كل ~~مشكلة، ويتطلب منهم العمل والهداية في كل موقف، وكان يواجه المسائل والخطوب جملة واحدة ~~بكل ما عنده من قوة وقدرة، فهو يندب الرجل الذي يراه أمامه للمشكلة التي يراها أمامه، ~~وينتظر من الفقيه أن ينفعه في تدبير شئون القتال، ومن المقاتل أن ينفعه في تدبير شئون ~~الحكم، ومن التاجر أن يعمل عمل السياسي، ومن السياسي أن يعمل عمل التاجر، ولا يملك ~~الوقت ولا التنويع أو التقسيم الذي يتيح له أن ينتظر لكل عمل صاحبه ولكل رجل رسالته، ~~فكل مشكلة لساعتها، وللرجل الذي يلفت الأبصار ويقرع الأسماع في تلك الساعة، وهذه هي ~~المحنة التي امتحنت كل معدن من ms046 معادن الرجال البارزين فأخرجت في معصرة الشدة خير ما ~~فيه. # وأخرجت من هذا فئة صالحة من الزعماء لا تفوقهم فئة من قبيلها في عهد من عهودها ~~التالية، بعد النهضة والتقدم والاتساع والارتفاع. # وكان فرنكلين واحدا من هؤلاء الزعماء المدخرين للشدائد في أوقاتها، وللسياسة بجميع ~~مقاصدها: سياسة الزعيم، وسياسة السفير، وسياسة الحاكم، وسياسة الباحث في كل ~~سياسة. # ونجح حيث طلبوا منه النجاح، ولم يخيب الظنون في رجاء يناط به أو ناطته به حوادث ~~الأيام. # في عصرنا هذا قد نترجم السياسي ونلتمس أسباب نجاحه في أوائل نشأته ومبادئ تربيته ~~وتعليمه . # وفي عصر فرنكلين نفسه ربما جاز التماس الأسباب - أسباب النجاح - في النشأة والتربية ~~والتعليم. # ولكننا لا نستغني في عمل من أعمال فرنكلين - خاصة - عن الرجوع به إلى الفطرة الموروثة ~~قبل غيرها، فلم تكن في عصره علوم مقررة وبرامج محفوظة لتخريج الساسة الناجحين في كل ضرب ~~من ضروب السياسة، ولو كانت هناك تلك العلوم والبرامج لما فسرت لنا شيئا من نجاحه في ~~سياسته؛ لأنه - كما قيل - لم يوجد أحد قط كانت فائدته من المدرسة أقل من فائدة ~~فرنكلين. # ولا بد أن تنظر في تكوينه الفطري، وفيما هو من قبيل هذا التكوين، لتفسير كل قدرة له ~~لم يستفدها من المرانة والتعليم. # ولا يستطيع مترجم له أن ينسى في هذا الصدد قوة البنية التي ورثها من أبويه، فإن قوة ~~البنية أصدق أعوان السياسي في كل عمل من أعماله يتطلب الهدوء واعتدال المزاج، وكل عمل ~~من أعمال السياسي يتطلب النفس الهادئة، والمزاج المعتدل. # وحب النظام خصلة يتعلمها الإنسان في المدرسة وفي تجارب الحياة، كما يتلقاها استعدادا ~~بالوراثة مع البنية الطبيعية، ومهما يكن من فضل التعليم والتجربة في هذه الخصلة، فلا شك ~~في اختلاف الاستعداد لها بالطبيعة الموروثة، فقد يغني قليل من التعليم والتجربة مع ~~الاستعداد الطبيعي حيث يضيع التعليم الكثير والتجربة الطويلة عبثا مع فقدان ذلك ~~الاستعداد. # ولقد كانت قوة البنية عونا لفرنكلين على التنظيم وكابحا لدوافع الخلل والاندفاع ~~والتقلقل بين رأي ورأي، وبين نظام ونظام، ms047 وقال عارفوه - بعد الأربعين على الخصوص: إنهم ~~لم يروه قط في ربكة أو عجلة، وهذه أيضا عدة من عدد النجاح في السياسة لا يستغنى عنها، ~~ولا يقدر عليها أحد كما يقدر عليها الرجل المكين البنية المستقر على نظام لأعماله ~~وأوقاته يمنع الخلط بينها والارتباك في البدء بها والانتهاء منها، ويمنع الربكة والعجلة ~~تبعا لذلك، فلا يفقد طمأنينته، ولا يفقد العاملون معه طمأنينتهم إليه. # ويلحق بالاستعداد الفطري أنه كان عاشر أبناء أبيه، فلم ينشأ نشأة الطفل المدلل، ولا ~~نشأة الطفل الوحيد الذي يقضي أيام الطفولة بعيدا من أمثاله غريبا عن شعور الزمالة ~~والعشرة الطبيعية. وفتح عينيه على الدنيا وهو يصاحب أطفالا أكبر منه وأصغر منه بين ~~إخوة وأخوات من الجنسين، فلم يصعب عليه بعد ذلك أن يسلك مع الناس، وعرف الكبار والصغار ~~في أخص حالاتهم وأعمها معرفة البداهة السهلة والفهم الصحيح. وكان له من كل أخ وكل أخت ~~نموذج مختلف ينوع أمامه طبائع النفوس، فلا تخفى عليه حقائق النفس البشرية على تعدد ~~الأمزجة والطباع. # ولسنا نرى أن المقدرة السياسية كان لها الفضل كله في نجاحه حيث نجح في «وظائفه» ~~السياسية التي لم تنحصر في مجال واحد من مجالات السياسة، فمن قيادة الرأي العام إلى ~~المفاوضة إلى الإدارة والتنظيم إلى مباحث الحكم وفلسفة الاجتماع - كل أولئك كان له فيه ~~أعوان من ظروف الزمن وظروف النهضة الفكرية وظروف المجتمع الأمريكي نفسه في إبان تكوينه ~~قبل الخلاف مع الدولة البريطانية وبعد الاستقلال عنها إلى يوم وفاته. # فالنزاع بين بريطانيا العظمى وفرنسا كان له شأنه في ضم فرنسا إلى جانب الثورة ~~الأمريكية وتحريضها على الانتقام من بريطانيا العظمى لسعيها الحثيث في طردها - أي طرد ~~فرنسا - من أمريكا الشمالية نفسها، وقد كانت رغبة فرنسا في طرد الدولة البريطانية من ~~تلك البقاع لا تقل عن رغبة الأمريكيين الساخطين على حكومة لندن وحكومة ~~المستعمرات. # وهذه معاونة من الظروف لا تهمل في تقدير مساعيه وتقدير أسباب نجاحه، ولكنها إذا وضعت ~~في الميزان وجب أن توضع أمامها عوامل أخرى في ms048 السياسة الأوروبية، كانت تميل بفرنسا إلى ~~الحذر والأناة في تشجيع الثوار الأمريكيين، بل كان من هذه العوامل التي تدعو إلى الحذر ~~والأناة أمور ترجع إلى فرنسا داخل حدودها، ولا تمتد إلى ما وراء الحدود في القارة ~~الأوروبية أو القارة الأمريكية، وتلك هي مخاوف القصر والنبلاء من بوادر الثورة الفرنسية ~~التي كانت تهددهم بالنذير بعد النذير حتى قضت على لويس السادس عشر - ملك فرنسا - الذي ~~استقبل في بلاطه فرنكلين. # ومن الظروف التي أعانت على النجاح ما لا يحسب لفرنكلين في ميزان القدرة السياسية، ~~ولكنه يحسب له راجحا مرجحا في غير ذلك الميزان، وشهرته العلمية ظرف من أكبر هذه ~~الظروف، وسجاياه المحبوبة ظرف آخر لا يقل في تمهيد الطرق أمامه وفتح الأبواب له عن ~~الشهرة العلمية. # وهنا أيضا ينبغي أن نعادل بين الكفتين ونضع شيئا في كل كفة منهما، ولا نقصر ~~المرجحات على كفة واحدة. # هنا أيضا ينبغي أن نعلم أن الظروف المؤاتية تصادف الساسة في كثير من المهام الكبرى ~~والصغرى ولا يحسنون الاستفادة منها، بل لعلهم يعكسونها ويضيعون فرصتها بالغلطات التي ~~يستغلها الخصوم ويحسبونها في جانبهم من الظروف المؤاتية! # وقد كان خليفة فرنكلين في تمثيل بلاده عند الدولة الفرنسية رجلا من مشاهير ~~الأمريكيين، بلغ إلى رياسة الجمهورية وعده المؤرخون الأمريكيون والأوروبيون من آحاد ~~الرؤساء النابهين، وكانت له فلسفة سياسية ومبادئ ديمقراطية تدرس الآن بين أصول الحكم ~~الدستوري والحرية الفكرية، وحل هذا الخلف العظيم محل سلفه العظيم فأحس بالعبء الفادح من ~~اللحظة الأولى، وكتب إلى قومه يقول: إنه يحل محله ولكنه لا يغني غناءه، ولم يكن جفرسون ~~ممن يتلطفون أو يمدحون على حساب الحقيقة والعدل باسم التواضع المكذوب. # والظروف المعاونة في استنباط قواعد الفلسفة السياسية تشبه هذه الظروف وأمثالها في ~~مسائل المفاوضة الدبلوماسية. فقد كان أذكياء العصر يرقبون هذه الفلسفة وهي تولد وتترعرع ~~وتنمو مع الحوادث والمطالب الشعبية من جانب الطلاب وجانب المعارضين والمنكرين، وكان له ~~رأي عن التمثيل النيابي وحقوق الدولة في تحصيل الضريبة، وحقوق المحكومين في المحاسبة ~~عليها، وحقوق الطبقات ms049 في المساواة أو الامتيازات الموروثة - قضية قائمة مسموعة الحجج من ~~طرفيها منجمة على حسب الحوادث، بل على حسب الأفراد والأقاليم في كثير من الأحوال، وكان ~~صاحب الرأي الفلسفي يعمل «فلسفته» عملا وينفذها تنفيذا ولم يكن قصاراه منها أن يقرأها ~~على الصفحات ويناقشها بالبراهين، وكان جو الدولة البريطانية من أقصاها إلى أقصاها ~~يتماوج ببقايا الثورة الدستورية، ويردد الأصداء القريبة التي يسمعها الحاكمون كما ~~يسمعها المحكومون، وكانت فرنسا تتنسم الأنفاس من هذا الجو وتنفثها في صرخات فولتير ~~وزملائه المتمردين المتحفزين، ولم تسمع نظرية واحدة من نظريات الفلسفة السياسية التي ~~شاعت في ذلك العصر، إلا وهي لاحقة بحادثة تؤيدها، أو سابقة لحادثة يوشك أن تتجسم للحس ~~والعيان، وهذه هي النظريات التي تستجيب لها طبيعة فرنكلين ويتقبلها ذهنه ويقيم عليها ~~أفكاره وأعماله في وقت واحد، فليست الأفكار فيها إلا أعمالا مفسرة، وليست الأعمال فيها ~~إلا أفكارا مطبقة، أو في انتظار التطبيق. # ويوضع كل هذا في كفتي الميزان حيثما وزنت قدرة فرنكلين ومعونة الظروف في مساعيه ~~السياسية وفي قيادة الرأي العام إلى الفلسفة الاجتماعية، ويوضع في الميزان قبلها وبعدها ~~تقدير واحد ينبغي ألا ينساه من يزن عملا من الأعمال أو سيرة من السير، وربما كان هذا ~~التقدير سؤالا يلقيه المؤرخ على نفسه ويجيبه ثم يفترض جوابه المعقول في حساب المسئولين ~~الآخرين: فإذا كان صاحب السيرة لم يعمل عمله بفضل قدرته وحدها دون غيرها، فهل عملته ~~الظروف وحدها بفضل قدرتها دون غيرها؟ وهل كل عامل ينجح مثل هذا النجاح إذا وجد في هذه ~~الظروف؟ # إن كانت الظروف لا تغني عن العامل، فذلك هو الفضل الذي يوضع له في ميزانه، وإذا كانت ~~الظروف المؤاتية لا تنقطع عن الدنيا ولا تتجرد منها حادثة من الحوادث العظمى، فهي لا ~~تعلو ولا تهبط بكفة ميزان. # كانت قيادة الرأي العام من «وظائف» السياسة العامة التي نهض بها فرنكلين أو أنهض لها ~~- على الأصح - لأنه لم يطلبها بأدواتها ولم تكن لديه أدواتها في البلاد التي تنال فيها ~~قيادة الشعب بالتأثير في الجماهير. ms050 فلم يكن خطيبا يملك عواطف السامعين ويثيرها ويلعب ~~بها على هواه، ولم يكن من عاداته أن يسرف في الوعود، وأن يقول ما لا يعمل ولا ينوي أن ~~يعمله ساعة الوعد به في ساعة من ساعات الحماسة وهياج الخواطر والأفكار، ولم تكن الحماسة ~~من طباعه في علاقة من علاقاته بالناس خاصة أو عامة ومهتاجين أو هادئين، وكان فصيحا ~~مبينا في الإعراب عن رأيه والإقناع بحجته وشرح أفكاره التي استقر عليها والتي لا تزال ~~بين التردد والاستقرار، ولكن هذه الفصاحة المبينة ليست بالعدة الماضية في قيادة ~~الجماهير من منصة الخطابة ، وليست على الأخص بالعدة الماضية في عصر النزاع واضطراب ~~الأهواء وجماح المطالب إلى غير وجهة ثابتة يتفاهم عليها القادة والمفكرون فضلا عن ~~الأتباع المنقادين بغير تفكير. # فلما نهض فرنكلين بقيادة الرأي العام أنهض لها على الأصح من غير سعي لها وغير تدبير ~~مقصود للوصول إليها، اللهم إلا أن نحسب نتيجة عمله غاية مقصودة يناط بها ~~التدبير. # فقد كانت ثقة الناس به من نتائج شهرته بالتقويم السنوي الذي سماه تقويم ريتشارد ~~المسكين وكاد يحمل اسمه والإعجاب به إلى كل بيت في الولايات، وكانت هذه الثقة في موطنه ~~وبين عارفيه من نتائج الاطمئنان إلى حسن إدارته وأمانة يده وضميره، ورباطة جأشه وقدرته ~~على مواجهة الشدائد والأزمات بما يلائمها من الرأي الحاضر والفكر الهادئ والتصرف المريح ~~الذي يرتضيه أطراف الخصومة بعد سكون الزوبعة وانقضاء النزاع والخلاف. # ولم يحاول قط، ولا كان في قدرته، أن يثير الجماهير بفصاحة الشارع وارتجال الدعوى ~~الكاذبة التي لا تسأل عما تقول ولا يذكرها أحد بما قالت ولا يذكر أحد ما سمع منها بعد ~~حينه، ولكنه كان يقدر على ما هو أصعب وأخطر في مخاطبة الجماهير: كان يقدر على تهدئة ~~الجماهير الثائرة، وهي قدرة لا طاقة بها لأقدر الخطباء على إثارة الجماهير الهادئة، ~~وكانت عدته النافعة في هذه المواقف رباطة جأشه وطيبته المرتسمة على سيماه ونظرته ~~الأبوية التي تعدي الناظرين بما يقابلها، فلا يملكون إلا أن ينقادوا له طائعين، كما ~~ينقاد ms051 الأبناء للآباء. # ومن هذه المواقف الثائرة أن بعض الأغرار على الحدود سمعوا بمعركة بين السكان البيض، ~~والهنود الحمر فهجموا على قبيلة من القبائل الهندية للاقتصاص منها، وفر أبناء هذه ~~القبيلة وبناتها إلى فلادلفيا يحتمون بها من مطاردة الناقمين المتعطشين إلى الثأر ~~والانتقام، فثار بهم غوغاء فلادلفيا وتعقبوهم في الطرقات ليفتكوا بهم وينتقموا منهم على ~~السماع بغير تمييز بين المعتدين والمسالمين، وطلب الحاكم من فرنكلين أن يقمع الفتنة ~~بفرقة من الجند الرديف، فلم يعمل فرنكلين بالأمر وآثر التجربة بالحسنى قبل الوثوب إلى ~~السلاح، وذهب إلى الثائرين منفردا أعزل لا يحمل في يده شيئا حتى عصاه، وكانت رؤيته ~~كافية لتوقف الجمهور الهائج في ثورة غضبه للإصغاء إلى الأب فرنكلين، وكتب هو عن هذا ~~الحادث إلى صديق له في لندن يقول: «في خلال أربع وعشرين ساعة كان صديقك القديم جنديا ~~ومستشارا ودكتاتورا على نوع ما وسفيرا إلى الغوغاء. ثم عاد إلى منزله نكرة كما ~~كان.» # وبهذا الوقار على أسلوب آخر كان يؤدي أمانة القيادة بين كبار القادة من فطاحل ~~الزعماء، فلما عهد إليه مع فئة من هؤلاء الزعماء أن يكتب إعلان الاستقلال لم يرض عن ~~كلمة جفرسون التي قال فيها عن حقوق الأمريكيين «أنها مقدسة لا تنكر» واقترح بديلا منها ~~«إنها ثابتة بذاتها» لأن القول بأنها لا تنكر لا يطابق الدقة العلمية مع وجود من ~~ينكرونها ويقاتلون في سبيل إنكارها، ولأن القداسة في الحقوق العامة قد ابتذلت بدعوى ~~الملوك الذين يزعمون أنهم يتلقون السلطان من السماء، ودعوى رجال الدين الذين يزعمون أن ~~القداسة مستمدة منهم، وقد يتسللون من وراء هذه الكلمة إلى المطالبة بالرقابة على حقوق ~~الشعب «المقدسة»، فكانت قيادته للأمة لا تستغني عن وقار تفكيره بين الدهماء ولا بين ~~الزعماء. # والسياسي المفاوض يلي السياسي الزعيم في القدرة والخبرة بأساليب المفاوضة في كل ظرف ~~من ظروفها، وهي تلك الظروف التي تتناقض بين يوم ويوم، وبين خصم وخصم، وبين قضية ~~وقضية. # فتولى المفاوضة في بلده بين البيض والهنود الحمر، وبين أبناء الولايات وأبناء كندا ms052 ~~الفرنسية، وتولى المفاوضة في إنجلترا نائبا عن بعض الولايات الأمريكية. # وتولى المفاوضة في فرنسا ليستعين بها على مقاومة بريطانيا العظمى، ويعقد معها معاهدة ~~تعترف فيها باستقلال الولايات، وتسجل لهذه الولايات كيانها «الرسمي» في عالم السياسة ~~الدولية. # وكانت عدة «السياسي المفاوض» لديه أكمل من عدة السياسي الزعيم أو السياسي الذي يقود ~~الجماهير بالأقوال والوعود. # كانت المسالمة طبيعة فيه، وكان من مبادئه «العلمية» صيانة الجهود عن التبديد، فلا ~~يقدم على نضال يستطاع اجتنابه بوسيلة من وسائل التراضي، أو حيلة من حيل المجاملة ~~والتفاهم على أواسط الأمور، وعنده أنه «لا حرب حسنة ولا سلم سيئة»، بل السلم خير من ~~الحرب ما دامت المسالمة تغني عن القتال. # وفاوض الهنود الحمر فنجح؛ لأنهم يحسون منه دخيلة شعوره في مسألة الفوارق بين الأجناس، ~~وقد كان يقول: إن الفتك بأبناء قبيلة هندية انتقاما من أبناء قبيلة أخرى جور قبيح ~~كانتقامنا من الهولنديين مثلا لعدوان يصيبنا من الفرنسيين واعتذارنا من ذلك بأنهم ~~«كلهم بيض الوجوه». # ولم يسمع الهنود منه هذا الرأي، ولكنهم كانوا يحسونه من شعوره ومعاملته، وإيثاره ~~للتراضي والمصافاة. # ولما ذهب للمفاوضة في إنجلترا كان في رأسه كل حل وكل محاولة قبل القطيعة وإعلان ~~العداء. # كان في ذهنه أن تتعاون أجزاء الإمبراطورية على نمط «الكومنولث» الذي اهتدى إليه ~~الساسة البريطان بعد الحرب العالمية الأولى، وكان في ذهنه أن تختار للإمبراطورية عاصمة ~~في الولايات تتبعها الجزر البريطانية، كما تتبعها الولايات الأمريكية وغير الأمريكية، ~~وكان في ذهنه أن تنفض الخصومة بتقرير حقوق الهيئات النيابية في كل بلد، وتقرير حقوق ~~التاج على المساواة بين الجميع، فلا يكون لبرلمان إنجلترا حق في فرض الضرائب مع وجود ~~البرلمانات المحلية، ولا يشترك التابعون للتاج في هذه المساواة. # وهذا المفاوض الذي كان من طبعه أن يذهب مع المفاوضة إلى الحد الأقصى، لم يكن يذهب بها ~~إلى غير حد ولا نهاية، فلما جاء العدوان في بلده من الهنود الحمر وظهر من العدوان أنه ~~استضعاف وسوء فهم لمعنى المسالمة والمداراة، كان هو المقاتل المصر على القتال ms053 إلى أن ~~يتبدد هذا الفهم وتزول من نفوس المعتدين مظنة الاستضعاف. ولما فتح كل باب للمسالمة مع ~~الساسة البريطان ويئس من كل حل وكل حيلة، كان هو في طليعة الدعاة إلى المقاومة بالسلاح ~~وعلى رأس العاملين على توفير الأسلحة وتجنيد الفرق واتخاذ الحيطة في مواضع الهجوم ~~والدفاع. # أما المفاوضة في فرنسا فقد كانت في نصف الطريق أكبر مجازفة، وكانت في النصف الآخر ~~أكبر نجاح. # برح الديار الأمريكية سرا في السادس والعشرين من شهر أكتوبر (1776) مع ثلاثة من ~~الزعماء لمفاوضة الدولة الفرنسية في عقد معاهدة مع الدولة الأمريكية المستقلة تمهد ~~لغيرها من المعاهدات مع الدول الأخرى، وتبدأ الاعتراف بالدولة المستقلة الجديدة في ~~المعاهدات الدولية، وكان سفره على سفينة صغيرة لا تحتمل زعازع المحيط الأطلسي في تلك ~~الآونة، وأخطر من زعازع المحيط الأطلسي رقابة الأسطول البريطاني على السفن التي تفارق ~~الشواطئ الأمريكية، ومن عسى أن يكون فيها من الثوار العاملين في خدمة الثورة ومناجزة ~~الدولة الحاكمة، ولا خفاء في الجزاء الذي ينتظر فرنكلين لو وقع في قبضة الأسطول المنتشر ~~في عرض البحار، فإنه لا ينجو من الشنق بتهمة الخيانة العظمى قصاصا منه وعبرة لأمثاله، ~~وما كان هذا الجزاء الرابض له ليخفى عليه قبل سفره، فقد كان جون هانكوك # Hancock # يوقع إعلان الاستقلال ويقول والقلم في يده: ~~«علينا يا صحاب أن نتعلق جميعا بعلاقة واحدة» وهي عبارة باللغة الإنجليزية ترادف ~~الكلمة العربية التي تعبر عن هذا المعنى «بالاعتصام» بحبل واحد، فقال فرنكلين: نعم، ~~وإلا تعلقنا بحبال كثيرة متفرقين! # سافر من بلاده في السبعين وهو يعلم هذا الخطر الذي يترصد له في الطريق، ولكنه لم يصل ~~إلى «نانت» ليهدأ بعض الشيء على أثر هذه الرحلة المقلقة في السفينة المضطربة حتى أحس ~~طوالع النجاح بعينيه، وعلم أن الحفاوة التي سيلقاها من الأمة الفرنسية تفوق كل ما خطر ~~على باله وبال أصحابه، وانقضى اليوم السابق لدخوله باريس دخول الفاتحين في التساؤل عن ~~الموعد وعن الطريق والتسابق إلى أقرب الأمكنة لرؤية السفير المنتظر، فلم يبق رجل ولا ms054 ~~امرأة من المشتغلين بالسياسة والمطلعين على أخبار الثورة الأمريكية، إلا خف إلى طريق من ~~الطرق التي قيل: إنه سيعبرها إلى مقره أو إلى البلاط، وأقبل «الدكتور» في قبعته الفرو ~~المعهودة والكساء الساذج يحيي المستقبلين على جانبي الطريق بابتسامته الطيبة ونظرته ~~الوديعة في غير إكثار من الإيماء والحركة، وغزا المجتمع الباريسي من اللحظة الأولى، ولا ~~سيما مجتمع العلية وذوي الثقافة من أقطاب الآداب والفنون، وكان العصر عصر التنافس ~~بالأندية، أو الصالونات، فكانت السعيدة من عقيلات النبلاء من تظفر بزيارة من «الدكتور» ~~ومن تضمن دعوة الضيوف الكبار لمحادثته عندها حين تشاء ، وساعدته الشهرة السابقة والقدرة ~~السهلة على كسب الأنصار والأصدقاء من ذوي الجاه والمنزلة العالية بين قادة الآراء، وعلم ~~أن هذا النجاح الأدبي غنيمة لا يستهان بها كائنا ما كان موقف البلاد والدواوين ~~الرسمية، ولكنه كان يعلم من باطن هذا الموقف أنه يناصره، ويتمنى له التوفيق، وأنه - مع ~~التحفظ الشديد في الظاهر - يملي له ويعينه في الباطن ويستمهله فترة من الزمن ريثما تسنح ~~الفرصة التي يرتقبها الساسة المسئولون، فيعلنون الاعتراف بالدولة الجديدة آمنين عاقبة ~~العداء الصريح للدولة البريطانية، فإن هذه الدولة نفسها ستعترف لا محالة بالحكومة ~~الثورية متى يئست من قهرها وإكراهها على الخضوع. # ولم يأت هذا الأمل المرتقب بغير عناء وبغير شك وبغير تردد مخيف بين الأمل الضعيف في ~~النصر، والخوف القوي من الهزيمة. إلا أن السفير المتفائل لم ينقطع قط عن الرجاء وعن بث ~~الرجاء في قلوب المتشائمين، ولم يتخذ له الجواب السريع في حالة من حالات الشك والحيرة، ~~أو حالة من حالات الهزيمة الظاهرة التي تلجم الألسنة وتبلبل الأذهان. فلما قيل له ~~يوما: ما الخبر يا دكتور، إن هاو # Howe # قد أخذ ~~فلادلفيا، لم يلبث أن أجاب على الأثر: عفوا ياسيدي؛ إن فلادلفيا هي التي أخذت ~~هاو. # ثم وصل الخبر المرتقب بعد عام، وانهزم الجنرال برجوين في ساراتوجا تلك الهزيمة ~~المنكرة التي تقرر بعدها مكان الدولة الحديثة، وكان وصول الخبر إلى باريس في الرابع من ~~شهر ديسمبر ودعوة الوزير ms055 فرجين # Vergenne # وزير الخارجية ~~الفرنسية لسفير الثورة الناجحة بعد يوم واحد من وصول الخبر، وطلب الوزير في هذه المرة ~~فتح باب الكلام في المعاهدة، فأرسل فرنكلين نصوصها إليه بعد يوم، ولم يأت شهر فبراير ~~حتى كانت المفاوضة كلها مفروغا منها، وكانت المعاهدة معدة للتوقيع، فسميت معاهدة ~~التجارة والتحالف، واشتملت على الاعتراف باستقلال الولايات، وعلى التعهد بالاتفاق على ~~مقاتلة بريطانيا العظمى والاستمرار في القتال إلى أن يتفاهم الفريقان على قبول الصلح، ~~ولا يعقد أحدهما صلحا مع بريطانيا على انفراد. # وأقام فرنكلين أيامه بفرنسا خلال الحرب محفوفا بالأصدقاء والمعجبين من صفوة السادة ~~والسيدات ، وكان قصر «باسي» الذي أقام فيه قبلة القصاد من الأدباء والساسة المقيمين ~~بالعاصمة الفرنسية والوافدين إليها من الأقاليم أو الأقطار الأوروبية، وأقل من هذه ~~الحفاوة الشاملة يثير حسد الحساد، ويوغر صدور النظراء والأنداد، ولكنه نجح هنا نجاحه ~~الذي لم يسعد به قط عظيم ناجح مشهور، فكان نصيبه من حسد الحساد أقل نصيب، وكانت سقطاته ~~التي عدوها عليه أهون السقطات. # من هذه السقطات أنه لم يحترس كما ينبغي أن يحترس من الجواسيس والعيون، وأفرط هنا في ~~سجية السماحة وكراهية التضييق، وأخذ الأمور كلها على هينة وميل إلى المغفرة والاعتذار، ~~وتفلسف بهذا التهاون كأنه يقصده ولا يقع فيه على غير علم وانتباه. فكتب إلى صديقته ~~جوليانا ريتشي يقول: أتراني لو تحققت من تجسس خادمي أستغني عنه لهذا السب إذا كنت ~~راضيا عن خدماته الأخرى؟ ولا جرم تتسرب الجاسوسية إليه من هذه الثغرة، ويثبت بعد ذلك ~~أن مساعده المقيم معه في الدار - إدوارد بنكروفت - كان في خدمة الحكومة البريطانية لنقل ~~أخباره ومراسلاته ولو لم تكن على صلة بالسياسة والمفاوضات الحكومية، ويشاء الحظ الحسن ~~لهذا الرجل المجدود أن تكون معاذيره على الدوام راجحة على سيئاته في أظهر السقطات. فكم ~~له من معذرة ظاهرة في هذه السقطة التي لا مراء فيها؟ لقد كان من معاذيره أن الجاسوسية ~~لم تضره، ولم تضر دولته في كثير ولا قليل، وكان من معاذيره أنه يريد أن يعرف العالم ms056 ~~أجمع أن قضيته بينة جلية كالشمس في رائعة النهار، فلا حاجة بها إلى تقية أو مداراة، ~~وكان من معاذيره أنه عامل نفسه كما عامل دولته في هذه السماحة التي جاوزت حدودها بغير ~~مراء، لأنه لم يكن يأمن على حياته، ولم يكن ثمة خطر على مصالح دولته أعظم من الخطر ~~الكبير الذي كان يتربص به حيث أقام وحيث سار أيام تلك السفارة، ومن الحظ الحسن ولا ريب ~~أن تحسب للإنسان المعاذير كلما حسبت عليه أمثال تلك السقطات. # ويستوفي هذا السياسي الزعيم والسياسي المفاوض وظائف السياسة العامة بآرائه في شئون ~~الحكم وقضايا الاجتماع ، وهي آراء لا تحيط بالمسائل والقضايا إحاطة المذهب الجامع ~~للقواعد والفصول، ولكنها تعرض علينا حلا عمليا لكل مشكلة أو فكرة تجريبية عن كل ~~واقعة، ويؤلف منها الباحث مذهبا مجملا إذا أراد أن يعرضها معرض الترتيب ~~والتبويب. # ولا حاجة إلى القول بغلبة الفكرة الديمقراطية على كل رأي من آرائه في الحكم وفلسفة ~~الاجتماع والسياسة، فربما كانت الديمقراطية شعورا عنده قبل أن تكون تفكيرا ودراسة، ~~وقد كان أخوه - صاحب الصحيفة التي نشر فيها كتابته الأولى - ثائرا متطرفا، وأوشك أن ~~يعاقب بالسجن الطويل على حملاته العنيفة، وكانت السخرية بالألقاب من أوائل الآراء التي ~~نشرها الصبي فرنكلين باسمه المستعار بين الخامسة عشرة والعشرين، وكان من سخرياته في ~~مسألة الألقاب أن يتخيل أسماء التوراة مصحوبة بألقاب النبلاء كاللورد آدم، واللادي ~~حواء، والبارون أرميا، والكونت حزقيال، وكان يقول بعد نضجه وتقدمه في تجارب الحياة أن ~~الحسب الموروث لا يورث الخير ولا الإنصاف، وقد كره ازدواج المجالس التشريعية؛ لأن ~~المجلس الأعلى في رأيه إنما يختار لتغليب سلطان الأغنياء على المجتمع، وهو لا يكره ~~الثورة ولا يعارض حقوق الملكية، ولكنه يكره سيادة الطبقة الغنية على سائر الطبقات، ~~ويؤمن كل الإيمان بوجوب حرية التجارة وإطلاق القيود للمعاملات؛ لأنها لازمة للحضارة ~~الإنسانية لزوم حرية الفكر أو هي ألزم لها في جملة أحوالها، ولكنه على هذا الإيمان ~~القوي بحرية المعاملة، كان يرى من حق المجتمع أن يشرف على تنظيم الملكية ms057 واقتناء ~~الثروة؛ لأنها كلها من صنع يديه، فليس في طاقة الفرد إذا انفرد بنفسه أن يحرز ملكا ~~مصونا يزيد على ضروريات المعيشة الموقوتة، فإذا أحرز شيئا يزيد على ذلك فإنما يحرزه ~~بفضل المجتمع وضماناته الطبيعية أو الموضوعة، فلا يحق له أن ينكر على المجتمع سلطان ~~الإشراف على التنظيم والتشريع في هذه الأمور، وإنما يشترط لذلك أن يكون كل حامل عبء من ~~الأعباء الاجتماعية شريكا مسموع الرأي في شرائع التنظيم. # وليس إنكاره لسيادة العلية الغنية إنكارا لرياسة العلية التي ترفعها إلى مكان ~~الزعامة فضائل العقل والأخلاق، بل هو يذهب في الإصلاح الاجتماعي مذهب كنفشيوس الذي يقول ~~بإصلاح الرؤساء وهم قدوة طبيعية للأتباع والمرءوسين، وقدوتهم هذه هي التي تخلق العرف ~~وتروض السواد على اتباعه وتجعلهم على حسب المعهود من عاداتهم يحذرون الخروج على العرف ~~أشد من حذرهم دخول الجحيم حيث يلقون العقاب على الخطايا والذنوب. # وتكاد عقيدة المساواة الديمقراطية تكون عنده إنسانية عامة لا يخصصها بوطن ولا قوم ولا ~~قبيل، فلما لاحظ أن العبيد المحررين ظلوا في حياة الحرية فقراء يحترفون الحرف الوضيعة ~~عقب على ذلك قائلا أنه لا يعتقد أن العيب أصيل في الطبيعة أو دائم لا يتغير بتغير ~~الأحوال، وإنما يرجح أنه من نقص التعليم والمرانة، وأن الزنجي ذو ملكات حسنة واستعداد ~~كامن للفنون، ولذلك يحذق الموسيقى ويبرع فيها، ولو تعلم فنا غيرها لما قصر ~~فيه. # ومن رأيه - بل من آرائه الكثيرة - أن الرق مفسدة للمجتمع الذي يشيع فيه؛ لأنه يركن ~~بالسادة إلى الكسل، ويغري الأطفال بالكبرياء والتجبر في الأسر التي تملك الرقيق، وقد ~~أوصى بالاعتماد على العمل المأجور، وتنبأ بشيوع ارتفاع الأجور في العالم تبعا ~~لارتفاعها في الولايات الأمريكية بعد إلغاء الرقيق. # وكان من رأيه أن العمل هو معيار الثروة، فليس الذهب والفضة معيارا ثابتا لها؛ ~~لأنهما سلعة تتقلب بها الأسعار كما تتقلب بسائر السلع، وإنما تقاس ثروة الأمة بمقياس ~~الأعمال التي تحصل عليها، وليست هذه الأعمال وقفا على الصناعات البدنية وما إليها، بل ~~هي تشمل أعمال الحضارة بأجمعها، ms058 وكلما اقتدر المجتمع على توفير تلك الأعمال كانت قدرته ~~هذه مقياسا لغناه. # ولهذا كان يشجع إصدار عملة الورق ويقول: إنها رمز للعمل وإن الأغنياء يعارضونها لأنهم ~~يملكون الذهب والفضة، ويحبون أن يقيسوا الثروة بمقياس ما يملكون. # ولا يعادي فرنكلين صناعات الترف؛ لأنها على اعتقاده حافز للهمم، وسبيل إلى دوران ~~الثروة بين العاملين والمترفين، ورب شلن يخرج من يد أحمق يذهب إلى يد عاقل أحق منه ~~باقتنائه، فيستفاد منه في الحالتين، وأفضل من الصناعة في قياس الفائدة على العمل أن ~~تقوم الثروة في أساسها على المحصولات الزراعية والعمال الزراعيين. # وكان إيمانه بحق الحكم يقوم على قاعدة واحدة وهي التي نسميها اليوم قاعدة تقرير ~~المصير. فإذا نفرت الأمة من حكومة وطالبت بحكومة غيرها، فلا حاجة لها إلى سند غير هذا ~~الطلب، ومن ثم سخريته بدعوى الدولة البريطانية أنها صاحبة الحق الذي لا ينازع في حكم ~~الولايات المتحدة؛ لأن الأكثرين من أبنائها رعايا بريطانيون ينتقلون إلى تلك الولايات، ~~ولأن الدولة البريطانية تولت حماية الولايات من عدوان فرنسا المجاورة لها، فكتب رسالته ~~الساخرة بلسان ملك بروسيا وجعل ذلك الملك يدعي مثل ذلك الحق على الجزر البريطانية؛ لأن ~~سكانها رعايا جرمانيون انتقلوا إليه وحكمهم فيها أمراء من الجرمان، وتولت بروسيا ~~حمايتهم بقمع فرنسا ومحاربتها الحين بعد الحين! # وقد كانت مبادئه الدستورية والقانونية تتسم بسمة يستطيع القارئ أن يقدرها بغير اطلاع ~~عليها؛ لأنها سمة الاعتدال والسماحة واجتناب الشطط في الأحكام وإلقاء الفروض والتكاليف ~~على عواتق الناس، فكان ينكر العقوبة التي تجاوز قدر الجريمة في الضرر أو قدرها في ~~الضلالة وسوء الخليقة، وكان يؤثر في الدستور قلة القيود والموازنات، ولكنه لم يعلن ~~مخالفته للمبادئ التي عارضها؛ لأنه وازن بين دستور يصدر بالإجماع، ودستور يؤيده فريق ~~ويخالفه فريق ولو في سبيل التصحيح والتنقيح، فرجع عنده أن الإجماع على الدستور أجدى ~~وأثبت لدعائمه من إعلان المخالفة له في خطواته الأولى على الخصوص. # وإذا كان هذا رأيه في حسم الخلاف على الرأي، فحسم الخلاف الذي يريق الدماء أحق منه ~~بالجهد ms059 والحيلة؛ لأنه كان يسمي الحرب لصوصية وغيلة، وهكذا كان برنامجه الداخلي في سياسة ~~الولايات، وعلى هذا البرنامج استقامت أعماله في كل سياسة داخلية أو خارجية ترتبط بالأمم ~~الأخرى، ومن عجائب دقته في تقدير الأمور بأحوالها وأزمانها أنه تنبأ عن عصبة الأمم، وأن ~~العالم ربما شهد بعد مائة وخمسين أو مائتي سنة هيئة يجتمع فيها المندوبون عن دول أوروبا ~~جميعا لفض المشكلات وتوطيد السلام، وكان باينز # Baynes ~~، وروملي # Romilly # في شبابهما قد ~~زاراه سنة 1783 وتحدثوا في مساوئ الحروب العالمية فقال فرنكلين: إنه يظن أن إقناع ~~الملوك بإرسال مندوبيهم إلى مكان واحد لا يزال عسيرا ، وإنهم مع الصبر قد يتفق بعضهم ~~على منع العدوان، ويرى الآخرون نفع هذا الاتفاق فينضوون إلى الهيئة شيئا فشيئا، ولا ~~يبعد أن تضمهم الهيئة الواحدة أجمعين بعد مائة وخمسين سنة أو مائتين. # 1 # وله غير هذه الآراء في مذاهب السياسة والاجتماع خطرات متفرقة بين الرسائل والأحاديث. ~~أما أكثرها فقد ورد مشروحا أو مقتضبا في رسالته عن العملة الورقية ورسالته عن زيادة ~~السكان وتعمير البلاد: # Observations Concerning the Increase of Mankind ~~and the Peopling of Countries ~~. # ومسحتها الغالبة عليها هذه النظرية العملية التي تتقبل التطبيق والتنفيذ في حينها أو ~~بعد حين، اللهم إلا خاطرة واحدة أوشكت أن تسلكه في عداد الطوبيين الأفلاطونيين، وتلك هي ~~استغناؤه عن الأحزاب السياسية بتأليف حزب واحد من الشبان العزاب يسميهم حزب الفضيلة ~~ويدربهم على نظام خاص يشبه نظام الماسونيين واليسوعيين، ويرجو منهم لخير المجتمع ما لا ~~يرجى من سائر الأحزاب. # والأداة التامة في الوظائف السياسية إنما هي أداته في أعمال التنفيذ والتطبيق، وهي ~~التي تعرف الآن باسم الوظائف الديوانية ويفرق المعاصرون بينها وبين السياسة فيسمونها ~~بالإدارة # Statesmanship # أو بولاية الحكم # Administration # ولا يعتبرونها من وظائف السياسة في ~~الصميم فهي على الأقل شيء غير الدبلوماسية، وغير البوليطيقا، وغير عمل السفير وعمل ~~الوزير وعمل الزعيم المطالب بقيادة الجماهير. # وحيثما كان هنالك تدبير للتنفيذ العملي، فصاحبنا في عنصره على تعبير الغربيين، أو في ~~مجاله ومعدنه ms060 كما نقول نحن الشرقيين. # وليكن ذلك التدبير من صناعته أو غير صناعته، ومن مألوفاته قبل ذلك أو غير مألوفاته، ~~فما دام في وسعه أن يعرف ما هو العمل المطلوب ففي وسعه أن يعرف ما هي وسائل التنفيذ، ~~وأن يدبر هذه الوسائل أصح تدبير. # والإدارة خطة وتنفيذ، وليس أطبع من ذهنه على وضع الخطط وترتيب الأعمال، ثم على ~~تنفيذها بالأدوات اللازمة لها بغير إسراف وبغير إهمال. # وأكثر ما يصاب المديرون بالفشل من عجزهم عن الانتفاع بأدوات التنفيذ حين تكون هذه ~~الأدوات من الآدميين! # فليس أكثر من المديرين الذين يستخدمون الوسائل الآلية ويحاولون أن يعاملوا المشتغلين ~~معهم من الآدميين معاملة الآلات. # ولكن فرنكلين كان يحفظ هذه الأدوات الحية جيدا، ويعرف كيف يسلك معها وكيف يسلك بها ~~في طريقه، ولهذا كان يفلح في كل إدارة تحتاج إلى التنفيذ بالأدوات الآدمية، ولو لم تكن ~~من صناعته ولا من سوابق عمله كإدارة معارك القتال. # أراد الجنرال برادوك # Braddock # قبل كارثته الحربية في ~~موننجهيلا # Monogahela # أن ينقل معداته في مائة ~~وخمسين مركبة، وظن أن المسألة كلها مسألة أمر للفلاحين وسوق للمركبات بالخيل، وعنده ~~الأمر وعنده من يسوق، فلم يحصل بعد الجهد الجهيد على أكثر من خمس وعشرين مركبة، وفزع ~~إلى فرنكلين فحصل له على المركبات المطلوبة كلها بخيولها قبل انقضاء أسبوعين. # وتحدث الجنرال وفرنكلين في «الخطة» الحربية، فحذره فرنكلين من مفاجآت الكمائن ونبهه ~~إلى قلة جدوى الخطط النظامية في اتقاء هذه المفاجآت مع امتداد خط القتال، فسخر منه ~~الجنرال وقال له: «إن هذا الحذر ضروري للكتائب التي تقودونها من الجنود المرابطة، ولكن ~~هؤلاء الهمج لا ضير منهم على جنود الملك المنظمين.» # ووقعت الكارثة فبادت الفرق التي كان يقودها وقتل ثلاثة وستون ضابطا من تسعة وثمانين، ~~وأدرك فرنكلين الخطر الداهم، فجند من السكان نحو ستمائة للدفاع عن الحدود وإقامة ~~المتاريس، وأصاب في القيادة حيث أخطأ القائد المغرور، ولم يغفل عن عمل لازم في أشد أيام ~~الشتاء وقد ناهز الخمسين، وكان الجنود والسكان يسمونه الجنرال فرنكلين، ثم أبى ms061 جنوده ~~بعد عودته إلى فلادلفيا أن يفارقوه حتى يؤدوا له التحية عند منزله، وصحبوه - كما قال في ~~ترجمته - إلى الباب، ثم أعلنوا تحيتهم بالطلقات النارية في الهواء، فهزت الدار، وحطمت ~~أجهزة الكهربا وهي من زجاج! # وإذا كان مقام الكلام عن الخبرة باستخدام الأدوات حين تكون هذه الأدوات من الآدميين، ~~فليس ما ينسى في هذه الحملة نفسها مشورته على الواعظ الذي شكا إليه إعراض الجنود عن ~~حضور الصلاة والاجتماع للدعاء، وكان من جراية الجنود أقداح من شراب الروم للتدفئة في ~~الشتاء القارس، فلما سمع شكوى الواعظ المكروب وأشفق عليه من خوفه للهزيمة بعد هذا ~~الإعراض، تبسم مطمئنا للواعظ الخائف وقال له: لا عليك من إعراضهم، خذ على عاتقك توزيع ~~جراية الشراب ولا توزعها إلا بعد أداء الصلاة، فلم يتخلف بعدها جندي واحد عن موعد ~~الصلاة! # وهذه الخبرة بالإدارة في الشئون التي لم يتدرب عليه، تغني عن الإفاضة في دقائق ~~التنظيمات التي كان يبتدعها باجتهاده كلما أدار عملا من الأعمال التي يتصدى لها أمثاله ~~ولا تستغرب من مدير مطبعة أو مدير صحيفة؛ لأنها جميعا أعمال من نمط واحد، ومنها تنظيم ~~البريد، وتنظيم الإضاءة في المدينة، وتنظيم فرق المطافئ، وتنظيم مكاتب الهيئات النيابية ~~والهيئات العلمية التي أسهم في أعمالها، فكل أداة لازمة لهذه التنظيمات فهي على متناول ~~اليد من تفكيره