######OpenITI# #META# URI: 1383CabbasMahmudCaqqad.CabqariIslahWaTaclimImamMuhammadCabduh.Hindawi46379685 #META# Tags: biographies #META# ID: 46379685 #META# Title: عبقري الإصلاح والتعليم: الإمام محمد عبده #META# AuthorID: 64642852 #META# Author: عباس محمود العقاد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تمهيد‏ # 1 - العصر‏ # 2 - القرية‏ # 3 - الأزهر‏ # 4 - محلة نصر‏ # 5 - محمد بن عبده بن حسن خير الله‏ # 6 - محور حياة‏ # 7 - مع جمال الدين‏ # 8 - مع الثورة العرابية‏ # 9 - القضية القومية‏ # 10 - في الأزهر‏ # 11 - مع عباس الثاني‏ # 12 - المحسن المعلم‏ # 13 - المصلح الفيلسوف‏ # 14 - شخصية ولا شخصية‏ # 15 - سنوات في تاريخ الأستاذ الإمام‏ # تمهيد‏ # 1 - العصر‏ # 2 - القرية‏ # 3 - الأزهر‏ # 4 - محلة نصر‏ # 5 - محمد بن عبده بن حسن خير الله‏ # 6 - محور حياة‏ # 7 - مع جمال الدين‏ # 8 - مع الثورة العرابية‏ # 9 - القضية القومية‏ # 10 - في الأزهر‏ # 11 - مع عباس الثاني‏ # 12 - المحسن المعلم‏ # 13 - المصلح الفيلسوف‏ # 14 - شخصية ولا شخصية‏ # 15 - سنوات في تاريخ الأستاذ الإمام‏ # | عبقري الإصلاح والتعليم # | عبقري الإصلاح والتعليم # | الإمام محمد عبده # تأليف # عباس محمود العقاد # | تمهيد # نبدأ هذا الكتاب بفصل عن عصر اليقظة، يليه فصل عن حياة القرية المصرية في ذلك العصر، يليه ~~فصل عن الجامع الأزهر فيما اتصلت به حياة القرية من رسالته الفكرية والاجتماعية؛ لأننا نفضي ~~من كل تاريخ من هذه التواريخ الثلاثة إلى تاريخ صاحب السيرة، أعظم من أنجبته القرية ونهض ~~برسالة الأزهر في عصره، عبقري الإصلاح والهداية محمد عبده، قدس الله روحه وأعاننا على ~~التعريف بفضله والتعريف بواجبنا من بعده. # تمهيد نفتتح به هذه السيرة العطرة، لنبسطها على ما نتحراه في سير العظماء جميعا، صورة ~~نفسية تعنينا منها حوادث الزمن ومواقع الأمكنة وأرقام السنين بمقدار ما تمثله لنا من ~~ملامح الصورة ومعالم الحياة التي تصورها، وكل ما في هذه الصفحات من أحاديث التاريخ والرواية ~~عن محمد عبده في نشأته وأسرته وصحبته وعوارض أوقاته من مولده إلى وفاته، فالذي نتحراه منه ~~أن يكون عضوا من أعضاء قوة حية، قبل أن نتحراه جزءا من فترات التاريخ وجزءا من الخريطة ~~الجغرافية، ويملى لنا في مقصدنا أن صاحب هذه السيرة - خاصة - ينبوع قوة روحانية تطوي عوارض ~~الزمن وصغائر الدنيا فيما تفيض به من حياة إنسانية، يخلص لنا منها بعد تمحيص الجوهر عن ms001 ~~نفايات الأوشاب والأخلاط، أشرف ما تتحلى به نفس الإنسان، في العالم الخالد الذي يذهب بالزبد ~~ويبقى ما ينفع الناس. # وسنبلغ مقصدنا من هذه الصفحات إذا جلونا بها صورة يلتفت إليها طلاب القدوة الحسنة من ~~أبناء هذا الجيل، فيجدون أمام أعينهم - محمد عبده - إماما هو أولى أئمة العصر أن يأتم به ~~المقتدي فيما اضطلع به من أمانة العقيدة، وأمانة الفكر، وأمانة الخير، وأمانة الحق، وأمانة ~~الإخلاص للخلق والخالق، في كل ما يتولاه الإنسان - الجدير باسم الإنسان - من نية وعمل، ومن ~~سر وعلانية. # عباس محمود العقاد # الفصل الأول # | العصر # قيل: إن أحلك ساعات الظلام هي ساعة الهزيع الأخير من الليل قبل مطلع الفجر الصادق ~~بلحظات. # ويصدق ذلك على أوقات الظلام في عصور التاريخ، فإن أظلم أوقاته لهو الوقت الذي يسبق فجر ~~اليقظة بقليل من السنوات، ثم تأتي اليقظة في حينها؛ فإذا هي بصيص النور الأول قبل تباشير ~~الصباح. # وعلى هذه الوتيرة كان القرن الثامن عشر في الشرق العربي أحلك ساعات ليله الطويل؛ ليل ~~الجهالة والجمود، ولم تكن بين العصور نسبة متصاعدة في ترتيب الزمن كتصاعد الأرقام في حساب ~~القرون، فلم يكن القرن الثامن عشر - مثلا - أعرق في النكسة و«الرجعية» من القرون التي تليه ~~إلى أواخر القرن السابع عشر الذي بدأت به نهضة العالم العربي في العصر الحديث، بل كان القرن ~~الثامن عشر أسوأ - ولا ريب - من أسوأ القرون التي تقدمته في أيام الجهالة والجمود؛ لأنه ~~القرن الذي انبعثت فيه المسألة الشرقية من بقايا الحروب الصليبية، فكان نذير الخطر الأكبر؛ ~~إذ كان الخطر قد تفاقهم وتراكم، وتجمع وتوسع، حتى لا مزيد. # وكانت المسألة الشرقية قد تمخضت عن دور آخر وراء دور الحروب الصليبية؛ وهو دور التفاهم ~~بين دول الاستعمار على تركة الرجل المريض، فبعد أن كان الغرض من المسألة الشرقية انتزاع ~~الأقطار المسيحية من أملاك الدولة العثمانية، أصبح هذا الغرض - كما قلنا في كتاب ضرب ~~الإسكندرية - «هو تقسيم أقطارها جميعا من مسيحية وإسلامية، وتنازل الأعضاء عن كل نصيب ~~متفق عليه يقع في قبضة ms002 الطامعين فيه من المتنازعين على التركة وصاحبها بقيد ~~الحياة». # غير أن المسألة الشرقية صنعت من المعجزات في إيقاظ الشرق ما لم تصنعه الحروب ~~الصليبية. # لأن الشرق العربي انتصر على الغرب في تلك الحروب ورد عادية الدول الأوروبية عن ذماره، ~~فقنع بما انتهى إليه وبقي على حاله التي هو فيها، وهبط من بعدها دركة تحت دركة، حتى أصبحت ~~أممه بين موروث بقيد الحياة، وبين ميراث كأسلاب الغنيمة مقسم فيمن يقدرون على السلب ~~والاقتسام. # لكن المسألة الشرقية جاءت في أوانها هذا فصنعت من المعجزات ما لم تصنعه تلك الحروب، وكان ~~سر هذه المعجزة أنها فتحت أعين الشرق على مواطن عجزه ونقصه، وعلمته قهرا ما كان يأبى أن ~~يتعلمه باختياره، فأدرك حاجته إلى التغيير العاجل، وأدرك ما هو ألزم له من ذلك، وهو حاجته ~~إلى علم يجهله، واعتقاده أن أمم الغرب قد انتصرت بذلك العلم عليه، وأنه لا غنى له عن ذلك ~~العلم ليستعيد القوة التي انتصر بها على أعدائه، قبل أن ينتصروا عليه ويأخذوا عليه كل طريق ~~غير الفناء أو التغيير، ومن لم يطلب التغيير بعلم يتعلمه من المنتصرين عليه، فقد آمن ~~بأن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وآمن بأن قومه غيروا دينهم ~~فتخاذلوا وانخذلوا، فلا نجاة لهم بغير الرجوع إلى الدين الصحيح، مبرأ من لوثة البدعة ~~والخرافة، سليما من شبهة الدجل والغفلة. # فإذا كانت قارة الاستعمار قد حصرت خطتها حيال الشرق في سياسة واحدة تريدها وتتعمدها، ~~فهناك كما قلنا في كتابنا عن الكواكبي «سياسة أخرى لم تردها ولم تتعمدها تلقاها الشرق منها ~~فهب لمقاومتها، وتيقظ لمطامعها، ونزل معها في ميدانها الذي استفزته له باختيارها وبغير ~~اختيارها ... ونقصر القول على الشرق العربي كما كان في أواسط القرن التاسع عشر ... ففي تلك ~~الفترة كانت مصر قد ظفرت بحصة كبيرة من الحكومة الذاتية، وكان لبنان قد خرج بعد الفتن ~~والأزمات بنصيبه المقرر من الامتيازات الداخلية، وكادت جزيرة العرب أن تنعزل بالعودة ~~الوهابية وتوشك أن تمتد منها إلى العراق، وكان العراق ms003 في صراعه مع حكم المماليك يتقدم في ~~خطى سراع إلى الخلاص من ذلك الحكم المضطرب بين الكساد والوباء ... ولعلنا ندرك حقيقة الحال ~~ونعلم أن وعود الإصلاح كانت ضرورة لازمة ولم تكن إنعاما ولا إحسانا من ولاة الأمور، إذا ~~نظرنا إلى بقاع العالم العربي فلم نجد فيه بقعة راضية بما هي فيه، ولم ينهض أهلها للمطالبة ~~بنوع من الإصلاح على نحو من الأنحاء، فتحرك السودان وتحركت الصحراء وتحركت قبائل المغرب في ~~ثورتها، بل في ثوراتها التي تكررت ولا تزال إلى اليوم، وصدق على العالم العربي بين أطرافه ~~المترامية قول القائلين في الغرب: «إنه مارد خرج من القمقم ولن يعود إليه.» وكان في الحق ~~ماردا هائلا يتململ في الأسر ليخرج من قمقمه المظلم المحصور، ولكنه لم يكن ماردا معصوب ~~العينين كما صوره أولئك الراصدون للقمقم، أو كما أرادوا أن يتصوروه؛ إذ كان للمارد زمامه ~~في أيدي الهداة من القادة الملهمين ومن رواد الثقافة الأولين، وكان لهذه الهداية بين ~~المسلمين وغير المسلمين طابع الشرق الخالد منذ الأزل، طابع العقيدة والإيمان. وربما قال ~~الجامدون قبل المجددين: «إن الأوروبيين عملوا بأدب الإسلام، فأعدوا العدة ونظروا إلى حكمة ~~الله في خلقه، فتقدموا وتأخر المسلمون.» ~~••• # ونحن الآن نغتبط بالمصير الذي انتهت إليه المسألة الشرقية بعد منتصف القرن العشرين، ولكن ~~واجب العظة الصادقة يتقاضانا أن نذكر في كل حين أن الشرق لم يكن سريع الخطى في انتقاله من ~~دور الجمود إلى الخلاص؛ لأنه قضى نحو قرن كامل يجاذب بعضه بعضا عن الطريق القويم بين من ~~يحسبون أن الخلاص كله في اتباع الجديد على علاته، ومن يحسبون أن هذا الخلاص مطلب بعيد ~~المنال علينا، إذا نحن لم ننبذ الجديد بقضه وقضيضه، وكأنما خرج المارد من القمقم إلى ~~فضاء الأرض والسماء، ولكنه خرج إليه مكبلا بالأغلال والأعباء التي تثقل الرءوس قبل أن ~~تثقل الأقدام، ولبثت كل أمة من أمم الشرق الأدنى تنتظر القارعة التي تخصها بالعظة بين ~~جاراتها وأخواتها التي تشبهها في المصاب وتشبهها في المصير، فلم تتعظ أمة من ms004 هذه الأمم ~~بمصاب غيرها على النحو الرشيد الذي يعفيها من تكرار الجهود وابتداء المسير من جديد، وكأنما ~~أثقال الماضي أكبر وأخطر من دواعي اليقظة والحركة في الحاضر والمستقبل، فبقيت هذه الأمم ~~المتيقظة تجرجر وراءها تلك الأثقال شوطا بعيدا بعد استقامتها على منهج الإصلاح ~~المحتوم. # وفي مصر كانت حملة نابليون هي الصدمة الكبرى التي خصتها بدروسها العاجلة، وكانت دروسا ~~محتومة لا تمهل المتعلم أن يتردد بين الجمود والحركة. # وربما كانت الغلبة العسكرية أضعف تلك الدروس أثرا؛ لأن هزيمة المماليك لم تقع من الأمة ~~موقع الدهشة، ولم يصعب على الذين كلفوا أنفسهم تدبر عواقبها وأسبابها أن يردوها إلى غضب ~~الله، وأن يعتبروا بعبرتها عقابا للقوم على الظلم والطمع وسوء السيرة، وغلبة الترف ~~والنعومة في الكثيرين منهم على صفات البأس والنخوة، كما قال شاعر الجبرتي: # إنما هذه البلاد لأقوا # م حموها بالصارم المسلول # وأرى دولة المماليك مالت # لشروب اللذات (كل مميل) # واغتنوا عن تجريد سيف ورمح # بقوام لدن وطرف كحيل # ولكنهم علموا أن ظلم المماليك قد يسوق إليهم من يغلبهم ويقهرهم، ولكنه لا يضع في يد ~~الغالب القاهر سلاحه الذي يصول به على عدوه فيقهره ويستذله، وإن لم يكن أحمد منه سيرة ~~وأقل منه فسادا، كما شهدوا بعد ذلك من سيرة «الفرنساوية» في هذه الديار، ثم نظروا فعلموا ~~أن نابليون لم يزحف على المماليك بجيش واحد بل بجيشين؛ جيش يحمل السلاح، وجيش آخر من جماعة ~~العلوم والفنون يحمل الكتب والأوراق، وهو الجيش الذي حشده «الفرنساوية» في المدينة. ~~«وأفردوا للمدبرين منهم، والفلكيين، وأهل المعرفة والعلوم الرياضية كالهندسة والهيئة ~~والنقوشات والرسومات، والمصورين، والكتبة والحساب والمنشئين حارة الناصرية، حيث الدرب ~~الجديد وما به من البيوت، وفيه جملة كبيرة من كتبهم وعليها خزان ومباشرون يحفظونها ~~ويحضرونها للطلبة ومن يريد المراجعة، وكان في تلك المكتبة زيادة عن الكتب العلمية ~~والتاريخية أطالس فيها صور من سلف، وصور الأماكن التاريخية، وخرط البلاد والمدن، ~~والحيوانات والطيور والنباتات، وتواريخ القدماء وسير الأمم وقصص الأنبياء بتصاويرهم وآياتهم ~~ومعجزاتهم وحوادث أممهم، وعند توت الفلكي ms005 وتلامذته في مكانه المختص بعلم الآلات الفلكية، ~~وأفردوا لجماعة منهم بيت إبراهيم كتخدا السفاري وهم المصورون لكل شيء، ومنهم أريجو الذي ~~أبدع تصوير المشايخ المعينين بالمجلس، وفريق منهم يحنطون الحيوانات والأسماك، وأفردوا ~~أماكن للمهندسين، وسكن الحكيم «رويا» ببيت ذي الفقار كتخدا، ونظم دار الأدوية به ومعه عدة ~~من الأطباء والجراحين، وأفردوا مكانا في بيت حسن كاشف شركس لعمل التحليلات الكيميائية ~~والظواهر الطبيعية، وأفردوا أيضا مكانا للنجارين وصناع الآلات والأخشاب». # وربما كان من بواعث إحياء الثقة بعد موتها، ومن بواعث الإقبال على هذه العلوم الغربية بعد ~~النفور منها والإعراض عنها، أن أذكياء البلد فهموا أنها «بضاعتنا ردت إلينا»، وأن ~~الفرنسيين إنما أخذوا من علومنا في المشرق ما أهملناه وضيعناه، فبلغوا به من القوة حديثا ~~مثلما بلغناه قديما، ولا يزالون يبحثون عن المزيد ليبلغوا فوق ما بلغوه، ومكن لأذكياء ~~البلد من هذا الاعتقاد أنهم نظروا إلى الجلة المختارة من علماء القوة، فرأوهم يجدون في ~~البحث ولا يترفعون عن التمرغ بالأتربة والخرائب، ليكشفوا بين ودائعها عن أسرار الكيمياء ~~والفلك وأخبار الري والزراعة، ولم يتورعوا عند سفرهم عن حمل ودائع المساجد وخزائن الكتب بما ~~اشتملت عليه من المخطوطات المطلوبة والنسخ النادرة، تنفيذا للمادة الحادية عشرة من شروط ~~الصلح الأخير التي تنص على: «أن أرباب العلوم والصنائع يأخذون معهم جميع الأوراق والكتب مما ~~لا يخصهم فقط، بل كل ما يرونه نافعا لهم.» ~~••• # وقد فارقت الحملة الفرنسية مصر ولم تفارقها فكرة التقدم العصري الذي سبق إليه القوم بعلوم ~~ابتكروها أو بعلوم اقتبسوها منا، وآن لنا أن نردها إلينا. # ولكنها كانت فكرة تحوم بين بعض الرءوس ولا يظهر لها أثر في الحياة العامة؛ لاختلاف النظر ~~بين طلاب الجديد على علاته وأعداء الجديد بحذافيره، ولأن التجديد في الحياة العامة مطلب ~~تتولاه الهيئات المنظمة والحكومات المطاعة، ولا يستقل به الأفراد في جهود مبعثرة وآراء ~~متضاربة، فلما قامت في مصر أول حكومة ذاتية بعد حملة نابليون، لم تلبث أن أحست وطأة ~~الضرورات العملية وإلحاح المطالب الموقوتة، ولم تكن هذه الضرورات ms006 مما يحتمل التسويف بين ~~الآراء المتشعبة والوجهات المتعارضة، ووجب على ولاة الأمر أن يوطنوا أنفسهم على مصير ~~كمصير المماليك، أو يبتدروا الزمن إلى الانتفاع العاجل بتجديد التعليم والتصنيع، فأخذوا في ~~بناء المدارس، وإرسال البعوث، وإنشاء المصانع، وتنظيم الدواوين، وضبط موارد الثروة، وعملت ~~المطبعة عملها في نقل المؤلفات النافعة وإحياء الذخائر السلفية، وتداولت أيدي المثقفين ~~القلائل كتب الأجانب في علوم التاريخ والفلك والجغرافية والطبيعة والكيمياء وشئون الحكم ~~والاجتماع، كما تداولت كتب الأدب والثقافة من آثار السلف المهجورة، واتجهت الهمم إلى جمع ~~هذه الآثار من مظانها في المساجد والزوايا وخزائن القصور، فلم يمض جيل واحد بعد الحملة ~~الفرنسية حتى ظهر «الرجل المثقف» في البيئة المصرية، ولم تخل منه بيئة من بيئات التقليد ~~والرجعة إلى القديم، وهي على عادتها في الأزمنة المختلفة أعدى أعداء التحول ~~والتجديد. # وشرط الرجل المثقف في كل عصر أنه «ابن عصره»، وأن طابع عصره يلازمه في تفكيره وعمله كما ~~يلازمه في نظرته إلى العالم من حوله، فلا يعيش في الزمن الحاضر بعقل الزمن الماضي، ولا ~~يترجم الواقع والحقيقة بلغة الوهم والخرافة. وقد وجد هذا الرجل المثقف في كل بيئة من ~~بيئات التقليد والتجديد، فثبت طابع العصر على أبناء القرن التاسع عشر قبل انتصافه، ولا نعني ~~بثبوت طابع العصر في تلك الفترة أنها أخذت كل ما يعطيه العصر من علومه وفنونه وأفكاره ~~وخواطره، ولا أن المثقفين في الأمة غلبوا على أفكارها وخواطرها، أو غلبوا على كل ما بقي في ~~رءوسهم وصدورهم من ميراث ماضيهم، لكن ما نعني أنهم استطاعوا أن يفتحوا أعينهم على النور بعد ~~الظلمة، فأبصروا غاية ما تمتد إليه تلك الأعين من منظور معروض بين أيديهم تحت أضواء النهار، ~~ولم يزل فيهم بعد ذلك حديد النظر وكليله، بل لم يزل فيهم من هو طويل النظر ينظر إلى ~~البعيد ولا ينظر إلى القريب بين يديه، أو ينظر إلى القريب اللاصق به ولا يعدوه إلى ما ~~وراءه. # كان القرن الثامن عشر أحلك ساعات الليل قبل مطلع الفجر، فلما طلع الفجر ms007 وأشرق من بعده ~~النهار تيسرت الرؤية لمن يستطيعها كما تستطيع عيناه، وهذا هو الفارق بين المثقف ابن عصره ~~في منتصف القرن التاسع عشر، وبين الجامد على قديمه قبل ذلك بخمسين أو ستين سنة، فارق بين ~~من ينظر بعينه، وبين من يتخبط في الظلمة أو يقاد. # من هؤلاء الناظرين بأعينهم إلى النور بعد منتصف القرن التاسع عشر، بل في الطليعة من أولئك ~~الناظرين البصراء إلى حقائق زمانهم، نابغتنا الريفي الأزهري الذي علم علم اليقين، بل ~~آمن إيمان الدين المتين، أن «التقدم العصري» رهين بعلوم - لنا - أهملناه وهجرناها، وعلوم ~~للمعتدين علينا سبقونا إليها ولم نلحقهم في غير القليل منها، وهي حقيقة من «بديهيات» أيامنا ~~هذه بعد منتصف القرن العشرين، ولكن نابغتنا الريفي الأزهري - محمد عبده - كان يقررها بعد ~~منتصف القرن التاسع عشر، فيجد أمامه من يخاطبهم بمثل ذلك المقال الذي كتبه في صحيفة ~~الأهرام الأسبوعية، وتحرى فيه أن يكتبه بأسلوبه المخضرم بين القديم والحديث، فقال: # ليت شعري إذا كان هذا حالنا بالنسبة إلى علوم قد أرضعت ثدي الإسلام، وغذيت ~~بلبانه، وتربت في حجره، وتقلدت في إيوانه منذ زمن يزيد على ألف سنة ... فما حالنا ~~بالنسبة إلى علوم جديدة مفيدة هي من لوازم حياتنا في هذه الأزمان ... لا بد لنا من ~~اكتسابها وبذل المجهود في طلابها؟ ... كنا نؤمل أن المبنج يفيق بشم روح النوشادر ... ~~في زمان جرى فيه سيل العلوم حتى عم أنحاء الكرة على العموم ... وظهر فيه التوازن ~~بينها وبين أحوالنا المهجنة؛ كثروتهم وفاقتنا، وعزتهم وذلتنا، وقوتهم وضعفنا، ~~وقدرتهم وعجزنا، وصولتهم وانهزامنا، وغير ذلك من المزايا والرزايا التي لا ~~تعد ... لكن صمت الآذان وعميت الأبصار، ختم الله على قلوبهم وسمعهم وعلى ~~أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم. # وقد كان الشاب محمد عبده يدعو هذه الدعوة وهو في الطليعة من أبناء جيله، ولكنه سجل بها ~~طابع العصر كله من منتصف القرن الثامن عشر إلى منتصف القرن التاسع عشر، ومن هزيع الليل ~~الأخير، إلى مطلع النهار. # الفصل الثاني # | القرية # إذا أحاطت ألفاف الظلام ببقعة من ms008 الأرض خفيت معالمها ولم يتبين منها موضع من موضع، ~~وخيل إلى الناظر إليها على البعد أنها خلاء بلقع، أو أنها مسكن مهجور لا يأوي إليه ~~ديار، ولا ينبعث منه بصيص نور. # ويقترب السالك إليه فلا ينمحي أمام عينيه آية الظلام، ولكنه يرى معها شيئا غير الظلمات ~~التي أطبق بعضها على بعض، شيئا من النور هنا وهناك؛ بين سراج ضئيل على باب دار، أو فتيلة ~~خافتة عند زاوية جدار، أو نار تشب للهداية، أو موقد يضرم للطعام، شيئا آخر من بصيص ~~النور غير ألفاف الظلام. # على حالة مثل هذه الحالة كانت صورة القرية المصرية في العصر المخضرم بين أواسط القرن ~~الثامن عشر وأواسط القرن التاسع عشر: صورتها من خلال التاريخ العام ظلام وموات، وصورتها من ~~قريب تتجلى عن شيء غير الظلام والموات، بصيص من النور ورمق من الحياة. # ينظر القارئ في صفحات التاريخ العام منذ قرون ترجع إلى ما قبل الميلاد، فلا يفرغ من قصة ~~دولة طاغية إلا ليبدأ في قصة دولة باغية، ولا ينتهي من حكم دخيل إلا لينتقل إلى حكم أصيل، ~~يضطرب بين الضعف والشقاق وبين العسف والجمود، وينطمس في أثناء ذلك كل ما تخلله من بريق هنا ~~ووميض هناك، فلا تنطبق الصفحات آخر الأمر إلا على ألفاف من الظلمات، كتلك الألفاف التي ~~تحيط بالسالك في غياهب الليل، فلا يبصر وراءها غير ظلام مطبق على ظلام. # وينتقل قارئ التاريخ العام من تاريخ القرية على حدة، فيرى شيئا آخر إلى جانب الطغيان ~~والمذلة، شيئا من العزة هنا ومن السخط هناك، وشيئا من الشعور بغير التسليم وراء كل تسليم، ~~ولكنه متفرق متقطع يراه الناظر إذا تبينه وفتش عنه، ولا يكاد ينكشف له من النظرة الأولى ~~في نطاق أوسع من نطاق الآحاد منفردين متفرقين. # ومن الحق ألا يعجب قارئ التاريخ العام من هذه الصورة المختلفة للقرية المصرية في تلك ~~الفترة، فإنه كان أحرى أن يعجب لتلك القرية أن تبقى فيها بقية من التربة المخصبة بعد جوائح ~~القحط والجدب والاغتصاب والانتهاب، وعوارض الجفاف ms009 من سوء الزرع وسوء الري أو سوء توزيع ~~المياه إن فاضت به مجار، فإذا كان هذا كله لم يستنفذ ذخيرة الخصب في هذه الأرض العتيقة، ~~فلا عجب أن تبقى للنفس البشرية ذخيرة من قوة الحياة بعد أن أصابها من غوائل الزمن ما أصاب ~~أرضها من خراب وجدب واغتصاب. # وواقع التاريخ العام - عند التأمل فيه - أنه لم يخل قط من دلائل القوة الكامنة وراء ~~ظواهر التسليم والجمود، وإن طال الكمون والجمود أحيانا إلى أجيال وراء أجيال. # فالتاريخ العام لم يخل من ثورة المقاومة بعد مظالم بناة الأهرام، ولم يخل منها في ~~إبان دولة الرومان، وربما كانت المسيحية المصرية شعلة من شعل هذه الثورة بما شرعته ~~لأهلها من عقيدة تنكر عقيدة الدولة الحاكمة، وربما ساقت إليه العازفين عن الطاعة العمياء من ~~عزلة الدير ووحدة الرهبانية ... ومن أبى تلك الطاعة العمياء من غير أهل الخير والتقوى، فلعله ~~لم يحمل سلاح العصيان ولم يذهب مع العصب والمناسر إلا استباحة لعصيان الحاكم الظالم قبل ~~استباحته للحرام من الأنفس والأموال. # وينبغي أن نذكر أن الحاكم الظالم لم يكن في وسعه أن يستأصل جذور الحياة في القرية لو ~~أراد، وأنه لم يكن له مأرب في استئصالها، ولم تكن له خبرة بوسائل استئصالها لو كان له من ~~بعد النظر ما يخيفه من عواقبها في الزمن البعيد، فأما مأربه منها في حاضر وقته فكل همه منه ~~محصول الزرع الذي يحمل إليه وهو قابع في قصور المدينة، ومن حمله إليه من أعوانه فهو في ~~تسخيره للحارثين والكادحين لا يستغني عن مسألة فريق منهم ومداراة آخرين، بل عن بذل الرشوة ~~لمن يعرفون في القرية من العاملين والمتمردين. # وكان ملتزم الزرع والضريبة لأصحاب السلطان في دولة المماليك أحوج ما يكون إلى تلك ~~المداراة، سواء في القرى التي يملكها أبناؤها أو في القرى التي تزرع على «الروك» كما كانوا ~~يسمون الزرع المشاع بعد أيام الأيوبيين. # فالمالكون لأرضهم على قلتهم كانوا في بلادهم أرسخ قدما وأعصى مقادا على الملتزم، من ~~أن يسوقهم بعصا الإكراه ms010 والتسخير، وقد يرضي فريقا منهم بالتزامات صغيرة إلى جانب التزامه ~~الكبير. # والزارعون في أرض «الروك» غرباء عن الملتزم في كل قرية غير قريته التي ولد فيها إن كان ~~من أهل القرى، أو هم غرباء عن مدينته إن كان من أهل العواصم البعيدين عن الريف، فسبيله ~~إليهم أن يرضي من يعرفهم وأن يحسب لهؤلاء حسابهم؛ لأنهم إن كانوا أضعف بأسا من أن ~~يقدروا عليه، فهو أقصر يدا وأعجز وسيلة من أن يقدر عليهم أجمعين، وأن يستفيد من قدرته ~~عليهم كارهين مضربين. # وقد كانت لموارد القطر كله حصيلة يحسبونها بالقراريط أربعة وعشرين قيراطا، موزعة بين ~~الأمراء والجند ومرافق الدواوين وأعمال القناطر والجسور والأحواض، وكانت من هذه القراريط ~~حصة محجوزة لأولئك الرؤساء المقدمين بين أبناء الريف، يسمونهم في سجلات الدولة بالعلماء ~~أو مشايخ العربان، ويسمون «بأبناء العرب» كل من لم يكن من أبناء الترك والجراكسة ~~وأعاجم الجند من كل قبيل، فلم يكن «مشايخ العربان» كلهم بدوا يعيشون في مضارب الخيام، بل ~~كان أكثرهم من الفلاحين والقرويين. ~~••• # إن منفذ الحرية، أو منفذ المقاومة، أو منفذ الشكاية الذي بقي لأبناء القرى في أواخر عهد ~~المماليك، قد يتمثل لنا في حادث من حوادث كثيرة رواها المؤرخون لتلك الفترة، ولكن هذا ~~الحادث قد جمع من مراجع السلطة وأساليب المقاومة، واشترك فيه الأمراء والعلماء وجمهرة الشعب ~~على مثال يستحق أن نفرده بالذكر في هذا المقام. # روى الجبرتي في الجزء الثاني أن الفلاحين في قرية من قرى مركز بلبيس شكوا في شهر ذي الحجة ~~سنة 1209 هجرية/1795 ميلادية، إلى الشيخ عبد الله الشرقاوي كبير علماء الأزهر، ظلما لحق ~~بهم من أتباع محمد بك الألفي أمير المماليك المشهور، فأبلغ الشيخ شكواهم إلى كل من مراد ~~بك وإبراهيم بك، ليخاطبا الألفي بك في هذه الشكوى ويطلبا إليه أن يكف أتباعه عما يوجبها، ~~وانقضى زمن على هذا البلاغ بغير جدوى، فجمع الشيخ الشرقاوي علماء الأزهر وتشاوروا في الأمر ~~مليا، فانتهوا إلى إنذار الأمراء جهرة بالمقاومة، واتفقوا على إغلاق أبواب الجامع ودعوة ~~التجار ms011 وأصحاب الأعمال إلى إغلاق الدكاكين وحوانيت التجارة، وإعلان ما نسميه اليوم بالإضراب ~~العام، ثم ركب الشيخ الشرقاوي والعلماء في اليوم التالي وتبعتهم جماهير الشعب إلى منزل ~~الشيخ السادات، لإشراكه وإشراك أتباعه معهم في مقاومة الأمراء حتى يستجيبوا إلى مطالبهم، ~~وكان لإبراهيم بك قصر بجوار بيت السادات، فرأى هذه الجموع التي لا يكف عنها المدد مما حوله، ~~وهالته كثرتها، فأرسل من يسأل عن سبب اجتماعها، ثم علم بالسبب، فلم يجسر على الذهاب بنفسه ~~إلى مكان الاجتماع، وأناب عنه الدفتردار أيوب بك لاستماع أقوال العلماء والسعي في تحقيق ما ~~طلبوه، فعلم منهم أنهم يريدون كف المظالم وصيانة الأموال والأرواح ورفع المكوس والضرائب ~~إلا ما يرتضيه الرعية، فخاطبهم أيوب بك في تخفيف بعض هذه المطالب، والاكتفاء بتعجيل بعضها ~~مما يستطاع إنجازه لوقته، وقال: إن رفع المكوس والضرائب دفعة واحدة متعذر، وإنه قد يرفع ~~شيئا فشيئا، وإلا «ضاقت علينا المعايش والأرزاق». فصارحه العلماء قائلين: إن الأمراء ~~ينفقون الأموال فيما لا حاجة به ولا خير فيه، وما الحاجة إلى إنفاق المال في البذخ والترف ~~والاستكثار من الجواري والمماليك؟ إن الأمير يعطي ولا يأخذ ما في أيدي الناس، وإن الإنفاق ~~على اللذات وضروب الزينة الخاوية إسراف وفضول. # ولم يستمع العلماء جوابا شافيا في ذلك المجلس، فباتوا ليلتهم في حرم المسجد على أن ~~يخرجوا في الصباح إلى الميادين والساحات العامة، معلنين الأمراء بخلع الطاعة والاستجابة إلى ~~أحكام الشريعة، فبادر إبراهيم بك إلى طلب المعذرة منهم، وأحال التبعة في رفض مطالبهم إلى ~~إصرار المخالفين له من أمراء المماليك، وعلى رأسهم صاحبه مراد بك، وأبلغهم أنه يؤيدهم ~~ويحارب في صفوفهم إذا أصر المخالفون على الرفض والمراوغة، وكاشف مراد بك في الأمر مستحثا ~~له على عمل شيء عاجل لتهدئة المدينة قبل انفجار الشعب كله بالعصيان. # وكان الوالي الأكبر يرقب الحالة لينظر ما يصنعه أمراء المماليك لتدارك الخطر قبل ~~استفحاله، فلما كان اليوم الثالث ولم يصنعوا شيئا، قصد إلى قصر إبراهيم بك وجمع هناك كبار ~~الجند وأصحاب الكلمة النافذة في عساكر ms012 المماليك، وأرسلوا إلى العلماء والرؤساء يدعونهم ~~للمشاورة ويعدونهم بإبرام الأمر على ما يحبون، فحضر من رؤسائهم كل من الشيخ الشرقاوي، ~~والشيخ الأمير، والشيخ السادات، والسيد عمر مكرم، والشيخ البكري، وهم نواب الأمة المختارون ~~لهذه الملمات، وانفض الاجتماع بعد طول الأخذ والرد بقبول ما طلبه العلماء، وكتابة موثق ~~بذلك على الأمراء أن يتبعوه ولا يخالفوه، ووقعوا جميعا على الحجة الشرعية التي تسجل ~~هذا الموثق وخلاصتها: أن يدين الأمراء بقضاء المحاكم في قضايا الحقوق، وأن تفرض الضرائب ~~بموافقة الرعية على حسب الأحكام الشرعية، وأن يمتنع عدوان الحاكم بغير جريرة من المحكومين. ~~وسميت هذه الوثيقة بالحجة الشرعية على عادة قضاة الشريعة في تسمية هذه العقود، ولو ~~أنها كتبت في بعض البلاد الأوروبية لجاءنا خبرها مع كتب القوم في علوم السياسة الحديثة، ~~بعنوان من تلك العناوين الكثيرة عن حقوق الشعب، أو الدستور الأكبر، أو «الماجنا كارتا»، ~~وما إليها من مصطلحاتهم التاريخية، ولكن العلماء الذين دعوا أمراء العصر إلى توقيع ذلك ~~العهد، لم يحسبوا أنهم جاءوا إلى الناس بعهد جديد غير التذكير بعهد كتاب الله وسنة رسول ~~الله التي نسبها أولئك الأمراء، وكتب الموثق «حجة» عليهم بشهادة الرعية وشهادة «الأمة» ~~التي تأمر بالمعروف من عباده العلماء. ~~••• # وقد بقيت للقرية هذه البقية الصالحة من القدرة على المطالبة والشكوى من الظالم إلى ما بعد ~~عهد المماليك بزمن طويل، ولم تكن في كثير من الأوقات كافية لرفع المظالم وكف يد الظالم، ~~ولكنها كانت في أحلك الأوقات كافية لتحريك القوة الكامنة في قلب إنسان مؤمن بالعدل ~~والخير، متحفز للجهر بما يؤمن به حيث يجدي الجهر بالإيمان، أو يجد له مستمعا من القلوب ~~والآذان. # وقد أرخ إمامنا صاحب هذه السيرة لهذه الظاهرة الاجتماعية في تلك الفترة بعينها، فقال ~~رحمه الله في مقاله عن محمد علي رأس الأسرة الخديوية: إن الأمراء «اضطروا أن يخففوا من ~~ظلمهم، وأن يتخذوا لهم من الأهلين أنصارا يؤازرونهم عند قيام الحرب بينهم وبين خصومهم، ~~فلما أحس الأهلون بحاجة الأمراء إليهم، زادوا في الدولة واضطروهم إلى قبول ms013 مطالبهم، فعظمت ~~قوة الإرادة الشعبية عند أولئك الذين كانوا عبيدا بمقتضى الحكومة، وانتهى بهم الأمر أن ~~قيدوا الأمراء والملوك معا ... نعم كانت الحكومة في مصر على نوع تخالف به الحكومات ~~الشرقية، وكانت البلاد موزعة بين أمراء كل منهم يستغل قسما منها ويتصرف فيه كما يهوى، ~~وكان كل منهم يطلب من القوة ما يسمح له بمد يده إلى ما في يد الآخر أو يدفع به صولته، ~~فالخصام كان دأبهم والحرب كانت أهم عملهم؛ لذلك كان كل منهم يستكثر من المماليك ما استطاع ~~ليعد منهم جنده، وكانت تعوزهم مؤنتهم إذا كثروا فاضطروا إلى اتخاذ أعوان من أهالي البلاد، ~~فوجدوا من العرب أحزابا كما وجدوا منهم خصوما، ثم رجعوا إلى سكان القرى فوجدوا فيهم ما ~~يحتاجون إليه، فاتخذوا بيوتا منها أنصارا لهم عند الحاجة، وعرف هؤلاء حاجة الأمراء إليهم ~~فارتفعوا في أعينهم وصار لهم من الأمر مثل ما لهم أو ما يقرب من ذلك؛ لهذا كنت ترى في ~~البيوت المصرية بيوتا كبيرة لها رؤساء يعظم نفوذهم ويعلو جاههم ... وذلك كان يقضي على كل ~~أمير من أولئك الأمراء أن يصرف زمنه في التدبير واستجلاب النصير، وإعداد ما يستطيع من قوة ~~لحفظ ما في يده والتمكن من إخضاع غيره، وكان أنصاره من الأهالي يجارونه في ذلك خوفا من ~~تعدي أعوان خصمه عليهم ... وهذا يحدث بطبعه في النفوس شمما وفي العزائم قوة، ويكسب ~~القوى البدنية والمعنوية حياة حقيقية مهما احتقرت نوعها، فكانت العناصر جميعها في استعداد ~~لأن يتكون منها جسم حي واحد يحفظ كونه ويعرف العالم مكانته». # ثم انتقل إلى عصر محمد علي، فقال ما فحواه إنه خاف على سلطانه من أبناء البلاد، «فوجه ~~عنايته إلى رؤساء البيوت الرفيعة، فلم يدع منها رأسا يستتر فيه ضمير (أنا)، واتخذ من ~~المحافظة على الأمن سبيلا لجمع السلاح من الأهلين، وتكرر ذلك منه مرارا حتى فسد بأس ~~الأهالي وزالت ملكة الشجاعة منهم، وأجهز على ما بقي في البلاد من حياة في أنفس بعض ~~أفرادها، فلم يبق في البلاد رأسا ms014 يعرف نفسه حتى خلعه من بدنه، أو نفاه مع بقية بلده إلى ~~السودان فهلك فيه. وأخذ يرفع الأسافل ويعليهم في البلاد والقرى، كأنه كان يحن لشبه فيه ~~ورثه عن أصله الكريم حتى انحط الكرام وساد اللئام، ولم يبق في البلاد إلا آلات له ~~يستعملها في جباية الأموال وجمع العساكر بأية طريقة وعلى أي وجه ... فمحق بذلك جميع عناصر ~~الحياة الطيبة من رأي وعزيمة واستقلال نفسي، ليصير البلاد جميعها إقطاعا واحدا له ~~ولأولاده، على إثر إقطاعات كثيرة كانت لأمراء عدة». # ثم قال: «أين البيوت المصرية التي أقيمت في عهده على قواعد التربية الحسنة؟ أين البيوت ~~المصرية التي كانت لها القدم السابقة في إدارة حكومة أو سياساتها أو سياسة جندها مع كثرة ما ~~كان في مصر من البيوت الرفيعة العماد، الثابتة الأوتاد؟ ... إنه أرسل جماعة من طلاب العلم ~~إلى أوروبا ليتعلموا فيها، فهل أطلق لهم الحرية أن يبثوا في البلاد ما استفادوا؟ كلا، ولكنه ~~اتخذهم آلات تصنع له ما يريد ... وظهر بعض الأطباء الممتازين وهم قليل، وظهر بعض المهندسين ~~الماهرين وهم ليسوا بكثير، والسبب في ذلك أن محمد علي ومن معه لم يكن فيهم طبيب ولا مهندس، ~~فاحتاجوا إلى بعض المصريين، ولم يكن أحد من الأعوان مسلطا على المهندس عند رسم ما يلزم له ~~من الأعمال، ولا على الطبيب عند تركيب أجزاء العلاج، فظهر أثر استقلال الإرادة في الصناعة ~~عند أولئك النفر القليل من النابغين، وكان ذلك مما لا تخشى عاقبته على المستبدين.» ~~••• # ومن المحقق أن الخطة التي نسبها الأستاذ الإمام إلى محمد علي إنما كانت إحدى خططه ~~المرسومة في سياسته العامة، التي أراد بها أن يحصر الأمر كله بين يديه، وأن يجرد البلد من ~~كل قوة تحدث نفسها بمقاومته، أو الانتقاض على حكمه، أو منازعته في شأن من شئون الدولة، ~~سواء بدرت هذه المنازعة من جانب أبناء الترك كما كانوا يسمون المماليك عامة، أو من جانب ~~أبناء العرب كما كانوا يسمون الفلاحين عامة، بغير تفرقة بين أبناء البادية وأبناء الريف، ~~وكان ms015 همه الأكبر أن يتخلص من أولئك السادة الذين رشحوه للولاية وتقدموا مرة بعد مرة ~~لمحاسبة الأمراء من قبله؛ لأنه علم أنهم قادرون على ترشيح غيره كما رشحوه، وعلى محاسبته ~~كما حاسبوا غيره، وخشي من جانب الريف أن يدين أبناؤه لصاحب جاه أو صاحب «عزوة» من أهله، ~~وبخاصة بعد التحالف بين بعض أبناء الريف وبعض خصومه الذين هجروا العاصمة فرارا من القتل ~~والغيلة. ولم ينس محمد علي أن قبائل الأطراف ربما استقلت بالحكم زمنا، وامتنعت عن أداء ~~الخراج لولاة الأمر في القاهرة كلما اتهمهم بالمروق من سلطان الدولة أو بالجور على حقوق ~~الرعية، فلم يكفه أن يجرد أصحاب الجاه من قدرتهم على العصيان والانشقاق، بل حرص على ~~تجريدهم من كل جاه لا يستمدونه منه ولا يرجعون به إليه. # غير أن الحاكم المستبد قد يستطيع أن يستأصل الغروس النامية، ولكنه لا يستطيع - مهما بلغ ~~من طغيانه وحرصه - أن يستأصل الجذور الكامنة في أعماق أرضها، ولا البذور المدفونة في انتظار ~~نبع يسري إليها أو سحابة تهطل عليها، وتتركها لما قسم لها من الحياة في تربتها. # ويظهر من سياسة الولاة بعد محمد علي أن سياسة ~~التجريد والاستئصال لم تجرد الريف من تلك العناصر التي يحسب الوالي حسابها، ويشفق من ~~عواقب إهمالها كما يشفق من عواقب استئصالها؛ فإن الوالي محمد سعيد لم يلبث أن شعر بسوء ~~المغبة من هذا الإهمال، وأدرك ضرورة الاستعانة في حكم الريف، فكتب إلى الأقاليم قبل انقضاء ~~جيل محمد علي مراسيمه التي يقول في أحدها بعد تمهيد وجيز: «وقد سنح لخاطرنا أن أجعل الحكام ~~ممن يوثق باعتمادهم في الأمور الدينية والمدنية من عمد أبناء العرب بنواحي المديريات ~~مع أبناء الترك، على سبيل التجربة وإبراز ما انطووا عليه من الثمرات المقصودة بالذات أو ~~ضدها، وهناك يكون الإقدام على تقدمهم أو بتعيين تأخرهم عن برهان واضح، فابتدأنا بتنصيب ~~اثنين من عمد نواحي مديرية المنيا وبني مزار نظار أقسام، وجعلناهما موقعا للتجربة، ~~وأمرنا مدير الجهة المذكورة بتنصيب جانب من العمد حكام أخطاط. والآن تعلقت ms016 إرادتنا ~~أن يكون حصول ذلك بسائر الأقاليم، فأصدرنا أوامرنا إلى المديرين عموما وهذا إليكم لتنتخبوا ~~من عمد أبناء العرب المجربين الأطوار المتصفين بحسن الاستقامة والسياسة، من يليق ~~بالتقدم لمناصب الحكومة ، وترتبوا نظار أقسام مديريتكم على الثلث منهم، بأن يكون اثنان - ~~هكذا - نظار أقسام من أبناء الترك وواحد من أبناء العرب، كما أن حكام الأخطاط يكون منهم ~~ثلاثة من أبناء الترك وواحد من أبناء العرب، وقبل أن ترتبوهم اعرضوا علينا بيان أسمائهم ~~وأسماء بلادهم وأقسامهم وأخطاطهم ...» # وازداد شعور الولاة بضرورة المعاونة بينهم وبين أبناء القرى على حكمها وولاية شئونها، ~~فشاعت الدعوة إلى الحكم النيابي في عهد إسماعيل، وكان من أغراض إسماعيل في مجاراته لهذه ~~الدعوة أن يستخلص بعض السلطة من الرقابة الأجنبية باسم الأمة، ليتصرف به ما استطاع على أيدي ~~أعوانه وأوليائه من الوجهاء وعمد الأقاليم، ولكنه - ولا ريب - كان يعمد إلى هذه الحيلة؛ ~~لأنه يدرك أن مشاركة هؤلاء الريفيين في حصة من الحكم وسيلة لا غنى عنها لتوطيد سلطان ~~الحاكم وضمان البقاء لصاحب الولاية الكبرى في العاصمة، ولم تكن ثورة عرابي في عصر خليفته ~~توفيق إلا أثرا من آثار التهاون في اتباع هذه السياسة، أو أثرا من آثار العدول عنها ~~لتغليب عنصر «أبناء الترك» على عنصر «أبناء العرب» في وظائف الجيش والحكومة. # على أن ودائع الخير في القرية لم تكن في عصر من العصور محصورة في أبناء «البيوتات» التي ~~تتميز بالجاه والمال وسعة الثراء من الأرض والعتاد، فإن هذه البيوت نفسها لم تكن لتستقر في ~~مكانها لو لم يكن قرارها على أساس آخر مكين ... هو أساس الأسرة أو أساس «البيت» على ~~الإجمال، وليس بالنادر أن يكون البيت الصغير دعامة للبيوتات العالية تعزها وتعتز بها، ~~وتتصل جميعا بوشيجة جامعة من النسب والمصاهرة، وربما تعرضت البيوتات العالية لسطوة ~~الحاكم المستبد إذا وقفت منه موقف المناجزة، أو وقف منها موقف الحذر والريبة؛ لأنه أقوى من ~~كل بيت منها على حدة، وأقدر على أن يأخذها متفرقة واحدة بعد واحدة قبل أن تأخذه دفعة واحدة ms017 ~~وهي متفقة عليه. أما البيوت الصغيرة التي تتوارى عن بصر الحاكم الكبير وتغلب الظلم بالكثرة، ~~فهي الذخيرة الخالدة التي لا تفنى مواردها، ولا يتأتى للطغيان أن يجردها من مروءة العرف ~~التي تتوشج مع الشعور بحقوق القرابة والمصاهرة، وحياء النسيب من النسيب، ودالة الصغيرة على ~~الكبيرة، وكرامة الكبير على الصغير، وليس من شأن القروي الذي ينتمي إلى قرابة واسعة موفورة ~~العدد من هذه القرابات المعروفة في بلاد الريف أن يستكين إلى حاكمه الصغير في القرية إلى ~~غير نهاية، وليس من شأنه أن يعجز عن النجاة بنفسه من جوار إلى جوار بين عشرته وذوي قرباه، ~~كلما ضاقت به الحال وبلغ به الجور والنكاية غاية الاحتمال. # والأسرة على أوضاعها العريقة هي عصمة القروي من جور حكامه وعوارض زمانه، سواء منها ما ~~يتوطد بالجاه والعصبة القوية، وما يتوطد بالعدد الكثير والنسب المتشعب والصهر المتجدد ~~والعرف الموروث، متلاحقا متمكنا على مدى الأسلاف والأعقاب. # وقد صادفتنا هذه الحقيقة في ترجمتنا لسعد زغلول كما تصادفنا الآن في ترجمتنا لأستاذه ~~وزميله محمد عبده، فقلنا في فصولها الأولى: «إن الآصرة عظيمة الشأن في آداب المصريين من ~~أقدم عصور التاريخ، ولم يتجرد المصري من عواطف الأرحام بين أبوة وأمومة وبنوة وقرابة وآصرة ~~دانية أو قاصية.» وذلك هو قوام العرف الاجتماعي في أخلاقه وعلاقاته، وهو أيضا قوام ~~المحافظة المصرية التي تحب الألفة وتعرض عن البدع والخوارق. والوصايا باتخاذ الأسرة معروفة ~~في الأدب المصري منذ آلاف السنين، ففي وصايا بتاح حوتب التي كتبت قبل أكثر من ستة وأربعين ~~قرنا يقول الوزير لتلميذه: «إذا كنت رجلا ذا منزلة، فاتخذ لك منزلا وأحبب قرينتك الحب ~~الجميل، وأطعمها واكسها، وطيب أوصالها، وأدخل السرور على قلبها طول حياتك ...» ولم ~~تنس الوصية بتوقير الأسرة وصلة الأرحام بعد ذلك كلما كتبت الوصايا في العهد القديم، ~~ففي نسخة من وصية عاني محفوظة في مخطوطات الأسرة الثانية والعشرين يقول الحكيم: «اتخذ لك ~~زوجة في شبابك لتنجب لك ولدا تربيه وأنت في صباك، وتعيش حتى تراه في عداد الرجال، وما ~~أسعد ms018 الرجل الذي له عشيرة كبيرة، إن الناس يوقرونه من أجل بنيه.» # وفي هذه الوصايا يقول الحكيم: «ضاعف لأمك خبزها، واحملها كما حملتك، لقد أثقلتها وما ~~نبذتك، وظلت تحملك حول عنقها بعد ميلادك، وظل ثديها ثلاث سنوات في فمك، ولم تأنف من تنظيفك، ~~ولم تقل قط: ماذا أصنع بهذا؟ وأرسلتك إلى المدرسة تتعلم الكتابة، ووقفت لك بالخبز والشراب ~~كل يوم تنتظرك. واذكر إذا تزوجت وانفردت بمنزلك كيف ولدتك أمك، وكيف ربتك وتعهدتك بكل ما ~~عندها من وسيلة عسى ألا تصيبك بضرر، ولا ترفع يديها إلى الله بالدعاء عليك، ولا يستمع الله ~~منها إلى شكاية.» # فهذه الرحمة البيتية قديمة لم تتغير في الزمن الحديث، ومن عظم الرأفة بالبنين أن يمتد ~~زمن الرضاع لهم إلى ثلاث سنوات كما يفهم من هذه الوصية، وأن الرأفة في تلك الأجيال ~~السحيقة الغريبة ولو كانت رأفة الآباء بالبنين ... فالمصري اجتماعي من ناحية الأسرة وعراقة ~~المعيشة الحضرية، أو اجتماعي من ناحية انتظام العادات والعلاقات منذ أجيال مديدة على نظام ~~الأسر والبيوت، وهذا هو أقوى ما يربطه بالمجتمع أو يربطه بالأمة والحياة القومية. ~~••• # إن العصور المتطاولة قد استنزفت من ثروة القرية - أنفسا وأموالا - غاية ما استطاعت أن ~~تسلبه أو تقنيه مما لا يحصره الإحصاء، وقد نحصره بتقدير الحساب فيكفينا أن نعلم أن تعداد ~~أبناء مصر هبط إلى ما دون الملايين الثلاثة في أخريات عهد المماليك، بعد أن أربى على ~~الثلاثين في بعض عصور الفراعنة على تقدير بعض المؤرخين! # وربما هبط سكان القرى إلى نحو الثلثين على الأكثر من هذه الملايين الثلاثة التي بقيت في ~~القرن السابع عشر بعد الهجرة إلى المدن والفرار على غير قرار. # وجاء عصر الإقطاع بعد الدولة الأيوبية، فصفى هذا العدد تصفيته الأخيرة حين قسم أبناء ~~القرى إلى فريق ملازم للقرية وسماهم بالقراريين، وفريق متردد بين القرى لا ينتسب إلى مكان ~~معلوم منها سماهم بالفراريين، ومن ذلك الحين أصبحت صفة «القراري» عنوانا على العمل المتقن ~~والصنعة المحكمة، وقيل عن كل صانع يحسن عمله ولا يبالي أن ms019 يحمد عليه إنه قراري في هذه ~~الصناعة، حتى بلغ من سوء استخدام هذه الكلمة في غير موضعها أن وصف بها «اللص القراري» ~~والمحتال القراري، بعد أن كانت وصفا للزارع الخبير بشئون السقي والبذر والحرث والحصاد، ~~لاستقراره في القرية وعلمه بطبيعة الأرض والجو وتقلبات الأهوية وعوارض الآفات، خلافا ~~للزارع الفراري الذي لا يعرف من كل قرية غير موسمه فيها وأجرته من محصولها. # هؤلاء الفلاحون «القراريون» حملوا أوزار المظالم من قديمها، ولكنهم احتفظوا كذلك بذخيرة ~~العرف وشريعة من الحياء من أصولها، وحسبهم من هذه الذخيرة أن يأنف أحدهم أن يخزى هذا القريب ~~أو ذاك النسيب بالعار الموروث، وكل عار في القرى موروث إلى الأعقاب وأبناء الأعقاب ... أو ~~حسبهم أن يقف بهم الاحتمال عند الحد الذي لا يحمد بعده احتمال، ثم ينقلب بعد ذلك من الصبر ~~إلى الثأر، أو يتحول من هذا الجوار إلى ذلك الجوار، فإن عم البلاء كل جوار حوله في حقبة ~~من الزمن، فهو البلاء الذي يعم عاره ولا تلصق وصمته بهذا الجبين دون ذلك الجبين، بين آلاف ~~ومئين. # وفي هذا القرار من القرية نشأ في القرن التاسع عشر رفاعة الطهطاوي، وعلي مبارك، وعبد الله ~~فكري، وحسن الطويل، وأحمد عرابي، ومحمد عبده ... وكلهم بعثت به القرية إلى الجامع الأزهر، ~~وبعث به الجامع الأزهر إلى ميدان الكفاح والإصلاح. # الفصل الثالث # | الأزهر # في منتصف القرن الثامن عشر (1748) أسندت ولاية مصر إلى الوزير العالم أحمد باشا كور، ~~وكان من المشتغلين بعلوم الهيئة والرياضة، فرغب في مذاكرة علماء الأزهر الذين يدرسون تلك ~~العلوم في حلقاتهم بالمسجد الجامع، وخاطب مقدم العلماء الشيخ عبد الله الشبراوي في ذلك ومعه ~~عالمان من كبار علماء العصر هما الشيخ سالم النفراوي والشيخ سليمان المنصوري، فسكتوا ثم ~~صارحوه بأنهم يجهلون تلك العلوم ولا يشتغلون بتدريسها، وانصرفوا بعد أول لقاء بينهم وبين ~~الوالي وهم يحسبون أنها مسألة فرغ الحديث منها، ولكن الوالي عاد إلى الحديث مع الشيخ ~~الشبراوي في جلسة من جلساته معه بعد صلاة الجمعة بمسجد القلعة، وكانت الخطبة في ms020 ذلك المسجد ~~من عمل الشيخ الشبراوي، يؤم المصلين ومنهم الوالي، ويتناول الغداء على مائدته بعد الصلاة، ~~ويجري الحديث بينهما أحيانا على شئون الأزهر وشئون الدين على العموم، ثم ينصرف إلى موعده ~~من الأسبوع الذي يليه. # قال الوالي ذات مرة ما فحواه: كنت أحسب مصر كما نسمع في بلادنا منبع العلوم والفضائل، ~~فلما جئتها أخلفت ظني وذكرت المثل القائل: «تسمع بالمعيدي خير من أن تراه!» # قال الشيخ الشبراوي: بل هي كما سمعتم معدن العلوم والمعارف. # قال الوالي: وكيف؟ وأنتم أعظم علمائها ولم أجد عندكم شيئا من العلوم التي سألت عنها، ~~وغاية تحصيلكم المنطق والتوحيد، ونبذتم علوم المقاصد من هيئة ورياضة. # قال الشيخ: نحن لسنا أعظم علمائنا، وإنما نحن المتصدرون لخدمتهم وقضاء حوائجهم، وغالب أهل ~~الأزهر لا يشتغلون بشيء من العلوم الرياضية إلا بقدر الحاجة الموصلة إلى علم الفرائض ~~والمواريث. # فعاد الباشا يقول: وعلم الوقت كذلك من العلوم الشرعية، بل هو من شروط صحة العبادة كالعلم ~~بدخول الوقت، وتحرير القبلة، ومواعيد الأهلة، وعدد السنين. # فأجابه الشيخ موافقا، ولكنه قال: إن معرفة ذلك من فروض الكفاية، إذا قام به البعض سقط عن ~~الآخرين، وهذه العلوم تحتاج إلى لوازم وشروط وآلات وصناعات وأمور ذوقية؛ كرقة الطبع، وحسن ~~الوضع والخط والرسم والتشكيل، والأمور العطاردية، وأهل الأزهر بخلاف ذلك، أخلاط من القرى ~~والآفاق. # فسأل الوالي: وأين البعض القائم بهذه الفريضة؟ # فقال الشيخ: إنهم موجودون في بيوتهم يسعى إليهم. ودله على الشيخ حسن الجبرتي والد ~~الشيخ عبد الرحمن المؤرخ المشهور، مطنبا في تزكية علمه وفضله. # فسألهم الوالي أن يدعوه إلى لقائه، فقال الشيخ: إنه أعظم قدرا من أن يستدعيه مثلي، ~~ولكنكم تكتبون إليه مع بعض خواصكم فيحضر إليكم، فكتب إليه الوالي واحتفى بلقائه عند حضوره، ~~ووجده على ما وصف من الدراية بتلك العلوم التي يدرسها الباشا، فأكثر من الاجتماع به بعد ذلك ~~للمذاكرة فيها. # ونحن نعرف هذه القصة من رواية الجبرتي في تاريخه، كما نعرف من قصص التاريخ الأخرى شيئا ~~كثيرا عن حقيقة العلوم الفلكية التي تلقى ms021 بعضها عن أبيه، فإذا هي على صحتها واشتمالها ~~على أدق المعارف الفلكية التي حصلها علماء الحضارة الإسلامية، تجمع بين العلم الرياضي ~~الصحيح وأخلاط من التنجيم وقراءة الطوالع وأرصاد السعود والنحوس ، ومن ذاك قول الشيخ عبد ~~الرحمن في مقدمة كتابه عن الحملة الفرنسية: «إن وقائع الأيام وخطوبها، وحوادث الحادثات ~~وكروبها ... داخلة في حين الإبداع والاختراع بما أودعه الله من الخصائص في الآثار العلوية عند ~~اقتران بعضها ببعض، وارتباط المناسبات الخفية بينها وبين ما على وجه الأرض، وذلك بحسب جري ~~العادة الإلهية له مسببات وحوادث يستدل عليها بتلك القرانات والمناظرات، وقد أودع ~~الله في بعض خالصي النفوس البشرية والأرواح المجردة عن العلائق الجسمية والشهوات النفسية ~~معرفة بعض تلك الحوادث، إما بإلهام أو باكتساب ونظر في علم الأحكام، فبالنجم هم يهتدون، ~~وبالنظر في ملكوت السماوات والأرض يستدلون فيعرفون، من غير أن ينسب لتلك الآثار تأثيرات، ~~وإنما هي أسباب عادية وعلامات، وإن من أعظم الدلائل على ما رميت به مصر، وحل به لأهلها ~~تنوع البؤس والإصر، بحلول كفرة الفرنسيس، ووقوع هذا العذاب البئيس، حصول الكسوف الكلي في ~~شهر ذي الحجة بطالع مشرق الجوزاء المنسوب إليه إقليم مصر ...» # ولكن هذا الخلط بين علم الهيئة والتنجيم لم يكن وقفا على الفلكيين بالمشرق أو البلاد ~~العربية، بل كان النظر في الكواكب لاستطلاع السعود والنحوس دراسة مقررة في الجامعات ~~الأوروبية، وكان أكبر الفلكيين في عصره - جوهان كبلر - المتوفى قبل منتصف القرن السابع عشر ~~يدرس الفلك والرياضة بجامعة جراز، ويصدر بأمر الجامعة تقويمها السنوي مشتملا على أرصاد ~~العالم كله، منبئا بطوالع البروج التي تشرف على مواليد الأمراء والملوك وتقبض على أعنة ~~الحوادث من سلم وحرب، وخصب وقحط، ورواج وكساد، وكان العالم الكبير يؤمن بأسرار تلك الطوالع ~~والأرصاد، ويعزو مخالفة النبوءات أحيانا إلى خطأ الحساب، أو إلى شوائب النفوس التي تتولى ~~الرصد وتتلقى منه النبوءة، كما قال المؤرخ العربي فيما تقدم. وقد كان إسحاق نيوتن يضبط ~~حركات الأفلاك بقانون الجاذبية وهو يدون مئات الصفحات في مباحث الطوالع والأرصاد وطلاسم ~~السحر ms022 والزايرجة السوداء. ~~••• # ونمضي مع الجبرتي في حديثه عن نذير النجوم ببلاء الفرنسيس، فنقول: إن هذا المؤرخ الأمين ~~قد شهد حلول البلاء في القاهرة، ووصف أعمال المقاومة في خارجها وداخلها بين كفاح المحاربين ~~ودعاء المسالمين، فقال: إنه «لم تكن إلا ساعة وانهزم مراد بك ومن معه، ولم يقع قتال صحيح ~~وإنما هي مناوشة من طلائع العسكرين بحيث لم يقتل إلا القليل جدا من الفريقين، واحترقت ~~مركب مراد بك بما فيها من الجبخانة والآلات الحربية، واحترق بها رئيس الطبجية خليل الجردلي، ~~وكان قد قاتل في البحر قتالا عجيبا هو ومن انضم إليه من الغليونجية وبقية العسكر ~~والمشاة الذين في المراكب مع مراكب الفرنسيس، وأقدم إقدام الأسد، فقدر الله أن علقت نار ~~بالقلع، فنزل البعض منها إلى البارود الذي في المركب فاحترقت ومات هو ومن بالمركب من ~~المحاربين، فلما عاين ذلك مراد بك ولى منهزما وترك الأثقال والمدافع وتبعته عساكره، ~~والمشاة نزلت في المراكب وانفصل الفريقان بدون طائل.» # قال: «وقد كانت العلماء عند توجه مراد بك للقتال تجتمع في الأزهر كل يوم لقراءة البخاري ~~وغيره من الدعوات، وكذلك مشايخ فقراء الأحمدية والسعدية والرفاعية وغيرهم من طوائف الفقراء ~~وأرباب الأشاير، كل يوم يذهبون للأزهر فيجلسون للأذكار، وتجتمع أطفال الكتاتيب للدعاء ~~وتلاوة اسمه تعالى لطيف، وكل هذا حصل بسببه النفع العظيم، فهو وإن لم يدفع دخول الفرنسيس ~~مصر لكونه أمرا مقضيا محتما لا يرد بالدعاء، لكن وقع اللطف بسبب هذه الدعوات، ~~واجتماع القلوب بمجالس الذكر والاستغفار، وآثار اللطف التي حصلت مشاهدة ولا تنكر ولله ~~الحمد.» # ثم قال: «ولما أصبح يوم الأحد المذكور، والمقيمون لا يدرون ما يفعل بهم ويتوقعون حلول ~~الفرنسيس ووقوع المكروه، ورجع الكثيرون من الفارين وهم بأسوأ حال من العري والفزع، فتبين ~~أن الفرنج لم يعدوا إلى البر الشرقي، وأن الحريق كان في المراكب المتقدم ذكرها، فاجتمع في ~~الأزهر بعض العلماء والمشايخ وتشاوروا، فاتفق رأيهم على أن يرسلوا مراسلة إلى الفرنج ~~وينظروا ما يكون من جوابهم، ففعلوا ذلك وأرسلوها صحبة شخص مغربي يعرف ms023 لغتهم وآخر صحبته، ~~فغابا وعادا وأخبرا أنهما قابلا كبير القوم وأعطياه الرسالة فقرأها عليه ترجمانه، ومضمونها ~~الاستفهام عن قصدهم، فقال على لسان الترجمان: وأين عظماؤكم ومشايخكم؟ لم تأخروا عن الحضور ~~إلينا لنرتب لهم ما يكون فيه الراحة؟ وطمنهم وبش في وجوههم ... ثم قال لهم: لازم المشايخ ~~والشرباجية يأتون إلينا لنرتب منهم ديوانا ننتخبه من سبعة أشخاص عقلاء يدبرون الأمور. ولما ~~رجع الجواب بذلك اطمأن الناس، وركب الشيخ مصطفى الصاوي والشيخ سليمان الفيومي وآخرون إلى ~~الجيزة، فتلقاهم وضحك لهم وقال: أنتم المشايخ الكبار؟ فأعلموه أن المشايخ الكبار خافوا ~~وهربوا، فقال: لأي شيء يخافون؟ اكتبوا لهم بالحضور ونعمل لكم ديوانا لأجل الراحة ...» # ولا بد أن نذكر ونحن بصدد الأزهر والحملة الفرنسية أن دعوات الأذكار كانت في حينها «قوة ~~عملية» من جانب واحد على الأقل، وهو جانب اليقين بنفاذها في عقيدة الرعاة والرعية، لا يشكون ~~في أثرها إذا خلصت النية وصدقت الشكوى، ولا يأمن الحاكم الظالم أن تستجاب من المظلوم في ~~شدة البلاء وانقطاع الرجاء في غير الله. وقد مضى على حملة نابليون نحو مائة وسبعين سنة، ~~ونشبت الحرب بين مصر والحبشة، وتوالت الهزيمة بعد الهزيمة، فاعتصم الخديو إسماعيل يومئذ ~~بتلك القوة - قوة التلاوة في البخاري والتماس الدعوات من العلماء - فلم يخامره الشك في ~~أثرها، ولكنه قال للعلماء بعد اتصال الهزيمة: إما أنكم لا تقرءون البخاري، وإما أنكم لستم ~~بعلماء. فردها إليه عالم جريء وذكره بالحديث النبوي؛ إذ يقول عليه السلام: «لتأمرن ~~بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليسلطن الله عليكم شراركم، فيدعو خياركم فلا يستجاب لكم ~~...» # وقد ركب الفرنسيون رءوسهم بمصر، واقتحموا الجامع الأزهر ودنسوا محاريبه وربطوا فيه ~~الخيل والدواب، فلم ينتقض غير قليل حتى خرجوا من مصر مدحورين، بعد أن خيل إليهم وإلى ~~الناس أنهم لن يرحلوا عنها مكرهين، ولم ينس أبناء البلد أن يربطوا بين جلائهم السريع ~~وبين عدوانهم على ذلك الحرم المقدس ودعوات علمائه عليهم بالخذلان والنكال. ~~••• # هذه نبذة موجزة من تاريخ الأزهر خلال فترة من فترات ذلك العهد، الذي ms024 كان كما تقدم أحلك ~~ساعات الظلام قبل مطلع النهار، ويكفي تاريخ كل فترة من حياة هذا المعهد الخالد للتعريف ~~بوظيفته التي استقر عليها، وبيان مكانته التي تبوأها من الأمة في أيام خضوعها لسلطان ~~الدخلاء الواغلين عليها؛ فقد تقرر بحكم العرف والتقليد وحكم العقيدة والسمعة أنه صوت ~~الأمة الذي يسمعه الحاكم الدخيل من المحكومين، وأنه ملاذ القوة الروحية في نفوس أبناء الأمة ~~وفي نفوس الحاكمين الذين يدينون بعقيدتها، ومن لم يكن من أهل تلك العقيدة فقد يحسب لها ~~حسابها الذي ينساه إخوانها في الدين مع الجهالة المطبقة أو مع هوى الساعة، وقد حسب له ~~الفرنسيون هذا الحساب ونسيه أناس من أمراء المسلمين، ولكنه لم يضع قط كل الضياع في وقت ~~من الأوقات. # ومن فهم الواقع على جليته أن نذكر أن أهل البلد قد حددوا وظيفة الأزهر ووظائف علمائه ~~تحديدا يعز أحيانا على الدستور المكتوب، فكان منهم من يتولى الصدارة في شئون السياسة ~~ومخاطبة الحكام؛ لأنه أقدر على هذا العمل وأصلح له من زملائه، وإن كان فيهم من هو أوسع ~~علما وأشهر بالتقوى، وكان منهم من يثق الناس بتقواه ويطمئنون إلى نزاهته في أمور الدين ~~والرئاسة، وهكذا كان منهم من يفاوض الوالي التركي وليس هو بأعظم علماء البلد، وكان منهم ~~من يفاوض القائد الفرنسي وليس هو بمكان الرئاسة العلمية، ولكنهم كانوا مرشحين لوظيفة ~~السفارة بين الأمة والحكومة بما لهم من خبرة في سياسة الناس وأساليب الإقناع وعلاج ~~المشكلات، ولغيرهم سمعته في هداية القلوب والبصائر والتماس الوسيلة عند الله إذا خابت ~~الوسائل عند العباد. # ولم تنقطع الصلة زمنا طويلا بين هذه الرئاسة القوية الروحية وبين القرية المصرية من قرى ~~الريف أو قرى الصعيد، وقد يغنينا عرض أسماء الشيوخ والرؤساء الذين اختارهم نابليون وألف ~~منهم الديوان الكبير للعلم بمبلغ هذه الصلة بين الأزهر والقرية، فقد تألف هذا الديوان من ~~عشرة ندر منهم من لم ينسب إلى قرية يعرف بنسبته إليها كما يعرف باسمه ولقبه، وهم: ~~عبد الله الشرقاوي، والشيخ خليل البكري، والشيخ مصطفى الصاوي، ms025 والشيخ سليمان الفيومي، ~~والشيخ محمد المهدي، والشيخ موسى الرسي، والشيخ مصطفى الدمنهوري، والشيخ أحمد الويشي، ~~والشيخ يوسف الشبراخيتي والشيخ محمد الدواخلي. وقبل ذلك كان الشيخ «الشبراوي» يقول للوالي ~~العثماني: إن الغالب على أبناء الأزهر أنهم أبناء القرية والريف. # وقد تقدم في الكلام على القرية خبر الثورة التي أثارتها شكاية أهل بلبيس لابن إقليمهم ~~الشيخ الشرقاوي الكبير، فلا يفوتنا أن نذكر أن شكاية الأقاليم كانت تصل إلى قادة الأزهر من ~~كل طائفة معتدى عليها، ولو وقع العدوان عليها في رحلة الطريق. وحدث أن سليمان بك أغا نهب ~~سفينة لبعض أبناء الصعيد تحمل التمر والميرة وشيئا من الأزواد والأطعمة، وزعم الأغا أنه ~~استخلص بما نهبه ديونا له على أولاد وافي من أهل الصعيد، فغضب المجاورون من الصعايدة ~~وأبلغوا مشايخ الأزهر أن السفينة إنما كانت تحمل رزقا مرسلا إليهم من عشائرهم في ~~قراهم، فركب الشيخ الدردير والشيخ العروسي والشيخ المصيلحي إلى الأمير إبراهيم بك، ~~وواجهوا سليمان أغا في حضرته بكلام شديد، ولم يرجعوا إلا على وعد برد ما استلبه كله، مع ~~البقية التي فضلت عنده مما استولى عليه. ~~••• # ومن الواضح أن الجامع الأزهر إنما استقرت له هذه المكانة في العالم كله؛ لأنه المدرسة ~~الجامعة في الرقعة الوسطى من العالم الإسلامي الفسيح من المشرق إلى المغرب، بين مدارس بغداد ~~في المشرق ومدارس قرطبة في المغرب، وقد أفلت هذه المدارس حينا مع أفول الدولة العباسية ~~وأفول الدولة الأموية وسائر الدول الأندلسية، وورثت الجامعة الأزهرية شهرتها جميعا، كما ~~ورثت القاهرة شهرة مصر القديمة بالعلوم والمعارف التي حسبت من السحر المباح زمنا عند كثير ~~من حكماء الإسلام، وتلك هي العلوم والمعارف التي كان «ذو النون» المصري يبحث عنها في نقوش ~~البرابي وتحت ركام الكنوز المدفونة في الرغام، وإنما كان الوزير العثماني «أحمد باشا» يقول ~~عن مصر إنها اشتهرت في العالم كله بأنها «معدن العلوم والمعارف»، وهو يعني تلك الشهرة ~~العريقة التي ذاعت عنها قديما، ثم اتصلت بها بعد الإسلام شهرة الجامع العتيق، ثم شهرة ~~الأزهر بعد انفراده ms026 بأمانة العلم في بلاد الإسلام. # والمأثور عن الفاطميين أنهم كانوا يشتغلون بالنجوم والكيمياء والعلوم الكونية التي نسميها ~~اليوم بالعلوم الطبيعية أو العلوم الحديثة، وكان الإمام جعفر الصادق - وهو إمام رفيع القدر ~~بين علماء الإسلام من جميع المذاهب - حجة في علوم الدين والدنيا، يعلم أبا حنيفة الفقه ~~ويعلم جابر بن حيان الكيمياء، وكان علماء الفاطميين ودعاتهم يقتدون به في الجمع بين هذه ~~العلوم، ويستعينون بالمنطق والفلسفة على نشر دعوتهم بين أهلها من طلاب الدنيا والدين. وليس ~~في أوراق المحفوظات الباقية سجل ثابت لتدوين أسماء العلماء وأسماء الكتب التي درسوها ~~بالأزهر من هذه العلوم، ولكن إجازات العلماء بعد إنشاء الأزهر بأكثر من ثمانية قرون كانت ~~تحتوي أسماء العلوم التي أجيز لهم أن يلقنوها الطلاب في حلقاتهم، ومنها سند العالم الكبير ~~الشيخ أحمد عبد المنعم الدمنهوري المتوفى قبل نهاية القرن الثاني عشر للهجرة (1192ه)، وفيها ~~بيان الدروس التي حضرها وأجادها وألف فيها، وهي عدا علوم الفقه واللغة دروس «الحساب ~~والميقات والجبر والمقابلة والمنحرفات، وأسباب الأمراض وعلاماتها، وعلم الأسطرلاب والزيج ~~والهندسة والهيئة، وعلم الأرثماطيقي، وعلم المزاول، وعلم الأعمال الرصدية، وعلم المواليد ~~الثلاثة وهي الحيوان والنبات والمعادن، وعلم استنباط المياه، وعلاج البواسير، وعلم التشريح، ~~وعلاج لسع العقرب، وتاريخ العرب والعجم ...» # وهذه العلوم المتفرقة تجمع في ذلك العصر صفوة المعارف الإنسانية التي تدرس في معاهد ~~الثقافة العليا، وكانت - على ما يظهر - تباح لمن يستعد لها من الطلاب المتقدمين الذين ~~يختارهم أساتذتهم ويأنسون فيهم القدرة على النقل عنهم، ولعل هذا ما عناه الشيخ الشبراوي ~~بقوله عن هذه العلوم إنها «فروض كفاية» يتخصص لها من يطلبها، ولا تفرض على الذين ~~يحضرون دروس العلماء الآخرين ولا يقبلون عليها، ولعل الأساتذة الذين يبلغون فيها مبلغ ~~التعليم والإفادة يعتزلون الحلقات العامة بطلابهم ومريديهم، كما فعل الشيخ الجبرتي الكبير، ~~وهو على الأرجح قد تلقى مبادئها عن شيوخ من قبله تعلموها وعلموها على طريقته في أخريات ~~أيامه، وعلى هذه الطريقة بعينها تعلم الشيخ الدمنهوري كما سيرد في الصفحات ~~التالية. # وإذا بدا من هذه ms027 الطريقة أن «العلوم الكونية» كانت من الدراسات «المخصوصة»، أو الدراسات ~~التي لا تباح على عواهنها، فمن جزاف القول أن ينسب ذلك كله إلى الجمود وضيق الأفق ~~وقلة الاكتراث بالحجر على القول أو الحجر - كما نقول في عصرنا الحديث - على حرية ~~التفكير. # فقد يقع الذنب على شيء غير الجمود والحجر على الحرية الفكرية. # نعم، قد يقع ذنب «التقييد» الذي أحيطت به دراسة العلوم الكونية على طريقة تدريسها، أو ~~طريقة إعداد الطلاب للتقدم فيها، وما من علم من تلك العلوم سلم من الخلط بينه وبين علم ~~زائف يشبهه ويحمل عنوانه، وليس هو بذلك العلم الأصيل في حقيقته ونفعه. # فعلم الفلك قد اختلط بعلم التنجيم، وانتقل من ثقاته وأمنائه إلى المحتالين والملفقين ~~لأكاذيب الطوالع وعلاقات الألفة والزواج والمشاركة في أعمال الكسب والارتزاق. # وعلم الكيمياء قد اختلط بتحضير الذهب، وسحر المعادن، وصناعة السموم بغير رقابة عليها وعلى ~~الجرائم الخفية التي تستخدم فيها. # وعلم المنطق قد اختلط بالسفسطة والجدل، وظهر من طريقة تعليمه في الأمم القديمة من عهد ~~الإغريق إلى عهد البيزنطيين أنه مفسدة للعقول، ومدرجة للعبث بالعقائد وقواعد التفكير الصادق ~~والبحث المفيد. # وليس من الإغراب في الظن البعيد أن نعتقد أن أصحاب الرأي وذوي البصر بالتربية في العصر ~~الحديث كانوا يحيطون تلك العلوم بمثل ما أحيطت به من القيود بالأمس، لو أنها بقيت إلى ~~اليوم بأضرارها وشوائبها، ودامت على حالها من اختلاط الصحيح بالزائف واختلاط المتعلمين بين ~~طلابها على استعداد وعلى غير استعداد، وبين المشتغلين بها للعلم والفائدة والمشتغلين بها ~~للاحتيال والشعوذة، فليس الجمود وحده علة تقييدها بالأمس، وليست حرية الفكر وحدها هي التي ~~رفعت عنها قيودها اليوم، ولكنها حكمة بصيرة دعت إليها أسبابها في حينها، وأوجبتها أمانة ~~الفكر وسلامة المجتمع على المسئولين عنها من أهل العلم والسياسة. # إلا أن الحكمة البصيرة إذا حاف عليها الجمود، واصطلحت عليها الأثرة مع الجمود، ذهبت ~~أسبابها وبقيت قيودها، وتحولت من الرقابة البصيرة إلى الحجر الأعمى والعداء اللجوج، وكان ~~فعل الأثرة هنا أشد من فعل الجمود في كراهة ms028 المزايا العلمية التي يمتاز بها العارفون، ~~ويحرمها أصحاب الظهور بالمعرفة وهم يكرهونها مخلصين لجهلهم بحقيقتها، إن لم يكرهوها مغرضين ~~لخوفهم من مزاحمتها، وقد أوشك الحذر من تلك العلوم أن ينقلب في أوائل القرن السابع عشر من ~~الحكمة البصيرة إلى الجمود المعيب والغرض المريب، وضعف الغيورون عليها من حمايتها واحتمال ~~تبعاتها ومصاعبها، ولكنهم استفادوا من قوارع الهزيمة بعد الحملة الفرنسية شيئا واحدا على ~~الأقل، وهو الشعور بالأسف عليها، والجرأة على بث هذا الأسف في كتبهم المتداولة، ومنها كتبهم ~~التي ألفوها في صميم علوم الدين والشريعة، فلم ينس الشيخ حسن العطار - وهو يبسط القول ~~في أصول الفقه في حاشيته على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع - أن يصرح بأسفه لإهمال ~~علوم الحكمة واللغة، فيقول في كلامه على القياس من الجزء الثاني: «من تأمل ما سطرناه ~~وما ذكر من التصدي لتراجم الأئمة الأعلام، علم أنهم كانوا من رسوخ قدمهم في العلوم ~~الشرعية والأحكام الدينية لهم اطلاع عظيم على غيرها من العلوم، وإحاطة تامة بكلياتها ~~وجزئياتها، حتى في كتب المخالفين في العقائد والفروع، يدل على ذلك النقل عنهم في كتبهم ~~والتصدي لدفع شبههم، وأعجب من ذلك تجاوزهم إلى النظر في كتب غير أهل الإسلام؛ فإني وقفت ~~على مؤلف للقرافي رد فيه على اليهود شبها أوردوها على الملة الإسلامية لم يأت في ~~الرد عليهم إلا بنصوص من التوراة وبقية الكتب السماوية، حتى يظن الناظر في كتابه أنه كان ~~يحفظها على ظهر قلب، ثم هم مع ذلك ما أخلوا في تثقيف ألسنتهم وترقيق طباعهم من رقائق ~~الأشعار ولطائف المحاضرات. # ومن نظر ما دار بين المصنف - رحمه الله - وبين عصريه الأديب الصلاح الصفدي من ~~المراسلات البليغة والأشعار الرقيقة، علم أنه - رحمه الله - ممن تخضع له رقاب البلغاء ~~وتجري في مضماره سوابق الأدباء. وكذا ما دار بين سلطان المحدثين الحافظ ابن حجر العسقلاني ~~ومن عاصره من فحول الأدباء من لطائف الأشعار والنكات الأدبية، وكذا العلامة الدماميني، ~~بل بين الحافظ السيوطي والسخاوي من المناقضات وما ألفه من المقامات، وفيما ms029 انتهى إليه ~~الحال في زمن وقعنا فيه؛ علم أن نسبتنا إليهم كنسبة عامة زمانهم، فإن قصارى أمرنا النقل ~~عنهم بدون أن نخترع شيئا من عند أنفسنا، وليتنا وصلنا إلى هذه المرتبة ، بل اقتصرنا على ~~النظر في كتب محصورة ألفها المتأخرون المستمدون من كلامهم، نكررها طول العمر ولا تطمع ~~نفوسنا إلى النظر في غيرها، حتى كأن العلم انحصر في هذه الكتب، فلزم من ذلك أنه إذا ورد ~~علينا سؤال من غوامض علم الكلام تخصلنا منه بأن هذا كلام الفلاسفة ولا ننظر فيه، أو مسألة ~~أصولية قلنا لم نرها في جمع الجوامع فلا أصل لها، أو نكتة أدبية قلنا هذا من علوم أهل ~~البطالة، وهكذا؛ فصار العذر أقبح من الذنب. وإذا اجتمع جماعة منا في مجلس، فالمخاطبات ~~مخاطبات العامة والحديث حديثهم، فإذا جرى في المجلس نكتة أدبية ربما لا نتفطن لها، وإن ~~تفطنا لها بالغنا في إنكارها والإغماض عن قائلها إن كان مساويا، وإيذائه بشناعة القول ~~إن كان أدنى، ونسبناه إلى عدم الحشمة وقلة الأدب. وأما إذا وقعت مسألة غامضة من أي علم كان، ~~عند ذلك تقوم القيامة، وتكثر القالة، ويتكدر المجلس، وتمتلئ القلوب بالشحناء، وتغمض العيون ~~على القذى، فالمرموق بنظر العامة الموسوم بما يسمى العلم إما أن يتستر بالسكوت حتى يقال ~~إن الشيخ مستغرق، أو يهذر بما تمجه الأسماع وتنفر منه الطباع. # وقالوا سكرنا بحب الإله # وما أسكر القوم إلا القصع # فحالنا الآن كما قال ابن الجوزي في مجلس وعظ ببغداد: # ما في الديار أخو وجد تطارحه # حديث نجد ولا خل تجاريه # وهذه نفثة مصدور، فنسأل الله السلامة واللطف.» # ثم عاد الشيخ إلى بث هذا الأسف بعد ذكر العلوم العصرية والإلمام بمؤلفاتها المترجمة عن ~~اللغات الأوروبية، فقال في عرض الكلام على الخلاء والملاء وضغط الهواء: «إنا لو وضعنا ~~خشبة مستوية أو أنبوبة مسدودة الرأس في قارورة، بحيث يكون بعض الأنبوبة داخل القارورة ~~وبعضها خارج عنها، وسددنا رأس القارورة بحيث لا يدخلها هواء ولا يخرج، وذلك بأن نسد الخلل ~~بين عنق القارورة ms030 والأنبوبة سدا محكما لا يمكن نفوذ الهواء فيها، فإذا أدخلنا الأنبوبة ~~فيها أكثر مما كانت بحيث لا يخرج شيء من الهواء عنها انكسرت القارورة إلى خارج، وإذا ~~أخرجناها عنها بحيث لا يدخل فيها شيء من الهواء انكسرت إلى داخل، ولولا أنها مملوءة بالهواء ~~وما فيها من الأنبوبة بحيث لا تحتمل شيئا آخر لم يكن كذلك، فدل ذلك على امتناع الخلاء. ~~وقد قال شارح حكمة العين: إن هذه إقناعيات لا برهانيات. وأقول: إن مسألة الخلاء ومسألة ~~إثبات الميل في الأجسام من مسائل العلم الطبيعي، وبتحقيقها ينكشف للفطن أسرار غريبة، ~~وعليها ينبني كثير من مسائل علم جر الأثقال وعلم الحيل واستحداث الآلات العجيبة. ووقع في ~~زماننا أن جلبت كتب من بلاد الإفرنج وترجمت باللغة التركية والعربية، وفيها أعمال ~~كثيرة وأفعال دقيقة اطلعنا على بعضها، وقد تتحول تلك الأعمال بواسطة الأصول الهندسية ~~والعلوم الطبيعية من القوة إلى الفعل، وتكلموا في الصناعات الحربية والآلات النارية ~~ومهدوا فيها قواعد وأصولا، حتى صار ذلك علما مستقلا مدونا في الكتب، وفرعوه إلى ~~فروع كثيرة، ومن سمت به همته إلى الاطلاع على غرائب المؤلفات وعجائب المصنفات، انكشفت له ~~حقائق كثيرة من دقائق العلوم، وتنزهت فكرته - إن كانت سليمة - في رياض الفهوم. # فكن رجلا رجله في الثرى # وهامة همته في الثريا # فالنفس الإنسانية بالاطلاع على حقائق المعارف تتكمل، والفاضل الكامل بأنواع العلوم يتفوق ~~ويتفضل، لا بتحسين هيئة اللباس والمزاحمة على التصدر في مجالس الناس. قال الحكيم ~~الفارابي: # أخي خل حيز ذي باطل # وكن والحقائق في حيز # فما الدار دار مقام لنا # وما المرء في الأرض بالمعجز # ينافس هذا لذاك على # أقل من الكلم الموجز # محيط السماوات أولى بنا # فماذا التنافس في المركز؟ # فلا تجعل سعيك لغير تحصيل الكمالات العرفانية مصروفا، ولا تتخذ غير نفائس الكتب أليفا ~~ومألوفا. # ولا تك من قوم يديمون سعيهم # لتحصيل أنواع المآكل والشرب # فهذي إذا عدت طباع بهائم # وشتان ما بين البهيم وذي اللب # وهذه نفثة مصدور، ولله عاقبة الأمور، لعمري لقد تساوى الفطن والأبله ms031 الأفن، واستنسر ~~البغاث وسد طريق النظر على الناظر البحاث، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم.» # والشيخ حسن العطار - نافث هذه الشكوى - قد كان مثلا للعالم المثقف بثقافة عصره قبل ~~نحو القرن ونصف القرن. ولد بالقاهرة سنة 1190، وتوفي بها سنة 1250 هجرية (1776-1835م)، ~~وشهد حملة نابليون وعاشر علماءها واستفاد من زيارة معالمها، وعاش زمنا في دمشق وزمنا في ~~أشقودرة بالبلاد الألبانية، واجتهد لنفسه في تحصيل المعارف الحديثة، فدرس الطبيعة والفلك ~~والهندسة والمنطق، وطرفا من علم الميكانيكا الذي كان يسمى بعلم الحيل، وألف الرسائل ~~في العمل بالأسطرلاب، والربعين المقنطر والمجيب، والبسائط، وأدمن الاطلاع على كتب الأدب، ~~فنظم الشعر وأجاد كتابة الرسائل، وأسند إليه تحرير الوقائع المصرية عند إنشائها لاشتهاره ~~بجودة الأسلوب والتمكن من صناعة القلم، مع حسن الاطلاع على المعارف الحديثة وحسن الفهم ~~للعلاقة بين قواعدها النظرية ونتائجها العملية في المخترعات وعجائب الفنون، ثم تولى مشيخة ~~الجامع الأزهر بعد أن قارب الخامسة والخمسين، فبقي فيها إلى سنة وفاته. ~~••• # ولقد تولى هذا العالم الفاضل مشيخة الجامع الأزهر - وهو كما نرى - لا تعوزه الغيرة على ~~العلم الحديث، ولا الرغبة في تعميمه واجتذاب العقول الناشئة إليه، ولكنه كان - رحمه الله - ~~رجلا من رجال الفطنة والكياسة، ولم يكن على غرار ذوي البأس الصارم والعزيمة الغلابة من ~~أولئك المصلحين النوادر، الذين يناط بهم افتتاح العهود وهدم العوائق الراسخة في سبيل ~~الإصلاح، ولا سيما الإصلاح الذي يعارضه أعداؤه باسم الدين، ويعتصمون منه بالحصون المنيعة من ~~العادات المتأصلة والمصالح المتأشبة، وصغائر الغرور والادعاء ووجاهة المظاهر والألقاب، ~~ونحسبه - لو كان من أولئك المصلحين النوادر - لما تسنى له في مدى السنوات القلائل التي ~~تولى فيها مشيخة الجامع أن يقوم بعمل ذي بال لتجديد نظام التعليم وإتمام العدة اللازمة ~~لابتداء ذلك النظام؛ فإن العزيمة الغلابة لا تكفي وحدها للغلبة على معارضة الشيوخ وإعراض ~~الطلاب، وتبديل مصالح هؤلاء وهؤلاء في النظام القديم بمصالح مثلها أو أكبر منها تعوض عنها ~~العلماء المعارضين والطلاب المعرضين. وقد تكفي عزيمة الشيخ للابتداء في العمل، إن ms032 لم تكف ~~للتقدم البعيد في طريقه، لو أنه وجد من ولاة الأمر معونة صادقة تفعل بالسلطان ما لا يفعله ~~البرهان، ولكن ولاة الأمر في عهده كانوا يؤثرون سكوت العلماء عنهم على إثارتهم بالشكوى ~~والاتهام من أجل عمل يغضبهم ولا يرضي أحدا غيرهم، وليس هو - بعد - من العمال التي ~~تلجئهم الضرورة العاجلة إليها. # على أننا قد نبلغ في تهوين أثر القدوة الحية إذا خطر لنا أن نفثة المصدور ذهبت في الهواء، ~~فإنها نفثة عالم كبير يسمعها منه العاقل والغافل، ويقرؤها في كتبه مئات الطلاب من مريديه ~~ومريدي غيره من العلماء الموافقين والمعارضين، وتأتي في أوانها الذي مهدت له الحوادث ~~وتهيأت له النفوس المتطلعة والآمال المتوثبة، فهي من طلائع الجو الذي يتفتح له الأفق ~~وإن لم يمتلئ به لأول وهلة، وعلى هذه السنة من سنن التجديد تبتدئ طلائع الأجواء في ~~جميع الآفاق. # ثم تعمل الضرورة الواقعة عملها غير مدفوعة بحيل المحتالين وتعلات الكسالى المتعنتين، ~~فقد نفث الشيخ نفثته في مفتتح القرن التاسع عشر والمدارس الحديثة تتوالى عاما إثر عام، بين ~~مدرسة للهندسة ومدرسة للطب، ومدرسة للألسن ومدرسة للعلوم الطبيعية، ويتوالى معها بناء ~~المعامل لصناعات السلم والحرب، ويختار لها الطلاب والمحترفون من أبناء الأزهر ~~الناشئين، كما تختار منهم البعوث إلى البلاد الأوروبية، فيقضون فيها الأعوام المعدودة ~~ويعودون إلى مناصب الرئاسة أو مناصب الأستاذية، ويصعدون من تلك المناصب إلى أرفع مراتب ~~الدولة، وتتهيأ لهم وسائل التنفيذ التي لم تكن مهيأة لشيخهم في منصبه، فلم يمض جيل ~~واحد حتى كان في القاهرة من تلاميذ العلوم الحديثة حزب كبير يفهم ما ينبغي عمله ~~للمضي بالنهضة العلمية في سبيلها، ويملك من الرأي والمشورة المسموعة ما يعينه على ~~خصومها ... # ويتفق أن يكون أكبر دعاة هذه النهضة تلميذا للشيخ العطار اختاره للسفر إلى الغرب، ونصح ~~له قبل سفره «أن ينبه على ما يقع في هذه السفرة، وعلى ما يراه وما يصادفه من الأمور ~~الغريبة والأشياء العجيبة، وأن يقيده ليكون نافعا في كشف القناع عن محيا تلك ~~البقاع». # ذلك التلميذ ms033 الناجح هو نابغة جيله (رفاعة بدوي رافع الطهطاوي) رحمه الله، وهو القائل في ~~فضل العلوم الحديثة، بعد أن نبه بغاية ما يستطاع من الصراحة في ذلك الزمن إلى إهمال محمد ~~علي الكبير لتعميم تلك العلوم في الجامع الأزهر: «... ولو أنه أعلى منار الوطن ورقاه لم يستطع ~~إلى الآن أن يعمم أنوار هذه المعارف المتنوعة بالجامع الأزهر الأنور، ولم يجذب طلابه إلى ~~تكميل عقولهم بالعلوم الحكمية التي كبير نفعها في الوطن ليس ينكر. نعم، إن لهم اليد ~~البيضاء في إتقان الأحكام الشرعية العلمية والاعتقادية، وما يجب من العلوم الآلية كعلوم ~~العربية الاثني عشر، وكالمنطق والوضع وآداب البحث والمقولات وعلم الأصول المعتبر، ولمثل هذا ~~فليعمل العاملون، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، غير أن هذا وحده لا يفي للوطن بقضاء ~~الوطر، والكامل يقبل الكمال كما هو متعارف عند أهل النظر، ومدار سلوك جادة الرشاد ~~والإصابة، منوط بعد ولي الأمر بهذه العصابة، التي ينبغي أن تضيف إلى ما يجب عليها من نشر ~~السنة الشريفة، ورفع أعلام الشريعة المنيفة، معرفة سائر المعارف البشرية المدنية، التي لها ~~مدخل في تقدم الوطنية، من كل ما يحمد على تعلمه وتعليمه علماء الأمة المحمدية، فإنه ~~بانضمامه إلى علوم الشريعة والأحكام يكون من الأعمال الباقية على الدوام، ويقتدى بهم في ~~اتباعه الخاص والعام، حتى إذا دخلوا في أمور الدولة يحسن كل منهم في إبداء المحاسن ~~المدنية قوله، فإن سلوك طريق العلم النافع من حيث هو مستقيم، ومنهجه الأبهج هو القويم، يكون ~~بالنسبة للعلماء سلوكه أقوم وتلقيه من أفواههم أتم وأنظم، لا سيما وأن هذه العلوم ~~الحكمية التي يظهر الآن أنها أجنبية، هي علوم إسلامية نقلها الأجانب إلى لغاتهم من الكتب ~~العربية، ولم تزل كتبها إلى الآن في خزائن ملوك الإسلام كالذخيرة، بل لا زال يتشبث ~~بقراءتها ودراستها من أهل أوروبا حكماء الأزمنة الأخيرة، فإن من اطلع على سند شيخ ~~الجامع الزهر الشيخ أحمد الدمنهوري الذي كانت مشيخته قبل شيخ الإسلام أحمد العروسي الكبير، ~~جد شيخ شيوخ الجامع الأزهر الآن السيد المصطفوي ms034 العالم الشهير؛ رأى أنه قد أحاط من دوائر ~~هذه العلوم بكثير، وأنه له فيها المؤلفات الجمة، وأن تلقيها إلى أيامه كان عند أهل الجامع ~~الأزهر من الأمور المحلية، فإنه يقول فيه بعد سرد ما تلقاه من العلوم الشرعية وآلاتها ~~معقولا ومنقولا: # أخذت عن أستاذنا الشيخ المعمر علي الزعتري خاتمة العارفين بعلم الحساب واستخراج ~~المجهولات، وبما توقف عليها كالفرائض والميقات، ووسيلة ابن الهائم ومعونته كلاهما ~~في الحساب، والمقنع لابن الهائم، ومنظومة الياسميني في الجبر والمقابلة، ودقائق ~~الحقائق في حساب الدرج والدقائق لسبط المارديني في علم حساب الأزياج، ورسالتين ~~إحداهما على ربع المقنطرات والأخرى على ربع المجيب، كلاهما للشيخ عبد الله ~~المارديني جد السبط، ونتيجة الشيخ اللدائقي المحسوبة لعرض مصر، والمنحرفات للسبط ~~المارديني في علم وضع المزاول، وبعض اللمعة في التقويم. وأخذت عن سيدي أحمد القرافي ~~الحكيم بدار الشفاء بالقراءة عليه كتاب الموجز واللمحة العفيفية في أسباب الأمراض ~~وعلاماتها بشرح الأمشاطي، وبعضا من قانون ابن سينا، وبعضا من كامل الصناعة، ~~وبعضا من منظومة ابن سينا الكبرى، والجميع في الطب. وقرأت على أستاذنا الشيخ عبد ~~الفتاح الدمياطي كتاب لقط الجواهر في معرفة الحدود والدوائر للسبط المارديني في ~~الهيئة السماوية، ورسالة ابن الشاط في علم الأسطرلاب، ورسالة قسطا بن لوقا في العمل ~~بالكرة وكيفية أخذ الوقت منها، والدرر لابن المجدي في علم الزيج. وقرأت على أستاذنا ~~الشيخ سلامة الفيومي أشكال التأسيس في الهندسة، وبعضا من الجغميني في علم الهيئة، ~~وبعضا من رفع الإشكال عن مساحة الأشكال في علم المساحة. وقرأت على شيخنا الشيخ عبد ~~الجواد المرحومي جملة كتب، منها رسالة في علم الأرثماطيقي للشيخ سلطان المزاحي. ~~وقرأت على الشيخ محمد الشهير بالسحميمي منظومة الحكيم درمقاش المشتملة على التكسير ~~وعلم الأوفاق وعلم الاستنطاقات وعلم التكعيب، ورسالة أخرى في رسم ربع المقنطرات ~~والمنحرفات لسبط المارديني، وعلم المزاول ومنظومة في علم الأعمال الرصدية، وروضة ~~العلوم وبهجة المنطوق والمفهوم لمحمد بن ساعد الأنصاري، وهو كتاب يشتمل على سبعة ~~وسبعين علما، أولها علم الحرف وآخرها علم الطلاسم، ورسالة للإسرائيلي، ms035 ورسالة ~~للسيد الطحان، كلاهما في علم الطالع، ورسالة للخازن في علم المواليد، أغنى الممالك ~~الطبيعية وهي الحيوانات والنباتات والمعادن. وأخذت عن شيخنا الشيخ حسام الدين ~~الهندي شرح الهداية في الحكمة، ومتن الجغميني في علم الهيئة بمراجعة قاضي زاده ~~ومطالعة السيد عليه. وأخذت عن سيدي أحمد الشرفي شيخ المغاربة بالجامع الأزهر كتاب ~~اللمعة في تقويم الكواكب السبعة ...» # ولما ذكر ما تلقاه من هذه العلوم أعقبه بما طالعه بنفسه بدون الأخذ عن شيخ، فقال: ~~«طالعت كتاب إحياء الفؤاد بمعرفة خواص الأعداد في علم الأرثماطيقي في كراسين، وكتاب عين ~~الحياة في علم استنباط المياه، في نحو كراسين، والرسالة في الكلام اليسير في علاج ~~البواسير في نحو كراسين، ورسالة التصريح بخلاصة القول الصريح في علم التشريح في نحو ~~كراسين، ومنها كتاب إتحاف البرية بمعرفة الأمور الضرورية في علم الطب في نحو خمسة كراريس، ~~ومنها رسالة القول الأقرب في علاج لسع العقرب في نحو كراس، ومنها منهج السلوك في نصيحة ~~الملوك في نحو عشرة كراريس، ومنها كتاب بلوغ الأرب في أسماء سلاطين العجم والعرب، ~~معنونا باسم السلطان مصطفى خان ابن السلطان أحمد خان، المولود في رابع عشر شهر صفر سنة ~~تسع وعشرين ومائة وألف، يوم الأربعاء أول النهار في الساعة الأولى بعد الشمس، الجالس على ~~سرير الملك في سابع عشر شهر صفر الخير سنة إحدى وسبعين ومائة وألف، يوم الأحد قبل الشمس.» ~~انتهى كلامه ملخصا بتصرف. # وانظر إلى هذا الإمام الذي كان شيخ مشايخ الجامع الأزهر، وكان له في العلوم الطبية ~~والرياضية وعلم الهيئة الحظ الأوفر، مما تلقاه عن أشياخه الأعلام فضلا عن كون أشياخه ~~كانوا أزهرية، ولم يفتهم الوقوف على حقائق هذه العلوم النافعة في الوطنية، وفضل العلامة ~~الجبرتي المتوفى في أثناء هذا القرن في هذه العلوم وفي فن التاريخ أمر معلوم، وكذلك ~~العلامة الشيخ عثمان الورداني الفلكي، وكان للمرحوم الشيخ حسن العطار شيخ الأزهر أيضا ~~مشاركة في كثير من هذه العلوم، حتى في العلوم الجغرافية، فقد وجدت بخطه هوامش جليلة على ~~كتاب تقويم ms036 البلدان لإسماعيل أبي الفداء سلطان حماة المشهور أيضا بالملك المؤيد، وللشيخ ~~المذكور هوامش أيضا وجدتها بأكثر التواريخ وعلى طبقات الأطباء وغيرها، وكان يطلع دائما ~~على الكتب المعربة من تواريخ وغيرها، وكان له ولوع شديد بسائر المعارف البشرية، مع غاية ~~الديانة والصيانة، وله بعض تآليف في الطب وغيرها زيادة عن تآليفه المشهورة ... فلو تشبث من ~~الآن فصاعدا نجباء أهل العلم الأزهريين بالعلوم العصرية التي جددها الخديو الأكرم بمصر ~~بإنفاقه عليها أوفر أموال مملكته، لفازوا بدرجة الكمال وانتظموا في سلك الأقدمين من فحول ~~الرجال، وربما يتعللون بالاحتياج إلى مساعدة الحكومة، والحال أن الحكومة إنما تساعد من ~~يلوح عليه علامات الرغبة والغيرة والاجتهاد، فعمل كل من الطرفين متوقف على عمل الآخر، ~~وترجع المسألة دورية، والجواب عنها أن الحكومة قد ساعدت بتسهيل الوسائط والوسائل ليغتنم ~~فرصة ذلك كل طالب وسائل، وكل من سار على الدرب وصل، وإنما تكون المكافأة على تمام ~~العمل ... فهذا ما يتعلق بطبقة العلماء، وقد ذكرنا ما يتعلق به في الفصل الأول من الباب الأول ~~من هذا الكتاب مبسوطا بما فيه الكفاية. ~~••• # وهذا الفصل من كتاب «مناهج الألباب» يعتبر وثيقة «رسمية» من أهم الوثائق في تاريخ ~~التعليم بالجامع الأزهر؛ لأنه يشتمل على ثبت صحيح بأسماء المؤلفات الكثيرة التي كانت ~~تؤلف في علوم الطب والرياضة والطبيعة وغيرها من العلوم التي تسمى بالعلوم الكونية ~~تمييزا لها من العلوم الإلهية أو الشرعية، ويشتمل كذلك على أسماء مؤلفيها والعلماء الذين ~~يدرسونها وطريقتهم في تحصيلها، إما بالقراءة على أصحابها أو بالمطالعة في مراجعها. ومن ~~هذا الثبت الصحيح يتبين لنا أنها كانت تحيط بصفوة المعارف البشرية كما عرفها الناس إلى ~~نهاية العصور الوسطى في بداية القرن السابع عشر، وأنها كانت دراسات «موسوعية» جامعية من ~~طراز مناهجها في أنحاء العالم كله على عهدها. # ويدل هذا الفصل على موقف الحكومة يومئذ من مسألة التعليم بالجامع الأزهر، فإنها كانت على ~~موقف الحذر من تقرير علوم تدرس فيه بغير طلب من أهله، هيبة لعلمائه وخوفا من تهمة ~~المساس بالدين والاجتراء على ms037 سنن السلف ومجاراة البدع المستحدثة؛ بدع الفرنجة أو بدع ~~الفلاسفة كما قال الشيخ العطار بألسنتهم حين تتلى عليهم مسألة من مسائل المعرفة لم ~~ترد في كتاب من كتب المتأخرين، وكأنما كان النابغة الأزهري - رفاعة - يلوح لشيوخ العلماء ~~بالخطة التي يسلكونها إذا ترقبوا من الحكومة أن تغير مسلكها، «فإن الحكومة إنما تساعد من ~~يلوح عليه علامات الرغبة والغيرة والاجتهاد، فعمل كل من الطرفين متوقف على عمل الآخر، ~~وترجع المسألة دورية ...» إن لم يبدأ علماء الأزهر من قبلهم بمسلك جديد. # وقد دل رفاعة بما كتبه عن مسألة التعليم الأزهري على صراحة الرائد المجدد وحصافته في ~~وقت واحد، فكان صريحا في تنبيهه إلى إهمال محمد علي الكبير لتلك المسألة، وكان صريحا في ~~تنبيهه العلماء إلى موضع تقصيرهم أو موضع مشاركتهم في تبعة ذلك الإهمال، وكان حصيفا في ~~عنايته بسرد أسماء العلوم والمؤلفات التي سبق إليها العلماء الأسبقون، فإنه - ولا شك - قد ~~فطن للوجهة التي اتجه إليها تيار الفكر الحديث في البلاد، وكشف عن الموطن الحساس الذي لمسته ~~هذه المسألة من جانب العاطفة القومية، فمنذ الحملة الفرنسية وقعت الصدمة في ذلك الجانب من ~~العاطفة القومية موقعين متناقضين متلازمين: موقع اليقين بغلبة القوم، وفيه من دواعي الوجوم ~~والانكسار ما فيه، وموقع العزاء بسبق الشرق إلى تلك العلوم، والإيمان بأنها عند القوم عارية ~~مستعارة نستردها لنقول لأنفسنا وللعالم إنها بضاعتنا ردت إلينا، وفي ذلك من تجديد الثقة ~~ما فيه. # ورفاعة في دعوته نجباء الأزهر إلى العلم العصري باسم السلف، إنما تسلم هذه العاطفة من ~~حيث تركها رواد الفكر الحديث، ولعله تعمد أن يسوق الكلام فيها بذلك الأسلوب التقليدي ~~المسجوع، ليدخل في روع قرائه أن الكاتب العصري لا يعجز عن مثل ذلك الأسلوب، أو لا ينقصه ولا ~~يخلعه عن قلمه؛ لأن المعرفة العصرية لا تنقطع بكاتبها عن ماضيه. # ولم يتمكن رفاعة من تقرير النظام الذي كان يؤثره لتعليم طلاب الأزهر؛ لأنه أبعد إلى ~~السودان في أخريات أيامه لتنظيم التعليم فيه، وتوفي سنة 1871 والأزهريون لا يحفزون لتلك ms038 ~~الخطوة التي كان ينتظر منهم أن يخطوها تشجيعا للحكومة على استخدام سلطانها في تقرير نظامه ~~اعتمادا على دعوة أهله، ولكن شيخ الجامع لعهده - الشيخ مصطفى العروسي - خطا في داخل الأزهر ~~خطوة حسنة بالرقابة على علمائه وطلابه، وانتقاء الصالحين منهم للتعليم والتعلم ومتابعة ~~الدرس في العلوم التي يتطلبها العمل الجديد في دواوين القضاء ومدارس الحكومة العصرية، ~~وأهمها علوم الحديث والتفسير والأصول والتوحيد والفقه، والنحو والصرف، والمعاني والبديع ~~والمنطق، ثم جاء خليفته الشيخ محمد المهدي العباسي فأسس نظام الامتحان لشهادة العالمية ~~على نظامها الحديث، بعد استئذان الحكومة لاعتبار هذه الشهادة في ولاية الوظائف العامة غير ~~التدريس بالجامعة الأزهرية، وجعل هذه الشهادة على درجات: أولى وثانية وثالثة، على حسب إجابة ~~الطالب وطبقة الكتب التي يجرى الامتحان في مادتها. ~~••• # على هذه الحالة كان الجامع الأزهر حين وصل الشاب محمد عبده إلى القاهرة لينتظم في سلك ~~طلابه. # المفروض فيه بحكم الشهرة الموروثة أنه جامعة عالمية تزود طلابها بكل ما وسعته العقول ~~البشرية من معارف الماضي والحاضر، وعلوم الدين والدنيا. # والحقيقة الواقعة أن دروسه يومئذ كانت مقصورة على قشور من علوم الفقه واللغة يتلقاها ~~الطالب عن أستاذه، ويعول في تحصيلها على حفظ الذاكرة، وقلما يطالبه أحد من أساتذته أو ~~يطالب هو نفسه بوعيها والتصرف في لفظها ومعناها. # وكان التعليم والتعلم كلاهما فوضى مهملة لا رقابة عليها لأحد، فلما دعا الأمر إلى ~~اختيار طائفة من خريجي الأزهر لوظائف القضاء والتعليم، رسمت لهم شروط الامتحان ودرجات ~~الإجازة على مثال الشهادات المدرسية التي كانت ترشح الحاصلين عليها من خريجي المدارس ~~العصرية لوظائف الدولة. # وقد كان الراغبون في تغيير هذه الحالة غير قليلين، ولكنهم كانوا لا يملكون سلطة التغيير، ~~أو يملكونها ويؤثرون أن يتمهلوا حتى يجيء طلب التغيير من أهله؛ تجنبا لإثارة الشبهات ~~بابتداع البدع واتباع دعاة الزندقة - أو الفرنجة - في أمر المعهد الأكبر من معاهد ~~الدين. # الفصل الرابع # | محلة نصر # ولد أستاذنا الإمام بحصة شبشير من قرى إقليم الغربية، ولكنه نشأ بقرية «محلة نصر» من ~~قرى مركز شبراخيت بإقليم ms039 البحيرة، حيث نشأ والده ونشأت أسرته من قبله. # وقرية «محلة نصر» هذه إحدى القرى الصغيرة في أقاليم الريف، ولكنها - على صغرها - كانت من ~~تلك القرى التي يصح أن يقال فيها إنها موصولة التاريخ بتاريخ القطر كله، ذات كيان اجتماعي ~~مكين، تتمثل فيه أحداث العهود ويحس أهله فيه طوارئ الزمن من عهد إلى عهد، بل من ولاية إلى ~~ولاية؛ لأنهم يعيشون في ظل كيان غير منقطع عن مجرى الحوادث الكبرى في الإقليم، وفيما حول ~~الإقليم من ميادين الحياة في أنحاء البلاد. # ولا يخطرن لنا أن هذا شأن عام مشترك بين جميع القرى في هذه الأنحاء، فإن من هذه القرى ~~ما يبلغ من عزلته أن يتغير الوالي في القطر كله ولا يدركون تغيره بعمل ظاهر في القرية، ~~بل منها ما يعم الوباء وينتشر بين أقاليم شتى، ولا يصل إليها، لقيام العلاقة بينها وبين ما ~~حولها على المعاملات البعيدة، وقد تكون منها معاملات «حولية» تعود مع المواسم والمحاصيل، ~~ولا تخرج من نطاقها المحدود بقية أيام الحول. # أما هذه القرية الصغيرة في إقليم البحيرة - محلة نصر - فكانت من تلك القرى الممتازة بدوام ~~اتصالها بالحياة الاجتماعية والحياة السياسية في سائر أنحاء البلاد، وتاريخها في خلال القرن ~~الذي ولد فيه الأستاذ الإمام شاهد على هذه الصلة الدائمة بينها وبين كل حادث خطير من ~~الحوادث القهرية، التي سجلت لنا أدوار التاريخ في الوطن المصري بحذافيره. # مارست العيش في ظل نظام الإقطاع، وسميت باسم محلة «نصر»؛ لأنها كانت إقطاعا لرجل بهذا ~~الاسم، لم يبق من تاريخه ما يعرف غير هذه النسبة. # ولما نشأت أنظمة «التفاتيش» الزراعية التي خلفت عهد الإقطاع، كان أكبر هذه التفاتيش من ~~أملاك الخديو إسماعيل على مقربة منها، أو على علاقة بأهلها، وإلى جوار هذا التفتيش بمركز ~~السنطة هاجر أبو الأستاذ وعمه، وكان معهم - كما قال الأستاذ في تاريخه - قدر من المال يسمح ~~لهم باستئجار أطيان يعملون فيها بأيديهم ومعونة شركائهم، فاشتهر والده بين أهلها «بالفتوة ~~والبراعة في الصيد بالسلاح، فأحبه لذلك مصطفى أفندي المنشاوي ms040 ومحمد أخوه، وكانا موظفين في ~~دائرة إسماعيل باشا الخديو؛ أولهما في وظيفة مفتش زراعة، والثاني في وظيفة ناظر، وطابت له ~~صحبتهما، فعدوه كأنه واحد من أهلها، ودام ذلك مدة سنين». # وقد كان أهل «محلة نصر» يشعرون بتقلب الأحوال بين وال ووال من أبناء الأسرة الخديوية، ~~فاعتقل بعض أهلها في زمن عباس الأول، ثم أفرج عنهم في عهد خلفه محمد سعيد، ومنهم والده ~~وبعض رؤساء أسرة المنشاوي، لاتهامهم بحمل السلاح وإيواء بعض المطلوبين للخدمة العسكرية، في ~~أشد أيام النقمة عليها. # ولم تنج المحلة الصغيرة من وباء الطاعون الذي فتك بكثير من سكان القطر في منتصف القرن ~~التاسع عشر، فمات به جده «حسن خير الله» عن ولدين هما أبوه وعمه. # وكان للقرية مقامها الديني، أو كان هذا المقام هو نواتها الذي التفت به سائر مساكنها، ~~وذلك أن أجداد محمد عبده كانوا يسكنون الخيام مدة من الزمن، ثم اتفق أن اتصل بهم شيخ ~~يسمى عبد الملك لا يعرف نسبه، وكان معتقدا ينسبون إليه الكرامات، فاتخذ خلوة يتعبد ~~فيها بالمحل الذي قامت عليه بعد ذلك «محلة نصر»، ثم توفي فنهض جدهم - وكان من بيت الشيخ - ~~ببناء قبة له جعلوا لهم مساكن من حولها، وانضمت إليها بيوت كثيرة تألفت القرية من مجموعها ~~بعد فترة وجيزة. # ولم تخل القرية من «قوتها الحيوية» التي أسلفنا في الكلام على القرية المصرية أنها ~~كانت عدة الريفيين في مقاومة سلطان الطغاة الكبار، ومقاومة أعوانهم من الطغاة الصغار ~~أصحاب الإقطاع أو أصحاب الالتزام؛ إذ كان هؤلاء الطغاة أعجز من أن يسوقوا الزارعين جميعا ~~بعصا الإكراه، ولم يكن لهم بد من مداراة العلية البارزين منهم، ومصانعة الأسر التي ~~تمكنت من مقاد أهل القرية بجاه الثروة أو بجاه الكثرة. # روى المؤرخ المشهور «علي مبارك باشا» أنه اطلع بين مراجعه المخطوطة على رحلة لعبد ~~اللطيف البغدادي تعرف بالرحلة الكبرى، رأى فيها اسم محلتي نصر ومسروق، وقال إنه نزل ~~ضيفا في بيت خير الله التركماني، وإن البيوت الكبيرة في البلد كانت ثلاثة: بيت الشيخ، وبيت ms041 ~~خير الله، وبيت الفرنواني. # ويظهر أن بيت التركماني من هذه البيوت - وهم أجداد محمد عبده - كان أقواهم شكيمة وأعصاهم ~~مقادا على سادة القرية من أصحاب الإقطاع والالتزام، فحاربوه وطاردوه ولم يكفوا عن ~~متابعته بالمطاردة والاضطهاد، كأنهم أيقنوا أنهم لا يأمنون مقاومته وتمرده عليهم أو ~~يستأصلوه، فلم يزالوا بعصبة جده لأبيه حتى اعتقلوا منهم نحو اثني عشر رجلا، وسعوا بهم ~~لأنهم ممن يحمل السلاح ويقف في وجوه أعوان «السلطة» عند تنفيذ المظالم، ثم جاء دور أبيه ~~بعد حين، فحورب في رزقه وعمله حتى هاجر القرية وقضى بعيدا منها نحو خمس عشرة سنة. # وليس في أخبار هذه الأسرة ما يدل على ثراء كبير في ماضيها البعيد أو القريب، ولكن كل خبر ~~من أخبارها التي بقيت لنا يدل على كثرتها وسعة انتشارها في إقليم البحيرة وما جاوره من بلاد ~~إقليم الغربية. # فأخوال أبيه كانوا أكثر سكان القرية التي عرفت باسم «كنيسة أورين»، ومنهم - الحاج محمد ~~خضر - عمدة القرية، وأخواله هو كانوا معظم سكان الحصة التي اشتهرت بحصة «شبشير»، وجده لأمه ~~هو عميد أكبر بيوتها بيت عثمان الكبير. # وكان له أقارب بمنية طوخ في مركز السنطة، وأقارب في القرى بين الإقليمين، أما أقاربه في ~~محلة نصر فهم كما جاء في ترجمته «كثيرون يتصلون بهم من جهة الناس» أي بالنسب والمصاهرة، ~~ولم يكن في القرية عند تأسيسها سكان غير أهله بيت التركماني، وغير بيتين آخرين هما بيت ~~الفرنواني وله بهم صلة كما يظهر من سيرة صاحب الضريح المدفون في محلة نصر، والبيت الثالث هو ~~بيت الشيخ الذي أشار إليه الرحالة البغدادي، وربما كانت عصبته من الأقارب والأصهار أكبر هذه ~~العصب عددا وأصعبها مقادا؛ لأنها كانت - كما تقدم - هدف المقاومة والاضطهاد من أعوان ~~الحكام، وكان مصابها بالمظالم يكشفها لتلك المقاومة كلما حلت المظلمة بواحد من المنتسبين ~~إليها واللاجئين إلى جوارها. ~~••• # ولا يخفى أن قيام «دستور الأسرة» أدل على كيانها الاجتماعي من مجرد الكثرة العددية أو سعة ~~الجاه المكتسب بالوفرة والثروة؛ لأن الكثرة والوفرة قد تدلان على ms042 وجود الأسرة ولا تدلان ~~على رعاية آدابها وحماية حوزتها والتزام سمتها وسمعتها، ونحن في العصر