######OpenITI# #META# URI: 1383CabbasMahmudCaqqad.CabqariyyatSiddiq.Hindawi96385968 #META# Tags: biographies #META# ID: 96385968 #META# Title: عبقرية الصديق #META# AuthorID: 64642852 #META# Author: عباس محمود العقاد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تقديم‏ # 1 - اسم وصفة‏ # 2 - الصديق الأول والخليفة الأول‏ # 3 - صفاته‏ # 4 - مفتاح شخصيته‏ # 5 - نموذجان‏ # 6 - إسلامه‏ # 7 - الصديق والدولة الإسلامية‏ # 8 - الصديق والحكومة العصرية‏ # 9 - الصديق والنبي وصحبه‏ # 10 - ثقافته‏ # 11 - الصديق في بيته‏ # 12 - صورة مجملة‏ # تقديم‏ # 1 - اسم وصفة‏ # 2 - الصديق الأول والخليفة الأول‏ # 3 - صفاته‏ # 4 - مفتاح شخصيته‏ # 5 - نموذجان‏ # 6 - إسلامه‏ # 7 - الصديق والدولة الإسلامية‏ # 8 - الصديق والحكومة العصرية‏ # 9 - الصديق والنبي وصحبه‏ # 10 - ثقافته‏ # 11 - الصديق في بيته‏ # 12 - صورة مجملة‏ # | عبقرية الصديق # | عبقرية الصديق # تأليف # عباس محمود العقاد # | تقديم # في تقديم كتابي هذا عن أبي بكر الصديق، أقول ما قلته في «عبقرية محمد» و«عبقرية عمر» ~~وكل كتاب من هذا القبيل، وفحواه أنني لا أكتب ترجمة للصديق رضي الله عنه، ولا أكتب ~~تاريخا لخلافته وحوادث عصره، ولا أعنى بالوقائع من حيث هي وقائع، ولا بالأخبار من حيث ~~هي أخبار، فهذه موضوعات لم أقصدها، ولم أذكر في عناوين الكتب ما يعد القارئ بها ويوجه ~~استطلاعه إليها، ولكنما قصدت أن أرسم للصديق صورة نفسية، تعرفنا به وتجلو لنا خلائقه ~~وبواعث أعماله، كما تجلو الصورة ملامح من تراه بالعين. فلا تعنينا الوقائع والأخبار ~~إلا بمقدار ما تؤدي أداءها في هذا المقصد الذي لا مقصد لنا غيره، وهي قد تكبر أو تصغر، ~~فلا يهمنا منها الكبر أو الصغر إلا بذلك المقدار، ولعل حادثا صغيرا يستحق منا التقديم ~~على أكبر الحوادث إذا كانت فيه دلالة نفسية أكبر من دلالته، ولمحة مصورة أظهر من لمحته. ~~بل لعل كلمة من الكلمات الموجزة التي تجيء عرضا في بعض المناسبات تتقدم لهذا السبب على ~~الحوادث كبيرها وصغيرها في مقياس التاريخ. # ومن همنا أن تكون الصورة صادقة كل الصدق في جملتها وتفصيلها ... فليس من غرضنا التجميل ~~الذي يخرج بالصورة عن حقيقتها، ولسنا نريد أن يطلع القارئ على تلك الصورة، فلا يعرفها ~~ولا يعرف أبا بكر منها، ولكن تجميل الصورة شيء، وتوقير صاحبها شيء آخر، فإنك إذا صورت ~~أبا بكر ورفعت صورته مكانا عليا ms001 لم تكن قد أضفت إليه جمالا إلي جماله أو غيرت ~~ملامحه النفسية بحيث تخفى على من يعرفها، فهذا هو التوقير الذي يخل بالصورة ولا ~~يعاب على المصور، وليس هو بالتجميل المصطنع الذي يضل الناظر عن الحقيقة. # فكل فضيلة أثبتناها لأبي بكر في هذه الصفحات فهي فضيلته التي لا نزاع فيها، وكل عمل ~~استطاعه ووصفناه بقدرته فقد استطاعه بغير جدال، وما من عمل لم يعمله قلنا إنه قد عمله، ~~ولا من قدرة لم تظهر منه جعلناها من صنوف قدرته، ثم يتوسمه القارئ بعد هذا فيرى صورة ~~مميزة بين صور العظماء من أمثاله، فهو محمود موقر، وعمر بن الخطاب في صورته محمود ~~موقر، ولكنهما مع ذلك لا يتشابهان ولا يتراءى أحدهما في ملامح الآخر، وهذا قصاراك من صدق ~~الصورة في تمييز الرجل بين نظرائه، وفي تمثيله بما فيه وما ليس فيه. # إنك حين تعدد ثروة رجل فتقول: إنه صاحب عشرة بيوت، لا يلزمك بعد ذلك أن تقول: ولكنه ~~ليس بصاحب أرض زراعية ولا أوراق مالية ولا معامل صناعية ولا مرتبات حكومية، وإذا أنت ~~سكت عن هذا قاصدا أو غير قاصد لم يجز لأحد أن يلومك أو يظن بك تعمد الإخفاء ~~والسكوت، فحسبك أنك ذكرت ثروته الصحيحة ولم تضف إليه ما ليس من ماله لتكون قد أعلمت ~~من يريد العلم بثروته غاية ما ينبغي أن يعلم. # وكذلك الشأن في ثروات النفوس حين يحصيها المقدرون: تصدق إن ذكرت له ما يملك، ولا ~~يفوتك الصدق إن فاتك أن تحصي كل ما ليس له بملك، فليس هذا بغرض من أغراض الإحصاء أو ~~التعريف. # ومذهبنا الذي نتوخاه في الكتابة عن العظماء الذين حسنت نياتهم في خدمة الإنسان أن ~~نوفيهم حقهم من التوقير، وأن نرفع صورهم إلى مكان التجلة، وإن لم يمنعنا هذا أن ~~نصدقهم الوصف والتصوير. # عبرت عن هذا المذهب شعرا قبل ثلاثين سنة فقلت من أبيات: # لا تلح ذا بأس وذا همة # على ذنوب العصبة الغلب # فليس مقياسك مقياسهم # ولا هم مثلك في المأرب # انظر إلى ms002 ما خلفوا بعدهم # من المعالي ثم لم واعتب # من ركب الهائل من أمره # فعذره في ذلك المركب # ونحسب هذا المذهب في زماننا هذا أوجب مما كان في الأزمان الغابرة؛ لأن الأسباب التي ~~تغص من وقار العظمة لم تزل تتكاثر منذ القرن الثامن عشر إلى الآن، وهي مما يحدث عفوا ~~في بعض الأحيان، ومما يأتي قصدا في أحيان أخرى، وقد تفيد الإشارة إليها في اتقائها إذا ~~كان إلى اتقائها سبيل. # بدأت هذه الأسباب بفهم سيئ للمنازعات التي شجرت بين رجال العلم ورجال الدين منذ النهضة ~~العلمية الحديثة. فوقر في بعض الأذهان أن العلم الحديث قد ألغى ما قبله من جهود المصلحين ~~وطلاب المعرفة الإلهية والدنيوية وخلط أناس بين دعاة الأديان الذين أخلصوا العقيدة في ~~الإصلاح، وبين رجال الأديان الذين استغلوا العقائد، وتعمدوا إنكار الحقائق، ووقفوا ~~بعنادهم ولجاجتهم عقبة في طريق التقدم والتهذيب. # فالمصلحون من عظماء الأديان أهل لكل تعظيم واعتراف بالجميل، لا يعيبهم أنهم سبقوا عصر ~~العلم الحديث، بل يزكيهم ذلك، ويضاعف حقهم في الثناء وعرفان الجميل، ويدل على أن ~~الحاجة إليهم كانت أمس وألزم، وأنهم كانوا في خدمتهم الإنسانية أقدر وأعظم، مع ما هو ~~مفهوم من الفارق بين حاجة الناس إلى الدين وحاجتهم إلى العلوم. فهذه حاجة ذهنية وتلك ~~حاجة حيوية أو روحية لا تغني فيها علوم العلماء. # ثم جاءت الديمقراطية وأساء بعض الناس فهمها، كما أساءوا فهم النزاع بين العلم والدين، ~~فظنوا أن حرية الصغير تجعله في صف الكبير، وأن المساواة القانونية تلغي الفوارق ~~الطبيعية، وأن الثورة على الرؤساء المستبدين معناها الثورة على كل ذي مكانة من العظماء، ~~وهو وهم ظاهر البطلان ولكنه قد سرى مسراه إلى الأذهان، فكثر التطاول على كل عظمة ~~إنسانية، وفشت بدعة الاستخفاف والزراية حتى أوشك التوقير لمن يستحق التوقير أن ~~يعاب. # ثم جاءت الشيوعية وهي قائمة على أن الأبطال صنائع المجتمع وليسوا بأصحاب الفضل عليه، ~~وأن تعظيم الأبطال الغابرين يصرف الناس عن عيوب النظم الاجتماعية التي أنشأت أولئك ~~الأبطال فخدموها قاصدين مدبرين أو على ms003 غير قصد منهم وتدبير، وأفرط الشيوعيون في تلويث كل ~~عظمة يؤدي توقيرها إلى نقض مذهبهم ومخالفة دعوتهم، حتى بلغ من سخفهم في هذا أنهم غيروا ~~أبطال الروايات في مسرحيات شكسبير وأمثاله فعرضوا «هملت» على المسرح لئيما ماكرا سيئ ~~النية على خلاف ما صوره الشاعر؛ لأن تصوير أمير من أمراء القرون الوسطى في صورة حسنة ~~يخل بما قرروه عن النظم الاجتماعية والسياسية في تلك القرون. # وتكاثرت على هذا النحو أسباب الغض من العظماء حتى صح عندنا أن العظمة في حاجة إلى ما ~~يسمى «برد الاعتبار» في لغة القانون، فإن الإنسانية لا تعرف حقا من الحقوق إن لم تعرف ~~حق عظمائها، وإن الإنسانية كلها ليست بشيء إن كانت العظمة الإنسانية في قديمها أو ~~حديثها ليست بشيء. # ومن ثم مذهبنا في توقير العظمة مع التفرقة بين التوقير المحمود والتجميل المصطنع الذي ~~يعيب المصور ويضل الناظر إلى الصورة. فليس لنا أن نثبت جمالا غير ثابت، ولكن لنا - بل ~~علينا - متى أثبتنا الجمال في مكانه أن نرفع الصورة إلى مقام التوقير. # قال زميلنا الباحث الفاضل الأستاذ أحمد أمين من نقده لكتاب الدكتور هيكل (باشا) في ~~الصديق وكتابي في «عبقرية عمر»: ~~... بقيت مسألة هامة كثيرا ما اختلفت وجهة نظر الكتاب فيها، وهي أن العظيم ~~مهما عظم له خطآت، وإلا ما كان إنسانا، والعصمة لله وحده. فهل واجب المترجم ~~له أن يعرض لكل ذلك في تفصيل، فيذكر كل ما له ويشيد بذكره، ويذكر خطآته ~~وينقدها، ويعلم بذلك درسا في نواحي مجده، ودرسا آخر في مواضع خطئه، أو ~~واجبه فقط تجلية نواحي العظمة والتأويل والدفاع الدائم عن نواحي الخطأ؟ أنا ~~أرى أن الرأي الأول أوجب، متأسيا بأبي بكر وعمر نفسيهما، والمؤلفان الفاضلان ~~إلى الرأي الثاني أميل. # والواقع أننا إلى الرأي الثاني أميل كما قال زميلنا الأستاذ، ولكنه الميل الذي نحده ~~بما قدمناه من حدود، ونحتج له بما بيناه من أسباب. # ويخيل إلينا أن الأستاذ نفسه يستطيب هذا الميل حين قال في صدر مقاله عن الكتابين: ~~... إن الأوروبيين قد ms004 وجدوا من علمائهم من يشيد بعظمائهم ويستقصي نواحي مجدهم، ~~بل قد دعتهم العصبية أحيانا أن يتزيدوا في نواحي هذه العظمة، ويعملوا ~~الخيال في تبرير العيب وتكميل النقص تحميسا للنفس وإثارة لطلب الكمال. أما ~~نحن فقد كان بيننا وبين عظمائنا سدود وحواجز حالت بين شبابنا وجمهورنا ~~والاستفادة منهم ... # فهذه السدود كثيرة في الشرق، كثيرة في العصر الحاضر حيث كان، وهي التي تجيز لنا - بل ~~تفرض علينا - أن نوفي العظماء حقهم من التوقير، وأن نصورهم كما خلقهم الله، ثم علينا أن ~~نرفع الصورة حيث شئنا بعد الصدق في التصوير. # عباس محمود العقاد # الفصل الأول # | اسم وصفة # عرف الخليفة الأول في التاريخ بأسماء كثيرة: أشهرها أبو بكر والصديق، ويليهما في ~~الشهرة عتيق وعبد الله. # وقيل: إنه عرف بهذه الأسماء أو الألقاب في الإسلام والجاهلية على السواء. # عرف في الجاهلية بلقب الصديق؛ لأنه كان يتولى أمر الديات وينوب فيها عن قريش، فما ~~تولاه من هذه الديات صدقته قريش فيه وقبلته، وما تولاه غيره خذلته وترددت في ~~قبوله وإمضائه. # وعرف بالعتيق لجمال وجهه، من العتاقة وهي الجودة في كل شيء، وقيل: بل من العتق، لأن ~~أمه لم يكن يعيش لها ولد؛ فاستقبلت به الكعبة، وقالت: اللهم إن هذا عتيقك من النار ~~فهبه لي. فعاش فعرف باسم عتيق ... وقيل غير ذلك: إنه أحد ثلاثة أبناء، هم عتيق ومعتق ~~ومعيتيق، سموا بذلك تفاؤلا بالعيش والعتق من الموت. # وعرف كما قيل في بعض الروايات باسم عبد الكعبة في الجاهلية، ثم عبد الله في ~~الإسلام. # وسمي في الإسلام بالصديق؛ لأنه صدق النبي # صلى الله عليه وسلم # في حديث الإسراء، وبالعتيق؛ لأنه ~~عليه السلام بشره بالعتق من النار. # ومن الجائز انه عرف بهذه الألقاب على محملها في الجاهلية ومحملها في الإسلام، ففي ~~حياته وسيرته قبل الإسلام وبعده ما يحقق هذه التسمية أو هذا التلقيب. # ولد للسنة الثانية أو الثالثة من عام الفيل، فهو أصغر من النبي # صلى الله عليه وسلم # بنحو سنتين، ~~وهو عبد الله بن عثمان الذي عرف باسم ms005 أبي قحافة، ويلتقي نسبه ونسب النبي # صلى الله عليه وسلم # عند ~~مرة بن كعب، بعد ستة آباء، وكلا أبويه من بني تيم، وهم قوم اشتهر رجالهم ~~بالدماثة والأدب، واشتهرت نساؤهم بالدل والحظوة، وقيل إن بنات تيم أدل النساء ~~وأحظاهن عند الأزواج. وربما كان مرجع ذلك إلى طول عهد القبيلة بحياة المدينة وأشغالها، ~~وأن اشتغالها بالتجارة كان يقوم على المودة وحسن المعاملة، ولا يقوم على بسطة النفوذ ~~وصولة الوفر والغلبة، فبنو أمية - مثلا - كانوا يتجرون وكان زعيمهم أبو سفيان يرسل ~~القوافل بين الحجاز والشام، ولكنها قوافل أشبه بالحملات والبعوث، معولهم فيها على ~~الوفر والوفرة، وليست كذلك تجارة أبي بكر وإخوانه من أبناء البطون القرشية التي لها ~~شرف النسب في غير مكاثرة بالعدد والعدة، ومغالبة بالصولة ودهاء القوة، كمغالبة ~~الأمويين. # ومهما يكن من أثر المعاملة الودية وآداب الأسرة والمدنية في بني تيم، فهذه الآداب واضحة ~~في أسرة الصديق رضي الله عنه أجمل وضوح، لم تذكر لنا قط أسرة كانت في عصره على مودة ~~أجمل من المودة التي اتصلت بينه وبين أبيه وأمه وأبنائه، مدى الحياة. وقد كان له ابن ~~حارب في صفوف المشركين، وأوشك أن يكون بينه وبين أبيه قتال، ولكننا إذا تجاوزنا هذه ~~الفلتة من فلتات السن رجعنا إلى أبوة لا عقوق فيها بعد اهتداء ذلك الابن إلى ~~الإسلام، كما اهتدى إليه سائر ذويه. # عاش أبو قحافة حتى رأى ابنه خليفة يرفع صوته على أناس لم يكن في مكة أرفع منهم صوتا ~~وأعظم خطرا، وكان مكفوف البصر على باب داره بمكة يوم أقبل أبو بكر إليها معتمرا بعد ~~مبايعته بالخلافة، فقيل له: هذا ابنك؛ فنهض يتلقاه، ورآه ابنه يهم بالنهوض فعجل ~~نازلا عن راحلته وهي واقفة قبل أن ينيخها، وجعل يقول: يا أبت لا تقم! ثم لاقاه ~~والتزمه وقبل بين عينيه، ولم ينتظر - وهو في نحو الستين - أن ينيخ راحلته لينزل منها، ~~مخافة على أبيه من مشقة النهوض. # ودعا الخليفة بأبي سفيان لأمر أنكره فأخذته الحدة التي كانت تراجعه في بعض ms006 ثورات ~~نفسه، وأقبل يصيح على أبي سفيان وهو يلين له ويسترضيه، فسأل أبو قحافة قائده: على من ~~يصيح ابني؟ فقال: على أبي سفيان ! ... فدنا منه يقول له وفي كلامه من الغبطة أكثر مما فيه ~~من الإنكار، وفيه من دهاء الطيبة أكثر مما فيه من سهو الشيخوخة: أعلى أبي سفيان تصيح ~~وترفع صوتك يا عتيق؟! لقد عدوت طورك وجزت مقدارك! # فابتسم أبو بكر والصحابة، وقال لأبيه المنكر في رضاه الراضي في إنكاره: يا أبت إن الله ~~رفع بالإسلام قوما وأذل به آخرين. # وهذه الطيبة التي لا تخلو من دهائها هي التي ظهرت من هذا الأب الصالح، يوم نعوا إليه ~~رسول الله فقال: أمر جلل. وسأل: ومن ولي الأمر بعده؟ قالوا: ابنك؛ فعاد يسأل: فهل ~~رضيت بذلك بنو عبد مناف وبنو المغيرة؟ قالوا: نعم ... قال: لا مانع لما أعطى الله، ولا ~~معطي لما منع! # بل هذه الطيبة التي لا تخلو من دهائها هي التي ظهرت منه حين هاجر ابنه مع النبي # صلى الله عليه وسلم # فأقبل على أحفاده يسألهم: ما ترك لكم بعد هجرته من المال؟ وهي التي ظهرت منه ~~حين ذهب ابنه ينفق من ماله لإعتاق الأرقاء الذين عذبهم المشركون فكان يقول: لو أنك إذ ~~فعلت أعتقت رجالا جلدا يمنعونك ويقومون دونك؟ ويقول له ابنه: يا أبت إني أريد ما عند ~~الله. # ثم عاش الأب الصالح حتى قبض ابنه العظيم فرد ميراثه منه إلى أحفاده وسأل حين بلغته ~~وفاته وهو يقول: رزء جلل، رزء جلل. فمن ولي الأمر بعده؟ قالوا: عمر؛ قال: صاحبه ... يعني ~~صاحب الأمر أو صاحب الصديق، في إيجاز كاف كإيجاز ابنه العظيم. # كثير مما في أبي بكر من هذا الأب الصالح: طيبة في يقظة في استقامة، ويزيد عليه ابنه في ~~كل وصف حميد. # الفصل الثاني # | الصديق الأول والخليفة الأول # في رواية من أشهر الروايات عن مرض النبي # صلى الله عليه وسلم # أن مؤذنه بلالا جاءه يوما، وقد ~~اشتد به المرض فقال عليه السلام: مروا أبا بكر فليصل بالناس. ms007 # قالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله! إن أبا بكر رجل أسيف، وإنه متى يقم مقامك لا ~~يسمع الناس. فلو أمرت عمر ؟ # فقال عليه السلام مرة أخرى: مروا أبا بكر فليصل بالناس. # فعادت عائشة تقول لحفصة: قولي له: إن أبا بكر رجل أسيف، وإنه متى يقم مقامك لا يسمع ~~الناس. فلو أمرت عمر؟ # فأعادت حفصة ما قالته لها عائشة. # وضجر عليه السلام من هذه المراجعة؛ فقال: إنكن أنتن صواحب يوسف. ثم قال لثالث ~~مرة: مروا أبا بكر فليصل بالناس. # وروى عبد الله بن زمعة أنه خرج من عند النبي، فإذا عمر في المسجد وأبو بكر غائب. فقال: ~~يا عمر. قم فصل بالناس. فتقدم فكبر، وكان رجلا مجهرا، فلما سمع رسول الله # صلى الله عليه وسلم # صوته سأل: فأين أبو بكر؟ يأبى الله ذلك والمسلمون، يأبى الله ذلك ~~والمسلمون. # ولام عمر عبد الله بن زمعة قائلا: ويحك! ما صنعت بي يا ابن زمعة؟ والله ما ظننت حين ~~أمرتني إلا أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أمرك بذلك. ولولا ذلك ما صليت بالناس. # قال ابن زمعة: والله ما أمرني رسول الله # صلى الله عليه وسلم # بشيء، ولكني حين لم أر أبا بكر ~~رأيتك أحق من حضر بالصلاة بالناس. # وموضع العجب في هذه الرواية تردد السيدة عائشة رضي الله عنها في تبليغ أمر النبي بإقامة ~~أبيها مقامه في الصلاة، وقد تكرر الأمر أكثر من مرة. # فهذا التردد عجيب من وجوه: عجيب أن تتردد في تبليغ أمر محمد عليه السلام، وهو الزوج ~~المحبوب والنبي المطاع. # وعجيب أن تتردد في تبليغه، وهو تشريف لأبيها بمقام كريم تتطاول إليه الرقاب. # ويزيده عجبا أن يحدث في شدة المرض والنبي مجهد يطلب الراحة، وهي أشد نسائه سهرا عليه ~~في مرضه، وأرعاهم له بما يريحه، ويخفف الجهد عنه. # نعم، إن عائشة رضي الله عنها كانت أكثر الناس دالة على النبي وأجرأهم على مراجعته، ~~والتلطف في إبلاغه ما يتهيب القوم أن يبلغوه. فلئن كانت هي أولى الناس أن ms008 تطيعه ~~وتبلغ أمره، لقد كانت كذلك تعلم من مكانتها عنده ما يبيح لها أن تراجعه وتأمن غضبه، ~~لدالتها عليه وثقته من مضمر حبها له وامتثالها لأمره. # إلا أنها قد بلغت مكان الدالة عند رسول الله بما لها من صفات كثيرة غير الصباحة ~~والجمال، وأول تلك الصفات فرط الذكاء ولطافة الحس وحسن التقدير. # وخليق بمن كانت في مثل ذكائها ولطافة حسها وحسن تقديرها أن تفطن إلى الجد في ذلك الموقف ~~العصيب، وفي ذلك البلاغ الخطير. # وهيهات أن تتردد يومئذ عن دلال في غير موضعه، ولأسباب غير السبب الذي يمكن أن يوحي ~~إليها ذلك التردد، ولا بد له من سبب عظيم. # ولقد كان له سبب عظيم. # بل هو أعظم الأسباب التي يمكن أن توحي إليها ذلك التردد، ولولاه لما أقدمت عليه. # وما نحسب أن شيئا حفظته الروايات التاريخية لنا عن ذكاء السيدة عائشة يدل على قوة ذلك ~~الذكاء، كما دل عليه ترددها في ذلك الموقف العصيب. # يكفي أن نستحضر اليوم ما قيل عن الخلافة بعد النبي عليه السلام لنعلم مبلغ ذلك الذكاء ~~العجيب في مقتبل الشباب، ونكبر ذلك النظر الثاقب إلى أبعد العواقب، ونلتمس لها العذر ~~الذي يجمل بامرأة أحبها محمد ذلك الحب، وأعزها ذلك الإعزاز. # فقد قيل في الخلافة بعد النبي كثير: قيل فيها ما يخطر على بال الأكثرين، وما يخطر على ~~بال الأقلين، وما ليس يخطر على بال أحد إلا أن يجمح به التعنت والاعتساف أغرب ~~جماح. # قيل: إن وصول الخلافة إلى أبي بكر إنما كان مؤامرة بين عائشة وأبيها! # وقيل: إنه كان مؤامرة بين رجال ثلاثة أعانتهم عائشة على ما تآمروا فيه، بما كان لها من ~~الحظوة عند رسول الله، وكان هؤلاء الرجال على زعم أولئك القائلين أبا بكر وعمر وأبا ~~عبيدة بن الجراح، وهم الذين أسرعوا - من المهاجرين - إلى سقيفة بني ساعدة ليدركوا ~~الأنصار قبل أن يتفقوا على اختيار أمير أو خليفة لرسول الله. # وقيل: إن هؤلاء الرجال الثلاثة اتفقوا على تعاقب الحكم واحدا بعد واحد: أبو بكر ms009 فعمر ~~فأبو عبيدة؛ ولهذا قال عمر حين حضرته الوفاة: لو كان أبو عبيدة حيا لعهدت إليه؛ لأنه ~~أمين الأمة، كما قال فيه رسول الله، وهذا زعم روجه بعض المستشرقين ولى بين القراء ~~الأوروبيين كثيرا من القبول؛ لأنه شبيه بما عهدوه في أمثال هذه المواقف من أحاديث ~~التدبير والتمهيد وروايات التواطؤ والائتمار. # فالسيدة عائشة مسعودة الحظ لا مراء؛ لأنها لم تخالف محمدا قط في أمر خطير، وحين ~~خالفته أو ترددت في تبليغ كلامه في أمر من أخطر الأمور، كان هذا التردد أدل على ~~مكانتها وفضلها وعلى استحقاقها لمنزلة الإيثار في ذلك القلب العظيم. # فهي قد ترددت لتبرئ نفسها من القالة، وتبرئ ذلك الموقف الخطير من المظنة، وتبرئ ~~الخلافة من أسباب الادعاء، وقد يكون فيها إضعاف وإيذاء. # وأشهدت على نفسها أولى الناس بالشهادة في ذلك الموقف الخطير حفصة بنت عمر رضي الله ~~عنهما. # فإذا علمت حفصة أن عائشة راجعت رسول الله مرتين في تبليغ الأمر إلى أبيها أن يصلي ~~بالناس، فقد علمت ذلك من هي أحق بعلمه من سائر أمهات المسلمين، إذ كان عمر رضي الله عنه ~~أحد اثنين في حق الخلافة لا يذكر أحدهما إلا ذكر الآخر، كما ظهر ذلك من واقع الأمور، ~~أو كما ظهر من قول عبد الله بن زمعة لعمر: «حين لم أر أبا بكر