وسجاياه؛ فهم صحيح، وتقسيم متقن، وتنفيذ مرتب، وخبرة باستخدام الأدوات ~~الحية والأدوات الصناعية على السواء. ~~«سياسي بالطبع» إذا صح هذا التعبير. والسياسي بالطبع يصنع السياسة على يديه، ويصنع ~~لكل ساعة سياستها التي تمليها الحوادث عليه. # ولا يختم الكلام عن فرنكلين السياسي قبل أن يقال: إن بلاده قد أصبحت أمة متحدة بفكرة ~~جريئة واسعة هي فكرة الاتحاد، وقد كان فرنكلين صاحب الدعوة الأولى إلى هذا ~~الاتحاد. # | الفيلسوف # كان دافيد هيوم يسمي فرنكلين الفيلسوف الأول، ويشفع ذلك أحيانا بقوله عنه: إنه أول ~~فيلسوف وجه أنظار القارة الأوروبية إلى عالم الفكر في الديار الأمريكية. # وكانت الأندية الأدبية في باريس تسميه الفيلسوف أو الدكتور ولا تردفه بالاسم ms062 فيفهم ~~السامع أنهم يعنون فرنكلين. # وكانت كلمة «الفيلسوف» كالاسم الغالب عليه بعد عودته إلى بلاده في أخريات ~~أيامه. # ولم يكن ملقبوه بهذا اللقب مخطئين من وجهة العرف، ولا من الوجهة العلمية في عصره؛ فقد ~~كان فرنكلين فيلسوفا بكل معاني الكلمة، إلا هذا المعنى الحديث الذي غلب على الفلسفة ~~بعد عصره، وبعد شيوع التفرقة بين المعارف الإنسانية، ثم شيوع التخصص في كل معرفة منها. ~~ونريد به الفلسفة التي غلبت على بحوث «ما بعد الطبيعة» وقضايا المنطق النظري وكادت ~~تنحصر فيها. فهذا هو مجال الفلسفة الذي لم يكن فيه فرنكلين من زمرة الفلاسفة، ولم يرد ~~أن يكون منها، ولا نخاله كان مستطيعا أن يكونه لو أراد؛ لأنه مجال لا تألفه طبيعته، ~~ولا يألفه تفكيره، ولا يرجى منه أن يأتي فيه بما يفيد. # كان فرنكلين فيلسوفا بمعنى الكلمة القديم، وهو محبة الحكمة ورياضة النفس على اتباعها ~~في أحوال الحياة اليومية، ولعله عرف هذه الفلسفة عملا قبل أن يعرفها علما واطلاعا؛ ~~لأنه نشأ في بيئة المتطهرين، وعرف بالقدوة والبداهة أن الأخلاق المثلى نظام من نظم ~~الحياة الدنيوية. # وكان فرنكلين فيلسوفا بمعنى يوافق معنى الكلمة الحديث، وهو استخراج العلل، والنظريات ~~الفكرية لكل مبحث من مباحث العلم والاختراع التي اشتغل بها منذ شبابه، فكان يقدر الرأي ~~والعلة ثم يبني عليهما الاختراع، أو كان يخترع ما يخترع ثم يعمم الرأي والعلة على ~~المتشابهات من الظواهر الطبيعية، ولولا هذه الفلسفة العلمية لما جمع بين البرق والشرارة ~~الزجاجية في نظرية واحدة. # وكان فيلسوفا بمعنى الكلمة الذي شاع في كل زمن وجعل الفلسفة ضربا من التصوف العقلي ~~يوحي إلى صاحبه التقشف والزهد في المظاهر الفارغة التي يفتن بها المتكالبون على الحياة، ~~ولم يكن فرنكلين متقشفا أو زاهدا في دنياه، ولكنه كان يطلب الشيء لمعناه لا لمظهره، ~~ولأنه هو يبتغيه لا لأن الناس يبتغونه بالمحاكاة والتقليد. # أما الفلسفة التي تستغرق صاحبها فيما وراء الطبيعة وفي الجدل حول مباحثها، فلم تكن من ~~فلسفات فرنكلين؛ لأنه كان ينفر من النظريات التي لا يحسها ms063 ولا يدركها، وكان ينفر من ~~الجدل كما قال في مفكراته، وإن كانت مطالعته لسقراط قد أكسبته قدرة عظيمة في فنون ~~الحوار، وكادت تنحرف به إلى شقاشق الجدل في بواكير حياته الفكرية. # وقد اطلع فرنكلين على كتب الفلسفة التي وصلت إلى يديه في بوستون وفلادلفيا، وقرأ منها ~~كتاب كولنز # Collins # محاضرة في التفكير الحر # Discourse of Free thinking # وكتاب ~~شافتسبري # Shaftsbury # بحث في الفضيلة، أو ~~الجدارة # Inquiry Concerning Virtue or Merit # وكتاب درهام # Derham # في ~~اللاهوت الطبيعي Physico-Theology # 1 # وغيرها من الكتب التي من قبيلها، واطلع على أطراف من مذاهب الفلسفة ~~الإغريقية، ولا سيما مذهب أفلاطون، ومذهب فيثاغوراس، واطلع على كتب الجدل الديني التي ~~وجدها عند أبيه، فخلص منها جميعا إلى عقيدة كعقيدة أبي العلاء في التفرقة بين الظن ~~والعقل؛ إذ يقول: # كذب الظن لا إمام سوى العق # ل مقيما في صبحه والمساء # وارتأى أن قبول العقل للعقيدة هو السند الوحيد الذي يكسبها حق الإيمان بها، وأنه لا ~~حق للاعتقاد حيث يكون العقل بلا عمل وبغير مشاركة فيه. # ودان زمنا بمذهب النباتيين، ثم مال من مذهب النباتيين إلى بقية مذهبهم في وصايا ~~فيثاغوراس المعروفة، ومنها تناسخ الأرواح وتسلسل الأدوار، وراقه أن يشبه الأدوار ~~المتلاحقة بعمل من أعمال الطباعة التي كان يزاولها، فقال: إن الإنسان طبعات متعددة تظهر ~~تباعا في كل جيل من الأجيال الأبدية بعد التصحيح والتنقيح، # 2 # وإنه يرجو أن تظهر منه طبعة مصححة منقحة بعد موته، ويود أن يذكر ما كان حيث ~~يكون في مستقبل الأجيال! # وابتدأ في الثانية والعشرين من عمره بعقيدة في الدين لم تزل تترقى معه إلى أن جاوز ~~الثمانين، ولخص هذه العقيدة في رسالة من جزءين سماها أصول العقيدة وشعائر ~~الديانة # Articles of Belief and Acts of Religion # لم يوجد منها غير جزء واحد هو الذي نترجم منه ما يلي نقلا عن ~~كتاب أقطاب الأدب الأمريكي الذي سبقت الإشارة إليه، وهذا بعض ما جاء فيها: # وإني لأرتفع بخيالي وراء نظم السيارات، ووراء الشموس الثوابت، وأسبح ms064 في هذا ~~الفضاء الذي لا نهاية له، وهذه الشموس التي يدور حول كل منها أسراب من ~~السيارات، كسيارتنا الأرضية إلى غير نهاية، فتلوح لي هذه الكرة الصغيرة التي ~~نعيش عليها كأنها العدم حتى في خيالي الكليل، وأرى نفسي إلى جانبها أقل من ~~العدم، فأحس أنني شيء ضئيل لا شأن له ولا خطر، وأحس كذلك أنه لمن الغرور البالغ ~~أن أتوهم أن ذلك الخالق الكامل يحفل بهذا (اللاشيء) الذي يسمى الإنسان، وأنه ~~تحق له من الإنسان العبادة، ولكنه هو جل وعلا فوق ذلك بما لا تحصره ~~العقول. # غير أن الناس جميعا ينطوون على شعور طبيعي يميل بهم إلى القداسة أو إلى ~~التعبد لقوة عظيمة وراء الأبصار، وقد وهب العقل للإنسان بين الأحياء فارتفع به ~~فوق سائر الحيوان الذي نعرفه في دنيانا، ومن ثم يبدو لي أنني مطالب بالواجب ~~علي - كإنسان - أن أتوجه بالصلاة والتعظيم إلى ذلك الكائن العظيم. # وأدرك على هذا أن الإله الصمد قد خلق أربابا لا عداد لها تعلو على الإنسان ~~علوا كبيرا، وتفهم من أسباب كماله ما لا يفهم، وتعيد إليه الثناء والجزاء ~~على النحو المعقول. # كما أنه بين الناس لا يبالي المصور القدير ما يلقاه من ثناء الجهال والأطفال ~~مبالاته بثناء العارفين وذوي الدراية بالتصوير - كذلك الأرباب التي يخلقها ~~الإله الأعظم قد تبقى ولا تفنى، وقد ترتفع من مقام إلى مقام، ويخطر لي أن كل رب ~~منها له الحظ الأوفر من الحكمة والقدرة، وأن كلا منها جعل له منظومة شمسية ~~تدور عليها أسراب من السيارات، وإلى هذا الرب الذي أبدع منظومتنا أتجه بالثناء ~~والتقديس؛ لأنه خليق أن يشتمل على شيء من الطبائع التي أودعنا إياها، ولأنه ~~منحنا العقل الذي ندرك به حكمته في خلقه، فهو لا يزهد في ثناء عباده، ولا يرضى ~~عن الجهل بفضله والاستهانة بمجده. # وأفهم لأسباب كثيرة أنه صالح، ويسعدني أن أظفر بالود من كائن على هذه الصفة ~~من الحكمة والخير والصلاح، فعلي إذن أن أنظر فيما يرضيه، وأبحث عما يوليني ~~منه العون والرعاية. ms065 # وأفهم أنه يرضى عن إسعاد خالقه، كما يرضى عن الإقرار بفضله والتوجه بالدعاء ~~إليه، ولا سعادة في الحياة بغير فضيلة، فمما يرضيه إذن أن أتحلى بالفضيلة، ~~فيسعد بمخلوقه السعيد. # ولما كان قد خلق في هذه الدنيا كثيرا من الأشياء التي لا غرض لها فيما يبدو ~~منها غير إسعاد الناس؛ فإني لأومن أنه لن يغضب على أبنائه الذين ينعمون بتلك ~~الأشياء، ويمتعون أنفسهم بالرياضات الحسنة والمسرات البريئة، وأنه لن يكون من ~~المسرات البريئة ما فيه ضرر لإنسان. # إنني أحبه إذن لصلاحه، وأعبده إذن لحكمته، وعلي ألا أغفل عن حمد هذا الرب؛ ~~لأنه حقه الذي لا أملك جزاء له غيره، وعلي أن أصحح العزم على التحلي بالفضيلة ~~واغتنام السعادة لأرضيه بما فيه رضاي. # هذه العقيدة الساذجة مستمدة على ما يظهر من فلسفة أفلاطون الذي كان يفترض وجود ~~الأرباب الصغار للتوسط بين إله الكون والإنسان وتعليل ما يحدث في العالم من الشر ~~والأذى، وقد أعجبت فرنكلين في سذاجة الشباب فدان بها واصطحبها في أطوار حياته يعدلها ~~ويكملها، ويعرضها على مقاييسه العلمية كلما تقدم فيها خطوة من الزمن والخبرة، فآمن ~~بخلود الروح وحسابها بعد الموت؛ لأنه قاسها على خلق المادة فرأى أن الأرواح أحق ~~بالصيانة والبقاء من المصنوعات المادية، وأن الله علمنا من حكمته أنه قادر على خلق مادة ~~جديدة لكل جسم وكل شيء، ولكنه يتجنب الشتات والبعثرة ولا يصنع شيئا ليزيله ويفنيه، ~~فليس من حكمة القصد في الخلق أن توجد الأرواح لتئول إلى الزوال والفناء. # وقد بقي معه من هذه العقيدة إيمانه بالله، وبالروح وبالحساب، وكتب خلاصة عقيدته إلى ~~عزرا ستايل في الرابع والعشرين من شهر مارس سنة 1790 أي قبل وفاته بأيام فقال: # هذه عقيدتي. # أومن بإله واحد خالق للكون كله، وأومن بأنه يديره بحكمته، وأنه حقيق بالعبادة ~~ولا شيء أرضى له من صنع الخير لمخلوقاته الأخرى. # وأومن بخلود الروح، وأن الإنسان يحاسب بالعدل بعد موته على ما صنع في هذه ~~الدنيا. وهذه عندي هي أصول الإيمان في الدين الصحيح، وهي في ms066 موضع الإجلال عندي ~~حيث وجدتها في كل نحلة وملة. # أما عيسى الناصري الذي يهمك أمر الاعتقاد به خاصة، فاعتقادي فيه أن وصاياه ~~الأخلاقية وديانته كما تركها لنا خير ما شهدته الدنيا أو عساها تشهده، ولكنني ~~أرى أنها تعرضت لمختلف التغييرات والتحريفات، وأشك في إلاهيته كما يشك معظم ~~المخالفين الآن في إنجلترا، وإن كنت لا أقرر في ذلك عقيدة محتومة؛ لأنني لم ~~أدرس المسألة، ولم أر ضرورة لهذا الدرس وأنا مقبل على الحقيقة أعرفها بأهون من ~~هذا العناء، ولست أرى ضررا في اعتقاد من يعتقدها إذا كان لها كما هو الراجح ~~أثر في زيادة الاحترام لوصاياه وزيادة العمل بها، وبخاصة حين أنظر فلا أرى أن ~~العلي الأعلى يغضب لها، ويميز بين من يعتقدونها ومن لا يعتقدونها في سياسته ~~للكون أقل تمييز. وأضيف إلى هذا فيما يخصني أنني - بعد ما اختبرته من كرم الله ~~خلال حياتي هذه - لا يخامرني الشك أنه سيتولاني بمثله في الحياة الآتية، وإن لم ~~أكن أهلا له بعملي. # 3 # هذه الفلسفة الدينية، أو هذه الديانة الفلسفية، وافقت فرنكلين فثبت على أصولها من ~~الثانية والعشرين إلى الرابعة والثمانين، وحري أن توافقه كل الموافقة، وأن يطمئن إليها ~~غاية ما يتاح له الاطمئنان في هذه الغوامض والمتشابهات؛ لأنها فلسفة نبتت من عقله ~~وسليقته وأوشكت أن تنبت من كيان أعمق فيه من العقل والسليقة. فإن هذا الكيان المتزن قد ~~تمثل في بداهة حيوية عنده توحي إليه بخطة القصد في جميع الأمور، فهنا فرنكلين العالم ~~الذي يعقل بداهة أن الطبيعة تأخذ بسنة «الجهد الأقل» # The Least ~~Action # فلا تحيد المادة عن القريب وتتخطاه إلى البعيد، ولا تدع ~~الطاقة موضعا لا مقاومة فيه لتمضي إلى موضع تجد فيه المقاومة وتتعثر فيه بالعوارض ~~والموانع، وهنا فرنكلين الهادئ الرصين الذي لا يكلف نفسه ولا يكلف أحدا في عمل من ~~الأعمال فوق حقه من العناء وشغلان البال، وهنا فرنكلين الفيلسوف المؤمن الذي يبني على ~~هذه السنة - سنة القصد - حكمة القصد الإلهي التي لا تخلق الأرواح لتزيلها وتفنيها ms067 ولا ~~تخلقها عبثا ليتساوى عندها بقاؤها وفناؤها بعد ظهورها في عالم الحياة. ومن عجائب النفس ~~البشرية أن المطبوعين على التهكم الذين يتهكمون على كل غلو في التفكير والإحساس هم أقرب ~~الناس إلى الوقوع في هذا الغلو الذي يعرضهم للتهكم من أناس دونهم في الذكاء وأصالة ~~التفكير، ولولا ذلك لما غلا فرنكلين في عقيدة «الجهد الأقل» حتى طبقها على الموازنة بين ~~الدراسة والمشاهدة بغير عناء، ففي خطابه المتقدم يقول أنه لم يجشم نفسه مشقة الدراسة في ~~تحقيق طبيعة السيد المسيح؛ لأنه إذا كان سيرى الحقيقة عيانا في العالم الآخر فالرؤية ~~أيسر عليه من الدراسة! # وكفى بهذا حجة لمن ينفي عن فرنكلين شبهة المغالطة في العقيدة التي استقر عليها، فإن ~~المرء ليغالط في كل شيء إلا في الطبع الذي يتأصل منه وراء الوعي والمشيئة. # وبديهي أن عقيدة فرنكلين هذه لم تكن عقيدة الأكثرين من الخاصة والعامة بين قومه وغير ~~قومه، وأنه ليعلم ذلك ولا يخطر له أن يزعج ضمائر الناس بالجدل والنقاش ليقنعهم بصواب ~~رأيه، وليس سكوته هذا حبا للسلامة أو مراءاة لمخالفيه، بل هو الصواب في رأيه حين ~~تعنيه السلامة وحين لا تعنيه، وقد كان ينصح به أناسا لم يكن لهم عنده حق الصداقة ~~والنصيحة، ومنهم من تحول عن صداقته وجافاه بعض المجافاة كما حدث في العلاقة بينه وبين ~~الكاتب المفكر الكبير توماس پين Paine # فإنه قرأ كتابه ~~المخطوط الذي سماه عصر العقل وأرسله إليه لاستطلاع رأيه، فكتب إليه في الثالث من شهر ~~يوليو سنة 1786 يقول: «إن الحجج التي اعتمدت عليها في إنكار الحكمة الخاصة - وإن لم ~~تنكر الحكمة الإلهية العامة - لتضرب المعول في أساس كل دين؛ إذ لا باعث للعبادة والخوف ~~من الجزاء أو التوسل بطلب الوقاية إذا زال الإيمان بإله يحرس ويهدي ويخص بالرضوان بعض ~~الناس، ولست أريد أن أناقشك في تلك الحجج، وإن كنت أحسب أنك تطلب هذه المناقشة، وحسبي ~~في الوقت الحاضر أن أقول لك: إن حججك قد تبلغ من المهارة أن تقنع طائفة من القراء، ms068 ~~ولكنك لن تفلح في تغيير الإجماع الإنساني على الشعور المتفق في هذه الأمور، وكل ما ~~تجنيه من نشر هذه الرسالة أن تجلب على نفسك الكراهية، وأن يصيبك الضرر بفعلك ولا ينتفع ~~به أحد. واعلم أن من يبصق في وجه الريح، فإنما يبصق على وجهه. وهب أنك نجحت فيما قصدت ~~إليه، فهل تخال في ذلك نفعا كائنا ما كان؟ إنك قد يسهل عليك أن تعيش عيشة فاضلة بغير ~~معونة الدين، وأن يكون فهمك الجلي لمحاسن الفضيلة ومساوئ الرذيلة مع قوة عزيمتك كفيلا ~~بتمكينك من مقاومة الإغراء والغواية، ولكنك قمين أن تعلم كم من ذوي الجهالة والضعف بين ~~الرجال والنساء، وكم من الأغرار والطائشين بين الناشئين تنفعهم بواعث الدين في اجتناب ~~الرذيلة والثبات على الفضيلة والصبر على هذا الثبات حتي يصبح في حكم العادة التي تهم ~~جدا في صيانتها ومناعتها، ولعلك أنت نفسك مدين بتربيتك الدينية لهذه العادات التي ~~ترفعك بحق في نظر نفسك. وإنك لتستطيع أن تستخدم ملكاتك البارعة وقدرتك على الاستدلال في ~~علاج موضوع دون هذا الموضوع في مزالق الخطر، فتحتل مكانك بين المؤلفين النابهين منا؛ إذ ~~ليس من اللازم بيننا - كما هو لازم بين آكلي البشر من الهوتنتوت - أن يبرهن الشاب على ~~بلوغه مبلغ الرجال واستحقاقه للحسبان منهم بإقدامه على ضرب أمه.» # 4 # ومن الواجب في مقام التعريف بحقائق النفس الإنسانية أن نفرق بين هذا الخلق، وبين خلق ~~الرياء الضعيف أو الكذب المرذول، فليس أبعد من الفارق بين الرياء الذي يخدم به المرء ~~نفسه ولا يبالي منفعة الناس، والإيمان بالصواب الذي ينفعهم ويحق له أن يحرص عليه. ولم ~~يعرف عن فرنكلين قط أنه كان يرائي أحدا في عقيدة من عقائده التي يحفظها لنفسه ولا يرى ~~من الواجب عليه أن يعلنها لغيره، فإذا سأله سائل ذو مكانة عنده ولم يكن من الأدب في ~~رأيه أن يهمله ويسكت عن جوابه صارحه بما يعتقد وأبلغه عقيدته على حقيقتها، ولو أنه كان ~~يستبيح الرياء مع أحد لاستباحه مع أبويه وهو الحريص على إرضاء ms069 الناس عامة فضلا عن حرصه ~~على مرضاة الوالدين. فقد أبلغه أبوه أن أمه تشكو إليه أن ولدا لها يدين بمذهب الآريين، ~~وأن أخاه يدين بمذهب الكنيسة الشرقية، وكان فرنكلين يومئذ في الثانية والثلاثين فأجاب ~~أباه ولم يكتم معتقده، بل قال له ولأمه بأسلوب صراح: «ما هو الآري وما هو تابع الكنيسة ~~الشرقية؟ لا أستطيع أن أقول: إنني أعرف الفرق بينهما حق المعرفة، والواقع أنني قليلا ~~ما أشغل عقلي بالبحث في هذه الفروق والخلافات، وأرى أن الدين الصحيح يمنى بالخسار كلما ~~غلبت المراسم على الفضيلة، وأن الكتب المقدسة تؤكد لي أننا نحاسب في اليوم الآخر على ما ~~عملنا لا على تفكيرنا في المذاهب، ولن تكون شفاعتنا أننا طفقنا نصيح: يارب يارب! بل ~~يشفع لنا ما صنعناه من الخير لخلائق الله.» # 5 # فمذهب فرنكلين في كتمان عقيدته أشبه شيء بمذهب الجلة من الحكماء الأقدمين الذين كانوا ~~ينصحون بكتمان الحقائق الغامضة عمن لا يدركونها ، ولم تمنعه مخالفة السواد أن يحبب إليهم ~~التدين والاجتماع لسماع العظات وأداء الفرائض التي يعتقدونها، وساءه زمنا أن يرى سواد ~~الناس معرضين عن الصلاة؛ لأنه رأى منهم بوادر الإباحة والتهافت على المنكرات، فشرع في ~~تنقيح كتب الصلوات ومذاكرة المصلحين من رجال الدين عسى أن يهتدوا إلى أسلوب من أساليب ~~الإرشاد أجدى في إقناع شعبهم من أساليبهم العتيقة التي درجوا عليها، وسوى بين الملل ~~والأديان في وجوب الاحترام، فساعد أناسا من غير المسيحيين على إحياء شعائرهم في جواره، ~~وقال: إنه لو علم أن المفتي الأعظم بالقسطنطينية يوفد إلى الديار الأمريكية رسولا من ~~دعاة الإسلام لتلقاه بالترحاب. # 6 # ومن تناسق هذه الشخصية البسيطة أنها تطرد في آرائها وخلائقها، فما بدا منها دليل على ~~ما استتر، ومن عرف رأيا لها في مسألة خطيرة، أوشك أن يعرف سائر آرائها في المسائل ~~الأخرى، وهذه الفلسفة الدينية التي آمن بها فرنكلين تغنينا عن الإسهاب في تفصيل فلسفته ~~الأخلاقية، بل ربما كان الأصلح أن نقول: إن فلسفته الدينية قائمة على قواعده الأخلاقية؛ ~~لأنه يقيم الفضيلة على ms070 قواعد المصلحة العليا: مصلحة الفرد ومصلحة النوع بأسره، فهي ~~مطلوبة؛ لأنها صالحة باقية، والرذيلة مكروهة لأنها فاسدة زائلة، ومن وازن بين مسرات ~~الفضيلة وآلامها خرج من الموازنة بإيثارها على الرذيلة؛ لأن آلام الرذيلة أكثر من ~~مسراتها، وكثير من مسراتها زائف مدخول يجني الضرر على صاحبه أو على غيره، خلافا لمسرات ~~الفضيلة التي تصح في جوهرها ولا يخشى منها الضرر على أحد. # ولم يكن فرنكلين مثاليا حالما في رأي من آرائه، ولكنه لم يكن كذلك من الإباحيين ~~المستهترين بالمبادئ والقيم الأدبية، بل كانت له خطة يروض نفسه على اتباعها ويحاسب نفسه ~~على التقصير فيها، وقد بلغ بهذه الخطة مرتبة الاعتدال، ولم يبلغ بها مرتبة العصمة ~~بطبيعة الحال، فهي في شئون الآدميين ضرب من المحال. # كان خاطئا ولم يكن إباحيا، وكان من خطاياه ما عرفه الناس بغير اختياره، ومنها ما ~~عرفوه من كلامه؛ إذ اعترف بانقياده للشهوات في شبابه، وعاب على نفسه أنه انقاد لهذه ~~الشهوات حتى اندفع إلى عشرة بعض النساء ممن لا أخلاق لهن ولا كرامة، وجملة ما يفهم من ~~وصاياه ومن معاذيره في شئون الأخلاق الاجتماعية أنه يحارب الفساد، ويحسب منه رياء ~~المجتمع في التمييز بين المفسدين، فإنه يأخذ المرأة بالذنب ويعفي شريكها منه، وقد ينسى ~~الحقائق في سبيل المراسم والتقاليد، وعليه اللوم إذا فسد من بنيه وبناته من هو مستعد ~~للصلاح ومن هو صالح لأن يكون عضوا من أعضاء المجتمع كالعضو السليم في البنية ~~الحية. # وقد نشر - وهو في الحادية والأربعين - نبذة في مجلة الجنتلمان عن امرأة سيقت إلى ساحة ~~القضاء ليعاقبها على الولادة بغير زواج، ووزرها في سوء الحظ أكبر من وزرها في سوء النية ~~كما يؤخذ من كلامها الذي ألقاه فرنكلين على لسانها، وهذه فقرات منه بعد مقدمته القصيرة: # كل ما أرجوه في ضعة وانكسار أن تتشفعوا لي لدى الحاكم أن يعفيني من الغرامة ~~التي تحكمون بها علي. فهذه خامس مرة - أيها القضاة الأجلاء - أساق فيها ~~أمامكم لتهمة واحدة. وقد عوقبت مرتين؛ لأنني عجزت في المرتين ms071 عن سداد الغرامة ~~المقررة. وربما كان هذا موافقا لحكم القانون فلا أناقش فيه، ولكن القوانين ~~أحيانا تخطئ فيتقرر إلغاؤها من أجل ذلك، وغيرها يجثم ثقيلا على كواهل الرعية ~~في بعض الأمور، فيجعل من حق السلطان أن يرفع أحكامها أو يخففها. # فاسمحوا لي أن أقول: إن هذا القانون الذي أدان به مناقض للعقل في ذاته وقاس ~~بالنسبة إلي خاصة من جهة أخرى - أنا التي قضيت ما قضيت من حياتي في جيرتي غير ~~عادية ولا باغية على أحد، وأتحدى عداتي - إن كان لي عداة - أن يذكروا اسم رجل ~~أو امرأة أو طفل أسأت إلى أحد منهم، فإذا تركنا قضاء هذا القانون جانبا فلست ~~أفهم ما هي الجناية التي أعاقب عليها. # لقد ولدت خمسة أولاد أصحاء مخاطرة بحياتي، وقد ربيتهم بجهدي وكسبي دون أن ~~أثقل على المدينة بمنحة أو معونة، وكنت خليقة أن أحسن تربيتهم فوق ما أحسنت لو ~~لم تؤخذ مني تلك الغرامات الثقيلة التي فرضت علي. أفيحسب من الإجرام في طبائع ~~الأشياء أن أزيد عدد السكان في وطن لا يزال في حاجة إليهم؟ أخال أنني أحمد على ~~هذا ولا ألام، وما حدث مني أنني أغويت زوج امرأة أو أغريت أحدا من الفتيان، ~~وما عوقبت قط على جريمة من هذا القبيل ولا اقترفت ما يشكوه أحد قط، اللهم إلا ~~أن يكون مكتب العقود قد خسر الرسوم التي يتقاضاها على الزواج. # على أنني أسأل: هل يحسب هذا من خطئي وتقصيري؟ إنني ألجأ إلى عدالتكم وقد ~~تفضلتم فقلتم: إنني مالكة لقواي العقلية، ولا تعوزني سلامة الفكر والإدراك، ~~وإنني لأكونن على غاية من الغباء لو رفضت الزواج وآثرت الحالة التي أنا عليها ~~الآن على الحياة الزوجية، وقد كنت ولا أزال راغبة في تلك الحياة ولا أشك في ~~صلاحي لها وحسن قيامي بمطالبها؛ إذ كنت على نصيب من النشاط والقصد، ولست ~~بالعقيمة ولا بالقاصرة في تدبير شئون الدار، وأعود فأتحدى كائنا من كان أن ~~يزعم أنني رفضت طلبا للزواج، بل حدث على نقيض ذلك أنني تقبلت ms072 الطلب الوحيد ~~الذي تقدم به أول خاطب لي وأنا بعد عذراء، ووثقت به وبإخلاصه فعبث بي وهجرني ~~وفي جوفي جنين. # وأرجو أن تعلموا جميعا أن هذا الخاطب قد أصبح قاضيا في هذا الإقليم، ولكم ~~وددت لو كان جالسا اليوم بينكم على منصة القضاء عسى أن يوصيكم بالرفق في توقيع ~~الجزاء علي، وكنت إذن لا أبالي أن أذكر ما ذكرت من أمره. ولكنني أقول الآن ~~مضطرة أنه ليس بالعدل ولا بالمساواة في الجزاء، وأنه ليس من الإنصاف أن يكون ~~المسيء إلي والمتخلي عني والسبب الذي أوقعني في كل جريرة - آمنا مترقيا إلى ~~مناصب الشرف في الدولة التي تدينني بوصمة العار والمسبة. # ولقد يقال لي: إن الخطيئة خطيئة الدين إن لم يكن لهيئة التشريع حكم فيها. فإن ~~تكن خطيئة دين فدعوها إذن لرب الدين، وقد حظرتم علي أن أدخل كنيستكم. فما ~~بالكم لا تقنعون بهذا الحرمان. # هذه فقرات من مقاله الذي نشره في صحيفة الجنتلمان (عدد أبريل سنة 1747) وسماه دفاع ~~مسز بولي بيكر، وأراد أن يعرض فيه مظلمة من مظالم المجتمع تلام عليها المجتمعات قبل ~~ملامة الأفراد، وأن يقدم الاهتمام بالحقائق ودواعي الفطرة على الاهتمام بالمراسم ~~والتقاليد، ومن كان يحسب نفسه بسجل يومي مكتوب عما زاد أو نقص من الفضائل المطلوبة، لا ~~يظن به أن يبيح الجماح والانطلاق من نظام الحياة الاجتماعية، وإنما هو عارف بالمعاذير ~~حيث ينبغي أن تعرف، وعارف بمواطن اللوم على المجتمع حيث ينبغي أن يلام. # كان خاطئا يقع في الخطيئة، ولكنه لا يبيحها، ولا يعفي نفسه من الملامة عليها والعمل ~~على استدراك جرائرها كما سيأتي في الكلام على فرنكلين الإنسان، وكان يحب السرور، ولا ~~يرى فيه حرجا من الدين ولا من الأخلاق، بل يراه واجبا من الواجبات التي ترضي عنه خالق ~~الكون وما فيه من مسرة وجمال، وشرطه في السرور ألا يضر أحدا ولا يسف بالكرامة إلى ~~مباذل الشهوات، فإن لم يكن فيه ضرر ولا إسفاف ولا ابتذال فهو حق للإنسان، بل واجب ~~عليه. # ومما عرف عنه أنه ms073 قضى زمانا لا يذوق الخمر خفيفها ولا ثقيلها، وكان رفاقه في مطبعة ~~العاصمة الإنجليزية يدعونه إلى شرب الجعة معهم فيأبى معتذرا ويسمونه من أجل ذلك ~~بالأمريكي شارب الماء، وقد نظم في شبابه نشيدا لمجلس الشراب يشترك مع المجلس في غنائه ~~ولا يشترك معه في شرابه، وما حرمها على نفسه لأنها حرمت عليه بحكم الدين أو القانون، ~~ولكنه حرمها لأن سرورها مشوب غير خالص من العقبات وغير مأمون فيه أن يسترسل مع الشارب ~~إلى الإفراط والإدمان. # لقد كان فرنكلين فيلسوفا بكثير من معاني هذه الكلمة في وضعها الأول ووضعها الحديث: ~~كانت له عقيدة مفكر في الدين، وكانت له نظريات باحث في العلم، وكانت له مبادئ مبتدعة في ~~السياسة، وكانت له آداب مرعية في نظام المعيشة، وكانت حياته الخاصة والعامة مدروسة من ~~الوجهة الفكرية مروضة من الوجهة النفسية، وبعض أولئك كفيل بحسبانه في زمرة الفلاسفة ~~المعدودين. إلا أنه فيلسوف يصعب على مؤرخي الفلسفة أن يضعوه تحت عنوان واحد من عناوين ~~المدارس الفلسفية غير مستثنى منها مدرسة البرجمية التي ظهرت في وطنه بعد وفاته بأكثر من ~~مائة سنة وقيل عنها: إنها المدرسة النموذجية للأمريكيين، وقيل عنه: إنه رائدها الأول من ~~العلماء المفكرين. # نعم لا استثناء للبرجمية من مدارس الفلسفة التي يحاول المؤرخ الفلسفي أن يضع فيها ~~فرنكلين؛ لأن ميزان الحقيقة عنده غير ميزان الحقيقة في المدرسة البرجمية، ولأنه قد ~~يحتوي البرجمية ولا تحتويه. وإنما تزول هذه الصعوبة إذا أردنا أن نضع الفاصل بين ~~فرنكلين وبين كل مدرسة فلسفية أو دعوة فكرية، فحيث لا عمل لا فلسفة لفرنكلين، وحيث لا ~~توجد الفكرة المفهومة، فلا عمل كذلك لفرنكلين. وبهذا ينفصل أحيانا عن الواقعيين كما ~~ينفصل عن المثاليين، وأصدق ما يكون تعريف الفيلسوف هنا تعريف الإنسان في مذهب أرسطو، ~~وهو الحيوان الناطق المدني بالطبع، فهو حي يفكر لا ينسى وشائج القربى بينه وبين أبناء ~~نوعه، وذلك هو فرنكلين الفيلسوف. # وذلك أيضا هو فرنكلين الإنسان. # | الإنسان # دنيوي، عصري، إنساني، نفعي، ساخر، طينته عادية، مستر أمريكان! # هذه كلمات ms074 وصف بها فرنكلين، وأراد واصفوه بها أن يحصروه في قشرة بندقة كما يقولون في ~~اصطلاحات الغرب، فأصاب كل منهم إصابة لا خلاف عليها، وأخطأ كل منهم خطأ لا بد أن ~~يستدرك عند الإحاطة بصفات فرنكلين. # كل صفة من هذه الصفات لا تنبذ مرة واحدة ولا تؤخذ مرة واحدة؛ فهو في الحق دنيوي، ~~وعصري، وإنساني، ونفعي، وساخر، وطينته عادية، ومستر أمريكان، وهو غير ذلك استدراكا على ~~جميع تلك الصفات. # إن الذين وصفوه أنه دنيوي أرادوا كلمة # Secular ~~، وهي ~~تعني أنه رجل واقعي عملي يقيس الأمور بما يحسه ويختبره، وأنه في خلائقه غير الرجل ~~الصوفي الذي يعيش بين الشهود والغيب ويخوض في أعماق الخفايا والأسرار، وغير الرجل الذي ~~يطيل النظر فيما وراء الطبيعة وما وراء هذه الآفاق المدركة بالحواس والعقول. # وكذلك كان فرنكلين في رأي جميع عارفيه ومترجميه، ولكنهم عند إطلاق هذه الصفة على ~~فرنكلين ينبغي أن يوسعوا آفاق الدنيا حتى تتسع لكل شواغله العقلية والعلمية وترجع ~~بحدودها أفقا وراء أفق حتى تصبح أوسع وأكبر من آفاق كثير من الحالمين المحسوبين من ~~الخياليين. فلم يكن هنالك شيء دنيوي لم يكن دنيويا فيه، ولم يكن حاضرا بين أعماقه ~~وآفاقه، وليس كذلك كل الدنيويين. # وقد كان فرنكلين عصريا في نظرته إلى أحوال زمنه، وهذا وصف صحيح ينطبق عليه كل ~~الانطباق، فلم يكن في عقله بقية من بقايا الزمن السالف تحول بينه وبين النظر المستقيم ~~إلى أحوال عصره، ولم يكن في عقله هوى من الأهواء الغالبة يشط به إلى المستقبل البعيد، ~~فيفهم الوقائع معلقة على شيء في الغيب المجهول، كان ينظر إلى عصره ويراه بغير حجاب من ~~بقايا الماضي ولا أحلام المستقبل، وعلى هذه السنة بعينها يصبح عصريا بيننا لو عاد إلى ~~القرن العشرين، وقد كان هو يتمنى لو يتاح للمرء أن يعاود الدنيا بعد الموت فيراها عصرا ~~بعد عصرا، أو عصورا بعد عصور. ونخاله لو عاد إلى الدنيا كما تمنى لما أدهشه شيء مما ~~وقع فيها خلال هذه الأجيال، إلا أن تكون دهشته للسرعة ms075 والكثرة، لا للجوهر واللباب. فما ~~من شيء حدث لم يكن عنده محتمل الحدوث، وما من نقيضة إنسانية كان في ظنه أنها ستزول خلال ~~هذه الأجيال، ولا استثناء في ذلك للحروب العالمية؛ لأنه قدر لاتفاق الدول على اتقائها ~~مائة وخمسين سنة أو مائتين. ولا يخفى أن الاتفاق على الاتقاء غير الاتقاء الناجح، وغير ~~المنع في الواقع. فليس في العصر الحاضر ما لا يكون فرنكلين «عصريا» فيه بعد بضعة ~~أيام، لو عاد. # وكان إنسانيا، أو كان إنسانا من فرعه إلى قدمه، فلا همجية، ولا وحشية، ولا ادعاء ~~للكمال والنزاهة «الملائكية». # إنسان معتدل، لا ملك ولا شيطان، ولا همجية تنبو عنها الإنسانية المهذبة المتحضرة، ولا ~~وحشية تنم على النكسة في خلائق الإنسان. # إنسان بفضائله وإنسان بعيوبه، ولكن الصفة هنا لا تكفي وحدها، ولا تزال كغيرها من ~~الصفات بحاجة إلى استدراك. فإذا كان الرجل إنسانا بفضائله وعيوبه، فليس معنى ذلك أنه ~~إنسان كسائر الناس أصحاب الفضائل والعيوب ؛ لأنه كان يعمل مع الفطرة في تكوين فضائله ~~وتثبيتها؛ وكان يتيقظ لعيوبه ويجاهد ما استطاع في إصلاحها، وكانت الأعذار إلى جانب ~~عيوبه أرجح وأقوى من دواعي اللوم والزلل، ويصدق هذا على أكبر السقطات، كما يصدق على ~~الهفوات الصغار. # فمن سقطاته المعيبة تلك العلاقات المريبة بينه وبين بعض النساء في شبابه، ومنهم ~~«دبورا» التي تزوج بها بعد معاشرته لها بغير عقد ديني أو عرفي، وبغير تسجيل معترف به ~~على نحو من الأنحاء. # وقد لقي جزاءه على هذه السقطات؛ لأن ابنه من إحداها - وليام - خذله وخذل قومه وانقلب ~~على قضية الاستقلال ولاذ بالبلاد الإنجليزية بعيدا من أبويه وذويه، وعاشت «دبورا» ~~مهملة من جانب المجتمع بعد نباهة فرنكلين وارتفاع شأنه، فكانت كل دعوة إلى محفل من ~~محافل الدولة أو الأمة تذكره بتلك السقطة وتنغص عليه حياته وحياة زوجته. # ولا يهم المؤرخ هنا هذا التفكير الذي لا يد له فيه، ولكنه يهمه أن يثبت ما له وما ~~عليه في هذه السقطات. فقد كانت هذه السقطات كأمثالها من سقطات الناس في الضعف ms076 والغواية، ~~ولكنها لم تكن كسقطات الناس في المعاذير وجهود الإصلاح، ولم يكن كل ذي سقطة قادرا على ~~أن يتشفع أمام عدالة الضمير بأعذار كأعذار فرنكلين، وجهود كجهوده في إصلاح الخطأ والصبر ~~على تبعاته مختارا بغير إكراه. # لقد كان من معاذيره شدة النفور في عصره من سلطان الكهنوت على جميع المذاهب، وكان من ~~أسباب ذلك النفور الشديد بين المتحررين خاصة إفراط المتعصبين في الخرافة، وتصدي الجهلاء ~~من رجال الدين للحكم فيها يجهلونه والاستهانة بالأرواح البريئة في سبيل العصبية التي ~~كانوا يسمونها غيرة دينية أو حماسة روحية، وقد كانوا يتوهمون السحر في كل مشتغل بالعلم ~~ويحرقون الساحر والساحرة؛ لأنهما من حلفاء الشيطان «محتكر» العلوم السوداء، على ما ~~توهموه وتوارثوه بالتقاليد. # ومن السهل أن تتخيل شعور الرجل المطبوع على البحث العلمي نحو هذه السلطة، فإن «رد ~~الفعل» أمامها خليق أن يذهب من النقيض إلى النقيض، فيمرق من سلطانها مروق التحدي ~~والإصرار. # ومما يشفع لفرنكلين في سقطته أن «دبورا» لم تكن من النساء المبتذلات، وأنها لما تركها ~~فرنكلين ليسافر إلى لندن تزوجت من رجل آخر ولبثت على ذمته إلى أن عاد فرنكلين من رحلته، ~~ولما أراد أن يصحح خطأه ليتزوج منها حال العقد القائم بينه وبين إتمام عقد الزواج حتى ~~تثبت وفاة الزوج الأول، وكان في وسع فرنكلين - وقد اشتهر وارتفع في سلم المجتمع - أن ~~يتخلى عن هذه المرأة الجاهلة الفقيرة المهملة في حساب الطبقة العالية وفي حساب ~~المتدينين من جميع الطبقات، ولم يكن عسيرا عليه أن يختار له زوجا تساعده بجاه الأسرة ~~الاجتماعي، ولا تقف في سبيله عقبة دون المناصب العليا بقية حياته، ولكنه صنع الواجب ~~الذي أوحاه إليه ضميره وآثر وحي الضمير على المصلحة وحب الوصول. # وتستدرك صفة الإنسانية إذا نسبت إلى فرنكلين على غير الوجه المتقدم في معانيها ~~الكثيرة: فقد كان من معاني الإنسانية إيمان المرء بخير الإنسانية، ورفضه كل عقيدة دينية ~~غير العقيدة الموضوعة، وكان فرنكلين يؤمن بخير الإنسانية، ويعمل له، وسوى بين الناس ~~جميعا في الأخوة البشرية، ولكنه لم ms077 ينكر وجود الإله، ولا وجوب الاقتداء بفضائل السيد ~~المسيح. # وكان من معاني الإنسانية حب المسالمة، وطيبة القلب، ووداعة الأخلاق، وفرنكلين كان ولا ~~ريب مسالما طيبا وديع الأخلاق، ولكننا نجهله إذا فهمنا من المسالمة أنه كان يفرق من ~~العداوة ويتجنبها بكل ثمن وكل وسيلة. لقد كان حقا يكره المعاداة ولا يستثيرها، ولكنه ~~كان إذا جاءته العداوة إلى باب داره بغير داع ولغير مساءة منه لم يجفل منها وأهملها ~~ذلك الإهمال الذي يلهب الغضب ويؤجج سعير الحسد ويغنيه عن الانتقام، ولم يمزح حين قال: ~~إن الانتقام الحسن من حساده وأعدائه إنما هو الاستزادة من أسباب حسدهم وعداوتهم، وإنه ~~في غنى عن مقابلة الحسد بالانتقام؛ لأن حساده ينتقمون له من أنفسهم، فقد كان حقا يؤمن ~~بهذه الفكرة، كأنها فكرة علمية مقدرة بنتائجها موزونة بميزانها، فهو الرابح إذا تقدم ~~ونجح، وحساده هم الخاسرون إذا حسدوه على التقدم والنجاح. # والذين قالوا عنه: إنه «نفعي» لم يظلموه فتيلا بالمعنى العرفي أو بالمعنى الفلسفي ~~الذي يطلق على مذهب النفعيين # Utilitarianism ~~، ولم ~~يقولوا عنه ما ينكره لو سمعه، ولا ما يستنكره الناقد الأخلاقي على إطلاقه، إلا أن تكون ~~النفعية على حالتين: إحداهما أن يستهين المرء من أجلها بكل قيمة أخلاقية، والأخرى أن ~~يقدم منفعته الشخصية على المنفعة العامة أو على المنافع التي اصطلح عليها نوع الإنسان، ~~كائنا ما كان موضوع النفع الإنساني من الماديات أو الروحيات. # وليس في مقدور عدو من أعداء فرنكلين أن ينسب إليه حب المنفعة على حالة من هاتين ~~الحالتين. ولا نعيد هنا ما ذكرناه - في الكلام على فرنكلين العالم - عن زهده في جميع ~~المنافع التي تعود عليه من تسجيل اختراع الموقد المعروف باسمه، ولا عن زهده في مكاسب ~~المخترعات الأخرى، ومنها الشائع المتداول كالنظارات وأعمدة الصواعق، ولكننا نذكر موقفه ~~في الأعمال الوطنية التي لا تخفى عليه عواقبها وهو من هو في كياسته، وبعد نظره، ~~واختباره للطبائع البشرية، وتجاربه لحظوظ العاملين من العرفان بالجميل. فقد كان ينوب عن ~~بعض الولايات في لندن ليعرض على حكومة ms078 الدولة وجهة نظر الولايات، ويقضي لها مصالحها في ~~دواوين الرياسة، وكان يعلم أن إغضاب رؤساء تلك الدواوين يزعزع مركزه عند الولاية التي ~~ينوب عنها؛ لأنها لا ترجو نفعا من وكيل ينفر منه الرؤساء، ويوصدون في وجهه أبواب ~~الشفاعة والوساطة، فلم يمنعه علمه بذلك أن يغضب الرؤساء كلما وجب أن يخاطبهم بالحق ~~الصراح الذي لا يقبلونه، وأغضبهم فعلا مع اشتهاره بالمسالمة والقدرة على القول اللين ~~والعبارة السائغة، ولما حافظت الولايات على وكالته واستحيت من جزائه بالفصل على أمانته ~~وحسن خدمته، أعفاها هو من ذلك الموقف الحرج واستعفاها باختياره؛ ليفتح أمامها باب ~~الانتفاع بوساطة وكيل غيره، وقد ظهر في أخريات حياته وبعد مماته أنه كان يحتاج