######OpenITI# #META# URI: 1383CabbasMahmudCaqqad.CabdRahmanKawakibi.Hindawi20615264 #META# Tags: biographies #META# ID: 20615264 #META# Title: عبد الرحمن الكواكبي #META# AuthorID: 64642852 #META# Author: عباس محمود العقاد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # سيرة ممهدة‏ # الكتاب الأول‏ # 1 - مدينة‏ # 2 - العصر‏ # 3 - أسرة الكواكبي‏ # 4 - النشأة‏ # 5 - ثقافة الكواكبي‏ # 6 - أسلوب الكواكبي‏ # 7 - المؤلف‏ # 8 - الجامعة الإسلامية والخلافة العثمانية‏ # 9 - أم القرى‏ # 10 - طبائع الاستبداد‏ # 11 - شخصية مكونة‏ # 12 - في مصر‏ # الكتاب الثاني‏ # 13 - برنامج إصلاح‏ # 14 - الدين‏ # 15 - الدولة‏ # 16 - النظام السياسي‏ # 17 - النظام الاقتصادي‏ # 18 - التربية القومية‏ # 19 - التربية المدرسية‏ # 20 - الأخلاق‏ # 21 - وسيلة التنفيذ‏ # خاتمة المطاف‏ # سيرة ممهدة‏ # الكتاب الأول‏ # 1 - مدينة‏ # 2 - العصر‏ # 3 - أسرة الكواكبي‏ # 4 - النشأة‏ # 5 - ثقافة الكواكبي‏ # 6 - أسلوب الكواكبي‏ # 7 - المؤلف‏ # 8 - الجامعة الإسلامية والخلافة العثمانية‏ # 9 - أم القرى‏ # 10 - طبائع الاستبداد‏ # 11 - شخصية مكونة‏ # 12 - في مصر‏ # الكتاب الثاني‏ # 13 - برنامج إصلاح‏ # 14 - الدين‏ # 15 - الدولة‏ # 16 - النظام السياسي‏ # 17 - النظام الاقتصادي‏ # 18 - التربية القومية‏ # 19 - التربية المدرسية‏ # 20 - الأخلاق‏ # 21 - وسيلة التنفيذ‏ # خاتمة المطاف‏ # | عبد الرحمن الكواكبي # | عبد الرحمن الكواكبي # تأليف # عباس محمود العقاد # | سيرة ممهدة # بدأت بحثي في سيرة الكواكبي فرأيت أن أعود إلى تاريخ «حلب»؛ لأعرف الكواكبي من المدينة ~~التي نمته وأنشأته، وأعرف من تواريخها وأحوالها أين تقع المزية التي كان لها الفضل في ~~نشأته وتفكيره والاتجاه به إلى وجهة حياته. # ويعلم قراء العربية أن مدينة حلب إحدى المدن «المخدومة» من الناحية التاريخية بين مدن ~~الشرق العربي القريب، ونعني «بالمخدومة» معناه في اصطلاح العرف الحديث؛ ومعناها في هذا ~~الاصطلاح أنها مدينة لقيت من يخدمون تاريخها من أبنائها والنازلين بها من العرب وغير العرب، ~~فكتبوا عن حوادثها وعهودها ومعالمها وأعلامها وطبيعة إقليمها وخيرات أرضها ما لم يتفق نظيره ~~لغير القليل من مدن العالم القديم، فلم يفتهم من تسجيلاتها شيء توافر لمدينة غيرها، وما ~~فاتها في هذا الباب فهو الذي فات المؤرخين الأقدمين أن ينظروا إليه على عادتهم في تسجيلاتهم ~~ومحفوظاتهم عن كل مدينة وكل زمن، لا حيلة فيه للمؤرخ الحديث غير إتمام الرواية والخبر ~~بالتفسير والتقدير. # إلا أنني رجعت إلى تاريخها في هذه المرة لأعرف «الكواكبي» غاية المعرفة التي تستطاع من ms001 ~~العلم بموطنه وماضيه، فلم أفرغ من مرجع واحد حتى تمثلت لي المزية التي بحثت عنها، وبدا ~~لي أنها كافية وحدها ولو لم تشفعها مزية أخرى! # حلب مدينة حل وترحال غير منقطعة عن العالم، ولم تنفصل قط عن حوادثه وأطواره، كأنها المرقب ~~الذي تنعكس فيه الأرصاد فلا تخفى عليه خافية، ولا ينعزل بينها عن دانية ولا نائية. # ولم أرني أخوض بعيدا من الضفة في هذا البحر الزاخر بالأخبار والأنساب؛ لأعلم من أمر ~~أسرتي وبلدتي أن أسوان لم تنفصل في عصر الكواكبي خاصة عن حلب، على ما بين البلدتين من بعد ~~المسافة بحساب الفراسخ والأميال. # إن أجدادي - لوالدتي - سلالة كردية تفرعت أصولها زمنا بين ديار بكر وأورفة ومرعش، ورأيت ~~آخر من لقيته منهم يلبس العمامة الخضراء كما يلبس الطربوش العثماني والقلنسوة الكردية، ولم ~~يزل بيت أخوالي في البلدة يعرف ببيت الشريف، ويسجل في مكاتب البرق بهذا العنوان. # وكنت أسأل كبراء السن منهم مازحا: من أين لكم هذا الشرف وأنتم سلالة أكراد؟ فكانوا ~~يذكرون لي قصة طويلة عن اتصالهم بالمصاهرة بمن جاورهم من آل البيت في مدن الإيالة، ويذكرون ~~جيدا كل صلة لهذه المدن بعواصم الإيالات مع ارتباك العلاقة يومئذ بين الديار الكردية ~~وعواصم الإيالات العثمانية، تارة إلى حلب وتارة إلى العراق. # وأقرأ في الكتب الأوروبية على الخصوص أحاديث شتى عن «الرءوس الخضر» في حلب، أولئك الذين ~~يلبسون العمامة الخضراء ممن ينتسبون إلى آل البيت من جانب الآباء أو جانب الأمهات، ومن ~~هؤلاء أكراد أمهاتهم عربيات. # وتنتسب إلى هذه الطائفة من لابسي العمامة الخضراء أسرة أسوانية أخرى، مضى على وفود كبيرها ~~من موطنه أكثر من مائة سنة، وأذكره في أخريات أيامه بعمامته الخضراء وموكبه من أتباع الطرق ~~الصوفية التي تتشعب فروعها في البلاد العربية والتركية، وهو مع اشتغاله بالتصوف تاجر ناجح ~~ورأس أسرة ناجحة ينتمي إليها اليوم الطبيب والمحامي والموظف والتاجر ومالك العقار. # وقد وفد العسكريون والمدنيون من أصحاب هذه العمائم إلى الصعيد بعد ثورات دامية في ولاية ~~حلب على ولاتهم الترك الذين ms002 أجلاهم جيش إبراهيم باشا عن الولاية بعد قليل، فلما أعيدت هذه ~~الولاية إلى الدولة التركية تعذر مقامهم فيها؛ فعادوا مع الجيوش المصرية، وأقام بعضهم في ~~الصعيد وبعضهم في السودان. # ولعل «عبد الرحمن الكواكبي» الذي ولد بعد هذه الحوادث بسنوات قلائل، كان يتحدث في صباه ~~بحديث واحد عن نقابة الأشراف التي ادعاها غير أهلها في القسطنطينية، وعن حكام الترك الذين ~~انتزعوا مناصب أبناء الوطن في الديار الكردية؛ وهو الحديث الذي ردده هؤلاء المهاجرون ~~الحريصون على شارتهم وشارة أهليهم في بلادهم، وظلوا يرددونه على وتيرته حتى سمعناه منهم ~~مرات! # ولو أن إنسانا يختار لنفسه رسالته ومولده لما اختار عبد الرحمن مولدا أصلح للرسالة التي ~~نهض بها من مدينة حلب: مدينة تتصل بالحوادث وتتصل الحوادث بها، هذا الاتصال. ~~••• # إنني علمت من تجربتي في قراءة التراجم وكتابتها أن النوابغ من أصحاب الرسالات فئتان: فئة ~~تظهر في أوانها؛ لأن أسباب نجاحها تمهدت، وتم لها النجاح قبل فوات ذلك الأوان. # وفئة أخرى تظهر؛ لأن الحاجة إليها قد بلغت غايتها، وهي التي تظهر لتحقق تلك الحاجة التي ~~تبحث عن صاحبها، وله منها معين يذلل صعابها ويهدي إلى طريقها. # والكواكبي نموذج عزيز المثال لأولئك النوابغ أصحاب الرسالات الذين اتفقت لهم أسباب زمانهم ~~ومكانهم وأسباب نشأتهم ودعوتهم، تكاد سيرته أن تغري بالكتابة فيها؛ لأنها «تطبيق» محكم ~~لتراجم هذه الفئة من نوابغ الدعاة. # تهيأت له البيئة وتهيأ له الزمن، وتهيأت له الرسالة، فلا حاجة بكاتب السيرة إلى غير ~~الإشارة القريبة والدلالة العابرة، وهناك فانظر ... ها هو ذا صاحب الدعوة قائما حيث ترى من ~~حيث نظرت إليه. # ولو لم تكن للسيرة من موجباتها غير هذا الإغراء لكان ذلك حسبها من وجوب عند كاتبها ~~وقارئها، ولكنها سيرة يوجبها الفن للفن، ويوجبها التاريخ للتاريخ، ويوجبها علينا أنها حق ~~لصاحبها، وقدوة صالحة لمن يقتدي به في دعوته الباقية ... # وإن لها لبقية متجددة بين أبناء اللسان العربي في كل جيل. # عباس محمود العقاد # | الكتاب الأول # الفصل الأول # | مدينة # (1) مدينة عربية عريقة # ولد عبد الرحمن الكواكبي ms003 ونشأ في مدينة عربية عريقة، هي حلب الشهباء. # وقد عرفت المدينة باسمها هذا - مع بعض التصحيف - منذ القرن الثالث عشر قبل ~~الميلاد؛ فورد اسمها في أخبار رمسيس الأكبر، وورد بين أخبار حمورابي في القرن ~~السابع عشر قبل الميلاد، وورد في أخبار شلمنصر «858-824» ... وورد خلال هذه القرون في ~~كثير من الحفريات والآثار التي تتصل بتواريخ الحيثيين والعمالقة من الشمال إلى ~~الجنوب. # ولا يعرف على التحقيق مبدأ بنائها وإطلاق هذا الاسم عليها، ولكنها - كيفما كانت ~~التواريخ المروية - أقدم ولا شك من كل عهد وردت أخباره في تلك الروايات؛ لأن قيام ~~مدينة في موقعها ضرورة أحق بالتصديق من أسانيد المؤرخين وأساطير الرواة؛ لأنها في ~~مكان توافر فيه كل شرط من شروط المدينة العامرة؛ من خصب التربة وسعة المكان واتصال ~~الطريق بين موقع العمران وقوافل التجارة ومسالك الفاتحين أو معاقل المتحصنين ~~المدافعين، ولا غنى عن مدينة في مكانها للانتفاع بموارد الزرع والبيع والشراء، ~~وتنظيم الإدارة الحكومية في جوارها، وتبادل المعاملات فيما حولها، وتأمين المواصلات ~~بينها على تعدد الحكومات أو وحدتها. # فالمدينة التي ينبغي أن تقوم في هذا المكان حقيقة تاريخية غنية عن سجلات التاريخ، ~~وقد يخطئ بعض المؤرخين في بيان السنة أو الفترة التي بنيت فيها؛ لأنه يخلط بين ~~بنائها الأخير بالنسبة إليه وبنائها الأول قبل ذلك بقرون؛ إذ كانت موقعا معرضا ~~فيما مضى للزلازل، معرضا للغارات والمنازعات، يبني ويهدم آونة بعد أخرى، ولكنه ~~يسرع إلى العمار ولا يطول عليه الإهمال، وقد فطن بعض المؤرخين إلى ذلك فيما نقله ~~ابن شداد حيث يقول: «... وهذا يدل على أن سلوقوس بنى حلب مرة ثانية، وكانت خربت بعد ~~بناء بلوكرش، فجدد بناءها سلوقوس، فإن بين المدتين ما يزيد على ألف ومائتي سنة.» # 1 # ومما يدعو إلى اللبس في تصحيح أقوال المؤرخين عنها أنها سميت بأسماء أخرى أو ~~ذكرت باسم «قنسرين» على سبيل التغليب والمجاورة للتعميم بدل التخصيص، ومن ~~أسمائها عند اليونان اسم «برية» الذي أطلقوه عليها كعادتهم في إطلاق أسماء بلادهم ~~على المدن التي يدخلونها. # ولكن ms004 اسم «حلب» أقدم من هذه الأسماء جميعا، وأقرب إلى طبيعة المكان وإلى اللون ~~الذي سميت من أجله ب «الشهباء»، وهو لون أرضها ولون الحوار الذي تطلى به ~~مبانيها. # قال ياقوت الحموي في معجم البلدان: # حلب مدينة عظيمة واسعة كثيرة الخيرات، طيبة الهواء، صحيحة الأديم والماء، ~~وهي قصبة جند قنسرين في أيامنا هذه، والحلب في اللغة، مصدر قولك: حلبت أحلب ~~حلبا ... قال الزجاجي: سميت حلب لأن إبراهيم - عليه السلام - كان يحلب فيها ~~غنمه في الجمعات ويتصدق به، فيقول الفقراء: حلب حلب، فسمي به. # قال ياقوت: # وهذا فيه نظر؛ لأن إبراهيم - عليه السلام - وأهل الشام في أيامه لم ~~يكونوا عربا، إنما العربية في ولد ابنه إسماعيل - عليه السلام - وقحطان. ~~على أن لإبراهيم في قلعة حلب مقامين يزاران إلى الآن، فإن كان لهذه اللفظة ~~أصل في العبرانية أو السريانية لجاز ذلك؛ لأن كثيرا من كلامهم يشبه كلام ~~العرب لا يفارقه إلا بعجمة يسيرة كقولهم: «كهنم» في جهنم ... # إلى أن قال: # وذكر آخرون في سبب عمارة حلب أن العماليق لما استولوا على البلاد الشامية ~~وتقاسموها بينهم استوطن ملوكهم مدينة عمان ومدينة أريحا الفور، ودعاهم ~~الناس الجبارين، وكانت قنسرين مدينة عامرة، ولم يكن يومئذ اسمها قنسرين ~~وإنما كان اسمها صوبا ... # وقد أصاب ياقوت في ملاحظته الأولى؛ فإن لغة إبراهيم - عليه السلام - لم تكن ~~عربية، ولم تكن العربية كما تكلمها أهلها بعد ذلك معروفة في عصره، ولكنه أصاب كذلك ~~في ملاحظته الثانية؛ إذ خطر له التشابه بين ألفاظ اللغات واللهجات التي شاع ~~استعمالها في بطحاء حلب قبل الميلاد بأكثر من عشرة قرون، فإن الآرامية - عربية ذلك ~~العصر - قريبة بجميع لهجاتها إلى العربية الحديثة، وتفيد كلمة «حلبا» فيها معنى ~~البياض، ومنه لون اللبن الحليب؛ بل يرجح الكثيرون أن اسم «صوبا» الذي ذكر ياقوت ~~أنه كان يطلق على قنسرين؛ إنما يعني «الصهبة» التي تقرب من الشهبة في لفظها ~~ومعناها، وكانت حلب توصف بالشهباء وتشتهر بالصفة أحيانا، فيكتفي بها من يذكرونها ~~دون تسميتها، وورد اسم مدينة صوبا غير مرة ms005 في أسفار العهد القديم، فرجح أناس من ~~مفسريه أنها حلب، ورجح الآخرون أنها قنسرين، ولا يبعد إطلاق الاسم أحيانا على ~~المكانين. # على أن الأمر الثابت من وقائع التاريخ أن الآراميين سكنوا هذه البقاع قبل عهد ~~إبراهيم عليه السلام، وأن المدينة وما جاورها كانت عربية بالمعنى الذي نبحث فيه عن ~~أصل العربية القديم ولا نقف فيه عند تاريخها الأخير، وقد ثبت أن أسلاف الآراميين ~~غلبوا على هذه البقاع في عهد الملك سراجون قبل الميلاد بأكثر من عشرين قرنا، ولم ~~تكن هنالك لغة أخرى يفيد فيها الحلب معنى البياض غير الأصول العربية الأولى. ~~(2) ومدينة عامرة # والمدينة بموقعها وقدم عهدها مدينة حل وترحال، يقيم فيها من يقيم، ويتردد عليها ~~من يتصرفون في شئون معاشهم من أبنائها وغير أبنائها، تعددت فيها أسباب المعاش من ~~زراعة وصناعة وتجارة فلم تنحصر في مورد واحد من هذه الموارد، وكتب رسل # Russell ~~- وهو ممن أقاموا فيها حقبة من القرن ~~الثامن عشر - مجلدا ضخما عن تاريخها الطبيعي، فأحصى فيها ما يندر أن يجتمع في ~~مدينة واحدة من محاصيل الغلات والفاكهة والخضر والأبازير والرياحين، ومن أنواع ~~الدواب والماشية والطير والسمك، ومن خامات الصناعة للملابس والأبنية ومرافق ~~المعيشة، فصح فيها ما يوجزه الكاتب العربي حين يجمل الوصف عن أمثالها فيقول: إنها ~~مدينة خيرات. # وتكلم عنها ملطبرون صاحب الجغرافية العالمية التي ترجمها رفاعة الطهطاوي قبيل ~~عصر الكواكبي، فقال بأسلوبه الذي ننقله بحرفه: «ولنبحث الآن عن أشهر الأماكن ~~مبتدئين بالقسم الذي بجوار الفرات، وهو إيالة حلب، فنقول: إن المدينة المسماة بهذا ~~الاسم هي كما في كتاب البوزنطيا «برة» القديمة، وهي أعظم جميع المدن العثمانية في ~~آسيا، سواء بتأدب أهلها أو بعظمها وكثرة أموالها وغناها، وظن بعضهم أن أهلها لا ~~يزيدون عن مائة وخمسين ألف نفس، ومبانيها من الحجر النحت، كما أن طرقها السلطانية ~~مبلطة به أيضا، ومنظرها عجيب لما فيها من أشجار السرو المظلمة الأوراق المباينة ~~بالكلية لمنارتها البيضاء، فما أحسن اختلاط كل من الجنسين بصاحبه! وبها فابريقات ~~القطن والحرير على حالة زاهية، ms006 وإليها تأتي القوافل العظيمة من بغداد والبصرة فتحمل ~~إليها بضائع بلاد العجم والهند، وبالجملة مدينة حلب الشهباء ما يسميه المتأخر ~~«تدمر» ورياضها مزروعة بالعنب والزيتون كثيرة الحنطة ...» # وملطبرون يفهم بالتقدير الذي سماه ظنا أن سكانها لا يزيدون على مائة وخمسين ألف ~~نسمة، ولكن الرحالين والخبراء من الأوروبيين الذين أقاموا بها بين القرن السابع عشر ~~والثامن عشر يبلغون بتعدادها نحو أربعمائة ألف نسمة، ويقول دارفيو # D’Arvieux # الذي كان قنصلا لفرنسا في المدينة بين ~~سنة 1672 وسنة 1686: إن الطاعون أهلك من أهلها نحو مائة ألف، ولم يشعر طراق الأسواق ~~فيها بنقص سكانها، وكان بعض المؤرخين لها يعولون في تقدير سكانها على إحصاء الموتى ~~في الكنائس المسيحية، أو على مقادير الأطعمة اليومية التي تستنفد فيها، لاضطرارهم ~~إلى الظن مع قلة الإحصاءات الرسمية، فراوحوا في حسابهم بين ثلاثمائة ألف وأربعمائة ~~ألف في عامة التقديرات إلى نهاية القرن الثامن عشر، ثم تبين من الإحصاءات الأخيرة ~~أنهم لم يخطئوا التقدير. ~~(3) ومدينة اجتماعية # وهي مدينة يقوم عمرانها على «مجتمع ناضح» على خلاف المدن العامرة التي يقوم ~~عمرانها على كثرة السكان، بغير اختلاف يذكر في كيانها الاجتماعي أو تركيب الطوائف ~~التي تتألف منها المجتمعات السياسية. # فالسكان فيها كثيرون، ولكنهم أصحاب مرافق وأعمال لا تستأثر بها صناعة واحدة، ولا ~~تنفرد الصناعة الواحدة بينهم بنمط واحد على وتيرة واحدة، سواء اشتغلوا بالتجارة ~~التي يعمل فيها التاجر المحلي وتاجر القوافل وتاجر التصدير والتوريد، أو اشتغلوا ~~بالزراعة التي يعمل فيها زارع الحقل وزارع البستان وزارع الخضر والأعشاب، أو ~~اشتغلوا بالحرف اليدوية التي يعمل فيها النساجون والنجارون والحدادون والمختصون ~~بفنون البناء وتعمير البيوت. # وفيما عدا هذا التركيب الاقتصادي يتنوع المجتمع في المدينة بائتلاف المذاهب ~~والأجناس من أقدم الأزمنة قبل الإسلام وبعد الإسلام، وقلما يعرف مذهب من مذاهب ~~الإسلام أو المسيحية أو اليهودية أو مذاهب الديانات الآسيوية لا تقوم له بيعة في ~~حلب أو مزار مشهود مقدس عند أتباعه، وهي تتسع لأصحاب هذه المذاهب من العرب والترك ~~والكرد والأرمن والأوروبيين، يتفاهمون أحيانا بلغة واحدة ms007 مشتركة، أو يتفاهمون ~~بجميع هذه اللغات كلما تيسر لأحدهم فهم لغة أخرى غير لغته التي ولد عليها. # ولم تزل المدينة منذ القدم عرضة للمنازعات الدولية بين الفرس والإغريق، أو بين ~~العرب والروم، أو بين المسلمين والصليبيين، أو بين أصحاب العقائد في الديانة ~~الواحدة واللسان الواحد، وهي حالة لا تتكرر طويلا إلا تركت لها أثرين لا محيص ~~منهما ولا مفر من التوفيق بينهما، فمن أثرها أن تزيد شعور الإنسان بعقيدته وحرصه ~~على شعائره ومعالم دينه، ومن أثرها في الوقت نفسه أن تروضه على حسن المعاملة بينه ~~وبين أهل جواره من المخالفين له في شعوره أو تفكيره، وهي رياضة عالية تعتدل فتبدو ~~على أحسنها في السماحة الدينية ورحابة الصدر ودماثة الخلق وكياسة العشرة والمجاملة، ~~وقد يجنح بها الغلو إلى مثال من الخلط بين العقائد والشعائر لا يعهد في بيئة لم ~~تتعرض لتلك التجارب التاريخية، فقد روى دارفيو - المتقدم ذكره - أنه وجد في عين طاب ~~«عينتاب» طائفة تسمى ال «كيزوكيز»؛ أي النصف والنصف، يصلون في المساجد ويحفظون ~~القرآن ويعلقون المصاحف الصغار في أعناق أطفالهم، ويوجبون تعميد هؤلاء الأطفال ~~وتقريب القرابين في المعابد المسيحية والذهاب إلى كرسي الاعتراف وإقامة الصلوات في ~~عيد الميلاد وعيد القيامة. ~~••• # ومن نتائج الائتلاف في المجتمع أن تتأصل في العادات خصال التعاون الاجتماعي، ~~فتصبح المدينة العامرة معمرة قادرة على التعمير، ويكسب أبناؤها قدرة على تجديد ~~عمرانها بعد الكوارث التي تنتابها كما تنتاب أمثالها من المدن على أيدي الفاتحين أو ~~بفعل الزلازل والأوبئة التي كانت تنتشر في الشرق والغرب، فلا تسلم منها مدينة كثيرة ~~الوراد والطراق يخرجون منها ويئوبون إليها بغير رقابة صحية على القواعد العلمية، ~~وقد تمكنت حلب من تجديد عمرانها واستئناف علاقاتها ومعاملاتها مرات في مدى التاريخ ~~المعروف منذ ثلاثة آلاف سنة، واستطاعت ذلك أربع مرات منذ القرون الوسطى إلى اليوم، ~~ويشير ياقوت الحموي إلى خصلة التعمير والتأثيل في أهلها فيقول: «ولأهلها عناية ~~بإصلاح أنفسهم وتثمير الأموال، فقل ما ترى من نشئها من لم يتقبل أخلاق آبائه في ~~مثل ms008 ذلك؛ فلذلك فيها بيوتات قديمة معروفة بالثروة، ويتوارثونها ويحافظون على حفظ ~~قديمهم بخلاف سائر البلدان.» ~~(4) ومدينة سياسية # والمدينة الاجتماعية على هذه الصفة مدينة سياسية باختيارها وبما تنساق إليه من ~~ضرورات تدبيرها وإصلاحها، فلا يسع إنسانا يقيم فيها أن يغفل عن السياسة التي ~~تديرها ولا عن أحوالها التي تستقيم عليها شئونها المشتبكة أو يعتريها الخلل من ~~جانبها، وربما حالت السيطرة المستبدة دون إطلاق الألسنة والأقلام في أحاديث هذه ~~السياسة، ولكن المجالس التي تدور فيها الأحاديث بين أهلها لا تلبث أن تخلق لها ~~منادح من القول المباح في باب النقد الاجتماعي، ولو قصرته على نقد الأحوال العامة ~~وآداب العرف الشائعة، ولم تزد فيه على الحنين إلى الأيام التي كانت تخلو من عيوب ~~هذه الأيام، أو على الثناء والذكرى لمن كانوا يسوسون الأمور سياسة لا يدركها ~~الملام. # قال رسل في تاريخه الطبيعي لمدينة حلب - وهو يسمي المسلمين بالترك على عادة ~~الأوروبيين في زمنه: «إنهم على احتجازهم في مسائل السياسة لا يقال عنهم إنهم سكوت ~~صامتون، فإنهم يفيضون الحديث عن مسائل الديانة والآداب ومساوئ البذخ والترف، وشيوع ~~الرشوة في الدواوين، وربما تحفظوا في الكلام على أخطاء الحكومة الحاضرة، ولكنهم ~~ينحون على الأخطاء الماضية بغير هوادة، وسواء كان مجرى الحديث على هذه المسائل أو ~~على أشباهها من المسائل الخلافية تراهم يحتدون في مساجلاتهم، ولا يطول الحوار بينهم ~~دون أن يتطرق إليه الغضب حتى يفصل فيه صاحب الدار برأيه، إن كان من ذوي الصدارة، ~~فيميل الأكثرون إلى الرأي الذي أبداه ...» # وإذا قيل هذا عن أواخر القرن الثامن عشر فالحالة السياسية في غير هذه الحقبة ~~المظلمة لا تحتاج إلى بيان. ~~(5) ومدينة متصلة # ومن تحصيل الحاصل أن يقال إن المدينة التي لها هذه العمارة وهذه العلاقات ~~الاجتماعية على ملتقى الطرق المعبورة في القارات الثلاث لن تنقطع عن العالم في عهد ~~من عهودها، ولن ينقطع العالم عنها. # إلا أن العلامات المحسوسة أوضح من الأحوال المفهومة في الدلالة على تمكن هذه ~~الصلة وشدة الحاجة إليها، فمن هذه العلامات أن نقل ms009 الأخبار بالمشاعل والمصابيح ~~كان معروفا في حلب قبل ستة وثلاثين قرنا كما يرى من ألواح «ماري» الأثرية التي ~~كشفت بجوارها، أما في العصور الأخيرة فلم تخل حلب قط من الوسائل السريعة للانتقال ~~أو نقل الأخبار، وحيثما وجدت وسيلة أسرع من سواها في قطر من الأقطار النائية لم ~~تلبث أن تصل إلى حلب بعد قليل، وأن يفتن الحلبيون في استخدامها وتحسينها لزيادة ~~السرعة فيها، فاشتهرت بالجمال السريعة التي نعرفها في وادي النيل باسم الهجين، ~~واجتهد أصحاب القوافل بها في توليدها بين العربية والتركمانية؛ لتوريثها أحسن ~~الصفات من فصائلها الممتازة، وانتظم فيها بريد الحمام الزاجل، وهو أسرع بريد عرفه ~~الناس على المسافات البعيدة قبل استخدام البرق والبخار، ولكنهم في الخطوط التي تمتد ~~من حلب وإليها، يحتاطون لعوائق الطريق فيغمسون أقدام الحمام في الخل ليشعر بالرطوبة ~~في الجو، فلا يستدرجه الشعور بالعطش إلى الماء فينقطع عن السفر أو يسقط بين أيدي ~~المترصدين له في الطريق. ~~(6) ومدينة حساسة # وهذه العوامل المتأصلة جميعا قد بقيت إلى العصر الذي نشأ فيه الكواكبي وعاش فيه ~~بين منتصف القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين؛ بل كانت كلها على حالة من النشاط ~~والتحفز توصف «بالحساسية» المفرطة التي تضاعف انتباه المنتبهين إليها على غير ~~المعتاد في سائر العصور. # كانت مدينة حلب قبل مولده بسنوات جزءا من العالم العربي الذي كان يجمع الشام ~~وفلسطين وطرفا من العراق والجزيرة العربية في نطاق واحد، وظلت كذلك بضع سنوات حتى ~~أعيدت إلى الدولة العثمانية في سنة 1840 بعد تدخل الدول الأوروبية في حروب ~~إبراهيم باشا والسلطان عبد المجيد. # وكانت فتنة الأرمن ومحنة لبنان وغارات الحدود بين العرب والترك في العراق شغلا ~~شاغلا لأبناء حلب على الخصوص؛ لأنها المدينة التي يصيبها كل عطل ويرتد إليها كل ~~اضطراب. # وكانت مسائل الامتيازات الأجنبية تثار كل يوم في أوروبة وفي الشرق العثماني، مع ~~ما يتبعها من مسائل التشريع والإدارة التي تفرق بين الطوائف والأجناس في كل بقعة ~~من بقاع الدولة التركية. # وكانت هذه الدولة تتقدم خطوة وتنكص على ms010 أعقابها خطوتين في طريق الحكم النيابي ~~والإدارة العصرية واستبدال النظم الحديثة بالتقاليد البالية التي جمدت عليها منذ ~~قرون. # وكانت قناة السويس تفتح، ومراكز الشركات تتحول من حلب شيئا فشيئا إلى القارة ~~الأوروبية أو إلى شواطئ الهند وإيران وموانئ البحرين الأحمر والأبيض على طول ~~الطريق. # كان كل عامل من عوامل الحياة الاجتماعية في حلب يتحرك ويتنبه ويبلغ به الانتباه ~~حد الحساسية؛ بل حد الإفراط في الحساسية حين نشأ الكواكبي في هذه الحقبة ~~المتوفزة، ووكل إليه القدر أن يكون لها لسان حال، فاستجاب لها في بيئته من حيث ~~يستجيب أمثاله من الرجال. # الفصل الثاني # | العصر # كيف نشأ الكواكبي في هذا العصر؟ # كيف لم ينشأ الكواكبي في هذا العصر؟ # سؤالان لا يتردد المؤرخ بينهما، بعد ما تقدم، أيهما أحق بالتوجيه وأيهما أدعى إلى ~~الاستغراب؟ فإن حوادث العصر وحوادث السيرة الكواكبية تشيران كلتاهما إلى الأخرى ~~متقابلتين كما يتقابل العدلان المتلازمان. # ولد الكواكبي حول منتصف القرن التاسع عشر، وتوفى بعد ختامه بسنتين، فحياته على وجه ~~التقريب هي النصف الثاني من القرن التاسع عشر في ملتقاه بطلائع القرن العشرين، وهذه ~~حقبة من حقب التاريخ الحديث يلوح عليها كأنها نشطت من عقال، فكل شيء فيها ينفر من ~~الجمود والركود، ويتحفز للحركة والوثوب إلى التغيير. # كان هذا النصف الأخير من القرن التاسع عشر، في القارة الأوروبية، امتدادا لعصر ~~الكشوف العلمية والنزعة الفكرية إلى التمرد على القديم، وكان حقبة عامرة بأسباب القلق ~~والاندفاع إلى المجهول حيثما وجد الطريق، تمخضت عن أخطر مذاهب الفكر والأخلاق وأدعاها ~~إلى الثورة والانقلاب، ولا نطيل في شرح المذاهب الخاصة بتلك الحقبة أو التي تعد من ~~ولائدها ونتائجها، فإننا نطوي الكف على خمسة منها، فلا نستكثر بعدها أن يحدث في بقية ~~القرن التاسع عشر كل ما حدث فيها من عظائم الأمور وعوامل الحركة والانقلاب. # في بقية القرن التاسع عشر شاع مذهب داروين عن التطور وتنازع البقاء، ومذهب كارل ماركس ~~عن رأس المال، ومذهب نيتشه عن «السوبرمان» أو الإنسان الأعلى، ومذهب المدرسة الطبيعية ~~عن حرية الفن ms011 والأدب، ومذهب الديمقراطية عن الحكومة الشعبية، وكل مذهب منها لا يستقر ~~حيث ظهر على حال من أحوال الجمود والرضى عن التسليم والاستسلام. # ووصلت فتوح العلم إلى السوق والطريق؛ بل وصلت إلى الجهلاء الأميين أهول وأضخم من ~~صورتها التي وصلت بها إلى العلماء الدارسين. # سمعوا الجراموفون «الحاكي» فقالوا: إن الإنسان ينطق الجماد. # وسمعوا عن البرق بأسلاكه وغير أسلاكه فجدد لهم خبر المردة المسخرين في نقل الأسرار ~~بين السماء والأرض، وبين المشرقين والمغربين. # وسمعوا صوت الهاتف بعد أن شهدوا الصورة التي يرسمها لهم شعاع الشمس فكادوا يلحقونها ~~بالخوارق والمعجزات. # وكبرت في أيامهم مخترعات الأمس، فأصبحت المطبعة والباخرة والبندقية أشباحا تطاول ~~المردة، بعد أن كانت في الحقبة الغابرة ألاعيب أطفال أو أطفالا تتعثر بين المهود ~~والحجور. # كذلك كان النصف الثاني من القرن التاسع عشر في ميدان الفكر والصناعة. # أما ميدان العمل والحياة العامة فمجمل ما يقال فيه: إنه يتلخص في كلمتين تترددان ~~بلسان المقال أو لسان الحال في كل أمة غالبة أو مغلوبة، ومتقدمة أو متأخرة، وحرة ناهضة ~~أو متأهبة للحرية والنهضة، وهما: الحرية وحق الأمة. # ففي البلاد الإنجليزية كان سلطان الملوك يتقيد ويتبعه سلطان السادة النبلاء إلى ~~القيد، ولم تهدأ فيها صيحة المطالبة بالمشاركة في الحكومة بين أصحاب الأموال وجماعات ~~العمال، فكان العقد الثاني بعد منتصف القرن فاتحة العهد الذي برز فيه الأحرار وتمهدت ~~فيه السبيل لطوائف العمال. # وفي البلاد الفرنسية قضت حرب السبعين على الإمبراطورية، وتحولت بالحكم إلى النظام ~~الجمهوري على أساس المبادئ التي أعلنتها الثورة وتجاوبت بها أصداء العالم، وهي مبادئ ~~الحرية والإخاء والمساواة. # وفي البلاد الألمانية ظفرت القومية المشتتة بالوحدة التي كانت تنشدها، واجتمعت ~~الولايات التي كانت موطن المغيرين من الشمال والجنوب، ومن الشرق والغرب، فأصبحت قوة ~~القارة التي يخشاها المغيرون! # وفي البلاد الإيطالية تجمعت تلك المتفرقات من قضايا العصر كله، ومنها قضية ~~الاستقلال، وقضية الوحدة، وقضية السلطة الدينية، وقضية الحكومة الشعبية، فكانت - وهي ~~تضطرب بجميع هذه القضايا - كأنها الحلقة الوسطى بين الغرب والشرق، وبين القارة الغالبة ~~والقارات التي ms012 تشكو الغلبة عليها، فثارت إيطاليا قبل منتصف القرن تسترد الحرية من الدول ~~الثلاث التي تنازعتها، وهي النمسا وفرنسا وإسبانيا. # وعند منتصف القرن ثارت على أمرائها الذين تنازعوها وفرقوا أرضها وأبناءها، وجمعت ~~شملها في ظل رايتها الموحدة على رضاها، وفصلت الوطنية الإيطالية في قضية السلطة الدينية ~~كما فصلت في قضية الملك والدولة، ثم فصلت في قضية الحكم فأقامتها على قواعد النيابة ~~الشعبية، ولم ينقض القرن حتى دخلت في سباق الاستعمار؛ طامعة في أسلاب غيرها بعد أن ~~كانت مطمعا للقادرين عليها من الغرباء عنها ومن أبنائها. # وقد توحدت إيطاليا بعد مجهودات كثيرة تفرقت مساعيها واتفقت قبلتها في النهاية، فكان ~~الوطنيون المجاهدون يعملون جميعا على توحيدها والنهوض بها إلى مصاف الدول العظمى ~~ويأنفون أن تكون بين جاراتها أقل منهم شأنا وأصغر منهن قدرا في مجال العلاقات ~~الدولية، وهي أعرق منهن ماضيا وأقدم ثقافة، وموطن اللغات التي نبتت منه لغات اللاتين ~~واقتبست منه سائر اللغات في أمم الحضارة ... إلا أنهم - مع هذا الاتفاق في الغاية - ~~تفرقوا في الوسائل والمعايير السياسية، فأرادها فريق منهم «جمهورية حرة» تنال حريتها ~~وتنشر مبادئ الحرية لغيرها، وعلى رأس هؤلاء المجاهدين حكيم إيطاليا ورائدها الأول يوسف ~~ماتسيني، مؤسس «إيطاليا الفتاة» ثم مؤسس «أوروبة الفتاة»؛ إيمانا منه بأن الحرية في ~~القارة الأوروبية شرط لا غنى عنه لدوام الحرية في بلاده. # وفريق آخرون يريدون بقاء الملكية على عرش واحد، أو يسمحون ببقائها إلى حين ريثما ~~تتهيأ الفرصة لإقامة الجمهورية، وعلى رأس هؤلاء كافور الزعيم الوزير الذي كان يخالف ~~الفريق الأول في سياسة الأحلاف الدولية، ويتبرع بإرسال الجيوش إلى القرم لمحاربة روسيا ~~ومعاونة تركيا وإنجلترا وفرنسا، أملا في تأييد الدولتين الأخيرتين له في مساعيه ~~الدولية، ويأسا من تأييد روسيا القيصيرية لقضية من قضايا الاستقلال والثورة على النظم ~~الدولية العتيقة. # ويتوسط بين الفريقين فريق غاريبالدي الذي كان يستعين بالكتائب المتطوعة، كما كان ~~يستعين بالجماعات السرية من قبيل جماعة الفحامين «الكربوناري»، ولا يرفض التعاون مع ~~«إيطاليا الفتاة» كلما اتفقت الحملة على خصم واحد من خصومه ms013 وخصومها، ولكنه يتوجس من ~~المحالفات الدولية ولا يؤمن بجدواها، ويكاد يقطع بتحريمها خوفا من مغارم المقايضة التي ~~تجور على حقوق الدولة الناشئة كما تجور على أقاليمها ومواردها، ولا تعرف وسيلة من ~~وسائل الأمم في جهادها لم يتوسل بها فريق من هؤلاء المجاهدين، ولم يتصل خبرها بطلاب ~~الحرية في البلاد الشرقية؛ لانتشار الإيطاليين على شواطئ البحرين الأبيض والأحمر، ~~وإقامتهم على طريق التجارة القديمة بين الهند والبندقية وجنوه، واشتراكهم من قبل الساسة ~~والزعماء معا في حروب الدولة العثمانية. # ولا بد من الانتباه الدقيق إلى دخائل السياسة المزدوجة التي أملاها على الدولة ~~الإيطالية وضعها الجديد بعد الاتفاق على توحيدها، فهي - من جهة - دولة أوروبية طامحة ~~إلى مساواة الدول التي سبقتها في حلبة الفتح والسيادة، وهي من الجهة الأخرى أمة تشبه ~~الأمم الشرقية في جهادها لدول القارة، وتتفق مع بعضها في مقاومة النفوذ العثماني وتشجيع ~~الثورة عليه، ومن آثار هذه السياسة أن بيتها المالك كان على مودة «شخصية» ودولية تربط ~~بينه وبين بيوت الحكم والرئاسة في أكثر الأقطار التي خضعت للسيادة العثمانية، فلما عزل ~~الخديو إسماعيل جعل مقره الأول في البلاد الإيطالية، ولما هاجر الأمراء الإيطاليون من ~~بلادهم في الحرب العالمية الأولى وبعد الحرب العالمية الثانية، كان اختيارهم لمصر ~~مقدما على اختيارهم للرحلة إلى قطر من الأقطار الأوروبية، وكان ملك إيطاليا يتوسط ~~أحيانا في الأزمات المستحكمة بين أمم المغرب ودولتي فرنسا وإسبانيا، كأنه يرى أن هذه ~~الأمم تطمئن إليه وتتقبل منه ما لم تتقبله من الحكومات الأوروبية، وقد تطوع ~~الإيطاليون بعد احتلالهم «إرتريا» لبذل المعونة ونقل السلاح إلى سواحل جزيرة العرب؛ ~~لمقاومة المنافسين لنفوذها من الأوروبيين وغير الأوروبيين، وكانت لهم جالية قوية في ~~المدن السورية تعرب عن تأييدها للأحرار والثائرين توددا لهم أو نشرا للدعوة التي ~~نقلتها من بلادها في إبان نهضة التوحيد والحرية. ~~••• # هذه نبذة عاجلة عن حركات الغرب في النصف الأخير من القرن التاسع عشر، أوجزنا فيها ~~القول عن أمم أربع من أممها التي سرت أخبارها وأخبار قضاياها إلى الشرق العربي وبلاد ms014 ~~الدولة العثمانية، وهي على تفاوتها في كل ظاهرة من ظواهر السياسة والثقافة تشترك في ~~خصلة لا تغيب عن واحدة منها في خبر من أخبارها، وهي المطالبة بالحقوق والحريات. # فإذا كانت قارة الاستعمار قد حصرت خطتها حيال الشرق في سياسة واحدة تريدها وتتعمدها ~~لتقهره وتتغلب عليه، فهناك سياسة أخرى لم تردها ولم تتعمدها، تلقاها الشرق منها، ~~فهب لمقاومتها وتيقظ لمطامعها ونزل معها في ميدانها الذي استفزته له باختيارها ~~وبغير اختيارها. ~~••• # وقد جاء رد الفعل المنتظر بعد برهة من السبات والذهول من أثر الصدمة التي كانت تنتقل ~~وتشتد، كلما تنقلت بين أقطار الشرقين البعيد والقريب من اليابان في أقصى الشرق ~~الآسيوي إلى مراكش في أقصى الشرق الأفريقي، وقد أصبحت هذه «شرقا» في حساب الاستعمار ~~وإن كانت تناوح في الموقع الجغرافي جارتها أوروبة الغربية. # ونقصر الكلام هنا على الشرق العربي كما كان في أواسط القرن التاسع عشر إلى ما بعد ~~مولده بقليل، ففي تلك الفترة كانت مصر قد ظفرت بحصة كبيرة من الحكومية الذاتية، وكانت ~~لبنان قد خرجت بعد الفتن والأزمات بنصيبها المقرر من الامتيازات الداخلية، وكادت جزيرة ~~العرب تتفرد بالدعوة الوهابية وتوشك أن تمتد منها إلى قلب العراق، وكانت العراق في ~~صراعها مع حكم المماليك تتقدم في خطى سراع إلى الخلاص من ذلك الحكم المضطرب بين الكساد ~~والوباء، وعلمت الدولة العثمانية أنها تحتاج لاستبقائه وإعادة الأمن فيه إلى نظام من ~~الحكومة الدستورية غير نظام الولايات المهملة أو الولايات المسخرة لسادتها على غير ~~إرادتها، فأرسلت إليه أكبر وزرائها في عصره «أحمد مدحت باشا» الملقب بأبي الدستور، ~~فأقام فيها نظام الحكم على أساس الحرية والمصلحة العامة على خير ما يستطاع في تلك ~~الآونة، وافتتح فيها عهد الحياة العصرية التي وصلت بينها وبين أمم الحضارة. # وكانت ولاية حلب - مع سائر الولايات السورية - قد اتصلت بمصر زهاء سبع سنوات، ثم ثارت ~~على حكم إبراهيم بن محمد علي سنة 1840، فأعيدت إلى الدولة العثمانية على وعد بالإصلاح ~~وتنظيم الإدارة على أساس جديد، وكان الشروع في الإصلاح وتنظيم الإدارة ms015 حقيقة واقعة منذ ~~قيام السلطان محمود الثاني «بين سنتي 1808 و1839»؛ لاضطرار الدولة أولا إلى إصلاح ~~جيشها واضطرارها بعد ذلك إلى تسوية المشكلات القائمة بين رعاياها المختلفين في الجنس ~~والدين واللغة، فإن الهزائم المتوالية أقنعت أولياء الأمر في القسطنطينية بالحاجة ~~الملحة إلى تنظيم جيش جديد، تستخدم فيه الأسلحة الحديثة وأساليب التعبئة في الدول ~~الأوروبية، ثم تبين لهم أن تعديل أنظمة القضاء والتشريع وإدارة الدواوين ضرورة لا ~~محيص عنها لسياسة رعاياهم ومدافعة الدول الأوروبية التي كانت تتعلل بفساد الحكم في ~~الدول التركية للتدخل في شئونها بدعوى الإنسانية تارة ودعوى الامتيازات الأجنبية تارة ~~أخرى، فتحدث الناس بوعود الإصلاح وأعماله ومشروعاته وحقوق الرعية وواجبات الرعاة قبل ~~مولد الكواكبي، كأنهم يتحدثون بدين يلويه المدين بين السداد والمطال. # ولعلنا ندرك حقيقة الحال ونعلم أن وعود الإصلاح كانت ضرورة لازبة، ولم تكن إنعاما ~~ولا إحسانا من أولياء الأمور، إذا نظرنا إلى بقاع العالم العربي فلم نجد فيه بقعة ~~واحدة رضيت بما هي فيه، ولم ينهض أهلها للمطالبة بنوع من الإصلاح على نحو من الأنحاء، ~~فتحرك السودان وتحركت الصحراء وتحركت قبائل المغرب في ثورتها؛ بل في ثوراتها التي تكررت ~~ولا تزال تتكرر إلى اليوم، وصدق على العالم العربي بين أطرافه المترامية قول القائلين ~~في الغرب: إنه مارد خرج من القمقم ولن يعود إليه. # وكان في الحق ماردا هائلا يتململ في الأسر ليخرج من قمقمه المظلم المحصور، ولكنه لم ~~يكن ماردا معصوب العينين كما صوره أولئك الراصدون للقمقم، أو كما أرادوا أن يتصوروه؛ ~~إذ كان للمارد زمامه في أيدي الهداة من القادة الملهمين ومن رواد الثقافة الأولين، وكان ~~لهذه الهداية بين المسلمين وغير المسلمين طابع الشرق الخالد منذ الأزل، طابع العقيدة ~~والإيمان. ~~••• # في القارة الأوروبية حكم التاريخ حكمه بعد النزاع القائم بين السلطة الدينية والسلطة ~~السياسية، فوهم العلماء في مطلع الثقافة الحديثة أن هذه الثقافة حرب بين العلم والدين، ~~فلما انتقلت ثقافة الغرب إلى الشرق تلقاها المسيحي في المدارس من رجال دينه، وتلقاها ~~المسلم مستجيبا لنداء «العودة إلى ms016 الدين» على كل لسان يسمع منه الوعظ ويقبل منه ~~الإرشاد، فقد وقر في الأخلاد أن المسلمين هجروا دينهم فحاق بهم بلاء الذل والضياع، ~~واتفق الجامدون منهم على القديم والمتطلعون إلى الجديد على هذا النداء، فلا خلاف بينهم ~~إلا على الرجوع إلى الدين كيف يكون. # وربما قال الجامدون قبل المجددين: إن الأوروبيين عملوا بأدب الإسلام فأعدوا العدة ~~ونظروا إلى حكمة الله في خلقه فتقدموا وتأخر المسلمون. # وتباعدت الشقة بين المحافظين أنصار النص والحرف، وبين المجددين أنصار المعنى ~~والقياس فاختلفوا على الكثير، ولكنهم مع اختلافهم هذا لم يتفقوا على شيء كما اتفقوا على ~~حرب الخرافة وعقائد الجهل والشعوذة الدخيلة على الدين، فحاربها المحافظون الحرفيون؛ ~~لأنها بدع مستعارة من بقايا الوثنية، وحاربها المجددون لأنها سخافات وأباطيل ينقصها ~~العلم الحديث، وتراجعت هذه السخافات والأباطيل إلى غيابة الجهل، لا تجترئ على التقدم ~~إلى صفوف القيادة المسموعة بين أنصار القديم ولا بين أنصار الجديد. # كانت هذه الظاهرة النادرة إحدى حسنات التوفيق في صدر الدعوة إلى الإصلاح، وتلك ولا ~~ريب إحدى العوامل القوية التي جعلت دعوة الإصلاح مهمة روحية ثقافية، وجعلت رجلا كالسيد ~~جمال الدين الأفغاني داعيا مسموعا، حيثما حل في قطر من أقطار الشرق بين المسلمين ~~العرب والفرس والهنود، وبين العرب المسلمين وغير المسلمين، وناهيك بإمام من الأفغان ~~تصدر له صحيفة «مصر» ويحررها تلميذه «أديب إسحاق» وهو المسيحي الكاثوليكي من الأرمن ~~العثمانيين. # تلك سمة العصر الذي قدمنا الكلام عنه بهذين السؤالين: كيف نشأ الكواكبي في هذا العصر؟ ~~كيف لم ينشأ الكواكبي في هذا العصر؟ وقلنا إنهما سؤالان لا يتردد المؤرخ بينهما أيهما ~~أحق بالتوجيه وأيهما أدعى إلى الاستغراب. # إن الكواكبي في أسرته ومنبته وزمنه - لوفاق الشرط الذي تتطلبه رسالته المنتظرة في هذا ~~الشرق بين البلاد العربية - رجل مرشح للرئاسة الروحية، مضطهد في سربه وذماره، ينشأ في ~~بلد عربي عريق يرتبط بعلاقات المشرق والمغرب وتلتقي لديه تيارات الحوادث العالمية، ~~ويفتح عينيه على العالم وهو يصبح أو يمسي على قضية حق أو ثورة حرية، من وصفه فقد سماه، ms017 ~~وكاد يصمد إليه ولا يتخطاه إلى سواه. # الفصل الثالث # | أسرة الكواكبي # ينتسب الكواكبي من أبويه إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وقد روى صاحب «إعلام ~~النبلاء بتاريخ حلب الشهباء» نسب الأسرة نقلا عن كتاب «النفائح واللوائح من غرر ~~المحاسن والمدائح» الذي ألفه السيد حسن بن أحمد بن أبي السعود الكواكبي، فجاء فيه أن ~~السيد أحمد هو: # ابن أبي السعود بن أحمد بن محمد بن حسن بن أحمد بن محمد بن أحمد بن يحيى بن ~~محمد بن أبي يحيى المعروف بالكواكبي قدس سره، ابن شيخ المشايخ والعارفين صدر ~~الدين موسى الأردبيلي قدس سره، ابن الشيخ الرباني المسلك الصمداني صفي الدين ~~إسحاق الأردبيلي ابن الشيخ الزاهد أمين الدين ابن الشيخ السالك جبريل ابن الشيخ ~~المقتدي صالح ابن الشيخ قطب الدين أبي بكر ابن الشيخ صلاح الدين رشيد ابن الشيخ ~~المرشد الزاهد محمد الحافظ ابن الشيخ الصالح الناسك عوض الخواص ابن سلطان ~~المشايخ فيروز شاه البخاري بن مهدي بن بدر الدين حسن بن أبي القاسم محمد بن ~~ثابت بن حسين بن أحمد ابن الأمير داود بن علي ابن الإمام موسى الثاني ابن ~~الإمام إبراهيم المرتضى ابن الإمام موسى الكاظم ابن الإمام جعفر الصادق ابن ~~الإمام علي زين العابدين ابن الإمام الحسين السبط الشهيد ابن الإمام علي بن أبي ~~طالب رضي الله تعالى عنهم أجمعين. # قال صاحب «إعلام النبلاء» بعد اسم صدر الدين موسى الأردبيلي: «الذي رأيته في عمود ~~نسبهم المحفوظ في بيت الموقت بعد محمد أبي يحيى بن صدر الدين إبراهيم الأردبيلي المنتقل ~~إلى حلب ابن سلطان خوجه علاء الدين علي بن صدر الدين موسى الصفوي - فيكون قد سقط هناك ~~شخصان - ابن السلطان صفي الدين أمين الدين جبريل، وهناك قد جعلهما شخصين، وباقي النسب ~~كما هنا، والله أعلم.» # وروى في هذا المصدر نسبه لوالدته المتصل ببني زهرة، فجاء فيه أن «والدة أبي السعود ~~الشريفة عفيفة بنت بهاء الدين بن إبراهيم بن بهاء الدين بن إبراهيم بن محمد بن محمد بن ~~محمد ms018 بن شمس الدين الحسن بن علي بن أبي الحسن بن الحسين شمس الدين بن زهرة أبي المحاسن ~~بن الحسن بن زهرة أبي المحاسن بن علي أبي المواهب بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن أحمد ~~بن الحسين بن إسحاق المؤتمن بن الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الإمام ~~السبط الشهيد الحسين ...» # ويرى في عمود النسب لأبيه اسم صفي الدين الأردبيلي، ومن ذريته إسماعيل الصفوي الذي ~~جلس على عرش فارس وأسس فيها الأسرة الصفوية، ومنها «علي سياه بوش» الذي رحل إلى بلاد ~~الروم وتزوج سيدة من حلب ثم قفل إلى بلاده، وخلف بها أجداد الأسرة الكواكبية. # ومن أعرق علماء حلب من أسرة الكواكبي الشيخ «محمد بن حسن بن أحمد الكواكبي» الذي تولى ~~منصب الإفتاء فيها، وكان مولده بها سنة ثماني عشرة وألف هجرية «1609م»، وتوفي بها سنة ~~ست وتسعين وألف هجرية «1685م»، وله مؤلفات في علوم الفقه والأصول والكلام والمنطق، ~~منها: شرح الفوائد السنية، ونظم الوقاية، ونظم المنار، وإرشاد الطالب، وشرح كتاب ~~المواقف، وحاشية على تفسير البيضاوي، ورسالة في المنطق، وتعليقات على تفسير سورة ~~الأنعام. # وأول من اشتهر من الأسرة باسم الكواكبي - فيما يقال - محمد أبو يحيى بن صدر الدين، ~~قال صاحب كتاب «نهر الذهب» في كلامه عن جامع أبي يحيى الكواكبي: # يظهر أنه جامع قديم، وأنه اشتهر باسمه الحالي نسبة إلى محمد بن إبراهيم بن ~~يحيى الكواكبي؛ لأنه وسعه وأقام فيه أذكاره، فلما مات دفن فيه، وبنى عليه ~~«سيباي بن عبد الله الجركسي» قبة من ماله، وهو جامع فسيح له قبلة متوسطة تقام ~~فيه الصلوات والجمعة، وله منارة فوق بابه، وفي غربيه قبة أبي يحيى المذكور، ~~مكتوب في الجدار الكائن فوق رأس الضريح: # وليس عجيبا أن تيسر أمرنا # بحضرة هذا القطب حاوي المناقب # ولي تولاه الإله بلطفه # وولى فأولاه صنوف المواهب # وما مات حتى صار قطبا مقربا # ونال من الغفران أعلى المراتب # هدينا إلى هذا المقام بطيبه # كما يهتدي الحادي بنور الكواكب # وفي صحن المسجد في جهته ms019 الغربية عدة قبور لبني الكواكبي، وفي شرقيه حوض يجري إليه ~~الماء من قناة حلب، ولهذا المسجد وقف قديم هو الآن ثلاثة حوانيت في سويقة علي، وله ~~مخصصات من وقفي حسن أفندي ابن أحمد أفندي الكواكبي ووالده المذكور، ويوجد على يسرة ~~الداخل للجامع حجرة لتعليم الأطفال، وفي جانبها صهريج سبيل يجري إليه الماء من قناة ~~حلب، عمرته هبة الله بنت حسن أفندي المذكور، وهي أم حسن بك ابن مصطفى بك، وفي جانب ~~المسجد من شرقيه مدرسة تعرف بمدرسة الكواكبي يصعد إليها بدريجات، وهي عامرة نيرة ~~مشتملة على قبلة وحجرتين # 1 ~~...» # ويقال إن السيد أبا يحيى عرف باسم الكواكبي؛ لأنه كان يعمل في الحدادة ويتقن صنع ~~المسامير التي تسمى الكواكب لاستدارتها ولمعانها، فنسب إليها، ثم سلك مسلك المتصوفة ~~فنبه فيها شأنه وتوافد عليه التلاميذ والمريدون ومنهم أمراء ورؤساء، كانوا يفدون إليه ~~وهو في نسكه أو في ذكره، فلا يجسرون على التحدث إليه حتى يأذن لهم، لهيبته وورعه، ~~وسميت طريقة آل الكواكبي بالطريقة الأردبيلية نسبة إلى أردبيل من أذربيجان، وهي البلدة ~~التي ينتمي إليها صدر الدين وصفي الدين المتقدمان. # ومن أعلام الأسرة الذين ترجم لهم في كتاب «إعلام النبلاء» الشيخ «حسن أفندي ابن أحمد ~~أفندي الكواكبي المتوفى سنة 1229 هجرية»، ترجمه العلامة عبد الرزاق البيطار الدمشقي في ~~تاريخه «حلية البشر» فقال في وصفه: «هو كعبة الأدباء ونخبة العلماء، من اشتهر بالفضائل ~~وشهد له السادة الأفاضل ... تولى منصب الإفتاء في مدينة حلب، وكان حسن الأخلاق كريم ~~الطباع، وكان العلامة المرادي مفتى دمشق - لما كان في الحلب - يتردد عليه كثيرا، ~~وامتدحه بعدة قصائد ... وترجمه الشيخ عبد الله العطائي في رسالته «الهمة القدسية» المدرجة ~~بتمامها في ترجمته ... ومن آثاره كتاب سماه «النفائح واللوائح في غرر المحاسن والمدائح»، ~~جمع فيه نظم والده وما مدح به من شعراء عصره وما مدح به أسلافه، وعقد لكل واحد من هؤلاء ~~الشعراء ترجمة ...» # ومن هؤلاء الأعلام الشيخ أحمد الكواكبي الذي ولد سنة خمس وأربعين ومائتين وألف، ~~وتوفي سنة ثلاثمائة وألف، وجاء ms020 في ترجمته أنه «تلقى العلوم النقلية والعقلية على أشياخ ~~عصره في الشهباء ... وأخذ الطريقة الشاذلية عن الشيخ بكري البلباني، وكان شديد الصحبة ~~للشيخ أبي بكر الهلالي يمضي معظم أوقات فراغه معه في الزاوية الهلالية، وأقرأ في ~~المدرسة الكواكبية والمدرسة الشرقية وفي الجامع الأموي منذ وجهت إليه وجهة التدريس فيه ~~سنة ثلاث وثمانين ومائتين، واشتهر بعلم الفرائض وتحرير الصكوك، واشتغل بأمانة الفتوى، ~~وعين عضوا في مجلسي إدارة الولاية، وكان ربعة أسمر اللون نحيف الجسم أسود العينين، ~~وخطه شيب في أواخر عمره، وكان رقيق الحاشية ظريف المحاضرة لا يمل منه جليسه، حسن ~~الخلق جدا، وربما أوقفه ذو سؤال زمنا غير يسير وهو يستمع له ولا ينصرف حتى يكون ~~السائل هو المنصرف، وكان وقورا مهيبا قنوعا متصلبا في دينه وقافا عند ~~الحق. # وكان يعرف اللغة التركية؛ إذ كان يندر من يعرفها بحلب خصوصا من العلماء، وحدث مرة أن ~~انحلت نيابة القضاء في حلب وتأخر قدوم النائب، فأراد الوالي إذ ذاك ألا تتراكم الأشغال ~~في المحكمة الشرعية، فكلف رئيس الكتاب أن يتولى القضاء وكالة، فقال له: لا يجوز توكيل ~~الوالي ولا ينفذ قضاء من يوكله. فقال له: أنا وكيل الخليفة فلي أن أوكل! فأبى عليه ~~القبول، فتكدر منه وأخرجه من عنده، ثم إنه أراد تنفيذ مقصده فكلف المترجم إلى الوكالة، ~~فأجابه إلى ذلك فسر جدا وكتب له في الحال منشورا بتوكيله إياه في القضاء، فذهب ~~إلى المحكمة الشرعية، وصار الناس يتطلعون إلى صنيعه: كيف يوفق بين أمر الوالي والحكم ~~الشرعي؟ فكان يسمع للخصمين ويضبط مقالهما، ثم يشير عليهما بالصلح ويريهما أحسن وجه ~~للاتفاق ولا يزال يعظهما بالموعظة الحسنة حتى يتصالحا، فيكتب بينهما صكا، وقد حصل ~~المطلوب من القضاء، وإذا أبى عليه خصمان عن المصالحة قال لهما: أتحكمانني بينكما؟ ~~فيحكمانه، فيكتب صكا بتحكيمهما ثم يحكم بينهما، ويؤخر تسليم صك الحكم إلى حضور ~~النائب، ثم لما حضر النائب أمضى كل ما تم من قبل المترجم وختم صكوكه. # وقد اكتسب شهرة عظيمة بهذا الصنيع، فكان من بعد ms021 ذلك وقفا على الإصلاح بين الناس، ~~وربما حضر مجلسا للإصلاح بين خصمين، فوجد الذي دعاه غير محق، فكان لا يألو جهدا في ~~نصحه وإرجاعه إلى طريق الحق، وإنما كان موفقا في ذلك؛ لأنه إنما كان يقصد وجه الله ~~تعالى، وكان متوليا على جامع جده أبي يحيى وخطيبا وإماما فيه». # 2 # والشيخ أحمد الكواكبي هذا هو والد المترجم ومعلمه ومربيه ومورثه جملة صفاته وسجاياه، ~~كما يرى من تفصيل سيرته في مواضعها. # وقد نشأ المترجم في هذا الجيل من أجيال الأسرة وهي على عهدها بمنازل الشرف والعلم: ~~أبوه أهل للقضاء في الخصومات بفضله وسمته، وأهل للتدريس في أكبر المعاهد بعلمه وصلاحه، ~~وأحوه الأصغر «مسعود أفندي» يشترك في معاهد العلم عضوا بالمجمع العلمي في دمشق، ويشترك ~~في معاهد الحكم عضوا بمحكمة التمييز، وفي مجالس السياسة عضوا بمجلس المبعوثين، ويقول ~~عنه رئيس المجمع العلمي الأستاذ محمد كرد علي في الجزء الثاني من مذكراته بعد كلامه عن ~~أخيه عبد الرحمن صاحب الترجمة: «وكان هذا يقول لي إن شقيقه مسعودا أعلم منه، وقد كتب ~~لي الحظ الأوفى أن زاملته سنين في المجمع العلمي العربي، رأيته فيها ورصفائي مثال ~~العلماء العاملين الذين ذكرت كتب الرجال تراجمهم العظيمة، وكانوا ممن اعتز بهم العلم ~~وارتقى الفكر الإسلامي، حللت روح هذين الحبيبين الشقيقين والحبرين الكاملين فما سقطت ~~فيهما على عيب من عيوب الآدميين جل الصانع! وسجلت أنهما تقدما جيلهما في كل معاني ~~الفضل والنبل، وما أسفا إلى أن يعيشا كأكثر أبناء الفقهاء عيش التوكل والخنوع يأكلون ~~ويشربون ويتناسلون ويجمعون من حطام الدنيا ما وصل إلى أيديهم، فالدم الطاهر ينم عن ~~صاحبه كيفما تقلبت به الأحوال، ولا يحتاج إلى من يدل عليه ...» # ولسنا نحتاج إلى أكثر مما تقدم فيما رواه الرواة والمعاصرون عن أسرة الكواكبي للتعريف ~~بأوائل نسبه ومنابت أخلاقه وشمائله، ففي صفحات الكتب وأقوال المحدثين أخبار متناثرة من ~~قبيل ما أجملناه تعيده أحيانا في مختلف العبارات أو تزيد عليه ما ليس يزيد في مغزاه، ~~ولكننا نجتزئ باليسير منها؛ لأنه أجزاء ms022 متناسقة يتمم بعضها بعضا، وينتظم منها تاريخ ~~متصل الحلقات منذ عرف اسم الأسرة في موطنها إلى مولده وأيام حياته، وكلها - سواء منها ~~الخبر المروي والخبر الذي تنبئنا عنه معالم المدينة وآثارها - ينتهي إلى نتيجة واحدة ~~تكفي للتعريف بحاضره وماضيه الذي كان له الأثر الواضح في حياته وعمله، فمن هذه المعالم ~~والأخبار نعلم أن «عبد الرحمن » قد وعى دنياه وهو يتلقى من ذكريات قومه قدوة النبل ~~والمعرفة، وتمتد به الذكرى الغابرة إلى عهود الأسلاف الذين نهضوا بزعامة الدين وزعامة ~~الدولة، وتحفزوا للعرش من صوامع العبادة ومساجد الدرس والهداية. وقد يتأنى المؤرخ حين ~~يبحث عن الأسانيد القاطعة فيما يتحراه عامة المؤرخين ورواة الأخبار عن القديم، ولكنه لا ~~حاجة به إلى الأناة فيما وعته ذاكرة الأحياء من أبناء الأسرة، وأثبتوا به إيمانهم بما ~~كان لهم من سابقة، وما ينبغي لهم من حياة حاضرة، فلا خلاف على هذه الذكريات بين أبناء ~~الأسرة وأبناء المدينة التي تأصل فيها الأبناء بعد الآباء والأجداد على مدى أجيالها ~~المذكورة، ولا خلاف بين الرواة المعاصرين في عراقة الأسرة الكواكبية في مدينة حلب ~~وإقليمها من حولها، وإنما يختلفون فيمن تسمى باسمها لأول مرة من أجداد عبد الرحمن ~~لأبيه أو لأمه، ويقال إن أبا يحيى - أحد أجداده - كان يسمى «البيري» نسبة إلى «البيرة» ~~على القرب من حلب، ويقول صديقه ومؤرخه الأستاذ كامل الغزي في مجلة الحديث الحلبية: «إنه ~~عرف بالكواكبي لاتصال أحد أسلافه بآل الكواكبي من جهة النساء المعروفات بعراقة ~~النسب.» # ولا يذكر - على أية حال - ذو نسب كواكبي بالمدينة غير آل عبد الرحمن في حياته وحياة ~~أبيه وجده. # وقد حدث في حياة عبد الرحمن حادث ذو بال في تاريخ الأسرة وتاريخه؛ بل تاريخ دعوته ~~وتفكيره، فانتقلت نقابة الأشراف من بيت الكواكبي إلى بيت «الصياد» شيخ الطريقة الرفاعية ~~وشيخ مشايخ الطرق بعد ذلك في أنحاء الدولة التركية، ولكنها لم تنقل للشك في نسب الأسرة ~~الكواكبية أو لثبوت نسب الأسرة الأخرى أسرة محمد بن حسن وادي المشهور بأبي الهدى ~~الصيادي ... وإنما انتقلت ms023 لرضى الولاة عن زعيم هذه الأسرة ونفورهم من الأسرة الكواكبية، ~~وهذا هو المثل القريب الذي لمس فيه عبد الرحمن عيوب الحكم في الدولة، وأدرك به مواطن ~~الحاجة إلى الإصلاح، قبل أن يدركه بالبحث والاطلاع. # وأحسب أننا نحتاج قبل اختتام هذا الفصل إلى كلمة موجزة عن الأسرة الصفوية التي يجمعها ~~عمود النسب بالأسرة الكواكبية، كما تجمعها الطريقة «الأردبيلية» منذ أيام مؤسسها صفي ~~الدين المشهور، فإن الاتصال بين النسبين قد يفسر لنا الغابر بالحاضر، ويفسر لنا ميراث ~~الشعور منذ القدم بين الأسرة والدولة العثمانية، أو دولة السلطان سليم على ~~التخصيص. # فمن الثابت أن الشاه إسماعيل الصفوي قد نشأ - كما يقول مؤرخو الإفرنج - من «أسرة ~~دراويش»، ينتسبون إلى بلدة أردبيل بأذربيجان ويرتفعون بعمود النسب إلى الإمام علي ~~والسيدة الزهراء. # ومن الثابت أن الأسرة الصفوية من عهد مؤسسها كانت على دراية بتنظيم الجماعات السرية، ~~وعلى أهبة لتجميع الجموع بالمحالفة والعصبية. # ومن الثابت أن النساك من زعماء الطريقة الأردبيلية كانوا يزورون دمشق وبيت المقدس، ~~ويترددون على المدن في الطريق بين شمال فارس وبلاد الروم. # ويقول المؤرخ اللبناني المسيحي «شاهين مكاريوس» في كتابه الذي وضعه عن تاريخ إيران ~~بإذن الشاه ناصر الدين: «إنها عائلة علماء أعلام وأئمة كرام وأصحاب تقوى يوقرهم ~~الأنام.» # ثم يروي قصة قيام الدولة فيهم فيقول بعد الإشارة إلى الشيخ صفي الدين: «وكان لهذا ~~الشيخ الفاضل أعوان يصدعون بأمره، وهو لا يأمر بغير الطيب والإحسان، وخلفه ابنه صدر ~~الدين، وعقبه من الأولياء مشاهير مثل خواجه علي وجنيد وحيدر، ممن اشتهروا بالفضل والعلم ~~والتقوى، وكان صدر الدين في أيام تيمور، وقد أخذ له مقرا في مدينة أردبيل من أعمال ~~أذربيجان مثل أبيه، فزاره يوما هذا البطل العظيم، وسأله أن مر بما تريد أقضه في ~~الحال. قال: أريد منك أن تطلق سبيل الأسرى الذين أتيت بهم من بلاد الأتراك. ففعل تيمور ~~بإشارته، وحفظ الأتراك هذا الجميل لصدر الدين وعائلته، وكانوا بعدئذ هم السبب في ~~توليتها الملك كما سيجيء. وليس في التاريخ ذكر أمر يدل على ms024 الإقرار بالجميل بعد مرور ~~الأجيال مثل هذا الأمر، وأشهر ما يذكر عن خواجه على أنه حج إلى القدس الشريف ومات فيه ~~وخلفه حفيده جنيد، فاجتمع لديه خلق كثير حتى خاف الأتراك شره، وحارب أحد رؤسائهم فاضطره ~~إلى الفرار إلى ديار بكر حيث قابله حاكمها الأمير حسن بالإكرام وزوجه أخته، وقصد جنيد ~~بعد ذلك بلاد شيروان فحاربه حاكمها وقتله، فخلفه السلطان حيدر، وكان أمير «أوزون» حسن ~~حليفه فتقوى بنصرته على الأعداء، وصار بالتدريج حاكما على كل بلاد إيران في مدة ~~السلطان أبي سعيد الذي مر ذكره، ومات فدفن في أردبيل، فخلفه ابنه السلطان علي، ولكن ~~القلاقل كثرت في أيامه وظلت عائلة صفي الدين في خطر دائم، يوما تصعد إلى الأوج ويوما ~~تنحط إلى الحضيض، حتى قام السلطان إسماعيل ابن السلطان علي، وملك البلاد، وهو في اعتبار ~~المؤرخين أول ملوك الدولة الصفوية، ولا يعرف عن شاه إسماعيل في أيام صغره غير القليل، ~~إلا أنه استلم قيادة الأعوان في الرابعة عشرة من عمره فحارب عدو عائلته حاكم شيروان ~~وقتله، ثم هجم عليه الأتراك والتركمان من ناحية الأناضول ففرق شملهم وانتصر على كل ~~أعدائه، فنودي به سلطانا على مملكة إيران وما يتبعها وهو في الخامسة عشرة من ~~عمره. # وكان إسماعيل صوفيا مثل أفراد عائلته وليس له أعداء وأعوانه كثار، فرأى بعد الإمعان ~~أن يدخل مذهب الشيعة الاثني عشر الجعفرية إلى إيران ويجعلها مذهب السلطنة، ففعل ذلك ~~وفاز بمراده، ولم يلق معارضة تذكر؛ لأن الإيرانيين عدوا هذا الانفصال استقلالا لهم، ~~وفضلوا مذهب القائلين بتكريم الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، ومن ذلك اليوم صارت ~~بلاد إيران مقر الشيعة بين المسلمين، وعصت خراسان وبلخ وغيرها من الولايات أمر السلطان ~~إسماعيل في بدء حكمه على عادتها، فحاربها كلها وانتصر عليها، وامتد نفوذ هذا السلطان ~~امتدادا عظيما حتى رزق عدوا كبيرا لم يقدر عليه، هو السلطان سليم العثماني ~~الشهير، قصد بلاد إيران بخيله ورجله البالغ عددها مائة وخمسين ألفا ومائتي مدفع، ~~وذلك بغتة دون مخابرات دولية ms025 لدى الحكومات، وقام إسماعيل لمحاربته بكل ما لديه من القوة ~~وهو يومئذ بهمدان يطلب الصيد والقنص، ودافع عن بلاده في جلدران بخمسة عشر ألف نفس ~~بأذربيجان، فتقهقر أمامه وكسر شر كسرة مع أنه أظهر في الحرب بسالة غريبة، وكان ~~الأتراك يحاربون بالمدافع والإيرانيون بالسلاح القديم، غير أن انتصار الأتراك لم يؤثر ~~في إيران؛ لأنهم اضطروا إلى الرجوع في الشتاء لشدة البرد وقلة الزاد، ولكن إسماعيل ظل ~~حزينا من بعد تلك الكسرة إلى آخر أيامه، ويروى أنه لم يضحك من بعد ذلك اليوم، ولم ~~يترك لبس السواد أيضا، ولما مات السلطان سليم تقدم إسماعيل على بلاد الأتراك للأخذ ~~بالثأر، فأخضع بلاد الجركس وهي يومئذ تابعة للأتراك، وعاد عنها فعرج على أردبيل ليزور ~~قبور أجداده، فقضى نحبه هناك ودفن فيها مأسوفا عليه ...» ~~••• # ترى هل نرى في تاريخ هذه الشعبة من أردبيل ما يأبى أن تلحق به تتمة تلائمه من تاريخ ~~الشعبة الكواكبية؟ إن تاريخ الأسلاف ليسبق في الزمن كالمقدمة التي تنتظر البقية من ~~أعمال الخلفاء والأبناء، وما أحرى عبد الرحمن أن يكون البقية المنظورة لمقدمة صدر ~~الدين! وما أحرى الأسرتين أن يتسلل فيهما نبع واحد من النجدة والورع والهمة والصلابة ~~والسماحة، تشابه فيمن عرفناه منهما حتى الآن على تنوع المواضع والميادين! # شيء واحد يستوقف المؤرخ من اختلاف الشعبة الصفوية والشعبة الكواكبية، ولكنه اختلاف ~~متوقع ينفي كل ما فيه من الغرابة بانتظار وقوعه على الوجه الذي صار إليه. # فالشعبة الصفوية أخذت بمذهب الشيعة الإمامية حين قام منها الأئمة على عرش إيران، ~~والشعبة الكواكبية تدين بمذهب أبي حنيفة من أئمة السنة؛ لأنه المذهب الذي غلب على ~~المدينة حيث درجوا وتعلموا وأنجبوا الأبناء المتعلمين والأساتذة المعلمين، وربما كان من ~~أتباع صدر الدين أحناف كثيرون كما يعلم من كثرة مريديه من الترك المنتقلين إلى إيران في ~~أسر السلطان تيمور. # وقد كان اتباع الكواكبي للمذهب الحنفي لا يمنعه أن يدعو إلى وحدة المذاهب وإقامة ~~الإمامة على غير قواعد الخلافة في الدولة العثمانية، فربما كان هذا التصرف بين ms026 الشعبتين ~~على المنهج المنتظر من كليهما قرابة باطنية تمحو ما يتراءى للنظر من ظواهر ~~الاختلاف. # الفصل الرابع # | النشأة # الطفل أبو الرجل # صدق من قالها بما عناه من لفظها ومعناها، فإن الرجل الكبير يتولد من الطفل ~~الصغير، فهو وليده وسليله على هذا التعبير. # وقد كان عبد الرحمن الصغير أبا مبكرا للرحالة المجاهد المفكر الحكيم صاحب «أم ~~القرى» و«طبائع الاستبداد» ورائد النهضة العربية في طليعة الرواد. # من أقسى ما يصاب به الطفل في نشأته أن يفقد الأم ويغترب عن الأب وعن الجيرة التي ~~فتح عليها عينيه من دنياه. # وقد أصيب الطفل عبد الرحمن بهذه المحن جميعا، فصلب لها عوده اللدن وهو دون ~~العاشرة، ونما على معدن الجهاد في طبيعته قبل أوان الجهاد في عنفوان شبابه، فمن هذا ~~الطفل الدارج من المهد نشأ ذلك الكهل الذي أقدم على مخاطر الهجرة والرحلة الطويلة ~~على غير أمل في العودة إلى الوطن، وعلى غير أمان من الغيلة والضنك والمشقة، وهو رب ~~أسرة وأبو أبناء وفرع أرومة تأصلت في منبتها - الذي قطع نفسه عنه - منذ مئات ~~السنين. # تقول الأوراق الرسمية إن صاحب الترجمة ولد حوالي سنة 1848م «1265 هجرية»، ويقول ~~ابنه الدكتور أسعد إنه ولد بعد ذلك بسنوات، وطلب تصحيح تاريخ المولد لدخول ~~الانتخابات، وإنما كان مولده الثابت من سجلات الأسرة في سنة 1854م «1271 هجرية»، ~~وتوفيت والدته سنة «1276 هجرية» وهو في نحو السادسة من عمره، أو هو قد ناهز العاشرة ~~إذا أخذنا بالرواية الرسمية. # والمرجح أنه كان أصغر من سنه في الأوراق الرسمية عند وفاة والدته، فإن أباه ~~قد أودعه حضانة خالته السيدة صفية بأنطاكية، فأقام بها إلى سنة 1382 هجرية، ثم عاد ~~إلى حلب لدخول المدرسة الكواكبية، ولو كان قد بلغ العاشرة عند وفاة أمه لاستغنى عن ~~الحضانة في هذه السن وصلح لدخول المدرسة الكواكبية بغير تأجيل. ولو صح تاريخ ~~الأوراق الرسمية لكان في نحو السابعة عشرة حين عاد من أنطاكية لدخول المدرسة، وهي ~~سن متأخرة لمن يبتدئ الدراسة في مثل أسرته. # وقد تعلم ms027 الكواكبي في مكتب أنطاكية ومدرسة حلب كل ما يتلقاه التلميذ فيهما من ~~العلوم المدرسية، وتعلم اللغتين التركية والفارسية ومبادئ الرياضيات على الأساتذة ~~الخصوصيين من أصدقاء أبيه، وتلقى من أبيه صفوة العلوم الدينية والأدبية التي كان ~~يتقنها، وهو كما تقدم من معلمي الجامع الأموي وأصحاب المناصب الشرعية. # قال صاحب المنار: «إن الفقيد درس قوانين الدولة درسا دقيقا، وكان محيطا بها ~~يكاد يكون حافظا لها، وله انتقاد عليها يدل على دقة نظره في علم الحقوق والشرائع؛ ~~ولهذا عينته الحكومة في لجنة امتحان المحامين، ولا أعلم أنه برز في فن أو علم ~~مخصوص فاق فيه الأقران، ولكنه تلقى ما تلقاه من كل فن بفهم وعقل، بحيث إذا ~~أراد الاشتغال عملا أو تأليفا أو تعليما يتسنى له أن ينفع نفعا لا ينتظر من ~~الذين صرفوا فيه أعمارهم ... على أن الفقيد لم يتعلم شيئا من علوم النفس والأخلاق ~~والسياسة وطبائع الملل والفلسفة في مدرسة، وإنما عمدته في هذه العلوم ما طالعه منها ~~من المؤلفات والجرائد التركية والعربية.» # ولا يخفى أن طالب العلوم السلفية لا يحتاج في عصر الكواكبي أو في العصر الحاضر ~~إلى غير اللغة العربية للتوسع فيها غاية ما ينشده من توسع المتخصصين أو المستطلعين. ~~أما المعارف العصرية فقد يستهين الناشئ العصري بما كان يتيسر منها للقارئ الذي يجهل ~~اللغات الأوروبية قبل مائة سنة، ولكنه في الحقيقة محصول وافر لا يستهان به في ~~زمانه؛ إذ كان في وسع العارف بالعربية أو التركية أن يطالع مئات من الكتب المترجمة ~~عن اللغات الأوروبية في العلوم والآداب، وأن يطالع معها المجلات والصحف التي تكتب ~~في هذه العلوم والآداب أو تنقلها عن ثقاتها وأعلامها، وقد تحدث الزهاوي عن نفسه ~~فقال إنه لم يتزود من المعرفة العصرية بزاد غير مطالعاته في المجلات العربية ~~والتركية وبعض الكتب المترجمة التي وصلت إلى يديه في بغداد، وبهذا الزاد - ولا ~~زيادة عليه - أصبح في مقدمة الباحثين المعدودين إلى أوائل القرن العشرين، فضلا عن ~~مكانته الشعرية وعمله في مجالس النواب. # ولا نخال أن الكواكبي ms028 فاته مرجع هام يعنيه أن يطلع عليه في موضوعات بحثه وتفكيره؛ ~~بل لا نخال أنه ضيع فرصة يستفيد منها علما أو خبرا نافعا من زوار حلب الذين ~~يجتمعون بمثله في مركزه ووجاهته بين قومه، وكانت حلب لا تزال في عهد نشأته مثابة ~~الزائرين والمقيمين من فضلاء الشرق والغرب، وبينهم وكلاء الشركات التي كانت تتأسس ~~في المدينة على طريق التجارة الهندية الشرقية قبل افتتاح قناة السويس، وبينهم فئة ~~من الإيطاليين في إبان ثورتهم القومية، وفئة من الفرنسيين في إبان ثورتهم ~~الدستورية، وكثير منهم مثقفون ينتمون إلى حزب من الأحزاب الثورية في بلادهم، ~~وينقلون معهم آراء فلاسفتهم وزعمائهم وأبناء طوائفهم وجماعاتهم، ومن هؤلاء ولا شك ~~عرف الكواكبي ما عرف عن «ألفييري» صاحب كتاب الاستبداد الذي أشار إليه في كتابه، ~~ولا يبعد أن يكون قد انتظم معه في محفل من محافل «الكربوناري» التي ألفها ثوار ~~إيطاليا لمنافسة الماسون الإنجليز أو الفرنسيين، وجعلوا يرحبون فيها بفضلاء الأمم ~~الأخرى لنشر مبادئهم وتأييد دعوتهم إلى الحرية، وهي قريبة يومئذ من دعوة الثائر ~~العربي إلى الوحدة القومية والاستقلال عن السيادة التركية. # والظاهر من سيرة الكواكبي ومن كتابته معا أنه أصاب من الثقافة القديمة والحديثة ~~ما يرشحه لأعماله في المدينة ولرسالته في العالم العربي والعالم الإسلامي على ~~عمومه، فلم يوكل إليه عمل من أعمال الحكومة أو المطالب الاجتماعية إلا أثبت فيها ~~كفاية الإدارة الحسنة والنشاط المنجز والتصرف المبتكر الذي يخرج به على الأثر من ~~جمود الوتيرة المشهور في عرف الغربيين بالروتين، ويمضي به إلى نتيجته المقصودة التي ~~عطلها التقليد وطول الإهمال. # عمل وهو يناهز الثانية والعشرين في صحيفة «فرات» العربية التركية، التي أنشأها ~~المؤرخ التركي الكبير أحمد جودت باشا قبل عمل الكواكبي فيها بنحو عشر سنوات، ثم ~~أنشأ في حلب أول صحيفة عربية باسم «الشهباء» مع زميله هاشم العطار، ثم أنشأ صحيفة ~~«الاعتدال» بعد تعطيل الشهباء لصراحتها في نقد الإدارة وتلميحها إلى وساوس السلطان ~~عبد الحميد، فأصابها ما أصاب الشهباء بعد قليل. # ويئس الكواكبي من أداء رسالة الإصلاح ms029 بالكتابة المحجور عليها في الصحافة المهددة ~~بالتعطيل، فقبل العمل في وظائف الحكومة، وتولى في هذه الوظائف ضروبا منوعة من ~~أعمال الإدارة والقضاء والتعليم، ومنها وظائف لها اتصال بالتجارة؛ كإدارة حصر ~~الدخان ولجنة البيع والفراع التي تستبدل أرض الحكومة، ورئاسة غرفة التجارة، وغيرها ~~من الوظائف التي ندع إحصاءها ونكتفي في هذا المقام بدلالتها جميعا على كفاية الرجل ~~لكل عمل تولاه، وعلى تلك القدرة الملهمة التي أعانته على إحياء كل وظيفة عهدت إليه ~~من موات الوتيرة أو «الروتين»، ونجاحه في تنظيفها وتطهيرها بعد نفض الغبار عنها، ~~واستصلاحها للإنتاج والتعمير. # فمن مبتكراته في المجلس البلدي أنه جعل للسابلة طرقا غير طريق الإبل والدواب، ~~وأقام في ضواحي المدينة سلاسل من الحديد للفصل بين معالم الطرق وتيسير السير ~~للمشاة. # ومنها أنه زاد أجور العمال سدا لذرائع الرشوة والاختلاس، وأنه رتب أوقات ~~العمل وموضوعاته وخصص الأماكن لكل منها منعا للزحام والانتظار، وأنه تتبع ~~المهربين للدخان وأجرى عليهم الرواتب والوظائف التي تغنيهم عن التهريب، وأنه ضبط ~~أعمال الغرفة التجارية بالإحصاءات، ونظمها على مثال الغرف التجارية في عواصم ~~الحضارة. # ومن مشروعاته إعداد العدة لإنارة المدينة وضواحيها بالكهرباء، وبناء مرفأ ~~للسويدية وجلب الماء إلى حلب من نهر الساجور، وتجفيف المستنقعات التي كانت فيما مضى ~~منبعا للأوبئة والحميات الدورية. # وقد أقام في حلب معظم أيامه لم يفارقها قبل سفره منها إلى القاهرة غير مرات قليلة ~~في رحلات قصيرة، إحداها أبعد فيها الرحلة إلى الآستانة، حيث علم أبو الهدى بمقدمه ~~فنقله إلى داره وحاول اجتذابه إلى حظيرته، واستبقاه تحت نظره، فماطله الكواكبي ~~بالوعد حتى تمكن من العودة إلى بلده بغير اختياره. # وفي خلال هذه الأعمال والوظائف جرت عليه نزاهته - وصراحته - عداوة أعداء العمل ~~النزيه والقول الصريح، فابتلي في ماله ورزقه، وتمحل الولاة المعاذير الواهية ~~لمصادرة أرضه وإتلاف مرافقه، وأقاموه بمرصد للتهم والوشايات، كلما نشبت فتنة أو ~~وقعت جريمة لصقت به الفرية العاجلة، وصنعت الجاسوسية صنيعها في تلفيق الأسانيد ~~وتلقين الشهود وتدبير المحاكمات، وينقضي الوقت في شغل شاغل من هذه التهم ومن ms030 جهوده ~~وجهود أنصاره في دفع شرها ورد كيدها، ومنها ما يبلغ به الخطر مبلغ الاتهام بالخيانة ~~وعقوبة الإعدام ... # يلقى حجر على القنصل الإيطالي فيتهم الكواكبي؛ لأن القنصل أصيب في جوار داره، ~~ويطلق الرصاص على الوالي فيتهم الكواكبي؛ لأن الكواكبي اشتكاه وأنحى عليه، ويشتجر ~~جماعة من أبناء الجاليات فيتهم الكواكبي؛ لأنه حسن العلاقة محبوب بين أبناء هذه ~~الجاليات. # ومن نبل هذا الرجل الكريم أن الوالي الذي اتهمه بتدبير الجريمة لاغتياله - جميل ~~باشا - وقع في خصومة عنيفة بينه وبين القنصل الإنجليزي في المدينة، فلجأ القنصل إلى ~~نفوذ دولته في العاصمة، وبادرت العاصمة إلى التحقيق على غير عادتها، فقدم مندوب ~~الوزارة المحقق إلى حلب، وهو يعلم بنزاهة الكواكبي وصدقه، ويعلم أنه مطلع على ~~الحقيقة من شهادته وتوجيهاته، فأبت مروءة الرجل أن يؤيد وكيلا لدولة أجنبية تغنم ~~التأييد في البلدة من وراء فوزه في هذه الخصومة وانتصاره على أكبر ولاتها، وشرح ~~الموقف لمندوب التحقيق من هذه الوجهة، فسلم الوالي من عاقبة هذه الأزمة، ولم ~~يسلم الكواكبي من أذاه. # وأخطر ما اتهموه به أن يتواطأ مع دولة أجنبية لتسليم البلاد إليها، وهي جريمة ~~عقوبتها الموت إذا ثبتت، وتثبت بالشبهة القوية عند ساسة العصر إذا تعذرت الأسانيد ~~القاطعة، وأوشكت قرائن التزييف والتهديد أن تطبق على المتهم البريء، لولا أنه نجح ~~في نقل المحاكمة من قضاء حلب إلى قضاء بيروت، فكان ابتعاد المحاكمة عن مقر التزييف ~~والتهديد سبيلا إلى جلاء الشبهة وثبوت البراءة، بعد أن ضاع الرجل فيها أو ~~كاد. # إن سيرة هذا البريء المظلوم مادة دراسة للمظالم والأباطيل، وإن أعداءه في بلده ~~أعوان همته وعزمه، فلولاهم لجاز أن يسكن إلى مقام يستطاع ويحتمل، ولكنهم أحسنوا غير ~~عامدين ولا مشكورين فجاوزوا به حد الاحتمال. # الفصل الخامس # | ثقافة الكواكبي # كان الكواكبي «ابن عصره». # وجهد الإنسان من الثقافة أن يعيش في عصره لا يتخلف عن شأوه في علمه ولا في عمله، فليس ~~للثقافة من حسنة ألزم لها من هذه الحسنة في مجال المعيشة ولا في مجال الدعوة إلى ~~التجديد ms031 والإصلاح. # فالرجعي الجامد يعيش في الأيام الماضية. # والطوبي الحالم يعيش في الأيام المقبلة. # ولكن الرجل المثقف يؤدي للثقافة كل حقها إذا استفاد من معارف زمنه ولم يتقيد ببقايا ~~الزمن السابق وعقابيله، فعمل كما ينبغي أن يعمل كل من تحرر من قيود التقليد التي ~~يرتبط بها المقلد وهو لا يفقه معناها. والذين أصابوا من ثقافة القرن التاسع عشر كما ~~أصاب الكواكبي كثيرون يعدون بالمئات، ولكن الذين لهم من ثقافتهم فضل كفضله آحاد يعدون ~~على أصابع اليدين. # إن فضل المثقفين في عصر الكواكبي أنهم تعلموا كما فرضت عليهم البيئة أن يتعلموا، ~~وسيقوا إلى العلم مع الزمن كله، غير مخيرين. # أما فضل الكواكبي في ثقافته فهو أكبر من فضل واحد. # إنه فضل المثقف الذي تلقى ثقافته من ثمرة اجتهاده ومشيئته. # وإنه فضل المثقف الذي بلغ بوسيلته ما لم يبلغه أنداده بأضعاف تلك الوسيلة. # وإنه فضل المثقف الذي انتقع بثقافته ونفع بها قومه، وجعلها عملا منتجا، ولم يتركها ~~كما تلقاها أفكارا وكلمات. # تلقى الكواكبي في المكاتب والمدارس ما يتلقاه الأطفال الصغار، فكل ما يتعلمه ~~الفتى الناشئ أو الرجل الناضج هو كل ما تلقاه في بيته واستفاده من مطالعاته. # وتعلم من اللغات - غير العربية - لغتين شرقيتين هما التركية والفارسية، وكلتاهما تأخذ ~~الثقافة العصرية منقولة من اللغات الأوروبية، متفرقة بين أشتات من الكتب والصحائف، فبلغ ~~بهذه الوسيلة في مطلبه الذي عناه شأوا لم يسبقه فيه رواد الثقافة من مناهلها في ~~لغاتها، وبين أيدي الأساتذة والمعلمين من أهلها. # وعرف ما عرفه بهذه الوسيلة، فعمل به كل ما في الوسع أن يعمل في زمنه، وأبقى أساسه ~~من بعده صالحا للبناء عليه. # وذلك فضل النبوغ وفضل الزعامة، لا يستوعبه أن يقال إنه عمل رجل من المثقفين، حتى ~~يقال: بل رجل من المثقفين النابغين العاملين. # ولا يطلب من المثقف العامل أن يحيط بمعارف عصره ويتقصى كل جديد من بدائع جيله، فليس ~~ذلك بميسور ولا هو بلازم للمثقف العامل، وإنما يغنيه أن يعرف ما يعنيه في عمله، وأن ~~يعمله على النحو ms032 الذي جددته معارف الزمن ولم يكن ميسورا لمن يتركون القديم على ~~قدمه. # وكان الكواكبي يعمل في إصلاح المجتمع الإسلامي وإصلاح الحكومة المستبدة، فلم يدع ~~بابا من أبواب المعرفة التي تعينه على قصده لم يأخذ منه ما يكفيه ويغنيه، ولم يزهد في ~~أصل من أصول هذه المعرفة إلا ما كان من قبيل الفضول في تحقيق غاياته القريبة وجهوده ~~المرجوة. # فليس من زاد هذه الدعوة أن يملأ ذهنه أو يملأ صحائفه بالمطولات أو الموسوعات في ~~شروح التواريخ وتفاصيل المذاهب الاجتماعية ودساتير الحكومات والدول بين قديم منها ~~وحديث. # وليس من زادها أن يسبح في عالم من فتاوى الفقهاء وفروض المفسرين وعشاق التأويل ~~والتخريج. # بل يكفيه من الزاد - ويربي على الكلمة - أن يعلم من أحكام دينه ما يميز به الصحيح ~~وغير الصحيح ويهتدي به إلى القويم من الرأي والاعتقاد وغير القويم، ويكفيه أن يعلم من ~~أحوال عصره علاقات الدول والأوطان، ومجمل الوقائع الثابتة من دعوات الحرية والإصلاح، ~~وذلك هو الزاد الذي يعلم المطلعون على كتابيه أنه كان موفورا لديه. # فمن صفحات «أم القرى» و«طبائع الاستبداد» نعلم أنه كان على اطلاع حسن في مسائل الدين، ~~وكان على دراية محققة بتواريخ الأمم الإسلامية، وكان من الملمين أولا فأولا بالفتوح ~~العلمية في العصر الحديث، يفهم منها ما لم يكن يفهمه غير القليلين في أوروبة نفسها ~~يومئذ من آراء الرواد السابقين فيها، فكان ملما بمذهب النشوء والارتقاء، ملما بآراء ~~العلماء في أطوار المادة وحركات الأفلاك وتكوين الكرة الأرضية والمنظومة الشمسية، وكان ~~في شئون الاجتماع والسياسة يلم بأخبار الثورة الفرنسية وأخبار الزعماء والعاملين على ~~استقلال الشعوب وتوحيد الأقوام، ويتتبع قواعد الحكم ومواضع التفرقة بينها، وينظر في ~~الأخلاق والعادات التي تقترن بالفوارق بين أمة منها وأمة، وبين حكومة منها وحكومة، ويخص ~~الشئون العملية بعنايته الأولى غير معرض عن جوانبها الأدبية، فلا يخفى عليه اسم ~~الشاعر الذي أبدع الأناشيد أو الخطيب الذي أثار النخوة، ولكنه يقنع من ذلك بالحظ الذي ~~سلك عنده «شيلر» في سلك حسان والكميت، فلا نظنه كلف نفسه ms033 الاطلاع على أناشيد المرشدين ~~وخطب الخطباء؛ بل لا نظنه كان يعتز بها في لغة من اللغات التي يحسنها لو أنه سأل عنها، ~~ولكنه لم يعلم بالأسماء إلا لعلمه بالدعوات التي أبرزتها في صفحات رواتها ~~ومؤرخيها. ~~••• # ولا اختلاف في مذهب الثقافة الدينية، على اعتقاد الكواكبي، بين التجديد والمحافظة على ~~تراث السلف الصالح في صدر الإسلام؛ لأن نهضة المسلمين إنما تقوم على تطهير الديانة ~~الإسلامية من نفايات الخرافة، وحواشي البدع التي لصقت بها في عصور الجمود والتقليد، ~~فالمحافظة في اعتقاده مرادفة للتجديد على أقوم سبله، واعتبار الكواكبي من صميم ~~المحافظين في الدين لا يخرجه من زمرة المجددين المتشددين في طلب الإصلاح؛ بل هو على قدر ~~غلوه في المحافظة على تراث السلف يغلو في دعوة الأجيال المقبلة إلى التحرر ~~والتجديد. # وقد كان يشتد في المحافظة أحيانا فيتحرج من تغيير العادات في غير حرج، كما نرى في ~~انتقاده الذي أنحى به على السلطان محمود لأنه «اقتبس عن الإفرنج كسوتهم وألزم رجال ~~دولته وحاشيته بلبسها حتى عمت أو كادت، ولم يشأ الأتراك أن يغيروا منها الأكمام رعاية ~~للدين؛ لأنها مانعة من الوضوء أو معسرة له». # وإن هذا الانتقاد لإفراط في المحافظة يلحقه بزمرة المحافظين الغلاة في حرصهم على ~~سمت السلف وزيه الذي لا مساس له بجوهر العقيدة، وقد رأينا من معاصريه أنه ربما نزع ~~إليه إفراطا منه في السخط على سلاطين الدولة وأساليبهم في التقريب بين الشرق والغرب ~~والقديم والحديث، ولكنه - كما نرى من محافظته على زيه في وطنه وبعد الهجرة منه إلى ~~الهند والديار المصرية - لم يكن يعمل غير ما يقول، ولم يكن ينقد بكلامه ما يترخص فيه ~~بمسلكه، فإنه بقي على سنة أسلافه قبل عهد السلطان محمود، فلم يبدل زيه إلا ليلبس ~~العباءة والعقال. # وربما جنح في أواخر أيامه إلى آراء بعض المتصوفة في تفسير الكائنات الغيبية بالمعاني ~~النفسية والرموز الروحية، وأبعد ما ذهب إليه من ذلك قوله في فصل التربية من طبائع ~~الاستبداد: «إن يشأ الكمال يبلغ فيه إلى ما فوق مرتبة ms034 الملائكة، إن كان هناك ملائكة غير ~~خواطر الخير، وإن شاء تلبس بالرذائل حتى يكون أحط من الشياطين، إن كان هناك شياطين ~~غير وساوس النفس بالشر ...» # ورد هذا في الطبعة التي ظهرت بعد وفاته، ولم يرد في طبعة من الطبعات التي أصدرها في ~~حياته، ولعله مر بهذا الخاطر بعد اطلاعه على التفسيرات الحديثة على أطراف من كلام ~~الصوفية المتأخرين، ولا نخاله قد غفل في مطالعاته الدينية عن تفسير كتفسير السيد محمد ~~الآلوسي المتوفى سنة 1270 هجرية، فإنه يشير إلى أمثال هذه الخواطر كما فعل بعد تفسير ~~الآية عن زلل آدم وحواء إذ أكلا من الشجرة فقال: «وبينما هما يتفرجان في الجنة، إذ ~~راعهما طاووس تجلى لهما على سور الجنة، فدنت حواء منه، وتبعها آدم، فوسوس لهما من وراء ~~الجدار ... ومشهور حكاية الحية ... يشير أولهما عند ساداتنا الصوفية إلى توسله من قبل ~~الشهوة خارج الجنة، وثانيهما إلى توسله بالغضب، وتسور جدار الجنة عندهم إشارة إلى أن ~~الغضب أقرب إلى الأفق الروحاني والحيز القلبي من الشهوة. وقيل إن توسله إلى ما توسل ~~إليه إذ ذاك مثل توسله اليوم إلى إزلال من شاء الله تعالى وإضلاله، ولا نعرف من ذلك إلا ~~الهواجس والخواطر التي تفضي إلى ما تفضي، ولا جزم عند كثير في دخول الشيطان في القلب، ~~بل لا يعقلونه؛ ولهذا قالوا: إن خبر «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم» محمول على ~~الكناية عن مزيد سلطانه عليهم وانقيادهم له، وكأني بك تختار هذا القول، وقال أبو منصور: ~~ليس لنا البحث عن كيفية ذلك، ولا نقطع القول بلا دليل ...» # وقد تقدم من كان يقول - كالجبائي وأبي بكر الرازي: إن أثر الشيطان في دم الإنسان كأثر ~~النفس فيه، فليس للشيطان وجود جسدي في داخل البنية الإنسانية، وليس له من سلطان عليه ~~غير ما يتغلب به على هواه. # فإن الكواكبي قد لاحت له هذه اللمحة العابرة فما عدا بها تلك الخواطر الصوفية، ولا ~~تلك الخواطر الطيبة التي أوردها مورد الاحتمال، ولم يقطع بالقول - على حد ms035 عبارة السيد ~~الآلوسي - بغير دليل. ~~••• # ولا تزال سمة الثقافة العصرية أغلب السمات على هذا الفعل المستنير، تجذبه المحافظة ~~على سنة السلف أحيانا؛ بل تجذبه كثيرا، ولكنها لا تجذبه إلى جانبها إلا من جانب ~~التجديد؛ لأن التجديد عنده هو محو الفضول عن العقيدة الإسلامية، والعودة بها إلى بساطة ~~الحرية والاستقامة والاجتهاد في الفهم المنزه عن قيود التقليد. # الفصل السادس # | أسلوب الكواكبي # كانت أساليب الكتابة في أواخر القرن الثامن عشر لا تتعدى أساليب الرسائل و«الخطابات» ~~أو «الإفادات» بين عامة وخاصة. # وكانت الرسائل العامة - وهي رسائل الدواوين - مفرغة في قوالبها التقليدية، تتكرر على ~~صورة واحدة في مناسباتها فلا يستبيح الكاتب أن يتصرف في ألفاظها ولا في ترتيب عباراتها ~~وصيغة استهلالها وختامها، أو «ديباجتها وتقفيلتها» باصطلاحهم الذي حافظوا عليه نحو قرن ~~كامل بعد هذه الفترة. # وجرى الاصطلاح على المفردات المتفرقة كما جرى على الجمل والعبارات في تلك الرسائل ~~الرسمية، فأصبحت لغة الدواوين «لغة خاصة» بين الفصيحة والدارجة تتخللها الكلمات التركية ~~أو الكلمات العربية بأوزانها التركية، وتندر فيها ملاحظة قواعد الإعراب فضلا عن قواعد ~~الصرف على أصولها العربية. # ولم تكن هناك «كتابة» بمعناها المفهوم في أغراض الأدب والثقافة، فلم يكن في القرن ~~الثامن عشر من يكتب ليعبر عن فكرة أدبية أو عن حالة نفسية، أو ليصور للقارئ معنى ~~مبتكرا من عنده، أو معنى مفهوما من معاني العلم والمعرفة، وإنما الكاتب يومئذ من كان ~~يستظهر أنماطا من الصيغ يتداولها جميع الكتاب على صورة واحدة في مناسباتها، ولا ~~يستطيعون إعادتها بمعناها على صورة أخرى غير التي حفظوها وتداولوها. # أما كتابة «التعبير» فقد تعطلت في عصور الجمود والتقليد، ولم يشعر أحد بالحاجة ~~إليها للتأليف والتصنيف أو للإفضاء بما عنده من الخواطر والآراء؛ إذ لم يكن ثمة من ~~يؤلف ويصنف، ولم تكن ثمة خواطر وآراء يتبادلها الكتاب والقراء؛ بل لم يكن ثمة من ~~يقرأ القديم ويرغب في نسخه وحفظه، وفي تعلمه وتعليمه؛ لقلة العناية بالعلم في غير ~~أغراضه المتواترة التي يكتفون فيها بالحفظ والنقل والمحاكاة. # وظلت الكتابة للتعبير معطلة ms036 إلى أوائل القرن التاسع عشر الذي تنبهت فيه البلاد ~~العربية لموقفها من أمم الحضارة، فاحتاجت إلى التعلم منها كما احتاجت إلى إحياء علومها ~~وآدابها التي بقيت لها بقية من الفخر بها والحنين إليها، فانبعثت الكتابة العربية ~~الحديثة مع حركة الترجمة وحركة الطباعة، وولدت «أساليب الكتابة» في مولدها الجديد يوم ~~احتاج المترجم إلى فهم شيء مفصل مشروح بين يديه يؤديه من عنده بعبارة عربية تطابقه في ~~معناه، ويوم شعر بالضرورة التي تلجئه إلى مراجعة كتب السلف ليتعلم منها أساليب الأداء ~~ويستوعب منها محصوله من المفردات والتراكيب. # وبدأت الكتابة العربية - مع ابتداء حركة الترجمة والطباعة - ضعيفة متعثرة تشبه كتابة ~~الدواوين وتلتفت إليها، ثم نشطت من عقالها قليلا قليلا حتى استقامت على قدميها في شيء ~~من الاستقلال والثقة، فانقضى جيل من المترجمين والكتاب أو جيلان قبل أن تظهر في عالم ~~الكتابة العربية أقلام يتميز بينها قلم من قلم، وأسلوب من أسلوب، ويتحدث القراء عن ~~أسلوب هذا الكاتب وأسلوب ذاك. # وتنوعت الأساليب على حسب القراءات والمطالعات، فالذين أكثروا من قراءة كتب الأدب أو ~~قراءة كتب التفسير والأحاديث النبوية ظهرت في أسلوبهم جزالة اللفظ وسلامة التركيب، ~~وقلت فيه أخطاء النحو والصرف ومآخذ اللغة على الإجمال، والذين أكثروا من قراءة كتب ~~التاريخ والدراسات الاجتماعية ومراجع الحقوق والأحكام ظهرت في أسلوبهم سلاسة التعبير ~~وسهولة الأداء ودقة المعنى على منهج أصحاب العلوم أو أصحاب الأحكام، ولكنهم لم يسلموا ~~من بعض الخطأ في قواعد الإعراب والتصريف على ديدن أمثالهم ونظرائهم بين الكتاب ~~الأقدمين. # وربما اتضح الفارق بين الأسلوبين بتسمية الأعلام من كتاب كل مدرسة متبعة في ثقافتنا ~~العربية، فهما