الحاضر نذكر دستور ~~الأسرة في قرى الريف ونسمع من يسميه تارة بسبر البلد أو بسبر العائلة، قبل أن تسري على ~~الألسنة كلمة التقاليد العائلية أو كلمة العرف الاجتماعي، وكان هذا «السبر» ولا يزال أقوى ~~سلطانا بين أهل البلد من سلطان الحكم والشريعة في كثير من الأحوال ... # ومن الأخبار القليلة التي رويت لنا عن «محلة نصر» نعلم أنها - على صغرها - قرية ذات ~~أسر مسماة وبيوت منسوبة، وأن أسرة التركماني من أسرها الثلاث المعدودة كان لها بيت كبير ~~فيها بغير باب تعيش فيه أكثر من «عائلة» واحدة من عائلات الأسرة الكبيرة. وترك الدار ~~الكبيرة بغير باب في الريف علامة في وقت واحد على الكرم المقصود والجوار المرهوب، فلا تقام ~~السدود في وجه الضيف الغريب، ولا يجترئ المعتدي على اقتحام الدار على كره أهلها، وتلك هي ~~آية الكرم والمنعة في كل عرف وكل بيئة، فليس للبيت مكانة وراء مكانة الموئل الذي لا ~~يغلق ولا يستباح. # ويروي الأستاذ الإمام من ذكريات طفولته أنه كان قبل أن يدرك معنى الكرم والمنعة يرى أن ~~الكبراء من زوار القرية ينزلون في بيته ضيوفا على أبيه، ولا يذهبون إلى بيت العمدة وهو ~~أغنى من أبيه وأقرب إلى مقام الرئاسة في الحكومة، وكان أبوه يأكل مع الضيوف ولا يأكل مع ~~أهله في الدار، فإذا خلا البيت من الضيوف تناول طعامه وحده على حكم هذه العادة، فكان الطفل ~~الصغير يضيف هذا الانفراد إلى سمت الوقار الذي يرعاه لأبيه، ويحسبه أكبر رجل في الدنيا؛ ~~لأنه لا يعرف من الدنيا غير «محلة نصر» وما جاورها من شبيهاتها في الإقليم المحدود. # وكل أبناء القرى تروي لنا عن هذه الأسرة أنها كانت تنشأ على الفروسية وتحمل السلاح، ~~وتتعرض للشبهة والمطاردة، بل للسجن والمصادرة من جراء هذه الخصلة المتأصلة فيها، ومن ~~أنباء الأسرة في جيلين قريبين نعلم أنها لم تكن قط تستكين إلى المقام في موطنها على ~~كره ومهانة ... فلا ms043 يزال البارزون من أبنائها بين مقام مرض في ديارهم أو إيثار للهجرة ~~والاغتراب، إن لم يقعدهم عنها السجن والاعتقال. # ولا ينبئنا صاحب الترجمة بأصل هذه النسبة - نسبة التركماني - التي اشتهر بها بيته وسمع ~~«المزاحين » من أهل البلد يلقبونه بها وهو لا يفقه معناها، ولكنه سأل عنها كما نسأل عنها ~~اليوم، فقال له والده: «إن نسبنا ينتهي إلى جد تركماني جاء من بلاده في جماعة من أهله، ~~وسكنوا في الخيام مدة من الزمن ...» # ويلفت النظر في هذه الرواية أن اللقب كان مما سمعه الطفل الصغير من «المزاحين» في القرية، ~~ولم يسمعه من أبيه ولا أحد من ذوي قرابته، فليس هو باللقب الذي تتحدث به الأسرة وتدعيه ~~لنفسها مفاخرة به كما كان يفعل بعض المنتسبين إلى غير هذا البلد في عهود الطغيان الأجنبي، ~~بل لعله كان مما يقال على سبيل المغايظة والاستثارة للأطفال الصغار، فإذا جاء اللقب بغير ~~دعوى، فقد يكون له مرجع من التاريخ نهتدي إليه من مراجعة أخبار التركمان في هذه البلاد منذ ~~كانت لهم أخبار مترددة بهذا الاسم في التاريخ الحديث. # فإذا قدرنا أن البيت التركماني عرف بهذا الاسم قبل وفود عبد اللطيف البغدادي إلى «محلة ~~نصر» بنحو خمسين سنة، فقد مضى عليه في مصر نحو ثمانية قرون، وهي مدة كافية لإعراقه في هذا ~~الوطن بالنسبة إلى الوافدين إليه من أبناء الأمم التي اختارته لسكناها بعد زوال الدولة ~~الرومانية، على تفاوت في الأزمنة من فتح العرب إلى أيام المماليك. # ويرد ذكر التركمان كثيرا في أخبار القرون الأولى من تلك الفترة، فيقول المقريزي وقد ~~ذكر أنه أدرك عهد الظاهر برقوق: «إن جيوش الدولة التركية كانت بديار مصر على قسمين: منهم ~~من هو بحضرة السلطان، ومنهم من هو في أقطار المملكة وبلادها وسكان بادية كالعرب ~~والتركمان، وجندها مختلط من أتراك وجركس وروم وأكراد وتركمان، وغالبهم من المماليك ~~المبتاعين، وهم طبقات، أكابرهم من له إمرة مائة فارس وتقدمة ألف فارس.» # ومن هذا السياق العابر نعلم أن التركمان كانوا بين فرق الجيش، وأنهم ms044 لم يكونوا من ~~المماليك المبتاعين؛ لأنهم كانوا سكان خيام، ولم تجر العادة بشراء الأسرة بخيامها من أهل ~~البادية، ويوافق هذا الخبر ما رواه صاحب الترجمة عن أبيه من سكنى أجدادهم في الخيام قبل ~~انتقالهم إلى البيوت حول مقام الشيخ «عبد الملك» الذي سبقت الإشارة إليه، ولا بد أن يكون ~~هذا قد حدث قبل عهد الظاهر برقوق. # ونحن إذن بين فرضين: أحدهما أن هذا اللقب المتواتر قد لقبت به الأسرة عدة قرون بغير ~~معنى ولغير سبب، والفرض الآخر أن الاتفاق بين التسمية وبين المذكور من سكناها الخيام ومن ~~نشأتها على الفروسية وحمل السلاح لم يكن بعض عوارض المصادفة أو الاختلاق، بل كان بقية ~~منقولة بين التذكر والنسيان، يجوز لنا أن نفهم منها أن جدا قديما للأسرة وفد إلى مصر ~~قبل نحو ثمانية قرون، واختار المقام في إقليم البحيرة لموافقته في ذلك العهد على الخصوص ~~لسكنى البادية، ويرجح أن مقدم هذا الجد إلى مصر كان على أيام صلاح الدين؛ لأنه كان يستكثر ~~من جنود الأكراد وجيرانهم التركمان، وكان شديد العناية بإقليم البحيرة وكل ما جاور ميناء ~~الإسكندرية إلى الغرب أو طريق الصحراء الغربية من حيث وفد الفاطميون أسلافه في حكم مصر، ~~ولم يزل على حذر من جانب هذا الطريق بعد إسقاط الدولة الفاطمية بعدة سنين، فلا جرم يختص ~~بإقطاعه أقرب الناس إليه، وينشر فيه جنده التركمان والأكراد ليقيموا فيه مقام الأهل ويحرسوه ~~حراسة العسكر مع مقامهم فيه. # أما نسب صاحب الترجمة لأمه، فجملة ما نعلمه عنها أنه كانت تنسب إلى بني عدي بالصعيد، ~~وهم منتسبون إلى القبيلة القرشية قبيلة عمر بن الخطاب كما هو معلوم، ولكن الأستاذ الإمام ~~يقول إن «ذلك كله روايات متوارثة لا يمكن إقامة الدليل عليها». # وقد كانت مع أهلها من البيت الذي عرف في قرية «حصة شبشير» باسم «بيت عثمان الكبير»، ~~وتزوج منها والده أثناء هجرته إلى إقليم الغربية، واسمها «جنينة» بنت عثمان، ويصفها ولدها ~~الأمين فيقول: «إنها كانت ترحم المساكين وتعطف على الضعفاء، وتعد ذلك مجدا وطاعة ms045 لله ~~وحمدا ...» ويقول: إن منزلتها بين نساء القرية لم تكن تقل عن منزلة أبيه بين رجالها. # والذي نراه أن انتساب هذه الأم إلى بني عدي بإقليم أسيوط، وانتساب بني عدي إلى القبيلة ~~القرشية المعروفة ، أمر لا داعية للشك فيه؛ لأن هجرة القبائل القرشية إلى إقليمي المنيا ~~وأسيوط خبر من أخبار الفتح العربي المتواترة، ولزوم هذا الاسم للقبيلة المعروفة به عند ~~منفلوط لا يتسلسل مع الزمن اختلافا بغير سند أصيل، وقد ينتسب رجل أو امرأة إلى إحدى ~~القبائل دعيا فيها بغير سند، ولكن انتساب قرية كاملة إلى القبيلة أمر نحسب أن تكذيبه ~~أصعب من تصديقه، ولا موجب لتكذيبه على أية حالة بغير دليل. # وإنما تحتاج الرواية إلى دليل راجح إذا ارتفعت النسبة إلى رجل معلوم؛ إذ لا يلزم من صحة ~~النسب إلى قبيلة عمر بن الخطاب أن يكون العدوي المنسوب من ذريته، ولا يثبت ذلك إلا بسلسلة ~~النسب المحدود، ومتابعة أخبار الأبناء والأجداد ما بين الموطن الأول في الحجاز وموطن فروع ~~في هذه الديار. # على أن الأخبار المتقدمة جميعا لا تتناقض في اختلافها ولا تتباعد كثيرا في جوهرها، ~~فكلها تنتهي إلى نتيجة واحدة لا غرابة فيها، وهي أن المصلح الغيور قد أنبتته قرية موصولة ~~بالتاريخ ترشحه لرسالته التاريخية، ونمته أسرة أبية تورثه ما قد ورث عنها من عزة ~~وعزيمة. # الفصل الخامس # | محمد بن عبده بن حسن خير الله # نشأ الطفل «محمد عبده» في بيت من بيوت القرية المتوسطة، لا يحسب من أفقرها؛ لأن الفقير ~~في القرية لا يقتني الخيل ولا يفرغ لرياضة الفروسية وما إليها، ولا يملك من موارد الكسب ما ~~يعينه على فتح بيته للضيافة وإيواء الضيوف من علية الزائرين في نظر أبناء القرية. # ولا يحسب من أغناها؛ لأن القرية كان فيها من هو أغنى من أرباب ذلك البيت، ولم تكن من ~~السمعة بحيث يتسع زمامها كما يقول أبناء الريف لبيوت كثيرة من أصحاب الثراء، وعدة سكانها ~~في أيام نشأة الطفل الصغير لم تزد على ألف نسمة عند نهاية القرن ms046 التاسع عشر، كما جاء في ~~إحصاء سنة 1897 ميلادية. # والمعلوم من شأن هذا البيت في تلك الفترة أن أبناءه كانوا يزرعون أرضهم بأيديهم، ~~ويستأجرون معها أرضا من ملك غيرهم يتعاونون على زرعها مع جيرانهم، ويكفل لهم ما عرف عنهم ~~من الجد والاستقامة وصلابة العود أن يزيدوا موردهم بين عام وآخر في حدود طاقاتهم، فقد بلغ ~~ما ملكوه من الأرض عند نشوب الثورة العرابية نحو أربعين فدانا في خبر رواه الدكتور عثمان ~~أمين عن صحيفة إنجليزية، ولم نطلع على مرجع آخر يحدده بهذا المقدار، ولكنه لا يجاوز حده ~~المعقول إذا نظرنا إلى الأسرة التي كان يعولها والد الطفل على حالة بعيدة من حالة الفاقة ~~والاضطرار. # ونحن نعرف أفرادا من تلك الأسرة قليلين ممن وردت أسماؤهم في تراجم الأستاذ الإمام في ~~أثناء حياته وبعد مماته. # فمنهم جده حسن خير الله، وعمه بهنس حسن خير الله، وابن عمه إبراهيم، وأخواه من أبيه علي ~~ومحروس، وأختاه شقيقتاه: زمزم ومريم، وأخوه من أمه مجاهد؛ لأن أباه تزوج من أمه وهي أيم ~~تقيم مع أبيها عثمان الكبير بقرية حصة شبشير على مقربة من طنطا، وهؤلاء غير أفراد أسرته من ~~أخوال أبيه أو أخوال في غير المحلة، وكلهم من رجال الأسرة عملوا في الزراعة ولم يعرف لهم ~~عمل من أعمال كسب المعيشة في غيرها. # ويتقاضانا البحث عن كل ما له دلالة خاصة من شأن هذه الأسرة أن نلتفت إلى «سبرها» أو ~~عادتها في التسمية، فإنها تختار الأسماء لمعانيها ومناسباتها، فإذا اختارت اسما من غير ~~أسماء الأنبياء وأعلام الصحابة، لم يكن هذا الاختيار جزافا لغير معنى مقصود، فمن أسمائهم ~~محمد وإبراهيم وعلي وحسن وعثمان وحمودة، ومنها بهنس ودرويش ومجاهد ومحروس. ومعنى بهنس أنه ~~يمشي مشية الأسد أو مشية الفارس المتبهنس، وهو اسم ينم على عراقة في حب الفروسية بين ~~أجيال هذه الأسرة، ودرويش لم تكن من الأسماء التي تطلق على المولودين حيثما اتفق؛ لأن ~~صاحبه كان من أهل التصوف، وكانت له رحلات إلى شيوخ الطريق في المغرب كرحلات ms047 السياح ~~المتنسكين، وقد سماه به والد اسمه «خضر»، وهو اسم الإمام الذي نعلم من القرآن أنه كان ~~يجوب الآفاق ويعلم موسى عليه السلام معرفة أهل الباطن وأسرار الشريعة الخفية ... واسم محروس ~~غير عجيب أن يكون مقصودا بمعناه من حراسة الله في بيت مرزأ مضطهد، قد ابتلي العشرات من ~~أبنائه بالنفي والسجن والمصادرة، وقضى منهم من قضى بالطاعون، ومن بقي بعده لم يزل بين ~~خصومه الألداء عرضة للوشاية والخراب. واسم مجاهد ظاهر الدلالة على حب العمل في سبيل الله. ~~وتظهر العاطفة الدينية في تسمية البنات باسم زمزم ومريم؛ فإنها تسمية أناس مشتغلين بأمر ~~الدين. واسم عبده مضافا إلى الضمير الذي ينوب عن جميع الأسماء الحسنى، معناه أن المتسمى به ~~«عبده» هو سبحانه وتعالى وليس بعبد أحد من خلقه، وقد يطلق هذا الاسم بغير نظير إلى هذا ~~المعنى، ولكنه إذا أطلق على المولود في زمن يسام فيه أهله الذل والعنت، ويرفعون فيه الرأس ~~بالتحدي والمناجزة، فليس هو من الأسماء التي تطلق جزافا ولا تراد لمعنى. وكذلك اسم خير ~~الله كبير الأسرة، إنه خير الخالق وليس بخير أحد سواه. وأصغر أبناء الأسرة «حمودة» هو اسم ~~محمد للتحبيب، سمي به لأن له أخا أكبر منه يسمى محمدا، وينادي أخوه الأصغر باسم ~~حمودة كأنه ينادى باسم محمد الصغير. # ونحن نلتفت إلى هذه العادة في التسمية ونرجح القصد فيها؛ لأنها مناسبة لحالة الأسرة غير ~~منقطعة عن معانيها كما تنقطع معاني الأسماء في كثير من الأسر التي تجري في اختيار الأسماء ~~لأبنائها وبناتها مجرى التقليد، الذي تتساوى فيه ظروفها وظروف غيرها. فإذا صح ما ذهبنا ~~إليه، فهو آية أخرى من آيات الاستقلال بالرأي في هذا البيت، وعادة من عادات أناس يريدون ~~لأنفسهم ولا يراد لهم فيما يعنيهم من شئون الآباء والأبناء. # واسم صاحب الترجمة «محمد» هو الاسم الذي يقترن باسم أبيه، فيساوق لفظ التحية الإسلامية ~~كلما ذكر النبي «محمد عبده» ورسوله. # فمحمد عبده اسم للوليد وذكرى محبوبة لنبي الإسلام عليه السلام، وأغلب الظن أن «محمدا» ~~نذر من ms048 يوم مولده لطلب العلم؛ لأنه ولد بجوار مدينة طنطا في أواخر سنة 1265 هجرية أو ~~أوائل السنة التي تليها، وهو موعد من السنة يحتفل فيه بإحياء ليلة جامعة يشهدها المريدون ~~من أنحاء الأقاليم، وتتلى فيها سور القرآن الكريم يرتلها أشهر القراء بالمسجد الأحمدي، ~~وهو مشهور منذ بنائه بعلوم القرآن حفظا وتجويدا وتفسيرا، وله في كل ليلة من ليالي ~~الأسبوع مقرأة باسم أحد المحسنين من أصحاب الوقوف عليه، ومن عادة قرائه الكبار أن يجلسوا ~~بعد صلاة الجمعة، أو بين العشاءين، كل ليلة من ليالي المقارئ لاستماع سور القرآن من ~~المبتدئين بحفظه وتجويد تلاوته، وهم الذين يخلفون كبار القراء بعد إتمام الحفظ وإحكام ~~التلاوة والإلمام بما يتيسر لهم في سنهم من تفسير آيات الفرائض والعبادات. # فإذا كان الوالد المغترب قد شهد بالمسجد ليلة الختام وشهد معها تسابق الفتية الصغار إلى ~~تجويد القراءة والاستعداد لطلب العلم بمعهده الذي كان يسمى بالأزهر الصغير، أو الأزهر ~~الثاني، فليس أقرب إلى الذهن من أن يخطر له أن ينذر وليده في هذا الجوار لمثل هذه الكرامة، ~~وهو على ما طبع عليه من التدين والتطلع إلى عظائم الأمور، ولم يكن لابن القرية يومئذ ~~من مستقبل أعظم من مستقبل العالم الذي يقود الأمة في شئون الدين والدنيا، ويحاسب ولاة ~~الأمر على ظلم أهل القرى، وهو في اغترابه لا ينسى ذلك الظلم ولا يتمنى لولده مقاما أكبر ~~من مقام ذلك الحسيب المهيب. ~~••• # لذلك بقي الطفل الصغير بعد عودة أبيه إلى «محلة نصر» معفي من تكاليف العمل في الحقل مع ~~أخويه وذوي قرباه، وتعلم الكتابة والقراءة في منزل والده، ثم وكل إلى حافظ معتقد لتحفيظه ~~القرآن، ثم أرسل في سن طلب العلم إلى طنطا لتلقي علومه؛ تمهيدا للترقي منه إلى ~~الجامعة الأزهرية، ولم يقبل منه أبوه عذرا للتخلف عن المسجد بعد تزويجه المبكر في نحو ~~السادسة عشرة، ولعله حسب أن إحجامه عن متابعة الدرس كان عرضا من أعراض سن المراهقة، وأنه ~~مع ذكائه الذي ظهر منه في تعلم الكتابة وحفظه للقرآن ms049 في نحو سنتين خليق أن يعدل عن ~~المعاندة في طلب العلم الذي نذره له منذ ولادته، وتفصيل ما بعد ذلك من مراحل تعليمه مبسوط ~~في سيرته التي كتبها، ننقله بنصه ولا نرى لنا مرجعا أولى بالاعتماد عليه وأوفى منه في بابه ~~مما كتبه بعنوان «نشأتي وتربيتي» من تلك السيرة التي نشرت بعد وفاته، قال رضوان الله ~~عليه: # تعلمت القراءة والكتابة في منزل والدي، ثم انتقلت إلى دار حافظ قرآن قرأت عليه ~~وحدي جميع القرآن أول مرة، ثم أعدت القراءة حتى أتممت حفظه جميعه في مدة سنتين، ~~أدركني في ثانيتهما صبيان من أهل القرية جاءوا من مكتب آخر ليقرءوا القرآن عند هذا ~~الحافظ، ظنا منهم أن نجاحي في حفظ القرآن كان من أثر اهتمام الحافظ. بعد ذلك ~~حملني والدي إلى طنطا - حيث كان أخي لأبي الشيخ مجاهد رحمه الله - لأجود القرآن ~~في المسجد الأحمدي لشهرة قرائه بفنون التجويد، وكان ذلك في سنة 1279 هجرية. # وفي سنة مائتين وإحدى وثمانين هجرية جلست في دروس العلم، وبدأت بتلقي شرح ~~الكفراوي على الآجرومية في مسجد الأحمدي بطنطا، وقضيت سنة ونصفا لا أفهم شيئا ~~لرداءة طريقة التعليم، فإن المدرسين كانوا يفاجئوننا باصطلاحات نحوية أو فقهية لا ~~نفهمها، ولا عناية لهم بتفهيم معانيها لمن لم يعرفها، فأدركني اليأس من النجاح ~~وهربت من الدروس، واختفيت عند أخوالي مدة ثلاثة أشهر، ثم عثر علي أخي فأخذني إلى ~~المسجد الأحمدي، وأراد إكراهي على طلب العلم، ولم يبق علي إلا أن أعود إلى ~~بلدي وأشتغل بملاحظة الزراعة كما يشتغل الكثير من أقاربي، وانتهى الجدال بتغلبي ~~عليه، فأخذت ما كان لي من ثياب ومتاع، ورجعت إلى «محلة نصر» على نية ألا أعود إلى ~~طلب العلم، وتزوجت في سنة 1282 على هذه النية. # فهذا أول أثر وجدت في نفسي من طريقة التعليم في طنطا، وهي بعينها طريقته في ~~الأزهر ... وهو الأثر الذي يجده خمسة وتسعون في المائة ممن لا يساعدهم القدر بصحبة ~~من لا يلتزمون هذه السبيل في التعليم ... وسبيل إلقاء المعلم ms050 ما يعرفه أو ما لا ~~يعرفه بدون أن يراعي المتعلم ودرجة استعداده للفهم، غير أن الأغلب من الطلبة الذين ~~لا يفهمون تغشهم أنفسهم فيظنون أنهم فهموا شيئا، فيستمرون على الطلب إلى أن يبلغوا ~~سن الرجال، وهم في أحلام الأطفال، ثم يبتلى بهم الناس وتصاب بهم العامة، فتعظم ~~بهم الرزية؛ لأنهم يزيدون الجاهل جهالة، ويضللون من توجد عنده داعية الاسترشاد، ~~ويؤذون بدعاويهم من يكون على شيء من العلم، ويحولون بينه وبين نفع الناس ~~بعلمه. # عودة إلى طلب العلم # بعد أن تزوجت بأربعين يوما، جاءني والدي صحوة نهار وألزمني بالذهاب إلى طنطا ~~لطلب العلم ... وبعد احتجاج وتمنع إباء، لم أجد مندوحة عن إطاعة الأمر، ووجدت فرسا ~~أحضره فركبته وأصحبني والدي بأحد أقاربي ... وكان قوي البنية شديد البأس، ليشيعني إلى ~~محطة «إيتاي البارود» التي أركب منها قطار السكة الحديد إلى طنطا. # كان اليوم شديد الحر، والريح عاصفة ملتهبة تحصب الوجه، يشبه الرمضاء ... فلم أستطع ~~الاستمرار في السير، فقلت لصاحبي: أما مداومة المسير فلا طاقة لي بها مع هذه ~~الحرارة، ولا بد من التعريج على قرية أنتظر فيها حتى يخف الحر ... فأبى علي ذلك ~~فتركته، وأجريت الفرس هاربا من مشادته، وقلت إني ذاهب إلى (كنيسة أورين) بلدة غالب ~~سكانها من خئولة أبي، وقد فرح بي شبان القرية؛ لأنني كنت معروفا بالفروسية ~~واللعب بالسلاح، وأملوا أن أقيم معهم مدة يلهو فيها كل منا بصاحبه ... أدركني صاحبي ~~وبقي معي إلى العصر، وأرادني على السفر، فقلت له خذ الفرس وارجع وسأذهب صباح الغد، ~~وإن شئت قلت لوالدي إنني سافرت إلى طنطا ... فانصرف وأخبر ما أخبر، وبقيت في هذه ~~القرية خمسة عشر يوما تحولت فيها حالتي، وبدلت فيها رغبة غير رغبتي. # مع الشيخ درويش # ذلك أن أحد أخوال أبي، واسمه الشيخ درويش سبقت له أسفاره إلى صحراء ليبيا ... ووصل ~~في أسفاره إلى طرابلس الغرب، وجلس إلى السيد محمد المدني والد الشيخ الظافر المشهور ~~الذي كان قد سكن الآستانة وتوفي بها، وعلم عنده شيئا من العلم وأخذ عنه الطريقة ms051 ~~الشاذلية، وكان يحفظ «الموطأ» وبعض كتب الحديث، ويجيد حفظ القرآن وفهمه، ثم رجع من ~~أسفاره إلى قريته هذه، واشتغل بما يشتغل به الناس من فلاحة الأرض وكسب الرزق ~~بالزراعة. # جاءني هذا الشيخ صبيحة الليلة التي بتها في الكنيسة ، وبيده كتاب يحتوي على رسالة ~~كتبها محمد المدني إلى بعض مريديه بالأطراف بخط مغربي دقيق، وسألني أن أقرأ له فيها ~~شيئا لضعف بصره ... فدفعت طلبه بشدة ولعنت القراءة ومن يشتغل بها، ونفرت منه أشد ~~النفور، ولما وضع الكتاب بين يدي رميته إلى بعيد، ولكن الشيخ تبسم وتجلى في ألطف ~~مظاهر الحلم، ولم يزل بي حتى أخذت الكتاب وقرأت منه بضعة أسطر، فاندفع يفسر لي ~~معاني ما قرأت، ثم بعبارة واضحة تغالب إعراضي فتغلبه وتسبق إلى نفسي. وبعد قليل جاء ~~الشبان يدعونني إلى ركوب الخيل واللعب بالسلاح والسباحة في نهر قريب من القرية، ~~فرميت الكتاب وانصرفت إليهم. # بعد العصر جاءني الشيخ بكتابه، وألح علي في قراءة شيء منه، قرأت ثم تركته إلى ~~اللعب، وفعل في اليوم الثاني كما فعل في الأول، أما اليوم الثالث فقد بقيت أقرأ له ~~فيه، وهو يشرح لي معاني ما أقرأ نحو ثلاث ساعات لم أمل فيها، فقال لي إنه في حاجة ~~إلى الذهاب إلى المزرعة ليعمل فيها، فطلبت منه إبقاء الكتاب معي فتركه، ومضيت ~~أقرأه، وكلما مررت بعبارة لم أفهمها وضعت عليها علامة لأسأله عنها إلى أن جاء وقت ~~الظهر، وعصيت في ذلك اليوم كل رغبة في اللعب، وكل هوى ينازعني إلى البطالة ... وعصر ~~ذلك اليوم سألته عما لم أفهمه، فأبان معناه على عادته، وظهر عليه الفرح بما تجدد ~~عندي من الرغبة في المطالعة والميل إلى الفهم. # مفتاح سعادتي # كانت هذه الرسائل تحتوي على شيء من معارف الصوفية، وكثير من كلامهم في آداب النفس ~~وترويضها على مكارم الأخلاق، وتطهيرها من دنس الرذائل، وتزهيدها في الباطل من مظاهر ~~هذه الحياة الدنيا. # لم يأت علي اليوم الخامس إلا وقد صار أبغض شيء إلي ما كنت أحبه من لعب ولهو، ~~وفخفخة ms052 وزهو، وعاد أحب شيء إلي ما كنت أبغضه من مطالعة وفهم، وكرهت صور أولئك ~~الشبان الذين كانوا يدعونني إلى ما كنت أحب ويزهدونني في عشرة الشيخ رحمه الله، ~~فكنت لا أحتمل أن أرى واحدا منهم، بل أفر من لقائهم جميعا كما يفر السليم من ~~الأجرب. # وفي اليوم السابع سألت الشيخ: ما هي طريقتكم؟ فقال: طريقتنا الإسلام. فقلت: ~~أوليس كل هؤلاء الناس بمسلمين؟ قال: ولو كانوا مسلمين لما رأيتهم يتنازعون على ~~التافه من الأمر، ولما سمعتهم يحلفون بالله كاذبين بسبب وبغير سبب. # هذه الكلمات كأنها نار أحرقت جميع ما كان عندي من المتاع القديم ... متاع تلك ~~الدعاوى الباطلة، والمزاعم الفاسدة، متاع الغرور بأننا مسلمون ناجون، وإن كنا في ~~غمرة ساهية. # سألته: ما وردكم الذي يتلى في الخلوات أو عقب الصلوات؟ فقال: لا ورد لنا ~~سوى القرآن، تقرأ بعد كل صلاة أربعة أرباع من الفهم والتدبر. قلت: أنى لي أن أفهم ~~القرآن ولم أتعلم شيئا؟ قال: أقرأ معك، ويكفيك أن تفهم الجملة وببركتها يفيض الله ~~عليك التفصيل، وإذا خلوت فاذكر الله - على طريقة بينها لي، وأخذت أعمل على ما قال ~~من اليوم الثامن - فلم تمض علي بضعة أيام إلا وقد رأيتني أطير بنفسي في عالم ~~آخر غير الذي كنت أعهد، واتسع لي ما كان ضيقا، وصغر عندي من الدنيا ما كان ~~كبيرا، وعظم عندي من أمر العرفان والنزوع بالنفس إلى جانب القدس ما كان صغيرا ... ~~وتفرقت عني جميع الهموم، ولم يبق لي إلا هم واحد، وهو أن أكون كامل المعرفة كامل ~~أدب النفس، ولم أجد إماما يرشدني إلى ما وجهت إليه نفسي إلا ذلك الشيخ الذي ~~أخرجني في بضعة أيام من سجن الجهل إلى فضاء المعرفة، ومن قيود التقليد إلى إطلاق ~~التوحيد ... هذا هو الأثر الذي وجدته في نفسي من صحبة أحد أقاربي، وهو الشيخ درويش ~~خضر من أهل (كنيسة أورين) من مديرية البحيرة، وهو مفتاح سعادتي إن كانت لي سعادة في ~~هذه الحياة الدنيا، وهو الذي رد لي ما كان غاب ms053 من غريزتي، وكشف لي ما كان خفي عني ~~مما ودع في فطرتي. # وفي اليوم الخامس عشر، مر بي أحد سكان بلدتنا (محلة النصر) فأخبرني أن والدتي ~~ذهبت إلى طنطا لتراني، فعلمت أنها ستقول لوالدي إنني لا أزال في بلدة الكنيسة، ~~فأصبحت مبكرا إلى طنطا خوف عتاب الوالد واشتداده في اللوم؛ لأنني لو كنت أقمت له ~~ألف دليل على أنني وجدت في مهربي مطلبه ومطلبي لما اقتنع. # في ساحة الدرس # ذهبت إلى طنطا، وكان ذلك قرب آخر السنة في شهر جمادى الآخرة من سنة 1282 ~~الهجرية، فاتفق أن بعض المشايخ كانت ماتت بنته، فعاقه الحزن عليها من إتمام شرح ~~الزرقاني على العزية، وآخر عرض له عارض منعه عن إتمام شرح الشيخ خالد على ~~الآجرومية، فأدركت كلا منهما في أوائل الكتاب الذي كان يدرس، وجلست في الدرسين ~~فوجدت نفسي أفهم ما أقرأ وما أسمع والحمد لله، وعرف ذلك مني بعض الطلبة، فكانوا ~~يلتفون حولي لأطالع معهم قبل الدرس ما سنتلقاه. # وفي يوم من شهر رجب من تلك السنة، كنت أطالع بين الطلبة وأقرر لهم معاني شرح ~~الزرقاني، فرأيت أمامي شخصا يشبه أن يكون من أولئك الذين يسمونهم بالمجاذيب ... فلما ~~رفعت رأسي إليه قال ما معناه: ما أحلى حلوى مصر البيضاء! فقلت له: وأين الحلوى التي ~~معك؟ فقال: سبحان الله، من جد وجد ... ثم انصرف، فعددت ذلك القول منه إلهاما ~~ساقه الله إلي ليحملني على طلب العلم في مصر دون طنطا. # وفي منتصف شوال من تلك السنة ذهبت إلى الأزهر، وداومت على طلب العلم على شيوخه مع ~~محافظتي على العزلة والبعد عن الناس، حتى كنت أستغفر الله إذا كلمت شخصا كلمة لغير ~~ضرورة ... وفي أواخر كل سنة دراسية، كنت أذهب إلى (محلة نصر) أقيم بها شهرين من ~~منتصف شعبان إلى منتصف شوال، وكنت عند وصولي إلى البلد أجد خال والدي الشيخ درويشا ~~قد سبقني إليه، فكان يستمر معي يدارسني القرآن والعلم إلى يوم سفري، وكل سنة كان ~~يسألني ماذا قرأت، فأذكر له ما ms054 درست، فيقول: ما درست المنطق! ما درست الحساب! ما ~~درست شيئا من مبادئ الهندسة! ... وهكذا كنت أقول له: بعض هذه العلوم غير معروف ~~الدراسة في الأزهر. فيقول: طالب العلم لا يعجز عن تحصيله في أي مكان ... فكنت إذا ~~رجعت القاهرة، ألتمس هذه العلوم عند من يعرفها، فتارة كنت أخطئ في الطلب، وأخرى ~~أصيب، إلى أن جاء المرحوم السيد جمال الدين الأفغاني إلى مصر سنة 1286ه. # لقاء بالسيد جمال الدين # وقد صاحبته من ابتداء شهر المحرم سنة 1287ه، وأخذت أتلقى عنه بعض العلوم ~~الرياضية والحكمية (الفلسفية) والكلامية، وأدعو الناس إلى التلقي عنه كذلك. # وأخذ مشايخ الأزهر والجمهور من طلبته يتقولون عليه وعلينا الأقاويل، ويزعمون أن ~~تلقي تلك العلوم قد يفضي إلى زعزعة العقائد الصحيحة، وقد يهوي بالنفس في ضلالات ~~تحرمها خيري الدنيا والآخرة، فكنت إذا رجعت إلى بلدي عرضت ذلك على الشيخ درويش، ~~فكان يقول لي: «إن الله هو العليم الحكيم، ولا علم يفوق علمه وحكمته، وإن أعدى ~~أعداء العليم هو الجاهل، وأعدى أعداء الحكيم هو السفيه، وما تقرب أحد إلى الله ~~بأفضل من العلم والحكمة، فلا شيء من العلم بممقوت عند الله، ولا شيء من الجهل ~~بمجحود لديه إلا ما يسميه بعض الناس علما، وليس في الحقيقة بعلم، كالسحر والشعوذة ~~ونحوهما إذا قصد من تحصيلهما الإضرار بالناس.» # الفصل السادس # | محور حياة # صحبنا الفتى الناشئ في مراحل التعليم إلى نحو الثانية والعشرين من عمره، فلو أننا أردنا ~~أن نلتمس لحياته في هذا الدور محورا تدور عليه يجتمع لنا في كلمة واحدة، لما كانت هذه ~~الكلمة أصدق ولا أوفى من كلمة التعليم. # صحبناه إلى أول لقاء له بأستاذه العظيم جمال الدين الأفغاني، وسنصحبه بعد ذلك ردحا من ~~العمر في الصفحات التالية، ولا نرانا نعرف لحياته المباركة محورا غير ذلك المحور الذي دارت ~~عليه كل أدوار حياته، على تعداد جوانبها واتساع ميادينها. # بل نحسب أننا لو صحبناه في كل صفحة من الصفحات التي عنيت بأخباره وآثاره، لما ابتعدنا من ~~ذلك المحور المكين، وإن ms055 ذهبنا إلى غاية الأمد الذي أحاطت به حياته الحافلة بجلائل أعماله، ~~متعلما ومعلما وعاملا على نشر العلم النافع حيث استطاع، وقد استطاع ما لم تستطعه ~~العصبة أولو العزم في جيل واحد، من الثانية والعشرين إلى السادسة والخمسين. # إننا نصاحب الطفل محمد عبده كما نصاحب الفتى محمد عبده، والشيخ محمد عبده، فلا نراه أبدا ~~إلا على مفترق طريقين من طرق العلم، أصلحهما هو الذي يختاره له القدر أو يختاره لنفسه، منذ ~~تعلم الكتابة في بيته إلى أن فارق دنياه وهو يناضل نضاله الدائم في سبيل أصلح الثقافتين ~~وألزم التعليمين. # كان في نحو السابعة حين ابتدأ بتعلم الكتابة والقراءة، فكان في قريته الصغيرة أمام ~~طريقتين في هذه المرحلة الأولى من مراحل التعليم: طريقة السوط والفلقة وصياح العشرات من ~~الصبية بين جدران المكتب العتيق، وطريقة التعلم في البيت بين يدي أستاذ واحد من أهله يفهمه ~~ويعنى بتفهمه، ويعز عليه أن يعنته بالسوط والفلقة وجلبة الصياح في مكان كالمكان الذي ~~يختار للمكتب في ذلك الزمن، فكان من حظه أن يتعلم حروفه الأولى على أفضل الطريقتين. # وارتقى في المرحلة الثانية من مراحل التعليم في القرية وهي حفظ القرآن، فلم يتعلمه في ~~المكتب العتيق مأخوذا بقسوة الضرب والشتم، مرتاضا على الترديد مع زملاء له يحفظون غير ~~حفظه ويرددون غير ترديده، ويستعينون بالحركة الآلية على هذا الحفظ الآلي الذي لا يعقله ~~الأستاذ ولا التلاميذ، بل هو قد حفظ منه ما استطاع أهله أن يعلموه في البيت، ثم أسلموه إلى ~~الحافظ المعتقد الذي يقرأ الكتاب مع تلميذه الوحيد قراءة بعد قراءة، قبل أن يأخذه باستظهاره ~~من فاتحته إلى ختامه مقروءا أو غير مقروء، لا فرق بين تعليم الضرير وهو لا ينظر إلى ~~الصفحة، وتعليم البصير الذي ينظر إلى الكلمات والآيات فيدرك جهده من الإدراك معنى الانتقال ~~من آية إلى آية، ويستعيده للفهم جهده قبل أن يستعيده للحفظ والاستظهار ... فكان في هذه أيضا ~~مجدودا موفقا إلى أمثل الطريقتين، وفضله في مثل هذه السن أنه وافق هذه الطريقة ~~باستعداده للمضي ms056 فيها إلى غايتها، ولم ينفر منها كما نفر من التعليم - وهو أكبر من تلك ~~سنا - لأنه تعليم معيب. ~~••• # ثم ألفى نفسه مترددا عند مفترق الطريقين أيضا، على فجوة أوسع من كل فجوة مرت به منذ ~~اختبر التعليم في البيت أو عند حافظ القرآن. # ألفى نفسه على مفترق الطريقين بين دروس المسجد الأحمدي يوم ذاك، ودروس قريبه الصوفي ~~الحكيم الشيخ درويش بكنيسة أورين. # ألفى نفسه بين طريقة الأذن والذاكرة، وطريقة الذهن والوجدان. # في الطريقة الأولى يبتدئ المعلم بتدريس النحو لجمع من التلاميذ الذين يجهلون كل شيء ~~عنه، فيلقي عليهم في أول درس ومن أول صفحة إعراب: بسم الله الرحمن الرحيم، ويحدثهم عن ~~حرف الجر وعن الاسم المجرور، وعن المضاف والمضاف إليه، وعن النعت ومطابقة الوصف للموصوف، ~~كأنهم قد فرغوا من دروس العربية كلها قبل أن يقرءوا البسملة على بابها الأول ... فمن وعى ما ~~سمع فقد أدركته بركة العلم والمسجد، ومن لم يع شيئا مما سمع، فذلك عندهم مطموس محجوب عن ~~البركة والفائدة. # وهذه هي الطريقة التي سميناها بطريقة الأذن والذاكرة؛ لأن أساتذتها يخاطبون في ~~تلميذهم أذنا تسمع الكلمات، وذاكرة تثبتها كما هي وتعيدها كما سمعتها، ولا يعنيهم منه بعد ~~ذلك أن يكون له ذهن يفهم ويتصرف فيما يفهم، أو وجدان يستضيء بنور المعرفة المفهومة ويستلذ ~~الشعور بما وعاه منها. # وقد عاف الفتى الناشئ هذه الطريقة، ولم يستطع أن يغالط نفسه في حقيقتها، وإنما يفعل ذلك ~~أحد اثنين من الطلاب: طالب مغلق الذهن عن كل معرفة مفهومة أو غير مفهومة، فهو عاجز عن ~~الاستماع إلى ما يفهم وما لا يفهم مما يلقى على أذنيه، فلا يلبث بعد معالجة الحفظ ~~والمراجعة زمنا أن يسلم الأمر تسليم اليائس؛ لأنه من أولئك المطموسين «لم يفتح عليهم»، ~~وليس لهم من العلم نصيب مقدور. # والطالب الآخر الذي يزهد في تلك الطريقة ولا يغالط في حقيقتها، هو صاحب الذهن الذي يتطلب ~~الفهم والوجدان، والذي يلمح النور إذا رآه، فإن لم يجدهما في ساحة الدرس لم يبال أن يتركه ms057 ~~لما هو أقدر عليه من شواغل حياته، وبخاصة حين تكون هذه الشواغل رياضة كرياضة الفروسية ~~تستريح إليها كل نفس حية وكل طبع سليم، وعملا كعمل الزراعة يقوى عليه صاحب الجسد في العمل، ~~وصاحب البنية التي تحتمل الجهد ولا تعييها المشقة. # ولعمري إن من بواكير العظمة المستقلة في هذا الفتى الناشئ أن يركن إلى عقله في الحكم على ~~هذه الطريقة بالعقم، ولا يستسهل قبل ذلك أن يتهم عقله وأن يصنع ما صنع الألوف من قبله في ~~مثل بدايته، فإنهم كانوا يكبرون أن يعيبوا هذا التعليم، وهو محفوف بتلك الهالة المرهوبة ~~التي تحف باسم المعهد الأحمدي وأسماء العلماء الذين يجلسون للتعليم فيه، ومن اسم السيد ~~البدوي تستعيد تلك الطريقة هيبتها، وهو ثاو في ضريحه براء منها، وأنه كما قال الشيخ مصطفى ~~عبد الرازق في ترجمته للأستاذ الإمام: «أشهر أولياء القطر المصري، وصيته وكراماته ذائعة في ~~أنحاء وادي النيل، وللناس فيه اعتقاد، ولزائريه من صور التوسل والزلفى ما لا يخلو من ~~إسراف.» # ولا شك أن الشيخ «عبده حسن خير الله» قد تلقاها خيبة أمل مرة في وليده المنذور للعلم ~~والرئاسة الدينية والدنيوية، ولولا رجاء الأب الذي يأبى أن تزعزعه صدمة أو صدمتان لما عاود ~~الكرة على الفتى المتمرد، ولا حال بينه وبين البقاء في القرية كما أراد، ولكنه لو كشف له ~~حجاب الغيب، لعلم أنه يشاهد من فتاه الصغير أنضر بواكير العقل المستقل والمعارضة القوية، ~~التي صار بها الطالب «الخائب» أستاذ الشرق الناهض بعد سنين. # أما الطريقة الأخرى، طريقة العقل والوجدان، فلم يكن بينه وبينهما غير إشارة لطيفة من ~~أستاذه الفلاح البسيط درويش خضر، وغير كتاب مخطوط يلقى بين يديه ليقرأه ويستقل بفهمه ~~ويسأل عما يغمض عليه من كلماته، إن شاء. # فلم تكن لهذه الطريقة مهابة المعهد الكبير أو الأساتذة الكبراء، ولم يكن لذلك الكتاب اسم ~~يروع بالتواتر والتقليد، أو شكل يعجب بصنيع الطبع والتجليد، ولكنه كان بصفحاته المشوشة ~~المبعثرة، وخطه الساذج الممسوح، كافيا لاجتذاب الطالب المتمرد على العلم وانصرافه عن لهو ~~الفتوة ms058 في ملاعب الخيل وحلبات السباق؛ لأنه خاطب منه الذهن المتفتح والوجدان المتطلع إلى ~~النور. # ولسنا نعلم اليوم شيئا عما احتوته تلك الصفحات المخطوطة، إلا أنها نخبة من حكم الصوفية ~~وجوامع النوادر والأمثال. # ولكننا نستطيع أن نعلم عن تلك «الصوفية» أنها شيء غير الجذاب والتواكل، وغير الكسل والزهد ~~في أعمال المعيشة؛ لأن أستاذه الذي هداه إلى ذلك الكتاب كان فلاحا يعمل في الزراعة، وكان ~~يحضه على تعليم الحساب والهندسة والمنطق وعلوم الحياة، وينهاه عن العزلة واجتناب الناس، ولو ~~كانوا على غير ما يرضاه من خلق وسيرة؛ لأنهم بذلك أحوج إلى الهداية ومصاحبة ~~العقلاء. # ولا يخلو مذهب صوفي قط من التفرقة بين الظاهر والباطن، وبين شواغل الجسد وشواغل ~~الروح، ولكن هذه التفرقة قد تتباعد بالفوارق كما يتباعد النقيضان، وقد تتباعد بها كما ~~يتباعد اللباب والقشور. ومثل هذه الصوفية هي التي نعلقها من مزاج رجل كالشيخ محمد عبده له ~~بنية الفلاح السليم، ونشاط الرياضي المقدام، وثقة العقل المستقل، وهمة الكفاح الذي يأبى أن ~~يستكين لمغالبة الأحداث أو مغالبة الخصوم. # وفي الأسرة كلها على ما يظهر نفحة من هذه الصوفية العاملة التي تؤمن بحقيقة لهذه الدنيا ~~وراء قشورها الظاهرة، فمن أجداد محمد عبده أولئك الفلاحون الذين أقاموا مساكنهم حول ضريح ~~«عبد الملك»، وقامت المحلة كلها - من ثم - على أساس ذلك الضريح. # ومن خئولة أبيه الشيخ «خضر» الذي تدل تسميته على هذه النزعة من أبيه، ومنهم الشيخ «درويش ~~بن خضر» الذي وضع بين يدي تلميذه ذلك الكتاب، وهو لا ينسى أن يحثه على العمل والعلم في كل ~~لقاء، ومنهم أبوه «عبده» وأخوه «مجاهد» فيما تخلقا به من خلق، وما عرفنا عنهما من ~~غيرة على العلم، مع اشتغالهما بالفلاحة وكفاح الحياة، وهذه الطبائع التي تهديها الفطرة ~~السليمة إلى الإيمان بشيء وراء القشور وسر وراء الكلمات، قد تهديها هذه الفطرة السليمة ~~بعينها إلى العصمة من أكاذيب الأدعياء وأباطيل اللصقاء بالصوفية؛ لأن طبيعة العمل والجد في ~~فطرتهم تأبى عليهم أن ينخدعوا بما ينخدع به الكسالى الذين ينفرون من ms059 الجد الصادق بمقدار ~~ارتياحهم إلى الأوهام الباطلة، ويرحبون بما يحبب إليهم التواكل والاستقامة إلى أحلام ~~اليقظة وتعلات الغرور بمقدار إعراضهم عن الواقع الصادع والبرهان الدامغ، إن كان وراءهما جهد ~~واجتهاد. # وغاية ما تسيغه الفطرة السليمة من استطلاع الأسرار أن تتفاءل بها لتمضي في عملها، ولكنها ~~لا تتفاءل أو تتشاءم منها لتعرض عن العمل أو تركن إلى الكسل، وكذلك كانت فطرة هذه الأسرة في ~~«صوفيتها» البريئة، فإننا سمعنا عن عقائدهم في الأولياء وأبناء الطريق، ولكننا لم نسمع عن ~~واحد منهم ساقه اعتقاده إلى إهمال حقله أو إلقاء فأسه، والتخلي عن كفاحه للعيش، أو كفاحه ~~للخصوم. ~~••• # ومن هذا التفاؤل إصغاء الطالب المتبرم بدروس المعهد إلى الكلمة التي لوح بها من قال ~~عنه: «إنه يشبه أن يكون من أولئك الذين يسمونهم بالمجاذيب» ... وقد سمعها منه يوم كان يحدث ~~نفسه بالانتقال من طنطا إلى القاهرة، عسى أن يجد في الأزهر ما لم يجده في الأزهر الثاني أو ~~الأزهر الصغير. # ولم يلبث أن أقام بالقاهرة أياما حتى ألفى نفسه في الأزهر كما ألفى نفسه قبل مرة على ~~مفترق الطريقين: طريق الأذن والذاكرة، وطريق الذهن والوجدان، وقد سميتا يومئذ بين طلاب ~~العلوم الدينية بطريقة التقليد وطريقة التجديد. # وحسبنا من تلخيص واف لصلابة المقلدين على جمودهم، أن نعلم أن رئيسهم عليشا خرج يسعى ~~بخنجره إلى مجلس الشيخ السنوسي ليقتله؛ لأنه كتب في مؤلف له أنه يجتهد بعلمه في فهم ~~الشريعة من كتاب الله، غير متقيد بما كتبه الفقهاء من المتأخرين أو المتقدمين، ولولا سفر ~~الشيخ السنوسي من القاهرة لما برح الشيخ يتعقبه حيث كان يقضي عليه. # وقد كانت لأنصار التجديد مدرسة مستقلة يقصدها من يريدها، وقلما يبحث عنها من كان يطلب ~~العلم ممن يفتتحون كتاب النحو بإعراب البسملة، ويختمون الكتب كلها بخاتم الذاكرة. فبحث ~~الطالب الأزهري الغريب عن أساتذته المختارين من علماء التجديد، وحضر على عالمين جليلين من ~~أشهرهم وأقدرهم، هما حسن الطويل والشيخ محمد البسيوني، وكلاهما من تلاميذ الشيخ حسن رضوان ~~الذي تفرغ لحكمة النصوص بعد ms060 أن استوفى حظه من العلوم العقلية والشرعية، ثم يئس من الدرس ~~والتدريس في الجامع الكبير، فتركه ليلحق بأستاذه الذي كان يلقي دروسه في غير حلقاته، ونظم ~~وهو يودع حلقاته أرجوزة يقول فيها عن جماعة المقلدين: # لو كان هذا وصفهم ما شنعوا # بل وقتهم في «جاء زيد» ضيعوا # ظنوا بأن العلم علم القول لا # والله بل علم القلوب فضلا # وعلم القلوب هذا هو العلم الذي ميزه الطالب الناشئ في قريته وجاء إلى العاصمة الكبرى ~~ينشده، فيجده على تلك الحال؛ إمامه العارف بفضله يبحث عن تمامه بعيدا من حلقات الجامع، ~~وخليفتاه النابغتان بعده يقنعان من درسه وتدريسه بالجانب المأمون من خنجر الشيخ ~~عليش! # قال صاحب المنار نقلا عن الأستاذ الإمام: ~~... كان الشيخ حسن الطويل ممتازا في الأزهر بعلم المنطق، وحضره عليه، ولم يكن يشفي ~~ما في نفسه، بل كانت تتشوف دائما إلى علم غير موجود، فكان يبحث في خزائن الكتب ~~الأزهرية عن طلبته المجهولة، فيظفر ببعض الشيء، ومما ظفر به كتاب القطب على ~~الشمسية ناقصا. ~~«وقرأ الشيخ حسن الطويل لهم شيئا من الفلسفة، ولكن لم يكن يجزم بأن المعنى كذا، بل كان ~~الدرس احتمالا أو شبهات الحذر فيما بينهما، حتى جاء السيد جمال الدين، فسكنت إليه نفسه من ~~اضطرابها، ووجدت عنده جميع طلبتها وأقصى أمنيتها ...» # أهو مفترق الطريق مرة أخرى؟ # نعم، ولكنه في هذه المرة مفترق طريق في مدرسة واحدة؛ مدرسة علم القلوب والعقول. وبديهة ~~التلميذ الصادقة هي هاديه الأمين إلى أقوم الطريقين وأفضل الغايتين، بين تعليم الشيخ حسن ~~الطويل وتعليم السيد جمال الدين. # وإنما افترق التعليمان هنا بين طريق النظريات وطريق العمليات. # وكلاهما يخاطب الذهن والوجدان، ولكن النظريات لا تذهب بعيدا وراء الفهم والمناقشة، ولا ~~تستريح النفوس المطبوعة على الحركة زمنا طويلا إلى بحث من بحوث الذهن قصاراه ترجيح نظرية ~~على نظرية، وتوضيح شبهة واردة أو تصحيح غلطة خفية؛ لأنها تفهم كيف تعمل، وتهتدي لتسلك إلى ~~الغاية التي تتحراها ولا تستريح إلى السكون دونها. # وغير هذه الطريق، طريق النظريات، كانت طريق ms061 جمال الدين إلى «العمليات» التي تعيش مع ~~صاحبها في معترك الحياة، وتعقب لها أثرا في نفسه وفيما يحيط به من أحوال قومه، وخلاصة ~~الفارق بين الطريقتين هي خلاصة الفارق بين صاحب درس وصاحب رسالة، وقد يلتقيان ولكنهما لا ~~يتساويان. ~~••• # وبعد، فإننا في صفحات هذه السيرة لا نتوخى ترتيبا يقيدنا بترتيب أرقام السنين في ~~التقويم؛ لأننا نتكلم عن نفحة من نفحات الحياة العالية بأوصافها وملامحها، ولا نتكلم عن ~~نبذة من الزمن بترتيب حوادثه وأرقامه، فمكان الحادث من هذه السيرة هو مكانه في موضع الدلالة ~~على جوانب تلك الشخصية الحية، ولا سيما جوانبها البارزة التي تنتظم من مبدأ العمر إلى ~~نهايته، وأولها وأهمها هذا الجانب الذي نراه على الدوام كأنه يوحد بين مسألة التعليم ~~ومسألة العمر كله في سيرة هذا المصلح العظيم الذي سمي بحق بالأستاذ الإمام. # ولهذا نتناول في بعض هذا الفصل جملة الحوادث التي تتابعت بعد لقاء الطالب محمد عبده ~~بأستاذه جمال الدين، ومنه ما كان الخلاف فيه بين التلميذ والأستاذ بعد ملازمة السنوات ~~الطوال. ~~••• # تولى التحرير في الصحف، فكان مدار مقالاته التي كتبها فيها جميعا على الدعوة إلى ~~التعليم، والتمييز بين التعليم النافع والتعليم العقيم الذي أدرك عقمه بالتجربة بعد التجربة ~~من بواكير صباه. # ولم تمض سنوات بعد أول لقاء له بالسيد جمال الدين حتى جاشت البلاد بقلاقل الثورة ~~الأولى، وكان الطالب الذي تخرج يومئذ من معهده للتدريس يلقي دروسه، ويكتب مقالاته، ~~ويشارك زعماء الثورة، فيوافقهم على أمور ويخالفهم على غيرها، ومن أهم ما خالفهم عليه أن ~~يهتموا بتعليم الأمة لتوكل إليها حقوقها وهي أمينة عليها، فإن ما يمنحه سلطان الحاكم بأمره ~~يسلبه سلطان الحاكم بأمره، «وإنما علينا - كما قال للزعيم عرابي - أن نهتم الآن بالتربية ~~والتعليم بعض سنين، وأن نحمل الحكومة على العدل بما نستطيع، وأن يبدأ بترغيبها في استشارة ~~الأهالي في بعض مجالس خاصة بالمديريات والمحافظات، ويكون ذلك كله تمهيدا لما يراد من صد ~~الحكومة، وليس من المصلحة أن نفاجئ البلاد بأمره قبل أن تستعد له، فيكون ms062 من قبيل تسليم ~~المال للناشئ قبل بلوغ سن الرشد، فيفسد المال ويفضي إلى الهلكة.» # وانتهت الثورة العرابية بنفيه إلى بيروت، فكان عمله فيها التعليم بالمدرسة السلطانية، ~~ومحاضرة الطلاب والمريدين في منزله وفي المساجد المشهورة، وكان الأستاذ الشرتوني صاحب ~~المعجم الكبير المسمى بأقرب الموارد يقول عن دروسه هناك: إنه يتكلم فيخرج النور من ~~فيه. # وأذن له بالعودة إلى مصر، فلم يفارق بيروت إلا بعد أن أودع آراءه في إصلاح الأمة ~~الإسلامية بالتعليم والتربية في رسالتين أو «لائحتين»، أرسل إحداهما إلى شيخ الإسلام ~~بالآستانة، وأرسل الثانية إلى والي بيروت ليشرح فيها ما اهتدى إليه أثناء مقامه من وسائل ~~إصلاح البلاد من طريق التعليم والتربية. # وقد اتبع أستاذه جمال الدين في حملات الإصلاح من طريق السياسة، وعلى أيدي الأمراء والملوك ~~الذين توسما فيهما صدق الرغبة في استجابة الدعوة، فلما بلغا بهذه الحملات المتداركة غاية ~~مطافها، عاد التلميذ يراجع أستاذه فيما هو أقوى وأجدى، وقال له - روى صاحب المنار: # أرى أن نترك السياسة ونذهب إلى مجهل من مجاهل الأرض لا يعرفنا فيه أحد، نختار من ~~أهله عشرة غلمان أو أكثر من الأذكياء السليمي الفطرة، فنربيهم على منهجنا ونوجه ~~وجوههم إلى مقصدنا، فإذا أتيح لكل واحد منهم تربية عشرة آخرين، لا تمضي بضع سنين ~~أخرى إلا ولدينا مائة قائد من قواد الجهاد في سبيل الإصلاح، ومن أمثال هؤلاء ~~يرجى الفلاح. # قال السيد لتلميذه في رواية صاحب المنار: «إنما أنت مثبط، نحن قد شرعنا في العمل ولا بد ~~من المضي فيه، ما دمنا نرى منفذا.» # ولكنه اختلاف الفطرة والاستعداد بين هذين الإمامين العظيمين؛ أحدهما خلق للتعليم ~~والتهذيب، والآخر خلق للدعوة والحركة في مجال العمل السياسي والثورة «الأممية»، وظل ~~المعلم المهذب على رأيه وعلى فطرته في انتظار الفرصة الملائمة لأداء رسالته على حسب ~~استعداده. # فلما عاد إلى مصر كان في مرجوه أن يسند إليه عمل من أعمال التدريس في معاهده ~~العليا التي لا يعوقه فيها عائق من التقاليد الموروثة عن الانتفاع ببرامج الثقافة العصرية، ~~وأقرب هذه المعاهد ms063 إليه وأشبهها بعمله وبالرسالة التي أجمع العزم على أدائها هو معهد دار ~~العلوم، يجمع بين ثقافة الأزهر وثقافة العصر الحديث. # غير أن ولاة الأمر أوجسوا - على ما يظهر - من إسناد وظيفة التدريس في دار العلوم إلى رجل ~~مثله في إيمانه بقوة التعليم، واقتداره على بث هذه القوة في نفوس الناشئة من معلمي ~~المستقبل، ومنهم مئات يتولون تعليم أبناء القطر كله بعد سنوات، وينشرون في أنحائه بذور ~~نهضة متشعبة الأطراف، هي أخطر على ولاة الأمر من الثورة العرابية التي أخمدوها وخيل ~~إليهم أنهم استراحوا منها. # فأبعدوه عن وظائف التعليم واختاروا له وظيفة القضاء، وهي وظيفة لوحظ فيها علمه بالشريعة ~~ونزاهته في الحكم، وكفايته لتوجيه المحاكم الجديدة إلى وجهتها الصالحة في أوائل نشأتها، ~~ولكن لم تلاحظ فيها رغبته ولا كفايته للإصلاح من طريقة التربية والتعليم، وكان خليقا أن ~~يقبلها لو أنه نظر إلى مستقبله ولم ينظر إلى مستقبل رسالته في الإصلاح؛ لأن درجات الارتقاء ~~فيها ممهدة إلى أرفعها وأعلاها في مناصب الدولة، ولم يكن للمعلم في ذلك الحين مستقبل أرفع ~~من مستقبل النظارة على مدرسة من المدارس الصغيرة؛ لأن نظارة المدارس الثانوية والمدارس ~~العليا كانت موقوفة يومئذ على الإنجليز والأجانب، ولم يكن ناظر المدرسة الابتدائية يرتقي ~~إلى درجته إلا وهو على باب الإحالة إلى المعاش. فلما حيل بينه وبين معاهد التعليم، أسف ~~لذلك وأوشك أن يستعفي ولاة الأمور من وظيفته القضائية؛ لأنه - كما قال - جرب عمله في ~~التعليم، وعلم أنه خلق له ولم يخلق «ليقول حكمت على هذا وحكمت لذاك ...» ~~••• # إن الذي خلق للتعليم يعلم حيث شاء، ويتعلم ما استطاع، وقد كان القاضي «محمد عبده» ~~معلما في أحكامه، كما روى عنه الذين شهدوا جلساته وسمعوا كلماته التي كان يلقيها على ~~المتهمين وعلى الحاضرين في الجلسة قبل النطق بحكم الإدانة، وكانت له لازمة اشتهرت عنه بين ~~زوار المحاكم قبل تلاوة الحكم، وزعم بعضهم يومئذ أنها كانت خاصة بالأحكام المشددة، وتروى ~~فيما نظن أنها من لوازم التأمل ومراجعة الفكر عند كثير من المعممين أو ms064 المطربشين، وهي ~~زحزحة العمامة أو الطربوش إلى الأمام بحركة لدنية