رأيتك أحق من حضر بالصلاة ~~بالناس.» # فتردد عائشة في ذلك الموقف الخطير لم يضر بل نفع، وكان أنفع من إسراعها بالتبليغ، وأول ~~ما نفع به أنه أظهر رغبة النبي إظهارا لا مجال للظنة فيه، فكان ذلك من أدعى دواعي ~~الاتفاق على الاختيار وقطع السبيل على الفتنة والشقاق. # نعم إن رواية من الروايات تزعم لنا أن السيدة عائشة رضي الله عنها ترددت في التبليغ؛ ~~لأنها أشفقت أن يتشاءم الناس برؤية أبيها في مقام يذكرهم بالخطر على أحب الناس إليهم في ~~ذلك المقام، وتلك سانحة يجوز أن تسنح لها وهي أشد الناس إحساسا بذلك التشاؤم ووقعه في ~~نفوس المسلمين. ولكننا إذا سلمنا أنها رضي الله ms010 عنها قد تعمدت الإبطاء في التبليغ، ~~فالسبب الذي أومأنا إليه آنفا أولى وأليق بالمعهود من ذكائها وخلقها الكريم؛ لأنها لا ~~تجهد النبي في مرضه ولا تفوت على أبيها شرف الخلافة حذرا من التشاؤم وحده، ثم هي لا ~~تدعو حفصة إلى تعريض عمر لموقف تصون عنه أباها. فإن كان تعمد للإبطاء في التبليغ فذلك ~~السبب الذي أومأنا إليه آنفا أحق الأسباب أن يرجح على غيره لتفسير ذلك الإبطاء، فهو ~~أدعى أن يبطل به العجب ولا يمتنع مع هذا أن يقترن بغيره من الأسباب. ~~••• # ويقل العجب من تردد السيدة عائشة كلما زاد العجب من تلك الفروض والأقاويل التي خاض فيها ~~من خاض عن «مؤامرة» الخلافة المزعومة، وليس لها سند من التاريخ، ولا من التفكير القويم، ~~ولا من المعهود في أخلاق الرجال والنساء الذين عزيت إليهم تلك المؤامرة بغير بينة ~~قاطعة ولا ظن راجح. # فليس في شيء مما رواه الرواة عن الخلافة بعد النبي عليه السلام كلمة واحدة ترجح تلك ~~الفروض والأقاويل، سواء كان قائلها ممن أسرعوا إلى بيعة الصديق أو تباطئوا في بيعته، ~~أو قضوا حياتهم ولم يبايعوه. # وليس في شيء من خلائق أبي بكر وعمر وأبي عبيدة التي عهدها الناس منهم في حياة النبي أو ~~بعد وفاته ما يأذن لمتوهم أن يتوهم فيهم التآمر على خلافته وهو بقيد الحياة، دون أن ~~يطلعوه على جليلة أو دقيقة مما يفكرون فيه. # وليس في سيرة أبي بكر وعمر بعد أن وليا الخلافة ما ينم على طمع في السطوة، وحرص على زهو ~~الملك يغريهما باستباحة ثقة النبي في حياته بما لا يليق. وهو عندهما بمكان من ~~التجلة والحب لا تتطرق إليه الشكوك ولا ترتفع إليه الشبهات. # وعلى نقيض ذلك تدل الحوادث والروايات التاريخية على أن الأمر قد وقع منهم جميعا موقع ~~المفاجأة التي لم يتدبروا فيها إلا بعد وقوعها، ولم يبرموا فيها الرأي على نحو من ~~الأنحاء قبل اجتماع الأنصار بسقيفة بني ساعدة. # فالأقوال - أو تكاد تتفق - على أن أبا بكر لم يكن قريبا من ms011 النبي عليه السلام يوم أمر ~~النبي بلالا أن يدعوه إلى الصلاة بالناس، ولو كان بينه وبين السيدة عائشة اتفاق في هذا ~~الصدد لكان اقترابه من المسجد أو بيت النبي في تلك اللحظة لازما كل اللزوم لإنجاز ذلك ~~الاتفاق، وإلا توجهت الدعوة إلى غيره وخرج الأمر من أيدي المتفقين. # وقد توفي النبي عليه السلام وليس في أصحابه الأقربين من كان يتوقع وفاته، فتركه أبو بكر ~~بعد الصلاة وهو يقول: يا نبي الله! إني أراك قد أصبحت بنعمة من الله وفضل كما نحب ~~واليوم يوم بنت خارجة، أفآتيها؟ # فأذن له النبي في الانصراف: وخرج أبو بكر إلى «السنح» حيث كان يقيم. # أما عمر فقد دهش لنعي النبي تلك الدهشة التي لم يكن لها على أهبة، ولو كان على أهبة ~~لها لقد كان الأحرى أن يؤكد الوفاة ولا يستغربها، تمهيدا لذلك الاتفاق المزعوم الذي ~~سيتلوها. # وبلغ أبا بكر وعمر أن الأنصار مجتمعون في سقيفة بني ساعدة لاختيار الخليفة منهم، فخرجا ~~إلى السقيفة على غير اتفاق بينهما أيهما الذي يخاطب القوم. فكان عمر يخشى حدة أبي بكر ~~فيهيئ في نفسه كلاما يقوله، وكان أبو بكر يخشى حدة عمر فيستمهله ويخاطب القوم قبله، ~~وليس في ذلك دليل اتفاق قديم. # وكان لقاؤهما أبا عبيدة يومئذ لقاء مصادفة في الطريق. # وجاء في رواية مشهورة أن عمر فاتح أبا عبيدة قبل ذلك فقال له: «ابسط يدك فلأبايعك. فأنت ~~أمين هذه الأمة على لسان رسول الله.» # فقال له أبو عبيدة: ما رأيت لك فهة قبلها منذ أسلمت. أتبايعني وفيكم الصديق وثاني ~~اثنين! ... # فإذا صحت هذه الرواية فهي تنفي ما قيل عن تفاهم هؤلاء الرجال الثلاثة على مبايعة أبي ~~بكر وتعاقب الخلافة بعده، وقد يكون عمر فاتح أبا عبيدة عازما على مبايعته، أو فاتحه ~~لاستطلاع ما عنده من الرأي والرغبة، فعلى كلتا الحالتين لا تفاهم من قبل على ذلك الرأي ~~ولا اتفاق. # هكذا تلقى الصحاب الأجلاء نعي النبي، وهكذا كانوا في أثناء شدة المرض عليه، فمتى كان ~~التفاهم المزعوم؟ أقبل ms012 أن يمرض رسول الله يعقل عاقل أن يجتمع صفوة أصحابه والمؤمنين ~~برسالته للتآمر على وراثته واغتنام موته؟ إن جاز في عقل عاقل هذا ، فمن أدراهم إذن أن ~~القرآن الكريم لا يوحي برأي في الخلافة غير الذي رأوه؟ ومن أدراهم إذن - سلفا - أن ~~النبي عليه السلام يفارق هذه الدنيا، ولا يوصي في أمر الخلافة بوصاة يشهدها الناس ~~عامة وتخالف ما اتفقوا عليه؟ # إن الأمر لم يكن قابلا لأن يحصل فيه غير ما حصل، بعد حسبان كل حساب، واستقصاء كل فرض، ~~وتمحيص كل رواية. # ولم يكن فيه اتفاق مدبر على صورة من الصور، وإنما هو كما قال عمر رضي الله عنه: «إن ~~بيعة أبي بكر كانت فلتة ... ألا وإن الله وقى شرها.» # وما حاجة الأمر إلى تمهيد وقد كان في غنى عن التمهيد؟ # لقد كان اختيار أبي بكر للخلافة «خيرة الواقع» الذي لا يحتاج إلى تدبير، بل يقاوم كل ~~تدبير. # فمن غير أبي بكر كانت تجتمع له شرائط كما اجتمعت له، وتتلاقى عنده الوجهات كما تلاقت ~~عنده؟ # كانت تجتمع له شرائط السن، والسبق إلى الإسلام، وصحبة النبي في الغار، والمودة ~~المرعية بين أجلاء الصحابة، ومعظمهم ممن دخلوا في الدين على يديه. # وكانت أمارات استخلافه ظاهرة من طلائعها الأولى قبل مرض النبي عليه السلام بسنوات. ~~فكان أول أمير للحج بعث به النبي عليه السلام وهو بالمدينة. # وكان ذلك سنة تسع من الهجرة، واتفق في طريقه أنه دعا إلى صلاة الصبح فسمع رغوة ناقة ~~وراء ظهره، فوقف عن التكبير وقال: هذه رغوة ناقة النبي # صلى الله عليه وسلم # الجدعاء فلعله أن ~~يكون رسول الله فنصلي معه. فإذا علي بن أبي طالب على الناقة. فسأله أبو بكر: أمير أم ~~رسول؟ قال: لا، بل رسول، أرسلني رسول الله # صلى الله عليه وسلم # ببراءة أقرؤها على الناس. # فلما قدموا مكة قام أبو بكر فخطب الناس محدثا عن المناسك، وقرأ علي سورة براءة حتى ~~ختمها، ثم كان يوم عرفة فخطب أبو بكر وقرأ علي السورة، وهكذا حتى انتهت ms013 ~~المناسك. # وكان قتال بين جماعة من الأوس، فذهب النبي عليه السلام يصلح بينهم وقال لبلال: إن حضرت ~~الصلاة ولم آت؛ فمر أبا بكر فليصل بالناس. # وأثبت البخاري عن جبير بن مطعم أن امرأة أتت النبي # صلى الله عليه وسلم # فأمرها أن ترجع إليه. ~~قالت: أرأيت إن جئت فلم أجدك ... كأنها تريد الموت. # قال: إن لم تجديني فأتي أبا بكر ... # وهذه أمارات مشهودة متفق عليها، وغيرها أمارات شتى بعضها أصرح وبعضها أحوج إلى التأويل، ~~لا ضرورة لاستقصائها؛ لأنها لا تبلغ في الجزم والتوكيد مبلغ ما قدمناه. ~~••• # واقترنت بتلك الأمارات جميعا أمارات أخرى لا تقل عنها صراحة وتواترا تدل على رغبة ~~قوية في اجتناب كل ما يثير العصبية، ويلبس الأمر على الجهلاء والمغرضين بين دعوة النبوة ~~وطلب السلطان والاستعلاء. # فلا نحسب أن محمدا عليه السلام دل بعمله وقوله ومضامين رأيه على شيء واضح مطرد كما دل ~~على هذه الرغبة القوية، ولا ظهر منه الحرص على شيء كما ظهر حرصه على تنزيه النبوة من ~~مطامع السيادة الدنيوية ومفاخر العصبيات. # فأبغض شيء كان إلى نفسه الكريمة قول من كانوا يقولون: إن النبوة تمهيد لدولة هاشمية أو ~~وراثة دنيوية. # ولهذا أثر عنه أنه لم يول أحدا من قرابته ولاية أو عمالة في مكة والمدينة أو في ~~غيرهما. # بل لهذا أصهر إلى أبي سفيان، واتخذ معاوية كاتبا للوحي، وأمر يوم فتح مكة مناديا ~~ينادي في الناس: «... من دخل المسجد فهو آمن ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن» ليمحو من نفوس ~~بني أمية حزازة العصبية بينهم وبين بني هاشم، ولا يدع في سرائرهم مجالا للظن بأنها ~~غلبة أسرة على أسرة، أو بطن من قريش على سائر بطونها. # وقال عليه السلام: «إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبه الله على وجهه ما ~~أقاموا الدين» ولم يقل «في بني هاشم» أو في بني عبد المطلب، ولو شاء لقال. # ولا ريب أنه عليه السلام لم يؤثر قريشا بالأمر يومئذ؛ لأنه يؤثر العصبية لبني قبيلته ~~وقومه، ولكنه ms014 آثرهم للحكمة السياسية البينة التي لا يسهو عنها الهداة المسئولون عن ~~مصائر الأمم في عصر من العصور. فقريش هم أصحاب السيادة في مكة وهي كعبة الإسلام وعاصمة ~~الدول الإسلامية في ذلك الحين. ولن تفلح دولة يكون أهل العاصمة فيها أول الثائرين عليها ~~والمنكرين لذويها. # ويغلب على اعتقادنا أنه عليه السلام ترك أمر الخلافة بغير وصية ظاهرة؛ لأنه علم أن ~~الخلافة منتهية إلى مثل ما انتهت إليه، ولا سيما بعد تقديمه أبا بكر للصلاة ~~بالناس. # ونص على «قريش» ولم يتجاوز ذلك؛ لأنه علم أن قريشا تتفق على مثل ما اتفقت عليه، وأن ~~الخلاف إنما يجيء - إن جاء - من جانب الأنصار أهل المدينة. فالحاجة ماسة إلى هذا ~~التخصيص لدفع الخلاف المنظور، ومع هذا التخصيص اللازم وصية مكررة بإكرام الأنصار أوصى ~~بها المسلمين بعده، وهي وصية معناها الواضح في هذا المقام أنه عليه السلام كان يترقب أن ~~تئول الخلافة إلى المهاجرين فهم الذين تتجه إليهم الوصية بإكرام مثوى إخوانهم الأنصار، ~~ولولا ذلك لما اتجهت الوصية لفريق منهما دون فريق. # ونقول: إن النبي علم بمصير الخلافة على الوجه الذي صارت إليه، لأننا لا نستطيع أن نفهم ~~أنه عليه السلام ترك هذه المسألة وهو يتوقع فيها الفشل والفتنة، ولم يبرم فيها حكما ~~يدفعهما به ما استطاع. # فإذا انحصرت الخلافة يومئذ في قريش؛ فهي صائرة إلى أبي بكر دون غيره ولا حاجة إلى تدبير ~~لن يغير مصير الأمور. # وإلا فكيف كانت الخلافة صائرة إلى غير ما صارت إليه وهي محصورة يومئذ في قريش؟ # وإلى من كانت تصير؟ # إن الذين تولوها بعد أبي بكر من صحابة النبي هم عمر وعثمان وعلي ومعاوية. فأي هؤلاء ~~كان أظهر حقا، وأقرب طريقا، وأدنى من الصديق إلى اتفاق المسلمين عليه؟ # أهو عمر؟ لقد كان أصغر من أبي بكر بنحو عشر سنين، ولم تكن له سابقة في الإسلام وفي صحبة ~~النبي، ولم تكن ألفة الناس له كألفتهم لأبي بكر، وليس هو بأقوى عصبة منه بين بطون قريش، ~~وليس هو بالذي يشغب على ms015 أبي بكر ويعصيه لطمع في الخلافة إذا تقدم إليها بل كان هو أول ~~من بايعه وحث الناس على بيعته. وقال له: أنت أفضل مني. # فقال أبو بكر: وأنت أقوى مني. # فعاد عمر يقول: وإن قوتي لك مع فضلك. # وكان هذا فصل الخطاب ومرجع الاختيار الذي لا تفويت فيه لفضل ولا قوة، ولا تضييع فيه ~~لفرصة أبي بكر التي لا فرصة بعدها. أما عمر فله بعد ذلك فرصته حين يأتي أوانها. # أفكانت تصير إذن إلى عثمان بن عفان؟ # إن عثمان رضي الله عنه أسلم على يدي أبي بكر، وقد كانت معه عصبية بني أمية وهي عصبية ~~قوية، ولكن زعامة تلك العصبية كانت في يد أبي سفيان يومذاك، ولا طريق له إلى الخلافة ~~وإن طمع فيها، وتنزه عثمان مع هذا أن يركن إلى تلك العصبية ليزاحم أبا بكر في حق لا ~~ينكره ولا ينفسه عليه. # أفكانت تصير إذن إلى علي بن أبي طالب؟! # إنما كانت تصير إليه بحجة بني هاشم وهي الحجة التي اتقاها النبي جهده كما قدمنا، وكان ~~بنو هاشم مع هذا لا يتفقون على اختيار واحد من رؤسائهم الثلاثة: العباس وعلي وأخيه ~~عقيل، ولم يكن علي بعد هذا وذاك قد جاوز الثلاثين إلا بسنوات قلائل، وهي عقبة من ~~العقبات التي لا يسهل تذليلها في أمة ترعى حق السن ومكانة الشيوخ إلا بوصية ظاهرة من ~~النبي عليه السلام. ولم تكن هناك وصية من هذا القبيل كما اتفق عليه كل سند وثيق. # أفكانت تصير إذن إلى معاوية بن أبي سفيان؟ # ما نحسب أن معاوية نفسه قام بخلده أن يرشح نفسه لخلافة النبي في تلك الآونة. ولو توافرت ~~له السن وتوافرت له الذرائع التي تقربه من ذلك الأمل لآثرت قريش بالمبايعة كل بطن من ~~بطونها غير بطن بني أمية؛ لأن الخلافة في بني أمية معناها دولة بني أمية، لاستطاعتهم ~~بالخلافة وقوة العصبية أن يفرضوا دولتهم على سائر البطون وسائر القبائل ... أما الخلافة في ~~بني تيم، رهط أبي بكر، فهي خلافة قريش كلها ومعهم ms016 جميع المسلمين، لتعذر قيام الدولة ببطن ~~واحد من البطون الصغيرة واحتياج الحاكم إلى اتفاق هذه البطون من حوله. ويقال مثل ذلك في ~~بني عدي رهط عمر، وفي سائر البطون القرشية ما عدا هاشما وأمية. # فإذا كان انتخاب أبي بكر للخلافة هو رأي قريش الذي محيد عنه، وهو نية النبي التي ~~ظهرت من أعماله وإشاراته، فما الحاجة إلى التدبير بين السيدة عائشة وأبيها، أو بين ~~الرجال الثلاثة أبي بكر وعمر وأبي عبيدة؟ ومن أين يأتي تخيل التدبير ولا موجب له من ~~الفروض ولا من الإسناد؟ # ربما كان الدليل الذي هو أقطع من كل دليل على نفي التدبير المزعوم أن تقدر أن ~~التدبير لم يحصل قط فماذا كان يحصل بعد امتناعه، أكان يقع في مسألة الخلافة شيء غير الذي ~~وقع؟ وما هو؟ وما حيلة التدبير في منعه؟ # فإن كان الجواب أن التدبير وترك التدبير يستويان. وأن الحاجة إليه لا تخطر على بال ~~عاقل، ففي ذلك غنى عن الأدلة الأخرى التي تنقضه وتلقي به في مراجم الظنون ~~والأوهام. # نظر النبي إلى ذلك كله بالبصيرة الثاقبة التي تكشف له ما لا ينكشف لغيره، فسكت بالقدر ~~اللازم، وأشار بالقدر اللازم، وعلم أنه قد أشار بما فيه الكفاية، وأن ما زاد على ذلك فهو ~~زيادة على الكفاية. # وما نشك لحظة في أنه عليه السلام قد أحاط بكل ما يحاط به هذه المسالة خلال مرضه وقبل ~~مرضه، وقد اطمأن إلى كل ما يوجب الاطمئنان في تقديره، وأنه لو رأى حاجة إلى المزيد من ~~التصريح بالقول القاطع لصرح وقطع بالقول، لأننا لا نستطيع أن نفهم أنه عليه السلام يترك ~~الإسلام والمسلمين عرضة للفشل والفتنة، ثم لا يدفع ذلك بما في وسعه. فاكتفاؤه بما صنع هو ~~الدليل على علمه بما سيحدث واستغنائه عن المزيد من التدبير. # وقد نظر عليه السلام - ولا ريب - إلى كل ما يستحق النظر في مسألة الخلافة وهو يرشح لها ~~أبا بكر ذلك الترشيح الأبوي الذي يؤنس بالرأي ولا يقحمه على القلوب. # نظر إلى حق أبي ms017 بكر كما نظر إلى مصلحة المسلمين. # فحق أبي بكر في قيامه مقام النبي ظاهر، ما فيه خلاف، ولا موجب لتخطيه إلى غيره على وجه ~~من الوجوه. # ومصلحة المسلمين في ولايته راجحة في كل حساب؛ لأن المسلمين كانوا يومئذ أحوج إلى عهد ~~يكون امتدادا لعهد النبي حتى يحين وقت التوسيع والتصرف، وأحوج إلى ألفة غير مخشية ولا ~~منفوسة تعوضهم من طاعتهم للنبي بتعاونهم بينهم على النصيحة والمودة. وكل أولئك ميسور ~~لأبي بكر قبل تيسره لغيره من جلة الصحابة الأقربين. فهو في حرص شديد على الاقتداء ~~بالنبي، حرفا حرفا، وخطوة خطوة، لن يكون عهده إلا امتدادا للعهد النبوي حتى تتغير ~~الأحوال فتأذن بالتغيير، وهو في ألفته واجتماع القلوب إليه خير من يخلف الطاعة بالمودة ~~ويعالج الفرقة والانقسام بالرفق والتؤدة، فإن جد ما يدعو إلى التصرف أو يدعو إلى الشدة؛ ~~فهناك الأعوان المخلصون له وللدين، وهناك المشيرون الذين يقلبون الرأي على جميع ~~الوجوه: فضله مع قوتهم وقوته مع فضلهم، نعم العون ونعم الكفيل باجتماع أسباب الحول ~~والحيلة، كما ألمع إلى ذلك عمر بن الخطاب. # ثم حانت الساعة التي تهيأت لها مشيئة القدر وتهيأت لها مشيئة الناس على ذلك النحو ~~المستقيم. # فتم في يوم واحد كل ما ينبغي أن يتم في يوم. # ولاح للوهلة الأولى أن الخطر عظيم، وأنه موشك أن يعصف بكل شيء، وأن يخرج على كل ~~سواء. # إذ اجتمع الأنصار يتحدثون بحقهم في الخلافة دون المهاجرين، وهمت الفتنة أن تنطلق بغير ~~عنان في طريق لا تعرف عقباه، ولكنها فتنة مكبوحة قدر لها ألا تقوى على الانطلاق من ~~باب السقيفة التي نجمت فيها. # فكان سعد بن عبادة زعيم القوم مريضا لا تؤاتيه في ذلك اليوم حركة النفس التي لا غنى ~~عنها في ذلك المقام؛ لأنها تعدي بالهيبة والثقة من يستمعون إليه. فحملوه من بيته إلى ~~السقيفة وهو لا يملك زمام عزمه ولا يقدر على الكلام، فجعل يخاطبهم بلسان القريبين منه، ~~وجعلوا يصغون إليه إصغاءهم إلى مريض يشعرون بضعفه، لا إلى زعيم يشعرون بقوته ms018 ~~وبأسه. # وكان القوم فريقين متنافسين منذ زمن قديم، وهم الخزرج والأوس وبينهما ملاحاة دائمة ~~تهون معها كل ملاحاة بين الأنصار والمهاجرين. # وكانت يقظة عمر وأصحابه أسرع من فتنة القوم. فبلغوا السقيفة في إبانها وعالجوا الأمر ~~حق علاجه، وقال كل منهم كلمة كانت أنفذ من سهم وأقهر من جيش. قال أبو بكر: «إن هذا الأمر ~~إن تولته الأوس نفسته عليهم الخزرج، وإن تولته الخزرج نفسته عليهم الأوس، ولا تدين ~~العرب لغير هذا الحي من قريش ... نحن الأمراء وأنتم الوزراء لا تفتاتون بمشورة، ولا تقضى ~~دونكم الأمور.» # وقال عمر: «إن العرب لا تمنع أن تولي أمرها من كانت النبوة فيهم وولي أمورهم ~~منهم.» # وقال أبو عبيدة: «يا معشر الأنصار! كنتم أول من نصر وآزر؛ فلا تكونوا أول من بدل ~~وغير.» # ونادى أبو بكر القوم: هذا عمر وهذا أبو عبيدة فأيهما شئتم فبايعوه. # فقال عمر وقال أبو عبيدة مثل مقالته: «لا والله! لا نتولى هذا الأمر عليك، فإنك أفضل ~~المهاجرين، وثاني اثنين إذ هما في الغار، وخليفة رسول الله على الصلاة، والصلاة أفضل دين ~~المسلمين، فمن ذا الذي ينبغي له أن يتقدمك أو يتولى هذا الأمر عليك. # ابسط يدك نبايعك.» # فبايعه زعيم من الأوس، بشير بن سعد، وهو يقول: «كرهت أن أنازع قوما حقا جعله الله ~~لهم.» # وقال النقيب أسيد بن حضير: «والله لئن وليتها الخزرج عليكم مرة لا زالت لهم عليكم ~~بذلك الفضيلة، ولا جعلوا لكم معهم نصيبا أبدا فقوموا بايعوا ...» # وبايع عمر وأبو عبيدة فكأنما بايع المهاجرون معهما، ولم يبق للخزرج الحاضرين عزم خلاف، ~~فتزاحموا على البيعة حتى أوشكوا أن يطئوا زعيمهم المريض، وماتت الفتنة في مهدها؛ لأنها ~~ولدت بعلة الموت. # ولدت بعلة الموت فماتت وما اصطدمت بأكثر من ثلاثة رجال، لم يستعدوا لها بأكثر من ~~استعداد الساعة. بل لعلهم أفلحوا في القضاء عليها؛ لأنهم كانوا أولئك الثلاثة بعينهم ولم ~~يكونوا جمعا حاشدا من المهاجرين المناظرين فلاحوا للقوم هداة ينصحون ولم يلوحوا غزاة ~~يقتحمون، وكان ذلك أدعى أن يستمعوا إليهم كما ms019 يستمعون إلى الضيف الناصح دون أن تثار فيهم ~~نخوة الغاضب لذماره، المطروق عليه في عقر داره. # ولو أن سعد بن عبادة كان صحيحا غير مريض، وكان الأنصار حزبا واحدا غير منقسم، وكان ~~المهاجرون الثلاثة متخلفين عن الموعد الحاسم، أو كانوا غير أبي بكر وعمر وأبي عبيدة، أو ~~كانوا جمعا كثيرا يحفز العداء والمقاومة، لجاز أن يتغير مجرى الأمور وأن يكون ~~للتاريخ الإسلامي شأن غير شأنه الذي عرفناه. # ولكننا نخطئ كثيرا إذا نسينا فضل الأنصار أنفسهم فيما صارت إليه الأمور، فقد كانت لهم ~~فيه مشيئة مستورة إن لم نقل مشيئة ظاهرة. # كانوا على الأرجح يقضون حق المجاملة لسعد بن عبادة، ولا ينوون الزيادة أو يجدون في ~~الكفاح لانتزاع الخلافة: كانوا مسلمين قبل كل شيء ولم يكونوا طلاب ملك قبل كل شيء، ~~وكانوا يحسون ما أحسه المسلمون جميعا؛ إذ قالوا: إن النبي قد ائتمن أبا بكر على الدين ~~بتقديمه للصلاة فكيف لا يؤتمن على الدنيا؟ # وكانوا يعلمون أن المهاجرين مقدمون في القرآن على الأنصار: # والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين ~~اتبعوهم بإحسان ~~[التوبة: 100]. فلم يكن إيمانهم بحقهم في الخلافة ~~إيمان من يغضب لفواتها ويستميت في طلبها، ولم يكن حرصهم على السلطان أشد من حرصهم على ~~الدين ومصلحة المسلمين، ولم يكن أملهم فيها إذا نازعتهم قريش عليها بالأمل الذي يطغى على ~~كل تفكير، فما هو إلا أن أشار بعضهم إلى منازعة المهاجرين حتى قالوا: «منا أمير ومنهم ~~أمير» قبل أن تستفيض بينهم حجج المهاجرين. ثم تمت البيعة فلم يعودوا إلى تمحل الأسباب ~~للخروج على صاحب الأمر كما يفعل كل حريص على السلطان لجوج فيه. # فهم ولا ريب أصحاب مشيئة فيما صارت إليه الأمور، على هذا النحو من المشيئة التي قد ~~يجهلها صاحبها وهي حاضرة. # وهم ولا ريب إخوان يطلبون حقا في الإرث المشروع إن ثبت لهم حق فيه، وليسوا بأعداء ~~ينظرون إلى أسلاب العدو ويستحقونها بالغلبة عليها، كائنة ما كانت ذريعتهم إليها من حق أو ~~باطل. # على أنهم لو كانوا غير ذلك وكان ms020 نزاعهم إلى السلطان نزاعا طاغيا لا يبالون فيه ~~بالحقوق والحرمات لبطل في هذا النزاع كل تدبير سابق لأبي بكر وصاحبيه، ولكان مآل الفتنة ~~إلى حكم الواقع الذي لا تغني فيه الخطط السابقة ولا العظات البالغة؛ إذ قصارى التدبير من ~~أبي بكر وصاحبيه أن يجمعوا حولهم كلمة قريش ورؤسائها وبطونها، فأما أن يخضعوا بالتدبير ~~من لا يخضع لغير السيف، وأن يدفعوا بالاتفاق بينهم ما ليس له دافع، فذلك هو المحال ~~بعينه، أو ذلك هو الاتفاق على أناس خارجين من نطاق الاتفاق. # وصفوة القول أن خلافة أبي بكر كانت نتيجة لكل مقدمة سبقتها من فعل الحوادث، أو من فعل ~~أحد عامد أو غير عامد. # وغير هذه الخلافة ما كان ليكون، إلا الفتنة التي لا يجدي فيها اختيار هذا ولا اختيار ~~ذاك. ولا يغني فيها تدبير ولا تقدير. # ولسنا نحب أن يفهم من هذا أن أحدا من كبار الصحابة كان يعاف الخلافة ولا يسره أن ~~يختار لهذا المقام العظيم، وأن يراه الناس أهلا للاضطلاع بعبئه الجسيم. فخلافة النبي ~~شرف لا يأباه أحد يحبه ويعظمه ويتتبع خطاه، وأقل من هذا المقام الأسنى كان حقيقا عند ~~الصحابة أن يستشرفوا له، ولا يكتموا طموحهم إليه. # جاء أهل نجران إلى النبي عليه السلام فقالوا: «ابعث لنا رجلا أمينا.» # فقال: «لأبعثن إليكم أمينا حق أمين» فاستشرف لها الناس، فبعث أبا عبيدة بن ~~الجراح. # وروى أبو بكر هذه القصة حيث قال: «قدم إلينا وفد نجران فقالوا: يا محمد ابعث لنا من ~~يأخذ لك الحق ويعطيناه.» # فقال: «والذي بعثني بالحق لأرسلن معكم القوي الأمين» فما تعرضت للإمارة غيرها. فرفعت ~~رأسي لأريه نفسي، فقال: قم يا أبا عبيدة. # ولقد ساء أبا بكر بعد مبايعته الأولى أن ينقبض أناس عنه فظهر منه الاستياء حيث قال: ~~«أيها الناس! ألست أحق الناس بها؟ ألست أول من أسلم؟» # وغير ذلك - أيضا - لم يكن ليعقله العقل ولا بالذي يجمل بالكريم، فكل رجل كريم يسوءه أن ~~ينقبض أناس عنه وهو جدير منهم بغير الانقباض. # ولكن الغبطة بالخلافة ms021 شيء والاحتيال لها بالحيلة والدسيسة شيء آخر، فهذا الذي ننكره؛ ~~لأننا لم نجد دليلا واحدا عليه، ووجدنا أدلة كثيرة على نقيضه. # كذلك دبر أبو بكر وأصحابه كل ما يحمد تدبيره بعد قيامه بالخلافة لتوطيد أركانها وحماية ~~الإسلام غوائل عصيانها والتمرد عليها، وجهدوا أن يفرقوا كل اجتماع يخشون مغبته على ~~وحدة المسلمين؛ فاقترحوا على العباس بن عبد المطلب أن يجعلوا له نصيبا يكون له ولعقبه ~~من بعده ليمنعوا الاتفاق بينه وبين علي ابن أخيه، إن سعى إليهما من يسعى إلى التأليب ~~والتخريب، كما هم أبو سفيان أن يفعل باسم البطون القوية في قريش: بني هاشم وبني أمية، ~~وصنع أبو بكر وأصحابه نظائر ذلك في سبيل الوحدة العربية والجماعة الإسلامية، ولكن الذي ~~صنعوه هو التدبير الواجب الذي لا يضير، وقد يكون في تركه ضير كبير. # لقد كان أبو بكر الخليفة الأول لأنه كان الصديق الأول، ولأن شروط الخلافة التي اجتمعت ~~له لم تجتمع لأحد غيره، وليس له من منازع فيها بين أهل عصره؛ ولأن المزايا التي قد ~~يرجحه بها أنداده وقرناؤه لا تضيع على الإسلام بولايته عليهم ومعونتهم إياه. # فكان اختياره أصح اختيار عرف في تاريخ الولاية، وكانت التوفيقات فيها غنية عن التدبير ~~والتمهيد. # فإن لج بعض المكابرين مع هذا في دعوى التدبير فأنعم به تدبيرا ينقطع به الخلاف، ~~ويتم به أصح استخلاف. # الفصل الثالث # | صفاته # كان أبو بكر في جملة ما وصفوه به أبيض تخالطه صفرة، وسيما، غزير شعر الرأس، خفيف ~~العارضين، ناتئ الجبهة، غائر العينين معروق الوجه، نحيفا مسترخي إزاره عن حقويه ~~حمش الساقين، ممحوص الفخذين خفيف اللحم في سائر جسمه. # وكان أجنأ - أي منحني القامة - وقيل في وصف آخر: إنه حسن القامة لا يلحظ عليه انحناء، ~~ولعله كان كذلك أيام الشباب، ولم يرد في أخباره وصف قاطع عن الطول والقصر، ولكنه على ما ~~يؤخذ من بعض تلك الأخبار كان أميل إلى القصر، ولا سيما أخبار الهجرة مع النبي عليه ~~السلام. # فقد جاء في خبر الهجرة أن النبي عليه السلام ms022 «كان على بعير، وأبو بكر على بعير، وعامر ~~بن فهيرة على بعير، فكان رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يثقل على البعير فيتحول عنه إلى بعير أبي ~~بكر، ويتحول أبو بكر إلى بعير عامر، ويتحول عامر إلى بعير رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~...» # فكان هو أخف من عامر بن فهيرة، وكان عامر بن فهيرة أخف من رسول الله عليه ~~السلام. # وكان رسول الله كما علمنا من وصفه ربعة في الرجال فوق القصير ودون الطويل، ولم يكن ~~بين الامتلاء، بل معتدلا لا إلى السمن ولا إلى النحافة، فلو كان أبو بكر رضي الله عنه ~~أطول من الربعة لما كان أخف كثيرا من رسول الله، وأخف كذلك من عامر بن فهيرة، بحيث ~~يظهر الفرق بينه وبينهما في حركة البعير الذي يتعاقبون ركوبه. # أما صفاته الخلقية فقد اتفقت فيها أقوال واصفيه، ودلائل أعماله في الجاهلية والإسلام، ~~فكان أليفا ودودا حسن المعاشرة، وكان مطبوعا على أفضل الصفات التي تتألف له الناس ~~فيألفونه، ومنها التواضع، ولين الجانب. فلم يتعال على أحد قط في جاهليته ولا في إسلامه، ~~وكان في خلافته أظهر تواضعا منه قبل ولايته الخلافة. فإذا مدحه مادح قال: اللهم أنت ~~أعلم مني بنفسي، وإذا سقط منه خطام ناقته وهو راكب نزل منها ليأخذه، ولم يأمر أحدا ~~بمناولته إياه. وبلغ من بغضه الخيلاء أنه كان يبغضها حتى حيث يغتفرها الناس من ربات ~~الحجال. فدخل يوما على السيدة عائشة رضي الله عنها وهي تمشي وتنظر إلى ذيل ثيابها فقال: ~~يا عائشة! أما تعلمين أن الله لا ينظر إليك الآن؟ قالت: ومم ذلك؟ قال: أما علمت أن العبد ~~إذا دخله العجب بزينة الدنيا مقته ربه عز وجل حتى يفارق تلك الزينة؟ فلما نزعت تلك ~~الزينة التي أعجبتها فتصدقت بها قال: عسى ذلك يكفر عنك. # ولم يكن تألفه الناس محض مجاملة باللسان مما يستهله معظم المشهورين بالتودد والمجاملة، ~~ولكنها كانت ألفة النجدة والكرم والسخاء، فكان كما قال ابن الدغنة لقريش، وقد هم أبو ~~بكر أن هجر ms023 بلده: «أتخرجون رجلا يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف، ~~ويعين على نوائب الحق؟» # فهو ودود كريم لا يضن بماله وجاهه في سبيل الكرم والسخاء. # ومع هذه المودة وهذه الألفة كانت فيه حدة يغالبها، ولا يستعصي عليه أن يكبح جماحها. ~~ووصف بها نفسه ووصفه بها أقرب الناس إليه وأصدقهم في وصفه. فقال في خطبة من أوائل خطبه ~~بعد مبايعته: «... اعلموا أن لي شيطانا يعتريني فإذا رأيتموني غضبت فاجتنبوني ...» # وقال عمر بن الخطاب: «وكنت أداري منه بعض الحد - أي الحدة - وذلك حين أعد كلاما يقوله ~~في سقيفة بني ساعدة، مخافة أن يحتد أبو بكر في ذلك المقام.» # وسئل عنه ابن عباس فقال: «كان خيرا كله على حدة كانت فيه.» # إلا أنها كانت حدة تنم على سرعة التأثر فيه، فإذا لم تكن غضبا يغالبه ويكبحه فهو سريع ~~التأثر إلى الرحمة والرفق في جملة أحواله، يميل إلى الحزن والأسى ويعطف على الحزين ~~والأسوان، أو كان كما وصفته عائشة رضي الله عنها: «غزير الدمعة، وقيذ الجوانح، شجي ~~النشيج» ... «أسيفا متى يقم مقامك - تخاطب رسول الله - لا يسمع الناس.» ~~••• # وكان في جاهليته وإسلامه وقورا جميل السمت يغار على مروءته ويتجنب ما يريب، فلم ~~يشرب الخمر قط؛ لأنها مخلة بوقار مثله، وسئل: لم كان يتجنبها في الجاهلية. فقال: ~~«كنت أصون عرضي وأحفظ مروءتي، فإن من شرب الخمر كان مضيعا في عقله ومروءته»، ومن ~~مروءته أنه كان يتقي كل ما يورده موارد الشبهات. دعاه رجل في الجاهلية أن يستصحبه لحاجة ~~يعينه عليها، فرآه يمر في طريق غير التي يمر منها فسأله: أين تذهب هذه الطريق؟! ... قال ~~الرجل: إن فيها أناسا نستحي منهم أن نمر عليهم. قال رضي الله عنه: تدعوني إلى طريق ~~نستحي منها؟ ما أنا بالذي أصاحبك. # وكان لمروءته يتحاشى السقط من الكلام، فلا يتكلم إلا أن يدعوه داع إلى قولة خير فيقولها ~~إذن ويصدق في مقاله. ومن وصاياه لبعض عماله: «إذا وعظتهم فأوجز فإن كثير الكلام ينسي ~~بعضه بعضا.» # وقد اشتهر بالصدق في الجاهلية ms024 والإسلام، فكان «ضامن» قريش المقبول الضمان. لا يعد أحدا ~~إلا وفى وصدق الدائن والمدين. ووكلت إليه الديات والمغارم فلم يكن يحمل شيئا منها إلا ~~اطمأن إليه الناس، فإن احتملها أحد غيره خذلوه ولم يصدقوه. # وما امتحن صدقه بشيء إلا كان صدقه أثبت وأقوى. فخطب رسول الله ابنته عائشة حين ذكرتها ~~له خولة بنت حكيم. وكان المطعم بن عدي قد خطبها قبل ذلك لابنه، فقال أبو بكر لزوجه أم ~~رومان: «إن المطعم بن عدي قد كان ذكرها على ابنه، والله ما أخلف أبو بكر وعدا قط ...» ثم ~~أتى مطعما وعنده امرأته، فسأله: ما تقول في أمر هذه الجارية؟ فأقبل الرجل على امرأته ~~ليسألها: ما تقولين؟ فأقبلت هي على أبي بكر تقول: لعلنا إن أنكحنا هذا الصبي إليك تصبئه ~~وتدخله في دينك الذي أنت عليه. فلم يجبها أبو بكر وسأل المطعم بن عدي: ما تقول أنت؟ فكان ~~جوابه: أنها تقول ما تسمع. # فتحلل أبو بكر عند ذلك من وعده، ولم يتحلل منه قبل ذلك على ما في نسب الرسول من شرف، ~~وما في قلبه من إعزاز له يفوق كل إعزاز. # وكانت شجاعته كفاء صدقه ووفائه بوعده: سواء منها شجاعة الرأي وشجاعة القتال. فلما أسلم ~~لم يبال أن يعلن إسلامه وأن يجهر بصلاته ودعائه، يصيبه في ذلك ما يصيب، ولما وجب القتال ~~كان هو أقرب المقاتلين إلى رسول الله في كل غزوة وكل مأزق من مآزق الجلاد، وانهزم كثير ~~من الشجعان في بعض الملاحم الحازبة، ولم تذكر له قط هزيمة في ساعة من ساعات الشدة، ولا ~~ثبت نفر قط حيث يصعب الثبات إلا كان هو بين أول الثابتين. ولم تكن وقعة قط أشد على ~~المسلمين من وقعتي أحد وحنين، ولى فيهما من ولى، واستشهد من استشهد، وتردد في صفوف ~~العسكرين أن الرسول عليه السلام كان بين المستشهدين. فذعر الضعيف وقال القوي: ما تصنعون ~~بالحياة بعده؟ فموتوا على ما مات عليه رسول الله. # ففي وقعة أحد - أشد هاتين الوقعتين - كان أبو بكر في طليعة ms025 الثابتين، ونظر إلى حلقة من ~~درع قد نشبت في جبين صديقه وصفيه ونبيه فشغله أن يصاب هذا المصاب، وانكب عليها لينزعها، ~~لولا أن أقسم عليه أبو عبيدة ليسبقنه هو إلى نزعها، فجذبها بثنيته جذبا رفيقا حتى ~~نزعها وسقطت ثنيته. ~~••• # وعلى هذا الحظ الوافر من المزايا الخلقية كان له قسط محمود من المزايا العقلية التي ~~يمتاز بها ذوو الأقدار من أهل زمانه، فقيل فيه وفي صاحبه أبي عبيدة: إنهما «داهيتا ~~قريش.» وأثر عنه أنه كان أسرع الناس إلى الفطنة لما يوحي به النبي عليه السلام بالتلميح ~~دون التصريح. ومما جاء في الحديث الشريف عن علمه وفطنته أنه عليه السلام قال: كأني أعطيت ~~عسا مملوءا لبنا فشربت منه حتى امتلأت، فرأيتها تجري في عروقي بين الجلد واللحم، ~~ففضلت منها فضلة فأعطيتها أبا بكر. قالوا: يا رسول الله! هذا علم أعطاكه الله، حتى إذا ~~امتلأت فضلت فضلة أعطيتها أبا بكر. قال # صلى الله عليه وسلم ~~: «قد أصبتم.» ~~••• # وكان لأبي بكر حظ وافر من الملكة الروحية إلى جانب ما عنده من هذه الملكة الذهنية، وتلك ~~الملكة الخلقية، ونعني بالملكة الروحية ما نسميه اليوم بيقظة الضمير. # ومناط الضمير أن يرعى الإنسان حق غيره، وأن يحسن ولا يسيء وهي خصلة كانت ملحوظة في ~~أبي بكر من أيام الجاهلية قبل أن يدين بالدين الذي يأمر بالخير وينهي عن الشر، ويدعو إلى ~~اتباع الحق واجتناب الباطل. فلما جاء هذا الدين بنى منه على أساس قديم، وبلغت به نفسه ~~قصارى ما تبلغه نفس طيبة من رعاية حقوق الناس: ومن كلف بالخيرات وسخط على الشرور. # قال ربيعة الأسلمي: «جرى بيني وبين أبي بكر كلام فقال لي كلمة كرهتها وندم، فقال: يا ~~ربيعة! رد علي مثلها حتى يكون قصاصا. قلت: لا أفعل! قال: لتقولن أو لأستعدين عليك ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~. فقلت: ما أنا بفاعل. فانطلق أبو بكر وجاء أناس من أسلم فقالوا لي: ~~رحم الله أبا بكر، في أي شيء يستعدي عليك وهو الذي قال لك ما قال؟ ms026 فقلت: أتدرون من هذا: ~~أبو بكر الصديق؟ هذا ثاني اثنين، وهذا ذو شيبة في الإسلام. إياكم لا يلتفت فيراكم ~~تنصروني عليه فيغضب، فيأتي رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فيغضب لغضبه، فيغضب الله لغضبهما فيهلك ~~ربيعة، وانطلق أبو بكر وتبعته وحدي حتى أتى رسول الله فحدثه الحديث كما كان، فرفع إلي ~~رأسه فقال: يا ربيعة! ما لك والصديق؟ قلت: يا رسول الله، كان كذا وكذا، فقال لي كلمة ~~كرهتها، فقال لي: قل كما قلت حتى يكون قصاصا فأبيت. فقال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: أجل لا ~~ترد عليه، ولكن قل: قد غفر الله لك يا أبا بكر ...» # وهو يكره أن يسيء؛ لأنه يكره أن يساء، ويعلم ما توقعه الإساءة في النفس من ألم ~~يغلبها على الحلم والأناة حتى في المحضر الذي تراض فيه على غاية الحلم وغاية ~~الأناة. # بينما رسول الله جالس ومعه أصحابه وقع رجل بأبي بكر فآذاه، فصمت عنه. ثم آذاه ~~الثانية فصمت عنه. ثم آذاه الثالثة فانتصر منه. فقام رسول الله حين انتصر أبو بكر. فقال: ~~أوجدت علي يا رسول الله؟ فقال رسول الله: نزل ملك من السماء يكذبه بما قال، فلما ~~انتصرت وقع الشيطان. # ولا شك أنه درس من الدروس النبوية يداوي به نوازع الحدة في صاحبه الأمين؛ لأنه كان ~~يهيئه لأمر عظيم: أمر ينبغي لمن تولاه أن تؤلمه إساءته إلى الناس فوق ألمه لإساءة الناس ~~إليه. # ومن يقظة الضمير فيه أنه لم يطق أن تستقر في جوفه لقمة يشك في مأتاها؛ فكان له مملوك ~~يغل عليه، فأتاه ليلة بطعام فتناول منه لقمة. قال المملوك: ما لك كنت تسألني كل ليلة ولم ~~تسألني الليلة؟ قال: حملني على ذلك الجوع ... من أين جئت بهذا؟ فأنبأه المملوك أنه مر ~~بقوم كان يرقي لهم في الجاهلية فوعدوه، فلما أن كان ذلك اليوم مر بهم فإذا عرس لهم ~~فأعطوه ذلك الطعام! # قال الصديق: إن كدت لتهلكني. # وأدخل يده في حلقه فجعل يتقيأ - وجعلت اللقمة لا تخرج - فقيل له: إن ms027 هذه لا تخرج إلا ~~بالماء ... # فدعا بطست من ماء فجعل يشرب ويتقيأ حتى رمى بها. # قيل له: يرحمك الله! كل هذا من أجل لقمة؟ فقال: لو لم تخرج إلا مع نفسي ~~لأخرجتها. # وما نحسب أن يوما مر به دون أن يطيع فيه دواعي الإحسان، وسليقة البر والمودة سئل عنها ~~أو لم يسأل. # فكان من عادة النبي عليه السلام أن يسأل أصحابه حينا بعد حين عما ابتدروه من الخيرات ~~فلا يكتموه شيئا لأنه يسأل ويريد أن يجاب، ليتبع جوابهم عظة من العظات، أو يعقبه بحديث ~~يؤثرونه عنه. # صلى النبي الصبح ذات يوم فلما قضى صلاته سأل: أيكم أصبح اليوم صائما؟ # قال عمر: أما أنا يا رسول الله فقد بت لا أحدث نفسي بالصوم، وأصبحت مفطرا. # وقال أبو بكر: أنا يا رسول الله، بت الليلة وأنا أحدث نفسي بالصوم، فأصبحت ~~صائما. # ثم سأل النبي: أيكم عاد اليوم مريضا؟ # قال عمر: إنما صلينا الساعة ولم نبرح، فكيف نعود المريض؟ # وقال أبو بكر: أنا يا رسول الله. أخبروني أن أخي عبد الرحمن بن عوف مريض وجع، فجعلت ~~طريقي عليه، فسألت عنه، ثم أتيت المسجد. # ثم سأل النبي: فأيكم تصدق اليوم بصدقة؟ # قال عمر: يا رسول الله. ما برحنا معك مذ صلينا فكيف نتصدق؟! # وقال أبو بكر: أنا يا رسول الله، دخلت المسجد، فإذا سائل يسأل وابن لعبد الرحمن بن أبي ~~بكر معه كسرة خبز، فأخذتها فأعطيتها السائل. # فقال النبي: فأبشر بالجنة. أبشر بالجنة! # لا جرم يقول عمر: ما سبقت أبا بكر إلى خير قط إلا سبقني إليه. # ولا جرم يقول علي: هو السباق. والذي نفسي بيده ما استبقنا إلى خير قط إلا سبقنا ~~إليه أبو بكر. ~~••• # لقد وصف لنا الصديق بأوصاف نستطيع أن نعيدها اليوم بما ألفناه من أساليب العصر فنراها ~~على وفاق لحقائق تلك الأوصاف ودلالاتها، وذلك أبين البينات عن صدق ما وصفوه به في ~~الجاهلية أو الإسلام. # فمن جملة الملامح والسمات التي وصف بها يتبين لنا أنه كان من أصحاب المزاج العصبي ms028 ~~الناشئين في وراثة كريمة. فهو عصبي كريم النزعات والطوايا. # ولا يندر في أصحاب هذا المزاج أن يتميزوا بحدة الذكاء وسرعة التأثر والطموح إلى المثل ~~العليا والحماسة لما يعتقدونه، والتعلق بما يؤمنون به ويصدقونه، والتقدم في العقائد ~~والدعوات. # بل هذا هو الغالب فيهم، كما نشاهد اليوم في كل دعوة دينية أو اجتماعية أو سياسية، لن ~~تخلو من أناس في مزاج أبي بكر وخلائقه الجسدية والنفسية، ينصرونها ويتشبثون بها ويؤمنون ~~بدعاتها ولا ينكصون عن سبيلهم أو سبيلها. # وإذا كان الرجل من بيت من بيوت الشرف والوجاهة فشأنه - إذ يكون على هذا المزاج - أن ~~يعتصم بالوقار ودواعيه، وأن يستزيد من خلائق الصدق والمروءة التي ركبت فيه. # ولم يكن أبو بكر على ما علمنا صاحب «الشخصية الباطشة» التي تروع الناظر إليها لأول ~~وهلة. # ولم تكن سيادة بيته سيادة جبارين يملكون الناس بالبأس والسطوة. # فسبيله إذن أن يعتصم بصدقه ومروءته ليحفظ بهما كرامة الشرف الذي ينتمي إليه، وأن يستزيد ~~من ذلك الصدق وتلك المروءة بما يزيدهما في التمكين ويملي لهما في الثبات والرسوخ، وأن ~~يتجنب فلتات الطبع واللسان ويتنزه عن كل مخل بالوقار مزر بالصيان؛ لأن وقاره وصيانه ~~هما الحجاز القائم بينه وبين كل مهانة واستخفاف، ولو كان باطش المظهر أو باطش السيادة ~~لقد يستغني عنهما بعض الاستغناء في بعض الأحيان. أما وهو بعيد من البطش في مظهره وسيادته ~~فليس من شأنه أن يغفل عن سمت الوقار والمروءة طرفة عين. # وقد عرف الصديق بالحدة وهي أيضا من خلائق هذا المزاج التي يغالبها من يحرصون على ~~وقارهم ومروءتهم أن يستهدفا لجرائر الحدة أو يندفعا في غير عمل حميد. # إلا أن يمس الرجل فيما هو من أخص الخصائص التي يقوم عليها مزاجه وتستقيم عليها عاداته ~~وسماته فعندئذ تعسر المغالبة وتبرز الحدة من مكمنها، وهي على حق إذن في بروزها. # لهذا نرجع إلى حوادث أبي بكر في الحدة والصرامة على خلاف عادته من الرحمة والألفة، فإذا ~~هي كلها مما يمس الصدق والتصديق أو يمس الإيمان، أو يجري مجرى ms029 الاستهزاء الذي يمس ~~الوقار. # بلغ أقصى ما بلغ من غضب وحدة في عقاب الفجاءة بن إياس بن عبد ياليل، وبقي طوال حياته ~~يندم على حدته في ذلك العقاب ... # وماذا صنع الفجاءة حتى هاج منه تلك الحدة التي كان يغالبها أقوى مغالبة؟ أثاره في مكمن ~~الثورة فيه ... # كذبه الأمانة، وخدعه وخدع المسلمين، وقتل من قتل من الآمنين، وقلما غضب إنسان كما يغضب ~~الصادق لصدقه المخدوع، ولا سيما الخديعة التي فيها غدر وسفك دماء. # جاءه يطلب سلاحا ليحارب به المرتدين، فأخذ السلاح وحارب به المسلمين الآمنين، وعاث في ~~الطريق ينهب ويسلب ويهدر الدماء، فلما وقع في الأسر لم يجزئه عنده إلا أن يقذف به في ~~النار. # وجاء له رجل من أحبار اليهود اسمه فنحاص في الآية: # من ذا ~~الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا ~~كثيرة ~~[البقرة: 245]، فقال فنحاص مستهزئا بالله والنبي: «لو كان عنا ~~غنيا ما استقرضنا أموالنا كما يزعم صاحبكم. ينهاكم عن الربا ويعطيناه!» # هذا هو الاستهزاء. # وهذا هو المساس بالإيمان. # وكلاهما لا يطيقه الرجل المؤمن الوقور وتغلبه فيه الحدة إن هو غلبها في غير ذلك من ~~الأمور. # ولقد عاش أبو بكر ما عاش أليفا مؤلفا لقومه، محبا محبوبا فيمن حوله، رحيما ~~بالغرباء فضلا عن الأبناء، إلا أن هذا الرجل الرحيم الأليف نهض إلى مبارزة ابنه ودعا ~~عليه بالهلاك حين شهد الحرب مع المشركين، ورأى البر به - غاية البر - أن ينهض هو ~~لمبارزته ولا يدعه لأحد غيره من المسلمين. # كان ذلك يوم بدر، وكان ابنه عبد الرحمن من أشجع الشجعان بين العرب، ومن أنفذ الرماة ~~سهما في قريش. فتقدم الصفوف يدعو إلى البراز، وقام أبوه يجيب دعوته، لولا أن استبقاه ~~النبي عليه السلام، وهو يقول له: متعني بنفسك. # ولما أسلم عبد الرحمن قال لأبيه: لقد أهدفت لي يوم بدر فضفت عنك - أي عدلت عنك - ~~ولم أقتلك، فقال أبوه: لكنك لو أهدفت لي لم أضف عنك. # وهكذا نعلم أين تبدر الحدة وأين تبدر الصرامة من خليقة أبي بكر المسالم الوديع، ms030 فحيثما ~~روى راو أنه احتد أو اشتد؛ فلنعلم عن يقين أن في الأمر شيئا يمس التصديق والإيمان، أو ~~يمس المروءة والوقار، فلا تأتي الحدة أو الشدة يومئذ في غير موضعها من الطبيعة التي ولد ~~بها ومرن عليها. # رجل له خصائص المزاج العصبي في البنية الدقيقة. # ورجل من عنصر كريم وأرومة طيبة. # ورجل له قدم في السيادة واعتصام بالوقار والمروءة. # فكل ما روي عنه فهو موافق لهذه الخصال، منتظم في هذه الخصائص، معقول في هذا التركيب في ~~الخلق والخليقة، وهو من ثم دليل على صحة الوصف وصحة السيرة على الإجمال. # ولن يكون هذا الرجل على هذا التكوين إلا كما وصفوه ونقلوا عنه: حديد الطبع، مستمسك ~~الخلق، سريع التأثر، قوي العاطفة، محبا للاعتقاد، حمسا في اعتقاده، صادقا في وعده، ~~كما نستطيع أن نعرف ممن طبعوا على هذا المزاج ونراهم بيننا رأي العين، أو نعرفهم على ~~السماع معرفة اليقين. # ونحن فيما نتوخاه من المضاهاة بين أوصاف السابقين وأوصافنا نحن المعاصرين إنما نريد أن ~~نفضي إلى المقياس الصحيح للتصديق أو التكذيب، والمحك الصالح للتشكيك أو التغليب. فإذا ~~كانت الأوصاف التي نقرؤها مطابقة للأوصاف التي نعقلها والتي نعهدها فذلك هو برهان الصحة ~~في كل مقياس. # وإنه لمن واجبنا في عصرنا هذا أن نقضي على آفة العصر التي أوشكت أن تغلب فيه على كل ~~آفة، وهي الظن الشائع بين المتفيهقين والمتهجمين أن البراعة كل البراعة في التكذيب، وأن ~~الجهالة كل الجهالة في التصديق، وليست الجهالة كلها في الحقيقة هنا، ولا البراعة كلها في ~~الحقيقة هناك. # فكثيرا ما تكون الغفلة في التكذيب أعظم من الغفلة في التصديق، وكثيرا ما يكون بخس ~~الشيء الثمين أدل على الغباء وأضيع للمنفعة من إغلاء الشيء البخس، في تسويم التجارة أو ~~تسويم الضمائر والعقول. # خذ مثلا لذلك حسنات أبي بكر اليومية التي سأله عنها النبي عليه السلام فاتفق في يوم ~~سؤاله عنها أنه كان قد أهداها جميعا على وجه من الوجوه. # تلمح على وجه المتفيهق المتشكك مسحة التردد وهو يتابع ذلك الخبر ms031 كأنه مما لا يجوز ولا ~~يتكرر على هذا المنوال. # فإذا سألته: لم التردد وفي وسعك أن تبلغ بالخبر إلى مقطع اليقين؟ لم تقف هنا ولا ~~تتابع الطريق إلى منتهاه؟ إنك لتعلم إذن أن التردد سخف حين يكون اليقين منك على مد ~~اليدين تتناوله إن شئت متى مددتهما إليه. # ماذا يكون إن صدقنا الخبر؟ # وماذا يكون إن كذبناه؟ # إن صدقنا الخبر فكل ما هنالك أن إماما في الدين مطبوعا على الكرم والكرامة قد جري على ~~سنة نبيه وهاديه، فأصبح صائما وعاد مريضا وتصدق على فقير بكسرة خبز وجدها في يد ~~حفيده. # وليس هذا بممتنع، بل هذا أقرب الأشياء أن يقع، ولا سيما إذا أضفناه إلى جملة أخبار أبي ~~بكر من إحسانه في الجاهلية والإسلام، ومن إنفاقه المال كله في سبيل الخير حتى مات وهو ~~فقير. # فإن كذبنا الخبر فماذا يتقاضانا تكذيبه من جهد للعقل واعتساف للتفكير والتخمين؟ # إن كذبناه وجب أن نعتقد أن أبا بكر رضي الله عنه قد أجاب النبي عليه السلام بغير الحق، ~~وأنه يتجافى صدق المقال في أقمن المواضع بصدق المقال، فلو جاز أن يكذب على كل إنسان لما ~~جاز أن يكذب على الرجل الذي صدقه، وخاطر بالمال والبنين والحياة في سبيل تصديقه. فمن ~~الذي يقبل هذا الفرض ولا يرى أن كل فرض دونه أدنى إلى القبول؟ # ومن الذي يعقل ثم يخيل إليه أن العقل يميل به إلى هذا التكذيب ولا يميل به إلى ذلك ~~التصديق؟ # ونقول: إن هذا جائز لنتمادى مع التفيهق إلى أقصى مداه فما الذي يتقاضانا جوازه مرة أخرى ~~من جهد واعتساف؟ # يتقاضانا أن نقبل شيئا يقرب من المستحيل. # إن الرجل الذي يجترئ على الكذب في هذا المقام لا ينطبع على الصدق، ولا يخفى كذبه على ~~الناس، فكيف به وهو مشهور بالصدق في كل ما قال، والوفاء بكل ما وعد؟ وكيف به وهو مشهور ~~بالصدق في شئون الضمان والمغارم، وهي شئون لا يخفى التدليس فيها إلى زمن طويل؟ وكيف به ~~وهو مشهور بالصدق قبل أن ms032 يدين بالدين الذي يحضه عليه؟ # أيجوز أن أكذب الكاذبين، بأمر الدين وبغير أمر الدين، يشتهر بأنه أصدق الصادقين؟ # تصديق هذا غفلة أدعى إلى السخرية من كل غفلة! ولا سيما إذا لجأ الإنسان إليها فرارا من ~~القول بأن إماما شبيها بالأنبياء يصوم أيامه ويعود مرضاه ويعطي مسكينا كسرة من الخبز، ~~وهو قد أعطى الألوف وأنقذ المعسرين وضمن من ليس له ضمان. # وعلى هذا النحو نتوخى التصحيح والترجيح فيما نأخذ به من أوصاف هؤلاء العظماء. أقرب ~~المقاييس إلينا أن يكون تكذيب الوصف أصعب من تصديقه في تقدير العقل والبديهة، وفيما ~~نعهده اليوم من حقائق هذه الأوصاف. # وكذلك أوصاف الصديق كما نقلها الناقلون وكما يفهمها اليوم الفاهمون، فإن الأقدمين ذكروا ~~أوصافا متفرقة لم يقصدوا أن نجمعها نحن، ولا قصدوا بعد جمعها أن نعرضها على علم النفس ~~ووقائع الحياة، كما وضحت لنا بمصباح العلم الحديث. # ولكننا جمعنا تلك الأوصاف وعرضناها على علم النفس فوجدنا بينها ذلك التناسب الذي يقضي ~~بتصديقها، وينفي الظنة عن استقامتها في جملتها. # فأبو بكر كما وصفوه رجل لا محالة من أصلاء المزاج العصبي النابتين في منبت الشرف ~~والمروءة، وقد قالوا: إنه كان يجود بماله، ومثل هذا الرجل خليق أن يجود بماله، وقالوا: ~~إنه يحتد ويعطف، ومثل هذا الرجل معهود في حدته وعطفه، وقالوا: إنه يروض نفسه على السمت ~~والكرم، ومثل هذا الرجل لا يستغني عن هذه الرياضة ولا يعجز عنها، وقالوا: إنه يشتد في ~~اعتقاده، وليس فيما شهدناه وخبرناه أشد من اعتقاد مثله. # قالوا ذلك فلم يقولوا عجبا ولم يقل أحد ما ينقضه وينفيه وله حجة فيه. # فإذا كانت للعقل أمانة فالأمانة في تقرير هذه الأوصاف كما فهمناها بالاستقراء وكما ~~رواها الرواة في مجمل الأنباء، وإذا كانت للعقل مهانة فمهانة العقل أن نعطله عن فهم ~~حقيقة ماثلة، لغير شيء من الأشياء. # الفصل الرابع # | مفتاح شخصيته # كان أبو بكر كما رأينا رجلا عصبي المزاج دقيق البنية، خفيف اللحم صغير التركيب. # تكوين يغلب على أصحابه أحد أمرين: إن كانوا من كرام النحيزة ms033 فهم مطبوعون على الإعجاب ~~بالبطولة، والإيمان بالأبطال. # وإن كانوا من لئام النحيزة فهم مطبوعون على الحسد والكيد، وهما ضرب من الإعجاب المعكوس ~~يؤدي إليه انعكاس الطبيعة، والإحساس بالعظمة في غير معاطفة بينهم وبينها ولا ارتياح ~~إليها. # فالحسد هو إعجاب اللئيم عند شعوره بالعظمة، أو هو التحية التي يؤديها اللئيم إلى العظمة ~~حسبما عنده من التواء وارتكاس. # ولهذا يصح أن يقال: إن أصحاب البنية الدقيقة والمزاج العصبي مطبوعون على الشعور بالعظمة ~~على حال من الأحوال، فإن كانوا كراما شعروا بها مغتبطين مؤيدين، وإن كانوا لئاما شعروا ~~بها محنقين مثبطين، ويندر فيهم جدا من يشذ عن هذه أو تلك من الخصال. # ولقد كان أبو بكر رجلا كريما أليفا من أهل الخير والمودة، فلا جرم كان الإعجاب ~~بالبطولة طبعا متأصلا فيه، مقرونا بكل ما في الإعجاب من حب وثقة وإيمان، ولا جرم كان ~~هذا الإعجاب «مفتاحا لشخصيته» مفسرا لكل ما يلتبس من أعماله، مميزا لكل ما يتشابه ~~بينه وبين غيره من الصفات. # قلنا في كتابنا عن «عبقرية عمر»: # إن مفتاح الشخصية هو الأداة الصغيرة التي تفتح لنا أبوابها، وتنفذ بنا وراء ~~أسوارها وجدرانها، وهو كمفتاح البيت في كثير من المشابه والأغراض. فيكون البيت ~~كالحصن المغلق ما لم تكن معك هذه الأداة الصغيرة التي قد تحملها في أصغر جيب، ~~فإذا عالجته بها فلا حصن ولا إغلاق. # وقلنا: # وليس مفتاح البيت وصفا ولا تمثيلا لشكله واتساعه، وكذلك مفتاح الشخصية ليس ~~بوصف لها ولا بتمثيل لخصائصها ومزاياها، ولكنه أداة تنفذ بك إلى داخائلها، ولا ~~تزيد. # فشخصية الصديق لها مفتاح قريب المتناول وهو هذا المفتاح، مفتاح الإعجاب ~~بالبطولة. # وهذا الإعجاب بالبطولة هو الوسم الذي يتسم به كل عمل من أعماله وكل نية من نياته، وهو ~~السر الذي نراه كامنا في كل رأي يرتئيه وكل قرار حاسم يستقر عليه. # والإعجاب بالبطولة في التاريخ الإنساني شيء عظيم؛ ليس بعد البطولة منزلة يشرف بها ~~الإنسان أشرف من منزلة الإعجاب بها والركون إليها؛ لأن الفضيلتين معا لازمتان جنبا إلى ~~جنب في ms034 كل أمر جليل تم في تاريخ الإنسان، وكل طور من أطوار التقدم ارتقى إليه. # وليقل أصحاب التحليل العلمي ما يشاءون. # وليقل أصحاب القياس المنطقي ما يحبون. # فشاءوا أو لم يشاءوا، وأحبوا أو لم يحبوا، لقد تم بغير التحليل العلمي وبغير القياس ~~المنطقي كثير من العظائم في تاريخ الإنسان، ولم يتم قط - ولن يتم فيما نرى - أمر عظيم ~~واحد بغير البطولة وبغير الإعجاب بالأبطال. # لها برهانها من الواقع كبرهان الأقيسة المنطقية والتجارب العلمية. فالرجل الذي ينهض له ~~البرهان النفساني على الثقة ببطل من الأبطال فيثق به ويعينه على عمله ليس بالرجل الذاهب ~~على غير هدى أو الآخذ بغير دليل. كلا، فعمله ونتيجة عمله كلاهما برهان يغنيه عن مصنع ~~التحليل، وعن قضايا المنطق، ويغني العالم كذلك عنهما إذا نظرنا إلى العمل ثم نظرنا إلى ~~النتيجة، ونظرنا قبل هذا وبعد هذا إلى طبائع الإنسان. # خذ لذلك مثلا حديث الأعاجيب التي سمعها أبو بكر في أيام الدعوة المحمدية فصدقها لأنه ~~يصدق صاحبها ويركن إليه. # هبه قد ثاب إلى معمل التحليل فقال له المعمل إنه لم يسمع بأمثال هذه الأعاجيب، وليس ~~لديه مسبار لها يصلح للتأييد أو التفنيد. # وهبه قد ثاب إلى قضايا المنطق فقالت له: إنها لا تعرف هذه الأقيسة ولا هذه المقدمات ولا ~~هذه البراهين. # وهبه قعد في مكانه بعد هذا وذاك؛ لأن معمل التحليل لا ينشط به إلى الحركة في هذا ~~الطريق، ولأن قضايا المنطق لا تزجيه إلى الجهاد في هذا الميدان - أفكاسب هو إذن؟ أفعاقل ~~هو إذن؟ أفحق ما انتهى إليه وما انتهت إليه الجزيرة العربية من جراء سكونه ~~وإحجامه؟ # إن الجزيرة العربية لا تربح شيئا بذلك التمحيص المزعوم، وإن العالم الإنساني لا يزيد ~~عقلا ولا علما ولا تحليلا ولا قضايا منطق بذلك الإحجام الذي استقر عليه، وإن أبا بكر ~~لن يكون خيرا من أبي بكر، والدنيا لن تكون خيرا من الدنيا، والتفكير لن يكون خيرا من ~~التفكير، بل كل من أولئك فاقد وخاسر ومنقوص. # وقصارى ما في الأمر أن رجلا ms035 شك فلم يعمل شيئا، ولم يدر أحد بأنه شك ولا بأنه لم يعمل، ~~ولم ينتفع عقل الإنسان بما كان. # أفيفهم فاهم من هذا أننا نقول: إن العمل على خطأ خير من الشك على صواب؟ # كلا! ... ليس هذا ما نقوله، وليس هذا ما نحن مضطرون إلى قوله بضرورة من الضرورات. # وإنما نقول: إن الشك إذن هو الخطأ، وإن برهان خطئه نفساني يقام له وزنه كما يقام الوزن ~~للتحليل العلمي والقضايا المنطقية، وإنما الخطأ أن تحوج البطولة إلى الدخول في المعمل ~~لتثبت لك قدرها، وتثبت لك حقها في الإعجاب، وحقها في العمل، وحقها في تحويل تاريخ ~~الإنسان، ثم تثبت لك قدرتها عليه! # ليس المعمل محل هذا. # محل هذا نفس الإنسان. # وساءت الدنيا إن كانت نفس الإنسان لا تغنيه في تقويم النفوس، ولا سيما أعظم ~~النفوس. # أفلا يروعني البطل إلا خلال الأنابيق والأنابيب؟ # أفلا تملكني نخوة الإعجاب إلا بوثيقة من إيساغوجي؟ # أفيروقني الطائر المنطلق فأعلم لم يروقني، ويتراءى لي الروح العظيم فأقول: مكانك حتى ~~أرجع على مائدة التشريح أو إلى قارورة الكيمياء؟! # ما قال ذلك قائل قط أمام روح عظيم. # والسبب واضح مستقيم. # السبب أن الروح العظيم كان قبل أن تكون مائدة تشريح وقارورة كيمياء، وأن الإنسانية ~~ألهمت خيرا ألا تؤجل الإعجاب بكل روح عظيم إلى أن يظهر المشرحون والمحللون. # ليظهروا «على مهلهم» ولتأخذ العظمة الروحية حقها من الإعجاب قبل إذنهم، فلا مناقضة ~~للعلم ولا للمنطق في ذلك. # إنما المناقضة أن نعلق دوافع النفوس وبواعث الفطرة على شيء لا تتعلق به ولا تتوقف عليه، ~~وأن نخطئ الواقع ثم نخطئ الواقع الصالح ولا سند لنا أوثق من الواقع على كل حال. ولا ~~شفاعة عندنا أكرم من شفاعة الواقع الصالح في كل مآل. # أفيقولون: إن البديهة قد تخطئ في الإعجاب؟ # قد تخطئ ولا جدال. # ولكن كذلك يخطئ العقل، وكذلك تخطئ التجربة، وكذلك تخطئ العلوم وتمضي في خطئها مئات ~~السنين. ولم يقل أحد إن قبولها للخطأ ينفي قبولها للصواب، ولا نسي أحد أنها إذا أخطأت ~~مرة ms036 فلها امتحان من العواقب يأبى على الخطأ أن يدوم. # على أن تمحيص القضايا المنطقية أو العلمية شيء وتمحيص الشمائل النفسية شيء آخر، وربما ~~كانت وسائل الصديق أقل من وسائل المحللين والمشرحين في العصر الحاضر في باب القضايا ~~المنطقية أو العلمية، أما في باب الشمائل النفسية فوسائله ليست بأقل من وسائلهم بحال، ~~وقدرته على أن يحس من حوله عظمة النفس الإنسانية ليست بأقل من قدرة أحد من المحللين ~~والمشرحين. # وهو قد قال: هذه نفس عظيمة لا شك في عظمتها، فالخير في متابعتها، إن لم يكن بد من ~~افتراق الطريق بينها وبين أعدائها. # وهو فيما قال قد أصاب. # أصاب منطقا وأصاب علما وأصاب حسا وأصاب بكل مقياس من مقاييس الصواب. # هو فيما قال أصوب ممن يخالفه رأيا، ولو استند إلى كل حجة من حجج التحليل ~~والتشريح. # وهاديه فيما اهتدى إليه هو إعجابه بالبطولة. # وهو إعجابه بالبطولة التي تستحق الإعجاب؛ لأن الإعجاب طبقات تتفاوت، كما أن البطولة ~~نفسها طبقات تتفاوت. وقد كان هو من طبقات هذا الإعجاب في أرفع مكان؛ لأنه لم يعجب ببطل ~~تروعه منه سطوة العتاة المتجبرين، ولم يعجب ببطل تروعه منه مظاهر الزخرف والخيلاء، ولم ~~يعجب ببطل تروعه منه جلبة الصيت الفارغ والمواكب الجوفاء، ولم يعجب ببطل يزدهي بالوفر ~~والثروة أو بالعصبة أولي القوة. # لا. لم يكن شيء من هذا هو الذي راعه من بطولة محمد عليه السلام؛ لأن محمدا عليه السلام ~~لم يكن ذا سطوة، بل كان عرضة للأذى من المسلطين عليه، ولم يكن من أصحاب الزخرف والخيلاء؛ ~~بل كان أعداؤه هم أصحاب الزخرف والخيلاء. ولم يكن وراءه أحد يتبعه ولا معه مال يصل به من ~~يصل إليه، بل كان وحيدا يطرده الأكثرون، فقيرا يعينه الموسرون، وأولهم أول صديقيه ~~والمقبلين عليه. # إنما البطولة التي أعجب بها أبو بكر هي البطولة التي ليس أشرف منها؛ بطولة تعرفها النفس ~~الإنسانية، هي بطولة الحق، وبطولة الخير، بطولة الاستقامة، وهي بعد هذا، وفوق هذا، بطولة ~~الفداء يقبل عليها من أقبل وهو عالم بما ms037 سيلقاه من عنت الأقوياء والجهلاء. # تلك هي بطولة محمد. # وذلك هو إعجاب الصديق. خير لبني آدم أن يبقى لهم هذا الإعجاب من أن يزول ويبقى بعده كل ~~شيء، وأي شيء! ~~••• # ولقد أجدى ذلك الخلق الكريم أكبر جدواه؛ لأنه تهيأ له بسليقته ونشأته وتوشج تركيبه ~~عليه. # فظهر منه إيمان القلب، وروية الفكر، وفي سياسته العامة، وفي سياسته الخاصة، وما تشتمل ~~عليه من أدب سلوك وعلاقة بالناس. # أحاط به أناس من المشركين يتهكمون به ساخرين عابثين: هل لك إلى صاحبك؟ إنه يزعم أنه ~~أسري به الليلة إلى بيت المقدس! # وكان أناس قد ارتدوا بعد إسلام لما سمعوا بحديث الإسراء ولم يتبينوه. فأما أبو بكر فما ~~زاد على أن قال: أوقد قال ذلك؟ لئن قال ذلك لقد صدق! # فغاظهم منه أنهم لم يبلغوا منه موقع التشكيك فيما أربى عندهم على حدود التصديق، وعادوا ~~يسألونه: أتصدق أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وعاد قبل أن يصبح؟ # قال: نعم! إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك من خبر السماء في غدوة أو روحة. ثم ذهب إلى ~~النبي عليه السلام فطفق يسمع منه ويصدقه ويقول: أشهد أنك لرسول الله. # وهذا هو البرهان النفساني كما دعوناه، وهو برهان لا خلل فيه من وجهته التي يستقيم ~~عليها، وإن لم يكن هو البرهان الذي تعوده المناطقة والعلماء. # وهنا موضع صالح للتفرقة بين هذه البراهين في ظواهرها، وللتوفيق بينها فيما تنتهي إليه ~~من نشدان الحقيقة الكبرى: إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك من خبر السماء. # وفحوى ذلك: إني لأصدقه لأنه أهل للتصديق. # هذا هو أساس الإقناع في منطق الإعجاب والإيمان، فإن كان للمنطق أو للتجربة العلمية أساس ~~آخر، فليس معنى ذلك أن الأساسين متناقضان متدابران، وإنما معناه أنهما نحوان ~~مختلفان. # ولكننا إن فرضنا مع هذا أنهما قد تناقضا وتدابرا فليس الخطأ إذن في جانب الصديق، ولكنه ~~على التحقيق في جانب العالم أو المنطيق. # إن قال العالم أو المنطيق: إنني لا أصدق حديث الإسراء ولهذا أبطل الدعوة الإسلامية ~~وأبطل قبلها ms038 العظمة المحمدية، فهو المخطئ في برهانه، وهو الذي تعدى به حدود قياسه؛ لأنه ~~نظر إلى المسألة في غير جانبها الذي ينظر إليه، من حيث كان أبو بكر على صواب كل الصواب ~~في نظرته إليها من جانبها الأوفى، أو جانبها الذي هو مناط التأييد والإنكار. # أبو بكر يأخذ النفس العظيمة مأخذا واحدا ويصدق الخبر فيها جملة واحدة ولا يجزئها قطعة ~~قطعة وخبرا خبرا، فيبطلها كلها بخبر من أخبارها وجزء من أجزائها. # وأبو بكر ينظر إلى المسألة في أساسها فيطمئن إليها عند ذلك الأساس ويبني عليه كل ما ~~فوقه من الإضافات والمزيدات، والمسألة في أساسها هنا هي مسألة الصلاح والفساد، ومسألة ~~التوحيد وعبادة الأصنام. # ومسألة المقابلة بين الأخلاق الجاهلية والأخلاق التي تأمر بها الدعوة المحمدية، ومسألة ~~الثقة بالمقاصد العظيمة والمساعي الكريمة، أو الثقة بالجهل الشائع والعادات ~~الذميمة. # فإذا كان أبو بكر قد نظر إلى هذا الأساس فهو المصيب. # وإذا كان العالم هو والمنطيق لم ينظرا إليه فهما المخطئان، وهما المقيمان للقياس على ~~غير أساس قويم؛ إذ كان خليقا بهما أن ينظرا إليه ولا يغفلا عنه، وهو أولى بالتقديم ~~والاعتبار، سواء أخذناه بالإحساس والإيمان، أو بالتجربة وبالتفكير. # ترى لو مثل العالم والمنطيق والصديق أمام عرش «الحق» السرمد بعد ذلك اليوم بعشر سنين ~~فسألهم فأجابوه كل على ما أجملنا آنفا، فأيهم كان يسخطه وأيهم كان يرضيه؟ # يمثل العالم أو المنطيق بين يدي الحق فيسأله: ماذا سمعت قبل عشر سنين؟ # فيقول: سمعت من رأى أنه أسري به من مكة إلى بيت المقدس فلم أظفر منه ببرهان. # فيسأله: فماذا صنعت بعد ذلك؟ # فيقول: كذبته وصدقت المشركين، ثم نقضت الدعوة الإسلامية، وبقيت حتى اليوم على سنة ~~الجاهلية. # فما يختلف اثنان إذن في الجواب الذي يلقاه ذلك العالم، أو ذلك المنطيق، ليقولن الحق له ~~إذن: إنك أخطأت وخالفت العلم والمنطق فيما صنعت؛ لأن تلك المقدمة لا تنتهي بك إلى تلك ~~النتيجة، وحديث الإسراء على أي معنى فهمته لن يجعل النفس العظيمة لغوا، ولن يجعل ~~عملها العظيم مستحقا للإبطال. ms039 # ويمثل الصديق بين يدى الحق فيسأله: ماذا صنعت قبل عشر سنين؟ فيقول: سمعت من رأى أنه ~~أسري به من مكة إلى بيت المقدس فلم أشك فيما رآه. # فيسأله: ولم لم يخامرك الشك فيه؟ # فيقول: لأنني صدقته في أمر السماء فما يكون لي أن أكذبه فيما دون ذلك. # فيسأله: فلم صدقته في أمر السماء؟ # فيقول: لأنني أعتقد فيه الخير ولا أعتقد فيه السوء، ولأنني أعتقد السوء في منكريه ولا ~~أعتقد فيهم الخير. # ليقولن الحق له إذن: إنك أصبت وتأديت إلى التصديق من طريق صالح للتصديق، ووافقت ~~المنطق والعلم أخيرا، وإن لم تأت معهما في الطريق، وإن هذه السنين العشر لتشهد لك بصدق ~~الوعي ولا تشهد به لمن خالفوك: أخذت في المنطق والعلم بالنتيجة ولم تبال بالمقدمة، وأخذ ~~المخالفون إياك بالمقدمة ولم يبالوا بالنتيجة، فأنت في سبيلك أهدى وأنت إلى المنطق ~~والعلم أقرب وأدنى. # أفيفهم فاهم من هذا أننا ندين بقول القائلين: «إن النجاح هو برهان الصلاح؟» # كلا! ليس هذا ما ندين به، وليس هذا بالذي يقتضيه ما قدمناه، وكل ما هنالك أننا نقرر ~~حقيقة لا شك فيها حين نقول: إن أبا بكر كان أفهم للعظمة المحمدية ممن أنكروها؛ لأنهم ~~شكوا في حديث الإسراء، وإن المنطق والعلم لا يقضيان بمحاربة الدعوة المحمدية كائنا ما ~~كان فهم الفاهمين لحديث الإسراء. فإن قال قائل: إن المنطق والعلم يقضيان بذلك فهو يظلم ~~المنطق والعلم فيما ادعاه عليهما بغير برهان؛ وهو الذي يخالف البرهان النفساني في ~~آن. # ولا حاجة بنا هنا إلى إلغاء البراهين العلمية أو البراهين المنطقية، وإنما حاجتنا كلها ~~ألا تلغى البراهين النفسانية؛ لأنها قد تتناول العظائم الإنسانية في عمومها فينطوي فيها ~~العلم والمنطق معا، وتأتي الأيام بعد ذلك بتفصيل هذا الإجمال وتوضيح هذا ~~الإبهام. # يقول قائل: وما مرجعنا في البراهين النفسانية؟ أنصدق كل من يدعيها؟ أنأخذ بها حيثما ~~رأيناها؟ أندين بالإعجاب حيثما هتف هاتف بإعجاب؟ فأقرب ما عندنا من جواب أن عظمة النفوس ~~مستحقة للإعجاب كما يستحقه جمال الوجوه. # فماذا عسانا قائلين لمن ms040 يسألنا: وما مرجعنا في جمال الوجوه؟ ... ولا حاجة هنا إلى مرجع، ~~ولا فائدة في المرجع إن وجدناه. # فجمال الوجوه لا يتوقف على مرجعه الذي نسهب أو نوجز في توضيحه ... وعظمة النفوس من باب ~~أولى قائمة في الدنيا بغير مرجعها الذي نسوقها إليه، ولا خوف عليها من قلة المراجع ~~عندنا، فهي تأتي حين تأتي بآياتها وبراهينها، وحيثما ظهرت عظمة معجبة ظهر لها صديقون ~~معجبون، وأقبل عليها مقبلون، وأعرض عنها معرضون، ولن ينفعها المرجع شيئا إن لم يكن فيها ~~ما يغنيها عنه. # وقد كان في وسعنا أن نجتزئ بهذا ولا نزيد عليه. ولكننا نود أن نستريح بالعقل إلى سند ما ~~أمكننا أن نريحه. فغاية ما نستريح بالعقل إليه في هذا الصدد مأخوذ من كلام الصديق نفسه ~~رضي الله عنه. وذلك إذ يقول: «إن خير الخصلتين لك أبغضهما إليك.» ... فالدعوة التي تزين ~~لنا ما نستنيم إليه ليست بدعوة عظيم، والدعوة التي ترفعنا فوق أنفسنا وتنهض بنا إلى ما ~~يشق علينا هي الدعوة العظيمة في أصدق مقاييسها، وهي التي تفرحنا بالواجب ولا تفرحنا ~~بالهوى، وحسبها ذلك «برهانا نفسانيا» لا نهتدي إلى خير منه، فكل ما عظم بنا فقد كلفنا ~~ما يشق علينا وانتقل بنا إلى طور فوق طورنا، فإن كنا على استعداد لهذا الانتقال مالت ~~إليه نفوسنا كما يميل الجسم إلى النمو وإن كان نموه ليكلفه عنتا عند الولادة، وعنتا ~~عند التسنين، وعنتا عند المراهقة، وعنتا عند بلوغه سن الرشد والاستقلال ... وإن لم نكن ~~على استعداد كرهناه وحسبنا الراحة في كراهته، وهي في الحقيقة داء يمنع النماء. # مرجع «البرهان النفساني» الصادق في تقدير العظمة أنه سبيل الفداء في طريق النماء، وكل ~~ما تركنا كما نحن أو تحدر بنا دون ما نحن فيه فبينه وبين العظمة حجاب، وليس له من ~~ضمائر النفس برهان. # بهذا البرهان النفساني واجه أبو بكر مسألة الدعوة المحمدية من حيث تنبغي مواجهتها، ونظر ~~إليها من جانبها الأصيل الذي تنحصر فيه النظرة الأولى؛ أمحمد إمام خليق بالاتباع؟ أهو ~~بطل جدير بالإعجاب؟ إن ms041 كان كذلك فهو معجب به متبع إياه، وإن لم يكنه فلا إعجاب ولا ~~اتباع ... وكل ما وراء ذلك فضول وانحراف عن الجانب الأصيل . # ومحمد بطل جدير بإعجابه، إمام خليق باتباعه، فامتلأ به إعجابا ولازمه اتباعا، وعرف ~~طريق الخير من بداءة الأمر أنه أشق الطريقين، وعوده كرم النحيزة من قبل أن المجد ~~تكليف وجهد، وأن الحق صبر وجهاد، فكانت سنته فيهما أن يحمل المغارم وأن يأخذ بيد ~~المهيض، وأن يجور على نفسه وفاء بحق غيره، فلم تطرقه الدعوة الإسلامية من باب غريب، ولم ~~يصادفه الجهاد للدين على غير تأهيب وتدريب، بل زاده يقينا من طبعه واستواء على نهجه، ~~وجعله في صدر هذه الدعوة مثل الإعجاب والإيمان، وأبرزه للأجيال عنوانا «للشخصية» التي ~~يبلغ بها الولاء للبطولة ذروة مجدها وغاية تمامها، ويستخرج منها كوامن قواها وأحاسن ~~مزاياها، ويستقيم بها على سوائها، ويرتقي بها إلى سمائها، فهو هو أبو بكر في تصديقه ~~وولائه على أحسن ما يكون. # وهو هو الصديق. # برهانه في تصديق الغيب كبرهانه في تصديق الشهادة؛ لأن المرجع فيه إلى شخص القائل لا إلى ~~الشيء الذي يقال. # فلما ارتد بعض المسلمين من حديث الإسراء بالنبي إلى بيت المقدس قال أبو بكر قولته تلك: ~~إني آمنت به في أمر السماء فلم لا أومن به فيما دون ذلك؟ # ولما تشاور المسلمون في صلح الحديبية رضي من رضي وأبى من أبى، وظهر هنا منطقان ~~متقابلان: منطق عمر بن الخطاب يقول: إننا على الحق فلم نعطي الدنية؟ ومنطق أبي بكر ~~يقول: إني أشهد أنه رسول الله فلم لا أتبعه فيما ارتضاه؟ # ولما اختلف المختلفون في بعثة أسامة كان أمام أبي بكر خطط متعددات يختار منها ما يشاء: ~~منها أن يحتفظ بالجيش لحراسة المدينة، وأن يحتفظ به لحرب أهل الردة، وأن يبعث به إلى ~~العراق ترصدا للفرس المنذرين بالإغارة، وأن يبعث به حيث أراد رسول الله، وإن قال بعض ~~القائلين: إن الحال قد تبدل، وإن المقام يؤذن بالمراجعة فيما أراد - فشاء أبو بكر ~~الخطة التي شاءها محمد ms042 عليه السلام، وأبى أن يأذن فيها بمراجعة أو تبديل. # ولما جاءوا بالأعطية يقسمونها كانت التفرقة بين الأقدار أدنى إلى التصرف، وكانت التسوية ~~بين الأقدار أدنى إلى الاتباع. وكان عمر يقول: أنعطي من حارب الرسول كما نعطي من حارب ~~مع الرسول؟ وكان أبو بكر يقول: أنأجرهم على إيمانهم فنعطيهم بمقدار ذلك الإيمان؟ فكان ~~عمر عنوان التصرف وكان أبو بكر عنوان الاقتداء. # ومن أصالة الإعجاب بالبطولة فيه أنه كان مثلا في أدب الملازمة وقدوة في أصول المصاحبة، ~~وكان بفطرته خبيرا بالمراسم التي نسميها اليوم «بالبروتوكول»؛ لأن أدبه في توقير العظمة ~~أدب الطبع الذي يهتدي من نفسه بدليل. # انظر إليه وهو يستأذن أسامة في استبقاء عمر بن الخطاب! # انظر إليه وهو يأبى إلا أن يركب أسامة وهو يشيعه سائرا على قدميه! # انظر إليه وهو ينادي بنته عائشة: يا أم المؤمنين! # هو في كل أولئك المعجب المؤدب بأدب المصاحبة الخبير بمراسم المعاملة، الذي يدري بوحي ~~نفسه كيف يكون التعظيم؟ وكيف يكون السلوك؟ وكيف تصان حقوق المراتب والدرجات؟ # قيل: إنه كان إذا قدم على الرسول وفود القبائل علمهم كيف يسلمون وكيف يتكلمون بين ~~يديه عليه السلام. # وكان عليه السلام يوما في المسجد قد أطاف به أصحابه إذ أقبل علي بن أبي طالب فوقف ~~فسلم ثم نظر مجلسا. والتفت عليه السلام يرى أيهم يوسع له، وكان أبو بكر على يمينه فأسرع ~~فتزحزح عن مجلسه وهو يقول: ها هنا يا أبا الحسن! فبدا السرور في وجه النبي، وقال: «يا ~~أبا بكر. إنما يعرف الفضل لأهل الفضل ذوو الفضل.» # وكأنما خلق أمينا لسر، فما تعوزه صفة واحدة من صفات الأمناء للعظماء الذين يعجبون بهم ~~ويغارون عليهم. ومنها هذا الأدب، ومنها قلة الكلام، ومنها الكتمان عنهم في خاصة شئونهم، ~~وكان أبو بكر في كتمانه عن النبي يتصدى للملام ولا يبوح بكلام. # تأيمت حفصة بنت عمر فعرضها على عثمان، ثم على أبي بكر، ثم خطبها النبي عليه ~~السلام. # قال عمر: «فقال عثمان: سأنظر في أمري، فلبث ليالي ثم لقيني فقال: ms043 قد بدا لي ألا أتزوج ~~يومي هذا. ولم يرجع إلي أبو بكر شيئا، فكنت أوجد عليه مني على عثمان، فلبثت ليالي ~~ثم خطبها رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فأنكحتها إياه ... فلقيني أبو بكر فقال: لقد وجدت علي حين ~~عرضت علي حفصة فلم أرجع إليك شيئا؟ قلت: نعم! لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت علي ~~إلا أنني كنت علمت أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قد ذكرها، فلم أكن لأفشي سر رسول الله ولو ~~تركها رسول الله قبلتها.» # فهو في هذا الكتمان قد جرى على خير سنة يجري عليها أمناء الأسرار! أشفق أن يذيع سر ~~الرسول عليه السلام فيبدو له في العدول، فتكون في ذلك ملامة، فآثر هو أن يلام على أن ~~يعرض صاحبه لملام. # ومع هذا الكتمان وهذا الكلام النزر كانت له خبرة بكياسة القول هي القدوة العليا لمن ~~جبلوا على مخاطبة العظماء. # فسأل رجلا يحمل ثوبا: أتبيعه؟ # فأجابه: لا عافك الله ... # قال: هلا قلت: وعافك الله! # تلك نفس ملكتها شمائل الوقار والتوقير، وامتزجت بها سليقة الإعجاب والتعظيم، حتى فاضت ~~على جوارحها، وسرت مرتجلة إلى جميع حالاتها، فهي هنالك تستشفها في بواطن الضمير وتلمسها ~~فيما ظهر من الأعمال والمعاملات، وتتلقاها من خلجات الذهن وبوادر اللسان، وهي هنالك ~~مفتاح الشخصية كلها تنفذ بنا إلى خفاياها، وتفتح لنا ما استغلق من أسرارها، وتميز لنا ~~بين خصائصها وخصائص الأنفس التي تناظرها في المقام، وتخالفها في المزاج والتركيب. # لقد كان عمر بن الخطاب معجبا بمحمد غاية إعجابه محبا له غاية محبته ولكن «الإعجاب ~~بالبطولة» كان صفة من صفاته ولم يكن صفته الأولى التي تغلب على جميع الصفات، وخليقته ~~الشاملة التي تنطوي فيها جميع الخلائق. فإذا قضى حق الإعجاب بقيت له بقية للمناقشة ~~والمراجعة، واستطاع أن يجمع بين التوقير والاستفسار والتفسير، فكانت له طريق إلى الإيمان ~~تصاحب طريق الإعجاب وتنتهي معها إلى مثل نهايتها آخر المطاف. # أما أبو بكر فقد كان الإعجاب أقرب طرقه إلى الإيمان، وأكبرها على السواء. وهما بعد هذا ms044 ~~وذاك ملتقيان. # فإذا كان عمر ثاني المتصرفين بعد نبيه وأستاذه وهاديه، فأبو بكر أول المقتدين بغير ~~سابق، وبغير نظير. # وهما بعد قرينان يتقابلان في كل حركة من حركات التاريخ، وكل ظاهرة من ظواهر الأمم، ولا ~~سيما في إبان الدعوات. # الفصل الخامس # | نموذجان # النموذجان المتقابلان في الملكات والأخلاق ظاهرة معهودة في كل أمة، ولا سيما خلال ~~النهضات التي تبرز فيها كوامن الملكات وتمتحن فيها حقائق الأخلاق. # وعهد التاريخ بها في شئون الضمير كعهده بها في شئون المعرفة والحكمة، أو في شئون ~~السياسة والتشريع، أو في كل شأن له أثر بين في أعمال الناس. # فاصطلح النقاد على تسمية هذين النموذجين في المعرفة والحكمة بالنموذج الأفلاطوني نسبة ~~إلى أفلاطون، والنموذج الأرسطي نسبة إلى أرسطاطاليس، أو النموذج الذي يتمثل في النظريات ~~ويتعلق بما وراء الطبيعة، والنموذج الذي يتمثل في التجربة والمشاهدة ويتعلق بالطبيعة ~~وظواهرها المحسوسة. # وفي الأدب والفن يوجد المثاليون عشاق المثل الأعلى، والواقعيون طلاب الواقع الذين ~~يأخذون الدنيا كما هي ويصفون الناس على ما هم عليه. # وفي السياسة محافظون ومجددون، وفي التشريع حرفيون ومعنويون، وفي العقيدة أو فقه العقيدة ~~مقتدون ومجتهدون، وفي ميول الناس ومشاربهم عاطفيون وعقليون، وأصحاب أثرة أو أصحاب ~~إيثار. # وليس المقصود بالنموذجين المتقابلين هنا تقابل الضدين اللذين يتناقضان كما يتناقض ~~الصواب والخطأ، والخير والشر، والعلم والجهل، والهدى والضلال. # ولكن المقصود هو التقابل الذي يتمم فريقا بمزايا فريق، ويعين قوة نافعة بقوة أخرى ~~تكافئها، ويزدوج في عناصر الأمة كما يزدوج الجناحان اللذان يستقل بهما الطائر، ولا يستقل ~~بفرد جناح. # هذان النموذجان معهودان، لازمان. # معهودان على الخصوص حيثما نهضت أمة من الأمم بجميع قواها وجميع مزاياها، وجميع ما فيها ~~من عدد الأهبة والحيطة وبواعث الإقدام والإحجام. # ولازمان في النهضات على الخصوص حيثما تقدمت النهضة في طريقها واحتجب عنها إمامها ~~وهاديها، وأصبح لزاما بعده أن تتقابل القوى، وتتعاون الجهود. # ومن تمام الدعوة المحمدية أنها كشفت هذه النماذج المتقابلة في الأمة العربية بين عشية ~~وضحاها، فإذا الأمة العربية كلها كأنما هي حشد مستعد بكل ms045 عدة، متزود بكل زاد. # ظهر فيها أقطاب الشجاعة وأقطاب الدهاء، وظهر فيها المتقدمون والمتحذرون، وظهر فيها ~~الخياليون والعمليون، وظهر فيها كل طرف وما يقابله من طرف يوازنه ويستند إليه. # وبين هذه النماذج كلها نموذجان من الطراز الأول، يوشك أن يجتمع فيهما كل ما تفرق في ~~غيرهما من الملكات والشمائل والميول. # نموذجان كبيران تغيب في أطوائهما جميع النماذج الصغار. # وهما نموذج الصديق ونموذج الفاروق. # بين هذين الرجلين العظيمين تقابل كثير الشعب متعدد الأنحاء؛ تقابل ينتهي إلى ~~التجاذب والإخاء ولا ينتهي إلى التدافع والنفار؛ لأنهما كانا يحومان معا في نطاق كوكب ~~واحد، أو نظام كوكبي واحد كما تحوم السيارات والأقمار حول شمس واحدة هي لها جميعا مركز ~~أصيل لا تنفصل عنه. # وربما دخل في وجوه التقابل بين هذين الرجلين العظيمين أكثر مما أجملناه من الفوارق التي ~~تختلف بها نماذج الناس؛ العقل والعاطفة، والمحافظة والتجديد، والواقع والمثل الأعلى، وما ~~لا يحصى من الألوان والشيات، والأطراف والحدود. # ولكنها على تعددها واختلافها فوارق متناسبة متوافقة تقبل التلخيص في فارق واحد يطويها ~~في معظم نواحيها، وهو الفارق بين نموذج الاقتداء ونموذج الاجتهاد. # كان أبو بكر نموذج الاقتداء في صدر الإسلام غير مدافع. # وكان عمر في تلك الفترة نموذج الاجتهاد دون مراء. # وكلاهما كان يحب النبي ويطيعه ويحرص على سنته ويعجب به غاية ما في وسعه من ~~إعجاب. # ولكنهما في ذلك طريقان يتوازيان، وإن كانا لا يتناقضان ولا يتحدان. # وإن بينهما في ذلك لفرقا لطيف المأخذ، عسير التمييز، نحاول الإيضاح عنه جاهدين، ونرجو ~~أن نبرزه بأوفى ما يستطاع له من إبراز، ونحسب أننا موفقون حين نقول: إن تقديم وصف على ~~موصوف يكفي في الإبانة عن هذا الفرق الدقيق الذي لا ينفسح حتى يتسع لأكثر من هذا ~~التفريق. # فأبو بكر كان يعجب بمحمد النبي. # وعمر كان يعجب بالنبي محمد. # ونزيد القول إيضاحا فنقول: إن حب أبي بكر لشخص محمد هو الذي هداه إلى الإيمان بنبوته ~~وتصديق وحيه. # وإن اقتناع عمر بنبوة محمد هو الذي هداه إلى حبه والولاء ms046 له والحرص على سنته، وعلى ~~رضاه. # ولهذا كان أبو بكر صاحبا آمن بصاحبه الذي يطمئن إليه ويحمد خصاله، وكان عمر عدوا رده ~~الاقتناع إلى مودة الرجل الذي كان ينكره ويعاديه. # ولهذا كان أبو بكر يطيع محمدا فيفهم القرآن، وكان عمر يأخذ بالقرآن أو بما يفهم من ~~مشيئة الله فيناقش محمدا حتى يثوب إلى الفهم الصحيح. # هما قريبان جد قريبين. # ولكنهما ليسا بشيء واحد على كل ما بينهما من اقتراب. # أو هما كما قلنا في ختام الفصل السابق: أبو بكر أول المقتدين، وعمر ثاني المجتهدين، ~~وبذلك يتكافآن ولا نقول يتفاضلان. # نعم يتكافآن ويتعادلان، وهذا الذي نريد أن نؤكده ونجتنب فيه سوء الفهم والتفسير. # فليست المقابلة بين هذين الرجلين العظيمين مقابلة بين قوة وضعف، وقدرة وعجز عن ~~قدرة. # كلا، هذا أبعد ما يخطر على بال أحد يدرك فضائل الرجلين العظيمين ويعرف ما لكل منهما من ~~خلق مكين وعمل جليل. # فإن الضعف «سلبي» لا يجنى منه عمل عظيم. # وصلابة أبي بكر في حرب الردة لم تكن صلابة «سلبية» تقول «لا» في موضع «نعم» ولا ~~تزيد. # ولكنها كانت صلابة تثوب إلى قوة لا شك فيها: قوة مصدرها الاقتداء. هذا لا يهم في وصفها ~~بالقوة وإبعادها من صفة الضعف والعجز عن القدرة ... وإنما المهم أنها قوة فعالة، وأنها قوة ~~عظيمة لا مراء. # ليست المقابلة إذن بين هذين الرجلين مقابلة بين قوة وضعف، وقدرة وعجز عن القدرة. # ولكنها مقابلة بين القوة من نوع والقوة من نوع آخر، وكلتاهما فعالة، وكلتاهما ذات أثر ~~في الإسلام، وفي العالم، جليل. # وليس من الضروري اللازم أن يكون كل مقتد أقل في الشأن والأثر من كل مجتهد برأيه، فقد ~~يكون من المقتدين من هو أكبر وأقدر من المجتهدين، وقد يكون الاقتداء وكله خير، ويكون ~~الاجتهاد ولا خير فيه. ولعلنا نوضح هذه الحقيقة بالمثل المحسوس، لأنه أقرب إلى المشاهدة ~~والإقناع. # فالمصابيح الكهربائية منها ما هو أم مستقل بمفتاح، ومنها ما هو تابع موصول بمفتاح ~~غيره. # ويتفق مع هذا أن يكون «المصباح الأم» ms047 أصغر حجما وأضعف نورا من المصباح الذي يتبع غيره ~~ويضيء بمفتاحه، وهما أقرب مثل محسوس للاجتهاد والاقتداء. # كذلك الكوكب الثابت والسيارات التي تدور حول غيرها: لا يلزم أن يكون كل كوكب ثابت أصغر ~~من كل سيار دائر، وإن تكرر هذا في العيان وسبق إلى الأذهان. # وعلى هذا النحو كان الفرق بين الصديق والفاروق، بين أول المقتدين وثاني المجتهدين. ~~فهو فرق بين قوة من نوع، وقوة من نوع آخر، ولا محل للضعف في الموازنة بين هاتين ~~القوتين. ~~••• # وهناك مقابلة أخرى بين الصديق والفاروق لا تفوتنا الإشارة إليها؛ لأنها مقابلة أصيلة ~~فيما تئول إليه من الصفات والآثار. # ونعني بها المقابلة بينهما في تكوين البنية وتركيب المزاج، وهي أيضا مثل عجيب من ~~أمثلة التقابل بين هذين الرجلين العظيمين. # فكان أبو بكر نموذج القوة في الرجل الدقيق. # وكان عمر نموذج القوة في الرجل الجسيم. # ومن عجيب المصادفات أن هذا كان غزير الشعر بين الغزارة فيه، وهذا كان أصلع، بين ~~النزارة فيه، ليتم بينهما التقابل حتى في الصفة التي لا يقتضيها اختلاف البنية بين الرجل ~~الدقيق والرجل الجسيم. # قلنا في كتابنا «عبقرية عمر»: # إن العالم الإيطالي لومبروزو ومدرسته التي تأتم برأيه يقررون بعد تكرار ~~التجربة والمقارنة أن للعبقرية علامات لا تخطئها على صورة من الصور في أحد من ~~أهلها. وهي علامات تتفق وتتناقض ولكنها في جميع حالاتها وصورها نمط من اختلاف ~~التركيب ومباينته للوتيرة العامة بين أصحاب التشابه والمساواة. فيكون العبقري ~~طويلا بائن الطول، أو قصيرا بين القصر، ويعمل بيده اليسرى أو يعمل بكلتا ~~اليدين، ويلفت النظر بغزارة شعره أو بنزارة الشعر على غير المعهود في سائر ~~الناس، ويكثر بين العبقريين من كل طراز جيشان الشعور وفرط الحس، وغرابة ~~الاستجابة للطوارئ فيكون فيهم من تفرط سورته كما يكون فيهم من يفرط هدوءه، ~~ولهم على الجملة ولع بعالم الغيب وخفايا الأسرار على نحو يلحظ تارة، في ~~الزكانة والفراسة، وتارة في النظر على البعد أو الشعور على البعد، وتارة في ~~الحماسة الدينية أو في الخشوع لله. # تلك ms048 جملة الخصائص العبقرية التي أجملناها من كلام لومبروزو وأشياعه، فكأنما شاء القدر ~~أن يتفق الصاحبان في جوهر العبقرية ويختلفا في أعراضها اختلاف المقابلة ، حتى في غزارة ~~الشعر ونزارته على غير ما يقتضيه هذا الاختلاف. # والمقابلة بين الصديق والفاروق في تكوين البنية وتركيب المزاج كان لها أثر كبير في ~~المقابلة بين الرجلين العظيمين في الخلائق والجهود، فعمر، بما نشأ عليه من الجسامة ~~والهيبة، لم ينشأ وله منبه من البنية ينبهه أبدا إلى وجوب التهدئة والترويض، فمضى بتلك ~~البنية كما يمضي راكب الفرس الجموح غير متوجس من جماحه؛ لأنه مطمئن آخر الأمر إلى ~~العنان. # وأبو بكر، بما نشأ عليه من الدقة والنحول، قد نشأ وله منبه إلى غوائل الحدة التي ~~تعهد من أصحاب هذا التركيب ولا تؤمن غوائلها عليهم، فراض نفسه على التهدئة والترويض، ~~ومضى بتلك البنية كما يمضي راكب الفرس الجموح عودها قبل الدخول في المضمار أن تدع ~~الجماح، وأن تشعر بالعنان القابض عليها في كل حين. # وهنا لا تكون التفرقة أيضا من قبيل التفرقة بين القوة والضعف، وبين القدرة والعجز ~~عنها، ولكنها على ما قدمنا تفرقة بين قوة وقوة تكافئها، أو بين طرازين من القدرة ~~يتقابلان. # فلو كان أبو بكر ضعيفا قليلا لجمحت به