إلى ~~إنفاق المال لخدمة المصلحة الوطنية، ويستبطئ الإجراءات التي لا بد منها لإقناع المراجع ~~المعتمدة بضرورة إنفاقه وإرساله، فينفقه من ماله الخاص وتنقضي السنون ولا يتمكن من ~~استرداده وهو خارج بلاده. ثم يعود إلى بلاده وقد تغير الحكام والنواب وتتابعت الشواغل ~~المستحدثة كل يوم من أيام الاستقلال الأولى، فيلوذ بالصمت ويترك ما أنفقه غير مقتصر في ~~المصالح الوطنية الجديدة التي توكل إليه. # والسخرية التي ألفها الأصدقاء والشعراء من كلام فرنكلين وكتابته سمة أدبية ونفسية في ~~وقت واحد، وقد تلحق بطبيعته الواقعية النفعية التي تعرف الناس حقيقتهم، وتعرف الرياء ~~والصدق من دعاويهم، ولا تنتظر منهم في الدين والدنيا فوق طاقتهم، وهي أشبه بابتسامة ~~الأب لطفله الذي يريد أن يراوغه ويحتال على خداعه وهو لا يحتاج منه إلى الخديعة ~~لاستجابة رجائه أو قبول معاذيره. وقد أثرت لفرنكلين سخريات تضارع سخريات فولتير ~~الفرنسي، وسويفت الأيرلندي، وهما علمان من أكبر أعلام النقد الساخر في الآداب الغربية، ~~ولكنها سخريات سليمة من طعنات فولتير المناضل، ووخزات سويفت السوداوي الناقم، وليست له ~~سخرية يفارقها العطف على المعارضين والموافقين، كتلك السخريات المسمومة التي تتخلل ~~كتابات سويفت كثيرا، وتتخلل كتابات فولتير من حين إلى حين. # والطينة العادية من الصفات التي تكررت في تراجم نقاده ومؤرخيه. # ولا كذب في وصف النقاد والمؤرخين، وإنما الكذب - أو الخطأ ms079 - في تقدير هذه الطينة ~~العادية التي خلق منها هذا الرجل العظيم. # إن اللبنة طينة عادية، والقصر الذي يبنى باللبن طينة عادية، ولكن القصر واللبنة شيئان ~~مختلفان. # إن الرجل الذي يكون «عاديا» في ملكة واحدة يقال بحق: إنه من طينة عادية. # ولكن الرجل الذي يكون عاديا في عشرين ملكة، وفي كل ما تصدى له من الأعمال والأفكار ~~لا يحسب إنسانا عاديا نراه بيننا كل يوم. # إن الوسط في القوة البدنية وسط. # ولكن الوسط في القوة البدنية، وفي القوة الفكرية، وفي القوة الخلقية، وفي قوة التفكير ~~حين تتجه إلى العلم، وحين تتجه إلى الأدب، وحين تتجه إلى السياسة، وحين تتجه إلى الحياة ~~العامة، لا يقال عنه: إنه وسط، ولا إنه في مرتبة من العظمة الإنسانية دون مرتبة العظماء ~~المرتفعين المحلقين في جو واحد من أجواء القدرة والكفاية. # وهذه عظمة أحب إلى الناس، وينبغي أن تكون أحب إليهم وأنفع لهم وأولى بالكتابة عنها ~~لطلاب القدوة والحوافز النفسية ، فإن الاقتداء بالعظمة المحلقة في السماوات ييئس من يلمس ~~جنبيه فلا يجد فيهما الجناحين القادرين على التحليق، ولكنه إذا رأى أمامه عظيما يمشي ~~على القدمين في كل طريق يعبره أمثاله لم ييأس من الاقتداء والمشابهة، وإن لم يكن مثله ~~وسطا في عشرات من الكفايات والملكات. # طينة عادية نعم، وهذه هي العظمة التي يفهمها العاديون في جميع نواحيها، وتنعت حولها ~~الصلة المحكمة بين العظماء من بني الإنسان وغير العظماء. ~~«والمستر أمريكان» أحدث ما وصف به فرنكلين الإنسان في كتابات المعاصرين. # والذين وصفوه بهذه الصفة يعنون أنه أول نموذج للأمريكي من الأمريكيين، وأنه لو عاد ~~إلى الحياة اليوم مع رهط من زملائه آباء الاستقلال لم يستغربه أحد، ولم يستغرب هو أحدا ~~ممن حوله، وقد تحيط الغرابة بين الأمريكيين المعاصرين بواشنطون وآدمز وهاملتون وجفرسون ~~وسائر القادة المدنيين والعسكريين. # وهذه الصورة صحيحة في مجموعها في انتظار التكملة اللاحقة بها، كجميع تلك الصور التي ~~أريد بها حصر الرجل في قشرة البندقة. # والتكملة التي تلحق بهذه الصورة أنه إذا عاد إلى الحياة ms080 عاد كما كان في أيام الحياة؛ ~~مستر أمريكان في إنجلترا، ومستر أمريكان في فرنسا، ومستر أمريكان في أمريكا، ومستر آدم ~~مع هذا حيث كان، لا يحس القلق والغرابة في بيئة ينتقل إليها ويقيم فيها، فهو أمريكي ~~مستريح بين الأمريكيين، وأمريكي مستريح بين الفرنسيين، وبين الإنجليز، وبين من شاء من ~~العالمين. فإذا أراد أحد بقوله عنه أنه «مستر أمريكان» أن يصبغه بصبغة خاصة تلائم هذه ~~البيئة، ولا تلائم تلك، فهذا هو موضع النقص في التصوير. # كان دنيويا عصريا إنسانيا نفعيا ساخرا من طينة عادية، ولم تكن فيه صفة من ~~هذه الصفات تناقض الأخرى، أو توضع لاستثنائها وإقصائها. # وكان إنسانا لا تنتظر منه الخوارق، ولكن الخوارق التي جاءت منه أنه كان وسطا في ~~أشياء كثيرة، فكان عظيما لهذا التوسط القليل النظير. # وكانت ملكة العالم هي الملكة الغالبة عليه كما تقدم في الكلام على أعماله ~~العلمية. # إلا أننا نستطيع أن نقول عنه: إنه «إنسان علمي» بمعنى غير ذلك المعنى، وهو تفسير كل ~~خلق من أخلاقه تفسيرا علميا لا يحير الباحث ولا يدفع به في معترك النقائض ~~والشكوك. # كل صفة فيه واقعة خاضعة للبحث العلمي والتفسير بالمبادئ العلمية، حتى الطيبة والسماحة ~~والاعتدال. # فمن مبادئ العلم أن الطاقة تأخذ بمبدأ المجهود الأقل، وأن الأداة المحكمة هي الأداة ~~التي تصرف كل طاقة إلى موضعها ولا تبددها. # فرنكلين كان «طيبا» علميا، وسمحا علميا، ومعتدلا في أخلاقه علميا على جميع ~~الأحوال. # كان لا ينتقم من أعدائه، ولا يضيع جهوده في الانتقام منهم؛ لأنه عمل لا حاجة به ~~إليه. # وكان يفضل الفضيلة ويقول بعد البحث: إن الخبثاء لو عرفوا فضلها لأصبحوا فضلاء بوحي من ~~الخباثة؛ لأن الخلق الكريم بعد الموازنة بين الجهود الصالحة والجهود الضائعة أبقى ~~الجهود وأنفعها وأحقها بالحرص عليه. # وليكن ذلك صحيحا في عرف الناس أو غير صحيح، فإنما المهم هنا أنه صحيح في التطبيق ~~العلمي كما يطبقه فرنكلين، وفي الجهود النفسية كما يحسها فرنكلين، وفي هذا الإنسان ~~العلمي الذي يطبق العلم ويطابقه باختياره وبغير اختياره. # إنسان ms081 لا يحير أحدا في أمره، ولا نخال أحدا حيره في شأن من شئون الطبيعة الإنسانية، ~~فهو لا يفرض على الدنيا لونا لا يراه فيها، ولا يزال متفتح الذهن لكل غريبة من ~~غرائبها، فلا يصل إليها أو تصل إليه حتى يراها في موضعها، صالحة لأن تقترن بالموجودات ~~كلها في مواضعها، وإنما تأتي الحيرة من المفاجأة، وتأتي الغرابة من تضييق الحدود التي ~~تتفتح لها الأذهان، فإن بقي الذهن متفتحا بغير حدود فكل وارد ضيف مقبول غير محتاج إلى ~~جواز «أجنبي» أو إذن بالدخول. # الجزء الثاني # | من فرانكلين # | تمهيد # يشتمل هذا القسم على متفرقات من كلام فرنكلين في الموضوعات المختلفة التي تناولها ~~بقلمه، وهو قسم لا غنى عنه لتمام التعريف برجل عالم كاتب مفكر، لم يعمل في ميدان من ~~ميادينه الكثيرة إلا كان لقلمه نصيب واف من ذلك العمل، وقد كتب فرنكلين في المباحث ~~العلمية، والمسائل السياسية والاجتماعية، كما كتب في شئونه الخاصة التي تعنيه وتعني ذوي ~~قرباه، وكان له طابعه الذي ينم على مزاياه النفسية وملامحه الشخصية في كل باب من أبواب ~~الكتابة، ونحن نود أن نلم بهذه الجوانب جميعا فيما نختاره من كل باب. # وسنقتبس فيما يلي نماذج من كتابته العلمية والاجتماعية، ولكن الاستقصاء في هذه ~~الناحية غير مطلوب في ترجمة عامة، وإنما المطلوب هنا أن نلم بما يعرفنا بطريقته في ~~البحث العلمي والتفكير الاجتماعي، وما عدا ذلك فمكانه المطولات المخصصة لتاريخ النظريات ~~العلمية والمخترعات التي تولدت منها، أو الدراسات التي تشرح أطوار المجتمع ومشكلاته ~~وآراء المفكرين فيها على التتابع أو للمقابلة بينها في أوانها، فإذا استطعنا فيما ~~نختاره هنا من كتابته العلمية أن نعرف طريقة بحثه ونرقب تفكيره أثناء عمله، فذلك حسبنا ~~من التعريف بهذه الشخصية في ميدان من ميادينها المتعددة، وإذا استطعنا فيما نختاره من ~~كتابته الاجتماعية أن نعرف ما يهمه من المجتمع، وما يتوخاه من النظر في أحواله والحكم ~~على مشكلاته، فقد نمت في الصورة العامة ملامحها التي تصور لنا هذه الناحية من ملامحها ~~الكثيرة. # وقد تعمدنا هنا ms082 أن نترجم له دراسة علمية في مسألة لم يحسبها من مسائله الناجحة، أو من ~~المسائل التي نصل فيها إلى مقطع الرأي بين الآراء المحتملة، وتلك هي المسألة التي ذكرها ~~العالم اللاتيني القديم، وسجل فيها تجربة الملاحين في تهدئة هياج البحر بصب الماء عليه. ~~فإن دراسته لهذه المسألة - كسائر دراساته العلمية - تستجمع أسلوبه في إحصاء العوامل ~~والفروض والموازنة بينها، وتجربة كل فرض راجح منها، وتقرير النتائج بمقدارها الذي حققه ~~كل التحقيق في غير تزيد ولا انتقاص، وتتمثل فيها طبيعة التردد في قبول النتائج ما لم ~~تكن جامعة مانعة كما يقول المنطقيون، وتلازمها طبيعة الأمانة التي لا يستهويها حب ~~النجاح والرضا عن النتيجة التي يرضى عنها الكثيرون. # وتعمدنا في اختيار النبذتين الاجتماعيتين أن تكونا نموذجا لما أثر عنه من طلاقة ~~الفكر أمام العرف الذي تقرره العادات والخرافات والإيمان الأعمى بظواهر العقيدة ~~الدينية، وطلاقة الفكر أمام العرف الذي تثبته في النفوس عصبية الأجناس مع الكراهية ~~المتبادلة بين الأعداء المتقاتلين. أما كتابة فرنكلين التي توسعنا في الاختيار منها، ~~فهي كتابته في التقويم، وكتابته التي يجمعها عنوان الرسائل، وكلتاهما وافية بالدلالة ~~عليه في جميع أدوار حياته، وفي جميع شواغله الذهنية، وخلائقه النفسية. # فتقويم ريتشارد هو الأسلوب الذي شق به طريقه في الحياة الأدبية والفكرية، وقرر به ~~مكانته بين أصحاب الأقلام، ومكانته بين قومه على التعميم، واستوى فيه على نهجه المختار ~~في الكتابة بعد استقلاله بعمله واختباره لملكاته ومواهبه ومطالب قرائه، واعتماده على ~~ذلك النهج العملي الذي يتخذ الفكاهة طريقا إلى الجد، والتسلية طريقا إلى الفائدة، ولم ~~يتغير هذا الأسلوب بقية حياته في نسق التعبير ولا موضوعات التفكير، اللهم إلا ما كان من ~~قبيل نضج السن واتساع أفق الاطلاع. # أما رسائله فهي عنوان واحد لكل ما يخطر على البال من الموضوعات التي شغل بها في حياته ~~العامة وعلاقاته الشخصية، وقد شملت حياته العامة - كما تقدم - مباحث العلم، ومشاكل ~~السياسة، والإدارة، وجهود الخدمة الوطنية في داخل بلاده وخارجها، وشملت علاقاته الشخصية ~~أناسا من الوزراء، والشعراء، وأناسا من ms083 العلماء ورجال الدين، وأناسا من الجهلاء ~~والأغمار، كما شملت الرجال والنساء، وذوي قرباه، ومن ليست له قرابة بهم غير قرابة ~~المودة والعاطفة، أو قرابة الاشتراك في المصلحة العامة. ورب رسالة في مسألة علمية ~~تتخللها نصيحة إنسانية أو استطراد إلى البراهين على وجود الله، ورب رسالة في الدعابة ~~تكشف عن أعمق أعماق نفسه من حب الخير للناس والرحمة بالحيوان في زمن لم تعرف فيه كلمة ~~الرفق بالحيوان، ورب رسالة تكتب إلى إحدى الصحف عن مسألة عارضة، وتعتبر اليوم مرجعا من ~~المراجع الهامة في تحقيق التاريخ والعلاقات الدولية، وقلما تخلو رسالة من هذه الرسائل ~~على أنواعها من أسلوب الفكاهة الساخرة التي تسلكه مع الطبقة الأولى بين الكتاب الساخرين ~~في عصره، وتفرده بين الأكثرين منهم ببراءة الطوية من الضغن والإيذاء، وبراءة القلم ~~واللسان من لواذع الهجاء. # وليس ما ترجمناه في الصفحات التالية كل ما يترجم لفرنكلين من الرسائل أو الفصول، ~~ولكنه - فيما نرجو - نماذج كافية للدلالة عليه والإبانة عن مزاياه وملكاته، وقد يزاد ~~عليها الكثير من قبيلها، ولكن الزيادة تأتي مكررة لصفات هذه «الشخصية» التي ألممنا بها ~~في حدود الإيجاز والاكتفاء بالميسور. # | تقويم ريتشارد المسكين # جرت عادة التقويميين في أيام فرنكلين على إصدار تقويماتهم خلال شهر أكتوبر من السنة ~~السابقة لتاريخ التقويم، ولما صحت نية فرنكلين على إصدار تقويمه لم يتيسر له إصداره في ~~ذلك الوعد، فتأخر إلى التاسع عشر من شهر ديسمبر، ولكنه سبق التقاويم التي ظهرت قبله إلى ~~بيوت القراء، وجيوبهم، وعوض ما فاته من مسافة الزمن بالأسلوب المبتكر الذي قربه إلى ~~قلوب قرائه، فأصبح في صحبة كل قارئ منهم، كأنه الصديق المؤتمن الذي يرجع إليه للاستشارة ~~في مشكلات العيش، كما يرجع إليه للسؤال عن التواريخ والمواقيت. # وقد سماه تقويم «ريتشارد المسكين» وصرح فيه بفقره وحاجته إلى حظ من الرزق يرجوه من ~~رواج ذلك التقويم، فنجح في كسب زمالة القراء، كما نجح قبل ذلك في كسب كل زمالة صالحة ~~فيمن يلقاهم ويلقونه من الصحاب والأعوان، ونظر إليه كل قارئ من طلاب ms084 الرزق في القارة ~~الجديدة نظرته إلى صاحب يعرف ما يعنيه ويحتاج إلى مثل حاجته من السعي والتدبير والعمل ~~بالتجارب والوصايا من غير من ولا استعلاء، إذ كان القارئ يتخيل ناصحه في صورة الزميل ~~الذي يبتلى بمثل بليته ويعرف الحكمة من ضنك الحياة، ولا يدعي عرفانها من تفوق في الرأي ~~أو مزية في العلم والدراسة. # قال في فاتحة التقويم الأول: «لقد كان في وسعي هنا أن أحاول كسب الحظوة عندك بدعواي ~~أنني لا أكتب هذه التقويمات إلا رغبة مني في خدمة المصلحة العامة، ولكنني إذا زعمت هذا ~~لا أخلص القول، وهو من زخرف المقال الذي بلغ من يقظة الناس في هذا الزمن أنهم يقبلونه، ~~أما حقيقة الأمر على جليتها، فهي أنني فقير جد فقير، وامرأتي الطيبة، كما أقول لها، جد ~~متكبرة، وهي تهيب بي قائلة أنها لا تستطيع أن تعكف على مغزلها، ولا تراني أعمل شيئا ~~غير النظر في النجوم، وتوعدتني غير مرة أن تحرق جميع كتبي وكل ما عندي من تلك الفخاخ، ~~كما تسمي آلات الرصد والحساب، إن لم أستطع أن أصنع بها شيئا ينفع أهلي، وقد سمح لي ~~الطابع بحصة قيمة من الربح، وبدأت من ثم في الاستجابة لما أمرت به سيدتي.» # ووضحت مزية هذا التقويم من سنته الأولى على سائر التقاويم بما احتواه من حشو الفراغ ~~ونوافل الكلمات التي لا شأن لها بالتاريخ والتوقيت، ولكنها ذات شأن نافع في التوجيه ~~والانتفاع بالأوقات، وعابها بعض النظراء والمنافسين على ما يظهر بما فيها من النكات ~~والمضحكات، فأراد فرنكلين أن يقنع قراءه بفضل هذه الزيادة، وأنها لا تقتطع شيئا من حق ~~القارئ في الزاد المفيد، بل تسوغ له مذاقه وتساعده على هضمه، فقال في مقدمة التقويم ~~لسنة 1739: «لا تقلق أيها القارئ الرصين الوقور إذا رأيت بين عبارات الجد الكثيرة في ~~تقويمي هذا نتفة هنا أو هناك من أحاديث الهزل والبطالة. ففي كل صحفة طهوتها لك كفاية من ~~اللحم للوفاء بنقودك، وهنا وهناك قدد من مائدة الحكمة تعود مع حسن الهضم بالغذاء ms085 الجيد ~~إلى لبك، ولكن المعدات المتعللة لا تطيق الأكل خلوا من التوابل والمشهيات، ولعلها في ~~الحق لا تنفع بشيء في غير هذا الموضع، ولكنها تعين على تناول الطعام.» # ولم يكن تقويم ريتشارد المسكين باكورة فرنكلين في عالم الكتابة؛ لأنه بدأ الكتابة كما ~~تقدم في صحيفة أخيه وهو في نحو السادسة عشرة، فأتى فيها بما يفوق محصول أمثاله من خبرة ~~العمر ودرجة التعليم، وقد أخذ في كتابة التقويم وهو في نحو السابعة والعشرين بعد أن مضى ~~عليه أكثر من عشر سنوات يمارس صناعة القلم ويكتب الرسائل والفصول، ولكنه اختار لعبارات ~~التقويم - أو لمعظمها - أسلوب جوامع الكلم، وهو أدق الأساليب، وأحوجها إلى الفهم ~~المستقيم والتعبير المحكم والإيجاز البليغ مع البساطة والوضوح، فكانت جوامع كلمه في ~~تقويماته خير دلالة على الكاتب بلفظها ومعناها، ورسمته لمن يريد أن يفهمه رسما لا تزيد ~~عليه كتاباته الأخرى شيئا غير التفصيل والتوكيد. # ففي أسلوبها اللفظي دلالة على ملكة التعبير وقدرة على النفاذ إلى الجوهر واجتناب ~~الفضول، وفي أسلوبها المعنوي دلالة على الدراية العملية والسجية السمحة والعقل الحصيف ~~الذي لم يقف بالمعرفة قط دون التطبيق المفيد، فإذا صح قول القائلين: إن الأسلوب هو ~~الرجل فهو أصح ما يكون على فرنكلين، وأصح ما يكون على فرنكلين نفسه في «جوامع الكلم» ~~وما شابهها من الحكمة الناجزة والخبرة المركزة، وليس من النافع أن نطيل التساؤل عن مصدر ~~هذه القدرة على البيان الصحيح؛ هل كان الفضل فيها لملكة التعبير وذخيرة الكاتب من ~~المفردات والأساليب؟ أو كان الفضل فيها لصواب الفهم وأصالته في استخلاص المعاني ~~الجوهرية من الحواشي والفضول؟ فمهما يكن من فضل ملكة التعبير فهي لا تغني عن صواب ~~الفهم، ومهما يكن من صواب الفهم فهو مفتقر إلى التعبير المبين، وجماع القول أن الكاتب ~~أحسن تعبيرا؛ لأنه أصاب فهما، وأصاب قبل كل شيء في فهم رسالة التعبير وأداته وما ~~يعينه عليه. # ونحن نتوسع في النقل من تقويمات ريتشارد المسكين؛ لأنه كتبها في عدة سنوات تمتد من ~~شبيبته إلى كهولته، ولأنها أدل كتاباته ms086 عليه في جوانبه الخلقية والعقلية، وما من صفة ~~اشتهر بها هذا النابغة المتعدد الجوانب إلا رأيتها بارزة ناطقة في بعض كلماته التي ~~تناثرت بين هذه التقويمات، ويكفي أن يتصفح القارئ جملة منها لتثبت في روعه صورة رجل ~~معتدل المزاج، سمح الطباع، متزن العقل، بعيد النظر، صادق الملاحظة، خبير بالموازنة بين ~~الاحتمالات المتفرقة والأطراف المتعارضة، موفور الحظ من ملكة التعبير في أسلوب يجمع بين ~~الصواب والفكاهة، وهكذا كان فرنكلين في جميع أطوار حياته، وفي جميع ما تولاه من المهام ~~والأعمال. # وسنكتفي من أمثاله ومأثوراته في التقويمات بطائفة مما أورده الأستاذ كارل ڤان دورن # 1 # أكبر المترجمين له والمشغولين بجمع آثاره، ونزيد عليها قليلا مما لم يورده ~~ورأينا فيه تتميما لمختاراته، ثم نختم منتخبات التقويم بفصل عن كسب الثروة يدل على ~~أسلوبه في مطولاته وفي سائر المطولات. # وهذه هي مأثوراته التي تدخل في جوامع الكلم والأمثال: # ما تلاقى الطمع والسعادة قط، فكيف يتعارفان؟ # الفقر يطلب بعض الأشياء، والترف يطلب كثيرا من الأشياء، والطمع يطلب ~~جميع الأشياء. # في الدنيا سكيرون مدمنون أكثر من الأطباء المزمنين. # ليست الثروة لمن حواها، وإنما الثروة لمن تملاها. # هل لك فضيلة؟ جملها إذن بزينة الفضيلة وشمائلها. # ليس أحلى من الشهاد إلا المال والعتاد. # الملوك والدببة كثيرا ما تتعب حراسها. # قلب الأحمق في فمه، وفم الحكيم في قلبه. # ما من عدو بالعدو الصغير. # من يسرع في الشراب يبطئ في الحساب. # اصنع جميلا لصديقك كي تبقيه، واصنع جميلا لعدوك كي تقربه ~~وتدنيه. # حيث يوجد الزواج بغير حب، يوجد الحب بغير زواج. # من كان غنيا فلا حاجة به إلى التقتير، ومن كان مقترا فلا حاجة به إلى ~~الغنى. # لا تستحسن من يستحسن كل ما تقول. # أسرة الحمقى عريقة. # انظر أمام، وإلا وجدت نفسك وراء. # تقف الأكذوبة على قدم واحدة، وتقف الحقيقة على اثنتين. # البطء والصمت فضيلتان من فضائل الحمقى. # أنكر نفسك في سبيل نفسك. # الهرم في الشباب يكون شبابا في الهرم. # السمك والضيوف تفوح لهم رائحة بعد ثلاثة أيام. # الدهشة وليدة ms087 الغباء. # ليس للمساومة أقارب ولا أصدقاء. # من يملك الصبر يملك ما يريد. # ما من واعظ أوعظ من النملة، وهي لا تنبس بكلمة! # لا يخلو الغائب من خطيئة، ولا الحاضر من معذرة. # الفقر، والشعر، واللقب عرضة للساخرين. # ريفي بين محاميين سمكة بين قطتين. # الحب، والسلطان يكرهان الأقران. # شر دواليب المركبة أعظمها ضجيجا. # اكتب مع العلماء، وانطق مع الدهماء. # إذا شئت ألا تنسى في جدثك، فاكتب ما يستحق أن يقرأ، أو اعمل ما يستحق أن ~~يكتب. # لا تؤجل مسعاك الحسن، ولا تكن كالقديس جورج يمتطي جواده أبدا ولا ~~يسير. # كما نحاسب على كل كلمة سخيفة نحاسب على كل صمت سخيف. # دع المسرات تتبعك. # الزمن عقار يداوي كل داء. # إذا علمنا القدماء ما هو أفضل، فليعلمنا المحدثون ما هو أوفق. # بيت بغير امرأة، ولا وقاد، جسد بغير روح ولا فؤاد. # لا القلعة ولا الحسناء تثبت طويلا بعد المفاوضة. # زوج ابنك حين تريد، وزوج بنتك حين تستطيع. # افتح عينك كلها قبل الزواج، ولا تفتحها كلها بعده. # الحمقى يبسطون الموائد والحكماء يأكلونها. # تبكير في النوم، وتبكير في اليقظة صحة، وثروة، وحكمة. # احفظ دكانك، ودكانك يحفظك. # الكيس الفارغ لا يقف مستقيما. # التجربة مدرسة غالية، ولكن الحمقى لا يتعلمون في غيرها. # المفتاح المستعمل لماع. # لأجل مسمار ضاعت الحدوة، ولأجل حدوة ضاع الحصان، ولأجل حصان ضاع ~~الفارس. # الانتقال ثلاثا نكبة كنكبة الحريق. # مطبخ سمين وصية هزيلة. # ثلاثة يحفظون السر إذا مات منهم اثنان. # وهذه نماذج من حكم التقويم قد اجتهد كارل ڤان دورن أن يوفي بها التمثيل لما جاء منها ~~في التقويم على مختلف السنين، ولكن حكم التقويم على الخصوص كانت أكثر المأثور من كلام ~~فرنكلين تفرقا بين تراجمه المطولة أو الموجزة، وإن كان بعضها مقصورا على دراساته ~~العلمية أو مساعيه السياسية، وهذه طائفة أخرى منها نجمعها من هنا، وهناك لندل على ~~ملازمتها لذكره في عصره وبعد عصره وعلى اتساع نطاقها في الإعراب عن مختلف الأمزجة والأهواء: # من لا يقدر على الطاعة لا يقدر على الأمر. # تدبر طويلا ms088 في اختيار الصديق، وتدبر أطول من ذلك في تبديله. # حسن يعمل خير من حسن يقال. # خير لك أن تضار مرات من أن تضير مرة. # الهمة أم الحظ السعيد. # الجهل لا يعيب الإنسان كما يعيبه ألا يقبل التعليم. # بم تعبد الخالق؟ بالإحسان إلى الخلق. # إذا كان رأسك من الشمع فلا تمش في الشمس. # فضيلة وحرفة خير ميراث للوليد. # القدوة الصالحة أبلغ العظات. # لا تحكم على ثروة الإنسان، ولا على تقواه بسيماه في يوم الأحد. # من نام مع الكلاب تيقظ مع البراغيث. # 2 # الأحمق من يجعل طبيبه وريثه. # الشجاع والحكيم يعذران حيث لا يتسع للرحمة قلب المغفل والجبان. # الفرصة أنجح غواية. # من يعشق نفسه فليس له مزاحم في الغرام. # عين المعلم أقدر من يمينه. # ساعديني يا ذراع فليس عندي ضياع. # حراث على قدميه أشرف من سيد على ركبتيه. # ليس الكرم أن تجزل العطاء، الكرم أن تعطي في موضع العطاء. # أخفى الحماقات حكمة أفرطت في الدقة. # الملح مع حكماء يونان أجمل طعاما من السكر مع ندماء الطليان. # وليست هذه الحكم جميعا من ابتكار فرنكلين، ولكنها خليقة كلها أن تنسب إليه؛ لأنه ~~يصبغها بصبغته، ويلمسها بعصاه، ويقولها كما ينبغي أن تقال في نظره، وإن جاءت قبل ذلك في ~~معناها على لسان غيره. # وقد أشار «ڤان دورن» إلى الحكم المستعارة من هذا القبيل، فذكر منها بعض الشواهد على ~~منهج فرنكلين في تحويل الحكم المستعارة إلى أسلوبه وتصحيحها بذلك وفاقا لتفكيره ~~وتعبيره، ومنها الحكمة الأيقوسية التي تقول: «الخزنة السمان عمال عجاف» فإنه يقتبس ~~معناها فيقول «مطبخ سمين وصية هزيلة»، ومنها الحكمة الشائعة التي تقول: «ثلاثة يحسنون ~~النصيحة إذا غاب منهم اثنان»، فإنه يتعهدها بما عنده من فرط الأناة والحذر فيقول: ~~«ثلاثة يحفظون السر إذا غاب منهم اثنان». # وقس على ذلك سائر الحكم من هذا القبيل وهي ليست بالكثيرة، فقد حرص في كل ما أثبته من ~~نصائح التقويم أن يتقبلها قراؤه ويشعروا بمنفعتها وموافقتها لأحوالهم التي هي في الوقت ~~نفسه أحواله من أكثر الوجوه، وقد كان الأغلب ms089 الأعم من وصاياه يدور على فضيلة القصد ~~والحزم، وهما ألزم الصفات لطلاب الرزق من العصاميين والغرباء الذين لم يتأصلوا بعد في ~~البلاد، ولعله لم يكن في معيشته قدوة في القصد والحرص على المال، أو لعله أصاب حين قال: ~~إن القصد الذي حرمه قد تعوضه من تدبير امرأته وربة بيته، ولكنه كتب ما يود أن يتبعه ~~ويود كل قارئ مثله لو وفق لاتباعه، فكان لسانا ينطق بما يجيش في كل ضمير. # قال الحكيم اللاهوتي هوثورن # Hawthorne # الذي خطب في ~~ذكراه (سنة 1842): # أشك في أن الكشوف الفلسفية التي كشفها فرنكلين على جلالتها، أو الخدمات ~~السياسية التي قام بها على اتساعها، كانت تكسبه كل هذا الصيت البعيد الذي أحاط ~~باسمه لولا تقويم ريتشارد المسكين، فهو أجدى من كل عمل سواه في إذاعة ذكره بين ~~جمهرة الناس، فإنه بكتابته تلك الحكم التي كانت تحسب من كلام ريتشارد المسكين، ~~قد أصبح المستشار الناصح الأمين لكل بيت في أمريكا على التقريب، ومن ثم كان ~~أعظم أعماله وداعة وتواضعا أعظمها عائدة عليه بالصيت البعيد. # ويشتمل التقويم كما تقدم على نمط آخر من النصائح المعيشية التي تشتمل عليها التقاويم ~~عادة، ولكنها مطولة بعض التطويل يشغل بها مكان المقدمة ويتخللها بالملح واللواذع ~~المضحكة على أسلوبه في الحكم الصغار، ومن قبيل هذه النصائح المطولة مقاله عن «السبيل ~~إلى الثروة» الذي أضافه إلى ترجمته في طبعاتها الأخيرة، وقد احتال فيه على إعادة بعض ~~الحكم القصار بلسان الرواية من باب المراجعة والتذكير. # قال في مقدمة التقويم لسنة 1758 وقد سماه في هذه الفترة تقويم ريتشارد المسكين «في التحسين!»: # أيها القارئ المهذب # سمعت أنه ما من شيء يدخل السرور على قلب المؤلف كأن يرى المؤلفين العلماء ~~يعنون باقتباس كلامه، ولكنه سرور قلما استمتعت به؛ لأنني وإن كنت - بغير ادعاء ~~أو غرور - قد أصبحت من مؤلفي التقاويم المعدودين منذ ربع قرن، لا أجد إخواني في ~~هذه الصناعة - ولا أدري لماذا - يجودون علي بالثناء والتنويه، وما من مؤلف ~~آخر عني بذكري في بعض كلامه، فلولا ms090 ما أصيبه من الخير من كتابتي لكان نقص ~~الثناء خليقا أن يثبطني ويفت في عضدي. # وآل بي الأمر إلى الاعتماد على قضاء الناس وتقديرهم لعملي دون غيره؛ لأنهم ~~يشترون كتبي وأسمع منهم من يقول حيث لا يعرفني أحد خلال طوافي بالمدينة: «كذلك ~~قال ريتشارد المسكين» فأشاع ذلك في نفسي مع توالي الأيام شيئا من الرضا؛ لأنه ~~لا يدل على العناية بآرائي وحسب، بل يدل مع ذلك على أنني قد أصبحت مرجعا لهم ~~يستشهدون به ويعتمدون عليه، وإنني لأقر هنا أنني في سبيل الحض على ذكر تلك ~~الحكم وتكرارها، طالما استشهدت أنا نفسي بكلامي في جد وتوقير. # وعلى هذا تستطيعون أن تقدروا مبلغ اغتباطي بالقصة التي سأرويها لكم فيما يلي: ~~وقفت حصاني أخيرا حيث كانت جمهرة من الناس تتجمع في بعض الأسواق، ولم تكن ساعة ~~البيع قد حانت بعد، فأخذوا يتحدثون بينهم عن سوء الحال وأومأ أحدهم إلى شيخ من ~~عامة الجمع نظيف البزة فسأله: بربك أيها الأب إبراهيم، ما ظنك بهذه الأحوال؟ ~~أليست هذه الضرائب الثقيلة وشيكة أن تفضي بالبلد إلى الخراب؟ فكيف ترانا قادرين ~~على أدائها؟ وبماذا تنصح لنا في أمرها؟ # فقام إبراهيم في مجلسه وأجابهم قائلا: «إن أردتم نصيحتي فهأنذا أمحضكم إياها ~~في كلمات وجيزة؛ لأن الكلمة فيها الكفاية للعاقل، وكثير من المقال لا يملأ ~~المكيال كما يقول ريتشارد المسكين، فأقبلوا عليه يستمعون إليه ورجوه أن يكاشفهم ~~بجلية رأيه، فقال: أيها الصحاب، أيها الجيران، إن الضرائب لثقيلة حقا، ولو ~~كانت ضرائب الحكومة وحدها هي التي نطالب بها لكان من الميسور لنا سدادها، ~~ولكننا ننوء بضرائب شتى يتضاعف ثقلها على بعضنا. # فنحن مثقلون بضعفيها من جراء كسلنا، ومثقلون بثلاثة أضعافها من جراء ~~كبريائنا، ومثقلون بأربعة أضعافها من جراء حماقتنا، وكلها من الضرائب التي لا ~~يستطيع الجباة أن يخففوها عنا بالتقسيط أو النسيئة، فعلينا إذن أن نصغي للنصيحة ~~الحسنة، ونترقب من ثم شيئا ينفعنا، فإن الله في عون من يعين نفسه كما قال ~~ريتشارد المسكين في تقويم ثلاث وثلاثين. # إنها ms091 لحكومة قاسية تلك الحكومة التي تسوم رعاياها أن يفرغوا عشر أوقاتهم ~~لخدمتها، ولكن الكسل يسوم الكثيرين منا فوق ذلك لو أننا أحصينا الساعات التي ~~ذهبت منا هدرا في التواني والتهاون لا نعمل شيئا، أو نعمل ما ليس بشيء من ~~ضروب اللهو والمجانة، وإن الكسل ليسقم أبداننا مذ كان الركود كالصدأ يبلي منها ~~ما ليس يبليه الجهد والتعب، ولن يزال المفتاح العامل لامعا كما قال ريتشارد ~~المسكين. وكذلك قال: إننا ما دمنا نحب الحياة، فلا ينبغي أن نفرط في الوقت؛ لأن ~~الوقت هو قوام الحياة، وكم من الوقت نقضيه في غير ضرورة مستسلمين للرقاد ناسين ~~أن الثعلب النائم لا يصطاد دجاجا، وأن تحت التراب نوما طويلا كما قال ~~ريتشارد المسكين. # وإذا كان الوقت أنفس قنية، فتبديد الوقت على رأي ريتشارد المسكين أسوأ ضروب ~~الإسراف، ولن يعود الوقت الضائع ثانية كما قال في عبارة أخرى، وما نسميه ~~الكفاية من الوقت كثيرا ما ننظر فنراه دون الكفاية. فعلينا إذن أن نمضي قدما ~~عاملين، وأن نعمل ما ينبغي أن يعمل فننجز الكثير، ولا نعاني من القلق والهم غير ~~القليل، وكل شيء صعب مع التهاون والكسل، سهل مع السعي والاجتهاد كما جاء في ~~كلام ريتشارد المسكين، ومن فاته التبكير حق عليه العناء سحابة النهار، وأتى ~~عليه الليل ولما ينجز من عمله ما ينجزه المبكرون، وما أحرى الكسل في خطواته ~~البطاء أن يدركه الفقر على عجل، كما قرأنا في تقويم ريتشارد المسكين الذي يقول ~~هذا ويزيد عليه أن ادفع عملك، ولا تدع عملك يدفعك، وأن التبكير في النوم ~~والتبكير في اليقظة صحة، وثروة، وحكمة. # وأحسبني أسمع بعضكم يقول: ألا يجوز للإنسان أن يسمح لنفسه ببعض الفراغ؟ فأنا ~~قائل لك أيها الصديق ما قاله ريتشارد المسكين: أحسن استخدام وقتك إن أردت أن ~~تنعم بقسط من الفراغ، وما دمت لا تضمن دقيقة فلا تقذف بساعة من يديك. # إن الفراغ وقت ينتفع به، وفي وسع الرجل العاقل أن يجد هذا الفراغ وليس ذلك في ~~وسع المتبطل الكسلان، وصدق ريتشارد ms092 المسكين حيث يقول: إن حياة الفراغ وحياة ~~الكسل شيئان مختلفان. أفتحسبون أن التهاون يعطيكم من الراحة فوق ما يعطيه ~~العمل؟ كلا؛ فإن ريتشارد المسكين يقول: تأتي المشكلات من الكسل، وتنجم المشقة ~~من الراحة في غير جدوى. وكثير من الناس يودون بغير عمل أن يعيشوا على حيل ~~ذكائهم فحسب، ولكنهم لا يجدون الخزين الكافي من هذه البضاعة، في حين أن ~~الاجتهاد يأتي بالراحة، والوفر والاحترام. ودعوا المسرات تتبعكم والغازل الدءوب ~~عنده «شلة» وافية، وإذا كانت عندي بقرة وشاة فكل عابر يقرئني التحية، كذلك يقول ~~ريتشارد المسكين. # وعلينا مع الاجتهاد أن نثابر وننتظم ونتنبه، وأن ننظر في عملنا بأعيننا ولا ~~نتكل فيه على غيرنا، وصدق أيضا ريتشارد المسكين إذ يقول: ما رأيت شجرة كثيرة ~~التنقل، ولا أسرة كثيرة الترحال، إلا كانت في ثمراتها دون زميلتها التي تنتظم ~~على حال. # وكذلك يقول: الانتقال ثلاثا نكبة كنكبة الحريق، وكذلك يقول: احفظ دكانك ~~ودكانك يحفظك، وكذلك يقول: إن أردت أن تنجز عملك فامض أنت وإن لم ترد فأرسل فيه ~~من ينوب عنك، ومن أراد أن يسعد بالمحراث فلا بد له من مقاد أو سياق، وعين السيد ~~أفعل من كلتا يديه، وقلة العناية أفدح ضررا من قلة المعرفة، وإذا قصرت في ~~مراقبة صناعك، فأنت تفتح كيسك لهم وتتركه، والاعتماد الكثير على الغير يجر ~~الخراب على الكثير، والناس في هذه الدنيا كما جاء في التقويم لا تتحقق لهم ~~النجاة بالثقة والاتكال، بل بقلة الثقة والاتكال، وعناية الإنسان بنفسه هي ~~المجدية عليه، ويقول ريتشارد المسكين أيضا: المعرفة للدارس والثروة للمعتني ~~كالقوة للجسور المقدام ونعيم السماء للصالح الورع. أو كما قال كذلك: إن أردت لك ~~خادما أمينا وخادما ترضاه فاخدم نفسك، وإنه لينصح بالمراقبة والإشراف حتى في ~~صغار الأمور؛ إذ يحدث كثيرا أن قليلا من الإهمال يجلب البلاء الكبير، وقد ضاع ~~مسمار فضاعت الحدوة، وضاعت الحدوة فضاع الحصان، وضاع الحصان فضاع الفارس حيث ~~أدركه العدو وقضى عليه، من أجل مسمار في حدوة حصان. # هذا في أمر الاجتهاد - أيها الأصدقاء ms093 - وأمر عناية المرء بعمله وموالاته له ~~بنفسه، ولكننا حريون أن نضيف القصد إلى الاجتهاد إذا أردنا أن نستوثق من ثمر ~~اجتهادنا. فإن الذي لا يحسن الادخار كما يحسن الكسب يظل أنفه على المسن طول ~~حياته ويموت وهو لا يساوي فلسا مما كسب ولم يدخر. وصدق ريتشارد المسكين إذ ~~يقول: إن المطبخ السمين وصية هزيلة، وكم من ضيعة ضاعت لوقتها منذ ترك النساء ~~الغزل في سبيل الشاي، وترك الرجال الحرث في سبيل الكأس. # وإنه ليقول في تقويم آخر: إن أردت الغنى ففكر في الجمع كما تفكر في الطلب، ~~وما استطاعت فتوح الإسبان في أمريكا أن تغنيهم؛ لأنهم بددوا أكثر مما ~~غنموه. # فبعدا إذن للسرف وعاداته، وأمانا إذن من الزمن وغدراته، إذ لا يبقى لديكم ~~بعد الخلاص من ربقة السرف ما تجدونه اليوم من علل الشكوى والتبرم بسوء الحال ~~وثقل الضرائب وتكاليف البيوت، وصدق ريتشارد المسكين مرة أخرى فيما قال حيث قال: ~~إن النساء والخمور واللعب والغرور، تنقص من الثروات وتزيد من المطالب والحاجات، ~~وإن تربية رذيلة واحدة تكفي لتربية طفلين، ولعلكم تظنون حينا أن قليلا من ~~الشاي أو قليلا من الشراب أو قليلا من النفقة يزاد على تكاليف الطعام، أو ~~قليلا من البذل يزاد على ثمن الكساء أو قليلا من الدعوات والولائم بين حين ~~وحين لن ينجم عنه شيء كثير. فاذكروا إذن ما يقوله ريتشارد المسكين إذ يقول: ~~حذار من تضييع القليل، فإن ثغرة صغيرة تغرق السفينة الكبيرة، ومن أحب اللطائف ~~والقطائف أقام الحجة للسائل والأفاق، وإن الحمقى يبسطون الموائد والحكماء ~~يأكلونها. # ولنختم الآن هذا الحديث فنقول: إن التجارب مدرسة غالية، ولكن الحمقى لا ~~يتعلمون في غيرها، ولعلهم لا يحسنون التعلم فيها بعد ذلك، فإننا نستطيع أن نسدي ~~النصح، ولا نستطيع أن نسدي الخلق والسجية، واذكروا على كل حال إن الذين يتلقون ~~المشورة لا يتلقون المعونة، وإن الذي يصم أذنيه عن نصيحة الرشد تكسر ~~ركبتاه.» # وهكذا ختم الشيخ حديثه: واستمع إليه القوم، وأقروا الرأي وذهبوا على الأثر ~~يعملون بنقيضه، كأنما كان ms094 هذا الحديث موعظة من مواعظ المنابر في المعابد، فما ~~هو إلا أن فتحت السوق وبدأ البيع والشراء حتى تهافتوا على السلع يبذلون فيها ~~المال عن سعة، ولا يبالون تحذيره من السرف وخوفهم من الضرائب الثقال. وألفيت ~~الرجل الطيب قد وعى ما كتبت في تقويماتي، وهضم كل ما دونته فيها خلال هذه ~~السنين الخمس والعشرين، ولا بد أن الإشارة إلى كرة بعد أخرى قد أسأمت كل من ~~سمعها سواي، وإن كانت قد طيبت خاطري وأرضت غروري، مع علمي أنني لم أكن صاحب تلك ~~الحكمة، ولم يكن لي مقدار عشرها، وإنما هي حصاد الأجيال والأسلاف. # على أنني قد عولت أن أنتفع بصداها، وكنت أنوي أن أبتاع قماشا لسترة جديدة ~~فعدت من السوق معتزما أن ألبس سترتي العتيقة فترة أخرى. # أيها القارئ. # إنك إن صنعت مثل صنيعي كان نفعك منه مثل نفعي، وإنني على الدوام رهين ~~خدمتك. # 7 من يوليو سنة 1757 # | رسائل # تعد رسائل فرنكلين بالمئات، نشرت في مجموعات متعددة حسب موضوعاتها أو حسب الجهات التي ~~أرسلت إليها، ومنها العام الذي يرتبط بالسياسة والعلم والمصالح القومية، ومنها الخاص ~~الذي يراسل به أهله وذويه وخاصة صحبه، ويقصر في الأعم الأغلب على التحية وإسداء الرأي ~~في المسائل البيتية. # وكل هذه الرسائل مما يصح أن يوصف بالكتابة الفرنكلينية، ونريد بها الكتابة التي تتسم ~~بطابع الرجل، وتنم على ملامح نفسه وعادات تفكيره، وليس المراد بهذا أننا نقرأ الرسالة ~~بغير توقيعه فنعلم أنها من قلمه، فإن هذه الخصيصة ربما صدقت على الكثير من كتاباته، ~~ولكنها لا تصدق عليها