تنم على الاستغراق في التفكير، وكانت ~~تلازم القاضي محمد عبده ثم ظلت ملازمة له بعد الانتقال من وظائف القضاء، كما سمعت من أصحابه ~~وعشرائه، ولا نظنها كانت خاصة بالأحكام المشددة دون غيرها، إلا أن يكون تشديد الحكم ~~مستدعيا للأناة والتأمل قبل النطق به مراجعة للفكر وإبراء للذمة، ولا نخالها - على أية ~~حال - إلا علامة من علامات التفكير وإعادة النظر فيما يلقيه من النصائح ويمليه من ~~الأحكام. # وقد نظر فيما يتعلمه لوظيفته، فعلم أنه بحاجة إلى التوسع في مبادئ القانون الجنائي الذي ~~تعمل به المحاكم؛ لأن القانون المدني يجري على أحكام الشريعة في مسائل المواريث وحقوق المال ~~والمعاملة، وعلم أن المراجع العربية لهذه القوانين لا تعطيه كفايته من الإحاطة الواجبة بتلك ~~المبادئ في أصولها المأثورة عند فلاسفة التشريع الغربيين، فشرع في تعلم اللغة الفرنسية ~~وثابر على تعلمها بعد انتقاله من وظائف القصاء، ولم يسبق له درس هذه اللغة في غير كتب ~~الهجاء التي ألم بها وهو في الرابعة والأربعين من عمره، ثم شغلته عنها شواغل الثورة ~~العرابية، فلما عاد إلى تعلمها لم يقنع بما وعاه منها للقراءة والفهم، ولم تقعده صعوبة ~~الكلام بلفظها الصحيح عن متابعة الدرس في القاهرة وفي رحلاته إلى البلاد الأوروبية، فحرص ~~على حضور دروس العطلة الصيفية بجامعة جنيف أثناء رحلته إلى سويسرا، وكان يعنى على الخصوص ~~باستماع محاضرات العلماء في الآداب الأوروبية وفلسفة التاريخ، ولم يزل يقرأ ويستمع حتى ~~جاوز في اللغة مرتبة الفهم والمطالعة إلى مرتبة الإفهام والكتابة. # قال الدكتور عثمان أمين في كتابه عن الأستاذ الإمام من سلسلة أعلام الإسلام: «لقد أجمع ~~أصحاب الأستاذ الإمام وخاصته على أنه أتقن اللغة الفرنساوية تحدثا وقراءة وفهما، على ~~الرغم من قرب عهده بتعلمها، وهذا ما شهد به أخيرا الأستاذ لطفي السيد (باشا) حين ذكر أن ~~الشيخ محمد عبده هو الذي كان يجلو لإخوانه المصريين ما غمض من عبارات الفيلسوف الفرنساوي ~~«تين» في كتابه المشهور عن الذهن، ونحن نعلم ms065 من جهة أخرى أن الأستاذ الإمام قد أملى في مرض ~~موته فصلا بالفرنساوية نشره المسيو دي جرفيل في كتابه عن مصر الحديثة بعنوان «وصية سياسية ~~للمرحوم المفتي الشيخ محمد عبده»، كما نعلم أن الشيخ قد ترجم عن الفرنساوية كتاب التربية ~~للفيلسوف الإنجليزي هربرت سبنسر ترجمة تدل على تمكنه من تلك اللغة ...» ~~••• # وتأبى ملكة التعليم إذا تمكنت من صاحبها أن تتوارى، ولها مندوحة للبروز في حركة من ~~حركات ذهنه أو شواغل حياته؛ فقد كان القاضي التلميذ يتلقى دروسه الأولى في اللغة الفرنسية ~~وكأنه يعلم أستاذه كيف يعلمه تلك الدروس، وكيف يختار له أوجزها وأنفعها لمثله، وهداه ~~إلهام البديهة إلى منهج في تعليم اللغات للكبار على الخصوص لم يكن معلوما في ذلك الحين، ~~ولم ينتشر قط في البلاد الغربية أو الشرقية قبل وفاته، ونعني به منهج التعليم الذي أطلقوا ~~عليه بعد ذلك اسم المنهج الكلي، أو منهج الابتداء بالكلام المجمل والانتهاء إلى التفاصيل ~~المتفرعة عليه، ويؤثر المعلمون على هذا المنهج أن يبدأ قارئ اللغة بقراءة الجملة، ثم ~~يتعلم تفسيرها بفهم مفرداتها على حدة، ثم يلم بقواعدها الضرورية، أو بآجروميتها ونحوها ~~وصرفها وبلاغتها، من توضيح موقع الكلمة بالنسبة إلى الكلمات الأخرى وإلى التراكيب التي ~~تحتويها. # جاءه المعلم وفي يده كتاب من كتب الآجرومية الأولية، فقال للمعلم: لا وقت عندي للابتداء ~~من البداية، فلنبدأ من حيث ننتهي، وتناول قصة من قصص إسكندر دوماس ليقرأ عبارتها ويستمع ~~تصحيح المعلم لنطقه وتفسيره لمعانيها ... قال: أما ما عدا ذلك فهو عملي، والنحو يأتي في أثناء ~~العمل، وعلى هذا المنهج أتم الكتاب وأتبعه بكتابين آخرين، وتعود بعد الدرس أن يطالع ما ~~قرأه على المعلم منفردا بصوت مرتفع، ليسمع نطقه ويتذكر مواضع خطئه وتصحيح معلمه، واختبر ~~في نفسه نجاح هذا المنهج، فأوصى به من كان يعرفهم من طلاب اللغة الفرنسية، ومنه استفاد ~~الشاعر حافظ إبراهيم فوائد حسنة في هذا الباب، كما سمعت منه وهو يحدثنا عن محاولته الاولى ~~لترجمة كتاب «البؤساء». ~~••• # ومثل هذا التمكن في ملكة التعليم خليق أن ms066 يزيدنا بصرا بطبيعة هذه الملكة، حيثما ~~برزت لنا في أعمال ذوي الاستعداد الفطري لتعليم الناس أفرادا كانوا أو جماعات، فضلا عن ~~نفعها لنا في التبصير بترجمة الأستاذ الإمام، أو بما سميناه محور حياته وأردنا به ذلك ~~المرجع النفساني الذي نرجع إليه لنهتدي به إلى بواعث نفسه ومقاصد سعيه واجتهاده، ويبدو من ~~بروز هذه الملكة وإلحاحها على خواطر المستعدين لها وبوادر نفوسهم وأذهانهم أنها عبقرية ~~خاصة من تلك العبقريات الروحية، التي تخلق في الإنسان ومعها حافز لا يستريح من حوافز ~~الغيرة على إنجاز عملها والحماسة لتحقيق مقاصدها، وشأنها في ذلك شأن كل عبقرية موهوبة ~~تطبع على أداء رسالتها في عالم العقيدة والإيمان، أو في عالم الفن والجمال، فلا يهدأ صاحب ~~هذه العبقرية أو يبلغ رسالته، ولو صدت الأسماع عنه أو حالت الحوائل القاسرة بينه وبين من ~~يستمع إليه، ومن كان مطبوعا على عبقرية التعليم فليس قصاراه من الإفضاء بعلمه أن ينقل ~~طائفة من المعلومات المحفوظة من رأسه إلى رءوس غيره؛ تلك رسالة لا نفخة فيها من الروح، ولا ~~مدد لها من السليقة، وهي أشبه بنقل الصفحات من نسخة إلى نسخة تمر بالسمع أو تمر بالفكر على ~~الأكثر، ولا تسري منه إلى سرائر النفس ولا تتخطاه إلى بواعث الحياة، وهو عمل كعمل المأجور ~~المسخر لإرادة غيره، ولا إرادة له ولا غيرة عنده ولا إخلاص في تفهيم ما يلقيه في آذان ~~مستمعيه، وسواء عنده عملوا بما يعلمون، أو لم يكن لهم عمل قط بعد فراغه من إلقاء تلك ~~المعلومات وتقاضيه الأجر الذي سخروه له، كأنه مجبر عليه. # وعلى غير هذا من النقيض إلى النقيض يعمل صاحب العبقرية المطبوعة على التعليم، فإنه يعلم ~~ليدفع المتعلمين إلى عمل ويستنيرهم إلى غاية، ويبث في نفوسهم من الحماسة مثل ما انطوى عليه ~~في أعماق ضميره من الحماسة لعمله وغايته، ولا مطمع له في أجر يناله منهم أو من سواهم، بل هو ~~يعطي الأجر ويجزله لو استطاع، وليس بالسائغ في طبعه أن يتحمل العلل لإعفاء نفسه من عناء ms067 ~~عمله إذا توانى المتعلمون على يديه ولم يستجيبوا لدعوته بمثل حميته وإخلاصه؛ لأنه يحسب ~~استجابتهم غاية له تعنيه قبل أن تعنيهم، وإن كان فيها غاية النفع لأولئك المتعلمين ~~عليه. # وأكثر ما يكون هذا الباعث الوجداني في نفوس المعلمين المطبوعين خصلة من خصال النخوة ~~الإنسانية في كل ما تمثلت فيه من غوث الضعيف، والرثاء للذليل، وكراهية الجهل المذل ~~للمبتلين به من ضحايا الغفلة والغباء وصرعى الظلم والخديعة، ولا يثير هذه النخوة شيء ~~كما تثيرها عزة الظالم الخادع واستكانة الجاهل الغافل، ولكنها نخوة ترتفع مع ارتفاع الهمم ~~وتقوى مع قوة الطباع، فلا تقنع بمحاربة الجهل في واحد وآحاد وهي قادرة على محاربته في ~~جماعات وأقوام، ولا تقصر الغوث على الدرس وهي قادرة على غوث للضعيف المفتقر إليه كيفما ~~كان. # وأعمق ما تكون النخوة إذا كانت سجية موروثة تنتقل من الأجداد إلى الآباء والأبناء، كما ~~رأيناها في أسرة أستاذنا الإمام منذ عرفت لهم أعمال ورويت عنهم أخبار. # فهم في قريتهم الصغيرة كرام يجودون بما عندهم، ويأبون الضيم لأنفسهم ولمن يلوذ بهم من ~~جيرتهم، وقد كان أكبر ذنوبهم عند الأقوياء أنهم يأوون إليهم طرداءهم المطلوبين، ويشدون ~~أزرهم بمعونة رجالهم وبقوة السلاح إذا وجدوا السلاح الذي ينفعهم في مقاومتهم، ومن لم يستطع ~~منهم أن يقاوم القوة بالقوة لم يصبر على الضيم في بلده، وآثر أن ينجو منه بكرامته وإن ضيع ~~بعده كل تراثه من آبائه، غير هذا التراث المضنون به على الضياع. # قيل إن العبقري يستنزف من أسرته صفوة اللباب من خلائقها الحيوية أو ملكاتها الذهنية، ~~وقيل إنه من أجل ذلك قلما ينجب الذرية من العباقرة أمثاله، وإن ذريته لا تزال عرضة لنقص ~~العمر أو نقص التكوين، وكل ما قيل من هذا القبيل هو تشبيه على المجاز لا يخلو من المبالغة ~~التي تعرض لكل تشبيه، ولكنه كذلك لا يخلو من الصحة التي تؤيدها مشاهدات الواقع. ومن هذه ~~المشاهدات أن طابع الأسرة المأثور عنها كثيرا ما يتجلى في عبقريتها مكبرا مهيمنا منبعثا ~~على جادته في غير ms068 هوادة، وأنه في انبعاثه عصي على الكبح والتوقف دون قبلته التي ينساق ~~إليها، وكأنما هو غريزة من الغرائز النوعية يخلق للفرد إرادة نوع كامل، يوشك ألا يملك معه ~~إرادته الفردية في سبيل بقاء النوع وارتقائه. # وأحرى الخصال أن تورث في أسرة صاحب الترجمة هي تلك النخوة الإنسانية في كل ما تمثلت فيه ~~- كما أسلفنا - من غوث الضعيف والرثاء للذليل وكراهة الجهل المذل للمبتلين به من ضحايا ~~الغفلة والغباء؛ ورثها نخوة إنسان وأصبحت فيه نخوة معلم مطبوع على التعليم، لأنه لم يملك ~~سلاحا للنخوة أقوى من تعليم المغلوبين المستضعفين، ولكنه لم يكن بالبداهة معطل النخوة ~~فيما يملكه من أسبابها غير هذا السلاح الذي كان أنفذ سلاح في يديه؛ لأن أعماله في إغاثة ~~الملهوفين وإنصاف المظلومين كادت أن تكون وحدها وظيفة حياة عامرة بالمآثر حافلة بالحسنات، ~~وسيأتي من بيان هذه المآثر والحسنات ما يتسع له موضعه من هذا الكتاب، ولكننا نوجزه إذا قلنا ~~إنه لم تسمع في حياته دعوة إلى الغوث والإحسان تنفيسا عن المكروبين في فواجع هذا البلد ~~أو إعانة للمعوزين من ضعفائه، إلا كان هو صاحب الدعوة، أو كان في مقدمة الملبين لها ~~والعاملين على نجاحها ودوام أثرها. # وكاتب هذه السطور قد سمع بمحمد عبده نصير المظلوم قبل أن يسمع بمحمد عبده المصلح ~~العظيم. # سمعت في بلدتي بأقصى الصعيد، وفي باكورة صباي، بمأثرة من مآثر هذا القلب الكبير، لم تكن ~~إلا مثلا واحدا من مئات المآثر التي سمعنا بها بعد ذلك حيث نزلنا من أقاليم هذا البلد، ~~ولا يزال الكثير منه معروفا مرويا في إقليمه، وإن لم يصل نبأه إلى غير أهله. # شغلت بلدتي - أسوان - قضية كبيرة تقلبت بين محاكم الصعيد والعاصمة أكثر من عشر سنوات، ~~وأوشك الخصم القوي فيها أن يظفر بالحكم الأخير وأن يجرد خصمه الضعيف من حقه، مستعرا عليه ~~بقوة المال والجاه وسعة الحول والحيلة، وقد شاعت الإشاعات التي تحققت بعد ذلك عن الرشوة ~~المبذولة بألوف الجنيهات، ثمنا لذلك الحكم الأخير الذي ينقضي به الأمر ولا يقبل ms069 المراجعة ~~والاستئناف. # وقبل صدور الحكم بأيام، يلتقي الخصم الضعيف بنائب بلدته في مجلس الشورى، فيستمع منه ~~لإشاعة الرشوة ويرجحها له بما علمه من توكيد أنصار الخصم القوي ومن قسم مغلظ أقسمه أمامه ~~أقربهم إليه: ليصدرن الحكم كما أملاه صاحبهم علي - فلان باشا - وليسمعن نبأه بعد ~~أيام! # وكان نائب البلدة في مجلس الشورى يعرف الأستاذ الإمام من زمالته له في المجلس، فاصطحب ~~المسكين إلى عين شمس، وترك صاحب القضية يبسطها للأستاذ الإمام بسذاجته التي تنم على الصدق ~~الأليم والحسرة البالغة، فلم يكد هذا الرجل المثقل بشواغل وطنه الكبار يستمع إلى كلمة ~~المظلمة والرشوة، حتى اعتذر لضيوفه جميعا وأفرغ من وقته زهاء ساعتين للإصغاء إلى قصة هذه ~~القضية منذ نشأت قبل عشرة أعوام، وترك الرجل يقول ويعيد كما يشاء على ديدن المظلوم الملهوف ~~في سذاجته وابتهاله واضطراب نفسه بين خوفه وأمله، فلم يتعجله ولم يقتضب عليه لجاجة شرحه ~~وتكراره، ولم يدعه تلك الليلة إلا على وعد بأن يلقاه عند باب وزارة العدل، في موعد ~~افتتاح الدواوين. # وفي اليوم التالي لم يذهب المفتي إلى دار الإفتاء، بل توجه توا إلى دار وزارة العدل، ~~وكلف الرئيس المسئول أن يبعث في طلب «ملف القضية» من المحكمة، فقضى اليوم يراجع أوراق ~~الملف مراجعة القاضي الخبير بأصالة الأسانيد، وأساليب المراوغة، وعلامات الغرض والتمحل في ~~التأجيل والتعجيل، وأيقن بصدق الدعوى وخطر الحكم المنتظر فيها، فصنع ما لا ترتقي الشبهة ~~إلى ذمته وعلمه، وصدر الحكم الأخير بالحق الذي يعرفه أهل البلدة جميعا، فظل أبناؤها ~~يتحدثون بهذه القضية كما يتحدث المؤمنون بكرامة القديسين، وكان يوم وفاته - رحمه الله - ~~مأتما في البلدة تبادل فيه الناس العزاء في المساجد، ونودي بنعيه على المآذن، وتقرب فيه ~~المحسنون بالذبائح والصدقات على جوانب الطرقات. # كتب قاسم أمين عن مروءة الأستاذ الإمام بأسلوب القاضي الذي تعود أن يزن كلامه كما يزن ~~أحكامه، فقال في رثائه يوم الأربعين: # بلغت فيه طيبة النفس إلى درجة تكاد تكون ~~غير محدودة، كان يجذبه الخير كما يجذب المغناطيس الحديد، فيندفع إليه ms070 ويسعى إلى كل ~~نفع للغير عام أو خاص. كان ملجأ الفقراء واليتامى والمظلومين، والمرفوتين والمصابين ~~بأي مصيبة كانت، وأهل الأزهر الذين هم أكثر الناس احتياجا إلى المساعدة؛ لأنهم في ~~وسط المدينة الحاضرة المتأخرون العاجزون عن الدفاع عن أنفسهم في ميدان حياتنا ~~الجديدة، يبذل إليهم ماله ويسعى لهم عند ولاة الأمور بهمة لا تعرف الملل، كأنما كان ~~يسعى لأعز إنسان لديه؛ يسعى مرة ومرتين وثلاثا إلى أن يقضي حاجتهم، وهم جميعهم في ~~نظره مستحقون، سواء كانوا كذلك في الحقيقة أم لا، بل كان يسعى إلى صاحب الحاجة وهو ~~يعلم أنه أساء إليه وقدح فيه وتحالف مع خصومه في ترويج عبارات القذف والنميمة التي ~~لم تنقطع عنه مدة حياته، ولا يصل الإنسان إلى هذا الخلق العظيم إلا إذا ربى ~~نفسه على أن تتغلب على الغرائز القبيحة الملازمة للطبيعة البشرية، وصار حاكما ~~عليها يحاسبها على كل عمل أو نزعة أو فكرة أو خاطر مما يرد عليها. كان الأستاذ ~~يرى أن الشر لا فائدة له مطلقا، وأن التسامح والعفو عن كل شيء وعن كل شخص هما أحسن ~~ما يعالج به السوء ويفيد في إصلاح فاعله ... # وفي هذا التأبين يقول قاسم: # من يرى أن الحياة لهو، وزين له أن يعيش ليأكل ويشرب ويسافر وينتقد أفكار ~~الباحثين وعمل العاملين، أولئك لا يعلمون أن إمام مصر كان محركا بقوة فوق ~~الاعتيادية، وأن عقله كان ملآنا بالفكر إلى حد أنه كان لا يسعه كله، إلى حد أنه ~~كان يفيض منه بالرغم، وأن قلبه كان ملتهبا بحب وطنه فلا يستريح إلا وهو مشغول به ~~وبسعادته وبمستقبله، وأنه كان مثل جميع نوابغ الرجال لا يبالي بالألم الذي يأتيه ~~بسبب أمنيته التي كان يعزها، بل كان يجد الألم فيها لذيذا كما يلتذ العاشق بما ~~يقاسيه من العذاب في هذا القبيل، ثم رأيته في الغد منغمسا فيه أكثر مما كان؛ ذلك ~~لأنه كان بعكس ما يراه عموم المصريين في أنفسهم، عنده أمل لا يزعزعه شيء في إصلاح ~~أمته ... # يقول قاسم هذا، وربما ms071 كان هو - رحمه الله - أحد أصدقائه المشفقين الذين كانوا يكفكفونه ~~أحيانا عن إرهاق نفسه بالجهد والمجاهدة، كلما شعروا بحاجته إلى الراحة والدعة وأوجسوا خيفة ~~على صحته، بل على حياته، من عنت خصومه ومصاعب الإصلاح في بيئته، مع فساد الزمن وغلبة الجهل ~~والهوى على نفوس الغافلين المتهاونين، فضلا عن المغرضين المتعمدين للإحباط والإيذاء، وهم ~~في ذلك الزمن وفي تلك البيئة كثيرون. # وسمعت من زعيمين عاصراه وعاشراه كلاما كالذي قاله قاسم في تأبينه، وذكر فيه وعده بالكف ~~عن الجهد فيما يحاول من السعي العقيم والكفاح المقعد المقيم، ثم عودته بعد قليل إلى مثل ما ~~كان فيه، بل أشد مما كان فيه ... وأحد الزعيمين كانت له عليه جرأة الصديق الند وهو الزعيم سعد ~~زغلول، والآخر كان منه بمثابة الأخ الصغير في بعض أعمال الإصلاح وأعمال الخير والإحسان، ~~وكان أولهما يصرف صرفا عن بعض محاولاته التي كانت ديدنه الشاغل له في أخريات عمله بوظيفة ~~الإفتاء، فقال له من حوار مطول لا نثبته هنا بتفصيلاته: «أخشى أن يفسدك هؤلاء القوم قبل ~~أن تصلحهم ...» وكان الآخر - محمد محمود رحمه الله - يعيد عليه قوله مشيرا إلى الخديو عباس ~~الثاني: «إن هذا «القولي» يريد أن يقتلك، فلا تمكنه من بغيته.» ويريد بالقولي نسبة الخديو ~~عباس إلى «قولة» موطن جده محمد علي الكبير. # وموضع النظر في كلام قاسم وصاحبيه أن الإصلاح لم يكن في حياة هذا المصلح الغيور عملا ~~من أعمال الإرادة، يدبره لنفسه كتدبير المرء لما ينفعه ويريحه أو يعفيه من التعب والمشقة، ~~ولكنه كان باعثا نفسانيا مستحكما في ذلك القلب الكبير، يغلبه على إرادته ويخلق له إرادة ~~نوع كامل في بنية إنسان واحد، وإن يكن من أعظم بني الإنسان ... وذلك ما عناه قاسم بشغف العاشق ~~بما يؤلمه ويضنيه، وعنيناه بالعبقرية المطبوعة التي تلخصها كلمة «النخوة»، وتدل سيرته وسيرة ~~أهله على أنها خليقة موروثة فيه، وأنها أقوى بواعثه إلى رسالة حياته، وهي رسالة ~~التعليم. # ولنا أن نقول: إن النخوة الإنسانية في نطاقها الواسع هي محور هذه الحياة في ms072 نواحيها ~~الكثيرة، وإن رسالة التعليم عنده إنما كانت في صميمها رسالة خلقية قبل أن تتجه إلى وجهتها ~~الفكرية، فلم يكن يعنيه أن يعلم لينقل إلى الناس «معلومات» يجهلونها وكفى، ولكنه كان ~~يعلم ليحفز الناس إلى عمل يتوانون عنه، ويحملهم على خلق يحبب إليهم ذلك العمل ~~ويساعدهم عليه. # ولعلنا لم نخطئ إذ بدأنا السير كلها بهذا التمهيد عن هذه العبقرية من ناحيتيها الخلقية ~~والفكرية، فإنها بمثابة الأساس الذي تقوم عليه حوادث الترجمة منذ بدأ الأستاذ الإمام حياته ~~العاملة في نحو العشرين، إلى أن فارق الحياة في نحو السادسة والخمسين، فأيما حادث تردد ~~فيه رأي المؤرخ وحكم الناقد، فإنما تقوم أصالته في هذه الحياة بمقدار ثبوته على ذلك ~~الأساس. # الفصل السابع # | مع جمال الدين # كان لقاء السيد جمال الدين الأفغاني أهم حادث في تربية الفتى الناشئ محمد عبده؛ لأنه رده ~~إلى سجيته وأقامه على جادة العلم والعمل التي استقام عليها بعد ذلك طول حياته، واستقل بها ~~حسب استعداده وفطرته حتى استقل بها آخر الأمر عن طريق أستاذه، بعد أن فرقتهما الحوادث ~~اضطرارا، ووجب أن يعمل كل منهما على جادته ومنهاجه. # كان الفتى الناشئ (محمد عبده) قبل لقاء جمال الدين أشبه شيء بالطائر المغمى عليه قبل ~~امتحان المدربين له في ضوء النهار، للتثبت من سلوك مطاره إلى غايته القصوى. # ويقال إن هذا الطائر لا يزال بعد خروجه من الظلام يتلمس طريقه ارتفاعا وانحدارا، ~~ويستقبل الوجهة ثم ينحرف عنها حتى ينطلق من حيرته على ثقة، فيعتدل إلى الغاية التي ينويها، ~~فلا حيرة بعد ذلك ولا إحجام عن تلك الغاية إلى أقصاها. # وكذلك كان محمد عبده بين الحيرة والإحجام قبل التقائه بجمال الدين؛ صدمته الحياة العامة ~~كما يصدم بها كل شاب يخرج من معيشته في الأسرة على المودة والعطف إلى معيشة الكفاح بين ~~الناس على سنتها من الرياء والأثرة وتنازع البقاء، وكان يشكو هذا الحال إلى شيخه القروي من ~~أخوال أبيه كما قال في ترجمته: «فذكرت له اشمئزازي من الناس وزهادتي في معاشرتهم وثقلهم على ms073 ~~نفسي إذا لقيتهم، وبعدهم عن الحق ونفرتهم منه إذا عرض عليهم، فقال لي: هذا من أقوى ~~الدواعي إلى ما حثثتك عليه، فلو كانوا جميعا هداة مهديين لما كانوا في حاجة إليك. ثم ~~أخذ يستصحبني في مجالس العامة ويفتح الكلام في الشئون المختلفة ويوجه إلي الخطاب ~~لأتكلم، فيتكلم الحاضرون فأجيبهم، وأنطلق في القول على وجل في الأمر، وما زال بي حتى وجد ~~عندي شيئا من الألفة مع الناس والاستئناس بمكالمتهم، وفي شوال من تلك السنة ودعني وبكى ~~بكاء شديدا ومات في السنة التالية.» # وفي هذه السنة - سنة 1871 - وفد السيد جمال الدين إلى القاهرة قادما من الآستانة، فوجد ~~الفتى الناشئ حيث تركه شيخه القروي بين طريق العزلة وطريق العمل مع الناس، ولكنه حين مضى في ~~هذا الطريق يخطو خطواته الأولى، فقد شيخه الصوفي ولم يجد لعقله هاديا يعمل أمامه ويتجه ~~ببصره المتطلع إلى غاية مداه؛ لأنه كان يدرس علوم العقل على أساتذة يحسنون شرح ~~النظريات، ويبسطون القول في الشكوك والموانع، ثم لا ينتهون منها إلى قبلة يستقيم عليها ~~السالك على قدر جهده في طريقه المرسوم. # وكان جمال الدين قد مر بمثل هذا الدور في مثل سنه؛ كان قد زهد في صحبة الناس فاعتزلهم، ~~وخرج من طريق العزلة إلى طريق العمل، وكان يفهم أن الفناء في الله اعتزال للعالم، فعاد يفهم ~~أن الفناء في الله إنما هو فناء في خلقه، أو كما كان يقول لتلاميذه، في رواية الشيخ عبد ~~القادر المغربي: «أنا لا أفهم معنى لقولهم الفناء في الله ... وإنما الفناء يكون في خلق الله؛ ~~تعليمهم وتنبيههم إلى وسائل سعادتهم وما فيه خيرهم.» # وقد كتب عنه تلميذه المسيحي أديب إسحاق، وهو في هذا الدور بين العزلة والعمل فقال: «إنه ~~تبحر في المنقول والمعقول، وغلبت عليه مذاهب قدماء الحكماء، فداخله من ذلك بداءة بدء شيء ~~من التصوف، فانقطع حينا بمنزله يطلب الخلوة لكشف الطريقة وإدراك الحقيقة، حتى صار له في ~~القوم كثير من الأتباع والمريدين، كل ذلك وهو دون العشرين.» # ولم يكن لجمال ms074 الدين أستاذ يجتذبه من حياة الخلوة والعزلة إلى حياة العمل والجهاد، ولكن ~~الحوادث كانت لها صيحة في مسمعه أقوى من صيحة الإمام المرشد، فاقتحم معركة الحياة لينصر ~~فريقا على فريق من أولياء الأمر في وطنه، وانتصر جمال الدين للأمير محمد أعظم خان : «فشهد ~~الحروب وحضر الوقائع، فازداد جرأة واستخفافا بالموت، وأقام في ذلك تسعة أعوام لا يرى ~~الراحة ولا يستقر بمكان، دارت الدائرة على محمد أعظم خان فانصرف الأولياء عنه إلا جمال ~~الدين ...» # حضر التلميذ على أستاذه دروسا نافعة في كتب المنطق والحكمة والتصوف وأصول الدين، ولكن ~~الدروس الروحية التي كانت تسري من أحاديث هذا المصلح العظيم كانت أعظم وقعا وأعمق أثرا من ~~دروس الأوراق والأسفار، ولم تكن شروحه للأسفار التي كان يقرؤها على تلاميذه معاني «فكرية» ~~تستخرج من ألفاظها «القاموسية» على عادة الشراح الذين يقفون بالعبارات عند ألفاظها ~~ومعانيها، ولكنه - كما سمعنا من مريديه الذين عرفناهم - كان يشرح العبارة ليستخرج منها قوة ~~حية تسري إلى النفس فتحركها إلى العمل، وكأنما الكلمات المشروحة على لسانه تلك المفاتيح ~~الصغيرة التي تدار فتنبعث منها قوى من الكهرباء لا يستقر عليها قرار. # وخير الأساتذة، على ما نعلم، هو الأستاذ الذي ينبه في التلميذ ملكات ذهنه وضميره، ~~ويستجيش في قرارة طبعه غاية وسعه من الاجتهاد والهمة على حسب فطرته واستعداده، فليس بخير ~~الأساتذة من يجعل تلاميذه نسخا منه تحكيه ولا تزيد من عندها شيئا غير الاقتداء به ~~والعمل على غراره، فهذه هي تربية التقليد والمحاكاة تصلح للذين خلقوا للاتباع، ولا تصلح ~~للذين خلقوا على نصيب من قدرة الاستقلال والاجتهاد. # وهكذا كانت تربية جمال الدين لمحمد عبده وهو يخطو خطواته الأولى على طريق العمل والإصلاح؛ ~~إنه يخلق فيه ملكة كانت ممدودة فيه، ولكنه رده إلى طبيعته العملية وعزز فيه تلك الثقة ~~التي لا غنى عنها لمن يتولى عظائم الأمور، وينهض إلى الغاية العصية والمطلب ~~البعيد. # ولم تكن الطبيعة العملية طارئا جديدا على سليقة الفتى الذي شب عن الطوق وهو يركب ~~الخيل، ويحمل السلاح، ويتمرس برياضة ms075 الفروسية. # ولم تكن الثقة بالنفس طارئا جديدا على سليقة الطالب الناشئ الذي استقل برأيه في الحكم ~~على تعليم زمنه بالعقم والجمود، ومن حوله ألوف المتعلمين والعلماء يتهمون أنفسهم ولا تهجس ~~في قلوبهم هاجسة من الشك في صلاح ذلك التعليم ووجوب الصبر على مصاعبه وألغازه. # وقد لمح الأستاذ البصير ملامح تلك الثقة المكينة في نفس ذلك الطالب الصغير، وكان يعجب ~~لتلك الثقة المطبوعة التي لا تكلف فيها، فيسأله مغتبطا راضيا: قل لي بالله، أي أبناء ~~الملوك أنت؟ # ولكن تربية جمال الدين وزنت تلك الثقة بمقدار رسالتها الكبرى التي تهيأت لها بنزعاتها ~~وآمالها، واقتدرت عليها بطموحها واستعدادها، لم تتهيبها ولم تنكص عنها حين علمت مداها، ~~وعلمت أنه المدى الذي لا سبيل إلى الوفاء فيه قبل بلوغه، وهو نهضة العالم الإسلامي بين ~~مشارق الأرض ومغاربها، نهضة العالم الإسلامي في وجه الدول العظمى، بل في وجه ملوكه وأمرائه ~~المتألبين عليه، بل في وجه أبنائه الكارهين للإصلاح كراهة الطفل المريض لمذاق ~~الدواء. # وكانت خطة جمال الدين للإصلاح أن يبدأ بتأسيس دولة واحدة على الأقل صالحة لقيادة العالم ~~الإسلامي كله في معترك السياسة الدولية، وفي تنفيذ برامج النهضة والهداية العملية. # وكانت هذه الخطة تتمة معقولة للفاتحة التي افتتح بها جمال الدين حياته وهو في نحو ~~العشرين؛ لأنه افتتحها بالجهاد في سبيل إمارة يقيمها للأمير الذي آمن بصلاحه وحسن الرجاء في ~~ولايته، فإذا خطر له أنه قادر على أعباء هذه الخطة حيث كان - في وطنه أو غير وطنه - فهو ~~خاطر ليس بالغريب على الرجل الذي بدأ بتلك الفاتحة في مطلع شبابه. # ولكن الفتى الفلاح لم يستهول الغاية التي طمح إليها ربيب بيت الوزارة، كيفما كانت الخطة ~~التي تنتهي إليها. # ونرجع هنا إلى سليقة التصوف عند الرجلين، لنعرف منها سر هذا الإقدام في أمور تلك الممالك ~~والعروش، فإن التصوف في لبابه كفء - بل أكبر من كفء - لمواجهة سلطان المالكين وأرباب ~~التيجان المتحكمين. # هما طرفان من ملك ونسك # ينيلان الفتى الشرف الرفيعا # فإن لم تملك الدنيا جميعا # كما تهواه ms076 فاتركها جميعا # وألزم خلائق الصوفي المطبوع أنه يستخف بعظمة الدنيا، وأنه تهون عليه رهبتها ورغبتها فلا ~~يهابها ولا يتهالك عليها، وأزهد من الصوفي الذي لا يملك الدنيا ذلك الصوفي الذي لا تملكه ~~الدنيا ولا يدخله الوجل ممن يملكونها. # وقد ثبت هذا الخلق من هذين الرجلين ثبات السليقة المتأصلة فيهما، فلم يكن من عمل عادة ~~متبوعة ولا من عمل تربية مكسوبة، وكان جمال الدين يعبث بحبات سبحته في حضرة السلطان عبد ~~الحميد، وينبهه رئيس الديوان إلى قواعد التشريفة، فيجيبه ساخرا: «مه يا هذا ... إن السلطان ~~يلعب بحياة ثلاثين مليونا من بني آدم، أفلا يلعب جمال الدين بثلاثين حبة من حبات ~~الكهرمان.» # وكان الخديو عباس الثاني يشكو من مسلك محمد عبده في حضرته ويقول: إنه يدخل علي كأنه ~~فرعون! ... ويستمع محمد عبده إلى هذه الشكوى فلا يزيد على أن يقول: وأينا فرعون؟ # وقد نزل جمال الدين بمصر وهي على حال كتلك الحال التي أخرجته من عزلته لينصر أحد ~~الأميرين على أخيه؛ إذ كان الغيورون على البلد يخشون العواقب عليه إذا طال فيه حكم إسماعيل، ~~ويفكرون في خلعه بإغراء الدول أو إغراء السلطان، وإسناد العرش إلى خليفته محمد توفيق، ولم ~~يلبث جمال الدين أن تقدم الدعاة إلى هذا الانقلاب، فجمع الأنصار من مريديه والمعجبين به ~~لمخاطبة وكلاء الدول باسم الأمة، وصارحهم بذلك، فاتخذوا من موافقته على خلع إسماعيل حجة عند ~~حكوماتهم على موافقة الحزب المستنير في مصر لهذه السياسة التي كانت تتردد فيها بين الوعد ~~والتنفيذ. # أما محمد عبده فقد كان عمله في هذه الحركة أوفق لسنه وأقرب إلى مزاجه الرياضي في ~~شبابه؛ كان على عزيمة صادقة أن يزيل إسماعيل بيده، إن لم ينزل عن العرش باختياره أو يصدر ~~الأمر من السلطان بعزله. # وكانت خديعة الخديو توفيق - مع ضعفه عن إنجاز وعوده - أول خيبة مني بها جمال الدين في ~~خطته مع الأمراء والملوك، فإنه ظل يتودد إلى جمال الدين وأنصاره بعد ارتقائه العرش ويؤكد له ~~كلما لقيه أنه يعتمد عليه، وأنه «كل أمله ms077 في مصر» لتحقيق برامج الإصلاح، ولكنه ضعف عن ~~مقاومة الدول، وبلغ من مطاوعته لهم أنه كان يطلعهم على مطالب زعماء البلد منهم قبل النظر ~~فيها ... ومن كلام أخصائه الإنجليز - وبينهم المؤرخ المشهور ألفريد بتلر - أنه كان يحتفل ~~بمجاملتهم بين كبار موظفيه، فيقضي الساعات يتكلم معهم باللغة الإنجليزية التي لا يعرفها ~~أولئك الموظفون، ويذكر الأسماء بالحروف الهجائية في سياق أحاديثه ليخفي موضوع الكلام عن ~~سامعيه الذين يعرفون أصحاب تلك الأسماء، ويفضي في هذه الأحاديث بأخبار من المعلومات الخاصة ~~والأوراق المحفوظة تتعلق بالأسرة وعظماء البلاد. # وإذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه كما يقول أبو الطيب، فلا جرم يساوره الشك من جانب جمال ~~الدين ويتوقع منه أن يأتمر به كما ائتمر بأبيه، ويغتنم الفرصة من حذر وكلاء الدول من دعوة ~~جمال الدين إلى إعلان الحقوق الوطنية ورفع الرقابة الأجنبية، فيتفق على إقصائه والإعراض عن ~~حزبه، ويمالئه على ذلك رجال الحاشية الخديوية على سنة الحواشي في كل بلاط يكره النصحاء ~~ويحب الاستئثار بمسمع الأمير وهواه، وينتهي الأمر بنفيه والتشهير به - تسويغا لتلك الفعلة ~~- في منشور بذيء لم يصب جمال الدين بمسبة، ولكنه ارتد على توفيق وحاشيته بالمسبة التي لا ~~تمحى، وغير عليهم قلوب المخلصين من طلاب الإصلاح، فداخلهم الشك الشديد في إمكان الإصلاح ~~على عهده بغير الثورة عليه. # وهذا بعض ما جاء في ذلك المنشور البذيء: «إنه لما كان الأمن والأمان والراحة والاطمئنان ~~يتوقف عليها تمام العمران في جميع الممالك والبلدان، ومن أنجح الأبواب وأصلح الأسباب التي ~~بها نجاح الممالك، وسلوكها في أقوم المسالك، قطع دابر المفسدين الساعين فيما يضر بالدنيا ~~والدين، ويكون ذريعة للطائشين المتظاهرين بين الناس، بمظهر الحرية بدون أساس.» # ويتلو هذا كلام عن جماعة جمال الدين السرية يقولون فيه إنها جماعة «رئيسها شخص يدعى ~~جمال الدين الأفغاني، مطرود من بلاده ثم من الآستانة العلية، لما ارتكبه من أمثال هذه ~~المفسدة في ديارنا المصرية، وهذا من أكبر ما يغير الأفكار، ويجب أن يعامل مرتكبه ~~بالتشديد والإنكار، فالتزمت هذه الحكومة الحازمة أن تتخذ ms078 الطرق اللازمة، وتستعمل السداد في ~~قطع عرق هذا الفساد، فأبعدت ذلك الشخص المفسد من الديار المصرية بأمر ديوان الداخلية، ~~ووجهته من طريق السويس إلى الأقطار الحجازية». # ولم يذع خبر هذا المنشور إلا بعد سفر جمال الدين على غير علم من أكثر أصحابه ومريديه، ~~وإنما علموا به بعد إعلانه في الوقائع المصرية (عدد الحادي والثلاثين من شهر أغسطس سنة ~~1879). # وكان السيد جمال الدين قد مكث بمصر في هذه الزيارة الثانية نحو ثماني سنوات، غرس فيها ~~بذور نهضة مثمرة لم يشهد من ثمراتها الجنية ثمرة أنضج وأبقى من عزيمة تلميذه وخليفته «محمد ~~عبده»، ففارق هذه الديار وهو يقول لمن يسألونه عن وصيته عليها: «حسبكم محمد عبده، حسبكم ~~محمد عبده من وصي أمين.» وطفق يذكره في رحلاته بعد ذلك، فيكتفي من الدلالة عليه بوصف ~~الأخ الصديق، فيعلم المستمعون إليه من يعنيه. # ولم يتصل السيد بأحد من أصدقائه وأصحابه بمصر إلى ما بعد انتهاء الثورة العرابية، ومنهم ~~خادمه الأمين العارف أبو تراب الذي كان يلازم السيد في حله وترحاله ملازمة ظله؛ لأن السيد ~~قضى تلك الفترة في رقابة الحكومة الهندية تارة، وفي التنقل على غير قرار تارة أخرى، فلما ~~رفعت عنه الرقابة شخص إلى أوروبا في شهر سبتمبر سنة 1882، وكتب من بورت سعيد إلى الشيخ ~~محمد عبده خطابا يشكر له فيه رعايته لخادمه ويحمده «على البر والمعروف»، ويطلب إليه إبلاغ ~~سلامه وشكره لتلميذيه إبراهيم اللقاني وسعد زغلول، ويذكر له عنوانه بالعاصمة الإنجليزية ~~في إدارة جريدة الشرق والغرب، أو عند الشاعر المستشرق مستر «بلنت» صديق ~~العرابيين. # وكان الشيخ محمد عبده يومئذ قد نفي إلى بيروت، فبادر بالجواب على السيد وكتب إليه ~~كتابا نستغربه، كما استغربه تلميذ الإمام السيد محمد رشيد رضا صاحب المنار؛ لأنه لهج فيه ~~بالتعظيم والتقديس لهجا لم نعهده في أسلوبه منذ صباه إلى ختام حياته، وغلا في اتضاعه ~~والارتفاع بأستاذه غلوا يخالف المعهود من عرفانه لأعظم الناس قدرا عليه، وفيه كما قال ~~السيد رشيد «من الإغراق والغلو في السيد ما يستغرب صدوره ms079 عنه، وإن كان من قبيل الشعريات، ~~ويصف نفسه بالتبع لأستاذه من الدعوى التي لم تعهد منه البتة». # إلا أن الأسلوب هنا هو الأسلوب الذي لم يتكرر في خطاب أو مقال للأستاذ الإمام؛ لأنه أسلوب ~~الساعة التي لم تتكرر في حياته، وليست هي مما يتكرر في حياة أحد؛ إذ كان كل ما يستوحيه في ~~تلك الساعة شعورا مشبوبا يتوقد بحماسة الشباب وحماسة الثقة التي بقيت له في منفاه، بعد ~~ضياع الثقة بأقرب الأقربين وأولى الأخصاء بالصدق والوفاء، ويذكيها من وجدانه الحي ذلك الشوق ~~المتجدد إلى أستاذه بعد انقطاع العهد وجلاء الغمة، في أعقاب الثورة عن ذلك المصير الذي له ~~ما بعده، وقد يكون ما بعده جهادا آخر يرجى له من الفلاح ما لم يكتب للأستاذ ولا ~~لتلميذه في جهادهما الأول. فإن تكن في الأسلوب غرابة تلحظ في سائر الأحوال، فقد كان الأغرب ~~أن يجري به القلم في تلك الحال مجرى المتكرر المألوف. # ومن عبارات الخطاب التي لم تتكرر ولم تؤلف في سواه، قوله عن نفسه وأستاذه: «... كنت أظن أن ~~قدرتي غير محدودة، ومكنتي لا مبتوتة ولا مقدورة، فإذا أنا من الأيام كل يوم في شأن جديد؛ ~~تناولت القلم لأقدم إليك من روحي ما أنت به أعلم، فلم أجد من نفسي سوى الأفكل والقلب ~~الأشل، واليد المرتعشة والفرائص المرتعدة، والفكر الذاهب والعقل الغائب، كأنك يا مولاي ~~منحتني نوع القدرة للدلالة على قوة سلطانك، فاستثنيت منه ما يتعلق بالخطاب معك والتقدم ~~إلى مقامك الجليل.» # وفي هذا الخطاب تحدث التلميذ إلى أستاذه عن مصير الجماعة التي تركها بمصر واستخلفه ~~عليها في غيابه، وأفاض في بيان ما يعنيه من أمر أصحابه ومريديه، ولم يتحدث عن أمر نفسه؛ ~~لأنه اكتفى فيه بما كتبه زميله إبراهيم اللقاني إلى السيد كما علم منه. قال: «إني يا مولاي ~~لا أحدثك عن شيء مما أصابنا بعد فراقك، فقد تكفل ببيانه أخي العزيز إبراهيم أفندي اللقاني ~~سوى ما تركه في كتابه من انقلاب بعض القلوب من خاصتك، وتحول أحوالهم بعد نزول ms080 ما نزل بك، ~~فقد تغلب أعوان الشر وأنصار السوء بقوة جاههم وشدة بأسهم، وأرغموا العقول على اعتقاد ~~بالمحال، وألجئوها إلى التصديق بما لا يقال، حتى إنهم غيروا قلب دولتلو رياض باشا عليك ~~وعلى تلامذتك الصادقين أياما معدودة، ركن فيها للعمل بالشدة والأخذ ببادرة الحدة، ولكن لم ~~يلبث أن وصلنا إليه وجلوت الأمر عليك، وكشفت له ما أغمض من الحقيقة حتى زال ما لبس ~~المبطلون ... وهكذا ضممت إلى كل من كان ينتسب إليك صادقا في الانتساب أو كاذبا، حتى إني ~~لم أتأخر عن مساعدة أولئك الأشقياء الأدنياء ... وأمثالهم من اللئام، تحسينا للظن وإيثارا ~~لجانب العفو، فأصلحت لهم القلوب، وفسحت لهم من الصدور، وفتحت لهم أبواب التقدم إلى المنافع ~~الغزيرة، لكنهم لم يرعوا ودا ولم يحفظوا عهدا، ولا حاجة الآن إلى إيضاح ما يصدر عنهم ~~خيانة ولؤما، وألفت لحبك ممن حرم التشرف بلقائك قبيلا ليس بالقليل، يجلون قدرك ~~ويعرفون لك فضلك، وكنا وإخواننا كما شرح لك إبراهيم أفندي اللقاني ... ولسيرنا في تلك الحوادث ~~نبأ طويل إذا أردت يا مولاي أن أقدم إليك به تاريخا ربما يكون مفيدا، فإنا رهين ~~الإشارة، ونحن الآن في مدينة بيروت نقضي بها مدى ثلاث سنوات، لا لذنب جنيناه ولا جرم ~~اقترفناه ... فها نحن سالكون في سنتك وعلى سنتك، ولا نزال إلى انقضاء الآجال، ولولا أطفال لنا ~~رضع، ونساء لنا طوع، أبينا لهم الذل، وأنفنا لهم الضيم، فأتينا بهم هنا إلى حيث أقمنا، ~~لكنت أول من تلقاك في مدينة باريس، لأسعد بالإقامة في خدمتك ... ولا أتكدر مما أشرت ~~إليه في كتابك إلى أبي تراب، حيث طعنت في ثقتك بالناس أجمعين، وبالغت حتى سحبت الطعن إلي ~~وإلى إبراهيم أفندي ... أما اختلال ثقتك بالدواهي والبلايا فقد صادف محلا لمن نقضوا عهدك ~~وحالفوا عدوك، فاستبقوه للوجود وأنت موجود ...» # ولا نزيد في الاقتباس من هذا الخطاب على ما أوردناه من هذه الفقرات الضرورية لجلاء الموقف ~~كله، وجلاء الموقف خاصة بين هذين الرجلين في أعقاب الثورة العرابية، فجملة ما يقال في هذا ~~الموقف ms081 أنه موقف فتنة عمياء تلتبس خفاياها على المقيم بين ظهرانيها، فضلا عن المغترب ~~البعيد عن ظواهرها وبواطنها، محجوبا بحجاب الرقابة الكثيف عن المباح والمحظور من أخبارها، ~~ولولا ذلك لما التبست الحقائق على قلب ذلك المصلح العظيم، فأوشك أن ييأس من الناس كافة ، على ~~غير المعود من شيمته وشيم الدعاة المصلحين أجمعين. # ونحن لا نعرف الآن بيانا وافيا عن أسماء أولئك الأصحاب والأنصار الذين تركهم جمال الدين ~~بعده في الديار المصرية، فإنه كان - أثناء مقامه بها - قد برئ من طائفة منهم دخلوا معه في ~~المحفل الماسوني الذي انضوى إليه السيد على أمل في مناصرة الشرقيين والأوربيين على دعوته ~~العامة، تصديقا لما شاع عن مزاعم الماسون أنهم ينتصرون للحرية الإنسانية، ولا ينقادون ~~لدولهم وحكوماتهم في سياستها الشرقية، فلما تبين بطلان هذه المزاعم نفض يديه من المحافل ~~عامة وممن بقي على الولاء لها في ذلك المحفل وفي غيره، ولم يزل يحتفظ بأسماء زملائه ~~الباقين على ولائه، وهم الذين سماهم ولاة الأمر بجماعته السرية في منشور نفيه، ونحسبه لم ~~يكتم أسماءهم إلا حماية لهم من كيد وكلاء الدول وجواسيس الحكومة، وتمكينا لهم من العمل مع ~~إخوانهم بمأمن من أعين الرقابة وحبائل الإغراء والدسيسة، فقد بقيت مع هؤلاء الأولياء ~~المخلصين بقية لم تعلن أسماؤهم لذلك السبب، ولكنهم على الأرجح هم الفئة التي تألف منها ~~فرع جماعة «العروة الوثقى» بالديار المصرية، وهي الجماعة التي أصدرت صحيفتها في باريس بعد ~~انتقال الشيخ محمد عبده إليها. # فإن الشيخ قد عول على اللحاق بأستاذه في باريس بعد أن أقام بمدينة بيروت عاما أو أكثر ~~من عام، ولحق بأستاذه لإصدار صحيفة سياسية تشن الحملة على الاستعمار، وتعمل لإثارة الشعوب ~~المغلوبة عليه، وكانت مجازفة من الشيخ لم يكترث لعواقبها الوبيلة عليه وعلى ذويه، ومنها ~~فراق أطفاله الصغار، وإطالة أجل النفي عن بلاده من ثلاث سنوات كادت تنقضي إلى غير نهاية ~~موقوتة، مع المعيشة بغوائل الفاقة والمكيدة في ديار الغربة التي تجمعها عصبية المنفعة على ~~كل من يكافح الاستعمار، ولو في بلاد ms082 غير بلاده. # ويتلخص برنامج العروة الوثقى في مبدأ عام ينطوي على مبادئ كثيرة، وهو حرب الاستعمار بكل ~~وسيلة مستطاعة، ومن تلك الوسائل تحريض المحكومين على حكوماتهم الأجنبية، وإزالة أسباب ~~الخلاف بين الدول الإسلامية لسد الثغرات التي يتسلل منها المستعمر بين تلك الدول لتأليب ~~بعضها على بعض، وتسخيرها جميعا كما حدث غير مرة في طريق الهند على علم من جمال الدين ~~بدخائل هذه السياسة التقليدية، ومنها ضم الصفوف الوطنية حيث يعيش المسلمون مع غير المسلمين، ~~وهو مبدأ تأسست عليه دعوة جمال الدين قبل نفيه، ومن أجله أنشأ المحفل الماسوني الذي نشأ ~~بمصر للاشتراك بين أتباع الديانات جميعا في قضية الحرية، ولم يزل لسان حاله في الصحافة ~~قبل النفي وبعده أديبا مسيحيا كاثوليكي المذهب هو أديب إسحاق، الذي ثبت على هذا المبدأ ~~إلى يوم وفاته. # وقد كانت صحيفة «العروة الوثقى» إحدى وسائل الجماعة، ولم تكن هي وسيلتها الوحيدة ولا ~~وسيلتها الكبرى؛ لأن الحكيمين لم ينقطعا أثناء مقامهما بباريس عن الاتصال سرا وجهرا ~~بأنحاء العالم الإسلامي، ولا بمراجع السياسة الفعالة في عواصمها المشهورة، ومن ذلك أن ~~الجماعة أوفدت الشيخ محمد عبده إلى لندن لإثارة المسألة بحذافيرها أثناء قيام المهدي بثورته ~~في السودان، وكان زبانية الاستعمار - كعادتهم - يخيفون المصريين من مقاصد المهدي، ويشيعون ~~عن «مخابراتهم السرية» أنه ينوي غزو وادي النيل كله، وأن الحكومة المصرية لا تقوى على صده ~~بغير المعونة البريطانية، فلما سأل الشيخ محمد عبده في حديث جرى بينه وبين مندوب صحيفة ~~البال مال غازيت عن هذا الخطر المزعوم، قال: «لا خطر على مصر من حركة المهدي، إنما الخطر ~~على مصر من وجودكم أنتم فيها، وإنكم إذا غادرتم مصر فالمهدي لن يرغب في الهجوم عليها، ولن ~~يكون في هجومه أدنى خطر، وهو الآن محبوب من الشعب؛ لأنهم يرون فيه المخلص لهم من الاعتداء ~~الأوروبي، وسينضمون إليه عند قدومه.» # وقد نجحت دعاية الشيخ في العاصمة الإنجليزية ورجحت هناك جانب الحزب الذي كان يدعو إلى ~~إخلاء السودان، وتقرر هذا الإخلاء، بل أعدت المعاهدة التي ms083 يتفق عليها الطرفان لتسوية هذه ~~القضية، وأوشكت أن تبرم وتوضع موضع التنفيذ لولا ورود الأنباء بموت المهدي واستعداد ~~خلفائه للهجوم على الحدود المصرية. # ولقد جرى هذا الحديث في خريف سنة 1884، ولم يبق من المدة الموقوتة لنفيه غير شهور، ~~ولكنه سئل عن الخديو توفيق في مطلع الحديث، فلم يبال أن ينحي عليه وأن يصرح برأي ~~الوطنيين فيه، وقال في غير مواربة: «إن توفيق باشا أساء إلينا أبلغ إساءة؛ لأنه مهد ~~لدخولكم بلادنا، ورجل مثله انضم إلى أعدائنا في قتالنا لا نشعر إزاءه بأقل احترام، لكنه إذا ~~ندم على ما فرط منه وعمل على الخلاص منكم، فربما غفرنا له سيئاته ... إننا لا نريد خونة ~~وجوههم مصرية وقلوبهم إنجليزية.» # وتبدو من هذا التصريح القاطع نية البقاء حيث كان خارج القطر لمواصلة الجهاد مع أستاذه؛ ~~لأنه قطع بيده كل أمل له عند صاحب السلطة الشرعية وهو الخديو، وأصحاب السلطة الفعلية وهم ~~المحتلون. ~~••• # على أن الحكيمين قد بقيا معا في القارة الأوروبية زمنا يسيرا، يعملان بين باريس ~~ولندن في مراقبة المسائل الشرقية عند نظرها في دوائر العاصمتين أو الكتابة عنها في الصحف ~~السياسية، وكانا قد اضطرا إلى تعطيل صحيفة العروة الوثقى ولما ينقض على صدورها أكثر من ~~ثمانية شهور خلال سنة (1301 هجرية و1884 ميلادية)، ظهر في أثنائها ثمانية عشر عددا، ثم ~~احتجبت على كره من الأستاذين؛ لأنها صودرت في جميع البلاد الإسلامية، واتفقت على ~~مصادرتها حكومات الدول الأجنبية وحكومات الملوك والأمراء الشرقيين؛ لأنها كانت تحارب الحكم ~~الأجنبي بجميع مساوئه، كما كانت تحارب استبداد الحاكم الوطني وفساد أعوانه ورجاله، وكانت ~~تبدئ القول وتعيد في الإنحاء على رؤساء الأمم المستعبدة من أبنائها؛ لأن استبعاد هذه الأمم ~~إنما يكون بقوة رؤسائها، وربما كان من أسباب تعطيل الصحيفة أنها كانت تتخذ في البلاد التي ~~تصل إليها دليلا على أعضاء الجمعية الذين يتلقون أعدادها ويتولون توزيعها، فحيثما وصلت ~~الأعداد مجموعة إلى جهة من الجهات، فهناك الشبهة فيمن تصل إليه، ومن وراء الشبهة مصادرة ~~الدولة ومتابعة التضييق والإرهاق، حيث لا ms084 عاصم من القانون ولا حماية من سلطان الرأي العام ~~المكبوت، إن لم يكن محجوبا عن الأخبار العامة بالكتمان والسكوت. # ولبث جمال الدين قليلا يحاول في عواصم الغرب محاولاته السياسة على خطته المعهودة بغير ~~كبير جدوى، ثم بدا له أن يجرب هذه المحاولات من غير هذه الناحية، فأجمع الرحلة إلى عاصمة ~~القياصرة وهو ينوي أن يستخدم مقامه فيها لأغراض ثلاثة: أولها رفع المظالم عن الرعايا ~~المسلمين وتمكينهم من حريتهم الدينية على قدر المستطاع، والغرض الثاني أن يكف من عداوة ~~الدولة الروسية التقليدية لدولة الخلافة، ويرجو ألا يقع منها عدوان جديد في أثناء مقامه ~~بعاصمته، والغرض الثالث هو الانتفاع بالمنافسة القديمة بين الروس والإنجليز في تحريك ~~المسائل الشرقية بجملتها، ولا سيما مسائل الأمم التي على طريق الهند من مصر إلى فارس إلى ~~بلاده الأفغانية. # أما الشيخ محمد عبده، فقد عاد إلى بيروت وهو يزداد إيمانا بعقم المحاولات السياسية، وضعف ~~الأمل في الملوك والأمراء، ووجوب التعويل بعد هذه المحاولات العقيمة على الأمم دون غيرها، ~~وحصر الأمل كله في إعداد هذه الأمم للنهضة والمقاومة بعدة العلم الصحيح والتربية الاجتماعية ~~الصالحة، وقد أبرأ ذمته وأعطى سياسة أستاذه كل حقها من الرعاية والإخلاص، ولكنه اتخذ من ~~الأرزاء التي ابتلي بها أستاذه على أيدي الأمراء والملوك حجة جديدة على ضعف الأمل فيهم، ~~ووجوب التحول بالجهود إلى أممهم، فقد شهر به خديو مصر ونفاه، وعذبه شاه إيران وأهانه ~~وطرده من بلاده على شر حال، وخيب راجوات الهند رجاءه وأعرضوا عنه مجاملة للسادة ~~المستعمرين، واعتقله السلطان العثماني في قفص من الذهب كما قال بعض المعجبين به من ~~المستشرقين، ولم يبق أمامهما أحد غير هؤلاء ينوطان به الرجاء ويشدان إليه الرحال، فمن ~~صيانة الجهد عن الضياع أن يتوقف هذا الجهد من هذا الجانب وينصرف إلى ما هو أصلح ~~وأجدى. # وظل الشيخ محمد عبده على هذا الرأي يزداد إيمانا به يوما بعد يوم، ويضيف إليه من تجاربه ~~مع الأمراء والرؤساء كل يوم ما يعززه تعزيزا لا سبيل فيه إلى الشك عنده، ms085 وقد كان يقول ~~لتلاميذه الفقهاء والأدباء من أمثال العالم الديني السيد رشيد رضا، والشاعر الوطني حافظ ~~إبراهيم: إن السياسة ضيعت علينا أضعاف ما أفادتنا، و«إن السيد جمال الدين كان صاحب اقتدار ~~عجيب لو صرفه ووجهه للتعليم والتربية لأفاد الإسلام أكبر فائدة، وقد عرضت عليه حين كنا في ~~باريس أن نترك السياسة ونذهب إلى مكان بعيد عن مراقبة الحكومات، ونعلم ونربي من نختار من ~~التلاميذ على مشربنا، فلا تمضي عشر سنين إلا ويكون عندنا عدد من التلاميذ الذين يتبعونا ~~في ترك أوطانهم، والسير في الأرض لنشر الإصلاح المطلوب، فينتشر أحسن الانتشار، فقال: إنما ~~أنت مثبط». ~~••• # وأراد التلميذ الوفي بعد عودته إلى القاهرة واستقرار أستاذه بالآستانة أن يعاود الكرة، ~~ويتلطف في الإشارة إلى السيد بما تقضي به الحيطة في مقره المضطرب بين دسائس الحاشية ~~المتربصين، ومكائد الحساد المنافسين، وغدرات الوزراء والسلاطين ... فجاءه الرد عنيفا غاية ~~العنف من السيد يقول فيه: إنك «تكتب لي ولا تمضي، وتعقد الألغاز ... من أعدائي؟ وما الكلاب ~~كثرت أو قلت؟ ... فكن فيلسوفا يرى العالم ألعوبة، ولا تكن صبيا هلوعا». # ثم يقول عن رسالة أخرى: «إن الرسالة ما وصلت، ولا بينت لنا موضعها وجلا منك، قوى ~~الله قلبك.» # وقد أمسك الشيخ محمد عبده بعد ذلك عن الكتابة إلى السيد في الآستانة؛ لأن الرسائل لا تصل ~~أحيانا، وما يصل منها في القليل من الأحايين تراقبه الشرطة وترفع خبره إلى المراجع العليا، ~~ولا حيلة في صراحة القول مع ضررها المحقق بالمرسل إليه دون المرسل، ولا حيلة كذلك في ~~التورية؛ لأن السيد على عادته من الجرأة البالغة يحسبها هلعا صبيانيا، ويؤنب الكاتب ~~عليها ذلك التأنيب الحكيم. # ونرى من وفاء البحث أن يتمم هذا الفصل بالنظر في موضع التساؤل من هذه الفترة في علاقة ~~الأستاذين الحكيمين على رأي بعض المؤرخين المعاصرين، كالأستاذ عبد الرحمن الرافعي فيما ~~تناول به سيرة الأستاذ الإمام من تاريخ الثورة العرابية ... فقد كتب إلينا أديب علم أننا ~~نكتب سيرة الأستاذ الإمام، فاستحلفنا ألا ننسى هذه المسألة في موضعها من ms086 السيرة وقال: «ومما ~~أرجوه أن تناقشوا ما جاء في كتاب الثورة العرابية، تأليف الأستاذ عبد الرحمن الرافعي ~~بالصفحتين 542 و543، وهو: # ونقطة الضعف في شخصيته - أي شخصية الأستاذ الإمام - هي تخلفه عن الكفاح ~~السياسي، واختلافه في هذه الناحية مع أستاذه جمال الدين الأفغاني، وقد بدأ انقطاعه ~~عنه منذ عودته إلى مصر سنة 1889، فترك أستاذه يعاني متاعب الكفاح السياسي وآلامه ~~ومرارته، وكان من قبل عضده وساعده الأيمن، وإنك لتلمح تراخي الصلات بينهما حتى ~~الصلات الشخصية منذ أن عاد إلى مصر حتى وفاة السيد جمال الدين. من قراءة منتخبات ~~الأستاذ الإمام، فإنك لا تجد فيها رسالة واحدة كتبها إلى السيد في محنته ومنفاه، بل ~~إن جمال الدين توفي سنة 1897، فلا تجد للأستاذ الإمام كلمة في رثاء أستاذه الروحي ~~والفلسفي وزميل جهاده في العروة الوثقى، وهذه الناحية هي أثر من آثار الاحتلال في ~~أخلاق الأمة ونفسيتها. # ولا حاجة إلى القول - بعد البيان المتقدم - بأن هذا النقد أثر من آثار الإسراع في ~~المؤاخذة لغير سبب يوجبها ولا حجة تسندها، فما كان في الأمر من شيء يوصف بالضعف على معنى ~~من معانيه؛ لأن الضعف إنما يكون حذرا من ضياع منفعة أو خوفا من وقوع ضرر، ولم يكن في ~~الكتابة إلى السيد محذور على الكاتب يتقيه، وإنما المحذور كله على السيد أن يصيبه من القوم ~~ما هو في غنى عن احتماله، ويأبى هو أن يسميه خطرا يتوقاه. ولا نظن المؤرخ الفاضل كان يريد ~~من الأستاذ الإمام أن يتلقى بعد كل مراسلة تقريعا كذلك التقريع يرمى فيه بالوجل والهلع، ~~وينهى فيه عن تصوير الخطر ولو بالتلميح إليه. وقد كان جمال الدين - رضوان الله عليه في ~~دار خلوده - يأبى أن يحسب نفسه سجينا مرغما على البقاء حيث كان بضيافة السلطان، فإنه بقي ~~هناك بعد أن سدت في وجهه مسالك البلاد، وسد هو أمام نفسه ما كان مفتوحا بين يديه، ~~ولو أنه شاء الترحل عن الآستانة لما تعذر عليه ذلك، بل حدث مرة أنه هم بالترحل منها ~~وانتقل إلى ms087 مكان تحميه السيطرة الأجنبية، ثم لم يلبث أن غادره وعاد إلى داره، تلبية لرجاء ~~السلطان وأنفة له أن يذل أمام أعدائه في عاصمة ملكه. # ويستطيع المؤرخ الفاضل أن يعلم - لو شاء - أن الأستاذ الإمام قد أفاض في ترجمة السيد جمال ~~الدين في تصديره لترجمة الرد على الدهريين، ولكن الأستاذ الإمام شغل عن كتابة سيرته هو - ~~أي سيرة محمد عبده بقلمه - مع الحاجة إليها لدفع مفتريات الخصوم عليه، وما أكثر تلك ~~المفتريات عليه في حياته وبعد مماته! وإن في بعض ما كتبه منها لتنويها - أشرف التنويه - ~~بفضل جمال الدين عليه، ولا يطلب من تلميذ بلغ أوجه من المكانة في العالم أن يعترف لأستاذ ~~له اعترافا أكرم وأرفع من قول محمد عبده عن جمال الدين: إن ميراثه منه أقدس من ميراثه ~~الأبوي؛ لأنه ميراث في الروح بصفوة الرسل والقديسين. ~~••• # وبعد هذا الاستطراد العارض في موضعه، نعود فنقول إنه لم يقاطع جمال الدين يوم كانت صحبته ~~له تنفيه نفي الأبد عن أهله ووطنه، وقد عاد إلى بيروت وهو في حكم المنفي من مصر مدى الحياة، ~~ولكنه خرج منها بأعجوبة من أعاجيب السياسة تصدق عندنا تجارب الشيخ الحكيم للفضل السياسي ~~الذي يحسن فيه صاحبه وهو ينوي أن يسيء؛ فقد توسط له في العودة إلى مصر اثنان هما: الغازي ~~أحمد متار باشا وكيل السلطان بالقاهرة، والأميرة نازلي فاضل وريثة البيت المنافس لبيت ~~إسماعيل من فرع الأسرة الخديوية، ومركزه الآستانة. # ذلك فضل باطنه الذي لا خفاء به أن الرجل أقصي من بيروت بطلب خفي من السلطان العثماني، ~~ليأمن عاقبة دعوته إلى الإصلاح والحرية في إحدى عواصم الدولة العثمانية والبلاد العربية، ~~ولولا ذلك ما جاءت الوساطة - من كلا طرفيها - من هذا الطريق. # الفصل الثامن # | مع الثورة العرابية # كان الشيخ محمد عبده ثائرا ولكنه لم يكن عرابيا؛ لأنه كان على خلاف مع الزعيم أحمد ~~عرابي في برنامجه العملي، ولم يجمع العزم على تأييد العرابيين إلا لتوحيد الصفوف في وجه ~~الاحتلال الأجنبي، بعد التجاء الخديو توفيق إلى الدولة البريطانية. ms088 # كان يؤيد الثورة في أمرين: «أولهما» تنبيه للرأي العام وجمع كلمته للمطالبة برفع المظالم ~~وإصلاح الحكم، وإسناد المناصب الكبرى ووظائف الحكومة عامة إلى الوطنيين، و«ثانيهما» - وهو ~~أحوج إلى الوقت والأناة - هو التعويل على إنهاض الأمة وإقامة نهضتها على أسس التربية ~~والتعليم، وإعدادها للحكم النيابي المستقل برغبتها الصادقة وقدرتها على صيانته من عبث ~~الولاة والمتسلطين؛ لأنه - كما تقدم - كان سيئ الظن بالنظم التي تأتي من جانب الملوك ~~والأمراء بعد تجربة هذه النظم في سائر البلاد الشرقية، ولا فرق عنده بين المجالس النيابية ~~وبين دواوين الحكومة إذا لم تكن للأمة قدرة على حماية مجالسها. # غير أنه كان يخالف زعماء الثورة في اتباع الخطة التي تؤدي إلى الشطط، وتفتح الباب للتدخل ~~العسكري من جانب الدول الأجنبية. # وكان يؤيد الخديو في سعيه إلى الاستقلال عن رقابة الدولتين - إنجلترا وفرنسا - ولكنه كان ~~ينكر عليه نفاقه في اتباع هذه السياسة، واستخدامها لتعزيز سلطته والرجوع بسياسة القصر إلى ~~مثل ما كانت عليه في عهد أبيه إسماعيل وعهود أسلافه من قبله. # وكان يؤيد وزارة رياض باشا في برنامج الإصلاح، ولا سيما رفع السخرة وتحريم الجلد «أو ~~الكرباج»، والتشديد في محاسبة المديرين على سوء المعاملة، ويؤيد أكبر التأييد في توسيع نطاق ~~التعليم، وتشجيع العاملين على نشر الثقافة من علماء هذا البلد أو العلماء الوافدين إليه من ~~الأقطار الشرقية. # ولكنه كان يأخذ عليه أن شهوة الحكم غلبته على مشيئته، فلم يعتزل الوزارة حين وجب ~~اعتزالها. # وكان يؤيد الشكوى العامة ويشترك فيها بقلمه ولسانه، ولكنه كان يعيب على بعض الشاكين أنهم ~~يمزجون بين الشكوى العامة وبين شكاواهم الصغيرة من قبيل فوات الوظائف والعلاوات ورفض ~~المطالب والشفاعات، وقد كان بعض هؤلاء ينقم على الوزارة خير أعمالها وأجدره بالمؤازرة ~~والثناء، وهو رفع السخرة وتحريم الكرباج؛ لأن مصالحهم في زراعة أرضهم والانتفاع بموارد الري ~~في جوارهم كانت تقوم على تسخير الفلاحين وتخويفهم بالضرب وسوء المعاملة بموافقة المديرين ~~وأعوانهم، وقد جلبت الوزارة عليها سخط العلية من أصحاب الأموال بتقرير الضريبة التي تحصل ~~للإنفاق على تحسين ms089 الصحة العامة، وتدبير وسائل العلاج على الأصول الطبية، ولم تكن أمثال هذه ~~الشكاوى بالقليلة بين أصوات الشكوى التي ترتفع باسم الإصلاح، ومن ورائها أشباه هذه الأغراض ~~واللبانات. # ولهذه الشوائب التي امتزجت بالحركات العامة في ذلك الحين، كما تمتزج بها في كل زمن، لم ~~يتيسر لذلك العقل الناقد أن يختار له حزبا بين الأحزاب يؤيده كل التأييد ويخذل ما عداه كل ~~الخذلان، ولم يكن متحيزا في ثورته إلى فريق دون فريق، إلا حين بدرت بوادر الاحتلال الأجنبي ~~بمشايعة الخديو وحاشيته، ووجب أن تتفق الأمة فريقا واحدا على مقاومته؛ فأقدم على مواجهة ~~الخطر الأكبر، ولم يحجم لحظة من مناصرة ذلك الفريق. # أما الوجهة التي استقبلها بكل قلبه، ومنحها كل وقته، ووقف جهوده كلها على العمل لها ~~وإقناع غيره بفضلها، فتلك هي الوجهة التي خلق لها بالفطرة ورجحتها عنده التجربة بعد ~~التجربة، وهي إيقاظ حمية الرأي العام للمطالبة برفع المظالم وإصلاح أداة الحكم، وإنهاض ~~الأمة على أساس قويم من التربية الاجتماعية ونشر التعليم. # وكان قبل استفحال الخطب يلقى زعماء الثورة وأصحاب الرأي فيها ليقنعهم بفضل هذه الخطة، ~~ويحذرهم من عواقب الشطط بالدعوة الوطنية إلى ما وراء الغاية المأمونة، وصرح لهم في بعض ~~هذه الأحاديث بما يخشاه من سوء العاقبة، كما قال في بيت طلبة عصمت باشا قائد الإسكندرية: ~~«إن هذا الشغب قد يجر إلى البلاد احتلالا أجنبيا يستدعي تسجيل اللعنة بسببه إلى يوم ~~القيامة.» # وانصرفوا في ذلك اليوم والزعيم أحمد عرابي يقول مبتسما: «أبذل جهدي في ألا أكون مورد ~~هذه اللعنة.» # وقد بسط الأستاذ الإمام آراء الزعماء وآراءه يومئذ في تأريخه للثورة العرابية، وسمعنا ~~كثيرا من تفصيلاتها على ألسنة شهودها الثقات، ويوافقه تمام الموافقة ما سمعه صديقنا ~~الأستاذ المازني ونقله عن والده، حيث قال من كتابه عن قصة حياته: ~~... ثم قامت الحركة العرابية وسارت بأسرع مما كان ينتظر، وكان غرضها تحرير ~~المصريين والتخلص من عناصر الترك والشراكسة المتحكمين المستولين على المناصب في ~~الإدارة والجيش، ومضت إلى غايتها في جو من الدسائس الأجنبية والأطماع ms090 الدولية، فخشي ~~الشيخ محمد عبده العاقبة، وكان بعيد النظر سديد الرأي، فتوقع إذ لج العرابيون ~~فيما هم فيه، ولم يتحرزوا أو يتوخوا الاعتدال أن ينتهي الأمر باحتلال الإنجليز ~~لمصر، فكان لهذا يقاوم العرابيين مقاومة شديدة، وينعي عليهم قصر نظرهم وقلة ~~تبصرهم، ويبسط فيهم لسانه حتى ضجوا وهددوه بالقتل إذا ظل يعترض طريقهم ويناوئهم، ~~وأراد بعض العرابيين من أصدقاء الإمام أن يصلح ما بينه وبينهم، وأنا أعرف هذه ~~القصة؛ لأن الذي حاول إصلاح ذات البين أقربائي؛ لأن بيت جدي كان هو مكان ~~الاجتماع. # وتكلم العرابيون، وتكلم دعاة التوفيق، ثم تكلم الشيخ محمد عبده، فأصر على ~~رأيه أن العرابيين باندفاعهم سيجرون على البلاد الاحتلال الأجنبي، فأخفقت المساعي ~~للصلح والتوفيق. # وكان أبي من رجال الأزهر وزملاء الشيخ محمد عبده في الدراسة وتلاميذ السيد جمال ~~الدين، وإن كان لم ينبغ كما نبغوا، فسأل الشيخ محمد عبده: أكنت تلج هذه اللجاجة ~~في عنادك مع العرابيين لو كان السيد جمال الدين في مصر؟ فكان جواب الشيخ محمد عبده ~~هذه الكلمة المترعة: يا محمد! ... لو كان السيد جمال الدين هنا لما قامت الحركة ~~العرابية ولا احتاج أحد إليها؛ لأن السيد كان يغني بشخصه عن كل ذلك. وتمثل ببيت ~~من رثاء المتنبي: # كان من نفسه الكبيرة في # جيش وإن خيل أنه إنسان # ولما استفحلت الحركة العرابية وضرب الأسطول الإنجليزي الإسكندرية، انضم الشيخ ~~محمد عبده إلى العرابيين، ووضع يده في أيديهم؛ لأن الواقعة قد وقعت وكان ما خاف أن ~~يكون، فلم يسعه إلا أن يكون مع قومه - ولو كانوا مخطئين - على الغريب، وكان ~~يتمثل ببيتي الحماسة: # بذلت لهم نصحي بمنعرج اللوى # فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد # وهل أنا إلا من «غزية» إن غوت # غويت وإن ترشد غزية أرشد # والواقع أن السيد جمال الدين كان كما وصفه تلميذه الأكبر الشيخ محمد: «من نفسه ~~الكبيرة في جيش.» وهو الذي يرجع إليه الفضل الأول في قيام الحركة الدستورية في ~~تركيا ومصر وإيران، وهو الذي أثار نفوس الهنود المسلمين على الاستعمار الإنجليزي، ms091 ~~وقد خشيه سلطان تركيا وشاه إيران وخديو مصر والإمبراطورية البريطانية. # ويشتمل تاريخ الأستاذ الإمام في الثورة العرابية على أمثلة شتى من أمثلة العظمة بالرأي ~~الأصيل والنظر البعيد والغيرة الصادقة والخلق النبيل، ولكنه لم يشتمل على موقف من المواقف ~~التي يضرب بها المثل في سير العظماء على تقديسهم للواجب أنبل من موقفه الأخير منها، وهي ~~تواجه خطر الاحتلال الأجنبي وتتسابق إلى المأزق الوبيل الذي يفض عنها الأنصار ويبعد عنها ~~ذوي المآرب والمخاوف، وإنه لأحصف عقلا وأبعد نظرا من أن تخفى عليه العاقبة، ولو على سبيل ~~الترجيح، إذا حال الأمل الطيب دون العلم بها في ذلك المأزق علم اليقين. # وأي عاقبة؟ عاقبة الوقوع في قبضة الاحتلال الأجنبي نفسه، وأخطر منه وقوع أعداء الاحتلال ~~في قبضة الخديو المنتصر المنتقم، ومعه رؤساء جميع الوزارات الذين عاداهم العرابيون، وفي ~~طليعتهم أحمد رياض أقربهم إلى الأستاذ الإمام وأستاذه جمال الدين. # وأنبل من ذلك أنه ثبت على رأيه في محاربة الاحتلال الأجنبي وخيانة توفيق لوطنه، في مذكرته ~~التي كتبها أثناء محاكمته وقال فيها: «هل يقدر أحد أن يشك في كون جهادنا وطنيا صرفا بعد ~~أن آزره رجال جميع الأجناس والأديان، فكان يتألب المسلمون والأقباط والإسرائيليون لنجدته ~~بحماس غريب، وبكل ما أوتوه من حول وقوة؛ لاعتقادهم أنها حرب بين المصريين ~~والإنكليز». # ثم قال عن مؤامرة الخديو لحرق القاهرة إنه «شاع في القاهرة أن الخديو سيسعى بواسطة بعض ~~أتباعه ليحدث شغبا في نفس القاهرة، إلى حد أن الوزارة احتاطت لمنع الفتنة، وبالغت في ذلك ~~طول مدة قيامها بالأمر، واستدعى الخديو إبراهيم بك توفيق مدير البحيرة وطلب إليه أن يجمع ~~مشايخ قبائل البدو ويحضرهم إليه، ففعل وبالغ الخديو في حسن استقبالهم وأكثر لهم من ~~المواعيد، ثم أوعز إلى المدير أن يأمرهم بحشد ثلاثة آلاف بدوي وإحضارهم إلى القاهرة بطريق ~~الجيزة ليحدثوا فتنة في البلد لعدم وجود النظام بينهم، ولكنه تعذر على المشايخ حشد ~~العدد المطلوب من البدو، فحذف هؤلاء من العسكر، ولما فشل مسعاه هذا أرسل تلغرافا رمزيا ~~إلى محافظ ms092 الإسكندرية هذا نصه: قد ضمن عرابي أمر الأمين العام، ونشر ذلك في الصحف وجعل نفسه ~~مسئولا لدى القناصل، وإذا نجح في ضمانه هذا وثقت به الدول وصغر شأننا، أما الآن وأساطيل ~~الدول في ميناء الإسكندرية وعقول الناس متهيجة، فوقوع الخلاف بين الأوروبيين وغيرهم أمر ~~محتمل، فاختر لنفسك إما خدمة عرابي في ضمانه أو خدمتنا». # إلى أن قال: «وفي يوم هذا الحادث توجهت إلى السراي، فرأيت موظفيها في جذل عظيم مما حدث، ~~وكانوا يبالغون في رواية الأخبار ويضحكون من عهد عرابي بالمحافظة على الأمن العام، ومن ~~المعلوم أن موظفي السراي لا يقولون إلا ما يسر الخديو، فإذا كانت الأخبار سارة تكلموا ~~وضحكوا وإلا تظاهروا بالحزن والكآبة جهدهم.» # وهكذا جمع الشيخ السجين في تقرير واحد بين اتهام السلطتين، ولم يخطر له أن يداري إحداهما ~~ليأمن شرها ويحتمي بها من الأخرى، كما فعل كثير من الذين قدموا إلى المحكمة العسكرية، ~~وهم يعلمون أنها خاضعة للسلطة الإنجليزية، وأن أحكامها تعرض على القصر الخديوي ومجلس ~~النظار لإقرارها. # وقد تلقى هذا التقرير محامي العرابيين برودلي صاحب التاريخ المستفيض عن محاكمات الثورة، ~~وكان الشيخ محمد عبده يعرض عنه؛ لأنه لم يقبل في بادئ الأمر أن يدافع عنه محام إنجليزي، مع ~~علمه بنظام المحاكم الخاصة وصعوبة الدفاع وفاقا لهذا على غير المختصين من الإنجليز، ثم علم ~~أن شاعر الأحرار (بلنت) صديق القضية الإيرلندية والقضية المصرية هو صاحب الرأي في اختياره، ~~فقبل أن يفاتحه بأوجه دفاعه، وقال المحامي في ذلك إن الشيخ محمد عبده «لم يتخلص من تأثير ~~الصدمة الناشئة عن توقيفه إلا في أواخر أيامه في السجن، وحينئذ أخذ يعاملنا بتلك الثقة ~~التي سعينا لاستحقاقها». # وإن هذه الصدمة - كما سماها برودلي - لهي خير مثال لذلك التفاهم العسير بين عقول ~~الشرقيين والغربيين في الدوافع النفسية التي تخامرهم إبان الفتن الاجتماعية، ولعلها سبب ~~من أسباب ارتياب الشيخ محمد عبده في نية محاميه أو قدرته؛ فإن الشيخ قد سئل كما سئل ~~غيره - وكان عمله في الثورة غير عملهم، وداعيه إلى المشاركة ms093 فيها غير دواعيهم - فنفى بطبيعة ~~الحال أكاذيب الشهود الملفقين وتهم الأذناب المسخرين من قبل القصر والحاشية، ولم ~~يعترف من التهم بغير الواقع الذي وقع منه رأيا وعملا، وكله - كما رأينا - أخطر من أن ~~يعد الاعتراف به نكوصا عن التبعة وتنصلا من الجريرة، فخيل إلى برودلي أن موقف ~~الشيخ السجين - بين ما نفاه عن نفسه وأنكره من شهادة غيره - إنما كان ضعفا تبتلى به ~~النفوس الشرقية في أمثال هذه الشدائد، وليس أسهل عند هؤلاء الغربيين من مداراة سوء الفهم ~~عندهم بالخلاف المزعوم بين طبائع الشرقيين وطبائع الغربيين. # على أن هذا المحامي نفسه لم يستطع أن يحجب عن عقله عظمة الرجل في غير ما توهمه من أثر ~~«الصدمة» ... وأشاد بمواهبه الخارقة في غير موضع من كتابه، فقال: «إنه ربما كان أعظم الناس ~~موهبة بين الرجال الوطنيين المصريين ... ولا شك أنه ساعد من قبل كثيرا على جعل الرأي العام ~~عاملا حقيقيا في الترقي المصري، ولم يكن متهوسا في الدين، بل هو من المسلمين القائلين ~~بالتوسيع الشديد، وكانت أفكاره السياسية تنطبق على الرأي الجمهوري الحر ... ووطنيته التي لا ~~شائبة للأنانية فيها هي التي حالت دون استياء رفقائه المتحمسين من خطته الدينية علانية، حتى ~~إن عرابي باشا صديقه قال عنه مرة: إن رأي الشيخ عبده أصلح للقبعة منه للعمامة.» # ثم كتب بعد توديعه: «في مساء اليوم الأول من شهر يونيو سنة 1881 ودعت في الظلام محمد ~~عبده الذي ذهب أخيرا منفيا عن القطر المصري مدة ثلاث سنوات ... وإذا جاز لمصر أن تسير ~~منفردة أو يكون لها بداءة خير يوما من الأيام، فإنها لا يسهل عليها الاستغناء عن مثل الشيخ ~~محمد عبده العالم المحرر ...» # ولو أن المحامي كاتب هذه النبوءة أتيح له أن يمد بصره وراء السنوات الثلاث، لعلم أن ~~البلاد لم تستغن حقا عن الشيخ محمد عبده، وعلم قبل ذلك أن أمانة الصدق التي عهدها في ~~«موكله» هي التي حملته على أن ينفي ما نفى ويثبت ما أثبت، ولم يحمله على ذلك خوف للعقاب؛ ~~فإنه ms094 لم ينقطع عن حملته على الاحتلال وعلى الخديو صنيعته في قلب العاصمة البريطانية، وهو ~~يعلم أنه - بذلك - يطيل منفاه أبدا، وقد طال منفاه فعلا، فعاد إلى مصر بعد انقضاء موعد ~~النفي بخمس سنوات. # ولسنا في هذا الفصل بصدد البحث عن ظروف الثورة العرابية وتبعات زعمائها ودعاتها وجرائم ~~خصومها وأشياعها المندسين عليها، ولكننا نستغني عن ذلك في هذا المقام بوزن هذه الثورة ~~بميزان الثورات عامة، ونعود إلى طبائع الثورات جميعا في الشرق والغرب، فنرى أن الثورة ~~العرابية لم تكن بدعا بينهما؛ لأنه ما من ثورة حدثت قط إلا اشترك فيها الأنصار والخصوم ~~على اختلاف الأفكار، واختلاف الأمزجة، واختلاف النيات، واختلاف المظاهر والألوان، ولا يختلط ~~هؤلاء في هذا الطوفان المريج إلا اختلطت الأعمال والتبعات وأفلت الزمام من الأيدي، واختفى ~~الزمام حينا عن الأبصار والبصائر، فلا يدرى من هو القابض عليه ومن هو المتخلي عنه، ولا ~~يعرف أين كان مبدؤه ومنتهاه بين أيدي الأنصار وأيدي الخصوم. # ومن طبائع الثورات أن يخطئ الإنسان خطأ لا حيلة له فيه، وأن يكون خصمه هو المسئول عن خطئه ~~... ومن طبائعها أن تكون الثورة كالمطية الجموح تسوق من يركبها ولا يسوقها إلى غير مجراها، ~~بل من طبائعها أن تتقسم الصواب والخطأ، فلا يكون الصواب كله يوما في جانب، ولا يكون الخطأ ~~كله في جانب، وهكذا كانت الثورة العرابية بعد اندفاعها، إن لم تكن كذلك عند بداءتها وقبل ~~استفحالها. وربما كان من خطأ الشيخ محمد عبده - بمذهبه السوي في الإصلاح - أنه كان المهندس ~~الذي حاول أن يسوس مجرى السيل كما يسوس مجرى النيل ... ولكن الفارق بينه وبين الأكثرين من ~~مخالفيه أن خطأه لم ينجم عنه ضرر، وأنه أدرك الأضرار التي تنجم عن أخطائهم وهم غافلون عنها، ~~وأنه لم تكن له يد فيها؛ ولكنه اضطلع معهم بجميع تبعاتها ولم يتركهم وحدهم، حين جد الجد ~~لاحتمال جريرتها. # الفصل التاسع # | القضية القومية # انتظم محمد عبده في سلك الحزب الوطني منذ نشأة هذا الحزب قبيل عزل الخديو إسماعيل. # وقد تؤدي تسمية تلك الهيئة ms095 السياسية بالحزب إلى لبس كثير في أذهان المعاصرين الذين ~~ألفوا نشوء الأحزاب على وضعها الحديث. # فإن الحزب الوطني الذي انتسب إليه معظم المشتركين في الثورة العرابية لم يكن حزبا يقابل ~~أحزابا أخرى من أبناء البلاد تتعارض في المبادئ والبرامج على النحو الذي نعهده اليوم في ~~الأحزاب السياسية، ولكنه كان في حقيقته هيئة واحدة شاملة للحركة الوطنية في جملتها، وإنما ~~سمي بالحزب ليقابل جماعة الشراكسة والترك والألبانيين والأرمن الذين كانوا يتبعون الدولة ~~العثمانية، وينفردون بولاية الحكم في الوظائف الكبيرة وأكثر الوظائف الصغيرة. # فالحزب الوطني على هذا الاعتبار كان هو حزب المصريين الفلاحين أو حزب الأمة المصرية، ومن ~~أجل هذا كان شعاره «مصر للمصريين» جامعا لمبادئه المتعددة في كلمتين اثنتين، أو هو في ~~الواقع كان مبدأ واحدا يجري تطبيقه على مختلف المسائل التي كانت تدخل في نطاق القضية ~~القومية بجميع جوانبها. # كان رفع المظالم عن أبناء البلاد ومحاربة الفساد والإسراف في دواوين الحكومة، هو مبدأ ~~المبادئ في سياسة الحزب الوطني منذ تأليفه قبل نهاية حكم الخديو إسماعيل، وينطوي في هذا ~~المبدأ أن يصير حكم البلاد إلى أيدي أبنائها الذين أصابهم الظلم من حكم «العثمانيين» غير ~~المصريين، وينطوي في هذا المبدأ أيضا منع التدخل الأجنبي الذي جرت إليه سياسة البذخ ~~والإسراف وسياسة الديون في عهد إسماعيل على الخصوص، وينطوي فيه تنظيم إدارة الحكم والتوفيق ~~بين مقاصد الحكام ومقاصد الرعية. # وكان محمد عبده فلاحا بمولده وتربيته، ينتمي إلى قرية نشأت في ظل عهد الإقطاع، وكان ~~مصابه ومصاب أهله من ظلم الطبقة الحاكمة أشد وقعا في نفوسهم من مصاب إخوانهم أبناء القرية؛ ~~لأنهم كانوا بمنزلتهم الاجتماعية هدفا لأنظار الحاكم المتسلط، وحائلا في كثير من الأحيان ~~بينه وبين أغراضه من عامة الرعية، فكان مصابهم بالظلم مضاعفا؛ لأنه مصاب في الرزق ومصاب ~~في الكرامة، وكانت ثورته على «الراعي» الجائر ثورة من يشعر في قرارة نفسه بأنه أهل ~~للمنازعة مع ذلك الراعي الجائر، وليس قصاراه أنه أهل للخضوع أو يسخط في صمت واستسلام، ~~واستفادت هذه الثورة من التعليم ms096 والرياضة الروحية أنها أصبحت عقيدة من عقائد الضمير، ولم ~~ترتهن بحدود القرية أو الطبقة، ولا بحدود المصلحة الاجتماعية أو السياسية. # وكانت حماسة النخوة سليقة في الرجل كما أسلفنا، وهي شيء غير اندفاع التطرف الذي يساور بعض ~~ذوي الآراء، وإن التبس أمرهما أحيانا على من يحكم عليهما بالمظاهر والأشكال. # فإن تطرف الاندفاع قد يأتي من الخفة والعجلة، ولكن حماسة النخوة تأتي على الأكثر من شعور ~~عميق وعقيدة متأصلة، وربما كانت حماسة النخوة عونا لصاحبها على الصبر الطويل، ولكن ~~خفة التطرف قد يستثيرها الغرض العاجل أو تموت. # كذلك ينبغي أن نفرق بين الاندفاع والإقدام؛ لأنهما قد يتلاقيان أحيانا، وقد يكون ~~الافتراق بينهما أكثر من اللقاء، فربما اندفع المندفع إلى الفرار كما اندفع إلى الإقدام، ~~ولكن المقدم في غير اندفاع هو في الحقيقة ثابت حيث كان، وإن خيل إلى أناس أنه مدفوع ~~إلى غير ما أراد. # وتاريخ محمد عبده في خدمة القضية القومية هو تاريخ الإقدام إلى أقصى حدوده، ولكنه لم يكن ~~قط تاريخ الاندفاع مع الخفة والعجلة؛ لأن نظرته إلى الغرض القريب لم تعجله قط عن النظر ~~الطويل إلى الغرض البعيد، وهو الغرض الدائم وراء جميع الأغراض. # وقد أقدم يوما على الترصد للخديو إسماعيل عند قصر النيل للقضاء عليه - أولى من ~~الانتظار به إلى أزمة بينه وبين الدولة تزيله عن عرشه - ولو أنه أخطأه في هذه المرة وسنحت ~~الفرصة للتفاهم مع ولي عهده على تعديل سياسة أبيه بعد عزله، لزال إسماعيل عن العرش مقتولا ~~في أغلب الظن، ولم يزل معزولا كما أراد جمال الدين وحزبه في الساعة الأخيرة، وقد كان ~~التآمر على العزل خطرا لا يقل عن خطر الإقدام على القتل، وليس لاندفاع التطرف مذهب وراء ~~مذهب الإقدام على هذين الخطرين. # ولما نشبت الثورة العرابية كان حذره من السيطرة الأجنبية أشد من حذر العرابيين وحذر ~~الخديو توفيق؛ لأنه لم يخالف العرابيين في أدوار الثورة الأولى إلا خشية الاحتلال الأجنبي ~~الذي يجر على جالبه لعنة الأبد كما قال، ولم يؤيد الثورة كل التأييد ms097 في مرحلتها الأخيرة إلا ~~لأن الخديو توفيق جنح إلى الدولة المحتلة وحارب جنوده بجنودها. # وفي كل أولئك كان محمد عبده أشد إقداما على الخطر من الجميع؛ كان أشد منهم إقداما في ~~معارضة الثورة حين عارضها، وأشد إقداما في تأييدها حين أيدها، وكان أبعد منهم نظرا ~~وأصدق منهم غيرة في كلتا الحالتين. # ولما وقع المحظور ودخل الإنجليز مصر محتلين، وبارحها محمد عبده منفيا عن وطنه، كان هذا ~~المنفي أسبق أبناء الوطن إلى عاصمة الدولة الإنجليزية، ليعلن الحرب على الاحتلال في عقر ~~داره، وقال لهم في صحافتهم: «إننا نرى أن انتصاركم للحرية إنما هو انتصار لما فيه مصلحتكم، ~~وإن عطفكم علينا كعطف الذئب على الحمل، ولقد قضيتم على عناصر الخير فينا لكي تكون لكم من ~~ذلك حجة للبقاء في بلادنا.» # وبلغ في الصراحة معهم ما لم يبلغه قائل من بعده، حيث يقول لصحيفة البال مال: # لم لا تغادرون بلادنا في الحال؟ لقد علمنا الإنجليز شيئا واحدا هو التضامن ~~في مطالبتكم بالجلاء ... شكونا من الأتراك؛ لأنهم أجانب عن وطننا وأردنا لبلادنا ~~إصلاحا وتقدما كتقدم الأوروبيين في طريق الحرية، لكننا الآن نعلم أن هنالك ما ~~هو شر من استبداد الحكام، وشر من ظلم الأتراك، وليس في مصر من بلغ به الظلم حدا ~~يرجو معه مساعدتكم. إن لنا إليكم رجاء واحدا، وهو أن تغادروا بلادنا حالا إلى ~~غير رجعة. # ولما سأله محرر الصحيفة عن الخديو توفيق، كانت مشايعتهم هي الجريمة الكبرى التي نعاها ~~عليه في وجوههم؛ إذ قال: «إن توفيقا أساء إلينا أبلغ السوء؛ لأنه مهد لدخولكم بلادنا، ~~وانضم أيام الحرب إلى أعدائنا ... ولا يمكننا أن نشعر إزاءه بأقل احترام.» # قال هذا وهو لا يبالي أن يظل منفيا عن بلاده أبدا؛ لأنه لن يعود على غير رضا الخديو ~~صاحب السلطة الشرعية، ورضا المحتلين أصحاب السلطة الفعلية، وقد بقي فعلا غير مأذون له ~~بالعودة بعد انقضاء الموعد المحدود لنفيه، وهو ثلاث سنوات. # وانقضت فترة من هذه السنين في الحملة السياسية على الاحتلال بين لندن وباريس، وكان ms098 محمد ~~عبده في صحبة جمال الدين قد اختار هذه المدينة مركزا لنشاطهما السياسي؛ لأنها عاصمة الدولة ~~الفرنسية التي كانت تنافس الدولة البريطانية وتساومها على مشاكل القضية المصرية، فكان من ~~أملهما أثناء الحملة على الاحتلال البريطاني أن تثار القضية كلها في ميدان السياسة الدولية ~~لمطالبة الإنجليز بالجلاء عن مصر، وأن يكون مثار الحملة من باريس بعد مضي السنوات الأولى ~~على دخول الجنود الإنجليزية إلى قلاع القاهرة والإسكندرية، وبعد صدور الوعود الأولى من ~~وزراء لندن باقتراب موعد الجلاء، ثم انقضت السنوات في التجارب التي ابتلي بها الحكيمان من ~~معاملة الساسة الغربيين والساسة الشرقيين، وكان أثرها جميعا شعورا عميقا بخيبة الأمل ~~وضياع الجهد في هذا السبيل. فأما ساسة الغرب فقد كانت قضايا الأمم عندهم صفقات للمساومة ~~وتبادل الغنائم، والاتفاق على توزيع المستعمرات الجديدة بعد المستعمرات التي يثيرون قضاياها ~~... وأما ساسة الشرق فقد كانت مخاوفهم من تحرر شعوبهم كمخاوف الأجنبي من تحرير مستعمراته ~~المغلوبة، وكان الأجنبي يستعين بهم على توطيد حكمه بين التهديد بالخلع والترغيب في فضلات ~~السلطة من يديه، فخلفت خيبة الأمل فيهم جميعا مرارتها التي تعصف بالأمل، لولا قوة اليقين ~~وانصراف العزيمة إلى العمل في غير هذه السبيل. وقد ندرك قسوة أذاها في نفس الأستاذ الإمام ~~من كلماته عن السياسة وسوء أثرها في نهضات التقدم، بعد أكثر من عشر سنوات قضاها في تجارب ~~شتى لما أصابه منها، فقال في كتابه عن الإسلام والنصرانية: «إن شئت أن تقول إن السياسة ~~تضطهد الفكر أو العلم أو الدين، فأنا معك من الشاهدين، أعوذ بالله من السياسة ومن لفظ ~~السياسة ... ومن ساس ويسوس وسائس ومسوس!» # لقد كان للعزيمة الصادقة عملها أمام هذه الخيبة القاسية. # وكانت هي العزيمة التي لا يشغلها الغرض القريب عن الغرض البعيد، ولا ييئسها الأمل الضائع ~~أن تصمد للأمل الذي لا يضيع. # ونفس أخرى كانت هذه الخيبة خليقة أن تضربها بضربة الوهن والقنوط، فتهجر السياسة وتهجر ~~القضية معها. # ولكنها كانت عزيمة تصدق نفسها إذا كذبتها السياسة الخادعة، فاستحالت بكل ما فيها من قوة ms099 ~~إصرار على ترك السياسة والإقبال على العمل في الطريق الذي لا عوج فيه، إلى الغاية التي لا ~~ريب فيها، وقضت على السياسة عندها بهذا الإصرار قبل أن تقضي السياسة عليها. # لا تعويل بعد اليوم على السياسة ولا على الساسة، وإنما التعويل كله على الأمم، ولا معول ~~لأمم في جهادها أنفع لها وأصدق في المضي بها إلى غايتها من العلم الحي والتربية ~~القويمة. # ولقد كان يقول للمقربين إليه من مريديه: لو كان في هذه الأمة مائة رجل لما استطاع ~~الإنجليز أن يحكموها، ولما أدركوا منها أربا في حكمهم إياها، وإنما الرجل عنده صاحب الفكر ~~البصير والخلق المكين، صاحب الكفاءة الذي إن وجد في الأمة قادها لا محالة، ولم يتمكن ~~أجنبي ذو سطوة أو ثروة أن ينازعه على قيادها. ~~••• # بهذه العزيمة عاد من منفاه وهو ينيف على الأربعين، ولا بديل له من استكانة اليأس إلا أن ~~يقبل بكل ما أوتي من الثبات والأمل على العمل الذي آمن بأنه رسالته الباقية في الحياة، ~~ووثق من جدوى الاعتماد عليه طول الزمن؛ إذ لا جدوى للاعتماد على السياسة والساسة غير خداع ~~السراب. # ولو أننا ألقينا على لسانه كلاما يقوله في هداية التعليم كالذي قاله في ضلال السياسة، ~~لخلناه قائما قاعدا يقول: «بارك الله في العلم والتعليم، وفي علم وتعلم، وفي عالم ~~وعليم ومعلوم، وفي كل حرف من حروف العين واللام والميم!» # تقرب من الخديو فلم يكن تقربه إليه ليخدم سياسته؛ ولكنه أراد أن يقود الخديو إلى ~~إحياء النهضة العلمية في أقدم الجامعات الشرقية، وأن يجري على يديه تطهير الدواوين حيث يتصل ~~الديوان بأعمال الخير والإحسان، أو يتصل بتربية البيت وصيانة الأسرة وحسن الوصاية على ~~الأزواج والأبناء. # وبعد بضع عشرة سنة لمع في أفق السياسة آخر بروقها الخلابة في فضاء القضية القومية، وعرضت ~~الدولة الفرنسية سرابها الأخير على الذين استنجدوا بها لإنقاذ مصر من مهاوي الاستعمار، ثم ~~أسفرت مساعي الخفاء عن العلن المكشوف، فإذا هو اتفاق بين الدولتين - بريطانيا وفرنسا - على ~~تبادل التصرف المطلق في مصر ms100 ومراكش، تفعل كل منهما ما تشاء بالبلد الذي استولت عليه، ~~وتتفقان معا ذلك الاتفاق الذي سموه بالودي لإقناع الدولة الأخرى بمثل هذا التفاهم ~~على صفقات الاستعمار. # واطمأنت بريطانيا العظمى إلى مكانها بوادي النيل، وبدا لها أنها إذا نزلت للمصريين عن ~~سلطانها على الحكومة لم يتأولوا ذلك بالاضطرار إليه خوفا من إثارة قضية مصر في محيط ~~السياسة الدولية، ولكنهم يتقبلون منه ما يرضيهم باختيارهم ويرضي الدولة المحتلة باختيارها؛ ~~فأرسلت صديق العرابيين القديم - سكوين بلنت - يسأل مفتي الديار رأيه في أسس الدستور ~~التي يقام عليها بناء الحكومة ونظام الإدارة، فكانت خلاصة جوابه على ما يفهم من بين سطور ~~الصحف التي حرفت هذا الجواب: أن يكون الدستور مقيدا لسلطة الاحتلال وسلطة الخديو، وأن ~~يكون إعلانه ضمانا من السلطتين باحترامه ومنع المساس بحقوقه، وأن يكون للرئيس المصري حق ~~جدي في ديوانه، فلا يكون عمله فيه عالة على الرؤساء الإنجليز، وأن يكون نظام التعليم ~~إجبارا في جميع أنحاء البلاد، وأن تكون للمجلس النيابي حقوق الإشراف على السلطة التنفيذية ~~أو سلطة الوزارة، فإذا اختلف مجلس النواب ومجلس الوزراء عرض الخلاف على هيئة مشتركة من ~~النواب وقضاة محكمة الاستئناف، وتلتزم الوزارة بحكم هذه الهيئة، فلا يكون لولي الأمر من ~~سلطان على الحكم، إلا ما يتقبله الوزراء ويحتملون تبعته في حدود الدستور والقانون. # كان هذا قبيل وفاة المفتي بسنة واحدة (سنة 1904)، وكان للاحتلال أجل في علم الغيب لم ~~ينته قبل نيف وخمسين سنة، ولم يكن له في علم الإنسان أجل محدود، ولكنه لم يكن أمل الغد ~~القريب بعد بضع سنوات على كل حال، ولو أنه كان - من التفاؤل الطامح - أمل سنوات عشر أو ~~عشرين لما كان في الوسع أن تدار الحكومة خلال هذه المدة بالدعوة إلى الإضراب وترك الحكم كله ~~بين أيدي المحتلين، ولو بدأت الدعوة إلى الإضراب في تلك السنة لما نفذت ولا تم الاتفاق ~~عليها قبل انقضاء تلك السنين، فليس تقدير وقوع الجلاء فعلا في تلك السنة إلا تسجيلا ~~بعبارة أخرى لانفراد المحتلين بالولاية على الدولة ms101 بمعزل عن أبناء البلاد في جميع ~~الدواوين. # وقد كان المفتي موظفا يتولى عمله في خدمة بلاده مع مئات من خيرة أبناء الوطن في مناصب ~~الوزارة والقضاء والتعليم والبناء والتعمير، فإذا كان العاملون في السياسة قادرين على تبليغ ~~أمانتهم بالكتابة في الصحف والخطابة على المنابر، فأمانة الموظف الذي يخدم بلاده لا تؤدى ~~في غير الديوان، ولا يزال لقاء المستشار والمفتش والعميد عملا من أعماله المتكررة إن لم ~~تكن من أعماله اليومية، وبخاصة مستشار وزارة التشريع، ولا تؤدى وظيفة واحدة بغير الرجوع ~~إلى هاتين الوزارتين. # ولا موجب هنا للموازنة بين من يعدون الأمم للاستقلال بالدعوة السياسية ومن يعدونها ~~للاستقلال بالتربية والتعليم، فإن الأمم تستطيع على الدوام أن تعتمد على كلتا الخطتين، وأن ~~ترشح لكل منهما من هو أصلح لها وأقدر عليها وأرغب فيها، وليس ثمة من ضرورة توجب عليها ~~أن تختار هذه وحدها أو تلك وحدها، منفصلتين غير مجتمعتين. # وإنما المسألة هي مسألة هذا المصلح القدير على الإصلاح، أي الخطتين يختار، وأيتهما ~~ترجى منه منفعتها، ويؤمن فيها على وقته وجهده من الضياع والفوات. # إن هذا المصلح الذي تمت له عدة الإصلاح وقيادة الأمة في طريق التقدم والحرية قد جرب ~~السياسة فلم تثمر له ثمرة يرضاها. # إنه آمن بأن عمل السنين في السياسة والاعتماد على الساسة قد يضيع ولا يبقى من أثره ما ~~ينفع، بل قد يبقى من أثره ما يضر ولا تمحو ضيره الأيام والسنون، ولكن عمل السنين في تربية ~~الأمة وتعليمها لن يضيع ولن يذهب سدى، ولن يندم عليه العامل ولا الأمة التي يعمل لها، قصرت ~~بها الطريق أو طالت إلى غايتها من التقدم والحرية. # إنه ابتلي من السياسة والساسة بتلك الخيبة التي بغضتها إليه وأورثته تلك المرارة ~~«النفسية»، التي جعلت كل عمل فيها غصة لا تطاق وأذى لا يحتمل، ونفرته منها ذلك النفور ~~الذي يصد العزيمة عنها ويدحض الرجاء فيها، وليس من طبيعة الغيرة الصادقة أن تمضي إلى وجهة ~~تصد عنها أو تخدع النفس من السعي الذي لا رجاء فيه، ms102 فليس له ولا لأحد أن يصرفه عن العمل ~~الذي يرجو جدواه، ليكرهه على العمل الذي لا يجدي عنده، وإن أجدى كثيرا أو قليلا عند ~~غيره. # وأيا كان رأي التاريخ في جدوى الخطتين على قضية مصر، فلا خلاف في رجحان كفته على كفة ~~خصومه بميزان الصدق والإخلاص والمروءة الجديرة بأمثاله من دعاة الإصلاح؛ لأنه آمن بخطته ~~ولم يعطل على أحد خطة يؤثرها ويطمئن إلى عقباها، ولكن خصومه قد سوغوا أسوأ ظنونه في السياسة ~~يوم صدوه عن طريقه ونصروا عليه أعداءه وأعداء رسالته الباقية، وكان أسوأ ما صنعوه أن يحسبوا ~~عليه حماية القانون لمنصبه إخلالا بالوطنية، وهم يحمدون لولي الأمر أن يطأطئ رأسه لراية ~~الاحتلال كي يغنم من المحتلين إغضاءهم عن عبثه بوظائف الحكومة، وهو لا يرمي بذلك العبث إلى ~~شيء غير محاربة العلم واتهام الدين بما هو بريء منه؛ إذ يجعله حائلا بين المسلم وبين علوم ~~الحضارة في القرن العشرين. # الفصل العاشر # | في الأزهر # وقفنا بتاريخ الأزهر الحديث عند أوائل النصف الأخير من القرن التاسع عشر، وهو يومئذ حومة ~~صراع خفي بين طلاب الإصلاح المجددين وبين شيعة الجمود والتقليد من المحافظين على القديم؛ ~~إذا تولاه شيخ عصري، أو شيخ فتى بالقياس إلى شيوخه المعمرين، سعى سعيه البطيء إلى تنظيم ~~الإدارة وترتيب أوقات العمل ومواعيد الامتحانات وشروطها دون مساس بجوهر التعليم من موضوعات ~~الدروس وكتب التدريس وأشخاص المدرسين، وإذا أحس ولاة الأمر بادرة السخط على هذا النصيب ~~المقتصد من الإصلاح البطيء، أعادوا إليه شيخا من المشهورين بالتعصب للقديم، وأعادوا الأزهر ~~في الحقيقة إلى ذلك الشيخ ليتولى عنهم ستر نياتهم نحو الإصلاح، ويدفع عنهم بجموده وتقليده ~~شبهات العدوان على حرمات هذا المعهد العتيق، بل شبهات العدوان على حرمات الدين؛ إذ كان كل ~~تغيير في المألوف بينهم لا يقل عن سبة الخروج من الدين. # وكانت الحكومة - كما تقدم - تخشى أن تتعرض لهذه الشبهات في زمن تكاثرت فيه الشبهات ~~عليها من سياستها الأجنبية، وأوشكت هذه السياسة أن تجعلها رهينة بالسلطان الأجنبي في أمور ~~القضاء والتشريع، ms103 وفي أمور «الامتيازات الأجنبية» على التعميم، فلم تكن لها بقية من السمعة ~~الحسنة في هذا الباب تجازف بتعريضها للثورة عليها من رجال الدين، في أكبر معاهد الإسلام، ~~فاتبعت مع الأزهر خطة الانتظار، وآثرت أن تتلقى طلب الإصلاح من أهله فتلبيه، وظلت على ~~هذه الخطة لا تجرؤ على تبديلها إلى ما بعد الاحتلال البريطاني واستيلاء المحتلين علانية على ~~دواوين الحكم بدعوى الإصلاح والتنظيم. # عندئذ تحول الموقف كله من جانب السلطة الشرعية أو سلطة الخديو بمعزل عن وزرائه ~~وموظفيه، فإن استئثار المحتلين بدعوى الإصلاح والتنظيم في دواوين الحكومة جميعا لم يدع ~~له مكانا يعمل فيه منطلق اليدين غير الجامع الأزهر وديوان الأوقاف والمحاكم الشرعية، وهي ~~الجهات الدينية التي أمسك المحتلون عن التعرض لها، إلا فيما يتعلق منها بميزانية الدولة ~~كوظائف القضاة الشرعيين وموظفي المحاكم الشرعية، فأصبح من هم الخديو أن يدفع عنه تهمة ~~العجز عن الإصلاح والتنظيم فيما بين يديه من الدواوين والمعاهد، فإن هذا العجز حجة عليه ~~وعلى الحكم الوطني برمته في أيدي السلطة الأجنبية، وبرهان محسوس يرتكن إليه المحتلون - أمام ~~العالم - كلما التمسوا ذلك البرهان المحسوس للحجر عليه وعلى أداة الحكم التي ترتبط بها ~~«المصالح الأجنبية» ودعوى الامتيازات. # ومع هذه الضرورة الملحة على ولي الأمر لم يجرؤ على «اقتحام العقبة» بغير تمهيد يعفيه من ~~تهمة التهجم على حرمة المسجد وتقاليد الدين، فدبر مع المخلصين من طلاب الإصلاح «حيلة ~~شرعية» للبدء بالإصلاح المطلوب، واتفقوا على استفتاء شيخ الجامع الزهر ومفتي الديار المصرية ~~في مسألة العلوم التي يجوز تدريسها بالجامع، ولا تعتبر العناية بها في أماكن العبادة مخالفة ~~للتقاليد الإسلامية، وكلفوا عالما تونسيا فاضلا - هو الأستاذ محمد بيرم أشهر علماء ~~جامع الزيتونة في عصره - أن يتوجه بهذا الاستفتاء إلى الشيخ محمد الإنباني شيخ الجامع ~~يومذاك (1305ه/1887م)، فكتب إليه بعد تمهيد وجيز: ~~... ما قولكم رضي الله عنكم، هل يجوز تعلم المسلمين للعلوم الرياضية مثل الهندسة ~~والحساب والهيئة والطبيعيات وتركيب الأجزاء المعبر عنها بالكيمياء وغيرها من سائر ~~المعارف، لا سيما ما ينبغي عليه منها ms104 من زيادة القوة في الأمة بما تجاري به الأمم ~~المعاصرين لها في كل ما يشمله الأمر بالاستعداد؟ بل هل يجب بعض تلك العلوم على ~~طائفة من الأمة، بمعنى أن يكون واجبا وجوبا كفائيا على نحو التفصيل الذي ذكره ~~فيها الإمام حجة الإسلام الغزالي في إحياء العلوم ، ونقله علماء الحنفية أيضا ~~وأقروه، وإذا كان الحكم فيها كذلك، فهل تجوز قراءتها مثل ما تجوز قراءة العلوم ~~الآلية - من نحو وغيره - الرائجة الآن بالجامع الأزهر وجامع الزيتونة والقرويين ... ~~أفيدوا الجواب لا زلتم مقصدا لأولي الألباب. # وقد كان الأستاذ الإنباني يعلم مصدر الاستفتاء، فلم يهمله كما أشار عليه بعض أعوانه، وكتب ~~في جوابه ما يلي: ~~... يجوز تعلم العلوم الرياضية مثل الحساب والهندسة والجغرافية؛ لأنه لا تعرض ~~فيها لشيء من الأمور الدينية، بل يجب منها ما تتوقف عليه مصلحة دينية أو دنيوية ~~وجوبا كفائيا، كما يجب علم الطب لذلك - كما أفاده الغزالي في مواضع من الإحياء - ~~وأن ما زاد عن الواجب من تلك العلوم مما يحصل به زيادة في القدر الواجب فتعلمه ~~فضيلة، ولا يدخل في علم الهيئة الباحث عن أشكال الأفلاك والكواكب وسيرها علم ~~التنجيم المسمى بعلم أحكام النجوم، وهو الباحث عن الاستدلال بالتشكيلات الفلكية ~~على الحوادث السفلية، فإنه حرام كما قال الغزالي وعلل ذلك بما محصله أنه يخشى من ~~ممارسته نسبة التأثير للكواكب والتعرض للإخبار بالمغيبات، مع كون الناظر قد يخطئ ~~لخفاء بعض الشروط. وأما الطبيعيات، وهي الباحثة عن صفات الأجسام وخواصها وكيفية ~~استحالتها وتغيرها كما في الإحياء في الباب الثاني من كتاب العلم، فإن كان ذلك ~~البحث عن طريق أهل الشرع، فلا منع منها كما أفاده العلامة شهاب الدين أحمد بن حجر ~~الهيتمي في جزء الفتاوى الجامع للمسائل المنتثرة، بل لها حينئذ أهمية بحسب أهمية ~~ثمرتها، كالوقوف على خواص المعدن والنبات المحصل للتمكن في علم الطب، وكمعرفة عمل ~~الآلات النافعة في مصلحة العباد، وإن كان على طريقة الفلاسفة فالاشتغال بها حرام؛ ~~لأنه يؤدي للوقوع في العقائد المخالفة للشرع كما أفاده العلامة المذكور. ms105 نعم، ~~يظهر تجويزه لكامل القريحة الممارس للكتاب والسنة، للأمن عليه مما ذكرنا قياسا ~~على المنطق المختلط بالفلسفة على ما هو المعتمد فيه من أقوال ثلاثة ثانيها الجواز ~~مطلقا، ونسبه الملوي في شرح السلم للجمهور، وثالثها المنع مطلقا ونسبه صاحب السلم ~~لابن الصلاح والنووي. قال الملوي: ووافقهما على ذلك كثير من العلماء، ولما كان ~~الإمام النووي ممن يقول في المنطق بالمنع مطلقا مشى على نظير ذلك في الطبيعة، ~~فعد في كتاب السير من الروضة من العلوم المحرمة علوم الطبيعيات بدون أن ~~يفصل، لكن حيث يعتمد التفصيل هناك فلنعتمده هنا؛ إذ لا فرق في ذلك، فإن مظنة ~~الضرر والنفع موجودة في كل منهما ... # إلى آخر الجواب مما يدل عليه أوله المتقدم. # وبعد أسبوعين من صدور هذه الفتوى من قبل شيخ الأزهر - الشافعي - صدرت الموافقة عليها من ~~مفتي الديار المصرية، وهو حنفي المذهب، فقال: إن «ما أفاده حضرة الأستاذ شيخ الإسلام موافق ~~لمذهبنا، وما استظهره من أن الخلاف الجاري في علم المنطق يجري في علم الطبيعة أيضا وجيه، ~~والله سبحانه وتعالى أعلم.» ~~••• # ويستطيع الناظر في تضاعيف هذه الفتوى أن يلمح منها أنها تفتح الباب فيما أباحته للتفرقة ~~بين طريقة وطريقة وغاية وغاية، ولا سيما في المنطق والطبيعيات، فلا يشق على المعارض في ~~تدريس علم منها أن يؤجل تدريسه على الأقل إلى أن يثبت خلوص الكتاب المقرر من الشوائب ~~الممنوعة، وابتعاد المدرس له عن مذهب الفلاسفة أو مذهب المنجمين، ولا يصعب على المعترض أن ~~يحسب الإنباء عن مواعيد الكسوف والخسوف والقرانات الفلكية المحققة افتياتا على الغيب، ~~لجواز الخطأ فيها على الناظر كما جاء في الفتوى. # وتلك كانت النية منذ صدرت الفتوى اضطرارا بهذا التحفظ والتقييد، فإن الشيخ قد أصدرها وهو ~~ينوي تعطيل برنامج الإصلاح بأمثال هذه الحجج التي لا تعيي أحدا يريدها بعد السير في ~~خطوات التنفيذ العملية. وقد عاد الشيخ محمد عبده من المنفى، واقترح على الشيخ الإنبابي هذا ~~تدريس مقدمة ابن خلدون، فلم يجبه إلى مقترحه وقال: «إن العادة لم تجر بذلك ms106 ...» ثم سكت ~~حين أراد الشيخ محمد عبده أن يبين له وجه المشابهة بين المقدمة وما يدرس من كتب المتأخرين ~~على عهده، ولم يرد أن يدخل في الحديث. ~~••• # لا جرم يكون صدور هذه الفتوى العقيمة هو كل ما تم من «مشروعات» هذا الإصلاح، فلم تزل ~~حبرا على ورق إلى العهد الذي أنشئ فيه للأزهر مجلس خاص لوضع الفتوى في موضع التنفيذ، ~~وكان الشيخ محمد عبده عضوا فيه، وقد عين للأزهر وكيل ذو كفاية وخلق، له «شخصية قوية» ~~لا يسهل إهمالها، وهو الشيخ حسونة النواوي من أصدقاء الشيخ محمد عبده، وأركان المدرسة ~~الجديدة من بين العلماء المجددين، وقد اتفقت الآراء على اختياره ليحول دون تعطيل ~~«المشروعات» عند تطبيقها، إذا صدرت بها القوانين والمراسيم. # مضى بين اتصال الشيخ محمد عبده بالأزهر وصدور تلك الفتوى نيف وعشرون سنة، حضر فيها مراحل ~~هذه الحركة من بداءتها الأولى وهو طالب ومدرس ومشرف على الإدارة والتدريس. # وصل إلى الأزهر طالبا حوالي سنة 1866 ميلادية، فاجتهد لنفسه في البحث عن أساتذته ودروسه، ~~ثم أغناه حضور جمال الدين إلى مصر عن المعلمين فيما يحتاج إلى المعلم، وأغناه ذكاؤه وصبره ~~عن الكتب المقروءة في حلقات التدريس؛ إذ كان يبحث عن الكتاب المفيد حيث أصابه، فيقرؤه لنفسه ~~ويجني منه خير ما يجني من الفائدة في زمن وجيز، يريحه من حضور دروسه على المعلمين ~~«التقليديين»، وكثيرا ما يكون من غير الكتب المقررة لدراسة الحلقات. # وقد مر بنا كيف كان الناشئ محمد عبده يبتلى بالنقيضين على مفترق الطريق في معاهد تعليمه ~~منذ صباه، ولكن مفترق الطريق هذا كان في عهده الأول بالأزهر على أبعد ما تكون الشقة بين ~~النقيضين، فقد كان من طرف الجمود يترامى إلى زاوية الجمود السحيقة في كهف الشيخ محمد عليش، ~~وكان من طرف التجديد يترامى إلى غاية مرماه، حيث تتطامن العقبات والسدود، في ساحة جمال ~~الدين، بل في ميدان جمال الدين. # وقد كان الشيخ محمد عليش رجلا صالحا عفيفا عن المطامع الدنيوية التي كانت تستهوي طلاب ~~المظاهر من علماء ms107 عصره، وكان مخلصا صادق النية في كراهة البدع التي يخشى منها على الدين، ~~ولكنه إخلاص قاده إلى التطرف الشديد، وأوشك أن يبغض إليه كل تفكير يستقل به طالب العلم، ولو ~~كان من تفكير حكماء الإسلام. # وأبلغه ابنه يوما أن طالبا بالأزهر يحضر على جمال الدين ويقرأ كتب المعتزلة ~~والمتكلمين، فحمل عكازه وذهب مع ابنه وأصحابه الشبان إلى حيث يجلس ذلك الطالب الجريء، ودارت ~~بين العالم الكبير والطالب الناشئ مشادة، أحرى أن تسمى مشاجرة؛ لأنها انتهت إلى التماسك ~~بالأيدي واعتصام العالم الكبير بعكازه، وألجأت الطالب الناشئ إلى اصطحاب عصاه كلما ذهب إلى ~~حلقته؛ ردا لعادية الزملاء المستأنسين بحماية شيخهم، إن لم يكن ردا لعادية الشيخ ~~الوقور. # وتقدم إلى امتحان شهادة العالمية، وهو بهذه السمعة في دوائر الجامدين ودوائر المجددين، ~~فدخل أعضاء اللجنة وهم متعاهدون على إسقاطه كيفما كانت إجابته على أسئلتهم التي قدروا أن ~~تكون معجزة لمثله، فلم يستطيعوا أن يحرموه بعد العنت والمكابرة، بل لم يستطيعوا أن يكتفوا ~~بمنحه الدرجة الصغرى وهي شهادة اللجنة من الدرجة الثالثة، حتى أنقذه منهم بعض الإنقاذ رئيس ~~اللجنة ورئيس الجامع في ذلك الحين الشيخ «المهدي العباسي»، أحد كبار العلماء المناصرين ~~لحركة التجديد وإن لم يكن من المحبين لجمال الدين، وأقسم الرجل أنه لو عرف درجة فوق الأولى ~~لما استكثرها عليه، وكادت اللجنة أن تنفض على غير اتفاق، لولا خشية العاقبة من مجابهة شيخ ~~الجامع بالتحدي والإجحاف، فاقترح بعض الأعضاء التوسط بين الدرجتين، واتفقوا أخيرا على منحه ~~الدرجة الثانية، ثم رفعت هذه الدرجة إلى الأولى بعد سنوات، وكانت سنه في نحو الثامنة ~~والعشرين حين دخوله الامتحان (1887). # وبعد التدريس في الأزهر نحو سنتين عين أستاذا بدار العلوم (1879)، وفصل منها بعد ~~أشهر معدودات لغير سبب مذكور في قرار فصله، ولكنه كان مفهوما بين المطلعين على سياسة ~~القصر قبيل الثورة العرابية، فإنه كان قد عرف بالدعوة في دروسه إلى المبادئ الخطرة التي ~~أشارت إليها الحكومة في قرار نفيها للسيد جمال الدين، وكان أكثر من ذلك تلميذ جمال الدين ms108 ~~الأول، فكان خطر جمال الدين أهون عليهم من خطر هذا التلميذ، وهم يكلون إليه تعليم ~~المعلمين! # أي مكان أسلم - أسلم للحكومة الخديوية - تضع فيه المدرس المعزول من وظيفة التدريس ~~للمعلمين؟ # إن السؤال عن المكان المأمون الذي يشغله هذا الفتى الريفي قد أصبح في تلك الآونة شغلا ~~للدولة تعنى به، مع عنايتها بكل مكان تتوقع منه الخطر على وجودها، ولم يمض على هذا الفتى ~~الريفي في الثلاثين من عمره سنتان، أو سنوات ثلاث، في الحياة العامة حتى أصبح في رأي الدولة ~~واحدا من آحاد معدودين يحسب لهم حسابهم عند كل حركة من حركاتهم، بل كل نية تحسها الدولة ~~من نياتهم! # نعم، إنه في حالته وبيئته و«مؤهلاته» التقليدية واحد من عدة آلاف لا يعرف لهم اسم ولا ~~يحسب لهم حساب، ولكنه في نفسه، أو في هموم نفسه وآمالها، واحد لا ثاني له من غراره، وإن ~~يكن في توقع الخطر منه واحدا من بضعة آحاد معدودين، خارج الوظائف والدواوين. # ولقد عزل من وظيفة التدريس بدار العلوم وهو عالم من علماء الأزهر، فإذا كان تعليمه هو ~~الخطر المحذور، فهو عائد إلى التعليم في مدرسة أكبر باتساعها وأخطر بقدوتها من دار العلوم، ~~وهي الجامعة الأزهرية ما لم تشغله عنها وظيفة يرضاها، وقد أخذ في ذلك الحين ينشر مقالاته في ~~الصحف، ويجمع حوله طائفة من قراء أدبه والمعجبين بآرائه، فإذا خلي بينه وبين الصحافة ~~فمن ذا يعلم العاقبة المنتظرة بعد قليل؟ وماذا يمنع أن تتيح له الظروف لسانا من ألسنة ~~الصحافة السيارة، يستقل به ويملي منه دروسه التي حيل دون إملائها بين الجدران في دار ~~العلوم؟ # إن التحرير عمل يناسبه، فليكن إذن محررا في صحيفة الحكومة بين سمعها وبصرها، ~~وليؤخذ عليه سبيل التدريس في الأزهر والكتابة في الصحافة السيارة، بعمل يعجبه في ظاهره ~~ويحد من نشاطه المحذور في باطنه، وهو تحرير الوقائع المصرية، تحرير الصحيفة التي يدل اسمها ~~عليها، وهو نشر الوقائع الرسمية. # لو قال قائل: إن هذا الإنسان خلقة مجبولة للتعليم، وإن رمق الحياة ورمق ms109 التعليم فيها شيء ~~واحد. لما وصل إلى حدود الإغراق الذي تبيحه المبالغة للمبالغ في مثل هذا المقام. # فإنه عزل من مدرسة التعليم للمعلمين ليلحق بمكان يقال فيه بحق إنه آخر مكان ينتظر ~~منه إلقاء الدروس، وإنه المكان الذي لا يقع في أن الدروس تلقى منه على الأمة وعلى ~~الحكومة، وهما على أبواب ثورة قلما تجمعهما على وفاق. # ولكن صحيفة الوقائع الرسمية تحولت على يد هذا المحرر «الرسمي» إلى منبر لنشر الدعوة ~~وإعلان الشكوى، وإسماع الحكومة ما تريد أن تسمعه وما لا تريد أن يسمع بحال، وقال الشيخ ~~محمد عبده على صفحاتها كل ما كان قائله لو تكلم في حلقات الأزهر أو على منصة التدريس بدار ~~العلوم. # ولا تتسع هذه المناسبة لأكثر من الإشارة إلى عناوين بعض المقالات التي نشرها للناس باسم ~~الوقائع الرسمية، ومنها مقال في انتقاد التعليم بوزارة المعارف، ومقال عن التربية في ~~المدارس والمكاتب الأميرية، ومقال في الحملة على الرشوة، ومقال في الإنحاء على البدع التي ~~تصدر من نظارة الأوقاف، ومقال عن تأثير التعليم في العقيدة، ومقال عن الشورى، وآخر عن ~~اختلاف القوانين باختلاف الأمم، وآخر عن الملكات والعادات، وآخر عن تعدد الزوجات، ~~وآخر عن إسراف الفلاح وضرر الديون وغيرها قرابة أربعين مقالا، أو أربعين درسا، في أمثال ~~الشئون القومية التي يتجه فيها الخطاب إلى الأمة والحكومة، وتلام فيها كلتاهما بمقدار حقها ~~من الملام. # ولم يهمل شأن الأزهر وهو يتكلم عن إصلاح التعليم ويتصل برئيس الوزارة بحكم وظيفته في ~~الصحيفة الرسمية، فكل ما عملته الوزارة الرياضية من أعمال الإصلاح وتنظيم الإدارة بالأزهر، ~~فإنما على علم منه بمشورته وبفضل وساطته بين الحكومة وعلمائه، ولكن الثورة العرابية شغلت ~~علماء الأزهر يومئذ عن مسائل التعليم والإدارة، وضمت الكثيرين منهم إلى جانب الثائرين في ~~وجه الخديو بعد انضمامه إلى السلطة الأجنبية، وكان الشيخ محمد عبده أحد العلماء الذين كانوا ~~يأخذون العهد والقسم من الثائرين على الإخلاص والأمانة، وجوزي على ذلك بالنفي إلى خارج ~~الديار ثلاث سنوات امتدت إلى سبع سنوات، ولم ينقذه ms110 من حكم الموت إلا تلك الصلة القديمة التي ~~سبقت له مع الوزارة الرياضية. ~~••• # وعاد إلى الاتصال بالأزهر على إثر عودته من منفاه، ولكنه حيل بينه وبين الانقطاع ~~للتدريس فيه بإسناد الوظائف المختلفة إليه، وكانت أول مشاركة له في وظائفه تعيينه عضوا ~~بمجلس إدارته (سنة 1894)، ثم تعززت مكانته الرسمية بولايته منصب الإفتاء بعد ذلك بخمس ~~سنوات، وكان وجود مثله عضوا بمجلس الإدارة كافيا لإخراج الفتوى القديمة - فتوى الشيخ ~~الإنبابي - من حيز القول المهمل إلى حيز العمل الفعال، ولكن قيامه على منصب الإفتاء رجع ~~بالفتوى إلى صاحبها، وأغنى العاملين على الإصلاح داخل الأزهر وخارجه عن مهمة التوفيق بين ~~الوعد والإنجاز، وبين النية والتنفيذ. ~~••• # وقد كان في وسع الشيخ محمد عبده وأعوانه الثقات أن ينجزوا في ثلاث سنوات، أو أربع سنوات، ~~ما استغرق إنجازه منهم أكثر من عشر سنين، وهي المدة التي أشرف فيها الشيخ محمد عبده بشخصه ~~على إدارة الأزهر، منذ تعيينه عضوا بمجلس الإدارة إلى استقالته من منصب الإفتاء، ولكنه ~~آثر أن يتمهل اختيارا لتسويغ الانتقال من القديم إلى الجديد في نفوس أنصار القديم ~~المتشبثين ببقائه بين الموافقة باللسان والمراوغة في التنفيذ، واضطر في كثير من الأحيان إلى ~~التمهل اضطرارا لتراجع ولي الأمر - الخديو عباس الثاني وحاشيته - في وعودهم، وعدولهم عن ~~العمل على التغيير الصريح إلى مراوغة كمراوغة الشيوخ الجامدين بين الموافقة اللسانية ~~والتعويق في التنفيذ، ولكن دعاة الإصلاح تمكنوا - مع هذه التعويقات - من إقامة الأسس التي ~~يصعب على المعارضين أن يهدموها بعد إقامتها، وكان عملهم مدى السنين العشر أعظم مما يتسع له ~~هذا الأمد القصير بالقياس إلى القرون المتوالية التي تم تبديلها في خلالها، بعد الشروع فيه ~~والعدول عنه واستمرار الدعوة إليه أعواما إثر أعوام. # ويطول بنا بيان التشريعات والإجراءات الإدارية التي تقضي المراسم الضرورية باستصدارها قبل ~~كل خطوة تخطو في تغيير شيء من القديم واعتماد شيء من الجديد، ولكن المقارنة السريعة بين ما ~~كان عليه الأزهر في السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر، وما صار إليه في مطلع هذا ms111 القرن ~~العشرين هي الأثر العملي المحسوس لجميع تلك التشريعات والإجراءات في حيز التقرير ~~والتنفيذ. # كانت سيئات الإدارة لا تحصى، وكانت حسناتها القليلة تجري - إذا جرت - عفوا على غير ~~نظام. # كان مشايخ الأزهر يوزعون المرتبات والجرايات على غير قاعدة مرعية، حسبما يتجمع عندهم من ~~محاصيل الأوقاف المحبوسة على أتباع المذاهب أو على أبناء الأقاليم، فربما هبطت مكافأة ~~العالم في الشهر إلى ما دون العشرين قرشا أو ارتفعت إلى بضعة جنيهات، ولا ضمان لعودتها في ~~السنة التالية إذا تغير الشيوخ واختلف حساب الأوقاف، واختلف معه حساب توزيعها بين الشيوخ ~~والمقدمين على الأروقة والأقسام. # وكان شأن كساوي التشريفة كشأن المرتبات والجرايات، يختص بها الشيخ الأكبر من يشاء من ~~أبناء مذهبه أو إقليمه أو خاصة أشياعه ومريديه، ولا وجه لمراجعته أو الاحتجاج عليه عند هيئة ~~مسموعة الكلمة في الجامع، أو عند ولاة الأمور من الولاة والوزراء. # ولا ينتظر في مثل هذه الحالة أن يجري عمل المدرسين والطلاب على وتيرة مطردة، أو تجري ~~رقابة التدريس كله على مبدأ معروف، فمن شاء من الأساتذة أو التلاميذ حضر حلقات الدرس، ومن ~~شاء منهم غاب عنها ولم يسأل عن حضوره أو غيابه، وليس للعمل أو للإجازة أو الامتحان موعد ~~مقرر في سنة من السنين، فإذا قيد الطالب اسمه بين مستحقي الجراية أو السكن بأروقة ~~الجامع، فقد يحسب من طلابه إلى أن يتجاوز الستين ولا تنقطع جرايته ما دام من المرضي ~~عنهم بين شيعة صاحب الرواق. # وكانت العلوم الحديثة محرمة لا تدرس ولا يرضى عن طلابها في غير الحلقات الأزهرية، ~~وكانت علوم السلف التي تنسب إلى الفلاسفة أو المعتزلة قرينة بتهمة الكفر والزندقة، ومن ~~اشتغل بها معلما أو متعلما فسبيله أن يعتزل الجماعة خفية ... ولا سلامة له باعتزالهم جهرة ~~على سنة الأقدمين ممن اشتهروا بالاعتزال. # وكانت تدبيرات الصحة مهملة، بل كادت أن تكون ممنوعة، لقلة اطمئنان العلماء الجامدين إلى ~~المواد التي تستخدم للتعقيم والتطعيم، بل قلة اطمئنانهم إلى أقوال الأطباء في عدوى ~~الجراثيم، ولولا أن النظافة أدب من آداب ms112 الإسلام لما تقبل القائمون على إدارة الجامع ~~عملا من أعمال الوقاية في أزمنة الوباء، غير الأمر بإغلاق الجامع ووقف الشعائر والدروس في ~~أروقته، وهو الأمر الذي يتحرج منه المسئولون ويحتالون له بمختلف الحيل كلما استطاعوا أن ~~يتجنبوه بالإعلان الصريح. # وتبدل ذلك كله في سنوات قلائل، وأول ما تبدل منه أمر العناية بالتدبيرات الصحية، ~~فأنشئت للجامع صيدلية خاصة، وعين له طبيب منقطع لعلاج طلابه والكشف عليهم ~~بالمجان. # ولم يكن باليسير تنظيم أعمال التدريس بغير تنظيم أوقات العمل والمرتبات؛ إذ لم يكن للأزهر ~~مورد محصور عند المراجع الرسمية، يصرف منه على المرتبات الكافية لمدرسيه المعتمدين، فسعى ~~الشيخ محمد عبده عند الوزارة لتخصيص مبلغ من ميزانية الدولة تنفق منه على الدراسة في ~~الأزهر، وكانت حجة الشيخ على المستشار المالي الإنجليزي - الذي كانت له الرقابة على ~~الميزانية - أن الأزهر يخرج الموظفين لدواوين الحكومة من القضاة الشرعيين، فالإنفاق عليه ~~واجب حكومي كالإنفاق على مدارس الحقوق والشرطة والمعلمين، وواصل الشيخ سعيه عند ديوان ~~الأوقاف حتى أرصدت في ميزانيته مبالغ سنوية للجامعة الأزهرية، وكان من فتواه للديوان أن هذا ~~المصرف جائز، بل مفروض على الديوان، في مقدمة مصارفه الخيرية، وأولها الصرف على تعليم الدين ~~وإعداد الوعاظ والأئمة للمساجد التي تقام فيها الصلوات الجامعة، فتوافر للأزهر مدد من ~~ميزانية الحكومة وميزانية الأوقاف يكفي لتنظيم التدريس ورفع المرتبات إلى مستواه اللائق ~~بطبقة العلماء، وأقله في مبدأ الأمر لا يقل عن اثني عشر جنيها مشاهرة، عدا الإعانات ~~المرصدة من بعض الأوقاف الخاصة، ومنها أوقاف السكن والجراية. # وتقرر تدريس العلوم الحديثة مع الترغيب فيها بالمكافأة الحسنة، والترشيح لوظائف القضاء ~~والتعليم. # إن المصاعب التي وجب تذليلها لوضع هذا التغيير موضع التنفيذ أطول شرحا من وجوه الإصلاح ~~بكل ما اقتضاه بحثها وترتيبها والمضي في تنفيذ قوانينها وإجراءاتها، ولكن القارئ الذي لم ~~يشهد ذلك العهد قد يتمثلها أمامه كلما تذكر الموانع التي كانت تعترض هذا التغيير، وتذكر ~~القوى الظاهرة والخفية التي كانت تدعم تلك الموانع، وما تستطيع أن تثيره من زوابع القلق ~~والسخط في ms113 أنحاء العالم الإسلامي بما رحب، فضلا عن جوانب الأزهر وجوانب المدينة المصرية، ~~والقرية المصرية، التي عرفنا علاقتها المتأصلة بذلك المسجد العتيق. # من تلك الموانع منافع الشيوخ الذين رفعت أيديهم عن موارد الأوقاف، وامتنع عليهم جاه ~~التصرف بكساوي التشريف ومنازل العلماء في المجتمع وعند ولاة الأمور. # ومن تلك الموانع لبانات المقدمين على الأروقة وأهواؤهم التي انقضى زمانها بانقضاء زمان ~~التحكم في الجرايات والمساكن والطلاب والعلماء. # ومنها جاه العلم الذي ضاع على زمرة «السلفيين» الجامدين، بعد أن حفظوه لأنفسهم دون ~~«الدخلاء» عليهم من رجال العلوم الدينية والعلوم «الدنيوية» على السواء. # ومنها جيوش الطلاب والمتطلعين إلى الطلب ممن أحسوا وعورة الطريق بعد اقترابهم من ~~نهايتها الميسرة لهم على «النظام» القديم، وقد يزيد عليهم في العدد طلاب «الجراية» ~~والمسكن بغير أمل في نهاية قط على نظام قديم أو جديد. # ومنها قوة الجهل المطبق والظن السيئ في عقول الدهماء الذين سمعوا من «الأئمة» المصدقين أن ~~القول بدوران الأرض كفر بواح، وأن معلم الجغرافية مسخر من أعداء الدين ليعلم أبناء ~~المسلمين أنها كرة مستديرة دوارة في الفضاء، وأكفر منه من يعلمهم الطبيعيات ... لأن القول ~~بالطبيعة إنكار لوجود الله وإثبات لوجود المخلوقات بطبيعتها دون وجود الخلاق. # ومنها - ولعله يجمعها بحذافيرها - سلطان ولي الأمر؛ إذ أدرك بعد حين أن الإصلاح قد فوت ~~عليه سلطانه وفوت عليه الغنيمة التي يجنيها لنفسه ويغدق منها الأجور على خدامه ~~وحواشيه. ~~••• # ونقول إن مناوأة الأمير لحركة الإصلاح الأزهرية تجمع تلك الموانع والعراقيل بحذافيرها، ~~اعتبارا بما عهدناه من أساليب الأمراء والملوك في اضطهاد المصلحين من رعاياهم كلما وقع ~~الصدام بين أرباب التيجان ودعاة الإصلاح منذ أقدم العصور، فإن الملوك والأمراء الذين يضيقون ~~ذرعا بدعوات الإصلاح قد جرت عادتهم قديما باستفزاز رعاياهم واستثارة الجهلاء والمغرضين ~~على قادة الرأي فيهم، لمداراة سلطتهم وإخفاء مكيدتهم وتمويه سياستهم على الناس، كي يتقبلوها ~~منهم كأنها استجابة لرجائهم وتلبية لمطالبهم وغيرة على عقائدهم وشعائرهم، فيحمدهم الناس على ~~شرورهم وهم أحرى أن يضاعفوا لهم المقت بما أصابوا من أفهامهم وعقائدهم فوق ms114 مصابهم في ~~المصالح والأرزاق. وقد كان الملوك والأمراء يخدعون شعوبهم هذه الخديعة وهم وحدهم في بلادهم ~~منفردون بسلطة الحكم وجاه الولاية، فأما الخديو عباس الثاني فقد كانت معه سلطة أخرى في ~~بلاده أقوى منه وأقدر على كبحه والحد من مآربه وأطماعه، فكانت حاجته إلى استثارة الجهلاء ~~باسم الدين تزيد على حاجة أسلافه من أهل بيته، وحاجة الأسبقين من زملائه في أساليب ~~الاضطهاد، وقد أسف غاية الإسفاف، وتبذل غاية التبذل، فلم يدع وسيلة يدرك بها ~~مأربه لم يتوسل بها غير مبال بما يعقبها من الأثر على سمعته وسمعة وطنه، بل على سمعة دينه ~~البريء مما يفتريه عليه وعلى أهله، ولم يتورع - وهو أمير البلاد - عن التحريض على إثارة ~~الشغب بين طلاب الأزهر وخدمته وعماله، ولا عن تسخير الصحف التي تتجر بنهش الأعراض ~~والمساومة على الفضائح والوشايات للافتراء على مخالفيه، وهم أعلم الناس بنزاهتهم عما يدعيه. ~~وخلع نقاب الحياء فلم يتورع عن اتهام الإسلام والمسلمين بكراهة العلم الحديث وتصوير العلوم ~~التي أدخلها المفتي إلى الأزهر في صورة الجناية على الدين، ولم يبال أن يعلنها حربا ~~دينية بين الكفر والإسلام؛ إذ تأتى له بذلك أن يقصي الشيخ محمد عبده وكبار الموظفين من ~~أعوانه عن إدارة الأزهر كما يقصيهم عن الإفتاء وديوان الأوقاف، بل تطوع بالوقوف تحت العلم ~~البريطاني لاستعراض جيش الاحتلال، لعله يضمن بذلك أن يكف يد العميد البريطاني عن معارضته ~~فيما يتعلق من تلك المسألة بالميزانية ونظام الدواوين! ~~••• # ومن البديهي أن الخديو قد عول على الدسيسة الخفية في تدبير هذه الحملة الواسعة على ~~المفتي وأعوانه بمجلس الإدارة ومجلس الأوقاف الأعلى، ولكن الدسيسة التي يتآمر عليها عشرات ~~من المغرضين والجامدين والمأجورين لا تكتم عن الناس في أوانها، وإن جازت فيها المغالطة أو ~~المكابرة بين أنصارها وخصومها، إلا أن التاريخ قد ينفض يديه من دسائس هذه الفترة جميعا ولا ~~يحتفظ بشيء من أخبارها غير مراسيم الخديو وخطبه المنشورة التي ألقاها في قصره، ولا حاجة ~~بالمؤرخ إلى بيان للدسيسة كلها أوضح من بيانها، فإنها ناطقة ms115 بدعواها الظاهرة عن مكيدتها ~~الخفية، ودعواها الظاهرة أن تدريس العلوم الحديثة في الجامعة الأزهرية خطر على الإسلام، وأن ~~المفتي وأعوانه قد أبعدوا من مناصبهم؛ لأنهم يصرون على تدريس تلك العلوم. # قال الخديو في الاحتفال بخلع الكسوة على الشيخ عبد الرحمن الشربيني شيخ الجامع الجديد: # إن الجامع الأزهر قد أسس وشيد على أن يكون مدرسة دينية إسلامية تنشر علوم ~~الدين الحنيفي في مصر وجميع الأقطار الإسلامية ... وأول شيء أطلبه أنا وحكومتي أن ~~يكون الهدوء سائدا في الأزهر الشريف والشغب بعيدا عنه، فلا يشتغل علماؤه وطلبته ~~إلا بتلقي العلوم الدينية النافعة البعيدة عن زيغ العقائد وشغب الأفكار؛ لأنه هو ~~مدرسة دينية قبل كل شيء. # وقد صدرت المراسيم بعد خروج الشيخ محمد عبده باختيار شيخين من الحزب القديم لأكبر المناصب ~~الدينية، وهما منصب الإفتاء ومنصب مشيخة الأزهر، فعين الشيخ عبد القادر الرافعي مفتيا ~~للديار، وعين الشيخ عبد الرحمن الشربيني شيخا للجامع الأزهر. فأما المفتي فقد توفي على ~~إثر تعيينه، فلم يؤثر عنه عمل ولا قول في برنامج التعليم الذي يرتضيه رجال العهد الجديد، ~~وأما شيخ الجامع الأزهر فقد صرح برأيه في حديث نشرته صحيفة الجوائب المصرية (13 مارس سنة ~~1905)، فقال عن رأيه في الغرض من إنشاء الأزهر: # إن غرض السلف من تأسيس الأزهر إقامة بيت لله يعبد فيه ويؤخذ فيه شرعه، ~~ويؤخذ الدين كما تركه لنا الأئمة الأربعة رضوان الله عليهم، وأما الخدمة التي قام ~~بها الأزهر للدين ولا يزال يؤديها فهي حفظ الدين لا غير، وما سوى ذلك من أمور ~~الدنيا وعلوم الأعصر، فلا علاقة للأزهر به ولا ينبغي له. # ثم قال عن إصلاح التعليم: # إن الذي حدث من شأنه أن يهدم معالم التعليم الديني فيه، ويحول هذا المسجد ~~العظيم إلى مدرسة فلسفة وآداب تحارب الدين وتطفئ نوره في هذا البلد وغيره من البلاد ~~الإسلامية ... وإني أسمع منذ سنوات بشيء يسمونه حركة في الأزهر، ولكني لم أر لهذه ~~الحركة وهذا الإصلاح من نتيجة تذكر سوى انتشار الفوضى في ربوعه. # ثم قرن بين ms116 حركة الإصلاح والسياسة فقال: # إني رأيت الكثيرين من إخواني خدمة العلم في منصب المشيخة، فوجدتهم أبعد الناس ~~عن الاشتغال بالسياسة وأشدهم فرارا من مظاهر الدنيا الباطلة. ~~••• # وهذا هو شرط «الأزهر» الصالح في عرف المشيخة التي اختارها ولي الأمر لتعتدل به من طريق ~~الزيغ والشغب إلى طريق الإيمان والأمان! # معهد يستبد ولي الأمر بإدارته وتعليمه ليستخدم سمعته الدينية في تعزيز سلطانه وتوفير ~~ثروته، ثم يكل المشيخة فيه إلى أناس يريدونه في القرن العشرين مدرسة كبرى لا تعرف شيئا ~~عن علوم «الأعصر»، ولا تدري شيئا عن الدنيا والديوان؛ لأن كل شيء عن الدنيا والديوان إنما ~~هو سياسة تترك لولي الأمر، ولا يحسن برجل الدين أن يعرض لها من قريب أو بعيد! # ومن تمام العلم بهذه السياسة التي نعاها الشيخ الصالح على المفتي وأصحابه أن نذكر أنها ~~سياسة في صميم العمل الأزهري؛ لأنها سياسة الحاكم الشرعية ومساجد العبادة والتدريس، وقد ~~كانت في صميم السياسة التي أدخلها المفتي في برنامج الإصلاح بعد ولاية الإفتاء، وعلى أساسها ~~تم الإصلاح اليسير الذي سمحت به الأحوال بعد ذلك بسنوات، ولكنه لم يسلم قط من دسائس ~~الخديو وحلفائه في دور التعليم وفي دور التوظيف؛ فقد كان من أصعب الأمور تخريج قضاة يحكمون ~~في المواريث، ويبرمون العقود والمواثيق، وينظرون في مشكلات الأسرة والوصاية على التركات وهم ~~لا يعرفون شيئا عن الحساب والرياضة وعن نظم الإدارة وتقاليد الدواوين، وكان أصعب من ذلك ~~حرمان طلاب الأزهر من وظائف المحاكم الشرعية قضائية وكتابية، وهم ألوف يتخرجون بلا عمل ولا ~~يستعدون بتعليمهم الأول لوظائف التدريس في المدارس الأميرية أو الأهلية، وقد كان الخديو أشد ~~المعارضين لإنشاء المدرسة الخاصة التي يتخرج منها القضاة الشرعيون، ولكنه كان لا يبالي أن ~~يعلن الوعد بإنشائها على حدة يوم كانت المسألة عنده مسألة الحملة على تدريس العلوم العصرية ~~في الأزهر، فقال في خطابه الذي تقدم ذكره عن تاريخ القضاة الشرعيين: «إنه ستنشأ له مدرسة ~~مستقلة يقصدها كل من يحصل على شهادة العالمية في الأزهر ويريد التوظف في القضاء.» ms117 # وبهذا الوعد الذي أعلنه وهو ينوي المراوغة فيه خيل إليه أنه يسكت طلاب الأزهر ~~وعلماءه عن تحريم العلوم، وعن تخريج القضاة والموظفين الشرعيين من مدرسة خاصة، غير الجامعة ~~الأزهرية! # أما إصلاح المساجد فقد كان مشروعا من مشروعات الإصلاح الكثيرة التي عني بها ذلك الرجل ~~المغضوب عليه؛ لأنه لا يترك موضعا للإصلاح بمكان يسند فيه إليه عمل، ولو كان من أعمال ~~الاستشارة والمراجعة. # كان المفتي - بحكم وظيفته - عضوا في المجلس الأعلى لديوان الأوقاف، ومن عملها الإشراف ~~على مساجد العبادة والتعليم في الأقاليم، فكان أول ما نظر فيه إنشاء إدارة مستقلة ~~بالديوان تسمى إدارة المساجد، وتتخصص لتعيين الأئمة والمدرسين في مساجد المدن والقرى التي ~~تتسع لإلقاء الدروس على مثال الدروس العصرية بالجامعة الأزهرية، ولزم من ذلك أن ترصد ~~النفقات لتدبير الوسائل الصحية في المساجد وما يلحق بها من أماكن الوضوء، وأن يختار الأئمة ~~من العلماء الأزهريين الذين يصلحون للخطابة والتعليم ونشر التربية العصرية عن طريق الوعظ ~~والإرشاد، وأن ترفع مكافآت الأئمة والوعاظ من جنيه واحد أو جنيهين في الشهر إلى المرتب ~~الذي يناسب طبقة العلماء والمدرسين، واشتمل التقرير المتقدم إلى المجلس الأعلى بديوان ~~الوقاف على تفاصل لهذه اللائحة - لائحة المساجد - تبسط الغاية من هذا المشروع لولاة الأمور، ~~وهي تزويد البلاد بقوة من قوى التربية الاجتماعية واليقظة الوطنية، تحقق للأمة مقصدا لا ~~يقل في أثره الواسع عن أثر المدارس والجامعات. # ولو كتب لهذا المشروع أن ينفذ على الوجه الأمثل لخلق تلك العناية في مدى سنوات، ~~ولكنه لم يكد ينتهي إلى علم الخديو قبل عرضه على المجلس الأعلى، حتى تحركت دواليب ~~الدسيسة لإحباطه والتشهير به في كل مكان، ولم يكن من السهل أن يجترئ أحد على التشهير بمشروع ~~كهذا المشروع لا يختلف في نفعه رأيان، ولكن الحجة التي لا يسندها الرأي قد تسندها حروف ~~المواثيق المطوية في أضابير الديوان، وليس في تلك المواثيق نص على المباخر الصحية، ولا ~~على دروس التربية الاجتماعية، وليس لكل مسجد وقف محبوس عليه يكفي لمرتب الإمام العالم ~~وتكاليف الدراسة ms118 العامة، وقد يجوز للناظر على الأوقاف عامة أن يرصد تكاليفها جملة ولا ~~يفرقها أجزاء ينفصل بعضها عن بعض بإداراته والإشراف عليه، ويجوز له أن يتمم النفقة على ~~المسجد بالنفقة على سائر الخيرات التي لم يقيدها الواقفون بوجه من وجوه الإنفاق غير وجوه ~~الإحسان، ولكن الناظر العام على الأوقاف يصنع ذلك إذا كان من همه أن يصنع الخير حيثما ~~السبيل وجد إليه، ولكنه يقف عند كل حرف من حروف الحجج المطوية إذا كان من همه غير ذلك، أو ~~كان من همه - على عكس ذلك - أن يغلق الباب دون كل مشروع من هذه المشروعات العامة تتحول إليه ~~مصارف الأوقاف وتخرج بذلك من قبضة يديه. وقد كان القاضي الأكبر في القاهرة لذلك الحين يتولى ~~منصبه بالإرادة السلطانية من دار الخلافة العثمانية، وكان ينقم على المفتي رأيه في استقلال ~~مصر عن السيادة التركية، وينقم عليه فوق ذلك مكانته في البلاد الإسلامية، وهو في رأي نفسه ~~أولى بتلك المكانة من مفتي القاهرة التابعة لمقر الخلافة في الآستانة، فلم يكن أيسر من حمله ~~على الحكم بمخالفة المشروع لشروط النظارة واحتجاجه على تنفيذه بغير إذن من صاحب الولاية ~~الشرعية، ولم تكن شئون المساجد مما يعرض على الوكالة البريطانية؛ لأنها من صميم المسائل ~~الدينية التي تعهدت باجتناب المساس بها فيما أعلنته من سياستها العامة، ولكن ولي الأمر ~~الشرعي أرسل اللائحة إلى دار الوكالة، ثم أبلغها احتجاج القاضي الأكبر عليها، وأراد مرة ~~أخرى أن يأباه الدين ويخشى أن يعرضه لاستنكار دار الخلافة وتدخل الوكالة البريطانية! ~~••• # أما الرجل المغضوب عليه؛ لأنه مصاب بداء الإصلاح ... فقد لاحقه ذلك الداء العضال إلى عقر ~~داره بعين شمس، ففارق الجامعة الأزهرية وهو يفكر في خطته الأولى التي اقترحها على أستاذه ~~السيد جمال الدين في مقتبل صباه، وراح يعد العدة لافتتاح مدرسته إلى جوار بيته لتخريج ~~الدعاة ورسل الإصلاح ممن يتقبل دعوته ويؤمن بمقاصده، وتمت العدة لذلك، أو كادت، لو لم ~~تدركه المنية قبل موسم العمل، فقضى نحبه صيف ذلك العام بعد اعتزاله إدارة الأزهر ms119 بثلاثة ~~أشهر. # الفصل الحادي عشر # | مع عباس الثاني # في سيرة محمد عبده شخصان مهمان كان لكل منهما أثر كبير يفرد بالكتابة عنه في تاريخ ~~حياته العملية، هما: جمال الدين الأفغاني وقد تقدم الكلام على أثر التعاون بينهما في دعوة ~~الإصلاح وحركة النهضة، وعباس حلمي الثاني خديو مصر بعد الاحتلال البريطاني، وسنقصر الكلام ~~عليه في هذا الفصل ملتزمين فيه ما يستطاع من الإيجاز. # كان جمال الدين مثلا للقوة المؤيدة الموجبة، وكان عباس الثاني مثلا للقوة المعطلة ~~السالبة؛ أولاهما قوة روحية مستمدة من عظمة الأستاذ وعظمة تلميذه في وقت واحد، وثانيتهما ~~قوة مادية مستمدة من سلطان المنصب وظروف السياسة، يكاد الذكاء في صاحبها أن يكون لغوا لا ~~يذكر فيما يعنينا من هذه السيرة؛ لأنه لا يقدم ولا يؤخر في مركز الحكم الذي يستعين به ~~الحاكم على المقاومة والتعطيل، فكل حاكم في مركز عباس الثاني كان مستطيعا أن يصنع ما صنعه ~~في خصومته للأستاذ الإمام. ~~••• # جلس عباس حلمي على الأريكة الخديوية بعد أبيه «محمد توفيق» خديو الثورة العرابية، وبعد ~~جده إسماعيل الذي عزلته دول الرقابة الثنائية - إنجلترا وفرنسا - بموافقة السلطان العثماني ~~صاحب السيادة الشرعية على البلاد. # وكان دون الثامنة عشرة حين توفي أبوه، فوجب أن تفرض عليه الوصاية إلى أن يبلغ سن ~~الولاية، وكان السلطان العثماني هو «صاحب الاختصاص» باختيار الوصي أو الأوصياء، ولكن ~~المحتلين تدخلوا في الأمر، واحتالوا على اتقاء هذا الإشراف الفعلي على الدولة المصرية، ~~فحسبوا السنين بالحساب الهجري رعاية لدين الأمير ودين الخليفة، وانحلت الأزمة على هذا النحو ~~حلا يرضاه الأمير ويبغضه؛ لأنه يعفيه من الوصاية ويثبت له غلبة النفوذ البريطاني على شئون ~~السياسة العليا في بلاده. # جلس على عرشه وهو مقسم النفس بين هذين الشعورين، ولكنهما في الواقع ينتهيان إلى شعور ~~واحد بسطوة الاحتلال وافتياته على حقوقه وحقوق الدولة التي يتلقى أمر التعيين «فرماناتها ~~الشاهانية». # وملكته حماسة السن بين الحذر والاندفاع، فغلبت في نفسه الفتية نزعة التحدي على نزعة ~~الحذر، وواجه المحتلين بالمعارضة التي لم يألفوها من أبيه بعد ms120 اعترافه لهم بحماية عرشه، ~~فأقبل عليه أنصار الحركة الوطنية من المتطرفين والمعتدلين، وحف به أبناء الجيل الجديد من ~~أنداده في السن ومن الشبان الذين يكبرونه سنا، ولكنهم لم يشهدوا صدمة الاحتلال ولم ~~يحتملوا خيبة الثورة العرابية. # وكان للأمير الشاب رأي صائب في الثورة العرابية، وفي مسلك أبيه معها ومع المحتلين. # كان بطبيعة الحال ينفر من الثوار ويسميهم بالعصاة كما يسميهم جميع أبناء بيته، ولكنه كان ~~يتقبل العذر من بعضهم؛ لأنه كان لا يبرئ أباه من بعض الخطأ ومن بعض الضعف في علاج الثورة ~~وعلاج الأزمات الأجنبية، وكثيرا ما سمع في بداءة حكمه وهو يسخر من أبيه تلك السخرية التي ~~عابها عليه لورد كرومر في كتابه عنه، ويقول لمحدثيه: سامح الله الوالد الطيب، لو كنت في ~~مكانه لما فعلت هذا ... أو لو كنت في مكانه لما سمحت لنفسي بذاك! # ورأيه هذا في أبيه هو الذي أنساه ممالأة الشيخ محمد عبده للثورة في دورها الأخير، ورغبته ~~في الاطلاع على تاريخ لتلك الثورة يكتبه رجل يعرف أخطاء الثوار ويعرف أخطاء ولي الأمر، عسى ~~أن يستفيد لنفسه من تجربة الحوادث التي عرضت أباه للثورة، وعرضته وعرضت الثوار معه ~~لكارثة الاحتلال. # وفي إحدى المقابلات التي لم تكن قليلة بينه وبين الشيخ محمد عبده، شكا الأمير للشيخ ما ~~يلقاه من عنت المحتلين وحجرهم عليه وعلى وزرائه، ووقوفهم دون ما يرجوه لبلده من الخير ~~والقوة، فاغتنم الشيخ هذه الفرصة السانحة وذكره بما يستطيعه من أسباب الخير والقوة معا ~~في المعاهد التي له الولاية عليها ولا ولاية عليها للمحتلين، وهي معاهد الأزهر والأوقاف ~~والمحاكم الشرعية، فراقه حديث الشيخ وكلفه أن يعود إليه بشرح مستفيض لوجوه الإصلاح ~~المطلوب، وانتقل برنامج الإصلاح فعلا من تلك الفتوى المهملة - فتوى الشيخ الإنباني - إلى ~~العمل الحثيث على تنفيذ مطالب الإصلاح الأزهري في الإدارة والتعليم، ومضى العاملون في عملهم ~~الناجح بضع سنوات، تغيرت فيها سياسة الخديو مع المحتلين، فلقي منه المصلحون شر ما يلقاه ~~دعاة التقدم من دعاة النكسة والجمود. # وتبين بعد الوقعة الكبرى ms121 بين عباس الثاني والمحتلين أن النزاع كله فيما بينهم إنما كان ~~نزاعا على نفوذ الحكم، ولم يكن نزاعا على حقوق الأمة ولا على مبادئ القضية الوطنية، وأن ~~عباسا كتوفيق، وإسماعيل من قبله، ينازعون السيطرة الأجنبية باسم الأمة تارة واسم الحقوق ~~الدستورية تارة أخرى، ولا يعنيهم في الواقع إلا أن يستبدلوا سيطرة في أيديهم بسيطرة في ~~أيدي الدول الأجنبية، ومن طلب منهم الحكم النيابي وشجع الأحرار من رعيته على طلبه، فإنما ~~يتخذ الحكم النيابة حجة على الدولة البريطانية عند شعوبها؛ لأنها تؤمن به في بلادها، ويلتمس ~~من وراء ذلك أن يحكم من وراء النواب والوزراء ويستعيد لنفسه كل سلطانه المحدود، أو يستعيد ~~القليل من الكثير في مسائل التولية والعزل، ومسائل الصرف والمنع على الخصوص. # وقد جرب طلاب الدستور أساليب إسماعيل وتوفيق في هذه المناورات، ثم جربوا أساليب عباس ~~بعدهما فتكشف لهم عن ولع بالاستبداد في عباس لم يتكشف لهم مثله من أبيه وجده؛ لأنه لم ~~يكد يظفر بقليل من السلطان على عهد سياسة الوفاق بعد عزل لورد كرومر، حتى انقلب على ~~شيعته وشيعة الحركة الدستورية، فساقهم إلى السجن واحدا بعد واحد، ثم ألجأهم إلى المنفى ~~باختيارهم فرارا من السجن والمصادرة. # ولاح له شبح العزل بعد الوقعة الكبرى بينه وبين المحتلين، فقنع بالقليل الميسور، واستعاض ~~عن وفرة السلطان بوفرة المال يتهافت عليه حيثما وجد السبيل إليه، بل ظهر للأمة قصارى أمله ~~من المحتلين بتسمية الحزب الذي ينتمي إليه ويرصد صحيفته للدفاع عنه في جميع أطواره وتقلباته ~~... فقد سماه «حزب الإصلاح على المبادئ الدستورية»؛ إيذانا للمحتلين بالتسليم لهم بدعوى ~~الإصلاح، والقناعة منهم بالمبادئ الدستورية دون الدستور الكامل على أساس سلطة الأمة، ولم ~~تذكر في عنوان الحزب كلمة عن الاستقلال ولا عن الحرية الوطنية، كأنهما على الأقل مطلب ~~مؤجل إلى ما بعد الفراغ من إصلاح الأداة الحكومية، الذي ارتهن به المحتلون موعد الجلاء ... ~~فلا جلاء إذن وفي الأداة الحكومية خلل يأخذونه ويدعون على هواهم أنه لا يزال بحاجة إلى ~~الإصلاح. ~~••• # وقد أشرنا إلى الوقعة ms122 الكبرى التي كانت نقطة التحول في سياسة الخديو عباس الثاني مع ~~المحتلين، فنذكر في هذا السياق أنها هي الحادثة التي اشتهرت بحادثة الحدود، واصطدم فيها ~~الخديو بسردار الجيش المصري - الجنرال كتشنر المشهور - لأنه صرح للسردار بانتقاده لحركات ~~الفرق العسكرية، ووجه انتقاده - على الأكثر - إلى الفرق التي يقودها الضباط الإنجليز؛ ~~فاستقال السردار وطلبت الوكالة البريطانية ترتضيه، واضطر الخديو إلى استرداد كلماته وتوجيه ~~ثنائه إلى الفرق التي أعلن انتقادها عند عرض الجيش على الحدود، ففعل راغما وهو يعتقد أنه ~~نجا من خطر العزل بقبول هذا الإرغام. # حدث هذا في أوائل سنة 1894، وقبل نهاية السنة كان الشيخ محمد عبده على اتصال بالخديو ~~يزوره في قصر عابدين - مقر العمل الرسمي - تارة، ويدعى لزيارته أحيانا في قصري القبة ~~والمنتزه حيث يقضي سائر أوقاته في أعماله غير الرسمية، وكان يصحبه في مبدأ هذا الاتصال محمد ~~ماهر باشا الذي كان يدعى يومئذ ببطل حادثة الحدود؛ لأنه كان وكيلا لنظارة الحربية، وكان ~~على نزاع دائم مع السردار حول اختصاص الوكيل والقائد العام في شئون الجيش وإدارة ~~الاستعلامات السرية، وقد اصطحبه الخديو في رحلته إلى الحدود، وشاع بعد ذلك أن الجنرال كتشنر ~~تعمد خلق الأزمة والتهويل فيها؛ لأنه غضب من اصطحاب الخديو لخصمه واعتبره انتصارا له ~~عليه ... فبيت النية على خلق الأزمة التي تزج بالدولة البريطانية في الخلاف بينه وبين ~~الوكيل، والتسليم له بالرأي النافذ في الجيش وفي ديوان الوزارة. # قال «أحمد شفيق باشا» في مذكراته وهو من رجال الحاشية الخديوية، وكان في صحبة الخديو ~~أثناء هذه الرحلة: «ترجع حركة الإصلاح الحديثة في الأزهر إلى أواخر سنة 1894، وذلك أن الشيخ ~~محمد عبده لما رأى من عباس جرأته وجهاده للأخذ بناصية الحكم والحد من تدخل الإنجليز، مال ~~إليه وتقرب منه بواسطة محمد ماهر باشا، فاستقبله عباس بترحاب وعطف ومال إليه أيضا ~~لما أنسه فيه من صدق الوطنية وأصالة الرأي، وتقابلا مرارا بصفة غير رسمية في عابدين ~~والقبة والمنتزه، وتحدثا فيما يمكن عمله من خدمة الوطن وتحقيق أمانيه، فاقترح الشيخ عليه ms123 ~~أن هناك ثلاث نواح لا تزال بعيدة عن تدخل الإنجليز، ولا يعارضون الخديو في العمل ~~لإصلاحها؛ لأنها دينية محضة، وهي الأزهر والأوقاف والمحاكم الشرعية، وأشار على سموه أن يبدأ ~~بإصلاح الأزهر، واتفقا على أن يقدم الشيخ إلى سموه مذكرة بما يراه من وجوه ~~الإصلاح.» # وكتب الشيخ محمد عبده المذكرة وانتهى البحث فيها إلى تأليف مجلس الإدارة من خمسة أعضاء، ~~ثلاثة منهم هم أكبر علماء المذاهب في الأزهر، وهم: الشيخ سليم البشري المالكي، والشيخ عبد ~~الرحمن الشربيني الشافعي، والشيخ يوسف الحنبلي، والعضوان الآخران هما الشيخ عبد الكريم ~~سلمان، والشيخ محمد عبده من العلماء المعينين لوظائف الحكومة. # ولكن الشيخ عبد الرحمن الشربيني أنكر مبدأ الإصلاح من أساسه، فاستقال قبل شروع المجلس في ~~عمله، ولم يقبل بعد ذلك عملا في إدارة الأزهر إلا بعد إجماع النية على إقصاء الشيخ محمد ~~عبده عن مجلس الإدارة والعودة بالأزهر إلى منهجه القديم، فاختاره الخديو لمشيخة الأزهر - ~~كما تقدم - على هذه النية. # تلك كانت قصة الملتقى التاريخي بين أعظم رجلين في مصر لذلك الحين؛ أعظم رجل في مصر بعرشه ~~الموروث وولايته الشرعية وحقوقه الرسمية، وأعظم رجل في مصر برجاحة لبه ومتانة خلقه وعلو ~~همته وصدق غيرته على حرية وطنه والنهوض بأمته. # أراد الأمير بتقريب الشيخ إليه أن يستعين به على تعويض السلطة التي انتزعها الإنجليز منه ~~بسلطة في مجاله المأمون لا تمتد إليها يد الإنجليز، وأن يقيم الحجة عليهم في دعواهم التي ~~يلهجون بها ويتذرعون بها لتسويغ رقابتهم على دواوين الحكومة وإطالة أمد الاحتلال، وهي دعوى ~~الإصلاح، فإن الإدارة التي تنقل الأزهر والأوقاف والمحاكم الشرعية من الفوضى إلى النظام لا ~~تعجز عن إصلاح ديوان من دواوين الحكومة قديم عهد بالنظام «العصري»، مهما يعرض له من عوارض ~~الاحتلال. # وأراد الشيخ بالتقرب إلى الأمير أن يسند ولي الأمر في محنته مع السلطة الأجنبية، وأن ~~يستفيد من رغبته في العمل سندا للمصلحين وعونا له على رسالته المرجوة من قديم، وليس بين ~~يديه - بعد عودته من منفاه - مجال أنفع من هذا ms124 المجال من طريق الإيمان الصادق والتعليم ~~المفيد. ~~••• # ولكن الخديو لم ينس حب السلطة الذي ساقه - في الحقيقة - إلى طريق الإصلاح في هذا ~~المجال الواسع، ولم يلبث أن علم أن رجلا كالشيخ محمد عبده جدير أن يعينه في كل مهمة من ~~مهام هذا العمل الكبير، إلا أن يكون عونا له على تسخير الأزهر ومحاكم الشرع ومرافق الأوقاف ~~للسلطة التي تفعل ما تشاء؛ لأنها خلصت في هذا الجانب من قيود المحتلين. # واشتد طغيان هذه الآفة على نفس الأمير بعد اضطراره إلى مصانعة المحتلين؛ فإنه أراد له ~~مجالا لا يلجأ فيه إلى مصانعة أحد من رعاياه المسخرين له من باب أولى، ولجت به هذه ~~الآفة لجاجها المخيف حين زين له فقدان السلطة أن يتهافت على جمع المال من كل مورد مفتوح بين ~~يديه، ووجد هذا المورد مفتوحا على مصراعيه في خزائن الأوقاف ووصايا التركات، وفي احتكار ~~السيطرة على المحاكم الشرعية التي يتخرج قضاتها من بين يديه. # ولم تمض فترة التمهيد للإصلاح والتنظيم في مجال الدواوين الدينية حتى كان للخديو مسلك ~~آخر مع الشيخ محمد عبده وأعوانه ومريديه، فهو يستبقيه للانتفاع بقدرته وشجاعته، بل ~~للاحتماء بمكانته الدينية أحيانا في وجه السلطة الأجنبية، ولكنه يحاذر أن يسلمه زمام ~~التصريف والتدبير في مركز من مراكز الأزهر المستقلة ... فتخطاه في التعيين لمشيخة الأزهر ~~مرتين، وكان ترشيحه لمنصب الإفتاء في الواقع حيلة مستورة لإبعاده عن المشيخة، وهو أجدر بها ~~وأقدر على الإصلاح فيها من كل من تولاها على عهد الخديو عباس، وهو أعرف برجحانه عليهم من ~~سواه. # وسر آخر بعيد جدا من هذا المجال يرجع إليه هذا المسلك المتبدل من جانب الأمير، فإنه ~~كان يطمح إلى الخلافة ويريد أن يستمد من سمعة الأزهر وعلمائه في العالم الإسلامي سندا ~~دينيا يرجحه على أمراء المسلمين الذين ينفسونها على السلاطين العثمانيين، وكان يرجو من ~~مصانعة المحتلين أحيانا أن يعاونوه بالسند السياسي، وأن يؤيدهم في المحيط الدولي بيت سفوا ~~الإيطالي صديق الأسرة العلوية القديم، ومصلحته في ترشيح الخليفة المصري أن تدين له ms125 اليمن ~~وشواطئ البحر الأحمر؛ لأنه صديق الخليفة المطاع، ولا يأبى المحتلون هذه المصلحة للدولة ~~الإيطالية؛ لأنها دخلت معهم في المساومة على أملاك الدولة العثمانية، واتفقت معهم على ~~نصيبها من المستعمرات: اليمن وأريتريا والصومال، فضلا عن مصلحة الدولة البريطانية بين ~~مسلمي الهند وغيرهم في قيام الخلافة في بلد يهيمنون عليه، ولم يغفل عبد الحميد - باقعة آل ~~عثمان - عن هذه المساعي الخفية، بل فطن لها واحتجز عنده جمال الدين الأفغاني لكيلا يعود إلى ~~القاهرة ويؤيد هذه الحركة بنفوذه ونفوذ تلاميذه من المصريين والشرقيين، وحدث لما قام الخديو ~~عباس بزيارة دار الخلافة للمرة الأولى أنه التقى هناك بجمال الدين، فاستدعى هذا إليه ~~على الأثر وسأله: أتريد أن تجعلها عباسية؟ يريد أنه يتآمر مع الخديو على إسناد الخلافة ~~إليه، فكان جواب السيد: إن الخلافة ليست خاتما في يدي أضعه في أصبع من أشاء. ولم يفقد ~~عباس الأمل في الخلافة بتأييد جمال الدين أو غير جمال الدين، ولم يخف عليه أن «محمد ~~عبده» هو زميل جمال الدين في سمعته العالمية بين المسلمين، ولكنه علم بعد ذلك موضع الخلاف ~~بين جمال الدين ومحمد عبده في خطة السياسة، وأن هذه الجهود السياسية حول الخلافة وما شابهها ~~لا تجري مع برنامج عمله، وليست مما يصرفه عن خطة الإصلاح من طريق التربية والتعليم متى وجد ~~السبيل إليها، فيئس من موافقته على هذا المسعى، وكاد أن يحسبه عقبة يتخطاها قبل توطين النفس ~~على نجاحه بموافقة سواه. ~~••• # ولا نسهب في إحصاء حوادث الخلاف التي تتابعت بين الخديو والمفتي، واستحكم من أجلها الجفاء ~~في النهاية بين هذين الرجلين اللذين خلقا للتعاون في هذا المجال الواسع لو كان للتعاون ~~محل بين الاستبداد والعمل المستقيم، فإن من حوادث تلك السنين سفاسف وصغائر لا جدوى من ~~تعدادها، ومنها دسائس ومكايد ليس أيسر من المواربة فيها، ولكننا نذكر منها ما يدل على ~~طبيعتها التي يأباها كل إصلاح، ولا ينتظر من رجل ذي خلق وكرامة أن يغضي عنها أو يترخص ~~بينه وبين نفسه، أو بينه وبين الناس ms126 في قبولها. # فالخديو كان ينفق من أموال الأوقاف العامة على أوقاف أسرته وعلى مزارعه الخاصة، فكف يده ~~عن ذلك فصل الحسابين ومراجعة المجلس للمصارف والموارد في «ميزانية الديوان» ... ولجأ إلى ~~الحيلة - مع تشديد الرقابة على الميزانية - فاصطنع طريقة الاستبدال لحمل الديوان على إقامة ~~المباني وتعمير الأرض البور ، وعرضها بعد ذلك للمبادلة بينها وبين مزارعه التي لا تساويها في ~~القيمة ولا في الجودة، وكان أشهر هذه الصفقات صفقة أرض «مشتهر» وأرض ديوان الأوقاف التي ~~أعدت للبيع في الجيزة بثمن أرض البناء، وفرق ما بينهما من الثمن لا يقل عن ثلاثين ألف ~~جنيه، وظاهر الأمر أنها مبادلة بين مسيو اسمه زرفرداكي اليوناني الذي عرض على الديوان مزرعة ~~مشتهرة باسمه وقسم المباني في الديوان، ولسوء حظ الخديو أن موظفا من كبار موظفيه في القصر ~~كان مندوبا عن ولي الأمر بالمجلس الأعلى، فكان رأيه كرأي المفتي في هذه الصفقة وآراء ~~الخبراء المختصين بتقدير المبادلات، وثبت من معاينتهم أن هناك نقصا في تقدير أحد ~~البدلين، وزيادة في تقدير البدل الآخر تبلغ جملتها خمسين ألف جنيه، فغضب الخديو على ~~موظفه الكبير وعزله من خدمته؛ لأنه لا يسأل عن سبب عزل الموظفين في ديوانه، ولكنه لم يستطع ~~عزل المفتي لهذا السبب، ولا كان في حدود سلطته القانونية أن يعزله لغير سبب، فتحمل الأسباب ~~للسخط عليه في غير مسائل الصفقات التي يتحاشى أن تثار للقيل والقال. # وكادت أوامره في الأزهر أن تكون إلغاء تاما لقوانينه التي وضعت لترفيه أحواله، وصيانة ~~الكرامة الواجبة لعلمائه، ومنع العبث بدرجاته العلمية ومراتبه الدينية، فلم تكن كساوي ~~التشريفة لعلمائه بأسعد حظا من الرتب والنياشين التي كانت تباع في الأسواق بأسعارها ~~المحدودة لكل درجة من درجاتها، سوى أن الرتب والنياشين تباع بالمال وكساوي التشريفة تباع ~~بالخدمات والسعايات في سوق الدعاية أو سوق المتاجرة باسم الدين. وإن لمن أغرب الخواطر ~~التي خطر للخديو أن يسوم المجلس عليها أن يرسل إلى أحد الأعضاء من يقترح عليه الاستقالة، ~~ويأمر رئيس المجلس أن يطلب كسوة التشريفة من الدرجة ms127 الأولى لإمام قصره تمهيدا لتعيينه ~~خلفا للعضو المستقيل، وبهذا يتطوع المجلس لتحويل هيئته الموقرة إلى أداة تجري أهواء ~~الخديو ولباناته مجرى القوانين، وتحوي تبعاتها أمام الناس على الرغم من أنوف المخالفين له ~~من الأعضاء، ولا يبقى بعد ذلك أعضاء ينتظر منهم الخلاف غير محمد عبده وصاحبه عبد الكريم ~~سلمان، فلما تأخر صدور الطلب من شيخ المجلس بالإنعام على إمام القصر بالكسوة المطلوبة، قال ~~له مؤنبا في محفل التشريفات: ألم آمرك بتوجيه كسوة التشريفة إلى إمام معيتي بدلا من الشيخ ~~الذي ينوي أن يستقيل؟ فتلعثم شيخ الجامع، وبادر الشيخ محمد عبده إلى الجواب قائلا: إن ~~المجلس إنما يعمل بالقانون الذي أصدره سموه، فإذا بدا لسموه أن ينقضه ليجري الإنعام ~~بالكساوي العلمية على حسب رغبات سموه الشخصية، فهو صاحب الشأن في إصدار القانون بالنظام ~~الجديد. # وأكبر الظن عندنا أن تفويت المنافع لم يلهب من ضرام الغيظ في نفس الأمير ما ألهبه هذا ~~الجواب الصريح من مفتي الديار. ومن مفتي الديار هذا؟ إنه عند العالم الإسلامي أكبر مقام ~~ديني علمي في زمانه، ولكنه عند الأمير لا يعدو أن يكون فلاحا بين ألوف الألوف من أولئك ~~العبيد الأرقاء، الذين خلقوا للسمع والطاعة عند كل أمر وكل سؤال. # وإذا صح أن يكون ضرام الغيظ عذرا للمتسلط المستبد المغلوب على استبداده، فهذا هو العذر ~~الذي قد يفسر ذلك الإسفاف الذي هبط بالأمير إلى الدرك الأسفل في حقده على ذلك الفلاح ~~الجريء واستباحة ما لا يستبيحه الكريم، ولا اللئيم العاقل، في الكيد له والسعي إلى إجلائه ~~عن مقامه؛ مقامه في منصبه، ومقامه في أعين الناس بين مشارق الأرض ومغاربها، ولم يكن ليخفى ~~عليه أنه كان أعظم مقام في بلاد الإسلام. # ولولا الحقد الذي يسلب المرء رشاده، لما سمح أمير في مركزه أن يخطب علانية ليجعل العمل ~~على إنهاض المسلمين بالتعليم الصالح زيغا في العقيدة ومروقا من الدين، وليسند مشيخة ~~الجامعة الإسلامية الكبرى إلى رجل يقول إن تعليم هذا العلم يمحو الدين ويزري بعلماء ~~المسلمين. # ولولا هذا الحقد ms128 لما استباح لنفسه أن يحبط كل عمل لذلك المصلح الكبير، حتى العمل الذي ~~جهد طول حياته لإبراء المسلمين من داء الخمول، وإنقاذهم من الأوهام التي تعوقهم عن اللحاق ~~بجيرانهم في ركب الحضارة لسوء فهم الدين، واختلاق الموانع التي يزيفها الجامدون باسم ~~الشرع المظلوم. # فقد كاد المسلمون الآسيويون أن ينعزلوا عن سكان أفريقيا الجنوبية، ويفقدوا وظائفهم ~~وأشغالهم فيها لشيوع تلك الأوهام بينهم وكثرة المرجفين بالتحريم والتحليل بين أدعياء الدين ~~فيهم، وقد تعاقبت على تلك البلاد هجرة المسلمين من الهنود والعرب واختلاطهم بأبنائها ~~الأصلاء، فدخل في الإسلام طوعا ألوف من الأفريقيين السود؛ لما أنسوه من سماحة هذا ~~الدين وسلامته من شوائب المحظورات التي تكثر في عباداتهم كما تكثر في عبادات بعض الأوروبيين ~~والآسيويين، ثم حالت هذه الحال زمنا بعد ازدحام بالأوروبيين وخضوع أكثرها لحكوماتهم أو ~~جماعات التبشير منهم، فتحرج المسلمون أنفسهم من مجاراة أولئك الغرباء الطارئين عليهم، ~~وقعدت بهم وساوسهم الدينية عن كفاح الحياة معهم، تحرجا من مجاراة القوم في عاداتهم ~~وأزيائهم، وخسر الإسلام زمنا ما كان يكسبه من سهولته وقلة قيوده في أحوال المعيشة قبل وفود ~~الأوروبيين، فأعرض عنه أبناء البلاد الأصلاء، وهانت مخالفته على طلاب الرزق الذين تضطرهم ~~مطالب العيش إلى مشاركة الأوروبيين وغير المسلمين الآسيويين في مرافق أعمالهم. من ذا الذي ~~يقوى على زحام العيش في بيئة يخشى فيها أن يلبس القبعة، وأن يتناول الطعام من العلب ~~المحفوظة، وأن يؤدي الصلاة في مسجد له إمام على غير مذهبه بين المذاهب الأربعة؟ # هذه وأمثالها كانت عوائق المعيشة، بل عوائق التدين بالإسلام، في معترك الحياة بين ~~المسلمين وجيرانهم من سكان أفريقيا الجنوبية والشرقية ... وفي هذه وأمثالها كانت أسئلة ~~الاستفتاء تتوارد على مفتي الديار المصرية، فيجيب عنها وهو يعلم خطر الإجابة التي يجيب بها ~~من يجهل ظروفها وعواقبها، وكانت إحدى هذه الفتاوى تلك الفتوى التي شغلت صحافة مصر، وصحافة ~~العالم الإسلامي، عدة أشهر باسم فتوى الترنسفال، ونتيجتها في بضعة أسطر أن الشيخ المفتي ~~أباح للمسلم أن يلبس القبعة، وأن يأكل من طعام ms129 أهل الكتاب كما ورد في القرآن الكريم، وأن ~~يؤدي الصلاة وراء كل إمام يدين بالإسلام. # هذه هي الفتوى وهذه هي ظروفها وعواقبها التي نظر إليها مفتي مصر في إجابته عنها. # ولم يبح المفتي عادة واحدة كان يحرمها الخديو وحملة الأقلام الذين سخرهم في الحملة ~~الشعواء على فتوى الترنسفال، فإنهم كانوا جميعا يلبسون القبعات، ويأكلون في المطاعم ~~الأوروبية وفي بيوت الأجانب، ويغشون الولائم «الرسمية» وغير الرسمية داخل القطر المصري ~~وخارجه، ومن شهد منهم صلوات الجمع فإنما كان يشهدها ومعه مئات من المسلمين من أتباع ~~المذاهب الأربعة ... ولكن الفتوى عمل من أعمال المفتي يجب إحباطه والتشهير به وتنفير الناس ~~منه مهما يكن في ذلك من الضرر بالإسلام والمسلمين، وقد يكون في ذلك إعراض الوطنيين السود عن ~~الإسلام بعد إقبالهم عليه، وقد يكون فيه تعويق لجهاد المسلمين المهاجرين عن كفاح الحياة في ~~أفريقيا الجنوبية مع سائر المهاجرين الذين تعفيهم عقائدهم من تلك القيود، وقد يكون فيه ~~استخفاف المسلم بتكاليف دينه إذا ثقلت عليه في لبسه ومأكله وعبادته مع أبناء ملته ووطنه، ~~وقد يكون فيه المساس بسمعة الدين بين أهل الحضارة، وتمثيله لهم في صورة العقبة المتحجرة ~~التي تأبى على المسلم أن يجتمع على معيشة واحدة مع أبناء الحضارة الأوروبية ... وقد يكون فيه ~~كل ذلك، بل كان فيه كل ذلك لو أفلح كيد المضللين كما أرادوه، لكن ماذا يعنيهم ذلك كله إذا ~~اشتفت صدورهم من الرجل المغضوب عليه، وأفسدوا عليه عمله في خدمة الإسلام والمسلمين أو في ~~خدمة ما يشاء من مقصد عام، ما داموا لا يجدون له مقاصد خاصة يفسدونها عليه؟ # إلى هذا الحضيض أسفت جماعة الحملة على فتوى الترنسفال، ولا نظن أن نقل الكثير أو ~~القليل من كلامهم الذي ملئوا به الصحف بضعة أشهر يزيد القارئ علما بمبلغ ذلك الإسفاف، فإن ~~الاتجار باسم الدين هو عنوان عملهم الوضيع، وإنه لعنوان يغني عن أسوأ ما كتبوه تحته من كذب ~~فاضح وهراء مرذول. # وأخس من هذا الكذب وهذا الهراء أن يسبوا عرض الرجل بالتهم ms130 التي يعلمون أنها باطل مختلق؛ ~~لأنهم الذين اختلقوه وروجوه، فقد كان قراء الصحف المصورة لذلك العهد يجهلون الكثير عن ~~صناعة التصوير الشمسي التي يعرفها اليوم عامة القراء، ويحسنها بعض هواة التصوير كما ~~يحسنها الخبراء المختصون بتدبير المناظر للصحافة المصورة ... ومن أسرار تلك الصناعة التي كانت ~~مجهولة يومئذ عند عامة القراء أن يلفق المصور رسما واحدا من ثلاثة رسوم أو أربعة ~~متفرقات، فهذا التلفيق هو الذي توسلوا به إلى خداع العامة بصورة للمفتي في حلبة الرقص يخاصر ~~فتاة إفرنجية وكلبها يعبث بأطراف جبته، ولو استطاعوا المبالغة في رص المحظورات جميعا في ~~منظر واحد لتمموا هذا المنظر بكأس من الخمر وصحفة من لحم الخنزير، ولكنهم عجزوا عن جمعها، ~~فاكتفوا من المحظورات بمحظور المفتي مع امرأة يغازلها ويراقصها ويصحبها كلبها في حلبة الرقص ~~على غير المألوف في مراقص القوم، وخيل إليهم أنها ريبة لا تدفع، ودليل من أدلة ~~الإثبات لا يدحض، ولكن الصورة أحيلت على التحقيق القضائي، فلم تثبت على امتحان الخبراء ~~ولا على المعالجة بأدوات التحليل والتكبير، وأدين صاحب الصحيفة التي قبلت أن تنشرها لهم بين ~~صحف الخلاعة التي سخروها لحملتهم، واسمها «حمارة منيتي» يغني عن المزيد في الدلالة عليها ~~... وإلى قصة هذه الصورة يشير اللقاني رحمه الله في بعض أبياته إذ يقول: # مكيدة لفقوها # بصورة مستعاره # دبروها وكانوا # بقبة الاستشاره # ولطخوا بعد هذا # بالطين وجه الحماره # ويعني بالقبة قصر الأمير المعروف؛ لأنهم دبروا فيه هذه التلفيقة وكاد سرها أن ينكشف بين ~~أيدي القضاة والمحققين، لولا ضرورة التستر على مقام الأمير المهدد بهذه الفضيحة. # ودون هذا الحضيض من الابتذال في حق أمير يهدده الاحتلال في كرامة عرشه أن يذهب في مساومة ~~المحتلين إلى حد الاعتراف باحتلال بلاده، واستعراض الجيش المحتل في ساحة قصره، والوقوف تحت ~~العلم البريطاني يوم الاحتفال بعيد ملك الإنجليز؛ تزلفا منه إلى العميد البريطاني ليغضي ~~عن تصرفه بالوظائف الحكومية التي تحده القوانين عن محاسبة موظفيها بغير إدانة يثبتها ~~التحقيق، ومنها وظائف المندوبين الحكوميين بمجلس إدارة الأزهر، ووظيفة الإفتاء التي ms131 يصدر ~~بها قرار التعيين والعزل من وزارة الحقانية. # وكانت مجلة المنار التي تنشر فتاوى المفتي هي الصحيفة الوحيدة التي انتقدت هذا المسلك ~~المعيب، فكان الجواب عليها من سماسرة الحملة على فتوى الترنسفال سيلا من الشتائم ~~والمغالطات، وتمجيدا لموقف الأمير تحت الراية البريطانية يوشك أن يحسبه فتحا له من فتوح ~~الوطنية والاستقلال، وعلى هذا النحو كتب كاتبهم في صحيفة المؤيد يقول «أولا» عن مجلة ~~المنار: «إن صاحبها يملؤها بالاختلاقات الشرعية.» ثم يقول: # لم يدر صاحب جريدة المنار - الذي إن خرج عن مدار بحثه ضل، وإن دخل في غيره ~~ذل - أن الجناب العالي وقف تحت ذلك العلم بحضرة جلالة الملك إدوارد السابع ملك ~~الإنكليز وإمبراطور الهند، ولم يكن جناب اللورد كرومر في ذلك الموقف إلا صورة من ~~صورة الملك التي يمثله بها في هذا اليوم مائة قائد فوق كرة الأرض ... وينكر صاحب ~~المنار استعراض الجناب العالي لعساكر جيش الاحتلال مشيرا إلى اكتفاء المغفور له ~~الخديو السابق بالإشراف عليه من نوافذ القصر، كأنه لم يدر أن مولانا الخديو ~~الحالي - حفظه الله - عسكري النشأة، يرتدي في الأعياد والمواسم الكسوة العسكرية، ~~وهو عالم بدقائق الحركات الحربية بحيث لو أخذ بيده قيادة جيش جرار لكان من أمهر ~~قادة عصره. وماذا يريد بقوله: وقف الجناب العالي تحت العلم الإنكليزي في أول يوم من ~~شهر الصيام؟ وأي دخل للأيام والأيام إخوة والليالي أخوات، ولم يعلم بأن مائة ~~مليون من المسلمين يحيون هذا العلم في ذلك اليوم يوم الاستعراض. # ولم تشذ عن خدمة الدسائس الخديوية في هذه الحرب الشائنة بينه وبين المفتي صحيفة واحدة ~~من الصحف التي كانت تنعت نفسها بنعت الوطنية، بين متطرفة ومعتدلة أو محافظة على القديم ~~وغالبة في المطالبة بالجديد ... وبلغ الكتاب أجله واستقال الشيخ محمد عبده من مجلس الإدارة، ~~وجيء بأعداء العلوم الحديثة شيوخا للجامعة الإسلامية، ومدبرين لنظام الإدارة والتعليم ~~فيها، فانتظم المتطرفون والمعتدلون صفا واحدا في الثناء على أعداء الإصلاح والشماتة ~~بالمفتي المستقيل، وراح أشد هذه الصحف تطرفا يقول إنه تأخر في الاستقالة؛ لأنه ms132 كان من ~~الواجب عليه أن يتخلى عن عمله منذ علم أن «ولي الأمر» متغير عليه. # وليس هؤلاء الصحفيون من الغباء بحيث يجهلون حكم الفضلاء عليهم وحكم التاريخ من بعدهم، إذا ~~علم الناس أنهم في القرن العشرين يستنكرون التعليم الحديث باسم الدين، فنقلوا المسألة ~~بحذافيرها من حرب بين الإصلاح واللصوصية إلى حرب بين المفتي والسلطة الشرعية، وحسبوا عجز ~~الخديو عن فصل الموظف الكبير بغير محاكمة تأديبية دليلا على تأييد الاحتلال الأجنبي لذلك ~~الموظف الكبير، ومثله في حماية القانون ونظام الدواوين لهم ألوف الموظفين. # أما المسألة بحذافيرها في وضعها الصحيح، فهي أن المفتي لم ينتفع بحقه في وظيفته لجر منفعة ~~شخصية، أو ترويج سياسة بريطانية، أو التفريط في حق من الحقوق الوطنية، فإذا كان سماسرة ~~القصر يريدون أن يقولوا إن إصلاحه للتعليم وتطهيره للدواوين ونهوضه بأبناء وطنه وأبناء دينه ~~عمل يوافق الاحتلال ولا يوافق الوطنية، فذلك هو الخزي الأكبر لمن يفتريه؛ لأنه يدمغ ~~الوطنية بميسم الهوان، ويدعي للاحتلال فضلا يسقط حجة الوطني عليه ولا يطمع في ادعائه ~~بألسنة مأجوريه. # وإنما الخيانة للوطن ذلك الجرم المهين الذين أقدم عليه الخديو، ودافعوا عنه دفاع المستميت ~~يوم وقف تحت العلم البريطاني ليحيي جيش الاحتلال، وأقبح منه في الإجرام أن يقترف هذه ~~الجريمة في حق وطنه وحق عرشه، ليتوسل بها إلى حمل الإنجليز على الإغضاء عنه حين يتعرض ~~لوظائف الحكومة التي يحميها القانون، وأقبح من كل هذا أن يكون هم الأمير من التعرض لتلك ~~الوظائف خيانة الأمانة، وسلب المال الحرام، وتلويث موظفيه الكبار بلوثة الجبن والاختلاس، ~~أما الموظف الذي يعمل في تلك الوظيفة ما يشرفه ويشرف أبناء وطنه ودينه، فلا جناح عليه أن ~~يحسن ويسيء الأمير وتابعوه، وإنما يسيئون إلى أقدس المقدسات من حرمات الحق ~~والفضيلة. ~~••• # ولسنا في مقام الموازنة بين وطنية محمد عبده ووطنية عباس الثاني وسماسرة قصره، فإننا بهذه ~~الموازنة نهبط بقدر الرجل العظيم الذي لا نعرف في زمانه قدرا أحق من قدره بالتشريف ~~والإكبار، ولكننا نزيد هذا الشرف بيانا لمن يجهلونه بمثل من ms133 أمثلة كثيرة لمواقفه إلى ~~جانب الخديو حين يعتدي عليه المحتلون، وحين ينظر الخديو حوله فلا يرى له سندا أقدر على ~~حمايته من مكانة الشيخ في العالم الإسلامي، ومن شجاعته التي لا يعنيها إغضاب الإنجليز منه، ~~وهو لا يأمن عضب الأمير عليه. # ونحن في هذا الكتاب الموجز لا نملك الإسهاب حيث يغنينا الإيجاز المفيد، وحسبنا - على ~~قاعدتنا هذه - حادث واحد هو الذي استهدف فيه الخديو لأشنع إهانة تلحق بصاحب عرش من العروش ~~في بلاده، وهو حادث ليون فهمي الذي أدى إلى صدور الأمر من الوكالة البريطانية بتفتيش قصر ~~رأس التين، بحثا عن ليون فهمي هذا لاتهام الإنجليز إياه بقتله في قصره أو إخفائه هناك ~~لتقييده ونقله على الرغم منه إلى الآستانة إجابة لطلب «المابين»، أو قصر السلطان عبد ~~الحميد. # يومئذ لجأ الأمير إلى حمى الشيخ وصائب رأيه، فلباه ورجاه أولا أن يستوثق من خلو القصر ~~ويخت المحروسة من ذلك الطريد العثماني إن كان حقا مقبوضا عليه، ثم أشار عليه بأن يكتب ~~بلاغا إلى معتمدي جميع الدول المعترفين باستقلال مصر بأن السلطة المحتلة تعتدي على حرم ~~قصره، وأن يبلغ المحتلين في الوقت نفسه أنه يفعل ذلك إذا هم اجترءوا على تنفيذ أمر التفتيش؛ ~~فتراجع الإنجليز حذرا من إثارة هذه القضية الدولية بطلب من صاحب السلطة الشرعية، ويقينا ~~بأن «المابين» العثماني يؤيد هذا الطلب الذي وجهه الأمير إلى الدول بسببه، ويقينا من ~~الجهة الأخرى بتأييد الرأي المحترم من أبناء البلاد لأميرهم وعلى رأسهم مفتي الديار الذي ~~يهابون اجتماع فتواه الدينية إلى جانب الوثائق القانونية، واعتقادا منهم أن الأمير لا ~~يهددهم هذا التهديد وفي قصره ذلك الطريد الذي يبحثون عنه. ~~••• # وفي ختام هذا الفصل ننشر بعض الفقرات من خطاب الخديو إلى موظفه الكبير أحمد شفيق باشا، ~~حين علم أنه مشى في جنازة المفتي مع كبار المشيعين ... فبعد أن سمح أدب العرش لذلك الأمير ~~المسكين أن يقول عن فخر وطنه بعد وفاته - لو كان يعقل: «إنها جنازة حارة والميت كلب.» مضى ~~يقول: # يظهر - والله أعلم ms134 - أنكم أردتم بالسير وراء نعشه المجاملة بعد الموت، وهو على ما ~~تعهدونه عدو الله، وعدو النبي، وعدو الدين، وعدو الأمير، وعدو العلماء، وعدو ~~المسلمين، وعدو أهله، بل وعدو نفسه، فلم هذه المجاملة؟ # إن هذا الانتقال من أخلاق الفلاح محمد عبده إلى أخلاق الأمير عباس الثاني مفاجأة شديدة ~~الوقع على النفوس الآدمية التي ينتمي إليها الفلاحون كما ينتمي إليها الأمراء، ولكنه في ~~ختام هذا الفصل أصدق من تسويد الصفحات بأشتات الوقائع والأخبار، وصنوف الدسائس والوشايات، ~~للدلالة على كنه الخلاف بين الرجلين، وعلى طبيعة تلك العداوة المزرية وطبائع خدامها ~~الذين باعوا ضمائرهم في سوق المنافع، أو فيما هو شر من سوق المنافع؛ سوق الحسد البغيض ~~والغرور الباطل. # وقد ذهب محمد عبده وعباس الثاني إلى ذمة التاريخ، ولحقت بهما الأسرة الخديوية بقضها ~~وقضيضها، ومعها منافعها التي تباع الضمائر من أجلها، ولكن باعة الضمائر هؤلاء هم أسلاف في ~~النسب أو أسلاف في العمل لخلفائهم الذين عاشوا ويعيشون بعدهم إلى هذه الأيام، وحاجتهم إلى ~~مداراة أنفسهم كحاجة أسلافهم في زمانهم، كلما أعيد القول في قضايا الإصلاح وقضايا الجهاد ~~عادوا إلى الستار القديم يتوارون خلفه، وأعادوا معاذيرهم تهما للمخلصين وتبديلا لوقائع ~~التاريخ وافتياتا على الوطن والدين، وسيماهم على وجوه صفحاتهم لا تخفى على ~~الناظرين. # الفصل الثاني عشر # | المحسن المعلم # إن الإحسان إلى ذوي الحاجات فضيلة من أشرف فضائل العظمة الإنسانية وأقربها إلى الصفات ~~الإلهية؛ لأنها قوة في العظيم تعمل عملها في إعانة الضعيف ولا تعمل عملها في إذلاله ~~وإرغامه، على ديدن العظمة التي قد توصف بأنها قوة فرد عظيم، ولكنها لا تنسب إلى ~~الإنسانية ولا تسمو إلى مقاربة الصفات الإلهية. # وقد كان الإحسان إلى المعوزين والضعفاء أول صفة من صفات الأستاذ الإمام، يعرفها من ~~يعاشرونه في معيشته، ولا تقتصر معرفتهم به على المعرفة بأعماله العامة، ولكننا - على حبنا ~~للأستاذ الإمام من أجل هذه الفضيلة بعينها - نكاد نستصغرها في كتابة سيرته؛ لأن إطعام هذا ~~الجائع وإغاثة هذا الملهوف، وتلبية الرجاء من ذلك الطالب، وإسداء المال الميسور إلى ms135 ذلك ~~الفقير؛ كل أولئك خير وبر وكرم، ولكنه - في النهاية - بر من واحد إلى آحاد، لا يكاد يذكر ~~إلى جانب ذلك الخير العميم الذي نرى من أعمال الرجل في جملتها أنه يغدقه على الدنيا بكل ما ~~أوتي من قدرة وهمة ومضاء، وأنه يدأب نهاره وليله ولا يكاد يفرغ لنفسه ساعة من النهار والليل ~~وهو يفكر في ذلك الخير، ويعمل لذلك الخير، ويسعد ويشقى في سبيل ذلك الخير، ولا يقنعه منه أن ~~يختص به محتاجا إلى المعونة أو شاكيا من الظلم، إلا أن يكون خيرا للأمم، وخيرا ~~للعاملين، وخيرا لتوفير السعادة الإنسانية التي لا يخطر بباله وهو يدأب لها أنه يستثني ~~منها أحدا من بني آدم وحواء. # وخصلة أخرى يحسب الناظر إلى إحسان هذا الرجل أنها خليقة أن تغض من فضله في هذه الفضيلة ~~العالية، وتلك هي صدورها منه كما تصدر الدوافع الضرورية التي تملك على الإنسان مشيئته ولا ~~تكاد تبقي له مشيئة يملكها بها أو يقاومها فيها، فإن دوافع الإحسان في نفس هذا العظيم ~~الكريم أشبه شيء بدافع الحنان في نفس الأب الرحيم، وأي فضل للأب الرحيم في عطفه على طفله ~~الجائع أو طفله الباكي أو طفله السقيم؟ # إن فضل هذه الفضيلة يستصغر في هذه المسيرة ليبلغ غاية الكبر الذي تبلغه سجية إنسانية، ~~فقل إن شئت إنه لا فضل لمحمد عبده في إحسانه إلا كفضل الأب في الإحسان إلى البنين، ولكنك ~~إذن تشهد بالفضل الذي لا فضل بعده للرجل الذي تملكه رحمته بجميع الناس كما تملك الأب رحمته ~~ببنيه. # كان محمد عبده يحسن إلى صاحب الحاجة وهو في منفاه فقير لا مورد له غير مرتبه من عمله، ~~وكان يحسن إلى أصحاب الحاجة وهم من ذرية أعدائه المفترين عليه، وكان يحسن إلى المنقطعين عن ~~الكسب وهو مريض محتاج إلى ماله القليل لتدبير علاجه ومعيشته في مقامه وسفره، وكان يحسن ~~إليهم وهو في مرض الموت، ويموت وفي ودائع سره صدقات للمستعينين به لم يكن يطلع عليها ~~أحدا من أقرب المقربين إليه. # روى ms136 السيد رشيد رضا مما علمه من أخباره يوم كان منفيا ببيروت أن صاحبا له توفي والده ~~وليس عنده ما ينفقه في تشييعه، فأعطاه كل ما في حوزته من مال، وهو مرتبه الذي قبضه يومئذ ~~من المدرسة السلطانية، ولولا أن رجلا في مصر أحسن إليه مثل ذلك الإحسان قبل نفيه وفى له ~~بدينه وحوله إليه على مصرف بيروت، لاضطر إلى القرض لينفق بقية الشهر على نفسه ~~وأهله. # ولم تكن صحيفة الجوائب المصرية من الصحف التي تتطوع لنشر مآثر المفتي، وإن لم تكن كذلك من ~~الصحف التي سخرت للحملة عليه، ولكن صاحبها خليل مطران كان يلقى علماء الأزهر كما يظهر ~~من حديثه مع شيخه ومن الردود في صحيفته، وكان يعرف شواغلهم وشواغل الأستاذ الإمام، وهو الذي ~~روى بعض مآثره في مقال تأبينه، فقال عن بره بأعدائه الثائرين عليه: «إن أنجال المشايخ في ~~الأزهر كانوا يتناولون مرتبات آبائهم بالوراثة، فرأى الأستاذ في ذلك غبنا للعلماء؛ لأن هذه ~~المرتبات إنما هي وقف عليهم، فأعاده الأستاذ إليهم وعوض أنجال المشايخ عنها بما كان يجمعه ~~بسعيه في رأس كل شهر من أمواله وأموال محبيه، ولقد شوهد وهو ساع هذا السعي عقب اعتزاله ~~الأزهر وقيام الشيوخ في وجهه محاربين.» # وقد كانت له معونة شهرية لطائفة من الأدباء يأوون إليه، ومنهم حافظ وإمام والكاظمي ~~والشنقيطي العالم اللغوي المشهور، وهو الذي قال يرثي نفسه ويذكر معونة الإمام له في غربته ~~المنقطعة دون القادرين على المعونة في عصره: # تذكرت من يبكي علي فلم أجد # سوى كتب تختان بعدي أو علمي # وغير الفتى المفتي محمد عبده # صديقي الصدوق الصادق الود والكلم # وكانت توصيته للمطابع ودور النشر من أقوى المشجعات على طبع الكتب القديمة والحديثة التي ~~يعجز الأدباء عن الاستقلال بطبعها ونشرها، ويستفيدون من تأليفها أو الوقوف على تصحيحها؛ ~~لأنه - أجزل الله مثوبته - كان يتولى توزيعها على معاهد العلم، ويرسلها باسمه إلى مريديه من ~~سروات الأقاليم وكبار موظفيها، وقد تسلم من حافظ أكثر نسخ البؤساء بعد صدور الجزء ~~الأول، ثم أسلم حافظا ms137 من ثمنها ما يكفيه سنوات - كما قال لنا حافظ - لولا أن رزق السنوات ~~لا يجاوز في يدي حافظ مدى الشهور، وهو الذي قال من قصيدته التائية في رثائه: # لقد كنت أخشى عادي الموت قبله # فأصبحت أخشى أن تطول حياتي # وصحيفة الصاعقة - كما ينبئ عنها اسمها - ليست من الصحف التي تسخو بالثناء على أحد من ~~الأحياء أو الموتى؛ إذ كانت مرصدة للهجاء الاجتماعي والنقد اللاذع صادقا أو غير صادق، وكان ~~صاحبها يلقب بالحطيئة الناثر؛ لأنه كان كالحطيئة الشاعر يهجو نفسه وأقرب الناس إليه، ~~ولكنه بكى فيه تلك المروءة السخية التي كان هو من العارفين بجدواها، فرثاه بمقال طويل ~~افتتحه بهذا البيت: # اليوم نامت أعين بك لم تنم # وتسهدت أخرى فعز منامها # ثم قال: «أما مروءته فليس أقوى دلالة عليها من خروجه قبل أن تخرج الشمس من غمدها وجيبه ~~ممتلئ برقاع امتلأ بحاجات الناس، فلا يرجع إلى داره إلا بعد أن يرجع الدهر عن معاكسة من ~~وضعوا آمالهم فيه ... وكم نظر الله إليه في جوف الليل وهو يمد يده بالحسنات إلى الفقراء ~~والمساكين، ويعول أنفسا ماتت بموته اليوم.» # ولقد عرفنا نحن أناسا نظروا إليه في جوف الليل يطرق عليهم الأبواب ويسلمهم ما قدر عليه ~~من عاجل الصدقة، وهو يقول لهم إنه أمانة من جهات الخير يؤديها إليهم ولا يعرفهم بنفسه، ~~وكنا نسكن على خط المطرية التي كان فيها مسكنه، فنسمع أخباره هذه من أصحاب البيوت الكريمة ~~التي فقدت عائلها، فلم يعرفوا أنه هو ذلك الرسول الذي كان يطرق عليهم أبوابهم تحت جنح ~~الظلام إلا بعد أن افتقدوه على أثر وفاته. # وقد عهد أهله إلى تلميذه الحميم السيد رشيد رضا أن يرتب أوراقه عند سفره إلى ~~الإسكندرية، فوجد في محافظ الأوراق صررا من النقود مكتوبا على كل منها اسم من يراد ~~إعطاؤه إياها. وسأله - وهو يعد العدة للسفر - عن الشاعر الكاظمي، فذكر له أنه مدين، فأسف ~~لأنه لم يخبره بذلك قبل تصرف أخيه في نفقة السفر؛ لأن الكاظمي أحوج إليها. # ولو عرفت هذه ms138 الصدقات المستورة التي كان يبذلها أو يسعى فيها ويوصلها بيده وأيدي خاصته ~~إلى مستحقيها، لظهر أنها شغل حياة كاملة تستغرق العمر ولا تدع فيه فراغا لعمل سواها، ~~وعجب الناس كيف كان يدبر لها وقتها مع تلك الأعمال الجسام التي كان يضطلع بها ولا يقبل ~~الإنابة عنه في أدائها، ومثل هذا الشغلان بالإحسان فضل نادر في حياة العظماء الذين كانوا ~~يشغلون بمثل شواغله، ويلقون من المصاعب والعقبات بعض ما كان يلقاه من أعدائه وأعوانه في ~~أداء رسالته، ولكنه على هذه الندرة لم يكن بالخاصة المميزة التي تنطبع بها هذه النفس بين ~~أقرانها ونظرائها، وإنما يمتاز الرجل في إحسانه بتلك المزية التي انطبعت بها جميع صفاته ~~وجهوده، وهي مزية المعلم المطبوع على التعليم. # وما كان التعليم في مثل هذه الفطرة إلا شيئا يعطيه من ذخيرة الفكر والروح. # فالشيخ محمد عبده كان رائد «الخدمة الاجتماعية» في وطنه قبل أن تعرف في هذا الوطن وفي ~~غيره «مصالح الخدمة الاجتماعية»، التي سميت بعد ذلك بأسماء الوزارات والدواوين، ولم يكن ~~يقنع بما يسديه من الخير بيده حتى يكون هذا الخير في مجاله الواسع عملا عاما للمجتمع ~~يتعود القائمون عليه أن يوطدوا له قواعده، ويتعاونوا على تنظيمه، ويتكلفوا بضمان البقاء ~~بعدهم لمن يخلفهم عليه. # فالإحسان المستور - يدا بيد - عمل يستطيعه المحسن بينه وبين نفسه، ويحمد منه أن يكتمه ~~ولا يعلمه لغيره، ولكن الإحسان في النكبات العامة لا يأتي بغير التعميم والتنظيم، وضمان ~~الأمانة أو ضمان الدوام في غير الإغاثة الموقوتة التي تنقضي بانقضاء دواعيها، وهذه هي مواطن ~~الإحسان التي كان محمد عبده يبادرها في ساعته كلما ألم بالبلاد داع من دواعيها، ولا ~~يظهر اسمه للناس إلا كان مجرد ذكره ضمانا للثقة والطمأنينة، وكان توجيه الدعوة باسمه ~~ضمانا للموافقة والإجابة، ثم يكون إشرافه على التدبير والإدارة ضمانا لانتظام العمل ~~ودوامه. # فمنذ عاد محمد عبده من منفاه لم يتخلف قط عن الغوث العاجل للمستغيث، في نكبة من النكبات ~~التي تصيب هذه البلاد ويقعد عنها ولاة الأمر والقادرون على الإغاثة ms139 بالمال أو السلطان، ~~وكانت سنته في كل عمل من أعمال الغوث أن يندب له الجماعة من أهل الكفاية والأمانة بين خاصة ~~صحبه، وأن ينهض هو بعبء تنظيمه ونشر الدعوة باسمه، ولم يحدث قط أن نهض بهذا العبء في عمل ~~من تلك الأعمال إلا كان نهوضه به أمانا من الفوضى والاختلال. # تركت حملة السودان في هذا البلد جيشا من الأيتام والأرامل والعاطلين وجرحى الحرب ~~والمنكوبين لا عائل لهم ولا مورد لمعونتهم، وأمسكت الحكومة يدها عن كل معونة لهذا الجيش ~~الزاخر؛ لأنها اعتذرت بنفاد المال في نفقات الحملة، وعجز الخزانة عن ترتيب المعاشات أو ~~التعويضات بين مصارفها المحدودة، فبادر الشيخ محمد عبده - وكان يومئذ قاضيا بمحكمة ~~الاستئناف - إلى تأليف هيئة خاصة لحصر ضحايا الحرب وتنظيم المعونة لهم مما يتبرع به ~~المحسنون، وتسهم به خزانة الحكومة وخزانة الأوقاف وغيرها من جهات البر والمساعدة، وجعل قوام ~~اللجنة من رجال القضاء وأهل الثقة من كبار الأغنياء، وحرص على إحاطة هذه الهيئة بالضمانات ~~«الرسمية» لضبط مواردها ومصارفها على نظام الحساب المتبع في دواوين الحكومة، وقامت هذه ~~الهيئة بأمانتها على وجهها الأمثل، ثم تبعتها الحكومة والجماعات الخيرية في طريقها، بعد ~~تمهيدها بهذه الفاتحة التي لم يكن لأولئك المكنوبين - لولاها - من مسألة يلتفت ~~إليها. # واحترقت بلدة ميت غمر في أوائل صيف سنة 1902، فبلغ عدد المنكوبين بالحريق أكثر من خمسة ~~آلاف، لا فرق بين كبيرهم وصغيرهم، ولا بين غنيهم وفقيرهم في الحاجة إلى المأوى والطعام. ~~وقال الأستاذ الإمام في وصف الحادث من بيانه الذي نشره على الناس في الصحف: «ليس الحادث بذي ~~الخطب اليسير، فالمصابون خمسة آلاف وبضع مئين، منهم الأطفال الذين فقدوا عائليهم، والتجار ~~والصناع الذين هلكت آلاتهم ورءوس أموالهم، ويتعذر عليهم أن يبتدئوا الحياة مرة أخرى إلا ~~بمعونة من إخوانهم، وإلا أصبحوا متشردين متلصصين أو سائلين ...» # وقد بذل الأستاذ الإمام من معونة الجمعية الخيرية الإسلامية - التي كان يرأسها يومئذ - ~~كل ما تحتمله مواردها، وألف لتعمير البلدة وإغاثة أهلها جماعة كبيرة تمدها بالمال وتحث ~~الناس على إمدادها به ms140 في عواصم البلاد وقراها، وطاف بنفسه على بيوت الأمراء والوجهاء ~~وأصحاب الثروة يسألهم النجدة في حينها قبل فوات أوانها، واستخدام كل وسيلة من وسائل الحض ~~والدعوة يقدر عليها، ومنها حث الشعراء على النظم في موضوع هذه النكبة، وفي طليعتهم شاعره ~~حافظ إبراهيم الذي نظم فيها قصيدة قال في أولها: # سائلوا الليل عنها والنهارا # كيف باتت نساؤهم والعذارى # أين طوفان صاحب الفلك يروي # هذه النار فهي تشكو الأوارا # وقال منها يستنجد بالمنشاوي (باشا) في سجنه: # أيهذا السجين لا يمنع السجن # كريما من أن يقيل العثارا # مر بألف لهم وإن شئت زدها # وأجرهم كما أجرت النصارى # وهو يشير هنا إلى أحمد المنشاوي (باشا) عميد القرشية الذي سجن يومئذ في قضية لعبت ~~فيها السياسة لعبها، وكان من مروءته أيام الثورة العرابية أنه آمن الأوربيين الخائفين في ~~داره، وسبق في ترجمة الأستاذ الإمام كلام عن صلة أبيه بهذه الأسرة العريقة في القرشية، ~~وسنرى فيما يلي أنه كان أحد المحسنين القلائل الذين كان الأستاذ الإمام يعتمد عليهم في ~~إنجاز مشروعاته الاجتماعية، وقد جمع من أسرته ومن سائر الأسر الكريمة ألوف الجنيهات، وذهب ~~بنفسه إلى ميت غمر ليشرف مع الهيئة المختارة على إنفاقها في تعمير القرية وتعويض ~~أهلها. # ولقد كان أثر المحسن المعلم في المؤسسات الباقية أبرز وأثبت من أثره في هذه المساعدات ~~التي تدعو إليها الحوادث الموقوتة، كحوادث الحرب، وحادث الحريق، وأشباه هذه الحوادث ~~المرهونة بأوقاتها؛ فإن المؤسسات الخيرية التي نشأت برعايته وهدايته كانت أثبت الجمعيات ~~المصرية وأنفعها وأقدرها على أداء مقاصدها من محاربة الجهل والفاقة؛ ولا تزال أكبر هذه ~~الجمعيات في مصر جمعيتان تأسستا بمعاونته وهدايته، وعاشتا منذ تم تأسيسهما نحو ستين ~~سنة تعملان وتتقدمان على هداه؛ إحداهما الجمعية الخيرية الإسلامية، والأخرى جمعية العروة ~~الوثقى، وقد سميت باسم جمعيته التي اشترك في تأليفها وإدارتها على البعد في منفاه مع ~~السيد جمال الدين، وقد أسهم في تأسيس الجمعية الخيرية الإسلامية ثم تولى رئاستها، فزادت ~~مواردها وأعمالها ضعفين في سنوات رئاسته الخمس (من 1317 إلى 1322 ms141 هجرية)؛ إذ كانت مدارسها ~~أربعا فأصحبت سبعا، وكان عدد تلاميذها (311) تلميذا فأصبح (766)، وكانت تملك مائتين ~~وثمانين فدانا فأصبح لها من الأرض خمسمائة وثلاثة وثلاثون فدانا، غير الموارد الأخرى التي ~~ارتفعت في جملتها من 4430 جنيها إلى 10395 جنيها، وازدادت - تبعا لذلك - قدرتها على ~~التعليم بالمجان وترتيب المعونة للمعوزين. # ولم يتسع عمر الأستاذ لإتمام المشروعات التي كان يفكر فيها ويهيئ الأذهان لإعداد أسبابها ~~وضمان إقامتها ودوامها، وكان يرجو أن يتسنى له إتمامها في مدى قريب بعد الفراغ لها من بعض ~~شواغله الأزهرية، ولكنه فارق الحياة في السنة التي اعتزل فيها مجلس الإدارة الأزهري بعد ~~شهور من اعتزاله، ويمكن أن يقال - على هذا - إنه ما من عمل من أعمال الخدمة الاجتماعية ~~تم بعد وفاته إلا كان من مشروعاته التي هيأ لها الأذهان ومهد لها الطريق وبدأ فعلا ~~بالاستعداد لتنفيذها، ومنها الجامعة المصرية التي كان يعنى بها أن «تقوم على تعليم العلوم ~~وفقا للمناهج الحديثة، وتسهم في تجديد الحضارة العربية القديمة»، وقال عنها فيما نشره ~~الأستاذ روجرفيل من وصيته بعد وفاته: «إذا نظرنا إلى التعليم الذي تنشره الحكومة من حيث ~~قيمته، فلا بد أن نلاحظ أنه لا يكاد يقدر إلا على تعليم رجل محترف بحرفة يكتسب بها عيشه، ~~ومن المستحيل أن يستطيع هذا التعليم تكوين عالم أو كاتب أو فيلسوف، فضلا عن تكوين نابغة، ~~وكل ما لدينا من المدارس التي تمثل التعليم العالي في مصر إنما هي مدارس الحقوق والطب ~~والهندسة، وأما بقية الفروع التي يتكون منها العلم الإنساني، فقد ينال منها المصري صورا ~~سطحية في المدارس الإعدادية، ويكاد يكون من المستحيل أن يتقن منها شيئا وهو في الغالب ~~مكره على أن يجهلها جهلا دائما، وذلك شأن الفلسفة القديمة والحديثة والآداب العربية ~~والأوربية والفنون الجميلة أيضا؛ كل ذلك مجهول لا يدرس في مدرسة مصرية ... فلا ترى في ~~الطبقة المتعلمة الرجل الباحث، ولا المفكر، ولا الفيلسوف، ولا العالم، ولا ترى الرجل ذا ~~العقل الواسع والنفس العالية والشعور الكريم، ذلك الذي يرى حياته كلها في ms142 مثل أعلى يطمع فيه ~~ويسمو إليه.» # وقد مرض الأستاذ الإمام مرض الوفاة، فلم يشغله المرض عن إعداد العدة لهذا المشروع الكبير، ~~وزار صديقه أحمد المنشاوي باشا واستزاره غير مرة للبحث في وسائل بناء الجامعة وضمان الموارد ~~التي ينفق منها عليها، وخاطب وزارة المالية في بيع عشرة آلاف فدان من ملك الحكومة يشتريها ~~المحسن السري، ويسجل وقفها على بناء الجامعة ومصاريفها مع ما يربط عليها من الوقوف ~~والأرصدة المالية، ولم يتوان ذلك المحسن الوفي في إنجاز هذا العمل بعد وفاة الأستاذ الإمام ~~برا بذكراه وتحقيقا لأمله. «وفي يوم السبت عاشر شوال سنة 1322ه/1905م كتب المنشاوي ~~باشا إلى مجلس النظار كتابا يطلب فيه أن تبيعه الحكومة عشرة آلاف فدان معينة، ليجعلها ~~وقفا على مدرسة كلية يريد إنشاءها في ضواحي القاهرة، ويوقع عقد الوقفية في الوقت الذي ~~وقعت فيه المالية عقد البيع ... حتى إذا ما انتهت الوسائل قضى الرجل نحبه في الأسبوع الذي ~~عين فيه موعد العقد ...» ~~••• # ويشاء الله أن يبرئ هذه النفس الزكية من كل ملامة يتجنى بها المتجني عليها، فيما اختاره ~~لنفسه من إيثار خطة التعليم والإحسان في خدمة قومه على خطط خصومه المشغولين بسياسة الصحف ~~والأحزاب، فما كانت لتعوزه - رحمه الله - زيادة لمستزيد في بغض المكائد السياسية والإيمان ~~بفسادها وإفسادها لكل ما تمتد إليه من «اختصاصها» كما يقولون وغير اختصاصها، ولكنه كان يخطو ~~في عمله خطوة بعد خطوة، وكأنه بحاجة إلى التذكير الجديد بلؤم تلك السياسة خوفا عليه من ~~نسيانه ... وفي كل خطوة من تلك الخطوات كانت تبرز له الأدلة من هنا وهناك على استقامة خطاه ~~واعوجاج الخطى من جانب خصومه؛ هنا نفع لا ريب فيه من خطة التعليم والإحسان، وهناك ضرر لا ~~ريب فيه من سماسرة السياسة يلاحقه في أشرف أعماله وأكرم آماله، فما من مشروع من المشروعات ~~التي ذكرناها فيما تقدم سلم من الوشاية الخفية أو المكابرة الصحفية. ولا نذكر المكائد ~~التي رصدت له في مساعيه لطلب الكتب النادرة التي كان يعهد بطبعها إلى جماعة إحياء الكتب ~~العربية، ms143 ولا المكائد التي رصدت له في جمع التبرعات لمنكوبي حرب السودان، ولكننا ندل على ~~خسة هذه المكائد بالإشارة إلى أغربها وأبعدها عن التصديق، وهي وشاية الوشاة عند الوكالة ~~البريطانية بالجمعية الخيرية الإسلامية لاتهامها بأنها تجمع الأموال لإعانة مهدي السودان ~~وتزويده بالذخيرة والسلاح، واجترائهم في ذلك على تلفيق الأختام المزورة والبصمات ~~المزيفة التي أقنعت دار الوكالة وأثارت شبهاتها، فأمرت بتفتيش مكاتب الجمعية ومراقبة ~~مراكزها، ولولا تصدي الأستاذ الإمام لاحتمال التبعة في كل ما يثبت على الجمعية من هذه ~~الوشايات واجتهاده لكشف دخائل التزوير في تلك الوثائق المزيفة، لقضي على الجمعية في ~~مهدها وقضي على حسناتها وصدقاتها. # الفصل الثالث عشر # | المصلح الفيلسوف # من دأب الإيمان الديني في الطبائع القوية أن يقارب بين الروح المثالي والفكر العملي على ~~غير المألوف في أكثر المفكرين العمليين من غير المتدينين، أو غير المؤمنين إيمان ~~اليقين. # فإن القيم الأخلاقية العليا والأريحية المثالية خيال يحلم المصلحون المثاليون بتحقيقه في ~~المستقبل، إن صح أنه قابل للتحقيق في وقت من الأوقات، ولكنه واقع مقرر في كل وقت عند ~~المصلح المؤمن؛ لأنه مقترن بوجود الإله الكامل السرمدي في كل لمحة من لمحات الزمن، حاضر ~~بحضوره في كل مكان، غير ميئوس من إدراكه بإرادة الله وإرادة خلقه، مع صدق النية واستقامة ~~الطريق على هداه. # وبهذا الإيمان يتلاقى في طبيعة المؤمن القوية هذان الخلقان اللذان يفترقان بين مثالي ~~يخطئ العمل، وواقعي يرتاب في إمكان المثل العليا وسداد الأريحية الأخلاقية، فهما خلقان ~~متفقان تمام الاتفاق في ضمير المصلح المؤمن بوجود الكمال المطلق في كل وقت وكل جهة، وهو ~~وجود الله. # ونحسب أن هذا الاتفاق بين الخلقين هو أصح تفسير لتلك السجية البينة في طوية ~~مصلحنا العظيم؛ أمل لا حد له في الخير، وفهم للواقع العملي لا يضل طريقه بين الشعاب ~~المتفرقة في مسالك الإصلاح. # ولقد تصوف مصلحنا العظيم زمنا في صباه، ولا نخاله ابتعد من طريق المتصوفة إلى ختام ~~حياته. # وقد درس حكمة الفلاسفة النظريين، كما درس فلسفة المعتزلة وعلماء الكلام ومذاهب الفقهاء من ms144 ~~أسرى النصوص ومن أصحاب التأويل. # ولم يكن قط من «أهل الظاهر» الذين يأخذون بالحرف ويدينون بالتقليد. # ولكنه كذلك لم يكن قط من «أهل الباطن» الذين يفهمون «الباطنية» على أنها رفض للظاهر ~~وانقطاع عن الواقع، ونبذ الحياة وانصراف عن شواغل المعيشة التي يشتغل بها الأحياء في ~~دنياهم، أو يحسبون الباطنية ضربا من «الدروشة » والمسكنة المختارة على مذهب المجاذيب من ~~أبناء الطريق. # إنما كان رفضه للظاهر رفضا للقشور وألوان الطلاء، وكان بحثه عن الباطن بحثا عن حقيقة ~~المعنى الصحيح من وراء اللفظ السقيم. # إنما كان رفضه للظاهر المموه بحثا عن الواقع الذي خلص من التمويه، فهو واقعي عملي في ~~صميم الواقع الذي يصلح للعمل النافع، وهو يقترب من وسائل العمل كلما ابتعد من ظاهر الطلاء ~~والتمويه فيما يتداوله الناس من الأباطيل، وغيره على غير هذه السجية يبتعدون من حياة العمل ~~الواقعة كلما أمعنوا في البحث عن باطنهم المحجوب أو عن خيالهم البعيد. # فهو مصلح فيلسوف بكل ما شئنا من معاني الإصلاح والفلسفة. # هو مصلح يتصل إصلاحه بالتفكير كما يتصل بالعمل، وهو فيلسوف حين تكون الفلسفة حكمة يروض ~~بها الحكيم نفسه على المسلك الذي ينبغي له كما يراه، والغاية التي يسعى إليها كما هداه ~~الفكر إليها، وهو فيلسوف حين تكون الفلسفة بحثا عن سر الوجود، ورأيا في كليات الحقائق ~~يحيط بأجزائها ويستعان به على تفسير تلك الأجزاء. # وقد كان يفهم الفلسفة على هذا المعنى في مستهل حياته العلمية حين كان المفكرون يفسرونها ~~على وجوه مختلفة لا تطابق معناها، وكان يوما بمجلس علي مبارك باشا وزير المعارف، وفي ~~المجلس من فضلاء المفكرين الدكتور يعقوب صروف محرر المقتطف، وكان بعض الصحف قد سمى ~~كاتبا من كتاب العصر بالفيلسوف على غير حق في رأي الدكتور صروف، فقال الدكتور: إن الناس ~~قد ابتذلوا هذه الكلمة حتى صاروا يطلقونها على غير أهلها، وتساءل الحاضرون من يكون ~~الفيلسوف إذن على المعنى الصحيح؟ فقال الدكتور في رواية الأستاذ رشيد رضا: هو الذي يتقن ~~جميع العلوم ... قال الشيخ محمد عبده: إذن ms145 لا يوجد على الأرض فيلسوف. وعاد الدكتور يقول ما ~~معناه: إنه لا بد من أن يتقن علما من العلوم ويلم بسائرها. فقال الشيخ محمد عبده: إن الذين ~~يتعلمون على الطريقة الحديثة يخرجون من المدارس العالية، وقبلها الثانوية، على إلمام ~~بالعلوم ويتقنون بعضها، فما أكثر الفلاسفة بين الأطباء والمهندسين والطلاب بهذا المعنى! ثم ~~قال: إن الفيلسوف كما يفهمه هو الذي له رأي ومذهب في العقليات والاجتماعيات يمكنه الاستدلال ~~عليه والمدافعة عنه. # وبهذا المعنى الصحيح من معاني الفلسفة يتضح للأستاذ الإمام مذهب فلسفي مستقل في موضوع ~~الفلسفة العامة، وهو البحث عن الوجود أو البحث عما وراء الطبيعة على اصطلاح أكثر المحدثين، ~~وتتضح له مع هذه الفلسفة العامة فلسفة خاصة في سائرها الاجتماعيات والعقليات، ومنها فلسفة ~~الأدب والفن، وفلسفة اللغة والبيان على الإجمال. # أما فلسفته فيما وراء الطبيعة، فهي فلسفة متصوف اطلع على آراء الفلاسفة التي دار عليها ~~البحث بين المتكلمين والمعتزلة وفلاسفة المسلمين، ثم اطلع على أقوال فلاسفة الغرب في ~~العصور المتأخرة اطلاعا يمكنه من الجمع بينها وبين ما يشبهها من أقوال المتقدمين، وقلما ~~استحدث فيما بعد الطبيعة شيء من جانب المعاصرين لم يسبقهم إليه الأوائل في أمهات ~~المسائل، وإن أضاف إليه المعاصرون ما أضافوا من مصطلحات العلم الحديث. # واستقلال الشيخ محمد عبده بالفكر والنظر، ثم استقلاله بالعمل في الإصلاح، يفردانه بمذهب ~~بين مدارس الفلسفة الإسلامية، فلا يتيسر ضمه إلى طائفة منها يسمى باسمها وينفصل بذلك عن ~~سائرها. # فهو مع الفلاسفة والمعتزلة في تحكيم العقل والقياس على المنطق والعلوم الكونية، ولكنه ~~يخالف رأي الفلاسفة في معنى الوجود ومعنى العلوم بالنسبة إلى الحقيقة الإلهية، ويخالف رأي ~~المعتزلة في مجادلاتهم العقيمة حول مسألة الصفات وما تفرع عليها من الكلام عن خلق ~~القرآن. # وهو مع المتصوفة في رياضتهم النفسية والفكرية، ولكنه يرى أن إلهام المتصوف «ذوق وجداني» ~~لا يجوز له أن يدين به غيره، «ولا ينكر أن لهم أذواقا خاصة وعلما وجدانيا ... ولكنه خاص ~~بمن يحصل له لا يصلح أن ينقله لغيره بالعبارة ... فإن هذا ms146 الذوق يحصل للإنسان في حالة غير ~~طبيعية، وكونه خروجا عن الحالة الطبيعية لا يجوز أن يخاطب به المتقيد بالنواميس ~~الطبيعية.» # وشبيه بهذا رأي الطب - على قول ابن سينا - في علاج من كانوا يعرضون عليه من المصابين ~~بمس الجن أو الأرواح الخفية، فإنه كان يعالج الأعراض الجسدية بما يناسبها من الأدوية ~~الجسدية، ولا شأن له في علاج الآثار الطبيعية بما كان لها من المؤثرات غير الطبيعية، أيا ~~كان منشؤها. # وقد يحيط بالفلسفة الإلهية في مذهب الأستاذ الإمام من يقرأ تعليقاته على العقائد ~~العضدية، ومناقشته في حاشيته للإمام عضد الدين الإيجي والإمام جلال الدين الدواني، في شتى ~~المسائل التي تقوم عليها اليوم فلسفة ما وراء الطبيعة عند الفلاسفة المعاصرين، مضافا إليها ~~مسألة الصفات التي لم يطرقها هؤلاء المعاصرون. # وأيسر من هذه الحاشية - لمن يقرأ كتب الفلسفة السلفية - رسالته القيمة في التوحيد، ~~وتفسيراته للآيات القرآنية من دروسه في الجامع الأزهر، وفيها بيان جلي لكل مسألة من تلك ~~المسائل التي يقل فيها الجلاء ويكثر فيها الغموض في كتب الأقدمين. # فإذا أردنا أن نجعل لفلسفة الإمام حدا فاصلا بينه وبين مخالفيه من جماعة المعتزلة ~~والمتكلمين والفلاسفة الأقدمين ... فالحد الفاصل هنا هو القدرة على حسم الجدل العقيم بالرجوع ~~إلى حكم العقل السليم، أو هو القدر العلمية على حل المشكلات العقلية، ولا سيما المشكلات ~~التي لا داعي للإشكال فيها غير الوقوف عند اللجاجة اللفظية والعجز عن تقرير معناها، أو غير ~~التهالك على الزبد وترك ما ينفع الناس. # وأقرب الآراء إلى الأستاذ الإمام آراء حجة الإسلام أبي حامد الغزالي رضوان الله عليه، فهو ~~قريب منه في كل ما ابتعد به الفهم بينه وبين الفلاسفة أو المعتزلة أو المتكلمين، وليس بينه ~~وبين حجة الإسلام من خلاف يذكر إلا كان - على الأكثر - من قبيل الاختلاف في الدرجة دون ~~الجوهر؛ فإن الأستاذ الإمام لا يشتد على الفلاسفة اشتداد حجة الإسلام، ولا يقول بالتكفير ~~حيث يتأتى المخرج المقبول، ولو ببعض الصعوبة في التأويل. # إن «الإله» عند أرسطو هو المحرك الأول ... ولا تأتي ms147 الحركة منه لأنه أبدي لا أول له ~~ولا آخر، ولكنها تأتي من الهيولى التي هي المادة في دور القابلية، وإنما تخرج من القابلية ~~إلى الكون بحركتها نحو الكائن الأول شوقا إلى الكمال، وهي في كل حركة تتخذ لها صورة معينة ~~تجعلها شيئا وتجعلها أقرب إلى الكمال، بمقدار خلوها من الهيولى وازدياد نصيبها من الصورة ~~المحض التي لا مادة فيها. # أما «الإله» في العقيدة الإسلامية كما يبسطها الأستاذ الإمام في كتبه المتقدمة فهو ~~«الوجود الكامل المطلق»، وكل ما عداه من المخلوقات فهو ناقص محدود. # وكمال الله لا ينفي إرادة الخلق على قول أرسطو في الإرادة، ولا يقتضي قدم المخلوقات ~~الناقصة المحدودة متفرقة أو متجمعة فيما نسميه العالم أو الكون، ولا يمنع العقل أن يكون هذا ~~العالم حادثا وأن يكون الله أحدثه من العدم بقدرته؛ لأن القدرة هي إمكان القادر ما لا يمكن ~~غيره، ومعنى قدرة الخالق المطلق أنه يمكنه ما ليس بالممكن بغير قدرته المطلقة، فلا وجه ~~هنا للاستحالة مع الوجود المطلق الذي ليست له حدود. # وصفات الله التي يقتضيها الكمال واجبة وجوب وجوده على أكمل صفة، فإذا جاء الشرع بصفات غير ~~مستلزمة عقلا، فلا يجوز للفيلسوف أن يرفض صفة من الصفات لا يمنع العقل نسبتها إلى الكمال ~~المطلق، ولا معنى للجدل العقيم في استكناه هذه الصفات؛ لأن العقل الإنساني لا ينفذ إلى ~~كنه شيء من الأشياء، فضلا عن كنه الوجود الأوحد الذي ليس له مثيل يقاس عليه. # وللأستاذ الإمام في ذلك رأي كرأي الفيلسوف الألماني عمانويل كان في استحالة العلم بالشيء ~~في ذاته # Nomena # ووقوف العلم الإنساني عند الظواهر Phenomenon # مع التعبير عن هذا الفارق باصطلاح الأقدمين، ~~وهو الفرق بين الكنه والعوارض؛ إذ يقول من رسالة التوحيد عن غاية كمال العقل الإنساني إنما ~~هي: «الوصول إلى معرفة عوارض بعض الكائنات التي تقع تحت الإدراك الإنساني حسا كان أو ~~وجدانا أو تعقلا، ثم التوصل بذلك إلى معرفة مناشئها وتحصيل كليات لأنواعها والإحاطة ببعض ~~القواعد لعروض ما يعرض لها، وأما الوصول إلى ms148 كنه حقيقة ما فمما لا تبلغه قوته؛ لأن ~~اكتناه المركبات إنما هو باكتناه ما تركبت منه، وذلك ينتهي إلى البسيط الصرف، وهو لا سبيل ~~إلى اكتناهه بالضرورة، وغاية ما يمكن عرفانه منه هو عوارضه وآثاره.» # وليس قصور الإنسان عن استكناه الأشياء في ذواتها بحائل بينه وبين الاستعانة بعقله على ~~المعرفة الدينية، فإنه بهذا العقل يستعين على كل معرفة تعنيه وتنفعه في مصالحه الدنيوية، ~~وعلم العقل الإنساني بقصوره يلهمه تفويض الإيمان بمسائل الغيب، ومسائل الشرع التي لا ~~يتطلبها العقل على صورة من الصور غير صورتها في الدين، كشعائر الفروض وأعداد الركعات في ~~صلوات العبادة ومقادير الزكاة وما إليها، فإن العقل يتقبلها لأنها ضرورية على صورة من ~~الصور، وليس له أن يرفضها على صورة دون صورة. # وبهذه القوة العاقلة في الإنسان يدرك ما يجب في حق الله وما ليس بالممتنع في حقه، كما ~~يدرك ما ينبغي للخلق كله في جملته، وقصارى القول فيه أن الواجب في حق الله هو الواجب في حق ~~الوجود الكامل المطلق، وأن نهاية القول في العالم كله أنه وجود مخلوق أو وجود محدود. # وتنجلي طبيعة المصلح العامل في هذه الفلسفة الإلهية التي اطمأن إليها من بين آراء ~~الفلاسفة وعقائد المعتزلة وعلماء الكلام، فلم يكن يعنيه منها أنها فلسفة تحل جميع المشكلات ~~وتفسر جميع الغوامض وتفصل في جميع القضايا المعلقة بين المفكرين الإلهيين، وإنما كان ~~يعنيه منها أنها تبطل الحيرة من الناحية العملية، فلا تشغل العقل بما لا داعية للحيرة ~~فيه؛ لأنه على أي الآراء من ناحية الواقع سواء، وما لم يكن البت فيه جوهريا للعلم يحق ~~العالم المخلوق، فالقيل والقال فيه لجاجة لا تجمل بالعقل وليس لها ضرورة في عقائد ~~الضمير. # فالوجود المطلق لا يحده الزمان؛ لأنه يخلق الزمان، ولا موجب إذن للحيرة في قدم العالم ~~أو حدوثه؛ لأن الله قادر على أن يخلقه مع الزمان، ولا داعية لحيرة العقل في أمر حدوثه ~~وقدمه على هذا الاعتبار. # والذين يقولون إن البعث بالأرواح حتم، يوجبون استحالة العبث بالأجسام في ms149 غير استحالة ~~معقول؛ لأن قدرة الله لا يمتنع عليها تبديل الجسد في إبان الحياة، ولا داعية للحيرة في ~~مقادير المادة التي تتألف منها الأجساد الحيوانية جميعا؛ لأن الإله الذي خلق المادة ~~ابتداء يخلقها كرة أخرى بما يشاء لها من المقادير. # ومسألة القدر - على أي معنى من معانيه - لا تلغي إرادة الإنسان كما ينبغي أن تكون إرادة ~~المخلوق المحدود، ولا تبطل الجزاء كما ينبغي لتلك الإرادة، والعلم السابق بالتكليف والعقاب ~~لا يقتضي بطلان الإرادة النفسية؛ لأن الإنسان قد يريد عامدا ما يعلم أنه معاقب عليه، وإذ ~~كان علم الله بعمل الإنسان حقيقة، فحقيقة مثلها أنه جعل له إرادة على قدر وسعه، ولا يكلف ~~الله نفسا إلا وسعها على أية حال. # وإذا بقي من هذه الخلافيات شيء لا تبطل فيه الحيرة، فهو الشيء الذي يقضي العقل بالتفويض ~~فيه إلى الله؛ لأن فهمه والتسليم فيه للغيب سواء. # ويخيل إلى