######OpenITI# #META# URI: 1383CabbasMahmudCaqqad.CabqariyyatCumar.Hindawi82068526 #META# Tags: biographies #META# ID: 82068526 #META# Title: عبقرية عمر #META# AuthorID: 64642852 #META# Author: عباس محمود العقاد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تقديم‏ # 1 - عبقري‏ # 2 - رجل ممتاز‏ # 3 - صفاته‏ # 4 - مفتاح شخصيته‏ # 5 - إسلامه‏ # 6 - عمر والدولة الإسلامية‏ # 7 - عمر والحكومة العصرية‏ # 8 - عمر والنبي‏ # 9 - عمر والصحابة‏ # 10 - ثقافة عمر‏ # 11 - عمر في بيته‏ # 12 - صورة مجملة‏ # تقديم‏ # 1 - عبقري‏ # 2 - رجل ممتاز‏ # 3 - صفاته‏ # 4 - مفتاح شخصيته‏ # 5 - إسلامه‏ # 6 - عمر والدولة الإسلامية‏ # 7 - عمر والحكومة العصرية‏ # 8 - عمر والنبي‏ # 9 - عمر والصحابة‏ # 10 - ثقافة عمر‏ # 11 - عمر في بيته‏ # 12 - صورة مجملة‏ # | عبقرية عمر # | عبقرية عمر # تأليف # عباس محمود العقاد # | تقديم # تم تأليف هذا الكتاب في أحوال عجيبة هي أحوال بأس وخطر، فلا غرابة بينهما وبين ~~موضوع الكتاب الذي أدرته عليه؛ لأننا لا نتكلم عن عمر بن الخطاب إلا وجدنا أننا على مقربة ~~من البأس ومن الخطر في آن. # فما شرعت في تحضيره، وبدأت في الصفحات الأولى منه؛ حتى رأيتني على سفر بغير أهبة إلى ~~السودان، فوصلت إليه وليس من مراجع الكتاب إلا قليل، وكانت الصفحات الأولى التي كتبتها في ~~القاهرة مما تركته مع المراجع الكثيرة فيها، فأعدت كتابتها في الخرطوم، ومضيت فيه هنالك ~~حتى انتهيت من أكبر شطريه، واستغنيت بمراجع الخرطوم عن المراجع التي أعجلني السفر عن ~~نقلها؛ لأن أدباء السودان وفضلاءه يدخرون جملة صالحة من هذه المراجع، ويجودون بها ~~أسخياء مبادرين إلى الجود، فلا أذكر أنني طلبت كتابا في المساء إلا كان عندي في بكرة ~~الصباح. # وإني لأتوفر على كتابته، وأحسبني منتهيا منه في السودان؛ إذ رأيتني مرة أخرى على سفر ~~بغير أهبة إلى القاهرة، فعدت إليها بالطائرة ألتمس العلاج السريع؛ لأن يدي أوشكتا أن ~~تعجزا عن تناول القلم بما عراهما من ثآليل «الخريف». # فعدت وما يشغلني عن إتمامه شاغل في السفر والمقام، ولم أحسب هذا البأس في الحالتين من ~~موانعه وعراقيله؛ لأنني ألفت بعض كتبي الكبار في أحوال تشبه هذه الأحوال، فألفت ~~كتابي عن «ابن الرومي» بين السجن ونذره ومقدماته، وألفت كتابي عن «سعد زغلول» وأنا غير ~~مستريح من كفاحه، وكلاهما من آثر الكتب عندي، ms001 وأكبرها في الموضوع وفي عدد الصفحات. # إنما حسبت هذا البأس من مطابقاته وموافقاته، ومن وضع الشيء في موضعه على نحو من الأنحاء، ~~ولم أعدده من حرج التأليف، كما عددته من مهيئات جوه، ولا سيما حين ألفيتني أدرس آثار ~~الحركة المهدية، وأتقلب بين مشاهدها وميادينها، وأستخرج العبرة من القتال بين الراجلين ~~والفيلة في مواقع فارس، ومن القتال بين الراجلين والسفن المسلحة في مواقع الخرطوم وأم ~~درمان، فهذه عقيدة وتلك عقيدة، ولكن العقيدة التي ظفرت كان معها حليف من الغد المأمول، ولم ~~تكن العقيدة التي فشلت على وفاق مع الغد ولا مع الأمل. # ولكن الحرج كل الحرج في التأليف، إنما كان في محاسبة عمر بن الخطاب، أوليس الحرج في ~~الحساب أيضا من العمريات المأثورات؟! # فالناس قد تعودوا ممن يسمونهم بالكتاب المنصفين أن يحبذوا وينقدوا، وأن يقرنوا بين ~~الثناء والملام، وأن يسترسلوا في الحسنات بقدر ليتقلبوا من كل حسنة إلى عيب يكافئها، ~~ويشفعوا كل فضيلة بنقيصة تعادلها، فإن لم يفعلوا ذلك فهم إذن مظنة المغالاة والإعجاب ~~المتحيز، وهم أقل إذن من الكتاب المنصفين الذين يمدحون ويقدحون، ولا يعجبون إلا وهم ~~متحفزون لملام. # عرض لي هذا الخاطر، فذكرت قصة العاهل الذي تحاكم إلى قاضيه مع بعض السوقة في عقار، ~~يختلفان على ملكه، فحكم القاضي للسوقة بغير العدل ليغنم سمعة العدل في محاسبة الملوك، وعزله ~~العاهل؛ لأنه ظلم وهو يبتغي الرياء بظلمه، فكان أعدل عادل حين بدا كأنه يحرص على مال ~~مغصوب ويجور على تابع جسور؛ لأنه أنصف وهو مستهدف لتهمة الظلم، وقاضيه قد ظلم وهو يتراءى ~~بالإنصاف. # قلت لنفسي: إن كنت قد أفدت شيئا من مصاحبة عمر بن الخطاب في سيرته وأخباره، فلا يحرجنك ~~أن تزكي عملا له كلما رأيته أهلا للتزكية، وإن زعم زاعم أنها المغالاة، وأنه فرط ~~الإعجاب. # وهذه هي الأسوة العمرية في الحساب. # فالحق أنني ما عرضت لمسألة من مسائله التي لغط بها الناقدون إلا وجدته على حجة ناهضة ~~فيها، ولو أخطأه الصواب. # وإن أعسر شيء أن تحاسب رجلا كان أشد ms002 أعدائه لا يبلغون من عسر محاسبته بعض ما كان ~~يبلغه هو في محاسبة نفسه، وأحب الناس إليه. # ذلك رجل قل أن يجور عن القصد وهو عالم بجوره، وقل أن يتيح لأحد أن يكسب دعوى ~~الإنصاف على حسابه، إلا أن يكسبها أيضا على حساب الحق والنقد الأمين. # فإذا عرفت منحاه من الخلق والرأي، وسلمت له مزاجه ووجهة تفكيره، فكن على يقين أنه لن ~~يتجافى عن النهج السوي، ولن يتعلق بأمر يعدوه الصلاح ويشوبه السوء. # وذاك أحرج الحرج الذي عانيته في نقد هذا الرجل العظيم، وتلك حيطة معه إن لم يستفدها ~~الكاتب، وهو مشغول بعمر ونهج عمر؛ فشغله عبث ذاهب في الهواء. # وعلم الله لو وجدت شططا في أعماله الكبار؛ لكان أحب شيء إلي أن أحصيه وأطنب فيه، وأنا ~~ضامن بذلك أن أرضي الأثر وأرضي الحقيقة، ولكني أقولها بعد تمحيص لا مزيد عليه في مقدوري: ~~إن هذا الرجل العظيم أصعب من عرفت من عظماء الرجال نقدا ومؤاخذة، ومن فريد مزاياه أن ~~فرط التمحيص وفرط الإعجاب في الحكم له أو عليه يلتقيان. # وكتابي هذا ليس بسيرة لعمر ولا بتاريخ لعصره على نمط التواريخ التي تقصد بها الحوادث ~~والأنباء، ولكنه وصف له، ودراسة لأطواره، ودلالة على خصائص عظمته، واستفادة من هذه الخصائص ~~لعلم النفس وعلم الأخلاق وحقائق الحياة، فلا قيمة للحادث التاريخي جل أو دق إلا من ~~حيث أفاد في هذه الدراسة، ولا يمنعني صغر الحادث أن أقدمه بالاهتمام والتنويه على أضخم ~~الحوادث، إن كان أوفى تعريفا بعمر، وأصدق دلالة عليه. # وعمر يعد رجل المناسبة الحاضرة في العصر الذي نحن فيه؛ لأنه العصر الذي شاعت فيه عبادة ~~القوة الطاغية، وزعم الهاتفون بدينها أن البأس والحق نقيضان؛ فإذا فهمنا عظيما واحدا ~~كعمر بن الخطاب، فقد هدمنا دين القوة الطاغية من أساسه؛ لأننا سنفهم رجلا كان غاية في ~~البأس، وغاية في العدل، وغاية في الرحمة ... وفي هذا الفهم ترياق من داء العصر، يشفى به من ~~ليس بميئوس الشفاء. # وإنه لجهاد جديد لعمر بن الخطاب، يطيب لنا ms003 أن نوجزه في كتاب. # عباس محمود العقاد # الفصل الأول # | عبقري # ... لم أر عبقريا يفري فريه. # 1 # كلمة قالها النبي - عليه السلام - في عمر - رضي الله عنه - وهي كلمة لا يقولها إلا عظيم ~~عظماء، خلق لسياسة الأمم وقيادة الرجال. # فمن علامات العظمة التي تحيي موات الأمم أن تختص بقدرتين لا تعهدان في غيرها، أولاهما: أن ~~تبتعث كوامن الحياة، ودوافع العمل في الأمة بأسرها، وفي رجالها الصالحين لخدمتها، والأخرى: ~~أن تنفذ ببصيرتها إلى أعماق النفوس، فتعرف بالبديهة الصائبة والوحي الصادق فيم تكون عظمة ~~العظيم، ولأي المواقف يصلح، وبأي الأعمال يضطلع، ومتى يحين أوانه، وتجب ~~ندبته، # 2 # ومتى ينبغي ~~التريث في أمره إلى حين. # كلتا القدرتين كان لهما الحظ الوافر في سيرة عمر بن الخطاب. # فأين - لولا الدعوة المحمدية التي بعثت كوامن العظمة في أمة العرب - كنا نسمع بابن ~~الخطاب؟ وأي موضع له كان من مواضع هذا التاريخ العالمي الذي يزخر بكبار الأسماء؟ # إنه الآن اسم يقترن بدولة الإسلام ودولة الفرس ودولة الروم، وكل دولة لها نصيب في ~~التاريخ، فأين كنا نسمع باسم عمر لولا البعثة المحمدية؟! # لقد كان - ولا ريب - خليقا أن يستوي على مكان الزعامة بين بني عدي - آله الأقربين - أو ~~بين قريش - قبيلته الكبرى - ثم ينتهي شأنه هناك، كما انتهى شأن زعماء آخرين، لم نسمع لهم ~~بخبر؛ لأنهم عظموا أو لم يعظموا، يعطون البيئة كفاء ما تطلب من جهد ودراية، وهي تطلب منهم ~~ما يذكرون به في بيئتهم، ولكنها لا تطلب منهم ما يذكرون به في أقطار العالم البعيد. # وقد كان عمر قوي النفس، بالغا في القوة النفسية، ولكنه على قوته البالغة لم يكن من ~~أصحاب الطمع والاقتحام، ولم يكن ممن يندفعون إلى الغلبة والتوسع في الجاه والسلطان بغير ~~دافع يحفزه إليه وهو كاره؛ لأنه كان مفطورا على العدل، وإعطاء الحقوق، والتزام الحرمات ما ~~التزمها الناس من حوله، وكان من الجائز أن يهيجه خطر على قبيلته، أو على الحجاز ومحارمه ~~المقدسة في الجاهلية؛ فينبري لدفعه، ويبلي في ذلك بلاء يتسامع ms004 به العرب في جيله وبعد جيله، ~~ولكنه لا يعدو ذلك النطاق، ولا هو يبالي أن يمعن في بلائه حتى يعدوه. # بل كان من الجائز غير هذا وعلى نقيضه. # كان من الجائز أن تفسد تلك القوة بمعاقرة الخمر والانصراف إليها؛ فإنه كان في الجاهلية - ~~كما قال - «صاحب خمر يشربها ويحبها» وهي موبقة، # 3 # لا تؤمن حتى على الأقوياء إذا أدمنوها، ولم يجدوا من زواجر ~~الدين أو الحوادث ما يصرفهم عنها، ويكفهم عن الإفراط في معاطاتها. # فعمر بن الخطاب الذي عرفه تاريخ العالم وليد الدعوة المحمدية دون سواها، بها عرف، ~~وبغيرها لم يكن ليعرف في غير الحجاز أو الجزيرة العربية. # أما القدرة الأخرى التي يمتاز بها العظيم الذي خلق لتوجيه العظماء، فقد أبان عنها النبي ~~- عليه السلام - في كل علاقة بينه وبين عمر من اللحظة الأولى؛ أي من اللحظة التي سأل الله ~~فيها أن يعز به الإسلام، إلى اللحظة التي ندب فيها أبا بكر للصلاة بالناس وهو - عليه السلام ~~- في مرض الوفاة. # سبر غوره، واستكنه عظمته، وعرفه في أصلح مواقفه؛ فعرف الموقف الذي يتقدم فيه على غيره، ~~والموقف الذي هو أولى بتقديم غيره عليه. # وليست هي مفاضلة بين رجلين ولا موازنة بين قدرتين، ولكنها مسألة التوفيق بين الرجل ~~والموضع الذي ينبغي أن يوضع فيه، والمهمة التي ينبغي أن يندب لها، والوقت الذي يحين فيه ~~أوانه. # وربما رأينا في زماننا هذا رئيسا يوصي لنصير من أنصاره بالوزارة، ويوصي لغيره بقيادة ~~الجيش، فلا نقول إنه يفاضل بين النصيرين، أو إنه يرجح أحدهما على الآخر في ميزان الكفاءة، ~~وإنما يختار كلا منهما لموضعه في الوقت الذي يحتاج إليه، ولا غضاضة على أحد منهما في هذا ~~الاختيار. # فالنبي - عليه السلام - كان يعلم من هو أبو بكر ومن هو عمر، وقد عادل بينهما أجل ~~معادلة حين قال: «إن الله عز وجل ليلين قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللبن، وإن ~~الله ليشدد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر مثل ms005 إبراهيم ~~قال: # فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك ~~غفور رحيم ~~، ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى قال: # إن ~~تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز ~~الحكيم ~~، ومثلك يا عمر مثل نوح قال: # رب لا تذر ~~على الأرض من الكافرين ديارا ~~، ومثلك كمثل موسى قال: # ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم ~~فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ~~.» # كان النبي - عليه السلام - يعلم - كما قال - أن عمر أشد المسلمين في الله، ويعلم ~~أن في أبي بكر لينا وهوادة؛ فجمع للإسلام المزيتين حين اختار أبا بكر للصلاة، وضمن هذا ~~الاختيار معنى من معاني الاستخلاف، أو كما جاء في بعض الروايات أنه نص على استخلاف أبي بكر ~~بالقول الصريح. # فتعزيز الإسلام بعد نبيه كان في حاجة إلى كثير من الهوادة والمجاوزة، وكان كذلك في حاجة ~~إلى كثير من الشدة والصرامة، ولن تذهب شدة عمر إذا احتاج إليها أبو بكر في ~~محنة يشتد فيها اللين الوديع، إنما الخوف أن يذهب لين أبي بكر إذا اشتد عمر، ولا خوف من ~~أن يلين عمر وأبو بكر شديد؛ فإن الموقف إذا استنفد حجج الرحمة حتى يلجأ فيه أبو بكر إلى ~~البأس ويصر عليه، فأقرب شيء أن يعدل عمر عن لينه، وأن يثوب إلى المعهود من صرامته ~~ولدده. # 4 # وكان النبي - عليه السلام - يعلم أن احتمال التبعة أو «المسئولية» خليق أن يبدل ~~أطوار النفوس في بعض المواقف والأزمات، فيجنح اللين إلى الشدة، ويجنح الشديد ~~إلى اللين؛ لأننا إذا قلنا إن رئيسا أصبح يشعر بالمسئولية، فمعنى ذلك أنه أصبح يراجع ~~رأيه فلا يستسلم لأول عارض يمليه عليه طبعه، ولا يقنع باللين أول وهلة إذا كان من دأبه ~~اللين، ولا بالشدة أول وهلة إذا كان من دأبه الشدة. ومن هنا ينشأ الاختلاف بين موقف الرجل ~~وهو مسئول، وموقفه وهو غير مسئول. # وهذا الذي ظهر أعجب ظهور في موقفي الصاحبين من حرب الردة؛ فإن عمر الشديد قد آثر ~~الهوادة، وأبا بكر الرقيق قد آثر القتال وأصر عليه. وكان ms006 عمر يقول: «إن رسول الله ~~كان يقاتل العرب بالوحي والملائكة، يمده الله بهم، وقد انقطع ذلك اليوم»، ثم يقول للخليفة: ~~«الزم بيتك ومسجدك، فإنه لا طاقة لك بقتال العرب.» # وكان أبو بكر يقول متسائلا: «أإن كثر أعداؤكم وقل عددكم ركب الشيطان منكم هذا ~~المركب؟! والله ليظهرن الله هذا الدين على الأديان كلها ولو كره المشركون، قوله الحق، ~~ووعده الصدق: # بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه ~~فإذا هو زاهق ~~، والله - أيها الناس - لو منعوني عقالا لجاهدتهم عليه، ~~واستعنت عليهم بالله، وهو خير معين!» # هنالك بلغت التبصرة بوجوه الرأي المختلفات غاية مداها، وجاء عمر بقصارى ما عنده من حجج ~~الرأي الآخر حتى وضحت المناهج، واستقر العزم، والتقى الصاحبان عليه، فكانت شدتهما في الحق ~~شدتين. # وهب الأمر مع هذا قد اختلف في موقف الصاحبين، فمال أبو بكر إلى السلم والمسامحة، ~~فأين كانت شدة عمر ذاهبة عنه في هذه الحال؟! أغلب الظن أنه هو الذي كان يتولى يومئذ أن يبسط ~~وجه الشدة في معاملة المرتدين؛ لأنه يعلم أنه المسئول عن بسط هذا الوجه دون غيره، فلا تفوت ~~الإسلام مزية من مزايا الصاحبين. # إن محمدا - عليه السلام - قد عرف من هم رجاله، وما هو الموقف الذي هم مقبلون عليه بعد ~~وفاته، فعرف الموضع الذي يضع فيه كلا منهم، والعمل الذي يتولاه خير ولاية في ذلك الموضع، ~~ولم يفته أن يحسب حساب التبعة، وما في احتمالها من ضمان للأخلاق الصالحة والعقول الراجحة، ~~وأبو بكر وعمر من خيرة أصحاب هذه الأخلاق وهذه العقول. # ولا يحسبن حاسب أننا نفسر الأمور بما كشفته لنا الحوادث بعد وقوعها، ولم يكن مقصودا في ~~النيات قبل ذلك، فإن الذي يحسب هذا الحسبان يخطئ تلك الخطأة الشائعة، التي لا تثبت على ~~أقل نصيب من الروية والمراجعة، يخطئ في وهمه خطأة الذين يتخيلون أن هذه السياسات العالية ~~من بدع الزمن الأخير، وليست هي من البدع في زمن كان؛ لأن العظمة لم تكن قط وقفا على العصر ~~الحديث، ولا سيما العظمة التي ترجع إلى الفطرة ms007 القويمة، والبديهة النافذة، والنظر ~~السديد. # فكل هذا التقدير الذي أجملنا شرحه، كان تقدير قصد وتدبير، وكان مفهوما على البداهة بين ~~ولاة الأمر في تلك الآونة، ملحوظا بينهم في مناجاة النيات، قبل أن نلحظه نحن في عصرنا هذا ~~من تفسير حوادث التاريخ. # وإلى ذلك أشار عمر في قول صريح، حين قال لمن هابوه وتحدثوا بخوف الناس منه: «بلغني أن ~~الناس هابوا شدتي، وخافوا غلظتي، وقالوا: قد كان عمر يشتد علينا ورسول الله # صلى الله عليه وسلم # بين ~~أظهرنا، ثم اشتد علينا وأبو بكر والينا دونه، فكيف وقد صارت الأمور إليه؟ ومن قال ذلك فقد ~~صدق، فقد كنت مع رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فكنت عبده وخادمه، وكان من لا يبلغ أحد صفته من اللين ~~والرحمة، وكان كما قال الله: # بالمؤمنين رءوف ~~رحيم ~~، فكنت بين يديه سيفا مسلولا حتى يغمدني أو يدعني فأمضي، فلم أزل مع ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # على ذلك، حتى توفاه الله وهو عني راض، والحمد لله على ذلك كثيرا وأنا ~~به أسعد، ثم ولي أمر المسلمين أبو بكر، فكان من لا ينكر دعته وكرمه ولينه، فكنت خادمه وعونه ~~أخلط شدتي بلينه، فأكون سيفا مسلولا حتى يغمدني أو يدعني فأمضي، فلم أزل معه كذلك حتى ~~قبضه الله - عز وجل - وهو عني راض، والحمد لله على ذلك كثيرا وأنا به أسعد، ثم إني قد ~~وليت أموركم أيها الناس، فاعلموا أن تلك الشدة قد أضعفت، # 5 # ولكنها إنما تكون على أهل الظلم والتعدي على المسلمين، ~~فأما أهل السلامة والدين والقصد، فأنا ألين لهم من بعض لبعض.» # بل ظهرت آثار الشعور بالتبعة بعد موت النبي، والحال على أشده في يوم السقيفة، والمسلمون ~~مختلفون على من يلي الأمر بعد محمد، حتى قيل فيما قيل: من الأنصار أمير ومن المهاجرين ~~أمير! # ففي تلك المحنة التي تشخص فيها الأبصار، وتعظم التبعات، وتودي زلة الساعة فيها بالكثير ~~الذي لا تستدركه الأعوام، كان عمر الحاد الشديد يخشى بوادر الحدة من أبي بكر، ويهيئ ~~الكلام ms008 اللين ليعالج الأمر بالرفق والتؤدة، ويقول فيما رواه عن محنته ذلك اليوم: «وكنت ~~أداري منه بعض الحد - أي الحدة - فلما أردت أن أتكلم، قال أبو بكر: على رسلك! فكرهت أن ~~أغضبه، فتكلم أبو بكر، فكان هو أحلم مني وأوقر.» # عمر الحاد الشديد يحاذر من بوادر أبي بكر، وأبو بكر الحليم الوديع يكف عمر عن ~~الكلام، فيطيع! # هؤلاء رجال يعرفهم صاحبهم، وهذه مواقف يعرفها صاحبها، وهذه مسألة فصل فيها الزمن، ولم ~~يبق لنا نحن الذين نعود إليها ونستخلص عبرتها، إلا أن نراقب ما فيها من آيات الإعجاز، ~~وسوابق النظر البعيد. # ما وضع أبو بكر خيرا من موضعه، وهو يلي الإسلام والخطر من داخل أهله، والطب الذي يطبهم ~~به هو طب التآلف والإحجام عن السطوة ما كان إلى الإحجام عنها سبيل. # وما وضع عمر خيرا من موضعه، وهو يلي الإسلام والخطر عليه من أعدائه المحدقين به، والطب ~~الذي يطبهم به هو طب الصلابة والحزم الذي لا ينكل # 6 # عن صراع. # وكأنما توقع النبي - عليه السلام - أن أيام أبي بكر معدودات، ولكنها الأيام التي تحتاج ~~إليه، وتكفي لإنجاز عمله، وتوقع أن يأتي عمل عمر في حينه المقدور، فلا يفوت الإسلام أن ~~ينتفع بمقدرته في عهد أبي بكر ولا في عهده، نقول هذا على الترجيح، ومن حقنا أن نقوله على ~~التوكيد؛ لأن حديث النبي فيه غنى عن التخمين والتأويل، قال عليه السلام: «رأيت في المنام ~~أني أنزع بدلو بكرة على قليب، # 7 # فجاء أبو ~~بكر فنزع ذنوبا # 8 # أو ذنوبين نزعا ~~ضعيفا، والله يغفر له، ثم جاء عمر بن الخطاب فاستحالت غربا، # 9 # فلم أر عبقريا يفري فريه، حتى روى الناس وضربوا ~~بعطن.» # 10 # وفهم فقهاء الإسلام أن ضعف النزع هو قصر المدة، وانصراف العزم إلى حرب الردة، ~~وأن فيض الري على يد عمر هو فيض العبقرية التي ينفسح لها الأجل، وتنفسح أمامها منادح ~~العمل، ويؤتى لها من السبق ما لا يؤتى لغير العبقريين. # ولنا أن نفسر العبقرية بمعناها الذي يفهمه الأقدمون، أو بمعناها ms009 الذي نفهمه نحن المحدثين، ~~فكلا المعنيين مستقيم في وصف عمر بن الخطاب ... أتراها على كلا المعنيين شيئا غير التفرد ~~والسبق والابتكار؟ كلا، ما للعبقرية مدلول يخرج عن صفة من هذه الصفات. ومن يكتب تاريخ عمر ~~فقد يجد في النهاية أنه يكتب تاريخا «لأول من صنع كذا، وأول من أوصى بكذا»، حتى ينتهي بسرد ~~هذه «الأوليات» إلى عداد العشرات. # وتلك هي العبقرية التي لا يفري فريها أحد، كما قال صاحبه وأعرف الناس به، صلوات الله ~~عليه. # الفصل الثاني # | رجل ممتاز # يوصف عمر بالعبقرية إذا نظرنا إلى أعماله، ويوصف بها إذا نظرنا إلى تكوينه الذي ~~جعله مستعدا لتلك الأعمال، مضطلعا بتلك القدرة، وإن لم يكن من اللازم اللازب أن تقترن ~~القدرة بالعمل الذي تستطيعه، لما يتفق أحيانا من وقوف العوائق بينها وبين الإنجاز أو ~~الاتجاه إلى ذلك العمل. # إلا أن عمر كان رجلا ممتازا بعمله، ممتازا بتكوينه، وكان وفاء شرط الامتياز والتفرد ~~في عرف الأقدمين والمحدثين، من المؤمنين بدينه وغير المؤمنين. # إذا وصفته للأقدمين الذين يقيسون العبقرية بالفراسة والخبرة، عرفوا من صفته أن الذي ~~يوصف لهم رجل ممتاز، أو رجل نسيج وحده. # 1 # وإذا وصفته للمحدثين الذين يقيسون العبقرية بالعلم، أو مشاهدات العلماء، عرفوا من تلك ~~الصفة أنه رجل ممتاز، أو رجل موهوب. # كانت نظرة إليه - قبل السماع بعمل من أعماله - توقع في الروع # 2 # أنه من معدن في الرجال غير معدن ~~السواد، # 3 # وأنه جدير بالهيبة ~~والإعظام، خليق أن يحسب له كل حساب. # كان مهيبا رائع المحضر حتى في حضرة النبي الذي تتطامن عنده الجباه، وأولها جبهة ~~عمر. # أذن النبي يوما لجارية سوداء أن تفي بنذرها «لتضربن بدفها فرحا أن رده الله ~~سالما»، فأذن لها عليه السلام أن تضرب بالدف بين يديه. # ودخل أبو بكر وهي تضرب، ثم دخل عثمان وهي تضرب، والصحابة مجتمعون. # فما هو إلا أن دخل عمر حتى وجمت الجارية، وأسرعت إلى دفها تخفيه، والنبي - عليه السلام - ~~يقول: «إن الشيطان ليخاف منك يا عمر!» # وروت السيدة عائشة - رضي ms010 الله عنها - أنها طبخت له عليه السلام ~~حريرة، # 4 # ودعت سودة أن تأكل منها فأبت، فعزمت عليها لتأكلن أو لتلطخن ~~وجهها، فلم تأكل، فوضعت يدها في الحريرة ولطختها بها. وضحك النبي - عليه السلام - وهو يضع ~~حريرة بيده لسودة ، ويقول لها: «لطخي أنت وجهها» ففعلت. # ومر عمر فناداه النبي: «يا عبد الله»، وقد ظن أنه سيدخل، فقال لهما: «قوما فاغسلا ~~وجهيكما.» # قالت السيدة عائشة: فما زلت أهاب عمر لهيبة رسول الله # صلى الله عليه وسلم # إياه. # ومن تلك الهيبة أنها كانت - رضي الله عنها - تتحفظ في زيارة قبره بعد موته، وحكت ذلك ~~فقالت: «ما زلت أضع خماري، وأتفضل # 5 # في ثيابي، وأقول: إنما زوجي وأبي، حتى ~~دفن عمر بن الخطاب، فلم أزل متحفظة في ثيابي حتى بنيت بيني وبين القبور جدارا فتفضلت ~~بعد.» # وإن من أدب الرسول - عليه السلام - أنه كان يرعى تلك الهيبة رضا عنها، واغتباطا ~~بأثرها في نصرة الحق وهزيمة الباطل، وتأمين الخير والصدق، وإخافة أهل البغي ~~والبهتان. # وقد كان الذين يعرفون عمر أهيب له من الذين يجهلونه! وتلك علامة على أن هيبته كانت ~~قوة نفس، تملأ الأفئدة قبل أن تملأ الأنظار. فربما اجترأ عليه من لم يعرفه ومن لم يختبره؛ ~~لتجافيه عن الخيلاء، وقلة اكتراثه للمظهر والثياب. أما الذين عرفوه واختبروه فقد كان يروعهم ~~على المفاجأة روعة لا تذهبها الألفة وطول المعاشرة، ومن ذاك أنه كان يمشي ذات يوم، وخلفه ~~عدة من أصحاب رسول الله، إذ بدا له فالتفت، فلم يبق منهم أحد إلا وحبل ركبتيه ساقط! # وتنحنح عمر والحجام يقص له شعره، فذهل الحجام عن نفسه، وكاد أن يغشى عليه، فأمر له ~~بأربعين درهما. # فهي هيبة من قوة النفس قبل أن تكون من قوة الجسد، إلا أنه مع هذا كان في منظر ~~الجسد رائعا يهول من يراه، ولا يذهب الخوف منه إلا الثقة بعدله وتقواه. # كان طويلا بائن الطول يرى ماشيا كأنه راكب، جسيما صلبا يصرع الأقوياء، ويروض الفرس ~~بغير ركاب، ويتكلم فيسمع السامع منه وفاق ما ms011 رأى من نفاذ قول وفصل خطاب. # تشهد العيون كما تشهد القلوب أنه لمن معدن العظمة، أو معدن العبقرية والامتياز بين بني ~~الإنسان، وللمحدثين علامات في العبقرية تتصل بالتكوين وتركيب الخلقة كما تتصل بمدلول ~~الأخلاق والأعمال. # فالعالم الإيطالي «لومبروزو» ومدرسته التي تأتم برأيه يقررون بعد تكرار التجربة والمقارنة ~~أن للعبقرية علامات لا تخطئها على صورة من الصور في أحد من أهلها، وهي علامات تتفق ~~وتتناقض، ولكنها في جميع حالاتها وصورها نمط من اختلاف التركيب ومباينته للوتيرة العامة بين ~~أصحاب التشابه والمساواة. # فيكون العبقري طويلا بائن الطول، أو قصيرا بين القصر، ويعمل بيده اليسرى أو يعمل ~~بكلتا اليدين، ويلفت النظر بغزارة شعره، أو بنزارة الشعر على غير المعهود في سائر الناس، ~~ويكثر بين العبقريين من كل طراز جيشان الشعور، وفرط الحس، وغرابة الاستجابة للطوارئ، ~~فيكون فيهم من تفرط سورته، # 6 # كما يكون فيهم من يفرط هدوءه، ولهم على الجملة ولع بعالم الغيب وخفايا الأسرار على نحو ~~يلحظ تارة في الزكانة # 7 # والفراسة، وتارة في النظر على البعد، وتارة في الحماسة ~~الدينية، أو في الخشوع لله. # ومهما يكن من الشك في استقصاء هذه العلامات، والمطابقة بين تفصيلاتها وبين الواقع، فهي - ~~بلا ريب - صادقة في حالات، مقاربة في حالات، غير أهل في كل حال للتصديق التام، ولا للبعد ~~التام، ولا سيما عندما تتفق فيها الظواهر والبواطن، وتتلاقى فيها ملاحظات العلماء وشواهد ~~العرف المأثور. # وفي عمر بن الخطاب من هذه العلامات كثير. # كان - كما تقدم طويلا - يمشي كأنه راكب، وكان أعسر يسرا؛ # 8 # يعمل بكلتا يديه، وكان أصلع خفيف ~~العارضين، وكان كما وصفه غلامه، وقد سأله بلال: كيف تجدون عمر؟ فقال: خير الناس، إلا أنه ~~إذا غضب فهو أمر عظيم. # وكان سريع البكاء إذا جاشت نفسه بالخشوع بين يدي الله، وأثر البكاء في صفحتي وجهه، ~~حتى كان يشاهد فيهما خطان أسودان. # ومن فرط حسه وتوفز شعوره أنه كان يميز بين بعض المذوقات والمشمومات التي لا يسهل ~~التمييز بينها؛ سقاه غلامه ذات يوم لبنا فأنكره، فسأله: ms012 ويحك! من أين هذا اللبن؟ قال ~~الغلام: إن الناقة انفلت عليها ولدها، فشرب لبنها، فحلبت لك ناقة من مال الله. # وقد عرفنا أهل البادية، وعرفنا أنهم جميعا أصحاب إبل وألبان، ولكننا لم نجد منهم إلا ~~قليلا يدعون أنهم يفرقون بين لبن الناقة ولبن غيرها هذه التفرقة السريعة، ولا سيما ~~في المناخ الواحد والمرعى المتقارب. # وكانت له فراسة عجيبة نادرة يعتمد عليها، ويرى أن «من لم ينفعه ظنه لم تنفعه عينه»، ~~وتروى له في أمر هذه الفراسة روايات قد يصدق منها القليل، وتتسرب المبالغة إلى كثير، ~~ولكنها على كلتا الحالتين تنبئنا بحقيقة لا شك فيها، وهي أنه اشتهر بالفراسة وحب التفرس، ~~والاستنباط بالنظرة العارضة، فمن ذلك أنه كان جالسا، فمر به رجل جميل، فقال ما معناه: ~~أحسبه كان كاهنهم في الجاهلية. فكان كذلك! # ومنه أنه أبصر أعرابيا نازلا من جبل، فقال: هذا رجل مصاب بولده، قد نظم فيه شعرا لو ~~شاء لأسمعكم، ثم سأل الأعرابي: من أين أقبلت؟ فقال: من أعلى الجبل، فسأله: وما صنعت فيه؟ ~~قال: أودعته وديعة لي. قال: وما وديعتك؟ قال: بني لي، هلك فدفنته. قال: فأسمعنا ~~مرثيتك فيه. فقال: وما يدريك يا أمير المؤمنين؟ فوالله ما تفوهت بذلك، وإنما حدثت به نفسي. ~~ثم أنشد أبياتا ختمها بقوله: # فالحمد لله لا شريك له # في حكمه كان ذا وفي قدره # قدر موتا على العباد فما # يقدر خلق يزيد في عمره # فبكى عمر حتى بل لحيته، ثم قال: صدقت يا أعرابي. # وكان عمير بن وهب الجمحي وصفوان بن أمية يذكران مصاب أهل بدر، فقال صفوان: والله ما ~~إن في العيش بعدهم خير. فوافقه عمير، وهو يقول كالمعتذر من تخلفه عن الثأر: أما والله ~~لولا دين علي ليس له عندي قضاء، وعيال أخشى عليهم الضيعة بعدي؛ لركبت إلى محمد ~~حتى أقتله. # فقال صفوان يحرضه: علي دينك، أنا أقضيه عنك، وعيالك مع عيالي أواسيهم ما بقوا، ~~ولا يسعني شيء ويعجز عنهم. # فوقع كلامه من نفس عمير، فأسر إليه بعزمه على الغدر بالنبي، ms013 وشحذ سيفه وسمه، ثم ~~انطلق حتى قدم المدينة. # فما نظر إليه متوشحا بالسيف حتى أوجس منه، وهمس لمن معه: هذا الكلب عدو الله عمير ~~بن وهب، ما جاء إلا لشر، وهو الذي حرش بيننا وحزرنا # 9 # للقوم يوم بدر. ثم دخل على النبي فأخبره خبره، وعاد ~~إلى عمير، فأخذ بحمالة سيفه في عنقه فلببه # 10 # بها، وقال لرجال من الأنصار: ادخلوا على رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فاجلسوا عنده، واحذروا عليه من هذا الخبيث؛ فإنه غير مأمون، ثم دخل به على رسول الله، فلما ~~رآه وعمر آخذ بحمالة سيفه في عنقه قال: «أرسله يا عمر، ادن يا عمير.» # وجعل رسول الله يسأل عميرا وهو يراوغ، حتى ضاقت به منافذ الإنكار فباح بسره، وأعلن ~~الإسلام والتوبة. # هذه الفراسة وشبيهاتها هي ضرب من استيحاء الغيب، واستنباط الأسرار بالنظر الثاقب. وما ~~من عجب أن تكون هذه الخصلة قرينة من قرائن العبقرية في حاشية من حواشيها؛ إذ ما هي ~~العبقرية في لبابها كائنا ما كان عمل المتصف بها؟ ما هي الحكمة العبقرية؟ ما هو الفن ~~العبقري؟ ما هو دهاء السياسة في الدهاة العبقريين؟ من هو: # الألمعي الذي يظن بك الظن # كأن قد رأى وقد سمعا؟ # كل أولئك يلتقي في هبة واحدة، هي كشف الخفايا، واستيضاح البواطن، واستخراج المعاني ~~التي تدق عن الألباب، فاتصالها بالفراسة وشبيهاتها أمر لا عجب فيه، ولا انحراف به ~~عن النحو الذي تنتحيه. # والذي يعنينا من الفراسة وشبيهاتها في صدد الكلام عن عمر - رضوان الله عليه - أن نحصي ~~الخصال الأخرى التي هي كالفراسة في هذا الاعتبار، وهي التفاؤل والاعتداد بالرؤيا، ~~والنظر أو الشعور على البعد أو «التلباثي» كما يسميه النفسانيون المعاصرون. ولكل أولئك ~~شواهد شتى مما روي عن عمر في جاهليته وبعد إسلامه، إلى أن أدركته الوفاة. # جاءه رسول من ميدان نهاوند فسأله: ما اسمك؟ قال: قريب. وسأله مرة أخرى: ابن من؟ فقال: ~~ابن ظفر. فتفاءل وقال: ظفر قريب إن شاء الله، ولا قوة إلا بالله. # وروى يحيى بن سعيد ms014 أن عمر سأل رجلا: ما اسمك؟ قال: جمرة. فسأله: ابن من؟ قال: ابن ~~شهاب. فسأله: ممن؟ قال: من الحرقة. وعاد يسأله: ثم ممن؟ قال: من بني ضرام. وهكذا في أسئلة ~~ثلاثة أو أربعة عن مسكنه وموقعه، والرجل يجيب بما فيه معنى النار ومرادفاتها، حتى استوفاه، ~~فقال عمر: أدرك أهلك فقد احترقوا. # وقد يكون التأليف ظاهرا في هذه القصة، ولكنها مع تأليفها، لا تخلو من الدلالة على اشتهار ~~عمر باستكناه الألفاظ في معرض التفاؤل أو الإنذار. # أما الرؤيا فآخر ما روي عنه من أخبارها أنه رأى قبيل مقتله كأن ديكا نقره نقرتين، ~~فقال: يسوق الله إلي الشهادة ويقتلني أعجمي؛ فإن الديك في الرؤيا يفسر برجل من ~~العجم. # على أن المكاشفة أو الرؤيا # Vision # كما يسميها ~~النفسانيون المحدثون، إنما تظهر بأجلى وأعجب من هذا كثيرا في قصة سارية المشهورة، وهي مما ~~يلحقه أولئك النفسانيون بهبة التلباثي # Telepathy # أو الشعور ~~البعيد. # كان رضي الله عنه يخطب بالمدينة خطبة الجمعة، فالتفت من الخطبة، ونادى: يا سارية بن حصن، ~~الجبل! الجبل! ومن استرعى الذئب ظلم. # فلم يفهم السامعون مراده، وقضى صلاته، فسأله علي - رضي الله عنه: ما هذا الذي ناديت ~~به؟ قال: أوسمعته؟ قال: نعم، أنا وكل من في المسجد. # فقال: وقع في خلدي أن المشركين هزموا إخواننا، وركبوا أكتافهم، وأنهم يمرون بجبل، فإن ~~عدلوا إليه قاتلوا من وجدوه وظفروا، وإن جاوزوه هلكوا، فخرج مني هذا الكلام. # وجاء البشير بعد شهر، فذكر أنهم سمعوا في ذلك اليوم، وتلك الساعة حين جاوزوا الجبل صوتا ~~يشبه صوت عمر، يقول: يا سارية بن حصن، الجبل! الجبل! فعدلنا إليه، ففتح الله علينا. # ولا داعي للجزم بنفي هذه القصة استنادا إلى العقل أو إلى العلم أو إلى التجربة الشائعة، ~~فإن العقل لا يمنعها، والعلماء النفسانيون في عصرنا لا يتفقون على نفيها، ونفي أمثالها، بل ~~منهم من مارسوا «التلباثي» وسجلوا مشاهداته، وهم ملحدون لا يؤمنون بدين، إلا أن المهم من ~~نقل هذه القصة في هذا الصدد، أن عمر كان مشهورا بين ms015 معاصريه بمكاشفة الأسرار الغيبية، ~~إما بالفراسة، أو الظن الصادق، أو الرؤية، أو النظر البعيد، وهي الهبات التي يلحقها ~~بالعبقرية علماء العصر الذين درسوا هذه المزية الإنسانية النادرة، وراقبوها، وأكثروا من ~~المقارنات فيها، والتعقيبات عليها. # فهو رجل نادر بما تراه منه العين، نادر بما تشهد به الأعمال والأخلاق، نادر في مقاييس ~~الأقدمين ومقاييس المحدثين. # أو هو رجل ممتاز، وعبقري موهوب في جميع الآراء. # الفصل الثالث # | صفاته # نحن على هذا أمام رجل لا كالرجال، رجل عبقري، أو رجل ممتاز من خاصة الخليقة الذين لا ~~يعدون في الزمن الواحد بأكثر من الآحاد. # أنقول: رجل قوي؟! نعم، هو رجل قوي لا مراء، وكل عظيم فهو قوي بمعنى من معاني ~~القوة. نعلم هذا، فنعلم الشيء المهم عنه، ولكننا بعد هذا لا نعلم شيئا مهما عن صفاته ~~وأخلاقه؛ لأن الناس من حيث القوة أقوياء وضعفاء، أو متوسطون ومنحرفون، إلى هنا تارة، وإلى ~~هناك تارة أخرى. أما من حيث الصفات والأخلاق، فهم ألوف وألوف، وهم في قوتهم أو ضعفهم أنماط ~~لا تحصى من المناقب والعيوب، وأحرى بنا أن نقول: إن القوة صفة تستفاد من جملة مناقب ~~الإنسان وعيوبه، فهي حالة تدل عليها المناقب والعيوب، أو تدل عليها الصفات والأخلاق، ~~وليست هي بالحالة التي تدلنا على مناقب الإنسان وعيوبه، وتهدينا بغير هاد إلى صفاته ~~وأخلاقه. # فإذا قلت: إن عمر بن الخطاب رجل قوي، فما زدت على أن تقول: إنه رجل عبقري، أو ~~إنه رجل عظيم. # وكل رجل من هذا القبيل، فمعرفته ليست بالأمر اليسير؛ لأنه نمط لا يتكرر، فيسهل فهمه ~~بالقياس إلى أمثاله الكثيرين. وقد يكون الرجل العظيم نمطا وحيدا في التاريخ كله، لا نظير ~~له في تفصيل أخلاقه وصفاته، وإن ساواه في القدر أنداد وقرناء. # وعمر بن الخطاب مثل فذ من أمثلة هذا الطراز الفريد، تفهم سره؛ فإذا هو على وفاق ~~مع جهره، وتنفذ إلى باطنه، فإذا هو مصدق للظاهر من سيماه. # 1 # فهل حللنا العقدة بهذا التقريب بين الظاهر والباطن، وبين الجهر والسريرة؟ كلا، ولا تقدمنا ms016 ~~بعيدا في طريق حلها؛ لأننا لا نعرف هذا التقارب إلا بعد معرفة السريرة التي نبحث عنها، فلا ~~بد إذن من البحث، ولا بد من المعرفة، فإذا وصلنا إلى الغور البعيد عرفنا ساعتئذ أنه لا ~~يناقض الظاهر المكشوف، ولكن لا بد من الوصول إلى الغور البعيد قبل ذاك . # لا تناقض في خلائق عمر بن الخطاب، ولكن ليس معنى ذلك أنه أيسر فهما من المتناقضين، بل ~~لعله أعضل فهما منهم في كثير من الأحوال؛ فالعظمة على كل حال ليست بالمطلب اليسير لمن ~~يبتغيه، وليست بالمطلب اليسير لمن ينفذ إلى صميمه ويحتويه. # إنما الأمر الميسور في التعريف بهذا الرجل العظيم؛ أن خلائقه الكبرى كانت بارزة جدا ~~لا يسترها حجاب؛ فما من قارئ ألم بفذلكة صالحة من ترجمته إلا استطاع أن يعلم أن عمر بن ~~الخطاب كان عادلا، وكان رحيما، وكان غيورا، وكان فطنا، وكان وثيق الإيمان، عظيم ~~الاستعداد للنخوة الدينية. # فالعدل والرحمة والغيرة والفطنة والإيمان الوثيق صفات مكينة فيه لا تخفى على ناظر، ~~ويبقى عليه بعد ذلك أن يعلم كيف تتجه هذه الصفات إلى وجهة واحدة، ولا تتشعب في اتجاهها ~~طرائق قددا، # 2 # كما يتفق في صفات ~~بعض العظماء، بل يبقى عليه بعد ذلك أن يعلم كيف يتمم بعض هذه الصفات بعضا، حتى كأنها صفة ~~واحدة متصلة الأجزاء متلاحقة الألوان. # وأعجب من هذا في التوافق بين صفاته، أن الصفة الواحدة تستمد عناصرها من روافد شتى، ولا ~~تستمدها من ينبوع واحد، ثم هي مع ذلك متفقة لا تتناقض، متساندة لا تتخاذل، كأنها لا تعرف ~~التعدد والتكاثر في شيء. # خذ لذلك مثلا: عدله المشهور الذي اتسم به، كما لم يتسم قط بفضيلة من فضائله ~~الكبرى، فكم رافدة # 3 # لهذا الخلق الجميل في نفس ذلك الرجل العظيم؟ # روافد شتى: بعضها من وراثة أهله، وبعضها من تكوين شخصه، وبعضها من عبر أيامه، وبعضها من ~~تعليم دينه، وكلها بعد ذلك تمضي في اتجاه قويم إلى غاية واحدة لا تنم على افتراق. # لم يكن عمر عادلا لسبب واحد، بل ms017 لجملة أسباب: كان عادلا؛ لأنه ورث القضاء من قبيلته ~~وآبائه، فهو من أنبه بيوت بني عدي الذين تولوا السفارة والتحكيم في الجاهلية، وراضوا ~~أنفسهم من أجل ذلك جيلا بعد جيل على الإنصاف وفصل الخطاب، وجده نفيل بن عبد العزى ~~هو الذي قضى لعبد المطلب على حرب بن أمية حين تنافرا إليه، وتنافسا على الزعامة، فهو عادل ~~من عادلين، وناشئ في مهد الحكم والموازنة بين الأقوياء. # وكان عادلا؛ لأنه قوي مستقيم بتكوين طبعه، وإن شئت فقل أيضا بتكوينه الموروث؛ إذ كان ~~أبوه الخطاب وجده نفيل من أهل الشدة والبأس، وكانت أمه حنتمة بنت هشام بن المغيرة قائد ~~قريش في كل نضال، فهو على خليقة الذي لا يحابي؛ لأنه لا يخاف، والذي يخجل من الميل إلى ~~القوي؛ لأنه جبن، ومن الجور على الضعيف؛ لأنه عوج يزري بنخوته وشممه. # وكان عادلا؛ لأن آله من بني عدي قد ذاقوا طعم الظلم من أقربائهم بني عبد شمس، وكانوا ~~أشداء في الحرب يسمونهم لعقة الدم، # 4 # ولكنهم غلبوا على أمرهم لقلة عددهم بالقياس إلى عدد أقربائهم، ~~فاستقر فيهم بغض القوي المظلوم للظلم، وحبه للعدل الذي مارسوه ودربوا عليه، وساعدت ~~عبر الأيام على تمكين خليقة العدل في خلاصة هذه الأسرة، أو خلاصة هذه القبيلة، ونعني به ~~عمر بن الخطاب. # وكان عادلا بتعليم الدين الذي استمسك به، وهو من أهله بمقدار ما حاربه وهو عدوه؛ ~~فكان أقوى العادلين، كما كان أقوى المتقين والمؤمنين. # وكذلك اجتمعت عناصر الوراثة الشعبية، والقوة الفردية، وعبر الحوادث، وعقيدة الدين ~~في صفة العدل التي أوشكت أن تستولي فيه على جميع الصفات. # كان عادلا لأسباب، كأنه عادل لسبب واحد لقلة التناقض فيه. وربما كان تعدد الأسباب ~~هو العاصم الذي حمى هذه الصفة أن تتناقض في آثارها؛ لأنه منحها القوة التي تشدها كما يشد ~~الحبل المبرم، فلا تتفكك ولا تتوزع، فكان عمر في جميع أحكامه عادلا على وتيرة واحدة ~~لا تفاوت بينها، فلو تفرقت بين يديه مائة قضية في أعوام متباعدات، لكنت على ثقة أن تتفق ms018 ~~الأحكام كلما اتفقت القضايا، كأنه يطبعها بطابع واحد لا يتغير. # إلا أن الصفات إذا بلغت هذا المبلغ من القوة الرائعة، لم تكد تسلم من طروء التناقض ~~عليها، وإن سلمت منه بطبيعتها؛ لأنها تدخل في صفات البطولة التي تثير الإعجاب والمبالغة، ~~وكل بطولة فهي عرضة للمبالغات والإضافات، ومن ثم لا تسلم من تناقض الأقاويل. # وصفات عمر كلها صفات لها طابع البطولة، وفيها دواعي الإغراء بالإعجاب والمبالغة. ~~وممن؟! من الأصدقاء المصدقين؛ لأنهم لا يتهمون بقصد السوء، وهم في الواقع أولى بالاحتراس من ~~الخصوم المتهمين، فمن هنا يجيء التناقض لا من طبيعة الصفات التي تأباه. # فالعدل مثلا هو المساواة بين أبعد الناس وأقربهم في قضاء الحقوق، وإقامة الحدود. # وليس أقرب إلى الحاكم من ابنه. # فإذا سوى الحاكم بين ابنه وسائر الرعية، فذلك عدل مأثور يقتدي به الحاكمون. # ولقد سوى عمر بين أبنائه وسائر المسلمين، فبلغ بذلك مبلغ البطولة في هذه الصفة النادرة ~~بين الحكام. # وذلك كاف في تعظيم قدره، لا حاجة بعده إلى مزيد. # إلا أنها صفة من صفات البطولة التي تروع وتعجب، وتملأ النفس بالرغبة في التحدث بها ~~والإطناب في أحاديثها، فهي لا تكفي المبالغين حتى يجعلوا عمر مقيما للحد على ابنه، ~~مشتدا في عقوبته اشتدادا لا يسوى فيه بينه وبين غيره. ثم لا يكتفي المبالغون بهذا حتى ~~يموت الولد قبل استيفاء العقوبة، فيمضي عمر في جلده وهو ميت لا تقام عليه الحدود! ومن اعتدل ~~من المبالغين لم يذكر الموت وإتمام العقوبة، وذكر لنا أن الولد مات بعد ذلك بشهر من مرض ~~الضرب الذي ثقل عليه، وعجز عن احتماله. # نعني بما تقدم قصة عبد الرحمن بن عمر في مصر، وهي كما رواها عمرو بن العاص والي مصر يومئذ ~~حيث يقول: «... دخلا - عبد الرحمن بن عمر وأبو سروعة - وهما منكسران، فقالا: أقم علينا ~~حد الله، فإنا قد أصبنا البارحة شرابا فسكرنا. فزبرتهما # 5 # وطردتهما، فقال عبد الرحمن: إن لم تفعل أخبرت ~~أبي إذا قدمت عليه. فحضرني رأي، وعلمت أني إن لم أقم عليهما ms019 الحد غضب علي عمر في ~~ذلك وعزلني، وخالفه ما صنعت، فنحن على ما نحن عليه، إذ دخل عبد الله بن عمر، فقمت إليه ~~فرحبت به، وأردت أن أجلسه في صدر مجلسي، فأبى علي وقال: أبي نهاني أن أدخل عليك ~~إلا ألا أجد من ذلك بدا. إن أخي لا يحلق على رءوس الناس، فأما الضرب فاصنع ما بدا ~~لك.» # قال عمرو بن العاص: وكانوا يحلقون مع الحد، فأخرجتهما إلى صحن الدار فضربتهما الحد، ~~ودخل ابن عمر بأخيه إلى بيت من الدار، فحلق رأسه ورأس أبي سروعة، فوالله ما كتبت إلى عمر ~~بشيء مما كان، حتى إذا تحينت كتابه إذا هو نظم ~~فيه: # بسم الله الرحمن الرحيم # من عبد الله أمير المؤمنين عمر إلى العاصي ابن ~~العاص # عجبت لك يا بن العاص ولجرأتك علي وخلاف عهدي! فما أراني إلا عازلك فمسيء ~~عزلك؛ تضرب عبد الرحمن في بيتك، وتحلق رأسه في بيتك، وقد عرفت أن هذا يخالفني؟ ~~إنما عبد الرحمن رجل من رعيتك، تصنع به ما تصنع بغيره من المسلمين، ولكن قلت: هو ~~ولد أمير المؤمنين. وقد عرفت ألا هوادة لأحد من الناس عندي في حق يجب لله عليه، ~~فإذا جاءك كتابي هذا، فابعث به في عباءة على قتب # 6 # حتى يعرف سوء ما ~~صنع. # قال: «فبعثت به كما قال أبوه، وأقرأت ابن عمر كتاب أبيه، وكتبت إلى عمر كتابا ~~أعتذر فيه، وأخبره أني ضربته في صحن داري على الذمي والمسلم، وبعثت بالكتاب مع عبد الله ~~بن عمر.» # قال أسلم: «فقدم عبد الرحمن على أبيه فدخل عليه، وعليه عباءة ولا يستطيع المشي من مركبه. ~~فقال: يا عبد الرحمن فعلت كذا؟ فكلمه عبد الرحمن بن عوف وقال: يا أمير المؤمنين، قد ~~أقيم عليه الحد مرة. فلم يلتفت إلى هذا عمر وزبره، فجعل عبد الرحمن يصيح: أنا مريض ~~وأنت قاتلي. فضربه وحبسه، ثم مرض فمات رحمه الله.» # فهذه قصة تتوافق أخبارها ومن رويت عنهم، فلا نستغربها في جميع تفصيلاتها إلا حين ~~تطرأ عليها المبالغة التي ms020 تتسرب إلى كل خبر من أخبار البطولات المشهورة، وذلك أن يقسو عمر ~~على ابنه تلك القسوة التي لا يوجبها الدين، ولا تقبلها الفطرة الإنسانية، فيقيم عليه ~~الحد وهو ميت، أو يعرضه للموت من أجل حد أقيم. # هذا هو الغريب الذي استوقفنا فأنكرناه، ومضينا في تمحيصه، فطابق التمحيص ما قدرناه، أما ~~سائر القصة فلا غرابة فيه من كل نواحيه، بل هو من القصص التي يستبعد فيها التلفيق ~~والاختراع، إلا أن يكون الملفق من حذاق الرواة ومهرة الوضاع. # ولو كان المصدر واحدا معروفا بالحذق في القصص لحسبناها من وضعه وتلفيقه، ولكنها ~~سمعت من غير مصدر موثوق به، فهي أقرب إلى الواقع فيما يشبهه، ويجري مجراه، فعبد الرحمن ~~بن عمر يذهب إلى الوالي؛ لأنه شرب شيئا ظنه غير مسكر، فإذا هو قد سكر منه، ولا مناص من ~~إقامة الحد عليه، وإلا رفع الأمر إلى أبيه، وهي شنشنة # 7 # عمرية لا لبس فيها، وهو ابن عمر لا مراء. # والوالي، ومن الوالي؟ عمرو بن العاص الذي لا خفاء بدهائه، ولا يبعد حسابه، فهو يتريث بادئ ~~الأمر، ويحاول أن يصرف الفتى إذا طاب له الانصراف دون أن يقيم الحد عليه، وهي أيضا شنشنة ~~لا غرابة فيها؛ فمن يدري؟! ألا يجوز أن يصبح هذا الفتى أخا للخليفة، أو مدبرا للسلطان معه ~~في يوم غير بعيد؟! # والخليفة يدري بالأمر فيهوله، ويستكبر أن يخفيه عنه واليه، فلا يصل إليه نبؤه من قبله، ~~وهو ما هو في تحرجه من تبعة يحملها غافلا عنها؛ لحرص الولاة على تحري هواه، وابتغاء رضاه، ~~فيشفق أن يقع ابنه في معصية، ثم ينجو من الحد الذي شرعه الدين، وهو مسئول عن الولاة ~~والحدود، ومسئول عن ذويه الأقربين قبل سائر المسلمين. # كل أولئك - كما قلنا - سائغ لا غرابة فيه. # أما الغريب من عمر حقا في معدلته وعلمه بالدين، وكراهته رياء الناس، فهو أن يتم على ~~ابنه الحد وهو ميت، أو يشتد في إقامة الحد على ابنه حتى يتلف، أو يصاب بما يتلفه بعد ~~أيام. # فلا موجب ms021 لذلك من حكم دين ولا اتقاء تبعة. # وهو مع هذا مخالف لما عرف عن عمر في إقامة الحدود، خاصة وفي مثل هذه العقوبة ~~بعينها. # فقد جيء له يوما بشارب سكران، وأراد أن يشتد عليه فقال له: لأبعثنك إلى رجل لا تأخذه ~~فيك هوادة، فبعث به إلى مطيع الأسود العبدي ليقيم عليه الحد في غده، ثم حضره وهو يضربه ~~ضربا شديدا فصاح به: قتلت الرجل، كم ضربته؟ قال: ستين، قال: أقص # 8 # عنه ~~بعشرين؛ أي ارفع عنه عشرين ضربة من أجل شدتك عليه فيما تقدم من الضربات. # وقد كان من دأبه أن يتريث في إقامة الحدود، حتى ليؤثر - كما قال - تعطيلها في الشبهات على ~~أن يقيمها في الشبهات. # ومر بقوم يتبعون رجلا قد أخذ في ريبة فقال: «لا مرحبا بهذه الوجوه التي لا ترى إلا في ~~الشر.» # وربما غضب على الوالي من كبار الولاة لغلوه في تقاضي الحدود على المعاصي، كما فعل في ~~إنذاره الشديد لأبي موسى الأشعري حين جلد شاربا، وحلق شعره، وسود وجهه، ونادى في الناس ~~ألا يجالسوه ولا يؤاكلوه، فأعطى الشاكي مائتي درهم، وكتب إلى أبي موسى: «لئن عدت لأسودن ~~وجهك، ولأطوفن بك في الناس»، وأمره أن يدعو المسلمين إلى مجالسته ومؤاكلته، وأن يمهله ~~ليتوب، ويقبل شهادته إن تاب. # وتفقد رجلا يعرفه فقيل له: إنه يتابع الشراب. فكتب إليه: «إني أحمد إليك الله الذي لا ~~إله إلا هو # غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ~~ذي الطول لا إله إلا هو إليه ~~المصير ~~.» # 9 # فلم يزل الرجل يرددها ويبكي حتى صحت توبته وأحسن النزع، # 10 # وبلغت توبته عمر، فقال لمن حضروا مجلسه: ~~«هكذا فاصنعوا، إذا رأيتم أخا لكم زل زلة فسددوه ووفقوه، وادعوا الله أن يتوب عليه، ولا ~~تكونوا أعوانا للشيطان عليه.» # وقد تكرر منه إعفاء الزانيات من الحد لشبهة القهر والعجز عن المقاومة، وتكرر منه ~~الإعفاء لمثل هذا العذر في غير ذلك من الحدود. # فلم يكن عمر بالسريع المتعطش إلى إقامة الحد، ولم يعرف عنه قط أنه أقام ms022 حدا وله ~~مندوحة عنه. # وفي قصة ولده منادح شتى ترضيه على شدة تحرجه وتحريه، ثم لا حاجة بمثله إلى رياء العدل، ~~فيجور على ابنه، ويسرف في القسوة عليه، ليقال إنه سوى بينه وبين غيره. # وأصح من ذلك أن نأخذ برواية عبد الله بن عمر، وهو أحق الناس بالمبالغة في عدل أبيه لو ~~كانت المبالغة مما يجمل بمثله، فقد روى هذه القصة فقال ما خلاصته: «أن أخاه عبد الرحمن ~~وأبا سروعة عتبة بن الحارث سكرا، فلما أصبحا انطلقا إلى عمرو بن العاص وهو أمير مصر، فقالا: ~~طهرنا فإنا قد سكرنا من شراب شربناه! ولم أشعر أنهما أتيا عمرو بن العاص، فقلت: والله ~~لا يلحق اليوم على رءوس الأشهاد، ادخل أحلقك! وكانوا إذ ذاك يحلقون مع الحد، فدخل معي الدار ~~فحلقت أخي بيدي، ثم جلدهما عمرو بن العاص، فسمع عمر بن الخطاب، فكتب إلى عمرو أن ابعث ~~إلي بعبد الرحمن بن عمر على قتب، ففعل ذلك عمرو، فلما قدم عبد الرحمن على عمر جلده ~~وعاقبه من أجل مكانه منه، ثم أرسله فلبث شهرا صحيحا ثم صحيحا، ثم أصابه قدره، ~~فتحسب # 11 # عامة الناس أنه مات من الجلد، ~~ولم يمت منه.» # هذه رواية عبد الله عن أبيه وأخيه، ولو كان الأمر مبالغة في عدل عمر، لكان الابن أحق ~~الناس بهذه المبالغة، أو كان الأمر رحمة بعبد الرحمن، لكان الأخ أحق الناس بهذه الرحمة، ~~ولكنه أمر صدق لا نقص فيه ولا زيادة. # فالذي يجوز لنا أن نقبله من هذه القصة هو الجانب الذي يستقيم مع خلائق عمر ولا يناقضها، ~~وهو العدل الصحيح في محاسبة ولده على ذنبه ولا زيادة، ولا سيما الزيادة التي لا تستقيم مع ~~عدله ورحمته على السواء، وكلا العدل والرحمة من صفاته الأصيلة فيه. # نعم، كانت الرحمة من صفاته التي وازنت فيه العدل أحسن موازنة، فما عهد فيه أنه أحب ~~العدل لغضه من الأقوياء المعتدين، كما كان يحبه لنجدته الضعيف المعتدى عليه. # ولا يمنعن ذلك أنه كان خشن الملمس، صعب الشكيمة، ms023 جافيا في القول إذا استغضب واستثير، ~~فليست الخشونة نقيضا للرحمة، وليست النعومة نقيضا للقسوة، وليس الذين لا يستثارون ولا ~~يستغضبون بأرحم الناس؛ فقد يكون الرجل ناعما وهو منطو على العنف والبغضاء، ويكون الرجل ~~خشنا وهو أعطف خلق الله على الضعفاء، بل كثيرا ما تكون الخشونة الظاهرة نقابا يستتر به ~~الرجل القوي فرارا من مظنة الضعف الذي يساوره من قبل الرحمة، فلا تكون مداراة الرقة إلا ~~علامة على وجودها، وحذرا من ظهورها. # ومن المألوف في الطبائع أن الرجل الذي يقسو وهو معتصم بالواجب قلما ينطبع على القسوة، ~~ولا سيما إذا كان الواجب عنده شيئا عظيما يزيل كل عقبة، ويبطل كل حجة، ويقطع كل ذريعة، ~~فهو إنما يعتصم بالواجب في هذه الحالة، كما يعتصم الإنسان بالحصن المنيع كلما خشي أن تقتحم ~~عليه طريقه، ولولا خوف الرحمة أن تغلبه لما كانت به حاجة إلى ذلك الحصن المنيع، ولا سيما ~~حين يكون حصنا بالغا في المنعة، كما كان الواجب عند عمر بن الخطاب. # أرأيت هذا الرجل الصارم الحازم قاسيا قط إلا باسم واجب أو في سبيل واجب؟ كلا، وما نذكر ~~أننا سمعنا رواية واحدة من روايات شدته إلا لمحنا الواجب قائما إلى جانبها يزكيها ويسوغها. ~~ومن كانت القسوة طبعا فيه، فما هو بحاجة إلى واجب يغريه بالقسوة، بل هو في حاجة إلى واجبات ~~عدة تنهاه عنها وتغريه باجتنابها. # وليس قصاراه في هذا الخلق أنه غير قاس، أو أن الرحمة كانت تنفذ إلى قلبه كلما طرقته، ~~واتخذت سبيلها إليه، فإذا نصيبه من الرحمة قد كان أوفى جدا من ذاك، وكانت هذه الفضيلة من ~~فضائله الأصيلة فيه لا تكاد تفارقه في عامة حياته، حتى ليصح أن تضرب الأمثال برحمته كما ~~كانت تضرب الأمثال بعدله، وأن يقرن معه لقب العادل بلقب الرحيم. # وفي صدد الكلام عن الخليفة الإسلامي الكبير، قد يهمنا خلق الرحمة فيه خاصة؛ لأن شأنها في ~~التقريب بينه وبين الإسلام غير قليل. # فمن المحقق أن رقته للمسلمين وللدين الذي يدينون به، كانت مقرونة في أول ms024 الأمر برحمته ~~لامرأتين ضعيفتين رآهما في حالة من الشكوى تلين القلب، وتكف الغرب، # 12 # وتمسح جفوة العناد ~~والبغضاء. # قالت أم عبد الله بنت حنتمة: لما كنا نرحل مهاجرين إلى الحبشة أقبل عمر حتى وقف علي، ~~وكنا نلقى منه البلاء والأذى والغلظة علينا، فقال لي: إنه الانطلاق يا أم عبد الله، قلت: ~~نعم، والله لنخرجن في أرض الله، آذيتمونا وقهرتمونا، حتى يجعل الله لنا فرجا. فقال: صحبكم ~~الله، ورأيت منه رقة لم أرها قط. # وحديثه مع أخته فاطمة في سبب إسلامه مشهور متواتر في أوثق الروايات، فإنه ضربها حين علم ~~بإسلامها فأدمى وجهها، فأدركتها الثورة الخطابية التي فيها منها بعض ما فيه، وقالت وهي ~~غضبى: يا عدو الله! أتضربني على أن أوحد الله؟ قال غير متريث: نعم، فقالت: ما كنت فاعلا ~~فافعل، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، لقد أسلمنا على رغم أنفك. # ويذكر لنا رواة القصة التي اتفقت عليها روايات كثيرة، أنه ندم وخلى عن زوجها - بعد أن ~~صرعه وقعد على صدره - ثم انتحى ناحية من المنزل، وطلب الصحيفة التي كتبت فيها آيات القرآن، ~~وخرج من ثمة إلى حيث لقي النبي، فأعلن شهادة الإسلام على يديه. # وغير عسير علينا أن نرقب طوية عمر، ونرى كيف كانت تتمشى فيها الخوالج والخطرات، وهو يتحدث ~~إلى المرأتين: بنت حنتمة، وبنت الخطاب. # فهذا بطل مناضل يشحذه النضال إذا لقي أنداده من الأبطال، وأقرانه من الرجال: الإساءة ~~تتبعها الإساءة، والتحدي يعقبه التحدي، وكلما قوبل البطش بمثله تضرمت سورة الغضب، وثارت ~~نحيزة القتال، # 13 # ومضى العداء ~~شططا لا اعتدال فيه، ولا نكوص عنه، حتى ينكسر عدو من العدوين، فلا موضع هنا لرحمة، ولا ~~سبيل لها إلى ظهور. وتتمادى الشرة # 14 # على ذلك ~~شهورا وسنين، وكأن الرحمة لم تخلق في النفس، ولم يسمع لها في حنايا الصدور صوت. # أما المرأة الشاكية أو المرأة الدامية إذا واجهت ذلك البطل القوي، فما حاجته إلى قوته ~~ونضاله؟ وما أحرى تلك القوة أن تهدأ في مكانها كأنها ms025 هي الخليقة الخفية التي لم تخلق، وليس ~~لها صوت مسموع! وما أقربها إذن إلى أن تخجل من إيذائها، وتندم على قسوتها، وتثوب إلى التوبة ~~والخشوع، وهما من لباب الدين! # إن العرب يشتقون الرحمة من الرحم أو القرابة، وهو اشتقاق عميق المغزى يهدينا إلى نشأة ~~هذه الفضيلة الإنسانية العالية، ومودة عمر بن الخطاب لرحمه وذوي قرباه لا تنحصر دلائلها في ~~رحمته لأخته الشاكية الثائرة؛ فإن المرأة قد ترحم لضعفها في موقف شكواها ويأسها، ولو كانت ~~بعيدة الآصرة، منقطعة النسب. إنما يدل على مودته لذوي قرباه ذلك الحب الذي كان يضمره لأبيه ~~بعد موته، مع شدته عليه وغلظته في زجره وتأديبه، فكان يطيل الحديث عنه، وينقل أخباره، ويقسم ~~باسمه، وظل يقسم باسمه وهو كهل إلى أن نهي المسلمون عن القسم بأسماء من ماتوا على ~~الجاهلية. # وندر بين الناس من أحب إخوته، كما كان عمر يحب أخاه زيدا في حياته وبعد مماته، فما شاء ~~أحد أن يبكيه إلا ذكره له ففاضت شئونه، # 15 # وجعل بعد قتله يتأسى بمن أصيب مثل مصابه، ولا يرى أحدا فقد أخا له إلا التمس الأسوة ~~عنده. # حكى أحمد بن عمران العبدي عن أبيه عن جده قال: «صليت مع عمر بن الخطاب الصبح، فلما انفتل ~~من صلاته إذا هو برجل قصير أعور متنكبا قوسه، وبيده هراوة، فسأله: من هذا؟ فقيل: متمم بن ~~نويرة. فاستنشده رثاءه لأخيه، فأنشده حتى بلغ إلى قوله: # وكنا كندماني جذيمة حقبة # من الدهر حتى قيل لن يتصدعا # فلما تفرقنا كأني ومالكا # لطول افتراق لم نبت ليلة معا # فقال عمر: هذا والله التأبين، يرحم الله زيد بن الخطاب! إني لأحسب أني لو كنت أقدر على أن ~~أقول الشعر لبكيته كما بكيت أخاك. ثم سأله: ما أشد ما لقيت على أخيك من الحزن؟ فقال: كانت ~~عيني هذه قد ذهبت، فبكيت بالصحيحة، فأكثرت البكاء حتى أسعدتها العين الذاهبة وجرت بالدمع. ~~فقال عمر: إن هذا لحزن شديد، ما يحزن هكذا أحد على هالك. قال متمم: لو قتل أخي يوم ms026 ~~اليمامة كما قتل أخوك ما بكيت أبدا. فصبر عمر وتعزى عن أخيه وقال: ما عزاني أحد عنه ~~بأحسن مما عزيتني.» # هذا هو عمر من وراء النقاب. # فما كان أحوجه - رضي الله عنه - إلى ذلك النقاب! وما أقل الغرابة في ذلك النقاب من الشدة ~~والهيبة، حين ينفذ الناظر إلى ما وراءه، فيرى مكان الحاجة إليه! # وقد يرحم الرجل أهل الرحم والقرابة، ويجفو غيرهم من الناس، ولكن الرحمة الأصيلة في الطباع ~~تسوي في المودة ولا تفرق، وتخلق هي سبب الرحمة، ولا تنتظر حتى تفرضها عليها القرابة ~~بأسبابها، فكان عمر - كما روى «الحسن» - يذكر الصديق من أصدقائه بالليل فيقول: يا طولها من ~~ليلة! فإذا صلى الغداة غدا إليه، فإذا لقيه التزمه أو اعتنقه. # وكان بكاء طفل يزعجه ويقطع عليه صلاته وينغص عليه ليله. # قدمت رفقة من التجار فنزلوا المصلى، فاقترح على عبد الرحمن بن عوف أن يذهبا ليحرساهم من ~~السرق، ثم باتا يحرسان ويصليان، فسمع بكاء صبي، فتوجه نحوه وقال لأمه: اتقي الله وأحسني إلى ~~صبيك. ثم عاد إلى مكانه فسمع بكاءه، فرجع إلى أمه كرة أخرى، ثم سمع بكاءه آخر الليل فقال ~~لأمه: ويحك! إني لأراك أم سوء ما لي أرى ابنك لا يقر منذ الليلة؟ قالت: يا عبد الله قد ~~أبرمتني منذ الليلة، إني أربعه عن الفطام. # 16 # فسألها: ولم؟ فقالت: لأن عمر لا يفرض إلا للفطيم! فسألها: وكم له؟ فلما علم أنها فطمته دون ~~سن الفطام أمر مناديا فنادى: ألا تعجلوا صبيانكم عن الرضاع، فإنا نفرض لكل مولود في ~~الإسلام. # وقصته مع الصبية الجياع مشهورة، ولكنها تعاد لأنها أحق قصة بأن تعاد. # قال أسلم: «خرجنا مع عمر - رضي الله عنه - إلى حرة واقم، حتى إذا كنا بصرار # 17 # إذا نار ~~تؤرث، # 18 # فقال: يا أسلم إني أرى ها هنا ~~ركبانا قصر بهم الليل والبرد، انطلق بنا! # فخرجنا نهرول حتى دنونا منهم، فإذا بامرأة معها صبيان وقدر منصوبة على نار، وصبيانها ~~يتضاغون، # 19 # فقال عمر: السلام ~~عليكم يا أهل الضوء. وكره ms027 أن يقول: يا أصحاب النار. فأجابته امرأة: وعليكم السلام، فقال: ~~أأدنو؟ فقالت: ادن بخير أو دع. فدنا منها فقال: ما بالكم؟ قالت: قصر بنا الليل والبرد. ~~قال: وما بال هؤلاء الصبية يتضاغون؟ قالت: الجوع! قال: وأي شيء في هذه القدر؟ قالت: ماء ~~أسكتهم به حتى يناموا، والله بيننا وبين عمر! فقال: أي رحمك الله، وما يدري عمر بكم؟ فقالت: ~~يتولى أمرنا ثم يغفل عنا؟ فأقبل علي فقال: انطلق بنا. # فخرجنا نهرول حتى أتينا دار الدقيق، فأخرج عدلا # 20 # من دقيق وكبة # 21 # من شحم، وقال: احمله علي، قلت: أنا أحمله عنك. قال: أنت تحمل ~~وزري يوم القيامة؟! لا أم لك! # فحملته عليه، وانطلقت معه إليها نهرول، فألقى ذلك عندها، وأخرج من الدقيق شيئا فجعل يقول ~~لها: ذري علي وأنا أحر لك. # 22 # وجعل ينفخ تحت القدر، وكانت لحيته عظيمة، فرأيت الدخان يخرج من خلالها حتى طبخ لهم، ثم ~~أنزلها وأفرغ الحريرة في صحفة وهو يقول لها: أطعميهم وأنا أسطح لهم - أي أبرده - ولم يزل ~~حتى شبعوا وهي تقول له: جزاك الله خيرا، كنت بهذا الأمر أولى من أمير المؤمنين.» # وأمثال هذه القصة في سيرة عمر كثير، لا يقال إنها هي ومثيلاتها من الشعور بالتبعة وليست ~~من الرحمة؛ لأن العهد بالشعور بالتبعة أن يأتي من الرحمة، وليس العهد بالرحمة أن تأتي من ~~الشعور بالتبعة! # كذلك لا يقال إنه قد كان يطيع أمرا سماويا تحركت له نفسه، أو لم تتحرك، فإن النفس التي ~~تتحرك للأمر السماوي هي النفس التي فيها الخير، ولها رغبة فيه، وقلما تشفق من عقاب السماء، ~~إلا أن تشعر بأمل الظلم، ومبلغ استحقاقه للعقاب. # على أن عمر كان يرحم في أمور يحول فيها النفور الديني دون الرحمة عند كثيرين. # فمن ذلك أنه رأى شيخا ضريرا يسأل على باب، فلما علم أنه يهودي قال له: ما ألجأك إلى ما ~~أرى؟ قال: أسأل الجزية والحاجة والسن! فأخذ عمر بيده وذهب به إلى منزله، فأعطاه ما يكفيه ~~ساعتها، وأرسل إلى خازن بيت ms028 المال يقول: انظر هذا وضرباءه، # 23 # فوالله ما أنصفناه إن أكلنا شبيبته، ثم نخذله عند ~~الهرم، إنما الصدقات للفقراء والمساكين، والفقراء هم المسلمون، وهذا من المساكين من أهل ~~الكتاب ... ووضع عنه الجزية وعن ضربائه. # فهنا علمته الرحمة كيف يطيع الدين، ولن يطيع الدين هكذا إلا رحيم. # وقد فرض عمر لكل مولود لقيط مائة درهم من بيت المال كما فرض لكل مولود من زوجين، وهي رحمة ~~قد يحجبها النفور من الزنا وثمراته في نفوس أناس ينفرون فلا يرحمون. # بل كان يرحم كل مخلوق حي حتى البهيم الذي لا يبين بشكاية، فروى المسيب بن دارم أنه رآه ~~يضرب رجلا ويلاحقه بالزجر؛ لأنه يحمل جمله ما لا يطيق. # وكان يدخل يده في عقرة البعير الأدبر # 24 # ليداويه وهو يقول: إني لخائف أن أسأل ~~عما بك. ومن كلامه في هذا المعنى: لو مات جدي بطف # 25 # الفرات لخشيت أن يحاسب به الله عمر، وإنه لشعور بالتبعة ~~عظيم. # لكنه - كما أسلفنا - لن ينبت في قلب كل أمير عليه تبعة، إلا أن يكون به منبت للرحمة ~~عظيم. ~~••• # فنحن إذن بإزاء صفة كبيرة إلى جانب صفته الكبيرة؛ الرحمة إلى جانب العدل، وكلتاهما من ~~البروز والوثاقة وعمق القرار بمثابة العنوان الذي يدل على صاحبه، أو بمثابة العنصر الأصيل ~~الذي يلازمه ويلابسه، ولا يفارقه في جملة أعماله. # ومن خصائص عمر أنه كان على هذا الشأن في جميع صفاته المشهورة، خلافا للمعهود في الصفات ~~الغالبة بين الناس من المحامد كانت أو العيوب؛ إذ قلما يوسم إنسان بأكثر من صفة غالبة بهذه ~~المثابة من التأصل والبروز، فهو عادل أو رحيم أو غيور أو فطن أو وثيق الإيمان، ثم تطغى إحدى ~~هذه الصفات على سائرها، فلا تعطيها إلى جانبها مكانة رسوخ واستقرار. # وعلى غير هذا العهد كان عمر في جميع صفاته الكبيرة التي ذكرناها، فكانت كل صفة منها في ~~قوتها ورسوخها تكفي للغلبة على شخصية تتسم بها، ولا تذكر بغيرها، وإنه ليتصف بها فتأخذ من ~~سماته ومعالمه ما يخصصها به، ولو كانت ms029 من الصفات القومية الشائعة في أبناء جلدته جميعا، ~~فيخيل إليك أنها سمة مميزة له لم توجد في غيره. # فأحرار العرب كلهم غيور، ولكنك إذا قلت «العربي الغيور» فكأنما سميت عمر بن الخطاب؛ لأنه ~~طبع هذه الصفة القومية بطابعه الذي لا يشبهه فيه غيره، فكان الغيور بين الغيورين. # قال أكبر أصدقائه وأكبر العارفين به محمد - عليه السلام: «إن الله غيور يحب الغيور، ~~وإن عمر غيور.» # وتحدث إلى صحبه يوما وعمر فيهم فقال : «بينا أنا نائم رأيتني في الجنة، فإذا امرأة تتوضأ ~~إلى جانب قصر، فقلت: لمن هذا القصر؟ فقالوا: لعمر. فذكرت غيرته، فوليت مدبرا. فبكى عمر ~~وقال كالمعتذر: أعليك أغار يا رسول الله؟» # وكانت هذه الغيرة معروفة مخشية بين جميع من يعرفونه، ويسمعون بطباعه، والنساء من باب أولى ~~يعرفنها ويعهدنها ويتقينها، كما لم يتقينها قط من غيره. # استأذن على النبي يوما وعنده نساء من قريش، يكلمنه ويستكثرنه عالية أصواتهن، فلما استأذن ~~عمر قمن يبتدرن الحجاب. # فدخل والنبي يضحك. # قال عمر: أضحك الله سنك يا رسول الله. كأنه يسأله عن سبب ضحكه. فقال عليه السلام: عجبت من ~~هؤلاء اللاتي كن عندي لما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب. # قال عمر: فأنت يا رسول الله كنت أحق أن يهبن، ثم التفت إليهن يقول: أي عدوات أنفسهن، ~~أتهبنني ولا تهبن رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~؟ # قلن - ولا يخذل المرأة لسانها في هذا المقام: نعم، أنت أغلظ وأفظ من رسول الله! # وحسبك من غيرته أنه هو الذي أشار على النبي # صلى الله عليه وسلم # بحجاب أمهات المسلمين، وكان يرى ~~إحداهن في الظلام ذاهبة لبعض شأنها، فيقول لها: عرفتك يا فلانة! # ليريها أنها في حاجة إلى مزيد من التحجب. وقد ضجرت إحداهن منه لهذا فقالت له: وإنك علينا ~~يا بن الخطاب والوحي ينزل في بيوتنا؟ # على أن الغيرة في ابن الخطاب لم تكن غيرة مقصورة على المرأة وكفى، بل غيرته على المرأة ~~لم تكن إلا شطرا من غيرته على كل حرم وحوزة، فمن هذه الغيرة العامة سياسته ms030 العربية التي ~~كانت تصد الغرباء عن جزيرة العرب كأنها الحرم الموصد، ومنها غيرته على الزي العربي والشمائل ~~العربية، ومنها غيرته على العقيدة وحدود الشريعة، وغيرته على كل حق يحميه غيور. # والأحاديث عنه في هذه الخصلة تتعدد في معارض شتى، كما تعددت أحاديث عدله ورحمته، وكل صفة ~~بارزة فيه، فشأن هذه الصفات أن يظهرن أبدا حيث ظهر له قول أو عمل؛ لأنهن أصيلات مطبوعات ~~يختلطن بكل ما عمل وقال. # إلا أنك تقرؤها جميعا فتخرج منها بأثر واحد لا اختلاف فيه. # ذلك أن عمر كان يغار على حق، ولا يغار من أحد، ولا ينفس على ذي نعمة. # فإذا قيل لك إن عمر قد غار، فلن يخطر لك أن تسأل: ممن كانت غيرته؟ وإنما يخطر لك أن ~~تسأل في كل مرة: علام غار؟ ولأي شيء كان يغار؟ # فهو يغار على حق، أو يغار على عرض، أو يغار على دين، أو يغار على صديق أو صاحب حرمة، ولا ~~يغار من هذا أو ذاك لنعمة أصابها هذا أو ذاك. # إنما كان يغار على شيء يحميه، ويعلم من نفسه القدرة على حمايته، فهي غيرة من يريد الحماية ~~لغيره، ولا يريد انتزاع الخير لنفسه أو غلبة إنسان على حظه. # رجل قوي، جياش الطبع، شديد الشكيمة، مؤمن بالحق وحرماته، قادر على تقويم من يحيد عنها ~~ويجترئ عليها. فإن لم يكن هذا غيورا فمن يكون الغيور؟ # وقل في ذكائه وفطنته وألمعية ذهنه ما تقول فيما اشتهر به من صفات العدل والرحمة والغيرة، ~~وإن كانت هذه الصفة أحوج منهن إلى الشرح والتحليل. # فبعض المستشرقين الذين أثنوا عليه قد عرضوا لأمر تفكيره، فوصفوه بأنه محدود التفكير، أو ~~أنه يأخذ الأمور بمقياس واحد. # ونحن لا نقول إن عمر - رضي الله عنه - خلق بذهن عالم بحاثة منقطع للكشف والتنقيب، ولا ~~أنه خلق بذهن فيلسوف مطبوع على التجريد والذهاب بالفكر في مناحي الظنون والفروض، ولا أنه ~~خلق بذهن منطيق يدور بين الأقيسة والاحتمالات مدار الترجيح والتخمين؛ فالواقع أنه لم يكن ~~كذلك ولا يعيبه ألا ms031 يكونه، وأنه كان معنيا بالعمل قبل عنايته بالنظر أو الفرض والتقدير، ~~ولكن الفرق بعيد بين هذا وبين الفكر المحدود، والنظر الذي يقيس الأمور بقياس واحد. # فعمر كانت له فطنة الرجل العليم بنقائض الأخلاق، وخبايا النفوس، ولم يحكم عليها قط كأنه ~~ينظر إليها من جانب واحد، أو يطبعها في تفكيره بطابع واحد، بل علم الدنيا وعلم كيف يتقلب ~~الإنسان، وراح في علمه هذا يراقب الناس مراقبة الجذور، ويقيم عليهم الأرصاد إقامة الرجل ~~الذي لا يفوته أن ينتظر منهم ما ينتظر من خير وشر، وقوة وضعف، وصلاح وفساد. # وكفى من كلماته الدالة عليه أن نذكر أنه كان يحب أن يعرف الشر كما يعرف الخير؛ لأن «الذي ~~لا يعرف الشر أحرى أنه يقع فيه»، وأنه كان يحب أن يعرف الأعذار كما يعرف الذنوب، حيث يقول: ~~«أعقل الناس أعذرهم للناس»، وأنه هو القائل: «احترسوا من الناس بسوء الظن»، وهو القائل مع ~~ذاك: «أظهروا لنا أحسن أخلاقكم، والله أعلم بالسرائر» ... يوفق في هذين القولين بين سهر ~~الحاكم الذي لا ينبغي أن تخفى عليه خافية، وبين عدل القاضي الذي لا ينبغي أن يحكم بغير بينة ~~ظاهرة. # بل لو كان عمر بن الخطاب محدود التفكير، ينظر إلى الأمور من جانب واحد، لما كثرت مشاورته ~~للكبار والصغار والرجال والنساء، مشاورة من يعلم أن جوانب الآراء تتعدد، وأن للأمور ~~وجوها لا تنحصر في الوجه الذي يراه، وكثيرا ما قال: «أخوف ما أخاف عليكم إعجاب المرء ~~برأيه.» وليس استطلاع الآراء ولا الخوف من الإعجاب بالرأي شيمة رجل محصور التفكير، ضيق ~~المنافذ إلى الحقيقة. # وقد عاشره أناس من الدهاة فخبروه وحذروه، وقال المغيرة بن شعبة لعمرو بن العاص: «أأنت كنت ~~تفعل أو توهم عمر شيئا فيلقنه عنك؟! والله ما رأيت عمر مستخليا بأحد إلا رحمته كائنا من ~~كان ذلك الرجل. كان عمر والله أعقل من أن يخدع وأفضل من أن يخدع.» # إنما كان عمر كما وصف نفسه «ليس بالخب ولكن الخب # 26 # لا يخدعه»، وهذا هو الحد الفاصل أحسن الفصل بين ms032 الدهاء ~~المحمود، والدهاء المذموم، أو بين الفهم الصحيح والخبث القبيح. فهناك فطنة تسيء الظن؛ لأنها ~~تعرف الشرور التي في طبائع الناس، وفطنة تسيء الظن؛ لأنها تشعر شعور السوء، والفرق بينهما ~~عظيم، كالفرق بين الخير والشر والمحمدة والمذمة. فالفطنة الأولى معرفة حسنة، والفطنة ~~الثانية خلق رديء، وإنما كان عمر بالفطنة الأولى معصوما من أن يخدع غيره، أو ينخدع لغيره، ~~وهذا هو الحد القوام الذي لا نقص فيه من جانبيه. # وكانت له في استيحاء الخفايا قدرة تقرب من مكاشفة الغيب، لولا أنها تستند إلى التقدير ~~الصحيح، والظن المدعوم بالخبرة، وحكاية واحدة من هذا القبيل تغني عن حكايات، وهي حكايته مع ~~المغيرة الذي استكثر على عمرو بن العاص أن يوحي إلى عمر بمراده ويتداهى عليه. # فقد هم عمر - رضي الله عنه - بأن يعزل المغيرة عن العراق، ويولي جبير بن مطعم مكانه، ~~وأوصى جبيرا أن يكتم ذلك ويتجهز للسفر، فأحس المغيرة، وسأل جليسا له أن يدس امرأته، وهي ~~مشهورة بلقط الأخبار حتى سميت «لقاطة الحصى»، لتستطلع النبأ من بيت جبير، وذهبت إلى بيته، ~~فإذا امرأته تصلح أمره فسألتها: إلى أين يخرج زوجك؟ قالت: إلى العمرة! قالت لقاطة الحصى: بل ~~كتمك، ولو كانت لك عنده منزلة لأطلعك على أمره! فجلست امرأة جبير متغضبة ودخل عليها وهي ~~كذلك، فلم تزل حتى أخبرها وأخبرت لقاطة الحصى. وذهب المغيرة إلى عمر ففاتحه بما علم، وهو ~~يقول له: بارك الله لأمير المؤمنين في رأيه وتوليته جبيرا! فلم يعجب عمر من وقوفه على ~~السر، بل قال: كأني بك يا مغيرة قد فعلت كيت وكيت، كأنما سمع رأي ... وأنشدك الله هل كان ~~كذلك؟ قال المغيرة: اللهم نعم. ثم صعد عمر إلى المنبر ونادى في الناس: أيها الناس، من يدلني ~~على المخلط المزيل # 27 # النسيج وحده؟ فقام المغيرة فقال: ما يعرف ذلك في أمتك أحد ~~غيرك؟ فأبقاه على ولايته ولم يزل واليه على العراق حتى مات. # وإنما كانت مجاراته للداهية من هذا القبيل إعجابا بحصافته لا انخداعا بمكره، وقد يتغابى ~~ويعمل ما ms033 يريده المتداهي عليه؛ لأنه أدرك مرمى كلامه، وفهم ما فيه من صواب، كما صنع مع عمرو ~~بن العاص في خطبة أم كلثوم بنت علي - رضي الله عنهما - وسيأتي الكلام عنها في فصل ~~تال. # على أن القدرة الذهنية التي امتاز بها عمر في غنى عن الاستدلال عليها بما قال وما قيل ~~فيه، وما دار بينه وبين بعض القوم من المساجلات والمحاورات، إنه عمل لم يعمله إلا القليل من ~~أقدر الحكام في تاريخ بني الإنسان ، وكفى بذلك دليلا على قدرته الذهنية لا حاجة بعده إلى ~~دليل. ساس شعوبا بينها من الاختلاف مثل ما بين العرب والفرس، وبين الفرس والقبط والسوريين، ~~ونصب ولاة، وانتدب قوادا، وسير بعوثا، وأشرف على ميادين قتال، وأقام نظما في الحكومة، ~~وراقب رعاة ورعية فيما يعلنون وما يبطنون، ونجح في كل ما عمل نجاحا منقطع النظير، غير ~~مردود إلى المصادفة ولا إلى ارتجال المغامرين، وليس هذا كله مما يضطلع به رجل محدود الفكر، ~~ضيق الأفق، قليل الخبرة بالجماعات والأفراد. فإذا استوفى هذا الحظ الوافي من القدرة ~~الذهنية، فذلك حسبه منها وحسب كل من تصدى لمثل عمله، ونهض بمثل وقره، # 28 # ولا عليه بعد ذلك أنه لم يفكر على نمط الفلاسفة، ~~وأقطاب العلم، وأساطين المنطق والرياضة، فإن الدنيا لم تخرج لنا عمر ليزيدنا أفلاطون آخر أو ~~إقليدس ثانيا أو «فاراداي» سابقا في الزمن القديم، بل أخرجته للناس ليكون مؤسس عهد ~~ومحول تاريخ. فإذا تأدى به عقله إلى تلك الغاية، فهو العقل الصائب، يفكر على النحو الذي ~~خلق له ويبلغ القصد الذي رمى إليه. وعلينا نحن أن نعرف كيف كان تفكيره وأن نسلكه بين قرنائه ~~وأنداده. # إنما طرأت شبهة العقل المحدود على المستشرقين الذين ظنوا به هذا الظن من ناحية واحدة، وهي ~~ناحية العدل الذي لا يلتفت ذات اليمين وذات الشمال، والقضاء الذي يكيل الجزاء دقة بدقة، ولا ~~يبالي بالنقائض والمفارقات. # ونظروا إلى جملة آرائه في المسائل الجلى فإذا هي من الآراء التي يغلب عليها القطع ~~والجزم والانطلاق إلى غرض ماثل، ms034 لا تنحرف عنه قيد شعرة، كأنه قد جهل ما في الدنيا من نقائض ~~وخفايا ومن عوج وتعريج، أو كأنه السهم الثاقب ينفذ فيما أمامه إلى هدفه المحدود، ولا يلتفت ~~إلى شيء في نفاذه، أو يعوقه عائق دونه. # فخطر لهم أن فطنته إنما كانت فطنة فراسة فطرية، كالغريزة التي تهتدي على استقامة واحدة، ~~ولكنها لا تنحرف ولا تتصرف ولا تخالف ما جبلت عليه، وأنها فطنة العقل المحدود والبصر الموكل ~~بجانب واحد ينفذ فيه، ولا يحيط به أو يتشعب في نواحيه. والفكر المحدود هنا هو فكر أولئك ~~المستشرقين، لا فكر عمر بن الخطاب. # فالرجل الذي يستقيم على وجه واحد، لا يحيد عنه، هو واحد من رجلين: فإما رجل يستقيم على ~~هذا الوجه؛ لأنه لا يرى غيره، ولا يحيط بما حوله. # وإما رجل يستقيم على هذا الوجه؛ لأنه قادر على اختراق العقبات، عالم أنها تنثني إليه حيث ~~كان دون أن ينثني إليها حيث كانت. # واستقامة عمر بن الخطاب على وجهه من هذا القبيل، وليست من ذلك القبيل؛ هي استقامة قدرة، ~~وليست باستقامة عجز، وهي استقامة تصرف سريع، وليست باستقامة محجور مقيد، يأبى أن يدور؛ لأنه ~~قد أعياه أن يدور. # هي استقامة حياة غلابة، وليست باستقامة أداة كالموازين تسوي بين التبر والتراب؛ لأنها لا ~~تميز بين التبر والتراب. # فالرجل الذي يجتنب التصرف في العدل عجزا عن الفهم والتزاما للحرف المكتوب، ونزولا إلى ~~مرتبة الموازين التي لا تعي ولا تغضب ولا تغار، إنما هو آلة فقيرة في مادة الحياة. # أما الذي يجتنب التصرف في العدل غيرة على الضعيف، وقدرة على القوي، وعلما بالتبعة، ~~واضطلاعا بجرائرها، فذلك حي غني بالحياة، يعدل لفرط السليقة الإنسانية، والقدرة الحيوية، ~~ولا يعدل لأنه آلة تشبه الميزان الذي لا حس فيه. # وشتان بين هذا وذاك، إنهما لنقيضان، وإن كانا في ظاهر الأمر شبيهين متقاربين. # والاعتماد على الأمثلة الخاصة، أولى بنا في هذا المعرض من الاعتماد على القواعد العامة ~~والتقريرات النظرية. # فهذه أمثلة ثلاثة من أمثلة العدل الذي يبدو لأول وهلة، كأنه ms035 عدل الموازين الآلية حين تسوي ~~بين الأوزان، وإن اختلفت القيم والأقدار، وتفصل في الأنصباء بغير نظر إلى فوارق الدنيا، ~~ومقتضيات السياسة، وتبدل الأحوال، ونختارها من أجهر الأمثلة وأدناها إلى تأييد شبهات ~~المستشرقين فيما زعموه من العقل المحدود؛ لنرى على قدر ضخامة هذه الأمثلة ضخامة الخطأ في ~~استخراج ما تدل عليه. # كان عمرو بن العاص واليا لمصر وكان ابنه يجري الخيل في ميدان السباق، فنازعه بعض ~~المصريين السبق، واختلفا بينهما لمن يكون الفرس السابق، وغضب ابن الوالي فضرب المصري وهو ~~يقول: أنا ابن الأكرمين! فاستدعى عمر الوالي وابنه حين رفع إليه المصري أمره، ونادى ~~بالمصري في جمع من الناس أن يضرب خصمه قائلا له: «اضرب ابن الأكرمين!»، ثم أمره أن يضرب ~~الوالي؛ لأن ابنه لم يجرؤ على ضرب الناس إلا بسلطانه، وصاح بالوالي مغضبا: «بم استعبدتم ~~الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟» فما نجا من يده إلا برضا من صاحب الشكوى واعتذار ~~مقبول. # وكان خالد بن الوليد أشهر قادة الإسلام في زمانه، فأحصى عليه عمر بعض المآخذ، ومنها ~~إنفاقه من بيت المال في غير ما يرضاه، فأمر به أن يحاكم في مجلس عام، كما يحاكم أصغر الجند، ~~وعزله بعد مقاسمته فيما يملك من نقد ومتاع. # وكان جبلة بن الأيهم أميرا نصرانيا، فأسلم وأسلمت معه طائفة من قومه، ثم وطئ أعرابي ~~إزاره فلطمه جبلة على ملأ من حجاج بيت الله؛ فقضى عمر للأعرابي أن يلطم الأمير على ذلك ~~الملأ؛ لأن الإسلام لا يفرق بين سوقة وأمير. # هذه أمثلة العدل الذي لا يتصرف، ولا يلتفت إلى الدنيا وما فيها من فوارق وتعريجات، تتأبى ~~على القصاص المستقيم، وهي من أقوى الشبهات على النظر المحدود في تقدير الجزاء بالحرف ~~المكتوب، دون التفات إلى الأحوال والمقتضيات. # فهل هي في الواقع كذلك؟ وهل كان على عمر أن «يتصرف» في هذه الأقضية بلباقة الساسة الدهاة ~~في جميع الأزمان، إذ يحتالون على حرف الشريعة ويدورون حول حدود القانون؟ # نعم، كان عليه ذلك لو عجز عن سنة المساواة، واحتاج إلى الحيلة، ms036 فإنما يعاب على الوالي عدل ~~الموازين، ويحمد منه التصرف والدوران؛ لأن المساواة تعييه، أو لأن المساواة تعرضه لعاقبة ~~شر، وأظلم من الإجحاف، فإذا نظر إلى عاقبة المساواة في المعاملة، فرآها شرا وأظلم من ~~عاقبة التفرقة والتمييز؛ فقد وجب عليه إذن أن يدور حول الحقيقة، وألا يواجهها نصا بغير ~~انحراف. # ولكن أين هذا من عمر، وأين عمر من هذا؟ إنه كان قويا قادرا على العواقب، وكان شديد ~~الألم من ظلم الظالم شديد الخجل من خذلان المظلوم، وكان وثيق الإيمان بنصر الله في الحق وفي ~~النجدة؛ فلماذا ينحرف؟ ولماذا يتصرف؟ ولماذا يدور؟ # كان قويا بطبعه، قويا بإيمانه فلماذا يهاب قويا جار على ضعيف؟ ولماذا يروغ من صرامة ~~القاضي إلى دهاء السياسي الذي يدور حول الحقوق والحدود؟ # للمستشرقين المتحدثين بالتفكير المحدود أن يأخذوا عليه تشهيره بكبار الولاة، ويثبتوا به ~~كل ما قالوه عن ذلك التفكير المحدود الذي ينسى الفوارق، ولا يحتال على المحظورات، ولكن بشرط ~~واحد. # ذلك الشرط هو أن يتوقعوا - ولو من بعيد - أن يثور ابن العاص ونظراؤه على هذا القصاص، ~~فيختل حكم الدولة، وينتشر الأمر على الخليفة، ويقع من المحظور أضعاف ما كان واقعا لو بطلت ~~المساواة بين السوقة والولاة. # أما أن يكون ابن العاص ونظراؤه لا يثورون، ويعلمون من هو عمر وما هي عقباهم إذا ثاروا ~~عليه. # وأما أن يكون عمر لا يخشى تلك الثورة، ولا يعيا بها إذا هي فاجأته، أو جاءته على غير ~~انتظار. # وأما أن يكون الأمر في ضميره، وفي ضمائرهم يجري على البديهة التي لا خفاء بها ولا شك ~~فيها؛ فكيف يقال إذن إن تفكير عمر في قصاص الولاة كبارا وصغارا تفكير محدود؟ وأين هو في ~~هذه الحالة موضع التفكير المحدود؟ # إنه في موضع واحد، وهو - كما أسلفنا - موضع الناقد الذي يصف عمر بغير وصفه؛ لأنه هو محدود ~~الفكر في قياس الرجال بمقياس واحد، أو في اعتقاده أن الخطوب تبقى كما هي، ولا تتغير كلما ~~تغيرت عليها أيدي الرجال. # لقد كان عمرو بن العاص خطرا على ms037 الخليفة الذي يغض منه لو كان غير عمر، ولكنه هو والذين ~~كانوا أجرأ منه على الفتن وأسرع منه إلى الغضب، لم يكن لهم من خطر إذا كان عمر هو الذي ~~أمر بالعزل، وهو الذي قضى بالقصاص. # فأجرأ منه - ولا ريب - كان خالد بن الوليد، وأشهر منه بين سيوف الإسلام لو عمد إلى السيف، ~~ومع هذا نقم خالد عزله فخطب الناس ومضى يقول: «إن أمير المؤمنين استعملني على الشام حتى ~~إذا كانت بثنية - أي حنطة - وعسلا عزلني، وآثر بها غيري.» فما أتمها حتى نهض له رجل ~~من السامعين فقال له: صبرا أيها الأمير، فإنها الفتنة. فما تردد خالد أن قال: أما وابن ~~الخطاب حي فلا. # نعم، لا فتنة وابن الخطاب حي، ولو كان الغاضب خالدا الغضوب، ومن هنا حق له أن يشكو ~~ولا جناح عليه. # وأطرف من هذا في هيبة عمر بين ولاته وقواده أنه كتب إلى أبي عبيدة يأمره أن يقاسم خالدا ~~ماله نصفين، فقاسمه جميع ماله حتى بقيت نعلاه، فقال أبو عبيدة: إن هذا لا يصلح إلا بهذا، ~~فأبى خالد أن يخالف أمر عمر، وأعطاه إحداهما وأخذ الأخرى. # لقد نظرنا إلى عمر مستقيما، ولم ننظر إلى الخطوب، ولو نظرنا إليها لرأينا أنها انثنت ~~لتنقاد له، وتتقي مصادمته وتستقيم على منهاجه، فعلمنا لم استقام دون أن يقدح ذلك في صدق ~~نظره إلى الدنيا، وصدق فراسته في خلائق الناس. # وندع قضايا الولاة، وننظر في قضية الأمير الذي ارتد عن الإسلام هو وقومه؛ لأن عمر أجبره ~~على قصاص المساواة بينه وبين رجل من السوقة. فماذا كان ينبغي أن يفعل عمر غير ما فعل من ~~المساواة الصادقة بين الأمير الضارب وخصمه المضروب؟ # لعل داهية من دهاة السياسة الذين يصفون أنفسهم بالنظر البعيد كان يؤثر إرضاء الأمير، ~~واستبقاء أتباعه في الإسلام، والاحتيال على الشاكي بما يواسيه ويغنيه عن أن يسوي بين ~~الخصمين، ويمكن لضعيف من ضرب أمير اعتدى عليه. # فهل معنى ذلك أن عمر كان يعوزه دهاء أولئك الساسة، وما عندهم من بعد نظر ms038 مزعوم؟ # كلا، بل معناه أن أولئك الساسة يعوزهم السخط على الظلم، والغيرة على الحق، واليقين ~~بالقدرة، والإيمان بمناعة الإسلام أن يصيبه غضب أمير صابئ بما يضيره، ولو كثر أتباعه ~~والصابئون في ركابه. # معناه أنهم احتاجوا إلى التصرف، وعمر لم يحتج إليه. # وها هي ذي السنون قد مضت، وتلتها الأحقاب والقرون، فبدا لنا اليوم أن النظر البعيد ~~والعدل الشديد في هذه القضية يلتقيان، وأن عمر كان أحسن المتصرفين فيها؛ لأنه اجتنب ~~التصرف الذي يهواه الدهاة ؛ فقد أفاد الإسلام ما لم يفده بقاء جبلة وأتباعه على دينه، ~~ووقاه ضررا أضخم وأوخم من نكوص أولئك الصابئين عنه. أفاده ثقة أهله بإقامة أحكامه، ~~واطمئنان الضعفاء إلى كنفه، ورهبة الأقوياء من بأسه، وسمعته في الدنيا برعاية الحق، وإنجاز ~~الوعد، وتصديق معنى الدين، ولا معنى له إن كان أضعف بأسا من أمير وجب العقاب عليه. # ويجوز أن الفاروق لم ينظر إلى عواقب القرون، كما ننظر إليها الآن، بعد أن برزت من ~~حيز الفرض إلى حيز العيان. غير أن الأمر الذي لا يجوز في اعتقادنا أنه عدل في قضية ~~جبلة ونظائرها عدل آلة أو عدل ميزان. إن الميزان لأقل من مخلوق له حياة، أما الفاروق في ~~هذه القضية فقد كان أكبر من الحياة الفانية، كان بطلا يؤمن ويعمل بإيمانه، وهكذا يعلو ~~الإنسان ببطولة الإيمان. # والعبرة التي نخرج بها من هذا أن النظرة الأولى في أخلاق عمر بن الخطاب حسنة، ولكن ~~النظرة الثانية هي على الأغلب الأعم أحسن من الأولى! # فالناقدون الأوروبيون الذين فسروا عدله المستقيم القاطع بالنظر الضيق والفكر المحدود ~~لم يفهموه ولم ينصفوه، ولو فهموه وأنصفوه لعلموا أن عدله المستقيم القاطع زيادة في ~~القدرة، وليس بنقص في الفطنة، أو أنه زيادة في قوة الثقة، وقوة الإيمان، وليس بنقص في العلم ~~والبداهة، ولم يكن عسيرا عليهم أن يفقهوا ذلك لو راجعوا أنفسهم وتريثوا في حكمهم؛ لأن ~~قوة الثقة وقوة الإيمان لا تخفيان في خلق من أخلاقه، ولا عمل من أعماله، ولا تزالان ~~ممزوجتين فيه بكل إقدام وبكل ms039 إحجام، فكان يقدم على أعظم الخطوب، ويحجم عن أهون الهينات ~~تحرجا منها وتنزها عنها، إذا اقتضى ذلك وازع من قوة الإيمان. # فلم يكن يمضي قدما لأنه يغفل عما حوله من النواتئ والمنعرجات والسدود، بل كان يمضي بينها ~~قدما لأنه لا يباليها، ويؤمن أصدق الإيمان أنها تنثني له إذا مضى فيها، فلا حاجة به أن ~~ينثني إليها. # إنه ليعلم العوج، ولكنه يعلم أنه أقدر منه؛ لأنه يؤمن بحقه إيمان القوي الوثيق، فله من ~~قوته ومن إيمانه قدرتان. # إنه ليرفع العبء إلى كاهله، وهو قائم لا يطأطئ للنهوض به، فليس الفارق بينه وبين غيره أنه ~~يجهل العبء الذي يعرفونه، أو ينسى العواقب التي يذكرونها، أو يتحلل من المصاعب التي يتحرجون ~~منها، كلا، إنما الفرق بينه وبينهم أنهم ينثنون للخطوب، وأن الخطوب هي التي تنثني ~~إليه. # هذه القوة في إيمانه كانت هي المسيطر الأكبر على كل خلق من أخلاقه، وكل رأي من آرائه، ~~بل كانت هي المسيطر الأكبر على ما هو أصعب مقادا من الأخلاق والآراء، وأشد ~~عراما # 29 # من العقائد ~~والشبهات، وهي دوافع الطبع وسورات الغريزة، وقلما خلا منها طبع قوي عزوف غيور. # فالأفكار والأخلاق جانبان من جوانب النفس الإنسانية، قابلان للضوابط والقيود، ولكن ما ~~القول في الدوافع والسورات؟! # مثل الفكر كمثل السفينة الطافية على وجه النهر، لها شراع، ولها سكان، وعليهما معا ~~رقيب من النواتية # 30 # والربان. # 31 # ومثل الخلق كمثل النهر المتدفع، تحبسه الشواطئ والقناطر، ويفيض في موعد، ويعرف له مجرى، ~~ويحسب له مقدار. # ولكن، ما القول في السيل العرم؟ # ما القول في السورة الجامحة التي ليست بفكر يسوس ويساس، ولا بخلق متميز بسماته وخصائصه ~~ومراميه؟! # هنا تبدو لنا قوة الضوابط والقيود، وهنا أيضا كانت ضوابط الإيمان القوي في نفس عمر كأقوى ~~ما تكون. # ولا أحسب أن قلبه الكبير جمحت به في الجاهلية أو الإسلام سورة أكبر من سورته يوم ~~نعي النبي إلى المسلمين، فأنكر أن ينعى، وأبى أن يسمع صوتا بين المسلمين يزعم أن ~~محمدا قد مات، وصاح والناس ms040 في رهبة منه كرهبتهم من شبح الموت المخيم يومئذ على الرءوس: ~~«والله إني لأرجو أن تقطع أيدي رجال وأرجلهم يزعمون أنه قد مات.» # ثم أقبل أبو بكر من مسكنه على فرسه، فنزل فتمشى وئيدا صامتا لا يكلم أحدا، وتيمم النبي ~~وهو مغشى بالثوب، فكشف عن وجهه ثم أكب عليه وقبله، وبكى. # ثم أحس صولة عمر وهو يكلم الناس، فخرج إليهم فقال: اجلس يا عمر. وأقبل على المسلمين ~~يكلمهم بكلام السماء: «أما بعد، فمن كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، # وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ~~أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب ~~على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله ~~الشاكرين ~~.» فأهوى عمر إلى الأرض وأناب. # وكأنه والمسلمين معه ما علموا أن أنزلت هذه الآية حتى تلاها عليهم أبو بكر تلك ~~الساعة. # يا لروعة الشلال الزاخر! # ويا لروعة السابح القاهر الذي لوى به ليا، كأنما قبض منه على عرف، وأخذ له ~~بعنان! # أكبر ميدان من ميادين الدنيا لا يرينا صراعا عاتيا هو أولى بالروعة من نفس عمر وهي ~~متراوحة بين شعوره الزاخر، وإيمانه الوثيق. # لحظة هائلة من أهول ما تحس النفوس، ثم انهزام كأسرع ما يكون الانهزام، وانتصار كأسرع ما ~~يكون الانتصار، وغاشية تنجلي عن صاحب تلك النفس، وهو مالك لزمامه، ماض بشعوره إلى حيث يمضي ~~به إيمانه، فهما قوتان غالبتان، وليستا بعد بالعسكرين المتغالبين. # لقد كانت تلك سورته الكبرى، ولكنها لم تكن أولى سوراته ولا آخرتها. # فقد عهدت هذه السورات في طبعه، حتى عرف من عهدوها كيف يسوسونها ويتقونها، وأوشكت أن تحسب ~~في عداد الأنهار المحكومة، لا في عداد السيول الجارفة، انطلقت من عقالها. # ذهب إليه بلال مستأذنا، فقال له الخادم إنه نائم، فسأله: كيف تجدون عمر؟ قال: خير الناس ~~إلا أنه إذا غضب فهو أمر عظيم. قال بلال: لو كنت عنده إذا غضب قرأت عليه القرآن حتى يذهب ~~غضبه. # فهو الإيمان ضابط كل شيء في تلك النفس، حتى السورات التي ليس لها ms041 ضابط في النفوس. # أو قل إنها هي النفس القوية في دفعاتها، وفي ضوابطها على السواء. # ورب نفس من ضعف الدفعة بحيث يقمعها أهون ضابط يسيطر عليها، فأما الدفعة التي لا يقف في ~~طريقها إلا ضابط أقوى منها؛ فتلك هي الطبيعة الحيوية المضاعفة، وليست هي الضعف الذي يتراجع ~~لأهون مراجعة. # نذكر هذا وينبغي أن نذكره ولا ننساه؛ لأن الفرق بين الإيمان الذي يكبح الهزيل المنزوف ~~الحياة، وبين الإيمان الذي يكبح القوي الجياش فرق عظيم. # ولم يكن عمر معرضا عن زخارف الحياة لهزال كان في دواعي الحياة فيه، وإنما كان معرضا ~~عنها لأنه كان قادرا على الإعراض غير ممتحن به في إرادة ولا عزيمة. # وكان معرضا عنها لأنه صاحب حيوية غير الحيوية الجسدية الموكلة بالسرور والمتاع. # فمن الواجب إذا ذكرنا الحيوية وضعفها وقوتها، أن نذكر أبدا أنها حيويات متعددة وليست ~~بحيوية واحدة. # حيوية الروح، وحيوية الخلق، وحيوية الذوق، وحيوية العقل، وحيوية الجسد، وغير ذلك كثير مما ~~يتداخل بين هذه الحيويات. # فليس من الضروري إذا رأيت رجلا قليل الاشتهاء لمتعة الأجساد أن تحكم عليه بضعف الحيوية، ~~فربما كانت له حيوية أخرى تملأ ألوفا من النفوس، لا تجد متاعها في أكلة أو شهوة، وتجد ~~المتاع في إحقاق الحق، وزجر الطغيان، وإقامة العدل والشريعة بين الناس. # وهكذا كانت حيوية عمر فيما يريده، وفيما يزهد فيه. # لم تكن قلة الرغبة في زخارف الدنيا هي مقياس حيويته العظمى، وإنما كان مقياس تلك الحيوية ~~عظم الرغبة في الإصلاح والتقويم، وفي إجراء ما ينبغي أن يجري، غير مبال ما يكلفه ذلك من ~~جهد تتضاءل دونه جهود الألوف من الموكلين بمتاع الأجساد. ~~••• # تلك صورة مجملة للصفات الخلقية الكبيرة التي كانت غالبة على نفس عمر بن الخطاب، وهي العدل ~~والرحمة والغيرة والفطنة والإيمان. # وأول ما يلاحظ عليها تعدد الصفات الغالبة في نفس واحدة، وصفة واحدة منها قد تغلب على ~~النفس - وليست بصغيرة - فتنعتها بنعتها وتستأثر بتمييزها والدلالة عليها. # ثم يلاحظ عليها أن الصفة منها تتصل بعمر بن الخطاب، فتأخذ منه وتصطبغ ms042 بصبغته، حتى ~~كأنها لم تعهد في غيره على شيوعها وكثرة الموسومين بسماتها. # إلا أن هذا وذاك ليس بأعجب الملاحظات، ولا أندرها في هذا السياق، وإنما العجب العاجب ~~حقا هذا التركيب الذي ندر مثيله جدا بين خصائص النفوس، كائنا ما كان نصيب صاحبها من ~~العظمة والامتياز. # وأحرى بنا أن نقول «هذه التركيبة»، ولا نقول «هذا التركيب»؛ لأن صفاته الكبيرة تتركب كما ~~تتركب أجزاء الدواء الذي ينفع لغرض واحد مفهوم، والذي ينقص جزء منه، فينقص نفعه كله، ويدخله ~~التناقض والاختلاط. # إذا نظرت إلى تلك الصفات أجزاء متفرقات، فهي سهلة بسيطة، ليس فيها شيء عويص، أو ~~مكتنف بغموض. # ولكنك تنظر إليها مركبة متناسقة، فيبدو لك منها جانب الدهشة والإعجاز، أو جانب الندرة ~~التي يعز تكرارها في طبائع النفوس؛ لأنها تتركب لاستيفاء الغرض منها جميعا، واستيفاء الغرض ~~في كل منها على حدة، وهذا هو النادر جد الندرة في تركيب الأخلاق. # ما العدل مثلا بغير الرحمة التي تمزجه بالإحسان؟! وما العدل والرحمة معا بغير الحماسة ~~الروحية، والغيرة اليقظى التي تجعل كراهة المرء للظلم كأنها كراهة الضرر الذي يصيبه في نفسه ~~وآله، وتجعل حبه للعدل كأنه حب هواه، وقبلة مناه؟! وما العدل والرحمة والغيرة جميعا بغير ~~فطنة تضع الأمور في مواضعها، وتعصم المرء أن ينخدع لمن لا يستحق، ويغفل عمن يستحق وهو حسن ~~القصد غير متهم الضمير؟! وما العدل والرحمة والغيرة والفطنة بغير الإيمان الذي هو الرقيب ~~الأعلى فوق كل رقيب، والوازع الأخير بعد كل وازع، والمرجع الذي لا مرجع بعده لطالب ~~الإنصاف؟! # كل صفة تتمة لجميع الصفات. # وكل الصفات روافد لغرض واحد، يتم به نصر الحق وخذلان الباطل. # وكل خليقة فهي جزء لا ينفصل من هذه «التركيبة» التي اتفقت أحسن اتفاق، وأنفع اتفاق، ~~وكأنما اتفقت لتصبح كل خليقة منها على أتم قدرتها في بلوغ كمالها، وتحقيق غايتها. # فلا نقص في العدل كالنقص في كل عدل يعمى عن الطبيعة البشرية، ويذهل عن ضعف ~~الإنسان. # ولا نقص في الغيرة كالنقص في كل غيرة ظالمة قاسية كأنها ضراوة ms043 وحش، وليست بحماسة ~~روح. # ولا نقص في أولئك كله كالنقص في جميع الصفات بغير الفطنة التي تخرج بها من ظلام إلى نور، ~~وبغير الإيمان الذي يقف منها موقف الحارس الساهر والرقيب الأمين. # صفات متراكبة كأنها صفة واحدة، يأخذ بعضها من بعض، فلا تتعدد في مرآها، ولا تزال في صورة ~~البساطة بعيدة عن التركيب، فيخطئ النظر القصير في التفرقة بين هذه الظاهرة النفسية الرائعة، ~~وبين ظاهرة الشيء البسيط المحدود، وإنه لخطأ شائع ينساق إليه كثيرون مما يستسهلون بساطة ~~عمر، وهي أولى بالروعة من تركيب يختلط من كل مزيج، ثم يزيد في الألوان، ولا يزيد في الإتمام ~~والتوحيد والإتقان. # ولو أن مخترعا من أهل القصص حاول أن يخترع سيرة عمر بن الخطاب؛ لأعياه أن يخترع ذلك ~~الشتيت المتفرق من الأخبار والأحاديث والنوادر، ليقرأه القارئ بعد ذلك فيقبل منه ما يقبل، ~~ويسقط منه ما يسقط، ثم يبقى منه ما يدل أصدق الدلالة على كل صفة من تلك الصفات. # فلا اختراع في جملة أخبار عمر، وإن جاز الشك في بعضها، أو جاز إسقاط الكثير منها، ومن شاء ~~فليشك في هذا الخبر أو ذاك ما بدا له الشك، وليسقط منها ما بدا له الإسقاط، فسيبقى بعد ذلك ~~جميعه خبر يدل على عدله ولا سبيل إلى نقضه، وخبر يدل على رحمته ولا سبيل إلى نقضه، وخبر يدل ~~على غيرته ولا سبيل إلى نقضه، ويبقى ذلك التركيب العجيب الذي هو موضع الإعجاز وموضع الدهشة ~~وموضع التساؤل في مصادر الأخبار. # هذه هي المعضلة التي عنيناها حين قلنا في صدر هذا الفصل إن سهولة عمر وخلو طبائعه ~~من التعقيد والغموض، هي سهولة أصعب من الصعوبة؛ لأنها تنتهي بك إلى صعوبة التركيبة التي هي ~~أندر من التعقيد والغموض، وتريك عناصر شتى قد تتناقض في غير هذا التركيب، ولكنها هنا لا ~~تتناقض في شيء ذي بال؛ لأن التناقض أن يذهب كل عنصر في وجهة معارضة لسائر الوجهات، ~~فأما أن تكون كلها ذاهبة في وجهة واحدة، فذلك عنصر واحد متعدد الأجزاء والألوان. ms044 # ولهذا كانت دراسة عمر غنيمة لكل علم يتصل بالحياة الإنسانية، كعلم الأخلاق، وعلم ~~الاجتماع، وعلم السياسة، ولم تقتصر مزايا هذه الدراسة على علم النفس وكفى. # لأن كل نفس صغرت أو كبرت فهي إنسان يضيف العلم به إلى علم النفس بعض الإضافة. # ولكن ليست كل النفوس بالنفس التي تصحح أوهام الواهمين في فضائل الأخلاق وفضائل الاجتماع، ~~وفي القدوة المثلى التي يقتدي بها طلاب الرفعة والسيادة. # ونحن في عصر شاعت فيه فلسفات مسهبة، تنكر الرحمة والعدل على الأقوياء الغيورين ، وتحسبهما ~~حيلة من حيل الطبع في خلائق الضعفاء لاستدامة البقاء، كأن رحمة الضعيف تنفعه إذا رحم، وكأن ~~عدل الضعيف ينفعه إذا عدل، أو كأن القوي يخلق نفسه لنفسه، ولا يخلق قويا لتفيد قوته ~~فائدتها في خدمة المحتاجين إليها. # فعمر ذو البأس والعدل، وعمر ذو الرحمة والغيرة، أصدق تفنيدا لذلك الوهم الأخرق البليد؛ ~~إذ كانت رحمته وعدله لا يناقضان البأس والغيرة فيه، بل كان بأسه معوانا لرحمته، وكانت ~~غيرته معوانا لعدله، وكان هو قويا لينتفع الناس بقوته، ولم يكن قويا ليطغى بقوته على ~~الضعفاء. # ولم يكن لزاما أن يقسو ذو البأس ولا يرحم. # ألا يقسو الضعيف؟! فلم العجب إذن من رحمة القوي؟! كل ما هنالك أن رحمة الضعفاء غير ~~رحمة الأقوياء. فأما العقل الذي يرى الرحمة غريبة في الأقوياء، ويرى القسوة غريبة في ~~الضعفاء، فهو يرى غير الواقع من هؤلاء وهؤلاء؛ إذ الواقع في الدنيا أن القسوة لا تدل على ~~القوة، وأن الرحمة لا تدل على الضعف، وأن ليس في الدنيا أقسى من الأطفال وهم أضعف من فيها ~~من الضعفاء. # وبغير إمعان طويل في دقائق النفس الإنسانية، استطاعت امرأة محزونة أن تفرق بين ~~الخصلتين، وتجمع بينهما معا في عمر بن الخطاب، ونعني بها عاتكة بنت زيد حين قالت في ~~رثائه: # رءوف على الأدنى غليظ على العدى # أخي ثقة في النائبات منيب # وهي تفرقة سهلة، ولكنها صادقة جامعة، فغير عجيب أن يكون إنسان كذلك، وإنما هو أوفق شيء ~~لطبائع الأشياء. # الفصل الرابع # | مفتاح شخصيته # مفتاح ms045 الشخصية هو الأداة الصغيرة التي تفتح لنا أبوابها، وتنفذ بنا وراء أسوارها ~~وجدرانها، وهو كمفتاح البيت في كثير من المشابه والأغراض، فيكون البيت كالحصن المغلق، ما ~~لم تكن معك هذه الأداة الصغيرة التي قد تحملها في أصغر جيب، فإذا عالجته بها فلا حصن ولا ~~إغلاق! # وليس مفتاح البيت وصفا له، ولا تمثيلا لشكله واتساعه، وكذلك مفتاح الشخصية ليس بوصف ~~لها، ولا بتمثيل لخصائصها ومزاياها، ولكنه أداة تنفذ بك إلى دخائلها ولا تزيد. # ولكل شخصية إنسانية مفتاح يسهل الوصول إليه أو يصعب على حسب اختلاف الشخصيات، وهنا أيضا ~~مقاربة في الشكل والغرض من مفاتيح البيوت؛ فرب بيت شامخ عليه باب مكين يعالجه مفتاح ~~صغير، ورب بيت ضئيل عليه باب مزعزع يحار فيه كل مفتاح. # فليست السهولة والصعوبة هنا معلقتين بالكبر والصغر، ولا بالحسن والدمامة، ولا بالفضيلة ~~والنقيصة، فرب شخصية عظيمة سهلة المفتاح، ورب شخصية هزيلة ومفتاحها خفي أو عسير. # وقد يحيرنا الرجل الذي قيل في وصفه مثل ما قيل في ابن عباد: # لا تمدحن ابن عباد وإن هطلت # يداه بالجواد حتى شابه الديما # 1 # فإنها خطرات من وساوسه # يعطي ويمنع لا بخلا ولا كرما # فإننا لا نستطيع أن ننفذ منه إلى مواضع اللوم أو مواضع الثناء، ولا ندري حقا أعمله من ~~الكرم أم من البخل، ومن الرفعة أم من الخسة، ومن الشجاعة المحمودة أم من الجبن المذموم! ~~وغاية ما ننتهي إليه أن نفض المشكلة بكلمة واحدة هي الوسواس، وهي حيلة تلجئنا إليها قلة ~~الحيلة؛ لأن تفسير الأعمال بالوسواس يفيدنا في تقدير صاحبها وتقدير أعماله وأخلاقه، ولكنه ~~تفسير له معنى واحد في النهاية، وهو: ترك التفسير. # قد تحيرنا هذه الشخصية المنقوصة، ولا تحيرنا الشخصية الكاملة التي تروعنا بفضائلها ~~ومزاياها، ثم لا نستغرب منها فضيلة أو مزية بالقياس إلى انتظام عملها، واتصال أثرها، كالشمس ~~الطالعة تروعنا بإشراقها في أوقاتها وبروجها، ثم لا تحيرنا لمحة عين، كما تحيرنا الذبالة ~~الضئيلة، تومض لحظة وتختفي من بعيد. # وفي اعتقادنا أن شخصية عمر من أقرب الشخصيات العظيمة ms046 مفتاحا، لمن يبحث عنه، فليس فيها ~~باب معضل الفتح، وإن اشتملت على أبواب ضخام. # وقد ذكرنا في الفصل السابق أن إيمان عمر هو الضابط الذي يسيطر على أخلاقه وأفكاره، ~~كما يسيطر على دوافعه وسوراته، ولكن الذي نريده بمفتاح الشخصية شيء آخر غير معرفة الضابط ~~الذي يسيطر عليها؛ نريد به السمة # 2 # التي تميزه بين العظماء، حتى في الإيمان وسيطرته على ~~الأخلاق والأفكار والدوافع والسورات، فإن الإيمان ليقوى في نفوس كثيرات، ثم تختلف آياته ~~وشواهده باختلاف تلك النفوس، وهنا نبحث عن «مفتاح الشخصية»؛ لنعرف به الفارق بين الإيمان في ~~طبيعة عمر، وبين الإيمان في طبائع غيره من الأقوياء. # والذي نراه أن «طبيعة الجندي» في صفتها المثلى، هي أصدق مفتاح «للشخصية العمرية» في ~~جملة ما يؤثر أو يروى عن هذا الرجل العظيم. # فأهم الخصائص التي تتجمع «لطبيعة الجندي» في صفتها المثلى: الشجاعة، والحزم والصراحة، ~~والخشونة، والغيرة على الشرف، والنجدة والنخوة، والنظام، والطاعة، وتقدير الواجب والإيمان ~~بالحق، وحب الإنجاز في حدود التبعات أو المسئوليات. # هذه الخصائص قد تجمعت بعد ألوف السنين من تجارب الأمم في تعبئة الجيوش، حتى عرف الناس ~~أخيرا أنها لازمة للجندي في أمثل حالاته، فما من خاصة منها يستغني عنها الجندي الكامل الذي ~~تحلى بأجمل صفاته وألزمها لتحقيق وجوده. # فانظر إلى هذه الخصائص جميعها، هل تجدك محتاجا إلى التنقيب طويلا عن واحدة منها في نفس ~~عمر؟ هل تجدك محتاجا إلى تعمل أو استقصاء لجمع أشتاتها، والاهتداء إلى شواهدها ~~ومواقعها؟ # كل هذه الخصائص عمرية لا شك فيها؛ فهو الشجاع، الحازم، الصريح، الخشن، المطيع، الغيور ~~على الشرف، السريع النجدة، المحب للنظام، المؤمن بالواجب والحق، الموكل بالإنجاز، العارف ~~بالتبعات والمسئوليات. # هذه الخصائص واضحة كلها في عمر، وعمر وحده واضح بين أمثاله في جميع هذه الخصائص، حتى ~~ليخيل إلينا لو أن أحدا مولعا بتأليف الألغاز سأل عن عظيم في الإسلام والعروبة، متصف ~~بجميع هذه الخصائص على أصدق وأبرز حالاتها، لكان الجواب الواحد عن سؤاله اسم عمر بن ~~الخطاب. # وقد يكون العجب من توافر هذه ms047 الخصائص في تفريعاتها الثانوية، وأشكالها العارضة، أبلغ وأدل ~~على العمق والتأصل من توافر الخصائص الجليلة، التي هي بمثابة الأصول الجامعة في طبائع ~~الجنود. # فالنظام مثلا ليس بالخلق الأصيل في الجندي الباسل، فقد ينساق إليه بطبعه، وقد يحتاج إلى ~~تعوده وإدمانه، حتى يكسبه بطول المرانة. # لكن النظام كان خلقا أصيلا في طبيعة عمر، حتى فيما يتفرع عليه، ويدخل منه في عداد ~~الأشكال والنوافل. # 3 # أرأيته وهو يصلي بالناس فلا يكبر حتى يسوي الصفوف، ويوكل رجلا بذلك؟! أرأيته وهو يرى ~~الناس يجتمعون بالمسجد في شهر رمضان أوزاعا متفرقين حول كل قارئ، فيأمرهم أن يجتمعوا إلى ~~قارئ واحد؟! أرأيته وهو يحمل الدرة لينبه المخالفين في الطريق، ويذكرهم هيبة القانون؟! ~~أرأيته وهو يركب في السوق؛ فيكسر ما برز من الدكاكين، ويخفق التجار بالدرة إذا تكوفوا على الطعام # 4 # وقطعوا طريق السابلة؟! أرأيته وهو لا يزال يأمر بالمثاعب # 5 # والكنف # 6 # أن تقطع عن طريق المسلمين؟! أرأيته وهو ينهى الولاة عن الاتكاء في مجالس ~~الحكم، ويكتب إلى عمرو بن العاص: «وقع إلي أنك تتكئ في مجلسك، فإذا جلست فكن كسائر ~~الناس، ولا تتكئ؟!» # بل أرأيته وهو يرعى المراتب، فينزل درجة من سلالم المنبر بعد أبي بكر؛ لأن الخليفة الأول ~~أحق منه بالتقديم؟! # ذلك هو السمت العسكري بالفطرة التي فطر عليها، وليس هو السمت العسكري بالأسوة ~~والتعليم. # وبالفطرة التي فطر عليها كان يحب ما يحسن بالجندي في بدنه وطعامه، ويكره ما ليس بالمستحسن ~~فيه، فكان يقول: «إياكم والسمنة فإنها عقلة»، # 7 # وكان يقول: «إياكم والبطنة، فإنها مكسلة عن الصلاة، ~~ومفسدة للجسم، ومؤدية إلى السقم، وعليكم بالقصد في قوتكم، فهو أبعد من السرف، وأصح للبدن، ~~وأقوى على العبادة.» وكان يأمر بالجد، ويحذر من المهازل؛ لأن «من كثر ضحكه قلت هيبته، ومن ~~كثر سقطه # 8 # قل ورعه»، وكان ~~يمشي «شديد الوطء على الأرض، جهوري الصوت» كما يمشي الجنود، وكما يتكلمون، وكان يأمر بتعلم ~~الرماية والسباحة، والفروسية والمصارعة، وكل رياضة يتدرب عليها الجندي، وتتهذب بها ~~الأبدان والأخلاق. # وإذا ارتقينا ms048 من هذا إلى النظام الأشمل، والتقسيم الأعم الأكمل، فهناك عمر بن الخطاب الذي ~~دون الدواوين، وأحصى كل نفس في الدولة الإسلامية، كأدق إحصاء وعاه الموكلون بالتجنيد ~~في العالم الحديث، فما من رجل أو امرأة أو طفل إلا عرف اسمه، وعرف مكانه، وعرفت حصته من ~~بيت مال المسلمين. وما من مجاهد إلا عرفت له رتبته من السبق والتقديم على حسب المراتب التي ~~يمتاز بها الجنود؛ فالحاضرون في «الحديبية» يأتون بعدهم في التقديم، والذين اشتركوا في حرب ~~الردة يأتون بعد هؤلاء وهؤلاء، والذين حاربوا في معارك الروم والفرس ومعهم أبناء ~~الغزاة في بدر يلحقون بمراتب هؤلاء المتقدمين، وقس على ذلك ما يليه من سائر المراتب في ~~حقوق التقديم والتقسيم. # ثم هناك عمر بن الخطاب الذي عشر الجنود؛ أي جعلهم عشرات عشرات، ثم قسمهم إلى كتائب ~~وبنود. # وهناك عمر بن الخطاب الذي لم يدبر قط تدبيرا كبيرا أو صغيرا في شئون الدولة إلا بنظام ~~لا يختل، أو على أساس لا يحيد. # وقد كانت له طريقة الجند في التصريف السريع، الذي ينفذ إلى الغرض من أقرب طريق، فلما ~~تشاور المسلمون ماذا يصنعون بسهيل بن عمرو - خطيب المشركين يومئذ وأقدر الخائضين منهم في ~~الإسلام - قال عمر بن الخطاب: «يا رسول الله، انزع ثنيتيه # 9 # السفليين، فلا ~~يقوم عليك خطيبا أبدا.» وكان سهيل أعلم - أي مشقوق الشفة السفلى - فإذا نزعت ثنيتاه، ~~فقد عجز عن الخطابة من غير ما حاجة إلى عهد أو تحذير، أو شغل شاغل بإسكاته والرد ~~عليه. ~~••• # والقضاء لم يكن من لوازم «الطبيعة الجندية» وإن تولاه القادة والجند في أيام الفتن، ~~والأيام التي تقام فيها الدول الناشئة، والنظم الجديدة. # ولكن كم من قضية لعمر بن الخطاب تذكرنا بالقضاء العسكري الذي يمنع الضرر من أقرب الطرق، ~~ويحمي الأكثرين بالحد من حقوق الأقلين. # هتفت امرأة باسم نصر بن حجاج، وتمنت أن تشرب الخمر وتلقاه، فأرسل إليه، فإذا هو أحسن ~~الناس شعرا وأصبحهم وجها، فأمره أن يجم # 10 # شعره، فظهر جبينه ووجنتاه فازداد حسنا، ثم أمره أن ms049 يعتم، ~~فزادته العمامة زينة وغواية، فقال: لا يسكن معنا رجل تهتف به العواتق # 11 # في خدورها. وزوده بمال ~~وأرسله إلى البصرة ليعمل في تجارة تشغله عن النساء، وتشغل النساء عنه. # وفي القضية جور على نصر بن حجاج لا جدال فيه، ولكن في سبيل مصلحة أكبر وأبقى، أو في سبيل ~~مصلحة يرعاها «الحكم العسكري» في أزمنة كزمان عمر، ويقضي فيها بما هو أعجب من إقصاء نصر بن ~~حجاج، يرعاها أحيانا بمنع الإقامة بمكان، ومنع المرور من طريق، وتحريم تجارة لا حرام فيها، ~~ومراقبة إنسان يخشى أن يقود إلى جريمة ، وتقييد السهر بعد موعد من الليل. # ولسنا نقول إن هذا الحكم في قضية نصر بن حجاج، كان حكما لزاما لا محيص عنه، ولا مأخذ ~~عليه، ولكنا نقول إنه حكم فيه تلك الصبغة العمرية التي سميناها «مفتاح شخصيته»، وهي ~~المقصودة بما نكتبه الآن. # وقد كان له في قضائه ذلك الحزم الذي يقطع اللجاجة # 12 # وينهض بالحجة على كل ذي خلاف كلما اشتجر # 13 # الخلاف، كتب إليه أبو عبيدة من دمشق أن عمرو بن معد يكرب، وأبا جندل وضرارا ~~وجماعة من علية القوم والوجوه، شربوا الخمر وسئلوا فأجابوا: «إننا خيرنا فاخترنا. قال: # فهل أنتم منتهون # ولم يعزم»، # 14 # وكأن أبا عبيدة تحرج من عقاب هؤلاء العلية، فرفع أمرهم إلى الخليفة يستفتيه، ~~فلم يلبث البريد أن بلغ المدينة حتى عاد إليه يأمره أن يدعوهم على رءوس الأشهاد، ويسألهم ~~سؤالا لا يزيد عليه ولا ينقص منه: أحلال الخمر أم حرام؟ فإن قالوا: حرام. فليجلدهم، وإن ~~قالوا: حلال. فليضرب أعناقهم، فقالوا: بل حرام، فجلدوا وتابوا. ~~••• # وربما تجمع للرجل كل ما في «طبيعة الجندي» من الخصائص، وبقيت محبوسة فيه لا يدري بها ~~الناس إلا أن يأتي بعمل ينم عليها، فيدين نفسه بطبيعته تلك، ولا يدين غيره، ويكون مطبوعا ~~على أن يطيع، ولا يكون مطبوعا على أن يطاع، وإذا جاءته طاعة المطيعين له، فإنما تجيئه من ~~سلطان النظام، وحكم الشرع، وغلبة العادات؛ لأن الشجاعة مثلا لا تلازم الهيبة في ms050 كل حال، ~~فقد يكون الشجاع مهيبا، ويكون غير مهيب أحيانا ممن تقتحمهم الأنظار، ويجترئ عليهم ~~المستخفون. # أما عمر بن الخطاب فقد كانت له «طبيعة الجندي» ظاهرة وباطنة، تبادر القلوب كما تبادر ~~الأنظار، وتلازمه كأنها عضو من أعضائه، فما يجترئ عليه مجترئ إلا أن يطمعه هو، ويسهو عن ~~نفسه لحظة ليغريه بالاجتراء. # وهي في موقف الأمر مخيف من لا يخاف، ويجفل منها من يحتمي بجاه أو كبرياء. شكا إليه رجل من ~~بني مخزوم أبا سفيان لظلمه إياه في حد كان بينهما، فدعا بأبي سفيان والمخزومي وذهبوا إلى ~~المكان الذي تنازعاه، ونظر عمر فعرف صدق الشكوى ونادى بأبي سفيان: خذ يا أبا سفيان هذا ~~الحجر من هنا فضعه هنا، فأبى وتردد، فعلاه بالدرة وهو يقول: خذه فضعه ها هنا، فإنك ما ~~علمت قديم الظلم. فأخذ أبو سفيان الحجر، ووضعه حيث قال، ولو غير عمر أمره هذا الأمر لاستكبر ~~أن يطيع، أو شنها عليه شعواء لا تؤمن جريرتها. # كان # 15 # يوما في مجلس عمر وزياد بن سمية # 16 # يتكلم، وهو يومئذ شاب، ~~فأحسن - كعادته - في مجال الخطابة والمشورة، فأعجب به عمر، وهتف به: لله هذا الغلام! لو كان ~~قرشيا لساق العرب بعصاه. # وكان علي بن أبي طالب إلى جانب أبي سفيان، فمال إليه هذا، وهمس في أذنه كلاما، فحواه أنه ~~يعرف من أبو ذلك الغلام من قريش. قال علي: فمن؟ قال: أنا. قال: فما يمنعك من استلحاقه؟ فهمس ~~له: أخاف هذا الجالس أن يخرق علي إهابي. # 17 # وخليق بمثل هذا الرجل ألا يكون له شعار غير شعار الجند حيث كانوا: الأمر هو الأمر، ~~والطاعة هي الطاعة. # وخليق بالناس أن يفهموا ذلك عنه بغير بيان، لا سيما إذا فهموا قبل ذلك أنه متى وجبت ~~الطاعة، كان هو أول من يطيع. ذلك هو الجندي المطبوع. # جندي من جنود الله في معترك الحق والإيمان. وإذا استوفينا المثل إلى أقصاه، فالقانون ~~المطاع هو القرآن، والقائد الأعلى هو النبي الذي يوحى إليه، وليس أحد بعد ذلك أكبر من ms051 أن ~~يطيع. يأمر الله فالطاعة واجب لا هوادة فيه، ويأمر القائد الأعلى فقد يراجعه من دونه، ~~ويرتفعان معا إلى القانون؛ لأن الطاعة لا تمنع المراجعة والمشاورة، ولكنها تمنع التمرد على ~~القائد الأعلى، وإنكار سلطانه حينما استقر على قرار، فإن رجع القائد عن أمره فحسن، ~~والمراجعة إذن خير لا ضرر فيه، وإذا مضى في أمره فلا خلاف إذن فيما يجب، فالذي يجب إذن ~~واحد، وهو أن يطاع. كذلك راجع عمر النبي في مسائل شتى، فأخذ النبي برأيه في بعض هذه المسائل ~~وخالفه في بعضها، فلم تكن طاعته فيما خولف فيه أقل ولا أضعف مما وفق عليه. # وكذلك راجع الخليفة أبا بكر في كبريات المسائل وصغارها، فكان أبو بكر يثوب إلى ~~رأيه # 18 # كثيرا، ~~ويصر على ما بدا له إذا رأى الحسنى في الإصرار، فيطيع عمر أمره بعد ذلك، كأنه لم يكن ~~خلاف. # وإذا امتنعت المراجعة فليس الرجل عند ذلك بواهن عن احتمال التبعة، وتصريف الرأي، ~~والاضطلاع بأعباء الموقف كيف كان. # اشتد المرض بالنبي - عليه السلام - فقال: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده. ~~قال عمر: إن النبي # صلى الله عليه وسلم # غلبه الوجع، وعندنا كتاب الله حسبنا. # عندنا كتاب الله حسبنا. # عندنا القانون الأعلى. # أما القائد الأعلى فهو في مرضه بحال لا تستحب معها المراجعة، وهو مع ذلك لم يصر على ~~أمره، ولم يعاود طلب الورق للكتابة، وإنما قال حين كثر اللغط بين الصحابة: قوموا عني، ولا ~~ينبغي عندي التنازع. ثم عاش عليه السلام أياما ولم يذكر الكتاب. # فالرجل يطيع إذا استقام الأمر، واستقرت التبعة. # وكان يراجع إذا اتسع مجال المراجعة. # فإن لم يكن هذا ولا ذاك، فهو ضليع بالتبعة التي توجبها عليه نفسه، وقمين أن يذهب إليها ~~ولا ينكل عنها. # وتلك سنة جرى عليها عمر عن علم وقصد، ولم يجر عليها عن بداهة وإلهام وكفى، وأشار إليها ~~في كلامه غير مرة، فقال في خطبة من خطبه ما فحواه: ~~... كنت مع رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فكنت عبده وخادمه ms052 وجلوازه، # 19 # وكان كما قال الله تعالى: # بالمؤمنين رءوف رحيم ~~. وكنت بين يديه كالسيف المسلول، ~~إلا أن يغمدني أو ينهاني عن أمر فأكف عنه، وإلا أقدمت على الناس لما كان ~~أمره. # فهو جلواز النبي، وسيفه المسلول، كما وصف نفسه. # وهو على أقوم مثال للجندي الفاضل العليم بموقع الطاعة، وموقع المراجعة، وموقع المشاورة، ~~وهو مع التبعة حيث لا مهرب منها، وتلك هي الجندية في صورتها المثلى. # وما نحسبه كان يراجع ويشاور إلا لغرض واحد، وهو الوصول إلى الأمر الذي يحمل التبعة ~~فيه. # فإذا أعفى نفسه من التبعة بمراجعة رؤسائه، وأعفى نفسه من التبعة بمشاورة مرءوسيه، فقد عرف ~~كيف ينبغي أن يطيع، وعرف كيف ينبغي أن يطاع، وعرف ما يتوق كل جندي أن يعرفه، حين يؤمر وحين ~~يأمر، وهو توضيح ما يطلب منه، وما يطلب من غيره، وتقرير مكان التبعات حين تقسم ~~التبعات. # ولقد كانت له مخالفات، ليست من قبيل المراجعة ولا المشاورة التي تعمل فيها الروية عملها، ~~أو تختلف مذاهب الآراء فيها. # كانت هذه أيضا من مخالفات «الجندي» التي يندفع إليها كلما غلبته الحماسة، وثارت به ~~الحمية. # فلما كان يوم أحد، جاء أبو سفيان ينادي على مسمع من المسلمين: أفيكم محمد؟ فقال رسول ~~الله: لا تجيبوه! # فعاد ينادي مرتين: أفيكم محمد؟ فلم يجيبوه! # فسأل ثلاثا: أفيكم ابن أبي قحافة؟ # 20 # فسكتوا ... # ثم سأل: أفيكم ابن الخطاب؟ وكررها ثلاثا، فلما لم يسمع جوابا، قال لقومه: أما هؤلاء ~~فقد كفيتموهم. # 21 # كثير على عمر أن يحتوي صبره في هذا الموقف أكثر مما احتواه، فما قالها أبو سفيان حتى صاح ~~من مكانه: «كفرت يا عدو الله، ها هو ذا رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وأبو بكر وأنا أحياء! ولك منا ~~يوم سوء.» # هذه مخالفة لا مراجعة فيها ولا مشاورة. # لكنها من مخالفات الجند، ولهم ولا شك مخالفات، كما لهم طاعات. ~~••• # نعم كانت لهم مخالفاتهم وطاعاتهم، وكانت لهم كذلك فكاهاتهم وأهواؤهم التي هي أخص من سائر ~~الفكاهات والأهواء. # فكانت تعجبه الفكاهة التي توحي إليه ms053 معنى مضحكا فيه صراحة وخشونة، ومنها الفكاهة التي ~~نسميها اليوم «بالنكات العملية». # فرغ رسول الله يوما من بيعة الرجال، وأخذ في بيعة النساء، فاجتمع إليه نساء من قريش فيهن ~~هند بنت عتبة متنقبة # 22 # متنكرة، لما كان من صنيعها بحمزة # 23 ~~- رضي الله عنه - فهي تخاف ~~أن يأخذها رسول الله بصنيعها، فلما دنون منه ليبايعنه قال عليه السلام: تبايعنني على ألا ~~تشركن بالله شيئا. # قالت هند: والله إنك لتأخذ أمرا ما تأخذه على الرجال، وسنؤتيكه. # قال: ولا تسرقن. # قالت: والله إن كنت لأصيب من مال أبي سفيان الهنة # 24 # والهنة، وما أدري أكان ذلك حلالا لي أم لا. # قال أبو سفيان - وكان شاهدا: أما ما أصبت فيما مضى، فأنت منه في حل. # فقال رسول الله: وإنك لهند بنت عتبة! # قالت: أنا هند بنت عتبة، فاعف عما سلف، عفا الله عنك. # فمضى رسول الله في أخذ البيعة وعاد يقول: ولا تزنين. # قالت: يا رسول الله، هل تزني الحرة؟ # قال: ولا تقتلن أولادكن. # قالت: قد ربيناهم صغارا وقتلتهم يوم بدر كبارا، فأنت وهم أعلم. فضحك عمر بن الخطاب حتى استغرب، # 25 # وكان قليل الإغراب في الضحك، فإن استغرب ضاحكا بين حين وحين؛ فإنما يضحكه مثل ~~هذه الفكاهة. # وعلى هذا النحو فكاهته مع خادمه أسلم وابنه عاصم: دخل عليهما، وهما يغنيان غناء يشبه ~~الحداء، فوقف يستمع ويستعيد، وشجعهما إصغاؤه واستعادته، فسألاه: أينا أحسن صنعة؟ قال: ~~مثلكما كمثل حماري العبادي. سئل: أيهما شر؟ فقال هذا ثم هذا. # ومن فكاهته القوية تلك المزحة المرعبة التي أطار بها لب الحطيئة ليكف عن هجاء الناس، فدعا ~~بكرسي وجلس عليه، ودعا بالحطيئة فأجلسه بين يديه، ودعا بأشفى - أي مثقب وشفرة - يوهمه أن ~~سيقطع لسانه، فضج الحطيئة وتشفع الحاضرون فيه، ولم يطلقه حتى أخذ عليه عهدا لا يهجون ~~أحدا بعدها، واشترى منه أعراض المسلمين بثلاثة آلاف درهم، فما هجا أحدا بعدها وعمر بقيد ~~الحياة. # تلك أمثلة من فكاهته الخشنة التي تعهد في طبيعة الجند، وهي فكاهة لا يطمع منه ms054 في ~~غيرها. # وشاءت الجاهلية أن تورطه في بعض أهوائها، فكان هواه منها معاقرة الخمر، يحبها ويكثر منها. ~~وقد نرى أنه هو قريب من مزاج الجند غير نادر فيهم؛ إذ الخمر توافق ما فيهم من سورة طبع، ~~وتشغلهم عن الخطر، أو تعينهم عليه، وتصاحبها في كثير من الأحيان ضجة يألفونها. # وقد أحب ضجة الدفوف، وهي في سياق هذا الهوى، وظل يحبها بعد إسلامه وخلافته، وإن كرهها في ~~غير الأعراس. فسمع ضوضاء في دار فسأل: ما هذا؟ قيل له: عرس! فقال: هلا حركوا غرابيلهم؛ أي ~~الدفوف! # على أنه كان يحب الغناء جملة ويطيل الإصغاء إليه ما لم يشغله عن مهم من أمر دينه أو ~~سياسته، فسمع صوت حاد وهم منطلقون إلى مكة في جوف الليل، فما زال يوضع راحلته # 26 # حتى دخل بين القوم يسمع ~~إلى مطلع الفجر، ثم قال للقوم: إيه! قد طلع الفجر، اذكروا الله. ~~••• # فطبيعة الجندي في الفاروق تامة متكاملة بأصولها وفروعها، ويندر أن تتم طبيعة شاملة في رجل ~~واحد، إلا أن يكون كعمر في أصالة الطبع وصراحته وخلوصه واتساقه، فلا يخذل منه جزء جزءا، ~~ولا تقبل منه وجهة حيث تدبر أخرى، وحينئذ لا عجب أن تنم له طبيعة واحدة بالغة ما بلغت من ~~تعدد العناصر والألوان والشيات، كما أنه لا عجب أن يشبه الولد أباه؛ لأنه أصيل صريح النسب، ~~بالغا ما بلغ التعدد في مشابه الأخلاق والجوارح والأعمال. # ولهذه الطبيعة أثرها في أمور لا تمت إليها على ظاهرها، كأثرها في تحريم رق العربي، وفي ~~إخلاء الجزيرة من غير العرب، فهي شنشنة الغيور على الحوزة، الموكل بحماية الذمار. # 27 # ولها أثرها في سياسته مع الأمم حيث يأمر الجند بتصديق كلمة الشرف، والبر بالوعد، ولو كان ~~إشارة باليد، أو نبأة من صوت، فقد أوجب على قادته وجنوده إذا نزلوا بلاد الأعاجم فبدرت منهم ~~إشارة أو نبأة يحسبونها عهدا أن ينجزوا هذا العهد، ولا ينكصوا فيه، ولو أتيح لهم أن ~~يتعللوا بجهل اللغة، وغرابة العادات والمصطلحات. # وإنك على الجملة لا تعرض ms055 عملا من أعمال الفاروق العامة والخاصة على هذه الطبيعة، إلا ~~وجدت له قرارا فيها، ووجدت عليه صبغة منها. # فهي لا ريب أقرب مفتاح لهذه الشخصية العظيمة، وبها تتميز خصائصه التي لا يشترك فيها أناس ~~مطبوعون على غيرها، وإن كانوا عظماء أقوياء. # وقد أسلفنا الإشارة إلى الإيمان القوي وقلنا إنه ضابط لأخلاقه وسوراته، وليس بمفتاح ~~يكشفها، ويفتح مغالقها؛ لأن الإيمان القوي نفسه يحتاج في فهمه وتمييزه إلى المفتاح الذي ~~يفرق بين ضروب الإيمان عند الأقوياء، وليست القوة كلها - كما لا يخفى - معدنا واحدا في ~~البواعث والمظاهر والآثار. # وهكذا كان إيمان عمر في سلوك دنياه وسلوك دينه، كان إيمان الطبيعة الجندية في حالتها ~~المثلى. # ففي سلوك دنياه كان يعيش أبدا عيشة المجاهد في الميدان؛ فآثر الشظف، وقنع منها بأقل ما ~~يكفيه ولا غنى عنه. # وفي سلوك دينه كان موقفه بين يدي الله أبدا كموقف الجندي الذي يعلم أنه لا يلقى مولاه ~~إلا ليؤدي الحساب على الكثير والقليل، فإن تجئه المسامحة جاءت عفوا، لا ينسيه تحضير ~~الحساب. # وكان معتمدا على الغيب موصولا بالقدر، يركن إليه كأنه يراه بعينيه. ومن دأب كل طبيعة ~~تستحضر الموت أن تنظر إلى الغيب، وتستطلع طلعه # 28 # وتنتظر منه الحماية والهداية. # فاشتهر عن كثير من كبار القادة أنهم يؤمنون لهم بنجم سعد يلحظهم، أو بغاية أجل لا يعجلون ~~عنها، أو بإلهام يهديهم إلى النجاة، ويرون أماراته وعلاماته في الرؤى والهواتف، وكلمات ~~الفأل والبشارة. # وكان عمر يتفاءل بالأسماء، وينظر في الرؤى والمنامات، ويروى عنه في روايات متواترة أنه ~~أنبئ بموته في منام، وأنه رأى كأن ديكا ينقره نقرتين، وفسروا له الديك برجل من العجم يطعنه ~~طعنتين. # وروى محارب بن دثار عنه أنه سأل رجلا: من أنت؟ فقال: قاضي دمشق. قال: كيف تقضي؟ قال: ~~أقضي بكتاب الله. فسأله: وإذا جاءك ما ليس في كتاب الله؟ فأجابه: أقضي إذن بسنة رسول الله. ~~فسأله ثانية: وإذا جاءك ما ليس في سنة رسول الله؟ قال: أجتهد برأيي وأؤامر جلسائي. فاستحسن ~~قوله وأوصاه إذا جلس ms056 للحكم أن يدعو الله قائلا: «إني أسألك أن أفتي بعلم، وأن أقضي بحلم، ~~وأسألك العدل في الغضب والرضا.» # ثم رجع القاضي بعد فترة فسأله عمر: ما أرجعك؟ قال: رأيت الشمس والقمر يقتتلان، مع كل واحد ~~منهما جنود من الكواكب. فسأله: مع أيهما كنت؟ # فقال: مع القمر! # فتأمل قليلا ثم ذكر قوله تعالى: # وجعلنا الليل والنهار ~~آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار ~~. ثم قال: ~~لا تلي لي عملا. # 29 # هذه رواية من روايات كثيرة عن المنامات ونظره فيها، لا ندري مبلغها من الصحة في ~~تفصيلاتها، ولكنها كلها تدل على الغرض الذي قصدنا إليه، وهو استهداء الغيب من طريق الرؤى ~~والعلامات، إلى جانب الإيمان القوي لا يسهو عن عالم الغيب طرفة عين. # ومن الحق أن نضيف هنا أن الإيمان القوي ليس بمستغرب في الطبيعة الجندية، بل ربما كانت ~~طبيعة الجهاد أقرب شيء إلى طبيعة الإيمان. # وأن نضيف هنا استدراكا آخر، لعله أدعى إلى البحث من القول في الجهاد والإيمان، وذلك أن ~~العدل لا يناقض طبيعة الجند عامة، وأن طبيعة الجند لا تستلزم العدوان في كل محارب، ولا ~~سيما المحارب نضحا # 30 # عن دين ووفقا ~~لشريعة. # فالعدل يفتقر إلى شجاعة وشرف، وهما خصلتان مطلوبتان في الجندي المطبوع، فأما الشجاعة في ~~الرجل العادل فتحميه أن يحابي الأقوياء وهو جبن، وأما الشرف فيحميه أن يجور على الضعيف وهو ~~خسة، ولا تناقض بين هذه الخصال. # إنما المحارب المعتدي هو الذي «يحارب لحسابه» كما يقولون، أو يحارب لنفسه مرضاة لطمعه، ~~وذهابا مع نزواته، ومن هذا الطراز الإسكندر وتيمور ونابليون. # أما المحارب الذي تقيده إرادة غير إرادته، ويحكمه قانون غير هواه، فالحرب من مثله واجب ~~يلام على تركه، وليست بجريمة يلام على اقترافها. # وقد يرى هؤلاء أن أشرف الجهاد جهاد النفس والهوى، قبل جهاد الخصوم والأقران، كما رأى ~~عمر بن الخطاب. # ومصداق ذلك ظاهر في كل قائد تدعوه إلى الحرب إرادة إله، أو إرادة أمة، أو إرادة ضمير له ~~قانون. فطبيعة الجندي في هؤلاء لا تناقض العدل، ms057 إلا كما تناقضه طبيعة الفيلسوف، أو طبيعة ~~الفن، أو طبيعة التصرف في شئون المعاش، ولا تناقض بينه وبين واحدة منها، أو هي جميعا في ~~هذه الخصلة سواء. # هؤلاء لا يحاربون إلا مكرهين، وإذا حاربوا لم يحاربوا لبغي ولا لتنكيل، ولو كان في ميدان ~~القتال، وسنتهم هي سنة عمر حين حذر المجاهدين أن يعتدوا؛ لأن الله لا يحب المعتدين، ثم قال: ~~«لا تجبنوا عند اللقاء، ولا تمثلوا عند القدرة، ولا تسرفوا عند الظهور، # 31 # ولا تقتلوا هرما ولا امرأة ولا وليدا، ونزهوا الجهاد عن عرض الدنيا، وأبشروا بالإرباح # 32 # في البيع الذي بايعتم به، وذلك هو الفوز العظيم.» # وذلك هو الجندي في حالته المثلى. # وذلك هو المفتاح الصادق الذي لا نعلم مفتاحا أصدق منه لخلائق هذا الجندي العادل ~~الكريم. # الفصل الخامس # | إسلامه # يجوز أن نبحث عن سبب واحد للعمل الذي يعمله الرجل اليوم وينساه غدا، أو يكرره كل يوم ~~ولا يلتفت إلى عقباه، أو يلتفت إلى عقباه ولا يتوقع لها أثرا يغير في مجرى حياته؛ فسبب ~~واحد لعمل من هذه الأعمال كاف، ولا حاجة بعده إلى استقصاء. # لكن العمل الذي تتحول به حياة الإنسان تحولا حاسما لن يرجع إلى سبب واحد، ولن نستغني ~~في تفسيره عن عدة أسباب، بعضها حديث وبعضها قديم، ومنها الظاهر الطيع والخفي المستعصي، وقد ~~يجهل صاحبها بعض هذه الأسباب، وينسى المهم منها، ويتعلق بالهين القريب. # فالرجل الذي يغير موطنه أو معيشته أو زيه لا يفعل ذلك عفو الساعة، ولا تلبية لاقتراح ~~يوحى إليه في مجلس فراغ، وقد يتوهم هو أنه سمع الاقتراح فلباه، وأنه لم يكن ليلبيه لولا ~~ما سمع في تلك اللحظة العارضة، فهجر أهله، وترك موطنه، وغير صناعته من أجل كلمة، وإنك ~~سائله ساعتئذ: «إنك قد هجرت أهلك، وتركت موطنك، وغيرت معيشتك لأنك لبيت اقتراحا، فهل ~~تعلم لم لبيت الاقتراح؟» فإذا سألته ذلك السؤال رددته إلى نفسه، فعلم أن الأسباب الصحيحة ~~وراء ذلك، وأنه لم يتحول لأنه سمع الاقتراح المزعوم، بل سمع الاقتراح ولباه لأنه ms058 كان قبل ~~ذلك مستعدا للتحول، ماضيا في طريقه. ولو سمعه مائة معه لم يكونوا مستعدين مثله، لما ~~عملوا به، ولا التفتوا إليه. # وأين تغيير المعيشة والموطن والزي من تغيير العقيدة الدينية؟ إننا إذا استصغرنا السبب ~~الواحد في تفسير تلك التغييرات، فهو لا مراء أصغر من ذلك جدا في تفسير التحول الحاسم إلى ~~دين جديد. # لأن الإنسان إذا غير معيشته فإنما يغير صناعة، وإذا غير موطنه فإنما يغير ~~بلدا، وإذا غير زيه، فإنما يغير سمتا # 1 # يقوم على كساء، ولكنه إذا غير عقيدته الدينية فقد غير ~~كونه، واستبدل به كونا آخر، وقد غير ماضيه وماضي أهله، وغير حاضره وحاضر أهله، وغير ~~مصيره في الدنيا ومصيره بعد الموت، وغير آراءه ومقاييسه فيما يأخذ، وفيما يدع من أمور ~~الحياة، وعلاقات الناس، ومنها مآلف وأواصر ومحاب ومكاره متوشجات الأصول إلى ما وراء ~~الآباء والأجداد. # فسبب واحد لا يغير هذا كله دفعة واحدة. # ولا بد لتمام هذا التغيير من أسباب سابقة مهيئة، وأسباب موقوتة هي أظهر تلك الأسباب، ~~وقد تكون أضعفها وأقلها تفسيرا لذلك الحدث العظيم في العالم، وهل يتغير الإنسان هكذا إلا ~~وقد أحاط بالعالم - في نظره - حدث عظيم؟ # ونحن قد أشرنا - فيما تقدم - إلى ندم عمر لشكاية المرأتين اللتين عارضهما في الإسلام، ~~وإلى ما كان لندمه من كسر حدته، واستلال ضغنه، وترويض عناده، والتقريب بينه وبين الخشوع ~~الديني، والهداية الإسلامية، فهل نقف عند هذا الندم وكفى؟ وهل انتهينا به إلى حيث يستقر ~~الوقوف؟ # ومما لا شك فيه أن عمر كان مقتربا من الإسلام يوم رثى لأم عبد الله بنت حنتمة، وتركها ~~تنطلق إلى الهجرة وهو يدعو لها بالسلامة، وكانت هي على صواب حين طمعت في إسلامه ورجالها ~~يائسون منه، فقد سألها عامر بن ربيعة مستغربا مستبعدا: كأنك قد طمعت في إسلام عمر؟ قالت: ~~نعم. قال: إنه لا يسلم حتى يسلم حمار الخطاب! # ولكن الرجل أخطأ، وصدقت المرأة، إذ ليس أسرع من المرأة أن تلمح جانب الرقة وجانب الغضب من ~~قلب الرجل في خطفة ms059 عين، أليست حياتها كلها من قديم الزمن منوطة بذلك الغضب، كيف تتلطف في ~~تحويله؟ وبتلك الرقة كيف تتلطف في ابتعاثها من مكمنها، وهل تحجبها عنها القوة وهي ما نفذت ~~إلى نفس الرجل قط إلا من وراء القوة؟ # فعمر كان مقتربا من الإسلام يوم رثى للمرأة المهاجرة، ودعا لها بصحبة الله، وكان على ~~تمام الإسلام يوم رأى الدم على وجه أخته، ورأى زوجها منطرحا لا يقوى على دفاع. # ولكنه - كما قلنا - سبب من أسباب، أو أنه هو السبب العارض الذي يومئ # 2 # إلى السبب العميق: سبب عارض هو الأسف لشكاية الضعيف، وسبب ~~عميق هو الرحمة التي تجمل بذي نخوة كريم. وليس الإنسان كله ندما ورحمة، وإن طال ندمه وطالت ~~رحمته، فليس كل ما احتوى رحمته بمحتويه إلى زمن طويل. # وقد تعددت الروايات في إسلام عمر، واختلف بعض هذه الروايات في اللفظ، واتفق في المغزى، ~~وجعل أناس ينظرون فيها كأنما الصحيح منها لا يكون إلا رواية واحدة وسائرها باطل لا يشتمل ~~على حقيقة، فلم لا تكون صحاحا كلها؟ ولم لا تكون أسبابا متعددات في أوقات مختلفات؟ فمن ~~المستطاع المعقول أن نسقط منها قليلا من الحشو هنا، ثم نخلص منها إلى جملة أسباب لا تعارض ~~بينها في الجواهر، وقد يعزز بعضها بعضا في نسق السيرة وفي لباب النتيجة. # روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: «كنت للإسلام مباعدا، وكنت صاحب خمر في ~~الجاهلية أحبها وأشربها، وكان لنا مجلس يجتمع فيه رجال من قريش، فخرجت أريد جلسائي ~~أولئك، فلم أجد منهم أحدا، فقلت: لو أنني جئت فلانا الخمار! وخرجت فجئت فلم أجده، ~~قلت: لو أنني جئت الكعبة، فطفت بها سبعا أو سبعين! فجئت المسجد أريد أن أطوف بالكعبة ~~فإذا رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قائم يصلي، وكان إذا صلى استقبل الشام، وجعل الكعبة بينه وبين ~~الشام، واتخذ مكانه بين الركنين: الركن الأسود والركن اليماني. فقلت حين رأيته: والله لو ~~أني استمعت لمحمد الليلة حين أسمع ما يقول! وقام بنفسي أنني لو دنوت ms060 أسمع منه ~~لأروعنه، # 3 # فجئت من قبل ~~الحجر، # 4 # فدخلت تحت ثيابها ما بيني وبينه إلا ثياب الكعبة، فلما ~~سمعت القرآن رق له قلبي؛ فبكيت ودخلني الإسلام.» # وروى ابن إسحاق في سبب إسلامه كما نقلنا عنه في كتابنا «عبقرية محمد»: أن عمر خرج ~~يوما متوشحا سيفه يريد رسول الله # صلى الله عليه وسلم # ورهطا من أصحابه، قد اجتمعوا في بيت عند ~~الصفا، وهم قريب من أربعين بين رجال ونساء، ومع رسول الله # صلى الله عليه وسلم # عمه حمزة بن عبد المطلب، ~~وأبو بكر بن أبي قحافة الصديق، وعلي بن أبي طالب في رجال من المسلمين رضي الله عنهم، فلقيه ~~نعيم بن عبد الله فقال له: أين تريد يا عمر؟ فقال: أريد محمدا هذا الصابئ # 5 # الذي فرق أمر قريش وسفه أحلامها، وعاب دينها، وسب آلهتها فأقتله. فقال نعيم: ~~والله لقد غرتك نفسك يا عمر! أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض وقد قتلت محمدا؟ ~~أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم؟ قال: وأي أهل بيتي؟ قال: ختنك # 6 # وابن عمك سعيد بن زيد بن عمرو، وأختك فاطمة بنت الخطاب، فقد والله أسلما وتابعا ~~محمدا على دينه، فعليك بهما. # قال: فرجع عمر عامدا إلى أخته وختنه، وعندهما خباب في مخدع لهم، أو في بعض البيت، وأخذت ~~فاطمة بنت الخطاب الصحيفة، فجعلتها تحت فخذها، وقد سمع عمر حين دنا إلى البيت قراءة ~~خباب عليهما. فلما دخل قال: ما هذه الهينمة # 7 # التي سمعت؟ قالا له: ما سمعت شيئا! قال: بلى والله، لقد أخبرت أنكما تابعتما ~~محمدا على دينه. وبطش بختنه سعيد بن زيد، فقامت إليه أخته فاطمة لتكفه عن زوجها، فضربها ~~فشجها، فلما فعل ذلك قالت له أخته: نعم، قد أسلمنا، وآمنا بالله ورسوله، فاصنع ما بدا لك. ~~فلما رأى عمر ما بأخته من الدم ندم على ما صنع، فارعوى، وقال لأخته: أعطيني هذه الصحيفة ~~التي سمعتكم تقرءون آنفا، أنظر ما هذا الذي جاء به محمد ... وقرأ سورة طه، فلما قرأ ms061 منها ~~صدرا قال: ما أحسن هذا الكلام وأكرمه! فلما سمع ذلك خباب، خرج إليه فقال له: يا عمر، والله ~~إني لأرجو أن يكون الله قد خصك بدعوة نبيه، فإني سمعته أمس وهو يقول: اللهم أيد الإسلام ~~بأبي الحكم بن هشام أو بعمر بن الخطاب، فالله الله يا عمر! فقال له عند ذلك عمر: دلني يا ~~خباب على محمد حتى آتيه فأسلم. فقال له خباب: هو في بيت عند الصفا معه فيه نفر من أصحابه. ~~فأخذ عمر سيفه، فتوشحه، ثم عمد إلى رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وأصحابه، فضرب عليهم الباب، وقام رجل ~~من أصحاب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فنظر من خلل # 8 # الباب، فرآه متوشحا بالسيف، فرجع إلى رسول الله وهو فزع، ~~فقال: يا رسول الله، هذا عمر بن الخطاب متوشحا السيف. فقال حمزة بن عبد المطلب: نأذن له، ~~فإن كان يريد خيرا بذلناه له، وإن كان يريد شرا قتلناه بسيفه. فقال رسول الله: ائذن له. ~~ونهض إليه حتى لقيه بالحجرة فأخذ بحجزته # 9 # أو بمجمع ردائه، ~~ثم جبذه جبذة # 10 # شديدة، وقال: ما جاء بك يا بن ~~الخطاب؟ فوالله ما أرى أن تنتهي حتى ينزل الله بك قارعة! # 11 # فقال عمر: يا رسول الله، جئتك لأؤمن بالله وبرسوله ~~وبما جاء من عند الله. # هاتان الروايتان هما أجمع الروايات للأسباب «المباشرة» التي قربت بين عمر والإسلام، ~~وتتفرع منهما روايات منوعة يزيد بعضها تارة أن عمر قد أوفد لقتل النبي من قبل قريش، ~~ويزيد بعضها تارة أخرى آيات من القرآن الكريم قرأها عمر في بيت أخته غير الآيات التي ~~تقدمت الإشارة إليها في سورة طه، وأشبهها بالتصديق أنه لما اطلع على الصحيفة قرأ فيها اسم ~~«الرحمن الرحيم» فذعر وألقاها، ثم رجع إلى نفسه فتناولها، وجعل كلما مر باسم من أسماء ~~الله ذعر، فلما بلغ # وما لكم لا تؤمنون بالله ~~والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم إن ~~كنتم مؤمنين # قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا ms062 رسول ~~الله. # وهذه على اختلافها روايات متقاربة يبدو لنا أنها قصة واحدة شطرت شطرين وزيدت عليها ~~الحواشي والأطراف، فاختلفت في ألفاظها ومواعيدها، واتفقت في جوهرها ومدلولها؛ لأنها تمس نفس ~~عمر من الناحية التي هي أشبه أن تهديه إلى طريق جديد. # وهي - كما أسلفنا - تجمع لنا الأسباب «المباشرة» التي اقترنت بإسلام عمر، ولا تغنينا عن ~~الأسباب الأخرى التي هي أساس هذه الأسباب ومرجعها، ولأجلها كان خليقا أن تأخذه بلاغة ~~القرآن، وأن تميل به الرحمة إلى الإيمان. # فقد كان مهيأ للإسلام لا محالة، وكانت مجافاته للإسلام خليقة أن تنتهي بعد قليل، وألا ~~تطول إلا ريثما تعن المناسبة للشهادة باللسان بعد التهيؤ بالفطرة والضمير. # فلم يكن بين عمر والإسلام في بداية الأمر إلا باب واحد للعداء. # وكل ما عدا ذلك من الأبواب فقد كان مفتوحا بينه وبين هذا الدين الجديد، ما هو إلا أن ~~يراه بالعين حتى يندفع فيه. # كان باب العداء بينه وبين الإسلام أنه رجل قوي غيور عزيز في قومه، فإذا رجل يخرج ~~عليهم فيفرق - كما قال - أمر قريش، ويسفه أحلامها، ويعيب دينها ويسب آلهتها، فلا جرم يثور ~~ويغضب وينقم، ولا عجب أن يذود عن ذماره، ويرحض # 12 # المعابة عن شرف آبائه، ويرى أنه غير عاد ولا باغ، وأن البغي والعدوان إنما ~~يجيئان من قبل ذلك الرجل الخارج على قومه، حتى يتبين له بالحق الذي يصدع له أن الذي هو ~~فيه هو البغي والعدوان. # ذلك باب العداء الوحيد الذي كان بين عمر والإسلام، وهو باب لا يطول مدخله في نفس ~~طبعت على العدل والإنصاف. # فما من سبب يصل بين الجاهلي الشريف وهذا الدين الجديد إلا كان موصولا بنفس عمر أوثق ~~صلة، وما علمنا من سبب للإسلام إلا كانت له عقدة في نفس عمر وثيقة القرار. # فربما أسلم أناس لأنهم أخذوا ببلاغة القرآن، وأسلم أناس كرهوا المنكر الذي كان يشيع في ~~الجاهلية، أو لأنهم ورثوا النزعة الدينية والخلائق المستقيمة، أو لأنهم جبلوا على روحانية ~~تصل بينهم وبين عالم الغيب وحظيرة الأسرار، أو ms063 لأنهم قد عرضت لهم عارضة موقوتة، حركت ما ~~فيهم من كوامن تلك الأسباب. # وكل أولئك كان عمر على استعداد له عظيم. # وكل أولئك لم يكن عمر فيه بالوسط المكرر، بل كان فيه العلم المترفع المضيء بين ~~الأعلام. # كان عمر بليغا حسن النقد للبلاغة، هواه منها الصدق والطبع وجمال التفصيل، فكان يطرب لقول ~~زهير: # فإن الحق مقطعه ثلاث # يمين أو نفار أو جلاء # 13 # ويقول كلما أنشده معجبا: ما أحسن ما قسم! وسماه شاعر الشعراء؛ لأنه لا يعاظل # 14 # بين القوافي ولا يتبع حوشي الكلام. # وربما قضى الليلة ينشد شعره حتى يبرق الفجر، فيقول لجليسه: «الآن اقرأ يا عبد ~~الله.» # وجاءه يوما بعض آل هرم بن سنان ممدوح زهير، فقال عمر: أما وإن زهيرا كان يقول فيكم ~~فيحسن. فقيل له: كذلك كنا نعطيه فنجزل . فعاد عمر يقول: ذهب ما أعطيتموه، وبقي ما ~~أعطاكم. # وجاءه وفد من غطفان فسألهم من الذي يقول: # حلفت فلم أترك لنفسك ريبة # وليس وراء الله للمرء مذهب # قالوا: نابغة بني ذبيان. فسألهم: ومن الذي يقول: # أتيتك عاريا خلقا ثيابي # على وجل تظن بي الظنون # 15 # فألفيت الأمانة لم تخنها # كذلك كان نوح لا يخون # قالوا: هو النابغة. فقال: هو أشعر شعرائكم. # وطالما أعجب بقول عبدة بن الطبيب: # والمرء ساع لأمر ليس يدركه # والعيش شح وإشفاق وتأميل # وينشده فيقول: على هذا بنيت الدنيا. # وندر بين أئمة الدين من غاص في أدب قومه غوصه، ووعى من أشعارهم وطرفهم مثل ما وعاه. ~~قال الأصمعي: «ما قطع عمر أمرا إلا تمثل فيه ببيت من الشعر.» ونحن نرجع إلى الشعر الذي ~~تمثل به فنراه في أحسن موقع وأصدق شاهد، ونلمح من قليل أخباره في خلوته أن الأدب ~~كان جانبا من جوانبه التي ترق فيها حاشيته، ويأنس فيها إلى قلبه، ويرجع فيها إلى فطرته. ~~جاء عبد الرحمن بن عوف إلى بابه، فوجده مستلقيا على مزحفة له، وإحدى رجليه على الأخرى وهو ~~ينشد بصوت عال: # وكيف ثوائي # 16 # بالمدينة ~~بعدما # قضى وطرا منها جميل ms064 بن معمر؟! # فلما دخل عبد الرحمن وجلس قال له: يا أبا محمد، إنا إذا خلونا قلنا كما يقول ~~الناس. # ولم يقصر إعجابه بالشعراء على الذين وافقوا المواعظ والسنن الدينية، بل نظر في فنهم وفاضل ~~بينهم في بلاغتهم، ففضل امرأ القيس لأنه «سابقهم، خسف لهم عين الشعر، فافتقر عن معان عور ~~أصح بصر.» # 17 # ونوادره مع الشعراء والرواة كثيرة، تدل على شغفه بالبلاغة الصادقة، وحفظه لأجمل ما يحفظ ~~بين أهل عصره، كما تدل على ذلك خطبه ورسائله وشواهده وأمثاله. # وقد يصح أنه نظم الشعر أو لا يصح، فقد نسبت إليه أبيات وأنكر هو أنه شاعر؛ حيث يقول: لو ~~نظمت الشعر لقلته في رثاء أخي. ولكن الصحيح أنه كان يحب الشعر البليغ، ويرويه، ويوصي ~~بروايته، وأنه نشأ في قوم يحبون مثل ما أحب، ويعجبون بمثل ما أعجبه، ومنهم أبوه الذي نظم ~~الشعر في أكثر من مناسبة، وروى عنه أنه قال لما توعده أبو عمرو بن أمية: # أيوعدني أبو عمرو ودوني # رجال لا ينهنهها الوعيد # 18 # ربيع المعدمين وكل جار # إذا نزلت بهم سنة كئود # 19 # هم الرأس المقدم من قريش # وعند بيوتهم تلقى الوفود # فكيف أخاف أو أخشى عدوا # ونصرهم إذا أدعو عتيد # فلست بعادل عنهم سواهم # طوال الدهر ما اختلف الجديد # 20 # إلى آخر ما نسب إليه. # فأقرب شيء إلى الواقع - وإلى المتوقع - أن يؤخذ ببلاغة القرآن رجل نشأ هذه النشأة، وأحب ~~الكلام البليغ هذا الحب، وأن يخشع لآياته، ويعجب لتفصيله، فيفتح من قلبه مسالك ~~الإصغاء. # وكان عمر مستقيم الطبع مفطورا على الإنصاف، فلم يكن رجل مثله ليستريح إلى فساد الجاهلية، ~~أو يخفى عليه فسادها، إذا نبه إليه وهدي إلى ما هو خير منه. # وكانت النزعة الدينية وراثة في أسرته على ما يظهر من مبادرة أخته فاطمة وابن عمه سعيد بن ~~زيد إلى الإسلام، وكان له قبل الإسلام رجل من عمومته يقدح في الوثنية، ويبحث عن الحق في ~~النصرانية واليهودية، ويبتلي أهله بالخلاف، ويبتلونه بالإيذاء والحبس والإرهاق، ونعني به ~~زيد بن ms065 عمرو بن نفيل. # وعمر نفسه، ألم يقل لنا إنه يئس ليلة من السمر ومن الخمر، فذهب يطوف بالبيت، كأن طواف ~~البيت شهوة من شهوات قلبه، تنوب عنه مناب المحبوب من الشهوات؟ ألم يكن في الجاهلية ينذر أن ~~يعتكف ليلة من كل أسبوع؟ بل لعل صلابة الخطاب أبيه لم تكن في صميمها شيئا مناقضا لعنصر ~~الدين والإيمان، فإذا هؤلاء الصلاب الشداد في المحافظة على العرف هم أولئك المؤمنون ~~المتزمتون # 21 # الذين لا يطيقون المساس بعقائدهم إذا آمنوا بدين. # وزاد عمر على الوراثة الدينية أنه كان صاحب فراسة وزكانة، # 22 # وكان يستطلع الرؤى والمنامات، ويتصل بالغيب، ويبصر على ~~البعد كما سلف في حديث سارية حين ناداه: يا سارية الجبل! يا سارية الجبل! وبينهما مسيرة ~~أيام. # وكانت العوارض تمر به فتعطفه إلى الإسلام تارة من طريق الرحمة، وتارة من طريق العدل ~~والنخوة، فيخشع ويندم ، ويراجع عناده وكبرياءه؛ إذ ليس أبغض إلى الرجل الأبي المنصف من أن ~~يحارب أناسا لا يحاربونه، ويلج في إيذاء قوم لا يقدرون على أذاه. # فإذا تفتحت هذه الأبواب جميعا بين عمر والإسلام، فباب واحد موصد لن يحجبه طويلا عن ~~هذا الدين، ولن يحجب هذا الدين طويلا عنه. # وقد تفتحت في يوم من الأيام. # تفتحت كلها فدخلها دخول العاصفة من جميع الأبواب، وأسلم الجاهلي الشريف، كما كان ينبغي أن ~~يسلم، وكما كان يقينا سيسلم في مناسبة من المناسبات. # فإذا العالم الإنساني قد تفتحت فيه صفحة جديدة: صفحة يقرأ فيها القارئ قبل كل شيء ماذا ~~يصنع الإسلام بالنفوس، ويعلم منها قبل كل علم أن هذا الدين كان قدرة بانية منشئة من لدن ~~المقادير التي تسيطر على هذا الوجود، كان قدرة تلابس الضعيف فيقوى، وتلابس القوي فتنمي ~~قوته، وتجري به في وجهته، وكان يدا خالقة حاذقة تأخذ الحجارة المبعثرة في التيه، فإذا هي ~~صرح له أساس وأركان، وفيه مأوى للضمائر والأذهان. جاهلي كسبه الإسلام فكسبه العالم الإنساني ~~كله إلى آخر الزمان ... ونفس ضائعة ردت إلى صاحبها فعرف منها ما كان ينكر، واطلع ms066 منها على ما ~~كان يجهل، ونفع بها أمته، وأمما لا تحصى، وصنع بها الإسلام أعظم وأفخم ما تصنعه قدرة بناء ~~وإنشاء، حيثما كانت قدرة بناء وإنشاء. # ونظرت الأمم فرأت كيف تعلو النفس الإنسانية حتى يحار فيها الإنسان وهو ريشة في مهب ~~النوازع والأشجان. # 23 # رأت كيف يصبح العدل والحق طبيعة حياة، وكيف يصبح مخلوق من اللحم والدم، وكأنه لا يأكل ~~طعامه ولا يروي ظمأه إلا ليعدل ويعرف الحق، وكأنه لا يصحو ولا ينام إلا ليعدل ويعرف الحق، ~~وكأنه لا يتنفس الهواء إلا ليمتنع الظلم عن الناس وتدول دولة الباطل بين الناس، وكأنما ~~العدل والحق دين عليه يطالبه به ألف غريم، وهو وحده أقوى في المطالبة بهما من ألف ~~غريم. # لقد كان هذا الرجل المجيد يبغض أن يظلم غيره أشد من بغضه أن يظلمه غيره، وهذه منزلة في ~~الأنفة لا تطاولها المنازل؛ لأنها منزلة الأبطال الذين يسمون على أنفسهم، ولهم أنفس أسمى من ~~عامة الأبطال. # وإننا لنعلم كم حز في قلبه الكريم أن يضرب بريئا على دين الحق كلما رجعنا إلى أيامه ~~الأولى بعد الإسلام، وهي أيام لا تنسى في تاريخ البطولة والأبطال. # فما شغله أمر بعد إعلان الدين إلا أن يخرج ليضربه أناس كما كان يضرب أناسا في سبيل ذلك ~~الدين. # ثار إلى الناس يضربونه ويضربهم، فقال خاله يسأل: ما هذه الجماعة؟ قيل له: إن ابن الخطاب ~~قد صبأ، فقام على الحجر فنادى: ألا إنني قد أجرت # 24 # ابن أختي. فانكشف الناس عنه. فكان لا يزال يرى مسلما يضرب ولا يضربه أحد، وثقل ~~عليه ألا يصيبه ما يصيب المسلمين، فذهب إلى خاله، وقد اجتمع الناس في الحجر وناداه: اسمع! ~~جوارك مردود عليك. # 25 # قال خاله وهو به ~~وبما يستهدف له أدرى: لا تفعل يا بن أختي. فأصر على رد جواره، وطاب له بعد ذلك أنه اقتص من ~~نفسه للأبرياء الذين ضربهم وهو يجهل دينهم، فلا تمضي تلك الضربات بغير قصاص، وإن كفر عنها ~~بالتوبة وإعزاز الدين الذي آذاهم من أجله. ms067 # وأبى من اللحظة الأولى إلا أن يواجه الخطر الأكبر في سبيل دينه، وإلا أن يقبض على الثور ~~من قرنيه، كما يقول الغربيون في أمثالهم، وأن يتحدى قريشا بحقه مذ آمن بأنهم على باطل، ~~فسأل أناسا: أي أهل مكة أنقل للحديث؟ قيل له: جميل بن معمر الجمحي، فذهب إليه فصرح له ~~بإسلامه، ولم يكذب الرجل الظن به، فما هو إلا أن سمعها حتى خرج وعمر وراءه إلى أندية قريش ~~حول الكعبة، يصرخ بأعلى صوته على باب المسجد: يا معشر قريش، ألا إن عمر بن الخطاب قد ~~صبأ. وعمر يقول من خلفه: كذب! ولكني أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ~~ورسوله، ثم تنشب المعركة بين هذا الرجل المفرد وبينهم، فيثب على أدناهم منه وأجرئهم عليه ~~عتبة بن ربيعة فيصرعه، ويبرك عليه يضربه، ويدخل أصبعيه في عينيه لأنهما عمياوان عن الحق ~~لا يبصران النور، ويتكاثرون عليه فلا يدنو منهم أحد «إلا أخذ شريف من دنا منه» حتى أحجموا ~~عنه، وركدت الشمس، وفتر من طول الصراع، فجلس وهم قائمون على رأسه ~~يثلبونه، # 26 # وهو يقول ~~لهم: «افعلوا ما بدا لكم، فوالله لو كنا ثلاثمائة رجل لتركتموها لنا أو تركناها لكم.» ~~افعلوا ما بدا لكم! وهذا ما أراد؛ فما يستريح وجدانه الحي أن يضرب مسلما لإسلامه، ولم يضرب ~~كافرا لكفره، وما يشعر أنه وفى لله دينه وقد ضرب ولم يضرب، وآذى أناسا ولم يؤذه ~~أحد، وما تهدأ حاسة العدل فيه، وقد كانت كأنها من حواس بدنه، إلا أن يحس القصاص في نفسه، ~~كما أحس المضروبون بالأمس عدوانه في أنفسهم. # وراح يسأل النبي: يا رسول الله، ألسنا على الحق إن متنا أو حيينا؟ فقال عليه السلام: ~~بلى، والذي نفسي بيده إنكم على الحق إن متم وإن حييتم. قال: ففيم الاختفاء؟ والذي بعثك ~~بالحق لتخرجن! # فما لبث النبي أن خرج في صفين، أحدهما فيه عمر والآخر فيه حمزة، ولهما كديد كأنه ~~كديد # 27 # الطحين، فدخلوا ~~المسجد وقريش تنظر وتعلوها كآبة، فلا يجرؤ سليط ms068 # 28 # منها ولا حكيم أن يقترب من صفين فيهما هذان، وسماه النبي يومئذ ~~الفاروق. # قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه: «ما علمت أن أحدا من المهاجرين هاجر إلا مختفيا ~~إلا عمر بن الخطاب، فإنه لما هم بالهجرة تقلد سيفه، وتنكب قوسه، وانتضى في يده أسهما، ~~واختصر عنزته # 29 # ومضى قبل الكعبة والملأ من قريش بفنائها، فطاف في البيت سبعا متمكنا، ثم أتى ~~المقام فصلى، ثم وقف على الحلق # 30 # واحدة واحدة يقول لهم: شاهت الوجوه! # 31 # لا يرغم الله إلا هذه المعاطس! # 32 # من أراد أن يثكل أمه، أو يوتم ولده، أو يرمل زوجته؛ # 33 # فليلقني وراء هذا الوادي.» # لقد كان له في تحديه هذا لقريش عدتان: شجاعته وعدله، فما كانت شجاعته في هذا التحدي بأظهر ~~من عدله، ولا كان عدله فيه بأظهر من شجاعته؛ إذ الشجاع الحق مطبوع على الأنفة من الظلم؛ ~~لأنه شديد الإحساس بذله، ومن كان شديد الإحساس بذل الظلم، فهو شديد الإحساس بعزة العدل ~~من طريق واحد، وقلما أغضب العادل الشجاع شيء كاستطالة الظالم وظنه أن المظلوم لا يستطيل ~~عليه، فذلك هو التحدي الذي يثير الشجاعة، ويثير النقمة على الظلم، أو يثير حب العدل في وقت ~~واحد، وإن الموت لأهون من الصبر على هذا التحدي المرذول، وهذا الصلف القبيح. وما الشجاعة ~~إن لم تكن هي الجرأة على الموت كلما وجب الاجتراء عليه؟ وأي امرئ أولى بالجرأة من الشجاع ~~الذي يعلم أن الحق بين يديه؟ ألسنا على الحق إن حيينا وإن متنا؟ فعلى الحق إذن فلنمت، ~~ولا نعيش على الباطن، فالباطل كريه والجبن كريه، وذانك ملتقى العدل والشجاعة في قلب العادل ~~الشجاع. # ونهج عمر طريقه في الإسلام كما نهج طريقه إلى الإسلام، كلاهما طريق صراحة وقوة لا يطيق ~~اللف والتنطع، ولا يحفل بغير الجد الذي لا عبث فيه، فلا وهن ولا رياء، ولا حذلقة ولا ادعاء، ~~وما شئت بعد ذلك من إسلام صريح قويم فهو إسلام عمر بن الخطاب. # قال في بعض عظاته: «لا تنظروا ms069 إلى صيام أحد، ولا إلى صلاته، ولكن انظروا من إذا حدث ~~صدق، وإذا ائتمن أدى، وإذا أشفى - أي هم بالمعصية - ورع.» # وقال في هذا المعنى: «لا يعجبنكم من الرجل طنطنته، ولكن، من أدى الأمانة إلى من ائتمنه، ~~وسلم الناس من يده ولسانه.» # وقال في عمل الدنيا والآخرة: «ليس خيركم من عمل للآخرة وترك الدنيا، أو عمل للدنيا وترك ~~الآخرة، ولكن خيركم من أخذ من هذه ومن هذه، وإنما الحرج في الرغبة فيما تجاوز قدر الحاجة، ~~وزاد على حد الكفاية.» # ولم يكن أبغض إليه ممن يتوانى ليقال إنه متوكل على الله، أو يتراءى بالضعف ليقال إنه ~~ناسك، أو يفرط # 34 # في العبادة ليقال إنه زاهد في الدنيا. # فكان يقول: «إن المتوكل الذي يلقي حبة في الأرض ويتوكل على الله.» و«لا يقعد أحدكم عن ~~طلب الرزق، ويقول اللهم ارزقني. وقد علمتم أن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة، وأن الله ~~تعالى يرزق الناس بعضهم من بعض.» # وكان يضرب من يتماوت ويستكين ليظهر التخشع في الدين، فنظر إلى رجل مظهر للنسك متماوت، ~~فخفقه بالدرة وقال: «لا تمت علينا ديننا أماتك الله.» وأشاروا له إلى رجل يصوم الدهر، فضربه ~~وهو يقول له: «كل يا دهر! كل يا دهر!» ينهاه عن الصوم الذي يعوقه عن معاشه، ولا يوجبه عليه ~~الدين. # وكان كلما رأى شابا منكسا رأسه صاح به: «ارفع رأسك فإن الخشوع لا يزيد على ما في القلب، ~~فمن أظهر للناس خشوعا فوق ما في قلبه فإنما أظهر للناس نفاقا إلى نفاق.» # وإنما كان يعجبه «الشباب الناسك نظيف الثوب طيب الرائحة»، ويرى المسلمين بخير ما علموا ~~أبناءهم الرمي والعوم والفروسية، «فأنتم بخير - كما قال - ما ~~نزوتم # 35 # على ظهور الخيل.» # دين الرجل القوي الشجاع الذي ينتصر بدينه في ميدان الحياة، وليس بدين الواهن المهزوم ~~الذي تركته الدنيا، فأوهم نفسه أنه هو تاركها ليقبل على الآخرة. # وكانت شجاعته في دينه أندر الشجاعات في النفوس الآدمية؛ لأنها الشجاعة التي يواجه بها ~~تهمة الجبن، وهو أرذل من الموت ms070 عند الرجل الشجاع. فإن كثيرا من الناس ليعدلون عن الصواب ~~الذي يظهرهم بمظهر الخوف ليقال إنهم شجعان، وإنهم في عدولهم عنه لمن الجبناء المستعبدين ~~للثناء، ولم يكن عمر يعدل عن صواب فهمه، ولو قيل في شجاعته ما قيل، وتلك أشجع ~~الشجاعات. # فشا طاعون عمواس وعمر في طريقه إلى الشام، فلقيه أبو عبيدة وأصحابه عند تبوك، وأخبروه خبر ~~الطاعون، فاستشار المهاجرين والأنصار، فاختلفوا بين ناصح بالمضي وناصح بالقفول: ناصح بالمضي ~~في طريقه يقول إنه خرج لأمر، ولا يرى له أن يرجع عنه، وناصح بالقفول يقول إنه اصطحب «بقية ~~الناس وأصحاب رسول الله، ولا يرى أن يقدمهم على وباء.» ثم دعا مشيخة قريش من مهاجرة الفتح، ~~فلم يختلف عليه رجلان، وأشاروا جميعا بالرجوع. فقال أبو عبيدة: أفرارا من قدر الله؟ قال ~~عمر: نعم، نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو كان لك إبل هبطت واديا له ~~عدوتان # 36 # إحداهما خصبة ~~والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟! ~~وما رام # 37 # مكانه حتى جاءه عبد الرحمن بن ~~عوف، فحسم الخلاف برأي النبي في الخروج من أرض الطاعون والقدوم إليها؛ حيث قال عليه السلام: ~~«إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها.» # فكان إيمانه بصيرا لا يهجم به على عمياء، ولا يستسلم فيه استسلام العجزة، وهو قادر على ~~الحيطة والأخذ بالأسباب، وكانت نصيحته العامة للمسلمين في أمر الطاعون كرأيه الخاص في أمر ~~نفسه وصحبه، فأمرهم بالاستنقاذ ما وجدوا له سبيلا، وكتب إلى أبي عبيدة: «إنك قد أنزلت ~~الناس أرضا غمقة - أي وخيمة - فارفعهم إلى أرض مرتفعة نزهة.» # 38 # وهو أحوط ما يحتاط به أمير عالم في هذه الأيام. ~~••• # كذلك لم يكن يؤمن بشيء ينفع أو يضر غير ما عرفت أسباب نفعه وضرره، فكان ينظر إلى الحجر ~~الأسود فيقول كلما استلمه: # 39 ~~«إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول ~~الله # صلى الله عليه ms071 وسلم # يقبلك ما قبلتك.» # وسمع أن الناس يأتون الشجرة التي بايع رسول الله تحتها بيعة الرضوان، فيصلون عندها ~~ويتبركون بها، فأوعدهم # 40 # وأمر بها أن تقطع، مخافة أن تسري إلى الإسلام من هذه المناسك وأشباهها ~~لوثة # 41 # من الوثنية والتوكل على ~~الجماد. ~~••• # وربما التبس الأمر من نوادر عمر في التقشف واجتناب المتع والمناعم، فحسبت فرائض يوجبها، ~~ويجري فيها على طريقة أولئك النساك المتخشعين الذين كان ينهاهم أن يميتوا الدين، ويهزأ بهم ~~كلما تنطعوا وأوجبوا ما لا يجب على المؤمنين. # فلا يلتبسن الأمر هذا الملتبس، فهو واضح بين التفرقة من سيرته ومن الأحاديث التي صحبت ~~تلك النوادر، ففسرتها ودلت على الغرض منها. فعمر كان مسلما، وكان خليفة للمسلمين، وفرق ~~بين محاسبة المسلم نفسه وهو مسئول عنها دون غيرها، وبين محاسبة الخليفة نفسه حتى يقع الشك ~~في عمله، وينزه يده وأيدي أهله عما ليس لهم بحق من سلطان الحكم أو المال، ثم يفي لذكرى ~~صاحبه الذي خلفه على المسلمين، فلا يعيش في مكانه خيرا من عيشته، ولا يمنح نفسه وذويه ما ~~لم يمنحه النبي لآله وذويه. # وعمر الذي كان يقنع بالخشن الغليظ من المأكل والملبس، ويأبى أن يذوق في المجاعة مطعما، ~~لا يسع جميع المسلمين، إنما هو الخليفة الذي يحاسب نفسه قبل أن تحاسبه الرعية، وقد وجد منهم ~~من لامه لأنه طرح كساءه وفيه فضل ملبس. فاتقاء هذا الحساب وما وراءه من حساب الله، هو الذي ~~توخاه خليفة النبي في معيشته ومعيشة أهله، مما يشبه تقشف النساك. # وعلى هذا كله كان أعلم الناس أن الطيبات حلال، وأن النهي عن الحلال تنطع في الدين ~~يأباه الإسلام. # كتب إليه أبو عبيدة أنه لا يريد الإقامة بأنطاكية لطيب هوائها ووفرة خيراتها مخافة أن ~~يخلد الجند إلى الراحة، فلا ينتفع بهم بعدها في قتال، فأنكر عليه ذلك وأجابه: «إن الله - ~~عز وجل - لم يحرم الطيبات على المتقين الذين يعملون الصالحات، فقال تعالى في كتابه ~~العزيز: # يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا ~~صالحا إني بما تعملون ms072 عليم ~~. # وكان يجب عليك أن تريح المسلمين من تعبهم، وتدعهم يرغدون في مطعمهم، ويريحون الأبدان ~~النصبة # 42 # في قتال من كفر بالله.» # وحدث حذيفة بن اليمان أنه أقبل على الناس وبين أيديهم القصاع، فدعاه عمر إلى الطعام وعنده ~~خبز غليظ وزيت! فقال حذيفة: أمنعتني أن آكل الخبر واللحم ودعوتني على هذا؟ قال: إنما دعوتك ~~على طعامي، فأما ذاك فطعام المسلمين. # فللمسلمين حل ما شاءوا من الطعام، أما الرجل الذي ينفق من بيت المال فله ما يكفيه. والحرج ~~كل الحرج عليه - وهو في عدل عمر وحزمه وجلده - أن يأخذ منه ما لا حاجة به إليه، وإنه ~~ليزداد حرجا على ما فيه من قناعة أن يكون من أصحاب رسول الله، ويعلم كيف كان رسول الله ~~يأكل في بيته، وماذا كان يجد من الملبس له ولأهله، ثم يصيب من هذا أو ذاك خيرا مما أصاب ~~الرسول. # وللولاة عنده مثل ما للمسلمين عامة من حق المتعة السائغة، والنعمة التي ترضاها الرجولة، ~~لا يأخذهم بمحاكاته ؛ لأنهم يتولون الأمر كما تولاه، بل ربما لامهم على التقتير كما كان ~~يلومهم على الإسراف. # أنكر على عامله في اليمن حللا مشهرة، ودهونا معطرة، فعاد إليه العام الذي يليه أشعث ~~مغبرا عليه أطلاس، # 43 # فقال: لا، ولا كل هذا، إن عاملنا ليس بالشعث # 44 # ولا العافي، # 45 # كلوا ~~واشربوا وادهنوا، إنكم ستعلمون الذي أكره من أمركم. # ومن تمام العلم بإسلام عمر، أن نعلم فضل إسلامه مع من لم يكن من أهل الإسلام، فإن الحق ~~الذي يتبعه الرجل مع أهل دينه وحدهم لحق محدود يدخل في باب السياسة القومية أكثر من دخوله ~~في باب الفضيلة الإنسانية، وإنما يصبح حقا جديرا باسم الحق حين يتبعه الرجل مع أهل دينه ~~ومع الخارجين عليه. # وعمر كان - ولا ريب - أشد المسلمين في إسلامه. # فلو كان الإسلام ظالما بطبيعته لمن لم يدخلوا فيه، لكان عمر أشد المسلمين ظلما لهم ~~وقسوة عليهم، لكنه كان في الواقع أشد المسلمين رعاية لعهدهم مذ كان أشد المسلمين غيرة على ~~دينه ms073 وعملا بأدبه. # فكان شأنه مع من حاربوه شأن المحارب الشريف، ولن ينتظر محارب من محارب إلى آخر الزمان ~~معاملة أقوم ولا أصدق من معاملة عمر لمحاربيه. # وكان شأنه مع من صالحوه وعاهدوه أن يفي بعهدهم، ويخلص في الوفاء به إخلاص من يطالب نفسه ~~به قبل أن يطالبوه، ومن يراقب نفسه فيه قبل أن يراقبوه. # كتب للنصارى في بيت المقدس أمانا على أنفسهم وأولادهم ونسائهم وأموالهم وجميع كنائسهم؛ ~~لا تهدم ولا تسكن. وحان وقت الصلاة وهو جالس في صحن كنيسة القيامة، فخرج وصلى خارج ~~الكنيسة على الدرجة التي على بابها بمفرده، وقال للبطرك: لو صليت داخل الكنيسة لأخذها ~~المسلمون من بعدي، وقالوا: هنا صلى عمر! ثم كتب كتابا يوصي به المسلمين ألا يصلي أحد منهم ~~على الدرجة إلا واحدا واحدا غير مجتمعين للصلاة فيها ولا مؤذنين عليها. # وكذلك كان يفعل في كل موضع صلى فيه من الكنائس التي عاهد النصارى على تركها وتحريم ~~هدمها وسكناها. # أما عهده لهم فقد كان مثالا من السماحة والمروءة ، لا يطمع فيه طامع من أهل حضارة من ~~حضارات التاريخ كائنة ما كانت. # فكتب لهم العهد الذي قال فيه: «... هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من ~~الأمان، أعطاهم أمانا لأنفسهم، وأموالهم، وكنائسهم، وصلبانهم، وسقيمها وبريئها، وسائر ~~ملتها: إنه لا تسكن كنائسهم، ولا تهدم، ولا ينتقض منها، ولا من خيرها، ولا من صلبهم، ولا ~~من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم، ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من ~~اليهود، وعلى أهل إيلياء أن يعطوا الجزية كما يعطي أهل المدائن، وأن يخرجوا منها الروم واللصوت، # 46 # فمن خرج منهم فإنه آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم، ومن أقام منهم فهو ~~آمن وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية، ومن أحب من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله مع ~~الروم، ويخلي بيعهم وصلبهم فإنهم آمنون على أنفسهم وعلى بيعهم وصلبهم # 47 # حتى يبلغوا مأمنهم.» # وليس لذي عهد من ظافر أن ms074 يطمع في أمان أكرم من هذا الأمان. # وإنه قد كان يعطيهم عليه وعلى قومه هذه العهود، ثم لا يقنع بها حتى يشفعها بالوصاة للولاة ~~أن يمنعوا المسلمين من ظلم أهل الذمة، وأن يوفي لهم بعهدهم، وينضح # 48 # عنهم، ولا يكلفوا فوق طاقتهم. كتب بذلك إلى ~~أبي عبيدة، كما كتب إلى غيره من الولاة، وأوصى به في وصيته قبل أن يموت. # وما شكا إليه مظلوم - من أهل الذمة - واليا كبر أو صغر إلا أنصفه منه. بعث زياد بن حدير ~~الأسدي على عشور # 49 # العراق والشام، ~~فمر عليه تغلبي نصراني معه فرس قوموها بعشرين ألفا، فخيره أن ينزل عن الفرس ويأخذ ~~تسعة عشر ألفا، أو يمسكها ويعطي الألف ضريبة، فأعطاه التغلبي ألفا وأمسك فرسه. ثم مر عليه ~~راجعا في سنته فطالبه بضريبة أخرى، فأبى وشكاه إلى عمر وقص عليه قصته، فما زاد على أن قال ~~له: كفيت! ثم رجع التغلبي إلى زياد وقد وطن نفسه على أنه يعطيه ألفا أخرى، فوجد عمر قد كتب ~~إليه: من مر عليك فأخذت منه صدقة فلا تأخذ منه شيئا إلى مثل ذلك اليوم من ~~قابل. # 50 # وسمع أن بني تغلب لا يزالون ينازعون واليهم الوليد بن عقبة وينازعهم، وأنهم أوغروا ~~صدره، فقال فيهم يتوعدهم: # إذا ما عصبت الرأس مني بمشوذ # 51 # فغيك مني تغلب ابنة وائل # فخشي أن يضيق بهم صبره فيسطو عليهم، فعزله وأمر غيره. # ولعل حاكما من الحكام لا يرام منه أن يبلغ في البر بمخالفيه في الدين مبلغا أكرم وأرفق ~~من إجراء الصدقة على فقرائهم، ولا سيما الحاكم الذي يدعو إلى دين جديد. # وقد تقدم أن عمر أجرى الصدقة على شيخ يهودي مكفوف البصر، وقال: ما أنصفناه أن أكلنا ~~شبيبته، ثم نخذله عند الهرم. # وقد جعل ذلك سنة فيمن يبلغه أمرهم من الذميين والمعوزين، فمر في أرض دمشق بقوم مجذمين # 52 # من النصارى، فأمر أن يعطوا من الصدقات، وأن يجري ~~عليهم القوت. # وإذا أحصيت له في سيرته الطويلة أوامر وخطا تحرم الذميين بعض ms075 الحريات، أو بعض الحقوق، ~~فكن على يقين أنه قد صدر في ذلك جميعه عن حكمة توجبها سياسة الدولة، ويقرها العقل والعرف، ~~كما يقرها الدين والكتاب، ولم يصدر فيه قط عن حيف مقصود، أو عن رغبة في حرمان الذميين حرية ~~يستحقونها، أو حقا هم أحرار فيه. # ولعل الذي يحصى له من هذه الأوامر والخطط، لا يعدو النهي عن استخدام بعض الذميين، ومنعم ~~أن يتشبهوا في الأزياء والمظاهر بالمسلمين، وإجلاء بعضهم عن الجزيرة العربية في إبان ~~الفتوح، والحذر من الكيد والتجسس والانتقاض. # فأما نهيه عن استخدام بعض الذميين فارجع إلى ما قاله في ذلك تعلم أنه منع استخدامهم ~~لمصلحة العدل، وكراهة الظلم والمحاباة، فقال: «إني نهيتكم عن استعمال أهل الكتاب فإنهم ~~يستحلون الرشا.» # 53 # وطلب يوما من أبي موسى رجلا ينظر في حساب الحكومة، فأتاه بنصراني، فقال: إني سألتك ~~رجلا أشركه في أمانتي فأتيت بمن يخالف دينه ديني. وقلما نهى عن استعمال اليهود والنصارى ~~إلا ذكر بعدها: إنهم أهل رشا، ولا تحل في دين الله الرشا. # وكان له عبد من أهل الكتاب يقال له أسبق، فعرض عليه أن يسلم حتى يستعين به على بعض أمور ~~المسلمين فأبى، فأعتقه وأطلقه وقال له: اذهب حيث شئت! فلم يكن نهيه عن استخدام أهل الكتاب ~~في مهام الدولة إلا إيثارا للعدل وكراهة للرشوة والزيغ في الحكومة، وما نظن أحدا ينكر ~~أن استخدام الغرباء عن الدولة خليق أن يحاط بمثل هذا الحذر، وأن يجتنب فيه مثل هذه ~~الآفة؛ إذ يكثر بين المرتزقة الذين يخدمون دولة من الدول، وهم غرباء عنها، كارهون لمجدها ~~وسلطانها، أن ينظروا إلى منفعتهم قبل أن ينظروا إلى منفعتها، وأن يساوموا على نفوذهم قبل أن ~~يستحضروا الغيرة على سمعتها، والرغبة في خيرها وخير أهلها، ولا سيما في زمن كانت الدولة ~~تميز بالعقائد قبل أن تميز بالأوطان. # وما من أمة في عهدنا هذا تبيح الوظائف العامة إلا بقيود وفروق متفق عليها: أولها تحريمها ~~على الأجانب، ما لم تكن في استخدامهم منفعة عامة. # وهذه هي سياسة ms076 عمر في مسألة الوظائف القومية، بغير إعنات للدولة ولا إعنات للرعية، وكفى ~~باتقاء الإعنات أن العبد المملوك يخير في الوظيفة والإسلام فيأبى، فلا يصيبه من ذلك ضيم، ~~ويطلق له زمامه يفعل ما يشاء. # أما نهيه عن تشبه الذميين بالمسلمين، وكراهته أن يبدلوا أزياءهم التي ولدوا عليها، فلا ~~يلام عليه حتى نعلم لم كان أناس من الذميين يودون التشبه بالمسلمين في الزي والشارة! ~~أكانوا يتشبهون بهم حبا لدينهم، فهم إذن مسلمون لا يمنعهم مانع أن يجهروا بالإسلام، أم ~~يتشبهون بهم كيدا لهم ورغبة في التسلل بينهم والإفلات من عهودهم والتزاماتهم، وما توجبه ~~الدولة عليهم في تلك العهود والالتزامات؟ # إن كانوا يفعلونه لهذا، فلا لوم على عمر أن يأباه، وبخاصة في الزمن الذي كان المسلمون ~~فيه جميعا في حكم الجنود، وما من دولة ترضى أن تبيح أزياء جنودها لمن يشاء. # وأما إخراج بعض الذميين من الجزيرة، فما خرج منهم أحد إلا وقد غدر بذمته، وكرر الغدر ~~مرة بعد مرة، كما صنع أهل خيبر. # ومنهم من أجلي عن الجزيرة لأنه طلب الجلاء فضلا عن نقضه العهد، كما فعل أهل ~~نجران. # فقد صالحهم النبي على أن يبقوا في مساكنهم، ولا يأكلوا الربا، ولا يتعاملوا به، وجاء أبو ~~بكر فجدد الصلح على ذلك، ثم استخلف عمر، فرجعوا إلى الربا وأفرطوا فيه، وكانوا قد بلغوا ~~أربعين ألفا فتحاسدوا بينهم، وأتوا عمر يسألونه إجلاءهم، فاستحب هذا الجلاء. # على أنه لم يكن يأبى على التجار المأمونين أن يدخلوا الجزيرة، ويؤدوا العشور. فلما كتب ~~إليه المشركون من أهل منبج أن «دعنا ندخل أرضك تجارا وتعشرنا»، # 54 # شاور أصحاب النبي فأشاروا عليه بقبولهم، ~~فدعاهم إليه. # ولا يفوتنا في هذا الصدد أمران مقترنان بخطة الإجلاء التي لجأ إليها عمر، وأيقن بصوابها ~~وضرورتها؛ فأول الأمرين: أن الجزيرة حرم الإسلام الذي كان يحيط به أعداؤه، ويتربصون به ~~الدوائر، ويثيرون الفتنة على أطرافه، كما صنع الفرس بالعراق، والروم بالشام، ولا أمان على ~~حرم يسكنه أناس فيهم من يغدر بأهله، بل فيهم من هؤلاء كثيرون. ms077 # وثاني الأمرين: أن عمر قد سوى بين الإسلام والنصرانية في هذه الخطة، فحفظ حرم ~~النصرانية ببيت المقدس للمسيحيين، لا يسكنه معهم من لا يقبلونه، كما حفظ حرم الإسلام ~~بالجزيرة العربية للمسلمين، لا يسكنه معهم من يحذرون غدره. # وقد أجمل العوض حين ألجأته ضرورة الدولة إلى اتخاذ هذه الخطة، فاشترى بيوت أهل نجران ~~وعقاراتهم، وأقطعهم النجرانية عند الكوفة، وكتب لهم وصاة قال فيها: «... هذا ما كتب به عمر ~~أمير المؤمنين لأهل نجران: من سار منهم آمن بأمان الله لا يضره أحد من المسلمين، ومن مروا ~~به من أمراء الشام وأمراء العراق، فليوسعهم من حرث الأرض، فما اعتملوا # 55 # من ذلك فهو لهم صدقة لوجه ~~الله، ومن حضرهم من رجل مسلم فلينصرهم على من ظلمهم، فإنهم أقوام لهم الذمة وجزيتهم عنهم ~~متروكة أربعة وعشرين شهرا بعد أن يقدموا، ولا يكلفوا - إلا من صنعهم - البر، غير مظلومين ~~ولا معتدى عليهم.» # ولم يفارق عمر الدنيا حتى أوصى الخليفة الذي يختار بعده بالذميين كافة «أن يوفي بعهدهم، ~~ولا يكلفوا فوق طاقتهم، وأن يقاتل من ورائهم.» # 56 # ودون هذا بالمراحل الشاسعة يقف عدل الدول القدامى ~~والمحدثات، في كل ما اتخذت من حيطة حربية، أو حماية قومية، أو معاهدة بينها وبين أمة ~~أجنبية، وإن عذرها لدون عذر عمر في خططه، وإن أسبابها لدون أسبابه في الإقناع. ~~••• # كان مسلما شديدا في إسلامه، فلم تكن شدته في إسلامه خطرا على الناس، بل كانت ضمانا ~~لهم ألا يخافه مسلم ولا ذمي ولا مشرك في غير حدود الكتاب والسنة. # وكان جاهليا فأسلم، فأصبح إسلامه طورا من أطوار التاريخ. ولو لم يكن الإسلام قدرة ~~بانية منشئة في التاريخ الإنساني، لما كان إسلام رجل طورا من أطواره الكبار. ~~••• # وكان هذا الرجل يحب ويكره، كما يحب الناس ويكرهون، ولكن لا ينفعك عنده أن يحبك، ولا يضيرك ~~عنده أن يكرهك إذا وجب الحق ووضح القضاء، قال يوما لأبي مريم السلولي قاتل أخيه: والله لا ~~أحبك حتى تحب الأرض الدم المسفوح! فقال له أبو مريم: أتمنعني ms078 لذلك حقا؟ قال: لا. قال: لا ~~ضير! إنما يأسى على الحب النساء. # وحسبك من إسلام يحمي الرجل من خليفة يبغضه وهو قادر عليه، فذلك المسلم الشديد في دينه، ~~والذي يشتد فيأمنه العدو والصديق. # الفصل السادس # | عمر والدولة الإسلامية # تأسست الدولة الإسلامية في خلافة أبي بكر - رضي الله عنه - لأنه وطد العقيدة، ~~وسير البعوث، فشرع السنة الصالحة في توطيد العقيدة بين العرب بما صنعه في حرب الردة، وشرع ~~السنة الصالحة في تأمين الدولة من أعدائها بتسيير البعوث، وفتح الفتوح، فكان له السبق على ~~خلفاء الإسلام في هذين العملين الجليلين. # إلا أننا نسمي عمر مؤسسا للدولة الإسلامية بمعنى آخر غير معنى السبق في أعمال الخلافة؛ ~~لأننا - أولا - لا نجد مكانا في التاريخ أليق به من مكان المؤسسين للدول العظام. # ولأننا من جهة أخرى لا نربط بين التأسيس وولاية الخلافة في إقامة دولة كالدولة الإسلامية؛ ~~إذ الشأن الأول فيها للعقيدة التي تقوم عليها، وليس للتوسع في الغزوات والفتوح، وعمر كان ~~على نحو من الأنحاء مؤسسا لدولة الإسلام قبل ولايته الخلافة بسنين، بل كان مؤسسا لها منذ ~~أسلم ، فجهر بدعوة الإسلام وأذانه، وأعزها بهيبته وعنفوانه. # وكان مؤسسا لها يوم بسط يده إلى أبي بكر فبايعه بالخلافة، وحسم الفتنة التي أوشكت أن ~~تعصف بأركانها، وكان مؤسسا لها يوم أشار على أبي بكر بجمع القرآن الكريم، وهو في الدولة ~~الإسلامية دستور الدساتير، ودعامة الدعائم، ولم يزل يراجع أبا بكر في ذلك حتى استدعى زيد بن ~~ثابت كاتب الوحي، فأمره أن يتتبع آي القرآن ليجمعها من الرقاع والأكتاف والعسب # 1 # وصدور الرجال، فكان ذلك أول الشروع في جمع الكتاب. # هذا إلى أن أبا بكر - رضي الله عنه - أسس ولم يتسع له الأجل حتى يفرغ من عمله، وجاء عمر ~~بعده فأتم عمله وأقام الأساس، ثم أقام عليه البناء، وكانت قدرته على التأسيس هي آية الآيات ~~فيه وفي ذلك العصر من البداوة البادية؛ لأنه التفت إلى مواضعه الخليقة بالاهتمام والتقديم، ~~كأنه راجع تاريخ عشرين دولة مستفيضة الملك، راسخة العمران، ms079 وهي قدرة تروعنا وتدهشنا لو ~~شهدناها من ملك تربى على الملك، وسلفه # 2 # على عرشه سمط # 3 # من الملوك. وأولى أن تروعنا وتدهشنا من رجل البادية الذي يقدم على أمر جديد لم ~~تعنه فيه السوابق، ولم يهتد فيه إلا بما اختار هو أن يهتدي إليه. # فبعد جمع القرآن لا نعرف عملا يقترن به، ويلازمه، ويعد من أسس الدولة العربية كالعمل على ~~تصحيح اللغة وحفظها من الخلط والفساد، وكلاهما عمل لا يفطن إليه إلا من طبع على سليقة ~~التأسيس، وأخذ بها من أصولها، وكلاهما فطن إليه هذا المؤسس الكبير، على أهون ما يكون من ~~البساطة والسهولة، فأشار بوضع علم النحو، كما أشار بجمع آي القرآن، وكان أثره في تدعيم ~~الدولة الأدبية كأثرة في تدعيم دولة الغزوات والفتوح. # وندر في الدولة الإسلامية نظام لم تكن له أولية فيه، فافتتح تاريخا، واستهل حضارة، وأنشأ ~~حكومة، ورتب لها الدواوين، ونظم فيها أصول القضاء والإدارة، واتخذ لها بيت مال، ووصل بين ~~أجزائها بالبريد، وحمى ثغورها بالمرابطين، وصنع كل شيء في الوقت الذي ينبغي أن يصنع فيه، ~~وعلى الوجه الذي يحسن به الابتداء ، فأوجز ما يقال فيه أنه وضع دستورا لكل شيء، وتركه ~~قائما على أساس لمن شاء أن يبني عليه. # وملاك # 4 # النظم الحكومية كلها نظام الشورى الذي أقامه عمر على أحسن ما يقام عليه في ~~زمانه، فجمع عنده نخبة الصحابة للمشاورة والاستفتاء، وضن بهم على العمالة في أطراف الدولة، ~~تنزيها لأقدارهم، وانتفاعا برأيهم، واعتزازا بتأييدهم له، ومعاونتهم إياه فيما يتولاه من ~~ثواب أو عقاب. # وجعل موسم الحج موسما عاما للمراجعة والمحاسبة، واستطلاع الآراء في أقطار الدولة من ~~أقصاها إلى أقصاها، يفد فيه الولاة والعمال لعرض حسابهم وأخبار ولايتهم، ويفد فيه أصحاب ~~المظالم والشكايات لبسط ما يشكيهم، ويفد فيه الرقباء الذين كان يبثهم في أنحاء البلاد ~~لمراقبة الولاة والعمال؛ فهي «جمعية عمومية» كأوفى ما تكون الجمعيات العمومية في عصر من ~~العصور. # وكان عمر يستشير جميع هؤلاء ويشير عليهم، ويستمع لهم ويسمعهم، ويتوخى في جميع ذلك ms080 تمحيص ~~الرأي، وإبراء الذمة، والخلوص إلى التبعة السليمة من العقابيل. # وإن أضعف الناس رأيا لمن يستضعف فضل الأمير في عمل تولاه لأنه عمله بمشاورة ~~غيره. # فإن باب المشاورة مفتوح لكل إنسان، وليس كل إنسان مع ذلك بالذي يريد أن يستشير، أو الذي ~~يعرف كيف يستشير إذا أراد، أو بالذي يحسن الموازنة بين الآراء إن عرف من يستشيرهم، ومن يقبل ~~مشورتهم في حالة، ويرفضها في حالة أخرى. # إن المشاورة لفن عسير. # وإن الذي ينتفع بمشورة غيره لأقدر ممن يشير عليه. # وقد كان عمر عبقري هذا الفن الذي لا يجارى، وكان من بدعه الملهمة في هذا الفن العسير أنه ~~لم يلتمس الرأي عند أهل الحنكة والخبرة وكفى، بل كان يلتمسه كذلك عند أهل الحدة والنشاط ممن ~~يناقضون أولئك في الشعور والتفكير، فكان كما روى يوسف بن الماجشون: «إذا أعياه الأمر المعضل ~~دعا الأحداث فاستشارهم لحدة عقولهم.» وإنه لإلهام في فن الاستشارة، لا يلهمه إلا صاحب رأي ~~أصيل، فمن الرأي الأصيل أن يخبر # 5 # الإنسان كيف يستعير آراء المشيرين. # انظر إليه كيف يستشير في اختيار أمير تعلم أن الاستشارة - كما قلنا - فن ، وأنه فن ~~عسير. # قال لأصحابه: دلوني على رجل أستعمله. # فسألوه: ما شرطك فيه؟ # قال: «إذا كان في القوم وليس أميرهم، كان كأنه أميرهم، وإذا كان أميرهم كان كأنه رجل ~~منهم.» # إن الذي يسأل هكذا لهو أقدر من الذي يجيبه بالصواب؛ لأنه قطع له ثلثي الطريق السديد إلى ~~الجواب. # وكان ربما استشار العدو الذي لا يأمنه، كما فعل في سماع رأي الهرمزان في أمر الحرب ~~الفارسية؛ لأنه بصير يطلب نورا، فإن رأى النور استوى لديه أن يحمل له المصباح عدو أو ~~صديق. # ومن اليسير، إذا تعقبنا # 6 # مشاورات عمر، ~~أن نعلم أنه هو واضع دستور الشورى في الدولة الإسلامية، وأن الشورى التي وضع دستورها هي ~~شورى الرأي الأصيل، يستعين بكل أصيل من الآراء. # وقد وضع لقواده دستور الحرب، أو دستور الزحف من الجزيرة العربية إلى تخوم # 7 # أعدائها، كأحسن ما يضعه رئيس ms081 دولة لقواده وأجناده. # فأرسل المدد إلى العراق وعليه أبو عبيد بن مسعود الثقفي، وعلمه كيف يستشير مجلس الحرب ~~الذي معه، وكيف يقدم في موقع الإقدام، ويتريث في موضع التريث، وأجمل له ذلك في قوله: «اسمع ~~من أصحاب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وأشركهم في الأمر، ولا تجتهد مسرعا بل اتئد، فإنها الحرب لا ~~يصلحها إلا الرجل المكيث # 8 # الذي يعرف الفرصة، ولا يمنعني أن أؤمر سليطا «ابن قيس» إلا سرعته إلى الحرب، ~~والسرعة إلى الحرب - إلا عن بيان - ضياع.» وزاده تبصرة بالحيطة فقال له: «إنك تقدم على أرض ~~المكر والخديعة والخيانة والجبرية، # 9 # تقدم على قوم تجرءوا على الشر فعلموه، وتناسوا الخير فجهلوه، فانظر كيف ~~تكون، وأحرز # 10 # لسانك ولا تفشين سرك، فإن صاحب السر - ما يضبطه - متحصن لا يؤتى من وجه يكره، ~~وإذا لم يضبطه كان بمضيعة.» # فهي المشاورة، ثم أناة في الاجتهاد، إلا أن تجب السرعة ببيان وثقة، فليكن الإسراع. وهذه ~~وصية عمر بن الخطاب الذي يظن به الاندفاع، وينسى من يظن به هذا الظن أنه قوي الاندفاع ~~وقوي الضابط في وقت واحد، وعندما يقترن الاندفاع بضابط فهو مزية وليس بعيب . # وكتب إلى سعد بن أبي وقاص بعد اختياره لحرب فارس، وفي كتابه له قبس من هذا المعنى: «إذا ~~انتهيت إلى القادسية، وهو منزل رغيب خصيب، دونه # 11 # قناطر وأنهار ممتنعة، فتكون مسالحك # 12 # على أنقابها # 13 # ويكون الناس بين الحجر والمدر، # 14 # على حافات الحجر، وحافات المدر، والجراع # 15 # بينها، ثم الزم مكانك فلا تبرحه، فإنك إذا أحسوك أنغصتهم، ورموك بجمعهم الذي ~~يأتي على خيلهم ورجلهم، وحدهم وجدهم، # 16 # فإن أنتم صبرتم لعدوكم، واحتبستم لقتاله، وقويتم الأمانة رجوت أن تنصروا عليهم، ~~ثم لا يجتمع لكم مثلهم أبدا، إلا أن يجتمعوا وليست معهم قلوبهم، وإن تكن ~~الأخرى # 17 # كان ~~الحجر في أدباركم، فانصرفتم من أدنى مدرة من أرضهم إلى أدنى حجر من أرضكم، ثم كنتم عليهم ~~أجرأ وبها أعلم، وكانوا عنها أجبن وبها أجهل، حتى يأتي الله ms082 بالفتح.» # ثم كتب إليه يستوصفه المنازل التي نزل بها ويسأله: «أين بلغك جمعهم؟ ومن رأسهم الذي يلي ~~مصادمتكم؟ فإنه قد منعني من بعض ما أردت الكتاب به قلة علمي بما هجمتم عليه، والذي استقر ~~عليه أمر عدوكم. فصف لنا منازل المسلمين والبلد الذي بينكم وبين المدائن صفة كأني أنظر ~~إليها، واجعلني من أمركم على الجلية.» # وكتب إلى أبي عبيد وقد ترك حصار حلب يستضعف رأيه في ترك حصارها: «... سرني ما علمت من ~~الفتح، وعلمت من قتل من الشهداء، وأما ما ذكرت من انصرافك عن قلعة حلب إلى النواحي التي ~~قربت من أنطاكية فهذا بئس الرأي! أتترك رجلا ملكت دياره ومدينته، ثم ترحل عنه، وتسمع أهل ~~النواحي والبلاد بأنك ما قدرت عليه؟ فما هذا برأي، يعلو ذكره بما صنع، ويطمع من لم يطمع، ~~فترجع إليك الجيوش وتكاتب ملوكها، فإياك أن تبرح حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين. وقد أنفذت ~~إليك كتابي هذا ومعه أهل مشارف # 18 # اليمن ممن وهب نفسه لله ورسوله، ورغب في الجهاد في سبيل الله، وهم عرب وموال، # 19 # رجال وفرسان، ~~والمدد يأتيك متواليا إن شاء الله تعالى.» # فكان دستوره في الحرب أن يضع الأسس العامة، ويعهد في تنفيذها إلى ذي خبرة وأمانة، ولا ~~يتخلى عن تبعته العظمى في مصائر الحرب كل التخلي، اعتمادا على القائد وحده؛ إذ ليس القائد ~~بالمسئول الوحيد عن المصير. # فإذا رأى القائد رأيا وخالفه هو في رأيه أعانه بالمدد والمشورة على الأخذ بالرأي الذي ~~دعاه إليه، وأبطل معاذيره بتوضيح الأمر وإعانته عليه. # ولقد كان إلى جانب هذا السهر على الميادين عامة، لا يغل يد القائد فيما يحسن أن تنطلق ~~فيه، فإذا تجاوز الأمر سياسة الحرب العامة من فتح الميادين وفك الحصار وانتظار الهجوم، فمن ~~حق القائد عنده أن يختار لنفسه، ولا ينتظر الرجوع إليه، وأن يجري في إدارة المعركة على ~~الوجه الذي تمليه ضرورة الساعة، ولهذا استشاره أبو عبيدة في دخول الدروب خلف العدو، فكتب ~~إليه: «أنت الشاهد وأنا الغائب، والشاهد يرى ما ms083 لا يرى الغائب، وأنت بحضرة عدوك، وعيونك ~~يأتونك بالأخبار، فإن رأيت الدخول إلى الدروب صوابا، فابعث إليهم السرايا، وادخل معهم ~~بلادهم، وضيق عليهم مسالكهم، وإن طلبوا إليك الصلح فصالحهم ...» # فهو يضع القواعد العامة للحملة كلها منذ بداءتها. # وهو يختار القائد الضليع بتسيير تلك الحملة. # وهو بعد هذا لا يعفي نفسه من التبعة، ولا يعفي القائد من واجب الرجوع إليه في المواقف ~~الحاسمة، ولا يغل يده فيما هو أدرى به وأقدر على الاختيار فيه، ولا ينسى أن يعينه إذا خالفه ~~في الرأي ليتفق الرأيان المختلفان، فإذا رجع القائد إلى الحصار الذي أزمع أن يتركه، رجع ~~إليه وهو مؤمن بصواب ما يعمل ليستمد من الإيمان بالصواب قوة لن يشعر بها وهو يؤدي عملا ~~يخالف الصواب في تقديره. # وهذه السياسة هي السياسة التي جرى عليها عمر في جميع بعوثه وغزواته وسراياه، وهي السياسة ~~التي لا يستطيع حاكم أن يجري على غيرها في حرب قديمة أو حديثة، وقد جرى عليها فجعلته كاسب ~~النصر، كما يكسبه القائد في الميدان، وجعلت بطل الفرس رستم المشهور في التواريخ والأساطير ~~يقول إن عمر هو هازمه في الميدان، و«أنه هو عمر الذي يكلم الكلاب فيعلمهم العقل! أكل عمر ~~كبدي، أحرق الله كبده ...» # وربما أخطأ القائد الذي يختاره، فمسته التبعة من هذا الجانب؛ لأنه هو المسئول عن اختياره، ~~غير أنها لا تمسه من جانب إلا أعفي منها من جانب آخر، أو جوانب عدة، كما حدث في وقعة ~~الجسر التي قتل فيها قائده أبو عبيد المتقدم ذكره، ثم انهزم فيها جيش المسلمين، فهو مسئول ~~عن اختيار هذا القائد، كما يسأل كل رئيس دولة في مثل ذلك، ولكن أعذاره على التحقيق أكبر من ~~أخطائه في كل مسألة من هذا القبيل، وفي هذه المسألة بعينها كان اختياره لأبي عبيد إنصافا ~~له حجته الراجحة فيه؛ لأنه كان أول من أجاب الدعوة إلى القتال، فلم ير من الإنصاف أن يؤخر ~~المتقدم، ويقدم عليه المتخلفين، وقد سوغ الرجل اختياره إياه بانتصاراته الأولى التي رفعت ~~شأنه بين ms084 القواد، فلما أخطأ جاءه الخطأ من مخالفة عمر في وصاياه، ومنها وجوب التريث ~~والحذر من عبور الأنهار والجسور، ولم يكن على عمر لوم في تنحيه عن التنبيه والتحذير. ~~••• # وقبل أن يضع دستورا للولاة وضع دستورا لنفسه قوامه أن الحكم محنة # 20 # للحاكم ومحنة للمحكومين، و«أنه لا يصلح إلا بشدة لا جبرية # 21 # فيها، ولين لا وهن # 22 # فيه»، وأن الخليفة مسئول عن ولاته واحدا واحدا في كل كبيرة وصغيرة، ولا ~~يعفيه من اللوم أنه أحسن الاختيار. # قال يوما لمن حوله: «أرأيتم إذا استعملت عليكم خير من أعلم، ثم أمرته بالعدل، أكنت قضيت ~~ما علي؟ قالوا: نعم. قال: لا، حتى أنظر في عمله؛ أعمل بما أمرته أم لا!» # وعهوده على نفسه هي خير العهود التي تؤخذ على ولاة الأمر، وأبينها للحدود القائمة بين ~~الراعي والرعية، وخير ما فيها أنه كان يحث الناس على الاستغناء عن التحاكم إلى الحكام، ~~خلافا لأصحاب الأمر الذين يودون لو فرضوا لأنفسهم حكما في كل شيء، فكان يقول لهم: «أعطوا ~~الحق من أنفسكم، ولا يحمل بعضكم بعضا على أن تحاكموا إلي ...» # وجمع صلاح الأمر # 23 # في ثلاث: «أداء الأمانة، والأخذ بالقوة، والحكم بما أنزل الله.» وصلاح المال في ~~ثلاث: «أن يؤخذ من حق، ويعطى في حق، ويمنع من باطل.» # وعاهد الناس فقال: «لكم علي ألا أجتني شيئا من خراجكم، ولا ما أفاء الله عليكم إلا من ~~وجهه، ولكم علي إذا وقع في يدي ألا يخرج مني إلا في حقه، ولكم علي أن أزيد عطاياكم ~~وأرزاقكم إن شاء الله وأسد ثغوركم، # 24 # ولكم علي ألا ألقيكم في المهالك، ولا أجمركم - ~~أي أحبسكم - في ثغوركم، وإذا غبتم في البعوث فأنا أبو العيال حتى ترجعوا إليهم، فاتقوا الله ~~عباد الله، وأعينوني على أنفسكم بكفها عني، وأعينوني على نفسي بالأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر، وإحضاري النصيحة فيما ولاني الله من أمركم.» # ومن أوائل عهوده في بيان الحق الذي يرشح الحاكم لولاية الحكم: «أيها الناس! إني قد ~~وليت عليكم، ولولا رجاء أن ms085 أكون خيركم لكم، وأقواكم عليكم، وأشدكم استضلاعا بما ينوب من ~~مهم أموركم، ما وليت ذلك منكم.» # فأحق الناس بالحكم أقدرهم على البر والحزم والنهوض بالأعباء، وليس له في غير ذلك حق يرشحه ~~للحكومة. # ومن أوائل خطبه بعد توليه الخلافة: «إن الله ابتلاكم بي، وابتلاني بكم، وأبقاني فيكم ~~بعد صاحبي، فلا والله لا يحضرني شيء من أمركم فيليه أحد دوني، ولا يتغيب عني فآلو # 25 # فيه عن أهل الصدق والأمانة، ~~ولئن أحسنوا لأحسنن إليهم، ولئن أساءوا لأنكلن بهم.» # فهو يعاهدهم أن يلي الأمر بنفسه في كل ما حضره، وألا يعهد فيه إلى غيره إلا إذا غاب عنه، ~~ثم لا يكون وكلاؤه فيه إلا من أهل الصدق والأمانة، ثم هو لا يدعهم وشأنهم بعد ذلك، بل ~~يراقبهم ويتتبع أعمالهم فيحسن إلى من أحسن، وينكل بمن أساء. # وقد كان يقول، ويعني ما يقول، ويعمل بما يقول. # وصارح القوم فيما لا يحصى من الخطب والأحاديث أن له عليهم حق الطاعة فيما أمر الله، فلا ~~طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وأن لهم عليه حق النصيحة ولو آذوه فيها. ومن ذلك الرواية ~~المشهورة التي سأل الناس فيها أن يدلوه على عوجه، فقال له أحدهم: «والله لو علمنا فيك ~~اعوجاجا لقومناه بسيوفنا.» فحمد الله أن جعل في المسلمين من يقوم اعوجاج عمر ~~بسيفه. # ولم يكن يبيح من مال المسلمين أجرا لعمله، إلا ما يقيم أوده # 26 # وأود أهله عند الحاجة إليه، فإن رزقه الله ما يغنيه ~~عن بيت المال، كف يده عنه: «... ألا وإني أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة ولي اليتيم، إن ~~استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف، تقرم # 27 # البهيمة الأعرابية: القضم لا الخضم.» أي كما تأكل ماشية البادية قضما بأطراف أسنانها لا ~~مضغا وطحنا بأضراسها. # ولما سئل عما يحل للخليفة من مال الله، قال: «إنه لا يحل لعمر من مال الله إلا حلتان: ~~حلة للشتاء وحلة للصيف، وما أحج به وأعتمر # 28 # وقوتي وقوت أهلي كرجل من قريش ليس بأغناهم ولا بأفقرهم، ثم أنا ms086 بعد رجل من ~~المسلمين.» # وقد كان أسخى من ذاك في تقديره لأرزاق الولاة والعمال، فقدر لعمار بن ياسر حين ولاه ~~الكوفة ستمائة درهم في الشهر له ولمساعديه، يزاد عليها عطاؤه الذي يوزع عليه كما توزع ~~الأعطية على أمثاله، ونصف شاة ونصف جريب # 29 # من الدقيق. # وقدر لعبد الله بن مسعود مائة درهم وربع شاة لتعليمه الناس في الكوفة، وقيامه على بيت ~~المال فيها، ولعثمان بن حنيف مائة وخمسين درهما وربع شاة في اليوم، مع عطائه السنوي وهو ~~خمسة آلاف درهم، وهكذا على حسب الولايات والنفقات. # وكان يحظر على الولاة مظاهر الخيلاء والأبهة التي تبعد ما بينهم وبين الرعية، ولكنه ينظر ~~في أعذارهم فيقبلها أو يغضي عنها، ما توقف صلاح الولاية على ذلك. # قدم إلى الشام راكبا على حمار، فتلقاه عامله معاوية بن أبي سفيان في موكب عظيم، فلما رآه ~~معاوية نزل وسلم عليه بالخلافة، فمضى في سبيله ولم يرد عليه سلامه، فقال له عبد الرحمن بن ~~عوف: أتعبت الرجل يا أمير المؤمنين، فلو كلمته! فالتفت إذ ذاك إلى معاوية وسأله: إنك لصاحب ~~الموكب الذي أرى؟ # قال: نعم! # قال: مع شدة احتجابك ووقوف ذوي الحاجات ببابك؟ # قال: نعم. # قال: ولم؟ ويحك! # قال: لأننا ببلاد كثر فيها جواسيس العدو، فإن لم نتخذ العدة والعدد استخف بنا، وهجم ~~علينا، وأما الحجاب فإننا نخاف من البذلة # 30 # جرأة الرعية، وأنا بعد عاملك، فإن استنقصتني نقصت، وإن استزدتني زدت، وإن ~~استوقفتني وقفت! # فقال عمر: ما سألتك عن شيء إلا خرجت منه. إن كنت صادقا فإنه رأي لبيب، وإن كنت كاذبا ~~فإنها خدعة أريب، # 31 # لا آمرك ولا أنهاك. # أما دستور الولاة عنده فأساسه أن الولاية تمييز بالواجب والكفاءة، وليست تمييزا ~~بالوجاهة والاستعلاء، فكان يقول للوالي: «افتح لهم بابك وباشر أمورهم بنفسك، فإنما أنت رجل ~~منهم، غير أن الله جعلك أثقلهم حملا.» # وشغله كل الشغل أن تخضع الرعية لواليها، رغبة في حكمه، واطمئنانا إلى عدله، فكان يقول ~~للوالي: «اعتبر منزلتك عند الله بمنزلتك من الناس.» ويقول ms087 للرعية: «إني لم أبعث إليكم ~~الولاة ليضربوا أبشاركم، # 32 # ويأخذوا أموالكم، ولكن ليعلموكم ويخدموكم.» # وتستوي عنده رغبة الرعية من المسلمين، ورغبة الرعية من غيرهم. فلما رأى أقواما ذميين ~~ينقضون العهد، ويثورون على الدولة، طلب من صلحاء البصرة وفدا فيهم الأحنف بن قيس، وهو مصدق ~~عنده، فسأله: «إنك عندي مصدق، وقد رأيتك رجلا، فأخبرني: ~~ألمظلمة # 33 # نفر أهل الذمة أم لغير ذلك؟» # فقال الأحنف: «لا، بل لغير مظلمة، والناس على ما تحب.» # فهدأ باله وقال: «فنعم إذن! # 34 # انصرفوا إلى ~~رحالكم.» # وربما ذهب في إرضاء الرعية مذهبا لم يحلم به الغلاة من المطالبين بحقوق الشعوب في هذه ~~العصور. # فكان من قواده وولاته سعد بن أبي وقاص، قائده المظفر في حروب فارس، وقريب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # والرجل الذي جعله عمر واحدا من ستة يستشارون بعده في أمر الخلافة، فثارت به طائفة ~~من أتباعه وشكته إلى عمر وجيوش الفرس تتجمع للغزو والثأر، فلم يشغله ذلك عن تحري الأمر من ~~مصادره، وإيفاد من يبحث عن حقيقة الشكوى بين أهلها فبعث بوكيله على العمال محمد بن مسلمة ~~يسأل عن سعد وسيرته في الرعية، وكلما سأل عنه جماعة أثنوا عليه، إلا من شكوه، فقد أحجم فريق ~~منهم لم يمدحوه ولم يذموه، وقال فريق منهم: «إنه لا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية، ولا ~~يغزو في السرية.» # فعاد محمد بن مسلمة إلى المدينة وسعد معه، وأعاد عمر سؤاله فلم تثبت له من أمره ريبة، إلا ~~أنه اتقى الفتنة والخطوب منذرة، فعزله وقال لشاكيه: «إن الدليل على ما عندكم من الشر ~~نهوضكم لهذا الأمر، وقد استعد لكم من استعد، وايم الله لا يمنعني ذلك من النظر فيما لديكم ~~وإن نزل بكم.» وقال لسعد يومئذ مبرئا له من تهمة خصومه: «هكذا الظن بك يا أبا إسحاق، ولولا ~~الاحتياط لكان سبيلهم بينا.» ثم أبى أن يفارق الدنيا وفي ذمته شهادة لسعد يعلنها لملأ ~~المسلمين، فلما حضرته الوفاة وسألوه أن يستخلف، أبى أن يخلف أحدا من أهله، وسمى ms088 عليا ~~وعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعدا «لأنهم نفر توفي رسول الله وهو عنهم راض، ~~فأيهم استخلف فهو الخليفة»، ثم قال: فإن أصابت سعدا فذاك، وإلا فأيهم استخلف فليستعن ~~به، فإني لم أعزله من عجز ولا خيانة. # وهذا مثل من أمثلة الوفاء بجميع الحقوق، والرعاية لجميع الذمم من حاكمين ومحكومين، ولا ~~يبعد أن يقع الغبن على بعض الولاة الكفاة من فرط العناية بشكايات الرعية، إلا أن عمر في ~~حزمه وعدله لم يكن يفوته مفرق الصواب بين الأمرين، فغبن وال أو قائد أهون من غبن أمة أو ~~جيش، ومن أقواله في ذلك: «هان شيء أصلح به قوما أن أبدلهم أميرا مكان أمير.» # بل ربما جرى منه حكم العزل على الولاة الكفاة لغير سبب من أسباب الشكاية أو القصاص، وإنما ~~هو سبب من الأسباب التي ترجع إلى سلامة الدولة، أو ما نسميه في العصور الحديثة بالسياسة ~~العليا. وهذه أسباب لا يصح أن يغفل عنها ولاة الأمر في أيام تأسيس الدول وتجربة النظم ~~الحديثة، وأولها عصمة الدولة من فتنة المقتدرين المحبوبين. # فربما كان الوالي المقتدر المحبوب أخطر على الدولة الناشئة في تأسيسها من الوالي العاجز ~~البغيض، إذا لم يتعهده نظر ثاقب وحساب عسير. # فقد تزين له نفسه، أو تزين له رعيته أن يستقل بالأمر وينتحل لذلك ما شاء من المعاذير، فإن ~~فاته الاستقلال ورئيسه قوي مهيب، لم يفته بعد زوال ذلك الرئيس، ولو جاء بعده من يضارعه في ~~القوة والمهابة؛ لأن الفترة بين زوال عهد واستقرار عهد آخر تؤذن بمثل هذا التقلقل، وتفتح ~~الثغرات لمن يريد أن يلج # 35 # منها ~~بعد طول تربص واستعداد. # ولم يكن عمر بن الخطاب يعرف تاريخ الإسكندر المقدوني وتواريخ العتاة من قياصرة الرومان، ~~ولا كان الغيب قد انكشف له فرأى ما تلاه من الأمثلة في دول المغول والعثمانيين، ودول ~~المسلمين من الشرقيين والغربيين، ولكنه لو استقصى أخبارهم جميعا وعرف فتنة الولاة بعد ~~زوالهم لما ندم لحظة على عزل الذين عزلهم وهو يقول لهم: إنما عزلتكم لكيلا ms089 أحمل على الناس ~~فضل عقولكم، أو لكيلا تفتتنوا بالناس كما افتتن الناس بكم. ولكان له سبب آخر وجيه، بالغ في ~~الوجاهة، يدعوه إلى تغليب رغبات الرعية على مكانة الولاة، وهو عصمة الدولة من أولئك الولاة ~~أن يطول بهم العهد، وتتم لهم القدرة، ويحوطهم الحب والولاء، فلا يبقى بينهم وبين الانتقاض # 36 # إلا الفرصة ~~السانحة، وهي أقرب شيء سنوحا في إبان التأسيس والانتقال. # وما لم يكن عزل العمال لسبب من أسباب السياسة العليا التي من هذا القبيل، فلا جزاء إلا ~~بقسطاس دقيق محيط، ولا سيما في الشئون المالية؛ لأنه يعتمد في محاسبتهم على وسائل متفرقة ~~يستدرك بعضها نقص بعض، فلا تكاد تخفى عليه خافية مما يريد الوقوف عليه. # فمن هذه الوسائل أنه كان يحصي أموالهم قبل الولاية ليحاسبهم بها على ما زادوه بعد الولاية ~~مما يدخل في عداد الزيادة المعقولة، ومن تعلل منهم بالتجارة لم يقبل منه دعواه؛ لأنه كان ~~يقول لهم: إنما بعثناكم ولاة ولم نبعثكم تجارا. # ومنها أنه كان يرصد لهم الرقباء والعيون من حولهم ليبلغوه ما ظهر وما خفي من أمرهم، حتى ~~كان الوالي من كبار الولاة وصغارهم يخشى من أقرب الناس إليه أن يرفع نبأه إلى ~~الخليفة. # ومنها أنه كان يندب لهم وكيلا خاصا يجمع شكايات الشاكين منهم، ويتولى التحقيق ~~والمراجعة فيها، ليستوفي البحث فيما ينقله الرقباء والعيون. # ومنها أنه كان يأمر الولاة والعمال أن يدخلوا بلادهم نهارا إذا ~~قفلوا # 37 # إليها من ولاياتهم ليظهر ~~معهم ما حملوه في عودتهم، ويتصل نبؤه بالحراس والأرصاد الذين يقيمهم على ملاقي ~~الطريق. # ومنها أنه كان يستقدمهم في كل موسم من مواسم الحج ليحاسبهم ويسمع ما يقولون وما يقال ~~فيهم، وعليهم شهود ممن يشاء أن يحضر الموسم من أهل البلاد، ونوى في أواخر أيامه أن يستكمل ~~الرقابة بالسير في البلاد «فيقيم شهرين شهرين في الشام ومصر والبحرين والكوفة والبصرة ~~وغيرها»، فإنه ليعلم «أن للناس حوائج تقطع عنه، أما هم فلا يصلون إليه، وأما عمالهم فلا ~~يرفعونها إليه.» # وكان لا يكتفي بوسائله ms090 تلك إذا استراب، فيعمد إلى الحيلة للكشف عن الخبايا التي تريبه، ~~ومن ذلك أنه سمع بعودة أبي سفيان من عند ولده معاوية والي الشام، فوقع في نفسه أن ولده قد ~~زوده في عودته بمال، وجاءه أبو سفيان مسلما، فقال له: أجزنا # 38 # يا أبا سفيان! قال: ما أصبنا شيئا فنجيزك! فمد ~~يده إلى خاتم في يده فأخذه منه وبعثه إلى هند زوجه، وأمر الرسول أن يقول لها باسم زوجها: ~~انظري الخرجين اللذين جئت بهما فابعثيهما، فما لبث أن عاد بخرجين فيهما عشرة آلاف درهم، ~~فطرحهما عمر في بيت المال. # وكانت سنته إذا ثبتت على الوالي شبهة التصرف في بيت مال المسلمين أن يصادر المال الذي ظفر ~~به، أو يقاسم الوالي فيما أربى # 39 # على كسبه المعقول، فيترك له النصف ويضم النصف إلى بيت المال، وهذا عدا ما يجزيه ~~به من عزل أو عقاب. # أما حساب الشكايات من المظالم، فكانت سنته فيه التحقيق، ثم الجزاء على شرعة المساواة ~~بين أكبر الولاة وأصغر الرعية، بغير تفرقة بين السيئة وجزائها، فمن ضرب ضرب، ومن غصب رد ~~ما غصب، ومن اعتدى قوبل بمثل اعتدائه، وعليه زيادة التأديب. # وقد يأخذ الوالي أحيانا بوزر # 40 # ولده أو ذوي قرابته إذا وقع في نفسه أنهم يستطيلون على الناس بسلطان الولاية، ~~ولا ينهاهم الوالي المسئول عنها. # جاء مصري فشكا إليه واليها عمرو بن العاص، وزعم أن الوالي أجرى الخيل، فأقبلت فرس ~~المصري فحسبها محمد بن عمرو فرسه وصاح: فرسي ورب الكعبة! ثم اقتربت وعرفها صاحبها، فغضب ~~محمد بن عمرو ووثب على الرجل يضربه بالسوط، ويقول له: خذها وأنا ابن الأكرمين. وبلغ ذلك ~~أباه فخشي أن يشكوه المصري فحبسه زمنا، وما زال محبوسا حتى أفلت وقدم إلى الخليفة لإبلاغه ~~شكواه. # قال أنس بن مالك راوي القصة: فوالله ما زاد عمر على أن قال له: اجلس ... ومضت فترة إذا به ~~في خلالها قد استقدم عمرا وابنه من مصر، فقدما ومثلا # 41 # في مجلس القصاص فنادى عمر: أين المصري؟ دونك # 42 ms091 # الدرة فاضرب بها ابن الأكرمين. # فضربه حتى أثخنه # 43 # ونحن نشتهي أن يضربه، فلم ينزع حتى أحببنا أن ينزع من كثرة ما ضربه، وعمر يقول: ~~اضرب ابن الأكرمين! ثم قال: أجلها # 44 # على ~~صلعة عمرو! فوالله ما ضربك ابنه إلا بفضل سلطانه. قال عمرو فزعا: يا أمير المؤمنين قد ~~استوفيت واشتفيت. وقال المصري معتذرا: يا أمير المؤمنين قد ضربت من ضربني. فقال عمر: أما ~~والله لو ضربته ما حلنا بينك وبينه حتى تكون أنت الذي تدعه. والتفت إلى عمرو مغضبا يقول ~~له تلك القولة الخالدة التي ما قالها حاكم قبله: «أيا عمرو! متى ~~تعبدتم # 45 # الناس وقد ولدتهم ~~أمهاتهم أحرارا؟» ~~••• # ومن هذا العدل في شئون الولاية نستطيع أن نفهم دستوره في شئون القضاء، فلن يكون هذا ~~الدستور إلا دستور العدل المحكم في الجزاء والفصل بين الحقوق، إلا أننا نعتقد أن وصاياه ~~في القضاء أحكم وأصلح لجميع الأزمنة من جميع وصاياه فلا تعقيب بعدها لمعقب في زمانه، أو في ~~زمان يليه، مهما تختلف الأقوام والأوقات. # أنشأ وظائف القضاء، وتخير لها العدول # 46 # الأكفاء. ولم تكن به من حاجة هنا إلى سن الشريعة التي يحكمون ~~بها، فإنها ماثلة في الكتاب والسنة، ولكنه كان في حاجة إلى تعليم القضاة كيف يتصرفون حين ~~يلتبس عليهم الأمر، فأحسن التعليم. ~~••• # كان يكتب لأحدهم: «إذا جاءك شيء في كتاب الله فاقض به، ولا يلفتنك عنه الرجال، فإن جاءك ~~أمر ليس في كتاب الله، فانظر سنة رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فاقض بها، فإن جاءك أمر ليس في كتاب ~~الله، ولم يكن فيه سنة من رسول الله فانظر ما اجتمع عليه الناس فخذ به، فإن جاءك ما ليس في ~~كتاب الله ولم يكن فيه سنة من رسول الله، ولم يتكلم فيه أحد قبلك فاختر أي الأمرين شئت: إن ~~شئت أن تجتهد وتقدم فتقدم، وإن شئت أن تأخر فتأخر، # 47 # ولا أرى التأخير إلا خيرا لك.» # وضرب لهم أصلح الأمثلة باجتهاده واستفتائه، فلم يقطع يد السارق في عام ms092 المجاعة رعاية ~~للزمن، ولم يقطع يد الغلام الذي سرق من سيده رعاية لسنه، أو للعلاقة بين السارق والمسروق ~~منه، واشتركت امرأة وصاحبها في قتل رجل فتحرج من قتل اثنين بواحد، حتى أفتاه علي -رضي ~~الله عنه - بأنهما مستحقان للقتل، كما يستحق اللصوص المتعددون أن يقام عليهم الحد إذا سرقوا ~~لحما من بعير واحد، فأخذ بفتواه. ~~••• # ومن وصاياه للقاضي: «آس بين الناس في مجلسك ووجهك، حتى لا يطمع شريف في حيفك، # 48 # ولا ييأس ضعيف من عدلك، والبينة على من ادعى، واليمين على من أنكر، والصلح جائز ~~بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراما، ولا يمنعك قضاء قضيته بالأمس ثم راجعت ~~فيه نفسك، وهديت فيه لرشدك أن ترجع عنه، فإن الحق قديم، ومراجعة الحق خير من التمادي # 49 # في الباطل. الفهم الفهم عندما يتلجلج # 50 # في صدرك ما لم يبلغك في كتاب الله ولا سنة النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، واعرف الأمثال ~~والأشباه، وقس الأمور عند ذلك، ثم اعمد # 51 # إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق فيما ترى، واجعل للمدعي حقا غائبا أو ~~بينة أمدا ينتهي إليه، فإن أحضر بينته أخذت له بحقه، وإلا وجهت عليه القضاء، فإن ذلك ~~أنفى للشك، وأجلى للعمى، وأبلغ في العذر ... المسلمون عدول # 52 # بعضهم على بعض إلا مجلودا في حد أو مجربا عليه شهادة زور، أو ظنينا # 53 # في ولاء أو قرابة، فإن الله قد تولى منكم السرائر ، ودرأ # 54 # عنكم بالشبهات، ثم إياك والقلق والضجر والتأذي بالناس، والتنكر للخصوم في مواطن ~~الحق التي يوجب الله بها الأجر، ويحسن بها الذخر، فإنه من يخلص نيته فيما بينه وبين الله ~~تبارك وتعالى، ولو على نفسه، يكفيه الله ما بينه وبين الناس.» # ومن وصاياه لمن يلون الحكم: «الزم خمس خصال يسلم لك دينك، وتأخذ فيه بأفضل حظك: إذا ~~تقدم إليك الخصمان فعليك بالبينة العادلة أو اليمين القاطعة، وأدن الضعيف حتى يشتد قلبه ~~وينبسط لسانه، وتعهد الغريب، فإنك إن لم تتعهده ترك حقه ورجع إلى أهله، ms093 وإنما ضيع حقه من لم ~~يرفق به، وآس بين الناس في لحظك وطرفك، وعليك بالصلح بين الناس ما لم يستبن لك فصل ~~القضاء.» ~~••• # تلك نماذج متفرقة من وصاياه للقضاة، وولاة الأحكام، وهي فيما نراه أحكم وصاياه، وأقربها ~~أن يتبعها سواه. # ولذلك سبب لا يعسر تعليله؛ فقد كان عمر في الجاهلية حكما من قبيلة محكمين، أو سفيرا ~~يسعى بين الناس بالصلح من قبيلة سفراء، فهو في هذه الصناعة عريق. # إلا أن المرء قد يجلس للحكم بين الناس كما جلس عمر ولا يحسن الوصية فيه كما أحسنها، ~~وإنما بلاغ حسن الوصية أن تجمع الخصلتين اللتين اجتمعتا في وصاياه لقضاته. # فما من أحد يستطيع أن يوصي قاضيا بخير مما أوصى، وما من عقدة قضائية تأتي من قبل القضاة ~~أو من قبل المتقاضين إلا وهي ملحوظة في كلامه، وهاتان هما الخصلتان الباديتان في دستور ~~القضاء كما أملاه. ~~••• # ولا بد أن يلفت النظر في سياسته للولاية، وسياسته للقضاء، أنه كان يأخذ الواجب حيث وجب، ~~وإن اختلف الواجبان. # ففي الولاية كان يتحرى البواطن ويمعن في تحريها، ولا يكتفي من الناس بالظواهر. وفي القضاء ~~وما شابه القضاء كان يكتفي بالظواهر حتى تنقضها البينة # 55 # القاطعة، وكان يعلن هذه الخطة على المنبر، فيقول: ~~«أظهروا لنا أحسن أخلاقكم، والله أعلم بالسرائر، فإن من أظهر لنا قبيحا وزعم أن سريرته ~~حسنة لم نصدقه، ومن أظهر لنا علانية حسنة ظننا به حسنا.» أو يقول: «إنما كنا نعرفكم إذ ~~الوحي ينزل، وإذ النبي # صلى الله عليه وسلم # بين أظهرنا، فقد رفع الوحي، وذهب النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، فإنما ~~أعرفكم بما أقول لكم، ألا فمن أظهر لنا خيرا أثنينا عليه، ومن أظهر لنا شرا ظننا به ~~شرا وأبغضناه.» # بل كان له في الأخلاق الاجتماعية مذهب ثالث يشبه مذهبه في القضاء، فكان يكره أن يكشف ~~المرء من أخيه ما يستره عنه، وينهى أن تظن بكلمة شرا وأنت تجد لها في الخير ~~محملا. # وهذه في الظاهر نقائض، وفي الحقيقة واجبات متعددة، كل منها في ms094 موضع لازم. # فالعلم بخبايا الحكومة واجب على كل ولي مسئول، لا تنصلح الأحوال بغيره، وفي الغفلة عنه ~~مضرة محققة لجميع الناس. # والأخذ بالبينة دون الظاهر في شئون القضاء واجب لا محيص عنه لضمان السلامة ومنع الجور، ~~وهو في أحد طرفيه لا يخلو من الحذر الشديد من الطبيعة البشرية؛ إذ فيه خشية من غواية الهوى ~~أن تنطلق بالقضاة في الحكم بغير برهان. # وفي الأخلاق الاجتماعية لا يؤمن التقاطع بين الأصدقاء إذا جرت العلاقة بينهم على التجسس ~~والخدعة، ولا رعاية للمودة ما لم تكن رعاية للحرمات، ومنها الأسرار. # والتفرقة بين الواجبات المختلفة هي دليل البصيرة في عرفان كل واجب منها، وأنها تصدر عن ~~رأي أصيل، ولا تصدر عن تسخير العرف وإملاء التقليد والمحاكاة. ~~••• # وأنشئت في عهد عمر دواوين أخرى غير ديوان القضاء ودواوين الإحصاء والخراج والمحاسبة التي ~~لم تكن من المؤسسات القائمة قبل عهده، فأنشأ البريد، وبيت المال، ومرابط الثغور، ومصنع ~~السكة لضرب النقود، ودار الحبس للعقاب، ووكل معظم الدواوين إلى أبناء البلاد يزاولونها ~~بلغاتهم؛ لأنها ليست من أسرار الدولة، وليس من الميسور أن ينصرف إليها فتيان العرب عما هو ~~أولى بهم؛ وهو فرائض الدفاع والجهاد. # فلو وجد منهم من يفي # 56 # لتلك الأعمال؛ ~~لكانت خسارة الدولة في قيامهم بها أعظم من ربحها، ولكنهم غير موجودين، ولا عملهم فيها ~~باللازم اللازب للمصلحة الكبرى، وقد يكون عمل الفارسي في مصلحة فارس، والسوري في مصلحة ~~سورية، والمصري في مصلحة مصر أحرى # 57 # أن يعصمهم ~~إن كان بهم عاصم، وإلا فلا تثريب. # 58 # ووضع عمر نظاما لتحصيل الجزية، وتصرف في وضعها على حسب الأمم والبلاد، فأعفى التغلبيين ~~بالشام من الجزية، وفرض عليهم بديلا عنها ضعف صدقة المسلم؛ لأنهم أنفوا أن يؤدوها، وأزمعوا ~~اللحاق بأرض الروم. # وكان له نظام اقتصادي يوافق مصلحة الدولة في عهده، فكان يحض على التجارة، ويوصي ~~القرشيين ألا يغلبهم أحد عليها؛ لأنها ثلث الملك. ولكنه أبقى الأرض لأبنائها في البلاد ~~المفتوحة، ونهى المسلمين أن يملكوها على أن يكون لكل منهم عطاؤه من ms095 بيت المال، كعطاء ~~الجند في الجيش القائم. وإذا أسلم أحد الذميين أخذت منه أرضه، ووزعت بين أهل بلده، وفرض له ~~العطاء، وكان غرضه من ذلك أن تبقى لأهل البلاد موارد ثرواتهم، وأن ~~يعتصم # 59 # الجند الإسلامي من ~~فتن النزاع على الأرض والعقار، ومن فتن الدعة # 60 # والاشتغال بالثراء والحطام، وربما أغضى # 61 # عن كثير في سبيل الإعانة على تعمير ~~البلاد بأهلها، فصفح عن أهل السواد «العراق» ليأمنوا البقاء فيه، مع أنهم حنثوا بالعهد، ~~وعاونوا الفرس على المسلمين في أثناء القتال. # ويلوح من كلامه في أخريات أيامه أنه كان على نية النظر في تصحيح النظام الاقتصادي، وعلاج ~~مشكلة الفقر والغنى على نحو غير الذي وجدها عليه، فقال: «لو استقبلت من أمري ما ~~استدبرت # 62 # لأخذت ~~فضول # 63 # أموال ~~الأغنياء فقسمتها على الفقراء.» # ولم يرد في كلامه تفصيل لهذه النية، ولكن الذي نعلمه من آرائه في هذا الصدد كاف لاستخلاص ~~ما كان ينويه، فعمر على حبه للمساواة بين الناس كان يفرق أبدا # 64 # بين المساواة في الآداب النفسية والمساواة في السنن الاجتماعية، فكتب إلى أبي ~~موسى الأشعري: «بلغني أنك تأذن للناس جما غفيرا، # 65 # فإذا جاءك كتابي هذا فأذن لأهل الشرف وأهل القرآن والتقوى والدين، فإذا أخذوا ~~مجالسهم فأذن للعامة.» ولكنه لما رأى الخدم وقوفا لا يأكلون مع ساداتهم في مكة غضب، وقال ~~لساداتهم مؤنبا: ما لقوم يستأثرون على خدامهم؟ ثم دعا بالخدم فأكلوا مع السادة في جفان ~~واحدة. # فالمساواة في أدب النفس لم تكن عند عمر مما ينفي التفاضل بالدرجات، ولم يكن يرضيه كذلك أن ~~يعتمد الفقراء على الصدقات والعطايا، ويعرضوا عن العمل واتخاذ المهنة، فكان يقول لهم في ~~خطبة: «يا معشر الفقراء، ارفعوا رءوسكم فقد وضح الطريق، فاستبقوا الخيرات، ولا تكونوا ~~عيالا على المسلمين.» # 66 # وكان يوصي الفقراء والأغنياء معا «أن يتعلموا المهنة، ~~فإنه يوشك أن يحتاج أحدهم إلى مهنة وإن كان من الأغنياء.» # فيسوغ لنا أن نفهم من هذا جميعه معنى ما انتواه من أخذ فضول الغني، وتقسيمه بين ms096 ذوي ~~الحاجة، وهو تحصيل بعض الضرائب من الثروات الفاضلة، وتقسيمها في وجوه البر والإصلاح. # على أن عمر يصح أن يسمى مؤسسا لديوان الوقف الخيري على الوجه الذي نعهده الآن، فقد ~~أنشأ بيت الدقيق لإغاثة الجياع الذين لا يجدون الطعام، وأصاب قبل خلافته أرضا بخيبر ~~فاستشار النبي - عليه السلام - فيها، فاستحسن له أن يحبس أصلها، ويتصدق بريعها، فجعلها عمر ~~صدقة لا تباع ولا توهب ولا تورث، وينفق منها على الفقراء والغزاة وغيرهم، ولا ~~جناح # 67 # على من ~~وليها؛ يأكل بالمعروف، ويطعم صديقا فقيرا منها. ~~••• # وعرضت لعمر مسائل التعمير على حسب الحاجة إليها في وقته، فلم تجده مسألة منها دون ما ~~تحتاج إليه من إصابة الرأي وحسن الروية، فكانت نصائحه في تخطيط المدن واختيار مواقعها من ~~أنفع النصائح، وكانت دواعيه إلى بنائها من أشرف الدواعي وأليقها بالأمير. # شاهد في الجند هزالا وتغير ألوان فسأل قائدهم سعدا: ما الذي غير ألوان العرب ولحومهم؟ ~~فأجابه: إنها وخومة # 68 # المدائن ~~ودجلة. فكتب إليه: «إن العرب لا يوافقها إلا ما وافق إبلها من البلدان، فابعث سليمان ~~وحذيفة فليرتادا # 69 # منزلا ~~بريا بحريا ليس بيني وبينكم فيه بحر ولا جسر.» وأمر أن تبلغ ~~مناهج # 70 # المدينة أربعين ذراعا وما ~~يليها ثلاثين ذراعا وما بين ذلك عشرين، وألا تنقص الأزقة عن سبع أذرع ليس دونها شيء، وألا ~~يرتفع بناء الدور، فبنيت الكوفة على هذا التخطيط. # وعلم أن الجند يشكون الشتاء، ويعوزهم الملجأ الذي يسكنون إليه بعد الغزو في حدود فارس، ~~فكتب إلى عتبة بن غزوان أن «ارتد لهم منزلا قريبا من المراعي والماء»، ووصف له ما يلتزم ~~من مواقعه وخططه، فبنيت البصرة عند ملتقى النهرين. # وهو الذي أشار على عمرو بن العاص أن يحفر خليجا بين النيل وبحر القلزم # 71 # لاتصال المرافق بين مصر وعاصمة الدولة، وضرب له ~~الموعد حولا يفرغ فيه من حفره وإعداده لمسير السفن فيه، فساقه من جانب الفسطاط إلى القلزم، ~~ولم يأت الحول حتى جرت فيه السفن، وسمي خليج أمير المؤمنين، ولم يزل مفتوحا ms097 حتى ضيعه ~~الولاة وغفل عنه الخلفاء. # فسياسته التعميرية وافية بالغرض منها لعصره، وقد يلاحظ عليها أبناء العصر الحاضر شيئا لا ~~يوافقهم، كالحد من ارتفاع الدور، والزهد في تشييد القصور، أما هو فالوجه الذي توخاه في ~~سياسة التعمير أن يحمي الدولة في نشأتها من الترف والبذخ، وأن يحول بين الجند وبين ~~الاستنامة # 72 # إلى متاع القصور المشيدة، والصروح الممردة، وما فيها من بواعث الوهن والفتور. ومن فلاسفة ~~العصر الحاضر من يحسب ضخامة البناء دليلا على ابتداء الضعف وعفاء # 73 # العقيدة، ويقول «شبنجلر» أحد هؤلاء الفلاسفة: ~~«إن الأمم في نهوضها تعبر طريقين مختلفين: طريق العقيدة وقوة النفس، وتلازمه بساطة ~~الظواهر وعظمة الضمائر، وطريق الفخامة المادية والوفرة العددية، وفيه تنحل الضمائر، وتخلفها ~~العظمة التي تقاس بالباع والذراع، وتقدر بالقنطار والدينار، وكانت قبل ذلك تقاس بما لا يحس ~~من العزائم والأخلاق.» # وعمر على كلتا الحالتين لم يتعد طبائع الأشياء، ولم يأخذ في زمانه بغير الصالح من ~~الآراء. ~~••• # وقصارى القول أن هذا رجل لم تواجهه في ولاياته الواسعة صعوبة أكبر منه وأحوج إلى قدرة ~~أعلى من قدرته، أو هيبة ودراية أجل مما كان له من هيبة ودراية، فإذا عرضت الصعوبة الطارئة ~~فهناك الحزم اللازم لمواجهتها، والحيلة الصالحة لتدبيرها، كأنما كان لها على استعداد، ~~وكأنما عاش حياته كلها يتمرس # 74 # بهذه الأمور. # وكان اضطلاعه # 75 # بتفريج الأزمات ~~والكوارث كاضطلاعه بتدبير الحاجات إلى التعمير والتنظيم، ففي السنة الثامنة عشرة للهجرة ~~فاجأه قحط الرمادة المشهور، وهو القحط الذي لا يقال في وصفه أوجز من قولهم يومئذ إن الوحش ~~كانت تأوي فيه إلى الإنس، وإن الرجل المتضور من الجوع كان يذبح الشاة فيعافها ~~لقبحها. # فنهض لهذه الكارثة نهوضه لكل خطب، واستجلب القوت من كل مكان فيه مزيد من قوت، وجعل يحمله ~~على ظهره مع الحاملين إلى حيث يعثر بالجياع والمهزولين العاجزين عن حمل أقواتهم، ~~وآلى # 76 # على نفسه لا يأكلن طعاما أنقى من ~~الطعام الذي يصيبه الفقير المحروم من رعاياه، فمضت عليه شهور لا يذوق غير الخبز والزيت، ~~ونظر ms098 في كل شيء حتى في تعليم كل بيت كيف ينتفع بالرزق الذي يرسله إليهم مع عماله ... فقال ~~للزبير بن العوام: «اخرج في أول هذه العير فاستقبل بها نجدا، فاحمل إلي أهل كل بيت قدرت ~~أن تحملهم إلي، ومن لم تستطع حمله فمر لكل أهل بيت ببعير بما عليه، ومرهم فليلبسوا ~~كساءين، ولينحروا البعير فليحملوا شحمه، وليقددوا لحمه، وليحتزوا # 77 # جلده، ثم ليأخذوا كبة من قديد، وكبة من شحم، وحفنة ~~من دقيق فليطبخوا ويأكلوا حتى يأتيهم الله برزق.» ~~••• # وهذه السهولة في مواجهة كل حالة بما يوائمها هي التي تبرز لنا «مؤسس الدولة الملهم» في ~~هذا الرجل العظيم. # فكل عمل من هذه الأعمال سهل على القرطاس، صعب عند تصورنا إياه، وإحاطتنا بما يستدعيه من ~~تدبير وإنجاز وخلق وهيبة، فكم بين المدينة وتلك الأطراف في زمن أسرع وسائله بعير سريع! وكم ~~عمل عمر لملاحقة كل جيش يسير، وكل بلد يفتح، وكل أمة تحكم، وكل عارض يطرأ على غير ~~رقبة # 78 # ولا سابقة خبرة. # تجنيد الجيوش لشتى الميادين، وليس بسهل، واختيار القواد على حسب ما يندبون له، وليس ~~بسهل، والأمر بكل حركة على حسب كل ميدان، وليس بسهل، والسؤال عن قادة الأعداء ومداوراتهم # 79 # ليستقصي ~~خبرهم، ويعرف ما يقابلهم به من الكيد العدة، وليس بسهل، وإنشاء المدن والعمائر في مواضعها، ~~وإقامة الدواوين عند الحاجة إليها، وإرضاء الأمم والجيوش بالإصغاء إلى شكاياتهم ولو جاءت في ~~غير أوانها، والنهوض للكوارث والأزمات بما ينبغي لها، والمشاورة لمن تسمع منه المشورة بغير ~~ما شكاة، وخدمة الناس في دينهم وخلقهم كخدمته إياهم في دنياهم ودولتهم، وتجدد هذه المتاعب ~~يوما بعد يوم، وشهرا بعد شهر، وعاما بعد عام، وهي شاقة لا سهولة فيها على غير صاحبها ~~القدير عليها ولو زاولها عرضا إلى أيام. # وجليل بعض هذا غاية الجلال لو أن صاحبه قنع منه بالإشراف والمراجعة، ولم يعمل بيده فيه ~~كأنه خادم البيت المرهق، وأجير الديوان الصغير، لكنه - كما تعلم - كان يكدح بيده، ويحمل على ~~ظهره ويتعقب # 80 # بعينه، ولا يدع ms099 أحدا من ~~خدام الدولة الواسعة إلا وهو شريك له في مثل ما يتولاه. # وأكبر ما يستحق الإكبار في هذا الرجل الكبير أنه كان قادرا على تأسيس الدول وعلى فتح ~~الأمصار، ولكنه راض # 81 # القدرتين، فلم ~~يقدم على فتح الأمصار إلا بمقدار. # فليس الفتح شهوة عنده، ولا المجد الحربي لبانة # 82 # من لباناته، وهو على علمه بأن الله وعد المؤمنين أن يورثهم ~~الأرض، لم يكن يرى في ذلك داعيا إلى العجلة بالفتح، كما كان يرى فيه دواعي للتبصر والأناة، ~~حتى لا يسفك دم في غير موجب، ولا تعتسف خطة بغير روية. # فكان همه الأكبر تأمين الجزيرة العربية من أطرافها، وحماية الإسلام في عقر داره. ولولا ~~أن الدول العظمى التي كانت تحدق بجزيرة العرب تحفزت # 83 # للبطش بها، وقمع دعوتها في مهدها؛ لكانت للدولة ~~الإسلامية سياسة أخرى في مصاولة أولئك الأعداء. # فدولة الروم كانت ترسل البعوث إلى تخوم # 84 # الجزيرة، وتهيج القبائل لحرب المسلمين من عهد النبي - عليه السلام - وكان المسلمون يعيشون ~~في فزع دائم من خطر هذه الدولة وأتباعها. يدل عليه كلام عمر وهو يتحدث عن أزواج النبي حيث ~~يقول: «... وكنا تحدثنا أن غسان # 85 # تنتعل ~~النعال لغزونا، فنزل صاحبي يوم نوبته فرجع عشاء، فضرب بابي ضربا شديدا وقال: أثم هو؟ ~~ففزعت فخرجت إليه، وقال: حدث أمر عظيم. قلت: ما هو؟ أجاءت غسان؟ قال: لا، بل أعظم منه ~~وأطول، طلق النبي # صلى الله عليه وسلم # نساءه!» # ومن هذا الحديث يتبين لنا مبلغ الفزع من تهديد الروم للجزيرة العربية بالليل والنهار. أما ~~فارس فقد بلغ بطغيانها أن عاهلها غضب من دعوته إلى الإسلام، فأوفد إلى الحجاز رسولا مع ~~نفر من الجند ليأتيه بالنبي العربي حيا أو ميتا! ولولا أنه مات قبل إنجاز وعيده، واشتعلت ~~نيران الفتن في بلاده؛ لوطئت الجيوش الفارسية أرض الجزيرة قبل أن ينهض العرب للدفاع، وما هو ~~إلا أن حفظ العرب حدودهم من قبل العراق الفارسي حتى سكنوا إلى ذلك، وود عمر بن الخطاب «لو ~~أن بيننا وبين فارس ms100 جبلا من نار لا يصلون إلينا ولا نصل إليهم»، ولم تتغير خطته هذه إلا ~~حين استوى «يزدجرد» على عرش فارس، وتأهب للغارة على المسلمين، وإخراجهم من حيث نزلوا، فتجدد ~~القتال. # وقد طال تردد عمر في فتح مصر، ولم ينبعث إلى غزوها حبا ولهجا # 86 # بالفتوح، ولولا أن علم أن أريطون ~~قائد الروم في بيت المقدس قد فر منها إلى مصر ليحشد فيها الجنود ويتأهب للكر على الشام، ~~لطال تردده في الزحف عليها. ومع هذا أوشك أن يسترجع عمرو بن العاص بعد إشخاصه إليها، ونهاه ~~عن الإيغال في المغرب بعد فتحها؛ لأن السطوة - وهو مقتدر عليها - لم تكن ~~تزدهيه # 87 # ولا تغويه، ولأن ~~الضن بالأرواح أغلب في طبعه من الشغف بالفتوح، و«أن رجلا من المسلمين أحب إلي من مائة ~~ألف دينار!» # فلا يخطئ القائل الذي يقول إن الأناة في السطوة أكبر ما يستحق الإكبار من هذا الخلق ~~الرفيع، وإن دلالته الإنسانية أكبر دلالة يشتمل عليها هذا السجل الحافل بالمآثر؛ لأنه ~~يرينا القوة كيف تكون نعمة إنسانية عالية ولا تكون لزاما نقمة من نقم الأثرة والأنانية، ~~ويرينا الرجل كيف يقوى؛ فلا يخافه الضعيف، بل يخافه من يخيف الضعفاء. # وبحق يتزود بهذه القوة مؤسس دولة تقوم على دين؛ لأن الدولة قد تقيمها القوة الطاغية، أما ~~الدين فلا يهدمه شيء، كما تهدمه قوة الطغيان. # إن البأس الذي رزقته نفس عمر لحظ عظيم، ولكنه لو كان في يدي غيرها لقد يكون نصيبها منه ~~أوفى من نصيبها وهو في يدها، فلم يشحذه عمر قط لغرض يخصه دون غيره، ولم يضرب به قط بمعزل عن ~~الإيمان حتى في أيام الجاهلية. فلو لم يقع في روع # 88 # عمر أن محمدا أهان قريشا وانتقص دينها لما ~~تصدى له بأذى، ولولا حرمة الإيمان الجاهلي عنده لما ثار على إيمان محمد وصحبه. # وغاية ما هنالك أنه فرق بين إيمان وإيمان، ففي الجاهلية كان إيمانه مضللا فعقم ولم يأت ~~بطائل، وفي الإسلام كان إيمانه رشيدا، فأتى بأطيب الثمرات. ~~••• # قبل أن يقال إن ms101 عمر كان أكبر فاتح في صدر الإسلام، ينبغي أن يقال إنه كان يومئذ أكبر ~~مؤسس لدولة الإسلام، وإنه أسسها على الإيمان، ولم يؤسسها على ~~الصولجان، # 89 # فكان مؤسسا لها قبل أن يلي الخلافة، وينفرد ~~بالكلمة العليا، وكان من يوم إسلامه آخذا في تشييد هذا البناء الذي تركه، وهو بين دول ~~العالم أرسخ بناء. # إن تاريخ عمر وتاريخ الدولة الإسلامية لا يفترقان، فإذا بدأت بهذا فقد بدأت بفصل من ~~تاريخ ذاك، ولن يطول بك الاستطراد، حتى تثوب إليه كرة أخرى. # الفصل السابع # | عمر والحكومة العصرية # من الحقائق التي لا يحسن أن تغيب عنا ونحن نقدر الأبطال من ولاة العصور الغابرة، أنهم ~~أبناء عصورهم وليسوا أبناء عصورنا، وأننا مطالبون بأن نفهمهم في زمانهم، وليسوا هم مطالبين ~~بأن يشبهونا في زماننا، وأن الرجل الذي يصنع في عصره خير ما يصنع فيه هو القدوة التي ~~يقتدي بها أبناء كل جيل، ولا حاجة به إلى الاقتداء بنا! ولا أن يشق حجاب الغيب لينظر إلينا ~~ويعمل ما يوافقنا ويرضينا. # ويحسن بنا أن نذكر مع هذا أشكال الحكومات بمرتبة دون مرتبة المبادئ التي تقوم عليها، ~~وأن المبادئ التي تقوم عليها بمرتبة دون مرتبة الروح الإنساني الذي ينبغي أن يعمها ~~ويتخللها؛ لأن المبدأ يعيبه أن يخلو من الروح الإنساني، ولا يعيب الروح الإنساني أن يخالف ~~المبدأ في بعض الأحايين؛ فالملكية والجمهورية شكلان من أشكال الحكومة، قد يقومان على مبدأ ~~واحد هو مبدأ الحكومة الشعبية أو الديمقراطية، ولكن العدل والحرية هما الروح الإنساني ~~المقدم على المبدأ وعلى الشكل معا؛ لأن فقد المبدأ والشكل لا يضيرنا إذا وجدنا العدل ~~والحرية. أما فقدان العدل والحرية فهو الذي يضير ولو توافرت المبادئ والأشكال. # فإذا عرفنا العدل بروحه ولبابه فلا ضير عليه أن تنكره مبادئ الثورة الفرنسية أو مبادئ ~~الوثيقة الكبرى في البلاد الإنجليزية، أو مبادئ الدستور الأمريكي في أيام آباء الدستور ~~هناك، أو مبدأ من المبادئ التي لا تني تتجدد وتتغير كائنا ما كان. # ويحسن بنا أن نسأل أنفسنا كلما أعجبنا بعظيم ms102 من عظماء العصور الحديثة: ماذا كان هذا ~~العظيم صانعا لو نشأ في القرن الأول للهجرة مثلا أو القرن الأول الميلادي؟ أكان يصنع فيه ~~ما هو «عصري» في زماننا، أو يصنع فيه ما هو عصري في ذلك الزمان؟ فمما لا مراء فيه أنه يخالف ~~عمله في زماننا، ولا يخالف عمله في زمانه الذي نشأ فيه، ولا ملامة عليه فيما خالف وفيما ~~وافق، بل اللوم علينا نحن إذ ننتظر ما لا ينتظر، ونقيس على غير قياس. # وإلى جانب هذا كله ينبغي أن نذكر ولا ننسى أن عصرنا ليس بخير العصور، وأننا لو ملكنا ~~تبديله في كثير من الأمور لبدلناه، وأننا لا نتفق على استحسان الحسن ولا استقباح القبيح ~~فيه، وأن الفارق الأكبر بينه وبين العصور الأخرى إنما هو فرق الألفة والاستغراب، فعصرنا ~~مألوف لنا، وسائر العصور مستغربة في أنظارنا، وكثيرا ما يكون الاستغراب عريضا سخيفا ~~متعلقا بالمظاهر والأزياء دون الجواهر وحقائق الأشياء. # أذكر من الصور التي رأيتها في الصحف الأوروبية ولا أنساها صورة جامعة لبعض المشهورين ~~والمشهورات في أزياء عصرنا وأزياء العصور السابقة على اختلافها، عرضتها الصحيفة وأحسبها ~~كتبت تحتها: هل تعرف هؤلاء لو مروا بك في الطريق؟ # فإذا تأملت الصورة رأيت فيها يوليوس قيصر في القبعة الطويلة وكسوة السهرة السوداء، ورأيت ~~كليوباترة في زي الباريسية العصرية، ثم رأيت أميرا من أمراء هذا الزمن وحكيما من حكمائه ~~على نمط التماثيل التي حفظت لقياصرة الرومان وحكماء اليونان، فإذا بك تستغرب ما تألف وتألف ~~ما تستغرب، وكأنك على استعداد أن تحادث يوليوس قيصر حديثك للرجل الذي يفهمك وتفهمه من ~~الكلمة الأولى، وعلى حذر أن تقارب الرجل الذي مثلته لك الصورة في زي الأقدمين المخالفين لك ~~في العقيدة والشارة والذوق ونمط التفكير والنظر إلى الأشياء. # هذه صورة نشرت يومئذ للتسلية والفكاهة، ولكنها خليقة أن تعلمنا الكثير، وأن تصحح لنا ~~مقاييس المقابلة والتقدير بين كل عصر سابق وعصر أخير. # ونحن إذ ننظر إلى أعمال عمر بن الخطاب نقيسها إلى نظام الحكم في زماننا، واجدون فيها ~~كثيرا ms103 من المستغربات التي تحول بيننا وبين تقديرها الصحيح للوهلة الأولى، ولكننا لا نلبث ~~أن نرفع القشرة، وننفذ إلى اللباب حتى تزول الغرابة ونرى في مكانها الحق الخالد الذي تتغير ~~العصور ولا يتغير، بل نرى في مكانها أحيانا ما يصلح كل الصلاحية للتفسير حتى بمبادئ هذا ~~العصر الأخير. # خذ مثلا أنه - وهو أقدر المالكين في عصره - كان يقنع بالكفاف ويلبس الكساء الغليظ ويهنأ ~~إبل الصدقة - أي يداويها بالقطران - ويراه رسل الملوك وهو نائم على الأرض نومة الفقير ~~المدقع، وتعرض له المخاضة # 1 # وهو داخل إلى الشام فينزل عن بعيره ويخلع خفيه ويخوض الماء ومعه بعيره، ويسافر ~~مع خادمه فيساوي بينهما في المأكل والمركب والكساء. # حاكم من حكام العصر الحديث لا يصنع هذا ولا يطالب بأن يصنعه، وهو وأبناء العصر الحديث ~~على حق فيما ارتسموه لأنفسهم من السمت # 2 # والشارة؛ لأن حاكم الأمة يحتاج إلى المهابة بين قومه وغيرهم من الأقوام، وهذا حسن ~~مشكور. # ولكن هذه وجهتنا نحن في هذا، فما هي وجهة عمر فيه؟ # وهذه حجتنا نحن فيما ارتسمنا، فما هي حجة عمر فيما ارتسم؟ # إننا إذا عقدنا المقارنة بين الوجهتين والحجتين ألفيناه في غنى عن وجهتنا وحجتنا، وأنه ~~كان يصل إلى الغاية التي نرومها نحن من طريق أقوم وأنفذ من الطريق الذي توخيناه، فكان يعيش ~~عيشة الفقراء وأمته وأمم أعدائه أهيب له مما تهاب التيجان في القصور. # وكان عمل الرجل تثبيت سلطان وتثبيت عقيدة هي أساس الحكم قبل كل أساس، فكانت عيشته الفقيرة ~~أعون له على تثبيت العقيدة، ثم لا غضاضة فيها على السلطان. # وكان يدين نفسه بهذه العيشة ولا يأبى على غيره أن يخالفها، ويقنع باليسير ويعطي الحق ~~الكثير لمن يستحقه على تفاوت في المآثر والأعمال، فلما ندب أبا عبيدة لتوزيع الطعام في عام ~~المجاعة أعطاه ألف دينار وألح عليه في قبولها، ولما قسم الولايات جعل كل وال ~~كفاء # 3 # عمله ~~من أجر وطعام مكفولا له مع عطائه الذي يعطاه كسائر المسلمين. # وهو الذي خالف أبا بكر في التسوية ms104 بين الأعطية لعلمه بتفاوت الحقوق، فقال له: أتسوي بين ~~من هاجر الهجرتين وصلى إلى القبلتين وبين من أسلم عام الفتح خوف السيف؟ أتجعل من قاتل رسول ~~الله كمن قاتل معه؟ ولقد ظل كلاهما على رأيه حتى قام عمر بالخلافة، فأخذ بمذهب التفضيل ~~وتوفية العطاء حسب الحقوق. أما المهابة فمن افتقر من الولاة إلى المظهر فيها لم يمنعه عمر، ~~ولم يوجب عليه أن يقتدي به في خصاصته # 4 # وشظفه، فله من ذاك ما تقضي به مصلحة الدولة حيث كان. # وبهذا يكون الحاكم عمر بن الخطاب قد أدى «الواجب الحكومي» على الوجه الأقوم، فلا سبيل ~~لأحد إلى أن يؤاخذه فيه بقياس حديث أو بقياس قديم. # فإذا بقي أن نستدل بتشديده في المعيشة على تفكيره أو خلقه، فما هي الدلالة التي تدل ~~عليها؟ هل يدل هذا التشديد في محاسبة النفس على شيء يعاب؟ هل هو أدنى إلى النقص أو أدنى إلى ~~الرجحان؟ # إن أناسا يشددون على أنفسهم عن كزازة # 5 # في الطبع وضيق في الحظيرة # 6 # وعجز عن ملابسة الدنيا، وهذه نقائص تعاب في مقياس الفكر والأخلاق. # ولكن هل كانت خليقة عمر بن الخطاب خليقة المرعب المتوجس العاجز الذي يرجع الشظف عنده إلى ~~العجز عن ملابسة الدنيا؟ # أعجل الناس بالاتهام لا يتهم عمر بهذا ولا بما يشبهه ويدانيه. # وإنما تدل جملة أخلاقه على أن الخلق الذي ألزمه حياة الشظف إنما هو خلق قوي يروض صاحبه ~~على ما يريد، وليس بخلق ضعيف يجفل من التصرف والتكليف إجفال العجز والرهبة والوسواس. # وفي «طبيعة الجندي» التي قدمنا الكلام فيها التفسير لنظرته في حساب نفسه، وفي الموقف ~~الذي اختار أن يقفه بين يدي الله، فهو يعلم أن الله شديد الحساب، وأن الله رحيم ، ولكن ~~الجندي القوي إذا وقف بين يدي مولاه جعل تعويله على الوفاء بالأمر وقضاء الواجب في أدق ~~تفاصيله، ولم يجعل معوله الوحيد على طلب الرحمة والصفح عن الخطيئة. فإن جاءه الصفح من ~~مولاه، فليس هذا بمعفيه أمام نفسه من استقصاء الحساب ولو جار عليها؛ ms105 فأكرم لطبيعته الحادة ~~القوية أن يجور على نفسه من أن يترخص في إعطائها ثم يتعرض للصفح والغفران. # وكان وفاؤه لحق الصداقة كوفائه لحق الله سببا من أسباب هذا الشظف الذي عاش عليه بعد ~~النبي وخليفته الأول، فقد أبى له وفاؤه أن يعيش خيرا مما عاشا، وأن يستبيح - وقد صار الأمر ~~إليه - حظا لم يستبيحاه، وكثيرا ما توسل إليه خاصته أن يشفق على نفسه، وأقنعوه بما علموا ~~أنه أدنى إلى إقناعه، وهو أن يتوسع في العيش ليكون ذلك أقوى له على الحق، فكان يقول لهم: ~~«قد علمت نصحكم ولكني تركت صاحبي على جادة، # 7 # فإن تركت جادتهما لم أدركهما في ~~المنزل.» # 8 # وكلما نصح له ~~ذووه ومنهم بنته حفصة أن يستكثر من الطعام الطيب والنعمة السائغة سألها: كم كان نصيب النبي ~~من هذا أو من ذاك، وأنت تعرفين نصيبه؟ # فيكون السؤال هو الجواب. # ثم كانت رغبته في إقامة الحجة على ولاته وعماله سببا آخر من أسباب شظفه وقناعته بالقليل؛ ~~فقد يستحي أحدهم أن يخون ليغنى وخليفته قانع لا يطمع في أكثر من الكفاف. # وما كان عمر بالذي يجهل ما عرفه الناس من مروءة «الأبهة والوجاهة» وهو الذي يعلم ما ~~جهلوه، ولكنه كان غنيا عنها إيثارا لغيرها مما هو أرفع منها وأدل على المروءة في ~~حقيقتها، فكان يقول: «المروءة مروءتان: مروءة ظاهرة ومروءة باطنة، فالمروءة الظاهرة الرياش، ~~والمروءة الباطنة العفاف.» # فهو في جملة أحواله يفرض الشظف على نفسه؛ لأن قوته الخلقية تستطيع أن تريد فتفعل، ~~وتستسهل الجد الذي يصعب على غيرها، ففيها رجحان يكبره العقل والخلق، وليس فيها نقص يعاب ~~بمقياس التفكير أو مقياس الأخلاق. # إنما كان الرجل يحاسب غيره فيعطيه حقه في غير بخس ولا حرج، ويحاسب نفسه فيؤثر الشدة ليقطع ~~الشك ويدرأ الشبهة # 9 # ويقتدي بصاحبيه، ويترك القدوة المثلى لمن يليه، فلا سبيل عليه لباحث في نظم ~~الحكم ولا لباحث في معاني الأخلاق. على أن عصورنا الحديثة تستغرب الشظف من عمر وهي تهلل ~~لملوكها وتكبر لهم حين يستنون لأنفسهم سنته ms106 في بعض أوقات الضيق والمحنة، وهي الأوقات التي ~~يتنبه فيها شعور الرعية للفارق بينها وبين راعيها في المعيشة والتكليف. وأكثر ما يكون ذلك ~~في أوقات المجاعات والحروب وشح المئونة على الإجمال. # ففي الحروب الأخيرة تجاوبت الصحف بالثناء على الملوك الذين راضوا أنفسهم وراضوا أسرهم ~~وحاشيتهم معهم على جراية الحرب التي توجبها ضرورات التموين، وعدوا من مفاخر الملوك أنهم ~~لا يأكلون إلا ما تأكله شعوبهم، وأنهم لا يرون لهم عزة في الترف الذي يعز على ~~رعيتهم، # 10 # فاقتدوا بعمر فيما أوجبه على نفسه عام القحط # 11 # وعلمتهم الشدة كيف ينفذون إلى الواجب ~~الإنساني من وراء زخارف الحضارة الحديثة. # وشيء آخر يستغربه العصريون في نظام حكومة عمر، وإن كانوا ليتمنون مثله لو استطاعوه، ونعني ~~به طريقته في محاسبة الولاة والعمال سواء لتحقيق العدل أو لتحقيق الأمانة. # فكان يجزي الوالي جزاء المثل عن كل مظلمة وقعت على أحد رعاياه، ويأخذ الوالي بسيئات ~~أبنائه وذويه إن أساءوا وهم مستطيلون # 12 # بما للولاية من حول وجاه. # وكان يحصي أموال الولاة ثم يستصفي ما زاد عليها كلما فشت # 13 # لهم فاشية من النعمة لا يخبرونه بمصدرها. # وفي هذا وذاك ضمان للعدل والأمانة يستغربه العصريون؛ لأنهم لا يألفونه في طرائق الحكومات ~~العصرية. # ولكن أتراهم يستغربونه لأنه غير حسن أو لأنه غير مستطاع؟ بل لأنه غير مستطاع ولا ريب، أو ~~لأن الحكومات العصرية لا تملك أن تتحراه وتنصف في تنفيذه. # 14 # أما أنه حسن فلا شك في حسنه ولا في أنه أحسن من نظائره بين النظم العصرية؛ لأن حكومات ~~العصر الحديث قد تحمي الوالي وإن ظلم واعتدى، فلا تسمح بمقاضاته إلا بإذن منها! وقد تحميه ~~مرة أخرى بالإحالة إلى الثقة بالوزارة ومنع المناقشة في عمله؛ لأنها هي المختصة بمناقشته ~~فيه، وتعتذر في الحالتين بعذر المحافظة على نظام الدولة أن يهدده ما يهدد مراكز الحكام، ولم ~~يكن عمر يخشى هذا الخطر لأنه أقوى منه، فله هو الحق وعلى النظم العصرية الملام. # أما الطريقة العصرية في ضمان أمانة الحكام فهي ms107 أن تحرم عليهم الدساتير مباشرة ~~الأعمال في الشركات وما إليها، ثم هي لا تأخذ منهم درهما ولو دخلوا الخدمة صفر اليدين ~~وخرجوا منها بالضياع والقصور والأموال. فمن استغرب الطرائق العمرية في هذا الباب فليستغربها ~~ما شاء، وهو يعلم أن الغرابة ليست بعيب، وأن المألوف هو المعيب إن قصر عن الغرض ~~المطلوب. # وما عدا هذا من اختلاف بين العهدين فقلما يعدو اختلاف الأسماء وتغيير العناوين، وقل أن ~~ينفذ إلى ما وراء القشور، وهذه بعض الشواهد التي تقرب أسباب النظر إلى حقيقة هذا ~~الاختلاف. # مر عمر في سوق المدينة فرأى إياس بن سلمة معترضا في طريق ضيق، فخفقه بالدرة، وقال له: ~~«أمط عن الطريق يا بن سلمة!» # 15 # ثم دار الحول # 16 # ولقيه في السوق ~~فسأله: أردت الحج هذا العام؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. فأخذ بيده حتى دخل البيت وأعطاه ~~ستمائة درهم وقال له: يا بن سلمة، استعن بهذه، واعلم أنها الخفقة التي خفقتك بها عام أول! ~~قال إياس: يا أمير المؤمنين، ما ذكرتها حتى ذكرتنيها. فأجابه عمر: أنا والله ما ~~نسيتها. # فالنظم العصرية تحار في وضع هذه الحادثة في باب من أبوابها المرتبة حسب الوظائف والأوامر ~~والمراجعات. # ولكن ماذا يصنع جندي المرور في عصرنا إذا شاء أن يميط عن الطريق ويفض الزحام؟ وماذا تصنع ~~المحاكم في تعويض من أصابه الضرب بغير ضرورة؟ # إن جندي المرور ليضرب بالدرة وبما هو أقسى منها، وإن المحاكم لتعوض المضروب بشيء من ~~مال الدولة عن خطأ الجند والموظفين، وعمر قد عوض الرجل من ماله، كما يؤخذ من قول ابن سلمة ~~أنه ذهب به إلى بيته، فإن لم يكن هذا المبلغ من مال عمر وكان من خزانة الدولة فقد غرم عمر ~~كل دين عليه قبل موته، ولم يفارق الدنيا إلا على ضمان وثيق أن يعاد كل درهم من دينه إلى ~~ذويه، وقد يكون الخطأ يومئذ في الحساب لا في تصرف عمر بن الخطاب. # ورأى عمر امرأة في زي استغربه فسأل عنها، فقيل له إنها الأمة فلانة! ms108 فضربها بالدرة ~~ضربات وهو يقول لها: يا لكعاء، أتشبهين بالحرائر؟ # 17 # وهنا مجال واسع للحذلقة العصرية في الكلام على «الحرية الشخصية»، وعلى حق من يشاء أن يلبس ~~ما يشاء ويسير حيث يشاء. # ولكن ماذا تصنع الحضارة العصرية بالنساء المريبات اللاتي يتنكرن بأزياء الحرائر، ويأوين ~~إلى البيوت في أحيائهن يخرجن معهن إلى الطريق؟ وبماذا يختلف شأن النساء المريبات من شأن ~~الإماء في زمن كن فيه متهمات الأعراض؟ # ورأى عمر رجلا يتبختر ويمشي مشية قبيحة لا تليق بالرجال، فأمره أن يتركها، فأبى وزعم أنه ~~لا يطيق تركها فجلده، وعاد بعد جلده إلى التبختر فجلده مرة أخرى، ثم مضت أيام وجاءه الرجل ~~وقد ترك تلك المشية القبيحة ودعا له: جزاك الله خيرا يا أمير المؤمنين، إن كان إلا شيطانا # 18 # أذهبه الله ~~بك. # الحرية الشخصية مرة أخرى! # غير أن عمر في عقوبته هذه إنما كان يعاقب على أمر نهى عنه القرآن وليس له أن يبيحه ~~بحال، فهو قانون يعرفه من أوقع العقاب ومن وقع عليه ومن شهدوه وأقروه، وكلهم يأبى أن يمشي ~~في الأرض مرحا ويعدها من قبائح الآداب. # ولكننا في العصر الحديث نقسم النواهي والأوامر إلى قسم يحاسب عليه القانون، وقسم يحاسب ~~عليه العرف المأثور، وعقاب العرف حق الأمة وليس بحق الحكومة والقضاء. # وحجة العصر الحديث أن العقاب القانوني هنا غير منصوص عليه وليس النص عليه بمستطاع، ~~وربما فتح الباب للأغراض والأهواء واستبداد الحاكمين إذا استطيع. # وعندنا أن حجة العصر الحديث في هذا ناهضة لا شك في صدقها، ولكنها إن نهضت فإنما تنهض ~~على العصر الحديث ولا تنهض على عمر ولا على من وثقوا بعدله وأسلموه زمام العرف والقضاء على ~~السواء، فماذا لو استطاع العرف في عصرنا أن يحاسب الناس بالحبس والجلد والغرامة على رذائل ~~الذوق وقبائح الآداب دون أن يخطئ، أو يجور؟ أيأبى الإصلاح وهو آمن عقباه؟ إن أباه فليس ~~صوابه في إبائه بأكبر من صواب عمر في تقريره، وليس على عمر ولا على رعيته جناح أن يطمئنوا ~~إلى عدل يعيبنا ms109 أن نطمئن إلى مثله. # وقد تقدم أن عمر غضب على الحطيئة لهجائه الناس ونهاه أن يهجو أحدا، فضرع إليه الرجل ~~وقال: إذن أموت ويموت عيالي من الجوع، فأنذره ليقطعن لسانه! # ثم عطف عليه فساومه على ترك الهجاء بثلاثة آلاف درهم، فسلم الناس من لسانه، واستغنى عن ~~هذه الصناعة ما عاش عمر، ثم عاد إليها بعد موته. # إن أمين الحساب في خزائن الدول الحديثة يحار في أي باب من أبواب المصروفات يضع هذه ~~الدراهم التي اشترى بها هجاء الحطيئة، ولكنه لا يحار طويلا حتى يذكر باب الدعوة وما تنفقه ~~الدول من الملايين ثمنا للثناء والهجاء، فيضعها هنالك وهو أهدأ ضميرا مما وضع في الباب ~~كله؛ لأنه مال تنتفع به الرعية وتنتفع به الأخلاق، ولا نفع فيه لذوات الحاكمين. # ولنضرب أمثلة من طراز آخر على الطريقة العمرية التي يستغربها العصريون وهم مخطئون في ~~استغرابها، أو قادرون على النظر إليها كما ينظرون إلى المألوفات لو أطلقوا عقولهم من عقال ~~الصيغ والأشكال، ونفذوا من ورائها إلى الجواهر والأصول. # كان عمر يعس في المدينة فسمع صوت رجل وامرأة في بيت، فتسور الحائط فإذا رجل وامرأة عندهما ~~زق خمر، # 19 # فقال: يا عدو الله! ~~أكنت ترى أن الله يسترك وأنت على معصية؟ فقال الرجل: يا أمير المؤمنين، أنا عصيت الله في ~~واحدة وأنت في ثلاث، فالله يقول: # ولا تجسسوا # وأنت تجسست ~~علينا، والله يقول: # وأتوا البيوت من أبوابها ~~، ~~وأنت صعدت من الجدار ونزلت منه، والله يقول: # لا تدخلوا بيوتا ~~غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ~~، ~~وأنت لم تفعل ذلك. فقال عمر: هل عندك من خير إن عفوت عنك؟ قال: نعم، والله لا أعود. فقال: ~~اذهب فقد عفوت عنك. # ما أسرع ما تقول الحذلقة العصرية وهي مستريحة البال: هذه بدوات # 20 # البادية في حكمها تجسس ثم محاجة ~~جدلية، ثم نزول عن عقاب، وهي «طريقة تعوزها الإجراءات الرسمية» التي نحن عليها حريصون وبها ~~جد فخورين! # لكن ما القول في مطابقة هذه الطريقة كل المطابقة لما يجري عليه ms110 النظام الحديث في إجراءاته ~~الرسمية بغير استثناء؟ # فالدساتير الحرة تمنع الرقابة وفض الرسائل واستباحة الأسرار، والحكومات مع هذا المنع ~~الدستوري تضطر إلى استطلاع الأحوال واتقاء الجرائم بمراقبة المتهمين وذوي الشبهات، فإذا ~~اتفق في حادث من الحوادث أنها استباحت سرا يدل على جريمة محظورة، فماذا يكون من سير ~~الإجراءات الرسمية؟ يكون ما كان من عمر في الحدث الذي رويناه بغير اختلاف؛ فالقضاء لا يأخذ ~~بدليل يمنعه الدستور، ولا تثبت عنده الجريمة إلا بدليل مشروع، والحكومة تضطر هنا إلى السكوت ~~ومتابعة الحالة حتى تسفر عن بينة يجوز لها أن تعتمد عليها أمام القضاء. وهي فيما تصنع من ~~هذا القبيل أعجز من عمر فيما صنع؛ لأنه جعل الاستطلاع سبيلا إلى العظة والتوبة، واستغنى عن ~~الإجراءات الرسمية التي نحن عليها حريصون وبها جد فخورين. # ونقترب من حادث تطول فيه الألسنة العصرية أبعد مما طالت في شتى الحوادث التي قدمناها، ~~ونعني به كتابه الذي خاطب به النيل يوم قيل له إنه أمسك عن الفيضان. # فقد زعم المؤرخون أن أهل مصر ذهبوا إلى عمرو بن العاص في شهر بئونة، فأخبروه أن للنيل ~~عندهم سنة قديمة لا يجري إلا بها، وهي «أنهم إذا كانت ليلة ثلاث عشرة من هذا الشهر، ~~عمدوا إلى جارية بكر بين أبويها، فحملوا عليها من الحلي والثياب أفضل ما يكون، ثم ألقوا ~~بها في النيل»، فلم يجبهم عمرو إلى ما سألوه وقال لهم: هذا لا يكون في الإسلام، وإن ~~الإسلام يهدم ما كان قبله. فأقاموا بئونة وأبيب ومسرى لا يجري فيها النيل قليلا ولا ~~كثيرا، ثم رفع عمرو الخبر إلى عمر فاستصوب ما صنع، وكتب له: إني بعثت إليك بورقة مع كتابي ~~هذا فألقها في النيل. وفي الورقة كتاب يخاطب به النيل يقول فيه: «من عبد الله عمر إلى نيل ~~مصر، أما بعد ، فإن كنت تجري من قبلك فلا تجر، وإن كنت تجري من قبل الله، فنسأل الله أن ~~يجريك.» # وقال رواة هذه القصة: إن عمرا ألقى بالورقة في النيل قبل يوم الصليب ms111 بشهر، وقد تهيأ ~~أهل مصر للجلاء والخروج، فأصبحوا يوم الصليب وقد أجراه الله ستة عشر ~~ذراعا، # 21 # واستراحوا من ضحاياه في ذلك العام وفيما بعده من ~~الأعوام. # والرواية على علاتها قابلة للشك في غير موضع عند مضاهاتها على التاريخ، وقد يكون الواقع ~~منها - إن وقعت - دون ما رواه الرواة بكثير، ولتكن على هذا صحيحة بحذافيرها، فما هي الغضاضة ~~فيها على العلم الحديث، ولا نقول على العقل «البدوي» قبل نيف وألف سنة؟ # إن عمر لم يجد أهل مصر معولين في فيضانهم على القناطر والسدود وفنون الهندسة فأبى ~~عليهم أن يعولوا عليها، ولكنه وجدهم معولين على خرافة يعافها العقل والشعور فأنكرها، وحق له ~~أن ينكرها، ولم يقل لهم إن ورقته الملقاة في النيل هي التي تجريه، بل قال لهم إن النيل ~~ليجري بغير تلك السنة التي استنوها له، وبغير القربان الذي يتقربون به إليه، وليس في هذه ~~القصة كلها ما يستغرب من حاكم عصري مؤمن بالله منكر للخرافات، فورقة عمر أقرب إلى العقل في ~~زماننا هذا من الكئوس والقوارير التي تكسر في الأنهار عند فتح قناطرها وجسورها، وأقرب إلى ~~العقل من البخور الذي يحترق في البيع # 22 # والهياكل جلبا للفيضان واستغاثة بالسماء. # ونحن لا نعرض لهذه الأشتات من طريقة عمر في حكومته لأنها هنات تلجئ المعجب به إلى ~~دفاع وتسويغ، وليس في كل هذه الأشتات وأشباهها ما يلجئ عمر ولا المعجبين به إلى دفاع أو ~~تسويغ. # وإنما عرضنا لها توسعة لأفق النظر إلى العظمة الإنسانية في مختلف أزمانها، واستخفافا ~~بالغرائب التي تخلقها العادة العارضة لعبادها، ثم هي لا تستحق من هوانها أن نخسر من أجلها ~~شعورنا بعظمة الإنسان، وإنها لأنفس ما نصونه ونعتز به في جميع الأزمان. # عدل عمر نخسره لأنه كان يقضي فيه بغير «استمارة» مدموغة ينص عليها قانون المرافعات! أو ~~لأنه كان يقضي فيه على غير «الإجراءات العصرية» في مواجهة الحقوق الشخصية! أو لأنه كان يقضي ~~فيه قضاء يختلف الفقهاء في عنوانه وفي الرف الذي يضعونه عليه بين رفوف الأضابير! ms112 # يا لها من حماقة تخجل العصر الحديث! تخجله وهو واقف بين العصور يتطاول عليها بتسخيف ~~الحماقات وإدحاض الخرافات. # الفصل الثامن # | عمر والنبي # يندر أن يظفر الباحثون في طبائع الإنسان بمغنم نفسي هو أوفر ثمرة وأنفس محصولا من دراسة ~~عمر بن الخطاب؛ لأن الظواهر المختلفة التي تتجلى في هذه النفس العظيمة ليست من ظواهر كل يوم ~~ولا ظواهر كل دراسة، ولأن اتفاقها البسيط مع تركيبها العجيب مما يتعذر جدا في النفوس التي ~~نعهدها، ومما يتعذر جدا حتى في نفوس الأفذاذ من العظماء. # بيد أن المغنم الأكبر في هذه الدراسة إنما هو مغنم علم الأخلاق؛ لأن علم الأخلاق أحوج ~~إلى الاستقلال بالظواهر الطبيعية، وأفقر إلى الأسناد والدعائم التي تقيمها أمثال هذه ~~الدراسات. # فكل نفس - عظمت أو صغرت - دراستها مغنم لعلم النفس لا شك فيه، كائنة ما كانت النتيجة التي ~~تتأدى إليها من بحث خفاياها وتنظيم شواهدها. # لكن الوصول إلى نتائج علم الأخلاق هو الصعب الجديد الذي لن يزال اليوم وبعد اليوم صعبا ~~وجديدا إلى أمد بعيد. # فالمفروض أن نتائج علم الأخلاق «فكرية تكليفية»، يستنبطها الفكر الذي يختلف في صوابه ~~كما يختلف في خطئه، ويمليها التكليف الذي يطاع ولا يطاع، ويراض عليه الإنسان رياضته على ~~الأمر الغريب «الأجنبي» عن نوازع الطباع. # فإذا اهتدينا إلى نفس تعزز تلك النتائج الفكرية التكليفية التي هي أقرب إلى الآمال ~~المنشودة منها إلى الوقائع الموجودة، فقد ظفرنا بمغنم كبير. # وإذا ظفرنا بحقيقة نفسية هي في الوقت نفسه حقيقة فكرية وحقيقة خلقية، فذلك هو المغنم ~~المضاعف الذي قلما ينال. # ونفس عمر بن الخطاب هي تلك النفس التي تدعم علم الأخلاق من الأساس، وهي ذلك الصرح الشامخ ~~الذي ننظر إلى أساسه، فكأننا تسلفنا النظر إلى ذروته العليا؛ لأنه قرب بين الآمال ~~والقواعد أوجز تقريب، إذ هو التقريب الملموس. # آمال كثيرة من آمال محبي الخير ودعاة الإصلاح هي في نفس عمر بن الخطاب وقائع مفروغ منها، ~~كأنها وقائع المرئيات والمسموعات. # فمنها فيما أسلفناه أن القوة لا تناقض العدل في طبيعة الإنسان، ms113 بل يكون العدل هو القوة ~~التي تخيف فيخافها الظالمون. # ومنها فيما نحن بصدده الآن أن القوة لا تناقض الإعجاب على خلاف ما يتبادر إلى ~~الأكثرين. # فإن الأكثرين يحسبون أن الرجل الذي يعجب به الناس لا يعجب هو بأحد، وأن البطل الذي ~~يقدسه عشاق البطولة لا يعشق البطولة في غيره، وأن التطلع إلى الأعلى صفة ينطبع عليها ~~الصغار ليرتفعوا بعض الارتفاع ويحسنوا الخدمة والعون للكبار، ولكنها صفة ينفر منها الكبير ~~ويحس فيها الغضاضة أن يصغر إلى جانب المتفوقين عليه ممن هم أكبر قدرا وأحق ~~بالإعجاب. # لكن البطل الذي ندرسه هذه الدراسة ينقض ذلك الحسبان أقوى نقض مستطاع؛ لأنه بطل يروع، ~~ويعرف روعة البطولة، ويستحق الإعجاب غاية استحقاقه، ثم يخيل إليك من فرط ولائه لمن يفوقونه ~~أنه خلق للإعجاب بغيره، ولم يخلق ليكون هو موضع إعجاب. # فعمر كان يحب محمدا حب إعجاب، ويؤمن به إيمان إعجاب، ويستصغر نفسه إذا نظر إلى عظمة ~~محمد، وما هو فيما خلا ذلك بصغير في نظر نفسه ولا في نظر الناس. # كان محمد - عليه السلام - كما نعلم قدوة في الدعة وحسن المعاملة لجميع صحبه وتابعيه، وكان ~~يعاملهم جميعا معاملة الإخوان والزملاء، فلا يغمرهم برهبة التفاوت الشاسع والتفوق البعيد، ~~فلو جاز أن ينسى أحد فارقا بينه وبين عظيم لنسي أصحاب النبي هذا الفارق بما يلقونه من ~~مساواته وحسن معاملته، ولو نسيانا إلى حين. # إلا أن عمر «العظيم» سمع مرة من صديقه محمد - عليه السلام - كلمة «يا أخي» فظل يذكرها ~~مدى الحياة. # استأذنه في العمرة فأذن له وقال: «يا أخي لا تنسنا من دعائك»، فما زال عمر يقول بعدها ~~كلما ذكرها: «ما أحب أن لي بها ما طلعت عليه الشمس، لقوله يا أخي!» # شهادة لعظمة محمد أن يؤاخي الناس كبارا وصغارا، وأن الناس كبارا وصغارا لا ينسون ما ~~في مؤاخاته من فخر وغبطة، وما بينهم وبينه من فارق بعيد. # وشهادة لعظمة عمر أنه أهل لذلك الإخاء؛ لأنه يدرك ما فيه من عظمة، ويشعر بما فيه من ~~رضوان. # وما يدريك ms114 ما عمر الذي يشيع في قلبه الفرح بهذا الإخاء؟ # ليس بالرجل الذي يحب تواضع المرائين، وليس بالرجل الذي يجهل مقداره، أو يهاب مخلوقا ~~بغير الحق وبغير الإعجاب. # عمر هذا هو الذي تولى الخلافة وحجته الأولى في ولايتها أنه أكفأ المسلمين لها غير مدافع، ~~وأنه كما قال: «لو علمت أن أحدا أقوى مني على هذا الأمر، لكان أن أقدم فتضرب ~~عنقي # 1 # أحب إلي من أن ~~أليه.» # 2 # نعم، هو عمر أقدر المسلمين كما يعلم، وهو عمر الذي يستصغر نفسه إذا نظر إلى المثل الأعلى ~~والقدوة الفضلى، وهو إذن أكبر ما يكون بهذا الاستصغار. # لقد كان يسمع وهو خليفة يقول كالساخر وما هو بساخر: «بخ بخ # 3 # يا بن الخطاب، أصبحت أمير ~~المؤمنين!» # أكان يقولها لأنه كان يجهل أنه أكفأ العرب للخلافة بعد صاحبيه؟ كلا، بل كان يقولها لأنه ~~يعرف النظر إلى المثل الأعلى، يعرف الإعجاب بما فوقه، يعرف محمدا ويعرف أن اللحاق به أمل ~~لا يطال، يعرف الإعجاب بطلا معجبا ببطل، ويشاء فضله أن تحصى له هذه بين أصدق شواهد ~~البطولة فيه. # ومن الخطأ أن يتوهم المتوهم أن عمر كان يتصاغر لأنه يشعر بصغره، ويتواضع لأنه يشعر بضعة ~~فيه. # إن الصغير لا حاجة به إلى تصاغر لأنه صغير، وربما كانت حاجته الكبرى إلى مداراة شعوره ~~الدخيل بتفخيم الرواء، وتزويق الطلاء، والتخايل بالمسكن والكساء. # وإنما كان عمر يتصاغر لأنه يشعر بعظمته، ويكبح ما يخامره من اعتداد بنفسه، ومحال أن تمتلئ ~~نفس بمثل هذه القوة، ثم تخلو من شعور بقوتها واعتداد بقيمتها؛ فليس ذلك من معهود الطباع في ~~حي من الأحياء، ولا نقصر القول على الإنسان. # ولهذا كان عمر يتصاغر على قدر ما يراه من بواعث الكبرياء، لا على قدر ما يراه من بواعث ~~الصغر، فأبى أن يركب البرذون # 4 # وهو يغالب عزة الفتح داخلا إلى الشام دخول المنتصر، وقيل له في ذلك فصاح بهم: ~~خلوا سبيل جملي، إنما الأمر من ها هنا، وأشار إلى السماء! # وكلما اعتز من حوله من خاصة ms115 أهله وخلصاء رعاياه بما يرونه فيه من بسطة السلطان وعلو ~~الكلمة غض من اعتزازهم، وأحضر في أذهانهم ما ينسيهم السلطان المبسوط والكلمة العالية، ~~فقال لأصحابه يوما وقد مر ببعض الشعاب # 5 # على مقربة من مكة: «لقد رأيتني في هذه الشعاب أرعى إبل الخطاب، وكان غليظا ~~يتعبني، ثم أصبحت وليس فوقي أحد!» # وضايقت هذه الكلمة ابنه فقال له: «ما حملك على ما قلت يا أمير المؤمنين؟» قال: «إن ~~أباك أعجبته نفسه فأحب أن يضعها.» # 6 # وانظر هنا إلى كلمة «أمير المؤمنين» يقولها الابن، ثم انظر إلى كلمة «أباك» يقولها أمير ~~المؤمنين. # ومن قبيل هذا ركوعه لله ذليلا خاشعا يوم أمر أبا سفيان أن ينقل الحجر من مكانه فنقله، ~~فخشع لله الذي جعله يأمر أبا سفيان في شعاب مكة فيستمع لما أمر. # وليس هذا وأشباهه تصاغرا يكشف الصغر، إنما هو تصاغر يكشف القوة والاعتداد بها، ويكبحها ~~بعنان متين هو نفسه دليل القوة والاعتداد. # بل يشاء بأس هذا البطل أن تتمادى فيه الصفات إلى غايتها، وهي متناقضة في النظرة الأولى، ~~فإذا بهذا التمادي يردها إلى الوفاق والتكافؤ، ولا يوسع ما بينها من ظواهر الاختلاف. # فمما رأيناه أنه عادل يفوق العدول، وقوي يفوق الأقوياء، فإذا العدل والقوة فيه وفقان ~~متساندان لا يختصمان ولا يتناقضان. # ومما رأيناه أنه بطل تعجب بطولته الأصدقاء والخصوم، ثم هو في إعجابه بالبطولة كأنه خلو ~~من دواعي الإعجاب. # وبقي من موافقاته النادرة أن الإعجاب عنده لا ينقض الاستقلال، ولا يهدد «الشخصية» ~~بالفناء والزوال، فيعجب بمن يفوقه غاية الإعجاب، ويحتفظ معه باستقلال رأيه غاية الاحتفاظ، ~~ولا يتناقض الأمران. # فلم يكن أحد يعجب بمحمد أكبر من إعجاب عمر. # ولم يكن أحد مستقلا برأيه في مشورة محمد أكبر من استقلال عمر، فهو آية الآيات على أن ~~فضيلة الإعجاب لا تغض من صراحة الرأي عند ذي الرأي الصريح. # فما أحجم عمر قط عن مصارحة النبي - عليه السلام - برأي يراه، ولو كان ذلك الرأي من أخص ~~الخصائص التي يقف عندها الاستقلال. # فمحمد في بيته وهو ms116 صاحبه، ومحمد في شريعته وهو صاحبها كان يستمع إلى عمر حين يقترح، وحين ~~يستنزل الأحكام، وحين يستدعي الوحي في أمر من الأمور. # فكان يشير على النبي - عليه السلام - أن يحجب نساءه، ويبلغ ذلك إحدى أمهات المسلمين زينب ~~فتقول له: إنك علينا يا بن الخطاب والوحي ينزل علينا في بيوتنا! وتخرج إحداهن - سودة - وهي ~~تحسب أن أحدا لا يعرفها لاستتارها بالظلام فيعرفها بطول قامتها ويناديها «عرفتك يا ~~سودة!» ليؤكد ضرورة الحجاب، فيؤمر المسلمون بعد ذلك ألا يسألوهن إلا من وراء حجاب. # ولما هم النبي - عليه السلام - بالصلاة على عبد الله بن أبي كبير المنافقين يوم وفاته ~~تحول عمر حتى قام في صدره، وأخذ يذكره مساوئ عبد الله وأقاويله في النكاية بالإسلام، وحكم ~~القرآن فيه وفي أمثاله أن # استغفر لهم أو لا تستغفر ~~لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله ~~لهم ~~. # وألح في التذكير حتى أكثر على النبي - عليه السلام - وهو يبتسم ويقول له: «أخر عني يا ~~عمر، لو أعلم أني إن زدت على السبعين غفر له زدت»، ثم صلى عليه، ومشى معه حتى فرغ من ~~دفنه، ثم ما كان إلا يسيرا - كما قال عمر - حتى نزلت هاتان الآيتان: # ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على ~~قبره ~~. # وروى أبو هريرة عن النبي - عليه السلام - أنه أنفذه إلى رهط المسلمين فقال له: اذهب إليهم ~~«فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة»، ~~فكان أول من لقي عمر، فصده وعاد به إلى النبي يسأله: «يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، أبعثت ~~أبا هريرة من لقي يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه بشره بالجنة؟» قال النبي: ~~«نعم»، فلم يتريث عمر أن قال: «فلا تفعل يا رسول الله! فإني أخشى أن يتكل الناس عليها، ~~فخلهم يعملون»، فوافقه عليه السلام وقال: «فخلهم!» # وفي التشريع أو التحليل والتحريم كان عمر لا يقنع حتى يصل إلى القول الفصل فيما يستفسر ~~عنه ويتردد ms117 في حكمه، فما زال يسأل عن الخمر حتى حرمت وبطل فيها الخلاف، وهو هو الذي كانت ~~الخمر شهوة له في الجاهلية يحبها ويكثر منها، ولو شاء لالتمس الرخصة فيها ولم يكثر من ~~السؤال عن تحريمها، ففي سؤاله عنها وحذره منها فضل أكبر من فضل الاستقلال بالرأي والإخلاص ~~في المراجعة، وهو فضل الغلبة على النفس والتحصن من الغواية بالأمر الذي لا هوادة ~~فيه. # وجرى صلح الحديبية الذي كان ظاهر الغبن فيه على المسلمين، وظاهر الفوز فيه للمشركين، ~~فيستطيع قارئ التاريخ قبل أن يحصي أسماء المعارضين للصلح والصابرين عليه أن يعلم أين كان ~~عمر بين الفريقين، فقد غمه هذا الصلح غما شديدا، وذهب إلى أبي بكر يراجعه ويناجيه: ~~علام نعطى الدنية في ديننا؟ فأجابه أبو بكر: يا عمر، الزم غرزك - أي ~~رحلك # 7 ~~- فإني أشهد أنه رسول الله. وردد عمر أنه ليشهد أنه رسول الله، ~~ثم ذهب في بعض الروايات إليه عليه السلام فسأله: ألسنا يا رسول الله على الحق وهم على ~~الباطل؟ أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ ورسول الله يجيبه: بلى، بلى، فيعود فيسأل: ~~علام نعطى الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ # فلما ناداه: «ابن الخطاب، إني رسول الله، ولن يضيعني الله أبدا»، ثم علم أنه الفتح ~~المنتظر، ثاب إلى الرضا وكف عن السؤال. # والمحنة على ما هي عليه أعظم مما يطيقه صبر عمر وتسكن إليه سورة # 8 # طبعه، فمن شروط الصلح أن يرجع المسلمون عامهم ذاك، فيردوا من جاءهم من قريش، ~~ولا ترد إليهم قريش أحدا ممن يجيئون إليها، وأن يكتب النبي اسمه في عقد الصلح فلا يكتب فيه ~~أنه رسول الله، وهذه محنة وردت على حمية # 9 # عمر بالوارد الجلل الذي ليس أقسى منه ولا أمر على هذه الحمية العزوف. ولكن ~~الصلح لم ينته حتى تفاقمت المحنة وادلهمت الغاشية كأن ما ابتلاه منها لا يكفيه ، فبينما ~~هم يكتبون إذ جاء أبو جندل بن سهيل يرسف في الحديد قد انفلت إلى رسول الله فقام إليه ms118 سهيل # 10 ~~- وكان وكيل المشركين في عقد الصلح - فضرب وجهه وأخذ بتلابيبه ليدفع به إلى ~~قريش، وأبو جندل يصيح: يا معشر المسلمين، أأرد إلى المشركين يفتنونني في ديني؟ فواساها ~~النبي ودعاه إلى الصبر والاحتساب، # 11 # ووثب عمر إليه يمشي إلى جنبه، ويدني منه قائم السيف ويقول له: اصبر يا أبا ~~جندل فإنما هم المشركون، وإنما دم أحدهم دم كلب. ورجا - كما قال بعد ذلك - أن يأخذ أبو جندل ~~سيفه فيضرب به أباه، قال: ولكن الرجل ضن بأبيه ونفذت القضية. # فالمحنة أعظم مما تطيقه الحمية العمرية بغير وازع من هداية نبوية. ولأيا ما # 12 # سكنت نفسه واطمأنت إلى حكمة سيده ومعلمه وهاديه ~~ولا سيما حين ناداه: ابن الخطاب، إني رسول الله ولن يضيعني الله أبدا. # هذه المراجعة كانت من خلائق عمر التي لا يحيد عنها ولا يأباها النبي - عليه السلام - ~~وكثيرا ما جاراه واستحب ما أشار به وعارض فيه فلا جرم يراجع النبي في كل عمل أو رأي لم ~~يفهم مأتاه ومرماه ما أمكنته المراجعة، وما قلقت خواطره حتى تثوب إلى قرار. # اللهم إلا أن تستعصي المراجعة ويعظم الخطر، فهناك تأتي الخليقة العمرية بآية الآيات من ~~الاستقلال والحب والحزم الذي يضطلع بجلائل المهمات، فلما دخل النبي - عليه السلام - في غمرة ~~الموت ودعا بطرس # 13 # يملي على المسلمين ~~كتابا يسترشدون به بعده، أشفق عمر من مراجعته فيما سيكتب وهو جد خطير، وقال: إن النبي # صلى الله عليه وسلم # غلبه الوجع، وعندنا كتاب الله حسبنا. # 14 # ومال النبي إلى رأيه فلم يعد إلى طلب الطرس وإملاء الكتاب، ~~ولو قد علم النبي أن الكتاب ضرورة لا محيص عنها لكان عمر يومئذ أول المجيبين. # وكانت هذه سنته في حياة النبي وبعد موته في كل عمل لا يستريح إليه، فلم يحجم عن مراجعة ~~أمره حيا وميتا في مسألة ليست من مسائل الوحي الذي فيه فصل الخطاب، وما كانت المسألة ~~مسألة رأي فهو ناهض لها برأيه حتى يؤمن بخطئه أو يرده عن المعارضة أمر مطاع. # كذلك صنع ms119 في قيادة أسامة بن زيد قائد الجيش إلى البلقاء، وفيه جلة الصحابة من كبار السن ~~والمقام، فقد ولاه النبي القيادة ومات - عليه السلام - وهو في الطريق، فقال أسامة لعمر: ~~«ارجع إلى خليفة رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فاستأذنه يأذن إلى أن أرجع بالناس، فإن معي وجوه ~~الناس، # 15 # ولا آمن على خليفة ~~رسول الله وثقل # 16 # رسول الله وثقل ~~المسلمين أن يتخطفهم المشركون»، وقالت الأنصار: «فإن أبى إلا أن نمضي فأبلغه عنا واطلب ~~إليه أن يولي أمرنا رجلا أقدم سنا من أسامة.» # وغضب أبو بكر وكان جالسا فوثب وأخذ بلحية عمر وهو يهتف به: ثكلتك أمك وعدمتك يا بن ~~الخطاب! استعمله رسول الله وتأمرني أن أنزعه؟! # فوجبت الطاعة لأنه أبرأ ذمته بالمراجعة، وسمع أمر الرئيس الذي لا رجعة فيه، وعمر جندي متى ~~صرح # 17 # له الأمر من صاحب الأمر لم ~~يبق له إلا أن يطيع. # وختمت سنة النبي بوفاته فلم يكن بين الصحابة أحد أحرص على هذه السنة وألزم لها وأكثر ~~رجوعا إليها من عمر، ولم تكن له وصية مقدمة على الأخذ بكتاب الله وسنة رسوله، إلا أنه مع ~~هذا لم يكن يغفل عن العلل إذا وجب البحث عن العلة التي وراء السنة النبوية، فخالف أبا بكر - ~~رضي الله عنه - في إقطاعه الأرض لعيينة بن حصن والأقرع بن حابس وقال لهما: «إن رسول الله ~~كان يتألفكما # 18 # على ~~الإسلام وهو يومئذ ذليل، وإن الله قد أعز الإسلام؛ فاذهبا فاجهدا جهدكما.» # فقد علم سنة النبي مع «المؤلفة قلوبهم» ولم يغفل عن سببها وموقتها، فهي سنة تطاع لحكمتها ~~ولا توضع في غير موضعها، وليس على المسلمين حرج أن يختاروا للمؤلفة قلوبهم معاملة غير التي ~~ألفوها من صاحب الرسالة، إذا تغيرت الحكمة واختفت العلة، واستغنى الإسلام عن ناصرين تتألفهم ~~العطايا والأنفال. # 19 # ولمثل هذا السبب - ولا شك - نهى عن زواج المتعة، ونهى عن التحلل من بعض مناسك الحج ولم ~~يكن منهيا عنهما كل النهي في حياة النبي - عليه السلام - فكان الرجل يتزوج ms120 بالمرأة لأجل ~~معلوم ثم يتركها، وكان منهم من ينوي الحج، ثم يتحلل من بعض مناسكه، فنهى عمر في أيام خلافته ~~وقال: «متعتان كانتا على عهد رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أنا أنهى عنهما وأضرب عليهما.» # وموافقات عمر للقرآن وللسنة كثيرة لا يدعونا المقام هنا إلى إحصائها واستيفائها، وكذلك ~~مراجعاته ومناقشاته فيما يرد عليه من أحكام لا تنجلي مآتيها ومراميها، فحسبنا منها دلائل ~~استقلاله وصراحة عقله فيما سردناه، وحسب الإسلام فخرا أن يؤمن به الإنسان إيمان عمر ثم ~~يستقل برأيه وطبعه استقلال عمر، فالإيمان في أقصاه لا يعطل الرأي المستقل في أقصاه، وكل صفة ~~في عمر فهي صفة مستقصية لا وسط فيها؛ إذا آمن فذلك غاية الإيمان، وإذا استقل فذلك غاية ~~الاستقلال، وإذا أعجب فذلك غاية الإعجاب ... وإن الظفر الذي يظفره علم الأخلاق من دراسته ~~لمبعثه هذا الشاهد من الصفات التي تتناقض في ظاهرها وهي على عهدنا بها في عمر متفقات ~~متساندات، لا تستغني واحدة منها عن سائرها. # فإن لم يكن في دراسة عمر إلا أن نرى رجلا عادلا بالغا في عدله، قويا بالغا في قوته، ~~معجبا بالبطولة بالغا في إعجابه، مستقلا بالرأي بالغا في استقلاله، لكفى بذلك ظفرا ~~لعلم الأخلاق، وكفى بسيرة واحدة أن تقرر لنا هذه الحقائق التي تستكثر على عشرات السير، ~~وهي أن القوة لا تناقض العدل، وأن البطولة لا تناقض الإعجاب، وأن الإعجاب لا يناقض ~~الاستقلال، وتلك الحقائق أثبت في عمر من معارف بدنه وملامح سيماه. # وكانت مودة النبي لعمر كمودة عمر للنبي شرفا له من جانبيه، وشهادة لعظمته وعظمة معلمه ~~ومؤدبه وهاديه. # كانت نظرة محمد إليه نظرة عالية لا تعلوها نظرة أحد من أصحابه، فلم يكن أحد يكبر عمر كما ~~كان يكبر عارفيه، ولم يكن رضاه عن مخالفاته ومراجعاته بأقل من رضاه عن موافقاته وتسليماته؛ ~~لأنه كان ينظر إلى بواعث هذه وتلك فيحمدها ويرجو للإسلام خيرا منها، بل يدخر للإسلام سورته # 20 # كما يدخر له ~~تسليمه وطاعته ، ويسوسه في رفق وكرامة سياسة المعلم لتلميذه الذي ms121 يعينه ويستعين بغيرته، ~~ويروضه رياضة الإمام لمريده الذي يهيئه للإمامة بعد حين، ويشجعه بقبول الحسن من رأيه تشجيع ~~من يثبت فيه حسن الرأي ويستزيده منه. # ولا يتأتى أن ينظر النبي الملهم إلى عمر دون أن يرى فيه أولى مشابهاته للطبائع النبوية؛ ~~وهي الإلهام الديني والبصيرة الروحية، فكان - عليه السلام - يقول فيه: «قد كان قبلكم من بني ~~إسرائيل رجال يكلمون من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن في أمتي أحد فعمر.» # ومثله قوله في بعض ما نقل عنه عليه السلام: «لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب»، وقوله: ~~«إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه»، وقوله: «عمر بن الخطاب معي حيث أحب، وأنا معه حيث ~~يحب، والحق بعدي مع عمر بن الخطاب حيث كان.» # وتلك لمحات نبي ملهم إلى بصيرة ملهمة تقارب بصيرة الأنبياء، وإن في هذه اللمحات لمعرفة ~~بالنفس ونفاذا إلى الضمير، من أجلها كان محمد مصلح نفوس وهادي ضمائر، وفاتح عهد روحي في ~~تاريخ الإنسان. # ومن تحصيل الحاصل أن نقول إن محمدا قد أحاط بكل فضيلة من فضائل عمر، وكل خليقة من ~~خلائق طباعه، وراقبه قبل إسلامه وبعد إسلامه فلم تفته كبيرة ولا صغيرة من مواطن العظمة فيه، ~~إلا أنه لم يحمد منه شيئا كما حمد حبه للحق وكراهته للباطل، فهي الخصلة التي تلاقيا فيها ~~وتقاربا من قبلها، وإن كان محمد لأرحب صدرا، وأعلم بالناس من أن يكلف صاحبه أن يشبهه كل ~~الشبه في علاج الحق والباطل، فلا بد من فارق بين الرجلين هو الفارق الذي لا بد منه بين ~~المعلم والمريد وبين الإمام والمأموم. # ولا نخالنا نلمس هذا الفارق كما نلمسه من قصة الأسود بن شريع، ذلك الشاعر الذي كان ينشد ~~النبي بعض الأماديح، فاستنصته # 21 # مرتين إذ دخل عليهما عمر والشاعر لا يعرفه فصاح: واثكلاه! # 22 # من هذا الذي أسكت له عند النبي؟ فقال النبي: «هذا ~~عمر، هذا رجل لا يحب الباطل!» # وتلك قصة تكبر عمر مرة وتكبر النبي مرات، فلا يسمعها السامع فيخطر له ms122 أن محمدا كان ~~يقبل الباطل الذي يأباه عمر، أو كان يهوى اللغو الذي يعرض عمر عن سماعه، وإنما يسمعها ~~فيعلم أي الرجلين يهدي صاحبه في مناهج الحق، ويدربه على كراهة الباطل، ويعلم أن الإمام ~~يطيق ما لا يطيقه المريد، ويتسع صدره لما تضيق به صدور تابعيه، وأن محمدا أراد أن يعود ~~الناس مهابة عمر، وأن يستبقي لعمر سورته في محاربة الضلال، والأيام كفيلة بترويض تلك السورة ~~فيما ينبغي أن تراض عليه. # وهنا يتجلى مذهبان في كراهة الباطل، ويتجلى فارق واضح بين مذهب المعلم ومذهب ~~المريد. # فعمر كان ينكر الباطل إنكار المحارب، ويرفع له سلاحه حيثما رآه، ومحمد كان ينكره ولا يرفع ~~له سلاحه حيثما رآه؛ لأنه يعلم ضروبا من الباطل وضروبا من الإنكار. # ومن الإنكار أحيانا أن يتجاوز عنه، وأن يشفق عليه إشفاق الرجل على سخف الطفل الصغير، وأن ~~يتربص به الأيام حيث يزول، وأن يعالجه بسلاح المحارب وبغير سلاح المحارب، وهو بذلك قد أعد ~~له ضروبا من الإنكار، وكان أكمل عدة له من الراصدين له في ميدان واحد. # أنقول إن الفارق بين محمد وعمر في هذا هو الفارق بين نبي وخليفة؟! # إن قلنا ذلك فقد قلنا حقا جامعا لا شبهة فيه، ولكنا لا نعدو به تحصيل الحاصل وتكرير ~~الأسماء؛ فمحمد نبي وعمر خليفة، ما في ذلك خلاف، ولا بد بينهما من فارق، ما في ذلك خبر ~~جديد، فما هو الفارق الذي يعدو تكرير الأسماء، أو تكرير الصفات؟ الفارق فيما نرى هو الفارق ~~بين إنسان عظيم ورجل عظيم. # فالنبي لا يكون رجلا عظيما وكفى، بل لا بد أن يكون إنسانا عظيما فيه كل خصائص ~~الإنسانية الشاملة التي تعم الرجولة والأنوثة والأقوياء والضعفاء، وتهيئه للفهم عن كل جانب ~~من جوانب بني آدم، فيكون عارفا بها وإن لم يكن متصفا بها، قادرا على علاجها وإن لم يكن ~~معرضا لأدوائها شاملا لها بعطفه، وإن كان ينكرها بفكره وروحه؛ لأنه أكبر من أن يلقاها ~~لقاء الأنداد، # 23 # وأعذر من أن يلقاها لقاء القضاة، وأخبر ms123 # 24 # بسعة آفاق الدنيا التي تتسع لكل شيء بين الأرض والسماء؛ لأنه ~~يملك مثلها، آفاقها كآفاقها هي آفاق الروح. # ومن الصغائر الآدمية التي كثيرا ما يطيقها الإنسان العظيم، ويبرم بها الرجل العظيم كل ~~غرور صبياني يحيك بنفوس الناس، وهو ضروب ليست لها نهاية: غرور الشاعر بأماديحه، وغرور ~~الفنان بصنعته، وغرور المرأة بجمالها، وغرور الشيخ بتراثه، وغرور الأحمق بخيلائه، وغرور ~~الجاهل بعلمه، وفي كل ضرب من هذه الضروب كان بين محمد وعمر فارق واضح وتفاوت محسوس، وكانت ~~بينهما دروس تجري بها الحوادث تعليما وهدى كما تجري عرضا غير ظاهر فيه قصد التعليم ~~والتلقين. # وعمر - رضي الله عنه - قد استفاد من دروس معلمه وهاديه في هذه الضروب شتى الفوائد، كما ~~ظهر من سياسته في أيام خلافته ومن مراجعة نفسه والنبي - عليه السلام - بقيد الحياة. # فقد أشار على النبي بقتل عبد الله بن أبي بن سلول حين مشى بالفتنة بين المسلمين، فأبى ~~النبي وترك عبد الله يمضي في شططه حتى أنكره قومه وعنفوه، وتصدى له من صلبه من يريد له الموت، # 25 # فقال النبي لعمر حين بلغه ذلك من شأنهم: كيف ترى يا عمر؟ أما والله لو قتلته ~~يوم قلت لي اقتله لأرعدت له آنف، ولو أمرتها اليوم بقتله لقتلته، فقال عمر: قد ~~والله علمت، لأمر رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أعظم بركة من أمري. # وكان عمر يستكثر صلاة النبي على عبد الله بن أبي بعد موته، ويستعظم أن يهب له قميصه، وأن ~~يكفنه أهله في ذلك القميص. وكان النبي يرعى في ذلك حق ابنه الذي أخلص في إسلامه، وبلغ من ~~إخلاصه أنه اقترح على النبي قتل أبيه، وسئل النبي كما جاء في بعض الروايات: لم وجهت إليه ~~بقميصك وهو كافر؟ فقال: إن قميصي لن يغني عنه من الله شيئا، وإنني أؤمل من الله أن يدخل ~~في الإسلام كثير بهذا السبب! فقيل إن ألفا من الخزرج أسلموا لما رأوا زعيمهم يطلب ~~الاستشفاء بثوب الرسول، وخرجت الصحابة وعمر في طليعتها بعبرة باقية من ms124 هذا الدرس النبوي ~~الحكيم. # وشبيه بدرس عبد الله بن أبي درس الخطيب المفوه سهيل بن عمرو الذي أسر في بدر، فأشار ~~عمر على النبي بكسر ثنيتيه السفليين ليعجز عن الكلام إذ كان مشقوق الشفة السفلى، فأبى النبي ~~«عسى أن يقوم مقاما لا تذمه»، فما زال وما زال عمر حتى رآه في حروب الردة يقطع بلسانه كما ~~يقطع السيف، فحمد له ذلك المقام. # وجاء الفتح بعد صلح الحديبية، فرأى عمر كما رأى المعارضون معه أن قريشا خسرت ولم تربح ~~بالصلح الذي عارضوه، وأن المسلمين ربحوا ولم يخسروا بقبوله، وأنهم زادوا عددا وزادوا ~~حلفاء من غير المسلمين، وأن الذين رفضهم النبي من تابعيه عملا بالصلح لم ينفعوا قريشا، ~~بل كانوا بلاء عليها أشد من بلاء القتال، وبدا ذلك من مبدأ الأمر لعمر فاعتبر به وقال: «ما ~~زلت أتصدق وأصوم وأصلي وأعتق من الذي صنعت يومئذ مخافة كلامي الذي تكلمت به حتى رجوت أن ~~يكون خيرا.» # وتجتمع خلاصة هذه الدروس كلها في خبر واحد من أخبار عمر بعد ولايته الخلافة، وذلك حين ~~بلغوه فتح «تستر»، وذكروا له أن رجلا ارتد عن الإسلام فقتلوه، فلامهم على قتله وقال لهم: ~~«هلا أدخلتموه بيتا وأغلقتم عليه وأطعمتموه كل يوم رغيفا ~~فاستتبتموه؟ # 26 # اللهم إني ~~لم أشهد ولم آمر ولم أرض إذ بلغني.» # فهذا عمر تلميذ محمد في الإسلام، وهذا عمر شاهد دروس ابن سلول ومن على شاكلته من ~~المنافقين والمشركين، وهذا عمر المستفيد بما وعى من تلك الدروس، ومعنى ذلك جميعه أن ~~محمدا أعظم من عمر، وليس معناه أن عمر لم يكن بعظيم. # ومن تحصيل الحاصل أن نقول إن النبي - عليه السلام - كان يعلم ما يحتاج إليه صاحبه وما ~~يستغني عنه من الدروس، فعمر لم يعوزه قط درس قوي يعلمه حب الحق وكراهة الباطل؛ لأنها خليقة ~~متمكنة منه أصيلة فيه موشوجة # 27 # بطبعه، ولكنه قد يعوزه حينا بعد حين أن يتعلم الصبر على الباطل ولا سيما في ~~فوعة الشباب، # 28 # وألا يأسى على الحق أن ~~تفوته ms125 معركة زائلة في صراعه الدائم مع خصمه القديم، فهي معركة لا تضيع بصدمة ولا تؤخذ ~~بهجمة، ولا تزال سجالا منظورة العواقب في ساعة النصر وساعة الهزيمة على السواء. # وربما أعوزه ما يعوز الأقوياء في معظم الأحايين، وهو أن يذكروا أن الناس جميعا ليسوا ~~بأقوياء، وأن الناس جميعا ليسوا بعمر بن الخطاب، فإذا استطاع عمر أن يمنع الخمر مرة ~~واحدة فقد يشق ذلك على آخرين، وإذا استطاع أن يتصدى للموت في كل لحظة فليس ذلك في وسع كل ~~مسلم، وقلما يستحضر الأقوياء هذه الحقيقة إلا بعد تذكير وروية. أما على البداهة فهم يقيسون ~~الناس على أنفسهم ويحسبونهم أهلا لما هم أهل له وكفؤا لما هم قادرون عليه، ولهم من الشرف ~~في نسيان هذه الحقيقة فوق ما لهم من الشرف في تذكارها ودوام استحضارها. # وقد كان تفكير عمر كله على البداهة في عهد النبي - عليه السلام - فكان يفضي إليه بما ~~يوحيه عفو خاطره وتمليه بادرة فكره، # 29 # مطمئنا إلى مرجع الرأي ومقطع القول بين يديه، شاعرا بواجبه الأول أحسن شعور ~~في هذا المقام؛ لأنه شعور الرجل الكريم الذي لا يضن بشيء من عونه، فهو يعرض أقصى ما عنده من ~~البأس ويدع لصاحب الأمر أن يكتفي باليسير منه إذا شاء، ولكن ليس عليه هو أن يعرض اليسير ~~ويترك لصاحب الأمر أن يطلب الكثير. # مثل عمر في هذه المواقف مثل صاحب المال، تنزل الضائقة الحازبة # 30 # فيبسط ما عنده من المال جميعا ويدع للوالي القائم ~~بالتدبير أن يختار من ماله مقدار ما يريد، وذلك أفضل الحسنيين وأكرم الواجبين، وهو الواجب ~~الذي يليق بعمر في صحبة الرسول. # ولا يحسبن قارئ أننا نعتسف # 31 # التأويل والتخريج لننظر إلى عمر في أجمل الصور ونوجه أعماله أحسن توجيه، فما ~~نقوله هنا لا يعدو تفسير عمر نفسه لما اتصف به من الشدة في عهد رسول الله، وتفسيره - كما ~~قال غير مرة - أنه كان سيفا للرسول إن شاء ضرب به وإن شاء أغمده في قرابه، وأنه كان ~~جلوازه # 32 # القائم ms126 بين يديه، وليس ~~من شأن الجلواز أن يمسك كثيرا أو قليلا من بأسه حيث يؤمر بإمساكه ويرد إلى الهوادة ~~واللين. # بل هذا الذي نقوله هو الذي قاله أبو بكر - رضي الله عنه - في شدة عمر ولينه، فكلما تحدثوا ~~إليه بغلظته قال: إنما يشتد لأنه يراني لينا، ولا غلظة على الضعفاء فيه. # فكان جميلا بعمر أن يسهو عن تلك الحقيقة، وأن يحتاج فيها إلى تذكير واستحضار، وكان أفضل ~~واجبيه لا مراء أن يعرض البأس حتى يؤبى، ثم يثوب إلى اللين ولا جناح عليه. # وهو اليقين الذي لا يخامرنا الشك فيه أن عمر كان خليقا أن يفهم تلك الحقيقة بتفصيلاتها ~~لو جعل باله إليها، ولم يجعل باله إلى تقديم ما عنده «والجود بأقصى جوده» في انتظار القول ~~الفاصل من رأي النبي - عليه السلام - ولولا استعداده لفهم تلك الحقيقة وما شابهها لما انتفع ~~بالقدوة، ولا أغنت معه المثل والتجاريب. # ومهما يكن من حاجته إلى دروس معلمه وهاديه، فالذي نعتقده أن مكانه من الخلافة لم تقرره ~~الحاجة إلى تلك الدروس؛ لأن الصحابة كلهم على حكم واحد في هذا الاعتبار سواء منهم الخلفاء ~~الراشدون وغير الخلفاء الراشدين، فما من رجل كان بين أصحاب محمد - عليه السلام - إلا كان ~~مفتقرا إلى جانب من جوانب هديه وتهذيبه وتقويمه، وما كان عمر على التخصيص بأشد افتقارا ~~إلى ذلك من رفاقه وتابعيه وإن اختلف ما يعوزه وما يعوزهم من مواضع الهدي والتهذيب ~~والتقويم. # وواضح من هذا أن دعوة النبي - عليه السلام - أبا بكر للصلاة بالناس في مرض وفاته لم تكن ~~بالمصادفة ولا بالاختيار الذي يتساوى فيه أبو بكر وعمر في ذلك المقام، فقد دعاه حتى وصل ~~الأمر إليه رضي الله عنه فلباه. وتفصيل ذلك كما جاء في رواية البخاري أن النبي اشتد عليه ~~المرض فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس. قالت عائشة - رضي الله عنها: إن أبا بكر رجل رقيق ~~القلب، إذا قام في مقامك لا يكاد يسمع الناس من البكاء، فلو أمرت عمر؟ فعاد النبي يقول: ~~مروا أبا ms127 بكر فليصل. فعاودته، فقال مرة أخرى: مروه فليصل، إنكن صواحب يوسف. # 33 # وحدث عبد الله بن أبي زمعة أن بلالا دعا النبي إلى الصلاة فقال: مروا من يصلي ~~بالناس، «فخرجت فإذا عمر في الناس، وكان أبو بكر غائبا، فقلت: قم يا عمر فصل بالناس فقام، ~~فلما كبر سمع رسول الله # صلى الله عليه وسلم # صوته، وكان عمر رجلا مجهرا، # 34 # فقال: فأين أبو بكر؟ يأبى الله ذلك والمسلون. فبعث إلى ~~أبي بكر فجاء بعد أن صلى عمر تلك الصلاة فصلى بالناس.» # قال عبد الله بن أبي زمعة: إن عمر لقيني فقال لي: ويحك! ماذا صنعت بي يا بن أبي زمعة؟ ~~والله ما ظننت حين أمرتني إلا أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أمرك، ولولا ذلك ما صليت بالناس. ~~قلت: والله ما أمرني رسول الله # صلى الله عليه وسلم # بذلك! ولكن حين لم أر أبا بكر رأيتك أحق من حضر ~~بالصلاة. # والواضح من كلتا الروايتين أن النبي - عليه السلام - قصد إلى اختيار أبي بكر للقيام في ~~مقامه من إمامة المسلمين وضمن ذلك ما ضمنه من معنى الاستخلاف والتقديم. # فعلى أي وجه نفهم هذا الاختيار الذي صدر عن قصد وروية ولم يصدر عن مصادفة واتفاق؟ وعلى أي ~~وجه تساءل النبي - عليه السلام - حين سمع صوت عمر ولم يسمع صوت أبي بكر فقال: «يأبى الله ~~ذلك والمسلمون؟» # إننا لا نفهم ذلك إلا على وجه واحد يجمل بمحمد، ويجمل بأبي بكر، ويجمل بعمر، كما يجمل ~~بالمسلمين. # فمن البديه أن ينظر النبي في اختيار خليفته إلى جميع الاعتبارات التي تدخل في الحسبان، ~~ولا يقنع بالنظر إلى اعتبار واحد. # فإذا نظر النبي إلى جميع الاعتبارات فأي غضاضة على عمر أن يقع الاختيار على أبي بكر ولا ~~يقع عليه؟ # إن اختيار أبي بكر يجمع للإسلام فضائل الرجلين، ولا غضاضة فيه على أحدهما ولا على ~~المسلمين، ولكن الغضاضة أن يتأخر أبو بكر وهو أسن وأسبق إلى الإسلام وثاني اثنين في الغار، ~~وأقمن # 35 # أن تبطل حوله منافسة ms128 ~~الأنداد، وله الرأي الصائب والشجاعة المأثورة والإيمان الثابت والمسالمة المرضية والحق ~~الظاهر في الإيثار كلما قوبل بغيره من الحقوق. # ومع هذا الرجحان الذي انفرد به أبو بكر ترجيح آخر لاستخلافه في الموقف الذي كان منظورا ~~بعد موت النبي - عليه السلام - وهو موقف رضا ومسالمة بين المسلمين يغنيان إذا جرت الأمور في ~~مجراها الطيب المأمون، فإذا تأزمت واضطربت ونفدت حيلة اللين حتى نبذه أبو بكر في رفقه ~~وهوادته، فذلك إذن موطن الإجماع، وإذا صلب غيره واجتمعت كلمتهم على الصلابة ولم يبق من ~~يلين في الأمر سواه، فصلابتهم أقمن إذن أن تنعطف بلينه إلى الإجماع الذي لا شذوذ ~~فيه. # فالنبي - عليه السلام - قد حسب للعواقب كل حساب، وقد نظر في استخلافه إلى كل اعتبار، وقد ~~وازن بين أمور كثيرة ولم يوازن بين صاحبين ليس بينهما محل للتنافس والملاحاة. # ومما نظر إليه عليه السلام أن عمر أصغر من أبي بكر بعشر سنوات أو نحو ذلك، فدور أبي بكر ~~لا يحجب دور عمر، وإذا انتفع الإسلام بمزايا أبي بكر في حينها الذي هو أحوج إليها؛ فسينتفع ~~الإسلام بمزايا عمر في الحين الذي يتولاه فيه، يوم تغني الصلابة في مدافعة الأعداء ما أغناه ~~الرفق في تأليف الأوداء، # 36 # ولا يحسبن قارئ هنا أيضا أننا نستخلص النتائج من التاريخ ~~وندرك ما كان بعد أن كان، فالواقع المنصوص عليه أن الذي رأيناه بعد وقوعه قد كان منظورا ~~إليه قبل أن ينكشف عنه الغيب، وقد نظر إليه النبي - عليه السلام - فقال: «أريت في المنام ~~أني أنزع بدلو بكرة على قليب، # 37 # فجاء أبو ~~بكر فنزع ذنوبا # 38 # أو ذنوبين ~~نزعا ضعيفا، والله يغفر له، ثم جاء عمر بن الخطاب فاستحالت غربا، # 39 # فلم أر عبقريا يفري فريه، حتى روى الناس وضربوا ~~بعطن.» # 40 # ولم يخف معنى الرؤيا على معبريها؛ لأنها لا تحتمل غير تعبير واحد، وهو الذي أشار إليه ~~الشافعي - رحمه الله - ففسر ضعف النزع بقصر المدة وعجلة الموت، والاشتغال بحرب أهل الردة عن ~~«الافتتاح والازدياد الذي بلغه ms129 عمر في طول مدته.» # ويجوز أن النبي - عليه السلام - قد أدخل في حسابه تقديرات أخرى من هذا القبيل لا يحيط ~~بها أبناء عصره ولا نراها نحن في عصرنا، فلهذه المسائل في جميع العصور نواحيها الموضوعية ~~ونواحيها الخاصة التي لا يدركها كل من عاش بينها، ولا يتأتى نقلها بالكتابة والتدوين. ومتى ~~كانت هذه هي التقديرات التي فصلت في مسألة الترشيح للخلافة، فأي غضاضة فيها على عمر؟ إنها ~~شيء لا يتناوله وحده، وليست لكفاءة أبي بكر ولا لكفاءته هو كل اليد فيه، وإن الذي حدث لا ~~يعدو أن يكون موازنة بين أحوال ثم تقديما للصالح في تلك الأحوال، أو هو تأخير موعد ~~ومناسبة، وليس بتأخير حق وكفاءة، فأبو بكر كفء للخلافة، وعمر كفء للخلافة، لكن تقديم أبي ~~بكر أصلح وأولى وأوفق لأحوال الزمن ولكرامة الصحابة والمسلمين أجمعين. # وإنك لتكونن على ثقة من حقيقة واحدة في رهط محمد تجزم بها وأنت آمن أن تخالف التاريخ فيما ~~بطن وفيما ظهر، وذلك أنه عليه السلام لم يبرم قط أمرا فيه غضاضة على أحد من أصحابه، ولا ~~سيما في مسألة الاستخلاف أو التقديم للإمامة والصلاة بالناس، فكل الذي حدث فيها فهو الذي ~~يجمل بالنبي من تقدير وتدبير، ويجمل بصاحبيه من إيثار وتوقير، ويجمل بالإسلام من تمكين ~~وتعمير، وانتفاع بعمل كل عامل، واقتدار كل قدير. ~~••• # بقي جانب من جوانب العلاقة بين النبي وعمر لا يسكت عنه لكثرة ما قيل فيه، فضلا عن وجوب ~~النظر فيه؛ لأنه يتمم العلم بتلك العلاقة ويزيدنا فهما لها واستقصاء لمداها واطلاعا على ~~طريقة عمر في الموازنة بين الواجبات والشئون حيثما اشتجرت بين يديه، ونريد به جانب العلاقة ~~بين عمر وآل البيت، وبين عمر وابني عم النبي الكبيرين علي وابن عباس بعد انتقال النبي إلى ~~الرفيق الأعلى. # فالذين أولعوا في التاريخ بخلق القضايا والمخاصمات يقولون كثيرا في هذه العلاقة، ويمثلون ~~عمر على صورة الرجل الذي كان يتحدى بني هاشم ويناجزهم مناجزة لعصبية فيه عليهم، ولكنهم لا ~~يذكرون من الوقائع ما يعزز شبهة، أو ms130 يرجح بظن في هذه الوجهة، وكل ما حفظته لنا أنباء العصر ~~فإنما تخلص بنا إلى الخلاصة التي تجمل بعمر وتحمد منه، وهي الوفاء المحض لذكرى النبي - عليه ~~السلام - في آله وخاصة بيته، والأمانة المحض لمصلحة العرب والإسلام مقدمة على كل مصلحة خاصة ~~أو عامة، وكل ما عدا ذلك لغو وباطل. # فعند تقسيم الأعطية كان لآل النبي النصيب الأوفى والمكان المقدم بين الصحابة، وكان لهم ~~التفضيل في كل حق من حقوق المسلمين، حسبما كان بينهم وبينه عليه السلام من رحم وقرابة، ~~وفضلهم عمر على أقرب الناس إليه في اللقاء والحفاوة، فكان في بعض الأيام ينتظر الحسين بن ~~علي - رضي الله عنه - فذهب إليه الحسين، فلقي عبد الله بن عمر في الطريق فسأله: من أين جئت؟ ~~قال: استأذنت على عمر فلم يأذن لي. فرجع الحسين ولم يذهب إليه، ثم لقيه عمر معاتبا وسأله: ~~ما منعك يا حسين أن تأتيني؟ قال: قد أتيتك ولكن أخبرني عبد الله بن عمر أنه لم يؤذن له عليك ~~فرجعت. فعز ذلك على عمر وقال له: وأنت عندي مثله؟! وأنت عندي مثله؟! وهل أنبت الشعر على ~~الرأس غيركم؟ # وكسا عمر أصحاب النبي فلم يكن في الأكسية ما يصلح للحسن والحسين - رضي الله عنهما - فبعث ~~إلى اليمن فأتى لهما بكسوة تصلح لهما وقال حين رآها: الآن طابت نفسي! # وسافر إلى الشام، فاستخلف عليا - رضي الله عنه - على المدينة، وأخذ نفسه باستفتائه ~~والرجوع إليه في قضائه متحرجا من دعوته إليه حين يحتاج إلى سؤاله. استفتاه بعضهم في مجلسه ~~فقال: اتبعوني، وأخذهم إلى علي فذكر له المسألة، فقال علي: ألا أرسلت إلي؟ قال عمر: أنا ~~أحق بإتيانك. # وكذلك كان يستفتي ابن عباس في الدين والأدب ولا يلقاه باحثا مسترسلا في الحديث إلا قال ~~معجبا متبسطا: غص غواص! # 41 # وقلما سئل في أمر وابن عباس حاضر إلا قال يشير إليه: عليكم بالخبير ~~بها. # ولم يحجم عن توليتهم الولايات إلا كما أحجم عن تولية الجلة من الصحابة ورءوس قريش الذين ~~أبقاهم عنده للمشورة ms131 وصانهم عن محاسبته وعتابه، وفي ذلك يقول لابن عباس: إني رأيت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # استعمل الناس وترككم، والله ما أدري أصرفكم عن العمل أو رفعكم عنه وأنتم ~~أهل ذلك؟ أم خشي أن تعاونوا لمكانكم منه فيقع العتاب عليكم ولا بد من عتاب؟ # أما مسألة الخلافة فالذي يزعمه فيها الذين يخوضون في القضايا والمخاصمات أن عمر - رضي ~~الله عنه - تعمد أن يحول بين علي والخلافة بصرفه النبي عن كتابة الكتاب الذي أراد أن يبسط ~~فيه وصاياه فلا يضل المسلمون بعده، ويزعمون أنه هو قد حال بين علي والخلافة مرة أخرى يوم ~~تركها للشورى ولم يستخلفه باسمه لولايتها. # واستكثروا من عمر صرامته في دعوة علي إلى مبايعة أبي بكر كما جاء في بعض الروايات التي ~~ترجح صحتها، وخلاصتها «أن عمر أتى منزل علي وبه طلحة والزبير ورجال من المهاجرين فقال: ~~والله لأحرقن عليكم الدار أو لتخرجن إلى البيعة، فخرج الزبير مصلتا ~~بالسيف # 42 # فسقط السيف من يده فوثبوا عليه # 43 # فأخذوه ...» ~~أو قال لهما في رواية أخرى: «والله لتبايعان وأنتما طائعان، أو لتبايعان وأنتما ~~كارهان.» # فاستكثر المستكثرون هذه الصرامة وعدوها من إصرار عمر على الإجحاف بعلي وإقصاء بني هاشم عن ~~الخلافة. # أما القول بأن عمر هو الذي حال بين النبي - عليه السلام - والتوصية باختيار علي للخلافة ~~بعده فهو قول من السخف بحيث يسيء إلى كل ذي شأن في هذه المسألة، ولا تقتصر مساءته على عمر ~~ومن رأى في المسألة مثل رأيه. # فالنبي - عليه السلام - لم يدع بالكتاب الذي طلبه ليوصي بخلافة علي أو خلافة غيره؛ لأن ~~الوصية بالخلافة لا تحتاج إلى أكثر من كلمة تقال، أو إشارة كالإشارة التي فهم المسلمون منها ~~إيثار أبي بكر بالتقديم، وهي إشارته إليه أن يصلي بالناس. # وقد عاش النبي بعد طلب الكتاب فلم يكرر طلبه، ولم يكن بين علي وبين لقائه حائل، وكانت ~~السيدة فاطمة زوج علي عنده إلى أن فاضت نفسه الشريفة، فلو شاء لدعا به وعهد إليه. # وفضلا عن هذا السكوت ms132 الذي لا إكراه فيه، نرجع إلى كل سابقة من سنن النبي في تولية الولاة ~~فنرى أنه كان يجنب آله الولاية ويمنع وراثة الأنبياء، وهذه السنة مع هذا السكوت لا يدلان ~~على أن محمدا - صلوات الله عليه - أراد خلافة علي فحيل بينه وبين الجهر بما أراد. # ولم يعتمد عمر على الشورى في اختيار الخليفة بعده وله مندوحة عنها، فقد رأى من أصحابه - ~~كما قال - حرصا سيئا وخلافا لا يحسمه رأي واحد، وكانت حيرته عظيمة بين الاستخلاف وترك ~~الاستخلاف، فلما قيل له وهو طعين يودع الحياة: ماذا تقول لله عز وجل إذا لقيته ولم تستخلف ~~على عباده؟ أصابته كآبة ثم نكس رأسه طويلا ثم رفع رأسه وقال: «إن الله تعالى حافظ الدين، ~~وأي ذلك أفعل فقد سن لي، إن لم أستخلف فإن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # لم يستخلف، وإن استخلفت ~~فقد استخلف أبو بكر.» # واختار للشورى في أمر الخلافة أناسا ليس بين المسلمين أولى منهم بالاختيار، وكأنهم كانوا ~~مسمين بأسمائهم لهذه المهمة لو لم يرشحهم هو لرشحهم لها كل مختار. # ولم يكن الفكاك من التبعة هو الذي أوحى إليه أن ينفض يديه، ويلقي بالعبء على عواتق غيره؛ ~~فعمر لا ينجو بنفسه ليوقع أحدا فيما يحاول النجاة منه، ولكنه قدر أن الرجل الذي تختاره ~~كثرة المحكمين هو أولى أن ينعقد عليه الإجماع وينحسم بترجيحه النزاع، فمن خرج عليه فهو باغي ~~فتنة يتبعها الأقلون ويردعها الأكثرون. # وكان مع هذا يود لو اجتمع الرأي على اختيار علي بعد المشاورة فقال لابنه: لو ولوها ~~الأجلح - أي المنحسر الشعر - لسلك بهم الطريق، فسأله ابنه: فما يمنعك أمير المؤمنين أن تقدم ~~عليا؟ قال: أكره أن أحملها حيا وميتا. # وفيما عدا الاستخلاف بعد النبي والاستخلاف بعد عمر، فالسياسة التي جرى عليها عمر كانت ~~كلها سياسة عامة قائمة على أساس عام لا تفرقة فيها بين بني هاشم وغيرهم ولا بين علي ~~وغيره. # فكان يكره أن تستأثر بالأمر عصبة دون غيرها بالغة ما بلغت منزلتها، ولم يكره ذلك من ms133 بيت ~~هاشم دون سائر البيوت. # كان يحجر على وجوه قريش أن يخرجوا إلى البلدان إلا بإذن وإلى أجل، وبلغه أنهم يشكونه، ~~فأعلن في الناس: «إن قريشا يريدون أن يتخذوا مال الله معونة على ما في أنفسهم، ألا إن ~~في قريش من يضمر الفرقة ويروم خلع الربقة، # 44 # أما وابن ~~الخطاب حي فلا، إن أخوف ما أخاف على هذه الأمة انتشاركم في البلاد.» # وكان يزجر قومه بني عدي كلما أحس منهم الطمع في خلافته لأنه واحد منهم، فيصارحهم قائلا: ~~«بخ بخ بني عدي! أردتم الأكل على ظهري، وأن أهب حسناتي لكم، ولا والله حتى تأتيكم الدعوة ~~وإن أطبق عليكم الدفتر ...» أي وإن كتبتم في الأعطية آخر الناس. وهو الذي أبى أن يختار ابنه ~~للخلافة، وقال للمغيرة بن شعبة الذي زين له استخلافه: «لا أرب # 45 # لنا في أموركم وما فيها لأحد من بيتي، إن كان ~~خيرا فقد أصبنا منه، وإن كان شرا فبحسب آل عمر أن يحاسب منهم رجل واحد.» # وجمع عليا وعثمان في مجلس الشورى لاختيار الخليفة، فالتفت إلى علي فقال: «اتق الله يا ~~علي إن وليت شيئا، فلا تحملن بني هاشم على رقاب المسلمين.» # والتفت إلى عثمان فقال: «اتق الله إن وليت شيئا، فلا تحملن بني معيط على رقاب المسلمين»، ~~أو قال بني أمية. # وكان أكبر همه أن يعصم الإسلام من الملك الذي يستأثر به مستأثر لأناس دون أناس، وكثيرا ~~ما سأل: والله ما أدري أخليفة أنا أم ملك؟ مستعيذا بالله من كل سلطان لا يعم جميع رعاياه ~~بالخير. وكلمته لابن عباس حيث قال: «إن الناس كرهوا أن يجمعوا لكم النبوة والخلافة، وإن ~~قريشا اختارت لأنفسها فأصابت»، هي كلمته حيثما تكلم في هذا الصدد لا يخص بها بيتا دون بيت ~~ولا معشرا دون معشر ولا قبيلة دون قبيلة، إلا الأمانة لمصلحة المسلمين جميعا حيثما اتفقوا ~~عليها، أو كان لهم رجاء في الاتفاق. # وما كانت لعمر صرامة مع علي لم تكن له مع غيره في مأزق الخوف من الفتنة والذود ms134 عن الوحدة، ~~فقبل أن يسلم الروح كانت وصيته وهو لا يعلم من الخليفة بعده: «إن اجتمع خمسة ورضوا رجلا ~~وأبى واحد فاشدخ # 46 # رأسه بالسيف، ~~وإن اتفق أربعة فرضوا رجلا وأبى اثنان فاضرب رأسيهما، فإن رضي ثلاثة رجلا منهم وثلاثة ~~رجلا فحكموا عبد الله بن عمر، فأي الفريقين حكم له فليختاروا رجلا منهم، فإن لم يرضوا ~~بحكم عبد الله بن عمر، فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف، واقتلوا الباقين إن رغبوا ~~عما اجتمع عليه الناس.» # وما اختار ابنه عبد الله للفصل بين الفئتين المتساويتين إلا لأنه خارج من الاختيار، ثم لم ~~يجعل له القول الفصل؛ حتى يفتح للناس مخرجا من رأيه إن شاءوا ألا يتبعوه. # ولن يقضي بأمثل من هذا القضاء في مأزق الفتنة أحد له قضاء عادل منزه عن خبايا ~~القلوب. # فما اتخذ عمر من حكم بين الناس فهو الحكم الذي يجمل به ويحمد منه، ولا ينتفع به قبل أن ~~ينتفع سائر الناس، هو الحكم الذي يعم ويعدل ولا يخص ويتحيز، وهو الحكم الذي لو سئل فيه ~~النبي سيد بني هاشم لأعاد فيه قوله: «عمر بن الخطاب معي حيث أحب، وأنا معه حيث يحب، والحق ~~بعدي مع عمر بن الخطاب حيث كان.» # الفصل التاسع # | عمر والصحابة # بايع عمر فبطل الخلاف إلا ما لا خطر فيه، وبويع عمر فبطل الخلاف إلا ما لا خطر ~~فيه. # وقد تواترت أقوال الصحابة في عمر بما يشيد بفضله، ويشهد بقدره، ويكبر في أعين الناس أكبر ~~من تقال فيه؛ لأن الذين قالوها أناس لهم حلوم راجحة، وألسنة صادقة، وعقيدة راسخة، وقلوب لا ~~تهاب أن تقول الحق في إنسان. ولكن الشهادتين اللتين شهد بهما الواقع أدل على قدر عمر بين ~~الصحابة من كل ما قيل؛ لأن شهادة الواقع هي الشهادة التي يقولها الصادق باختياره، ويحاول ~~الكاذب أن يكذب فيها فلا يستطيع، وإنما يجوز الصدق والكذب فيما يملكه اللسان أو يملكه ~~الشعور. أما الشهادة التي تعبر عن نفسها بلغة الواقع، فهي قائمة من وراء كلام ms135 الألسنة ومن ~~وراء هوى النفوس، إنكارها كإنكار المحسوس الذي تقع عليه الأيدي، ولا تغمض عنه ~~العيون. # وقد انتهت مسألة الخلافة بعد النبي بسلام. # ولكن انتهاءها بسلام لا يعني أنها كانت ستنتهي وحدها بسلام على أية حال، ولا يعني أنها ~~انتهت لأنها من المسائل التي يؤمن فيها الخطر وتمتنع فيها الفتنة؛ إذ الحقيقة أن انتهاءها ~~على هذا النحو قد كان أعجوبة من أعاجيب التاريخ، مع ما يحيط بها من دواعي النزاع ومن كوامن ~~القلق والخوف على غير سابقة يستقيم بها العرف وتتضح بها معالم الطريق. # فما هو إلا أن لحق النبي بالرفيق الأعلى حتى تحفزت دواعي النزاع من كل فج، وتكشفت كوامن ~~القلق والخوف من كل مكمن، وجهل أعلم الناس كيف تتجلى الغاشية ويستقر القرار. # فالأنصار يقولون إنهم أحق من المهاجرين لأنهم كثرة والمهاجرون قلة، ولأنهم في ديارهم ~~والمهاجرون طارئون عليهم، ولأنهم جميعا عرب مسلمون ولهم فضل التأييد والإيواء. # والمهاجرون على قلتهم غير متفقين على اتفاق ينعقد به الإجماع، وحجتهم الغالبة أنهم ~~السابقون إلى الإسلام ومنهم جلة الصحابة الأولين. # وتسايرت الأحاديث بحق آل البيت النبوي في الخلافة النبوية، وبين آله رجلان قويان هما علي ~~والعباس، لو أصغيا إلى هذه الدعوة ومضيا فيها لتمخضت عن خطب عظيم. # ولكن هذه العصبيات لم تكف دعاة الخلاف حتى جاء أبو سفيان يزيدها عصبية أخرى بالمفاخرة ~~بين أكبر القبائل وأصغرها في قريش، فدخل على علي والعباس يثيرهما، ويعرض عليهما النجدة ~~والمعونة، ويهيب بعلي باسمه، ثم بالعباس باسمه: «يا علي، وأنت يا عباس، ما بال هذا الأمر في ~~أذل قبيلة من قريش وأقلها؟! والله لو شئت لأملأنها عليه - يعني أبا بكر - خيلا ورجلا ~~وآخذنها عليه من أقطارها.» # 1 # فيجيبه علي بما ~~هو أهله: «لا والله، لا أريد أن تملأها عليه خيلا ورجلا، ولولا أننا رأينا أبا بكر لذلك ~~أهلا ما خليناه وإياها.» ثم يبلغ من كرم النحيزة أن يؤنب أبا سفيان من طرف خفي على سعيه ~~في هذه العصبية فيقول: «يا أبا سفيان، إن المؤمنين قوم نصحة ms136 بعضهم لبعض، وإن ~~المنافقين قوم غششة بعضهم لبعض، متخاونون وإن قربت ديارهم وأبدانهم.» # ولم تكن هذه العصبيات كل ما هنالك من دواعي النزاع وكوامن القلق والخوف؛ فقد كان هنالك ~~منافقون أسلموا وهم راغمون، وكان هنالك ضعفاء من المسلمين يقفون على ~~شفير # 2 # من الفتنة لا يلبث أن ~~يضطرب تحت أقدامهم حتى ينهار، وكان هنالك أناس لا ينصرون ولا يخذلون، فهم إن لم يفسدوا في ~~الأرض لا يصلحون. # وبين هذه المخاوف والنوازع تنتهي مسألة الخلافة بسلام فيكون انتهاؤها بسلام أعجوبة ~~الأعاجيب، وتبحث عن سر هذه الأعجوبة أو عن سرها الأكبر فيغنيك فيها أن تذكر اسما واحدا هو ~~اسم عمر بن الخطاب، إلى أين كانت تلك الفتنة ذاهبة لو لم يقف في وجهها عمر وقفته المرهوبة ~~يوم السقيفة؟ # سؤال يدلك على سر تلك العجيبة قبل كل جواب، فما عرف رأي عمر في البيعة حتى بطل الخلاف ~~إلا ما لا خطر له، واطمأن من يوافق، وعلم من يخالف أن خلافه لا ينفعه، واجتمعت كلمة على ~~مبايعة أبي بكر أوشكت أن تكون كلمات. # قال أبو بكر لعمر: ابسط يدك نبايع لك. # قال عمر: أنت أفضل مني. قال أبو بكر: أنت أقوى مني. # قال عمر: إن قوتي لك مع فضلك، لا ينبغي لأحد بعد رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أن يكون فوقك يا ~~أبا بكر، أنت صاحب الغار مع رسول الله وثاني اثنين، وأمرك رسول الله حين اشتكى فصليت ~~بالناس، فأنت أحق الناس بهذا الأمر. # ووثب عمر فأخذ بيد أبي بكر، فتواثب الجميع من علية الصحابة يبتدرون البيعة، ثم كان الغد ~~فجلس أبو بكر على المنبر، وتكلم عمر بين يديه يقول للناس: «إن الله قد جمع أمركم على ~~خيركم، صاحب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وثاني اثنين إذ هما في الغار، وأولى الناس بأموركم، فقوموا ~~فبايعوا.» # فكانت البيعة العامة، وتركت شجرة الخلاف لجفاف، فإن لم تذبل لساعتها فهي وشيكة ~~ذبول. # بايع عمر فقطعت جهيزة قول كل خطيب. # وذلك قدر عمر عند الصحابة، وقدره ms137 عند أبي بكر، وقدره عند الله، تغني شهادة السرائر فيه عن ~~شهادة كل كلام. # وفي تلك الكلمات الموجزات التي تبادلها الصديقان العظيمان خلاصة نقد الناقدين وبحث ~~الباحثين، وحكم التاريخ في أبي بكر وعمر، وفي موقف الخلافة من بدايته إلى منتهاه. # قال عمر: إنك أفضل مني. وقال أبو بكر: إنك أقوى مني. وقال عمر: إن قوتي لك مع ~~فضلك. # صدقا غاية الصدق، وجاملا غاية المجاملة، وقضيا بالعدل والحكمة والإخاء، وتركا التاريخ ~~يقول ما يقول ويسهب ما يسهب، ثم لا يزيد في فحواه كلمة على ما ضمنته تلك الكلمات ~~الموجزات. # ولقد كان من قوة عمر أنه كان يراجع أبا بكر في خلافته حتى يرجع عن رأيه، وكان من فضل أبي ~~بكر أنهم يسألونه مستثيرين: والله ما ندري أأنت الخليفة أم عمر؟ فيقول: هو لو كان ~~شاء! # وكان فضل أبي بكر وقوة عمر جمعا لا يشذ عنه مكابر، ومن شذ عنه فما له من فضل ولا من قوة ~~ينفعانه. # بل كان الرجلان على اختلافهما في المزاج كأنهما رجل واحد، يراجع نفسه بين الرأيين ~~المختلفين حتى يستقر على أحدهما، فإذا هو رأي جميع لا خلاف فيه؛ لأنهما يصدران عن عقيدة ~~واحدة، ويتجهان إلى غرض واحد، فهما غير مفترقين إلى أمد طويل. # وأعجوبة الأعاجيب في هذا الأمر موقف الرجلين من المشكلة الكبرى التي واجهتهما معا بعد ~~موت النبي بأيام قلائل، وهي مشكلة الردة ونكوص العرب عن أحكام الدين وحيرة الصحابة الكبار ~~فيما يعامل به المرتدون. # وليس العجب أن يختلف أبو بكر وعمر في مشكلة كبيرة أو صغيرة، وإنما العجب هو نوع هذا ~~الخلاف الذي لم يتوقعه أحد، فيخالف أبو بكر لأنه يجنح إلى الشدة والصلابة، ويخالف عمر لأنه ~~يجنح إلى اللين والهوادة، ثم يلتقيان ولا يتعارضان. # فأبو بكر يأبى إلا أن يحارب الذين منعوا الزكاة، ويقول مصرا على قوله: «والله لو منعوني ~~عناقا # 3 # لقاتلتهم على منعها.» # وعمر يقول له: «كيف تقاتلهم وقد قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «أمرت أن أقاتل الناس حتى ms138 يقولوا ~~لا إله إلا الله، فمن قالها فقد عصم مني نفسه وماله إلا بحقه، وحسابه على الله»؟!» # ويشارك عمر في رأيه جلة الصحابة كأبي عبيدة الذي قال فيه النبي: «إنه أمين الأمة»، وسالم ~~مولى أبي حذيفة الذي قال فيه النبي: «إن سالما شديد الحب لله»، وأناس من هذه الطبقة في ~~صحابة رسول الله. # ويعود أبو بكر فيقول: «إن الزكاة حق المال، وفيها نحارب بالحق.» ثم يهيب بعمر: «رجوت ~~نصرتك وجئتني بخذلانك! أجبار في الجاهلية وخوار في الإسلام؟» # فإذا بعمر يثوب إلى شدته بعد أن أفرغ أمانة الرأي كما قال: «ما هو إلا أن رأيت أن الله ~~شرح صدر أبي بكر للقتال حتى عرفت أنه الحق.» وما أسهل أن يعرف الحق لمن يريد أن يراه ولا ~~يغمض عينيه، أرجلان هنا مختلفان أم رجل واحد؟ # قل هذا وذاك فالقولان مستويان ما دمت لا تنسى أن الرجلين المختلفين معهما العقيدة ~~الراسخة التي لا تفارقهما، وطالما جمعت العقيدة جيوشا على قلب واحد فضلا عن رجلين. # وإنما كان يعيب عمر أن يعارض إذا كان في المسألة وجه واحد لا يحتمل المعارضة بحال، فأما ~~أن يكون لها وجه آخر يبديه ويشرح حجته، فالذي يعيبه ويضير الإسلام أن يكتم ذلك الوجه وأن ~~ينطوي عليه صامتا في موقف البحث والمشاورة وهو الناصح الأمين. # ومسألة الردة قد كان لها وجه آخر غير الذي راضه أبو بكر - رضي الله عنه - وكان عمر خليقا ~~أن يرى ذلك الوجه الآخر؛ لأنه موافق لمجمل آرائه في الحرب والسياسة، فقد كان بطيئا إلى ~~الحرب كما عرفنا من عامة وصاياه، وكان أبطأ ما يكون عنها إذا نشبت بين العرب أو المسلمين، ~~وكان جيش الإسلام بعيدا عن المدينة في غزوة الروم التي خرج بها أسامة بن زيد بعد قيام أبي ~~بكر بالخلافة، فالتريث إلى أن يستكمل الإسلام عدته ويسترجع الغائبين من جنده وجه غير ضعيف، ~~أو هو في أقل الأمر وجه لا يحسن كتمانه عن الأمير المسئول. # وقد كان من عادة عمر أن يطيع صاحب التبعة ms139 متى وجبت الطاعة واستقر القرار، فلا ضير إذن ألا ~~يألوه جهده معارضة حتى يتبين مذاهب الرأي على اختلافها، ثم هو مستعد بقوته لمعاونته بأقصى ~~ما استطاع. # ومثل هذا الرجل معارضته قوة فوق قوة وخير لا ضير فيه. # وخليق بنا أن نفهمها على صوابها في مسألة الردة فنعلم بعد النظرة الثانية أنها من دلائل ~~قوته المعهودة وليست من فلتات الضعف فيه؛ لأنه رأى الرأي فلم يحجم أن يبديه ويشرح حجته، ~~جريئا فيما رآه. # وعلى هذا الدأب ظل عمر قوة لأبي بكر بموافقته ومعارضته على السواء، وأصاب فيما قال له يوم ~~بايعه: «إن قوتي لك مع فضلك.» فكسب الإسلام خليفتين معا بتقديم أبي بكر للخلافة؛ لأنهما ~~لم يبغيا بالخلافة مأربا غير خدمة الإسلام. ~~••• # ثم بويع عمر بالخلافة فبطل الخلاف إلا ما لا خطر فيه. # عرضها عليه أبو بكر فقال: «لا حاجة لي فيها.» فقال أبو بكر: «ولكن لها بك حاجة يا ابن ~~الخطاب.» وسأل خيرة أصحابه، فقال له عبد الرحمن بن عوف: «هو والله أفضل من رأيك فيه.» وقال ~~عثمان بن عفان: «إن سريرته خير من علانيته، وإنه ليس فينا مثله.» وسأل أسيد بن الحضير ~~فقال: «اللهم أعلمه الخيرة بعدك، يرضى للرضا ويسخط للسخط، والذي يسر خير من الذي يعلن، ~~ولن يلي هذا الأمر أحد أقوى عليه منه.» # وأجمع المهاجرون والأنصار على تزكية عمر وتصويب أبي بكر في ترشيحه، ولعلهم لم يذكروا من ~~مناقبه إلا ما هو به أعلم وأخبر، فلم يزده ثناء المثني علما بصاحبه! ولم يكن قدح القادح ~~ليخلف رأيه فيه؛ لأنه على عرفانه بالدنيا وعرفانه بالناس لا يجهل أن رجلا كعمر بن الخطاب ~~في حزمه وصدقه لن يخلو من مبغض، ولن يبغضه أحد لما يعيبه ويحول بينه وبين ولاية أمر ~~المسلمين. # قال له وهو يعرض عليه الخلافة: «يا عمر، أبغضك مبغض وأحبك محب، وقدما يبغض الخير ويحب ~~الشر.» # وإن منهم لمن حذره شدة عمر وقالوا له: «إنك كنت تأخذ على يديه ولا نطيق غلظته، فكيف وهو ~~خليفة؟ وما أنت ms140 قائل لربك إذا سألك عن استخلافه علينا؟» # فبلغ الصبر بالرجل الصبور مداه، وأمر من حوله أن يجلسوه فجلس، فقال لمن خوفوه الله وعمر: ~~«أبالله تخوفونني؟ خاف من تزود من أمركم بظلم. أقول: اللهم قد استخلفت على أهلك خير ~~أهلك!» # ولو شاء أبو بكر لقال إن ما خوفوه من شدة عمر لفضيلة من فضائله التي قدمته عنده على ~~غيره، فقد خاف عليهم الفتنة، وكان أكبر حذره أن تجيء الفتنة من أولئك الأعلام الذين يتبعهم ~~الطغام، # 4 # وليس ~~لهؤلاء غير عمر يرهبونه ويتقون الفتنة باتقائه، فمن هنا وصاه فحذره «هؤلاء النفر من أصحاب ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # الذين قد انتفخت أجوافهم، وطمحت أبصارهم، وأحب كل امرئ منهم لنفسه»، ~~وقال له: «إن لهم لحيرة عند زلة واحد منهم فإياك أن تكونه، واعلم أنهم لن يزالوا منك ~~خائفين ما خفت الله، ولك مستقيمين ما استقامت طريقتك.» # فالذين حذروه عمر إنما رغبوه فيه ولم يحذروه منه؛ لأنه أراد لهم من يخافونه ويستقيمون ~~معه، فكانت سيئته عندهم حسنة عند أبي بكر، ورجاء في صلاح أمر الأعلام والطغام. # فلما اتفق مدح المادحين ونقد الناقدين على إيثار عمر بالخلافة، فرغ أبو بكر من مشورته، ~~وأبرأ إلى الله ذمته، ودعا بعثمان فأملى عليه: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد به أبو ~~بكر بن أبي قحافة في آخر عهده بالدنيا خارجا منها، وأول عهده بالآخرة داخلا فيها، حيث ~~يؤمن الكافر ويوقن الفاجر، ويصدق الكاذب: إني استخلفت عليكم بعدي ...» # ثم أخذته غشية فكتب عثمان «عمر بن الخطاب»، ولم يترك الكتاب خلوا من الاسم مخافة أن يذهب ~~الموت بأبي بكر في تلك الغشية، فيلج من يلج بالخلاف وله شبهة يحوم عليها. # وإنه ليكتبها إذ أفاق أبو بكر فقرأ عليه ما كتب، فكبر وأدرك ما وقع في روعه فحياه ~~ودعا له: «جزاك الله عن الإسلام خيرا، والله إن كنت لها لأهلا.» # 5 # ثم أتم الكتاب. # ثم بويع عمر بالخلافة بإجماع لم ينعقد لخليفة قبله ولا بعده إلا أن تكون وراثة ms141 في دولة ~~استقرت لها دعائم وثبتت لها أركان، فكانت شهادة من الصحابة والمسلمين أجمعين بما هو أنطق من ~~الألسنة والقلوب؛ بالبديهة التي لا تكذب في صادق ولا كذوب. # وجائز جدا أن يبدأ عمر خلافته وهذا رأي المسلمين فيه، وأن يختمها آخر الأمر ورأيهم فيه ~~على اختلاف؛ إذ الحكم يخلق العداوات، ويفتق أسباب التباعد في الظنون والآراء، ويفتن صاحبه ~~حتى يتبدل من حيث يريد ولا يريد، فشهادة أخرى من شهادات الواقع والبداهة أن عمر قد فارق ~~الدنيا والمختلفون فيه ينقصون، والمتفقون على حمده يزيدون، ثم هم يزيدون في حمدهم إياه ~~وثنائهم عليه. # دخل زياد على عثمان في خلافته بما بقي عنده لبيت المال، فجاء ابن لعثمان فأخذ شيئا من ~~فضة ومضى به، فبكى زياد، قال عثمان: ما يبكيك؟ قال: أتيت أمير المؤمنين # 6 # بمثل ما أتيك به فجاء ابن له فأخذ درهما، فأمر ~~به أن ينتزع منه حتى أبكى الغلام، وإن ابنك هذا جاء فأخذ ما أخذ، فلم أر أحدا قال له ~~شيئا. قال عثمان: «إن عمر كان يمنع أهله وقرابته ابتغاء وجه الله، وإني أعطي أهلي ~~وأقربائي ابتغاء وجه الله، ولن تلقى مثل عمر، لن تلقى مثل عمر، لن تلقى مثل عمر!» # وبكى علي يوم موته فسئل في بكائه فقال: «أبكي على موت عمر، إن موت عمر ~~ثلمة # 7 # في ~~الإسلام لا ترتق إلى يوم القيامة.» وقال عبد الله بن مسعود: «كان إسلامه فتحا، وكانت ~~هجرته نصرا، وكانت إمارته رحمة.» # وقال معاوية يوازن بين الخلفاء: «أما أبو بكر فلم يرد الدنيا ولم ترده، وأما عمر ~~فأرادته الدنيا ولم يردها، وأما نحن فتمرغنا فيها ظهرا لبطن.» وقال عمرو بن العاص وهو ~~يحدث نفسه: «لله در ابن حنتمة! أي امرئ كان؟!» # ولم يقل فيه قائل راض ولا ساخط إلا ثناء كهذا الثناء، بعد خلافة طويلة لو خرج منها بنصف ~~الثناء لأربى على الأمل في إنصاف بني الإنسان. # ورعى عمر قدر الصحابة والتابعين كما رعوا قدره، إلا أنه كان مفضلا في هذه كما ms142 كان مفضلا ~~في جميع محامده وحسناته، فإنه رعى أقدارهم وهو مستطيع ألا يرعاها، وقليل منهم من كان قادرا ~~أن يعمل غير ما عمل ويقول فيه غير ما قال. # جمع منهم مجلس المشورة لا يبرم أمرا ولا ينقضه إلا بعد مذاكرتهم والاستئناس بنصيحتهم ~~وسابق علمهم من مأثورات النبي وأحاديثه. # وارتفع بهم أن يكونوا أتباعا له فجنبهم ولاية الأعمال قائلا لمن راجعه في ذلك: «أكره ~~أن أدنسهم بالعمل.» # 8 # فسبق الدساتير العصرية بحسن تقسيمه وصادق حدسه وتدبيره. هم مجلس الأمة وليس ~~لأحد من مجلس الأمة أن يلي عملا من أعمال الحكومة، فهما في الدولة وظيفتان لا ~~تجتمعان. # وقدم صغارهم على أعظم العظماء من رءوس القبائل وقروم # 9 # الجزيرة العربية، فحضر بابه سهيل بن عمرو بن الحارث ~~بن هشام وأبو سفيان بن حرب في جمع من السادة ينقطع ندهم بين الكابرين، # 10 # وحضره معهم صهيب وبلال وهما ~~موليان فقيران، ولكنهما شهدا بدرا وصحبا رسول الله، فأذن لهما قبل علية القوم! وغضب أبو ~~سفيان فقال لصاحبه: لم أر كاليوم قط، يأذن لهؤلاء العبيد ويتركنا على بابه؟! أما صاحبه ~~فكان حكيما فقال: «أيها القوم، إني والله أرى الذي في وجوهكم، إن كنتم غضابا، فاغضبوا على ~~أنفسكم، دعي القوم - إلى الإسلام - ودعيتم، فأسرعوا وأبطأتم، فكيف بكم إذا دعوا يوم ~~القيامة وتركتم؟» # ولو غير عمر لما تقدم عنده صهيب وبلال، ولا أمن أن يغضب عليه أبو سفيان وسهيل. # لكنه الحق فوق كل قدر عند هذا القسطاس الذي يعطي كل ذي قدر قدره حيث ينبغي له من تقديم ~~وتأخير، فيقدم من يقدمه عمله ويؤخر من يؤخره عمله، ولا عليه من غضب الغاضبين ولوم ~~اللائمين. # فلما ندب الناس إلى غزو العراق فبادر إليه أبو عبيد بن مسعود، وتخلف من حضر الدعوة من ~~الصحابة، ولاه قيادتهم وأبى أن يوليها رجلا من السابقين من المهاجرين والأنصار، وأجاب من ~~راجعوه قائلا: «لا والله لا أفعل، إن الله إنما رفعكم بسبقكم وسرعتكم إلى العدو، فإذا ~~جبنتم وكرهتم اللقاء فأولى بالرئاسة منكم من سبق ms143 إلى الدفع، وأجاب إلى الدعاء، والله لا ~~أؤمر عليهم إلا أولهم انتدابا.» # ثم دعا معه ابن عبيد وسليط بن قيس فأبلغهما: «إنكما لو سبقتما لوليتكما»، والتفت إلى أمير ~~الجيوش الذي اختاره فقال له: «اسمع من أصحاب النبي # صلى الله عليه وسلم # وأشركهم في الأمر، ولا تجتهد ~~مسرعا حتى تتبين، فإنها الحرب.» هذا ما استحقوه، فلا رجحان لهم إلا بالحق، ولا رجحان عليهم ~~إلا للحق. # ومن الحق الذي له الرجحان عليهم حق الأمة جمعاء، وحق الأمان الذي يعم الدولة ويوطد ~~أركانها، فإذا خيف على الدولة من بعضهم فأمان الدولة مفضل عليهم، وحقها الأكبر مقدم على ~~الكبير من حقوقهم، فربما حبسهم في المدينة لا يسافرون منها إلا بإذن وإلى أجل مخافة منهم ~~على الناس ومخافة عليهم من الناس، ويستأذنه أحدهم في غزو الروم والفرس محتجا بسابق بلائه ~~مع رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فيتخذ من سابق هذا البلاء حجة عليه يذوده بها عن السفر، ويقول له: ~~«إن لك في غزوك مع رسول الله ما يكفيك ويبلغك، وبحسبك، وهو خير لك من الغزو اليوم، وإن ~~خيرا لك ألا ترى الدنيا ولا تراك.» # على هذا الوجه وحده ينبغي أن نفهم كل علاقة كانت بين عمر وبين أحد من أكابر الصحابة ~~والتابعين، فهو القسطاس الذي لا يجور، وكأنه لا يعرف الجور لو شاء. # بل على هذا الوجه وحده نفهم كل علاقة بينه وبين أحد من عامة المسلمين، فلكل رجل ولكل عمل ~~حقه، ولا ضير على أحد أن يتأخر قدره ويتقدم عمله، ولا ينفع أحدا أن يتقدم قدره ويتأخر ~~عمله، فكل عمل وله حساب، وكل قدر وله كرامة، وأكبر الصحابة خليق أن ينزل منزلة المرءوسين ~~لمن سبقهم إلى العمل النافع، وأصغر الناس خليق أن ينال جزاءه الحسن إذا استحقه، وكل قسطاس ~~غير هذا القسطاس فإنما يقارفه الحاكم لظلم أو لخوف، وليس لهذا ولا ذاك سبيل إلى عمر؛ لأنه ~~عادل، ولأنه لا يخاف، وإذا وقع ما يخافه غيره فهو ضليع بالتبعات. # 11 # على هذا الوجه وحده ms144 ينبغي أن نلتمس التأويل في محاسبات عمر ومعاملاته إذا وقع منها ما ~~يحتاج إلى تأويل، وقل في محاسبات عمر ومعاملاته ما يحتاج إليه؛ لأنه كان يحاسب نفسه قبل أن ~~يحاسب غيره، وحسابه لنفسه أعسر من حسابه للآخرين. # ففي جميع محاسباته للقادة والولاة من كبار الصحابة لم توضع مسألة في موضع التأويل الكثير ~~والمناقشة الحادمة، # 12 # كما وضعت مسألة خالد بن الوليد رضي ~~الله عنه. # ولا يعقل أن تكون هذه المسألة شذوذا عن خطته مع جميع القادة والولاة؛ لأن الذي صنعه فيها ~~عمر هو الذي كان منتظرا أن يصنعه، سواء كان القائد خالدا أو كان رجلا غيره، وهذا الذي ~~ينفي الشذوذ والحيف، أو ينفي المعاملة الخاصة التي تكيل للناس بكيلين وتزن لهم بميزانين، ~~وتنظر إليهم بنظرتين مختلفتين. # عزل عمر خالدا وهو سيف الإسلام وبطل الجزيرة والشام، وإذا كان لا بد لخالد بن الوليد من ~~عازل أو قاض عادل، فلن يكون عازله وقاضيه غير عمر بن الخطاب، هو على قدر عزله بلا مراء، ~~وهو قدر كبير. # فقال أناس: إنها منافسة الند للند والشبيه للشبيه، وقال أناس: عزله لغير خطأ أتاه. وقال ~~أناس: إنها ترة # 13 # قديمة، ولولاها لما كان ~~الخطأ الجديد بمستوجب عزله وحرمان المسلمين من بأسه وجهاده. # والذين ظنوا هذه الظنون لهم شبهات من ظواهر الأمور تخيلها لهم وتقربها إلى حدسهم؛ لأن ~~المشابهة بين عمر وخالد كانت مشابهة خلق وخلق توحي الظن بالتنافس والملاحاة، وكانت مشابهة ~~خالد لعمر في خلقته تلتبس على بعض الناس، فيكلمون عمر وهم يحسبونه خالد بن الوليد. # فمن شاء أن يخبط بالظن فله أن يحسب أن عمر قد عزله لغير سبب يستوجب عزله؛ لأن عمر نفسه ~~قد صان على القائد الكبير كرامته وأمسك عن الخوض في أمر عزله بعد الفراغ من ضجته الأولى، ~~وكتب إلى الأمصار يبرئه من الخيانة ويعلنهم «أنه لم يعزله لسخطة ولا خيانة، ولكن الناس ~~فتنوا به.» قال: «فخشيت أن يوكلوا به ويبتلوا، فأحببت أن يعلموا أن الله هو الصانع، وألا ~~يكونوا بعرض فتنة.» ms145 ولما سأله خالد في ذلك قال له: «إن الناس افتتنوا بك فخفت أن تفتتن ~~بالناس.» # فمن شاء أن يخبط بالظن هنا فقد يخبط ما شاء وله شبهة فيه، ولكنه لا يرجع إلى الوقائع من ~~قديمها وحديثها حتى تسقط شبهاته بين يديه، ويوقن أن عمر لم يحاسب خالدا بميزان غير الذي ~~حاسب به جميع القادة والولاة، وأن المدهش الحق أن يبقيه في الولاية والقيادة بعد ما أخذه ~~عليه؛ لأنه حينئذ يكون قد وزن بميزانين وكال بكيلين. # والذي أخذه عمر على خالد يرجع بعضه إلى أيام النبي - عليه السلام - وبعضه إلى أيام أبي ~~بكر - رضي الله عنه - وبعضه إلى أيامه، وكله مما يصح أن يؤخذ به في موقف الحساب، وإن كان ~~الذي حدث في أيام عمر وحدها كافيا لما قضاه في أمره. # ففي فتح مكة نهى رسول الله خالدا عن القتل والقتال، وقال له وللزبير: «لا تقاتلا إلا من ~~قاتلكما.» ولكن خالدا قاتل وقتل نيفا وعشرين من قريش وأربعة نفر من هذيل، فدخل رسول الله ~~مكة، فرأى امرأة مقتولة، فسأل حنظلة الكاتب: من قتلها؟ قال: خالد بن الوليد. فأمره أن يدرك ~~خالدا، فينهاه أن يقتل امرأة أو وليدا أو عسيفا، # 14 # وبعث إليه من يسأله: ما حملك على القتال؟ فاعتذر بخطأ ~~الرسول # 15 # في تبليغه، وشهد الرسول على نفسه بالخطأ فكف عنه. # ثم بعث رسول الله خالدا إلى بني جذيمة داعيا إلى الإسلام، ولم يبعثه للقتال، وأمره ألا ~~يقاتل أحدا إن رأى مسجدا أو سمع أذانا، ثم وضع بنو جذيمة السلاح بعد جدال بينهم ~~واستسلموا، فأمر بهم خالد فكتفوا، ثم عرضهم على السيف فقتل من قتل منهم، وأفلت من القوم ~~غلام يقال له السميدع، حتى اقتحم على رسول الله وأخبره وشكا إليه، فسأله رسول الله: هل أنكر ~~عليه أحد ما صنع؟ قال: نعم، رجل أصفر ربعة # 16 # ورجل أحمر طويل. وكان عمر حاضرا فقال: أنا والله يا رسول الله أعرفهما، أما ~~الأول فهو ابني، وأما الثاني فهو سالم مولى بني حذيفة. وظهر ms146 بعد ذلك أن خالدا أمر كل من ~~أسر أسيرا أن يضرب عنقه، فأطلق عبد الله بن عمر وسالم مولى أبي حذيفة أسيرين كانا معهما، ~~فرفع رسول الله يديه حين علم ذلك وقال: «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد»، ثم دعا علي ~~بن أبي طالب وأمره أن يقصد إلى القوم ومعه إبل وورق، # 17 # فودى # 18 # لهم الدماء وعوضهم من الأموال. # وفي عهد أبي بكر - رضي الله عنه - وجه خالدا إلى بعض أهل الردة يدعوهم إلى أحكام الإسلام ~~أو يقاتلهم حتى يثوبوا إليها، فعزم على المسير إلى مالك بن نويرة، ولم يأمره الخليفة ~~بالمسير إليه، وأحجم الأنصار ينتظرون أن يكتب إليهم الخليفة بما يراه، وقال خالد: «قد عهد ~~إلي أن أمضي وأنا الأمير، ولو لم يأت كتاب بما رأيته فرصة وكنت إن أعلمته فاتتني لم أعلمه، ~~وكذلك لو ابتلينا بأمر ليس فيه منه عهد إلينا لم ندع أن نرى أفضل ما يحضرنا ثم نعمل به، ~~فأنا قاصد إلى مالك ومن معي من المهاجرين والتابعين ولست أكرههم ...» # ثم جاءته الخيل بمالك بن نويرة في نفر من بني ثعلبة بن يربوع، فاختلفت السرية فيهم، يشهد ~~قوم أنهم أذنوا وأقاموا وصلوا، ويشهد آخرون أنه لم يكن من ذلك شيء، فلما اختلفوا فيهم أمر ~~بحبسهم في ليلة باردة، وأرسل فيما قيل مناديا ينادي: أدفئوا أسراكم. فظن القوم أنه أراد ~~قتلهم؛ لأن إدفاء الأسرى كناية عن القتل في لغتهم. # ويروى أن مالكا قال لخالد: ابعثنا إلى أبي بكر فيكون هو الذي يحكم فينا، فلم يجبه خالد ~~إلى طلبته وقال له: لا أقالني الله إن أقلتك. وتقدم إلى ضرار بن الأزور بضرب عنقه، وتزوج ~~بامرأته في الحرب، وهو أمر تكرهه العرب وتعايره. # وقد أبلغ الخبر عمر بن الخطاب فقال لأبي بكر: إن سيف خالد فيه ~~رهق. # 19 # فاعتذر له ~~أبو بكر بأنه «تأول فأخطأ»، وودى مالكا واستدعى خالدا إليه. # قدم خالد فدخل المسجد وعليه قباء وفي عمامته أسهم غرزها للمباهاة، فقام إليه عمر فنزعها ~~وحطمها وقال ms147 له: قتلت امرأ مسلما، ثم نزوت على امرأته؟ والله لأرجمنك بأحجارك! # وكان أبو بكر - رضي الله عنه - هم بعزل خالد لاستئثاره بتصريف المال الذي في ولايته، فسأل ~~عمر: من يجزئ جزاء خالد؟ # 20 # فندب عمر نفسه ليخلفه إن لم يكن بد من ذلك، وتجهز عمر حتى ~~أنيخ الظهر في الدار، لولا أن مشى أصحاب رسول الله إلى أبي بكر يوصونه أن يحتفظ بعمر لحاجته ~~إليه، وأن يبقي خالدا في ولايته لحاجته إليه، فعمل بما أشاروا. # ذلك ما كان في عهد النبي وأبي بكر، فلما بويع عمر كتب إلى خالد أن يراجعه في حساب المال، ~~وألا يعطي شاة ولا بعيرا إلا بأمره، فأحاله إلى ما جرى به العمل قبله، وكان قد أجاب أبا ~~بكر بكلام مقتضب قال فيه: «إما أن تدعني وعملي وإلا فشأنك بعملك.» فلم يطقها عمر وقال: «ما ~~صدقت الله إن كنت أشرت على أبي بكر بأمر فلم أنفذه.» # وقد أبرمه منه أنه وهب الشاعر الأشعث بن قيس عشرة آلاف درهم، ونمى الأمر إليه كما كانت ~~تنمى إليه أخبار الولاة والقواد من عيونه وأرصاده، فكتب إلى أبي عبيدة أن يحاسبه على هذه ~~الهبة «فإن زعم أنها من إصابة أصابها فقد أقر بالخيانة، وإن زعم أنها من ماله فقد ~~أسرف.» # وقد أبى خالد أن يجيب في مبدأ الأمر، فاعتقله أبو عبيدة بعمامته كما أمر عمر، ونزع منه ~~قلنسوته في موقف المحاسبة حتى قال إنها من ماله، فقومت عروضه وضم ما زاد منها إلى بيت ~~المال، وقال له عمر يومئذ: «يا خالد، والله إنك علي لكريم، وإنك إلي لحبيب، ولن تعاتبني ~~بعد اليوم على شيء.» # ولم يعزله عمر دفعة واحدة على إثر قيامه بالخلافة كما جاء في بعض الأخبار؛ لأن اسم خالد ~~كان بين أسماء الشهود على عهد بيت المقدس بعد فتحه، والأرجح أن في تاريخ القصة خطأ وقع ~~فيه بعض المؤرخين ومنهم ابن الأثير، فكتب عن عزل خالد في أخبار السنة الثالثة عشرة للهجرة ~~ثم ذكره في أخبار السنة السابعة ms148 عشرة، وأورد في الموضعين أقوالا متشابهات. # تلك جملة المآخذ التي أخذها على خالد من عهد النبي - عليه السلام - إلى عهد خلافته، وما ~~من أحد يعرف عمر ثم يلوح له أنه أنكر من خالد شيئا كان يقبله من غيره ، وأنه نصب له ميزانا ~~غير الموازين التي يحاسب بها القواد والولاة وكل صاحب عمل مسئول، فرأي عمر في إنكار هذه ~~المآخذ معروف من بداية أيامه، والذين لزموه وتأدبوا بأدبه ينكرونها مثله ولو كانوا على ~~البعد منه، كما حدث من ابنه في بعثة جذيمة حيث أبى على خالد بطشه بمن أوثقهم وعرضهم على ~~السيف، ثم أنكر النبي - عليه السلام - ما أنكره واستصوب ما استصوبه. # فعمر كان يكره الإسراع إلى القتال ويوصي قواده جميعا بالتريث فيه، وربما نحى القائد ~~المغوار عن القيادة وهو كفؤ لها لأنه يعجل بالقتال كما قال لسليط بن قيس: «لولا أنك رجل ~~عجل في الحرب لوليتك هذا الجيش، والحرب لا يصلح لها إلا الرجل المكيث.» # وكان يتحرج غاية الحرج أن يستبيح دم بريء أو مشكوك فيه، وتقدم في هذا الكتاب أنه لام ~~أناسا من أصحابه لأنهم قتلوا رجلا ارتد عن دينه، وقال لهم: «هلا استتبتموه وحبستموه؟» ~~وتبين من رأيه في أهل الردة أنه كان يؤثر الهوادة والاستتابة على القتال، فإن كان قتال ~~فالذي لا حيلة فيه ولا محيص عنه، فإنكاره لمقتل مالك بن نويرة وأصحابه هو رأيه الذي لا شذوذ ~~فيه، ويضاف إليه إنكار البناء بامرأته، # 21 # ووقع البناء بها في أثناء المعركة، وهو أمر لا ينفرد عمر بكراهته وانتقاده، بل ~~تكرهه العرب عامة، مسلمين وغير مسلمين. # وكان عمر يحاسب جميع الولاة أدق حساب: يكتب عروضهم # 22 # قبل ولايتهم، ويسألهم فيما فشا من طارئ أموالهم، ويأمرهم إذا عادوا إلى أهلهم ~~أن يدخلوا المدينة نهارا لينكشف ما عادوا به إليهم، ويقاسمهم كل درهم ~~يربى # 23 # على المحسوب من أرزاقهم، ويجري ~~على السنة مع كل وال وكل عامل ذي أمانة فلم يستثن منها أحدا قط، ولم يعرف وال قط سلم ~~من مصادرة ms149 أو حساب عسير. # فالذي صنعه خالد حين أنكر «سرعة هجماته وشدة صدماته» سنة عمرية لا شذوذ فيها، والذي صنعه ~~حين حاسبه على هباته وتوزيعاته سنة عمرية كذلك لا شذوذ فيها، ولو أنه صنع غير هذا الصنيع ~~لقد كان ذلك هو الشذوذ المستغرب الذي لا يقع من عمر بن الخطاب خاصة؛ لأنه لا يحابي ولا يفرق ~~في المعاملة ولا يبالي غضب قائد كبير ولا وال قدير، وليس يحب أن يقال إن رجلا من الرجال ~~لا غنى عنه لدولة الإسلام، فربما كان شيوع هذه العقيدة أخطر على الإسلام من عزل وال مظلوم ~~أو ولاة مظلومين. # ولا ننسى الأمانة الكبرى التي هي أكبر من أمانة الرفق بالولاة والعدل في محاسبة العمال، ~~ونعني بها أمانة الدين والدولة أو ما نسميه نحن في أيامنا «بالسياسة العليا». # عمر لا يتركنا نفسر أعماله هنا باجتهادنا في فهمها وتأويلها على ما نراه، بل يصرح للناس ~~فيها بما يغنيهم عن التفسير والتأويل. # فكان يرعى في شئون الولاة الكبار والقواد المشهورين أمرين يجيزان له عزلهم، ولو لم يقع ~~منهم ما يوجب المؤاخذة. # أحد هذين الأمرين أن يفتتن بهم الناس فيفتتنوا هم بالناس، كما قال لخالد بعد عزله، والخوف ~~في هذا الأمر من القائد الكفء أعظم من الخوف من قائد صغير لم يبل أحسن البلاء، ولم تتساير ~~بذكره الأنباء، فليس لهذا خطر في بقائه كخطر القائد الكبير. # وخطته هنا عامة لا يخص بها واليا دون وال ولا قائدا دون قائد. # فلما عزل زياد بن أبي سفيان عن ولاية العراق سأله زياد: لم عزلتني يا أمير المؤمنين؟ ~~ألعجز أم خيانة؟ فقال له: لم أعزلك لواحدة منهما، ولكني كرهت أن أحمل فضل عقلك على الناس. ~~وقديما قال فيه عمر: لو كان قرشيا لساق العرب بعصاه. فالحيطة منه وفاق رأيه فيه. # وقد كان من خلق عمر أن يقدم الحذر ويأخذ الحيطة ويطيل الروية، ثم يجزم بالرأي السديد في ~~غير إبطاء، ولهذا كان يكره ولاية الرجل الفخور وينهى عنها في خلافته وقبل خلافته، فأشار على ms150 ~~أبي بكر ألا يولي خالد بن سعيد وكلمه في عزله لأنه رجل فخور يحمل أمره على المغالبة ~~والتعصب، فعزله أبو بكر كما أشار. # فإذا اجتمع لعمر هذا السبب من أسباب السياسة العليا إلى المآخذ التي أنكرها على خالد فلا ~~جناح عليه ، ولا محل للشك والظنة في أسباب عزله. # لقد رأى زهو خالد بالنصر والغلب قبل أن يفتح الشام ويسبق بالشهرة أنداده من القواد، رأى ~~ذلك يوم عاد من حرب أهل الردة فدخل المسجد وفي عمامته السهام، ورآه يوم استقل ببيت المال في ~~ولايته على عهد أبي بكر وعلى عهده، ورآه في أمور كان يبتدئها ولا يستأذن فيها، ورآه مما يحس ~~ولا يلمس ومما يقدر ولا ينتظر، «فإذا أشفق أن يفتتن بالناس كما افتتنوا به فلا جناح ~~عليه.» # وثاني الأمرين اللذين يدخلان في تقديرات السياسة العليا ويجيزان العزل في غير جريرة ظاهرة ~~أن يصبح القائد ضرورة لا غنى عنها لتسيير الجيوش وفتح الفتوح، وأن يعزى إليه النجاح ~~فتتخاذل العزائم وتصغر أقدار القادة دونه، وأن تعظم العقيدة فيه فتضعف العقيدة بالله، ~~ويخسر الجيوش بذلك أضعاف ما يخسره بإقصاء قائده ولو لم يكن له نظير. # فإن كان له نظير، كما تبين من اختيار عمر لقواده في كل ميدان، فلا خسارة هناك، بل هو كسب ~~العقيدة وكسب قائد جديد، وإذا حان اليوم الذي ينتفع فيه بالقائد المعزول، فهو قمين أن ينفع ~~ما بقيت فيه بقية من صلاح وخير. # وتعويل عمر على العقيدة أمر تعزوه إلى كل شيء فتراه فيه على صواب؛ تعزوه إلى إيمانه بالله ~~فهو فيه مصيب، وتعزوه إلى حسن سياسته فهو فيه مصيب، وتعزوه إلى تقديره للواقع فهو فيه مصيب، ~~فكل أولئك كان خليقا أن يرجح كفة العقيدة عنده على كل كفة، وأن يوجب عليه استبقاءها قبل كل ~~استبقاء، وألا يزال بالناس يذكرهم ما ذكرهم به حين كتب إلى الأمصار بعد عزله خالدا «إن ~~الله هو الصانع، وألا يكونوا بعرض فتنة.» # ولو أن رئيسا لخالد غير عمر بن الخطاب في إيمانه المكين، ms151 لما فاته أن يعلم أين كانت ~~قوة المسلمين، وبم كان انتصارهم في جميع الميادين، ولا فاته أن يستبقي هذه القوة بكل وسيلة، ~~وأن يفتديها بجميع ما في يديه؛ تلك قوة العقيدة لا مراء، إن ضاعت فلا عوض عنها، وإن بقيت ~~فللقادة عوض كثير. # فكيف بعمر بن الخطاب الذي يؤمن بهذا إيمان تسليم كما يفكر فيه تفكير سياسة وتدبير؟ لئن ~~نسي ذلك لهو الحقيق باللوم على نسيانه، ولئن ذكره فاقتضاه ذكره أن يعزل خالدا بغير جريرة ~~لما كان عليه من لوم، وهو كما رأينا لم يعزله لغير جريرة، أو لم يكن حسابه له مختلفا عن ~~حسابه للقادة والولاة، وقد كان أبو بكر نفسه - وهو من أبقى خالدا - يلمح بعض الخطر من ~~افتتان الناس به حين قال: أعجزت النساء أن ينشئن مثل خالد! # ويؤكد تعويل عمر على العقيدة في كل نجاح وإسناده كل فشل إلى ضعفها والترخص فيها أن ~~الجيش الذي غزا مصر أبطأ في فتحها، فالتمس عمر علة ذلك في ضعف نياتهم، وكتب إليهم يقول: ~~«عجبت لإبطائكم عن فتح مصر تقاتلونهم منذ سنتين، وما ذاك إلا لما أحدثتم، وأحببتم من الدنيا ~~ما أحب عدوكم، وإن الله - تبارك وتعالى - لا ينصر قوما إلا بصدق نياتهم.» # فنظرته في عزل خالد هي النظرة العامة التي لا تخصيص فيها لرجل ولا لمعركة ولا لمكان، ~~وتقديمه العقيدة على كل عدة من عدد النصر هو الخطة التي جرى عليها في مراقبة القادة ومراقبة ~~الجيوش، وتدبير عدد النصر، وتجنيب المسلمين مآزق الخذلان. وهل أخطأ؟ هل كانت منه حماسة ~~إيمان ولم تكن روية تفكير؟ هل يرى غير هذا الرأي ناقد عسكري من أعداء الإسلام لو بحث في ~~الأمر ونفذ إلى حقائق الأسباب؟ كلا، بل هو صدق الرأي وصدق الإيمان معا مقترنين، لا يشير ~~هذا بغير ما يشير به ذاك. # ودون هذا من أسباب «السياسة العليا» يجيز لعمر ما استجازه من عزل خالد من القيادة ~~والولاية، ولا سيما بعدما أخذ عليه ما أخذ، وبعدما علم الناس أنه لا يسامح أحدا ms152 في أمثال ~~هذه المآخذ فما باله يسامح خالدا فيها؟ إنه إذن لصانع النصر الذي لا غنى عنه، وإن الخطر ~~الأكبر الذي يخشاه لقد حق على الجند وعلى الدولة، ولقد حق معه خطر آخر لا يقل عنه؛ أن يسكن ~~الناس إلى التفرقة في الحساب، وأن يألفوا ما يعاب إذا عيب من الرءوس والأقطاب، دون الأتباع ~~والأذناب. # ومسألة أخرى يجب ألا يغفل عنها الرجل العصري وهو ينظر في عزل خالد للأسباب التي قدمنا أو ~~لأي سبب غيرها، وذلك أن حقوق الولاية في عصرنا غير حقوق الولاية في عصر عمر على التخصيص، ~~وهو العصر الذي بدأت فيه تجربة الولاية والعمالة في دول الإسلام. # فالولاية في عصرنا مركز يستحقه موظف الحكومة بعد مرانة طويلة ودراسة خاصة، واستعداد مقصور ~~على طائفة من المرشحين لها لم تشركهم فيه طائفة أخرى، وكأنها صناعة العمر التي لا يحتمل عمر ~~الإنسان تجديد صناعتين مثلها، فإذا قيل إن واليا عزل في عصرنا فكأننا نقول إن تاجرا ~~صودر ماله أو زارعا حيل بينه وبين زرع أرضه، ومصادرة من هذا القبيل حري أن تلتمس لها ~~أسباب من قبيلها في الرجاحة والإقناع. # غير أن الولاية في عهد عمر لم تكن كذلك بوجه من الوجوه، ولم يكن لصاحبها مثل هذا الحق ~~الذي اصطلح عليه، وإن لم ينص عليه القانون، وإنما كانت تجربة ارتجالية يتساوى فيها جميع ~~الصالحين من المسلمين، لا تنقطع بها صناعة العمر ولا سابقة الاستعداد والمرانة، فيصح أن ~~يعزل الوالي لأسباب أهون من تلك الأسباب التي قدمناها في الرجاحة والإقناع، ويصح أن يكون ~~للعزل معنى المناوبة في ندبة متساوية بين جميع المسلمين. ~~«لله در «ابن حنتمة»! أي رجل كان؟!» # كلمة قالها رجل يعرف الرجال، قالها عمرو بن العاص، وكأنه لم يكن يود أن يقولها لولا أنطقه ~~بها الإعجاب الذي لا يجدي فيه كتمان. # وهي كلمة يقولها الناظر في سيرة عمر كلما وقف من أخبارها موقف الناقد الذي يبحث عن الخطأ ~~فيلفيه حيثما بحث عنه عسيرا جد عسير، أي رجل كان هذا الرجل؟ ms153 أي عدل كان عدله؟ أي قسطاس كان ~~قسطاسه؟ أي حساب كان حسابه لنفسه؟ وأي سبيل للناقد إلى رجل كان يحاسب نفسه هذا ~~الحساب؟ # وربما اختلفت الأمزجة أو اختلف تركيب العقول والأبدان، فقل في ذلك ما تشاء، وقل في خلائق ~~عمر ما تشاء، قل هي الشدة والصرامة، أو قل هي الخشونة والصلابة، أو قل هو نسيان الضعف وفرط ~~الغيرة على الحق في عالم تستكثر فيه مصانعة الحقوق، ويستعظم فيه تكلف الصواب، قل ما بدا لك ~~من ذلك، واذهب ما شئت أن تذهب فيه، فإنك لا تعطي المزاج حقه ولا تفرض له فرضه حتى تحار بعد ~~ذلك في سبب انتقاد أو علة اختلاف؛ لأنه لا يزاول أمرا إلا وهو صواب لا محل فيه لسوء الطوية ~~من وجهة ذلك المزاج. # كنا نقرأ عن عزل خالد ما تتفق قراءته من هنا وهناك، وكنا نستمع إلى الذين يردونه إلى ~~المنافسة والتناظر فنجيز هذا ولا نمنعه، أو نرى فيه منالا من قدر عمر ومنقصه تغض من ~~إعجابنا بمزاياه؛ لأنه قد يغار من خالد، ويعزله لغير جريرة، ويبقى له بعد ذلك قدره الجليل، ~~وأثره الضخم في تاريخ الإنسان. # وفي عصرنا هذا رأينا أبطالا خدموا أقوامهم، ثم بلغ من ضغنهم على منافسيهم أنهم قتلوهم، ~~ولم يقنعوا بإقصائهم عن الحكم ولا بمحاسبتهم بين يدي القضاء، ثم نصب الناقدون لهم موازين ~~النقد فأسقطوا السيئات من الحسنات، وقرنوا قتل أفراد بإحياء أمة، فبقي لأولئك الأبطال حقهم ~~الخالد في الثناء والتعظيم، وإذا بلغ من صواب عمر أنك لا تحصي عليه خطأ غير عزله لخالد وما ~~جرى مجراه، فما أكثر هذا صوابا على الآدمي وإن كان من أعظم العظماء! # بدأنا نقرأ عن هذه القصة وفي خلدنا هذا الفرض الذي يحملنا على استبعادها وعندنا أنه خطأ ~~يذكر إلى جانب حسنات، فلا ضير أن يكون له موضعه في جانب تلك الحسنات. # ثم نقرأ كل ما تسنى لنا أن نقرأه في هذه القصة، فلا نزال نستبعد الخطأ ونستبعده، ولا تزال ~~كلمة ابن العاص تعود إلى لساننا ms154 وتعود، حتى نطقنا بها كما هي، وغفر الله لابن العاص. # وهكذا كنا نصنع في كل خطأ نسب إلى عمر وتواتر على السماع دون تمحيص واستقصاء، فلا تزال ~~بنا الوقائع حتى يثبت بطلانه من أساسه، أو يضعف سنده ضعفا لا يبيح الاعتماد عليه إلا لمن ~~يتجنى ويتمحل ذرائع النقد ودعوى التخطئة والعيب. # كلا، هذا رجل لا يسهل نقده، ولا يتأتى لإنسان أن يحاسبه كما حاسب هو نفسه، ولن يقع الخلاف ~~بين المنصف وبينه إلا على أنه اختلاف في الأمزجة وتركيب العقول والأبدان، فإذا وضع هذا ~~موضعه من التقدير فأعسر عسير بعد ذلك أن تلومه على خطأ، وأن تحصي عليه خطأ فيه من سوء النية ~~نصيب. # فالذي حصل والذي كان متوقعا حصوله ينفيان الظنة عن مروءة عمر وإنصافه في قضية خالد بن ~~الوليد، وقد حكم فيها بما وجب عنده، وانتهى كل شيء بعد ذلك في هذه القضية بانتهاء الغرض ~~منها في مصلحة الدولة ومصلحة السياسة العليا، إذ لا موضع فيها لحزازات النفوس وصغائر ~~المنافسة وما تجر إليه من لغو المشاكسة وفضول الكلام. # قال لخالد: لن تعتب علي في شيء بعد اليوم. ثم أمسك عن الخوض في قضية إلا أن تثار في ~~معرض عام، فيشير إليها حيث تثار على سبيل الاعتذار، ويقبل ما شاء له كرم الخليقة أن يسمع من ~~ملام الأقربين والمشايعين وإن أغلظوا في المقال، على ما كان له من هيبة ترد الجامح وتخيف من ~~لا يخاف. # قال من خطبته بالجابية: إني أعتذر إليكم من عزل خالد بن الوليد، فإني أمرته أن يحبس هذا ~~المال على ضعفة المهاجرين، فأعطى ذا البأس وذا الشرف وذا اللسان. فتصدى له أبو عمرو بن حفص ~~بن المغيرة وجابهه بكلام غليظ يقول منه: «والله ما أعذرت يا عمر، ولقد نزعت غلاما استعمله ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وأغمدت سيفا سله رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، ووضعت أمرا نصبه رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وقطعت رحما وحسدت بني العم ...» # فما زاد عمر على أن ms155 قال وهو يعذره: «إنك قريب القرابة، حديث السن، تغضب في ابن ~~عمك.» # ولم ينس أن يصون للرجل اسمه ومنزلته في أمصار المسلمين، فكتب ما ألمعنا إليه آنفا يدحض ~~عنه سمعة العجز والخيانة، ويجعل العزل لفضيلة فيه لا لقصور منه ولا لتثريب عليه. # وعلم بموته فاشتد حزنه عليه، واسترجع # 24 # مرارا، ونكس رأسه وهو يكثر من الترحم عليه، ثم قال: ~~كان والله سدادا لنحور العدو ميمون النقيبة. # ولم يهمه أن يذكر صوابه أو خطأه في عزله بمقدار ما أهمه أن يعلن فضله ويذكر حسناته فقال: ~~«قد ثلم في الإسلام ثلمة لا ترتق.» وقيل له: لم يكن هذا رأيك فيه! فلم يحجم أن يعلن ~~قائلا: «ندمت على ما كان مني إليه»، وقال في غير المعرض وبلغه أنه لم يعقب من حطام الدنيا ~~غير فرسه وغلامه وسلاحه: «رحم الله أبا سليمان! كان على غير ما ظنناه به.» # وقد كان عمر ينهى عن الندب والعويل، فلما مات خالد واجتمع بنات عمه يبكينه وسئل عمر أن ~~ينهاهن قال: «دعهن يبكين على أبي سليمان، ما لم يكن نقع أو لقلقة، على مثله تبكي ~~البواكي.» # ودخل هشام بن البختري في أناس من بني مخزوم على عمر فاستنشده شعره في خالد، وقال له وقد ~~أطال الإصغاء إليه: «قصرت في الثناء على أبي سليمان رحمه الله، إن كان ليحب أن يذل الشرك ~~وأهله، وإن كان الشامت به لمتعرضا لمقت الله. رحم الله أبا سليمان! ما عند الله خير له مما ~~كان فيه.» # ومن الحق أن يقال إن قضية خالد قد أرتنا مروءة خالد كما أرتنا مروءة عمر، وقد عرضت لنا ~~هذا البطل في صفحتيه فإذا هو بطل الفؤاد في ولايته وبعد عزله، وفي شدته على عدوه وطاعته ~~لأميره، وما على مثله من ضير أن يحق عليه العزل في ميزان عمر بن الخطاب، فذاك ميزان تعلو ~~فيه الكفة ولا يزال صاحبها راجحا أي رجحان. # وقد استحق المجد بيقين واستحق العزل بظن، ولولا مصلحة أعلى من مصلحة الإبقاء على رضاه، ~~لقد ms156 كان ذلك الظن حقيقا بالغض عنه والتجوز فيه. # وكفى بالرجلين فضلا أن يختلفا ومن وراء اختلافهما فضل يعترف به كلاهما ويعترف به كل محب ~~وشانئ، وكل منصف وجاحد، وما نخال أن تقديرنا خالدا وتقديرنا عمر يدعونا أن ننصب الميزان ~~في هذه القضية من جديد، فقصارى ما نغنم من ذلك أن خالدا كان جديرا بالبقاء في منصبه ولم ~~يكن مستحقا لعزله، وليس ذلك بشيء إلى جانب ما رأيناه حين ننصب الميزان في القضية كما نصبه ~~خليفة الإسلام، فقد أرانا عدلا أعظم من بطولة الأبطال، فإن أخطأ البطل - على تقدير خطئه - ~~فالعدل أعظم منه وأحرى أن يتعقبه كأنه من أضعف الضعفاء، وذلك ميزان أشرف لعمر ولخالد ~~وللإسلام من كل ميزان. # الفصل العاشر # | ثقافة عمر # إذا تكلمنا عن ثقافة عمر بلغة العصر الحاضر جاز لنا أن نقول إنه كان رجلا وافر الحظ من ~~ثقافة زمانه، إنه كان أديبا مؤرخا فقيها، مشاركا في سائر الفنون، مدربا على الرياضة ~~البدنية، خطيبا مطبوعا على الكلام، فليس أرجح من نصيبه في ثقافة زمانه نصيب. # ظل في إسلامه كما كان في جاهليته عظيم الشغف بالشعر والأمثال والطرف الأدبية، بل ظل ~~كذلك بعد قيامه بالخلافة واشتغاله بجلائلها ودقائقها التي لا تدع له من وقته فراغا لغيرها، ~~فكان يروي الشعر ويتمثل به ويحث على روايته ويعتدها من تمام المروءة والمعرفة كما قال لابنه ~~عبد الرحمن: «يا بني، انسب نفسك تصل رحمك، واحفظ محاسن الشعر يحسن أدبك، فإن من لم يعرف ~~نسبه لم يصل رحمه، ومن لم يحفظ محاسن الشعر لم يؤد حقا ولم يقترف أدبا»، وقال للمسلمين ~~عامة: «ارووا الأشعار فإنها تدل على الأخلاق.» # ونظر إلى فائدته العملية كما نظر إلى متعته الأدبية، فقال فيه إنه ~~جذل # 1 # من كلام العرب يسكن به الغيظ، ~~وتطفأ به النائرة، # 2 # ويبلغ به القوم في ~~ناديهم، ويعطى به السائل. # وكانت متعته بطرائف الأدب من متع الحياة التي لا يبالي الموت لو حرم نصيبه منها، فكان ~~يقول: لولا أن أسير في سبيل الله، وأضع ms157 جبهتي لله، وأجالس أقواما ينتقون أطايب الحديث كما ~~ينتقون أطايب الثمر؛ لم أبال أن أكون قد مت. # وإذا أقرنت العبادة باستطراف الحديث المهذب عند عمر فذلك غاية ما يبلغه فضل الأدب عنده من ~~ثناء وتقريظ. # وقد كان إعظام الرجل في عينيه بمقدار حذقه للحديث وقدرته على الإبانة والمنطق الحصيف، ~~فنظر يوما إلى هرم بن قطبة ملتفا في بت # 3 # بناحية المسجد وقد عرف تقديم العرب له في الحكم والعلم ~~وهو ما هو من دمامة وضآلة ومنظر زري، فأحب أن يكشفه ويسبر حكمته، فسأله في علقمة بن علاثة ~~وعامر بن الطفيل: أرأيت لو تنافرا إليك اليوم، أيهما كنت تنفر؟ # 4 # فأجابه الرجل: يا أمير ~~المؤمنين، لو قلت كلمة لأعدتها جذعة - أي لأعاد الحرب فتية كما كانت - فأثنى عليه وقال: ~~لهذا العقل تحاكمت إليه العرب! # وجاءه وفد فيه الأحنف فتركهم جميعا، واستفتح ما عنده من الحديث، فأعجبه وأعظم قدره، وعقد ~~له الرئاسة إلى أن مات. # وسره أن عاد العرب إلى رواية الشعر بعد أن شغلهم عنه الجهاد في سبيل الدين، فكان يقول ~~إن الشعر «كان علم قوم لم يكن لهم علم أصح منه، فجاء الإسلام فتشاغلت عنه العرب بالجهاد ~~وغزو فارس والروم ولهيت عن الشعر وروايته، فلما كثر الإسلام وجاءت الفتوح واطمأنت العرب ~~بالأمصار، راجعوا رواية الشعر، فلم يئلوا # 5 # إلى ديوان مدون، ولا كتاب مكتوب، فألفوا ذلك وقد هلك من ~~العرب من هلك بالموت والقتل فحفظوا أقله وذهب منهم أكثره.» # ومن ناحية الأدب فيه وناحية الدين معا حثه على تعلم العربية «لأنها تثبت العقل وتزيد في ~~المروءة»، وقد أوصى بوضع قواعد النحو لأنه قوام العربية. # ولم يزل عمر الخليفة هو عمر الأديب طوال حياته، ولم ينكر من الشعر إلا ما ينكره المسئول ~~عن دين، ولم ينس قط أنه الأديب الحافظ الراوية، إلا حيث ينبغي أن ينسى ذلك ليذكر أنه القاضي ~~المتحرز الأمين. # فنهى عن التشبيب بالمحصنات، كما نهى عن الهجاء، وجيء له بالحطيئة متهما بهجاء الزبرقان ~~بن بدر حيث يقول فيه: ms158 # دع المكارم لا ترحل لبغيتها # واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي # 6 # فنسي أنه الأديب الراوية، ولم يذكر إلا أنه القاضي الذي يدرأ الحدود بالشبهات ولا يحكم ~~بما يعلم دون ما يعلمه أهل الصناعة، وقال للزبرقان: ما أسمع هجاء ولكنها معاتبة. ثم سأل ~~حسان بن ثابت فقضى بأنه هجاه وأفحش في هجائه، فحبسه وأنذره ونهاه أن يعود إلى مثلها، فانتهى ~~طوال حياة عمر، ثم عاد إلى الهجاء بعد وفاته. واستعداه تميم بن مقبل على النجاشي لأنه قال ~~في قومه بني العجلان: # إذا الله عادى أهل لؤم وذلة # فعادى بني العجلان رهط ابن مقبل # فذكر عمر قضاءه ولم يذكر روايته للشعر، وقال على سنة القضاء يدفع الحدود بالشبهات: إنه ~~دعاء والله لا يعادي مسلما. # قال تميم: فإنه يقول عنا: # قبيلته لا يغدرون بذمة # ولا يظلمون الناس حبة خردل # فقال عمر: ليتني من هؤلاء. قال تميم: وإنه يقول: # تعاف الكلاب الضاريات لحومهم # وتأكل من عوف بن كعب بن نهشل # فقال عمر: كفى ضياعا بمن تأكل الكلاب لحمه. # قال تميم: وإنه يقول: # ولا يردون الماء إلا عشية # إذا صدر الوراد عن كل منهل # فقال عمر: ذلك أصفى للماء وأقل للسكاك (أي الزحام). # قال تميم: وإنه يقول: # وما سمي العجلان إلا لقولهم # خذ القعب # 7 # واحلب أيها العبد واعجل # فقال عمر: كلنا عبد، وخير القوم أنفعهم لأهله. # قال تميم: فسله عن قوله: # أولئك أولاد الهجين وأسرة ال # لئيم ورهط العاجز المتذلل # فقال عمر: أما هذا فلا أعذرك عليه. وحبس الشاعر وضربه وأنذره لئن عاد ليضاعفن له ~~العقاب. # وقد تجوزنا فقلنا إن عمر نسي علمه بالشعر ليذكر إبراء الذمة في القضاء، وقد حاول ذلك ~~جهده فأفلح لو يفلح أديب في نسيان أدبه، ولكنه مطلب ما استطيع قط ولن يستطاع، فكان عمر ~~في تخريجه للكلام وعلمه بما تنصرف إليه معانيه أخبر بالشعر من قاض لا يفقه منه إلا ظاهر ~~لفظه ومعناه. # ومن المشهور عن عمر أنه كان عليما بتاريخ العرب وأيامها ومفاخر أنسابها كعلمه بالمتخير ~~من شعرها ms159 والسائر من أمثالها. # جنح إلى ذلك بطبعه ونقله عن أبيه، وكثيرا ما كان يقول كما جاء في البيان والتبيين: سمعت ~~ذلك عن الخطاب، ولم أسمع ذلك عن الخطاب. # ومن وصاياه: «تعلموا النسب، ولا تكونوا كنبط السواد # 8 # إذا سئل أحدهم عن أهله قال: من قرية كذا»، ومنها: «عليكم بطرائف الأخبار ، فإنها ~~من علم الملوك والسادة، وبها تنال المنزلة والحظوة عندهم.» # وفقه عمر بالشريعة التي كان مسئولا عن نفاذها مشهور بين الفقهاء كاشتهار أدبه واطلاعه ~~على تاريخ قومه، فكان عبد الله بن مسعود يقول: «كان عمر أعلمنا بكتاب الله، وأفقهنا في دين ~~الله، وكان إذا اختلف أحد في قراءة الآيات قال له: اقرأها كما قرأها عمر.» وأطنب فقال: «لو ~~أن علم عمر بن الخطاب في كفة ميزان ووضع علم الأرض في كفة لرجح علم عمر بعلمهم.» ولقد ~~كانوا يروون أنه ذهب بتسعة أعشار العلم، وقال ابن سيرين: «إذا رأيت الرجل يزعم أنه أعلم من ~~عمر فشك في دينه.» وكل ما فسر به آي القرآن في معرض الحكم والعظة فهو التفسير الراجح في وزن ~~العقل والدين، وكل ما استخرجه من أحكام الشريعة فهو الحكم الواضح الصحيح. # ونصائحه للعلماء والمتعلمين نصائح عالم يعرف ما هو العلم وماذا يجمل بالعلماء في طلبه، ~~فكان يقول: «تعلموا العلم وتعلموا للعلم السكينة والحلم، وتواضعوا لمن تتعلمون منه وتواضعوا ~~لمن تعلمون، ولا تكونوا جبابرة العلماء فلا يقوم علمكم بجهلكم.» وكان يوصي طلابه «أن ~~يكونوا أوعية الكتاب وينابيع العلم، ويسألوا الله رزق يوم بيوم، ولا يضيرهم ألا يكثر لهم»، ~~ولا يزال يذكرهم أن التفقه مقدم على السيادة؛ «فتفقهوا قبل أن تسودوا». # ولم يقصر نصائحه على علم الدين، ولا علم الأدب واللغة وحده، بل تناول كل ما عرف من معارف ~~زمانه فقال: «تعلموا من النجوم ما يدلكم على سبيلكم في البر والبحر ولا تزيدوا عليه». ولا ~~شك أن نصائحه العملية في طلب العلم كانت أغلب من نصائحه النظرية فيه، شأنه في ذلك شأن رجل ~~الدولة الذي يعلم الناس ما ينفعهم ms160 ويصلح معاشهم ويهذب أخلاقهم. ولكننا مخطئون إن فهمنا من ~~هذا القول الذي رويناه في علم النجوم أنه كان يكره الزيادة الحديثة فيه كما عرفناها نحن في ~~أيامنا، فإنما الزيادة التي كرهها هي تلك التي كانت على عهده تخوض في التنجيم وتربط أقدار ~~الناس بالكواكب، وتجعل منها أربابا تعبد وأرصادا تؤتمن على أسرار الغيب، وذلك ما ننهى ~~عنه الآن، ونعد النهي عنه من تحقيق العلم الصحيح. # ولم يفته الحرص على المعرفة التي تخترع منها منافع للناس في أمر المعاش، فطلب إلى أبي ~~لؤلؤة غلام المغيرة أن ينجز ما ادعاه من اختراع طاحون تدار بالهواء، وهو علم الصناعات كما ~~انتهى إليه في عصره، لا يضيره أنه قسط ضئيل، بل حرصه عليه مع ضآلته دليل على ما يلقاه منه ~~تشجيع الصناعة يوم يراها جليلة كبيرة الآثار. # على أن زبدة الثقافة كلها في أقطاب الحكم وعظماء الأعمال إنما تتلخص في شيء واحد هو ~~الدراية بالناس، ونفاذ البصر في شئون الدنيا، وصدق الخبرة بدخائل النفس البشرية، أو هو ما ~~نسميه في أيامنا هذه بالرأي السليم والحكمة العملية، وهو مجال كان عمر بن الخطاب قليل ~~النظراء فيه، وحفظت له كلمات في معانيه يندر مثيلها بين كلمات الحكام، ولا يكثر مثيلها بين ~~كلمات الحكماء. # فأي كلمة أدل على النفس البشرية من قوله: «ليس العاقل الذي يعرف الخير من الشر، ولكنه ~~الذي يعرف خير الشرين؟» # وأي نفاذ في تركيب الطبائع أمضى من نفاذه إذ يقول: «ما وجد أحد في نفسه كبرا إلا من ~~مهانة يجدها في نفسه؟» أليس هذا بعينه هو مركب النقص الذي يلهج به علم النفس الحديث؟ # وأي رأي في تجربة الناس أصدق من رأيه حين يقول: «لا تعتمد على خلق رجل حتى تجربه عند ~~الغضب»، أو حين أثنى بعضهم على رجل أمامه فسأله: «أصحبته في السفر؟ أعاملته؟» فلما أجابه ~~نفيا قال: «فأنت القائل بما لم تعلم؟» # وأي فهم لمعنى الاستعداد للعمل أقرب من فهمه حين ينصح العاملين: «إذا توجه أحدكم في الوجه ~~ثلاث مرات فلم ms161 ير خيرا فليدعه؟» # كذلك سداد جوابه حين سئل فيمن يشتهي المعصية ولا يقارفها، وفيمن ينتهي عنها وهو لا ~~يشتهيها أيهما أفضل وأجزل مثوبة عند الله؟ فكتب في هذا فصل الخطاب إذ قال: «إن الذين ~~يشتهون المعصية ولا يعملون بها # أولئك الذين امتحن الله ~~قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم ~~.» وكذلك وصيته ~~بكتمان السر وتبيينه لحسن عقباه حين قال: «من كتم سره كان الخيار بيده.» # وكذلك وصيته في الحب والبغض حين قال: «لا يكن حبك كلفا، ولا بغضك تلفا.» # وكذلك مخافته محنة الفراغ على الناس أشد من مخافته محنة الخمر حين قال: «أحذركم عاقبة ~~الفراغ فإنه أجمع لأبواب المكروه من السكر.» # وكذلك وصاياه التي كانت تحفل بها كتبه إلى الولاة، وخطبه في الصلوات والأعياد كلها آيات ~~من هذه الحكمة العملية التي هي خلاصة الثقافة المحمودة في أقطاب الحكم خاصة، وفي كل رجل ~~يزاول شئون الحياة على التعميم. # أما مشاركته في سائر الفنون والمعارف التي كانت ميسورة على عهده فمنها المستغرب عند من ~~يتخيل صورة عمر من جملة أخباره، ولا يتقصى فيها إلى التفصيل. # فقليل من يتخيل أن عمر كان يعرف «جغرافية» الشرق كأحسن ما يعرفها رجل في وطنه، ولكنه ~~كان يعرفها حقا عن سماع وعن رؤية وعن زكانة تعين السماع والرؤية، بل كان يفرض على الولاة ~~أن يحيطوا بعلم ما يتولونه من البلاد ويعزل من يرى فيه تقصيرا عن ذاك، فاستقدم عمار بن ~~ياسر أمير الكوفة لما شكوه إليه وقالوا في شكواهم إياه: «إنه لا يدري علام استعمل»، وجعل ~~يسأله عن المواقع والبلدان من بلاد العرب والفرس حول الكوفة سؤال مطلع خبير، ثم عزله ~~لتقصيره بعد اختباره. # ومن الواجب أن نشك في كل خبر يوهم أن عمر كان يجهل معرفة من المعارف العملية التي يحتاج ~~إليها في تدبير الدولة، فلا يعقل مثلا أنه كان يجهل المعرفة العامة بالحساب، وقد كان ~~تاجرا منذ نشأته في الجاهلية، وكان يحضر الجيوش، ويعرف ما هي الألوف وما هي عشرات الألوف، ~~فإذا استفسر عن رقم، فلن ms162 يكون إلا استفسار تجاهل واستعظام، وليس بجهل وغرارة، كما جاء في ~~أخبار الخراج من هجر والبحرين. # قال أبو هريرة ما فحواه: قدمت من هجر والبحرين بخمسمائة ألف درهم، فأتيت عمر بن الخطاب ~~ممسيا، أسلمه إياه، فسأل: كم هو؟ قلت: خمسمائة ألف درهم. قال: وتدري كم خمسمائة ألف درهم؟ ~~قلت: نعم ، مائة ألف ومائة ألف خمس مرات. قال: أنت ناعس، اذهب فبت الليلة حتى تصبح! # فكل شيء يجوز أن يفهم من هذه القصة إلا أن عمر كان يجهل ذلك الرقم ولم يسمع بمثله قبل ~~ذلك، وهو الذي شهد الدولة وحسابها من عهد أبي بكر، وأحصى الجند والمال في عهده، إنما هو ~~غبطة واستعظام، وليس هو جهلا بدلالة هذا الرقم في جملة الحساب. # وإذا قل من يتخيل علم عمر بالجغرافية والحساب، فأقل من أولئك من يتخيل له حظا من السماع ~~والغناء، ولكنه كان يسمع ويغني في بعض الأحيان، ولا ينهى عن غناء إلا أن تكون فيه غواية ~~تثير الشهوات، جيء له برجل يغني في الحج، وقيل له: إن هذا يغني وهو محرم، فقال: دعوه فإن ~~الغناء زاد الراكب. # وروى نائل مولى عثمان بن عفان أنه خرج في ركب مع عمر وعثمان وابن عباس، وكان مع نائل رهط ~~من الشبان فيهم رياح بن المعترف الفهري الذي كان يحدو ويجيد الحداء # 9 # والغناء، فسألوه ذات ليلة أن يحدو لهم فأبى وقال مستنكرا: مع عمر؟! قالوا: ~~احد فإن نهاك فانته. فحدا حتى إذا كان السحر قال له عمر: كف فإن هذه ساعة ذكر. ثم ~~كانت الليلة الثانية فسألوه أن ينصب لهم نصب # 10 # العرب فأبى وأعاد استنكاره بالأمس قائلا: مع عمر؟! قالوا له كما قالوا بالأمس: ~~انصب فإن نهاك فانته. فنصب لهم نصب العرب حتى إذا كان السحر قال له عمر: كف، فإن هذه ~~ساعة ذكر. ثم كانت الليلة الثالثة فسألوه أن يغنيهم غناء القيان، # 11 # فما هو إلا أن رفع عقيرته # 12 # بغنائهن حتى نهاه وقال له: كف فإن هذا ينفر القلوب. # وكان يخرج ms163 للحج ومعه من يحسن الغناء، فيقترح عليه أن يغني شعرا ويؤثر أن يكون ذلك من ~~شعره. # خرج مرة للحج ومعه خوات بين جبير وأبو عبيدة بن الجراح وعبد الرحمن بن عوف، فاقترحوا ~~على خوات أن يغنيهم من شعر ضرار، وقال عمر: بل دعوا أبا عبد الله فليغن من بنيات ~~فؤاده. فما زال يغنيهم حتى كان السحر، فهتف به عمر: ارفع لسانك يا خوات فقد ~~أسحرنا. # وجاء قوم فذكروا أن إمامهم يصلي بهم العصر ثم يتغنى بأبيات من الشعر، فقام معهم إليه ~~واستخرجه من منزله وسأله فيما بلغه عنه، واستنشده الأبيات التي يغنيها فأنشده: # وفؤادي كلما نبهته # عاد في اللذات يبغي تعبي # لا أراه الدهر إلا لاهيا # في تماديه فقد برح بي # يا قرين السوء ما هذا الصبا # فني العمر كذا باللعب # 13 # وشباب بان # 14 # مني ~~فمضى # قبل أن أقضي منه أربي # نفس لا كنت ولا كان الهوى # اتقي المولى وخافي وارهبي # فأعاد البيت الأخير وقال لمن شكوا إليه: من كان منكم مغنيا فليغن هكذا. # وكان مرة في سفر، فرفع عقيرته بالغناء وأنشد: # وما حملت من ناقة فوق رحلها # أبر وأوفى ذمة من محمد # فاجتمع الركب إليه، فقرأ فتفرقوا، فعل ذلك وفعلوه مرات، فصاح بهم: «يا بني ~~المتكاء! # 15 # إذا أخذت في ~~مزامير الشيطان اجتمعتم، وإذا أخذت في كتاب الله تفرقتم؟!» لا يلومهم على الغناء وسماعه، ~~وإنما يلومهم أن يؤثروه على سماع القرآن مرات. # ولا شك أن الشغف بالشعر الجزل والحديث الرائق والصوت الحسن لا يجتمع في نفس إلا اجتمع ~~معه ذوق للجمال وسرور بكل حسن جميل، ولكن أين يقع هذا من صرامة عمر وبأسه وشدة حجره على ~~زينة الحسان؟ فقد دخل في روع أناس أنها جميعا من نقائض حب الجمال، وقد سمعنا هذا فعلا من ~~أدباء يجلون عمر ولا يحسبون ذوق الجمال من مأثور حسناته؛ لأنه كان شديدا في الحجاب، وكان ~~ينفي الفتيان الحسان، كما صنع بنصر بن حجاج ومعقل بن سنان، وكان يقول: «استعيذوا بالله من ~~شرار النساء، ms164 وكونوا من خيارهن على حذر.» # وعندنا نحن أن هذا جميعه ينم على الإحساس بخطر الجمال وطغيان فتنته، ولا ينم على غفلة ~~عنه وقلة مبالاة بأثره. وما نخال أحدا من المترخصين في الحجاب كان يؤمن بسلطان الجمال أبلغ ~~من إيمان عمر بسلطانه، أو كان يعرف حق المرأة في الشوق إليه كما عرفه وأمر برعايته، فإنه ~~كان ينكر على الآباء أن يكرهوا فتياتهم على قباح الوجوه ويوصيهم «أن لا تكرهوا فتياتكم على ~~الرجل القبيح، فإنهن يحببن ما تحبون.» وجاءت له امرأة بزوج أشعث أغبر تسأله الخلاص منه، ~~فأمر به أن يحم وأن تقلم أظفاره، ويؤخذ من شعره، ثم قال له ولمن في مجلسه: «هكذا فاصنعوا ~~لهن، فوالله إنهن ليحببن أن تتزينوا لهن كما تحبون أن يتزين لكم». # فكل ما روي عن عمر من الشدة والرفق في معرض الجمال فهو دليل على الإحساس به وإكبار خطره، ~~وليس بدليل على الغفلة عنه واستصغار أثره، وربما كانت الشدة والحجر أدل على ذلك من الرفق ~~والمحاسنة. ~~••• # ومن الآداب العامة التي لها حظ من ذوق الجمال في معارض السياسة أدب الذكريات الذي لا ~~يستغني عنه ولاة الأمر الموكلون بإحياء معالم الدول، والاحتفال بمراسمها وأعيادها. # ففي هذا الأدب كان لعمر النصيب الذي يغنيه، فهو الذي اختار أو وافق على اختيار يوم الهجرة ~~بداية للتاريخ الإسلامي، وإنه لأصلح يوم يؤرخ به الإسلام؛ لأن العقائد - كما قلنا في ~~«عبقرية محمد» - «تقاس بالشدائد ولا تقاس بالفوز والغلب، وكل إنسان يؤمن حين يتغلب الدين ~~وتفوز الدعوة، أما النفس التي تعتقد حقا ويتجلى فيها انتصار العقيدة حقا، فهي النفس ~~التي تؤمن في الشدة، وتعتقد ومن حولها صنوف البلاء.» # وكلما اقترح على عمر اقتراح فيه نفخة من ذوق الذكرى، كان مجيبا له سريع الإصغاء إليه، ~~فكان يحترم وفاء بلال وإقلاعه عن الأذان بعد وفاة النبي - عليه السلام - ولكنه دعاه إلى ~~الأذان تلبية لاقتراح الجلة من الصحابة في يوم وداع دمشق بعد الفتح المبين، فبينما المسلمون ~~يشهدون الصلاة الجامعة إذا بالصوت الذي انقطع بعد النبي ms165 يرتفع رويدا رويدا في الفضاء، ~~ويسري رويدا رويدا من الأسماع إلى الصدور، والتفتوا وكأنهم يسألون: ماذا؟ هل عاد محمد إلى ~~الأرض؟ إن لم يكن قد عاد فقد عاد الحنين إليه أقوى ما ينبعث من صوت إنسان إلى صدر إنسان؛ ~~فذابت قلوب لا يذيبها الهول، وبكى أشيب أولئك الأبطال وأصبرهم على حر القتال. # وإذا كان عمر المعجب بالجمال مستكنا وراء ستار يحوجنا إلى النظر من ورائه، فعمر الرياضي ~~المشغول بالرياضة البدنية ظاهر لنا بعمله وقوله، وبسيرته في الجاهلية وسيرته بعد الإسلام، ~~وسيرته بعد الخلافة إلى أن فارق الحياة. # فكان يصارع في المواسم ويسابق على الخيل، وكان ينوط مجد العرب بالرياضة والفروسية ويكتب ~~إلى الأمصار أن «علموا أولادكم السباحة والفروسية ورووهم ما سار من المثل وحسن من ~~الشعر»، ولا يفتأ يذكرهم أنه: «لن تخور قوى ما دام صاحبها ينزع وينزو»؛ أي يرمي بالقوس ~~ويركب ظهور الخيل بغير ركاب. # أما الخطابة فقد كانت فيه من صفات البنية ولم تكن من صفات الذهن وكفى، فكان له فم يمتلئ ~~بالكلام حين يخطب كأنه خلق ليقول، ولوحظ عليه أنه كان ينطق ببعض الحروف - كالضاد - من كلا ~~شدقيه، وهي تنطق في الأغلب من شدق واحد. # وكان جهوري الصوت واضح النطق سليم الشفتين في إخراج الحروف، وكتابته كلها كأنها خطب ~~مرتجلات، تقرؤها فكأنك تصغي إلى خطيب لا تفقد منه إلا الصوت المسموع. # ولانطباعه على الكلام الذي لا تصنع فيه كان يستهل كل كلام يوافق طبعه، ولا يستصعب من ~~الخطب إلا الذي يغير من نظرته إلى الناس ويلجئه إلى المداراة والباطل فكان يقول: «ما ~~يتصعدني كلام # 16 # كما تصعدني خطب النكاح.» والتمس ابن المقفع علة ذلك فقال: ما أعرفه إلا أن يكون ~~أراد قرب الوجوه من الوجوه، ونظر الحداق من قرب في أجواف الحداق، # 17 # ولأنه إذا كان جالسا معهم كانوا ~~كأنهم نظراء وأكفاء، وإذا علا المنبر صاروا سوقة ورعية. والتمس الجاحظ علة ذلك فروى عن أناس ~~أنهم رجعوا باستصعاب عمر لخطب النكاح إلى «أن الخطيب لا يجد بدا ms166 من تزكية الخاطب، فلعله ~~كره أن يمدحه بما ليس فيه فيكون قد قال زورا وغر القوم من صاحبه.» # وكلا القولين جائز في بيان وجه المخالفة بين طبع عمر والتكلم في محافل النكاح، فهو مطبوع ~~على أن يتكلم إلى الناس كلام رجل يقود الرجال، ومطبوع على الصدق الذي تثقل على صاحبه ~~المداهنة، وهي مما لا غنى عنه في هذا المقام ، ولو كان الخاطب من الأكفاء. # وقد اختلفوا في نظمه الشعر، فزعم الشعبي أنه كان شاعرا، ورويت أشعار لا تشبهه ولا ترضيه، ~~ونفى هو نظمه للشعر حين قال: «لو كنت أقول الشعر لرثيت أخي زيدا.» # ولا طائل في هذا الخلاف؛ لأنه لن ينتهي إلى رأي قاطع يسكت عليه، ولكنما المهم في هذا ~~الصدد أنه كان مطبوعا على التعبير وله عبقرية فيه، أو أن تعبيره كان خاصا به، لا يشبهه ~~تعبير سواه، فهو تعبير عمري بمفرداته وتركيبه لا يلتبس بتعبير أحد من أهل عصره حتى ليسهل ~~تمييز كلامه من كل كلام، ويصعب تزوير القول عليه ولو أحكمت المحاكاة. # فمن خصوصياته في التعبير أنه كان يقول: «لولا الخليفي لأذنت»، وهو يعني الخلافة ولا يقصد ~~الإغراب. # ومنها وهو ينقل خبر إسلامه إلى خاله: «وجئت إلى خالي فأعلمته فدخل إلى البيت وأجاف ~~الباب»؛ أي أوصده. # ومنها وهو يصف ما وقع في نفسه من الآية التي تلاها أبو بكر - رضي الله عنه - حين أنكر موت ~~النبي فقال: «والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت حتى ما تقلني رجلاي.» يعني ~~أنه عجز عن القيام. # ومنها في الكتابة والقراءة ينهى عن العجلة فيها: «شر الكتابة المشق، وشر القراءة ~~الهذرمة، وأجود الخط أبينه.» # 18 # ومنها وهو يذكر امرأة كانت تسقي الناس يوم أحد أنها «كانت تزفر للناس القرب»؛ أي ~~تحملها. # ومنها في المشورة: «الرأي الفرد كالخيط السحيل، والرأيان كالخيطين المبرمين، والثلاثة ~~مرار لا يكاد ينتقض.» # 19 # ومنها حين كتب إلى أبي عبيدة بعد ولايته الخلافة: «... ولا تبعث سرية إلا في كثف من ~~الناس.» # 20 # ومنها حين شكا ms167 إليه الشاكي هجاء الشاعر الذي قال فيه: # ولا يردون الماء إلا عشية # إذا صدر الوراد عن كل منهل # فقال: ذلك أنفى «للسكاك»؛ أي الزحام. # ومنها في سماحه بالبكاء: «ما لم يكن نقع أو لقلقة»؛ أي ما لم يثر التراب ويفرط في ~~العويل. # ومنها وقد حار بأهل الكوفة: «أعضل بي # 21 # أهل الكوفة، ما يرضون بأمير ولا يرضاهم أمير!» # ومنها: «إن قريشا تريد أن تكون مغويات لمال الله»؛ أي مصائد تحتجنه لها دون عباد ~~الله. # ومنها: «تمعددوا واخشوشنوا واقطعوا الركب وانزوا على الخيل نزوا»؛ أي تزيوا بزي العرب من ~~معد بن عدنان. # ومنها: «فرقوا بين المنايا واجعلوا الرأس رأسين، ولا تلثوا # 22 # بدار معجزة»؛ ~~أي تقيموا. # ومنها: «فمن بايع رجلا على غير مشورة من المسلمين، فلا يتابع هو ولا الذي بايعه تغرة أن ~~يقتلا»؛ أي أن يتعرضا للقتل. # ومنها: «... إن الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في الضلالة، فافهموا ما توعظون به، فإن ~~الحريب من حرب في دينه.» يريد المسلوب. # ومنها وقد سمع بالمرأة سافرة يبرزها زوجها فقال: «هذه الخارجة وهذا المرسلها لو قدرت ~~عليهما لشترت بهما»؛ أي لأغلظت القول لهما. # ومنها لما سألوه: لم حصبت المسجد؟ فقال: «هو أغفر للنخامة وألين في الموطئ»؛ أي أستر ~~للبصاق. # ومنها: «ثلاث من الفواقر: # 23 # جار مقامة إن رأى حسنة سترها وإن رأى سيئة أذاعها، وامرأة ~~إن دخلت عليها لسنتك وإن غبت عنها لم تأمنها، وسلطان إن أحسنت لم يحمدك، وإن أسأت قتلك.» ~~ولسنتك أي تناولتك بلسانها. # ومنها وهو يخاطب سعد بن عبادة يوم السقيفة: «لقد هممت أن أطأك حتى تنذر عضدك»؛ أي ~~تسقط. # ومنها وهو يتكلم عن امرئ القيس: «خسف لهم عين الشعر، فافتقر عن معان عور أصح بصر»؛ أي ~~استنبط عين الشعر وشق طريق المعاني وأتى بالشوارد الحسان. # ومنها وهو يتكلم عن نصيب المسلمين في الغنائم وبيت المال: «والله لئن بقيت ليأتين الراعي ~~بجبل صنعاء حظه من هذا المال وهو مكانه قبل أن يحمر وجهه»؛ أي قبل أن يخجل ويحمر وجهه في ms168 ~~طلبه. # ومنها قوله لأعرابي استفتاه في صيد ظبي وهو محرم: «أتقتل في الحرم وتغمص الفتيا؟!» أي ~~تعيبها ولا ترضاها. # وأشباه هذا كثير لا تخلو منه خطبة أو حديث أو كتاب، تعمدنا أن نكثر شواهده لنرى أنه ليس ~~بالمصادفة وليس بالتكرير لنمط واحد من العبارات. # ويلحق بهذا تسمية مواليه بين أسبق وأسلم ويرفأ وفرقد وذكوان وفروخ وما شابه هذه الأسماء، ~~وهي تسمية مفردة تكاد تقتصر عليه ، وإنما هي الطبيعة العمرية تمثلت في صيغة الكلام وفي ~~اختيار الأعلام، فلا تستطيع أن تسميها إغرابا أو عسلطة أو تعملا # 24 # بنحو من أنحائه؛ إذ ليس وراءها قصد متفق في جميع هذه الصيغ، ~~وأبين ما يبين فيها أنها من عفو البداهة هنا وهناك، وأنها تترجم عن الطبيعة العمرية أصدق ~~ترجمة وأشبهها بصاحبها، فهي قوية خشنة مستقلة جادة خالية من الزخرف. وهكذا كان المتكلم عمر، ~~وهكذا كان كلامه الذي ينطبع عليه حين يكون منطبعا على التعبير، فلو أن كلمات تتمثل رجلا ~~لتراءى لنا من مثال هذه الكلمات شخص عمر في خلقه وخلقه كما كان. ~~••• # ومحصل هذه الأخبار جميعا أن عمر كان من نخبة المثقفين في العربية، وكان وافر السهم في ~~ثقافة قومه وعصره، وكان الجانب العملي من ثقافته أغلب وأظهر من جوانبها النظرية كما هو ~~المعهود في ساسة الأمم وعواهل الدول، وإن كان هذا لا يمنع أنه اشتقاق إلى نفائس الشعر ~~وأطايب الأدب لما يجده فيها من راحة النفس ومتعة الخاطر. ~~••• # ويستطرد بنا الكلام على ثقافته العربية إلى الكلام على موقفه من الثقافات الأخرى في ~~زمانه، وعلى حقيقة الرواية التي شاعت وتواترت عن موقفه من مكتبة الإسكندرية التي قيل إنه ~~أمر بإحراقها، فهل هو الآمر بإحراقها كما جاء في تلك الرواية؟ وإذا كان هو الآمر بذلك فما ~~دلالته على تفكيره؟ وما وجه التبعة فيه؟ فحوى تلك الرواية أن عمرو بن العاص رفع إليه خبر ~~المكتبة الكبرى في الإسكندرية، فجاءه الجواب منه بما نصه: «أما الكتب التي ذكرتها فإن كان ~~فيها ما يوافق كتاب الله، ففي كتاب ms169 الله عنه غنى، وإن كان فيها ما يخالف كتاب الله فلا حاجة ~~إليه، فتقدم بإعدامها.» قال مفصل هذه الرواية: فوزعت الكتب على أربعة آلاف حمام بالمدينة، ~~ومضت ستة أشهر قبل أن تستنفد لكثرتها! # وأحرى شيء أن يلاحظ في مسألة المكتبة هذه أن الذين أدحضوها وأبرءوا عمر من تبعتها كان ~~معظمهم من مؤرخي الأوروبيين الذين لا يتهمون بالتشيع للمسلمين، وكانوا جميعا من الثقات ~~الذين يؤخذ بنتائج بحثهم في هذا الموضوع. # فالمؤرخ الإنجليزي الكبير إدوارد جيبون # Gibbon # صاحب كتاب ~~الدولة الرومانية في انحدارها وسقوطها، يسرد الحكاية، ويعقب عليها قائلا: «أما أنا من ~~جانبي فإنني شديد الميل إلى إنكار الحادثة وتوابعها على السواء؛ لأن الحادثة لعجيبة في ~~الحق، كما يقول مؤرخها إذ يسألنا هو أن نسمع ما جرى ونعجب! وهذا الكلام الذي يقصه أجنبي ~~غريب يكتب على تخوم ميدية بعد ستمائة سنة يوازنه ويرجح عليه، ولا شك سكوت اثنين من المؤرخين ~~كلاهما مسيحي وكلاهما مصري، وأقدمهما البطريق يوتيخيوس # Eutychius # الذي توسع في الكتابة عن فتح الإسكندرية، وإن القضاء الصارم ~~الذي نسب إلى عمر لبغيض إلى أصحاب الفهم الصحيح المستقيم من فقهاء المسلمين الذين يفتون ~~بتحريم إحراق الكتب الدينية التي تغنم من اليهود والمسيحين في الحرب، وما كان من الكتب ~~دنيويا ظنينا سواء ألفه المؤرخون أو الشعراء أو الأطباء أو الفلاسفة فحكمهم فيه أن ~~يستخدم على الوجه المشروع لمنفعة المؤمنين. وقد تعزى إلى متقدمي الخلفاء بعد محمد غيرة ~~أضرى من ذلك بالهدم والإبادة، ولكن لو صح هذا لوجب أن تنفد الأوراق سريعا لقلة المادة ~~المحترقة! فلا ترجع إلى نكبة المكتبة في الحريق الذي أصابها على غير قصد بيدي قيصر وهو ~~يدافع عن نفسه، ولا إلى تعصب المسيحيين الأوائل الذين كانوا يدبرون الوسائل تدبيرا لتعفية ~~الآثار المتخلفة من أيام عبادة الأصنام، ولكننا ننحدر شيئا فشيئا من عصر أنتونين إلى عصر ~~ثيوديسيوس، فنعلم من سلسلة الأنباء المعاصرة أن القصر الملكي وهيكل سرابيس لم تبق فيهما ~~تلك الأسفار التي جمعها البطالسة، وبلغت في إحدى الروايات أربعة آلاف، ms170 وفي رواية أخرى سبعة ~~آلاف، ولا يبعد أن تحفل الكنيسة ومعهد البطارقة بذخيرة من الأوراق والأضابير، فإن كانت هذه ~~هي الوقود الذي أفنته الحمامات بما كان فيها من جدل بين القائلين بتعديد الطبيعة المسيحية ~~والقائلين بتوحيدها، فقد يرى الفيلسوف وعلى فمه ابتسامة أنها كانت في الحمامات أنفع لبني ~~الإنسان!» # والدكتور ألفرد # Butler # بتلر المؤرخ الإنجليزي الذي أسهب ~~في تاريخ فتح العرب لمصر والإسكندرية يلخص الحكاية وينقضها ابتداء؛ لأن حنا فلبيوتوس الذي ~~قيل إنه خاطب عمرو بن العاص في أمر المكتبة لم يكن حيا في أيام فتح العرب لمصر، ثم ينقضها ~~لأسباب شتى منها أن كثيرا من كتب القرن السابع كانت من الرق # 25 # وهو لا يصلح للوقود، وأنها ~~لو قضى الخليفة بإحراقها لأحرقت في مكانها ولم يتجشموا نقلها إلى الحمامات مع ما فيه من ~~التعب ومع إمكان شرائها من الحمامات بعد ذلك بأبخس الأثمان، وأننا لو صرفنا النظر عن الكتب ~~المخطوطة على الرق لما كفى الباقي من ذخائر المكتبة لوقود أربعة آلاف حمام مائة وثمانين ~~يوما. وهذا عدا الشك الذي يعتور القصة من تأخر كتابتها زهاء خمسة قرون ونصف قرن بعد فتح ~~الإسكندرية، ثم كتابتها بعد ذلك خلوا من المصادر والأسناد، بل هذا عدا ما قيل من احتراق ~~المكتبة في السنة الثامنة والأربعين للميلاد، وفيما تلا ذلك من الفتن والقلاقل بين طوائف ~~المسيحيين. # والمستشرق كازانوفا يسمي الحكاية أسطورة، ويقول إنها نشأت بعد تاريخ الحادثة بستة قرون، ~~وينقضها لمثل الأسباب التي لخصناها من كتاب بتلر، ثم يقول: «... وهناك اعتراض أخطر مما تقدم ~~وهو أن ما ذكر عن يحيى النحوي منقول عن كتاب الفهرست لابن النديم في أواخر القرن العاشر، ~~وفيه أن يحيى هذا عاش حتى فتحت مصر وكان مقربا من عمرو ولم يذكر شيئا عن مكتبة ~~الإسكندرية، فحادثة المكتبة إذن من أوهام ابن القفطي أخذها عن خرافة كانت شائعة في ~~عصره.» # ثم يمضي في تفنيده فيقول: «وقد تساءل ابن خلدون عن مخلفات الفرس والآشوريين والبابليين ~~والقبط التي حرقها عمر عند فتح ms171 العرب، وقال ابن خلدون في كلام آخر: إن العرب لما فتحوا ~~بلاد الفرس سأل سعد بن أبي وقاص عمر عما يأمر به في شأن الكتب التي بها فأمره بإلقائها في ~~اليم، فانتقلت القصة من فارس إلى الإسكندرية مع الزمن، وفعل الخيال فعله في تحريفها. # وقد وقع تحريف في هذه الخرافة في بعض دوائر المعارف، حيث نقل عن سبرنجل أن مكتبة ~~الإسكندرية حرقها العرب عند فتح مصر، وأن الخليفة المتوكل أنشأها من جديد، وأن الترك ~~فتحوا الإسكندرية 868 وأضرموا فيها النار على عهد أحمد بن طولون، ولكن أحمد بن طولون لم ~~يفتح مصر وإنما أقامه خليفة بغداد حاكما عليها، فلا علاقة للترك إذن بهذا الحادث ~~المزعوم.» # قال: «وفي سنة 1877 ذكر الكونت دي لندبرج أن أحد الضباط الإنجليز اتهم نابليون الأول ~~بإحراق مكتبة الإسكندرية.» # قال: «وسنلم هنا بالسبب الذي من أجله ظهرت هذه الخرافة في القرن الثالث عشر ولم تظهر قبل ~~ذلك.» ~~«ففي أواخر القرن الثاني عشر رجعت مصر إلى حكم خلفاء بغداد، وأبلى صلاح الدين بلاءه في ~~الحروب الصليبية وانتصر على المسيحيين، فلقبه الشعب بفاتح مصر، وقرن بين اسمه واسم عمر بن ~~الخطاب. وكان لابن القفطي أب يعجب بصلاح الدين ولاه صلاح الدين قضاء القدس، وعاصر عبد ~~اللطيف البغدادي، وهو من المعجبين مثله بصلاح الدين، فتلاقيا في القدس وسمع منه هذه ~~الأسطورة التي توسع ابن القفطي في نقلها، فكان أول من ألف هذه الأسطورة من حاشية صلاح الدين ~~لتزكية حاكم مصر الجديد. ومما يروى عن صلاح الدين أنه باع كنوز القصر والمكتبة فبقيت هذه ~~الرواية إلى القرن الثامن عشر يوشيها ما ينسجه الخيال حول الخرافة العمرية، ثم اتخذت ~~صورتها التاريخية منذ ذلك العهد تعززها خرافات أخرى لحقت بعمرن ووافقت معنى قوله ألا كتاب ~~إلا كتاب الله.» # ومن المشارقة الذين تناولوا حكاية المكتبة المؤرخ الكبير جورجي زيدان في الجزء الثالث من ~~كتابه «تاريخ التمدن الإسلامي»، حيث قال إنه كان يميل إلى نفي الحكاية، ثم عدل عن ميله هذا ~~إلى قبولها، وأورد ms172 من أسباب ذلك «أن حكاية إحراق مكتبة الإسكندرية لم يختلقها أبو الفرج ~~لتعصب ديني، ولا دسها أحد بعده، بل هو نقلها عن ابن القفطي وهو قاض من قضاة المسلمين عالم ~~بالفقه والحديث وعلوم القرآن واللغة والنحو والأصول والمنطق والنجوم والهندسة والتاريخ ~~والجرح والتعديل، وكان صدرا محتشما جمع من الكتب ما لا يوصف، وكانوا يحملونها إليه من ~~الآفاق، وكانت مكتبته تساوي خمسين ألف دينار، ولم يكن يحب من الدنيا سواها، وله حكايات ~~غريبة من غرامه بالكتب، ولم يخلف ولدا فأوصى بمكتبته لناصر الدولة صاحب حلب، وله مؤلفات ~~عديدة في التاريخ والنحو واللغة، وفي جملتها كتاب أخبار مصر من ابتدائها إلى أيام صلاح ~~الدين في ستة مجلدات، وكتاب تراجم الحكماء الذي نحن في صدده، وأن ابن القفطي وعبد اللطيف ~~البغدادي أخذا عن مصدر ضائع، وأما خلو كتب الفتح من ذكر هذه الحادثة فلا بد له من سبب، ~~والغالب أنهم ذكروها ثم حذفت بعد نضج التمدن الإسلامي واشتغال المسلمين بالعلم ومعرفتهم قدر ~~الكتب، فاستبعدوا حدوث ذلك في عصر الخلفاء الراشدين فحذفوه، أو لعل لذلك سببا آخر، وفي كل ~~حال فقد ترجح عندنا صدق رواية أبي الفرج.» # ونرى نحن أن ابن القفطي كان أولى ممن تقدموه بالسكوت عن حريق المكتبة بأمر عمر بن ~~الخطاب لو كان الذين تقدموه قد سكتوا عنه لعرفانهم قدر الكتب وغيرتهم على سمعة الخلفاء ~~الراشدين، فإن ابن القفطي لا يجهل قدر الكتب، ولا يسبقه سابق من المؤرخين في المغالاة ~~بنفاسة المكتبات. فلا بد من تعليل أصوب من هذا التعليل لسكوت المؤرخين المسلمين والمسيحيين ~~الذين شهدوا فتح مصر عن هذه الحكاية إلى أن نجمت بعد بضعة قرون. # فمن جملة هذا العرض لآراء نخبة من الثقات في هذه المسألة، يحق لنا أن نعتقد أن كذب ~~الحكاية أرجح من صدقها، وأنها موضوعة في القرن الذي كتبت فيه، ولم تتصل بالأزمنة السابقة له ~~بسند صحيح، وربما كانت مدسوسة على الرواة المتأخرين للتشهير بالخليفة المسلم، وتسجيل التعصب ~~الذميم عليه وعلى الإسلام. # وإذا كانت هذه الحكاية ms173 من تلفيق النيات السيئة، فالمعقول ألا توضع قبل القرن السادس ~~الهجري الذي تسربت فيه إلى الكتب المدونة، وهذا يفسر لنا كل غموض يستوقف النظر في الحكاية ~~من جميع أطرافها؛ لأن تلفيق هذه الحكاية يستلزم عناصر شتى لا تجتمع كلها في وقت واحد قبل ~~القرن السادس للهجرة. # فهو يستلزم أن يكون الملفق عليما بالأقوال والأحوال التي أثرت عن عمر بن الخطاب، ~~وفيها ما يجعل حكاية المكتبة قريبة التصديق مشابهة لما يتوخاه الخليفة في أوامره ونواهيه. ~~ولم تكن هذه الأقوال والأحوال معلومة مستفيضة الخبر بين المسلمين أنفسهم عند فتح الإسكندرية ~~فضلا عن المسيحيين أو الإسرائيليين، وإنما علمت واستفاضت بعدما دونت السير وجمعت ~~المتفرقات. # ويستلزم تلفيق الحكاية للتشهير بالخليفة المسلم أن يكون الملفق عارفا بما في هذه ~~التهمة من المعابة، شاعرا بما فيها من الاعتساف والغرابة، ولم يكن هذا أيضا مفهوما في ~~أيام فتح الإسكندرية بين خصوم الإسلام؛ لأنهم كانوا قد تعودوا إحراق الكتب والتماثيل ~~واعتبار الوثنية وبقاياها رجسا من عمل الشيطان يستحق نار الدنيا قبل نار الجحيم، وما من ~~عارف بالكتب بينهم إلا كان يسمع بحماسة القياصرة المسيحيين في تدمير التحف الإغريقية، ولا ~~سيما «ثيوديسيوس» الذي أحرق هياكل شتى، فيها ولا شك كتب كثيرة من بقايا المكتبة التي عليها ~~الخلاف. # وقد يستلزم تلفيق الحكاية أن تكون مصر وأخبارها موضع اهتمام ومثار قيل وقال، ولم تكن مصر ~~قبلة أنظار العالم كما كانت في أوقات الحروب الصليبية، يوم كانت هي ميدان الفصل ومناط الظفر ~~والهزيمة بين جيوش الدنيا المحشودة فيها أو على أبوابها. # وقد يستلزم كذلك أن يكون العصر حزازة بين الإسلام وخصومه، كما كان عصر الحروب الصليبية ~~وما قبله بقليل. # وقد يستلزم مع جميع أولئك أن يشترك في القيل والقال حافظو الكتب الإغريقية في بيزنطية ~~وشواطئ آسيا الغربية، وهي البلاد التي كانت موطئ أقدام الجيوش في الكر والفر والقدوم ~~والإياب، ومنها تدفق حافظو الكتب إلى أوروبا عندما أغار الترك على بيزنطية من تلك ~~الأرجاء. # فتلفيق الحكاية إذن كان عجيبا في أيام فتح الإسكندرية ms174 وما تلاها من الأزمنة إلى زمان ~~القفطي والبغدادي وأبي الفرج الملطي، ولهذا لم تظهر حكاية المكتبة في تلك الأيام. # وتلفيقها في عصر الحروب الصليبية غير عجيب لاجتماع الأسباب التي يستلزمها ذلك التلفيق، ~~ولهذا ظهرت فيه، وأمدنا ظهورها فيه بالسبب الذي يبطل العجب، ويفسر الغوامض التي لا يفسرها ~~تعليل معروف غير هذا التعليل. # إلا أننا على الرغم من كل هذا نفرض أن عمر بن الخطاب أمر بإحراق مكتبة الإسكندرية، ~~فما هي الوصمة التي تلحقه من هذا الأمر؟ ولماذا كان يحرم عليه أن يحرقها، ويجب عليه أن ~~يستبقيها ويفتح أبوابها؟ ولماذا كان ينبغي أن يكون على يقين أنها شيء مفيد للمسلمين ولغيرهم ~~من الأمم، وأنها ذخيرة من ذخائر العالم لا يجوز التفريط فيها؟ # أمن النقص في تفكير الإنسان أن ينشأ بمعزل عن بلاد اليونان وعن عصر حكماء اليونان، فلا ~~يطلع على الفلسفة اليونانية؟ أكانت فائدة تلك الكتب واضحة كل الوضوح من أحوال أقوامها الذين ~~حفظوها، إن صح أنهم حفظوها؟ # إن أحوال الروم والقبط في ذلك العهد لم يكن فيها دليل واحد على أنهم محتفظون بينهم ~~بمعرفة نفيسة، وأن ضياع كتبهم فيه ضياع لذخيرة من ذخائر العالم التي لا يجوز التفريط ~~فيها. # فقد كانوا على شر حال من الضعف والفساد والجهل والهزيمة والشقاق والتهالك على سفاسف ~~الأمور، فإذا كان عمر مطالبا بعلم الفلسفة اليونانية، أو غير ملوم على فوات الاطلاع عليها، ~~وإذا كانت أحوال الأمم التي هي أهلها لا تدل على قيمتها، بل تسوغ الاعتقاد بخلوها من كل ~~قيمة، فأين هو العيب في تفكيره إن صح أنه فكر على ذلك المنوال؟ # إنما يعيب الإنسان أن يكون عدوا للمعرفة على إطلاقها، ولم يكن عمر عدوا للمعرفة ولا ~~معرضا عنها، بل كان مشغوفا بها حيث رآها دينية أو أدبية، ومن قومه أتت أو من غير ~~قومه. # فكان يستشير الغرباء في تدوين الدواوين ومنافع الصناعة، ولا ينتهي عن علم شيء إلا أن تكون ~~فيه فتنة أو ضلال. # وكان - ولا ريب - يؤثر للمسلمين أن يقبلوا على دراسة ms175 القرآن ويقدموا فهمه على فهم كل ~~كتاب، وهذا واجبه الأول الذي لا مراء فيه، وما من أحد هو مطالب بهذا الواجب قبل أن يطالب به ~~عمر على التخصيص؛ لأنه الخليفة الذي في عهده انتشر المسلمون بين أقطار المشرق، وخيف عليهم ~~أشد الخوف أن ينحل العقد الذي جمعهم، وبث فيهم الهمة والبأس وسودهم على العالمين. # وفي الأخبار التي نقلت بهذا الصدد أن رجلا أنبأه أنهم لما فتحوا المدائن أصاب كتابا فيه ~~كلام معجب ، فسأله: أمن كتاب الله؟ قال: لا. فدعا بالدرة، فجعل يضربه بها وهو يقرأ: # الر تلك آيات الكتاب المبين * إنا ~~أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون ~~. # ثم قال: «إنما أهلك من كان قبلكم أنهم أقبلوا على كتب علمائهم وأساقفتهم، وتركوا التوراة ~~والإنجيل حتى درسا وذهب ما فيهما من العلم.» # رويت هذه الرواية عن عمر بن ميمون عن أبيه، وليس فيها ما يأباه العقل، ولو حكمنا على ~~عمر بحكم الدنيا وحكم التجربة الواقعية، وتركنا حكم الدين والإيمان إلى حين. # فبالتجربة الواقعية أيقن عمر أن المسلمين بكتابهم خرجوا من الظلمات إلى النور، وانتصروا ~~على من حاربوه وعندهم كل كتاب. # وما فرغ المسلمون بعد من قراءة القرآن، ولا انقضت على تداوله بينهم سنوات، فكيف يرضى ~~الخليفة الذي يهمه أمر رعاياه أن ينصرفوا عنه إلى كتب لا يؤمن ما فيها؟ وكيف يكون الحال إذا ~~تفرقوا شذر مذر # 26 # ولهم في كل بلد ~~قراءة غير هذا الكتاب الذي لم يفرغوا منه، ولم يستوعبوا كل ما فيه؟ أمن عداوة المعرفة هذا، ~~أو من إيثار المعرفة التي تتقدم على غيرها؟ وإذا لم تتقدم هذه المعرفة على غيرها في السنوات ~~الأولى من تداول القرآن الكريم فمتى تتقدم؟ ومتى يعطى القرآن حقه من الفقه والوعي ~~والإقبال؟ وأين هي الغنيمة الروحية التي تعدل في كتاب من الكتب بعض ما غنمه المسلمون بوحي ~~القرآن في صدر الإسلام؟ # فعلى أي فرض من الفروض لم يكن في تصرف عمر ما يأباه العقل الذي ينظر إلى الحقائق المشهودة ~~والآثار الواقعة، ويجوز أنه أمر بإحراق ms176 مكتبة الإسكندرية على أبعد احتمال، ولكن الذي لا ~~يجوز لمنصف أن يفهم من ذلك أنه عدو الثقافة، وهو الأديب الفقيه الخطيب، وهو قد وازن بين ~~معرفة ظاهرة النفع ومعرفة مجهولة ظواهرها كلها تغري باتهامها، ولا لوم عليه أن يولد حيث ~~يجهلها، ولا لوم عليه أن يتهمها وهي لم تنفع أهلها يوم رآهم يخبطون في الضلالة والهزيمة، ~~ولا يقال عن عقل يفكر هذا التفكير إنه لم يفكر على هدى مستقيم. # الفصل الحادي عشر # | عمر في بيته # كان الخليفة الأكبر - صاحب الأمر في الجزيرة العربية، وصاحب الغلبة على ملك الأكاسرة ~~والقياصرة والفراعنة، ومدبر الحكم في الرقعة الوسطى بين قارات العالم المعمور - رجلا ~~فقيرا يعيش عيشة الكفاف، ويقنع من الغذاء والكساء بحظ لا يتمناه كثير من الرجال، ويزهد فيه ~~كثير من النساء. # فمن غير العجيب أن يخطب بعض النساء فيأبين عيشه، وقد أبى مثل هذا العيش نساء النبي - عليه ~~السلام - فلم يقبلنه إلا وقد خيرن بينه وبين الطلاق. # وما ندري أي الشهادات لحكم الخليفة الأكبر أغلى وأجمل، فإن الشهادات لحكمه أكثر من أن ~~تحصى، وهي جميعا مما تغالي به السير وتزدان بجماله، ولكننا لا نعرف بينها ما هو أغلى وأجمل ~~من هاتين الشهادتين: أن يعيش في بيته عيشا لا يشتهى، وأن تكون في يده صولة الملك فلا ~~ترى فيها امرأة من النساء خلابة # 1 # تغرها، ولا صولة تخيفها من أن ترفضها وتأباها. # إن امرأة واحدة ترفض عمر لأغلى في الشهادة له من ألف امرأة يقبلن على بيته، ويطمعن في ~~سلطانه. # وقد وصفته امرأة خطبها ورفضته وصفا لم نسمع فيما قيل عن إيمانه بالله أصدق منه ولا أوجز ~~وأوفى، فقالت أم أبان بنت عتبة بن ربيعة: إنه رجل «أذهله أمر آخرته عن أمر دنياه، كأنه ينظر ~~إلى ربه بعينه.» # والذي نعنيه من الوصف هو قولها عن مخافته الله أنه كان يخافه كأنه يراه بعينه. # فهو في الحق أصدق وصف لإيمان هذا الرجل المتفرد بإيمانه، كما تفرد بكثير من شئونه. إنه ~~تجاوز حد الإيمان إلى ms177 حد الرؤية والعيان، وحقق مبالغات أبي الطيب المتنبي حين وصف الغاية ~~القصوى من الشجاعة والحكمة فقال: # تجاوزت مقدار الشجاعة والنهى # إلى قول قوم أنت بالغيب عالم # ومهما يكن من إيمان بالغيب، فهو لا يبلغ في اليقين والحضور مبلغ الرؤية بالعين، وهي قولة ~~عابرة من قائلة أصابت ما لم يصبه قائل، ولعلها لا تدري مدى صوابها. # وخطب عمر أم كلثوم بنت أبي بكر إلى أختها أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - فقالت ~~له: الأمر إليك . ثم سألت أختها، فأبته وقالت: لا حاجة لي فيه. فزجرتها قائلة: أترغبين عن ~~أمير المؤمنين؟ قالت: نعم، إنه خشن العيش شديد على النساء. وكرهت عائشة أن ~~تجبهه # 2 # بالرفض، فوسطت في ~~الأمر عمرو بن العاص يحتال له برفقه وحسن تدبيره، فجاء عمر وفاجأه قائلا: بلغني خبر أعيذك ~~بالله منه. قال: ما هو؟ قال: خطبت أم كلثوم بنت أبي بكر؟! قال: نعم، أفرغبت بي عنها أم رغبت ~~بها عني؟ قال: لا واحدة، ولكنها حدثة، # 3 # نشأت تحت كنف أمير المؤمنين في لين ورفق، وفيك غلظة، ونحن نهابك، وما نقدر أن نردك على ~~خلق من أخلاقك، فكيف بها إن خالفتك في شيء فسطوت بها؟ كنت قد خلفت أبا بكر في ولده بغير ~~ما يحق عليك! ففهم عمر أن ابن العاص لا يقدم على هذه الوساطة بغير موسط، وأن في الأمر ~~ممانعة على نحو من الأنحاء، فسأله كأنه يستطلع ما وراءه من الممانعة: كيف بعائشة وقد ~~كلمتها؟ قال: أنا لك بها، وأدلك على خير منها: أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب، تعلق منها ~~بنسب رسول الله. # وأم كلثوم بنت علي حدثة أيضا، والمحظور في إغضابها أكبر من المحظور في إغضاب بنت أبي ~~بكر، وإن اعتمد ابن العاص على أن عمر يملك نفسه فلا يغضبها، فقد كان حريا به أن يعتمد ~~على شيء من ذلك في خطبته لبنت الصديق، فلن يفوت عمر - وهو يعلم من يخاطبه في الأمر - أن ~~يفهم خبيئة سعيه، وأن يتجاهله لئلا يكشف موقف الرفض والاعتذار ms178 من عائشة وأختها - رضي الله ~~عنهما - ويعمل بما يراه الصواب. # والطريف في القصة - وكلها طريف - أن يذهب عمرو بن العاص إلى خليفته ليواجهه بما يؤخذ عليه ~~من خلائقه وهو آمن أن يغضبه، بل هو فوق ذلك واثق من موافقته إياه ما دام على صدق في ~~مقاله. # وللمرأة أن تأبى الخشونة في رجلها ولا تستريح إليها، ولكن دارس الأخلاق لا ينبغي أن يعيب ~~هذه الخصلة إلا بمقدار ما فيها من نقص في الطبائع الإنسانية الأصيلة؛ إذ المحقق أن ~~الخشونة حرمان من الصقل والمرونة، ولكننا نخطئ كل الخطأ إن حسبناها حرمانا من البر ~~والرحمة؛ لأن المرء قد يكون ناعم الملمس وهو قاس مفرط القسوة، ويكون خشن الملمس وهو رحيم ~~مفرط الرحمة، ويغلب في هذه الحالة أن تكون خشونته - كما أسلفنا في فصل سابق - درعا يستر ~~بها مواضع اللين في خلقه، وضربا من الخجل أن يطلع على ناحية فيه يتطرق إليها الضعف وتنفذ ~~منها الرماية. # فالخشونة نقيض الصقل والنعومة، وليست نقيض العطف والرحمة، وعمر بن الخطاب من أفذاذ الرجال ~~الذين تتجلى فيهم هذه الحقيقة أحسن جلاء، حتى في علاقاته بالأهل والنساء. # رحمة عمر رحمة في غلاف، وليست بالرحمة المكشوفة لكل ناظر ولامس، ولا تطول بالناس عشرته ~~حتى ينقشع هذا الغلاف عن قلب وديع مفعم بالعطف والمودة، مفتح الجوانب لكل عاطفة كريمة ولو ~~لم تكن من ولي حميم. # فنساؤه اللائي عاشرنه قد كلفن بحبه ورضين عيشه لرضاهن بمودته وعطفه، وكانت إحداهن، التي ~~سميت العاصية وسماها النبي - عليه السلام - الجميلة، لا تطيق فراقه، فإذا خرج مشت معه إلى ~~باب الدار فقبلته ولم تزل في انتظاره. # وكانت من نسائه عاتكة بنت زيد، وهي على قسط وافر من الجمال ومن الدين ومن البلاغة، ~~تولهت # 4 # في ~~رثائه حين قتل فلم يكن بكاؤها عليه كبكاء كل زوجة على كل زوج فقيد، وتعددت قصائدها في ~~تأبينه بكلام لا يغيب عنه صدق المدح ولا صدق الحسرة، وهي التي قالت فيه: # عصمة الناس والمعين على الده # ر وغيث المنتاب والمحروب # قل ms179 لأهل الضراء والبؤس موتوا # قد سقته المنون كأس شعوب # 5 # وقالت فيه: # رءوف على الأدنى غليظ على العدا # أخي ثقة في النائبات منيب # متى ما يقل لا يكذب الله قوله # سريع إلى الخيرات غير قطوب # وقالت فيه: # جسد لفف في أكفانه # رحمة الله على ذاك الجسد # وقالت فيه: # يا ليلة حبست علي نجومها # فسهرتها والشامتون هجود # قد كان يسهرني حذارك مرة # فاليوم حق لعيني التسهيد # ولا يبكى الرجل هذا البكاء على ما في عيشه من الشظف إلا ومن وراء خشونته مودة قلب تنفذ ~~إلى القلوب. # وأكثف ما تكون الدروع أرق ما يكون الموضع الذي يليها وأخوفه من الإصابة، فانظر أين الموضع ~~الحصين المحمي فهنالك الموضع اللين الذي يخاف عليه، ولا يخدعنك عن ذلك خادع من إظهار أو ~~تظاهر غير مشعور به وغير مقصود، أين أكثف ما تكاثفت الغلظة فيه من درع عمر التي ~~عنيناها؟ # المرأة ولا نزاع! # فعلى المرأة كانت له غيرة اشتهر بها وعدت من دلائل شدته عليها، وفي هذا يقول رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «إن الله غيور يحب الغيور، وإن عمر غيور.» # وعلى المرأة ومن المرأة كان حذره أن تتخايل للعيون وتتبرج في مضطرب الفتون. # وكلما أوصى بوصية فيها فإنما هي الفتنة التي يتقيها، فلما قال: عليكم بالأبكار. لم يقل ~~عليكم بالأبكار لأنهن أمتع وأنضر، ولكنه قال عليكم بهن لأنهن أكثر حبا وأقل ~~خبا. # 6 # ولما توجس من زواج المسلمين ببنات الأعاجم، لم يتوجس منه لأنه حرام، بل لأن «في نساء ~~الأعاجم خلابة، فإن أقبلتم عليهن غلبنكم على نسائكم.» # فالخلابة هي المحذور الذي يتقى. # وهنا كثافة الدرع فابحث هنا عن منفذ الحذر. إنك لا تبعد كثيرا حتى تلمس الموضع الذي نم ~~عليه الرجل حيث قال: «لو أدركت عفراء وعروة جمعت بينهما»، # 7 # أو نم عليه الصبي الذي عناه ابن الخطاب حيث قال: «أحب أن يكون ~~الرجل في أهله كالصبي، فإذا احتيج إليه كان رجلا.» # ومتى كان فرط الغيرة على المرأة أو الحذر منها دليلا على أنها ms180 ذلك الشيء المهين، وإن قال ~~الغيور الحذور بلسانه إنها لشيء مهين؟ # وابحث عن جانب واحد مغلق أو مقطوع من جوانب الرحم الذي ينبغي أن يوصل فإنك لن تجده في نفس ~~هذا الرجل بتة، وإن جهدت في البحث. # فكان ابنا بارا لا ينسى التحدث عن أبيه، ويعتز بذكراه على ما كان من قسوته عليه في ~~صباه، ولم يزل يقسم باسمه حتى نهاه النبي، فانتهى وهو يقارب الكهولة. # وكان أبا يحب أبناءه ويعرف وجد الآباء بالأبناء، وينزع الثقة من وال لا يحنو على صغاره. ~~أمر بكتابة عهد لبعض الولاة، فأقبل صبي صغير فجلس في حجره وهو يلاطفه ويقبله، فسأله ~~المرشح للولاية: أتقبل هذا يا أمير المؤمنين؟! إن لي عشرة أولاد ما قبلت أحدا منهم ولا ~~دنا أحدهم مني. فقال له عمر: وما ذنبي إن كان الله - عز وجل - نزع الرحمة من قلبك؟! إنما ~~يرحم الله من عباده الرحماء. ثم أمر بكتاب الولاية أن يمزق وهو يقول: إنه إذا لم يرحم ~~أولاده فكيف يرحم الرعية؟ # وكان كلاب بن أمية الكناني في غزوة فاشتاق إليه أبوه الهرم وحزن لغيابه، واتصل نبؤه بعمر ~~فكتب إلى قائد الجيش يستعيد كلابا إلى المدينة، فلما عاد ودخل عليه سأله: ما بلغ من برك ~~بأبيك؟ قال: كنت أكفيه أمره، وكنت أعتمد - إذا أردت أن أحلب لبنا - أغزر ناقة في إبله ~~وأسمنها فأريحها وأتركها حتى تستقر، ثم أغسل أخلافها حتى تبرد، ثم أحلب له فأسقيه. # ثم بعث إلى أبيه فجاء يتراوح في مشيته ضعيفا بصره، محنيا ظهره، فسأله: كيف أنت يا أبا ~~كلاب؟ قال: كما ترى يا أمير المؤمنين. ثم جاءه بلبن حلبه ابنه، ففطن الرجل وقال وهو يدني ~~الإناء إلى فمه: لعمر الله يا أمير المؤمنين إني لأشم رائحة يدي كلاب من هذا الإناء! فقال ~~عمر: هذا كلاب عندك حاضر قد جئناك به. فوثب إليه ابنه، وطفق الأب الذي لم يكد يراه يضمه ~~ويقبله، وبكى عمر، وأمر كلابا أن يلزم أبويه ما بقيا، وله عطاؤه كأنه يجاهد في سبيل ms181 ~~الله. # ومن حنانه على الأطفال أنه كان يشفق عليهم أن يحزنوا في لهوهم ولعبهم فلا يترك الخائف ~~منهم حتى يأمن على لهوه ومحصول لعبه، فحدث سنان بن سلمة أنه كان في صباه يلتقط البلح في ~~أصول النخل مع بعض الصبية إذ أقبل عمر فتفرق الغلمان وثبت هو في مكانه، فلما دنا منه أسرع ~~قائلا: يا أمير المؤمنين، إنما هذا ما ألقت الريح! قال عمر: أرني أنظر فإنه لا يخفى علي. ~~فنظر في حجره ثم قال: صدقت. إلا أن الصبي لم يقنع بهذا حتى يحرسه أمير المؤمنين إلى بيته! ~~فقال: يا أمير المؤمنين، أترى هؤلاء الآن؟ وأشار إلى الصبية الهاربين، ثم قال: والله لئن ~~انطلقت لأغاروا علي فانتزعوا ما معي. فمشى معه عمر حتى بلغه بيته! # وكثير على المصدقين المفرطين في التصديق أن يعرفوا هذا عن عمر، ثم يصدقوا أنه وأد بنتا ~~في الجاهلية على تلك الصورة البشعة التي انتقلت إلينا في بعض الروايات، وخلاصتها أنه - رضي ~~الله عنه - كان جالسا مع بعض الصحابة إذ ضحك قليلا ثم بكى، فسأله من حضر فقال: كنا في ~~الجاهلية نصنع صنما من العجوة فنعبده ثم نأكله، وهذا سبب ضحكي، أما بكائي فلأنه كانت لي ~~ابنة فأردت وأدها فأخذتها معي وحفرت لها حفرة فصارت تنفض التراب عن لحيتي فدفنتها ~~حية. # فهي قصة يعتورها الشك من ناحية ضحكها ومن ناحية بكائها ومن ناحية اجتماعهما في لحظة واحدة ~~لتمكين واضع القصة من التفرقة بين عصري عمر في جاهليته وإسلامه، وأدعى ما فيها من الشك تلك ~~الخاتمة التي يتم بها اختراع الفجيعة والبلوغ بها إلى ذروتها، وهي نفض الطفلة الصغيرة تراب ~~حفرتها عن لحية أبيها. # فالوأد لم يكن بالعادة الشائعة بين جميع القبائل العربية، ولم يشتهر بنو عدي خاصة بهذه ~~العادة ولا اشتهرت بها أسرة الخطاب التي عاشت منها - فيما نعلم - فاطمة أخت عمر، وحفصة أكبر ~~أولاده، وهي التي كني أبا حفص باسمها. # وقد ولدت حفصة قبل البعث الإسلامي بخمس سنوات فلم يئدها، فلماذا وأد الصغرى المزعومة، وهي ms182 ~~في السن التي تفهم فيها كيف تنفض التراب عن لحية أبيها؟ ولماذا انقطعت أخبار هذه الصغرى ~~المزعومة فلم يذكرها أحد من إخوانها وأخواتها ولا أحد من عمومتها وخئولتها؟ # ما نحسبها إلا إحدى جنايات الإغراب على من خلقوا وفي سيرتهم مثال للإغراب والإعجاب، فهي ~~اختراعة تضعفها خلائق عمر التي لا تتبدل هذا التبدل من النقيض إلى النقيض بين جاهليته ~~وإسلامه، وقد كان عمر في جاهليته لم يسلم بعد يوم أشفق على أخته وهي دامية الوجه، وكان في ~~جاهليته يوم أحب أخاه حبه المفرط وبقي عليه. # فليس وقوع القصة المزعومة في الجاهلية مانعا لغرابتها ومقربا لتصديقها وغير هذا الأب ~~وهذا الأخ يطيق هذه القسوة التي لا تطاق. # إن قليلا من الآباء من أحب أبناءه كما أحب عمر أبناءه، وإن قليلا من الإخوة من أحب ~~أخا كما أحب عمر زيدا أخاه، فما سمع اسمه بعد مقتله إلا سالت عبرته، وما هبت الصبا - كما ~~قال - إلا وجد نسيم زيد وتمنى نظم الشعر لينظمه في رثائه. # بل إن قليلا من الأصدقاء من أخلص لأصدقائه وعشرائه كما أخلص عمر لكل صديق وعشير، وهو ~~القائل: «لقاء الإخوان جلاء الأحزان»، وهو القائل حرصا على المودة وضنا بها: «إذا أصاب ~~أحدكم ودا من أخيه فليتمسك به، فقلما يصيب ذلك.» # فإذا أردنا أن ننقب عن وشائج الرحم وصلات المودة في نفس هذا الرجل المهيب المخيف فلننقب ~~عنها في ينابيعها الخفية التي تسري منها وترقرق في نواحيها، ولا ننقب عنها في الصخور التي ~~تكتنفها وتطفو عليها وترفع أعلامها. # أو نحن حريون أن ننقب عنها بين هذه الصخور والأعلام ولكن على هدى وبصيرة، فلا نقنع منها ~~برأي العين من بعيد أو قريب، ولا نغتر بما تبديه كأنه كل شيء تحتويه. # فما هذه الصخور والأعلام التي كانت تروع الناظر من هيبة عمر ومن ملامح سيماه؟ هي مظهر ~~قدرته على نفسه لا أكثر ولا أقل، وهي الحارس اليقظ الذي يحمي تلك النفس أن يتسرب إليها ~~الوهن، وأن تؤخذ على حين غرة من حيث يخاف ms183 عليها. # والمرء لا يعتصم بقدرته على نفسه وهو آمن، ولا يوقظ الحارس على دخيلته وهو وادع في سربه، ~~إنما يعتصم بقدرته ويوقظ حارسه حين يحذر، وإنما يحذر من الطارق الذي لا يستهين به ولا يزال ~~على رقبة منه. # وقد كان عمر بن الخطاب أكثر ما يكون اعتصاما بقدرته في أمس الأمور بقلبه وسريرة طبعه؛ ~~في خشية الخديعة من ناحية الترف والمتعة، فهو لا يستسلم لشهوة مأكل وملبس ولا قنية دنيوية، ~~وفي خشية الخديعة من ناحية ولده وأهله، فهو يجفل من أن يرى لهم رزقا لا يعرف مأتاه، ويجفل ~~من أن يرى لهم إبلا سمانا بين الإبل العجاف مخافة أن يسمنها لهم الناس في مراعيهم لأنهم ~~ولد أمير المؤمنين، وتلك إبل أبناء أمير المؤمنين! # وكان أكثر ما يكون اعتصاما بقدرته حين يلمح الفتنة الكبرى التي يقتدر بها شيطان الغواية، ~~وتلك هي المرأة لا فرق بين خيارها وشرارها، فمن شرارها استعذ بالله، ومن خيارها كن على ~~حذر! # وإذا اعتصم عمر بن الخطاب بنفسه فانتظر شيئا واحدا لن تجد حولا عنه، وهو تقديره العدل ~~تقدير الخائف أن يزيد فيه شعرة أو ينقص منه شعرة، فمتى اعتصم بنفسه استيقظ وانتصر، ومتى ~~استيقظ وانتصر فللحق يقظته وفي سبيل الحق انتصاره. # يعرض شأن المرأة فهو الغيور الحذور، وهو الواقف على الميزان فيما تعطاه وفيما تعطيه، ~~فلا هي بظالمة ولا مظلومة في كل أمر يرجع إليه. # فمن همه كان ألا تظلم لضعفها ولا تغبن لحيائها وخفرها، ومن حقها عنده ألا تكره على ~~زواج الرجل القبيح، تحب لنفسها ما يحبه الرجل لنفسه، وأن يعرف لها عذرها حيث يعرف للرجل ~~عذره في الصلة بينها وبينه، فسمع مرة أعرابية تنشد: # فمنهن من تسقى بعذب مبرد # نقاح # 8 # فتلكم ~~عند ذلك قرت # ومنهن من تسقى بأخضر آجن # 9 # أجاج # 10 # ولولا خشية ~~الله فرت # فتوهم في زوجها عيبا وأرسل في طلبه فإذا هو متغير الفم، فخيره بين خمسمائة درهم ~~وطلاقها، فقبل الدراهم وطلقها. # وسمع امرأة من وراء بابها تنشد: # تطاول هذا ms184 الليل تسري كواكبه # وأرقني ألا خليل ألاعبه # فوالله لولا الله لا شيء غيره # لزلزل من هذا السرير جوانبه # فسأل عن زوجها فعلم أنه خرج في غزوة طالت غيبته فيها، فأمر بعد ذلك ألا تطال غيبة الأزواج ~~في الغزوات. # وكان يقبل شكوى المرأة من زوجها الذي يهمل النظافة والزينة؛ لأن النساء «يحببن أن تتزينوا ~~لهن كما تحبون أن يتزين لكم.» # وقبل شكوى المرأة من زوجها الخاضب # 11 # قبل البناء بها يوهمها أنه شاب وهو موخوط الرأس بالشيب، ~~فأوجعه ضربا وقال: غررت القوم. # ولم يكن يتحرج مع المرأة مثل هذا التحرج أن تستر من سيرتها ما لا يضير ستره إن عاق ~~زواجها، فكاشفه رجل بأمر ابنة له أسلمت وأصابها حد من حدود الله، فهمت أن تذبح نفسها، ~~فأدركها أهلها وقد قطعت بعض أوداجها، # 12 # فبرئت وتابت واستقامت على الهداية، فسأله: أأخبر القوم ~~الذين يخطبونها بما تقدم من سيرتها؟ قال: ويلك! أتعمد إلى ما ستره الله فتبديه؟ والله لئن ~~أخبرت بشأنها أحدا من الناس لأجعلنك نكالا، «أنكحها نكاح العفيفة المسلمة.» # فهي أولى عنده ببعض المحاباة حين لا ضير في المحاباة، وقد عاهد الناس فيما عاهدهم عليه ~~«ليمنعن النساء إلا من الأكفاء.» # ونرى أنه قضى في الخلاف بين الزوج والزوجة بالقول الفصل في بناء الأسر وتعمير البيوت، حين ~~قال لرجل هم بطلاق امرأته لأنه لا يحبها: «أوكل البيوت بني على الحب؟ فأين الرعاية ~~والتذمم؟» # فإنه لبر بربات البيوت لم يدركه متحذلقة العصر الذي يلغطون بالحب والزواج، ويجهلون أن ~~الرعاية والتذمم أقمن بالدوام والتعمير من زواج يبنى على الحب وحده؛ لأن الحب منوط بالأهواء ~~التي تتغير بين آونة وأخرى، وأما مناط الرعاية والتذمم فهو الأخلاق التي قل أن يطرأ عليها ~~تغيير. # وقد استشار النساء فيما يحسن كما استشار الرجال فيما يحسنون، ولم يتعال قط أن يرجع عن ~~خطئه إذا ردته عنه امرأة بالبينة الصادعة، # 13 # ومن ذاك أنه نهى الناس في بعض خطبه أن يزيدوا مهور النساء على أربعين أوقية، ~~فصاحت به امرأة فطساء من ms185 صفوف النساء: ما ذاك لك؟ فلم يأنف أن يسألها: ولم؟ قالت: لأن الله ~~تعالى يقول: # وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا ~~منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا ~~. فرجع عن خطئه ~~واعترف بصوابها. # فما للمرأة من حق تعطاه، وما ليس لها بحق لا تعطاه وتذاد عنه. # والذي ليس لها بحق في رأي عمر - ورأي كل رجل ذي رجولة - ألا تتعرض لعمله الذي لا تفقهه، ~~ولا يرجع إليها في مثله، ولا سيما إن كان شأنا من شئون الدولة، ومهمة من أخص مهام الرجال، ~~فتشفعت له امرأته في وال مقصر تسأله: فيم وجدت عليه؟ # 14 # فالتفت غاضبا وقال لها: وفيم أنت وهذا؟ إنما أنت لعبة ~~يلعب بك ثم تتركين! كلمة لا تلبس القفاز الناعم، ولم يخلق القفاز الناعم ليلبس في كل ~~حين. # والذي ليس بحق للمرأة أن تعلو كلمتها على كلمة وليها، وهذا الذي كان ينكره عمر على أهل ~~المدينة حيث قال: «... كنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا على الأنصار إذا هم قوم تغلبهم ~~نساؤهم، فطفق نساؤنا يأخذن من أدب نساء الأنصار. # وصحت على امرأتي فراجعتني فأنكرت أن تراجعني، قالت: ولم تنكر أن أراجعك؟ فوالله إن ~~أزواج النبي # صلى الله عليه وسلم # ليراجعنه، وإن إحداهن لتهجره اليوم حتى الليل، فأفزعني.» # نعم، هذا مفزع لعمر، وقد كان - ولا ريب - مفزعا لرسول الله أن تعلو كلمة على كلمته في ~~بيته، لكن طريقة محمد في تغليب الكلمة طريقة نبي يؤم متبعيه، وطريقة عمر طريقة مريد مؤتم ~~بنبوة، ولا جناح على عمر ألا يلحق بشأو محمد في كل ما سبق إليه. # فمحمد إنسان عظيم، وعمر رجل عظيم، وهذا هو الفارق بينهما كما بيناه في مناسبة سابقة، ~~وإنما الفارق بينهما في المناسبة التي نحن بصددها أن الرجل العظيم يرحم المرأة كما يرحمها ~~الجندي في معرض القوة والنضال، ولكنه يأنف أن يستكين لسلطانها في معرض الهوى والفتنة، ~~فيكسرها ولا ينكسر لها إذا لجت في الغرور وانطلقت في عنانه، ومن ثم استصغر عمر ولده نفسه - ~~عبد الله - لأنه عجز عن ms186 تطليق زوجه، فلما أشاروا عليه باستخلافه قال لمن كلمه في ذلك: ~~«ويحك! كيف أستخلف رجلا عجز عن طلاق امرأته؟!» # أما الإنسان العظيم فهو يشمل ضعف الإنسانية كله ويعطف عليه، ومنه ضعف المرأة في غرورها ~~واعتزازه بدلال الضعف على القوة؛ لأنه في حقيقته اعتزاز بمكانها منها وتقدير لتلك القوة في ~~بعض نواحيها، فهو يرى في تكبر المرأة إذا كانت كبيرة عنده نوعا من الاعتراف بكبره، وهو لا ~~يقف معها في ميدان كما يقف كل ذكر وأنثى؛ لأن ميدانه هو يشمل الميدانين مجتمعين، إذ هو ~~ميدان الإنسان كله والإنسانية جمعاء. # على أن شأن الرجل مع المرأة لا يظهر من رأي الرجل فيها كما يظهر من رأيها فيه، فبعد ~~معاملة عمر للمرأة وقوله فيها يبقى له شأن في عالمها يظهر لنا من رأيها هي فيه. # وقد أكبرت سيدة نساء العصر عمر فوصفته بأنه كان نسيج وحده، وهي عائشة - رضي الله عنها - ~~وجمعت الشفاء بنت عبد الله بعض صفاته فقالت: إنه «كان إذا تكلم أسمع، وإذا مشى أسرع، وإذا ~~ضرب أوجع، وهو الناسك حقا»، وصاحت أم أيمن مرضعة النبي يوم أصيب: «اليوم وهى ~~الإسلام.» # وعلينا نحن أن نسأل المرأة في عصر عمر عن مثال الرجل في عصرنا، ولا نسأل فيه نساء زمان ~~غير ذلك الزمان، وما نخالنا نعرف رأي المرأة يومئذ في الرجل الذي يكبر في عينها كما نعرفه ~~من امرأة هي هند بنت عتبة زوج أبي سفيان وأم معاوية، فليس أقدر منها على الجواب ولا أصرح ~~فيه. # جاءها أبوها يشاورها في رجلين من قومها يخطبانها فاستخبرته عنهما فقال يصفهما: «أما ~~أحدهما ففي ثروة واسعة من العيش، إن تابعته تابعك، وإن ملت عنه حط إليك، تحكمين عليه في ~~أهله وماله، وأما الآخر فموسع عليه، منظور إليه في الحسب الحسيب والرأي الأريب، مدره أرومته # 15 # وعز عشيرته، شديد الغيرة لا ينام على ضعة، ولا يرفع عصاه عن أهله.» # فقالت: «يا أبت، الأول سيد مضياع للحرة، فما عست أن تلين بعد إبائها، وتضيع تحت جناحه إذا ms187 ~~تابعها بعلها فأشرت # 16 # وخافها أهلها فأمنت؟ ساء عند ذلك حالها، وقبح عند ذلك دلالها، فإن جاءت بولد ~~أحمقت، وإن أنجبت فمن خطأ ما أنجبت، # 17 # فاطو ذكر هذا عني ولا تسمه علي بعد! وأما الآخر فبعل الفتاة الخريدة الحرة ~~العقيلة، # 18 # وإني لأخلاق مثل هذا لموافقة، فزوجنيه.» # ونحن نحسب هذا رأي المرأة النجيبة في زمان عمر، ولو شئنا لحسبناه رأيها في كل زمان على أن ~~تضمره بباطن القلب ولا تلقيه بطرف اللسان، فإن زادت خشونة العيش في بيت عمر على القدر الذي ~~ترضاه المرأة فهي خشونة غير محقورة السبب؛ لأنها لا تحسب على عمر «الزوج» من ناحية حتى تحسب ~~لعمر «الرجل» من ناحية أخرى؛ إذ هي لم تأت من قلة القدرة على العيش، وإنما جاءت من كثرة ~~القدرة على النفس، وهي خليقة تعجب بها المرأة في الرجل الذي تكبره؛ لأنها من أقوى خلائق ~~الرجولة فيه. # وليس لدينا بيان واف عن النساء اللاتي تزوج بهن عمر يعيننا على التمييز بين سماتهن ~~والبحث في المياسم الشخصية التي يتعددن فيها أو يختلفن، ويجيز لنا أن نسهب في الكلام عن ~~موقع كل منهن من نفسه، وأثرها في حياته، ومبلغ حظوتها عنده، وسبب هذه الحظوة في رأيه ~~وشعوره، وما يدل عليه جميع ذلك من نوازع فطرته وذوقه؛ فقد سكت التاريخ، وسكت عمر عن كل بيان ~~واف في هذا الباب، فلم يبق لدينا منه إلا أسماء وأعوام ونوادر مقتضبات لا تساعدنا على ~~تكوين سمات واضحات، فضلا عن التفرقة بين تلك السمات. # غير أننا نعتقد أن التاريخ لم يفقدنا شيئا كثيرا في هذا الباب؛ لأننا مستطيعون أن ~~نعوض ما فقدناه بالقياس إلى ما عرفناه، فلا نخطئ إذا رجحنا أن سمات هؤلاء النساء جميعا ~~تدخل في نطاق الوصف الذي كان يستحبه عمر في المرأة، ولا يطيق منها أن تخالفه وتخرج ~~عليه. # فأفضل ما كان يشرطه في المرأة أن تكون ولودا ودودا، وألا تعاب بالحمق فيسري حمقها في ~~دماء وليدها؛ إذ «لم يقم جنين في بطن حمقاء تسعة ms188 أشهر إلا خرج ~~مائقا» # 19 ~~- كما قال. # أما ذوق الجمال فقد كان عمر فيه - كما كان في جميع خلائقه - عربيا بحتا يستملح ما ~~يستملحه كل عربي صميم، ويستحسن الحسن عنده وهو أعم من الملاحة، ويروى عنه أنه قال: ~~«تزوجها سمراء ذلفاء # 20 # عيناء، # 21 # فإن فركتها # 22 # فعلي ~~صداقها»، وأنه قال: «إذا تم بياض المرأة في حسن شعرها فقد تم حسنها.» وهذان هما الملاحة ~~والحسن كما وصفا في الشعر العربي من قديم إلى حديث. # ومن القليل الذي بقي لدينا من أخبار نسائه نعلم أنه كان موفور الحظ من هذا الجمال في ~~الزوجات، فقد وصف أكثرهن بالحسن البارع، وضرب المثل بملاحة إحداهن بين نساء قريش وهي ~~قريبة بنت أبي أمية بن المغيرة، فروي في مأثور الحديث الشريف أن سعد بن عبادة قال يوما ~~في حضرة النبي - عليه السلام: ما رأينا من نساء قريش ما كان يذكر من جمالهن! فقال له عليه ~~السلام: «هل رأيت بنات أبي أمية بن المغيرة؟ هل رأيت قريبة؟» وهي إحدى زوجات عمر قبل ~~إسلامه. # وروي أن جميلة بنت ثابت سميت بهذا الاسم لجمالها، وكان اسمها في الجاهلية عاصية، ~~فكرهته بعد إسلامها، وسألت عمر ثم سألت النبي في تغييره فاتفقا على تسميتها بوصفها، ونوديت ~~بعد ذلك باسم جميلة، وروي عن عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل أنها أعطيت شطر الحسن مع ما ~~رزقته من الفصاحة والتقوى. وروي مثل ذلك عن زوجات أخريات وإن لم يتفوقن هذا التفوق ~~المشهور. # ومن أخبار زوجاته أنه طلق اثنتين من أشهر نسائه بالجمال وهما قريبة وجميلة، تزوج الأولى ~~وطلقها قبل إسلامه، وتزوج بالثانية وطلقها بعد إسلامه، ولا ندري على التحقيق ما سبب تطليق ~~هاتين الزوجتين الجميلتين، فهل هو دلال الجمال ضاق به صدر عمر وهو على شموس المرأة غير ~~صبور؟ لعله ذاك، ولعل الذي أبقى عاتكة بنت زيد في عصمته أنها تجاوزت دلال الصغر حين بنى ~~بها، أو غضت من دلالها بالفطنة والتقوى. # وكذلك بقيت في عصمته أم كلثوم بنت علي بن ms189 أبي طالب وهي جميلة صغيرة، وولدت له ابنا سماه ~~باسم أخيه زيد الذي كان يحبه ويذكره ويطيل البكاء عليه، وأعزها عنده النسب والأدب والمحافظة ~~على آصرة النبوة، فلم يفترقا في الحياة ولم ينشب بينهما خلاف إلا حين جاءتها الهدية من ملكة ~~الروم فضمها إلى بيت المال. # وله مع إحدى أولئك الزوجات قصة صغيرة لا يفوتنا إيرادها في الكلام على حياته الخاصة؛ ~~لأنها كثيرة الدلالات عليه، تدل على عمر في أبوته، وتدل على عمر في سورة طبعه، وتدل على عمر ~~في مثوبته إلى الحق كلما وجب أن يثوب إليه. # فقد طلق جميلة وله منها ولد صغير ، فرآه يوما يلعب مع الصبيان، فحمله بين يديه، ~~فأدركته جدته الشموس بنت أبي عامر، وجعلت تنازعه إياه حتى انتهيا إلى أبي بكر رضي الله عنه ~~- وهو خليفة - فقال له أبو بكر: خل بينه وبينها فهي حاضنته. فرده إليها ولم يراجعه ~~بكلمة. # ولعمري إن في هذه القصة الصغيرة من الدلالة عليه لما يغني عن قصص، وفيها عمر إنسان ~~عطوف، وفيها عمر رجل سوار الطبيعة، وفيها عمر صاحب خلق مكين، يكبح من طبيعته كل سورة جاوزت ~~حد العدل والإنصاف، وهذا هو عمر في شتى نواحيه. # وقد تدل هذه القصة على شيء يبرئه من بعض اللوم في تطليقه أم هذا الولد، فاسمها عاصية واسم ~~أمها الشموس، وكأنهما - كما ينبئ عنهما هذان الاسمان - من أسرة تباهي بدلال بناتها وشموسهن، ~~وتختار لهن من الأسماء ما يدل على هذه الخصلة، وقد يضيف إلى توكيد هذه الخصلة فيهن أن ~~عاصية غضبت حين اختار لها عمر اسم جميلة، وقالت له: سميتني باسم الإماء! ثم اختار لها النبي ~~هذا الاسم فقالت: يا رسول الله، أتيت عمر فسماني جميلة فغضبت. قال عليه السلام: أوما ~~علمت أن الله - عز وجل - عند لسان عمر وقلبه؟ # فكأنها نشأت في قوم يعتقدون أن التحسين والترغيب إنما هو من شأن الإماء، وأن الشموس ~~والعصيان أليق بالحرائر وإن أحببن أزواجهن وأحبوهن، فإن كان في تطليقها مأخذ على عمر، فقد ~~يكون فيه ms190 مآخذ عليها تفسر لنا افتراقهما بعدما أحبها وأحبته. # ورزق عمر الذرية من ذكور وإناث نجباء ونجيبات، فقرت عينه بهم؛ لأنه كان كأهل البداوة ~~كافة، يستكثر من الذرية، ويوصي الناس أن يستكثروا منها، وكانوا جميعا عنده بمكان الحب ~~والمودة، لا يخشى الانحراف عن العدل من جانب كما يخشاه من جانب هذه الذرية، أو جانب أهله ~~على التعميم، ولهذا كان يجمعهم إذا نهى الناس عن حوزة حق من الحقوق، فيبلغهم أنه قد نهى ~~عنه، ويذكرهم: «إن الناس ينظرون إليكم نظر الطير إلى اللحم.» ويقسم لهم لئن فعله أحد منهم ~~ليضاعفن عليه العقوبة! # وليس بنا أن نحصي فتاواه وأقضيته في محاسبة أهله أو محاسبة أبنائه خاصة قبل سائر أهله، ~~فذلك عمل له لم ينقطع عنه طوال حياته، ولكنا نكتفي بمثل من أمثال عديدة متواترة، وهو قضاؤه ~~في اتجار أبنائه بمال من بيت مال المسلمين، وذاك أن ابنيه عبد الله وعبيد الله خرجا في ~~جيش إلى العراق، فلما قفلا نزلا بالبصرة وذهبا إلى أبي موسى الأشعري وهو أميرها، فقال لهما: ~~لو أقدر على أمر أنفعكما به؟ ثم عرض عليهما أن يحملا إلى أبيهما مالا من مال الله، فيشتريا ~~به متاعا من العراق يبيعانه بالمدينة، ثم يؤديان رأس المال ويكون لهما الربح. فلما علم عمر ~~سألهما: أكل الجيش أسلفه؟ ثم أمرهما أن يؤديا المال وربحه، فسكت عبد الله وقال عبيد الله: ~~ما ينبغي لك يا أمير المؤمنين هذا، لو نقص هذا المال أو هلك لضمناه! وقال رجل في المجلس: يا ~~أمير المؤمنين لو جعلته قراضا؟ # 23 # فأخذ رأس المال ونصف ~~ربحه، وأخذ ابناه نصف ربح المال. # وإنما كان عمر يتقي محاباة الولاة لأبنائه وذويه وإقرار هذه المحاباة بإذنه، ولكنه كان ~~يقترض من بيت المال ليتجر ويربح ما يعيش به في أهله، ويلجأ إلى التجارة لقلة رزقه الذي فرضه ~~لنفسه من بيت مال المسلمين، وقد فرض رزقه لنفسه بعد مشاورة أصحاب رسول الله، فقال عثمان: كل ~~واطعم. وقال علي: ما يصلحك ويصلح عيالك بالمعروف، وإن أيسرت ms191 قضيت. وكان يقترض فيعسر فيتأخر ~~قضاؤه، فيأتيه صاحب بيت المال ويشتد في تقاضيه، فيحتال له عمر ويؤجله إلى أن يستحق عطاءه مع ~~عطاء المسلمين، فيسد به دينه. # مع هذا كان يشفق أن يقترض من بيت المال إلا أن يتعذر عليه الاقتراض من بعض صحبه، فأرسل ~~مرة إلى عبد الرحمن بن عوف في طلب أربعة آلاف درهم يجهز بها عيرا # 24 # إلى الشام، فعاد الرسول يقول له: خذها من ~~بيت المال ثم ردها! وشق ذلك عليه، فلقي صاحبه وعلم منه صدق ما بلغه فقال: أفئن مت قبل أن ~~تجيء قلتم أخذها أمير المؤمنين دعوها له، وأوخذ يوم القيامة ؟ «لا، ولكني أردت أن آخذها من ~~رجل حريص شحيح مثلك، فإن مت أخذها من ميراثي.» # وحدث ما توقعه من مجيء الأجل قبل سداد ديونه جميعا، فلم يشغله الموت ولا شغلته كبار ~~الخطوب التي يضطلع بتصريفها قبل موته أن يسأل عن ديونه، ويوصي بسدادها من ماله ومال أهله، ~~وقال لابنه: «إن وفى به - أي بالدين - مال آل عمر فأده من أموالهم، وإلا فاسأل فيه بني ~~عدي، فإن لم تف أموالهم فاسأل فيه قريشا، ولا تعدهم # 25 # إلى غيرهم.» وكان عبد الرحمن بن عوف حاضرا، فأشار ~~عليه مقترحا أن يستقرضها من بيت المال حتى تؤدى، فلم يقبل عمر، ودعا بابنه عبد الله فقال: ~~اضمنها! فضمنها، ووفى بوعده فلم يدفن أبوه حتى أشهد بها على نفسه أهل الشورى وعدة من ~~الأنصار، وما انقضى أسبوع حتى حمل المال إلى عثمان، وأحضر الشهود على البراءة بدفعه، وقد ~~بيعت لعمر دار في هذا الدين، وسميت زمنا باسم دار القضاء؛ لأنها بيعت في قضاء دينه. # ولأن يموت عمر مدينا وفي الدين لهو أعظم الشرفين، وأيسر من ذلك شرفا أن يموت غنيا ~~بغير دين. # الفصل الثاني عشر # | صورة مجملة # صحبنا عمر بن الخطاب في حالات كثيرة تختلف فيها صور الرجال. # صحبناه في جاهليته وإسلامه، وفي سره وعلانيته، وفي بيته وحكومته، وفي دينه وثقافته، وفي ~~اتصاله بالله واتصاله بالناس، فإذا الصورة المجملة ms192 من جميع هذه الصور المختلفة صورة رجل ~~عظيم من معدن العبقرية والامتياز بين الناس على اختلاف العصور، وإذا هو صاحب مناقب وأخلاق ~~من أنبل الصفات الإنسانية، توافقت فيه على قوة نادرة، وتلاقت فيه إلى غاية واحدة، وهي إحقاق ~~الحق وإدحاض الباطل، ووسمته جميعا بسمة الجندية المجاهدة التي تحمي الحدود للناس، وتحميها ~~من الناس، وهو هو في طليعة من يحمي، وفي طليعة من يحتمي على السواء. # ورسخت في طويته خليقة المساواة في العدل، حتى أصبحت كالوظيفة العضوية التي لا تنفصل منه، ~~وحتى أصبح يتجرد من نفسه، أو يجرد منها شخصا آخر غريبا عنه، لا فرق بينه وبين أحد في حدود ~~الله وحرماته، وتمكنت هذه الخليقة منه حتى جرت على لسانه عامدا وغير عامد، فكان يتكلم عن ~~نفسه كما يتكلم عن غريب: بخ بخ يا عمر! ويحك يا بن الخطاب! ماذا يقول عمر؟ وهذا فلان بن ~~عمر وليس بفلان ولدي ... إلى أشباه هذه التجريدات التي تنبعث فيه من خليقة التسوية بين جميع ~~الناس، وبينهم وبين نفسه قبل جميع الناس. # وكانت فيه خشونة الأقوياء الصرحاء، ولكنه - كما قال عارفوه من الصحابة - «باطنه خير من ~~ظاهره»، أو كما قال فيه الصديق من كلام، فحواه أن مبغضيه هم المبغضون للخير. # وكان له محبون من كرام الناس، لا يعدلون بحبه حب أحد من أمثاله، فكان عبد الله بن مسعود ~~يقول: «لو أعلم عمر كان يحب كلبا لأحببته، والله إني لأحسب العضاه # 1 # قد وجدت ~~لفقد عمر.» # والغالب في أمثال عمر من أصحاب الطبائع القوية المهيبة أن تحجب عنهم الهيبة ألفة الغرباء ~~الذين لا يختلطون بهم في السر والعلانية، بل تحجب عنهم ألفة الأقربين في كثير من الأحيان؛ ~~لأنهم من تفردهم بالصراحة والحق في عزلة دائمة بين ألصق الناس بهم وأقربهم إليهم: # أعاذك أنس المجد من كل وحشة # فإنك في هذا الأنام غريب # ولكنهم لا يكرهون إلا عن خطأ أو حسد لئيم. وكان عمر على التخصيص ممن لا يثيرون شعور ~~الكراهية في قلب إنسان؛ لأنه كان على ms193 عظم «شخصيته» مبرأ من العنصر الشخصي في معاملة ~~الأصدقاء والخصوم، وإنما ينجم العداء الشديد من الإحساس بهذا «العنصر الشخصي» ومقابلته ~~بمثله مقابلة اصطدام وانتقام. # فالذين كانوا يذوقون إنصاف عمر كانوا يستمرئونه ويحبونه، والذين كانوا يذوقون عقابه كانوا ~~لا يشعرون بعمر بن الخطاب معاقبا لهم صوالا عليهم، وإنما يشعرون بميزان الشريعة منصوبا ~~على رءوسهم، ويتساوون فيه وعمر وأبناء عمر لو وجب العقاب، فلا موضع هنا للضغينة، ولا ~~لاصطدام النفس بالنفس واحتدام الحزازة بالحزازة. # ولهذه الخصلة ذكره بالحب والإعجاب من ابتلوا بعدله أشد ابتلاء، وانطبعت نفوسهم على ~~الدهاء أو الهجاء. # فعمرو بن العاص ومعاوية كانا يثنيان عليه وشد ما ابتليا في حياته بضربات عدله وهيبته، ~~والحطيئة أهجى الشعراء وأبخلهم بالثناء كان رفاقه يذكرونه اسم عمر بعد موته فيرتعب ثم يهدأ ~~فيقول: يرحم الله ذلك المرء! ويثني عليه. # وقد قال عمرو بن العاص إذ رأى عمر يبكي لاستعطاف الحطيئة إياه في سجنه: ما أظلت الخضراء ~~ولا أقلت الغبراء أعدل من رجل يبكي على تركه الحطيئة! # وقد شاء القدر أن يموت عمر قتيلا، فلا يكون قتله دليلا على بغضاء «شخصية»، أو خلة ترتبط ~~بحياته الفردية، فإنما البغضاء «الوطنية» هي علة التآمر على قتله بين المغلوبين في ميدان ~~القتال على التحقيق، وهكذا كل بغضاء بقيت بعد موته مقرونة بذكراه فإنما هي في أصلها «بغضاء ~~وطنية» كامنة وراء الدعاوى الطائفية والمجادلات المذهبية، وإن تطاولت الأيام. # فالمعلوم أن عمر مات بطعنات من خنجر فيروز «أبي لؤلؤة» من سبايا الفرس بالمدينة، وأن ~~فيروز هذا جاء عمر قبل مقتله بأيام فشكا إليه مولاه المغيرة بن شعبة لأنه فرض عليه خراجا ~~درهمين في كل يوم، فسأله عمر عن صناعته، فأنبأه أنه «نجار نقاش حداد»، فلم يستكثر عمر هذا ~~الخراج على من يصنع هذه الأعمال، وقال له: قد بلغني أنك تقول: «لو أردت أن أعمل رحى تطحن ~~بالريح فعلت»، وطلب إليه أن يصنع رحى على هذه الصفة، فقال له: لئن سلمت لأعملن لك رحى يتحدث ~~بها من بالمشرق والمغرب. ثم انصرف ms194 وهو يقول: «وسع الناس عدله غيري!» فقال عمر لسامعيه: لقد ~~توعدني العبد آنفا! ولم يؤاخذه بهذا الوعيد، بل كان من نيته أن يلقى المغيرة ليخفف عن ~~مولاه. # هذا هو السبب الظاهر الذي لا يستر ما وراءه؛ لأن أبا لؤلؤة لم يكن إلا منفذا للكيد ~~الذي اتفق عليه كثيرون، وقد روى عبد الرحمن بن أبي بكر أنه رأى هذا الرجل مع الهرمزان ~~وجفينة قبل مقتل عمر جالسين يتحدثون، فلما فاجأهم قاموا وقوفا، فسقط بينهم خنجر له ~~رأسان نصابه في وسطه، وهو الخنجر الذي حمله فيروز لقتل عمر وقتل نفسه إن أخذ ~~بفعلته. # والهرمزان أمير زالت عنه الإمارة بعد ذهاب الدولة المجوسية، وجفينة من أهل الأنبار وهم ~~على ولاء للفرس، وأبو لؤلؤة فارسي شديد الحقد على المسلمين، لم ينس أسره، ولم يزل كلما جيء ~~إلى المدينة بأسرى من وقعات فارس مسح رءوسهم وتوعد المسلمين أجمعين. # وقد كان شاركهم في هذه المؤامرة يهودي مغلوب تظاهر بالإسلام، وهو المسمى بكعب الأحبار، ~~ولعله أراد أن يكسب سمعة العلم بالأسرار من علمه بالمؤامرة، فذهب إلى عمر قبل ثلاثة أيام ~~من مقتله ينذره أن يختار ولي عهده لأنه ميت في ثلاثة أيام، فسأله عمر: وما يدريك؟ قال: أجده ~~في كتاب الله التوراة. فلم تجز هذه الدعوى على عمر وعاد يسأله: «الله! إنك لتجد عمر بن ~~الخطاب في التوراة؟!» فأشفق الرجل أن ينكشف دجله وقال: بل أجد صفتك وحليتك وأنه قد فنى ~~أجلك. ثم كرر له النذير مرتين في اليومين التاليين. # فعمر إنما ذهب - رحمه الله - شهيد مؤامرة من أعداء الدولة الإسلامية لا شك فيها، وما كانت ~~قصة الخراج إلا الستار الذي يتوارى به المتآمرون بالمدينة والبلاد الأخرى مخافة القصاص الذي ~~يحيق بهم إذا جهروا بما دبروه، أو جهروا بالعلة التي من أجلها تربصوا بذلك التدبير. # إن مقتل عمر أحرى أن يعد جزءا من أكبر أجزاء سيرته، ولا يحسب نهاية تختم تلك السيرة ~~دون أن تضيف إليها. # فقد تمثلت في مقتله مزاياه الكبار التي تمثلت في جلائل أعماله ms195 وعظائم مساعيه وخصاله، فكان ~~عمر الصريع قدوة في الشجاعة وتقديم الواجب والإيثار على النفس ومحاسبة الضمير وسداد ~~التدبير، كما كان عمر في أصح ساعاته وأسلمها للعمل والتفكير. # وكان - رضي الله عنه - ينظر إلى الحياة كأنها رسالة تؤدى ما استطيع أداؤها، ثم لا ~~معنى لها إذا فرغ من رسالتها، أو حيل بينه وبين أدائها، فبعد الحجة التي مات على أثرها أناخ ~~بالأبطح، ثم كوم كومة من البطحاء ألقى عليها طرف ردائه واستلقى عليها ورفع يديه إلى السماء، ~~ودعا الله: «اللهم كبرت سني، وضعفت قوتي، وانتشرت رعيتي، فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط، ~~اللهم ارزقني الشهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك.» # ومضت أسابيع فخرج يوما قبيل الفجر يوقظ الناس ثم يسوي الصفوف للصلاة، فلم يؤم الناس حتى ~~فاجأه القاتل بطعنتين إحداهما في كتفه والأخرى في خاصرته، وقيل ثلاث طعنات إحداهن تحت السرة ~~وقد خرقت الصفاقين # 2 # قضى بها نحبه رحمه الله، وقيل بل ست طعنات منها تلك الطعنة القاتلة. # فلم تشغله هذه الطعنات المفاجئات عن الصلاة، ولم يفكر أن يشغل المسلمين بمقلته عن أداء ~~فريضتهم في موعدها، وسأل عن عبد الرحمن بن عوف ليصلي بالناس. # ثم جعل يغمى عليه ولا ينتبه إذا دعوه، حتى قال بعض عارفيه: إنكم لن تفزعوه بشيء مثل ~~الصلاة إن كانت به حياة. فنودي: الصلاة، الصلاة! فلما سمع النداء فتح عينيه وفاه بكلمات ~~متقطعات: «الصلاة! ها ... الله ... إذن»، ثم قال: لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة. # ولم يهمه من قتله بعد أن حمل إلى منزله إلا أن يعرف ألمظلمة كان قتله أم لبغي من القاتل؟ ~~فلما علم أنه أبو لؤلؤة قال: ولم قاتله الله وقد أمرت به معروفا؟! ثم حمد الله قائلا: ~~«الحمد لله الذي لم يجعل قاتلي يحاجني عند الله بسجدة سجدها له قط، ما كانت العرب ~~لتقتلني.» # وهمه بعد ذلك أن يلقى حسابه عند الناس وهو وشيك أن يلقى حسابه عند الله. # فأمر ابن عباس أن يخرج إلى المهاجرين والأنصار يسألهم: أعن ملأ ms196 منكم ومشورة كان هذا الذي ~~أصابني؟ فصاحوا معلنين: «لا والله، ولوددنا أن الله زاد في عمره من أعمارنا.» # واشتد البكاء كأن الناس لم يصابوا بمصيبة قبلها، فنهاهم أن يبكوا عليه، ثم سقوه نقيع ~~التمر فخرج من الجرح أحمر كما هو فلم يعرفوا أدم هو أم النقيع خرج بلونه، فسقوه اللبن ~~أبيض يشوبه صديد، فأشار عليه الطبيب أن يعهد فقال: «لو قلت غير هذا لكذبتك.» # وكان قد أنكر على الناس أن يجيئوه بالطبيب قبل أن يفرغ من وصاياه: ويحكم أيها الناس! ~~أأنظر في أمر نفسي قبل أن أنظر في أمور المسلمين؟! فلما قال الطبيب مقالته أخذ في تدبير ~~المهم من شئون الدولة وأولها الخلافة، فجعلها شورى ليستقر بها القرار ما استطيع إقراره، ~~ونجا بأهله منها وهو يقول: «... أما لقد جهدت نفسي وحرمت أهلي، وإن نجوت كفافا # 3 # لا وزر ولا أجر إني لسعيد.» # وهو في هذا كله لا يخالف ديدنه من صراحة ولا يكتم طبيعة أهل الفناء من حب الحياة، ولا ~~يخفي «إن للحياة لنصيبا من القلب، وإن للموت لكربة!» ولكنها لم تمنعه قط أن يعطي الحق ~~حيث وجب للموت أو للحياة. # فلما فرغ من شئون الدولة نظر في أمر دينه فأبى أن يدفن قبل أن يضمن سداده، وأقبل يطمئن ~~إلى مضجعه في جوار صاحبيه وقد فرغ من حقوق الدنيا، فدعا بابنه عبد الله ينطلق إلى عائشة أم ~~المؤمنين ويقرئها منه السلام، ونهاه أن يسميه عندها أمير المؤمنين؛ لأنه ليس اليوم للمؤمنين ~~أميرا، ثم يستأذنها أن يدفن إلى جوار صاحبيه - يعني النبي عليه السلام وخليفته ~~الصديق. # ووجدها عبد الله تبكي، فسلم عليها، واستأذنها فأذنت وقالت: كنت أريده لنفسي، ولأوثرنه به ~~اليوم على نفسي! # فلم يكفه هذا حتى يستوثق كل الاستيثاق من رضاها، فعاد يخاطب ابنه: «يا عبد الله بن عمر، ~~انظر، فإذا أنا قبضت فاحملوني على سريري ثم قف على الباب، فقل: يستأذن عمر بن الخطاب، فإن ~~أذنت لي فأدخلني، وإن ردتني فردني إلى مقابر المسلمين، فإني أخشى أن يكون إذنها ms197 لي لمكان ~~السلطان.» # وقال شهود دفنه: «فلما حمل فكأن المسلمين لم تصبهم مصيبة إلا يومئذ.» وفارق الدنيا ~~أعدل العادلين وهو مظلوم أو متهم بظلم، فما دلها شيء على عظم فضله ولا عظم الحاجة إلى العدل ~~فيها كما دلها هذا الختام. ms198