جميعها، ولكن المراد بالكتابة الفرنكلينية أننا إذا بحثنا فيها لم ~~نخطئ فيها دلالة على خلقه أو رأيه أو شواغل عمله، وعلى سبيل التمثيل نشير إلى رسالة ~~وجيزة مكتوبة في مسألة مألوفة من المراسلات بين الإخوة والأقارب كتبها إلى أخته ~~جين # Jane # أحب أخواته إليه؛ لأنها استشارته في ~~إرسال ابنها بيني # Benny # إلى نيويورك، فقال لها في أسطر ~~معدودات: «إذا كنتم على رغبتكم في إرسال بيني فأرسلوه على أول مركب ms095 إلى نيويورك واكتبوا ~~معه سطرا موجها إلى مستر جيمس باركر الطباع، وأنا على ثقة من حسن معاملته هناك، ~~وسأتلقى خبرا عنه في الأسبوع نفسه، وأوصوه أن يكون على الدوام بشوشا مرحا مستعدا ~~لعمل كل ما يؤمر به، وكسب الرضا من كل من يعمل معه، فهذه خير وسيلة لاقتناء الأصدقاء، ~~ومحبتي لك يا أختي العزيزة لحسن رعايتك لأبينا في مرضه.» # فهذه الرسالة «فرنكلين» في أكثر من سمة واحدة؛ لأنه لا ينسى فيها الخصلة التي عرفت ~~عنه في أدوار حياته من صباه إلى أواخر أيامه، وهي الحرص على كسب الأصدقاء واتقاء ~~المغاضبة والعداء، وهي تطابق حكمته التي كررها كثيرا، وفحواها أن يحسن الإنسان إلى ~~الصديق ليستبقيه، ويحسن إلى العدو ليستدنيه أو يعيده إلى مودته، وهذا مع البر بالأهل ~~والعناية بأداء الواجب وإنجاز ما يفرضه على كل من يناط به عمل يؤديه. # ومثل هذه السمة لا نخطئها في رسالة من رسائله العامة أو الخاصة، فهي تمثله للقارئ ~~حينا بما فيها من روح الفكاهة والسخرية الطيبة، أو بما فيها من طبيعة المودة والمسالمة ~~واستنفاد كل حيلة في سبيل التفاهم والإقناع، أو بما فيها من الدقة والتنظيم واجتناب ~~الإسراف والفضول، وقد كان يكتب رسائله العامة إلى الصحف على أسلوبه في أول كتاباته منذ ~~نشأته الصحفية الباكرة، فبعضها في قالب الأماثيل على ألسنة الآخرين، وبعضها في قالب ~~العظات الفكاهية، وبعضها في قالب التلخيصات المرتبة كما ترتب الدروس الملخصة، وبعضها في ~~قالب الحوار بين اثنين أو أكثر من اثنين، ويجري حواره على نسق الحوار المعهود في كتب ~~أفلاطون، آراء متتابعة تملي ما بعدها ويأخذ بعضها برقاب بعض، ثم تستدعي ردودها وأجوبتها ~~كأنها تأتي من قبيل الحقائق المفروغ منها، وهي كما لاحظ جامع رسائله إلى الصحافة ڤيرنر ~~كرين # Verner W. Crane ~~«مقنعة ولكنها ليست بالدرامية في وضعها» # 1 # أي إنها تقنع الفكر ولكنها لا تثير الشعور، ولا تستجيش الخيال كما يحدث عند ~~قراءة الحوار الدرامي الذي ينوع الكاتب شخوصه، ويبرز فيه الأمزجة والدوافع النفسية، ~~فتستجيب لها نفس القارئ ms096 بما تثيره من دوافعه وطواياه. # وهذه الرسائل التي نترجمها مقتبسة بغير عناء في الاختيار من أشتات رسائله الخاصة ~~والعامة، لا نتوخى فيها إلا أن تكون معبرة عن فرنكلين في عادة فكر أو سجية شعور أو ~~طريقة عمل، ولا حاجة إلى العناء الطويل في الاختيار لهذا الغرض؛ لأن كتاباته كما قدمنا ~~فرنكلينية بطبيعتها في صفة واحدة على الأقل من هذه الصفات. # رد على خطباء القهوات # كتب هذه الرسالة، بتوقيع مستعار، إلى صحيفة لندن كرونيكل # London Chronicle # بتاريخ التاسع من أبريل سنة 1767 ردا على خطباء ~~القهوات الذين كانوا يحرضون الشعب الإنجليزي على قمع الولايات الأمريكية وأخذها ~~بالعنف والصرامة بدلا من الإصغاء إلى مطالبها الوطنية. قال: # لقد كان لأثينا خطباؤها، وقد صنعوا لها في بعض الأوقات خيرا كثيرا، كما ~~صنعوا لها الشر الكثير في أوقات أخرى، وكان أسوأ ما صنعوه من شر على الخصوص ~~يوم نجحوا في إغرائها بشن الغارة على صقلية، فناءت بأعبائها وخسائرها، وكان ~~من جرائر تلك الحرب أن الدولة الزاهرة سقطت ولم ترجع إلى ازدهارها بعد ذلك ~~أبدا. # وإن هؤلاء الصياحين بالدهماء بين الأقدمين يخلفهم في العصر الحديث كتاب ~~نشراتكم السياسية، وكتاب الصحف، وخطباء القهوات. # ومما يلفت النظر أن رجال الجندية المنقطعين لهذه الصناعة، وهم أناس ~~متصفون بالشجاعة التي لا جدال فيها، قلما يشيرون بالإقدام على الحرب إلا ~~عند الضرورة القصوى، بينما يتعالى اللغط بالحرب لأتفه الأسباب من أناس ~~كأولئك الصياحين والثراثرة والمحدثين الذين هم بطبيعتهم يهابون أو بحكم ~~أعمالهم البدنية تعوزهم تلك النخوة التي تنبعث منها الشجاعة الصادقة، ويبدو ~~عليهم كأنهم أشد بني آدم تعطشا إلى الدماء. # وإننا لفي هذا الزمن الذي لم نكد فيه نتنفس في أعقاب الحرب الشعواء ~~المرهقة التي أهدرت الدماء والأموال على نحو لم يسبق له مثيل في القارة ~~الأوروبية، نرانا أمام طوائف ثلاث من الخطباء يجتهدون اجتهادهم في إثارتنا ~~على أصدقائنا والاندفاع بنا إلى حرب مع البرتغال، وحرب مع هولندا، وحرب مع ~~مستعمراتنا. # فأما الحربان الأوليان، فليس في نيتي أن أبحث فيما تنطويان ms097 عليه من ~~الحكمة والإنصاف؛ إذ لا أحسب أن إنجليزيا يخامره الشك - إذا كان ~~الهولنديون قد أساءوا إلى أجدادنا قديما قبل مائة وخمسين سنة - أن ~~الانتقام منهم واجب في أية لحظة كائنا ما كان مبلغ الصداقة بيننا بعد تلك ~~الإساءة، وأن البرتغاليين - إذا كانوا يشترون ثيابهم من الفرنسيين بأثمان ~~أقل من أثمان الثياب عندنا - حقيقون بأن نوسعهم ضربا حتى يثوبوا إلى ~~الصواب، ويتخذوا لهم رأيا غير ذلك التفضيل والإيثار. # فإذا سلمنا أننا من القوة والبأس بحيث نقدر على ضرب هولندا والبرتغال ~~معا، لسبب أو لغير سبب، ومعهم أصدقاؤهم الذين ينتصرون بهم أو بمعزل من ~~أولئك الأصدقاء، وعلينا أعداؤنا الذين يستثيرهم ذلك الصنيع أو بمأمن من ~~أولئك الأعداء، وسلمنا كذلك أن الهولنديين أيضا خليقون أن يبضوا لنا ~~بالنفقات اللازمة للقتال، إذا سلمنا ذلك جميعا فلا غرض لي إلا أن أضع بين ~~يدي ذوي النظر، بكل خشوع، فرضا يخطر على البال؛ وهو أن تكون لنا على تلك ~~الفروض وسيلة أخرى لفض الخلاف بين وزرائنا الأسبقين ومستعمراتنا بوسيلة غير ~~قطع الرقاب! # وكل خطوة تقودنا الآن إلى السخط على أمريكا، تتطاير النشرات والصحف ويضج ~~خطباء القهوات بالأكاذيب التي تقول عنها أنها ثائرة عاصية، وتستدعي القوة ~~والأساطيل والجحافل للذهاب إليها، وما يوجد منها هنالك ينبغي أن يستدعى من ~~الأرجاء النائية لاحتلال العواصم الكبرى، وينبغي كذلك أن يساق رءوس القوم ~~إلى البلاد الإنجليزية لتعليقهم على المشانق وما شابه ذلك، ولماذا كل ~~هذا؟ # لماذا؟ أتسأل لماذا؟ # نعم، أرجو أن يؤذن لي أن أسأل: لماذا؟ # وجواب لماذا هذه أن القوم يبغون إسقاط الحكومة في هذه البلاد وإقامة ~~أنفسهم في مقامها. # فكيف بدأ ذلك كذلك يا ترى؟ # تقول: كيف بدأ؟ أليسوا جميعا يحملون السلاح؟ # نقول: كلا، بل هم جميعا في سلام. ~~- أفلم يمتنعوا عن أداء التعويض للمصابين في حوادث الشغب الأخيرة كما ~~طلبت الحكومة هنا؟ ~~- كلا، بل هم قد بذلوا الترضية الوافية، وهي - على فكرة - ترضية لم تبذل ~~هناك لضحايا الشغب الذي حدث منكم هنا. ~~- أفلم يشعلوا النار في دار ms098 المكوس والجمرك؟ ~~- كلا، إن القصة كلها أكذوبة ملفقة لا أصل لها على الإطلاق. ~~- أفلم يتمردوا على القانون البرلماني الذي ينص على إيواء الجنود؟ فلم ~~يرسلوا إلى الحكومة هنا طالبين إلغاء الحجر على تجارتهم، وإلغاء قانون ~~الملاحة بهذه المثابة؟ ~~- إن الجمعية في ولاية واحدة - ولاية نيويورك - هي التي أنكرت ذلك ~~القانون، وإن بعض التجار في تلك الولاية هم الذين اجترءوا على ذلك الطلب. ~~فإذا سلمنا أن الإنكار والطلب خيانة عظمى، فهل نسلم أن خمسا وعشرين ولاية ~~تعاقب بجريرة ولاية واحدة؟ # هلموا ننظر في سكون في معنى ذلك القانون، ومعنى إنكاره، ومعنى الطلب من ~~أولئك التجار. # إن القانون قد صدر من نفس الإدارة التي أصدرت قانون الدمغة، ولعله قد ~~أريد به تيسير إرهاب الولايات لإخضاعها لحكمه، ولهذا اشتملت نسخته عند ~~تدوينها لأول مرة على فقرة تخول ضباط الجيش أن ينزلوا الجنود في المنازل ~~الخاصة بأمريكا، ولما عورضت هذه الفقرة أشد المعارضة، انتهى الأمر بحذفها ~~والاكتفاء باستئجار المساكن الخالية والأنبار (مخازن الغلال) لإيواء الجنود ~~حيث يزودون بالوقود، والمصابيح، والفراش، وأدوات الطبخ وتهيئة الطعام، مع ~~خمسة أكواب من الجعة أو السدر، أو نصف كوب من شراب الروم لكل جندي كل يوم، ~~وبعض أشياء أخرى لا تؤدى أثمانها جميعا، بل تتكفل بها خزانة الإقليم. وما ~~من وسيلة في الإقليم لجمع المال غير إصدار قانون من مجلس الولاية يوجب ~~تحصيله، وعلى هذا وجب أن ينظر إلى الأمر على اعتباره قانونا صدر هنا ~~ليعززه قانون يصدر من المجالس الأمريكية، وقد ارتاب بعضهم في صواب هذا ~~الإجراء؛ لأنهم يرون أن المجالس في أمريكا إنما هي برلمانات صغيرة، وليست ~~هيئات تنفيذية أو ديوانا من دواوين الحكومة يعمل عمله تنفيذا للأمر الذي ~~يصدر إليه، فإنما هي هيئات مشورة وإبداء آراء ينظر أعضاؤها فيما يعرض ~~عليهم؛ ليتدبروا منافعه وضروراته، ووجوه الصواب والإمكان فيه، ثم يقرروا ما ~~يقررونه حسبما يرونه، فإذا أكرهت هذه المجالس على سن القوانين، على صواب أو ~~على خطأ إطاعة لتشريع تمليه عليها هيئة تشريعية أخرى، فلا نفع لها ms099 ~~باعتبارها هيئة نيابية، ولم تبق لها صفتها ولا حقيقة كيانها. # والحق أن القانون البرلماني نفسه يلوح عليه أنه أحس ذلك؛ لأن القوانين ~~الأخرى التي تفرض الواجبات على الأشخاص تنص على عقوبة الرفض والإهمال، وعلى ~~الطريقة التي تتبع في تنفيذ تلك العقوبة، ولم يرد نص كهذا - ولا يعقل أن ~~يرد - في مثل هذا القانون البرلماني عما يطلب من مجالس الأقاليم، فوقع في ~~حساب الأمريكيين أنه طلب تنظر فيه المجالس لتقره أو لا تقره، كله أو بعضه، ~~حسب اختلاف الأحوال بين الأقاليم، ومن ثم قبلته ولاية بنسلفانيا حيث يقل ~~عدد الجنود على العموم، ولم تقبله ولاية نيويورك حيث تعبر الجنود جيئة ~~وذهابا عدة مرات بين بريطانيا والولايات الفرنسية، وحيث يشعرون بثقل العبء ~~عليهم من جراء تنفيذه، ولهذا قبلت الولاية جزءا من الطلب ووجهوا خطابا ~~إلى حاكمهم سردوا فيه أسبابهم بأسلوب ملؤه اللطف والاحترام. # وإن كثيرا من الناس ليبدو لهم أن هذا القانون خطأ على التحقيق؛ إذ ~~ليس من اليسير توضيح سبب حسن لإنزال الجنود في مكان من الأمكنة بين ~~مستعمرات الملك جميعا لتزويدها بشيء ما في مقابلة لا شيء، إنهم يصطحبون ~~معهم صرافا على الدوام، فلماذا لا يؤدي الثمن لكل ما يحصلون عليه؟ # إن هذه التكاليف عبء ينفرد بحمله الإقليم الذي يتفق أن يلقى عليه، وهو من ~~ثم غير عادل وغير سواء، وفي بريطانيا يلقى هذا العبء على أصحاب الخانات ~~ويعتبر كالضريبة التي تفرض على أرباب هذه الصناعة، وفي وسعهم تعويض الغرم ~~بزيادة الأجر على النزلاء وتوزيع الضريبة بهذا الأسلوب على نحو أقرب إلى ~~المساواة، ولكن الولاية التي يتفق أن تتعرض لهذا الغرم لا تستطيع أن تلقيه ~~على ولاية أخرى معفاة منه بحكم موقعها. # إلا أن خطباءنا - خطباء القهوات - ينظرون إلى المسألة نظرتهم ويقررون أن ~~هذا الإنكار الموافق لمجرى القانون عصيان يعاقب بما يلائمه. وإنه لخليق أن ~~يكون إجراء نادرا ذلك الإجراء الذي يجعل القانون يفرض شيئا جديدا ولا ~~يقرر وسيلة تطبيقية، ولا العقوبة التي تترتب على مخالفته، ثم يأتي بعد ~~المخالفة ms100 فيقرر هذه وتلك. فتلك فيما أرى أول سابقة من نوعها في شئون ~~التشريع، ولا تحسب في باب الشرائع كما تحسب في باب الفخاخ التي تنصب ~~للرعايا ليقعوا فيها، وكذلك يكون عصيانه ضربا جديدا من العصيان؛ إذ كان ~~المفهوم من العصيان دائما أن يفعل الإنسان شيئا، وهذا عصيان يقوم على أن ~~المرء لا يفعل شيئا من الأشياء. فإن كان كل إنسان يهمل شيئا في قانون ما ~~أو يدع تنفيذ ذلك القانون يحسب ثائرا عاصيا، فإنني لأخشى أن يكون عدد ~~الثوار بيننا أكثر مما نحسب، ومنهم - ولا نحصيهم - أولئك الذين أهملوا ~~تسجيل أوزان الأطباق وسداد الضريبة عنها، وهم فيما أظن غير قليلين، ويصح أن ~~يضاف إليهم أولئك الذين يلبسون الحرائر الفرنسية وما شابهها من فاخر ~~الثياب. # أما قصة الطلب أو العريضة التي سبقت الإشارة إليها، فقد سمعت من بعض ~~التجار أبناء ولاية نيويورك رأيا يقولون فيه: إن القوانين التي تقيد ~~التجارة في الولايات لا تضر الولايات فحسب، بل يتعداها الضرر إلى المملكة ~~الأم (يعني إنجلترا)، وإنهم ليذكرون الأسباب التي يبنون عليها هذا الرأي ~~وهي جديرة أن تدرس هاهنا. وقد يتبين أنهم على صواب فلا يستحقون الزجر، بل ~~يستحقون الشكر والثناء، وإلا ففي الوسع إلقاء الطلب جانبا والإعراض عنه، ~~فليس الطلب ثورة ولا عصيانا، ولكنه في صميمه اعتراف بالسلطان لمن يتقدم ~~الطلب إليه، وأن مقدميه من رعاياه. # بيد أن الآراء المتحيرة تخلق من الحبة قبة في كثير من الأحيان، وحين يكون ~~الذئب قد عقد العزيمة على مخاصمة الحمل، فلا فرق بين وقوفه على اتجاه الماء ~~أو على غير ذلك الاتجاه، وما أيسر ما توجد التعلات أو تخلق إذا لم توجد، ~~ولا مبالاة بالحكمة والإنصاف فإنهما لمن وراء الحسبان! # محادثة عن الرق # وهذه رسالة كتبها في الثلاثين من شهر يناير سنة 1770 إلى صحيفة الإعلان العام Public Advertiser # للرد على الذين ذكروا ~~مسألة الرق في أمريكا ليعترضوا بها على المطالبين بالحريات القانونية من ~~الأمريكيين. # قال بعد مقدمة يذكر فيها مناسبة إرسال هذا الحديث «الخيالي» ms101 الحقيقي إلى ~~الصحيفة: # إنجليزي ~~: # إنكم معشر الأمريكيين تصخبون كلما توهمتم أن شيئا يمسكم فيما تسمونه ~~بحرياتكم، على حين لا يوجد فوق ظهر الأرض من يعادون الحرية كعدائكم، وما ~~أنتم إلا طغاة متعسفون حيث تسنح لكم الفرصة كما تسنح الآن. # أمريكي ~~: # وكيف كان هذا لعمرك؟ # إنجليزي ~~: # اقرأ كتاب جرانفل شارب # Granville Sharpe # عن الرق. # فتعلم كيف كان هذا بشهادة العيان. # أمريكي ~~: # لقد قرأته. # إنجليزي ~~: # وبعيشك ماذا فهمت منه؟ # أمريكي ~~: # أصارحك الرأي، إنه في جوهره كتاب حسن، وإنني لأعجب بغيرة المؤلف على ~~الحرية في الجملة، ويسرني ما أرى فيه من دلائل الإنسانية. غير أنه يتكلم عن ~~الأمريكيين عامة، فيزعم أنهم لا يشعرون بالحب الصحيح للحرية، وأنهم قلما ~~ينفرون من الاستبداد والطغيان، وأنهم قلما يتورعون عن تسليط الاستبداد ~~والطغيان بأقصى ما في وسعهم من الشدة على عبيدهم المساكين، وهذا ما لست ~~أقره كما أنني لا أقر النتائج التي انتهى إليها حيث يخلص من تلك المزاعم ~~إلى إنكار حق الأمريكيين في الحرية، ففي ذلك مجافاة للعدل وغلو في الإنحاء ~~على الأمريكيين، مع إغضائه عن أخطاء بلاده، وليس هذا فيما أرى بالإنصاف، ~~فضلا عما فيه من الإضرار بنا هذه الآونة على الخصوص؛ إذ يحاول أن يصورنا ~~في صورة بغيضة، ويغري بنا من يبيتون النية على ظلمنا واضطهادنا، منكرا ~~حقنا في الحرية التي ننشدها الآن. # إنجليزي ~~: # وأي وزر لبلاد المؤلف في تلك المظالم التي يشكوها؟ وأي كلام من كلامه لا ~~يشمل حكمه معاشر الأمريكيين عامة؟ # أمريكي ~~: # ينبغي ألا يكون كلامه عاما على إطلاقه؛ لأن الأسس التي يقيمه عليها ~~ليست بالأسس العامة. وهذه إنجلترا الجديدة - أكثر المستعمرات الإنجليزية ~~سكانا في أمريكا - قليل فيها عدد العبيد، ومن وجد من هذا القليل فهو في ~~العواصم حيث لا يعملون في عمل شاق، وأكثرهم ثمة سعاة أو خدم في المنازل، ~~ويقال مثل هذا عن المستعمرات التي يقل سكانها عن سكان إنجلترا الجديدة، ~~كنيويورك، ونيوجرسي، وبنسلفانيا، وحتى في فرجينيا، وماريلاند، وكارولينا ~~حيث يعمل العبيد في الزراعة لا يوجدون إلا عند الأسر الغنية ms102 القديمة على ~~مقربة من مياه الملاحة، وإنهم لقليلون بالقياس إلى الأسر التي تقيم وراءهم ~~ويندر أن يوجد لديها العبيد، ولو أنك عبرت أمريكا الشمالية من أقصاها إلى ~~أقصاها لم تجد أسرة من كل مائة أسرة لديها عبيد، وإن ألوفا من الناس هناك ~~ليمقتون الرق كما يمقته مستر شارب ويتورعون عن كل ما يتصل به، ويبذلون ~~جهدهم في إلغائه. فإذا كان من الإجرام في رأي ذلك السيد أن يقتني المرء ~~عبدا، فهل من العدل أن نوصم جميعا بالجريمة؟ وإذا كان في إنجلترا واحد من ~~كل مائة يخل بحقوق الأمانة، فهل من العدل أن يقال: إن الإنجليز كلهم لصوص ~~وسراق؟ زد على ذلك أن الذين يقتنون العبيد ليسوا جميعا قساة أو طغاة، ~~وكثيرون منهم يعاملون عبيدهم بالرفق والمروءة، ويتكفلون بهم في حالتي الصحة ~~والمرض كما تتكفلون هنا بالعمال الفقراء، وما هؤلاء العمال الفقراء عبيدا ~~بالاسم، ولكنهم ما أشبههم بالعبيد حين تضطرهم الشريعة إلى العمل كل تلك ~~الساعات في خدمة ساداتهم بتلك الأجور، ولا تسمح لهم بطلب المزيد أو ~~المساومة على الأجر، بل تسجنهم في بعض المشاغل إن رفضوا العمل بالأجر ~~المقدور، وقد تسجن السيد إذا قبل أن يزيدهم في الأجور، ويحدث كذلك في الوقت ~~نفسه أن يحال بين الصانع الذكي، وبين السفر من هذه الجزيرة إذا منح في ~~خارجها أجرا أكبر من أجره فيها. # أما وزر إنجلترا في المظالم الأمريكية، فليذكر سيدي أنها هي التي بدأت ~~بتجارة الرقيق، وأن تجارها من لندن، وبريستول، ولفربول، وجلاسكو يرسلون ~~سفنهم إلى أفريقيا لشراء العبيد. فإذا أساء التجار استخدام الوسيلة في ~~اقتناص العبيد، وإذا شنت الغارات لاحتجان الأسرى، وإذا استدرج الأحرار إلى ~~متون السفن ثم سيقوا إلى الأسر غيلة وغدرا، وإذا بذلت الرشى للأمراء ~~الصغار إغراء لهم ببيع رعاياهم وهم في الحق طائفة من العبيد - إذا حدث هذا ~~كله فهل تقع جرائر هذه السيئات كلها على عاتق أمريكا؟ # إنكم تجلبون العبيد إلينا، وتغروننا بشرائهم، ولست أريد أن أسوغ وقوعنا ~~في الغواية، ولكنني أقول: إنكم إذا سرقتم ms103 الناس تبيعونهم لنا ونحن نشتريهم، ~~فلتذكروا المثل القائل: إن المشتري من السارق والسارق سواء، وقد وضع هذا ~~المثل للذين لا يعلمون أن آخذ الشيء المسروق في حكم سارقه، ولكن العكس لم ~~يكن بحاجة قط إلى مثل لتوضيحه؛ إذ ما من أحد يجهل أن اللص كمن يشتري منه في ~~المنكر والسوء. # وإنكم لم تفعلوا هذا وتقنعوا به وتثابروا على فعله وحسب، بل زدتم على ذلك ~~أنكم أنكرتم القوانين التي وضعت في أمريكا لتصعيب تجارة الرق، وفرض الضرائب ~~الثقيلة على الموردين للأرقاء، وأمرت حكومتكم بنقضها لأنها ضارة بمصالح ~~الشركة الأفريقية. # إنجليزي ~~: # ما سمعت من قبل بقوانين من هذا القبيل وضعت في أمريكا، غير أن القوانين ~~التي وضعتموها وادعيتم أنها ضرورية لحسن سياسة العبيد بل الخدم البيض، مما ~~استشهد به مستر شارب في كتابته، لا تدعونا إلى حسن الظن بمروءتكم العامة أو ~~باحترامكم الحرية، وليست تلك قوانين آحاد معدودين؛ إذ هي مسنونة برأي ~~نوابكم في الجماعات الممثلة لكم، وهي لهذا خليقة أن تنسب إلى ~~الجميع. # أمريكي ~~: # ليس الأمر كذلك. ويجوز أن بعض هذه القوانين وضع في المستعمرات التي يربى ~~فيها عدد الأرقاء كثيرا على عدد البيض، كما هو الحال في بربادوس الآن، وفي ~~فرجينيا من قبل، وقد تكون تلك القوانين أقسى مما ينبغي من أثر الخوف والظن ~~الغالب بأن الصرامة هي الوسيلة الوحيدة التي تروض العبيد على الطاعة وتصون ~~على سادتهم حياتهم. أما الولايات الأخرى التي يقل فيها عددهم ولا يخشى ~~الخطر منهم، فالقوانين رفيقة والعبيد في كفالة القانون من جميع الوجوه إلا ~~أن نحسب حساب الحرية، ويجازى الرجل الأبيض بالموت إذا قتل عبدا ملكه، كما ~~يجازى على قتل إنسان كائنا من كان. ومن الواجب أن نذكر أن صرامة القوانين ~~على قدر الغباء، أو على قدر السوء في خلائق المحكومين، وقد علمتنا التجربة ~~هذه الحقيقة في كل مكان. وقد يخطر لك أن العبيد قوم لطاف ودعاء يسلس قيادهم ~~لمن يقودهم، وإنهم لكذلك بعض الأحايين، ولكن الأكثرين منهم على خبث، وكيد، ~~وضغينة، وسوء دخيلة، ms104 وقسوة بالغة على أشد ما تكون القسوة، وتجاركم وملاحوكم ~~الذين يجلبونهم من غانا يعلمون ذلك، ويعانون من تمردهم على السفن السابحة ~~أو المرسية على الشاطئ كل العناء، وما ظفر العبيد بمن عداهم مرة إلا أتوا ~~عليهم أجمعين، وكلما حدث التمرد من هذا القبيل عالجه قومكم بما يحسبونه ~~ضرورة لا محيص عنها من الصرامة والشدة، وأطلقوا النار على بعضهم أو شنقوهم ~~على ظهر السفينة، وربما كان من هؤلاء العبيد أناس مجرمون في بلادهم يبيعهم ~~أمراؤهم عقوبة لهم على جناياتهم ويجعلون النفي والعبودية جزاء لهم عليها، ~~كما تجزون أنتم هنا من تدينونهم من الأشرار، وما دامت حكومتكم لا تقبل أن ~~تسن القوانين لإخراج العبيد من البلد، فهل يحق لكم أن توجهوا اللوم إلى تلك ~~القوانين التي تبدو ضرورية لحكمهم وهم في ذلك البلد؟ # إنجليزي ~~: # لكن القوانين التي تضعونها لمعاملة الخدم البيض لا تقل في قسوتها عن ~~القوانين التي توضع للعبيد السود. # أمريكي ~~: # هي كذلك في بعض الولايات، وبخاصة تلك الولايات التي ينفون إليها مجرميكم، ~~وإن الخدم الودعاء ليعاملون في أمريكا معاملة الرفق التي يجدونها في ~~إنجلترا. غير أن الأشرار الذين تدينونهم وترسلون بهم إلينا لا بد لهم من ~~القمع الشديد بعصا من حديد. وقد وضعنا القوانين في ولايات عدة لمنع ~~دخولهم، وكانت هذه القوانين تنقض هنا على اعتبارها مخالفة لقانون البرلمان، ~~ولسنا نشكركم على إقحامهم علينا، ونحسبها بربرية من حكومتكم أن تخلي ~~سجونها، وتملأ بهم محلات بلادنا، بل نحسبها إهانة من أسوأ الإهانات، فإن ~~كانت الشرائع الرفيقة تصلح لسياسة هؤلاء القوم، فما بالكم لا تبقونهم عندكم ~~وتسوسونهم بتلك الشرائع؟ على أنك خليق أن تذكر أن الشرائع التي ترمونها ~~بالقسوة قد أرسلت إلى حكومتكم، كما ترسل جميع الشرائع إلى الملك في مجلسه ~~فأبرمتها. فإن كانت مع هذا عرضة للملام فتفضلوا أنتم واحملوا على عاتقكم ~~بعض هذا الملام. # أيقوسي ~~: # لا يحق لكم أن تقولوا إننا نقحم المجرمين على بلادكم؛ إذ في وسعكم إذا ~~شئتم أن تحجموا عن شرائهم، ولو لم يكن من طبعكم الطغيان ms105 ولم يكن من هواكم ~~أن تتخذوا لكم أتباعا تسومونهم العذاب وتشبعون بتعذيبهم تلك الشهوة في ~~نفوسكم، وكان لديكم حقا ذلك الشعور بالحرية الذي تثيرون به تلك الضجة - ~~لما اشتريتم أحدا من العبيد ولا من المجرمين، ولما احتملتم شيئا كهذا ~~الرق أن يبقى بين ظهرانيكم. # أمريكي ~~: # الحق كما تقول: إننا نستطيع أن نكف عن شرائهم، وإن كثيرا من العقلاء ~~ليحجمون عن شراء أحد منهم، إلا أن الدنيا فيها العقلاء وغير العقلاء، وغير ~~العقلاء يطمعهم الثمن البخس في شرائهم، وعلينا نحن أن نكبح هذا الطمع، وأن ~~نمنع تجاركم أن يصلوا إلينا بتجارتهم البغيضة، ولكنكم لا تأذنون لنا في ~~ذلك، ومن أجل هذا قلت إنكم تقحمون علينا العبيد كما تقحمون علينا المجرمين. ~~وإني ليدهشني يا سيدي أن أسمع ملاحظتكم التي تقول فيها: إننا لو كنا نحب ~~الحرية حقا لما سمحنا لشيء كالرق أن يبقى بيننا. فهذه ملاحظة غريبة من ~~بريطاني من أهل الشمال حيث الرق مشروع بحكم القانون لا يزال! # أيقوسي ~~: # أحسبك تشير إلى قوانين المواريث وهي لا تشتمل على شيء من الرق، وقد نقضت ~~مع ذلك بقانون صدر من البرلمان . # أمريكي ~~: # كلا يا سيدي، إنني أعني الرق في مناجمكم؛ أعني المساكين الذين يحفرون ~~الأرض ليستخرجوا منها الفحم لكم. ففي تلك الأنفاق المظلمة التي لا تطلع ~~عليها الشمس عبيد بحكم القانون، يتلوهم في العبودية أبناؤهم من اللحظة التي ~~يستطيعون فيها أن يحملوا السلة إلى اللحظة التي يختمون بها أعمارهم، وإنهم ~~ليباعون ويشترون مع المناجم وليس لهم من حرية الفكاك من هذا الأسر نصيب ~~أكبر من نصيب العبيد عندنا في الفكاك من مزارع سادتهم، وإذا كان سواد ~~وجوههم مسوغا لاستعبادهم، فأنتم لا تجدون حتى هذا المسوغ لاستعباد عمال ~~الفحم عندكم. ولتذكر أنهم تحت غبار الفحم الأسود لهم جلود بيض، وإنهم أناس ~~أمناء طيبون، وهم فوق ذلك من أبناء وطنكم. # إنجليزي ~~: # يسرني أنك لا تنحي على إنجلترا بمثل هذه الوصمة؛ فإن عمال الفحم عندنا ~~أحرار كسائر العمال. # أمريكي ~~: # وهل من أجل هذا تزعمون أنكم لا ms106 تعرفون شيئا من قبيل الرق في البلاد ~~الإنجليزية؟ # إنجليزي ~~: # لا يوجد في إنجلترا شيء كهذا بكل تأكيد! # أمريكي ~~: # أخالني قادرا على أن أعرض أمام نظرك ما يقنعك بوجوده إذا اتفقنا أولا ~~على تعريف الرق ما هو؟ ولئن صح ما يقوله مؤلفكم من أن اقتناء العبيد يسلب ~~حق المقتنى في الحرية لتكونن أنتم معشر الإنجليز محرومين من هذا الحق حرمان ~~الأمريكيين. # إنجليزي ~~: # وما تعريفك للرق إذن. أرجو أن نسمعه لنعلم هل نحن متفقون عليه أو غير ~~متفقين. # أمريكي ~~: # العبد - فيما أرى - هو كائن بشري يسرق أو يغتصب أو يشترى من غيره أو من ~~نفسه بالمال، ويضطر لذلك إلى خدمة الآخذ أو الشاري حسب هواه مدى الحياة. ~~وقد يباع مرة أخرى، أو يؤجر لغير سيده، ويضطر في هذه الحالة إلى خدمة ~~مشتريه أو مستأجره، ولا يضطر إلى إطاعة سيده وحده، بل يضطر كذلك إلى إطاعة ~~أوضع الخدام لديه، فيحضر متى استدعاه، وينصرف بأمره، ويقيم حيث يرتضي له ~~الإقامة، ولو بعث به إلى أقصى أطراف الأرض وأوخم الأجواء، وعليه أن يلبس ~~الملابس التي يختارها له سيده، ولا يلبس غيرها، ولو لم تكن من لباس العرف ~~الشائع وكان الارتداء بها علامة من علامات العبودية، وعليه كذلك أن يتقبل ~~الطعام الذي يفرضه له سيده، أو يتقبل القدر الذي يعطيه إياه من المال ~~بديلا من الطعام والكساء. وينبغي ألا يفارق مكان الخدمة بغير إذن مولاه، ~~وأن يخضع للجزاء الصارم عقابا له على أيسر الهفوات، وأن يساوم الضرب ~~بالسياط، بل القتل، عقابا له على الإباق من الأسر أو على عصيان الأمر، ~~أحسب أن كائنا بشريا كهذا إنما هو عبد في كل ما يراد من العبيد ويفرض ~~عليهم. # إنجليزي ~~: # أوافقك على تعريفك. إلا أنني على يقين، نعم على يقين، أنك لن تجد في ~~إنجلترا أحدا بهذه الصفة. # أمريكي ~~: # كلا، بل عدة ألوف إذا كنت قد أحسنت وصف الجندي الإنجليزي، أو الملاح ~~الإنجليزي بذلك التعريف. فالملاح كثيرا ما يجبر على الخدمة وينتزع من جميع ~~روابطه وعلاقاته، والجندي يشترى عادة ms107 بدينار وبعض دينار في سوق التجنيد، ~~ولسيده أن يبيع عمله من يشاء من الأمراء الغرباء، أو يؤجره بما يبرمه من ~~المعاهدات، ويقذف به إلى حيث يرمي، أو يرمى في ألمانيا أو البرتغال أو غانة ~~أو الجزر الهندية الغربية، وهو مقيد بالعمل مدى الحياة يصدق عليه كل حرف ~~مما ذكرته في ذلك التعريف، وقد يتخطى الرق الإنجليزي في حالة من الحالات كل ~~ما انتهى إليه من الحدود في الديار الأمريكية. # إنجليزي ~~: # وماذا تعني؟ # أمريكي ~~: # نحن لا نستطيع في أمريكا أن نأمر العبد بعمل لا يستقيم مع الخلق أو مع ~~الشريعة، ولا نستطيع مثلا أن نأمره باقتراف جريمة القتل، ولو أمرناه بذلك ~~لحق له أن يأبى وتقره القوانين على الإباء. غير أن الجندي مجبر على طاعة كل ~~أمر، أو يعرض نفسه للموت، ولو كان الأمر كأمر هيرود بقتل كل طفل دون ~~السنتين، أو بقطع رقاب الصغار في المستعمرات، أو بإطلاق النار على النساء ~~والأطفال في بطاح سان جورج (إشارة إلى مذبحة سنة 1768). # 2 # ويسلك فرنكلين مثل هذا المسلك «المنطقي» لإقناع مخالفيه داخل بلاده في مسألة ~~الرق، كما سلكه في مناقشة المخالفين خارج بلاده لإقناعهم في هذه المسألة، وقوام ~~الإقناع عنده في الحالتين أن يأخذ المخالفين له بما يدينون به ويسلمونه، وأن ينبههم ~~إلى أحوالهم التي يغفلون عنها ولا يلتفتون إلى مغزاها، وأن يريهم أنهم يصابون ~~بالحجة التي يسوقونها قبل أن يصيبوا بها غيرهم، وهذا الأسلوب المنطقي أفعل الأساليب ~~في إلزام حجتهم؛ لأنها في النضال المنطقي بمثابة نقل الهجوم إلى معسكر الخصم من ~~داخله ليشتغل بنفسه عن مهاجمة غيره. # وقد تقدم أن فرنكلين كان يقول أنه يرحب برسول المفتي الأكبر من القسطنطينية إذا ~~طاب للمفتي الأكبر أن يوفده إلى الديار الأمريكية، ولكنه في الرسالة التالية يذكر ~~أنصار الرق في بلاده بحجة القراصنة الذين كانوا يستخدمون شواطئ المغرب بأفريقيا ~~الشمالية لاقتناص ركاب السفن والاتجار ببيعهم والتعلل بالدين لاستباحة رقابهم، وكان ~~بعض أنصار الرق - مستر جاكسون مندوب ولاية جورجيا - قد ألقى خطابا في مجلس النواب ms108 ~~- يفند به أقوال المعترضين على النخاسة أو تجارة الرقيق ونشرته صحيفة الفدرال جازيت # Federal Gazette ~~، فكتب فرنكلين إلى الصحيفة ~~يرد عليه بهذا الأسلوب التهكمي الذي يشبه «محاكاة الصوت» للسخرية والتنديد، وكان ~~تاريخه يوم الثالث والعشرين من شهر مارس سنة 1790 قبل وفاة فرنكلين بنحو ثلاثة ~~أسابيع. # خطاب سيدي محمد إبراهيم # سيدي محرر الفدرال جازيت # قرأت أمس في صحيفتكم الغراء خطاب مستر جاكسون في مجلس النواب يستنكر به ~~تعرضهم لمسألة الرق ومحاولتهم تحسين أحوال الرقيق، فذكرني خطابه هذا بخطاب ألقي ~~قبل مائة سنة بلسان سيدي محمد إبراهيم عضو الديوان بالجزائر كما أثبته مارتن في ~~سجل قنصليته سنة 1687. وكان هذا الخطاب معارضا لجماعة الطريقة الصوفية التي ~~توسلت إلى الديوان أن يأمر بإلغاء القرصنة والنخاسة؛ لأنهما تناقضان العدل ~~والإنصاف. # إن مستر جاكسون لم يستشهد به ولعله لم يطلع عليه، ولهذا يبدو من براهينه ~~وذرائعه أن عقول الناس ومنافعهم تدين وتدان على منهج واحد في جميع الأمم ~~والأقاليم كلما اتفقت المطالب والأحوال، وهذه هي ترجمة الخطاب الأفريقي المشار إليه: # بسم الله. الله أكبر. ومحمد نبيه ورسوله # ترى هل فكر أصحاب هذه الطريقة في عواقب الاستجابة لرجائهم ؟ وكيف ~~ترانا نصل إلى البضاعة التي تأتي من البلاد المسيحية، ولا غنى لنا عنها ~~إذا نحن كففنا عن شن الغارة على المسيحيين؟ ومن الذي يزرع لنا الأرض في ~~هذه البلاد الحارة إن لم نتخذ منهم عبيدا مسخرين؟ ومن الذي يؤدي لنا ~~عمل الخدم في المدن والبيوت؟ ألا يئول بنا الأمر يومئذ أن نصبح نحن ~~العبيد المسخرين لأنفسنا؟ ألسنا هنا أحق بالرحمة من أولئك ~~الكلاب؟ # لدينا الآن خمسون ألفا في الجزائر وحولها ينقصون يوما بعد يوم إن ~~لم يأت المدد من جديد، فإن كففنا عن اغتنام سفن الكفرة، واسترقاق ~~الملاحين والمسافرين على متونها فلسوف تصبح أرضنا هملا لا قيمة لنا ~~لانقطاع العمل في زراعتها. وسوف تهبط أجور بيوتنا في المدينة إلى ~~نصفها، وتنفد موارد الخزانة العامة تبعا لذلك. ومن أجل ماذا كل هذا يا ~~ترى؟ كل ما هنالك أن ms109 نرضي أهواء طائفة من أصحاب الأحوال والبدوات يودون ~~لو أننا أطلقنا الأرقاء الذين في حوزتنا فضلا عن تحريم المزيد من ~~المدد الجديد. # وبعد، فمن الذي يعوض سادتهم عن ضياعهم؟ أتعوضهم الدولة؟ أفي خزانتها ~~كفاية من المال؟ أترى يعوضهم أبناء تلك الطريقة أم في وسعهم هذا ~~التعويض؟ أم هم في سبيل الإنصاف الذي يزعمونه لأولئك العبيد يتجافون عن ~~إنصاف أولئك السادة المظلومين؟ وهبونا أطلقنا عبيدنا، فماذا يصير من ~~أمرهم بعد إطلاقهم؟ إن قليلا منهم من يعودون إلى بلادهم لعلمهم ~~بالمصاعب التي تنتظرهم هنالك، وهم لا يؤمنون بديننا ولا يسيرون على ~~نهجنا في حياتنا ولا يتبعون عاداتنا، ولا يقبل أبناء قومنا أن يدنسوا ~~أنفسهم بمخالطة أنسابهم. فهل ترانا نستبقيهم بيننا متسولين في طرقاتنا؟ ~~أو ترانا نترك أمتعتنا لمن يريد منهم أن يسرقها ويسلبها؟ إن الذين طال ~~بهم عهد العبودية لن يعملوا لكسب أقواتهم إن لم يجدوا من يكرههم على ~~العمل لها، وماذا لعمري في معيشتهم اليوم من السوء أو مما يستدر الرحمة ~~والإشفاق؟ ألم يكونوا عبيدا في بلادهم قبل هذه البلاد؟ أليست بلاد ~~الإسبان، والبرتغال، والفرنسيين، والإيطاليين مسخرة في طاعة حكام ~~مستبدين؟ أليست إنجلترا تسوم ملاحيها سوم العبيد وتقبض عليهم حكومتهم ~~كما تشاء لتحبسهم في سفن الحرب وتكرههم لا على العمل وحسب، بل على ~~القتال من أجل رزق قليل أو مئونة تسد الرمق ولا تفضل في شيء ما نسمح به ~~نحن للعبيد. فهل تسوء أحوالهم إذن لأنهم يقعون في أيدينا؟ كلا. بل ~~قصارى الأمر أنهم يستبدلون رقا برق، وأقول: إنه لرق خير من رقهم ~~لأنهم يعيشون هنا حيث تشرق شمس الإسلام في روعتها وبهائها، وحيث تتاح ~~لهم الفرصة للاهتداء إلى الدين الحق والنجاة بأرواحهم من الهلاك. أما ~~الذين يمكثون منهم في أرضهم، فلا أمل لهم في هذه السعادة، ولن يكون ~~إرسال العبيد من بلادهم إلا كإخراجهم من النور إلى الظلمات. # وأعود فأسأل: ماذا عسى أن يصير من أمرهم؟ لقد سمعت من يقول أنهم ~~يرسلون إلى القفار حيث تتسع الأرض لمعيشتهم ويقيمون أحرارا ms110 في أرضهم. ~~على أنني أحسبهم لا ينشطون لعمل قط ما لم يدفعوا إليه على الرغم منهم، ~~وإنهم لأغبى من أن ينهضوا بحكومة حرة لحكم أنفسهم، ولن يلبثوا أن يغير ~~عليهم الأعراب من أهل البادية فيستعبدوهم، ولكنهم حين يقيمون في خدمتنا ~~يلقون منا الرفق وحسن الرعاية على سنة الرحمة والمروءة، وليس للعمال في ~~أوطانهم كما أعلم نصيب من ذلك، بل هم على نصيب قليل من الغذاء والمسكن ~~والكساء، فهم على هذا تصلح أمور الأكثرين منهم بيننا، ولا حاجة بهم إلى ~~ترفيه أو إصلاح حال؛ إذ هم هنا في أمان لا يجبرون على الجندية ولا على ~~أن يعمل المسيحيون منهم في قطع رقاب إخوانهم المسيحيين كما يحدث فيما ~~يشجر بينهم من الحروب. فإذا كان أناس من هؤلاء المجاذيب الذين يحتجون ~~بالغيرة على الدين فيما بيننا قد حسن لديهم أن يرفعوا العرائض تترى ~~للإفراج عن هؤلاء الأسارى فما كان ذلك من كرم فيهم ولا من مروءة ورحمة، ~~وإنما هي أعباء ذنوبهم وخطاياهم يرزحون بها ويخيل إليهم أن هذا المطلب ~~خليق - لما يتوهمونه من إحسانه وفضله - أن ينجيهم من الهلاك وسوء ~~الجزاء. # وما أضل هؤلاء المتهوسين حين يحسبون أن الاسترقاق محرم في القرآن؟ ~~أليس أمر السادة بالرفق وأمر العبيد بالطاعة والأمانة نصا على جواز ~~الاسترقاق؟ كذلك لا يحرم في الكتاب سلب الكفار؛ لأن المعلوم منه أن ~~الله قد وهب الدنيا وكل ما فيها لعباده المؤمنين يغتنمون ما افتتحوا ~~منها. # فلا نستمعن بعد الآن لذلك الطلب البغيض، ولنعلمن أن إطلاق الأرقاء ~~النصارى يسلط الكساد والخراب على أراضينا وبيوتنا، ويحرم الكثيرين من ~~رعايانا الأمناء طيبات أرزاقهم، فيثير القلق في النفوس، ويغري ~~المتذمرين بالفتنة، ويزعزع مكانة الحكومة، ويعم الديار بالفوضى ~~والاضطراب، ولا يخامرني الشك - لهذا - في أن هذا المجلس الحكيم يؤثر ~~سعادة الأمة المؤمنة كلها على إرضاء فئة من أبناء الطريق، ويعرض عما ~~يطلبون. # ولقد كان من أثر هذا الكلام، كما أنبأنا مارتن في سجله، أن ~~الديوان انتهى إلى هذا القرار: # إن القول بأن سلب النصارى واسترقاقهم ms111 ظلم ومجافاة للعدل، إنما هو على ~~الأقل من الأقوال المختلف عليها، ولكنه من الواضح أن الإبقاء على هذه ~~الحالة في مصلحة الدولة. فلا تقبل تلك العريضة بناء على هذا ~~الاعتبار. # وعلى هذا رفضت العريضة. # ولما كانت البواعث المتشابهة تميل بعقول الناس إلى ما يشببها من الآراء ~~والقرارات، أفلا يجوز لنا - يا مستر براون - أن نستخلص من ذلك أن العرائض التي ~~أرسلت إلى برلمان إنجلترا لإلغاء النخاسة، ولا نذكر ما عدا ذلك من المطالب، ~~وشيكة أن تصير كما تصير المناقشات فيها إلى مصير كهذا المصير. # إنني يا سيدي قارئك المثابر وخادمك المتواضع: # 3 # مؤرخ. # معاهدة مع سيدة # وهذه رسالة من نوع آخر غير الرسائل إلى الصحف، وغير الرسائل إلى سائر الأشخاص، ~~كتبها إلى السيدة بريون # Brillon # إحدى سيدات ~~المجتمع الرفيع في باريس، وكان يكتب إليها باللغة الفرنسية فتصحح له أخطاءه وتدربه ~~على التعبير الفصيح في الكتابة والكلام بتلك اللغة، وقد كتبت إليه من نيس تعاتبه؛ ~~لأنه انصرف عن الاهتمام بها في غيابها ووجه التفاته إلى سيدات غيرها، وكان الخطاب ~~في صيغة المراسم الدولية، فكتب إليها الرد في صيغة معاهدة سياسية وقدم لها بفاتحة ~~تمهيدية (بروتوكول ) فقال: # باسي، في 27 من يوليو سنة 1782 # ما أبعد الفارق بينك وبيني! إنك تعدين عيوبي كثيرة حتى لقد تربى على ~~الإحصاء، وأنا لا أرى لك إلا عيبا واحدا لعله من عيوب نظارتي، ذاك ضرب من ~~الطمع يوحي إليك أن تعظمي عاطفتي وتستأثري بها وحدك، حتى لا بقية فيها ~~لواحدة من سيدات وطنك المحبوبات، وكأنك تحسبين أنها من العواطف التي لا ~~تقبل القسمة إلا نقصت وتفرقت، وهي غلطة في الحساب وفي النظر إلى طبيعة ~~الموقف الذي وقفتني فيه وقضيت به علي. فإنك تجردين حبنا من كل صلة جسدية ~~غير ما يكون من عناق كعناق أولاد العم عند مقدمهم من الريف. فماذا بقي من ~~العاطفة مما يسوغ لي أن أتجه به إلى الأخريات دون أن يغض ذلك أو ينقص من ~~محبتي إياك؟ إن خطرات الفكر، والتقدير، والإعجاب، ms112 والتوقير، بل العطف نفسه ~~على موضوع من موضوعاته ليقبل المضاعفة والزيادة كلما تضاعفت تلك الموضوعات ~~وازدادت دون أن يخل ذلك بحق صاحب العطف الأصيل، أو يسوغ له الشكاية من ضرر. ~~وإنه لفي طبيعته من قبيل تلك الألحان العذبة التي توقعينها على المعزف ~~ببراعتك الألمعية، ويستمع لها عشرون، فيغتبطون بسماعها، ولا يغض ذلك من ~~نصيبي الذي تريدين أن يخصني منها، وقد يحق لي إذن أن أطالبك بمنعها أن تصل ~~إلى أذن غير أذني. وسترين على هذا كيف جاوزت بمطالبك حد العدل والنصفة، ~~وزدت عليها إعلان الحرب علي إن لم أذعن لجميع تلك المطالب، ولو أنصفتني ~~لكان من حقي أنا أن أشكو إليك. وها هو ذا ولدي الصغير لم يسمن ولم يكتنز ~~كعهدي بالأطفال في رسومك الرشيقة، بل هو يهزل ويتضوع إلى غذائك المريء الذي ~~تنكرينه عليه أنت أمه الحنون، ثم هأنتذي تتوعدينه بقص جناحيه كي يقعد عن ~~البحث عنه في مكان. # ويخيل إلي أن الحرب التي تشهرينها لا أغنم منها ولا تغنمين، ولما كنت ~~أنا الأضعف وجب علي أن أصنع ما يصنعه الأحكم، وأن أبدأ بطلب الصلح، ولا ~~ضمان لدوام الصلح إلا أن تصاغ شروطه في قالب الإنصاف وتبادل الرضا ~~والموافقة، وهذه هي مواد المعاهدة التي أعرضها للقبول والإبرام: # المادة الأولى: # يتقرر السلام الدائم مع الحب والصداقة بين الطرفين مدام ~~بريون، ومستر فرنكلين. # المادة الثانية: # لدوام هذه العلاقات تقبل المدام من جانبها أن يكون مستر ~~فرنكلين على استعداد لتلبية الدعوة كلما خطر لها أن تدعوه ~~إلى حضرتها. # المادة الثالثة: # على مستر فرنكلين أن يبقى بعد حضوره طالما سمحت له ~~بالبقاء. # المادة الرابعة: # إذا وجد معها فعليه أن يتناول الشاي، وأن يلعب بالشطرنج، ~~وأن يستمع إلى الموسيقى، وأن يستجيب لكل أمر يصدر إليه من ~~جانبها. # المادة الخامسة: # عليه ألا يحب امرأة قط غيرها. # المادة السادسة: # والمذكور فرنكلين يتعهد من جانبه أن ينصرف من عندها حين ~~يشاء. # المادة السابعة: # ويتعهد المذكور أيضا بالتغيب كما يشاء. # المادة الثامنة: # وأن يفعل ما يشاء حين يكون ms113 في حضرتها. # المادة التاسعة: # وألا يحب امرأة أخرى إلا بمقدار ما عندها من دواعي ~~المحبة. # وأرجو أن أسمع رأيك في هذه القواعد المبدئية، وفي رأيي أنها أصدق تعبيرا ~~عن المقاصد والنيات التي يرضاها الطرفان من أكثر المعاهدات، وبودي أن ألح ~~وأصر على قبول المادة الثامنة، وإن لم يكن أملي عظيما في قبولها، وكذلك ~~ألح وأصر على قبول المادة التاسعة، وإن كنت على يأس من لقاء المرأة التي ~~تستولي مني على حب يضارع حبي إياك أيتها الصديقة الغريرة العزيزة. # 4 # للمخلص ب. ف. # بين العلة والمريض # وكان السيد بريون قرين السيدة بريون يشكو مرض النقرس الذي أصيب به فرنكلين وحاول ~~كعادته أن يلطف ألمه باستخراج العبرة منه، فكتب الحوار الآتي مع رسالة إلى السيدة ~~للتسرية عن قرينها في مرضه، وتكلم عن النقرس بضمير المؤنث وسماه السيدة على سبيل ~~التهكم، فترجمناه بأم النقارس لتصوير العلة في هذه الصورة بقدر المستطاع: # فرنكلين ~~: # آه. آخ. يارب. ماذا تراني صنعت كي أستحق هذه الآلام القاسية. # أم النقارس ~~: # صنعت كثيرا. أكلت أكلا لما، وشربت شربا جما، واستسلمت لكسل قدميك ~~فتركتهما في متعة الراحة الزمن الطويل. # فرنكلين ~~: # من ذا يكلمني؟ # أم النقارس ~~: # إنني أنا نفسي أم النقارس. # فرنكلين ~~: # عدوي بعجره، وبجره. # أم النقارس ~~: # لست بعدوك. # فرنكلين ~~: # بل عدوي المبين؛ فإنك لا تقنعين بقتل جسدي بآلامك المبرحة وحسب، بل أراك ~~تعملين على تشويه سمعتي الحسنة، وتتهمينني بالنهم والإدمان، وكل من عرفني ~~فقد عرف أنه ما من أحد قط رماني بهذه التهمة وزعم أنني أفرط في الطعام أو ~~الشراب. # أم النقارس ~~: # ليحكم الناس كما يحبون، فما أكثر مجاملة الإنسان لنفسه في هذه الأيام! ~~وما أكثر مجاملة الأصدقاء للأصدقاء! إلا أنني أنا أعلم أن الطعام الذي لا ~~يحسب كثيرا، وأن الشراب الذي لا يحسب لذلك بالنظر إلى إنسان كثير الحركة، ~~لهو الإفراط بعينه حين يتعاطاه رجل قليل الحراك. # فرنكلين ~~: # إنني، آه، آخ، إنني أتريض جهد ما أستطيع يا سيدتي أم النقارس، وإنك ~~لتعلمين طبيعة حياتي «القاعدة»، فكان في وسعك يا ms114 سيدتي أم النقارس أن تحسبي ~~حسابها، وتعفيني من الألم بعض الإعفاء؛ إذ لم تكن غلطتي أنا أن أعمل في ~~استقرار. # أم النقارس ~~: # أبدا، إن منطقك ولباقتك عبث ضائع، ومعاذيرك لا تساوي قطميرا في هذا ~~المقام، فإنك إذا كان عملك ساكنا مستقرا فقد وجب أن تكون رياضتك ~~وتسلياتك متحركة ناشطة، عليك أن تخرج للرياضة على قدميك أو على ظهر جواد، ~~وإذا عز عليك الوقت فتريض بلعب البليار، فتعال نحاسبك على منهج حياتك، وكيف ~~تتصرف في قضاء أوقاتك، يكون لديك الكفاية من الوقت بعد منتصف النهار وعند ~~الأصيل، فماذا تراك تصنع في هذه الساعات؟ إنك بدلا من شحذ الرغبة في ~~الطعام بالرياضة الصالحة تدأب على تسلية نفسك بقراءة الكتب، والرسائل، ~~والصحف التي لا تستحق في كثير من الأحيان أقل التفات. ثم تتناول الغداء ~~الفخم، وتجرع أربعة أكواب من الشاي والقشطة مع قدتين من الخبز والزبدة ~~عليها قطعة من لحم البقر مما لا يحسب فيما أرى من الطعام اليسير الخفيف على ~~البطون. ثم تذهب إلى مكتبك على الأثر حيث تكتب أو تتحدث إلى الذين يزورونك ~~في شئون العمل، وتمضي على ذلك إلى الساعة الواحدة دون أن تروض بدنك أقل ~~رياضة على أنني قد أغفر لك هذا؛ لأنه كما تقول من طبيعة عملك القرير، ولكن ~~تعال نسألك ماذا تصنع بعد الغداء؟ إنك بدلا من التمشي في حدائق أصحابك ~~الذين تتغذى عندهم كما يصنع أولو الفهم والفطنة، ترسخ على المقعد أمام ~~الشطرنج حيث يستطيع من شاء أن يراك مستطردا في اللعب ساعتين أو ثلاث ~~ساعات. وتلك هي رياضتك الأبدية، وهي أقل الرياضات موافقة لأصحاب العمل ~~القرير؛ لأنها لا تساعد حركة الأخلاط البدنية، بل تتطلب الثبات والانتباه ~~الطويل الذي يعطل تلك الحركة، وكذلك تتلف بنيتك بالاستغراق في تلك اللعبة ~~التعسة، فكيف يتوقع أحد أن يعيش تلك العيشة دون أن تركد أخلاط بدنه وتتعرض ~~للفساد، ويصبح البدن من جراء ذلك عرضة لجميع الأدواء العضال إن لم أحضر ~~إليك - أنا أم النقارس - بين حين وحين كي أهيج أخلاطك ms115 فأصفيها أو أنقيها. ~~ولو أنك في زاوية من زوايا باريس بين الأزقة التي لا تتخللها طرق الرياضة ~~تقضي في لعب الشطرنج، لجاز لك أن تتمحل تلك المعاذير، ولكنك تفعل هذا في ~~باسي، وفي أوتيل، وفي مونمارتر، وفي إيباني، وفي سانوا حيث تكثر الحدائق ~~والمنازه والنساء، وينطلق الهواء النقي والأحاديث الممتعة النافعة، وتستمتع ~~بذلك كله وأنت سائر على قدميك. غير أنك تهملها جميعا حبا لتلك اللعبة ~~التعسة لعبة الشطرنج. تعسا لك إذن يا سيد فرنكلين! إنني نسيت نفسي وأنا ~~ماضية في نصحك. فخذ الساعة هذه القرصة، وخذ معها تلك، وخذ. # فرنكلين ~~: # آه، آه، أوه، هات بربك ما شئت من نصائحك، بل من لواذعك، ولكن بربك لا ~~تزيديني من هذه التقويمات والتصحيحات! # أم النقارس ~~: # على النقيض يا صاح. لن أعفيك من هباءة منها؛ فإنها لمصلحتك. خذ! # فرنكلين ~~: # أوه، إيه، من الظلم يا سيدتي أن تقولي أنني لا أتريض، فإنني لآخذ رياضتي ~~في مركبتي حين أذهب إلى الغداء وحين أعود. # أم النقارس ~~: # تلك بين جميع الرياضات أقلها نفعا وأهونها حركة؛ إذ تهتز المركبة على ~~دواليبها ولا زيادة. ولك أن تحكم على مبلغ الرياضة في الحركة بمبلغ ما ~~تحدثه تلك الحركة من الحرارة. فإنك إذا خرجت للرياضة في الشتاء وقدماك ~~باردتان لم تلبث ساعة حتى تشعر بالحرارة في قدميك وجميع أجزاء بدنك، وإذا ~~ركضت على ظهر الجواد، فأنت في حاجة إلى ساعات أربع للظفر بمثل تلك الحرارة، ~~ولكنك إذا جلست في مركبتك فربما قضيت اليوم كله وانتهيت إلى قرارك وأنت ~~بارد القدمين. فلا تخدعن نفسك إذن وتقضين نصف ساعة في مركبتك، ثم تسمينها ~~رياضة، وما منح الله كل من هب ودب مركبة يمتطيها، ولكنه منح كل إنسان قدمين ~~أكمل، وأجمل، وأنفع، فاجعل من شكرك لله على هذه المنحة أن تستخدمها وتنتفع ~~بها. وفي وسعك أن تعرف كيف تتحرك أخلاط الجسم وأنت تتنقل من مكان إلى مكان. ~~فلاحظ أنك حين تمشي على قدميك ينتقل ثقل جسمك كله دواليك تارة إلى الجانب ~~الأيمن وتارة إلى الجانب ms116 الأيسر وتضغط هذه الحركة على عروق القدم وتدفع ~~منها ما تحتويه، ويتسع الوقت لامتلاء العروق مرة أخرى ريثما يتم التحول من ~~قدم إلى قدم، فيتم بذلك انتظام الدورة في الجسم، ومن هنا تأتي الحرارة التي ~~تنشأ في لحظة من الزمن، وتنشط الأخلاط وتجري الأمزجة مجراها فيجري كل شيء ~~على ما يرام؛ تحمر الوجنتان، وتتمكن العافية. # ولتنظر إلى صديقتك في أوتيل - تلك المرأة التي تلقت من الطبيعة نصيبا من ~~العلم الحق أوفر من أنصباء ستة منكم أدعياء الحكمة الذين يقتبسونها من ~~الكتب، فإنها حين تنوي أن تشرفكم بزيارتها تمشي على قدميها من الصباح إلى ~~المساء، وتدع أمراض الكسل كلها تتوزع بين خيلها، فانظر كيف تحافظ على صحتها ~~بل على محاسنها، وأنتم تنوون زيارة أوتيل ففي المركبة تذهبون، ولا فرق بين ~~المسافتين: من أوتيل إلى باسي، أو من باسي إلى أوتيل. # فرنكلين ~~: # إنك تضجرينني بهذا الجدل. # أم النقارس ~~: # صدقت، سأمسك لساني وأمضي في أداء واجبي، خذ هذه الوخزة، وخذ هذه، ~~وخذ. # فرنكلين ~~: # أوه، أوه، لا بل تكلمي، تكلمي، أتوسل إليك تكلمي. # أم النقارس ~~: # كلا، إن عندي حفنة من الوخزات حصتك في هذه الليلة، والبقية إلى ~~الغد. # فرنكلين ~~: # رباه، هذه هي الحمى، لقد هلكت، ألا يوجد أحد يحمل عني هذه الآلام. # أم النقارس ~~: # اطلب هذا من خيلك. فإنها تتعب لتمشي في مكانك. # فرنكلين ~~: # ما أشد قسوتك، تعذبينني كل هذا العذاب لغير سبب. # أم النقارس ~~: # أما لغير سبب فلا، وإن لدي لثبتا وافيا أحصي فيه جميع خطاياك في حق ~~صحتك، وكلها مسطرة في وضوح، وما من وخزة تتلقاها مني إلا وعندي عليها ~~برهان. # فرنكلين ~~: # اقرئيه إذن. # أم النقارس ~~: # إنه شرح يطول، وسأريكها بعرضها عليك. # فرنكلين ~~: # افعلي، فكلي أسماع. # أم النقارس ~~: # أتذكر كم مرة عزمت على التمشي في غاب بولون، أو حديقة الصيد، أو حديقتك ~~وانثنيت عن عزمك، تزعم تارة أنه برد، وتارة أنه حر، وفي ساعة أخرى أنها ~~ريح، أو أنها رطوبة، أو أنها ما لست تدري ماذا من التعديلات؟ تزعم ذلك وما ~~في ms117 كل أولئك من سبب إلا السبب الوحيد: وهو أنك كسلان! # فرنكلين ~~: # أعترف بأن هذا يحدث، لعله عشر مرات في كل سنة. # أم النقارس ~~: # اعتراف أبتر، والحق أنه يتضاعف مائة مرة وتسعا وتسعين. # فرنكلين ~~: # أيمكن هذا؟ # أم النقارس ~~: # نعم ممكن؛ لأنه واقع، ولك أن تطمئن إلى صدق كل ما أقول، وأنت تعرف حدائق ~~مدام بريون، وتعلم أنها ما أصلحها للسير فيها، إنك تعرف الدرج الذي تعد منه ~~مائة وخمسين من الأرض إلى المرتقى الأعلى، وإنك لتزور هذه الأسرة المحبوبة ~~مرتين كل أسبوع فيما بعد الظهيرة، وإنك لأنت القائل: إن «التمرين» على صعود ~~الدرج ونزوله أكبر من التمرين على المشي في السهول. فما كان أجمل الفرص ~~التي تتيح لك أن تجمع بين هذا التمرين وذاك التمرين. فهل انتفعت بهما؟ وكم ~~مرة يا ترى؟ # فرنكلين ~~: # لا أقدر على الجواب الصحيح عن هذا السؤال. # أم النقارس ~~: # إذن أتولى أنا الجواب عنك، ولا مرة! # فرنكلين ~~: # ولا مرة؟ # أم النقارس ~~: # نعم ولا مرة؛ ففي أيام الصيف الماضي الجميل وصلت ثمة عند الساعة السادسة، ~~ووجدت ثمة تلك السيدة المليحة وأطفالها الحسان وأصحابها جميعا على استعداد ~~لمزاملتك في السير وإمتاعك بأحاديثهم الرائقة. فماذا صنعت؟ جلست على الشرفة ~~وأثنيت على المنظر الجميل، وعاينت جمال الحدائق من تحتك ولم تخط خطوة واحدة ~~لتهبط إليها وتسير فيها، وعلى نقيض ذلك طلبت الشاي ورقعة الشطرنج ورسخت في ~~مجلسك حتى الساعة التاسعة، ولعبت نحو ساعتين بعد تناول الطعام، ولم تعد بعد ~~ذلك إلى منزلك مشيا كي تتحرك بعض الحركة، بل عدت إليه جالسا في مركبتك. ~~فأية حماقة تلك التي تسول لك أن تظن أنك مع هذا الشطط تملك صحتك بغير زاجر ~~مني. # فرنكلين ~~: # الآن أومن بصواب ما قال ريتشارد المسكين حيث يقول: إن ديوننا وخطايانا ~~أكثر مما نحسب. # أم النقارس ~~: # ذلك حق، وهكذا أنتم معشر الفلاسفة تملئون أفواهكم بالحكمة، وتعملون عمل ~~الجهلاء. # فرنكلين ~~: # ولكن أتراك تعدينها من جناياتي، أنني عدت بالمركبة من عند مدام ~~بريون؟ # أم النقارس ~~: # بكل يقين، لأنك قضيت اليوم جالسا ms118 ولا يسعك أن تزعم أنك قد تعبت من الجهد ~~والمشقة، أو أنك في حاجة إلى الترفيه عنك بالجلوس في المركبة. # فرنكلين ~~: # فماذا تقترحين إذن، وماذا ترين أن أصنع بمركبتي؟ # أم النقارس ~~: # احرقها إن شئت، إنها تعطيك على الأقل شيئا من الحرارة وهي محترقة! وإن ~~كانت هذه النصيحة لا تروقك فإني باذلة لك غيرها. انظر إلى الفلاحين ~~المساكين الذين يحرثون الأرض في الكروم والحقول حول قرى باسي، وأوتيل، ~~وشايوت. إنك سترى كل يوم بين هؤلاء الخلائق المساكين خمسة أو ستة من الشيوخ ~~أو العجائز قد انحنت ظهورهم ورزحوا تحت وقر السنين في الكدح والمشقة، وهم ~~بعد العمل المجهد طوال اليوم يمشون ميلا أو ميلين كي يصلوا إلى أكواخهم ~~المصدعة، فمر سائقك أن يدعوهم إلى المركبة ويحملهم إلى بيوتهم، فإنه لعمل ~~صالح تدخره لنجاة روحك، ولئن عدت في الوقت نفسه على قدميك من عند السيدة ~~بريون ليكونن ذلك عملا صالحا تدخره لجسدك. # فرنكلين ~~: # آه، ما أثقل حديثك! # أم النقارس ~~: # نعود إذن إلى شغلنا. فلتذكر دائما أنني أنا طبيبتك خذ هذه! # فرنكلين ~~: # آه، أوه، يا لك في طبك من شيطانة! # أم النقارس ~~: # إنك لتنكر الجميل إذ تقول ذلك عني. ألست قد أنقذتك من الشلل بالقيام على ~~تطبيبك؟ ألست قد أنقذتك من أدواء الاستسقاء أو الفالج التي كانت وشيكة أن ~~تقضي عليك لو لم أمنعها. # فرنكلين ~~: # أعترف بذلك، وأشكرك على ما أسلفت، ولكني أرجوك الآن بربك أن تفارقيني ~~فراق الأبد؛ فقد يلوح لي أن الموت أهون من علاج فيه مثل هذا الوجع، واذكري ~~كذلك أنني كنت صديقك، وأنني لم أدع أحدا لمصارعتك ومنازعتك لا من الأطباء ~~ولا من الرقاة والممخرقين، فإن لم تفارقيني الآن فأنت خليقة كذلك أن تتهمي ~~بالجحود. # أم النقارس ~~: # لا أخالني شاكرة لك كثيرا على هذا؛ فإنني لأهزأ بالرقاة والممخرقين، ~~وإنهم لقادرون وعاجزون عن المساس بي في كثير أو قليل. وكم من طبيب حق ~~الطبيب يعرف أخيرا هذه الحقيقة التي تقول له: إن النقرس ليس بالداء، ولكنه ~~ضرب من الشفاء، ولا ms119 لزوم لتعويق أسباب الشفاء، ولنرجع - بعد - إلى عملنا، ~~خذ هذه. # فرنكلين ~~: # أوه آه، سألتك بالله إلا ما تركتني وأنا واعدك منذ اليوم ألا ألعب ~~بالشطرنج، وألا أدع الرياضة كل يوم، وأن ألزم الاعتدال مدى الأيام ~~والليالي. # أم النقارس ~~: # أعلم أنك ستفعل، وأنك تعد الوعود الجميلة وما تلبث بعد أشهر قلائل في ~~الصحة والعافية أن تعود إلى عاداتك ومألوفاتك وتذوب وعودك الجميلة، كما ~~ذابت ثلوج السنة الغابرة. فلنعد إلى حسابنا ولنوازن بين كسبنا وخسارتنا، ثم ~~إني بعد ذلك تاركتك على يقين من الرجعة إليك في الوقت اللازم وفي المكان ~~الملائم، فإنه لمن مصلحتك، وإنني لك كما تعلم لنعم الصديق! # 5 # الرفق بالحيوان # وكتب فرنكلين إلى السيدة هلڤيتس # Helvétius # قرينة ~~الفيلسوف المعروف رسالة بلسان قططها حين علم أنها تنوي أن تتخلص منها بمشورة بعض ~~أصدقائها من القسس؛ لأنها تغير على أقفاص الطير التي تربيها في قصرها، فأرسل إليها ~~هذه العريضة بلسان القطط تتوسل إليها أن تبقي عليها. فقال: # حضرة السيدة النابهة العلية الشأن والمقام # بلغتنا الساعة نبذة من خبر مرعب نغص علينا سعادتنا التي ننعم بها في ~~حظائر الطير والغاب لديك. بلغنا أنك لما سمعته من بعض الوشايات من أعدائنا ~~(الأب موريليه ، والأب روس) قد حكمت علينا بالنفي، وأننا سنعتقل بوسيلة ~~شيطانية، ونحبس في باطية، ويقذف بنا إلى أعماق النهر، حيث نترك فيه لرحمة ~~الأمواج، وإننا لنسمع في هذه اللحظة التي نكتب فيها هذه العريضة المتواضعة ~~ضربات المطارق في أيدي الحوذية الذين عهد إليهم بصنع الآلة الجهنمية التي ~~فيها هلاكنا. # ولكن - سيدتنا علية الشأن - أتسمحين أن يقضى علينا هكذا دون أن يستمع ~~للدفاع من جانبنا؟ وهل تريننا وحدنا من الذين تطعمينهم وتغذينهم نحرم ما في ~~صدرك الحنون من العطف والشفقة؟ إننا نرى يدك الكريمة كل يوم تطعم مئات ~~الفراخ، والكنار، والحمائم التي لا عداد لها، كما تطعم عصافير الجيرة ~~أجمعين، وأسراب الشحارير في غاب بولون، بل تسخو بالطعام والشراب حتى للكلاب ~~في هذه الرحاب، فهل نحن وحدنا نحرم هذه الخيرات من يدك ms120 ولا يكفينا هذا، بل ~~نصبح دون غيرنا هدفا للقسوة التي لا مكان لها بين مآثرك وسجاياك؟ كلا، إن ~~سجاياك التي انطوت عليها فطرتك البارة ستعيد إلى قلبك من عواطف الحنان ما ~~هو أشبه بهذا الحنان. # وا أسفاه! ما هي جرائمنا التي اجترحناها؟ إننا نتهم - وما أكثر ما تفعله ~~الوشايات والتهم - أننا نأكل الفراخ الصغار، ونغير من حين إلى حين على ~~الحمائم، ونرقب طيور الكنار حتى تدنو منا فنقبضها وندع الفيران تعيث في ~~دارك آمنة مطمئنة! # لكن هل يكفي مجرد الاتهام للإدانة بالإجرام؟ إننا لنستطيع أن ندحض هذه ~~التهم جميعا في غير عناء، وينبغي أولا ألا ننسى أنها لا تقوم على بينة أو ~~برهان. # فإذا سلمنا أن هناك بقية من أجل الحمائم وريشها تقدم في معرض البينة على ~~إدانتنا، فهل تصلح هذه البينة للإدانة أمام محكمة من المحاكم على وجه الأرض ~~كلها؟ # إن الجرائم يخلقها العوز، والحاجة، ونحن بحمد الله في رحابك ثماني عشرة ~~قطة ننعم بالخير الجزيل، ولا نشعر بالعوز ولا بالحاجة؛ فهل يعقل مع هذا أن ~~نخدش اليد التي تطعمنا؟ ألم تبصري بعينيك فراخك تدنو منا، وتأكل معنا في ~~صحافنا، ولا تعترضها حركة مسيئة من جانبنا؟ وإذا قيل لك أننا لا نلتهم ~~الفراخ ونحن نحس رقابة الأعين علينا، وإننا تحت جنح الظلام نجترح ما نجترح ~~من جرائمنا، فإنما هم أعداؤنا الذين يستترون بجنح الظلام لافتراء الأقاويل ~~علينا، ويحق لنا أن نرميهم بذلك؛ لأنهم ينسبون إلينا الجرائم الليليلة التي ~~يدحضها مسلكنا في وضح النهار. # وقد يقول أعداؤنا: إن حظائر سيدتنا العلية الشأن تكلفها خمسة وعشرين ~~لويزا ذهبا (أي ستمائة ليرة في العام) وإنها لا تأكل منها أكثر من خمسين، ~~يحسب ثمن الواحدة باثنتي عشرة ليرة لحسن تدبيرها وعنايتها بنفقتها، فأين ~~تذهب البقية يا ترى؟ # ولنا أن نسأل أولا، هل عدت الفراخ وسلمت إلينا فنحن مسئولون عنها؟ وهل ~~نحن دون غيرنا موضع الشبهة بين أولئك الأعداء المحيطين بها وأولهم أبناء ~~آدم وحواء الذين يخالون أن الفراخ لم تخلق في هذه الدنيا ms121 إلا ليأكلوها؟ في ~~كل يوم من أيام الآحاد يقدم على باب غاب بولون وفي منتديات أوتيل مئات من ~~صحاف اللحم المفروم. أفلا يجوز أن يكون بعض فراخك قد تسرب في لطف إلى تلك ~~المنتديات؟ إن كان ذلك كذلك، فلم نكن نحن يقينا من يتولى تسليمها إلى ~~أصحاب المطاعم والحانات. # وبعد، فنحن لا نريد أن نقف موقف الاعتذار لسارقي الدجاج، ولكنك - سيدتنا ~~- تسمحين لنا أن نلاحظ أن فراخك على اختلاف الأسباب التي تنقصها وتقلل من ~~عددها، إنما يجري هذا النقص فيها على سنن الطبيعة، ويعود عليك بالراحة ~~والرضا؛ لأنه يحد من تكاثر نوعها وزيادتها على مقدارها، ولو أنها تركت تنمو ~~وتتكاثر بغير حد مقدور لم يبق في رحابك متسع لها، ولم تترك لك فترة للراحة ~~من رعايتها. # أما الحمائم، فليسمح لنا أن نقول: إن فراخا عدة من نسل «كوكو» # 6 # قد غابت حقا، ولكن هذا - مع عطفك عليه إلى الحد الذي يبيح له ~~أن يحطم خزفك الغالي ما دام يلقط الحب من يدك - لن يرضيك عن ظلمنا واتهامنا ~~في غير بينة. فأين هو الدليل الذي يثبت علينا أننا اعتدينا على ولد واحد من ~~ذريته؟ وهل يحدث بين نوعنا ونوعه أن نتقارب ونتلاقى ؟ ألا يزال على نأيه عنا ~~والتجائه إلى السقوف والقمم لاتقائنا مما يجيز لنا أن نغضب لكرامتنا؟ إننا ~~لنرجو أن نفتش حظيرة الغاب في الربيع القادم، ونحن كفيلون في حالة الكشف عن ~~جريمة من جرائم الغيلة أن نسلم الجناة إلى أيدي العدالة. لكن الحمائم ليست ~~مثلنا - نحن معاشر القطط المساكين - مرتهنة بالأرض التي ولدنا عليها، وقد ~~تلوذ بالهواء وتطير إلى مكان قصي غير هذا المكان، وربما غار بعضها من إيثار ~~فريق منها لديك على فريق، فغادرت الديار طلبا للمساواة في وكن جمهوري من ~~أوكان الطيور، مؤثرة هذا الفرار على البقاء في الديار، على مشهد من كبرياء ~~(كوكو) الثرثار. # أما التهمة التي رمينا بها من أجل طيور الكنار، فإنك لترين عفوا بغير ~~عنت أنها محض سخافة وتلفيق؛ فإن فتحات القفص الكبير ms122 الذي تقيم فيه أضيق من ~~أن تتسع لمدخلنا، وربما خطر لنا من باب اللعب واللهو أن نزج بأيدينا ~~خلالها، فلا نقدر على إخراجها بعد ذلك بغير جهد ومشقة، وقد يحدث أحيانا أن ~~نسري عن أنفسنا بالنظر إلى تلك الخلائق الصغيرة البريئة، ولا نذكر أننا ~~ندين أنفسنا بإهدار قطرة واحدة من دمها. # ولسنا نحاول أن ندافع بمثل هذا الدفاع عن أنفسنا فيما يخص العصافير، ~~والشحارير، والزرازير التي نتمكن من اقتناصها، إلا أننا نسوق في مساق ~~المعاذير أن عدوينا الأبوين طالما اشتكيا هذه الطيور، واستنكرا منها تلك ~~المتالف التي تصيب بها أشجار الكراز والثمرات، وكثيرا ما سمعنا الأب ~~موروليه يصب اللعنات على الشحارير، والزرازير التي تغير على كرومك بغير ~~رحمة، وتصنع مثل صنيعه بتلك الكروم، ونحن نرى - سيدتنا علية الشأن - أن ~~العنب أهل لأن تأكله الشحارير كما تأكله الآباء، وأن حملتنا على النابهين ~~المجنحين تذهب سدى إن كنت مع هذا تشجعين النابهين بغير ريش على انتهاب ~~أضعاف ما ينتهبه المجنحون. # وإننا لنعلم أننا متهمون كذلك باقتناص البلابل التي تغرد تغريدها الجميل ~~كما يقولون، ولا تنتهب شيئا من البستان. ويجوز أننا من حين إلى حين نطرف ~~حلوقنا بلقمة سائغة من هذا النصيب، ولكننا نؤكد لك أننا نفعل ذلك عن جهل ~~منا بعطفك على هذه الفصيلة، وأنها لمشابهتها بعض العصافير، والزرازير ~~الأخرى يلتبس علينا الأمر بينها، ولا ندعي لأنفسنا من الخبرة بفن الموسيقى ~~ما نفرق به بين الزقاء والغناء، فنأكلها ونحن نحسبها من تلك الزمرة ~~المستباحة لنا. وقد سمعنا من قطة عند الموسيقار بيشيني Piccini # أن الخلائق التي لا تحسن من الأصوات غير المواء، ~~لن تكون حكما خبيرا بأصوات الغناء، وعلى هذا نعول في تسويغ ذلك ~~«الاعتداء». # على أننا منذ اليوم سنبذل غاية الوسع في التمييز بين الجلكيين؛ وهم ~~العصافير، وبين البشينيين؛ وهم البلابل فيما يروي العارفون، # 7 # ولا نلتمس إلا العفو عن خطئنا إذا اتفق في جولة من جولاتنا بين ~~الأعشاش أن نعثر على طائفة من البشينيين لم ينبت لها الريش بعد ولم ms123 يسمع ~~لها صوت في الغناء، فلا تميز بينها وبين طائفة الجلكيين. # وخاتمة التهم التي نرمى بها - سيدتنا علية الشأن - أننا نترك دارك عرضة ~~لذلك الجيش من الفيران يغير عليها في أمان، ويقال: إنها تقرض المقادير ~~الجمة من السكر، والحلوى، وتعدو على كتب علمائك وحكمائك وتجترئ حتى على قرض ~~أخفاف وصيفتك القديمة الآنسة لويلييه وهي تلبسها وتمشي فيها. # ويقال في سياق الاتهام: إن العناية الإلهية التي ترعى جميع خلائقها في ~~الحقيقة على السواء لم تخلق القطط إلا لاصطياد الفيران، فإن هي قصرت في هذه ~~المهمة فلا جزاء لها على التقصير في رسالتها الإلهية غير الإغراق. # والحق - يا سيدتنا العلية الشأن - إنه لمن أيسر الأمور أن تنكشف هذه ~~التهمة عن أهواء أعدائنا وأغراضهم الشخصية، فإن السيد كابانيس نزيل قصرك ~~الذي لا يزال على استعداد لاختلاس قالب من السكر كلما سنحت له الفرصة، لذو ~~مصلحة عظيمة في إقناعك بجسامة جشع الفيران كلما قرضت قطعة من السكر، أو ~~شرعت في لحس قدر من المربى قبل أن يصل إليها، غير أنه يفتر عن القسوة - لا ~~عن الغرض فحسب - إذ يقضي علينا بالموت؛ لأننا لا نحول بين تلك الخلائق ~~الصغار التي تغتنم ما تقدر عليه من الفرصة لاستغلال خطة النهب التي يقترفها ~~- على جلالة قدره - كل يوم بغير أسف وبغير ندم، أفي وسعه يا ترى أن يشتط في ~~قسوته وراء هذا الشطط لو أننا نحن كنا مثله ومثل الفيران من آكلات السكر ~~والمربى؟ ألا يظهر من هذا جليا أن النهم وحده هو الذي يوحي إليه بمثل تلك ~~البواعث النفسية المنكرة، وهل تسمحين أنت أن تفسحي لها مكانا في صدرك ~~الحنون؟ # أما كتب الأب دي لاروش وزميله العالم الآخر الذي اطلعنا على خطابه في ~~الأكاديمية في صحيفة لففت بها الرقائق التي أنعمت بها علينا من لحم العجل، ~~فأي ضرر يا ترى في إقدام الفيران على قرضها من حين إلى حين؟ وما هي جدوى ~~ذلك الاطلاع الواسع على أولئك العلماء؟ أفما يحق لهم أن يعلموا - وقد عاشوا ~~معك ms124 - أنه لا جدوى من كل معرفة؟ إنهم يعلمون أنك طيبة خيرة بغير اطلاع على ~~المقولة في أصول الأخلاق، ويعلمون أنك مليحة الشمائل بغير اطلاع على كتاب ~~مسجلنا التاريخي منكريف الذي سماه صناعة الإرضاء والإعجاب، ويعلمون أنك ~~سعيدة بغير اطلاع على مقولة السعادة التي ألفها التعس موبرتويس # Maupertius ~~. وإنهم لشهود يوميون على مبلغ ~~جهالتهم وهم العلماء بكل تلك المعارف عاجزون عن تحصيل تلك المعرفة التي ~~تعرفينها جيدا، وهي القدرة على الاستغناء عن كل معرفة، إن علمك بالهجاء ~~كعلمنا، وإن خطك يشبه كثيرا أنابيش أيدينا، وإنك تخطئين في هجاء كلمة ~~السعادة، ولكنك تستمتعين بالشيء نفسه، دون أن تعلمي كيف تكتب حروفه، تلك ~~المتعة التي لا يقدرون هم - مع كل ما عندهم من الكتب - أن يستخرجوها من ~~صحائفها. وأنت بعد تفيضين عليهم من عظمة جهالتك ما يحيط بهم ويطويهم بين ~~أكنافها. فليس في مستطاع الفيران كما أثبتنا بالبرهان أن يصيبوهم بضرر ~~بليغ. وأما أخفاف الوصيفة، فإن الفيران لم تكن لتدركها لو لم تكن الوصيفة ~~تمشي كأنها نائمة، والعجب منك - سيدتنا - أن تقضي علينا بالموت لأن وصيفتك ~~تمشي بخطوات حلزون. # وهذه البراهين على قوتها ليست هي عذرنا الوحيد بين يديك من التلف الذي ~~توقعه الفيران بما في دارك . آه أيتها السيدة العلية الشأن، بأي ضمير يجوز ~~اتهامنا في حين نراك أنت تصحبين كلبيك المتعطشين إلى دمائنا، فلا نجترئ على ~~الاقتراب منك لأداء واجب التحية التي تنبغي لسيدتنا؟ كلبان اثنان، يكفي هذا ~~يا سيدتنا وأنت لا يخفى عليك أنهما من نوع تربى على بغضنا ويملؤنا الرعب ~~كلما استمعنا إلى نباحهما على مقربة منا، كيف يجوز لأحد أن يظلمنا بالملام ~~إذا ابتعدنا عن الأماكن التي تقيم فيها حيوانات بهذه الضراوة وهذه الكراهية ~~المطبوعة لنا، وهذه القدرة على إهلاكنا، وهي طليقة لا يكبح لها ~~عنان؟ # ولو كان الخطب خطب الكلاب الفرنسية وحدها لأمكن أن تخف وطأتها ويهون ~~الخوف من ضراوتها، ولكنك تدخلين في خدمتك - على خلاف الأوامر من الرقيب ~~العام - كلبا من فصيلة البل دوج تأتين به ms125 من البلاد الإنجليزية التي ~~تكرهنا ضعفين؛ لأننا قطط، ولأننا فرنسيات، وحسبنا ما نراه كل يوم من أثر ~~بغضائه في ذنب أخينا المبتور لينوار # Le ~~Noir ~~، ~~ولا شك أن غيرتنا على خدمتك وأذواقنا التي ركبت على اشتهاء الفيران، كانت ~~قمينة أن تؤلف منا طوائف للصيد في مسكنك لو لم نكن منفيين منها بالخوف من ~~أولئك الأعداء الذين تبيحين لهم السيطرة عليها، فلا يلومننا أحد بعد الآن ~~على التلف الذي يحيق بدارك من غارة الفيران، ونحن على ما نحن عليه مجردون ~~من كل وسيلة لقمعها وإقصائها. # وا أسفاه! لقد ذهب ذلك الزمان، ذهب ذلك الزمان الذي كان ذلك القط الفاخر ~~بومبون Pompon # يسيطر على هذه الأماكن ~~جميعا، وينام في حجرك، ويضطجع على وسادتك، وكان ذلك الكلب زميرا الذي يسعى ~~اليوم سعيه لإسقاطنا يتزلف إلى ذلك المجدود الذي يحتل الآن مكانه. لقد كنا ~~يومئذ نجوس خلال الدار وأذنابنا مرفوعة في الهواء، وكان المرحوم بومبون ~~ينزل أحيانا إلى مشاركتنا في قسمة الأرانب التي كان صاحب الجلالة يبعث بها ~~إلينا عقب عودته من رحلات الصيد، وكنا في ظل تلك الحظوة الفاخرة نسعد ~~بالأمن والسعادة. # ونعود فنكرر الأسف على تلك الأيام التي خلت، وعلى العهد القططي الذي خلفه ~~هذا العهد الكلابي، وقد كانت الحظوظ حظوظنا في أيام دولته، فأما اليوم فكل ~~ما نملكه من العزاء أن نذهب إلى ضريحه، ونروي بدموعنا غصون البان التي ~~ترفرف على مثواه الأخير. # آه، أيتها السيدة العلية الشأن، لتكن ذكرى ذلك القط الحبيب باعثة في صدرك ~~على الأقل شيئا من الرأفة بنا، ونحن لا ندعي أننا من زمرته؛ لأنه كان ~~منذورا للعفة من صباه، ولكننا من نوعه على كل حال، ولا يزال طيفه يحوم حول ~~هذه البقاع، ويدعوك أن تنقضي ذلك الحكم الدموي الذي يتوعدنا، وكل ما تسدينه ~~إلينا من البقايا الصالحات موقوف منذ اليوم إلى أواخر أيامنا على المواء لك ~~بوفائنا الدائم، حافظين ذكراه إلى أبنائنا وأبناء أبنائنا جيلا بعد ~~جيل. # شواغل الشيخوخة # وكان الاقتصادي الإنجليزي جورج هويتلي صاحب كتاب ms126 أصول التجارة صديقا لفرنكلين ~~يهتم مثله بالمسائل الاجتماعية الإنسانية، فكتب إليه في الخامس عشر من شهر نوفمبر ~~سنة 1784 خطابا يعتب فيه على تأخير الرسائل، ويتناول فيه بعض المسائل التي تعرف من ~~جواب فرنكلين مايو سنة 1785 بعد نبذة وجيزة أرسلها إليه قبل ذلك، واستهل الجواب ~~المسهب بالاعتذار، وأتبعه بالرد على المسائل الأخرى، قال: # كتبت إليك بضعة أسطر منذ أيام ومعها الوسام، وكان ينبغي أن أكتب إليك ~~أكثر من ذلك لولا أنني فوجئت بفضولي شغلني إلى مساء ذلك اليوم، فاحتملته ~~جهدي، كما أرجو أن تحتملني جهدك الآن. فلعلي أفيض في ثرثرة الفضول بما أجيب ~~به الآن. # لا أعرف كلمة الفونس # Alphonsus # التي ~~أشرت إليها مستشهدا بها على صوابك في التشدد؛ إذ تأبى أن تتقبل علة ~~الشيخوخة عذرا من تأخير المراسلة. فما هي تلك الكلمة يا ترى؟ إنك على ما ~~أرى لا تشعر بالداعي إلى ذلك الاعتذار، وإن كنت كما قلت لي تصعد إلى ~~الخامسة والسبعين، لكنني أنا أصعد إلى الثمانين، أو لعلي أنحدر إليها، وأدع ~~الاعتذار إلى أن تبلغها أنت عسى أن تكون أدنى إلى قبوله والإيمان بصحته، ~~وتراه أنت صالحا للانتفاع به يومذاك. # وأوافقك على أن النقرس سيئ، وأن الحصاة أسوأ، وأحسبني سعيدا؛ لأنني لم ~~أجمع بينهما معا في وقت واحد، وأدعو معك أن تعيش وتودع الحياة بمنجاة من ~~هذه وذاك. إلا أنني أزعم أن صاحب القبرية التي أرسلتها إلي على خطأ فيما ~~أوصى بكتابته على قبره وهو: «لم يحفل مقدار ذرة أن يقول القائلون خيرا أو ~~شرا في ساكن هذه الحفرة»، فإنه لمن طبيعة الإنسان حيا أو ميتا أن يحب ~~ذكراه بالخير، ولا أخاله معفى من هذه الرغبة وإلا لما شغل نفسه بما يكتب ~~على قبره، ولقد كان - كما يظهر من قبريته - يحب أن يقال: إنه رجل ساخر من ~~أصحاب النكتة، أو ليس جديرا منه بمثل هذا الشغلان أن يقال: ما كان أصدقه ~~أو أطيبه من إنسان! وتعجبني أكثر من هذا خاتمة الأنشودة التي عنوانها أمنية ~~الشيخ التي ms127 يذكر فيها الناظم أنه يتمنى في الشيخوخة البيت الدافئ في بلدة ~~من بلاد الريف، والجواد الطيع، والكتب الممتعة، والرفاق الموافقين من ذوي ~~البشاشة والذكاء، وفطيرة في يوم الأحد، وقنينة من الجعة، وأخرى من خمر ~~برجندي إلى أن يقول ويعيد هذه المقولة في ختام كل قطعة: # وليتني أملك شعوري كالملك المطلق، وأزداد في الحكمة والخير كلما ~~نقصت قواي، ولا نقرس ولا حصاة، إلى أن تحين الوفاة. # ولقد أضاف إلى تلك الأماني أمنيته الأخرى قائلا: # وبالشجاعة التي لا تهن ولا تضعف ليتني أواجه اليوم الأخير، وليت ~~خيار الناس يقولون بعد اليقظة في الصباح أو بعد الشراب في المساء: ~~لقد ذهب بغير نظير؛ لأنه حكم شعوره حكم السادة المطلقين. # 8 # على أنها محض أمنية. وماذا تغني الأماني؟ إن الأمور لتجري كما يتفق لها. ~~وقد أنشدت ذلك النشيد ألف مرة في شبابي، ثم بلغت الثمانين فإذا بالمحظورات ~~الثلاثة قد اصطلحت علي، فتعرضت للنقرس، وللحصاة، ولم أملك شعوري كالملوك ~~المطلقين! وكأنني تلك الفتاة المترفة التي نذرت ألا يكون زوجها من طائفة ~~القسس، ولا من الكنيسة المشيخية، ولا من أبناء أيرلندا. فلما تزوجت إذا ~~بالثلاثة يجتمعون في واحد: قسيس أيرلندي من الكنيسة المشيخية. # وإنك لترى إذن أنني أتمنى - لسبب معقول - ألا أكون في الحياة الأخرى، كما ~~كنت في هذه الحياة وحسب، بل أفضل وأسعد ولو قليلا، ولي رجاء في ذلك لأنني ~~كشاعركم أومن بالله، ويؤيد هذا الرجاء أنني أرى في آيات خلقه دلائل القصد ~~والتدبير، وهي ظاهرة في إبداعه وسيلة التناسل والتجديد التي تعمر عالمه ~~بالنبات والحيوان بدلا من خلقها كل مرة من جديد، وظاهرة كذلك في جعل ~~الأشياء قابلة للرجوع إلى عناصرها الأولى؛ كي تصلح لاستخدامها في تركيب بعد ~~تركيب بدلا من خلق مادة جديدة في كل حين، وهكذا قد يتركب الخشب من التراب ~~والهواء والنار، ثم يعود بعد انحلاله ترابا، وماء، وهواء، ونارا، وكلما ~~نظرت فلم أر شيئا يفنى ولا قطرة ماء تضيع في الغمار لم يسعني أن أتصور ~~فناء الأرواح، ولا أن أعقل ms128 أنه يدع الملايين من العقول تزول، وينشئ في ~~مكانها عقولا أخرى بادئ ذي بدء كأول مرة. ولهذا أرى نفسي في الدنيا وأعتقد ~~أنني باق فيها على صورة من الصور، وإنني على كل ما في الحياة الإنسانية من ~~النقائص والنقائض لا أمانع في إخراج طبعة جديدة مني، على أمل في تصحيح ~~الأغلاط التي كانت تشوب الطبعة السابقة. # أعيد إليك مذكرتك عن الأطفال الذين تلقاهم ملجأ اللقطاء في باريس من سنة ~~1741 إلى سنة 1755، وقد أضفت إليها السنوات السابقة منذ سنة 1710 مع بيان ~~تسجيلات التنصير وإحصاء السنوات اللاحقة إلى سنة 1770، ولم أستطع العثور ~~على غير هذا الإحصاء، وفي الهامش ملاحظات على التدرج في الزيادة من اعتبار ~~الطفل عاشرا إلى اعتباره ثالثا بين المواليد. وقد مضت خمس عشرة سنة منذ ~~ذلك التاريخ، فلا يبعد أن النسبة قد وصلت اليوم إلى النصف! فهل من الصواب ~~تشجيع هذا النقص في حاسة العطف الطبيعية؟ إنني لقيت طبيبا هنا يتهم نساء ~~باريس بقلة الصبر أو قلة القدرة على الإرضاع، ويؤكد لي ذلك قائلا: إنك ~~تستطيع أن تعرف ذلك من النظر إلى صدورهن السوية! فليس فيها نمو أكبر من ~~النمو الذي تراه على ظهر كفي! ومنذ ذلك الحين يلوح لي أن كلامه لا يخلو من ~~الصدق، وأن الطبيعة أحست أنهن لم ينتفعن بالأثداء فكفت يدها عن ملئها، هذا ~~وإن تكن الحالة قد تغيرت بعض الشيء منذ تكلم روسو بفصاحته المعجبة عن حق ~~الأطفال في ألبان أمهاتهم، فأصبح بعض النساء من العلية يرضعن أبناءهن ويجدن ~~في أثدائهن اللبن اللازم للرضاع، وأسأل الله أن تهبط «البدعة» إلى الطبقات ~~الدنيا، فتبطل تلك العادة التي مردن عليها؛ عادة إلقاء الأطفال إلى الملاجئ ~~زاعمات في غير اكتراث أن الملك أقدر على تربيتهم وتموينهم منهن. # وقد اتصل بي من ذوي ثقة أن تسعة أعشارهم يموتون على الأثر مما يفرج عن ~~الملاجئ التي لا تكفي مواردها لولا ذلك للإنفاق على البقية. أما فيما عدا ~~النسوة القلائل من العلية اللائي أشرت إليهن، وفيما عدا غيرهن ms129 ممن يضعن ~~أبناءهن في المستشفيات، فالعرف الشائع أن يدعى بالمرضعات من الريف ليعهد ~~إليهن في تربية الأطفال هناك، وفي المدينة مصلحة تعنى بالكشف على المرضعات ~~وإعطائهن الشهادة التي تثبت صلاحهن لهذا العمل، وكثيرا ما نراهن عائدات ~~إلى قراهن يحملن طفلا على كل ذراع، ولكن الفئة التي تبلغ بها الطيبة أن ~~تربي أطفالها على هذا النحو قد تعوزها النفقة التي تكفي للتربية، وتمتلئ ~~السجون بالآباء والأمهات المقصرات في هذا الواجب، وإن يكن من العادات ~~المستحبة هنا أن يؤدي المحسنون غرامة أولئك الآباء والأمهات لتسريحهم من ~~السجون، وحبذا لو أفلح المشروع الجديد الذي يدبر الوسائل لتمكين الفقراء من ~~تربية أطفالهم في البيوت، إذ لا مرضع كالأم، أو لا كثير من المرضعات يغنين ~~غناءها، إن وجدن. ومتى بقي الطفل في حجر أمه أياما، ولم يعجلوا بإرساله ~~إلى الملجأ، تمكن حبه من قلوب أبويه وبذلا من الجهد فوق ما يبذلانه لكسب ~~الرزق والإنفاق عليه. وإنها لمسألة تعرفها أنت خيرا من معرفتي، فحسبي ما ~~ذكرت عنها الآن ولا أزيد عليه إلا ملاحظة مقتبسة من تاريخ مجمع العلوم تثني ~~على ملاجئ اللقطاء. # يسير مصرف فلادلفيا سيرا حسنا على ما سمعت، وما تدعوه معهد سنسناتي ليس ~~بمعهد من معاهد حكومتنا، بل جماعة خاصة ألفها الضباط في الجيش السابق ~~وتكرهها جمهرة الشعب من أجل ذلك حتى يغلب على الظن أنها ستنحل، وكان ~~المظنون أنها محاولة لإنشاء طبقة وراثية كطبقة النبلاء، وأوافقك على أنها ~~خطأ، ثم أزيد على ذلك أن كل «التشريفات» الموروثة خطأ وسخافة، فإنما الشرف ~~شرف الأعمال الفاضلة لمن يقوم بتلك الأعمال، وليس من طبيعته أن ينقل من ~~إنسان إلى إنسان، وإذا صح أن ينقل من وارث إلى وريث، وجب أن يقسم بين جميع ~~الوارثين، وقل نصيب كل وارث تبعا لتقادم العهد وازدياد العدد، ودع عنك ما ~~يحدث من الاقتضاب والانقطاع أثناء الطريق. # وظهر أن دستورنا - أو مواد اتحادنا - غير مفهومة لديك، فلو كان المؤتمر - ~~الكنجرس - هيئة دائمة، لكان من الخطر ودواعي الحذر تخويلها السلطان، غير أن ms130 ~~أعضاءها ينتخبون كل سنة، ولا ينتخبون ثلاث سنوات على التوالي ولا ثلاث ~~سنوات في خلال سبع سنوات، ويجوز على كل منهم أن يستعاد إذا كانت دائرته ~~الانتخابية غير راضية عن مسلكه، وكلهم من الشعب، ويعودون أخيرا إلى الشعب ~~بغير صفة دائمة تميزهم، إلا كما تمتاز حبات الرمل في الساعة الرملية، ومثل ~~هذه الجماعة لا يسهل أن تكون خطرا على الحرية العامة، وأعضاؤها خدام الشعب ~~يجتمعون معا لخدمة الشعب ورعاية مصالحه، فلا يتيسر لهم أداء واجباتهم ما ~~لم تكن لهم القوة الكافية لحسن أدائها، وليست لهم رواتب مجزية غير الأجور ~~اليومية التي قلما تساوي نفقاتهم، وهم لقلة حظوظهم من المناصب، والرواتب، ~~والمعاشات التي تعطى في بعض البلاد لا يدعو الأمر معهم إلى الدس أو الرشوة ~~أثناء الانتخاب. # وإنني لأتمنى لإنجلترا - العجوز - توفيقا كهذا التوفيق في نظام الحكومة ~~ولا أراه. فإن قومك يحسبون دستورهم أفضل الدساتير في العالم، ويظهرون ~~الازدراء بدستورنا، ولعله من أسباب الرضا أن يحسن الإنسان ظنا بنفسه، ~~وبكل ما ينتسب إليه، وأن نعتقد أن ديانتنا ومليكنا وربة بيتنا خير الديانات ~~والملوك وربات البيوت، ومما أذكره أن ثلاثة من جرينلاند ساحوا نحو سنتين في ~~أوروبا برعاية المرسلين المورافيين فزاروا ألمانيا، والدنمرك، وهولندا، ~~وإنجلترا، وسألتهم في فلادلفيا وهم قافلون إلى بلادهم الأمريكية عما إذا ~~كانوا بعد ما شاهدوه من معيشة الرجل الأبيض بصنع يديه يؤثرون البقاء بيننا؟ ~~فكان جوابهم أنهم مسرورون بما شهدوه من المناظر الكثيرة، ولكنهم يؤثرون ~~المعيشة بين قومهم، وفي ديارهم، وهي لعمرك أرض صخرية لم يجد المورافيون ~~بدا عن زيارتها من نقل الطين في سفينتهم من نيويورك لزرع الكرنب ~~فيها. # أشك فيما بلغ مستر دونالد عن تركيب النظارة التي اخترعتها لقوله أنها ~~تصلح لأناس دون آخرين. ويخيل إلي أن القول بأن التحديب الذي يصلح للقراءة ~~لا يصلح للنظر البعيد صواب، ولهذا كان لي من قبل نظارتان أبدل بينهما في ~~السياحة؛ لأنني أقرأ حينا وأحب التطلع إلى المناظر حينا آخر، ووجدت هذا ~~التبديل متعبا لا يسعفني في كل وقت، ms131 فقطعت الزجاج، ووضعت نصفا من كل نوع ~~في الحلقة الواحدة، واستطعت بهذه الوسيلة أن أدير بصري علوا أو سفلا مذ ~~كنت أستمر على وضع النظارة فوق عيني، ووافقني ذلك على الخصوص في مقامي ~~بفرنسا حيث وجدت أن النظارة التي تريني صحاف الطعام أمامي لا تريني وجوه ~~الجالسين على الجانب الآخر من المائدة وهم يتحدثون إلي. ولا يخفى أن ~~الأذن إذا لم تكن قد تعودت على تمييز لهجة الكلام في لغة من اللغات، فنظرة ~~العين إلى ملامح المتكلم تساعد على الإيضاح، وهكذا أصبحت أفهم الفرنسية ~~بمساعدة النظارات. # إني أرشح لترجمة رسالتك الشخص الوحيد الذي أعرف أنه يفهم الموضوع كما ~~يفهم كلتا اللغتين، وهذا عندي هو شرط المترجم، وإلا تعذر عليه إتقان ~~الترجمة، وهو الآن مشغول بعمل لا يمكنه من الاشتغال بترجمة الرسالة، وسيفرغ ~~منه قريبا. # أشكر لك تعليقاتك وأود لو أحصل على غيرها من الكراسات المطبوعة. # وإننا على الدوام مرحبون بالأطفال في أي وقت تشاء أن ترسلهم إلينا، وكل ~~ما ألاحظه أن لندن تستوعب عددا كبيرا من أبناء الريف، فمن الحق أن يتسع ~~الريف لمن يعرضهم من أولئك الأطفال، وهذا مع كثرة الذين ينزلون عن حريتهم ~~الإنسانية ليعملوا حينا عمل الخدم أو يعملوا طوال العمر عمل الجند - برهان ~~في نظري على ازدحام جزيرتكم، ومع هذا نراها تخاف من المهاجرة. # وداعا أيها الصديق العزيز، وإنني على الدوام صديقك المخلص. # الأعداء في الوطن # وكتب إليه صهره ريتشارد باخ يقول: إن آرثر لي ورالف ازداد من أهل بنسلفانيا ~~المقيمين في باريس يسوءون سمعته ويشهرون به لأنه اتخذ «تمبل» حفيده سكرتيرا له مع ~~أن أباه كان مواليا لبريطانيا العظمى، فأجابه فرنكلين بهذا الخطاب: # باسي في الثاني من شهر يونيو سنة 1779 # إنني مستريح البال من ناحية تلك المساعي التي يقوم بها «ل» و«ر» للإضرار ~~بي في العدوة الأخرى من المحيط، ومطمئن إلى عدالة المؤتمر - الكنجرس - وأنه ~~لن يصغى إلى تهمة توجه إلي دون أن أعلم بها قبل ذلك ويتسع لي الوقت ~~للإجابة عنها، وإنني لأعلم ms132 أن ذينك السيدين ينطويان لي على أسوأ النيات، ~~وإن لم أسئ إلى أحد منهما أو أمسه بما يسوغ له أن يشعر بالمساءة، غير أن ~~السمعة الكبيرة التي تحيط بي والمحبة التي ألقاها من القوم هنا، والتوقير ~~الذي يقابلونني به، بل التحيات التي يخصونني بها تحزن ذينك السيدين ~~التعسين؛ التعسين حقا بما اشتملت عليه طواياهما من الظلام، والحقد، ~~والغيرة، والشبهة، والحسد، والضغينة. وإن النفس الطيبة ليكفيها ما تجده من ~~الحزن لمصائب الآخرين. أما الذين يزعجهم كل حظ طيب يتملاه غيرهم، فلن ~~يسعدوا قط، ولن يستريح لهم بال، وليس بي من حاجة إلى الانتقام من أمثال ~~هؤلاء الأعداء غير أن أتركهم حيث أوقعتهم طبائعهم الناقمة مجتهدا أن أحافظ ~~على الخصال التي تجعلني أهلا للرعاية والتقدير، وكلما دامت لي السمعة التي ~~يحيطني بها الناس، أدمتهم في تلك اللعنة التي يتمرغون بها، ولا يخطر لي أن ~~أغير من خصالي كي أخفف عنهم بعض ما يعانون. # ويدهشني أن أسمع أن وجود حفيدي تمبل فرنكلين معي يستوجب النقمة مني ~~والسعي في إقصائه عني، وأحسب بحق أنني أحسنت بحمايتي هذا الفتى أن يصبح من ~~زمرة المحافظين الإنجليز وإبقائه إلى جانبي في زمرة خدام الجمهورية ~~الأحرار، وأرى من مبادئه الحرة واستقامة خلقه، ودأبه على العمل، وفطنته ~~المبكرة، وكفايته النادرة أنه وشيك أن يكون عظيم النفع لوطنه، وكفى أنني ~~فقدت ولدي، فهل يريدون فوق ذلك أن أفقد حفيدي؟ إنني شيخ في السبعين عمدت ~~إلى رحلة شتوية بإذن الكنجرس، وليس معي من يتولى العناية بي سواه، ولا أزال ~~هنا في بلد أجنبي يكلؤني برعايته البنوية إذا مرضت، ويغمض عيني ويحرس ما ~~عندي من بقية تراث إذا حم الأجل. # إن أدبه في معاملتي ونشاطه ودأبه في عمله يرضيني ويفيدني، وسلوكه في عمل ~~الأمانة على السر - السكرتيرية - لا غبار عليه، وإنني لواثق أن الكنجرس لا ~~يفكر في الفصل بينه وبيني. # وإنني كذلك لعظيم الغبطة بولدنا «بن» # 9 # وأراه خليقا أن يصبح رجلا ذا شأن. وقد انتفع من المدرسة ~~الداخلية التي هو فيها ms133 جهد ما ينتفع بالتعليم في تلك المدرسة، وقد فكرت في ~~المدرسة التي تفضلها بعد هذه الخطوة، فاستقر عزمي على إدخاله مدرسة أعلى ~~منها بمدينة جنيف، والفرصة حسنة؛ لأنني أعرف سيدا من أهل المدينة له ولد ~~في مثل سنه يتعلم في تلك المدرسة بعينها، وقد وعدني أن يتكفل برعايته ~~وتبادلت معه في هذا الصدد رسائل أبعث بها إليكم مع هذا الخطاب، وقد سافر ~~«بن» فرحا، وفهمت أنه سعيد جدا بهذه النقلة إلى المدرسة الجديدة. ولقد ~~أوحشني غيابه عني أيام الآحاد، وفي نيتي إذا عشت أن أذهب إلى سويسرا في ~~الربيع القادم؛ لأراه وأرى في الوقت نفسه تلك الولايات الثلاث عشرة العجوز ~~في البلاد السويسرية. # والحمد لله أنني ماض على صحة ورضا، وإنني أكبر وأشيخ، ولكنني فيما أظن لم ~~يصبني تغيير كبير في السنوات العشر الأخيرة، ويعاودني النقرس من حين إلى ~~حين، ولكنهم يقولون: إنه إلى العلاج أقرب منه إلى انحراف المزاج، والله ~~يبارككم ويتولاكم. # جواب على تحذير # وحذره هارتلي من أعدائه وأوصاه باتقاء الخطر على حياته، فكتب إليه فرنكلين كما ~~جاء في خطاب نشره حفيده يقول فيه: # شكرا لك على تحذيرك، غير أنني قاربت النهاية من عمر طويل، ولست أبالي ~~كثيرا بما بقي منها، وإنما هي عندي كالفضلة من الثوب يقول البائع للشاري ~~الذي يلح في المساومة عليها: خذها كما تريد أو بالثمن الذي تريده ولا خلاف ~~بيني وبينك عليها، فما هي إلا بقية، وربما كان أنفع شيء يصنع بالشيخ الذي ~~بلغ هذه المرحلة من العمر أن يحشر في زمرة الشهداء. # بيان عن خدمات وطنية # وكتب الرسالة التالية إلى شارل تومسون سكرتير الكنجرس على أثر إشاعة بلغته عن ~~أناس يزعمون أن الحكومة وضعت بين يديه أموالا كثيرة قد تأخر حسابها، وكانت الحقيقة ~~على عكس ذلك؛ إذ كان الكنجرس يرجئ حسابه ولا يعطيه ما استحقه بخدماته، ويسأل ~~فرنكلين صديقه عن الوسيلة المثلى لإنجاز المحاسبة وتوفية تلك الحقوق: # فلادلفيا في التاسع والعشرين من نوفمبر سنة 1788 # صديقي العزيز القديم # أرسل مع هذا خطابا ms134 إلى رئيس الكنجرس في الوقت الحاضر أرجو أن تراجعه ~~وتبلغني ما تراه إذا عن لك فيه ما يدعو إلى الملاحظة أو التنقيح، وإنني ~~أعتمد كثيرا على نصيحتك الأخوية؛ لأنك تعلم ما لست أعلمه عن الأشخاص ~~والأحوال، وأظن أن في الوقت متسعا قبل تأليف الكنجرس الجديد للتنقيح الذي ~~تشير به، على أن يكون تقديم الخطاب - إذا قدم - إلى الرئيس القديم. # وستجد في خطابي إلى مستر باركلي إشارة إلى «أعمال هامة لم أثبتها في حساب ~~الكنجرس، وأرجو من إنصافه أن يكون لها اعتبار في التقدير». ولكي تكون على ~~علم بهذه الأعمال أبعث إليك مع هذا الخطاب ببيان مجمل عن الخدمات التي قمت ~~بها للولايات المتحدة، ومنها أعمال نافلة لا تتصل بوظيفة السفارة، كعمل ~~القضاء في البحرية، وعمل القنصلية قبل وصول مستر باركلي، وعمل الصرف ~~لمراجعة قوائم المصارفة وسفاتجها، وعمل السكرتيرية عدة سنوات، وسائر هذه ~~الأعمال التي لم أتناول شيئا عنها، وكانت لها مكافآت ترسل إلى السفراء ~~الآخرين. # وأصارحك أنني آمل - كما جرت العادة في القارة الأوروبية - أن يمنح السفير ~~بعد اعتزاله منحة يستعين بها على إصلاح شئونه الخاصة التي لا شك أنها تصاب ~~بالضرر أثناء غيابه وانقطاعه عن مباشرتها في وطنه، ورجائي أن يتفضل الكنجرس ~~بمنحي قطعة من الأرض في أقاليم الغرب يستفاد بها وتبقى لذريتي شرفا وذكرى، ~~ولا أخال إلا أن الكنجرس صانع شيئا من هذا القبيل عند النظر في خدماتي ~~وأعمالي، كما أرى من تقديرهم السخي لخدمات مستر لي في إنجلترا قبل ذهابه ~~إلى فرنسا، وهي خدمات وأعمال كان لي ولمستر بولان # Bollan # معاونة فيها، ولم نحصل على مثل هذه المكافأة عنها. ~~وقد كوفئ مستر لي بعد عودته بمنصب حسن، كما كوفئ صديق مستر جاي # Jay ~~، وإن تكن هذه المكافأة زهيدة بالقياس إلى ~~إنعام الملك على مسيو جيرار # Gerard # عند ~~عودته من الديار الأمريكية. # أما في أمري أنا بعد عودتي فما أبعد الاختلاف! # رجعت من إنجلترا سنة 1775 فتفضل الكنجرس علي بوظيفة مدير مصلحة البريد ~~مشكورا على فضله، وهي وظيفة ms135 أحسب أن لي بعض الحق فيها منذ توليتها تحت ~~التاج، فأصلحت نظامها وضاعفت مواردها، وتركتها لصهري بعد سفري إلى فرنسا ~~يقوم فيها بوظيفة الوكيل، ولم يمض غير قليل بعد سفري حتى حولت هذه الوظيفة ~~إلى مستر هازارد. وقد عن للإدارة الإنجليزية قبل ذلك أن تحرمني هذه ~~الوظيفة، فحفظت لي الحق في إعفاء رسائلي الصادرة والواردة من الأجر كما جرى ~~العرف في معاملة المديرين الذين يعتزلون الوظيفة لسبب لا يمس كرامتهم. أما ~~في أمريكا، فإن هذا الأجر قد طلب مني وبلغ نحو خمسين جنيها، لكثرة الرسائل ~~التي ترد إلي على اعتباري مديرا سابقا لمصلحة البريد. # ولما أخذت معي حفيدي تمبل إلى فرنسا رأيت - بعد تعليمه الفرنسية - أن ~~أخرجه في دراسة القانون والاشتغال بعمله، ثم استبقيته لعمل السكرتيرية بعد ~~أن وعدت بهذه الوظيفة، وتكررت تجربتي للسكرتيرين، وتكررت خيبة الأمل فيهم، ~~ولم تزل تتكرر بعد عودتي إلى أمريكا، حتى فات الوقت الذي يشتغل فيه ~~بالدراسة المطلوبة، وانتظمت حياته على غير نظامها، فلما رأيت أنه - لطول ~~مرانته في الأعمال الدبلوماسية - جدير بوظائفها، وهو رأي يشاركني فيه ثلاثة ~~من الزملاء، ندبوه بغير طلب مني للعمل معهم خلال المفاوضات في شئون ~~المعاهدات، رشحته في خطاب الكنجرس لوظيفة السكرتيرية، فكان الرد الوحيد ~~الذي تلقيته على هذا الرجاء الوحيد الذي تقدمت به أمرا بوقف التعيين ~~وانتداب الكولنل همفري سكرتيرا في مكانه، وهو سيد قد يكون له العلم ~~بالشئون الحربية كما هو الواقع، ولكنه لم يختبر العمل في الشئون السياسية ~~ولا يعرف الفرنسية، ولا عهد له بالمسلك اللازم في هذه المهمة. # وإنني أفضي بهذا كله إليك - شخصيا - إفضاء صديق إلى صديق؛ لأنني لم ~~أتعود الشكاية العامة، ولا أريد أن ألجأ إليها بعد الآن. # وإنني لو استطعت أن أعلم - مقدما - أن الكنجرس سيعاملني هذه المعاملة ~~التي لا مجاملة فيها ويستكثر علي توجيه الشكر إلي - لم يكن من شأن هذا ~~أن يوهن من عزمي، أو من غيرتي في خدمته وتأييده، وقد أعرف بعض الشيء عن ~~أطوار هذه الهيئات التي تتغير حينا ms136 بعد حين، ويأتي فيها خلف لا يعلم ما قد ~~علمه السلف من خدمات أسديت إلى الهيئة، ولا يشعر بواجب الجزاء عليها، مع ~~بعد القائمين بالخدمة في بلاد أجنبية، وإمعان واحد أو اثنين من الحاقدين ~~وذوي النية السيئة في الدس والتأثير على عقول الأعضاء الآخرين، وإن كانوا ~~من أهل الإخلاص، والإنصاف، والمروءة. ولهذا أوثر أن أطوي هذه الخواطر في ~~أطواء النسيان والكتمان. # وإني لألتمس المعذرة منك - يا صديقي - لما جشمتك من متاعب هذا الخطاب، ~~وإذا حاق بك يوما ما يقال عن نسيان بعض الجمهوريات للعاملين في خدمتها؛ ~~فاذكر على الدوام أن لك صديقا قديما تكشف له عن ذات صدرك في شخص الخادم ~~المطيع المتواضع. # فرنكلين # وبعد هذا التمهيد تلخيص لخدمات فرنكلين كما أجملها في ملحق خطابه لتذكير صديقه، ~~وهي كما يلي: # في إنجلترا قاوم قانون الدمغة وكتابته في الصحف ومناقشاته في ~~البرلمان من الأسباب التي يظن أنها انتهت بإلغاء ذلك القانون. # عارض قانون المكوس، ولم يتمكن من وقف تنفيذه، ولكنه أقنع مستر تونزند ~~بحذف مواد كثيرة منه، ومنها الملح بصفة خاصة. # وكتب فيما بعد ذلك رسائل شتى يفند بها دعوى البرلمان أنه يملك حق ~~تقرير الضرائب في المستعمرات. # عارض جميع القوانين الجائرة. # قام بمفاوضتين سريتين مع الوزراء لإلغاء تلك القوانين، وشرح ذلك في ~~محضر مكتوب، وقدم في سياق واقترح - على تبعته ومع المخاطرة بالنتيجة - ~~عوضا عن الشاي الذي تلف في حالة نفاذ الإلغاء. # اشترك مع مستر بولان، ومستر لي في جميع الطلبات التي قدمت إلى ~~الحكومة لهذا الغرض، وطبع عدة نشرات على نفقته ينتقد بها إجراءات ~~الحكومة، واستهدف بذلك للسخط والنفور والاتهام أمام المجلس الخاص، وعزل ~~من وظيفة يتقاضى منها ثلثمائة جنيه في السنة، وهي وظيفة مدير البريد، ~~واضطر إلى الاستقالة من جميع أعمال التوكيلات ومكافآتها وهذا ~~بيانها: # جنيه # البلد # 500 # من بنسلفانيا # 400 # من مساشوست # 100 # من نيوجرسي # 200 # من جورجيا # وصدرت الأوامر إلى الولاة الملكيين أن يكفوا عن توقيع كل ترخيص ~~بالصرف لحساب مرتباته من خزانة الدولة، ولم تكن ms137 الولايات قد عزلته من ~~توكيلها، ولكنه - مع العلم بضغينة الحكومة الإنجليزية عليه - تعذر عليه ~~أن يخدم الولايات وييسر مصالحها لدى تلك الحكومة، وأحس أن الواجب يقضي ~~عليه باعتزال التوكيلات، فاعتزلها ليفسح مجال العمل فيها لمن هم أقرب ~~إلى القبول عند الحكومة الإنجليزية، ويحمي نفسه أن يلجئها إلى ~~عزله. # ولما قفل إلى أمريكا حض على الثورة، وعين رئيسا لجماعة «سلامة ~~الوطن» ونظم وسائل الاستيلاء على فيلادلفيا ومقر الكنجرس. # أرسله الكنجرس إلى مركز القيادة العام على مقربة من بوستون مع ~~السيدين هاريسون، ولينش سنة 1775 لتسوية بعض المسائل مع الحكومات ~~الشمالية والجنرال واشنطون. # في سنة 1776 أرسل إلى كندا مع السيدين شاس # Chase # وكارول عابرا البحيرات قبل ~~ذوبان الثلج، فعمل مع زميليه في كندا على إزالة بعض الشكايات مما كان ~~له أثر في ضم الشعب إلى قضيتنا، وقدم هناك إلى الجنرال أرنولد وبعض ~~خدام الكنجرس مبلغ ثلثمائة وثلاثة وخمسين جنيها ذهبا من ماله على ذمة ~~الكنجرس كانوا في أمس الحاجة إليها، وكان لها نفع كبير في تلك الآونة ~~في الحصول على الأزواد لجيشنا. # وقد كان حين تكليفه بهذه المهمة يجاوز السبعين، فشقت عليه مصاعب ~~الرحلة؛ إذ كان يتنقل بين الغابات في ذلك الفصل القاسي من فصول السنة، ~~ولم يكد يبل من مرضه حتى أمره الكنجرس بالسفر إلى فرنسا، فسلمهم قبل ~~سفره كل ما استطاع جمعه من المال بين ثلاثة آلاف وأربعة آلاف جنيه، ~~وكان ذلك مشجعا لغيره على إعارة أموالهم لخدمة القضية العامة. # ولم يساوم على المكافآت، ولكنه وعد - باقتراع الأصوات - بمبلغ ~~خمسمائة جنيه مسانهة مع نفقاته ومبلغ ألف جنيه لوظيفة السكرتيرية ~~ومصروفاتها. # ولما أرسلته الهيئة النيابية في بنسلفانيا إلى إنجلترا سنة 1764 بمثل ~~هذه المكافأة، سمحوا له بمكافأة سنة مقدما لتكاليف السفر وتعويض ~~الخسائر التي لحقته من جراء الانقطاع فجأة عن مباشرة مرافقه الخاصة، ~~ولم يمنحه الكنجرس مثل هذه المنحة بل أنزله في سفينة رثة لا تصلح ~~للملاحة في البحار الشمالية، وحدث فعلا أنها جنحت عند عودتها، مع سوء ~~تدبير الطعام ms138 له على متنها حتى بلغ الشاطئ وهو يكاد لا يقوى على الوقوف ~~على قدميه. # وإن خدماته للدولة وكيلا ثم وزيرا مفوضا لمعروفة للكنجرس كما هي ~~معروفة من رسائله، وربما كانت خدماته الإضافية مجهولة فلا داعية إلى ~~ذكرها. # ثم مضى في عمله ولم يعين له السكرتير الموعود، وقام ببعض الأعمال قبل ~~انفصال زملائه ثم قام بها جميعا بعد انفراده بمعونة حفيده الذي سمح له ~~أولا بمقابل للكساء والسفر والسكن ثم بمرتب لم يزد قط على ثلثمائة ~~جنيه في السنة (إلا حين عمل في السكرتيرية للجنة الصلح) وهو فرق في ~~المرتب على مدى سنوات مقداره سبعمائة جنيه كل عام. # وعمل وحده بوظيفة القنصل عدة سنوات إلى حين وصول مستر باركلي وبعد ~~وصوله فترات من الوقت لاضطرار ذلك السيد إلى التغيب في هولندا، وبلاد ~~الفلاندر، وإنجلترا، وحدثت خلال ذلك محاولات متتابعة لاختلاس دفعة ~~ثانية وثالثة بعد سداد الدفعة الأولى، وكانت قوائم الحساب عن هذه ~~الدفعات ترد مع كل سفينة وكل بريد، وتستوجب الرقابة المتوالية. ولم ~~يستطع مستر فرنكلين أن يسافر للرياضة والراحة كعادته قبل ذلك مما عرضه ~~للإصابة بمرض قد لا زمه بقية حياته. # ونوجز البيان فنقول: إنه على دأبه وصبره طوال حياته لم ترهقه الأعمال، كما أرهقته ~~خلال السنوات الثمان التي قضاها في فرنسا، ولم يعتزلها مع ذلك حتى شهد بشائر الصلح ~~وتمت هذه البشائر بخير. ثم ألفى نفسه في الثمانين من عمره، وهي السن التي تخول من ~~يبلغها بعض الحق في الراحة والاستقرار. # الطيران والحروب # وقد شهد فرنكلين تجارب الطيران الأولى حول باريس، وسمع المتفرجين وهم يرقبون ~~المنطاد كأنه لعبة من لعب الفراغ ويتساءلون: وما فائدة هذا؟ وبأي شيء تنفعنا هذه ~~النفاخات الكبيرة؟ فكان من جوابه لهم أن يسألهم: وما فائدة طفل وليد؟ وفي هذا ~~السؤال كل الجواب على الذين لا يعرفون الصبر على المخترعات حتى تنمو وتؤتي ثمرتها، ~~ولكنهم يعرفون أننا نربي الطفل الوليد الذي لا نفع له فينفع نفسه وينفع غيره إذا ~~أحسنا القيام على تربيته، ومما كتبه فرنكلين ms139 على أثر مشاهداته الأولى لتجارب ~~الطيران خطاب إلى صديقه العالم الهولندي جان أنجنهوز # Ingenhousz # الذي كان يصاحبه في رحلاته العلمية ~~بشمال إنجلترا نظر فيه نظرة بعيدة إلى مستقبل الطيران في الحروب قبل أن تستخدم ~~المناطيد والطائرات في ميادين القتال بأكثر من مائة وثلاثين سنة فقال في خطابه من ~~باسي بتاريخ السادس عشر من يناير سنة 1784: # ليس في المسألة سر، ولست أشك أنك إذا أرسلت رسولا من قبلك أمكنه أن ~~يشاهد مناطيد منتجلفير وشارل المختلفة، ويطلع على جميع التعليمات المطلوبة، ~~وإذا أردت أنت أن تصنع منطادا فمن الضروري ومن الأوفق في رأيى أن تبعث من ~~عندك برسول ذكي لهذا الغرض، إذ يخشى ألا يلتفت إلى بعض الملاحظات أو يسهو ~~عن العلم بها، فتحبط التجربة ويؤدي حبوطها في هذه المسألة التي يكثر حولها ~~الترقب والاستطلاع إلى تعريضك للملامة الشديدة والمساس بسمعتك. فإنه لمن ~~الضرر الوخيم تجميع الناس في المدن الكبيرة وضواحيها ثم مصادمتهم بالخيبة ~~والغضب. وقد حدث في بوردو أخيرا أن شخصا زعم أنه صنع منطادا يصعده في ~~الهواء وأخذ نقودا من أناس كثيرين ولم يستطع أن يرفع المنطاد، فهاجت عليه ~~هائجة الناس وعمدوا إلى بيته فهدموه وهموا به ليقتلوه. # وظاهر - كما رأيت - أنه اختراع هام يوشك أن يتجه بالشئون الإنسانية وجهة ~~جديدة، وقد يكون من آثاره أن يقنع ذوي السلطان بخطر الإقدام على الحروب لما ~~في حماية بلادهم من المصاعب - بعد هذا الاختراع - على أقدرهم وأقواهم، ولعل ~~خمسة آلاف منطاد يحمل كل منها جنديين لا تبلغ تكاليفها ثمن سفن خمس من سفن ~~القتال، وأين هو الأمير الذي يتسنى له أن يملأ أرضه بالجند في كل مكان حتى ~~يعجز عشرة آلاف جندي هابطين من السحاب عن إصابته بأخطر النكبات قبل أن ~~يتمكن من حشد القوة اللازمة لصدهم والتغلب عليهم؟ # ومما يحزن أن تحول العصبية القومية - كما بدا لك - دون قيام الإنجليز ~~بالتجربة، فإنهم على براعتهم في فنون الصناعة قمناء أن يسبقوا غيرهم إلى ~~إتقان هذا المخترع والانتفاع بكل ما يعود به من ms140 الفائدة. # إن منطاد شارل وروبرت كان ممتلئا حقا بالهواء الساخن، ولوفرة المقدار ~~اللازم كان العمل في ملئه متعبا عظيم النفقة يحتاج إلى يومين أو ثلاثة ~~ليلا ونهارا لإنجازه. وللمنطاد صمام عند أعلاه يفك بشد الحبل الذي يربطه ~~كلما أريد إطلاق جزء من الهواء استعدادا للنزول، والراكبان يقذفان بجزء من ~~الرمل الذي يوازن الهواء إذا أرادا الصعود بعد ذلك، ولا بد أن يكون مقدار ~~كبير من الهواء قد انطلق من المنطاد لموازنة أحد الراكبين ساعة نزوله، ~~ولخفة المنطاد بعد نزوله، تكفي البقية فيه لحمل زميله، وهما لا يحملان في ~~المنطاد نارا كما يفعل مسيو منتجلفير في منطاده الذي يفتح من أسفله ويوقد ~~فيه التبن لاستبقاء ناره. وهذا الطراز من المناطيد أسرع امتلاء وأقل نفقة، ~~ولكنه يستلزم مضاعفة الحجم لرفع الثقل نفسه؛ إذ كان الهواء المشعشع ~~بالحرارة لا يقل ثقله عن نصف ثقل الهواء الجوي، على حين أن الهواء الساخن ~~يقل عن ثقله عشر مرات، وقد كشف مسيو مورفو الكيمي الشهير بمدينة ديجون هواء ~~ساخنا لا تزيد كلفته على جزء من خمسة وعشرين جزءا من كلفة الهواء الساخن ~~الذي يحدث من صب الزيت أو الزاج على برادة الحديد، ويقال: إنه مستخرج من ~~فحم البحر، ولم يذكر وزنه بالنسبة إلى غيره. # 10 # ثمن الصفارة # وهذه رسالة من رسائله إلى السيدة بريون ضمنها حكاية من الحكايات «المثلية» أو ~~الحكايات التي تستوحى من مغزاها بعض المعاني الأخلاقية أو الاجتماعية، وكانت شائعة ~~في ذلك العصر يؤلفها الكتاب وغير الكتاب لتزجية الفراغ بما يشبه امتحان الذهن ~~بالأحاجي السهلة والألغاز الخفيفة، وتتلى هذه الرسائل عادة في السهرات والاجتماعات ~~كأنها مادة من مواد السمر والفكاهة، وقد كتب فرنكلين هذه الرسالة إلى صديقته جوابا ~~على رسالة منها تصف فيها نعيم الفردوس كما تتخيله، فقال بعد أسطر في التمهيد ~~والاعتذار من تأخير الجواب: # أعجبني وصفك لجنة الفردوس وبرنامجك الذي درسته للمعيشة فيها. وأقرك ~~كثيرا على ما ختمت به الوصف حيث تقولين: إننا - في الوقت نفسه - ينبغي أن ~~نستخلص في هذه الدنيا ms141 كل ما نستطيع من خير ونعمة. وأرى أننا جميعا قادرون ~~على أن نستخلص منها فوق ما ننال من خيرها ونعاني أقل مما نعانيه من شرها لو ~~جعلنا بالنا إلى شيء واحد؛ وهو ألا نشتري الصفافير بأكثر من ~~أثمانها. # وتسألينني ماذا أعني؟ وأنت تحبين الحكايات، فاسمحي لي أن أقص عليك إحدى ~~حكاياتي حين كنت في السابعة من عمري، فقد حدث في بعض أيام الأعياد أن امتلأ ~~جيبي بأنصاف البنسات من هبات أصدقائي، فذهبت توا إلى دكان اللعب واشتريت ~~منه صفارة سمعت بعض الأطفال في الطريق يصفر بها، فأعجبتني وبذلت في ثمنها ~~كل ما احتواه جيبي. # ورجعت إلى المنزل فطفقت بين جوانبه نافخا في صفارتي راضيا عن نفسي ~~مزعجا كل من فيه من إخواني وأخواتي وأبناء عمي، فلما سألوني عن هذه الصفقة ~~وأخبرتهم بها قيل لي أنني بذلت في الصفارة أربعة أضعاف ثمنها، وذكروني ~~بالطيبات التي كنت قمينا أن أنعم بها لو لم أبذل فيها فوق ما تستحقه، ~~وضحكوا من حماقتي وغفلتي وأكثروا من الضحك حتى بكيت غما وأسفا، وساءني ~~من التفكير في الخسارة أضعاف ما سرني من الصفارة. # ونفعتني العبرة فلم تبرح ذاكرتي بعد ذلك، ولم أزل كلما أغريت بشراء شيء ~~لا حاجة بي إليه أعود فأقول لنفسي: لا تبذل في الصفارة فوق ما تساويه، ~~وادخرت نقودي. # ثم كبرت واختبرت الدنيا وراقبت أحوال الناس، فلقيت الكثيرين ممن يشترون ~~الصفارة بأضعاف ثمنها، وأصبحت كلما رأيت إنسانا يطمع في الحظوة لدى ~~البلاط، فيبدد وقته في التردد على الحشم والحاشية، ويفقد راحته وحريته ~~وفضائل نفسه، وربما فقد أصدقاءه في هذا السبيل - أعود فأقول: هذا الإنسان ~~يغالي بقيمة الصفارة، ويبذل فيها أضعاف ما تساويه. # وكلما رأيت إنسانا مشغوفا بالشهرة يزج بنفسه في مشاكل السياسة، ويغفل ~~عن مصالحه، فيجر على نفسه الخراب بهذه الغفلة، أعود كذلك فأقول: وهذا إنسان ~~آخر يشتري الصفارة بأضعاف ثمنها. # وكلما عرفت بخيلا يحرم نفسه أطايب العيش، وغبطة الإحسان إلى الناس، ~~ومنزلة التقدير والرعاية بين قومه، ومتعة المودة والصداقة بينه وبين خاصته، ms142 ~~أعود فأقول لنفسي: يا لك من مسكين! إنك أيضا تشتري الصفارة بأضعاف ما ~~تساويه. # وكلما التقيت بإنسان من طلاب الشهوات والمسرات يذهل عن تهذيب نفسه وعقله، ~~أو عن تدبير ماله من أجل متعة جسدية تستغويه وتجور على جسده، أناديه في ~~ضميري: أيها المخدوع، إنك تجني الألم من حيث تنشد اللذة، وتعطي الصفارة ~~ثمنا لا تستحقه. # وقد أرى إنسانا مفتونا بالمظهر والزينة، مأخوذا بغواية البيت الأنيق، ~~والأثاث الأنيق، والعتاد الأنيق مما لا يطيقه ولا تحتمله ثروته، وقد يوقعه ~~في الدين، ويسوقه إلى السجن، فاقول: وا أسفا؛ إنها الصفارة يشتريها أيضا ~~بهذا الثمن الثقيل. # وقد أرى الفتاة الحلوة الجميلة تتزوج من الرجل السيئ القبيح فأقول: يا ~~لها من شقوة وخيبة، إنها تعطي الصفارة أضعاف ما تأخذ منها. # وجملة القول أن معظم الشقاء الذي يبتلى به بنو الإنسان، إنما يجنيه عليهم ~~ذلك التقدير الباطل لقيم الأشياء، وذلك البذل المضاعف في ثمن ~~الصفارة. # على أنني أرفق بهؤلاء البائسين، فلا تنسيني هذه الحكمة التي أتشدق بها أن ~~في هذه الدنيا كثيرا من المغريات، ومنها تفاحات الملك حنا التي لا تباع ~~لحسن الحظ. ولو أنها كانت مما يباع بالمزايدة لخشيت أن أجر على نفسي الخراب ~~لأشتريها، وأعود فأبذل في الصفارة قيمة لا تساويها. # 11 # رسائل شخصية # وهذه رسائل متفرقة في موضوعات عائلية أو عامة كتبها إلى أقربائه وصفوة أصدقائه، ~~ومنها هذه الرسالة إلى أخته تعزية لها في موت أخيه: # فيلادلفيا في 12من فبراير سنة 1756 # أختي العزيزة # أشاطرك الحزن في مصابنا بموت أخينا العزيز، وليكن بيننا مزيد من الحب ~~كلما أصبنا بنقص في العدد. # وقد عدت الآن من بعثتي العسكرية ووقتي مشغول بأعمال الهيئة النيابية، ~~وكأنما العناية الإلهية تطالبني بصنوف شتى من الواجبات، فلا أعلم الآن ما ~~سيأتي بعد، ولكني أجد أن شواغلي تزداد كلما بحثت عن الفراغ، وتطلعت إلى ~~الاعتزال. # وإني أفهم أن «بيني» يميل إلى ترك «انتيجوا». وربما كان على حق، ولا مانع ~~عندي. # محبتي للأخ وللأطفال، وإنني يا أختاه العزيزة. # وكتب إليها هذه ms143 الرسالة؛ تعزية في موت ابنتها سارة: # فيلادلفيا في 10 من يوليو سنة 1764 # أختي ~~العزيزة # نحن جميعا نشاطرك الحزن في موت كريمتك. وقد كنت أراها دائما على خلق ~~عذب محبوب وشمائل طيبة تضاعف الحزن عليها في نفس الأخ ونفسك فوق ما ~~تحتملان، وكل ما نملكه من العزاء في مثل هذا المصاب أن نؤمن بأن الله يعلم ~~ما هو أصلح وأجدر ويقدر على صنع الخير مما يبدو لنا أنه شر. وإنها لسعيدة ~~تلك السعادة التي لا يشعر بها أحد منا وهو بقيد ~~الحياة. # وكتب إليها في مسألة من مسائل العقيدة تعنيها بعد الاطلاع على بعض ~~الكتب التي أرسلها إليها من البلاد الإنجليزية: # لندن في 27 من يوليو سنة 1771 # وصل إلي خطابك الكريم المؤرخ في العاشر من شهر مايو، ويلوح لي أنك ~~تحسين إحساسا شديدا بخطئك في التعجل باتهامي حتى ليحق لي أن أقول: إنه ~~الآن دوري في الأسف لملاحظة ذلك الخطأ، فقد تعادلت الحسبة إذن، فلندعها ولا ~~نعد إلى التفكير فيها. # ويخيل إلي أنني ذكرت ثمن الكتب في رسالة سابقة ونسيتها الآن، ولكنني ~~أظن أن ثمنها ثلاثة شلنات لكل كتاب. # ولا ريب أن هناك اختلافا في أمر وجودنا قبل هذا الوجود، وأحسب أن هذه ~~الفكرة قد صدرت عن حسن نية، لتبرئة حكمة الله من تعاسة الخلق في هذه الدنيا ~~بغير جريرة لحقت بهم في دنيا قبلها، وربما كان هذا من الفضول بغير داع ~~لتأييد قصة السفينة ، وإذا كان الإله قد شاء أن يلقي عليها سترا، فقد يكون ~~الاجتراء على كشف ذلك الستر من قبيل التطفل واللجاجة، ولعل نجاحنا في هذه ~~المحاولة لا يربى على نجاح أبوينا في محاولة المعرفة الممنوعة يوم أكلا من ~~الشجرة. # ولست أعني بقولي: إن بني آدم بعضهم شياطين لبعض، إلا أنهم - لارتقائهم ~~على غيرهم من الخلق - لا يعذبهم الخلق الآخرون كما يعذبون أنفسهم. ومن ~~جانبي أنا أراني أتقبل الدنيا على علاتها، وأرى أن أشك في حكمتي كلما فكرت ~~في وجوه صلاحها وإصلاحها، وإني لأبصر من الحكمة ms144 فيما أدرك من خلق الدنيا ~~ونظام تدبيرها ما يلهمني أن هناك حكمة تعادلها فيما لست أدركه وأتقصاه. ومن ~~ثم لا تكون الثقة التي عندي بالله دون الثقة التي عند سائر المسيحيين ~~الأبرار. # ويسعدني أن التفاهم الحسن مستمر بينكم وبين آل فيلادلفيا، وقد كان أبونا ~~حكيما جد حكيم، وكان من عادته أن يقول: إنه لا شيء أكثر من ظهور أسباب ~~النفور بين المتحابين على البعد إذا اقتربت بهم الديار ... ولهذا لم يكن ~~ليستحسن زيارات الآل في الأماكن البعيدة، لأنها تطول ولا يمكن أن تقصر إلى ~~الحد الذي يتركهم على المودة والوئام حين يفترقون. وقد لمست برهانا على ~~ذلك - العلاقة بين أبي وأخيه بنيامين، فقد كنت يومئذ طفلا، ولكني كنت أحس ~~الفرق بين عبارات المودة في رسائلهما قبل اللقاء، وبين المناقشات ~~والمجادلات التي تنشب بينهما إذ يقيمان في مسكن واحد. غير أنك أنت أدنى