######OpenITI# #META# URI: 1383CabbasMahmudCaqqad.CabqariyyatImamCali.Hindawi53075185 #META# Tags: biographies #META# ID: 53075185 #META# Title: عبقرية الإمام عليّ #META# AuthorID: 64642852 #META# Author: عباس محمود العقاد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تقديم‏ # صفاته‏ # مفتاح شخصيته‏ # إسلامه‏ # عصر الإمام‏ # البيعة‏ # سياسته‏ # حكومته‏ # النبي والإمام والصحابة‏ # ثقافته‏ # في بيته‏ # صورة مجملة‏ # تقديم‏ # صفاته‏ # مفتاح شخصيته‏ # إسلامه‏ # عصر الإمام‏ # البيعة‏ # سياسته‏ # حكومته‏ # النبي والإمام والصحابة‏ # ثقافته‏ # في بيته‏ # صورة مجملة‏ # | عبقرية الإمام علي # | عبقرية الإمام علي # تأليف # عباس محمود العقاد # | تقديم # في كل ناحية من نواحي النفوس الإنسانية ملتقى بسيرة علي بن أبي طالب - رضوان الله عليه ~~... # لأن هذه السيرة تخاطب الإنسان حيثما اتجه إليه الخطاب البليغ من سير الأبطال والعظماء، ~~وتثير فيه أقوى ما يثيره التاريخ البشري من ضروب العطف ومواقع العبرة والتأمل. # في سيرة ابن أبي طالب ملتقى بالعاطفة المشبوبة، والإحساس المتطلع إلى الرحمة والإكبار ... ~~لأنه الشهيد أبو الشهداء، يجري تاريخه وتاريخ أبنائه في سلسلة طويلة من مصارع الجهاد ~~والهزيمة، ويتراءون للمتتبع من بعيد واحدا بعد واحد شيوخا جللهم وقار الشيب، ثم جللهم ~~السيف الذي لا يرحم، أو فتيانا عوجلوا وهم في نضرة العمر يحال بينهم وبين متاع الحياة، بل ~~يحال بينهم أحيانا وبين الزاد والماء، وهم على حياض المنية جياع ظماء ... وأوشك الألم ~~لمصرعهم أن يصبغ ظواهر الكون بصبغتهم وصبغة دمائهم، حتى قال شاعر فيلسوف كأبي العلاء لا يظن ~~به التشيع، بل ظنت بإسلامه الظنون: # وعلى الأفق من دماء الشهيد # ين علي ونجله شاهدان # فهما في أواخر الليل فجرا # ن، وفي أولياته شفقان # وهذه غاية من امتزاج العاطفة بتلك السيرة قلما تبلغها في سير الشهداء غاية، وكثيرا ما ~~تتعطش إليها سرائر الأمم في قصص الفداء التي عمرت بها تواريخ الأديان ... # وفي سيرة ابن أبي طالب ملتقى بالخيال، حيث تحلق الشاعرية الإنسانية في الأجواء أو تغوص في ~~الأغوار، فهو الشجاع الذي نزعت به الشاعرية الإنسانية منزع الحقيقة ومنزع التخيل، واشترك في ~~تعظيمه شهود العيان وعشاق الأعاجيب ... ألم يحارب المردة في فلواتها؟ ... ألم يخلق له الرواة ~~أندادا من المناجزين والمبارزين لم يخلقهم الله؟ ... ألم يستصغر عليه المحبون الغالبون في ~~الحب أن يصرع من عرفنا من خصومه، فأنشئوا له من الخصوم المغلوبين من لم ms001 يعرفهم ولم يعرفوه؟ ~~... ألم يوشك من وصفوه ووصفوا وقعاته وفتكاته أن يلحقوه بأبطال الأساطير، وهو هو أصدق الأبطال ~~في أصدق مجال. # وتلتقي سيرته - عليه رضوان الله - بالفكر كما تلتقي بالخيال والعاطفة؛ لأنه صاحب آراء في ~~التصوف والشريعة والأخلاق سبقت جميع الآراء في الثقافة الإسلامية؛ ولأنه أحجى الخلفاء ~~الراشدين أن يعد من أصحاب المذاهب الحكيمة بين حكماء العصور؛ ولأنه أوتي من الذكاء ما هو ~~أشبه بذكاء الباحثين المنقبين منه بذكاء الساسة المتغلبين، فهو الذكاء الذي تحسه في الفكرة ~~والخاطرة قبل أن تحسه في نتيجة العمل ومجرى الأمور ... # وللذوق الأدبي - أو الذوق الفني - ملتقى بسيرته كملتقى الفكر والخيال والعاطفة؛ لأنه - ~~رضوان الله عليه - كان أديبا بليغا له نهج من الأدب والبلاغة يقتدي به المقتدون، وقسط من ~~الذوق مطبوع يحمده المتذوقون، وإن تطاولت بينه وبينهم السنون، فهو الحكيم الأديب، والخطيب ~~المبين، والمنشئ الذي يتصل إنشاؤه بالعربية ما اتصلت آيات الناثرين والناظمين ... # وللنفس الإنسانية نواحيها الكثيرة غير نواحي العطف والتخيل والتفكير، وتذوق الحسن الجميل ~~من التعبير. # فمن نواحيها الكثيرة ناحية لم تنقطع قط في زمن من الأزمان، وهي ناحية الخلاف بين الطبائع ~~والأذهان، أو ناحية الخصومة الناشبة أبدا على رأي من الآراء، أو حق من الحقوق، أو وطن من ~~الأوطان. # فقد يفتر العقل والذوق بعض حين، وقد يفتر الخيال والعاطفة بعض حين، ولكن الذي لم يفتر قط ~~ولا نخاله يفتر في حين من الأحايين خصام العقول، وجدل الألسنة واختلاف المختلفين، وتشيع ~~المتشيعين. # وإن ها هنا للمجال الرغيب والملتقى القريب في سيرة هذا الإمام الأوحد، التي لا تشبهها ~~سيرة في هذه الخاصة بين شتى الخواص، وهو - رضوان الله عليه - قد قال في ذلك أوجز مقال حين ~~قال: «ليحبني أقوام حتى يدخلوا النار في حبي، ويبغضني أقوام حتى يدخلوا النار في بغضي» ... أو ~~حين قال: «يهلك في رجلان: محب مفرط بما ليس في، ومبغض يحمله شنآني على أن يبهتني.» # وصدق الإمام الكريم في غلو الطرفين من محبيه ومن مبغضيه، فقد بلغ من حب بعضهم إياه أن ms002 ~~رفعوه إلى مرتبة الآلهة المعبودين، وبلغ من كراهة بعضهم إياه أن حكموا عليه بالمروق من ~~الدين: هنا الروافض الغلاة يعبدونه وينهاهم عن عبادته فلا يطيعونه ... ويستتيبهم فيصرون على ~~الكفر أي إصرار، ويأمر بإحراقهم فيقولون وهم يساقون إلى الحفيرة الموقدة: إنه الله وإنه هو ~~الذي يعذب بالنار! ... # وهناك الخوارج الغلاة يعلنون كفره ويطلبون منه التوبة إلى الله عن عصيانه ... ويسبونه على ~~المنابر كما سبه خصومه الأمويون، الذين خالفوهم في العقيدة ووافقوهم على السباب ... # ميدان من ميادين الملاحاة لم يتسع قط ميدان متسعه في تواريخ الأبطال المعرضين للحب ~~والبغضاء: يقول أناس: إله، ويقول أناس: كافر مطرود من رحمة الله! ... # وناحية أخرى من نواحي النفس الكثيرة تلاقيها سيرة الإمام في أكثر من طريق: وتلك هي ناحية ~~الشكوى والتمرد، أو ناحية الشوق إلى التجديد والإصلاح ... # فقد أصبح اسم علي علما يلتف به كل مغصوب، وصيحة ينادي بها كل طالب إنصاف، وقامت باسمه ~~الدول بعد موته؛ لأنه لم تقم له دولة في حياته، وجعل الغاضبون على كل مجتمع باغ وكل حكومة ~~جائرة، يلوذون بالدعوة العلوية كأنها الدعوة المرادفة لكلمة الإصلاح، أو كأنها المنفس الذي ~~يستروح إليه كل مكظوم ... فمن نازع في رأي ففي اسم علي شفاء لنوازع نفسه، ومن ثار على ضيم ففي ~~اسم علي حافز لثورته ومرضاة لغضبه، ومن واجه التاريخ العربي بالعقل أو بالذوق أو بالخيال أو ~~بالعاطفة، فهناك ملتقى بينه وبين علي في وجه من وجوهه، وعلى حالة من حالاته، وتلك هي ~~المزية التي انفرد بها تاريخ الإمام بين تواريخ الأئمة الخلفاء، فأصبحت بينه وبين قلوب ~~الناس وشائج تخلقها الطبيعة الآدمية إن قصر في خلقها التاريخ والمؤرخون. # وكل ملتقى من هذه الملتقيات يدع الكاتب في حذر ما بعده حذر؛ لأن اشتباك العوامل النفسية ~~يزيد صعوبة الباحث عن نفس من النفوس، ولا ينقصها أو يئول بها إلى البساطة والوضوح، وكلما ~~قلت هذه العوامل، وانحصرت في ناحية من النواحي سهل الخلوص إلى مقطع الحق فيها. فالبطل الذي ~~يلتقي بالفكر وحده أسهل من البطل الذي ms003 يلتقي بالفكر والعاطفة، وإن هذا لأسهل من الذي يلتقي ~~بالفكر والعاطفة والخيال، وكل أولئك أسهل ممن يلتقي في ألف سنة متوالية بدخائل النفوس ~~جميعا من طموح إلى المثل الأعلى، أو حرص على الملاحاة، أو شغف بالبلاغة أو رياضة على ~~التقوى، مزيدا على الخيال والشعور والتفكير. # لهذا نعلم غير مترددين في علمنا أن واجبنا في «عبقرية الإمام» مرسوم الغاية والطريق، وهو ~~واجب التبسيط والقصد إلى الخطة الوسطى، وفي علمنا بهذا بعض التيسير، وإن لم يكن فيه كل ~~التيسير ... نرجع «بعبقرية الإمام» إلى الحقيقة الوسطى. # نرجع من عشرين طريقا إلى بداية واحدة؛ لأن الطريق الواحدة لا تؤدي إليها أقرب أداء، ~~وحسبنا أننا عرفنا ضرورة الرجوع من كل هذه الطرق إلى تلك البداية المقصودة فعلى بركة الله ~~... # عباس محمود العقاد # | صفاته # المشهور عن علي - كرم الله وجهه - أنه كان أول هاشمي من أبوين هاشميين ... فاجتمعت له خلاصة ~~الصفات التي اشتهرت بها هذه الأسرة الكريمة، وتقاربت سماتها وملامحها في كثير من أعلامها ~~المقدمين، وهي في جملتها: النبل والأيد والشجاعة والمروءة والذكاء، عدا المأثور في سماتها ~~الجسدية التي تلاقت أو تقاربت في عدة من أولئك الأعلام. # فهو ابن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد ~~مناف. # وقيل: إن اسمه الذي اختارته له أمه: حيدرة باسم أبيها أسد، والحيدرة هو الأسد ... ثم غيره ~~أبوه فسماه عليا وبه عرف واشتهر بعد ذلك ... # وكان علي أصغر أبناء أبويه، وأكبر منه جعفر وعقيل وطالب، وبين كل منهم وأخيه عشر ~~سنين. # قيل: إن عقيلا كان أحب هؤلاء الإخوة إلى أبيه، فلما أصاب القحط قريشا وأهاب رسول الله - ~~عليه السلام - بعميه حمزة والعباس أن يحملوا ثقل أبي طالب في تلك الأزمة جاءوه، وسألوه أن ~~يدفع إليهم ولده ليكفوه أمرهم، فقال: دعوا لي عقيلا وخذوا من شئتم، فأخذ العباس طالبا، ~~وأخذ حمزة جعفر، وأخذ النبي - عليه السلام - عليا كما هو مشهور، فعوضه إيثار النبي بالحب ~~عن إيثار أبيه، ولكنه عرف هذا ms004 الإيثار في طفولته الأولى، فكان سابقة باقية الأثر في نفسه ~~على ما يبدو من أطوار حياته التالية، وجاءت لهذه السابقة لواحقها الكثيرة على توقع ~~واستعداد، فتعود أن يفوته الحق والتفضيل وهو يدرج في صباه. # وربما صح من أوصاف علي في طفولته أنه كان طفلا مبكر النماء سابقا لأنداده في الفهم ~~والقدرة؛ لأنه أدرك في السادسة أو السابعة من عمره شيئا من الدعوة النبوية التي يدق ~~فهمها، والتنبه لها على من كان في مثل هذه السن المبكرة، فكانت له مزايا التبكير في النماء ~~كما كانت له أعباؤه ومتاعبه التي تلازم أكثر المبكرين، ولا سيما المولودين منهم في شيخوخة ~~الآباء ... # ونشأ - رضي الله عنه - رجلا مكين البنيان في الشباب والكهولة، حافظا لتكوينه المكين حتى ~~ناهز الستين ... # قال واصفوه وهو في تمام الرجولة: إنه كان - رضي الله عنه - ربعة أميل إلى القصر، آدم - ~~أي: أسمر - شديد الأدمة، أصلع مبيض الرأس واللحية طويلها، ثقيل العينين في دعج وسعة، حسن ~~الوجه، واضح البشاشة، أغيد كأنما عنقه إبريق فضة، عريض المنكبين لهما مشاش كمشاش # 1 # السبع الضاري لا يتبين عضده من ساعده قد أدمجت إدماجا، وكان أبجر - أي: كبير ~~البطن - يميل إلى السمنة في غير إفراط، ضخم عضلة الساق دقيق مستدقها، ضخم عضلة الذراع دقيق ~~مستدقها، شثن الكفين، يتكفأ في مشيته على نحو يقارب مشية النبي، ويقدم في الحرب فيقدم ~~مهرولا لا يلوي على شيء. # وتدل أخباره - كما تدل صفاته - على قوة جسدية بالغة في المكانة والصلابة على العوارض ~~والآفات، فربما رفع الفارس بيده فجلد به الأرض غير جاهد ولا حافل، ويمسك بذراع الرجل فكأنه ~~أمسك بنفسه فلا يستطيع أن يتنفس، واشتهر عنه أنه لم يصارع أحدا إلا صرعه، ولم يبارز أحدا ~~إلا قتله، وقد يزحزح الحجر الضخم لا يزحزحه إلا رجال، ويحمل الباب الكبير يعيي بقلبه ~~الأشداء، ويصيح الصيحة فتنخلع لها قلوب الشجعان. # ومن مكانة تركيبه - رضي الله عنه - أنه كان لا يبالي الحر والبرد، ولا يحفل الطوارئ ~~الجوية في صيف ولا شتاء، فكان يلبس ms005 ثياب الصيف في الشتاء وثياب الشتاء في الصيف، وسئل في ~~ذلك فقال: «إن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # بعث إلي وأنا أرمد العين يوم خيبر، فقلت: يا رسول الله، ~~إني أرمد العين، فقال: اللهم أذهب عنه الحر والبرد، فما وجدت حرا ولا بردا منذ يومئذ ~~...» ~~••• # ولا يفهم من هذا أنه - رضوان الله عليه - كان معدوم الحس بالحر والبرد بالغا ما بلغت ~~بهما القساوة والإيذاء، فقد كان يرعد للبرد إذا اشتد ولم يتخذ له عدة من دثار يقيه، قال ~~هارون بن عنترة عن أبيه: دخلت على علي بالخورنق - وهو فصل شتاء - وعليه خلق قطيفة وهو يرعد ~~فيه، فقلت: يا أمير المؤمنين، إن الله قد جعل لك ولأهلك في هذا المال نصيبا، وأنت تفعل هذا ~~بنفسك؟ ... فقال: والله ما أرزؤكم شيئا، وما هي إلا قطيفتي التي أخرجتها من المدينة. # فليس هو انعدام حس بالصيف والشتاء، إنما هي مناعة قوية خصت بها بنيته، لم يخص بها معظم ~~الناس. # وكان إلى قوته البالغة، شجاعا لا ينهض له أحد في ميدان مناجزة، فكان لجرأته على الموت لا ~~يهاب قرنا من الأقران بالغا ما بلغ من الصولة ورهبة الصيت، واجترأ وهو فتى ناشئ على عمرو ~~بن ود فارس الجزيرة العربية، الذي كان يقوم بألف رجل عند أصحابه وعند أعدائه، وكانت وقعة ~~الخندق فخرج عمرو مقنعا في الحديد ينادي جيش المسلمين: من يبارز ... فصاح علي: أنا له يا نبي ~~الله ... قال النبي وبه إشفاق عليه: إنه عمرو، اجلس، ثم عاد عمرو ينادي: ألا رجل يبرز؟ ... وجعل ~~يؤنبهم قائلا: أين جنتكم التي زعمتم أنكم داخلوها إن قتلتم؟ ... أفلا تبرزون إلي رجلا؟ ... ~~فقام علي مرة بعد مرة وهو يقول: أنا له يا رسول الله، ورسول الله يقول له مرة بعد مرة: ~~اجلس، إنه عمرو، وهو يجيبه: وإن كان عمرا ... حتى أذن له فمشى إليه فرحا بهذا الإذن الممنوع ~~كأنه الإذن بالخلاص ... ثم نظر إليه عمرو فاستصغره وأنف أن يناجزه وأقبل يسأله: من أنت؟ ... قال ~~ولم يزد: أنا علي، ms006 قال : ابن عبد مناف؟ ... قال: ابن أبي طالب، فأقبل عمرو عليه يقول: يا ابن ~~أخي ... من أعمامك من هو أسن، وإني أكره أن أهريق دمك، فقال له علي: لكني والله لا أكره أن ~~أهريق دمك، فغضب عمرو وأهوى إليه بسيف كان كما قال واصفوه كأنه شعلة نار، واستقبل علي ~~الضربة بدرقته فقدها السيف وأصاب رأسه، ثم ضربه علي على حبل عائقه فسقط ونهض، وسقط ~~ونهض، وثار الغبار، فما انجلى إلا عن عمرو صريعا وعلي يجأر بالتكبير. # وكأنما كانت شجاعته هذه القضاء الحتم الذي لا يؤسى على مصابه؛ لأنه أحجى المصائب، وأقلها ~~معابة ألا يدفع، فكانت أخت عمرو بن ود تقول على سبيل التأسي بعد موته: # لو كان قاتل عمرو غير قاتله # بكيته أبدا ما دمت في الأبد # لكن قاتله من لا نظير له # وكان يدعى أبوه بيضة البلد # فكانت شجاعته من الشجاعات النادرة التي يشرف بها من يصيب بها ومن يصاب ... # ويزيدها تشريفا أنها ازدانت بأجمل الصفات التي تزين شجاعة الشجعان الأقوياء ... فلا يعرف ~~الناس حلية للشجاعة أجمل من تلك الصفات التي طبع عليها علي بغير كلفة ولا مجاهدة رأي، وهي ~~التورع عن البغي، والمروءة مع الخصم قويا أو ضعيفا على السواء، وسلامة الصدر من الضغن ~~على العدو بعد الفراغ من القتال. # فمن تورعه عن البغي، مع قوته البالغة وشجاعته النادرة، أنه لم يبدأ أحدا قط بقتال وله ~~مندوحة عنه، وكان يقول لابنه الحسن: «لا تدعون إلى مبارزة، فإن دعيت إليها فأجب، فإن ~~الداعي إليها باغ والباغي مصروع» ... # وعلم أن جنود الخوارج يفارقون عسكره ليحاربوه، وقيل له: إنهم خارجون عليك فبادرهم قبل أن ~~يبادروك، فقال: «لا أقاتلهم حتى يقاتلوني، وسيفعلون ...!» # وكذلك فعل قبل وقعة الجمل، وقبل وقعة صفين، وقبل كل وقعة صغرت أو كبرت ووضح فيها عداء ~~العدو أو غمض: يدعوهم إلى السلم وينهى رجاله عن المبادأة بالشر، فما رفع يده بالسيف قط إلا ~~وقد بسطها قبل ذلك للسلام. # كان يعظ قوما فبهرت عظته بعض الخوارج الذين يكفرونه، فصاح معجبا ms007 إعجاب الكاره الذي لا ~~يملك بغضه ولا إعجابه: قاتله الله كافرا ما أفقهه ... فوثب أتباعه ليقتلوه، فنهاهم عنه، وهو ~~يقول: إنما هو سب بسب أو عفو عن ذنب. # وقد رأينا أنه كان يقول لعمرو بن ود: إني لا أكره أن أهريق دمك ... ولكنه على هذا لم يرغب ~~في إهراق دمه إلا بعد يأس من إسلامه ومن تركه حرب المسلمين ... فعرض عليه أن يكف عن القتال ~~فأنف، وقال: إذن تتحدث العرب بفراري، وناشده: يا عمرو، إنك كنت تعاهد قومك ألا يدعوك رجل من ~~قريش إلى خلتين إلا أخذت منه إحداهما، قال: أجل، قال: فإني أدعوك إلى الإسلام أو إلى ~~النزال، قال: ولم يا ابن أخي؟ ... فوالله ما أحب أن أقتلك ... فلم يكن له بد بعد ذلك من إحدى ~~اثنتين: أن يقتله أو يقتل على يديه. # وعلى ما كان بينه وبين معاوية وجنوده من اللدد في العداء لم يكن ينازلهم، ولا يأخذ من ~~ثاراته وثارات أصحابه عندهم إلا بمقدار ما استحقوه في موقف الساعة: فاتفق في يوم صفين أن ~~خرج من أصحاب معاوية رجل يسمى كريز بن الصباح الحميري، فصاح بين الصفين: من يبارز؟ ... فخرج ~~إليه رجل من أصحاب علي فقتله ووقف عليه ونادى: من يبارز؟ فخرج إليه آخر فقتله وألقاه على ~~الأول، ثم نادى: من يبارز؟ ... فخرج إليه الثالث فصنع به صنيعه بصاحبه، ثم نادى رابعة: من ~~يبارز؟ ... فأحجم الناس ورجع من كان في الصف الأول إلى الصف الذي يليه، وخاف علي أن يشيع ~~الرعب بين صفوفه، فخرج إلى ذلك الرجل المدل بشجاعته وبأسه فصرعه، ثم نادى نداءه حتى أتم ~~ثلاثة صنع بهم صنيعه بأصحابه، ثم قال مسمعا الصفوف: يا أيها الناس، إن الله - عز وجل - ~~يقول: # الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص ~~، ولو لم تبدءونا ما بدأناكم ... ثم رجع إلى ~~مكانه. # أما مروءته في هذا الباب فكانت أندر بين ذوي المروءة من شجاعته بين الشجعان، فأبى على ~~جنده وهم ناقمون أن يقتلوا مدبرا أو يجهزوا على جريح أو يكشفوا سترا ms008 أو يأخذوا مالا، ~~وصلى في وقعة الجمل على القتلى من أصحابه ومن أعدائه على السواء، وظفر بعبد الله بن الزبير ~~ومروان بن الحكم وسعيد بن العاص، وهم ألد أعدائه المؤلبين عليه فعفا عنهم ولم يتعقبهم بسوء، ~~وظفر بعمرو بن العاص وهو أخطر عليه من جيش ذي عدة، فأعرض عنه وتركه ينجو بحياته حين كشف عن ~~سوأته اتقاء لضربته ... وحال جند معاوية بينه وبين الماء في معركة صفين، وهم يقولون له: ولا ~~قطرة حتى تموت عطشا ... فلما حمل عليهم وأجلاهم عنه سوغ لهم أن يشربوا منه كما يشرب جنده، ~~وزار السيدة عائشة بعد وقعة الجمل، فصاحت به صفية أم طلحة الطلحات: أيتم الله منك أولادك ~~كما أيتمت أولادي، فلم يرد عليها شيئا، ثم خرج فأعادت عليه ما استقبلته به فسكت ولم يرد ~~عليها، قال رجل أغضبه مقالها: يا أمير المؤمنين، أتسكت عن هذه المرأة وهي تقول ما تسمع؟ ... ~~فانتهره وهو يقول: ويحك؟ ... إنا أمرنا أن نكف عن النساء وهم مشركات أفلا نكف عنهن وهن ~~مسلمات؟ ... وإنه لفي طريقه إذ أخبره بعض أتباعه عن رجلين ينالان من عائشة، فأمر بجلدهما مائة ~~جلدة، ثم ودع السيدة عائشة أكرم وداع وسار في ركابها أميالا، وأرسل معها من يخدمها ويحف ~~بها، قيل: إنه أرسل معها عشرين امرأة من نساء عبد القيس عممهن بالعمائم، وقلدهن السيوف ... ~~فلما كانت ببعض الطريق ذكرته بما لا يجوز أن يذكر به وتأففت وقالت: هتك ستري برجاله وجنده ~~الذين وكلهم بي ... فلما وصلت إلى المدينة ألقى النساء عمائمهن وقلن لها: إنما نحن ~~نسوة. # وكانت هذه المروءة سنته مع خصومه، من استحق منهم الكرامة ومن لم يستحقها، ومن كان في حرمة ~~عائشة - رضي الله عنها - ومن لم تكن له قط حرمة، وهي أندر مروءة عرفت من مقاتل في وغر ~~القتال ... # وتعدلها في النبل والندرة سلامة صدره من الضغن على أعدى الناس له، وأضرهم به وأشهرهم ~~بالضغن عليه، فنهى أهله وصحبه أن يمثلوا بقاتله وأن يقتلوا أحدا غيره، ورثى طلحة الذي خلع ~~بيعته ms009 وجمع الجموع لحربه رثاء محزون يفيض كلامه بالألم والمودة، وأوصى أتباعه ألا يقاتلوا ~~الخوارج الذين شقوا صفوفه، وأفسدوا عليه أمره وكانوا شرا عليه من معاوية وجنده؛ لأنه رآهم ~~مخلصين وإن كانوا مخطئين وعلى خطئهم مصرين ... ~~••• # وتقترن بالشجاعة - ولا سيما شجاعة الفرسان المقاتلين بأيديهم - صفة لازمة لها متممة ~~لعملها قلما تنفصل عنها، وكأنها والشجاعة أشبه شيء بالنضح للماء، أو بالإشعاع للنور، فلا ~~تكون شجاعة الفروسية إلا كانت معها تلك الصفة التي نشير إليها، وهي صفة «الثقة» أو ~~«الاعتزاز» أو الادراع بالهيبة والتهويل على الخصوم، ولا سيما في مواقف النزال. # وقد يسميها بعض الناس زهوا وليست هي به ولا هي من معدنه وسمته، وإن شابهته في بعض ~~الملامح والألوان. # فالزهو المذموم فضول لا لزوم له ولا خير فيه، وهو لون خادع قد يوجد مع الضعف كما يوجد مع ~~القوة، وقد يبدو على الجبان كما يبدو على الشجاع ... # أما هذا الاعتزاز الذي نشير إليه، أو هذه الثقة التي تظهر لنا في صورة الاعتزاز، فهي جزء ~~من شجاعة الفارس المقاتل لا يستغني عنه ولا يزال متصلا بعمله في مواجهة خصومه، وهو عرض ~~للقوة يساعد الفارس في إرهاب عدوه وإضعاف عزيمة من يتصدى لحربه ... مثله هنا كمثل العروض التي ~~تعمد إليها الجيوش لإعلان بأسها، وتخويف الأعداء من الاستخفاف بها والهجوم عليها، فهو ~~كالشجاعة أداة ضرورية من أدوات القتال لا تنفصل عنها، وليس كل ما فيها ضربا من الخيلاء ~~يرضي به الشجاع غروره، ويتيه به في عير حاجة إلى التيه. # ولهذا تحمس الناس للفخر العسكري من قديم الزمن وعهدوه وتحدثوا به وتناقلوه، فسمحوا للفارس ~~- بل لعلهم أوجبوا عليه - أن يروغ من خصمه بالفخر المرعب إذ يتقدم لنزاله، وأن يلاقيه وهو ~~ينشد الأشعار في ذكر وقعاته والتهويل بضرباته والإشادة بغزواته، وعلموا أنهم - وقد احتاجوا ~~إلى شجاعته - محتاجون كذلك إلى فخره وحماسته، وإيقاع الرعب في جنان قرنه، فشاعت قصائد ~~الفخر والحماسة كما شاعت قصائد الحب والمناجاة، وهي أحب القصائد إلى القلوب. ~~••• # ومن تأصل هذه العادة في الطبائع أنها ms010 تشاهد في جميع الأحياء فطرة وارتجالا بغير ~~اصطناع ولا تعمد، فلا نرى حيا من الأحياء الناطقة أو العجماء ينازل قرنا له إلا حاول ما ~~استطاع أن يهوله بتكبير حجمه، واستطالة قدره واتمار نظره وتنفيش ريشه أو شعره، ويقف الإنسان ~~مثل هذا الموقف فيطيل قامته، ويبرز صدره ويدق بيده عليه ويقول بلسان حاله ما يقال باللسان، ~~فإذا هو الفخر والحماسة وإذا هو عنوان الثقة والإقدام ... # هذه الصفة لازمة لفرسان الميدان، ولا سيما فرسان العصور الأولى الذين يقفون للقتال وجها ~~لوجه، وينظر أحدهم إلى قرنه وهو يهجم عليه. # وكانت هذه الصفة من صفات علي - رضي الله عنه - يفهمها من يريد أن يفهم ولا يضيق صدرا ~~بفضله، وينكرها من ينفس عليه فيسميها الزهو أو يسميها الجفوة والخيلاء، قال له قيس بن سعد ~~بعد عزله من ولاية مصر: إنك والله ما علمت لتنظر الخيلاء ... ومر الزبير بن العوام مع رسول ~~الله في بني غنيم، فرأى رسول الله عليا على مقربة منه فضحك له وضحك علي يحييه، فقال ~~الزبير: لا يدع ابن أبي طالب زهوه، قال رسول الله: إنه ليس به زهو، ولتقاتلنه وأنت له ظالم ~~... # فليس هو بالزهو المكروه، ولكنها الشجاعة التي يمتلئ بها الشجاع والثقة التي تتراءى مكشوفة ~~في صراحتها واستقامتها؛ لأن صاحبها لم يتكلف مداراتها ولم يحس أنه يحتاج إلى مداراتها؛ ~~ولأنه لا يقصدها ولا يتعمد إبداءها ... ~~••• # وقد كان مدار هذا الخلق في ابن أبي طالب على ثقة أصيلة فيه لم تفارقه منذ حبا ودرج، وقبل ~~أن يبلغ مبلغ الرجال، فما منعته الطفولة الباكرة يوما أن يعلم أنه شيء في هذه الدنيا، وأنه ~~قوة لها جوار يركن إليه المستجير، ولقد كان في العاشرة أو نحوها يوم أحاط القروم القرشيون ~~بالنبي - عليه السلام - ينذرونه وينكرونه وهو يقلب عينه في وجوههم، ويسأل عن النصير ولا ~~نصير ... لو كان بعلي أن يرتاع في مقام نجدة أو مقام عزيمة لارتاع يومئذ بين أولئك الشيوخ ~~الذين رفعتهم الوجاهة، ورفعتهم آداب القبيلة البدوية إلى مقام الخشية والخشوع، ولكنه ms011 كان ~~عليا في تلك السن الباكرة كما كان عليا وهو في الخمسين أو الستين ... فما تردد وهم صامتون ~~مستهزئون أن يصيح صيحة الواثق الغضوب: أنا نصيرك ... فضحكوا منه ضحك الجهل والاستكبار، وعلم ~~القدر وحده في تلك اللحظة أن تأييد ذلك الغلام أعظم وأقوم من حرب أولئك القروم ... # علي هذا هو الذي نام في فراش النبي ليلة الهجرة، وقد علم ما تأتمر به مكة كلها من قتل ~~الراقد على ذلك الفراش. # وعلي هذا هو الذي تصدى لعمرو بن ود مرة بعد مرة، والنبي يجلسه ويحذره العاقبة التي حذرها ~~فرسان العرب من غير تحذير، يقول النبي: اجلس، إنه عمرو، فيقول: وإن كان عمرا ... كأنه لا ~~يعرف من يخاف ولا يعرف كيف يخاف، ولا يعرف إلا الشجاعة التي هو ممتلئ بها واثق فيها في غير ~~كلفة ولا اكتراث. # وتمكنت هذه الثقة فيه لطول مراس الفروسية، التي هي كما أسلفنا جزء منها وأداة من ~~أدواتها. # وزادها تمكينا حسد الحاسدين ولجاجة المنكرين، وكلاهما خليق أن يعتصم المرء منه بثقة لا ~~تنخذل، وأنفة لا تلين، فمن شواهد هذه الثقة بنفسه أنه حملها من ميدان الشجاعة إلى ميدان ~~العلم والرأي حين كان يقول: «اسألوني قبل أن تفقدوني، فوالذي نفسي بيده لا تسألوني في شيء ~~فيما بينكم وبين الساعة، ولا عن فئة تهدي مائة وتضل مائة إلا أنبأتكم بناعقها وقائدها ~~وسائقها، ومناخ ركابها ومحط رحالها.» # ومن شواهدها أنه كان يقول والخارجون عليه يرجمونه بالمروق: «ما أعرف أحدا من هذه الأمة ~~عبد الله بعد نبينا غيري، عبدت الله قبل أن يعبده أحد من هذه الأمة تسع سنين.» # وزاده اتهام من حوله معتصما بالثقة بنفسه، فلما عتب عليه خصماه طلحة والزبير أنه ترك ~~مشورتهما قال: «نظرت إلى كتاب الله وما وضع لنا وأمرنا بالحكم به فاتبعته، وما استن النبي # صلى الله عليه وسلم # فاقتديته، فلم أحتج في ذلك إلى رأيكما ولا رأي غيركما، ولا وقع حكم جهلته ~~فأستشيركما وإخواني المسلمين، ولو كان ذلك لم أرغب عنكما ولا عن غيركما ...» # وأبدى ms012 هذه الخليقة منه أنه كان - رضي الله عنه - لا يتكلف ولا يحتال على أن يتألف، بل كان ~~يقول: «شر الإخوان من تكلف له.» ويقول: «إذا احتشم المؤمن أخاه فقد فارقه.» فكان الذين ~~ينتظرون منه الاصطناع والإرضاء يخطئون ما انتظروه، ولا سيما إذا هم انتظروه من أرزاق رعاياه ~~وحقوقهم التي اؤتمن إليها، فيحسبون أنها الجفوة البينة وأنه الزهو المقصود وما هو بهذا ولا ~~بتلك ... إنما هي شجاعة الفارس بلوازمها التي لا تنفصل منها، وإنما هو امتعاض المغموط المسيء ~~ظنا بمن حوله يتراءى على سجيته في غير مداراة ولا رياء، فما كان يتكلف إظهار تلك الخلائق ~~زهوا كما يسمونه أو جفوة كما يحسبونها، بل كان قصاراه ألا يتكلف الإخفاء، فإذا التفت ~~قاصدا إلى ما في نفسه فهو لا يقصد العجب ولا يرضاه، بل ينهى عنه ويشتد في اجتنابه، ويوصي ~~من أحب: «إياك والإعجاب بنفسك والثقة بما يعجبك منها» ... «واعلم أن الإعجاب ضد الصواب، وآفة ~~الألباب.» # نعم كان ملاك الأمر في أخلاق علي - عليه السلام - أنه كان لا يتكلف إظهار شيء، ولا يتكلف ~~إخفاء شيء، ولا يقبل التكلف حتى من مادحيه، فربما أفرط الرجل في الثناء عليه وهو متهم عنده ~~فلا يدعه حتى يعلن له طويته، ويقول له: «أنا دون ما تقول وفوق ما في نفسك.» ~~••• # وكانت قلة التكلف هذه توافق منه خليقته الكبرى من الشجاعة والبأس والامتلاء بالثقة ~~والمنعة، وكانت تسلك معه مسلك الحقيقة والمجاز على السواء، كأنه يعني ما يصنع وهو لا يعنيه، ~~وإنما يجيء منه على البديهة كما تجيء الأشياء من معادنها: كان مثلا يخرج إلى مبارزيه حاسر ~~الرأس ومبارزوه مقنعون بالحديد، أفعجيب منه أن يخرج إليهم حاسر النفس وهم مقنعون بالحيلة ~~والرياء؟ ... وكان يغفل الخضاب أحيانا ويرسل الشيب ناصعا، وهو لا يحرم خضابه في غير ذلك من ~~الأحيان، أفعجيب منه - مع هذا - أن يقل اكتراثه لكل خضاب ساترا ما ستر، أو كاشفا ما كشف، ~~من رأي وخليقة؟ # بل كانت قلة التكلف هذه توافق منه خليقة أخرى كالشجاعة في قوتها ms013 ورسوخها ... أو هي قريبة ~~للشجاعة في نفس الفارس النبيل وقلما تفارقها، ونعني بها خليقة الصدق الصراح الذي يجترئ به ~~الرجل على الضر والبلاء، كما يجترئ به على المنفعة والنعماء، فما استطاع أحد قط أن يحصي ~~عليه كلمة خالف فيها الحق الصراح في سلمه وحربه، وبين صحبه أو بين أعدائه، ولعله كان أحوج ~~إلى المصانعة بين النصراء مما كان بين الأعداء؛ لأنهم أرهقوه باللجاجة وأعنتوه بالخلاف، فما ~~عدا معهم قول الصدق في شدة ولا رخاء، حتى قال فيه أقرب الناس إليه: إنه رجل يعرف من الحرب ~~شجاعتها، ولكنه لا يعرف خدعتها، وكان أبدا عند قوله: «علامة الإيمان أن تؤثر الصدق حيث ~~يضرك، على الكذب حيث ينفعك، وألا يكون في حديثك فضل على علمك، وأن تتقي الله في حديث غيرك» ~~... ~~••• # وصدق في تقواه وإيمانه كما صدق في عمل يمينه ومقالة لسانه، فلم يعرف أحد من الخلفاء أزهد ~~منه في لذة دنيا أو سيب دولة، وكان وهو أمير للمؤمنين يأكل الشعير وتطحنه امرأته بيديها، ~~وكان يختم على الجراب الذي فيه دقيق الشعير، فيقول: «لا أحب أن يدخل بطني ما لا أعلم» ... قال ~~عمر بن عبد العزيز وهو من أسرة أمية التي تبغض عليا، وتخلق له السيئات وتخفي ما توافر ~~له من الحسنات: «أزهد الناس في الدنيا علي بن أبي طالب.» وقال سفيان: «إن عليا لم يبن ~~آجرة على آجرة ولا لبنة على لبنة، ولا قصبة على قصبة.» وقد أبى أن ينزل القصر الأبيض ~~بالكوفة إيثارا للخصاص التي يسكنها الفقراء، وربما باع سيفه ليشتري بثمنه الكساء والطعام، ~~وروى النضر بن منصور عن عقبة بن علقمة قال: «دخلت على علي - عليه السلام - فإذا بين يديه ~~لبن حامض آذتني حموضته وكسر يابسة، فقلت: يا أمير المؤمنين، أتأكل مثل هذا؟ فقال لي: يا أبا ~~الجنوب، كان رسول الله يأكل أيبس من هذا ويلبس أخشن من هذا - وأشار إلى ثيابه - فإن لم آخذ ~~بما أخذ به خفت ألا ألحق به» ... # وعلى هذا الزهد الشديد كان علي - رضي الله ms014 عنه - أبعد الناس من كزازة طبع وضيق حظيرة ~~وجفاء عشيرة، بل كانت فيه سماحة يتبسط فيها حتى يقال دعابة، وروي عن عمر بن الخطاب - رضي ~~الله عنه - أنه قال له: «لله أبوك لولا دعابة فيك.» وأنه قال لمن سألوه في الاستخلاف: «ما ~~أظن إلا أن يلي أحد هذين الرجلين: علي أو عثمان، فإن ولي عثمان فرجل فيه لين، وإن ولي علي ~~ففيه دعابة، وأحر به أن يحملهم على الطريق.» ~~••• # وأغرق ابن العاص في وصف الدعابة فسماها «دعابة شديدة»، وطفق يرددها بين أهل الشام ليقدح ~~بها في صلاح الإمام للخلافة، وإنما نقول: إن ابن العاص أغرق في هذا الوصف، وإن الدعابة ~~المعيبة لم تكن قط من صفاته؛ لأن تاريخ علي وأقواله ونوادره مع صحبه وأعدائه محفوظة ~~لدينا، لا نرى فيها دليلا على خلق الدعابة فضلا عن الدليل على الإفراط فيه ... فإن كان لهذا ~~الوصف أثر أجاز لعمر بن الخطاب أن يذكره، فربما كان مرجع ذلك أن عليا خلا من الشغل الشاغل ~~سنين عدة، فأعفاه الشغل الشاغل من صرامته، وأسلمه حينا إلى سماحته وأحاديث صحبه ومريديه، ~~فحسبت هذه الدعة من الدعابة البريئة ثم بالغ فيها المبالغون، ولم يثبتوها بقصة واحدة أو ~~شاردة واحدة تجيز لهم ما تقولوه. # وقد كانت للإمام صفات ومزايا فكرية تناصي المشهور المتفق عليه من صفاته النفسية ومزاياه ~~الخلقية، فاتفق خصومه وأنصاره على بلاغته، واتفقوا على علمه وفطنته، وتفرقوا فيما عدا ذلك ~~من رأيه في علاج الأمور ودهائه في سياسة الرجال. # والحق الذي لا مراء فيه أنه كان على نصيب من الفطنة النافذة لا ينكره منصف، وأنه أشار ~~على عمر وعثمان أحسن المشورة في مشكلات الحكم والقضاء، وأنه أشبه الخلفاء بالباحثين ~~والمنقبين أصحاب الحكمة ومذاهب التفكير، وعنه أخذ الحكماء الذين شرعوا علم الكلام قبل أن ~~يتطرق إليه علم فارس أو علم يونان ... وكان يفهم أخلاق الناس فهم العالم المراقب لخفايا ~~الصدور، ويشرحها في عظاته وخطبه شرح الأديب اللبيب ... # إلى هنا متفق عليه لا يكثر فيه الخلاف، ثم يفترق الناس ms015 في رأيه رأيين وإن لم يكونوا من ~~الشانئين المتحزبين، فيقول أناس: إنه كان على قسط وافر من الفهم والمشورة، ولكنه عند العمل ~~لا يرى ما تقضي به الساعة الحازبة، ولا ينتفع بما يراه. ويقول أناس: بل هو الاضطرار ~~والتحرج يقيدانه ولا يقيدان أعداءه وإنهم لدونه في الفطنة والسداد. وهو - رضي الله عنه - قد ~~اعتذر لنفسه بمشابه من هذا العذر حين قال: «والله ما معاوية بأدهى مني، ولكنه يغدر ويفجر، ~~ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس» ... ~~••• # أما مقطع الرأي بين الرأيين فنرجو أن نفصله في مواضعه من الفصول التالية مشفوعا ~~بمناسباته، ولكننا نستطيع أن نجزم هنا بحقيقتين تجملان ما نبسطه في مواضعه من الكتاب، ولا ~~نحسبهما تتسعان لجدل طويل، وهما أن أحدا لم يثبت قط أن العمل بالآراء الأخرى كان أجدى ~~وأنجع في فض المشكلات من العمل برأي الإمام، وأن أحدا لم يثبت قط أن خصوم الإمام كانوا ~~يصرفون الأمور خيرا من تصريفه، لو وضعوا في موضعه واصطلحت عليهم المتاعب التي اصطلحت عليه، ~~وكلتا الحقيقتين حرية أن تضبط لسان الميزان قبل أن يميل، فيغلو به الميل هنا أو هناك. # هذه صفات تنتظم في نسق موصول: رجل شجاع لأنه قوي، وصادق لأنه شجاع؛ وزاهد مستقيم لأنه ~~صادق، ومثار للخلاف لأن الصدق لا يدور بصاحبه مع الرضا والسخط والقبول والنفور، وأصدق ~~الشهادات لهذا الرجل الصادق أن الناس قد أثبتوا له في حياته أجمل صفاته المثلى، فلم يختلفوا ~~على شيء منها إلا الذي اصطدم بالمطامع، وتفرقت حوله الشبهات، وما من رجل تتعسف المطامع ~~أسباب الطعن فيه ثم تنفذ منه إلى صميم. # | مفتاح شخصيته # «آداب الفروسية» هي مفتاح هذه الشخصية النبيلة، الذي يفض منها كل مغلق ويفسر منها كل ما ~~احتاج إلى تفسير. # وآداب الفروسية هي تلك الآداب التي نلخصها في كلمة واحدة وهي: النخوة ... # وقد كانت النخوة طبعا في علي فطر عليه، وأدبا من آداب الأسرة الهاشمية نشأ فيه، وعادة ~~من عادات «الفروسية» العملية التي يتعودها كل فارس شجاع متغلب على الأقران، وإن ms016 لم يطبع ~~عليها، وينشأ في حجرها؛ لأن للغلبة في الشجاع أنفة تأبى عليه أن يسف إلى ما يخجله ويشينه، ~~ولا تزال به حتى تعلمه النخوة تعلما، وتمنعه أن يعمل في السر ما يزري به في ~~العلانية. # وهكذا كان علي - رضي الله عنه - في جميع أحواله وأعماله: بلغت به نخوة الفروسية غايتها ~~المثلى، ولا سيما في معاملة الضعفاء من الرجال والنساء، فلم ينس الشرف قط ليغتنم الفرصة، ~~ولم يساوره الريب قط في الشرف، والحق أنهما قائمان دائمان كأنهما مودعان في طبائع الأشياء، ~~فإذا صنع ما وجب عليه فلينس من شاءوا ما وجب عليهم، وإن أفادوا كثيرا وباء هو ~~بالخسار. # أصاب المقتل من عدوه مرات فلم يهتبل الفرصة السانحة بين يديه؛ لأنه أراد أن يغلب عدوه ~~غلبة الرجل الشجاع الشريف، ولم يرد أن يغلبه أو يقتص منه كيفما كان سبيل الغلب والقصاص ~~... # قال بعض من شهدوا معركة صفين: «لما قدمنا على معاوية وأهل الشام بصفين، وجدناهم قد نزلوا ~~منزلا اختاروه مستويا بساطا واسعا، وأخذوا الشريعة - أي: مورد الماء - فهي في أيديهم ... ~~وقد أجمعوا على أن يمنعونا الماء، ففزعنا إلى أمير المؤمنين فخبرناه بذلك فدعا صعصعة بن ~~صوحان، فقال له: ائت معاوية، وقل له إنا سرنا مسيرنا هذا إليكم ونحن نكره قتالكم قبل ~~الإعذار إليكم، وإنك قدمت إلينا خيلك ورجلك فقاتلتنا قبل أن نقاتلك وبدأتنا، ونحن من رأينا ~~الكف عنك حتى ندعوك ونحتج عليك، وهذه أخرى قد فعلتموها إذ حلتم بين الناس وبين الماء، ~~والناس غير منتهين أو يشربوا فابعث إلى أصحابك فليخلوا بين الناس وبين الماء، ويكفوا حتى ~~ننظر فيما بيننا وبينكم وفيما قدمنا له وقدمتم له ...» # ثم قال راوي الخبر ما معناه: إن معاوية سأل أصحابه، فأشاروا عليه أن يحول بين علي وبين ~~المورد غير حافل بدعوته إلى السلم، ولا بدعوته إلى المفاوضة في أمر الخلاف، فأنفذ معاوية ~~مددا إلى حراس المورد يحمونه ويصدون من يقترب منه، ثم كان بين العسكرين تراشق بالنبل، ~~فطعن بالرماح، فضرب بالسيوف حتى اقتحم أصحاب علي ms017 طريق الماء وملكوه. # وهنا الفرصة الكبرى لو شاء علي أن يهتبلها، وأن يغلب أعداءه بالظمأ كما أرادوا أن ~~يغلبوه به قبيل ساعة ... وقد جاء أصحابه يقولون: والله لا نسقيهموه، فكأنما كان هو سفير ~~معاوية وجنده إليهم يتشفع لهم، ويستلين قلوبهم من أجلهم، وصاح بهم: «خذوا من الماء حاجتكم ~~وارجعوا إلى عسكركم وخلوا عنهم، فإن الله - عز وجل - قد نصركم عليهم بظلمهم وبغيهم.» # ولاحت له فرصة قبل هذه الفرصة في حرب أهل البصرة، فأبى أن يهتبلها وأغضب أعوانه إنصافا ~~لأعدائه؛ لأنه نهاهم أن يسلبوا المال ويستبيحوا السبي وهو في رأيهم حلال. قالوا: أتراه يحل ~~لنا دماءهم ويحرم علينا أموالهم؟ ... فقال: «إنما القوم أمثالكم، من صفح عنا فهو منا ونحن ~~منه، ومن لج حتى يصاب فقتاله مني على الصدر والنحر.» وسن لهم سنة الفروسية أو سنة النخوة ~~حين أوصاهم ألا يقتلوا مدبرا، ولا يجهزوا على جريح، ولا يكشفوا سترا، ولا يمدوا يدا إلى ~~مال. # ومن الفرص التي أبت عليه النخوة أن يهتبلها فرصة عمرو بن العاص، وهو ملقى على الأرض مكشوف ~~السوأة لا يبالي أن يدفع عنه الموت بما حضره من وقاء، فصدف بوجهه عنه آنفا أن يصرع رجلا ~~يخاف الموت هذه المخافة التي لا يرضاها من منازله في مجال صراع، ولو غير علي أتيح له أن ~~يقضي على عمرو لعلم أنه قاض على جرثومة عداء ودهاء، فلم يبال أن يصيبه حيث ظفر به، ولا ~~جناح عليه. ~~••• # لقد كان رضاه من الآداب في الحرب والسلم رضا الفروسية العزيزة من جميع آدابها ~~ومأثوراتها. # فكان يعرف العدو عدوا حيثما رفع السيف لقتاله ... ولكنه لا يعادي امرأة ولا رجلا موليا، ~~ولا جريحا عاجزا عن نضال، ولا ميتا ذهبت حياته ولو ذهبت في سبيل حربه ... بل لعله يذكر له ~~ماضيه يومئذ، فيقف على قبره ليبكيه ويرثيه ويصلي عليه. # وهذه الفروسية هي التي بغضت إليه أن ينال أعداءه بالسباب، وليس من دأب الفارس أن ينال ~~أعداءه بغير الحسام. # فلما سمع قوما من أصحابه يسبون أهل الشام أيام ms018 حروبهم بصفين، قال لهم: «إني أكره أن ~~تكونوا سبابين، ولكنكم لو وصفتم أعمالهم وذكرتم حالهم كان أصوب في القول، وأبلغ في العذر، ~~وقلتم مكان سبكم إياهم: اللهم احقن دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم، واهدهم من ~~ضلالهم حتى يعرف الحق من جهله، ويرعوي عن الغي والعدوان من لهج به.» # وربما شذ عن سنته هذه في بعض الأحايين، فإذا به لا يشذ عنها إلا كما يشذ الفرسان حين ~~تغلبهم بوادر اللسان ... فندر بين رجال السيف من يسمع الكلمة المغضبة، فلا ينطق لسانه بكلمة ~~عوراء يجاري بها غضبه الذي طبع على إبدائه ولم يطبع على كتمانه. # ومن قبيل هذا كلمات قالها علي في ابن العاص وفي معاوية، وفي الأشعث بن قيس وغير هؤلاء، ~~ولكنه لم يجعلها ديدنا له كما سبوه على المنابر، وأشاعوا مذمته بين أهل الأمصار. # شغب عليه الأشعث بن قيس ومرد عليه الجند، وأفشى بين أنصاره الفتنة وقاطعه مرة وهو يخطب ~~على منبر الكوفة، فأغضبه وهاج غيظه فبدره بقوله: «عليك لعنة الله ولعنة اللاعنين: حائك ابن ~~حائك، منافق ابن كافر، والله لقد أسرك الكفر مرة والإسلام أخرى، فما فداك من واحدة منهما ~~مالك ولا حسبك، وإن امرأ ولى على قومه السيف، وساق إليهم الحتف لحري أن يمقته الأقرب ولا ~~يأمنه الأبعد.» ~~••• # وطفق ابن العاص ينعته بين أهل الشام بالهزل والدعابة، ويأمر بسبه على المنابر حتى وجب رده ~~وإدحاض زعمه، فقال - رضي الله عنه - في بعض خطبه: عجبا لابن النابغة! ... يزعم لأهل الشام أن ~~في دعابة وأني امرؤ تلعابة: أعانس وأمارس # 1 ~~... لقد قال باطلا ونطق آثما، أما - وشر القول الكذب - إنه ليقول فيكذب، ويعد ~~فيخلف، ويسأل فيبخل، ويخون العهد ويقطع الإل، # 2 # فإذا كان عند الحرب فأي زاجر وآمر هو ما لم تأخذ السيوف مآخذها، فإذا كان ذلك ~~أكبر مكيدته أن يمنح القوم سبته، أما والله إني ليمنعني من اللعب ذكر الموت، وإنه ليمنعه من ~~قول الحق نسيان الآخرة، إنه لم يبايع معاوية حتى شرط أن يؤتيه آتية، ويرضخ له ms019 على ترك الدين رضيخة. # 3 # وكذلك كان يجبه معاوية وغيره بنظائر هذه الكلمات حين يجترئون عليه بما يغض من حقه، ويقدح ~~في دعوته، فلا يشذ عن ديدن الفرسان في روية فكره ولا في بوادر لسانه، ولكن الفلتات التي من ~~هذا القبيل شيء، واتخاذ السباب صناعة دائمة وسلاحا مشهورا وسبيلا إلى القول الباطل شيء ~~آخر ... # ولقد كانت للإمام - رضي الله عنه - شواغل أخرى غير الفروسية تجري في مجراها حينا، وتبدو ~~غريبة عنها حينا آخر في عرف بعض الناقدين، ومنها التفقه والنزوع إلى «التصوف» واستنباط ~~حقائق الأشياء. ~~••• # فهذه في عرف بعض الناقدين ليست من مزاج الفروسية على ظاهر ما قدروه ... ولكن ما التصوف أو ~~التجرد للحقيقة؟ ... أليس هو في معدنه جهادا في الحق أو جهادا في الله؟ ... أليست طبيعة ~~الجهاد وطبيعة الفروسية من معدن واحد؟ ... ألم نعهد في كل ملة وكل زمان فئات من الناس ~~يجاهدون؛ لأنهم متدينون متنطسون، أو يتدينون ويتنطسون؛ لأنهم مجاهدون؟ ... # فالإمام علي - رضي الله عنه - فارس لا يخرجه من الفروسية فقه الدين، بل هو أحرى أن يسلكه ~~فيها، ولا يخرجه من الفروسية بعض المقال في خصومه، بل هي بوادر الفرسان بعينها، ولا تزال ~~آداب الفروسية بشتى عوارضها هي المفتاح الذي يدار في كل باب من أبواب هذه النفس، فإذا هو ~~منكشف للناظر عما يليه. # | إسلامه # ولد علي في داخل الكعبة، وكرم الله وجهه عن السجود لأصنامها، فكأنما كان ميلاده ثمة ~~إيذانا بعهد جديد للكعبة وللعبادة فيها. # وكاد علي أن يولد مسلما ... # بل لقد ولد مسلما على التحقيق إذا نحن نظرنا إلى ميلاد العقيدة والروح؛ لأنه فتح عينيه ~~على الإسلام ولم يعرف قط عبادة الأصنام. # فهو تربى في البيت الذي خرجت منه الدعوة الإسلامية، وعرف العبادة من صلاة النبي وزوجه ~~الطاهرة قبل أن يعرفها من صلاة أبيه وأمه، وجمعت بينه وبين صاحب الدعوة قرابة مضاعفة ومحبة ~~أوثق من محبة القرابة، فكان ابن عم محمد - عليه السلام - وربيبه الذي نشأ في بيته ونعم ~~بعطفه وبره، وقد رأينا الغرباء يحبون محمدا ms020 ويؤثرونه على آبائهم وذويهم ، فلا جرم يحبه هذا ~~الحب من يجمعه به جد، ويجمعه به بيت، ويجمعه به جميل معروف: جميل أبي طالب يؤديه محمد وجميل ~~محمد يحسه ابن أبي طالب ويأوي إليه. # واختلفوا في سنه حين إسلامه من السابعة إلى السادسة عشرة، ولعله أسلم في نحو العاشرة؛ ~~لأنه كان يناهزها عند إعلان الدعوة المحمدية، وكان النبي - عليه السلام - يتعبد في بيته ~~عبادة الإسلام قبل الدعوة بفترة غير قصيرة، وليس ما يمنع عليا أن يألف تلك العبادة في ~~طفولته الباكرة، فإذا هو نفر منها، وأعرض عنها لغير سبب في تلك الطفولة الباكرة، فالعجيب ~~أنه يعود إلى ألفتها والرضا بها بعد أن بلغ السن التي يعرف فيها معنى الغضب لعبادة الآباء ~~والأجداد. # ولولا ألفة علي لابن عمه وكافله لما قربته القرابة وحدها من الدين الذي دعى إليه، فقد أصر ~~كثير من أقرباء النبي على الشرك زمنا طويلا، منهم عقيل أخوه وأحب إخوته إلى أبيه، فحارب ~~المسلمين في بدر ولم يسلم وقد وقع في أسر النبي وصحبه ... بل افتداه عمه العباس وخرج من الأسر ~~وهو على دينه، ثم أسلم بعد صلح الحديبية مع طائفة من الغرباء والأقربين ... ~~••• # على أن الألفة بين ابني العم الكريمين قد أوشكت أن تكون عائقا لإسلام علي في طفولته ~~الباكرة ... لأن النبي - عليه السلام - أبى أن ينتزع الطفل من دين أبيه وأبوه لا يعلم، وأشفق ~~أن يكون بره بعمه وبابن عمه سبيلا إلى التفرقة بين الأب وابنه وهو لا يدرك ما يفعل، ولم ~~يشأ أن يعود الطفل الصغير أن يخفي سرا عن أبيه، كأنه يخدعه بإخفائه ولو في سبيل الهداية ~~والخير، فظل هذا الحرج الكريم عائقا عسيرا أعسر ما فيه أنه عائق اختيار يهون معه ~~الاضطرار، أو عائق حيرة تقل فيها حيلة الكريم ... حتى شاع أمر الدعوة المحمدية وعلم بها أبو ~~طالب ونصر ابن أخيه، وأمر عليا بمتابعة ابن عمه ونصره، فأقبل الغلام البر بأبيه وبكافله ~~إقبالا لا تلجلج فيه على الدين الجديد. # وملأ الدين الجديد قلبا لم ms021 ينازعه فيه منازع من عقيدة سابقة، ولم يخالطه شوب يكدر صفاءه، ~~ويرجع به إلى عقابيله ... فبحق ما يقال: إن عليا كان المسلم الخالص على سجيته المثلى، وإن ~~الدين الجديد لم يعرف قط أصدق إسلاما منه ولا أعمق نفاذا فيه. # كان المسلم حق المسلم في عبادته، وفي علمه وعمله، وفي قلبه وعقله؛ حتى ليصح أن يقال: إنه ~~طبع على الإسلام فلم تزده المعرفة إلا ما يزيده التعليم على الطباع ... # كان عابدا يشتهي العبادة كأنها رياضة تريحه، وليست أمرا مكتوبا عليه ... وكان يرى في ~~كهولته وكأنما جبهته ثفنة بعير من إدمان السجود، وكان علي محجة في الإسلام لا يحيد عنها ~~لبغية ولا لخشية، فكلما زينوا له الهوادة أبى «أن يداهن في دينه ويعطي الدنية في أمره»، ~~وآثر الخير كما يراه على الخير كما يراه الناس ... # وكان دينه له ولعدوه، بل له ولعدو دينه، فما كان الحق عنده لمن يرضاه دون من يقلاه، ولكنه ~~كان الحق لكل من استحقه وإن بهته وآذاه ... ~~••• # وجد درعه عند رجل نصراني فأقبل به إلى شريح - قاضيه - يخاصمه مخاصمة رجل من عامة ~~رعاياه، وقال: إنها درعي ولم أبع ولم أهب، فسأل شريح النصراني: ما تقول فيما يقول أمير ~~المؤمنين؟ ... قال النصراني: ما الدرع إلا درعي وما أمير المؤمنين عندي بكاذب! ... فالتفح شريح ~~إلى علي يسأله: يا أمير المؤمنين هل من بينة؟ ... فضحك علي وقال: أصاب شريح، ما لي بينة! ~~... فقضى بالدرع للنصراني فأخذها ومشى و«أمير المؤمنين» ينظر إليه ... إلا أن النصراني لم يخط ~~خطوات حتى عاد يقول: أما أنا فأشهد أن هذه أحكام أنبياء ... أمير المؤمنين يدينني إلى قاضيه ~~يقضي عليه! ... أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، الدرع والله درعك يا أمير ~~المؤمنين ... اتبعت الجيش وأنت منطلق إلى صفين فخرجت من بعيرك الأورق. فقال: أما إذ أسلمت فهي ~~لك، وشهد الناس بعد ذلك هذا الرجل وهو من أصدق الجند بلاء في قتال الخوارج يوم ~~النهروان. # وأحسن الإسلام علما وفقها كما أحسنه عبادة وعملا، فكانت ms022 فتاواه مرجعا للخلفاء ~~والصحابة في عهود أبي بكر وعمر وعثمان، وندرت مسألة من مسائل الشريعة لم يكن له رأي فيها ~~يؤخذ به، أو تنهض له الحجة بين أفضل الآراء ... # إلا أن المزية التي امتاز بها علي بين فقهاء الإسلام في عصره أنه جعل الدين موضوعا من ~~موضوعات التفكير والتأمل، ولم يقصره على العبادة وإجراء الأحكام، فإذا عرف في عصره أناس ~~فقهوا في الدين؛ ليصححوا عباداته، ويستنبطوا منه أقضيته وأحكامه، فقد امتاز علي بالفقه الذي ~~يراد به الفكر المحض والدراسة الخالصة، وأمعن فيه ليغوص في أعماقه على الحقيقة العلمية، أو ~~الحقيقة الفلسفية كما نسميها في هذه الأيام. ~~••• # ويصح أن يقال: إن عليا - رضي الله عنه - أبو علم الكلام في الإسلام؛ لأن المتكلمين ~~أقاموا مذاهبهم على أساسه كما قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة، فواصل ابن عطاء ~~كبيرهم تلميذ أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية، وأبو هاشم تلميذ أبيه، وأبوه تلميذ علي ~~- رضي الله عنه، وأما الأشعرية فإنهم ينتمون إلى أبي الحسن علي بن أبي الحسن علي بن أبي بشر ~~الأشعري، وهو تلميذ أبي علي الجبائي، وأبو علي الجبائي أحد مشايخ المعتزلة الذين علمهم واصل ~~بن عطاء ... أما الفقه فإمامه الأكبر أبو حنيفة قرأ على جعفر بن محمد، وجعفر بن محمد قرأ على ~~أبيه، وهكذا ينتهي الأمر إلى علي - رضي الله عنه. وقد قرأ مالك بن أنس على ربيعة الرأي، ~~وقرأ ربيعة على عكرمة، وقرأ عكرمة على عبد الله بن عباس، وقرأ عبد الله بن عباس على علي - ~~رضي الله عنه. وقيل لابن عباس: أين علمك من علم ابن عمك؟ ... فقال: كنسبة قطرة من المطر إلى ~~البحر المحيط ... ~~••• # قال ابن أبي الحديد: «ومن العلوم، علم الطريقة والحقيقة وأحوال التصوف، وقد عرفت أن أرباب ~~هذا الفن في جميع بلاد الإسلام إليه ينتهون وعنده يقفون، وقد صرح بذلك الشبلي والجنيد وسري ~~وأبو يزيد البسطامي وأبو محفوظ معروف الكرخي وغيرهم، ويكفيك دلالة على ذلك: الخرقة التي هي ~~شعارهم إلى اليوم، وكونهم ms023 يسندونها بإسناد متصل إليه - عليه السلام ...» # وقد جمع «نهج البلاغة» نماذج شتى من الكلمات التي تنسب إليه، ويصح أن تحسب أصلا «للعلم ~~الإلهي»، أو لأسرار التصوف في صدر الإسلام قبل اشتغال المسلمين بفلسفة اليونان وحكمة الأمم ~~الأجنبية. وربما وقع الشك في نسبة بعض الكلمات إلى علي - رضي الله عنه - لأنها تجمعت بعد ~~عصره بزمن طويل، وامتزج بها ما لا بد أن يمازجها من علوم القرن الثالث وما بعده ... ولكن ~~شيئا على هذا النهج لا بد أن يكون قد صدر منه حقا، حتى جاز أن يتصل النسب بينه وبين أئمة ~~التوحيد وعلم الكلام على النحو الذي تواترت به الأقوال، وأجمله ابن أبي الحديد فيما تقدم ~~... ~~••• # ولنا أن نقول: إنه كان - رضي الله عنه - يتتلمذ للقرآن الكريم، ويستوحيه نصا في عرفان ~~إسلامه وتقرير إيمانه، فكانت نظرته إلى الخلق والخالق نظرة قرآنية يبتكر ما شاء ابتكار ~~التلميذ في الحكاية عن الأستاذ، فكلامه عن الطاووس والخفاش والزرع والسحاب إنما هو الدرس ~~القرآني الذي وعاه من أمر الكتاب بالنظر في المخلوقات، ووصف الكتاب لطوائف منها كالنمل ~~والنحل والطير والأجنة في الأرحام. فهو تلميذ ربه - جل وعلا - في قوله عن الخفاش: «من ~~لطائف صنعته وعجائب حكمته ما أرانا من غوامض الحكمة في هذه الخفافيش، التي يقبضها الضياء ~~الباسط لكل شيء، ويبسطها الظلام القابض لكل حي، وكيف غشيت أعينها عن أن تستمد من الشمس ~~المضيئة نورا تهتدي به في مذاهبها ... فسبحان من جعل الليل لها نهارا ومعاشا، والنهار لها ~~سكنا وقرارا، وجعل لها أجنحة من لحمها تعرج بها عند الحاجة إلى الطيران كأنها شظايا ~~الآذان، غير ذوات ريش ولا قصب ... تطير وولدها لاصق بها لاجئ إليها، يقع إذا وقعت، ويرتفع إذا ~~ارتفعت، لا يفارقها حتى تشتد أركانه، ويحمله للنهوض جناحه، ويعرف مذاهب عيشه ومصالح نفسه، ~~فسبحان البارئ لكل شيء على غير مثال خلاف غيره.» # ومثله قوله عن الطاووس: «ومن أعجبها خلقا الطاووس الذي أقامه في أحكم تعديل، ونضد ~~ألوانه في أحسن تنضيد، بجناح أشرج قصبه وذنب أطال ms024 سحبه، إذا درج إلى الأنثى نشره من طيه، ~~وسما به مظلا على رأسه ... وقد ينحسر من ريشه ويعرى من لباسه فيسقط تترى وينبت تباعا، ~~فينحت من قصبة نحتات أوراق الأغصان، ثم يتلاصق ثانيا حتى يعود كهيئته قبل سقوطه لا يخالف ~~سالف ألوانه، ولا يقع لون في غير مكانه» ... # ونحن لا نستغرب ابتداء هذا النمط من النظر الفلسفي على نحو من الأنحاء في عصر الإمام علي ~~- رضي الله عنه - لأنه كان عهدا نبتت فيه أصول الفرق الإسلامية جميعا من الخوارج والشيعة، ~~والقائلين بالرجعة وتناسخ الأرواح، والمجتهدين في قراءة القرآن وتفسيره على شتى المذاهب ... ~~فأقرب شيء إلى المعقول أن يكون إمام العصر كله قدوة في الاجتهاد والنظر، وعنوانا للنوازع ~~التي تفرقت بين أهل زمانه، وتعبيرا صادقا لتفكيره ووعيه، وصاحب أقوال من قبيل هذه الأقوال ~~التي قدمناها، وإن لم تكن هي إياها بالنص والتفصيل ... # ويستقيم مع هذا التقدير أن يكون الإمام على سجيته مؤثرا للاجتهاد ما استطاعه، معرضا عن ~~التقليد ما استغنى عنه، فوافق الخلفاء من قبله في أمور وخالفهم في أمور، وأبى أن يأتم ~~بعملهم فيما يراه وما لا يراه، وأوصى ابنه الحسن وقد بلغ الستين فقال: «... اعلم يا بني أن ~~أحب ما أنت آخذ به إلي من وصيتي تقوى الله، والاقتصار على ما فرضه الله عليك، والأخذ ~~بما مضى عليه الأولون من آبائك، والصالحون من أهل بيتك، فإنهم لم يدعوا أن نظروا إلى أنفسهم ~~كما أنت ناظر، وفكروا كما أنت مفكر ... فإن أبت نفسك أن تقبل ذلك دون أن تعلم كما علموا، ~~فليكن طلبك ذلك بتفهم وتعلم، لا بتورط الشبهات، وعلق الخصومات، وابتدئ قبل نظرك في ذلك ~~بالاستعانة بإلهك، والرغبة إليه في توفيقك، وترك كل شائبة أولجتك في شبهة أو أسلمتك إلى ~~ضلالة، فإن أيقنت أن قد صفا قلبك، وتم رأيك فاجتمع، وكان همك في ذلك هما واحدا، فانظر ~~فيما فسرت لك ...» # وربما كانت هذه الوصية وحدها كافية للتعريف بإسلام علي كما ارتضاه لنفسه، وارتضاه ~~للقادرين عليه من أتباعه ... فإنما هو ms025 إسلام المسلم «المطبوع » الذي يبتكر دينه؛ لأنه يعتمد ~~فيه على وحي بصيرته وارتجال مزاجه، وإنما هو إسلام الحكيم المجتهد الذي يرجع في الحكمة ~~والاجتهاد إلى رياضة النفس على سنة النساك، وتمحيص الفكر على سنة العلماء، وإنما هو ~~إسلام الرجل الذي أتيح له أن يتتلمذ لربه، ويتربى في حجر نبيه، ويصبح إماما للمقتدين من ~~بعده ... # | عصر الإمام # كانت الظاهرة الكبرى في عصر «علي» ظاهرة اجتماعية خاصة به دون عصور الخلفاء من قبله، ولم ~~تكن في حقيقتها ظاهرة سياسية أو حربية عسكرية، على شدة القتال فيها وغزارة الدماء التي ~~أريقت في حروبها ... # فعصر أبي بكر كان هو العصر الذي نشأت فيه الدولة الإسلامية، وعصر عمر كان هو العصر الذي ~~تم فيه إنشاؤها ... # وعصر عثمان كان هو العصر الذي تكون فيه المجتمع الإسلامي بعد نشأة الدولة الجديدة، فبرز ~~فيه نظام جديد على أساس الثروة المجلوبة من الأقطار المفتوحة، وعلى أساس الولايات التي ~~تولاها بعض الطبقات المرشحة للرئاسة من العلية وأشباهها ... # أما عصر علي فكان عصرا عجيبا بين ما تقدمه وجاء في أعقابه، أو هو لم يكن عجيبا؛ لأنه ~~جرى على النحو الذي ينبغي أن يجري عليه، فلم يثبت كل الثبوت ولم يضطرب كل الاضطراب؛ لأنه ~~كان بناء جديدا في سبيل التمام، ولم يكن بناء متداعيا فكله هدم واندثار، ولا بناء ~~قائما مفروغا منه فكله رسوخ واستقرار. # إلا أن العجيب فيه حقا أنه انقسم بين ثبوته واضطرابه قسمين اثنين متقابلين: في أحدهما ~~كل عوامل الرضا عن النظام الاجتماعي، والرغبة في بقائه وتدعيمه، وفي الآخر كل عوامل التذمر ~~من النظام الاجتماعي، والتحفز لتقويضه وتحويله. # أحدهما، وهو قسم الرضا عن النظام الاجتماعي، كان قسم معاوية بن أبي سفيان في الشام وما ~~جاورها. # والآخر، وهو قسم التذمر من النظام الاجتماعي، كان قسم علي بن أبي طالب في الجزيرة العربية ~~بجملة أنحائها. # كانت الشام بمعنى من المعاني أرضا أموية في عهد الجاهلية، فلجأ إليها أمية جد الأمويين ~~حين غلبه هاشم على الزعامة، وقصد إليها أبناؤه متجرين أو مهاجرين ms026 إلى ما بعد قيام الدعوة ~~الإسلامية. # ثم قامت الدعوة الإسلامية، فكان من نصيب يزيد بن أبي سفيان أن يتولى الإمارة والقيادة على ~~الشام من قبل الخليفة أبي بكر الصديق، وخلفه أخوه معاوية من قبل الخليفة عمر، فلم يزل ~~مقيما على إمارتها بضع عشرة سنة إلى مبايعة علي بالخلافة بعد مقتل عثمان، فاتسع له من فسحة ~~الوقت وفسحة الرخاء مجال ممهد لتأسيس السلطان الأموي الذي لا ينازعه منازع من حوله، ولم يزل ~~منذ تولاها عاملا على البقاء فيها واصطناع الأعوان المؤيدين له في حكمها، فلم يتوان في ~~استرضاء رجل ينفعه رضاه، ولم يقصر رعايته على الشرفاء دون السواد من الأتباع والأجناد، بل ~~كان يرضي كل من وسعه إرضاؤه، وقد وسعت ثروة الشام كل صاحب حاجة مقيم عنده أو ساع إليه ~~... # واشتهرت عنه هذه الخصلة حتى قصده أقرب الناس إلى خصومه، وأولاهم باجتنابه والنقمة عليه ... ~~ومنهم عقيل أخو علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن زمعة، وعمرو بن ~~العاص، وأناس من هذه الطبقة بين الشرفاء وذوي الأخطار. # أراد عقيل من أخيه مالا يجريه عليه من بيت المال فأباه عليه؛ لأنه ليس له بحق، فتركه ~~وأقبل على معاوية وهو يقول: «إن أخي خير لي في ديني، ومعاوية خير لي في دنياي.» وقس على ~~ذلك ما يصنعه الغرباء عن علي والمقربون من معاوية بالنسب والرجاء. # قد همه إرضاء السواد والعامة، كما همه إرضاء الشرفاء وذوي الأخطار ... وبلغ من إحكامه ~~للسياسة، وإتقانه لها، واجتذابه قلوب خواصه وعوامه أن رجلا من أهل الكوفة دخل على بعير له ~~إلى دمشق في حال منصرفهم عن صفين، فتعلق به رجل من دمشق فقال: هذه ناقتي أخذت مني بصفين، ~~فارتفع أمرهما إلى معاوية وأقام الدمشقي خمسين رجلا بينة يشهدون أنها ناقته ... فقضى معاوية ~~على الكوفي وأمره بتسليم البعير إليه، فقال الكوفي: أصلحك الله إنه جمل وليس بناقة، فقال ~~معاوية: هذا حكم قد مضى، ودس إلى الكوفي بعد تفرقهم فأحضره وسأله عن ثمن بعيره، فدفع ms027 إليه ~~ضعفه وبره وأحسن إليه، وقال له: «أبلغ عليا أني أقابله بمائة ألف ما فيهم من يفرق بين ~~الناقة والجمل!» # ولقد بلغ من أمرهم في طاعتهم له أنه صلى بهم عند مسيرهم إلى صفين الجمعة في يوم الأربعاء، ~~وأعاروه رءوسهم عند القتال وحملوه بها. # 1 # فإن كان في هذه القصص بعض المبالغة، فهي مبالغة الفكاهة الموكلة بتكبير الملامح ليراها من ~~غفل عنها، وليست مبالغة الخلق والافتراء. # وما هي إلا سنوات على هذه الوتيرة، حتى اجتمع له كل منتفع بالنظام الاجتماعي الجديد، راغب ~~في تدعيمه ووقايته من نذر الخطر والزوال. # وعلى قدر هذا الدأب الشديد في اجتلاب أسباب التمكين والتدعيم كان له دأب مثله في اتقاء ~~أسباب التمرد، والإخلال بالنظام، كما نسميه في هذه الأيام ... # فما سمعت قط صيحة فتنة إلا بادر إليها بما يسكنها، ويردها إلى طلب الاستقرار والدوام، فمن ~~أجدى معه المال أسكته بإغداق المال عليه، ومن كان من أهل الجد والإخلاص في العبادة ~~والزهادة، فهو محتال على إقصائه أو نفيه من الشام بحيلة يوافقه عليها شركاؤه في المصلحة ~~ولا تعييه. # حنق بعض الزهاد على هذا الترف الذي استفاض بين العلية والشرفاء، فارتفعت عليهم صيحة أبي ~~ذر الغفاري بالنكير، وطفق يطالب الأغنياء بالإنفاق في سبيل الله، حتى ولع الفقراء بصيحته ~~وشكا الأغنياء ما يلقونه من نذيره أو بشيره: «وبشر الذين يكنزون الذهب والفضة، ولا ينفقونها ~~في سبيل الله بمكاو من نار تكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم.» # فأشفق معاوية من مغبة هذه الصيحة، وأرسل إلى أبي ذر ألف دينار يسكته بها إن كان ممن ~~يسكتهم الغنى عن الأغنياء، فما طلع النهار حتى كانت الدنانير في أيدي المعوزين، الذين ~~يلوذون بالداعية الأمين ويشكون إليه، ثم صلى معاوية الصبح وأرسل إلى الداعية رسوله الذي حمل ~~إليه الدنانير يقول له: «أنقذ جسدي من عذاب معاوية، فإنه أرسلني إلى غيرك فأخطأت بك، فقال ~~له: يا بني، قل له: والله ما أصبح عندنا من دنانيرك دينار ... ولكن أخرنا ثلاثة أيام حتى ~~نجمعها» ... فعلم معاوية أن ms028 الرشوة هنا لا تغني عن القسوة، وكتب إلى الخليفة أن أبا ذر أعضل ~~به فلا طاقة له بالصبر عليه، فأتاه الإذن بنفي أبي ذر من الشام إلى المدينة، ثم ضاقت به ~~المدينة أيضا، فنفي منها إلى قرية من أرباضها حيث لا يسمع له دعاء. ~~••• # وصنع بعبد الله بن سبأ - صاحب القول برجعة النبي إلى الدنيا ووصاية علي على الخلافة - مثل ~~هذا الصنيع بعد أن داراه فأعياه، فلما يئس منه ومن ترغيبه أو ترهيبه ضيق عليه ثم أقصاه ~~... # والتفت إلى من سماهم أهل الفتنة من طلاب الإصلاح والتبديل، فكتب في أمورهم إلى الخليفة ~~يقول: «إنه قدم علي أقوام ليست لهم عقول ولا أديان، أضجرهم العدل، لا يريدون الله بشيء ولا ~~يتكلمون بحجة، إنما همهم الفتنة وأموال أهل الذمة، والله مبتليهم ومختبرهم ثم فاضحهم، ~~وليسوا بالذين ينكون أحدا إلا مع غيرهم ...» # ثم أخرجهم من دمشق إلى غيرها مستريحا منهم بالنفي والإقصاء، كأنما دمشق وحدها من بلاد ~~المسلمين هي التي ينبغي لها أن تستريح. # وهكذا تعاقبت السنون وكل سنة تزيد معاوية وفرة من أسباب الرضا والاستقرار، وقلة من أسباب ~~القلق والطموح إلى التغيير، حتى تحيزت له الشام عند مبايعة علي وفيها أعظم ما يتأتى في مثل ~~ذلك العهد من دواعي السكينة واستدامة الحال، وأقل ما يتأتى فيه من شواجر الفتنة والعصيان ~~... # أما علي فقد شاءت المصادفات أن تنعكس الآية في حصته من الدولة الإسلامية أيما انعكاس، ~~فأوشكت أن تنعدم فيها دواعي الرضا والاستدامة، وأوشكت أن تتم فيها شواجر الفتنة، وما نسميه ~~اليوم بالإخلال بالنظام ... # فكان التنافس عنده على أشده بين العاصمتين الحجازيتين وبين الكوفة، لا يرضى أهل المدينة ~~بما يرضى أهل مكة، ولا يرضى أهل الكوفة بما يرضى به هؤلاء وهؤلاء، حتى ضاق به المقام في ~~الحجاز، وأوى إلى الكوفة مأوى «المستجير من الرمضاء بالنار». ~~••• # وكانت قبائل البادية تنفس على قريش غنائم الولاية ومناصب الدولة، وينظرون إليهم نظرتهم ~~إلى القوي المستأثر بجاه الدين والدنيا وحق الخلافة والسطوة، وهي حالة كان أحجى بالولاة أن ms029 ~~يخفوها ويتلطفوا في إصلاحها أو تبديلها ما استطاعوا لها من إصلاح وتبديل، ولكنهم على نقيض ~~ذلك كانوا يباهون بها، ويجهرون بحديثها حتى قال سعيد بن العاص والي الكوفة: «إنما السواد ~~بستان لقريش ...!» # وظهر هذا السخط من أثرة قريش في خطب المتكلمين بلسان أهل البادية، حين نشب النزاع بين ~~طلحة والزبير وأنصارهما وبين علي وأنصاره، فقام في الجمع رجل من عبد القيس يقول: «يا معشر ~~المهاجرين! ... أنتم أول من أجاب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فكان لكم بذلك فضل ...» إلى أن قال يشير ~~إلى خلافة أبي بكر: «ولم تستأمرونا في شيء من ذلك، فجعل الله للمسلمين في إمارته بركة، ثم ~~مات واستخلف عليكم رجلا فلم تشاورونا في ذلك، فرضينا وسلمنا، فلما توفي جعل أمركم إلى ستة ~~نفر فاخترتم عثمان، وبايعتموه عن غير مشورة منا، ثم بايعتم عليا من غير مشورة منا، ~~فما الذي نقمتم عليه فنقاتله؟ ...» # وهذا كلام رجل يدين بفضل المهاجرين ويقدمه في صدر مقاله، فكيف بكلام الرجال ممن ينسون ~~هذا الفضل، أو تغلبهم المنافسة على الشهادة به في معرض الخصومة؟ ... ولعل النافثين بهذا الغيظ ~~كانوا يثوبون إلى بعض الصبر، والتجاوز لو أنهم وجدوا من يشكون إليه، فيحسن الإصغاء ~~والاعتراف لهم بالحق في دعواهم، ولكنهم كانوا يشكون فيثور بهم المخالفون ويلجئونهم إلى ~~الصمت راغمين، فلما قال ذلك الرجل مقالته هموا بقتله لساعته لولا أن حمته عشيرته وصحبه، ثم ~~وثبوا عليه في الغد فقتلوه وقتلوا معه قرابة سبعين. ~~••• # وكان العبيد والموالي والأعراب المحرومون حانقين متبرمين لا يرضون عن حظهم من العيش، بعد ~~أن علمهم الإسلام حقوق المساواة، وشرع لهم شريعة الإنصاف، ولقد يكون معظم المتآمرين على قتل ~~عثمان من هؤلاء العبيد والموالي والأعراب المحرومين، فلما طولب علي بالاقتصاص منهم لمقتل ~~عثمان قال: «كيف أصنع بقوم يملكوننا ولا نملكهم؟ ... ها هم هؤلاء قد ثارت معهم عبدانكم وثابت ~~إليهم أعرابكم، وهم خلالكم يسومونكم ما شاءوا فهلا ترون موضعا لقدرة على شيء مما ~~تريدون؟» # وقالت السيدة عائشة - رضي الله عنها: «أيها الناس! ... إن ms030 الغوغاء من أهل الأمصار وأهل ~~المياه وعبيد أهل المدينة اجتمعوا على هذا الرجل المقتول ظلما بالأمس ... والله لأصبع عثمان ~~خير طباق الأرض أمثالهم ...» ~~••• # وكان مع علي جمهرة القراء والحفاظ وأصحاب النسك والفقه والشريعة، وهم خلق كثير يعدون ~~بالألوف ويتفرقون في الحواضر والبوادي، ولا يزالون كأنبياء بني إسرائيل منذرين متوعدين ~~ساخطين على ترف المترفين، منكرين لكل خلاف ولو يسير في إقامة أحكام الدين، لا يرضون عن ~~الدنيا ولا عمن رضي بها من طلابها، ولا يستمعون إلى أمر إلا أن يكون في رأيهم وفاقا لحكم ~~القرآن كما يفسرونه وحكم السنة كما يعتقدونها، وطالما وقفوا بين علي وبين القتال؛ لأنهم لا ~~يستجيزونه أو عن الصلح والتحكيم؛ لأنهم يجلون القرآن عن قبوله ... فإذا كان أجناد معاوية ~~يسمعون الحق والباطل؛ لأنهم لا يفرقون بينهما ولا يفرقون بين الجمل والناقة، فهؤلاء الأجناد ~~العارفون لا يسمعون إلا ما أجازوه واستوجبوه؛ لأنهم خرجوا في الأرض للتفريق بين الحلال ~~والحرام والمعروف والمنكر، فلا يجمعون على طاعة ولا يحاربون أو يسالمون في جماعة، وهم أقرب ~~الناس في ذلك العهد إلى الجهر بالنذير والنداء بالتبديل والتغيير، والإصغاء إلى وحي الضمير ~~قبل دعاء الأمير. # واجتمع مع علي في الحجاز والكوفة كل منافس على الخلافة متطلع إليها، ولو لم يجهر بطلبها ~~مخافة من شركائه الذين يزاحمونه عليها، فمنهم من كان يقول لعلي: نبايعك على أنا شركاؤك، ~~ومنهم من كان يتعلل بقلة المشاورة له والمبالاة بقوله، ومنهم من كان يحارب عثمان ثم أصبح ~~يحارب عليا باسم عثمان، تمحلا لذرائع الخلاف وكراهة لاستقرار الأمور ... ~~••• # وقد كان أبو بكر وعمر يمسكان كبار الصحابة بالحجاز، ويحذران منهم أن ينطلقوا في الأرض ~~فيقبلوا على الدنيا ويشجر بينهم من النزاع ما يشجر بين طلابها، ثم ينصدع شمل الأمة بالتشيع ~~لهم وعليهم والتفرق بين أنصارهم وأعدائهم، وأوصى أبو بكر خليفته من بعده قائلا: ~~... احذر هؤلاء النفر من أصحاب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # الذين انتفخت أجوافهم، وطمحت ~~أبصارهم وأحب كل امرئ منهم نفسه، وإن منهم لحيرة عند زلة واحد ms031 منهم فإياك أن ~~تكونه ، واعلم أنهم لن يزالوا منك خائفين ما خفت الله ... # فلما صارت الخلافة إلى عثمان أهمل هذه السياسة الحكيمة، وشق عليه أن يطيل حبسهم بالحجاز ~~والهيمنة عليهم بجواره، فانطلقوا حيث ذهبت بهم المذاهب، وكان منهم ما حذره أبو بكر حيث قال ~~لعبد الرحمن بن عوف: «ورأيتم الدنيا قد أقبلت ... حتى تتخذوا ستور الحرير ونضائد الديباج، ~~وحتى يألم أحدكم بالاضجاع على الصوف الأذربي # 2 # كما يألم أحدكم إذا نام على حسك السعدان.» ~~••• # روى المسعودي أنه: «في أيام عثمان اقتنى الصحابة الضياع والمال، فكان لعثمان يوم قتل عند ~~خازنه خمسون ومائة ألف دينار وألف ألف درهم، وقيمة ضياعه بوادي القرى وحنين وغيرهما مائة ~~ألف دينار وخلف إبلا وخيلا كثيرة، وبلغ الثمن الواحد من متروك الزبير بعد وفاته خمسين ألف ~~دينار، وخلف ألف فرس وألف أمة، وكانت غلة طلحة من العراق ألف دينار كل يوم، ومن ناحية ~~السراة أكثر من ذلك، وكان على مربط عبد الرحمن بن عوف ألف فرس، وله ألف بعير وعشرة آلاف من ~~الغنم، وبلغ الربع من متروكه بعد وفاته أربعة وثمانين ألفا، وخلف زيد بن ثابت من الذهب ~~والفضة ما كان يكسر بالفئوس غير ما خلف من الأموال والضياع، وبنى الزبير داره بالبصرة وبنى ~~أيضا بمصر والكوفة والإسكندرية ... وكذلك بنى طلحة داره بالكوفة وشيد داره بالمدينة، وبناها ~~بالجص والآجر والساج، وبنى سعد بن أبي وقاص داره بالعقيق ورفع سمكها، وأوسع فضاءها وجعل على ~~أعلاها شرفات، وبنى المقداد داره بالمدينة وجعلها مجصصة الظاهر والباطن، وخلف يعلى بن منبه ~~خمسين ألف دينار وعقارا وغير ذلك ما قيمته ثلاثمائة ألف درهم». ~~••• # هؤلاء أيضا أصبحوا في حصة علي من الدولة الإسلامية عنصرا من أقوى عناصر القلق والتبرم، ~~والنفور من دوام الأمر للحكومة الجديدة، خلافا لأمثالهم في معسكر معاوية. # فالذي يغلب على أصحاب الثروات في كل مجتمع أنهم أنصار الحالة القائمة، وأعداء الثورة ~~والاضطراب السياسي أو الاجتماعي على التخصيص، ولكن هؤلاء الأغنياء خالفوا المعهود في مجتمع ~~علي، فأصبحوا قادة السخط والشكوى ms032 وأعوان الثورة والتغيير ولو في سرائر القلوب، كلما حيل ~~بينهم وبين الظهور في الثورة بفعل محسوس؛ لأنهم عرفوا عليا من قبل ومن بعد فعلموا أنه لن ~~يقرهم على ما هم فيه، ولن يلبث أن يحاسبهم على ما جمعوه من المال أو يأخذ عليهم طريق ~~المزيد. # عرفوا مذهبه في حساب الولاية ومذهبه في حساب الخلافة، فلما كان واليا لليمن أبى علي على ~~بعض الصحابة أن يركبوا إبل الصدقة، وقال لهم: إنما لكم منها سهم كما للمسلمين، ثم لام ~~العامل الذي أذن لهم أن يركبوها في غيبته وهو منصرف إلى الحج، وشاعت هذه القصة؛ لأن أناسا ~~شكوه إلى رسول الله - عليه السلام - فأنكر شكواهم منه، وقال: «لقد علمت أنه جيش في سبيل ~~الله.» ~~••• # ولما قام عثمان بالخلافة طال عتب علي عليه؛ لأنه أباح للعمال والولاة ما ليس بمباح في ~~رأيه، ولقي بالعتاب كل صحابي من إخوانه جمع مالا واستهوته فتنة البذخ والثراء. # وليس مذهبه واليا ولا مذهبه خليفة بمريح أولئك الأغنياء، الذين ذاقوا حلاوة الغنى وكرهوا ~~أن يحرموه أو يحاسبوا عليه. # ولم يكن في وسع علي أن يغض عنهم نظره ولو شاء ذلك، وهو لا يشاؤه ولا يحله لنفسه وقد أنكره ~~على غيره؛ لأنه إذا غض نظره لم يستطع أن يغض الأنظار المفتوحة التي ثارت بعثمان، وبايعت ~~عليا بعده ليصنع غير ما صنعه عثمان وغير ما أثارهم عليه. # فلا دعاة الدنيا راضون مطيعون، ولا دعاة الدين راضون مطيعون، ولا الفقراء والجهلاء راضون ~~مطيعون، وما منهم إلا من هو قلق متوفز لا يسكن به سكن ولا يدوم به قرار. # وكل أولئك كانوا في حصة علي من الدولة الإسلامية، ولم يكن لمعاوية في حصته شاجرة فتنة من ~~هذه الشواجر، بل كان له في موضع كل واحدة منها دعامة تمكين وتأييد. # وإن هذه الشواجر على كثرتها وقوتها لفي غنى عن علة أخرى من علل الفساد والشقاق تضاف ~~إليها. # ولكنها مع هذا لم تستوعب تلك العلل التي اصطلحت على حصة علي من الدولة الإسلامية ... فقد ~~أضيفت ms033 إليها علة أخرى، بل أضيفت إليها أكثر العلل التي تبتلى بها دولة أو حكومة، وهي ~~اعتمادها في مواردها على غيرها ... # فكانت موارد الشام في الشام نفسها من خراج أو أنفال أو تجارة، أما موارد الحجاز فقد كانت ~~بعيدة منه وإن دخلت في طاعته، وجنحت إلى القائم بالأمر فيه، وكانت مصر والسواد من حصة ~~علي، ولكنه لم ينتفع بمصر كثيرا لتعاقب الولاة فيها، ولم يستفد بالسواد كثيرا لتعاقب ~~الفتن والغارات عليها ... وحسبك من هذا داعية قلق وباعث مخافة ومبطل أمان وطمأنينة ... ~~••• # وينبغي أن نذكر أن الحيلة في هذا التقسيم قليلة، وأن الحوادث هي التي اختارت لكل حصة من ~~الحصتين زعيما، وأشبه الناس بها وأقربهم إلى ولاية أمرها و«كما تكونوا يول عليكم» ... ولا ~~محل في هذه القاعدة لحيلة أو اختيار ... # فلم يكن أحد أشبه بقيادة المنافع المستبقاة من معاوية، ولم يكن أحد أشبه من علي بقيادة ~~الشكوى التي تطمح بأصحابها إلى التغيير ... # إن شكا أناس غلبة قريش، فعلي كان يشكو منها ويظن الظنون بحقدها عليه ونكرانها لحقه، ~~ويقول في كتاب من كتبه إلى أخيه: «... ودع عنك قريشا وتركاضهم في الضلال، وتحولهم في الشقاق، ~~فإن قريشا قد أجمعت على حرب أخيك إجماعها على حرب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قبل اليوم ...» # وإن جاءت صيحة الإصلاح والتغيير عن طريق الدين على مذهب الحفاظ والقراء والنساك، فعلي ~~كان إمام أهل العلم والقراءة، وأحق من يتكلم بتفقيه أو تفسير. # وإن جاءت من ضيم الفقراء فعلي فقير، أو من تهافت الولاة على المال فعلي يبغض هذا ~~التهافت كما يبغضه أضعف الفقراء، عن زهد فيه لا عن قلة الوسائل إليه ... # فما شكا شاك قط إلا وعلي شريك له في شكواه، وكيف ينجو رجل كهذا من قيادة الدولة التي ~~قامت على التبرم بالحال والطموح إلى التغيير؟ ... وأية حيلة له إلى جانب حيلة الحوادث وتوفيق ~~المقادير؟ ... ~~••• # كان علي نموذج أصحابه الأعلى، وكان معاوية نموذج أصحابه الأعلى، وكانا لأجل ذلك في موضع ~~رشحتهما له الحوادث قسرا قبل أن يرشحا له ms034 بإرادة مريد. # وما نحن بقادرين على وزن الرجلين، ولا على المقابلة بينهما في الرأي والعمل ما لم نستحضر ~~هذه الحقيقة أبدا، وما لم نذكر أبدا أن أحدهما كان يعمل والحوادث حرب عليه، وأن الآخر كان ~~يعمل والحوادث عدة في يديه! ... # | البيعة # بويع لعلي بالخلافة بعد حادثة من أفجع الحوادث الدامية في تاريخ الإسلام، وهي مقتل ~~الخليفة عثمان بن عفان في شيخوخته الواهنة، بعد أن حصروه بين جدران داره، وكاد يقتله الظمأ ~~لو أمهله القتلة بضعة أيام ... # وأفجع ما كان في هذه الحادثة، أنها بلاء لا يدفع، وقضاء لا حيلة لأحد في اتقائه؛ لأن ~~المسئولين عنه كثيرون متفرقون في كل جانب يناصره أو يعاديه ... فإذا امتنع الأعداء لم يمتنع ~~الأصدقاء، وإذا بطل الشر الذي فيه اختيار لم يبطل الشر الذي لا اختيار فيه، وربما كان حسن ~~النية وسوء النية هنا صنوين متساويين، فمن الأعمال المؤسفة التي عجلت بالفاجعة أعمال كثيرة ~~بدرت من عثمان نفسه، أو لعله أقدم عليها بعد قصد ومراجعة، وليست هي في تعجيلها ولا في سوء ~~مغبتها بأهون من أعمال الأعداء ... # مضت السنون الأولى من خلافة عثمان على خير ما كان يرجى لها أن تمضي في عهد خليفة ... # ثم تغيرت الأحوال فجأة من جانب الراعي ومن جانب الرعية، لأسباب لم تكن طارئة ساعة ~~ظهورها، وإن ظهرت عواقبها طارئات. # وتتعدد الأسباب التي أوجبت ذلك التغيير بعد السنوات الأولى، ولكنها قد تنحصر في سببين ~~اثنين جامعين لغيرهما من الأسباب العديدة، وهما إمعان الخليفة في الشيخوخة، واستمراء ~~الأعوان لما نعموا به من لين الخليفة ولين الرغد والمتاع. # ولقد كتبت الأسفار المطولات في إحصاء المآخذ على عثمان - رضي الله عنه - وكتبت الأسفار ~~المطولات في تبرئة الخليفة من تلك المآخذ، أو الاعتذار له بأحسن الأعذار وتفسيرها على أحسن ~~الوجوه؛ لأن المسألة خرجت من عداد المسائل التاريخية، وانتقلت إلى ميدان النزاع بين الأحزاب ~~والمذاهب وأقاويل الجدل والحجاج ... فجعلها الشيعيون وأهل السنة ذريعة إلى تأييد مذهب، وإنكار ~~مذهب في الخلافة والخلفاء، وراح الأولون يبالغون في الاتهام ms035 كما يبالغ الآخرون في الدفاع، ~~ولا طائل هنا من شرح هذا وذاك، ولا هو مما يقتضيه كلامنا الآن ... وإنما المرجع فيه إلى تاريخ ~~عثمان ... # إلا أننا نجتزئ هنا بالإشارة إلى التذمر الذي أثار الفتنة، والإلمام بأسبابه عند أصحابه ... ~~فمما لا شك فيه أنهم تذمروا لأسباب تثيرهم، وإن طال الشك والجدل حول نصيبهم من الخطأ ~~والصواب. # أهم هذه الأسباب، أنه خالف بعض السنن التي اتبعها النبي - عليه السلام - في الأذان ~~والصلاة، وأنه أدنى أناسا من أقاربه كان رسول الله - عليه السلام - قد أقصاهم عن المدينة ... ~~فاستدعاهم إليه بعد استخلافه، وأغدق عليهم المنح والأموال، وأنه أطلق العنان لأبناء أسرته ~~في الولاية والعمالة، ومنهم من اتهموه بإقامة الصلاة وهو سكران، وأنه منح سفيان بن حرب ~~مائتي ألف درهم، ومنح الحارث بن الحكم زوج ابنته عائشة مائة ألف درهم من بيت المال، وأنه ~~توسع في بناء القصور، وحرم بعض الصحابة، وضرب بعضهم على مشهد من الملأ ضرب إهانة وإيجاع ~~... # ولم تنقض سنوات على هذه الحال حتى كثر المترفون من جانب، والمتربون من جانب آخر، وشاع ~~بين الجانبين ما يشيع دائما في أمثال هذه الأحوال من الملاحاة والبغضاء والتزيد بالتهم ~~واللجاجة، وإضافة الأوهام إلى الحقائق في خلق ذرائع الخلاف والشحناء. # ويدل على خطر مسألة الثروة في هذه الفتنة، أن الناس تألبوا على الخليفة مرة ... فأرسل في ~~طلب علي ليصرفهم عنه، فلما قدم إليه استأذنه في إعطائهم بعض الرفد العاجل من بيت المال، ~~فأذن له ... فانصرفوا عن زعماء الفتنة، وهدءوا إلى حين ... # ثم توافد المتذمرون من الولايات إلى المدينة مجندين وغير مجندين، وتولى زعامة المتذمرين ~~في بعض الأحيان جماعة من أجلاء الصحابة، كتبوا صحيفة وقعوها وأشهدوا فيها المسلمين على مآخذ ~~الخليفة ... فلما حملها عمار بن ياسر إليه، غضب وزيره مروان بن الحكم، وقال له: «إن هذا العبد ~~الأسود قد جرأ عليك الناس ... وإنك إن قتلته نكلت به من وراءه.» فضربوه حتى غشي عليه. # وفي مرات أخرى، كان الخليفة يصغي إلى هذه الشكايات ويندم على ما اجترحه ms036 أعوانه بعلمه أو ~~بغير علمه، ثم يعلن التوبة إلى رعاياه، ويؤكد لهم الوعد بإقصاء أولئك الأعوان، وإخلافهم في ~~أعمالهم بمن يرضي المسلمين، ويرضي الله. # ثم يغلبه أولئك الأعوان على مشيئته، فيبقيهم حيث كانوا ويملي لهم فيما تعودوه من الترف ~~والنكاية، وعلى رأسهم مروان بن الحكم ... أبغض أولئك الأعوان إلى المسلمين، حتى من أهل ~~الخليفة المقربين. # وكان بعض الوفود يشكون ولاتهم، فإذا عادوا إلى بلادهم تلقاهم أولئك الولاة بالأذى، وقتلوا ~~بعضهم ضربا على ملأ من الشاكين الذين ينتظرون الإنصاف ... فيعود المضروبون إلى الشكوى، ~~وينصرهم أجلاء الصحابة عن الخليفة، ويسألونه أن يولي عليهم غير واليهم المسيء إليهم، فإذا ~~توجه الوالي الجديد إلى مكانه، إذا في الطريق رسول يحمل خطابا للوالي المعزول، يأمره فيه ~~بقتل من يفد إليه من حاملي الشكوى وحاملي كتاب الولاية، ويقره في مكانه! # حدث هذا مع وفد مصر، واختلفت الأقاويل في تأويله من متهم للخليفة، ومتهم لمنافسيه على ~~الخلافة، ومتهم لوفد الشكوى الذي عثر بالخطاب، ومتهم لمروان بن الحكم - عنصر السوء في هذه ~~المأساة كلها - وهو أولى الأقاويل بالترجيح والتصديق، إذا كان أيسر شيء على مروان لو كان ~~بريئا من هذه المكيدة أن يكشف حقيقتها بسؤال الغلام حامل الخطاب، وفي كشف هذه الحقيقة ~~إبراء له، وتعزيز لسلطان الخليفة، وفضيحة لأعدائه، وإدحاض لحجة الفتنة ودعوة الإثارة ~~والتحريض ... ولكنه أهمل السؤال، وقنع من تبرئة نفسه بقذف التهمة على متهميه ... ~~••• # وظل الخليفة والثوار يشتبكون ويتحاجزون ... لا هم في حرب، ولا هم في سلام ... # وكلما تحاجزوا بعد اشتباك منذر بالشر، زاد الخليفة ضعفا، وزاد الثوار ضراوة، وزاد التوجس ~~بينهم استفحالا، واتسع مع التوجس مجال السعاية والإرجاف بين الفريقين حتى بلغ الكتاب أجله ~~... # وتوسط علي بين الخليفة والثوار، فاستمهلهم الخليفة ثلاثة أيام يرد فيها المظالم، ويعزل ~~العمال المكروهين. # فانتظر الثوار هذه الأيام الثلاثة تلبية لنصيحة علي ... ومنهم من يسيء الظن، ويرى أن ~~الخليفة إنما يستمهلهم في انتظار المدد الذي طلبه من الأمصار ... # وانقضت الأيام الثلاثة على غير جدوى ... # وتفاقمت الفتنة، وأحاط الثائرون ببيت عثمان ms037 ... لا يقنعون في هذه الكرة إلا أن يعتزل، أو ~~يسلمهم مروان بن الحكم، أو يعزلوه عنوة. # وجاء في رواية «شداد بن أوس» أن عليا - رضي الله عنه - خرج من منزله يومئذ معتما ~~بعمامة رسول الله متقلدا سيفه، أمامه الحسن وعبد الله بن عمر في نفر من المهاجرين ~~والأنصار، حتى حملوا على الناس وفرقوهم، ثم دخلوا على الخليفة فسلم عليه علي ... وقال بعد ~~تمهيد وجيز: «... لا أرى القوم إلا قاتليك، فمرنا لنقاتل.» فقال الخليفة: «أنشد الله رجلا ~~رأى لله حقا، وأقر أن لي عليه حقا، أن يهريق في سببي ملء محجمة من دم أو يهريق دمه في.» ~~فأعاد علي القول، فأعاد عليه هذا الجواب ... ثم خرج من عنده إلى المسجد، وحضرت الصلاة ~~فنادوه: «يا أبا الحسن ... تقدم فصل بالناس.» فقال: «لا أصلي بكم والإمام محصور، ولكني ~~أصلي وحدي.» ثم صلى وحده وانصرف إلى منزله، وترك ابنيه مع أبناء زمرة من الصحابة في ~~حراسة دار الخليفة؛ ليعلم الثوار أنهم معتدون على كل ذي خطر في الإسلام إن وصلوا إلى ~~الخليفة باعتداء ... عساهم إن علموا ذلك أن يتهيبوا المركب، فلا ينزعوا بالشر غاية ~~منزعه. # إلا أن الثوار علموا أنهم مأخوذون بالانتظار مغلوبون بالمطاولة، فتسوروا الدار وولغوا في ~~دم طهور لو هان على صاحبه أن تسفك الدماء في سبيله لعز عليهم أن يسفكوه. ~~••• # وللإفاضة في مقتل عثمان وعبرة هذا المقتل، مكان غير هذا المكان، وكتاب غير هذا الكتاب ~~... # فإنما نحن في صدد الموقف الذي وقفه علي من هذه الجريمة، وما ينم عليه هذا الموقف من ~~خلقه ورأيه وسريرته وجهره ... وإنما يعنينا هنا أن نسأل: أكان عليه وزر في هذه الجريمة؟ ... ~~أكان في مقدوره عمل صالح يعمله لإنقاذ عثمان من هذا المصير؟ ... # ونحن لا نسأل هذا السؤال لنرجع في جوابه إلى جدل المجادلين، وأقاصيص المادحين والقادحين ... ~~فقد سال في الخلاف على هذا السؤال دم غزير ومداد كثير، وليس علينا نحن أن نزيد قطرة أو ~~قطرات على هذا البحر المسجور الذي لا ري فيه. # ليس علينا ms038 هذا؛ لأننا نستطيع أن نعبره إلى حقيقة ماثلة لمن يشاء أن يراها، وفيها الغنى - ~~ولو بعض الغنى - عن الإسهاب في السؤال والجواب ... # فالحقيقة التي لا يطول فيها الريب، أن عليا - رضي الله عنه - لم يكن أقدر على اجتناب ~~هذا المصير من معاوية أو من عثمان نفسه، لو شاء عثمان أن يستمع إلى بعض الناصحين ~~إليه. # فقد كان معاوية واليا عزيزا، له جند يرسله إلى الخليفة فيحميه في الشدة اللازبة وإن ~~أباه، وكان لمعاوية قبول عند عثمان لم يكن لعلي ولا لأحد من خلصائه، وكان هو أقمن أن يميل ~~بعثمان إلى الرضا بالحراسة أو الرضا بالرحلة إلى مكة أو الشام، لو أراد. # وكان في وسع عثمان أن يرحل إلى مكة، وهي آمن له من المدينة، أو يرحل إلى الشام، وقد كانت ~~مفتوحة له قبل أن تغلقها الفتنة ويمرد الثوار في العصيان ... # أما علي فقد كان موقفه أصعب موقف يتخيله العقل في تلك الأزمة المحفوفة بالمصاعب من كل ~~جانب ... # كان عليه أن يكبح الفرس عن الجماح، وكان عليه أن يرفع العقبات والحواجز من طريق الفرس ... ~~كلما حيل بينها وبين الانطلاق. # كان ناقدا لسياسة عثمان وبطانته التي حجبته عن قلوب رعاياه ... ناصحا للخليفة بإقصاء تلك ~~البطانة، وتبديل السياسة التي تزينها له، وتغريه باتباعها وصم الآذان عن الناصحين له ~~بالإقلاع عنها. # وكان مع هذا أول من يطالب بالغوث، كلما هجم الثوار على تلك البطانة، وهموا بإقصائها عنوة ~~من جوار الخليفة. # كان الثوار يحسبونه أول مسئول عن السعي في الإصلاح، وكان الخليفة يحسبه أول مسئول عن ~~تهدئة الحال وكف أيدي الثوار. # ولم يكن في العالم الإسلامي كله رجل آخر يعاني مثل هذه المعضلة، التي تلقاه من جانبيه ~~كلما حاول الخلاص منها، ولا خلاص! # وضاعف هذا الحرج الشديد الذي كان يلقاه في كل خطوة من خطواته، أنه لم يكن بموضع الحظوة ~~والقبول عند الخليفة حيثما وجب الإصغاء إلى الرأي والعمل بالمشورة، وإنما كان مروان بن ~~الحكم موضع الحظوة الأولى بين المقربين إليه ... لا ينجو من إحدى ms039 جناياته التي كان يجنيها على ~~الحكومة والرعية حتى يعود إلى الخليفة، فيوقع في روعه أن عليا وإخوانه من جلة الصحابة هم ~~الساعون بين الناس بالكيد له، وتأليب الثائرين عليه، وأنه لا أمان له إلا أن يوقع بهم ويعرض ~~عنهم ... ويلتمس الأمان عند عشيرته وأقربائه، ومن هم أحق الناس بسلطانه وأصدقهم رغبة في ~~دوامه ... # ففي المؤتمر الذي جمعه الخليفة للتشاور في إصلاح الأمر وقمع الفتنة، لم يكن علي مدعوا ~~ولا منظورا إليه بعين الثقة والمودة ... بل كان المدعوون إلى المؤتمر من أعدائه والكارهين ~~لنصحه ... وهم معاوية وعمرو بن العاص وعبد الله بن أبي سرح وعبد الله بن عامر وسعيد بن العاص، ~~وهم في جملتهم أولئك الولاة الذين شكاهم علي وجمهرة الصحابة، وبرمت بهم صدور المهاجرين ~~والأنصار. # قال لهم عثمان: «إن لكل امرئ وزراء ونصحاء، وإنكم وزرائي ونصحائي وأهل ثقتي، وقد صنع ~~الناس ما قد رأيتم، وطلبوا إلي أن أعزل عمالي، وأن أرجع عن جميع ما يكرهون إلى ما يحبون ... ~~فاجتهدوا رأيكم وأشيروا علي» ... # قال معاوية: «أرى لك يا أمير المؤمنين أن ترد عمالك على الكفاية لما قبلهم، وأنا ضامن لك ~~ما قبلي.» # رأي رجل يريد أن يحتفظ بولايته، ولا يريد أن يغضب أحدا من أصحاب الولايات في غير مصره ~~... # وقال عبد الله بن عامر: «رأيي لك يا أمير المؤمنين أن تأمرهم بجهاد يشغلهم عنك، وأن ~~تجمرهم في المغازي حتى يذلوا لك ... فلا تكون همة أحدهم إلا نفسه ...» # رأي رجل يريد أن يشغل الناس عن الشكوى ولا يريد أن يزيلها، ثم هو لا يبالي أن يخلق جهادا ~~تسفك فيه الدماء في غير جهاد مطلوب. # وقال عبد الله بن سعد: «أرى يا أمير المؤمنين أن الناس أهل طمع، فأعطهم من هذا المال تعطف ~~عليك قلوبهم.» # رأي رجل يشتري الرضا بالرشوة، ويستبقي ما في يديه منها. # وقال عمرو بن العاص، وهو بين السخط على ولاية فاتها والطمع في ولاية يرجوها: «أرى أنك قد ~~ركبت الناس بما يكرهون، فاعتزم أن تعدل ... فإن أبيت، فاعتزم أن ms040 تعتزل ... فإن أبيت، فاعتزم ~~عزما وامض قدما.» # رأي رجل عينه على الخليفة وعينه على الثوار؛ ولهذا بقي حتى تفرق المجتمعون ... ثم قال ~~للخليفة حيث لا يسمعه أحد غيره: «والله يا أمير المؤمنين لأنت أعز علي من ذلك ... ولكني ~~قد علمت أن سيبلغ الناس قول كل رجل منا، فأردت أن يبلغهم قولي فيثقوا بي ... فأقود إليك خيرا ~~وأدفع عنك شرا ...» ~~••• # وكان هؤلاء هم الوزراء والنصحاء وأهل الثقة عند عثمان، ومن ورائهم مروان بن الحكم يلازمه، ~~ويكفل لهم أن يحجب النصحاء عنه، وفي مقدمتهم علي وإخوانه ... ثم تفرق المؤتمرون وقد رد ~~عثمان كل عامل إلى عمله، وأمره بالتضييق على من قبله ... # فكانت حيلة علي في تلك المعضلة العصيبة جد قليلة، وكان الحول الذي في يديه أقل من ~~الحيلة. # إلا أنه مع هذا قد صنع غاية ما يصنعه رجل معلق بالنقيضين، معصوب بالتبعتين، مسئول عن ~~الخليفة أمام الثوار ومسئول عن الثوار أمام الخليفة ... # جاءه الثوار مرة من مصر خاصة، يتخطون الخليفة إليه ويعرضون الخلافة عليه ... فلقيهم أسوأ ~~لقاء، وأنذرهم لئن عادوا إليها ليكونن جزاؤهم عنده وعند الخليفة القائم، جزاء العصاة ~~المفسدين في الأرض. # وجاءوه مرة أخرى وحجتهم ناهضة، ودليل التهمة التي يتهمون بها بطانة عثمان في أيديهم ... ~~جاءوه بالخطاب الذي وجدوه في طريق مصر مع غلام عثمان، يأمر عامله بقتلهم بعد أن وعدهم ~~خيرا، وأجابهم إلى تولية العامل الذي يرضيهم، فلم تخدعه حجتهم الناهضة، ولم يشأ أن يملي ~~لهم في ثورتهم واحتجاجهم من جراء ذلك الخطاب المشكوك فيه، وجعلهم متهمين مسئولين بعد أن ~~كانوا متهمين سائلين، فقال لهم: «وما الذي جمعكم في طريق واحد، وقد خرجتم من المدينة ~~متفرقين كل منكم إلى وجهة؟ ...» ~~••• # وكانت حيرة علي بين التقريب والإبعاد، أشد من حيرته بين الخليفة والثوار ... فكان يؤمر ~~تارة بمبارحة المدينة ليكف الناس عن الهتاف باسمه، ويستدعى إليها تارة ليردع الناس عن ~~مهاجمة الخليفة، فلما تكرر ذلك، قال لابن عباس الذي حمل إليه رسالة عثمان بالخروج إلى ماله ~~في ينبع: «يا ابن عباس ... ما ms041 يريد عثمان إلا أن يجعلني جملا ناضحا بالغرب - أي: الدلو - ~~أقبل وأدبر ... بعث إلي أن أخرج، ثم بعث إلي أن أقدم، ثم هو الآن يبعث إلي أن أخرج ... ~~والله لقد دفعت عنه حتى خشيت أن أكون آثما» ... # ثم بلغ السيل الزبى، كما قال عثمان - رضي الله عنه - فكتب إلى علي يذكر له ذلك ~~ويقول: «إن أمر الناس ارتفع في شأني فوق قدره ... وزعموا أنهم لا يرجعون دون دمي، وطمع في ~~من لا يدفع عن نفسه: # فإن كنت مأكولا فكن خير آكل # وإلا فأدركني ولما أمزق» # فعاد علي، وجهد في إنقاذ الخليفة جهده، ولكنه كان يعالج داء استعصى دواؤه وابتلي به ~~أطباؤه ... فكلهم يريد تغييرا يأتي من قبل الغيب أو يأتي من قبل الآخرين، ولا يغير شيئا ~~من عمله أو مستطاعه، ولعل الخليفة لو شرع في التغيير المرجو يومئذ لما أجدى عليه عظيم جدوى، ~~لفوات أوانه وانطلاق الفتنة من أعنتها، وامتناع التوفيق والصفاء بعد ما وقر في النفوس ولغطت ~~به الأفواه ... # وعد الخليفة وعده الأخير ... ليصلحن الأحوال ويبدلن العمال ... # وأحاطت به بطانته كدأبها في أثر كل وعد من هذه الوعود، تنهاه أن ينجزه وتخيفه من طمع ~~الناس فيه، إن هو أنجز ما وعدهم حين توعدوه. # وكانت المرأة أصدق نظرا من الرجال في هذه الغاشية التي تضل فيها العقول ... فأشارت عليه ~~امرأته السيدة نائلة باسترضاء علي، والإعراض عن هذه البطانة، ولم يكن أيسر على بطانته من ~~إقناعه بضعف هذا الرأي بعد سماعه من امرأة ضعيفة، فكان مروان يقول له: «والله لإقامة على ~~خطيئة تستغفر الله منها أجمل من توبة تخوف عليها» ... # وكان هو يأذن له أن يخرج ليكلم الناس، فلا يكلمهم إلا بالزجر والإصرار ... كما قال لهم ~~يوما: «ما شأنكم قد اجتمعتم كأنكم جئتم لنهب، شاهت الوجوه ... جئتم تريدون أن تنزعوا ملكنا ... ~~ارجعوا إلى منازلكم، فإنا والله ما نحن مغلوبون على ما في أيدينا.» # إذن بطلت الروية، ولم يبق إلا لحظة طيش لا يدرى كيف تبدأ، ولا يؤتى لأحد إذا هي بدأت ms042 أن ~~يقف دون منتهاها . ~~••• # هجم الثوار على باب الخليفة، فمنعهم الحسين بن علي وابن الزبير ومحمد بن طلحة ومروان بن ~~الحكم وسعيد بن العاص وطائفة من أبناء الصحابة ... # واجتلدوا فمنعهم عثمان، وقال لهم: «أنتم في حل من نصرتي.» وفتح الباب ليمنع الجلاد حوله ~~... ثم قال رجل من أسلم يناشد عثمان أن يعتزل، فرماه كثير بن الصلت الكندي بسهم فقتله، فجن ~~جنون الثوار يطلبون القاتل من عثمان، وعثمان يأبى أن يسلمه، ويقول لهم: «لم أكن لأقتل رجلا ~~نصرني وأنتم تريدون قتلي ...» وعز على الثوار أن يدخلوا من الباب الذي كان قد أغلق بعد ~~فتحه، فاقتحموا الدار من الدور التي حولها ... وأقدموا على فعلتهم النكراء بعد إحجام ~~كثير. # لو لم تقع الواقعة في هذه اللحظة الطائشة، لوقعت في لحظة غيرها لا يدرى كيف تبدأ هي ~~الأخرى ... فإنما هي بادرة واحدة من رجل واحد تسوق وراءها كل مجتمع حول الدار من المهاجرين أو ~~المدافعين، ولا أكثر من البوادر بين ثوار لا يجمعهم رأي، ومدافعين لا يضبطهم عنان ... # ونقل الخبر إلى المسجد، وفيه علي جالس في نحو عشرة من المصلين، فراعه منظر القادم ~~وسأله: «ويحك ما وراءك؟» قال: «والله قد فرغ من الرجل.» فصاح به: «تبا لكم آخر الدهر ...» ~~وأسرع إلى دار الخليفة المقتول ... فلطم الحسن، وضرب الحسين، وشتم محمدا بن طلحة وعبد الله ~~بن الزبير وجعل يسأل ولديه: «كيف قتل أمير المؤمنين وأنتما على الباب؟» فأجابه طلحة: «لا ~~تضرب يا أبا الحسن ولا تشتم ولا تلعن، لو دفع مروان ما قتل.» ~~••• # قال سيف بن عمر عن جماعة من شيوخه: «بقيت المدينة خمسة أيام بعد مقتل عثمان، وأميرها ~~الغافقي بن حرب، يلتمسون من يجيبهم إلى القيام بالأمر، والمصريون يلحون على علي وهو يهرب ~~إلى الحيطان، # 1 # ويطلب الكوفيون الزبير فلا يجدونه، والبصريون يطلبون طلحة فلا يجيبهم، فقالوا ~~فيما بينهم: لا نولي أحدا من هؤلاء الثلاثة، فمضوا إلى سعد بن أبي وقاص فقالوا: إنك من أهل ~~الشورى، فلم يقبل منهم، ثم راحوا إلى ابن عمر ms043 فأبى عليهم، فحاروا في أمرهم ، ثم قالوا: إن ~~نحن رجعنا إلى أمصارنا بقتل عثمان من غير إمرة اختلف الناس في أمرهم ولم نسلم ... فرجعوا إلى ~~علي فألحوا عليه، وأخذ الأشتر بيده فبايعه وبايعه الناس ... وكلهم يقول: لا يصلح لها إلا ~~علي، فلما كان يوم الجمعة وصعد على المنبر، بايعه من لم يبايعه بالأمس وكان أول من بايعه ~~طلحة بيده الشلاء، فقال قائل: «إنا لله وإنا إليه راجعون.» ثم الزبير، ثم قال الزبير: «إنما ~~بايعت عليا واللج على عنقي والسلام ...» # وهذا الخبر على وجازته، قد حصر لنا أسماء جميع المرشحين للخلافة بالمدينة عند مقتل عثمان ~~... وربما كان أشدهم طلبا لها طلحة والزبير اللذان أعلنا الحرب على علي بعد ذلك ... فقد كانا ~~يمهدان لها في حياة عثمان، ويحسبان أن قريشا قد أجمعت أمرها ألا يتولاها هاشمي، وأن عليا ~~وشيك أن يذاد عنها بعد عثمان كما ذيد عنها من قبله، وكانت السيدة عائشة تؤثر أن تئول ~~الخلافة إلى واحد من هذين ... أو إلى عبد الله بن الزبير؛ لأن طلحة من قبيلة تيم والزبير زوج ~~أختها أسماء، وفي تأييد السيدة عائشة لواحد منهما مدعاة أمل كبير في النجاح ... # على أن الرأي هنا لم يكن رأي قريش، ولا رأي بني هاشم ... فلو أن عثمان مات حتف أنفه، ولم ~~يذهب ضحية هذه الثورة لجاز أن تجتمع قريش فتعقد البيعة لخليفة غير علي بن أبي طالب، وجاز أن ~~يختلف بنو هاشم ... فلا يجتمع لهم رأي على رجل من رجالهم الثلاثة المرشحين للخلافة، وهم: ~~عقيل، وعلي، وابن عباس. ~~••• # ولكنها الثورة الاجتماعية التي تنشد رجلها دون غيره ولا محيد لها عنه ... فإن ترددت أياما، ~~فذاك هو التردد العارض الذي يرد على الخاطر لا محالة، قبل التوافق على رأي جازم ... ثم لا ~~معدل للثورة عن الرجل الذي تتجه إليه وحده على الرغم منها ... # فطلحة والزبير، كانا يشبهان عثمان في كثير مما أخذه عليه المتحرجون في الدين، وتمرد له ~~الفقراء المحرومون ... كانا يخوضان في المال، ولا يفهمان الزهد والعلم على سنة ms044 الناقمين ~~المتزمتين، فإذا طلب الثائرون خليفة على شرطهم ووفاق رجائهم ... فما هم بواجديه في غير علي ~~بن أبي طالب، وقد قال بحق: «إن العامة لم تبايعني لسلطان غالب ولا لعرض حاضر.» ولو شاء لقال ~~عن الخاصة الذين لا يطمعون في الخلافة مقالته عن العامة في انقيادهم إليه بغير رهبة ولا ~~رغبة ... فقد كان أولئك الخاصة جميعا على رأي العامة في حكومة عثمان وبطانته، وإن أخفى بعضهم ~~لومه ... ولم يذهب بعضهم في اللوم مذهب الثوار في النزق وسفك الدماء ... # ونعتقد كما أسلفنا أن هذه الحقيقة هي أولى الحقائق بالتوكيد والاستحضار، كلما عرض أمر من ~~أمور الخلاف والتردد في خلافة علي رضي الله عنه ... فإذا هي فهمت على وجهها، فكل ما عداها ~~مفهوم البواطن والظواهر منسوق الموارد والمصادر ... وإذا هي لم تفهم على الوجه الأمثل أو تركت ~~جانبا، وبحث الباحثون عن العلل والعواقب في غيرها، فالعهد كله غامض مجهول، والموازين كلها ~~مختلة منقوصة سواء في تقدير الرجال أو تقدير الأعمال، وجاز حينئذ أن يرمى علي بالخطأ ... ~~ولا خطأ عنده يصححه غيره في موضعه، وإنما هو حكم الموقف الذي لا محيد عنه، وجاز كذلك أن ~~ينحل خصومه فضل الصواب ولا صواب عندهم؛ لأنهم مضطرون إلى ورود هذا المورد ... فكروا فيه أو ~~طرقوه اعتسافا بغير تفكير ... ~~••• # فلم تكن المسألة خلافا بين علي ومعاوية على شيء واحد، ينحسم فيه النزاع بانتصار هذا أو ~~ذاك. # ولكنها كانت خلافا بين نظامين متقابلين وعالمين متنافسين: أحدهما يتمرد ولا يستقر، ~~والآخر يقبل الحكومة كما استجدت، ويميل فيها إلى البقاء والاستقرار ... # أو هي كانت صراعا بين الخلافة الدينية كما تمثلت في علي بن أبي طالب، والدولة الدنيوية ~~كما تمثلت في معاوية بن أبي سفيان. # وليس موضع الحسم فيها أن ينتصر علي ... فيحكم في مكان معاوية، أو ينتصر معاوية فيحكم في ~~مكان علي، بل موضع الحسم فيها مبادئ الحكم كيف تكون إذا تغلب واحد منهما على خصمه؟ أتكون ~~مبادئ الخلافة الدينية أو مبادئ الدولة الدنيوية؟ ... أتكون مبادئ الورع والزهادة أو مبادئ ms045 ~~الحياة على أساس الثروة الجديدة ، كما توزعت بين الأمصار، وتفرقت بين السراة والأجناد ~~والأعوان؟ # فلو أن عليا ملك الشام ومصر والعراق والحجاز، وجرى في سياستها على سنة أصحابه من ~~الحفاظ والقراء، ومنكري البذخ والإسراف لبقيت المشكلة حيث كانت، ولم تغن هزيمة معاوية إلا ~~ريثما يتجرد للدولة منازع آخر يحاول الغلبة من حيث فشل ... # ولو أن معاوية ملك المدينة إلى جانب ملكه، وجرى في سياستها على سنة الحفاظ والقراء لما ~~أرضاهم، ولا انقاد له أحد من أشياعه ... # فالحسم حق الحسم هنا، إنما هو تغليب مبادئ الملك أو مبادئ الخلافة، ولا حيلة لعلي ولا ~~لمعاوية في علاج الأمر على غير هذا الوجه، لو جهد له جهد الطاقة ... ~~••• # وقد كان الموقف بين الخلافة والملك ملتبسا متشابكا في عهد عثمان: كان نصف ملك ونصف ~~خلافة، أو كان نصف زعامة دينية ونصف إمارة دنيوية ... # فوجب أولا أن يتضح الموقف بينهما، وأن يزول الالتباس عن فلق صريح ... # ووجب وقد زال الالتباس، وتقابل الضدان اللذان لا يتفقان، أن يبلغ الخلاف مداه ... ولن يزال ~~قائما حتى تكتب الغلبة لمبدأ من المبدأين وحكم من الحكمين، وليس لعلي أو معاوية على ~~التخصيص. # هذه هي العلة الكبرى التي تنطوي فيها جميع العلل الظاهرة ... # وخليق بكل علة أخرى أن تكون تعلة موضوعة يستر صاحبها غير ما يبطن، أو ينخدع في زعمه وهو ~~غافل عن معناه ... # خذ لذلك مثلا علة طلحة وأصحابه الذين ثاروا على علي ليطلبوه بدم عثمان، وهم لم يدفعوا ~~عنه في حياته بعض ما دفع علي عنه، وقد كان عثمان كثيرا ما يقول: «ويلي من طلحة ... أعطيته ~~كذا وكذا ذهبا وهو يروم دمي ... اللهم لا تمتعه به ولقه عواقب بغيه» ... # وساء ظن الناس بنقمة طلحة على عثمان حتى حدث بعضهم أنه رآه يوم مقتله يرمي الدار، ويقود ~~بعض الثائرين إلى الدور المجاورة؛ ليهبطوا منها إلى دار عثمان، وهو حديث يفتقر إلى السند ~~الوثيق، ولكنه ينم على ظن الناس بصداقة طلحة للخليفة المقتول. # وخذ لذلك مثلا حجة معاوية حين علل ثورته ms046 باتهام علي في دم عثمان ، وعلل اتهامه لعلي ~~بتقصيره في القود من الثائرين ... وهم ألوف يحملون السلاح، وهو لم يسكن بعد إلى سلطان يعينه ~~على القود من هؤلاء الألوف المسلحين، فماذا صنع معاوية بقاتلي عثمان حين صار الملك إليه، ~~ووجب عليه أن ينفذ العقاب الذي من أجله ثار واستباح القتال؟ إنه اتبع عليا فيما صنع، وأبى ~~أن يذكر الثأر المقيم المقعد، وقد ذكروه به وألحفوا في تذكيره، ولقد كان أول ما سمعه يوم ~~زار المدينة، ودخل بيت عثمان صيحة عائشة بنته وهي تبكي: «وا أبتاه.» فلم تزده هذه الصيحة ~~المثيرة إلا إصرارا على الإغضاء والإعفاء، وقال لها يعزيها: «يا ابنة أخي ... إن الناس ~~أعطونا طاعة وأعطيناهم أمانا، وأظهرنا لهم حلما تحته غضب، وأظهروا لنا طاعة تحتها حقد، ~~ومع كل إنسان سيفه وهو يرى مكان أنصاره ... فإن نكثنا بهم نكثوا بنا، ولا ندري أعلينا تكون أم ~~لنا ولأن تكوني بنت عم أمير المؤمنين خيرا من أن تكوني امرأة من عرض المسلمين ...» ~~••• # ولو كانت الثورة كلها من أجل عثمان لما انتهت بهذا التسليم الهين ... ولكان عذر علي في ~~بداية المحنة أعظم حجة، وأحق بالقبول ... # أو خذ لذلك مثلا علة عمرو بن العاص، وقد كان أول الناصحين لعثمان بالاعتزال، بل كان ~~عثمان يخطب ليسترضي الناس، وعمرو يصيح به من صفوف المسجد: «اتق الله يا عثمان، فإنك قد ركبت ~~أمورا وركبناها معك ... فتب إلى الله نتب ...» ثم ترك عثمان في المدينة بين المؤتمرين به ومضى ~~إلى فلسطين، وسمع وهو يقول: «والله إني كنت لألقى الراعي فأحرضه على عثمان.» # فكل علة للثورة على خلافة علي، فهي تعلل موضوع ينخدع به قائله أو يخدع به غيره ... إلا ~~تلك العلة التي طوت فيها جميع العلل ظاهرها وخافيها، وصريحها ومكذوبها، وهي الخلاف بين ~~مبادئ الخلافة الدينية ومبادئ الدولة الدنيوية، وضرورة الفصل بين هاتين الخطتين ... وإن كان ~~في ظاهره فصلا بين رجلين ... # فلما بويع بالخلافة، كانت هذه البيعة إيذانا بانقسام الحلقة بين الندين للصراع الأخير، ~~أو كانت إيذانا باصطفاف ms047 المتسابقين إلى غاية لا بد من بلوغها ... ولن تخطر على البال غاية ~~لهذا السباق المحتوم غير انتهاء الخلافة، أو انتهاء الملك على النحو الذي تهيأت له عناصر ~~النظام الاجتماعي الجديد. # فأما انتهاء الملك في بدايته، فقد كان بعيدا - بل كان عسيرا جدا في تلك الآونة - كما ~~يعسر انطفاء النار وهي تهب بالاشتعال ... # وأما انتهاء الخلافة فهو الذي كان، وهو الذي كان منظورا أن يكون، ولن يكون غيره بمنظور ... ~~فمن الفضول لوم علي على شيء من الأشياء التي أفضت إلى هذه الخاتمة، وهي محتومة ليس عنها ~~محيد ... # إذ لم يكن طبيعيا أن يصمد الناس على سنة النبوة أكثر من جيل واحد، تثوب بعده الطبائع ~~إلى فطرتها من نشأة الخليقة الأولى، وقد يتفق كثيرا أن يغمرها جلال النبوة أو جلال ~~الخلافة، وهي في إبان النضال والحمية الدينية، فتنسى المطامع وتسهو عن الحزازات، وتستعذب ~~الألم والفداء إلى مدى الطاقة الإنسانية، ولكنها تبلغ مدى الطاقة الإنسانية بعد حين، وتفتر ~~عن النهوض من قمة إلى قمة، فتركن آخر الأمر إلى الأرض السواء، حيث لا حافز ولا مستنهض إلا ~~مجاراة الطبيعة في مجاريها التي لا تشق عليها، وإن المصلحين ليرضون غاية الرضا إذا هي حفظت ~~من إصلاحهم عند ذلك وازعا يهديها بعد ضلالة عمياء، ويردعها بعد جماح مريد، ويكفكف من ~~غلوائها ما كان من قبل منطلقا بغير عنان ... # وقد نظر النبي - عليه السلام - بعين الغيب إلى هذا المصير فقال: «الخلافة ثلاثون عاما ثم ~~يكون بعد ذلك الملك» ... وأنبأ بانقسام الفرق وتشعب الأهواء، وكأنما كان ينظر إلى ذلك بعينيه ~~- صلوات الله عليه - واتبع علي من اليوم الأول في خلافته أحسن السياسات التي كان له أن ~~يتبعها، فلا نعرف سياسة أخرى أشار بها ناقدوه أو مؤرخوه ثم أقاموا الدليل على أنها خير من ~~سياسته في صدق الرأي وأمان العاقبة، أو أنها كانت كفيلة باجتناب المآزق التي ساقته الحوادث ~~إليها. # فمن اللحظة الأولى، أخذ في تجنيد قوى الخلافة الدينية التي لا قوة له بغيرها ... # فعزل الولاة الذين استباحوا الغنائم ms048 المحظورة، وتمرغوا بالدنيا، وطمعوا وأطمعوا رعاياهم ~~في بيت مال المسلمين، وأثاروا على عثمان سخط السواد وسخط الفقهاء المتحرجين والحفاظ ~~الغيورين على فضائل الدين ... ~~••• # ورد القطائع التي وزعتها بطانة عثمان بين المقربين وذوي الرحم، فصرفتها عن وجوهها التي ~~جعلت لها من إصلاح المرافق، وإغاثة المفتقرين إليها على شرعة الإنصاف والمساواة. # ورجع إلى خطبة أبي بكر وعمر في تجنيب الصحابة الطامحين إلى الإمارة فتنة الولايات، مخافة ~~عليهم من غوايتها وإبعادا لهم من دسائس الشيع والعصبيات ... فلما طالبه طلحة والزبير بولاية ~~العراق واليمن، قال لهما: «بل تبقيان معي لآنس بكما.» وسأل ابن عباس: «ما ترى؟» فأشار ~~بتولية الزبير البصرة وتولية طلحة الكوفة، قال علي: «ويحك ... إن العراقين بهما الرجال ~~والأموال ... ومتى تملكا رقاب الناس يستميلان السفيه بالطمع، ويضربان الضعيف بالبلاء، ويقويان ~~على القوي بالسلطان، ولو كنت مستعملا أحدا لضره أو نفعه لاستعملت معاوية على الشام، ولولا ~~ما ظهر من حرصهما على الولاية لكان لي فيهما رأي.» # نعم، إن هذه السياسة أغضبت منافسيه وطالبي المنفعة الدنيوية على يديه ... ولكن السياسة ~~الأخرى كانت تغضب أنصاره، ولا تضمن رضا المنافسين ودوامهم على الرضا والوفاق بينهم في ~~تأييده، وكانت تخالف عقيدته التي يدين بها نفسه وأقرب الناس إليه، وتخالف وعده وعقيدة الناس ~~فيه ... ولن يكون مالكا غالبا بسياسة الملك على كل حال، فإن لم يكن خليفة فما هو بشيء، وإن ~~كان خليفة وملكا فهي خطة عثمان التي لم تستقم قط على وجه من وجهيها ومصيرها معروف، وإن كان ~~خليفة ولا اختيار له في ذلك، فكل ما صنع فهو الحكمة كأحسن ما تراض له الحكمة، وهو السداد ~~كأقرب ما يتاح له السداد. ~~••• # وعلم أن قريشا لا ينصرونه، فنقل العاصمة من المدينة إلى الكوفة ... لأن قريشا كانوا ~~هاشميين وهم لا يتفقون على بيعته، وقد تركه أقربهم إليه ورحل إلى معاوية طمعا في رفده، أو ~~كانوا أمويين وهم حزب معاوية وأهل عشيرته وبيته، أو من تيم وهم حزب طلحة، أو من عدي وهم ~~يؤثرون عبد الله بن عمر بن الخطاب، ms049 أو من قبائل أخرى، وهم كما قال: «قد هربوا إلى الأثرة» ... ~~فإذا أقام بينهم فهو مقيم بين أناس لا ينقطع لهم طلب ولا يضمن لهم ولاء ... # ولم تمض أيام معدودة على مبايعة الخليفة الجديد، حتى انتظمت صفوف الحجاز كله له أو عليه ... ~~فكان معه جميع الشاكين لأسباب دينية أو دنيوية، وكان عليه جميع الولاة الذين انتفعوا في عهد ~~عثمان، وجميع الطامعين في الانتفاع بالولاية والأموال العامة ... وحالت الخلافة الجديدة بينهم ~~وبين ما طمعوا فيه ... # وعلى رأس هؤلاء طلحة والزبير ... # فحشدوا جموعهم إلى البصرة، وصحبتهم السيدة عائشة؛ لأنها كانت ترغب في خلافة طلحة ... لقيها ~~ابن عباس على مقربة من المدينة وهو أمير على الحج من قبل عثمان، ولما يزل قائما بالخلافة، ~~فقالت له: «يا ابن عباس ... أنشدك الله فإنك قد أعطيت لسانا أزعيلا - أي: ماضيا - أن تخذل ~~عن هذا الرجل - تعني عثمان - وأن تشكك فيه الناس فقد بانت لهم بصائرهم وأنهجت ورفعت لهم ~~المنار، وتحلبوا من البلدان لأمر قد جم، وقد رأيت طلحة بن عبيد الله قد اتخذ على بيوت ~~الأموال والخزائن مفاتيح ... فإن يل يسر بسيرة ابن عمه أبي بكر - رضي الله عنه.» فأجابها ابن ~~عباس: «يا أمه! لو حدث ما فزع الناس إلا إلى صاحبنا.» أي: علي، فقالت: «أيها عنك ... إني ~~لست أريد مكابرتك ولا مجادلتك.» # فلما بويع علي في المدينة، لم تكن من أنصاره ولا مع الباقين على الحيدة بينه وبين خصومه ~~... ولعلها لم تنس بعد نصيحته للنبي - عليه السلام - في مسألة الإفك التي قيل: إنه أشار فيها ~~بتطليقها، فخرجت إلى البصرة مع المطالبين بثأر عثمان، وكانت هنالك وقعة الجمل التي سميت ~~بهذا الاسم لاحتدام القتال فيها حول جملها وهودجها ... فانتصر علي، وقتل الزبير، ومات طلحة ~~بجرح أصابه في المعركة، وحسم القتال بالصلح بين الفريقين في الحجاز والعراق ... # على أن هذا النصر العاجل، لم يخل من آفة تكدره وتنذر بالمخاوف التي يوشك أن يلقاها علي ~~في حربه لخصومه الباقين بعد موت طلحة والزبير ... وأقواهم معاوية بن أبي سفيان ms050 صاحب الشام ~~... # فقد كشفت وقعة الجمل عن مصاعب القيادة في جيش من المتمردين والمتذمرين ... فإنهم يستحمسون ~~في عقيدتهم، وهي فضيلة من فضائل الجيوش المقاتلة، ولكنهم من جراء هذه الحماسة نفسها عرضة ~~للعناد، والتمادي في اللدد وإعجال قائدهم على إنعام الروية، وانتظار الفرص المؤاتية ~~... # فقد كان علي يميل - كدأبه - إلى مفاتحة الخارجين عليه في المهادنة أو المصالحة، وكان ~~معه جماعة السبئية - أتباع عبد الله بن سبأ - وهم أخلص الناس له وأغيرهم عليه، ولكنهم لفرط ~~غيرتهم ولددهم في عداوتهم لم يقنعوا بما دون القضاء على خصومه، ولم يقبلوا التوسط في الصلح ~~دون الغلبة التي لا هوادة فيها ... فدهموا القوم وأوقدوا جذوة الحرب، قبل أن يفرغ علي من ~~حديث المهادنة، والتقريب بينه وبين أصدقائه الذين خرجوا عليه ... # وكانت هذه أولى العثرات الكبار التي أعثرته بها حماسة المتمردين والمتذمرين في جيشه، ولم ~~تزل تتعاقب وتتفاقم عليه حتى مني بالعثرة التي لا تقال ... # وكان ذلك في وقعة صفين ... # فإنه نظر بعد غلبته في العراق، فلم يجد أمامه خصما يقف في طريق الخلافة إلا جيش معاوية ~~بالشام، فعمد معه إلى خطته التي جرى عليها مع خصومه كافة، حيث كانوا وكانت منزلتهم من الجاه ~~والقوة، ونعني بها خطة المسالمة والبدء بالإقناع ... فطالت المراسلة منه إلى معاوية، ومن ~~معاوية إليه، وفي مثل واحد منها، ما يغني عن كثير ... # كتب إلى معاوية بعد وقعة الجمل، وقد سبقته كتب كثيرة من المدينة ... # سلام عليك ... أما بعد، فإن بيعتي بالمدينة لزمتك وأنت بالشام؛ لأنه بايعني الذين ~~بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بويعوا عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار، ولا ~~للغائب أن يرد، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإذا اجتمعوا على رجل وسموه ~~إماما كان ذلك لله رضى، وإن خرج عن أمرهم ردوه إلى ما خرج عنه، فإن أبى قاتلوه على ~~اتباعه غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيرا، وإن ~~طلحة والزبير بايعاني ثم نقضا بيعتهما، وكان نقضهما كردهما، فجاهدتهما بعدما أعذرت ~~إليهما، حتى جاء الحق وظهر ms051 أمر الله، وهم كارهون، فادخل فيما دخل فيه المسلمون، فإن ~~أحب الأمور إلي قبولك العافية، وقد أكثرت في قتلة عثمان، فإن رجعت عن رأيك وخلافك ~~ودخلت فيما دخل فيه المسلمون ... ثم حاكمت القوم إلى حملتك وإياهم على كتاب الله، ~~وأما تلك التي تريدها - يعني الخلافة - فهي خدعة الصبي عن اللبن، ولعمري لئن نظرت ~~بعقلك دون هواك لتجدني أبرأ قريش من دم عثمان، واعلم أنك من الطلقاء # 2 # الذين لا تحل لهم الخلافة، ولا يدخلون في الشورى وقد بعثت إليك وإلى من ~~قبلك جرير بن عبد الله، وهو من أهل الإيمان والهجرة ... فبايعه، ولا قوة إلا ~~بالله. # فرد عليه معاوية بما يلي: # سلام عليك ... أما بعد، فلعمري لو بايعك الذين ذكرت وأنت بريء من دم عثمان، لكنت ~~كأبي بكر وعمر وعثمان، ولكنك أغريت بدم عثمان وخذلت الأنصار، فأطاعك الجاهل وقوي بك ~~الضعيف، وقد أبى أهل الشام إلا قتالك حتى تدفع إليهم قتلة عثمان ... فإن فعلت كانت ~~شورى بين المسلمين، وإنما كان الحجازيون هم الحكام على الناس والحق فيهم، فلما ~~فارقوه كان الحكام على الناس أهل الشام، ولعمري ما حجتك على أهل الشام كحجتك على ~~طلحة والزبير، إن كانا بايعاك فلم أبايعك أنا، فأما فضلك في الإسلام وقرابتك من ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فلست أدفعه ... # ومن رد معاوية هذا، تبدو النية الواضحة في فتح أبواب الخلاف واحدا بعد واحد ... كلما أغلق ~~باب منها بقي من ورائه باب مفتوح، ولا ينتهي الخلاف بإغلاقه. # فتسليم قتلة عثمان لا يكفي؛ لأن عليا نفسه متهم بالإغراء والتخذيل، وبراءة علي من هذه ~~التهمة لا تكفي؛ لأن المرجع بعد ذلك إلى الشورى، والنظر في البيعة من جديد ... # وشورى الحجازيين والعراقيين لا تكفي؛ لأن الحق قد خرج منهم إلى أهل الشام، وهم الحكام على ~~الناس ... لأنهم يحكمون لمعاوية ولا يحكمون لغيره ... # ومن ثم، بطلت الحجج والرسائل كما تبطل كل حجة وكل رسالة عندما يقال باللسان غير ما يجول ~~في الصدور. # وزحف علي من الكوفة إلى صفين، ووجد ms052 جيش معاوية على الماء ... فنحاه عنه بعد أن أبى عليه ~~معاوية أن ينحيه بغير قتال ... # وبدأت العثرات من ثم في كل خطوة يخطوها للسلام أو لقتال، فلا يتحفز فريق من أنصاره للحرب ~~حتى يثنيه فريق آخر يحرمها ولا يقول بوجوبها، وتحاجز القوم نيفا وثمانين فزعة ... وتصاولوا ~~في وقعات شتى غامرت بها طائفة من هنا وطائفة من هنا، وقلما اشتبك فيها الجيشان في وقعة ~~جامعة حتى كانت وقعة الهرير، وحاقت الهزيمة بجيش معاوية وقيل: إنه هم بالفرار ... وإذا ~~بالمصاحف ترفع على الحراب من قبل جيش الشام، وإذا بالعثرة الكبرى التي لا خطوة بعدها في ~~طريق فلاح ... فإن عليا نظر حوله، فإذا بجيشه يوشك أن يقتتل فيما بينه نزاعا على القتال أو ~~إلقاء السلاح، وإن معاوية لفي غنى عن كفاح قوم لا يتفقون على كفاحه ... فله منهم سيوف مشرعة ~~لنصرته، شاءوا أو لم يشاءوا، وسيكفونه مئونة الحرب حتى يتفقوا بينهم على حربه، ~~وهيهات! ~~••• # ولو كانت آفة الطاعة في جيش علي مقصورة على اجتهاد القراء والحفاظ، وتعجل الغلاة ~~والمتمردين ... لكان في ذلك وحده ما يكفي لإفساد التدبير، واضطراب القيادة وتعذر القتال على ~~أصوله ... إذ لا يستغني القائد في ميدان الحرب، ولا في ميدان السياسة عن الكتمان والمفاجأة، ~~وتحويل الخطط على حسب الطوارئ والمناسبات ... فإذا كان في كل عمل من أعماله عرضة لاجتهاد ~~أصحاب الفتاوى، وكان أصحاب الفتاوى يفترقون عشرين وجهة في كل حركة من حركات الجيش، فليست له ~~خطة تكتم ولا خطة تنفذ، وليس عجيبا بعد ذلك أن ينهزم في ميدان القتال شر هزيمة يبتلى بها ~~مقاتل ... بل العجيب أن يتماسك فترة من الزمن - وإن قصرت - أمام جيش يفوقه في العدد، ويرجع في ~~أمره إلى قيادة موحدة ونية مجتمعة ومشيئة مطاعة ... # ولكن الآفة مع هذا، لم تكن كلها في اجتهاد الحفاظ وتعجل الغلاة ... بل كان في الجيش أناس ~~يخونون عهده ويشغبون عليه، ويبدو من أعمالهم أنهم مسخرون لعدوه كارهون لانتصاره ... فإن لم ~~يكونوا كذلك، فالأمر الذي لا شك فيه أنهم كانوا يعملون وهم ms053 عامدون - وغير عامدين - شر ما ~~يعمله الخائن الخبيث الذي يتحين الفرص للعناد والشقاق، وإفشاء الخلل والخذلان في أحرج ~~الأوقات. # وأدهى من ذلك، أنه لم يكن قادرا على زجرهم والتنكيل بهم ... لأن الجيش الذي يوجد فيه من ~~يحرم حرب العدو، لن يعدم أناسا يحرمون حرب النصير المقيم على ظاهر الطاعة، وليس لك بينة ~~قاطعة عليه. # ومثل من ذلك أيضا يغني عن أمثال كثيرة، وهو مثل الأشعث بن قيس أكبر سادات كندة، وأخلقهم ~~أن ينصر حزبا على حزب، لو خلصت نيته وبرئت شيمته من التقلب والغدر بأصحابه ... # طمح هذا الرجل إلى الملك بعد موت النبي - عليه السلام - فدعا قومه أن يتوجوه ... وحارب ~~المسلمين مع المرتدين حتى حوصر في حصنه أياما، ويئس من الغلبة فاستسلم ... على أن يصون دمه ~~وبقية دم عشرة من أخصائه، ثم فتح الحصن فقتل كل من فيه، ونجا بالعشرة الذين اختارهم إلى أبي ~~بكر - رضي الله عنه - فقبل توبته وزوجه أخته أم فروة، فلما نشبت الفتنة بين علي ومعاوية، ~~كان هو من حزب علي يتطلع للفرصة السانحة. # ثم زحف علي - رضي الله عنه - إلى صفين، فكان الأشعث أول المندفعين إلى القتال حين سد ~~أهل الشام طريق الماء، وجاء عليا يقول: «يا أمير المؤمنين! أيمنعنا القوم الماء وأنت فينا ~~ومعنا سيوفنا؟ ... ولني الزحف إليه ... فوالله لا أرجع أو أموت.» # ولكنه عاد إلى المسالمة، بعد أن وضح النصر في ليلة الهرير، فخطب في قومه من كندة قائلا: ~~... قد رأيتم يا معشر المسلمين ما قد كان في يومكم هذا الماضي، وما قد فني فيه من ~~العرب ... فوالله لقد بلغت من السن ما شاء الله أن أبلغ، فما رأيت مثل هذا اليوم قط ... ~~ألا فليبلغ الشاهد الغائب أنا إن توافقنا غدا إنه لفنيت العرب وضيعت الحرمات ... أما ~~والله ما أقول هذه المقالة خوفا من الحرب، ولكني رجل مسن أخاف على النساء والذراري ~~غدا إذا فنينا ... # ثم ذهب إلى علي - رضي الله عنه - بعد رفع المصاحف، فقال له: «ما أرى الناس إلا قد رضوا ms054 ~~وسرهم أن يجيبوا القوم إلى ما دعوهم إليه من حكم القرآن ... فإن شئت أتيت معاوية فسألته ما ~~يريد، فنظرت ما يسأل» ... # ولقي معاوية فسأله: «يا معاوية ... لأي شيء رفعتم هذه المصاحف؟» # قال: «لنرجع نحن وأنتم إلى أمر الله - عز وجل - في كتابه ... تبعثون منكم رجلا ترضون به، ~~ونبعث منا رجلا، ثم نأخذ عليهما أن يعملا بما في كتاب الله لا يعدوانه ... ثم نتبع ما اتفقنا ~~عليه.» # فقال الأشعث: «هذا الحق!» # وعاد إلى علي ينادي بالتحكيم، ويختار له هو وأنصاره رجلا ينوب عن علي، وعلي لا ~~يرضاه ... ~~••• # وكان أنصار التحكيم قد تكاثروا واجترءوا على أمير المؤمنين، فلم يبالوا أن يجبهوه بالقول ~~السيئ منذرين متوعدين: «يا علي! أجب إلى كتاب الله - عز وجل - إذا دعيت، وإلا ندفعك برمتك ~~إلى القوم أو نفعل كما فعلنا بابن عفان، إنه عرض علينا أن نعمل بما في كتاب الله - عز وجل - ~~فقبلناه ... والله لتفعلنها أو لنفعلنها بك.» # وألحوا عليه أن يرد قائده الأشتر النخعي من ساحة الحرب، وإلا اعتزلوه أو قتلوه ... # فقبل التحكيم وهو كاره ... # واختار أهل الشام عمرو بن العاص، فقال الأشعث: «فإنا رضينا بأبي موسى الأشعري.» # قال علي: «إنه ليس لي بثقة ... قد فارقني وخذل الناس عني، ثم هرب مني حتى آمنته بعد أشهر، ~~ولكن هذا ابن عباس نوليه ذلك.» # قالوا: «لا نريد إلا رجلا هو منك ومن معاوية سواء، ليس إلى واحد منكم بأدنى من الآخر ~~...» # قال: «فإني أجعل الأشتر.» # قال الأشعث - وهو ينفس على الأشتر مكانته وبلاءه من قبل: «وهل سعر الأرض غير الأشتر؟ ... أو ~~قال: وهل نحن إلا في حكم الأشتر ...!» # فلما رأى إصرارهم وقلة أنصاره على رأيه بينهم قال: «فقد أبيتم إلا أبا موسى!» # قالوا: «نعم!» # قال: «فاصنعوا ما بدا لكم!» ~~••• # فهذا رجل من الزعماء المطاعين في جيش علي، لم يدع من وسعه شيئا لتغليب حزب معاوية على ~~حزبه، واستكثر عليه أن يكون الحكم الذي يختاره نصيرا له مؤمنا بحقه وصحة رأيه، ولا طائل ~~في البحث عن هذا الخذلان الصريح، ms055 أكان هو الطمع في الملك بعد فشل علي أم النقمة على ~~الأشتر النخعي في مكانته وبلائه، أم التواطؤ بينه وبين معاوية على منفعة مؤجلة ومكافأة ~~موعودة ... فإنما النية الخبيثة ظاهرة وإن استترت العلة، وأيا كانت العلة الخفية فقد صنع ~~الرجل غاية ما استطاع لتغليب حزب معاوية وخذلان الحزب الذي هو فيه. # قال علي يصف قسمته من الأنصار، وقسمته من النوازل والعثرات: «لو أحبني جبل ~~لتهافت.» # وقال يصف أنصاره: «أيها الناس المجتمعة أبدانهم، المختلفة أهواؤهم، كلامكم يوهي الصم ~~الصلاب، وفعلكم يطمع فيكم الأعداء ... ما عزت دعوة من دعاكم، ولا استراح قلب من قاساكم، ~~أعاليل بأضاليل دفاع ذي الدين المطول ... أي دار بعد داركم تمنعون؟ ... ومع أي إمام بعدي ~~تقاتلون؟ ... المغرور والله من غررتموه، ومن فاز بكم فقد فاز والله بالسهم الأخيب، ومن رمى ~~بكم فقد رمى بأفوق ناصل، # 3 # أصبحت والله لا أصدق قولكم ولا أطمع في نصركم، ولا أوعد العدو بكم، ما بالكم؟ ... ~~ما دواؤكم؟ ... ما طبكم؟ ... القوم رجال أمثالكم، أقولا بغير علم؟ ... وغفلة من غير ورع؟ ... ~~وطمعا في غير حق؟ ...» ~~••• # وهي صيحة لا تصف إلا بعض ما يعانيه من حيرة، لا مخرج له منها في سياسة أصحابه، فإنه لم ~~يفرغ من التحكيم الذي أذعن له وهو كاره، حتى فوجئ بطاقة أخرى من أنصاره يرمونه بالكفر؛ لأنه ~~قبل ذلك التحكيم، وزعموه قبولا للتحكيم في كلام الله وفي دماء المسلمين، وهو عندهم كفر ~~بواح، أولئك هم الخوارج الذين حاربوه بالسلاح، وكانوا يحرمون عليه حرب معاوية قبل ~~ذاك! # ثم اجتمع الحكمان بدومة الجندل التي وقع عليها الاختيار؛ لتكون وسطا بين العراق والشام، ~~ولم يكن قرار الحكمين خافيا على من عرفوا أبا موسى الأشعري وعمرو بن العاص، فإن أبا موسى ~~لم يكتم قط أن السلامة في اجتناب الفريقين والقعود عن القتال، فليس أيسر من إقناعه بخلع ~~صاحبه وخلع معاوية على السواء، ثم يرجع الرأي إلى عمرو بن العاص في إقرار هذا الخلع، أو ~~الاحتيال فيه بالحيلة التي ترضيه. # إلا أن الدهاة من العرب، ms056 كانوا يتوقعون من عمرو بن العاص أن يحتال لنفسه حتى يفرغ وسعه ~~قبل أن يحتال لصاحبه الذي أنابه عنه. # ومن هؤلاء الدهاة المغيرة بن شعبة الذي اعتزل الفريقين من مطلع الفتنة إلى يوم التحكيم، ~~فلما اجتمع الحكمان علم أنها الجولة الأخيرة في الصراع ... فخرج من عزلته ودنا ليستطلع ~~الأمور، على سنة الدهاة من أمثاله، إذ يتنسمون الريح قبل هبوبها، ولا يقلقون أنفسهم ~~بمهبها قبل أوانها ... فلقي أبا موسى وعمرو بن العاص، ثم ذهب إلى معاوية وهو مشغول البال بطول ~~الاجتماع بين الحكمين، واضطراب الظنون فيما وراء هذا الإبطاء المريب ... فقال له وهو يرى ~~اشتغال باله: «قد أتيتك بخبر الرجلين ...» # قال معاوية: وما خبرهما؟ ... # قال المغيرة: «إني خلوت بأبي موسى لأبلو ما عنده فقلت: ما تقول فيمن اعتزل عن هذا وجلس في ~~بيته كراهية للدماء؟ ... فقال: أولئك خيار الناس، خفت ظهورهم من دماء إخوانهم وبطونهم من ~~أموالهم. فخرجت من عنده وأتيت عمرو بن العاص، فقلت: يا أبا عبد الله ما تقول فيمن اعتزل هذه ~~الحروب؟ ... فقال: أولئك شرار الناس لم يعرفوا حقا ولم ينكروا باطلا» ... # ثم عقب المغيرة قائلا: «أنا أحسب أبا موسى خالعا صاحبه وجاعلها لرجل لم يشهد، وأحسب ~~هواه في عبد الله بن عمر بن الخطاب، وأما عمرو بن العاص فهو صاحبك الذي عرفته، وأحسبه ~~سيطلبها لنفسه أو لابنه عبد الله، ولا أراه يظن أنك أحق بهذا الأمر منه ...» # وقد أحسن المغيرة حزره نقل الحرف بالحرف في تقدير نية الرجلين، فإنهما ما اجتمعا هنيهة ~~حتى أقبل أبو موسى على عمرو يقول له: «يا عمرو! ... هل لك فيما فيه صلاح الأمة ورضا ~~الله؟» # قال: «وما هو؟ ...» # قال: «نولي عبد الله بن عمر، فإنه لم يدخل في نفسه شيء من هذه الحروب ...» # فراغ عمرو قليلا يحاول أن يلقي في روع صاحبه أنه يريد معاوية، ثم عاد يسأله: «فما يمنعك ~~من ابني عبد الله مع فضله وصلاحه وقديم هجرته وصحبته؟» # فأوشك أبو موسى أن يجيبه لولا أنه قال: «إن ابنك رجل صدق، ms057 ولكنك غمسته في هذه الحروب ~~غمسا.» # وتكرر بينهما هذا القول وأشباهه في كل لقاء، وطفقا يبدئان منه ويعيدان إليه بعد كل جدال، ~~حتى وقر في خلد الأشعري أن خلع الزعيمين أمر لا مناص منه، ولا اتفاق بينهما على غيره، ~~فتواعدا إلى يوم يعلنان فيه هذا القرار ... # وتقدم أبو موسى فقال بعد تمهيد: «... أيها الناس، إنا قد نظرنا في أمر هذه الأمة، فلم نر ~~أصلح لأمرها ولا ألم لشعثها من أمر قد أجمع رأيي ورأي عمرو عليه، وهو أن نخلع عليا ~~ومعاوية، ونستقبل الأمة بهذا الأمر فيولوا منهم من أحبوا عليهم، وإني قد خلعت عليا ~~ومعاوية، فاستقبلوا أمركم وولوا عليكم من رأيتموه لهذا الأمر أهلا.» # وتلاه عمرو فقال بعد تمهيد: «... إن هذا قال ما سمعتم وخلع صاحبه، وأنا أخلع صاحبه كما ~~خلعه، وأثبت صاحبي معاوية، فإنه ولي عثمان بن عفان - رضي الله عنه - والطالب بدمه وأحق ~~الناس بمقامه.» # فغضب أبو موسى، وصاح به: «ما لك لا وفقك الله غدرت وفجرت، إنما مثلك مثل الكلب إن تحمل ~~عليه يلهث أو تتركه يلهث ...» # فابتسم عمرو، وهو يقول: «إنما مثلك كمثل الحمار يحمل أسفارا ...» # كلب وحمار فيما حكما به على نفسيهما غاضبين، وهما يقضيان على العالم بأسره ليرضى بما ~~قضياه ... # وانتهت المأساة بهذه المهزلة، أو انتهت المهزلة بهذه المأساة. # وبان أن اجتماع الحكمين لم يفض إلى اتفاق بين الحكمين، فعاد الخلاف إلى ما كان عليه ~~... # إلا أنه استشرى واحتدم بعد قصة الحكمين بما زاد عليه من فتنة الخوارج المنكرين ~~للتحكيم. # فقد أجمعوا وأبرموا فيما بينهم «... إن هذين الحكمين قد حكما بغير ما أنزل الله، وقد كفر ~~إخواننا حين رضوا بهما، وحكموا الرجال في دينهم ونحن على الشخوص من بين أظهرهم، وقد أصبحنا ~~والحمد لله ونحن على الحق من بين هذا الخلق.» # وخرجوا وعلي يأبى قتالهم حتى ييأس من توبتهم، ولقيهم بالجيش، فآثر أن يلقاهم مناقشا ~~قبل أن يلقاهم مقاتلا، واقترح عليهم أن يخرجوا إليه رجلا منهم يرضونه، يسأله ويجيبه ويتوب ~~إن لزمته الحجة ويتوبوا ms058 إن لزمتهم، فأخرجوا إليه إمامهم عبد الله بن الكواء. # قال علي: «ما الذي نقمتم علي بعد رضاكم بولايتي وجهادكم معي وطاعتكم لي، فهلا برئتم مني ~~يوم الجمل؟ ...» # قال ابن الكواء: «لم يكن هناك تحكيم.» # قال علي: «يا ابن الكواء ويحك ... أنا أهدى أم رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~؟» # قال ابن الكواء: «بل رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~.» # قال علي: «فما سمعت قول الله - عز وجل: # فقل تعالوا ندع ~~أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا ~~وأنفسكم # أكان الله يشك أنهم هم الكاذبون ... # قال: «إن ذلك احتجاج عليهم، وأنت شككت في نفسك حين رضيت بالحكمين، فنحن أحرى أن نشك ~~فيك.» # قال: وإن الله تعالى يقول: # فأتوا بكتاب من عند الله ~~هو أهدى منهما أتبعه ~~... # قال ابن الكواء: «ذلك أيضا احتجاج منه عليهم.» ثم قال بعد كلام طويل من قبيل كلامه هذا: ~~«إنك صادق في جميع قولك غير أنك كفرت حين حكمت الحكمين.» # قال علي: «ويحك يا ابن الكواء ... إني إنما حكمت أبا موسى وحكم معاوية عمرا» ... # قال ابن الكواء: «فإن أبا موسى كان كافرا.» # قال علي: «متى كفر؟ ... أحين بعثته أم حين حكم؟» # قال ابن الكواء: «بل حين حكم.» # قال علي: «أفلا ترى أني بعثته مسلما فكفر في قولك بعد أن بعثته ... أرأيت لو أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # بعث رجلا من المسلمين إلى ناس من الكافرين ليدعوهم إلى الله، # 4 # فدعاهم إلى غيره، هل كان على رسول الله # صلى الله عليه وسلم # من ذلك شيء؟» # قال: «لا.» # قال: «ويحك ... فما كان علي أن ضل أبو موسى؟ أفيحل لكم بضلالة أبي موسى أن تضعوا سيوفكم ~~على عواتقكم فتعترضوا بها الناس؟» # فعلم الخوارج أن صاحبهم ليس بند لعلي في مجال نقاش، فكفوه عن الكلام كأنهم آمنوا ~~بصدق علي في حجته وقصده، لولا أنهم قوم قهرتهم لجاجة العناد كما تقهر أمثالهم من ~~المتهوسين، الذين يجدون في المضي مع العناد لذة يستمرئونها من الحق والمعرفة ... فمردوا على ~~الشقاق، وأصروا على تكفير علي ms059 وأصحابه، وأن يعاملوهم في الحرب والسلم معاملة الكفار ~~... ~~••• # واستبقى علي بعد هذا كله بقية للسلم والمراجعة ... فرفع في الساحة راية ضم إليها ألفي رجل ~~ونادى: «من التجأ إلى هذه الراية فهو آمن.» # ثم قال لأصحابه: «لا تبدءوهم بالقتال حتى يبدءوكم.» فصاح الخوارج صيحتهم: «لا حكم إلا لله ~~وإن كره المشركون.» وهجموا هجمة رجل واحد ... وتلقاهم علي وأصحابه لقاء من نفد صبره ووغر ~~صدره، فما هي إلا ساعة حتى قتل معظم الخوارج، وبقي منهم نحو أربعمائة أصيبوا بجراح وعجزوا ~~عن القتال، فأمر بهم علي فحملوا إلى عشائرهم لينظروا من فيه رمق فيدركوه بعلاج. # وأراد المسير إلى الشام ليلقى بها جيش معاوية ... # فتصدى له الأشعث بن قيس مرة أخرى، كما تصدى له في كل فرصة سانحة للغلبة، وقال له على مسمع ~~من الناس: «يا أمير المؤمنين ... نفدت نبالنا، وكلت سيوفنا، ونصلت أسنة رماحنا، فارجع بنا ~~إلى مقرنا لنستعد بأحسن عدتنا، ولعل أمير المؤمنين يزيد في عدتنا عدة من هلك منا، فإنه أوفى ~~لنا على عدونا.» ~~••• # وتسلل الجند من معسكرهم، ولاذ من لاذ بالمدن القريبة منهم، وأيقن علي أن القوم مارقون من ~~يده، ولا طاعة له عليهم إذا دعاهم بعدها لقتال ... # أما معاوية فقد علا نجمه بين قومه، وأعانه طلاب المنافع عامدين، وأعانه الخوارج غير ~~عامدين، فحاربوا عليا ولم يحاربوه، وطلبوا التوبة من علي ولم يطلبوها منه، واستمر هو في ~~إنفاذ البعوث والسرايا إلى كل موضع آنس منه غرة وظن بزعمائه موجدة أو سآمة، فلم تنقض سنتان ~~حتى كانت معه مصر والمدينة ومكة، وبقي علي في أرباض الكوفة يائسا منعزلا عن الناس، ~~يتمنى الموت كما قال في بعض خطبه، ويوجس شرا من أقرب المقربين إليه، وانتهى بقبول ~~المهادنة بينه وبين معاوية على أن تكون له العراق ولمعاوية الشام، ويكفا السيف عن هذه ~~الأمة، فلا نزاع ولا قتال ... ~~••• # وبقيت في كنانة الأقدار مصادفة من هذه المصادفات التي يخيل إليك وأنت تتعقبها، أنها تجمعت ~~منذ الأبد ليبوء علي بنقائض الموقف كله، ويظفر خصومه بتوفيقات الموقف ms060 كله ... فشاءت هذه ~~المصادفة الأخيرة أن يتفق ثلاثة على قتل ثلاثة، فيذهب هو وحده ضحية هذه المكيدة العاجلة، ~~ويفلت زميلاه فيها: معاوية، وعمرو بن العاص. # اجتمع عبد الرحمن بن ملجم والبرك بن عبد الله وعمرو بن بكر التميمي، وهم من غلاة الخوارج ~~الموتورين، فتذاكروا القتلى من رفاقهم وتذاكروا القتلى من المسلمين عامة، وألقوا وزر هذه ~~الدماء كلها على ثلاثة من الكفار - أو أئمة الضلالة في رأيهم - وهم: علي بن أبي طالب، ~~ومعاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص. # فقال ابن ملجم: «أنا أكفيكم علي بن أبي طالب.» # وقال البرك: «أنا أكفيكم معاوية بن أبي سفيان.» # وقال عمرو بن بكر: «أنا أكفيكم عمرو بن العاص.» # وإن ضغينة الثأر لحافز أي حافز ... # وإن تهوس العقيدة لمثير أي مثير ... # وكان للمتآمرين الثلاثة قسط واف من هذين الحافزين، يغني عن مزيد من التحريض على القتل ~~والانتقام ... # ولكن المصادفة العجيبة هي التي شاءت أن تشحذ عزيمة ابن ملجم بحافز ثالث، لعله يمضي حين ~~ينبو هذان الحافزان الماضيان، وهو حافز من الغرام الظامئ لا يرويه إلا دم ذلك الشهيد ~~الكريم. # فإن المرء قد ينيم ثائرة الحقد، وقد يماري نفسه فيما تفرضه العقيدة، ولكنه إذا كان عاشقا ~~مخبولا يستنجزه الوعد معشوق مسلط عليه، فهو مأسور زمامه في يدي غيره، وليس في يديه. ~~••• # وكان ابن ملجم يحب فتاة من تيم الرباب، قتل أبوها وأخوها وبعض أقربائها في معركة الخوارج، ~~وكانت توصف بالجمال الفائق والشكيمة القوية، وتدين بمذهب قومها فوق ما في جوانحها من لوعة ~~الحزن على ذويها، فلما خطبها ابن ملجم لم ترض به زوجا إلا أن يشفي لوعتها. # قال: «وما يشفيك؟» قالت: «ثلاثة آلاف درهم وعبد وقينة، وقتل علي بن أبي طالب.» # قال: «أما قتل علي فلا أراك ذكرته لي وأنت تريدينني.» # قالت: «بل ألتمس غرته ... فإذا أصبت شفيت نفسك ونفسي ويهنأك العيش معي، وإن قتلت فما عند ~~الله خير من الدنيا وزينتها وزينة أهلها.» # وخرج الثلاثة متواعدين إلى ليلة واحدة، يقتل كل منهم صاحبه في ذلك ms061 الموعد ... # فأما عمرو بن العاص، فقد اشتكى بطنه تلك الليلة فلم يخرج من بيته، وأمر خارجة بن حذافة ~~صاحب شرطته أن يصلي بالناس، فضربه عمرو بن بكر وهو يحسبه عمرا فقتله، فقال عمرو: أردتني ~~وأراد الله خارجة، وأمر بقتله ... # وأما معاوية فضربه البرك بن عبد الله، وقد خرج الغداة للصلاة، فوقعت الضربة على إليته ... ~~وقيل: إن الطعنة مسمومة لا يشفيها إلا الكي بالنار أو شراب يمنع النسل، فجزع معاوية من ~~النار، ورضي انقطاع النسل، وهو يقول: «في يزيد وعبد الله ما تقر به عيني، وأمر بالرجل فقتل ~~لحينه.» # وأما علي، فضربه ابن ملجم في جبينه بسيف مسموم، وهو خارج للصلاة، فمات بعد أيام وهو ~~يحذر أولياء دمه من المثلة، ويقول لهم: «يا بني عبد المطلب ... لا ألفينكم تخوضون دماء ~~المسلمين تقولون: قتل أمير المؤمنين، قتل أمير المؤمنين ... ألا لا يقتلن أحد إلا قاتلي ~~...» ~~«انظر يا حسن! إن أنا مت من ضربته هذه فاضربه ضربة بضربة ولا تمثل بالرجل فإني سمعت رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم # يقول: إياكم والمثلة ولو أنها بالكلب العقور.» ~~••• # وهذه خاتمة فاجعة، ننظر في كل فرض من فروضها، فلا نخليها من المصادفة السيئة التي لا تلقى ~~تبعتها على أحد بعينه. # فمهما يقل القائلون: إن عليا إنما أصيب لأنه كان لا يتقي أحدا، ولا يخرج إلى المسجد ~~بحرس، فالواقع أن المصادفة السيئة قائمة هناك تفرق في عثرات الحظ بينه وبين زميليه اللذين ~~سيقا معه إلى مكيدة واحدة ... فخرجا منها بحظين غير حظه، فإن ابن العاص لم ينج من القتل لأنه ~~خرج إلى المسجد محروسا؛ ولكنه نجا لأنه لزم بيته في تلك الليلة، ومات صاحب شرطته الذي خرج ~~في مكانه؛ ولم ينج معاوية لأنه خرج محروسا؛ ولكنه نجا لأنه أصيب وكانت إصابته غير ~~قاتلة. # فهي المصادفة السيئة مهما تلتمس لها علة من علل التاريخ، ترجع بنا في آخر الأمر إلى علل ~~المصادفات التي لا تقبل التعليل. # وشيء آخر تصوره لنا هذه الخاتمة الفاجعة، كما تصوره لنا البيعة كلها ms062 من قبل ابتدائها على ~~ما بعد انتهائها ... # وذلك هو النسيج الإنساني النابض الذي يتخلل حياة علي في لحمتها وسداها، وفي تفصيل ~~أجزائها وجملة فحواها، فما من حادثة من حوادث هذه الحياة النبيلة إلا وهي معرض حافل للعواطف ~~الإنسانية برمتها، تلتقي فيه عوامل النخوة والشجاعة والوفاء والإيمان والسماحة، وتشتبك فيه ~~مطامع الناس وأشواقهم وظواهرهم وخفاياهم ... ذلك الاشتباك الذي يخلقه الشعراء خلقا في القصص ~~والملاحم، فلا يحكمونه بعض إحكام الواقع الملموس في سيرة الإمام. وقد أسلفنا في صدر هذا ~~الكتاب أنها سيرة تلامس النفس الإنسانية في شتى نواحيها: تلامسها من ناحية العقيدة كما ~~تلامسها من ناحية العاطفة، ومن ناحية الفكر كناحية الخيال، ومن ناحية التمرد كناحية الولاء، ~~فإذا اتبعت السيرة بالخاتمة، فأي خيط من خيوط تلك الشبكة الإنسانية التي تنسجها القرائح ~~لاقتناص الشعور وتقريب الخيال تفقده في هذه الخاتمة الفاجعة؟ أي باعث من بواعث القصص ~~الدامية بأحاسيسها ولواعجها لا يرتعد هنا ارتعادا في كل فصل من فصولها، ومشهد من مشاهدها؟ ~~يأس الكريم المغلوب وجرأة المحتال الغالب، وغرام المتهوس المجنون، وأريحية القتيل الموصي ~~بمن اعتدى عليه، وحقد المرأة وخداع الجمال، وزيغ العقيدة، واستواء الإيمان، وفنون لا تحصى ~~تجتمع من الشعور الموار واللهفة الدائمة في خاتمة حياة تسع ألف حياة. ~~••• # وهذه مزية علي بين خلفاء الإسلام قاطبة ... ينفرد بها؛ لأنه انفرد بمثال من النفوس ومثال ~~من العوارض الفردية والاجتماعية تؤلفه المصادفات في الأجيال الطوال، ولا تحسن أن تؤلفه ~~بمشيئتها في كل جيل ... # تلك حياة حي ... وذلك مصرع شهيد ... # | سياسته # تسري في صفحات التاريخ أحكام مرتجلة يتلقفها فم من فم، ويتوارثها جيل عن جيل، ويتخذها ~~السامعون قضية مسلمة، مفروغا من بحثها والاستدلال عليها، وهي في الواقع لم تعرض قط على ~~البحث والاستدلال، ولم تجاوز أن تكون شبهة وافقت ظواهر الأحوال، ثم صقلتها الألسنة فعز ~~عليها بعد صقلها أن تردها إلى الهجر والإهمال ... # كل أولئك من لغو الشعوب ... وللشعوب بداهة تقصر دونها بداهة الغواصين من الأفراد، ولكنها ~~إذا لغت فشوطها في اللغو أوسع من شوط الفرد ms063 بأمد بعيد ... # من تلك الأحكام المرتجلة قولهم: إن علي بن أبي طالب رجل شجاع، ولكن لا علم له بخدع الحرب ~~والسياسة! # وقد شاع هذا الرأي في عصر علي بين أصحابه، كما شاع بين أعدائه، وعزز القول به أنه خالف ~~الدهاة من العرب فيما أشاروا به عليه، وأنه لم ينجح بعد هذه المخالفة في معظم مساعيه، فكان ~~من الطبيعي أن يقال: إنه مني بالفشل؛ لأنه عمل بغير ما أشار به أصحابه الدهاة، وأنه هو لم ~~يكن من أصحاب الخدع الناجحة في الحرب أو السياسة ... # وقد يكون كذلك أو لا يكون، فسنرى بعد البحث في آرائه وآراء المشيرين عليه أي هذين القولين ~~أدنى إلى الصواب ... # ولكن هل خطر لأحد من ناقديه - في عصره أو بعد عصره - أن يسأل نفسه: أكان في وسع علي أن ~~يصنع غير ما صنع؟ ... # وهل خطر لأحد منهم أن يسأل بعد ذلك: هبه استطاع أن يصنع غير ما صنع فما هي العاقبة؟ ... وهل ~~من المحقق أنه كان يفضي بصنيعه إلى عاقبة أسلم من العاقبة التي صار إليها؟ ... # لم نعرف أحدا من ناقديه، خطر له أن يسأل عن هذا أو ذاك ... مع أن السؤال عن هذا وذاك هو ~~السبيل الوحيد إلى تحقيق الصواب والخطأ في رأيه ورأي مخالفيه، سواء كانوا من الدهاة أو غير ~~الدهاة ... # والذي يبدو لنا نحن من تقدير العواقب على وجوهها المختلفة أن العمل بغير الرأي، الذي سيق ~~إليه لم يكن مضمون النجاح ولا كان مأمون الخطر، بل ربما كان الأمل في نجاحه أضعف والخطر من ~~اتباعه أعظم لو أنه وضع في موضع العمل والإنجاز، وخرج من حيز النصح والمشورة. # وهذه هي المسائل التي خالفه فيها الدهاة، أو خالفه فيها نقدة التاريخ الذين نظروا إليها ~~من الشاطئ، ولم ينظروا إليها نظرة الربان في غمرة العواصف والأمواج ... ~~••• # فالمآخذ التي من هذا القبيل، يمكن أن تنحصر في المسائل التالية، وهي: ~~(1) # عزل معاوية. ~~(2) # معاملة طلحة والزبير. ~~(3) # عزل قيس بن سعد من ولاية مصر. ~~(4) # تسليم قتلة عثمان. ~~(5) # قبول التحكيم. ~~(6) # قبول ms064 الخلافة. # وهي كلها على الأقل قابلة للخلاف والاحتجاج من كلا الطرفين ... فإن لم يكن خلاف وكان جزم ~~قاطع ... فهو على ما نعتقد أقرب إلى رأي علي، وأبعد من آراء مخالفيه وناقديه ... # قيل في مسألة معاوية: إن عليا - رضي الله عنه - خالف فيها رأي المغيرة وابن عباس وزياد ~~بن حنظلة التميمي، وهم جميعا من المشهورين بالحنكة وحسن التدبير ... # جاءه المغيرة بن شعبة بعد مبايعته، فقال له: «إن لك حق الطاعة والنصيحة، وإن الرأي اليوم ~~تحرز به ما في غد، وإن الضياع اليوم تضيع به ما في غد، أقرر معاوية على عمله، وأقرر العمال ~~على أعمالهم، حتى إذا أتتك طاعتهم وبيعة الجنود استبدلت أو تركت.» # فأبى وقال: «لا أداهن في ديني، ولا أعطي الدنية في أمري.» # قال المغيرة: «فإن كنت أبيت علي فانزع من شئت واترك معاوية، فإن في معاوية جرأة، وهو في ~~أهل الشام يستمع له ولك حجة في إثباته ... إذ كان عمر قد ولاه الشام» ... # فقال علي: «لا والله ... لا أستعمل معاوية يومين.» ~~••• # ثم خرج المغيرة ودخل عليه ابن عباس فقال له، لما علم برأي المغيرة: «إنه نصحك» ... # قال علي: «ولم نصحني؟» # قال: «لأنك تعلم أن معاوية وأصحابه أهل دنيا، فمتى تثبتهم لا يبالوا بمن ولي هذا الأمر، ~~ومتى تعزلهم يقولوا: أخذ هذا الأمر بغير شورى، وهو قتل صاحبنا، ويؤلبون عليك فينتقض عليك ~~أهل الشام وأهل العراق ...» # ثم مضت الأيام، وشاع بين أهل المدينة أن معاوية منتقض على الإمام ... فبعثوا بزياد بن حنظلة ~~التميمي يعلم ما عنده من أمر هذا الانتقاض، وكان زياد من جلسائه. # فقال له الإمام: «تيسر.» # قال زياد: «لأي شيء؟» # قال: «تغزو الشام.» # فقال زياد: «الأناة والرفق أمثل، واستشهد بقول الشاعر: # ومن لم يصانع في أمور كثيرة # يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم» # فتمثل علي: # متى تجمع القلب الذكي وصارما # وأنفا حميا تجتنبك المظالم # فخرج زياد إلى الناس وهم يسألونه: «ما وراءك؟» فأجابهم: «هو السيف يا قوم!» ~~••• # تلك آراء المشيرين من ذوي الحنكة، وذلك ما عمل به الإمام وارتضاه ms065 ... فأيهما على خطأ وأيهما ~~على صواب؟ ... # سبيل العلم بذلك أن نعلم أولا: هل كان الإمام مستطيعا أن يقر معاوية في عمله بالشام؟ ~~... # وأن نعلم بعد هذا: هل كان إقراره أدنى إلى السلامة والوفاق لو أنه استطيع؟ ... # وعندنا أن الإمام لم يكن مستطيعا أن يقر معاوية في عمله لسببين: أولهما أنه أشار على ~~عثمان بعزله أكثر من مرة، وكان إقراره وإقرار أمثاله من الولاة المستغلين أهم المآخذ على ~~حكومة عثمان في رأي علي، وذوي الصلاح والاستقامة بين الصحابة، وكثيرا ما اعتذر عثمان من ~~إقرار معاوية بأنه من ولاة عمر بن الخطاب ... فكان علي لا يقبل هذا العذر ولا يزال يقول له: ~~«إنه كان أخوف لعمر بن الخطاب من غلامه «يرفأ» ... ولكنه بعد موت عمر لا يخاف.» # فإذا أقره وقد ولي الخلافة، فكيف يقع هذا الإقرار عند أشياعه؟ ألا يقولون: إنه طالب حكم ~~لا يعنيه إذا وصل إلى بغيته ما كان يقول وما سيقوله الناس؟ # وإذا هو أعرض عن رأيه الأول، فهل في وسعه أن يعرض عن آراء الثائرين الذين بايعوه بالخلافة ~~لتغيير الحال، والخروج من حكم عثمان إلى حكم جديد؟ ... # إن هؤلاء الثائرين أشفقوا من نية الصلح مع طلحة والزبير في وقعة الجمل، فبدءوا بالهجوم ~~قبل أن يؤمروا به ... بل هجموا على أهل البصرة وهم مأمورون بالهدنة والأناة، فكيف تراهم ~~يهدءون ويطيعون إذا علموا أن الولايات باقية على حالها، وأن الاستغلال الذي شكوا منه وسخطوا ~~عليه لا تبديل فيه؟ ... # وندع هذا ونزعم أن إقرار معاوية بحيلة من الحيل مستطاع ... فهل هو على هذا الزعم أسلم وأدنى ~~إلى الوفاق؟ # كلا ... على الأرجح، بل على الرجحان الذي هو في حكم التحقيق ... لأن معاوية لم يعمل في الشام ~~عمل وال يظل واليا طول حياته، ويقنع بهذا النصيب ثم لا يتطاول إلى ما وراءه، ولكنه عمل ~~فيها عمل صاحب الدولة التي يؤسسها، ويدعمها له ولأبنائه من بعده ... فجمع الأقطاب من حوله، ~~واشترى الأنصار بكل ثمن في يديه، وأحاط نفسه بالقوة والثروة، واستعد للبقاء الطويل، واغتنام ms066 ~~الفرصة في حينها ... فأي فرصة هو واجدها خير من مقتل عثمان والمطالبة بثأره؟ # وإنما كان مقتل عثمان فرصة لا يضيعها، وإلا ضاع منه الملك وتعرض يوما من الأيام لضياع ~~الولاية، وما كان مثل معاوية بالذي يفوته الخطر من عزله بعد استقرار الأمور، ولو على احتمال ~~بعيد ... فماذا تراه صانعا إذا هو عزل بعد عام من مبايعته لعلي وتبرئته إياه من دم ~~عثمان؟ # إنما كان مقتل عثمان فرصة لغرض لا يقبل الإرجاء ... # وإذا كان هذا موقف علي ومعاوية عند مقتل عثمان، فماذا كان علي مستفيدا من إقراره في ~~عمله وتعريض نفسه لغضب أنصاره ... # لقد كان معاوية أحرى أن يستفيد بهذا من علي؛ لأنه كان يغنم به حسن الشهادة له وتزكية عمله ~~في الولاية، وكان يغنم به أن يفسد الأمر على علي بين أنصاره، فتعلو حجته من حيث تسقط حجة ~~الإمام ... # وأصدق ما يقال بعد عرض الموقف على هذا الوجه من ناحيتيه: أن صواب الإمام في مسألة معاوية ~~كان أرجح من صواب مخالفيه ... فإن لم نؤمن بهذا على التقدير والترجيح، فأقل ما يقال: إن ~~الصواب عنده وعندهم سواء ... # والتقدير في مسألة طلحة والزبير أيسر من التقدير في مسألة معاوية وولاية عثمان على ~~الأمصار: لأن الرأي الذي عمل به الإمام معروف، والآراء التي تخالفه لا تعدو واحدا من ~~ثلاثة: كلها أغمض عاقبة، وأقل سلامة، وأضعف ضمانا من رأيه الذي ارتضاه ... # فالرأي الأول أن يوليهما العراق واليمن أو البصرة والكوفة، وكان عبد الله بن عباس على هذا ~~الرأي، فأنكره الإمام؛ لأن «العراقين بهما الرجال والأموال، ومتى تملكا رقاب الناس يستميلان ~~السفيه بالطمع ويضربان الضعيف بالبلاء، ويقويان على القوي بالسلطان ...» ثم ينقلبان عليه أقوى ~~مما كانا بغير ولاية، وقد استفادا من إقامة الإمام لهما في الولاية تزكية يلزمانه بها ~~الحجة، ويثيران بها أنصاره عليه. ~~••• # والرأي الثاني أن يوقع بينهما ليفترقا ولا يتفقا على عمل، وهو لا ينجح في الوقيعة بينهما ~~إلا بإعطاء أحدهما وحرمان الآخر ... فمن أعطاه لا يضمن انقلابه مع الغرة السانحة، ومن حرمه ms067 لا ~~يأمن أن يهرب إلى الأثرة كما هرب غيره، فيذهب إلى الشام ليساوم معاوية، أو يبقى في المدينة ~~على ضغينة مستورة ... # على أنهما لم يكونا قط متفقين حتى في مسيرهما من مكة إلى البصرة، فوقع الخلاف في عسكرهما ~~على من يصلي بالناس، ولولا سعي السيدة عائشة بالتوفيق بين المختلفين لافترقا من الطريق ~~خصمين متنافسين ... # ولم تطل المحنة بهما متفقين أو مختلفين، فانهزما بعد أيام قليلة، وخرج الإمام من حربهما ~~أقوى وأمنع مما كان قبل هذه الفتنة، ولو بقيا على السلم المدخول لما انتفع بهما بعض انتفاعه ~~بهذه الهزيمة العاجلة، والرأي الثالث أن يعتقلهما أسيرين، ولا يبيح لهما الخروج من المدينة ~~إلى مكة حين سألاه الإذن بالمسير إليها، ثم خرجا منها إلى البصرة ليشنا الغارة عليه ~~... # والواقع أن الإمام قد استراب بما نوياه حين سألاه الإذن بالسفر إلى مكة ... فقال لهما: «ما ~~العمرة تريدان، وإنما تريدان الغدرة!» # ولكنه لم يحبسهما؛ لأن حبسهما لن يغنيه عن حبس غيرهما من المشكوك فيهم، وقد تركه عبد الله ~~بن عمر ولم يستأذنه في السفر، وتسلل إلى الشام أناس من مكة ومن المدينة، ولا عائق لهم أن ~~يتسللوا حيث شاءوا، ولو أنه حبسهم جميعا لما تسنى له ذلك بغير سلطان قاهر، وهو في ابتداء ~~حكمه لما يظفر بشيء من ذلك السلطان، وأغلب الظن أن سواد الناس كانوا يعطفون عليهم، وينقمون ~~حبسهم قبل أن تثبت له البينة بوزرهم، وما أكثر المتحرجين في عسكر الإمام من حبس الأبرياء ~~بغير برهان؟ ... لقد كان هؤلاء خلقاء أن ينصروهم عليه، وقد كانوا ينصرونه عليهم، وخير له مع ~~طلحة والزبير وأمثالهما أن يعلنوا عصيانهم، فيغلبهم من أن يكتموه فيغلبوه ويشككوا بعض ~~أنصاره في عدله وحسن مجاملته لهم. ~~••• # وعلى هذا كله، حاسنوه ولم يصارحوه بعداء ... لم يكن الجيش الذي خرج من مكة إلى البصرة بيائس ~~من الخروج إليها، إذا لم يصحبه طلحة والزبير، فقد كان «العثمانية» في مكة حزبا موفور العدد ~~والمال ... فهي مسألة تلتبس فيها الطرائق، ولا يسعنا أن نجزم بطريقة منها ms068 أسلم ولا أضمن عاقبة ~~من الطريقة التي سلكها الإمام، وخرج منها غالبا على الحجاز والعراق، وما كان وشيكا أن ~~يغلب عليهما لو بقي معه طلحة والزبير على فرض من جميع الفروض التي قدمناها. # أما عزل قيس بن سعد من ولاية مصر، فهي غلطة من غلطات الإمام يقل الخلاف فيها ... # لأن قيس بن سعد كان أقدر أصحابه على ولاية مصر وحمايتها، وكان كفؤا لمعاوية وعمرو بن ~~العاص في الدهاء والمداورة؛ فعزله الإمام لأنه شك فيه ... وشك فيه لأن معاوية أشاع مدحه بين ~~أهل الشام، وزعم أنه من حزبه والمؤتمرين في السر بأمره. # وكان أصحاب علي يحرضونه على عزله، وهو يستمهلهم ويراجع رأيه فيه حتى اجتمعت الشبهات ~~لديه ... فعزله وهو غير واثق من التهمة، ولكنه كذلك غير واثق من البراءة. # وشبهاته مع ذلك لم تكن بالقليلة ولا بالضعيفة، فإن قيس بن سعد لم يدخل مصر إلا بعد أن مر ~~بجماعة من حزب معاوية، فأجازوه ولم يحاربوه وهو في سبعة نفر لا يحمونه من بطشهم، فحسبوه حين ~~أجازوه من العثمانية الهاربين إلى مصر من دولة علي في الحجاز ... # ولما بايع المصريون عليا على يديه، بقي العثمانيون لا يبايعون ولا يثورون، وقالوا له: ~~«أمهلنا حتى يتبين لنا الأمر.» فأمهلهم وتركهم وادعين حيث طاب لهم المقام بجوار ~~الإسكندرية. ~~••• # ثم أغراه معاوية بمناصرته والخروج على الإمام، فكتب إليه كلاما لا إلى الرفض ولا إلى ~~القبول، ويصح لمن سمع بهذا الكلام أن يحسبه مراوغا لمعاوية، أو يحسبه مترقبا لساعة الفصل ~~بين الخصمين ... إذ كان ختام كتابه إليه: «... أما متابعتك فانظر فيها، وليس هذا مما يسرع إليه ~~وأنا كاف عنك فلا يأتيك شيء من قبلي تكرهه، حتى نرى وترى.» # ثم اشتد في وعيده حين أنذره معاوية فقال: «أما قولك أني مالئ عليك مصر خيلا ورجلا، ~~فوالله إن لم أشغلك بنفسك حتى تكون نفسك أهم إليك إنك لذو جد والسلام.» # وأراد الإمام أن يستيقن من الخصومة بين قيس ومعاوية، فأمر قيسا أن يحارب المتخلفين عن ~~البيعة ... فلم يفعل وكتب ms069 إليه: «... متى قاتلنا ساعدوا عليك عدوك، وهم الآن معتزلون والرأي ~~تركهم.» # فتعاظم شك الإمام وأصحابه، وكثر المشيرون عليه بعزل قيس واستقدامه إلى المدينة ... فعزله ~~واستقدمه، وتبين بعد ذلك أنه أشار بالرأي الصواب، وأن ترك المتخلفين عن البيعة في عزلتهم ~~خير من التعجيل بحربهم؛ لأنهم هزموا محمد بن أبي بكر والي مصر الجديد، وجرءوا عليه من كان ~~يصانعه ويواليه ... # غلطة لا ريب فيها ... # وإن كان جائزا مع هذا ألا يهزموا قيسا، لو كان حاربهم، كما هزموا خلفه الذي لا يعدله في ~~الحزم والخبرة. # ولكننا نبالغ على كل حال، إذا علقنا بها الجرائر التي أصابت الإمام من بعدها، وزعمنا أنه ~~تقاعد عن إصلاحها في حينها، كما تصلح الغلطات التي يساق إليها الساسة ... فإنما هي غلطة من ~~تلكم الغلطات التي تضير والحوادث مولية ... وقلما تضير أو تعز على الإصلاح والحوادث مؤاتية، ~~وقد عرف الإمام خطأه فقال لصحبه: «إن مصر لا يصلح لها إلا أحد رجلين هذا الذي عزلناه ~~والأشتر.» وأنفذ الأشتر إلى مصر ليعيدها إلى طاعته فمات في الطريق. ~~••• # والأقوال في موت الأشتر هذه الميتة الباغتة كثيرة، منها أنه مات غيلة وأن معاوية أغرى به ~~من دس له السم في عسل ... شربه وهو على حدود مصر فقضى نحبه، وروي أن معاوية قال حين بلغه ~~موته: «إن لله جنودا من العسل.» # فإن صحت الرواية، واعتقد من اعتقد أنها من دلائل السياسة القوية عند معاوية ... فمما لا شك ~~فيه أن موت الأشتر لم يكن من دلائل السياسة الضعيفة عند الإمام، وأنه لا لوم على سياسته في ~~اغتياله، إن كان فيه سبب ثناء على سياسة الغيلة عند من يحمدونها. # ومن عجائب هذه القصة أن معاوية ندم على تقريب قيس من جوار علي، وقال: «لو أمددته بمائة ~~ألف كانوا أهون علي من قيس.» لأنه قد ينفعه وهو قريب منه بالمشورة عليه في عامة أموره، ~~ولا ينحصر نفعه له في سياسة مصر وحدها ... # ولكن الذي حذره معاوية لم يكن، والذي حذره علي كان ... # وإذا ولت الحوادث، فقد ينفع ms070 الخطأ وقد يضير الصواب ... # ثم تأتي مسألة القصاص من قتلة عثمان التي كانت أطول المسائل جدلا بين الإمام وخصومه، ~~فإذا هي أقصرها جدلا من براءة المقصد من الهوى وخلوص الرغبة في الحقيقة ... # فقد طالبوه بالقود ولم يبايعوه، مع أن القود لا يكون إلا من ولي الأمر المعترف له بإقامة ~~الحدود. # وطالبوه به ولم يعرفوا من القتلة، ومن هو الذي يؤخذ بدم عثمان من القبائل أو الأفراد ~~... # وأعنتوه بهذا الطلب؛ لأنهم علموا أنه لا يستطاع قبل أن تثوب السكينة إلى عاصمة الدولة، ~~وأعفوا أنفسهم منه - وهم ولاة الدم كما يقولون - يوم قبضوا على عنان الحكم وثابت السكينة ~~إلى جميع الأمصار. ~~••• # وقد تحدث الإمام مرة في أمر القود من قتلة عثمان، فإذا بجيش يبلغ عشرة آلاف يشرعون ~~الرماح، ويجهرون بأنهم «كلهم قتلة عثمان»، فمن شاء القود فليأخذه منهم أجمعين. # وكان الإمام يقول لمن طلبوا منه إقامة الحدود: «إني لست أجهل ما تعلمون، ولكني كيف أصنع ~~بقوم يملكوننا ولا نملكهم، ها هم هؤلاء قد ثارت معهم عبدانكم وثابت إليهم أعرابكم، وهم ~~بينكم يسومونكم ما شاءوا، فهل ترون موضعا لقدرة على شيء مما تريدون؟ ...» # ومن قوله لهم: «... إن هذا الأمر أمر جاهلية، وإن لهؤلاء القوم مادة، وإن الناس من هذا ~~الأمر الذي تطلبون على أمور: فرقة ترى ما ترون، وفرقة ترى ما لا ترون، وفرقة لا ترى هذا ولا ~~هذا حتى تهدأ الناس وتقع القلوب مواقعها وتؤخذ الحقوق، فاهدءوا عني، وانظروا ماذا يأتيكم ثم ~~عودوا.» # ولو أن المطالبين بدم عثمان التمسوا أقرب الطرق إلى الثأر له، والقصاص من العادين عليه، ~~لقد كان هذا أقرب إلى ما أرادوا، يؤيدون ولي الأمر حتى يقوى على إقامة الحدود، ثم يحاسبونه ~~بحكم الشريعة حساب إنصاف. # إلا أنهم طلبوا ما لا يجاب، وما لم يكن من حقهم أن يطلبوه، وليس بينهم أعف ولا أتقى من ~~السيدة عائشة - رضي الله عنها. وقد روي عنها أنها قالت لما أخبرت ببيعة علي وهي خارجة من ~~مكة: «ليت هذه انطبقت على هذه إن ms071 تم الأمر لعلي.» تشير إلى السماء والأرض ... ثم عادت إلى ~~مكة وهي تقول: «قتل والله عثمان مظلوما، والله لأطلبن بدمه» ... # فقيل لها: «ولم؟ ... والله إن أول من أثار الناس عليه لأنت ... ولقد كنت تقولين: اقتلوا ~~«نعثلا» فقد كفر.» # فقالت: «إنهم استتابوه ثم قتلوه، وقد قلت وقالوا، وقولي اليوم خير من قولي الأول.» # وناهيك بالسيدة عائشة في فضلها ومكانتها وتقواها، فقل ما شئت في المطالبين غيرها بهذا ~~المطلب الذي لا يجاب. # والرضا، أو الإرضاء، مستحيل حين يكون الطلب من هذا القبيل. ~~••• # أما الذين لاموه لقبوله التحكيم، فيخيل إلينا من عجلتهم إلى اللوم أنهم كانوا أول من ~~يلومه، ويفرط في لومه لو أنه رفض التحكيم وأصر على رفضه؛ لأنه لم يقبل التحكيم وله مندوحة ~~عنه ... # ولكنه قبله بعد إحجام جنوده عن الحرب، ووشك القتال في عسكرهم خلافا بين من يقبلونه ~~ويرتضونه. # وقبله بعد أن حجز الحفاظ والقراء نيفا وثمانين فزعة للقتال لشكهم في وجوبه، وذهاب بعضهم ~~إلى تحريمه. # وبعد أن توعدوه بقتلة كقتلة عثمان، وأحاطوا به يلحون عليه في استدعاء الأشتر النخعي، الذي ~~كان يلاحق أعداءه مستحصدا في ساحة الحرب على أمل في النصر القريب ... # والمؤرخون الذين صوبوا رأيه في التحكيم وخطئوه في قبول أبي موسى الأشعري، على علمه بضعفه ~~وتردده، ينسون أن أبا موسى كان مفروضا عليه، كما فرض عليه التحكيم في لحظة واحدة ... وينسون ~~ما هو أهم من ذلك، وهو أن العاقبة متشابهة سواء ناب عنه أبو موسى الأشعري، أو ناب عنه ~~الأشتر أو عبد الله بن عباس ... فإن عمرو بن العاص لم يكن ليخلع معاوية ويقر عليا في ~~الخلافة، وقصارى ما هنالك أن الحكمين سيفترقان على تأييد كل منهما لصاحبه ورجعة الأمور إلى ~~مثل ما رجعت إليه، وإن توهم بعضهم أن الأشتر أو ابن عباس كان قديرا على تحويل ابن العاص عن ~~رأيه، والجنوح به إلى حزب الإمام، بعد مساومته التي ساومها في حزب معاوية ... فليس ذلك على ~~التحقيق بمقنع معاوية أن يستكين ويستسلم، وحوله المؤيدون والمترقبون للمطامع واللبانات ms072 ~~يعز عليهم إخفاقهم كما يعز عليه إخفاقه. ~~••• # وما أسهل المخرج الشرعي الذي يلوذ به معاوية، فيقبله منه أصحابه ويتابعونه على نقض حكم ~~الحكمين المتفقين! ... لقد كان النبي - عليه السلام - يقول عن عمار بن ياسر: أنه «تقتله الفئة ~~الباغية» فلما قتله جند معاوية، وخيفت الفتنة بينهم أن تلزمهم سبة البغي بشهادة الحديث ~~الشريف - قال قائل منهم: إنما قتله من جاء به إلى الحرب ... فشاع بينهم هذا التفسير العجيب، ~~وقبلوه جميعا غير مستثنى منهم رجل واحد ... أفلا يقبلون تفسيرا مثله إذا تحول ابن العاص، ~~وأفتى الحكمان بخلع معاوية ومبايعة الإمام؟ # فليس في أيدي المؤرخين الناقدين إذن حل أصوب من الحل الذي أذعن له الإمام على كره منه، ~~سواء أذعن له وهو عالم بخطئه أو أذعن له وهو يسوي بينه وبين غيره في عقباه. # ويبقى اعتزال الخلافة من البداية، وهو خطة ترد على الخاطر حيال هذه المعضلات التي واجهها ~~الإمام، ولم يكن عسيرا عليه أن يتوقعها بعد مقتل عثمان، وشيوع الفتنة والشقاق بين الأمصار ~~كلها ... وشيوعهما قبل ذلك بين جنده الذي يعول عليه. # ولكنها خطة سلبية لا يمتحن بها رأي ولا عمل، ولا ترتبط بها تجربة ولا فشل ... وكل ما هنالك ~~من أسباب ترجيحها أنها أسلم للإمام وآمن لسربه وأهدأ لباله، وهو أمر مشكوك فيه ... على ما في ~~طلب السلامة بين هذه الزعازع من أثرة، قلما يرتضيها الشجاع الباسل أو الحكيم العامل ~~... # فمن السخف أن يخطر على البال أن رجلا كعلي بن أبي طالب، يترك وادعا في سربه بين هذه ~~الزعازع التي تحيط بالدولة الإسلامية في عصره ... # إن تركه الثوار وأعفوه من الحكم، لم يتركه أصحاب السلطان ولم يعفوه من الدسيسة والإيذاء؛ ~~لاعتقادهم أنه باب من أبواب الخطر الدائم، وأنه ما عاش فهو علم منصوب يفيء إليه كل ساخط وكل ~~مصلح وكل مخالف على الدين أو على الدنيا. وقد قيل: إن ابنه الحسن مات مسموما في عهد معاوية ~~خوفا من لياذ الناس به ورجعتهم إليه. وقيل مثل ذلك عن عبد الله بن خالد ms073 بن الوليد ... وما ~~أعظم البون في المكانة والحساب بينهما وبين الإمام عند أصحاب المخاوف وأصحاب الآمال. ~~••• # ولعلنا نقارب هذه الحقيقة من ناحية أخرى، إذا رجعنا إلى أقوال أبطال الميدان نفسه في علل ~~النصر والهزيمة، وفيما يقال عن مزية كل منهم على خصمه أو مزية خصمه عليه. # فعلي يسمع ما يقال عن شجاعته ورجحان معاوية عليه في الدهاء، فيقول: «... والله ما معاوية ~~بأدهى مني، ولكنه يغدر ويفجر، ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس ...» # أو يقول: «ولكنه لا رأي لمن لا يطاع.» # ويعلل ما أصابه في بيعته بما أجمله لأتباعه حين قال لهم: «... لم تكن بيعتكم إياي فلتة، ~~وليس أمري وأمركم واحدا ... إني أريدكم لله، وأنتم تريدونني لأنفسكم.» # ومعاوية يذكر الخصال التي أعين بها على علي، فيقول: «إنه كان رجلا لا يكتم سرا وكنت ~~كتوما لسري، وكان يسعى حتى يفاجئه الأمر مفاجأة وكنت أبادر إلى ذلك، وكان في أخبث جند ~~وأشدهم خلافا، وكنت أحب إلى قريش منه، فنلت ما شئت ...» # وعمرو بن العاص يقول عن عدة النجاح في طلب الخلافة: «إنه لا يصلح لهذا الأمر إلا رجل له ~~ضرسان، يأكل بأحدهما ويطعم بالآخر.» # وهذه هي أسباب النصر والهزيمة على حقيقتها، إلا أنها تظل ناقصة ما لم نقرنها بحقيقة أخرى، ~~وهي أن هزيمة معاوية كانت مرجحة - بل مؤكدة - لو أنه وضع في موضع علي، وابتلي بالأسباب ~~التي ابتلي بها. # فالبلاء كله إنما كان في خبث الأجناد وشدة خلافهم؛ ولهذا كان سر علي يعرف وسر معاوية ~~يكتم ... لأن معاوية يطاع ونيته في صدره، وعليا لا يطاع إلا إذا سئل عن نيته وما يحل منها ~~أو يحرم في رأي أتباعه، وكذلك كانت تفاجئه الحوادث؛ لأنه كان يروي فيها ما يروي، ولا ينفذ ~~من رويته إلا الذي ينساق إليه هو وأتباعه آخر المطاف بحكم الضرورة الحازبة، وقد بطل الجدل ~~وبطل من قبله التدبير ... ~~••• # ولو أن معاوية كتب عليه أن يحارب جندا مطيعا بجند عصاه، لما طمع في حظ أوفق من حظ علي ~~في ذلك الصراع ms074 المتفاوت بين الخصمين ... ولو استعان بكل ما أعين به من رشوة الأنصار وكيد ~~الخصوم، بل لعله كان يخفق حيث أفلح قرنه على قدر ما بينهما من فارق في الشجاعة والسابقة ~~الدينية، وكذلك قال الإمام: «إن لبني أمية مرودا يجرون فيه، ولو قد اختلفوا فيما بينهم ثم ~~كادتهم الضباع لغلبتهم.» # على أننا نود أن نقف عند الحد المأمون في تعليل النصر والهزيمة، ولا نعدوه إلى ما وراءه ... ~~فليس من قصدنا أن نصف عليا بقوة الدهاء وسعة الحيلة، ولكننا قصدنا أن نبرئه من عجز الرأي ~~وضعف التدبير؛ لأن أسباب الهزيمة موفورة بغير هذا السبب الذي لا دليل عليه ... # فقوام الفصل بين الطرفين، أنه لا دليل لدينا من الحوادث على عجز رأي ولا قوة دهاء ... ولو ~~كانت قوة الدهاء صفة غالبة فيه لظهرت على صورة من الصور، وإن قامت الحوادث عائقا بينها ~~وبين النجاح ... فإن الدهاء لا يخفيه أن تكون المعضلة التي يعالجها محتومة الفشل مقرونة ~~بالخذلان ... # ومما لا شك فيه، أن عليا أشار بالرأي في مواقف كثيرة فأصاب المشورة، وأنه وصف أناسا ~~فدل على خبرة بالرجال وما يغلب عليهم من الطباع والخصال، وأنه أخذ بالحزم في توقع الحوادث ~~واستطلاع الأمور، ولكنه لزم الكفاية في ذلك، ولم يتجاوزها إلى الأمد الذي يسلكه بين الدهاة ~~الموسومين بفرط الدهاء ... ~~••• # فمن مشوراته الصائبة، أنه نهى عمر - رضي الله عنه - أن يخرج لحرب الروم والفرس بنفسه، ~~فقال له: «إنك متى تسر إلى هذا العدو بنفسك فتلقهم فتنكب، لا تكن للمسلمين كائنة دون أقصى ~~بلادهم ... ليس بعدك مرجع يرجعون إليه، فابعث إليهم رجلا مجربا ... فإن أظهره الله فذاك ما ~~تحب، وإن تكن الأخرى كنت ردءا للناس ومثابة للمسلمين.» # ومن وصفه للرجال وأساليب تناولهم، قوله لابن عباس وقد أرسله إلى طلحة والزبير: «لا تلقين ~~طلحة، فإنك إن تلقه تلفه كالثور عاقصا - أي: لاويا - قرنه يركب الصعب ويقول: هو الذلول، ~~ولكن الق الزبير فإنه ألين عريكة فقل له: يقول لك ابن خالك: عرفتني بالحجاز وأنكرتني ~~بالعراق ... فما عدا مما بدا؟» ms075 # ومن حزمه أنه كان يبث عيونه وجواسيسه في الشرق والغرب ليطلعوه على أخبار أعوانه وأعدائه، ~~وأنه كان إذا وجبت الحرب بادر بالخروج، ولم يأته التردد والإبطاء بعد ذلك إلا من خلاف ~~جنده. # ومن معرفته للجماهير أنه وصفهم أوجز وصف حين قال: إنهم أتباع كل ناعق، وإنهم «هم الذين ~~إذا اجتمعوا ضروا وإذا تفرقوا نفعوا» ... لأنهم إذا تفرقوا رجع أصحاب المهن إلى مهنهم ~~فانتفع بهم الناس ... # فهذا قسط من الرأي الصائب، كاف لمهمة الحكم لو تصدى به الإمام للخلافة ... والعصر عصر ~~خلافة، وليس بعصر دولة دنيوية مضطربة في دور تأسيسها وتلفيق أجزائها. # بل هو قسط كاف لمهمة الحكم في الدولة الدنيوية، لو تولاها بعد استقرارها والفراغ من مكائد ~~تأسيسها ... كما جاء عمر بن عبد العزيز في صلاحه وتقواه بعد الملوك الأولين من بني أمية ~~... # ولكنه قسط من الرأي لا يسلك صاحبه بين أساطين الدهاة، الذين يكيدون بالرأي وبالعمل النافذ ~~على السواء ... ~~••• # ونعود بعد هذا، فنقول: إنه لم يخسر كثيرا بما فاته من الدهاء ... ولم يكن ليربح كثيرا لو ~~استوفى منه أوفى نصيب؛ لأنه لا بد من ملك أو خلافة ... # ولن يكون ملكا بأدوات خليفة، ولا خليفة بأدوات ملك، ولن تبلغ به الحيلة أن يحارب رجلا ~~يريد العصر والعصر يريده؛ لأنه عصر ملك تهيأت له الدواعي الاجتماعية، وتهيأ له الرجل ~~بخلائقه ونياته ومعاونة أمثاله ... # ولم يكن معاوية زاهدا في الخلافة على عهد أبي بكر أو عمر أو عثمان، ولكن الخلافة كانت ~~زاهدة فيه. # فلما جاء عصر الملك، طلب الملك والملك يطلبه ... # وقديما قال أبوه للعباس عم النبي، وقد رأى جيش المسلمين في فتح مكة: «لقد أصبح ملك ابن ~~أخيك عظيما.» # فهو الملك، أو هو جاه الدنيا، الذي تطلع إليه من نشأته الأولى في بيته ... وانتظر ثم انتظر ~~حتى لاقاه على قدر، فوضع في موضعه وقام به الموضع كما قام به، ونجحا معا التوافق والرفاء ~~... # وحين وجب أن يقع الفصل بين الملك والخلافة، وجب أن يكون علي على رأس فريق ~~الخلافة. # وحين وجب ms076 أن يقع الفصل بين أصحاب المنافع الراغبين في دوام المنفعة، وبين أصحاب المبادئ ~~والظلامات الراغبين في التبديل والإصلاح، وجب أن يكون علي على رأس هذا الفريق دون ذلك ~~الفريق. # وحين وجب هذا وذاك وجوبا لا حيلة فيه للمتحول، ولا اختيار فيه للمختار، وجب أن تصير ~~خلافة علي إلى ما صارت إليه، كائنا ما كان خطره من الدهاء والخدعة، وكائنا ما كان طريقه ~~الذي ارتضاه هو أو أشار به المشيرون عليه. ~~••• # وقد يحسن بالمؤرخ بعد الموازنة بين عدة الخلافة وعدة الملك في صراع علي ومعاوية، أن ~~يذكر عدة أخرى لم تظهر في هذا الصراع، وقد ظهرت في مآزق شتى من أحرج مآزق التاريخ، واعتمد ~~عليها أبطاله الكبار كثيرا في تأسيس الدول وقمع الثورات، فاختصروا الطريق وأراحوا أنفسهم ~~من عناء طويل، ونريد بها عدة البطش العاجل والمباغتة الحاسمة، كلما تأشبت العقد وتعسرت ~~الحيلة، ووجب الخلاص السريع ... # فقد علمنا مثلا أن الأشعث بن قيس كان يعترض الإمام في كل خطوة من خطوات النصر، ويثقل ~~عليه باللجاجة والعنت في مواقف مكربة تضيق بها الصدور ... # ولم يكن الأشعث بن قيس بالوحيد في هذا الباب، بل كان له شركاء من الخوارج وغير الخوارج، ~~يظهرون بالعنت في غير موضعه، ويذهبون به وراء حده، وربما بلغوا من الضرر في معسكر الإمام ~~فوق مبلغ الأشعث بن قيس، على عظم الفارق بين سلطانهم وسلطانه. # ألا يخطر على البال هنا، أن ضربة من الضربات القاضية كانت تنجع في هذا العنت المكرب، حيث ~~لا تنجع العقوبة الشرعية أو الأحابيل السياسية؟ ... # ماذا لو أن الإمام جرد سيفه بين أولئك المشاغبين، وأطاح برأس الأشعث بن قيس قبل أن يفيق ~~أحد إلى نفسه، ثم ولى على الفور من يقوم مقامه في رئاسة قوم، ويكفل لهم الطاعة بينهم لأمره؟ ~~... أكان بعيدا أن تفعل الرهبة فعلها، فيسكن المشاغب، ويهاب المتطاول، ويجتمع المتفرق، ويقل ~~الخلاف بعد ذلك على الإمام وعلى الرؤساء عامة؟ # لم يكن ذلك ببعيد ... # لكنه كذلك لم يكن بالمحقق، ولا بالمأمون ... # فهي مجازفة ذات حدين، تصيب ms077 بأحدهما وقد تصيب بهما معا ... وقد يكون الحد الذي تصيب به هو ~~الحد الذي من قبل الضارب دون الحد الذي من قبل المضروب ... # وكل ما تفيدنا إياه هذه الملاحظة العابرة على التحقيق، أن الإمام - رضي الله عنه - لم يكن ~~من أصحاب هذه الملكة، التي اتصف بها بعض أبطال القلاقل في أيام الفصل بين عهدين متدابرين، ~~فكانت له ضربة الشجاع، ولم تكن له ضربة المغامر أو المقامر ... # ولم يضرب بالسيف قط، كأنه يقذف بالقداح إما إلى الكسب وإما إلى الخسارة ... وإنما كان يضرب ~~به ضرب الجندي الذي يلتمس الغلب بقوته وقوة إيمانه، ولا يلتمسه من جولات السهام وفلتات ~~الغيب ... # على أننا - وقد سجلنا هذه الملاحظة - نفرض أنه - رضي الله عنه - كان من أصحاب تلك الملكة، ~~التي عرف بها بعض المغامرين في أوقات الفصل بين العهود ... # ونفرض أنه عمد إليها، فنفعته في عسكره وطوعت له الجند وأراحته من شغب الخارجين عليه، ~~والمتشعبين بالآراء والفتاوى من يمينه وشماله، فماذا عسى أن يغير هذا كله من طبيعة الموقف ~~الذي أجملناه؟ وكيف يكون المخرج بين سياسة الملك، كما يطلبها العصر، وسياسة الخلافة كما ~~تطلبها البقية الباقية من آداب الفترة النبوية؟ # أيسوس الإمام دولته ملكا دنيويا أم يسوسها خليفة نبوة؟ # أيفرق الأموال على رءوس القوم وقادة الجند وطلاب الترف، أم يلزمهم عيشة النسك والشظف ~~والجهاد؟ # وكتب لعلي بعد ذلك أن يتلقى الدولة الإسلامية بين هذين العسكرين، فلا في مقدوره أن ~~يجمعهما إلى عسكر واحد، ولا في مقدوره أن يختار منهما عسكر الملك، ولا أن يختار عسكر ~~الخلافة الدينية، فتظل على يديه خلافة دينية بعد أوانها ... # وما لم يكن في مقدوره لم يكن في مقدور غيره، وإنه لإنصاف قليل أن نعرف له هذه المعاذير ~~الصادقة، وهو الذي باء وحده بتلك النقائض والأعباء ... ~~••• # وقد نقدت سياسة علي لفوات الخلافة منه قبل البيعة، كما نقدت سياسته لفوات الخلافة منه ~~بعد البيعة، وأحصى عليه بعض المؤرخين أنه تأخر نيفا وعشرين سنة ... فلم يخلف النبي، ولم يخلف ~~أبا بكر، ولم يخلف ms078 عمر ... كأنه كان مستطيعا أن يخلف أحدا منهم بعمل من جهده وسعي من ~~تدبيره، فأعياه السعي والتدبير ... # ومقطع الفصل في هذا أن نرجع إلى العوائق التي حالت بينه وبين الخلافة قبل وصولها إليه؛ ~~لنعلم منها العائق الذي كان في أيدي الحوادث والعائق الذي كان في يديه، أو كانت له قدرة ~~معقولة عليه. # فمما لا شك فيه أن الإمام أنكر إجحافا أصابه في تخطيه بالبيعة إلى غيره بعد وفاة ابن عمه ~~- صلوات الله عليه، وأنه كان يرى أن قرابته من النبي مزية ترشحه للخلافة بعده؛ لأنها فرع من ~~النبوة على اعتقاده، وهم شجرة النبوة ومحط الرسالة، كما قال ... # ومما لا شك فيه، أن شعوره هذا طبيعي في النفس الإنسانية كيفما كان حظها من الزهد ~~والقناعة؛ لأن تخطيه - مع هذه المزية التي ترشحه للبيعة - يشبه أن يكون قدحا في مزاياه ~~الأخرى، من علم وشجاعة وسابقة جهاد وعفة عن المطامع، أو يشبه أن يكون كراهة له وممالأة على ~~الغض من قدره، ولم يزل من غرائز النفوس أن يسوءها القدح فيها، والحط من مزاياها ومواجهتها ~~بالنفرة والكراهة ... # وإذا حرمهم وتألبوا عليه مع خصمه، أفهو الغالب إذن بمطالب العصر ومقتضياته ودواعيه أم هم ~~الغالبون؟ # وإذا أعطاهم ليبذخوا بذخ الملك الدنيوي وهو وحده بينهم الناسك المجتهد على سنة النبوة، ~~أفيستقيم له هذا الدور العجيب، وهو في جوهره متناقض لا يستقيم؟ ... # فالسياسة التي اتبعها الإمام هي السياسة التي كانت مقيضة له مفتوحة بين يديه، وهي السياسة ~~التي لم يكن له محيد عنها، ولم يكن له أمل في النجاح إن حاد عنها إلى غيرها ... سواء عليه ~~اتفق جنده بضربة من الضربات القاضية، أم لم يتفقوا على دأبهم الذي رأيناه؛ وسواء لان لطلاب ~~الدولة الدنيوية أم صمد على سنة النبوة والخلافة النبوية. ~~••• # ومهما يكن من حكم الناقدين في سياسة الإمام، فمن الجور الشديد أن يطالب بدفع شيء لا سبيل ~~إلى دفعه، وأن يحاسب على مصير الخلافة، وهي منتهية لا محالة إلى ما انتهت إليه ... # ومن الجور الشديد أن يلقى ms079 عليه اللوم لأنه باء بشهادة الخلافة، ولا بد لها من شهيد ~~... # وقد تجمعت له أعباء النقائض والمفارقات التي نشأت من قبله، ولم يكد يسلم منها خليفة من ~~الخلفاء بعد النبي صلوات الله عليه ... # أحس بها الصديق، فمات وهو ينحي على الصحابة، ويحذرهم بوادر الترف الذي استناموا إليه ~~... # وأحس بها الفاروق وأثقلت كاهله، وهو الكاهل الضليع بأفدح الأعباء ... فضاق ذرعا بالحياة، ~~وطفق يقول في سنة وفاته: «اللهم كبرت سني وضعفت قوتي، وانتشرت رعيتي، فاقبضني إليك غير مضيع ~~ولا مفرط ... اللهم ارزقني الشهادة في سبيلك.» # وأحس بها عثمان، فما فارق الدنيا حتى ترك الخلافة والملك عسكرين متناجزين، لا يرجع أحدهما ~~إلا بالغلبة على نده وضده ... # إلا أن الخلافة الإسلامية، مسألة عالمية لا توزن بميزان واحد، ولا يؤتم فيها برأي واحد ~~ولا بحق واحد، وقد يضحى في سبيلها بالعظيم والعظماء، إذا تعارضت الحقوق وتشعبت الآراء ~~... # ويشاء القدر أن تكون المزية الأولى في ميزان علي هي العائق الأول في سائر الموازين، ~~ومنها ميزان النبي صلوات الله عليه ... # فقد كان - عليه السلام - يأبى أن يثير العصبيات في قريش، وفي القبائل العربية عامة؛ ~~لعلمه بخطر هذه العصبية على الدعوة الجديدة، وكراهته أن يصور الإسلام للعرب كأنه سيادة ~~هاشمية تتوارثها عصبة هاشم دون العصب من سائر العرب والمسلمين. وقد رضي في سبيل هذا المقصد ~~الحكيم، أن يجعل بيت أبي سفيان صنوا للكعبة في أمان اللاجئين إليه، وأصهر إلى أبي سفيان ~~وندب ابنه معاوية للكتابة له بين النخبة المختارة من كاتبيه، وربما حسن لديه أن تئول ~~الخلافة إلى علي بعده إذا شاء المسلمون ذلك، ولكن على أن تكون خلافته اختيارا مرضيا ~~كاختيار غيره من أنصاره وأصحابه، ويستوي منهم القريب والبعيد. ~~••• # ولم تكن الحكمة النبوية هي وحدها التي تأبى إثارة العصبيات، وتصوير الإسلام للعرب وللناس ~~عامة في صورة السيادة الهاشمية، بل كانت الدعوة كلها في صميم أصولها تأبى هذا الذي أبته ~~الحكمة النبوية، وتجتنبه غاية ما في وسعها اجتنابه ... لأن الدعوة الإسلامية دعوة عالمية، ~~تشمل الأمم كافة من عرب ms080 إلى عجم، ومن مشرق إلى مغرب، وتقوم في أساسها على المساواة بين ~~الناس ورد المفاضلة بينهم إلى الأعمال والأخلاق دون الأحساب والأعراق، فليس من المعقول أن ~~تسود العالم كله أسرة هاشمية، ولا من المعقول أن يبنى الأساس على المساواة، وأن يقام الحكم ~~على هذا التفضيل ... # وإن أحق الناس أن يفطن إلى هذه الحكمة لهم أولئك الغلاة، الذين زعموا أن وراثة الخلافة في ~~بني هاشم حكم من أحكام الله، وضرورة من ضرورات الدين ... # فلو أنها كانت حكما من أحكام الله، لكان أعجب شيء أن يموت النبي - عليه السلام - وليس له ~~عقب من الذكور، وأن يختم القرآن وليس فيه نص صريح على خلافة أحد من آل البيت ... # ولو أنها كانت ضرورة من ضرورات الدين، أو ضرورات القضاء، لنفذت في الدنيا كما ينفذ القضاء ~~المبرم، وحبطت كل خلافة تنازعها كما تحبط كل بدعة تناقض السنن الكونية. # فلا النصوص الصريحة، ولا دلالة الحوادث على الإرادة الإلهية، مما يؤيد أقوال الغلاة عن ~~ترجيح الخلافة بالقرابة، أو حصر الخلافة في الأسرة الهاشمية ... # وهذا هو العائق الأول الذي حال بين علي وبين الخلافة ولا قدرة له عليه، وقد لحظه العرب ~~ولحظته قريش خاصة، وذكره الفاروق حين قال: «إن قريشا اختارت لنفسها فأبت أن تجمع لبني ~~هاشم بين النبوة والخلافة» ... ~~••• # ويرى بعض المؤرخين، أن قريشا كانت تحقد على الإمام، وتنحيه عن الخلافة لعلة أخرى تقترن ~~بهذه العصبية التي أوقعت التنافس بين بيوتها وبين بني هاشم، فقد بطش الإمام بنفر من جلة ~~البيوت القرشية في حروب المسلمين والمشركين، وقتل من أعلام بني أمية وحدهم عتبة بن ربيعة جد ~~معاوية، والوليد بن عتبة خاله وحنظلة أخاه، وجميعهم من قتلاه في يوم بدر ... عدا من قتلهم في ~~الوقائع والغزوات الأخرى، فحفظ أقاربهم له هذه الترات بعد دخولهم في الإسلام، وزادهم حقدا ~~أنهم لا يملكون الثأر منه لقتلاهم من الكفار، وكانت حاله بعد تلك المدة كما قال ابن أبي ~~الحديد: «... كأنها حاله لو أفضت الخلافة إليه يوم وفاة ابن عمه، من إظهار ms081 ما في النفوس ~~وهيجان ما في القلوب، حتى الأخلاف من قريش والأحداث والفتيان الذين لم يشهدوا وقائعه ~~وفتكاته في أسلافهم وآبائهم، فعلوا به ما لو كانت الأسلاف أحياء لقصرت عن فعله.» # وقد علم الإمام هذا من قريش، عندما يئس من مودتها وابتلي بالصريح والدخيل من كيدها، فقال: ~~«... ما لي ولقريش؟ ... أما والله لقد قتلتهم كافرين ولأقتلنهم مفتونين ... والله لأبقرن الباطل ~~حتى يظهر الحق من خاصرته ... فقل لقريش، فلتضج ضجيجها.» ~~••• # ولو أن قريشا وادعته في سرها وجهرها، ووقفت بينه وبين منافسيه على الخلافة لا تصده عنها ~~ولا تدفعهم إليها، لقد كانت تلك عقبة أي عقبة ... # فأما وهي تحاربه بعصبيتها وتحاربه بذحولها، فتلك هي العقبة التي لا يذللها إلا بحزب أقوى ~~من حزب قريش بعد وفاة النبي - صلوات الله عليه، ولم يكن حزب قط أقوى يومئذ من قريش في أرجاء ~~الدولة الإسلامية بأسرها ... # ولقد سبق الإمام إلى الخلافة ثلاثة من شيوخ الصحابة هم: أبو بكر وعمر وعثمان ... # فإذا نظرنا إلى عائق العصبية الذي قدمناه، فلا نرى شيئا أقرب إلى طبائع الأمور من سبق ~~هؤلاء الثلاثة بأعيانهم إلى ولاية الخلافة بعد النبي - عليه السلام؛ لأنهم أقرب الناس أن ~~يختارهم المسلمون بعد خروج العصبية الهاشمية من مجال الترجيح والترشيح ... # فليس أقرب إلى طبائع الأمور في بلاد عربية إسلامية من اتجاه الأنظار إلى مشيخة الإسلام في ~~السن والوجاهة والسابقة الدينية، لاختيار الخليفة من بينها على السنة التي لم تتغير قط في ~~تواريخ العرب الأقدمين، ولم يغيرها الإسلام بحكم العادة ولا بحكم الدين. # ولم يكن الإمام عند وفاة النبي من مشيخة الصحابة، التي تئول إليها الرئاسة بداهة بين ذوي ~~الأسنان، ممن مارسوا الشورى والزعامة في حياته - عليه السلام ... لأنه كان يومئذ فتى يجاوز ~~الثلاثين بقليل، وكان أبو بكر وعمر وعثمان قد لبثوا في جوار النبي بضع عشرة سنة قبل ظهور ~~علي في الحياة العامة، وهم يشيرون على النبي، ويخدمون الدين ويجمعون الأنصار ويدان لهم ~~بالتوقير والولاء ... # والعائق الذي قام بين علي وبين الخلافة هو في طريق ms082 هؤلاء الثلاثة السابقين تمهيد وتقريب ~~... # ونعني به عائق العصبية الهاشمية ... # لأن قريشا لا تنفس على بني تيم، ولا بني عدي، ولا بني أمية، في رئاسة عثمان خاصة ... كما ~~تنفس على بني هاشم، إذ تجتمع لهم النبوة والخلافة ... ~~••• # والإمام نفسه لم يفته أن يدرك هذا بثاقب نظره، حين قال وقد تجاوزته الخلافة للمرة الثالثة ~~بعد موت الفاروق: «إن الناس ينظرون إلى قريش، وقريش تنظر إلى بيتها فتقول: «إن ولي عليكم ~~بنو هاشم لم تخرج منهم أبدا ... وما كانت في غيرها من قريش تداولتموها بينكم.» وإذا اجتمع ~~هذا العائق إلى عائق السن والتوقير للمشيخة المقدمة، فهما مبعدان للإمام عن الخلافة بمقدار ~~ما يقربان سواه ...» # نعم إن فارق السن قد تقارب بعد موت الفاروق، وبلغ الإمام الخامسة والأربعين، وسبقت له في ~~المشورة سوابق مأثورات ... فأصبح الفارق بينه وبين من يكبرونه مزية تعين على العمل والجهد، ~~وتنفي مظنة الضعف والتواكل، ولكن الذي كسبه بهذه المزية خسره بازدياد المطامع الدنيوية ويأس ~~الرؤساء من الوفر والنعمة على يديه، واعتقاد الطامعين أنهم أقرب إلى بعض الأمل في لين ~~عثمان، وتقدم سنه منهم إلى أمل من الآمال في شدة الإمام وعسر حسابه ... # وبقيت الجفوة بينه وبين قريش على حالها، لم يكفكف منها تقادم العهد كما قال ابن أبي ~~الحديد ... # وعلى هذه الجفوة في القبيلة كلها، دخلت في الأمر دخلة البواعث الشخصية التي لا يسلم منها ~~عمل من أعمال بني الإنسان في زمن من الأزمان ... فقد اجتمع رهط الشورى الذين ندبهم الفاروق ~~لاختيار الخليفة من بعده، فتقدم بينهم عبد الرحمن بن عوف، فخلع نفسه من الأمر كله ليتاح له ~~أن يستشير الناس باسمهم، ويعلن البيعة على عهدتهم، وقيل: إنه أنس مع الزبير وسعد بن أبي ~~وقاص ميلا موقوتا إلى علي وانحرافا موقوتا عن عثمان، فسارع إلى المنبر وبايع عثمان ~~وجاراه الحاضرون مخافة الفتنة والشقاق ... # وكان عبد الرحمن بن عوف صهرا لعثمان؛ لأنه زوج أخته لأمه أم كلثوم بنت عقبة بن أبي ~~معيط. ~~••• # ويقضي الحق أن يقال في هذا المقام: ms083 إن بيعة عثمان قد تمت باتفاق بين المسلمين لم ينقضه ~~خلاف معدود، فليست كلمة عبد الرحمن بن عوف هي التي خذلت عليا وقدمت عثمان عليه، إذ لو ~~كانت هناك مغالبة شديدة بين حزبين متكافئين لما استقامت البيعة لعثمان بكلمة من عبد الرحمن ~~بن عوف ... وهو واحد من خمسة أو ستة إذا أشركنا معهم عبد الله بن عمر بن الخطاب ... # ثم بويع الإمام بعد مقتل عثمان، فهل تحولت قريش عن جفوتها، أو نظرت إلى السياسة الهاشمية ~~نظرة غير نظرتها؟ كلا ... # بل جاءت البيعة في المدينة، يوم خفت فيها صوت قريش، وهبطت سمعة حكامها، ويوم أصبحت البيعة ~~ثورة على قريش، تنكر عليها الأثرة بالملك والأثرة بالغنائم والأمصار ... ويوم انقسم المجتمع ~~الإسلامي قسميه، اللذين التبسا وتداخلا حينا حتى فصلتهما الحوادث فصلها الحاسم في خلافة ~~عثمان: قسم يريد الرجعة إلى الخلافة والآداب النبوية، وقسم يريد المضي في الملك والدولة ~~الدنيوية ... # فأي القسمين، كان قسم علي كائنا ما كان سعيه واجتهاده؟ ... وأية سياسة كانت تعينه على ~~مشكلة الخلافة منذ بدايتها بعد وفاة النبي إلى ختامها الفاجع بعد مقتل عثمان؟ # كل سياسة له لم تكن لتحيد به عن الخاتمة المحتومة أقل محيد. # وكل ما كان من تدبير الحوادث أو من تدبيره، فهو على هذا الملتقى الذي يتلاحق عنده الإسراع ~~والإبطاء ... # وعلى هذا ينبغي أن نرجع إلى علة غير سياسة علي لتعليل العوائق، التي قامت دون مبايعته ~~بالخلافة قبل الصديق والفاروق وعثمان ... # فهو غير مسئول عن نظرة العصبية التي نظرت بها قريش إلى السيادة الهاشمية. # وهو غير مسئول عن سنه التي تأخرت به عن مشيخة الصحابة من ذوي السابقة في الجهاد ~~والزعامة، والأصالة بين ذوي الأسنان والأخطار ... # وهو غير مسئول عن الصفة العالمية، التي جعلت تأسيس الإسلام على أسرة واحدة في العالم كله ~~أمرا ملحوظا بالتوجس والإحجام منذ اللحظة الأولى ... # نعم قد يسأل الإمام عن علاقته بالناس وقدرته على تألفهم بالآمال والمجاملات؛ ليأنسوا إليه ~~ويرفعوا حجاب الجفوة بينهم وبينه، ويؤثروه على غيره بالخلافة؛ أملا في بره واطمئنانا ms084 إلى ~~حفاوته ووده. # وقد يرد على بعض الخواطر ، أن سياسة الدولة الدنيوية أو سياسة الإرضاء بالمنافع والوعود، ~~كانت أجدى عليه من آداب الخلافة الدينية وأخلق بتمكينه أولا وآخرا بين قريش وقبائل العرب ~~عامة ... # فهذا في رأيهم مأخذ يرجع إلى شخصه وأعماله، ويسأل عنه كما يسأل الإنسان عن عمله وتصريف ~~إرادته وفكره، ولا يجوز أن نرجع به إلى حكم الحوادث القاهرة، وسلطان المصادفات التي لا قبل ~~له بتبديلها. # ولكن الواقع أن هذه السياسة - سياسة المنافع الدنيوية - لم تكن لتجديه شيئا بعد وفاة ~~النبي، ولا بعد مقتل عثمان ... # فبعد النبي - عليه السلام - لم تكن ذخائر الفتوح قد استفاضت في الأيدي، وأنشأت في المجتمع ~~الإسلامي طبقة مسموعة الصوت تحرص عليها وتستزيدها ... # فالذي يناضل في سبيل الحكم بسلاح هذه المنافع، إنما كان يناضل بسلاح غير موجود ... بل كان ~~يناضل سلاحا ماضيا ينهزم أمامه لا محالة، وهو سلاح الحماسة الدينية التي غلبت في ضرباتها ~~الأولى كل سلاح. # أما بعد مقتل عثمان، فأبعد الأمور عن التخيل أن يغلب علي معاوية في سوق المنافع ~~الدنيوية؛ لأن معاوية قد أهب لها أهبته قبل عشرين سنة، وجمع لها أنصاره وكنز لها كنوزه في ~~بلاد وادعة بين جند مطيع. # ولو توافرت لعلي مادة هذه السياسة، لما توافر له أعوانها والمساعدون عليها ... فليس أقل ~~نفعا في هذا المضمار من أعوانه الذين ثاروا على سياسة المنافع، وباءوا من أجلها بدم خليفة، ~~واجتمعوا على التمرد قاصدين أو غير قاصدين ... فلا يديرون أنفسهم إلى نهج كنهج معاوية ولو ~~أرادوه. # وأغلب الظن أن عليا كان يخسر بهذه السياسة أولئك الذين أحبوه، ولا يربح بها أولئك الذين ~~أبغضوه ... # فقد حببته آداب الخلافة إلى كل طبقة تكره استغلال الحكم، ولا مطمع لها فيه ... فكل بلاد خلت ~~من عصبة المرشحين للحكم، فقد كانت من حزبه وشيعته بغير استثناء، فكان من حزبه شعب اليمن ~~ومصر وفارس والعراق، ونشأت في اليمن - وقد عهد حكمه قديما - تلك الطائفة السبئية، التي غلت ~~في حبه حتى ارتفعت به إلى مرتبة التقديس، وانتثرت في ms085 مصر وفارس بذور تلك الشيعة الفاطمية ~~والإمامية، التي ظلت كامنة في تربتها حتى أخرجت شطأها بعد أجيال؛ وشذت الشام لأنها كانت في ~~يد معاوية، وشذت أطراف من العراق أول الأمر؛ لأنها كانت في يد طلحة والزبير، ولم يشذ عن هذه ~~القاعدة بلد من البلدان الإسلامية من أقصاها إلى أقصاها ... فلولا أن سواد الناس لا يعملون ~~بغير عصبة من القادة، وأن العصب من القادة كانوا كلما وجدوا في بقعة من البقاع وجد معهم ~~النفع والاستغلال، لقد كانت محبة أولئك السواد أنفع له من عصب معاوية أجمعين ... # فأغلب الظن - كما أسلفنا - أن عليا كان يخسر هؤلاء باتباعه سياسة الدولة الدنيوية، ~~ولا يكسب العصب التي ناصبته العداء، وأيقنت أنه حائل بينها وبين ما طمحت إليه من الصولة ~~والثراء ... # وهذا على تقدير المقدرين أن عليا يؤاخذ لاجتنابه هذه السياسة، وأنه لو اتبعها لكانت ~~أجدى عليه ... # وليست هي أجدى عليه لو اتبعها، ولا هو على اجتنابها بملوم ... # وتفضي بنا هذه التقديرات جميعا إلى نتيجة واضحة نلخصها في كلمات وجيزة، ونعتقد أنها أعدل ~~الأقوال في وصف تلك السياسة، التي كثرت فيها مطارح النقد والدفاع ... # فسياسة علي لم تورطه في غلطات كان يسهل عليه اجتنابها باتباع سياسة أخرى ... # وهي كذلك لم تبلغه مآرب مستعصية، كان يعز عليه بلوغها في موضعه الذي وضع فيه، وعلى مجراه ~~الذي جرى عليه ... # فليست هي علة فشل منتزع، ولا علة نجاح منتزع، أو هي لا تستدعي الفشل من حيث لم يخلق، ولا ~~تستدعي النجاح من حيث لم يسلس له قياد ... # ورأينا في سياسته فهما وعلما، ولكننا لم نر فيها الحيلة العملية التي هي إلى الغريزة ~~أقرب منها إلى الذكاء ... # فكان نعم الخليفة، لو صادف أوان الخلافة ... # وكان نعم الملك لو جاء بعد توطيد الملك، واستغنائه عن المساومة والإسفاف ... # ولكنه لم يأت في أوان خلافة، ولا في أوان ملك موطد، فحمل أعباء النقيضين، وأخفق حيث ينبغي ~~أن يخفق أو حيث يعييه أن ينجح ... وتلك آية الشهيد ... # | حكومته # كانت الدولة الإسلامية الناشئة على شفا ms086 الخطر في إبان الفتنة الداخلية بين علي ومعاوية ~~... ولكنها وقيت منه؛ لأن عوامل الأمان الذي يحيط بها كانت أقوى من عوامل الخطر الذي يهددها ... ~~وتتلخص عوامل الأمان في وقاءين اثنين: # أحدهما: # أن الإسلام كان دعوة طبيعية تلقاها العالم ~~وهو مستعد لها مستريح إليها، فرسخت دعائمه وامتنعت حدوده بعد أعوام قليلة من ظهوره، وسكن ~~إليه الناس مؤمنين بدوام ظله وشمول عدله، سواء منهم من دخل فيه ومن أوى إلى حكمه وهو باق ~~على اعتقاده ... # وثانيهما: # أن أعداء الإسلام كانوا في شاغل عنه بما أصابهم من الوهن، وأحدق بهم من ~~المخاوف، وربما صح في الفتنة الإسلامية يومئذ ما يصح في كثير من الطوارق التاريخية الكبرى، ~~وهي أنها لن تكون شرا محضا في جميع عواقبها، ولا تخلو من الخير على غير قصد من ذويها ... ~~فإن هذه الفتنة قد أغرت أعداء الإسلام بالانتظار، وأوقعت في روعهم أنهم غنيون عن التحفز ~~والوثوب الذي يشق عليهم جهده، وهم في تلك الحالة من الجهد والإعياء ... فقنعت دولة الروم ~~بهجمات ضعيفة تلقاها معاوية بالجلد والأناة، وألهى القوم عنه ببعض الإتاوات والنوافل ... ~~فتراجعوا متربصين إلى أن يقضي الخلاف بين المسلمين قضاءه، وهم وادعون مكفيون شر القتال ... ~~فكان هذا الانتظار الخادع جانبا من جوانب الخير في الفتنة الإسلامية، التي فاضت يومئذ ~~بالشرور. # وعلى هذا انقضت أيام علي، وليس للحكومة الإسلامية سياسة خارجية تحسب من سياسة الفتوح، ~~أو سياسة الدفاع، أو سياسة المفاوضة والاستطلاع ... # وكل ما يدور الكلام عليه عن حكومة علي، فهو من قبيل سياسة الحكم بينه وبين رعاياه، أو ~~هو السياسة الداخلية كما نسميها في العصر الحديث ... ~~••• # ومن اليسير أن نعرف سياسة الإمام بينه وبين رعاياه، بغير حاجة إلى الإطالة في التعريف ~~وسرد الأمثال ... # لأنها سياسة الرجل الذي شاء القدر أن يجعله فدية للخلافة الدينية في نضالها الأخير مع ~~الدولة الدنيوية. # فنحن نتخذ ما شئنا من طريقين متقابلين، فإذا طريق علي هي طريق الخلافة المنزهة، حين ~~تقابل الدولة الدنيوية مقابلة الخصم للخصم أو النقيض للنقيض، أو هي أقرب الطريقين ms087 إلى ~~المساواة وأدناهما إلى رعاية الضعفاء ... # فالناس في الحقوق سواء ... # لا محاباة لقوي ولا إجحاف بضعيف، وقد عمد إلى القطائع التي وزعت قبله على المقربين ~~والرؤساء، فانتزعها من القابضين عليها وردها إلى مال المسلمين لتوزيعها بين من يستحقونها ~~على سنة المساواة، وقال: «والله لو وجدته قد تزوج به النساء، وملك به الإماء لرددته فإن ~~في العدل سعة ... ومن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق.» # وفرض الرفق بالرعية على كل وال، فلا إرهاق ولا استغلال، ولو كانت الحكومة هي صاحبة الحق ~~في المال. # فمن وصاياه المكررة لولاته: «أنصفوا الناس من أنفسكم واصبروا لحوائجهم فإنهم خزان الرعية ~~... ولا تحسموا أحدا عن حاجته ولا تحبسوه عن طلبته، ولا تبيعن للناس في الخراج كسوة شتاء ولا ~~صيف، ولا دابة يعتملون عليها، ولا عبدا، ولا تضربن أحدا سوطا لمكان درهم.» # ومن وصاياه في تحصيل الخراج والصدقات: «... امض إليهم بالسكينة والوقار حتى تقوم بينهم ~~فتسلم عليهم، ولا تخدج بالتحية لهم، ثم تقول: عباد الله، أرسلني إليكم ولي الله وخليفته ~~لآخذ منكم حق الله في أموالكم، فهل لله في أموالكم حق فتؤدوه إلى وليه؟ ... فإن قال قائل: لا، ~~فلا تراجعه ... وإن أنعم لك منعم، فانطلق معه من غير أن تخيفه وتتوعده أو تعسفه أو ترهقه، فخذ ~~ما أعطاك من ذهب أو فضة، فإن كان له ماشية أو إبل فلا تدخلها إلا بإذنه، فإن أكثرها له ... ~~فإذا أتيتها فلا تدخل عليها دخول متسلط عليه ولا عنيف به ... ولا تنفرن بهيمة ولا تفزعها، ولا ~~تسوءن صاحبها فيها، وأصدع المال صدعين، ثم خيره فإذا اختار فلا تعرضن لما اختاره، فلا تزال ~~كذلك حتى يبقى ما فيه وفاء حق الله في ماله ... فاقبض حق الله منه، فإن استقالك فأقله ~~...» # وكان دستوره في تحصيل الضرائب المفروضة على الناس، أن النظر في عمارة الأرض أبلغ من النظر ~~في استجلاب الضريبة، فكان يكتب إلى واليه: «تفقد أمر الخراج بما يصلح أهله ... فإن في صلاحه ~~وصلاحهم صلاحا لمن سواهم، ولا صلاح لمن سواهم إلا بهم ms088 ... لأن الناس كلهم عيال على الخراج ~~وأهله، وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج؛ لأن ذلك لا يدرك إلا ~~بالعمارة، ومن جلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد وأهلك العباد، ولم يستقم أمره إلا قليلا، ~~وإنما يؤتى خراب الأرض من إعواز أهلها، وإنما يعوز أهلها إسراف الولاة على الجمع، وسوء ظنهم ~~بالبقاء وقلة انتفاعهم بالعبر ...» # أما دستوره في الولاة والعمال، فخلاصته ما كتب به إلى الأشتر النخعي يقول له: «انظر في ~~أمور عمالك، فاستعملهم اختبارا ولا تولهم محاباة وأثرة ... فإنهم جماع من شعب الجور ~~والخيانة، وتوخ منهم أهل التجربة والحياء من أهل البيوتات الصالحة والقدم في الإسلام، فإنهم ~~أكثر أخلاقا وأصح أعراضا، وأقل في المطامع إسرافا، وأبلغ في عواقب الأمور نظرا ... ثم ~~أسبغ عليهم الأرزاق فإن ذلك قوة لهم على استصلاح أنفسهم، وغنى لهم عن تناول ما تحت أيديهم، ~~وحجة عليهم إن خالفوا أمرك أو ثلموا أمانتك، ثم تفقد أعمالهم وابعث العيون من أهل الصدق ~~والعيون عليهم ... فإن تعاهدك في السر لأمورهم حدوة لهم على استعمال الأمانة والرفق ~~بالرعية.» # وعلى هذه العناية باستطلاع أحوال الولاة والعمال، كان ينهى أشد النهي عن كشف معائب الناس، ~~أو كما كان يقول في وصية ولاته: «وليكن أبعد رعيتك منك وأشنأهم عندك أطلبهم لمعائب الناس ... ~~فإن في الناس عيوبا، الوالي أحق من سترها ... فلا تكشفن عما غاب عنك منها، فإنما عليك تطهير ~~ما ظهر لك.» # وكان ينهى عن بطانة السوء مع حثه على اتخاذ العيون والجواسيس، فقال في وصيته لمحمد بن أبي ~~بكر: «لا تدخلن في مشورتك بخيلا يعدل بك عن الفضل ويعدك الفقر، ولا جبانا يضعفك عن ~~الأمور، ولا حريصا يزين لك الشره بالجور ... فإن البخل والجبن والحرص غرائز شتى يجمعها سوء ~~الظن بالله ... إن شر وزرائك من كان للأشرار قبلك وزيرا، ومن شركهم في الآثام فلا يكونن لك ~~بطانة، فإنهم أعوان الأثمة وإخوان الظلمة، وأنت واجد منهم خير الخلف، ممن له مثل آرائهم ~~ونفاذهم ... وليس عليه مثل آصارهم وأوزارهم» ... # ولم ms089 ينكر قط شيئا من سياسة التولية، ثم صنع مثله في عهده، على كثرة الإغراء حوله باصطناع ~~التقية والمداراة والهوادة قليلا مع الأقرباء وذوي الأخطار ... # ومن زعم غير ذلك، من ناقديه في عصره أو بعد عصره، فإنما هو آخذ في المقارنة بالأشكال ~~والحروف دون البواطن والغايات ... # إذ كان مما قيل مثلا: إن عليا أقام عبد الله بن عباس على البصرة، وعبيد الله بن عباس ~~على اليمن، ومحمد بن أبي بكر ابن زوجته على مصر ... وهم أقرباؤه وخاصة أهله، فهو إذن يصنع ما ~~أنكره على حكومة عثمان من إيثار الأقرباء بالولايات، وإقصاء الآخرين عنها ... # ولكنها كما قلنا مقارنة بالأشكال والحروف دون البواطن والغايات؛ لأن المقارنة الصحيحة بين ~~العملين تسفر عن فارق بعيد كالفارق بين النقيض والنقيض ... # فبنو هاشم لم يكن لهم متسع لعمل أو ولاية في غير حكومة الإمام، ولم يكن للإمام معتمد على ~~غيرهم بعد أن حاربته قريش، وشاعت الفرقة والشغب بين أعوانه من أبناء الأمصار ... # وهم مع هذا لم يؤثروا بالولايات كلها، ولم يؤثروا بالذي خصهم منها ليستغلوه ويجمعوا ~~الثراء من غنائمه وأرزاقه ... بل كانوا يحاسبون على ما في أيديهم أعسر حساب، وكانوا لتضييقه ~~عليهم في المراقبة يتركون ولاياتهم ويستقيلون منها، كما فعل ابن عباس حين هجر البصرة إلى ~~مكة ... # وقد بلغ من حسابه للولاة أنه كان يحاسبهم على حضور الولائم التي لا يجمل بهم حضورها ... ~~فكتب إلى عثمان بن حنيف الأنصاري عامله على البصرة: «أما بعد يا ابن حنيف، فقد بلغني أن ~~رجلا من فتية أهل البصرة دعاك إلى مأدبة ... فأسرعت إليها تستطاب لك الألوان وتنقل إليك ~~الجفان ... وما ظننت أنك تجيب إلى طعام قوم عائلهم مجفو وغنيهم مدعو، فانظر إلى ما تقضمه من ~~هذا المقضم ... فما اشتبه عليك علمه فالفظه، وما أيقنت بطيب وجوهه فنل منه.» # واستكثر على شريح قاضيه أن يبني دارا بثمانين دينارا، وهو يرزق خمسمائة درهم ... وحاسب ~~على أقل من هذا من هو أقل من شريح أمانة في القضاء، وحرجا في الدين ... # فلو أن الإمام ms090 اختص أقرباءه بالولايات التي يحاسبون عليها هذا الحساب ، لما كان في اختصاصه ~~إياهم مستبيح حق، ولا مستبيح مال ... فكيف وهو لا يختصهم إلا بالقليل منها، ولا يختصهم وله ~~مندوحة عنهم، أو يختصهم وهم دون غيرهم في القدرة والأمانة؟ # فالمقارنة هنا مقارنة أشكال وحروف، وكل ما توحي إلى الناقد بها أنه يذكر الأقرباء هنا ~~والأقرباء هناك ... # وقد انقسمت طريق الخلافة، وطريق الدولة الدنيوية في كل أمر من الأمور على عهد الإمام، ولم ~~تنقسم في مسألة الولاة أو مسألة الاستغلال وكفى. # وأكبر ما يذكر من انقسام الطريقين في عهده قيام الفكرة العالمية إلى جانب العصبية ~~بالقبيلة أو بالوحدة الوطنية ... # فالدولة الدنيوية تشد أزرها بالعصبية الجنسية، والخلافة الدينية تشد أزرها بالإخاء بين ~~الشعوب، وبطلان الفوارق بين الأجناس ... # وقد كانت القبيلة من أنصار الإمام، تقاتل القبيلة من أنصار معاوية في سبيل الرأي والعقيدة ~~... # وكان أنصار الإمام أبدا من الفرس والمغاربة والمصريين أكثر من أنصاره بين قريش خاصة، ~~وبين بني هاشم على الأخص، وبين قبائل العرب على التعميم ... # وهذا الامتزاج بين الفكرة العالمية وبين إمامة علي أو خلافته، هو أقطع الأدلة على ~~الوحدة بين أوانه وأوان الخلافة ... فإذا ذهب هذا وجب أن يذهب ذاك، أيا كانت السياسة ~~المتوخاة، وبالغا ما بلغ نصيبها من السداد والصواب ... # ولنا أن نعمم هذا الحكم الإنساني في كل شأن من شئون الحكومة، قضى به علي في عهده أو ~~عهود الخلفاء من قبله ... # فالروح الإنساني هو قوام الحكومة الإمامية، كما ينبغي أن يكون، وهو قوامها كما كانت على ~~يديه جهد الطاقة الآدمية ... وهي طاقة لها ما لها من حدود. # جيء إلى عمر بن الخطاب بامرأة زانية يشتبه في حملها، فاستفتى الإمام ... فأفتى بوجوب ~~الإبقاء عليها حتى تضع جنينها، وقال له: «إن كان لك سلطان عليها، فلا سلطان لك على ما في ~~بطنها.» # وانتزع امرأة من أيدي الموكلين بإقامة الحد عليها ... وسأله عمر فقال: «أما سمعت النبي # صلى الله عليه وسلم # يقول: رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير ms091 حتى يكبر، وعن ~~المبتلى حتى يعقل؟» قال: «بلى .» قال: «فهذه مبتلاة بني فلان ... فلعله أتاها وهو بها.» قال ~~عمر: «لا أدري.» قال: «وأنا لا أدري.» فترك رجمها للشك في عقلها ... # وأتي عمر بامرأة أجهدها العطش، فمرت على راع فاستسقته فأبى أن يسقيها إلا أن تمكنه من ~~نفسها ... ففعلت، فشاور الناس في رجمها، فقال علي: «هذه مضطرة إلى ذلك ... فخل ~~سبيلها.» # وهذه أمثلة قليلة من أمثلة كثيرة في القصاص وتفسير الشريعة ... # إلا أنه قد حاد عن هذه السنة في أمر واحد خالفه فيه بعض فقهاء عصره، ومنهم ابن عمه عبد ~~الله بن عباس. # وذلك هو إحراقه الروافض الذين عبدوه ووصفوه بصفات الآلهة، وأبوا أن يتوبوا عن ضلالتهم مرة ~~بعد مرة، وقيل: إنهم أصروا على عنادهم وهم يحرقون ... فاتخذوا من تعذيبه لهم بالنار دليلا ~~على أنه هو الإله المعبود ... إذ لا يعذب بالنار إلا الله. # فهؤلاء المفسدون المفتونون، قد استحقوا عقوبة الموت بقضاء الشريعة وقضاء الدولة، التي لا ~~يقوم لها نظام على هذه الضلالة ... ولكن الإحراق بالنار صرامة لا توجبها ضرورة العقاب، وليس ~~في اجتنابها خطر على الشريعة، ولا على النظام ... # إنما شفيع الإمام في هذه الصرامة أنه كان هو المستهدف لتلك الضلالة، وهو مظنة الريبة في ~~الهوادة فيها ... فهو ينزه عدله عن كل ظن، حيث تظن بالهوادة جميع الظنون، وقد أحرق الذين ~~ألهوه ... ونهى عن قتال الخوارج الذين حكموا بكفره، إلا أن يفسدوا في الأرض أو يبدءوا ~~بالعدوان على بريء، وفي هذا الإنصاف بين مؤلهيه ومكفريه شفاعة من تلك الصرامة في ~~العقاب. # وكان الإمام يذكر أبدا في حكومته أن الحقوق العامة لها شأن لا ينسى مع حقوق الأفراد ~~... # ومن ذلك ما نقله الطبري عن بعض الأسانيد، حيث قال: «رأيت عليا - عليه السلام - خارجا ~~من همدان، فرأى فتيين يقتتلان ففرق بينهما ... ثم مضى فسمع صوتا: يا غوثا بالله فخرج يحضر ~~نحوه حتى سمعت خفق نعله، وهو يقول: «أتاك الغوث.» فإذا رجل يلازم رجلا، فقال: «يا أمير ~~المؤمنين ... بعت هذا ثوبا بتسعة دراهم ms092 وشرطت عليه ألا يعطيني مغموزا ولا مقطوعا، فأتيته ~~بهذه الدراهم ليبدلها لي فأبى فلزمته فلطمني.» فقال: «أبدله.» ثم قال: «بينتك على اللطمة.» ~~فأتاه بالبينة ... قال: «دونك فاقتص.» قال: «إني قد عفوت يا أمير المؤمنين.» قال: «إنما أردت ~~أن أحتاط في حقك» ... ثم ضرب الرجل تسع درات، وقال: «هذا حق السلطان».» # وكان يكرر هذا الحكم في كل ما شابهه من أمثال هذا العدوان، وهو أشبه المذاهب بمذهب ~~الحكومات العصرية في القصاص. # ويقال الكثير عن مناهج الإمام في الحكومة وسياسة الرعية، مما يغني فيه هذا الإجمال عن ~~التوسع في التفصيل ... # ولكن الذي لا ينسى في سياق الكلام عن الإمامة والدعوة العالمية، أنه - رضي الله عنه - كان ~~أول من خرج بالعاصمة من المدينة إلى أرض غير أرض الحجاز، وهو الحجازي سليل الحجازيين ~~... # وقد اختار الكوفة، فكانت أوفق عاصمة للإمامة العالمية في تلك المرحلة من مراحل الدولة ~~الإسلامية ... # لأنها كانت ملتقى الشعوب من جميع الأجناس، وكانت مثابة التجارة بين الهند وفارس واليمن ~~والعراق والشام، وكانت العاصمة الثقافية التي ترعرعت فيها مدارس الكتابة واللغة والقراءات ~~والأنساب والأفانين الشعرية والروايات ... فهي أليق العواصم في ذلك العصر بحكومة إمام، وما ~~زالت الإمامة لاحقة بعلي ومحيطة به حيث تحول وحيث أقام ... # | النبي والإمام والصحابة # أحاديث النبي - عليه السلام - في فضل علي ومحبته متواترة في كتب الحديث المشهورة ... منها ~~ما انفرد به، وهو حديث الخيمة الذي رواه الصديق - رضي الله عنه - حيث قال: «رأيت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # خيم خيمة، وهو متكئ على قوس عربية، وفي الخيمة علي وفاطمة والحسن والحسين، فقال: ~~معشر المسلمين ... أنا سلم لمن سالم أهل الخيمة، حرب لما حاربهم، ولي لمن والاهم، لا يحبهم ~~إلا سعيد الجد طيب المولد، ولا يبغضهم إلا شقي الجد رديء الولادة.» # ومنها ما اشترك فيه وغيره، وهو الذي روته السيدة عائشة حيث سئلت: «أي الناس أحب إلى رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم ~~؟ ... قالت: فاطمة! ... فقيل: من الرجال؟ ... قالت: زوجها ... إن كان ما علمت صواما ~~قواما.» # وقد روي ms093 حديث في هذا المعنى، حيث سئل رسول الله عن أحب الناس إليه، فقال: «من النساء ~~عائشة، ومن الرجال أبوها.» # ولا تناقض بين الحديثين، إذ كانت السيدة عائشة هي التي تروي الحديث الأول، وتخرج من ~~كلامها كما يخرج المتكلم من عموم كلامه، أو كانت تروي عن أقرباء النبي من لحمه ودمه، فتقول ~~ما تعلم عن غيرها. # وهذان نموذجان من الأحاديث النبوية في فضل علي ومحبته ومنزلته عند الله ونبيه، وهي تعد ~~بالعشرات. # وأصحاب المذاهب يختلفون في تأويل هذه الأحاديث، وفي أسانيدها، ويوجهونها حيث اتجهوا من ~~التشيع للإمام أو التشيع عليه ... وهو شرح طويل لا يهمنا منه هنا أن ننصر فيه فريقا على ~~فريق، أو نرجح مذهبا على مذهب ... إذ ليس فهم الإمام موقوفا على تغليب أي الفريقين وتعزيز ~~أي المذهبين، وفهم الإمام على حقيقته النفسية والتاريخية هو كل ما نعنيه ... # فمهما يختلف الرواة في تأويل الأحاديث، فالذي يسعك أن تجزم به من وراء اختلافهم، أن ~~عليا كان من أحب الناس إلى النبي، إن لم يكن أحبهم إليه على الإطلاق ... # لقد كان النبي - عليه السلام - يغمر بالحب كل من أحاط به من الغرباء والأقربين ... فأي عجب ~~أن يخص بالحب من بينهم إنسانا، كان ابن عمه الذي كفله وحماه، وكان ربيبه الذي أوشك أن ~~يتبناه، وكان زوج ابنته العزيزة عنده، وكان بديله في الفراش ليلة الهجرة التي هم المشركون ~~فيها بقتل من يبيت في فراشه، وكان نصيره الذي أبلى أحسن البلاء في جميع غزواته، وتلميذه ~~الذي علم من فقه الدين ما لم يعلمه ناشئ في سنه؟ ... # حب النبي لهذا الإنسان حقيقة لا حاجة بها إلى تأويل الرواة ولا إلى تفسير النصوص؛ لأنها ~~حقيقة طبيعية، أو حقيقة بديهية قائمة من وراء كل خلاف ... # ومما لا خلاف فيه كذلك، أنه - عليه السلام - كان لا يكتفي بحبه إياه ... بل كان يسره ويرضيه ~~أن يحببه إلى الناس، وكان يسوءه ويغضبه أن يسمع من يكرهه ويجفوه ... # بعث رسول الله عليا في سرية ليقبض الخمس، فاصطفى منه سبية، واتفق ms094 أربعة من شهود السرية ~~أن يبلغوا ذلك إلى رسول الله، وكان المسلمون إذا قدموا من سفر بدءوا بالرسول، فسلموا عليه ~~وأبلغوه ما عندهم، ثم انصرفوا إلى رحالهم ... فقام أحد الأربعة وحدث الرسول بما رأى فأعرض ~~عنه، وظن أصحابه أنه لم يسمعه ... فتناوبوا الحديث واحدا بعد واحد في معنى كلامه، فلما فرغ ~~الرابع من حديثه أقبل عليه رسول الله وقد تغير وجهه فقال: «ما تريدون من علي؟ ... ما تريدون ~~من علي؟ ... ما تريدون من علي؟ علي مني وأنا منه وهو ولي كل مؤمن بعدي.» وقال لأحدهم في ~~روايات أخرى: «أتبغض عليا؟» قال: «نعم!» قال: «لا تبغضه، فإن له في الخمس أكثر من ذلك، ~~أي: أكثر من السبية التي اصطفاها ... لا تبغضه، وإن كنت تحبه فازدد له حبا.» ~~••• # وبعث رسول الله عليا إلى اليمن، فسأله جماعة من أتباعه أن يركبهم إبل الصدقة ليريحوا ~~إبلهم، فأبى ... فشكوه إلى رسول الله بعد رجعتهم، وتولى شكايته سعد بن مالك بن الشهيد، فقال: ~~«يا رسول الله ... لقينا من علي من الغلظة وسوء الصحبة والتضييق ...» ومضى يعدد ما لقيه، حتى ~~إذا كان في وسط كلامه ضرب رسول الله على فخذه، وهتف به: «يا سعد بن مالك بن الشهيد، بعض ~~قولك لأخيك علي؟ فوالله لقد علمت أنه جيش في سبيل الله.» # وشكا بعض الناس مثل هذه الشكوى، فقام رسول الله فيهم خطيبا يقول لهم: «أيها الناس ... لا ~~تشكوا عليا، فوالله إنه لجيش في ذات الله.» # ويلوح لنا أن النبي - عليه السلام - كان يحب عليا ويحببه إلى الناس؛ ليمهد له سبيل ~~الخلافة في وقت من الأوقات، ولكن على أن يختاره الناس طواعية وحبا ... لا أن يكون اختياره ~~من حقوق العصبية الهاشمية، فإنه - عليه السلام - قد اتقى هذه العصبية جهد اتقائه، ولم يحذر ~~خطرا على الدين أشد من حذره أن يحسبها الناس سبيلا إلى الملك والدولة في بني هاشم، وقد ~~حرم نفسه الشريفة حظوظ الدنيا وأقصى معظم بني هاشم عن الولاية والعمالة؛ لينفي هذه الظنة ... ~~ويدع الحكم للناس يختارون من ms095 يرضونه له بالرأي والمشيئة. # فالتزم في التمهيد لعلي وسائل ملموحة لا تتعدى التدريب والكفالة إلى التقديم والوكالة، ~~أرسله في سرية إلى فدك لغزو قبيلة بني سعد اليهودية، وأرسله إلى اليمن للدعوة إلى الإسلام، ~~وأرسله إلى منى ليقرأ على الناس سورة براءة، ويبين لهم حكم الدين في حج المشركين وزيارة ~~بيت الله، وأقامه على المدينة حين خرج المسلمون إلى غزوة تبوك ... ولم يفته مع هذا كله أن ~~يلمح الجفوة بينه وبين الناس، وأن يكله إلى السن تعمل عملها مع الأيام، ويكلهم في شأنه إلى ~~ما ارتضوه، عسى أن تسنح الفرصة لمزيد من الألفة بينهم وبينه. # هذه فيما نعتقد أصح علاقة يتخيلها العقل، وتنبئ عنها الحوادث بين النبي وابن عمه العظيم ~~... ~~••• # وربما كانت أصح العلاقات المعقولة؛ لأنها هي وحدها العلاقة الممكنة المأمولة، وكل ما ~~عداها فهو بعيد من الإمكان بعده من الأمان. # فهو يحبه ويمهد له وينظر إلى غده، ويسره أن يحبه الناس كما أحبه، وأن يحين الحين الذي ~~يكلون فيه أمورهم إليه ... # وكل ما عدا ذلك، فليس بالممكن وليس بالمعقول ... # ليس بالممكن أن يكره له التقديم والكرامة ... # وليس بالممكن أن يحبهما له، وينسى في سبيل هذا الحب حكمته الصالحة للدين والخلافة ~~... # وإذا كان قد رأى الحكمة في استخلافه، فليس بالممكن أن يرى ذلك، ثم لا يجهر به في مرض ~~الوفاة أو بعد حجة الوداع ... # وإذا كان قد جهر به، فليس بالممكن أن يتألب أصحابه على كتمان وصيته وعصيان أمره، إنهم لا ~~يريدون ذلك مخلصين، وإنهم إن أرادوه لا يستطيعونه بين جماعة المسلمين، وإنهم إن استطاعوه لا ~~يخفى شأنه ببرهان مبين، ولو بعد حين ... # فكل أولئك ليس بالممكن، وليس بالمعقول ... # وإنما الممكن والمعقول هو الذي كان، وهو الحب والإيثار، والتمهيد لأوانه، حتى يقبله ~~المسلمون ويتهيأ له الزمان. # أما العلاقة بين علي وسائر الصحابة من الخلفاء وغير الخلفاء، فهي علاقة الزمالة ~~المرعية، والتنافس الذي يثوب إلى الصبر والتجمل والتقية ... # فليس فيما لدينا من الأخبار والملامح ما يدل على ألفة حميمة بينه وبين أحد ms096 من الصحابة ~~المشهورين، وليس فيها كذلك ما يدل على عداوة وبغضاء ... بل ليس في أخباره جميعا ما يدل على ~~طبيعة تحقد على الناس، وإن دلت أحيانا على طبيعة يحقد الناس عليها ويفرطون. # فمن المعلوم أن عليا كان يرى أنه أحق بالخلافة من سابقيه، وأنه لم يزل مدفوعا عن حقه ~~هذا منذ انتقل النبي - عليه السلام - إلى الرفيق الأعلى، واحتج المهاجرون على الأنصار في ~~أمر الخلافة بالقرابة منه - صلوات الله عليه. قال: «ولما احتج المهاجرون على الأنصار يوم ~~السقيفة برسول الله # صلى الله عليه وسلم # فلجوا # 1 # عليهم ... فإن يكن الفلج به فالحق لنا دونكم، وإن بغيره فالأنصار على ~~دعواهم.» # كذلك كان رأيه في الخلافة يوم بويع بها الصديق، ثم بويع بها الفاروق، ثم بويع بها عثمان ~~... # وجاءت قضية الإرث بعد قضية الخلافة في أوائل عهد الصديق، فباعدت الفرجة بين القلوب، ~~وأطالت العزلة بين الأصحاب ... وخلاصة هذه القضية، أن فاطمة والعباس - رضي الله عنهما - طلبا ~~ميراثهما في أرض فدك وسهم خيبر، فذكر لهما الصديق حديث النبي عن إرث الأنبياء، ونصه في ~~روايته: «نحن - معاشر الأنبياء - لا نورث ... ما تركناه فهو صدقة ... إنما يأكل آل محمد من هذا ~~المال.» # فغضبت فاطمة، ولم تكلمه حتى ماتت ... ودفنها علي ليلا، ولم يؤذن بها أبا بكر ... وقيل: إن ~~عليا تخلف عن البيعة ستة أشهر إلى ما بعد وفاتها، ثم أرسل إلى أبي بكر أن ائتنا ولا يأتنا ~~معك أحد ... وتلقاه وعنده بنو هاشم، فقال: «إنه لم يمنعنا من أن نبايعك يا أبا بكر إنكار ~~لفضيلتك، ولا نفاسة عليك بخير ساقه الله إليك، ولكنا كنا نرى أن لنا في هذا الأمر حقا ~~فاستبددتم به علينا.» # ومع هذا اليقين الراسخ عنده في حقه وحق غيره، نرجع إلى سيرته وأحاديثه ... فنرى ولا ريب ~~أنها أقل ما تشعر به النفس الإنسانية في هذه الحالة من النفرة والنقمة، ولا نجد في خطبه ~~ومساجلاته التي ذكر فيها الخلفاء السابقين كلمة تستغرب من مثله، أو يتجاوز بها حد الحجة ~~التي تنهض بحقه ms097 ... بل الغريب أنه لزم هذا الحد ولم يجاوزه إلى جمحة غضب تفلت معها بوادر ~~اللسان، ولو جاوزه لكان عاذروه أصدق من لائميه ...! ~~••• # وقد أعان أسلافه الثلاثة برأيه وعمله، وجاملهم مجاملة الكريم بمسلكه ومقاله، ولم يبدر منه ~~قط ما ينم على كراهية وضغن مكتوم ... ولكنه كان يأنف أن ينكر هذه الكراهية إذا رمي بها كما ~~يأنف العزيز الكريم، وفي ذلك يقول من خطاب إلى معاوية: «ذكرت إبطائي عن الخلفاء وحسدي إياهم ~~والبغي عليهم، فأما البغي فمعاذ الله أن يكون، وأما الكراهية لهم فوالله ما أعتذر للناس من ~~ذلك.» # وأولى أن يقال: إن دلائل وفائه في حياتهم، وبعد ذهابهم، كان أظهر من دلائل جفائه، فإنه ~~احتضن ابن أبي بكر محمدا وكفله بالرعاية ورشحه للولاية، حتى حسب عليه وانطلقت الألسنة ~~بانتقاده من أجله، وقد سمى ثلاثة من أبنائه بأسماء الخلفاء الذين سبقوه، وهم أبو بكر، وعمر، ~~وعثمان ... # ويخطئ جدا من يتخذ فتواه في مقتل الهرمزان دليلا على كراهيته لعمر أو نقمة منه في ~~أبنائه ... فقد أسرع عبيد الله بن عمر إلى الهرمزان، فقتله انتقاما لأبيه، ولم ينتظر حكم ولي ~~الأمر فيه ولا أن تقوم البينة القاطعة عليه، فلما استفتي في هذه القضية أفتى بالقصاص منه، ~~ولم يغير رأيه حين تغير رأي عثمان، فأعفاه من جريرة عمله ... لأنه هو الرأي الذي استمده من ~~حكم الشريعة كما اعتقده وتحراه، وبهذا الرأي دان قاتله عبد الرحمن بن ملجم، فأوصى وكرر ~~الوصاية ألا يقتلوا أحدا غيره لمظنة المشاركة بينه وبين رفقائه في التآمر عليه. # وإنك لن تجد إنسانا أعرف بالعهد، ولا أصون له ممن يتذاكره في حومة الحرب، ويرى أن ~~التذكير به ينزع السلاح من الأيدي، ويعود بالخصمين المتناجزين إلى الصفاء والإخاء ... # فما حارب علي عدوا له سابقة مودة به إلا أن يذكره بتلك السابقة، ويستنجد بالصداقة ~~الأولى فيه على العداوة الحاضرة. # ومن ذلك موقفه مع الزبير وطلحة في وقعة الجمل، وهما ملحان في حربه وإنكار بيعته ... # فخرج حاسرا لا يحتمي بدرع ولا سلاح، ونادى: يا زبير، ms098 اخرج إلي ... فخرج إليه شاكا في ~~السلاح، وسمعت السيدة عائشة فصاحت: وا حرباه! ... إذ كان خصم علي مقضيا عليه بالموت ~~كائنا ما كان حظه من الشجاعة والخبرة بالنضال. # فلما تقابل علي والزبير اعتنقا، وعاد علي يسأله: «ويحك يا زبير ما الذي أخرجك؟ ~~...» # قال: «دم عثمان.» # قال: «قتل الله أولانا بدم عثمان.» # وجعل يذكره عهوده وعهود رسول الله، ومنها مقالة النبي: «والله ستقاتله وأنت له ~~ظالم.» # فاستغفر الزبير وقال: «لو ذكرتها ما خرجت.» ~~••• # ولما وقف علي على جثة طلحة بكى أحر بكاء، وجعل يمسح التراب عن وجهه وهو يقول: «عزيز ~~علي أن أراك أبا محمد مجندلا تحت نجوم السماء.» وتمنى لو قبضه الله قبل هذا اليوم بعشرين ~~سنة ... # والمودة عند فارس كعلي عهد محفوظ وموثق مذكور، إن فاتها أن تكون حنان قلب أو ألفة ~~شعور. # ويخيل إلينا أنه لم يرزق قط صداقة الألفاء الذين يرعاهم ويرعونه؛ لأنه يحبهم ويحبونه، ~~ولكنه عامل الناس وعاملوه على سنة العهود وديدن الفروسية، فلم تزل بينه وبينهم إيماءة إلى ~~سلاح مغمد أو سلاح مشهور. # ومثل علي لا يرزق صداقة الألفاء؛ لأنه من أصحاب المزايا التي تغري بالمنافسة أو بالحسد ~~ولا تحميها المنافع ولا المسايرة والمداراة. # فهو شجاع، عالم، بليغ، ذكي، موصول النسب بأعرق الأرومات ... فإن لم يحسد هذا، فمن يحسد؟ ~~... # وإن حسد، فما الذي يفل من غرب حاسديه؟ ... وما الذي يفيء بهم إلى القصد في عدائه والتأليب ~~عليه؟ ... ~~••• # إنهم يستبعدون يومه في الإمارة والسلطان، وإذا استقربوا يومه في الإمارة والسلطان، فلا ~~مطمع لهم في النفع على يديه وهو قوام بالقسط على الأموال والحقوق، فنصيبه إذن منهم نصيب ~~المحسود الذي لا رجاء له في هوادة من حاسديه، وليس أحقد من الناس على صاحب عظمة لم يطمعوا ~~في نفعه ولم يزالوا على طمع في النفع من خصومه، وبليته بهم أكبر وأدهى حتى لا يصطنع الدهان ~~ولا يعمد معهم إلى الختل والروغان ... على أنه لو داهنهم وراوغهم لما اغتفروا له ذنب العظمة ~~التي لا تحميها حماية من طمع أو ms099 نكاية، أو كما قال الحكيم الغربي: «إن نسي أنه أسد لم ينسوا ~~أنهم كلاب.» # وهكذا فرضت على الرجل العظيم ضريبة العظمة الغريبة في ديارها وبين آلها وأنصارها ~~... # فالعلاقة بينه وبين كرام الصحابة، كانت علاقة الزمالة التي ينوب فيها الواجب مناب الألفة ~~... # والعلاقة بينه وبين الخصوم، كانت علاقة حسد غير مكفوف، وبغض غير مكتوم ... # والعلاقة بينه وبين سواد العامة، كانت علاقة غرباء يجهلونه ولا ينفذون إلى لبابه، وإن ~~قاربه أناس معجبين، وباعده أناس نافرين ... # وتلك أيضا آية الشهيد ... # | ثقافته # ألسنة الخلق أقلام الحق ... # كلمة سائغة ليس أصدق منها إن صدقت، وهي صدق في كثير من الأحيان ... # ونحن نعلم صدقها الأصيل حين نسمع الكلمة من هذه الكلمات، التي ينقلها لسان عن لسان ~~ويتلقاها جيل عن جيل، فيخيل إلينا أنها خاطر عابر يسمع ويستملح ويشفع له القدم ... فنقبله ~~كرامة له كما نقبل الثمين والغث أحيانا من وقار المشيب، ولكنه بعد كل هذا لا يثبت على ~~النقد ولا يصبر على مراجعة العلم والقياس، ثم نعرضه اتفاقا على العلم والقياس ... فإذا به قد ~~احتمل من النقد العسير ما ليست تحتمله آراء العلماء وقضايا الحكماء، وإذا بالخطأ في هذه ~~القولة الشائعة، أو في هذا اللقب المرتجل أقل من كل خطأ يحصى على كل مخلوق ... # من هذه الألقاب الشائعة، لقب الإمام الذي اختص به علي بين جميع الخلفاء الراشدين، والذي ~~يطلق إذا أطلق فلا ينصرف إلى أحد غيره، بين جميع الأئمة الذين وسموا بهذه السمة من سابقيه ~~ولاحقيه ... # ولم وليس هو بفرد في الإمامة بجملة معانيها؟ ... # ألم يكن الصديق إماما كعلي؟ ... ألم يكن الفاروق إماما كعلي؟ ... ألم يكن عثمان إماما ~~كعلي؟ ... ألم يكونوا خلفاء راشدين إذا قصدت الخلافة الراشدة بعد النبوة؟ ... # بلى كانوا أئمة مثله، وسبقوه في الإمامة ... # ولكن الإمامة يومئذ كانت وحدها في ميدان الحكم بغير منازع ولا شريك، ولم يكتب لأحد منهم ~~أن يحمل علم الإمامة؛ ليناضل به علم الدولة الدنيوية، ولا أن يتحيز بعسكر يقابله عسكر، وصفة ~~تناوئها صفة، ولا أن يصبح رمزا للخلافة ms100 يقترن بها ولا يقترن بشيء غيرها ... فكلهم إمام حيث ~~لا اشتباه ولا التباس، ولكن الإمام بغير تعقيب ولا تذييل هو الإمام كلما وقع الاشتباه ~~والالتباس ... # وذاك هو علي بن أبي طالب، كما لقبه الناس وجرى لقبه على الألسنة ... فعرفه به الطفل وهو ~~يسمع أماديحه المنغومة في الطرقات، بغير حاجة إلى تسمية أو تعريف ... ~~••• # وخاصة أخرى من خواص الإمامة، ينفرد بها علي ولا يجاريه فيها إمام غيره، وهي اتصاله بكل ~~مذهب من مذاهب الفرق الإسلامية منذ وجدت في صدر الإسلام، فهو منشئ هذه الفرق أو قطبها الذي ~~تدور عليه، وندرت فرقة في الإسلام لم يكن علي معلما لها منذ نشأتها، أو لم يكن موضوعا ~~لها ومحورا لمباحثها، تقول فيه وترد على قائلين. # وقد اتصلت الحلقات بينه وبين علماء الكلام والتوحيد، كما اتصلت الحلقات بينه وبين علماء ~~الفقه والشريعة، وعلماء الأدب والبلاغة ... فهو أستاذ هؤلاء جميعا بالسند الموصول ... # أما الفرق التي جعلته موضوعا لها ومحورا لمباحثها، فحسبك أن تذكر الخوارج والروافض ~~والشيعة والناصبين وأهل السنة، فتكون قد ذكرت جميع الفرق الإسلامية بلا استثناء أو ~~باستثناء جد يسير. # وهنا تشتبك الفروع وتتأشب الأفانين، فترى الفرقة الواحدة مزيجا من التصوف والسياسة، ~~كالباطنة على اختلافها ... وقد تترامى بها الفروع حتى تصل إلى القائلين بمذهب الباب أو مذهب ~~البهاء، وهم طرف مقطوع أو موصول، من بعض تلك الأصول ... # فالإمام أحق لقب به، وهو أحق الأئمة بلقب الإمام! ... # ولقد كانت له آية من آيات الشهداء في كثير من صفاته، وكثير من معارض حياته، وطوارئ أوقاته ~~... # وكانت له في الإمامة آية أخرى من هذه الآيات ... # فآية الشهداء أنهم يبخسون حقهم في الحياة، ثم يعطون فوق حقوقهم بعد الممات ... # أو هم يعرضون لنا عجائب الدنيا في إقبالها وإدبارها، كما قال الإمام - رضي الله عنه: ~~«إنها إذا أدبرت عن إنسان سلبته محاسن نفسه، وإذا أقبلت عليه أعارته محاسن غيره.» # وكذلك اتفق للإمام في صفة الإمامة، كما اتفق له في معظم الصفات ... # فقل أن سمعنا بعلم من العلوم الإسلامية أو العلوم ms101 القديمة لم ينسب إليه، وقل أن تحدث ~~الناس بفضل لم ينحلوه إياه، وقل أن توجه الثناء بالعلم إلى أحد من الأوائل إلا كانت له ~~مساهمة فيه ... # نحلوه ديوانا من الشعر فيه عشرات من القصائد، وليس بينها إلا عشرات من الأبيات تصح ~~نسبتها إليه ... # ونحلوه علما سموه علم «الجفر» وزعموا أنه علم النجوم والأزياج، الذي يكشف عن حوادث الغيب ~~إلى آخر الزمان. # ونحلوه مقامات تخلو من أشيع الحروف في الكلمات وهي حرف الألف، ولا يعقل أن تظهر أشباه هذه ~~المقامات قبل عصر الصناعة في أيام العباسيين وما تلاها ... # ونحلوه من مصطلحات علم الكلام أقوالا لم تعرف، ولا يعقل أن تعرف قبل ترجمة المفردات ~~الإغريقية بما لها من غرائب النحت والاشتقاق. # وبعض ما نحلوه يزيده قدرا ويرفعه شأنا، ألا تصح نسبته إليه ...! # وبعض ما بقي له غير مشكوك فيه ولا مختلف عليه ... كاف لتعظيم قدره وإثبات إمامته في عصره، ~~وبعد عصره. # وعندنا أنه - رضي الله عنه - كان ينظم الشعر ويحسن النظر فيه، وكان نقده للشعراء نقد عليم ~~بصير، يعرف اختلاف مذاهب القول، واختلاف وجوه المقابلة والتفضيل على حسب المذاهب، ومن بصره ~~بوجوه المقابلة بينهم أنه سئل: «من أشعر الناس؟» قال: «إن القوم لم يجروا في حلقة تعرف ~~الغاية عند قصبتها ... فإن كان ولا بد فالملك الضليل.» # وهذا فيما نعتقد أول تقسيم لمقاييس الشعر على حسب «المدارس» والأغراض الشعرية بين العرب، ~~فلا تكون المقابلة إلا بين أشباه وأمثال، ولا يكون التعميم بالتفضيل إلا على ~~التغليب. # لكنه - رضي الله عنه - لم يرزق ملكة الإجادة في شعره، والنبي - عليه السلام - يرى ذلك حيث ~~سألوه أن يأذن لعلي في هجاء المشركين، فقال: «ليس بذاك» ... وأحالهم إلى حسان بن ثابت، وندب ~~له من يبصره بمثالب القوم ... # وكل شعره الذي رجحت نسبته إليه من قبيل هذه الأبيات، التي وصف فيها قبيلة همدان في وقعة ~~صفين: # ولما رأيت الخيل ترجم بالقنا # فوارسها حمر النحور دوام # وأعرض نقع في السماء كأنه # عجاجة دجن ملبس بقتام # ونادى ابن هند في الكلاع ms102 وحمير # وكندة في لخم وحي جذام # تيممت همدان الذين هم هم # إذا ناب دهر جنتي وسهامي # فجاوبني من خيل همدان عصبة # فوارس من همدان غير لئام # فخاضوا لظاها واستطاروا شرارها # وكانوا لدى الهيجا كشرب مدام # فلو كنت رضوانا على باب جنة # لقلت لهمدان: ادخلوا بسلام # أو من قبيل هذه الأبيات: # محمد النبي أخي وصهري # وحمزة سيد الشهداء عمي # وجعفر الذي يمسي ويضحي # يطير مع الملائكة ابن أمي # وبنت محمد سكني وعرسي # منوط لحمها بدمي ولحمي # وسبطا أحمد ولداي منها # فأيكم له سهم كسهمي # سبقتكم إلى الإسلام طرا # صغيرا ما بلغت أوان حلمي # وصليت الصلاة وكنت فردا # فمن ذا يدعي يوما كيومي # وقد نظم شعرا ولا ريب، كما يدل سؤالهم النبي - عليه السلام - أن يأذن له في هجاء من ~~هجاهم، ولم ينسب إليه شعر ... صح أو لم يصح، أجود مما قدمناه، وليس فيه ما يسلكه بين المجودين ~~من الشعراء، أو يلحق بطبقته بين الكتاب والخطباء ... ~~••• # أما كتاب الجفر أو علم الجفر، فالقول الفصل فيه أقرب من القول الفصل في جميع ما نحلوه ~~وأضافوا إليه ... فمثل علي في تقواه وفضله، لا يشتغل بعلم مزعوم هو السحر القديم بعينه، ~~وليس هو مما يليق بورعه ولا ذكائه، وقد نهى وشدد النهي عن تعلم النجوم واستطلاع الغيب ~~بأمثال هذه العلوم، ومن المحقق الذي لا خلجة فيه من الشك عندنا أن النبوءات التي جاءت في ~~نهج البلاغة عن الحجاج بن يوسف، وفتنة الزنج وغارات التتار وما إليها، هي من مدخول الكلام ~~عليه ... # ومما أضافه النساخ إلى الكتاب بعد وقوع تلك الحوادث بزمن قصير أو طويل ... ولا نجزم مثل هذا ~~الجزم في أمر المقامات التي خلت من بعض الحروف؛ لأن العقل لا يمنعها قطعا كما يمنع استطلاع ~~الغيب المفصل من أزياج النجوم، ولكننا نستبعد جدا أن تكون هذه المقامات من كلام الإمام ~~لاختلاف الأسلوب واختلاف الزمن، وحاجة النسبة هنا إلى سند أقوى من السند الميسر لنا ~~بكثير. # وكذلك نستبعد أنه قال لكاتبه ليظهر علمه بغريب اللغة: «ألصق ms103 روانفك بالجبوب وخذ المزبر ~~بشناترك، واجعل حندورتيك إلى قيهلي حتى لا أنفي نفية إلا أودعتها بحماطة جلجلانك.» # أي: «ألصق مقعدك بالأرض وخذ القلم بما بين أصابعك، واجعل عينيك إلى وجهي حتى لا ألفظ ~~بلفظة إلا وعيتها في سواد قلبك.» # فإن الولع بإظهار العلم بالغريب بدعة لم تعرف في صدر الإسلام، ولم يلتفت الناس إلى ~~ادعائها إلا بعد استعجام العرب وندرة العارفين بفصيح العربية وغيرها على السواء. # ومثل هذا، ما نسبوه إليه حيث زعموا أنه قال: «ما تربعلبنت قط.» أي: ما شربت اللبن يوم ~~الأربعاء، و«ما تسبتسمكت قط.» أي: ما أكلت السمك يوم السبت «وما تسرولقمت قط.» أي: ما لبست ~~السراويل قائما ... إلى أشباه هذه المخترعات التي تستغرب لفظا ومعنى واعتقادا من رجل ~~كالإمام في صدر الإسلام. ~~••• # إلا أننا نسقطها جميعا، فلا نسقط بها فضلا ترجح به موازين الإمام في حساب الثقافة ... بل ~~نحسبها فضلا - إن شئنا - ونسقطها، فيبقى له بعدها السهم الراجح في تلك الموازين ... # تبقى له الهداية الأولى في التوحيد الإسلامي، والقضاء الإسلامي، والفقه الإسلامي، وعلم ~~النحو العربي، وفن الكتابة العربية ... مما يجوز لنا أن نسميه أساسا صالحا لموسوعة المعارف ~~الإسلامية في جميع العصور، أو يجوز لنا أن نسميه موسوعة المعارف الإسلامية كلها في الصدر ~~الأول من الإسلام. # وتبقى له مع هذا فرائد الحكمة التي تسجل له في ثقافة الأمة الإسلامية، على تباين العصور ~~... # ففي كتاب نهج البلاغة، فيض من آيات التوحيد والحكمة الإلهية تتسع به دراسة كل مشتغل ~~بالعقائد، وأصول التأليه وحكمة التوحيد، وربما تشكك الباحث في نسبة بعضها إلى الإمام لغلبة ~~الصيغة الفلسفية عليها، وامتزاجها بالآراء والمصطلحات التي اقتبست بعد ذلك من ترجمة الكتب ~~الإغريقية والأعجمية، ولا سيما الكلام على الأضداد والطبائع والعدم والحدود والصفات ~~والموصوفات، ولكن الذي يقرؤه الباحث ولا يشك في نسبته إلى الإمام، أو في جواز نسبته إليه، ~~قسط واف لتحقيق رأي القائلين بسبق الإمام في مضمار علم الكلام، واعتراف المعترفين له ~~بالأستاذية الرشيدة لكل من لحق به من أصحاب الآراء والمقولات. وهو على ms104 جملته خير ما يعرف به ~~المؤمن ربه وينزه به الخالق في كماله، ومن أمثلته قوله: «الحمد لله الذي لم يسبق له حال ~~حالا، فيكون أولا قبل أن يكون آخرا، ويكون ظاهرا قبل أن يكون باطنا، كل مسمى بالوحدة ~~غيره قليل، وكل عزيز غيره ذليل، وكل قوي غيره ضعيف، وكل مالك غيره مملوك، وكل عالم غيره ~~متعلم، وكل قادر غيره يقدر ويعجز، وكل سميع غيره يصم عن لطيف الأصوات ويصمه كبيرها، ويذهب ~~عنه ما بعد عنها، وكل بصير غيره يعمى عن خفي الألوان ولطيف الأجسام، وكل ظاهر غيره باطن، ~~وكل باطن غيره ظاهر، لم يخلق ما خلقه لتشديد سلطان ولا تخوف من عواقب زمان، ولا استعانة على ~~من شاور، ولا شريك مكاثر، ولا ضد منافر، ولكن خلائق مربوبون وعباد داخرون - أي: ضارعون - لم ~~يحلل في الأشياء فيقال هو فيها كائن، ولم ينأ عنها فيقال هو منها بائن، لم يؤده خلق ما ~~ابتدأ ولا تدبير ما ذرأ، ولا وقف به عجز عما خلق، ولا ولجت عليه شبهة فيما مضى وقدر، بل ~~قضاء متقن، وعلم محكم وأمر مبرم ...» # أما القضاء والفقه، فالمشهور عنه أنه كان أقضى أهل زمانه، وأعلمهم بالفقه والشريعة ... أو ~~لم يكن بينهم من هو أقضى منه وأفقه وأقدر على إخراج الأحكام من القرآن والحديث والعرف ~~المأثور. وكان عمر بن الخطاب يقول كلما استعظم مسألة من مسائل القضاء العويصة: قضية ولا أبا ~~الحسن لها؛ لأنه كان في هذه المسائل يتجاوز التفسير إلى التشريع، كلما وجب الاجتهاد بالرأي ~~الصائب والقياس الصحيح ... # وفي أخباره، ما يدل على علمه بأدوات الفقه كعلمه بنصوصه وأحكامه ... ومن هذه الأدوات علم ~~الحساب، الذي كانت معرفته به أكثر من معرفة فقيه يتصرف في معضلات المواريث؛ لأنه كان سريع ~~الفطنة إلى حيله التي كانت تعد في ذلك الزمن ألغازا تكد في حلها العقول، فيقال: إن امرأة ~~جاءت إليه وشكت إليه أن أخاها مات عن ستمائة دينار، ولم يقسم لها من ميراثه غير دينار واحد ~~... فقال لها: لعله ترك زوجة ms105 وابنتين وأما واثني عشر أخا وأنت؟ ... فكان كما قال. # وسئل يوما في أثناء الخطبة عن ميت ترك زوجة وأبوين وابنتين، فأجاب من فوره: صار ثمنها ~~تسعا، وسميت هذه الفريضة بالفريضة المنبرية؛ لأنه أفتى بها وهو على منبر الكوفة ... # وفي هذه الإجابات، دليل على الذكاء وسرعة البديهة ... فضلا عن الدلالة الظاهرة على العلم ~~بالمواريث والحساب ... # وإذا قيل في قضائه: إنه لم يكن أقضى منه بين أهل زمانه، صح أن يقال في علم النحو: إنه لم ~~يكن أحد أوفر سهما في إنشاء هذا العلم من سهمه. وقد تواتر أن أبا الأسود الدؤلي شكا إليه ~~شيوع اللحن على ألسنة العرب، فقال له: اكتب ما أملي عليك، ثم أملاه أصولا منها: أن كلام ~~العرب يتركب من اسم وفعل وحرف، فالاسم ما أنبأ عن المسمى، والفعل ما أنبأ عن حركة المسمى، ~~والحرف ما أنبأ عن معنى ليس باسم ولا فعل ... وأن الأشياء ثلاثة: ظاهر، ومضمر، وشيء ليس بظاهر ~~ولا مضمر ... وإنما تتفاوت العلماء في معرفة ما ليس بظاهر ولا مضمر ... يعني اسم الإشارة على ~~قول بعض النحاة، ثم قال لأبي الأسود: انح هذا النحو يا أبا الأسود ... فعرف العلم باسم النحو ~~من يومها. # وهذه رواية تخالفها روايات شتى تستند إلى المقابلة بين اللغات الأخرى في اشتقاق أصولها ~~النحوية، ولا سيما السريانية واليونانية ... ولكن الروايات العربية لا تنتهي بنا إلى مصدر ~~أرجح من هذا المصدر، وغيرها من الروايات الأجنبية والفروض العلمية لا يمنع عقلا أن يكون ~~الإمام أول من استنبط الأصول الأولى لعلم النحو العربي من مذاكرة العلماء بهذه الأصول بين ~~أبناء الأمم، التي تغشى الكوفة وحواضر العراق والشام، وهم هنالك غير قليل، ولا سيما السريان ~~الذين سبقوا إلى تدوين نحوهم، وفيه مشابهة كبيرة لنحو اللغة العربية. # وليس الإمام علي أول من كتب الرسائل، وألقى العظات، وأطال الخطب على المنابر في الأمة ~~الإسلامية ... # ولكنه ولا ريب أول من عالج هذه الفنون معالجة أديب، وأول من أضفى عليها صبغة الإنشاء الذي ~~يقتدى به في الأساليب ... لأن الذين ms106 سبقوه كانوا يصوغون كلامهم صياغة مبلغين لا صياغة منشئين، ~~ويقصدون إلى أداء ما أرادوه ولا يقصدون إلى فن الأداء وصناعة التعبير، ولكن الإمام عليا ~~تعلم الكتابة صغيرا، ودرس الكلام البليغ من روايات الألسن، وتدوين الأوراق، وانتظر ~~بالبلاغة حتى خرجت من طور البداهة الأولى إلى طور التفنن والتجويد ... فاستقام له أسلوب مطبوع ~~مصنوع، هو فيما نرى أول أساليب الإنشاء الفني في اللغة العربية، وأول أسلوب ظهرت فيه آثار ~~دراسة القرآن، والاستفادة من قدوته وسياقه، وتأتى له بسليقته الأدبية أن يأخذ من فحولة ~~البداوة، ومن تهذيب الحضارة، ومن أنماط التفكير الجديد الذي أبدعته المعرفة الدينية ~~والثقافة الإسلامية ... فديوانه الذي سمي «نهج البلاغة» أحق ديوان بهذه التسمية بين كتب ~~العربية، واشتماله على جزء مشكوك فيه لا يمنع اشتماله على جزء صحيح النسبة إليه صحيح ~~الدلالة على أسلوبه، وربما كانت دلالة الأخلاق والمزاج فيه أقوى، وأقرب إلى الإقناع من ~~دلالة الأسانيد التاريخية؛ لأن طابع «الشخصية العلوية» فيه ظاهر من وراء السطور ومن ثنايا ~~الحروف، يوحي إليك حيثما وعيته أنك تسمع الإمام ولا تسمع أحدا غير الإمام، ويعز عليك أن ~~تلمح فيه غرابة بين صاحب التاريخ وصاحب الكلام ... # على أننا نبالغ ما نبالغ في تمحيص المنحول وغير المنحول من أقوال الإمام، ومن فنون ثقافته ~~العامة، ثم تبقى لنا بقية تسمح لنا - بل توجب علينا - أن نسأل: كيف يتسنى العلم بهذا لأي ~~كان من الناس في مثل ذلك الزمان؟ ... # والسؤال لا بد منه، ولا نظن قارئا من قراء تاريخ الإمام لم يخطر هذا السؤال بباله ولم ~~يرد على لسانه. # ولكن لا بد معه من تصحيح الباعث عليه؛ لتصحيح الجواب عنه بعد ذلك ... # فالباعث عليه أننا نبالغ في تجريد البداوة العربية من الصلات المعقولة بالثقافة العالمية، ~~سواء كانت من ثقافة العلم والدرس أو ثقافة التواتر والتلقين ... # لكن البداوة العربية لم تكن في الواقع معزولة عن ثقافة الأمم المحيطة بها تلك العزلة التي ~~تخطر لنا للوهلة الأولى، فقد كانت على اتصال بعقائد الهند وفارس والروم، وكانت للمعارف ~~الإنسانية ms107 أشعتها التي تتخلل الجزيرة العربية من قديم العصور . # وحسبنا من أمثلة ذلك مثال واحد في معسكر الإمام نفسه يغني عن الأمثلة من قبيله ... # وذلك هو مثال عبد الله بن سبأ المشهور بابن السوداء، وهو يهودي ابن زنجية مولود في بلاد ~~اليمن، ومذهبه الذي اشتهر به هو مذهب الرجعة، الذي يجمع فيه بين قول اليهود بظهور المنقذ من ~~أبناء داود، وقول أهل الهند بظهور الإله الذي يتقمص جسم إنسان، وقول النصارى بظهور المسيح، ~~وقول أهل فارس بتقديس الأوصياء من أقرباء الملوك والأمراء ... # فهذه عقيدة لا تظهر من رجل يمني من أهل الجزيرة، إذا تخيلنا أن الجزيرة في حضارتها أو ~~بداوتها بمعزل عن ثقافات الهند والفرس والروم وبني إسرائيل، وأن الأمة العربية تخلو من أناس ~~سمعوا بالعقائد والفلسفات من طريق القدوة الدينية، أو طريق المحاكاة الاجتماعية، أو طريق ~~الدراسة والسماع ... # وقد كانت عاصمة الإمام في الكوفة ... وكانت مثابة الغادين والرائحين من أبناء الحضارات ~~المعروفة في العالم بأسره، ومن المسلمين الذين عاشوا بها أو بجوارها أناس كانوا ينظرون في ~~كتب الفرس، ويعجبون بحكمتها كما جاء في سيرة عمر بن الخطاب، ومنهم من كان ينظر في النجوم ~~على طريقة الفرس والروم، وحذر بعض هؤلاء الإمام أن يسير إلى حرب الخوارج في طالع كوكب من ~~الكواكب المنحوسة، فقال له: «أتزعم أنك تهدى إلى الساعة التي من سار فيها صرف عنه السوء؟ ... ~~فمن صدق بهذا فقد كذب القرآن، واستغنى عن الاستعانة بالله في نيل المحبوب ودفع المكروه» ~~... ~~••• # ثم أقبل على الناس بالنصح والموعظة، قائلا: «إياكم وتعلم النجوم، إلا ما يهتدى به في بر ~~أو بحر ... فإنها تدعو إلى الكهانة، والمنجم كالكاهن، والكاهن كالساحر، والساحر كالكافر، ~~والكافر في النار!» # وقد لبث علي بن أبي طالب زهاء ثلاثين سنة منقطعا، أو يكاد ينقطع عن جهاد الحكم ~~والسياسة، متفرغا أو يكاد يتفرغ لفنون البحث والدراسة ... يتأمل كل ما سمع، ويراجع كل ما ~~قرأ، ويعرف كل ما يعرف، ممن يلقاه، ويستطلع أنباءه وآراءه وقضاياه ... فمهما يكن قسط الثقافة ~~العالمية قليلا ms108 في بلاد الإسلام على تلك الأيام ... ففيه ولا ريب الكفاية للعقل اليقظان، ~~والبصيرة الواعية أن تفهم ما قد فهمه الإمام، وأن يثبت ما أثبته نهج البلاغة من الخواطر ~~والأحكام ... # على أن هذه الفنون من الثقافة - أو جلتها - إنما تعظم بالقياس إلى عصرها، والجهود التي ~~بذلت في بدايتها. # فحصة الإمام من علم النحو - مثلا - عظيمة؛ لأن الابتداء بها أصعب من تحصيل المجلدات ~~الضخام، التي دونها النحاة بعد تقدم العلم، وتكاثر الناظرين فيه ... ~~••• # وهكذا يقال في الحساب والمسائل العلمية التي من قبيله، فلا يجوز لنا أن نقيسها بمقياس ~~العصر الحاضر ... وهي في ابتدائها أصعب جدا منها في أطوارها، التي لحقت بها بعد نمائها ~~واستفاضة البحث فيها ... # أما فن الثقافة الذي يقاس بمقياس كل زمن، فإذا هو عظيم في جميع هذه المقاييس، قليل ~~الفوارق بين البدايات منه والنهايات، فذلك هو فن الكلم الجامعة أو فرائد الحكمة التي قلنا ~~آنفا: إنها تسجل له في ثقافة الأمم عامة كما تسجل له في ثقافة الأمة الإسلامية، على تباين ~~العصور. # فالكلم الجوامع التي رويت للإمام طراز لا يفوقه طراز في حكمة السلوك على أسلوب الأمثال ~~السائرة. # وقد قال النبي - عليه السلام: «علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل.» # فهذا الحديث الشريف أصدق ما يكون على الإمام علي في حكمته، التي تقارن بحكم أولئك ~~الأنبياء. # فهي من طراز الحكم المأثورة عن أشهر أولئك الأنبياء بالمثل السائر، وهو سليمان بن ~~داود. ~~••• # ويزيد عليها أنها أبدع في التعبير، وأوفر نصيبا من ذوق الجمال، كقوله مثلا: «نفس المرء ~~خطاه إلى أجله» ... أو قوله: «من يعط باليد القصيرة يعط باليد الطويلة» ... أو قوله: «المرء ~~مخبوء تحت لسانه.» أو قوله: «الحلم عشيرة» ... أو قوله: «من لان عوده كثفت أغصانه.» أو قوله: ~~«كل وعاء يضيق بما جعل فيه إلا وعاء العلم فإنه يتسع.» إلى أشباه هذه التعبيرات الحسان، ~~التي تحار فيها أي مزاياها أفضل وأقوم: صدق المعنى، أو بلاغة الأداء، أو جودة الصناعة ~~... # وبعض أقواله ينضح بدلائل «الشخصية» التي تلازم صاحب الفن الأصيل، فتلبس معانيه لباسا ms109 من ~~خوالج نفسه وأحداث زمانه، كما قال: «صواب الرأي بالدول، يقبل بإقبالها ويذهب بذهابها.» أو ~~كما قال: «ما أكثر العبر وأقل الاعتبار» ... أو كما قال: «شاركوا الذي أقبل عليه الرزق، فإنه ~~أخلق للغنى وأجدر بإقبال الحظ عليه» ... أو كما قال: «إذا هبت أمرا فقع فيه، فإن شدة توقيه ~~أعظم مما نخاف منه» ... أو كما قال: «لا يقيم أمر الله - سبحانه - إلا من لا يصانع ولا يضارع ~~ولا يتبع المطامع.» # وله عدا هذه الحكم التي تلونت بألوان نفسه أو ألوان زمانه، حكم كثيرة تصدر من كل قائل ~~يقدر عليها، وتنفذ إلى كل سامع يفطن لها كقوله: «كل معدود منقض وكل متوقع آت.» أو قوله: ~~«إذا كثرت القدرة قلت الشهوة.» أو قوله: «أفضل الأعمال ما أكرهت نفسك عليه» ... أو قوله: «من ~~نصب نفسه للناس إماما، فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره ... وليكن تأديبه بسيرته قبل ~~تأديبه بلسانه، ومعلم نفسه ومؤدبها أحق بالإجلال من معلم الناس ومؤدبهم.» أو قوله: «الفقيه ~~كل الفقيه من لم يقنط الناس من رحمة الله، ولم يوئسهم من روح الله، ولم يؤمنهم من مكر الله» ~~... أو قوله: «قيمة كل امرئ ما يحسنه.» أو قوله: «العاقل هو الذي يضع الشيء مواضعه.» أو قوله: ~~«الصبر صبران: صبر على ما تكره، وصبر على ما تحب.» أو قوله: «من ملك استأثر.» أو قوله: ~~«الناس أعداء ما جهلوا» ... أو قوله: «القرابة إلى المودة أحوج من المودة إلى القرابة» ~~... ~~••• # وله في المواقف المرتجلة كلمات هي أشبه الكلمات بأسلوب الحكمة السائرة ... فلما خرج وحده ~~لبعض المهام، التي تردد فيها أنصاره، قالوا له يشيرون إلى أعدائه: «يا أمير المؤمنين نحن ~~نكفيكهم.» فقال: «ما تكفونني أنفسكم فكيف تكفونني غيركم؟ ... إن كانت الرعايا قبلي لتشكو حيف ~~رعاتها، وإنني اليوم لأشكو حيف رعيتي، كأنني المقود وهم القادة، أو الموزوع وهم ~~الوزعة.» # ورثى محمد بن أبي بكر حين بلغه مقتله على أيدي أصحاب معاوية فقال: «إن حزننا عليه قدر ~~سرورهم به، إلا أنهم نقصوا بغيضا ونقصنا حبيبا» ... # فكل نمط من أنماط ms110 كلامه، شاهد له بالملكة الموهوبة في قدرة الوعي وقدرة التعبير ... فهو ولا ~~شك من أبناء آدم الذين علموا الأسماء وأوتوا الحكمة، وفصل الخطاب. # وقد أخطأ «موير» # Muir # المؤرخ الإنجليزي حين قال: إن ~~عليا حكيم كسليمان، وهو مثله حكمته لغيره ... يعني أنه ينصح الناس ولا ينتفع بالنصيحة، فإن ~~«موير» أحجى أن يفرق بين عمل الإنسان بنصحه وبين انتفاعه بنصحه، ولا شك أن عليا كان من ~~العاملين بما يقولون، ومن المنتصحين بما ينصح به الناس، أما أنه ينتفع بحكمته، فالطبيب لا ~~يقدح في علمه أنه قد أعياه علاج نفسه بطبه ... فقد يكون الإخفاق من استعصاء الداء لا من صحة ~~الدواء. ~~••• # ولا يفوتنا أن بعض هذه النصائح، قد نسب إلى قالة من الأوائل غير الإمام - رضي الله عنه - ~~وهذا يستطرد بنا مرة أخرى إلى الصحيح والمنحول من كلام الإمام، الذي جمعه الشريف الرضي في ~~«نهج البلاغة»، وفرغ من جمعه بعد مقتله بزهاء أربعة قرون، وهو بحث يخرج بنا من موضوع هذا ~~الكتاب إلى دراسة أدبية ليست من أغراضنا الخاصة في التعريف بعبقرية الإمام ... فحسبنا أن ~~أسلوب الإمام معروف في بعض ما ثبت له من رسائله وخطبه، وأن طابع هذا الأسلوب شائع في الكتاب ~~لا تقدح فيه كلمة ظاهرة التلفيق هنا، أو كلمة ظاهرة الإقحام هناك، أو كلمات يقع فيها ~~الالتباس لاختلاف الصناعة أو اختلاف التفكير، فنحن لا نخطئ أن نرى في هذه الخطب والرسائل ~~والأمثال وحدة تتصل حينا، وتنقطع حينا، كالوحدة التي نراها بغير انقطاع في كتب الجاحظ ~~وابن المقفع وعبد الحميد ... وهذه الوحدة وحدها مغنية لنا في تبيان ثقافة الإمام، أو تذوق ~~أسلوبه الذي لا تخطئ فيه مرة جزالة البادية، وصقل الحاضرة، وحسن البداهة، وامتزاج الصناعة ~~بالطبع الذي لا تكلف فيه ... # ولا يتم القول في ثقافة الإمام علي - رضي الله عنه - ما لم تتممه بالقول في نصيبه من ~~الثقافة العسكرية أو فن الحرب، الذي هو مضماره الأول ومناط شهرته التي تبرز فيها صفة ~~الشجاعة قبل كل صفة، وكفاءة المناضل قبل كل كفاءة ms111 ... # فجملة ما يقال في هذا الصدد، أن فن الإمام العسكري هو فن البطل المغوار الذي يناضل ~~الأفراد، وينفع الجيش الذي هو فيه بقدوة الشجاعة، وإذكاء الحماسة، وتعزيز الثقة بين صفوفه، ~~وأنه يعرف كيف يكون الهجوم حيث يجب الهجوم، وكيف يحتال على عدوه بما يخلع قلبه، ويفت في ~~عضده ... ومن حيله المشهورة في توهين عزم عدوه، أنه أمر بعقر الجمل في الوقعة المعروفة باسمه؛ ~~لأنه كان علم القوم الذين كانوا يلتفون به ويثبتون بثبوته ... # وهذا كله فن البطل المغوار الذي يفرق العسكريون بينه وبين خطط القيادة وفنون التعبئة ~~وتحريك الجيوش ... ~~••• # ولم يرد لنا من أنباء الإمام في هذا الباب ما نحكم به على قيادته العسكرية بهذا الاعتبار ~~... # نعم ... إنه كان يقسم جيشه إلى ميمنة وميسرة، وقلب وطليعة ومؤخرة، وأشباه ذلك من التقسيمات ~~التي جرى عليها في وقعة صفين على التخصيص. # وكانت له وصاياه المحفوظة في تسيير الجيوش، وتأديب الجند ومعاملتهم لسكان البلاد، ومنها ~~قوله: «إذا نزلتم بعدو أو نزل بكم، فليكن معسكركم من قبل الإشراف وسفاح الجبال، أو أثناء ~~الأنهار، كيما يكون لكم ردءا ودونكم ردا، ولتكن مقاتلتكم من وجه واحد أو اثنين، واجعلوا ~~لكم رقباء في صياصي الجبال ومناكب الهضاب؛ لئلا يأتيكم العدو من مكان مخافة أو أمن، واعلموا ~~أن مقدمة القوم عيونهم، وعيون المقدمة طلائعهم، وإياكم والتفرق فإذا نزلتم فانزلوا جميعا، ~~وإذا ارتحلتم فارتحلوا جميعا، وإذا غشيكم الليل فاجعلوا الرماح كفة - أي: محيطة بكم - ولا ~~تذوقوا النوم إلا غرارا أو مضمضة» ... # ومنها قوله: «ولا تسر أول الليل، فإن الله جعله سكنا وقدره مقاما لا ظعنا.» ومنها قوله ~~للولاة: «إني سيرت جنودا هي مارة بكم إن شاء الله، وقد أوصيتهم بما يجب لله عليهم من كف ~~الأذى وصرف الشذى، وأنا أبرأ إليكم وإلى ذمتكم من معرة الجيش إلا من جوعة المضطر لا يجد ~~عنها مذهبا إلى شبعه، فنكلوا من تناول منهم شيئا ظلما عن ظلمهم، وكفوا أيدي سفهائكم عن ~~مضارتهم والتعرض لهم ...» # وهذه وما هو من قبيلها، مناهج موروثة أو ms112 أدب هو أقرب إلى نظام الإدارة منه إلى خطط ~~التعبئة، وقيادة الميدان ... # وعلى كونه قد اتبع هذه التقسيمات والمناهج في وقعة صفين، لم تكن الوقعة كلها إلا مناوشات ~~هجوم ودفاع بين طوائف متفرقة في أوقات متباعدة ... كأنها ضرب آخر من ضروب فن الحرب على طريقة ~~الفارس المناضل، والبطل المفرد في موقف المبارزة أو في غمار الصفوف. ~~••• # وخلاصة ذلك كله، أن ثقافة الإمام هي ثقافة العلم المفرد، والقمة العالية بين الجماهير في ~~كل مقام ... # وأنها هي ثقافة الفارس المجاهد في سبيل الله، يداول بين القلم والسيف، ويتشابه في الجهاد ~~بأسه وتقواه ... لأنه بالبأس زاهد في الدنيا مقبل على الله، وبالتقوى زاهد في الدنيا مقبل على ~~الله ... # فهو فارس يتلاقى في الشجاعة دينه ودنياه، وهو عالم يتلاقى في الدين والدنيا بحثه ونجواه ... # | في بيته # خلاصة رأي الإمام في المرأة أنها «شر كلها ... وشر ما فيها أنه لا بد منها». # كان يرى لها فضائل خاصة تليق بها غير الفضائل التي تليق بالرجال وتحمد منه ... «فخيار خصال ~~النساء شرار خصال الرجال ... الزهو، والجبن، والبخل ... فإذا كانت المرأة مزهوة لم تمكن من ~~نفسها، وإذا كانت بخيلة حفظت مالها ومال بعلها، وإذا كانت جبانة فرقت من كل شيء يعرض لها» ~~... # والإمام صائر إلى رأيه هذا في المرأة من كلتا طريقيه، وهما طريق الحكيم الذي ينظر إليها ~~على سنة الحكمة القديمة، وطريق العابد الذي ينظر إليها على سنة العبادة في جميع العصور ~~... ولكنه لا رأي الحكيم، ولا حس العابد قد حجبه قط عن فطرته الغالبة عليه، وهي فطرة الفارس ~~المطبوع على آداب الفروسية، ومنها التلطف بالمرأة والصفح عن عدوانها ... فما انتقم قط من ~~امرأة لأنها أساءت إليه، ولا غفل قط عن الوصية بها في موطن يستدعي هذه الوصية، ومن أمثلة ~~وصاياه في هذا المعنى خطبته بين جنوده قبل لقاء العدو بصفين، حيث يقول: # لا تهيجوا النساء بأذى وإن شتمن أعراضكم وسببن أمراءكم، فإنهن ضعيفات القوى ~~والأنفس والعقول، إن كنا لنؤمر بالكف عنهن وإنهن لمشركات، وإن كان الرجل ms113 ليتناول ~~المرأة في الجاهلية بالفهر - أي: الحجر - أو الهراوة فيعير بها وعقبه من بعده ~~... # وقد كانت ميوله نحو المرأة قوية، كما يظهر من غير حادث واحد ... ومن ذاك صبية السبي التي ~~استولى عليها وبنى بها لساعتها، وجعلها قسمة من الخمس قبل تقسيمه ... فرأى بعض أصحابه في ذلك ~~ما شكوه إلى النبي - عليه السلام - من أجله، وربما كان هذا سبب تحذيره منها في الغزوات ~~خيفة على الجيش من شواغلها، فكان يقول لسراياه وجيوشه إذا شيعها: «اعزبوا عن النساء ما ~~استطعتم.» ويوصي في أمثال هذه المواطن باجتنابها ... # إلا أنه كان يرى على ما يظهر أن امرأة تغني عن سائر النساء، فلم يعرف له هوى لامرأة خاصة ~~من نسائه غير الهوى الذي اختص به السيدة فاطمة - رضي الله عنها - كرامة لمنزلتها عنده ~~ومنزلتها عند أبيها، وهو غير الهوى الذي تبعثه المرأة بمغريات جنسها. # كان جالسا في أصحابه، فمرت بهم امرأة جميلة، فرماها القوم بأبصارهم ... فقال - رضي الله ~~عنه: «إن أبصار هذه الفحول طوامح، وإن ذلك سبب هياجها ... فإذا نظر أحدكم إلى امرأة تعجبه ~~قليلا مس أهله، فإنما هي امرأة كامرأة.» # وعلى الجملة، يمكن أن يقال: إن آراء الإمام في المرأة هي خلاصة الحكمة القديمة كلها في ~~شأن النساء ... # فهن شر لا بد منه باتفاق آراء الأقدمين، سواء منهم حكماء الهند واليونان أو الحكماء الذين ~~نظروا إلى المرأة بعين الدين من أبناء بني إسرائيل وآباء الكنيسة المسيحية وأئمة ~~الإسلام. # لأنهم كانوا جميعا يمزجونها بالشهوات التي تثيرها عامدة أو غير عامدة، ويلقون عليها تبعة ~~الشرور التي تنجم عنها بمكيدتها أو على الرغم منها، ولم تتغير هذه النظرة بعض التغير إلا في ~~الأزمنة الحديثة، التي نظرت في استقلال التبعات على أساس «الحرية الشخصية» ... فحاسبت المرأة ~~بما تجنيه، وأوشكت أن تبالغ في تبرئتها من جناياتها. # فمن السهو عن الحقيقة، أن تتخذ آراء الأقدمين في المرأة دليلا على نصيبهم من الغبطة أو ~~السكينة في حياتهم البيتية ... لأننا خلقاء أن نحسبهم جميعا من الأشقياء المعذبين في بيوتهم، ~~وهو ما ms114 تأباه البداهة وتأباه أنباء التاريخ عن كثير من الأزواج والزوجات النابهات. # وليس من اللازم في حياة الإمام خاصة، أن يستمد آراءه في المرأة من حياته البيتية ... فقد ~~كانت تجاربه في الحياة العامة مددا لا ينفد لهذه الآراء التي شاعت بين الأقدمين، حتى أوشكت ~~ألا تحتاج إلى تجربة مكررة، وشاءت المقادير أن تنقضي حياة الإمام علي وللمرأة يد في ~~القضاء عليها، فكانت حياته الغالية مهرا لقطام التي قال فيها ابن أبي مياس المرادي: # ولم أر مهرا ساقه ذو سماحة # كمهر قطام من فصيح وأعجم # ثلاثة آلاف وعبد وقينة # وضرب علي بالحسام المسمم # فلا مهر أغلى من علي وإن غلا # ولا فتك إلا دون فتك ابن ملجم # والذي يجزم به مؤرخ الإمام أن حياته البيتية خلت من شكاة لم يألفها الأزواج في زمانه، ~~وأنها كانت على أحسن ما وصفت به الحياة الزوجية بين أمثاله ... # عاش مع فاطمة - رضي الله عنها - لا يقرن بها زوجة أخرى ... حتى ماتت بعد موت النبي - عليه ~~السلام - بستة أشهر ... وهي رعاية لها ورعاية لمقام أبيها لا شك فيها، فقد كان النبي - عليه ~~السلام - كما جاء في الأثر يغار لبناته غيرة شديدة، وروي عنه أنه قال وهو على المنبر مرة: ~~«إن بني هشام بن المغيرة استأذنوني في أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب، فلا آذن، ثم لا ~~آذن، ثم لا آذن، إلا أن يريد علي بن أبي طالب أن يطلق ابنتي، وينكح ابنتهم ... فإنها بضعة ~~مني يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها.» # وربما كان من وفائه لها غضبه لغضبها، فأحجم عن مبايعة أبي بكر إلى ما بعد وفاتها على بعض ~~الروايات، وهجره كما هجرته مدة حياتها، وقد ولدت له أشهر أبنائه وبناته: الحسن والحسين، ~~ومحسن وأم كلثوم، وزينب، وماتت ولم تبلغ الثلاثين. # وتزوج بعدها تسع نساء رزق منهن أبناء وبنات يختلف في عدهم المؤرخون، ويؤخذ من إحصائهم في ~~«الرياض النضرة» للمحب الطبري أنه - رضي الله عنه - وافر الحظ من الذرية، بقي منهم بعده ~~كثيرون. # وكان على ما ms115 يفهم من خلائقه - ومن سيرته وأخباره - أبا سمحا يستريح الأبناء إلى عطفه، ~~ويجترئون على مساجلته الرأي في أخطر ما ينوبه من الأحداث الجسام. # لما توجه طلحة والزبير نحو العراق، ومعهما السيدة عائشة - رضي الله عنها - جاءه ابنه ~~الحسن بعد صلاة الصبح فقال له: «قد أمرتك فعصيتني، فتقتل غدا بمعصية لا ناصر لك فيها.» ~~فسأله: «وما الذي أمرتني فعصيتك؟» قال: «أمرتك يوم أحيط بعثمان - رضي الله عنه - أن تخرج من ~~المدينة فيقتل ولست بها، ثم أمرتك يوم قتل ألا تبايع حتى تأتيك وفود العرب وبيعة أهل كل مصر ~~... فإنهم لن يقطعوا أمرا دونك فأبيت ... ثم أمرتك حين فعل هذان الرجلان ما فعلا أن تجلس في ~~بيتك حتى يصطلحا ... فإن كان الفساد كان على يدي غيرك، فعصيتني في هذا كله ...!» # فلم يأنف أن يساجله الرأي ليقنعه، وجعل يقول له: «أي بني! ... أما قولك: لو خرجت من المدينة ~~حين أحيط بعثمان فوالله لقد أحيط بنا كما أحيط به، وأما قولك: لا تبايع حتى تأتي بيعة ~~الأمصار، فإن الأمر أمر أهل المدينة وكرهنا أن يضيع هذا الأمر، وأما قولك حين خرج طلحة ~~والزبير: فإن ذلك كان وهنا على أهل الإسلام ... وأما قولك: اجلس في بيتك فكيف لي بما قد ~~لزمني؟ ... ومن تريدني؟ ... أتريد أن أكون مثل الضبع التي يحاط بها، ويقال: دباب دباب ... ليست ~~هنا حتى يحل عرقوباها ثم تخرج ... وإذا لم أنظر فيما لزمني من الأمر ويعنيني، فمن ينظر فيه؟ ... ~~فكف عنك أي بني.» # وهذه معاملة «أخوة» تستغرب في الأجيال الماضية، التي كانت للأبوة فيها على البنين سيادة ~~تقرب من سيادة المولى على الرقيق، ولا ينقضها أنه لطم الحسن يوما لأنه ظن به تقصيرا في ~~الدفاع عن عثمان ... فتلك سورة الغضب في موقف من أندر المواقف التي لا يقاس عليها في سائر ~~الأحوال ... # وكان - رضي الله عنه - يزهيه أن يحيط به أبناؤه في محافل الروع، ومشاهد الزخرف ... فيخرج ~~إليها وهم حافون به عن يمينه وشماله، ومنهم من يحمل اللواء بين يديه، وذلك زهو ms116 الشجاع ~~الفخور بأشباله الشجعان ... # واشتهر بالعطف على صغارهم، كما اشتهر بمودة كبارهم ... فكان أحب شيء إليه أن يداعبهم أو يرى ~~من يداعبونهم، وكانت له طفلة ذكية ولدتها له زوجة من بني كلب يخرج بها إلى المسجد، ويسره أن ~~يسألها أصحابه: من أخوالك؟ ... فتجيب: «وه ... وه» محاكاة لعواء الكلاب ... # وكان يقول: «إن للوالد على الولد حقا، وإن للولد على الوالد حقا ... فحق الوالد على ~~الولد أن يطيعه في كل شيء إلا في معصية الله - سبحانه، وحق الولد على الوالد أن يحسن اسمه ~~ويحسن أدبه ويعلمه القرآن» ... # ومن إحسان التسمية، أنه هم بتسمية ابنه حربا؛ لأنه يرشحه للجهاد وهو أشرف صناعاته، ~~لولا أن رسول الله سماه الحسن، وهو أحسن ... فجرى على هذا الاختيار في تسمية أخويه الحسين ~~والمحسن، وأتم حق أبنائه في إحسان أسمائهم، فاختار لهم أسماء النبي وأسلافه من الخلفاء: أبي ~~بكر، وعمر، وعثمان. # أما معيشته في بيته بين زوجاته وأبنائه، فمعيشة الزهد والكفاف ... وأوجز ما يقال فيها: إنه ~~كان يتفق له أن يطحن لنفسه، وأن يأكل الخبز اليابس الذي يكسره على ركبته، وأن يلبس الرداء ~~الذي يرعد فيه، وإن أحدا من رعاياه لم يمت عن نصيب أقل من النصيب الذي مات عنه وهو خليفة ~~المسلمين ... وكان الخليفة يوم كانت الخلافة تناقض ملك الدنيا ... فكان بيته نقيض القصر الذي ~~تعرض الدنيا المملوكة بين أركانه وزواياه ... # | صورة مجملة # من كلمات الإمام التي لم يقلها أحد غيره كلمته في خطاب الدنيا، حيث يقول: «يا دنيا غري ~~غيري ... غري غيري!» # وإنها لأكثر من كلمة، وأكثر من دعاء ... # إنها لسان قدر، وعنوان حياة ... # فقد خلق الإمام، وفي كل خليقة من خلائقه الكبار اجتراء على الدنيا، على ضرب من ضروب ~~الاجتراء. # خلق شجاعا بالغا في الشجاعة، وزاهدا بين الزهد، ودارسا محبا للحقيقة الدينية ~~يتحراها حيث اهتدى إليها ... # والشجاع جريء على الدنيا؛ لأنه لا يبالي الحياة ... # والزاهد جريء على الدنيا؛ لأنه لا يبالي النعيم ... # وطالب الحقيقة جريء على الدنيا؛ لأنها طريق عنده إلى غاية من ورائها ... # فأي ms117 مصير لهذا الرجل غير الشهادة في زمن لم يعرف بطارئ من الطوارئ، كما عرف بالإقبال على ~~الدنيا؟ ... # صام الناس قبله عن الدنيا، ثم أقبلوا على الدنيا العريضة بحذافيرها ... # هدأت حماسة الدعوة النبوية، وثابت الطبائع إلى مألوفها الذي أشربت عليه، وتدفقت الأموال ~~من الأمصار المفتوحة على نحو لم تعهده الجزيرة العربية قط في تاريخها القديم ... # وأقبل الناس على الدنيا، بل هرولوا إلى الدنيا ... # وإذا بخليفة جريء عليها زاهد فيها، يقف لهم في طريقها ويصدهم عنها ... # يصد ماذا؟ # يصد الطوفان، وهو مندفع من وراء السدود ... # يصد الطبيعة الإنسانية، وهي منطلقة من عقال التقوى ... # يصد ما لا سبيل إلى صده بحال ... # فهو مستشهد لا محالة ولو مات على سريره ... فإن الإنسان قد يعيش عيشة الشهداء، ولا يلزم بعد ~~ذلك أن يموت ميتة الشهداء ... # وقد لزمته آية الشهادة في كل قسمة كتبت له، وكل حركة سعى إليها أو سعت إليه ... # فمن آيات الشهادة أن يساق إلى الخلافة، ولا حيلة له في اجتنابها ... # ومن آيات الشهادة أن يساق إليها في ساعة الفصل بينها وبين الملك، وتقوم الحوائل كلها بينه ~~وبينها قبل الأوان ... # ومن آيات الشهادة أن يساق إليها، ولا حيلة له في تحقيق أغراضها، ولا في الخروج من مآزقها ~~... # ومن آيات الشهادة أن يبتلى بأنصاره أشد من بليته بأعدائه، ولا حيلة في تبديل أولئك ~~الأنصار ... # ومن آيات الشهادة ألا تغره الدنيا، وقد غرت حوله كل إنسان ... فهو شهيد، شهيد، شهيد ~~... # خرج إلى الدنيا والشهادة مكتوبة على جبينه، وخرج منها والشهادة مكتوبة على ذلك الجبين ~~بضربة حسام ... # وصورته المجملة لا تشق على مصور ولا على متفرس؛ لأنها صورة المجاهد في سبيل الله بيده ~~وقلبه وعقله، أو صورة الشهيد ... # وكل امتحان لقدرته أو لعمل من أعماله، ينبغي أن ينعزل عن محنة القدر التي لا يغلبها غالب ~~... # وقد كان له رأي عالم، وفطنة حكيم، ومشورة مدبر ... ولكننا إذا قلنا: إنه أخفق في العمل؛ ~~لأنه لم يغلب القدر، فذلك تكليف بما لا يطاق. # وإنما نقول: إنه أخفق في العمل ms118 ونمسك، ولعله لو تولى الخلافة قبلها أو تولى الملك بعدها ~~لما ظهر منه ذلك الإخفاق ... ~~••• # وحق لا شك فيه أنه أخفق حيث يشرفه إخفاقه، وحيث يخفق الآخرون لو نصبتهم الأقدار في مثل ~~مكانه ... # ومات وقد حل مشكلة الخلافة بلسانه، وهو إلى اليوم موضع الخلاف عليها وعليه بين أصحاب ~~المذاهب، وأصحاب الأقوال في التاريخ. # فقد كان يود لو أن رسول الله استخلفه من بعده، ولكنه لم يطلب إليه ذلك ... ولا رأى من ~~الحكمة أن يطلبه إليه، قال له ابن عباس ورسول الله في مرض الوفاة: «اذهب إلى رسول الله، ~~فسله فيمن يكون هذا الأمر ... فإن كان فينا علمنا ذلك، وإن كان في غيرنا أمر به فأوصى بنا؟» ... ~~قال: «والله لئن سألناها رسول الله فمنعناها لا يعطيناها الناس أبدا والله لا أسألها رسول ~~الله أبدا» ... # وآمن الإمام بحكمة الرسول إيمان محبة وتصديق، ولكنه لم يفارق الدنيا حتى كان قد آمن بها ~~إيمان تعليم وتطبيق، فلما سألوه: «أنبايع الحسن؟» قال: «لا آمركم ولا أنهاكم.» فأنصف الذين ~~سبقوه ولم يفرضوا على الناس استخلافه؛ لأنهم رأوا في موقفه منها مثل ما رأوا في موقف الحسن ~~ابنه، على حكم سواء ... ~~••• # أي ختام أشبه بهذا الشهيد المنصف من هذا الختام ... # لقد ولد كما علمنا في الكعبة، وضرب كما علمنا في المسجد ... فأية بداية ونهاية أشبه ~~بالحياة، التي بينهما من تلك البداية وتلك النهاية؟! ... ms119