######OpenITI# #META# URI: 1383CabbasMahmudCaqqad.CabqariyyatMuhammad.Hindawi15814636 #META# Tags: biographies #META# ID: 15814636 #META# Title: عبقرية محمد #META# AuthorID: 64642852 #META# Author: عباس محمود العقاد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # 1 - علامات مولد‏ # 2 - عبقرية الداعي‏ # 3 - عبقرية محمد العسكرية‏ # 4 - عبقرية محمد السياسية‏ # 5 - عبقرية محمد الإدارية‏ # 6 - البليغ‏ # 7 - محمد الصديق‏ # 8 - محمد الرئيس‏ # 9 - الزوج‏ # 10 - الأب‏ # 11 - السيد‏ # 12 - العابد‏ # 13 - الرجل‏ # 14 - محمد في التاريخ‏ # مقدمة‏ # 1 - علامات مولد‏ # 2 - عبقرية الداعي‏ # 3 - عبقرية محمد العسكرية‏ # 4 - عبقرية محمد السياسية‏ # 5 - عبقرية محمد الإدارية‏ # 6 - البليغ‏ # 7 - محمد الصديق‏ # 8 - محمد الرئيس‏ # 9 - الزوج‏ # 10 - الأب‏ # 11 - السيد‏ # 12 - العابد‏ # 13 - الرجل‏ # 14 - محمد في التاريخ‏ # | عبقرية محمد # | عبقرية محمد # تأليف # عباس محمود العقاد # | مقدمة # تعود بنا هذه المقدمة ثلاثين سنة، إلى اليوم الذي سمعت فيه أول اقتراح بتأليف كتاب عن ~~محمد عليه السلام. # وكنت أقيم يومئذ في ضاحية العباسية البحرية على مقربة من الساحة التي كانت معدة للاحتفال ~~بالمولد النبوي في كل عام. # ولنا رهط من الأصدقاء المشتغلين بالأدب، يشتركون في قراءة كتبه العربية والإفرنجية، ~~ويترددون معا على الأحياء الوطنية، وقلما يترددون على غيرها، فلا يزالون متنقلين فترة ~~بعد فترة، بين الحي الحسيني والحي الزينبي، أو بين منشية القلعة، وضاحية العباسية، أو بين ~~الروضة والخليج ... على حسب المناسبات، وعلى غير مناسبة في كثير من الأوقات. # وكان رهطا له نقائض الدنيا مجتمعات: نقائض الشباب، ونقائض الحياة الفنية، ونقائض ~~الاختلاف في البيئة بين ناشئ في العاصمة وناشئ في الريف وناشئ في الصعيد وناشئ في الثغور، ~~إلى غير ذلك من النقائض التي كانت حلية لهذه الجماعة، ولم تكن فيها من دواعي التفرق ~~والشتات. # ومن عجائبها أن الذي كان يغريها بالأحياء الوطنية هو قراءتها في الكتب الإفرنجية التي ~~كانت شائعة بينها؛ لأنهم كانوا يقرءون أكثر ما كانوا يقرءون كتب «ديكنز» و«هازليت» و«لي ~~هانت» و«كارليل» وهم كتاب مولعون بعرض الأخلاق الاجتماعية ودراسة العادات المحلية، وتمثيل ~~الريفيين والحضريين في أوضاعهم المختلفة، ولهم فصول عن الأسواق، والدكاكين، والباعة، تفيض ~~بحسن الملاحظة، وبراعة الفكاهة، ومتعة القراءة، وتعود من يدمن قراءتها أن يتحرى نظائرها ~~حيثما رآها. # ففي يوم من أيام المولد - والرهط ms001 يزورني لنؤم الساحة مجتمعين في المساء - كان الكاتب ~~الإنجليزي العظيم «توماس كارليل» هو محور الحديث كله؛ لأنه كما يعلم الكثيرون بين قراء ~~العربية، صاحب كتاب «الأبطال» الذي عقد فيه فصلا عن النبي محمد # صلى الله عليه وسلم ~~، وجعله نموذج ~~البطولة النبوية بين أبطال العالم الذين اختارهم للوصف والتدليل. # وإنا لنتذاكر آراءه ومواضع ثنائه على النبي، إذ بدرت من أحد الحاضرين الغرباء عن الرهط ~~كلمة نابية غضبنا لها واستنكرناها لما فيها من سوء الأدب وسوء الذوق وسوء الطوية. وكان ~~الفتى الذي بدرت منه الكلمة متحذلقا، يتظاهر بالمعرفة، ويحسب أن التطاول على الأنبياء من ~~لوازم الاطلاع على الفلسفة والعلوم الحديثة ... فكان مما قاله: شيء عن النبي والزواج، وشيء عن ~~البطولة، فحواه أن بطولة محمد إنما هي بطولة سيف ودماء! # قلت: «ويحك! ... ما سوغ أحد السيف كما سوغته أنت بهذه القولة النابية!» # وقال صديقنا المازني: «بل السيف أكرم من هذا، وإنما سوغ صاحبنا شيئا آخر يستحقه ... وأشار ~~إلى قدمه!» # وارتفعت لهجة النقاش هنيهة، ثم هدأت بخروج الفتى صاحب الكلمة من الندي، واعتذاره قبل ~~خروجه بتفسير كلامه على معنى مقبول، أو خيل إليه أنه مقبول. # وتساءلنا: ما بالنا نقنع بتمجيد «كارليل» للنبي، وهو كاتب غربي لا يفهمه كما نفهمه، ولا ~~يعرف الإسلام كما نعرفه ... ثم سألني بعض الإخوان: «ما بالك أنت يا فلان لا تضع لقراء العربية ~~كتابا عن محمد على النمط الحديث؟» # قلت: «أفعل ... وأرجو أن يتم ذلك في وقت قريب.» # ولكنه لم يتم في وقت قريب ... بل تم بعد ثلاثين سنة! ... وشاءت المصادفة العجيبة أن تتم ~~فصوله في مثل الأيام التي سمعت فيها الاقتراح لأول مرة ... فكتبت السطر الأخير فيه يوم مولد ~~النبي على حسب الشهور الهجرية، واتفقت هذه المصادفة على غير تدبير مني ولا من أحد؛ لأني لم ~~أدبر لنفسي أوقات الفراغ التي هيأت لي إتمام فصوله، وتقسيم العمل فيه يوما بعد ~~يوم. ~~••• # والخيرة في الواقع. # والخيرة كذلك في هذا التأخير. # فإنني لو كتبته يومئذ لعدت إلى كتابته الآن من جديد، ms002 واحتجت إلى السنين الثلاثين أضيف ~~خبرتها وقراءتها ورياضتها النفسية والفكرية إلى محصول ذلك العمر الباكر؛ إذ هو عمر يستطيع ~~المرء أن يمتلئ فيه إعجابا بمحمد ؛ لأنه عمر الإعجاب والحماسة الروحية، بيد أنه لا يستطيع ~~أن يقيسه بمقياسه وأن يشعر بشعوره في مثل تجاربه، وفي مثل السن التي اضطلع فيها بالرسالة ~~وإن تقارب السن هنا لضرورة لا غنى عنها لتقريب ذلك الشأو البعيد من شتى نواحيه. # أين كنا قبل تلك السنين الثلاثين؟! # إنها مسافات في عالم الفكر والروح لو تمثلت مكانا منظورا، لأخذ المرء رأسه بيديه من ~~الدوار وامتداد النظر بغير قرار. # كم رأي ... كم مذهب ... كم وسواس ... كم محنة ... كم مراجعة ... كم زلزال يتضعضع له الكيان وتميد ~~معه الدعائم والأركان ... كم، وكم في ثلاثين سنة مما يطرق نفسا لا تعفيها الحياة من التجارب ~~والعوارض لمحة عين في نهار ... وكم لذلك كله من أثر في توطيد الرأي وتهدئة الثوائر وتجلية ~~الغبار ... وكم يضيف ذلك كله إلى الشباب الباكر الذي كان يحلم يومئذ بالعظمة في كل أوج، ~~وبالأوج المحمدي في عليا مراتب الأنبياء! # الخيرة في الواقع. # الخيرة في ذلك التأخير. # واليوم ونحن نضع كتابنا هذا عن «عبقرية محمد» بين يدي القراء؛ لا نقول إننا قد استوفيناه ~~كما أردناه، ولا إننا فصلنا فيه الغرض الذي توخيناه ... ولكننا نقول إننا التزمنا فيه الباعث ~~الذي أوحى الاقتراح بتأليفه لأول مرة. كأننا شرعنا في كتابته مساء ذلك اليوم قبل ثلاثين ~~سنة، فكتبناه ونحن نستحضر في الذهن تبرئة المقام المحمدي من تلك الأقاويل، التي يلغط بها ~~الأغرار والجهلاء عن حذلقة أو سوء نية، ونظرنا اتفاقا، فإذا بأطول الفصول فيه الفصلان ~~اللذان شرحنا فيهما موقف محمد من الحرب ومن الحياة الزوجية؛ لأنهما كانا مثار اللغط تلك ~~الليلة على مقربة من ساحة المولد، وكانا مثار اللغط في كل ما ردده سفهاء الشانئين من ~~الأصلاء والمقتدين في هذا الباب ... # فسيرى القارئ أن «عبقرية محمد» عنوان يؤدي معناه في حدوده المقصودة، ولا يتعداها. فليس ~~الكتاب سيرة نبوية جديدة، تضاف إلى السير ms003 العربية والإفرنجية، التي حفلت بها «المكتبة ~~المحمدية» حتى الآن؛ لأننا لم نقصد وقائع السيرة لذاتها في هذه الصفحات، على اعتقادنا أن ~~المجال متسع لعشرات من الأسفار في هذا الموضوع، ثم لا يقال إنه استنفد كل الاستنفاد. # وليس الكتاب شرحا للإسلام أو لبعض أحكامه، أو دفاعا عنه، أو مجادلة لخصومه ... فهذه أغراض ~~مستوفاة في مواطن شتى، يكتب فيها من هم ذووها ولهم دراية بها وقدرة عليها. # إنما الكتاب تقدير «لعبقرية محمد» بالمقدار الذي يدين به كل إنسان، ولا يدين به المسلم ~~وكفى، وبالحق الذي يثبت له الحب في قلب كل إنسان، وليس في قلب كل مسلم وكفى. # فمحمد هنا عظيم؛ لأنه قدوة المقتدين في المناقب التي يتمناها المخلصون لجميع الناس ~~... # عظيم؛ لأنه على خلق عظيم ... # وإيتاء العظمة حقها لازم في كل آونة، وبين كل قبيل ... ولكنه في هذا الزمن وفي عالمنا هذا ~~ألزم منه في أزمنة أخرى، لسببين متقاربين لا لسبب واحد: أحدهما: أن العالم اليوم أحوج مما ~~كان إلى المصلحين النافعين لشعوبهم وللشعوب كافة ... ولن يتاح لمصلح أن يهدي قومه وهو مغموط ~~الحق، معرض للجفوة والكنود. # والسبب الآخر أن الناس قد اجترءوا على العظمة في زماننا بقدر حاجتهم إلى هدايتها ... فإن ~~شيوع الحقوق العامة قد أغرى أناسا من صغار النفوس بإنكار الحقوق الخاصة، حقوق العلية ~~النادرين الذين ينصفهم التمييز، وتظلمهم المساواة ... والمساواة هي شرعة السواد الغالبة في ~~العصر الحديث. ~~••• # ولقد جار هذا الفهم الخاطئ للمساواة على حقوق العظماء السابقين، كما جار على حقوق العظماء ~~من الأحياء والمعاصرين، ثم أغرى الناس بالجور بعد الجور غرورهم بطرائف العصر الحديث، ~~واعتقادهم أنه قد أتى بالجديد الناسخ للقديم في كل شيء ... حتى في ملكات النفوس والأذهان، وهي ~~مزية خالدة لا ينسخ فيها الجديد القديم. # يرون أن البخار يلغي الشراع، وربما كان الاختراع السابق أدل على القدرة، وأبين عن الفضل ~~من الاختراع الذي تلاه، ولم يكن ليتلوه لولا ما تقدم عليه ... # وينظرون إلى أقطاب الدنيا كأن الأصل في النظر إليهم أن يتجنوا عليهم ويثلبوا كرامتهم، ms004 ولا ~~يثوبوا إلى الاعتراف لهم بالفضل إلا مكرهين ... بعد أن تفرغ عندهم وسائل التجني والثلب ~~والافتراء. # هذه الآفة حطة تهبط بالخلق الإنساني إلى الحضيض، وتهبط بالرجاء في إصلاح العيوب ~~الخلقية والنفسية إلى ما دون الحضيض ... # فماذا يساوي إنسان لا يساوي الإنسان العظيم شيئا لديه؟ ... وأي معرفة بحق من الحقوق يناط ~~بها الرجاء إذا كان حق العظمة بين الناس غير معروف؟ ... وإذا ضاع العظيم بين أناس، فكيف لا ~~يضيع بينهم الصغير؟ ... ~~••• # لهذا كان تقدير محمد بالقياس الذي يفهمه المعاصرون ويتساوى في إقراره المسلمون وغير ~~المسلمين، نافعا في هذا الزمن الذي التوت فيه مقاييس التقدير ... # إنه لنافع لمن يقدرون محمدا، وليس بنافع لمحمد أن يقدروه؛ لأنه في عظمته الخالدة لا ~~يضار بإنكار، ولا ينال منه بغي الجهلاء، إلا كما نال منه بغي الكفار ... # وإنه لنافع للمسلم أن يقدر محمدا بالشواهد والبينات التي يراها غير المسلم، فلا يسعه إلا ~~أن يقدرها ويجري على مجراه فيها ... لأن مسلما يقدر محمدا على هذا النحو يحب محمدا مرتين: ~~مرة بحكم دينه الذي لا يشاركه فيه غيره، ومرة بحكم الشمائل الإنسانية التي يشترك فيها جميع ~~الناس. # وحسبنا من «عبقرية محمد» أن نقيم البرهان على أن محمدا عظيم في كل ميزان: عظيم في ميزان ~~الدين، وعظيم في ميزان العلم، وعظيم في ميزان الشعور، وعظيم عند من يختلفون في العقائد، ولا ~~يسعهم أن يختلفوا في الطبائع الآدمية، إلا أن يرين العنت على الطبائع فتنحرف عن السواء ~~وهي خاسرة بانحرافها، ولا خسارة على السواء. ~~••• # إن عمل محمد لكاف جد الكفاية لتخويله المكان الأسنى من التعظيم والإعجاب والثناء ~~... # إنه نقل قومه من الإيمان بالأصنام إلى الإيمان بالله، ولم تكن أصناما كأصنام يونان، يحسب ~~للمعجب بها ذوق الجمال إن فاته أن يحسب له هدى الضمير ... ولكنها أصنام شائهات كتعاويذ السحر ~~التي تفسد الأذواق وتفسد العقول ... فنقلهم محمد من عبادة هذه الدمامة إلى عبادة الحق الأعلى ~~... عبادة خالق الكون الذي لا خالق سواه، ونقل العالم كله من ركود إلى حركة، ومن فوضى إلى ms005 ~~نظام، ومن مهانة حيوانية إلى كرامة إنسانية، ولم ينقله هذه النقلة قبله ولا بعده أحد من ~~أصحاب الدعوات ... ~~••• # إن عمله هذا لكاف لتخويله المكان الأسنى بين صفوف الأخيار الخالدين، فما من أحد يضن على ~~صاحب هذا العمل بالتوقير على اسم إنسان. # إلا أننا نمضي خطوة وراء هذا، حين نقول إن التعظيم حق «لعبقرية محمد» ولو لم تقترن بعمل ~~محمد ... # لأن العبقرية قيمة في النفس قبل أن تبرزها الأعمال، ويكتب لها التوفيق، وهي وحدها قيمة ~~يغالى بها التقويم ... # فإذا رجح بمحمد ميزان العبقرية، وميزان العمل، وميزان العقيدة؛ فهو نبي عظيم وبطل عظيم ~~وإنسان عظيم. # وحسبنا من كتابنا هذا أن يكون بنانا تومئ إلى تلك العظمة في آفاقها، فإن البنان ~~لأقدر على الإشارة من الباع على الإحاطة، وأفضل من عجز المحيط طاقة المشير ... # عباس محمود العقاد # الفصل الأول # | علامات مولد # عالم # كان عالما متداعيا قد شارف النهاية ... خلاصة ما يقال فيه إنه عالم فقد العقيدة كما ~~فقد النظام ... # أي أنه فقد أسباب الطمأنينة في الباطن والظاهر ... طمأنينة الباطن التي تنشأ من الركون ~~إلى قوة في الغيب، تبسط العدل، وتحمي الضعف، وتجزي الظلم، وتختار الأصلح الأكمل من جميع ~~الأمور ... # وطمأنينة الظاهر التي تنشأ من الركون إلى دولة تقضي بالشريعة، وتفصل بين البغاة ~~والأبرياء، وتحرس الطريق، وتخيف العائثين بالفساد ... # بيزنطة قد خرجت من الدين إلى الجدل العقيم الذي أصبح بعد ذلك علما عليها، وتضاءلت ~~سطوتها في البر والبحر حتى طمع فيها من كان يحتمي بجوارها ... # وفارس قد سخر فيها المجوس من دين المجوس ... وكمنت حول عرشها كوامن الغيلة، وبواعث ~~الفتن، ونوازع الشهوات ... # والحبشة ضائعة بين الأوثان المستعارة من الحضارة تارة ومن الهمجية تارة، وبين التوحيد ~~الذي هو ضرب من عبادة الأوثان ... ثم هي بعد هذا التشويه في الدين، ليست بذات رسالة في ~~الدنيا ولا بذات طور من أطوار التاريخ ... فليس لها عمل باق في سجل الأعمال ~~الباقيات. # عالم يتطلع إلى حال غير حاله ... عالم يتهيأ للتبديل أو للهدم ثم للبناء. # أمة # وبين هذه الدول ms006 المتداعيات، أمة ليست بذات دولة، ولكنها تتأهب لإقامة دولة ... هي ~~أمة العرب وقد تيقظت لوجودها وشعرت بمكانتها، كما شعرت بالخطر عليها وبمواضع النقص ~~منها. # في أيديها تجارة العالمين كلها ... # فإذا سارت القوافل من خليج فارس إلى بحر الروم، فهي تسير في البادية بين حراس من ~~العرب لا سلطان عليهم للدول المتداعية ... أو هم قد شعروا بذلك السلطان حينا في إبان ~~الصولة الرومانية والصولة الفارسية، ثم علموا أنهم مالكون لزمامهم، يرضون فتتصل الأرزاق ~~بين المشرق والمغرب، وبين المغرب والمشرق، ويغضبون فتبور التجارة وينضب المورد وتكسد ~~الأسواق. # وإذا سارت القوافل من اليمن إلى الشام أو من بحر القلزم إلى بحر الروم، فهي في جيرة ~~الأعراب من كلتا الطريقين. # أمة تيقظت لوجودها، وعرفت شأنها بين من يحدقون بصحرائها ... ثم رأت هؤلاء المحيطين ~~بها يجورون عليها، ويريدون إخضاعها وابتلاعها ... # فهرقل الرومي يرسل إلى مكة من يحكمها، وأبرهة الحبشي يزحف إلى مكة بمن يهدم كعبتها ~~ويستبدل بها كعبة غيرها، وفارس تطغى على شرق البلاد وعلى جنوبها ... # خطر من خارجها، يزيد الأمة يقظة وانتباها لوجودها ... # وخطر من داخلها، يدفع بها إلى الزوال أو إلى استكمال النقص المستشري في حياتها ~~... # مدينة واحدة تجتمع فيها ثروة الجزيرة، وعصبة واحدة من سادة القوم تجتمع في أيديها ~~ثروة المدينة ... # حالة لا استقرار فيها ... # فمن هنا الترف، والطمع، والخمر، والقمار، والمتعة، وتسخير الأقوياء للضعفاء ... # ومن هنا الفاقة، والحسرة، والشك في صلاح الأمور ... # ولكنه شك يبحث ويضطرب، وليس بالشك الذي يستجم ويستكين فحيثما اجتمع أناس من أولي ~~الرأي يذكرون العقيدة وطمأنينة الضمير، فهناك هاتف ~~بينهم بسوء ما هم عليه. اجتمع أناس بنخلة لإحياء عيد العزى، فقال رجل منهم لإخوانه: ~~«والله ما قومكم على شيء وإنهم لفي ضلال ... فما حجر نطيف به لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ~~ولا ينفع، ومن فوقه يجري دم النحور. يا قوم التمسوا لكم دينا غير هذا الدين الذي أنتم ~~عليه» ... ثم تفرقوا، فمنهم من تنصر، ومنهم من اعتزل الأوثان، ومنهم من انتظر حتى سمع ~~دعوة الإسلام فلباها ms007 ... وكان الذي تنصر وسمع دعوة الإسلام ورقة بن نوفل الذي كتب له أن ~~يتلقى بشارة النبي العربي عند ظهوره، ويلقي إليه بالبشارة. # هؤلاء شكوا وبحثوا عن العقيدة وطمأنينة الضمير ... # وغيرهم شكوا وبحثوا عن وازع من الضمير، ووازع من السلطان، فاجتمعت بنو هاشم وزهرة ~~وتيم يتعاهدون باسم الله المنتقم ليكونن مع المظلوم حتى يؤدى إليه حقه ... وذلك ~~حلف الفضول الذي شهده النبي العربي في شبابه، وقال فيه: «ما أحب أن يكون لي بحلف حضرته ~~في دار ابن جدعان حمر النعم.» # حالة لا تستقر، ولا تزال في طلب الاستقرار ... # وأمة يقظى! ... # وخطر محدق بها مما حولها، ومما هو في دخائلها وأحشائها ... # حالة تنذر بالزوال، وقلما تزول أمة يقظى في أوان انتباهها ... فتلك إذن حالة للتبديل ~~والتجديد. # قبيلة # وقبيلة في تلك الأمة، في تلك المدينة ... لها شعبتان: # إحداهما من أصحاب الترف والطمع واستبقاء ما هو قائم، كما كان قائما على هواها ~~... # والأخرى من أصحاب التقوى والسماحة والتوسط بين مقام القوي الذي يجور ويطغى ويستبقي ~~أداة الجور والطغيان، ومقام الضعيف الذي يحتمل الأذى، ويصبر على الكريهة، ولا يملك مع ~~السيد الآمر إلا أن يذعن له، ويأكل من فضلات يديه. # بيت # وبيت من تلك الشعبة الوسطى له كرم النسب العريق، وليس له لؤم الثروة الجامحة ~~والكبرياء الجائحة، والقسوة على من دونه من المحرومين. # ذلك هو بيت عبد المطلب من صميم قريش ومن ذؤابتها العليا، وإن لم يكن معدودا من ~~أثرياء القبيلة القرشية في ذلك الأوان ... # ورأس هذا البيت - عبد المطلب - رجل قوي الخلق، قوي الإيمان فيما آمن به، حكيم مع قوة ~~طبعه وشدة إيمانه، خليق أن ينجب العقب الذي يبشر بدعوة وينضح عن دين. # نذر لئن عاش له عشرة بنين لينحرن أحدهم عند الكعبة ... ثم أحله قومه وأحلته ~~العرافة من نذره، فأبى أن يتحلل حتى يستوثق من رضا الرب ورضا ضميره ... # سألتهم العرافة: «كم الدية فيكم؟» # قالوا: «عشر من الإبل.» # قالت: «فتقربوا إذن بعشر من الإبل، واضربوا على الفتى وعليها بالقداح ... فإن خرجت على ~~صاحبكم ms008 فزيدوا من الإبل حتى يرضى ربكم.» فما زالوا يزيدون حتى بلغت الإبل مائة وخرجت ~~القداح عليها فهتفت قريش بعيد المطلب: «لقد رضي ربك ... فأطلق فتاك .» وكان خليقا بمن ~~يريد أن يتحلل ويتعلل أن يقبل ولا حرج عليه، ولكن عبد المطلب لم يكن من المتحللين ~~المتعللين، فأبى إلا أن يضرب عليها القداح ثلاث مرات، ثم نحرت الإبل للجياع من الأناسي ~~والسباع. # وجاء القائد الحبشي يهدم الكعبة ويسطو على الإبل والشاء ... فلما سأله عبد المطلب أن ~~يرد إليه إبله، قال له مقال السياسي المحرج المداور بالكلام: «أراك تسأل عن إبلك ولا ~~تسأل عن الكعبة.» # فأجابه عبد المطلب جواب الحكيم المؤمن: «أما الإبل فأنا ربها، وأما البيت فله رب ~~يحميه!» # فكان إيمانه إيمانا كفئا لدهاء السياسة، ولم يكن إيمان العجز والتواكل والاستسلام ~~... # ومن كان له هذا الخلق، وهذا الضمير، وهذا الإيمان، وهذه الرئاسة، فليس من عجب أن ينجب ~~نبيا في زمان يستدعي الأنبياء، ومكان مهيأ لهم دون كل مكان ... بل العجب أن يكون الأمر ~~غير ما كان. # أب # وإذا كان عبد المطلب جدا صالحا لنبي كريم، فابنه عبد الله نعم الأب لذلك النبي ~~الكريم ... # لكأنما كان بضعة من عالم الغيب، أرسلت إلى هذه الدنيا لتعقب فيها نبيا وهي لا ~~تراه، ثم تعود. # كان إنسانا من طينة الشهداء، يتجه إلى القلب الإنساني بكل ما فيه من حب وحنو ورحمة. ~~فهو الفتى الذي اسمه عبد الله والذي اختير للفداء، فجاشت له شفقة قومه حتى تركه لهم ~~القدر إلى حين. وهو الفتى الذي تحدثت الفتيات في الخدور بوسامته وحيائه، وودت مئات منهن ~~لو نعمن منه بنعمة الزواج، وهو الفتى الذي أقام مع عروسه ثلاثة أيام، ثم سافر ليتجر ~~فإذا هي السفرة التي لا يؤوب منها الذاهبون، وهو الفتى الذي مات وهو غريب، وولد له نسله ~~الكريم وهو دفين. # وهكذا تتمثل البصائر الخاشعة آباء الأنبياء والسلالة التي تصل بين الآخرة والدنيا ~~وبين عالم البقاء وعالم الفناء ... # رجل # عالم يتطلع إلى نبي ... وأمة تتطلع إلى نبي، ومدينة تتطلع ms009 إلى نبي، وقبيلة وبيت وأبوان ~~أصلح ما يكونون لإنجاب ذلك النبي. # ثم ها هو ذا رجل لا يشركه رجل آخر في صفاته ومقدماته، ولا يدانيه رجل آخر في مناقبه ~~الفضلى التي هيأته لتلك الرسالة الروحية المأمولة في المدينة ... وفي الجزيرة، وفي ~~العالم بأسره. # نبيل عريق النسب، وليس بالوضيع الخامل، فيصغر قدره في أمة الأنساب والأحساب ~~... # فقير ... وليس بالغني المترف، فيطغيه بأس النبلاء والأغنياء، ويغلق قلبه ما يغلق القلوب ~~من جشع القوة واليسار. # يتيم بين رحماء ... فليس هو بالمدلل الذي يقتل فيه التدليل ملكة الجد والإرادة ~~والاستقلال، وليس هو بالمهجور المنبوذ الذي تقتل فيه القسوة روح الأمل وعزة النفس ~~وسليقة الطموح، وفضيلة العطف على الآخرين. # خبير بكل ما يختبره العرب من ضروب العيش في البادية والحاضرة، تربى في الصحراء وألف ~~المدينة، ورعى القطعان، واشتغل بالتجارة، وشهد الحروب والأحلاف، واقترب من السراة ولم ~~يبتعد من الفقراء. # فهو خلاصة الكفاية العربية في خير ما تكون عليه الكفاية العربية ... # وهو على صلة بالدنيا التي أحاطت بقومه ... فلا هو يجهلها فيغفل عنها، ولا يغامسها كل ~~المغامسة فيغرق في لجتها. # أصلح رجل من أصلح بيت في أصلح زمان لرسالة النجاة المرقوبة، على غير علم من الدنيا ~~التي ترقبها ... # ذلك محمد بن عبد الله عليه السلام ... # قد ظهر والمدينة مهيأة لظهوره؛ لأنها محتاجة إليه، والجزيرة مهيأة لظهوره؛ لأنها ~~محتاجة إليه، والدنيا مهيأة لظهوره؛ لأنها محتاجة إليه، وماذا من علامات الرسالة أصدق ~~من هذه العلامة؟ ... وماذا من تدبير المقادير أصدق من هذا التدبير؟ ... وماذا من أساطير ~~المخترعين للأساطير أعجب من هذا الواقع، ومن هذا التوفيق؟ ... علامات الرسالة الصادقة هي ~~عقيدة تحتاج إليها الأمة، وهي أسباب تمهد لظهورها، وهي رجل يضطلع بأمانتها في ~~أوانها. # فإذا تجمعت هذه العلامات، فماذا يلجئنا إلى علامة غيرها؟ ... وإذا تعذر عليها أن تجتمع ~~فأي علامة غيرها تنوب عنها أو تعوض ما نقص منها؟ ... # خلق محمد بن عبد الله ليكون رسولا مبشرا بدين، وإلا فلأي شيء خلق ... ولأي عمل من ~~أعمال هذه الحياة ترشحه كل ms010 هاتيك المقدمات والتوفيقات، وكل هاتيك المناقب ~~والصفات؟ # لو اشتغل بالتجارة طول حياته كما اشتغل بها فترة من الزمن، لكان تاجرا أمينا ناجحا ~~موثوقا به في سوق التجار والشراة ... ولكن التجارة كانت تشغل بعض صفاته، ثم تظل صفاته ~~العليا معطلة لا حاجة إليها في هذا العمل مهما يتسع له المجال. # ولو اشتغل زعيما بين قومه لصلح للزعامة، ولكن الزعامة لا تستوفي كل ما فيه من قدرة ~~واستعداد ... # فالذي أعده له زمانه وأعدته له فطرته هو الرسالة العالمية لا سواها، وما من أحد قد ~~أعد في هذه الدنيا لرسالة دينية إن لم يكن محمد قد أعد لها أكمل إعداد ... # بشائر الرسالة # والمؤرخون يجهدون أقلامهم غاية الجهد في استقصاء بشائر الرسالة المحمدية ... يسردون ما ~~أكده الرواة منها وما لم يؤكدوه، وما قبله الثقات منها وما لم يقبلوه، وما أيدته ~~الحوادث أو ناقضته، وما وافقته العلوم الحديثة أو عارضته، ويتفقون في الرأي والهوى بين ~~تفسير الإيمان وتفسير العيان، وتفسير المعرفة وتفسير الجهالة، فهل يستطيعون أن يختلفوا ~~لحظة واحدة في آثار تلك البشائر التي سبقت الميلاد، أو صاحبت الميلاد حين ظهرت الدعوة ~~واستفاض أمر الإسلام. # لا موضع هنا لاختلاف ... # فما من بشارة من تلك البشائر كان لها أثر في إقناع أحد بالرسالة يوم صدع النبي ~~بالرسالة، أو كان ثبوت الإسلام متوقفا عليها. # لأن الذين شهدوا العلامات المزعومة يوم الميلاد، لم يعرفوا يومئذ مغزاها ومؤداها، ولا ~~عرفوا أنها علامة على شيء، أو على رسالة ستأتي بعد أربعين سنة ... # ولأن الذين سمعوا بالدعوة وأصاخوا إلى الرسالة بعد البشائر بأربعين سنة، لم يشهدوا ~~بشارة واحدة منها، ولم يحتاجوا إلى شهودها ليؤمنوا بصدق ما سمعوه واحتاجوا إليه. # وقد ولد مع النبي عليه السلام أطفال كثيرون في مشارق الأرض ومغاربها، فإذا جاز للمصدق ~~أن ينسبها إلى مولده؛ جاز للمكابر أن ينسبها إلى مولد غيره. ولم تفصل الحوادث بالحق بين ~~المصدقين والمكابرين إلا بعد عشرات السنين ... يوم تأتي الدعوة بالآيات والبراهين غنية عن ~~شهادة الشاهدين وإنكار المنكرين. # أما العلامة التي لا ms011 التباس فيها ولا سبيل إلى إنكارها، فهي علامة الكون وعلامة ~~التاريخ. # قالت حوادث الكون: لقد كانت الدنيا في حاجة إلى رسالة ... # وقالت حقائق التاريخ: لقد كان محمد هو صاحب تلك الرسالة ... # ولا كلمة لقائل بعد علامة الكون وعلامة التاريخ ... # الفصل الثاني # | عبقرية الداعي # اتفقت أحوال العالم إذن على انتظار رسالة ... # واتفقت أحوال محمد على ترشيحه لتلك الرسالة ... # وكان من الممكن أن تتفق أحوال العالم وأحوال محمد، ولا تتفق معها الوسائل التي تؤدى بها ~~رسالته على أحسن الوجوه. # كان من الممكن أن ينتظر العالم الرسول، ثم لا يظهر الرسول. # وكان من الممكن أن يظهر الرسول في البيت الصالح وفي البيئة الصالحة، ثم لا تتهيأ له ~~الصفات التي يتم بها أداء الرسالة. # ولكن الذي اتفق في رسالة محمد قد كان أعجب أعاجيب الاتفاق، وكان المعجزة التي تفوق ~~المعجزات؛ لأنها مع ضخامتها، وتعدد أجزائها، وتوافق تلك الأجزاء جميعها، مما يقبله العقل ~~قبولا سائغا بغير عنت ولا استكراه ... # فكان محمد مستكملا للصفات التي لا غنى عنها في إنجاح كل رسالة عظيمة من رسالات ~~التاريخ. # كانت له فصاحة اللسان واللغة ... # وكانت له القدرة على تأليف القلوب وجمع الثقة ... # وكانت له قوة الإيمان بدعوته وغيرته البالغة على نجاحها ... # وهذه صفات للرسول غير أحوال الرسول ... ولكنها هي التي عليها المدار في تبليغ الرسالة، ولو ~~اتفقت فيما عداها جميع الأحوال. # الفصاحة # فالفصاحة صفة تجتمع للكلام، ولهيئة النطق بالكلام، ولموضوع الكلام ... فيكون الكلام ~~فصيحا، وهيئة النطق به غير فصيحة، أو يكون الكلام والنطق به فصيحين، ثم لا تجتمع ~~لموضوعه صفة الفصاحة السارية في الأسماع والقلوب. # أما فصاحة محمد؛ فقد تكاملت له في كلامه، وفي هيئة نطقه بكلامه، وفي موضوع كلامه ~~... # فكان أعرب العرب، كما قال عليه السلام: «أنا قرشي واسترضعت في بني سعد بن ~~بكر.» # فله من اللسان العربي أفصحه بهذه النشأة القرشية البدوية الخالصة ... وهذه هي فصاحة ~~الكلام. # ولكن الرجل قد يكون عربيا قرشيا مسترضعا في بني سعد، ويكون نطقه بعد ذلك غير ~~سليم، أو يكون صوته غير ms012 محبوب، أو يكون ترتيبه لكلماته غير مأنوس ... فيتاح له الكلام ~~الجميل ثم يعوزه النطق الجميل. # أما محمد فقد كان جمال فصاحته في نطقه، كجمال فصاحته في كلامه، وخير من وصفه بذلك ~~عائشة - رضي الله عنها - حيث قالت: «ما كان رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يسرد كسردكم هذا، ولكن ~~كان يتكلم بكلام بين فصل، يحفظه من جلس إليه.» # واتفقت الروايات على تنزيه نطقه من عيوب الحروف ومخارجها، وقدرته على إيقاعها في أحسن ~~مواقعها ... فهو صاحب كلام سليم في نطق سليم ... # ولكن الرجل قد يكون عربيا قرشيا مسترضعا في بني سعد، ويكون سليما في كلامه ~~سليما في نطقه ... ثم لا يقول شيئا يستحق أن يستمع إليه السامع في موضوعه. # فهذا أيضا قد تنزه عنه الرسول في فصاحته السائغة من شتى نواحيها ... فما من حديث له ~~حفظه لنا الرواة الثقات إلا وهو دليل صادق على أنه قد أوتي حقا «جوامع الكلم»، ورزق ~~من فصاحة الموضوع كفاء ما رزق من فصاحة اللسان وفصاحة الكلام. # الوسامة والثقة # وكانت له مع الفصاحة صباحة ودماثة تحببانه إلى كل من رآه، وتجمعان إليه قلوب من ~~عاشروه، وهي صفة لم يختلف فيها صديق ولا عدو، ولم ينقل عن أحد من أقطاب الدنيا أنه بلغ ~~بهذه الصفة مثل ما بلغه محمد بين الضعفاء والأقوياء على السواء. # وحسبك من حب الضعفاء إياه أن فتى مستعبدا يفقد أباه وأسرته - كزيد بن حارثة - ثم ~~يظهر له أبوه بعد طول الغيبة، فيؤثر البقاء مع محمد على الذهاب مع أبيه ... # وإن خادم خديجة رضي الله عنها - ونعني به ميسرة - يقدمه ليبشر سيدته بالربح والتوفيق ~~في تجارته، وهو أولى أن ينفس عليه، وأن يدعي لنفسه ما اختصه به من الفضل ~~والتقدم. # وحسبك من حب الأقوياء إياه أنه جمع على محبته أناسا بينهم من التفاوت في المزاج ~~والخصال ما بين أبي بكر وعمر وعثمان وخالد وأبي عبيدة، وهم جميعا من عظماء ~~الرجال. # ولكن الرجل قد يكون صبيحا دمثا محبوبا، ولا يكون له من ثقة الناس وائتمانهم ms013 إياه ~~نصيب كبير؛ لأن الرجل المحبوب غير الرجل الموثوق به، وإذا اتفقت الخصلتان حينا فمن ~~الجائز أن تفترقا حينا آخر؛ لأنهما في عنصر الخصال لا تتلازمان. # أما محمد فقد كان جامعا للمحبة والثقة كأفضل ما تجمعان، وكان مشهورا بصدقه وأمانته ~~كاشتهاره بوسامته وحنانه، وشهد له بالصدق والأمانة أعداؤه ومخالفوه، كما شهد بهما ~~أحبابه وموافقوه، وامتلأ هو من العلم بمنزلته من ثقة القوم، فأحب أن يستعين بها ~~على هدايتهم وترغيبهم في دعوته فكان يسألهم: «أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا ~~الجبل أكنتم تصدقونني؟» # فيقولون: «نعم، أنت عندنا غير متهم» ... إلا أن الإنسان ينفر مما يصدمه في مألوفاته ~~وموروثاته، ولو صدقه وقام لديه ألف برهان عليه. فلم يكن ما بالقوم أنهم لا يصدقون ~~محمدا ولا يعلمون فيه الشرف والأمانة، وإنما كان بهم أنهم ينفرون من التصديق كما ينفر ~~المرء من خبر صادق يسوءه فيمن يحب أو فيما يحب، وهو مفتوح العينين ناظر إلى صدق ما يلقى ~~إليه. # الإيمان والغيرة # ومن المحقق أن هذه الموافقات على كثرتها، وهذه الشمائل على ندرتها، لا تزال تتوقف على ~~صفة أخرى يحتاج إليها الداعي أشد من احتياجه إلى الفصاحة والصباحة ... وهي إيمانه بدعوته ~~وغيرته على نجاحها. فقد نجح داعون كثيرون تعوزهم طلاقة اللسان وطلاقة القسمات، ولم ينجح ~~قط داع كبير يعوزه الإيمان بصواب ما يدعو إليه والغيرة عليه ... # وقد قضى محمد عليه السلام شبابه وهو يؤمن بفساد الزمان وضلال الأوثان ... وجاوره أناس ~~أقل منه نبلا في النفس ولطفا في الحس ونفورا من الرجس، آمنوا بمثل ما آمن به من فساد ~~عصره وضلال أهله، ومن حاجتهم إلى عبادة غير عبادة الأصنام، وآداب غير آدابهم في تلك ~~الأيام. فإذا جاوزهم في صدق وعيه، وسداد سعيه فقد وافق المعهود فيه، الموروث من جده ~~وأبيه. # ولما آمن برسالته هو، ودعوة ربه إياه إلى القيام بأداء تلك الرسالة، لم يهجم على هذا ~~الإيمان هجوم ساعة ولا هجوم يوم، ولم يتعجل الأمر تعجل من يخدع نفسه قبل أن يخدع غيره، ~~ولكنه تردد ms014 حتى استوثق، وجزع حتى اطمأن. وخطر له في فترة من الوحي أن الله قلاه وأعرض ~~عنه، ولم يأذن له في دعوة الناس إلى دينه، ثم تلقى الطمأنينة من وحي ربه ومن وحي قلبه ~~ومن وحي صحبه. فصدع بما أمر، ورضي ضميره بما أوتي من الهداية على النحو الذي رضيت به ~~ضمائر الأنبياء وأصحاب الفطرة الدينية، مع ما بينه وبينهم من فارق في الرتبة والأهبة، ~~وما بين زمانهم وزمانه من فارق في الحاجة إلى الإصلاح. # فما من عجب إذن أن يكون محمد صاحب دعوة ... # وما من عجب أن تتجه دعوته حيث اتجهت، وأن تبلغ من وجهتها الغاية التي بلغت، وإنما ~~العجب ممن يغفلون عن هذه الحقيقة، أو يتغافلون عنها لهوى في الأفئدة، فيشبهون اليوم ~~أولئك الجاهلين الذين أصروا أمس على الكفر به، وحجبوا بأيديهم نوره عامدين ... # نجاح الدعوة # ما من حركة كبرى في التاريخ تتضح للفهم إن لم يكن نجاح الدعوة المحمدية مفهوما ~~بأسبابه الواضحة المستقيمة التي لا عوج في تأويلها، وما من شيء غير الغرض الأعوج يذهل ~~صاحبه عن هذه الأسباب الطبيعية البينة، ثم يخيل إليه أن الدعوة الإسلامية كانت فضولا ~~غير مطلوب في هذه الدنيا، وأن نجاحها مصطنع لا سبب له غير الوعيد والوعود، أو غير ~~الإرهاب بالسيف والإغراء بلذات النعيم ومتعة الخمر والحور العين. # أي إرهاب وأي سيف؟! # إن الرجل حين يقاتل من حوله إنما يقاتلهم بالمئات والألوف ... وقد كان المئات والألوف ~~الذين دخلوا في الدين الجديد يتعرضون لسيوف المشركين ولا يعرضون أحدا لسيوفهم، ~~وكانوا يلقون عنتا ولا يصيبون أحدا بعنت، وكانوا يخرجون من ديارهم لياذا بأنفسهم ~~وأبنائهم من كيد الكائدين، ونقمة الناقمين، ولا يخرجون أحدا من داره. # فهم لم يسلموا على حد السيف خوفا من النبي الأعزل المفرد بين قومه الغاضبين عليه، بل ~~أسلموا على الرغم من سيوف المشركين ووعيد الأقوياء المتحكمين ... ولما تكاثروا وتناصروا ~~حملوا السيف؛ ليدفعوا الأذى ويبطلوا الإرهاب والوعيد، ولم يحملوه ليبدأوا واحدا ~~بعدوان أو يستطيلوا على الناس بالسلطان. # فلم تكن حرب من الحروب ms015 النبوية كلها حرب هجوم، ولم تكن كلها إلا حروب دفاع ~~وامتناع. # أما الإغراء بلذات النعيم ومتعة الخمر والحور العين، فلو كان هو باعثا للإيمان، لكان ~~أحرى الناس أن يستجيب إلى الدعوة المحمدية؛ هم فسقة المشركين وفجرتهم وأصحاب الترف ~~والثروة فيهم، ولكان طغاة قريش هم أسبق الناس إلى استدامة الحياة واستبقاء النعمة. فإن ~~حياة النعيم بعد الموت محببة إلى المنعمين تحبيبها إلى المحرومين، بل لعلها أشهى إلى ~~الأولين وأدنى، ولعلهم أحرص عليها وأحنى، لأن الحرمان بعد التذوق والاستمراء أصعب من ~~حرمان من لم يذق ولم يتغير عليه حال. ~~••• # لم يكن أبو لهب أزهد في اللذة من عمر ... # ولم يكن السابقون إلى محمد أرغب في النعيم من المتخلفين عنه، ولكننا ننظر إلى ~~السابقين وننظر إلى المتخلفين، فنرى فارقا واحدا بينهم أظهر من كل فارق. ذلك هو ~~الفارق بين الأخيار والأشرار، وبين الرحماء المنصفين والظلمة المتصلفين، وبين ~~من يعقلون ويصغون إلى القول الحق، ومن يستكبرون ولا يصغون إلى قول. # ذلك هو الفارق الواضح بين من سبقوا ومن تخلفوا، وليس هو الفارق بين طالب لذة وزاهد ~~فيها، أو بين مخدوع في النعيم وغير مخدوع. # ولعلنا لا نستبين هذه الحقيقة من مثال واحد كما نستبينها من مثال عمر - رضي الله عنه ~~- في إسلامه ... فقصته في ذلك نموذج لتلبية الدعوة المحمدية، ينفي كل كلام يقال عن الوعيد ~~والإغراء وأثرهما في إقناع الأقوياء أو الضعفاء. # قال ابن إسحاق: «... خرج عمر يوما متوشحا بسيفه، يريد رسول الله # صلى الله عليه وسلم # ورهطا من ~~أصحابه ... قد اجتمعوا في بيت عند الصفا وهم قريب من أربعين بين رجال ونساء، ومع رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم # عمه حمزة بن عبد المطلب، وأبو بكر بن أبي قحافة الصديق، وعلي بن أبي ~~طالب، في رجال من المسلمين - رضي الله عنهم - ممن كان أقام مع رسول الله # صلى الله عليه وسلم # بمكة ~~ولم يخرج فيمن خرج إلى أرض الحبشة، فلقيه نعيم بن عبد الله فقال له: «من تريد يا عمر؟ ~~...» # فقال: «أريد محمدا ms016 هذا الصابئ الذي فرق أمر قريش، وسفه أحلامها، وعاب دينها، وسب ~~آلهتها، فأقتله.» # فقال نعيم: «والله قد غرتك نفسك يا عمر! ... أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض ~~وقد قتلت محمدا؟ ... أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم؟» # قال: «وأي أهل بيتي؟» # قال: «ختنك وابن عمك سعيد بن عمرو! ... وأختك فاطمة بنت الخطاب ... فقد والله أسلما، ~~وتابعا محمدا على دينه، فعليك بهما».» # قال: «فرجع عمر عامدا إلى أخته وختنه، وعندهما خباب في مخدع لهم أو في بعض البيت، ~~وأخذت فاطمة بنت الخطاب الصحيفة فجعلتها تحت فخذها، وقد سمع عمر حين دنا إلى البيت ~~قراءة خباب عليهما، فلما دخل قال: «ما هذه الهينمة التي سمعت؟» # قالا له: «ما سمعت شيئا! ...» # قال: «بلى والله! لقد أخبرت أنكما تابعتما محمدا على دينه» ... وبطش بختنه سعيد بن ~~زيد، فقامت له أخته فاطمة بنت الخطاب لتكفه عن زوجها، فضربها فشجها، فلما فعل ذلك قالت ~~له أخته: «نعم ... قد أسلمنا وآمنا بالله ورسوله فاصنع ما بدا لك» فلما رأى عمر ما بأخته ~~من الدم، ندم على ما صنع فارعوى، وقال لأخته: «أعطيني هذه الصحيفة التي سمعتكم ~~تقرءون آنفا أنظر ما هذا الذي جاء به محمد» وكان عمر كاتبا، فلما قال ذلك، قالت له ~~أخته: «إنا نخشاك عليها.» # قال: «لا تخافي» وحلف لها بآلهته ليردنها إذا قرأها إليها، فلما قال ذلك طمعت ~~في إسلامه، فقالت له: «يا أخي! ... إنك نجس على شركك، وإنه لا يمسها إلا الطاهر» فقام عمر ~~فاغتسل، فأعطته الصحيفة وفيها «سورة طه» فقرأها فلما قرأ منها صدرا قال: «ما أحسن هذا ~~الكلام وأكرمه!» فلما سمع ذلك خباب خرج إليه، فقال له: «يا عمر! والله إني لأرجو أن ~~يكون الله قد خصك بدعوة نبيه، فإني سمعته وهو يقول: «اللهم أيد الإسلام بأبي الحكم بن ~~هشام أو بعمر بن الخطاب» ... فالله الله يا عمر!» # فقال له عند ذلك عمر: «فدلني يا خباب على محمد حتى آتيه فأسلم»، فقال له خباب: «هو ~~في بيت عند الصفا ms017 معه فيه نفر من أصحابه» فأخذ عمر سيفه فتوشحه، ثم عمد إلى رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وأصحابه فضرب عليهم الباب، فلما سمعوا صوته قام رجل من أصحاب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فنظر من خلل الباب فرآه متوشحا السيف، فرجع إلى رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وهو ~~فزع، فقال: «يا رسول الله! ... هذا عمر بن الخطاب متوشحا بالسيف.» # فقال حمزة بن عبد المطلب: «نأذن له ... فإن كان جاء يريد خيرا بذلناه له، وإن كان يريد ~~شرا قتلناه بسيفه.» # فقال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «ائذن له!» فأذن له الرجل ونهض إليه رسول الله # صلى الله عليه وسلم # حتى ~~لقيه بالحجرة فأخذ بحجزته أو بمجمع ردائه، ثم جبذه جبذة شديدة وقال: «ما جاء بك يا ~~بن الخطاب؟ ... فوالله ما أرى أن تنتهي حتى ينزل الله بك قارعة!» # فقال عمر: «يا رسول الله! ... جئتك لأومن بالله ورسوله وبما جاء من عند الله.» # قال: «فكبر رسول الله # صلى الله عليه وسلم # تكبيرة عرف أهل البيت من أصحابه أن عمر قد أسلم.» ~~فتفرق أصحاب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # من مكانهم وقد عزوا في أنفسهم حين أسلم عمر مع إسلام ~~حمزة، وعرفوا أنهما سيمنعان رسول الله، وينتصفون بهما من عدوهم ...»» # هذه قصة إسلام عمر بن الخطاب، وهذا موضع ما فيها من الوعيد والإغراء ... خرج بالسيف ~~ليقتل محمدا ولم يخرج عليه أحد من المسلمين بسيف، وقرأ صدرا من «سورة طه» ليس فيه ذكر ~~للخمر والنعيم وهو: # طه * ما أنزلنا عليك ~~القرآن لتشقى * إلا تذكرة لمن يخشى * تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى * الرحمن على العرش استوى * له ما ~~في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى ~~* وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر ~~وأخفى ~~(طه: 1-7). # فلا جبن إذن، ولا طمع في إسلام عمر بن الخطاب، بل رحمة وإنابة واعتذار ... ~~••• # ولم يكن في إسلام الفقراء الذين هم أقل من عمر ناصرا، وأضعف منه بأسا جبن ولا طمع؛ ~~لأنهم ms018 تعرضوا بإسلامهم للسيف ولم يخضعوا للسيف حين أسلموا لله ورسوله، وما كفر الذين ~~كفروا لزهد ولا شجاعة؛ فيقال إن الذين سبقوهم إلى الإسلام قد فعلوا ذلك لشغف بلذات ~~الجنة، وجبن عن مواجهة القوة ... ولكنهم اختلفوا حيث تطلب طهارة السيرة وصلاح الأمور، فمن ~~كان أقرب إلى هذه الطلبة من غني أو فقير، ومن سيد أو مستعبد فقد أسلم، ومن كان به زيغ ~~عنها فقد أبى ... وهذا هو الفيصل القائم بين الفريقين قبل أن يتجرد للإسلام سيف يذود عنه، ~~وبعد أن تجرد له سيف تهابه السيوف، وما يقسم الطائفتين أحد فيضع أبا بكر وعمر وعثمان في ~~جانب اللذة والخوف، ويضع الطغاة من قريش، في جانب العصمة والشجاعة إلا أن يكون به هوى ~~كهوى الكفار من قريش، في الإصرار والإنكار. ~~••• # إنما نجحت دعوة الإسلام لأنها دعوة طلبتها الدنيا ومهدت لها الحوادث، وقام بها داع ~~تهيأ لها بعناية ربه وموافقا أحواله وصفاته ... # فلا حاجة بها إلى خارقة ينكرها العقل، أو إلى علة عوجاء يلتوي بها ذوو الأهواء، فهي ~~أوضح شيء فهما لمن أحب أن يفهم، وهي أقوم شيء سبيلا لمن استقام ... # الفصل الثالث # | عبقرية محمد العسكرية # حروب دفاع # قلنا في الفصل السابق إن الإسلام لم ينجح لأنه دين قتال كما يردد أعداؤه المغرضون، ~~ولكنه نجح؛ لأنه دعوة لازمة يقوم بها داع موفق، وليس بين أسباب نجاحه سبب واحد يصعب ~~فهمه على هذا الاعتبار. # ونريد في هذا الفصل أن نقول إن محمدا كان على اجتنابه العدوان يحسن من فنون الحرب ما ~~لم يكن يحسنه المعتدون عليه، وإنه لم يجتنب الهجوم والمبادأة بالقتال لعجز أو خوف مما ~~يجهله ولا يجيده، ولكنه اجتنبه؛ لأنه نظر إلى الحرب نظرته إلى ضرورة بغيضة يلجأ إليها ~~ولا حيلة له في اجتنابها حيثما تيسرت له الحيلة الناجحة. # وقبل ذلك ينبغي أن نستحضر في الذهن بعض الحقائق التي تظهر لنا الاختلاف بين الدين ~~الإسلامي والأديان الأخرى في مسألة القتال، لنثبت أن للإسلام شأنا في اجتناب القوة ~~كشأن كل دين، وأنه ما كان ms019 لينتصر بالقوة لو لم يكن إلى جانب ذلك صالحا للانتصار، وأن ~~الأديان الأخرى ما كانت لتحجم عن عمل أقدم عليه النبي لو كانت دعوتها كدعوته، وكانت ~~أسبابها كأسبابه. # فالحقيقة الأولى: # أن مطعن القائلين بأن الإسلام دين قتال إنما يصدق - لو صدق - في ~~بداءة عهد الإسلام كما أسلفنا يوم دان بهذا الدين كثير من العرب ~~المشركين، ولولاهم لما كان له جند ولا حمل في سبيله سلاح. # لكن الواقع أن الإسلام في بداءة عهده كان هو المعتدى عليه، ولم يكن ~~من قبله اعتداء على أحد ... وظل كذلك حتى بعد تلبية الدعوة المحمدية، ~~واجتماع القول حول النبي عليه السلام، فإنهم كانوا يقاتلون من قاتلهم ~~ولا يزيدون على ذلك: # وقاتلوا في سبيل الله ~~الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا ~~يحب المعتدين ~~(البقرة: 190). # وكانوا يحاربون من لا يؤمن عهده ولا يتقى شره بالحلف والمسالمة: # وإن نكثوا أيمانهم من بعد ~~عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة ~~الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ~~ينتهون ~~(التوبة: 12). # وقد صبر المسلمون على المشركين حتى أمروا أن يقاتلوهم كافة كما ~~يقاتلون المسلمين كافة، فلم يكن لهم قط عدوان ولا إكراه. # وحروب النبي عليه السلام كما أسلفنا كانت كلها حروب دفاع ولم تكن ~~منها حرب هجوم إلا على سبيل المبادرة بالدفاع بعد الإيقان من نكث ~~العهد، والإصرار على القتال، وتستوي في ذلك حروبه مع قريش وحروبه مع ~~اليهود أو مع الروم ... ففي غزوة تبوك عاد الجيش الإسلامي أدراجه بعد أن ~~أيقن بانصراف الروم عن القتال في تلك السنة، وكان قد سرى إلى النبي نبأ ~~أنهم يعبئون جيوشهم على حدود البلاد العربية، فلما عدلوا عدل الجيش ~~الإسلامي عن الغزوة على فرط ما تكلف من الجهد والنفقة في تجهيزه ~~وسفره. # والحقيقة الثانية: # أن الإسلام إنما يعاب عليه أن يحارب بالسيف فكرة يمكن أن تحارب ~~بالبرهان والإقناع. # ولكن لا يعاب عليه أن يحارب بالسيف «سلطة» تقف في طريقه، وتحول بينه ~~وبين أسماع المستعدين للإصغاء إليه. # لأن السلطة تزال بالسلطة، ولا غنى في إخضاعها عن ms020 القوة ... # ولم يكن سادة قريش أصحاب فكرة يعارضون بها العقيدة الإسلامية، وإنما ~~كانوا أصحاب سيادة موروثة وتقاليد لازمة لحفظ تلك السيادة في الأبناء ~~بعد الآباء، وفي عهد الأعقاب بعد الأسلاف، وكل حجتهم التي يذودون بها ~~عن تلك التقاليد أنهم وجدوا آباءهم عليها، وأن زوالها يزيل ما لهم من ~~سطوة الحكم والجاه. # وقصد النبي بالدعوة عظماء الأمم وملوكها وأمراءها؛ لأنهم أصحاب ~~السلطة التي تأبى العقائد الجديدة، وقد تبين بالتجربة بعد التجربة أن ~~السلطة هي التي كانت تحول دون الدعوة المحمدية، وليست أفكار مفكرين ولا ~~مذاهب حكماء؛ لأن امتناع المقاومة من هؤلاء العظماء والملوك كان يمنع ~~العوائق التي تصد الدعوة الإسلامية، فيمتنع القتال. # ومن التجارب التي دل عليها التاريخ الحديث كما دل عليها التاريخ ~~القديم أن السلطة لا غنى عنها لإنجاز وعود المصلحين ودعاة الانقلاب ... ~~ومن تلك التجارب تجربة فرنسا في القرن الماضي، وتجربة روسيا في القرن ~~الحاضر، وتجربة مصطفى كمال في تركيا، وتجارب سائر الدعاة من أمثاله في ~~سائر الدنيا. # فمحاربة السلطة بالقوة غير محاربة الفكرة بالقوة ... ولا بد من التمييز ~~بين العملين؛ لأنهما جد مختلفين. # والحقيقة الثالثة: # أن الإسلام لم يحتكم إلى السيف قط إلا في الأحوال التي أجمعت شرائع ~~الإنسان على تحكيم السيف فيها ... # فالدولة التي يثور عليها من يخالفها بين ظهرانيها، ماذا تصنع إن لم ~~تحتكم إلى السلاح؟ وهذا ما قضى به القرآن الكريم حيث جاء فيه: # وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ~~ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا ~~على الظالمين ~~(البقرة: 193). # والدولة التي يحمل أناس من أبنائها السلاح على أناس آخرين من ~~أبنائها، بماذا تفض الخلاف بينهم إن لم تفضه بقوة ~~السلطان؟ # وهذا ما قضى به القرآن الكريم أيضا حيث جاء فيه: # وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ~~فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على ~~الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى ~~أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل ~~وأقسطوا إن الله يحب المقسطين ~~(الحجرات: ~~9). # وفي كلتا الحالتين يكون السلاح آخر الحيل، وتكون نهاية الظلم ~~والاعتداء نهاية الاعتماد ms021 على السلاح ... ثم يأتي الصلح والتوفيق، أو ~~يأتي التفاهم بالرضا والاختيار. # والحقيقة الرابعة: # أن الأديان الكتابية بينها فروق موضعية لا بد من ملاحظتها عند البحث ~~في هذا الموضوع ... # فاليهودية أو الإسرائيلية كانت كما يدل عليها اسمها أشبه بالعصبية ~~المحصورة في أبناء إسرائيل منها بالدعوة العامة لجميع الناس، فكان ~~أبناؤهم يكرهون أن يشاركهم غيرهم فيها، كما يكره أصحاب النسب الواحد أن ~~يشاركهم غيرهم فيه، وكانوا من أجل هذا لا يحركون ألسنتهم - فضلا عن ~~امتشاق الحسام - لتعميم الدين اليهودي وإدخال الأمم الأجنبية فيه، ولا ~~وجه إذن للمقارنة بين اليهودية والإسلام في هذا الاعتبار ... # أما المسيحية فهي قد عنيت «أولا» بالآداب والأخلاق، ولم تعن مثل هذه ~~العناية بالمعاملات ونظام الحكومة. # وقد ظهرت «ثانيا» في بلاد للمعاملات والنظم الحكومية فيها قوانين ~~تحميها كما يحميها الكهان المعززون بالسلطان، فهي قد عدلت عن فرض ~~المعاملات والدساتير لهذه الضرورة، لا لأن المعاملات والدساتير ليست من ~~شأن الدين. # وقد ظهرت «ثالثا» في وطن تحكمه دولة أجنبية ذات حول وطول، وليس ~~للوطن الذي ظهرت فيه طاقة بمصادمة تلك الدولة في ميدان القتال. # أما الإسلام فقد ظهر في وطن لا سيطرة للأجنبي عليه، وكان ظهوره ~~لإصلاح المعيشة وتقويم المعاملات وتقرير الأمن والنظام ... وإلا فلا معنى ~~لظهوره بين العرب ثم فيما وراء الحدود العربية. # فإذا اختلفت نشأته ونشأة المسيحية، فذلك اختلاف موضعي طبيعي لا مناص ~~منه ولا اختيار لأحد من الخلق فيه. # آية ذلك أن المسيحية صنعت صنع الإسلام حين قامت بين أهلها الدول ~~والجيوش، وحين استقلت شعوبها عن الأجانب المتغلبين، وأربت حروب ~~المذاهب فيما بين أبنائها على حروب صدر الإسلام مجتمعات. # والحقيقة الخامسة: # أن الإسلام شرع الجهاد، وأن النبي عليه السلام قال: «أمرت أن أقاتل ~~الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم ~~وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله.» # وجاء في القرآن الكريم: # فقاتل في سبيل ~~الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين ~~عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد ~~بأسا وأشد تنكيلا ~~(النساء: ms022 84). # وحدث فعلا أن المسلمين فتحوا بلادا غير بلاد العرب، ولم يفتحوها ~~ولم يكن يتأتى لهم فتحها بغير السلاح. # إلا أن هذه الفتوح تأخرت في الزمن، ولم يتم شيء منها قبل استقرار ~~الدولة للإسلام، فلا يمكن أن يقال إنها كانت هي وسيلة الإسلام للظهور، ~~وقد ظهر الإسلام قبلها وتمكن في أرضه، واجتمعت له جنود تؤمن به وتقدم ~~على الموت في سبيله. # ثم إن هذه الفتوح كانت تفرضها سلامة الدولة إن لم تفرضها الدعوة إلى ~~دينها ... # فلو قدرنا أن الخليفة المسلم لم يكن صاحب دين ينشره ويدعو إليه، لوجب ~~في ذلك العهد أن يأمن على بلاده من الفوضى التي شاعت في أرض فارس وفي ~~أرض الروم ... ووجب أن يكف الشر الذي يوشك أن ينقض عليه من كلتيهما، وأن ~~يمنع عدوى الفساد أن تسري منهما إلى حماه. # هذا إلى أن الإسلام قد أجاز للأمم أن تبقى على دينها مع أداء الجزية ~~والطاعة للحكومة القائمة، وهو أهون ما يطلبه غالب من مغلوب. # والحقيقة السادسة: # أن المقابلة بين ما كانت عليه شعوب العالم يومئذ قبل إسلامها وبعد ~~إسلامها تدل على أن جانب الإسلام هو جانب الإقناع لمن أراد الإقناع ~~... # فقد استقر السلام بين تلك الشعوب ولم يكن له قرار، وانتظمت بينها ~~العلاقات ولم يكن لها نظام، واطمأن الناس على أرواحهم وأرزاقهم ~~وأعراضهم، وكانت جميعها مباحة لكل غاصب من ذوي الأمر والجاه ... # فإذا قيل إن المدعوين إلى الإسلام لم يقتنعوا بفضله سابقين، فلا ~~ينفي هذا القول أنهم اقتنعوا به متأخرين ... وأن الإسلام مقنع لمن يختار ~~ويحسن الاختيار، إلى جانب قدرته على إكراه من يركب رأسه ويقف في طريق ~~الإصلاح ... # ومن نظر إلى الإقناع العقلي، تساوى لديه من يستميلك إلى العقيدة ~~بتوزيع الدواء والطعام، أو بتربية الأطفال عليها وهم لا يعقلون، ومن ~~يستميلك إليها بالخوف من الحاكم، على فرض أن خوف الحاكم كان ذريعة من ~~ذرائع نشر الإسلام. # فالشاهد الذي تطعمه وتكسوه ليقول قولك في إحدى القضايا، كالشاهد الذي ~~ينظر إلى السوط في يديك فيقول ذلك القول، ms023 كلاهما لا يأخذ بإقناع الدليل ~~ولا بنفاذ الحجة، ولا يدفع عن عقيدة دفع العارف البصير ... # وصفوة ما تقدم أن الإسلام لم يوجب القتال إلا حيث أوجبته جميع الشرائع وسوغته جميع ~~الحقوق، وأن الذين خاطبهم بالسيف قد خاطبتهم الأديان الأخرى بالسيف كذلك، إلا أن يحال ~~بينها وبين انتضائه، أو تبطل عندها الحاجة إلى دعوة الغرباء إلى أديانها، وأن الإسلام ~~عقيدة ونظام، وهو من حيث النظام شأنه كشأن كل نظام في أخذ الناس بالطاعة ومنعهم أن ~~يخرجوا عليه ... # القائد البصير # لم يكن الإسلام إذن دين قتال، ولم يكن النبي رجلا مقاتلا يطلب الحرب للحرب، أو ~~يطلبها وله مندوحة عنها، ولكنه مع هذا كان نعم القائد البصير إذا وجبت الحرب ودعته ~~إليها المصلحة اللازمة، يعلم من فنونها بالإلهام ما لم يعلمه غيره بالدرس والمرانة، ~~ويصيب في اختيار وقته وتسيير جيشه وترسيم خططه إصابة التوفيق وإصابة الحساب وإصابة ~~الاستشارة، وقد يكون الأخذ بالمشورة الصالحة آية من آيات حسن القيادة تقترن بآية ~~الابتكار والإنشاء؛ لأن القيادة الحسنة هي القيادة التي تستفيد من خبرة الخبير كما ~~تستفيد من شجاعة الشجاع، وهي التي تجند كل ما بين يديها من قوى الآراء والقلوب ~~والأجسام. # وقد كانت غزوة بدر هي التجربة الأولى للنبي عليه السلام في إدارة المعارك الكبيرة، ~~فلم يأنف أن يستمع فيها إلى مشورة الحباب بن المنذر حين اقترح عليه الانتقال إلى غير ~~المكان الذي نزل فيه، ثم وعى من تجربة واحدة ما قل أن يعيه القادة المنقطعون للحرب ~~من تجارب شتى، فلو تتبع حروبه عليه السلام ناقد عسكري من أساطين فن الحرب في العصر ~~الحديث؛ ليقترح وراء خططه مقترحا أو ينبه إلى خطأ؛ لأعياه التعديل. # ونختار أبرع القادة المحدثين وهو نابليون بونابرت على أسلوب حرب الحركة الذي كان هو ~~الأسلوب الغالب في العصور الماضية، والذي ظهر في الحرب العالمية الحاضرة # 1 # أنه لا يزال الخطوة الأخيرة في جميع الحروب، على الرغم من الحصون والسدود؛ ~~لأن اختيار نابليون بونابرت يبين لنا السبق في خطط النبي العسكرية، بالمضاهاة ms024 بينها ~~وبين خطط هذا القائد العظيم ... # فنابليون كان يوجه همه الأول إلى القضاء على قوة العدو العسكرية بأسرع ما يستطيع، فلم ~~يكن يعنيه ضرب المدن ولا اقتحام المواقع، وإنما كانت عنايته الكبرى منصرفة إلى مبادرة ~~الجيش الذي يعتمد عليه العدو بهجمة سريعة يفاجئه بها أكثر الأحيان، وهو على يقين أن ~~الفوز في هذه الهجمة يغنيه عن المحاولات التي يلجأ إليها جلة القواد. # وعنده أنه يستفيد بخطته تلك ثلاثة أمور: أن يختار الموقع الملائم له، وأن يختار ~~الفرصة، وأن يعاجل العدو قبل تمام استعداده. # وكان النبي عليه السلام سابقا إلى تلك الخطط في جميع تفصيلاتها، فكان - كما قدمنا - ~~لا يبدأ أحدا بالعدوان، ولكنه إذا علم بعزم الأعداء على قتاله لم يمهلهم حتى يهاجموه ~~جهد ما تواتيه الأحوال، بل ربما وصل إليه الخبر كما حدث في غزوة تبوك والناس مجدبون، ~~والقيظ ملتهب، والشدة بالغة، فلا يثنيه ذلك عن الخطة التي تعودها، ولا يكف عن التأهب ~~السريع وعن حض المسلمين على جمع الأموال وجمع الرجال، ولا يبالي ما أرجف به المنافقون ~~الذين توقعوا الهزيمة للجيش المحمدي فلم يحدث ما توقعوه. # وكان عليه السلام يعمد إلى القوة العسكرية حيث أصابها، فيقضي على عزائم أعدائه ~~بالقضاء عليها، ولا يضيع الوقت في انتظار ما يختاره أولئك الأعداء، وإضعاف أنصاره بتركه ~~زمام الحركة في أيدي الهاجمين، إلا أن يكون الهجوم وبالا على المقدمين عليه، كما حدث ~~في غزوة الخندق. # وكان نابليون يقول إن نسبة القوة المعنوية إلى الكثرة العددية كنسبة ثلاثة إلى واحد ~~... # والنبي عليه السلام كان عظيم الاعتماد على هذه القوة المعنوية التي هي في الحقيقة قوة ~~الإيمان. وربما بلغت نسبة هذه القوة إلى الكثرة العددية كنسبة خمسة إلى واحد في بعض ~~المعارك، مع رجحان الفئة الكثيرة في السلاح والركاب إلى جانب رجحانهم في عدد الجنود. ~~ومعجزة الإيمان هنا أعظم جدا من أكبر مزية بلغها نابليون بفضل ما أودع نفوس رجاله من ~~صبر وعزيمة. فالنبي عليه السلام كان يحارب عربا بعرب، وقرشيين بقرشيين، وقبائل من ~~السلالة ms025 العربية بقبائل من صميم تلك السلالة، فلا يقال هنا إن الفضل لقوم على قوم في ~~المزايا الجسدية أو المزايا النفسية، كما يمكن أن يقال هذا في جيوش نابليون، وكل فضل ~~هنا فهو فضل العقيدة والإيمان. # وقد كان نابليون مع اهتمامه بالقضاء على القوة العسكرية لا يغفل القضاء على القوة ~~المالية أو التجارية التي يتناولها اقتداره. فكان يحارب الإنجليز بمنع تجارتهم وسفنهم ~~أن تصل إلى القارة الأوروبية، وتحويل المعاملات عن طريق إنجلترا إلى طريق فرنسا ~~... # وهكذا كان النبي عليه السلام يحارب قريشا في تجارتها، ويبعث السرايا في أثر القوافل ~~كلما سمع بقافلة منها. # وأنكر بعض المتعصبين من كتاب أوروبا هذه السرايا وسموها «قطعا للطريق» وهي هي ~~سنة المصادرة بعينها التي أقرها «القانون الدولي» وعمل بها قادة الجيوش في جميع ~~العصور، ورأينا تطبيقها في الحرب الحاضرة والحرب الماضية، رشيدا تارة وغاليا في الحمق ~~والشطط تارة أخرى. # وقد أسلفنا أن نابليون كان يوجه همه إلى الجيش، ولا يقتحم المدن أو يشغل باله ~~بمحاصرتها لغير ضرورة عاجلة. # ونرجع إلى غزوات النبي عليه السلام فلا نرى أنه حاصر محلة، إلا أن يكون الحصار هو ~~الوسيلة الوحيدة العاجلة لمبادرة القوة التي عسى أن تخرج منها قبل استعدادها، أو قبل ~~نجاحها في الغدر والوقيعة، كما حدث في حصار بني قريظة وبني قينقاع، فكان الحصار هنا ~~كمبادرة الجيش بالهجوم في الميدان المختار بغير كبير اختلاف. # وكان نابليون معتدا برأيه في الفنون العسكرية ولا سيما الخطط الحربية، ولكنه كان مع ~~هذا الاعتداد الشديد لا يستغني عن مشاورة صحبه في مجلس الحرب الأعلى، قبل ابتداء الزحف ~~أو قبل العزم على القتال. # ومحمد عليه السلام كان على رجاحة رأيه يستشير صحبه في خطط القتال وحيل الدفاع ويقبل ~~مشورتهم أحسن قبول، ومن ذلك ما صنعه ببدر - وألمعنا إليه آنفا - حين أشار عليه الحباب ~~بن المنذر بالانتقال إلى مكان غير الذي نزلوا فيه أول الأمر، ثم بتغوير الآبار وبناء ~~حوض للشرب لا يصل إليه الأعداء، وقيل في روايات كثيرة إنه عمل بمشورة سلمان ms026 الفارسي في ~~حفر الخندق، عند المنفذ الذي خيف أن يهجم منه المشركون على المدينة، فحفر الخندق وعمل ~~النبي بيديه الكريمتين في حفره. # وقبول النبي مشورة سلمان عمل من أعمال القيادة الرشيدة، وسنة من سنن القواد الكبار، ~~غير أننا نعتقد أنه عليه السلام كان خليقا أن يشير بحفر الخندق لو لم يكن سلمان ~~الفارسي بين أهل المدينة في إبان الهجمة عليها، لأنه عليه السلام كان شديد الالتفات إلى ~~سد الثغور وحماية الظهور في جميع وقعاته، وفي وقعة أحد جعل الجبل إلى ظهره، وأقام على ~~الشعب الذي يخشى منه النفاذ والالتفاف خمسين راميا مشددا عليهم في التزام موقفهم، ~~قائلا لهم: «احموا ظهورنا فإنا نخاف أن يجيئوا من ورائنا، والزموا مكانكم لا تبرحوا ~~منه، وإن رأيتمونا نهزمهم حتى ندخل عسكرهم فلا تفارقوا مكانكم، وإن رأيتمونا نقتل فلا ~~تعينونا ولا تدفعوا عنا، وإنما عليكم أن ترشقوا خيلهم بالنبل فإن الخيل لا تقدم على ~~النبل.» # والذي يفعل هذا في شعب جبل، لا يفوته أن يفعل مثله في ثغرة مدينة، ولكن المشاورة هنا ~~هي المقصود بالمضاهاة بين ما سبق إليه النبي وما نبغ فيه نابليون، فهذه خصلة معهودة في ~~كبار القواد لا تقدح فيما عرفوا به من قدرة على وضع الخطط وابتكار الأساليب. # ولم يعرف عن قائد حديث أنه كان يعنى بالاستطلاع والاستدلال عناية نابليون. # وكانت فراسة النبي في ذلك مضرب الأمثال، فلما رأى أصحابه يضربون العبدين المستقيين من ~~ماء بدر، لأنهما يذكران قريشا ولا يذكران أبا سفيان، علم بفطنته الصادقة أنهما يقولان ~~الحق ولا يقصدان المراء، وسأل عن عدد القوم فلما لم يعرفا العدد سأل عن عدد الجزر ~~التي ينحرونها كل يوم، فعرف قوة الجيش بمعرفته مقدار الطعام الذي يحتاج إليه. وكان ~~صلوات الله عليه إنما يعول في استطلاع أخبار كل مكان على أهله وأقرب الناس إلى العلم ~~بفجاجه ودروبه، ويعقد ما يسمى اليوم «مجلس الحرب» قبل أن يبدأ بالقتال، فيسمع من ~~كل فيما هو خبير به من فنون حرب أو دلائل استطلاع. # واشتهر عن ms027 نابليون أنه كان شديد الحذر من الألسنة والأقلام، وكان يقول إنه يخشى من ~~أربعة أقلام ما ليس يخشاه من عشرة آلاف حسام. # والنبي عليه السلام كان أعرف الناس بفعل الدعوة في كسب المعارك وتغليب المقاصد، فكان ~~يبلغه عن بعض أفراد أنهم يخفرون الذمة التي عاهدوا عليها، ويشهرون به وبالإسلام، أو ~~يثيرون العشائر لقتاله، ويقذعون في هجوه وهجو دينه، فينفذ إليهم من يحاربهم في ~~حصونهم أو يتكفل له بالخلاص منهم ... # وعاب هذا بعض المغرضين من الكتاب الأوروبيين، وشبهوه بما عيب على نابليون من اختطاف ~~الدوق دنجان، وما قيل عن محاولته أن يختطف الشاعر الإنجليزي كولردج الذي كان يخوض في ~~ذمه، ويستهوي الأسماع بسحر حديثه ... # إلا أن الفارق عظيم بين الحالتين؛ لأن حروب الإسلام إنما هي حروب دعوة أو حروب عقيدة، ~~وإنما هي في مصدرها وغايتها كفاح بين التوحيد والشرك أو بين الألوهية والوثنية، وليس ~~وقوف الجيش أمام الجيش إلا سبيلا من سبل الصراع في هذا الميدان. # فليس في حالة سلم مع النبي إذن من يحاربه في صميم الدعوة الدينية، ويقصده بالطعن في ~~لباب رسالته الإسلامية، وإن لم ينفر الناس لقتاله ولم يحرضهم على النكث بعهده، وإنما هو ~~مقاتل في الميدان الأصيل ينتظر من أعدائه ما ينتظره المقاتل من المقاتلين، ولا سيما إذا ~~كانت الحرب قائمة دائمة لا تنقطع فترة إلا ريثما تعود. # أما نابليون فالحرب بينه وبين أعدائه حرب جيوش وسلاح، فلا يجوز له أن يقتل أحدا لا ~~يحمل السلاح في وجهه، أو لا يدينه القانون بما يستوجب إزهاق حياته، وما نهض نابليون ~~لنشر دين أو تفنيد دين، ولا كان للرسول الإسلامي من غرض لو جاز له أن يقبل المسالمة ممن ~~يحاربونه في دينه وإن لم يشهروا السيف في وجهه، فإن الضرب بالسيف لأهون من المقتل الذي ~~يضربون فيه. ~~••• # تلك مقابلة مجملة بين الخطط والعادات التي سبق إليها محمد، وجرى عليها نابليون بعد ~~مئات السنين، ومن الواجب أن نحكم على قيمة القيادة بقيمة الفكرة أو الخطة قبل أن نحكم ~~عليها بضخامة ms028 الجيوش وأنواع السلاح. # لم يتخذ محمد الحرب صناعة، ولا عمد إليها - كما أسلفنا - إلا لدفع غارة واتقاء عداوة، ~~فإذا كان مع هذا يتقن منها ما يتولاه مدفوعا إليه، فله فضل السبق على جبار الحروب ~~الحديثة الذي تعلمها، وعاش لها، ولم ينقطع عنها منذ ترعرع إلى أن سكن في منفاه، ولم ~~يبلغ من نتائجه بعض ما بلغ القائد الأمي بين رمال الصحراء. # ولقد كانت خبرة النبي ببعوث الاستطلاع كخبرته ببعوث القتال، فكانت طريقته في اختيار ~~المكان والغرض، أو في اختيار القائد وتزويده بالوصايا والأتباع مثلا يحتذى في جميع ~~العصور، ولا سيما العصر الحديث الذي كثرت فيه ذرائع التخبئة والمراوغة وذرائع الكشف ~~والدعوة، فكثرت فيه - من ثم - حاجة المقاتلين إلى استقصاء أحوال الأعداء. # الأوامر المختومة # ففي الحروب الحديثة يتردد ذكر الأوامر المختومة التي تصدر إلى قواد السرايا والسفن ~~ليفتحوها عند مدينة معلومة، أو بعد مسيرة ساعات، أو في عرض البحر على درجة معينة من ~~درجات الطول والعرض، إلى أمثال ذلك من العلامات التي تعين بها الجهات. # ويتفق في أمثال هذه البعوث أن يكون القائد وحده مطلعا على سر البعثة، ورجاله جميعا ~~يجهلونه ولا يعرفون أهم خارجون في غزوة أم في مناورة استطلاع، إلى ما قبل الحركة ~~المقصودة بساعات معدودات، وهنالك تصدر الأوامر التي لا بد من صدورها للتهيؤ والتنفيذ، ~~ولا خوف من كشفها في تلك الساعات لصعوبة الاستعداد الذي يقابلها به العدو إذا انكشف له ~~قبل تنفيذها بفترة وجيزة، ولا سيما إذا كانت الحركة من حركات البحار ... # هذه الأوامر المختومة ليست بحديثة ... # فقد عرفت في المأثورات النبوية على أتم أصولها التي تلاحظ في أمثالها، ومن ذلك أنه ~~عليه السلام بعث عبد الله بن جحش ومعه كتاب أمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين، وفحواه ~~أن «سر حتى تأتي بطن نخلة على اسم الله وبركاته، لا تكرهن أحدا من أصحابك على المسير ~~معك، وامض فيمن تبعك حتى تأتي بطن نخلة، فترصد بها عير قريش وتعلم لنا من ~~أخبارهم.» # وهذا نموذج من الأوامر المختومة ms029 جامع لكل ما يلاحظ فيها حديثا وقديما وعند بداءة ~~الدعوات على التخصيص. # فأولها: كتمان الخبر عمن يحيطون بالنبي عليه السلام، فلا يبعد أن يكون منهم من ~~هو مدخول النية عينا عليه وعلى أصحابه من قبل قريش، ولا يبعد أن يكون منهم من يبوح ~~بالخبر ولا يريد به السوء أو يدرك ما في البوح به من الخطر المحظور، ولا يبعد أن يكون ~~منهم الضعفاء والمخالفون، وإن الاستعانة على قضاء الحاجات بالكتمان لسنة حكيمة من ~~سنن النبي عليه السلام في جميع المطالب، وهي في حروب الدعوات على التخصيص أقمن بالاتباع ~~... ولهذا كان إذا أراد غزوة ورى بغيرها على النحو الذي يتبعه قادة الحروب إلى ~~الآن. # ومما لوحظ في كتاب النبي لعبد الله بن جحش كتمان الخبر عن أصحابه، ثم وصايته ألا يكره ~~أحدا منهم على المسير معه بعد معرفته بوجهته، وهذا هو أهم الملاحظات في هذا ~~المقام. # فقد يحارب الرجل وهو مكره مهدد بالموت الذي يتقيه إذ يفر من القتال، ولكنه لا يستطلع ~~وهو مكره ثم يفيد استطلاعه من أرسلوه، بل لعله ينقلب إلى النقيض فيحرف الأخبار عمدا، ~~أو يتلقاها على غير اكتراث، أو يطلع الأعداء على أسرار أصحابه وهم غافلون عنه. # ولهذا تعاني الدول أكبر العناء في مراقبة الجواسيس بالجواسيس، وفي امتحان كل خبر ~~بالمراجعة بعد المراجعة، والمناقضة بعد المناقضة، حتى تطمئن إلى صحته قبل الاعتماد ~~عليه. # وفي الحرب الحاضرة تجربة جديدة لهذا النوع من ~~المستطلعين أو الرواد المتقدمين ... # فقد عرف أن هتلر يعتمد على أفراد من جنده يهبطون من الطيارات وراء الصفوف، فيتسللون ~~إلى مراكز المواصلات ويعيثون بين القرى المعزولة، فيشيعون فيها الرعب والحيرة، ويوهمون ~~من يراهم أن الجيش المغير كله على مقربة منهم، فلا جدوى لهم من الاستغاثة أو المقاومة، ~~ويحمل معظم هؤلاء الرواد المتقدمين أجهزة للمخاطبة يستعينون بها على الاتصال برؤسائهم ~~من بعيد. # قيل في الإعجاب بهذه الخطة الهتلرية كثير، وقيل في انتقادها والتنبيه إلى خطرها ~~كثير. # فمن دواعي الإعجاب بها أنها أفادت في قطع المواصلات وإشاعة الذعر ms030 وتضليل المدافعين، ~~وأنها شيء جديد في شكله وإن لم يكن جديدا في غايته ومرماه ... ومن أسباب انتقادها أن كل ~~فائدة فيها تتوقف على العقيدة وحسن النية. فهي تستلزم أن يكون الرائد غيورا على عمله، ~~متحمسا لإنجازه، رقيبا على نفسه وهو بمعزل عن رقبائه، فليس أيسر له إذا هو انفرد ~~وأعوزته الرغبة في إنجاز عمله من أن يستأسر في أول مكان يصل إليه من بلاد الأعداء؛ ~~طلبا للسلامة، ولا عقاب عليه إلى نهاية القتال، ثم يتعلل بما شاء من المعاذير إن وجد ~~بعد ذلك من يحاسبه ويعاقبه، وهيهات أن تستجمع الأدلة عليه في أمثال هذه الفوضى بين ~~معسكرين أو عدة معسكرات. # فالخطة الهتلرية فاشلة لا محالة إن لم ينفذها مريدون متعصبون غير مكرهين، ولا متشككين ~~فيما هو موكول إليهم، وهي لهذا أحرى أن تحسب من وحي إخوان الطريق وإلهام العقائد، لا من ~~النظام الذي يدرب عليه كل جيش ويصلح لجميع الجنود، فلولا أن النازيين قضوا قبل الحرب ~~الحاضرة زهاء عشر سنين ينفخون في نفوس الناشئة جذوة البغضاء ويلهبونهم بحماسة العقيدة ~~ويخلقون فيهم اللدد الذي يغني عن الرقابة ساعة التنفيذ؛ لحبطت الخطة كل الحبوط، وانقلبت ~~على النازيين شر انقلاب ... # وها هنا تتجلى حكمة النبي عليه الصلاة والسلام في اشتراط الرغبة والطواعية، واجتناب ~~القسر والإكراه ... # فهذه «أولا» بعثة منفردة لا سبيل إلى الإكراه الفعال بين رجالها إذا أريد. # وهي «ثانيا» بعثة استطلاع لا يغني فيها عمل الكاره المقسور. وألزم ما يلزم العامل ~~فيها إيمانه وصدق نيته وحسن مودته لمن أرسلوه، فإن أعوزته هذه الصفة فقد أعوزه كل ~~شيء. # أما غرض البعثة كلها وهو الاستطلاع، فقد كان النبي عليه السلام عليما بمزاياه، ~~معنيا به غاية العناية، يحسب العدو المجهول كالعدو المستتر بأسوار الحصون، في حمى من ~~الجهل به قد يحول دون الاستعداد له بالعدة الضرورية في الوقت الضروري، ويحول من ثم دون ~~الانتصار عليه ... # ونحن نكتب هذه الفصول والحرب الروسية تذكرنا كيف أصيب نابليون في هذا الميدان حين ~~أصيب في وسائل الاستطلاع، ثم تذكرنا ms031 كيف تكررت هذه الغلطة بعينها على نوع من المشابهة ~~بين غزوة نابليون في روسيا أمس وغزوة هتلر لتلك البلاد اليوم. # فمن أسباب هزيمة نابليون إهماله النصائح التي سمعها في مجلس الحرب من بعض الثقات قبل ~~التوغل في الحرب الروسية؛ لاعتقاده خطأ أن القيصر سيطلب صلحه بعد أسابيع. # ومن أسباب تلك الهزيمة أن الروس كانوا يتراجعون أمامه تحت جنح الظلام، ويخلون المدن ~~والطرقات حتى لا يرى فيها ديارا يسأله عن مكان الجيش المتراجع، أو يلتقط من خلال ~~أجوبته ما يعينه على الاستطلاع الذي كان شديد التعويل عليه. # أما هتلر فقد أتي من قبل هذين النقصين كما أتى من قبلهما من هو أعظم منه وأولى ~~بالتحرز والأناة. # فقد اشتهر أنه كان في مجلس الحرب على خلاف مع قواده الثقات الذين علموا من شأن الروس ~~ما ليس له به علم. # واشتهر أنه أخطأ في استطلاع أخبار القوم، إذ خيل إليه أن الشعب الروسي يتحفز للثورة، ~~ويترقب الإغارة عليه لنصرة المغير كائنا من كان، ولو جاءت الغارة من عنصر معاد للعنصر ~~السلافي، وهو عنصر الجرمان. # ومحمد عليه السلام لم يتعلم ما تعلمه هتلر ونابليون، ولكنه لم يخطئ قط مثل هذا الخطأ ~~في جميع غزواته وكشوفه، ولعلنا نفهم - كلما درسنا زمانه الحافل بالعبر والأمثلة الباقية ~~- أن دراسته ضرب من دراسة العصر الحديث والقادة المحدثين. # وينبغي ألا تمر بنا سرية عبد الله بن جحش دون أن نستوفي كل ما فيها من الشئون ~~العسكرية؛ لأنها تشتمل على أكثر من جانب واحد من جوانب السنة النبوية والتشريع الإسلامي ~~في هذه الشئون. # فهي سرية استطلاع كما علمنا، لم تؤمر بقتال ولم يؤذن لها فيه. # لكن حدث بعد فض الكتاب أن اثنين من رجال السرية ذهبا يطلبان بعيرا لهما ضل فأسرتهما ~~قريش، وهما سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان ... # ثم نزل الركب بنخلة فمرت بهم عير قريش تحمل تجارة عليها عمرو بن الحضرمي، آخر شهر رجب ~~وكانت قريش قد حجزت أموال أناس من المسلمين منهم بعض من في السرية. ms032 فتشاوروا في قتال ~~أهل العير، وحاروا فيما يصنعون؛ إن تركوا العير تمضي ليلتها امتنعت بالحرم، وفاتهم ~~تعويض ما حجزته قريش في هذه الفرصة السانحة، وإن قاتلوا أهلها قتلوهم في شهر حرام، ~~لكنهم اندفعوا إلى القتال؛ فأصابوا من أصابوه ورمى أحدهم عمرو بن الحضرمي بسهم فأرداه، ~~وأسروا رجلين. # وقفل عبد الله بن جحش ومن معه إلى المدينة وقد حجزوا للنبي عليه السلام الخمس من ~~غنيمتهم، فأباه # صلى الله عليه وسلم # وقال لهم: ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام، وعنفهم إخوانهم ~~لمخالفة النبي، وساءت لقياهم بين أهل المدينة. # وراحت قريش تثير ثائرة العرب، واندس جماعة من اليهود يحضأون نار الفتنة، وتنادوا أن ~~محمدا وأصحابه قد أباحوا الدماء والأموال في الشهر الحرام، وقال المسلمون في مكة، بل ~~كان ذلك في شعبان، ثم نزلت الآيات: # يسألونك عن الشهر ~~الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله ~~وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر ~~عند الله والفتنة أكبر من القتل ولا يزالون ~~يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ~~(البقرة: 217). # فقبض النبي العير والأسيرين، وطلبت قريش فداءهما فقال عليه السلام: «لا نفديكموهما ~~حتى يقدم صاحبانا، فإنا نخشاكم عليهما، فإن تقتلوهما نقتل صاحبيكم.» # هذه قصة السرية وما وقع فيها خلافا لأمر النبي وما نجم عنها من تشريع ... فإذا نحن ~~كتبناها باصطلاح العصر الحديث فكيف نكتبها؟ ... وكيف نفهمها؟ ... # هي لا خلاف حادثة طلائع أو حادثة حدود: ترسل إحدى الدول طليعة من جندها إلى حدودها ~~للكشف أو للحراسة، فيقع الاشتباك بينها وبين طليعة في بلاد أخرى على غير علم من ~~الحكومتين. # فالذي يحدث في هذه الحالة أن تنظر الحكومة الأخرى إلى المسألة كأنها مسألة فردية ~~عرضية لا تستوجب القتال، وتكتفي بما ينال المسئولين على أيدي حكومتهم من جزاء أو تأنيب، ~~وينحسم النزاع. # هذا أو تصر الحكومة الأخرى على طلب الترضية، فإن قبلتها الحكومة المطلوبة فالنزاع ~~منحسم، وإن لم تقبلها فالمفاوضة والمساومة أو امتشاق الحسام ... # ذلك إذا نظر الفريقان إلى المسألة كأنها مسألة فردية عرضية، ms033 ولم يشأ أحدهما أو كلاهما ~~أن يضعاها موضع التشريع العام لتقرير الحكم الذي يجريان عليه فيها وفي أمثالها، أو ~~تقرير ما يعترفان به وما ينكرانه من الشرائط والأصول. # وقريش لم تكتف بالنظر إلى حادثة السرية كأنها حادثة فردية عرضية، ولم تعلن الحرب ~~توا لأنها تبيت النية لإعلانها بعد حين ... ولكنها أثارت مسألة تشريع عام في قتال الشهر ~~الحرام، فوجب أن ينص الإسلام على هذا التشريع صريحا لا لبس فيه، وهذا الذي كان. # ليست المسألة أن عبد الله بن جحش قد خالف أمر النبي، فهذا أمر مفروغ منه ولا محل ~~للبحث فيه. # إنما المسألة هي: ما الحكم بعد الآن في قتال الأشهر الحرم؟ ... وماذا يبلغ من حق ~~المشركين في الاحتماء بحرمة هذه الأشهر إذا كانوا لا يرعون للمسلمين حرمة ولا يزالون ~~يقاتلونهم ويردونهم عن دينهم ما استطاعوا؟ وما الجواب على تشهير قريش واحتجاجها ~~بالحرمات التي لا ترعاها؟ ... # هذا هو الحكم الذي وجب أن يعلنه الإسلام، وقد أعلنه على الوجه الذي دانت به الشرائع ~~الحديثة في علاقاتها الحربية، ولا تزال تدين به حتى اليوم. فهناك حرمات دولية إذا ~~خالفتها إحدى الدول بطل احتماؤها بها، وأحل لغيرها أن يخالفها كما خالفتها أو يتخذ من ~~القصاص ما يردع الشر ويعوض الخسارة، وإلا كانت الحرمات درعا للمعتدين ولم تكن مانعا ~~لهم وسدا في وجوههم كما أريد بها أن تكون. ~~••• # واليوم تنقطع العلاقة بين دولتين في حالة حرب أو جفاء، فيجوز لكلتيهما أن تحجز ما ~~عندها من أموال الدولة الأخرى وأن تأسر الذين في بلادها من رعاياها، ويجوز لها أن تجعل ~~تلك الأموال ضمانا لسداد المغارم التي تنزل بها وبأبنائها، وأن تتخذ من المعتقلين ~~رهائن تعاملهم بمثل ما يعامل به المعتقلون من أبنائها في سجون الدولة الأخرى. # فالذي حدث بعد سرية عبد الله بن جحش هو هذا بعينه، وهو حكم القانون الدولي المتفق ~~عليه؛ أسيران بأسيرين، وأموال العير بالأموال التي حجزتها قريش للمسلمين، ولا محل لضجة ~~الناقدين من المبشرين والمتعصبين في تعقيبهم على هذا الحادث المألوف ms034 أو على حكم النبي ~~والإسلام فيه، فإن أصحاب هذه الضجة يعمون عما حولهم وينسون أن المعاملات الدولية في ~~زمانهم لم تفصل في أمثال هذه الحوادث بحكم أنفع ولا أعدل من الحكم الذي ارتضاه النبي ~~ونزل به القرآن، وهو حكم مساواة يدين به المسلمون كما يدانون، ويحار المتعسف لو شاء أن ~~يستبدل به ما هو خير منه وأدنى إلى النفاذ والاتباع. # غرضان # وكان هذا القائد الملهم الخبير بتجنيد بعوث الحرب وبعوث الاستطلاع خبيرا كذلك بتجنيد ~~كل قوة في يديه متى وجب القتال، إن قوة رأي وإن قوة لسان وإن قوة نفوذ، فما نعرف أن ~~أحدا وجه قوة الدعوة توجيها أسد ولا أنفع في بلوغ الغاية من توجيهه عليه ~~السلام. # والدعوة في الحرب لها - كما لا يخفى - غرضان أصيلان بين أغراضها العديدة ... أحدهما: ~~إقناع خصمك والناس بحقك، وهذا قد تكفل به القرآن والحديث ودعاة الإسلام جميعا، فالدين ~~كله دعوة من هذا القبيل. # وثانيهما: إضعافه عن قتالك بإضعاف عزمه وإيقاع الشتات بين صفوفه وربما بلغ النبي برجل ~~واحد في هذا الغرض ما لم تبلغه الدول بالفرق المنظمة، وبالمكاتب والدواوين، وبدر ~~الأموال. # قال ابن إسحق ما ننقله ببعض تصرف: «إن نعيم بن مسعود الغطفاني أتى رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، فقال: يا رسول الله، إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي ... فمرني بما ~~شئت ... # فقال رسول الله: إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت فإن الحرب خدعة ... (أي ~~ادخل بين القوم حتى يخذل بعضهم بعضا فلا يقوموا لنا ولا يستمروا على حربنا). # فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى بني قريظة - وكان لهم نديما في الجاهلية - فقال: يا بني ~~قريظة، قد عرفتم ودي إياكم وخاصة ما بيني وبينكم ... # قالوا: صدقت ... لست عندنا بمتهم. # فقال لهم: إن قريشا وغطفان ليسوا كأنتم ... البلد بلدكم، فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم ~~لا تقدرون على أن تتحولوا منه إلى غيره، وإن قريشا وغطفان قد جاءوا لحرب محمد وأصحابه، ~~وقد ظاهرتموها عليه، وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره، فليسوا كأنتم! ms035 ... فإن رأوا نهزة ~~أصابوها وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم، ولا طاقة لكم به ~~إن خلا بكم، فلا تقاتلوه مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم يكونون بأيديكم ثقة ~~لكم على أن تقاتلوا محمدا حتى تناجزوه. # فقالوا له: لقد أشرت بالرأي. # ثم خرج حتى أتى قريشا فقال لأبي سفيان بن حرب ومن معه من قريش: قد عرفتهم ودي لكم ~~وفراقي محمدا وأنه قد بلغني أمر قد رأيت علي حقا أن أبلغكموه نصحا لكم فاكتموا ~~عني! # قالوا: نفعل. # قال: تعلموا أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد، وقد أرسلوا ~~إليه: إنا قد ندمنا على ما فعلنا، فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين قريش وغطفان ~~رجالا من أشرافهم فنعطيكهم فتضرب أعناقهم، ثم نكون معك على من بقي منهم حتى نستأصلهم؟ ~~فأرسل إليهم أن نعم. فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون رهنا من رجالكم فلا تدفعوا إليهم ~~منكم رجلا واحدا. # ثم خرج حتى أتى غطفان فقال: يا معشر غطفان، إنكم أهلي وعشيرتي وأحب الناس إلي ولا ~~أراكم تتهمونني. قالوا: صدقت ما أنت عندنا بمتهم ... # قال: فاكتموا عني. # قالوا: نفعل، فما أمرك؟ # فقال لهم مثل ما قال لقريش وحذرهم. # فلما كانت ليلة السبت من شوال سنة خمس، أرسل أبو سفيان بن حرب ورؤوس غطفان إلى بني ~~قريظة عكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش وغطفان، فقالوا لهم: إنا لسنا بدار مقام، وقد ~~هلك الخف والحافر ... فاغدوا للقتال حتى نناجز محمدا ونفرغ مما بيننا وبينه، فأرسلوا ~~إليهم: إن اليوم يوم السبت وهو يوم لا نعمل فيه شيئا، ولسنا مع ذلك بمقاتلي محمد حتى ~~تعطونا رهنا من رجالكم يكونون بأيدينا ثقة لنا، فإنا نخشى إن ضرستكم الحرب واشتد عليكم ~~القتال أن تنشمروا إلى بلادكم وتتركونا والرجل في بلدنا ولا طاقة لنا بذلك منه. # فلما رجعت إليهم الرسل بما قالت بنو قريظة قالت قريش وغطفان: والله إن الذي حدثكم ~~نعيم بن مسعود لحق، فأرسلوا إلى ms036 بني قريظة: إنا والله لا ندفع إليكم رجلا واحدا من ~~رجالنا فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا ... # وقالت بنو قريظة حين انتهت الرسل إليهم بهذا: إن الذي ذكر لكم نعيم بن مسعود لحق. ما ~~يريد القوم إلا أن تقاتلوا، فإن رأوا فرصة انتهزوها، وإن كان غير ذلك انشمروا إلى ~~بلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل في بلدكم ... ~~... وخذل الله بينهم، وبعث الله عليهم الريح في ليال شاتية باردة شديدة البرد، فجعلت ~~تكفأ قدورهم وتطرح آنيتهم ... ثم رحلت قريش وغطفان إلى بلادها، وانصرف رسول الله عن ~~الخندق راجعا إلى المدينة.» ~~••• # هذه دعوة نعيم بن مسعود. # وما نجحت دعوة قط برجل واحد نجاح هذا الرجل، ولا انتهزت فرصة العناصر الطبيعية ~~والعناصر التي تتألف منها جماعة الأعداء كما انتهزت هذه الفرصة ... فكل كلمة قيلت لطائفة ~~من طوائفهم فهي الكلمة التي ينبغي أن تقال في الوقت الذي ينبغي أن تفعل فيه فعلها، وهذه ~~هي دعوة الإضعاف والتمزيق كأمضى ما تكون. # قائد بغير نظير # عندما تنعقد المقارنة بين المعارك القديمة والمعارك العصرية ينبغي أن ننظر إلى فكرة ~~القائد قبل أن ننظر إلى ظواهر المعارك أو إلى أشكالها وأحجامها، لأننا إذا نظرنا إلى ~~الظواهر فلا معنى إذن للمقارنة على الإطلاق، إذ من المقطوع به أن عشرة ملايين يجتمعون ~~في ميدان واحد أضخم من عشرة آلاف، وأن حربا تدار بالمذياع والتليفون أعجب من حرب تدار ~~بالفم والإشارة، وأن نقل الجنود بالطائرات والدبابات أبرع من نقلهم على ظهور الخيل ~~والإبل، وأن المدفع أمضى من السيف، والرصاصة أمضى من السهم، فلا معنى إذن لمقارنة ~~بالظواهر تنتهي إلى نتيجة واحدة ... هي استضخام الحرب الحديثة والنظر إلى القيادة الغابرة ~~كأنها شيء صغير إلى جانب القيادة التي توجه هذه الضخامة. # لكننا إذا نظرنا إلى فكرة القائد، أمكننا أن نعرف كيف أن توجيه ألف رجل قد يدل على ~~براعة في القيادة لا نراها في توجيه مليون، بينهم الراجل والراكب، ومنهم من يركبون كل ~~ما يركب من مخلوقات حية وآلات مخترعة. # وهذه الفكرة هي التي ms037 ترينا محمدا عليه السلام قائدا حربيا بين أهل زمانه بغير ~~نظير في رأيه وفي الانتفاع بمشورة صحبه، وتبرز لنا قدرته النادرة بين قادة العصور ~~المختلفة في توجيه كل ما يتوجه على يدي قائد من قوى الرأي والسلاح والكلام. # وهذه القدرة هي شهادة كبرى للرسول تأتي من طريق الشهادة للقائد الخبير بفنون ~~القتال. # فمن كانت عنده هذه الأداة النافذة فاقتصر بها على الدفاع واكتفى منها بالضروري الذي ~~لا محيص عنه، فذلك هو الرسول الذي تغلب فيه الرسالة على القيادة العسكرية، ولا يلجأ إلى ~~هذه القيادة إلا حين توجبها رسالة الهداية. # ويزيد هذه الشهادة عظما أن الرجل الذي يجتنب القتال في غير ضرورة رجل شجاع غير ~~هياب. # شجاع وليس كبعض الهداة المصلحين الذين تجور فيهم فضيلة الطيبة على فضيلة الشجاعة، ~~فيحجمون عن القتال لأنهم ليسوا بأهل قتال. # إن بعض المستشرقين زعموا أنه # صلى الله عليه وسلم # قد اشترك في حرب الفجار بتجهيز السهام، لأنه ~~عمل أقرب إلى خلقه من الخوض في معمعة القتال، وكأنهم أرادوا أنه لم يكن قادرا على ~~المشاركة في المعمعة بغير ذلك. # فهذا خطأ في الإحاطة بمزايا هذه النفس العظيمة التي تعددت جوانبها حتى تجمعت فيها ~~أطيب صفات الحنان وأكرم صفات البسالة والإقدام ... # فمحمد كان في طليعة رجاله حين تحتدم نار الحرب ويهاب شواظها من لا يهاب، وكان علي ~~فارس الفرسان يقول: «كنا إذا حمي البأس اتقينا برسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~... فما يكون أحد أقرب ~~منه إلى العدو.» # ولولا ثباته في وقعة حنين، وقد ولت جمهرة الجيش وأوشك أن ينفرد وحده في وجه الرماة ~~والطاعنين، لحقت الهزيمة على المسلمين. # وخروجه والليل لما يسفر عن صبحه ليطوف بالمدينة مستطلعا، وقد هددها الأعداء بالغارة ~~والحصار أمر لو لم تدعه إليه الشجاعة الكريمة لم يدعه إليه شيء؛ لأن المدينة كانت يومئذ ~~حافلة بمن يؤدون عنه مهمة الاستطلاع وهو قرير في داره، ولكنه أراد أن يرى بنفسه فلم ~~يثنه خوف، ولم يعهد بهذا الواجب إلى غيره. # ومشاركته في الوقعات الأخرى هي ms038 مشاركة القائد الذي لا يعفي نفسه وقد أعفته القيادة من ~~مشاركة الجند عامة فيما يستهدفون له، فهي شجاعة لا تؤثر أن تتوارى حيث يتاح لها أن ~~تتوارى ، وعندها العذر المقبول بل العذر المحمود. # وإذا كان القائد خبيرا بالحرب قديرا عليها غير هياب لمخاوفها، ثم اكتفى منها ~~بالضروري الذي لا محيص عنه ... فذلك هو الرسول تأتيه الشهادة بالرسالة من طريق القيادة ~~العسكرية، وتأتي جميع صفاته الحسنى تبعا لصفات الرسول. # خصائص العظمة # لكن للعظمة خصائص تدعو إلى العجب، وإن كانت معروفة الأسباب، وناهيك بالعظمة التي ~~ترتقي هذا المرتقى. # فمن تلك الخصائص أنها قد توصف بالنقيضين في وقت واحد، لأنها متعددة الجوانب، فيراها ~~أناس على صورة ويراها غيرهم على صورة أخرى، وربما رأتها العين الواحدة على اختلاف في ~~الوقتين المختلفين. # ولأنها تبعث الحب الشديد كما تبعث البغض الشديد، وبين الطرفين مجال للاعتدال يستقيم ~~للراشدين، ومجال للمغالاة من هنا وللمغالاة من هناك ... # ولأنها عميقة الأغوار فلا يسهل استبطانها لكل ناظر، ولا يتأتى تفسيرها لكل ~~مفسر. # وهذا إذا سلمت النفوس من سوء النية، فأما إذا ساءت النيات وران الهوى على البصائر فلا ~~عجب إذن في الضلال. ~~••• # ومن خصائص العظمة النبوية في محمد عليه السلام أنه وصف بالنقيضين على ألسنة المتعصبين ~~من أعداء دينه ... فهو عند أناس منهم صاحب رقة تحرمه القدرة على القتال، وهو عند أناس ~~آخرين صاحب قسوة تضريه بالقتل وإهدار الدماء البشرية في غير جريرة، وتنزه محمد عند ~~هذا وذاك ... # فإذا كانت شجاعته عليه السلام تنفي الشبهة في رقة الضعف والخوف المعيب، فحياته كلها ~~من طفولته الباكرة تنفي الشبهة في القسوة والجفاء، إذ كان في كل صلة من صلاته بأهله أو ~~بمرضعاته أو بصحبه أو بزوجاته أو بخدمه مثلا للرحمة التي عز نظيرها في ~~الأنبياء. # ولا نقف كثيرا عند الحوادث التي ذكرها المتعصبون ليستدلوا بها على إهدار الدماء في ~~غير جريرة، فأكثرها لم يثبت قط ثبوتا يقطع الشك فيه، ولا سيما القول بتحريض النبي عليه ~~السلام على قتل عصماء بنت مروان اليهودية لأنها ms039 كانت تهجو الإسلام والمسلمين، فإنه ~~النبي عليه السلام قد نهى في قول صريح عن قتل النساء وكرر نهيه في غير موضع، حتى قال ~~بعض الفقهاء بمنع قتل المرأة وإن خرجت للقتال، ما لم يكن ذلك لدفع خطر لا يدفع بغير ~~قتلها. # والحادث الوحيد الذي يستحق الالتفات إليه هو مقتل كعب بن الأشرف الذي كان يهجو ~~المسلمين، ويقدح في دينهم، ويؤلب عليهم الأعداء، ويأتمر بقتل النبي، ويدخل في كل دسيسة ~~تنقض معالم الإسلام. وكان مع قومه بني النضير معاهدا على أن يحالف المسلمين، ويحارب من ~~يحاربونهم، ولا يخرج لقتالهم ولا يقابلهم إلا بما يقابل به الحليف حليفه من المودة ~~والمعونة. # فنقض العهد وزاد على نقضه تأليب العرب مع قومه على النبي وصحبه، وأنه رجع إلى المدينة ~~«فشبب بنساء المسلمين حتى آذاهم» وافترى عليهن وعليهم ما ليس يفتريه رجل شريف وليس ~~يرضاه في عرضه عربي غيور. # ورد في حديث مقتله أن الرهط الذين خرجوا لقتله انتهوا إلى حصنه. فهتف به أبو نائلة - ~~وكان حديث عهد بعرس - فوثب في ملحفته ... فأخذت امرأته بناحيتها وقالت: «إنك امرؤ محارب، ~~وإن أصحاب الحرب لا ينزلون في هذه الساعة!» # وصدقت امرأته حين وصفته بأنه محارب يعامل معاملة المحاربين وقد حنثوا في أيمانهم، ~~فلم يكن راعيا لعهده، ولم يكن له وازع من نفسه ولا من قومه، ولم يكن مأمونا على ~~المسلمين وهو لائذ بحصنه، فهو أقل الناس حقا في أمان. # وجاء في الخبر أن النبي عليه السلام أقر مقتله، فعاب بعض المؤرخين الأوروبيين ذلك، ~~وحسبوه خروجا على سنن القتال يشبه فعلة نابليون الكبير حين أمر باختطاف الدوق دنجان ~~ومحاكمته بغير حق، مع ما بين الحادثين من بون بعيد بيناه من قبل فلا نعود إليه. # إلا أننا نوجز هنا فلا نزيد على أن نشير إلى حكم القانون الدولي في أحدث العصور على ~~من يؤخذون بصنيع معيب كصنيع ابن الأشرف، وإن لم يبلغ مبلغه من الغدر والكيد والإساءة ~~إلى الأعراض. # وذلك هو حكم الأسير الذي ينطلق بعهد الشرف ألا يعود ms040 إلى القتال، فإن القانون الدولي ~~يوجب عليه أن يوفي بعهده، ووجب على حكومته ألا تندبه إلى عمل ينقض ما عاهد الأعداء ~~عليه، ويقضي بحرمانه حق المعاملة كما يعامل أسرى الحرب إذا شهر السلاح على الذين أطلقوه ~~أو على حلفائهم المحاربين في صفوفهم، ويصح إذن أن يحاكم كما يحاكم المذنبون، ويقضى عليه بالموت. # 2 # فقوانين العصر الحديث إذن تعاقب بالموت جريمة أهون من جريمة كعب بن الأشرف بكثير، ~~لأنه تجاوز الغدر إلى التأليب والائتمار وثلب الأعراض ... # وليس في توقيع هذه الأحكام قسوة ولا رحمة، لأن المرجع فيها إلى الضرورة التي أوجبت ~~القصاص وفرضته على الناس في أحوال السلم بين أبناء الأمة الواحدة، فضلا عن أحوال ~~القتال بين الأعداء. # أسرى غزوة بدر # ويلحق بقتل ابن الأشرف ما أخذه بعض المستشرقين من قتل بعض الأسرى بعد غزوة بدر وخروج ~~النبي إلى ساحة الحرب لرؤية صرعى المعركة وغنائمها بعد انتهائها ... فهو أمر لا يصح الحكم ~~فيه إلا بالنظر إلى موضعه وموقعه وأشخاصه، لأنه ليس بالحكم العام الذي اتبعه الإسلام في ~~جميع الأسرى وجميع الحروب، وإنما هي حالة أفراد كانوا معروفين بتعذيب المسلمين والتنكيل ~~بهم في غير مبالاة ولا نخوة. وليست هي كحالة الأسرى الذين يقعون في أيدي أعدائهم غير ~~معروفين بماض ولا بحاضر سوى أنهم جند كسائر الجند الذين يحشدهم الأعداء، فقتل الأسرى ~~بعد بدر إن هو إلا قصاص كقصاص المتهمين بالتعذيب وقد وقعوا في أيدي من يتولى عقابهم من ~~الغالبين. جاز هذا في كل قانون، وجاز أن يحاسب المغلوب على جرائمه التي ليست هي من فروض ~~القتال أو من مباحاته في شيء ... وفرق بين معاملة هؤلاء ومعاملة أسير كل ما تعلمه في شأنه ~~أنه جندي لا بغضاء بينك وبينه قبل حمل السلاح ولا بعد وضع السلاح، وليس في عمله محل ~~للثأر والمحاسبة بعد انقضاء واجبه، وهو القتال الشريف. ~~••• # أما رؤية القتلى في ساحة الحرب، فقد نسي فيها أولئك الناقدون أن اغتباط المنتصر بفوزه ~~طبيعة إنسانية لا غضاضة فيها. ما لم تجاوز حدها إلى ms041 الفرح برؤية الدماء لمحض الفرح ~~برؤية الدماء. وهذا ما لم يزعمه أحد من شاهدي المعركة عن النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، ولا نم عليه ~~كلام أحد من المشركين أو المسلمين. # ونسي أولئك الناقدون كذلك أن الرجل الذي يرى الدم في المدينة العصرية، غير الرجل الذي ~~يرى الدم في حروب البادية وفي حياة البادية على الإجمال، ونعني بها حياة الرعاة التي ~~تتكرر فيها إراقة الدم كل يوم، وحياة القبائل التي كانت تغزو وتغزى في كثير من ~~الأيام. # فإنك لا ترمي بالقسوة طبيبا قد ألف النظر إلى الجثث وأشلائها والأجسام الحية ~~وجراحها، لأن الطب لن يكون في الدنيا رحمة من الرحمات إن لم يألف الأطباء هذه المناظر ~~ويملكوا جأشهم وهم يفتحون أعينهم عليها. ولكنك قد ترمي بالقسوة إنسانا لم تقع عينه على ~~منظر مثلها ثم هي تفاجئه فلا ينفر منها. وما من رجل عاش في البادية وشهد غزوة من ~~غزواتها يمكن أن يقال فيه إن ساحة الحرب تفاجئه بما لم يكن يراه، أو بما يستلزم النظر ~~إليه قسوة في الطباع واستراحة إلى رؤية الدماء ... # كان على أولئك الناقدين أن يشهدوا بدرا، لينظروا بعين النبي إلى عواقب هذه الوقعة ~~التي أوشكت أن تصبح الوقعة الحاسمة في تاريخ الإسلام. # كان عليهم أن ينظروا هنالك بعين النبي إلى جيشين، أحدهما فيه السلاح والخيل والعدد، ~~والآخر في ثلث من يقاتلونه عددا، ويكاد أن يتجرد من كل سلاح غير السيف، ومن كل مطية ~~غير الأقدام. # وكان عليهم أن يلمسوا إشفاق النبي من عاقبة هذه الوقعة، ويستمعوا إليه وهو يناشد ربه: ~~«اللهم هذه قريش قد أتت بخيلائها تكذب رسولك اللهم فنصرك الذي وعدتني، اللهم إن تهلك ~~هذه العصابة اليوم لا تعبد ...» # وكان عليهم أن ينظروا إليه، وقد مد يديه وشخص ببصره وجمع نفسه في صلاته، حتى جعل ~~ردؤاه يسقط عن منكبيه وأبو بكر يرده ويناديه: «بعض مناشدتك ربك فإن الله منجز لك ما ~~وعدك.» وهو لا يلتفت إلى سقوط ردائه ولا إلى مناداة صفيه، لاستغراقه في الدعاء ... # وكان ms042 عليهم أن يعلموا حرص قريش أن يستبقوا رجالا منهم، يرجعون إلى مكة قبل المعركة ~~أو بعدها ليثابروا على مناوأة النبي وإعادة الكرة عليه حتى لا يهدأ له بال بعد الصبر ~~على هذا الجهد، وليس الصبر عليه بيسير. # كان على الناقدين أن يعلموا هذا كله ليعلموا أن الشعور بالفرح في مثل هذا الموقف ~~العصيب أمر لا غرابة فيه، وأنه شعور مطبوع في نفس حية تجاوب كل ما يحيط بها من بواعث ~~الحياة في مواقف السلم أو مواقف القتال. فأول ما يبادر النفس الحية من شعور مطبوع صادق ~~في ذلك الموقف أن تغتبط بالنصر، وتخرج من الضيق إلى الفرج، وتنظر في ساحة الحرب إلى من ~~قضى فيها من قريش ومن عاد منها إلى وكره ليعيد الكرة ويستأنف الإيذاء والمكيدة، وأن ترى ~~ما هي تلك الأسلاب والغنائم التي أوشكت أن تفتن بعض المقاتلين لأنها أول شيء شهدوه من ~~نوعه، ولما ينزل حكم الدين في سلب أو غنيمة. # إن محمدا رجل حي جياش النفس بدوافع الحياة، وليس بناسك مهزول من نساك الصوامع الذين ~~يكتمون في جوانحهم كل دافعة وكل إحساس. فامتناعه أن يشهد نتيجة المعركة التي سبقتها كل ~~تلك المخاوف وستلحق بها كل تلك العواقب أمر لم يكن بالمنتظر من قائد في مثل موقفه، ولم ~~تكن توجبه الفطرة الإنسانية على المقاتل، وهو في اللحظة الأولى بعد الظفر خليق أن يعلم ~~مدى انتصاره، ومدى ما يتوقعه بعده، ومدى ما فعلته الفئة القليلة بالفئة الكثيرة، ليقيس ~~عليه ما تفعله مثلها فيما يليها من وقعات. وهؤلاء مراسلو الصحف الحربيون الذين يدرسون ~~اليوم أشباه هذه المواقف يجدون من واجبهم ألا يتخلفوا عن ساحات القتال بعد انجلاء ~~الفريقين، ليشرحوا دروس النصر والهزيمة بينهما ويسجلوا ما لا غنى عن تسجيله في جميع ~~الحروب. فانصراف محمد عن ساحة بدر على أثر النصر عمل غريب يخل بمكانة القائد وبواجب ~~التحقيق والاستفادة من كل ما يفيد. # بعد معركة الأحزاب # ونحن في صدد الحديث عن الرحمة والقسوة يحسن بنا أن نستقصي ما ذكره المؤرخون ms043 ~~الأوروبيون من مآخذ في هذا الباب، وأهمه - عدا ما قدمناه - قتل المقاتلين من بني قريظة ~~بعد معركة الأحزاب. # فإن أولئك المؤرخين يستعظمون قتلهم ويحسبونه مخالفا للعرف المتبع في الحروب، وينسون ~~أمورا لا يصدق الحكم في هذه المسألة ما لم يذكروها ويستحضروها أتم استحضار ... وهي أن ~~بني قريظة حنثوا في أيمانهم مرات؛ فلا يجدي معهم أخذ المواثيق من جديد، وأنهم قبلوا حكم ~~سعد بن معاذ وهم الذين اختاروه، وأن سعدا إنما دانهم بنص التوراة الذي يؤمنون به كما ~~جاء في التثنية: «حين تقرب من مدينة لكي تحاربها استدعها إلى الصلح، فإن أجابتك إلى ~~الصلح وفتحت لك. فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير ويستعبد لك. وإن لم تسالمك بل ~~عملت معك حربا فحاصرها، وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف، ~~وأما النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة كل غنيمتها فتغنمها لنفسك وتأكل غنيمة ~~أعدائك التي أعطاك الرب إلهك ...» (إصحاح 10 إلى 15 تثنية). # وينبغي أن يسأل الناقدون أنفسهم بعد هذا: ماذا كان مصير المسلمين لو ظفرت بهم ~~الأحزاب؟ # فالقضاء الذي قضاه النبي في بني قريظة عدل وحكمة وصواب، وما من أحد يقضي غير ذلك ~~القضاء وهو مؤتمن على مصير أمة يرحمها من غدر أعدائها، ومن لددهم في خصومتها، ومن ~~استباحتهم كل منكر في التربص والوثبة بعد الوثبة عليها. # وإن حملة تأديبية واحدة من حملات العصور الحديثة يحملها قوم مسلحون على قوم عزل ~~يذودون عن أوطانهم وحقوقهم، لفيها من البطش والتعذيب ما لم يحدث قط نظير له في عقاب بني ~~قريظة، ولا في جميع الحروب التي نشبت بين النبي عليه السلام وبين أعداء له ولدينه، هم ~~المتفوقون عليه في العدد والثروة والسلاح. ~~••• # إن عبقرية محمد في قيادته لعبقرية ترضاها فنون الحرب، وترضاها المروءة، وترضاها شريعة ~~الله والناس، وترضاها الحضارة في أحدث عصورها، ويرضاها المنصفون من الأصدقاء ~~والأعداء. # الفصل الرابع # | عبقرية محمد السياسية # سياسة الخصوم والأتباع # السياسة على معان كثيرة في العرف الحديث ... # فمنها ما يكون بين بعض ms044 الدول وبعض من المراسم والعلاقات، ومنها ما يكون بين هذه الدول ~~من معاهدات وخطط في أعمالها الخارجية، ومنها ما يكون بين الراعي ورعيته أو بين الأحزاب ~~والوزارات من برامج ودعوات ... ولكل معنى من هذه المعاني اصطلاحه في العرف الحديث، وإن ~~جمعتها كلمة السياسة في اللغة العربية. # وقد تولى النبي عليه السلام أعمالا كثيرة مما يطلق عليه لفظ السياسة في عموم مدلوله ~~... ولكننا لا نعرف بينها عملا واحدا هو أدخل في أبواب السياسة، وأجمع لضروبها، وأبعد ~~عن المشاركة في صفة القيادة العسكرية أو صفة الوعظ العلني أو سائر الصفات التي اتصف بها ~~عليه السلام من عهد الحديبية في مراحله جميعا، منذ ابتدأ بالدعوة إلى الحج إلى أن ~~انتهى بنقض الميثاق على أيدي قريش ... # ففي عهد الحديبية تدبير محمد في سياسة خصومه وسياسة أتباعه، وفي الاعتماد على السلم ~~والعهد حيث يحسنان ويصلحان، والاعتماد على الحرب والقوة حيث لا تحسن المسالمة ولا تصلح ~~العهود. # بدأ بالدعوة إلى الحج، فلم يقصره في تلك السنة على المسلمين المصدقين لرسالته ... بل ~~شمل به كل من أراد الحج من أبناء القبائل العربية التي تشارك المسلمين في تعظيم البيت ~~والسعي إليه، فجعل له وللعرب أجمعين قضية واحدة في وجه قريش، ومصلحة واحدة في وجه ~~مصلحتها، وفصل بذلك بين دعواها ودعوى القبائل الأخرى، ~~ثم أفسد على قريش ما تعمدوه من إثارة نخوة العرب ~~وتوجيهها إلى مناوأة محمد والرسالة الإسلامية. فليس محمد وأصحابه أناسا معزولين عن ~~النخوة العربية يضعون من شأنها ويبطلون مفاخرها، ولكنهم إذن عرب ينتصر بهم العرب ولا ~~يذلون بانتصارهم، أو يقطعون ما بينهم وبين آبائهم وأجدادهم. فإذا خالفوا قريشا في شيء ~~فذلك شأن قريش وحدهم أو شأن المنتفعين من قريش بالسيطرة على مكة، وليس هو بشأن القبائل ~~أجمعين. # ثم أفسد على قريش من جهة أخرى ما تعمدوه من إغضاب العرب على الإسلام، بما ادعوا من ~~قطعه للأرزاق وتهديده للأسواق التي يعمرها الحاج ويستفيد منها الغادون إلى مكة ~~والرائحون منها، فها هو ذا محمد نفسه يأخذ معه المسلمين ms045 إلى مكة كما يأخذ معه من شاء ~~مصاحبته من غير المسلمين قصاد البيت الحرام. فإذا حال بينهم حائل وبين ما يقصدون إليه، ~~فتلك جنايته وذلك وزره على نفسه وعلى قومه ، ولا وزر فيما أصاب الأرزاق أو أصاب الأسواق ~~على المسلمين ... # وقد سمعنا كثيرا في العصور الحديثة عن المقاومة السلبية أو المقاومة التي تجتنب ~~العنف ولا تعتمد على غير وجه الحق والحجة. # سمعنا بها في الحركة الهندية التي قام على رأسها غاندي وتابعه فيها بعض مريديه، حتى ~~كان لها من الأثر في إزعاج الحكومة البريطانية ما لم يكن للقنابل ولا للمشاغبات ~~الدامية. # وقيل يومئذ إن غاندي قد تتلمذ في هذه الحركة على المصلح الروسي الكبير ليو تولستوي، ~~وقيل بل هو أحرى أن يعرفها من آداب البرهميين والبوذيين التي تحرم إيذاء الحيوان فضلا ~~عن الإنسان، قبل أن يشرع ليو تولستوي مذهبه الجديد. # والذين قالوا بهذا الرأي الأخير استبعدوا أن يتفق المسلمون والبرهميون والبوذيون على ~~حركة غاندي وتبشيره بتلك المقاومة السلبية لاعتقادهم أن الإسلام قد شرع القتال فلا ~~يوائم المسلمين ما يوائم البوذيين والبرهميين، من اجتناب القوة والتزام السلم وترك ~~المقاومة. # لكن المثل الذي قدمه النبي صلوات الله عليه في رحلة الحديبية ينقض ما توهموه، ويبين ~~لهم أن الإسلام قد أخذ من كل وسيلة من وسائل نشر الدعوة بنصيب يجري في حينه مع مناسباته ~~وأسبابه ... فلا هو يركن إلى السيف وحده ولا إلى السلم وحده، بل يضع كليهما حيث يوضع، ~~ويدفع بكليهما حيث ينبغي أن يدفع، وهو الحكم المتصرف حيث يختار ما يختار، وليس الآلة ~~التي يسوقها السلم أو الحرب مساق الاضطرار. # وقد خرج النبي إلى مكة في رحلة الحديبية حاجا لا غازيا ... يقول ذلك ويكرره ويقيم ~~الشواهد عليه لمن سأله، ويثبت نية السلم بالتجرد من السلاح، إلا ما يؤذن به لغير ~~المقاتلين. # فلم يفصل بهذه الخطة بين العرب وقريش وحسب، بل فصل بين قريش ومن معهم من الأحابيش، ~~وجعل الزعماء وذوي الرأي يختلفون فيما بينهم على ما يسلكون من مسلك في دفعه ms046 أو قبوله أو ~~مهادنته، وهو عليه السلام يكرر الوصاة لأتباعه بالمسالمة والصبر منعا للاتفاق بين ~~خصومه على قرار واحد، وقل من أتباعه من أدرك قصده ومرماه حتى الصفوة ~~المختارين. # ولما اتفق الطرفان - المسلمون وقريش - على التعاهد والتهادن، كانت سياسة النبي في ~~قبول الشروط التي طلبتها قريش غاية في الحكمة والقدرة «الدبلوماسية» كما تسمى في اصطلاح ~~الساسة المحدثين ... # دعا بعلي بن أبي طالب فقال له: اكتب «بسم الله الرحمن الرحيم». # فقال سهيل بن عمرو مندوب قريش: «أمسك! لا أعرف الرحمن الرحيم، بل اكتب باسمك ~~اللهم». # فقال النبي: «اكتب باسمك اللهم.» # ثم قال: «اكتب «هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو».» # فقال سهيل: «أمسك! لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك، ولكن اكتب اسمك واسم ~~أبيك.» # وروي أن عليا تردد فمسح النبي ما كتب بيده، وأمره أن يكتب «محمد بن عبد الله في ~~موضع محمد رسول الله.» # ثم تعاهدوا على أن من أتى محمدا من قريش بغير إذن وليه رده عليهم، ومن جاء ~~قريشا من رجال محمد لم يردوه عليه، وأنه من أحب من العرب محالفة محمد فلا جناح عليه، ~~ومن أحب محالفة قريش فلا جناح عليه، وأن يرجع محمد وأصحابه عن مكة عامهم هذا على أن ~~يعودوا إليه في العام الذي يليه، ويقيموا بها ثلاثة أيام ومعهم من السلاح السيوف في ~~قربها، ولا سلاح غيرها. # ولو كان عهد الحديبية هذا قد كتب بعد قتال انهزم فيه المشركون وانتصر فيه