إلى ~~الصواب فيما تختارينه من التوفيق آنة بعد أخرى؛ لإسداء النصيحة من بعيد في ~~شئون الآخرين ومرافقهم، وكله خير ما دام يفضي إلى خير. # وأذكر أنك أشرت في إحدى رسائلك إلى النظارات ورغبتك في إرسال بعضها إليك، ~~وليس لدي هذه الرسالة الآن؛ فلهذا أبعث إليك بزوج من كل مقاس من الواحد ~~إلى الثلاثة عشر، وستعرفين المقاس الذي يوافقك بامتحان زوج بعد زوج على ~~كلتا عينيك في النظر إلى مطبوعة دقيقة، واعزلي ما لا يوافقك لكيلا تعودي ~~إلى تجربته مرة أخرى، وإنك لتجدين النظارة التي توافقك بالتجربة والمقارنة ~~على مهل، وهو الأمر الذي لا يتيسر في الدكاكين حيث يعجل الناس باختيار ~~النظارات، فترهق أبصارهم وتضرهم، وأشير عليك بتجربة كل عين على حدة؛ إذ ~~قلما يوجد بين الناس من تتساوى لديهم العينان، ويكاد كل ناظر يعتمد على ~~إحدى عينيه في القراءة والعمل لضعف في عينه الأخرى، أو لأنها أصلح للنظر ~~البعيد. ولهذا تفيد النظارة المتساوية تلك العين المهملة، ولا توافق العين ~~المعول عليها، ومتى عرفت ما يوافقك من النظارات، فاحتفظي بالأقوى منها ~~للمستقبل حين تحتاجين إليها مع الزمن، وقدمي ما ms145 تستغنين عنه هدية ~~للأصدقاء. # أما الخطأ الذي أومأ إليه فرنكلين في مقدمة الخطاب السابق، فقد يظهر ~~من خطابيه التاليين، وأولهما بتاريخ الثلاثين من شهر ديسمبر سنة 1770 قال: # سنحت لي الفرصة، أثناء انتظار السفينة أكثر من وقتها المعهود - أن أكتب ~~إليك بعدما فاتني، على ما أظن، أن أفعل حين رجوت ابن عمنا وليامز أن ينوب ~~عني في الاعتذار إليك. # وصل إلي خطابك الكريم المؤرخ في الخامس والعشرين من شهر سبتمبر على يد ~~السادة الفتيان الذين حببوا أنفسهم إلي وإلى كثير من معارفنا بمسلكهم ~~الحميد. وقد حقق جوشيا أمنية قلبه بالتتلمذ على مستر ستانلي الذي استجاب ~~رجائي بعد طول انقطاعه عن التدريس، فقبل أن يعلمه بعض الدروس، وسر من ~~سرعة فهمه وتقدمه، ويبدو لي أن جوناثان فتى ذو قيمة، رصين، منتظم، يميل إلى ~~العمل والتدبير، وهي مخايل النجاح في الأشغال، وإني في صحبتهم لجد ~~سعيد. # أما الإشاعة التي ذكرتها - وأخبرني جوشيا فحواها وهو أنني عزلت من وظيفة ~~مدير البريد من أجل كتاب أرسلته إلى فيلادلفيا - فربما كان أساسها أن بعض ~~الرؤساء قد ساءهم كتابتي أمثال تلك الكتب، ولاح عليهم أنهم يريدون أن ~~يعبروا عن استيائهم على ذلك المنوال، ولكن أناسا من أصدقائي أشاروا برأي ~~غير هذا الرأي على غير علم مني، فاضطر خصومي إلى القناعة بشتمي - عن سعة - ~~في الصحف واستثارتي بذلك إلى الاستقالة. ولا أخالهم يفلحون في هذه ~~الاستثارة؛ لأنني لا أملك تلك الفضيلة المسيحية فضيلة التسليم ، # 12 # فمن أراد أن يحتل مكاني فليأخذه عنوة. # ولقد سمعت عن عظيم من العظماء كان ديدنه في أمر الوظائف ألا يطلبها وألا ~~يرفضها، وأضيف إليه كذلك ألا يستقيل منها، وقد قلت لأصدقائي: إنني ترقيت ~~إلى تلك الوظيفة على درجات من الوظائف التي هي دونها، وكانت مواردها قبل ~~ولايتي لا تأتي بمرتبها، فأصبح المرتب بعد ولايتي لا يعطى إلا إذا أتت به ~~مواردها، وكانت في السنوات الأربع الأولى لا تقوم بتكاليفها حتى بلغ ديني ~~ودين زملائي عليها تسعمائة وخمسين جنيها، فاجتهدت اجتهادي حتى وصلت ms146 إلى ما ~~هي عليه الآن من الوفرة والفائدة، واعتقدت من ثم أنني صاحب نوع من الحق ~~فيها، وقد قمت حتى الآن بالأمانة والصدق على أعمالها مما أرضى عني الرؤساء ~~كل الرضا، وهو غاية ما كان يطلب مني في هذه الوظيفة. أما الكتب التي ~~أنفذتها إلى فلادلفيا فقد كتبتها فعلا قياما بواجب آخر، وهو واجبي نحو ~~وطني، ولا شأن له بعملي في إدارة البريد، وإن مسلكي في هذه المسألة لشبيه ~~بمسلكي في مسألة سابقة لها حين كان الرؤساء يهمون باحتضاني، واعتناقي ~~لمساعدتي إياهم في إلغاء قانون خاص بالإيراد، ولا يزال شعوري اليوم كشعوري ~~بالأمس في أمر هذه القوانين التي لا يجوز أن تصدر هنا لتطبيقها في أمريكا، ~~وأنها إذا صدرت وجب السعي إلى إلغائها على الأثر، ولست أعتقد أنني مطالب ~~بتبديل شعوري كلما خطر لصاحب الجلالة هنا أن يغير وزراءه ووكلاءه، وقد كانت ~~هذه عبارتي التي فهت بها لهذه المناسبة، ثم سمعت أنهم - وإن حسبوني حقيقا ~~باللوم، وفهموا أن الموظف مطالب بمجاراة الوزير على رضا منه أو على غير ~~رضا - وقد عادوا فنظروا إلى مسلكي الطيب وخلقي الشخصي كما تفضلوا فوصفوه، ~~وقرروا من ثم ألا تنتزع الوظيفة مني. # وجائز أنهم ينكصون عن رأيهم هذا ويعزلونني، ولكنني على ثقة أن شيئا من ~~هذا لن يبدل من خطتي السياسية، وخطتي التي اطمأننت إليها دائما هي ألا ~~أحيد عن خطة في الشئون العامة رعاية لشأن من الشئون الخاصة، بل أمضي قدما ~~في عمل الصواب الذي أعتقده، وأدع المصير بين يدي العناية الإلهية. وقد كان ~~مما يسر لي أن أستقيم على النهج في صباي أنني كنت صاحب صناعة، وكنت أعلم ~~أنني أقنع بالقليل في معيشتي، ولم يكن من همي يومئذ أن أجمع ثروة كبيرة، ~~وأن أذهب مع الأطماع، قانعا بما أكسبه من الكفاية من موارد عملي. والآن ~~أخال أن الاحتفاظ بحريتي ونزاهتي أيسر علي بعد أن بلغت النهاية من مراحل ~~عمري، وقلت النفقة التي بقيت للبقية منها، وأن ما أملكه الآن ببركة الله ~~وحسن القصد ms147 فيه ليكفيني، إلا إذا وقع من الكوارث العظمى ما ليس في حسابي، ~~فلا حاجة بي إلى الزيادة عليه من موارد وظيفة أو إدارة. # أبعث إليك في هذه الفرصة الكتابين اللذين كتبت عنهما، وثمن كل منهما ~~ثلاثة شلنات، وقد كنت في زيارتي السابقة للندن قبل خمس وأربعين سنة أعرف ~~إنسانة تفكر تفكير مؤلفك اسمها «اليف» أرملة أحد الطباعين، وماتت على أثر ~~سفري من إنجلترا، فكان من وصيتها لولدها أن يلقي علانية في قاعة صولتر ~~خطابا يؤكد فيه أن هذه الدنيا هي الجحيم الحق مقر العذاب والعقاب للأرواح ~~التي أذنبت في حياة أفضل من الحياة، فنفيت إلى الأرض لتجزى على ذنوبها في ~~أسلاخ الحيوان على اختلاف أنواعه، وانقضى زمن طويل منذ اطلعت على الخطاب ~~المطبوع الذي كان يستشهد بالكثير من آيات الكتاب المقدس، ومرماه أننا ~~سنتذكر بعد الموت ما كنا عليه قبل الولادة، وإن كنا ننساه أيام المقام في ~~هذه الدنيا، وأننا نذكر كذلك ما لقيناه من العقاب لنعتبر به ويعتبر به ~~سوانا ممن لم يذنبوا مثلنا، فلا يقعوا في الخطيئة اعتبارا بما ~~أصابنا. # والواقع أننا نرى هنا أن كل حيوان من الحيوانات الدنيا له عدوه الذي ركبت ~~فيه الرغبات والغرائز والأسلحة التي تمكنه من تخويفه وجرحه والقضاء عليه. ~~أما الإنسان - وهو أرفعها جميعا - فبعضه لبعض شيطان، وتلك حال تستدعي ~~فرضا كفرض السيد اليف مع الإيمان بكرم الله وعدله في قضائه للتوفيق بين ~~هذا الإيمان وكرامة العزة الإلهية. إلا أن عقولنا لا تذهب بنا بعيدا حين ~~نسومها أن تبحث عما كان قبل وجودنا، أو ما سيكون بعد هذا الوجود لقلة ~~التواريخ والوقائع التي بين أيدينا، وإنما يعطينا الوحي معرفتنا الضرورية ~~بهذا، ويقصد غاية القصد على الخصوص فيما أعطانا من المعرفة عما كان قبل ~~وجودنا. # أرجو أن تتابعي الكتابة إلى أصدقائك بفلادلفيا، ومحبتي لأنجالك، وعلى ~~العهد، أخوك المحب الودود. # وكتب إليها ينفي إشاعة عن تعيينه في وظيفة إنجليزية أثناء قيامه ~~بالوكالة عن بعض الولايات الأمريكية: # لندن في 28 من يولية سنة 1774 # إن ms148 الإشاعة التي أشرت إليها، وقيل فيها أنني اقترحت أن أتخلى عن توكيلاتي ~~وأنقطع عن وطني إنما هي أكذوبة خبيثة كما قلت في خطابك، وليست بالإشاعة ~~الكاذبة وحسب، بل هي سخيفة مضحكة؛ إذ هي تفترض على الأقل أنني لا أعرف من ~~الحساب ما أفرق به بين ثلثمائة وألف، وإنهم ليعاودون الإشاعة هنا حينا بعد ~~حين زاعمين أنني ألتمس الوسائل للعودة إلى وظائف الحكومة، ولعلهم يتمنون ~~ذلك وينتظرونه. فلينتظروا إذن إلى يوم الدين. # إن الله لأعلم بسريرتي، وإنني لآسف أن أتقبل أحسن الوظائف التي ينعم بها ~~الملك هنا ما دامت تلك الأفاعيل الجائرة تسلط على وطني. وثقي أنني لن أصنع ~~شيئا يمسني في نظرك، أو ينقض المسلك الأمين الذي سلكته حتى الآن في ~~الأعمال العامة، وقد احتفظت بوظيفتي السابقة حتى عزلت منها ولم أعتزلها؛ ~~لأنني لم أكن قد تلقيتها مكافأة من الحكومة، بل ارتقيت إليها بحق الخدمة ~~فيما دونها والأمانة في تلك الخدمة، فجاز لي أن أعتبر لي حقا فيها أو ~~حقا عليها، ولم أشأ أن أيسر لهم الأمر بالاستقالة لكي يبوء منهم من أراد ~~أن يبوء بمسبة حرماني منها، وقد شرفوني بإخراجي من تلك الوظيفة، فليكن حذري ~~الآن ألا يحملوني المسبة بإعادتي إليها. # وكل هذا أكتبه إليك أنت. أما الدنيا، فربما خطر لها أن هذه التصريحات ~~والتوكيدات أمر لا يقبل التصديق ومحض ادعاء يدعيه المرء لتفخيم شأن نفسه. ~~فلا تطلعي أيتها الأخت العزيزة أحدا على هذا، فإنما أكتبه إليك لمرضاتك ~~وإراحة ضميرك مما عسى أن يساوره من القلق لسماع تلك الإشاعات. # وكتب إليها بعد انتخابه رئيسا للجمعية في فلادلفيا يعرب لها عن ~~شعوره بالإجماع على انتخابه: # فلادلفيا في 4 من نوفمبر سنة 1787 # وصل إلي منك أخيرا كتاب كريم سرني بما علمته من تمتعك بالصحة، وأنك ~~اتخذت العدة للشتاء كما أنبأتك. ومطالبك مستجابة محترمة، وقد يتعذر علي ~~أحيانا أن أعرف ما تحتاجين إليه، فأرجو ألا تحجمي أبدا عن إخباري بكل ما ~~في وسعي أن أعمله لإسعادك في حياتك. # لقد عزمت من ms149 قبل أن أعتزل العمل في الهيئة النيابية سنة أخرى؛ كي يتسع ~~أمامي الوقت للسفر إلى بوستون في الربيع، إلا أنني أذعن للإجماع الذي ~~انعقدت عليه آراء بني وطني، فأقروني مرة أخرى على كرسي الرياسة وتم لي ~~الآن أكثر من خمسين سنة في الخدمة العامة. # لما أخبرت صديقك الطيب دكتور كوبر أنني أمرت بالسفر إلى فرنسا بعد أن ~~بلغت السبعين، وقلت له: إن «الجمهور» قد أكل لحمي ويريد اليوم على ما يظهر ~~أن يأكل عظمي، أجابني قائلا: إنه يحبذ منهم حسن الذوق؛ لأن أطيب اللحم ما ~~جاور العظم كما جاء في الأمثال، ولا بد لي أن أعترف لك بأنني مغتبط بذلك، ~~وأحسب أن أختي العزيزة حقيقة أن تسر باختياري للمرة الثالثة بعد طول ~~التجربة، وأن بني قومي يتفقون بإجماع الأصوات - ما عدا صوتي - على توجيه ~~هذا التشريف إلي، وهو أكبر ما يملكونه من تشريف. وإن هذه الثقة العامة ~~بغير قيد ولا حد من شعب كامل، لأعز عندي وأرضى لكبريائي من أرفع ألقاب ~~النبلاء؛ فإن الأشرطة والحمائل التي يعلقونها حولهم، قد تضفي على أصحابها ~~شرف الألفاظ والأسماء، ولكنها لن تمنحهم لباب الشرف الصميم. # 13 # | خرافات وحكايات ذات مغزى # نشأت الخرافات، أو الحكايات الموضوعية ذات المغزى في أوقات متقادمة قبل الميلاد بعد ~~قرون، وعرفتها الأمم الشرقية والغربية بأنواعها المتعددة، ومنها الحكايات التي توضع على ~~ألسنة الحيوانات، والحكايات التي توضع على ألسنة مخلوقات عاقلة كالمخلوقات الآدمية مع ~~اختلاف الشكل والفطرة كالجن، والملائكة، والمردة، والأقزام، ومنها الحكايات المنتحلة ~~التي تنسب إلى بعض الأشخاص التاريخيين، أو الذين تدعى لهم صفة تاريخية لإجراء الحكمة ~~القديمة على ألسنتهم، وكل هذه الأنواع كانت معروفة قبل القرن السابع عشر في البلاد ~~الغربية، ولكن هذا القرن - ولا سيما النصف الأخير منه - قد خص بظاهرة منفردة بين القرون ~~الأخيرة، وهي شيوع هذه الحكايات فيه بجميع أنواعها، وانتقال الكثير منها إلى مجال النقد ~~الاجتماعي والآراء التعليمية التي تنزع منزع الحرية وإعادة النظر في حقائق ~~الحياة. # وقد نبغ بين منتصف هذا القرن ومنتصف القرن ms150 الذي يليه أعلام بارزون في هذا الفن من ~~الأدب والحكمة من أمثال لافونتين الذي كان يلقب بايسوب الفرنسيين، وأمثال جون جراي الذي ~~كان يلقب بايسوب الإنجليزي، ونبغ في هذه الفترة أمثال فولتير، وسويفت الذين اتخذوا من ~~القصص المخترع وسيلة لنقد المجتمع، وكشف عيوبه منقولة إلى أناس بعيدين، أو أزمنة بعيدة ~~لا تخفى على القارئ وجوه الانتحال والاختراع فيها، وتعليل هذه الظاهرة في أواخر القرن ~~السابع عشر ليس بالأمر العسير؛ لأنه الزمن الذي تفتحت فيه العقول لحرية التفكير، ولم ~~تبلغ مداها من الحرية دفعة واحدة، بل بدأت بالتلميح والكناية، وتدرجت منهما إلى التصريح ~~الذي بلغ حد التهجم في كثير من الأحيان، وهذه الحكايات بأنواعها أداة صالحة للنقد ~~المستور والحرية الفكرية المقنعة، يقبلها المنقودون ولا يتذمرون منها؛ لأنها تسليهم ~~بالفكاهة ولا تخص أحدا منهم بالهجوم الصريح عليه، ولا تهدد مصلحة معلومة تهديدا يخشى ~~منه أو تعرف عقباه. # وفرنكلين كعادته سريع إلى اقتباس كل وسيلة من وسائل المعرفة والتعليم «الأبوي» الذي ~~يهدي الجميع، ولا يجرح أحدا مقصودا لذاته، وقد اقتبس هذه الوسيلة وتوسع فيها كما نرى ~~من بعض رسائله السابقة، واقتبس الخرافة والحكاية ذات المغزى بأسلوبها القديم مع تجديدها ~~بالاتجاه بها إلى الحكمة الواقعية في زمنه، وقد اخترنا منها هذه الحكايات الأربع؛ لأنها ~~من حكاياته المعبرة عنه وعن شواغل ذهنه وحياته على التخصيص، فمنها حكاية عن الثورة ~~الأمريكية، وحكاية عن حدود العقل الإنساني في طموحه إلى أسرار الكون، وأصول الحياة، ~~وصفات الخالق ومقاصده في خلقه، وحكاية عن عمر الحي كيف يتساوى فيه الدهر الطويل واليوم ~~الواحد عند نهاية الأجل، وحكاية عن السماحة الدينية لها تاريخ خاص بين هذه الحكايات، ~~وهي حكاية إبراهيم الخليل وحواره مع ربه في أمر الكفرة الجاحدين، فهذه الحكاية قد وقع ~~عليها فرنكلين في بعض مطالعاته، ويعزوها بعضهم إلى السعدي الشيرازي شاعر الفرس المعروف، ~~ويقال: إن السعدي نفسه سمعها من أصحاب الإسرائيليات، ولم يزعم فرنكلين قط أنها من ~~تأليفه، ولكنه كان يداعب ضيوفه ويسألهم أن يفرقوا بين الأسلوب الذي وضعها ms151 فيه، وبين ~~أسلوب الكتب الدينية التي احتواها العهد القديم، وكان يقول لطائفة منهم أمام بعض القسس ~~أنه سيقرأ لهم الإصحاح الحادي والخمسين من سفر التكوين، ولا وجود لهذا الإصحاح في ~~الكتاب؛ لأنه ينتهي بالإصحاح الخمسين! ولكنها دعابة من دعاباته وعادة من عاداته في ~~محاكاة الأساليب، وكان يعالج هذه المحاكاة في إبان تعلم اللغة الفرنسية ليمتحن نفسه قبل ~~أن يمتحن غيره. وقديما صنع ذلك، كما مر بنا، بأساليب أديسون وغيره من الكتاب ~~المحدثين، ولعله لم ينس هنا نزعته القديمة إلى مذهب الربوبية # Deism # وآراء الربوبيين في طبيعة الوحي الإلهي الذي يتنزل على ~~طبيعة البشر، فإنهم يعتقدون أن مضامين العهد القديم تسجيل توفر عليه الكتاب، والحفاظ ~~لإثبات ما وعوه من الأقوال الملهمة على ألسنة الرسل والأنبياء. # وقد أثارت حكاية إبراهيم هذه ضجة لطيفة في إبان تأليفها وإلقائها، ثم أثارت بعد ذلك ~~ضجة أخرى بعد طبعها وجمعها، وسول الحسد لأناس من شانئيه أن يتهموه بالسرقة الأدبية ~~عمدا لظهور هذه الحكاية بين أوراقه المجموعة، وعملت الخصومة السياسية عملها في تكبير ~~هذه التهمة، فنشرت في مجلة الخزانة ~~البريطانية # British Repository # في عدد شهر مايو سنة 1788 حملة صحفية ترميه فيها بالسرقة ~~والادعاء، ونفى صديقه فوجان # Vaughan # هذه التهمة بخطاب ~~أرسله إلى المجلة ونشرته في عدد تال، وكتب فرنكلين نفسه إلى فوجان يعزز مقاله ويعيد ~~قوله في المجلة أنه ينسبها إلى نفسه، وليس له فيها من عمل غير الصياغة، وما أضافه إلى ~~ختامها من الوعد والوعيد، # 1 # فالحكاية - لما أحاط بها من هذه الحواشي جميعا - أحق الحكايات ذات المغزى ~~بالنقل في هذا السياق. # وهذه هي الحكايات الثلاث ... # ملك الغاب # كان للأسد ملك إحدى الغابات جند من الكلاب الأمناء مخلصون له ولدولته، وعلى ~~أيديهم اتسعت تلك الدولة وهابها من حولها جميع الأعداء. # إلا أن الأسد - ذهابا مع نصيحة السوء من مشيريه - نفر من أولئك الجند، ودانهم ~~بالتهم دون أن يستمع إليهم وأمر بباره، وفهوده، ونموره أن تغير عليها وتفتك ~~بها فتكا ذريعا، وشكا الكلاب فلم يؤبه لهم، ms152 ورفضت شكاياتهم بغير اكتراث. فلم يكن ~~لهم بد من الذود عن أنفسهم وحماية حوزتهم، وفعلوا مستبسلين. # وكانت منهم فصيلة مدخولة النسب من سلالة الذئاب والثعالب، أفسدتهم وعود الملك ~~بالمكافآت الجزيلة، فخذلوا سلالتهم وذهبوا إلى معسكر الأعداء. # وانتصر الكلاب أخيرا، فانعقد الصلح بينهم وبين الأسد أن يصبحوا أحرارا، وألا ~~يكون له عليهم بعد ذلك من سلطان. # وتعذر على الأوشاب المدخولين أن يرجعوا إلى السكن بين الكلاب، فراحوا يلحون في ~~طلب المكافأة الموعودة، واجتمع من السباع مؤتمر كبير للنظر في هذا الطلب، فاتفق ~~الذئاب والثعالب على عدالة الطلب، وأن الوعود الملكية لا بد من نفاذها، وعلى كل ~~مخلص من رعاياه أن يسهم في تمكين صاحب الجلالة من الوفاء بتلك الوعود. # وخالفهم الحصان وحده، فجهر برأي جريء يجمل بما في طبعه النبيل من الشجاعة ~~والطلاقة، وتصدى لهم قائلا: «إن الملك قد أساء نصحاء السوء مشورته، وأوغروا صدره ~~على رعاياه الأمناء، وإن وعود الملوك ينبغي أن تنفذ حقا إذا وعد بها من يصدقون ~~الخدمة، وكان في إنجازها منفعة للجميع، ولكنها إذا استنفرت رعاياه بعضهم على بعض ~~فهي باطلة من مبدئها، ومن جزاء المحرضين عليها والذين اقترفوا جرائم العدوان ~~والغيلة من جراء ذلك التحريض أن يلقوا أشد العقاب بدلا من المكافأة وحسن الثواب، ~~ولننظر كيف نقصت قوتنا، وهيض من بأسنا بما أصابنا من فقدان كلابنا، فإذا زينتم ~~للملك أن يحسن إلى الذين قتلوا إخوتهم أقمتم بذلك سابقة تغري من طغى بأمثال تلك ~~الوعود، وأصبحت كل مكافأة ينعم بها أولئك الناشزون المنحرفون توكيدا لها وتشجيعا ~~عليها، وتعرض الخيل والبقر كما تعرض الكلاب لشر الوقيعة فيما بينهم والانقسام بين ~~صفوفهم، وتتابعت الحروب الأهلية في ديارنا حتى لا أمان ولا حرية في هذه الغاب، ~~ويحيق بنا الضعف فلا حيلة لنا غير الخضوع والانقياد لكل طاغية يحلو له أن ينكل بنا، ~~وينعم بافتراسنا حين يشاء.» # ولم يخل المؤتمر من عقل وحكمة فأصاخ إلى الرأي الصراح، وقضى برفض ذلك ~~الاقتراح. # أبو معشر الساحر # كبر الفلكي الطيب أبو معشر فكف عن ms153 العمل، ولاذ بقمة الجبل، وتجنب عشرة الناس، ~~وأنس إلى أصحابه من المردة والجان الذين يحبونه ويرفهون عنه الوحدة بالأحاديث ~~والأسمار، وما فيها من معارف وأخبار. # وزاره بلوبيل المريد ذات مساء، وهو مارد عظيم تعلو هامته سبعة فراسخ، وينبسط ~~جناحاه على رحاب دولة شاسعة، فاستراح في لطف وهينة على ذؤابات الشجر في الوادي ~~وأسند رأسه إلى جبل قلبون، واستقبل خيمة الساحر الكبير بوجهه المنير. # وتحدث إليه الساحر حديث الخشوع والتقوى عن حكمة العلي الأعلى، وعما في مقاديره من ~~الخير والبركة، وقال للمارد: إن نعمته سبحانه وتعالى أجل من أن يحصيها، وإنه يركض ~~عقله إلى أقصاه، ولا يدرك به الشأو فيما ينقب عنه ويتقصاه. # قال بلوبيل: على رسلك أيها الصديق، ولا تسرف في أمر تلك المزية التي تسميها ~~بالعقل والحكمة، فإنك لو علمت أصلها ولمست مواطن ضعفها، كنت إلى الخجل منها أدنى ~~منك إلى الزهو بها والاتكال عليها. # قال أبو معشر: أنبئني إذن بما لا أعلم، واكشف عني غشاء الجهالة، وسدد فهمي بنور ~~الهداية. # قال بلوبيل: تأمل يا أبا معشر في سلم الخلق من الفيل إلى الصدفة، وانظر إلى درجة ~~منها بعد درجة تجدها قريبا من قريب حتى لا فجوة بينها ولا تكاد تلمح الفارق بين ~~منازلها ودرجاتها. وإن الناس عامة ليجهلون ما يجهلون، ولكنك أنت - أبا معشر - أهل ~~لأن تعلم ما فوق الفيل من منازل ودرجات إلى غاية الغايات من العظائم والطيبات. فلا ~~فجوة هناك بين خلق وخلق، بل هي درجة فوق درجة وأفق يعلوه أفق، لا يدركها البصر ولا ~~يستوعبها الضمير، ولا يرتفع إليها الطرف إلا ارتد وهو حسير. # 2 # ذبابة الربيع # وألف فرنكلين هذه الخرافة، أو هذه الحكاية الرمزية ذات المعنى، بعد رحلة خلوية ~~إلى جزيرة مولان جولي # Moulin Joli # بنهر السين، مع ~~السيدة بريون التي كانت مشغولة - كسيدات المجتمع الباريسي كله - بالحرب الموسيقية ~~بين المدرسة الألمانية والمدرسة الإيطالية، وكان في الرحلة معها طائفة من العلية ~~المهذبين تحدثوا في مسائل شتى من مسائل الأدب، والفن، والفلسفة، وكتب فرنكلين هذه ms154 ~~الحكاية ليضمنها عبرة الحياة بعد اليوم الذي قضوه في النزهة، أو بعد الأجل المعدود ~~لأجيال الذباب التي تظهر في موسم الربيع، وتكثر في جزر الأنهار الفرنسية، ولا يطول ~~بها العمر وراء اليوم الذي تولد فيه. # قال وهو يهدي الحكاية، أو العبرة، إلى تلك السيدة: # تذكرين يا صديقتي العزيزة أنني في ذلك اليوم السعيد الذي قضيناه في ~~الحديقة البهجة والصحبة الحلوة عند مولان جولي، قد تنحيت هنيهة عن الزمرة ~~وتخلفت وراءها قليلا منفردا بنفسي، وقد رأينا أثناء ذلك عددا كبيرا من ~~«الهياكل العظمية» لذلك الذباب الذي يسمونه تارة «بالمنا» وتارة بذباب ~~الربيع، وقيل لنا: إن أجيالا منه تحيا وتموت وتتعاقب في مدى النهار ~~الواحد، وصادفني جمع من هذا الذباب منعقدا على ورقة من أوراق الشجر ~~مستغرقا في الحوار والجدل، وأنت تعلمين أنني بألسنة هذه الخلائق الدنيا ~~خبير. # إن اشتغالي بألسنة هذه الأحياء لهو العذر الذي أعتذر به من التقدم البطيء ~~في تعلم لسانكم الجميل، فأصغيت - بداعي الفضول - إلى حديث المؤتمر، ولم ~~يتيسر لي أن أستوضح جلية القول من كل حديث؛ لأنهم كانوا في اندفاعهم وحمية ~~شبابهم يتكلمون كل أربعة أو خمسة في وقت واحد. إلا أنني أدركت من كلمة هنا ~~وكلمة هناك أنهم يتناقشون في المفاضلة بين الطنين الذي يسمع من إحدى مدارس ~~الذباب الغنائية والطنين الذي يسمع من المدرسة الأخرى، وكانوا مستغرقين في ~~هذه المناقشة كأنهم على ثقة من امتداد العمر بهم شهرا أو يزيد. # قلت في نفسي: ما أسعد هؤلاء القوم! وقلت كأنني أخاطبهم: لا شك أنكم ~~تعيشون في ظل حكومة رفيقة عادلة، لا تشغلكم بالشكايات والمظالم عن ~~الاسترسال في أمثال هذه الأحاديث عن الموسيقى الأجنبية التي تبحثون في ~~محاسنها أو عيوبها، وأدرت بصري عنهم، فلمحت واحدا منهم أشيب الرأس منفردا ~~على ورقة أخرى يناجي نفسه نجاء أعجبني وراقني، فدونته على الورق ~~لساعته. # كان هذا الحكيم الذبابي يقول: إن حكماء أمتنا الذين عاشوا قبلنا منذ عصر ~~بعيد يقولون: إن هذا العالم الفسيح المسمى بالمولان جولي لن يعمر أكثر من ms155 ~~ثماني عشرة ساعة، وأخالهم على حق فيما يقولونه؛ لأن هذا النهر العظيم الذي ~~تتولد منه الحياة كلها قد مال في حياتي إلى جانب البحر المحيط حيث يغرق لا ~~محالة، وينطفئ وتخمد معه شعلة الحياة في كل مكان، ويدع هذا العالم الكبير ~~مطويا في غمرة البرد والظلام. # ولقد عشت سبعا من هذه الساعات - عمرا طويلا ولا ريب؛ لأنه لا يقل عن ~~أربعمائة وعشرين دقيقة، وما أقل الذين يعمرون منا مثل هذا العمر الطويل! ~~لقد أبصرت بعيني أجيالا تولد، وتحيا، وتموت، وصحابتي اليوم إنما هم ~~الأبناء والحفدة لمن كانوا صحابة لي في ريعان الشباب، ولم يبق منهم أحد ~~أراه وا أسفاه. # وإني لا محالة لاحق بهم عما قريب؛ فإنني - وإن كنت في صحة وعافية - لن ~~أخرق قانون الطبيعة، ولا مطمع لي في البقاء بعد سبع دقائق أو ثمان. فما ~~غناء هذا العناء الذي عانيته وهذا الشهد الذي جمعته على هذه الورقة حيث ~~أتركه ولا أنعم بمذاقه؟ ما غناء الغزوات السياسية التي غزوتها في سبيل هذه ~~الجماعة على تلك الأجمة؟ ما غناء الفلسفة ومعضلاتها التي تعمقت فيها عسى أن ~~أفيد بها أبناء النوع كله؟ وما غناء القانون في السياسة بغير أخلاق؟ # إن جيلنا الحاضر من ذباب الربيع لوشيك أن يخالطه الفساد والمنكر خلال ~~لحظات، ويصبح كغيره وغيره من سكان تلك الأجمات في ضروب الفساد والشقاء، أما ~~الفلسفة، فما أقصر الخطى التي خطوناها في مضمارها! وما أصدق قول القائلين: ~~إن الفن لطويل، وإن العمر لقصير. # ويواسيني أصدقائي، فيذكرون لي السمعة التي سأتركها من بعدي ويقولون لي : ~~أنني استوفيت حكم الطبيعة، وحكم المجد أجمعين. فماذا تجدي السمعة ذبابة قد ~~فنيت وليس لها من وجود؟ وماذا يبقى من التاريخ كله بعد الساعات العشر ~~والثمان، وبعد فناء الدنيا وفناء المولان جولي نفسها في غيابة الظلام ~~والخراب؟ # إنني - بعد السعي الحثيث والدأب الطويل - لم يبق لي من متعة في العمر غير ~~التدبر في تلك الأيام الطوال التي أحسنت فيها المقصد والنية، وغير الأحاديث ~~التي أبادلها نخبة من الذبابات ms156 الطيبات، وغير ابتسامة من حين إلى حين، أو ~~أغنية في يوم بعد يوم، تجود بهما الحبيبة الحسناء. # إبراهيم والضيف الكبير # وحدث بعد هذه الأشياء أن إبراهيم جلس على باب خيمته قريبا من وقت غروب ~~الشمس. # ونظر فرأى رجلا حنته السنون مقبلا من ناحية البرية، متوكئا على عكاز. # ونهض إبراهيم واستقبله وسأله قائلا: بحقك أن تأوي إلى خيمتي أغسل قدميك، وتستريح ~~طول الليل، وتمضي إلى سبيلك عند الصباح. # ولكن الرجل قال: لا، وقال أنه سينام تحت تلك الشجرة. # وكرر إبراهيم الدعوة وألح عليه كثيرا ليقبل دعوته، فقبل ودخل معه الخيمة وصنع له ~~إبراهيم خبزا فطيرا وأكلا معا. # ولما رأى إبراهيم أن الرجل لم يحمد الرب ولم يتوجه إليه بالصلاة سأله: ما لك لا ~~تعبد الرب العلي الأعلى خالق الأرض والسماء؟ # وأجاب الرجل فقال: إنني لا أعبد الإله الذي تتحدث عنه ولا أسبح باسمه؛ لأنني ~~اتخذت لنفسي ربا يقيم معي في بيتي ويزودني بجميع الأشياء. # وثارت ثائرة إبراهيم على الرجل فقام ودفع به إلى البرية مشيعا باللطمات ~~والضربات. # وفي منتصف الليل نادى الرب إبراهيم قائلا: أين الرجل الغريب؟ # وأجاب إبراهيم فقال: إنه لا يعبدك ولا يسبح باسمك، فأخرجته لأجل هذا من خيمتي ~~ودفعت به إلى البرية. # وقال الرب: هل أصبر عليه أنا هذه السنين المائة والثماني والتسعين أطعمه وأكسوه ~~ولا أبالي عصيانه لي، وتأتي أنت صاحب الخطيئة فلا تصبر عليه ليلة واحدة؟ # وقال إبراهيم: لا يحم غضب الرب على عبده. لقد أخطأت وأتوسل إليك يارب أن تغفر لي ~~خطيئتي. # ونهض إبراهيم وخرج إلى البرية وبحث عن الرجل بحثا شديدا، فوجده وعاد به إلى ~~الخيمة فأكرمه وتلطف له وشيعه في اليوم التالي بالهدايا. # وتكلم الرب مرة أخرى مع إبراهيم قائلا: من أجل خطيئتك هذه يتعذب أبناؤك أربعمائة ~~سنة في أرض غريبة. # ولكن من أجل توبتك أنقذهم وأخرجهم أقوياء بقلوب فرحة وخير كثير. # 3 # | علميات # الزيت على الماء # والرسالة الآتية كتبها فرنكلين إلى صديقه وليام بروننج من علماء إنجلترا الطبيعيين في ~~عصره، يطلعه فيها ms157 على تجاربه في تهدئة البحر الهائج بصب الزيت على الماء، وقد تليت هذه ~~الرسالة على مجمع العلوم البريطاني في الثاني من شهر يونيو سنة 1774 ثم نشرت في ~~مجموعتها الفلسفية، وقد ترجمناها من «الكتابات الترجمية» التي سبقت الإشارة إليها: # لندن في السابع من نوفمبر سنة 1773 # سيدي العزيز # أشكر لك ما أبلغتني من ملاحظات صديقك العلامة في كارليسل، وقد كنت في صباي ~~أبتسم حين أقرأ كلام بليني Pliny # عن عادة ~~الملاحين في زمنه أن يعالجوا تهدئة الأمواج في العاصفة بإراقة الزيت على البحر، ~~وهي عادة أشار إليها مع إشارته إلى استخدام الغطاسين للزيت، ولكنني لم أتلفت ~~إلى تهدئة الهواء العاصف برش الخل فيه، وأرى كما يرى صديقك أن المتأخرين أفرطوا ~~في السخرية من معارف الأولين، وأرى كذلك أن العلماء أيضا يفرطون في السخرية من ~~معارف العامة، ومن الأمثلة على ذلك أن التبريد بالتبخير تجربة عرفها العامة منذ ~~زمن طويل، وأما تهدئة الأمواج بالزيت فهي من الأمثلة على كلا الأمرين. # ولعلك لا تأبى أن أبسط لك كل ما سمعت وعلمت وعملت في هذا الصدد، وهأنذا ~~أستأذنك في أن أبسطه بين يديك: في سنة 1757 كنت في أسطول مؤلف من ستة وتسعين ~~شراعا يتجه إلى لويربورج، ولاحظت أن مؤخرة سفينتين في الأسطول هادئة على نحو ~~يلفت النظر، على حين لاحظت الاضطراب في السفن الأخرى بمهب الريح التي أخذت في ~~الهبوب. وحرت في الاختلاف بين المنظرين، وأفضيت بحيرتي إلى الربان سائلا عن سر ~~هذا الاختلاف، فقال لي: إن الطباخين على ما يظهر قد أفرغوا في البحر بقايا ~~الماء الوضر، فأسلست قليلا جوانب السفينتين، وكان في إجابته مسحة من الاستخفاف ~~بهذا الجهل لأمر من الأمور االتي لا يجهلها أحد، ولكنني استخففت أيضا بالتفسير ~~الذي أبداه، وإن لم يكن في وسعي أن أعثر على تفسير خير منه، ثم تذكرت ما قرأت ~~في بليني، فعولت على تجربة أثر الزيت على الماء عند سنوح الفرصة ~~الملائمة. # وعدت إلى البحر منفردا سنة 1762، فلاحظت أولا ذلك الهدوء العجيب في ms158 الزيت ~~الذي كان على ماء المصباح المترجح الذي علقته في الكبينة كما وصفته في أوراقي، ~~وطفقت أنظر إليه وأظنه ظاهرة ليس لها تفسير. وكان معي من الركاب ربان قديم لم ~~يهتم بالملاحظة؛ لاعتقاده أن الظاهرة من قبيل ظاهرة الزيت الذي يراق على ~~الأمواج لتهدئتها، وهي كما قال عادة البرموديين كلما أرادوا إصابة سمكة يحول ~~اضطراب الموج دون رؤيتها، ولم أكن قد سمعت بهذه العادة قبل ذلك، فكنت مدينا له ~~بما أخبرني عنها، وإن كنت لا أوافقه على التشابه بين ظاهرة المصباح وظاهرة ~~الموج؛ لما بينهما من الاختلاف في العمل والنتيجة؛ إذ كان الماء في إحدى ~~الحالتين هادئا حتى يوضع الزيت عليه فيضطرب، وكان الماء في الحالة الثانية ~~مضطربا حتى يوضع الزيت عليه فيهدأ. # وأخبرني السيد نفسه أن العادة متبعة بين الصيادين من أهل لشبونة، كلما عادوا ~~إلى النهر وأبصروا على حوافي القوارب طفاوات يخشون أن تغمرها، فإنهم في هذه ~~الحالة يفرغون زجاجة أو زجاجتين على ماء البحر فلا يطغى على القوارب ويمرون ~~بسلام. # ولم تسنح لي فرصة لتعزيز هذا الخبر حتى تحدثت مع شخص آخر طويل الخبرة ~~بالملاحة في البحر الأبيض المتوسط، فأخبرني أن الغطاسين هناك إذا احتاجوا إلى ~~النور في القاع وحال بينهم وبينه اضطراب سطح الماء، نفثوا من أفواههم قليلا من ~~الزيت بين حين وحين، فصعد إلى السطح وهدأ الماء فنفذ منه النور، وجعلت أقلب هذه ~~المعلومات في ذهني وأعجب لخلو كتبنا في التجارب الفلسفية من الإشارة ~~إليها. # وألفيتني أخيرا في كلافام، وفيها بركة لاحظت يوما من الأيام أنها مضطربة ~~الماء فأرقت عليها قليلا من الزيت ورأيته ينتشر على سطحها بسرعة مدهشة، ولكنه ~~لم يؤثر في تهدئة الماء؛ لأنني أرقته في اتجاه الريح حيث كان معظم الموج فعادت ~~به الريح إلى الشاطئ، فقصدت بعد ذلك إلى الجهة التي تهب منها الريح ويتموج ~~عندها الماء، وألقيت ثمة قليلا من الزيت لا يزيد على ملء ملعقة من ملاعق ~~الشاي، فما هو إلا أن وصل إلى الماء حتى سكن على الأثر ms159 إلى مدى عدة ياردات، ~~وراح ينتشر وينتشر حتى بلغ الجانب الآخر مهدئا تلك الرقعة كلها - قرابة نصف ~~فدان - كأنها صفحة مرآة. # بعد ذلك تعودت أن آخذ معي - كلما ذهبت إلى الخلاء - قليلا من الزيت في تجويف ~~القصبة العليا من عصاي لأكرر التجربة حيث تتهيأ لي الفرصة، فوجدتها ناجحة على ~~الدوام. # وقد لفتني في جميع هذه التجارب شيء واحد بصفة خاصة، وهو هذا الانتشار الواسع ~~السريع القوي الذي تنتشره قطرة واحدة من الزيت على صفحة الماء، ولا أعلم أن ~~أحدا اهتم بهذه المشاهدة قبل الآن. فإن قطرة الزيت إذا وضعت على مائدة من ~~المرمر المصقول أو على مرآة في وضع أفقي تلبث في موضعها ولا تنتشر إلا ~~قليلا. # إلا أنها إذا ألقيت في الماء لا تلبث أن تنتشر على صفحته عدة أقدام، وترق ~~جدا حتى تنعكس عليها ألوان الطيف إلى مدى غير قصير، ثم لا تزال ترق وراء هذا ~~المدى حتى لا تبدو للنظر، إلا ما يكون من أثرها في تهدئة الموج، وكأنما يحدث ~~بين أجزائها تدافع مشترك في اللحظة التي تقع فيها على الماء، ويكون ذلك التدافع ~~من القوة بحيث يعمل عملا في الأجسام العائمة على صفحة الماء من قبيل القش أو ~~ورق الشجر أو الحتاتة، مضطرا إياها أن ترجع عن القطرة كأنها ترجع عن مركز ~~حركة إلى مدى غير قريب، ولم أتبين بعد مقدار هذه القوة، ولا قياس المدى الذي ~~يمتد إليه أثرها، ولكني أحسبها مسألة من مسائل البحث وأود أن أستطلع ~~سرها. # وقد سافرت إلى الشمال تلك السفرة التي سعدت فيها بلقائك في أورماثويت # Ormathwaite # فزرنا النابه الشهير مستر ~~سميتون على مقربة من ليدز، وهممت أن أريه التجربة على بركة صغيرة بجوار بيته ~~فقال لنا تلميذ ذكي من تلاميذه - وهو مستر جيسوب - أنه شهد هنالك ظاهرة غريبة ~~منذ وقت قريب، وكان يهم بأن يغسل في الماء قدحا من أقداح الشاي يضع فيه الزيت، ~~فألقى منه على الماء بضع ذبابات غرقت في الزيت، فما كادت تصل إلى الماء حتى ms160 ~~أخذت تتحرك وتدور دورة سريعة كأنها حية ناشطة، وإن كان قد لمسها فعلم أنها ليست ~~كذلك، فاستخلصت من ذلك على الأثر أن الحركة آتية من التدافع الذي أشرت إليه، ~~وأن الزيت الذي يرسله جسم الذبابة الإسفنجي تدريجا يدفع تلك الحركة إلى ~~الاستمرار، وعاد التلميذ فوجد في الزيت بعض الذبابات الغرقى، كررنا التجربة ~~عليها وأردت أن أستوثق من أن الحركة لم تحدث من رجعة الذباب إلى الحياة، فأجريت ~~التجربة على الفتات وقطع الورق مقصوصة على شكل الواو في حجم الذبابة المألوف، ~~فوجدنا التيار يدفعها ويدير الواو إلى الجهة المضادة. وليست هذه تجربة بيتية ~~بين جدران حجرة؛ لأنها لا يمكن أن تعاد في ماء جردل أو إناء على المائدة، ولا ~~بد من صفحة كبيرة على وجه الماء تتسع لامتداد قطرات الزيت القليل. أما الطبق أو ~~الإناء فإن قطرة الزيت الصغيرة فيه إذا ألقيت في الوسط شاعت على وجه الماء كله ~~طبقة وضرة صادرة من القطرة وتوقف صدورها لمجرد وصول الطبقة إلى جوانب الإناء، ~~ومنعتها تلك الجوانب أن تتخذ شكلا غير شكل الزيت بمنع الامتداد من ~~مصدرها. # وقد ذهب صديقنا سير جون برنجل بعد ذلك إلى سكوتلاند، فعلم أن الصيادين الذين ~~يعملون في صيد سمك الرنجة يستطيعون رؤيتها على بعد، وأنهم ربما ساعدهم على ~~الرؤية مادة زيتية تنبعث من أجسامها. # وأخبرني سيد من جزيرة رود أنهم لاحظوا هناك في ميناء نيوبورت أن الماء يظل ~~ساكنا ما بقيت فيه سفينة من السفن التي تستخدم في صيد الحيتان، وربما كان ذلك ~~لأن الآنية التي يودعونها دهن الحوت يرشح منها الدهن إلى الماء الذي يفرغونه من ~~سفنهم وينتشر على صفحة الماء في الميناء، فيحول دون إثارة الأمواج عليه. # وسأحاول تفسير ذلك المانع؛ فالظاهر أنه لا توجد بين الماء والهواء طبيعة ~~التدافع التي تمنع اتصال أحدهما بالآخر. ومن ثم نجد في الماء بعض الهواء ويعود ~~الهواء بمثل ذلك المقدار إلى الماء إذا استخرجناه بالمضخات، وعلى هذا يمكن أن ~~يمر الهواء على صفحة الماء الساكنة ويحدث فيها الثنايا ms161 التي تتكون منها ~~الأمواج، ومتى برزت موجة - بالغة ما بلغت من الصغر - على وجه الماء لم تهبط على ~~الأثر فتترك الماء إلى جانبها على سكونه، بل