الحدة، ولم يعتصم من عزمه إلى كابح قدير على ~~الكبح، فتحطم كما يتحطم الضعفاء. # ولو كان شعوره بنفسه شعور ضعف وقلة لاستقر على هذا الشعور واستكان إليه، ولم يأخذ نفسه ~~بالسمت والوقار، ولا بمناقب السيادة والمروءة، ورضي له ولذويه بما يرضى به ~~الضعفاء. # ولكنه شعر من نفسه بقوة يعتصم بها ويقوى على رياضتها، فكان مثلا للقدرة الرائضة والنفس ~~المروضة كما تكون في الرجل الدقيق النحيل. ~~••• # في حياة الصاحبين موقف من المواقف النادرة التي يظهر فيها الرجل كله، ولا يتفق في ~~التجارب النفسية أن يواجهها الإنسان مرتين في حياته، وهو الموقف الذي فاجأهما بموت النبي ~~عليه السلام. # ليس للصاحبين غير صديق واحد بمنزلة محمد عندهما من المحبة والتجلة، وهما لا يروعان ~~كل يوم بنبأ فاجع يسوءهما كما ms049 يسوءهما نبأ موته وانقضاء عشرته والأنس بقربه، فالموقف ~~نادر، والبلية به خليقة أن تبتلي الرجل في كل ما ينطوي عليه من بديهة وروية . # وابتلي به عمر فغضب غضبته المرهوبة وثار بالنعاة يتوعدهم ليقطعن أيدي رجال وأرجلهم ~~يزعمون أن محمدا قد مات. # غضب غضبة الرجل المملوء بقوته وحميته، الذي لم ينبهه منبه قط إلى ترويض غضبه، والمبالاة ~~بعواقب ثوراته، وكأنما قام في دخيلة نفسه أنه يستكثر حتى على الموت أن يجترئ على الصديق ~~الذي يحبه ذلك الحب، ويجله تلك التجلة، ويعتقد فيه تلك العقيدة، وينتظر حتى من الموت أن ~~يتحامى جانب ذلك الصديق، ويرعى له حرمة لا يرعاها لسائر الأحياء. # وأبو بكر يحب محمدا كما يحبه عمر، ويأسى لفراقه كما يأسى، ويرفعه مثله درجات فوق مقام ~~الأحياء من قبله ومن بعده، ولكنه رجل راض نفسه وقمع حدة طبعه، وعرض الصبر على ما ليس ~~يدفعه دافع ولا تغني فيه حيلة، فإن كان تسليم فهذا أحق المواقف بالتسليم وأولاها بطول ما ~~ارتاض عليه من صبر، وما تأهب له من أسوة. # بذلك أدى كل من الرجلين ضريبة طبعه ومزاجه الذي لا معدى له عن مطاوعته والاستجابة ~~لدواعيه. # ثم زالت الغاشية الأولى. فظهر الرجلان في حالة القرار كما ظهرا في حالة المفاجاة: ظهر ~~أن عمر لم يكن ثورة كله، بل كانت فيه إلى جانب الثورة روية تفرغ للأمر في أحرج أوقاته، ~~وظهر أن أبا بكر لم يكن روية كله، بل كانت فيه إلى جانب الروية مطاوعة لسليقة الحب ~~والألفة قد تشغله عن العواقب إلى حين. # فبينما هو مشتغل بتجهيز رسول الله إذا بالأنصار يجتمعون في سقيفة بني ساعدة ليتخذوا لهم ~~أميرا دون إخوانهم من المهاجرين، وإذا عمر يتأهب للأمر أهبته، ويعالج الخطب قبل ~~استفحاله، ويأخذ أبا بكر من بيت رسول الله إلى سقيفة بني ساعدة ليبايعه هناك بالخلافة ... ~~ويتقي الحدة من أبي بكر فيهيئ في نفسه كلاما يصلح لذلك المقام يمهد به لكلامه. وفي بعض ~~الروايات أنه فكر في أمر المبايعة قبل ذلك حين لم ms050 يفكر فيها أحد من المهاجرين، وأنه شاور ~~أناسا وشاوروه فيما يكون بعد وفاة رسول الله. فما كانت غضبته الثائرة إلا ريثما قبض على ~~العنان بكلتا يديه، ثم كان عنانه ذلك أطوع عنان. # كلا الرجلين العظيمين فيه روية وفيه حدة: تأتي الروية أولا أو تأتي الحدة أولا، ذلك ~~هو موضع الفارق من بوادر المزاج والتركيب، ولكن الروية هناك قائمة في المزاجين حين ~~تراد. ~~••• # وقد نلمس هذه الجوانب المتقابلة من مزاج الصاحبين في كل مسألة ذهبا فيها مذهبين، ونزعا ~~فيها إلى رأيين مختلفين. # من ذلك مسألة الردة، ومسألة خالد بن الوليد، ومسألة الأعطية والنوافل للمؤلفة قلوبهم ~~ولغيرهم من عامة المسلمين. # في كل مسألة من هذه المسائل كان لكل من الصاحبين عند طبعه ومزاجه، أو عند المعهود من ~~وصفه واستقصاء أحواله، دليل أصدق على خلوص الرأي وصراحة الضمير والتوجه إلى الأمر بما ~~يستدعيه عندهما من مقدماته وموجباته، في غير حيد ولا انحراف عن سواء السبيل. # ففي مسألة الردة جنح أبو بكر إلى الصرامة وجنح عمر إلى الهوادة، وفي ظاهر الأمر أن هذا ~~اختلاف على غير المنظور من طبيعة الرجلين، ولكن الواقع أنه لا يخالف المعهود إذا مضينا ~~فيه إلى ما وراء الظاهر القريب. # فقد كان أبو بكر عند طبعه حين أبى أن يترك عقالا مما كان يأخذه رسول الله من فريضة ~~الزكاة، وكان كذلك عند طبعه حين استثاره الاستخفاف به والجرأة عليه، كأنهم يستصغرونه ~~ويتقحمونه، وهو الذي توقر طول حياته من مكانة من يستصغر ويتقحم؛ لدقة في تكوينه وقوة ~~في نفسه تعاف أن تحسب عليه الدقة في التكوين صغرا في المقام. # وقد كان عمر عند طبعه حين أخذ بالتصرف والاجتهاد على حسب اختلاف الأحوال، ووثق من مصير ~~الأمور على الخير بأية حال. ~~••• # أما مسألة خالد بن الوليد فقد كان السؤال فيها: هل يحاسب أو لا يحاسب؟ فكان جواب ~~الصاحبين على حسب المعهود فيهما من مزاج وخليقة، ولم يكن منظورا أن يقضي أحد منهما بغير ~~ما قضاه. # قتل خالد مالك بن نويرة وبنى بامرأته ms051 في ميدان القتال على غير ما تألفه العرب في ~~جاهلية وإسلام، وعلى غير ما يألفه المسلمون وتأمر به الشريعة. # أفيحاسب على هذا أو لا يحاسب عليه؟ # أول جواب يبدر إلى عمر عن هذا السؤال هو المحاسبة بغير وناء. ولم لا؟ ما الذي ~~يتقى؟ ما الذي يكون؟ إن المبالاة بعقبى حسابه ليست مما يروع عمر ويثنيه، بل لعلها مما ~~يحفزه إلى التحدي والإسراع فيه. # أما أبو بكر فقد استشار هنا طبيعة الاقتداء، وطبيعة الإعجاب بالبطولة وطبيعة اللين ~~والإغضاء، وهي تشير عليه بالإعفاء من الحساب أو بالإمهال به إلى حين. # فهو لا يعزل قائدا من قواد رسول الله وسيفا من سيوفه، وهو لا ينسى بطولة خالد وإن زل ~~أو أخطأ التأويل، كما قال، وهو يؤثر اللين؛ لأنه في عامة أحواله مطبوع عليه ما لم يمسه ~~الأمر فيما يثير. ~~••• # وجاءت مسألة الأعطية فأبى أبو بكر أن يتصرف في تمييز الأقدار وأقدم عمر على التصرف ~~والاجتهاد. # وجاءت مسألة المؤلفة قلوبهم فأعطاهم أبو بكر متبعا سابقة الرسول وأنكر عمر عطاءهم؛ ~~لأنهم كانوا يأخذون ما أخذوه والإسلام ضعيف ... # فأما الآن فماذا عساهم أن يصنعوا إن لم يأخذوا ما يصنعونه كائنا ما كان لا يكرثه ولا ~~يثنيه. ~~••• # وهكذا نستقصي علل الخلاف بين الصاحبين في كل مسألة من المسائل، فإذا هي في مردها خلاف ~~بين قوتين من نوعين، أو خلاف في تناول الأمور على طريقتين، ولم تكن قط خلافا بين قوة ~~وضعف، أو بين حرص وتفريط، أو بين أثرة وإيثار. # ومن المسلم أن القوة ضروب، وأن العظمة صنوف، وأن اللين لا يلين أبدا، والشديد لا ~~يشتد أبدا، فلا بد من اختلاف بين العظيم والعظيم، ولا بد من اختلاف بين عمل العظيم ~~الواحد في أوقات، وليس العجب أن يجري كل منهم على خطته وأسلوبه، وإنما العجب أن تتعدد ~~ضروب القوة وتتعدد صنوف العظمة ثم تتوحد الخطة والأسلوب. # وموضع العبرة - بل موضع الإعجاز فيما تقدم - هو تلك الدعوة التي شملت هذه القوة كلها في ~~طية واحدة، وضمت هؤلاء الرجال جميعا ms052 حول رجل واحد، وجذبت إليها أكرم العناصر التي ~~تأتي بالعظائم وتصلح للخير وتقدم على الفداء. # فأوجز ما يقال في تلك الدعوة أنها خاطبت خير ما في الإنسان فلباها أمثال الصديق ~~والفاروق، وأقبل عليها الأقوياء المخلصون من كل طراز، فليست هي بالدعوة التي تخاطب الضعف ~~والضعة، ولا بالدعوة التي تخاطب الطمع والأثرة، ولا بالدعوة التي قوامها الترهيب ~~والترغيب، ولكنها الدعوة التي يجيبها أكرم سامعيها، ويتخلف عنها أقلهم سعيا إلى الخير ~~واقتدارا عليه. # والصديق والفاروق خير نماذج الرجال في الجزيرة العربية، ففي خلائق هذين العظيمين دليل ~~على السر الذي من أجله نادى محمد قومه ومن أجله أجيب، ومن قال من المكابرين ~~والمتعنتين: إن دعوة محمد لم تكن بالدعوة الصالحة فليقل: أي صلاح كان يلقى في الجزيرة ~~العربية مجيبين أكرم وأقدر من هؤلاء المجيبين؟ وأي هداية بين الناس أشرف من الهداية التي ~~تجمع إليها أقوى الأقوياء وأطيب الطيبين، على ما بينهم من تقابل في المزاج والرأي كأعجب ~~ما يكون التقابل بين المختلفين المتفاوتين؟ وأي إقناع أقنع الصديق؟ وأي إقناع أقنع ~~الفاروق؟ الخشية؟ المتعة؟ الشر؟ الطمع؟ لقد كانا إذن آخر من يجيب، وكان خصومهما إذن أسرع ~~المجيبين وأسبق المؤمنين! # الفصل السادس # | إسلامه # قيل إن أبا بكر رضي الله عنه كان أول من أسلم، واتفقت الأقوال على أنه كان أول من أسلم ~~من الرجال، وأن السيدة خديجة رضي الله عنها كانت أول من أسلم من النساء، وكان علي رضي ~~الله عنه أول من أسلم من الصبيان، وكان زيد بن حارثة أول المسلمين من الموالي، وهو الذي ~~تبناه النبي عليه السلام. # وقال النبي عليه السلام: «ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت منه عنده كبوة ونظر ~~وتردد، إلا ما كان من أبي بكر، ما عكم عنه حين ذكرته له، وما تردد فيه»، فلم سهل إسلام ~~الصديق هذه السهولة التي لم تؤثر عن أحد غيره كما جاء في ذلك الحديث الشريف؟ # لعلنا نختصر الطريق على جواب هذا السؤال إذا نحن سألنا عن الموانع دون الإسلام، قبل أن ms053 ~~نسأل عن الموجبات ... # لأننا إذا بحثنا عن العقبات فلم نجدها، أو بحثنا عنها فوجدناها قليلة العدد هينة ~~التذليل، بدت لنا سهولة الطريق من غير جهد كبير في البحث عن الموجبات، وعرفنا أنه «لا ~~مانع» فعرفنا أنه لا صعوبة ولا محل للتردد والمقاومة فما الذي كان يمنع أبا بكر أن يجيب ~~دعوة الإسلام؟ # بل ما الذي يمنع إنسانا من الناس - كائنا من كان - أن يجيب الدعوة إلى عقيدة ~~جديدة؟ # موانع شتى # ومن الحقائق الملحوظة أن هذه الموانع كانت أقل ما تكون في أبي بكر الصديق، فلا نعرف ~~أحدا في عصر النبي كانت موانعه دون إجابة الدعوة الجديدة أقل من موانع هذا الرجل الصادق ~~المصدق، المستعد لإجابة النبي إلى هدايته كأنما كان معه على ميعاد. # يمنع الإنسان أن يصغي إلى دعوة العقائد الجديدة موانع شتى من آفات العقل والخلق ~~والبيئة، تجتمع وتتفرق، ويبتلى الرجل الواحد بها جميعا، وقد يبتلى بمانع واحد منها ~~فيحول بينه وبين الإصغاء والإجابة. # يمنعه أن يجيب الدعوة إلى المصلحين غطرسة، أو سيادة مهددة، أو مصلحة في بقاء القديم ~~ومحاربة الجديد، أو ذهن مغلق لا يتفتح للفهم والتفكير، أو مغامسة للشهوات تحبب إليه أن ~~يستنيم إلى العرف الذي يبيحها ويعزف عن الهداية التي تحظرها وتقف في سبيلها، أو تعصب ~~غضوب للعقيدة التي درج عليها، أو شعور بقوة سلطان تلك العقيدة في أبناء قومه، سواء منهم ~~المتعصبون لها والقابلون لها على المجاراة والمداراة، أو جبن ينهاه أن يخرج على المألوف ~~ويتصدى لسخط الساخطين وإن تبين طريق الاستقامة والسداد، أو إيغال في الشيخوخة يصد ~~الإنسان عن كل تغيير ويميل به إلى كل تواكل ومتابعة وتقليد، أو حداثة سن تجعله تابعا ~~لغيره في الرأي والخليقة وتجعل له شرة تحجبه عن التروية والمراجعة، أو ذلة مطبوعة تلحقه ~~بمن أذله وبسط سلطانه عليه. # فالغطرسة خلة تأبى على صاحبها أن يستمع إلى قول أو يصيخ إلى دعوة، أو يتنزل إلى متابعة ~~إنسان، ترفعا عن الإصغاء قبل أن يهديه الإصغاء إلى موافقة أو إنكار. # والسيادة المهددة ms054 توحي إلى صاحبها كراهة التجديد؛ لأنه يحس بالبداهة أن صاحب الجديد ~~أولى منه بالسيادة إن شاع ما جدده بين الناس، فتبطل سيادته ببطلان القديم الذي قامت ~~عليه، وقيام الجديد الذي نسخه وعفاه. # والمصلحة في حالة من الحالات المستقرة تجعل الرجل محبا لتلك الحالة حبه للمنفعة، ~~كارها لتبديلها كراهته للخسارة، ميالا إلى محاربة الدعوة الجديدة قبل أن يبحث فيها ~~ويتعرف وجوه الخير الذي قد يصيبه منها. # والذهن المغلق يجهل ما يقال، ويعادي ما يجهل، وينفر من كل ما يشق عليه، وأول ما يشق ~~عليه أن يفهم شيئا على وجهه السوي، أو يتهيأ للفهم بأية حال. ومغامسة الشهوات تبغض ~~إلى المرء سلوانها والإقلاع عنها، وتقرن عنده دعوات الإصلاح والاستقامة بشؤم التنغيص ~~والتكدير، فيتبرم بها وينزعج لها، كما ينزعج النائم المستغرق أيقظته من نومة لذيذة قد ~~استراح إليها. # والتعصب الغضوب لما اعتقده المرء يثيره أن تمس عقيدته كما يثور لحماية الحوزة أو الذود ~~عن الآباء والأجداد؛ لأنه يحسب عقيدته ملكا له ولآبائه يرد عنها من يهجم عليها، كما يرد ~~صاحب البيت من يهجم عليه. # والعقيدة إذا كانت قوية السلطان غلبت عزتها على عزة العقل والفؤاد، فأصر عليها من كان ~~خليقا أن يعافها ويعرف عيبها لو دعي إلى تركها وهي تتداعى وتتزعزع وتؤذن ~~بالزوال. # والجبن يخيف صاحبه أن يجهر بالحق ويبتعد به عن طريق المخافة، فلا يدنو إلى الصوت الذي ~~عسى أن يقوده إلى الإصغاء فالإيمان فالجهر بما يضير. # والشيخوخة عدو لكل طارق، والحداثة بين طيش يدعو إلى التمرد وطاعة تدعو إلى متابعة ~~الأولياء، والذلة حجاب بين الذليل ونفسه يحجبه وراء من أذله، فلا تصل إليه الدعوة إلا ~~من تلك الطريق. # هذه موانع الإصغاء إلى كل دعاء جديد. # أو هذه أعم الموانع التي تحول بين معظم الأسماع والإصغاء إلى ذلك الدعاء. # ومن الحقائق الملحوظة - كما أسلفنا - أن أبا بكر كان براء منها جميعا، أو كان كأبرأ ~~الناس منها في عهد الدعوة المحمدية. # فلم يكن متغطرسا، بل كان مشهورا بالدعة والتواضع، مؤلفا لقومه كما قال ms055 واصفوه ~~«محبا سهلا ...» وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر، لعلمه وتجاربه ~~وحسن مجالسته. # ولم يكن مهددا في سيادة مضروبة على أعناق الناس، فكان من ذوي الشرف في قريش، ولكنه لم ~~يكن من قبائلها الساطية التي تستطيل بالبغي والطغيان، كان من «تيم» وهي بيت قرشي معدود، ~~ولكنه لم يمنع أبا سفيان أن يقول كما قال لعلي بن أبي طالب يستثيره حين بويع أبو بكر ~~بالخلافة: «ما بال هذا الأمر في أذل قبيلة من قريش وأقلها؟» ولم تكن «تيم» أذل قبيلة في ~~قريش كما قال أبو سفيان، ولكنها على أية حال لم تكن بمقام السطوة والسيادة التي تطمس ~~الضمائر والألباب. # ولم تكن لأبي بكر مصلحة في دوام الجاهلية؛ لأن عمله فيها كان ضمان المغارم والديات، ~~وربما كان هذا العمل أدنى إلى الخسارة منه إلى المنفعة والغنيمة، فلا راحة ولا أسف عليه. ~~أما التجارة فلا خوف عليها من الدعوة الجديدة، وصاحبها الداعي إليها تاجر يبيحها ~~ويزاولها ويحض عليها. # ولم يكن مغلق الذهن ولا وصفه أحد بهذه الصفة من محبيه أو شانئيه، بل كان معروف الذكاء ~~يلمح اللحن البعيد فيدركه ويسبق الحاضرين إلى فهمه والفطنة لموضع الإشارة فيه، كما حدث ~~غير مرة والنبي عليه السلام يتحدث أو يعظ الناس. # ولم يكن مغامسا للشهوات، بل كان يكره ما شاع منها بين الجاهلين من ذوي الأقدار ~~والأخطار، فلم يشرب الخمر ولم يركب الدنس ولم يشتهر قط بوصمة يعيبه بها من أسرعوا إلى ~~معاتبته يوم هجر عقيدة الجاهلية وجنح إلى عقيدة الإسلام. # ولم تكن عبادة الأوثان عقيدة مكينة السلطان في عهد الدعوة المحمدية، بل كان أناس ~~يهملونها وأناس يبحثون عن غيرها، وأناس يؤثرون عليها المسيحية واليهودية، فلا يصابون ~~بمكروه في أكثر ما سمعنا من أخبار أولئك المتمسحين أو المتهودين. # وعلى هذا لم يكن أبو بكر متعصبا للجاهلية وعباداتها، بل لعله كان مزدريا لها مستخفا ~~بالأصنام وبأحلام عابديها، وإذا صح ما جاء في «أنباء نجباء الأبناء» فهو لم يسجد لصنم ~~قط: وقال: «لما ناهزت الحلم ms056 أخذ أبو قحافة بيدي فانطلق بي إلى مخدع فيه الأصنام فقال: ~~هذه آلهتك الشم العوالي، وخلاني وذهب، فدنوت من الصنم وقلت: إني جائع فأطعمني! فلم ~~يجبني. فقلت: إني عار فاكسني! فلم يجبني. فألقيت عليه صخرا فخر لوجهه.» # ولم يكن الصديق بالجبان، ولا بالشجاع الذي نصيبه من الشجاعة قليل، بل كانت شجاعته تفوق ~~شجاعة الأبطال المعدودين في الجاهلية والإسلام. فثبت مع النبي في كل وقعة حين ولى من ~~ولى وأبطأ من أبطأ، وغامر بحياته في حروب الردة وله مندوحة عن خوضها، ولم يذكر في ~~أخباره قط خبر نكول أو خوف على حياة ومال. # ولم يكن شيخا فانيا متابعا لكل قديم، ولا حدثا صغيرا تطيش به شرة الشباب حين ~~دعاه محمد إلى دينه وهداه، بل كان رجلا ناضجا في بسطة الرجولة، يفقه الأمور ويعتدل بين ~~الصبا الباكر والكهولة المولية، ويزن القول بفهم نافذ وحكم صادق، وعقل راجح يعرف ~~الترجيح. ~~••• # تلك جملة الموانع التي تحول بين الإنسان وقبول الدعوات الجديدة إلى الإصلاح، وكلها هنا ~~غائبة على الأقل إن لم نقل: عن جانب الدواعي في مكانها أوضح من جانب الموانع، ومعنى ذلك ~~أن الصديق لم تكن بينه وبين الإسلام عقبات تصده عن وروده، وأن طريقه إليه كانت ممهدة ~~مفتوحة يخطو فيها خطوته الأولى فلا يلبث أن يتبعها بخطوات. # على أن الأمر لم يقتصر على قلة الموانع في طريق الصديق إلى الإسلام. فقد كانت هناك ~~الدواعي التي أشرنا إليها في مكان تلك الموانع، وكانت للصديق خلائق عاملة تقربه من ~~العقائد القويمة، وتجعله ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ولا حاجة به إلى أكثر من ذلك ~~ليفرق بين سنن الجاهلية وسنن الإسلام، ويميز بين ما هو حقيق بالترك والإعراض، وما هو ~~حقيق بالحرص عليه والإيفاض إليه. # كان الرجل صادق الطبع مستقيم الضمير، لا يلتوي به عما يعلم أنه الحق عوج ولا سوء ~~دخلة، وعرف باسم الصديق إذ عرف الناس فيه الصدق من أيام الجاهلية قبل أن يدين ~~بالإسلام؛ لأنه كان يضمن المغارم والديات فيصدقونه ويعتمدون على وعده ms057 ويركنون إلى وفائه، ~~وقيل: إنه سمي الصديق لتصديقه النبي في كل ما أنبأه به من المغيبات والبشائر ولكنهم ~~لم يختلفوا في تصديق ضمانه والاعتماد على وعده، وإن اختلفوا في سبب التسمية وفي ميقاتها ~~من الجاهلية أو الإسلام. # ومن كان على هذا الصدق في الخليقة فلا حجاز بينه وبين دعوة إصلاح، وليس من شأنه أن ~~يصم أذنيه عن قول صادق ودعاء مستقيم، ولا أن يعادي الحق ويلج في عدائه، شنشنة ~~المكابرين المستكبرين. # وكان مطبوعا على الحماسة لما يعتقد فيه الخير والصلاح، يطلب العقيدة ويطلب المعتقدين ~~بها والمهتدين إليها. يبدو ذلك من إسراعه إلى التبشير بالإسلام ساعة أن اهتدى إليه، فدخل ~~في الدين على يديه نخبة من أسبق الصحابة وأخلصهم للنبي عليه السلام وأعظمهم أثرا بعد ~~ذلك في قيام الدولة الإسلامية، كعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام ~~وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبد عبيد الله، وجعل لا يهدأ ولا يستريح حتى أدخل في دينه أمه ~~وأباه وذويه. # وتبدو حماسته لاعتقاده من إلحاحه على النبي أن يظهر بالمسلمين في نواحي المسجد وهم دون ~~الأربعين عددا، ومن قيامه بينهم خطيبا يجهر بالدعوة إلى الله، والمشركون متربصون ~~ثائرون، حتى أصابه من ذلك أذى شديد خيف عليه الموت منه، وتركه المشركون وهم لا يشكون في ~~أنه مات أو أنه مائت عما قريب. # وتبدو هذه الحماسة من اتخاذه مسجدا لصلاته وتلاوته على قارعة الطريق، يسمعه حين يقرأ ~~كل عابر، ويتوعده المشركون فلا يفزع من وعيد. ولما جاءه الرجل الذي أجاره من المشركين ~~على أن يكتم إسلامه فخيره بين الكتمان أو رجع الذمة إليه، لم يتردد في رد ذمته وقال له: ~~فإني أرد إليك جوارك، وأرضى بجوار الله عز وجل. # ورجل مطبوع على سماع الحق وتصديقه والدعوة إليه والحماسة له غير عجيب أن يسرع إلى ~~العقيدة الجديدة هذا الإسراع. # وإلى هذا كان قريبا من السليقة الدينية التي تتراءى في مكاشفة الغيب واستطلاع الرؤى ~~والهواتف وانفتاح النفس لإشارات الإيحاء والاستيحاء، ويروى عنه أنه رأى ms058 قبل البعثة وهو ~~بالشام رؤيا تنبئ بقرب ظهور النبوة في البلاد العربية، ويعرف عنه على التحقيق أنه كان ~~يعبر الرؤيا بين يدي النبي عليه السلام ويستأذنه في تفسيرها ويحتفل هو بما يراه في ~~منامه. # وإلى هذه القربى من الإيمان بالغيب كان لطيف الحس خاشع النفس عظيم الرفق والمودة، لا ~~ترين على قلبه تلك الغلظة التي تغلق أبواب القلوب وإن تفتحت الأذهان، فكان خشوعه يبكيه ~~وفرحه يبكيه، وسليقته الدينية كاملة لا يعوزها إلا القبس الذي يلمسها، فتضيء ثم لا ينطفئ ~~لها ضياء. # وكان