المسلمون، ~~لوجب أن يكتب على غير هذا الأسلوب. فيعترف المشركون كرها أو طوعا بصفة النبوة ولا ~~يردون أحدا من مواليهم أو قاصريهم يذهب إلى النبي ويلحق بالمسلمين. # ولكنه عهد مهادنة أو عهد «إيقاف أعمال العداء إلى حين» كما يسمونه في اصطلاح العصر ~~الحاضر، فلا يعوزه شيء من الأصول المرعية في أمثال هذه العهود، من إثبات صفة المندوبين ~~التي لا إرغام فيها لأحد الطرفين ولا مخالفة لدعوى الفريقين، ومن حفظ كل لحقه ~~في تجديد دعواه واستئناف مسعاه. # فلو أن النبي ms047 عليه السلام شرط على قريش أن ترد إليه من يقصدها من رجاله لنقض بذلك ~~دعوى الهداية الإسلامية، ونقض الوصف الذي يصف به المسلمين، فإن المسلم الذي يترك النبي ~~باختياره ليلحق قريشا ليس بمسلم، ولكنه مشرك يشبه قريشا في دينها وهي أولى به من نبي ~~الإسلام ... أما المسلم الذي يرد إلى المشركين مكرها فإنما الصلة بينه وبين النبي هي ~~الإسلام، وهو شيء لا سلطان عليه للمشركين، ولا تتقطع الصلة فيه بالبعد والقرب. فإن كان ~~الرجل ضعيف الدين ففتنوه عن دينه فلا خير فيه، وإن كان وثيق الدين فبقي على دينه فلا ~~خسارة على المسلمين. # وما انقضت فترة وجيرة حتى علمت قريش أنها هي الخاسرة بذلك الشرط الذي حسبته غنما لها ~~وخذلانا لمحمد صلوات الله عليه ... فإن المسلمين الذين نفروا من قريش ولم يقبلهم محمد في ~~حوزته رعاية لعهده، قد خرجوا إلى طريق القوافل على تجارة قريش يأخذونها وهي أمان في عهد ~~الهدنة بين الطرفين، فلا استطاع المشركون أن يشكوهم إلى النبي لأنهم خارجون من ولايته ~~بحكم الهدنة، ولا استطاعوا أن يحجزوهم في مكة كما أرادوا يوم أملوا شروطهم في عهد ~~الحديبية، ولو قضى العهد بولاية النبي على من ينفر من مسلمي مكة لجاز للمشركين أن ~~ينقضوه أو يطالبوا النبي بالمحافظة عليه. # وتم العهد ... فعرف من لم يعرف ما أفاء على الإسلام بعد قليل، فجهر بمحالفة النبي من لم ~~يكن يجهر بولائه ... واستراح النبي من قريش ففرغ ليهود خيبر وللممالك الأجنبية يرسل الرسل ~~إلى عظمائها بالدعوة إلى دينه، وفتح الأبواب لمن يفدون إليه ممن أنكروا بغي قريش، ~~وأمنوا أن تكون نصرتهم للإسلام حربا يبتلون فيها بما لا يطيقون. # ويوم نزلت الآية الكريمة على أثر اتفاق الحديبية: # إنا ~~فتحنا لك فتحا مبينا * ليغفر لك الله ما ~~تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك ~~صراطا مستقيما ~~(الفتح: 1، 2). # لم يفقه الكثيرون معناها في حينها، ولم يتبينوا موضع الفتح من ذلك الاتفاق الذي حسبوه ~~محض تسليم، ولكنهم فهموا أي فتح هو بعد سنتين، وعلموا ms048 أن من الفتوح ما يكون بغير السيف، ~~وما يشبه الهزيمة في ظاهره عند من يتعجلون ولا يحسنون النظر إلى بعيد ... # الفتح المبين # كان في تلك السنة فتح يراه الناظر بعين الغيب ولا يراه الناظر بعينه، ولكنها سنة ~~واحدة ثم رأى الفتح المبين من لا يرون بغير العيون ... رأوه وامتلأت عيونهم بالنظر إليه، ~~فسر قوما وساء آخرين. # ففي السنة التالية نادى الرسول أصحابه أن يتجهزوا للحج ولا يتخلف أحد ممن شهد ~~الحديبية، فخرجوا في شوق المنطلق بعد منع والمنتظر بعد صبر، إلا من استشهد في خيبر ~~وأدركته الوفاة خلال العام، وخرج معهم جمع كبير ممن لم يشهدوا الحديبية يتبعهم النساء ~~والأطفال، وساقوا أمامهم ستين بدنة مقلدات للهدي، وقد حملوا السلاح والدموع والرماح ~~وعلى رأسهم مائة فارس يقودهم محمد بن سلمة. # فلما انتهى الرسول وصحبه إلى ذي الحليفة قدم الخيل أمامه، وعلمت قريش بالنبأ ففزعوا ~~وبعثوا بمكرز بن حفص في نفر منهم فجاءوا يقولون: «والله يا محمد ما عرفت صغيرا ولا ~~كبيرا بالغدر ... تدخل بالسلاح في الحرم على قومك وقد شرطت عليهم ألا تدخل إلا بسلاح ~~المسافر؛ السيوف في القرب؟» فقال # صلى الله عليه وسلم ~~: «إني لا أدخل عليهم» قال مكرز: «هو الذي ~~تعرف به؛ البر والوفاء.» # وإنما حمل النبي السلاح للحيطة كما قال لصحبه: «إن هاجنا هائج من القوم كان السلاح ~~قريبا منا» ... وتركه في الحراسة على مقربة من مكة حيث يوصل إليه عند الحاجة ~~إليه. # ثم أقبل عليه السلام على ناقته القصواء وجموع المسلمين محدقون به متوشحون بالسيوف ~~يلبون ويهللون، وأخذ عبد الله بن رواحة بزمام القصواء وهو ينشد: # خلوا بني الكفار عن سبيله # خلوا فكل الخير في رسوله # يا رب إني مؤمن بقيله # إني رأيت الحق في قبوله # وأوشك وقد هزته النخوة أن يصيح في قريش صيحة الحرب، فنهاه عمر - رضي الله عنه - وأمر ~~النبي أن ينادي ولا يزيد: «لا إله إلا الله وحده نصر عبده، وأعز جنده وخذل الأحزاب ~~وحده.» فرفع ابن رواحة بها صوته الجهير، وتلاه المسلمون ms049 يرددونها وتهتز بها جنبات ~~الوادي القريب. فيسمعها من فارقوا مكة ليكلا يسمعوها ولا يروا ركب النبي يخطو في ~~نواحيها ... # وكان الفتح الذي بصر به عيانا من لم يره يوم الحديبية بنور البصيرة، وأسلم من ~~الضعفاء والأقوياء من كان عصيا على الإسلام؛ فريق منهم بهرهم وفاء النبي بعهده مع ~~استطاعة نقضه، وفريق منهم راعهم سمت الدين ورحم الإسلام فيما بين المسلمين، وجمال ما ~~بينهم وبين نبيهم من طاعة وتمكين، وفريق منهم علموا أن العاقبة للإسلام فجنحوا إلى طريق ~~السلامة والسلام، وحسبك أن عمرة القضاء هذه قد جمعت في آثارها من أسباب الإقناع بالدعوة ~~المحمدية ما أقنع خالد بن الوليد وعمرو بن العاص، وهما في رجاحة الخلق والعقل مثلان ~~متكافئان، وإن كانا لا يتشابهان. # وهكذا تجلت عبقرية محمد في سياسة الأمور كما تجلت في قيادة الجيوش. فكان على أحسن ~~نجاح في سياسته إذ نادى بعزيمة الحج وهو لم يفتح مكة بعدده وعدته، وإذ دعا المسلمين ~~وغير المسلمين إلى مصاحبته في رحلته، وإذ توخى ما توخى من طريقة المسالمة وإقامة الحجة ~~في إنفاذ عزيمته، وإذ قبل العهد الذي كبر قبوله على أقرب المقربين من عترته، وإذ نظر ~~إلى عقباه ووصل به إلى القصد الذي توخاه. # الفصل الخامس # | عبقرية محمد الإدارية # ملكات شخصية # في الإسلام أحكام كثيرة مما يدخل في تصرف رجال الإدارة كما نسميهم اليوم، وفيه وصايا ~~كثيرة عن المعاملات، كالمساندة والمبايعة والاستقراض والشفعة والتجارة وسائر شئون ~~المعيشة الاجتماعية يقتدي بها المشترعون في جميع العصور. # ولكنا لا نريد بما نكتب عن النبي أن نسرد أحكام الفقه ونبسط وصايا الدين، فهي مشروحة ~~في مواطنها لمن شاء الرجوع إليها. # وإنما نريد أن نعرض لأعماله ووصاياه من حيث هي ملكات شخصية وسلائق نفسية. تلازمه حيث ~~كان مؤديا لرسالة الدين، أو مؤديا لغير الرسالة من سائر أعمال الإنسان. # كذلك لا يعنينا مثلا أن نتكلم عن «الإدارة» كأنها نصوص المنشورات و«اللوائح» التي ~~تدار بها الدواوين وتجري عليها تفصيلات الحركة في مكاتب الحكومة، فإن هذه وما إليها هي ~~أعمال ms050 منفذين مأمورين وليست أعمال مديرين آمرين، وإنما نعني الملكة الإدارية من حيث هي ~~أساس في التفكير؛ من اعتمد عليه استطاع أن يقيم بناء الإدارة كلها على أسس قويمة، ثم ~~يدع لغيره تفصيلات الأضابير والأوراق. # فليس في وسع رجل مطبوع على الفوضى مستخف بالتبعة أن يؤسس إدارة نافعة ولو كان فيما ~~عدا ذلك كبير العقل كبير الهمة. # أما السليقة المطبوعة على إنشاء الإدارة النافعة فهي السليقة التي تعرف النظام، وتعرف ~~التبعة، وتعرف الاختصاص بالعمل، فلا تسنده إلى كثيرين متفرقين يتولاه كل منهم على ~~هواه. # وقد كانت هذه السليقة في محمد عليه السلام على أتم ما تكون. # كان يوصي بالرياسة حيثما وجد العمل الاجتماعي أو العمل المجتمع الذي يحتاج إلى تدبير. ~~ومن حديثه المأثور: «إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم» ... ومن أعماله المأثورة أنه ~~كان يرسل الجيش وعليه أمير وخليفة للأمير وخليفة للخليفة إذا أصيب من تقدمه بما أقعده ~~عن القيادة، وكان قوام الرئاسة والإمامة عنده شرطان هما جماع الشروط في كل رئاسة، وهما ~~الكفاءة والحب: «أيما رجل استعمل رجلا على عشرة أنفس علم أن في العشرة أفضل ممن استعمل ~~فقد غش الله وغش رسوله وغش جماعة المسلمين.» # و«أيما رجل أم قوما وهم له كارهون لم تجز صلاته أذنيه.» # وكان إلى عنايته بإسناد الأمر إلى المدير القادر عليه حريصا على تقرير التبعات في ~~الشئون ما كبر منها وما صغر، على النهج الذي أوضحه صلوات الله عليه حيث قال: «كلكم راع ~~وكلكم مسئول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع ~~على أهل بيته وهو مسئول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وهي مسئولة عنه، والعبد راع ~~على مال سيده وهو مسئول عنه. ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته.» # وقد كانت أوامر الإسلام ونواهيه معروفة لطائفة كبيرة من المسلمين أنصارا كانوا أو ~~مهاجرين، ولكنه عليه السلام لم يترك أحدا يدعي لنفسه حقا في إقامة الحدود، وإكراه ~~الناس على طاعة الأوامر واجتناب النواهي، غير من لهم ولاية ms051 الأمر وسياسة الناس. # فلما قتل بعض المسلمين غداة فتح مكة رجلا من المشركين غضب عليه السلام، وقال فيما ~~قال من حديثه المبين: «... فمن قال لكم إن رسول الله قد قاتل فيها فقولوا إن الله قد ~~أحلها لرسوله ولم يحللها لكم يا معشر خزاعة ...» ولما أراد أن يصادر الخمر نهج في ذلك ~~منهجا يقصد به إلى التعليم والاستنان كما جاء في رواية ابن عمر حيث قال: «أمرني # صلى الله عليه وسلم # أن آتيه بمدية، فأتيته بها، فأرسل بها فأرهفت، ثم أعطانيها فقال ~~اغد علي بها. ففعلت، فخرج بأصحابه إلى أسواق المدينة وفيها زقاق الخمر قد جلبت ~~من الشام فأخذ المدية مني فشق ما كان من تلك الزقاق بحضرته ثم أعطانيها، وأمر الذين ~~كانوا معي أن يمضوا معي ويعاونوني، وأمرني أن آتي الأسواق كلها فلا أجد فيها زق خمر إلا ~~شققته ففعلت، فلم أترك في أسواقها زقا إلا شققته.» # وهذا تصرف المدير بعد تصرف النبي الذي يبين الحرام ويبين الحلال، فالخمر شربها وبيعها ~~ونقلها حرام يعلمه جميع المسلمين، من تفقه منهم ومن لم يتفقه في الدين، ولكن المحرمات ~~الاجتماعية ينبغي أن تكون في يد ولي المسلمين لا في يد كل فرد يعرف الحلال والحرام، ~~وليست المسألة هنا مسألة تحريم وتحليل، ولكنها مسألة إدارة وتنفيذ في مجتمع حافل يشتمل ~~على شتى المصالح والأهواء، ولا يصاب ببلاء هو أضر عليه من بلاء الفوضى والاضطراب ~~واختلاف الدعاوى وانتزاع الطاعة وتجاهل السلطان، فلم يكتف النبي عليه السلام بصريح ~~التحريم في القرآن ولا اكتفى بإسناد الأمر إلى غير معروف الصفة في تنفيذ الأحكام، بل ~~خرج بنفسه ثم أمر رجلا بعينه وأناسا بأعينهم أن يمضوا في إتمام عمله، ولم يجعل ذلك ~~إذنا لمن شاء أن يفعل ما شاء. # وما أكثر ما سمعنا في أيامنا الأخيرة عن الأمن والنظام، وتوطيد أركان الشريعة ~~والقانون، ولكننا لا نعرف في كل ما قيل كلاما هو أجمل لوجوه الصواب في هذه المسألة من ~~قول النبي: «السمع والطاعة حق ما لم يؤمر بمعصية فلا ms052 سمع ولا طاعة.» ومن قوله فيما رواه ~~عبادة بن الصامت: «... ألا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله ~~فيه برهان.» ومن قوله: «الإمام الجائر خير من الفتنة، وكل لا خير فيه، وفي بعض الشر ~~خيار.» ومن قوله: «إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم» ... إلى أحاديث في هذا ~~المعنى هي جماع الضوابط التي تقوم عليها الإدارة الحكيمة، والخطط السليمة المستقيمة، ~~بين آمر ومأمور. # نظام وفوق النظام سلطان، وفوق السلطان برهان من الشرع والعقل لا شك فيه، وجميع أولئك ~~على سماحة لا تتعسف النزاع ولا تتعسف الريبة ولا تلتمس الغلواء. # هذا الإلهام النافذ السديد في تدبير المصالح العامة، وعلاج شئون الجماعات، وهو الذي ~~أوحى إلى الرسول الأمي قبل كشف الجراثيم، وقبل تأسيس الحجر الصحي بين الدول، وقبل العصر ~~الحديث بعشرات القرون، أن يقضي في مسائل الصحة واتقاء نشر الأوبئة بفصل الخطاب الذي لم ~~يأت العلم بعده بمزيد، حيث قال: «إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض ~~وأنتم بها فلا تخرجوا منها.» # فتلك وصية من ينظر في تدبيره إلى العالم الإنساني بأسره لا إلى سلامة مدينة واحدة أو ~~سلامة فرد واحد، إذ ليس أصون للعالم من حصر الوباء في مكانه، وليس من حق مدينة أن تنشد ~~السلامة لنفسها أو لأحد من سكانها بتعريض المدن كلها لعدواها. # تدبير الشئون العامة # على أن الإدارة العليا إنما تتجلى في تدبير الشئون العامة حين تصطدم بالأهواء وتنذر ~~بالفتنة والنزاع، فليست الإدارة كلها نصوصا وقواعد يجري الحاكم في تنفيذها مجرى الآلات ~~والموازين التي تصرف الشئون على نسق واحد، ولكنها في كثير من الأحيان علاج نفوس وقيادة ~~أخطار لا أمان فيها من الانحراف القليل هنا أو الانحراف القليل هناك. # وذلك هو المجال الذي تمت فيه عبقرية محمد في حلول التوفيق واتقاء الشرور أحسن تمام. ~~فما عرض له تدبير أمر من معضلات الشقاق بعد الرسالة ولا قبلها إلا أشار فيه بأعدل ~~الآراء، وأدناها إلى السلم والإرضاء. # صنع ذلك حين اختلفت القبائل على ms053 أيها يستأثر بإقامة الحجر الأسود في مكانه، وهو شرف ~~لا تنزل عنه قبيلة لقبيلة، ولا تؤمن عقبى الفصل فيه بإيثار إحدى القبائل على غيرها ولو ~~جاء الإيثار من طريق المصادفة والاقتراع، فأشار محمد بالرأي الذي لا رأي غيره لحاضر ~~الوقت ولمقبل الغيب المجهول. فجاء بالثوب ووضع الحجر الأسود عليه وأشرك كل زعيم في طرف ~~من أطرافه، وكان من قسمته هو على غير خلاف بين الناس أن يقيمه بيده حيث كان، وأن يتسلف ~~الدعوة وهي مكتوبة في طوايا الزمان، ولو علموا بها يومئذ لما سلموا ولا سلم من عدوان ~~وشنآن. # وصنع ذلك يوم هاجر من مكة إلى المدينة فاستقبلته الوفود تتنافس على ضيافته ونزوله، ~~وهو يشفق أن يقدح في نفوسها شرر الغيرة بتمييز أناس منهم على أناس أو اختيار محلة دون ~~محلة، فترك لناقته خطامها تسير ويفسح الناس لها طريقها حتى بركت حيث طاب لها أن تبرك، ~~وفصلت فيما لو فصل فيه إنسان كبير أو صغير لما مضى فصله بغير جريرة لا تؤمن عقباها بعد ~~ساعتها، ولو أمنت في تلك الساعة على دخل وسوء طوية ... # وصنع ذلك يوم فضل بالغنائم أناسا من أهل مكة الضعيف إيمانهم على أناس من الأنصار ~~الذي صدقوا الإسلام وثبتوا على الجهاد، فلما غضب المفضولون لم يكن أسرع منه إلى إرضائهم ~~بالحجة التي لا تغلب من يدين بها، بل تريه أنه هو الغالب الكاسب وأنها تصيب منه المقنع ~~والإقناع في وقت واحد: «أوجدتم يا معشر الأنصار في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما ~~ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم؟ ... ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة ~~والبعير وترجعوا برسول الله إلى رحالكم؟ ... فوالذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت امرأ ~~من الأنصار. اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار ...» # كلام مدير فيه الإدارة والرياسة هبة من هبات الخلق والتكوين ... فهو مدير حين تكون ~~الإدارة تدبير أمور، ومدير حين تكون الإدارة تدبير شعور، وهو كفيل ألا يلي مصلحة من ~~المصالح تعتورها الفوضى ويتطرق إليها الاختلال، لأنه يسوسها ms054 بالنظام وبالتبعة، ~~وبالاختصاص وبالسماحة، وما من مجتمع يساس بهذه الخصال ويبقى فيه منفذ بعدها لاختلال أو ~~انحلال، أو لخطل في إدارة الأعمال. # الفصل السادس # | البليغ # «اللهم هل بلغت !» # هذه هي اللازمة التي رددها النبي في أطول خطبه الأخيرة، وهي خطبة الوداع. # وهي لازمة عظيمة الدلالة في مقامها؛ لأنها لخصت حياة كاملة في ألفاظ معدودات. فما كانت ~~حياة النبي كلها بعملها وقولها وحركتها وسكونها إلا حياة تبليغ وبلاغ، وما كان لها من فاصلة ~~خاتمة أبلغ من قوله عليه السلام وهو يجود بنفسه: «جلال ربي الرفيع فقد بلغت!» # ولصدق هذه الدلالة ترى أن السمة الغالبة على أسلوب النبي في كلامه المحفوظ بين أيدينا هي ~~سمة الإبلاغ قبل كل سمة أخرى ... بل هي السمة الجامعة التي لا سمة غيرها؛ لأنها أصل شامل لما ~~تفرق من سمات هي منها بمثابة الفروع. # وكلام النبي المحفوظ بين أيدينا إما معاهدات ورسائل كتبت في حينها، وإما خطب وأدعية ~~ووصايا وأجوبة عن أسئلة كتبت بعد حينها وروعيت الدقة في المضاهاة بين رواياتها جهد ~~المستطاع. # والإبلاغ هو السمة المشتركة في أفانين هذا الكلام جميعا، حتى ما جرى منه مجرى القصص أو ~~مجرى الأوامر إلى المرءوسين أو مجرى الدعاء الذي يلقنه المسلم ليدعو الله على مثاله. # انظر مثلا إلى قصة أصحاب الغار الثلاثة وتوسلهم بصالح الأعمال وهي كما جاء في مختار مسلم: ~~... بينما ثلاثة نفر يتمشون أخذهم المطر فأووا إلى غار في جبل، فانحطت على فم غارهم ~~صخرة من الجبل فانطبقت عليهم، فقال بعضهم لبعض: انظروا أعمالا عملتموها صالحة لله ~~فادعوا الله - تعالى - بها، لعل الله يفرجها عنكم، فقال أحدهم: اللهم إنه كان لي ~~والدان شيخان كبيران، وامرأتي، ولي صبية صغار أرعى عليهم. فإذا أرحت عليهم حلبت ~~فبدأت بوالدي فسقيتهما قبل بني. وإنه نأى بي ذات يوم الشجر فلم آت حتى أمسيت، ~~فوجدتهما قد ناما، فحلبت كما كنت أحلب فجئت بالحلاب، فقمت عند رؤوسهما أكره أن ~~أوقظهما من نومهما، وأكره أن أسقي الصبية قبلهما والصبية يتضاغون عند قدمي، فلم يزل ms055 ~~ذلك دأبي ودأبهم حتى طلع الفجر، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا ~~فرجة نرى منها السماء. # ففرج الله منها فرجة فرأوا منها السماء ... # وقال الآخر: اللهم إنه كانت لي ابنة عم أحببتها كأشد ما يحب الرجال النساء، وطلبت ~~إليها نفسها فأبت حتى آتيها بمائة دينار، فتعبت حتى جمعت مائة دينار، فجئتها ~~بها. # فلما وقعت بين رجليها قالت: يا عبد الله! اتق الله ولا تفتح الخاتم إلا بحقه. ~~فقمت عنها، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا منها فرجة. ففرج ~~لهم. # وقال الآخر: اللهم إني كنت استأجرت أجيرا بفرق # 1 # أرز، فلما قضى عمله قال: أعطني حقي، فعرضت عليه فرقه فرغب عنه، فلم أزل ~~أزرعه حتى جمعت منه بقرا ورعاءها فجاءني وقال: اتق الله ولا تظلمني حقي! قلت: اذهب ~~إلى تلك البقر ورعائها فخذها فقال: اتق الله ولا تستهزئ بي! فقلت: إني لا أستهزئ ~~بك. خذ ذلك البقر ورعاءها! ... فأخذه فذهب به ... # فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا ما بقي. # ففرج الله ما بقي. # هذا أسلوبه عليه السلام في التعليم بالقصص. # توجيه الأمراء والولاة # فانظر إلى أسلوبه في توجيه الأمراء والولاة كما جاء في مختار مسلم حيث قال: «كان رسول ~~الله إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين ~~خيرا ثم قال: اغزوا باسم الله في سبيل الله. قاتلوا من كفر بالله اغزوا ولا تغلوا ولا ~~تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث ~~خصال، فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار ~~المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها ~~فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء، إلا أن ~~يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فسلهم الجزية فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم. فإن ~~هم أبوا ms056 فاستعن بالله وقاتلهم. # وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه فلا تجعل لهم ذمة الله ~~ولا ذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك ، فإنكم أن تخفروا ذممكن وذمم أصحابكم ~~أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله. # وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله ولكن ~~أنزلهم على حكمك، فأنت لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا.» # وهذا أسلوبه عليه السلام في تعليم الولاة بالأوامر والوصايا. # فانظر إلى أسلوبه في الرسائل من رسالته إلى النجاشي حيث قال: «سلم أنت. فإني أحمد ~~إليك الله الذي لا إله إلا هو، الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن، وأشهد أن عيسى ابن ~~مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة؛ فحملت بعيسى فخلقه الله ~~من روحه، ونفخه كما خلق آدم بيده ونفخه. # وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، والموالاة على طاعته، وأن تتبعني وتؤمن بالذي ~~جاءني فإني رسول الله. # وقد بعثت إليك ابن عمي جعفرا ونفرا معه من المسلمين، فإذا جاءك فأقرهم ودع التجبر ... ~~فإني أدعوك وجنودك إلى الله فقد بلغت ونصحت فاقبلوا نصحي ... # والسلام على من اتبع الهدى.» # المعاهدات والمواثيق # أما أسلوبه في المعاهدات والمواثيق فهذا طرف مما جاء في كتابه عليه السلام بين ~~المهاجرين والأنصار واليهود: ~~... المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم وهم يفدون عانيتهم بالمعروف ~~والقسط بين المؤمنين. # وبنو عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها ~~بالمعروف والقسط بين المؤمنين. # وبنو الحارث على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها ~~بالمعروف والقسط بين المؤمنين. # وبنو جشم على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها ~~بالمعروف والقسط بين المؤمنين ... # وهكذا إلى آخر الكتاب. ~~••• # تلك النماذج من كلام النبي في أربعة أبواب مختلفات، تتفرق موضوعاتها كما تتفرق القصص ~~والأوامر والرسائل والمواثيق، ولكنها كلها موسومة بسمة واحدة لا اختلاف فيها، وهي سمة ~~الإبلاغ أو البلاغ المبين. # وأصدق ما يقال في تعريفها ms057 ما قيل في تعريف الخط المستقيم عند أهل الهندسة: أقرب موصل ~~بين نقطتين. # فليس أقرب من هذا الأسلوب في إبلاغ الغرض منه. # لا كلفة ولا غموض ولا إغراب، وقلة الغريب - بل ندرته - في كلام النبي أجدر الأمور ~~بالملاحظة في إقامة المثل والنماذج لأساليب البلاغة العربية ... # فمحمد العربي القرشي الناشئ في بني سعد العالم بلهجات القبائل حتى ما تفوته لهجة ~~قبيلة نائية في أطراف الجزيرة، لم يكن في كلامه كله غريب يجهله السامع أو يحتاج تبيانه ~~إلى مراجعة، وسر ذلك أنه يريد أن يبلغ أو يريد أن يصل إلى سامعه، ولا يريد أن يقيم بينه ~~وبين السامع حاجزا من اللفظ الغريب أو المعنى الغريب، ومن ذلك ما روي عنه عليه السلام ~~أنه كان يعيد الكلمة ثلاثا لتعقل عنه، وأنه كان يبغض التكلف والاغترار بالبلاغة كما ~~قال: «إن الله تعالى يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه تخلل الباقرة ~~بلسانها.» # وقد عرف عن النبي عليه السلام في حياته الخاصة والعامة أنه كان قليل الكلام معرضا عن ~~اللغو لا يقول إلا الحق وإن قاله في مزاح. # فمن ثم لا عجب أن يخلو كلامه من الحشو والتكرار والزيادة، فإذا كرر اللفظ بعينه كما ~~جاء في بعض المعاهدات فذلك أسلوب المعاهدات الذي لا محيص عنه، لأن تكرار النص يمنع ~~التأويل عند اختلافه فهو أيضا سمة من سمات الإبلاغ على سبيل التوكيد والتحقيق، أو على ~~سبيل الإعادة التي روي أنه كان يتوخاها عليه السلام أحيانا ليعقل عنه كلامه. # وفي كتابه إلى النجاشي زيادة من أسماء الله الحسنى ومن الإشارة إلى المسيح وأمه لم ~~تؤثر في الكتب الأخرى ... ولكنها ألزم ما يلزم في خطاب ملك مسيحي يراد منه أن يفهم كيف ~~تتفق صفات الله والمسيح في دينه وفي دين المسلمين الذي يدعى إليه، وكيف يبتغي طريق ~~المقابلة بين العقيدتين إذا شاء. # ما على الرسول إلا البلاغ. # وهذا هو البلاغ في التعبير: كل كلمة تصل إلى سامعها، وكل كلمة مقصودة بمقدار ... # ولا زخرف ولا حيلة ولا مشقة متعمل ms058 في ابتغاء التأثير، إلا الإبلاغ الذي يليق ~~بالرجولة والكرامة، وعلى المعرض بعد ذلك وزر الإعراض. # سجع كحلية الذهب # وكان عليه السلام يكره «سجع الكهان» الذي يخدعون به السامع ليوهموه أنه يستمع إلى ~~طلاسم السحرة والشياطين، ولكنه لم يكن يأبى السجع بتة ولا يخلو كلامه من سجع يأتي على ~~السجية، ويغلب أن يكون ذلك فيما يرتل علانية كالأذان وما هو في حكمه، أو فيما يحفظ من ~~الوصايا الجامعة كقوله: «ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله؟ ما كان من شرط ~~ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط. قضاء الله حق، وشرط الله أوثق، وإنما ~~الولاء لمن أعتق» أو قوله: «إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات ووأد البنات، ومنعا وهات، ~~وكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال.» # ومذهبه في هذه الحلية اللطيفة مذهبه في كل حلية تليق بالرجل؛ فحولة في القول وفحولة ~~في الزينة، فسجعه عليه السلام كحلية الذهب التي يليق بالرجل أن يتحلى بها، ولا ~~مزيد. # كتب إليه أبو سفيان كتابا يقول في آخره: ~~... نريد منك نصف نخل ~~المدينة، فإن أجبتنا إلى ذلك وإلا أبشر بخراب الديار وقلع ~~الآثار. # تجاوبت القبائل من نزار # لنصر اللات في البيت الحرام # وأقبلت الضراغم من قريش # على خيل مسومة ضرام # فأجابه بكتاب جاء فيه: # وصل كتاب أهل الشرك والنفاق والكفر والشقاق، ~~وفهمت مقالتكم. فوالله ما لكم عندي جواب إلا أطراف الرماح وأشفار الصفاح، ~~فارجعوا ويلكم عن عبادة الأصنام، وأبشروا بضرب الحسام، وبفلق الهام، وخراب ~~الديار، وقلع الآثار ... # فهذا السجع في هذا المقام أصلح لخطاب الجاهليين، لأنهم يعرفون منه معنى التوثيق ~~والتمكين، كما يعرفون منه معنى المناجزة والتخويف، ومن هنا أقر النبي نص الحلف الذي كان ~~بين جده وخزاعة على ما كان به من سجع وتفخيم يجعلونهما موثقا تعقد به المواثيق وتؤكد ~~به الحرمات. وهذا نصه: # باسمك اللهم. هذا حلف عبد المطلب بن هاشم لخزاعة، حلفا جامعا غير مفرق: ~~الأشياخ على الأشياخ، والأصاغر على الأصاغر، والشاهد على الغائب. قد تعاهدوا ms059 ~~وتعاقدوا أوكد عهد، وأوثق عقد، لا ينقض ولا ينكث ما أشرقت شمس على ثبير، وحن ~~بفلاة بعير، وما أقام الأخشبان # 2 # واعتمر بمكة إنسان: حلف أبد لطول أمد، يؤيده طلوع الشمس شدا، ~~وظلام الليل مدا، وإن عبد المطلب وولده ومن معهم ورجال خزاعة متكافئون ~~متضافرون متعاونون. على عبد المطلب النصرة لهم بمن تابعه على كل طالب، وعلى ~~خزاعة النصرة لعبد المطلب وولده ومن معه على جميع العرب في شرق أو غرب. أو حزن ~~أو سهل، وجعلوا الله على ذلك كفيلا، وكفى به جميلا ... # هذه أمثلة السجع الذي فاه به الرسول أو أقره من كلام غيره، وما عداه من تجميل الكلام ~~فهو تجميل الإبلاغ الذي لا كلفة فيه. # وقد أعانه عليه السلام على أسلوب الإبلاغ أن الذين كانوا يستمعون إليه إنما كانوا ~~يستمعون إلى كلام نبي محبوب مطاع. فهو نافذ في نفوسهم بغير حيلة، مستجمع لأسماعهم بغير ~~تشويق، قائم بالكفاية الوسطى التي لا حاجة بها إلى إفراط ولا خوف عليها من ~~تفريط. # أما رسائله إلى الملوك والأمراء - ممن لم يسلم ولم يهتد - فإنما كانت للإبلاغ أول ~~الأمر، ثم يأتي بعدها التفسير والتفصيل على ألسنة المرشدين والموكلين بالإجابة فيما ~~يسألون عنه، فهي كذلك قائمة على كفاية الإبلاغ، تلك الكفاية الوسطى التي لا إفراط فيها ~~ولا تفريط. # ونقول إن الأمرين أعانا النبي على أسلوبه المبلغ البليغ ولا نقول إنهما أنشآه وأوحياه ~~... فإن الحوار القليل الذي حفظ لنا من أيام الدعوة الأولى قبل استفاضة الدين وإقبال ~~الأتباع المؤمنين فقد كانت له صبغة هذا الأسلوب بعينه غير ظاهر فيها أثر من الكلفة ~~والاصطناع، لأن مصدر الفحولة في الإبلاغ ثقته بقوله لا ثقة المستمعين إليه، فكلامه، كله ~~نسق واحد في هذه الخصلة، وخطابه كله خطاب سهولة وكرامة. وسياقه كله مطواع لا احتيال ~~فيه، ووصاته لمن يقتدي به أن يقصر الخطبة ويقل الكلام كما كان يقول لمن يبعث بهم من ~~الولاة. # ولا يفهمن من هذا أن مقتضيات الكلام لم يكن لها أثر في اختلاف الوضع أو اختلاف ms060 ~~الموقف وهو يخاطب الناس، فقد كان عليه السلام يلاحظ هذا الاختلاف ويعطيه حقه كما كان ~~يفعل حين يتكئ على قوس وهو يخطب في الحرب، أو يتكئ على عصا وهو يخطب في العظات، وكان ~~يبدو على وجهه ما يختلج بصدره إذا غضب أو أنذر «فكان إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته ~~واشتد غضبه كأنه منذر جيش: صبحكم مساكم» ... # أسلوب عصري # ولمن شاء أن يحسب أسلوب النبي - كتابة وخطابا - أسلوبا عصريا يقتدي به المعاصرون ~~في زماننا هذا وفي كل زمان ... لأن الأسلوب الذي يخرج من الفطرة المستقيمة هو أسلوب عصري ~~في جميع العصور، ويخطئ من يحسب الوصل بين الجمل شرطا للكلام العربي القديم والفصل ~~بينها علامة من علامات الأساليب المبتدعة في الزمن الأخير، ويخطئ كذلك من يحسب قبول ~~الكلام لإشارات الترقيم علامة أخرى من علامات هذه الأساليب، فإليك الحديث الذي نقلناه ~~آنفا وهو مثل من أمثلة كثار حيث يقول عليه السلام: «ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست ~~في كتاب الله؟ ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط: قضاء الله ~~حق، وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق.» # هذا الحديث رضى البلاغة العربية في وصله وفصله، ورضى الأسلوب العصري في إشارات ~~ترقيمه، وآية على خطأ الذين يفرقون بين شروط البلاغة العربية ذلك النحو من ~~التفريق. # رأي النبي في الشعر # وقد نقلت إلينا تعقيبات معدودة عن رأي النبي في الشعر والشعراء لا تدخل في النقد ~~الفني وتدخل في كلام الأنبياء الذين يقيسون الكلام بقياس الخير والصلاح والمطابقة ~~لشعائر الدين وسنن الصدق والفضيلة، ومنها قوله: «أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: ~~«ألا كل شيء ما خلا الله باطل».» وقوله عن امرئ القيس إنه صاحب لواء الشعراء إلى النار، ~~وإنه كان يتمثل بشطرات من أبيات يبدل وزنها كلما أمكن تبديله مع بقاء المعنى المقصود، ~~فكان يقول مثلا: «ويأتيك بالأخبار من لم تزود» لأنها لا تقبل التبديل مع بقاء المعنى، ~~ولكنه إذا نطق بقول سحيم عبد بني الحسحاس: «كفى الشيب ms061 والإسلام للمرء ناهيا» قدم كلمة ~~الإسلام فقال: «كفى الإسلام والشيب للمرء ناهيا» لينفي ما استطاع أنه شاعر ينظم القصيد ~~وأن سور القرآن قصائد مرتلات كما زعم المشركون. # وقد استحسن ما قيل من الشعر في النضح عن الإسلام والذود عنه وعن آله، فكانت آراؤه هذه ~~وشبيهاتها آراء الأنبياء فيما يحمدون من كلام، لأنهم قد بعثوا لتعليم الناس دروس الخير ~~والصلاح، ولم يبعثوا ليلقنوهم دروسهم في قواعد النقد والإنشاء. # جوامع الكلم # إلا أن الإبلاغ أقوى الإبلاغ في كلام النبي هو اجتماع المعاني الكبار في الكلمات ~~القصار، بل اجتماع العلوم الوافية في بضع كلمات وقد يبسطها الشارحون في مجلدات. # ومن أمثلة ذلك علم السلوك في الدنيا والدين، وقد جمعه كله في أقل من سطرين قصيرين من ~~قوله: «احرث لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لأخرتك كأنك تموت غدا.» # ومن أمثلة علم السياسة الذي اجتمع كله في قوله: «كما تكونوا يول عليكم.» فأي ~~قاعدة من القواعد الأصلية في سياسة الأمم لا تنطوي بين هذه الكلمات؟ ... # ينطوي فيها أن الأمم مسئولة عن حكوماتها، لا يعفيها من تبعة ما تصنع تلك الحكومات عذر ~~بالجهل أو عذر بالإكراه، لأن الجهل جهلها الذي تعاقب عليه، والإكراه ضعفها الذي تلقى ~~جزاءه. # وينطوي فيها أن العبرة بأخلاق الأمة لا بالنظم والأشكال التي تعلنها الحكومة، فلا ~~سبيل إلى الاستبداد بأمة تعاف الاستبداد ولو لم يتقيد فيها الحاكم بقيود القوانين، ولا ~~سبيل إلى حرية أمة تجهل الحرية ولو تقيد فيها الحاكم بألف قيد من النظم ~~والأشكال. # وينطوي فيها أن الولاية تبع تابع وليست بأصل أصيل، فلا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ~~ما بأنفسهم. وأحرى ألا يغير الوالي قوما حتى يتغيروا هم قبل ذلك. # وينطوي فيها أن «الأمة مصدر السلطات» على حد التعبير الحديث. # وينطوي فيها أن الأمة تستحق الحكم الذي تصبر عليه ولو لم يكن حكم صلاح ~~واستقلال. # وذلك هو الإبلاغ الذي ينفذ في وجهاته كل نفاذ. # ويلحق بهذا في العلم بالتبعات قوله عليه السلام: «أشد الناس بلاء الأنبياء ثم ~~الصالحون ثم ms062 الأمثل فالأمثل.» # فالمزايا الإنسانية واجبات وأعباء وليست بالمتع والأزياء، وعلم الإنسان بالخير والشر ~~يفرض عليه الفرائض التي يبتلى بها، ولا يهنئه بالراحة التي يصبو إليها وهو محسوب عليه، ~~وكذلك ذكاؤه محسوب عليه. # وأمثال هذه الأحاديث في أصول السياسة والأخلاق والاجتماع مما لا يتناوله الإحصاء في ~~هذا المقام. # كان محمد فصيح اللغة فصيح اللسان فصيح الأداء. # وكان بليغا مبلغا على أسلس ما تكون بلاغة الكرامة والكفاية، وكان بلسانه وفؤاده من ~~المرسلين، بل قدوة المرسلين. # الفصل السابع # | محمد الصديق # عطوف ودود # إذا كان الرجل محبا للناس، أهلا لحبهم إياه، فقد تمت له أداة الصداقة من طرفيها ~~... # وإنما تتم له أداة الصداقة بمقدار ما رزق من سعة العاطفة الإنسانية ومن سلامة الذوق، ~~ومتانة الخلق، وطبيعة الوفاء. # فلا يكفي أن يحب الناس ليحبوه، لأنه قد يحبهم وفي ذوقه نقص ينفرهم منه ويزهدهم في ~~حبه. # ولا يكفي أن يكون محبا سليم الذوق ليبلغ من الصداقة مبلغها. فقد يكون محبا ~~محبوبا حسن الذوق ثم يكون نصيبه من الخلق المتين والطبع الوفي نزرا ضعيفا لا تدوم ~~عليه صداقة، ولا تستقر عليه علاقة. # إنما تتم أداة الصداقة بالعاطفة الحية، والذوق السليم، والخلق المتين، وقد كان محمد ~~في هذه الخصال جميعا مثلا عاليا بين صفوة خلق الله. # كان عطوفا يرأم من حوله ويودهم ويدوم لهم على المودة طول حياته، وإن تفاوت ما بينه ~~وبينهم من سن وعرق ومقام. # كان صبيا في الثانية عشرة يوم سافر عمه، فتعلق به حتى أشفق العم أن يتركه وحده ~~فاصطحبه في سفره. # وكان شيخا قارب الستين يوم بكى على قبر أمه بكاء من لا ينسى. # وليس في سجل المودة الإنسانية أجمل ولا أكرم من حنانه على مرضعته حليمة ومن حفاوته ~~بها وقد جاوز الأربعين، فيلقاها هاتفا بها: أمي! أمي! ويفرش لها رداءه ويمس ثديها بيده ~~... كأنه يذكر ما لذلك الثدي عليه من جميل، ويعطيها من الإبل والشاء ما يغنيها في السنة ~~الجدباء ... # ولقد وفدت عليه هوازن وهي مهزومة في وقعة حنين وفيها عم له ms063 من الرضاعة ... لأجل هذا ~~العم من الرضاعة تشفع النبي إلى المسلمين أن يردوا السبي من نساء وأبناء، واشترى السبي ~~ممن أبوا رده إلا بمال. # وحضنته في طفولته جارية عجماء فلم ينس لها مودتها بقية حياته، وشغله أن تنعم بالحياة ~~الزوجية ... ما يشغل الأب من أمر بناته ورحمه، فقال لأصحابه: «من سره أن يتزوج امرأة من ~~أهل الجنة فليتزوج أم أيمن ...» وما زال يناديها يا أمه كلما رآها وتحدث إليها، وربما ~~رآها في وقعة قتال تدعو الله وهي لا تدري كيف تدعو بلكنتها الأعجمية، فلا تنسيه الوقعة ~~الحازبة أن يصغي إليها ويعطف عليها. # وكان هذا عطفه على كل ضعيف ولو لم يذكره بحنان الطفولة ورحم الرضاع، فما نهر خادما ~~ولا ضرب أحدا، وقال أنس: «خدمت النبي # صلى الله عليه وسلم # عشر سنين، فما قال لي أف قط، ولا قال ~~لشيء صنعته: لم صنعته؟ ... ولا لشيء تركته: لم تركته؟ ...» # وكان من أضحك الناس وأطيبهم نفسا، صافي القلب إذا كره شيئا رؤي ذلك في وجهه، وإذا ~~رضي عرف من حوله رضاه. # وقد اتسع عطفه حتى بسطه للأحياء كافة ولم يقصره على ذوي الرحم من الناس ولا على الناس ~~من غير ذوي الرحم، فكان يصغي الإناء للهرة لتشرب، وكان يواسي في موت طائر يلهو به أخو ~~خادمه، وأوصى المسلمين: «إذا ركبتم هذه الدواب فأعطوها حظها من المنازل ولا تكونوا ~~عليها شياطين»، وكرر الوصاة بها أن «اتقوا الله في البهائم المعجمة فاركبوها صالحة ~~وكلوها صالحة.» # وقال: «إن الله غفر لامرأة مومسة مرت بكلب على رأس ركي يلهث قد كاد يقتله العطش، ~~فنزعت خفها فأوثقته بخمارها، فنزعت له من الماء فغفر لها بذلك ...» # وقال في هذا المعنى: «دخلت امرأة النار في هرة ربطتها فلا هي أطعمتها ولا هي تركتها ~~تأكل من خشاش الأرض.» # لا بل شمل عطفه الأحياء والجماد كأنه من الأحياء، فكانت له قصعة يقال لها الغراء، ~~وكان له سيف محلى يسمى ذا الفقار، وكانت له درع موشحة بنحاس تسمى ذات الفضول، وكان له ~~سرج ms064 يسمى الداج، وبساط يسمى الكز، وركوة تسمى الصادر، ومرآة تسمى المدلة، ومقراض يسمى ~~الجامع، وقضيب يسمى الممشوق ... # وفي تسمية تلك الأشياء بالأسماء معنى الألفة التي تجعلها أشبه بالأحياء المعروفين ممن ~~لهم السمات والعناوين، كأن لها «شخصية» مقربة تميزها بين مثيلاتها، كما يتميز الأحباب ~~بالوجوه والملامح وبالكنى والألقاب. # ذو ذوق سليم # هذه العاطفة الإنسانية التي رحبت حتى شملت كل ما أحاطت به وأحاط بها، لم تكن هي كل ~~أداة الصداقة في تلك النفس العلوية، بل كان معها ذوق سليم يضارعها رفعة ونبلا ويتمثل - ~~فيما يرجع إلى علاقات النبي بالناس - في رعاية شعورهم أتم رعاية وأدلها على الكرم ~~والجود. ~~«كان إذا لقيه أحد من أصحابه فقام معه قام معه، فلم ينصرف حتى يكون الرجل هو الذي ~~ينصرف عنه. وإذا لقيه أحد من أصحابه فتناول يده ناوله إياها فلم ينزع يده منه حتى يكون ~~الرجل هو الذي ينزع يده منه ...» ~~«وكان إذا ودع رجلا أخذ بيده فلا يدعها حتى يكون الرجل هو الذي يدع يده ...» ~~«وكان أرحم الناس بالصبيان والعيال ... وإذا قدم من سفر تلقى بصبيان أهل بيته.» ~~«وكان أشد حياء من العذراء في خدرها، وأصبر الناس على أقذار الناس» ... يحفظ مغيبهم كما ~~يحفظ محضرهم ويقول لصحبه: «من اطلع في كتاب أخيه بغير أمره فكأنما اطلع في ~~النار.» # ومع العاطفة الإنسانية والذوق السليم والأدب الكريم سمت جميل ونظافة بالغة وحرص على ~~أن يراه الناس في أجمل مرآه. # ومع هذا كله أمانة يثق بها العدو فما بال الصديق؟ ... وحسبك من ثقة الناس به ما أودعوه ~~من أمانات وهم يناصبونه العداء، فلم يخرج للهجرة وهو مهدد في سربه حتى رد الأمانات إلى ~~أصحابها، وقد يكون في ردها ما ينبههم إلى خروجه ويأخذ عليه سبيل النجاة، وهذا إلى ~~اشتهاره بالأمانة في صباه حتى سمي بالأمين قبل أن يتجرد لدعوة تنبغي لداعيها أمثال هذه ~~الصفات. # أصدقاؤه المحبون # كل هذه المزايا النفسية - بل بعض هذه المزايا النفسية - خليق أن يتم لصاحبه أداة ~~الصداقة أوفى تمام، وأن يجعله محبا ms065 لمن حوله جديرا منهم بأحسن حب وولاء. فلم يعرف في ~~تاريخ العظمة - لا بين الأنبياء ولا غير الأنبياء - إنسان ظفر بنخبة من الصداقات على ~~اختلاف الأقدار والبيئات والأمزجة والأجناس كالتي ظفر بها محمد، ولم يعرف عن إنسان أنه ~~أحيط من قلوب الضعفاء والأقوياء بما يشبه الحب الذي أحيط به هذا القلب الكبير. # تقدم في بعض فصول هذا الكتاب حديث زيد بن حارثة الذي خطف من أهله وهو صغير، ثم اهتدى ~~إليه أبوه واهتدى هو إلى أبيه على لهفة الشوق بعد يأس طويل، فلما وجب أن يختار بين ~~الرجعة إلى آله وبين البقاء مع سيده «محمد» اختار البقاء مع السيد على الرجعة مع ~~الوالد، وشق عليه أن يحتجب عن ذلك القلب الذي غمره بحبه ومواساته، وهو ضعيف شريد لا يرى ~~ذويه ولا يدري من هم ذووه. # وكان لا يغني من لازموه أن يلزموه في الحياة حتى يثقوا من ملازمتهم إياه بعد الممات ~~فضعف مولاه ثوبان ونحل جسمه وألح عليه الحزن في ليله ونهاره، فلما سأله السيد العطوف ~~يستفسره علة حزنه ونحوله قال في طهارة الأبرار: «إني إذا لم أرك اشتقتك واستوحشت وحشة ~~عظيمة، فذكرت الآخرة حيث لا أراك هناك لأني إن دخلت الجنة فأنت تكون في درجات النبيين ~~فلا أراك.» ورويت هذه القصة في أسباب نزول الآية الكريمة: # ومن ~~يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم ~~من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن ~~أولئك رفيقا ~~(النساء: 69). # وأدرك الموت بلالا فأحاط به أهله يصيحون «واكرباه» وهو يجيبهم: «واطرباه ... غدا ألقى ~~الأحبة محمدا وصحبه!» # وقد عنينا مما تقدم بحب الصداقة بين الإنسان والإنسان؛ لأننا لم نقصد حب المؤمن لنبيه ~~في هذا الباب، فقد بلغ من امتلاء قلوب المسلمين والمسلمات بهذا الحب أن المرأة كانت ~~تسمع أنباء المعركة فينعى إليها خاصة أهلها وهي تسترجع وتعرض عن هذا لتسأل عن النبي، ~~وتهتم بسلامته قبل اهتمامها بسلامة الإخوة وبني الأعمام. # إلا أننا عنينا محبة الصداقة في هذا الباب لأنها هي المحبة التي جعلت كثيرا من ms066 الناس ~~يؤمنون بمحمد لمحبتهم إياه واطمئنانهم إليه، فكانت سابقة في قلوبهم وأرواحهم لحب ~~العقيدة والإيمان. # عظمة العظمات # إن عطف العظيم على الصغير حتى يستحق منه هذا الحب لفضيلة يشرف بها مقام العظيم في نظر ~~بني الإنسان. # ولكن قد يقال إن استحقاق العظيم أن يحبه العظماء لأشرف من ذلك رتبة، وأدل على حظه ~~الجليل من فضائل التفوق والرجحان ... وهذا صحيح لا ريب فيه ... # وهنا أيضا قد تمت لمحمد معجزته التي لم يضارعه فيها أحد من ذوي الصداقات النادرة ~~... # فأحدقت به نخبة من ذوي الأقدار تجمع بين عظمة الحسب وعظمة الثروة وعظمة الرأي وعظمة ~~الهمة، وكل منهم ذو شأن في عظمته تقوم عليه دولة وتنهض به أمة، كما أثبت التاريخ من ~~سير أبي بكر، وعمر، وخالد، وأسامة، وابن العاص، والزبير، وطلحة، وسائر الصحابة ~~الأولين ... # وربما عظم الرجل في مزية من المزايا فأحاط به الأصدقاء والمريدون من النابغين في تلك ~~المزية، كما أحاط الحكماء بسقراط والقادة بنابليون. # بل ربما أحاط الصالحون بالنبي العظيم كما أحاط الحواريون بالمسيح عليه السلام وكلهم ~~من معدن واحد وبيئة متقاربة. # أما عظمة العظمات فهي تلك التي تجذب إليها الأصحاب النابغين من كل معدن وكل طراز، وهي ~~التي يقابل في حبها رجال بينهم من التفاوت مثل ما بين أبي بكر وعلي، وبين عمر وعثمان، ~~وبين خالد ومعاذ، وبين أسامة وابن العاص: كلهم عظيم وكلهم مع ذلك مخالف في وصف العظمة ~~لسواه. # تلك هي العظمة التي اتسعت آفاقها وتعددت نواحيها حتى أصبحت فيها ناحية مقابلة كل خلق، ~~وأصبح فيها قطب جاذب لكل معدن، وأصبحت تجمع إليها البأس والحلم، والحيلة والصراحة، ~~والألمعية والاجتهاد، وحنكة السن وحمية الشباب. # تلك هي بلا ريب عظمة العظمات، ومعجزة الإعجاز في باب الصداقات، وما استحقها محمد إلا ~~بنفس غنيت بالحب وخلصت له حتى أعطت كل محب لها كفاء ما يعطيها؛ مودة بمودة وصفاء بصفاء، ~~وعليها المزيد من فضل التفاوت في الأقدار. # ولقد كان صاحب الفضل على أصفيائه جميعا بما هداهم إليه من نور العقل ونور البصيرة، ms067 ~~وهما أشرف من نور البصر لأنه نعمة يشترك فيها الإنسان والعجماوات، ونور العقل ونور ~~البصيرة نعمتان يختص بهما الإنسان. # ومع هذا كان يذكر فضلهم ويشيد بذكرهم كما قال عن أبي بكر: «ما أحد أعظم عندي يدا من ~~أبي بكر؛ واساني بنفسه وماله وأنكحني ابنته»، وكما قال عن أبي بكر وعمر: «أبو بكر وعمر ~~مني بمنزلة السمع والبصر»، وكما قال عن علي: «علي أخي في الدنيا والآخرة»، وكما قال عن ~~بعض أصحابه: «إن الله تعالى أمرني بحب أربعة وأخبرني أنه يحبهم: علي منهم، وأبو ذر، ~~والمقداد، وسلمان»، وكما قال عن الأنصار جميعا وهو في مرض الموت: «استوصوا بالأنصار ~~خيرا. إنهم عيبتي التي أويت إليهم، فأحسنوا إلى محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم» ... وغير ذلك ~~كثير عن الصحابة كافة وعن بعضهم مذكورين بأسمائهم. # على أننا نلمس دلائل هذا الفؤاد الرحب وهذا العطف الإنساني الشامل في معاملته لأعدائه ~~وشانئيه فضلا عن معاملته للأصفياء، ومن ليس بينهم وبينه عداء ولا صفاء ... # فما ثأر من أحد لأنه أساء إليه في شخصه، وقد عفا عن رجل هم بقتله وهو نائم ورفع السيف ~~ليهوي به فسقط من يده على كره منه، وما حارب قط أحدا كان في وسعه أن يسالمه ويحاسنه ~~ويتقي شره. # ومعاملته لعبد الله بن أبي الذي كان المسلمون يسمونه رأس النفاق مثل من أمثلة ~~الإغضاء والصفح الجميل، فقد عاهد وغدر ثم عاهد وغدر وعاش ما عاش يكيد للنبي عليه السلام ~~في سره ويمالئ عليه أعداءه، وشاع أن النبي عليه السلام قضى بقتله فتقدم ابنه، وقال له: ~~«يا رسول الله، إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبي فيما بلغك عنه، فإن كنت فاعلا ~~فمرني به فأنا أحمل إليك رأسه. فوالله لقد علمت الخزرج ما كان بها من رجل أبر بوالده ~~مني، وإني لأخشى أن تأمر به غيري فيقتله؛ فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل أبي يمشي في ~~الناس فأقتله فأقتل رجلا مؤمنا بكافر فأدخل النار.» # فأبى النبي أن يقتله وآثر الرفق به، وزاد في إفضاله ms068 وإجماله فكافأ الولد خير مكافأة ~~على خلوص نيته وإيثاره البر بدينه على البر بأبيه فأعطاه قميصه الطاهر يكفن به أباه، ~~وصلى عليه ميتا ووقف على قبره حتى فرغ من دفنه ، وقد حاول عمر أن يثنيه عن الصلاة على ~~ذلك العدو الذي آذاه جهد الإيذاء فذكر الآية: # استغفر لهم ~~أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن ~~يغفر الله لهم ~~(التوبة: 80). # فقال: «لو أعلم أني إن زدت على السبعين غفر له زدت.» # تهمة باطلة # هذه النفس المطبوعة على الصداقة والرحمة والسماحة ما أعجب اتهامها بالقسوة على ألسنة ~~بعض المؤرخين الأوروبيين! ... # ما أعجب اتهامها بالقسوة لأنها دانت أناسا بالموت كما يدين القاضي مجرما بذنبه وهو ~~من أرحم الرحماء؟ ... # ما أعجبهم إذ يذكرون العقوبة وينسون الذنب الذي استوجب العقوبة كما يستوجب السبب ~~النتيجة. # وأي ذنب؟ ... ذنب لو قوبل به غير محمد لأراق فيه أنهارا من الدماء وله حجة من سلطان ~~الدنيا والآخرة. # فلا نذكر استهزاء المشركين به وإعناتهم إياه وإلقاءهم عليه القذر والحجارة، وائتمارهم ~~بحياته وحياة أصحابه وإخراجهم المسلمين من ديارهم إلى أقصى الديار، ولا نذكر العناد ~~والإغاظة والاستثارة لغير جريرة إلا أنهم دعوا إلى عبادة الله والتحلي بمكارم الأخلاق ~~وترك عبادة الأصنام وترك الرذيلة. # لا نذكر شيئا من هذا فهو أطول من أن يحصيه هذا الكتاب، ولكننا نذكر حادثا واحدا ~~تجمع فيه من اللؤم ما تفرق في كثير غيره، وذلك حادث الرسل الأربعين - وقيل السبعين - ~~الذي قتلوا في بئر معونة، ولا ذنب لهم إلا أنهم ذهبوا تلبية لدعوة الداعين ليعلموا ~~من ينشد علم القرآن والدين، غير مغصوب عليه. # فماذا كانت دول الحضارة صانعة بالقاتلين الغادرين لو كان هؤلاء الأربعون أو السبعون ~~مبشرين بالدين المسيحي قتلوا في قبيلة من الهمج الذين يأكلون الآدميين ومن حقهم أن ~~يعذروا كما تعذر الوحوش ... إن بقي من أبناء القبيلة من يروي أنباء المقتلة، فقد يقال إن ~~القوم لرحماء في العقاب! ... # ولم يكن حادث بئر معونة بالحادث الوحيد من حوادث الغدر بالرسل الأبرياء. فلعلنا نختم ~~هذا ms069 الفصل عن الصداقة بخير ما يختم به حين نشير إلى غدر قبيلة هذيل بالرسل الستة الذين ~~ذهبوا إليهم ليعلموا من شاء أن يتعلم أحكام الدين وهو آمن في داره، لا إكراه له ولا بغي ~~عليه. فقتلوا جميعا وجيء بأحدهم زيد بن الدثنة أسيرا ليباع ... فاشتراه صفوان بن ~~أمية ليقتله بأبيه، ونصب للقتل فسأله أبو سفيان مستهزئا: «أنشدك الله يا زيد. أتحب أن ~~محمدا الآن عندنا في مكانك تضرب عنقه وأنت في أهلك؟» فأجابه زيد: «والله ما أحب أن ~~محمدا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأنا جالس في أهلي ...» # فصاح أبو سفيان دهشا: «ما رأيت من الناس أحدا يحبه أصحابه ما يحب أصحاب محمد محمدا ~~...» ~~••• # من فعلة كهذه تعلم مدى ما استحقه محمد من حب الأصدقاء، ومدى ما استحقه أعداؤه من ~~جزاء، فقد أحب أصدقاءه وأحبوه لأنه طبع على الصداقة. أما أعداؤه فقد لقوا جزاءهم لأنهم ~~هم طبعوا على العداء والاعتداء. # الفصل الثامن # | محمد الرئيس # الرئيس الصديق # من الحسن أن نكتب عن محمد الرئيس بعد كتابتنا عن محمد الصديق ... لأنه هو قد جعل ~~للرئاسة معنى الصداقة المختارة، فمحمد الرئيس هو الصديق الأكبر لمرءوسيه، مع استطاعته ~~أن يعتز بكل ذريعة من ذرائع السلطان ... # فهناك الحكم بسلطان الدنيا. # وهناك الحكم بسلطان الآخرة. # وهناك الحكم بسلطان الكفاءة والمهابة. # وكل أولئك كان لمحمد الحق الأول فيه؛ كان له من سلطان الدنيا كل ما للأمير المطلق ~~اليدين في رعاياه، وكان له من سلطان الآخرة كل ما للنبي الذي يعلم من الغيب ما ليس يعلم ~~المحكومون ... وكان له من سلطان الكفاءة والمهابة ما يعترف به بين أتباعه أكفأ كفء وأوقر ~~مهيب. # ولكنه لم يشأ إلا أن يكون الرئيس الأكبر، بسلطان الصديق الأكبر؛ بسلطان الحب والرضا ~~والاختيار ... # فكان أكثر رجل مشاورة للرجال، وكان حب التابعين شرطا عنده من شروط الإمامة في الحكم ~~بل في العبادة، فالإمام المكروه لا ترضى له صلاة. # وكان يدين نفسه بما يدين به أصغر أتباعه ... فروي أنه «كان في سفر ms070 وأمر أصحابه بإصلاح ~~شاة. فقال رجل: يا رسول الله! علي ذبحها، وقال آخر: وعلي سلخها، وقال آخر: علي ~~طبخها ... فقال عليه السلام: وعلي جمع الحطب. # فقالوا: يا رسول الله نكفيك العمل. قال: علمت أنكم تكفونني، ولكن أكره أن أتميز ~~عليكم، إن الله سبحانه وتعالى يكره من عبده أن يراه متميزا بين أصحابه.» # وأبى، والمسلمون يعملون في حفر الخندق حول المدينة، إلا أن يعمل معهم بيديه. ولولا ~~أنها سنة حميدة يستنها للرؤساء في حمل التكاليف لأعفى نفسه من ذلك العمل وأعفاه ~~المسلمون منه شاكرين. # وجعل قضاء حوائج الناس أمانا من عذاب الله أو كما قال: «إن لله تعالى عبادا اختصهم ~~بحوائج الناس، يفزع إليهم الناس في حوائجهم. أولئك الآمنون من عذاب الله.» # الشرع له الظاهر # وقد كان أعلم الناس أن الأعمال بالنيات ولكنه علم كذلك «إن الأمير إذا ابتغى الريبة ~~في الناس أفسدهم» فوكل الضمائر إلى أصحابها وإلى الله، وحاسب الناس بما يجدي فيه ~~الحساب. # سمع خصومة بباب حجرته، فخرج إليهم قائلا: «إنما أنا بشر. وإنه يأتيني الخصم فلعل ~~بعضكم أن يكون أبلغ من بعض فأحسب أنه صدق، فأقضي له بذلك فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي ~~قطعة من النار فليأخذها أو فليتركها.» # واليوم يكثر اللاغطون بحرية الفكر ويحسبونها كشفا من كشوف الثورة الفرنسية وما ~~بعدها، ويحرمون على الحاكم أن يؤاخذ الناس بما فكروا به ما لم يتكلموا أو يعملوا ويكن ~~في كلامهم وعملهم ما يخالف الشريعة ... # فهذا الذي يحسبونه كشفا من كشوف العصر الأخير قد جرى عليه حكم النبي قبل أربعة عشر ~~قرنا، وشرعه لأمته في أحاديثه حيث قال عليه السلام: «إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به ~~نفسها ما لم تتكلم به، أو تعمل به.» # الرحمة فوق العدل # وزعموا كذلك أن تقديم الرحمة على العدل في تطبيق الشريعة دعوة من دعوات المصلحين ~~المحدثين لم يسبقوا إليها، وهي هي دعوة النبي العربي التي كررها ولم يدع قط إلى غيرها، ~~فقال: «إن الله تعالى لما خلق الخلق كتب بيده على ms071 نفسه أن رحمتي تغلب غضبي» وقال: «إن ~~الله تعالى رفيق يحب الرفق ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف» وقال: «إن الله تعالى لم ~~يبعثني معنتا ولا متعنتا ولكن معلما ميسرا.» وروى عنه غير صاحب من أصحابه أنه ما ~~خير بين حكمين إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن فيه خرق للدين. # بنية الضعفاء # وكان يوصي بالضعفاء، ويقول لصحبه: «ابغوني الضعفاء فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم» ~~ويذم الترفع على الخدم والفقراء، «فما استكبر من أكل مع خادمه وركب الحمار بالأسواق ~~واعتقل الشاة فحلبها.» # لكنه مع الرحمة بالصغير لا ينسى حق الكبير: «من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا فليس ~~منا.» # إذ ليس الإنصاف حراما على الكبراء حلالا لمن صغر دون من كبر، فلكل حق ولكل إنصاف ~~وإنزال الناس منازلهم كما أمر قومه هو خير شعار تستقيم عليه الحكومة، وتنعكس أمور الأمم ~~بانعكاسه. # أهل الكفاءة لا أهل الثقة # وكان النبي الرئيس يعلم أن الرئاسة لجميع المرءوسين، وليست للموافقين منهم دون ~~المخالفين، فيأمر قومه أن «اتقوا دعوة المظلوم وإن كان كافرا فإنها ليس دونها ~~حجاب.» # وإذا قال هذا رئيس ونبي فإنها لأولى السنن أن يتبعها الرؤساء كافة، لأنهم لم يبعثوا ~~لنشر الدين ومحو الكفر كما بعث الأنبياء. # لقد كانت سنة الرئاسة عند محمد هي سنة الصداقة ... فلو استغنى حكم عن الشريعة ~~لاستغنى عنها حكم هذا الرئيس الذي جاء بالشريعة لجميع متبعيه. # الفصل التاسع # | الزوج # حق المرأة # الكلام عن زوج يستدعي الكلام عن مكانة امرأة عند رجل، وعن مكانة النساء عامة عند ~~الرجال عامة. # وإنما تعرف مكانة المرأة التي وصلت إليها بفضل محمد ودينه، متى عرفت مكانة المرأة ~~التي استقرت عليها في الجاهلية، ومكانة المرأة التي استقرت عليها في عصره - وبعد عصره - ~~بين أمم أخرى غير الأمة العربية ... # وقياسان اثنان كافيان لبيان الفارق البعيد بين ما كانت عليه المرأة في الجاهلية وما ~~صارت إليه بعد رسالة محمد. # كانت متاعا يورث ويقسم تقسيم السوائم بين الوارثين، فأصبحت بفضل الإسلام ونبيه صاحبة ~~حق مشروع، ترث وتورث ولا ms072 يمنعها الزوج أن تتصرف بمالها وهي في عصمته كما تشاء. # وكانت وصمة تدفن في مهدها فرارا من عار وجودها، أو عبئا تدفن في مهدها فرارا من ~~نفقة طعامها، فأصبحت إنسانا مرعي الحياة، ينال العقاب من ينالها بمكروه. ولم تكن في ~~البلاد الأخرى بأسعد حظا منها في البلاد العربية. # فلا نذكر شرائع الرومان واستعبادها للنساء. ولا نذكر المتنطسين في صدر المسيحية ~~وتسجيلهم عليها النجاسة وتجريدهم إياها من الروح. # وكفى أن نذكر عصر الفروسية الذي قيل فيه إنه عصر المرأة الذهبي بين الأمم الأوروبية، ~~وإن الفرسان كانوا يفدون النساء بالدم والمال ... # الفروسية عصر الحصان لا المرأة # فهذا العصر كان كما قال الدارسون له: عصر الحصان، قبل أن يكون عصر المرأة أو عصر ~~«السيدة المفداة». # وقد أجمله جون لانجدون دافيز صاحب «التاريخ الموجز للنساء» # 1 # فقال: «إن عصر الفروسية كان معروفا بما لحظ فيه من فقدان الشبان على ~~الجملة الاهتمام بالجنس الآخر. ولعلنا نقلل من الدهشة لذلك لو أننا وعينا كلمة الفروسية ~~وذكرنا أنها لم تكن ذات شأن بالسيدات كما كانت ذات شأن بالخيل على خلاف ما يروق ~~الكثيرين أن يذكروه، فقلما بلغ الاهتمام بالمرأة مبلغ الاهتمام بالحصان في عصر الفروسية ~~إلا على اعتبار أنها عنوان ضيعة.» # إلى القارئ محادثة من كتاب أغاني الآداب والتحيات # Chanson de ~~Geste # يروى فيها أن ابنة أوسيس # Auseis # جلست في نافذتها ذات يوم فعبر بها فتيان - هما جاران وجربرت - ~~وقال أحدهما: «انظر. انظر يا جربرت: وحق العذراء ما أجملها من فتاة!» فلم يزد صاحبه على ~~أن قال: يا لهذا الجواد من مخلوق جميل! ... دون أن يلتفت بوجهه ... وعاد صاحبه يقول مرة ~~أخرى: «ما أحسبني رأيت قط فتاة بهذه الملاحة. ما أجمل هاتين العينين السوداوين!» ~~وانطلقا وجربرت يقول له: «ما أحسب أن جوادا قط يماثل هذا الجواد» وهي حادثة صغيرة ~~ولكنها واضحة الدلالة، إذ قلة الاهتمام تورث الازدراء ... والحق أن عصر الفروسية يرينا ~~بعض الشواهد الواضحة على هذا الازدراء ... وإليك مثلا حادثة في الكتاب المتقدم يروى فيها ~~أن ms073 الملكة بلانشفلور ذهبت إلى قرينها الملك ببن Pepin # تسأله معونة أهل اللورين، فأصغى إليها الملك ثم استشاط غضبا ولطمها على أنفها بجمع يده ~~فسقطت منه أربع قطرات من الدم وصاحت تقول: «شكرا لك. إن أرضاك هذا فأعطني من يدك لطمة ~~أخرى حين تشاء.» # ولم تكن هذه حادثة مفردة لأن الكلمات على هذا النحو كثيرا ما تتكرر كأنها صيغة ~~محفوظة، وكأنما كانت اللطمة بقبضة اليد جزاء كل امرأة جسرت في عهد الفروسية على أن ~~تواجه زوجها بمشورة: ~~... ومتى كانت المرأة تزف إلى زوجها عفو الساعة وكثيرا ما تزف إلى رجل لم تره ~~قبل ذاك، إما لتسهيل المحالفات الحربية والمدد العسكري، أو لتسهيل صفقة من ~~صفقات الضياع. ومتى كانت بعد زفافها إلى فارس مجنون بالحرب معطل الذكاء قد يكون ~~في معظم الأحوال من الأميين - عرضة للضرب كلما واجهته بمخالفة - أترى سيدة ~~القصر إذن واجدة لها رحمة أو ملاذا من حياة الشقاء أو من صحبة قرين ليس لها ~~بأهل؟ # وعصر أوروبا الحديث # ولقد تقدم الزمن في الغرب من العصور المظلمة إلى عصور الفروسية إلى ما بعدها من طلائع ~~العصر الحديث ولم تبرح المرأة في منزلة مسفة لا تفضل ما كانت عليه في الجاهلية ~~العربية، وقد تفضلها منزلة المرأة في تلك الجاهلية ... # ففي سنة 1790، بيعت امرأة في أسواق إنجلترا بشلنين لأنها ثقلت بتكاليف معيشتها على ~~الكنيسة التي كانت تؤويها ... # وبقيت المرأة إلى سنة 1882، محرومة حقها الكامل في ملك العقار وحرية المقاضاة. # وكان تعلم المرأة سبة تشمئز منها النساء قبل الرجال، فلما كانت إليصابات بلا كويل ~~تتعلم في جامعة جنيف سنة 1849 - وهي أول طبيبة في العالم - كان النسوة المقيمات معها ~~يقاطعنها ويأبين أن يكلمنها، ويزوين ذيولهن من طريقها احتقارا لها كأنهن متحرزات من ~~نجاسة يتقين مساسها. # ولما اجتهد بعضهم في إقامة معهد يعلم النساء الطب بمدينة فلادلفيا الأمريكية أعلنت ~~الجماعة الطبية بالمدينة أنها تصادر كل طبيب يقبل التعليم بذلك المعهد وتصادر كل من ~~يستشير أولئك الأطباء. # وهكذا تقدم الغرب إلى أوائل عصرنا الحديث ولم ms074 تتقدم المرأة فيه تقدما يرفعها من ~~مراغة الاستعباد التي استقرت فيها من قبل الجاهلية العربية. # فماذا صنع محمد؟ وماذا صنعت رسالة محمد؟ # المرأة في الإسلام # حكم واحد من أحكام القرآن الكريم أعطى المرأة من الحقوق كفاء ما فرض عليها: # ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ~~(البقرة: 228). # وحكم آخر من أحكامه العالية، أمر المسلم بإحسان معاشرتها ولو مكروهة غير ذات حظوة عند ~~زوجها: # وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن ~~فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا ~~(النساء: 19). # وأباح لها الدين في الجهاد أن تكسب كما يكسب الرجال: # للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما ~~اكتسبن ~~(النساء: 32). # ولم يفضل الرجل عليها إلا بما كلفه من واجب كفالتها وإقامة أودها والسهر عليها ~~... # أما محمد فقد جعل خيار المسلمين خيارهم لنسائهم: «أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا ~~وخياركم خياركم لنسائهم.» # وأمر بمداراة ضعفها ونقصها لأن «المرأة خلقت من ضلع لن تستقيم لك على طريقة، فإن ~~استمتعت بها استمتعت بها وبها عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها، وكسرها طلاقها». # وأوجب على الرجل أن يتجمل لامرأته ويبدو لها في المنظر الذي يروقها، فقال عليه السلام ~~مما قال في هذا المعنى وهو كثير: «اغسلوا ثيابكم وخذوا من شعوركم واستاكوا وتزينوا ~~وتنظفوا، فإن بني إسرائيل لم يكونوا يفعلون ذلك فزنت نساؤهم.» # وأوجب على الرجل إذا خطب امرأة أن يظهرها على عيبه إن كان به عيب مستور: «إذا خطب ~~أحدكم المرأة وهو يخضب بالسواد فليعلمها أنه يخضب» ... # وبلغ من رعاية شعورها ومداراة خجلها الذي فطرت عليه أنه أوجب على الرجل أن يمتعها كما ~~تمتعه لأنها لا تطلب لنفسها ما يطلبه الرجل منها: «فإذا جامع أحدكم أهله فليصدقها، ثم ~~إذا قضى حاجته قبل أن تقضي حاجتها فلا يعجلها حتى تقضي حاجتها.» # وكان تأديبه المسلمين في هذه الصلة غاية في الكياسة والترفق، فقال مما قال في هذا ~~المعنى: «إذا دخلت ليلا فلا تدخل على أهلك حتى تستحد المغيبة وتمشط الشعثة ... الكيس، ~~الكيس!» # معاملته لزوجاته # وإنما نلخص ما أوجبه النبي على المسلمين عامة في معاملاتهم ms075 لزوجاتهم، وهي دون ما ~~أوجبه على نفسه في معاملة زوجاته بكثير. # فكان يشفق أن يرينه غير باسم في وجوههن، ويزورهن جميعا في الصباح والمساء، وإذا خلا ~~بهن «كأن ألين الناس ضحاكا بساما» كما قالت عائشة رضي الله عنها. # ولم يجعل من هيبة النبوة سدا رادعا بينه وبين نسائه، بل أنساهن برفقه وإيناسه أنهن ~~يخاطبن رسول الله في بعض الأحايين. فكانت منهن من تقول له أمام أبيها: «تكلم ولا تقل ~~إلا حقا ...» ومن تراجعه أو تغاضبه سحابة نهارها، ومن تبلغ في الاجتراء عليه ما يسمع به ~~رجل كعمر بن الخطاب في شدته، فيعجب له ويهم أن يبطش بابنته حفصة لأنها تجترئ كما يجترئ ~~الزوجات الأخريات. وإذا رأى النبي غضبا كهذا من جرأة كتلك كف من غضب الأب، وقال له: ما ~~لهذا دعوناك! # وقد كان يتولى خدمة البيت معهن، أو كما قال: «خدمتك زوجتك صدقة ...» # وكان يستغفر الله فيما لا يملك من التسوية بين إحداهن وسائرهن وهو ميل قلبه: اللهم ~~هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك. # ولما أقعده مرض الوفاة أن يزورهن كل يوم كما عودهن، بعث إليهن فتلطف في سؤالهن: «أين ~~أنا غدا؟ أين أنا غدا؟» ليقلن: عند عائشة ويأذن له في الإقامة ببيتها. ولو أنه ~~أحل لنفسه أن يقيم حيث أقام وهو مريض لما كان في ذلك من حرج. # حديث الإفك # والمعاملة الطيبة في الزمن الطويل خلق نادر بين الناس، ولكنه في حالة الرضا خلق لا ~~يشق فهمه على كثيرين. # إلا أن الخلق الذي يشق فهمه على الأكثرين هو طيب المعاملة عندما تتعرض الحياة الزوجية ~~لأخطر ما يمسها من خطر وهو المساس بالوفاء. في هذه الخصلة تتسامى الحضارة الحديثة ما ~~تتسامى فلا نخالها تحلم بمعاملة أطيب ولا أكرم من المعاملة التي أثرت عن النبي في قصة ~~عائشة بنت الصديق وهي أحظى نسائه لديه، ونلخصها مما روته بلسانها إذ تقول - رضي الله عنها: ~~... كان رسول الله إذا أراد أن يخرج لسفر أقرع بين نسائه، فأيها خرج سهمها ms076 خرج ~~بها رسول الله معه. وأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج فيها سهمي، ثم قفلنا من ~~الغزوة إلى أن دنونا من المدينة، فقمت حين آذنوا بالرحيل فتمشيت حتى جاوزت ~~الجيش وقضيت من شأني، وأقبلت إلى الرحل فلمست صدري فإذا عقدي قد انقطع، فرجعت ~~ألتمسه فحبسني ابتغاؤه. وأقبل إلي الرهط الذي كانوا يرحلون لي # 2 # فحملوا هودجي وهم يحسبون أني فيه، وكانت النساء إذ ذاك خفافا لم يهبلن # 3 # ولم يغشهن اللحم، إنما يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم ~~ثقل الهودج حين رحلوه ورفعوه إذ كنت مع ذلك جارية حديثة السن. # ووجدت عقدي فجئت منازل الجيش وليس بها داع ولا مجيب، فتيممت منزلي الذي كنت ~~فيه، وظننت أن القوم سيفتقدونني فيرجعون إلي. # فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي قد ~~عرس من وراء الجيش فأدلج # 4 # فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم، فعرفني حين رآني، واسترجع ~~فاستيقظت وخمرت وجهي بجلبابي، والله ما يكلمني كلمة، ولا سمعت منه كلمة غير ~~استرجاعه حتى أناخ راحلته وركبتها وانطلق يقودها حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا ~~في نحر الظهيرة. # 5 # فهلك من هلك في شأني، وكان الذي تولى كبره عبد الله بن أبي بن سلول ... # واشتكيت حين قدمنا المدينة شهرا والناس يفيضون في قول أهل الإفك، ولا أشعر ~~بشيء من ذلك. # ويريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي. ~~إنما يدخل رسول الله فيسلم ثم يقول: كيف تيكم؟ فذاك يريبني، ولا أشعر بالشر حتى ~~خرجت بعدما نقهت وخرجت معي أم مسطح قبل المناصع. # 6 # ثم عدنا فعثرت أم مسطح في مرطها، فقال: تعس مسطح! # قلت: بئس ما قلت! أتسبين رجلا قد شهد بدرا؟ # قالت: أي هنتاه # 7 # أولم تسمعي ما قال؟ # قلت: وماذا قال؟ # فأخبرتني بقول أهل الأفك، فازددت مرضا إلى مرضي، فلما رجعت إلى بيتي فدخل ~~علي رسول الله فسلم. ثم قال: كيف تيكم؟ استأذنت أن آتي أبوي: ms077 أريد أن أتيقن ~~الخبر من قبلهما، فأذن لي. # قالت أمي: يا بنية هوني عليك. فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل ~~يحبها ولها ضرائر إلا كثرن عليها. # قلت: سبحان الله! وقد تحدث الناس بهذا؟ فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ ~~لي دمع، ولا أكتحل بنوم. # ودعا رسول الله # صلى الله عليه وسلم # علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد يستشيرهما في فراق ~~أهله. فأما أسامة بن زيد فأشار على رسول الله بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي ~~يعلم في نفسه لهم من الود، وقال لرسول الله: هم أهلك ولا نعلم إلا ~~خيرا. # وأما علي بن أبي طالب فقال: لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير وإن ~~تسأل الجارية تصدقك. # فدعا رسول الله بريرة يسألها: هل رأيت من شيء يريبك في عائشة؟ # قالت: والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمرا قد أغمصه # 8 # عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها، فتأتي الداجن # 9 # فتأكله. ~~... وبكيت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثم بكيت ليلتي المقبلة لا ~~يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، وأبواي يظنان أن البكاء فالق كبدي ... # فبينا نحن على ذلك دخل رسول الله فسلم، ثم جلس وتشهد، ثم قال: أما بعد يا ~~عائشة فإني قد بلغني عنك كذا وكذا. فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت ~~بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنب ثم تاب تاب الله ~~عليه. # فلما قضى رسول الله مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة، فقلت لأبي: أجب عني ~~رسول الله! فقال: والله ما أدري ماذا أقول لرسول الله. # فقلت لأمي: أجيبي عني. فقالت كذلك، والله ما أدري ماذا أقول لرسول ~~الله. # قلت - وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن: إني والله قد عرفت ~~أنكم سمعتم بهذا حتى استقر في نفوسكم وصدقتم به، فإن قلت لكم إني بريئة، والله ~~يعلم أني بريئة، لتصدقوني، وإني والله ما أجد لي ولكم ms078 مثلا إلا كما قال أبو ~~يوسف: فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون. # ثم تحولت فاضطجعت على فراشي. ~~... فوالله ما رام رسول الله مجلسه ولا خرج من أهل البيت أحد حتى أنزل الله - ~~عز وجل - على نبيه، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي ، حتى إنه ليتحدر ~~منه مثل الجمان # 10 # من العرق في اليوم الشاتي. # فلما سري عن رسول الله وهو يضحك كان أول كلمة تكلم بها أن قال: أبشري يا ~~عائشة! ... أما الله فقد برأك. # قال لي أمي: قومي إليه. # قلت: والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله، هو الذي أنزل براءتي ... وكان أبو ~~بكر ينفق على مسطح لقرابته منه وفقره ... فأقسم ألا ينفق عليه شيئا أبدا. فأنزل ~~الله عز وجل: # ولا يأتل أولو الفضل منكم ~~والسعة أن يؤتوا أولي القربى ~~... إلى قوله: # ألا تحبون أن يغفر الله لكم ~~(النور: ~~22). # فقال أبو بكر: والله إني لأحب أن يغفر الله لي، ورجع إلى مسطح النفقة التي ~~كان ينفقها عليه. ~~••• # تلك هي القصة التي عرفت بقصة الإفك كما روتها لنا السيدة عائشة - رضي الله عنها. وهي ~~مسبار صادق يسبر لنا أغوار المروءة والرفق في معاملة النبي لزوجاته حيث لا رفق ولا ~~مروءة عند الأكثرين. فليس النبي هنا في حالة من حالات الرضا التي تسلس الطباع ولا ~~تستغرب معها المودة وطول الأناة، ولكنه في حالة من تلك الحالات التي تثير الحمية وتثير ~~الحب وتثير النقمة وتثير في النفس البشرية كل ساكنة تدعو إلى طيب المعاملة، فلم يكن في ~~هذه الحالة إلا كرما خالصا بما سلك في أمر نفسه وفي أمر أهله وفي أمر دينه، ولم يدع ~~لحالم من حالمي الحضارة الحديثة مرتقى يتطلع إليه في جميع هذه الغايات. # سمع النبي حديثا يلاك بين المنافقين، ويسري إلى المسلمين، بل إلى خاصة ذويه ~~الأقربين؛ حديثا يسمعه رجل كعلي بن أبي طالب في بره وكرم نحيزته؛ فلا يرى بعده حرجا ~~من الطلاق والنساء كثيرات. # سمع النبي ذلك الحديث المريب فلم يقبله بغير ms079 بينة، ولم يرفضه بغير بينة، وكان عليه أن ~~يعود زوجه المريضة أو يجفوها إلى حين. فعادها وبه من الرفق والإنصاف ما يأبى عليه أن ~~يفاتحها في مرضها بما يخامر نفسه الكريمة، وبه من الموجدة والترقب ما أبى عليه أن ~~يقابلها بما كان يقابلها به والنفس صافية كل الصفاء، وظل يسأل عنها سؤال متعتب ينتظر أن ~~تشفى، وأن تأتيه البينة؛ فيشتد كل الشدة أو يرحم كل الرحمة، ولا يعجله لغط الناس أن ~~يأخذ في هذا الموقف الأليم بما توجبه الحمية وما توجبه المروءة في آن. # وسأل من ينبغي أن يسأل: عليا وأسامة وهما بمقام ولديه، وبريرة الجارية التي تعرف ~~عائشة وتخلص لسيدها كما تخلص لسيدتها، وضرة لعائشة تنافسها وتكاد أن تضارعها في حظوتها ~~لديه: زينب بنت جحش التي كانت أسرع من يقول لو علمت شيئا يقال، فاستعاذت بالله وقالت: ~~«أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت إلا خيرا.» # واتصل الحديث بعائشة فاستأذنته في زيارة أهلها، وآن له أن يفاتحها وقد وصل النبأ إلى ~~سمعها ولم يئن له قبل ذلك وهو كاظم ما في فؤاده قادر على كتمانه مخافة أن يؤذيها بغير ~~حق وهي تشكو سقامها. # فاتحها لتبرئ نفسها أو تستغفر الله. # وغضبت غضب البريء المشكوك فيه، وإنها لبريئة في نظر كل منصف يفهم أن امرأة كعائشة لا ~~تعرض نفسها لهذه الريبة أمام جيش، وفي وضح النهار، ولغير ضرورة، ومع رجل من المسلمين ~~يتقي ما يتقيه المسلم في هذا المقام من غضب النبي وغضب المسلمين وغضب الله، فتلك خلة ~~تترفع عنها من هي أقل من عائشة منبتا ومنزلة وخلقا وأنفة، فكيف بها في مكانها ~~المعلوم. # إلا أن النبي أراد لها البراءة أمام الخلق عامة وأمام نفسه المحبة، حذرا أن تكون ~~تبرئته إياها عن محبة وضعف لا عن تبين واستيثاق، فلما قضى كل حق وانتهى به الاستيثاق ~~إلى الثقة كان قد وفى الكرم والحمية والإنصاف والرحمة أجمعين. # نعم وفي الرحمة حتى باللاغطين المتعجلين الذين أبدءوا وأعادوا في ذلك الحديث المريب. ~~وما أحد أرحم ممن ms080 يرحم المفترين على سمعة أهله وهناءة بيته وأمان سربه، ولا يعذر الناس ~~أحدا كما يعذرون نبيا مطاعا ينال في عرضه فينال بالعقاب العدل من استحقوه. # سماحة الكريم # ولقد علمنا من رواية السيدة عائشة كما علمنا من روايات شتى أن عبد الله بن أبي بن ~~سلول كان أكبر اللاغطين بحديث الإفك عن سوء نية وكيد مبيت للنبي ودينه، وكان هذا الرجل ~~- كما تقدم في بعض فصول هذا الكتاب - بغيضا إلى المسلمين متهما عندهم يتوجسون منه، ~~ويسمونه رأس المنافقين، ولا يكفون عن طلب دمه واستئذان النبي في قتله فما ضر النبي لو ~~خلى بين المسلمين وبينه يحاسبونه على فريته ويحاسبونه على كيده وينتقمون لعرض النبي منه ~~ليأمنوا شره ويجعلوه عبرة لغيره؟ # وإذا قيل إن عبد الله بن أبي كان من أصحاب العصبية التي يحسب حسابها وتتقى بوادرها، ~~فماذا يقال في مسطح وهو مكفول أبي بكر وصنيعته الذي يأكل من ماله؟ ما الذي أنجاه من ~~السخط والعقاب وكفل له دوام البر والمعونة لولا سماحة النبي وسماحة أبي بكر وسماحة ~~القرآن. # على أن العصبية التي كان عبد الله بن أبي يلوذ بها لم تكن لتحميه عقاب النبي لو أراده ~~بعقاب ولو كان أصرم عقاب، فما من عصبية هي أقرب إلى رحم الرجل وأولى بالذود عنه من ولده ~~المشهور ببره. وقد أسلفنا أن ولد عبد الله قد تطوع لقتله يوم قيل له إن النبي يهدر دمه ~~ويقضي بموته ... # إنما هي سماحة الكريم ... # إنما هي السماحة التي شملت مسطحا كما شملت كبير المنافقين، وخرجت من حديث الإفك كله ~~بالعفو عن جميع المسيئين مخلصين في الرأي وغير مخلصين، وهي التي سبرت غورا في قصة هذا ~~الحديث فتكشفت عن أطيب معاملة للزوجات في أحرج الحالات، وتلك هي المعاملة الطيبة في ~~مثلها الأعلى، معاملة لا تتبدل بعد أيام وشهور بل تطول مدى السنين، وتطول مدى السنين مع ~~نساء مختلفات لا مع امرأة واحدة، وتطول في جميع الحالات ومنها حالة الألم البالغ، ولا ~~تنحصر في حالة الرضا والطمأنينة، وأقل من ms081 ذلك أمنية يتمناها الحالمون بالوئام بين ~~الأزواج في العصر الذي وصفوه بعصر المرأة، لفرط ما أطنب فيه المطنبون من إكبار شأنها ~~والدعوة إلى إنصافها. # تعدد الزوجات # هنا يعرض لنا الكلام عن تعدد زوجات النبي، وهو الهدف الثاني الذي يرميه المشهرون ~~بالإسلام، فيكثرون من رميه كلما تكلموا عن أخلاق محمد عليه السلام وذكروا منها ما ~~يزعمونه منافيا لشمائل النبوة، مخالفا لما ينبغي أن يتصف به هداة الأرواح ... # السيف والمرأة! ... # كأنهم يريدون أن يجمعوا على النبي بين الاستسلام للغضب والاستسلام للهوى، وكلاهما ~~بعيد من صفات الأنبياء. # أما السيف فقد أسلفنا الكلام فيه. # أما المرأة فالظنة فيها أضعف من الظنة في السيف على ما نراه، لأن الاستسلام للشهوة ~~آخر شيء يخطر على بال الرجل المحقق - مسلما كان أو غير مسلم - حين يبحث في تعدد زوجات ~~النبي، وفيما يدل عليه ذلك التعدد، وفيما اقتضاه. # قال لنا بعض المستشرقين إن تسع زوجات لدليل على فرط الميول الجنسية ... # قلنا إنك لا تصف السيد المسيح بأنه قاصر ~~الجنسية # Undersexed # لأنه لم يتزوج قط، فلا ينبغي أن تصف محمدا بأنه مفرط الجنسية # Oversexed # لأنه جمع بين تسع نساء. # ونحن قبل كل شيء لا نرى ضيرا على الرجل العظيم أن يحب المرأة ويشعر بمتعتها. هذا ~~سواء الفطرة لا عيب فيه، وما من فطرة هي أعمق في طبائع الأحياء عامة من فطرة الجنسين ~~والتقاء الذكر والأنثى، فهي الغريزة التي تلهم الحي في كل طبقة من طبقات الحياة ما لا ~~تلهمه غريزة أخرى. أرأيت إلى السمك وهو يعبر الماء الملح في موسمه المعلوم فيطوي ألوفا ~~من الفراسخ ليصل إلى فرجة نهر عذب يجدد فيها نسله ثم يعود أدراجه؟ ... أرأيت إلى العصفور ~~وهو يبتني عشه ويعود من هجرته إلى وطنه؟ أرأيت إلى الزهر وهو يتفتح ليغري الطير والنحل ~~بنقل لقاحه؟ أرأيت إلى سنة الحياة في كل طبقة من طبقات الأحياء؟ ما هي سنتها إن لم ~~تكن هي سنة الألفة بين الجنسين؟ وأين يكون سواء الفطرة إن لم يكن على هذا ~~السواء؟ # فحب ms082 المرأة لا معابة فيه ... # هذا هو سواء الفطرة لا مراء ... # وإنما المعابة أن يطغى هذا الحب حتى يخرج عن سوائه، وحتى يشغل المرء عن غرضه، وحتى ~~يكلفه شططا في طلابه، فهو عند ذلك مسخ للفطرة المستقيمة يعاب كما يعاب الجور في جميع ~~الطباع ... # فمن الذي يعلم ما صنع النبي في حياته ثم يقع في روعه أن المرأة شغلته عن عمل كبير أو ~~عن عمل صغير؟ # من من بناة التاريخ قد بنى في حياته وبعد مماته تاريخا أعظم من تاريخ الدعوة ~~المحمدية والدول الإسلامية؟ # ومن ذا الذي يقول إن هذا عمل رجل مشغول؟ # عم شغلته المرأة؟ ومن ذا تفرغ لعظيم من المسعى فبلغ فيه شأو محمد في مسعاه؟ # فإن كانت عظمة الرجل قد أتاحت له أن يعطي الدعوة حقها ويعطي المرأة حقها فالعظمة ~~رجحان وليست بنقص، وهذا الاستيفاء السليم كمال وليس بعيب. ورسالة محمد إذن هي الرسالة ~~التي يتلقاها أناس خلقوا للحياة، ولم يخلقوا نابذين لها ولا منبوذين منها. فليست شريعة ~~هؤلاء بالشريعة المطلوبة فيما يخاطب به عامة الناس في عامة العصور. # وأعجب شيء أن يقال عن النبي إنه استسلم للذات الحس؛ وقد أوشك أن يطلق نساءه أو يخيرهن ~~في الطلاق لأنهن طلبن إليه المزيد من النفقة وهو لا يستطيعها. # فقد شكون - على فخرهن بالانتماء إليه - أنهن لا يجدن نصيبهن من النفقة والزينة، ~~واجتمعت كلمتهن على الشكوى، واشتددن فيها حتى وجم النبي وهم بتسريحهن، أو تخييرهن بين ~~الصبر على معيشتهن والتسريح. # وذهب إليه أبو بكر يوما «يستأذن عليه فوجد الناس جلوسا لا يؤذن لأحد منهم ثم دخل ~~أبو بكر وعمر من بعده، فوجدا النبي جالسا وحوله نساؤه واجما ساكنا. فأراد أبو بكر أن ~~يقول شيئا يسري عنه، فقال: «يا رسول الله لو رأيت بنت خارجة! سألتني النفقة فقمت إليها ~~فوجأت عنقها» فضحك رسول الله وقال: «هن حولي كما ترى يسألنني النفقة! ... فقام أبو بكر ~~إلى عائشة يجأ عنقها، وقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها، ويقولان: «تسألن رسول الله ما ليس ~~عنده؟» ms083 # فقلن: «والله لا نسأل رسول الله شيئا أبدا ليس عنده» ثم اعتزلهن الرسول شهرا أو ~~تسعة وعشرين يوما، فنزلت بعدها الآية التي فيها التخيير وهي: # يا ~~أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة ~~الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا ~~جميلا * وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار ~~الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا ~~عظيما ~~(الأحزاب: 28، 29). # فبدأ الرسول بعائشة فقال لها: «يا عائشة! ... إني أريد أن أعرض عليك أمرا أحب ألا ~~تتعجلي فيه حتى تستشيري أبويك ...» # قالت: «وما هو يا رسول الله؟» فتلا عليها الآية ... # قالت: «أفيك يا رسول الله أستشير أبوي؟ ... بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة ...» ثم ~~خير نساءه كله فأجبن كما أجابت عائشة، وقنعن بما هن فيه من معيشة كان كثير من زوجات ~~المسلمين يظفرن بما هو أنعم منها. # علام يدل هذا؟ # نساء محمد يشكون قلة النفقة والزينة، ولو شاء لأغدق عليهن النعمة وأغرقهن في الحرير ~~والذهب وأطايب الملذات. # أهذا فعل رجل يستسلم للذات حسه؟ # أما كان يسيرا عليه أن يفرض لنفسه ولأهله من الأنفال والغنائم ما يرضيهن ولا يغضب ~~المسلمين، وهم موقنون أن إرادة الرسول من إرادة الله؟ ... # وماذا كلفه الاحتفاظ بالنساء حتى يقال إنه كان يفرط في ميله إلى النساء؟ # هل كلفه أن يخالف ما يحمد من سننه أو يخالف ما يحمد من سيرته أو يترخص فيما يرضاه ~~أتباعه ولا ينكرونه عليه؟ # لم يكلفه شيئا من ذلك، ولم يشغله عن جليل أعماله وصغيرها، ولم نر هنا رجلا تغلبه ~~لذات الحس كما يزعم المشهرون، بل رأينا رجلا يغلب تلك الملذات في طعامه ومعيشته وفي ~~ميله إلى نسائه، فيحفظها بما يملك منها ولا يأذن لها أن تسومه ضريبة مفروضة عليه، ولو ~~كانت هذه الضريبة بسطة في العيش قد ينالها أصغر المسلمين، ولا شك في قدرة النبي عليها ~~لو أراد. # رجل الجد والرصانة # وهكذا نبحث عن الرجل الذي توهمه المشهرون من مؤرخي أوروبا فلا نرى إلا صورة من أعجب ~~الصور التي تقع في وهم واهم. # نرى رجلا كان ms084 يستطيع أن يعيش كما يعيش الملوك ويقنع مع هذا بمعيشة الفقراء، ثم يقال ~~إنه رجل غلبته لذات حسه! # ونرى رجلا تألبت عليه نساؤه لأنه لا يعطيهن الزينة التي يتحلين بها لعينه، ثم ~~يقال إنه رجل غلبته لذات حسه! ... # ونرى رجلا آثر معيشة الكفاف والقناعة على إرضاء نسائه بالتوسعة التي كانت في وسعه، ~~ثم يقال إنه رجل غلبته لذات حسه! ... # ذلك كلام لو شاء المشهرون أن يرسلوه كلاما مضحكا مستغربا لأفلحوا فيما قالوه أحسن ~~فلاح. أو لعله أقبح فلاح! ... # ويزيد في غرابته أن الرجل الذي توهموه ذلك التوهم لم يكن مجهولا قبل زواجه ولا بعد ~~زواجه فتخبط فيه الظنون ذلك الخبط الذريع. # فمحمد كان معروفا بين الشباب قبل قيامه بالدعوة الدينية كأشهر ما يعرف فتى من قريش ~~وأهل مكة. # كان معروفا من صباه إلى كهولته فلم يعرف عنه أنه استسلم للذات الحس في ريعان صباه، ~~ولم يسمع عنه أنه لها كما يلهو الفتيان حين كانت الجاهلية تبيح ما لا يباح، بل عرف ~~بالطهر والأمانة واشتهر بالجد والرصانة، وقام بالدعوة بعدها فلم يقل أحد من شانئيه ~~والناعين عليه والمنقبين وراءه عن أهون الهنات: تعالوا يا قوم فانظروا هذا الفتى الذي ~~كان من شأنه مع النساء كيت وكيت يدعوكم اليوم إلى الطهارة والعفة ونبذ الشهوات ... كلا ... ~~لم يقل أحد هذا قط من شانئيه وهم عديد لا يحصى ولو كان لقوله موضع لجرى على لسان ألف ~~قائل. # ولما بنى بأولى زوجاته - خديجة - لم تكن لذات الحس هي التي سيطرت على هذا الزواج؛ ~~لأنه بنى بها وهي في نحو الأربعين وهو في نحو الخامسة والعشرين، ونيف على الخمسين، ~~وأوتي الفتح المبين وليس له من زوجة غيرها، ولا من رغبة في الزواج بأخرى. # ولم يكن وفاؤه لها بقية حياته وفاء للذات حس أو ذكرى متاع جميل لأنه فضلها على عائشة ~~في صباها وهي أحب نسائه إليه، وكانت عائشة تغار منها في قبرها فلم يكتمها قط أنه يفضلها ~~عليها. # قالت له مرة: هل كانت إلا عجوزا بدلك ms085 الله خيرا منها، فقال له مغضبا: «لا والله ما ~~أبدلني الله خيرا منها ... آمنت بي إذ كفر الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس وواستني بمالها ~~إذ حرمني الناس، ورزقني الله منها الولد دون غيرها من النساء.» # فلهذا أحب خديجة، ووفى لها وفضلها ولم يمح ذكراها من نفسه قط من أعقبتها من الزوجات ~~الفتيات وفاء قلب، وليست لذات حس ولا ذكرى متاع جميل. # أسباب تعدد زوجاته # ولو كانت لذات الحس هي التي سيطرت على زواج النبي بعد وفاة خديجة لكان الأحجى بإرضاء ~~هذه الملذات أن يجمع النبي إليه تسعا من الفتيات الأبكار اللائي اشتهرن بفتنة الجمال ~~في مكة والمدينة والجزيرة العربية، فيسرعن إليه راضيات فخورات، وأولياء أمورهن أرضى ~~منهن وأفخر بهذه المصاهرة التي لا تعلوها مصاهرة. # لكنه لم يتزوج بكرا قط غير عائشة - رضي الله عنها - ولم يكن زواجه بها مقصودا في ~~بداية الأمر حتى رغبته فيه خولة بنت حكيم التي عرضت عليه الزواج بعد وفاة خديجة. # قالت عائشة - رضي الله عنها: «لما توفيت خديجة قالت خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن ~~مظعون للنبي: «أي رسول الله! ألا تتزوج؟» # قال: «من؟» # قالت: «إن شئت بكرا وإن شئت ثيبا؟» ... # قال: «فمن البكر؟» ... # قالت: «بنت أحب الناس إليك عائشة بنت أبي بكر» ... # قال: «فمن الثيب؟» ... # قالت: «سودة بنت زمعة؛ آمنت بك واتبعتك».» # ثم كانت سودة هي أولى النساء التي بنى بهن بعد وفاة خديجة، وكان زوجها الأول - ابن ~~عمها - قد توفي بعد رجوعه من الهجرة إلى الحبشة، وكانت هي من أسبق النساء إلى الإسلام، ~~فآمنت وهجرت أهلها ونجا بها زوجها إلى الحبشة فرارا من إعنات المشركين له ولها، فلما ~~مات لم يبق لها إلا أن تعود إلى أهلها فتصبأ وتؤذى، أو تتزوج بغير كفؤ أو بكفؤ لا ~~يريدها. فضمها النبي إليه حماية لها وتأليفا لأعدائه من آلها وكان غير هذا الزواج ~~أولى به لو نظر إلى لذات حس ومال إلى متاع. # وكانت للنبي زوجة أخرى وسمت بالوضاءة والفتاء، وهي زينب بنت جحش ابنة عمته ms086 عليه ~~السلام التي زوجها زيد بن حارثة بأمره وعلى غير رضا منها، لأنها أنفت - وهي ما هي في ~~الحسب والقرابة من رسول الله - أن يتزوجها غلام عتيق. # هذه أيضا لم يكن «للذات الحس» المزعومة سلطان في بناء النبي بها بعد تطليق زيد ~~إياها وتعذر التوفيق بينهما، ولو كان للذات الحس سلطان في هذا الزواج لكان أيسر شيء على ~~النبي أن يتزوجها ابتداء ولا يروضها على قبول زيد وهي تأباه، فقد كانت ابنة عمته يراها ~~من طفولته ولا يفاجئه من حسنها شيء كان يجهله يوم عرض عليها زيدا، وشدد عليها في ~~قبوله. فلما تجافى الزوجان وتكررت شكوى زيد من إعراضها عنه وترفعها عليه وإغلاظها القول ~~له كان زواج النبي بها «حلا لمشكلة» بيتية بين ربيب في منزلة الابن وابنة عمة أطاعته ~~في زواج لم يقرن بالتوفيق. # أما سائر زوجاته عليه السلام فما من واحدة منهن - رضي الله عنهن - إلا كان لزواجه بها ~~سبب من المصلحة العامة أو من المروءة والنخوة دون ما يهذر به المرجفون من لذات الحس ~~المزعومة. # فأم سلمة كانت كهلة مسنة يوم خطبها، كما قالت له معتذرة إليه؛ لإعفائه من تكليف نفسه ~~أن يتزوجها جبرا لخاطرها بعد موت زوجها عبد الله المخزومي من جرح أصابه في غزوة أحد، ~~ولما برح بها الحزن لوفاته واساها رسول الله قائلا: «سلي الله أن يؤجرك في مصيبتك ~~وأن يخلفك خيرا» ... # فقالت: «ومن يكون خيرا من أبي سلمة؟» فأوجب على نفسه خطبتها لأنها تعلم أنه خير من ~~أبي سلمة، ولأنه يعلم أن أبا بكر وعمر خطباها فترفقت في الاعتذار، وهما أعظم المسلمين ~~قدرا بعد النبي عليه السلام. # وجويرية بنت الحارث سيد قومه كانت إحدى السبايا في غزوة بني المصطلق فتزوجها ~~النبي؛ ليعتقها ويحض المسلمين على عتق أسراهم وسباياهم تفريجا عنهم وتألفا لقلوبهم، ~~فأسلموا جميعا وحسن إسلامهم، وخيرها أبوها بين العودة إليه والبقاء في حرم رسول الله ~~فاختارت البقاء في حرم رسول الله. # وحفصة بنت عمر بن الخطاب مات زوجها فعرضها أبوها على أبي ms087 بكر فسكت، وعلى عثمان فسكت، ~~وبث عمر أسفه للنبي فلم يكن للنبي عليه السلام أن يضن على وليه وصديقه بالمصاهرة التي ~~شرف بها أبا بكر من قبله، وقال: يتزوج حفصة من هو خير من أبي بكر وعثمان. # ورملة بنت أبي سفيان تركت أباها لتسلم، وتركت وطنها لتهاجر مع زوجها إلى الحبشة، ثم ~~تنصر زوجها وفارقها وهي غريبة هناك بغير عائل، فأرسل النبي إلى النجاشي في طلبها ~~لينقذها من ضياع الغربة وضياع الأهل وضياع القرين. فكانت النجدة الإنسانية باعث هذا ~~الزواج ولم يكن له باعث من المتعة والاستزادة من النساء، وكان للنبي مقصد جليل من وراء ~~هذا الزواج الذي لم يفكر فيه حتى ألجأته النجدة إلى التفكير فيه، وهو أن يصل بينه وبين ~~أبي سفيان بآصرة النسب، عسى أن يهديه ذلك إلى الدين، بما يعطف من قلبه ويرضي من ~~كبريائه. # وكان إعزاز من ذلوا بعد عزة سنة النبي عليه السلام في معاملة جميع الناس ولا سيما ~~الناس اللاتي تنكسر قلوبهن في الذل بعد فقد الحماة والأقرباء، ولهذا خير صفية ~~الإسرائيلية سيدة بني قريظة بين أن يلحقها بأهلها وأن يعتقها ويتزوج بها، فاختارت ~~الزواج منه عليه السلام، وآية الآيات في رعاية الشعور الإنساني أنه عليه السلام أنب ~~صفيه بلالا لأنه مر بها وبابنة عمها على قتلى اليهود. فقال له مغضبا: «أنزعت ~~الرحمة من قلبك حين تمر بالمرأتين على قتلاهما؟» واحتقرتها زينب فلقبتها يوما ~~باليهودية، فهجرها شهرا لا يكلمها ليأخذ بناصر هذه الغريبة ويدفع عنها الضيم. ~~••• # تنكشف لنا مراجعة الحياة الزوجية لمحمد عليه السلام عن هذه الأسباب وشبيهاتها من ~~دواعي اختياره لنسائه واستجماعه لهذا العدد من الزوجات في حين واحد ... # ولا حرج - كما أسلفنا - على رجل قويم الفطرة أن يلتمس المتعة في زواجه. # ولكن الذي حدث فعلا أن المتعة لم تكن قط مقدمة في الاعتبار عند نظر النبي في اختيار ~~واحدة من زوجاته قبل الدعوة أو بعدها، وفي إبان الشباب أو بعد تجاوز الكهولة. # وآخر صورة يتصورها المنصف هنا هي صورة رجل فرغ ms088 للذاته، وجلس ينتقي واحدة بعد واحدة من ~~الحسان على حسب ما يرجوه عندها من متاع. فإنما كان الاختيار كله على حسب حاجتهن إلى ~~الإيواء الشريف أو على حسب المصلحة الكبرى التي تقضي باتصال الرحم بينه وبين سادات ~~العرب وأساطين الجزيرة من أصدقائه وأعدائه، ولا استثناء في هذه الخصلة لزوجة واحدة بين ~~جميع زوجاته حتى التي بنى بها فتاة بكرا موسومة بالجمال، وهي السيدة عائشة بنت أبي بكر ~~الصديق رضي الله عنه ... # إلا أن المشهرين المتقولين نسوا كل حقيقة من حقائق هذه الحياة الزوجية التي سجلت لنا ~~بأدق تفصيلاتها، ولم يذكروا إلا شيئا واحدا حرفوه عن معناه ودلالته، ليفتروا على ~~النبي ما طاب لهم أن يفتروه، وذلك أنه جمع في وقت واحد بين تسع زوجات. # نسوا أنه اتسم بالطهر والعفة في شبابه فلم يستبح قط لنفسه ما كان شباب الجاهلية ~~يستبيحونه لأنفسهم من اللهو المطروق لكل طارق، في غير مشقة عندهم ولا معابة. # ونسوا أنه بقي إلى نحو الخامسة والعشرين لم يتعسف في طلب الزواج الحلال وهو ميسر له ~~تيسره لكل فتى وسيم حسيب منظور إليه بين الأسر وبين الفتيات. # ونسوا أنه لما تزوج في تلك السن كان زواجه بسيدة في الأربعين اكتفى بها إلى أن توفيت ~~وهو يجاوز الخمسين. # ونسوا أنه اختار أحسابا في حاجة إلى التآلف أو الرعاية ولم يختر جمالا مطلوبا ~~للمتاع ... # ونسوا أن الرجل الذي وصفوه بما وصفوا من تغليب لذات الحس لم يكن يشبع في بعض أيامه من ~~خبز الشعير، ولم يجاوز حياة القناعة قط لإرضاء نسائه وإرضاء نفسه، ولو شاء لما كلفه ~~إرضاء نفسه وإرضاؤهن غير القليل بالقياس إلى ما في يديه. # نسوا كل هذا، وهو ثابت في التاريخ ثبوت عدد النساء اللاتي جمع بينهن عليه السلام ... ~~فلماذا نسوه؟ # نسوه لأنهم أرادوا أن يعيبوا وأن يتقولوا وأن ينحرفوا عن الحقيقة، وقد كانت رؤية ~~الحقيقة أيسر لهم من الإغضاء عنها، لو أنهم أرادوها وتعمدوا ذكرها ولم يتعمدوا ~~نسيانها. # الوجهة الخلقية # ونستطرد إلى تعدد الزوجات من الوجهة ms089 الخلقية أو الأدبية فلا نطيل فيه، لأننا نقصر هذا ~~الكتاب على عبقرية محمد وما له اتصال بجوانب هذه العبقرية في تعدد مناحيها، ولم نرد به ~~أن نتناول حكمة الشريعة الإسلامية في تفصيلها ولا مسوغات الأصول الدينية على ~~اختلافها. # فأوجز ما نقوله في تعدد الزوجات من الوجهة الخلقية أو الأدبية أن النبي عليه السلام ~~لم يجعله حسنة مطلوبة لذاتها أو مباحا يختاره من يختاره وله مندوحة عنه، وإنما جعله ~~ضرورة يعترف بها الرجل وتعترف بها الأمة في بعض الأحوال لأنها خير من ضرورات، ولن ينكر ~~هذا إلا متعنت يصدم الحقائق ويتجاهل المحسوس الماثل للعيان. # ففي حياة محمد الخاصة لا ينكر أحد أن بناءه بنسائه قد كان خيرا من الإخلاء بينهن ~~وبين التأيم والمذلة والرجعة إلى الكفر والضلالة، وكان خيرا من قطع تلك الآصرة التي ~~وصلت بينه وبين البيوت والعشائر، فكان لها ما كان من فضل في نفع الدين والمتدينين به، ~~وهي ضرورة يلجأ إلى الاعتراف بها كل مسئول عن شئون أمة بل أمم تمارس الحياة الدنيا، وكل ~~إمام عليم بطبائع الناس. # أما الضرورة الاجتماعية العامة فقد اعترفت بها الشرائع المدنية الحديثة جميعا ثم ~~تحللت منها بإباحة الزنى وعلاج مشكلة الزواج بحل خارج عن نطاق الزواج أو خارج عن نطاق ~~البيت والأسرة. ولو اهتدت هذه الشرائع المدنية إلى حل خير من هذا لجاز لها أن تنكر تعدد ~~الزوجات، وتنكر أنه ضرورة أكرم من ضرورات. # فلا شك أن الجمع بين المرأة العقيم أو المرأة المريضة وبين غيرها أكرم لها وللمجتمع ~~من نبذها في معترك هذه الدنيا الضروس بغير ولد وبغير زوج وبغير عاصم، ثم هو أكرم للزوج ~~نفسه وهو كائن حي يريد أن يصل ما بينه وبين الحياة بذرية صالحة هي الغرض الأكبر من كل ~~زواج، ولولاها لانتقض في المجتمع الإنساني أساس كل زواج. # ولا شك أن الجمع بين المرأة المزهود فيها وبين زوجة أخرى أكرم لها وأصلح من الجمع ~~بينها وبين خليلة أو عدة خليلات. # ولا شك أن تسهيل الزواج وبخاصة في ms090 أوقات الحروب التي ينقص فيها الرجال أكرم للمجتمع ~~الإنساني وأصلح من تسهيل العلاقات الأخرى التي لا تنفع النوع ولا تنفع الأخلاق، ولا ~~ترفع مكانة المرأة في عصمة رجل أو في متناول كثير من الرجال. # هذا شيء جائز. # بل هذا شيء أكثر من جائز، لأنه واقع لا محيد عنه ولا حيلة فيه، وغير ملوم من يواجهه ~~بحل أكرم من حلول شتى، بل اللوم عليه أن ينظر في شئون العالم ثم يغمض عينيه عن حقائقه ~~التي تصدم كل عين. # ومن السهل - على من أراد - أن يسوس العالم في خياله بالفضائل التي تروقه وترضيه ... ~~وليس من السهل عليه أن يخلق العالم الذي يساس له ويرضى بما ارتضاه وقد علم هذا كل رجل ~~واجهته مشكلة واحدة من المشكلات التي واجهت محمدا بادئ الرأي على غير مثال سابق ~~يحتذيه، إلا ما ألهمه الله. # رأي نابليون # ماذا صنع نابليون في عصرنا الحديث؟ ... # وإنما نضرب المثل بنابليون لأنه حضر انقلابا في الأطوار والعادات يشبه نشأة الدين في ~~أيام الدعوة المحمدية ونعني به الثورة الفرنسية، وحضر انحدارا في الأخلاق والآداب يشبه ~~الانحدار الذي أصيب به العرب في أواخر عهد الجاهلية، وأسس دولة، ونظر في سن قانون، ~~وحاول ضروبا من الإصلاح. # نابليون قد طلق امرأته وأكره أحبار المسيحية على قبول هذا الطلاق، وقد اشتهرت له ~~علاقات بخليلات متعددات، غير الخليلات المجهولات ... # ونابليون يقول عن المرأة: «لقد صنعت كل ما وسعني أن أصنع لتحسين حال أولئك المساكين ~~الأبرياء أبناء الزنى. إلا أنك لا تستطيع أن تصنع لهم الشيء الكثير دون مساس بقواعد ~~الزواج. وإلا أحجم الناس عن الزواج إلا القليل. # ولقد كان للرجل في العهد القديم سريات إلى جانب الزوجات، ولم يكن أبناء الزنى محتقرين ~~بين الناس احتقارهم اليوم. إنه لمن المضحك أن يحظر على الرجل الزواج بأكثر من واحدة ~~فتحمل هذه الزوجة الواحدة، وكأن الرجل في أثناء حملها أعزب أو عقيم. # واليوم لا سريات للرجال ولكنهم يعاشرون الخليلات وهن أقدر على التبديد ~~والإفساد. # إنهم في فرنسا يخولون النساء فوق ms091 حقهن من التعظيم وإنما الواجب ألا ينظر إليهن كأنهن ~~مساويات للرجال، فما هن في الحقيقة إلا آلات لتخريج الأطفال. # وقد تمردن في إبان الثورة وعقدن الجماعات لأنفسهن، وبدا لهن أن يؤلفن فرقا منهن في ~~الجيش. # وكان لا بد من صدهن، لأن المجتمع الإنساني عرضة للخلل والفوضى إذا ترك النساء حالة ~~الاعتماد على الرجال وهي مكانهن الحق في الحياة. نعم إن المجتمع لوشيك إذن أن يتمزق ~~بددا بغير انتهاء. # وعلى جنس من الجنسين أن يخضع للآخر لا محالة، فإذا نشبت الحرب بينهما، فلن تكون كحرب ~~الأغنياء والفقراء أو حرب البيض والسود! ... # ألا وإن الطلاق لأضر بالمرأة دون مراء. فالرجل الذي يجمع بين زوجات لا يبدو عليه من ~~ذلك أثر كالأثر الذي يبدو على المرأة بعد التزوج بعدة رجال، إنها تضمحل إذن كل ~~الاضمحلال.» # رأي لينين # كذلك اعترف نابليون بالضرورات الزوجية في العصر الحديث. فكيف اعترف بها «لينين» في ~~الثورة الكبرى بعد الثورة الفرنسية؟ ... # حل مشكلة الزواج بحل رابطة الزواج، فلا رابطة بين الزوجين أوثق من رابطة الرفيقين في ~~الفندق أو الطريق. وليس أعجب ممن جعل الزواج شريعة ملائكة إلا الذي جعله على هذا النحو ~~شريعة عجماوات. # عقوبة الزوجات # ولا نختم هذا الفصل عن النبي في حياته الزوجية قبل أن نعرض لعقوبة الزوجات في ~~الإسلام، وللعقوبة التي اختارها عليه السلام لأن عقوبة الرجل لامرأته في حالة الغضب ~~كمحاسنته لها في حالة الرضا؛ كلاهما ميزان صادق لمكانتها عنده، ومكانة المرأة عامة في ~~تقديره. # والقرآن ينص على العقوبات السائغة في حالة النشوز وهي العظة، والهجر في المضاجع، ~~والضرب، والتسريح بإحسان: # واللاتي تخافون نشوزهن ~~فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن ~~أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا ~~(النساء: 34). # وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن ~~فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ~~ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ~~(البقرة: 231). # والنبي عليه السلام لم يطلق زوجة من زوجاته دخل بها وعاشرها، ولم يضرب قط واحدة منهن، ~~ولم يرو عنه قط أنه ضرب أو نهر خادما فضلا عن زوجة، ms092 بل روي عنه ما ينفي ذلك ممن ~~عاشروه ولازموه. # بل كان عليه السلام يكره ضرب النساء ويعيبه كما قال: «أما يستحي أحدكم أن يضرب امرأته ~~كما يضرب العبد؟ ... يضربها أول النهار ثم يجامعها آخره!» # فما نص القرآن عليه من عقوبة الضرب فإنما نص عليه لعلاج النشوز الذي لا يستقيم بغيره، ~~وقيده المفسرون بشروط تمنع الإيذاء، وتحصره في القدر الذي يستقيم عليه الجزاء. # فغاية ما يفهم من ذكر الضرب بين العقوبات أن بعض النساء يتأدبن به ولا يتأدبن بغيره، ~~وقد يعلم الكثيرون أن هؤلاء النساء لا يكرهنه ولا يسترذلنه، وليس من الضروري أن يكن من ~~أولئك العصبيات المريضات اللائي يشتهين الضرب كما يشتهي بعض المرضى ألوان ~~العذاب. # إنما العقوبة التي آثرها النبي عليه السلام هي الهجر الطويل أو القصير، بعد العظة ~~والعتاب الجميل. # والهجر - ولا سيما الهجر في المضاجع - عقوبة نفسية بالغة وليست كما يسبق إلى بعضهم ~~عقوبة حسية تؤلم المرأة لما يفوتها من سرور ومتعة؛ فإن فوات السرور والمتعة أياما، لا ~~يؤلم المرأة هذا الإيلام الذي يجعل الهجر في المضاجع من أصعب العقوبات دون ~~الطلاق. # قال الأستاذ رشيد رضا - رحمه الله - في كتابه نداء للجنس اللطيف: «أما الهجر فهو ضرب ~~من ضروب التأديب لمن تحب زوجها ويشق عليها هجره إياها، ولا يتحقق هذا بهجر المضجع نفسه ~~وهو الفراش، ولا بهجر الحجرة التي يكون فيها الاضطجاع، وإنما يتحقق بالهجر في الفراش ~~نفسه. وتعمد هجر الفراش أو الحجرة زيادة في العقوبة لم يأذن بها الله تعالى وربما يكون ~~سببا لزيادة الجفوة، وفي الهجر في المضجع نفسه معنى لا يتحقق بهجر المضجع أو البيت ~~الذي هو فيه، لأن الاجتماع في المضجع هو الذي يهيج شعور الزوجة فتسكن نفس كل من الزوجين ~~إلى الآخر ويزول اضطرابها الذي أثارته الحوادث قبل ذلك. فإذا هجر الرجل المرأة وأعرض ~~عنها في هذه الحالة رجي أن يدعوها ذلك الشعور والسكون النفسي إلى سؤاله عن السبب ويهبط ~~بها من نشز المخالفة إلى صفصف الموافقة وكأني بالقارئ وقد جزم بأن ms093 هذا هو المراد، وإن ~~كان مثلي لم يره لأحد من الأموات ولا الأحياء.» # والذي نراه أن الأستاذ رحمه الله قد أخطأه المراد الدقيق من هذه العقوبة النفسية، وأن ~~الحكمة في إيثارها أعمق جدا من ظاهر الأمر كما رآه الأستاذ ... فأبلغ العقوبات ولا ريب ~~هي العقوبة التي تمس الإنسان في غروره وتشككه في صميم كيانه؛ في المزية التي يعتز بها ~~ويحسبها مناط وجوده وتكوينه ... # والمرأة تعلم أنها ضعيفة إلى جانب الرجل، ولكنها لا تأسى لذلك ما علمت أنها فاتنة له ~~وأنها غالبته بفتنتها وقادرة على تعويض ضعفها بما تبعثه فيه من شوق إليه ورغبة ~~فيها. # فليكن له ما شاء من قوة، فلها ما تشاء من سحر وفتنة وعزاؤها الأكبر عن ضعفها أن ~~فتنتها لا تقاوم، وحسبها أنه لا «تقاوم» بديلا من القوة والضلاعة في الأجساد والعقول ~~... # فإذا قاربت الرجل مضاجعة له وهي في أشد حالاتها إغراء بالفتنة ثم لم يبالها ولم يؤخذ ~~بسحرها فما الذي يقع في وقرها وهي تهجس بما تهجس به في صدرها؟ # أفوات سرور؟ أحنين إلى السؤال والمعاتبة؟ كلا ... بل يقع في وقرها أن تشك في صميم ~~أنوثتها وأن ترى الرجل في أقدر حالاته جديرا بهيبتها وإذعانها وأن تشعر بالضعف ثم لا ~~تتعزى بالفتنة ولا بغلبة الرغبة. فهو مالك أمره إلى جانبها وهي إلى جانبه لا تملك شيئا ~~إلا أن تثوب إلى التسليم، وتفر من هوان سحرها في نظرها قبل فرارها من هوان سحرها في نظر ~~مضاجعها. # فهذا تأديب نفس وليس بتأديب جسد، بل هذا هو الصراع الذي تتجرد فيه الأنثى من كل سلاح، ~~لأنها جربت أمضى سلاح في يديها فارتدت بعده إلى الهزيمة التي لا تكابر نفسها فيها. ~~فإنما تكابر ضعفها حين تلوذ بفتنتها. فإذا لاذت بها فخذلتها فلن يبقى لها ما تلوذ به ~~بعد ذاك. # وهنا حكمة العقوبة البالغة التي لا تقاس بفوات متعة ولا باغتنام فرصة للحديث ~~والمعاتبة. # إنما العقوبة إبطال العصيان، ولن يبطل العصيان بشيء كما يبطل بإحساس العاصي غاية ضعفه ~~وغاية قوة من ms094 يعصيه. والهجر في المضاجع هو مثابة الرجوع إلى هذا الإحساس. ~~••• # على أن عقاب النبي لزوجاته كان من الندرة بحيث لا يذكر لولا ما تعود المسلمون من ذكر ~~كل كبيرة وصغيرة في حياته الخاصة والعامة على السواء، وهذا مع طول العشرة وتعدد الزوجات ~~وكثرة الحوادث الجسام وقلة النسل الذي يصل المقطوع ويرأب المصدوع. # وكان معظم عقابه أشبه بعقاب نبي لمسلمات منه بعقاب زوج لزوجات. وهو في حالتي عقابه ~~وإحسانه إنسان على أكمل ما يكون الإنسان من رحمة وكيس وإنصاف. # وإذا حارت الأدلة في قوام تلك الحياة الزوجية فالدليل الذي لا يحار أن ينقضي نحو ~~أربعين سنة عليها وهي على ذلك الصفاء والولاء الذي لم يعرف مثله في علاقات الرجال ~~والنساء؛ هذه حياة زوجية لا تقوم على الحس والمتعة، ولن تدوم ذلك الدوام لو كان لها ~~قوام غير مودة القلوب وراحة النفوس وحب الخير ومبادلة العطف والتعظيم. # الفصل العاشر # | الأب # الأبوة الروحية والأبوة النوعية # حفظ النوع سر من أسرار الحياة الكبرى التي دقت عن الفهم وحارت في تعليلها عقول ~~الأساطين من أهل العلم والحكمة. # وهو - ولا ريب - يجري على قانون مطرد في جميع طبقات الأحياء، وإن كنا نحن لا نعلم ~~كنهه ولا نسبر عمقه، ولا نزيد عن استقصاء بعض الملاحظات التي تقارب الحقيقة، أو هي أقرب ~~ما نستطيع الوصول إليه. # وأهم هذه الملاحظات التقريبية أنه يجري على سنة المكافأة والتعويض في معظم حالاته. ~~فيقابل النقص في جانب بالزيادة في جانب آخر، ويقابل القصور في مزية من المزايا بالإتقان ~~في مزية أخرى. # فالأحياء السفلى عرضة للعطب الكثير في طور الولادة والحضانة، فيقابل هذا أن الأحياء ~~السفلى ترسل ذرياتها بالألوف وألوف الألوف، فيبقى منها القليل الكافي لدوام النوع بعد ~~فناء الكثير. # والأحياء العليا يقل عدد المولود منها في البطن الواحد فيقابل هذا أن تطول حضانتها ~~والعناية بها، وتجد من وسائل الصيانة ما يعوض الكثرة في الأحياء السفلى. # ويغلب أن يزيد النسل حين تكون زيادة النسل هي الوسيلة الوحيدة التي يستطيعها الفرد ~~لخدمة نوعه وضمان ms095 دوامه. فإذا تيسرت للفرد وسائل مختلفة لخدمة نوعه فقد يجور ذلك على ~~نسله وينتقص من قسمته في أبنائه، كأنما خدمة النوع ضريبة مفروضة على كل فرد في صورة من ~~الصور، فإذا أداها في صورة أعفي منها في الصورة ~~الأخرى، أو كأنما هي مواهب وأرزاق لا يستوفيها الفرد الواحد إلا بثمن غال يحسب عليه، ~~يؤدي حسابه للنوع على نحو من الأنحاء. # والإنسان هو أقدر المخلوقات الحية على خدمة نوعه بوسائل كثيرة لا تنحصر في تجديد ~~النسل وزيادة عدده. # فهل يجوز لنا أن نقول إن العظماء الذين حرموا النسل قد أدوا ضريبتهم بإصلاح شئون ~~الناس فلم يبق من اللازم المفروض عليهم أن يؤدوا هذه الضريبة من طريق الذرية؟ # إن قلنا ذلك فإنما نقوله على سبيل الملاحظة التقريبية التي أشرنا إليها. ولا نبلغ ~~بتلك الملاحظة فوق مبلغها من اليقين الذي تستحقه، فغاية مبلغها عندنا أنها تستوقف النظر ~~للتأمل والمراجعة ولا تفضي بنا إلى الجزم أو إلى التغليب. # فبعض العظماء من أكبر خدام النوع لم يتزوجوا، وفيهم أنبياء معظمون لا شك في سيرتهم من ~~هذه الناحية، كعيسى عليه السلام. # وبعض العظماء الذين تزوجوا لم يرزقوا الذرية، أو رزقوا ذرية كلها إناث، أو رزقوا ذرية ~~من الإناث والذكور ولم يعيشوا، أو عاشوا ولم يعمروا ولا كانوا على حالة مستحبة من الصحة ~~والنجابة. # وتواريخ العظماء في جميع نواحي العظمة، وفي جميع الأمم، وفي جميع العصور، حافلة ~~بالشواهد التي تعزز تلك الملاحظة وتجعلها خليقة بالتأمل والمراجعة؛ يدخل فيهم القديسون ~~كما يدخل فيهم الحكماء، ويدخل فيهم العلماء كما يدخل فيهم رجال الفنون والمخترعون، ~~ويدخل فيهم القادة العسكريون والسياسيون ولا يصعب على أحد أن يدير بصره إلى فترة من ~~الزمن في بلد قريب يعرفه حق المعرفة ليشاهد مصداق ذلك في نفر من عظمائه ومشهوريه، ~~وحسبنا في مصر أسماء جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وسعد زغلول، وعبد الله نديم، ~~ومصطفى كامل، ومصطفى فهمي، ومحمود سامي البارودي، وحافظ إبراهيم. # فإذا جاز لنا أن نقف عند تلك الملاحظة وأن نتأمل مغزاها، وجاز ms096 لنا أن نفهم أن إصلاح ~~شئون النوع الإنساني ضريبة تغني عن ضريبة الذرية في بعض الأحوال؛ فأين ترانا نجد تلك ~~الضريبة في أرفع حالة وأغلى قيمة إن لم نجدها في رسالة نبوية تتناول الأجيال بعد ~~الأجيال وتتناول الملايين في كل جيل؟ ... وأي أبوة إنسانية تغني عن أبوة اللحم والدم كما ~~تغني أبوة النبي الذي يتكفل بتربية الأرواح في أمته، وفي أمم لا يلقاها في زمانه، وأمم ~~لا تزال تستجد بعد زمانه إلى أقصى الزمان؟ # الأب الثكول # نذكر هذا حين نذكر حظ محمد من الأبوة الروحية ومن الأبوة النوعية. ونرى تكافؤا في ~~الجانبين جديرا بالملاحظة والاعتبار ... # ألا ما أثقل ثمن الإصلاح! # ألا ما أحق المصلحين بالتمجيد وحسن الجزاء! # فمحمد الأب كان أصلح الآباء، ثم فجع في بيته فجيعة لا يداري فيها ألم الإنسان إلا صبر ~~الأنبياء. # ومن الناس من لا يكون صديقا صالحا ولا سيدا صالحا ولا زوجا صالحا، ولكنه أب ~~صالح بر ببنيه ... # لأن الرحم بين الآباء والأبناء أدنى الأرحام إلى المودة وأحراها بتحريك الشفقة فيمن ~~لا يشفق على أحد ... # فكيف تكون الأبوة في نفس صلحت للصداقة وصلحت للسيادة وصلحت للزوجية لأنها تصلح للعطف ~~الذي يعم القريب والغريب، ويشمل القوي والضعيف؟ # ذلك أب نعلم كيف يفرح بأبنائه. # ونعلم كيف يحزن حين يفجع في أولئك الأبناء. # ومن الراجح أن العطف الأبوي لم يتمثل قط في مولد أحد من أبناء محمد عليه السلام كما ~~تمثل في مولد ابنه الذي سماه باسم جده الأكبر أملا في أن يصبح بعده خليفته الأكبر ... ~~ولعل العطف الأبوي قد تمثل في تشييع هذا الطفل الصغير أشد من تمثله في استقباله يوم ~~ميلاده. # كانت أسباب كبيرة توحي إلى قلب محمد العظيم شوقه الطويل إلى استقبال ذلك الوليد ~~... # كان منها أن محمدا عربي يحرص على العقب من بعده كحرص كل رجل من أبناء القبائل وأصحاب ~~العصبية؛ هم فخورون بالنسب فخورون بالعقب، يحفظون سيرة السلف ويتوقون إلى استبقاء الخلف ~~على نحو لا يعهده الحضريون، وإن كان حب الذرية فطرة مركبة ms097 في جميع الطباع. # ومحمد كان يحب التكاثر لنفسه ويحبه لأمته ويوصي المسلمين أن يستكثروا من النسل ما ~~استطاعوا ليفاخر بهم الأمم وفرة وعزة. فاشتياقه إلى ~~العقب من الذكور خليقة عربية تقترن بالخليقة الإنسانية والخليقة النبوية، فتزداد قوة ~~على قوتها التي ركبت في جميع الطباع. # وكان من أسباب هذا الشوق القوي طول العهد بالأبناء بعد من ولدتهم له السيدة خديجة رضي ~~الله عنها، وشماتة أناس من شانئيه؛ سماه بعضهم بالأبتر لانقطاع معظم نسله، وفي ذلك نزول ~~الآية الكريمة: # إن شانئك هو الأبتر ~~(الكوثر: ~~3). # فقد مضى نيف وعشرون سنة لم تلد له في خلالها زوجة من زوجاته، ومات في هذه الفترة كل ~~أولاده ما عدا فاطمة رضي الله عنها التي ماتت بعده بقليل؛ مات القاسم، والطاهر طفلين، ~~وماتت زينب، ورقية، وأم كلثوم، بعد أن تزوجن، ولم يتعوض من فقدهن ما يعزيه بعض العزاء ~~... # فجيعة تضاعف الشوق إلى الوليد المأمول. # وطول انتظار يضاعف الحب له كما يضاعف الشوق إليه. # ولسنا ندري لما طالت الفترة التي مضت على أزواج النبي جميعا بغير عقب ... ولكننا لا ~~نستبعد تعليلها باجتماع المصادفات التي لا يندر أن تجتمع في أمثال هذه الأحوال. فعائشة ~~البكر التي لم يتزوج النبي بكرا غيرها قد مات عنها عليه السلام وهي دون العشرين. وهي ~~سن قد تبلغها المرأة ولا تلد، وإن كانت ولودا فيما بعدها. # أما أزواجه الأخريات اللائي تزوجن قبله فلا نعلم من أخبارهن أنهن أعقبن لأزواجهن ~~الأولين خلفا غير رملة أم حبيبة، وهند بنت أمية المخزومية، وهذه كانت مسنة يوم بنى بها ~~النبي عليه السلام، وفي عمر لا يستغرب فيه امتناع الولادة. # فكلهن ما عدا هاتين لم يلدن للنبي ولا لزوج قبله، واجتماع هذه المصادفة ليس بالعجيبة ~~المعضلة التي يصعب تعليلها إذا تذكرنا أن النبي قد توخى في اختيارهن تلك الأغراض العامة ~~التي أجملناها في الفصل السابق ولم يتحر منها النسل خاصة؛ وهي الإيواء الشريف ~~والمصاهرة، وبعضهن - بل معظمهن - قد لقين من الشدائد والمخاوف وعناء الهجرة البعيدة، ما ~~يعقم الولود. # فإذا ms098 أضفنا إلى ذلك معيشة الكفاف وضريبة العظمة النبوية التي أشرنا إليها على سبيل ~~الاحتمال، واشتغال النبي فيما بين الخمسين والستين بتعزيز الدين وقمع الفتن ودرء ~~الأخطار؛ لم يكن فهم تلك الظاهرة الحيوية بالأمر العصي على التعليل. # حزن الأبوة # طال اشتياق النبي إلى الوليد المأمول، وتجدد اشتياقه في أثر كل زواج حتى جاءته مارية ~~القبطية من قطر بعيد، ومن معدن غير المعدن الذي يختار لإيواء المحزونات وتقريب الأسر ~~والعصبيات، فبشرت النبي بعقب لعله غلام، واجتمع في هذا البشارة اشتياق نيف وعشرين سنة، ~~ورجاء لا ينتهي بانتهاء الزمان. # وولد إبراهيم! # ولد الطفل الذي نظر أبوه إليه يوم مولده فامتد به الأمل مئات السنين، بل ألوف السنين، ~~وتخير له الاسم الذي وراءه أعقاب كأعقاب جده الأعلى، ليكون أبا ويكون له أحفاد، ويكون ~~لأحفاده من بعدهم أحفاد ... # ثم مات ذلك الطفل الصغير ... # ومات ذلك الأمل الكبير ... # مات كلاهما والأب في الستين ... أي صدمة في ختام العمر؟ أي أمل في الحياة؟ الدين قد تم، ~~وهذه الآصرة قد انقطعت، فليس في الحياة ما يستقبل وينتظر؛ كل ما فيها للإشاحة ~~والإدبار. # مات الطفل ولما يدرك السنتين. # مصاب صغير إن كانت المصائب تقاس بسنوات المفقودين. # ولكن المصائب في الأعزاء إنما تقاس بمبلغ عطفنا عليهم، والصغير أحوج إلى العطف من ~~الكبير المستقل بشأنه. # وإنما تقاس بمبلغ تعويلهم علينا، وتعويل الصغير على وليه أكبر من تعويل الكبير ~~... # وإنما تقاس بمبلغ الأمل فيهم، والأمل يطول في بداءة الطريق وقد يقصر في منتصف ~~الطريق. # وإنما تقاس آلام المفقودين بأعمار الفاقدين، وأي مصاب أفدح من مصاب الستين وما بعدها ~~في الأمل الوحيد الواصل بينها وبين الزمان ماضيه وآتيه؟ # ما تخيلت محمدا في موقف أدنى إلى القلوب الإنسانية من موقفه على قبر الوليد الصغير ~~ذارف العينين مكظوم الوجد ضارعا إلى الله. # نفس قد نفثت الرجاء في نفوس الألوف بعد الألوف، وهي في ذلك الموقف قد انقطع لها رجاء ~~عزيز، رجاء وا أسفاه لا يحييه كل ما ينفثه المصلح في الدنيا من رجاء. # وكأني بمحمد ms099 كان يومئذ أقرب إلى قلوب الخالفين من بعده مما كان مع الجالسين حوله، ومع ~~أقرب الناس إليه. # كان أقرب الناس إليه زوجاته أمهات المسلمين وكن يحببنه غاية ما يحب النساء الأزواج، ~~ولكن حبهن إياه لم يكن في هذا الموقف من حب المقربات العاطفات، لأنه حب أثار غيرتهن من ~~أم الوليد المأمول، فاحتجب من عطفهن بمقدار تلك الغيرة وبمقدار ذلك الحب، ولا لوم عليهن ~~فيما طبع عليه الإنسان وفيما لا يقصدنه ولا يقدرن عليه. # وكان أقرب الناس إليه أصحابه الخاشعون بين يديه، وكان إكبارهم لسيد الأنبياء ينسيهم ~~أنه من الآباء، بل أنه أب أرحم من سائر الآباء ... # ظنوا أن النبي لا يحزن، كما ظن قوم أن الشجاع لا يخاف ولا يحب الحياة، وأن الكريم لا ~~يعرف قيمة المال. # ولكن القلب الذي لا يعرف قيمة المال لا فضل له في الكرم، والقلب الذي لا يخاف لا فضل ~~له في الشجاعة، والقلب الذي لا يحزن لا فضل له في الصبر. إنما الفضل في الحزن والغلبة ~~عليه، وفي الخوف والسمو عليه، وفي معرفة المال والإيثار عليه. # وفضل النبي في نبوته وفي أبوته أنه حزن وبكى، وتلك هي الصلة بينه وبين قلب الإنسان، ~~وبينه وبين الناس، وأي نبي تنقطع بينه وبين القلب الإنساني صلة كهذه الصلة التي تجمع ~~أشتات القلوب؟ # روى أسامة بن زيد أن زينب بنت النبي أرسلت إليه: إن ابنتي قد حضرت فاشهدنا. فأرسل ~~إليها # صلى الله عليه وسلم # يقول: «إن لله ما أخذ وما أعطى وكل شيء عنده مسمى. فلتحتسب ولتصبر.» ~~فأرسلت تقسم عليه، فقام النبي # صلى الله عليه وسلم # وقمنا. فرفع الصبي في حجر النبي ونفسه تقعقع ~~ففاضت عينا النبي # صلى الله عليه وسلم ~~. فقال له سعد: ما هذا يا رسول الله؟ # قال # صلى الله عليه وسلم ~~: «هذه رحمة وضعها الله في قلوب من شاء من عباده. ولا يرحم الله من عباده ~~إلا الرحماء.» # ما هذا يا رسول الله؟! # هذا رسول الله في أصدق ما تكون عليه رسالة الرسل: في الرحمة، ms100 وفي الآصرة الإنسانية، ~~وغير هذا لن يكون. # ومحمد قد اتقى رؤية طفل يموت لابنته وهو كهل غير يائس من العقب، فكيف يكون حزنه على ~~فلذة كبده إبراهيم وهو بعده ذاهب الرجاء في الأبناء؟! # لقد كان حزنه لموته بمقدار فرحه بمولده، وكان فرحه بمولده بمقدار أمله فيه واشتياقه ~~إليه . # وإن العطف الإنساني كله ليتجه إلى تلك النفس الزكية وهي تتوسع فرحا بالوليد المأمول ~~... حلق الأب المتهلل شعر وليده وتصدق بزنته فضة على المساكين، وذلك هو التوسع الذي وسعه ~~رجل كان أقدر الرجال على وجه البسيطة، غير مستثنى فيها رؤساء ولا ملوك. # جاء بأقصى ما عنده من الفرح وأقصى ما عنده من التوسعة، ولو شاء لقد كان وزن الوليد ~~كله درا وجوهرا بعض ما يستطيع في ذلك اليوم الأغر الميمون ... وبمقدار هذا الفرح ~~الطهور يوم الاستقبال كان الحزن الوجيع يوم الوداع؛ خرج الرجل الذي اضطلع بأعباء الدنيا ~~ومن فيها، وهو لا يضطلع بحمل قدميه؛ خرج يتوكأ على صديق عطوف إلى حيث يحمل الوليد آخر ~~مرة في حجره الأبوي قبل أن يودعه حجر التراب ... وكان يستقبل الجبل بوجهه فقال: يا جبل! ~~لو كان بك مثل ما بي لهدك، ولكن إنا لله وإنا إليه راجعون ... # أي والله! ... إنها لإحدى الفواقر التي يحملها اللحم والدم ولا تحملها صخور الجبال ~~... # وصرخ أسامة حين بكى رسول الله فنهاه رسول الله وقال: البكاء من الرحمة والصراخ من ~~الشيطان. # حزن كما ينبغي له أن يحزن ... أما الحزن الذي لا ينبغي له فهو الصراخ الذي نهى عنه، وهو ~~أن تنكسف الشمس يوم موت إبراهيم فيحسب المسلمون أنها انكسفت لموته، ويقول الأب الذي ~~انكسفت الشمس حقا في عينيه: «كلا ... إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا تخسفان ~~لموت أحد ولا لحياته!» # أو تخسفان ولكن في أكباد المحزونين، وليس في كبد السماء. # أكرم الآباء # أوكان من الحتم أن يكون محمد مثال الآباء كما كان مثال الأنبياء؟ كذلك شاء القدر ~~القادر، وكذلك رأينا محمدا مثال الأب يوم ولد له إبراهيم، ومثال الأب ms101 يوم ذهب عنه ~~إبراهيم. # ما يتمنى طفل - لو جاز أن يتمنى الأطفال - أبوة أرحم ولا أذكى من هذه الأبوة في ~~الحالتين ... # بل كان محمد مثال الأب حيثما كان له نسل قريب أو بعيد، وذكر أو أنثى، وصغير أو ~~كبير. # أرأيت إلى الحسن بن فاطمة، وقد دخل عليه فركب ظهره، وهو ساجد في صلاته؟ # إن النبي في صلاته لهو النبي في مقامه الأسنى، وإن النبي في مقامه الأسنى ليشفق أن ~~يشغل الصبي عن لعبه فيطيل السجدة حتى ينزل الصبي عن ظهره غير معجل. # ويسأله بعض أصحابه: لقد أطلت سجودك؟ فيقول: إن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله! # أرأيت إلى فاطمة تدخل البيت أشبه الناس مشية بمشية محمد؟ # أرأيت إلى حنان يفيض على القلب كحنانه حين يرى فتاة تشبه أباها في مشيته ~~وسمته! # تلك فاطمة بقية الباقيات من الأبناء والبنات، يختصها النبي بمناجاته في غشية وفاته: ~~إني مفارق الدنيا - فتبكي - إنك لاحقة بي. فتضحك ... في هذا الضحك وفي ذلك البكاء على ~~برزخ الفراق بين الدنيا والآخرة أخلص الود والحنان بين الآباء والأبناء. # سرها بنبوته، وسرها بأبوته، فضحكت ساعة الفراق لأنها ساعة الوعد باللقاء ... # وكذلك فارق الدنيا أكرم الأنبياء وأكرم الآباء. # الفصل الحادي عشر # | السيد # الخير المطبوع # قدمنا الكلام في فصول هذا الكتاب عن محمد رئيسا، ومحمد صديقا، ومحمد زوجا، ومحمد ~~أبا، بعد الكلام على عبقريته في الدعوة، وعبقريته في قيادة الجيوش، وعبقريته في ~~السياسة والإدارة والبلاغة. # وبقي جانب لا تتم بغيره الإحاطة بجوانب النفس الإنسانية في العلاقات بينها وبين سائر ~~النفوس، وهو جانب المعاملة التي تكون بين الرجل ومن هم دونه ممن يملك أمرهم ويقبض على ~~زمامهم ولا يعتصمون منه بعاصم غير عواصم طبعه وخلقه، ونريد بهم الخدم والعبيد والأرقاء، ~~وهي معاملة لها من الدلالة على الأخلاق، ما يندر أن تدل عليه معاملة أخرى، لأنها تأتي ~~من طبائع النفس وعقائدها، ولا تأتي بأمر آمر أو بدعوة داع. # فالصداقة لها الحقوق المتكافئة بين الصديقين لا يستطيع أحدهما أن ينساها زمنا طويلا ~~إلا ذكره بها ms102 مذكر من صديقه الحافظ لحقوقه، القادر على مقابلة الجفاء بمثله، ولو في ~~طوية نفسه. # والرئاسة قد تخول الرئيس حق السيطرة، وتفرض على المرءوسين واجب الطاعة، غير أنها قل ~~أن تنطلق بغير وازع من خشية الغضب أو خشية الانتقاض يحسب له الرئيس كل الحساب، أو بعض ~~الحساب. # والأب يعطف على بنيه فلا يعجب الناس لعطفه عليهم، لما ركب في طباع جميع الأحياء من حب ~~الأب لولده، وإن اختلف الآباء في صفات العطف وفي استحقاقهم لبر الأبناء. # وكذلك الزوج يرفق بزوجته وليس له كل الاختيار في رفقه، لما يكون بين الزوجين من دالة ~~يعتز بها الضعيف، ويستغني بها أحيانا عن القوة والرئاسة ... # أما العبد المملوك فلا عاصم له غير ما في نفس سيده من رحمة وخير، وإنه لمن الرحمة ~~والخير أن يتبع السيد أمر الدين مع عبيده وخدمه الذين لا ينصرهم عليه ناصر في هذه ~~الدنيا ... بل إنها لرحمة تؤثر ولو وقفت عند حدود الأوامر الإلهية، فإذا تجاوزتها إلى ~~طواعية في الخير لم يفرضها الدين، ولم يفرضها العرف، ولم يطلبها العبد نفسه، فتلك هي ~~الرحمة في أصدق معانيها، وهي أدل الدلالات على لباب الأخلاق. ~~••• # ولقد علم القارئ من فصولنا السابقة أننا لم نكتب هذا الكتاب لشرح الأصول الإسلامية ~~وتفصيل محاسن الدعوة المحمدية، فذلك غرض لا تتسع له هذه الفصول وليس لنا أن نتصدى له ~~بعد من فصلوه وكرروا الكتابة فيه ... # وإنما نقصد بهذه الفصول إلى غرض قدمناه على كل غرض في موضوعه، وهو بيان البواعث ~~النفسية التي توحي إلى النبي أعماله ومعاملاته، ولا شك في مطابقة هذه البواعث لكل أمر ~~من أوامر الدين وكل نهي من نواهيه إلا أن الخير المطبوع شيء والخير المأمور شيء آخر، ~~والخير المطبوع هو الذي قصدنا إلى بيانه بكل ما بيناه. # ففي كتابنا عن معاملة محمد للعبيد والخدم لا ننوي أن نفصل أحكام الإسلام وأوامر ~~القرآن في هذه المعاملة، وإنما ننوي أن نبين مزية محمد على جميع السادة في هذا الباب، ~~وهي مزية لا تتوافر لمن يقنعون ms103 بالتزام الأوامر والحدود، ولا للذين يرتفعون إلى أرفع ~~مرتبة تفرضها هذه الأوامر والحدود. # الإسلام والرق # على أن هذا لا يمنعنا أن نوجز الإشارة بداءة إلى مزية الإسلام بين الأديان الأخرى في ~~مسألة الرق والاستعباد، لأن أناسا يخلطون بين اعتراف الإسلام بنوع من الرق وبين ~~اعتباره مسئولا عن وجوده في الزمن القديم، ويردون شيئا من ذلك إلى عمل النبي عليه ~~السلام ... # فمن الواجب أن نذكر أولا أن دينا من الأديان الأخرى لم يأمر بإلغاء الرق في شكل من ~~أشكاله، سواء رق الحرب أو رق النخاسة والبيع والشراء، وإن أناسا من أقطاب المسيحية ~~كالقديس أغسطين سوغوه واعتبروه جزاء عادلا للخطايا التي يقترفها المسترقون، وجاء بعض ~~أحبار الكنيسة فحرموا على الأرقاء شرف الخدمة فيها بالوعظ والهداية، أنفة لها أن يدنسها ~~لؤم العنصر الذي وسموا به الرقيق. # ويجب أن نذكر بعد هذا أن النظام الاقتصادي القديم في أساسه كان مرتبطا بالاسترقاق ~~أشد الارتباط. فكان إلغاؤه طفرة واحدة أقرب شيء إلى المستحيلات، ولم يكن أنفع في علاجه ~~من التدرج خطوة فخطوة والابتداء بتصعيبه وترغيب الناس عنه، وهو ما شرعه الإسلام. # فالإسلام قد بدأ بتحريم كل رق غير رق الأسرى في الحروب، ثم حسن إطلاقهم وسماه منا ~~وعفوا يشكر فاعله عليه: # فإما منا بعد وإما ~~فداء ~~(محمد: 4). # ثم أجاز للأسير أن يشتري نفسه، وأوجب حريته في حالات كثيرة يرجع معظمها إلى إرادته ~~هو، إذا استطاع. # والحق الذي لا مراء فيه أن صنيع الإسلام هذا كان أجمل صنيع لقيه الأرقاء من دين أو ~~شريعة، وأنه إذا كان هناك تمهيد لإلغاء الرق بتة فذلك هو تمهيد الإسلام دون غيره، وهو ~~أقصى ما كان مستطاعا في نظام العالم القديم: نظام كان عدد الأرقاء فيه يقارب عدد ~~الأحرار، كما جاء في بعض الإحصاءات المروية عن الحضارتين الرومانية واليونانية. # وقد نظر في مسألة الرق عقل من أكبر العقول التي نبغت في أمة اليونان بل في الأمم كافة ~~- ونعني به أرسطو - فأقره وأوجبه لأنه جعله سنة من سنن الفطرة وقيدا لا فكاك ms104 منه ~~لطائفة من الناس، خلقت عاجزة عن ولاية أمرها فلا غنى لها عن سيد ولا موئل لها من ~~وال. # معاملة محمد لعبيده # ولو وقف النبي عند هذا الحد في معاملة الأرقاء لأحسن وأجمل وامتاز بأمر دينه على كل ~~محسن إلى الأرقاء في زمانه. إلا أننا نقرر الواقع ولا نتعداه قيد شعرة حين نقول إن ~~كثيرا من الأبناء لا يتمنون عند آبائهم خيرا من المعاملة التي ظفر بها خدم محمد ~~وعبيده. ومن من الآباء يحسن إلى أبنائه خيرا من إحسان محمد لزيد بن حارثة ولابنه ~~أسامة؟ # لقد أعتق زيدا ورآه أهلا للزواج بعقيلة من أقرب قريباته إليه وأولاهن بحدبه ~~وتوقيره، وهي التي رآها بعد ذلك أهلا لزواجه بها وحظوتها لديه. فلم يعطه الحرية وكفى، ~~ولم يعطه المساواة في العيش وكفى، بل رفعه إلى المنزلة الاجتماعية التي يرتفع إليها ~~السادة، ولا يثبتها شيء كما يثبتها شرف المصاهرة. # ثم حفظ هذا البر الأبوي لابنه أسامة، فولاه جيش الشام وهو دون العشرين، وفي الجيش ~~طائفة من أكابر الصحابة، فلو كان للنبي ولد في سنه لما تكفل به أحسن من هذه الكفالة، ~~ولا ميزه أشرف من هذا التمييز. # نعم لم نعد الواقع، ولا تجوزنا في الوصف، حين قلنا إن الابن لا يتمنى خيرا من ~~معاملة محمد لعبده. فقد عرف زيد فعلا أن محمدا خير من أب وخير من أسرة كاملة يرجع ~~إليها وترجع إليه ... فبقي معه ولم يذهب معه أبيه، ولم يبق معه إيثارا لبركة النبوة، فإن ~~محمدا لم يكن قد أرسل بالدعوة يوم اختاره زيد وآثره على جميع آله. وإنما بقي معه لأنه ~~الإنسان الذي يعرف حتى العبد الرقيق أن آصرة الإنسانية عنده أوثق من آصرة الأبوة عند ~~آخرين. # إن حب الوالد لوليده وراثة ألوف الألوف من الأجيال. بل وراثة الحياة في جميع الأحياء. ~~فإذا بلغ البر بالضعفاء مبلغ الحب الأبوي من القوة فقد بلغ الذروة العليا التي لا ~~متسنم فوقها لراق. # لقد خيرت شريعة الإسلام المحسنين بين المن وإعتاق الأسرى، وبين الفداء بالمال ms105 أو ~~المبادلة ... فأيهما اختار المالك فهو إحسان. # أما محمد فقد اختار المن، وزاد عليه فأعتق كل أسير صار إلى حوزته، وزاد على العتق تلك ~~الرحمة الأبوية التي شملت كل منتم إليه، ولم يستبح في غضبه ما يستبيحه المعلم والوالد ~~من ضرب وتعزير ... وربما كانت كلماته للخادم المخالف أقرب إلى الملاطفة منها إلى العقاب. ~~ومن ذلك قصة الوصيفة التي أرسلها فأبطأت في الطريق، فما زاد على أن قال لها حين عادت: ~~«لولا خوف القصاص لأوجعتك بهذا السواك!» # ضرب سواك لابن عزيز ليس بالشيء الكثير. # ولكن محمدا يخشى القصاص إذا استباحه في معاملة وصيفة تهمل أمره، وهو الذي لا يهمل ~~له أمر عند سادة الشرفاء. # وروى أنس أن النبي أرسله في حاجة فانحرف إلى صبيان يلعبون في السوق: «وإذا رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قد قبض ثيابي من ورائي، فنظرت إليه # صلى الله عليه وسلم # وهو يضحك، فقال: يا أنس! ... اذهب ~~حيث أمرتك!» # كلمة أمر لا يقولها لخادمه إلا وقد ناداه مدللا، وقابله ضاحكا كأنه يعتب على قرين، ~~وقد يلام القرين بأشد من هذا الملام. # وكانت رحمته بعبيد غيره كرحمته بعبيده. فكان يجاملهم ويجبر كسرهم ويقبل منهم الهدية ~~ويكافئ عليها، ويلبي دعوتهم إذا دعوه إلى طعام، ويوصي بهم قائلا: «هم إخوانكم وخولكم ~~جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل ويلبسه مما يلبس ولا ~~تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم» و«اتقوا الله في الضعيفين النساء ~~والرقيق.» # البر بالخدمة # وربما كان البر بالخدمة في هذا المقام أكرم وأنفى للهوان من البر بالخدم. فالبر ~~بالخادم عطف عليه أما البر بالخدمة فارتفاع بالخادم إلى مقام السادة حيث لا يأنف السادة ~~من خدمة أنفسهم بأيديهم، وذلك هو البر بالخدمة كما عنيناه، وذلك هو دأب النبي الذي جرى ~~عليه في بيته وبين أهله وخدمه. # فقد كان يحلب شاته ويخصف نعله ويخدم نفسه ويعلف ناضحه، أي البعير التي يستقي عليه ~~الماء. فإذا رأى الخدم لهم عملا في البيت يماثل عمل سيدهم ومالك أمرهم، ms106 فتلك هي ~~المساواة التي تمسح ضير الخدمة وتجبر كسرها، ولا تقتصر على العطف والرحمة. # ولم يقبل عليه السلام خدمة من خادم يأنف الأحرار أن يقضوها له شاكرين. فما كان في ~~رجالات المسلمين كابر ابن كابر إلا كان يتمنى أن يؤدي لنبيه تلك الخدمة التي تطوعت بها ~~نفوس مواليه وأتباعه، وهذا ضرب آخر من ضروب البر بالخدمة والتسوية فيها بين مقام الخادم ~~ومقام المريد. فكان عمل الخادم عنده عمل التلميذ الذي يجلس إلى قدمي أستاذه، حبا لا ~~خنوعا، وتوقيرا لا مذلة، وأدبا يفرضه على نفسه وليس بضريبة مكتوبة يفرضها عليه العرف ~~والتأديب. # وعلى هذا كان النبي عليه السلام يكره أن تقبل يداه مخافة أن تجري العادة بهذا بين ~~الناس فتحمل بينهم على محمل الذلة والخضوع. قال أبو هريرة - رضي الله عنه: «دخلت للسوق ~~مع النبي # صلى الله عليه وسلم # فاشترى سراويل، وقال للوزان: زن وأرجح. فوثب الوزان إلى يد رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم # يقبلها، فجذب يده وقال: هذا تفعله الأعاجم بملوكها، ولست بملك، إنما ~~أنا رجل منكم. ثم أخذ السراويل فذهبت لأحملها فقال: صاحب الشيء أحق بشيئه أن ~~يحمله.» # ولقد يصح أن يقال إن حصة النبي من خدمة نفسه كانت أعظم من حصة خدمه، وإن تعويلهم عليه ~~كان أكبر من تعويله عليهم، وإنه جعل الخدمة على سنته ضربا من توزيع الأعمال، أو ضربا ~~من تعاون أبناء البيت الواحد فيما يستطيعه كل منهم من تدبيره وقضاء شئونه: # إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد. # هذه كلمة السيد بإمامته، السيد بنسبه، السيد بسلطانه، السيد بالتفاف القلوب حوله، ~~السيد بسيادته على سره وعلانيته ورأيه وهواه، ولو عمت هذه السيادة لبطل الاستعباد، ~~وأصبح تفاوت الدرجات كتفاوت الأعمار شيئا لا غضاضة فيه على صغير ولا خنزوانة فيه ~~لكبير، إنما هو تقسيم أعمال، وتعاون بين إخوان، وإن لم يكن تعاونا بين أمثال. # الفصل الثاني عشر # | العابد # الطبائع الأربع # طبيعة العبادة، وطبيعة التفكير، وطبيعة التعبير الجميل، وطبيعة العمل والحركة ~~... # هذه طبائع أربع ms107 تتفرق في الناس، وقلما تجتمع في إنسان واحد على قوة واحدة. فإذا ~~اجتمعت معا فواحدة منهن تغلب سائرهن لا محالة، وتلحق الأخريات بها في القوة والدرجة ~~على شيء من التفاوت. # طبيعة العبادة تدعونا إلى الاتصال بأسرار الكون للمعاطفة والتآلف بيننا وبينها، ~~تدعونا إلى الحلول من الكون في أسرة كبيرة. # وطبيعة التفكير تثير في نفوسنا ملكات الكشف والاستقصاء، تدعونا إلى الحلول من الكون ~~في معمل كبير. # وطبيعة التعبير الجميل تشب النار المقدسة في سرائرنا، فتصهر معادن الجمال من هذه ~~الدنيا وتفرغها في قوالب حسناء من صنع قرائحنا وألسنتنا، أو صنع قرائحنا وأيدينا، أو ~~صنع قرائحنا وأوصالنا، تدعونا إلى الحلول من الكون في متحف كبير. # وطبيعة العمل والحركة تعلمنا كيف نتأثر بدوافع الكون وكيف نؤثر فيها، وتجذبنا إليها ~~فنستمد منها القدرة التي تجذبها إلينا، تدعونا إلى الحلول من الكون في ميدان صراع ~~ومضمار سباق. # وقلما تشعر بالكون بيتا لأسرة، ومعملا لباحث، ومتحف فن، ومضمار سباق في وقت واحد. ~~إنما هي حالة من هذه الحالات تجب سائر الحالات، وقد تلحقها بها إلحاق التابع بالمتبوع ~~والمساعد بالعامل الأصيل. # محمد بن عبد الله كانت فيه هذه الطبائع جميعا على نحو ظاهر في كل طبيعة: كان عابدا ~~ومفكرا، وقائلا بليغا، وعاملا يغير الدنيا بعمله ولكنه عليه السلام كان عابدا قبل ~~كل شيء، ومن أجل العبادة - قبل كل شيء - كان تفكيره وقوله وعمله، وكل سجية فيه. # تهيأ للعبادة بميراثه ونشأته وتكوينه فولد في بيت السدانة والتقوى، وتقدمه آباء ~~يؤمنون بإيمانهم، ويعتقدون ويخلصون فيما اعتقدوه. # ونشأ يتيما من طفولته فانطوى على نفسه، وتعود التأمل والجد والعزوف عن عبث الصغار، ~~والنظر إلى ما حوله بعين الناقد المترفع عن الدنايا، الجانح إلى الطهر واستقامة ~~الضمير. # وتكون في بنيته عابدا من صباه ... # قيل إنه في الثانية أو الثالثة من عمره قد أدركته حالة يختلف شراح التاريخ في ~~تفسيرها، ويرويها من سمعوا بها على روايات مختلفات لا ندري ما هو الواقع الصحيح منها، ~~ويتعجل بعض المؤرخين الأوروبيين فيحسبها ضربا من الصرع على ms108 غير سند علمي أو تاريخي ~~محقق يستند إليه. # كل ما يمكن أن نجزم به من هذه الحالة أو من غيرها أن محمدا قد تكون ليتلقى الوحي ~~الإلهي، وأن لهذا التكوين استعدادا لا بد أن يلحظ من أوائل صباه، لأن البنية الحية لن ~~تتهيأ له في أيام ولا في أشهر ولا في سنوات، ولن تستطيعه إلا إذا تمت أهبتها له ~~والمولود في صلب أبيه، ولا نقول في المهد أو في الرضاع. # فمن الأقوال المتواترة أنه كان عليه السلام إذا نزل عليه الوحي نكس رأسه، وكرب لذلك ~~وتربد وجهه، وأخذته البرحاء حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان في اليوم الشاتي، وسمع عند ~~وجهه كدوي النحل، وقد يصدع فيغلف رأسه بالحناء. وقد شاب فقال: «شيبتني هود وأخواتها.» ~~وعدد حين سئل عن أخواتها سورا أخرى من القرآن الكريم، وليس هذا من خليقة كل بنية ~~إنسانية: إنما هو خليقة البنية التي تتلقى وحيا وتستوعب سرا وتهتز لنبأ عظيم. # صفة العابد # وكانت أوصافه في غير حالة الوحي توافق الاستعداد الذي يرشحه لتلقي الوحي والنبوة، ~~فكان حسا كله وحياة كله. يراه من ينظر إليه فيرى فؤادا يقظا يتنبه لكل خالجة نفسية ~~وكل نبأة خفية، يسرع في مشيته، ويلتفت فيلتفت بكل جسمه، ويشير فيشير بكل كفه، ويفكر فلا ~~يزال يطرق إلى الأرض أو يرفع بصره إلى السماء، ويدعو فيرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه، ~~ويغضب فتحمر عيناه ووجنتاه، ويمتلئ عرق جبينه، وينام وقلبه يقظ لا ينام؛ حس مرهف يدني ~~إليه ما وراء الحجاب، ويوقظ سريرته لأخفى البواطن، ويجعله أبدا في حالة قريبة من حالة ~~الوحي حيثما هبط الوحي عليه. # هذه صفة عابد يفكر ويعبر ويعمل، وليست بصفة عابد ينقطع للعبادة أو ينقطع للتفكير، أو ~~يعمل كما يعمل بعض النساك الذين هزلت بنيتهم الجسدية فلم يبق لهم إلا عكوف الصومعة أو ~~رحلة الزهادة. # كانت عبادة محمد خلوا بالنفس إلى حين، أو عجبا من بدائع الكون التي ألفها الناس ~~لأنهم لم يوهب لهم في أبصارهم وبصائرهم تلك النظرة الجديدة التي ms109 ترى كل شيء كأنه في خلق ~~جديد. # ما أعظم دهشة الناظر أن يرى الشمس قد خلقت اليوم أمام عينيه. # دهشة لا تعدلها دهشة ... # وهي هي دهشة العين التي أبت أن تكل من الألفة لأنها أبدا في نظر جديد، أو في نظر إلى ~~كل منظور كأنه مخلوق جديد . # وهكذا كانت عبادة محمد عليه السلام؛ عجب من بدائع الكون في كل نظرة يراها لأول مرة، ~~وتفكير في الخلق ينتهي إلى الإيمان لأنه يبدأ بالعجب، ولا يزال أبدا بين العجب ~~والإيمان. # وإن محمدا باعث الإيمان إلى القلوب، لقد كان يجدد إيمانه كما يجدد عجبه كل يوم، وكان ~~يدعو الله فيقول: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» ... وقيل له في ذلك فقال: «إنه ~~ليس آدمي إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الله. فمن شاء أقام ومن شاء أزاغ.» # حركة متجددة في الحس وفي الفكر وفي الضمير. # فلا انقطاع عن الحس للعبادة كل الانقطاع. # ولا انقطاع عن الحس للتفكير كل الانقطاع. # وإنما هو تفكير من ينتظره العمل، وليس بتفكير من ترك العمل ليوغل في الفروض ومذاهب ~~الاحتمال والتشكيك؛ ثلث أيامه لربه وثلثها لأهله، وثلثها لنفسه، وما كان في فراغه لنفسه ~~ولا لأهله شيء يخرجه عن معنى عبادة الله والاتصال بالله، على نحو من التعميم. # بهره الجمال من صباه؛ جمال الشمس والقمر والنهار والليل والروض والصحراء، وجمال ~~الوجوه التي يلمح عليها الحسن فيطلب عندها الخير. إنما هو الخير على كل حال ما قد طلب ~~من الجمال، وإنما جمال الله هو الذي قد كان يدعوه إليه، كلما نظر إلى خلق جميل. # فكر في الخلق فآمن بالخالق، واستقر هنالك لا يتقدم ولا يتأخر. فقال: «إن الشيطان ~~يأتي أحدكم فيقول: من خلق السماء؟ فيقول: الله. فيقول: من خلق الأرض؟ فيقول: الله. ~~فيقول: من خلق الله؟ فإذا وجد ذلك أحدكم فليقل: آمنت بالله ورسوله.» # تلك هي نهاية التفكير التي ينتهي إليها عقل مستقيم خلق لعبادة عامل، وتعليم الناس ~~عبادة وعملا، ولم يخلق ليوغل في الفروض ويتقلب بين الشكوك. # وإنا ms110 لنسأل مع هذا: إلى أين انتهى المفكرون الذين أوغلوا في شكوكهم وتطوحوا بها إلى ~~قصوى ما تفرضه الفروض؟ # إلى أين انتهى «كانت» # Kant # إمام المفكرين في هذا ~~الباب بين فلاسفة العصر الحديث، إن لم نقل الحديث والقديم؟ # انتهى إلى أن النفس نفسان والوجود وجودان: نفس حسية ونفس حقيقية ... ووجود محسوس ووجود ~~حق هو ذات الوجود. # النفس الحقيقية تدرك الوجود الحقيقي عندما ترجع إلى قرارها، ثم لا تتخطى بإدراكها ~~عالم الباطن إلى عالم المحسوسات التي يتناولها التعبير وتصوير الكلام ... # أليس معنى هذا أن إيمان النفس الباطنة أمر لا يتعلق بالبرهان؟ وأن المرجع غاية المرجع ~~إنما هو الإيمان ولا شيء غير الإيمان؟ # بل حتى البرهان الأكبر على وجود الله نعود إليه لنسأله ونسمع منه فماذا يقول؟ # يقول لنا إن العدم معدوم فالوجود إذن موجود، وإنك إذا آمنت بالوجود فلا مناص لك من ~~الإيمان به في صفته المثلى، لأنك تحتاج إلى مقتض لفرض النقص ولا تحتاج إلى مقتض لفرض ~~الكمال في وجود لا يتطرق إليه العدم. # وما الفارق بين الإيمان بالله والإيمان بالوجود في صفته المثلى؟ # هنا ينتهي الإيغال في الفروض والشكوك. # وهناك انتهى الإيمان، بغير إيغال في فروض ولا شكوك. # ألا تتلاقى النهايتان؟ ... أولا تضل الفروض والشكوك حيث تضل ثم لا يخطو لها قدمان وراء ~~خطو الإيمان؟ # لهذه السنة التي استنها النبي عليه السلام في عبادته الروحية كثرت وصاياه بإدمان ~~التفكير في خلق الله واجتناب التفكير في ذات الله فقال في حديث: «تفكروا في آلاء الله ~~ولا تفكروا في الله.» وقال في هذا المعنى: «تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله ~~فتهلكوا.» وقال في حديث قدسي: «كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف، فخلقت الخلق لأعرف.» ~~أو كما جاء في رواية: «فخلقت الخلق فبي عرفوني.» # طريق الوصول # وخلاصة هذه الأحاديث وما في معناها أن التفكير في حقائق الوجود هو طريق الوصول إلى ~~الله ولا طريق غيره للحواس ولا للعقل ولا للبديهة: إيمان بالوجود الأبدي في صفته ~~المثلى، وتفكير في حقائق الوجود كما ms111 نراه ونحسها ونعقلها، وذلك قصارى ما عند العقيدة، ~~وقصارى ما عند الفلسفة، وقصارى ما عند العلم إذ يقف العلم عند حده، وهذا هو العلم الذي ~~فرضه الإسلام على كل مسلم ومسلمة، وقال النبي في رواية ابن عباس: «أنه أفضل من الصلاة ~~والصيام والحج والجهاد في سبيل الله» لأنه سبيل الوصول إلى الله. # ومن الواجب أن نذكر بعد هذا جميعه أن محمدا نبي، وأن النبي يعلم جميع الناس ~~الإيمان، وتلك سبيل جميع الناس فيما يفتح لهم من أبواب التفكير وأبواب الاعتقاد. فهم ~~يضلون في تيه الشكوك والمناقضات التي يتعمق فيها الفلاسفة والمنطقيون، ولا يبلغون إلى ~~هداية أقوم وأسلم من هداية الإيمان بالخالق والتفكير في الخليقة، فإما هذه الهداية وإما ~~الضلال الذي لا هداية وراءه، وليس لنبي أن يحجب طريق الهداية ويفتح طريق الضلال. ~~••• # وقد تكلمنا في هذا الفصل عن روح العبادة أو عن فطرة العابد التي توحي إليه «عبادته ~~الروحية» ... # أما عبادة الشعائر الظاهرة فهي عبادة الإسلام كما فرضت على جميع المسلمين؛ يصلي ~~النبي ويصوم ويحج ويؤدي الزكاة على الشريعة التي يتبعها كل مسلم، وقد يطلب إلى نفسه في ~~هذه العبادات ما ليس يطلبه إلى غيره، على سنة السماحة والتيسير التي أثرت عنه في كل ~~عمل من أعماله وكل سجية من سجاياه ... ~~«فكان أخف الناس صلاة على الناس وأطول الناس صلاة لنفسه»، وربما قام الليل أكثره أو ~~أقله ولا يدين أحدا بالتهجد كما كان يتهجد أو بالصلاة والصيام كما كان يصلي ويصوم، بل ~~قد نهى الناس أن يشتدوا في العبادة؛ فيصبحوا كالمنبت «لا أرضا قطع، ولا ظهرا أبقى»؛ ~~لأن الناس جميعا يتلقون الأمر بالعبادة كما يتلقون الأمر بفريضة واجبة، فهم في حاجة ~~إلى الرفق والتيسير. # أما النفس المفطورة على العبادة فالصلاة عندها مناجاة حب وفرحة لقاء، ومطاوعة لميل ~~الضمير وميل الجوارح على السواء. ~~••• # وكان محمد «إذا حزبه أمر صلى.» # كذلك إذا حزب الأمر نفسا رجعت إلى من تحب فخف وقرها، وانفرج كربها، وأنست بعد وحشة، ~~واهتدت بعد حيرة. # ومتى وجدت النفس ms112 «فرحة اللقاء» في الصلاة فلا إجهاد فيها لجسد ولا تضييق فيها لوقت، ~~بل فيها الترويح عن الجهد والتنفيس عن الضيق، ولا سيما إذا كانت النفس من سعة الأفق ~~بحيث تحيي ما تحيي من ليلها ونهارها في الصلاة والعبادة، ثم تؤدي عملها وتفكر ~~تفكيرها. ولا يحسب أحد يعرفها أنها تنقطع بالصلاة والعبادة عن حق من حقوق حياتها، أو عن ~~حق من حقوق بني الإنسان. # الفصل الثالث عشر # | الرجل # المختار # عاش في العصور الماضية كثير من العظماء الذين تواترت الأنباء بأوصافهم السماعية ~~وأوصافهم المرسومة في الصور والتماثيل. غير أننا لا نعرف أحدا من هؤلاء العظماء تمت ~~صورته السماعية أو المنقولة كما تمت صورة محمد عليه السلام من رواية أصحابه ومعاصريه، ~~فنحن نعرفه بالوصف خيرا من معرفتنا لبعض المخلدين بصورهم وتماثيلهم التي نقلت عنهم نقل ~~الحكاية والمطابقة، لأن هذه الصور والتماثيل قد تحكي للناظرين ملامح أصحابها ومعارفهم ~~الظاهرة، وقد تحكي للمتفرسين شيئا من طبائعهم التي تنم عليها سيماهم، إلا أنها لا ~~تحفظهم لنا كما حفظت الروايات المتواترة أوصاف النبي في كل حالة من حالاته وكل لمحة من ~~لمحاته؛ في سيماه وفي هندامه، وفي شرابه وطعامه، وصلاته وصيامه، وحله ومقامه، وسكوته ~~وكلامه، لأن الذين وصفوه وأحبوه وأحبوا أن يقتدوا به فتحرجوا في وصفه كما يتحرج المرء ~~في الاقتداء بصفات النجاة والأخذ بأسباب السلامة، فكانت أمانة الوصف هنا مزيجا من ~~العطف والتدين، وضربا من اتباع السنن وقضاء الفروض، لم يختلف الوصف مرة إلا كما تختلف ~~نظرة الناظر إلى وجه واحد بين ساعة وأخرى، فيقول غير ما قال آنفا ثم لا يبدو التناقض ~~ولا قصد التحريف بين القولين. # وخلاصة المحفوظ من الروايات المتواترة أن النبي عليه السلام كان مثلا نادرا لجمال ~~الرجولة العربية، كان كشأنه في جميع شمائله مستوفيا للصفة من جميع نواحيها، فرب رجل ~~وسيم غير محبوب، ورب رجل وسيم محبوب غير مهيب، ورب رجل وسيم يحبه الناس ويهابونه، وهو ~~لا يحب الناس ولا يعطف عليهم ولا يبادلهم الولاء والوفاء. أما محمد عليه السلام فقد ms113 ~~استوفى شمائل الوسامة والمحبة والعطف على الناس، فكان على ما يختاره واصفوه ومحبوه، ~~وكان نعم المسمى بالمختار. # إذا نظر إليه الناظر رأى رجلا أزهر اللون، عظيم الهامة، مفاض الجبين، سبط الشعر، ~~أزج الحاجبين بينهما عرق يدره الغضب، أدعج العينين في كحل، أقنى الأنف يحسبه من ~~لم يتأمله أشم العرنين، أسيل الخد، ضليع الفم غزير اللحية، جميل الجيد، عريض ~~الصدر، واسع ما بين المنكبين، ضخم الكراديس، طويل الزندين، رحب الراحة، شثن ~~الكفين والقدمين، لا بالمشذب ولا بالقصير، مربوعا أو أطول من المربوع، معتدل الخلق ~~متماسكا، لا بالبدين ولا بالنحيل ... # وإذا أقبل يتحرك نظر إليه الناظر فرأى رجلا يصفه الأقدمون بأنه «حي القلب» ويصفه ~~المحدثون «بالحركة والحيوية» ... # يمشي فكأنما يتحدر من جبل وينحط من صبب، ويرفع قدمه فيرفعها تقلعا كأنما ينشط بجملة ~~جسمه، ويلتفت فيلتفت كله، ويشير فيشير بكفه كلها، ويتحدث فيقارب يده اليمنى من اليسرى ~~ويضرب بإبهام اليمنى راحة اليسرى، ويفتح الكلام بأشداقه ويختمه بأشداقه، وربما حرك رأسه ~~وعض شفته في أثناء كلامه، وهو على هذه الحركة الحية جم الحياء؛ أشد حياء من العذراء، ~~نضاح المحيا إذا كره شيئا عرف ذلك في وجهه، وإذا رضي تطلقت أساريره وتبين ~~رضاه. # واقترن النشاط والحياء بالقوة والمضاء في هذه البنية الجميلة ... فكان عليه السلام يصرع ~~الرجل القوي، ويركب الفرس عاريا فيروضه على السير، ويداعب من يحب بالمسابقة في العدو، ~~قالت عائشة رضي الله عنها: «خرجت مع النبي # صلى الله عليه وسلم # في بعض أسفاره وأنا جارية لم أحمل ~~اللحم، فقال # صلى الله عليه وسلم ~~: تقدموا ... فتقدموا ... ثم قال: تعالي حتى أسابقك. فسابقته فسبقته، ~~فسكت. # حتى إذا حملت اللحم وكنا في سفرة أخرى قال # صلى الله عليه وسلم # للناس: تقدموا ... فتقدموا ... ثم ~~قال: تعالي أسابقك. فسابقته فسبقني، فجعل # صلى الله عليه وسلم # يضحك ويقول: هذه بتلك!» # وهذا بعد أن قارب الستين، إنها لمسابقة تنم على فتوة الروح فوق ما نمت عليه من فتوة ~~الأوصال. # وتجلت هذه الأريحية في علاقته بكل إنسان من خاصة أهله أو ms114 من عامة صحبه. فرقت حاشية ~~جده حتى عطفت على كل أسى، ورحمت كل ضعف، وامتزجت بكل شعور. # قال أنس بن مالك رضي الله عنه: «دخل النبي # صلى الله عليه وسلم # على أمي فوجد أخي أبا عمير ~~حزينا. فقال: يا أم سليم ... ما بال أبي عمير حزينا؟ # فقالت: يا رسول الله مات نغيره. تعني طيرا كان يلعب به. # فقال # صلى الله عليه وسلم ~~: أبا عمير! ما فعل النغير؟ ... وكان كلما رآه قال له ذلك.» # وهذه قصة صغيرة تفيض بالعطف والمروءة من حيثما نظرت إليها، فالسيد يزور خادمه في ~~بيته، ويسأل أمه عن حزن أخيه، ويواسيه في موت طائر، ولا يزال يرحم ذكراه كلما ~~رآه. # ومثل هذا عطفه على الضعف البشري في رجل مثل عبد الله الخمار الذي لقب بهذا اللقب لما ~~اشتهر به من السكر والدعابة، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يحده من الخمر، ولا يتمالك ~~أن يضحك منه. # قبوله للدعابة # وكان نعيمان بن عمرو أشهر الأنصار بالدعابة، لا يقيل منها أحدا، ولا يراه النبي ~~فيتمالك أن يبتسم ... وربما قصد النبي ببعض هذه الدعابات لطمعه في حلمه وعلمه بموقع ~~الفكاهة من نفسه: جاء أعرابي إلى الرسول فدخل المسجد وأناخ راحلته بفنائه، فقال بعض ~~الصحابة لنعيمان: «لو نحرتها فأكلناها؟ ... فإنا قد قرمنا إلى اللحم، ويغرم النبي # صلى الله عليه وسلم # حقها.» فنحرها نعيمان. وخرج الأعرابي فرأى راحلته فصاح: «واعقراه يا محمد!» ~~فخرج النبي يسأل: «من فعل هذا؟» # قالوا: «نعيمان» ... فاتبعه النبي حتى وجده بدار ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب قد ~~اختفى في خندق وجعل عليه الجريد فأشار إليه رجل ورفع صوته: «ما رأيته يا رسول الله.» ~~وهو يشير بأصبعه إلى حيث هو، فأخرجه رسول الله وقد تعفر وجهه بالتراب فقال: «ما حملك ~~على ما صنعت؟» قال: «الذين دلوك علي يا رسول الله هم الذين أمروني!» فجعل رسول الله ~~يمسح عن وجهه التراب ويضحك ... ثم غرم ثمن الراحلة. # ونعيمان هذا هو الذي باع عاملا لأبي بكر الصديق، وهو يعلم أن النبأ واصل ms115 إلى النبي ~~لا محالة. # سافر أبو بكر إلى بصرى تاجرا ومعه نعيمان وسويط بن حرملة عامله على زاده. فجاءه ~~نعيمان وطلب إليه طعاما فأباه عليه حتى يأتي أبو بكر، فأقسم نعيمان ليغيظنه. وذهب إلى ~~قوم فقال لهم: «تشترون مني عبدا لي؟» قالوا: «نعم!» قال: «إنه عبد له كلام ، وهو قائل ~~لكم: لست بعبده أنا رجل حر ... إلى أشباه ذلك. فإن كان إذا قال لكم هذا تركتموه فلا ~~تشتروه ولا تفسدوا على عبدي ...» قالوا: «لا ... بل نشتريه ولا ننظر إلى قوله.» فاشتروه منه ~~بعشر قلائص، ثم أداهم إياه فوضعوا عمامته في عنقه ولم يحفلوا بقوله، وجعلوا كلما قال ~~لهم: «أنا حر! ... إنه يتهزأ ولست أنا بعبده.» سخروا منه وقالوا: بل عرفنا خبرك فدع عنك ~~اللجاجة ... فلما جاء أبو بكر سأل عنه فقص عليه نعيمان قصته، وذهبوا جميعا ليلحقوا ~~بالقوم فيفتدوه ويعيدوه. # ثم قدموا على رسول الله فضحك من فعلة نعيمان، وجعل يذكرها حولا كاملا كلما ~~رآه. # من سعة النفس أن ينهض الرجل بعظائم الأمور بل بأعظمها جدا ووقارا وهو إقامة ~~الأديان وإصلاح الأمم وتحويل مجرى التاريخ ثم يطيب نفسا للفكاهة ويطيب عطفا على ~~المتفكهين ويشركهم فيما يشغلهم من طرائف الفراغ، فللجد صرامة تستغرق بعض النفوس فلا ~~تتسع لهذا الجانب اللطيف من جوانب الحياة ... ولكن النفوس لا تستغرق هذا الاستغراق إلا ~~دلت على شيء من ضيق الحظيرة ونقص المزايا وإن نهضت بالعظيم من الأعمال. # فاستراحة محمد إلى الفكاهة هي مقياس تلك الآفاق النفسية الواسعة التي شملت كل ناحية ~~من نواحي العاطفة الإنسانية، وهي المقياس الذي يبدي من العظمة ما يبديه الجد في أعظم ~~الأعمال. # وكان محمد يتفكه ويمزح كما كان يستريح إلى الفكاهة والمزاح، وكان دأبه في ذلك كدأبه ~~في جميع مزاياه: يعطي كل مزية حقها ولا يأخذ لها من حق غيرها، أو يعطي الفكاهة حقها ولا ~~ينقص بذلك من حق الصدق والمروءة. فعبد الله الخمار كان يجد من قلب النبي عطف القلب ~~الكبير على نقيصة الضعف في الرجل السكير، ولكنه كان ms116 يجد من تأديب النبي جزاء الشارب ~~الذي يخالف الدين ويخل تماديه بالشريعة، عطف يجمل بالنبي على أحسن ما يكون، لأنه يجمل ~~بالإنسان على أفضل ما يكون. # وإذا مزح محمد فإنما كان يعطي الرضا والبشاشة حقهما، ولا يأخذ لهما من حق الصدق ~~والمروءة. فكان مزاحه آية من آيات النبوة لأنه كان كذلك آية من آيات الإنسانية، ولم يكن ~~بالنقيض الذي يستغرب من نبي كريم. # قال لعمته صفية: لا تدخل الجنة عجوز! ... فبكت، فقال لها وهو يضحك: الله تعالى يقول: # إنا أنشأناهن إنشاء * ~~فجعلناهن أبكارا * عربا أترابا ~~(الواقعة: 35-37). # ففهمت ما أراد وثابت إلى الرضاء والرجاء. # وطلب إليه بعضهم أن يحمله على بعير فوعده أن يحمله على ولد الناقة فقال: يا رسول ~~الله! ما أصنع بولد الناقة؟ فقال: وهل تلد الإبل إلا النوق؟ # وكان عليه السلام يقول لحاضنته السوداء أم أيمن وهي عجوز: «غطي قناعك يا أم ~~أيمن!» # وسمعها في يوم حنين تنادي بلكنتها الأعجمية: «سبت الله أقدامكم!» فلم تنسه الغزوة ~~القائمة أن يصغي إليها ويداعبها بين نذر الحرب وصليل السيوف. وأقبل عليها يقول: «اسكتي ~~يا أم أيمن فإنك عسراء اللسان!»، فكانت هذه الدعابة في ذلك الموقف المرهوب كأنها تربيت ~~سيد الفصحاء على تلك اللكنة البريئة. # أريحية محمد # هذه الأريحية الفياضة هي الحلية الباطنة التي تمت بها حلية محمد في عيون الناس، وهي ~~جواب محمد لما كان له في قلوبهم من حب وإعظام، أو هي الآصرة التي تجمع بين قلبه وتلك ~~القلوب في نطاق الأسرة الإنسانية؛ يحبونه ويحبهم ويشعرون به ويشعر بهم، وليس قصارى ~~الأمر أنه وسيم وأنه محبوب وأنه مهيب. # سمت يقابل العيون بجمال. # وأريحية تقابل النفوس بجمال. # وقد سرت هذه الأريحية في صميم طويته فامتزجت طواعية وارتجالا بجميع خصاله وجميع ~~علاقاته بالناس ولا سيما الضعفاء والمكسورين. فكان أحرص إنسان على جبر القلوب وتطييب ~~الخواطر وتوخي المؤاساة واجتناب الإساءة، يتفقد أصحابه كبارا وصغارا ويسأل عنهم، ~~ويتحدث إلى ذوي الأقدار وعامة الناس فلا يحسب صغيرهم أن أحدا أكرم عليه منه، ويتحدث ~~إليه ms117 من شاء فلا يقطع عليه حديثه وإن طال. وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس، ~~ومن جالسه صابره حتى يكون هو المنصرف، وما أخذ أحد بيده فأرسلها حتى يكون الآخذ هو الذي ~~يرسلها ... # ومن سننه التي اتبعها وأوصى باتباعها أن يجيب دعوة من دعاه ولا يرد دعوة عبد ولا خادم ~~ولا أمة ولا فقير، وفي ذلك يقول من وصاياه في آداب الولائم والمحافل: «إذا اجتمع ~~الداعيان فأجب أقربهما بابا، فإن أقربهما بابا أقربهما جوارا، وإن سبق أحدهما فأجب ~~الذي سبق.» # يبدأ من لقيه بالسلام ويمر بالصبيان فيقرئهم سلامه. وربما خفف صلاته إذا جاءه أحد وهو ~~يصلي ليسأله عن حاجته ويلقاه بالتحية. # يتقي الغضب جهده ويعالجه إذا أحسه بعلاج من الروح، فيقبل على الصلاة والتسبيح، أو ~~بعلاج من الجسد، فيجلس إذا كان قائما ويضطجع إذا كان جالسا، ويأبى الحركة التي ينزع ~~إليها وهو غضبان. # آدابه الاجتماعية # وكان في آدابه الاجتماعية قدوة الرجل المهذب في كل زمان. فلم ير قط مادا رجليه بين ~~أصحابه، وتعود كلما زار أحدا ألا يقوم حتى يستأذنه، ولم يكن ينفخ في طعام ولا شراب ولا ~~يتنفس في إناء، وإذا أخذه العطاس وضع يده أو ثوبه على فيه، وربما نهض بالليل فيشوص فاه ~~بالسواك، ولا يزال يستاك ويوصي بالاستياك بعد الطعام والتيقظ من النوم، وكان يتطيب ~~ويتحرى النظافة ويقول لصحبه: «اغتسلوا يوم الجمعة ولو كأسا بدينار.» # وقد تختلف العادات الاجتماعية بين جيل وجيل في شئون عرضية لا تتصل بلباب الذوق ~~والشعور، فيأكلون في جيل بأصابع اليد ويأكلون في الجيل الآخر بالشوكة والسكين، ويخرج ~~أناس بالثياب السود ويخرج غيرهم بالثياب البيض وهي عرضيات يقاس بها عرف البيئة ولا يقاس ~~بها تهذيب الطباع، فلا ضير على الناس أن تختلف عاداتهم باختلاف بيئاتهم من أمة لأمة ومن ~~جيل لجيل. وإنما الضير فيما يتناول الطبع السليم والذوق الحسن وهما الخصلتان اللتان كان ~~عليه السلام قدوة فيهما لكل رجل مهذب في كل أمة وفي كل زمان ... فلم يكن أحد يشكو من ms118 ~~محضره بإنصاف، وذلك هو ملاك التهذيب الكامل في أصدق معانيه ... # صاحب هذا السمت رسول ... # وصاحب هذه الآداب رسول ... # وخلاصة سمته وآدابه أنها سماحة في الأنظار وسماحة في القلوب ... فالسماحة هي الكلمة ~~الواحدة التي تجمع هذه الخصال من أطرافها، والسماحة هي الصفة التي ترقت في محمد إلى ~~ذروة الكمال. # ومن يكون الرسول إن كان لا بد من تعريف وجيز لعلامات الرسالة؟ الرسول هو الذي له وازع ~~من نفسه في الكبير والصغير مما يتعاطاه من معاملات الناس، لأن عمل الرسول الأول أن يقيم ~~للناس وازعا يأمرهم بالحسن وينهاهم عن القبيح ويقرر لهم حدودهم التي لا يتخطونها فيما ~~بينهم، ومن كان هذا عمله الأول فينبغي أن تكون صفته الأولى - بل صفته الكبرى - أن ~~يستغني عن الوازع وأن يغني الناس عن محاسبته وطلب الحق منه. وهذه هي السليقة السابقة ~~الشاملة التي سرت في خلائق محمد وامتزجت بجميع أعماله وأقواله فلم يحاسبه أحد قط كما ~~حاسب نفسه في رعاية حق الصغير والكبير، وصيانة الحرمات للعاجز والقدير. # هذه علامة رسالة لا علامة أصدق منها ولا أجدر منها بالقبول، لأنها علامة من داخل ~~السريرة ... وليست علامة من خارجها قد تلازم أو تفارق من تعروه ... وليس للنوع البشري مقياس ~~صحيح يقاس به محمد فيعطيه مرتبة دون مرتبة الحب والتبجيل ... يعطيه هذه المرتبة من يدين ~~بالإسلام ومن يدين بغير الإسلام ومن ليس له دين من أديان التنزيل. # فليس للنوع البشري أصل من أصول الفضائل يرمي إلى مقصد أسمى وأنبل من تقديس تلك ~~المناقب التي كان محمد قدوة فيها للمقتدين. # عزيمة الزهد والإيمان # وليس أولى بالحب والتبجيل ممن يطلب خير الناس ويزهد في نعمة العيش وهي بين ~~يديه. # فقد ثبت أن محمدا لم يستمتع بدنياه ولم يشبع ثلاثة أيام تباعا حتى مضى لسبيله، ~~وقالت عائشة - رضي الله عنها: «لقد كنت أبكي رحمة له مما أرى به وأمسك بيدي على بطنه ~~مما أرى به من الجوع ... وأقول: نفسي لك الفداء لو تبلغت من الدنيا بقوتك.» فيقول: «يا ~~عائشة! ما لي وللدنيا ms119 ... إخواني من أولي العزم من الرسل صبروا على ما هو أشد من ~~هذا.» # وقالت زوجه أم سلمة تصف ما وجدته في بيته ليلة عرسها: «... فإذا جرة فيها شيء من شعير، ~~وإذا رحى وبرمة وقدر وقعب فأخذت ذلك الشعير فطحنته ثم عصدته في البرمة، وأخذت ~~القعب فأدمته، فكان ذلك طعام رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وطعام أهله ليلة عرسه.» # رآه عمر وقد أثر في جنبه حصير فقال له: «يا رسول الله! قد أثر في جنبك رمل هذا ~~الحصير، وفارس والروم قد وسع عليهم وهم لا يعبدون الله» فاستوى جالسا، وقال: «أفي شك ~~أنت يا ابن الخطاب؟ ... أولئك قوم قد عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا!» # وقد مات ودرعه مرهونة، ولا ميراث لأهله مما ترك من عقار وهو قليل. # فما عسى أن يقول قائل في قدر هذا الرجل ... آمن به أو لم يؤمن؟ # أيقول إنه رسول وإنه كان يعلم أنه رسول فصدع بأمر ربه واحتمل ما احتمل في سبيل طاعته ~~وفي سبيل إصلاح خلقه؟ # تلك إذن منزلة الأنبياء التي تستوجب له مقام أصفياء الله عند من يؤمن بالله. # أم ينكر النبوات ويقول إنه رجل أراد الخير، وهو لا يعلم أنه رسول ولا أن الله مطالبه ~~برسالته إلى خلقه، ولكنه تجرد لهدايتهم في غير مأرب يناله ولا نعمة ينعم بها لأنه لا ~~يطيق لهم شرا، ولا ينتظر في الدنيا ولا الآخرة جزاء؟ # من قال هذا وغض من قدر رجل يحب الناس ذلك الحب، ويغار على هدايتهم تلك الغيرة فهو ~~إنسان ممسوخ الضمير. ~~••• # فمحمد الرجل في المقام الأول بين الرجال؛ في المقام الأول بخلقته، وفي المقام الأول ~~بنيته، وفي المقام الأول بعمله، وفي المقام الأول بالقياس إلى المشبهين له في ~~دعوته. # ونرى عن يقين أنه لم يحرم نفسه ذلك الحرمان إلا استزادة لأسباب الإيمان وشحذا ~~للعزيمة في سبيل ذلك الإيمان، وإعذارا إلى الله وإلى الناس فيما تجرد له من ~~إصلاح. # لأن محمدا لم يكن كارها لطيبات الدنيا، ولا حاضا لأحد على كراهتها والإعراض ms120 عنها. ~~فإذا قنع بما قنع فإنما فعل ذلك ليرتفع بإيمانه عن ظنه هو لا عن ظنون غيره ... # كأنه يخشى إذا استوفى حظوظ النعيم الميسرة له أن يحسب تلك الحظوظ غرضا من الأغراض ~~التي نظر إليها حين نظر إلى هداية الناس. # فليكن الإيمان إذن هو كل غرض وكل عمل وكل جزاء ... وتلك راحة ضميره ومن وراء راحة ضميره ~~أن يظفر الناس بجهده كله في هدايتهم غير منقوص ولا مظنون. # إذا هدى الناس واستمتع بالعيش خشي أن يحسب المتعة من آماله. # وإذا هدى الناس وكفى كانت الهداية هي جملة الآمال وغاية الآمال. فلينقص حظه من العيش ~~ليكمل حظه وحظ أمته من إيمانه، وليتم بذلك حسابه لنفسه وحسابه عند الله وحسابه بين ~~الناس ... # وما حساب أولئك جميعا؟ # حساب رجل هو وازع نفسه في السر والعلانية، وهو أحق الناس أن يقيم وازعا ~~للناس. # رجل ولا كمثله الرجال. # الفصل الرابع عشر # | محمد في التاريخ # اتصال التاريخ بمحمد # أردنا بالفصول المتقدمة أن نصف محمدا في عبقريته، أو محمدا في نفسه، أو محمدا في ~~مناقبه التي يتفق على تعظيمها من يدين برسالته الدينية، ومن لا يدين له برسالة. # ونريد بهذا الفصل - وهو خاتمة الكتاب - أن نذكر كلمة موجزة عن محمد في التاريخ، أو ~~محمد في العالم وأحداثه الخالدة. وهو بحث يغنينا فيه الإيجار، لأن العالم كله صفحات ~~تنبئنا بمكان محمد فيه. # محمد في نفسه عظيم بالغ في العظمة، وفاقا لكل مقياس صحيح يقاس به العظيم عند بني ~~الإنسان في عصور الحضارة. # فما مكان هذه العظمة في التاريخ؟ ... وما مكانها في العالم وأحداثه الباقية على تعاقب ~~العصور؟ # مكانها في التاريخ أن التاريخ كله بعد محمد متصل به مرهون بعمله، وأن حادثا واحدا ~~من أحداثه الباقية لم يكن ليقع في الدنيا كما وقع لولا ظهور محمد وظهور عمله. # فلا فتوح الشرق والغرب، ولا حركات أوروبا في العصور الوسطى، ولا الحروب الصليبية، ولا ~~نهضة العلوم بعد تلك الحروب، ولا كشف القارة الأمريكية، ولا مساجلة الصراع بين ~~الأوروبيين والآسيويين والأفريقيين، ولا ms121 الثورة الفرنسية وما تلاها من ثورات، ولا الحرب ~~العظمى التي شهدناها قبل بضع وعشرين سنة، ولا الحرب الحاضرة التي نشهدها في هذه الأيام، ~~ولا حادثة قومية أو عالمية مما يتخلل ذلك جميعه كانت واقعة في الدنيا كما وقعت لولا ذلك ~~اليتيم الذي ولد في شبه الجزيرة العربية بعد خمسمائة وإحدى وسبعين سنة من مولد ~~المسيح. # كان التاريخ شيئا فأصبح شيئا آخر، توسط بينهما وليد مستهل في مهده بتلك الصيحات ~~التي سمعت في المهود عداد من هبط من الأرحام إلى هذه الغبراء ... ما أضعفها يومئذ صيحات ~~في الهواء! ما أقواها بعد ذلك أثرا في دوافع التاريخ! ما أضخم المعجزة! وما أولانا أن ~~نؤمن بها كلما مضت على ذلك المولد أجيال وأجيال، وما أغنانا أن نبحث عنها قبل ذلك بسنين ~~حيثما بحث عنها المنجمون والعرافون! # على أننا نستعظم الأحداث العظام في تاريخ بني الإنسان بمقدار ما فيها من فتوح الروح، ~~لا بمقدار ما فيها من فتوح البلدان. # وجائز أن يقع في الدنيا طوفان أو زلزال، فيتصل به من أحداث الزحوف والفتوح ما يبدل في ~~التاريخ، ويبتعث دوافع الشعوب. # أما غير الجائز فهو أن تنفتح للإنسان آفاق جديدة من عالم الضمير بغير عظمة روحية ~~يوحيها الإيمان، وبغير رسالة باطنية تسبق هذه الظواهر التي تهول الأنظار. # ولقد فتح الإسلام ما فتح من بلدان لأنه فتح في كل قلب من قلوب أتباعه عالما مغلقا ~~تحيط به الظلمات، فلم يزد الأرض بما استولى عليه من أقطارها فإن الأرض لا تزيد بغلبة ~~سيد على سيد أو بامتداد التخوم وراء التخوم، ولكنه زاد الإنسان أطيب زيادة يدركها في ~~هذه الحياة، فارتفع به مرتبة فوق طباق الحيوان السائم، ودنا به مرتبة إلى الله. # يدين بهذه الحقيقة كل من يدين بحقيقة في عالم الضمير. فمن أنكرها فإنما ينكر تقدم ~~الإنسان كثيرا أو قليلا في هذه الطريق. # عقد عالم أوروبي # 1 # مقارنة بين محمد وبوذا والمسيح فسأل: «أليس محمد نبيا على وجه من ~~الوجوه؟» ثم أجاب قائلا: «إنه على اليقين لصاحب ms122 فضيلتين من فضائل الأنبياء؛ فقد عرف ~~حقيقة عن الله لم يعرفها الناس من حوله، وتمكنت من نفسه نزعة باطنية لا تقاوم لنشر تلك ~~الحقيقة، وإنه لخليق في هذه الفضيلة أن يسامي أوفر الأنبياء شجاعة وبطولة بين بني ~~إسرائيل، لأنه جازف بحياته في سبيل الحق، وصبر على الإيذاء يوما بعد يوم عدة سنين، ~~وقابل النفي والحرمان والضغينة، وفقد مودة الأصحاب بغير مبالاة، فصابر على الجملة قصارى ~~ما يصبر عليه إنسان دون الموت الذي نجا منه بالهجرة، ودأب مع هذا جميعه على بث رسالته ~~غير قادر على إسكاته وعد ولا وعيد ولا إغراء ... وربما اهتدى إلى التوحيد أناس آخرون بين ~~عباد الأوثان، إلا أن أحدا آخر غير محمد لم يقم في العالم مثلما أقام من إيمان ~~بالوحدانية دائم مكين، وما أتيح له ذلك إلا لمضاء عزمه أن يحمل الآخرين على الإيمان، ~~فإذا سأل سائل: ما الذي دفع بمحمد إلى إقناع غيره حيث رضي الموحدون بعبادة العزلة؟ ... ~~فلا مناص لنا أن نسلم أنه هو العمق والقوة في إيمانه بصدق ما دعا إليه.» # والحقيقة التي يراها المنصف - مسلما كان أو غير مسلم - هي هذه: هي أن فتوح محمد فتوح ~~إيمان، وأن قوة محمد قوة إيمان، وأنه ما من سمة لعمله أوضح من هذه السمة، ولا من تعليل ~~لها أصدق من هذا التعليل. لقد جاء الإغراء الذي أشار إليه العالم الأوروبي وهو داع ~~مهدد في سربه، وجاءه وهو عزيز الشأن بين المؤمنين بدعوته، فما حفل بالإغراء وهو بعيد من ~~مقصده ولا حفل به وهو واصل إليه. # جاءه سيد قومه عتبة بن ربيعة - وهو في مبدأ أمره - فقال له واعدا ملاطفا، بعد أن ~~أعياهم تخويفه متوعدين: «يا ابن أخي، إنك منا حيث قد علمت من خيارنا حسبا ونسبا، وإنك ~~قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم، وسفهت أحلامهم، وعبت آلهتهم ودينهم، وكفرت من ~~مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورا تنظر فيها لعلك تقبل منا بعضها.» فقال عليه ~~السلام: قل يا أبا الوليد. # فقال: ms123 «يا ابن أخي! إن كنت تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا ~~حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تريد شرفا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك، وإن ~~كنت تريد ملكا ملكناك علينا، وإن كان الذي يأتيك رئيا من الجن لا تستطيع رده عن ~~نفسك طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه.» فما زاد عليه السلام على أن ~~أجابه بآيات من القرآن الكريم، ثم تركه يعود كما أتى ... # ثم أدرك النبي غاية ما سعى إليه فلم يدخل له المال ولا المتاع في حساب، ولم يكن ~~النعيم المستطاع أفعل في إغرائه من النعيم الموعود، بل كان النعيم المستطاع فوق ما حلم ~~به عتبة بن ربيعة، وكان النبي أزهد فيه من زهده في النعيم الموعود ... فلم كل هذا؟ لم هذا ~~الجهاد؟ ولم هذا العناء؟ ولم هذا الصبر إن لم يكن في سبيل الإيمان؟ وأي نبي له من ~~الإيمان شفاعة أكبر من هذه الشفاعة ورسالة أكبر من هذه الرسالة؟ ... وأي إنسان يعرف تعظيم ~~الأنبياء إن لم تظفر نبوة محمد عنده بالتعظيم؟ # التاريخ هو فيصل التفرقة بين محمد وشانئيه؛ حكمه أنفذ من حكم الشانئين والأصدقاء، ~~وأنفذ من حكم المشركين والموحدين، وأنفذ من حكم المتدينين والملحدين ... لأنه حكم ~~الله. # وقد حكم له أنه كان في نفسه قدوة المهذبين، وكان في عمله أعظم الرجال أثرا في ~~الدنيا، وكان في عقيدته مؤمنا يبعث الإيمان، وصاحب دين يبقى ما بقيت في الأرض ~~أديان. # وسيطلع في الأفق هلال ويغيب هلال، وسيذهب في الليل قمر ويعود قمر، وتتعاقب هذه الشهور ~~التي كأنها جعلت لتأريخ ما بين الصدور، لأن الناس لا يؤرخون بها مواسم الزرع ولا مواعد ~~الأشغال ولا أدوار الدواوين والحكومات ولا ينتظرونها إلا هداية مع الظلام وسكينة مع ~~الليل؛ أشبه بهداية العقيدة في غياهب الضمير. # يوم الغار # ستطلع الأقمار بعد الأقمار، وتقبل السنة القمرية بعد السنة القمرية، وكأنها تقبل ~~بمعلم من معالم السماء يومئ إلى بقعة من الأرض هي غار الهجرة، أو ms124 يومئ إلى يوم لمحمد هو ~~أجمل أيام محمد، لأنه أدل الأيام على رسالته، وأخلصها لعقيدته ورجاء سريرته، وهو يوم ~~التقويم الذي اختاره المسلمون بإلهام لا يعلوه تفكير ولا تعليم. # لم كان يوم الهجرة ابتداء التاريخ في الإسلام، ولم يكن يوم الدعوة؟ ولم لم يكن يوم ~~بدر أو يوم ولادة النبي أو يوم حجة الوداع يوم ابتداء التاريخ؟ ... كل يوم من هذه الأيام ~~كان في ظاهر الرأي وعاجل النظر أولى بالتأريخ والتمجيد من يوم الفرار بالنفس والعقيدة ~~في جنح الظلام. # فالرجل الذي اختار يوم الهجرة بدءا لتاريخ الإسلام قد كان أحكم وأعلم بالعقيدة ~~والإيمان ومواقف الخلود من كل مؤرخ وكل مفكر يرى غير ما رآه. # لأن العقائد إنما تقاس بالشدائد ولا تقاس بالفوز والغلب: كل إنسان يؤمن حين يتغلب ~~الدين وتفوز الدعوة، أما النفس التي تعتقد حقا ويتجلى فيها انتصار العقيدة حقا فهي ~~النفس التي تؤمن في الشدة وتعتقد ومن حولها صنوف البلاء. # وليس يوم أحق بالتأريخ إذن من اليوم الذي هجر فيه النبي بلده؛ # إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار ~~إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله ~~سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة ~~الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز ~~حكيم ~~(التوبة: 40). # ليقل من قال إن التوقيت بما قبل الهجرة وما بعدها كان توقيتا معروفا على عهد النبي # صلى الله عليه وسلم ~~... وليقل من قال إن دخول المدينة هو المقصود بالتأريخ من الهجرة، وهو يوم عظيم ~~... ليقل من قال هذا أو ذاك، فإن تاريخ النصر في القرآن إذ هو «ثاني اثنين» في ~~الغار. # وإن ابن الخطاب لنبيل ملهم الفؤاد - سواء كان هو المقترح أو مجيب الاقتراح - حين نظر ~~إلى غار «ثور» ولم ينظر في التأريخ إلى نصر المدينة ولا إلى نصر بدر ولا إلى نصر أحد ~~ولا إلى نصر فارس، ونظر إلى تلك «الجنود التي لم تروها» وقد نراها نحن الآن. # يوم الدعوة لم يكن يوم الإسلام الأول، لأن ms125 الدعوة كلمة يستطيعها كل إنسان ويستطيع ~~النكول عنها بعد قليل أو كثير. # ويوم ميلاد النبي لم يكن يوم الإسلام الأول، لأن ميلاد محمد لم يكن معجزة الإسلام كما ~~كان ميلاد عيسى معجزة المسيحية، ولأن محمدا بشر مثلنا في مولده. ولكنه سيد الرسل يوم ~~دعا ويوم نجا بالدعوة إلى حيث تنجو وحيث تسود، وحيث يكون امتحانها الأول في قلب صاحبها ~~وقلب صاحبه الصديق، وهما اثنان في غار. # كذلك تؤرخ العقائد والأديان؛ بالشدة تأريخها وليس بالغنائم والفتوح، وإنها لشيء في ~~القلوب فلنعرفها إذن حين لا تكون إلا في القلوب، وحين يكون كل شيء ظاهر كأنه ينكرها ~~وينفي وجودها، وهي يومئذ من الوجود في الصميم. # يوم عقيدة ورجاء # إن يوم الغار ليوم له عبرته وعزاؤه في كل يوم ولا سيما أيام القلق والحيرة والانتظار ~~... # إنه يوم عقيدة فهو يوم رجاء، ويوم نظر إلى المستقبل الذي ينظر إليه من ليس له رضا في ~~حاضر عهده، وحاضر العالم في عهده هذا لا يرضي أحدا من محبيه ... حيثما غلبت الحيرة ~~والقلق في العالم فهنالك أمر واحد كن منه على أتم اليقين؛ كن على يقين أن العالم يبحث ~~عن عقيدة روحية! لأنه يضيق بالحاضر وينظر إلى المستقبل، وكل مستقبل فلا محل له من جوانح ~~الصدور إن لم يكن موضع رجاء ومرجع إيمان، وغاية سعي يستحق الكفاح ... # وفي التاريخ الإنساني كله لم تقم قط حركة عظيمة على الماضي الذي لا مستقبل بعده، إنما ~~تقوم الحركات العظمى جميعا على الرجاء في غد محجوب، أو على شيء يمكن أن يتحقق في حياة ~~الإنسان، وشيء يبقى أبدا موضع الرجاء البعيد ... # لقد كان علي فتى يستقبل الدنيا، وكان أبو بكر كهلا يدبر عنها، يوم أعانا محمدا في ~~يوم ثور ... ولكنهما كانا معا على أبواب غد واحد ورجاء واحد، يستوي فيه الفتى والكهل ~~والشيخ الدالف إلى قبره، لأنه رجاء الإيمان لا رجاء العيان. # المستقبل للإيمان # ماذا فتح الإسلام لأبي بكر من عوالم الحياة؟ ... هل رجع به إلى الماضي أو أقبل به على ~~المستقبل؟ ms126 هل مشى به في حركة إلى أمام أو قفل به في رجعة إلى وراء؟ ... الحق أن الإسلام ~~مثل المستقبل للشيخوخة كما مثل المستقبل للشباب، وانفصل من حالة لا تبقى ليتصل بحالة ~~يرجى لها البقاء، وكان يفتح أمام أبي بكر - وليس أمام علي وحده - باب الحياة الصالحة في ~~الدنيا وباب الحياة الخالدة في الآخرة ... وهكذا كل عقيدة فما هي بعقيدة على أي معنى من ~~معاني الاعتقاد إن كان خيرها كله شيئا يناله الإنسان في أيامه ... فلا مناص في العقيدة ~~من خير وراء أيام الفناء. # ليذكر هذا جميعه من يتحفزون للنهوض، ومن يبتغون الحركة ويقودون الخطوات المقبلة في ~~عجلة أو أناة. # لن تتحرك أمة إلا إذا فتحت أمامها باب المستقبل، ولن تلتفت إلى الماضي إلا إذا كان ~~فيه التقاء بالمستقبل، ولن تعيره الحياة إلا وهو مبعوث من جديد في صورة الخلق ~~الجديد. # ليذكر هذا من يحارون في أمر العالم اليوم وهو غارق في دمائه، ضائق بحاضره، معرض عن ~~ماضيه ... # فيم يحار؟ # في طلب المستقبل، في طلب العقيدة، في طلب المسوغ للوجود، لأن الوجود وحده لا يكفي ~~الإنسان إلا أن يكون على طبقة مع الحيوان. # فالإيمان للمستقبل ... # وعسى أن يكون المستقبل للإيمان. # وعسى أن يستجد العالم عزاء باقيا من يوم الغار ومن صاحب يوم الغار. ms127