يكون هبوطها سببا لبروز موجة أخرى ~~بغير اختلاف في احتكاك الأجزاء، وإذا ألقي في الماء حجر نشأت منه موجة واحدة ~~حوله في أول الأمر ويتركها فيرسب في القاع، ولكن هذه الموجة تهبط فتبرز إلى ~~جانبها موجة أخرى فموجة غيرها إلى أمد بعيد. # والقوة الصغيرة إذا تكررت كان لها أثر كبير. فالإصبع إذا لمست جرسا كبيرا ~~لمسة واحدة لم تحركه إلى حركة يسيرة، ولكنها إذا لمسته مرة بعد مرة بالقوة ~~نفسها زادت الحركة حتى يصل الجرس إلى أعلى ذروته بقوة لا تستطيع الذراع كلها أن ~~تقاومها، وكذلك الموجة الصغيرة الأولى التي تظل الريح مؤثرة فيها تزداد في ~~الامتداد، وإن كانت الريح لا تزداد في القوة، وترتفع ثم ترتفع فتمتد قواعدها ~~حتى تشمل مقدارا كبيرا من الماء في كل موجة، وتندفع في حركتها بقوة ~~شديدة. # أما إذا وجد التدافع المتبادل بين أجزاء الزيت، ولم يوجد التجاذب بين الزيت ~~والماء، فالزيت الذي يراق في الماء لا يتماسك في الموضع الذي ألقي فيه ولا ~~يمتصه الماء، وينطلق ممتدا بغير عائق فينبسط على صفحة واسعة تحول - فضلا عن ~~ملاستها - دون احتكاك الهواء مباشرة بالماء، ويستمر هذا المانع مع امتداد الزيت ~~حتى يبلغ من الامتداد غايته القصوى فيضعف أثره ويزول. # وإنني أتخيل الآن أن الريح متى هبت على ماء مغطى على ذلك النحو بطبقة من ~~الزيت، لم يسهل احتكاكها به ذلك الاحتكاك الذي يبرز الموجة الأولى، بل تنساب ~~فوقه وتدعه ساكنا كما كان، وهي تحرك الزيت قليلا ولا شك، ولكنها حركة بين ~~الزيت والماء تساعده على الانسياب وتمنع الاحتكاك، كما يمنع احتكاك أجزاء ~~الآلات، ولهذا يذهب الزيت الذي يراق في اتجاه الريح إلى الوجهة المقابلة؛ إذ ~~كانت الريح في هذه الحالة لا تتمكن من إثارة الخلجات الأولى التي تتكون منها ~~الأمواج، فتبقى البركة كلها على حالها من الهدوء. # وفي وسعنا ms162 إذن أن نقمع الموج حيث نريد إذا وصلنا إلى المهب الذي تنشأ منه ~~أوائلها، ويتعذر ذلك في البحر المحيط أو يحدث في الندرة القليلة إن حدث، إلا ~~أنه قد يتيسر بعض العمل لتخفيف دفعة الأمواج حين نكون في وسطها، فنمنع انكسارها ~~كلما وافقنا ذلك؛ إذ لا يخفى أن الريح كلما هبت من جديد نجم وراء كل موجة خلجات ~~صغار تزعج صفحتها وتهيئ للريح أن تأخذ بمقبضها لتدفعها دفعة أقوى، وهذا المقبض ~~لا يتهيأ للريح بمنع الخلجات الصغار، وربما لم يتهيأ كذلك عند تزييت صفحة ~~الموجة، فتدفعها الريح إلى أسفل بدلا من تحريكها إلى جانبها، وتعمل بذلك على ~~تهدئة الموج بدلا من استمراره. # وهذا - على اعتباره من قبيل التخمين - لا قيمة له إن لم يكن صب الزيت في وسط ~~الأمواج ذا بال، ولم يفسر بعد بتفسير غير هذا التفسير. # إن الريح عندما تهب متوالية بحيث لا تسرع الموجات إلى تلبية فعلها تكون ~~رءوسها خفيفة، فتندفع وتتكسر كالرغو الأبيض، وإن الأمواج عادة ترفع السفينة ولا ~~تدخلها، ولكن هذه الأمواج المرغية المزبدة إذا تعاظمت وارتفعت قد تغمرها ~~وتعرضها للخطر العظيم. # وليس لدينا تجربة تثبت لنا أن هذا الخطر يمكن منعه، وأن ارتفاع الأمواج في ~~البحر الزاخر مما يمكن تخفيفه؛ لأن ملاحظة بليني عن تجارب الملاحين في عصره لم ~~يلتفت إليها، إلا أنني حادثت أخيرا صاحب السعادة الكونت بنتنك الهولندي، وابنه ~~الربان بنتنك، والأستاذ العلامة اليماند، وأريتهم تجاربي في تهدئة الأمواج ~~العالية على رأس البستان الأخضر، فذكر لي الكونت خطابا تلقاه من بتافيا عن ~~إنقاذ سفينة في زوبعة بصب الزيت على الماء ، ووددت لو حصلت على نسخة من هذا ~~الخطاب، فسمح لي الكونت بها بعد ذلك، وهذه هي نبذة من الخطاب المؤرخ في الخامس ~~من شهر يناير سنة 1730 يقول فيها مستر تنجناجل للكونت بنتنك: # إنه على مقربة من جزائر بول وأمستردام لم يوجد ما يستحق التبليغ، إلا ~~ما حدث من اضطرار الربان طلبا للسلامة أن يصب الزيت على الماء لمنع ~~تدفق الأمواج فيها، ms163 فكان لذلك أثر بين ونجونا بفضله، ولما كان الربان ~~قد حرص على صب الزيت قليلا بعد قليل، فشركة الهند الشرقية مدينة بنجاة ~~سفينتها لست قنينات من زيت الزيتون، وقد كنت على ظهر المركب عند إجراء ~~هذه التجربة، ولم يحملني على الكتابة بها إليك إلا ما وجدته من شك ~~القوم في نفعها وضرورة العلم بهذا النفع وإقرار هذه التجربة بشهادتنا ~~وشهادة الضباط في السفينة، مما تيسر لنا بغير مشقة. # لهذه المناسبة رويت للربان بنتنك فكرة خطرت لي أثناء الاطلاع على رحلات ~~ملاحينا المتأخرين، وبخاصة حين يذكرون الجزر الجميلة الخصبة التي يتوقون إلى ~~الإرساء بها إذ يلجئهم إلى ذلك الدوار والمرض، ثم يحول البحر المضطرب دون ~~بلوغهم شواطئها، والفكرة التي خطرت لي أنهم يستطيعون الإرساء بها إذا ترددوا ~~جيئة وذهوبا على مسافة قريبة من الشاطئ، وصبوا الماء أثناء ذلك مع اتجاه الريح ~~الساحلية، فربما هبطت الأمواج قبل وصولهم إلى الشاطئ، وهدأت حركتها العنيفة ~~هدوءا يمكنهم من الوصول إليه، إذ يكون في الأمر من الفائدة ما يساوي قيمة ~~الزيت المصبوب. # وتفضل السيد، الذي أثرت عنه الغيرة على تحقيق كل ما فيه المصلحة، وإن لم ~~يلتفت إلى مخترعاته الذكية الالتفات الواجب لها، فدعاني إلى بورتسموث حيث يرجى ~~أن تسنح الفرصة للتجربة على شواطئ سبتهيد، وتلطف فزاملني في الرحلة، ووعد ~~بإعطائي الزوارق اللازمة لتلك التجربة. # وعلى ذلك ذهبت إلى بورتسموث حوالي منتصف أكتوبر الماضي مع بعض الصحاب، وهبت ~~ريح ساحلية بين مستشفى هسلار والموقع القريب من جليكر، فخرجنا من السفينة ~~سنتاءور في زورق طويل وصندل متجهين إلى الساحل، وكان ترتيبنا هكذا؛ الزورق ~~الطويل على مسافة ربع ميل من الساحل، وفئة من الصحبة نزلت على الساحل وراء ~~الموقع القريب من جليكر؛ وهو مكان محمي من ناحية البحر، ثم جاءت واستقرت على ~~مكان مواجه للزورق الطويل حيث يتسنى لهم أن يراقبوا صفحة الماء، ويلاحظوا ما ~~يطرأ عليها من التغيير بعد صب الزيت، وكانت فئة أخرى على الصندل على اتجاه ~~الريح من ناحية الزورق الطويل في موضع وسط ms164 بينه وبين الساحل تذهب وتجيء وهي تصب ~~الزيت على الماء من قدرة فيها سدادة مفتوحة أوسع قليلا من ريشة الأوزة، فلم ~~تسفر التجربة عن النجاح الذي رجوناه ولم يلاحظ فرق محسوس على الموج بجوار ~~الساحل، غير أن ركاب الزورق الطويل شاهدوا ممرا هادئا على طول المسافة التي ~~كان الصندل يصب الزيت عليها يتسع كلما اقترب من الزورق الطويل، وأقول: إنه ممر ~~هادئ، ولا أعني أن صفحة الماء كانت مستوية، بل أعني أنها مع ارتفاع الموج فيها ~~لم يكن ثمة أثر للخلجات الصغيرة التي أشرت إليها آنفا، ولا للزبد الذي يعلو ~~فوق رءوس الأمواج، وإن يكن في متجه الريح والجانب المقابل له كثير من تلك ~~الخلجات، واتفق مرور زورق منشور الشراع هناك، فاختار الممر طريقا ~~للعبور. # وقد يفيد وصف التجربة التي لم تنجح عسى أن تصحح التجربة في مرة أخرى، ولهذا ~~وصفتها بالتفصيل، وأرجو أن أضيف إلى وصفها تعليلا لحبوطها وخيبة الأمل ~~فيها. # يلوح لي أن عمل الزيت على الماء «أولا» أن يمنع ارتفاع موجات جديدة بهبوب ~~الريح، وثانيا أن يمنع اندفاع الموجات التي ارتفعت فعلا بقوتها الأولى، فلا ~~تحدث موجات أخرى ترتفع مثل ارتفاعها كما يحدث لو لم يكن على صفحة الماء زيت ~~مصبوب. إلا أن الزيت لا يمنع التموج الذي يحدث لسبب آخر أو قوة أخرى، كقوة ~~الحجر الذي يسقط في بركة ساكنة؛ لأن الموج يرتفع إذن بقوة الحجر الدافعة ~~«الميكانيكية» التي لا تستطيع الصفحة المزيتة أن تمنعها كما يمتنع اتصال الهواء ~~بالماء وإثارة الأمواج فيه. # والموجات التي ترتفع بقوة الريح أو بغيرها تعمل عملا واحدا في الارتفاع ~~والهبوط، كما يعمل الرقاص بعد انقطاع عمل القوة التي دفعته إلى الحركة الأولى، ~~وهي حركة تسكن مع الزمن، ولكن لا بد لها من زمن على أية حال. # وعلى ذلك يمكن أن يضعف الزيت على البحر الهائج دفعة الموج الذي على صفحته، ~~فيهبط لامتناع التأثير الجديد الذي يطرأ عليه، ولكنه لا بد من مرور زمن قبل ~~ظهور الأثر على مثال ما يحدث ms165 عند هدوء الريح فجأة؛ فإن الأمواج لا تهدأ فجأة ~~بهذه السرعة، بل تأخذ في الهدوء شيئا فشيئا حتى تنقطع الريح. # ونحن كذلك وصلنا بصب الزيت على الماء إلى تهدئة الأمواج التي ارتفعت قبل ذلك، ~~ولم يكن منتظرا أن تتم هذه التهدئة على الأثر حتى تستوي الصفحة كل الاستواء، ~~ولا بد للحركة التي بعثتها أن تستمر بعض الوقت، وأن تصل إلى الساحل بقوة وسرعة ~~إن لم يكن على مسافة بعيدة، فلا يلاحظ عليها ضعف محسوس، ويجوز أننا - على مسافة ~~أبعد من تلك - كنا نحس للتجربة أثرا أكبر من ذلك لو أننا بدأنا عملنا على ~~مسافة أبعد من الساحل، أو يجوز أن الزيت الذي صببناه لم تكن فيه الكفاية، وتظهر ~~النتيجة في التجارب التالية. # ولقد شكرت الربان بنتنك لمساعدته الطيبة الرضية، ولا أنسى فضل مستر بانكس، ~~والدكتور سولاندر، والجنرال كارنوك، والدكتور بلاجدن الذين اشتركوا في التجربة ~~في ذلك اليوم المضطرب المزعج، وصبروا على الدأب فيها صبرا لا باعث له غير ~~زيادة المعرفة، وبخاصة تلك المعرفة التي تنفع الناس في مواقف الشدة ~~والحرج. # وبودي لو أطلعت صديقك الألمعي مستر فاريس على هذه الرسالة مع تبليغه تحيتي ~~واحترامي، وإنني يا سيدي العزيز مع تقديري الخالص ... إلخ إلخ. # | اجتماعيات # والاجتماعات التي كتبها فرنكلين تتسم - كسائر كتابته - بسمة السماحة الفطرية التي ~~تنظر إلى الحقائق من وراء حدود الأجناس والألوان، وتعرف في الوقت نفسه حدود الطاقة ~~الإنسانية، فلا تنسى الأعذار وهي تحكم على الذنوب، ولا تجهل الضرورات وهي تتكلم على ~~الواجبات، ونجتزئ من هذه الاجتماعيات بفصلين؛ أحدهما عن الهنود الحمر، والآخر عن المرأة ~~الخاطئة. # قال بعنوان : «في شئون المتوحشين المقيمين بأمريكا الشمالية» نسميهم متوحشين؛ لأن ~~عاداتهم تخالف عاداتنا التي نحسبها غاية الدماثة والأدب، وإنهم ليحسبون عاداتهم ~~كذلك. # وأخالنا لو درسنا عادات الأمم المختلفة بغير تحيز لم نجد شعبا قط يبلغ من خشونته أن ~~يتجرد من قواعد الأدب والمجاملة، ولم نجد شعبا قط يبلغ من أوبه ومجاملته أن يخلو من ~~بعض الخشونة. # إن الرجال الهنود في صغرهم صيادون ms166 ومقاتلون، وهم في كبرهم نصحاء مستشارون؛ لأن أمور ~~الحكم كلها تجري بينهم وفاقا لمشورة الحكماء؛ فلا سلطة ولا سجون ولا شرطة تكرههم على ~~الطاعة، ولهذا تراهم يمارسون صناعة الكلام، فأبلغهم أكبرهم نفوذا بين قومه. # والنساء الهنديات يحرثن الأرض، ويطهون الطعام، ويرضعن الأطفال ويربينهم، ويحفظن للخلف ~~مأثورات السلف. # وهذه الشواغل التي يشتغل بها الرجال والنساء معدودة بينهم من الأمور الفطرية الموقرة. ~~وهم - لقلة مطالبهم الصناعية - يجدون متسعا من الوقت لتهذيب المحادثة والسمر، وينظرون ~~إلى أسلوبنا المجهد في المعيشة نظرتهم إلى ضعة الرق والخسة، كما ينظرون إلى التعليم ~~الذي نفخر به كأنه تفاهة وعبث بغير جدوى، وقد شهدنا مثلا على ذلك في معاهدة لانكستر ~~ببنسلفانيا سنة 1744 بين حكومة فرجينيا، والأمم الست الهندية. فبعد التفاهم على المسائل ~~الهامة أبلغ المندوبون عن حكومة فرجينيا جماعة الهنود مشافهة أن في وليامبرج كلية ذات ~~رصيد مخصص لتعليم أبناء الهنود، وأن رؤساء الأمم الست إذ راقهم أن يرسلوا إلى الكلية ~~فئة من أبنائهم - ستة مثلا - فالحكومة هناك على استعداد للعناية بهم وتوفير لوازمهم ~~وتعليمهم كل ما يتعلمه أبناء البيض. # ومن آداب الهنود المرعية أنهم لا يجيبون مقترحا عاما لساعته؛ إذ يرون في ذلك شيئا ~~من الاستخفاف به، وأنه غير جدير منهم بالبحث والمراجعة، ويستمهلون المقترح ريثما ينظرون ~~فيه ليدلوا بذلك على اهتمامهم بأمره، ووفاقا لهذا العرف طلبوا المهلة لليوم التالي كي ~~يجيبوا عن ذلك الاقتراح، فلما كان الموعد أعرب مدرة القوم عن شعورهم العميق بلطف ~~الحكومة الفرجينية في عرض تلك المنحة الكريمة؛ لأنه يعلم أن البيض يكبرون شأن التعليم ~~في الكلية، وأن توفير المطالب لأبناء الهنود في تلك الكلية يكلفها كثيرا من النفقة، ~~وأن الاقتراح - ولا شك - ينم على حب الخير، ويستوجب منهم الشكر الجزيل. # قال: إلا أنكم - بما لكم من الحكمة والخبرة - تعلمون أن الأمم المختلفة تختلف في ~~النظر إلى الأشياء وتقديرها، وإنكم لا تلوموننا إذا كانت آراؤنا في ذلك النمط من ~~التعليم لا يتفق لها أن تطابق آراءكم. وقد بلونا ذلك بعض الشيء منذ ms167 سنوات حيث تخرج نفر ~~من شبابنا من كليات الشمال وحذقوا فيها جميع علومكم، ثم عادوا إلينا لا يحسنون العدو، ~~ولا يعرفون شيئا عن الحياة في الغابات، ولا طاقة لهم بالصبر على البرد والجوع، ولا ~~دراية لهم ببناء كوخ أو اقتناص غزال أو الغلبة على عدو، وقد ساء نطقهم بلغاتنا فلا هم ~~قادة مقاتلون، ولا هم نصحاء مستشارون، ولا هم على الجملة صالحون لأمر من الأمور. # على أننا لا نبخسكم حقكم من الشكر على منحتكم الكريمة لأننا لم نتقبلها، ولكي نعرب عن ~~شعورنا بها، نقترح على السادة الفرجينيين أن يرسلوا إلينا نحو اثني عشر من أبنائهم نعنى ~~بهم، ونعلمهم على نهجنا وندربهم على كل ما تدربنا عليه، ونخرج منهم رجالا ~~أشداء. # والهنود - لتعودهم عقد المجالس والمجتمعات للمشاورة - قد كسبوا القدرة على حظ عظيم من ~~النظام واللباقة في إدارتها. فيجلس الشيوخ في الصف الأول، ويجلس المقاتلون في الصف ~~الثاني، ويجلس خلفهم النساء والأطفال، وعمل النساء في هذه المؤتمرات أن يعلقن في ~~ذاكرتهن كل ما يجري وكل ما يقال فيها ويحفظنه تراثا للأبناء؛ لأنهم لا يعرفون ~~الكتابة. # فالنساء سجلات المؤتمرات، يحفظن من شروط المعاهدات ما قد مضى عليه مائة سنة، ونقارن ~~بينه وبين المكتوب عندنا، فنرى أنه مطابق له كل المطابقة. # وصاحب الدور في الكلام عندهم ينهض قائما، فيصغي إليه المستمعون في صمت وسكون، ومتى ~~فرغ من كلامه وجلس مكانه تركوه بضع دقائق يتذكر ويتأنى لعله أن يكون قد نسي شيئا أو ~~خطر له بعد الجلوس ما يستدركه من مقاله فينهض ثانية ويقول ما أراد، وإنهم ليحسبون ~~المقاطعة - حتى في المحادثة الدارجة - غاية من سوء الأدب والنبو عن المجاملة. فما أبعد ~~هذا مما نشاهده من نظام المناقشة في المجلس المهذب مجلس النواب البريطاني؛ إذ يندر أن ~~يمضي يوم دون أن يعرض فيه ضرب من الاختلاط يبح صوت الرئيس وهو ينبه المتناقشين فيه إلى ~~النظام. وما أبعد هذا مما يحدث في كثير من الجماعات المهذبة على القارة الأوروبية! إذ ~~تحس أنك مضطر إلى إتمام ms168 عبارتك على عجل، وإلا قاطعك في وسطها أولئك الذين يحادثونك ولا ~~صبر لهم على كبح لجاجتهم في الحديث، ثم لا يتاح لك أن تعود ثانية إلى إتمامها. # والحق أن مجاملات الحديث عند هؤلاء القوم قد بلغت حد الإفراط؛ لأنها لا تسمح لهم ~~بمناقضة كلام يسمعونه أو تفنيده، وهم بذلك يتجنبون المنازعات، ولكنهم لا يظهرون لك ~~حقيقة ما يريدون، ولا يعربون عن أثر لكلامك في نفوسهم، وقد طالما شكا المرسلون المبشرون ~~من هذه العادة، وعدوها إحدى العقبات الكبار في طريق رسالتهم. فإن الهنود ليستمعون في ~~صبر وأناة إلى حقائق الكتاب التي تشرح لهم ويردون عليها ردودهم المعهودة من علامات ~~الموافقة والاستحسان، ويخطر لك أنهم قد آمنوا وصدقوا ولا شيء من ذلك هناك، وإنما هي ~~مجاملات وتقاليد. ~~••• # ومن أخبارهم في ذلك أن قسا سويديا جمع زعماء القبيلة المعروفة بسكويهانا، وخطب ~~فيهم شارحا لهم أسس الوقائع التاريخية التي تقوم عليها ديانتنا، كسقوط أبوينا لأكلهما ~~من تفاح الجنة، وظهور السيد المسيح للتكفير عن هذه الخطيئة، وما عمله من العجائب ~~واحتمله من الآلام. فلما فرغ من كلامه نهض خطيب هندي ليشكره، فقال: «إن ما أخبرتنا به ~~شيء حسن ولا ريب، وإنه لمن القبيح حقا أن يؤكل التفاح بدلا من تخميره واستخراج ~~الشراب منه، وإننا لشاكرون لك ما تجشمت من مشقة لتبلغنا هذه القصص التي سمعتموها من ~~أمهاتكم، ونود في مقابلة ذلك أن نروي لك طرفا مما سمعناه نحن من أمهاتنا. # كان آباؤنا الأولون ولا غذاء لهم إلا من لحوم الحيوان، وكانت حبالاتهم في الصيد لا ~~تنفع، فجاعوا وأوشكوا أن يهلكوا جوعا، وإنهم لكذلك إذ أفلح اثنان من شباننا في اقتناص ~~غزال، فأوقدوا نارا في الغاب ليشويا بعض لحمه، ثم جلسا يأكلان منه، فلاحت لهما على تلك ~~القمة التي تلمحها بين جبالنا الزرقاء فتاة حسناء هبطت من السماء واستوت على ذلك ~~المكان، فقال أحدهما لصاحبه: لعلها قد شمت رائحة الطعام، فجاءت تلتمس نصيبا منه تأكله، ~~فلنعطها إذن ذلك النصيب. وقدما لها اللسان فالتذت مذاقه وقالت لهما: ms169 إن الهدية التي ~~تفضلتما بها لمجزية أحسن الجزاء. فتعاليا إلى هذا المكان بعد ثلاثة عشر شهرا تجدا فيه ~~شيئا ينفعكما في الطعام وينفع أبناءكما إلى الجيل الأخير، فعادا كما قالت وأدهشهما أن ~~يجدا في المكان نباتا لم تقع عليه أعينهما من قبل، ولم يزل ذلك النبات ينمو بيننا ~~وننتفع به أحسن انتفاع. وقد نبتت الذرة حيث مست يمينها الأرض، ونبت اللوبياء حيث مست ~~الأرض بشمالها، ونما التبغ حيث جلست عليها.» # وامتعض القس الطيب من سماع هذه القصة الفارغة وقال لهم: إن ما حدثتكم به هو الحق ~~المقدس، وأنتم تحدثونني بعد ذلك بالترهات والأباطيل. وساء الهندي أن يسمع منه هذه ~~الكلمة الجافية فقال له: إن أصحابك يا أخانا لم ينصفوك بحقك من التعليم، ولم ينشئوك ~~النشأة الحسنة في آداب العرف والمجاملة. ولقد رأيت أننا سمعنا أقاصيصك فصدقناها، فما ~~بالك أنت لا تقابل منا ما سمعت بالتصديق؟ # ويفد الواحد منهم إلى مدننا، فيتكوف الناس حوله ويحملقون في وجهه، ويتطفلون عليه حيث ~~يحب أن ينفرد بنفسه، وهم يعيبون ذلك ويعدونه من الخشونة وسوء الأدب والنقص في عرف ~~التحية والمجاملة، ويقولون: إننا نتطلع كما تتطلعون ونحب الفضول كما تحبون، بيد أننا ~~نختبئ لنراكم وراء الآجام، ولا نعترضكم في الطريق، أو نتطفل باصطحابكم حيث ~~تسيرون. # وإن لهم لآدابا متبعة في دخول القرى التي يفدون عليها، فلا يستحسنون من القادم أن ~~يدخل إلى القرية فجأة بغير استئذان، وهم لهذا يقفون على مرأى من أهل القرية ويصيحون ولا ~~يتقدمون خطوة حتى يأتيهم من يدعوهم للدخول، وقد جرت عاداتهم أن يستقبل القادمين اثنان ~~من شيوخ القرية يهديانهم الطريق إلى بيت خال يسمونه بيت الغرباء. ثم يذهبان من خص إلى ~~خص يبلغان القوم بمقدم الضيوف، وأنهم ربما كانوا في حاجة إلى طعام وراحة، فيرسل كل منهم ~~ما في وسعه من زاد ومن جلود يستريحون عليها، فإذا استوفوا راحتهم جاءوهم بالتبغ ~~يدخنونه، وبدءوا بالحديث سائلين عنهم وعن وجهتهم وما هم قادمون من أجله، وينتهي الأمر ~~أحيانا بعرض الخدمة عليهم لاصطحابهم ms170 وتموينهم مسافة الطريق بغير أجر ولا ثمن. # وهذه الضيافة التي يعدونها بينهم من الفضائل العالية مطلوبة من آحادهم، كما تطلب من ~~جماعاتهم، وقد أخبرني مترجمنا «كونراد ويزر» بالقصة التالية فقال أنه نشأ بين الأمم ~~الست وحذق لغة الموهوك، وأنه في رحلة من رحلاته بين بلاد الهنود يحمل رسالة من حاكمنا ~~إلى مجلس «أوننداجا» زار مسكن «كناستيجو» أحد أصدقائه الأقدمين، فعانقه الرجل وفرش له ~~الفراء ليجلس عليه، ووضع أمامه فولا مسلوقا ولحما وقدحا من شراب الروم مشعشعا ~~بالماء، فلما استراح وأخذ في التدخين بدأه «كناستيجو» بالحديث وسأله عن أحواله في ~~السنوات التي افترقا فيها، وعن وجهته والمكان الذي أقبل منه، والغرض الذي خرج من أجله، ~~فأجابه مونراد عن هذه الأسئلة حتى أوشك الحديث بينهما أن يفتر ويتعثر، فقال له الرجل: ~~إيه كونراد. إنك عشت طويلا بين البيض وعرفت شيئا من عاداتهم، وقد زرت أنا إقليم ~~«ألباني» ولحظت أنهم يغلقون دكانينهم يوما في كل سبعة أيام، ويتجمعون في منزل عظيم. ~~فهلا حدثتني عن ذلك الاجتماع ما مقصدهم منه، وماذا يصنعون فيه؟ # قال كونراد: إنهم يجتمعون هناك ليتعلموا الآداب والطيبات المأثورة! # قال الهندي: لست أشك في أنهم أخبروك بما تقول؛ لأنهم أخبروني بمثله. غير أنني أشك في ~~مقالهم وأصارحك بأسباب شكي، ثم استطرد قائلا: ذهبت إلي «ألباني» كي أبيع جلودي وأشتري ~~ما أحتاج إليه من الأغطية، والسكاكين، والبارود، وشراب الروم، وأنت تعلم أنني تعودت أن ~~تكون معاملتي مع هانس هانسون، ولكنني في هذه المرة أردت أن أجرب غيره من التجار. على ~~أنني زرت هانسون بادئ الرأي، وسألته بكم يشتري جلد السمور؟ فقال أنه لا يزيد في تقديره ~~عن أربعة شلنات للرطل الواحد، غير أنه لا يستطيع أن يتحدث إلي في أمور المعاملة؛ لأنه ~~اليوم الذي خصصوه لتعلم الآداب والطيبات المأثورة، وأنه سيذهب إلى الاجتماع إذ كان لا ~~يقدر على مباشرة عمل من الأعمال. # قال الهندي: فذهبت معه، وألفيت ثمة رجلا يلبس السواد، أخذ يخاطب الناس في غضب شديد، ~~فلم أفهم ما قال، ولكنني ms171 رأيته ينظر إلي وإلى هانسون، فظننت أنه غاضب لرؤيتي هناك، ~~فخرجت وجلست إلى جانب الدار، وأشعلت قصبتي لأدخن منتظرا حتى ينفض الجمع، وظننت كذلك أن ~~الرجل قد ذكر شيئا عن السمور، وخطر لي أن الاجتماع كله يدور على هذه الحكاية، فلما ~~انصرف المجتمعون لقيت تاجري وقلت له: إيه يا هانس! أظنك قد فكرت في الأمر وزدت في ~~تقديرك على الشلنات الأربعة. فأجابني قائلا: كلا! أنا لا أستطيع أن أعطيك هذا الثمن ~~ولا أزيدك على ثلاثة شلنات وستة بنسات. وانطلقت أتحدث إلى غيره من التجار، فألفيتهم ~~جميعا يعيدون هذه النغمة بعينها؛ ثلاثة وستة بنسات، ثلاثة وستة بنسات، ووقر في خلدي من ~~ثم أنني على حق في شبهتي، وأنهم مهما يزعموا من سبب لتلك الاجتماعات، وأنهم يلتقون ~~فيها ليتعلموا الآداب والطيبات المأثورات، فإنما السبب الصحيح أنهم يجتمعون ليخدعوا ~~الهنود عن ثمن السمور، وإذا تأملت قليلا - يا كونراد - فلا شك أنك تثوب إلى رأيي وتعلم ~~أنهم لو كانوا يجتمعون ليتعلموا الآداب والطيبات المأثورات، لكانوا قد تعلموا طرفا ~~منها قبل ذلك، إلا أنهم على جهلهم القديم، وأنت تعلم عاداتنا معهم إذا قدم منهم أحد إلى ~~أكواخنا كيف نعامله كما نعاملك ونجفف ثيابه إن كان بها بلل، وندفئه إن كان به برد، ~~ونبسط له الطعام من اللحم والشراب ليفثأ ظمأه، ويشبع جوفه، ونفرش له الفراء لينام ~~ويستريح ولا نتقاضى أجرا على شيء من هذه الأشياء. ولكننا إذا ذهبنا إلى بيت من بيوت ~~البيض في «ألباني» والتمسنا لحما أو شرابا سألونا: أين نقودك؟ فإن لم تكن معي نقود ~~طردوني وصاحوا بي: اغرب من هنا أيها الكلب الهندي! # فأنت تبصر إذن أنهم لم يتعلموا تلك الطيبات الصغار التي نتعلمها نحن بغير حاجة إلى ~~اجتماعات وخطابات؛ لأن أمهاتنا يعلمننا إياها ونحن أطفال، ومحال أن تكون اجتماعاتهم هذه ~~لغرض من تلك الأغراض التي يدعونها، أو أن يكون لها أثر فيما يزعمونه، وكل ما فيها أنها ~~حيلة يحتالونها لخداع الهنود عن ثمن السمور. # 1 # | محاكمة السحرة في جبل هولي # وهذه ms172 نبذة مترجمة من كتاب أئمة ~~الأدب الأمريكي # Masters of Amercian Literature # ونشرت أولا في صحيفة بنسلفانيا Pennsylvania Gazette # بتاريخ 22 من أكتوبر سنة ~~1730: # في يوم السبت الماضي، عند جبل هولي، على مسافة ثمانية أميال من برلنجتون، ~~اجتمع نحو ثلثمائة إنسان للتفرج على تجربة أو تجربتين في أشخاص متهمين بالسحر ~~الأسود، ويظهر أن المتهمين قد اتهموا بأنهم جعلوا خراف جيرانهم ترقص على أسلوب ~~غير مألوف، وجعلوا خنازيرهم تتكلم وتنشد المزامير مما أفزع رعايا جلالة الملك ~~الأمناء الوادعين في الإقليم. وقد أصر المدعون على ادعائهم أن المتهمين لو ~~وضعوا في كفة ووضع الكتاب المقدس في كفة لخف ميزانهم وثقلت كفة الكتاب، وأنهم ~~لو أغرقوا مقيدين طفوا على وجه الماء عائمين. # وأراد المتهمون أن يظهروا براءتهم فقبلوا التجربة، واقترحوا أن يوضع معهم ~~اثنان من أشد المدعين إصرارا على الادعاء، وعلى هذا تم الاتفاق على المكان ~~والزمان وأعلن عن الموعد في صحف الإقليم. # وكان المدعيان رجلا وامرأة، والمدعى عليهما كذلك رجل وامرأة، وانعقد الجمع ~~وتلاقى الفريقان، فدارت المشاورة بينهم قبل البدء بالتجربة، وتفاهموا على ~~الابتداء بالوزن، واختاروا جماعة من الرجال لتفتيش الرجال وجماعة من النساء ~~لتفتيش النساء، تحققا من تجردهم جميعا من الأوزان الزائدة، ولا سيما ~~الدبابيس. # وبعد البحث والتفتيش جيء بنسخة ضخمة من الكتاب المقدس يملكها قاضي البلد، ~~وفتحت طريق في وسط الزحام من دار القاضي إلى مكان الميزان الذي علق بمشنقة ~~أقيمت في مواجهة الدار؛ ليراها ربات الدار دون أن يخرجن لمخالطة الدهماء، ~~وتوسطت المكان حلقة على حسب المألوف. ثم خرج من الدار رجل طويل وقور يحمل ~~الكتاب بوقار كوقار السياف الذي يمشي في لندن أمام عمدتها الكبير. # ووضع الساحر أولا في كفة الميزان؛ حيث تلي عليه إصحاح من أسفار موسى، ثم ~~وضع الكتاب في الكفة الأخرى التي كانت مهبطة على الأرض وأرسلت على الأثر. فما ~~كان أعظم دهشة الناظرين حين أبصروا اللحم والعظام تهبط والكتاب العظيم يعلو ~~ويرتفع ويرجحها اللحم والعظام بكثير، وتكررت التجربة مع الآخرين فكانت أثقالهم ~~كذلك أعظم من ms173 أثقال كتب موسى والأنبياء. # وانتهت هذه التجربة ولم يكتف بها الجمع، بل أرادوا أن يتمموها بتجربة الإغراق ~~في الماء. فتقدم الجمع في موكب وقور إلى البركة حيث جرد المدعون والمتهمون من ~~ثيابهم إلا ما يسترهم، وقذف بهم في النهر مقيدين بالحبال وفي وسط كل منهم حبل ~~يمسك به بعض الواقفين على الحافة، وكان المتهم نحيفا هزيلا فلم يرسب لأول ~~وهلة وبعد لأي ما غاص في جوف الماء، وجعل الآخرون يسبحون خفافا على وجه الماء. ~~وقفز ملاح على الحافة فوق ظهر الرجل المتهم يظن أنه يهبط به إلى قعر البركة، ~~ولكن الرجل المقيد عاد إلى الظهور قبل الآخر بهنيهة وجيزة. # ولما أخبرت المرأة المدعية أنها لم تغطس في الماء، وأنها ستعاد إليه، عادت ~~وطفت مرة أخرى خفيفة كما كانت في المرة الأولى! فراحت تقول: إن المتهم قد سحرها ~~وطفف وزنها، وإنها تريد أن تعيد التجربة كرة أخرى، بل مائة مرة حتى ترغم ~~الشيطان على الخروج منها. # أما المتهم فقد رأى أنه يطفو على الماء فتزعزعت ثقته ببراءته وصاح: لئن كنت ~~ساحرا ليكونن ذلك على غير علم مني. # وكان ذوو المسكة من العقل بين المتفرجين قد آمنوا أنه ما من أحد يلقى في ~~الماء مكتوفا إلا طفا على وجهه ما لم يكن عظاما في جلد ولا شيء! وأنه يظل ~~كذلك حتى يذهب نفسه وتمتلئ رئتاه بالماء. إلا أن الرأي السائد بينهم كان يميل ~~إلى الظن بأن فضول الكساء على أجساد النساء تساعدهن على العوم، فلا بد من تجربة ~~أخرى وهن عاريات في الموعد المقبل من مواعيد الصيف. # | خاتمة # قليل من القراء من يعلم أنني دخلت مدرسة «الصنائع» ببولاق لدراسة الكهربا والتلغراف، ~~وأقل منهم من يعلم الصلة بين اتجاهي إلى هذه الوجهة، وبين اسمين من كبار المخترعين ~~الذين بدءوا حياتهم بالعمل في الصحافة والكهربا؛ هما فرنكلين وأديسون. # ولست أذكر على التحقيق متى سمعت لأول مرة باسم فرنكلين واسم أديسون، ولكنني أذكر ~~جيدا أنني لم أعرفها من كتاب أو من دراسة علمية، وإنما سمعت ms174 بهما من موظف في التلغراف ~~شديد الإعجاب بهما، على أثر حادث من حوادث المصادفات، تناولته الصحف بالتعليق السياسي ~~في ذلك الحين، ولم تعره شيئا من الاهتمام من الناحية العلمية. # كان ذلك الحادث، على ما أذكر الآن، سقوط صاعقة على بناء مجلس الوزراء، وكنت لا أزال ~~يومئذ في بلدتي أسوان لم أبرح مدرستها الابتدائية، ودار الحديث عن الصاعقة وعن ~~التعليقات السياسية عليها، وتحدث الموظف بالتلغراف من جيراننا عن رجل يسمى فرنكلين، ~~ورجل يسمى أديسون؛ كلاهما عامل صغير بدأ حياته بالعمل اليدوي في الصحافة، ثم اخترع ~~باجتهاده أكبر المخترعات في الكهربا، ثم جرى - في شيء من اللغط المبهم - ذكر عمود ~~الصواعق وذكر الفنغراف، وفضل العاملين الصغيرين في كل من هذين الاختراعين. # وقام بذهني أن أصنع مثل هذا الصنيع يوما من الأيام، فلم أزل حتى دخلت مدرسة ~~«الصنائع» في نحو الخامسة عشرة أو السادسة عشرة من عمري، وشعرت يومئذ كأنني أفسر حلما ~~قديما كاد يذهب بين الوعي والنسيان، وكاد فرنكلين إذن يتوجه بحياتي وجهة غير وجهتها، ~~يوم كان اسم فرنكلين يحضرني مقرونا بالكهربا ولا يحضرني منه شيء من سيرته الطويلة في ~~الكتابة والتفكير والسياسة. # ووقع في يدي بعد ذلك كتيب من سلسلة كبيرة تلخص التراجم والمؤلفات لأعلام النوابغ في ~~الثقافة الغربية، فبدأت به قراءة تلك السلسلة؛ لأنه مكتوب عن صاحبنا القديم ~~فرنكلين. # ومن تحكم الذاكرة أنني أذكر حتى اليوم منظرين من مناظر السيرة التي لخصها ذلك الكتيب ~~الصغير. # أحدهما منظر الطفل الجائع فرنكلين يقضم رغيف الخبز وتترصد له طفلة في طريقه لا تزال ~~تداعبه وتلح في مداعبته وتوقع في روعه أنها تريد أن تخطف الرغيف من يديه، حتى يوشك أن ~~يبكي من الغيظ الذي لم يكن يكرهه كل الكراهية على ما يظهر! # والمنظر الآخر منظر الحوار بين فرنكلين ورجل من رجال الدين تلقى من يديه عارفة ~~مشكورة، فإذا هو يشكره بالنيابة عن الله، كأنما هو غريب عن الموضوع لا شأن له بين ~~المحسن والمحسن إليه، ويأبى فرنكلين أن يفوت على الرجل روغانه هذا ms175 من واجب الشكر، فيقول ~~له: إنما أعطيتك أنت يا أبتاه! # وأقول: إن بقاء هذين المنظرين دون غيرهما من مناظر تلك السيرة في ذلك الكتيب الصغير، ~~إنما كان من تحكم الذاكرة فيما تأخذ وفيما تدع؛ لأنني حين توسعت في قراءة فرنكلين، وفي ~~القراءة عنه بعد ذلك، وجدت في السيرة الحافلة مناظر لا تحصى مما يصح أن يعلق بالذاكرة ~~ويغطي على منظر الرغيف المهدد ومنظر القس الرائغ من الشكران، ولا أحسب - على هذا - أن ~~أظلم الذاكرة كل الظلم، فلعل هذين المنظرين يجمعان من فرنكلين في نفس القارئ الشاب، ما ~~لم يجتمع من منظرين غيرهما في الكتيب الصغير. # وقرأت بعد ذلك كثيرا من فرنكلين وعن فرنكلين، ولم أنس قط أنه كاد يوجه حياته وجهة ~~أخرى في يوم من الأيام. # ثم دخلت السجن ودعوت بكتاب أتعلم منه اللغة الفرنسية بغير معلم، واخترت القراءة في ~~الجزء المخصص للمطالعة قبل الجزء المخصص للأجرومية، فلم أقلب من الكتاب صفحة بعد صفحة ~~حتى التقيت بصاحبنا القديم فرنكلين في الصفحة الرابعة والسبعين من الكتاب. # 1 # والقصة قصة اللقاء الأول بين فرنكلين والعالم الفلكي الفرنسي الكبير دي بايلي # De Bailly ~~، وهي أعجب ما قرأت من نوادر هذا الرجل ~~العجيب. ~~«فرنكلين مندوب المستعمرات الأمريكية الثائرة على الوطن الأم، وفد إلى باريس سنة ~~1777، ورأى الفلكي دي بايلي من واجبه أن يزور الأمريكي النابه، فاستقبله فرنكلين بترحاب ~~غاية في المودة، وبادله بضع كلمات من التحيات التي تتبادل في مثل هذا المقام، وجلس ~~بايلي على مقربة من الفيلسوف الأمريكي، وترقب بكل عناية ما يفوه به من الأسئلة، وانقضى ~~نصف ساعة وفرانكلين لا يفتح فمه، وأخرج بايلي علبة السعوط وقدمها إلى جاره دون أن ينبس ~~بكلمة ، فأشار فرنكلين بيده إشارة معناها أنه لا يتعاطاه، واستمرت هذه المساجلة الصامتة ~~ساعة كاملة، فنهض دي بايلي واستعد للانصراف، وبدا على فرنكلين كأنه فرح بلقاء فرنسي ~~يستطيع أن يلوذ بالصمت ويمسك لسانه، فأخذ بيده وشدها شدة حميمة وهو يقول في حماسة بينة: ~~حسن جدا يا سيد بايلي حسن جدا. ms176 وتوثقت بينهما المودة بعد ذلك، فأصبحا من خيرة ~~الأصدقاء.» # ولم أكد أصدق ما قرأت، واتهمت جهلي بالفرنسية، فاختلست فرصة من فرص السجن أعرضها فيها ~~على زميلنا الأستاذ حسن النحاس، فقال لي: إنني فهمت منها الصواب. # إن موضع العجب في القصة أن فرنكلين لم يشتهر في مجالسه بشيء، كما اشتهر بلباقة الحديث ~~والسمر وأفانين الكلام المستحب بين الجد والفكاهة، فما الذي ألجأه إلى ذلك الصمت مع ~~العالم الفرنسي الكبير؟ # لا أعلم، ولم أجد من سيرته مع هذا العالم أو مع غيره ما يجلو لي سر هذه «الصمتة» ~~الغريبة، ولكنني عرفت منها حقيقة لا ريب فيها؛ عرفت منها أن هذا الرجل يستطيع أن يشع من ~~حوله جو المحبة والمودة، وأن يمحو من ظن جليسه كل احتمال للجفاء والفتور، ولولا ذلك ~~لانصرف العالم الفرنسي من حضرته وهو عدو مبين، ولم ينصرف - كما قالت القصة وقال التاريخ ~~- صديقا من أخلص الأصدقاء المقربين. # ثم حان الأوان وشرعت في كتابة هذه السيرة وأنا أحس كأنني جددت الصلة الفكرية بصاحب ~~قديم، وتبينت من مراجع السيرة كلما أمعنت في تصفحها أنها بنت أوانها، إذا كان لكتابة ~~السير أوان مفضل عدا ما تستحقه كل سيرة من التسجيل والتحليل. # فنحن في عصر التجزئة والتفتيت، أحوج ما نكون إلى مثال كامل لإنسان لم يمزقه التخصص ~~شلوا شلوا بين شواغل العقل، وشواغل الحياة. # ونحن في عصر الطغيان على «الشخصية» الفردية، أحوج ما نكون إلى مثال من غمار الناس لم ~~يستغرقه الغمار، ولم يمسح ملامحه المتميزة بين أمواج التيار. # ونحن في عصر النبوغ العصامي نحتاج إلى عظمة تقرب العصامية لمن يهابها، وتيسر القدوة ~~لمن تروعه هالات العظمة في أعلام التاريخ، فيحجم عن الاقتداء بها ، ويحسب نفسه من غير ~~معدنها. # فالعظمة في هذا العصامي من «طينة عامة» حيثما واجهتها كما قال فيه أصدق مترجميه. إلا ~~أنك تواجهه من جهات شتى، فتلمح في كل منها تلك العظمة التي تحسبها من الطينة العامة، ~~وتعرف كيف تكون العظمة الإنسانية أحيانا «كالسهل الممتنع» في بلاغة البلغاء، يغريك ~~بالمحاكاة ms177 والاقتداء، ولا تعرف كيف يمتنع عليك إلا وقد تمكن منك الإغراء. # وفيما لقي هذا الرجل العظيم من العرفان تشجيع أي تشجيع. # وفيما لقي هذا الرجل من الإنكار عزاء أي عزاء، وربما كان العزاء من سير العظماء أجدى ~~وألزم من التشجيع. # لقد كرمته معاهد العلم في أمم الحضارة بأشرف ألقابها، وعرفت له أمته مآثره في جهاده ~~فاستقبلته كما يستقبل الفاتحون، ومحضته من الإكبار والإعجاب ما يبسط العذر للحاسدين؛ ~~فلا عذر لمن يحسد هذا الرجل، إلا أنه استحق الحسد بفرط ما استحق من إكبار ~~وإعجاب. # ولو أن عظيما بين أبناء آدم وحواء ينجو من الحسد، لنجا منه هذا العظيم الذي غض من ~~كبريائه باختياره، فلم يدع فيه بقية لمن ينكر عليه الكبرياء، ولو أنكر عليه عرفان ~~العارفين بالقدر الكبير. # مات ولم يشكره مجلس الأمة الذي كان له فيه أنداد وزملاء، ولبس عليه الحداد مجلس الأمة ~~الذي لم يعرفه إلا بالسماع. مجلس الشيوخ يضن عليه بالشكر، ومجلس النواب يلبس السواد ~~ثلاثين يوما؛ حزنا عليه. # لعله لو لم يحسد هذا الحسد لقيل: إنه لم يبلغ من عرفان قومه غاية ما يستطاع. # واليوم وقد أخذ الفناء ما أخذ، وأبقى الخلود ما أبقى، لا يضار المحسود بما أصابه، كما ~~يضار الحاسد بما أصاب، ولو كتب لفرنكلين أن يعود إلى الدنيا كما تمنى أن يعود كل مائة ~~عام، لما تمنى - بخبرة الحياة والموت - أن يتبوأ من دنياه مكانا أرفع مما تبوأه بعمله ~~وذكراه. ms178