قارئ الفلسفة حين يراجع أقواله في العقائد العضدية ورسالة التوحيد أنه فرغ ~~من هذه الأقوال جميعا وهو يقول لنفسه: إن المفيد هو أن نعمل ما لا بد من عمله، فدعونا من ~~إضاعة الوقت والعقل في تحصيل الحاصل، دعونا من الخلاف فيما يتساوى فيه طرفا الخلاف، فإن ~~ترك الحيرة أولى من الحيرة التي لا تنتهي إلى طائل. # وإن مسلكه هذا مع الفلاسفة والمفكرين لقريب جدا من مسلكه مع الساسة والأمراء: الإصلاح ~~بدونهم خير من انتظار الإصلاح معهم على غير جدوى. ~~••• # والواضح من تعليقات الأستاذ الإمام على العقائد العضدية أنه تتبع مذاهب الفرق في أمهات ~~مراجعها، وأحاط باللباب الجوهري من أقوال الفلاسفة الإسلاميين، ولم يفته منها غير ~~المصادر التي ظلت مطوية في مكتبات الغرب وتخصص فيها البحث بآراء الفيلسوف الأندلسي ابن رشد، ~~التي كان فيها على خلاف مع سائر الفلاسفة المشرقيين، وقد كان هذا سبب النزاع على الفلسفة ~~الرشدية بين الأستاذ الإمام والأستاذ فرح أنطون صاحب مجلة الجامعة، فإن كلا الباحثين كانت ~~تعوزه مراجع الآخر. «ولعل هذه المساجلة - كما قلنا في رسالتنا عن ابن رشد - تهدينا ms150 إلى ~~أسباب اتساع الخلف وانفراج مسافته بين المتناقشين في هذه المسائل وأشباهها، فإن اتساع الخلف ~~بينهم إنما يأتي على الأغلب الأعم من اختلاف المراجع التي يعتمدون عليها، وهذا الذي حدث في ~~مناقشة الأستاذ الإمام والأستاذ فرح أنطون، فلم يكن أحدهما يعتمد على مراجع الآخر في مسألة ~~من مسائل الفلسفة الرشدية أو الفلسفة الإسلامية على التعميم ... قال الأستاذ الإمام: وأما ~~العقل فليس كما تقول الجامعة، فإن العقل الأول جوهر مجرد عن المادة، وهو قول صادر عن ~~الواجب، وقد صدر عنه الفلك التاسع المسمى عندهم بالفلك الأطلسي، ونفس ذلك الفلك تدبر ~~حركاته الجزئية. وعقل آخر هو العقل الثاني، وعن هذا العقل الثاني صدر الفلك الثامن ~~المسمى عندهم بالعقل الفعال أو العقل الفياض، وعن هذا العقل صدرت المادة العنصرية، ~~وإليه يرجع ما يحدث في عالمها.» # وهذا كله صحيح بالنسبة إلى فلاسفة الإسلام في المشرق على الجملة، ولكن ابن رشد كان يعتمد ~~على شرح أرسطو مباشرة ويفسره برأيه لا بآراء الفلاسفة المشرقيين، ويقول من كتاب «تهافت ~~التهافت» في مسألة تعدد العقول: «ولسنا نجد لأرسطو ولا لمن شهر من قدماء المشائين هذا ~~القول الذي نسب إليهم، إلا لفرفريوس الصوري صاحب مدخل علم المنطق، والرجل لم يكن من ~~حذاقهم.» # أما الأستاذ فرح أنطون، فكان جل اعتماده على تخريجات رينان، ولم يتوسع في الاطلاع ~~على كتاب التهافت وغيره توسع استقصاء، وقد صرح بذلك حيث قال: «لا مناص للكاتب العربي ~~اليوم من أخذ تلك الفلسفة عن الإفرنج أنفسهم، فأخذنا كتابا للمستر مولر عنوانه: فلسفة ابن ~~رشد ومبادئه، وكتابا آخر عنوانه: ابن رشد وفلسفته، وهو للفيلسوف رينان المشهور.» # فقد كانت المصادر إذن مختلفة، وكان أكثرها مرويا عن صاحبه مأخوذا من خلاصة كلامه، ولو ~~توحدت المصادر مع حسن النية لما تباعدت بين المتناظرين في هذه المسألة، ولا في غيرها، شقة ~~الخلاف. ~~••• # فمصادر الأستاذ الإمام في مسائل الفلسفة الإسلامية كانت شاملة لمراجعها الوافية من كتب ~~الفلاسفة والمعتزلة والمتصوفة والمتكلمين، ولكننا لا نعلم عن مصادره التي اعتمد عليها ~~لدراسة الفلسفة الغربية شيئا ms151 على التفصيل، وكل ما نعلمه أنه كان يطلع عليها في بعض ~~كتبها بعد تعلمه اللغة الفرنسية، وأن أقواله عن العقائد الإلهية تدل على علم بآراء الفلاسفة ~~المتأخرين من الأوروبيين، وأغلب الظن عندنا أنه توافق في التفكير الذي تشابهت فيه الموضوعات ~~الفلسفية قديما وحديثا، وهي - فيما عرضت له - من مسائل الخلاف لم تطرق موضوعا لم تسبق ~~إليه في موضوعات الفلاسفة الإسلاميين. # ولعل من هذا التوافق قوله الذي ارتاح إليه سبنسر حين سأله عن العقيدة الإسلامية في الإله، ~~فإنه ذكر له عقيدة أهل السنة وعقيدة المتصوفة القائلين بوحدة الوجود، ثم ذكر له أن بعض ~~المتصوفة الإسلاميين يعتقدون أن الله وجود محض، وليس بشخص، فبدا على الفيلسوف الإنجليزي أنه ~~ارتاح إلى هذه العقيدة، ويبدو اليوم أنها العقيدة التي يرتاح إليها كبار المفكرين الغربيين، ~~ومنهم أينشتين صاحب الفلسفة النسبية. # وكذلك يجوز لنا أن نفهم أن الأستاذ الإمام نقل عقيدة المتصوفة القائلين بهذا وهو يفرق بين ~~دلالة الشخص Person # ودلالة الذات في عقيدة التوحيد ~~الإسلامية؛ لأن الشخص باللغات الأوروبية يوحي بالشبه والحد والمثال، من أصل الكلمة ~~اللاتينية التي أخذت من قناع الوجه المستعار في التمثيل، وليس في كلمة «الذات» ما يوحي بهذا ~~على الحقيقة أو على المجاز، وإنما توحي بأن الذات تحتوي الصفات وتملك ما ينسب إليها من ~~لوازم الكمال. ~~••• # ولا نجد في كتابات الشيخ محمد عبده أنه أراد أن ينشئ له مذهبا خاصا في المسائل الإلهية ~~كالمذاهب التي تسمى بالنظم في اصطلاح الفلسفة الحديثة، ولكننا نجد آراءه كاملة في كل ~~مسألة من هذه المسائل مبسوطة في تعليقاته على أقوال الفلاسفة أو المعتزلة أو المتكلمين أو ~~المتصوفة، يوافق بها كل طائفة من هذه الطوائف أو يخالفها، مستقلا عنها جميعا بمنهجه الذي ~~امتاز بطابعه الخاص في الفهم والتحقيق، وهو طابع الفكرة العقلية العملية، أو طابع الفكرة ~~الصالحة للتعليم والإفادة بالتربية والهداية. # فهو مع الفلاسفة الإلهيين في مسألة الوجود الإلهي أو الوجود المطلق، ولكنه لا يقف بإدراكه ~~للقدرة الإلهية عند استحالة الخلق من العدم؛ لأن الوجود المطلق ms152 في عقيدته وتفكيره، لا ~~يستحيل عليه أن يفيض نعمة الوجود على خلقه، فليس الخلق من العدم بالمستحيل، بل المستحيل هو ~~العدم نفسه مع وجود الخالق المريد الفعال لما يريد، ولا تكفير عنده لمن قال بقدم العالم ~~وهو يؤمن بأن الله هو الفاعل لما أراده من خلقه؛ إذ كانت إرادة الله قديمة لا ندري كنه ~~عملها السرمدي خارج الزمان، وكان الواجب في مسألة وجود العالم أن نؤمن بأن له موجدا كما ~~شاء، فلا يكفر من قال إن الله أوجد العالم في القدم وإن يكن مخطئنا في التفكير. قال في ~~تعليقاته على العقائد العضدية: «واعلم أني وإن كنت قد برهنت على حدوث العالم، وحققت الحق ~~فيه، على حسب ما أدى إليه فكري، ووقفني عليه نظري، فلا أقول بأن القائلين بالقدم قد كفروا ~~بمذهبهم هذا وأنكروا به ضروبا من الدين القويم، وإنما أقول إنهم قد أخطئوا في نظرهم ولم ~~يسددوا مقدمات أفكارهم.» # ثم قال: «ومن المعلوم أن من سلك طريق الاجتهاد لم يعول على التقليد في الاعتقاد، ~~ولم تجب عصمته فهو معرض للخطأ، ولكن خطأه عند الله واقع موقع القبول، حيث كانت غايته من ~~سيره، ومقصده من تمحيص نظره أن يصل إلى الحق ويدرك مستقر اليقين.» # وهو مع المعتزلة في تحكيم العقل والاستهداء به إلى هدي الدين، ولكنه لا يرى رأيهم في ~~الاستغناء بالعقل وحده؛ لأنه يفرق بين مطابقة الدين للعقل وبين الاكتفاء بالعقل في المسائل ~~النظرية والشرعية؛ إذ لا بد من تسليم العقل بنصيب الشرع من الهداية، ما دام العقل يعلم أنه ~~لا ينفذ إلى كنه الأشياء، وأن العقول الإنسانية موكولة إلى حكمة الغيب حيث وقف بها مدى ~~التفكير. # وهو مع المتكلمين في استخدام القضايا المنطقية، ولكنه يأخذ على غلاتهم أن استخدام المنطق ~~يذهب بهم إلى السفسطة أحيانا، ويدفع بهم إلى خلق المشكلات بينهم وبين الفلاسفة أو المعتزلة ~~في غير داع إلى الإشكال. # وهو مع المتصوفة، أو على الأصح مع الحكماء المتصوفين ولا سيما الأخلاقيين؛ لأن التصوف ~~عنده رياضة عقلية، ولكنه يرى ms153 لهذه الرياضة جانبا غير الجانب الحسي من الحياة الدنيوية ~~يسميه «ذوقا»، ويحمد من صاحبه أن يروض عليه ضميره ووجدانه ولا يدين به أحدا من المقيدين ~~بالحياة الطبيعية أو الحياة الحسية؛ لأن الأمر في هذه الحياة لما يستقيم عليه صلاح ~~الجماعة، ولا محل فيه للذوق الخاص الذي لا تراض عليه طبيعة العموم. # وجماع القول في مذهب الأستاذ الإمام أنه كان مذهب «المصلح الإسلامي المفكر» الذي أعطى ~~التفكير النظري كل حقه، ولكنه أخذ منه حق العمل على الإصلاح الرشيد المستنير، واستخلص منه ~~العقيدة الإسلامية خالصة من عقبات الجمود والخرافة، التي تصدها عن التقدم وتقعد بها عن ~~مسايرة الزمن والتأهب للحياة بأهبة العقل البصير والضمير الحر، والكفاية الخلقية والمادية ~~لمناهضة القوة المستطيلة عليها بسلاح العلم والمال؛ تلك القوة التي أنزلت المسلمين في العصر ~~الحديث منزلة المغلوبين المستعبدين، ومن حقهم لو عرفوا دينهم حق معرفته أن يترفعوا بأنفسهم ~~عن مهانة الخنوع والاستعباد. # وقد كان له في مذهبه هذا تلاميذ مؤمنون بالفكر والعقيدة في أرجاء العالم الإسلامي من ~~أقصاه في المشرق إلى أقصاه في المغرب، وكان أكثر هؤلاء التلاميذ من قادة الفكر المتدينين ~~يقومون بواجبهم المضاعف في كل بلد إسلامي كما قام به الأستاذ الإمام في وطنه، فيكافحون ~~الجمود من جهة ويكافحون التفرنج الذميم من الجهة الأخرى، ويتعرضون في وقت واحد لعداوة ~~المتألبين عليهم من أنصار الاستعمار والاستبداد وأنصار الجهل المظلم والتعليم الفاسد، وفئات ~~النفعيين الذين يندسون بين جميع الصفوف، حيث المنفعة على كل حساب، ولو كان حساب الوطن ~~والدين. # على أن تلاميذ «الفيلسوف» محمد عبده كانوا فئة معدودة تحسب بالآحاد في كل أمة من أمم ~~العالم الإسلامي، وكان عليهم أن يعيدوا دعوته بألسنتهم وأقلامهم مرة أخرى حتى تبلغ إلى ~~الأسماع والعقول، وإنما انتشرت دعوته إلى الإصلاح أوسع انتشارها بين قراء تفسيره للقرآن، ~~وفتاواه لطلاب الفتيا الكثيرين، ومقالاته وفصوله التي كانت تنشر بتوقيعه أو بغير توقيعه ~~ولا تخفى نسبتها إليه لنشرها في مجلة «المنار». وقد أنشأ مسلمو إندونيسية مجلة على مثالها ~~سموها «المنير» تبلغ هذه ms154 الدعوة لمن لا يقرءون العربية من أبناء الأمة الملاوية، وتتبع ~~مسلمو الهند دروسه كما توجهوا إليه بالاستفتاء في كل مشكلة من مشكلاتهم الاجتماعية التي ~~تصطدم عندهم بالعقيدة الدينية ... ولما تسامع المسلمون في الهند بانقطاع الأستاذ الإمام عن ~~إدارة الأزهر وشاع بينهم أنه سيهجر التدريس، وقع منهم النبأ موقع الهول الذي لا يحتمل، ~~وكتب النواب محسن عميد كلية عليكرة ينعي رسالة الإصلاح في العالم الإسلامي، وينحي على ~~الخديو وشيعته من الجامدين أشد الإنحاء، ويقول إنهم «لو كانوا يتوقعون من المستر دنلوب بعد ~~قنوطهم وإياسهم من الجامع الأزهر أن يؤسس لهم كليات وجوامع في أرض مصر يكون فيها نشر ~~التعاليم العالية ... لكان في ذلك بعض التعزية عما قد فاتهم من ذلك في الجامع الأزهر، ولكن ~~الذي ظهر لنا أنهم لا يتوقعون ذلك من هذه الجهة أيضا ... وعسى أن ينكشف لديهم أن أعضاء ~~الدولة الذين بأيديهم زمام دولة مصر وملاك أمرها وسلطانها لا يرضون بأن يتاح لهم من ~~التعاليم ما تستنير به قلوبهم، وتستضيء به أدمغتهم، ويطلعون به على حقوقهم الملية ~~والسياسية». # وقالت صحيفة الرياض بعد نشر الخبر ومعه خطاب الخديو: «عجبنا وعجب كل مسلم في الهند من حكم ~~سموه الذي قضى به في جمع حافل من العلماء، وشدد النكير على حزب المصلحين وجماعة ~~المخلصين ... فالآن يصدق على من يخرج من الأزهر: ليس له في الدنيا نصيب، وما له في العلوم ~~الإسلامية من خلاق.» # وكان للنبأ في البلاد العربية صدى كصداه هذا في البلاد الإسلامية غير العربية، وصححت ثورة ~~الخواطر تقدير المصلحين أنفسهم لمدى انتشار الدعوة بين جمهرة المسلمين، ومدى النكسة التي ~~أصيبت بها حركة التجديد من جراء تلك الحملة المطبقة عليها من بين صفوف الجامدين وسماسرة ~~الكذب والتشهير، فوضح لهم بعد الغاشية الأولى أن دعوة الحرية الفكرية أقوى من أن تصدها عن ~~طريقها مكيدة مفتعلة تقوم على التدبير المشترك بين الجمود والباطل؛ لأن الجمود إدبار إلى ~~الماضي لا محل له في المستقبل، والباطل غشاء دخيل لا بد أن ينكشف عن معدنه الأصيل. ms155 # وفي مصر كانت مبادئ المصلح الحكيم تسري سريانها العميق إلى العقول الفتية وعقول الكبار من ~~ذوي النيات السليمة، وكانت تستقر على أسسها في الوقت الذي خيل فيه إلى المستمعين لضجيج ~~السعاية أن الأمة قد أعرضت عنه بأسماعها وقلوبها، وأن حملات التشهير قد نالت من سمعته ~~منالا يصرف الناس عن الاكتراث له والمبالاة بعلمه وعمله، وأملى للمتوهمين في وهمهم هذا أن ~~الدعوات الفكرية لا تبرزها الحشود الجامعة كما تبرزها دعوات الحوادث السياسية، فإذا سرت إلى ~~العقول متفرقة لم تظهر في الأمة مجتمعة إلا بما يكون لها من النتائج العامة في الزمن ~~الطويل، ولكن المصيبة بفقد المفتي بعد اعتزاله إدارة الأزهر هيأت في هذه الدعوة الفكرية ~~حشودها الجامعة، التي لن تتهيأ قبل ذلك لدعوة من الدعوات السياسية في الأمور التي تشغل ~~أذهان الجماهير، ولم يكن للمفتي الفقيد حزب ذو أداة منتظمة تسخر أعوانه لجمع الجموع ~~وتسيير المواكب، بل كان صاحب السلطة الرسمية يعاديه ويغضب على مشيعيه، وكانت صفة الفقيد ~~الدينية لا تدع مكانا للسلطة الفعلية في تشييعه والاحتفال بجنازته، وكان الوقت صيفا ~~قائظا والغائبون عن المدن من معتادي الاصطياف خارج القطر وفي قرى الريف أكثر من الحاضرين، ~~فغلبت الصبغة القومية على كل صبغة رسمية أو تقليدية في تشييع رفات المفتي إلى مقره الأخير ~~من الإسكندرية إلى القاهرة، بل غلبت هذه الصبغة على الصبغة التقليدية التي تعودناها بمصر في ~~تشييع الجنازات؛ إذ كان المفتي في حياته ينكر هذه المظاهر التقليدية ويعلن النهي عنها، ~~فكانت موجة الحزن التي غشيت ألوف المشيعين على طول الطريق دفعة من أعماق القلوب والضمائر ~~عرفت بها الأمة مبلغ شعورها بعظمة الفقيد الراحل وعظم الخسارة بفقده، وجاوز الزحام كل ما ~~قدرته الشرطة واتخذت له حيطتها في المدينتين منذ الصباح الباكر قبل خروج النعش من داره، ~~فتعطلت حركة الأسواق وأغلقت الدكاكين أبوابها للمشاركة في موكب الجنازة، واكتظت الأرصفة ~~بالواقفين والسائرين، ولم يبق أحد في العاصمتين من ذوي الفكر والمنزلة لم يشترك في ذلك ~~الموكب الحافل الذي عمت التعزية فيه وجلت أن ms156 تخص عشيرة الفقيد أو ذويه، ولم يدهش أحد من هذه ~~البادرة القومية بطبيعة الحال، كما دهش لها النزلاء الأوربيون الذين كانوا يتسمعون أخبار ~~المعارك حول الإصلاح الديني من بعيد، ويحكمون عليها بمقدار ما ينتهي إليهم من لغط الصحافة ~~وأقاويل المرجفين، فقالت صحيفة الفاردي ألكسندري: «إن توارد الجماهير لتشييع الجنازة يخمد ~~أنفاس القائلين بأن المفتي لم يكن محبوبا في الأمة المصرية.» وقالت صحيفة ليجيبت: «إنه ~~مشهد مهيب من أجل المشاهد وأشدها تأثيرا في النفوس، كان يشتد زحامه بجماهير الناس ~~المصطفين على جوانب الطريق التي مر بها، حتى لقد توقفت حركة التجارة فيها، وكان الناس في ~~سكون وإجلال خلال مرور الجنازة، يخيل إلى الرائي أن جميع سكان القاهرة الوطنيين قد ~~حضروا ليؤدوا آخر فريضة من الإجلال والإعظام لذلك الشيخ الجليل، وبينهم عدد عظيم من ~~الأوروبيين.» # وقد تمخضت هذه البادرة القومية عن معناها العملي الدائم، ولا يمكن أن يكون لها غير معنى ~~واحد هو الذي شوهد في واقع الحياة القومية بعد ذلك، وبرزت حقيقته في كل مهمة تتطلب الرجال ~~العاملين من المفكرين المؤمنين بفريضة الإصلاح ورسالة التقدم، فقد شوهد تلاميذ المصلح ~~الكبير على رأس كل حركة جادة من حركات النهضة الوطنية أو الفكرية، وتلفتت الأمة بعد وفاته ~~تبحث عن القادة العاملين، فلم تجد بين المتقدمين للقيادة من هو أقدر على قيادتها وتسديد ~~خطاها وتقرير مطالبها من زمرة الفقيد وخيرة أشياعه وتلاميذه ومريديه، لا فرق في ذلك بين ~~شئون الدنيا وشئون الدين، وحسب القارئ ما يمكن حصره في الشئون الدينية التي تتصل بالجامع ~~الأزهر ومعاهد التعليم على منهجه، فلم يكن أظهر بين مشايخه وأقطابه من الشيخ محمد شاكر، ~~والشيخ مصطفى المراغي، والشيخ مصطفى عبد الرازق، والشيخ إبراهيم حمروش، والشيخ محمود شلتوت، ~~وكلهم من مريديه المؤمنين برسالته، وغيرهم كثيرون مثلهم وإن لم يحضروا كلهم على يديه. أما ~~في شئون النهضة الوطنية على اختلافها، فلا حاجة إلى التخصيص باسم واحد من أسمائها أو فرع ~~واحد من فروعها، فكلها بلا استثناء تقترن باسم - أو أكثر من اسم ms157 - بين شيعة الأستاذ الإمام، ~~وقد كانت ثورة مصر الكبرى على الحملة البريطانية بعد الحرب العالمية الأولى - بزعامة سعد ~~زغلول - مثالا للأمانة الخلقية والنفسية التي أودعها الأستاذ الإمام في نفوس شيعته وخاصة ~~صحبه، وأهلتهم في نطاقها الواسع لتلك المهمة الجامعة، كما أهلتهم لما دونها من ~~المهام المتفرقة في كل نطاق محدود. ~~••• # وأكبر ما استفاده العقل السليم المستنير من فكرة الأستاذ الإمام في الإصلاح والحرية ~~الإنسانية أنه أعاد إليه الثقة بعقيدته في هذا العصر الحديث، ورفع من طريقه إلى العمل عقبات ~~الجمود والخرافة والتقليد؛ لأنه زوده على قواعد دينه بفلسفة الحياة التي يقابل بها فلسفات ~~الغرب المتسلطة عليه من جهة السطوة أو من جهة الإيمان بالعقائد والآراء، ولهذا كانت ردوده ~~على فلاسفة الغرب ومفكريه أهم وأجدى على المسلم العصري من ردود المدافعين عن الإسلام على ~~جماعات المبشرين المحترفين؛ إذ كانت شبهات المبشرين المحترفين لا تعدو أن تدور حول الشقائق ~~اللفظية التي تمس الأديان الأخرى أشد من مساسها بالإسلام في العصر الحاضر أو العصور ~~الماضية، ولكن شبهات المفكرين على غرار الفيلسوف أرنست رينان والوزير جبرايل هانوتو كانت ~~بحاجة إلى الفكر العصري المؤمن بالدين لمواجهة الأفكار العصرية التي لعلها لا تؤمن ~~بالإسلام ولا بغير الإسلام، ولكنها تخامر فكرة المسلم كما تخامر ضميره بالأسئلة المعلقة ~~في انتظار الجواب من ذي ثقة باعتقاده، وذي ثقة بتفكيره، وذي طوية لا ترتقي إليها الظنون، ~~وكان الأستاذ الإمام مليئا بكل ما يتطلبه العقل المسلم المستنير في عصره من آيات الثقة ~~وحجج الإقناع. # كانت ردوده على رينان وهانوتو ردود من يعلم ما قد علموه عن تواريخ الحضارات وخصائص ~~الشعوب وطبائع الأجناس والسلالات، ويزيد عليهم بالإيمان الثابت والأريحية الإنسانية والهمة ~~التي ترفعه إلى مقام الرسالة الروحية؛ إذ لا رسالة لأمثال رينان وهانوتو في عالم العقيدة ~~ولا في عالم الإصلاح. وقد كان - قدس الله روحه - أعلى طبقة من مناظريه في مضمار المناظرة ~~بين المعسكرين المقاتلين، فكان رينان وهانوتو يقابلان بين الإسلام والمسيحية ليقابلا بين ~~المسلمين والمسيحيين الأوروبيين خاصة، ويقابلا بعد ذلك بين ms158 دعوى الغالب ودعوى المغلوب، ولم ~~ينزل الأستاذ الإمام إلى مضمارهم إلا ليدفع عن عقيدة الإسلام دون أن يقدح في عقيدة ~~المسيحية، بل كان دفاعه عن الإسلام في وجه الأوروبيين المصطبغين بالصبغة المسيحية وهم أبعد ~~ما يكونون عن المسيحية السمحة كما يعرفها الأستاذ الإمام ... ولم يخرج من ردوده بتنزيه ~~الإسلام وتشويه المسيحية ... بل خرج منها جميعا بتنزيه الديانتين وإثبات الحقيقة التي يدين ~~بها من يدين بكتاب الإسلام، وهي أن المسيحية ديانة محبوبة لا عداوة بين من يدين بها على ~~أصولها ومن يدين بالإسلام على أصوله، ولا يحرم على المسلم يوما أن يصاحب أهل الكتاب على ~~سنة أهل الكتاب. # وقد ألهم فضلاء المسيحيين ذلك من وحي فكره ووحي اعتقاده ووحي كلامه في تفسير القرآن، ~~وشرحه للدين في كل موطن أقام به أو رحل إليه، فكان أدباء المسيحيين يتسابقون إلى دروسه ~~بمساجد بيروت أيام منفاه، وكان القس الإنجليزي إسحاق تايلور يرى أن شرح المسيحية كما يبسطه ~~الأستاذ الإمام يوشك أن يعينه على إقناع الأوروبيين بالتوحيد بين الديانتين على الجادة ~~الوسطى التي يلتقي لديها المؤمن بالأناجيل والمؤمن بالقرآن. وعبر العلامة يعقوب صروف ~~تعبيره الصادق عن شعور فضلاء المسيحيين يوم قال ساعة دفن الأستاذ الإمام لمن حوله من ~~تلاميذه: «إني أسمعكم تقولون: فقيد الإسلام والمسلمين ولا تزيدون، إنه فقيد الفكر والعلم ~~حيث كان ... إنه فقيدنا أجمعين.» # الفلسفة الاجتماعية # ومن البديهي أن الفيلسوف المصلح لا يقصر تفكيره على العقليات والإلهيات، أو على فلسفة ~~ما وراء الطبيعة كما تسمى عند المعاصرين؛ إذ لا بد من فلسفة اجتماعية يتبعها في إصلاح ~~المجتمع على مبادئه التي يتوخاها ويتخذها هاديا له إلى فضائل المجتمعات المثالية ~~ومواطن عيوبها التي يجتهد اجتهاده في تبديلها أو إزالتها، وهذا هو الواقع في منهج محمد ~~عبده المصلح الفيلسوف؛ فإن فلسفته الاجتماعية مفصلة واضحة من كل ما كتبه في مطولاته ~~ومختصراته بلا استثناء كتابته عن العقليات والإلهيات، ولكننا نستطيع أن نسمي فلسفته ~~الاجتماعية في لبابها فلسفة أخلاقية لا تفرق بحال بين مشاكل الاجتماع ومشاكل الأخلاق، ~~وليس ms159 للاجتماع عنده مشكلة قائمة إذا توفرت العزائم على علاج آفات الخلق في الفرد ~~والجماعة، وليست عنايته بالناحية الخلقية سهوا عن أثر الشئون المادية أو شئون النظام ~~في آداب المعاملات وآداب النفوس على الإجمال؛ لأنه كان يؤمن بأثر الفاقة والثروة معا ~~على ضمائر الناس من الرجال والنساء، وكان يقول دائما: إن العفة ثوب تمزقه الفاقة، وإن ~~الثروة بغير عمل مفسدة. وعناصر الكيان الاجتماعي عنده - كما عددها في رده على هانوتو ~~- سبعة، هي: العلم، والأدب، والتجارة، والصناعة، والعدل، والدين، والسلاح، فليس قيام ~~الكيان الاجتماعي على الأخلاق في رأيه سهوا عن عمل التجارة والصناعة، ولا عن عمل ~~النظام العادل في سياسة الناس، ولكنه كان يعتبر أن الجهل فقر أشد على الناس من فقر ~~المال، وهو القائل في إحدى خطب الجمعية الخيرية: «إن بلادنا ليست بلاد الجوع القتال، ~~ولا بلاد البرد القارس المميت، ولا بلاد الشقاء التي لا ينال الإنسان فيها قوت يومه إلا ~~بالعذاب الأليم، بل نحن في بلاد رزقها الله سعة من العيش، ومنحها خصوبة وغنى يسهلان ~~على كل عائش فيها قطع أيام الحياة بالراحة والسعة، ولكنها ويا للأسف منيت مع ذلك بأشد ~~ضروب الفقر، فقر العقول والتربية.» # وقد قال قبل ذلك في خطاب المدرسة السلطانية ببيروت: «... إننا لو نظرنا إلى ثروة بلادنا ~~لا نجدها قاصرة على حاجتنا، ولكن القاصر عن الحاجات هو إدراكنا لاحتياجنا، فقد نرى ~~الغني يبذل أموالا جمة في زخارف زينة لا مقام لها في نظر العاقل، ولا يرى في بذله هذا ~~مغرما، ثم إذا دعي إلى مساعدة وطنه وملته ودولته يستكثر القليل ويعطي وهو ~~كاره.» # فإذا تحرى النظام العادل توفير أسباب المعيشة الحسنة، فالرخاء - وهو غاية ما يبلغه ~~هذا النظام - لا يكفي لإقامة كيان المجتمع، ولا لحفظ بقائه من عوامل فنائه، ولا من ~~أخطار أعدائه، ولن يقام للمجتمع كيان بغير المعرفة العلمية والتربية الأخلاقية، ولن يقر ~~له هذا الكيان إذا حرم منهما أحد جنسيه وإحدى طبقاته. # ومن أخطر أسباب الضعف التي أصابت المسلمين كما قال في رده على ms160 هانوتو: «إن النساء قد ~~ضرب بينهن وبين العلم بما يجب عليهن في دينهن أو دنياهن بستار لا يدرى متى يرفع.» وقد ~~قال في إحدى خطب الجمعية الخيرية الإسلامية: «نحن نتمنى تربية بناتنا، فإن الله تعالى ~~يقول: # ولهن مثل الذي عليهن ~~بالمعروف ~~، إلى غير ذلك من الآيات الكريمة التي تشرك الرجل والمرأة في ~~التكاليف الدينية والدنيوية ... وترك البنات يفترسهن الجهل وتستهويهن الغباوة من الجرم ~~العظيم.» # وكان أشد ما ينعاه على من يحسبون أنفسهم من العارفين، قولهم: لا شأن لنا بالعامة. ~~«فلا يمكن الإنسان أن يعمل بمصلحة العامة ما لم يحس برابطة بينه وبينهم.» # والعلم في رأي الأستاذ الإمام سبب من أسباب الثروة والقوة، وسبب من أسباب المعرفة ~~الذهنية التي تبصر العقل بأدوات النجاح في أعمال المعيشة، ولكن التربية الأخلاقية شيء ~~آخر غير المعرفة الذهنية، ولا سيما المعرفة التي تتأدى آخر الأمر إلى الإيمان بالمادة ~~دون غيرها، وهو ما يسمونه بالفلسفة المادية، وقد لمس الأستاذ الإمام آثار هذه الفلسفة ~~المادية في حضارة الغرب، فأشفق من عواقبها على بني الإنسان وزادته اعتقادا بضرورة ~~الدين لصلاح النفوس البشرية وهداية الأمم في حياتها الاجتماعية، وأكدت له هذه الضرورة ~~مناقشته للفيلسوف الإنجليزي هربرت سبنسر (سنة 1903)؛ إذ قال له الفيلسوف الإنجليزي: إن ~~الإنجليز يرجعون القهقرى، فهم الآن دون ما كانوا عليه منذ عشرين سنة. فسأله الأستاذ ~~الإمام: وفيم هذه القهقرى؟ قال سبنسر: إنهم «يرجعون القهقرى في الأخلاق والفضيلة، ~~وسببه تقدم الأفكار المادية التي أفسدت أخلاق اللاتين من قبلنا، ثم سرت إلينا عدواها، ~~فهي تفسد أخلاق قومنا وهكذا سائر شعوب أوروبا.» ثم قال: إنه لا أمل له في صد هذا ~~التيار؛ «لأنه لا بد أن يأخذ مده إلى غاية حده في أوروبا. إن الحق عند أهل أوروبا الآن ~~للقوة». # وفارق الأستاذ الإمام دار الفيلسوف وهو يدير في خاطره كلمة الحق للقوة، ويصف أثرها في ~~نفسه، ويحس أنها ما كانت لتحدث لديه هذا الأثر لو جاءت من ثرثارة يهرف بما لا يعرف، ثم ~~يدون هذه الخاطرة في مذكراته: # هؤلاء ms161 الفلاسفة والعلماء الذين اكتشفوا كثيرا مما يفيد في راحة الإنسان ... ~~أعجزهم أن يكتشفوا طبيعة الإنسان ويعرضوها عليه، حتى يعرفها ويعود إليها هؤلاء ~~الذين صقلوا المعادن حتى كانت من الحديد اللامع المضيء، أفلا يتيسر لهم أن ~~يجلوا ذلك الصدأ الذي غشي الفطرة الإنسانية، ويصقلوا تلك النفوس حتى يعود لها ~~لمعانها الروحاني؟ ... حار الفيلسوف في أوروبا وأظهر عجزه مع قوة العلم، فأين ~~الدواء؟ الرجوع إلى الدين، الدين هو الذي كشف الطبيعة الإنسانية وعرفها إلى ~~أربابها في كل زمان، لكنهم يعودون فيجهلونها. # الفلسفة الأدبية # وربما كانت آراء محمد عبده - المفتي الأكبر - في الفنون الجميلة أقرب إلى تعريفنا ~~بسعة الأفق التي امتاز بها هذا العقل الراجح من سائر آرائه في المسائل العقلية ~~والاجتماعية، فإنه كان يكتب قبل ستين سنة ليحبب الفنون الجميلة إلى الناس في الوقت الذي ~~كان الرأي الشائع فيه عن النحت والتصوير أنهما حرام مستنكر ... وكان المتعلمون العصريون ~~أنفسهم يحتقرون هذه الفنون ولا ينظرون إليها نظرة جدية، أو يحسبونها حتى من الكمالات ~~المحتملة، فضلا عن اللوازم المطلوبة، وقد خلا الشرق العربي من مدرسة واحدة لهذه ~~الفنون، وقلت العناية بها في الصحف السيارة، ولم يظهر - بعد - لها أثر على ~~اللوحة البيضاء يعود الناس أن يحتفلوا برؤيتها، فكان أكثر ما ينتظر من رجل الدين ~~المتحرر أن يدفع عنها وزر التحريم، ويجعلها من المباحات السائغة لمن يزاولها، ولكن ~~محمد عبده - المفتي - كان يكتب يومئذ لينوه بها ويفسر معنى الإقبال عليها بين ~~الغربيين - لمن يجهله منا - بأنها عندهم كالشعر عندنا، وأنها لغة نفسية تفرق في ~~تعبيراتها بين أدق المعاني الشعرية التي لا تظهر التفرقة بينها من أسمائها وأوصافها، ~~وفي ذلك يقول من فصل كتبه في سنة 1903: # إذا كنت تدري السبب في حفظ سلفك للشعر وضبطه في دواوينه، والمبالغة في ~~تحريره، خصوصا شعر الجاهلية، وما عني الأوائل رحمهم الله بجمعه وترتيبه، ~~أمكنك أن تعرف السبب في محافظة القوم على هذه المصنوعات من الرسوم والتماثيل، ~~فإن الرسم ضرب من الشعر الذي يرى ولا يسمع، والشعر ضرب من الرسم ms162 الذي يسمع ~~ولا يرى ... إن هذه الرسوم والتماثيل قد حفظت من أحوال الأشخاص في الشئون ~~المختلفة، ومن أحوال الجماعات في المواقع المتنوعة، ما تستحق به أن تسمى ~~ديوان الهيئات والأحوال البشرية، يصورون الإنسان أو الحيوان، في حال الفرح ~~والرضى، والطمأنينة والتسليم، وهذه المعاني المدرجة في هذه الألفاظ متقاربة لا ~~يسهل عليك تمييز بعضها من بعض ، ولكنك تنظر في رسوم مختلفة، فتجد الفرق ظاهرا ~~باهرا، يصورونه مثلا في حالة الجزع والفزع، والخوف والخشية، والجزع والفزع ~~مختلفان في المعنى ولم أجمعهما هنا طمعا في جمع عينين في سطر واحد؛ بل لأنهما ~~مختلفان حقيقة، ولكنك ربما تعتصر ذهنك لتحديد الفرق بينهما وبين الخوف والخشية، ~~ولا يسهل عليك أن تعرف متى يكون الفزع ومتى يكون الجزع، وما الهيئة التي يكون ~~عليها الشخص في هذه الحال أو تلك ... وأما إذا نظرت إلى الرسم وهو ذلك الشعر ~~الساكت، فإنك تجد الحقيقة بارزة لك تتمتع بها نفسك كما يتلذذ بالنظر فيها حسك، ~~إذا دعتك نفسك إلى تحقيق الاستعارة المصرحة في قولك: رأيت أسدا، تريد رجلا ~~شجاعا، فانظر إلى صورة أبي الهول بجانب الهرم الكبير، تجد الأسد رجلا أو ~~الرجل أسدا، فحفظ هذه الآثار حفظ للعلم في الحقيقة، وشكر لصاحب الصنعة على ~~الإبداع فيها ... # ويعرض بعد ذلك حكم الشريعة في تلك الفنون ~~فيقول: «ربما تعرض لك مسألة عند قراءة هذا الكلام وهي: ما حكم هذه الصور في الشريعة ~~الإسلامية، إذا كان القصد منها ما ذكر من تصوير هيئات البشر في انفعالاتهم النفسية أو ~~أوضاعهم الجثمانية؛ هل هذا حرام أو جائز؟ أو مكروه أو مندوب أو واجب؟ فأقول لك: إن ~~الراسم قد رسم والفائدة محققة لا نزاع فيها، ومعنى العبادة وتعظيم التمثال أو الصورة، ~~قد محي من الأذهان، فإما أن تفهم الحكم من نفسك بعد ظهور الواقعة، وإما أن ترفع سؤالا ~~إلى المفتي وهو يجيبك مشافهة، فإذا أوردت عليه حديث: «إن أشد الناس عذابا يوم القيامة ~~المصورون.» أو ما في معناه مما ورد في الصحيح، فالذي يغلب على ظني ms163 أنه سيقول لك: «إن ~~الحديث جاء في أيام الوثنية، وكانت الصور تتخذ في العهد لسببين: الأول اللهو، والثاني ~~التبرك بمثال من ترسم صورته من الصالحين، والأول مما يبغضه الدين، والثاني مما جاء ~~الإسلام لمحوه، والمصور في الحالين شاغل عن الله أو ممهد للإشراك به، فإذا زال هذان ~~العارضان وقصدت الفائدة، كان تصوير الأشخاص بمنزلة تصوير النبات والشجر في المصنوعات، ~~وقد صنع ذلك في حواشي المصاحف وأوائل السور، ولم يمنعه أحد من العلماء، مع أن الفائدة ~~في نقش المصاحف موضع نزاع، وأما فائدة الصور فمما لا نزاع فيه على الوجه الذي ذكر ... ~~ولا يمكنك أن تجيب المفتي بأن الصورة على كل حال مظنة العبادة، فإني أظن أنه يقول لك: ~~إن لسانك أيضا مظنة الكذب، فهل يجب ربطه مع أنه يجوز أن يصدق كما يجوز أن يكذب؟ ... ~~وبالجملة يغلب على ظني أن الشريعة الإسلامية أبعد من أن تحرم وسيلة من أفضل وسائل العلم ~~بعد تحقيق أنه لا خطر فيها على الدين، لا من وجهة العقيدة ولا من وجهة العمل، على أن ~~المسلمين لا يتساءلون إلا فيما تظهر فائدته ليحرموا أنفسهم منها، وإلا فما بالهم لا ~~يتساءون عن زيارة قبور الأولياء أو ما سماهم بعضهم من الأولياء وهم ممن لا تعرف لهم ~~سيرة، ولم يطلع لهم أحد على سريرة؟ ... وهم يخشونها كخشية الله أو أشد، ويطلبون منها ~~ما يخشون ألا يجيبهم الله فيه، ويظنون أنهم أسرع إلى إجابتهم من عنايته سبحانه وتعالى ... ~~لا شك أنهم لا يمكنهم الجمع بين هذه العقائد وعقيدة التوحيد، ولكن يمكنهم الجمع بين ~~التوحيد ورسم صور الإنسان والحيوان، لتحقيق المعاني العلمية وتمثيل الصور الذهنية ~~...» # والمفتي هنا يشير إلى «المفتي» بصيغة الضمير للغائب، ولا يجزم بفتواه جزم التوكيد؛ ~~لأنه كان يكتب تلك الرسائل من أوروبا ويوقعها بتوقيعه المستعار كما تعود في كتابة ~~رسائل الرحلات. # هذا رأيه في الفنون الجميلة التي لم يشتغل بها ولم يشتغل بها فنان خبير بها في عصره، ~~فلا عجب أن يكون رأيه في فنه الجميل الذي ms164 كان هو إمام المشتغلين به - وهو فن البلاغة - ~~رأي الرائد الذي يذوق أسراره في أشكاله ومعانيه تذوقا سبق به النقاد من خلفائه، ولا ~~يزال منه من يقتفي آثاره ولا يدرك مداه. # كان محمد عبده الناقد البليغ يوقن أن اللغة مادة البلاغة وجمال التعبير، وكان من ~~شواغله الكثيرة شاغل واحد لم تشغله عنه مهمة من مهام أعماله المتعددة التي تنوء بالعمل ~~منها كواهل المنقطعين له والمتوفرين عليه، وذلك الشاغل الواحد هو إحياء اللغة مادة ~~وعلما ودراسة وكتابة، فكان يعين جماعة إحياء الكتب العربية بعلمه ووقته وماله ونفوذه، ~~وكان ينشر نماذج البلاغة السلفية ويشرحها بقلمه، أو ينوه بها في دروسه وتفسيراته من ~~قبيل نهج البلاغة، ومقامات البديع، ودلائل الإعجاز، وأسرار البلاغة. ومن أهم المراجع ~~اللغوية التي بذل الجهد في استحضارها وتشجيع الواقفين على طبعها كتاب المخصص لابن سيده، ~~وهو نوع من المعجمات المبوبة على حسب المعاني والأغراض، أنفع من أكثر المعجمات التي ~~لا عناية لها بغير جمع المفردات. # ومذهب محمد عبده الناقد في تحصيل مادة اللغة أنها تحصيل ملكة وليست بتحصيل قواعد ~~ومصطلحات؛ لأن دقائق الفصاحة والبلاغة وبراعة التعبير تحيي الفهم، وترك الاشتغال بها ~~«موت للحياة العقلية» ... وكان يقول: إن الكلام البليغ سهل على الفطرة، ولكنه «صعب على كل ~~عقل تعلم البناني على السعد»، ولا قدرة للأديب على القصد في التعبير بغير توفير مادته ~~من اللغة، ولا خير في المبالغة؛ «فإنما يأتي بالمبالغة من كان مجازفا في رأيه، والعقل ~~السليم لا يتعدى الصدق» ... ورأيه في الشعر البليغ مع جودة اللغة أنه لا يكون شعرا إلا ~~إذا كانت ألفاظه آخذة بجزء من روح الشاعر، وإلا فهو نظم لا بلاغة فيه. وقد كانت ~~توجيهاته لتلاميذه من الشعراء فاتحة اشتغال شعراء عصره بالتعبير عن الحياة الإنسانية - ~~عامة وخاصة - ولولاه لما ظهر كثير من القصائد في الموضوعات العامة، ومنها قصائد كثيرة ~~لحافظ إبراهيم، وعبد المحسن الكاظمي، ومحمد إمام العبد، وربما أملى على الشاعر ما يقوله ~~حضا لبعض المحسنين بأسمائهم على معونة المنكوبين، كما فعل من قصيدة ms165 «حريق ميت غمر» ~~التي نظمها حافظ إبراهيم. ~~••• # ويصدق على الشيخ محمد عبده الأديب أنه استعاد أطوار الأدب في كتابته من نهاية عصر ~~التقليد إلى الطور الأوسط من عصر التجديد الحديث؛ ففي كتاباته الأولى كان يلتزم السجع ~~على عادة المتأخرين، مع اجتناب اللغو الذي كانوا يخلطونه بمقالاتهم ولا يتحرون فيه معنى ~~مفهوما يقصدون إليه، ثم تخلص من قيود السجع وترسل في أسلوبه، مع تحري الفصاحة في ~~الكلمة وتصحيح الخطأ المشهور من أخطاء النحو والصرف التي كانت تتخلل الكتابة في عصره ~~ولا تزال تتخللها في كتابة المتحرزين من هذه الأخطاء، لغلبتها الطويلة منذ أزمنة بعيدة ~~على المفردات والتراكيب، وقد سلم أسلوب الأستاذ الإمام منها إلا القليل الذي لا يصعب ~~رده إلى القاعدة ببعض التجوز والتأويل، ولو من قبيل تجويز الخطأ المشهور. وقد نظم الشعر ~~في الحوادث التاريخية وفي بعض المناسبات الخاصة، وعده من النظم الذي يراد للتدوين أو ~~التذكير، ولا يرتضيه شعرا على مذهبه في فن الشعر بين ألوان الفن الجميل. # ولم يتسع له الوقت لتأليف الكتب في علومه التي كان يشارك فيها مشاركة وافية كعلوم ~~الدين والفلسفة والبلاغة، ولكنه فسر القرآن الكريم إلى سورة النساء، وفسر السور ~~التي كان يحفظها التلاميذ من الجزأين الأولين، وشرح الفلسفة الإسلامية في تعليقه على ~~العقائد العضدية، والمنطق في شرحه للبصائر النسفية، وكتب رسالة التوحيد تبسيطا لهذه ~~الفلسفة، واجتمع من مقالاته في الرد على هانوتو كتيب صغير، واجتمع من مقالاته عن ~~الإسلام والنصرانية كتاب أكبر منه وأوسع في بابه، وله في الأدب شرح نهج البلاغة ومقامات ~~البديع، وله في التصوف رسالة الواردات التي كتبها في صباه، ورسالة أخرى في علم الاجتماع ~~ألفها يوم عمل في التدريس بدار العلوم، ولكنها ضاعت ولم يبق من فصولها - أو على ~~الأصح من معانيها - غير ما أودعه بعض البحوث في الوقائع المصرية والأهرام وصحيفة العروة ~~الوثقى ومجلة المنار، وتقديمه لترجمة رسالة الرد على الدهريين. # ولا يحسب هذا المحصول قليلا من مجهود التأليف في حياة رجل جم المشاغل والأعباء ~~توفي وهو يناهز ms166 الثامنة والخمسين، ولكن عظمة هذا العقل الكبير وسعة الآفاق التي كان ~~يجول فيها بتفكيره وجهوده تصغر هذا المحصول بالقياس إلى المحصول الذي كان مستطاعا له ~~مع اليسر وقلة الكلفة لو أنه انقطع للتأليف، فليست هذه المؤلفات، على وفاء الفلسفي منها ~~في بابه، إلا كالشعاع القوي الذي ينبثق عن الشمس، فيدل على ما احتجب منها، ولكنه يعطي ~~الناظرين كل ما تعطيه الشموس من ضور النهار، تتلقاه النوافذ وتحول دونه الجدران. ~~••• # ولا نحسب أننا نحيط بذلك الأفق الواسع من شتى نواحيه إذا ختمنا الكلام على المصلح ~~الفيلسوف دون أن نذكر حظه من فنون الرياضة البدنية، إلى جانب حظه الكبير من رياضات ~~العقل والروح، فقد كان هذا المجاهد الباسل في ميادين الإصلاح فارسا سباقا في ميادين ~~الفروسية والرياضة البدنية، وكان فتيان إقليمه يرحلون إليه لمباراته واكتساب الشهرة ~~بسبقه أو اقتران أسمائهم باسمه، وظل إلى آخر أيامه يركب الجواد أحيانا من بيته بعين ~~شمس إلى القاهرة، أو من القاهرة إلى بيته ... وكان يمتطيه كثيرا في ذهابه إلى الجامع ~~الأزهر، ويقول لمن يراجعه من أنصار التقليد: إن الفروسية كانت من سمت النبوة، وإن ~~العالم الذي يتوكأ على السند إلى اليمين والشمال إنما يدرج - كما قال في تقريعه اللاذع ~~- على سمت «ستي هانم»، وليس هو بسمت علم ولا عمل. وقد شهدناه في أسوان يحضر على صهوة ~~جواد إلى ميدان الرياضة، ليشهد مباراة كرة القدم بين مدرستها وإحدى المدارس القريبة ~~منها، فأعجبنا منه رجل الدين المهيب، يزيده وقارا ولا يخل بوقاره أن يقدس رياضة ~~الأبدان بقداسة الدين؛ وفهمنا بهذه الزيارة الصامتة درسا عن الإسلام في عصر الحركة ~~التي لا تهدأ، والحياة التي لا تقبل الجمود والوناء، إنه دين النفس القوية في الجسد ~~القوي، لا إمام له أحق بالاتباع من هذا الإمام. # الفصل الرابع عشر # | شخصية ولا شخصية # لوحظ في كتابة التراجم والسير أن البحث عن أحوال الشخصيات المشهورة يغري القارئ - والكاتب ~~معا - بالبحث عن أحوالها «الشخصية»، ويشوق المستطلع إلى جوانبها الخاصة التي تقابل جوانبها ~~العالية، أو جوانبها ms167 التي اشتهرت فيها أعمالها العامة. # ونلاحظ قديما وحديثا - قبل كتابة هذه الصفحات التي نختمها بهذا الفصل - أن سيرة محمد ~~عبده كانت إحدى السير التي يقع فيها الاستثناء القليل من هذه القاعدة، فإننا نزداد اكتفاء ~~بأخباره العامة - عن أخباره الخاصة - كلما توسعنا في معرفتنا به ومعرفتنا ببواعث أعماله، ~~كأننا نحس بعد التوسع في المعرفة بشخصيته أنها «شخصية» ولا شخصية، أو أن أعماله الخاصة هي ~~أعماله العامة بغير حاجز من السر أو العلانية يفصل بينهما، فكل ما فيها من بواعث «الأنانية» ~~والأثرة فهو فيها جنبا لجنب إلى بواعث الإنسانية والإيثار. # يشوقنا كلما فهمنا عملا من أعماله أن نراه ونتأمل صورته المشهودة، كأنما نسائل أنفسنا: ~~أي طلعة تكون لهذا الإنسان الذي غاب يجمع نفسه وعقله في الشعور الإنساني، حتى كاد أن يخفى ~~بشخصه عن عالم الملامح والقسمات، لولا أنه شخص عظيم لا يجوز عليه الخفاء. # نتطلع إلى رؤيته لنرى كيف تتمثل فيه هذه «الإنسانية» الصافية مطبوعة أمام النظر بطابع ~~إنسان واحد، ولكننا لا نبحث كثيرا بعد ذلك عما يعنيه؛ لأننا علمنا أن شئونه الخاصة لا ~~تنعزل عن شئونه العامة، وأن قرابته في داره وجواره هي إحدى قراباته العامة، قرابته ~~الإنسانية، وليست قرابة أخرى لها حال غير هذه الحال، ووجود غير هذا الوجود، وحجاب يتغير ~~جانبه من هنا عن جانبه من هناك. # رأيت الشيخ محمد عبده مرات معدودة، ورأيته مرات لا تحصى في صوره الشمسية التي لا تلتبس ~~إحداها ملامح صورة أخرى، فكانت النظرة الأولى كالنظرة الأخيرة إلى تلك الملامح فيما تنم ~~عليه وتشير إليه. # قوة وطيبة متفقتان لا يبين لك أنهما تنازعتا يوما أو تتنازعان، فهو قوي لا ينازع طيبته ~~نية من نياتها، وهو طيب لا ينازع قوته دافعا من دوافعها، وهو أقرب الناس سمة بما يرتسم في ~~أخلادنا من سمات النبوة، وهي في طلعتها الإنسانية بشر مثلنا، وإن لم نكن نحن بشرا مثلها ~~فيما تتلقاه من وحي الله. # قال عنه تلميذه وصديقه وأقرب الناس إليه في عامة أمره وخاصته، صاحب المنار السيد ms168 محمد ~~رشيد رضا تغمدهما الله برضوانه: «إنه سليم الفطرة، قدسي الروح، كبير النفس، وصادف تربية ~~صوفية نقية زهدته في الشهوات والجاه الدنيوي وأعدته لوراثة هداية النبوة، فكان زيته في ~~زجاجة نفسه صافيا يكاد يضيء ولو لم تمسسه نار.» # وافتتح ترجمته بعد وفاته بنحو عشرين سنة بقوله عنه: «إن هذا الرجل أكمل من عرفت من ~~البشر دينا وأدبا ونفسا وعقلا وخلقا وعملا وصدقا وإخلاصا، وإن من مناقبه ما ليس له ~~فيه ند ولا ضريب، وإنه لهو السري الأحوذي العبقري.» # وقال قبل ذلك: «إنني وايم الحق لم أطلع له على عمل إلا الحقيق بلقب المثل الأعلى من ورثة ~~الأنبياء.» # وقال قبل ذلك: «إنني وايم الحق لم أطلع له على عمل ينافي العفة والنزاهة، ولا الورع ~~والشرف، ولا هفوة تدل على كامن حقد أو حسد، فهو أكمل من عرفت من البشر، ومن اطلع على ~~دخائل كثير من المشهوروين بالعلم والتقوى، أو الحكمة والفلسفة أو تاريخهم الصحيح، رأى ~~كثيرا من العجر والبجر، فما قولكم في زعماء السياسة وعشاق الرئاسة.» # وهذا السمت الذي وصفه صاحب المنار بعد الخبرة الطويلة هو السمت الذي كان يبده الناظر إليه ~~من الغرباء عند النظرة الأولى، كما وصفه هارولد سبنسر كاتب حزب الأحرار الإنجليزي في ~~صحيفتهم الديلي كرونكل بعد وفاته بأسابيع؛ إذ يقول عن لقائه له بدار صديقه عدو الاستعمار ~~ويلفرد سكاوين بلنت: # هنا أمسك مستر بلنت عن الكلام والتفت فجأة لسماعه وقع حوافر فرس، فقال: ها هو ~~الرجل ... فالتفت مثله، فإذا أنا بصورة إنسان يقول الناظر إليها إنها برزت من كتب ~~الأنبياء الأقدمين، شيخ حسن البزة جهير يمتطي فرسا عربيا كميتا جميلا، يقبل ~~نحونا على مهل. # كانت له طلعة وسيمة مهيبة، تتوقد فيها عينان نفاذتان، على قامة معتدلة لا إلى ~~البدانة ولا إلى النحول، أبيض اللون إلى سمرة، شائع الشيب في رأسه ولحيته قبل أوان ~~المشيب، وبنيته على ما وصف به شبابه بنية رجل سليم الجسد مكين البنيان، تعرض في ~~عنفوانه لتسمم سرى إلى الدم من دمل لم يعقم، ms169 فنجا منه بمعجزة الجسد المكين ~~والدم القوي والعزيمة الصادقة، وظلت عقابيله تعاوده فيما كان يعتريه من آلام ~~المفاصل حينا بعد حين، ولم تكن وفاته دون الستين بمرض من أمراض الهرم العاجل، ~~ولكنه توفي من أثر سرطان في الكبد لم يتحقق منه الأطباء قبل استفحال الداء. # هذه هي شخصية محمد عبده لمن تشوقه الشهرة المسموعة إلى الرؤية المشهودة، فإذا تطلع إلى ~~الخبر الخاص من سيرته، فالذي يعلمه بعد البحث الطويل قليل، ولكن القليل فيه والكثير يستويان ~~في التعريف بما يعنينا من تلك العظمة وما يعنيها: شخصية ولا شخصية، وإنسان له «أنانية» تخصه ~~من بين جميع الناس، ولكنها كأنانية النوع الإنساني كله تحيزت بمكانها في فرد إنسان. # توفي عن زوجته اللبنانية السيدة رضا حمادة من آل بيت حمادة، ولم يعقب من الأبناء الذكور ~~غير ولد واحد توفي في طفولته، وأعقب أربع بنات كانت إحداهن دون سن الزواج عند وفاته، وتزوج ~~أخواتها بثلاثة إخوة، هم الأستاذ محمد يوسف المحامي، وشقيقاه الأستاذان عبد اللطيف ~~وعثمان. # وكان له عند وفاته ثلاثة إخوة من أبيه، أصغرهم «حمودة بك» الذي رباه من طفولته وتولى عنه ~~شئونه الخاصة التي لم يفرغ لها طول حياته، وهو الذي اشترى باسمه أرض الدائرة السنية التي ~~كانت تباع بالتقسيط، واشترى باسمه خمسة وثلاثين فدانا من صحراء عين شمس كان الفدان منها ~~يباع بعشرة جنيهات، ثم بيع بعد ذلك بخمسة وأربعين بعد البدء بتعمير الصحراء. أما مسكن ~~الشيخ محمد عبده بصحراء عين شمس فهو فدان من الأرض الخلاء تركه له المستشرق ويلفرد سكاوين ~~بلنت يوم أمر بالسفر من الديار المصرية، وبنى عليه مسكنا متواضعا هو الذي اشترته وزارة ~~الشئون الاجتماعية لتخليد ذكراه، ومن ثمنه سدد الورثة ما بقي من أقساط الثمن على الأرض ~~التي اشتراها أخوه في حياته، وقد كانت الأسرة تملك نحو أربعين فدانا من أرض البحيرة ~~المثمرة، فلم يجتمع في يديه من ميراثه ومن مرتباته وأثمان مؤلفاته غير ذلك المقدار اليسير ~~من المال، الذي يكفي لشراء الفدادين من أرض في الصحراء ms170 أو أرض تباع بالتقسيط. ~~••• # وهذا المصلح المحسن الذي لم يفارقه شعور الحاجة قط ليغني ذوي الحاجات، لم يخامره الشعور ~~بالحاجة يوما ليطلب الغنى بما تملكه الأيدي ويحفظ في صكوك المواريث. # الفصل الخامس عشر # | سنوات في تاريخ الأستاذ الإمام # سنة # 1849 # ولد بقرية محلة نصر # 1859 # بدأ تعلم القراءة بمنزل والده # 1862 # تلقى أول دروس التجويد بالمسجد الأحمدي # 1864 # تلقى أول دروسه العملية بالمسجد # 1865 # عاد إلى قريته وتزوج # 1865 # أعاده والده إلى المسجد # 1865 # حضر أول الدروس بالجامع الأزهر # 1869 # لقي السيد جمال الدين # 1873 # أخذ في الكتابة المنشورة # 1875 # ألف حاشيته على شرح الدواني # 1877 # نال شهادة العالمية # 1878 # عين مدرسا بدار العلوم # 1880 # عين محررا للوقائع المصرية # 1882 # نفي من مصر لاشتراكه في الثورة العرابية # 1884 # سافر من بيروت إلى باريس لإنشاء مجلة العروة الوثقى مع السيد جمال ~~الدين # 1885 # عاد إلى بيروت واشتغل بالتدريس، وترجم رسالة الرد على الدهريين وشرح مقامات ~~البديع ونهج البلاغة # 1889 # عاد إلى مصر، وعين قاضيا بالمحاكم الأهلية # 1891 # عين قاضيا بمحكمة الاستئناف # 1895 # عين عضوا بمجلس إدارة الأزهر # 1897 # ألف رسالة التوحيد وشرح البصائر النصيرية # 1899 # عين مفتيا للديار المصرية، ثم عضوا بمجلس الشورى # 1900 # انتخب رئيسا للجمعية الخيرية الإسلامية # 1902 # ألف كتاب الإسلام والنصرانية # 1903 # نشر الرد على هانوتو # 1905 # اعتزل مجلس إدارة الأزهر # 1905 # توفي بالإسكندرية ms171