######OpenITI# #META# URI: 1383CabbasMahmudCaqqad.CabqariyyatKhalid.Hindawi80306317 #META# Tags: biographies #META# ID: 80306317 #META# Title: عبقرية خالد #META# AuthorID: 64642852 #META# Author: عباس محمود العقاد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # 1 - البادية والحرب‏ # 2 - قريش ومخزوم‏ # 3 - نشأة خالد‏ # 4 - إسلامه‏ # 5 - مع النبي صلى الله عليه وسلم‏ # 6 - حروب الردة‏ # 7 - الفتوح‏ # 8 - العزل‏ # 9 - عبقريته الحربية‏ # 10 - مفتاح شخصيته‏ # 11 - نهاية من صنع القدر‏ # 1 - البادية والحرب‏ # 2 - قريش ومخزوم‏ # 3 - نشأة خالد‏ # 4 - إسلامه‏ # 5 - مع النبي صلى الله عليه وسلم‏ # 6 - حروب الردة‏ # 7 - الفتوح‏ # 8 - العزل‏ # 9 - عبقريته الحربية‏ # 10 - مفتاح شخصيته‏ # 11 - نهاية من صنع القدر‏ # | عبقرية خالد # | عبقرية خالد # تأليف # عباس محمود العقاد # الفصل الأول # | البادية والحرب # كان قتيبة بن مسلم من نوابغ القادة المعدودين الذين أنجبتهم الأمة العربية في صدر ~~الإسلام. # وكان يلي خراسان لملوك الدولة الأموية، فخرجت بها خارجة أهمته، فقيل له: «ما يهمك ~~منهم؟ ... وجه إليهم وكيع بن أبي مسعود فإنه يكفيكهم.» فأبى، وقال: «لا ... إن ~~وكيعا رجل به كبر يحتقر أعداءه، ومن كان هكذا قلت مبالاته بعدوه فلم يحترس منه، ~~فيجد عدوه منه غرة ...» # وهذه كلمة من كلمات القائد العربي تنبئ عن كثير؛ تنبئ عن ملكة القيادة فيه، وتنبئ ~~عن ملكة السيادة في الأمة التي نشأ منها، واستطاعت بها أن تسوس الأمم في الحرب ~~والسلم سياسة للنجاح وللبقاء ... # فالحق أن شروط القيادة على وفرتها وعظم التبعة فيها جميعا، ليس يوجد بينها ما ~~هو ألزم للقائد من القدرة على سبر قوته وسبر قوة خصمه. وكل ما عدا ذلك فإنما ~~هو ترتيب لما يصنعه بقوته، وما يتوقع من القوة التي ينازلها أن تصنعه، أو هو تنظيم ~~للأهبة والحيطة بين الفريقين في المكان الذي يتلاقيان فيه ... # وقد كانت لهزيمة الدول أمام العرب أسباب كثيرة: منها ضعف العقيدة واختلال النظام ~~ونقص القيادة، وانحلال الترف وتفرق الآراء، ولكن البلاء الأكبر إنما حاق بتلك ~~الدول من آفة الغرور الباطل والاستخفاف بالخصم المقاتل. فانتصر العرب؛ لأنهم ظنوهم ~~لا ينتصرون ولا يعتزمون الانتصار، وكان الاستخفاف والإهمال شرا على تلك الدول ~~المتصلفة من الاستهوال والفزع؛ بل كان الاستخفاف والإهمال سببا لانقلابهم آخر ~~الأمر إلى استهوال يخذل المفاصل وفزع ms001 يفت في الأعضاد، فاجتمعت عليهم البليتان ~~من سوء التقدير، ولم تنفعهم قلة المبالاة بالعدو ولا فرط المبالاة به بعد الأوان ~~... # كانت دولة الفرس لا تنظر إلى البادية العربية إلا نظرة السيد المبجل إلى الغوغاء ~~المهازيل، الذين يحتاجون إما إلى العطاء وإما إلى التأديب، وبلغ من طغيان كسرى ~~حين جاءته الدعوة المحمدية أن بعث إلى النبي العربي بشرذمة من الجند تأتيه به ~~في الأصفاد! ... وبلغ من طغيان جنده عامة، وخاصة أنهم كانوا يأنفون أن يقرنهم أحد ~~بالعرب في معرض من المعارض أو غرض من الأغراض ولو للحيلة والمكيدة. فاتفق في بعض ~~وقعات العراق أن زعيما عربيا من جيرة الفرس أقبل على القائد الفارسي مهران بن ~~بهرام؛ ليمده بأبناء قبيلته ويعينه على خالد بن الوليد وجنده. فقال له: «إن ~~العرب أعلم بقتال العرب، فدعنا وخالدا» فجاراه القائد الفارسي مجاملة وخدعة؛ ~~ليستخلص منه أقصى العون والنجدة، وقال له: «صدقت لعمري! لأنتم أعلم بقتال العرب ~~وأنتم مثلنا في قتال العجم ...» فغضب أتباعه لمجاملته هؤلاء القوم الذين يعينونهم ~~ويقاتلون في صفوفهم، وسألوه «كيف تقول ما قلت لهذا الكلب؟» فلم يهدءوا عنه حتى ~~اعتذر لهم بأنه يخدع القوم ويغرر بهم، وقال لهم: «دعوني، فإني لم أرد إلا ما هو ~~خير لكم وشر لهم ... فإن كانت لهم على خالد فهي لكم، وإن كانت الأخرى لم يبلغوكم - ~~أي المسلمون - حتى يهنوا، فنقاتلهم ونحن أقوياء وهم مضعفون ...» # وسخفوا في طلائع وقعة «أليس» فلم يحفلوا بجيش خالد الزاحف إليهم، وتنادوا إلى ~~طعامهم الذي هيئوه، ولم يكلفوا أنفسهم قبل ذلك مشقة استطلاع الطريق ... ليأمنوا ~~البغتة قبل تهيئة الطعام. # أما الروم، فكان لهم غرور كهذا الغرور في مواجهة البادية العربية، وكان قصارى ما ~~حذروه في أول الأمر أن يغير العرب على تخومهم لينهبوا ويسلبوا، ثم يفروا بسلبهم ~~إلى الصحراء ... فإن أوغلوا في بلاد الدولة الرومانية، فهم مأخوذون بالهبات والوعود ~~أو مأخوذون بالكثرة المستعدة، لا يقوم لها جند قليل يوشك أن يتجرد من السلاح ~~بالقياس إليهم، فلما جد الجد، وعرفت الدولة الرومانية من ms002 تقاتل من أولئك ~~الجند العزل على زعمها، إذا هي تنقلب من الغفلة الشديدة إلى الفزع الشديد ... # ويبدو لنا أن المؤرخين المحدثين لم يبرءوا كل البرء من هذا الخطأ القديم. # فلا يزال الأكثرون منهم يستعظمون على العرب أن يغلبوا الفرس والروم، ويحسبون هذه ~~الغلبة شيئا قد حصل وكان ينبغي ألا يحصل، لولا أنها فلتة لا يقاس عليها ومصادفة ~~لا تقبل التكرار ... # وبعضهم يلتمس العلة، فيقول: «إنما هي وهن الدولتين ومصابهما بالخور والانحلال»، أو ~~يلتمس العلة، فيقول: «إنها عقيدة المسلمين القوية وافتقار الفرس والروم إلى مثل ~~هذه العقيدة.» # وكل أولئك تعليل ناقص من كل نواحيه ... # فالمصادفة لا محل لها في حوادث الوجود، ولا تطرد في قتال بعد قتال، من جوف ~~الصحراء إلى عمران العراق والشام ومصر ومشارق الأرض ومغاربها بين إفريقية ~~والصين. # وانحلال دولة من الدول قد يفنيها ويعجزها عن النصر، ولكنه لا يقيم دولة أخرى لم ~~تتجمع لها أسباب النهوض والتمكين. # والعقيدة قوة لا غناء عنها بقوة أخرى لمن يفقدها، ولكنها هي وحدها لا تغني عن ~~الخبرة والاستعداد، ولا تفسر لنا اختلاف النجاح باختلاف الخطط والقواد. وقد كان ~~المسلمون على عقيدتهم الراسخة يوم لقائهم هوازن وشيعتها بوادي حنين، فأوشكوا أن ~~ينهزموا؛ لاعتدادهم بكثرتهم وقلة مبالاتهم بعدوهم، وأوشكت عاقبة الاستخفاف هنا أن ~~تصيب المسلمين كما أصابت الفرس والروم، وفي ذلك يقول القرآن الكريم: # ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم ~~تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ~~ثم وليتم مدبرين ~~(التوبة 25). # فمهما يهرب هؤلاء المؤرخون من الحقيقة، فلا محيص لهم من الرجوع إليها لفهم الغلبة ~~الإسلامية، أو فهم الهزيمة الفارسية والرومانية. وهذه الحقيقة هي أن المسلمين ~~كانوا أيضا أخبر بالفنون العسكرية من أهل فارس والروم، وكانوا أقدر على تنفيذ ~~الخطط العسكرية التي تنفعهم من قواد تينك الدولتين، وإن البادية العربية سواء ~~في عصور الجاهلية أو صدر الإسلام لم تكن من الجهل بفن الحرب بتلك الحالة التي ~~توهمها المؤرخون الأوربيون؛ بل معظم المؤرخين عامة ولا نحاشي # 1 # منهم العرب والمسلمين ... ~~••• # فالصورة الشائعة في ms003 خيال أكثر القارئين عن البادية أن حروب الصحراء لم تكن إلا ~~مشاجرات بالسيوف والرماح أو بالقسى والمقاليع، لا ترجع إلى نظام ولا تنهج على خطة، ~~ولا يخلص منها فن يتعلمه المتعلم، ويتلقاه اللاحق عن السابق، وقوام أمرها شراذم ~~من السطاة # 2 # والمغيرين سرعان ما تقبل حتى تدبر، وقصارى ما تعرفه من أساليب القتال ~~أن تفر بعد الكر أو تكر بعد الفرار. # وهذه صورة مضللة لمن يسترشد بها في اختبار قدرة البادية على الحروب الكبيرة ~~والمناوشات الصغيرة. # فمن الخطأ «أولا» أن تستخف بالرياضة التي يراض عليها الجيل بعد الجيل حيث تتعاقب ~~الأجيال على أمثال هذه المناوشات، أو على ما نسميه اليوم حرب العصابات، حتى لو صح ~~أنها كانت هي كل ما يعرفه أهل الصحراء من فنون القتال. # فالذي لا ريب فيه أن الصحراء قد تعاقبت فيها الأجيال على حروب العصابات التي ~~تشترك فيها القبائل أبدا بين عادية ومعدو عليها، وأن البدوي قد عاش زمنا كما ~~جاء في التوراة «يده على كل إنسان ويد كل إنسان عليه». فحصل من ذلك على ملكة ~~مطبوعة يصح أن تسمى «حاسة الحرب»، أو أهبة الميدان الخالد التي لا تفارقه في ليل ~~ولا نهار. فلا يزال حياته في حيطة المدافع واستعداد المهاجم ويقظة القلب للنضال، ~~الذي يتعرض له بين مضطر مغتصب أو طائع مختار. # وهذه ملكة لا تحصل لأبناء المدن الذين يندبون للقتال بين آونة وأخرى، ويتدربون ~~عليه كأنه عمل يؤدي في مكان العمل، ثم يطرح عن العاتق في سائر الأوقات. # ومن الرياضة التي يراض عليها الجيل بعد الجيل حيث تتعاقب حروب العصابات أنهم ~~يتعودون الصبر على الفرار ويملكون الجأش عند الإدبار؛ لأن الفرار عندهم حركة من ~~الحركات المألوفة في كل وقعة يخوضون غمارها، وليست هزيمة تطيش باللب وتخلع الفؤاد ~~وتوقع في روع صاحبها أنه ضيع الأمل، ولم يبق له من أطوار القتال غير التسليم. فهو ~~في حالة صالحة لاستئناف القتال إن أقبل وإن أدبر، وسواء طمع في النصر أو لاذ ~~بالنجاة، وكأنه يتأخر ليتقدم في حينها ms004 أو بعد حين، ويتحول إلى الوراء كما يتحول ~~إلى الشمال أو اليمين؛ طوعا لأمر مقصود وجريا في عنان ممدود، ومن هنا تيسر لقواد ~~العرب في الغزوات الكبيرة أن يلموا شمل الجيش المنهزم في سويعات معدودات، وأن ~~يتداركوا الخذلان من حيث يعسر على الجيوش المنظمة أن تتداركه قبل زمن طويل. # ولن تخلوا العصابات المغيرة - مع طول المرانة - من علم بأصول الاستطلاع والمباغتة ~~والتبييت والمخاتلة وحسبان الحساب للرجعة والإفلات، وهي على بساطتها أصول لا ~~ندحة عنها في أكبر الميادين وأصغرها على السواء. # هذا إن صح أن حروب العصابات هي كل ما حذقه عرب البادية من فنون القتال في تاريخهم ~~القديم. # وذلك غير صحيح ... # فالعرب قد عرفوا في حروبهم التي وقعت بينهم تسيير الجيوش بعشرات الألوف على اختلاف ~~الأسلحة والأقسام، وقيل: إن جيش الغساسنة الذي حارب المنذر بن ماء السماء لم يكن ~~يقل عن أربعين ألفا بين راجل وفارس، وكان في الجيش معا راكبو الخيل، وراكبو ~~الإبل، وحاملو السيوف، وحاملو الرماح، والضاربون بالسهام والنبال، والضاربون ~~بالحراب والحجارة. ~~••• # ولقد كان الغساسنة والمناذرة أصحاب ملك قائم لا يعسر عليهم تسيير هذه الألوف ~~المؤلفة إلى الميادين القريبة، ولكن القبائل التي لم تكن على شيء من هذا الملك ~~كانت تسوق الألوف للقاء أمثالها، وتستعد لها بالجيوش التي تساوي في عددها بعض جيوش ~~القتال في عصرنا الحديث، فاستعدت مذحج لقتال تميم يوم الكلاب الثاني بثمانية آلاف، ~~وجرى بين الفريقين من حيل الاستطلاع والمراوغة والهجوم والمطاردة ما هو محتو لكل ~~عناصر الكفاح الأولي في كل زمان. # على أن البادية لم يفتها قط علم الحرب، كما علمته دول الحضارة في عصور ~~الجاهلية العربية، فكانت غسان على مقربة من الروم تدخل معهم في الفرق المتطوعة على ~~حالي الدفاع والهجوم، وكان ملوك الحيرة على مقربة من الفرس يخدمهم أحيانا كتيبتان ~~من الجيش الفارسي، هما الشهباء والدوسر أو «الدوشير» بمعنى الأسدين شعار الدولة ~~الفارسية. وكان جند الشهباء من أبناء فارس وجند الدوسر من أبناء القبائل العربية، ~~وليس يحتاج العربي إلى أكثر من هذه ms005 المقاربة وهذه القدوة؛ لالتقاط الفنون التي ~~يحتاج إليها في تعبئة الجيوش وللفطنة إلى المخاوف التي يتقيها في مواجهة التعبئة ~~النظامية من جانب دول الحضارة . # وقد تبين هذا فعلا في وقعة ذي قار التي تغلب فيها العرب على الدولة الفارسية، فإن ~~العرب كانوا في تلك الواقعة أبرع قيادة وأخبر بفنون الزحف والتعبئة من قادة الجيوش ~~النظامية، لم يغفلوا قط عن حيطة واجبة أو حيلة نافعة قبل اشتباكهم بالجيوش ~~الفارسية؛ بعثوا الطلائع وبثوا العيون وقسموا جموعهم إلى ميمنة تولاها بنو عجل، ~~وميسرة تولاها بنو شيبان وقلب تولته بطون من بكر عليهم رئيسهم القدير هانئ بن ~~مسعود، وأنفذوا إلى قبائل العرب الذين في جيش الفرس رسلا يثيرون نخوتهم ويغرونهم ~~بالتخلي عن أصحابهم حين يجد الجد ويلتحم الجيشان، فوافقتهم إياد وبرت بوعدها ~~فولت من الميدان في أحرج الأوقات ... ~~••• # ولما أصبح يوم الوقعة الحاسمة أقبل الفرس ومعهم الأفيال والفرق المدرعة، فلم يرع ~~قادة العرب ما شاهدوا من ذلك الجيش الزاخر وتلك العدة الوافية؛ بل تشاوروا في ~~أمرهم وعقدوا بينهم ما يشبه «مجلس الحرب» في اصطلاح هذه الأيام. فقال ربيعة بن ~~غزالة السكوني: «لا تستهدفوا لهذه الأعاجم فتهلككم بنشابها، ولكن تكردسوا ~~كراديس، فإذا أقبلوا على كردوس شد الآخر». وقال حنطة بن ثعلبة: «إن النشاب الذي ~~مع الأعاجم يفرقكم، فإذا أرسلوه لم يخطئكم، فعاجلوهم اللقاء، وابدءوهم بالشدة». ~~وقال يزيد بن حمار: «أكمنوا لهم كمينا»، ففعلوا وأكمنوه في موضع يقال له الخبيء، ~~وأوصوه أن يظهر حين يشتد القتال بين العسكرين، وتفر قبيلة إياد من صفوف الأعاجم، ~~فيكون فرار أنصارهم وإقبال المدد إلى خصومهم مع احتدام القتال ضربتين متداركتين، ~~لا يقوون بعدهما على الثبات. # ولم يغفلوا عن حمية الجند والفرسان يلهبونها للمجازفة بالحياة والأنفة من طلب ~~النجاة، وهو ما نسميه اليوم بالروح المعنوية، فعمد حنطة بن ثعلبة إلى وضين راحلة ~~امرأته - أي حزامها - فقطعه، وتتبع رواحل النساء فقطع وضنها جميعا فسقطت على ~~الأرض، وصاح بقومه: «ليقاتل كل رجل منكم عن حليلته ...» وراح السيافون يقطعون ~~أقبيتهم من مناكبها لتخف أيديهم ms006 لضرب السيوف، وتسابق الخطباء والشعراء في التذمير ~~والتحريض فذهبوا جميعا يرددون قول قائلهم: «المنية ولا الدنية، واستقبال الموت ~~خير من استدباره.» # وتبارز بعض الفرسان من العسكرين، ثم التحم الفريقان وحمي الوطيس، وظهر الكمين في ~~أوانه وولت إياد، فتبعها فريق ممن كسرت قلوبهم هذه الصدمة التي فوجئوا بها على غير ~~رقبة، وأطبق الكمين على قلب الجيش ومعه كوكب الجيش العربي كله فحقت الهزيمة ~~العاجلة على أقوى الجيشين، وكتب النصر لأولى الفريقين به في ميزان الفن العسكري ~~الذي يشمل جميع المرجحات، ما عدا المرجح المادي دون غيره، وهو العدد ~~والسلاح. # إذ الحقيقة أن غلبة العرب في يوم ذي قار إنما كانت غلبة لليقظة على الغفلة، ~~وللكفاية على العجز، وللخفة على الفخامة، وللفن الحربي الصحيح على النظم التقليدية ~~التي لا تصرف فيها، وللعزة المشكورة على الكبرياء المذمومة، وكان العرب خلقاء أن ~~ينتصروا بكل وسيلة من وسائل النصر في الحروب القديمة والحروب الحديثة، إلا تفوق ~~الفرس في بعض العدد التي لم ينفعهم تفوقهم فيها عند التحام الصفوف. # وليس في وسع عالم من علماء الحرب في زماننا هذا أن يأخذ عليهم خللا في خطتهم لم ~~يلتفتوا إليه، أو يحصي عليهم وجها من وجوه التدبير قصروا فيه؛ لأن وجوه التدبير ~~كلها فضول بعد أن تستقيم للمقاتل: (1) أهبة الاستطلاع. (2) رسم الخطة. (3) تنظيم ~~الجيش في مواقفه. (4) تنظيم الجيش في حركاته. (5) إذكاء العزيمة في نفوسه. (6) ~~إضعاف العزيمة في نفوس خصومه ... وهذه كلها هي صفوة لباب الحرب في العصر الحاضر وفي ~~العصور الغابرة، وفي جميع العصور إلى آخر الزمان. # ويبدو لنا أن مزية الفرس والروم في أنواع الأسلحة والعدد كانت مزية مبالغا فيها ~~على الأقل في ميادين الاشتباك والالتحام، إذا صح أن لها الرجحان في مواقف الحصار ~~ومواقف الحرب من بعيد؛ لأننا عرفنا من أخبار الحروب الماضية أن بعض الفرسان ~~البواسل كانوا يترجلون ليحكموا الضرب والحركة، وكانوا يخلعون عنهم شكتهم تبرما ~~بها وتخففا من ثقلها ولا سيما في أيام القيظ أو في المواضع الوعرة التي تصعب فيها ~~حركة المدرعين في ms007 الشكة السابغة، وكان بعض الضباط من النبلاء يستصحبون خدما لهم؛ ~~ليحملوا لهم شكتهم إلى حين الحاجة إليها، وجاء في كتاب فيجتيوس # Végétius # إنجيل الحرب عند الرومان الأقدمين ~~أن الجنود كانوا يضيقون ذرعا بالدروع المعدنية ويستثقلونها ويودون لو يطرحونها ~~ويتاح لهم العمل بغيرها، ولم تكن لهم حاجة بها إلا حين يرادون على الاقتراب من ~~مواقع السهام والنبال والحراب الطويلة، لأداء عمل من الأعمال. # وعندنا أن العرب قد كسبوا الطريقتين معا بنشأتهم في البادية واقترابهم من دول ~~الحضارة، ونعني بهما طريقة العصابات وطريقة الجيوش في إدارة الحروب. # فهم قد برعوا في حرب العصابات بالمرانة الطويلة، ثم اقتبسوا ما لزمهم أن يقتبسوه من ~~فنون الحرب عند الدول الكبرى على أيامهم، فلم يخسروا بذلك إحدى الطريقتين بل جمعوا ~~بينهما واستفادوا بما تفيده كل منهما في موضعها، فأضافوا سرعة العمل في طريقة ~~العصابات على إحكام التنظيم في طريقة الجيوش ... وكانوا يقاتلون بفنين متساندين، ~~يأخذون منهما ما يأخذون ويدعون منهما ما يدعون، حيث كان الفرس أو الروم يتقيدون ~~بفن واحد على التراث المحفوظ الذي لا يحسنون التجديد فيه ... # ومن المحقق أن قبائل العرب التي أقامت في الحواضر كانت على الزمن تتلقى النصيب ~~الأوفى من كلتا الطريقتين، إما بالقدوة والتلقين أو بالتعليم المقصود، ولا سيما ~~قبائل قريش التي كانت تقيم في عاصمة العواصم العربية من الوجهة الأدبية والثقافية، ~~وكانت تجمع كل ما تفرق بين أبناء الجزيرة من المزايا والمعارف والصفات؛ لأنها أخذت ~~نفسها بآداب الرئاسة المدنية والبدوية التي يدين بها جميع هؤلاء. # فالتاريخ الصادق يتقاضانا أن نعرف هذه الحقيقة؛ لنعرف موقع العدل والإنصاف من حكم ~~الزمن بين الأمم الكبيرة التي تنازعت السيادة بعد ظهور النهضة العربية. ~~••• # فالنهضة العربية لم يكتب لها النصر؛ لأن الفرس والروم كانوا يستحقون الهزيمة وكفى، ~~بل هي قد انتصرت؛ لأنها كانت تستحق النصر بأسبابه التي لا مصادفة فيها ولا محاباة، ~~ولا محل لفلتة نادرة لا تقبل التكرار ... # وإنما كانت أسباب النصر عند العرب ناقصة، فتمت في أوانها فغلبوا بوسائل الغلبة ~~جميعها. # كانوا متفرقين ms008 بغير باعث إلى الوحدة والنهوض، فجاءتهم الدعوة الإسلامية تجمع شتاتهم ~~وتبعث كرامتهم وتنطلق بهم في سبيلهم. فتم لهم ما نقص وتهيأت لهم ذرائع النصر في ~~شرعة الأرض والسماء، وعلم النبي - عليه السلام - بيوم «ذي قار» وهو يدعو ~~العرب إلى دين التوحيد، فرأى فيه بوادر نصر العرب على العجم، وأيقن أنه يوم تتلوه ~~أيام، وأنه مسمع بدعوته الأمم جميعا عما قريب. # الفصل الثاني # | قريش ومخزوم # كانت قريش موئل الثقافة من أنحاء الجزيرة كلها بين حاضرة وبادية، ومن قديم عصورها ~~إلى حديثها. # لأنها كانت وسطا بين الحضارة والبداوة، وكانت تقيم في عاصمة الحجاز وإلى جوار ~~الكعبة التي يحج إليها العرب، تبركا بحرمتها ولياذا بأصنامها، ويحملون إلى ~~أسواقها أزواد الأدب والشعر والحكمة، كما يحملون إليها أزواد القوت وسلع ~~التجارة. # وكانت قريش تنتقل إلى بلاد العرب كما ينتقل العرب إليها من بلادهم، فكان لها رحلتان ~~في الشتاء والصيف؛ إحداهما إلى اليمن والأخرى إلى الشام، وكانت تضيف إلى ما تعلمه ~~بالسماع والرواية علم المشاهدة والمراس، حيثما نزلت في طريقها من ديار العرب أو من ~~ديار الروم والحبشة، وسائر الأمم الأعجمية كما كانت تسميها. # والعرب من دأبهم حفظ السير ورواية الأحاديث والتنقيب عن الأخبار والطوايا؛ لأن ~~الاستطلاع من طبيعة سكان الصحاري، وتتوقف سلامتهم أحيانا على خبر يعلمونه في ~~أوانه، كما تستهدف أرواحهم أحيانا للخطر العظيم من جراء طارئ داهم تفوتهم الحيطة ~~له في حينه، ولم يزل أبناء القبائل على ولعهم المأثور بالسير والأخبار لغير هذه ~~الضرورة التي يدعوهم إليها حب الأمن والسلامة. فهم غيورون على تراث الآباء ~~والأجداد تفاخرا بالنسب العريق، وتصحيحا للعلاقات، وتمييزا للأقربين والبعداء ~~... # ومع هذا الولع الأصيل في الطبيعة العربية باستقصاء الخبر، يصعب على الذهن أن يتخيل ~~أن قريشا تجهل شأنا من شئون الثقافة العربية، وهي تقيم في مثابة الجزيرة كلها ~~وتسهر على عاصمة العرب، وتجوب أنحاء هذا الوطن الكبير من شماله إلى جنوبه ومن ~~جنوبه إلى شماله، وتتابع العصور حقبة بعد حقبة وهي في مرقبها الذي تطل منه كل ~~ما يعنيها ... # فقلما ms009 غاب عنها علم عربي وصل إليه أبناء الحواضر والبوادي باجتهادهم واختبارهم، أو ~~وصلوا إليه بالقدوة والسماع عن الأمم الأجنبية. # وقلما خفي عنها فن من فنون ثقافة العرب في مصالح السلم والحرب، أو معارض السياسة ~~والشئون الاجتماعية. # ونظن أن خطأ المؤرخين في تقدير معارف العرب السياسية لا يقل عن خطئهم في تقدير ~~معارفهم الحربية، وقد كانت كما رأينا كفؤا لحضارة الدولة الفارسية وتجارب قوادها ~~وأساورتها. # وكذلك كانت لهم في السياسة والنظم الحكومية خبرة لا يستخف بها من ينفذ إلى بواطنها، ~~فهي لا تبلغ أن تكون فلسفة مشروحة ومذاهب مفصلة على مثال النظم العصرية، ولكنها ~~كذلك لا تنزل إلى الفوضى، ولا إلى الغريزة الهمجية التي لا مساك لها ولا تدبير ~~فيها. # وأوجز ما يقال عن خبرتهم بالنظم الحكومية أن العالم القديم لم يعرف قط نظاما من ~~أنظمة الحكم إلا كان للعرب نموذج منه يوافق مصالحهم وعقائدهم، ويجري على عاداتهم ~~وخلائقهم. # عرفوا نظام الإمارة التي ينفرد فيها الأمير برأيه ويستأثر فيها بشريعته ~~وقضائه. # وعرفوا نظام الإمارة التي يتولى فيها الحكم نائب عن الأمير يفصل في قضايا الرعية ~~بمعونة ذوي الرأي منها «إلا أن يكون غزو أو قتال»، فهو باسم الملك دون غيره، وهو ~~النظام الذي جرى عليه أهل الحيرة زمنا مع ملكهم المنذر ونائبه زيد بن حماد من بني ~~أيوب. # وعرفوا نظام الإمارة التي يختار أميرها من أمة أخرى كما تنتقل الأسر الأوروبية ~~اليوم من مواطنها إلى الموطن الذي تحكمه بالمصاهرة أو بالاتفاق بين الدولتين. وعلى ~~هذه السنة، اجتمع البكريون حين غلبهم سفهاؤهم وأكل قويهم ضعيفهم، فقال شيوخهم: «لا ~~نستطيع دفع ذلك إلا أن نملك علينا ملكا نعطيه الشاة والبعير؛ فيأخذ للضعيف من ~~القوي، ويرد على المظلوم من الظالم، ولا يمكن أن يكون من بعض قبائلنا فيأباه ~~الآخرون، ولكنا نأتي تبعا فيختار لنا». فقصدوه فملك عليهم حجرا أمير كندة، وهو ~~أبو امرئ القيس الشاعر المشهور. # وعرفوا الحمايات على أنواعها؛ حماية الإمارة التي تستعين بجيش أجنبي، وحماية ~~الإمارة التي تعتمد على جيشها، وحماية الإمارة ms010 التي تدين لدولة واحدة، أو تدين ~~لدولتين. كما حدث ذلك في ملك اليمن بين الحبشة وفارس وسادات البلاد. # وعرفوا رئاسة القبائل المنفردة ورئاسة القبائل المجتمعة إلى نسب واحد، ورئاسة الرحل ~~الذين يرعون الإبل والشاء، ورئاسة أهل المدر الذين يغرسون المروج والبساتين ~~ويزاولون التجارة من موسم إلى موسم ... ~~••• # وكانت قريش تسمع بهذه النظم وتشاهدها في مواضعها وتقتبس منها ما هي في حاجة إليه. ~~ولكنها لم تأخذ بنظام الإمارة؛ لأن التنافس بين بطونها يمنعها أن تتفق على ملك من ~~إحداها، ولم تتعرض لنظام الحماية؛ لأنها بنجوة من سلطان الدول الأجنبية، ولم ~~يوافقها نظام أهل الوبر ولا نظام أهل المدر؛ لأنها كانت وسطا بين الحضارة ~~والبداوة كما قدمنا، وكانت ترعى مصالحها ومصالح الوفود التي تقبل إليها حاجة ~~أو متجرة وليست هي من عشائرها التي تقبل منها حكم الشيخ في قبيلته على أية صفة ~~من صفاتها. # فاختارت لها نظاما فريدا يوفق بين هذه الأطوار الاجتماعية المختلفة فيها، ولعله ~~أشبه النظم بنظام المشيخة بين الرومان الأقدمين، وإنما يئول الرأي الأخير فيه إلى ~~مجلس يجتمع من رؤساء كل بطن في القبيلة، ويوشك أن يكون أمره شورى أو على صورة ~~الشورى التي ترضى بالمجاملة وإن لم يكن فيها رضا بالحقيقة؛ إذ الحقيقة أن ~~المرجع الأخير إلى أقوى الأقوياء من أولئك الزعماء، كلما حزب الأمر وتشعبت الآراء ~~... # ومن زكانة الحكم عندهم أنهم فهموا مناط الرئاسة القرشية التي يدين بها حجاج البيت ~~الحرام وقصاد مكة من الحضر والبادية، وهي الدين واللغة والتجارة ~~المشتركة. # فحفظوا مناسك الكعبة، وجعلوا أسواقهم معرضا للبلاغة الشعرية والخطب المروية، ~~وتعاهدوا على ضمان الثقة بالتجارة كلما غدر غادر بذمتها، أو اعتدى معتد على ~~حقوقها. ~~••• # واحتالوا على التوفيق بينهم بتقسيم المفاخر والمراسم على بطونهم وزعمائهم حسب ~~أقدارهم ومزاياهم، فانتهى الشرف إلى عشرة بطون هم: هاشم وأمية ونوفل وعبد الدار ~~وأسد وتيم ومخزوم وعدي وجمح وسهم، فكانت لهاشم سقاية الحاج، وكانت لأمية راية ~~الحرب يخرجها عند القتال ليسلموها إلى قائدهم المختار، وكانت لنوفل الرفادة وهي ~~إعانة الحجاج المنقطعين ms011 بالمال، وكانت لعبد الدار السدانة والحجابة واللواء، وكانت ~~لبني أسد المشورة أو رئاسة مجلس الشورى في مهمات الأمور، وكانت لبني تيم الديات ~~والمغارم، وكانت لبني مخزوم القبة وهي مجتمع الجيش والأعنة وهي قيادة الفرسان، ~~وكانت لبني عدي السفارة، ولبني جمح الأيسار أو الأزلام، ولبني سهم الحكومة ~~والأموال المحجرة، وظلوا يتولونها جيلا بعد جيل إلى ظهور الإسلام. # ولم يكن لهذه «الوظائف» الموزعة شأن واحد في جميع الأوقات والأحوال؛ بل كانت تعلو ~~وتهبط على حسب الزعيم الذي يتولاها، وعلى حسب القوة التي يكون عليها بيته عند ~~ولايته إياها، ولكننا إذا نظرنا إليها مجملة وجدنا منها ما كان يقصد به «جبر ~~الخاطر» والإرضاء. # وما كان يشبه الوظائف الشورية أو الإدارية الثانوية في حكوماتنا الحاضرة، ولم تجد ~~بينها «سلطات» فعالة خليقة أن تتعاقب مع الزمن غير ثلاث متفرقات، وهي السلطة ~~الروحية لهاشم وعبد الدار، والسلطة السياسية لأمية، والسلطة العسكرية ~~لمخزوم. # من بني مخزوم هؤلاء نشأ خالد بن الوليد - بطل هذا الكتاب - وكانت نشأته في أعرق ~~بيوتها وأعلاها وأشرفها وأغناها، فلم يكن من أبوته أو عمومته إلا رئيس ابن رئيس لا ~~تعلو مكانته مكانة أحد من رؤساء الجاهلية ... # كان جده المغيرة بن عبد الله، الذي كان الرجل من بني مخزوم يؤثر أن ينسب إليه، ~~فيسمى المغيرة تشرفا بالانتساب إلى الفرع الذي أناف على الأصول ... # وكان أبوه الوليد بن المغيرة الملقب بالعدل وبالوحيد؛ لأنه كان يكسو الكعبة وحدة ~~سنة وتكسوها قريش كلها كسوة مثلها سنة أخرى. # وكان عمه هشام قائد بني مخزوم في حرب الفجار، وبوفاته أرخت قريش كما تؤرخ ~~بالأحداث العظام، ولم تقم سوقا بمكة ثلاثا لحزنها عليه ... ~~••• # وكان عمه الفاكه بن المغيرة من أكرم العرب في زمانه، له بيت للضيافة يأوي إليه من ~~شاء بغير استئذان. # وكان عمه أبو حنيفة أحد الأربعة الذين أخذوا بأطراف الرداء، وحملوا فيه الحجر ~~الأسود إلى موضعه من الكعبة، كما أشار النبي - عليه السلام - قبل الدعوة الإسلامية ~~... # أما الذي فض النزاع بين القبائل على هذا الشرف حين أذن التنافس ms012 بينها بالشر ~~المستطير فهو عم آخر من أعمامه، وهو أبو أمية بن المغيرة الملقب بزاد الراكب كما ~~جاء في بعض الروايات. فقد أشار عليهم أن يكلوا الحكم إلى أول داخل من باب المسجد ~~ليختار من بينهم من يرفع الحجر إلى مكانه، فارتضوا مشورته وتم صواب المشورة بتوفيق ~~البشارة النبوية قبل إهلالها على العالم بسنين. # ولقب أبو أمية زاد الراكب؛ لأنه كان يكفي أصحابه في السفر مئونتهم، فلا يتزودون ~~بزاد. # ويظهر أن بني مخزوم هؤلاء كانوا في ثروتهم وعدتهم وبأسهم أقوى البطون القرشية ~~حين ينفرد كل بطن منها عن سائر بطونها. ولكنهم لم يستأثروا بالزعامة القرشية؛ ~~لأنهم كانوا ينافسون بني هاشم وبني أمية وبني عبد الدار، وهم ثلاثة بطون قوية ~~يلتقون في جد واحد أقرب من الجد الذي يجمعهم ببني مخزوم، وهو مرة بن كعب بن لؤي بن ~~غالب بن فهر جد قريش أجمعين. # وقد تبينت رجاحتهم هذه في مواقف كثيرة قبل الإسلام وبعده، فاضطلعوا وحدهم ببناء ربع ~~الكعبة بين الركنين الأسود واليماني، واشتركت قريش كلها في بناء بقية الأركان ~~... # وكان لبني مخزوم وحدهم في وقعة بدر ثلاثون فرسا من مائة فرس لقريش كلها، ومائتا ~~بعير وأربعة أو خمسة آلاف مثقال من الذهب غير الأزواد والأمداد ... # فلا جرم يعظم على نفوسهم أن يغلبهم منافس على الشرف والعزة، وأن يحوزوا كل ما حازوه ~~من الرجال والأموال ثم تشيل كفتهم مرجوحة في ميزان الفخار ... # ولا جرم يأخذون الأمر مأخذ الأنفة والخنزوانة بينهم وبين بني عبد مناف حين تظهر ~~النبوة في هؤلاء ولا تظهر فيهم. # وقد أخذوها هذا المأخذ حيث قال أبو جهل: «تنازعنا نحن وبنو عبد مناف؛ أطعموا ~~فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تحاذينا على الركب وكنا كفرسي ~~رهان، قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء ... فمتى ندرك هذه؟» # وإنما قال أبو جهل «بنو عبد مناف» ذهابا إلى الجد الذي يجمع هاشما وأمية وعبد ~~الدار، كأنه يستعلي في كبريائه أن ينافس هاشما وحدها دون أن يصعد إلى أبيها الذي ~~يجمع بينها ms013 وبين غيرها. # وكان الوليد بن المغيرة يزعم أنه هو أحق الناس بالنبوة والقرآن ويقول: «أينزل على ~~محمد وأترك وأنا كبير قريش وسيدها؟» ففي ذلك يقول القرآن الكريم: # وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل ~~من القريتين عظيم ~~(الزخرف: 31). # ونحن نعلم الآن أي عقبة كانت هذه الخنزوانة المخزومية في طريق الإسلام إذ نرجع ~~إلى الآيات التي نزلت في رؤسائهم ووصفت ما كان من عنادهم وعتادهم، وما كانوا ~~يقابلون دعوة الدين الجديد بدعواهم في آبائهم وأجدادهم، فلم ينزل في رؤساء قبيلة ~~مثل ما نزل في رؤساء هذه القبيلة، ولم تتمثل منعة قوم كما تمثلت منعتهم في ردود ~~القرآن على أقوالهم، وهي أقوى ردود عرفت في السور المكية الأولى، على ما جاء في ~~الآيات الكثيرة من سورة «ن» وسورة «المدثر» وسورة «الكافرون» عدا إشارات أخرى في ~~سورة «الحجر» و«عبس وتولى». ~~••• # وكل أولئك فحواه شيء واحد، وهو أن بني مخزوم باءوا بأسباب المحافظة على القديم ~~جميعا حين تصدى الإسلام لتبديل ذلك القديم، فهم أول من يصاب بهذه الدعوة الجديدة ~~وآخر من يلبيها وله مندوحة عنها، ومن ثم كانت المصاولة بين الإسلام والجاهلية في ~~وجه من وجوهها مصاولة بين محمد - عليه السلام - وبين خالد بن الوليد الذي انتهى ~~إليه شرف الرئاسة المخزومية في ذلك الأوان. # والناس يختلفون في تمثيل بيئاتهم وطبقاتهم غاية الاختلاف، ويصدقون في تمثيلها غاية ~~الصدق وهم يتفاوتون بينهم تفاوت النقيض والنقيض؛ لأن البيئة مستودع شامل يوجد فيه ~~الحسن والرديء ويأكل كل منه على حسب مأتاه ومورده، وحسب ما هو مستعد له وقادر ~~عليه. # فإذا قيل سيد من سادات قريش أو نموذج من نماذج القرشية الجاهلية، جاز لنا أن نتمثله ~~على ألوان كثيرة لا على لون واحد، وجاز أن يكون هذا السيد خير السادات من طبقته أو ~~شرهم وشر أهل زمانه من جميع الطبقات. # ولكننا مع هذا قد نحصر الخصال المشتركة والنعوت الوسطى التي تشيع في هواء هؤلاء ~~السادات غير من تجاوزوا الحد وبلغوا الندرة في الشذوذ والاستثناء. # فالغالب على هؤلاء السادة أنهم ms014 يتوارثون الثقافة العربية ويتدارسونها بالتعليم ~~والتلقين والمعاشرة، ويستوعبون أخبار الحكماء وذوي الأحلام في علاج المشكلات، ~~وتدبير الحيل ومصانعة الناس والأيام. # ويكثر فيهم أن يجمعوا الثقافة السياسية والعسكرية كما وصلت إليهم من تراث الأقدمين ~~من عرب وعجم، وبخاصة من كان منهم منوطا بعدة الحرب وقيادة القبيلة في غزواتها أو ~~مواقف دفاعها، كما كان خالد بن الوليد. ~~••• # ومن صفاتهم الشائعة فيهم حب السيطرة، والصرامة، وقلة الرحمة، والاستزادة من المال، ~~ومتع الحياة، والتفاخر بالوفر، والثراء، وجمع الحطام من حيثما اجتمع بأساليبهم ~~التي كانوا يستجيزونها ولا يتحرجون منها، وأشيعها الربا والمغالاة ~~بالأسعار. # وقد وجد في أسرة خالد من يكثر من الإقراض بالربا، ومن يرى في أموال الربا شيئا من ~~الدنس يقاربه في أحوال ويستبعده في أحوال أخرى. # فمات أبوه وله على قبائل مكة وأرباضها ديون تحسب بالألوف لم يزل خالد يتقاضاها حتى ~~أسلم وأسلم المدينون، فترك الربا من بعدها واكتفى برأس المال؛ عملا بالقرآن ~~الكريم: # يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ~~وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين * فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من ~~الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا ~~تظلمون ولا تظلمون ~~(البقرة: 278، 279). # وكذلك وجد في أسرته من نزه الكعبة عن أموال الربا وما شابهها، فقال لقومه: «يا ~~معشر قريش ... لا تدخلوا في بنائها من كسبكم إلا طيبا؛ لا يدخل فيه مهر بغي ولا ~~بيع ربا ولا مظلمة أحد». # وكلهم قرشي جاهلي من طبقة السادة وأصحاب المال. # فحين نقول: إن خالدا كان مثال طبقته وعنوان المحافظة على مزايا هذه الطبقة يحسن ~~بنا أن نتجه إلى تلك الخلائق الوسطى ونترقب منه نماذجها المشتركة التي لا غلو فيها ~~من هنا أو هناك، حتى نرى دلائل الزيادة في خليقة من تلك الخلائق، فذاك إذن خاصته ~~التي يتميز بها بين قرنائه ولا تخرجه من معهود الطبقة كلها على الإجمال. # ولا يتم الكلام على تراث بني مخزوم حتى نضيف إلى مزاياهم المختلفة مزية ملحوظة لها ~~شأنها في كل مجتمع إنساني وليس شأنها بالقليل في حياة ms015 خالد على التخصيص. # فقد كانت هذه القبيلة - على كثرة الأقطاب بين رجالها - مشهورة بجمال النساء بين ~~الحواضر العربية، وبقيت لها هذه الشهرة إلى ما بعد قيام الدولة العباسية، إذ كان ~~يقال لأبي العباس السفاح: إن المخزوميات رياحين العرب، وعندك منهن يا أمير ~~المؤمنين ريحانة الرياحين. # ولا بدع يكون هذا شان القبيلة التي نبغ منها خالد بن الوليد وعمر بن أبي ربيعة. ~~فقديما كانت الفروسية والغزل والمرأة بيئة واحدة تتعاون فيها البطولة والشاعرية ~~والجمال. # وصفوة هذا جميعه أن خالد بن الوليد قد دخل الإسلام بأوفى نصيب من حمية السيادة ~~العربية في عهد الجاهلية، فصنع للإسلام وصنع الإسلام له الأعاجيب، وكان مقياس ~~العبقرية العربية في عهدين متقابلين. # الفصل الثالث # | نشأة خالد # خالد بن الوليد بن المغيرة أحد سبعة إخوة من الذكور وقيل عشرة، بل ثلاثة عشر بين ~~ذكور وإناث، ومنهم أختان ... # وقد تقدم إجمال القول في شرف قومه ونصيب أعمامه خاصة من الرئاسة والزعامة. أما أبوه ~~الوليد، فقد كان الرأس بين الرءوس والزعيم بين الزعماء، وكانت له في بعض نواحي ~~خلقه وعقله لمحات تلك المواهب التي تجلت بعد ذلك في عبقرية ولده العظيم. # كان أغنى أبناء زمانه في صنوف الثراء المعروفة بينهم كافة؛ الذهب والفضة والبساتين ~~والكروم، والتجارة والعروض، والخدم والجواري والعبيد، وسمي من أجل ذلك ~~بالوحيد، ولقب من أجل ذلك بريحانة قريش. # وهو الذي قال فيه القرآن الكريم من سورة المدثر (11-14): # ذرني ومن خلقت وحيدا * وجعلت له ~~مالا ممدودا * وبنين شهودا * ~~ومهدت له تمهيدا ~~. # ويروي سفيان الثوري أنه كان يملك ألف ألف دينار، ويروي ابن عباس أنه كان يملك من ~~الفضة تسعة آلاف مثقال. # ولكبريائه في جوده أو جوده في كبريائه، كان ينهى أن توقد نار غير ناره في منى ~~لإطعام الحجيج. # وكان يأنف لنفسه في الجاهلية أن يرى سكران، على إباحة الخمر وشيوعها في تلك الأيام، ~~فانتهى عنها بغير ناه، وقيل إنه قطع يد السارق على سبيل القصاص. # وقد كان من أصحاب الحيلة والحول والإقدام، ضربة من ضرباته في ms016 موقف اللبس والتردد ~~ترينا فيه أبا خالد قبل أن يعرف العالم ضربات خالد، وذلك يوم تداعت الكعبة وأوجس ~~المشركون أن يهدموها ليعيدوا بناءها، توقيرا لتلك الحرمة التي كانوا يقاربونها ~~بالضراعة والخشوع ويدخلها بعضهم حفاة الأقدام ولم يقربوها قط بهدم أو عدوان، فلما ~~رأى وسواسهم وفزعهم تناول المعول وضرب الضربة الأولى بيديه وهو يقول: «اللهم لم ~~ترع. اللهم لا نريد إلا الخير»، ومضى في أثره الهادمون غير متهيبين. # ويؤخذ من بعض أحاديثه مع أبي جهل أنه كان من أفقه الناس لمعاني الكلام ومن أحفظهم ~~للشعر والخطب في أيامه. # قام النبي # صلى الله عليه وسلم # في المسجد يصلي والوليد بن المغيرة قريب منه يسمع قراءته، فلما ~~فطن النبي # صلى الله عليه وسلم # لاستماعه أعاد قراءة الآية، فانطلق الوليد حتى أتى مجلس قومه ~~من بني مخزوم، فقال: «والله لقد سمعت من محمد آنفا كلاما ما هو من كلام الإنس ~~ولا من كلام الجن، والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، ~~وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو وما يعلى ... ثم انصرف إلى منزله.» # فقالت قريش: «صبأ والله الوليد ولتصبون قريش كلهم.» فأوفدوا إليه أبا جهل يحتال ~~لصرفه عن الإسلام إن كان قد نوى الدخول فيه، وما زال به حتى قام معه إلى مجلس ~~قومه، فقال لهم: «تزعمون أن محمدا مجنون، فهل رأيتموه يخنق قط؟ تزعمون أنه ~~كاهن، فهل رأيتموه تكهن قط؟ تزعمون أنه شاعر وما فيكم أحد أعلم بالشعر مني، فهل ~~رأيتموه ينطق بشعر قط؟ تزعمون أنه كذاب، فهل جربتم عليه شيئا من الكذب؟» # يسألهم ويجيبونه: «كلا»، في كل سؤال. # حتى أعياهم أن يردوا كلامه، فسألوه رأيه في تفسير بلاغة القرآن، ففكر ثم قال: «ما ~~هو إلا سحر يؤثر! أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده ومواليه؟ فهو ساحر وهذا ~~هو السحر المبين ...» فذاك إذ يقول القرآن الكريم: # إنه ~~فكر وقدر * فقتل كيف قدر * ثم قتل كيف قدر * ثم ~~نظر * ثم عبس وبسر * ثم ~~أدبر واستكبر * فقال إن هذا إلا ~~سحر يؤثر ms017 ~~(المدثر: 18-24). # واختلف المفسرون في تفسير المعنى المقصود بالعتل الزنيم الذي قيل إنه نزل ~~فيه. # فرأى بعضهم أن الزنيم هو الدعي، وأن الوليد بن المغيرة يوصف به؛ لأن أباه ~~ادعاه بعد ثماني عشرة من مولده. # ورأى بعضهم أن الزنيم وصف له من زنمة كان يعرف بها في عنقه، وهي اللحمة المدلاة، ~~ويخالفهم آخرون فيقولون إن الرجل الذي كان يعرف بهذه الزنمة هو الأخنس بن شريق، ~~وكان أصله من ثقيف وعداده في زهرة. # وفي رواية أنه - عليه السلام - سئل عن العتل الزنيم فقال إنه هو الفاحش اللئيم، ~~وغير ذلك من الروايات والتأويلات كثير. # إلا أن الذي يعنينا فيما نحن بصدده أن الوليد لم ينسب قط إلى أحد غير أبيه ~~المغيرة، وأن المغيرة لم يكن بحاجة إلى استلحاق ولد غريب عنه لكثرة أولاده ~~ونجابتهم بين فتيان مخزوم وقريش عامة، وأن شبه الوليد ببني المغيرة ظاهر حتى في ~~بعض الفروع البعيدة. فإن عمر بن الخطاب كانت أمه قريبة خالد بن الوليد، وكان ~~يشبهه أقرب الشبه كما يتفق في أيامنا هذه كثيرا بين أبناء العمات والأخوال، وأن ~~غير الوليد لأولى بذلك الوصف لما تقدم من اعتزاز قريش بنسبته فيهم حتى لقب بريحانة ~~قريش وسمي بينهم بالوحيد. # وعلى أية حال، فقد نشأ خالد في بيت الوليد بن المغيرة وهو سيد بني مخزوم، وأحد ~~السادات المعدودين في قريش، وصاحب الكلمة التي يتعلق بها مصير قومه فيما يجنح إليه ~~من شرعة أو دين. # أما أمه فهي لبابة بنت الحارث الهلالية، وهي أخت ميمونة أم المؤمنين زوج النبي عليه ~~السلام، وأخت لبابة بنت الحارث الكبرى زوج العباس عمه، وأخت أسماء بنت عميس التي ~~تزوجها جعفر بن أبي طالب ثم أبو بكر الصديق، ثم علي بن أبي طالب، ولها أخوات ~~أخريات بنى بهن رجال من ذوي الأخطار ومقاديم العشائر النابهين. # وندر في بيوت العرب النبيلة بيت لم يكن له صلة بخالد وذويه بالنسب والمصاهرة، من ~~جانب أمه أو جانب أبيه. # والأقوال في سن خالد وتاريخ مولده لا تنتهي إلى ms018 قول يمتنع فيه الخلاف. فمن المؤرخين ~~من يقول إنه مات وله من العمر ستون سنة، فإذا كان قد مات في السنة الحادية ~~والعشرين أو الثانية والعشرين للهجرة؛ فقد ولد إذن في السنة الثامنة والثلاثين أو ~~السنة التاسعة والثلاثين قبل الهجرة. # ولكنه قول يحول دون تصديقه والأخذ به أن خالدا كان صغير السن في عام الفتح - فتح ~~مكة - كما يفهم من تلقيب أبي سفيان له بالغلام وشيوع هذا اللقب بين عارفيه. # فقد كان أبو سفيان والعباس يرقبان عبور الكتائب والقبائل في يوم الفتح، فكان خالد ~~بن المغيرة أول من مر في بني سليم. فسأل أبو سفيان: من هذا؟ قال العباس: هذا خالد ~~بن الوليد، فعاد أبو سفيان يسأل وهو يخفي حنقه: الغلام؟ قال العباس: نعم، كأنه لقب ~~كان معروفا بين شيوخ قريش. # والرجل لا يقال له «غلام» وهو في نحو السادسة والأربعين، وقد يقال له ذلك وهو حول ~~الأربعين إذا كان القائلون من رؤساء الشيوخ، وكان اللقب قد عرف قبل ذلك بسنوات ~~وبقي بحكم العادة والتردد على الأفواه. فإذا كان خالد بن الوليد يومئذ في نحو ~~السادسة والثلاثين أو السابعة والثلاثين، فمولده على التقريب بين سنتي ثمان وعشرين ~~وثلاثين قبل الهجرة. # وعندئذ تخطر لنا قصة أخرى لها صلة بهذا التقدير، وهي قصة المصارعة بينه وبين عمر بن ~~الخطاب وهما غلامان وغلبته عمر وكسره ساقه في هذه المصارعة، وإنما يتصارع الندان ~~أو المتقاربان. وعمر على تقدير مشهور قد ولد قبل الهجرة بأربعين سنة أو قرابة هذا ~~التاريخ ... # فالتوفيق بين هذه الأقوال جميعا إنما يستقيم لنا بتأخير مولد عمر قليلا عن سنة ~~أربعين، وتقديم مولد خالد قليلا عن سنة ثلاثين، فيرجح إذن أن يكون مولده في نحو ~~سنة أربع وثلاثين قبل الهجرة، ولا مانع إذن أن يصارع عمر ويغلبه كما يغلب الفتى في ~~الرابعة عشرة مثلا زميلا له في السادسة أو السابعة عشرة، إذا كان مولودا للدربة ~~على الرياضة وألعاب الفروسية، وكان خالد ولا شك كذلك؛ لأنه ورث قيادة الأعنة من ~~باكر صباه. ms019 # نعم يظهر أنه كانت عليه مخايل الفروسية منذ صباه الباكر؛ إذ رشحه أبوه لقيادة الخيل ~~ولم يكن أكبر أبنائه، ورأيناه على قيادة الفرسان - فرسان قريش - في وقعة أحد التي ~~أحاط فيها برماة المسلمين من ورائهم، فحلت الهزيمة بجيش المسلمين بعد ~~انتصاره. # وقد أسلفنا أن بني مخزوم كان لهم في الجاهلية أمر القبة والأعنة، فالقبة هي خيمة ~~عظيمة يضربونها ليجمعوا فيها عدة القتال، والأعنة هي الخيل وفرسانها، وولاية خالد ~~هذه «الوظيفة» الموكولة إلى قبيلته بين بطون قريش جميعا هي آية استعداده للرئاسة ~~والقيادة منذ صباه. # وفي أخبار خالد قصة واحدة تنفعنا في تصوير ملامحه وسماته لقلة أوصافه المحفوظة، على ~~خلاف ما تعودناه من أحاديث العرب عن أبطالهم، وهي في الغالب مفيضة في وصف أولئك ~~الأبطال. # تلك القصة هي ما أشرنا إليه من المشابهة بينه وبين عمر بن الخطاب، حتى كان أناس من ~~ضعاف النظر يخلطون بينهما من قريب، ولا يميزونهما بالرؤية ولا بسماع الصوت ~~الخفيض. # وخلاصتها أن علقمة بن علاثة لقي عمر بن الخطاب ليلا فقال له: مرحبا بك يا أبا ~~سليمان ... ثم دنا منه فلم يميزه مع دنوه وسماع صوته برد السلام عليه، فقال: عزلك ~~ابن الخطاب؟ فأجابه عمر: نعم. فمضى علقمة يقول: ما يشبع، لا أشبع الله ~~بطنه. # وأصبح عمر، فدعا بخالد وعلقمة وسأل خالدا: «ماذا قال لك علقمة؟» فنفى أن يكون قد ~~لقيه أو جرى بينهما كلام، وكرر عمر السؤال فأقسم خالد بالله ما رآه ولا سمع منه ~~شيئا ... فقال علقمة كالموسع له من حرج: «حلا أبا سليمان» ... ولم يفطن لغلطه، حتى ~~تبسم عمر وأخبرهما بالحديث. # ومن هنا تفهم أن خالدا كان طويلا بائن الطول، وأنه كان عظيم الجسم والهامة، ~~مهيب الطلعة يميل إلى البياض. # وغني عن تواريخ المؤرخين - ولا جدال - أن خالدا قد تعلم في صباه كل ما يتعلمه ~~الفتى المرشح للحرب والفروسية وشمائل الرئاسة، ومن الصغائر العارضة التي زعم أناس ~~أنها أصل الجفاء بينه وبين قريبه عمر بن الخطاب أنه صارعه كما تقدم، فغلبه وكسر ~~ساقه، ms020 وهي صغيرة تنبئ عن دراية باكرة بفنون الصراع والكفاح، ولكنها لو لم تذكر في ~~مصادرها لأغنانا عنها علم القائد الكبير بفنون الفروسية على أنواعها، وسرعته في ~~مأزق النزال إلى مصارعة أقرانه ومبارزيه واحتضانهم بعنف شديد حتى يعجزهم عن ~~الحراك. # وغير بعيد أنه تعود عيشة الشظف وراض نفسه على الخشونة عمدا في البادية ليصبر ~~على مضانك الحرب وشدائد الجوع والظمأ حيثما تفرد عن موارد الزاد. فقد جاء في بعض ~~الأحاديث أن خالدا كان يأكل الضب ويشتهيه كما يأكله الأعراب ويشتهونه، وهو أغنى ~~إنسان في مكة أن يسيغ هذه الأكلة الأعرابية، مع يساره وافتنان أهله في الأطعمة ~~الحضرية. # قال ابن عباس رواية عن خالد: إنه دخل مع رسول الله على خالته ميمونة بنت الحارث، ~~فقدمت إلى رسول الله لحم ضب جاءها مع قريبة لها من نجد، وكان رسول الله لا يأكل ~~شيئا حتى يعلم ما هو، فاتفق النسوة ألا يخبرنه حتى يرين كيف يتذوقه ويعرفه إن ~~ذاقه. فلما سأل عنه وعلم به تركه وعافه. فسأله خالد: أحرام هو؟ قال: «لا، ولكنه ~~طعام ليس في قومي فأجدني أعافه ...» قال خالد: «فاجتررته إلي فأكلته ورسول الله ~~ينظر ...» # ومثل هذه التربية لقائد من قواد الحرب نموذج يحتذى في كل مدرسة من مدارس الفنون ~~العسكرية الحديثة، وعلى سنتها كتب نابليون تقريره وهو طالب في المدرسة الحربية ~~يعيب على النظام يومئذ أنه يسمح لأبناء الأعيان بمعيشة الترف واستصحاب الخدم بين ~~جدران المدرسة، وهم أحرى بخدمة أنفسهم في مدرسة يتعلمون فيها الصبر على شدائد ~~الحروب. # وكان لخالد - ولا ريب - علم بالبادية العربية من غير هذا الطريق، طريق الرياضة ~~المقصودة إن صح ما رجحناه. فلعله سافر كثيرا في الجزيرة قبل الإسلام، ولعله عرف ~~في تلك الأسفار دروبها العصية التي كان يطرقها من العراق إلى الحجاز، ومن ~~الحجاز إلى اليمن، ومن نجد إلى الشام، وبعضها كان يعتسفه على عجل بغير ~~أدلاء. # ولم تكن بخالد ولا بإخوته حاجة على التجارة لكسب العيش وتحصيل المال؛ إذ كان أبوه ~~على تلك الثروة التي ms021 لا مزيد عليها في البلاد العربية، وكانت ثروته أشبه شيء في ~~عصرنا هذا بثروة المصارف التي تعمل في صفقات القروض والربا ومضاربات الأسعار. أما ~~الثمرات والخضر في مزارعه، فلم تكن مما يحمل إلى البلاد القصية للبيع والشراء. ~~وإنما قصاراها أن تباع في الحواضر الحجازية وما قاربها من البوادي القادرة على شيء ~~من الترف والمتعة، ولا سيما في أيام الأسواق والحجيج. ولهذا فسر بعضهم وصف بنيه ب ~~«الشهود» فيما تقدم من الآيات بأنهم كانوا أبدا في صحبته وجواره مفاخرة بهم ~~وتنزيها لهم عن الكدح والتصرف في شئون المعاش. فإن قضيت لأحدهم رحلة أو سياحة، ~~ففي غير هذه الأغراض أو غير حاجة ملحة إلى الاتجار، وإنما هي الدربة والتمرس ~~بالمصاعب والانتفاع بخبرة السياحة وآدابها، وقد ينفقون في ذلك خير ما يكسبون، كما ~~كان يصنع عمه «زاد الراكب» وأعمامه الآخرون الذين اشتهروا بالأنفة من مجاراة أحد ~~لهم في الضيافة وبذل العطايا والهبات. # وموضع الترجيح والاستنتاج هنا إنما هو في إرسال خالد إلى البادية قصدا لرياضة ~~النفس والجسد على خشونة الأعراب وشدائد الميادين ... فهذا، وإن جرت به عادة بعض ~~الأشراف في حواضر الحجاز، لم يقطع به قول من الأقوال في سيرة الوليد بن المغيرة ~~وبنيه «الشهود» على احتمال الشهادة للمعنى الذي قدمناه. # ولكن الأمر الموثوق به كل الثقة، الذي لا موضع فيه لترجيح ولا استنتاج - أن ~~خالدا قد نشأ في الحاضرة أو البادية مستعدا للخشونة مستطيعا لمعيشة الأعراب، ~~مستجيب السليقة والبيئة لما يتكلفه المجاهد في أوعر القفار وأعنف الحروب، وكانت له ~~ضلاعة العصبيين الأقوياء المعهودين بين رجال السيف، وهي ضلاعة يوشك أن تستمد من ~~حماسة النفس وشهامة القلب أضعاف ما تستمده من العضلات والأوصال. # فلم تعفه العبقرية من ضريبتها التي لا مناص من أدائها، وآية ذلك أنه مات على ~~فراشه في نحو الخامسة والخمسين، وليست هي بالسن الغالبة فيمن يموتون بداء الشيخوخة ~~من غير علة أخرى. # وإذا تجاوزنا هذه المظنة، وهي كافية، ألفينا في تراجم الأسرة كلها ما ينبئ عن ~~عوارض الأسر التي تهيئها ms022 الأقدار لإنجاب العباقرة في شتى المواهب والمزايا. # فهذه الأسرة الغريبة تكثر فيها عوارض الاختلاف عن جملة الناس في تركيب الأعصاب ~~خاصة، ويشاهد فيها فرد أو أفراد تتجمع فيهم عللها وتمعن بهم مخالفاتها وعناصر ~~شذوذها حتى تسلمهم إلى الاختلال والاضطراب كأنهم ضحايا الأسرة كلها في سبيل إنجاب ~~العبقرية منها. # وكانت هذه العوارض مشاهدة في أسرة خالد وفي إخوته على التخصيص. فذكر كتاب الاستيعاب ~~في أسماء الأصحاب: «إن الوليد بن الوليد كان يروع في منامه، مثل حديث مالك سواء ~~في قصة خالد.» # وعن مسند ابن أبي شيبة أن خالد بن الوليد كان يفزع في نومه، فشكا إلى النبي عليه ~~السلام، فقال له: «إن عفريتا من الجن يكيدك.» # وبذلت هذه الأسرة الممتازة ضحيتها الكبرى في شخص سليلها عمارة بن الوليد أحد الإخوة ~~المذكورين بأسمائهم من ذرية الوليد بن المغيرة. # وعمارة هذا، هو صاحب عمرو بن العاص في رحلة الحبشة رسولين إلى النجاشي؛ لتسليم ~~المسلمين بها إلى قريش. # وكان مولعا بالخمر والغزل، وسيما محببا إلى النساء. فلما كان بالسفينة مع ~~عمرو وامرأته شرب ونظر إلى امرأة عمرو نظرة مريبة. # وقد نلمح عوارض الأسرة هذه في أعظم أفراد الأسرة كما نلمحها في هذا المسكين الذي ~~ابتلى بالثمن الفادح والضحية الكبرى. فخالد بن الوليد - شرف بني المغيرة - لم ~~يفتنه الميل إلى المرأة كما فتن أخاه، ولم يصرفه قط عن عبء من أعباء البطولة ولا ~~عن فريضة من فرائض العظمة والعبقرية، ولكنه على هذا قد تعرض للمؤاخذة من عمر بن ~~الخطاب ومن أبي بكر الصديق في صدد الزواج المعجل في غير حينه، فسبى امرأة مالك بن ~~نويرة، وتزوج في حرب اليمامة وهو بميدان القتال، وسبى ابنة الجودي في دومة الجندل، ~~وقيل: إنه فقد أربعين ولدا في طاعون الشام وهو بقيد الحياة لما يجاوز الخمسين ~~بكثير. # وتلك في جملتها شواهد العوارض التي يقرر النفسانيون المحدثون أنها سمات العبقرية في ~~منابتها، ومنابتها هي الأسر التي تنجبها وتبذل أثمانها قبل أن تنعم بمجدها ~~وفخارها. # وكما ظهرت هذه العوارض في لون ms023 من ألوانها على أخيه عمارة، ظهرت في بعض ألوانها ~~الأخرى على أخيه الوليد الذي كان مثله يراع في رقاده. # فهذا الأخ الكريم كان مع جيش المشركين في وقعة بدر فأسره المسلمون، وطال الكلام في ~~فدائه لغناه وعداوة أهله للإسلام، فطلب آسره أربعة آلاف درهم، وأوصى النبي ألا ~~يقبلوا فدية له غير شكة أبيه الوليد وهي درع فضفاضة وسيف وبيضة. وكل هذه المطاولة ~~والمساومة والوليد باق على دين الشرك في أسر المسلمين. فلما تم فداؤه وذهب إلى ~~أهله، أعلن إسلامه بينهم وهم كارهون، وعجب المشركون لأمره فسألوه: هلا أسلمت قبل ~~أن تفتدى؟ فقال: كرهت أن يظن بي أنني جزعت من الإسار ... وصبر على التعذيب والنكاية ~~والحبس بين أهله حتى أفلت بعد جهد وحيلة ولحق بالنبي مشيا على قدميه ... # هذه أيضا نفحة خالدية من نفحات تلك الأسرة القوية التي تأبى لخلائقها إلا أن تحير ~~الناس وأن ترد عليهم من مورد التفاوت والإغراب والمخالفة للمألوف. # وهي في أطوارها المتباينة منجم العبقرية الذي لا مراء فيه، ومعدن البطولة التي تكتب ~~لصاحبها وهو في الأصلاب. # فها هنا نشأة بطل عبقري مدخر للقيادة والرئاسة بميراث حسبه وطبعه، وملكات نفسه ~~وجسده، جاءته البطولة وهو ينتظرها ولا يشك فيها، وتهيأ لها بالقدرة على الشدة ~~والرخاء والنعمة والبأساء، ويكاد الصدق والإشاعة معا يتوافيان إلى دلالة واحدة في ~~تربية هذا البطل المنذور للبطولة والعبقرية من قبل ميلاده، فأكلة الضب التي سبق ~~ذكرها واحدة؛ وغيرها أكلات مسمومات يبدو لنا أنها مخترعة أو محرفة ولكن اختراعها ~~وتحريفها يدلان لا محالة على شيء، وهو اشتهار خالد بترويض بنيته على تجرع الغصص ~~التي يتقزز منها الناس ويخافون منها الهلاك. ففي اليواقيت للقطب الشعراني أنه حاصر ~~قوما من الكفار في حصن لهم، فقالوا: تزعم أن دين الإسلام حق؟ فأرنا آية؛ لنسلم، ~~فقال احملوا إلي السم القاتل، فأتوه به فأخذه وقال: بسم الله، وشربه فلم يضره. ~~وتردد مثل ذلك في كتاب الإصابة فروي عن مصادر شتى أنه لما قدم الحيرة أتى بسم ~~فوضعه في راحته، ثم ms024 سمى وشربه، ولم يؤثر فيه. # وقد سمعنا نيتشه - بشير السوبرمان في العصر الحديث - يقول: إن السم الذي لا ~~يميتني يزيدني قوة ... # فهذه بنية بطل نشأته للمجد على هذا الغرار. # الفصل الرابع # | إسلامه # كان إسلام خالد ضربا من التسليم ... # كان ضربا من التسليم بمعناه «العسكري» المصطلح عليه في عرف القادة ورجال الكفاح ~~... # لأنه أسلم أو سلم تسليم القائد البصير بحركة القتال بين المد والجزر والنصر ~~والهزيمة، الخبير بموضع الإقدام وموضع الإحجام، المقاتل والقتال شجاعة، المسالم ~~والسلم ضرورة لا محيص عنها. # ولم يكن تسليمه تسليم العاجز الوكل، ولا الجازع المنخذل، بل لعله بلغ من نفسه غاية ~~الثقة بالقدرة وحمادى اليقين بالخبرة، يوم أسلم وسلم إلى معسكر الدين الجديد. ~~كأنه آمن بالله؛ لأنه علم من ذات نفسه أنه لن يغلبه إلا الله، وكأنه كان يقول في ~~قرارة ضميره: أيهزمني أحد وليس له مدد من النبوة؟ أيعلو سيف على سيفي وليس له سر ~~من السماء؟ # فبلغ نهاية الإيمان بنفسه يوم بلغ بداية الإيمان بالله. # وقد كان على ذويه في بني مخزوم أن يحاربوا حربهم إلى نهايتها؛ لأن الصراع بين ~~الجاهلية والإسلام لم يكن إلا صراعا لهم قبل كل جاهلي وكل قرشي وكل عربي على ~~التعميم. # وكان معسكرهم أولى المعسكرات أن يصمد إلى موقف الحسم من النضال بين الفريقين؛ لأن ~~بلاءه بإدبار الجاهلية أكبر من كل بلاء، وموقفه أمام الإسلام موقف من ينافح عن ~~عزته وعزة بيته وعزة آبائه وأجداده، وعزة «النظام» الاجتماعي كله كما قررته ~~الجاهلية أحقابا بعد أحقاب؛ لأنه النظام الذي به يقومون وبهم يقوم. # وقد أبلى أبوه في هذا الصراع قصارى ما في وسعه من بلاء، وهو شرح يطول، وتفصيل تضيق ~~به الفصول، ولكن إشارة واحدة فيه تغني عن بيان طويل، وصفحة موجزة من صفحاته تغني ~~عن الإطناب في القال والقيل. # وحسبنا من تفصيل مكائده وجهوده كلها في حرب الإسلام أن نقول: إنه قد هان عليه في ~~هذا السبيل أن يبذل العزيزين؛ الولد والمال. # ففي بداية الدعوة المحمدية، سعى وقومه إلى عم ms025 النبي أبي طالب؛ ليسلمهم محمدا أو ~~يتخلى عنه، وله بديلا منه عمارة بن الوليد ... وقد وصفوه بأنه أنهد الفتيان وأشعرهم ~~وأجملهم في قريش. # وبعد استفاضة الدعوة المحمدية يسعى إلى النبي فيمن سعى إليه من سراة قريش ليشاطروه ~~أموالهم ويسكت عن أربابهم وعباداتهم، وفي ذلك يقول القرآن الكريم في سورة الأحزاب ~~آية (1): # ولا تطع الكافرين ~~والمنافقين ~~. # وبمقياس هذا البذل السخي في سبيل الدين تقاس كراهة الرجل للدين الجديد، وهي كراهة ~~الهرم التي تبقى إلى الموت؛ لأنه فوجئ بالإسلام وهو يقارب الثمانين وظل على الكيد ~~له حتى مات بعيد الهجرة وقد نيف على الخامسة والتسعين. ~~••• # وكان خالد فتى ناشئا يوم ظهر النبي بالدعوة الجديدة، فنفر منها كما نفر قومه ~~أجمعون، وزاد على النفرة لهبا من حمية صباه، وتحفزا فتيا يسبق به أباه. # فما هو إلا أن بلغ مبلغ الزعامة في القتال حتى تجرد لها بعزيمة الفتوة وشجاعة ~~البطولة، ولم تنقض سنتان على موت أبيه حتى كان قائد الميمنة في وقعة أحد ~~المشهورة، وتولى الهجمة التي مالت بكفة النصر من جانب المسلمين إلى جانب ~~المشركين. # وذلك أن النبي - عليه السلام - أقام الرماة من وراء جيشه وقال لهم: «قوموا على ~~مصافكم هذه فاحموا ظهورنا، فإن رأيتمونا قد انتصرنا فلا تشركونا، وإن رأيتمونا ~~نقتل فلا تنصرونا.» فلما ولى المشركون منهزمين وتبعهم المسلمون مغتنمين، خالفت ~~كثرة الرماة وصاية النبي وتصايحوا بينهم: «ما مقامنا هاهنا وقد انهزم المشركون»، ~~فكانت هي الغرة التي اهتبلها خالد، ولم تذهله عنها الهزيمة المطبقة بقومه، فكر ~~بالخيل وتبعه عكرمة بن أبي جهل صاحب الميسرة وداروا من وراء جيش المسلمين، فحملوا ~~على من بقي من الرماة، فقتلوهم وقتلوا أميرهم عبد الله بن جبير، وانتقضت صفوف ~~المسلمين، واستدارت رحاهم، واختلطوا، فصاروا يقتتلون على غير شعار ويضرب بعضهم ~~بعضا من العجلة والدهش، وشاع أن النبي - عليه السلام - قتل في المعركة، وقتل ~~فيها حمزة وسبعون من الأنصار، وأرجف المرجفون بكبار الصحابة حتى ظن أبو سفيان أن ~~أبا بكر وعمر من القتلى، وصاح بين الصفوف: «يوم بيوم ms026 بدر والحرب سجال.» ~~••• # واشترك خالد في وقعة أخرى هي وقعة الأحزاب، أو الخندق، فكانت هي أيضا من أهول ~~الغزوات على المسلمين وأوشكت أن تحيق بهم دوائرها ، لولا يقظة علي ابن أبي طالب ~~ووقيعة بعض الدهاة بين أحزاب قريش وهبوب الريح التي عصفت ببيوتهم وقدورهم وزادتهم ~~يأسا من اقتحام الخندق الذي حفره المسلمون حول المدينة، وفي هذه الغزوة يقول ~~القرآن الكريم: # يا أيها الذين آمنوا اذكروا ~~نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا ~~عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما ~~تعملون بصيرا * إذ جاءوكم من فوقكم ~~ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت ~~القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا * هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا ~~شديدا ~~(الأحزاب: 9-11). # وقد كان خالد في هذه الغزوة يطوف بخيله حول الخندق يلتمس مضيقا يقحم منه الخيل، ~~فأعياه، وفشل عمرو بن ود حين حاول العبور من إحدى نواحيه. فلما حبطت حملة عمرو ~~وقتله علي بن أبي طالب. بات المشركون ليلتهم يقسمون كتائبهم لكل فريق من المسلمين ~~كتيبة تدهمه مع الصباح، فكان خالد هو الموكل بالنبي - عليه السلام - في كتيبة ~~غليظة من خيل قريش والأحزاب، فاندفع يقاتل سحابة النهار وهويا من الليل، إلى أن ~~تحاجز الفريقان ورجع المشركون وانصرف المسلمون إلى قبة النبي، فارتد خالد بعد ~~هنيهة يطلب الغرة، وكاد أن يظفر بها لولا حرس من المسلمين بقيادة أسيد بن حضير ~~تنبه له وفوت عليه غرضه. ثم انقطع القتال وهو لا يزال على الطلب والطواف، وكان آخر ~~من ترك الحومة بعد يأس الأحزاب من عبور الخندق ودخول المدينة، فلبث هو وعمرو بن ~~العاص على ساقة الجيش في مائتي فارس ردءا للجيش كله، مخافة أن يتعقبه ~~المسلمون. ~~••• # وتصدى خالد مرة أخرى للنبي - عليه السلام - في سنة الحديبية وهو في طريقه إلى ~~مكة، وكان النبي قد خرج إليها معتمرا في نحو ألف وخمسمائة من المسلمين لا يحملون ~~سلاحا غير السيوف في القرب، فأوجس المشركون خيفة أن يكون قدومه إلى البيت الحرام ~~للقتال لا للعمرة، وندبوا خالدا في مائتي فارس ms027 للقائه قبل بلوغ مكة. فدنا خالد ~~حتى نظر إلى أصحاب رسول الله، وأمر رسول الله عباد ابن بشر فتقدم في خيله وأقام ~~بإزائه وصف من ورائهم رجاله ، ثم حانت صلاة الظهر فصلى رسول الله بأصحابه صلاة ~~الخوف، وهم خالد أن يغير عليه لولا نخوة من الفروسية أبت له العدوان على ~~المسالم وقمعت فيه طمع الرئيس المغيظ على مكانته وعروض دنياه، فعلت هنا كفة ~~الفارس النبيل على كفة الرئيس الموتور، وقال خالد يصف ذلك بعد إسلامه: «هممنا أن ~~نغير عليه ثم لم يعزم لنا، وكان فيه خيرة، فاطلع على ما في أنفسنا من الهجوم به ~~فصلى بأصحابه العصر صلاة الخوف، فوقع ذلك مني موقعا، وقلت الرجل ممنوع.» # إلا أنه مع هذا بقي على لدده في خصومة الإسلام ومعاندة نفسه دون الإصغاء له والنظر ~~إليه. فلما صالح النبي قريشا ودخل مكة في عمرة القضية كره خالد أن يشهد دخوله، ~~وتغيب من جوار البيت ريثما يعتمر المسلمون ويرجعون من حيث أتوا، وهو معفي النظر من ~~رؤية شيء لا يستحبه ولا يخلي بينه وبين حربه. # كذلك كانت كراهة خالد للإسلام بعد كراهة أبيه. # ومن وثباته هذه، ولجاجه ذاك، يغلب على الظن أن كراهته كانت من نوع تلك الكراهة ~~التي هي أقرب إلى المبارزة والمناجزة منها إلى المقت والضغينة؛ لأنها لا تعني ~~صاحبها بالبعد من موضوعها كما تعنيه بالاشتغال به والعكوف عليه، كأنه زميل ~~المبارزة اللازم لإتمام الصراع وإذكاء حرارته وامتحان قدرة النفس عليه. # وهذه الحرارة حركة جياشة في النفس وليست كذلك الموات الذي تنقبض عليه النفس في ~~الشيخوخة الفانية، وكذلك الضغن الذي يتغذى بقبحه المخزون في طبيعة منغولة معدومة ~~الخير والنجدة. # مثل هذه الحركة الجياشة في النفس الحية الفتية كالسيل المتدفع الآتي في واديه ~~المحيط بجانبيه، يظل متدفعا آتيا ما بقي في الوادي وما انهمر عليه الغيث من ~~ضفتيه، ولكنه إلى أمد لا محالة؛ لأنه سينتهي إلى مفترق الوادي فلا يجيش ولا ~~يتدفع، وسيقصر عنه الغيث فلا يربو ولا يترع، وسيكون طريقه مع الوادي ms028 المفترق غير ~~طريقه مع الوادي المحصور. # والوادي هنا قد افترق في مجراه شعبة بعد شعبة منذ عهد قريب وإن لم ينته بعد إلى ~~غاية المفترق في الأرض البراح. # افترق الوادي قليلا حين انقسم بيت المغيرة بين معسكر الجاهلية ومعسكر الإسلام، ~~وأصبح في معسكر الإسلام أخوان حبيبان إلى خالد، وهما الوليد وهشام. # وافترق قليلا يوم أصغى أبوه إلى القرآن، فحدث آل بيته عنه ذلك الحديث الذي أرابهم ~~وأشجاهم، فحسبوه قد صبأ عن دينه وسألوه عن نبأ محمد فأوشك أن يقع في قلبه أنه وحي ~~السماء لو لم ينطق لسانه بأنه السحر الذي يفرق بين الرجل وزوجه والولد وبنيه ~~والسيد ومولاه. # وافترق قليلا يوم شهد خالد سكينة المسلمين في طريق الحديبية وهم قائمون للصلاة، ~~وهجس في خاطره أن يغير عليهم فصدته عنهم رهبة الصلاة ونخوة الفارس المحجم عن ~~الغدر والغيلة، وسرى في روعه أن لمحمد لسرا وأن الرجل لممنوع. # وكان لتلك الحركة الجياشة مدد من تحريك الكتائب وتجريد الطلائع وإقامة الأرصاد ~~والتقاء الجموع واتفاق الكلمة بين المشركين على الحرب والعداء، فإذا هم يتبلبلون ~~مختلفين بعد صلح الحديبية، وإذا بصلح الحديبية يلقي السلاح من الأيدي سنين طوالا ~~لا لقاء فيها ولا نزال، ولا سورة من غضب ولا جذوة من غيظ مثار. # ومات الشيوخ الذين كانوا يخيمون بوقارهم وجمودهم على العقول، وتهيأ الجو للسؤال: ~~فيم هذا العداء والنضال؟ أمن أجل الكعبة ومحمد يرعاها ويحترم جوارها ويحج إليها؟ ~~أم من أجل العصبية القومية وشرف محمد شرف العرب أجمعين؟ أم من أجل الكرامة ومحمد ~~يصون للعزيز كرامته ويعرف للحسيب قدره؟ # ومن أين لمحمد ذلك النصر المبين بعد النصر المبين؟ # ومن له تلك المهابة التي ترد عنه الأعين والأيدي من قريب؟ # ومن أين له ذلك العون الذي يدركه وقد أحاطت به الهزيمة من كل فج، فإذا هو ناصل ~~منها وإذا هو الطارد الظافر وقد خيل إليهم أنه الطريد المخذول؟ # ومن أين للمسلمين ذلك الأدب وذلك الخشوع؟ ومن أين للنبي بينهم ذلك السلطان الصادع ~~والصوت المسموع؟ # لقد رآهم ms029 ورآه سيد أهل الطائف عروة بن مسعود، فعاد إلى قومه يقول: «والله يا معشر ~~قريش ... جئت كسرى في ملكه، وقيصر في عظمته فما رأيت ملكا في قومه مثل محمد بين ~~أصحابه، ولقد رأيت قوما لا يسلمونه بشيء أبدا، فانظروا رأيكم فإنه عرض عليكم ~~رشدا، فاقبلوا ما عرض عليكم فإني لكم ناصح، مع أني أخاف ألا تنصروا عليه.» # ولقد رأوه بعد ذلك في عمرة القضية لا يتوضأ إلا كاد المسلمون يقتتلون عليه، وإذا ~~تكلموا خفضوا أصواتهم عنده، ولا يحدون النظر إليه، ورأوهم في نظامهم ومودتهم وصدق ~~إيمانهم وخالص نياتهم، فأكبروهم وعز عليهم أن يصغروهم أو يتمادوا في الزراية بهم ~~والإعراض عنهم، وانقلبوا إلى أنفسهم فإذا هم مرتابون في الغد متدابرون في المقصد، ~~منهزمون وهم الأكثرون، محجمون وهم المتربصون، فحانت الساعة لوزن الأمور ومراجعة ~~الحاضر والمصير، وفرضت هذه المراجعة فرضا على كل ذي بصر بالقيادة في معارك النضال ~~أين تفشل وأين يتسع لها المجال، فإذا بالرجلين المفطورين على توجيه الوجوه قد ~~انتهيا إلى رأي في مصير المعركة بين الجاهلية والإسلام في ساعة واحدة، وعلما أين ~~يقف الدينان المتناجزان من حق النصر وعوارض الهزيمة، وهما عبقريا قريش في أصول ~~القيادة على تباين السن والمذهب والمزاج: خالد بن الوليد وعمرو بن العاص. # وفي تلك الآونة التي يشتد فيها الجذب والدفع بين الإنسان وقرارة ضميره، وتجب فيها ~~الموازنة وجوبا على كل ضليع يها قادر عليها، لم يترك خالد لنفسه ولم يلبث أن ~~جاءته الدعوة التي تنصره على عناده وتخرجه من تردده، وتستدعي منه البث العاجل ~~بجوابه، وتمسح الغضاضة التي لعلها كانت تثنيه عن تلبية ضميره. # وتلك رسالة من أخيه له من كلام محمد ولا غنى فيها عن جواب. # قال أخوه الوليد: «... أما بعد ... فإني لم أر أعجب من ذهاب رأيك عن الإسلام، وعقلك ~~عقلك، ومثل الإسلام يجهله أحد؟!» # ثم مضى يقول: «سألني رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فقال: أين خالد؟ فقلت: يأتي الله به. فقال: ~~ما مثل خالد يجهل الإسلام، ولو كان جعل نكايته ms030 وحده مع المسلمين على المشركين لكان ~~خيرا له، ولقدمناه على غيره. فاستدرك يا أخي ما فاتك منه، فقد فاتتك مواطن ~~صالحة.» # تلك كانت هي الدعوة التي جاءت في أوانها. # وكان إسلام خالد هو الجواب. # فهي مراحله الطبيعية التي لا بد له من عبورها بين الجاهلية والإسلام؛ لم يكن ~~طبيعيا أن يلبي أول دعوة وهو هو في قريش صاحب معقلها المنيع. # ولم يكن طبيعيا أن يلبي الدعوة في وطيس الحرب ومحتدم العداء. # ولم يكن طبيعيا أن يسكن هنيهة إلى الموازنة وقد انقسم بيته، ثم انقسمت نفسه، ثم ~~جاءته الدعوة الكريمة في حينها فلا يكون الإسلام جوابه المنظور. # فهو قد انتقل من الإصرار إلى القتال، إلى الموادعة، إلى الموازنة، إلى الترجيح، إلى ~~الإجابة، ولو عجل بواحدة من هذه الخطوات لكانت هذه العجلة هي مكان العجب وهي الأمر ~~المخالف لطبائع الأمور. # وقد أسلفنا أن الإسلام كان في أمر خالد ضربا من التسليم، فنعيد هنا أنه تسليم ~~القائد في معركة نفسية وليس بتسليم القائد في معركة حسية وكفى، ولهذا عناه أن ~~يستغفر له النبي ربه عن ماضيه، ولم يكن قصاراه أن يرحب به النبي ويسلكه بين صحابته ~~ومريديه، فقال: «يا رسول الله ... قد رأيت ما كنت أشهد من تلك المواطن عليك معاندا ~~عن الحق، فادع الله يغفرها لي.» # فأجابه النبي عليه السلام: أن الإسلام يجب ما كان قبله. # فعاد خالد يؤكد رجاءه ويقول: يا رسول الله، وعلى ذلك! # فدعا النبي ربه: اللهم اغفر لخالد بن الوليد كل ما أوضع فيه من صد عن سبيلك. # فرضي خالد واستراح ... # ولا يكون هذا إلا تسليم القلب نفض عنه الكفر، وليس تسليم اليد رمت منها ~~السلاح. # وأحرى بنا أن نرجع إلى كلام خالد؛ لبيان تاريخ إسلامه وسبب اهتدائه وتلخيص الأحاديث ~~التي كاشف بها خلصاءه قبل لحاقه بالنبي في المدينة ليسلم على يديه، فإنه أجمل ذلك ~~كله إجمالا يفصح عن تلك الأطوار النفسية التي ساورته وإن لم يقصد إلى الإفصاح ~~عنها، ولعل صدورها منه على البديهة أبين لها، وأقرب ms031 إلى توكيدها من الشرح ~~المقصود. # قال: «لما أراد الله بي من الخير ما أراد، قذف في قلبي حب الإسلام وحضرني رشدي ~~وقلت: قد شهدت هذه المواطن كلها على محمد، فليس موطن أشهده إلا وأنصرف وإني أرى في ~~نفسي أني موضع في غير شيء وأن محمدا سيظهر، فلما خرج رسول الله # صلى الله عليه وسلم # إلى ~~الحديبية خرجت في خيل المشركين فلقيت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # في أصحابه بعسفان، فقمت ~~بإزائه وتعرضت له، فصلى بأصحابه الظهر إماما، فهممنا أن نغير عليه ثم لم يعزم ~~لنا. وكان فيه خيرة. فاطلع على ما في أنفسنا من الهجوم به فصلى بأصحابه العصر صلاة ~~الخوف، فوقع ذلك مني موقعا وقلت: الرجل ممنوع، وافترقنا وعدل على سنن خيلنا، فأخذ ~~ذات اليمين، فلما صالح قريشا بالحديبية ودافعته قريش بالراح قلت في نفسي: أي شيء ~~بقي؟ أين المذهب؟ أإلى النجاشي؟ فقد اتبع محمدا وأصحابه آمنون عنده، فأخرج إلى ~~هرقل؟ فأخرج من ديني إلى نصرانية أو يهودية؟ أفأقيم في عجم؟ أو أقيم في داري فيمن ~~بقي؟» ~~«وبينما أنا كذلك إذ دخل رسول الله # صلى الله عليه وسلم # في عمرة القضية، وتغيبت فلم أشهد ~~دخوله، وكان أخي الوليد قد دخل مع النبي # صلى الله عليه وسلم # في تلك العمرة، فطلبني فلم ~~يجدني. فكتب إلي كتابا فإذا فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد، فإني لم أر ~~أعجب من ذهاب رأيك عن الإسلام، وعقلك عقلك، ومثل الإسلام يجهله أحد؟! وقد سألني ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فقال: أين خالد؟ فقلت يأتي الله به، فقال: ما مثل خالد يجهل ~~الإسلام؟ ولو كان جعل نكايته وحده مع المسلمين على المشركين لكان خيرا له، ~~ولقدمناه على غيره، فاستدرك يا أخي ما فاتك منه، فقد فاتتك مواطن صالحة».» ~~«فلما جاءني كتابه نشطت للخروج وزادني رغبة في الإسلام، وسرتني مقالة رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، ورأيت في النوم كأني في بلاد ضيقة جدبة، فخرجت إلى بلد أخضر واسع، فقلت: ~~إن هذه الرؤيا ms032 حق! فلما قدمت المدينة قلت لأذكرنها لأبي بكر، فذكرتها ~~فقال: هو مخرجك الذي هداك للإسلام، والضيق الذي كنت فيه الشرك. فلما أجمعت الخروج ~~إلى رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قلت: من أصاحب إلى محمد؟ فلقيت صفوان بن أمية، فقلت: أما ~~ترى يا أبا وهب؟ أما ترى ما نحن فيه؟ إنما نحن أكلة رأس، وقد ظهر محمد على العرب ~~والعجم، فلو قدمنا عليه فاتبعناه؟ فإن شرف محمد شرف لنا. فأبى علي أشد الإباء، ~~وقال: لو لم يبق غيري من قريش ما تبعته أبدا، فافترقنا، وقلت: هذا رجل موتور يطلب ~~وترا، قتل أبوه وأخوه ببدر. ولقيت عكرمة بن أبي جهل، فقلت له مثل ما قلت لصفوان، ~~فقال لي مثل ما قال صفوان ... فقلت له: فاطو ما ذكرت لك ... وخرجت إلى منزلي، فأمرت ~~براحلتي تخرج إلي، إلى أن ألقى عثمان بن أبي طلحة، وهو صديق لي أذكر له ما ~~أريد. ثم تذكرت من قتل من آبائه فكرهت أن أذكره، ثم قلت: وما علي وأنا راحل من ~~ساعتي؟ فذكرت له ما صار الأمر إليه، وقلت: إنما نحن بمنزلة ثعلب في جحر لو صب عليه ~~ذنوب من ماء خرج، وقلت له نحوا مما قلته لصاحبيه، فأسرع الإجابة ... وأدلجنا بسحرة ~~فلم يطلع الفجر حتى التقينا بيأجج - على ثمانية أميال من مكة - فغدونا حتى انتهينا ~~إلى الهدة، فوجدنا عمرو بن العاص بها فقال: مرحبا بالقوم. قلنا: وبك. فقال: أين ~~سيركم؟ قلنا: ما أخرجك؟ قال: فما الذي أخرجكم؟ قلنا: الدخول في الإسلام واتباع ~~محمد قال: وذاك الذي أقدمني. فاصطحبنا جميعا حتى قدمنا المدينة، فأنخنا بظاهر ~~الحرة ركائبنا، وأخبر بنا رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فسر بنا. فلبست من صالح ثيابي، ~~ثم عمدت إلى رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فلقيني أخي فقال: أسرع فإن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أخبر بقدومك فسر بقدومك وهو ينتظركم، فأسرعت المشي، فطلعت فما زال يبتسم إلي حتى ~~وقفت عليه، فسلمت عليه بالنبوة، فرد علي السلام بوجه طلق فقلت: إني ms033 أشهد أن لا ~~إله إلا الله وأنك رسول الله. فقال: الحمد لله الذي هداك، وقد كنت أرى لك عقلا ~~ورجوت ألا يسلمك إلا لخير.» # إلى أن قال : «وتقدم عمرو وعثمان فبايعا رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وكان قدومنا في شهر صفر ~~من سنة ثمان، فوالله ما كان رسول الله يوم أسلمت يعدل بي أحدا من أصحابه فيما ~~حزبه.» # فهذا السرد البسيط قد يحوم بنا حول الخالجة الأولى التي حركت قلب خالد إلى الإيمان ~~بالدين الجديد، ونحسب أنها قد خالجته يوم التقائه بالمسلمين في طريقهم إلى مكة ~~قبيل صلح الحديبية ... يوم ردته سكينة الصلاة عن جموع المسلمين وهم مسالمون قانتون ~~إلى جوار البيت الحرام، ويوم بدا له أن هذا البيت العتيق غير خاسر شيئا بدعوة ~~محمد وغلبة أصحابه على البلد الأمين، ويوم تراءى العنت من قريش أن يذودوا ابن عبد ~~المطلب عن كعبة آبائه وأجداده، ويفسحوا طريقها للوافدين من حمير، كما قال الحليس ~~بن علقمة الكناني سيد الأحابيش ... # فمنذ تلك الساعة تباعد ما بين خالد وبين الشرك وتقارب ما بينه وبين الإسلام، وطفق ~~يتباعد من هناك ويتقارب من هنا حتى كانت مبايعته النبي على ما تقدم قبل فتح مكة ~~بشهور. # وفي تحقيق هذا التاريخ - تاريخ إسلامه - خلاف غير قليل، ولكن التاريخ الذي جاء في ~~سرده المنسوب إليه أرجح التواريخ جميعا لأسباب كثيرة، ليس بأهونها ولا أوهنها ~~السبب النفساني الذي يقترن بغيره. فإن الوقت المشار إليه آنفا لهو أشبه الأوقات ~~أن يتفق فيه قائد الحرب وقائد السياسة على انتهاء الجولة بين قريش والإسلام، ولن ~~نجد وقتا هو أولى باتفاق القائدين على اختياره للتسليم من ذلك الوقت الذي تواردت ~~فيه الخواطر بين خالد بن الوليد وعمرو بن العاص. وبعده قضي الأمر ولم يبق لمكة ~~إلا أن تفتح أبوابها طائعة لمن هجرته وهجرها تلك السنوات الثماني. # وقد علم النبي - عليه السلام - جلية الأمر منذ قدم إليه الرفاق الثلاثة، فقال ~~لصحبه: رمتكم مكة بأفلاذ أكبادها، وحق للمسلمين أن يحسبوا منذ تلك الساعة أن ~~أولئك ms034 الرفاق الأفذاذ قد جاءوهم بمقاليد الكعبة ومسالك البلد الأمين. # فالواقع أن مكة قد أذنت بالفتح منذ فارقها خالد وعمرو وعثمان بن أبي طلحة، فأصبحت ~~«المدينة المفتوحة» التي نعرفها في اصطلاح هذه الأيام، وأصبحت قضية مغلقيها في وجه ~~الدين الجديد قضية عبث وحبوط. # ويخطئ الكاتبون الذين يزعمون أنها فتحت بعد شهور لأنها أخذت على غرة وزحف عليها ~~جيش المسلمين في عشرة آلاف وأهلها معجلون عن الأهبة والدفاع. # فإن النبي - عليه السلام - إنما زحف عليها؛ لأن قريشا غدرت بعهدها وسطت على حلفائه ~~من خزاعة، ثم أشفقت من القصاص فأوفدت أبا سفيان إلى النبي يستأمنه ويسأله مد العهد ~~الذي أبرم بينهم في صلح الحديبية، فأبى النبي ولم يجبه، وأحس المشركون منذ اللحظة ~~الأولى أن المسلمين زاحفون عليهم لا محالة، فلو أن قضية الشرك بقيت لها بقية ~~من عزم لاستعدوا قبل السطو بخزاعة أو بعده على الأثر وأراحوا أنفسهم من الوساطة في ~~التأجيل والمراوغة، ولكنه التسليم الذي بدأ بإسلام خالد وصاحبيه قد تراخى به الوقت ~~إلى أجله المعلوم. ~~••• # فلما جاءها المسلمون دخلوها آمنين على كثرة من بها من المشركين، وتقدم النبي صلوات ~~الله عليه في كتيبته الخضراء، وتقدم سعد بن عبادة والزبير بن العوام وخالد بن ~~الوليد إلى أبوابها فدخلوها كل من الباب الذي وكل إليه، ونهى النبي أصحابه عن ~~القتال فيها، فلم يحدث قط قتال إلا من صوب خالد بن الوليد؛ لأن صفوان بن أمية ~~وسهيل بن عمر وعكرمة بن أبي جهل رصدوا للباب الذي وصل منه وجمعوا له جمعهم فمنعوه ~~ورموه بالنبل وشهروا عليه السلاح، فبطش بهم وقتل منهم قرابة ثلاثين أكثرهم من قريش ~~وأقلهم من هذيل، وولى السادة والأتباع بعد ذلك في هزيمة نكراء. # أهو تدبير أم مصادفة أحكم من التدبير؟ # خالد دون غيره تصادفه جنود رفقائه بالأمس في جيوش المشركين فيرمونه ويرميهم، وقد ~~كانوا معا يرمون المسلمين عن قوس واحدة. # إنه حارب في صفوف الإسلام عرب الجزيرة وعرب العراق والشام، وحارب في صفوف الإسلام ~~جيوش الفرس والروم، وحارب في صفوف ms035 الإسلام كل من برز لتلك الصفوف، فما بال ~~الجاهلية القرشية وحدها ينصرها على المسلمين ولا ينصر المسلمين عليها؟ وأين يلتقي ~~بها إن فاته لقاؤها في ذلك اليوم ؟ لقد لقيها إذن في ساعتها التي لا ساعة بعدها ~~وقال النبي حين سمع بضربته: ألم أنه عن القتال؟ قالوا: إنه خالد قوتل فقاتل فقال: ~~«قضاء الله خير»، ثم قال: «لا تغزى قريش بعد هذا اليوم إلى يوم القيامة ~~...» # وغرائب الاتفاق هكذا تكون حيث تكون. # الفصل الخامس # | مع النبي صلى الله عليه وسلم # أحاط بالنبي - عليه السلام - نخبة من كبار الرجال مختلفون في الأعمار والأقدار، ~~مختلفون في البيئات والأحساب، مختلفون في الأمزجة والأخلاق، مختلفون في ملكات ~~العقول وضروب الكفايات، مختلفون في فهم الدين وبواعث الإسلام، فكان اختلافهم هذا ~~آية من أصدق الآيات على رحابة الأفق وتعدد الجوانب في نفس ذلك الإنسان العظيم، ~~وكان علمنا بكل رجل من أولئك الرجال مزيدا من العلم بعظمة هاديهم وسيدهم وموجه كل ~~منهم في وجهته التي هو أصلح لها وأقدر عليها، وهم يلتقون أول الأمر وآخره في ذلك ~~الينبوع الفياض من تلك الفطرة العلوية التي فطرها الله لهداية الأمم وقيادة ~~الرجال، بل لقادة القواد الذين يروضون الأمم والرجال. # وما من عظيم من هؤلاء العظماء إلا كان تقدير النبي إياه بقدره الصحيح آية على ~~عرفانه الشامل بخصائص النفوس وسبرة العميق لأغوار الطبائع والأفكار، ولكن تقديره ~~لخالد بن الوليد على التخصيص كان آية الآيات في هذا الباب؛ لأنه عليه السلام لم ~~يكبره إكبار السياسي الذي يستجمع القوة حواليه وينزل كل زعيم منزلة قومه من الوفرة ~~والجاه والعتاد، وإنما أكبره؛ لأنه عرف أقصى مستطاعه قبل أن يظهر من مستطاعه كثير، ~~وسماه «سيف الله» وبينه وبين الوقائع التي استحق بها ذلك اللقب الجليل بضع سنوات، ~~بل سماه سيف الله وهو قافل من معركة يتلقى المسلمون من عادوا منها بالنكير ~~والتشهير، ويحثون في وجوههم التراب ويصيحون بهم أينما وجدوهم: يا فرار. يا فرار. ~~فررتم من سبيل الله. # لم يكبر النبي خالدا كما أكبر أبا ms036 سفيان تألفا له ورعيا لمكانه في قومه، ولكنه ~~أكبره للصفة التي سيوصف بها في تاريخ الإسلام بعد اهتدائه إليه ببضع سنوات. # أكبره؛ لأنه «سيف من سيوف الله »، والناس لا يرون إلا الهزيمة والارتداد، ولم يكن ~~النبي موليه القيادة في المعركة التي ارتد منها بجيش المسلمين، فيقول قائل إنه ~~ينصر المسئول عن اختياره، وهو من ثم المسئول عن ارتداده أو فراره. ولكنه ولى ~~آخرين وترك اختياره بعدهم لمشيئة إخوانه في الجيش، فاختاروه بعد ذلك ~~مجمعين. # كثير من رؤساء الأمم يعرفون موضع الإكليل من رءوس القادة وهم منتصرون ظافرون، ولكنه ~~موضع يخفى جد الخفاء على أنظار هؤلاء الكثيرين إذا لم يدلهم عليه ضياء النصر ~~والظفر ويبقى للعين الملهمة وحدها أن تراه في ظلام المحنة والبلاء. # وقد صحب خالد النبي ثلاث سنوات، وعهد إليه النبي في كثير من الأعمال الصغيرة وأشركه ~~في بعض الأعمال الكبيرة؛ ومنها غزوة مؤتة، وغزوة حنين، وسرية بني جذيمة، فما من ~~هذه الأعمال الكبيرة عمل واحد لم يتسع فيه المقال للشانئ والحاسد ولم ينظر إليه ~~الناظر من وجهين متعادلين تارة إلى جانب العذر وتارة إلى جانب الملام، ولو أنه - ~~رضي الله عنه - قضى نحبه في السنة العاشرة للهجرة أو بعد ذلك بقليل لعجب المؤرخون ~~كيف سمي «سيف الله» وفيم استحق هذا اللقب الذي لا يعلوه لقب في الإسلام، ولكن ~~النبي وحده قد عرف قبل الحادية عشرة للهجرة أنه حقيق بذلك اللقب على أوفى مداه، ~~سماه به قبل أن يهزم المرتدين، وقبل أن يهزم الفرس والروم، وقبل أن يصون للإسلام ~~جزيرة العرب ويضم إليها العراق والشام، وهي الأعمال الجسام التي من أجلها يدعى ~~اليوم سيف الإسلام. # وإنما هو البصر العلوي الذي يلمح هذه القدرة في معدنها حيث ينظر الناس فيرون خالدا ~~مرتدا من غزوة مؤتة، أو مأخوذا مع الخيل وهي تولي في أول المعركة من ميدان ~~حنين، أو صانعا في سرية بني جذيمة ما يبرأ منه النبي عليه السلام. # ولهذا ينبغي أن توزن هذه الأعمال بميزانها الصحيح؛ لإقامة خالد نفسه ms037 في مقامه ~~الصحيح، فهي - ولا ريب - من المعدن الذي نجمت منه حروب الردة وفتوح العراق ~~والشام. ~~(1) سرية مؤتة # وأول هذه الأعمال قد اشترك فيه متطوعا بعد إسلامه بشهرين أو ثلاثة أشهر، ~~وهو سرية مؤتة التي سيرت إلى البلقاء. # وكان سبب هذه الغزوة أن النبي - عليه السلام - أرسل وفدا إلى ذات الطلح ~~بمقربة من الشام؛ ليدعوهم إلى الإسلام، فقتلوا جميعا وعدتهم خمسة عشر إلا ~~رئيسهم نجا من القتل وحده، ولعلهم أبقوا عليه عمدا؛ ليخبر بما رآه، على ~~ديدن المنكلين في إبلاغ مثلاتهم إلى من يهددونه بالتمثيل والتنكيل. # وأرسل عليه السلام الحارث بن عمير الأزدي رسولا إلى هرقل، فقتله شرحبيل ابن ~~عمرو الغساني وهو في الطريق. # فأشفق عليه السلام من عقبى السكوت على كلتا الفعلتين وهو غير مأمون ... وعلم ~~أن قبائل الجزيرة العربية نفسها قد أذعنت للدعوة الجديدة ومنها المتربص ~~للغدر متى قدر عليه، والموهون الإيمان الذي لا يصبر على الإغراء ~~والاستثارة، فإذا استضعف الغسانيون وجيران الغسانيين شأن النبي وأفلتوا من ~~جرائر فعلة كتلك الفعلة اللئيمة جرأهم ذلك عاجلا على اقتحام الصحراء ~~للنقمة من المسلمين، فتهب القبائل لنصرتهم في طريقهم وتمدهم الدولة ~~الرومانية بالمال والسلاح تقريرا لهيبتها في عيون أولئك البدو الذين جهلوا ~~بأسها ووهموا أنهم قادرون عليها؛ إذ لا مطمع للدولة الرومانية في مقاتلة ~~المسلمين وإخضاع الجزيرة بغير هذه الوسيلة، ولا سبيل إلى تسيير الجنود ~~الرومانيين بنظامهم المعروف ومعاهداتهم الكثيرة لمنازلة المسلمين في عقر ~~دارهم من وراء المفاوز والنجود، وتسييرهم بحرا إلى شواطئ الحجاز لا يغنيهم ~~عن الاستعانة بأناس من العرب وأهل البادية، وهم أولى أن يستعينوا على هذا ~~المطلب بأتباعهم الأقدمين في تخوم الشام. # فلم يجد عليه السلام مناصا من الثأر لأصحابه المقتولين، وجرد لتأديب ~~المعتدين جيشا صغيرا لا تتجاوز عدته ثلاثة آلاف، وكان في ذلك الجيش خالد ~~بن الوليد ونخبة من أقدم الصحابة عهدا بالإسلام، فلم يتول خالد قيادته؛ ~~لأنه كان على الأرجح أحدثهم عهدا بالدخول فيه، وتولاها زيد بن حارثة «فإن ~~أصيب فالرئيس جعفر بن أبي طالب، فإن ms038 أصيب فعبد الله بن رواحة، فإن أصيب ~~فليرتض المسلمون بينهم رجلا فليجعلوه عليهم.» # وأمرهم عليه السلام أن يذهبوا إلى حيث قتل الرسول فيدعوا القوم إلى الإسلام، ~~فإن أجابوا وإلا فالقتال، وأوصاهم: «ألا تغدروا ولا تغلوا، ولا تقتلوا ~~وليدا ولا امرأة ولا كبيرا ولا فانيا ولا معتزلا بصومعة، ولا تقربوا ~~نخلا ولا تقطعوا شجرا ولا تهدموا بناء.» # ولا شك أن هذا الجيش إنما كان بالوصف العصري «حملة تأديبية وبعثة استطلاع» ~~يقاد على هذا الاعتبار ومن أجل هذه الغاية، ولا يراد به بداهة أن يحطم قوة ~~الدولة الرومانية أو يفتح البلاد التي كانت يومئذ في يديها ... # فمضى لهذه الوجهة حتى نزل معانا وأقام بها ليلتين، وسمع المسلمون هناك ~~أن هرقل قد عسكر بمآب في مائة ألف من الروم، ومائة ألف من قبائل لخم ~~وجذام والقين وبهراء وبلى على أهبة اللقاء. # وقد يقع في الخاطر أن الروم علموا بمسير جيش المسلمين فأعدوا هذه الجحافل ~~الجرارة ثم سيروها إلى تخوم الدولة في مدى الأيام التي مضت من خروج جيش ~~المسلمين إلى بلوغهم أرض معان، وهو خاطر بعيد جد البعد لما هو معلوم من ~~صعوبة جمع الجيوش وتسييرها في مثل هذه السرعة، ولما يبدو من ضخامة هذه ~~الجحافل بالقياس إلى القوة الإسلامية التي مهدوا للقائها، ولم يكن ليفوتهم ~~أن يعلموا بحقيقتها لو أنهم تلقوا الخبر بخروجها ممن رآها ... # والأرجح أن هرقل إنما كان في جموعه هنالك في زيارة الشكر التي نذر لله أن ~~يؤديها إذا هو ظفر بالفرس ورد منهم صليب الكنيسة الكبرى الذي حملوه معهم ~~يوم فتحوا بيت المقدس، وربما كان هرقل قد بارح بيت المقدس في ذلك الحين، ~~وتخلفت جيوش ركابه لأدار هذه الفريضة معه، أو للقيام بمراسم الحفاوة في تلك ~~الزيارة التاريخية. # ورأى المسلمون أن مدد الروم حاضر على مقربة منهم، وأن الحرب بين عسكرين ~~على هذا التفاوت البعيد عمل غير مجد، ولم يكن منظورا ولا مقصودا عند مسير ~~الجيش من المدينة، فرجع بعضهم وتمهل الأكثرون منهم؛ ليستأذنوا النبي فيما ~~يصنعون، وغلبت ms039 حماسة الشاعر وحمية الشهيد على عبد الله بن رواحة فانتهر ~~المترددين والمثبطين وقال لهم: «يا قوم! والله إن التي تكرهون للتي خرجتم ~~تطلبون؛ الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا ~~بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين: إما ~~ظهور وإما شهادة!» # فاستمعوا إليه ولم يشاءوا بأية حال أن يرجعوا قبل الانتهاء إلى مقصدهم الذي ~~خرجوا من أجله، وهو إبلاغ الدعوة إلى قاتلي الرسول النبوي وإبراء الذمة ~~إليهم قبل القصاص، إن وجب قصاص. # فتقدموا من معان إلى مؤتة على مسيرة نحو ليلتين، وفيها حصن للغسانيين يقيم ~~به أمير منهم في خدمة الرومان. # واحتمى الأمير الغساني منهم بحصنه ثلاثة أيام، لعله كان ينتظر فيها مددا أو ~~أمرا من رؤسائه، ثم التقى الفريقان على مزرعة في جوار البلدة، فاستمات من ~~بقى من جيش المسلمين، وحاربوا على ما يظهر وهم مفاجأون؛ لأننا لم نسمع في ~~أخبار الوقعة بتوجيه الدعوة أو الإجابة عليها؛ ولأن قائدا منهم أعجل عن ~~طعامه ولم يذق القوت ساعات، فلما فوجئوا بالقتال لم تدع لهم المفاجأة من ~~خطة غير خطة الصمود للخطر والثبات في وجهه مخافة المصاب الأكبر في هذه ~~الحالة؛ وهو مصاب الذعر والدهشة والملاحقة بلا هوادة. # وكأنما استحى القادة الثلاثة أن يرشحوا للموت ويرجعوا دونه ابتغاء ~~النجاة، فقاتل زيد بن حارثة حتى قتل، وأحاط القوم بجعفر بن أبي طالب وهو ~~يحمل اللواء ويثير من حوله نخوة المسلمين، فأنحوا عليه بالضرب الدراك حتى ~~قطعت يمينه، ثم قطعت شماله، ثم ضم اللواء إلى عضديه، ولبث يناضل عنه إلى أن ~~مات. # ودعي ابن رواحة إلى الرئاسة، فجاءه ابن عم له بعرق من لحم، وقال له: شد ~~بهذا صلبك فإنك قد لقيت في أيامك هذه ما لقيت، فأخذه من يده فانتهش منه ~~نهشة، ثم سمع الحطمة في ناحية المعترك فألقاه من يده، وجرد سيفه وهو ~~ينشد: # يا نفس إلا تقتلي تموتي # هذا حمام الموت قد صليت # وما تمنيت فقد أعطيت # إن تفعلي فعلهما هديت ms040 # فطفق يصول بين الصفوف ويهدر بالشعر حتى قتل والمعركة في أشدها. # فما هي إلا لحظة حتى دبر المسلمون أمر الرئاسة بوحي البديهة ونور العقيدة ~~وهداية الفداء التي تهدي إلى المصلحة الكبرى وتغفل كل مصلحة دونها. وإذا ~~باللواء يأخذه في تلك اللحظة ثابت بن أقرم من بني العجلان، وينادي في ~~أصحابه: «يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم». قالوا: «أنت»، قال: «لا ~~ما أنا بفاعل»، فاتفقت الكلمة على خالد بن الوليد، فإذا هو يتولى القيادة ~~في حينها ويصنع لساعته خير ما يصنع في ذلك الحين. # وخير ما يصنع في ذلك الحين هو الارتداد المأمون ... # وهو أصعب من النصر في بعض المآزق؛ لأن النصر ميسور مع اجتماع العدة له ~~واحتمال الشدة فيه، ولكن الارتداد المأمون غير ميسور لكل من يريده وهو في ~~أضعف الموقفين ... إلا أن تكون له خبرة بالقيادة تكافئ الرجحان في قوة العدو ~~الذي يرتد بين يديه. # وأول شيء ينبغي أن يحتاط به لارتداده هو أن يوقع في روع عدوه أنه لا ينوي ~~الارتداد بل ينوي الهجوم أو يقصد إلى الحيلة. # فصمد في الميدان حتى المساء. # ثم بدل مواقف الجيش تحت الليل فنقل الميمنة إلى الميسرة، ونقل الميسرة إلى ~~الميمنة، وجعل الساقة في موضع المقدمة، والمقدمة في موضع الساقة، ورصد من ~~خلف الجيش طائفة يثيرون الغبار ويكثرون الجلبة عند طلوع الصباح. فلما طلع ~~الصباح على الفريقين، إذا بكل طائفة من طوائف الغسانيين والروم ترى قبالتها ~~وجوها غير الوجوه وأعلاما غير الأعلام، وإذا بالجلبة مع هذا الاختلاف في ~~الوجوه والأعلام توهم القوم أن مددا جديدا أقبل على جيش المسلمين، ~~وكانوا قد ذاقوا منهم أمر المذاق بغير مدد وهم مفاجأون، فلما ذهب خالد ~~يدافع القوم ويخاشي بجيشه لم يتبعوه حذرا من الكمين وتوقعا للإحاطة بهم ~~من ورائهم، وأبلى خالد في هذه المدافعة والمخاشاة بلاء لم يبله قط في ~~غزواته الكبرى على كثرتها. فاندقت في يده تسعة سيوف ولم تصبر معه إلا صفيحة ~~يمانية، وكان هذا التراجع المحمي بشجاعة المستميت غطاء صالحا للجيش ms041 ~~الصغير في مواجهة الجيش الكبير. فقفل إلى المدينة بسلام، وعرف خالد منذ ذلك ~~اليوم بلقبه الذي أضفاه عليه النبي وهو سيف الله، وعاد الناس يقولون مع ~~النبي إنهم الكرار بإذن الله وليسوا بالفرار ... # وقد سمعنا في عصورنا هذه بالألقاب الكبار تضفى على القادة لأنهم نجحوا في ~~خطة ارتداد لا محيص منها. فتلك هي السنة النبوية تسبق النظم العصرية إلى ~~تقدير القائد البارع بقيمة النجاح في ارتداده كما تقدره بقيمة النجاح في ~~تقدمه وانتصاره. ولو أن خالدا ملكته فطرة المجازفة ولم تملكه فطرة ~~القيادة البصيرة لساءت العقبى أيما سوء وتعرضت الدعوة الإسلامية لمحنة لا ~~نعرف مداها الآن. ولربما تعرضت لهذه المحنة من جانب الجزيرة العربية قبل أن ~~تتعرض لها من جانب الروم والغسانيين؛ لأن الجيش قد خرج من المدينة تأديبا ~~لأناس متصلفين قتلوا رسولا واحدا أو قتلوا وفدا لا تجاوز عدته خمسة عشر. ~~فإذا تورط هذا الجيش في الزحف حتى اصطلم # 1 # كله ولم يعد منه أحد، فكيف يكون وقع هذا التأديب المعكوس في ~~نفوس البادية المتحفزة أو في نفوس أهل مكة ولما تسلم مفاتيحها للمسلمين؟ ~~إنه ليبعث السخرية والاستهانة من حيث أريدت له الهيبة والمنعة، وإنه ليثير ~~من الفتن ومساوئ الظنون ما يصعب استدراكه في سنين. # ولكن الجيش قد عاد وأبلى في أعدائه، وتسامعت الجزيرة بعدد الجحافل الهرقلية ~~التي حسبتها مرصدة له ولم تقدر على تمزيقه ولا أصابت منه غير اثنى عشر ~~قتيلا منهم القادة الثلاثة الذين ندبوا للشهادة قبل خروجه، فالسرية إذن قد ~~نهضت بأمانتها، ووقع في نفوس المسلمين من فرط الثقة ببأسهم أنها كانت قادرة ~~على جهاد أعظم من جهادها وثبات أطول من ثباتها، وهي مغالاة في القوة والبأس ~~خير من المغالاة في الضعف والخور، ولا ضرر منها ما شفعتها تلك البصيرة ~~العلوية التي تضع الأمور في نصابها، وتصف النجاح بصفاته ولو بدا للناس في ~~ثياب الإخفاق. ~~(2) بنو جذيمة # وقد أثنى النبي على خالد في مهمة لم يندبه لها، ولم يرشحه لها مرشح غير ~~كفاءته واتفاق رأي المسلمين ms042 فيها. # ولكنه لامه وبرئ من عمله حين أخطأ في مهمة ندبه لها بعد فتح مكة، وهي السرية ~~التي قادها إلى بني جذيمة ليكشف عن طويتهم ويدعوهم إلى الإسلام . # فبعد فتح مكة، توجهت عنايته عليه السلام إلى تطهير البوادي المحيطة بها من ~~عبادة الأصنام فأرسل السرايا إلى قبائلها: لدعوتها والاستيثاق من نياتها، ~~ومنها سرية خالد إلى بني جذيمة في نحو ثلاثمائة وخمسين من المهاجرين ~~والأنصار وبني سليم ... أرسلهم دعاة ولم يأمرهم بقتال. # وكان بنو جذيمة «شر حي في الجاهلية يسمون لعقة الدم، ومن قتلاهم الفاكه ~~ابن المغيرة وأخوه عما خالد بن الوليد، ووالد عبد الرحمن بن عوف، ومالك بن ~~الشريد وإخوته الثلاثة من بني سليم في موطن واحد» وغير هؤلاء من قبائل ~~شتى. # فلما أقبل عليهم خالد وعلموا أن بني سليم معه لبسوا السلاح وركبوا للحرب ~~وأبوا النزول، فسألهم: أمسلمون أنتم؟ فقيل إن بعضهم أجابه: نعم! وبعضهم ~~أجابه: صبأنا! صبأنا! أي تركنا عبادة الأصنام، ثم سألهم: فما بال السلاح ~~عليكم؟ قالوا: إن بيننا وبين قوم من العرب عداوة فخفنا أن تكونوهم فأخذنا ~~السلاح، فناداهم: ضعوا السلاح فإن الناس قد أسلموا، فصاح بهم رجل منهم يقال ~~له جحدم: ويلكم يا بني جذيمة! إنه خالد، والله ما بعد وضع السلاح إلا ~~الإسار وما بعد الإسار إلا ضرب الأعناق، والله لا أضع سلاحي أبدا. فما ~~زالوا به حتى نزع سلاحه فيمن نزع وتفرق الآخرون. فأمر خالد بهم فكتفوا ~~وعرضهم على السيف، فأطاعه في قتلهم بنو سليم ومن معه من الأعراب، وأنكر ~~عليه الأنصار والمهاجرون أن يقتل أحدا غير مأمور من النبي # صلى الله عليه وسلم # بالقتال، ثم انتهى الخبر إلى النبي فرفع يديه إلى السماء وقال ثلاثا: ~~«اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد»، وبعث بعلي بن أبي طالب إلى ~~بني جذيمة فودى دماءهم وما أصيب من أموالهم ... قيل إنه «كان يدي حتى ميلغة ~~الكلب» ويسألهم: أبقي دم أو مال لم يود لكم؟ فلما اكتفوا ورضوا فرق بينهم ~~بقية المال «احتياطا لرسول ms043 الله» وقد سأل رسول الله فتى من جذيمة انفلت ~~إليه لينبئه نبأ خالد مع آله وذويه: هل أنكر عليه أحد؟! قال: نعم، قد أنكر ~~عليه رجل أصفر ربعة ، ورجل طويل أحمر، فاشتدت مراجعتهما. وكان عمر بن الخطاب ~~بمجلس رسول الله، فقال: أما الأول يا رسول الله فابنى عبد الله، وأما الآخر ~~فسالم ... مولى بني حذيفة ... # ويعزى إلى خالد أنه استند في قتالهم إلى قول عبد الله بن حذافة: «إن رسول ~~الله قد أمرك أن تقاتلهم لامتناعهم عن الإسلام.» # وقد عم النكير على الحادث بين أجلاء الصحابة، من حضر منهم السرية ومن لم ~~يحضرها، واشتد عبد الرحمن بن عوف حتى رمى خالدا بقتل القوم عمدا ليدرك ~~ثأر عميه اللذين قتلهما بنو جذيمة مع عوف أبي عبد الرحمن ورجل من بني أمية ~~... وقصة مقتلهم أنهم كانوا قد خرجوا تجارا إلى اليمن، ثم عادوا ومعهم مال ~~رجل من بني جذيمة قضى نحبه هناك يحملونه إلى ورثته وأهله. فاعترضهم جذمي في ~~رهط من قبيلته يدعى خالد بن هشام وزعم أنه وارث المال وأحق به من غيره، ~~فمنعوه ينظرونه أن يصلوا بالمال إلى أهل الميت. فغضب وقاتلهم بالرهط الذين ~~معه فقتل عوفا والفاكه بن المغيرة ثم عمد عبد الرحمن إلى خالد بن هشام هذا ~~فقتله بثأر أبيه. وهمت قريش بغزو بني جذيمة لولا أن مشي بعض العقلاء ~~بينهم بالصلح فتصالحوا على الدية والمال. # ومن الإسراف أن يظن بخالد بن الوليد أنه تعمد قتل أناس وهو يعلم أن دمهم ~~حرام ويتخذ من مهمة النبي ذريعة إلى شفاء ترة قديمة، فأدنى من ذلك إلى ~~القصد في فهم الحقيقة أن نبحث عن دواعي اللبس ودوافع الطبع التي تدفع ~~خالدا خاصة إلى مثل هذا التصرف، فإن كانت هذه الدواعي وهذه الدوافع قائمة ~~مفهومة فهي تفسير لما حدث وفيها الكفاية، وإن لم تكن قائمة ولا مفهومة ~~فهناك ينفسح مجال الظنون والفروض لمن يشاء. # وقد كانت دواعي اللبس ودوافع الطبع قائمة مفهومة في مقتلة بني جذيمة. فإن ~~البوادي كلها حول مكة ms044 كانت تزخر بالشر وتتحفز للوقيعة في تلك الآونة بعد ~~تسليم مكة، فلم تمض أيام على سرية خالد حتى كانت بطون هوازن وثقيف وجشم ~~وغيرها متجمعة في العدة الكاملة والعديد الوافر لمباغتة النبي وجمعه، فإذا ~~ارتاب خالد في نيات طائفة من أهل البادية مشهورين بالشراسة والغدر وهم ~~يلقونه بالسلاح فله في ارتيابه وجه لا يخفى، وإذا أضيف إلى ذلك تلجلج القوم ~~في إعلان إسلامهم والإفضاء بنياتهم فليس اللبس هنا بعازب عن بال المتوجس في ~~أشباه ذلك المقام. # وقد يغني الشعر والقصص في الكشف عن شعور القوم هنا ما ليس يغنيه التاريخ ~~وتسلسل الرواية، فمن كلام أحد الوهبيين في خطاب بني جذيمة بن عامر يسوغ لنا ~~أن نفهم أنهم لم يكونوا متفقين على الإسلام والمسالمة، وذلك إذ ~~يقول: # دعونا إلى الإسلام والحق عامرا # فما ذنبنا في عامر إذ تولت # وما ذنبنا في عامر لا أبا لهم # لئن سفهت أحلامهم ثم ضلت # وقال أحد الجذميين: # فلا قومنا ينهون عنا غواتهم # ولا الداء من يوم العميصاء ذاهب # وفي قصة رواها محمد بن إسحاق بن يسار - وهو من الثقات - شواهد على إصرار بني ~~جذيمة وعنادهم إلى ما بعد الإسار والإنذار، وفحوى هذه القصة كما أثبتها ~~صاحب كتاب الأغاني حيث نقلت ببعض التصرف: «أن خالد بن الوليد كان جالسا ~~عند النبي # صلى الله عليه وسلم # فسئل عن غزوته بني جذيمة، فقال: إن أذن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # تحدثت، فقال: تحدث، فقال: لقيناهم بالعميصاء عند وجه الصبح. ~~فقاتلناهم، حتى كاد وجه الشمس يغيب، فمنحنا الله أكتافهم فتبعناهم نطلبهم، ~~وإذا بغلام له ذوائب على فرس ذنوب في أخريات القوم، فبوأت له الرمح فوضعته ~~بين كتفيه، فقال: لا إله ... فقبضت عنه الرمح، فقال: إلا اللات ... أحسنت أو ~~أساءت. فهمسته همسة أذريته وقيذا - أي مشرفا على الموت - ثم أخذته أسيرا ~~فشددته وثاقا، ثم كلمته فلم يكلمني واستخبرته فلم يخبرني، فلما كان ببعض ~~الطريق رأى نسوة من بني جذيمة يسوق بهن المسلمون. فقال: أيا خالد! قلت: ما ~~تشاء؟ قال: ms045 هل أنت واقفي على هؤلاء النسوة، فأتيت على أصحابي ففعلت وفيهن ~~جارية تدعى حبيشة، فقال لها ناوليني يدك، فناولته يدها في ثوبها. فقال: ~~أسلمي حبيش قبل نفاد العيش ، فقالت: وأنت حييت عشرا أو تسعا وترا، ~~وثمانيا تترى.» # قال: «وتناشدا الأشعار حتى قتل، وأقبلت الجارية ووضعت رأسه في حجرها وجعلت ~~ترشفه وتبكي ...» إلى آخر القصة في الجزء السابع من الأغاني وهي على ظهور ~~الاختراع في بعضها لا تخلو من دلالة على موقف بني جذيمة من سرية ~~خالد. # فإذا صح مع هذا أن خالدا تلقى من عبد الله بن حذافة السهمي أمرا بقتال ~~بني جذيمة نقلا عن النبي # صلى الله عليه وسلم # فهو خليق أن يعتمد على الفتوى من أمثاله ~~لحداثة إسلامه وقلة علمه بفقه الدين وأحكامه، وهي على أية حال رواية لا ~~تغفل كل الإغفال في صدد البحث عن أخبار هذه السرية ... # والجو كله بعد هذا وذاك - سواء في البادية أو في مكة - هو جو الحرب والريبة ~~وجو التربص والنفور، فلا عجب أن تختلف فيه النوازع والآراء وأن تستطار فيه ~~دواعي الشر والنقمة، وأن يتطرق إليه اللبس وتتعذر فيه استبانة الوجه ~~الصراح. # وعند خالد دوافع الطبع إلى جانب دواعي اللبس واختلاط الآراء وهي الدوافع ~~التي قد نعد منها حداثة السن في ذلك الحين، ومنها أنه تناول الموقف كما ~~يتناوله القائد المطبوع على القتال في الصحراء، ويحدث للقائد في هذا الموقف ~~كثيرا أن يفرق بين ضربين من التسليم هما: تسليم المراوغة والختل، وتسليم ~~الإذعان والنصيحة، ولا سيما تسليم العدو المتهم المتردد الذي يحيد عن ~~الصراحة يفند أناس منه مقال أناس آخرين. # ومن دوافع الطبع عند خالد، تلك الصرامة التي ينشأ عليها كل من نشأ في مثل ~~بيئته من الجاهلية، وتلك الشدة التي تثيره إليها أعصابه، ويومئ إليها تفزعه ~~في نومه ومشاركة إخوته في عوارضها الموروثة على نحو من الأنحاء، وهي ولا ~~ريب تلك الشدة التي عناها عمر بن الخطاب حين قال: «إن سيف خالد لرهقا» ~~وهو من أعرف الناس به وأقربهم إليه، ms046 وهي التي توقعها جحدم أخو بني جذيمة ~~حين صاح بقومه محذرا إياهم من إلقاء السلاح: ويلكم يا بني جذيمة. إنه ~~خالد! كأنها خليقة معهودة منه لا تحتاج إلى تأويل بعيد. # وندرت في تاريخ الحروب القديمة والحديثة حرب تدور على العقيدة الدينية أو ~~الحمية الوطنية لا تحصى عليها فلتة من أشباه هذه الفلتات ولا يقع فيها ~~نذير السيف حيث ينبغي أن يقع بشير السلام. # ولا يبعد أن يكون خالد قد ورث من عمومته جفوة لبني جذيمة؛ فجنح به شعوره إلى ~~سوء الظن بهم وقلة الطمأنينة إليهم من حيث لا يقصد الترة ولا يتعمد ~~الانتقام. # فكل هذا أقرب إلى تعليل بطشته بالقوم من اتهامه بحمل أمانة النبي على دخل ~~وسوء نية، وهو الرجل الذي حارب أصدقاءه وأقرب الناس إليه على أبواب مكة، ~~وله ندحة عن حربهم لو تعمد اجتنابها أو كان قصاراه أن يتعلل باللسان ولا ~~يرجع إلى صدق النية في إطاعة النبي - عليه السلام ... # ومهما يلم اللائمون أو يعذر العاذرون في هذه الزلة، فمقطع القول فيها بين ~~المنصفين أنها خطأ وأن الإبقاء على خالد بعدها صواب؛ لأن صواب الإبقاء ~~على خدمته بعد غزوة بني جذيمة قد ظهر أيما ظهور في حروب الردة وحروب الفرس ~~والروم. # وذلك مثل من تربية النبي - عليه السلام - لأفذاذ الرجال. # ويتجلى تمام هذا المثل بإعطاء الرجال فرص المراجعة والإصلاح في أمر يشبه ~~الأمر الذي أخطأوا فيه، وموقف قريب من الموقف الذي عرضهم للملامة وهذا الذي ~~توخاه عليه السلام حين أرسل خالدا دون غيره إلى بني المصطلق - وهم من بني ~~جذيمة - ليستخبر له خبرهم ويتبين الحق فيما بلغه عن ارتدادهم، وكان الوليد ~~بن عقبة قد أخبره أنهم ارتدوا عن الإسلام، فندب عليه السلام خالدا «وأمره ~~أن يثبت ولا يعجل، فانطلق حتى أتاهم ليلا فبعث عيونه، فلما جاءوه أخبروه ~~أنهم متمسكون بالإسلام، وسمعوا أذانهم وصلاتهم، فلما أصبحوا أتاهم خالد ~~فرأى ما يعجبه، فرجع على النبي # صلى الله عليه وسلم # فأخبره». # وهو مثل ينبئ عن كثير، وقد ينبئ فيما ينبئ ms047 عنه أن خالدا لم يتعسف كل ~~التعسف في شكه الأول ببني جذيمة على اختلاف بيوتهم؛ لأن الشك فيهم ما زال ~~يتكرر بعد ذلك بشهور، وما زال يدعو إلى تلقي الإشاعة عنهم وإيفاد الوفود ~~إليهم مرتين للتمحيص والاستخبار. ~~(3) غزوة حنين # ولم تمض أيام معدودات على مقتلة بني جذيمة حتى لمس خالد موضع الثقة من نفس ~~النبي في حادث من أكبر حوادث الإسلام وهو غزوة حنين. # لمس هذه الثقة في غزوة حنين مرتين؛ مرة في إسناد قيادة الخيل إليه على طليعة ~~الجيش، ومرة في سؤاله عنه وعنايته به بعد هزيمة الخيل مولية عند اشتباك ~~الجمعين. # وحق خالد في تلك الثقة إنما يستبين من غرض الغزوة كلها لجلاء الأسباب التي ~~أوقعت الهزيمة الأولى بجيش المسلمين، ولا يد فيها لخالد من قريب أو بعيد ... ~~بل لعلها توحي إلينا أن هزيمة خيله يومئذ إنما كانت كصد الأجسام للأجسام ~~ضرورة مادية لا دخل فيها للعوامل النفيسة، أمام جارفة من الجوارف القوية، ~~تأخذ ما أمامها من إنسان أو حيوان ومن شجاع أو جبان. # فقد فتحت مكة والأعراب من حولها ثائرون محنقون، وعلموا يومئذ أنها الوقعة ~~الفاصلة وأنه لا مطمع بعدها في مكافحة النبي إذا تطاولت الأيام على قيام ~~دينه في البلد الحرام وموطن الكعبة والأصنام، فاجتمعت قبائل همدان من هوازن ~~وثقيف وجشم، ومشى بعضهم لبعض يقولون: «إن محمدا قد فزع من قتال قومه ولا ~~ناهية له عنا. فلنغزه قبل أن يغزونا»، واستنفروا القبائل فلباهم من ~~أقربائهم عدد كبير، منهم بنو سعد بن بكر الذين تربى بينهم النبي وهو ~~رضيع. # وتولى قيادتهم مالك بن عوف النضري، وهو فتى جريء في نحو الثلاثين يجمع إلى ~~غطرسة الإمارة وحمية الفروسية وحدة الشباب ولدد الخصومة والعناد ... فساق ~~أموالهم ونساءهم وأبناءهم، وأمرهم إذا رأوا المسلمين «أن يكسروا جفون ~~سيوفهم، ثم يشدوا شدة رجل واحد». فإما فوز وإما فناء. وصفت الخيل ثم ~~الرجالة المقاتلة، ثم الإبل عليها النساء، ثم صفت النعم في حراسة لئلا ~~تفر والجيش مشتغل عنها. # وسأله دريد بن الصمة حكيم ms048 القوم: ما لي أسمع رغاء البعير ونهاق الحمير وبكاء ~~الصغير؟ قال: أردت أن أجعل خلف كل رجل أهله وماله؛ ليقاتل عنهم، فسخر دريد ~~برأيه وقال له: رويعي ضأن والله! وهل يرد المنهزم شيء؟ إنها - أي الحرب - ~~إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ~~ومالك. فرماه مالك بالخرف ولج في عناده ولمح في بني هوازن ميلا إلى كلام ~~دريد، فجمح به غضبه العارم وأقسم: «لتطيعني يا معشر هوازن أو لأتكئن على ~~هذا السيف حتى يخرج من ظهري!» # فهي عزمة رجل مستميت لا يبالي ما يصنع بنفسه أو بقومه في سبيل قهر المسلمين ~~... # ونمى الخبر إلى النبي، فخرج في ألفين من أهل مكة حديثي العهد بالإسلام وعشرة ~~آلاف من أصحابه الذين قدموا معه من المدينة، وقيل إنهم كانوا جميعا ثمانية ~~آلاف. # وأعوزه السلاح، فاستعار من بعض المشركين دروعا فأعطوه ثلاثين أو أربعين ~~درعا - وقيل مائة درع - بما يكفيها من السلاح، واستعار من ابن عمه نوفل بن ~~الحارث بن عبد المطلب ثلاثة آلاف رمح، فأعاره إياها وهو يقول: كأني انظر ~~إلى رماحك هذه تقصف ظهر المشركين. # وأخرج خالدا على طليعة الجيش في مائة فارس من بني سليم. # قال الحارث بن مالك: خرجنا مع رسول الله ونحن حديثو عهد بالجاهلية فسرنا معه ~~إلى حنين، وكانت لكفار قريش ومن سواهم من العرب شجرة عظيمة خضراء يقال لها ~~ذات أنواط يأتونها كل سنة، فيعلقون أسلحتهم عليها ويذبحون عندها ويعكفون ~~عليها يوما. فرأينا ونحن نسير مع رسول الله سدرة خضراء عظيمة، فتنادينا من ~~جنبات الطريق: يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال ~~رسول الله: الله أكبر. قلتم - والذي نفسي بيده - كما قال قوم موسى لموسى: ~~اجعل لنا إلها كما لهم آلهة! # وكان في الجيش كثير من أمثال هؤلاء المسلمين المحدثين، ومعهم في ساقة الجيش ~~جمع من المشركين بين رجال ونساء ينظرون ما يكون، وكان فيهم أبو سفيان الذي ~~قال حين رأى بوادر الهزيمة: لا ms049 تنتهي هزيمتهم دون البحر! وفيهم كلدة بن ~~الحنبل الذي صرخ شامتا متعجلا: ألا قد بطل السحر اليوم، وصرخ معه آخرون ~~يقولون: اليوم ترجع العرب إلى دين آبائها ... # وكان الغالب على جيش المسلمين في خروجهم قلة الاكتراث بعدوهم، فقال أبو بكر ~~الصديق: لن نغلب اليوم من قلة ... ونسبت هذه الكلمة إلى غيره، ولكنها قيلت ~~على التحقيق لما جاء في القرآن الكريم: # إذ ~~أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا ~~(التوبة: 25). # وتقدم الجيش حتى حضرت صلاة الظهر، فجاء رجل فارس فقال: يا رسول الله، إني ~~انطلقت بين أيديكم حتى طلعت جبلا فإذا أنا بهوازن عن بكرة أبيهم بظعنهم ~~ونعمهم وشائهم اجتمعوا إلى حنين، فتبسم رسول الله وقال: تلك غنيمة المسلمين ~~غدا إن شاء الله، ثم سأل: من يحرسنا الليلة؟ قال أنس بن أبي مرثد: أنا يا ~~رسول الله. فأمره عليه السلام أن يستقبل الشعب حتى يكون في أعلاه، وقال له ~~لا نغرن # 2 # من قبلك الليلة. # فلما أصبحوا سأل النبي: هل أحسستم فارسكم؟ يعني ذلك الحارس المستطلع ... ~~قالوا: يا رسول الله ما أحسسنا، فجعل عليه السلام يصلي ويلتفت إلى الشعب، ~~حتى إذا قضى صلاته، قال: أبشروا، فقد جاءكم فارسكم ... فجعل ينظر إلى خلال ~~الشجر في الشعب، وإذا هو قد جاء حتى وقف، وقال: إني انطلقت حتى إذا كنت في ~~أعلى هذا الشعب حيث أمرني رسول الله، فلما أصبحت طلعت الشعبين كليهما فنظرت ~~فلم أر أحدا فسأله: هل نزلت الليلة؟ قال لا، إلا مصليا أو قاضي ~~حاجة. # وروى مسلم من حديث عكرمة بن عمار عن إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه، قال: ~~«غزونا مع رسول الله حنينا فلما واجهنا العدو تقدمت لأعلو ثنية، فاستقبلني ~~رجل من المشركين، فأرميه بسهم وتوارى عني فما دريت ما صنع، ثم نظرت إلى ~~القوم فإذا هم قد طلعوا من ثنية أخرى، فالتقوا هم وصحابة رسول الله فولى ~~أصحاب رسول الله، وأرجع منهزما.» # وحدث أبو عبد الرحمن الفهري، قال: «كنا مع رسول الله في حنين فسرنا في يوم ~~قائظ ms050 شديد الحر.» # وروى محمد بن إسحاق بسنده: «خرج مالك بن عوف بمن معه إلى حنين فسبق رسول ~~الله إليها، فأعدوا وتهيأوا في مضايق الوادي وأحنائه، وأقبل رسول الله ~~وأصحابه حتى انحط بهم الوادي في عماية الصبح، فلما انحط الناس ثارت في ~~وجوههم الخيل فشدت عليه وانكفأ الناس منهزمين لا يقبل أحد على أحد.» # وفي روايات شتى أن كمينا من المشركين فاجأ المسلمين من شعبة في الوادي ~~وقابلهم بنبل كأنه الجراد المنتشر، «وكانوا رماة ... لا يكاد يسقط لهم سهم»، ~~فأدبرت الخيل وأدبر المقاتلة وراءها لا يلوون على شيء ... # وتلك جملة الأخبار عن بدء المعركة جمعناها من مصادر متعددة وأثبتنا بعضها ~~بحروفها، ويتبين من المعارضة بينها أن الهزيمة انكشفت من الهجمة الأولى؛ ~~لأن الخيل فوجئت في الطليعة بالنبل المنتشر من الكمين المستتر، فولت منهزمة ~~في جفلة حيوانية معروفة في أشباه هذه المواقف ... وقديما ذكر الرواة عن حرب ~~الإسكندر وأمراء الهند أن جفلة الفيلة من الحديد المحمي كانت هي سبب ~~الهزيمة التي أصيبت بها الهند، فانقلبت الفيلة وبالا عليهم، وقضت وهي ~~مولية على الكثيرين من فرسانهم ومشاتهم، تطأ بعضهم وتوقع الآخرين وتدفع ~~من حاول الثبات إلى الفرار، ولم تمض على حنين بضع سنوات حتى لقي الفرس من ~~فيلتهم في حرب المسلمين مثل هذا المصرع ومثل هذه الجفلة الحيوانية، يوم ~~تعمدها المسلمون بالضرب في الأعين والخياشيم. # وقد حدث مثل هذا مرة أخرى في وقعة حنين هذه، حين حاول المسلمون أن يكروا بعد ~~الفرار «فصار الرجل يلوي بعيره فلا يقدر على ذلك؛ لكثرة الأعراب المنهزمين، ~~فيأخذ درعه فيقذفها في عنقه، ويأخذ سيفه وترسه ويقتحم من بعيره ويخلي سبيله ~~ويؤم الصوت.» # وهكذا بدأت الهزيمة بفرار الخيل ولحاق المشاة بهم واختلاط الحابل بالنابل ~~بعد ذلك من الفريقين، وتواتر القول بأن الطلقاء الحديثين في الإسلام أدبروا ~~منهزمين عمدا بعد الهجمة الأولى، فأشاعوا الهزيمة فيمن معهم من المهاجرين ~~والأنصار. # ولقد أوشك أهل مكة أن يستقبلوا الأعراب المتقدمين على رضا من بعضهم لحنينهم ~~إلى الدين القديم، وعلى كره من بعضهم ms051 لأنفتهم من غلبة الأعراب على قريش، ~~لولا أن تغير مجرى القتال، ودارت الدائرة على المشركين بعد لحظات، وكان ~~الفضل في ذلك لحركة جاءت من قبل المسلمين وحركة جاءت من معسكر الأعراب، ~~وكان مجيئهما في الموعد المقدور. # فأما الحركة التي جاءت من قبل المسلمين فهي بروز النبي - عليه السلام - ~~بشخصه الكريم إلى مقدمة الصفوف. فقد ثبت في ذلك الهول الجارف ثبوتا يجل عن ~~الوصف وأخذ زمام المعركة كلها في يديه ليمضي وحده في القتال كيفما تصير ~~الأمور. # وكان قد شهد المعركة على بغلته دلدل أو الشهباء، فانحاز إلى اليمين سريعا؛ ~~ليستطع التقدم بين تلك الصفوف المتدفعة من مدبرين ومقبلين، والتفت إلى ~~اليمين ونادي: يا معشر الأنصار ... ثم التفت إلى اليسار ونادى كذلك: يا معشر ~~الأنصار ... فتسامعوا وتجاوبوا وعطفوا - كما وصفهم شاهدو الموقف - عطفة الإبل ~~على أولادها، واجتمع معهم حول رسول الله مئات في لمحة عين. ~~••• # وتختلف الروايات في وصف هذه الحركة المجيدة من بدايتها، فيقول بعضها إن ~~الناس أدبروا يومئذ عن رسول الله حتى بقي وحده، ويقول بعضها: بل بقي معه ~~نفر قليل منهم أبو بكر وعمر وعلي والعباس وابنه الفضل وأبو سفيان بن الحارث ~~وربيعة بن الحارث ومعتب بن أبي لهب وعبد الله بن مسعود، وقليلون لا ~~يتجاوزون الاثنى عشر، وجعل رسول الله يقول: # أنا النبي لا كذب # أنا ابن عبد المطلب # ثم أمر عمه العباس أن يصرخ في الجيش: يا معشر الأنصار ... يا أهل السمرة يا ~~أصحاب سورة البقرة ... يا بني الخزرج، وكان العباس رضي الله عنه جهير الصوت ~~يسمع صوته على مسافات بعيدة، وقيل إنه كان يقف على سلع وينادي غلمانه ~~بالغابة فيسمعونه، وبينه وبينهم ثمانية أميال. # فلما جلجل صوته بهذا النداء، إذا بالأنصار والمهاجرين يتجاوبون: يا لبيك يا ~~لبيك ... ويسرعون إلى ناحية الصوت زرافات زرافات، حتى تجمع منهم ثلاثمائة أو ~~يزيد في لحظات، ثم شاعت بين الألوف المؤلفة قدوة الكر والإقبال بعد الفر ~~والإدبار، فإذا بالجيش بقضه وقضيضه يعدو إلى ساحة القتال ويرسل الخيل ~~والمطايا ليملك كل ms052 منهم زمام يديه وقدميه، وهانت النفوس حتى استهدفت النساء ~~للموت غير مباليات، ومنهن من لم تكن على صحة في النظر كالعميصاء أم أنس بن ~~مالك، وكانت وهي حامل تحزم وسطها ببرد لها، وفي حزامها الخنجر لدفاع من ~~يجترئ عليها. # وكان خالد بن الوليد قد ثنى عنان فرسه بعد التوائه في الهجمة الأولى، فلم ~~يزل يقاتل حتى سقط مثقلا بالجراح لا يقوى على السير من مؤخرة رحله، وهناك ~~وجده النبي - عليه السلام - حين خرج يتفقد الجرحى بعد المعركة، فبارك له ~~وواساه. # أما الحركة التي جاءت من قبل المشركين، فأعانت على هزيمتهم فذاك أنهم قد ~~غرتهم طلائع النصر، فأقبلوا على الغنائم والأسلاب، وشغل الكثيرون منهم ~~بالتقاطها واستلابها عن مطاردة المدبرين، فاتفقت الحركتان في وقت واحد ~~لتحويل وجهة القتال. ~~••• # ويتبين من مقدمات المعركة كلها ومن بوادرها التي أجملناها أن الهزيمة فيها ~~بعد الهجمة الأولى كانت ضرورة مادية لا محيد عنها، وأنها ضرورة لم يكن ~~لخالد يد فيها ولا طاقة باتقائها؛ لأن أسبابها كلها كانت من وراء تدبيره ~~ومشيئته، وهي كثيرة نجملها ما وسعنا الإجمال. # فمنها أن الروح التي غلبت على جيش المسلمين في بداية المعركة كانت روح ~~استهانة وقلة اكتراث، وأن الروح التي غلبت على روح المشركين يومئذ كانت ~~روح استماتة وعناد مع تقارب العدد بين الجيشين. # وربما رجحت كفة المشركين في الدروع والسلاح لما تقدم من حاجة النبي - عليه ~~السلام - إلى استعارة بعض الدروع والرماح. # و«منها» أن جيش المسلمين كان فيه كثير من الطلقاء، قد يبلغون الألفين وقد ~~يزيدون، وكانوا على دخل أو على ضعف يبيتون النية على خذلان النبي فخذلوه، ~~وتبعهم الناس. # و«منها» أن جيش المشركين سبق المسلمين إلى مواقفه، فاختار وأحسن الاختيار، ~~وهجم في الوقت الذي ارتضاه. # و«منها» أن المسلمين كانوا يواجهون الشمس عند الصباح واليوم قائظ لا تقوى ~~فيه العيون على مواجهة شعاعها، فحيل بينهم وبين التثبت والإحكام في مطلع ~~الصباح إلى أن استوت الشمس في كبد السماء. # و«منها» أن استطلاع المسلمين لم يكن على عادته من البراعة والتيقن ms053 ~~والإسراع، فقد أبطأ الفارس المستطلع حتى التمسه النبي - عليه السلام - ~~مرات، ثم جاء ولم يخبر بشيء، ثم ظهر الكمين المرهوب من حيث لا يرونه، فأوقع ~~بالخيل وهي لا تحسب له أي حساب، وهذا مع مهارة المشركين في الرماية، حتى ~~قيل إنهم لا يسقط لهم سهم. # و«منها» أن بني سليم أصحاب الخيل التي تولاها خالد كانوا على قرابة من ~~هوازن، وعز عليهم أن يلاحقهم المسلمون بعد استدارة المعركة، فكانوا يقولون: ~~ارفعوا القتل عن بني أمكم ... وكانوا مع هذا ضعاف الإسلام فسبقوا إلى الردة ~~بعد موت النبي عليه السلام، وما زالوا في موضع الظنة بعد ذلك على عهد ~~الخلفاء. # فتقدير النبي # صلى الله عليه وسلم # لخالد بن الوليد إنما هو التقدير الصحيح لأعمال ~~السرايا والجيوش في مؤتة وبني جذيمة وحنين، وكأنما هو تقويم الجوهري الخبير ~~للجوهر النفيس في معدنه الخفي غير مصنوع ولا مصقول، وللتاريخ من بعده تقويم ~~الجوهر بما يضفي عليه من جمال الصوغ والضياء. # ونعود هنا فنقول: إن تقدير النبي - عليه السلام - خالد بن الوليد لم يكن ~~تقدير المجاملة لمكانه أو لما يرجى من قومه الأقوياء بني مخزوم، فإنه ~~عليه السلام لم يجامله في وصفه الذي طابقته حوادث الأيام، ولم يجامله حين ~~قدم عليه في القيادة ثلاث من السابقين في الإسلام وترك اختياره بعدهم ~~لاتفاق كلمة المسلمين، بل لم يجامله حين خاصم عبد الرحمن بن عوف، فغضب ~~النبي - عليه السلام - وقال له معرضا: «يا خالد ذر أصحابي. لو كان لك ~~أحد ذهبا فأنفقته قيراطا في سبيل الله لم تدرك غدوة أو روحة من غدوات أو ~~روحات عبد الرحمن.» # إنما هو سيد السادة ومربي الرجال والأبطال، يقوم الأعمال بقيمتها وينزل ~~العظماء في منازلهم، ولا يمنعه أداء المجاملة أن يجامل بمقدار على حسب ~~السوابق والأقدار. # وقد تولى خالد للنبي أعمالا أخرى في سنوات صحبته الثلاث، ولكن الأعمال التي ~~اخترناها هي أكبر أعماله في حياته عليه السلام، وهي أقرب الأعمال إلى وزن ~~كفايته وتقويم معدنه وتمييز خلقه، ولكنه أريد لكل عمل صغير، كما ms054 أريد لكل ~~عمل كبير، وكانت للنبي - عليه السلام - نظرة في كل مهمة مقدورة ندبه إليها ~~... # فمن مهامه الصغيرة تسييره في ثلاثين فارسا لهدم «العزى » بعد فتح مكة ببضعة ~~أيام، وهي الصنم الذي كان أبوه يتمسح به وينحر له الإبل والغنم، وكان سدنته ~~من بطون بني سليم الذين قاتلوا مع خالد في مقاوم شتى، وقد كان معبود ~~القبائل التي لقيها المسلمون في يوم حنين، وأصله ثلاث شجرات بأرض نخلة ~~يزعمون أن ربهم كان يشتو بها لحر تهامة، ويصيف باللات عند الطائف لبردها ~~... وظلت مخوفة إلى ما بعد الإسلام، فيقول الكلبي: «إن اللات والعزى ومناة ~~لكل منها شيطانة تكلمهم، وتراءي للسدنة، من صنيع إبليس وأمره»، وهي التي ~~أرجف من أرجف من المشركين أن القرآن الكريم يرتضيها ويساومهم على ~~عبادتها، ويجعلون منه قولهم: «اللاة والعزى ومناة الثالثة الأخرى، تلك ~~الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى.» # فهي مهمة مخوفة من وجهتها النفسية وإن سهلت من الوجهة الحربية، فخرج خالد ~~حتى انتهى إليها فهدمها، وجاء في بعض الأقاويل أنه: «لما انتهى إليها جرد ~~سيفه، فخرجت إليه امرأة سوداء عريانة ناشرة شعرها، فجعل السادن يصيح ~~بها: ~~«أعزى» إذا لم تقتلي المرء خالدا # فبوئي بإثم عاجل أو تنصري # فأخذ خالدا «اقشعرار في ظهره»، وضربها بالسيف فشقها، ثم لقي النبي، فقال ~~له: الحمد لله الذي أكرمنا بك وأنقذنا بك من الهلكة، لقد كنت أرى أبي يأتي ~~العزى بخير ماله من الإبل والغنم فيذبحها للعزى، ويقيم عندها ثلاثا ثم ~~ينصرف إلينا مسرورا، ونظرت إلى ما مات عليه أبي وإلى ذلك الرأي الذي كان ~~يعاش في فضله، وكيف خدع حتى صار يذبح لما لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا ~~ينفع.» فقال عليه السلام: «إن هذا الأمر إلى الله، فمن يسره للهدى تيسر ~~له ومن يسره للضلالة كان فيها.» # وكذلك بلغت العبرة إلى خالد قبل أن تبلغ منه إلى الناس. ~~••• # ومن المهام التي ندب لها في حياة النبي مهمة يمتزج فيها الشك بالأمل، ~~والرفق بالشدة، والترغيب بالترهيب؛ لأنها بعثة إلى أناس ms055 غلابين مجتمعي ~~الرأي أولي عصبة وبأس وحنكة ولهم سمة يخالفون بها سمة العرب في معظم أنحاء ~~الجزيرة وهم بنو الحارث بن كعب بنجران. # أرسله إليهم وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام ثلاثة أيام، فإن استجابوا قبل منهم ~~وإن لم يفعلوا فله أن يقاتلهم، فخرج إليهم وبعث الركبان فيهم يبشرون بالدين ~~الجديد ويبصرونهم بفضائله وأحكامه، فاستجابوا له ودخلوا فيما دعوا ~~إليه. # وأقبل وفد من عظمائهم على النبي - بأمره عليه السلام - فقال حين رآهم: من ~~هؤلاء القوم الذين كأنهم رجال الهند؟ قيل: يا رسول الله، هؤلاء رجال بني ~~الحارث بن كعب، ثم سلموا ونطقوا بالشهادتين، فقال لهم عليه السلام: أنتم ~~الذين إذا زجروا استقدموا؟ وأعادها ثلاثا وهم لا يجيبون، فلما أعادها ~~الرابعة قال زعيمهم يزيد بن عبد المدان وفيه شوس وخيلاء: نعم يا رسول الله، ~~نحن الذين إذا زجروا استقدموا، وكررها أربعا، فقال النبي: لو أن خالدا ~~لم يكتب لي أنكم أسلمتم ولم تقاتلوا لألقيت رءوسكم تحت أقدامكم، فانطلق ابن ~~عبد المدان يقول: أما والله ما حمدناك ولا حمدنا خالدا. قال: فمن حمدتم؟ ~~قالوا: حمدنا الله عز وجل الذي هدانا بك يا رسول الله. # قال: صدقتم، ثم سألهم: بم كنتم تغلبون من قاتلكم في الجاهلية؟ قالوا ~~متغضبين: لم نكن نغلب أحدا، قال: بلى. كنتم تغلبون من قاتلكم، فعادوا ~~يقولون: كنا نغلب من قاتلنا يا رسول الله، أنا كنا نجتمع ولا نتفرق، ولا ~~نبدأ أحدا بظلم. # قال: صدقتم ... وقفلوا إلى ديارهم، فأرسل إليهم عمرو بن حزم يفقههم في الدين ~~ويعلمهم السنة ومعالم الإسلام ويأخذ منهم الصدقات. ~~••• # وقد شهد خالد مع النبي - عليه السلام - غزوتين لم يجر فيهما لقاء واشتباك، ~~وهما غزوة الطائف وغزوة تبوك. # وكانت غزوة الطائف تتمة لوقعة حنين، لاذت بها القبائل بعد فرارها وامتنعت ~~وراء أسوارها، وجمعت من الميرة ما يكفيها إلى السنة القابلة، فأحاط ~~المسلمون بالأسوار فرماهم المشركون بالنبل كأنهم أسراب الطير، وقتلوا ~~وجرحوا وهم متمكنون في أسوارهم، فبرز خالد لهم يدعوهم إلى النزال ولا يجيبه ~~أحد، ثم صاح به عبد ms056 ياليل عظيم ثقيف: «لا ينزل منا أحد ولكن نقيم في حصننا، ~~فإن فيه من الطعام ما يكفينا سنين، فإن أقمت حتى يفنى هذا الطعام خرجنا ~~إليك بأسيافنا جميعا حتى نموت عن آخرنا.» # فضربهم المسلمون بالمنجنيق وتقدم نفر من الصحابة تحت دبابتين من جلود البقر ~~يفتحون ثغرة في الحصن. فأرسل عليهم المشركون سكك الحديد المحماة فأحرقت ~~الدبابتين وصدتهم عن السور. # وأمر عليه السلام بكرومهم ونخيلهم فقطعت وهم يصيحون: دعها لله والرحم. فقال ~~عليه السلام: «أدعها لله والرحم»، واستشار نوفل بن معاوية الديلي في أمرهم ~~فأجابه: «يا رسول الله. ثعلب في حجر إن أقمت أخذته وإن تركته لم ~~يضرك.» # وفي الطريق، قسم النبي غنائم حنين قسمة لم ترض أناسا، فغضب رجل من ~~المنافقين وصاح في حضرته: هذه قسمة ما أريد بها وجه الله. فاحمر وجهه عليه ~~السلام غضبا وقال له: ويحك، من يعدل إذا لم أعدل؟ ووثب خالد وعمر ~~يستأذنانه في ضرب عنقه فأبى وقال: لا ... لعله أن يكون يصلي، فقال خالد: وكم ~~من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه؟ فعاد النبي يقول: إني لم أومر أن أنقب ~~عن قلوب الناس ولا أن أشق عن بطونهم. # أما غزوة تبوك فقد خرج لها النبي - عليه السلام - إلى حدود الروم سنة تسع ~~للهجرة في أعظم جيش شهده المسلمون في حياته ... ومن ثم، أمر خالدا أن يذهب ~~إلى دومة الجندل ليأتيه بالأكيدر أميرها؛ لأنه كان في وسط الطريق بين ~~الحجاز والعراق والشام عينا للروم وحربا للقوافل يدين للقسطنطينية ~~بالعقيدة وبالطاعة، ومن خبرة النبي - عليه السلام - بالقبائل وأحوالها ~~والأمراء وعاداتهم أنه قال لخالد: «ستجده يصيد البقر» ... فكان كما ~~قال. # وقد ذهب خالد إلى الدومة في أربعمائة وعشرين فارسا فاقتحم الحصن واضطر من ~~فيه إلى التسليم ومنهم الأمير، وجاء به إلى المدينة فصالحه النبي على ~~الجزية وعاهده على الأمان. # وثم بعثة من غير هذا الباب ندب لها خالد، ولم يندب لمثلها قط في عهد النبي ~~ولا عهود خلفائه، وتلك بعثته إلى بني مراد وزبيد ومذحج باليمن، ms057 يدعوهم إلى ~~الكتاب ويعلمهم شريعته وأحكامه. # قيل إنه مكث فيه أشهرا يدعوهم فلا يجيبونه، وإنه عليه السلام بعث بعده على ~~بن أبي طالب وأمره أن يقفل خالدا ومن معه، فإن أراد أحد أن يعقب معه ~~تركه. # ولا غرابة عندنا في هذا الذي حدث - إن كان قد حدث على الوجه الذي ذكره ~~الرواة - فإن خالدا لم يسمع من القرآن ولا من فقه الدين كما سمع الصحابة ~~ممن عاشروا النبي سنين بعد سنين، وإنما هي سنوات قلائل لم يفرغ فيها إلا ~~بضعة أشهر من الغزوات والبعوث، وقد أم الناس بالحيرة - في خلافة الصديق - ~~فقرأ من سور شتى، ثم سلم والتفت إلى الناس معتذرا يقول: «شغلني الجهاد ~~عن كثير من قراءة القرآن.» ~~••• # ويجوز أن النبي - عليه السلام - أرسله في هذه البعثة؛ ليدربه على الدعوة ~~وليفرغ بعض وقته للمدارسة والمذاكرة بهداية من معه من فقهاء الصحابة، ويجوز ~~أنه عليه السلام تعمد أن يرصده للبطل المشهور عمرو بن معد يكرب - فارس ~~زبيد - ندا له يكف من غربه ويلزمه التدبر في عاقبة نكثه وانتقاضه. # وفي تواريخ البعثة اضطراب قد يشكك القارئ في بعض وقائعها وأغراضها فيجوز ~~أيضا أن البعثة وفقت بعض التوفيق أو كل التوفيق وأن الرواة قد فاتهم ~~في هذا الصدد شي كثير أو قليل من التحقيق. # لكنها كائنا ما كان مصيرها ومصير عشر من أمثالها - لو ندب إلى عشر من ~~أمثالها - لتسقطن من سيرة خالد ويبقين له ما هو حسبه من البطولة وصدق ~~البلاء. وليكونن بها أو بغيرها خطيبا يبين من منبر التاريخ، وإن لم يحمله ~~قط منبر التعليم. # الفصل السادس # | حروب الردة # لتفصيل الكلام في حروب الردة مكان غير هذا المكان ... # لأننا نتناول منها في هذا الكتاب ما يتصل بأعمال خالد وتقديم خصائصه ومزاياه، وندع ~~ما عدا ذلك لمكانه من الشروح والمطولات. # وقد رجعت الردة - كجميع الثورات والأحداث الاجتماعية - إلى أسباب مختلفة، ولم تنحصر ~~في سبب واحد، وربما كان من أسبابها ما خفي على المؤرخين ولا يزال خافيا علينا حتى ~~الآن، ولكننا نعتقد ms058 أن الأسباب الآتية كافية لتفسيرها وتفسير نصيب خالد منها، ~~على القدر اللازم لفهمها وتصحيح دلالتها. # فمن أسباب حروب الردة تمرد القبائل القوية على قريش ، وأقواها القبائل التي تنتمي ~~إلى ربيعة دون مضر؛ فإنها كانت تتعصب لنسبها وتأنف أن تعلوها قريش بفضل النبوة ~~والرئاسة، وصرح بذلك طليحة النمري حين لقي مسيلمة زعيم بني حنيفة ومدعي النبوة في ~~اليمامة، فقال: «أشهد أنك كذاب، لكن كذاب ربيعة أحب إلينا من كذاب مضر.» # وكان مسيلمة هذا يقول: إنه أراد أن يأخذ نصف الأرض ويترك نصفها لقريش «ولكن ~~قريشا قوم لا يعدلون.» # ولم تكن المنافسة بين قبائل مضر أخف ولا أضعف من المنافسة بين مضر وربيعة، فإن ~~المنافسة في الأقربين أشد وأيقظ من المنافسة بين الأبعدين كما هو المعهود في كل ~~قبيل؛ فكانت ذبيان وعبس وبنو أسد تكره من سيادة القرشيين ما تكرهه القبائل ~~البعيدة، وروي عن عيينة بن حصن مثلما روي عن طليحة النمري إذ قال يؤيد المتنبئ ~~طليحة بن خويلد: «نبي من الحليفين أحب إلينا من نبي من قريش»، ويعني بالحليفين بني ~~أسد وبني غطفان. # وكانت قريش تقابل مثل هذه النفرة بمثلها في أيام خصومتها للنبي وثورتها عليه. فكان ~~صفوان بن أمية مشركا في وقعة حنين، ولكنه أنكر من أخيه أن يفرح بنصر هوازن ~~وحلفائها، وصاح به وذهزيمة المسلمين على أشدها: «اسكت فض الله فاك. أتبشرني بظهور ~~الأعراب ... والله لأن يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من ~~هوازن.» # ومن أسباب الردة، ثورة البادية على الحاضرة ... فما زال من دأب البادية في كل زمان أن ~~تنقم على الحاضرة سلطانها ونعمتها، ولم يشذ عن هذه السنة إلا بضع قبائل فيما بين ~~مكة والمدينة كانت تخشى من سطوة القبائل الكبرى ما ليست تخشاه من سطوة المدينتين، ~~وكانت تحتكم في خصوماتها إلى وساطة أهل مكة تارة وأهل المدينة تارة أخرى، فتؤثر ~~مودة الجوار بعد طول الخبرة وطول العشرة على بلاء الفتنة فيما بينها إذا زال سلطان ~~مكة والمدينة، ولزم بعض هذه القبائل الحيدة ms059 يترقب ما يكون، وأسرع بعضها إلى تلبية ~~الدعوة، فحارب في صفوف المسلمين. # ومن أسباب الردة، نجاح الدعوة المحمدية بعد فتح مكة ... فإن هذا النجاح أطمع بعض ~~القادة من رؤساء العشائر في بلوغ مثل هذا المطلب الجليل ... # فما هو إلا أن استقر الأمر لمحمد في الحجاز وما حوله حتى اشرأبت الأعناق للاقتداء ~~به، وظن من ظن أنهم قادرون على ما قدر عليه وأن المسألة كلها مسألة كهانة وأسجاع ~~وقيادة وأتباع، وقصرت عقولهم عن إدراك سر القوة الأصلية التي هيأت لمحمد كل ذلك ~~التوفيق العظيم، وهي أن دعوته مطلوبة لإصلاح الأخلاق والمعاملات ونظم الحكم ~~والمعيشة في العالم كله وليست مجرد نهزة تنتهز لظهور رئيس مطاع وتحقيق مجد مرموق ... ~~فنجم الدعاة في حياة النبي باليمن، ونجد، والبحرين، لمجاراة الدعوة بالحجاز، وجاءت ~~وفاته عليه السلام إثر ذلك فجرأتهم على المجاهرة بالعصيان. # ومن الأسباب التي أثارت القبائل، فريضة الزكاة التي فرضها الإسلام على كل مستطيع؛ ~~فإنها أثارتهم لضنهم بالمال، وأنفتهم من الإتاوة، وخالفت ما ألفوه حتى من أكاسرة ~~الفرس وقياصرة الروم؛ لأنهم كانوا يأخذون من هؤلاء أكثر مما يعطون، وكانت الإتاوات ~~التي يرضخون منها أقل من المنح التي توزع عليهم بين حين وحين، باسم الخلع أو ~~الهبات. # بل كان منهم من ضاق ذرعا بالفرائض فأسقطها الدعاة عنهم جميعا وأعفوهم من كل ~~فريضة، ومنهم من أنف من السجود، فقال لهم طليحة الأسدي: «إن الله لا يصنع بتعفير ~~وجوهكم، فاذكروا الله قياما، فإن الرغوة فوق الصريح.» # ويلحق بهذا وأشباهه أن الدين الجديد لم ترسخ جذوره بعد في نفوس الأقصين من أعراب ~~البادية، ولم تهجر طباعهم بعد عادات الجاهلية في العبادة والمعيشة، وقد كان ~~المسلمون أعلم بهم من أن يدهموا بالمفاجأة من قبلهم، لأنهم عرفوا طويتهم قبل ~~ذلك من القرآن الكريم: # قالت الأعراب آمنا قل ~~لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل ~~الإيمان في قلوبكم ~~(الحجرات: 14). # وليس أقرب إلى المألوف من نكوص هؤلاء على أعقابهم بعد موت النبي وشيوع الفتنة ~~والاضطراب عن أيمانهم وشمائلهم، مع إغراء الدعة وفرط ms060 الحنين إلى القديم وهو منهم ~~جد قريب. ~~••• # وثمة سبب لا يغفل ولو لم تذكره التواريخ بالسند القاطع والنص الصريح؛ وهو الدسيسة ~~المبثوثة من الدول الأجنبية ... كل منها بما يوائمها وبما هي قادرة عليه. # وهذا يفسر لنا أن النبوة ظهرت من العرب أولياء فارس ولم تظهر من العرب أولياء ~~الروم، وهم الغساسنة ومن جاورهم من قبائل التخوم السورية، فهؤلاء يدينون بالمسيحية ~~فلم يظهر بينهم مدع أو مدعية للنبوة، ولكنهم ناوشوا المسلمين على التخوم مناوشة ~~الحرب والوقيعة، أما التغلبيون على مقربة من فارس فلم يكن عليهم حرج من دولتهم ~~التي تحميهم أن يحاربوا دين العرب الجديد بدين آخر، ولم يجدوا حرجا من عقيدتهم أن ~~يسمعوا إلى المتنبئين والمتنبئات؛ لأن عقيدتهم هذه كانت مزيجا من المجوسية ~~والوثنية ومسحة من المسيحية لا يرضاها أتباع كتاب؛ فلهذا ظهرت بينهم سجاح وسلكت في ~~التبشير بدينها العجيب مسلكا لا يستريح العقل إلى تفسيره بغير تفسير واحد، وهو ~~أنها كانت تعمل لغرض سياسي وبإغراء دولة أجنبية، ولا تعمل لغرض ديني ولا بدافع من ~~عندها وعند ذويها. # فسجاح هذه كانت من بني يربوع أقرب بطون بني تميم إلى نفوذ فارس، ثم تزوجت في ~~أخوالها التغلبيين بالعراق، ثم انحدرت من ثم إلى أرض بني تميم مبشرة بدين جديد بعد ~~موت النبي عليه السلام، وانحدر معها جيش كثيف لا يستهان بأمره، فلما دعت قومها ~~الأولين بنى يربوع إلى هذا الدين طلبوا إليها - على ما يظهر - أن تؤلف بطون بني ~~تميم جميعا إلى دينها قبل الزحف على الحجاز لمحاربة المسلمين، فلم يتفق بنو تميم ~~على رأي، وتركتهم إلى اليمامة حيث كان مسيلمة الكذاب يتحفز كذلك للخروج على ~~الإسلام، ولم يكن أوفق لهما بهذه المثابة من التعاهد على غرض واحد؛ هو الزحف على ~~الحجاز ولكنها رجعت إلى قومها وهي تقول: «إنها وجدته على الحق فتزوجته» وأنه سيؤدي ~~لها نصف غلات اليمامة وقد استنجزته شطر هذا النصف قبل مرجعها إلى بلادها ... # فلماذا خالفها بنو تميم؟ ولماذا خالفها مسيلمة؟ ولماذا انحدرت ثم عادت إن كان ms061 همها ~~التبشير بدين جديد؟ ولماذا هابها مسيلمة وأعطاها الجزية وهو يأنف أن يعطيها خليفة ~~المسلمين ويجرد لحربه جيشا قيل إن عدته أربعون ألفا وقيل : بل ستون ولم يقل عن ~~عشرين ألفا في تقدير أحد من المؤرخين؟ # كل أولئك لغز سخيف لا يقبله العقل إلا على وجه واحد، وهو أنها كانت داعية الفرس ~~لتحريض العرب على الثورة، ومن ثم أصابت ما أصابت من الإخفاق أو النجاح. # ويعزز ذلك أنها لقيت في رحلتها عملاء فارس جميعا من أبناء البوادي العراقية ~~والنجدية، وأنها عملت حيث كان الأكاسرة حريصين على تجديد نفوذهم القديم ... # قال ابن الكلبي: «كانت عير # 1 # كسرى تبذرق - أي تحرس - من المدائن حتى تدفع إلى النعمان بن المنذر ~~بالحيرة، والنعمان يبذرقها بخفراء من بني ربيعة حتى تدفع إلى هوذة بن علي الحنفي ~~باليمامة، فيبذرقها حتى يخرجها من أرض بني حنيفة، وتجعل لهم جعالة، فتسير بها إلى ~~أن تبلغ اليمن.» # وعلى هذا، تكون مهمة سجاح قد وضحت على هذه الصورة التي لا لغز فيها ولا تناقض بين ~~أجزائها. # ويكون بنو تميم وبنو حنيفة وغيرهم قد عاملوها المعاملة الواجبة لمن يعتز بصولة ~~الأكاسرة ويخلف المناذرة في وقت واحد. # فقد هدمت وقعة ذي قار، التي مر ذكرها بأول هذا الكتاب، هيبة الأكاسرة في الجزيرة ~~العربية. # وساء ظن الأكاسرة بالمناذرة - ملوك الحيرة - الذين كانوا صنائع فارس وكانت فارس ~~تعول عليهم في إخضاع البادية القريبة والبعيدة، فنكلوا بهم وعصفوا بدولتهم قبيل ~~ذلك بقليل، فأرسل الأكاسرة أميرة تغلبية؛ لتخلف المناذرة في هذه المهمة ~~القديمة. # وكان اختيارها من بني تغلب أدنى شيء إلى المعقول والمنظور؛ لأنهم أعداء بني بكر ~~الذين تصدوا لحرب الفرس وهزموهم في وقعة ذي قار. # ثم كان تردد بني تميم وبني حنيفة في معاملتها أدنى شيء كذلك إلى المعقول والمنظور؛ ~~لأنهم أصدقاء المناذرة من زمن قديم، فلا هم راضون بهوانهم ولا هم قادرون على إغضاب ~~فارس ... وغاية ما في وسعهم، أن يصرفوا سجاح راضية ويقنعوها بأن الثورة على الإسلام ~~حاصلة، ويكون عملهم جميعا معقولا على ms062 هذا التفسير حيث يعوزه الفهم والوضوح على ~~كل تفسير سواه. # بل نحن نخطر هذا في أخلادنا، فنفهم كيف اشتد التغلبيون في حرب المسلمين وكيف اشتد ~~المسلمون في حرب التغلبيين يوم اشتبكت جيوش الإسلام وجيوش الأكاسرة على إثر حروب ~~الردة، فهي شدة لها أوائلها ونهاية جاءت بعد بداية. وكانت رحلة سجاح إلى الجزيرة ~~العربية هي أولى الطلائع في حرب الأكاسرة والإسلام. ~~••• # من جملة هذه الأسباب يجوز لنا أن نقول: إن المدينة ومكة وجيرتهما كانت تقف وحدها ~~في وجه البادية العربية بأسرها، ومن وراء البادية دول كبيرة تنصرها ولا تنصر ~~المدينتين في هذه المعركة. # وقد كانت حروب الردة طائفا من الشر لا شك فيه. # ولكنها ولا ريب لم تكن شرا محضا خلوا من جانب المصلحة والفائدة؛ لأن هذه ~~الحروب وحدت عناصر المدينتين وهما وشيكتان أن تفترقا كل مفترق، فاجتمعت منهما قوة ~~تكافئ كل قوة في البادية على انفراد، وتيسر لهما من ثم أن تأخذا من البادية قوة ~~تفل قوى الدول الواقفة لهما بمرصد قريب ... # ولولا حروب الردة؛ لكان الخلاف بين المهاجرين والأنصار خليقا أن يتشعب ويستفحل، ~~وكان الأنصار فيما بينهم مختلفين شيعتين كبيرتين ثم شيعا صغارا في كل من ~~الشيعتين، وكذلك كان المهاجرون من هاشميين وأمويين ومن سائر بطون قريش، فإن بني ~~هاشم على انفرادهم لم يجتمعوا بينهم إلى كلمة، ولم يكن لهم مطمع في الوفاق بينهم ~~وبين بطون قريش الأخرى، ودع عنك الوفاق بين طوائف المسلمين أجمعين. # فلما تحفزت البادية للوثوب على المدينة، أحس المسلمون جميعا أنهم فريق واحد، مهدد ~~بخطر واحد، فاتفقوا بوحي البداهة التي لا موضع فيها لتعمل التفكير وحيلة الحض ~~والتحريض، ولبثوا متفقين ما كانوا بحاجة إلى الوفاق، وما كان الشقاق بينهم مرهوب ~~العواقب محذور الأخطار. # وغني عن القول، أن خالد بن الوليد كان في وسط هذه الحومة بكل داع من دواعيه ~~النفيسة والعقلية؛ بداعي العقيدة الإسلامية، وداعي العصبية القرشية، وداعي النشأة ~~الحضرية، وداعي القيادة العسكرية التي قدمته إلى طليعة المجاهدين في هذا ~~الميدان. # فشهد حروب الردة من ms063 أوائلها إلى نهاياتها، وقسمت له الحصة الكبرى في أهم وقائعها ~~وأعصب أوقاتها، ومنها وقعة واحدة ترجح بها جميعا وتعد من حروب الإسلام الحاسمة في ~~صدر تاريخه، وهي وقعة اليمامة التي انتصر فيها بعد هزيمة قائدين. # وتنقسم أعمال خالد في حروب الردة إلى قسمين: أحدهما الذي اشترك فيه مع كبار الصحابة ~~بقيادة الخليفة في المدينة وما جاورها، والآخر الذي استقل به أو استقل على الأصح ~~بناحيته العسكرية، وهو أعظم عملية في هذه الحروب. ~~••• # توفي النبي - عليه السلام - وجيش أسامة بن زيد في الجرف من أرباض المدينة، ~~والفتنة على مقربة منها تتطلع برءوسها، فعاد فريق منه إلى المدينة وأشار بعض ~~الصحابة على الخليفة أن يرجئ مسيرته ويستبقيه عنده فترة من الزمن ريثما يطمئن في ~~عقر داره خلال تلك الغاشية، فأبى أشد الإباء أن يخلف وصية للنبي أوصى بها في ~~مرض وفاته، وقال قولته المأثورة: «والله لا أحل عقدة عقدها رسول الله، ولو أن ~~الطير تخطفتنا والسباع من حول المدينة، ولو أن الكلاب جرت بأرجل أمهات المؤمنين ~~لأجهزن جيش أسامة» ونادى في المسلمين: «ليتم بعث أسامة! ألا لا يبقين ~~بالمدينة أحد من جند أسامة إلا خرج إلى عسكره بالجرف ...» # وسار الجيش إلى وجهته كما أراد، فخلت المدينة من الجند إلا بضع مئات من رجال ~~المهاجرين والأنصار، ودرى أقرب المرتدين إليها بحالها من العزلة وقلة الحامية، ~~فزحفوا عليها، وظنوا أنهم إذا هددوها وهي عزلاء وتوسلوا بالمفاوضة والوساطة في ~~الوقت نفسه - رجع الخليفة عن عناده وقبل منهم ما ساوموه عليه؛ وهو إقامة الفرائض ~~كلها والإعفاء من الزكاة ... أو من الجزية كما سموها! # زحفت مئات من عبس وذبيان وفزارة على المدينة، وتركوا شطرا من جموعهم في الربذة ~~حيث تلتقي طرق كثيرة على مسافة سبعين أو ثمانين ميلا من المدينة، وساروا بالشطر ~~الآخر إلى ذي حسا وذي القصة وهي أقرب محلة إليها، ثم أوفدوا سفراءهم ينزلون ~~بالناس في بيوتهم ويتوسلون بهم إلى الخليفة أن يقبل منهم ما عرضوا عليه، فأبى ~~إباءه الذي لا ينثني وقال: «لو منعوني ms064 عناقا لجاهدتهم عليه.» # فقفلت الوفود إلى جماعاتها، وعلم الخليفة بقفولها، وأخذ في التأهب للأمر بحزم العمل ~~وحزم التدبير والحيلة بعد حزم الإيمان. فلم يدع شيئا قط يستعد به للخطر المنتظر ~~إلا أعده في أوانه وعلى الوجه الأمثل في تلك الأحوال ... # فأقام كبار الصحابة على الأبواب، وجمع في المسجد من استطاع جمعه من المجاهدين، ~~وأرسل العيون على الطرقات من كل سبيل، فما هو إلا أن جاءوه بنبأ القوم ومواضع ~~جماعاتهم المختلفة حتى خرج مع الليل، ليضربهم من حيث لا يتوقعون قدومه، ودهم من ~~كان منهم بذي القصة فذعروا لهذه البغتة التي لم تكن لهم على بال، ولاذوا ~~بالفرار حتى لحقوا بأصحابهم في ذي حسا فثبتوا هناك للمقاومة، وقيل إنهم تحيلوا على ~~إبل المسلمين التي لم تروض للقتال فضربوها بالأنحاء المنفوخة في وجوهها؛ فنفرت ~~وولت مجفلة من حيث أتت، فأطمعهم ذلك في الهجوم على المدينة، وظنوا أن أهلها لن ~~يفارقوها يومهم على الأقل بعد هذه الهزيمة ... # إلا أن الخليفة لم ينتظرهم معتصما بالمدينة كما انتظروا، بل خرج بمن معه في هزيع ~~من الليل على تعبئة كاملة، وهبط عليهم عند طلوع الصبح وهم على غير أهبة فلم يلبثوا ~~قليلا حتى تفرقوا وارتدوا، ولم تقم بعدها قائمة في هذه المحاولة الخاسرة؛ لأن جيش ~~أسامة عاد من وجهته قبل أن يسعفهم مدد نافع، فيئسوا أن يأخذوا المدينة عنوة أو ~~غرة بعد ما أعياهم أخذها وهي قليلة الحامية مفتوحة الطريق. # تلك كانت هجمة المرتدين الأولى على معقل الإسلام ... ظفر فيها المسلمون؛ لأنهم ~~اعتصموا بحزم الإيمان وحزم التدبير وحزم الوفاق، وانخذل فيها المرتدون؛ لأنهم ~~كانوا على نصيب ضئيل من هذه العدد الثلاث، فخانتهم عزيمة الدين وعزيمة الرأي ~~وعزيمة الكلمة الواحدة، ولعلهم لو شاءوا أن يتحدوا كلمة وفعلا لفاتهم طلاب ذلك؛ ~~لقلة الكلأ والماء الذي يكفيهم مجتمعين. فكان تفرقهم مما أعان المسلمين عليهم، ~~وعوضهم من قلة الجند رجحانا يقابلون به الكثرة وهي منحلة الوثاق. # ومن عجائب الخليفة الصديق، أنه كان يعتصم بالإيمان حتى يقال لم يدع مزيدا للحيلة ms065 ~~والتدبير، ويعتصم بالحيلة والتدبير حتى يقال إنه لم يدع مزيدا للإيمان ... # ففي هذه الفترة التي شغل فيها أولئك المرتدين بالهجوم والدفاع كانت رسله إلى كل ~~مكان تستنفر القبائل الموالية للنجدة، وتمشي بالوقيعة والتفرقة بين القبائل ~~المعادية أو المتربصة للعداء، وتأتيه بالأخبار من كل صوب فيعمل وهو بصير، ويعملون ~~وهم متخبطون مضللون ... # فلم تنقض هجمة فزارة وعبس وذبيان حتى استتم له جيش كبير من أبناء القبائل الموالية ~~في جوار المدينة ومكة، ومعهم جيش أسامة وعدته بضعة آلاف من المدربين على ~~القتال. # ومضى رسوله «عدي بن حاتم الطائي» إلى قومه بني طيئ وهم يترددون: فريق يعصي ~~الخليفة ويلحق بالمتنبئ الأسدي طليحة بن خويلد ومعهم فلول المرتدين عن المدينة، ~~وفريق يحجم عن العصيان ويؤثر البقاء والانتظار، فأرهبهم من مغبة العصيان وساعده ~~على إرهابهم مصير عبس وذبيان، وأنذرهم ليهبطن عليهم جيش لا قبل لهم بدفعه من تلك ~~الأمداد التي تتدفق على المدينة أو يثوبوا إلى الإسلام وإيتاء الزكاة. فأصغوا ~~إليه، وسألوه المهلة حتى يستخرجوا من لحق بطليحة من إخوانهم لئلا يقتلهم وهم بين ~~يديه، ووعدوه أن يدخلوا بهم جميعا في زمرة جيش المسلمين. ~~••• # إلى هنا انتهت المرحلة الأولى التي اشترك فيها المسلمون جميعا بقيادة الخليفة ~~لمدافعة المرتدين عن المدينة، وكان شأن خالد فيها شأن غيره من أبطال ~~المجاهدين. # وآن أن تبدأ المرحلة الثانية وهي المرحلة التي توزع فيها الأعمال بين القادة في شتى ~~الميادين، بعد أن تمت العدة وتوافدت الأمداد من مختلف القبائل، واستراح جيش أسامة، ~~وهدأت سورة القيظ وبدأ الخريف، وأصبح من الميسور للخليفة أن يوجه البعوث إلى ~~المتنبئين في مواطنهم؛ ليعجل كل منهم عن مراده قبل استفحال خطبه. # ففي أول هذه المرحلة، نرى خالدا ب «ذي القصة» حيث عقد له الخليفة لواء القيادة ~~على جيش لا تتجاوز عدته أربعة آلاف مقاتل، أكثرهم من أبناء القبائل الموالية ~~وأقلهم من المهاجرين والأنصار، ووجهته إلى «بزاخة» من أرض بني أسد حيث اجتمع بنو ~~أسد وقيس وحلفاؤهم إلى المتنبئ القائم بأمر الردة هناك طليحة بن خويلد. ms066 # وربما كان الصحيح أن خالدا إنما استقل في أول هذه المرحلة بعمل القائد العسكري ~~في تنفيذ خطة مرسومة بتفصيلاتها، إذ كانت هذه الخطة متفقا عليها بينه وبين ~~الخليفة، وكان الخليفة اليقظان يأمره بما يصطنع خطوة بعد خطوة، وينبهه إلى مواقف ~~القبائل ومواطن الخطر منها على درجاته، ويصحبه إلى بداية طريقه. # قال الخليفة وهو يودع الجيش: «أيها الناس، سيروا على اسم الله وبركته، فأميركم خالد ~~بن الوليد إلى أن ألقاكم. فإني خارج فيمن معي إلى ناحية خيبر حتى ألاقيكم.» # ثم خلا بخالد وأسر إليه أمرا، ثم قال: «... عليك بتقوى الله، وإيثاره على سواه، ~~والجهاد في سبيله، والرفق بمن معك من رعيتك، فإن معك أصحاب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وأهل السابقة من المهاجرين والأنصار فشاورهم فيما نزل بك ثم لا تخالفهم، فإذا دخلت ~~أرض العدو فكن بعيدا من الحملة فإني لا آمن عليك الجولة، واستظهر بالزاد وسر ~~بالأدلاء، وقدم أمامك الطلائع ترتد لك المنازل، وسر في أصحابك على تعبئة جيدة، ~~واحرص على الموت توهب لك الحياة، ولا تقاتل بمجروح فإن بعضه ليس منه، واحترس من ~~البيات فإن في العرب غرة، وأقلل من الكلام واقبل من الناس علانيتهم وكلهم إلى الله ~~في سريرتهم، وإذا أتيت دارا فاقحم. فإن سمعت أذانا أو رأيت مصليا أمسك حتى ~~تسألهم عن الذين نقموا ومنعوا الصدقة، فإن لم تسمع أذانا ولم تر مصليا شن ~~الغارة، فاقتل وأحرق كل من ترك واحدة من الخمس ... وإذا لقيت أسدا وغطفان فبعضهم لك ~~وبعضهم عليك، وبعضهم لا عليك ولا لك متربص السوء ينظر لمن تكون الدبرة فيميل مع من ~~تكون له الغلبة، ولكن الخوف عندي من أهل اليمامة، فاستعن بالله على قتالهم، فإنه ~~بلغني أنهم رجعوا بأسرهم، فإن كفاك الله الضاحية فامض إلى أهل اليمامة ... سر على ~~بركة الله.» # ولم يكن الخليفة على نية المسير إلى خيبر كما أعلن أمام الناس، ولكنه لم يشأ أن ~~يعلن سير الجيش إلى «بزاخة» نصا لمقاصد متعددة: منها أن يخيف بطون طيئ حين ~~يقصد ms067 إليهم جيش خالد بقضه وقضيضه فيجهز على بقية التردد التي تهجس في صدورهم، ~~ومنها أن يقنع طليحة بإرسال من عنده من طيئ لنجدة إخوانهم والدفاع عن بلادهم، ~~ومنها أن يدهم طليحة على غرة وهو يظن أن الجيش متجه إلى غير «بزاخة» ومنصرف ~~عنها إلى حين، ومنها أن يلزم أهل خيبر أماكنهم فلا يشتركوا في قتال ... # وقد عمد خالد بهذه الخطة، فمضى في طريق «بزاخة» ثم عرج على اليسار قبل منتصف الطريق ~~كأنه يريد الحملة على ديار طيئ، وهناك وافاه فوق الألف من مقاتلة البطون الطائية ~~ممن تخلى عن طليحة أو كان على نية اللحاق به بعد قليل. ~~••• # وقبل أن يستوي خالد في طريقه إلى «بزاخة» جاءه أناس من الطائيين فعرضوا عليه أن ~~يكفوه حرب قيس ويعفيهم من حرب بني أسد لأنهم حلفاؤهم منذ الجاهلية. ولم يكن عدي بن ~~حاتم على رأي قومه فقال لخالد: لو ترك هذا الدين أسرتي الأدنى فالأدنى من قومي ~~لجاهدتهم عليه. أفأنا أمتنع عن جهاد بني أسد لحلفهم؟ ... فلم يشأ خالد أن يكره ~~أناسا على حرب من يسالمونهم ولا يتحمسون في قتالهم، وقال لعدي: «لا تخالف قومك، ~~وامض بهم إلى القوم الذين هم لقتالهم أنشط، والله ما قيس بأوهن الشوكتين. امضوا ~~إلى أي القبيلتين أحببتم.» # وأتم تعبئته للقتال وهو على الطريق، فجعل القبائل على ميمنته والأنصار والمهاجرين ~~على ميسرته، وصمد هو في القلب مع فئة من هؤلاء وهؤلاء ... # أما طليحة، فالظاهر أنه كان أحذر من أن يؤخذ على غرة، فإنه قد رصد العيون على فجاج ~~الصحراء فعلم بمقدم المسلمين قبل وصولهم إلى «بزاخة»، وأعد العدة لكلتا الحالتين ~~من غلبة وفرار، فعزل أكثر النساء في مكان أمين؛ لئلا يقعن في السبي إذا دارت ~~الدائرة عليه، وأقام حوله أربعين فارسا من أشد فتيان بني أسد ليدرأوا الهجمة عنه، ~~كأنه كان يعلم أسلوب خالد في قتاله، إذ كان وكده قبل كل وكد أن ينحي بالضربة ~~المصمية على رئيس القوم فيفت في أعضاد القوم جميعا بقتله أو إكراهه على الفرار، ms068 ~~ولم يكن طليحة جبانا يتنحى عن الطعن والضرب وراء غيره، بل كان مشهورا بالشجاعة ~~معروفا عنه أنه أقسم لا يدعوه أحد إلى مبارزة إلا أجابه ، ولكنه كان على شجاعته ~~أميل إلى الحذر والحيطة منه إلى المجازفة والحماسة، وكان في هذه الخصلة نقيض نده ~~الذي يصاوله وينازله بالسلاح والأخلاق، فكان خالد أقرب إلى المجازفة والحماسة منه ~~إلى الحذر والحيطة. # ولقد كانت لجيش طليحة مزيتان هما الكثرة والراحة ... فقد كان جيشه يربو على جيش ~~المسلمين بألف مقاتل أو زيادة مع وفرة السلاح والركائب، وكان مستريحا في دياره ~~على خلاف جيش المسلمين الذي كان عليه أن يلقاه بعد مسير مئات من الأميال في ~~الأودية والجبال. # ولهذا أوشك أن يفوز بيومه لولا عزمة من عزمات القيادة التي تأتي في إبانها وتدور ~~برحى الحرب من طرف إلى طرف في ساعات معدودات. # فلما التحم الجيشان، ثبت طليحة وأصحابه ثبات المستميت، وكروا على المسلمين كرة ~~عنيفة فكشفوا الميمنة ولحقت بها الميسرة وانقضت هنيهة خيل فيها إلى المسلمين ~~أنهم منكسرون لا محالة، وجاء بعض بني طيئ إلى خالد ينصح له أن يتراجع يومه ليعتصم ~~بجبال طيئ ويستدرج المرتدين إليها، فأنكر عليه نصيحته وزجره قائلا: لا أعتصم بغير ~~الله! # ثم عول على الكرة في كبة الجمع ليبلغ النصر أو يموت دونه، فأرسل فرسه وترجل مقاتلا ~~على قدميه؛ ليملك الحركة حيث يشاء ويبعث القدوة في قلوب صحبه، ونادى بالأنصار كأنه ~~ذكر موقف النبي يوم حنين: يا أنصار الله ... فلبوه مندفعين إليه، وثاب أبناء القبائل ~~إلى مواضعهم فاستحر القتل في الفريقين حتى قتل حرس طليحة جميعا، واستقر هو في ~~«دثار الكهانة» يوهمهم أنه يتلقى الوحي أو ينتظر المدد من السماء. # وقد كان أتباعه يحبون أن يؤمنوا به مجاملة له ومرضاة لكبرياء القبيلة في أنفسهم، ~~فلما جد الجد أحبوا أن يروا لهذا الإيمان علامة، وسأله زعيم فزارة عيينة بن ~~حصن، وهو من أعز أنصاره وألد أعداء المسلمين: هل جاءك جبريل؟ قال: لا ... ثم رجع له ~~مستعجلا وحي السماء صائحا به - وقد نسي ms069 في غضبه أنه يخاطب على زعمه نبيا من ~~الأنبياء - لا أبا لك، أجاءك صاحبك؟ قال: لا ... فصاح به: حتى متى؟ قد والله بلغ ~~منا. فلما عاوده الثالثة خجل أن يجيبه جوابه الأول وقال له: نعم ... جاءني وأوحى ~~إلي «أن لك رحى كرحاه، وحديثا لا ننساه ...» فسخر منه عيينة وقال: «نعم ... حديث ~~لا ننساه»، ونادى في قومه وهو مؤمن بهزيمة طليحة وإدبار أمره: انصرفوا يا بني ~~فزارة ... إنه لكذاب، وجعل طليحة يسألهم من حيرته ما يهزمكم؟ فأجابه أحدهم: «أنا ~~أحدثك ما يهزمنا، إنه ليس رجل منا إلا وهو يحب أن يموت صاحبه قبله، وإنا لنلقى ~~قوما كلهم يحب أن يموت قبل صاحبه.» # وأدرك طليحة حذره، وكان قد أعد لهذا الحذر عدته، فركب فرسه وأردف امرأته النوار على ~~راحلة وراءه، ونجا بها وهو ينادي أتباعه: «من استطاع أن يفعل هكذا فليفعل»، وما ~~زال في فراره حتى لحق بالشام. ~~••• # وتعقب خالد فلول المرتدين ومن مالأهم من قبائل هوازن وسليم حتى لحق بهم في «ظفر» ~~حيث أحاطوا بسلمى أم زمل وهي كأمها من قبلها مضرب المثل في العزة والمنعة. كان ~~يقال عن أمها «أعز من أم قرفة»؛ لأنها تعلق في بيتها خمسين سيفا، كل سيف منها ~~لرجل من ذويها، وقد سبيت هي في عهد النبي عليه السلام فأعتقتها السيدة عائشة - رضي ~~الله عنها - فذهبت إلى قومها مغضبة لتلك العزة التي انتهى بها عناد قومها إلى ~~الأسر والخدمة، واستثارت حمية الرجال بهذه الغضبة التي تثير الطبيعة البدوية ولو ~~لم تجتمع إليها بواعث أخرى للغضب والثورة ... فدار بين خالد وبين جيشها أحر قتال، ~~ووقفت هي على جمل مشهور تضرم النخوة في قلوب جندها، وترد الشجاعة إلى من أدبر ~~للفرار، ومضى اليوم وهي تكافح ومن حولها زعماء جيشها يكافحون، فجعل خالد مائة من ~~الإبل لمن يصيب الجمل ... وأرسل نخبة من فرسانه عليه فعقروه، وقيل: إنهم لم يصلوا ~~إليه حتى قتل من دونه مائة رجل من حماتها المستيئسين. # وقد تفرقت سرايا خالد في أثر المنهزمين تضربهم وتجمع الأسلاب ms070 والغنائم وتدعو إلى ~~الإسلام. # فلم تمض أيام حتى كان قد فرغ من مهمتيه الأوليين، وهما: الإنذار والتغلب على ~~الفتنة، وبقيت مهمته الأخيرة وهي القصاص والتأديب ، ولعلها كانت ألزم وأحزم من قمع ~~الفتنة وتمزيق الجيوش؛ لأن المرتدين كانوا قد أسرفوا في التنكيل بالمسلمين الذين ~~أصابوهم بينهم ولم يتورعوا عن مثلة من المثلات التي يتورع عنها المقاتل الكريم، ~~وأصابوا أولئك العزل المنفردين في غير ساحة حرب وبغير نذير من قتال، فكانت أوامر ~~الخليفة إلى خالد صريحة ألا يني في عقاب المعتدين: «ولا يظفرن بأحد قتل ~~المسلمين إلا قتله ونكل به غيره.» # ولم يكن خالد في مواقف الصرامة والبطش بحاجة إلى توكيد وتشديد، فلم يقبل من ~~المرتدين إلا أن يأتوه «بالذين حرقوا ومثلوا وعدوا على المسلمين.» ومثل بهم ~~فأحرقهم بالنيران ورضخهم بالحجارة ورمى بهم من الجبال كفعلهم بأولئك الأبرياء ~~الغافلين عن عدوانهم الذميم، وقاد رؤساءهم في جوامع الحديد إلى الخليفة ليصنع بهم ~~ما يشاء. # وذلك درس لا شك أنه عنيف مخيف، ولكن لا شك أنه عادل في شرعة الحرب والسلم، ~~وأنه لازم كل اللزوم في أحوال كتلك الأحوال. # وأيا كانت المثلات بالمرتدين، فهي على التحقيق لا تتجاوز المثلات التي تؤمر بها ~~«حملات التأديب» في عصرنا هذا لمعاقبة أناس لم يقترفوا مثل ما اقترفه المرتدون، ~~ولم يقرنوا فعالهم بجريرة الخروج على عقيدة أو شريعة، ولا بتهديد «الدولة» في ~~كيانها وهي أحوج ما تكون إلى الأمان والضمان ... # ومع هذا وجد من كبار المسلمين من لام خالدا على الإمعان في تأديبه على النحو ~~الذي نحاه، فقال عمر بن الخطاب للخليفة منكرا إحراق الناس: بعثت رجلا بعذاب ~~الله؟ انزعه! # فلم يستمع إليه الخليفة؛ لأنه كان في حنقه على المرتدين لا يستعظم عليهم ضربا من ~~ضروب العقاب. # ومهما يكن من مجاراة هذا العقاب لطبع خالد - فهذه البعثة بين بعثاته جميعا هي ~~بعثة التنفيذ المحض الذي لا يشوبه نصيب من الاستقلال، اللهم إلا استقلال القائد ~~الكفء بحسن القيام على ما وكل إليه ... # ومما لا غنى عنه قبل الانتقال إلى ms071 أعمال خالد المستقلة في بقية حياته أن نتحرى ~~نصيبها من إطاعة الأمر، ونصيبها من الإقدام على العمل غير مأمور به ولا محمود ~~عليه. # فيجوز لقائل في هذا الصدد أن يقول: إن الخليفة لم يرسم لخالد خطة القتال ~~والمداورة في بعثة «بزاخة» وإنما أفضى خالد بهذه الخطة إلى الخليفة فأقرها ووافقه ~~عليها. # ذلك جائز غير ضعيف الجواز، ولكننا على هذا نرجح أن الخليفة هو صاحب الخطة من ~~ألفها إلى يائها، وأن نصيب خالد فيها هو نصيب الإقرار والموافقة، ويميل بنا ~~إلى هذا الترجيح أن نصائح الخليفة في بدء البعثة قد شملت الصغائر والكبائر، ~~وتناولت تفصيل الحركة كما تناولت تفصيل البيان الصحيح عن مواقف المرتدين في كل ~~قبيلة وكل ميدان، وأن الخطة قامت على التورية والسبق بالهجوم، وكلاهما مما تعلمه ~~الخليفة الأول بعد طول الصحبة من النبي عليه السلام، إذ كان مأثورا عنه أنه كان ~~إذا قصد وجهة ورى بغيرها، وأنه كان لا ينتظر الهجوم بل يسبق الهاجمين إليه، وقد ~~جرى الخليفة على ذلك في دفاعه عن المدينة قبل مسير البعوث وعقد الألوية ~~للقواد. # كذلك تواترت بعض الأقوال بمسير خالد إلى بني تميم - بعد معركة البزاخة - قبل أن ~~يأتيه أمر الخليفة بالهجوم. قيل: إن الأنصار أنكروا عليه المسير إلى بني تميم ~~وقالوا له: «ما هذا بعهد الخليفة إلينا، إنما عهده إن نحن فرغنا من البزاخة ~~واستبرأنا بلاد القوم أن نقيم حتى يكتب إلينا»، فقال لهم خالد: «إن يكن عهد إليكم ~~هذا فقد عهد إلى أن أمضى، وأنا الأمير وإلي تنتهي الأخبار، ولو أنه لم يأتني ~~كتاب ولا أمر، ثم رأيت فرصة إن أعلمته بها فاتتني لم أعلمه حتى أنتهزها.» # بل قيل أكثر من ذلك، إنه أغار على اليمامة قبل أن يأتيه الأمر من الخليفة بالإغارة ~~عليها. وهي أهول حروب الردة بل لعلها أهول من معظم حروب الفرس والروم. # فزعم قوم أنه قال لصحبه بالبطاح: والله لا أنتهي حتى أناطح مسيلمة، فأبى الأنصار ~~وقالوا: هذا رأي لم يأمرك به أبو بكر فارجع إلى ms072 المدينة؛ فأصر على رأيه وقال: لا ~~والله، حتى أناطح مسيلمة، فرجعت الأنصار فسارت ليلة ثم قالوا: والله لئن نصر ~~أصحابنا لقد ندمنا، ولئن هزموا لقد خذلناهم، فرجعوا إليه ومضى بهم إلى اليمامة ~~... # والذي لا نزاع فيه أن الخليفة لم يبعث أحدا غير خالد إلى بني تميم، ولو بعث غيره ~~لصح أن يقال إنه سار إليهم غير مأمور، ولكنه قال عند مسير جيشه من ذي القصة: ~~«إذا فرغ سار إلى مالك بن نويرة بالبطاح إن أقام له.» # أما اليمامة، فقد بعث إليها الخليفة عكرمة بن أبي جهل ثم رأى حاجته إلى المدد فوجه ~~في أثره شرحبيل بن حسنة، وأمرهما أن يتلاقيا ولا ينفردا بالهجمة على اليمامة، ثم ~~بدا لعكرمة أن يستأثر بالنصر وحده، فهجم على مسيلمة قبل أن يوافيه المدد فنكب نكبة ~~شديدة، وتلقى الخليفة نبأ هذه النكبة، فكتب إلى شرحبيل يأمره بالتوقف حتى يأتيه ~~أمره، ولم يقل أحد: إن الخليفة وجه قائدا غير خالد لنجدة شرحبيل، ولا كان ~~معقولا أن يكتفي بشرحبيل بعد هزيمة عكرمة وقد كان كلاهما عنده في حاجة إلى ~~التعزيز والإمداد. # وقد تقدم أن الخليفة قد بصر خالدا بشأن اليمامة قبل خروجه إلى البزاخة ... وليس ~~ثمة من داع إلى الشك في نسبة ذلك المقال إليه، ولا إلى الشك بعد هذا جميعه في ~~تولية خالد قيادة الجيش الذي سار إلى اليمامة ... # ومن المتواتر جدا أن خالدا لقي الخليفة بعد مسيره إلى بني تميم وقبل مسيره إلى ~~بني حنيفة؛ لأنه استدعى لسؤاله عن مقتل مالك بن نويرة وزواجه من امرأته ليلى، فهو ~~قد توجه إلى اليمامة مأذونا مأمورا بعد وقعة البزاخة وبعد وقعة بني تميم وعدا ~~هذا كله، يكاد يستحيل على العقل أن يقبل أن خالدا قد تولى حربا كحرب اليمامة، ~~اشترك فيها أعظم الصحابة واستهدف المقاتلون فيها لأكبر الأهوال دون أن يندب ~~لذلك بأمر صريح. ~~••• # وغاية ما نفهمه الآن من ورود ذكر اليمامة عند عقد الألوية في ذي القصة أن ~~الخليفة عرف خطرها؛ فأراد أن يجمع لها أكبر ms073 قوة من جيوشه المختلفة ... وأراد في ~~الوقت نفسه أن يشغل بني حنيفة بأنفسهم، فوجه إليهم عكرمة أولا ثم وجه شرحبيل بعده ~~ليتلاقيا معا، ويكون خالد قد فرغ في خلال ذلك من أمر بني أسد فيدرك سابقيه ~~معززا لهم إن تعذر عليهم أن يقهروا بني حنيفة قبل قدومه، وهي خطة تلائم ما عرف عن ~~خطط الصديق من جرأة وحيطة وسرعة، ولا يمنع هذا أن الخليفة أمر خالدا أن يرجع ~~إليه بعد كل مرحلة من مراحل هذه البعثة لعله قد استجد شيء في غيابه. # وفحوى الأقوال الكثيرة التي تتفق بالبداهة على هذا النسق أن خالدا قد تولى ~~التنفيذ في ترتيب أعماله وتولاه أيضا في أوائل خططه، ولكنه قد وكل إلى نفسه في ~~الأمور التي يعلمها الشاهد ولا يعلمها الغائب ... ومنها موعد المسير وطريقة الهجوم ~~واللقاء، فقام بما وكل إليه جميعا على أكمل الوجوه وأقمنها بموافقة الخليفة، ~~إلا في موضعين لكل منهما ارتباط بمسألة زواج: أحدهما في البطاح، والآخر في ~~اليمامة ... فقد تعرض فيهما لمؤاخذة الخليفة ومؤاخذة كبار الصحابة، ولم يرض فيهما ~~عرف الجاهلية أو عرف الإسلام. # وظاهر من مقال الخليفة في ذي القصة أنه لم يكن على يقين من عداء بني تميم. أو ~~من ضرورة القتال في أرضهم، وإنما كان يعلق الأمر على موقفهم عند وصول جيش المسلمين ~~إليهم، وبخاصة بعد وفود زعماء منهم بإعلان الطاعة وإيتاء الزكاة. # وليس أدل من هذا على أن الصديق - رضي الله عنه - قد كان يعمل عمله في حروب الردة ~~جميعا وهو على استطلاع وثيق وعلم واف بأحوال كل طائفة من المرتدين، وإن من ~~دواعي انتصاره وفاء أخباره بحاجات القتال، ونقص أخبار المسلمين عند القبائل ~~المرتدة بعيدها وقريبها على السواء. # فتقديره لموقف بني أسد منذ البداية كان أصح تقدير. # وكذلك كان تقديره لموقف بني حنيفة في اليمامة. # ومثل هذين في صحة الإلمام بالأحوال المختلفة شكه في ضرورة القتال بالبطاح، وتعليقه ~~القتال مع مالك بن نويرة على شرط، وتخصيصه مالكا بالذكر دون الآخرين من زعماء ~~بيوت بني تميم. ms074 # فالواقع في أمر بني تميم - كما نعلمه اليوم - أنهم لم ينطووا على خطر جسام، وإن ~~اختلفت في نياتهم الظنون. # وتاريخهم قبل الإسلام بعشرات السنين؛ يؤكد هذه الحقيقة، ويوحي إلى الخليفة رأيه ~~الذي ارتآه. # كانوا في أجهل أيام الجاهلية في طليعة العرب كثرة ومنعة وسعة بلاء ووفرة ماء ~~ومرعى. # وكانوا يجترئون على المغامرات التي تفرق # 2 # منها القبائل الأخرى، فبطشوا مرة بقافلة عظيمة من قوافل الفرس التي ~~تسير في رعاية الدولة الفارسية وحراسة أناس من بني حنيفة. وفارس دولة ضخمة يهابها ~~العرب، وبنو حنيفة قوم من المنعة والعزة بمكان. فلما استشار كسرى بعض زعماء بني ~~حنيفة في عقوبتهم قال له: «إن أرضهم لا تطيقها أساورتك وهم يمتنعون بها، ولكن ~~احبس عنهم الميرة، فإذا فعلت بهم ذلك سنة أرسلت معي جندا من أساورتك، فأقيم ~~لهم السوق، فإنهم يأتونها، فتصيبهم عند ذلك خيلك.» # وكذلك لم يتمكن منهم كسرى حتى منع عنهم حاجياتهم من أرض الحضارة في سنة مجدبة، ~~واستعان عليهم بمن يستدرجهم إلى مكان ينالون فيه ... # ولكن بني تميم على هذا كانوا مثلا من الأمثلة النادرة على عجائب الحظوظ في هذه ~~الدنيا. فقلما ظهر للمعتبرين أن الكثرة والسعة والمنعة والوفرة تنقلب أحيانا ~~إلى نقمة تشبه القلة والضنك والخوف كما ظهر ذلك في شأن بني تميم. # فقد كانت كثرتهم وسعة بلادهم واكتفاء كل بلد منها بمراعيه وأمواهه سببا لتفرقهم ~~وتصدع وحدتهم وتعذر الإجماع بينهم على رئيس واحد. فتشعبوا بطونا يدين كل بطن منها ~~لرئيس، بل بيوتا في البطن الواحد يبلغ من تنافسهم أن يتحاربوا ويتوارثوا التراث، # 3 # ويصبح التوفيق بينهم أعسر من التوفيق بين أحدهم والغريب الطارئ عليهم ~~من الأعداء والأصدقاء ... # وكان هذا شأنهم يوم ظهرت الدعوة المحمدية، فلما بلغتهم خاف كل منهم أن يرفضها فيكون ~~منافسوه الواقفون له بالمرصاد حربا عليه، فأجاب رؤساؤهم الدعوة، وأقرهم النبي على ~~رئاستهم، ومنهم الزبرقان بن بدر على الرباب، وقيس بن عاصم على مقاعس والبطون، ~~ووكيع بن مالك على بني حنظلة، ومالك بن نويرة على بني يربوع، وهم ms075 بيت من بيوت بني ~~حنظلة الكبار. # وكل أولئك رجال من ذوي الرأي الراجح والقول النافذ والمناقب «الشخصية» ... ويمتاز من ~~بينهم مالك بن نويرة بمزايا أخرى لم تتفق لواحد منهم، وهي اللباقة والظرف ~~والفصاحة وحسن المحاضرة، مع الوسامة والصباحة وأناقة الزى والشارة، وهي في جملتها ~~تلك الصفات التي ترشح صاحبها لمآسي البطولة في قصص الحياة، من واقع أو ~~خيال. # كانت فيه خيلاء وجفلة، وكان متلافا لا يبقي على مال، وكان فارسا شاعرا محدثا ~~ظريف المدخل على من يعرف ومن لا يعرف، ومن ذاك أنه كان يقصد الحي من أحياء الأعداء ~~وله فيه أسرى يريد فكاكهم بالفدية المصطلح عليها، فلا يحدث أهل الحي هنيهة حتى ~~يخلبهم بحديثه ويأسرهم بظرفه وحسن سمته؛ فيردوا إليه أسيرة بغير فدية، ويفترقوا ~~وهم أصفياء. # وكان مالك هذا أول من قصدت إليه سجاح المتنبئة عند منحدرها من الجزيرة، فصرفها عنه ~~بلباقته إلى ملاقاة البطون الأخرى من بني تميم، ولعله زين لها أن تجمعهم إليها ~~عصبة واحدة، لعلمه باستعصاء ذلك عليها وعلى غيرها ... وأنها وشيكة أن تنتقم له منهم ~~إن هي دعتهم إلى الالتفاف بها فلم يجيبوها. # ولم تزل الأنباء - قبل مقدم سجاع وبعد منصرفها - يتابع بعضها بعضا بانكسار ~~المرتدين وغلبة المسلمين عليهم، إلا ما كان من هزيمة عكرمة في اليمامة وانتصار بني ~~حنيفة عليه، وهو انتصار لا يسر بني تميم لشدة المنافسة بينهم وبين بني ~~حنيفة. # فلما أخذ الخليقة في عقد الألوية وتسيير البعوث كان بنو تميم على حالهم المعهود ~~من التفرق والمراقبة بعضهم لبعض على توجس وحذر، فسبق بعضهم إلى المدينة بحصته من ~~الزكاة، وتأخر بعضهم حتى نزل خالد بأرضهم فدفعوها إليه، وتحير مالك بن نويرة، فلم ~~يعزم على الحرب ولم يؤد الزكاة. # وأغلب الظن أنه بدد ما جمع من الصدقات في هباته وملاهيه، ثم ليم في ذلك فأجابه ~~لائميه بأبيات قال فيها: # وقلت خذوا أموالكم غير خائف # ولا ناظر فيما يجيء من الغد # فإن قام بالأمر المخوف قائم # منعنا وقلنا الدين دين محمد # يعني أن محمدا ms076 هو صاحب الدين وصاحب الزكاة، وقد مضى محمد فليس لأحد بعده أن ~~يتقاضاه. # وهو على الجملة موقف رجل مسرف «لا يبالي ما يجيء من الغد»، كما قال : وليس بموقف ~~عناد وتحفز لقتال. # فلما نزل خالد بالبطاح لم يجد أمامه أحدا يلقاه بزكاة أو يلقاه بقتال ... فعسكر حيث ~~نزل وأرسل السرايا في أثر هذا البطاح، فجاءته بمالك بن نويرة في نفر من بني يربوع، ~~فحبسهم ثم أمر بقتلهم، وحدث بعد ذلك أنه تزوج بامرأة مالك ليلى أم تميم، وكانت من ~~أشهر نساء العرب بالجمال، ولا سيما جمال العينين والساقين ... يقال إنه لم ير أجمل ~~من عينيها ولا ساقيها. # وتضطرب الروايات هنا أبعد اضطراب وأصعبه أن تهتدي منه إلى مخرج متفق عليه. # فمن قائل: إن السرايا وجدت بني يربوع يصلون وسمعت الأذان، ومن قائل: لم نر صلاة ~~ولم نسمع بأذان. # ومن قائل: إن الأسرى قتلوا؛ لأن الليلة كانت باردة ونادى مناد من قبل خالد أن ~~«دافئوا أسراكم»، ففهم الحراس أنه يريد القتل؛ لأنهم من بني كنانة والمدفأة ~~بلهجتهم كناية عنه. # ومن قائل: إن مالكا قتل بعد محادثة حامية جرت بينه وبين خالد ... ثم تضطرب ~~الروايات في نقل حديثهما، فلا يدري له نص صحيح. فقيل: إن مالكا صرح بأنه لا ~~يعطي الزكاة وإنما يقيم الصلاة، فقال خالد: أما علمت أن الصلاة والزكاة معا لا ~~تقبل واحدة دون الأخرى؟ فقال مالك: قد كان صاحبك يقول ذلك، فاتخذ خالد قوله ~~دليلا على تبرئه من النبي وقال له: أو ما تراه لك صاحبا، ثم حمى الجدل بينهما ~~حتى أمر بقتله، ونسجت الخرافة بعد ذلك نسيجها الذي لا يتماسك لوهيه، فزعموا أن ~~خالدا أمر برأسه فجعل مع حجرين وطبخ على الثلاثة قدرا فأكل منه، وأن شعر مالك ~~جعلت النار تعمل فيه إلى أن نضج اللحم ولم يفرغ الشعر! وهي خرافة تروى؛ لتدلنا ~~على شيء واحد: وهو وجود المحنقين الراغبين في التشهير بخالد وتبشيع أعماله وإيغار ~~الصدور عليه. # وقيل: إن مالكا لمح في عيني خالد الإعجاب بامرأته فصاح ms077 به: هذه التي قتلتني، ~~فقال له خالد: بل الله قتلك برجوعك عن الإسلام. # ويذهب بعضهم إلى أكثر من هذا، فيزعمون أن هوى خالد لها سابق لحرب الردة ، وفي ذلك ~~يقول أبو نمير السعدي: # قضى خالد بغيا عليه بعرسه # وكان له فيها هوى قبل ذلك # وقيل: إن خالدا توعد مالكا بالقتل، فقال له مالك: أو بذلك أمرك صاحبك؟ قال ~~خالد: وهذه بعد تلك؟ ثم تكلم أبو قتادة الأنصاري وعبد الله بن عمر في أمره فكره ~~خالد كلامهما، وعاد مالك يقول له: يا خالد: ابعثنا إلى أبي بكر فيكون هو الذي يحكم ~~فينا، فقال خالد: لا أقالني الله إن أقلتك، وتقدم إلى ضرار بن الأزور أن يضرب عنقه ~~... ويزيدون على ذلك، أن خالدا دعا أبا قتادة الأنصاري وعبد الله بن عمر إلى حضور ~~عقد الزواج بليلى بعد مقتل زوجها فأبيا وأشارا عليه أن يكتب إلى أبي بكر، فلم ~~يستمع إليهما. # وغضب أبو قتادة، فأقسم لا يجمعه بعد اليوم وخالدا لواء واحد، وقفل إلى المدينة غير ~~مستأذن من قائده، فلقي الخليفة ولقي عمر بن الخطاب، فكانت غضبة عمر أشد وأعنف، ~~وطلب إلى الخليفة أن يعزله وأن يقيده قائلا: إن سيفه فيه رهق، فلم يجبه الخليفة ~~وقال له: يا عمر، تأول فأخطأ، ارفع لسانك عن خالد، فإني لا أشيم سيفا سله الله ~~على الكافرين ... # ولكنه ودى # 4 # مالكا واستدعى خالدا إليه، فلما قدم إلى المدينة رأى عمر منه ما ~~زاده غضبا وشدة في طلب القود # 5 # منه. رآه قد دخل المسجد وعليه قباء وقد غرز في عمامته أسهما، فنهض ~~إليه فنزعها وحطمها وصاح به: «قتلت امرءا مسلما، ثم نزوت على امرأته، والله ~~لأرجمنك بأحجارك.» # فتركه خالد ولقي الخليفة فاعتذر إليه. فعنفه الخليفة وأمره أن يفارق ليلى ثم عفا ~~عنه واستبقى خدمته، فعاد خالد إلى المسجد وفيه عمر ... فبادره حين رآه مناجزا: هلم ~~إلي ابن أم شملة، فعرف عمر أن الخليفة قد عفا عنه، فلم يكلمه ودخل ~~بيته. # وحسبنا من هذه الأقوال جميعا أن نقف ms078 منها على الثابت الذي لا نزاع فيه ... والثابت ~~الذي لا نزاع فيه أن وجوب القتل لم يكن صريحا قاطعا في أمر مالك بن نويرة، ~~وأن مالكا كان أحق بإرساله إلى الخليفة من زعماء فزازة وغيرهم الذين أرسلهم ~~خالد بعد وقعة البزاخة، وأن خالدا تزوج امرأة مالك وتعلق بها وأخذها معه إلى ~~اليمامة بعد لقاء الخليفة. # وأوجب ما يوجبه الحق علينا بعد ثبوت هذا كله أن نقول: إن وقعة البطاح صفحة في ~~تاريخ خالد كان خيرا له وأجمل لو أنها حذفت ولم تكتب على قول من جميع تلك ~~الأقوال؛ لأنها لم تضف إلى فخاره العسكري كثيرا ولا قليلا، وأهدفته لملام ~~أحمد ما يحمد منه أن له عذرا فيه، يقبله أناس ولا يقبله آخرون. ~~••• # يجب تقدير هذا عند تقرير خالد؛ لأنه الحق الذي لا يعلو على ميزانه ميزان في ترجيح ~~الرجال والأعمال ... # ولأن الرجل الذي يخشى على قدره من تقرير أخطائه رجل لا يستحق أن يكتب له تاريخ؛ إذ ~~معنى الخشية عليه من أخطائه أنه فقير في الحسنات والعظائم، وأنه من الفقر في هذا ~~الجانب بحيث تعصف الأخطاء بعظائمه وحسناته، ولم يكن خالد بن الوليد كذلك، بل كانت ~~له في ميزات العظمة والعبقرية كفة راجحة، ولم يكد يرحل عن البطاح حتى اتصلت له ~~حلقات من كبار الأعمال توزع على عشرة رجال ويجد كل منهم في نصيبه كفايته من الفضل ~~والرجحان. # خرج من البطاح إلى اليمامة. # خرج من وقعة لا خطر لها إلى وقعة لها الخطر الأكبر في حروب الردة وفي حروب الإسلام ~~كافة خلال أيام الخلفاء الراشدين. # ويرجح هذا الخطر إلى قوة بني حنيفة أصحاب اليمامة، ودهاء رئيسهم مسيلمة بن تمامة، ~~ومنعة بلادهم بالجبال والأودية ووفرة الماء والثمرات. # هابها أصحاب سجاح، وقالوا لها حين حدثتهم بغزوها: إن مسيلمة قد استفحل أمره وعظم ~~... فلم تهون عليهم خطبها حتى استنزلت لهم سجعات من وحيها المزعوم تقول ~~فيها: «عليكم باليمامة. دفوا دفيف الحمامة، فإنها غزوة صرامة، ولا تلحقكم بعدها ~~ملامة.» # وكان مسيلمة هذا رجلا قصيرا ms079 أخنس الأنف أفطسه شديد الصفرة زري الهيئة، ولكنه على ~~ما يؤخذ من أخباره كان على ذكاء مفرط وحيلة نافذة، وكان من أولئك الدهاة الذين ~~يعوضون بالحيلة ما فاتهم من الهيبة والرواء، فاشتهر بالخلابة والقدرة على ~~استهواء النفوس من الرجال والنساء، فمن خلابته أن النبي - عليه السلام - أرسل ~~إليه رجلا من قراء القرآن؛ ليعلم أهل اليمامة أحكام الإسلام ويبصرهم بالفرائض ~~والعبادات وهو نهار الرحال، فما لبث الخبيث أن استغواه حتى شهد له أنه يوحى إليه ~~وأنه سمع النبي - عليه السلام - يقول إنه قد أشركه معه وشهد له بالنبوة ... وقد ~~استغوى سجاح - وهي تدعي النبوة - حتى شهدت بنبوته وتزوجته وانصرفت من بلاده ~~بنصيب من الهدايا يقنعها بالذهاب ولا يضمن لها التكرار، وكأنه كان على حظوة ~~عند النساء وخبرة بأهوائهن وأساليب مرضاتهن، فقد كان نساؤه يحببنه ويجزعن عليه، ~~وصاحت إحداهن ساعة أن قتله وحشي بن حرب مولى جبير بن مطعم: «وا أمير الوضاءة. قتله ~~العبد الأسود ...» # وخليق بهذا أن يظن به السحر وتنتظر منه الخوارق بين الجهلاء؛ لأنهم يرون سلطانه ولا ~~يعلمون مأتاه، فيخيل إليهم أنه سر من الغيب أو معونة من الجنة والشياطين، وهو على ~~هذا كان يعين حيلته بما استطاع من صناعة الشعوذة والألاعيب التي كان يحذقها بعض ~~الكهان في بلاد العرب والعجم، فكان قبل ادعائه النبوة يطوف بالأسواق ويتعلم ~~«النيرنجيات» حيث سمع بأساتذتها المبرزين فيها، ولم يكن في طبيعته بمعزل عن طبائع ~~السحرة وأدعياء الغيب ... فقد قيل في وصفه وهو يتكهن: «إنه إذا اعتراه شيطانه أزبد ~~حتى يخرج الزبد من شدقيه» ... والأغلب الأرجح أن به صرعا كأولئك الذين يشبهونه ~~في الخلائق والدعاوي، ومنهم الذين يعالجون «الاستهواء» من المستهوين أو ~~الوسطاء. # ولسلطانه على أبناء قبيلته أحبوه ووثقوا به وأطاعوه، فتأتى له أن يجمع منهم ~~أربعين ألفا أو ستين، وهو عدد ربما ارتفعت به المبالغة أو الجهل بالتقدير، ولكنه ~~لا يهبط إلى ما دون العشرين، قياسا على ما وصفت به معركة اليمامة من الهول وكثرة ~~القتلى والجرحى بين الفريقين. # وقد كان مسيلمة ms080 يحسب الحساب لأمور كثيرة يوم تصدى لدعوى النبوة ومقاومة الإسلام ... ~~فكان يقاتل ثمامة بن أثال، ويناوش بني تميم لما بينهم من الذحول والمنافسات، ~~ويتوقى شر سجاح وقومها التغلبيين ودولة الأكاسرة من وراء التغلبيين، ويعلم أن ~~أشياعه من بيوت بني تميم قد يخذلونه، وأن الذين دانوا بالإسلام بين قومه عيون ~~عليه، وأن الخليفة لا يمهله ولا يجهل أخباره ... فتحيل على مهادنة خصومه، وفرغ ~~جهده لحرب المسلمين وحدهم، وحشد كل ما وسعه من جند وسلاح، ثم تقدم بهم في عجلة إلى ~~موقع يقال له عقرباء في طرف بلاده على مقربة من بلاد بني تميم. # ولم يكن خالد يجهل خطر الرجل الذي سيلقاه، ولم يكن يخفى عليه أن الحرب في العراء ~~غير الحرب في بلاد تكتنفها الجبال، وتقام فيها الأبنية والأسوار، فتوجه إلى ~~اليمامة في أهبة كافية بالقياس إلى أهبة المسلمين لأعدائهم في صدر الإسلام. # ولا يعلم على التحقيق عدد الجيش الذي كان معه في عقرباء، ولكنه على التقريب يجاوز ~~ثمانية الآلاف ولا يقل عنها؛ لأن جيشه بالبزاخة نحو خمسة آلاف، يضاف إليهم جيش ~~شرحبيل بن حسنة الذي سبقه ولبث في انتظاره، ولا يقل عن ألفين، ويضاف إليهم الردء ~~الذي أرسله الصديق وراءهم بقيادة سليط بن عمرو؛ ليحمي ساقتهم، وغير هؤلاء من تطوع ~~للحرب مع المسلمين من بني تميم وبني حنيفة، فهم في جملتهم يجاوزون ثمانية الآلاف ~~ولا ينقصون عنها، إن نقصوا، إلا بقليل. # لكن مكان القوة من هذا الجيش الصغير إنما هو كثرة الصناديد من أبطال الصحابة ~~المشهورين فيه. فقد كان جيش المسلمين لا يجاوز في عدته نصف جيش اليمامة، ولكنه كان ~~في عدة وافية من أفذاذ الرجال الذين يقومون بالألوف ... فهم وأعداؤهم بهذه المثابة ~~كفؤان متناظران. # وكانا كفؤين متناظرين في صدق النية واتقاء العار من الهزيمة ... هذا تأخذه غيرة الحرم ~~وهذا تأخذه غيرة الدين، وقد قال ابن مسيلمة لقومه وهم يتقدمون إلى المسلمين: «هذا ~~يوم الغيرة ... اليوم إن هزمتم تستنكح النساء سبيات وينكحن غير حظيات، فقاتلوا عن ~~أحسابكم وامنعوا نساءكم.» # فليست ms081 تعوز الخصمين حرارة الخصومة، ولا شواحذ الغيرة، ولا صلابة العزم، ولا توسم ~~الأمل في النجاح. # ولم يزل خالد يتقدم إلى وجهته على تعبئة كاملة كعادته في معظم غزواته ... وكان يتلقى ~~الأخبار عن مسيلمة وحركاته في كل مرحلة من مراحل الطريق، ولعله استعظم القوة التي ~~حشدها مسيلمة في عقر داره فجنح إلى الأخذ بالأحوط وكتب إلى الخليفة في طلب المدد ~~عسى أن يحتاج إليه بعد الجولة الأولى من جولات القتال، فأمده الخليفة بجرير بن عبد ~~الله البجلي، ولكنه التحم بجيوش مسيلمة قبل أن يصل إليه، فلقيه منصرفا من ~~اليمامة. # ولما دنا من أرض مسيلمة مرت مقدمة جيشه في الليل بكوكبة من الفرسان بين الأربعين ~~والستين ... عليهم مجاعة بن مرارة من زعماء بني حنيفة وأصحاب الرأي والمنزلة فيهم، ~~وكأنه كان خارجا لاستطلاع أمر المسلمين، ولكنه أنكر ذلك وزعم أنه ذهب «لأخذ ثأر ~~له في بني تميم وبني عامر»، فلما سئلوا عن دينهم قالوا: منا نبي ومنكم نبي، فأمر ~~خالد بضرب أعناقهم جميعا واستبقى مجاعة عسى أن ينتفع بمنزلته في قومه أو بعمله ~~بالحرب والمكيدة، كما قال بعض الرواة. # ونزل خالد على كثيب في مواجهة مسيلمة، ثم التحم الفريقان «وقاتلت بنو حنيفة قتالا ~~لم يعهد مثله» واندفعت في هجمتها حتى دخلت خيمة خالد من وراء العسكر وفيها امرأته ~~أم تميم ومجاعة بن مرارة مقيد بالأغلال ... فهم بعض الحنفيين يقتلها لولا أن ~~حماها منهم مجاعة وأوصاهم بها خيرا وهو يقول: نعمت الحرة هذه، وعليكم ~~بالرجال. # شوهد في كثير من المعارك بين المسلمين وأعدائهم في الصدر الأول أن الكرة الأولى ~~غالبا ما تكون للمشركين، ولا سيما حين تجتمع لهم مزية العدد والراحة حيث يختارون ~~مكان القتال، وهي مشاهدة لا تستغرب ولا تخالف المعهود؛ لأن «الدفعة الحيوانية» ~~أبدا لها الوثبة الأولى مع العدد الكثير وراحة الجسد، وإنما الثبات للعقيدة التي ~~يلوذ بها الإنسان بعد المراجعة، وللضمير الذي يثوب إليه المرء بعد الامتحان، وليس ~~من شأن العقيدة أن تكون - كالدفعة الحيوانية - وثبة عاجلة وهجمة سوارة فاشلة، ~~وإنما ms082 شأنها أن تحاسب النفس وتستعيد قواها وتستخرج ذخيرتها من أعماقها، فهي لهذا ~~تنفع صاحبها في المحنة وبعد تبين الشدة، وبخاصة حين يحتاج إليها بعد الجولة ~~الأولى. # وهذا الذي حدث في عقرباء كما حدث في وقائع شتى. # فبعد الجولة الأولى التي فازت بها «الدفعة الحيوانية» برزت العقيدة إلى الطليعة ~~وجاءت بمعجزاتها، وهي معجزات لا يتخيل العقل أن نفسا إنسانية تقدم عليها بغير ~~اعتقاد. # انكشف الأعراب أولا في أول صدمة، وتزلزلت أقدام أناس من الأنصار والمهاجرين من ~~طغيان الجموع الهازمة والمنهزمة على السواء. # فبادر خالد إلى تنظيم جيشه على وضع جديد، فميز المهاجرين وميز الأنصار وميز الأعراب ~~كل بني أب على راية، وصاح بهم: أيها الناس تمايزوا حتى نعرف من أين نؤتى. # ثم عول على الموت كما وصاه أبو بكر، فوهبت له الحياة ووهب النصر ... حمل على القوم ~~حتى تجاوز الصفوف وجعل يخاطب مسيلمة ويعرض عليه النصف والرجوع إلى الحق ومسيلمة ~~يروغ منه، ثم نادى بشعار المسلمين: يا محمداه ... ودعا إلى المبارزة وهو يصول ذات ~~اليمين وذات الشمال ولا من يثبت له في مجال، ولم يبال أن ينظر إلى ما وراءه؛ لأنه ~~ترك كل شيء في تلك الساعة إلا أن يتقدم أمامه، ولم يزد على أن قال لجيرته أو من ~~نسميهم اليوم أركان حربه: «لا أوتين من خلفي» ومضى إلى تقدم بغير رجوع، إلا رجوع ~~ظافر مختار. # وظهرت في مقام الهول فضيلة الصناديد من كبار الصحابة، فحفر ثابت بن قيس لقدميه في ~~الأرض إلى أنصاف ساقيه وهو يحمل لواء الأنصار بعد ما تحنط وتكفن، فلم يزل ثابتا ~~حتى قتل في مكانه. # وصاح زيد بن الخطاب: أيها الناس عضوا على أضراسكم واضربوا في عدوكم وامضوا ~~قدما. ثم أقسم: والله لا أتكلم حتى يهزمهم الله أو ألقى الله فأكمله بحجتي. ~~فكانت آخر ما فاه به في ذلك اليوم. # وحمى البراء بن معرور وأخذته العرواء التي كانت تأخذه حين تتعالى الوغى ويحتدم ~~القتال، فكان كأنما يبحث عن الموت ويهرب من الحياة ... # وتجاوبت الساحة بأصوات الأبطال ms083 يوصون بعضهم بعضا، وينظر بعضهم إلى بعض وهم ينقضون ~~على أعدائهم ويتنادون بينهم: يا أصحاب سورة البقرة ... يا أنصار الله ... كما ناداهم ~~النبي - عليه السلام - في يوم حنين. فاستحى كل منادى منظور المكان منهم في ذلك ~~المشهد العظيم أن ينكص على عقبيه، ولم ير منهم إلا قتيل في موضعه أو زاحف إلى ~~الأمام. # وما هي إلا سويعات حتى انكشف أصحاب مسيلمة منكسرين، وهرول مسيلمة نفسه إلى حديقة ~~مسورة من ورائه ... وقد سميت في ذلك اليوم بحديقة الموت؛ لكثرة من قتل في طريقها ~~وكثرة من قتل فيها، ولاحت من البراء نظرة إلى جانب الباب فإذا هم قد أوشكوا أن ~~يغلقوه عليهم، فصاح بإخوانه: يا معشر المسلمين، ألقوني عليهم من فوق سورها، ~~فاحتملوه فوق الحجف، # 6 # ورفعوها بالرماح حتى بلغت أعلى السور فسقط منه على القوم بعد تردد، ~~ولم يزل يعالج باب الحديقة حتى فتحه، وقد تواثب أفراد من المسلمين إلى جانبه ~~فأعانوه. # وقتل في هذه الهجمة مسيلمة، كما قتل محكم بن الطفيل أكبر أعوانه ومشيريه، فاضطرب ~~بنو حنيفة ووقعوا في الحيرة وهم في هزيمة لا يشار فيها برأي، ولا يصغى فيها إلى ~~مشير، فشغلوا عن باب الحديقة وأعين المسلمون على اقتحامه من داخلها وخارجها. فحق ~~لتلك الحديقة في ذلك اليوم أن تسمى حديقة الموت؛ لأنها اشتملت في يومها على ألوف ~~من القتلى، وبلغ عدد القتلى جميعا في ذلك اليوم بين ساحة القتال وحديقة الموت ~~عشرات الألوف، أقلهم في تقدير المقدرين عشرة آلاف من بني حنيفة وستمائة من ~~المسلمين، وأكثرهم في تقدير المقدرين يرتفعون إلى سبعين ألفا أو ثمانين ألفا ~~حنفيين وألفين مسلمين وهو رقم لا يدل على نبأ صحيح ولكنه يدل على هول صحيح سرى في ~~الأنفاق من أنباء تلك المعركة التي ذهبت فيها نخبة من أجل الصحابة وأفقه الفقهاء ~~... ومن جراء مقتلهم في هذه المعركة أمر الخلفاء بجمع القرآن في المصحف بعد أن فني ~~الكثيرون من حافظيه، وخيف أن يفنى آخرون. # ثم بعث خالد الخيول حول اليمامة يلتقطون ما حول ms084 حصونها من مال وسبي، وعزم على غزو ~~حصونها جميعا ولم يكن بقي فيها إلا النساء والصبيان والشيوخ والكبار، فاقترح عليه ~~مجاعة أن يذهب إليهم؛ لينزلهم صلحا عن معاقلهم، ثم خدعه وأخلص لقومه؛ لأنه أمر ~~النساء والكبار أن يلبسوا الحديد ويبرزوا من رءوس الحصون، فنظر خالد فإذا الشرفات ~~ممتلئة من رءوس الناس، فآثر المصالحة لما رأى بالمسلمين من الجهد «وقد كلوا من ~~كثرة الحروب» واشترط أن يسلموا وأن يكون له نصف السبي والغنائم، ثم نزل من النصف ~~إلى الربع حين أوهمه مجاعة أن القوم قد رفضوا ما قبل منه. # فلما اطمأن المعتصمون إلى الحصون من بني حنيفة فتحوا أبوابها فلم ير فيها إلا امرأة ~~أو صبي أو شيخ فان أو رجل هزيل لا يرجى لقتال. # وقد يتوقع من خالد أن يغضب على مجاعة ويبطش به بطشة خالدية بعد هذه الخدعة التي ~~اجترأ عليه بها علانية وهو في قبضة يديه. # لكننا في الحق لا نعجب إذا هو لم يغضب؛ لأن عمل مجاعة لا مراء عمل نبيل يكبره في ~~النفوس النبيلة، ويبعث له فيها الإعجاب الذي يكفكف من شرة كل غضب سريع. فهو عمل ~~ينضح بالمروءة والغيرة على العشيرة، وكلتاهما فضيلة يعرفها خالد، ويعرف للمتصف بها ~~قدره فلا يذله ولا يجزيه شر الجزاء. # وقصارى ما بلغ من غضبه أنه نظر إليه نظرة شزراء وصرخ به: ويحك ... خدعتني، فلم يجبن ~~مجاعة ولم يعتذر، وإنما قال: هم قومي. # وما نحسب إلا أن الإعجاب بمجاعة قد حبب إلى خالد أن يصهر إليه ويوثق الصلة بينه ~~وبينه ... زعيم شجاع جميل الرأي حسن التدبير غيور على قومه، عليم كما وصفوه بمكيدة ~~الحرب والسلم، فهو خير صهر في تلك القبيلة التي يفخر «سيف الله» بدخولها على يديه ~~في الإسلام، ويطيب له أن يعزز صلة الدين بصلة البيت والنسب، وقد طاب له المقام ~~بتلك البقاع المخصبة التي يزينها له النصر كما يزينها له طيب الهواء، فاختار له ~~واديا من أوديتها الجميلة يسمى الوبر ليقيم فيه حتى يؤمر بوجهة أخرى، وخطب ms085 إلى ~~مجاعة فتاة له موصوفة بجمالها، وهي خطبة لا ترفض ولكنها قد تقبل وتؤجل؛ لأن ~~مجاعة قد علم من «ليلى» مذ كان سجينا في خيمتها كيف تلقى الخليفة وأصحابه خبر ~~زواجها بخالد في ساحة القتال. فأشفق هذا الرجل المحنك البصير بالعواقب من عاقبة ~~تسوءه وتسوء ابنته وتسوء خالدا في جريرته، فاستمهله ولم يعجل بتلبية طلبه، وقال ~~له: «مهلا ... إنك قاطع ظهري وظهرك معي عند صاحبك» ... ولكنه لم يلبث أن علم إصرار ~~خالد حتى أجابه ورأى أن عاقبة القبول أسلم من عاقبة الإباء. # وكان خالد قد تلقى من الخليفة أمرا باستئصال كل من يحمل السلاح من بني حنيفة، ~~فعادت الرسل إلى الخليفة بخبر الصلح وخبر الزواج، فحسب أن الأمرين مقترنان واشتد ~~به السخط على عمل خالد بما وقع في نفسه من حسبان، فكتب إليه أعنف خطاب وجهه إلى ~~قائد من قواده أو وال من ولاته، وسماه «ابن أم خالد ...» وقال له في خطابه: إنك ~~لفارغ، ونعى عليه أنه «ينكح النساء وبفناء بيته دم ألف ومائتي رجل من المسلمين لم ~~يجف بعد.» # وقد كتب خالد إلى الخليفة يعتذر في أنفة وعزة: «أما بعد، فلعمري ما تزوجت النساء ~~حتى تم لي السرور وقرت بي الدار، وما تزوجت إلا إلى امرئ لو عمدت إليه من المدينة ~~خاطبا لم أبل. دع أني استثرت خطبتي إليه من تحت قدمي، فإن كنت قد كرهت لي ذلك ~~لدين أو دنيا أعتبتك، وأما حسن عزائي على قتلي المسلمين فوالله لو كان الحزن ~~يبقي حيا أو يرد ميتا لأبقى حزني الحي ورد الميت، ولقد اقتحمت في طلب ~~الشهادة حتى يئست من الحياة وأيقنت بالموت، وأما خدعة مجاعة إياي عن رأيي فإني لم ~~أخطئ رأي يومي ولم يكن لي علم بالغيب، وقد صنع الله للمسلمين خيرا، وأورثهم الأرض ~~وجعل لهم عاقبة المتقين.» # وقال في رسالة أخرى: «إني لم أصالحهم حتى قتل من كنت أقوى به، وحتى عجف الكراع ~~ونهك الخف، ونهك المسلمون بالقتل والجراح.» # وقد ظن خالد أن الخليفة لم يكن ms086 ساخطا عليه ذلك السخط لولا إصغاؤه «للأعيسر» كما ~~كان يسمى عمر بن الخطاب، ويخيل إلينا أن سخط الخليفة لم يكن ليبلغ به هذا المبلغ ~~لولا أن زواجه ببنت مجاعة سبقه ذلك الزواج الذي خبطت فيه الظنون بعد مقتل مالك ~~بن نويرة. # وعلى هذا، انقضى واجب خالد بن الوليد في حروب الردة كأحسن ما ينقضي هذا الواجب، ~~وقام وحده بأوفر سهم في هذه الحروب؛ لأنه قمع أخطر الفتن في الجزيرة العربية من ~~أقصاها إلى أقصاها، فقمع فتنة بني أسد وحلفائهم، وخطرها أنها كانت أقرب الفتن إلى ~~المدينة ومكة، وقمع فتنة بني حنيفة، وخطرها أنها كانت فتنة القبيلة القوى ~~والعديد الأكثر بين العرب قاطبة ... وحقق كل ما ندبه له الخليفة، وكل ما اتفقا عليه، ~~سواء من الخطط التي نظرا معا في تفصيلاتها، أو من الخطط التي عرف خالد غاياتها، ~~وابتدع لها ما ارتآه من أساليبها في أماكنها وأوقاتها، ولم يخالف رغبة الخليفة إلا ~~في موضعين لهما، كما أسلفنا، علاقة بمسألة زواج. # أما الأولى - وهي زواج ليلى امرأة مالك - فقد تقدم تلخيصها وجملة الرأي فيه - كما ~~أسلفنا - أنه عمل يحوج خالدا إلى الاعتذار والتفسير، وأنه صفحة كان خيرا له ~~لو طويت من تاريخه، فما فيها مزيد افتخار، وفيها على أهون القولين مقام ~~اعتذار. # وأما الأخرى فلا يسع أحدا أن يسهو فيها عن عجلة خالد إلى الزواج على غير عادة ~~القوم في ميادين القتال. # ولكن لا يسع أحدا كذلك أن يتعدى هذا إلى مظنة تمس نية الرجل أو تجعل صلحه لبني ~~حنيفة متصلا برغبته في الزواج ببنت مجاعة زعيم الحنفيين في صلح اليمامة ... ذلك ~~بعيد، جد بعيد ... # لأن بنت مجاعة كانت بين يديه، وكان في وسعه أن يقتل أباها؛ نقمة من خداعه إياه، ~~ومرضاة للخليفة الذي أمره باستئصال من يحمل السلاح في القبيلة، فهو يقتله ولا ~~معتبة عليه. # ولم يصالح خالد بني حنيفة وهم مجمعون على قبول صلحه، بل كان منهم زعيم له أنصار ~~وأتباع - هو مسيلمة بن عمير - أبى أن يذعن لشروط مجاعة ms087 ومضى يهتف في قومه: «يا بني ~~حنيفة، قاتلوا عن أحسابكم ولا تصالحوا على شيء فإن الحصن حصين والطعام كثير، وقد ~~حضر الشتاء.» # فلما عارضه مجاعة وذهب برأي الأكثرين من قومه تمادى مسيلمة بن عمير في لجاج ~~الخصومة، وانسل إلى فسطاط خالد يريد أن يفتك به ويشيع بموته الفتنة التي لا تؤمن ~~عقابيلها في معسكره ومعسكر بني حنيفة، فتنبه خالد إليه وسأل: من هذا المقبل؟ ... ~~فعرفوه به فقال: أخرجوه عني، فلما أخرجوه وجدوه يخفي السيف في ثيابه، فلعنوه ~~وأوثقوه في الحصن وأخذوا عليه عهدا لا يقربن بعدها من فسطاط خالد حتى تنتهي بيعة ~~قومه على الإسلام، ولكنه غدر بعهده وأفلت بالليل إلى عسكر خالد مصرا على قتله، ~~فلما أدركوه دون بغيته أجال السيف على حلقه فقطع أوداجه وآثر الموت على ~~التسليم. # ومع هذا، بقيت بلدة «القرية» ووادي العرض في اليمامة لم يشملهما الصلح الذي شمل ~~العسكر في عقرباء. فلم تكن مطاولة القوم خيرا من المصالحة في حالة كتلك الحال، ~~ولم يكن في طاقة المسلمين أن ينهضوا للمطاولة بعد أن قتل منهم من قتل وجرح من جرح ~~ومضى على أكثرهم عدة شهور بين مشقة السفر ومشقة الهول والبلاء، ولم يكن إرجاء ~~التسليم مأمون المغبة إذا استثيرت نخوة الحنفيين وفيهم من يعاند في الخصومة ذلك ~~العناد، ولقد يكون المستسلمون منهم أسرع إلى النكسة يوم يشهدون بأعينهم سبي النساء ~~«غير حظيات» وقتل القادرين على الحرب من فتية وكهول. # فدواعي خالد إلى الصلح أظهر وأرجح من أن يعتسف معها داع آخر غير معقول ولا مستساغ، ~~وإن الداعي الذي لا يعقل ولا يستساغ هنا لهو التعليل بزواجه من فتاة اليمامة، ~~وأيسر شيء لديه أن يسبيها بعد قتل ذويها، ثم يكون ذلك أدنى إلى رضا الخليفة وتحقيق ~~ما أمر به، قبل أن يطلع على الموقف في اليمامة من جملة نواحيه. # وبعد، فليحسب زواج خالد كله في أي سجل يشاء أن يحسبه الحاسبون، ففي سجل المفاخر ~~الإسلامية شيء يحسب له بعد حرب اليمامة لن يطول فيه خلاف ... فتلك ms088 أول حرب ظهر فيها ~~للمسلمين مصداق قول النبي - عليه السلام - إنه سيف من سيوف الله، كان الخطر على ~~الدين الجديد من العرب أنفسهم ومن أمم «الأعاجم» التي تحيط بالبلاد ~~العربية . # وقد رأينا نصيب خالد من وقاية الإسلام في أرضه، وهو أوفى نصيب ... وسنرى نصيبه من ~~مراس الخطر الآخر وما هو بأكبر الخطرين، ولكن نصيب خالد في مراسه كان أوفى ~~النصيبين. # الفصل السابع # | الفتوح # في سبع سنين قصار فتح العرب كل ما اقتحموه من بلاد الفرس والروم ... # فتقوضت في الشرق دولة الأكاسرة، وتداعت في الشمال والغرب دولة القياصرة، وزال ~~سلطانها من الشام وفلسطين ومصر وإفريقية الشمالية، وشغلت بنفسها زمانا عن ~~الفاتحين وما فتحوه. # عجيبة من أعظم عجائب التاريخ ... # لا يبرح المؤرخون حتى أيامنا هذه يأتون في تعليلها كل يوم بعلل جديدة، ويفيضون في ~~شرح السوابق واللواحق على النحو الذي يفسر العجب بالمألوف، ويرد الدهشة الجامحة ~~إلى قرار البحث والتدليل. # وهو جهد لا نعرض له في هذا الكتاب، ولا يلزمنا هنا أن نستقصيه ونحاول البت ~~فيه. # إنما يعنينا منه شيء واحد هو تقدير عمل خالد، وتقدير الكفاية التي تضطلع بذلك ~~العمل، وليس تقدير ذلك بعسير ولو بقي التاريخ متشعب اللسان في استقصاء علل الهزائم ~~التي نزلت بالفرس والروم. # فالأسباب التي قضت على الفرس والروم بالهزيمة - كائنة ما كانت - ليست هي الأسباب ~~التي قضت للعرب بقيام دولة وانتشار عقيدة؛ لأن استحقاق أناس للزوال لا ينشئ ~~لغيرهم حق الظهور والبقاء. # كذلك لم يكن انتصار العرب على الفرس والروم لأنهم عرب وكفى، ولم تكن المسألة في ~~لبابها كفاحا بين الأجناس والعناصر بما لها من المزايا وما فيها من ~~العيوب. # فقد كان في أرض الدولتين عرب كثيرون يدينون لهما بالطاعة وينظرون إليهما نظرة ~~الإكبار والمهابة، وكان القادرون منهم على القتال أوفر من مقاتلة المسلمين عددا ~~وأمضى سلاحا وأقرب إلى ساحات العراق والشام من أولئك النازحين إليها من جنوب ~~الجزيرة العربية. # وقد كان هناك عرب كثيرون انهزموا أمام المسلمين وهم كذلك أوفر في العدد والسلاح ~~وأغنى بالخيل ms089 والإبل والأموال. # فهي نصرة عقيدة لا مراء ... # وينبغي أن يذكر المؤرخون هذه المسألة من جانبيها ولا يقصروا النظر فيها إلى جانب ~~واحد ... # فاستحقاق النظم القائمة للضياع هو في وقت واحد سبب ضياعها، وهو حجةالعقيدة التي ~~تخلفها وتنتصر عليها في ساحة النزاع. # إذ كان أدعى الدواعي لظهور عقيدة جديدة أن النظم القائمة قبلها لا تتماسك ولا ~~تصلح لحماية ذمارها. # فإذا قيل: إن العقيدة الجديدة قد انتصرت لتداعي النظم التي اصطدمت بها فليس هذا ~~تعليلا وكفى، ولكنه كذلك شفاعة وحجة للظهور، ودليل على أنها حق صالح كأصلح الحقوق ~~الكونية، وأنها علاج عالمي مطلوب جاء في الأوان. # لكن القول بانتصار العقيدة هنا لا يغني عن كل قول ... # أفكل مناضل متذرع بالعقيدة صالح في تلك الآونة للانتصار؟ # ينبغي أن يكون الأمر كذلك لو كان تعليل النصر بالعقيدة مغنيا عن كل تعليل ... # ولكن الواقع أن الذين انتصروا بالعقيدة كانوا رجالا أولي خبرة وقدرة يؤمنون بها ~~ويعرفون كيف يتغلبون بها على أعدائها. # وقد أفلح أناس وأخفق آخرون. # فانهزم عكرمة بن أبي جهل وشرحبيل بن حسنة حيث انتصر خالد في اليمامة ... # وخرج خالد وعياض بن غنم لفتح العراق من طرفيه في وقت واحد، فسار خالد من نصر إلى ~~نصر، ومن توفيق إلى توفيق ... ولبث عياض يتردد ويقدم خطوة ثم يحجم أخرى حتى أدركه ~~خالد بالمعونة في دومة الجندل ... # وسبق خالد بن سعيد خالد بن الوليد إلى الشام، فغرر به الروم حتى استدرجوه إلى مرج ~~الصفر، فأوغل وراءهم ولم ينتظر حتى تدركه أمداد الخليفة التي أرسلها إليه تباعا ~~بقيادة عكرمة بن أبي جهل والوليد بن عقبة وذي الكلاع الحميري، فأحدقت به جحافل ~~الروم وأوشكت أن تلتف به من ورائه، ولولا يقظة الخليفة وتلاحق أمداده في أوقاتها ~~لقضوا عليه ... # فلا انحلال الدولتين الفارسية والرومانية بمغن عن الاعتراف للعقيدة المنشئة بحقها ~~في الغلب وحاجة العالم إليها في تلك الآونة ... # ولا العقيدة المنشئة بمغنية عن فضل رجالها وحماتها، وكفاية سواسها وقادتها ... # فهي عقيدة منشئة يذود عنها حماة قادرون، وكان خالد بن ms090 الوليد في طليعة هؤلاء ~~الحماة. ~~••• # سبقه اسمه إلى أطراف الدولتين، فحارب أعداءه بهيبته قبل أن يحاربهم بسيفه، وكانت ~~هذه أول مزية لاختياره، وأول فضل يحسب له في ميزانه ويضاف إلى قيادته، ويعمل عمله ~~في نفوس أعدائه كما يعمل عمله في نفوس أتباعه ... # قال صاحب دومة الجندل لقومه حين سمع بمسيره إليه: «أنا أعلم الناس بخالد، لا أحد ~~أيمن طائرا منه، ولا أصمد في حرب، ولا يرى وجه خالد قوم أبدا - قلوا أو كثروا - ~~إلا انهزموا عنه، فأطيعوني وصالحوا القوم ...» # وكان الرجل من العرب يعيش في الشام ويهجر موطنه الأول ولكنه يسمع باسم خالد، ويتلقى ~~أنباءه من وراء المهامه والدروب، فما هو إلا أن ينضوي إليه حتى يوقن بيمن طائره ~~ويسرع إلى طاعة أمره، عليما بأنه لا يأمر الأمر إلا وهو قادر على إنجازه، كما قال ~~الشاعر الفارسي عمرو بن العمرد: # إذا قال سيف الله كروا عليهم # كررت بقلب رابط الجأش صارم # ويتناقل الرواة قصة لقائد من قادة الروم لا تقل فيها دلالة الخيال عن دلالة ~~الحقيقة، إن كانت القصة من توليد الخيال: # قيل إن قائدا من قادة الروم اسمه جورج برز له في أكبر وقائع الشام ~~وسأله: أحق أن الله أنزل على نبيكم سيفا من السماء، فأعطاكه فلا ~~تسله على قوم إلا هزمتهم؟ # قال خالد: لا. # قال: فبم سميت سيف الله؟ # قال: تابعناه ... فقال: «أنت سيف من سيوف الله سله على المشركين»، ودعا ~~لي بالنصر فسميت سيف الله، فأنا من أشد المسلمين على ~~المشركين. # وكل هذا شبيه بأن يكون ... # فإن لم يكن نبأ خالد قد وصل إلى كل عدو من أعدائه، فالذي لا ريب فيه أن أتباعه ~~كانوا على علم بنبئه، فكانوا على ثقة بسداد رأيه ومضاء عزمه، وكانوا يطمئنون إليه ~~فيعلمون معه عمل المطمئن إلى نجاح سعيه، وهذا هو فضل القيادة الصالحة في نفوس ~~الأتباع. # خرج خالد وزملاؤه للقاء الفرس والروم بعد وفاة النبي - عليه السلام - بسنة واحدة، ~~وبعد حروب طالت في الجزيرة العربية عدة سنين ... # فلو كانت الفتن ms091 وموت الزعماء قاضية على كل أمة كيفما كان السبب وكانت البيئة لكان ~~مصاب العرب كمصاب الفرس والروم في تلك الأعوام: فتن وفتن ... ونبي مات أو قيصر شاخ ... ~~فهؤلاء وهؤلاء في العلة سواء ... # لكن حركة العرب حركة إنشاء ونماء ... # وحركة الروم والفرس حركة اختلال وتفويض ... # وجسم الفتى اليافع مضطرب لا يستقر على حال ... # وكذلك جسم الهرم الذاهب، ولكن شتان اضطراب واضطراب ... ~~••• # كانت علل الفناء قد اصطلحت على بنية الدولة الفارسية يوم قصد خالد إلى تخومها من ~~ناحية السواد. # وكانت علل مثلها - وإن كانت أخف منها - قد اصطلحت على بنية الدولة الرومانية ~~الشرقية، يوم قصدها زملاؤه القواد من شتى نواحيها قبل الشام والبلقاء ... وهذه خلاصة ~~وجيزة عن الحالة يومئذ في الدولتين؛ يقول شراح الحضارات إن الحضارة تبتدئ بمعنى ~~روحي قليل المظهر، ثم تنتهي إلى مظهر ضخم يتراخى به الزمن حتى لا تبقى فيه بقية من ~~المعاني الروحية ... # وهذه هي الحالة التي كانت عليها دولتا الفرس والروم عند اصطدامهما بالدعوة ~~الإسلامية في نهضتها الأولى. # ففي بلاد الفرس، خفت صوت الدين ومضى على ظهور «زرادشت» مصلحهم الديني الكبير ~~زهاء أربعة عشر قرنا، فرث الصالح من مذهبه وازداد الطالح سوءا على سوء. # وخلف في بيت الملك أمراء ضعفاء بعد آبائهم الأقوياء فشغلوا بالنزاع بينهم وأسقطوا ~~هيبتهم في بلادهم وغير بلادهم ونهكوا قوة الدولة في فتن وبيلة وخيمة وترف أوبل ~~وأوخم، وما برحوا في طغيانهم وتهافتهم حتى ولي الملك أردشير فرأب صدعه وأوشك أن ~~يعيده إلى سابق مجده وتركه في القرن الثالث للميلاد وهو موحد بعض التوحيد بالقياس ~~إلى ما كان عليه قبل ذلك من التفرق بين العشائر والرؤساء. # ثم نكس النكسة الأخيرة وشاع فيه الفساد علوا وسفلا قبيل ظهور الدعوة الإسلامية، ~~وكان الملك المعاصر للنبي - عليه السلام - كسرى أبرويز، فثار به ابنه شيرويه فقتله ~~ونكل بذوي قرباه، وأعقب طفلا صغيرا فلم يلبث أن قتل وتولى بعده قائد الجيش شهر ~~يزار، فنفس عليه القواد والعظماء منزلته المغصوبة فقتلوه وولوا عليهم بوران بنت ~~كسرى أبرويز، فلم تتم ms092 في الملك سنة وبضعة أشهر حتى ماتت وخلفها فتى من بني ~~عمومتها الأبعدين، ثم قتل وخلفته بنت أخرى لكسرى أبرويز فقتلت، وقتل من بعدها، ~~إلى أن تولى الأمر يزدجرد بن شهريار والدولة تترنح من فرط الإعياء. # ومنيت في أيامها الأخيرة بضربة قوية في حروبها الخارجية: وهي غلبة الروم عليها ~~وانتزاع مصر والشام منها، ورد حدودها إلى دجلة والفرات بعد أن طغت على حدود آسيا ~~الصغرى، وقبل هذا منيت بضربة دون هذه الضربة في القوة والضخامة، ولكنها أشد منها ~~أثرا فيما نحن بصدده من أحوال الدعوة الإسلامية. وتلك هي ضربة الهزيمة ب «ذي قار» ~~التي تقدم وصفها في أول هذا الكتاب ... فإن هذه الهزيمة أطمعت فيها العرب بعد مخافة ~~وهيبة، ولا سيما العرب المقيمين بجوار ذي قار وأرباض السواد، ومنهم جند خالد ~~وزملاؤه الذين تقدموا لمنازلة الفرس في العراق. # وساءت من جراء ذلك كله شئون الأمة في الديار الفارسية، فتهالك العلية على المظاهر ~~وانغمسوا في الترف واستكثروا من النفائس والأموال، وشغلوا عن سواد الأمة؛ فشاع ~~بينهم الفقر والضنك والتذمر وبغض الحكام، ولم يعلموا فيم هم مسوقون وعلى أي شيء ~~يقاتلون ويتفانون، وهي حال تؤذن بالتصدع والانهيار لأول صدمة تهز الأركان ~~والجدران. # ومن أعجب العجب أن يفطن رجل كالمغيرة بن شعبة لدلالة هذه الحال، وهي معدودة في ~~عصرنا من دروس علوم الاجتماع والتاريخ التي لا يصل إليها الباحث إلا بعد مقارنة ~~واطلاع واسع مستفيض، ولكنه العجب الذي يفسر لنا ما هو أعجب منه، وهو وفرة نصيب ~~العرب يومئذ من أقطاب الرجال ذوي الحنكة والنظر البعيد، وأنهم قد ظفروا؛ لأنهم ~~كانوا على أهبة في هذا الباب حرمتها كلتا الدولتين، على كثرة من بهما من الزعماء ~~أصحاب المظاهر والشارات. # دخل المغيرة بن شعبة على رستم بطل الفرس المشهور في التواريخ والأساطير فجلس معه ~~على سريره، فاستكبر أعوانه هذه الجرأة من ذلك البدوي «المغرور» واجتذبوه من مكانه ~~على السرير في عنف شديد، فما اهتز المغيرة ولا استكان ولا زاد على أن قال: لقد ~~كانت تبلغنا ms093 عنكم الأحلام ولا أرى أسفه منكم، إنا معشر العرب لا يستعبد بعضنا ~~بعضا، فظننت أنكم تواسون قومكم كما نتواسى - أي نتساوى - فكان أحسن من الذي ~~صنعتموه معي أن تخبروني أن بعضكم أرباب بعض، إن هذا الأمر لا يستقيم فيكم ولا ~~يصنعه أحد. وإني لم آتكم ولكن دعوتموني ... اليوم علمت أنكم مغلوبون، وأن ملكا ~~لا يقوم على هذه السيرة ولا على هذه العقول ... # كلمات من ذهب ... # لو كان فيمن سمعها من الفرس من يضارع المغيرة لقال في جوابه: «واليوم علمنا أنكم ~~غالبون، وأن أحق الملك أن تقوم له قائمة لهو الملك الذي قوامه من هذه السيرة وهذه ~~العقول» ... # على أن الأمم لا تقفر من الأحلام كل الإقفار في أظلم ظلمات الجهالة والإدبار، ~~فقد وزن «يزدجرد» شأن العرب والفرس بالميزان الصحيح؛ حين قال لرستم: «إنما مثلهم ~~ومثل أهل فارس كمثل عقاب أوفى على جبل يأوي إليه الطير بالليل، فتبيت في سفحه ~~في أوكارها، فلما أصبحت تجلت الطير فأبصرته يرقبها، فإن شذ منها شيء اختطفه، فلو ~~نهضت نهضة واحدة ردته، وأشد شيء يكون في ذلك أن تنجو كلها إلا واحدا، وإن اختلفت ~~لم تنهض فرقة إلا هلكت، فهذا مثلهم ومثل الأعاجم.» # وصف صادق من جملة أطرافه ... # وعلامة من علامات الانحلال ألا ينفع الوصف الصادق ولا يهدي العارفين به إلى رأي ~~متفق عليه، كما يعرف المرض ولا ينتفع بعرفانه في العلاج إذا شارف الجسم الفناء؛ ~~ولهذا اتفق يزدجرد ورستم على الصفة ولم يتفقا على العمل النافع مع العرب، فافترقا ~~مختلفين. # وكما بقيت في أهل فارس يومذاك مسكة من حلول بقيت لهم كذلك مسكة من مروءة الفرسان، ~~أو على الأصح مسكة من المراسم والمأثورات الحربية، وهم أولع أمة بالمراسم ~~والمأثورات كافة ... # وهذه المسكة شرف للقادر ولكنها بلاء على العاجز المتخاذل، كأنها الوثبة التي تعجل ~~بالهلاك إن وثبها المريض الهزيل، وإنها في الأقوياء لمعوان على المجد ~~والطموح. # فربما أقدموا على القتال وهم يحسبون أنهم مقدمون على مباراة في حلقة صراع، ينظرون ~~عدوهم حتى يصل إليهم كما ms094 ينظر المصارع نده حتى يأخذ بعضديه في أمان. # ففي وقعة الجسر أقبل بهمن جاذويه ومعه راية الفرس الكبرى من جلود النمور طولها عشر ~~أذرع وعرضها ثمان، وبين يديه جيش يربو على جيش المسلمين مرات، فأرسل إلى أبي عبيد ~~قائد المسلمين يقول له: إما أن تعبروا إلينا وندعكم والعبور، وإما أن تخلوا بيننا ~~وبينه، فتعجل أبو عبيد وعبر النهر على جسر نصبوه، والفرس ينتظرون. # مثل هذه المراسم جهل بحقيقة الحال، وحقيقته أنه صراع حياة وموت بين أمتين، وليس ~~بحلبة سباق أو حلقة رهان بين لاعبين في ملهاة. ~~••• # أما دولة الرومان الشرقية، فقد كانت في حال لا تفضل حال جارتها وعدوتها في محنة ~~العقيدة ومحنة النزاع على الملك والولاية. # ضرب المثل بالجدل البيزنطي في التاريخ القديم والحديث من جراء الخلاف على المذاهب ~~الدينية في الدولة الرومانية الشرقية، وكان معظم أبناء الولايات من النساطرة ~~واليعاقبة يخالفون مذهب الدولة الرسمي ويمقتون رجاله ويرمونهم بالهرطقة # 1 # والوثنية، وكان القائلون منهم بالطبيعة الواحدة للسيد المسيح أقرب إلى ~~الإسلام منهم إلى المسيحية ... # وابتذل عرش الملك بالقتل والاغتصاب؛ فضعف الولاء له في نفوس العلية وقواد الجيوش، ~~وقد استقر الأمر زمنا للقيصر هرقل الذي حضر عهد النبي - عليه السلام - ولكنه شقي ~~بالفتن في أخريات عهده وركبته الوساوس في شيخوخته، ولا سيما بعد بنائه ببنت أخته، ~~فاعتقد أنه مغضوب عليه مستحق لعقاب السماء. # ومن كان من الرعية ذا دين غير المسيحية فهو ساخط ناقم كاليهود والوثنيين؛ لأن رؤساء ~~الكنيسة والدولة اتهموهم غير مرة بالتواطؤ على فتح البلاد مع المغيرين عليها من ~~الفرس والبرابرة، فأثخنوا فيهم قتلا وتشريدا حتى قيل إنهم كانوا يفتكون في ~~المذبحة الواحدة بعشرات الألوف من الرجال والنساء والأطفال. # وعاشت في ظل الدولة الرومانية قبائل غسان وجذاع وكلب وتنوخ وغيرها من قبائل العرب، ~~فكانت تعينها وتستعين بها على منافساتها من قبائل المناذرة في الحيرة ... ولكن غلبة ~~الفرس تارة وغلبة الروم تارة أخرى على تلك البقاع ضيع الثقة بالدولتين، وهيأ نفوس ~~العرب لقبول دعوة جديدة ولا سيما الدعوة التي ms095 تأتيهم من أبناء جنسهم في الجزيرة ~~العربية وبها اعتزازهم على العجم كافة من فرس وروم، واتفق في تلك الفترة انقطاع ~~الهبات التي كان رؤساء العشائر يتلقونها من قياصرة الدولة وولاتها فبرموا بها ~~وودوا لو انقلبوا عليها ساعة يأمنون كيدها ويوثقون الصلة بينهم وبين ~~خصومها. # ويؤخذ من رسالة فجيتيوس # Végétius # في علم الحرب ~~أن نظام الجيش الروماني في الغرب والشرق، كان قد تعاوره الخلل قبل ظهور الدعوة ~~المحمدية بأكثر من قرنين، ففي هذه الرسالة يقول فجيتيوس الذي يعدونه إمام أساتذة ~~الحرب بين الغربيين: إن «اللجيون» قد وهن واضمحل ويذكر من أسباب وهنه واضمحلاله ~~أن مناصبه الكبرى أصبحت تمنح للمحاباة والصنيعة بعد أن كانت وقفا على الكفاية ~~والخدمة الطويلة، وإن عامة جنوده يهربون منه ويؤثرون الخدمة في الفرق المتطوعة؛ ~~لأنهم يستثقلون تمريناته وأسلحته ويستثقلون جزاءه ويضيقون ذراعا بوطأة ~~نظامه. # وقد أتيحت للرعية في الشام والبلقاء فرصة حسنة للمقارنة بين حكم العرب وحكم ~~الرومان، قبل الوقائع الفاصلة التي دارت فيها الدائرة على الجيوش الرومانية. فقد ~~كان رجال الجيش الروماني يهبطون المدينة فينهبون بيوتها وغلاتها ويستبيحون أعراضها ~~ويهتكون حرماتها ويسكرون ويعربدون فلا يأمنهم أحد مطموع في ماله أو غير مطموع منه ~~في شيء على الإطلاق، وإنما هي العربدة والضراوة والاستخفاف، ثم جاءهم قوم لا ~~يعتدون على عرض ولا يقربون الخمر ولا يعفون عمن يقربها منهم ولو كان من عليتهم، ~~ويقيمون في المدينة ثم يرحلون عنها فيردون الجزية إلى أهلها؛ لأنهم إنما أخذوها ~~لحمايتهم وحمايتها، فكانت المقابلة بين الحكمين مدعاة إلى التراخي في الدفاع عن ~~الحكم القديم وتمني الغلبة للحكم الجديد، وقد تتجاوز ذلك إلى المساعدة الظاهرة كما ~~حدث من بعض العرب المسيحيين والوثنيين على السواء. ~~••• # بل ربما تجاوزت كل هذا إلى إزعاج ثقة القادة بأنفسهم عند المقابلة بينهم وبين قادة ~~خصومهم ... فمما يروى في هذا المعنى وهو كثير أن أخا القيصر وقائده سأل رجلا من ~~قضاعة عن شأن المسلمين بعد ما أقام بينهم أياما، فقال له: «هم رهبان بالليل فرسان ~~بالنهار، لو سرق ابن ms096 ملكهم قطعوا يده، ولو زنى رجموه إقامة للحد، فقال القائد: ~~لئن كنت صادقا لبطن الأرض خير من لقاء هؤلاء على ظهرها.» # ولما بدأت المعارك بين العرب والدولتين كان العرب ربما أخطأوا فلم يضربوا ضربتهم في ~~موضعها فيتسع لهم الوقت لإصلاح الخطأ والرجوع إلى الخليفة لطلب النجدة والمشورة؛ ~~لأن أعداءهم مشغولون أبدا بنزاع أو فتنة أو ريبة. أما الروم والفرس فلم يكن لهم ~~متسع لإصلاح خطأ يخطئونه وكثيرا ما كانوا يخطئون، فبدأت المعارك بين الفريقين ~~وعند أحدهما كل مظاهر الأسباب التي تدعو إلى النصر، وعند الآخر كل حقائق الأسباب ~~التي تدعو إليه. # وقد اتفقت كلمة الصحابة على حرب فارس والروم، وسيف الله بوادي الوبر في اليمامة لم ~~يطل استقراره في غمده بعد وقعة عقرباء. # وهناك حلقات من الحوادث تسوغ لنا أن نعتبر حرب فارس الثانية امتدادا للوقعة الأولى ~~بذي قار، أو استئنافا لتلك الوقعة بعد فترة لا تحسب طويلة في تواريخ النزاع بين ~~الأمم، وهي نيف وعشرون سنة، فالقبائل التي ارتدت بالبحرين وقبائل تغلب التي انحدرت ~~مع سجاح من الجزيرة كانت كلها من أتباع الدولة الفارسية على صورة من صور التبعية ~~في ذلك الزمان، وكانت تعيش كلها في ظل تلك الدولة من أيام المناذرة إلى زوال ملكهم ~~بعد وقعة ذي قار. # والبطلان اللذان تعودا ضرب الفرس والإغارة على دهاقينهم في تلك الأصقاع كانا من بني ~~بكر الذين نهضوا بالعبء الأكبر في وقعة ذي قار، وما برح العداء بينهم وبين الفرس ~~والقبائل التي تواليهم على أشد ما يكون: وهما المثنى بن حارثة الشيباني وسويد ~~ابن قطبة العجلي، وكلاهما على ذكر من هزيمة الفرس وعلى خبرة بقتالهم في أطراف ~~العراق، وقد صحب المثنى النهر في غاراته حتى بلغ القطيف وهجر ولم يقف له أحد في ~~طريقه، فهذا مع عجز الفرس عن تأديب رعاياهم في اليمن لدخولهم في الإسلام قضيا على ~~تردد الخليفة في أمر البعثة الفارسية، فصحت عزيمته وعزيمة أصحابه على تجريدها بعد ~~الفراغ من حروب الردة بأسابيع معدودات. ~~••• # وقد علمنا من دأب ms097 الخليفة الصديق أنه كان لا يبرم أمرا إلا أحكم تدبيره مرحلة ~~مرحلة من طريقه إلى منتهاه ... # وهكذا كان شأنه في البعثة الفارسية: فإنه ندب لها قائدين هما خالد بن الوليد، وعياض ~~بن غنم، وأمر خالدا أن يتجه إلى الأبلة ثغر الهند كما سماها، وأمر عياضا أن يتجه ~~إلى المصيخ بشمال العراق، فأيهما بلغ الحيرة قبل الآخر كان هو قائد الجيشين معا ~~ووجبت طاعته على زميله، وقال لهما: «إذا اجتمعتما بالحيرة وقد فضضتما مسالح فارس ~~أمنتما أن يؤتى المسلمون من خلفهم فليكن أحدكما ردءا للمسلمين ولصاحبه وليقتحم ~~الآخر على عدو الله وعدوكم من أهل فارس دارهم.» # خطة محكمة يبلغ بها الخليفة مقاصد شتى في وقت واحد ... ففيها ذكاء المنافسة بين ~~القائدين، وفيها تشتيت جهود الفرس في الدفاع عن بلادهم، وفيها تدبير النجاة سلفا ~~لمن يحتاج إليها من الجيشين، وفيها تيسير أمر الماء والكلأ في الطريق للجيشين ~~معا؛ لأن أمواه الطريق ومراعيه تضيق بالجيشين المجتمعين إذا سارا في طريق ~~واحد. # وكان الصديق وإخوانه يعلمون أن المسألة في هذه الحرب مسألة يقين وعزيمة وليست ~~مسألة كثرة وهيئة ... # فحرص لهذا على أن يجنب الجيوش الإسلامية مخاوف المرتدين ونكساتهم، وأوصى القائدين ~~بألا يقبلا أحدا منهم، وألا يكرها أحدا من غير المرتدين على المسير في جيشهما ما ~~لم يقبل على الحرب برضا منه ورغبة، ولما نظر خالد إلى من حوله يرفض كثيرهم ويبقى ~~قليلهم كتب إلى الخليفة يستمده، فأمده بفارس واحد هو القعقاع بن عمرو التميمي ... ~~فعجب أصحابه وقالوا له: أتمده برجل واحد؟ قال: نعم؟ لا يهزم جيش فيهم مثل ~~هذا؟ # ولم تمض أيام حتى ظهر للمسلمين أنه مدد كاف وأي كفاية، فإن ثقة الناس بجيش يكون ~~القعقاع فيه ويتولى قيادته خالد بن الوليد قد جاءت بالمتطوعين للقتال من كل صوب ~~وحدب. فبلغ جيش خالد يوم شارف ميدان القتال قرابة عشرة آلاف عدا جيش المثنى بن ~~حارثة وهو يبلغ ثمانية آلاف، ولم يتقدم المسلمون خطوة في ميدان القتال حتى كانت ~~للقعقاع وقفة لعلها أنقذت الجيش كله ms098 وأنقذت البعثة كلها من بدايتها، ولم يكن أحد ~~ليعلم ماذا تكون العاقبة لولا تلك الوقفة التي تعلق بها الكثير من مصير جيش الفرس ~~ومصير جيش المسلمين. # ففي الوقعة الأولى، دعا القائد الفارسي - هرمز - خالدا للمبارزة قبل التحام ~~الجيشين، وأضمر نية الغدر به حين يخرج منفردا بين الصفين، فوكل به شرذمة من ~~فرسانه ينقضون عليه وهو مشغول بمبارزته فيراع الجيش العربي بمقتل قائده كما سبق ~~إلى وهمه، ويطبق الجيش الفارسي بعدده الكبير على الجيش العربي بعدده القليل، فتكون ~~الغلبة لأكبر الجيشين وأكمل العدتين. # وأوشكت هذه المكيدة أن تتم على النحو الذي دبره هرمز لولا أنه أخطأ الحساب في ~~اغتراره بقوته وجهله بصولة خالد في مبارزته، فظن أن الجولة بينهما تطول قبل أن ~~يخرج فرسانه للغدر بخالد، ولكنه صرع في جولة واحدة وفوجئ أصحابه بهذه السرعة، ~~فاقتربوا من خالد على عجل وهو مشغول بالإجهاز على قائدهم، وإذا بالقعقاع أسرع ~~إليهم من لمح البصر ومن ورائه جيش المسلمين بجملته يضرب في قطيع مذعور مأخوذ ~~بالمفاجأة ومهابة هذه الصولة العاجلة، فكانت وقعة اليوم وقعة رجلين في جولة واحدة، ~~تلتها الجولات اللاحقات التي ترسمت خطاها وسارت على هداها. # سار خالد إلى العراق في أوائل السنة الثانية عشرة للهجرة النبوية، وأتم في سنة ~~واحدة مما أعيى الرومان أن يتموه في أجيال. # وقد تكتب في شرح وقعاته بالعراق مجلدات طوال يستغرق بحثها ومعارضة رواياتها مئات ~~الصفحات، ولكننا لا نتوسع في ذلك الشرح هنا؛ لأن أعمال خالد تعنينا في هذا الكتاب ~~لمقصد واحد، وهو الرجوع بها إلى مصدرها من نفسه وعقله ومقومات شخصه. # وفي هذا حسبنا أن نقول على الإجمال قبل الإشارة إلى وقعاته إنه لقي الفرس وأولياءهم ~~في خمسة عشرة وقعة لم يهزم ولم يخطئ ولم يخفق في واحدة منها، وأن قوادا من ~~المسلمين أخطأوا في حروب الردة وحروب الفرس والروم كما حدث من عكرمة وشرحبيل وأبي ~~عبيد وخالد بن سعيد، ولكن خالدا لم يخطئ قط عن خدعة أو عجلة أو قلة أهبة، وكان ~~يسير بجيشه أبدا ms099 على تعبئة كاملة؛ ليقاتل عدوه حيث لقيه مفاجئا أو غير مفاجئ، ~~وكان أبدا كما وصفه عمر بن العاص: «في أناة القطاة ووثبة الأسد» فلا يهمل الحيطة ~~ولا يجعل التعويل كله على الشجاعة دون الحزم والحيلة، ولا يعز عليه أن يتحامى لقاء ~~عدوه في بعض الساحات لينتقل به إلى المكان الذي هو أصلح لحركاته وأعون له عليه، ~~ومن علمه فنون القتال أنه كان يحارب بثمانية عشر ألفا وكأنه كان يحارب بخمسة ~~أضعاف هؤلاء. فإذا أرسل أربعة آلاف أو ثلاثة آلاف إلى مكان يغنون فيه، فذاك أجدى ~~من تسيير الجيش كله أو تسيير عدد منه يربو على الحاجة الضرورية ... فإن طرأ في خلال ~~مسيره ما ليس في الحسبان، فمعوله في هذه الحالة على سرعة خاطفة كسرعة الباشق وهو ~~ينقض على فريسته، فلا تشعر الفرقة التي أشخصها إلى مكانها بالحاجة إليه حتى يكون ~~معها كأنها لم تفارقه ولم يفارقها. # فهي شجاعة ويقظة وخبرة وسرعة ومعرفة بما هو لازم في وقت لزومه، ولم تخذله خصلة من ~~هذه الخصال قط في ساحات فارس ولا في ساحات الشام مع اختلاف الميادين واختلاف ~~الأحوال واختلاف الأعداء. # وقد كانت تعبئة خالد في المسير تشبه التعبئة التي جرى عليها العرف في أيامه، وهي ~~قسمة الجيش إلى ميمنة وميسرة وقلب وطليعة تسبقه وردء يلحق به؛ ليحمي ظهره أو يلبث ~~في موضع من المواضع كمينا ينزل إلى الساحة على غير انتظار؛ لتقوى به سواعد أصحابه ~~وتنخذل به عزائم أعدائه ... ولكنه كان عند القتال يفتن باتخاذ طريقة الهجوم أو ~~الدفاع كما توحي بها ضرورة الساعة، فيقاتل بالصفوف كما يقاتل بالكراديس، ويواجه ~~خصمه أو يدور عليه، ويتراجع أمامه أو يمعن في الهجوم على كبة جمعه، ويحصره أو ~~يخلي له سبيل الهرب، حسبما تدور به المعركة في أثنائها أو توحي به طوالعها قبل ~~ابتدائها. # فلما عقدت له القيادة على البعثة الفارسية أرسل جيشه على فرق ثلاث من طرائق مختلفة، ~~فقدم المثنى على رأس فرقة، ثم ألحق به عدي بن حاتم صاحبه في حرب بني ms100 أسد، ثم لحق ~~بهم على رأس جيشه وواعدهم موضعا إلى الجنوب الغربي من البصرة الآن، ولعله توخى ~~تسهيل السقي والمرعى بهذا التقسيم، ثم اختبار الطريق بقيادة الرجل الذي كانت له ~~سابقة الدراية بهذه الدروب. # وكتب إلى هرمز قائد الفرس يخيره بين الإسلام والجزية أو الحرب ويقول له في ختام ~~كتابه الوجيز: «جئتك بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة» ثم عدل إلى كاظمة بعد أن ~~كان موعده الأول «الحفير»؛ لأنها كانت على ما يظهر أوفق لتعبئة جيشه. # وهناك التقى بجيوش الفرس - وعلى رأسهم هرمز - فوقعت بينهم الوقعة التي سبقت الإشارة ~~إليها وتعرف باسم ذات السلاسل؛ لأن الفرس كانوا يوثقون أنفسهم فيها بالسلاسل ~~جماعات جماعات ليثبتوا في القتال ولا يتأتى لهم الفرار إن أرادوه ولئن صح هذا لقد ~~كانت مخاوف الشك فيه أظهر من صدق العزيمة والطمأنينة إلى النية القوية. # ولما تبدد جيش هرمز تعقبه المثنى بن حارثة وعبر الفرات؛ ليأخذه متفرقا قبل أن ~~تتجمع فلوله حيث تأمن احتثاث الملاحقة وراءها، ولكن الفرس علموا بعد مقتل هرمز ~~وتفرق جيشه أنهم مهددون في «المدائن» عاصمة ملكهم فحشدوا لملاقاة المسلمين جيشا ~~عظيما بقيادة قارن بن قريانس يعاونه أميران من بيت أردشير. فأدرك فلول هرمز في ~~«المذار» وضمهم إليه، وكان المثنى قد علم بخروج هذا الجيش العظيم واجتماع الفلول ~~المتفرقة إليه فكتب إلى خالد يستأمره ويستمده، فكان خالد هو الجواب ... # ووصل خالد إلى المذار وهو كامل التعبئة، فتصدى قارن لمبارزته على عادتهم قبل بداية ~~القتال، فنهض إليه خالد ومعقل بن الأعشى يستبقان وأراد معقل أن يحمي خالدا من مثل ~~مكيدة هرمز فيتلقى الضربة دونه أو يسبقه إلى قتل قارن، وبرز عدي بن حاتم وعاصم بن ~~عمر لمنازلة الأميرين، فظفروا بهم جميعا ثم اشتبك الفريقان في ملحمة حاربوا فيها، ~~كما قال المؤرخون حرب حنق وضغينة، وبلغ بغضهم بعدد القتلى من الفرس ثلاثين ألفا، ~~ولولا النهر ولياذ الفرس بالسفن لكانت المقتلة أعظم من ذلك ولم يكد يفلت من الموت ~~أحد. ~~••• # ورانت الحيرة بعد وقعة المذار على عقول ms101 القادة من الفرس، فخيل إليهم أن في هؤلاء ~~العرب سرا لا يدركونه، وأحبوا أن يحاربوا آفتهم بآفة من جنسها، فاستعانوا ~~بأوليائهم من أبناء القبائل العربية فيما بين النهرين، واشترك هؤلاء في كثير من ~~الوقائع التي دارت بين الفرس والمسلمين بعد وقعة المذار، وضايقوا المسلمين غير ~~قليل في الوقعتين التاليتين بالولجة وأليس. # وكان خالد كعادته في الحيطة والمبادرة، فاستبقى طائفة من جيشه في البلاد التي فتحها ~~حماية لظهره واستعدادا لمن يجترئ عليها بعد مسيره، وتقدم إلى الولجة على تعبئة ~~كاملة بمن معه جميعا، ثم فصل طائفتين من الجيش في أثناء الطريق؛ ليكمنا على مقربة ~~من الولجة ويلتفا في ساعة الحرج بالجيش الفارسي من ورائه. فطالت المدافعة ~~والمراوغة بين الفريقين قبل أن يظهر الكمينان، وتردد النصر بين الفرس والمسلمين ~~تارة هنا وتارة هناك حتى ظن الفرس أنهم من النصر قاب قوسين أو أدنى، ثم ظهر أحد ~~الكمينين وظهر الكمين الآخر قبل أن يفيق الفرس من دهشة الكمين الأول، فتولاهم ~~إعياء اليأس بعد إعياء المصابرة والمجاهدة، وولوا مدبرين وهم يتخففون من السلاح ~~والعتاد في مهربهم ... فكثر منهم القتلى والأسرى كما كثر نصيب المسلمين من الغنائم ~~والأسلاب. # وجاءت بعد وقعة الولجة وقعة «أليس» وهي أعجب الوقائع في حرب العراق بما اتفق فيها ~~من صنوف الحيلة وصروف المقادير ومعارض النقمة وعواقب الرجاء مع الغالب وعواقب ~~اليأس والقنوط مع المغلوب، ولعلها هي الوقعة الحاسمة في النزاع بين المجوسية ~~والإسلام. # راع الشاهنشاه تلاحق الهزائم على جيوشه، وغاظ العرب الموالين له أن يؤخذوا في ~~حماهم، وأنفوا أن يهانوا ولا يراهم الناس كفاء لتلك القبائل الواغلة عليهم، ~~فتلاقوا في الرقعة الوسطى بين ديارهم جميعا وهي «أليس» وانتظروا هناك جحافل من ~~الفرس وعدوهم أن تربى في العدد والعدة على كل جيش نزلوا به إلى الميدان في ~~المعارك الماضية. # وهنا تتراءى في الموقف أصبع المقادير ... # فإن «بهمن جاذويه» قائد الفرس الذي أمره الشاهنشاه بالمسير إلى «أليس» أناب عنه ~~قائدا آخر يدعى جابان، وشخص هو إلى المدائن ليلقى مولاه ويقلب معه الأمر ms102 على ~~وجوهه في مسائل شتى لا تغني فيها المراسلة غناء الحديث والمشاهدة، وليأتي من ~~المدائن بمدد آخر يضاف إلى جيشه الأول وإلى جموع القبائل العربية عند الفرات، وقال ~~لجابان وهو يودعه «كفكف نفسك وجندك عن قتال القوم حتى ألحق بك، إلا أن ~~يعجلوك.» # وبلغ المدائن فإذا مولاه مريض يجود بنفسه، وليس نظام الوراثة على عرش فارس في ذلك ~~الحين من الوضوح والاستقرار بحيث يطمأن إليه إذا مات الملك والجيش بعيد والمتربصون ~~كثير والشيع في البلاد أكثر من المتربصين ... # فبقي «بهمن» في المدائن، ووصل جابان إلى «أليس» قبل أن يصل إليها خالد فألقى أثقاله ~~وأمر بتهيئة الطعام، ووصل خالد وهم مقبلون على طعامهم لا ينتظرون وصوله، فلبثوا ~~على طعامهم؛ لأنهم أمروا من جهة ألا يعجلوا إلى القتال حتى يوافيهم قائدهم الكبير، ~~ولأنهم من جهة أخرى لم يحسبوا أن خالدا ليس بالذي يلقي أثقاله وهو على تعبئة ~~كاملة مستعد للنزال في كل لحظة؛ ولأنهم على ما يظهر كانوا يواجهون القتال أبدا ~~كأنهم يواجهون ساحات الصوالج والأكر # 2 # أو ساحات المباراة في «الألعاب الرياضية»: إنما تبدأ فيها المباراة ~~باتفاق الطرفين ... # ولكن خالدا ضرب ضربته الأولى في الجموع العربية، فقتل قائدها وأثخن القتل في ~~صفوفها، وثار الفرس إلى السلاح مكرهين؛ لئلا يمهلوا خالدا حتى يفرغ من الجموع ~~العربية ويتحول إليهم بين لحظة وأخرى. # فثبتت الجموع العربية حين أسعفتها النجدة، وثبت الفرس وطال بهم الثبات لعلمهم أنه ~~صبر ساعات ثم يدركهم قائدهم الكبير، وابتلي المسلمون من هؤلاء وهؤلاء ببلاء لم ~~يعهدوه من القوم قبل ذلك اليوم، فاشتد الأمر بخالد وثاب إلى الله يستلهم العزم ~~للمسلمين وينذر له الضحايا إن منحة أكتاف أعدائه، «فلا يستبقي منهم أحدا يقدر ~~عليه حتى يجري نهرهم بدمائهم» ... وفي هذا النذر بقية من البدوية المخزومية لا تخفى ~~على اللبيب. # وطال صبر الفرس فنفد ... # وتساقط رءوس العرب الموالين لهم فجزعوا ... # ولاحت لخالد لوائح النصر الذي سأله الله، فلم ينس نذره ونادى في المسلمين: «الأسر ... ~~الأسر ... لا تقتلوا إلا من امتنع»؛ لأنه نذر ms103 ليجرين النهر بالدماء، فليجر إذن ~~بالدماء. # وأمر بضرب أعناق القوم في النهر وقد حبس ماءه، فلم يجر بالدماء! لأن الدماء تترقرق ~~ولا تسيل ولو قتل أهل الأرض، كما قال له أصحابه ... فأطلق الماء فسال بالدم أحمر ~~قانيا ثلاثة أيام. ~~••• # وحمادى ما يقال في الاعتذار لخالد من هذه النقمة المفردة في تاريخه صدر الإسلام ~~أنها كانت شرعة الحرب في تلك الأيام، وأنه كان يدين بها أناسا صنعوا بالملل ~~الأخرى مثل ما صنع بهم في هذه المعركة، وعاملوا أسرى الحرب ومن لم يحاربوهم قط مثل ~~هذه المعاملة في حروبهم مع العرب والدولة الرومانية، وأن خالدا حسب أن هذه ~~الذبائح قربان إلى الله ... ودماء المشركين أشبه القرابين بميادين الحروب، وهو حسبان ~~يوائم صرامة طبعه ويحيك في صدر رجل الحرب وسليل رجال الحرب منذ أمد بعيد، وأكبر ~~الظن عندنا أنه لو كان قائد الجيش رجلا ممن طالت صحبتهم للنبي - عليه السلام ~~-كأبي عبيدة أو سعد بن أبي وقاص أو عمر بن الخطاب لتوسل إلى الله بغير هذه الوسيلة ~~حين أزم الموقف وجد الجد في معركة «أليس» ... فقد صفح عمر بن الخطاب عن أسرى السواد ~~وظفر المسلمون بألوف الأسرى في معارك العراق والشام ومصر، فسرحوهم وعاملوهم بحكم ~~الأسرى في القرآن الكريم، وقد اختلف فقهاء المسلمين في جواز قتل الأسرى من غير ~~مشركي العرب، فلم يجزه من أجازه منهم إلا لحسم مادة الفساد، إن خيف ألا تحسم بغير ~~هذه الذريعة، وقد كانت مادة الفساد في أعقاب الدولة الساسانية خليقة - ولا نكران - ~~بضربة من أمثال هذه الضربات ... فقد أعيت فيها الحيلة من دعوة وإقناع ومصابرة، وكانت ~~النكبة بدوام هذه الدولة أشد على الفرس أنفسهم من نكبة القتلى في تلك المعركة ~~الشعواء، وهي في غرابة صروفها أدنى أن تحسب من معارك الأقدار، وتلك هي المعارك ~~التي يراد فيها الغالب والمغلوب على الأمر، ولا يريدان فيه. # وقديما علمنا من طوارق الحرب والسلم أن الشر المحض والخير المحض في هذه الدنيا ~~عزيزان أو مستحيلان، فهذه النقمة الخالدية جاءت على غير ms104 المألوف في حروب صدر ~~الإسلام، ولكنها عجلت بختام عهد موبوء كان لا بد له من ختام، فخلعت القلوب وصكت ~~الركب وزلزلت سلطان الطغاة في بلاد الفرس بل في بلاد الروم، وكان من جرائها أن ~~الأمصار التي كانت تفزع من حصار خالد لها كانت تلقي بأنفسها في أحضان غيره من قادة ~~المسلمين، كما أسرع أهل دمشق إلى ابن الجراح يلتمسون مصالحته؛ مخافة الفتح عنوة ~~على يد ابن الوليد. ~~••• # كانت هذه الوقائع تتوالى يوما بعد يوم وتتوالى معها البرد # 3 # إلى المدينة بأخبار النصر وغنائم القتال، فلا يفزع الناس من حديث بريد ~~حتى يتبعه ما وراءه بنصر جديد ... وسبقت ضربات خالد كل آمال الآملين في سرعة الظفر ~~بدولة الأكاسرة، فقال أبو بكر وهو يبلغ الناس أنباء الظفر ليزفوا بشراها إلى ~~الجزيرة العربية: «يا معشر قريش ... عدا أسدكم على الأسد فغلبه على خراذيله # 4 ~~... أعقمت النساء أن يلدن مثل خالد؟» # ثم سلمت الحيرة - بلد النعمان وموئل نابغة بني ذبيان - فكان لتسليمها صدى بين ~~أبناء العروبة لا يعدله صدى الفتح في بلد من البلدان؛ لأنها كانت في عالم الشعر ~~والبلاغة حديثا على كل لسان. # إلا أن الخليفة الذي عرفناه رجلا حصيف الجرأة، جريء الحصافة، لم ينس اليقين مع ~~الحيطة ولم ينس الحيطة مع اليقين ... وأدركه الحذر في هذه المرحلة من مراحل الحرب ~~الفارسية، فجنح إلى الأناة والتريث وأخذ بعنان خالد فلم يأذن له أن ينطلق وراء ~~الحيرة حتى يوافيه زميله عياض بن غنم ويأمن كلاهما من ورائهما غدرات الطريق، وحجة ~~الخليفة في ذلك أظهر من أن تخفى. فمن تجاوز الحيرة أحاط به الفرس من اليمين والروم ~~في الشام من اليسار، ثم إن السواد نفسه إقليم حديث العهد بالإسلام لم ترسخ فيه ~~قدمه ولا يؤمن تركه والتطوح بعده إلى حمى الدولة الفارسية في عواصمها من وراء ~~النهرين، وقد نمى إليه ولا شك أن فلول العرب المهزومين هجروا حوض العراق وأوغلوا ~~في الصحراء إلى دومة الجندل يتجمعون ويتربصون، وفي الشام أراجيف عن تعبئة القيصر ~~لجيوشه لا ms105 تغمض عنها العيون قبل أن تستقر الطرق وتتمهد مواطئ الفتوح، فإن لم يخرج ~~عياض بن غنم من معاقل دومة الجندل بين العراق والشام مالكا زمامها وزمام ما ~~حولها، فكل خطر هناك محتمل، وكل عجلة قد تجر إلى وبال. # ولكن الفرس الكريم الذي يحبس في الحلبة يعاني من أمان الحبس ثقلة لا يعانيها من ~~تعجل العواقب ومكافحة الأخطار. فحز في طبع خالد جذب العنان وأقام في انتظار زميله ~~قرابة عام وهو يسميه سنة نساء، ولو كثب لرجل غيره أن يظفر في هذه السنة المستريحة ~~بمثل ما ظفر به لارتضاه لنفسه سجل عمر كامل، لأنه خاض ثماني وقائع فيما ~~يليه من البلاد لم يحسبها وقائع تحصى، وله في كل وقعة منها نصر يعتز به قائد ~~فخور. # وقد عرضت لخالد في هذه السنة وما قبلها عوارض شتى تدخل في الحساب أو تأتي من هنا ~~وثم على غير حسبان. فتصرف فيها جميعا تصرف الرجل الذي خلق للتقلب في أجواء ~~الحرب كما خلق السمك للتقلب في الماء، فلا تفجؤه حالة من حالاتها بما يربكه أو ~~يعيبه. # البدوي لا عهد له بسفينة غير سفينة الصحراء - وهي الجمل - ولكن خالدا غنم السفن ~~الفارسية بعد وقعة «أليس» فأركب جيشه فيها ليكفيه ويكفي مطاياه مشقة السير، فلم ~~تنقله السفن إلا قليلا حتى جف الماء ولصقت بالقاع؛ لأن الفرس تسامعوا بمسيره في ~~النهر فأوصدوا قناطر الحيرة وحبسوا الماء عن مجراه، ولو بدوي غير هذا البدوي فوجئ ~~بهذه الحيلة الحضرية وهذه اللعبة الهندسية لوقع في «حيص بيص» وترك السفن في قاعها ~~ورجع إلى مطاياه ... ولكنه أبى إلا أن يبلغ بالسفن إلى حيث شاء، فانبعث في نفر من ~~أصحابه كالبزاة إلى القناطر وأطلقوا ماءها ولبثوا هناك في حراستها وفي انتظار ~~السفن التي ارتفعت براكبيها كأنهم يشهدون غريبة من غرائب السحرة تعبث بالسفينة بين ~~بر يابس ونهر غزير ... # وحفروا له في الأنبار خندقا، ثم احتموا وراء الخندق بحصن ينظرون إليه من أعلاه، ~~كأنهم يهزأون به ويستعجزونه أن يعبر الخندق وأن يفلح في علاج ms106 الحصن إذا وصل إليه، ~~فلم يلبث أمام الخندق كثيرا ولا قليلا بل أمر لتوه بنحر الإبل العجاف وألقى بها ~~في الخندق فسدته ودعا جيشه إلى العبور عليها، فأصبح من في الحصن سجناء في يديه، ~~وتوسلوا إليه أن يرسلهم في سبيلهم مجردين من السلاح والمتاع، وهم يحمدون الله على ~~النجاة من يوم كيوم «أليس»، فأجابهم إلى ما طلبوه. # وعلم أن عقة بن عقة يحشد له في عين التمر حشودا من تغلب وإياد وأصحاب المتنبئة ~~سجاح، ويوهم الفرس أنه ند للعرب؛ لأنه أخبر بهم من غيرهم، فوثب على معقله بالصحراء ~~وهو كدأبه على تعبئة كاملة، وبصر ب «عقة» حين دنا من الموقع فقال لصحبه: اكفونا ما ~~معه فإني حامل عليه بنفسي ... ثم احتضنه وحمله أسيرا وهو لا يتوقع أن يؤخذ من ~~أساليب القتال العربي بهذا الأسلوب العجيب في كل قتال. وقد كان خالد يعمد إليه ~~كلما بدا له أن يوجز في الحركة ويضرب قلب أعدائه بضرب عميدهم المطاع فيهم، فيصيب ~~ما أراد. # وأعطى الدعوة حقها كما أعطى القتال حقه في كل معركة بما تقتضيه وتوحيه إليه ~~... # فكان إذا لقي العرب سألهم مذكيا فيهم نخوة العروبة: «ويحكم! أأنتم عرب؟ فما ~~تنقمون من العرب؟ أو عجم، فما تنقمون من الإنصاف والعدل؟» # وكان يعين الحمية الدينية في جيوشه بما يغري النفوس من نعيم الدنيا ومتاع الحياة، ~~فأباح الأسلاب من سلبها بالغا ما بلغ قدرها، وربما قسم للمقاتل الواحد في بعض ~~الوقائع ألف دينار، فلا يستكثرها عليه ولا ينتزع منه غنيمة وقعت في يديه. وقال لهم ~~يوما بعد وقعة المذار: «ألا ترون إلى الطعام كرفع التراب؟ والله لو لم يلزمنا ~~الجهاد في الله والدعاء إلى الله عز وجل ولم يكن إلا المعاش لكان الرأي أن نقارع ~~على هذا الريف حتى نكون أولى به، ونولي الجوع والإقلال من تولاه ممن اثاقل عما ~~أنتم عليه.» # وأحكم الصلح كما أحكم الحرب، فكان عهده مع أهل الحيرة نموذجا للعهود من قبيلة، ~~وكان يصالح المستسلمين صلح من يعني كل حرف يخطه ms107 بيمينه، فلا يزيد ولا ينقص ... قال ~~في عهد أهل الحيرة «هذا ما عاهد عليه خالد بن الوليد ... نقباء أهل الحيرة ورضي بذلك ~~أهل الحيرة وأمروهم به، عاهدهم على مائة وتسعين ألف درهم تقبل في كل سنة جزاء على ~~أيديهم في الدنيا، رهبانهم وقسسهم إلا من كان منهم على غير ذي يد حبيسا عن الدنيا ~~تاركا لها ... وعلى المنعة، وإن لم يمنعهم فلا شيء عليهم حتى يمنعهم، وإن غدروا ~~بفعل أو قول فالذمة منهم بريئة ... وكانت كتابة هذا العهد في شهر ربيع الأول سنة ~~اثنتي عشرة هجرية»، وعلى قدر سطوته الجائحة بمحاربيه ومعانديه كانت رعايته ورفقه ~~بأولئك المظاليم الخالدين من زراع تلك البلاد ... فللمرة الأولى في التاريخ من قبل ~~بابل ونينوى، رأى فلاحو السواد حاكما يحفظ لهم غلاتهم وينصفهم من دهاقينهم - أو ~~مستغليهم - ويستمع شكاية ضعيفهم من قويهم ويشرع بينهم شرعة المساواة والأمان، ~~وبلغ من رفق الحكم الجديد برعاياه - مسلمين وغير مسلمين - أنه تكفل بالعبد إذا ~~تحرر، وبالغني إذا افتقر، وبالعائل إذا انقطع عائلوه، وهذا مثل مما تكفل به الحكم ~~الجديد في كتاب خالد ... قال: «إني دعوتهم إلى الله وإلى رسوله فأبوا أن يجيبوا، ~~فعرضت عليهم الجزية أو الحرب، فقالوا لا حاجة لنا بحربك، ولكن صالحنا على ما صالحت ~~عليه غيرنا من أهل الكتاب في إعطاء الجزية وإني نظرت في عدتهم، فوجدت عدتهم سبعة ~~آلاف رجل، ثم ميزتهم فوجدت من كانت به زمانة ألف رجل، فأخرجتهم من العدة، فصار من ~~وقعت عليه الجزية ستة آلاف فصالحوني على ستين ألفا وشرطت عليهم أن عليهم عهد الله ~~وميثاقه الذي أخذ على أهل التوراة والإنجيل: ألا يخالفوا ولا يعينوا كافرا على ~~مسلم من العرب ولا من العجم، ولا يدلوهم على عورات المسلمين، عليهم بذلك عهد الله ~~وميثاقه، أشد ما أخذه على نبي من عهد أو ميثاق أو ذمة، وإن خالفوا فلا ذمة لهم ~~ولا أمان، وإن هم حفظوا ذلك ورعوه وأدوه إلى المسلمين فلهم ما للمعاهد وعلينا ~~المنع لهم، فإن فتح الله علينا فهم ms108 على ذمتهم، لهم بذلك عهد الله وميثاقه أشد ما ~~أخذ على نبي من عهد أو ميثاق، وعليهم مثل ذلك ألا يخالفوا، وجعلت لهم أيما شيخ ضعف ~~عن العمل، أو أصابته آفة من الآفات، أو كان غنيا فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون ~~عليه، طرحت جزيته وعيل من بيت مال المسلمين وعياله، ما أقام بدار الهجرة ودار ~~الإسلام، فإن خرجوا إلى غير دار الهجرة ودار الإسلام فليس على المسلمين النفقة على ~~عيالهم. وأيما عبد من عبيدهم أسلم أقيم في أسواق المسلمين فبيع بأغلى ما يقدر ~~عليهم في غير وكس ولا تعجيل ودفع ثمنه إلى صاحبه، ولهم كل ما لبسوا من الزي إلا زي ~~الحرب، من غير أن يتشبهوا بالمسلمين في لباسهم، وأيما رجل منهم وجد عليه شيء من زي ~~الحرب سئل عن لبسه ذلك، فإن جاء منه بمخرج وإلا عوقب بقدر ما عليه من زي الحرب، ~~وشرطت عليهم جباية ما صالحتهم عليه حتى يؤدوه إلى بيت مال المسلمين، عما لهم منهم، ~~فإن طلبوا عونا من المسلمين أعينوا به، ومؤونة القواد من بيت مال ~~المسلمين.» # وقد عزلت هذه الرعاية من جانب وتلك السطوة من جانب آخر عزلا فاصلا بين الرعاة ~~والرعية في السواد وفي الديار الفارسية، فنظرت الدهماء إلى الحرب كأنها حرب على ~~الرعاة وحدهم لا ناقة لهم فيها ولا جمل، فلا هي تعنيهم ولا هم يخشون من عواقبها ~~العاجلة أو الآجلة، بل هم بهذه العواقب ينعمون وإليها يتشوقون. ~~••• # وكانت وقعة الفراض آخر أعمال خالد الكبار في العراق وأوفاها دلالة على عجز الدولتين ~~معا، دولة الفرس ودولة الرومان الشرقية، عدا ما فيها من الحوادث التي هي أصلح ما ~~تكون للتفرقة بين مغبة العمل الواحد تأتيه الأمة في عهد إقبالها وتأتيه الأمة في ~~عهد إدبارها، فهو ضربة موت من ناحية وهو من الناحية الأخرى كالضربة التي تشحذ ~~عزيمة المضروب وترد التوازن إليه. # الفراض في أعلى العراق بين مسالح الفرس والروم يوشك هؤلاء وهؤلاء فيها أن يتناظروا ~~متقابلين، وقد هبط عليها خالد في وثبة من ms109 وثباته، فتألب عليه هنالك عرب البادية ~~وجيش الروم، وكان وشيكا أن يتألب معهم جيش من الفرس لولا ما شغلوا به من أمر ~~العرش ووراثته والمتنازعين عليه، وقال الروم لخالد كما قال الفرس بعد ذلك لأبي ~~عبيد: إما أن تعبروا إلينا وإما أن نعبر إليكم، فلم يصنع خالد صنيع أبي عبيد بل ~~قال لهم: اعبروا أنتم إن شئتم، وتركهم حتى يعبروا ليحصرهم بينه وبين النهر فلا ~~يهرب منهم هارب، وأرسل الفرسان والرامحين ليعزلوهم قطيعا قطيعا ويضيقوا عليهم ~~مسالكهم، ثم يحصدوهم حصدا وهم أشبه بالمحكوم عليهم في ساعة التنفيذ منهم ~~بالمقاتلين ... # على أنه لم يثب على الفراض وثبته تلك حتى كان قد «طهر» جوف الصحراء من جموع الأعراب ~~التي تكونت إلى دومة الجندل وعوقت عندها زميله «عياضا» قرابة عام، فلما ترامت ~~أنباء فتوحه إلى عياض كتب إليه يستشيره ويستنجده، فكان هو على عادته أول جواب بعد ~~رجع الخطاب، وكتب إليه يقول: # لبث قليلا تأتك الحلائب # يحملن آسادا عليها القاشب # 5 # كتائب تتبعها كتائب # وكانت تفصله من دومة الجندل مسيرة أسبوعين فقطعها هو في أقل من عشرة أيام، ووجد حصن ~~الدومة مكتظا بمن فيه وحوله زرافات ضاق بها الحصن فعسكرت بالعراء، فجعل القوم ~~جميعا بينه وبين عياض، وتولى عياض حرب من قبله فهزمهم لما جاش في نفسه من نخوة ~~المنافسة وما جاش في نفوسهم من الوجل والحيرة. وتدافع المنهزمون إلى الحصن يريدون ~~بابه فسبقهم خالد إليه وانتزعه وحال بين النازلين في الحصن ومن حوله، ثم استبى كل ~~من أصابه من رجال ونساء ... ومن هؤلاء السبايا ابنة الجودي بن ربيعة، استباها خالد ~~لنفسه وقيل إنه اشتراها، ثم بنى بها وأقام معها في دومة الجندل أيام مقامه ~~فيها. # وكان أهل الدومة قد عاهدوا المسلمين غير مرة ونكثوا بعهودهم فأمعن القتل فيهم ~~وجعلهم نكالا لغيرهم، ثم قفل إلى العراق وهو مطمئن إلى غزوة الفراض بأعلى الفرات، ~~فغزاها وفرغ منها كما تقدم، وبقيت له في العراق عزمة خالدية أخرى ولكنها من نوع ~~غير هذا النوع، فلم يلبث ms110 أن قضاها. # بقي على موسم الحج أسبوعان وهو أول حج حان بعد تلك الغزوات المتلاحقات التي أمده ~~الله فيها بنصره وعونه. # أيفوته قضاء الشكر في هذا الموسم وأداء الفريضة في موعدها؟ ولم؟ ألخوف من الأعداء؟ ~~ألعائق من بعد الشقة ووعورة الطريق؟ ألعذر من الأعذار التي يعتصم بها القاعدون عن ~~الحج برخصة من الفقهاء؟ كل أولئك عوائق لا يستهان بها ولكنها خلقت ليذللها لا ~~لينكص عنها ... ففي خطفة الريح العاصفة خرج من أعلى العراق إلى أقصى الحجاز وأدى ~~الفريضة وعاد إلى معسكره دون أن يعلم أحد من الأعداء ولا من المسلمين إلا أقرب ~~خاصته المقربين، بل دون أن يعلم الخليفة نفسه وقد كان على الحج في ذلك ~~العالم. # ويروق بعض المؤرخين أن يحسب هذه العزمة الخالدية من مغامراته التي تنم على فرط ~~الثقة بنفسه، ولا تنم على شيء غير ذلك، ولكنها في الواقع دلت على ثقته بغيره كما ~~دلت على ثقته بنفسه ... فقد علم أن معه بالجيش من فيه غنى وكفاية إذا جد في غيبته ~~طارق داهم، أو خطب حازم ... وكفى بالمثنى رائده المقدام، وبالقعقاع صاحبه القديم ~~وموضع ثقته الحميم. ~~••• # علم الخليفة بمغامرته هذه فجاءه منه ملام وإعجاب وتكليف، ووصاة؛ أمره بحرب الدولة ~~الرومانية بعد هذا الفوز الذي أصابه في حروب الدولة الفارسية، وأن يسارع إلى مرضاة ~~الله وقتال أعداء الله، ويكون كمن يجاهد في الله حق جهاده. # وقال له: «سر حتى تأتي جموع المسلمين باليرموك، فإنهم قد شجوا وأشجوا وإياك أن تعود ~~إلى مثل ما فعلت، فإنه لم يشج الجموع من الناس بعون الله شجيك، ولن ينزع الشجا من ~~الناس نزعك. فليهنك أبا سليمان النية والحظوة. فأتمم يتمم الله لك. ولا يدخلنك عجب ~~فتخسر وتخذل، وإياك أن تدل بعمل، فإن الله له المن وهو ولي الجزاء.» # وكتب إلى أبي عبيدة في الشام يخبره بمقدم خالد إليه، ويقول له في كلام صريح: «سلام ~~الله عليك. أما بعد ... فقد وليت خالدا قتال العدو في الشام، فلا تخالفه واسمع له ~~وأطع، فإني لم ms111 أبعثه عليك ألا تكون عندي خيرا منه، ولكنني ظننت أن له فطنة في ~~الحرب ليست لك ... أراد الله بنا وبك خيرا والسلام.» # فأرسل خالد إلى أبي عبيدة رسولا يبلغه قبل مقدمه بكتاب يقول فيه: «أتاني كتاب ~~خليفة رسول الله يأمرني بالسير إلى الشام، وبالقيام على جندها والتولي لأمرها، ~~والله ما طلبت ذلك قط ولا أردته إذ وليته، فأنت على حالك الذي كنت عليه لا نعصيك ~~ولا نخالفك، ولا نقطع دونك أمرا ... فأنت سيد المسلمين لا ننكر فضلك ولا نستغني عن ~~رأيك.» ~~••• # وأول خاطر سبق إلى ظن خالد حين حوله الخليفة من حرب فارس إلى حرب الروم أنه عمل من ~~أعمال «الأعيسر» كما يسميه ويعني به عمر بن الخطاب، وأنه نفس عليه أن ينفرد بفتح ~~فارس فأرسله إلى ميدان له فيه شركاء من أعلام الصحابة ذوي الخطر والسابقة الملحوظة ~~بين المسلمين. # وهو ظن بعيد يخطر على بال خالد؛ لأنه يتوقع شيئا من صوب عمر ولكنه لا يخطر على بال ~~غيره؛ إذ لا ينفس عمر على خالد أن ينفرد بغلبة الفرس، ثم يرسله ليغلب الروم بعد أن ~~تأخر الفتح على أيدي كبار القواد من أجلاء الصحابة، فهذا مزيد من الفخر يتطاول ~~إليه المتطاول، وليس بنقص منه يتعمده لخالد من يأباه عليه. وإنما اختار الخليفة ~~خالدا؛ لأن العراق كانت في هدأة من جانب الفرس بعد هزائمهم الكثيرة، وكان في جيش ~~المسلمين وقواده بالعراق كفاية للمثابرة على الفتح بعد أن تم التدويخ والتمهيد؛ ~~ولأن خالدا كان أقرب مدد إلى الشام ولم يكن بالحجاز بقية من قوة فاضلة تضاف إلى ~~قواتهم في حرب الرومان ... فاختاره الخليفة وهو يقول: «لأنسين الروم وساوس الشيطان ~~بخالد بن الوليد.» # وليس من عادة خالد أن يضيع وقتا - قل أو كثر - إذا نيط به أمر من الأمور، فلما ندب ~~للجهاد بالشام نظر فإذا بينه وبين الشام يومئذ من خمسمائة إلى ستمائة ميل على حسب ~~الطرق التي يسلكها، وهي أربع يختار منها أصلحها لإنجاز العمل الذي وكل ~~إليه. # من هذه الطرق الأربع ms112 ما هو سهل موفور الماء والكلأ ولكنه من أجل هذا موفور الحراس ~~والسكان، فهم يعوقونه بالمقاومة عن الإسراع بالمطلوب دون أن تكون للغلبة عليهم ~~فائدة تذكر في القتال الحاسم بين المسلمين والرومان ... # ومنها ما هو قليل الحراس والسكان وفيه الماء والكلأ، ولكنه بعيد يطول السير فيه ~~... # ومنها ما هو وعر قليل الماء والكلأ، مخيف غير مطروق، أو كما قال الدليل الذي سأله ~~خالد: «إنك لن تطيق ذلك بالخيل والأثقال، والله إن الراكب المفرد ليخافها على ~~نفسه، وما يسلكها إلا مغرور. إنها لخمس ليال جياد لا يصاب فيها ماء مع مضلتها ~~...» # وأيسر شيء على القارئ الذي عرف خالدا أن يعلم أي هذه الطرق يسلكه خالد، فما هو ~~بسالك حيث سلك إلا الطريق الذي هو أحوج إلى قدرة القائد وأدل على العزمة والمضاء ~~وأبعدها جميعا أن يتوقع العدو هجوما منه، فأجمع عزمه على طريق من الطرق الأربع ~~هو أصعبها وأقصرها، وهو الذي خوفه الأدلاء منه، وقال لدليله الأكبر رافع بن ~~عميرة الطائي - ولا أحد يغني غناءه في السير بتلك المفازة المهلكة وإن كان يومئذ ~~من حسر النظر كالمكفوف الضرير: «ويحك إنه والله إن لي بد من ذلك ... إن القوة ~~تأتي على قدر النية، وإن المسلم لا ينبغي له أن يكترث بشيء يقع فيه مع معونة ~~الله.» # ويروي الرواة أن الدليل قال لهم بعد ذلك: أكثروا من الماء، من استطاع منكم أن ~~يصر أذن ناقته على ماء فليفعل، فإنه المهالك إلا ما دفع الله. # ثم قال لخالد: ابغني عشرين جزورا عظاما سمانا مسان، فأتاه بهن فظمأهن حتى إذا ~~أجهدن عطشا أوردهن فشربن، حتى إذا تملأن عمد إليهن فقطع مشافرهن ثم كعمهن لئلا ~~يجتررن ... # وأشار على خالد أن يقتط أربعا من هذه الجزور كلما نزل منزلا ليسقي الخيل، وأن ~~يشرب الجند مما حملوا من الماء. ففعلوا ما أشار به حتى كان آخر يوم في المفازة ... ~~فقال له خالد: ويحك يا رافع ما عندك؟ فأرسل رافع جماعة ينظرون شجيرة من عوسج في ~~موضع كان يعهدها ms113 فيه ويعهد فيه الماء على مقربة منها فلم يجدوها؛ فصاح الرجل ~~بالويل واسترجع قائلا: «هلكتم والله إذن وهلكت لا أبا لكم، انظروا انظروا» فلما ~~نظروا وأمعنوا النظر رأوا جذرا قد بقي منها وقطع سائرها، فكبروا فرحا وشكرا ~~وحفروا في أصلها فنبع لهم الماء، فشربوا ونجوا من هذا الخطر الأليم الذي دونه كل ~~خطر من لقاء الأعداء. # وفي ذلك يقول أبو أحيحة القرشي: # لله عينا رافع أنى اهتدى # في مهمه مشتبه إلى سوى # والعين منه قد تغشاها الردى # معصوبة كأنها ملأى ثرى # فهو يرى بقلبه ما لا يرى # من الصوى تترى له بعد الصوى # فوز من قراقر إلى سوى # والسير زعزاع فما فيه ونى # خمس إذا ما سارها الجيش بكى # في اليوم يومين رواحا وسرى # ما سارها من قبله إنس يرى # هذا لعمري رافع هو الهدى # وسواء صحت رواية الجزور المظمأة أو كان فيها شيء من توسع الخيال، فالطريق الذي ~~سلكه خالد معروف، والقدرة عليه هي موضع العبرة والتأمل في هذا المقام ... أما نحن ~~فالذي نراه أن خالدا لم يكن لينتظر حتى تظمأ الإبل وهي لا تجهد من الظمأ إلا في ~~أيام، وأن الإبل لا تخزن الماء في جوفها وإن لم تجتره دون أن ينصرف منها، وأن ~~عشرين جزورا تمتلئ كروشها بالماء لا تسقي الخيل في الجيش كله وعدته عشرة آلاف، ~~فلا بد من تدبير آخر مع هذا التدبير تجتمع فيه السرعة إلى التخفف إلى الإقدام ~~... # والأمر الذي لا شك فيه بعد هذا كله أن خالدا سار بجيشه - وعدته عشرة آلاف - من ~~عين الثمر إلى قراقر، ثم من قراقر إلى سوى وبينهما تلك المفازة المهلكة، ثم إلى ~~تدمر فالغوطة فبصرى، فقطع هذه المسافة في ثمانية عشر يوما؛ لأنه كما قال الشاعر ~~كان يطوي مسافة اليومين في يوم واحد ... ~~«في اليوم يومين رواحا وسرى ...» # خرج من الحيرة في أوائل صفر من سنة ثلاث عشرة للهجرة، وطوى تلك المسافة في تلك ~~الأيام بعد أن قمع كل مقاومة لقيها من المسالح والحصون وراء المفازة ms114 الخاوية من كل ~~ديار. ~~••• # واتفق خروجه من الحيرة، وجيوش المسلمين في الشام تشرع في خطة جديدة للتراجع إلى ~~جنوب وملاقاة الجيوش الرومانية الجرارة في جمع واحد ينهض لها ويحول دون الإحداق ~~بكل جيش منها على انفراد . # وكان الخليفة قد سيرها - بعيد منتصف السنة الثانية عشر للهجرة - مع أربعة من كبار ~~القواد في طرق مختلفة إلى وجهات متعددة. # فسير يزيد بن أبي سفيان على رأس ستة آلاف أو سبعة آلاف إلى دمشق، وسير شرحبيل بن ~~حسنة على مثل هذا العدد إلى الأردن، وسير عمرو بن العاص على رأس جيش يزيد على ذلك ~~قليلا إلى فلسطين، وسير أبا عبيدة بن الجراح على رأس خمسة آلاف أو ستة آلاف إلى ~~الجابية، وأمدهم بعكرمة بن أبي جهل في جيش صغير؛ ليحمي ظهور من يحتاج منهم إلى ~~الحماية ويسرع بالنجدة إلى من يطلب منهم المعونة ... # ولا نعلم على التحقيق حكمة التفرقة بين هذه الجيوش في طرائقها ووجهاتها، ولكنها على ~~ما يظهر مسألة الماء والكلأ من جهة، ثم رغبة الخليفة في تشتيت جموع الروم وتوزيع ~~أغراضها، ولا يخلو الأمر من الحيطة لمنع الالتفاف بالجيش الواحد إذا أوغل في ~~البلاد كما حدث قبيل ذلك لجيش خالد بن سعيد، فإن الجيوش الأربعة يكون كل منها ~~مددا لصاحبه ومانعا للالتفاف به أو منقذا له من الالتفاف إذا وقع فجأة، وهذا مع ~~علم الخليفة يومئذ بتفوق الحاميات الرومانية في مواقع البلاد الداخلية، إذ كان ~~الرومان على ما يظهر قد اطمأنوا من جانب الفرس بعد انتصارهم عليهم، واطمأنوا إلى ~~جانب العرب بعد رجوع حملاتهم الثلاث على النحو المعروف، وهي حملات مؤتة وتبوك وجيش ~~أسامة، وزادهم اطمئنانا أنهم غلبوا الحملة الرابعة وهي حملة خالد بن سعيد، وأنهم ~~عرفوا اشتغال العرب بحرب الفرس، فوقع في روعهم أن العرب أضعف من أن يشغلوا ~~أنفسهم بحرب دولتين عظيمتين في وقت واحد. فمن هنا خلت ربوع الشام من جيش كبير ~~للرومان، وعلم الخليفة ذلك فاعتقد أن تفرقة الجيوش في زحفها إلى الشام أقرب إلى ~~توزيع العمل ms115 والإسراع فيه، فإن تغير الموقف وعمد الرومان إلى حشد الحشود الكبيرة، ~~فقد أوصى القادة بالتشاور والتعاون في مقابلة هذه الطوارئ، كما أوصاهم بالرجوع ~~إليه. # وقد نجحت هذه الجيوش في وجهاتها وتقدم بعضها إلى دمشق وبعضها إلى حمص وأوغل بعضها ~~إلى فلسطين. # ثم نمى إليهم أن القيصر يستعد لهم بجيش كبير في أنطاكية وجيش آخر في جوار بيت ~~المقدس، وبلغت عدة الجيش الأول على تقدير بعض المؤرخين مائتين وأربعين ألفا، وعدة ~~الجيش الثاني سبعين ألفا أو نحو ذلك، ولو نزلنا بعدة الجيشين إلى النصف حسبانا ~~للمبالغة وجهل الحقيقة لما كان نصف هذا العدد بالشيء القليل؛ لأنه يربى على ~~ثلاثة أضعاف الجيش العربي كله بعد قدوم جيش خالد إليه، ولم يرتفع به أحد إلى ما ~~فوق الخمسين ألفا على أعظم تقدير ... # فتشاور القواد فيما يصنعون، فاستقر رأيهم على التراجع إلى الجنوب؛ ليتجمعوا قبل أن ~~يتلاقى الجيشان الرومانيان ويشتبكا بهم وهم متباعدون متفرقون، كل منهم في بضعة ~~آلاف. # ولعلهم يصبحون في تراجعهم أقرب إلى الأمن إذا حاربوا وظهورهم إلى الصحراء، وقد ~~علموا بالأمثلة الكثيرة أن الجيوش الرومانية تحجم عند حدودها ولا تجسر على خوضها ~~في أعقاب جيش كبير أو صغير. # والمؤرخون مختلفون فيمن هو صاحب المشورة الأولى بالتراجع إلى الجنوب ... فمنهم من ~~يقول إنه أبو سفيان بن حرب ومنهم من يقول إنه عمرو بن العاص. # وهذا القول الأخير أدنى إلى الواقع؛ لأن عمرا كان يتراجع في الجنوب قبل أن تصل ~~الجيوش الأخرى إليه، وكان من الموافق لخططه أن توافيه الأمداد في ميدانه ~~بفلسطين. # وأيا كان صاحب الرأي الأول في هذا، فقد تم التراجع بإقرار الخليفة وكان شعوره ~~بحرج المسلمين في أماكنهم هو الباعث له أن يستدعي خالدا من العراق إلى الشام، ~~فكتب لقواده بالشام يقول: «اجتمعوا فتكونوا عسكرا واحدا والقوا زحوف المشركين ~~بزحف المسلمين، فإنكم أعوان الله، والله ناصر من نصره وخاذل من كفره، ولن يؤتى ~~مثلكم من قلة، وإنما يؤتى عشرة الآلاف والزيادة على عشرة الآلاف - إذا أتوا - من ~~تلقاء الذنوب، فاحترسوا ms116 من الذنوب واجتمعوا باليرموك متساندين، وليصل كل رجل منكم ~~بأصحابه.» # ومن المعتذر جدا تمحيص التواريخ في ترتيب الوقائع بعد وصول خالد إلى الشام، ولكن ~~الأرجح فيما نرى أن المعركة الأولى بدأت مع الجيش الأصغر في «أجنادين » بالجنوب؛ ~~لأن البدء بأصغر القوتين وإخلاء الجنوب قبل الانتقال إلى الشمال أولى وأوفق من ترك ~~هذا الجيش الأصغر وراء ظهور المسلمين ومواجهتهم الجيش الأكبر بين عدوين، ولأن ~~معركة «أجنادين» لم يشترك فيها معظم القواد المسلمين، مما يرجح أنها وقعت قبل ~~اجتماع هؤلاء القواد في صعيد واحد، ولو أنها وقعت بعد المعركة الكبرى في اليرموك ~~لما كان مفهوما أن يترك أولئك القواد جيشا كجيش الرومان في فلسطين دون أن ~~يتعقبوه جميعا، مع فراغهم من أسر الجيش الكبير في اليرموك. # وعلى أية حال، هزم الروم في «أجنادين» وكانت الوقعة الحاسمة بينهم وبين المسلمين في ~~اليرموك، على اختلاف كثير في التواريخ، واتفاق في تصوير خطة القتال. # ويحسن بنا قبل أن نستطرد إلى الكلام على المعركة أن نجمل حالة الجيشين المتقاتلين ~~عند اللقاء ... # فالجيش الروماني كان أوفر عددا وأكمل عدة بغير خلاف، ولكنه خليط من عناصر عدة منها ~~الروم والأرمن والعرب وأجناس أخرى، وقد يظن لأول وهلة أنه امتاز بالنظام والخطط ~~الفنية على أعدائه، ولكنه في الحقيقة كان أبعد الجيشين عن النظام الصحيح إذا أردنا ~~بالنظام وحدة الحركة والتوجيه؛ لأن المتطوعين فيه من أبناء القبائل كانوا يحاربون ~~على ديدنهم والجنود النظاميين يحاربون على ديدن آخر، وتعوقهم العدد الكثيرة والشكك ~~السابغة التي حسبت من مزاياهم، فهي إلى النقص هنا أقرب منها إلى المزية. # وقد أثيرت فيهم حمية الدين ولكنهم ثاروا لها متشككين متفرقين، وجعلتهم حماستهم ~~الدينية يترقبون من الله عقابا ينزله بهم على خطاياهم وخطايا قيصرهم ورؤسائهم ~~المتهمين عندهم بالزيغ ومطاوعة الشيطان ... فحمية الدين تثيرهم من ناحية وتضيرهم من ~~ناحية، وليست هي من قوة اليقين المكين ... # أما جيش العرب، فقد كان من أمة واحدة تدين بعقيدة واحدة وترجع إلى قيادة واحدة، وفي ~~صدورهم من حمية القتال كل ما يحفز ms117 القلب الإنساني إلى الثبات والاستبسال؛ غيرة ~~على الدين وغيرة على العرض وناهيك بالغيرتين، ويقين من نعيم الآخرة ونعيم الدنيا ~~إذا كتب له الفلاح، وكفى بإغراء النعيمين. # كان في جيش المسلمين أصون كرائم البيوتات القرشية؛ بنت أبي بكر وأم معاوية وزوج ~~عكرمة بن أبي جهل وعقائل أناس من الجند والقادة، وقد أمرهن أبو عبيدة قبل المعركة ~~«أن يأخذن بأيديهن أعمدة البيوت والخيام ويجعلن الحجارة بين أيديهن، فإن كان الأمر ~~للمسلمين أقمن على ما هن عليه، وإن رأين أحدا من المسلمين منهزما ضربن وجهه ~~بأعمدتهن وأرجعنه بحجارتهن، ورفعن إليه أولادهن وقلن له: قاتل عن أهلك وعن ~~الإسلام ...» ولم يقنع خالد بهذا، بل قال لهن: يا نساء المسلمين أيما رجل أقبل عليكن ~~منهزما فاقتلنه. # ومن أجل هذا، لا نعجب أن يكون هرقل قد وزن القوى وفكر حقا في عرض الصلح على ~~المسلمين وقال لبطانته وذوي شوراه «لأن تعطوهم نصف ما أخرجته الشام وتأخذوا نصفه ~~وتقربوا من جبال الروم خير لكم من أن يغلبوكم على الشام كلها ويشاركوكم في جبال ~~الروم»، ولكنهم استضعفوه وكبر عليهم أن يجيبوه. # أما المسلمون، فالصلح الذي فكروا فيه قبل القتال هو الصلح على شرطهم المعلوم؛ ~~الإسلام أو الجزية، فإن لم يقبل شرط من الشرطين فالحكم للسيف. # وقد أفادهم عرض هذه الشروط قوة على قوة وزادهم في نفوس أعدائهم مهابة على مهابة، ~~فلما ذهب وفدهم يعرض هذه الشروط قبل القتال على القائد تيودور - أخي القيصر - حسب ~~هذا أنه يهولهم بالذبح والثراء ويكسر نفوسهم بما يريهم من حلل الأبهة والنعيم. ~~فأقام لهم سرادقا من فاخر الحرير يستقبلهم فيه، فوقفوا عند بابه ولم يدخلوه ~~قائلين: «إن ديننا يمنعنا أن نفترش الحرير والديباج.» # فهالوه بزهدهم أكثر مما هالهم بترفه ... وأعسر شيء على جنوده بعد ذلك أن يؤمنوا حق ~~الإيمان أنهم - وهم الغارقون في المناعم والملذات - يقاتلون في سبيل الله قوما، ~~هذا مبلغ زهدهم في المناعم واللذات، وهذا مبلغ استعلائهم على الدنيا وما تبسطه لهم ~~من غواية. # ولم يخف على أحد من قادة الرومان ms118 والعرب خطر المعركة الكبيرة التي هم مقبلون ~~عليها؛ هي معركة فاصلة في مصير الشام ما في ذلك ريب. وقد تكون المعركة الفاصلة ~~أيضا في مصير الدولة الرومانية ومصير الأمة العربية، فإن هزيمة الدولة ~~الرومانية فيها تنزع من يدها الأماكن المقدسة ويعقبها ضياع مصر وثورة المتربصين ~~بالقيصر وأهل بيته في بلاده الآسيوية والأوربية، وإن هزيمة الجيش العربي معناها ~~هزيمة الجيش الأكبر، الذي لا يتسع الوقت ولا تتسع الطاقة لتجريد جيش غيره على أثر ~~الهزيمة، وقد تغري القيصر الروماني بإرسال قبائل الشام في أعقاب المسلمين إلى ~~الحجاز والجزيرة العربية ولا يبعد أن تثير أبناء الجزيرة العربية أنفسهم على خليفة ~~الإسلام ممن لا تزال لهم ترات تغلي في حنايا الصدور. # فاستعد الفريقان غاية ما في الوسع من استعداد. # وارتضى كلاهما موقع اليرموك للوقعة الفاصلة بينهما؛ لأنه يوافق طلبة القيصر من مكان ~~«واسع العطن، واسع المطرد، ضيق المهرب» ولا يكرهه المسلمون؛ لأنهم رأوا أن منزل ~~الروم فيه منزل محصور بين النهر والبحيرة والوادي وجيش المسلمين. أو كما قال عمرو ~~بن العاص حين رآهم: «أيها الناس: أبشروا ... حصرت والله الروم، وقلما جاء محصور ~~بخير ...» تحاجز الجيشان أشهرا لا يشتبكان إلى جمادى الآخرة أو رجب على قول بعض ~~الرواة. # وكلاهما ينظر كيف يبدأ الآخر هجومه ليرتب له لقاءه، وكلاهما قد عبأ طاقته من سلاح ~~الأيدي ولم يزل يعبئ طاقته من سلاح النفوس؛ سلاح العقيدة والفداء. # واستعان الرومان بالقسيسين يلهبون الحمية ويضرمون الحفيظة، ويهونون على أتباعهم بذل ~~الأرواح في سبيل الملة والدولة والمجد القديم. # وأقبل المسلمون على القرآن يرتلونه وعلى العظات يذمرون بها القلوب، وجعلوا وراءهم ~~حرسا من الأعراض هو أقوى الحراس بعد الإيمان ... ثم كثرت الحركة أياما في جيش ~~الروم، فعلم القادة المسلمون أنهم مقتربون من الهجوم، ولم يشأ خالد أن تبتدئ ~~المعركة بقيادة متفرقة لا تتحد في نظام واحد، فصرف همه الأول إلى تنظيم الفرق ~~جميعا في تعبئة واحدة يقودها رجل واحد، ووجد من زملائه قلوبا مصغية فأجابوه إلى ~~ما دعاهم إليه. # قال لهم قبل ms119 ابتداء القتال: «هذا يوم من أيام الله لا ينبغي فيه الفخر ولا البغي، ~~أخلصوا جهادكم وأرضوا الله بعملكم، فإن هذا اليوم له ما بعده، ولا تقاتلوا قوما ~~على نظام وتعبئة وأنتم متساندون، # 6 # فإن ذلك لا يجمل ولا ينبغي ... وإن من وراءكم لو يعلم علمكم حال بينكم ~~وبين هذا، فاعملوا فيما لم تؤمروا به بالذي ترون أنه الرأي.» # ثم قال وقد سألوه رأيه: «إن الذي أنتم فيه أشد على المسلمين مما قد غشيهم، وأنفع ~~للمشركين من إمدادهم، ولقد علمت أن الدنيا فرقت بينكم، فالله الله ... إن تأمير ~~بعضكم لا ينقصكم عند الله ولا عند خليفة رسول الله ... هلموا ... فإن هؤلاء قد تهيأوا ~~وهذا يوم له ما بعده. إن رددناهم إلى خندقهم اليوم لم نزل نردهم وإن هزمونا لم ~~نفلح بعدها. فهلموا فلنتعاور الإمارة، فليكن عليها بعضنا اليوم والآخر غدا والآخر ~~بعد غد حتى يتأمر كلكم، ودعوني أليكم اليوم.» # فأسندوا إليه قيادتهم يومها، وكان توحيده القيادة أول خطوة في طريق النصر الحاسم ~~بمعركة اليرموك ... ثم أسرع إلى تعبئة قواده وجنوده على الوضع الذي رآه ملائما ~~للتعبئة الرومانية، وهو الوضع الملائم للحرب «في العمق» - كما يقول العسكريون في ~~هذه الأيام. # فأقام عمرو بن العاص على الجناح الأيمن، ويزيد بن أبي سفيان على الجناح الأيسر، ~~وأبا عبيدة بن الجراح على القلب، واتخذ مكانه في كبة الجمع ولجأ إلى طريقته التي ~~اختارها لحرب بني حنيفة وهي طريقة الكراديس؛ لأنها أصلح الطرق للنفاذ في الصفوف، ~~وأدعاها إلى التنافس بين المقاتلين وتمييزهم بالتبعة أو بالثناء. # وكانت كل فرقة من الميمنة أو القلب أو الميسرة تتألف من كراديس عدة، على كل منها ~~قائد معروف، ومنهم صاحبه القديم القعقاع، وزميله في حرب اليمامة عكرمة بن أبي جهل، ~~وزميله في دومة الجندل عياض بن غنم، وابنه عبد الرحمن وهو يومئذ دون العشرين ... ~~وجملة الكراديس جميعا ثمانية وثلاثون معظمها في القلب، وعدته ثمانية عشر كردوسا، ~~رئيسهم أبو عبيدة وفيهم عكرمة والقعقاع ... # وكان موضع الميمنة بحيث يستطيع الالتفاف بالجيش الروماني إذا ms120 أمعن في الهجوم ~~والإطباق عليه مع القلب إذا ارتد إلى الوراء. # وفرغ من التعبئة فعمد إلى «القوة الأدبية» يوليها حقها من عنايته الكبرى، وأخرج ~~المقداد يقرأ على الجيش سورة الأنفال، ودعا كل رئيس أن يعظ جنده ويبصرهم بمرماه في ~~حركاته، وجماع هذه العظات خطبة عمرو بن العاص حيث قال: «غضوا الأبصار. واجثوا على ~~الركب واشرعوا الرماح، فإذا حملوا عليكم فأمهلوهم، حتى إذا ركبوا أطراف الأسنة ~~فثبوا في وجوههم وثبة الأسد، فوالذي يرضى الصدق ويثيب عليه ويمقت الكذب ويجزي ~~بالإحسان إحسانا، لقد سمعت أن المسلمين سيفتحونها كفرا كفرا وقصرا قصرا، ~~فلا تهولنكم جموعهم ولا عددهم، فإنكم لو صدقتموهم الحملة تطايروا تطاير الجحول.» # 7 # وخطب مثله معاذ بن جبل وأبو سفيان، وبرز القعقاع وعكرمة قائدا المجنبة في القلب ~~يرتجزان، واختير يوم القتال في يوم ريح سموم سافياء # 8 # في حمارة القيظ فكانت طاقة المسلمين به أكبر من طاقة الروم. # ثم اشتبك الجيشان على نحو لا يعلم تفصيله على التحقيق، ولكنه بدأ كما تعودنا في ~~حروب المسلمين بهجمة شعواء من جانب العدو يتزعزع لها العدد الصغير أمام العدد ~~الفداء. # فلما انكشف المسلمون بعد الهجمة الأولى ثابوا إلى عزماتهم بنخوة الإيمان ونخوة ~~العرض والأنفة، فضرب النساء في وجوه الخيل قائلات: «إلى أين يا حماة الإسلام وطلاب ~~الشهادة!» وصاح عكرمة كأنه يؤنب نفسه: «قاتلت رسول الله في كل موطن وأفر اليوم؟! ~~من يبايع على الموت؟» فبايعه أربعمائة من الفرسان المغاوير لا يقوم في وجههم قائم، ~~وصدموا الروم حتى صدوهم غير حافلين بما أصابهم، وقد قتل في طليعتهم عكرمة وابنه ~~ومعظم أولئك الفرسان، ولم ينج منهم قط إلا جريح مثخن بالجراح، وأفلحت الكرة ~~الثانية، وتقهقر الروم. ~~••• # وقد اهتم خالد بالعزل بين خيل العدو ومشاته، فتضايقت الخيل وعجزت عن الجولان وولت ~~هاربة فأخلوا لها الطريق، ورجع المشاة إلى الخنادق فلحقهم بها المسلمون، ثم أحاطوا ~~بهم من ورائهم فشاع فيهم الذعر وسقطوا وهم مولون مهرولون في هوة الواقوصة أو وادي ~~الرقاد وقيل: إن موتاهم بالواقوصة كانوا أكثر من ms121 قتلاهم في حومة الوغى؛ لأنهم ~~قدروا بثمانين ألفا سقطوا في الوادي فرادى وجماعات؛ إذ كان بعضهم يقرنون أنفسهم ~~في السلاسل كل عشرة في سلسلة واحدة تثبيتا لأقدامهم وتيئيسا من الفرار، فإذا ~~بالوجل يفل حديد السلاسل كما فل عزائم القلوب وبلغ اليأس مبلغه من أشراف القوم ~~فقعدوا في أماكنهم ينتظرون الموت، فكأنهم قد فروا قاعدين! # وحق لهرقل وقد حبطت محاولاته جميعا بعد اليرموك أن يودع الشام إلى عاصمة ملكه ~~المتصدع وداعا - كما قال - ليس بعده لقاء. # الفصل الثامن # | العزل # يستحق الرجل أن يسمى بطلا من أبطال التاريخ إذا كان له «دور تاريخي» يقضيه ويتسم ~~بملامحه ودواعيه ... # وآية انقضاء ذلك الدور أن يبلغ البطل من الأعمال المقدورة له قمتها العليا التي لا ~~قمة وراءها، وأنه يعدو هذا الدور فإذا هو مفتئت على الآخرين ممن لهم حق مثل حقه في ~~أدوار التاريخ، أو يعدوه إلى أعمال يغني فيها الآخرون مثل غنائه، وتدخل في باب من ~~السعي والدراية غير بابه. # وقد بلغ خالد في معركة اليرموك قمته العليا التي لا مرتقى بعدها لراق: قمع فتنة ~~الردة، وضرب دولة الأكاسرة ضربته الدامغة، ووحد قيادة المسلمين في حرب الرومان ~~فصدهم إلى ما وراء حدودهم، وخلت ميادين الشام بعدها من أعمال يصح أن تسمى ~~بالأعمال الخالدية. فهي بين حصار أو مراوغة أو تسليم، وإنما يراد خالد لتحطيم قوى ~~الأعداء التي تعز على التحطيم. # وإن يكن من عمل «خالدي» في ميادين الشام بعد معركة اليرموك فهو عمله في مرج الروم، ~~ثم عمله في قنسرين. # 1 # ففي مرج الروم، كان هو وأبو عبيدة ينازلهما قائدان رومانيان هما جونس وتوذر كما ~~سماه خالد، فتسلل توذر تحت الليل ليفاجئ الجيش العربي عند دمشق بقيادة يزيد بن أبي ~~سفيان ويأخذ جيوش المسلمين على غرة متفرقين. فاتفق خالد وأبو عبيدة على تعقبه ~~ومفاجأته من خلفه قبل أن يفاجئ يزيد بن أبي سفيان فأوقعاه في الفخ الذي نصبه، ولم ~~يرجع خالد إلى أبي عبيدة إلا وتوذر مقتول وجيشه مبدد كما قال: # نحن قتلنا توذرا ms122 وشوذرا # وقبله ما قد قتلنا حيدرا # نحن أزرنا الغيضة الأكيدرا # وفي قنسرين حصر خالد الرومان المحتمين بحصونها فطاولوا وأبرموه. فقال لهم محنقا: ~~«لو كنتم في السحاب لحملنا الله إليكم أو لأنزلكم إلينا» وأبى أن يصالحهم بعد ~~ذلك إلا على تخريب المدينة ودك حصونها، فختمت بذلك ضرباته الخالديات ... # ولكنه كان قبل مرج الروم وقنسرين قد وفى «دوره التاريخي» أكمل وفاء، فلو فاته ~~هذان العملان لما نقص من مجده شيء ولا تغير مجرى الحوادث في أعقاب هزيمة ~~الرومان. ~~••• # أما سائر الميادين فقد تولاها قواد آخرون ففتحت بقية فارس، وفتحت مصر وشطر من ~~إفريقية الشمالية، وكتبت بذلك «أدوار تاريخية» أخرى للمثنى بن حارثة وسعد بن أبي ~~وقاص والنعمان بن مقرن وعمرو بن العاص، ورجال غيرهم يساوونهم أو يقلون عنهم في ~~المقدرة ولا يقلون عنهم في المقصد والنية، وكل زيادة في عمل خالد لا تضيف إليه ~~مجدا فوق مجده، وتنقص ولا ريب من عمل هؤلاء، وتحرم الإسلام أيديا كثيرة تعمل له ~~وتدفع عنه، وليس هو بمستغن عن تلك الأيدي الكثيرة بيد واحدة، بالغا ما بلغ بها ~~الرجحان والاستعلاء. # قلنا في أول هذا الفصل إن انقضاء «الدور التاريخي» لبطل من الأبطال له آيات تدل ~~عليه، ومنها أن يعدو دوره إلى أعمال يغني فيها الآخرون مثل غنائه وتدخل في باب من ~~السعي والدراية غير بابه، ونزيد على هذا أن غناء الآخرين في هذا خيرا من غنائه ~~لهو أولى أن يدل على انقضاء دوره وانتقاله إلى من هو أحق به وأخلق. # وفي ميدان الشام - بعد معركة اليرموك - كان أبو عبيدة بن الجراح أحق بالموقف الجديد ~~من خالد بن الوليد؛ لأنه موقف التسليم والمسالمة واستلال الحقود وضمد الجراح ~~وتقريب القلوب، وفي جميع أولئك يتسع المجال لهوادة أبي عبيدة ويضيق بضربات خالد ... ~~فأبو عبيدة يسرع إلى المسالمة إذا فتحت له أبوابها، ولا يبطئ عن الحرب إذا وجبت ~~عليه أسبابها، فإن كانت بالمسالمة جدوى فذاك، وإن كان يوم الضربات الخالديات فهي ~~لديه يرمى بها في مراميها، وإنما يكون العمل الأول ms123 هنا لمن يسالمهم ويتقبل ~~التسليم، ويكون العمل التابع له لمن يرفع سوط النقمة على الذين يلجون في العداء ~~كأهل قنسرين، فلا يسلمون إلا بتخريب الديار ودك الحصون. # ولا جرم كان أبناء الأمصار يتسامعون بحلم أبي عبيدة فيقبلون على التسليم إليه ~~ويؤثرون خطابهم له على خطابهم لغيره، وكان خالد يرضى بهذا حينا ويسخط منه حينا، ~~كما سخط عند تسليم دمشق ووساطة أبي عبيدة في العفو عن أهلها. فإنه كان يحسبهم ~~مغلوبين عنوة فيعاقبون بالسبي والقصاص ولا يبسط لهم مهاد العذر والموادعة، ولولا ~~أنه لا يغدر بعهد عاهدهم به أبو عبيدة لما كان لهم من شرط عنده غير شرط على أهل ~~قنسرين. # فصواب التاريخ وصواب ابن الخطاب قد تلاقيا ههنا بإسناد الأمر إلى أبي عبيدة بن ~~الجراح في أوانه المقدور، وإن كان تلاقيا لم يجر على قصد مرسوم. ~~••• # تولى الفاروق الخلافة بعد الصديق عليهما الرضوان ... # ورأي الفاروق في أبي عبيدة بن الجراح معروف. فقد كان لا يعدل به أحدا من الصحابة ~~الأولين، وقد هم بترشيحه للخلافة بعد وفاة النبي - عليه السلام - وقال وهو يجود ~~بنفسه: إنه لو كان حيا لعهد إليه ولم يلجأ إلى مجلس الشورى الذي وكل إليه أمر ~~انتخاب الخليفة بعده. # وتحدث عمرو بن العاص مرة إلى الفاروق في رئاسة الجيوش الموجهة إلى الشام، فأجابه في ~~مقال صريح: «... أنه ليس على أبي عبيدة أمير، ولأبو عبيدة عندنا أفضل منزلة منك ~~وأقدم سابقة، والنبي - عليه السلام - قال فيه: أبو عبيدة أمين هذه الأمة.» # وكما عرف رأي الفاروق في أبي عبيدة عرف كذلك رأيه في سابقة الإسلام والغزو على ~~الإجمال، فإنه خالف الصديق في التسوية بين أنصباء المسلمين كافة يوم أخذ الصديق في ~~توزيع الأرزاق والأنفال، وجعل للرجل نصيبا يختلف باختلاف سابقته في الإسلام ~~والجهاد؛ لأنه «لا يجعل من قاتل رسول الله كمن قاتل معه، ولا يسوي بين من هاجر ~~الهجرتين وصلى إلى القبلتين وبين من أسلم عام الفتح خوف السيف.» # فإقامة أبي عبيدة على ولاية الشام وقيادة جيوشها حادث لا غرابة ms124 فيه من الفاروق ولا ~~ينتظر منه غيره، وبخاصة حين تكون إمارة خالد بن الوليد بغير تأمير من الخليفة ~~الأول، إنما هي اتفاق على تقسيم القيادة بين الأمراء يوما بعد يوم. ~~••• # وبهذه المثابة تكون ولاية أبي عبيدة سنة عمرية معروفة ولا يبلغ منها أن تكون «قضية» ~~بين الفاروق وخالد على الصورة التي هول بها بعض المؤرخين واتخذوا منها محورا ~~للجدال والتنقيب عن الأسباب والأقوال. # وإذا نحن تجاوزنا النظر إلى الموضوع من جانب هذه السنة العمرية، فولاية أبي عبيدة ~~كانت في اعتقادنا أصلح الولايات للشام في تلك المرحلة التي انتهت إليها الحرب بين ~~المسلمين والروم. # فما نظن أحدا تفوته حاجة الشام في مثل تلك المرحلة التي انتهت فيها بطشة الحرب ~~الكبرى، وبدأت فيها ممهدات السلم والحكم والمصالحة، وهذه مهمة وال يحسن الحرب ~~ويحسن التوجيه إليها في مناسباتها، وليست مهمة قائد عسكري يجري الأمر على سنة ~~السطوة العسكرية، ويكون عملة الأكبر تحطيم قوى الأعداء في ضربة طاحنة، ثم يلاحقهم ~~متى شاء بالمطاردة والتضييق والإحراج، كما كان دأب خالد في بطشاته التي لا تبقي ~~بعدها بقية لغير الإجهاز. # وإذ تكون هذه هي المهمة المطلوبة بعد معركة اليرموك، فلا خلاف في أي الرجلين أولى ~~بالولاية عند ذلك؛ أبو عبيدة بن الجراح أو خالد بن الوليد، سواء أكان الخليفة على ~~رأي الفاروق أم كان على غير هذا الرأي في أمين الأمة وفي سوابق الإسلام ~~والجهاد. ~~••• # ونمى إلى الفاروق بعد ذلك أن خالدا وعياضا أغارا على بلاد الروم ورجعا منها ~~بغنائم وأسلاب، وأن الأشعث بن قيس قصد خالدا ومدحه فأجازه بعشرة آلاف درهم، ~~وأجاز آخرين من «ذوي البأس وذوي الشرف وذوي اللسان». # فعظم هذا البذل على الفاروق وكتب إلى أبي عبيدة أن يقيم خالدا ويعقله بعمامته ~~وينزع عنه قلنسوته حتى يعلمهم من أين أجاز الأشعث، هل من مال الله أم من ماله أم ~~من إصابة أصابها؟ فإن زعم أنه من إصابة أصابها فقد أقر بالخيانة، وإن زعم أنها من ~~ماله فقد أسرف، وأمر أبا عبيدة أن يعزله ms125 على كل حال وأن يضم إليه عمله - وكان ~~يومئذ يولى أمور قنسرين - وأن يقاسمه ماله نصفين ... # فصدع أبو عبيدة بالأمر، وجمع الناس وجلس على المنبر، ودعا بخالد فسأله: يا خالد ... ~~أمن مالك أجزت عشرة آلاف أم من إصابة؟ فلم يجب وأبو عبيدة يعيد السؤال مرة بعد ~~مرة، فوثب إليه بلال مؤذن النبي - عليه السلام - وقال له: إن أمير المؤمنين أمر ~~فيك بكذا وكذا، ثم تناول عمامته ونفضها وعقله بها وخالد لا يمنعه، وسأله: ما تقول؟ ~~أمن مالك أم من إصابة؟ فقال: لا، بل من مالي، فأطلقه وعممه بيده وهو يقول: نسمع ~~ونطيع لولاتنا ونفخم ونخدم موالينا. # ثم قوسم ماله حتى بقيت نعلاه، فقال أبو عبيدة: إن هذا لا يصلح إلا بهذا فقال ~~خالد: أجل، ما أنا بالذي أعصي أمير المؤمنين، فاصنع ما بدا لك. # ولما علم خالد بعزله، ذهب إلى قنسرين فخطب أهل عمله وودعهم ثم ذهب إلى حمص فخطب ~~أهلها وودعهم وقال في بعض خطبه: «إن أمير المؤمنين استعملني على الشام حتى إذا ~~كانت بثنية وعسلا عزلني وآثر بها غيري» فنهض له رجل من السامعين فقال: صبرا أيها ~~الأمير، فإنها الفتنة. فما تردد خالد أن قال: أما وابن الخطاب حي فلا. # ثم قصد إلى المدينة فلقي الفاروق فقال له: «لقد شكوتك إلى المسلمين. وبالله إنك في ~~أمري غير مجمل يا عمر ...» فسأله الفاروق: من أين هذا الثراء؟ قال: من الأنفال ~~والسهمان. ما زاد على الستين ألفا فلك «فزادت عشرون ألفا فضمها إلى بيت المال، ~~ثم قال له: يا خالد، والله إنك علي لكريم، وإنك إلي لحبيب، ولن تعاتبني بعد ~~على شيء» وأرسل إلى الأمصار يأمر الولاة أن يعلنوا فيها باسمه: «إني لم أعزل ~~خالدا عن سخطة ولا عن خيانة، ولكن الناس فتنوا به فخشيت أن يوكلوا إليه ~~ويبتلوا، وألا يكونوا بعرض فتنة.» ~~••• # تلك قصة خالد والفاروق ... # وهي قصة تؤلم وتؤسف، إلا أن الألم والأسف فيها من فعل الضرورة التي لا محيد عنها، ~~وليسا من فعل خالد ولا فعل الفاروق ms126 ... # ومن الحق للرجلين العظيمين أن نفهم هذه القصة على حقيقتها المبرأة من الخلط ~~والجهالة؛ لأن فهمها على حقيقتها موصول بتقدير الحالة كلها وموصول بتقدير الخليفة ~~العادل وتقدير القائد الكبير. # وأبعد شيء عن هذه الحقيقة أن يكون عزل خالد لضغينة في نفس عمر أو لتلك المنافسة ~~التي تستحكم بين الأشباه والنظراء، أو لغير سبب من تلك الأسباب التي كان عمر يحاسب ~~بها جميع القادة والولاة ... # وأسخف من هذه الظنون أن يسبق إلى الوهم - كما سبق إلى وهم بعض المؤرخين - أن عمر ~~قد عزل خالدا لبغضاء قديمة مرجعها إلى الصراع بينهما في أيام الصبا، وأن خالدا ~~صرع عمر وكسر ساقه فلم يزل بقية حياته واجدا عليه ... # وأجهل الناس بخلائق عمر من يجمح به الوهم إلى ظن من هذه الظنون فليس بين رجال ~~التاريخ جميعا من هو أصعب تخطئة من عمر بن الخطاب؛ لأنه ليس بينهم جميعا من هو ~~أشد حسابا لنفسه ومراجعة لنياته منه، وأغلب الظن عندنا أنه لو أحس في نفسه نية ~~ذحل أو ثأر قديم لكان أثر هذا الإحساس أن يؤجل عزل خالد ولا يعجل به مخافة من ~~خدعة نفسه وتضليل هواه. # فالحق أن حساب عمر لخالد لم يخالف قط حسابه لجميع ولاته ... فكذلك صنع بعمرو بن ~~العاص وسعد بن أبي وقاص، وكذلك صنع بكل وال أحصى ماله فظهرت فيه الزيادة، وقد عزل ~~زياد بن أبيه ثم قال إنه عزله «لأنه كره أن يحمل على الناس فضل عقله» وكان يحسب ~~أنه قادر على أن يسوق العرب بعصاه لو أنه من قريش، ولقد تبين بعد أنه من ~~قريش. ~~••• # وكانت سياسة عمر مع الولاة جميعا أن يراجعوه في الأموال، وبذلك أشار على أبي بكر ~~فوافاه الحساب من كل وال إلا خالدا أبى وأغلظ له في الجواب حيث قال: «إما أن ~~تدعني وعملي وإلا فشأنك وعملك.» # فلما بويع عمر كتب إلى خالد أن يراجعه في حساب المال وألا يعطي شاة ولا بعيرا إلا ~~بأمره، فأحاله إلى ما جرى به العمل قبله، فلم يطقها ms127 عمر وقال: «ما صدقت الله إن ~~كنت أشرت على أبي بكر بأمر فلم أنفذه.» # هذا إلى الخلاف بين سنن عمر في سياسة الناس وتصريف الشئون وسنن خالد التي طبع ~~عليها. فعمر كان يحب الأناة قبل القتل والقتال ومن ثم كان إنكاره لمقتل بني جذيمة ~~ومقتل مالك بن نويرة، وعفوه عن أسرى السواد خلافا لما صنع بهم خالد في معركة ~~«أليس» أو «نهر الدم» كما سميت بعد ذلك. وقد حرم عمر «قيس بن سليط» أن يقود جيشا ~~هو كفء لقيادته قائلا له: «لولا أنك رجل عجل في الحرب لوليتك هذا الجيش، والحرب ~~لا يصلح لها إلا الرجل المكيث.» # وإذا كان عمر قد أوجس من عقل زياد بن أبيه وهو مجهول النسب، فالفتنة باسم خالد أعظم ~~وأخطر، إنه لعظيم النزعة إلى الاستقلال، وإنه لمن بني مخزوم وهم أقوى قبائل قريش ~~منفردين، وله صهر في سائر القبائل والبطون ولأبنائه أخوال في بني تميم وبني حنيفة، ~~ولشهرته سحر في نفوس الناس يفعل الأعاجيب، وللزهو مكان من طباع خالد يحسب حسابه ~~ولا ينساه الخليفة المسئول عن عواقب الأمور في دولة الإسلام فقبل أن يقهر خالد ~~دولة الأكاسرة ودولة القياصرة رجع إلى المدينة يوما فإذا هو يغرز في عمامته ~~السهام ويدخل المسجد بدرع قتال ... فبعد غلبته على الأكاسرة والقياصرة وشيوع ذكره في ~~الأمصار، ماذا يجرى لو وهن الحكم يوما بعد «ابن الخطاب»؟ # أما و«ابن الخطاب» حي فلا. كما قال خالد. ولكن ابن الخطاب لا يدوم، والعواقب لا ~~تنكشف، وعزل خالد نقص يعوضه قادة آخرون من حقهم أن يعملوا كما عمل، ومن أثرهم أن ~~يثوب الناس إلى العقيدة وحدها فلا يحسبوا أن النصر رهين برجل واحد لا يرتهن ~~بغيره. ~~••• # أما الاحتمال الآخر - إن حدث - فالخطر فيه عظيم والموازنة بينه وبين كل عاقبة ~~يعقبها عزل خالد لا مجال فيها لتردد طويل. # وهذا كله فضلا عن مرد العزل إلى القسطاس الذي يرد إليه حساب جميع القواد والولاة، ~~ولم يفت ذلك خالدا بعد هدوء الغضب والمثوبة إلى الرأي، فقال في ms128 مرض وفاته لأبي ~~الدرداء: «قد كنت وجدت عليه في نفسي في أمور لما تدبرتها في مرضي هذا وحضرني ~~من الله حاضر عرفت أن عمر كان يريد الله بكل ما فعل، كنت وجدت عليه في نفسي حين ~~بعث إلي من يقاسمني مالي حتى أخذ فرد نعل وأخذت فرد نعل، فرأيته فعل ذلك بغيري ~~من أهل السابقة ومن شهد بدرا، وكان يغلظ علي وكانت غلظته على غيري نحوا من ~~غلظته علي، وكنت أدل عليه بقرابة فرأيته لا يبالي قريبا ولا لوم لائم في غير ~~الله. فذلك الذي أذهب ما كنت أجد عليه، وكان يكثر علي عنده وما كان ذلك إلا على ~~النظر - كنت في حرب ومكابدة وكنت شاهدا وكان غائبا فكنت أعطي على ذلك، فخالفه ~~ذلك من أمري.» # ولقد توفى رحمة الله وهو يجعل وصيته وتركته وإنفاذ عهده إلى عمر بن الخطاب ... # ونحن اليوم ننظر إلى القصة بعين التاريخ فنرى - كما أسلفنا - أن الفاروق إنما ختم ~~دورا ختمه القدر وانقضت به الحوادث. فلم يكن بعد القمة التي ارتفع إليها خالد في ~~ضربته لدولة الرومان مرتقى لراق ولعل مجده الباذخ قد كانت تعوزه قمة من نوع غير ~~تلك القمم التي تسنم فيها صعدا من غلبته على طليحة ومسيلمة إلى غلبته على القياصرة ~~والأكاسرة: تلك هي قمة التجمل والإخلاد إلى الواجب الأليم يوم عزله. فهي والله ~~لمما يحسب له إلى جانب قممه البواذخ، قمم العظيم الظافر الجسور ... وأين - لولا عزله ~~- كنا نبصر بينها قمة العظيم الصابر المطيع؟ # الفصل التاسع # | عبقريته الحربية # كسبت المعارك الحاسمة لأسباب لا تحصى، وكسبت معارك شتى للسبب ونقيضه، وربما تعرض ~~النقاد العسكريون للمعركة الواحدة فإذا بهم يردون النصر فيها إلى أسباب تتناقض ~~وتتباعد كأنهم يتكلمون عن النصر والهزيمة. # كسب بعض المعارك؛ لأن الأقواس كانت أكثر من السيوف، وكسب بعضها؛ لأن السيوف كانت ~~أكثر من الأقواس. # وكسبت معارك حاسمة؛ لأن الرماح المنتصرين كانت أطول من رماح المهزومين بشبرين أو ~~بضعة أشبار، وكسبت معارك غيرها؛ لأن الرماح كانت تتلاحق في طولها على ms129 حسب ~~الصفوف. # وفي بعض المعارك كان الفرسان في الوسط، فقيل: إن هذا كان من دواعي النصر العاجل، ~~وفي معارك أخرى قيل: إن دواعي النصر إنما ترجع إلى قيام الفرسان على الجانبين ~~... # وكثيرا ما يقال: إن اشتراك الفرسان والمشاة في العمل كفيل بالغلبة في بعض ~~الميادين، ثم يدور الكلام على ميدان آخر فيقال: إن تربص الفرسان بمعزل عن القتال ~~إلى ساعة الفصل هو الكفيل بالغلبة المؤزرة حتى نهاية القتال، وربما قيل: إن ظهور ~~الفرسان في ميدان يضيق عن حركات المناورة جنى على الفرسان وعلى المشاة فدب الفشل ~~في صفوف هؤلاء وهؤلاء ... # ولقد يحاول بعض الخبراء أن يجمعوا أسباب النصر إلى قاعدة موجزة فيقولون كلاما يحسن ~~الاطلاع عليه، ولكنه كلام يقرؤه القائدان معا فيبوء أحدهما بالنصر ويبوء الآخر ~~بالهزيمة. # مثل هذه القواعد الموجزة كمثل القاعدة التي توجز لك البلاغة الشعرية في كلمات ثلاث ~~وهي: الوزن، واللفظ، والمعنى ... ولا خطأ في هذا الإيجاز، ولكنه مع هذا لا يعلم ~~الشاعر الصواب. # وقصارى ما يقال بعد تقرير الأسباب وتدوين القواعد أنها لا تمنع الفروق بين معركة ~~ومعركة وميدان وميدان، وأن القائد الموفق هو الذي يلمح هذه الفروق فيعمد إلى ~~العمل اللازم في الوقت اللازم بالقدر اللازم، فلا ينقص أو يزيد، ولا يتقدم أو ~~يتأخر، ولا يوحد العمل مع وفرة الفروق ... # وإذا كان كل شيء في المعركة يتوقف أحيانا على كذا أو كذا من الخطوات في السبق إلى ~~حومة القتال، وكذا أو كذا من الأشبار في طول الرماح، وكذا أو كذا من التفاوت في ~~سرعة القذيفة هنا أو هناك، أو كذا وكذا من الحركات إلى اليمين أو إلى الشمال وإلى ~~الأمام أو إلى الوراء، فتفصيل أسباب النصر في المعارك القديمة على التخصيص ضرب من ~~المستحيل؛ لأن إثبات الفوارق بين المعسكرين في الأسلحة والمواعيد والعدد والحركة ~~غير ميسور، وأقصى ما نطمع فيه أن نقنع بالإجمال دون التفصيل. # وإجمال القول في توفيق خالد بن الوليد أنه لم تعوزه قط صفة من صفات القائد الكبير ~~المفطور على النضال، وهي ms130 الشجاعة والنشاط والجلد واليقظة وحضور البديهة وسرعة ~~الملاحظة وقوة التأثير. # كان يضع الخطة في موضعها ساعة الحاجة إليها ... فكان يحارب بالصفوف كما كان يحارب ~~بالكراديس، وكان يحارب بالكمين والكمينين كما يحارب أحيانا بغير كمين، وكان ~~يستخدم التورية والمباغتة والسرعة على أنماط تختلف باختلاف الدواعي ~~والأحوال. # وقد علم أن تمزيق الجيوش أجدى في الحرب من الحصار والاحتلال وعلم أن الخبر قوة ~~وسلاح، فكان يستطلع أخبار العدو ولا يتيح له أن يستطلع خبرا من أخباره يفيده أو ~~يحميه من بأسه ... # وأجدى من هذا جميعه أنه كان لا يغفل عن القوة الأدبية يعززها ما استطاع في جيشه ~~ويضعضعها ما استطاع في جيش عدوه. # فكان هو نفسه مادة لهذه القوة الأدبية تجيش بها نفوس أنصاره فيثقون بالفوز ويأمنون ~~خطر الهزيمة، وتشيع في نفوس أعدائه فيسري إليهم الذعر وتفارقهم الثقة ~~والطمأنينة. ~~••• # وإلى هذا، كان يعتمد على قوة الإيمان وهمة الأمل، فيتعهد جيشه بالعظات قبل القتال ~~وفي أثناء القتال، ولا يفوته وهو مشغول بالضرب والطعن والتوجيه والمراقبة أن يطوف ~~بين الصفوف للتذمير والتشجيع فيعمل ويقول القول الذي هو ضرب من العمل، فإذا قال: ~~«إن الصبر عز وإن الفشل عجز وإن الصبر مع النصر» فليست هي أصداء تمر ~~بالهواء، ولكنها في العز والصبر ماثلان للعيان يسريان بالقدوة منه إلى كل مسمع ~~وجنان ... # وإلى هذا وذاك، كان يثير المنافسة الكريمة في صدور جنده وأعوانه، فيدعوهم إلى ~~التمايز والتناظر لينفث فيهم مع عزيمة الإيمان عزيمة أخرى من حب الفخار وخوف ~~المسبة والعار. # ويتخذ من الغيرة على العرض مددا لهذه العزائم التي تواجه الموت على حد قوله كما ~~تواجه الحياة، فإذا بالرجل الفرد يبلي في قتاله ما ليس يبليه عشرات. ~~••• # ولم يخف عليه قط مقتل العدو من قوته الأدبية حيثما عمد إلى هذا المقتل في منازلات ~~للمستبدين والطغاة. فإنهم في جيوش الأمم التي طال عهدها بالظلم يرتفعون إلى مقام ~~الأرباب من حيث يتحدر رعاياهم إلى مقام القطيع السائم. فإذا أصيب القائد في الجولة ~~الأولى، فكثرة الجند بعد ذلك معوان على ms131 الهزيمة وليست بالوقاية منها؛ لأنها كثرة ~~من الخوف والذعر وليست كثرة من الثقة والثبات. # ولقد كان هو يخلق فنون الحرب التي يجمعها «الخبراء» في عصورنا هذه بمراجعة الحروب ~~وتحصيل الدروس واستخراج القواعد من الخطط والمعلومات. # قرأنا في كتاب «فن الحرب اليوم» # 1 # لمؤلفيه من قواد البحر والبر والهواء: «عند بحث هذه المسألة ينبغي أن ~~نحضر في أذهاننا أنه مع استثناء قليل لم يكن ثمة إلا نوعان من السلاح سيطرا على ~~حومة القتال، وهما السلاح المقذوف والسلاح الضارب أو القارع، أي النبل أو السهم أو ~~الرصاصة من جانب، والهراوة والسيف والرمح من الجانب الآخر ... ومجمل ما يقال بعد هذا ~~أن الصف هو أنسب الأوضاع لتطور قوة السلاح المقذوف وأن الكردوس أنسب ~~الأوضاع لتطور قوة السلاح الضارب؛ لأن الرماة بالقذائف يحتاجون إلى مدى مكشوف. ~~وإنما يتأتى الضرب في العمق كرات متلاحقات من المقاتلين جماعات جماعات.» # إن خالد بن الوليد لم يقرأ ولم يفته شيء بفواته عنه؛ لأنه قد علم كنهه ولبابه من ~~بديهته الحربية، فقاتل بالصفوف حيث تغني الصفوف وبالكراديس حيث لا تغني إلا ~~الكراديس. # وفي هذا الكتاب أيضا يقول المؤلفون: «يتضح مما تقدم أنه في حملات السلاح الضارب ~~هناك أمران ضروريان، وهما: الاستطلاع، وكتمان الحركات، والغرض من الاستطلاع وزن ~~قوة العدو ومن كتمان الحركات أن تحول بينه وبين وزن قوتك وتوقع الهجمة من أي موضع ~~تكون ...» # ثم يتكلمون عن الاستطلاع كما يجري في عصرنا الحديث فيقولون: «وعلى هذا يجري ~~الاستطلاع من الهواء قبل الحركات الأولى وفي خلالها، وتتقدم الكراديس في أثناء ذلك ~~على نظام المعركة، أي على النظام الذي تتألف به حين تدعى إلى الهجوم.» # وهذه هي ربيئة خالد للاستطلاع، ومسيره «على التعبئة الكاملة» التي يهجم بها ساعة ~~اللقاء بالنظام الذي كان يسير عليه، ثم يدخل في التحام قريب ولا يطيل في موقف ~~التقاذف بالنبال والسهام. # وتقرأ في كتاب «الأسلحة وفنون التعبئة» # 2 # لمؤلفه ونترنجهام الذي كان محررا لمجلة الجيش والبحرية بالولايات ~~المتحدة: «إن سرعة الحركات وقوة الإصابة وتدبير الوقاية هي ms132 الآن - كما كانت في ~~كل زمان - بعض مفاتيح النصر التي لا شك فيها، فإذا كسبت المعارك أحيانا بالمفاجأة ~~أو التركيز في الموضع الحاسم وفي الوقت اللازم أو المناورة البارعة، فهذه المزايا ~~إنما تستمد مباشرة من التفوق في سرعة الحركة أو في قوة الإصابة أو في تدبير ~~الوقاية.» # وخالد بن الوليد لم يقسم فن التعبئة هذا التقسيم حين علم أنه يضمن سرعة الحركة ~~باقتحام الصحراء المخيفة، ويضمن المفاجأة بهذا الاقتحام، ولا يزال واثقا بالوقاية ~~حيثما حارب وظهره إلى الصحراء أو حيثما تقدم وراء جيش مهزوم لا يتماسك له ~~قوام. ~~••• # ووضع الخبير الحربي المشهور ليدل هارت # 3 # كتابا مستقلا عن فن سوق الجيوش على طريق التورية لخصه في قوله: ~~«إن التحرك في الوجهة المتوقعة يحفظ توازن العدو ويزيد بتثبيت هذا التوازن قدرته ~~على المقاومة، وفي الحرب. كما في المصارعة - إنما يتأتى لك أن تغلب الخصم دون أن ~~تزحزح قدمه وتخل توازنه باستنفاد قوتك أنت استنفادا لا يناسب الجهد الذي يلقاه ~~خصمك، ولن يتاح النصر بهذه الوسيلة إلا بفضل الرجحان الكبير في قوتك على نحو من ~~الأنحاء، وقد يضعف الحسم في النتيجة مع ذاك ... وعلى نقيض هذا، ينبئنا التاريخ ~~العسكري في جميع العصور لا في عصر واحد، وفي جميع الحروب الحاسمة على التقريب، ~~أن الإخلال بتوازن العدو نفسيا وماديا هو المقدمة التي لا محيص عنها للقضاء ~~عليه» ... # وهذا الإخلال بالتوازن هو الغاية التي كان يتوخاها ابن الوليد، إما بالهجوم من ~~جهتين أو ثلاث جهات، وإما بالمفاجأة التي لا تتوقع بحال من الأحوال، وإما بالكمين ~~الذي يدخل اليأس على العدو في ساعة بالتطويق من حيث لا ينتظر التطويق. # وكل أولئك مفهوم جد الفهم أن يزلزل الأقدام ويخل التوازن، وكل ما يزلزل أقدام ~~الإنسان في الحرب أو السلم فهو كذلك مفهوم جد الفهم من أقدم الزمان، ولكن القدرة ~~حق القدرة هي معرفة الوقت، ومعرفة الوسيلة، ومعرفة التنفيذ متى عرف الوقت وعرفت ~~الوسيلة، وبهذا دون غيره تتجلى «معرفة» القواد الملهمين ... # وقال خبير حربي آخر هو آرثر ms133 برني # 4 # في كتابه «فن الحرب» معقبا على حرب الفرس واليونان: «كانت قوة الفرس، ~~جنودا، قائمة على الخيالة والرماة، وكانت طريقتهم في القتال أن يمطروا العدو ~~سهاما، ثم يجترفوه بجملة من الفرسان في الوقت اللازم، وأفلحت هذه الطريقة مع ~~أصحاب الأقواس من الميديين ، وأصحاب الرماح الراكبة من الليديين، وأصحاب المشاة ~~الثقيلة من البابليين والمصريين، لكنها خابت مع اليونان، وكانت التبعة في خيبتها ~~على ضعف فرق المشاة الفارسية، فإذا ما استطاع الجند الإغريق أن يقتربوا - وكل شيء ~~يتوقف على هذا - تناولوا المشاة الفرس على عجل بسيوفهم القصيرة ودروعهم الصغيرة ~~...» # ولو عمم هذا الخبير القول لوجب أن يقول: إن الذي خيب طريقة الفرس مع اليونان هو ~~الذي خيبها مع العرب من أيام ذي قار إلى أيام خالد بن الوليد، فالهجوم من قريب ~~بالسيوف القصيرة والدروع الصغيرة هو الجنة # 5 # التي احتمى بها العرب من الرماة ومن الفرسان، بل ومن الفيلة في بعض ~~الأحيان، وقد قيل في الأمثال الشعبية التي هي أصدق من قواعد الخبراء «الذي تغلب به ~~العب به» وقد كان خالد يعلم أن الالتحام هو أنفع ضروب القتال للجندي الذي ينافح ~~عن عقيدة ويضرب بالسلاح الخفيف، فلم يلق الفرس ولا الروم إلا في التحام. # وقد صح هنا رأي ونترنجهام مؤلف كتاب «الأسلحة وفنون التعبئة» الذي سبقت الإشارة ~~إليه حين قال: «إن بعض الجماعات الإنسانية بطيئة التغير، ومن هذه الجماعات ~~الممالك الآسيوية التي يحكمها ملك أو عاهل مرفوع النسب إلى السماء، فإنها تنتظم ~~على سنن فحواها أن التغيير لا ينبغي وأن العادات المأثورة كلها حسنة قويمة، إن ~~كل ما يعمل الآن خليق أن يعمل كما قد عمل منذ أزمان، وربما لاذت بعض الأمم التي هي ~~أقرب إلى التقدم بفترة من فترات الراحة تستبقي فيها التقاليد والمأثورات على سنة ~~المحافظة على القديم، فإذا برزت جماعات من هذا القبيل للقتال برزت وفي رءوس قوادها ~~وجنودها فكرة عتيقة عن الحرب وحقيقتها، ولم يغيروا خططهم وآراءهم للانتفاع بسلاح ~~جديد أو معرفة جديدة، ورسخت عندهم أصول رجعية ms134 للحرب أو لم تكن لهم فيها أصول على ~~الإطلاق، ولكنهم يمضون بحكم العادة وفاقا للترتيب الذي وضع منذ عهد بعيد وإن ~~هذه الجماعات لتخرج جيوشا ليس أسهل من تحطيمها بجيوش الأمم التي يسهل عليها اتخاذ ~~الأساليب الجديدة ومواجهة الغير والطوارئ ...» # ولو شاء صاحب هذا الرأي لشمل الدولة الرومانية فيما حكم به على الدول الآسيوية؛ ~~لأنها كانت تقاتل بخطط وضعها الأقدمون لها منذ قرون، وهي على هذا عاجزة عن تنفيذ ~~القديم عجزها عن ابتكار الجديد. # وجملة القول أن خالدا كان يحارب بالقريحة الملهمة أناسا رثت عقائدهم كما ~~رثت ملكاتهم العسكرية، فكانوا يرتبون كتائبهم وأسلحتهم في الميدان على نحو مرسوم ~~كأنهم قائمون في مراتبهم بديوان التشريفات، وكان خالد يلبي الضرورة عفو الساعة في ~~ترتيب كل كتيبة وكل سلاح، فإذا بدا له أن الخيالة لا تجدي في الحركة جدوى المشاة ~~ترتبت حركات الجيش معه كما تترتب الحركات في أعضاء الجسم الشاعر بتلبية الأعصاب ~~والجوارح لمراكز التنبيه في الدماغ، فيترجل وقد ترجل معه كل من تنفعه الحركة على ~~قدميه في كره وفره وهجومه ودفاعه. # وإذا بدا له أن الحرب بالجماعات أنفع من الحرب بالصفوف المختلطة، فما هي إلا كلمة ~~قالها حتى تتلاقى تلك الجماعات كل منها إلى قائدها المختار: «تمايزوا أيها الناس» ~~فإذا هم بعد لحظات متمايزون ... # وكانت مادة القتال التي يعمل بها من جند أو سلاح تغنيه وتلبيه، فكان جنده يصبرون ~~على الشدة ولا يروعهم فقد مفقود؛ لأنهم مؤمنون عالمون أن الموجود هو رب القائد ~~والمقود، وكانوا يصبرون على الهزيمة؛ لأنهم عرب معودون في غزواتهم أن يكروا بعد ~~فر، وأن يجتمعوا بعد تفرق، فهم يحسبون النكوص ضربا من التحفز للوثوب، أما خصومه ~~فكانوا يتساقطون تباعا كما تتساقط حجارة اللعب المرصوصة إذا سقط منها الحجر الأول ~~... فلا تماسك بعد ابتداء السقوط ... # ومن ثم كان نمطا فريدا بين قواد التاريخ؛ لأنه يمزج الفن بالبديهة، كما يمزج فن ~~البداوة بفن الحضارة ... وكان يقتبس ويجدد بالرأي والفطنة كما يقتبس ويجدد بغريزة ~~موروثة من قبيلة «القبة والأعنة» يصح ms135 أن تسمى غريزة الميدان. وقد تصعب المقارنة ~~بينه وبين قواد العصور الحديثة لاختلاف الأسلحة والمسافات، وإن كنا نعتقد أن ~~القائد العبقري تسعفه عبقريته على اختلاف العصر والسلاح. # ولكن المقارنة بينه وبين قواد الطراز الأول من الزمن القديم تقدمه إلى المرتبة ~~الأولى بين أكبر القواد ، ومنهم الإسكندر وبلزاريوس اللذان حاربا عدوا كعدوه في ~~ميدان كميدانه. فالإسكندر في وقعة «أرهل» هزم جيشا فارسيا تقدر عدته بمائة ألف ~~من الفرسان والمشاة، وبلزاريوس في وقائع أرمينية هزم جيشا فارسيا تقدر عدته ~~بأربعين ألفا أو قرابة الأربعين ... والمقارنة بين خالد بن الوليد وهذين القائدين ~~ترجح كفته على كفتيهما معا في هذا الميدان؛ لأن الإسكندر كان يقود خمسة وأربعين ~~ألفا ويلزاريوس كان يقود نيفا وعشرين ألفا، وكلا الجيشين مسلح بأمضى الأسلحة في ~~ذلك الزمان ... # وقد كان خالد يحارب بثمانية عشر ألفا جيوشا أعظم من الجيوش التي تصدى لها ~~القائدان الكبيران، ولم يكن له مثل سلاح المقدونيين أو سلاح الرومانيين، ولم يكن ~~نصرهما كنصره ولا العاقبة بعدهما كالعاقبة بعده، وزاد على ذلك أن انتصر مثل هذا ~~النصر على كل عدو من العرب أو العجم، ومنهم الرومان في أكبر الميادين، ميدان ~~اليرموك. # فكان خالد في التاريخ العسكري هو مكان الطليعة بين أكبر القواد الذين اشتهروا ~~بالفن، أو اشتهروا بالعبقرية، أو اشتهروا بالمناقب الشخصية. وفيه من ملامح القيادة ~~في العظائم والصغائر ما يدل على طبيعة القيادة الملهمة، وأنه كان كما يقال قائدا ~~من فرع رأسه إلى قدميه. # فقد خالد قلنسوته يوم اليرموك، فقال: اطلبوها، فبحثوا ونظروا فلم يجدوها، فما زال ~~يأمرهم أن يطلبوها ويلحوا في طلبها حتى وجدوها، فإذا هي خلقة لا تساوي شيئا. فسئل ~~عن ذلك فقال: «اعتمر النبي # صلى الله عليه وسلم # فحلق رأسه فابتدر الناس شعره فسبقتهم إلى ~~ناصيته فجعلتها في هذه القلنسوة، فلم أشهد قتالا وهي معي إلا تبين لي ~~النصر.» # رحمه الله! لم تفته من سمات القيادة حتى التعويذة المشهورة بين رجال الحروب ... فما ~~زال معلوما عن كبار الجند أنهم يأنسون إلى تعويذة يعتزون ms136 بها ويستبشرون بصحبتها ~~وهم يخوضون غمرات الموت. وما في ذلك من عجب، فليس أحوج إلى صلة بعالم الغيب من رجل ~~يلقى الموت صباح مساء. # وقال خالد في أخريات عمره: «ما ليلة يهدى إلي فيها عروس أنا لها محب، أو أبشر ~~فيها بغلام أحب إلي من ليلة شديدة الجليد في سرية من المهاجرين، أصبح بهم العدو، ~~فعليكم بالجهاد.» # هذا حبيب الحرب الذي يهواها وتهواه، فله منها الصفوة التي لا تصطفي بها أحدا من ~~الطلاب والقرناء على بغضاء. # الفصل العاشر # | مفتاح شخصيته # تقدمت الإشارة إلى قصة الشبه القريب بين خالد بن الوليد وعمر بن الخطاب في ملامح ~~الوجه وطول القامة، وأنهما كانا من التقارب بحيث يشتبه الأمر على قصير النظر وهو ~~يتكلم إليهما، فيخاطب عمر بن الخطاب وهو يظن أنه يخاطب خالد بن الوليد. # ويلوح لمن يقرأ سيرة الرجلين أن الشبه بينهما يتعدى الملامح والقامة إلى معالم ~~الشخصية وطبائع القوة النفسية، فكلاهما يجوز أن يقال فيه إنه «جندي» بالفطرة وإن ~~«مفتاح شخصيه» هو السليقة الجندية، فإذا أحضرنا في أخلادنا كلمة «الجندي» أو ~~الجندي المطبوع لم نجد في ابن الخطاب ولا في ابن الوليد صفة لا تحتويها هذه الكلمة ~~في معنى من معانيها ... # وبين الرجلين فارق لا خفاء به في الخلق والتفكير. # لكنه فارق لا يخرج بهما من نطاق هذه الطبيعة، فكلاهما جندي مطبوع على الخلائق ~~الجندية، ولكن ابن الخطاب تغلب عليه، من مزاج الجندي، ناحيته الروحية أو ناحية ~~الضمير، وابن الوليد تغلب عليه، من هذا المزاج نفسه، ناحية الحيوية أو ناحية ~~البنيان والتركيب ... # وأصح من هذا أن نقول: إن عمر كان جنديا في أخلاقه الوازعة الحاكمة، وإن ~~خالدا كان جنديا في أخلاقه الدافعة الهاجمة. وفي الجنود، كما لا يخفى، هذه ~~الأخلاق وهذه الأخلاق. # ولا ريب أن هذا الفارق بين الفاروق وسيف الله إنما هو قبل كل شيء فارق بين نفسين، ~~أو بين رجلين، أو بين «شخصيتين». # لكن هذا لا يمنع أن يكون في الوقت نفسه فارقا بين «قبيلتين»وبين أسرتين وبين ~~نشأتين ... فإن ms137 الفوارق بين بني عدي قبيلة عمر وبين بني مخزوم قبيلة خالد لخليقة أن ~~تتجه بالمزاج المتقارب وجهتين متباينتين ... # فبنو عدي - آل عمر - كانوا في الجاهلية أهل تحكيم ومعرفة بالفصل في الخصومات وقد ~~ذاقوا، كما قلنا في «عبقرية عمر»، «طعم الظلم من أقربائهم بني عبد شمس، وكانوا ~~أشداء في الحرب يسمونهم لعقة الدم، ولكنهم غلبوا على أمرهم لقلة عددهم بالقياس إلى ~~عدد أقربائهم ... فاستقر فيهم بغض القوي المظلوم للظلم وحبه للعدل الذي مارسوه ~~ودربوا عليه ...» # أما بنو مخزوم - آل خالد - فكانوا على خلاف ذلك أهل حرب وسطوة وأصحاب ثراء ورخاء، ~~وكانوا في الجاهلية موكلين بالخيل والسلاح، معتزين بالعتاد التليد، والعدة ~~والعديد. # وكان ثراؤهم يملي لهم في أسباب الترف والنعيم كما تملي لهم فيه مزية أخرى من ~~المزايا التي تكلفها للقبيلة عزة السلطان وطول العهد بالحضارة والرئاسة ... وتلك ~~المزية هي جمال النساء. # فقد كان يقال: إن «المخزوميات» رياحين العرب. # وكان في رجالهم ذلك الغزل الذي أخرج منهم شاعره الأول عمر بن أبي ربيعة، بل أخرج ~~منهم غزلين ظرفاء حتى في النساء والأتقياء ... # جاء في كتاب الأغاني عن أبي السائب المخزومي: «أنه كان رجلا صالحا زاهدا متقللا ~~يصوم الدهر، وكان أرق خلق الله وأشدهم غزلا، فوجه ابنه يوما يأتيه بما يفطر ~~عليه، فأبطأ الغلام إلى العتمة، فلما جاء قال له: يا عدو نفسه، ما أخرك إلى هذا ~~الوقت؟ قال: جزت بباب بني فلان فسمعت منه غناء فوقفت حتى أخذته. فقال: هات يا بني، ~~فوالله لئن كنت أحسنت لأحبونك ولئن كنت أسأت لأضربنك، فاندفع يغني بشعر ~~كثير: # ولما علوا شغبا # 1 # تبينت أنه # تقطع من أهل الحجاز علائقي # فلا زلن حسرى ظلعا قد حملنها # إلى بلد ناء قليل الأصادق # فلم يزل يغنيه إلى نصف الليل، فقالت له زوجته: قد انتصف الليل وما أفطرنا. قال لها: ~~أنت طالق إن كان فطورنا غيره. فلم يزل يغنيه إلى السحر. فلما كان السحر قالت ~~زوجته: هذا السحر وما أفطرنا، فقال: أنت طالق إن كان سحورنا غيره، فلما أصبح ms138 قال ~~لابنه: خذ جبتي هذه وأعطني خلقك ليكون الحباء فضل ما بينهما. فقال له: يا أبت أنت ~~شيخ وأنا شاب. وأنا قوي على البرد منك. قال: يا بني ... ما ترك صوتك هذا للبرد علي ~~سبيلا ما حييت.» # واطرح كل ما في هذه القصة من المبالغة والإغراق تبق منها بقية كافية لبيان مكان ~~الغزل من نساك بني مخزوم، فضلا عن الشعراء والظرفاء. # وندع القبيلة إلى الأسرة فيتراءى لنا في النظرة الأولى ذلك الاختلاف الذي لا بد منه ~~بين معيشة الخطاب ومعيشة الوليد، أو بين معيشة الرجل الكادح لنفسه الخشن في ملمسه، ~~وبين معيشة الرجل المترف الفخور بالمال والبنين والجاه المكين. # لكنه مع هذا فرق في المعيشة لا يتغلغل إلى بواطن الطباع، إنما الفرق المتغلغل إلى ~~بواطن الطباع، بل إلى أعمق أعماقها، وهو فرق البنية العصبية بين أبناء الخطاب ~~وأبناء الوليد. # فمن أوصاف أبناء الوليد عامة ينكشف لنا «قلق عصبي» في هذه الأسرة قد تطرف جد التطرف ~~في أفراد منها، واعتدل بعض الاعتدال في آخرين ... # فعمارة بن الوليد هو الذي بلغ منه الاضطراب أن يراود امرأة في محضر زوجها، وأن ~~يجترئ على حرم النجاشي بالمغازلة، ثم يجترئ بالتحدث عن هذه المغازلة حديث الفخر ~~والمباهاة، ثم ينطلق مع الأوابد في الآجام بفعل السواحر كما قيل، وهو قول لا يخفى ~~مدلوله في لغة العصر الحديث ... # وذكر عن خالد كما ذكر عن أخيه الوليد أنه كان يتفزغ في نومه. فذاك أثر من آثار ~~«أعصاب الأسرة» كلها على ما هو واضح من جملة المشاهدات في أبنائها، وإن كان يجمح ~~بهم في حين ويكبح في حين ... # وقد كان خالد يغضب فينقع لونه كما جاء في كتب الفتوح من حديث المغاضبة بينه وبين ~~أبي عبيدة بعد تسليم دمشق ومصالحة أهلها، وقد كانت علة المغاضبة أن أبا عبيدة ~~يحسب التسليم صلحا، وخالدا يحسبه غلبا يحق فيه على المغلوب جزاء السبي ~~والاغتنام والقصاص ... # وكانت في خالد حدة يملكها أو تملكه آونة بعد آونة، وفي القليل الذي بلغنا إشارة إلى ~~الكثير ms139 الذي لم يبلغنا. فقد غاضب أبا عبيدة وغاضب عبد الرحمن بن عوف وغاضب عمار بن ~~ياسر. وقال له عمار وقد سمع منه ما ساءه: «لقد هممت ألا أكلمك أبدا» فأصلح بينهما ~~النبي - عليه السلام - وهو يقول لخالد: «يا خالد ... مالك ولعمار ... رجل من أهل الجنة ~~قد شهد بدرا.» ثم يقول لعمار: «إن خالدا يا عمار سيف من سيوف الله على ~~الكفار.» # فهذا الفارق بين الأسرتين، وذلك الفارق بين القبيلتين، مفسران صالحان لاختلاف لوني ~~«الجندية» في شخصية الرجلين العظيمين. عمر إلى الجندية الموزوعة وخالد إلى الجندية ~~المدفوعة، وعمر إلى الشظف المختار وخالد إلى المتاع المباح. # ولا يرد إلينا العجب بعد هذا أن يكون شعور خالد بالمرأة هو شعوره ذاك الذي أهدفه ~~للملاحظة والمؤاخذة مرات، وجعل من مؤاخذيه أرغب الناس في عذره والثناء عليه، ونعني ~~به الخليفة الصديق. # وقد كان هذا الشعور لازمه ما يلازم أبناء الثراء من حب الرفاهية وبهجة الحياة، فلم ~~يفرغ من الحرب قط إلا انقلب منها إلى واد ظليل في صحبة زوج محببة إليه، فقضى في ~~وادي الوبر باليمامة أيام الدعة بين زوجيه بنت مجاعة وبنت المنهال، وقضى في دومة ~~الجندل أيام الهدأة بين الوقائع في صحبة ابنه الجودي الحسناء، واستطاب المقام بحمص ~~بعد العزل وآثره على المقام بالحجاز، وأغضب الفاروق؛ لأنه «كان يدخل الحمام فيتدلك ~~بعد النورة بثخين معجون بخمر» فلما لامه الفاروق في ذلك قال: إنا قتلناها فعادت ~~غسولا غير خمر، ثم قال يخاطب عمر: # سهل أبا حفص فإن لديننا # شرائع لا يشقى بهن المسهل # وهل يشبهن طعم الغسول وذوقه # حميا الخمور، والخمور تسلل # وفي كل أولئك هو سليل حق لبني مخزوم ولبيت الوليد، وترجمان صدق لتلك البنية العصبية ~~المتفززة التي تجنح به إلى المتعة في أيام الدعة كما تجنح به إلى البطش في مقام ~~الجلاد والعناد، وتفسر لنا الجندي الذي تميل به القوة الحيوية تارة إلى لقاء ~~الحسان وتارة إلى لقاء الأقران. # وهو نفسه قد أبان عن طويته كلها غير عامد حين قال: «ما ليلة ms140 يهدى إلي فيها عروس ~~أنا لها محب أو أبشر فيها بغلام أحب إلي من ليلة شديدة الجليد في سرية من ~~المهاجرين أصبح بهم العدو، فعليكم بالجهاد ...» # فالحرب عنده اشتهاء، والعروس عنده غاية المتاع ... # والحرب في رأيه حسناء تشتهى أبدا ولا تشيب كصاحبة الزبيدي التي تكون مبدئها «فتية ~~تسعى بزينتها لكل جهول» ثم تصبح: # شمطاء جزت شعرها وتنكرت # مكروهة للشم والتقبيل # وأيا كانت متعته بالمرأة الحسناء أو بالمقام الوثير، فهي متعة القوي اليقظان وليست ~~بمتعة الضعيف المستنيم. # هي متعة المسافر الذي يستريح إلى الواحة؛ لينفض عنه الجهد ويتزود منها لجهد جديد، ~~وليست متعة المتهافت الذي يتوق إلى مهاد الراحة لينغمس فيها ويستكين إليها ولا ~~يفيق من سكرتها. # بل هو يحب المتعة؛ لأنه يحب الجهاد، فإذا طالت عافها وبرم بها واحتواها، وأنف أن ~~يقنع بها ويستمرئها ... فلم يطق سنة واحدة بالحيرة بين حروب فارس وحروب الروم، ~~وسماها «سنة نساء»؛ لأنها كانت راحة من العناء، مع أنها كانت راحة المتربص ~~المتوفز، وكانت راحة يتخللها وثبات وضربات من هنا وهناك ... # وهكذا كان يأخذ من المتعة بأيسر المقادير، ليأخذ من الشدة والبأس بأوفر المقادير ~~... # لأن طبيعته القوية هيأته للشدة وبأس قبل كل شيء، وما بقي من الطبيعة للرياضة فقد ~~أتمته الرياضة بعزيمة الجبابرة التي لا تلين. باستمراء ما لا مراءة فيه من طعام ~~وشراب، ويأكل الضب وشرب السم ومطاولة الركوب أياما بعد أيام ... # لا جرم يكون أكبر الأسى لتلك النفس في ساعة الموت أنها تموت على الفراش أو على حد ~~قوله كما يموت البعير: «لقد طلبت القتل في مظانه، فلم يقدر لي إلا أن ~~أموت على فراشي ... ولقيت الزحوف وما في جسدي شبر إلا وفيه ضربة بسيف أو رمية بسهم ~~أو طعنة برمح، وهأنذا أموت على فراشي حتف أنفي كما يموت البعير، فلا نامت أعين ~~الجبناء ...» # وأقرب شيء أن يلاحظ في سيرة خالد - من نشأته إلى وفاته - أن هذا الولع كله بالحرب ~~لم يكن ولعا بالشر والسوء، ولا ولعا بالضغينة والبغضاء. فكانت عداوته كلها ~~عداوات ms141 جندي مقاتل، ولم تكن عداوات مضطغن آثم ... ولم يعرف قط عنه أنه حمل الضغينة ~~لأحد من الناس، ولو أنه اضطغن على أحد لكان أحق الناس أن يضطغن عليه عمر بن ~~الخطاب؛ لأنه عزله وشطر ماله وأبقاه في العزلة سنوات، ولكنه لم يعمل عملا واحدا ~~ولم يقل كلمة واحدة تدل على ضغن عليه. وقد سامحه والتمس له المعذرة وعلم أنه قد ~~أراد وجه الله بما حاسبه عليه، وكان أشد ما قاله فيه: «الحمد لله الذي قضى على أبي ~~بكر بالموت وكان أحب إلي من عمر، والحمد لله الذي ولى عمر وكان أبغض إلي من ~~أبي بكر ثم ألزمني حبه»، وربما ذكره وهو غاضب فسماه «الأعيسر بن أم شملة» فكانت ~~هذه الكلمة أدل على التحبب منها على الكراهة، ولاحت كأنها كلمة المغلوب في لعبة لا ~~في غرض عظيم يقعد ويقيم ... # وقد يمكن كثيرا أن تتسع هوة البعد بين الولع بالحرب والولع بالشر والضغينة، وإنها ~~لأولى أن تتسع بينهما حيث تكون الحرب ميدان التضحية والفداء في سبيل الغيرة ~~القومية أو في سبيل الإيمان والضمير، وحيث يكون الرجل قد تربى على مراسها وطبع في ~~نفسه على مزاج يألف القتال ولا ينفر منه. وليس في المجتمعات الإنسانية التي تصبح ~~الحرب فيها ضرورة من ضرورات الحياة والشرف باعث إلى النفرة من القتال، ولن تزال ~~القدرة على الحرب شرفا وشجاعة إلى آخر الزمان، ما دام في بني الإنسان من يحمل ~~السلاح للعدوان والبغي والتلصص والمراء، فيتقيه بنو الإنسان بمن يحمل السلاح للحق ~~والعقيدة والإنصاف. # وعلى كثرة من قتل خالد في حروبه لم يكن يقتل أحدا قط وهو يشك في صواب قتله وإن ~~أخطأ وجه الصواب، فالقتلى الذين طاحت بهم سيوف الجلادين بأمره في «نهر الدم» كانوا ~~يستحقون عنده القتل قربانا إلى الله وجزاء لهم على عناد الشرك والإصرار. # أما إذا شك في صوابه فهو يستكثر المساءة إلى رجل واحد فضلا عن الجحافل والقبائل، ~~ويسبق إلى الرفق رجلا كأبي عبيدة عرف طوال حياته بالرفق والرحمة والأناة. فيقول ~~له ms142 وقد تناول رجلا بشيء: «إني لم أرد أن أغضبك، ولكني سمعت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يقول: «إن أشد الناس عذابا يوم القيامة أشد الناس عذابا للناس في ~~الدنيا».» # فهو مطبوع على عداء الجندي المقاتل وليس بالمطبوع على عداء الدسيسة والشر في صغائر ~~العيش وسفاسف الأمور. # كذلك لا يفهم من ولعه بالحرب على هذه الصفة أنه كان مبتلى بذلك الولع الأهوج الذي ~~يبتلى به من لا يعقلون هجوما إلا كهجوم الريح أو فرارا إلا كفرار ~~الحيوان. # فقد كان يقدم عن علم بمواضع الإقدام؛ ولذلك لم ينهزم قط وهو مسئول عن الهزيمة ... ~~وإنما هزم في حنين مرة واحدة وهو مسئول عن اليوم كله كما قدمناه. # أما إذا وجب التراجع، فالشجاعة كل الشجاعة عنده أن يؤمن بهذه الحقيقة وأن يدبر أمر ~~التراجع بعد ذلك على النحو الذي يصون الكرامة ويصون الدماء، ويكون المخدوع المغلوب ~~فيه هو الذي أمكن التراجع من بين يديه، وقد كان في وسعه أن يبطش بالمتراجعين ~~جميعا قبل أن يفلتوا من أوهاقه المطبقة عليهم. # هذه هي الجندية البصيرة بمزاياها في الكفة الراجحة والكفة المرجوحة أو هذه هي ~~الجندية الغالبة أبدا وهي في إقدام أو في إحجام. # ولقد كادت هذه الطبيعة الجندية أن تحيط بكل ما رزق من طبيعة حية. فمن أقواله: ~~إن الجهاد شغلني عن تعلم القرآن، أو قراءة كثير من القرآن ... # وعذره في ذلك حين قال ذلك المقام أنه لم يقض في ملازمة النبي غير أوقات جد قصار؛ ~~لأنه شغل السنوات الثلاث التي قضاها مع النبي بعد إسلامه وهو بين السرايا ~~والغزوات. # وقد كان يخطب ويكتب ويقول الأبيات من الشعر والرجز على مثال ما قدمناه، ولكنها ~~الخطب والكتب التي يستطيعها العربي الفصيح الناشئ في كنف الفصحاء، ثم هي كلها ~~ملحقة بوظيفة الجندية فيه فإذا قال كلمة أو كتب سطرا فكان يكتب بحسام لا ~~بيراع. # كتب إلى مرازبة فارس فقال: «الحمد لله الذي فض ملككم وأذل عزمكم، فإذا أتاكم كتابي ~~هذا فابعثوا إلي الرهن واعتقدوا منا الذمة وأجيبوا ms143 إلى الجزية، وإلا والله الذي ~~لا إله إلا هو لأسيرن إليكم بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة، ويرغبون في الآخرة ~~كما ترغبون في الدنيا ...» # وخطب في المسلمين وقد تهيبوا طروق المفازة من العراق إلى الشام فقال: «لا يختلفن ~~هديكم، ولا يضعفن يقينكم، واعلموا أن المعونة تأتي على قدر النية، والأجر على ~~قدر الحسنة، وأن المسلم لا ينبغي له أن يكترث لشيء فيه مع معونة الله ~~له.» # ويسمع الكلمة فيردها بالجواب المسكت كأنه يتلقى ضربة سيف بضربة سيف، كما قال حين ~~سمع صائحا في المعسكر يصيح: «ما أكثر الروم وأقل المسلمين.» # فلم يكن أسرع منه إلى أن يقول: «بل ما أقل الروم وأكثر المسلمين: إن الجيوش إنما ~~تكثر بالنصر وتقل بالخذلان.» # فكل كلمة منه فإنما هي ضربة سيف في صورة حروف ونبرات. # ومن الملاحظات الجديرة باستقراء علم النفس أنه على التشابه بينه وبين عمر كان في ~~عمر جانب فكاهة وإن كانت خشنة غليظة، ولم يكن فيه هو مثل هذا الجانب في عمله أو ~~كلامه. # وقد كان الأدنى إلى الظن - عند النظرة الأولى - أن تنمو الفكاهة مع الرجل الذي نشأ ~~في مهد اليسار ولا تنمو مع الرجل الذي نشأ على العسر أو اليسر القليل. # لكنها النظرة الأولى ولا تتعداها ... # لأن الإعسار في الواقع أعون على الفكاهة من اليسار. ومن هنا كان ولع الناس بالفكاهة ~~في أيام الحروب وأزمات الشدة ومظالم الاستبداد، كأنها ضرب من التعويض والمقابلة ~~ولا غرابة في ذلك حيث ننظر إلى منشأ الفكاهة في جملتها، فهي على أكثرها وليدة ~~المفارقة بين الحالات وليست وليدة الموافقة الموائمة، وما أكثر المفارقات في حياة ~~المعسرين. # ولعلنا نبلغ مقطع القول في هذه الملاحظة حين نقول: إن الموسر أقدر على التسلية ~~والمعسر أقدر على الفكاهة. وبين التسلية والفكاهة فرق غير مجهول. رحم الله خالدا ~~... إنه كان جنديا وكفى! # لكنه قد عوض في جانبه الواحد عن جوانب عدة في الآخرين؛ لأنه قد رزق الجندية في ~~طرازها الأول، ورزق منها وحده ما يكفي عشرة من جنود التاريخ ms144 المبرزين. # الفصل الحادي عشر # | نهاية من صنع القدر # قضى خالد بقية أيامه بعد عزله في مدينة حمص - زهاء سنوات أربع - لم يفارقها قليلا ~~إلا ليعود إليها. # وعاش هناك بين أهله وولده وهم كثيرون. # وكأنما كانت للموت ضريبة مقضية على هذا القائد الكبير يطالبه بها في حربه وسلمه حيث ~~كان. فمات من أولاده نحو أربعين في سنة الطاعون. # ولم ترو لنا كلمة قالها خالد في موت هؤلاء الأبناء الكثيرين، وهو الرجل الذي كان ~~التبشير بغلام عنده فرحا من أكبر أفراح الحياة. فكأنما ألف وجه الموت لطول ما ~~واجهه من قريب. فهو لا يلقاه أبدا لقاء غريب مريب ... ~~••• # وتعقب الموت أبناءه الذين بقوا بعد الطاعون وأشهرهم المهاجر من حزب علي وعبد الرحمن ~~من حزب معاوية ... فمات المهاجر في صفين ومات عبد الرحمن مسموما على ما قيل؛ لأنه ~~رشح للخلافة قبل أن يرشح يزيد بن معاوية لولاية العهد فسقاه معاوية السم على يد ~~الطبيب بن أثال ... # وما هي إلا فترة حتى انقرضت ذرية هذا القائد الكبير - صاحب الموت والقدر - فورث ~~دورهم بالمدينة أحد أبناء أخيه. # وانتهت حياة خالد - رضي الله عنه - نهايتها العجيبة، بين سنة إحدى وعشرين واثنتين ~~وعشرين. # والنهاية العجيبة لحياة مثله أن يموت على فراشه - كما قال - بعد أن شهد نيفا ~~وخمسين زحفا في نجد والحجاز والعراق والشام، ولم يبق في جسمه مصح من كثرة ~~الجراح. # وليس هذا كل ما في موته من «غير المألوف» أو غير المنظور، فإنه مات ولم يجاوز ~~الخامسة والخمسين على أرجح تقدير. وليست هي بالسن التي تنتهي بها الحياة بغير مرض ~~شديد، فإن كان قد ألم به مرض عارض غير مميت في جملة أطواره فلعله قد أتم ما بدأه ~~الحزن على الأبناء، والفتور من الراحة، وذلك الاضطراب الذي كان يفزعه في نومه ~~وينتقع منه لونه إذا غضب أو ثار. # ولم يوجد في بيته عند موته غير فرسه وغلامه وسلاح وقفه للجهاد في سبيل الله. فلما ~~بلغ ذلك عمر قال: رحم الله أبا سليمان كان على غير ms145 ما ظنناه به ... ونكس مرارا وهو ~~يسترجع كلما رفع رأسه، ثم قال: كان والله سدادا لنحور العدو ميمون ~~النقيبة. ~~••• # وقد كان حزن عمر عليه حزن قريب وحزن مسلم وحزن خليفة. قال لأمه: عزمت عليك ألا ~~تبيتي حتى تسودي يديك من الخضاب. # واجتمع بنات عمه يبكين فقيل لعمر: «أرسل إليهن فانههن. فقال دعهن يبكين على أبي ~~سليمان ما لم يكن نقع أو لقلقة. على مثل أبي سليمان تبكي البواكي.» # ولما سئل عمر أن يعهد بعد موته قال: لو أدركت أبا عبيدة بن الجراح ثم وليته ثم ~~قدمت على ربي فقال لي: لم استخلفته على أمة محمد؟ لقلت: سمعت عبدك وخليلك يقول: ~~لكل أمة أمين وإن أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح، ولو أدركت خالدا ثم ~~وليته ثم قدمت على ربي فقال لي: من استخلفت على أمة محمد؟ لقلت: سمعت عبدك وخليلك ~~يقول لخالد: سيف من سيوف الله سله الله على المشركين ... # ولعمري، إن «سيف الله» قد استحق هذه التزكية وهو في الغمد كما استحقها وهو ~~مشهور. # فليست سنوات العزلة بأخف السنوات وزنا في سيرة خالد بن الوليد. # إن الحوادث قد وعظته بها فاتعظ في صبر وأناة. فلم يغلبه لسانه ولم يغلبه هواه، ~~ولم يتحرك لكيد ولا لشغب ولا لمذمة ولا لوقيعة، ولو شاء بعض ذلك لكان له مطمع فيه، ~~وهو الرجل الذي طبقت شهرته آفاق المسلمين وغير المسلمين. # نعم، إنه لا فتنة وابن الخطاب حي كما قال، وإن الفتنة إنما تخشى «إذا كان الناس ~~بذي بلي» أو في معرض الفرقة والنزاع وعصيان الأئمة أو انقطاع الإمام. # ولكن إدراك هذا وحده مفخرة من المفاخر، وليس كل إدراك كهذا الإدراك بالذي يغلب ~~الهوى ويقمع النزوات. # فلا جرم يرشح الفاروق خالدا للخلافة كما رشح لها أبا عبيدة، ولا جرم يعرف سيف الله ~~في الغمد كما عرفه وهو في يمين البطل الجسور. فإن يكن خالد مخشي المزاحمة على ~~الخلافة في ظن من الظنون فليس هو بمخشي عليها وقد وصلت إليه معهودا إليه خالصة ~~من ms146 الزحام، وقد استحقها بعد أكبر مستحقيها وريض لها سنوات تجرد فيها من سورة ~~الشباب وبعد ما بينه وبين نشأة الجاهلية، وقرب ما بينه وبين الله. ~~••• # لقد مات - نصير الموت - مطمئنا إلى نهاية حياته، لا يكره منها إلا أنها انتهت به ~~على فراشه. # ولكننا - أبناء آدم - نكره كثيرا ما يكون من حقنا أن نتمناه. وما كان لخالد أمنية ~~قد بقيت له في ميدان الكفاح يتمناها. لقد عرفه الناس حق عرفانه وهو الكريم الشجاع، ~~ولم يبق له إلا أن يعرفوه في ميدان العزلة وهو الشجاع الصبور ... # وقد عرفوه على هذه الصفة في ميدان حمص - ميدان السلم والتسليم - خير عرفان وأجدره ~~بماضيه العظيم وتاريخه الخالد المقيم. ms147