مدرستان: أدبية ينضوي إليها أمثال ابن المقفع والبديع والجرجاني وابن عبد ~~ربه وابن زيدون، وعلمية ينضوي إليها أمثال الغزالي وابن خلدون وابن جبير وابن بطوطة ~~وسائر كتاب التواريخ والرحلات ومباحث الأخلاق والاجتماع. ~~••• # والكواكبي قد بدأ حياته الصحفية بعد منتصف القرن التاسع عشر، وأخذ يشدو في فن الكتابة ~~خلال تلك الفترة المتوسطة بين ابتداء حركة الترجمة والطباعة وانتشار المطبوعات من كتب ms037 ~~السلف، وما استتبعه من شيوع الفصاحة والاستقلال بالتعبير. # ولا أدل من أصالة طبعه من أسلوب كتابته، فإن أسلوبه ينم على مطالعاته، ومطالعاته ~~تنم على الوجهة التي اتجه إليها بفطرته واستعد لها بتربيته، وهي وجهة العمل على ~~محاربة الاستبداد وتدعيم مبادئ الحرية. # وكان الكواكبي كثير المطالعة فيما ينفعه في هذا المطلب، ويستحث خطاه إلى هذه ~~الوجهة، قليل المطالعة فيما عداه من كتب العلم الذي يسميه علم اللغة أو العلم الموكل ~~بشئون المعاد بمعزل عن شئون الحياة، وإلى هذا يشير في كتابه «طبائع الاستبداد» حيث ~~يقول: «إن المستبد لا يخشى علوم اللغة، تلك العلوم التي بعضها يقوم اللسان وأكثرها ~~هراء وهذيان، نعم لا يخاف علم اللغة إذا لم يكن وراء اللسان حكمة حماس تعقد الألوية، ~~أو سحر بيان يحل عقد الجيوش.» # ثم يقول: «كذلك لا يخاف المستبد من العلوم الدينية المتعلقة بالمعاد، المختصة بما بين ~~الإنسان وربه؛ لاعتقاده أنها لا ترفع غباوة ولا تزيل غشاوة، وإنما يتلهى بها ~~المتهوسون.» # إلى أن يقول: «ترتعد فرائص المستبد من علوم الحياة؛ مثل الحكمة النظرية والفلسفة ~~العقلية وحقوق الأمم وطبائع الاجتماع والسياسة المدنية والتاريخ المفصل والخطابة ~~الأدبية، ونحو ذلك من العلوم التي تكبر النفوس وتوسع العقول وتعرف الإنسان ما هي ~~حقوقه ...» # ومن المؤلفين الذين ذكرهم في مقدمة طبائع الاستبداد «أولئك الذين ألفوا في علم ~~السياسة ممزوجا بالأخلاق؛ كالرازي والطوسي والغزالي والعلائي، وهي طريقة الفرس، ~~وممزوجا بالأدب كالمعري والمتنبي، وهي طريقة العرب، وممزوجا بالتاريخ كابن خلدون وابن ~~بطوطة، وهي طريقة المغاربة». ~~••• # ولا يرى من مطالعاته في الشعر أنه كان يخف إلى قراءة شيء من المنظوم على غير ذلك ~~المثال الذي كان يستشهد به في بعض فصول «أم القرى» أو «طبائع الاستبداد» كقول ~~المتنبي: # وإنما الناس بالملوك وما # تفلح عرب ملوكها عجم # أو قوله الذي استشهد به على صفة المستبد: # إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه # وصدق ما يعتاده من توهم # أو قوله في وصف الجهلاء المسخرين: # بأرض ما اشتهيت رأيت فيها # فليس يفوتها إلا كرام # أو قول ms038 أبي العلاء: # إذا لم تقم بالعدل فينا حكومة # فنحن على تغييرها قدراء # ولم يذكر من شعر الجاهلية غير كلام لعمرو بن نفيل ينعي فيه على الجاهليين عبادتهم ~~للأرباب الكذبة وإيمانهم بالخرافة: # أربا واحدا أم ألف رب # أدين إذا تقسمت الأمور # تركت اللات والعزى جميعا # كذلك يفعل الرجل الخبير # فهو قارئ تقوده فطرته إلى مطالعاته، وكاتب تسري إلى قلمه أساليب الموضوعات التي ~~يطالعها ولا تصلح لأسلوب غيرها، وبخاصة حين يجري بها القلم في الصحف السيارة حيث كتب ~~الكواكبي مقالاته الأولى ومقالاته الأخيرة التي اجتمع منها كتاب طبائع الاستبداد، وما ~~كتبه أثناء ذلك في غير الصحف - كأم القرى - فإنما هو فصول متتابعة تصلح للنشر في الصحف ~~الدورية على النحو الذي ظهرت به في الكتاب. # وكان الكواكبي رحالة مطبوعا على السياحة في الآفاق، ولم يكن قصاراه أنه رحالة على ~~صفحات الأوراق، وقد طالع كتب المؤرخين والرحالين قبل أن يخرج من بلده للطواف في الأرض ~~والكتابة للتاريخ، وباشر الرحلة في صفحات الكتب قبل أن يباشرها على متون الإبل والسفن ~~في الصحارى والبحار، فمن قرأ ابن خلدون وابن جبير وابن بطوطة ثم قرأ مقالات الكواكبي ~~خيل إليه أنهم قد بعثوا من مراقدهم في رحلة من رحلات العصور يكتبون ويسجلون ما شهدوه ~~وكابدوه لأبناء العصر الحديث. # وقد اتسم أسلوبه بسمة الأسلوب الذي تكتب به التواريخ والرحلات، وسلست عبارته في نسق ~~مرسل واضح يقرر الواقع ويتبع المشاهدة ويتبسط في وصف ما يراه بالفكر كما يتبسط في وصف ~~ما يراه بالعيان. # ولا يخفى أن هؤلاء الكتاب - كما قدمنا - قد تخصصوا لتسجيل المشاهدات الاجتماعية ~~والتاريخية، ولم يتخصصوا لمباحث اللغة والبيان، فليس من الغريب أن تتسرب إلى أقلامهم ~~أخطاء الألسنة في زمانهم، وأن يتردد في عباراتهم بعض السهو الذي يتحرز منه اللغويون ~~وكتاب الأدب، في مدرسة ابن المقفع والبديع والجاحظ وعبد الحميد، وشأن الكواكبي في ذلك ~~قريب من شأن ابن خلدون وابن جبير؛ بل من شأن الغزالي وابن مسكويه وسائر أصحاب الأقلام ~~التي لم تتفرغ للأدب واللغة وشغلتها دقة التعبير ms039 عن دقة الإعراب. # تقرأ له - مثلا - في تعريف الاستبداد: «إن الناظر في أحوال الأمم يرى أن الأمراء ~~يعيشون متلاصقون متراكمون ... أما العشائر والأمم الحرة ... فيعيشون متفرقون.» أو تقرأ مثل ~~قوله: «الأزواج الحمقاء» ... «ولا يخرج قط» ... «وقوانين لكافة الشئون» ... «وحياة النائم ~~المزعوج بالأحلام». # 1 ~~«وعلى هذا النسق يوضع كتابا للمنهيات» ... «وإن هؤلاء الأئمة الأقدمين لا يقدروا أن ~~يطلعوا على ما لا يقدر المتأخرون أن يطلعوا عليه» ... «ولا تتحقق في الإنسان إلا في فن ~~واحد فقط يتولع فيه فيتقنه.» # 2 # إلى أشباه هذه المآخذ التي كانت تشيع في صحافة عصره ولم يكد يسلم منها كتاب الأدب ~~والبيان، وقد يعتبر الكواكبي من أقل زملائه ونظرائه تعرضا لهذه المآخذ والهنات. ~~••• # ولا ننسى أن «الكواكبي» كان يتحرى فيما يكتب ويعمل شيئا واحدا لا يتحول عنه بفكره ~~ولا بقوله، وهو محاربة الاستبداد. # ولا ننسى أن معيار القول النافع عنده أن يخشاه المستبد ولا يطمئن إليه، والمستبد لا ~~يخشى علوم اللغة التي أكثرها هزل وهذيان ولكنه يخشى من الكلام حماسة الخطابة؛ لأنها ~~تعقد الألوية وتحل عقدة الجيوش كما قال. # ولهذا كان هذا الأسلوب الخطابي من الأساليب المحببة إلى الكواكبي في كتابته، وكان ~~يخيل إليه أحيانا أنه يلقي بالقلم جانبا ليتكلم إلى القراء كلام الخطيب على المنبر ~~لمن يصغون إليه بالأسماع، أو يصغون إليه بالقلوب بدل الأسماع. # وكأننا نراه يهم بذلك وهو يختم كلامه على الاستبداد والترقي بهذه الكلمات: # على ذكر اللوم الإرشادي لاح لي أن أصور الرقي والانحطاط في النفس وكيف ينبغي ~~للإنسان العاقل أن يعاني إيقاظ قومه وكيف يرشدهم إلى أنهم خلقوا لغير ما هم ~~عليه من الصبر على الذل والسفالة، فيذكرهم ويحرك قلوبهم ويناجيهم وينذرهم، بنحو ~~الخطابات الآتية. # ثم يقول: # يا قوم! ينازعني والله الشعور: هل موقفي هذا في جمع حي فأحييه بالسلام، أم ~~أنا أخاطب أهل القبور فأحييهم بالرحمة؟! # يا هؤلاء! لستم بأحياء عاملين ولا أموات مستريحين؛ بل أنتم بين بين في برزخ ~~يسمى السبت، ويصح تشبهه بالنوم. # يا رباه، إني أرى أشباح أناس ms040 يشبهون ذوي الحياة وهم في الحقيقة موتى لا ~~يشعرون؛ بل هم موتى لأنهم لا يشعرون. # يا قوم! هداكم الله، إلى متى هذا الشقاء المديد، والناس في نعيم مقيم، وعز ~~كريم، أفلا تنظرون؟! # وفي مثل هذا المقام يلتفت بعد ذلك بصفحات ليخاطب الشرق والغرب بهذا الخطاب؛ إذ ينادي ~~الشرق، أولا، قائلا: # رعاك الله يا شرق! ماذا أصابك فأخل نظامك، والدهر ذاك الدهر ، ما غير وضعك ~~ولا بدل شرعه فيك؟ # رعاك الله يا شرق! ماذا عراك وسكن منك الحراك؟! ألم تزل أرضك واسعة خصبة ~~ومعادنك وافية غنية، وحيوانك رابيا متناسلا، وعمرانك قائما متواصلا، وبنوك ~~- على ما ربيتهم - أقرب للخير من الشر؟! أليس عندهم الحلم المسمى عند غيرهم ~~ضعفا في القلب، وعندهم الحياء المسمى بالجبانة، وعندهم الكرم المسمى بالإتلاف، ~~وعندهم القناعة المسماة بالعجز، وعندهم العفة المسماة بالبلاهة، وعندهم ~~المجاملة المسماة بالذل؟ ... نعم ما هم بالسالمين من الظلم ولكن فيما بينهم، ولا ~~من الخداع ولكن لا يفتخرون به، ولا من الإضرار ولكن مع الخوف من الله. # ثم يلتفت من خطاب الشرق إلى الغرب ليخاطبه على هذا النحو قائلا: رعاك الله يا غرب ~~وحياك وبياك، قد عرفت لأخيك سابق فضله عليك، فوفيت وكفيت، وأحسنت الوصاية وهديت، ~~وقد اشتد ساعد بعض أولاد أخيك، فهلا ينتدب بعض شيوخ أحرارك لإعانة أنجاب أخيك على ~~هدم ذاك السور، سور الشؤم والسرور، ليخرجوا بإخوانهم إلى أرض الحياة، أرض الأنبياء ~~الهداة. # يا غرب! لا يحفظ الدين غير الشرق إن دامت حياته بحريته، وفقد الدين يهددك بالخراب ~~القريب ... # ولم يكن أسلوب المنبر ليسعده في جميع الأحوال؛ لأنه أسلوب لم يخلق له ولم يطبع ~~عليه، ولكنه كان يكتب أحيانا ويحس أنه يثور ثورة الخطيب فيعمد تارة إلى أسلوب التوكيد ~~والتثبيت، ويعمد تارة أخرى إلى أسلوب التصوير وتحريض الخيال، ولا يخطئه التوفيق أحيانا ~~في هذا الأسلوب. # ومن ذلك قوله: «المستبد عدو الحق، عدو الحرية ... والحق أبو البشر والحرية أمهم، ~~والعوام صبية أيتام، نيام.» # أو قوله: «لو كان المستبد طيرا لكان خفاشا يصطاد هوام العوام ms041 في ظلام الجهل، ولو ~~كان وحشا لكان ابن آوي يتلقف دواجن الحواضر في ظلام الليل.» # أو قوله: «الاستبداد لو كان رجلا يحتسب وينتسب لقال: أنا الشر، وأبي الظلم، وأمي ~~الإساءة، وأخي الغدر، وأختي المسكنة، وعمي الضر، وخالي الذل، وابني الفقر، وبنتي ~~البطالة، وعشيرتي الجهالة، ووطني الخراب، أما ديني وشرفي وحياتي فالمال المال المال ~~...» # أو كقوله: «إنه المعترك الذي ... قل في البشر من لا يجول فيه على فيل من الفكر، أو ~~على جمل من الجهل، أو على فرس من الفراسة، أو على حمار من الحمق، حتى جاء الزمن الأخير ~~فجال فيه إنسان الغرب جولة المغوار الممتطي في التدقيق مراكب البخار.» # ومن توكيداته الخطابية ما يجري فيه على مثل قوله: «الاستبداد أشد وطأة من الوباء، ~~أعظم تخريبا من السيل، أذل للنفوس من السؤال، داء إذا نزل بالنفوس سمعت أرواحهم هاتف ~~السماء ينادي القضاء القضاء، والأرض تناجي ربها بكشف البلاء.» # ومنها ما يجري فيه على التوكيد بالتكرار كقوله عن التعاون: «به قيام كل شيء ما عدا ~~الله وحده، به قيام الأجرام السماوية، به قوام كل حياة، به قيام المواليد، به قيام ~~الأجناس والأنواع، به قيام الأمم والقبائل، به قيام العائلات، به تعاون الأعضاء، نعم؛ ~~الاشتراك فيه سر تضاعف القوة بنسبة ناموس التربيع، فيه سر الاستمرار على الأعمال التي ~~لا تفي بها أعمار الأفراد.» # ومنه ما يجري فيه على التوكيد بمثل هذا التكرار: «يجددون النظر في الدين نظر من لا ~~يحفل بغير الحق الصريح، نظر من لا يضيع النتائج بتشويش المقدمات، نظر من يقصد إظهار ~~الحقيقة لا إظهار الفصاحة، نظر من يريد وجه ربه لاستمالة الناس إليه.» # ونتأتى عند قوله: «إن المصلح ينبغي أن ينظر في الأمور نظر من يقصد إظهار الحقيقة لا ~~إظهار الفصاحة، ونظر من يريد وجه ربه لاستمالة الناس إليه» ... فإنه قد أودع هذه الكلمة ~~روح هذا الأسلوب الفصيح بمقصده البين وصمود صاحبه على هذا المقصد طوال حياته؛ بل ~~أودعه في الحق روح كل أسلوب يؤدي للقارئ من وراء الجمل والمفردات ms042 فوق ما تؤديه ألفاظه ~~ومعانيه، فإن إخوان الكواكبي الذين عاشروه وألفوا الاستماع إليه وقراءته معا يقولون ~~إنهم كانوا يؤمنون بشيء واحد من حديث لسانه كما يؤمنون به من حديث قلمه؛ كانوا يؤمنون ~~قبل كل شيء بإيمان المتكلم بفكرته، وشعوره ببداهة دعوته وصدق رغبته في إقناع غيره بما ~~هو مقتنع بضرورته، لعامة قومه. وأسلوبه في الحديث وأسلوبه في الكتابة متقاربان ~~متعادلان، لا يقع بينهما من الاختلاف إلا أن يكون اختلاف القائل المترسل بين الناس، ~~والقائل المحتفل على هينة بينه وبين نفسه، وعلى هذا الوجه يصح أن يعتبر أسلوب ~~الكواكبي نمطا من أنماط الحديث الخطابي أو الخطابة المكتوبة، على الطريقة التي تتسنى ~~للمتحدث المطبوع وإن لم يكن في المحافل من الخطباء المطبوعين. # ولا شك أن الكواكبي قد حاول كل وسيلة من وسائل التعبير لإبلاغ دعوته «إظهارا للحقيقة ~~لا إظهارا للفصاحة» ... فإنه قد عالج نظم الشعر، وأثبت في أم القرى بعض منظوماته في ~~شبابه، فافتتح الكتاب بإحدى القصائد يقول منها: # دراك فإن الدين قد زال عزه # وكان عزيزا قبل ذا غير هين # فكان له أهل يوفون حقه # بهدي وتلقين وحسن تلقن # هلموا إلى بذل التعاون إنه # بإهماله إثم على كل مؤمن # هلموا إلى «أم القرى» وتعاونوا # ولا تقنطوا من روح رب مهيمن # فإن الذي شادته أسياف قبلكم # هو اليوم لا يحتاج إلا لألسن # واختتم الكتاب بقصيدة أخرى يقول منها: # غيرتمو يا حيارى ما بأنفسكم # فغير الله عنكم سابغ النعم # الله لا يهلك القرى إذا كفرت # وأهلها مصلحون في شئونهم # يا قومنا صححوا توحيد بارئكم # بدون إشراك أحياء ولا رمم # ونقحوا الشرع من حشو ومخترع # رجعى إلى دين أسلاف ذوي همم # هذي وسيلتكم لا غيرها أبدا # فاسعوا لنهضتكم يا خيرة الأمم # سياسة الدين أولى ما تساس به # شتى الخلائق من عرب ومن عجم # فيها الحياة وفيها حفظ رايتكم # خضراء سوداء حول الركن والحرم # ولم نقرأ له نظما غير هاتين القصيدتين، وهما - كما يرى القارئ - من الشعر الذي يوصف ~~بأنه شعر العلماء، لعله حاوله زمنا ms043 ولم يجد فيه بغيته من نشر الدعوة وتنبيه النفوس ~~والأذهان، فعدل عنه وارتضى لدعوته أوفق الأساليب لها، وهو أسلوب المواجهة الخطابية على ~~منبر الصحافة كما صنع في كتابه «طبائع الاستبداد»، ومثله أسلوب الفصول التي يكتبها ~~كأنها خطب ألقاها المتكلمون وتعاقبوا على إلقائها والحوار فيها كما يتعاقب المتفاوضون ~~في مؤتمر المحاضرة. # إن الكواكبي لقدير على أن يجد نفسه حيث يريدها - كما يقول الغربيون في تعبيراتهم - ~~فلم يبحث طويلا حتى وجده، ولم يبحث طويلا بعد أن وجد دعوته حتى وجد أسلوبه، وهو أسلوب ~~الكاتب الذي يواجه القراء كما يواجه المستمعين. # الفصل السابع # | المؤلف # توفر الكواكبي على قضيتين اثنتين لم يشتغل زمنا طويلا بقضية غيرهما، وهما: قضية ~~البحث في أسباب تأخر الأمم - ولا سيما أمم العالم الإسلامي - وقضية البحث في عوامل ~~الاستبداد في حكم الدول - ولا سيما الدول العثمانية. # وأودع زبدة آرائه عن قضية العالم الإسلامي في كتابه «جمعية أم القرى». # وأودع زبدة آرائه عن الحكم والاستبداد في كتابه «طبائع الاستبداد ومصارع ~~الاستعباد». # فهو قد استوفى رسالة التأليف في كلتا القضيتين اللتين تجرد لهما طوال حياته، فلا بقية ~~من هذه الرسالة إلا أن تكون بقية الشرح والتفصيل ... أما لباب الرسالة وغايتها فقد ~~استوفاها الكتابان. # ونعلم من أقوال مترجميه العارفين به أنه وضع كتابا سماه «صحائف قريش»، وكتابا آخر ~~سماه «العظمة لله»، وترك ديوانا من الشعر لم تبق منه غير كناشة من القصائد في الحكمة ~~والنسيب وأغراض المدح والرثاء والهجاء تزيد أبياتها على ثلاثة آلاف. # أما «صحائف قريش» فهو تذييل لكتابه الأول «أم القرى»، تضمن على ما يظهر نخبة من فصول ~~الصحيفة الدورية التي أشار في الكتاب إلى اتفاق الجمعية على إصدارها، وقد أوصى المؤلف ~~قراءه أن ينتظروها ويحفظوها: «فمن يظفر بنسخة من هذا السجل فليحرص على إشاعته بين ~~الموحدين، وليحفظ نسخة منه ليضيف إليه ما سيتلوه من نشريات الجمعية باسم صحائف قريش ~~التي سيكون لها شأن - إن شاء الله - في النهضة الإسلامية العلمية والأخلاقية.» # ولم يطلع أحد من زملائه في القاهرة على هذه ms044 «النشريات» ولا ورد من أخباره فيها أنه ~~طبع صحيفة منها حيث كان يطبع كتبه ورسائله، ولكن ابنه الدكتور محمد أسعد يقول في مجلة ~~الحديث: «إن الكتاب كان معدا للطبع ولكن حال دون ذلك سياحته الطويلة المذكورة في غير ~~هذا المكان، ثم وقوع الوفاة الفجائية، فصودر مع الأوراق المصادرة، وأرسل هدية إلى ~~السلطان فلم أعثر له على أثر.» # أما كتاب «العظمة لله » فهو كتاب سياسي «كسائر ما خطته يمينه» على قول الأستاذ محمد ~~كرد علي في الجزء الثاني من مذكراته، وهو يقول قبل ذلك في هذه المذكرات: «الغالب أن ~~السلطان اغتبط بموت الكواكبي وأراد القضاء على أفكاره المضرة فأرسل مدير معارف بيروت ~~«عبد القادر القباني» يأخذ أوراقه ويرضي أسرته بمبلغ من المال، فما حمل إلا عددا ~~معينا من كتب الكواكبي المطبوعة، أما المخطوطة فأخذها أحد البالغين الراشدين من ~~أولاده، وفيها كانت أوراقه السرية وبعض كتبه التي بدأ وضعها، ومنها ما قرأ لي مقدمته ~~واسمه: العظمة لله ...» # والذي نرجحه ونستدل من عنوان الكتاب عليه أنه إضافة إلى «طبائع الاستبداد»، ينكر ~~فيها على المستبدين تطاولهم إلى مشاركة الله في عظمته، وينكر فيها على الخانعين من ~~رعاياهم خضوعهم لتلك العظمة، ولا نخاله قد ذهب فيها شوطا بعيدا وراء المقدمة التي ~~أطلع عليها صديقه كرد علي؛ لأنه لم يطلعه على شيء بعدها مع ملازمته إياه إلى يوم ~~وفاته. # أما الديوان فمن أمثلته ما أشرنا إليه في الكلام على أسلوبه وهو يعيد فيه - نظما - ~~بعض ما كتب نثرا في «أم القرى»، وطريقته فيه طريقة العلماء في منظوماتهم التي يخاطبون ~~بها نظراءهم مخاطبة العارف للعارف، ولا تراد لخطاب قراء الشعر عامة؛ لأنها «مفهومات» لا ~~تبلغ قراءها من جانب التخيل واستجاشة الشعور. # ويخطر لنا أنه في مديحه وهجائه أراد أن يستعين بالنظم على استمالة أمراء الجزيرة ~~العربية الذين زارهم في رحلته إلى المشرق، وأنه وقف هجاءه على الذين استحقوا نقده في ~~كتابيه، ثم استحقوا في صفتهم الشخصية نقدا غير نقد المبادئ والآراء. # وإن ضياع هذه الأوراق - بمنثورها ومنظومها ms045 - لخسارة تاريخية يأسف لها قراؤه ومترجموه، ~~ولكن الخسارة فيها قدر أهون من قدر كما يقال في مقام السلوى لكل مصيبة لا حيلة لها، ~~فإنها من الخسائر التي نعوض على كراهتها، وعوضها أن يسلم الكتابان اللذان أودعهما صفوة ~~التجارب والدراسات من بواكير شبابه إلى ما قبل وفاته، وبادر إلى نشرهما بعد تردد منه في ~~نسبتهما إليه، وما كانا ليسلما من مصير كمصير تلك الأوراق المفقودة لو لم يبادر إلى ~~طبعهما قبل أن ينقضي عليه عام في القاهرة، وقبل أن تشغله عنهما رحلاته التي لا يملك ~~فيها موعد ذهاب ولا موعد إياب. # الفصل الثامن # | الجامعة الإسلامية والخلافة العثمانية # قبل أن ننتقل من الكلام على المؤلف إلى الكلام على مؤلفاته نبدأ القول ببيان الموقف ~~الذي أوحى إليه اختيار موضوعه في تلك المؤلفات؛ بل أوحى إليه اختيار رسالة في الحياة، ~~وهو موقفه بين قضية الاستقلال وقضية الجامعة الإسلامية، وكيف اتفق له الإيمان بالإصلاح ~~الديني، والإصلاح الوطني في وقت واحد. # لقد فتح عينيه على المسائل العامة في إبان المشكلة الشرقية بين حوادث جبل لبنان ~~وحوادث أرمينية، وأوفى على الكهولة في إبان حركة الجامعة الإسلامية والخلافة العثمانية ~~التي ابتعثها السلطان عبد الحميد الثاني. # وكلتا الحركتين - الجامعة والخلافة - كثيرة الشعب مترامية الأطراف، يبلغ من تشعبهما ~~أن يرى فيها الرأيان المتناقضان وكلاهما من وحي الإخلاص والغيرة على الوطن وعلى ~~الدين. # فكان من دعاة الإصلاح من يرى أن الجامعة الإسلامية بزعامة الدولة الإسلامية الكبرى هي ~~القوة التي بقيت لأمم الإسلام في عصر الاضمحلال، وقد أعوزتها قوة المال والعتاد وقوة ~~العلم والصناعة وقوة السياسة والسيطرة الدولية، فلا أقل من قوة التضامن ~~والاتحاد. # وكان في تلك الوجوه المتشعبة أن الجامعة الإسلامية بزعامة الدولة العثمانية تحمل ~~هذه الدولة تبعات المشاكل والأزمات التي تتعرض لها شعوب الإسلام في الشرق والغرب، ~~ويخشى عليها في ضعفها واضطراب أحوالها أن تنوء بها، فلا هي تنفع شعوب الإسلام بمجهودها ~~ولا هي تنجو بنفسها من عواقب ذلك المجهود. # ومن وجوه هذه القضية المتشعبة أن الإطناب في لقب الخلافة ms046 يضفي على صاحب ذلك اللقب ~~قداسة تحميه من نقد الناقدين ومآخذ طلاب الإصلاح، وتؤخر أعمال الإصلاح التي يرجى منها ~~الخير للدولة العثمانية، وقد تؤخرها على سبيل القدوة في سائر بلاد المسلمين. # ومن وجوهها المتشعبة أنها تحرج الشعوب التي تطالب بحقوقها في ظل الحكم التركي، فلا ~~تدري كيف تقدم أو تحجم بين رعاية حقوقها وبين العمل بما تقتضيه علاقتها بالخلافة ~~وبالجامعة الإسلامية . # وليس من وجوهها الضعيفة أن إعلان الجامعة الإسلامية في العالم يعزز نشاط الحزب ~~المتعصب وأحزاب التبشير بين الغربيين، ويقوي حجتهم في مناهضة الأحزاب السياسية التي ~~ترمي إلى فصل السياسة عن الدين؛ بل يقوي حجة المستعمرين الذي يتلمسون الذرائع لغزو ~~البلاد الشرقية، ويتلقفون هذه الذريعة لترويج مطامعهم كلما أعوزتهم ذرائع ~~السياسة. # هذه طائفة من تلك الوجوه المتشعبة التي يتجه لها أنصار الجامعة وخصومها، ومصدر هذا ~~التشعب أنها مسألة واحدة تجمع في طيها ثلاث مسائل كبرى، كل منها مزدحم مكظوظ بالخفايا ~~والنقائض والعراقيل. # فهي في الواقع مسألة الدولة العثمانية ومسألة الخلافة ومسألة الجامعة، وكل منها ~~مسائل شتى تتفرق في كل وجهة، ولا يجمع بينها غير العنوان. # فمسألة الدولة العثمانية هي مسألة البلقان الذي سمي بحق «مخزن البارود»، وهي المسألة ~~الأرمنية والمسألة الطورانية، ومسألة الشعوب التي يحكمها الترك ولا تتكلم التركية ولا ~~تنتمي إلى سلالتهم بين عناصر الأجناس. # ومسألة الخلافة هي مسألة الإمامة عند الشيعة وأهل السنة، ومسألة الولاية الشرعية بحق ~~الإرث والعصبية أو بحق الشوكة والسلطان القائم، حيث قام من بلاد المسلمين. # ومسألة الجامعة تفتح أبواب الجامعة السياسية والجامعة الروحية وما إليها من جامعات ~~التعاهد والاتفاق على شئون الثقافة والمعاملات، ولا ينفتح القمقم المغلق حتى يخرج منه ~~الرصد الهائل منتشرا من محبسه يضيق به الفضاء، وإنما اضطر عبد الحميد إلى فتح القمقم ~~لأنه حيلة من لا حيلة له سواه. # كان يسمع بأذنيه - كما يسمع العالم كله - اسم دولته الدائلة عند أعدائه المتربصين بها ~~في القارة الأوروبية، بلا اختلاف بين قادر منهم وعاجز وبين مستعمر منهم ومتبدئ في صناعة ~~الاستعمار، يتعلق بنصيب ms047 له يفرضه من ذلك الملك المباح. # كان اسم «التركة»، أو تركة الرجل المريض، عنوانا على البلاد العثمانية، أيا كان ~~ساكنوها من مسلمين أو غير مسلمين، ومن ترك أو عرب، ومن أوروبيين أو آسيويين أو ~~أفريقيين. # كانت «جامعة» في الحق يجمعها الطمع من أشتات الطامعين، وليس بينها من وحدة قط في رأي ~~أولئك الطامعين إلا أنها تتماسك إلى حين، في طريق التفرق والزوال. # وكان لا بد له من جامعة باقية لا يزيلها عمل إنساني، ولكنها قد تنشط بعمل إنسان يؤيده ~~الله، وتلك هي جامعة الإسلام بولاية خليفة المسلمين. # وليس عبد الحميد أول من تلقب بالخلافة من سلاطين آل عثمان، ولكنه كان أول من وضعها ~~هذا الوضع الحاسم في معترك السياسة العالمية والسياسة الداخلية، وأول من جعلها مسألة ~~حياة أو موت في تاريخ الدولة التركية. # أما قبل عصر عبد الحميد فقد كان للترك عامة موقف من مسألة الخلافة غير هذا الموقف، ~~سواء منهم الترك العثمانيون والترك السلجوقيون، والشعوب التي غلب عليها اسم الترك في ~~الدولة الإسلامية وليست منهم، كالديلم والشراكسة. # فقد تمكن رؤساء الترك من زمام الخلافة في عهود كثيرة، ولكنهم تهيبوها ولم يتقدموا ~~لادعائها، ولعلهم لم يجدوا السبيل إلى ادعاء حقوقها التي كانت مقصورة على الأمة ~~العربية، ينتهي بها أناس إلى أهل البيت النبوي ويتوسع أناس آخرون فيجعلونها عربية ~~قرشية، ومن الشعوب الإسلامية غير العربية من كان يحصرها بين أهل البيت في أبناء علي ~~وفاطمة - رضوان الله عليهما - فلا يجيزها لبني العباس، ولا يعترف لهم بحقوقها إلا ~~اجتنابا للفتنة ورعاية للضرورة والتقية. # وجرى العرف نحو ثلاثة قرون على وحدة الخلافة في العالم الإسلامي، فمن نازع فيها فإنما ~~ينازع فيها لأنه أحق بها على دعواه حسب الشروط التي يشترطها في مذهبه لصحة الإمامة، ~~فيذهب خليفة ويأتي بعده خليفة، ولا تستقر الخلافة في وقت واحد لاثنين بحجة واحدة، وقد ~~حدث أن الأمويين أقاموا لهم دولة بالأندلس، فلم يعلنوا خلافتهم على الأمم الإسلامية مع ~~خلافة بني العباس ببغداد، ولم يخطر لعبد الرحمن الناصر أن ms048 يتلقب بلقب أمير المؤمنين ~~عام (300-350ه)، إلا بعد قيام الدولة الفاطمية على مقربة منه في المغرب ومناداة أمرائها ~~لأنفسهم بالخلافة، ولم يعارضهم الأمويون يومئذ إلا بتكذيب نسبتهم إلى النبي # صلى الله عليه وسلم ~~؛ ~~بل تصدى لهم من أمراء الموحدين من ينتسب إلى البيت النبوي لينازعهم الحق في إمارة ~~المؤمنين. # وبعد قيام الدولة الفاطمية أصبح في العالم الإسلامي ثلاثة خلفاء، بين منتسب إلى النبي ~~ومنتسب إلى قريش، وكلهم في نسبتهم العامة عرب قرشيون. # فلما كثر الجند من الترك في عاصمة الخلافة العباسية ملك قادتهم زمام الدولة، وبسطوا ~~نفوذهم في قصر الخلافة، وصار كل من في القصر تبعا لهم مطيعا لأمرهم، بين حراس ~~ومماليك وجوار وخدم وعيون وأرصاد، وانفرد الخليفة وحده بمقام الخلافة وليس له منها غير ~~الاسم والخاتم وخطبة الجمعة في المساجد، وتهيأت للقادة من الترك فرصة المناداة ~~لأنفسهم بالخلافة في بغداد لولا أنهم علموا أنهم يقيمونها على غير أساس من الدعوى ~~الشرعية، وأنهم لا يطمئنون إلى ولاء رعاياهم من الترك أنفسهم إذا اغتصبوها بغير حجة من ~~الشرع والسنن المأثورة، فتسمى أولئك القادة باسم السلاطين، وجعلوا يتقلدون مناصبهم في ~~الدولة بتفويض من الخليفة صاحب الحق الشرعي في التنصيب والعزل والتفويض، وكان بعضهم ~~يستبيح ضرب السكة باسمه كما فعل طغرل بك السلجوقي وزير القائم بأمر الله العباسي؛ ~~لأنه تولى أمور المعاش و«الإدارة» بتفويض من صاحب الصفة الدينية، وهي الأمور التي ~~يتولاها صاحب الشوكة و«السلطان». # ومما يدل على رسوخ الإيمان بشروط الخلافة بين أمم المشرق الإسلامية، أن رؤساء الدول ~~التي قامت فيه تجنبوا لقب الخليفة أو أمير المؤمنين، واكتفوا بلقب السلطان أو الأمير أو ~~النظام أو الشاه، ولم يشذ عن هذه القاعدة ملوك إيران من الشيعة؛ لأنهم يدينون ~~بالإمامة لغير الملك صاحب العرش، وإنما يكون الملك نائبا عن الإمام محمد المنتظر إلى ~~موعد أوبته في آخر الزمان. # وعلى هذا اتفق العرف في المشرق على اجتناب لقب الخلافة بغير شروطها، وجرى العرف على ~~ذلك في مصر بعد زوال الدولة الفاطمية وقيام الدولة الأيوبية، فإن ms049 ولاة الأمر من ~~الأيوبيين - ومنهم صلاح الدين العظيم - كانوا يتلقبون بألقاب الملوك والسلاطين، ويحفظون ~~شارة الخلافة لوريثها من الفاطميين إلى أن يبايعوا بها خليفة بغداد على مذهب أهل السنة ~~الذي يدين به بنو أيوب، وعادت الخلافة وظيفة موحدة في العالم الإسلامي بعد زوال ~~الدولتين الفاطمية والأندلسية، فانفرد بها خليفة بغداد، وإن لم يبق له منها - كما تقدم ~~- غير الخاتم والعنوان . # ثم قضى «هلاكو» على آخر بني العباس، وقامت في مصر دولة المماليك الشراكسة، فلم يقدم ~~أحد منهم على ادعاء الخلافة؛ بل عمد أقواهم وأشجعهم الظاهر بيبرس إلى الحيلة لإحياء لقب ~~الخلافة وإسنادها إلى صاحب صفة شرعية من المنتسبين إلى بيوتها العريقة، فجاء برجل مجهول ~~زعم أنه من ذرية بني العباس، وأشهد على ذلك شاهدين مجهولين في قضية علنية بمحضر ~~كبير القضاة، ثم بويع هذا الرجل المجهول بالخلافة وتوارثها منه بنوه إلى عهد السلطان ~~سليم العثماني الذي تلقى البيعة من آخرهم بالخلافة وعزز هذه البيعة بلقب «خادم ~~الحرمين». ~~••• # وقد كان سلاطين المماليك في مصر يستفيدون من إقامة «الخليفة العباسي» بينهم حجة ~~يقابلون بها خصومهم أصحاب الإمارات والممالك الإسلامية الأخرى، فيقاومونهم أو يغيرون ~~عليهم مفوضين بالقتال من صاحب الصفة الشرعية، وكان أقوى أولئك الخصوم سلاطين آل عثمان ~~في بلاد الروم وما جاورها على مقربة من حدود البلاد المصرية، وهم السلاطين الذين ~~تلقبوا بلقب «الغزاة» وجعلوه بديلا من لقب الخليفة الذي لا يقدرون عليه، فلما فتح ~~السلطان سليم مصر وقضى فيها على دولة المماليك لم يكن يعنيه على ما يظهر من بيعة ~~«الخليفة العباسي» إلا أن يتقي تفويضه لأحد غيره من الأمراء المسلمين بحجة شرعية ~~لقتاله، فانتزع منه صفة الخلافة ليسقط كل حجة تجيز عصيانه أو إعلان الحرب عليه، وهو ~~السلطان المعترف له بمقام «الغازي أمير المؤمنين». # على أنه سواء كان هذا كل قصده من بيعة الخليفة العباسي أو كان له مطمع آخر من تأسيس ~~الخلافة العثمانية، لقد وقفت المسألة عند هذا الحد في عهده وعهود خلفائه، فلم يحاولوا ~~أن يفرضوا بها فريضة ms050 جديدة في صفة الإمام أو شروط الإمامة، ولم يتخذوا منها مذهبا ~~جديدا لتقرير حقوق الملك وحقوق الخليفة الشرعية للتمييز بين هذه الحقوق أو لتوحيدها ~~والتوفيق بينها، وسكت شيوخ الإسلام في القسطنطينية عن بحث هذه المسألة من الوجهة ~~الفقهية حتى لامهم الكاتب التركي المستعرب «حسن حسني الطويراني» عام (1850-1897م) على ~~إغفالها، وقال في رسالته عن إجمال الكلام على مسألة الخلافة بين أهل الإسلام: «إن رأي ~~الجمهور الجاري على لسان علماء المسلمين أهل السنة والمدون في كتب المعتقدات التي ~~تدرس في العواصم كنفس القسطنطينية العظمى ومصر ومكة والشام وبغداد وغيرها، أن الأئمة ~~من قريش، حتى إن حضرة صاحب الدولة والفضيلة عمر لطفي أفندي شيخ الإسلام السابق لما ~~كتب حاشيته على العقائد النسفية لم يكتب شيئا بالسلب أو الإيجاب على مسألة الأئمة من ~~قريش واختار التوقف ...» # وكل ما ذكره هذا الباحث المطلع عن استخدام سلاطين العثمانيين لصفة الخلافة: «أن ~~المرحوم مصطفى باشا العلمدار الشهير، لما رأى أن المملكة العثمانية قد أخذت تنكمش من ~~أطرافها، على النقيض من انبساط قوة أوروبة وتقدمها، وتبين أن القوة قد ابتدأت تخدمها ~~في مقاصدها، اغتنم فرصة إيقاع البيعة للمرحوم الغازي السلطان محمود خان سنة 1223 هجرية ~~فبايع له واشترط شروطا بين الخليفة وبين أمراء الأطراف في الروملي، فكان على مقام ~~السلطنة أن يعمل بالشريعة وألا يقتل أحدا أو يصادر مال أحد إلا بوجه شرعي، وعلى ~~الأمراء السمع والطاعة، وأن كلهم تحت التكافل، وأشهد على ذلك العهد شيخ الإسلام وعموم ~~الرجال، وتم الوفاق على تأييد الأمن العمومي والشرع العادل، وعادت وفود الأمراء إلى ~~بلادهم ...» # قال: «ولما رأى رشيد باشا الكبير أن لا سبيل للإصلاح إلا بعهد يناسب الزمان، اغتنم ~~فرصة جلوس السلطان الغازي عبد المجيد خان وأصدر منه الخط الشريف المعروف بخط كل خانة، ~~وفيه قرر ذات الخليفة رفع قوانين المصادرة، وأوجب العمل بالشرع وعدم سفك الدماء بلا حق، ~~ورأى تنظيم النظامات والقوانين المطابقة لأحوال الشريعة. ولكن علم رشيد باشا أن هذا ~~العهد لا يزيد على العهد الذي استحصل ms051 عليه مصطفى باشا العلمدار الشهيد من قبل، ولم تغن ~~عنه الجامعة العثمانية، فأحب أن يأمن على مشروعه فحصل على قيد في ذلك الخط الشريف، ~~ألا وهو إشهاد الدول على هذا المشروع، وصرح بذلك في الخط الشريف، فمهد للدول بهذا ~~العمل مبادئ مسوغات التداخل الأجنبي بدعوى التأمين على الحقوق والأرواح، فنفع من جهة ~~وأضر من جهة أخرى.» # ويفهم من كلام الطويراني بعد ذلك أن سياسة السلطان العثماني كانت تتراوح في عصره بين ~~وجهتين: وجهة الخلافة ووجهة الملك على نظامه الحديث في البلاد الأوروبية، لعله يدفع عنه ~~غائلة التعصب الأوروبي بمجاراة العصر في نظمه السياسية. # قال المؤلف الذي يبدو من سيرته ومن أقواله أنه كان على معرفة بمجرى السياسة العليا في ~~زمانه: «ثم رأى العثمانيون رأيا آخر بعد ثمان وعشرين سنة، واحتجوا بأن احتياجات ~~الدولة تضطرها إلى مبدأ مدني يكفي لمقابلة التزاحم السياسي، وهنالك صدر القانون الأساسي ~~مصدقا عليه من جلالة مولانا السلطان الأعظم، وانعقد بمقتضاه مجلس الأمة مدة ثم رئي ~~أنه غير مناسب للحال فلم يجتمع بعدها، أما أعضاء مجلس الأعيان فلا يزالون موظفين وإن لم ~~يجتمعوا، لكن لما كان إلغاؤهما مخلا بالقانون الأساسي العثماني لم يلغيا بالكلية، ~~ولم تزل القوانين موقتة ينتظر الحكم عليها بالدوام إلى ما بعد عرضها على المجلسين إن ~~اقتضت الحكمة إعادتهما.» # وظلت حالة التردد بين وجهة الخلافة ووجهة الملك على هذا النحو الملتبس حتى نشطت دعوة ~~الخلافة، ونشطت معها دعوة الجامعة الإسلامية في وقت واحد بعد ولاية عبد الحميد بسنوات ~~قليلة، وعلى أثر انعقاد مؤتمر برلين وافتضاح مؤامرات التقسيم التي اتفقت عليها الدول ~~الكبرى لانتزاع بلاد الدولة العثمانية من سيادتها بغير فارق بين الإسلامية منها وغير ~~الإسلامية. # ولا خفاء بمقصد السلطان عبد الحميد من دعوته إلى الجامعة الإسلامية باسم الخلافة ~~العثمانية، فما كان لمثله في حصافته ودهائه أن يطمع في سيادة فعلية على بلاد المسلمين ~~باسم جامعة الإسلام، فإن أهون ما في هذا الطمع من الخطوب الجسام يوقعه في حروب لا طاقة ~~له بها مع عصبة ms052 المستعمرين التي تملك كثيرا من بلاد الإسلام أو تتطلع إلى امتلاكها، ~~وقد يوقعه هذا الطمع في حروب مع الأمم الإسلامية التي لا تزال على شيء من الاستقلال ولو ~~كانت في ظل سيادته العامة، وهي السيادة «الاسمية» التي كانت تربط بعض الأمم بدولة آل ~~عثمان منذ فتوحها الأولى. # فغاية الأمر فيما قصد إليه السلطان عبد الحميد من دعوته إلى الجامعة الإسلامية باسم ~~الخلافة أن يحتمي بعطف العالم الإسلامي في وجه التعصب الأوروبي المطبق عليه من كل جانب، ~~وأن يستمع العالم الإسلامي إليه حين يناديه بتلك الصفة؛ لأنه أكبر ولاة الأمر فيه ~~وأعظمهم مركزا في مراسم السياسة الدولية، ولم يكن يخفى عليه أن العالم الإسلامي لا ~~يقارع المسلمين سلاحا بسلاح ولا ثروة بثروة ولا نفوذا بنفوذ، ولكنه كان يقنع منه بما ~~يستطيعه في كفاح الاستعمار ويعلم أنه يستطيع الكثير مما يخشاه المستعمرون، وبعض هذا ~~الكثير المخشي أن يقلق حكوماتهم وشركاتهم ويقاطع متاجرهم ويدخل بينهم بالتأييد والخذلان ~~في خصوماتهم، ويثير عليهم رعاياهم المتمردين ممن يستثارون باسم الحرية والمبادئ ~~الديمقراطية ويجدون في العمل على التفرقة بين شئون الدين وشئون السياسة، وقد كان ~~للسلطان عبد الحميد خبرة بهذا الفن من فنون الدعاية شهد به الغربيون والشرقيون، وبلغ من ~~خبرته به أنه كان يستخدمه لتأليب فريق من رعاياه على فريق، وتنفير طلاب الإصلاح أنفسهم ~~ممن يحرجونه بطلب الإصلاح على غير هواه. # وعرف دعاة الجامعة الإسلامية جميعا غاية ما يراد من هذه الدعوة باسم الخلافة ~~العثمانية أو باسم الإسلام على التعميم. # فالسيد جمال الدين الأفغاني - أكبر دعاة الجامعة في عصره - يصرح بغاية الجامعة التي ~~يدعو إليها فيقول من رسالة عن الوحدة الإسلامية: # لا ألتمس بقولي هذا أن يكون مالك الأمر في الجميع شخصا واحدا، فإن هذا ربما ~~كان أمرا عسيرا، ولكني أرجو أن يكون سلطان جميعهم القرآن، ووجهة وحدتهم ~~الدين، وكل ذي ملك على ملكه يسعى بجهده لحفظ الآخر ما استطاع، فإن حياته بحياته ~~وبقاءه ببقائه، إلا أن هذا بعد كونه أساسا لدينهم تفضي به الضرورة وتحكم ms053 به ~~الحاجة في هذه الأوقات. # هذا أوان الاتفاق، ألا إن الزمان يؤاتيكم بالفرص، وهي لكم غنائم، فلا تفرطوا ~~... إن البكاء لا يحيي الميت، إن الأسف لا يرد الفائت، إن الحزن لا يدفع المصيبة، ~~إن العمل مفتاح النجاح ... # ولما ضرب المثل بملوك الإسلام الذي يقتدي بهم في حفظ حوزته ودفع أعدائه لم يقصر كلامه ~~على الخلفاء منهم؛ بل عدد من ملوكهم طائفة من أمثال «محمود الغزنوي وملكشاه السلجوقي ~~وصلاح الدين الأيوبي ...» عدا السلاطين العثمانيين الذين لم يتلقبوا بلقب الخلافة. # وربما كان الأمير شكيب أرسلان أشهر الدعاة إلى الجامعة الإسلامية باسم الخلافة ~~العثمانية، فإنه عاش بين القسطنطينية وعواصم الغرب زمنا في خدمة هذه الجامعة، وهو مع ~~ذلك يقول في تعقيبه على فضل الجامعة الإسلامية من كتاب حاضر العالم الإسلامي: «إن ~~الخلافة لم تستتم شروطها الصحيحة إلا في الخلفاء الراشدين، وبعد ذلك فالخلافة لم تكن ~~إلا ملكا عضوضا قد يوجد فيه المستبد العادل والمستبد الغاشم، وما انقادت الأمة إلى ~~هذا الملك العضوض المخالف لشروط الخلافة سواء كان من العرب أو من الترك، إلا خشية ~~الفتنة في الداخل والاعتداء على الحوزة من الخارج.» # وكان الأمير شكيب يستوجب هذه الدعوة وهو لا يجهل أحوال السلطان عبد الحميد؛ بل يقول ~~عنه من تعليقاته على الترك في تاريخ ابن خلدون: «وفي زمن السلطان عبد الحميد ساءت ~~الأحوال في مقدونية؛ لأن السلطان كان أكثر همه في المحافظة على شخصه، وكان شديد التخيل ~~إلى درجة الوسواس، فاستكثر من الجواسيس وصار بأيديهم - تقريبا - الحل والعقد.» # ثم يقول: «وليس من الصحيح أن السلطان كان يعمل بموجب تقاريرهم كما هو شائع؛ بل كان ~~يرمي أكثرها ولا يصدق ما فيها، ولكن اهتمامه بقضية أخبار الجواسيس ألقى الخوف في قلوب ~~الرعية وصارت في قلق دائم، وأصبح الناس يبالغون في الروايات عن الجواسيس فساءت سمعة ~~الحكومة وسخط الرأي العام على هذه الحالة ...» ~~••• # على أن الجامعة الإسلامية - بغايتها التي أجملناها فيما تقدم - ليست من المسائل التي ~~تسمح بالخلاف بين أحد من المسلمين في أرجاء العالم على ms054 حقها وعلى صوابها في شرعة الدين ~~أو الخلق، وإنما يعرض لها الخلاف - بل يشتد - حين ترتبط بمسألة الخلافة العثمانية، وحين ~~تنطوي هذه الخلافة على معنى السيادة والتبعية في الحكومة. # فالخلافة على هذه الصفة يرفضها القائلون بإمامة قريش، ويرفضها الداعون إلى استقلال ~~العرب بسيادة الحكم، فيضطرون اضطرارا إلى الأخذ بمبدأ الخلافة العربية القرشية؛ لأنهم ~~إذا سلموا مبدأ الخلافة للشوكة لم يتيسر لهم ترشيح دولة إسلامية لها من المركز الدولي ~~يومئذ ما كان للدولة العثمانية. # ويعتقد الداعون إلى القومية العربية بحق أن الجامعة الإسلامية لا تناقض الدعوة إلى ~~الجامعة العربية، ولا يلزم في توثيق عرى المسلمين أن تكون جامعتهم وقفا على خدمة بني ~~عثمان، وأن يكون مستقبل الإسلام مرهونا بمستقبل دولتهم، وسعي الأمم الإسلامية في سبيل ~~الحرية والمنعة موقوفا على سياسة تلك الدولة؛ بل على سياسة القائمين بالحكم فيها على ~~مشيئة المصلحين وطلاب التقدم من أبنائها. # وقد تنصل أناس من الترك أنفسهم من الدعوة إلى الجامعة الإسلامية في أواخر عهد السلطان ~~عبد الحميد؛ لأنهم أرادوا أن يقيموا الحكم في بلادهم على مبدأ «مدني» كما قال الطويراني ~~فيما تقدم، وأن يدحضوا حجة المتعصبين من الغربيين كلما شنوا الغارة عليهم باسم الدين أو ~~باسم حماية رعايا الدولة غير المسلمين. ومن الترك من كان يؤثر الدعوة إلى الجامعة ~~الطورانية على الدعوة إلى الجامعة الإسلامية، ويخيل إليهم أنهم قادرون بهذه الوسيلة على ~~تأسيس «اتحاد إمبراطوري» يقوده الترك وتشترك فيه الأقوام التابعة للدولة العثمانية على ~~تعدد الملل والأديان. # ومما أعلمه في هذا الصدد من ذكرياتي الشخصية أن جماعة «تركيا الفتاة» بحثت في مصر بعد ~~إعلان الدستور العثماني عن صحيفة عربية تدفع عنها وتشرح مقاصدها، فاختارت صحيفة ~~«الدستور» التي كنت أكتب فيها وكان يصدرها الكاتب المؤمن النزيه «محمد فريد وجدي» رحمه ~~الله، وكان فريد من أشد الكتاب في مصر غيرة على الجامعة الإسلامية، فأبى أن يجيبهم إلى ~~اقتراحهم؛ لاشتراطهم أن تكف الصحيفة عن ذكر الجامعة وترفع من صدرها أنها لسان حالها، ~~وقد حدث هذا بعد وفاة الكواكبي بخمس ms055 سنوات، وقبل هجوم إيطاليا على «طرابلس الغرب» وهجوم ~~النمسا على بلاد البشناق، تنفيذا للسياسة الأوروبية التي سموها «بتقسيم تركة الرجل ~~المريض». # وبين هذه الدعوات المتشابكة نشأ الكواكبي ونفذ ببصره إلى ما وراء الأفق المكشوف ~~لمعاصريه، فاستطاع - كما سنرى - أن يختار للغد خير ما يرتضيه العربي الذي يؤمن بدينه ~~ويعرف عقبات الطريق إلى قبلته، ولكنه ينظر إلى مستقبل العرب والإسلام نظرة الثقة ~~والإيمان . # الفصل التاسع # | أم القرى # أول كتاب وضعه الكواكبي كما تقدم في التمهيد السابق، فهو باكورة أعماله القلمية ~~وفاتحة اشتغاله بالتأليف. # أما من ناحية التفكير والتحضير فلا يحسب الكتاب من أعمال البواكير؛ لأنه نتيجة ناضجة ~~لدراسة طويلة وصل منها إلى نهاية الرأي في أحوال العالم الإسلامي وأسباب ضعفه وبواعث ~~الأمل في صلاحه وتقدمه، فهو محصول حياة فكرية وقفها على هذه الدراسة في جوهرها، ولم تكن ~~دراساته الأخرى إلا شعابا متفرعة عليها. # و«جمعية أم القرى» اسم أطلقه المؤلف على مؤتمر عام تخيل انعقاده في مكة المكرمة، ~~وجمع فيه مندوبين ينوبون عن أمم العالم الإسلامي في المشرق والمغرب، يمثلون الهند ~~والصين والأفغان والعراق والحجاز والشام ونجد واليمن ومصر وتونس ومراكش وغيرها من ~~الأقاليم المشتركة بين هذه الأقطار، وألقى على لسان كل منهم خطابا يشرح حالة المسلمين ~~كما اختبرها من شئون بلده ومما يعلمه عن شئون سائر البلدان الإسلامية، واجتهد في إتقان ~~صورة المؤتمر السري بما له من المحاضر المسجلة والرموز المصطلح عليها وعلامات الأرقام ~~التي يتفاهم عليها الأعضاء؛ لأنه أراد أن يتمم الصورة شكلا على ما يظهر، أو أراد أن ~~يوقع في روع القارئ ما يبعث عنده الثقة باجتماع العزم على العمل وقيام المؤتمرين على ~~تنفيذه، إلا أن الثابت من رواية أصدقائه وآله أنه ألف الكتاب قبل رحلته إلى مصر وإلى ~~الحجاز، وتحدث هو عن هذا الكتاب إلى صديقه السيد محمد رشيد طه - صاحب المنار - فلم يزد ~~على أن قال: إن للجمعية أصلا، وتوسع في سجله، وعاوده غير مرة بالتنقيح والحذف ~~والزيادة. # وفي وسعنا أن نفهم هذا «الأصل» على سبيل الظن ms056 من تصفح ألقاب المندوبين في الكتاب، ~~فلا بد أن يكون المؤلف قد التقى في بلده بأناس من فضلاء المسلمين الذين يترددون عليه في ~~طريق الحج فذاكرهم في مسائل الدين ومصالح المسلمين، وسمع منهم وأسمعهم ما عنده من ~~الآراء والمعلومات في هذه الشئون. ولا حاجة إلى التوسع في قراءة السجلات للتيقن من هذه ~~الحقيقة البديهية، فإن لمحة عابرة إلى الألقاب التي اختارها للمندوبين تشعر القارئ ~~بمعرفة حسنة للأمم التي نسبهم إليها، يجوز أن تعرف بالسماع والاطلاع، ولكن لا يجوز أن ~~تكون كلها سماعا واطلاعا مع إمكان المقابلة في حلب بينه وبين الوافدين إليها من عامة ~~الأقطار الإسلامية لمختلف المقاصد والوجهات، ومع عناية المؤلف باستيعاب الأخبار والآراء ~~في موضوع كتابه وقوله لصديقه: إن لها أصلا توسع فيه. # انظر مثلا إلى ألقاب الأستاذ المكي والصاحب الهندي والفاضل الشامي والمولى الرومي ~~والمجتهد التبريزي والرياضي الكردي والعالم النجدي والمحدث اليمني والعلامة المصري ~~والخطيب القازاني، وسائر الألقاب وعناوين الخطاب التي تخللت المساجلات والخطب على ألسنة ~~هؤلاء الأعضاء. # إن هذه الألقاب لم توضع جزافا، ولم يتميز بعضها من بعض لأسباب تتعلق بأفراد ~~المندوبين، ولا ينظر فيها إلى خصائص شعوبهم أو إلى السمات العامة التي تبرزهم بين جملة ~~المسلمين، فإذا جاوزنا الألقاب إلى السجلات وما وعته من الآراء والأوصاف والوقائع ~~ومناحي التفكير وضح لنا أن المؤلف قد صدر فيها عن علم واسع بأحوال الشعوب الإسلامية ~~وأحوال السادة المتخصصين فيها للإمامة العلمية والفتوى الدينية، ويجوز - كما أسلفنا - ~~أن يجتمع هذا العلم للمؤلف بالاطلاع والسماع على الألسنة، ولكن البعيد عن الظن الذي لا ~~يجوز في حكم العرف والعادة أن يصل إلى حلب قصادها والعابرون بها من أرجاء العالم ~~الإسلامي، ولا يتفق بينهم وبين الكواكبي لقاء مقصود أو غير مقصود، يتطرق فيه الكلام إلى ~~حديث كحديث أم القرى كما سجلته محاضر الكتاب. # وغير بعيد أن يكون «الكواكبي» قد سمع بعض هذه الآراء واطلع على بعضها، ووصل إليها ~~وإلى غيرها بإطالة التأمل وإمعان النظر وتقليب المسائل على شتى الوجوه، غير أن هذه ms057 ~~الآراء لا تحتوي الكتاب ولا تغني عنه؛ فإن الكواكبي لم يعرضها عرض الحكاية ولا عرض ~~النقل والرواية؛ بل كان عمله فيها عمل «الغربلة» والتحليل والنيابة عن المناقشة ~~والموازنة والأخذ والرد الذي لا يتأتى في غير المجتمعات المشهودة. # فكل سبب من أسباب الأعضاء المتفرقين يعللون به ضعف المسلمين ينتهي إلى أن يكون سببا ~~من ناحية ونتيجة من ناحية أخرى، وكل عرض من أعراض الجمود يجري به الدور والتسلسل على ~~هذه الوتيرة، إلى أن تنتهي كلها إلى سبب الأسباب في عقيدة الكواكبي كما نفهمها في ديدنه ~~وهجيراه في التفكير، وليس هناك سبب لجميع الأسباب غير الحكومة السيئة أو غير ~~الاستبداد. # فلماذا يضعف المسلمون؟ # يضعفون لأنهم أهملوا آداب الدين التي نهضوا بها في صدر الإسلام. # ولماذا أهملوا آداب الدين؟ # لأنهم جهلوا لبابه وأخذوا منه بالقشور. # ولماذا جهلوها؟ # لأنهم فقدوا الهمة وقنعوا بالضعة، واستكانوا إلى الخور والتسليم. # ولك أن تتابع حلقات السلسلة عكسا كما تابعتها طردا، فتقول: إنهم فقدوا الهمة لأنهم ~~جهلوا، وإنهم جهلوا لأنهم أهملوا آداب الدين، وإنهم أهملوا آداب الدين لأنهم ~~ضعفوا. # فكل علة من هذه العلل هي مقدمة من جهة ونتيجة من الجهة الأخرى، إلا الحكومة السيئة في ~~تعليل الكواكبي، فإنها تبطل الدور والتسلسل؛ لأنها ملتقى الأسباب والنتائج في كل عرض ~~من الأعراض، فالاستبداد جهل وضعف وإهمال وآفات تعرض للرعاة، ثم تعرض منهم للرعية، فتجري ~~دواليك في حلقة مفرغة لا تنتهي أبدا مع بقاء الاستبداد؛ ومن ثم يصح أن يقال: إن الفكرة ~~في أم القرى هي الفكرة في طبائع الاستبداد، وإن طبائع الاستبداد لا يحتوي شيئا لا ~~يكتبه من كتب أم القرى قبل التنقيح أو بعد التنقيح. # ويقول الدكتور سامي الدهان في ترجمته للكواكبي في سلسلة «نوابغ الفكر العربي»: إن ~~كتاب أم القرى «صدر في حياته منقحا بقلم السيد رشيد رضا أو بقلم الشيخ محمد عبده كما ~~قال الأب شيخو». ويشير الدكتور سامي الدهان بهذا إلى قول الأب شيخو في تاريخ الآداب ~~العربية في الربع الأول من القرن العشرين عند كلامه ms058 عن أم القرى: إنه «نظر فيه الشيخ ~~محمد عبده». # ثم يعقب الدكتور الدهان قائلا: «وكل الذي نستطيع أن نقول في أسلوب كتابته: إنه قريب ~~من أسلوب هذين الرجلين، وهو أسلوب الفحول لذلك العصر.» # ولا نرى ما يراه الدكتور الدهان من التشابه بين أسلوب الكواكبي وأسلوب الأستاذ الإمام ~~أو تلميذه السيد رشيد؛ فإن في الكتاب من مآخذ النحو والصرف والتركيب ما يتحرج منه السيد ~~رشيد غاية التحرج، ولا يسكت عن نقده إذا عرض عليه، كما صنع مرارا في تعقيبه على ~~الرسائل والمصنفات التي يقرؤها لأصدقائه وزملائه، والأستاذ الإمام يكتب بقلمه على نهج ~~غير نهج السيد رشيد، كما يظهر من أسلوبه في «رسالة التوحيد»، وفي «الإسلام والنصرانية»، ~~وفي المقالات الأدبية، ويقع الالتباس أحيانا بين أسلوب الإمام وأسلوب تلميذه؛ لأن قراء ~~المنار كانوا يحسبون أن تفسير القرآن الذي كان ينشر فيه مكتوب بقلم الشيخ محمد عبده، ~~وهو في الحقيقة ملخص أو مقتبس من دروسه في الرواق العباسي بقلم صاحب المنار؛ ومن هنا ~~يظن أن الأسلوبين على شبه قريب، وهما مختلفان مع اتفاقهما في التحرز من المآخذ اللغوية ~~واجتناب الصيغ المولدة والصيغ التركية. # ولا يمتنع عندنا أن يكون الشيخ محمد عبده أو السيد رشيد قد نظرا في الكتاب وأبديا ~~عليه بعض الملاحظات وأخذ المؤلف بما أبدياه؛ بل نحن نجزم بمراجعتهما لآراء الكتاب ~~ونصيحتهما بحذف طائفة من العبارات السياسية التي وردت فيه، وتثبت هذه المراجعة من ~~المقابلة بين النسخة التي طبعها السيد رشيد في مطبعة المنار والنسخ التي لم يشرف على ~~طبعها؛ فقد حذفت منها العبارات التي اشتدت فيها الحملة على الدولة العثمانية، واتبع ~~السيد رشيد في حذفها رأي الأستاذ الإمام فيما وجهه إليه من النصائح غير مرة؛ إذ قال ~~السيد رشيد وهو يعد وجوه النقد التي كان أستاذه يصارحه بها: إنها تشمل «الخوض في سياسة ~~الدولة العثمانية في بعض الأحيان» ... قال: «وهذا ما كنت أكرهه أنا أيضا فيعرض لي من ~~الضرورة ما يحملني عليه، وجل عملي المهم منها كان سريا، وقد أشرت إلى ذلك ms059 في فاتحة ~~المجلد الثاني عشر من المنار سنة 1327ه، ولم ننل منها ما نهواه إلا بعد أن اصطفاه ~~الله ...» # والمشهور عن الأستاذ الإمام أنه ابتلي بالمتاعب المرهقة من آفات السياسة حتى ملها، ~~واستعاذ بالله منها في كلمته المعروفة: «أعوذ بالله من السياسة ... ومن ساس ويسوس وسائس ~~ومسوس»، وطفق ينصح لمريديه باجتنابها لتمحيص القول في المبادئ والأصول التي يتجرد الناس ~~من أهوائهم ومآربهم عند نظرها، ولا يصدون عنها ذهابا مع وساوس العصبية ونوازع المنفعة ~~والنفاق، وقد كان الأستاذ الإمام يبيح النقد ويأبى الحملة على الدولة العثمانية في ~~محنتها، وأحرى به أن يأبى الإغراق في هذا النقد على طريقة الكواكبي كلما استثارته حماسة ~~الدعوة فشدد النكير وبالغ في الاتهام، ومن دلائل هذه المبالغة - ولا ريب - أنه استطاع ~~أن يكتب «أم القرى» و«طبائع الاستبداد» ويخرج بهما من حلب ويحملهما في طريقه ولا يحال ~~بينه وبين ذلك كما حيل بين أصحاب الأقلام وبين أمثال هذه الكتابة في الأقطار الأوروبية ~~لزمانه، وكما يحال بينه وبين أمثالها في بلاد الدول المستبدة التي تخضع لحكوماتها ~~المطلقة. # ولا نعتقد أن مراجعة الأستاذ الإمام أو صاحب المنار تجاوزت هذه الملاحظة إلى غيرها من ~~أفكار المؤلف وآرائه، ومن تجاربه وتعليلاته؛ فإن مادته من هذه الأفكار والآراء ومن هذه ~~التجارب والتعليلات أوفر جدا من أن تحتاج إلى مدد يضاف إليها، وحسبه نموذج واحد يلمسه ~~بيديه ولا يقدر على الفكاك منه، ليقيس عليه كل ما أحصاه في أم القرى من فساد السلطة ~~الدينية والسلطة السياسية في عصور الاستبداد أو عصور التخلف والجمود. # حسبه نموذج «أبي الهدى الصيادي» الذي انتزع نقابة الأشراف من بيت الكواكبي بغير حق من ~~حقوق النسب أو الفضل أو الكفاية، ليضعه أمامه وينقل عنه آفات السلطتين ومواطن الحاجة ~~إلى علاج هذه الآفات، والمقابلة فيها بين الداء والدواء. # لقد كان الكواكبي ينعى على جهلاء المسلمين استغاثتهم بأصحاب الأحضر، ولا يفرق بينها ~~وبين الشرك بالله، ويضرب المثل على ذلك بقولهم: # عبد القادر يا جيلاني # يا ذا الفضل والإحسان # صرت في خطب ms060 شديد # من إحسانك لا تنساني # وقولهم: # رفاعي لا تضيعني # أنا المحسوب أنا المنسوب # وكان هؤلاء الجهلاء يستمدون دعاءهم من كتاب «قلادة الجواهر في ذكر الغوث الرفاعي ~~وأتباعه الأكابر» الذي يؤلفه الصيادي أو يأمر بتأليفه، وينشره وينشر معه التصانيف من ~~قبيله عن «فرحة الأحباب في أخبار الأربعة الأقطاب»، و«الجوهر الشفاف في طبقات السادة ~~الأشراف»، و«ذخيرة المعاد في ذكر السادة بني الصياد»، إلى غيرها من كتب المنثور ~~والمنظوم في أشباه هذه الترهات. # وكان الكواكبي ينعى على العصر أن يرتفع بالجهلاء إلى مساند الأئمة العلماء، ولا بضاعة ~~لهم من العلم والورع إلا بضاعة الحيلة والدسيسة وصناعة الزلفى والتقرب إلى السلاطين ~~والأمراء، وقد ينقلون مناصبهم بالوراثة إلى ذريتهم فيوصفون في المهد بصفات الجهابذة ~~والأولياء. # وقد كان الصيادي ينال غاية ما ينال من ألقاب العلم والشرف ويتشفع عند ولاة الأمر لمن ~~يطمع في نيلها، وهو من الجهل بالكتابة بحيث يستكتب «المحاسيب» ما ينسبونه إليه من تلك ~~التصانيف في كرامات الأقطاب. # قال الأستاذ خير الدين الزركلي صاحب الأعلام - وهو خبير بأصحاب السير والتراجم من ~~أبناء الجيل القريب: «إن الصيادي صنف كتبا كثيرة أشك في نسبتها إليه، فلعله كان يشير ~~بالبحث أو يملي جانبا منه فيكتبه له أحد العلماء ممن كانوا لا يفارقون مجلسه، وكانت له ~~الكلمة العليا عند عبد الحميد في نصب القضاة والمفتين ... وله شعر ربما كان بعضه أو كثير ~~منه لغيره ...» # نقول: ومن هذا الشعر ما بعث به إلى الأستاذ الإمام يثني فيه على رسالة ~~التوحيد: # نعم فيها اختيارات ونسج # دقيق فيه درب للطراد # وغايتكم بما قد صين فيها # منزهة بحكم الاعتقاد # فدم نساج در هدى ثمين # مفيد للعباد وللبلاد # قائل هذا الشعر ومن يستعيره من نظم غيره سواء، وآية الجهل فيه أن يحسبه ناظمه أو طالب ~~نظمه جديرا بالإهداء إلى شارح نهج البلاغة وراعي الشعراء والأدباء. # والكواكبي يعلم أن أمراء المسلمين تأخروا وأخروا معهم رعاياهم؛ لأنهم أحاطوا عروشهم ~~بشراذم من الحاشية المتملقين، واستمعوا إلى مشورتهم في اختيار الولاة والرؤساء من ~~أذنابهم وأقربائهم وإقصاء ms061 المرشحين للولاية والرئاسة من الكفاة المخلصين والأمناء ~~العاملين. # فإن لم يكن قد علم ذلك من مشاهداته ومطالعاته فهو مدفوع إلى علمه بما يبصره أمامه من ~~ذلك المثل البارز ولو كان وحيدا في زمنه، وما هو بالوحيد. # فالصيادي كان يتحكم في مناصب القضاة والمفتين كما قال صاحب الأعلام، وكان يتحكم في ~~مناصب الولاة والرؤساء فيسندها إلى أصهاره وأقربائه، ويذهب هؤلاء إلى مراكزهم وهم ~~يعلمون ما تفرضه الوظيفة عليهم، وأوله تعظيم شأن المحسن إليهم والتشهير بمن ينافسهم ~~وينافسونه من جلة العلماء ودعاة الإصلاح. # قال صاحب المنار: إن أبا الهدى سعى في إسناد ولاية طرابلس إلى أحد أصهاره، فأصبح ~~الناس يحجمون عن ذكر اسم جمال الدين والثناء عليه في مجلسه، ولم يقنع أبو الهدى بمصادرة ~~هذا المصلح الكبير في حياته في البلاد التي يتناولها نفوذه من ولايات الدولة العثمانية، ~~فكتب إلى صاحب المنار بعد وفاة جمال الدين كتابا «في التاسع والعشرين من رجب سنة ~~1316ه» - لعل الكواكبي قد اطلع عليه - عتب فيه عليه لثنائه على جمال الدين فقال: «إني ~~أرى جريدتك طافحة بشقاشق المتأفغن جمال الدين الملفقة، وقد تدرجت به إلى الحسينية التي ~~كان يزعمها زورا، وقد ثبت في دوائر الدولة رسميا أنه مازندراني من أحلاف الشيعة، وهو ~~مارق من الدين كما مرق السهم من الرمية.» # وكان هذا ديدن الصيادي في إنكار الحسب على غيره والاستئثار به لنفسه، ولو لم يكن صاحب ~~الحسب من منافسيه على نقابة الأشراف أو حراسة الأوقاف ...! وإنما يقطع عليه السبيل ليخمله ~~ويحبط مسعاه ولو كان فيه خير عميم للدولة وسائر المسلمين، وكذلك كان تدبيره لإحباط سعي ~~جمال الدين في التقريب بين الدولة التركية والدولة الفارسية؛ لتتفق السياسة بينهما على ~~محاربة الاحتكار ومقاطعة الدول المستعمرة التي تعتدي على إحداهما، تخويفا لها من عواقب ~~المقاطعة على مطامعها الاقتصادية. # فإذا جاز أن تخفى على الكواكبي أسباب الفشل الذي مني به المسلمون فيما وعاه التاريخ، ~~أو أحاطت به التجربة والمحادثة، فليس من الجائز أن تفوته أسباب الفشل التي تقتحم عليه ~~داره وتسلبه ms062 قراره، ويبتليه بها الصيادي في شرفه ونسبه وعمله واجتهاده، ولا يرضيه منه ~~إلا أن يعترف له بالشرف الذي اغتصبه منه، ويجزيه بالتأييد والتمكين على محاربته ~~إياه. # غير أن الكواكبي لم تعوزه الأمثلة غير هذا المثل في بلدته وفي عاصمة الدولة، فكل من ~~تولى الحكم في حلب كان مثلا كهذا المثل في كشفه عن المساوئ وهدايته إلى مواطن الإصلاح، ~~ووسائل الكواكبي إلى كشف الحقيقة غير قليلة في نطاق حياته ومجال معيشته، إذا صرفنا ~~النظر عن مطالعاته ومحادثاته؛ إذ هي وسائل الرجل المتصل بوظائف القضاء والإدارة ومراكز ~~التجارة وشركات الاحتكار، وهي إلى جانب ذلك وسائل الرجل الذي يحمل تكاليف الوجاهة ~~ويقيمه الناس مقام المسئول عن مرافق البلدة وخفايا الكسب والسعي فيها من مباح ~~ومحظور. # إن المباحث في «أم القرى» تجربة شخصية لعبد الرحمن الكواكبي لا تعوزها الزيادة من ~~تجربة غيرها، فليس في الكتاب فكرة يعز عليه في ذكائه وبحثه أن يستوحيها من مكانه ~~وزمانه، ولا غضاضة على مثله أن يسترشد بعد ذلك بنصائح ذوي الرأي فيما يذاع أو لا يذاع، ~~وفيما يحسن نشره لحينه أو يحسن إرجاؤه إلى حين. # وعلى الجملة، يصح عندنا أن نفهم أن جوهر الكتاب وهو البحث عن علل الأمم الإسلامية ~~وعوامل شفائها عمل خالص للكواكبي، فرغ منه في بلدته قبل هجرته منها. # أما موضع تنقيحه والإضافة إليه والحذف منه فهو شكل الكتاب، وما كتبه فيه أخيرا عن ~~شكل «الجمعية»، كما تخيلها وكما اعتقد بعد رحلاته في العالم الإسلامي أنه أقرب إلى ~~تنفيذها، وقد نشر الكتاب في طبعات متلاحقة فأعيد فيه ما حذف منه، فلا التباس اليوم بين ~~عمل الكواكبي في «أم القرى» وبين عمل الناصحين فيما أبقاه وفيما حذفه منه إلى ~~حين. # الفصل العاشر # | طبائع الاستبداد # هذا الكتاب الذي يعد آية الكواكبي، يتألف من سلسلة مقالات نشرها لأول مرة في صحيفة ~~«المؤيد»، وتناول في كل مقالة منها عارضا من عوارض الاستبداد التي يشاهد أثرها في ~~أحوال الأمم والأفراد، وانتهى الكتاب وقد بحث فيه جملة العوارض الاجتماعية التي تصاحب ms063 ~~الاستبداد في أحوال الدين والعلم والمجد والثروة والأخلاق والتربية والتقدم، ومهد ~~للمقالات بتعريف الاستبداد، ثم عقب عليها بوسائل الخلاص منه والغلبة عليه. # ومقالات الكتاب جميعا تنبئ عن دراسة وافية للعوارض التي شرحها أو أجمل القول فيها، ~~وتدل على تأمل طويل في موضوعاتها يستفاد من النظر والتجربة كما يستفاد من الاطلاع ~~والمراجعة؛ ولهذا خطر للأستاذ أحمد أمين - مترجم زعماء الإصلاح - أنها نتيجة دراسته ~~بعد أن «ساح في سواحل إفريقية الشرقية وسواحل آسية الغربية ودخل بلاد العرب وجال فيها ~~واجتمع برؤساء قبائلها ونزل بالهند وعرف حالها، وفي كل بلد ينزلها يدرس حالتها ~~الاجتماعية والاقتصادية وحالتها الزراعية ونوع تربتها وما فيها من معادن ونحو ذلك، ~~دراسة دقيقة عميقة، ونزل مصر وأقام بها، وكان في نيته رحلة أخرى إلى بلاد المغرب يتم ~~فيها دراسته ولكنه عاجلته منيته ... نشر نتيجة دراسته في مقالات كتبت في المجلات ~~والجرائد، ثم جمعت في كتابين اسم أحدهما طبائع الاستبداد، والآخر أم القرى ...» # والواقع أن الكواكبي درس موضوعات الكتابين قبل رحلته المطولة في البلاد الشرقية وقبل ~~هجرته من حلب إلى القاهرة، وقد عني حفيده الدكتور عبد الرحمن الكواكبي بالتنبيه إلى ذلك ~~في مقدمة الطبعة الأخيرة من كتاب أم القرى التي طبعت هذه السنة «1959م» فقال إنه: «لا ~~بد في هذه المناسبة من الإشارة إلى حقيقة تاريخية تلقي ضوءا على موضوع هذا الكتاب، وهي ~~أن جدي - رحمه الله - ألف «أم القرى» وطبائع الاستبداد قبل هجرته إلى مصر، وكان عمي ~~الدكتور أسعد الكواكبي يتولى تبييض أم القرى له في حلب، كما أخبرني أيضا عالم حلب ~~الثقة المرحوم الشيخ راغب الطباخ أن المؤلف أطلعه عليه قبل سفره إلى مصر، ولما كان ~~السيد الفراتي لم يغادر حلب خلال مقامه فيها إلا إلى إستانبول، ولم يقم بجولاته إلى ~~العالم الإسلامي إلا بعد رحيله إلى مصر، فإن المؤتمر الذي عقد في مكة، ويدور عليه ~~موضوع الكتاب إنما هو مؤتمر تخيله المؤلف ليعرض فيه آراءه ...» # ويطابق هذا القول ما رواه الأستاذ الغزي للأستاذ سامي الكيالي صاحب مجلة ms064 الحديث كما ~~نشره في مجلة الكتاب «سنة 1947م»؛ إذ يقول: «... وقبل سفره بيوم واحد زارني في منزلي ~~يودعني، وأخبرني أنه عازم في غده على السفر إلى إستانبول لتبديل نيابته؛ أي نيابة قضاء ~~رأشيا. وكنت عالما بكتابه «جمعية أم القرى»، وقد شعرت منه العزم على طبعه، فوقع في ~~نفسي أنه سيعرج على مصر لطبعه ونشره؛ إذ لا يمكنه أن يطبعه في غيرها، وحذرته من ذلك ~~وقلت له: «إياك يا أخي والسفر إلى مصر؛ فإنك متى دخلتها تعذر عليك الرجوع إلى وطنك؛ ~~لأنك تعد في الحال من الطائفة المعروفة باسم «جوز تورك»، ولا يتأخر وسمك بهذه السمة ~~قيد لحظة؛ لما اشتهرت وعرفت به من شدة المعارضة وانتقاد الأحوال الحاضرة!» فقال: «لم ~~أعزم إلا على السفر إلى إستانبول للغرض الذي ذكرته لك.» وقد كتم سر سفره حتى عن أعز ~~أصدقائه، ثم ودعني ومضى، وأنا أسأل الله تعالى أن يرعاه بعين رعايته، وأن يجعل التوفيق ~~رائده والنجاح مرشده وقائده، وكانت مبارحته حلب في أوائل سنة 1316 هجرية «هكذا» ... وبعد ~~أن مضى على مبارحته حلب نحو بضعة عشر يوما لم نشعر إلا وصدى مقالاته في صحف مصر، وأخذت ~~جريدة المؤيد تنشر تفرقة كتاب طبائع الاستبداد الذي لم يطلعنا عليه مطلقا بخلاف كتاب ~~«جمعية أم القرى»، فقد أطلعنا عليه مرارا، ثم إنه طبع الكتابين المذكورين وقام لهما في ~~المابين السلطاني ضجة عظيمة، وصدرت إرادة السلطان بمنع دخولهما إلى الممالك العثمانية ... ~~بيد أنهما رغما عن ذلك كله وصلا إلى حلب على صورة خفية، وقرأناهما في سمرنا المرة بعد ~~المرة.» # فالدراسة التي توفر عليها في الكتابين كانت من مطالعاته وتجاربه ومشاهداته في حلب ~~والآستانة وغيرهما من بلاد الدولة العثمانية، وهي كافية لمن كان في مثل فطنته للإحاطة ~~بظواهر الاستبداد وخوافيه، والعلم بأثر الاستبداد في أحوال الأمم الكثيرة التي كان من ~~اليسير عليه أن يتصل بها بين موطنه وعاصمة السلطنة الكبرى، وليس عليه أن يبحث في غير ~~تجربة واحدة ليعلم كل ما أثبته في الكتاب من أثر الاستبداد في ms065 الدين والعلم والمجد ~~والأخلاق والثروة وعوامل التقدم، وتلك هي تجربته لمساعي «أبي الهدى الصيادي» ووسائله في ~~الاستئثار بنقابة الأشراف ومنصب شيخ المشايخ في الدولة، مع ذلك الجاه الذي كان يعينه ~~على اللعب بمظاهر المجد ومداورات السياسة كما يشاء. # وقد صادف الكواكبي التوفيق في موعد وصوله إلى القاهرة، فإنه وصل إليها وهي في فترة من ~~فترات الجفاء المتداولة بين «يلدز» و«عابدين»، ولولا ذلك لتعذر نشر المقالات في صحيفة ~~المؤيد لسان القصر الخديوي، وهو يتحفظ غاية التحفظ في الإشارة إلى الدولة بكلمة تؤيد ~~وشاية الجواسيس فيما اتهموا به الأسرة الخديوية غير مرة من التطلع إلى الخلافة والعمل ~~على إثارة الفتنة في البلاد العربية، ولكن «المؤيد» يومئذ كان في حل من ذلك التحفظ ~~الشديد، ليعرب عن استياء الخديو من خطة الدولة، ويومئ إلى سادة «يلدز» بالمساومة على ~~مواضع الخلاف. # ومع هذا لم يستغن الكاتب عن بعض المصانعة عند عابدين وحاشيتها لتهوين الأمر على ~~الصحيفة وتيسير مقامه في البيئة التي اختارها ولم يكن له بد من اختيارها، فقد حرص على ~~هذه المصانعة إلى أن فرغ من نشر المقالات وأظهرها في أول طبعة، فقال في تقديمها: «أقول ~~وأنا المضطر للاكتتام حسب الزمان، الراجي اكتفاء المطالعين الكرام بالقول عمن قال إنني ~~في سنة ثماني عشر وثلاثمائة وألف وجدت زائرا في مصر على عهد عزيزها ومعزها حضرة سمي ~~عم النبي العباس الثاني الناشر لواء الحرية على أكناف ملكه، فنشرت في بعض الصحف الغراء ~~أبحاثا علمية سياسية في طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، منها ما درسته ومنها ما ~~اقتبسته، غير قاصد بها ظالما بعينه ولا حكومة مخصصة، إنما أردت بذلك تنبيه الغافلين ~~لمورد الداء الدفين، عسى يعرف الشرقيون أنهم هم المتسببون لما هم فيه، فلا يعتبون على ~~الأغيار ولا على الأقدار ...» # ولقد كان في وسع الكواكبي أن ينشر مقالاته في صحيفة من صحف الاحتلال التي كانت تجاهر ~~بمحاربة السيادة العثمانية خدمة للسيادة البريطانية، ولكنه لو فعل ذلك لخرج عن صفته ~~الإصلاحية الإسلامية، وعرض نفسه لشبهات الدعاية الأجنبية، ووطن العزم ms066 على القطيعة ~~الدائمة بينه وبين البلاد المشمولة بسيادة الدولة والمطالبة بالولاء لها في جوازاتها ~~وشروط الإقامة فيها والرحلة منها وإليها، ويظهر من كتمان اسمه وتوقيعه بالحرف الأول منه ~~أنه لم يكن قد وطن العزم على ذلك عند وصوله إلى القاهرة، وأنه أراد أن يختبر الحالة ~~فيما حوله قبل أن يقطع بالعزم الأخير على المسلك الذي لا رجعة فيه. ~~••• # والمرجح عندنا أنه طوى كتاب طبائع الاستبداد في حلب ولم يطلع عليه أصدقاءه لسبب غير ~~التحرج من خطره والحذر من إفشاء خبره وإعنات أصحابه بكتمان سره، فإنه أطلعهم على كتاب ~~أم القرى وفيه من المحذورات ما لا يقل عن أخطر المحذورات في كتاب طبائع الاستبداد، فقد ~~صرح فيه بالدعوة إلى الخلافة العربية، وأنكر الخلافة على بني عثمان، ورماهم بالتواطؤ ~~مع الدول على التنكيل بمسلمي الأندلس، ومسلمي الإمارات الآسيوية، وقد يرد على الخاطر ~~أنه أغفل هذه المسائل في النسخة المخطوطة واكتفى فيها بالتلميح دون التصريح، وبالإشارة ~~دون الإسهاب، ولكن الكتاب يشتمل بعد إغفال هذه المسائل على مآخذ منكرة أخذها على ~~الأمراء المستبدين، وعزا فيها تخلف المسلمين إلى مساوئهم وسوء سياستهم وتدليسهم على ~~رعاياهم وتقريبهم للمفسدين والدجالين من الولاة ورجال الدين، ولم يقل عن المستبدين كلمة ~~في طبائع الاستبداد إلا كان لها نظير في معناها ومرماها من فصول أم القرى على ألسنة ~~المسلمين الترك والعثمانيين، وهو تصريح بالحكومة المقصودة لم يرد له نظير في طبائع ~~الاستبداد؛ إذ يتيح له عموم القول أن يعلن في تقديم الطبعة الأولى أنه «لا يقصد ظالما ~~بعينه ولا حكومة مخصصة». # فليست الحيطة سر كتمان الكتاب عن أصدقائه الذين أطلعهم على كتاب جمعية أم القرى، ~~وإنما نرجح أنه طواه عنهم؛ لأنه لم يفرغ من وضعه في صيغة النشر والتلاوة، ووقف به عند ~~تدوين العناوين ورءوس التعليقات وإعدادها للتوسع فيها وإفراغها في قالبها الأخير عند ~~تقديمها للطبع أو للنشر في الصحف، ويتبين ذلك من المقابلة بين مقالات المؤيد ومقالات ~~الطبعة الأخيرة بعد تنقيحها، فإن الاختلاف بينهما أشبه بالاختلاف بين عجالة التحضير ms067 ~~وبين النسخة المتممة للنشر والتلاوة، وقد ظهرت الطبعة المنقحة في ضعفي صفحات الطبعة ~~الأولى، وقال الدكتور عبد الرحمن الكواكبي حفيده إنه: «ينشر هذا الكتاب للمرة الأولى ~~على العالم العربي منقحا ومزيدا بقلم المؤلف، وهو يختلف كثيرا عن النسخة المطبوعة ~~والمتداولة حتى اليوم.» # ويروي الأستاذ سامي الكيالي عن الدكتور أسعد الكواكبي ابن المؤلف أنه أخبره «بأن ~~والده - رحمه الله - قد أضاف على الكتاب بعد طبعه إضافات كثيرة، والهوامش التي يحتفظ ~~بها بقلم والده تؤلف كتابا مستقلا بحجم الكتاب المطبوع، وهو يعتزم طبع هذه النسخة ~~قريبا ليطلع العالم العربي على ثمرة أفكار والده في الحرية الاستعباد». # ونجتزئ في المعارضة بين الطبعة الأولى وبين النسخة التي طبعها الدكتور أسعد وصدرت منذ ~~سنتين، بالمقابلة بينهما في موضوع واحد يدل على سائر المواضيع: وهو كلامه على ~~التربية. # ففي الطبعة الأولى وردت مقالة الاستبداد والتربية بالنص الذي ننقل منه ما يلي؛ إذ يقول: # خلق الله في الإنسان استعدادا للصلاح واستعدادا للفساد، فأبواه يصلحانه ~~وأبواه يفسدانه؛ أي إن التربية تربو باستعداده جسما ونفسا وعقلا، إن خيرا ~~فخير وإن شرا فشر، وقد سبق أن الاستبداد المشئوم يؤثر على الأجسام فيورثها ~~الأسقام، ويسطو على النفوس فيفسد الأخلاق، ويضغط على العقول فيمنع نماءها ~~بالعلم، بناء عليه تكون التربية والاستبداد عاملين متعاكسين في النتائج، فكل ما ~~تبنيه التربية مع ضعفها يهدمه الاستبداد بقوته، واستعداد الإنسان لا حد لغايته، ~~فقد يبلغ في الكمال إلى ما فوق مرتبة الملائكة؛ لأنه هو المخلوق الذي يحمل ~~الأمانة وقد أبتها كافة العوالم، ويصح أن تكون هذه الأمانة هي تخيير تربية ~~النفس على الخير أو الشر، وقد يتلبس بالرذائل حتى يكون أحط من الشياطين، بل أحط ~~من المستبدين؛ لأن الشياطين لا ينازعون الله في عظمته، والمستبدون ينازعونه ~~فيها، ولكن لحاجة في النفس، والمتناهون في الرذالة قد يقبحون عبثا لا لغرض، ~~حتى قد يتعمدون الإساءة لنفسهم. # الإنسان في نشأته كالغصن الرطب، فهو مستقيم لدن بطبعه، ولكنها أهواء ~~التربية تميل به إلى يمين الخير أو شمال الشر، فإذا شب ms068 يبس وبقي على أمياله ~~ما دام حيا؛ بل تبقى روحه إلى أبد الآبدين في جحيم الندم على التفريط أو نعيم ~~السرور بإيفائه حق وظيفة الحياة، ما أشبه الإنسان بعد الموت بالفرح الفخور إذا ~~نام ولذت له الأحلام، وبالمجرم الجاني إذا نام فغشيته قوارص الوجدان بهواجس ~~كلها ملائم وإيلام. # أما في الطبعة الأخيرة فهذه المقالة ترد على الصيغة التالية: # خلق الله في الإنسان استعدادا للصلاح واستعدادا للفساد، فأبواه يصلحانه ~~وأبواه يفسدانه؛ أي إن التربية تربو باستعداده جسما ونفسا وعقلا، إن خيرا ~~فخير وإن شرا فشر، وقد سبق أن الاستبداد المشئوم يؤثر على الأجسام فيورثها ~~الأسقام، ويسطو على النفوس فيفسد الأخلاق، ويضغط على العقول فيمنع نماءها ~~بالعلم ... بناء عليه تكون التربية والاستبداد عاملين متعاكسين في النتائج، فكل ~~ما تبنيه التربية مع ضعفها يهدمه الاستبداد بقوته، وهل يتم بناء وراءه هادم؟! ... ~~الإنسان لا حد لغايته رقيا وانحطاطا، وهذا الإنسان الذي حارت العقول فيه، ~~الذي تحمل أمانة تربية النفس وقد أبتها العوالم، فأتم خالقه استعداده ثم ~~أوكله لخيرته، فهو إن يشأ الكمال يبلغ فيه إلى ما فوق مرتبة الملائكة، إن كان ~~هناك ملائكة غير خواطر الخير، وإن شاء تلبس بالرذائل حتى يكون أحط من ~~الشياطين، إن كان هناك شياطين غير وساوس النفس بالشر، على أن الإنسان أقرب للشر ~~منه للخير، وكفى أن الله ما ذكر الإنسان في القرآن إلا وقرن اسمه بوصف قبيح، ~~كظلوم وغرور وكفار وجبار وجهول وأثيم، ما ذكر الله تعالى الإنسان في القرآن ~~إلا وهجاه فقال: # قتل الإنسان ما ~~أكفره ~~، # إن الإنسان ~~لكفور ~~، # إن الإنسان لفي ~~خسر ~~، # إن الإنسان ~~ليطغى ~~، # وكان الإنسان ~~عجولا ~~، # خلق الإنسان من ~~عجل ~~. # ما وجد من مخلوقات الله من نازع الله في عظمته، فالمستبدون من الإنسان ~~ينازعونه فيها، والمتناهون في الرذالة قد يقبحون عبثا لغير حاجة في النفس، حتى ~~وقد يتعمدون الإساءة لأنفسهم. # الإنسان في نشأته كالغصن الرطب، فهو مستقيم لدن بطبعه، ولكنها أهواء ~~التربية تميل به إلى يمين الخير أو شمال الشر، فإذا شب يبس، ويبقى ms069 على أمياله ~~ما دام حيا؛ بل تبقى روحه إلى أبد الآبدين في نعيم السرور بإيفائه حق وظيفة ~~الحياة، أو في جحيم الندم على تفريطه. وربما كان لا غرابة في تشبيه الإنسان بعد ~~الموت بالإنسان الفرح الفخور إذا نام ولذت له الأحلام، أو بالمجرم الجاني إذا ~~نام فغشيته قوارص الوجدان بهواجس كلها ملائم وآلام. # ولم تخل مقالة من مقالات طبائع الاستبداد من مثل هذا التنقيح أو مثل هذه الزيادة على ~~قلة في بعض المواضع وكثرة في غيرها، إلا أنه فارق بين النسختين كالفارق بين المسودة ~~المعدة للتذكير والتحضير والنسخة التي فرغ منها عمل التأليف. # على أن العبرة بروح الكتابة وما نسميه «نفس الكاتب» في كلتا النسختين، ولم تكن هذه ~~«الروح» في المقالات ولا في الطبعة الأولى بأخفى منها في الطبعة التي ظهرت بعد وفاة ~~المؤلف؛ بل نرى أن روح الكاتب كانت في «مسوداته ومذكراته» أبرز منها في طبعته الأخيرة، ~~كما يتفق أحيانا في الكتابة التي تمليها السجية عضو الخاطر والكتابة التي يدخلها ~~التنقيح وتعمل فيها المراجعة، أو كما يتفق أحيانا بين الكتابة «المركزة» المتجمعة وبين ~~كتابة التبسيط والإفاضة، وقد أحسن السيد محمد رشيد رضا حين شبه المقالات في الحالتين ~~بالأديم الممدود، فقال في المنار: إن «الكتاب كان مقالات مختصرة نشرت في المؤيد ثم ~~مدها صاحبها من الأديم العكاظي وزاد عليها، فكانت كتابا حافلا ينجلي له علمه الأول ~~بصورة أوضح وأجلى». # نعم، أوضح وأجلى، ولكن الأديم هو الأديم، ولعله قبل مده كان أوثق وأقوى. # وسرعان ما تداول القراء مقالة بعد أخرى من هذه «المذكرات» التي هيأها صاحبها للنشر ~~في الصحافة حتى أحسوا أنها طبقة في النقد الاجتماعي لم يعهدوها لعامة الكتاب في ~~الصحف، وعلموا من مطلعها أنها بقلم رجل من رجال الدين فخطر لهم أنها لا تكون لغير رجل ~~من رجلين: الأستاذ الإمام محمد عبده أو السيد محمد رشيد رضا تلميذه ومريده، ولسنا نحسب ~~أنه خاطر يخطر لمن يعرف أسلوب الرجلين ويحسن التمييز بينه وبين أسلوب تلك المقالات، فإن ~~بضعة أسطر من ms070 المقالات كافية للجزم بأنها أسلوب من الكتابة غير أسلوب الإمام وتلميذه ~~الرشيد، ولكن شيوع هذا الخاطر يدل على المنزلة التي قدرها جمهرة القراء لصاحب تلك ~~المقالات، فلن يكون في تقديرهم إلا علما من أعلام الرأي والإصلاح. # ولم تنقطع الظنون عند وقوف المطلعين على سر مقالات المؤيد، فقد كان من اليسير على ~~الكثيرين أن يفهموا أن محمد عبده وتلميذه الكبير لا يتسع لهما صدر «المؤيد» مع ما ~~بينهما وبين القصر الخديوي من الجفوة والقطيعة، ولم يكن من اليسير على قراء ذلك العهد ~~أن يفهموا كيف يتسنى هذا البحث لكاتب شرقي عرفوا أنه لا يعلم من اللغات غير اللغات ~~الشرقية، ولا يحسن القراءة في غير لغته واللغتين التركية والفارسية. # قال السيد رشيد: «كنا على وفاق في أكثر مسائل الإصلاح، حتى إن صاحب الدولة مختار باشا ~~الغازي اتهمنا بتأليف الكتاب عندما اطلع عليه.» # ثم قال: «وقد زعم زاعمون أن معظم ما في الكتاب مقتبس من كتاب لفيلسوف إيطالي، ومن كان ~~له عقل يميز بين أحوال الإفرنج الاجتماعية وأحوالنا، وذوقهم في العلم وذوقنا؛ يعلم أن ~~هذا الوضع وضع حكيم شرقي يقتبس علم الاجتماع والسياسة من حالة بلاده حتى كأنه يصورها ~~تصويرا ...» # وقال الأستاذ إبراهيم سليم النجار: «سبق لي أن قرأت في شبابي كتاب ~~(الكوانترا-سوسيال)؛ أي العقد الاجتماعي لجان جاك روسو، ثم انقطعت عن الرجوع إليه، فلما ~~قرأت كتاب طبائع الاستبداد أعاد إلى ذاكرتي كتاب الكاتب الإفرنسي العظيم، ولو كان الشيخ ~~العربي يعرف ولو قليلا اللغة الفرنسوية لاعتقدت أنه أخذ عنه أو احتذى حذوه، ولكن ~~الحقيقة أن العقول النيرة والقلوب الكبيرة نيرة وكبيرة مهما اختلفت لغاتها وبلادها ~~وأقاليمها ...» # وإن الكواكبي نفسه ليعفي القراء والنقاد من مئونة الظن في اقتباسه واطلاعه على وصف ~~الاستبداد وعوارضه الاجتماعية في كتب غيره، فإنه قد ذكر ذلك في كلامه، وتبرع به دون ~~أن تدعوه الضرورة إلى ذكره، فكل ما يفهم من قراءة «طبائع الاستبداد» أن صاحبه على علم ~~واطلاع في موضوعه، وتلك بداهة لا حاجة إلى التنبيه إليها؛ إذ كان ms071 من الغفلة أن يطالب ~~الكاتب بالتأليف في موضوع لم يكن على علم به واطلاع فيه. # أما أن يكون الاقتباس على مثال ما نسميه بالسرقة المقصودة، فذلك إسراف في الظن لا ~~مسوغ له، سواء رجعنا بالمعارضة والمضاهاة إلى الكتب التي سرد الكواكبي أسماءها أو إلى ~~الكتب التي أفاضت في هذا الموضوع ولم يكن في وسعه أن يطلع عليها أو يسمع ~~بأسمائها. # قال الكواكبي: «لا خفاء أن السياسة علم واسع جدا يتفرع إلى فنون كثيرة ومباحث دقيقة ~~شتى، وقلما يوجد إنسان يحيط بهذا العلم، كما أنه قلما يوجد إنسان لا يتحكك فيه، وقد ~~وجد في كل الأمم المترقية علماء سياسيون تكلموا في فنون السياسة ومباحثها استطرادا في ~~مدونات الأديان أو الحقوق أو التاريخ أو الأخلاق أو الأدب، ولا تعرف للأقدمين كتب ~~مخصوصة في السياسة لغير مؤسسي الجمهوريات في الرومان واليونان، وإنما لبعضهم مؤلفات ~~سياسية أخلاقية ككليلة ودمنة ورسائل غوريغوريوس، ومحررات سياسية دينية كنهج البلاغة ~~وكتاب الخراج، وأما في الشئون المتوسطة فلا تؤثر أبحاث مفصلة في هذا الفن لغير علماء ~~الإسلام، فهم ألفوا فيه ممزوجا بالأخلاق كالرازي والطوسي والعلائي وهي طريقة الفرس، ~~وممزوجا بالأدب كالمعري والمتنبي وهي طريقة العرب، وممزوجا بالتاريخ كابن خلدون وابن ~~بطوطة وهي طريقة المغاربة. # أما المتأخرون من أهل أوروبة ثم أمريكا فقد توسعوا في هذا العلم وألفوا فيه كثيرا ~~وأشبعوه تفصيلا، حتى إنهم أفردوا بعض مباحثه في التأليف بمجلدات ضخمة، وقد ميزوا ~~مباحثه إلى سياسة عمومية وسياسة خارجية وسياسة إدارية وسياسة اقتصادية وسياسة حقوقية ~~إلى آخره، وقسموا كلا منها إلى أبواب شتى وأصول وفروع، أما المتأخرون من الشرقيين فقد ~~وجد من الترك كثيرون ألفوا في أكثر مباحثه تآليف مستقلة وممزوجة؛ مثل أحمد جودت باشا، ~~وكمال بك، وسليمان باشا، وحسن فهمي باشا، والمؤلفون من العرب قليلون ومقلون، والذين ~~يستحقون الذكر منهم فيما نعلم رفاعة بك، وخير الدين باشا، وأحمد فارس، وسليم البستاني، ~~والمبعوث المدني ...» ~~••• # ومن أيسر نظرة يدرك القارئ المطلع أن الكواكبي أراد أن يسرد بعض الشواهد على مبلغ ~~اهتمام ms072 الأقدمين والمحدثين بعلوم السياسة ومباحثها، ولم يرد أن يستقصي مراجع الاطلاع ~~في هذه العلوم والمباحث ولا مراجع الاقتباس منها في «طبائع الاستبداد». # ولو أنه قصد إلى الاستقصاء لما فاته أن يذكر من كتب الأقدمين أهم ما كتبه فلاسفة ~~اليونان وأفضله في بابه، وهما كتاب الجمهورية لأفلاطون وكتاب السياسة لأرسطو، وليس هذا ~~ولا ذاك من رؤساء الجمهوريات، ولا فاته أن يذكر الماوردي صاحب «الأحكام السلطانية»، أو ~~بدر الدين بن جماعة صاحب «تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام»، أو ابن تيمية صاحب ~~«السياسة الشرعية»، أو محمد بن علي بن طباطبا صاحب «الفخري في الآداب السلطانية»، أو ~~ابن حمدون صاحب «التذكرة في السياسة والآداب الملكية»، وغيرهم وغيرهم ممن صنفوا وألفوا ~~في هذه المباحث، ولا يفوت المؤرخ ذكرهم في مقام الاستقصاء. # ولا يلزم أن يكون الكواكبي قد اطلع على كتب المؤلفين الذين ذكرهم في مقدمة «طبائع ~~الاستبداد»، وإنما نرجح أن بعض هؤلاء المؤلفين كان يستدعيه إلى قراءته بإغراء من سيرته ~~ومناسبات تأليفه، فمن الصعب على باحث كالكواكبي يعرف التركية أن يعرض عن قراءة «أحمد ~~جودت» الصدر الأعظم الذي بلغ من عنايته بالعربية أن يؤلف في نحوها وبلاغتها ويعقب على ~~التفسيرات القرآنية فيها، ولم يكن أروج من مصنفاته بين أدباء الترك والعرب بعد وفاته ~~في أواخر القرن التاسع عشر «1895» ... ومن الصعب كذلك على كاتب مثله يعرف الفارسية أن ~~يعرض عن قراءة العلائي الملقب بالمحقق الثاني «1463-1534» وهو المستشار الأمين المأمون ~~للشاه طهماسب بن إسماعيل الصفوي الذي ينتسب والكواكبي إلى أسرة واحدة، ولكننا نراجع ~~هؤلاء المؤلفين ونراجع غيرهم من المذكورين في مقدمة «طبائع الاستبداد» فنعلم أنهم ~~مؤرخون يروون أخبار الدول والحكومات، ويعقبون على عهود السلاطين والأمراء، ويتحدثون ~~عن العدل والظلم وعن العادلين والظالمين في سياق هذه الأخبار، أو نعلم أنهم من فلاسفة ~~السياسة الذين يفصلون القول في أوضاع الحكم ودساتير الديمقراطية والنظم النيابية، أو ~~أنهم ناصحون من حكماء الدين والمعرفة يوصون بالخير ويحذرون من الشر ويعظون الساسة بما ~~ينبغي وما لا ينبغي في حق الله وحق ms073 الرعية، ولم يستخرج أحد من كتبهم مبحثا مفصلا في ~~تحليل عناصر الاستبداد، وتفسير عيوبه وأعراضه وآثاره في طوائف الرعايا على تعدد أطوارها ~~وشواغلها، كهذا المبحث الذي استوحاه الكواكبي من تجاربه ودراساته ونظراته وتأملاته، ولا ~~يعود الفضل فيه إلى غير فطنته وابتكاره واستقلاله بفهمه وصحة نظره، فإن هذه المطالعات ~~قد اطلع عليها المئات كما اطلع عليها الكواكبي، ولم يستخرجوا منها الكتاب الذي انفرد به ~~ولم يسبقه أحد إليه. # وإنما يصدق وصف الاقتباس على مؤلف واحد لم يذكره الكواكبي في المقدمة، ولكنه ذكره ~~واستشهد به في كلامه على التخلص من الاستبداد: «فتوريو ألفييري»، الذي أردف اسمه بنعت ~~المشهور في قوله: «لهذا أذكر المستبدين بما أنذرهم به ألفييري المشهور حيث قال: لا ~~يفرحن المستبد بعظيم قوته ومزيد احتياطه، فكم من جبار عنيد جندله مظلوم ~~صغير؟!» # ولا بد أن يكون هذا المؤلف هو المقصود فيما رواه صاحب المنار عمن ينسبون أفكار ~~الكواكبي إلى «فيلسوف إيطالي» معروف، فإنه صاحب أشهر كتاب عن الاستبداد ظهر في أواخر ~~القرن الثامن عشر «1777»، وشاع بعد ذلك أيما شيوع بين أيدي الثوار الإيطاليين، ولا سيما ~~جماعة الكربوناري - الفحامين - الذين أسسوا جماعتهم السرية معارضة لجماعة البنائين أو ~~الماسون، وتسرب أعضاؤها إلى كل مكان يغشاه الإيطاليون في موانئ البحر الأبيض ومدن الشرق ~~الأدنى، ومنها مدينة حلب التي كانت «مركزا مهما» لتجار البندقية والمتكلمين باللغة ~~التوسكانية، وآوى إليها كثير من المثقفين والمهاجرين السياسيين منذ راجت فيها حركة ~~التجارة على طريق الهند والأقطار الآسيوية. # وبين «الكواكبي» و«ألفييري» شبه قريب في السيرة والمنزع وظروف الحياة، فكلاهما تعود ~~الرحلة في طلب المعرفة بأحوال الأمم، وكلاهما اضطر إلى الكتابة في ظل الرقابة، وكلاهما ~~نزل مختارا أو مضطرا عن ثروته وعتاده، وزاد «ألفييري» فأسلم ما بقي له في الثروة إلى ~~أخته لتسلمه منها نفقته التي يحتاج إليها، رغبة منه في التفرغ للرحلة والكفاح بالقلم ~~والدعوة اللسانية. # وكتب «ألفييري» مقالاته عن الاستبداد # Della ~~Tirannide ~~، فظهر فيها أثر اطلاعه على «روسو» و«منتسكيو» وعلى ~~«مكيافلي» من قبل، ولم يظهر فيها مذهب ms074 خاص يجيز للناقد أن يصفه بالفيلسوف كما وصفه ~~القائلون بأن الكواكبي نقله بحروفه واعتمد عليه في تفصيل آرائه. # والتشابه بين رءوس الموضوعات باد من النظرة العابرة إلى صفحات الكتابين، فقد كتب ~~ألفييري في تعريف الاستبداد وتعريف المستبد، ثم كتب عن الخوف والتملق والطموح، ووزراء ~~المستبد، ثم كتب عن الانحلال والدين والمقابلة بين الاستبداد القديم والاستبداد الحديث، ~~وعن الشرف المزيف والمجد الكاذب، وعن نفوذ الزوجات في عهود الاستبداد، وعن وسائل ~~المقاومة للاستبداد، وعن الشعوب التي لا تحس الطغيان، وعن الحكومات التي تركن إليه، ~~ونظر في جميع هذه الموضوعات إلى أطوار الأمم الأوروبية على خلاف منهج الكواكبي في النظر ~~إلى الأمم الشرقية والتعمق في وصف أحوالها، مما يجيز لنا أن نقول: إن مؤلف أم القرى كان ~~خليقا أن يكتب آراءه عن الاستبداد ولو لم يطلع على الرسالة الإيطالية. # ويتساءل الأستاذ أحمد أمين: كيف وصلت الرسالة الإيطالية إلى علمه؟ وهو سؤال لا جواب ~~له غير الحيرة إن لم تكن للكواكبي وسيلة أخرى للعلم بألفييري غير العلم بلغته، إلا أننا ~~نعلم من «طبائع الاستبداد» أن ألفييري كان مشهورا عند الكواكبي في زمانه، ونعلم أن هذه ~~الشهرة لا تستغرب مع كثرة الإيطاليين في حلب ورغبة الكواكبي في الاستفادة من معلومات ~~أصحابه الأوروبيين المثقفين وهو كثير الاتصال بهم، وهو يلقونه على الدوام في أعماله ~~وأعمالهم، وقد كان اسم «إيطاليا الفتاة» على كل لسان بين طلاب الحرية العثمانيين، ومنهم ~~جماعة «تركيا الفتاة» الذين استعاروا اسمهم من اسم الجماعة الإيطالية، وقد كان ~~الإيطاليون يسعون في تلقين دعوتهم ولا ينتظرون من يسألهم عنها، وكانوا ينتشرون في سواحل ~~البحرين الأبيض والأحمر وينشرون فيها أنديتهم السرية التي تنتمي إلى طوائف الفحامين، ~~وتحاول أن تزاحم في ميادين السياسة طوائف الماسون - أو البنائين الأحرار - التي غلب ~~عليها في الشرق نفوذ الإنجليز والفرنسيين. ومن تاريخ الكواكبي بعد الهجرة من حلب نعلم ~~أنه كان يلتقي بوكلاء الحكومة الإيطالية في شواطئ بحر العرب، وينتقل على إحدى السفن ~~الإيطالية بإذن من أولئك الوكلاء، فليس بالعسير بعد ذلك ms075 أن يعرف الكواكبي شيئا عن ~~الكاتب الإيطالي «المشهور» كما وصفه في كلامه، وأن يلم برءوس الموضوعات التي طرقها في ~~رسالته عن الاستبداد وهو مشغول بمكافحة الاستبداد منذ صباه، وأن يعارض تلك الرسالة بما ~~يقابلها معارضة الشاعر للشاعر في القصيدة المأثورة لديه، ولا ينقل منه شيئا بهذه ~~المعارضة غير الوزن والقافية، أو غير العنوان والمناسبة. # ونحن نرجح هذا الاحتمال على قول بعض المعاصرين إن الكواكبي اطلع على ترجمة تركية ~~لطبائع الاستبداد من عمل كاتب من أحرار الترك المهاجرين إلى سويسرة يسمى «عبد الله ~~أمين»، فإننا نشك في ذلك؛ لأن مثل هذه الترجمة لا تطبع يومئذ في البلاد العثمانية، وإذا ~~طبعت في مصر فلا بد أن تكون متداولة معهودة بين العثمانيين أصحاب الكواكبي، فلا يهمل ~~ذكرها ولا يختلف الباحثون في أمرها عند السؤال عن مصدرها، ولا يخفى حقيقة هذا الأمر على ~~مختار باشا الغازي وهو وكيل الدولة العثمانية المسئول عن أخبار هذه المنشورات التي ~~تراقبها الدولة. # وأصاب السيد رشيد رضا إذ قال: إن مباحث طبائع الاستبداد لا يكتبها قلم أوروبي ولا ~~يقتبسها شرقي من المراجع الأوروبية، ونزيد على هذا أن «ألفييري» نفسه لا يستطيع أن يصور ~~عناصر الاستبداد كما صورها الكواكبي من وحي تجاربه وتأملاته في البلاد العثمانية وفي ~~بلده وإقليمه بصفة خاصة؛ لأنه يحمل «مصورة» تريه ما يقع عليه حسه ولا تريه ما لم يشهده ~~بعينيه. # فإذا كان جهل الكواكبي بالإيطالية يبعث على استغراب علمه بألفييري، فإن جهله بهذا ~~الكاتب خاصة هو الغريب من رجل يعاشر الإيطاليين ويسمع بثورتهم ويسمع أن ثوار الترك ~~يستعيرون منهم تنظيم حركتهم، ويسألهم ولا شك عن كاتبهم «المشهور» أو يتلقى منهم البيان ~~عنه بغير سؤال. # وما كانت الشبهة أن اتصال الكواكبي بالإيطاليين قليل لا يسمح بهذه المعرفة، وإنما ~~الشبهة أنها كانت تزيد على اللازم لهذه المعرفة، حتى خطر لبعضهم أنها تمتد من الصحبة ~~إلى «التواطؤ» على السياسة الخفية، فلولا المصادفة التي وقعت على الرغم من الكواكبي، ~~ولم تقع باختياره ولا بتدبيره لاستعصى على المدافع عنه أن ms076 يدحضها بغير حسن الظن وصدق ~~الفراسة. ~~«حدث في يوم ما أن قنصل دولة إيطاليا في حلب - السنيور أنريكو ويتو - بينما كان ~~راكبا عربته، مارا في محلة الجلوم، التي هي محلة السيد عبد الرحمن الكواكبي؛ إذ وقع ~~على ظهره حجر عائر صدمه صدمة عنيفة تألم منها جدا، بحيث اضطرته أن يعود إلى منزله وأن ~~يرسل إلى الوالي تقريرا يطلب فيه منه البحث عن الضارب وإجراء العقوبة القانونية ... هذه ~~الحادثة فتحت للوالي بابا يلج منه إلى إلصاق هذه الجناية بالسيد الكواكبي، لا سيما وقد ~~كانت الحادثة في محلته وعلى مقربة من داره، وفي الحال أوعز إلى بعض شياطينه بأن يرفع ~~إليه تقريرا فحواه أن الكواكبي منضم إلى عصابة أرمنية - وكانت ثورات الأرمن في تلك ~~الأيام كثيرة - وأنه قبل يومين أغرى بعض الناس فرشق على قنصل إيطاليا حجرا أصاب ظهره، ~~محاولا بذلك إحداث ثورة بين الأرمن والمسلمين بحلب ... وفي الحال أصدر الوالي أمره ~~بإلقاء القبض على الكواكبي وزجه في السجن، وما أسرع ما أخرج من السجن مخفورا وأجلس ~~على كراسي المحكمة لإصدار الحكم عليه.» # 1 # ويستوي اتهام الكواكبي في هذه القضية وبراءته منها في تكذيب الوشاة الذين رجموا بالظن ~~فجعلوه صنيعة الإيطاليين، فإن الصنيعة لا يسلمه حماته المزعومون إلى الموت وهم ~~ينظرون! # الفصل الحادي عشر # | شخصية مكونة # «كان مربوع القامة، حنطي اللون، مستدير الوجه، خفيف العارضين، أقنى الأنف، واسع ~~الجبين، ذا عينين زرقاوين، معتدل المقلة، لا غائرها ولا جاحظها، معتدل فتحة الفم، أزج ~~الحاجبين، صغير الأطراف، معتدل الجسم بين السمن والهزال، أسود الشعر، قد وخطه الشيب ~~حين فارق حلب إلى جهة مصر.» # هكذا وصفه صديقه الأستاذ كامل الغزي، ووصفه الأستاذ إبراهيم سليم النجار، وهو ممن ~~عرفوه وصاحبوه فقال: «كان ربع القامة يميل إلى الطول قليلا، أبيض الوجه بياضا مشربا ~~بشيء قليل من الحمرة، شأن سكان البلاد الباردة ... وقد أحاط خديه بلحية قصيرة كانت ~~كالإطار لوجهه، مد فيها الشيب خيوطه.» # ووصفه ابنه الدكتور أسعد فقال: «كان ربعة إلى الطول أقرب، قوي البنية، صحيح الجسم، ms077 ~~عصبي المزاج بتأن، أشهل العينين، أزج الحواجب، أبيض اللون، واسع الفم، عريض الصدر، ~~أسود شعر الرأس والذقن، متأنق في لباسه، يتكلم بجهر هادئ وسلاسة وابتسام، يحسن السباحة ~~والصيد والفروسية ...» # وسمعنا وصف سجاياه وملكاته العقلية ممن عاشروه، كما قرأنا هذا الوصف بأقلام مترجميه، ~~فرأيناهم يتفقون على سجايا خلقه وملكات عقله اتفاقهم على سماته وتكوين جسده، كأنهم ~~ينظرون إلى ملامح محسوسة لا تخطئ العين رؤيتها ولا يختلف الناظرون إليها في وصفها، فما ~~من ترجمة له لم تبرز في الكلام عليه صفات الوقار والحلم والفطنة والنجدة وعفة اللسان ~~وحسن الملاحظة وصدق الإرادة، وكأنما ثبتت هذه الصفات في نفوس عارفيه؛ لأنها جاوزت أن ~~تكون صفات مقدورة، وأصبحت أعمالا متكررة يؤيد بعضها بعضا فلا ينساها من رآها وسمع بها ~~وبآثارها، وهي قد أصبحت فعلا في عداد الأعمال المشهودة، ولم تبق في حيزها من عالم ~~السجايا والأخلاق، وسنحت لها منادح الظهور والثبوت مرات في جملة الوظائف التي عمل فيها، ~~فكان في كل منها أمين الجهر والسر، خبيرا بعمله، غيورا على الضعفاء، حريصا على ~~واجبه، متطوعا بما يزيد على الواجب كلما دعته إلى ذلك دواعي النجدة والإنصاف. # ثم خلا من أعمال الوظائف فكانت بطالته في عرف الحكومة أدعى إلى إبراز تلك السجايا ~~والملكات من كل وظيفة تولاها؛ إذ كان يشغل وقته بالتطوع لدفع المظالم وإبلاغ الشكايات ~~وتمحيص الأسانيد والنهوض بتكاليف الرئاسة وأعباء الوكالة الموروثة التي ألقاها على ~~عاتقه مكانه من العلم والوجاهة وسابق الخبرة بولاية أعمال الناس، وافتتح لهذه الأعمال ~~مكتبا مستعدا مفتوح الأبواب لمن يقصدونه بغير جزاء؛ بل يحمل النفقة أحيانا عن ~~أصحابها الذين يعييهم حملها من ذوي الحاجات. # لا جرم يتفق واصفوه على سجاياه وملكاته؛ بل على صنائعه وفعاله، كاتفاقهم على ملامحه ~~وسماته، فإنها ملامح مشهودة وصفات جاوزت حيز الظنون إلى حيز الأعمال. # ومرجع ذلك إلى أننا هنا أمام «شخصية مكونة»، قام كيانها المتين على أسس عميقة من ~~عوامل بيئتها وأسرتها وظروف زمانها وظروف حياتها وسائر مقوماتها وعناصرها، وتكاد كل صفة ~~من صفات الكواكبي تنسب ms078 إليه فلا تعجب لاتصافه بها، ولا تنقب طويلا حتى تجد تفسيرها ~~كافيا ماثلا في عامل من تلك العوامل المتأصلة في ظروف زمانه أو ظروف مكانه. # رجل يتطلع إلى قلب دولة وإقامة دولة من طريق الدعوة. # أي عجب أن يتطلع إلى ذلك رجل يعلم أن سلفا من أسلاف أسرته أقام الدولة الصفوية من ~~طريق الصومعة والمدرسة في بلاد غريبة عن بلاده، وأن الدولة التي يريد أن يقلبها قد ~~تزعزعت في موطنه، ولم تعد إليه بعد فترة إلا وهي على حال من التزعزع لا تؤذن ~~بالدوام؟! # رجل دائم الشعور بعروبته شديد الغيرة على نسبته العربية. # أي عجب أن يكون كذلك من يرجع إلى تاريخ بلدته من قبل إبراهيم - عليه السلام - فيعلم ~~أنها عربية، ولم تزل عربية تحس عروبتها كلما أحست أنها «تهان من أجل هذه العروبة وتظلم ~~في سبيلها»؟! # رجل يتصدى للجهاد في هذا السبيل وينهض بأمانة الإمامة فيه، ولا يلتمس لنفسه العذر في ~~التخلف عنها. # أي عجب في إمامة رجل توارث الإمامة في بيته فطلبته قبل أن يطلبها؟! # ورجل يعرف الاستبداد فلا يصبر عليه ولا يستقر معه على قرار. # فهل من عجب أن يكون كذلك مصابا بعسف الاستبداد في سربه وفي تراث قومه وفي حقوق ~~عشيرته وآله وأقرب الناس إلى جواره؟! # وإنه ليعلم أثر الاستبداد في الدين والدنيا، فأي عجب في هذا العلم وهو لا يتطلب منه ~~إلا أن يعلم كيف توسل الكذبة من رجال الدين إلى اغتصاب حقه وحق بيته، وكيف يختلسون ~~النسب والحسب ويزيفون الشعائر والشرائع ليصعدوا من ثم إلى مجالس الصدارة في الدين ~~والدنيا وبين الرعية والرعاة؟ # ورجل يتحفز للثورة، فأي عجب في ذلك وهو يعيش في عصر الثورة؟! # ورجل يتصل بالعالم في زمانه فلا تخفى عليه خافية من أخطاره وخطوبه، فأي عجب في ذلك ~~وهو في بلد تلتقي عنده طرق العالم ولا ينقطع عنها أو ينقطع عنه الواردون إليه والطارئون ~~عليه في سلمه وحربه؟ # رجل واحد ندبته الحوادث لرسالته ولم تندب لها أحدا غيره، فأي عجب في ms079 ذلك وهو الذي ~~تهيأ لتلك الرسالة بالاستعداد لها والقدرة عليها والشعور بدوافعها والعجز عن إغفالها ~~والإغضاء عنها؟ ~~••• # وقد تجرد الكواكبي لرسالته وتفرد بها في بيئته؛ لأن هذا الاستعداد الموروث منذ القدم ~~يسانده استعداد خاص به من فطنته وخلقه ومطالعاته وبواعثه النفسية، فلا تكفيه الفطنة ~~وحدها؛ لأن الفطنة لا تقدم ولا تؤخر ما لم تسعدها الخلائق التي تصبر على الشدة وتقدم ~~على المخاوف وتضطلع بتكاليف النجدة والمروءة، ولا تغنيه الفطنة والخلق بغير البواعث ~~النفسية التي تثير الضمير وتستجيش الخاطر، وبغير البيان الذي استفاده من دراسته واطلاعه ~~وحسن إصغائه إلى ذوي المعرفة والخبرة من صحبه، ومن المصادفات النادرة أن يجتمع ذلك ~~الاستعداد الموروث من القدم، وهذا الاستعداد الخاص بصاحبه لأكثر من نابغ واحد في حقبة ~~واحدة، وهو كاف لارتياد الدعوة الأولى على سنة الطبيعة من القصد في غير ضرورة للسرف ~~والزيادة. ~~••• # والشخصية المكونة المنذورة لرسالتها هي هذه الشخصية التي تعاونت فيها العوامل هذا ~~التعاون بين حديث وقديم وبين خاص وعام، وعلى هذا التكوين بنيت «شخصية» الرائد الذي كتب ~~«أم القرى» و«طبائع الاستبداد». # كان الرجل قضية حية متفقة المقدمات والنتائج. # كان شخصية قويمة جلية لا موضع فيها لغموض أو التواء. # مفتاحها إذا التمسنا المفتاح لبعض زواياها أنها «شخصية عزيز قوم يغضب لكرامته وكرامة ~~قومه»، ولنا أن نفسر بهذا المفتاح كل سر فيها من أسرار الأعمال أو أسرار النيات. # الفصل الثاني عشر # | في مصر # وصل الكواكبي إلى مصر في منتصف شهر نوفمبر سنة 1898، وتوفي بها في شهر يونيو سنة ~~1902، وتخلل هذه الفترة رحلتان، قال صديقه صاحب المنار عنهما: «إنه وجه همته أخيرا ~~إلى التوسع في معرفة حال المسلمين؛ ليسعى في الإصلاح على بصيرة، فبعد اختباره التام ~~لبلاد الدولة العلية - تركها وعربها وأكرادها وأرمنها - ثم اختباره لمصر ومعرفة حال ~~السودان منها، ساح منذ سنتين في سواحل إفريقية الشرقية وسواحل آسيا الغربية، ثم أتم ~~سياحته في العام الماضي فاختبر بلاد العرب التي كانت موضع أمله أتم الاختبار، فإنه ~~دخلها من سواحل المحيط الهندي، وما زال يوغل ms080 فيها حتى دخل في بلاد سورية، واجتمع ~~بالأمراء وشيوخ القبائل وعرف استعدادهم الحربي والأدبي، وعرف حالة البلاد الزراعية، ~~وعرف كثيرا في معادنها حتى إنه استحضر نموذجا منها. # وقد انتهى في رحلته الأخيرة إلى كراجي في موانئ الهند، وسخر الله له في عودته سفينة ~~حربية إيطالية حملته بتوصية من وكيل إيطاليا السياسي في مسقط، فطافت به في سواحل بلاد ~~العرب وسواحل إفريقية الشرقية ، فتيسر له بذلك اختبار هذه البلاد اختبارا سبق به ~~الإفرنج، وكان في نفسه رحلة أخرى يتمم بها اختباره للمسلمين، وهي الرحلة إلى بلاد ~~الغرب، ولكن حالت دونه المنية التي تحول دون كل الأماني والعزائم ...» # وقال الأستاذ جورجي زيدان في كتابه عن مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر عن رحلته: ~~«ومما يذكر له ونأسف لضياع ثماره أنه رحل رحلة لم يسبقه أحد إليها، ويندر أن يستطيعها ~~أحد غيره؛ وذلك أنه أوغل في أواسط جزيرة العرب، فأقام على متون الجمال نيفا وثلاثين ~~يوما، فقطع صحراء الدهناء في اليمن، ولا ندري ما استطلعه من الآثار التاريخية أو ~~الفوائد الاجتماعية، فعسى أن يكون ذلك محفوظا في جملة متخلفاته. وتحول في هذه الرحلة ~~إلى الهند فشرقي أفريقيا أيضا، وكان أجله ينتظره فيها.» # والمؤرخ الحلبي الأستاذ الغزي، وهو صديق الكواكبي، يذكر هذه الرحلات فيما كتبه بمجلة ~~الحديث، ويشير إلى إشاعة القائلين إن الخديو عباسا استدعاه ليقوم بالدعاية لخلافة ~~مصرية، وليسعى لدى الشيوخ وعربان الإمارات في ذلك، ويروى أنه جاءه كتاب من قنصل ~~إيطاليا في حديدة باليمن - وهو من أسرة الصولا بحلب يسمى فرديناند ميخائيل - فذكر فيه ~~أنه اجتمع بالسيد عبد الرحمن الكواكبي أثناء هذا الطواف. # 1 # ولا تنفصل هذه الإشاعة عن إشاعة أخرى فحواها أن الدولة الإيطالية يسرت له الرحلة؛ ~~لأنها كانت تطمع في نجاح المسعى إلى خلع الخلافة التركية منذ توجهت محاولاتها ~~الاستعمارية إلى شواطئ البحر، لعلها تستفيد من مصادقة الخلافة العربية المنتظرة بعد ~~إقامتها على مقربة من مناطق نفوذها. # ولا بد لكل ملتفت إلى هذه الإشاعة أو تلك من تفسير التناقض بين ms081 العمل للخديو عباس ~~والعمل للإمامة العربية القرشية، فإن عباسا لا يبذل المال لمن يسعى في إحباط مسعاه ~~وإيثار سواه عليه، ولا مصلحة للدولة الإيطالية في إقامة الخلافة بأرض يحتلها الإنجليز ~~ويسيطرون بها على شواطئ البحر الأحمر من شمالها إلى جنوبها، وليس ارتباط الأسرتين ~~المالكتين في إيطاليا ومصر كافيا لحمل الدولة الإيطالية على اتباع هذه السياسة، فلا ~~بد إذن من التفسير القاطع للظنون بين قولين لا يتفقان، وإن اتفقا في شيء واحد؛ وهو حرب ~~الخلافة العثمانية. ~~••• # أما اتصال الكواكبي بالخديو عباس فيكفي في تفسيره أن الكواكبي قد وصل إلى القاهرة ~~خلال أزمة من الأزمات المستحكمة بين «عابدين» و«يلدز» وبين «عابدين» و«نقابة الأشراف» ~~التي كان «أبو الهدى الصيادي» يتولاها في عاصمة الخلافة، فلا غرابة في اتحاد الخطة بين ~~الخديو وبين صاحب طبائع الاستبداد في تلك الفترة، ولا في التحالف بينهما على اتقاء الشر ~~من دسائس «يلدز» ودسائس «نقابة الأشراف» في آونة واحدة. # وكانت هذه الفترة من سنة 1898 إلى سنة 1902 أصلح الأوقات لانتفاع الكواكبي في مساعيه ~~بزيارة القاهرة، فإنه استطاع أن ينشر مقالاته في «المؤيد» صحيفة الخديو الشبيهة ~~بالرسمية، ولولا ذلك لاضطر إلى الكتابة في الصحف المتهمة بخدمة الاستعمار تعصبا منها ~~للدول الأوروبية على دولة الخلافة، ولم يسلك هذا الطريق داع من دعاة الإصلاح في العالم ~~الإسلامي إلا تعثرت به السبل من خطواته الأولى. # ومضت هذه السنوات والخديو عباس يقاطع الآستانة ويأبى أن يقصد إليها في رحلة الصيف قبل ~~أن يفلح رسله إليها في تسوية المشاكل المنغلقة بين يلدز وعابدين، ومنها مشكلة قاضي مصر ~~من قبل الآستانة، ومشكلة جزيرة «طشيوز» التي استردها السلطان من الأسرة الخديوية، ~~ومشكلة الصحافة التي تحمل على الدولة ويصرح المسئولون في القصر السلطاني بانتمائها إلى ~~الخديو، أو بأن الخديو على الأقل يقصر في استخدام نفوذه لإسكاتها، وقد غضب الخديو غضبا ~~شديدا يوم علم أن حاشية السلطان اتصلت بالسفارة الإنجليزية تسألها أن تتوسط عند ~~الوكالة البريطانية في القاهرة لكف الحملة على السلطان في صحافتها العربية والأجنبية، ~~وقد سافر ms082 أحمد شفيق باشا إلى الآستانة في صحبة الوالدة؛ للاحتجاج على ذلك وعلى غيره من ~~مسائل الخلاف بين الأمير التابع والسلطان المتبوع. # قال شفيق باشا في مذكراته - أول مايو سنة 1899 - إنه أثار هذه المسألة في حديثه مع ~~باشكاتب المابين، وأبلغه أن الخديو يشعر بالإغضاء عنه «في عدة مواقف آخرها أن المابين ~~قصد إلى الحكومة الإنجليزية ليشكو إليها عدوان صحيفة من هذه الصحف تصدر في مصر كأن ~~الخديو وكيل للسلطان الشرعي غير موجود». # وشاعت أخبار هذه المشاكل في الدوائر السياسية بالآستانة، فاستطلع السفراء أسرارها ~~وتحدث غير واحد منهم إلى شفيق باشا عن حقيقتها، ولا سيما سفراء الدول التي كانت تقاوم ~~الاحتلال البريطاني، ومنها يومئذ فرنسا وألمانيا وروسيا، قال شفيق باشا: «وفي اليوم ~~التالي زرت سفير فرنسا فسألني عن سفر سمو الخديو للآستانة، فأشرت إليه بأنه قد لا يأتي ~~في هذا العام نظرا لأشياء لا تشجع سموه على الزيارة، ولما سألني عنها بإلحاح أخبرته ~~موجزا بمسألة الصحف فقال لي في النهاية: إن كل شيء يزول عند وجود سموه بالآستانة، ثم ~~قال: إنني سأنتهز كل فرصة وأعرف السلطان بالحقيقة وأكرر عليه ما سبق أن قلته، وهو أن من ~~صالحه أن يجعل الخديو راضيا؛ لأن سموه لو خلع الطاعة لأوقع الخليفة في ارتباك ~~عظيم.» # ثم قال: «وزرت السفارة الروسية فقابلني مكسيموف الترجمان الأول - وله نفوذ عظيم في ~~المابين - ورحب بي وقال لي إنه علم بمسألة الصحف، فأسف لما وقع ...» # ومضى شفيق باشا يقول: «... ثم ذهبت إلى المابين فلم ألق جديدا، وهناك قابلت نجيب بك ~~ملحمة القوميسير العالي للدولة في البلغار، فتعرفنا بعد قليل، ودارت بيننا أحاديث ~~أخبرني خلالها أن جماعة أبي الهدى أرادوا اجتذابه نحوهم، فطلبوا منه أن يرسل تقريرا ضد ~~الحضرة الخديوية، وكان الواسطة في ذلك كريم أفندي صاحب جريدة تركيا التي تطبع في مصر، ~~ولكنه أخذ الأوراق التي تثبت ذلك ورفعها للسلطات، فصدرت له الإرادة بحفظها عنده ~~...» # ونقل شفيق باشا في مذكرات سنة 1901: «في 24 نوفمبر أبلغني تحسين بك أن أبا الهدى ms083 ~~تمكن من دخول السراي بعد أن كانت علاقته بها على غير ما يرام، وألقى بدسيسة ضد الخديو ~~مؤداها أن سموه تآمر مع رفعت باشا الصدر الأعظم الذي توفي أخيرا، والقزلر أغاسي ~~والمشير فؤاد باشا وغيرهم لخلع السلطان وتولية ولي العهد، وأن المتآمرين أخذوا رشوة ~~قدرها عشرون ألف جنيه بواسطة الكريدي ليونيه، وأني كنت الواسطة بين الخديو ورشاد أفندي ~~ولي العهد في هذه المؤامرة ...» # وكان الخديو في هذه الأثناء يسافر إلى الصحراء الغربية فيتلقى المابين تقارير ~~الجواسيس بأنه «سيقابل هناك الشيخ جنينة وكيل السنوسي للمخابرة معه بشأن الخلافة ~~العربية». # وفي أول يونيو سنة 1901 كتب شفيق باشا في مذكراته: «... إن بطرس غالي باشا ناظر ~~الخارجية توجه من قبل كرومر إلى الخديو، وأبلغه أن الحكومة الإنجليزية ورد لها بلاغ من ~~سفير الدولة بلندرة يقول فيه إن سموه أخذ في إرسال مدافع ونقود إلى الثائرين في اليمن ~~...» # وقال بعد ذلك إنه «في 31 أكتوبر طلبت للسراي وعرض علي تحسين بك صورة منشور ~~عليه توقيع الخديو بصفته خديويا يدعو المسلمين فيه للخروج على السلطان ومبايعته ~~بالخلافة ... ولكن جلالة الخليفة عرف أن هذه دسيسة». # ودامت هذه الجفوة إلى صيف سنة 1901 حين شعر الخديو بالتضييق عليه من قبل الإنجليز، ~~فأخذ في التمهيد لإصلاح العلاقة بينه وبين السلطان، وقرر السفر إلى الآستانة قبل أن ~~تبلغه الدعوة السلطانية بالحضور إليها كما جرت بذلك مراسم المابين. ~~••• # ولا ندري هل كان الكواكبي يتحين الفرصة المؤاتية لسفره من حلب إلى القاهرة، أو أنه ~~نزل بها فوجد الفرصة مؤاتية له بعد وصوله إليها، ولكن هذه الفرصة كانت ضرورية له في ~~عمله فاستفاد منها أثناء مقامه بمصر، وأنجز كل ما أراد إنجازه فيها قبل رحلاته إلى ~~المشرق وقبل انقلاب الموقف وتراجع الخديو عن خطته الأولى، فسرعان ما «اعتدل الجو» بين ~~«يلدز» و«عابدين» حتى جاءه النبأ من قبل الخديو يوحي إليه بما لا يخفى عليه؛ إذ عرض ~~عليه أن يصحبه إلى الآستانة ليقدمه إلى السلطان ويعيده إلى حظيرة رضاه، ولم يكن ليخفى ~~على ms084 الكواكبي مغزى هذا الاقتراح الصريح، فإنه سواء قبل السفر إلى الآستانة أو اعتذر ~~منه خليق أن يفهم أنه مطالب بالسكوت عن السلطان أو مبارحة البلاد، إلا إذا شاء أن يمكث ~~بها في حماية الاحتلال. # ونحن لم نسمع بهذا الخبر من أصحاب الكواكبي الذين لقيناهم وسمعنا منهم الكثير من ~~أخباره مع الخديو ومع الأستاذ الإمام، وإنما نعول على رواية الأستاذ كرد علي في الجزء ~~الثاني من مذكراته التي يقول فيها: «وجاءني ذات ليلة يسمر معي في داري مع الحبيب رفيق ~~بك العظم يستشيرني في أمر عظيم، قال: إن الخديو عباس عرض عليه أن يصحبه إلى الآستانة - ~~وكان الخديو يصطاف فيها - ليقدمه إلى السلطان العثماني ويستجلب رضاه عنه، وبذلك تنحل ~~هذه المشادة ويطمئن خليفة الترك إليه، فصعب علي وعلى رفيق بك إبداء رأي في موضوع جد ~~خطير كهذا؛ لأن ابن عثمان لا تأخذه هوادة فيمن خرجوا على سلطانه، وخشينا أن تكون هناك ~~دسيسة يذهب الرجل ضحيتها، ومما قال لنا: إنه حائر في أمره بين القبول والرفض، وإنه شعر ~~بالأمس بوجع في ذراعه وما عرف له تعليلا، وتقوض المجلس وذهب السيد الكواكبي إلى داره، ~~فما هي إلا ساعة وبعض ساعة حتى سمعت ابنه السيد كاظم في الباب يبكي وينوح، ويقول: قم يا ~~كرد علي، فإن صديقك أبي مات ...» # وظاهر من سيرة الكواكبي في القاهرة أنه لم يقم بها إقامة طويلة متوالية، وإنما كانت ~~إقامته بها مقتطعة تتخللها الرحلة بعد الرحلة على النحو الذي تقدم بيانه في ترجمته ~~بأقلام أصدقائه. # أما المعلوم من أخبار إقامته بها فخلاصته أنه كان يؤثر السكن في الأحياء الوطنية بين ~~شارع محمد علي والحي الحسيني إلى جوار الجامع الأزهر، وكان يؤثر في صحبته لمن يلقونه ~~ويلقاهم أن يتجنب التحيز والتشيع لهذا الفريق من أصحاب الخصومات السياسية، فكان يلقى ~~الأستاذ الإمام وتلاميذه كما يلقى الشيخ علي يوسف وزملاءه من أنصار السياسة الخديوية، ~~وكان يجتمع بكل من تجمعهم جلسة «سبلندد» وجلسة «يلدز» من أندية القاهرة المشهورة، ~~وبينهم طائفة من حزب «تركيا ms085 الفتاة» وطائفة من دعاة الجامعة الإسلامية، وكان المتطرفون ~~من جماعة «تركيا الفتاة» يستحبون الجلوس بقهوة يلدز تفاؤلا باحتلال «يلدز» الكبرى في ~~يوم من الأيام، فإذا وجدوه هناك جلسوا إليه فلم يعرض عنهم ولم يخض معهم في دعايتهم، ~~وربما كان بينهم أذناب مدسوسون من قبل السلطان عبد الحميد أو الشيخ أبي الهدى أو خدام ~~الدسائس الأجنبية المتلبسون بلباس الوطنية، فيعرفهم أو لا يعرفهم، ثم لا يبالي أن ~~يستمعوا إليه ويستمع إليهم، وقد يعتصم بالصمت ساعات إذا تطرق بهم الحديث إلى غير ما ~~يرتضيه. # وقد تعددت الروايات عن أخباره الأخيرة ليلة وفاته - رحمه الله - فمنها ما تقدم بيانه ~~في مذكرات الأستاذ كرد علي، ومنها ما رواه أحد أصدقائه الشيخ صالح عيسى وكان مقيما في ~~مصر؛ إذ يقول - كما جاء في عدد يناير 1943 من مجلة الكتاب: «وفي اليوم الخامس من شهر ~~ربيع الأول سنة 1320 هجرية ورد على السيد عبد الرحمن من قبل حضرة الخديو - وكان مصطافا ~~في الإسكندرية - بطاقة يدعوه فيها لحضور ضيافة يقيمها هذا اليوم في إحدى سراياته في ~~الإسكندرية، فأجاب السيد الدعوة وركب قطار السرعة، وسار إلى الإسكندرية وقابل الحضرة ~~الخديوية وحضر ضيافته وعاد إلى مصر من يومه، وفي الليل سهرنا معه في مقهى «ستانبول» مع ~~جماعة من أدباء مصر وأفاضلها، يزيد عددهم على العشرة، وكنت جالسا جانب السيد عبد ~~الرحمن، ولما صارت الساعة الرابعة عربية من تلك الليلة هممت بالقيام؛ لأن النوم غلبني، ~~فاستدعاني إليه وكنت جالسا في قربه، وقال لي: أحس بوجع شديد في خاصرتي اليسرى، وهو إذا ~~دام معي ساعة أخرى، فلا شك أنه يكون قاتلي! فقلت له: لا بأس عليك إن شاء الله. ثم ~~انصرفت إلى منزلي ورقدت في فراشي؛ وما كاد شفق الفجر يلهب فحمة الليل إلا والباب يطرق ~~علي، فنهضت من فراشي مسرعا وقلت: من بالباب؟ فأجابني الطارق بقوله: أنا كاظم، إن ~~أخاك والدي قد مات، فدهشت من هذا الخبر المفاجئ!» # ونقل الدكتور سامي الدهان عن مجلة الحديث «1940» رواية أخرى فقال: «في مساء ms086 الخميس 14 ~~يونيو سنة 1902 الموافق 5 ربيع الأول سنة 1320 هجرية، جلس في مقهى يلدز قرب حديقة ~~الأزبكية إلى أصحابه وأصدقائه وفيهم السيد رشيد رضا والأستاذ محمد كرد علي وإبراهيم ~~سليم النجار، وشرب قهوة مرة، وبعد نصف ساعة أحس بألم في أمعائه، فقام للحال وقصد مع ~~ابنه السيد كاظم في عربة حنطور إلى الدار، وظل يقيء حتى قارب الليل منتصفه، فأصيب بنوبة ~~قلبية ضعيفة، فأحس ابنه بالخطر وذهب يستدعي أقرب طبيب من المحلة، ولما عاد بصحبة الطبيب ~~وجد أباه قد فارق الحياة ... وسرى الخبر صباح الجمعة في مدينة القاهرة، فأمر الخديو بدفن ~~الكواكبي على نفقته الخاصة، وأن يعجل بدفنه، وأرسل مندوبا عنه لتشييعه ودفن في قرافة ~~باب الوزير في سفح المقطم، واحتفل له السيد علي يوسف صاحب جريدة المؤيد بثلاث ليال حضر ~~فيها القراء.» # ويكاد أصحاب هذه الروايات المختلفة عن وفاته - رحمه الله - يتفقون على ظن واحد سبق ~~إلى الكثيرين ممن سمعوا بنعيه في حينه، فقد خطر لهم جميعا أنه ذهب ضحية الغدر والدسيسة ~~بتدبير من أبي الهدى أو من جواسيس السلطان عبد الحميد، وقال الأستاذ الغزي في مجلة ~~الحديث: «كأن وفاته كانت منتظرة؛ لأنها لم يمض عليها يوم أو بعض يوم إلا وقد اتصلت ~~بمسامع السلطان عبد الحميد، وعلى الفور أصدر إرادته إلى السيد عبد القادر القباني - ~~صاحب جريدة ثمرات الفنون التي كانت تصدر في مدينة بيروت - لأن يهبط سريعا ويقصد محل ~~إقامة السيد ويحرز جميع ما يجده من الأوراق ويرسلها إلى المابين ...» # وما كان أحد في ذلك العصر ليستبعد هذه الفعلة وأمثالها على المتهمين بها، ولكن تحقيق ~~الخبر للتاريخ لا تكفي فيه مظنة السوء، وأرجح الأقوال في هذا النبأ ما كتبه الأستاذ ~~محمد لطفي جمعة في مجلة الحديث «1937»؛ إذ يقول إنه «ذهب ضحية ذبحة صدرية». ويؤيد هذا ~~القول ما شعر به الفقيد من أعراض الذبحة كوجع الذراع، وألم الجنب الأيسر، وما جاء في ~~النبأ الأخير عن إصابته بنوبة قلبية خفيفة تلتها نوبة الوفاة، وربما كان للإعياء من ms087 أثر ~~القيء فعله في تحريك عوارض النوبة وتعجيل القضاء المحتوم. # وما كان باليقين الذي لا ظن فيه، إلا ضحية الخيانة والظلم فيما تجنيان من داء يفعل في ~~النفوس ما تفعله السموم في الأبدان. ~~••• # وضريحه بالقاهرة في مثواه الأخير بباب الوزير، نقلته إليه مصلحة التنظيم بعد وفاته ~~بنحو خمس عشرة سنة، وعلى صفحته المرمرية هذان البيتان لحافظ إبراهيم: # هنا رجل الدنيا هنا مهبط التقى # هنا خير مظلوم، هنا خير كاتب # قفوا واقرءوا أم الكتاب وسلموا # عليه فهذا القبر قبر الكواكبي # | الكتاب الثاني # الفصل الثالث عشر # | برنامج إصلاح # فكر الكواكبي كثيرا، وأطال التفكير، في جميع المسائل التي بنى عليها دعوته إلى ~~الإصلاح، وهي دعوة محيطة بشئون الشرق الإسلامي في زمنه على الإجمال، وشئون الشرق العربي ~~على التخصيص، وليست من الدعوات التي تتجه إلى ناحية واحدة أو تنحصر في جزء من أجزاء ~~الحياة العامة التي تتفرق العناية بها بين أشتات من المصلحين. # وقد نهج في دعوته منهج العلم التجريبي أو الفلسفة العملية، فنظر في جميع العلل وقدر ~~جميع الوجوه، واعتمد البحث في تلك العلل من ناحية النفي وناحية الإثبات، فلا يزال ~~بالعلة المقدرة يتتبع أعراضها ويستقصي آثارها ويرى أين مكان الصواب من تطبيقها على ~~الواقع وتفسيرها بالرأي، وأين مكان النقص الذي تقصر فيه عن تفسير الواقع وموافقة ~~الأحوال. # ويبدو لنا منهجه في التفكير والمراجعة من أسلوب كتابيه اللذين عرض فيهما آراءه في ~~علل الضعف، وشفعهما بما يقترحه لعلاج ذلك الضعف والوقوف به عند حده واستئصال أسبابه ~~ودواعيه. # فهو في كتاب «أم القرى» يختار أسلوب المساجلة بين طائفة من أصحاب الآراء ليعرض على ~~لسان كل منهم وجهة نظر يشرحها من جانبه ويتلقى الرد عليها من مخالفيه، ومنهم من يعلل ~~الضعف بالجهل، ومن يعلله بالفقر، أو يعلله بالاستبداد، أو يعلله بالخور والجبن وفساد ~~الأخلاق، أو يعلله بالتواكل والتسليم للمقادير، ومنهم من يلقي التبعة فيه على الأمراء ~~أو على العلماء أو على الخاصة دون العامة، أو على العامة دون الخاصة، ويعود باللائمة ~~تارة على المسلمين وتارة ms088 على أعداء الإسلام، ثم يتراءى للقارئ من بين مطارح الأفكار ~~ومذاهب الحوار مبلغ كل علة من الأثر، ومبلغ كل أثر من الأصالة في الضرر، ومبلغ الاشتراك ~~بينها في التأثير، وأيها أحق بالابتداء أو أحق بالإرجاء. # وإنما يطلع القارئ في الواقع على رأي مفكر واحد يذهب بالنظر في شتى مذاهبه، ويراجع ~~نفسه فيما يعن له من خواطره التي طرأت له فامتحنها وثبت عليها أو عدل عنها. # أما أسلوبه في كتاب «طبائع الاستبداد» فهو أسلوب التقسيم واستيفاء الكلام على كل ~~موضوع من الموضوعات، أخذا وردا، وشرحا واستدراكا، وتقليبا للفكرة على وجوهها، كما ~~تطورت في ذهن صاحبها وتقدمت بين بداءتها ونهاية التفكير فيها، وكل موضوع من موضوعات ~~الكتاب عن الدين أو عن المجد أو عن العلم أو عن المال أو عن السياسة فهو مبحث مفروغ منه ~~بين جوانب المناقشة وخواطر الظن والاستدراك وأدلة التشكيك والتفنيد، مما ينم على بحث ~~طويل في ذلك الموضوع لم يقف عند سوانحه الأولى من الظن العاجل والرأي الفطير. # فمن اليسير - من أجل هذا - أن نسمي دعوة الكواكبي فلسفة اجتماعية أو نسميها مذهبا ~~فلسفيا ينتظم بين مذاهب الحكماء المصلحين؛ لأنها استلزمت من تفكير صاحبها كل ما ~~يستلزمه مذهب الفيلسوف من التحقيق والروية والمراجعة والتوفيق بين النقائض ووجوه ~~الاعتراض. # ولكننا لم نشأ أن نسميها فلسفة ولا مذهبا فلسفيا كسائر المذاهب التي عرفت بأسماء ~~أصحابها أو بعناوين موضوعاتها؛ لأن الدعوة هنا عمل يزيد على التفكير، ولا ينتهي عند ~~مجرد التفكير. # فالدعوة التي تسمى «فلسفة» تدور على البحث والنظر ثم تترك العمل على قواعدها لمن يؤمن ~~بها ويقدر على تطبيقها، وقد يكون البحث فيها مطلقا غير محدود بزمن من الأزمنة أو بلد ~~من البلدان، ولكنه يرسل على إطلاقه كما ترسل القوانين الرياضية لمن يخترع لها أدواتها ~~ويوفق بينها وبين مطالبها، فهي فكرة معلقة على زمن مجهول ومجال غير محدود. # ولا نحسب أننا نسمي دعوة الكواكبي باسمها الصحيح إذا سميناها «مذهبا فلسفيا» لنقول ~~إنها هي «مذهب الكواكبي» في الإصلاح، فإن المألوف عن المذاهب ms089 أنها طريق يقابل طريقا ~~آخر أو طرقا متعددة لتوضيح رأي أو تنفيذ عمل، ودعوة الكواكبي قد بلغت إلى مرحلة وراء ~~المذهب ووراء الاختلاف عليه، وجاوزت المذهب إلى القرار الذي يوضع موضع التنفيذ ولا ~~يعوقه عنه إلا أن يتولاه العاملون. # فصاحب «أم القرى» و«طبائع الاستبداد» لا يعرض لنا فكرة معلقة على مجال مجهول، ولا ~~يعرض لنا مذهبا نقابله بمذهب يعقب عليه، ولكنه يعرض لنا «برنامجا» يتبعه عمل، وقرارا ~~تنتهي إليه مذاهب الخلاف. ~~••• # إن ذلك المنهج «العملي» لهو أجدر المناهج أن ينتظر من عقل كعقل الكواكبي فيما ورثه ~~من استعداد الفطرة وفيما تعوده بتربيته وعمله، فإنه نشأ في بيئة لم تزل من قديم الزمن ~~ملتقى لحركات النشاط والدأب من أنحاء العالم، وتربى في أسرة تعرف الصناعة كما تعرف ~~تكاليف الرئاسة الدينية والدنيوية، وتولى أعمال الإدارة والتنظيم في كثير من الوظائف ~~التي يناط بها تنفيذ الخطط وإعداد المشروعات للتنفيذ، وكاد أن يكون كل تقرير كتبه ~~برنامجا لعمل يؤديه أو «مشروعا» لبرنامج يقترح تنفيذه على غيره. # ونكاد نجزم بأنه بقي في حلب قبل هجرته الأخيرة منها؛ لأنه لم يكن قد فرغ من التفكير ~~ولم تتقرر في ذهنه فكرة صالحة للإنجاز أو صالحة لإقناع غيره بإنجازها، فلما نضجت في ~~ذهنه هذه الفكرة وحصل في يديه برنامج العمل لم يكن في طاقته أن يبقى بعد ذلك ولو تهيأت ~~له في بلده أسباب البقاء؛ لأن بقاء المصلح العامل ولديه خطة محضرة للعمل خليق أن يقلقه ~~أشد من قلق الخوف والخطر، وحبس لقواه الجياشة بالحركة أشد من حبس القيد والاعتقال، وقد ~~يكون غريبا من رجل غير الكواكبي أن يمكث في بلده ويؤلف الكتب التي تهدده في مأمنه؛ بل ~~تهدده في حياته، ولا يخطر له أن يعقد العزم على الهجرة إلى بلد آخر يسطر فيه ما يدور في ~~خاطره وهو آمن على نفسه وعلى ثمرات تفكيره. # ذلك غريب من رجل غير الكواكبي قد يقنع بالتفكير ويحسب أنه لباب دعوته التي يتمم بها ~~رسالة حياته، فإذا خطر له أن ينجو ms090 بتلك الرسالة من الخطر أو المصادرة نجا بها وهي خاطر ~~في ذهنه قبل أن يجري بها القلم فكرة مسجلة على ورق مقروء. # أما الرجل العامل بفطرته فالتفكير عنده تمهيد لرسالته، ينتهي فينتهي معه القرار وتبدأ ~~الحركة، وإنه ليفكر ويراجع فكره ويستطيع القرار على التفكير والمراجعة إلى أن يتحول ~~الفكر إلى برنامج مفصل وخطة محدودة، ويومئذ لا قرار ولا انتظار. # فلما عقد النية على الهجرة خرج من بلده وفي جعبته ذلك البرنامج المحيط بكل جزء من ~~أجزاء الدعوة وكل مقصد من مقاصد الإصلاح. # خرج من بلده وفي جعبته الرسالة التي يخشى عليها، وغاية ما اتخذه من الحيطة أنه لم ~~يعلن اسمه مع إعلان تلك الرسالة، ولعله آثر الكتمان لأنه أعون له على الحركة والتنقل ~~بين الأقطار، وأستر له ولمن يتحرجون من لقائه إذا انكشفت مقاصده وتبين العاجل والآجل ~~من نياته ومساعيه، ولا بد من مثل هذه الحيطة في دور الاستطلاع وجس النبض ووزن الخطى بين ~~العجلة والأناة. ~~••• # وأيا كان النص الذي انتهت إليه عبارة المؤلف في كتابيه الباقيين، فلقد كانت أعمال ~~الإصلاح كما ينبغي أن يتولاها العاملون متى صحت عزيمتهم عليها ماثلة أمام بصيرته جلية ~~المعالم في خلده، بعضها مشروح مسبب في إيجاز وسهولة، وبعضها مذكور كما تذكر رءوس ~~المسائل للعودة إليها والإفاضة فيها، ولكنها تكفي بتفصيلها وإجمالها لتنسيق برنامج ~~العمل والإحاطة بأصوله وفروعه فيما يشمله الإصلاح من شئون الدين والدنيا. # وما من شيء يعوز البرنامج الذي يحيط بمطالب الإصلاح في مسائل الدين والدولة ومسائل ~~السياسة والأخلاق ومسائل الثقافة والثروة الاقتصادية والتربية الاجتماعية، وهذه هي ~~المسائل التي احتواها الكتابان على تفصيل أو إجمال، وعلى جلاء وثقة فيما فصل وفيما ~~أجمل، ومن هذين الكتابين نستخلص ذلك البرنامج الحافل بغير كلفة ولا مشقة، ونؤثر أحيانا ~~أن نعتمد على عبارة المؤلف محافظة على منهجه وإثباتا لما يتخلل السطور من مقاصده ~~ونياته. # وسنرى بعد الإحاطة بآرائه ومقترحاته أن دعوة هذا المصلح العامل تنتظم في عداد ~~«الفلسفات» التي اشتهر بها حكماء الإصلاح والنظر، ويصح أن تسمى ms091 بالفلسفة الكواكبية في ~~سياق المذاهب والآراء التي تنسب إلى أصحابها من الحكماء، وإنما يختار لها اسم ~~«البرنامج»؛ لأن فيها مزية ليست في مذاهب الفلسفة؛ إذ هي فلسفة محضرة للعمل، بليغة في ~~باب الأعمال؛ لأنها توافق مقتضى الحال. # الفصل الرابع عشر # | الدين # يتلخص الإصلاح الديني عند الكواكبي في تحرير الإسلام من الجمود والخرافة. # وأخطر آفات الجمود عنده أنه جعل المسلمين صورة مقلدة ونسخة مستعارة، فهم مسلمون لذمة ~~أسلافهم وليسوا بالمسلمين لذمة أنفسهم، وهم مسلمون بالتبعية وليسوا مسلمين بالأصالة، ~~يدينون بالإسلام انقيادا منهم لمن تقدمهم ولا يحسبون أنهم أهل للخطاب على حدتهم، وقد ~~صدق فيهم ما نعاه الكتاب المبين على القائلين: # إنا وجدنا ~~آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ~~. # وعلاج هذه الآفة أن يعاد بالدين إلى بساطته الأولى التي يسرت فهمه لمن تقبلوا دعوته ~~في صدر الإسلام، ولا تزال تيسره لمن يدعون إليه على بساطته وسهولته بين أبناء الشعوب ~~الفطرية. # ومن واجب المسلمين في كل زمن أن يفهموا دينهم وأن يعرفوا حكمة فرائضهم وعقائدهم، فليس ~~من الإيمان الصحيح أن يحال الفهم على من سلف وأن ينقاد الخلف كله لغير ما عرف، ولا يكمل ~~إيمان المسلم بغير الفهم والاجتهاد في كل موطن من العالم وفي كل حقبة من الزمن، فإن ~~تعذر اجتهاد المسلمين جميعا فقيام العلماء بأمانة الاجتهاد فرض كفاية لا يسقط عن جيل ~~من أجيالهم، ولا سلامة لمن يسقطونه عن أنفسهم. # ولا يعفى المقلد من الفهم الذي هو قادر عليه، فإن «العامة يهديهم العلماء مع بيان ~~الدليل بقصد الإقناع، فالعلماء لا يجسرون على أن يفتوا في مسألة مطلقا ما لم يذكروا ~~معها دليلها من الكتاب أو السنة أو الإجماع، حتى لو كان المستفتي أعجميا أميا لا ~~يفهم ما الدليل، وطريقتهم هذه هي طريقة الصحابة كافة والتابعين عامة والأئمة المجتهدين ~~والفقهاء الأولين من أهل القرون الأربعة أجمعين». # وللمقلد أن يختار بين أقوال المجتهدين ولا حرج عليه؛ «فإن البعض وصفوا المقلد لأحد ~~المذاهب إذا أخذ في بعض الأحكام بمذهب آخر ملفقا، واستعملوا لفظة ms092 التلفيق في مقام ~~التلاعب بالدين أو الترقيع القبيح، والحال ليس ما سموه بالتلفيق إلا عين التقليد من كل ~~الوجوه، ولا بد لكل من أجاز التقليد أن يجيزه؛ لأنه إذا تأمل في القضية يجد القياس أنه ~~هكذا يجب على كل مسلم عاجز عن الاستهداء في مسألة دينية بنفسه ويسأل عنها أهل الذكر ... ~~وعلى هذا الاعتبار ما المانع للمسلم المقلد أن يتعلم كل مسألة من الطهارة والغسل ~~والوضوء والصلاة من مجتهد أو فقيه تابع لمجتهد؟ ... ولا يعقل أن يكلف هذا المقلد بأخذ ~~دينه كله من عالم واحد؛ لأن الصحابة - رضي الله عنهم - مع اجتهادهم وتخالفهم في الأحكام ~~كان يصلي بعضهم خلف بعض مع حكم المؤتم منهم حسب اجتهاده بعدم صحة صلاة إمامه.» # 1 ~~••• # ويرى الكواكبي بحق أن الجمود والخرافة لا محل لهما بين أتباع دين متسم بالبساطة ~~والجلاء، يأخذه خاصتهم وعامتهم مأخذ الفهم والبينة على حسب عقولهم ومصالحهم، فإن التدين ~~على هذا العرف بمثابة بعثة متجددة يتلقاها المسلمون أبدا وكأنهم هم المسلمون الأولون ~~جيلا بعد جيل. # ولم يغفل الكواكبي عن خطته العملية لتحقيق الإصلاح في هذا الباب، فإنه يذكر صفة ~~العالم الذي يؤهله علمه للاجتهاد بالرأي والإقناع بالدليل، ويذكر موضوعات الكتب ودرجات ~~هذه الموضوعات التي يتكفل علماء الإسلام بنشرها للعمل بها أو لفائدة المقلدين على ~~تفاوتهم في القدرة على الاستفادة من المطالعة والمراجعة. # فينبغي للعالم المجتهد: # أولا: # أن يكون عارفا باللغة العربية المصرية القرشية بالتعلم والمزاولة، ~~معرفة كفاية لفهم الخطاب لا معرفة إحاطة بالمفردات ومجازاتها وبقواعد ~~الصرف وشواذه والنحو وتفصيلاته والبيان وخلافاته والبديع وتكلفاته، مما ~~لا يتيسر إتقانه إلا لمن يفني ثلثي عمره فيه، مع أنه لا طائل تحته ولا ~~لزوم لأكثره إلا لمن أراد الأدب. # ثانيا: # أن يكون قارئا كتاب الله تعالى قراءة فهم للمتبادر من معاني مفرداته ~~وتراكيبه، مع الاطلاع على أسباب النزول ومواقع الكلام من كتبها المدونة ~~المأخوذة من السنة والآثار وتفاسير الرسول - عليه الصلاة والسلام - أو ~~تفاسير أصحابه - عليهم الرضوان، ومن المعلوم أن آيات الأحكام لا تجاوز ~~المائة ms093 والخمسين آية عدا. # ثالثا: # أن يكون متضلعا في السنة النبوية المدونة على عهد التابعين وتابعيهم ~~أو تابعي تابعيهم فقط، بدون قيد بمائة ألف أو مائتي ألف حديث؛ بل يكفيه ~~ما كفى مالكا في موطئه وأحمد في مسنده، ومن المعلوم أن أحاديث ~~الأحكام لا تجاوز الألف وخمسمائة حديث أبدا. # رابعا: # أن يكون واسع الاطلاع على سيرة النبي # صلى الله عليه وسلم # وأصحابه وأحوالهم من ~~كتب السير القديمة والتواريخ المعتبرة لأهل الحديث كالحافظ الذهبي وابن ~~كثير ومن قبلهم، وكابن جرير وابن قتيبة ومن قبلهم كذلك، والزهري ~~وأضرابهم. # خامسا: # أن يكون صاحب عقل سليم فطري لم يفسد ذهنه بالمنطق والجدل التعليميين ~~والفلسفة اليونانية والإلهيات الفيثاغورية، وبأبحاث الكلام وعقائد ~~الحكماء ونزعات المعتزلة وإغرابات الصوفية وتشديدات الخوارج وتخريجات ~~الفقهاء المتأخرين وحشويات الموسوسين وتزويقات المرائين وتمريقات ~~المدلسين. # وعلى العلماء المجتهدين أن ييسروا لكل من المقلدين أن يأخذ من أحكام الدين ما هو أهل ~~لفهمه حسب طاقته، فيقسمون المسائل «على مراتب في متون مخصوصة فيعقدون لكل مذهب من ~~المذاهب كتابا في العبادات ينقسم إلى أبواب وفصول تذكر في كل منها الفرائض والواجبات ~~فقط، وتنطوي ضمنها الشرائط والأحكام بحيث يقال إن هذه الأحكام في هذه المذاهب هي أقل ما ~~تجوز به العبادات، ويعقدون كتابا آخر ينقسم إلى عين تلك الأبواب، والفصول تذكر فيها ~~السنن بحيث يقال إن هذه الأحكام ينبغي رعايتها في أكثر الأوقات، ثم كتابا ثالثا مثل ~~الأولين تذكر فيه سنن الزوائد بحيث يقال إن هذه الأحكام رعايتها أولى من تركها. ~~وعلى هذا النسق يوضع كتاب للمنتهيات يقسم إلى أبواب وفصول تعد فيها المكفرات والكبائر ~~وكذا الصغائر والمكروهات، ومثل ذلك تقسم كتب المعاملات على طبقات من الأحكام الإجماعية ~~أو الاجتهادية أو الاستحسانية، وبمثل هذا الترتيب يسهل على كل من العامة أن يعرف ما هو ~~مكلف به في دينه فيعمل به على حسب مراتبه وإمكانه، وبهذه الصورة تظهر سماحة الدين الحنيف». # 2 ~~••• # ويؤخذ من جملة الشروح والمساجلات في كتابي «أم القرى» و«طبائع الاستبداد» أن ~~الكواكبي يهتم أشد الاهتمام ms094 بإغلاق الباب على طوائف الوسطاء المحترفين في المسائل ~~الدينية؛ إذ لا منفذ لوساطة الوسطاء في دين يعرفه المجتهدون من أتباعه في كل زمن، ~~ويعرفه المقلدون على بساطته الأولى مع السؤال عن الدليل الواضح عند التباس الأمر عليهم ~~بين المباح والممنوع. # ولكن هؤلاء الوسطاء يكثرون ويتشعبون حيث يحاط الدين بالخفايا والأسرار، ويتوارى خلف ~~حجب الغموض والتهويل، ويمتنع فيه الاجتهاد بالدليل والسند المعلوم، ومن ثم تنجم الحاجة ~~إلى الوسطاء من أشباه الكهان وأدعياء الخوارق والكرامات ، ممن يستغلون الدين لخدمة ~~أنفسهم أو لخدمة الحاكمين المسخرين لهم على سنة التبادل في المنفعة والتعاون على ~~التضليل وقيادة الرعية المستسلمة بالتمويه والتضليل. # قال الأستاذ من فصل الاستبداد والعلم: «إن العوالم يذبحون أنفسهم بأيديهم بسبب الخوف ~~الناشئ عن الجهل، فإذا ارتفع الجهل زال الخوف وانقلب الوضع؛ أي انقلب المستبد رغم طبعه ~~إلى وكيل أمين يهاب الحساب ورئيس عادل يخشى الانتقام.» # واستغلال الجهل على ضروب تتسع فيها الحيلة لطوائف شتى من المشعوذين والدجالين وأصحاب ~~السحر والتعاويذ ممن تروج بضاعتهم مع الغفلة والرهبة وتنكشف حقيقتهم مع الفهم والحرية، ~~ومنهم علماء السوء وأدعياء التصوف والعبادة وأشباههم من المدلسين الذين يسمون أنفسهم ~~بأهل الباطن، ويعنيهم أن يجعلوا السحر حكرا؛ ليستأثروا بتجارته ويساوموا عليه في أسواق ~~المطامع والدسائس مساومة الغبن والخداع. # قال من فصل الاستبداد والدين في طبائع الاستبداد: «إن قيام المستبدين من أمثال أبناء ~~داود وقسطنطين في تأييد نشر الدين بين رعاياهم، وانتصار مثل فيليب الثاني الإسباني ~~وهنري الثامن الإنجليزي ... والحاكم الفاطمي والسلاطين الأعاجم المنتصرين لغلاة الصوفية ~~والبانين التكايا لم يكن ذلك كله إلا بقصد الاستعانة بالدين أو بأهل الدين على ظلم ~~المساكين.» # ويرى الكواكبي أن المتشددين من رجال الدين مسئولون كالحكام المستبدين عن شيوع التصوف ~~الفاسد بين العامة وأشباه العامة من المسلمين المتقدمين والمتأخرين؛ لأنهم جعلوا الدين ~~حرجا ثقيلا على النفوس، فمهدوا الطريق لمن يبيحون المحظورات باسم العلم «الباطن» ~~والمعرفة الخفية التي ترفع التكليف عن الواصلين إلى الهداية من غير طريق الشريعة ~~الظاهرة، ولولا العنت المرهق من أولئك المتشددين لما ms095 راجت سوق التصوف المكذوب ... قال ~~بلسان الشيخ السندي: «فبناء على هذا التضييق صار المسلم لا يرى لنفسه فرجا إلا ~~بالالتجاء إلى صوفية الزمان الذين يهونون عليه الدين كل التهوين، وهم القائلون: إن ~~العلم حجاب، وبلمحة تقع الصلحة، وبنظرة من المرشد الكامل يصير الشقي وليا، وبنفخة في ~~وجه المريد، أو تفلة في فمه، تطيعه الأفعى وتحترمه العقرب التي لدغت صاحب الغار عليه ~~الرضوان، وتدخل تحت أمره قوانين الطبيعة، وهم المقررون بأن الولاية لا ينافيها ارتكاب ~~الكبائر كلها إلا الكذب، وأن الاعتقاد أولى من الانتقاد، وأن الاعتراض يوجب الحرمان؛ أي ~~إن تحسين الظن بالفساق والفجار أولى من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلى غير ذلك ~~من الأقوال المهونة للدين والأعمال التي تجعله نوعا من اللهو الذي تستأنس به نفوس ~~الجاهلين.» # قال: «على أن الناس لو وجدوا الصوفية الحقيقيين - وأين هم؟ ... لفروا منهم فرارهم من ~~الأسد؛ إذ ليس عند هؤلاء إلا التوسل بالأسباب العادية الشاقة لتطهير النفوس من أمراض ~~إفراط الشهوات، وتصفية القلوب من شوائب الشره في حب الدنيا، وحمل الطبائع بوسائل القهر، ~~والتمرين على الاستئناس بالله وبعبادته عوضا عن الملاهي المضرة؛ طلبا للراحة الفكرية ~~والعيشة الهنية في الحياة الدنيا، والسعادة الأبدية في الآخرة، وأين التهوين السالف ~~البيان لصوفية الزمان من هذه المطالب التهذيبية؟» ~~••• # على أن مصلحنا العامل قد نجا به إيمانه من تلك النظرة الضيقة التي تغلب على كثير من ~~المصلحين الواقعيين الذين يقصرون نظراتهم إلى الإصلاح الديني على الشعائر وظواهر ~~العبادات، كديدنهم في الاهتمام بما تقع عليه المشاهدة ويحصره الحس والاكتفاء به عما ~~وراءه من طوايا النفس وكوامن الضمير. # فلم يكن «الكواكبي» مصلحا دينيا على هذا النحو الضيق المحدود؛ بل كانت عنايته ~~بالشعائر والظواهر المحسوسة سبيلا إلى تصحيح جوهر الدين في أصوله التي انطوت عليها ~~الطبائع الإنسانية، وكان إيمان الضمير عنده هو قوام الدين كله، وفضيلة الإسلام في ~~اعتقاده أنه دين الإيمان على خلاف أديان المراسم والتقاليد التي أفسدتها الوثنية ~~وبقاياها، فأوشكت أن تصبح كلها أشكالا وصورا مجردة من روح العقيدة ms096 وهداية ~~الإلهام. # فإذا انقسمت الديانات إلى ديانات إيمان وديانات مراسم وتقاليد، فالإسلام في طليعة ~~الديانات التي يغلب فيها الإيمان على المراسم الشكلية والتقاليد النقلية، وتفتح الباب ~~على مصراعيه لوساطة الكهان وسلطان الهياكل والمحاريب. # وفي غير موضع من مساجلاته يذكر هذا الإيمان الأصيل في البديهة الإنسانية، فهو تارة ~~«ناموس شريف واحد مودع في فطرة الإنسان، وهو إذعانه الفطري للقوة الغالبة؛ أي معرفته ~~الله بالإلهام الفطري الذي هو إلهام النفس رشدها وإلهامها فجورها وتقواها، ولا ريب أن ~~لهذه الفطرة الدينية في الإنسان علاقة عظمى بشئون حياته؛ لأنها أقوى وأفضل وازع يعدل ~~سائر نواميسه المضرة، ويخفف مرارة الحياة التي لا يسلم منها ابن أنثى ...» # ويعود بعد قليل فيقول: «إن النوع الإنساني مفطور على الشعور بجود قوة غالبة عاقلة لا ~~تتكيف، تتصرف في الكائنات على نواميس منتظمة ... وإن هذا الشعور يختلف قوة وضعفا حسب ضعف ~~النفس وقوتها، ويختلف الناس في تصور ماهية هذه القوة حسب مراتب الإدراك فيهم أو حسبما ~~يصادفهم من التلقي عن غيرهم، وذلك هو الضلال والهداية، على أن الضلال غالب؛ لأن موازين ~~العقول البشرية مهما كانت واسعة قوية لا تسع ولا تتحمل وزن جبال الأزلية والأبدية ~~...» # ثم يقول بعد استطراد: «إن أصل الإيمان بوجود الصانع أمر فطري في البشر كما تقدم، فلا ~~يحتاجون فيه إلى الرسل، وإنما حاجتهم إليهم في الاهتداء إلى كيفية الإيمان بالله كما ~~يجب من التوحيد والتنزيه.» # وقد ثبت عنده كما قال: «ما يقرره الأخلاقيون من أنه لا يصح وصف صنف من الناس بلا دين ~~لهم مطلقا؛ بل كل إنسان يدين بدين إما صحيح أو فاسد من أصل صحيح، وإما باطل أو فاسد من ~~أصل باطل ...» # ومن ثم يتلخص كل إصلاح ديني نهض به الكواكبي في تصحيح الإيمان واعتبار الشعائر ~~والفرائض آية على صحة الإيمان، تدل على سلامته بمقدار سلامتها من تشبيهات الوثنية ~~وعوارض الشرك والزيغ عن الوحدانية، ولا بقاء للظلم والفساد مع هذا الإيمان، ولكنهما قد ~~يبقيان ويطول بقاؤهما مع قيام الشعائر التي فارقتها روح الدين ولم ms097 يتخلف منها غير ~~الرسوم والأشكال. # قال في كلامه عن الاستبداد والترقي في طبائع الاستبداد: «ولا أظنكم تجهلون أن كلمة ~~الشهادة والصوم والصلاة والحج والزكاة كلها لا تغني شيئا مع فقد الإيمان، إنما يكون ~~القيام حينئذ بهذه الشعائر قياما بعادات وتقليدات وهوسات، تضيع بها الأموال ~~والأوقات.» ~~••• # هذا الإيمان هو قوة الإسلام، وهو مبعث الغيرة التي تثير المؤمن على البغي والغشم؛ ~~لأنهما استعباد يأنف منه من يرفض العبادة لغير الله. # ولهذا يعقب الكواكبي بعد تلك العبارة قائلا: «إن الدين يكلفكم - إن كنت مسلمين - ~~والحكمة تلزمكم - إن كنتم عاقلين - أن تأمروا بالمعروف وتنهوا عن المنكر جهدكم، ولا أقل ~~في هذا الباب من إبطانكم البغضاء للظالمين والفاسقين.» ~~••• # ومما يذكر من محرجات الإصلاح الديني في عصر الكواكبي بصفة خاصة، أن أزمته لم تكن أزمة ~~إصلاح ولا أزمة شعب يعاني مشكلاته الاجتماعية من هذه الناحية، ولكنها كانت أزمة الدين ~~نفسه؛ بل أزمة العقيدة الروحانية على اختلاف الأديان في بلاد الحضارة؛ لأنها كانت أزمة ~~الاصطدام بين الدين والعلم من أواخر القرن الثامن عشر إلى الحقبة التي نشأ فيها ~~الكواكبي في القرن الذي تلاه، ولاحقته آثاره ولم تزل تلاحقه إلى أخريات أيامه في أوائل ~~القرن العشرين. # وقد اصطدمت العقائد الدينية في الغرب بكشوف العلم الحديث ومذاهب التفكير العصرية، ~~فاضطربت الأفكار وشاعت الشكوك ونزع الكثيرون من الناشئين إلى التعطيل وإنكار الدين، ~~واقترن الإنكار بإباحة المحرمات والترخص في الشهوات والاسترسال مع غواية الحياة المادية ~~التي وافقت أهواء المنكرين، فخيل إلى الناس في أمم الحضارة الغربية أن الدين مسألة ~~مفروغ منها قد لحقت بآثار القرون الغابرة، وأن التحدث عن الإصلاح الديني مشغلة فراغ ~~يضيع فيها الوقت على غير جدوى. # واقتربت هذه الصدمة من الشرق مع اقتراب العلوم الحديثة والدعوات الاجتماعية المتطرفة، ~~فكان لها أثرها الطبيعي بين المسلمين وغيرهم من الشرقيين على حسب نصيبهم من العلم ~~العصري والتربية الدينية وتقاليد المعيشة البيتية. # فمن المتعلمين على النظم الأوروبية طائفة أخذت بالقشور من العلم الحديث، وقل نصيبها ~~من معرفة الدين، واستهواها حب التشبه بالأقوياء ms098 الظافرين، وخلبتها فتنة الحضارة وزخرف ~~الحياة المادية، فتحللت من أواصر دينها وهان عليها أمر العقيدة وأمر الوطن، فلم يبق ~~لها من الغيرة الدينية ولا من النخوة القومية غير المظهر والعنوان. # والكواكبي ينفض يديه من هذه الطائفة ولا يرتجي منها خيرا لإصلاح دينها ولا لإصلاح ~~دنياها، وفيها يقول من كلامه في الاجتماع الثامن من مؤتمر أم القرى: «وأما الناشئة ~~المتفرنجة فلا خير فيهم لأنفسهم فضلا عن أن ينفعوا أقوامهم وأوطانهم؛ وذلك لأنهم لا ~~خلاق لهم، تتجاذبهم الأهواء كيف شاءت، لا يتبعون مسلكا ولا يسيرون على ناموس مطرد؛ ~~لأنهم يحكمون الحكمة فيفتخرون بدينهم، ولكن لا يعملون به تهاونا وكسلا، ويرون غيرهم ~~من الأمم يتباهون بأقوامهم فيستحسنون عاداتهم ومميزاتهم فيميلون لمناظرتهم ولا يقوون ~~على ترك التفرنج كأنهم خلقوا أتباعا، ويجدون الناس يعشقون أوطانهم فيندفعون للتشبه بهم ~~في التشبيب والإحساس فقط دون التشبث بالأعمال التي يستوجبها الحب الصادق، والحاصل أن ~~شئون الناشئة المتفرنجة لا تخرج عن تذبذب وتلون ونفاق يجمعها وصف لا خلاق ... والواهنة ~~خير منهم متمسكون بالدين ولو رياء، وبالطاعة ولو عمياء.» # والجامدون الذين سماهم بالواهنة وقال عنهم إنهم متمسكون بالدين ولو من قبيل الرياء، ~~يفترقون إلى فريقين؛ بين جاهل لا يعرف شيئا من العلم الحديث ولا من علوم دينه، ومتعلم ~~درس الدين على أساتذة من المقلدين مزجوا الدين بالخرافة، ولم يسلموا من علل الوهن ~~والنفاق، وكلا الفريقين يجهل علوم دينه كما يجهل علوم عصره، وتصدمه هذه العلوم الحديثة ~~صدمة الجديد المستغرب فينفر منها ويتبرم بها ويحذرها حذره من الكفر البواح، ولا يكلف ~~نفسه مئونة البحث؛ لأن مجرد البحث فيها مدرجة إلى الكفر وأحبولة من أحابيل ~~الضلال. # وهذه الطائفة هي «المصاب» الذي يراد الإصلاح الديني لتقويمه وإخراجه من ظلماته، فلا ~~أمل في معونته على رسالة الإصلاح. # والطائفة المثلى - ومنها الكواكبي - طائفة الرواد السابقين الذين أفلتوا من إرهاق ~~الجمود وتمردوا على أوهام الخرافة واطلعوا على حظ حسن من العلم الحديث، فوضح لهم أنه ~~يرتهن به التقدم وتستمد منه القوة التي يصول بها الأوروبيون على ms099 بلادهم، وأنه هو العلم ~~الذي يدعوهم إليه كتابهم ويحضهم عليه في كل آية من آيات الأمر بالتفكير والتدبر والنظر ~~في ملكوت السماء والأرض والعمل الصالح في سبيل الدين والدنيا. # وتنقسم هذه الطائفة أيضا إلى فريقين: أحدهما يرى أن العلم الحديث مطلب مباح، بل ~~فريضة واجبة توافق الدين ولا تناقضه في جملتها ولا في تفصيلاتها. # والفريق الآخر يذهب وراء هذا الاعتقاد في العلوم الحديثة خطوة أو خطوات، فيحاول أن ~~يبين مكانها من القرآن الكريم ، وأن يردها إلى آيات تحتويها وتتقبل التفسير بمعانيها، ~~وكذلك صنع الكواكبي - رحمه الله - فيما كتبه بقلمه أو فيما أسنده إلى غيره، وأفاض فيه ~~بكلامه عن الاستبداد والدين في طبائع الاستبداد حيث يقول: ~~... لو أطلق للعلماء عنان التدقيق وحرية الرأي والتأليف كما أطلق لأهل ~~التأويل والخرافات لرأوا في آيات القرآن آيات من الإعجاز، ورأوا فيه كل يوم آية ~~تتجدد مع الزمان والحدثان تبرهن إعجازه بصدق قوله: # ولا ~~رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ~~. # برهان عيان لا مجرد تسليم وإيمان، ومثال ذلك أن العلم كشف في هذه القرون ~~الأخيرة حقائق وطبائع كثيرة تعزى لكاشفيها ومخترعيها من علماء أوروبة وأمريكا، ~~والمدقق في القرآن يجد أكثرها ورد التصريح أو التلميح به في القرآن منذ ثلاثة ~~عشر قرنا، وما بقيت مستورة تحت غشاء من الخفاء إلا لتكون عند ظهورها معجزة ~~للقرآن، شاهدة بأنه كلام رب لا يعلم الغيب سواه. # وذلك أنهم قد كشفوا أن مادة الكون هي الأثير، وقد وصف القرآن بدء التكوين ~~فقال: # ثم استوى إلى السماء وهي ~~دخان ~~. # وكشفوا أن الكائنات في حركة دائمة، والقرآن يقول: # وآية لهم الأرض الميتة أحييناها ~~، إلى أن ~~يقول: # وكل في فلك يسبحون ~~. # وحققوا أن الأرض منفتقة في النظام الشمسي، والقرآن يقول: # أن السماوات والأرض كانتا رتقا ~~ففتقناهما ~~. # وحققوا أن القمر منشق من الأرض، والقرآن يقول: # أفلا ~~يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها ~~، ~~ويقول: # اقتربت الساعة وانشق ~~القمر ~~. # وحققوا أن طبقات الأرض سبع، والقرآن يقول: # خلق سبع ~~سماوات ومن الأرض مثلهن ~~. # وحققوا أنه ms100 لولا الجبال لاقتضى الثقل النوعي أن تميد الأرض؛ أي ترتج في ~~دورتها، والقرآن يقول: # وألقى في الأرض رواسي ~~أن تميد بكم ~~. # وكشفوا أن التغيير في التركيب الكيماوي، بل والمعنوي، ناشئ عن تخالف نسبة ~~المقادير، والقرآن يقول: # وكل شيء عنده ~~بمقدار ~~. # وكشفوا أن للجمادات حياة قائمة بماء التبلور، والقرآن يقول: # وجعلنا من الماء كل شيء ~~حي ~~. # وحققوا أن العالم العضوي - ومنه الإنسان - ترقى من الجماد، والقرآن يقول: # ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من ~~طين ~~. # وكشفوا ناموس اللقاح العام في النبات، والقرآن يقول: # خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ~~، ويقول: # اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج ~~بهيج ~~، ويقول: # وآية لهم الأرض ~~الميتة أحييناها ~~، ويقول: # ومن ~~كل الثمرات جعل فيها زوجين ~~. # وكشفوا طريقة إمساك الظل؛ أي التصوير الشمسي، والقرآن يقول: # ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو ~~شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه ~~دليلا ~~. # وكشفوا تسيير السفن والمركبات بالبخار والكهرباء، والقرآن يقول بعد ذكره ~~الدواب والجواري بالريح: # وخلقنا لهم من مثله ~~ما يركبون ~~. # وكشفوا وجود الميكروب وتأثيره في الجدري وغيره من المرض، والقرآن يقول: # وأرسل عليهم طيرا أبابيل * ترميهم بحجارة من سجيل ~~... أي من طين ~~المستنقعات اليابس. # إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة المحققة لبعض مكتشفات علم الهيئة والنواميس ~~الطبيعية، وبالقياس إلى ما تقدم ذكره يقتضي أن كثيرا من آياته سينكشف سرها في ~~المستقبل في وقتها المرهون ... # هذه الفكرة الضافية عن التوفيق بين الإسلام والعلم الحديث هي إحدى الأفكار الأساسية ~~في دعوة الكواكبي إلى الإصلاح في جميع نواحيه؛ إذ كان الإصلاح الديني عنده غير منفصل عن ~~إصلاح المجتمع كله في شئونه الدنيوية، وكانت فكرة ملازمة له منذ أخذ في الاطلاع على ~~مراجع العلوم العصرية، فإن اطلاعه على تلك الكشوف التي أحصاها جميعا لا يتم في وقت ~~واحد، ولا بد له من أوقات متتابعة يتخللها النظر والتأمل ويعود إليها بالمراجعة ~~والمقارنة، فإن لم تكن فكرته هذه مما استوحاه في مطالعاته الطويلة فلعله قد استوحاها من ~~دعاة التوفيق بين الدين والعلم الذين سبقوه ms101 إلى النظر في مشكلات العقيدة والتفكير منذ ~~دعت الحاجة إلى وحدة التشريع - كما حدث في الدولة العثمانية - للتوفيق بين الأقضية ~~المختلفة التي تطبق على رعاياها حسب اختلافهم في الجنس والملة، وسواء خطرت له فكرة ~~الوفاق بين الإسلام والعلم الحديث ابتداء من أثر مطالعاته الخاصة، أو كانت إحدى خواطر ~~العصر الشائعة على ألسنة المستنيرين. لقد تطورت في ذهنه وعاود النظر فيها حينا بعد حين ~~سنوات غير قليلة، فقد كانت في ذهنه قبل أن يكتب «أم القرى»، وظلت في ذهنه إلى أن ~~أودعها مقالاته عن طبائع الاستبداد، وزاد عليها ما استفاده من مطالعاته في هذه ~~الأثناء. # ومما يلاحظ أن هذه الكشوف العلمية التي أوجز الإشارة إليها يوشك أن تحيط بإحصاء كشوف ~~العلم الحديث في المسائل الكونية خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، كأنه ينقلها من ~~سجل محفوظ، وهي ملاحظة ينبغي أن نتنبه إليها؛ لنعلم منها قوة اندفاع الأفكار الحديثة ~~إلى البلاد الشرقية ومبلغ سريانها بين من يعرفون اللغات الأوروبية ومن يجهلونها، فإن ~~الكواكبي لم يكن على علم بلغة من اللغات الأوروبية يساعده على المطالعة فيها، ولكنه قرأ ~~أخبار الكشوف الحديثة واستقصاها كما يستقصيها غير المختصين بها من الأوروبيين أنفسهم في ~~بلادهم، وتلك علامة قوية من علامات الصدمة التي أحسها الشرق بعد هزيمته أمام الغرب في ~~غارات الاستعمار، ولنا أن نقول إنها كذلك علامة على اليقظة السريعة بعد تلك الصدمة ~~الوجيعة؛ لأن سريان الفتوح العلمية مع الفتوح السياسية تشهد للشرق شهادة حسنة بالقياس ~~إلى زمانها، وأقل ما في هذه الشهادة أنه تلقى الصدمة مفتوح العينين ليرى - وهو متنبه من ~~غفوته - جهد ما يقدر أن يراه. # وكان رد الفعل سريعا كما نتبين الآن من موقف الكواكبي وإخوانه رواد الدعوة إلى ~~الإصلاح، كان رد الفعل بين مصلحي الإسلام أسلم وأقوم وأدعى إلى الثقة والرجاء من رده ~~العنيف بين الأوروبين: هناك كانت الأزمة أزمة الدين عند كثير من اليائسين، وهنا لم تكن ~~للدين أزمة عند عارفيه، ولكنها أزمة الجهلاء به وبالعلم الحديث بين أهله، أو كانت ms102 أزمة ~~الإقناع والاستنهاض لمحاربة الجهل بالدين الخالد والعلم الحديث على السواء. # ويقتضينا تقدير الكواكبي في هذا المقام أن نذكر الفارق بين نظرته إلى العلوم الدخيلة ~~التي طرأت على الفكر الإسلامي حوالي القرن الثالث للهجرة، وبين نظرته إلى العلوم ~~الدخيلة التي تلقاها المسلمون والشرقيون بعد ذلك بعشرة قرون، وهي من علوم النهضة ~~الأوروبية الحديثة. # إن هذا الفارق بين نظرة الكواكبي إلى أثر الفلسفة اليونانية وأثر العلم العصري لهو ~~آية من الآيات العديدة على استقامة النظرة العملية في تفكير هذا المصلح الحكيم؛ لأنه ~~يتجه إلى الهدف المقصود بعد تثبيته والتيقن منه، ولا يبدد فكره وعزمه فيما يتشعب حوله ~~من مطارح الظنون وأباطيل الأوهام على غير طائل، وهدفه هنا هو الإصلاح الديني في تجربته ~~العملية، وخلاصة هذا الإصلاح الديني أنه هو العودة بالإسلام إلى بساطته الأولى، وقوامها ~~الأول إيمان الضمير. # فالكواكبي لا يحفل - أمام هذا الهدف - بفلسفة اليونان من الوجهة النظرية، ولا يقومها ~~في ميزان دعوته بقيمتها في الورق أو قيمتها في رءوس طلابها المنقطعين لها، وإنما يحكم ~~على أثرها في التفكير الإسلامي حين يحكم على مذاهب أتباعها من المسلمين، وعلى أخلاط ~~الوثنية التي اصطبغت بصبغتها واتخذت لها ألوانا من التصوف الكاذب، ومن التعمق الأجوف ~~الذي تأباه بساطة الإسلام. # فالفلسفة اليونانية في ميزانه هي تلك الأخلاط العقيمة التي قال عنها بلسان المحدث ~~اليمني وهو يصف العالم المجتهد ويشترط فيه: «أن يكون صاحب عقل سليم فطري لم يفسد ذهنه ~~بالمنطق والجدل التعليميين، والفلسفة اليونانية والإلهيات الفيثاغورية، وبأبحاث الكلام ~~وعقائد الحكماء ونزعات المعتزلة وإغرابات الصوفية وتشديدات الخوارج وتخريجات الفقهاء ~~المتأخرين وحشويات الموسوسين ...» # وهي التي عناها حين قال بلسان البليغ القدسي عن الدخلاء: «إنهم رجحوا الأخذ بما يلائم ~~بقايا نزعاتهم الوثنية فاتخذ العمال السياسيون - ولا سيما المتطرفون منهم - هذا التخالف ~~في الأحكام وسائل للانقسام والاستقلال السياسي؛ فنشأ عن ذلك أن تفرقت المملكة الإسلامية ~~إلى طوائف متباينة مذهبا، متعادية سياسة، متكافحة على الدوام، وهكذا خرج الدين من ~~حضانة أهله، وتفرقت كلمة الأمة فطمع بها أعداؤها ...» # وتلك الفلسفة ms103 التي جعل صلاح المسلمين مرهونا بتطهير العقيدة الإسلامية من بقاياها؛ ~~هي منطق الجدل الذي قال إن الغربيين أهملوه وحققوا أنه لا ثمرة له «مع أنهم يعتنون ~~بالبحث عن وسائط تفاهم العجماوات». # ونحسب أن حسنات المنطق وفلسفاته التي تتشعب منه أحرى أن تقبح في عيني أنصاره وعشاقه ~~إذا وازنوا بين فوائده ومضاره، كما لمسها الكواكبي في عصره وفيما تقدمه من عصور الثقافة ~~الإسلامية ... فإن أحسن ما في المنطق وفلسفاته الجدلية لا يعدو أن يكون تمرينات عقلية ~~يتدرب بها الذهن على فتح أبواب البحث في المسائل النظرية ومسائل الغيب - أو ما وراء ~~الطبيعة - التي قلما تسفر عن نتيجة قاطعة في موضوع من موضوعاتها، ومن خصائص هذه ~~الموضوعات أنها ثقافة فردية يديرها المفكر في تأملاته بينه وبين نفسه، ولا تتألف منها ~~دراسة عامة تتداولها الجماعات وتنتفع بها في مرافقها ومطالب تفكيرها، وقد غابت هذه ~~الفلسفات الجدلية عن ميادين الثقافة الأوروبية قبل النهضة العلمية، فلم يكن غيابها ~~ليعوق ظهور العلوم التجريبية، ولا ليعوق ظهور الصناعات والمخترعات التي تفتقت عنها تلك ~~العلوم؛ بل يجوز أن يقال إن تلك العلوم قد ظهرت على الرغم من اعتراض المناطقة ~~والمتفلسفين عليها وإنكارهم لوسائلها وأساليبها؛ إذ كان المناطقة المتفلسفون يصرون على ~~آرائهم التي تقوم على براهين الجدل والمناظرة ويرفضون ما عدا تلك الآراء من قواعد البحث ~~والتجربة، فغياب الفلسفات الجدلية لم يعطل في الغرب نهضة العلوم والصناعات؛ بل قليلها ~~الذي بقي بين أنصاره وعشاقه هو الذي عطلها وأوشك أن يغلق عليها منافذها. # وهذه هي الفلسفات المنطقية على أحسنها في أضيق حدودها، فلا جرم تنزوي عن أعين أنصارها ~~وعشاقها - فضلا عن منكريها - إذا حكموا عليها بأضرارها ونظروا إلى جرائرها التي تخلفت ~~عنها كلما وصلت إلى عقول الجماعات وتلبست بالمذاهب والمعتقدات، وانتشرت على الصورة التي ~~تنتشر بها الأفكار بين العامة وأشباه العامة، وتنتقل بها من لغة الرموز الخيالية ~~والفروض المحتملة إلى لغة الواقع المجسم والشعائر المحسوسة والأشباح الظاهرة التي ~~تعقلها الجماعات ولا تعقل فيما بينها فكرة مشتركة سواها. # إن أضرار الفلسفات ms104 الجدلية كانت حقيقة واقعة في كل أمة تسربت إليها، وكان أثرها في ~~الأمة الإسلامية شبيها بأثرها بين اليهود وبين المسيحيين وبين أتباع «زرادشت» من ~~المتقدمين والمتأخرين، لحاجة لا تنتهي وخصومات لا تنحسم ومماحكات على الصغائر والسفساف ~~من القول لا طائل تحتها على حالي الثبوت أو البطلان، وجملة ما يقال عن آثارها في عالم ~~العقيدة أنها تفسد بساطتها وتشوب صفاءها، وعن آثارها في عالم الثقافة أنها تثير ~~المشكلات ولا تحلها، وتشغل مكان العلم ولا تئول به إلى عمل مفيد. # والنظرة العملية في طبيعة الكواكبي هي التي زهدته في ذلك المنطق وفلسفاته، وأوحت إليه ~~أن البحث في لغة الحيوان الأعجم أولى وأصلح من البحث فيها، وقد تأصل في روعه هذا الرأي ~~الثابت نتيجة لمطالعاته ونتيجة لمشاهداته الملموسة في وقت واحد. # فمن مطالعاته عرف غوائل الفتن التي أشاعها في العالم الإسلامي جدل المتفلسفين حول ~~مسألة القدر ومسألة الصفات ومسألة القرآن وخلقه ومسألة الآيات وتأوليها، وأشباه ذلك في ~~مسائل الإمامة الصريحة والمستورة أو الشريعة الظاهرة والعاطفة أو القياس والتقليد، وما ~~انتهت إليه هذه المسألة خاصة من اجتراء المقلدين على رأي لم يجترئ عليه أعظم المجتهدين، ~~وهو الرأي القائل بتحريم الاجتهاد على المسلمين جميعا بعد عصر التابعين، أو على الأكثر ~~بعد تابعي التابعين. # ومن مشاهداته المحسوسة عرف وبال التصوف الكاذب والفلسفة الناقصة على ألوف من معاصريه ~~الذين تلقفوا البدع وتوارثوها من دعاة العلوم الدخيلة بين وثنية ويونانية؛ فقد كان من ~~وبال التصوف الكاذب والفلسفة الناقصة أنه هدم العلم والعمل، وأفسد الدين والخلق، وأشاع ~~البطالة والإباحة بين من يسمون البطالة «اتكالا على الله»، ويسمون الإباحة وصولا يسقط ~~الحدود ويسمح بالرخصة في المحظورات. # رأى الكواكبي أثر العلوم الدخيلة في النوبتين الأولى والثانية، فاحتكم إلى الواقع ~~وإلى النتيجة العملية في موقفه الحاسم بينهما؛ فأما العلوم الدخيلة فيما مضى فقد كان ~~أثرها مفسدة للعقيدة في بساطتها ومدرجة إلى العجز والفتنة في الحياة العامة، وأما ~~العلوم الدخيلة في عصره فقد كان أثرها الواضح قوة لأصحابها وغلبة لهم على الجاهلين بها، ms105 ~~وهداية إلى المصلحة والعمل والمعرفة بأسباب الحياة الواقعة، ولم تكن هذه المعرفة عنده ~~بحاجة إلى برهان يؤيدها غير نتائجها الماثلة في سياسة الأمم وصناعتها وأدوات نجاحها ~~واقتدارها. # فليست مهمة المصلح الحكيم أن يحارب هذه العلوم الدخيلة كما حارب أخوات لها من قبل، ~~ولكن مهمته على نقيض ذلك؛ أن يرحب بها ويجتهد في نقلها واقتباسها ويتخذها سبيلا من سبل ~~الإصلاح، وينظر كيف يقنع باسم الدين من يعارضون الإصلاح باسم الدين؛ لأنه جديد ولا محل ~~للجديد عند الجامدين على القديم. # وقد كان موقفه حيال العلوم الحديثة أصح وأصدق من المعارضين لتلك العلوم من رجال الدين ~~الجامدين في أمم العصر الحديث، ولا سيما الأمة الإسلامية. هم يقولون عن كل جديد إنه ~~باطل، وإنه يناقض الكتب المقدسة والوصايا المأثورة، وهو من وقف كموقفه يرد التهمة على ~~أصحابها وينعى عليهم أنهم يعارضون العلم والقرآن معا؛ لأن العلم والكتاب يتفقان، وما ~~كشفه العلم حديثا يجدد ما سبق به الكتاب، أو أشار إليه. # وكان الكواكبي موفقا في توفيقاته؛ لحسن فهمه كتاب دينه، وحسن اطلاعه على كشوف العلم ~~الحديث في عصره، ولم يحدث بعد عصره ما يدعو إلى شيء من الاستدراك على موقفه إلا التفرقة ~~في عصرنا هذا بين النظريات العلمية ومقررات العلم التي بلغت من الثبوت أن تحسب من ~~القوانين الطبيعية أو نواميس الوجود المتفق عليها، فإذا جاز أن نوفق بين حقائق الكتاب ~~وحقائق العلم المقررة؛ فمن الحسن أن نصطنع الأناة قبل التوفيق بين الكتاب وبين النظريات ~~التي يتناولها البحث ويتطرق إليها الخلاف بين وجهات النظر ومعارض الآراء، ونذكر على ~~سبيل المثال تفسير السموات السبع بالسيارات السبع، أو تفسير طبقات الأرض في علم ~~«الجيولوجية» بالسبع الطباق؛ فإن الكشوف الفلكية قد زادت عدد السيارات ولا تزال تزيدها ~~مع إحكام الرصد وتعميم النظر إلى طوارق المنظومة الشمسية من المذنبات والنجيمات، وهم ~~يحسبون اليوم سيارات المنظومة الشمسية ثمانيا، عدا الكرة الأرضية والنجيمات، ويحدث مثل ~~ذلك في حساب طبقات الأرض على حسب تعريف الطبقة ومكانها من مدار الكرة الأرضية، فإذا كان ms106 ~~من الثابت أن القرآن الكريم لم يشتمل على آية تمنعنا أن نتقبل حقائق العلم، فقد يقع ~~الخلاف فيما يحسب من الحقائق العلمية وما يحسب من نظريات البحث والتجربة، وقد يدعو ~~الأمر حتما إلى التفرقة الدائمة بين الحقائق والنظريات، وحسبنا من كتابنا المبين أنه ~~يأمرنا بالبحث في العلم ولا يصدنا عن حقائقه ولا نظرياته ولا عن التوسل بمحاولة من ~~المحاولات لتمحيص تلك الحقائق أو النظريات. # وبعد نيف وخمسين سنة من قيام الدعوة الكواكبية لا يزال أساسه القويم الذي اختاره ~~للإصلاح الديني صالحا للبناء عليه: عقيدة خالصة من شوائب الجهل والسفسطة، تؤمن بدينها ~~ودنياها على بصيرة. # الفصل الخامس عشر # | الدولة # الكلام على الدولة وعلى نظام الحكم شيء واحد في مصطلحات السياسة على إجمالها، ولكنه ~~لم يكن شيئا واحدا في كلام الكواكبي ومعاصريه؛ لأن كلمة الدولة كانت تعني عندهم ~~«الدولة العثمانية» إذا أرسلت على إطلاقها، وكانت لها مسألة خاصة مستقلة بشئونها عن ~~شئون النظم الحكومية، يحددها مركز الدولة العثمانية الذي كان في أخريات أيامها على ~~الخصوص نمطا عجيبا بين الأنماط الدولية يندر نظيره بين دول الشرق والغرب بما لها من ~~تكوين فريد في رئاسة الدولة وأجناس الرعايا وقوام السلطة ومواقع البلاد بين القارات ~~الثلاث: أوروبة وآسيا وأفريقيا. # كانت الدولة العثمانية سلطنة أو «إمبراطورية» متشعبة تجمع ألفافا من الأمم التي ~~تختلف بأجناسها وأديانها ولغاتها ومصالحها، ويدل على مبلغ تشعبها وانقسامها أن الأمم ~~التي خرجت منها واستقلت عن سيادتها بعد ثورات الاستقلال وتقرير المصير زادت على عشر أمم ~~ذات عشر حكومات. # وكان اسم الدولة العثمانية يطلق عليها؛ لأن حكامها من بني عثمان قبيلة تركية تنعقد ~~ولاية الأمر فيها لسلطانها وقائد جيشها من أبناء قومه؛ إذ كان الرعايا الآخرون بمعزل عن ~~جيش الدولة، لا يشتركون في هيئة عسكرية - غير الكتائب المحلية - إلا جنودا متفرقين لا ~~يتجمعون معا في فرقة مستقلة. # وكان رئيس الدولة يضيف إلى ولاية السلطنة وقيادة الجيش صفة الخلافة الدينية ولقب ~~«أمير المؤمنين». # وهي على هذا المركز الحرج تواجه الدول الأوروبية مواجهة العدو القديم ms107 الذي تتربص به ~~الدوائر وتتألب عليه لتقسيم بلاده بينها أو لإدخالها في دوائر نفوذها وحمايتها، وقد كاد ~~اسم «الرجل المريض» يغلب على هذه الدولة ويصبح علما عليها يجهرون به في خطبهم وأقوال ~~صحفهم، ولا يتكلفون كتمانه في معاملاتهم وصفقات التبادل والمساومة بينهم، وسميت بلادها ~~باسم «تركة الرجل المريض»؛ تعجيلا بقسمتها وتوزيع حصصها عليهم قبل أن يتنازعوها، إذا ~~وقع القضاء المحتوم بين ساعة وأخرى. # كان اسم «الدولة» يدور على الألسنة بين رعاياها فتنصرف الأذهان إلى حاضرها ومصيرها في ~~هذا المركز العجيب الذي يؤذن بالزوال - أو بالتبديل على الأقل - في كل آونة، ولا يؤذن ~~بالاستقرار أو بالطمأنينة إليه. # ومن ثم أصبحت للدولة مسألة خاصة مستقلة عن مسألة النظم الحكومية أو النظم السياسية في ~~ولاياتها. # أصبحت مسألتها مسألة «السلطان» أو الإمبراطور أو أمير المؤمنين الذي يتولاها، وأصبحت ~~بنية الدولة التي تتكون منها تابعة للصفة التي يتصف بها ولي الأمر؛ سلطانا أو ~~إمبراطورا أو أمير مؤمنين. # علام تعتمد الدولة في تكوينها؟ أعلى الأشتات من الأجناس المتفرقة التي لا تجمعها ~~جامعة واحدة؟ أعلى الجامعة الطورانية إذا كان لا بد لها من جامعة سياسية أو روحية ~~تسندها بين أجزائها؟ أعلى الجامعة الإسلامية؟ أعلى الوحدة الائتلافية؟ أعلى ~~التسليم بالواقع وانتظار المجهول في مهاب الأقدار؟ # لا بد من مبدأ أساسي من هذه المبادئ يركن إليه صاحب الدعوة إلى المستقبل ويبني دعوته ~~عليه. # وقد كان برنامج الكواكبي في هذه المسألة صريحا محدودا لا تخفى منه خافية على من ~~يعتزم العمل فيه، وكل ما اتخذه من الحيطة لهذا الأمر الجلل أنه أعلن قواعده وترك نتائجه ~~المحتومة تنكشف في حينها، وهي غير مجهولة. # وهو يقيم برنامجه في مسألة الدولة والخلافة على هذه القواعد الثلاث: ~~(1) # أن ينفصل الملك عن الخلافة. ~~(2) # وأن تعود الخلافة إلى الأمة العربية. ~~(3) # وأن تقوم الخلافة على أساس الانتخاب والشورى والتعاون المتبادل على سنة ~~المساواة بين الأقطار الإسلامية. # ويستند في كل قاعدة من هذه القواعد إلى مراجعه التاريخية كما يستند إلى مقتضيات ~~الضرورة العملية في أحوال العالم الحديث. # فهو ms108 يقرر من تحصيله التاريخي أن خلافة بني عثمان لم تنعقد بها بيعة من حكومات ~~المسلمين ولا من رعاياها، فلا يقبلها ملوك إيران والمغرب وأئمة الجزيرة العربية الذين ~~لم يخضعوا لسيادة الدولة التركية، ولا يذكرها المسلمون في صلاة الجمعة إلا حيث يدينون ~~لتلك السيادة في أوضاعهم السياسية، ولم يحدث قبل السلطان محمود العثماني أن تلقب أحد ~~من سلاطين القسطنطينية بلقب الخلافة وإمارة المؤمنين؛ «إذ صار بعض وزرائه يخاطبونه بذلك ~~أحيانا تفننا في الإجلال وغلوا في التعظيم، ثم توسع استعمال هذه الألقاب في عهد ~~ابنيه وحفيديه إلى أن بلغ ما بلغه اليوم بسعي أولئك الغشاشين الذين يدفعون ويقودون ~~حضرة السلطان الحالي للتنازل عن حقوق راسخة سلطانية لأجل عنوان خلافة وهمية مقيد في ~~وضعها بشرائط ثقيلة لا تلائم أحوال الملك، معرضة بطبعها للقلقلة والانتزاع والخطر ~~العظيم ...» # ويرى من تحقيقه التاريخي أن ساسة الترك لا يقصدون «غير التلاعب السياسي وقيادة الناس ~~إلى سياستهم بسهولة، وإرهاب أوروبة باسم الخلافة واسم الرأي العام ...» # قال بعد أن بين أن مآرب الملك غلبت في تاريخ الدولة العثمانية على واجبات الخلافة ~~كما تمليها مصالح الأمم الإسلامية على من يستطيع رعايتها: «إني أذكر لك أنموذجا من ~~أعمال لهم أتوها رعاية للملك وإن كانت مصادمة للدين ... فهذا السلطان محمد الفاتح - وهو ~~أفضل آل عثمان - قد قدم الملك على الدين فاتفق سرا مع فرديناند ملك الأراغون ~~الإسبانيولي ثم مع زوجته إيزابيلا على تمكينهما من إزالة ملك بني الأحمر آخر الدول ~~العربية في الأندلس ... مقابلة ما قامت لديه روما من خذلان الإمبراطورية الشرقية عند ~~مهاجمة مكدونيا ثم القسطنطينية، وهذا السلطان سليم غدر بآل العباس واستقصاهم، حتى إنه ~~قتل الأمهات لأجل الأجنة، وبينما كان هو يقتل العرب في الشرق كان الإسبانيون يحرقون ~~بقيتهم في الأندلس، وهذا السلطان سليمان ضايق إيران حتى ألجأهم إلى إعلان الرفض ... ثم لم ~~يقبل العثمانيون تكليف نادر شاه لرفع التفرقة بمجرد تصديق مذهب الإمام جعفر، كما لم ~~يقبلوا من «أشرف» خان الأفغان اقتسام فارس؛ كي لا يجاورهم ملك سني، وقد ms109 سعوا في ~~انقراض خمس عشرة دولة وحكومة إسلامية ... وأعانوا الروس على التتار المسلمين وهولاندة على ~~الجاوة والهنديين، وتعاقبوا على تدويخ اليمن ... وباغت العسكر العثماني المسلمين مرة في ~~صنعاء والزبيد وهم في صلاة العيد ...» # قال: «أليس الترك قد تركوا الأندلس مبادلة وتركوا الهند مساهمة وتركوا الممالك ~~الجسيمة الآسيوية للروسيين، وتركوا قارة أفريقيا الإسلامية للطامعين وتركوا المداخلة في ~~الصين كأنهم الأبعدون.» # ولم يشأ الكواكبي أن يفرق بين ضرورات الواقع وبين دواعي الاختيار في هذه الأعمال ؛ ~~لأنه نظر إلى النتيجة التي يقيم عليها حجته، وهي فشل التصدي لواجبات الخلافة مع قيود ~~الملك ومأزق السياسة وصعوبة الوحدة الجامعة بين دول الإسلام. ~~••• # وإذا كان انفصال الخلافة عن الدولة ضرورة قاسرة ومصلحة مختارة فليس أولى بالخلافة من ~~الأمة العربية ... وقد تبسط الكواكبي في سرد الشروط والأسباب التي قضت أحوال الحكومات ~~الإسلامية وشعوبها في عصره بملاحظتها، ولكن الغاية الجوهرية التي لا ترتبط بتلك الأحوال ~~تتلخص فيما يلي: ~~(1) # أن يكون الخليفة عربيا. ~~(2) # وأن يكون اختياره بالانتخاب. ~~(3) # وأن تكون وظيفته روحية. ~~(4) # وأن يعاونه مجلس شورى تتمثل فيه جميع الشعوب الإسلامية. ~~(5) # وأن تنفذ وصاياه طواعية في المسائل الدينية، ولا تتعرض في تنفيذها ~~للمشكلات السياسية. # ولا بد من التمهيد لقيام الخلافة بإعداد الأذهان في العالم الإسلامي لقبول هذا ~~النظام، وإيثاره على نظم التقاليد التي فرضتها مآرب أصحاب السلطان ودسائس الدعاة ~~المغرضين بعد عصر الخلفاء الراشدين، وتتصدى لهذه المهمة جماعة منظمة تعمل أساس الشورى ~~والاختيار وتتخذ مقرها في ميناء متوسط كبورسعيد أو الكويت، ثم تعلن دعوتها وتبلغها ~~إلى ولاة الأمور في الأقطار الإسلامية. # ويظهر من تفصيل الخطط التي رسمها الكواكبي للتدرج في تحقيق وظيفة الخلافة على هذه ~~الصورة أنه كان شديد الحذر من مقاومة الدول الكبرى التي تعنيها مسألة الخلافة ~~الإسلامية، وأنه أفرط في الحذر أحيانا؛ فقدم حساب التقية والمجاملة على كل حساب يشغله ~~في حينه، ولم يخالف الحقيقة حين اهتم بتفسير فريضة الجهاد على النحو الذي يزيل مخاوف ~~الدول ومخاوف الأمم من غير المسلمين على التعميم؛ فقد أصاب حين قال: # إنه ms110 ليس في علماء الإسلام مطلقا من يحصر معنى الجهاد في سبيل الله في مجرد ~~محاربة غير المسلمين؛ بل كل عمل شاق نافع للدين والدنيا، حتى الكسب لأجل ~~العيال، يسمى جهادا، وبذلك يعلمون أن قصر معنى الجهاد على الحروب كان ~~مبنيا على إرادة الفتوحات ... كما أعطى اسم الجهاد مقابلة لاسم الحروب الصليبية ~~... # وكذلك أصاب حيث قال: # إن أصل الإسلامية لا يستلزم الوحشة بين المسلمين وغيرهم، بل يستلزم الألفة ... ~~وإن العرب أينما حلوا في البلاد جذبوا أهلها بحسن القدوة والمثال لدينهم ولغتهم ~~... # ولكنه بالغ في دفع الخوف واتقاء المقاومة حين استطرد قائلا: # إن العرب لم ينفروا من الأمم التي حلت ببلادهم وحكمتهم، فلم يهاجروا منها ~~كعدن وتونس ومصر بخلاف الأتراك؛ بل يعتبرون دخولهم تحت سلطة غيرهم من حكم الله؛ ~~لأنهم يذعنون بكلمة ربهم تعالى شأنه: # وتلك الأيام ~~نداولها بين الناس ~~. # ثم كشف عن أسباب تلك المبالغة في التقية حين قال بعد ذلك: # فإذا علم السياسيون هذه الحقائق وتوابعها لا يتحذرون من الخلافة العربية؛ بل ~~يرون من صوالحهم الخصوصية وصوالح النصرانية وصوالح الإنسانية أن يؤيدوا قيام ~~الخلافة العربية بصورة محدودة السطوة مربوطة بالشورى على النسق الذي ~~قرأته. # فالكواكبي «الدبلوماسي» السياسي هنا أظهر من الكواكبي الثائر، و«أم القرى» هنا أسلوب ~~من العمل غير أسلوب «طبائع الاستبداد»؛ فإن الكواكبي الثائر لم يقبل من المسلم أن يذعن ~~للغضب والسيطرة في حكومة مسلمة، ولم يحمد منه أن يستكين لتداول الدول وحكم الأيام جهلا ~~بمعنى التسليم للقضاء، وإنما هي مزالق الحيلة لا تؤمن مزلتها في طريق الثورة، ولا سلامة ~~من عثراتها قبل استوائها على جادتها المثلى. # على أن الكواكبي الثائر كاد أن يتكشف لقارئه في «أم القرى» وفي صدد الكلام على ~~الخلافة والدول الأجنبية، حيث قال وهو يتكلم عن القضية الخامسة والأربعين: «إذا صادفت ~~الجمعية معارضة في بعض أعمالها من حكومة بعض البلاد - ولا سيما البلاد التي هي تحت ~~استيلاء الأجانب - فالجمعية تتذرع «أولا» بالوسائل اللازمة لمراجعة تلك الحكومة ~~وإقناعها بحسن نية الجمعية، فإذا توفقت لرفع العنت فيها، ms111 وإلا فلتلجأ الجمعية إلى الله ~~القادر الذي لا يعجزه شيء ...» # ومراد الكواكبي من عبارته هذه واضح عند من يفهم أن اللجوء إلى الله «القادر الذي لا ~~يعجزه شيء» يعني كل شيء غير التسليم والنكوص عن العمل الذي بدأ وتقدم وتمت له أسباب ~~التدبير. ~~••• # إلا أن القارئ يستطيع أن ينفذ إلى الغاية الجوهرية في أمر الدولة والخلافة من وراء ~~الخطط أو النماذج العملية التي تصلح لبعض الأزمنة ولا تصلح لغيرها، والتي رسمتها ~~الحوادث للكواكبي ولم يرسمها لنفسه باختياره، ولعله كان يعيد فيها النظر لو تراخى به ~~الأجل فيمحو منها ويثبت ويزيد عليها وينقص منها، ولا يدعها لخلفائه - بأية حال - على ~~الصورة التي بقيت لنا بعد نصف قرن من وفاته. # فإذا نفذ القارئ من وراء تلك الخطط الموقوتة إلى الغاية الجوهرية، فلا نزاع في تلك ~~الغاية ولا في الإيمان بأن الوصول إليها هو مبعث الدعوة التي اضطلع بها وصمد عليها، ~~وخلاصتها في كلمات معدودات: أن دعوى الخلافة في القسطنطينية لا ينبغي أن تعوق الأمة ~~العربية عن نهضة الإصلاح والحرية. # الفصل السادس عشر # | النظام السياسي # علوم السياسة أقرب العلوم إلى أن تكون «اختصاصا» للكواكبي بين دراسات عصره، نفهم ذلك ~~من كلامه في مقدمة «طبائع الاستبداد»، كما نفهمه في مباحث الكتاب كله؛ لأنها مباحث ~~مشروحة على إيجازها لا يجول فيها قلم كاتب لم يتوسع في هذه الدراسات. # ولكننا قد علمنا من طبيعة تفكير الكواكبي أنه يدرس ليعمل وينفذ، أو ليدل على وسائل ~~العمل والتنفيذ؛ فكل ما كتبه في موضوعات العلم السياسي فهو من قبيل «المذكرات ~~الإيضاحية» التي تبين حدود العمل المطلوب وتبين الطريقة التي تتبع في تنفيذه، وما عدا ~~ذلك من مباحث النظر والتأمل فقد بقيت في كتاباته المعروفة «رءوس موضوعات» لم يتسع له ~~الوقت لاستيفائها، ولعله لم يجد من لوازم عمله أن يستوفيها على المنهج المدرسي كما يصنع ~~الباحث الذي يدرس الموضوع ليؤلف فيه أو ليضطلع بتعليمه والإقناع به من الوجهة النظرية، ~~وإنما أحالها بعناوينها المجملة لمن يريد أن يرجع إليها في مصادر ms112 التخصص والبيان ليصحح ~~النظر أو ليحقق وسائل العمل المتفق. # ومن قبيل هذه المباحث التي تركها «رءوس موضوعات» في الصفحات الأخيرة من «طبائع ~~الاستبداد» قوله في مبحث الحقوق العمومية: «هل للحكومة صفة المالكية؛ أم صفة الأمانة ~~والنظارة على الأملاك العمومية؛ مثل الأراضي والمعادن والأنهر والسواحل والقلاع ~~والمعابد والأساطيل والمعدات، ومثل حقوق المعاهدات والاستعمار، ومثل حقوق إقامة الحكومة ~~وتأمين العدالة وتسهيل الترقي الاجتماعي وإيجاد التضامن الإفرادي، إلى غير ذلك مما يحق ~~لكل فرد أن يتمتع به وأن يطمئن؟» # ومن هذه المباحث قوله عن توزيع السلطة: «هل يجمع بين سلطتين أو ثلاث في واحد؟ أم تخصص ~~كل وظيفة من السياسة والدين والتعليم بمن يقوم بها بإتقان ولا يجوز الجمع منعا ~~لاستفحال السلطة؟» # وقد أثبت من عناوين هذه المباحث خمسة وعشرين عنوانا قال عنها: «إن كلا منها يحتاج ~~إلى تدقيق عميق وتفصيل طويل وتطبيق على الأحوال والمقتضيات الخصوصية.» # ثم مضى قائلا إنه ذكر «هذه المباحث تذكرة للكتاب ذوي الألباب وتنشيطا للنجباء على ~~الخوض فيها بترتيب؛ اتباعا لحكمة إتيان البيوت من أبوابها، وإن اقتصر على بعض الكلام ~~فيما يتعلق بالمبحث الأخير منها فقط، أعني مبحث السعي في رفع الاستبداد». # وإنما خص هذا المبحث الأخير لأنه يمس فيه الوسيلة العملية التي لا يكفي فيها مجرد ~~التأمل وتقليب وجوه النظر في مختلف الآراء، وذلك شأنه في كل ما يكتبه عند وجوب التفرقة ~~بين ما يدرس وما يعمل، ووجوب التفرقة أيضا بين ما يشرع في عمله وبين ما يؤجل إلى حين ~~ليعمل في أوانه. # ولا ننسى أن الكواكبي كان يكتب ما ينوي إعلانه في بلاد تابعة للسيادة العثمانية، سواء ~~منه ما كتبه في حلب قبل هجرته الأخيرة، وما كتبه في مصر باسمه الصريح أو باسم مستعار، ~~فلم يكن في وسعه أن يعلن ما يمنعه القانون ويمنعه العرف الشائع بين الناشرين، ومنهم ~~أصحاب الصحف والمطابع التي تدين بالولاء للدولة صاحبة السيادة، ولكنه كان يتحرى التعبير ~~عن رأيه بالأسلوب الذي يدل عليه دلالة لا شك فيها دون أن يخرج بالنص ms113 المكتوب عن حدوده ~~القانونية. وعلى صعوبة التعبير البين عن خطط الثورة لم يكن برنامجه في مسألة النظام ~~السياسي بالبرنامج المجهول عند قرائه، ولو لم يكن منهم من يلقاه ويسمع منه الرأي الصريح ~~فيما يريده وفيما يراه. # فلم يكن أصرح - في حدود القانون - من دعوته للعرب إلى الاستقلال بحكم أنفسهم حيث يقول ~~في «أم القرى»: إن التطابق في الجنس بين الراعي والرعية «يجعل الأمة تعتبر رئيسها ~~رأسها، فتتفانى دون حفظه ودون حكم نفسها بنفسها حيث لا يكون لها في غير ذلك فلاح أبدا ~~كما قال الحكيم المتنبي: # وإنما الناس بالملوك ولا # يفلح عرب ملوكها عجم # ومما لا خلاف فيه أن من أهم حكمة الحكومات أن تتخلق بأخلاق الرعية وتتحد معها في ~~عوائدها ومشاربها». # بل هو يصرح بما هو أقوى من ذلك وأدل على رأيه في حكومة عصره التركية؛ إذ يقول: إن ~~التطابق بين الراعي ورعيته من العرب هو الواقع الممكن الذي لا محيد للحاكم عنه، وليس ~~قصارى الأمر فيه أنه سياسة حسنة أو نصيحة مستحبة، ويستشهد بذلك بالحكومات - غير العربية ~~- التي حكمت العرب قبل الترك العثمانيين؛ إذ يذكر آل بويه والسلجوقيين والأيوبيين ~~والغوريين والأمراء الجراكسة وآل محمد علي، ثم يقول: «فإنهم ما لبثوا أن استعربوا ~~وتخلقوا بأخلاق العرب وامتزجوا بهم وصاروا جزءا منهم، وكذلك المغول التاتار صاروا ~~فرسا وهنودا، فلم يشذ في هذا الباب غير المغول الأتراك؛ أي العثمانيين، فإنهم ~~بالعكس يفتخرون بمحافظتهم على غيرية رعاياهم لهم، فلم يسعوا باستتراكهم كما أنهم لم ~~يقبلوا أن يستعربوا، والمتأخرون منهم قبلوا أن يتفرنسوا أو يتألمنوا، ولا يعقل لذلك ~~سبب غير شديد بغضهم يستدل عليه من أقوالهم التي تجري على ألسنتهم.» ~~••• # ولا حاجة بالكواكبي بعد هذا البيان عن ضرورة التطابق بين الراعي والرعية إلى كلمة ~~صريحة أو غامضة لجلاء الوجهة التي ينبغي أن تنتهي إليها مساعي العرب في يقظتهم، فلا بد ~~أن يفلحوا ... ولن يفلحوا وهم عرب يملكهم عجم ... وملوكهم القائمون بالأمر لا يستعربون ولا ~~يروقهم أن «يستترك» رعاياهم، ومنهم من يؤثر أن يتفرنس ms114 ويتألمن ويتجه نحو الغرب ولا ~~يحول وجهته إلى قبلة شرقية. # فالغاية الماثلة أمام المجاهدين في سبيل اليقظة العربية هي «الاستقلال» وإقامة الدولة ~~التي يقيمها العرب ويرعاها العرب، والمطالبة في انتظار تحقيق هذه الغاية بخير ما يمكن ~~من وجوه الإصلاح التي تزيل أسباب الخلل في إدارة السلطنة العثمانية، وأهمها - فيما يهم ~~البلاد العربية - «التمسك بأصول الإدارة المركزية مع بعد الأطراف عن العاصمة وعدم وقوف ~~رؤساء الإدارة في المركز على أحوال تلك الأطراف المتباعدة وخصائص سكانها». # ويلحق بهذا السبب سببان آخران يبدو للنظر لأول وهلة أنهما متناقضان لولا أنهما يرجعان ~~إلى حالتين مختلفتين، وهما حالة الرعية الشرقية وحالة الرعية الأجنبية غير العربية ممن ~~تشملهم قوانين الامتيازات أو القوانين المحلية المقصورة على بعض الأقاليم. # فالسبب الأول يرجع إلى «توحيد قوانين الإدارة والعقوبات مع اختلاف طبائع أطراف ~~المملكة واختلاف الأهالي والأجناس والعادات» ... ولا يخفى ضرر هذا التوحيد من الوجهة ~~الاجتماعية والإدارية، حيث تتبع «الإجراءات» الواحدة في المقاضاة وتدبير الدواوين بين ~~أطراف دولة تمتد من وادي النهرين إلى البحر الأبيض، ومن البحر الأسود إلى خليج عدن، ~~وتسري على أقوام بينهم من الاختلاف ما بين الأرمن والجركس والترك والعرب في الحاضرة ~~والبادية. # والسبب الآخر يرجع - كما قال الكواكبي - إلى «تنويع القوانين الحقوقية وتشويش القضاء ~~في الأحوال المتماثلة». # ففي ظاهر الأمر يبدو أن صاحب «أم القرى» يشكو في وقت واحد من توحيد الإجراءات ~~والقوانين ومن تنويعها واختلافها، وهي شكوى متناقضة، ولكنه تناقض في الظاهر دون الحقيقة ~~كما أسلفنا؛ لأن هذه الشكوى في مؤتمر أم القرى خاصة، إنما يثيرها التنويع الذي يقوم على ~~التمييز بين جنس وجنس وطائفة دون طائفة؛ إذعانا للمعاهدات الأجنبية تارة أو مراعاة ~~للمنازعات الطائفية واستبقاء لبواعث تلك المنازعات تارة أخرى. وقد كان هذا التمييز ~~عرفا شائعا في نظم الدولة يعم تشريعات الإدارة والأحوال الشخصية، ويختلف بالإقليم ~~الواحد بين فئة وفئة وبين عشيرة وعشيرة، ولا يقتصر على الأجانب ولا على الأقاليم التي ~~نشبت فيها الثورات وتدخلت فيها الدول لتقرير نظام الولاية أو الإدارة فيها. # فالكواكبي ms115 كان يشكو في الحالتين من شيء واحد، وهو مخالفة الشريعة للمصلحة؛ إما ~~بالتسوية حيث تفرق الأحوال، أو بالتفرقة حيث تلزم العدالة والمساواة. # وربما أضاف الكواكبي شكواه الفنية إلى هذه الشكوى الاجتماعية من تلفيق القوانين ~~والإجراءات، فإنه - وهو الخبير بفقه التشريع - كان ينكر من دعاة التجديد من فقهاء الترك ~~أنهم على تقديره لم يحسنوا المحافظة ولم يحسنوا الابتداع، وأن الدولة ترخصت في تبديل ~~قواعد التشريع لغير ضرورة وتشددت في بعضها الآخر كذلك لغير ضرورة «وجاءها أكثر من هذا ~~الخلل في الستين سنة الأخيرة؛ أي بعد أن اندفعت لتنظيم أمورها فعطلت أصولها القديمة ~~ولم تحسن التقليد ولا الإبداع، ففشلت حالها ولا سيما في العشرين سنة الأخيرة التي ضاع ~~فيها ثلثا المملكة وخرب الثلث الباقي وأشرف على الضياع؛ لفقد الرجال وصرف حضرة السلطان ~~قوة سلطنته كلها في سبيل حفظ ذاته الشريفة وسبيل الإصرار على سياسة الانفراد». # وقد صرح الكواكبي بالحل الملائم لهذه المشكلات السياسية والقانونية لبلاد العرب، ~~ولبلاد الدولة عامة، في أطوار الانتقال، فقال في هامش الصفحة التي سرد فيها أسباب الخلل ~~من أم القرى: إن «من أهم الضروريات أن يحصل كل قوم من أهالي تركيا على استقلال نوعي ~~إداري يناسب عاداتهم وطبائع بلادهم، كما هي الحال في إمارات ألمانيا وولايات أمريكا ~~الشمالية، وكما يفعله الإنكليز في مستعمراتهم والروس في أملاكهم». # وفحوى هذا الحل أن يؤخذ الذي عرف بعد ذلك باسم «اللامركزية»، وشعر ساسة الترك أنفسهم ~~بضرورته بعد تفكير الكواكبي فيه بسنوات، فهو - ولا ريب - رائد الدعوة اللامركزية التي ~~جهر بها «حزب الائتلاف والحرية»، وضم إليها أناسا من زعماء الترك والعرب وبعض الأقوام ~~المشتركين في تركيب السلطنة العثمانية، وكانوا ينادون بالائتلاف لتكوين السلطنة من ~~الشعوب المتآلفة مع استقلالها بحكوماتها الذاتية، وينادون بالحرية لتغليب حقوق الشعوب ~~في سياسة أمورها على حقوق السلطنة المتفردة بالحكومة المركزية، ويقابلون بذلك دعوة ~~المركزيين المعروفين باسم حزب الاتحاد والترقي، يريدون بذلك أن تكون الوحدة المركزية في ~~الدولة غالبة على الائتلاف، وأن تكون حجة «الترقي» بقيادة الرئاسة الحاكمة غالبة على ms116 ~~حجة المطالبة بالحرية لكل ولاية على انفراد. # ولا يلجئنا مؤلف «طبائع الاستبداد» إلى مراجعة واستنباط للعلم بصفة الحكومة التي ~~يختارها ويسعى إليها، فلا بد أن تكون - بالبداهة - حكومة غير مستبدة أو «حكومة ~~مسئولة». # أما العنوان الذي يطلق عليها في مصطلحات العلم السياسي فينبغي أن يتوافر لها بين ~~الشروط الكثيرة شرطان على الأقل من شروط الحكومات المسئولة؛ وهما أن تكون «ديمقراطية ~~اشتراكية». # وقد عرف الاستبداد تعريفين يختلفان بعض الاختلاف لفظا ويتفقان كل الاتفاق في المعنى ~~والنتيجة. # فالاستبداد - كما قال في مقدمة طبائع الاستبداد - هو «التصرف في الشئون المشتركة ~~بمقتضى الهوى». # أو هو - كما قال بعد ذلك - «تصرف فرد أو جمع في حقوق قوم بلا خوف تبعة». # ويمتنع الاستبداد - نظرا وفعلا - بقيام الحكومة المسئولة، وأفضل هذه الحكومات التي ~~تجتمع لها مبادئ الديمقراطية والاشتراكية، وتتراءى هنا طبيعة التفكير العملي التي تمتزج ~~بآراء الكواكبي في كل مسألة يتسع فيها مجال البحث والمناقشة، وتتساوى فيها وجوه النظر ~~عند تحقيق نتيجتها العملية وضمان المصلحة المنشودة بضمان تلك النتيجة. # فليست العبرة عند الرجل العليم بمنافذ الاستبداد أن يتوافر للحكومة شكل من أشكال ~~الدستور وصورة من صور الحقوق الكثيرة التي ترشح أفراد الرعية للنيابة أو الانتخاب، ~~وإنما المهم في جميع الأشكال على تعدد المصطلحات والدساتير أن يكون ولي الأمر مسئولا ~~عن عمله محاسبا عليه، وأن يمتنع عليه الاستبداد، وهو التصرف بالهوى والأمان من التبعة ~~«بلا خشية حساب ولا عقاب محققين». # فلا يمتنع الاستبداد بامتناع حكومة الفرد، ولا يتحقق الحكم الصالح باشتراك الكثرة فيه ~~أو بتأييد الكثرة للحاكمين المتعددين، أو كما قال في المقدمة: «إن صفة الاستبداد كما ~~تشمل حكومة الحاكم الفرد المطلق الذي تولى الحكم بالغلبة أو بالوراثة، تشمل أيضا ~~الحاكم الفرد المقيد الوارث أو المنتخب متى كان غير محاسب، وكذلك تشمل حكومة الجمع ولو ~~منتخبا؛ لأن الاشتراك في الرأي لا يدفع الاستبداد وإنما قد يعدله نوعا، وقد يكون أحكم ~~وأضر من استبداد الفرد، ويشمل أيضا الحكومة الدستورية المفرقة فيها قوة التشريع عن قوة ~~التنفيذ؛ لأن ذلك أيضا ms117 لا يرفع الاستبداد ولا يحققه ما لم يكن المنفذون مسئولين لدى ~~المشرعين، وهؤلاء مسئولون لدى الأمة التي تعرف أن تراقب وتؤدي الحساب.» # ولا يمتنع الاستبداد في شكل من أشكال الحكومة مع غفلة الأمة وقدرة الحاكمين على ~~تضليلها والتمويه عليها، قال: «إنه ما من حكومة عادلة تأمن المسئولية والمؤاخذة بسبب من ~~أسباب غفلة الأمة أو إغفالها لها إلا وتسارع إلى التلبس بصفة الاستبداد، وبعد أن تتمكن ~~فيه لا تتركه وفي خدمتها شيء من القوتين الهائلتين المهولتين: جهالة الأمة والجنود ~~المنظمة.» # ومن علامات الحكومة الصالحة التي يتعذر عليها الاستبداد في رأي الكواكبي أن يشترك ~~فيها من عناهم القرآن الكريم بأهل الذكر، واصطلح الفقهاء على تسميتهم بأهل «الحل ~~والعقد» من قادة الأمة وهداتها، قال بلسان الإمام الصيني في أم القرى: «وهؤلاء الذين ~~نسميهم عندنا بالحكماء هم الذين يطلق عليهم في الشريعة الإسلامية اسم أهل الحل والعقد ~~الذين لا تنعقد الإمامة شرعا إلا ببيعتهم، وهم خواص الطبقة العليا في الأمة الذين أمر ~~الله - عز شأنه - نبيه بمشاورتهم في الأمر ... لأنهم رؤساء الأمة ووكلاء العامة والقائمون ~~في الحكومة الإسلامية مقام مجالس النواب والأشراف في الحكومات المقيدة.» # وإذا أشار الكواكبي إلى الطبقة العليا في «أم القرى» أو «طبائع الاستبداد» لم يدع ~~أحدا من قرائه يفهم أنها الطبقة العليا بالألقاب أو الطبقة العليا بالميراث؛ لأنه يسمي ~~أصحاب الألقاب من خدام الاستبداد «بالمتمجدين» أو أدعياء المجد، ويقول: إن هذا التمجد ~~«خاص بالإدارات الاستبدادية؛ لأن الحكومة الحرة التي تمثل عواطف الأمة تأبى كل الإباء ~~إخلال التساوي بين الأفراد إلا لموجب حقيقي، فلا ترفع قدر أحد منها إلا أثناء قيامه في ~~خدمتها؛ أي الخدمة العمومية، كما أنها لا تميزه بوسام أو تشرفه بلقب إلا إعلانا لخدمة ~~مهمة». # وإنما يكون التمجد - كما قال - «أن يتقلد الرجل سيفا من قبل الجبار يبرهن به على أنه ~~جلاد في دولة الاستبداد، أو يعلق على صدره وساما مشعرا بما وراءه من الوجدان المستبيح ~~للعدوان، أو يتحلى بسيور مزركشة تنبئ بأنه صار أقرب إلى النساء منه ms118 إلى الرجال، وبعبارة ~~أوضح وأخصر: هو أن يصير الإنسان مستبدا صغيرا في كنف المستبد الأعظم». # وطبقة الميراث - ما لم يميزها العلم والخلق الرفيع - هي جرثومة البلاء كما قال، ~~وأبناؤها «هم الأكثر عددا والأهم موقعا، وهم مطمح نظر المستبد في الاستعانة وموضع ~~ثقته». # قال من كلامه عن الاستبداد والمجد: إن هؤلاء الأصلاء «هم جرثومة البلاء في كل قبيلة ~~ومن كل قبيل؛ لأن بني آدم داموا إخوانا متساوين إلى أن ميزت الصدفة بعض أفرادهم ~~بكثرة النسل، فنشأت منها القوات العصبية، ونشأ من تنازعها تميز أفراد على أفراد، ~~وحفظ هذه الميزة أوجد الأصلاء ... فالأصلاء في عشيرة أو أمة إذا كانوا متقاربي القوات ~~استبدوا على باقي الناس وأسسوا حكومة أشراف، ومتى وجد بيت من الأصلاء يتميز كثيرا على ~~باقي البيوت يستبد وحده ويؤسس الحكومة الفردية المقيدة إذا كان لباقي البيوت بقية بأس، ~~أو المطلقة إذا لم يبق أمامه من يتقيه». # ثم قال: «إذا لم يوجد في أمة أصلاء بالكلية، أو وجد ولكن كان لسواد الناس صوت غالب، ~~أقامت تلك الأمة فعلا أو حكما لنفسها حكومة انتخابية لا وراثة فيها ابتداء، ولكن لا ~~يتوالى بضع متولين إلا ويصير أنسالهم أصلاء يتناظرون، كل فريق منهم يسعى لاجتذاب طرف ~~من الأمة استعدادا للمغالبة وإعادة التاريخ الأول ...» ~~••• # فالطبقة العليا - في تعبير الكواكبي - لا تعني طبقة من طبقات المظاهر المصنوعة ولا ~~المظاهر الموروثة: لا تعني حملة الألقاب والرتب التي يخلعها الحاكم المطلق على خدامه ~~وعبيد سلطانه، ولا تعني أصحاب الوجاهة المنقولة من الأسلاف إلى الأعقاب دون أن ينتقل ~~معها سبب من أسباب الوجاهة النافعة، وإنما الطبقة العليا في تعبير صاحب «طبائع ~~الاستبداد»، و«أم القرى»، هي الطبقة التي استعدت بكفايتها ودرايتها لقيادة الأمة ~~والاضطلاع «بالخدمة العمومية» والسبق إلى تكاليف العمل والمعرفة، تتولاها وكالة عن ~~جمهرة الأمة، ولا بد في ولايتها من صوت غالب لسواد الأمة، على أية حال، كما يؤخذ من ~~إحصائه لأسباب فساد الحكومة فيما جمعه من هذه الأسباب السياسية والدينية والأخلاقية في ~~فصل خاص ألحقه بفصول أم القرى. ms119 # وأيا كان مفاد «الطبقة» في تعبير الكواكبي خاصة، فقوام النظام الصالح كله أمران: أن ~~تتساوى الطبقات في الحقوق القانونية، وأن تتقارب في الثروة ودرجات المعيشة. # فلا مناص من إعداد الشعوب لنيل «الأخوة العمومية بالتجاوب بين الأفراد والقناعة ~~بالمساواة الحقوقية بين الطبقات». # ولا مناص من توزيع الثروة توزيعا يمتنع به التفاوت، فإن الاستبداد - كما قال في ~~طبائع الاستبداد - هو الذي جعل «رجال السياسة والأديان ومن يلتحق بهم، وعددهم لا يتجاوز الخمسة # 1 # في المائة يتمتعون بنصف ما يتجمد من دم البشر أو زيادة.» # قال: «وإن أهل الصنائع النفيسة والكمالية والتجار الشرهين والمحتكرين وأمثال هذه ~~الطبقة - ويقدرون كذلك خمسة في المائة - يعيش أحدهم بمثل ما يعيش به العشرات أو ~~المئات أو الألوف من الصناع والزراع، وهذه القسمة المتفاوتة بين بني آدم وحواء إلى هذه ~~النسبة المتباعدة هي قسمة جاء بها الاستبداد السياسي.» كما قال وكرر المقال مما نعود ~~إلى بيان رأيه المفصل فيه عند الكلام على برنامجه المختار لإصلاح الحياة ~~الاقتصادية. # ويقتضي التساوي بذلك - الطبقات على هذا المبدأ - ألا تستأثر طائفة من الأمة بإنجاب ~~أهل العلم والدراية؛ بل يكون حكماء الأمة - كما قال بلسان الحكيم الصيني - «من أي طبقة ~~كانت من الأمة؛ إذ قضت سنة الله في خلقه ألا تخلو أمة من الحكماء». # ولا فرق بين طائفة وطائفة في التخلق بأخلاق الاستبداد متى قام الأمر على الحكم ~~المطلق وامتنعت المساواة في الحقوق بين الناس؛ «فإن الحكومة المستبدة تكون طبعا مستبدة ~~في كل فروعها؛ من المستبد الأعظم إلى الشرطي إلى الفراش إلى كناس الشوارع، ولا يكون ~~كل صنف إلا من أسفل أهل طبقته أخلاقا؛ لأن الأسافل لا يهمهم جلب محبة الناس، إنما غاية ~~مسعاهم اكتساب ثقة المستبد فيهم بأنهم على شاكلته وأنصار لدولته، شرهون لأكل السقطات من ~~ذبيحة الأمة، وبهذا يأمنهم ويأمنونه فيشاركهم ويشاركونه. هذه الفئة المستبدة يكثر عددها ~~ويقل حسب شدة الاستبداد وخفته، فكلما كان المستبد حريصا على العسف احتاج إلى زيادة جيش ~~المتمجدين العاملين له، والمحافظين عليه، واحتاج إلى الدقة في ms120 اتخاذهم من أسفل السافلين ~~الذين لا أثر عندهم لدين أو وجدان، واحتاج إلى حفظ النسبة بينهم في المراتب بالطريقة ~~المعكوسة، وهي أن يكون أسفلهم طباعا أعلاهم وظيفة وقربا ...» ~~••• # والكواكبي يذكر السلف الصالح للاقتداء به في أخلاق الرعاة والرعايا، ولكنه يحذر ~~قارئه ويعيد التحذير مرة بعد مرة من الخلط بين الاقتداء بأخلاق الحاكمين الأولين وبين ~~الدعوة إلى تقديس أولئك الحاكمين أو إحاطتهم بهالة من عصمة الربوبية أو الرسالة، فإنه - ~~مع تقريره أن الخلافة الإسلامية لم تثبت من قبل لغير الخلفاء الراشدين وآحاد معدودين ~~من أمثال عمر بن عبد العزيز - يرى أن الفصل بين الملك والخلافة ضرورة لا محيص عنها؛ كي ~~يتسنى للرعية أن يحاسبوا ولي الأمر ويقيموا ولاية الأمر على أساس الحكومة المسئولة، وقد ~~يحال بينهم وبين ذلك بانتحال صفة القداسة التي يعتصم بها الخليفة من محاسبة رعاياه ~~ومراجعة الأمة في مجموعها لسياسة الدولة. # ولا اكتراث للصور والأشكال في كل ما تقدم من قواعد الحكم وأنظمته وسائر شروطه، فكل ~~صورة من صور الحكم حسنة نافعة إذا تحققت فيها المحاسبة، ولحقت فيها تبعات الحكم فعلا ~~بمن يتولاه، وكل أمة قادرة على محاسبة حكامها إذا عمت فيها المساواة الحقوقية وامتنع ~~فيها التفاوت البعيد في الأرزاق والأقدار، وانجابت عنها غشاوة الغفلة بين عامة أهلها ~~وارتفع إلى مكان القيادة من استعد بكفايته ودرايته لقيادتها، كائنا ما كان منشؤه من ~~عامة طبقاتها. # الفصل السابع عشر # | النظام الاقتصادي # قدمنا في الكلام على النظام السياسي أن الكواكبي يعتبر التفاوت في الثروة دعامة من ~~أقوى دعائم الاستبداد؛ لأنه يسمح لأصحاب النفوذ الديني أو الدنيوي - وهم لا يزيدون على ~~الخمسة في المائة من جملة السكان - بأن يستأثروا لأنفسهم بنحو نصف الثروة ~~العامة. # وهو ينكر مثل هذا الإنكار أن يحصل مثل هذا التفاوت بأية ذريعة من الذرائع ولو كانت ~~ذريعة العمل والصناعة، فليس من الجائز أن يعيش إنسان واحد بمثل ما يعيش به المئات أو ~~الألوف؛ لأنه يتفوق على غيره بعمل بارع أو صناعة نفيسة، ولا لأنه يحسن الوساطة ~~والمداورة في ms121 سوق البيع والشراء أو في سوق الفكر والضمير، «فهناك أصناف من الناس لا ~~يعلمون إلا قليلا، إنما يعيشون بالحيلة كالسماسرة والمشعوذين باسم الأدب والدين ~~...» # والمال على العموم «لا يجتمع في أيدي الأغنياء إلا بأنواع من الغلبة والخداع» ... وليس ~~من شأن التفاوت في القدرة والهمة أن تمنح إنسانا واحدا ما يقوم بنفقات الألوف من ~~الناس، وليس هذا التفاوت مما يحتاج إليه العامل المقتدر لإتقان عمله أو يحتاج إليه ~~المجتهد الطموح لاستنهاض همته وإشباع طموحه؛ بل ربما كان فيه مدرجة للغواية والبطالة ~~ومدعاة إلى الإسراف والإسفاف. # وليس المطلوب أن يبطل التفاوت بين الناس في المعرفة والذكاء، ولا أن يبطل التفاوت ~~بينهم في المساعي والجهود، فلا يقتضي الأمر - كما قال - «أن يتساوى العالم الذي صرف ~~زهوة حياته في تحصيل العلم النافع أو الصنعة المفيدة بذلك الجاهل النائم في ظل الحائط، ~~ولا ذلك التاجر المجتهد المخاطر بالكسول الخامل، ولكن العدالة تقتضي غير ذلك التفاوت؛ ~~بل تقتضي الإنسانية أن يأخذ الراقي بيد السافل فيقربه من منزلته ويقاربه في معيشته ~~ويعينه على الاستقلال في حياته». # وأيا كان جهد المجتهد وعلم العالم فلا يجوز أن يزيد الرزق على الحاجة تلك الزيادة ~~المفرطة التي تسمح لطائفة من الأمة بتسخير جميع طوائفها؛ «لأن إفراط الثروة مهلكة ~~للأخلاق الحميدة في الإنسان، وهذا معنى الآية: # إن الإنسان ~~ليطغى * أن رآه استغنى ~~... فضرر الثروات ~~الإفرادية في جمهور الأمم أكبر من نفعها؛ لأنها تمكن الاستبداد الداخلي فتجعل الناس ~~نصفين: عبيدا وأسيادا، وتقوي الاستبداد الخارجي فتسهل للأمم التي تغنى بغناء أفرادها ~~التعدي على حرية واستقلال الأمم الضعيفة ...» ~~••• # وتظهر لنا سعة اطلاع الكواكبي في مسائل الإصلاح ~~من إحاطته بأوائل الأعمال والآراء التي كانت تحسب في أواخر القرن الماضي طليعة سابقة؛ ~~بل طليعة متهجمة، في مجال الإصلاح الاقتصادي والمذاهب الاشتراكية، فذكر تحديد الملكية ~~الزراعية وذكر تأميم المرافق العامة، ومضت بعده خمسون سنة قبل أن يتيسر تنفيذ هذه ~~الآراء في بلادنا الشرقية. # قال: «هذه إيرلندة مثلا قد حماها ألف مستبد مالي من الإنكليز ليتمتعوا بثلثي أو ~~ثلاثة ms122 أرباع ثمرات أتعاب عشرة ملايين من البشر الذين خلقوا من تربة إيرلندة، وهذه مصر ~~وغيرها تقرب من ذلك حالا وستفوقها مالا، وكم من البشر في أوروبة المتمدنة - وخصوصا ~~في لندن وباريس - لا يجد أحدهم أرضا ينام عليها متمددا؛ بل ينامون في الطبقة السفلى ~~من البيوت حيث لا ينام البقر، وهم قاعدون صفوفا يعتمدون بصدورهم على حبال من مسد ~~منصوبة أفقية، يتلوون عليها يمنة ويسرة.» # قال: «وحكومة الصين المختلة النظام في نظر المتمدنين تحرم قوانينها أكثر من مقدار ~~معين من الأرض لا يتجاوز العشرين كيلومترا مربعا؛ أي نحو خمسة أفدنة مصرية أو ثلاثة ~~عشر دونما عثمانيا. وروسيا المستبدة القاسية في عرف أكثر الأوروبيين وضعت أخيرا ~~لولاياتها البولونية والغربية قانونا أشبه بقانون الصين، وزادت عليه أنها منعت سماع ~~دعوى دين غير مسجل على فلاح، ولا تأذن لفلاح أن يستدين أكثر من نحو خمسمائة فرنك، ~~وحكومات الشرق إذا لم تستدرك الأمر فتضع قانونا من قبيل قانون روسيا تصبح الأراضي ~~الزراعية بعد خمسين عاما، أو قرن على الأكثر، كإيرلندة الإنجليزية المسكينة ...» # وقال بعد أن قرر أن الشرط الأول لإحراز المال ~~أن يأتي من بذل الطبيعة أو بالمقايضة أو في مقابل عمل أو مقابل ضمان: والشرط الثاني ألا ~~يكون للتمول تضييق على حاجيات الغير؛ كاحتكار الضروريات أو مزاحمة الصناع والعمال ~~والضعفاء، والتغلب على المباحات؛ مثل امتلاك الأراضي التي جعلها خالقها ممرحا لكافة ~~مخلوقاته ... # وعلى هذا السبق إلى الإحاطة بالآراء المستحدثة يتبين من ثنايا أقواله العامة في ~~الاقتصاد أنه كان يتقصى معارفه الاقتصادية من أصولها التي تقدم بها الزمن أحقابا ~~طوالا قبل عصر الميلاد، فلا شك في اطلاعه على قواعد الاقتصاد السياسي فيما كتبه أرسطو ~~أو فيما نقل عنه، فإنه يحصر أسباب الرزق في مواردها الثلاثة؛ وهي الزراعة والصناعة ~~والتجارة، ويعرف هذه الموارد كما عرفها أرسطو حيث يقول عن الزراعة إنها استخراج ثمرات ~~الطبيعة، وعن الصناعة إنها تهيئة تلك المواد للانتفاع بها، وعن التجارة إنها توزيعها ~~على الناس، «وكل وسيلة خارجة عن هذه الأصول وفروعها الأولية ms123 فهي وسائل ظالمة لا خير ~~فيها ...» # وعند الكواكبي أن الإنسان النافع لقومه لا بد أن يؤدي عملا من هذه الأعمال في أصولها ~~وفروعها التي لا تزال إلى اليوم مورد الرزق المشروع في عرف خبراء الاقتصاد والسياسة، ~~وعلى كل فرد من أفراد الأمة «متى اشتد ساعده أو ملك قوت يومه، أو النصاب على الأكثر، ~~أن يسعى لرزقه بنفسه أو يموت جوعا». # ثم يعطف فيقول: «وقد لا يتأتى أن يموت الفرد جوعا إذا لم تكن حكومته مستبدة تضرب على ~~يده وسعيه ونشاطه ...» # فإذا حدث العجز عن كسب الرزق لسبب قاهر غير الكسل والتقصير، فالأمة مسئولة عن إزالة ~~هذا العجز، أو معونة المبتلين به على المعيشة التي لا يقدرون على تحصيلها؛ «فالعدالة ~~المطلقة تقضي أن يؤخذ قسم من مال الأغنياء ويرد على الفقراء بحيث يحصل التعديل، ولا ~~يموت النشاط للعمل.» # وهذه سياسة تتحراها أمم الغرب الحديثة إيثارا للسلامة بعد أن وضح لها وبال العاقبة ~~من جراء الظلم في توزيع الثروة، ولكنها فريضة يقررها الإسلام دينا ويعين عليها اتباع ~~أحكامه؛ لأنه يقرر صرف العشور والزكاة في المصارف العامة؛ ومنها سداد الديون، «ولا يخفى ~~على المدقق أن جزءا من أربعين من رءوس الأموال يقارب نصف الأرباح المعتدلة باعتبار ~~أنها خمسة بالمائة سنويا.» # ويقول الكواكبي - ولعله يجنح في ذلك إلى الأخذ بالمذهب الظاهري: «إن الأرض الزراعية ~~ملك عام للأمة، يستنبتها ويستمتع بخيراتها العاملون فيها بأنفسهم فقط، وليس عليهم غير ~~العشر أو الخراج الذي لا يجوز أن يتجاوز الخمس لبيت المال.» # فالمعيشة الاشتراكية - في حكم الدين والسياسة الرشيدة - هي «أبدع ما يتصوره العقل ... ~~لولا أن البشر لم يبلغوا بعد من الترقي ما يكفي لتوسيعهم نظام التعاون والتضامن في ~~المعيشة العائلية إلى إدارة الأمم الكبيرة ...» # وعلى هذا يتلخص برنامج الكواكبي الذي اختاره لتدبير الثروة العامة في الاشتراكية التي ~~تقوم على المبادئ التالية: ~~(1) # تعميم العمل المثمر بين أفراد الأمة وتحريم الكسب بغير عمل مشروع. ~~(2) # اجتناب التمييز بين أفراد الأمة بغير مزية لازمة للخدمة العامة. ~~(3) # اجتناب التفاوت المفرط في توزيع ms124 الثروة بين الأفراد أيا كان حظهم من ~~التفاوت في الكفايات والأعمال. ~~(4) # قيام المجتمع على التعاون والتضامن بين العاملين فيه، وإزالة أسباب العجز ~~عن الكسب أو معونة العاجزين عنه لضرورة من ضرورات المرض والحرمان. ~~(5) # تأميم المرافق العامة ومنع الاحتكار. # وبهذه المبادئ على عمومها يدخل الكواكبي في زمرة الاشتراكيين لا مراء، ويلتقي بأهم ~~المذاهب الاشتراكية في أصل من أصولها الكبرى، ويكاد أن يجري مع القائلين بالتفسير ~~الاقتصادي للتاريخ في مجال واحد، لولا فارق عظيم في تعريف المال ترتبط به فوارق ~~كثيرة. # فالمال عن أصحاب التفسير الاقتصادي مقصور على العملة وما تشتريه، والمال عند الكواكبي ~~هو «كل ما ينتفع به في الحياة» ... «فالقوة مال، والوقت مال، والعقل مال، والعلم مال، ~~والدين مال، والثبات مال، والجمال مال، والترتيب مال، والشهرة مال ...» # نعم ... وكل ما يجري فيه المنع والبذل كما يقول صاحب القانون، أو تستعاض به القوة كما ~~يقول صاحب السياسة، أو تحفظ به الحياة الشريفة كما يقول صاحب الأخلاق، فهو مال. ~~«والمقصود من المال هو أحد اثنين لا ثالث لهما؛ وهما تحصيل لذة أو دفع ألم ... والحكم ~~العدل في طيب المال وخبيثه هو الوجدان الذي خلقه الله صبغة للنفس وعبر عنه في القرآن ~~بإلهامها فجورها وتقواها.» # والوجدان هو مرجع الاختيار أولا وآخرا، بين المال الحلال والمال الحرام. # الفصل الثامن عشر # | التربية القومية # تفيد كلمة التربية في كتابي «الكواكبي» مقصدين: أحدهما التربية العامة وتشمل كبار ~~الأمة وصغارها، وهي التي تتكفل بتهذيب الصفات القومية وتوفير عدة الأمة من الأخلاق ~~والعادات جيلا بعد جيل. # والآخر تربية الناشئين في المدارس ومعاهد التعليم، وتزويدهم بما ينفعهم وينفع أمتهم ~~في أعمالهم الخاصة وأعمالهم المشتركة. # وعنده أن الحكومات المنتظمة - كما قال في طبائع الاستبداد - «تتولى ملاحظة تربية ~~الأمة من حين تكون في ظهور الآباء، وذلك بأن تسن قوانين النكاح ثم تعتني بوجود القابلات ~~والملقحين والأطباء، ثم تفتح بيوت الأيتام اللقطاء، ثم المكاتب والمدارس للتعليم من ~~الابتدائي الجبري إلى أعلى المراتب، ثم تسهل الاجتماعات وتمهد المراسح وتحمي المنتديات ~~وتجمع المكتبات والآثار، وتقيم ms125 النصب المذكرات، وتضع القوانين للمحافظة على الآداب ~~والحقوق، وتسهر على حفظ العادات القومية وإنماء الإحساسات الملية، وتقوي الآمال وتيسر ~~الأعمال وتؤمن العاجزين عن الكسب من الموت جوعا، إلى أن تقوم باحتفالات جنائز ذوي ~~الفضل على الأمة ...» # وقد ألف الكواكبي «أم القرى» قبل تأليفه «طبائع الاستبداد»، فأحصى بلسان المسلم ~~الإنجليزي بعض مقومات التربية التي يعنى بها الغربيون، وهي بعبارته: # تخصيصهم يوما في الأسبوع للبطالة والتفرغ من الأشغال الخاصة؛ لتحصل بين ~~الناس الاجتماعات وتنعقد الندوات، فيتباحثون ويتناجون. # وتخصيصهم أياما يتفرغون فيها لتذاكر مهمات الأعمال لأعاظم رجالهم الماضين ~~تشويقا. # وإعدادهم في مدنهم ساحات ومنتديات؛ تسهيلا للاجتماع والمذاكرات وإلقاء الخطب ~~وإبداء التظاهرات. # وإيجادهم المتنزهات الزاهية العمومية، وإجراء الاحتفالات الرسمية والمهرجانات ~~بقصد السوق للاجتماعات. # وإيجادهم محلات التشخيص المعروف بالكوميديا والتياترو بقصد إراءة العبر ~~واسترعاء السمع للحكم والوقائع، ولو ضمن أنواع من الخلاعة التي اتخذت شباكا ~~لمقاصد الجمع والأسماع ويعتبرون أن نفعها أكبر من الخلاعة. # ومنها اعتناؤهم غاية الاعتناء بتعميم معرفة تواريخهم الملية المفصلة ~~المدمجة بالعلل والأسباب لحب الجنسية. # ومنها حرصهم على حفظ العاديات المنبهة وادخار الآثار القديمة المنوهة واقتناء ~~النفائس المشعرة بالمفاخر. # ومنها إقامتهم النصب المفكرة بما نصبت له من مهمات الوقائع القديمة. # ومنها نشرهم في الجرائد اليومية كل الوقائع والمطالعات الفكرية. # ومنها بثهم في الأغاني والنشائد الحكم والحماسات، إلى غير ذلك من الوسائل ~~التي تنشئ في القوم نشأة حياة اجتماعية. # ولا تتم في الأمة تربية قومية بغير تعليم المرأة كما قال في أم القرى: «إن ضرر جهل ~~النساء وسوء تأثيره في أخلاق البنين والبنات أمر واضح غني عن البيان.» # وهذا فضلا عن سوء تأثيره في الرجال من الأزواج؛ لأن الرجل - كما قال - «يغره أنه ~~أمامها - أي أمام زوجته - وهي تتبعه فيظن أنه قائد لها، والحقيقة التي يراها كل الناس ~~من حولهما دونه أنها إنما تمشي وراءه بصفة سائق لا تابع». # ويفسر الكواكبي حجاب المرأة الشرعي بأنه «محدود بعدم إبداء الزينة للرجال الأجانب، ~~وعدم الاجتماع بهم في خلوة أو لغير لزوم»؛ لأن الحجاب بهذا المقدار ms126 يكف من سوء تأثير ~~النساء ويفرغ أوقاتهن لتدبير البيوت «توزيعا لوظائف الحياة». # ويرى الكواكبي أن «جهالة النساء المفسدة للنشأة الأولى وقت الطفولية والصبوة» هي علة ~~من أكبر العلل التي أصابت الحياة القومية في الشرق بداء «الغرارة» كما سماه وفسره ~~بالقصور عن طلب «الإتقان» في أعمال العاملين، وإن كان لهم علم بما يعملون ويشرفون ~~عليه. # فالذين يفهمون صناعاتهم من الشرقيين غير قليلين، ولكنهم يقنعون بالفهم ولا يجيدون ~~العمل ولا يذهبون فيه إلى غايته التي تخليه من النقص وتجمع له مزايا الإتقان والوفاء؛ ~~لأن الفهم شيء يقدر عليه المرء قبل التطبيق، وإنما يظهر الإتقان أو النقص عند تطبيق ~~الأعمال التي يتداولها الناس، فلا يقع الإتقان حيث يثقل أمره على الناس في معاملاتهم، ~~وحيث يتهاونون فيه ولا يطلبونه أو يبذلون فيه حقه، وهنا يظهر أثر «التربية القومية» في ~~المعاملات، أو يظهر الفارق البعيد بين فهم العمل والعناية بإتقانه واجتناب النقص ~~والتقصير فيه. # ومن الأمثلة التي أوردها الكواكبي على الغرارة في كبار الأعمال وصغارها أننا نتوهم ~~«أن شئون الحياة سهلة بسيطة، فنظن أن العلم بالشيء إجمالا ونظريا بدون ثمرة عليه ~~يكفي للعمل به، فيقدم أحدنا مثلا على الإمارة بمجرد نظره في نفسه أنه عاقل مدبر، قبل ~~أن يعرف ما هي الإدارة علما، ويتمرن عليها عملا يكتسب فيها شهرة تعينه على القيام بها ~~... ويقدم الآخر منا على الاحتراف - مثلا - ببيع الماء للشرب بمجرد ظنه أن هذه الحرفة ~~عبارة عن حمله قربة وقدحا وتعرضه للناس في مجتمعاتهم، ولا يرى لزوما لتلقي ~~وسائل إتقان ذلك عمن يرشده مثلا إلى ضرورة النظافة له في قربته وقدحه وظواهر هيئته ~~ولباسه، وكيف يحفظ برودة مائه، وكيف يستبرقه ويوهم ليشتهى به، ومتى يغلب العطش ليقصد ~~المجتمعات ويتحرى منها الخالية له عن المزاحمين، وكيف يتزلف الناس ويوهم بلسان حاله أنه ~~محترف بالإسقاء كفا للسؤال، إلى نحو هذا من دقائق إتقان الصنعة المتوقف عليها نجاحه، ~~وإن كانت صنعته بسيطة حقيرة». # والتخصص في رأي الكواكبي علاج نافع لشفاء الأمم الشرقية من هذه الغرارة؛ لأن ms127 «الكياسة ~~لا تتحقق في الإنسان إلا في فن واحد فقط ... وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه، فالعاقل ~~من يتخصص بعمل واحد». # ولا غنى - مع التخصص - من الترتيب على أنواعه، ومنها ترتيب أوقات المرء حسب أشغاله ~~وإهمال ما لا يتسع الوقت له أو تفويضه إلى غيره، ومنها ترتيب النفقة على قدر الكسب ~~المضمون، ومنها ترتيب أمر المستقبل «لإراحة نفسه من الكد في دور العجز من حياته، فيربي ~~أولاده ذكورا وإناثا» ليستغني كل منهم بنفسه متى بلغ أشده. # ومن الترتيب المطلوب أن يرتب المرء أموره الأدبية على نسبة حالته المادية، وأن يرتب ~~ميله الطبيعي للمجد والتعالي على حسب استعداده، فلا يتطاول إلى مقامات لا ~~يبلغها. ~~••• # ويكثر الكواكبي من الحض على التشبه بالغربيين في بعض صفاتهم القومية، وأشرفها في ~~تقديره صفات الولع بالمعرفة واليقظة الاجتماعية والاستعداد بالقوة والمنعة، ولكنه يشفق ~~من الإفراط في الإعجاب بأمم الغرب أن يئول إلى استكانة الشرقيين أمامها، وفقدانهم للثقة ~~بأنفسهم في معاملتها، ويعيب على غالب أهل الطبقة العليا من الأمة - كما قال بلسان السيد ~~الفراتي أو بلسانه هو في أم القرى - «أنهم ينتقصون أنفسهم في كل شيء، ويتقاصرون عن كل ~~عمل، ويحجمون عن كل إقدام، ويتوقعون الخيبة في كل أمل. ومن أقبح آثار هذا الخور نظرهم ~~الكمال في الأجانب واتباعهم فيما يظنونه رقة وطرافة وتمدنا، وينخدعون لهم فيما يفشونهم ~~به كاستحسان ترك التصلب في الدين والافتخار به ...» # وهو على إعجابه بالمستحسن من أخلاق الأوروبيين القومية لا يرى أنهم سلموا من العيوب ~~في جملة أخلاقهم القومية، ويأخذ عليهم - كما قال في باب الاستبداد والأخلاق من «طبائع ~~الاستبداد» - أنهم ماديون و«أن الغربي حريص على الاستئثار، حريص على الانتقام كأنه لم ~~يبق عنده شيء من المبادئ العالية والعواطف الشريفة التي نقلتها له مسيحية الشرق. ~~فالجرماني مثلا جاف الطبع، يرى أن العضو الضعيف الحياة من البشر يستحق الموت، ويرى كل ~~الفضيلة في القوة، وكل القوة في المال، فهو يحب العلم ولكن لأجل المال، ويحب المجد ولكن ~~لأجل المال. واللاتيني مطبوع ms128 على العجب والطيش، يرى العقل في الإطلاق، والحياة في خلع ~~الحياء، والشرف في الزينة، واللباس والعز في التغلب على الناس». # وهذه هي المآخذ التي يقابلها عند الشرقيين - كما قال بعد ذلك - «أنهم أدبيون يغلب ~~عليهم ضعف القلب وسلطان الحب والإصغاء للوجدان، والميل للرحمة ولو في غير موقعها، ~~واللطف ولو مع الخصم، والفتوة والقناعة والتهاون في المستقبل؛ ولهذا ليس في شأن الشرقي ~~أن يجوز ما يستبيحه الغربي، وإن جوزه لا يحسن استثماره ولا يقوى على حفظه ... ويهتم ~~في شأن ظالمه المستبد، فإذا زال لا يفكر فيمن يخلفه». # بل هو يرى للشرق رسالة باقية في هداية الإنسانية وإنقاذها من طغيان الحضارة المادية ~~التي يتمادى فيها الغرب، ويوشك أن يتردى في هاوية من عواقبها لا نجاة له منها بغير مدد ~~روحاني من الشرق كالمدد الذي تلقاه العالم من أديانه الأولى، ويناشد الغرب في ختام ~~كتاب طبائع الاستبداد فيقول: «يا غرب! لا يحفظ لك الدين غير الشرق إن دامت حياته ~~بحريته؛ وإن فقد الدين يهددك بالخراب القريب!» ويسترسل سائلا وكأنه ينظر بلحظ الغيب ~~إلى طغيان مذاهب الهدم الجحود: «ماذا أعددت للفوضيين إذا صاروا جيشا جرارا؟ هل تعد ~~لهم المواد المفرقعة وقد جاوزت أنواعها الألف؟ أم تعد لهم الغازات الخانقة وقد سهل ~~استحضارها على الصبيان؟!» ~~••• # فمساك التربية القومية فيما أوصى به الكواكبي أنها نهضة مفتوحة العينين تمضي على ~~بصيرة وثقة، ولا تستسلم للإعجاب الذليل ولا للمحاكاة العمياء، وأنها ملكة «تحصل ~~بالتعليم والتمرين والقدوة والاقتباس، أهم أصولها وجود المربين، وأهم فروعها وجود ~~الدين». # وما من أمة تأخذ بأسباب هذه التربية يعييها أن تدرك الغاية من نفعها، وأول هذه ~~الأسباب صدق الرجاء في إدراك تلك الغاية - كما قال في مقدمات أم القرى: «فلا يهولنا ما ~~ينبسط في جمعيتنا من تفاقم أسباب الضعف والفتور؛ كي لا نيأس من روح الله، ولا نتوهم ~~الإصابة في قول من قال إننا أمة ميتة فلا ترجى حياتنا، كما لا إصابة في قول من قال إذا ~~نزل الضعف في دولة أو أمة فلا ms129 يرتفع؛ فهذه الرومان واليونان والأمريكان والطليان ~~واليابان وغيرها، كلها أمم أمثالنا استرجعت شأنها بعد تمام الضعف وفقد كل اللوازم ~~الأدبية للحياة السياسية.» # وإنما هي حضانة علم وحضانة أخلاق، وعشرون سنة تقوم بحضانة العلم، وأربعون سنة تقوم ~~بحضانة الأخلاق، إذا كانت عشرون سنة كافية لتخريج فئات من المتعلمين يبتدئون الدراسة من ~~مكاتب التعليم الأولى وينتهون بها إلى معاهد التخصص والإحاطة بأدوات العمل والصناعة، ~~وإذا كانت تربية الأخلاق إنما تتم بتدريب الجيل كله على سنتها وعادتها، وحدها الأوسط ~~أربعون سنة تنتقل بالأمة من جيل إلى جيل. ~~••• # وتتبع التربية القومية؛ بل تسبقها في دور النهضة، تربية «المربين» أو الزعماء الذين ~~يقودون الأمة ويرسمون لها طريقها ويصبرون على تدريبها وتصحيح أخطائها. # وقد رأيناه يقول إن للنهضة أصولا أهمها وجود المربين، وسنرى أنه - كدأبه في وصاياه ~~الجامعة - لم ينس أن يوصي بالخطة التي تهيئ لهؤلاء المربين أن يروضوا أنفسهم ويعدوا ~~عقولهم وضمائرهم للصبر على متاعبهم وتذليل عقباتهم ونسيان «ذواتهم» في سبيل رسالتهم، ~~وهي رياضة صارمة قوية تجمع بين الشدة العسكرية والزهادة الصوفية، وخلاصتها - كما جاء في ~~ختام طبائع الاستبداد: ~~(1) # أن يجتهد المريد في ترقية معارفه؛ لا سيما العلوم النافعة الاجتماعية ~~كالحقوق والسياسة والاقتصاد، والفلسفة العقلية وتاريخ قومه من جوانبه ~~الجغرافية والطبيعية والسياسية، مع النظر في الإدارة الداخلية والإدارة ~~الحربية. ~~(2) # أن يتقن أحد العلوم التي تكسبه الاحترام بين قومه. ~~(3) # أن يحافظ على الآداب والعادات. ~~(4) # أن يقلل الاختلاط بالناس حفظا للوقار واجتنابا للارتباط القوي بأحد، ~~كيلا يسقط بسقوطه. ~~(5) # أن يتجنب مصاحبة الممقوت عند الناس؛ لا سيما الحكام. ~~(6) # أن يجتهد ما أمكنه في كتم مزيته العلمية عمن دونه ليأمن من غوائل حسدهم، ~~وإنما عليه أن يظهر مزيته لبعض من هم فوقه بدرجات كثيرة. ~~(7) # أن يتخير من ينتمي إليه من الطبقة العليا، ولا يكثر التردد عليه ولا ~~يظهر له الحاجة. ~~(8) # أن يحرص على الإقلال من بيان آرائه لكيلا تؤخذ عليه تبعاتها. ~~(9) # أن يحرص على أن يعرف بحسن الأخلاق؛ ولا سيما الصدق والأمانة ~~والثبات. ~~(10) # أن يظهر الشفقة على الضعفاء والغيرة ms130 على الدين والعلاقة بالوطن. ~~(11) # أن يتباعد من مقاربة المستبد وأعوانه إلا بمقدار ما يأمن شرهم إن كان ~~معرضا لذلك. # قال بعد سرد هذه الصفات: «فمن يبلغ سن الثلاثين - فما فوق - حائزا على الصفات ~~المذكورة يكون قد أعد نفسه على أكمل وجه لإحراز ثقة قومه ... وبهذه الثقة يفعل ما لا ~~تقوى عليه الجيوش والكنوز.» # وربما بالغ الكواكبي في التوصية باجتناب المظهر الذي يثير الحسد ويغري بالمقاومة في ~~دور الدعوة والإقناع وتأليف الأنصار والأعوان؛ بل قد بلغ من الحرص على ذلك أنه أثبته في ~~خاتمة أم القرى، فجعل «مظهر الجمعية العجز والمسكنة»، وأوصاها في القضية السابعة ~~والأربعين بأن «لا تقاوم ولا تقابل إلا بأساليب النصيحة والموعظة الحسنة وتلاطف وتجامل ~~جهدها من يعادي مقاصدها ... إلا في الضرورات». # إلا أنه لا ينكر على المصلح الذي انقادت له زعامة الأمة أن يدفعها دفعا إلى التقدم ~~والخير؛ لأنه يقرر غير مرة أن بلاء الشرق «فقد السراة والهداة، فلا أمير عام حازم ~~مطالع يسوق الأمة طوعا أو كرها إلى الرشاد، ولا حكيم معترف له بالمزية والإخلاص تنقاد ~~له الأمراء والناس، ولا تربية قويمة ينتج منها رأي عام لا يطرقه تخاذل وانقسام». # الفصل التاسع عشر # | التربية المدرسية # تنظيم التربية المدرسية عمل يستقل به خبراؤه المختصون بالإشراف على إدارة المدارس ~~وتحضير مناهج التدريس، وفي وسعهم أن يحصروا المعلمين والمتعلمين ويقسموا لمعاهد التربية ~~مراحلها التي تكفي لأوقات الاستعداد وأوقات التكملة والانتهاء، على حسب الحاجة المتجددة ~~إلى كل صنف من أصناف الدراسات. # وربما بدأت أعمال هؤلاء الخبراء عند نهاية العمل السابق الذي يتصدى له الإمام المصلح ~~لحث الأمة على افتتاح المدارس وتعليم الأبناء، فليس «تصنيف» المواد المدرسية من عمل ~~الإمام المصلح في دور التنبيه والاستنهاض والحض على طلب العلم كله، كائنا ما ~~كان. # ولكن الإمام الكواكبي قد نشأ في عصر ثقافي مريج ملتبس المظاهر بالحقائق، كثير البقايا ~~من الماضي والطلائع من المستقبل، فاضطر إلى مهمة من مهام «التخليص» بين البقايا ~~والطلائع، ووجب عليه المشاركة في «تصنيف العلوم» المدرسية؛ ليميز على الأقل ms131 صفة العالم ~~الجدير بمكانة الإرشاد والهداية وصفة العلم الذي يفضل في رسالته الأولى؛ وهي كفاح ~~الاستبداد والدعوة إلى الحرية. # وكذلك كان العلم عنده علمين: علم يطمئن إليه الاستبداد ولا يخاف عقباه، وعلم يعرف به ~~الإنسان «أن الحرية أفضل من الحياة»، ويدرك به «النفس وعزها والشرف وعظمته، والحقوق ~~وكيف تحفظ، والظلم وكيف يرفع، والإنسانية وما هي وظائفها، والرحمة وما هي ~~لذاتها». ~~••• # ومن الظروف الثقافية التي ألجأته في عصره إلى المشاركة العامة في مناهج التربية ~~المدرسية، أن العلم كان في بعض المراسم «منحة» حكومية تخلع على طائفة من أصحاب الحظوة ~~من المهد بغير حاجة إلى مدرسة ولا إلى دروس. # فالطفل من طائفة «زادكان»؛ أي الأصلاء، ينعت في المنشور الرسمي عند ولادته «بأنه ~~أعلم العلماء المحققين» ... ثم يكون فطيما فيخاطب بأنه «أفضل الفضلاء المدققين» ... ثم ~~يصير مراهقا فيعطى المولوية، ويشهد له بأنه «أقضى قضاة المسلمين معدن الفضل واليقين ~~رافع أعلام الشريعة والدين وارث علوم الأنبياء والمرسلين» ... ثم يكبر فيوصف «بأعلم ~~العلماء المتبحرين وأفضل الفضلاء المتورعين ينبوع الفضل واليقين»، إلى آخر ما في تلك ~~المناشير من الكذب المبين. # يقول الكواكبي بلسان المولى الرومي بعد ما تقدم: «ولا ريب أن التسعين في المائة من ~~هؤلاء العلماء المتبحرين لا يحسنون قراءة نعوتهم المزورة، كما أن الخمسة والتسعين في ~~المائة من أولئك المتورعين رافعي أعلام الشريعة والدين يحاربون الله جهارا ويستحقون ما ~~يستحقون من الله وملائكته والمؤمنين.» # ثم يقول: «ويكفي حجة عليهم ... تمييزهم جميعا بلباس عروس محلى بكثير الفضة والذهب ~~مما هو حرام بالإجماع ولا يحتمل التأويل ... اقتبسوا هذا اللباس من كهنة الروم الذين ~~يلبسون القباء والقلنسوات المذهبة عند إقامة شعائرهم وفي احتفالاتهم الرسمية ...» ~~••• # وأمر هؤلاء «العلماء» بغير علم وبغير تعليم مفروغ منه، لا يحتاج من الدولة إلى أكثر ~~من المنشورات الرسمية لإعداده وتمكينه من مناصبه، ولا يحتاج من الإمام المصلح في دور ~~النهضة إلى أكثر من التنبيه إليه لإسقاط شأنه والإعراض عنه. # لكن الشأن الذي لا يغني فيه مثل هذا التنبيه إنما كان شأن «العلماء» بنوع ms132 من العلم ~~المطلوب في معاهده، ولكنه لا يلتقي بالإصلاح في طريقه أو تلتقي به في بعض الطريق ويتولى ~~عنه في سائرها. # من هؤلاء طائفة العلماء الجامدين على التقليد، ولا يعنيهم من العلم غير الإلمام ~~بأشكال الفرائض والشعائر على سنة التقليد الأعمى بغير نظر في حكمتها ومعناها، ومن ~~هؤلاء من كان يحرم تعليم الأبناء دروس الجغرافية الحديثة؛ لأنها تعلمهم أن الأرض ~~مستديرة وأنها تدور حول الشمس وتدور حول نفسها، خلافا لما توهموه من معنى انبساط ~~الأرض واستقرارها أن تميد بمن عليها، ومن هؤلاء من كان يستريب بالتليفون؛ لأن انتقال ~~الصوت على مدى الفراسخ والأميال من فعل الشيطان، ولن يؤذن له أن يفعله بعد ~~سليمان! # وأحسن من هؤلاء حالا من كانوا يبيحون المعرفة بالعلوم الحديثة، ولكنهم يحرمون ~~أسماءها، ولا يجيزون تدريس الظواهر الطبيعية إلا أن تسمى «بعلم الخصائص التي أودعها ~~الله - سبحانه وتعالى - طبائع الأشياء ...» # وأحسن من هؤلاء حالا من كانوا يسمحون بتعليم جميع العلوم ويقصرون النفع منها على ~~تخريج الموظفين وصناع المعامل التي تديرها الحكومة لخدمة أغراضها ومآربها، وقد كان في ~~بلاد الدولة العثمانية ولاة يفتحون المدارس ويبعثون البعوث إلى بلاد القارة الأوروبية ~~لتحصيل الصناعات والعلوم العملية والنظرية التي تعينهم على تنظيم الدواوين وإدارة مصالح ~~الري والزراعة، وتعمير الخزانة العامة لمنفعتهم أو منفعة السلطة الحكومية. # ونشأ مع هذه «التصنيفات المدرسية» صنف من العلوم قد تعم الحاجة إليه في توسيع نطاق ~~الثقافة وتنويع أبواب المعرفة، وهو العلوم الفكرية الكمالية من فلسفة وبلاغة وتحليل ~~لأصول التشريع والتاريخ وما إليها، ولكنها مما يحتمل الإرجاء إلى ما بعد الوثبة الأولى ~~من وثبات الإصلاح في رأي بعض القادة الذين يرتبون أدوار الثقافة بترتيب الضرورات ~~الفردية، ولا يحسبون حسابا كبيرا للفارق بين ضرورات الأمم وضرورات الأفراد. ~~••• # في مثل هذا العهد من عهود التنازع على اختيار العلوم المقدمة يلتجئ الإمام المصلح إلى ~~المشاركة في عمل الخبير المدرسي المتفرغ لتصنيف علوم الدراسة وإعداد مناهج التربية في ~~مراحلها المتتابعة. # وقد اضطر الكواكبي إلى المشاركة في هذا العمل، ونظر إليه - كعادته ms133 - من زاويته التي ~~هي أولى عنده بالتقديم من كل زاوية، وهي ناحية النظر إلى الاستبداد وما يخشاه المستبد ~~من العلوم وما لا يخشاه، وما هو أحق - من ثم - بالابتدار به والتعويل عليه في كل نهضة ~~تنبعث لطلب الحرية ومكافحة الاستبداد. # قال في طبائع الاستبداد: «المستبد لا يخشى علوم اللغة؛ تلك العلوم التي بعضها يقوم ~~اللسان وأكثرها هزل وهذيان يضيع به الزمان ... نعم لا يخاف علم اللغة إذا لم يكن وراء ~~اللسان حكمة حماس تعقد الألوية أو سحر بيان يحل عقد الجيوش؛ لأنه يعرف أن الزمان ضنين ~~بأن تلد الأمهات كثيرا من أمثال الكميت وحسان، أو أمثال منتسكيو وشيلار، وكذلك لا يخاف ~~المستبد من العلوم الدينية المتعلقة بالمعاد، المختصة بما بين الإنسان وربه؛ لاعتقاده ~~أنها لا ترفع غباوة ولا تزيل غشاوة، وإنما يتلهى بها المتهوسون للعلم حتى إذا ضاع فيه ~~عمرهم، وامتلأت بها أدمغتهم، وأخذ منهم الغرور ما أخذ فصاروا لا يرون علما غير علمهم، ~~فحينئذ يأمن المستبد منهم كما يؤمن شر السكران إذا خمر، على أنه إذا نبغ منهم البعض ~~ونالوا مزية بين العوام لا يعدم المستبد وسيلة لاستخدامهم في تأييد أمره ومجاراة هواه، ~~في مقابلة أنه يضحك عليهم بشيء من التعظيم ويسد أفواههم بلقيمات من فتات مائدة ~~الاستبداد.» ~~••• # ويقول الكواكبي بلسان الرياضي الكردي في أم القرى: «إن السبب العام هو أن علماءنا ~~كانوا اقتصروا على العلوم الدينية وبعض الرياضيات وأهملوا باقي العلوم الرياضية ~~والطبيعية، التي كانت إذ ذاك ليست بذات بال ولا تفيد سوى الجمال والكمال، ففقد أهلها ~~من بين المسلمين واندرست كتبها وانقطعت علاقتها فصارت منفورا منها ... والمرء عدو ما ~~جهل؛ بل صار المتطلع إليها منهم يفسق ويرمى بالزيغ والزندقة، على حين أخذت هذه ~~العلوم تنمو في الغرب، وعلى كر القرون ترقت وظهرت لها ثمرات عظيمة في كافة الشئون ~~المادية والأدبية ...» # فعلوم الرياضة والطبيعة التي كانت قبل بضعة قرون مجموعة من المعادلات النظرية ~~والخواطر الفكرية هي التي تطورت بها نهضة الثقافة في الغرب، فأصبحت في طليعة علوم القوة ms134 ~~والعمل، وقام عليها تقسيم المتخصصين للكشف والاختراع واستطلاع حقائق المادة واستنباط ~~القوانين التي تحكمها وتفسرها. # ولازمتها علوم نظرية ولكنها لازمة لتوسيع الثقافة العامة؛ ولا سيما ثقافة القادة ~~المتطلعين إلى كفالة النهضة في أوائلها؛ ولهذا يوصى الشاب الذي يتطلع إلى هذه القيادة ~~أن «يوسع معارفه مطلقا»؛ ولا سيما في العلوم الاجتماعية كالحقوق والسياسة والاقتصاد ~~والفلسفة العقلية والتاريخ والجغرافية والإدارة الداخلية والإدارة الحربية ... وسائر ما ~~نسميه في هذا العصر بالمعلومات العامة. # وإذا أراد هذا الشاب أن يكسب في قومه «موقعا محترما»، فلا غنى له مع سعة معلوماته ~~العامة من الاختصاص بأحد العلوم التي يشعر الناس بقدرها؛ كعلم الدين أو الطب أو الإنشاء ~~أو الحقوق. ~~••• # على أن التربية المدرسية - تربية أبناء الأمة - تبدأ قبل المدرسة ولا تنتهي بانتهائها ~~- كما قال في طبائع الاستبداد: «إن التربية تربية الجسم وحده إلى سنتين وهي وظيفة الأم ~~وحدها، وتربية النفس إلى السابعة وهي وظيفة الأبوين والعائلة معا، ثم تضاف إليها تربية ~~العقل إلى البلوغ وهي وظيفة المعلمين والمدارس، ثم تأتي تربية القدوة بالأقربين ~~والخلطاء إلى الزواج وهي وظيفة الصداقة، ثم تأتي تربية المقارنة وهي وظيفة الزوجين إلى ~~الموت أو الفراق.» ~~••• # فالتربية الفردية، على هذا قصة محبوكة الطرفين بين حجر الأموية في الطفولة الباكرة ~~وبين كنف الزوجية بعد استواء السن وتقدمها ... لا جرم يكثر الحض في كلام الكواكبي على ~~تصحيح وظيفة المرأة في الحياة والتحذير من جهلها وسوء تربيتها والانحراف بها عن سوائها، ~~فإن النساء - كما جاء في طبائع الاستبداد - اقتسمن مع الرجال أعمال الحياة قسمة ضيزى ... ~~«وجعلن الشجاعة والكرم سيئتين فيهن محمدتين في الرجال، وجعلن نوعهن يهين ولا يهان ~~ويظلم أو يظلم فيعان، وعلى هذا القانون يربين البنات والبنين ويتلاعبن بعقول الرجال ~~كما يشأن ... ومن المشاهد أن ضرر النساء بالرجال يترقى مع الحضارة والمدنية على نسبة ~~الترقي المضاعف، فالبدوية تشارك الرجل مناصفة في الأعمال والثمرات فتعيش كما يعيش، ~~والحضرية تسلب الرجل لأجل معيشتها وزينتها اثنين من ثلاثة، وتعينه في أعمال البيت، ~~والمدنية تسلب ثلاثة من أربعة وتود ms135 ألا تخرج من الفراش، وهكذا تترقى بنات العواصم في ~~أسر الرجال، وما أصدق بالمدنية الحاضرة في أوروبة أن تسمى المدنية النسائية؛ لأن ~~الرجال فيها صاروا أنعاما للنساء.» # الفصل العشرون # | الأخلاق # يكتب الكواكبي في جميع مباحثه بقلم الباحث المحلل الذي يزن آراءه بميزان المنطق ~~العملي والتجربة العلمية، وينحو هذا النحو في كتابته عن الأخلاق وفي كتابته عن السياسة ~~الحاضرة أو التاريخ الغابر، ولكنه يصل إلى بعض الصفات في سياق كلامه على الأخلاق ، فيخيل ~~إليك أنه يود لو يدع القلم جانبا ليأخذ بيده ريشة النغم ويترنم وهو يتكلم، وأولى هذه ~~الصفات صفة الإرادة وصفة الحرية، وسائر الصفات التي تلغي الاستبداد أو يلغيها ~~الاستبداد. # يقول في باب الأخلاق من طبائع الاستبداد: «ما هي الإرادة؟ هي أم الأخلاق، هي ما قيل ~~فيه تعظيما لشأنها: لو جازت عبادة غير الله لاختار العقلاء عبادة الإرادة. هي تلك ~~الصفة التي تفصل الحيوان عن النبات في تعريفه بأنه متحرك بالإرادة، فالأسير إذن دون ~~الحيوان؛ لأنه يتحرك بإرادة غيره لا بإرادة نفسه.» # ثم يقول في وصف الأسير مسلوب الإرادة: «لا نظام في حياته فلا نظام في أخلاقه، قد يصبح ~~غنيا فيضحى شجاعا كريما، وقد يمسي فقيرا فيبيت جبانا خسيسا، وكذا كل شئونه تشبه ~~الفوضى لا ترتيب فيها، فهو يتبعها بلا وجهة. أليس الأسير قد يبغي فيزجر أو لا يزجر، ~~ويبغى عليه فينصر أو لا ينصر، ويحسن فيكافأ أو يرهق، ويسيء كثيرا فيعفى وقليلا ~~فيشنق، ويجوع يوما فيضوي ويخصب يوما فيتخم، ويريد أشياء فيمنع ويأبى شيئا فيرغم ~~...؟» # ومما قاله عن الحرية في أم القرى: «إن البلية فقدنا الحرية، وما أدرانا ما الحرية؟ هي ~~ما حرمنا معناه حتى نسيناه، وحرم علينا لفظه حتى استوحشناه!» # ثم قال: «إن الحرية أعز شيء على الإنسان بعد حياته ... بفقدانها تفقد الآمال وتبطل ~~الأعمال وتموت النفوس وتتعطل الشرائع وتختل القوانين.» # وقد عرفنا من كل ما كتبه هذا المفكر العامل أنه منطقي مع نفسه في مذاهب تفكيره ... ولكن ~~ما كتبه عن الإرادة والحرية بصفة خاصة أدل على ms136 هذه السليقة فيه، أو أعمق دلالة عليها من ~~مسائل كثيرة طرقها ولا يستغرب فيها أن تتناسق وتطرد على وتيرة واحدة لظهور العلاقة ~~بينها، وإنما اختصاص الإرادة والحرية بالتمجيد والتقديس آية من الآيات الصادقة على ~~أصالة التفكير والشعور فيما يكتب عن هذه الأمور، أو هو آية على نفس مطبوعة بتفكيرها ~~وإحساسها على إدراك مساوئ الاستبداد والفطنة لمواطن ضرره ومواطن طبه وعلاجه، فلا ~~الشجاعة ولا الكرم ولا العفة ولا المروءة تصور الخلق المطلوب في مناضلة الاستبداد كما ~~تصوره الإرادة والحرية، ولا شيء ينفع في ذلك النضال مع فقدان الإرادة والحرية، ولا بد ~~أن تقترنا معا لتمام الأهبة في ثورة الأمة على المستبد؛ لأن الإرادة بغير حرية تبع ~~لصاحب السيادة؛ ولأن الحرية بغير إرادة تفقد الباعث على الحركة، فلا تدري لها وجهة تذهب ~~إليها. ولعل العبد يعتزم ويريد ويصمد على عزمه وإرادته في خدمة سيده، فلا جدوى لغير هذا ~~السيد في ملكة الإرادة التي يتصف بها عبيده ومطيعوه. # والاستبداد - كما لا يخفى - يتلخص في تغليب إرادة واحدة لا تسمح بإرادة أخرى تعمل إلى ~~جانبها على خلاف هواها، فليس من الطبيعي أن يبقى لمن خضعوا له طويلا عمل يريدونه ~~لأنفسهم ويتدبرونه فيما بينهم، فلا تعنيهم إرادة غير إرادة الحاكم المسلط عليهم، ولا ~~يشغلهم شاغل في حياتهم غير الخوف من غضبه والسعي إلى رضاه، وشر من عملهم له راغمين ~~خوفا منه، أن يعملوا له راضين جهلا بحقيقته وانقيادا لخداعه وخداع أذنابه ~~ومؤيديه. ~~••• # والواقع أن مؤلف طبائع الاستبداد قد حصر مشكلة الأخلاق جميعا في وضع واحد: خلاصته ~~أنها «حرب إرادات بين الحاكم المطلق والرعايا المحكومين، فاستطاع - من ثم - أن يحسم ~~المشكلة حسما سريعا بقسمة الأخلاق إلى قسمين متعارضين: قسم لمصلحة الحاكم المستبد، ~~وقسم لمصلحة الرعايا المحكومين. # فمن مصلحة المستبد شيوع أخلاق الملق والنفاق والريبة والأثرة التي تشغل المحكوم ~~بمنفعته القريبة دون كل منفعة عامة ينتفع بها هو أو ينتفع بها غيره بعد حين. «وأقل ما ~~يؤثره الاستبداد في أخلاق الناس أنه يرغم - حتى الأخيار منهم - على ms137 ألفة الرياء ~~والنفاق ... وأنه يعين الأشرار منهم على إجراء ما في نفوسهم آمنين من كل تبعة ولو أدبية، ~~فلا اعتراض ولا انتقاد ولا افتضاح؛ لأن أكثر أعمال الأشرار تبقى مستورة يلقي عليها ~~الاستبداد رداء خوف الناس من تبعة الشهادة على ذي شر وعقبى ذكر الفاجر بما فيه؛ ولهذا ~~شاعت بين الأسراء قواعد كثيرة باطلة كقولهم: «إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب»، ~~وقولهم: «البلاء موكول بالمنطق»، وقد تغالى وعاظهم في سد أفواههم حتى جعلوا لهم أمثال ~~هذه الأقوال من الحكم النبوية ...» # ومن آثار أخلاق الذلة والخضوع أنها تؤذي الأجسام فضلا عن العقول، وتشيع المرض في ~~بنية الحي كما تشيع المرض في ضميره، وإن في ذلك شاهدا بينا «يقاس عليه نقص عقول ~~الأسراء البؤساء بالنسبة إلى الأحرار السعداء، كما ظهر الحال أيضا ... من الفرق البين ~~في قوة الأجسام وغزارة الدم واستحكام الصحة وجمال الهيئات». # ومن سوء أثر الاستبداد أنه «يضعف الثقة بالنفس»، ويفقد الناس ثقة بعضهم ببعض «فينتج ~~من ذلك أن الأسرى محرومون طبعا من ثمرة الاشتراك في أعمال الحياة؛ يعيشون مساكين ~~بائسين متواكلين متخاذلين متقاعسين متفاشلين، والعاقل الحكيم لا يلومهم بل يشفق عليهم ~~ويلتمس لهم مخرجا، ويتبع أثر أحكم الحكماء القائل: «رب ارحم قومي؛ فإنهم لا ~~يعلمون» ...» # ولا بقاء للاستبداد إذا تعود الناس الاشتراك في الرأي والتعاون على العمل، فعلى هذا ~~الاشتراك يقوم نظام الرعايا الأحرار في الأمم التي سقط فيها حكم الاستبداد وخلفته ~~حكومة الأمة للأمة؛ «فبه سر الاستمرار على الأعمال التي لا تفي بها أعمار الأفراد. نعم، ~~الاشتراك هو السر كل السر في نجاح الأمم المتمدنة، به أكملوا ناموس حياتهم القومية، به ~~ضبطوا نظام حكوماتهم، به قاموا بعظائم الأمور، به نالوا كل ما يغبطهم عليه أسرى ~~الاستبداد الذين منهم العارفون بقدر الاشتراك ويتشوقون إليه، ولكن كل منهم يبطن ~~الغبن لشركائه باتكاله عليهم عملا واستبداده عليهم رأيا، حتى صار من أمثالهم قولهم: ~~«ما من متفقين إلا وأحدهم مغلوب» ...» # ويرى الكواكبي أن حكم الاستبداد قد استفحل بين المسلمين بعد ms138 إهمالهم حياة الجماعة ~~والمشاورة بين الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر، وأن سبب الفتور الذي أصابهم - كما ~~جاء بلسان خطيب من «خطباء» أم القرى - «هو فقد الاجتماعات والمفاوضات ... إذ نسوا حكمة ~~تشريع الجماعة والجمعة وجمعية الحج، وترك خطباؤهم ووعاظهم - خوفا من أهل السياسة - ~~التعرض لشئون العامة، كما أن علماءهم صاروا يسترون جبنهم بجعلهم التحدث في الأمور ~~العمومية والخوض فيها من الفضول والاشتغال بما لا يعني، وأن إتيان ذلك في الجوامع من ~~اللغو الذي لا يجوز، وربما اعتبروه من الغيبة والتجسس أو السعي بالفساد، فسرى ذلك إلى ~~أفراد الأمة وصار كل فرد لا يهتم إلا بخويصة نفسه وحفظ حياته في يومه، كأنه خلق أمة ~~وحده ...!» ~~••• # ولما فرغ من قسمة الأخلاق بمقياسه الدائم إلى قطبين متقابلين: أخلاق الاستبداد وأخلاق ~~الحرية، أو أخلاق لمصلحة الحاكم المطلق وأخلاق لمصلحة الرعايا، نظر في تقسيمها درجات ~~على حسب المصلحة التي تعنى بها، وأنواعا على حسب نصيبها من الشرف والرفعة. # فالمصالح التي تحققها الأخلاق هي مصلحة الإنسان نحو نفسه، ومصلحته نحو عائلته، ~~ومصلحته نحو قومه، ومصلحته نحو الإنسانية، وهذه هي الأخلاق العليا التي تسمى عند الناس ~~بالناموس. # ثم هي أنواع: «الخصال الحسنة الطبيعية كالصدق والأمانة والهمة والمدافعة والرحمة ... ~~والخصال الكمالية التي جاءت بها الشرائع الإلهية كتحسين الإيثار والعفو وتقبيح الزنا ~~والطمع ... ويوجد في هذا النوع ما لا تدرك كل العقول حكمة تعميمه فيمتثله المنتسبون للدين ~~احتراما وخوفا ... والنوع الثالث: الخصال الاعتيادية، وهي ما يكتسبه الإنسان بالوراثة ~~أو التربية أو الألفة ... والتدقيق يفيد أن الأقسام الثلاثة تشتبك وتشترك ويؤثر بعضها في ~~بعض فيصير مجموعها تحت تأثير الألفة المديدة ... ترسخ أو تتزلزل حسبما يصادفها من استمرار ~~الألفة أو انقطاعها ... فالقاتل - مثلا - لا يستنكر شنيعته في المرة الثانية كما ~~استقبحها من نفسه في الأولى، وهكذا يخف الجرم في وهمه حتى يصل إلى درجة التلذذ بالقتل ~~كأنه حق طبيعي له، كما هي حالة الجبارين وغالب السياسيين الذين لا ترتج في قلوبهم عاطفة ~~رحمة عند قتلهم أفرادا أو أمما لغاياتهم السياسية إهراقا بالسيف ms139 أو إزهاقا ~~بالقلم.» # وهنا يئول الأمر إلى مساوئ الاستبداد في إفساد الأخلاق؛ لأن ألفة الأحوال العامة ~~تتبعه وتنطبع انطباع العادة في ظله، «ويكفيه مفسدة لكل الخصال الحسنة الطبيعية والشرعية ~~والاعتيادية تلبسه بالرياء اضطرارا حتى يألفه ويصير ملكة فيه فيفقد بسببه ثقة نفسه ~~بنفسه.» ~~••• # ولا يفوتنا - ونحن نختم القول في آراء الكواكبي - أننا أمام «برنامج عملي» يصدق عليه ~~وصف «البرنامج»، قبل أن يصدق عليه وصف الفلسفة أو المذهب أو النظرية، فلم يكن يعنيه أن ~~يدرس الأخلاق من وجهة الأصول العامة والمبادئ النظرية كما عناه أن يدرسها من زاوية ~~النظر إلى الاستبداد وأثر الحكومة المستبدة التي يبدأ منها ويعود إليها في كل شرح من ~~شروحه وكل سند من أسناده؛ ولهذا اخترنا اسم «البرنامج» لفلسفته العملية، واخترناه ~~إنصافا لمنهجه في التفكير وتبرئة له من ضيق الحصر الذي يلازم الفكر المحدود فلا يخرج ~~منه؛ لأنه لا يقدر على تجاوزه لأنه مشغول في بحوثه بالأمر الذي يعنيه. # الفصل الحادي والعشرون # | وسيلة التنفيذ # عرضنا فيما تقدم برنامج الإصلاح في دعوة الكواكبي من أهم جوانبها السياسية ~~والاجتماعية. # ويبدو من النظرة العاجلة - كما يبدو في إطالة النظر في هذه البرامج - أنها خطة ثورية ~~لقلب نظام الحكم المطلق في بلاد العرب، وإقامة الحكم القومي على أساس الشورى في تلك ~~البلاد. # فما هي وسيلة الكواكبي إلى تحقيق تلك الخطة الثورية؟ # إنه لم يكتمها وإن أخفى غايتها التي لا خفاء بها مع العلم بمقدماتها ... # وسنرى أنه كان «واقعيا عمليا» في وسيلته، كما كان «واقعيا عمليا» في دعوته، ~~فإن وسيلته التي اطمأن إليها كافية لتحقيق الغاية القصوى كما يريدها، وعلينا أن نتذكر ~~تلك الغاية القصوى ونحصرها في نطاقها؛ لكي نعلم كفاية الوسيلة لتحقيق الغاية ~~منها. # علينا أن نذكر أنه كان يريد قلب نظام الحكم المطلق في بلاد العرب، ولم يكن ذلك ~~موقوفا على قلب هذا النظام في الدولة العثمانية أو قلب نظام الحكم في القسطنطينية ~~عاصمة السلطان العثماني ومركز الحكومة التركية، فإن قلب الحكومة المستبدة في الدولة ~~التركية قد يحتاج إلى وسيلة ms140 غير وسيلته المختارة لتحرير بلاد العرب واستقلالها بشئونها، ~~سواء تم هذا الاستقلال دفعة واحدة أو جاء على درجات تترقى من الحكم الذاتي إلى تمام ~~الاستقلال. # كان «الكواكبي» عربيا بتفكيره وشعوره في ثقته الكبرى «بقوة الكلمة» أو قوة الدعوة ~~المنتظمة، وتتراءى هذه الثقة القوية بفعل الكلمة في إيقاظ الشعوب من عنوان كتاب «طبائع ~~الاستبداد» الذي أردفه على الغلاف بسطر يقول فيه إنه «كلمات حق وصيحة في واد، إن ذهبت ~~اليوم مع الريح لقد تذهب غدا بالأوتاد». # ومن ثقته بفعل الدعوة المنتظمة قوله في مقدمة أم القرى: «أيقنوا أيها الإخوان أن ~~الأمر ميسور وأن ظواهر الأسباب ودلائل الأقدار مبشرة أن الزمان قد استدار ونشأ في ~~الإسلام أقطاب أحرار وحكماء أبرار، يعد واحدهم بألف وجمعهم بألف ألف، فقوة جمعية منتظمة ~~من هؤلاء النبلاء كافية لأن تخرق طبل حزب الشيطان وتسترعي سمع الأمة مهما كانت في رقاد ~~عميق، وتقودها إلى النشاط وإن كانت في فتور مستحكم عتيق ... لأن الجمعيات المنتظمة يتسنى ~~لها الثبات على مشروعها عمرا طويلا يفي بما لا يفي به عمر الواحد الفرد، وتأتي ~~بأعمالها كلها بعزائم صادقة لا يفسدها التردد، وهذا هو سر ما ورد في الأثر من أن يد ~~الله مع الجماعة، وهذا هو سر كون الجمعيات تقوم بالعظائم وتأتي بالعجائب، وهذا هو سر ~~نشأة الأمم الغربية، وهذا هو سر النجاح في كل الأعمال المهمة؛ لأن سنة الله في خلقه أن ~~كل أمر - كليا كان أو جزئيا - لا يحصل إلا بقوة وزمان متناسبين مع أهميته، وأن كل ~~أمر يحصل بقوة قليلة في زمان طويل يكون أحكم وأرسخ وأطول عمرا مما إذا حصل بمزيد قوة ~~في زمان قصير، وكلنا يعلم أن مسألتنا أعظم من أن يفي بها عمر إنسان لا ينقطع، أو مسلك ~~سلطان لا يطرد، أو قوة عصبية حضرية حمقاء تفور سريعا وتغور سريعا ...» # قال: «ولا ينبغي الاسترسال مع الوهم إلى أن الجمعيات معرضة في شرقنا لتيار السياسة ~~فلا تعيش طويلا - ولا سيما إذا كانت فقيرة - ولم تكن كغالب الأكاديميات؛ ms141 أي المجامع ~~العلمية، تحت حماية رسمية؛ بل الأليق بالحكمة والحزم الإقدام والثبات وتوقع الخير إلى ~~أن يتم المطلوب.» # فهذه الوسيلة - وسيلة الكلمة الحية والدعوة المنتظمة - كافية صالحة لتحقيق غايتها، ~~مفضلة على الوسائل الأخرى التي قد يستخدمها الدعاة لقلب الدول وإقامة النظم وقيادة ~~الشعوب من حال إلى حال. # فإذا انتشرت الفكرة بين قادة الرأي في البلاد العربية فقد تحققت نتيجة لا شك فيها ولا ~~حاجة إلى نتيجة أكبر منها، وهي تصعيب كل حكم للعرب يخالف الدعوة وإحراج الدولة الحاكمة ~~في بلادهم سواء عولت في حكمها على التعاون معهم أو اعتمدت على السطوة وحدها لإخضاعهم ~~وتطويعهم، وكلاهما مطلب عسير لا يطول عليه صبر الحاكم الأجنبي ولا تطول فيه ~~المحكومين. # أكان الكواكبي يزهد في الثورة الدموية أو يحجم عنها خوفا من أخطارها؟ كلا ... فقد فكر ~~طويلا في هذه الثورة وبحث كثيرا في أحوالها، كما يظهر من استقصائه لجميع هذه الأحوال ~~في خاتمة كتاب طبائع الاستبداد، فوقر في خلده أن تدبير هذه الثورة قبل إعداد العدة لما ~~بعدها خطل في الرأي ومضيعة للجهود ومجازفة بالنتيجة المرجوة، ووقر في خلده - مع هذا - ~~أن العامة لا يثورون في الأغلب الأعم إلا لأسباب محصورة قلما تجتمع في وقت واحد. ~~«فلا يثور غضبهم على المستبد إلا عقب مشهد دموي مؤلم يوقعه المستبد على مظلوم يريد ~~الانتقام لناموسه، أو عقب حرب يخرج منها المستبد مغلوبا ... أو عقب تظاهر المستبد بإهانة ~~الدين ... أو عقب تضييق شديد عام مقاضاة لمال كثير لا يتيسر إعطاؤه ... أو في حالة مجاعة أو ~~مصيبة عامة لا يرى فيها الناس مواساة ظاهرة من المستبد ... أو عقب تعرض المستبد لناموس ~~العرض أو حرمة الجنائز أو تحقير الشرف الموروث ... أو عقب تضييق يوجب تظاهر عدد كبير من ~~النساء ... أو عقب الظهور بموالاة شديدة لمن تعتبره الأمة عدوا لشرفها ...» # والمستبد - كما قال - لا تخفى عليه هذه المزالق مهما كان غبيا لا يغفل عن ~~إتقانها. # وقد كاد الكواكبي يستقصي كل سبب يثير العامة ويهيج سخطهم على الحاكم لساعتهم على غير ms142 ~~هدى منهم لغايتهم أو لعمل ينفعهم، ويدل استقصاء الكواكبي لهذه الأسباب على طول تفكيره ~~في تدبير الثورة العامة حيث ترجى الفائدة من نشوبها، وهي - في الواقع - لا ترجى لها ~~فائدة قبل اتضاح الخطة التي تعقبها وتستقر عليها، وقبل تعميم الدعوة إلى تلك الخطة بين ~~القادرين على تحقيقها؛ «فإن معرفة الغاية شرط طبيعي للإقدام على كل عمل، كما أن معرفة ~~الغاية لا تفيد شيئا إذا جهل الطريق الموصل إليها، والمعرفة الإجمالية في هذا الباب لا ~~تكفي مطلقا؛ بل لا بد من تعيين المطلب والخطة تعيينا واضحا موافقا لرأي الكل أو ~~لرأي الأكثرية ...» # ولم يكن هذا الثائر المتمكن من قواعد الثورة ليجهل فعل القوة العسكرية في تبديل النظم ~~وتقويض الحكومات، فقد كان يقول لصحبه ومن يخاطبهم بدعوته: «لو ملكت جيشا لقلبت حكومة ~~عبد الحميد في أربع وعشرين ساعة!» وكان قصاراه من البيان في هذا الصدد أن يفضي به إلى ~~ثقاته حيث لا يتأتى إعلانه في الصحافة المنشورة ولا جدوى من إعلانه ونشره، وممن صرح لهم ~~بهذا الرأي «إبراهيم سليم النجار» الذي قال عنه في مجلة الحديث إنه لو لم يكن شيخا ~~دينيا لكان قائد جيش فاتح ... # نعم هكذا كان ينبغي أن يفكر في تدبير الوسيلة لقلب حكومة عبد الحميد في القسطنطينية؛ ~~لأن دعوته إلى النهضة العربية لا تغني شيئا في محاربته السلطان القائم بالأمر في ~~العاصمة التركية ما لم تسعفه قوة السلاح، ولكنه في دعوته التي تجرد لها لا يلفي بين ~~يديه وسيلة أنفع من وسيلته، ولا يصل إلى نتيجة مرموقة أفضل من النتيجة التي يصل إليها ~~بالكلمة الحية والجماعة المنتظمة، وحسبه أن يبلغ بها حد الإقناع في قومه ليسقط كل حكومة ~~تسوسهم في عقر دارهم على غير اعتقادهم واختيارهم، وإنما المسألة هنا مسألة وقت مقدور لا ~~شك بعد انقضائه في الغاية التي يئول إليها. ~~••• # وأيا كان القول الفصل في كفاية الدعوة وحدها لاستقلال العرب بالحكم الذاتي أو ~~بالانفصال من الدولة العثمانية، فالحقيقة التي لا خلاف عليها أن الدعوة ألزم وسيلة من ms143 ~~وسائل العمل النافع حين يكون المقصود إقناع أصحاب الحق بحقهم وتعزيز الثقة بأنفسهم ~~وبإمكان الظفر بأمنيتهم، قبل التغلب بوسيلة من الوسائل على غاصب الحق أو المعارض فيه، ~~فإن زوال القوة الغاصبة قبل اتفاق أصحاب الحق عليه وعلى الغاية من إدراكه، قد يفتح ~~أبواب الفتنة على مصاريعها ويمهد الطريق لغاصب طارئ بعد غاصب معزول. # ويقل الخلاف في مسألة الخلافة وكفاية الدعوة لإقامتها على الصورة التي تداولتها آراء ~~الكواكبي بألسنة المتكلمين في أم القرى، وبخاصة حين يكون الخليفة إماما روحيا محدود ~~السلطان في شئون الدولة، فليس للسلطان العثماني في هذه الحالة وجه من الوجوه لإبطال ~~بيعة الخلافة بالقوة العسكرية لو استطاعها مع جميع الأمم الإسلامية، المستقلة وغير ~~المستقلة، وهو لا يستطيعها ولو تهيأت له الذريعة الشرعية لاستخدام قوته ~~العسكرية. # على أن الراجح في تقديرنا أن الكواكبي إنما أراد شيوع الفكرة بين المسلمين ببطلان ~~دعوى الخلافة العثمانية؛ لأن بقاء هذه الفكرة على شيوعها في العالم يومئذ قد يشل حركته ~~ويضعف حجته، ويمثله للناس كأنه محارب للخلافة الإسلامية مؤيد للغارة عليها من جانب ~~الدول الاستعمارية، فإذا ارتفعت هذه الشبهة فهو قمين أن يكسب الرأي العام إلى صفه، ~~وأن يتقي دسائس الدول التي لا يعييها أن تبثها بين الأمم التابعة لها إحباطا لمسعاه؛ ~~بل لعل هذه الدول ترحب بالخلافة المنعزلة عن الدولة وتفضلها على الخلافة التي تعترضها ~~في ميادين السياسة الدولية. ~~••• # ويحق لمن يترجم الكواكبي أن يتنبه إلى رأيه عن الدعوة في مقام حرج من مقامات الترجمة ~~له وتقديره على حسب أعماله ومساعيه. # ونقول إنه مقام حرج؛ لأنه مقام النظر في النيات الخفية التي يتوقف عليها الشيء ~~الكثير في موازين التقدير والحكم على الأعمال والأخلاق، وهي على لزومها لاستيفاء بحث ~~المترجم وتصحيح نقده عرضة للمنازعة والمغالطة خفية المسلك على من يحسن النية وعلى من ~~يسيئها في تقدير العظيم. # لم أكن قد لقيت الكواكبي ولا رأيته في زيارة من زياراته للقاهرة؛ لأن زيارتي الأولى ~~كانت بعد وفاته بشهور، ولكنني لقيت من عرفوه وصاحبوه في بعض مجالس ms144 العالم الإسلامي ~~«محمود سالم بك» فيما أذكر، وهو ممن أقاموا زمنا في باريس لنشر الدعوة الإسلامية والرد ~~على أقوال الصحف والساسة في المسألة الشرقية، ومن هؤلاء الذين لقوه - حيث سكنت زمنا ~~بحي العباسية - شيخ متوقد الفطنة متتبع لأحوال الزعماء الدينيين خاصة فيما يدور حول ~~العلاقة بين القاهرة والقسطنطينية، وبين المهاجرين من بلاد الدولة العثمانية، وبين حملة ~~الأقلام وأقطاب الدين من المصريين. وكان حي العباسية وما جاوره في ذلك العصر ملتقى ~~الكثيرين من زوار قصر الدمرداش وقصور الرؤساء المعتزلين وأصحاب الوظائف الكبرى في ~~القصور الخديوية، ومنها قصر القبة مسكن الخديوي «عباس الثاني» يومذاك، وقلما يقيم في ~~سواه. # قال لي ذلك الشيخ الفطن: إن أناسا من أصحاب الكواكبي كانوا إذا سمعوا عنه أنه يعمل ~~لحساب الخديوي ويهيئ الجو في بلاد العرب لمبايعته بالخلافة تبسموا وقالوا: والله ما ~~يعمل الرجل إلا لحساب نفسه، ألا ترونه حريصا على الخلافة العربية القرشية حريصا على ~~النسبة إلى قريش في بيت من بيوت الإمارة؟ # ولم أعرف يومئذ موقع الصواب في هذه المظنة، ولكنني قرأت كتب الكواكبي بعد ذلك عن ~~الدعوة فرأيت أن الرجل يدعو إلى غاية طويلة الأمد يعلم أنها لا تتم في حياة فرد واحد، ~~ويوطن العزائم على ذلك بين قرائه وصحبه، وهو أحرى أن يطمعهم في سرعة الإنجاز وسرعة ~~الجزاء، لو كان له مأرب يتعلق به ويعلق به آمال العاملين معه غير مضطر إلى التصريح ~~بمراده. # وكل ما يفهم من حرص الكواكبي على الخلافة العربية القرشية أنه لم يكن يعمل لمبايعة ~~الخديوي عباس الثاني بالخلافة الإسلامية، وأنه ربما استعان به لإضعاف خلافة عبد الحميد ~~والانتفاع بنفوذه في البلاد المصرية، ولكنه لا يستطيع أن يوفق بين خلافة عباس الثاني ~~ودعوته إلى الخلافة العربية القرشية «الروحية» ... ولا يرى من إشاراته إلى اختلال الأمن ~~حول الأماكن المقدسة أنه كان يرشح أحدا من بيت معلوم؛ بل ليس بين الإمارات العريقة في ~~أواسط القرن التاسع عشر من تنفعه دعوة الكواكبي بشروطها المقررة في «أم القرى» سواء ~~كانت دعوة إلى الخلافة ms145 أو إلى الدولة، ولكن دعوته - تلك - بشروطها من ناحية الدين ~~وناحية السياسية تنتهي إلى غايتها إذا تفاهم الناس على شروطها وانخلعت بيعة العثمانيين ~~في بلاد العرب، ثم قامت الجامعة الإسلامية بعد ذلك على أساس غير أساسها المرسوم في خطط ~~عبد الحميد. # يكفي أن يقال إن الأمة العربية تبحث عن إمام عربي تبايعه بالخلافة الروحية ليبلغ ~~الكتاب أجله، وتصبح المسألة بعد ذلك مسألة أسماء وأيام. # | خاتمة المطاف # ونتيجة الأخبار والوقائع، وزبدة التعليقات والمعلومات، أننا أمام حياة عظيمة مقدرة ~~لعمل مسمى، يوشك كل جزء من أجزائها وكل عنصر من عناصرها أن يشير إلى ذلك العمل ويترقب ~~الوجهة التي اتجه إليها. # فليس في ترجمة الكواكبي صفحة لا تنتظم في كتاب السيرة كما ينتظم الفصل المنتظم في ~~السفر المجموع. # نشأته في حلب ملتقى المفارق بين المشرق والمغرب والشمال والجنوب، أو مجس النبض بين ~~أعصاب العالم المعمور. # ومعيشته في منتصف القرن التاسع عشر، عصر النهضات القومية والمطامع الدولية، وفرصة ~~التحفز والصراع في ميادين العلم والخلق والثروة، بين الغرب المستعد بأهبته والشرق الذي ~~لا أهبة له غير الخوف والرجاء. # وأسرته التي نبت منها في منبت الجاه والرئاسة، ووظائفه التي تثير فيه كوامن الغضب ~~وتدفعه كل يوم إلى مصطدم الكرامة بين إنسان وإنسان، وبين قوم وقوم، وبين فكرة وفكرة، ~~وبين مصير ومصير. # كل جانب يأوي إليه كأنه هاتف يناديه: كن عربيا للعرب، ولا يهولنك بعد ذلك ما ~~يكون، فلن يكون إلا الخير، ولن يكون إلا خيرا مما أنت فيه. # وتمت حياة الرجل ولم تتم رسالته في خدمة قومه، ولكنها كانت كذلك رسالة مسماة، لو اطلع ~~على عواقبها بعد سنوات معدودات لرضي عنها واطمأن إلى عواقبها، وعلم أنه قد أراد ما ~~يريده الزمن، أو أنه قد سبق الزمن إلى ما أراد. # وحسب المصلح صاحب الدعوة عرفانا بعظمته وإنصافا لمقصده أن يسبق الزمن وأن يحسن ~~السبق إلى مجراه، وأن يأتي بالغد المجهول من ظلمات الغيب فيمشي فيه على هدى قبل أن ~~تهتدي إليه شمس النهار. # وهكذا نظر الكواكبي إلى ms146 الغيب فيما اختاره من وجهة العمل للغد المجهول كأنه اليوم ~~المعلوم. # وضع قضية الإصلاح في موضعها، وأصاب من حيث أخطأ الدعاة في زمنه، بين مخلصين منهم ~~ومدعين! # لم تكن قضية الجامعة العربية عند الكواكبي دعوة تناهض الدعوة إلى الجامعة ~~الإسلامية. # كلا ... ولا كانت «الخلافة الإسلامية» أمامه هدفا يرميه ويعاديه. # وكل ما في الأمر أنه نظر إلى لقب الخلافة في بني عثمان فلم يعلق عليه مستقبل المسلمين ~~ولا مستقبل العرب ولا مستقبل الترك أنفسهم، وهم شركاء بني عثمان في الدولة ~~والسلالة. # ولم يمض على وفاته ربع قرن حتى كان نواب الأمة التركية في أول مجلس لهم يمثلها حق ~~تمثيلها قد عرفوا هذه الحقيقة كما عرفها الكواكبي وسجلها في أول صفحة من صفحاته، ~~فأعلنوا عزل الخليفة قبل نهاية الربع الأول من القرن العشرين، ثم اجتمعت وفود العالم ~~الإسلامي من نحو خمس عشرة أمة في القاهرة بعد ذلك بسنة، وانصرفوا وهم لا يحسون أن ~~العالم الإسلامي رهين بذلك اللقب حيثما كان. # وهذه هي المعجزة ... # هذه هي آية العبقرية التي تلهم صاحبها ما يحسب اليوم كفرا ويحسب في الغد حقيقة من ~~حقائق الإيمان والحكمة، ومصلحة من مصالح الواقع والعيان. # كان الكواكبي في عرف قوم من الجاهلين أو المتجاهلين عدو الجامعة الإسلامية، عدوا ~~لخليفة الإسلام، عدوا لنفسه ولقومه، عدوا لإخوانه في الدين من الترك ~~العثمانيين. # ثم ارتفع حجاب من حجب الغيب فلم يبق أحد يخالف ذلك العدو المبين في دعوة دعاها أو في ~~نية خفية انتواها؛ لأنه صنع المعجزة بعبقريته الملهمة، وإنما العبقرية الملهمة من آيات ~~الله. # ولم يزل سبق الزمن كرامة العبقرية التي من أجلها استحقت الذكرى بعد زمانها، واستحقت ~~الإعجاب من كل ذي طبع قويم وكل ذي سليقة إنسانية تحس أنها ذات نصيب من عظمة الإنسان، ~~ولكن الإعجاب الصادق البصير يضيف إلى تحية العظيم مزيدا من العلم بمعدنه ومعدن ~~العبقرية فيه، وما كان مبلغ القدرة في العبقرية الكواكبية أنها مجهر كبير يريه مدى ~~السنين حيث يقصر النظر حوله عن مدى الأيام، ولا كانت ms147 قدرته كالمفتاح الذي يدير لوالب ~~الزمن إلى الأمام عشرين درجة أو أربعين سنة أو خمسين ... هذه قدرة لو صحت على هذه الصفة ~~لكانت إلى قدرة الصناعة أقرب منها إلى قدرة الفكر والضمير، وإنما كانت عبقرية الكواكبي ~~ملكة نادرة تتلاقى فيها فضيلة العقل الثاقب وفضيلة الضمير الأمين. # كان مقتدرا بعقله على التمييز بين الأشكال والعناوين وبين الحقائق والأعمال، وكان ~~خبيرا بالتفرقة بين عوامل البقاء والنهضة في الأمم وبين مراسم السمت والزينة في الدول ~~والحكومات، وكان يدرك موقع الخطر وموقع السلامة، فلا يهوله ذهاب لقب ولا ييأس من مصير ~~أمة تأخذ بأسباب الحياة. # وكانت هذه فضيلة العقل الثاقب في هذه العبقرية الملهمة. # أما فضيلة الضمير الأمين فيها فهي التي أبت عليه أن يكتم ما يعلم، وأوحت إليه أن يعلم ~~بما اهتدى إليه ولا ينكص على عقبيه. # والدنيا لا تضن بإعجابها على عبقرية تنفرد بالفكر السديد ولا عبقرية تنفرد بالخلق ~~الحميد. # ولكن الجدير بالإعجاب والتشريف معا عبقرية يلتقي فيها سداد الفكر وشجاعة ~~الضمير. ms148