مع الصدق وحماسة العقيدة ومقاربة الغيب وموحياته ونجاواه بليغا متذوقا للبلاغة، ~~كثير الرواية للشعر والاسترواح للكلام الحسن الفصيح، فكان في ازدرائه لكلام المتنبئين ~~غضب تلمح فيه عيفان الذوق البليغ كما تلمح فيه عيفان المؤمن الناقم على الضلال، سمع ~~فقرات من قرآن مسيلمة الكذاب فما عتم أن ابتدر قارئيه مشمئزا من سخفه وإسفافه: «ويحكم، ~~إن هذا لم يخرج من إل ولا بر!» # ولا جرم يكون هذا الذوق المستقيم سببا قريبا بين صاحبه وبلاغة القرآن وبلاغة النبي ~~عليه السلام. # إلا أن سبب الأسباب جميعا في التقريب بين الصديق وبين الدعوة المحمدية هو ذلك السبب ~~الغالب على كل ما ذكرناه؛ لأنه يمتزج بأطواء نفسه ويصبغها بصبغته وينحو بها أبدا في ~~منحاه، ونعني به الإعجاب بالبطولة، ذلك الإعجاب الذي نحسبه ملاكا لأخلاقه ومفتاحا ~~لشخصيته كما فصلناه في غير هذا الباب. # فالرجل المعجب بالبطولة يعرف بطله، ثم يثق به، ثم يرتقي بالثقة إلى ما فوقها وما هو ~~أمكن منها؛ لأن الثقة استناد إلى وثيقة تدعو إليها على حسب ما فيها من بيناتها ~~وبراهينها، أما الإعجاب فهو الرغبة في الثقة وكراهة التحول عنها، هو البحث عن الثقة ~~والتذاذها إذا وقف الواثقون عند الانتظار أو مجرد التأمين والموافقة بعد ~~الانتظار. # وقد تواترت أنباء مختلفة بصداقة أبي بكر للنبي عليه السلام قبل الدعوة المحمدية بسنين، ~~وذكر المؤرخون الثقات أنه كان معه عليه السلام حين ذهب في صحبة عمه إلى الشام واجتمع ~~بالراهب بحيرا وسمع منه ما ms059 سمع عن الدين والبشارة بالنبوة. وقد شك بعض المؤرخين من ~~الأوروبيين في اتصال المودة بين الصفيين قبل الدعوة المحمدية بزمن طويل، إلا أن الدليل ~~الذي يغني عن وثائق التاريخ أن أبا بكر كان باتفاق الأقوال أول المستجيبين لدعوة محمد ~~من غير أهله، ولن يكون ذلك بغير معرفة سابقة بين الرجلين حببت إلى النبي عليه السلام أن ~~يبدأ به ويترقب منه الإصغاء إليه، وأيسر ما يستلزمه ذلك السبق إلى الإسلام أن يكون أبو ~~بكر معروفا بصفاته لمحمد وأن يكون محمد معروفا بصفاته لأبي بكر. فلما سمع دعوته سارع ~~إلى تصديقه وهو معجب به وباستقامة طبعه ونقاء سيرته وبلاغة حديثه، وأعانه على التفرقة ~~بينه وبين خصومه، والتمييز بينه وبين منكريه أنه كان نسابة قريش لا يفوته مغمز من ~~مغامزهم قديمها وحديثها في الأنساب والأخلاق، ومحمد عنده مطهر من كل ذلك براء. ~~••• # من جملة ما تقدم تتبين لنا سهولة اتجاه الصديق إلى الدعوة المحمدية، سواء من ضعف ~~العقبات في طريقه أو من قوة الدواعي التي تجذبه إليه، فقد اجتمعت هذه وتلك على تفسير تلك ~~الأعجوبة النادرة في تاريخ الدعوات الجديدة: أعجوبة رجل في سمت الرجولة يقال له: تعال ~~إلى دين جديد غير دين آبائك وأجدادك، فلا يتوانى ولا يتردد في إجابة الدعوة، وما هو إلا ~~أن يسمعها حتى يلبيها وينقطع لها، ويصبح من أقوى دعاتها بعد صاحبها. # ومن تمام الجلاء في تفسير تلك الأعجوبة أن نفهمها على حقيقتها في جميع أحوالها ~~وملابساتها، وأن نفهم الفارق بينها وبين نظائرها لو جرت في عصرنا الحاضر، أو بيئة أخرى ~~غير البيئة التي جرت فيها ... # فنحن نسمع بقصة أبي بكر وتصديقه السريع للدعوة المحمدية فنحضر في أخلادنا رجلا من ~~المسلمين أو المسيحيين أو الإسرائيليين في عصرنا الحاضر يقال له: تعال إلى دين غير دينك ~~ودين آبائك وأجدادك، فيجيب الداعي لتوه وساعته كأنها تحية وجوابها. # وهي أعجوبة عندنا يوشك أن يأباها العقل وأن تمتنع على التصديق. # ولكن إسلام أبي بكر لم يكن من هذا القبيل، ولم يكن الدين ms060 الذي تحول عنه كالدين الذي ~~يؤمن به المسلم في هذه الأيام. # لم يكن دين المشركين من قريش دينا من أديان الروح وعقيدة من عقائد الضمير. # لم يكن له شأن بالحياة الصالحة ولا بالحياة الباقية ولا بالنظر إلى الكون في أسرار خلقه ~~ولا بالجماعة الإنسانية في قوام أمرها ومناط الخير والشر فيها والصلاح والفساد بين ~~رجالها ونسائها. # ولم يكن التابعون له ينظرون إليه هذه النظرة أو ينظرون هذه النظرة إلى دين آخر أو عقيدة ~~أخرى. # ولكنهم كانوا ينظرون إلى عقائدهم نظرتهم إلى الموروثات المألوفة والعرف المتفق عليه، أو ~~نظرتهم إلى العادات التي ترتبط بها مصالح العيش ومصالح السيادة والجاه، وكان يعز عليهم ~~أن يقال لهم: إن آباءهم وأجدادهم هالكون، وإن الدين الذي نشئوا عليه وماتوا دين سخف ~~ومهانة وضلال. فكانوا في ثورتهم على الدعوة الجديدة أشبه الناس بأبناء القرى والمدن ~~الذين يثورون على رجل يبتدع في الولائم والأفراح والجنائز بدعة تخالف المألوف وتهدد ~~مصالح الوجهاء أو ما يسمونه «شرف الأسرة» وسير البلدة وعادات الناس، وتهدد مع تهديدها ~~الوجهاء مصالح العاملين في شئون الزواج وشعائر الوفاة، وما إلى ذلك من الرسوم ~~والعادات. # وكان المشركون لا يبالون أن يخرج على دينهم من يخرج عليه ناجيا بروحه خاليا بنفسه ~~بينه وبين ربه، فعاش بينهم اليهود والمسيحيون والمتهودون والمتنصرون وهم في دعة وأمان ~~إلا من أذى الأقارب المخالفين لهم في قليل من الأحيان، وإنما كانوا يثورون على الدعوة ~~العامة التي تبدل العرف كله، وتخرج الجماعة من مألوفاتها وقواعدها التي استقرت عليها. ~~فكان الثائرون في وجه الدعوة المحمدية من مشركي قريش بين رجل من ثلاثة لا يعدوهم إلى ~~رابع: رجل صاحب سيادة تتصل سيادته ببقاء الأمور على ما هي عليه، ورجل من الأذناب الذين ~~لا يعقلون ولا يحسون الظلم والفساد ولا يفعلون إلا ما يأمرهم به السادة المسيطرون، ورجل ~~لم يصغ إلى الدعوة الجديدة حق الإصغاء، ولم يتسع له الوقت للتفرقة بينها وبين العرف ~~القديم. # وما عدا هؤلاء جميعا فهو قريب من الدعوة المحمدية لا يمنعه ms061 مانع أن يتجه إليها متى ~~أصاب الوجهة التي تهديه في طريقه، وليس معنى ذلك أن التغلب على العرف الجاهلي كان من ~~الهنات الهينات أو كان أهون من التغلب على سائر العقائد والأديان، فليس أصعب ولا أعضل ~~في الحقيقة من التغلب على عرف ترتبط به مصالح السيادة وغباوة الدهماء وتراث الأجداد ~~والآباء، وإنما معناه أن الأمر لا يعم جميع المشركين ما لم يكن واحدا من أولئك الثلاثة، ~~وهم ألوف وألوف. # وأبو بكر رضي الله عنه لم يكن واحدا من هؤلاء. # وكان مع هذا رجلا يحس بالروح والضمير، ويحس الخواء الذي تتركه العقائد الجاهلية في ~~حياة الروح والضمير. # وقد عافاه الله من سبب قوي من أسباب الثورة على الدعوة المحمدية بين المشركين المعتزين ~~بالآباء والأمهات. ~~«أأبي على الضلال؟ أأمي مع الهالكات؟» تلك خاطرة كانت تهجس في نفس المشرك من قريش فيغضب ~~ويثور ويحسب الدعوة الجديدة في عداد السباب الموجه إلى أقرب الناس إليه وأعزهم ~~عليه. # أما أبو بكر فقد عافاه الله من ذلك إبان الدعوة المحمدية؛ لأنها ظهرت وأبوه وأمه بقيد ~~الحياة مفتوح لهما باب النجاة، فما زال بهما حتى دخلا معه في دينه، واطمأنت نفسه على ~~أبيه وأمه وبنيه. # وفيما عدا هذا قيل له: دع هذه البقايا الفاسدة وأقبل ومن تحب على دين جديد فيه الخير ~~والصلاح والهداية إلى خالق الأرض والسماء. # فلم لا يترك تلك البقايا الفاسدة؟ ولم لا يقبل على الدين الجديد؟ # إنه لا يحب بقايا الجاهلية، ولا يربطه بها شح ولا كبرياء ولا ذلة ولا غباء، وإنه ~~ليفهم ويعقل ويحب الخير والصلاح ويحس في قلبه جيشان الروح والضمير، وإن الذي يدعوه لكريم ~~حليم صادق قويم حبيب إلى النفس مبرأ من العيب يحق له أن يجاب، وإنه لا يخاف لأنه ~~شجاع، ولا يقابل الأمر بفتور المستخف لأنه رجل حي الفؤاد مطبوع على الحماسة لما يؤمن به ~~والإعجاب بمن يستحق عنده الإعجاب. # فالعجب أن يدعى إلى تلك الدعوة فلا يجيبها أسرع ما يكون الجواب، وليس العجب أن يسرع ~~إلى إجابتها ms062 كما أسرع فأجاب. # وهكذا يبين لنا في إسلام أبي بكر كما بان لنا في إسلام كل رجل ذي بال من السابقين إلى ~~الدعوة المحمدية أنها دعتهم إليها بأسبابها المعقولة فاستجابوا إليها بأسبابهم المعقولة ~~التي توائم كلا منهم أصدق المواءمة، ولا تحوج أحدا من المعللين والمفسرين إلى ~~الخوارق المكذوبة، أو إلى تفسير الأمر بالوعد والوعيد ورغبة الجنة ورهبة السيف. # وكما قلنا في كتابنا «عبقرية محمد»: # إن الأقوياء لم يسلموا خوفا؛ لأنهم أقوياء، وإن الضعفاء لم يسلموا خوفا؛ ~~لأن الإسلام عرضهم للقتل والعذاب ولسيوف المشركين الذين لهم عليهم سيادة ~~وطغيان، وما كفر الذين كفروا لزهد ولا شجاعة فيقال: إن الذين سبقوهم إلى ~~الإسلام قد فعلوا ذلك لشغب بلذات الجنة وجبن عن مواجهة القوة، ولكنهم اختلفوا ~~حيث تطلب طهارة السيرة وصلاح الأمور فمن كان أقرب إلى هذه الطلبة من غني أو ~~فقير ومن سيد أو مستعبد فقد أسلم، ومن كان به زيغ عنها فقد أبى، وهذا هو ~~الفيصل القائم بين الفريقين قبل أن يتجرد للإسلام سيف يذود عنه، وبعد أن تجرد ~~له سيف تهابه السيوف، وما يقسم الطائفتين أحد فيضع أبا بكر وعمر وعثمان في ~~جانب اللذة والخوف، ويضع الطغاة من قريش في جانب العصمة والشجاعة إلا أن يكون ~~له هوى كهوى الكفار ... ~~••• # كان الصديق إذن أول رجل من شرفاء العرب دان بالإسلام بعد نبيه عليه السلام. دان به ~~سريعا إلى دعوته لتلك الأسباب التي تليق به وتليق بالدعوة المحمدية، وكتب له في اللحظة ~~الأولى أن يكون ثاني اثنين حين يكون النبي هو أول الاثنين. فكان ثاني اثنين في الإسلام، ~~وثاني اثنين في غار الهجرة، وثاني اثنين في الظلة التي أوى إليها النبي يوم بدر الذي لا ~~يوم مثله، وثاني اثنين في كل وقعة من الوقعات بين المسلمين والمشركين، وأقرب صاحب إلى ~~النبي في شدة الإسلام ورخائه، وفي سره وجهره، وفي شئون نفسه وشئون المسلمين. # ومن اللحظة الأولى وهب للإسلام كل ما يملك إنسان أن يهب من نفسه وآله وبنيه. فأخذ أمه ~~إلى ms063 النبي لتسلم على يديه وهي بين الحياة والموت، وجاءه بأبيه بعد فتح مكة ليسلم على ~~يديه وقد جلله الشيب وابيض رأسه كأنه ثغامة ، وحمل ماله كله وهو يهاجر في صحبة النبي ~~يؤثر به الدين على الآل والبنين. # والروايات في توجيه الدعوة إليه مختلفات: منها ما يؤخذ منه أن النبي عليه السلام وجه ~~الدعوة إليه خاصة فلباها، ومنها ما يؤخذ منه أنه عليه السلام قصد الناس في المسجد ~~بالدعوة العامة فاتصل نبؤها بأبي بكر فجاءه يسأله: يا أبا القاسم! ما الذي بلغني ~~عنك؟ # فسأله النبي: وما بلغك عني يا أبا بكر؟ # قال: بلغني أنك تدعو إلى توحيد الله، وزعمت أنك رسول الله. # قال: نعم يا أبا بكر. إن ربي جعلني بشيرا ونذيرا، وجعلني دعوة إبراهيم، وأرسلني إلى ~~الناس جميعا. # فما أبطأ أبو بكر أن قال: والله ما جربت عليك كذبا، وإنك لخليق بالرسالة لعظم أمانتك، ~~وصلتك لرحمك، وحسن فعالك. مد يدك فإني مبايعك. # والصدق والأمانة وصلة الرحم وحسن الفعال صفات يفهمها أبو بكر؛ لأنه يحبها ويتصف بها، ~~ويحب أهلها. فهو صادق أمين رحيم حسن الفعال، وتلك أقرب الآيات إلى لبه وقلبه، وهي ~~أولى الآيات بالتصديق عند الصادقين المصدقين، فمن الجائز أن تخدعنا الخوارق وليس من ~~الجائز أن يخدعنا من يصدق ويبر ويؤدي الأمانة، ويستقيم على سواء الطريق في فعاله ~~وخصاله. # وأصبح الإسلام منذ تلك اللحظة دينا عند أبي بكر يقابل الدنيا بما وسعت من خيرات ~~وطيبات. أصبح عنده غنيمة يفتديها بكل غنيمة يضن بها المرء من حياة أو آل أو ذرية ومال، ~~ولو قاسه بمقياس دنيا. لقد كان الإسلام بلية عليه لا يطلبها عاقل، ولكنه قاسه بمقياس ~~دين فعلم أنه أربح الرابحين وأرشد الراشدين. # طلبه دينا وكفى. فصبر فيه على ما يجزع منه طالب الدنيا، ويأبى أن يستهدف له أو يشارفه ~~من بعيد. # كان المسلمون دون الأربعين يوم أشار على النبي أن يجتمعوا في المسجد ويجهروا بالدعاء. ~~فلما وقف بينهم في المسجد يدعو إلى الله ورسوله وثب عليهم المشركون يضربونهم ويؤذونهم ms064 ~~ويوسعونهم إهانة مع الضرب والإيذاء، وتصدى عتبة بن أبي ربيعة لأبي بكر فجعل يضربه بنعلين ~~مخصوفين حتى ورم وجهه، وخفي على الناظر إليه مكان أنفه. وتسامع أهله من بني تيم فأقبلوا ~~يتعادون ويجلون المشركين عنه، ثم حملوه في ثوب إلى بيته وما يشكون في موته. # وصاح منهم صائحون في المسجد: والله لئن مات أبو بكر لنقتلن عتبة. # ثم أحاطوا به يكلمونه حتى أفاق وأجاب، فكان أول ما فاه به وهو في تلك الحال: ما فعل ~~رسول الله؟ # فلاموه وعنفوه، وسألوا أمه أن تطعمه أو تسقيه شيئا يرد إليه نفسه فأبى أن يأكل أو يشرب ~~حتى يعلم ما فعل رسول الله. # قالت: والله ما أعلم بصاحبك. # قال: فاذهبي إلى بنت الخطاب فاسأليها عنه. # فلما جاءتها أنكرتها وأشفقت أن تكون عينا من عيون المشركين عليها وعلى رسول الله. ~~فقالت: ما أعرف أبا بكر ولا محمد بن عبد الله! ثم عرضت عليها أن تذهب إلى أبي بكر لتسمع ~~منه وتطمئن إلى مقاله. فوجدته صريعا دنفا قد برح به الألم، فغلبها الإشفاق فأعلنت ~~بالصياح وهي تقول: إن قوما نالوا منك لأهل فسق، وإني لأرجو أن ينتقم الله لك. # فما زاد على أن كرر سؤاله الذي لزمه مذ أفاق من غشيته: ما فعل رسول الله؟ # قالت وهي لا تزال حذرة من أمه: هذه أمك تسمع! # قال: لا عين عليك منها. # قالت: سالم صالح! # فلم يكفه ذلك حتى يراه بعينه، وسألها: أنى هو؟ فأعلمته بمكانه من دار الأرقم بن أبي ~~الأرقم، وأحب أن يذهب إليه، وكأنه أحس من أمه ممانعة في خروجه وهو بتلك الحال، حتى يتبلغ ~~بشيء ويذوق شرابا يرويه ويقويه، فأقسم لا يذوقن طعاما ولا شرابا أو يرى رسول ~~الله. # وأكبرت المرأتان العطوفان حبه لصديقه ونبيه، فأمهلتاه حتى هدأت الرجل وسكن الناس، ~~وخرجتا به يتكئ عليهما ولا يقدر على حمل نفسه. ثم دخلتا به على رسول الله وهو بتلك ~~الحالة فانكب عليه يقبله، ورق الرسول لصديقه وصفيه رقة شديدة، فقال الصديق الصفي: بأبي ~~أنت ms065 وأمي! ليس بي إلا ما نال الفاسق من وجهي، هذه أمي برة بوالديها فادعها إلى الله! ~~وادع لها عسى أن يستنقذها بك من النار. # ولبث بين المشركين يستهين بالخطر على نفسه، ولا يستهين بخطر يصيب النبي قل أو كثر حيثما ~~رآه واستطاع أن يذود عنه العادين عليه، وإنه ليراهم آخذين بتلابيبه فيدخل بينهم وبينه ~~وهو يصيح بهم: «ويلكم أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله؟» فينصرفون عن النبي وينحون عليه ~~يضربونه ويجذبونه من شعره فلا يدعونه إلا وهو صريع. # ولما أذن له النبي في الهجرة إلى الحبشة بعد ما ابتلي به من عنت المشركين غضب لرحلته ~~الأكرمون من القوم ولحق به ربيعة بن فهيم المعروف بابن الدغنة فقال له: إن مثلك يا ~~أبا بكر لا يخرج ولا يخرج. إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، ~~وتعين على نوائب الحق، فأنا لك جار. ارجع واعبد ربك ببلدك. # وطاف ابن الدغنة عشية في أشراف قريش يبلغهم أنه أجار أبا بكر فعرفوا له جواره وقالوا ~~له: مره فليعبد ربه في داره يصلي فيها ويقرأ ما يشاء، ولا يؤذينا ولا يستعلن به، فإنا ~~نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا. # إلا أن أبا بكر بنى بفناء الدار مسجدا يصلي فيه ويرتل القرآن، ويستمع له النساء ~~والأطفال فيجتمعون إليه. منهم من يسخر ومنهم من يعجب ويسأل عن الخبر. ففزع المشركون ~~وطلبوا إلى ابن الدغنة أن ينهاه أو يسترد منه ذمته، فأبى أبو بكر أن ينتهي عن الجهر ~~بالصلاة والقراءة، وقال لابن الدغنة: فإني أرد إليك جوارك وأرضى بجوار الله عز ~~وجل! # وبقى بمكة طوال مقامه بها يعمل لدينه ولنبيه ولا يعمل لنفسه إلا ما ليس عنه غنى من طلب ~~المعاش، يدعو وجوه الناس ويعرض الأمر على القبائل، ويغني في الدعوة بصلاح سيرته ورجاحة ~~قدره ويقين الناس باستقامة قصده، ما قل أن يغنيه دليل العقل أو نقاش الجدل والملاحاة. ~~وكان يتعرض للأذى فلا يعنيه أن يتقيه كما يعنيه أن يقي منه النبي وسائر المسلمين. ~~فكان يعين الفقراء ms066 ويعتق الموالي الذين يسامون العذاب في سبيل الله، أو يحمل المغارم ~~ويهيئ لمن أراد الهجرة وسائلها، ولا يكون عمل من الأعمال ينفع الدين الجديد وينفع أهله ~~إلا وله سهم فيه. # ثم كانت هجرته إلى المدينة فكانت أخطر هجرة أقدم عليها مسلم من أهل مكة؛ إذ كان كفار ~~قريش يقيمون لكل مهاجر من الأرصاد والعيون كفاء قدره، وكانت أرصادهم وعيونهم على النبي ~~أكثر ما استطاعوا من عدة وكيد وحيطة. فكانت الهجرة في صحبة النبي شرفا من شرفين، لا ~~يدري المرجح بينهما أيهما أحق بالإعظام: إما مجازفة بالحياة، وإما يقين لا يخامره ~~الريب أن النبي ناج في حماية ربه، ولو كان في الهجرة ما فيها من فراق الموطن أو الهجوم ~~على فراق أرهب منه وأقسى، وهو فراق الدنيا. # فتلقى أبو بكر الإذن بهذه الهجرة كما يتلقى البشارة بالسلامة. قالت بنته عائشة رضي الله ~~عنها: «ما شعرت قبل ذلك أن أحدا يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي حين أذن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # بصحبته.» # وقالت بنته أسماء رضي الله عنها: «لما هاجر رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وهاجر أبو بكر معه ~~احتمل أبو بكر ماله كله خمسة آلاف درهم أو ستة. فدخل علينا جدي أبو قحافة وقد ذهب ~~بصره. وقال: والله إني لأراه قد فجعكم بماله كما فجعكم بنفسه. قلت: كلا يا أبت، إنه قد ~~ترك لنا خيرا كثيرا، وأخذت أحجارا فوضعتها في كوة البيت الذي كان أبي يضع فيه ~~ماله، ثم وضعت عليها ثوبا، ثم أخذت بيده وقلت: يا أبت، ضع يدك على هذا المال. فوضع يده ~~عليه وقال: لا بأس إذا كان قد ترك لكم هذا فقد أحسن، وفي هذا بلاغ لكم. ولا والله ما ترك ~~لنا شيئا، ولكني أردت أن أسكن الشيخ.» ~~••• # وكذلك أقبل الصديق على الإسلام وهو عالم بالذي هو مقبل عليه. لم يقل له أحد ولا قال هو ~~لنفسه: إن الأمر أهون مما توقع، وإن البلاء بعقيدته التي تحول إليها أخف ما وجد، ms067 فلم ~~يجد نصبا وكان يرجو الراحة، ولم يجد غرما وكان يرجو المنفعة، ولم يجد عداء من قومه ~~وكان يرجو منهم المودة، ولم يجد خطرا وكان يرجو السلامة، وإنما دخل في شيء يتوقع ما هو ~~ملاقيه فيه، ويراه دون حقه من المصابرة والحفاظ والاحتمال؛ لأنه الدين، لأنه الحياة ~~الفانية والحياة الباقية، لأنه الحق ودونه الباطل، والهدى ودونه الضلال. # فما أقبل إنسان قط أصدق من هذا الإقبال، وما تأهب إنسان قط لبلاء في سبيل ضميره وربه ~~أعظم من هذه الأهبة، وما نفس الصدق عند إنسان قط أغلى من هذه النفاسة. فهي سلامة ~~النفس وسلامة الآباء والأبناء وسلامة المال والعتاد وسلامة الدنيا بأسرها يعلقها بكلمة ~~صدق من رجل صادق، وإن أناسا ليصدقون غاية التصديق ثم لا يخاطرون في سبيل الصدق برزق ~~يوم ولا براحة ساعة. # إنه الصديق. # وما وصف بكلمة واحدة هي أجمع لخلائقه من كلمة الصديق. # ولقد رأينا أناسا من الناقدين يستنكرون على عربي في الجاهلية أن يقوم الهداية ~~الدينية بهذه القيمة التي لا تعلوها قيمة. # ولكنهم مخطئون. # لأن العربي الجاهلي عرف «الحق» وعرف بيع الحياة في سبيل «الحق» كما يراه: حق الجوار أو ~~حق العرض أو حق الشرف والذمار. # وأبو بكر خاصة كان ممن يرعون الحقوق ويكفلونها لأهلها، وكان ممن يكرهون البغي ~~وينقمونه على أهله. # فإذا عرف «الحق» الأكبر فغير عجيب أن يرعاه هذه الرعاية وأن يكفله هذه الكفالة، وهو ~~مهيأ لعرفانه بكرم الخليقة وطيب النحيزة واستقامة الفطرة وصفاء القريحة. # وقد عاش أبو بكر في زمن كان عقلاؤه في كل أرض يتطلعون إلى هداية من السماء، ويخيل إلينا ~~أن انتظار الهداية من السماء لم يطل في زمن من الأزمان، ولا سيما الزمن الذي يعم فيه ~~الفساد وتعيا به حيلة الإنسان، وحسبنا أننا بعد الإسلام رأينا أناسا يترقبون «المهدي» ~~الذي ينشر العدل كلما عم الجور، ويأمر بالعرف كلما فشا المنكر، ويهدي إلى سواء السبيل ~~كلما استحكم الضلال. # وقبل البعثة المحمدية كان أناس ينتظرون الهدى من نسل داود أو ينتظرونه من نسل إسماعيل ms068 ~~بن إبراهيم. # وسمع أبو بكر ما سمع من هذا في رحلته إلى اليمن، ورحلته إلى الشام، وفي حديثه مع ~~ورقة بن نوفل، وحديثه مع المنكرين لظلام الجاهلية والمستشرفين إلى كل نور ~~جديد. # وهذا محمد بن عبد الله يدعوه دعوة إبراهيم؛ دعوة الأب الأكبر الذي يشمل العرب جميعا، ~~ومن فوقها دعوة الله التي تعم جميع الناس. # فمن أولى منه بالدعوة، ومن أولى منه بالتصديق؟ # إنه استشار خلقه القويم فهداه، وإن مشورة العقل وحدها لتهدية هذه الهداية، حيثما وازن ~~وقابل فأحسن الموازنة والمقابلة بين جميع ما ينتظم فيها من شئون ذلك الزمان. # كان أبو بكر في اهتدائه إلى الإسلام هو أبو بكر في نشأته وسليقته وجملة أحواله وأحوال ~~قومه وعهده. # وكان أبو بكر في إسلامه هو أبو بكر فيما وصف به وفيما جد عليه من إيمان المصدق بدينه ~~وحماسة المعجب ببطله. # كان إسلامه إسلام الرجل الكريم السمح الودود، يستمسك بالصدق والتصديق ويخلص في الإعجاب ~~بالبطل الذي هداه إخلاصا لا شية فيه. فهو يلين في كل حالة ويشتد في حالة واحدة هو ~~فيها أشد الأشداء؛ مرجعها إلى كل ما اتصل عنده بقوة التصديق وقوة الإعجاب. # قال بعد مبايعته بالخلافة: «إنما أنا متبع ولست بمبتدع»، فجمع إسلامه أجمع صفة ~~وأحسنها في هذه الكلمات. # وربما عرض له من الأمر ما ليس يتضح فيه طريق الاتباع، فيخرج إلى الناس يسألهم ثم يقول: ~~«الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ علينا سنة نبينا.» # فلا يبتدع إلا بعد استقصائه كل مرجع من مراجع الاتباع. # وفي هذا هو شديد غاية الشدة، بعيد من اللين والهوادة غاية البعد، وهو الرجل الذي اتسم ~~في حياته كلها باللين والهوادة. # فتصديق المؤمن وإعجاب المعجب ببطله العزيز عليه، هما تفسير كل شدة يشتدها الصديق الحليم ~~الودود. # هو شديد في تسيير جيش أسامة؛ لأن النبي عليه السلام ولاه وأمر بتسييره، وما يكون له أن ~~ينزع رجلا استعمله رسول الله «ولو تخطفته الذئاب ولم يبق في القرى أحد غيره.» # وهو شديد في حرب الردة؛ لأنه لا ms069 يترك عقالا كان رسول الله يأخذه من المرتدين. # وإذا رأيناه يتردد بين الهوادة والشدة في محاسبة بعض الناس، فالشدة التي مرجعها التزام ~~جادة الرسول والاقتداء بقدوته في كل شيء هي أقرب التفسيرين إلى فهم عمله، وهي أغلب في ~~طبعه من اللين والهوادة، على اشتهاره بهما في كل ما عدا ذاك. # فالهوادة ليست هي التي تفسر لنا عمله في ترك جزاء خالد بن الوليد على البناء بامرأة ~~مالك بن نويرة، والبناء ببنت مجاعة في حرب بني حنيفة وتوزيع الأموال وتأخير الحساب، ~~وإنما الذي يفسر لنا هوادته معه أنه سيف من سيوف الله، ولا يعزل أبو بكر من استعمله ~~الرسول وله مندوحة عن عزله. # ويتبين لنا مناط الشدة واللين عنده في جناية واحدة استصغر فيها العقوبة على امرأة ~~واستكبر العقوبة نفسها على امرأة أخرى، وذلك إذ كتب إليه المهاجر بن أبي أمية المخزومي ~~يقول له: إن مغنيتين تغنت إحداهما بثلب رسول الله، وتغنت الأخرى بثلب المسلمين، فقطع ~~يديهما ونزع ثناياهما لتكفا عن الغناء. فخطأه أبو بكر؛ لأن الأولى كانت أحق بالقتل، وأن ~~الثانية كانت أحق بالصفح ... وأوصاه أن يقبل الدعة وأن يحذر المثلة «فإنها مأثم ~~ومنفرة إلا في قصاص.» # ففي تعظيم النبي كل شدة قليلة، وفي أمر غيره كل صفح جائز مستحب محمود، وليست هي المحبة ~~التي يعوزها التفكير قد فرقت هذه التفرقة بين العقابين؛ لأن هجو النبي قدح في لباب الدين ~~وأس النظام، وهجو المسلمين وزر قد يأتيه المسلم في خلاف بينه وبين قومه، ولكنها على ~~هذا حادثة قد عرضت لنا طبع أبي بكر في حالتيه: لين وهوادة، وإعظام لا لين فيه ولا هوادة، ~~وإنما هي الشدة كأشد ما تكون. ~~••• # وربما تهيب الأمر فيه نفع لا شك فيه إذا لم يسبقه النبي عليه السلام إلى صنعه أو صنع ~~مثله؛ لفرط اتقائه أن يصنع ما ترك أو يترك ما صنع، كما تهيب جمع القرآن في المصحف حين ~~أشار به عمر، فقال: «كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله # صلى الله عليه وسلم ms070 ~~؟» ثم استصوب جمعه لما ~~فيه من خير. # فسماحة أبي بكر كانت طبيعة فيه؛ لأنه طبع على الرفق والأناة والأخذ بالحيطة واستبقاء ~~المودة. # وشدة أبي بكر كانت طبيعة فيه؛ لأنه طبع على تصديق من هو أهل لتصديقه، والإعجاب بمن هو ~~أهل لإعجابه، ولن ترى شدة في إنسان كشدة الرجل السمح في تنزيه صفيه وحبيبه وموضع إعجابه، ~~ولا حرصا في إنسان كحرصه على القدوة بذلك الصفي الحبيب المعجب به، واجتناب التخلف عنه ~~والحيد عن طريقه. # وفيما عدا هذه الشدة لم يكن أبو بكر إلا حلما غالبا ورحمة غالبة، ولم تنفرج أمامه ~~طريقان: إحداهما إلى العفو، والأخرى إلى البطش، إلا أخذ بالأولى وأعرض عن ~~الثانية. # شاوره النبي عليه السلام في أسرى بدر فقال: «يا نبي الله؛ هؤلاء بنو العم والعشيرة ~~والإخوان، وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية، فيكون ما أخذنا منهم قوة، وعسى الله أن يهديهم ~~فيكونوا لنا عضدا.» # وشاوره حين اجتمعت قريش لصده وصد المسلمين عن البيت فنادى بالناس: «أشيروا أيها الناس ~~علي. أترون أن أميل إلى عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت، فإن ~~فاتونا كان الله قد قطع علينا من المشركين، وإلا تركناهم محروبين؟» # فقال أبو بكر: «يا رسول الله، خرجت عامدا لهذا البيت، لا تريد قتال أحد ولا حربا، ~~فتوجه له فمن صدنا قاتلناه ...» يقاتل من صده عن البيت ولا يقاتل من لم يصده. # وشيع جيش أسامة فلم ينس أن يوصيه بالضعفاء، وهو ذاهب إلى القتال: «لا تخونوا ولا ~~تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلا صغيرا، ولا شيخا كبيرا، ولا ~~امرأة، ولا تعقروا نخلا ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاه ولا بقرة ~~ولا بعيرا إلا لمأكلة. وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما ~~فرغوا أنفسهم له، وسوف تقدمون على قوم يأتونكم بآنية فيها ألوان الطعام فإذا أكلتم منها ~~شيئا بعد شيء فاذكروا اسم الله عليها، وتلقون أقواما قد فحصوا أوساط رءوسهم، وتركوا ~~حولها مثل عصائب فأخفقوهم بالسيف خفقا. اندفعوا ms071 باسم الله.» # وليس أكثر من الشواهد التي تشهدنا على قوة الدين في نفوس من آمن به. إلا أننا لا نعلم ~~بينها شاهدا أصدق في الدلالة على تلك القوة من أن يدين المرء نفسه بالدين أمام أعدائه، ~~كما يدينها به أمام إخوانه في اعتقاده. ومن شواهد ذلك في إسلام الصديق أنه كره المثلة ~~بأعدى الأعداء في ميدان القتال، فلما بعث إليه عمرو بن العاص برأس بنان بطريق الشام ~~أنكر فعله أشد إنكار، ولم يخفف من إنكاره قول عقبة بن عامر له: إنهم يصنعون ذلك بنا، بل ~~قال: أيستنون بفارس والروم؟ لا يحمل إلي رأس. إنما يكفي الكتاب والخبر. # فهو مسلم مع من يحب ومع من يكره ولو في قتال. وهذا بلاغ الدين القويم في نفس ~~إنسان. ~~••• # وهكذا كان مسلكه مع إخوانه وأعدائه، وفي لينه وشدته، وفي مفترق كل طريقين: إحداهما إلى ~~الشدة وأخراهما إلى اللين، فقال النبي عليه السلام يصفه ويصف عمر: «... إن مثلك يا أبا ~~بكر مثل إبراهيم قال: # فمن تبعني فإنه مني ومن ~~عصاني فإنك غفور رحيم # ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى قال: # إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر ~~لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ~~... وإن مثلك يا عمر مثل نوح ~~قال: # رب لا تذر على الأرض من الكافرين ~~ديارا ~~. ومثلك مثل موسى قال: # ربنا اطمس ~~على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى ~~يروا العذاب الأليم ~~.» # ولم يكن عمل من أعماله في قضاء حقوق دينه وأداء فرائضه إلا يدل على هذه الخليقة التي ~~اتصف بها في جملة حياته الإسلامية، وهي المبادرة في كل ما فيه قدوة بالنبي عليه السلام، ~~والأخذ بالحيطة في كل ما يحتمل التعجيل والتأجيل. # سأله النبي: متى توتر؟ قال: من أول الليل. # وسأل عمر: متى توتر؟ قال: من آخر الليل. # فقال لأبي بكر: أخذت بالحزم، وقال لعمر: أخذت بالعزم. # وصلاة الوتر كما لا يخفى تقضى من بعد العشاء إلى ما قبل الفجر، ويرى بعض الأئمة أنها ~~فريضة، ويرى بعضهم أنها سنة يقتدى فيها بالنبي. # فأبو ms072 بكر يبادر إلى أدائها ويأخذ بالحيطة مخافة أن يفوته أوانها إذا أجلها، وعمر ~~الشديد على نفسه الواثق من عزيمته يعلم أنها لن تفوته وأنه لن يغلبه عليها غالب من ~~النوم، فيؤجلها إلى ما قبل الفجر، وهو واثق من أدائها في أوانها. # لهذا قال النبي لأبي بكر: إنه أخذ بالحزم وهو الأحوط، وقال لعمر: إنه أخذ بالعزم وهو ~~الأقوى، وعرف صاحبيه في هذه الفارقة الصغيرة كما عرفهما في كبار الأمور وصغارها. # وإن العقيدة التي تتسع لهذين الرجلين ولهذين الخلقين ولهذين العقلين، ثم يكون كلاهما ~~إماما فيها، عظيما في اتباعها، لهي عقيدة تتسع لكثير. # الفصل السابع # | الصديق والدولة الإسلامية # قلنا في كتابنا «عبقرية عمر»: # إن الدولة الإسلامية تأسست في خلافة أبي بكر رضي الله عنه لأنه وطد العقيدة ~~وسير البعوث. فشرع السنة الصالحة في توطيد العقيدة بين العرب بما صنعه في ~~حرب الردة، وشرع السنة الصالحة في تأمين الدولة من أعدائها بتسيير البعوث ~~وفتح الفتوح. فكان له السبق على خلفاء الإسلام في هذين العملين ~~الجليلين. # إلا أننا نسمي عمر مؤسسا للدولة الإسلامية بمعنى آخر غير معني السبق في ~~أعمال الخلافة؛ لأننا «أولا» لا نجد مكانا في التاريخ أليق به من مكان ~~المؤسسين للدول العظام؛ ولأننا من جهة أخرى لا نربط بين التأسيس وولاية ~~الخلافة في إقامة دولة كالدولة الإسلامية؛ إذ الشأن الأول فيها للعقيدة التي ~~تقوم عليها وليس للتوسع في الغزوات والفتوح. وعمر كان على نحو من الأنحاء ~~مؤسسا لدولة الإسلام قبل ولايته الخلافة بسنين، بل كان مؤسسا لها منذ أسلم ~~فجهر بدعوة الإسلام وأذانه وأعزها بهيبته وعنفوانه ... # إلى أن قلنا: ~~... إنه كان في يوم إسلامه آخذا في تشييد هذا البناء الذي تركه وهو بين دول ~~العالم أرسخ بناء. # والذي قلناه عن عمر في تأسيسه بناء الدولة الإسلامية قبل خلافته يصدق على أبي بكر بهذا ~~المعنى منذ يوم إسلامه قبل سائر الصحابة وسائر الخلفاء. # ويكفي من ذلك أن نذكر الذين أسلموا على يديه من عظماء القوم وضعفائهم على السواء. فقد ~~كان لإسلامه ms073 أثر بالغ بين السادة، كما كان له أثر بالغ بين العبيد والأتباع، وما هو إلا ~~أن علم الوجوه والعلية من فضلاء قريش أن أبا بكر رضي الإسلام دينا حتى كان للقدوة به ~~حجة عندهم، أقوى من حجة البيان والإقناع. # إن الدين الذي يرتضيه رجل كأبي بكر في مروءته وصلاحه وشرفه واستغنائه واستقامة قصده ~~وسلامة صدره لدين جدير بالاستماع إليه والنظر في دعوته، وإن النظر في دعوته وفيما بينها ~~وبين عقائد الجاهلية من البون الشاسع لكاف وحده لكسب القلوب وتحويل الأذهان، ولا سيما ~~عند من خلا من الغرض في دوام العقائد الجاهلية وإحباط الدعوة الجديدة أو كل دعوة جديدة ~~كائنا ما كان حظها من الخير والفلاح. # فأسلم على يديه رهط من أكبر السادة وأكبر القادة في الإسلام، أسلم على يديه عثمان بن ~~عفان، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، وعثمان بن مظعون، وأبو ~~عبيدة بن الجراح، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن عبد الأسد أبو سلمة، وخالد بن سعيد، ~~ومنهم من أسلم وهو يفع أو شاب ناشئ كسعد والزبير، فكانا فتوة للإسلام حين جد الجد ~~واشتدت سواعده بسواعد فتيانه الأبرار. # واشترى نفرا من العبيد المرهقين: منهم بلال بن رباح مؤذن النبي عليه السلام. وكان ~~سيده يخرجه في حمارة القيظ؛ فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة ويلقي بصخرة عظيمة على ~~صلبه ويدعه وهو يقول: لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد. فلا يزيد على أن يقول: ~~أحد، أحد، ويرددها حتى يوشك أن يغيب عن وعيه من ألم العذاب. اشتراه أبو بكر أو استبدله ~~بما يساوي خمس أواق ذهبا فقيل له: لو أبيت إلا أوقية لبعناك! وقال: ولو أبيتم إلا مائة ~~أوقية لأخذته، ومضى في شراء العبيد والإماء بما يطلبه سادتهم من ثمن يغالون فيه ليعجزوه ~~ويدخلوا الندم على نفسه. وهو لا يبالي ما يبذل من ماله وجهده لينقذ أولئك المساكين من ~~أيدي المشركين ويريحهم من قسوة السادة المتجبرين؛ فكان كسبه لقلوب الضعفاء أربح للإسلام ~~وأجدر ms074 بسمعته ورحمته من كسبه قلوب العلية الأعلام وأبلغ في التدين والفضيلة من إقناع ~~بنافذ الحجة وإبلاغ بصادق الكلام. ولعل الدعوة الجديدة كسبت بين الأمم بهذه الرحمة أضعاف ~~ما كسبته بهداية الشرفاء الذين اقتدوا به وذهبوا إلى النبي من طريقة. # ولم يزل في كل عمل من أعماله منذ أسلم إلى أن تولى الخلافة مؤسسا لهذا البناء الشامخ ~~الذي كان هو أول من قام عليه بعد بانيه. فالدعوة الصريحة إلى الإسلام في المسجد بمسمع من ~~قريش، والهجرة مع النبي من داره، وبذل المال في البعوث وغير البعوث، وتيسير القدوة ~~للمقتدين بإسراعه إلى التلبية والتصديق كلما التبس الأمر واضطربت الأفكار، ومحاربته ~~قريشا بعلمه واطلاعه على الأنساب كما حاربهم بماله وسلاحه ومشورته ورأيه بل كل ما عمل ~~منذ أسلم إلى أن تولى الخلافة، فهو في جملته ركن من أركان الدولة الإسلامية يجعله بالحق ~~مؤسسا لها مشاركا في بنائها، بسلطان العقيدة قبل سلطان الحكومة والكلمة ~~المسموعة. ~~••• # ثم كانت البيعة بالخلافة. # وكانت بعثة أسامة بن زيد، وكانت حروب الردة، وكانت بعوث العراق والشام، فقام على هذه ~~المآثر الثلاث التي لا تقضي حقها من الإكبار كل ما قام بعد ذلك من بناء. # بعثة أسامة، وما بعثة أسامة؟ ... يستصغرها بعض المؤرخين المحدثين ويقولون: إنها من نوافل ~~البعثات؛ لأنها بدأت وانتهت بغير فتح وبغير ثمرة وبغير حظ كبير من الغنائم تلجئ إليه ~~ضرورة من الضرورات. # وإنهم لمخطئون. # وإن الصديق لعلى صواب. # ولقد يكون في صوابه إلهام أو تكون فيه روية وقصد مرسوم، ولكنه سداد على كل حال، ووجهة ~~قويمة هي أدنى الوجهتين إلى النفع والصلاح. # بعثة أسامة كانت العنوان الأول لسياسة عامة في الدولة الإسلامية هي في ذلك الحين خير ~~السياسات. # كان قوامها كله طاعة ما أمر به رسول الله. # وكانت الطاعة - جد الطاعة - مناط السلامة وعصمة المعتصمين من الخطأ الأكبر في ذلك ~~الحين. # وحيث يكون التمرد هو الخطأ الأكبر فالطاعة - بل الطاعة الصارمة - هي العصمة التي ليس من ~~ورائها اعتصام. # وقد كان التمرد هو الخطر الأكبر في ذلك ms075 الحين لا مراء: كان النفاق يطلع رأسه في مكة ~~والمدينة، وكانت القبائل البادية تتسابق إلى الردة في أنحاء الجزيرة، وكان جند أسامة ~~نفسه يود لو استبدل به أميرا غيره، وكان أسامة أول من يشك في طاعة القوم إياه ويترقب أن ~~يخلفه على البعثة أمير سواه. # تمرد، أو نذير بتمرد، في كل مكان. # وطاعة واجبة هنا حيث نبغ التمرد، أو لا سبيل إلا واجب بعد ذلك يطاع. # طاعة أو لا شيء. # فإن بقيت الطاعة فقد بقي كل شيء. # وهنا تسعفه الصديق طبيعة هي أعمق الطبائع فيه، أو هي العبقرية الصديقية في أوانها، ~~وعلى أحسن حال تكون. # هنا تسعف القدوة القويمة بالبطل المحبوب. # وهنا يقول وقد خوفوه الخطر على المدينة والجيش يفارقها: «والله لا أحل عقدة عقدها ~~رسول الله! ولو أن الطير تخطفتنا، والسباع من حول المدينة، ولو أن الكلاب جرت بأرجل ~~أمهات المؤمنين لأجهزن جيش أسامة.» # كلمة لو قالها غير أبي بكر لكانت كبيرة، ولكن الذي يقولها أبو بكر وبنته أعز أمهات ~~المؤمنين. # فلا خطر إذن أكبر من خطر الاجتراء على حق الطاعة في تلك الآونة، ولو جرت الكلاب بأرجل ~~البنات والأمهات. # ومن المؤرخين المحدثين من قال ما فحواه: إن بعثة أسامة إنما أرسلت ثأرا لأبيه زيد الذي ~~قتل في معركة مؤتة، وإن قاتله في تلك المعركة قد مات لتوه، أفما كان إرجاء البعثة من ~~المستطاع وقد أدرك ثأر القائد القتيل؟ # ومن المهاجرين والأنصار من كان يرى الرأي في بقاء البعثة بالمدينة بعد موت النبي عليه ~~السلام وفي مقدمتهم أسامة. # ومنهم من كان يرى أن يتقدم للقيادة من هو أسن منه وأخبر بفنون القتال، ومنهم عمر بن ~~الخطاب. # أما أبو بكر فقد رأى العصمة - حق العصمة - في رأي واحد لا رأي قبله ولا بعده، وهو ~~الطاعة في غير لي ولا هوادة ولا إبطاء، ولو لم يكن التمرد هو الآفة المحذورة في تلك ~~الآونة لقد كان غير ذلك الرأي أصوب، ولكنه كان آفتها التي لا آفة مثلها، ثم لا خطر إن ~~سلمت ms076 الدولة من شرها، فلتكن الطاعة إذن هي الصواب، وهي الملاذ. # وقد ضرب المثل الأول في الطاعة التي أرادها. فشيع البعثة وهو ماش على قدميه وعبد ~~الرحمن بن عوف يقود دابته بجواره. فقال أسامة: يا خليفة رسول الله. والله لتركبن أو ~~لأنزلن. فقال: والله لا تنزل، ووالله لا أركب. وما علي أن أغبر قدمي في سبيل الله ~~ساعة. # ثم استأذن أسامة قائلا: إن رأيت أن تعينني بعمر فافعل، فعاد عمر بإذنه: بإذن القائد ~~الذي هو في مقام الطاعة هناك، حتى على الخليفة وعلى أكبر الصحابة من بعده. # ثم قال لأسامة: اصنع ما أمرك به رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~... ولا تقصرن في شيء من أمر رسول ~~الله. # أفكان المؤرخون المحدثون على صواب في أمر هذه البعثة حين قالوا: إنها من النوافل بعد ~~مقتل القاتل لزيد أبي أسامة؟ # إنهم لعلى خطأ في كل تقدير قدروه ولو جاريناهم فحصرنا أغراض البعثة في ذلك الغرض ~~الوحيد؛ لأن مقتل قائد في معركة ليس بالجريمة الفردية التي يعاقب عليها القاتل وحده، ~~وإنما المسألة هنا مسألة الجيش كله، وهيبة الأمة التي أرسلت ذلك الجيش وتمثلت فيه بقوتها ~~ومناعة حوزتها، فإن لم يقع في روع الأعداء المقاتلين أن ذلك الجيش قوة تهاب وتنال حقها ~~من الثأر فقد بطل الغرض كله من القتال. # وفي هذه البعثة بعينها، ماذا كان يحدث لو أن قبائل غسان وقضاعة استضعفت شأن المسلمين ~~وفي أيديها الطريق بين بلاد العرب وبلاد الروم؟ # كل شيء جائز أن يكون. # وأوله إغراء الروم بالهجوم ولهم عون من تلك القبائل ومن يجتمع إليها من المجترئين ~~والمتحفزين، ولما تقعدهم عن الاجتراء والتحفز هيبة جيوش الإسلام. # ولقد أدرك أناس في عصر أبي بكر صواب الرأي في إنفاذ تلك البعثة بعد إنفاذها وعودتها. ~~فشاع في الجزيرة العربية خبرها، وروى مؤرخو تلك الفترة أنها كانت لا تمر بقبيل يريدون ~~الارتداد إلا تخوفوا وسكنوا: وقالوا فيما بينهم: لو لم يكن المسلمون على قوة لما خرج من ~~عندهم هؤلاء. # فإذا كان بقاء أسامة بالمدينة ms077 جائزا لدفع خطر، فإرساله كذلك جائز لدفع خطر مثله، وفازت ~~الدولة بين هذا وذاك بدرس الطاعة، وهو يومئذ ألزم الدروس. ~~••• # ثم تكرر هذا الدرس في أوسع نطاق؛ لأنه نطاق الدولة الإسلامية كلها في ذلك الحين، وجاءت ~~حروب الردة التي هي مفخرة أبي بكر الكبرى غير مدافع، أو هي مفخرته الخاصة التي انفرد ~~بها في تاريخ الدعوة الإسلامية بغير شريك. فكان «هو نفسه» كما يقول الغربيون في ~~تعبيراتهم حين يذكرون الأعمال التي تدل على صاحبها بجميع خصائصه ولباب شعوره وتفكيره، ~~وتبرزه على حقيقته التي لا مماراة فيها، خلافا لأعمال أخرى قد تكون فيها هذه «الحقيقة» ~~موضع التباس أو اختلاف. # ففي حروب الردة كان أبو بكر رضي الله عنه هو أبا بكر علي سوائه وجلائه، ولم يكن موقفه ~~غريبا كما يسبق إلي الذهن للوهلة الأولي حيثما يخطر للذهن أنه الرجل الوديع الرفيق، وذلك ~~الموقف أولى المواقف بالصلابة الصارمة والبأس الشديد. # غضب الصديق رضي الله عنه في حروب الردة غضبته التي لا بد أن يغضبها، وإلا فما هو ~~بغاضب. # أثارته ردة المرتدين؛ لأنها مسته في كل ما يثيره، وأصابته في كل ما يعزه ويغار ~~عليه. # فهناك الصديق المحب لصديقه، والمعجب الغيور على ذكرى بطله، يثيره أن يغدر الغادرون بعهد ~~ذلك الصديق وذكرى ذلك البطل، ولما تمض له في قبره أيام أو أسابيع. # وهنالك المسلم «الصديق» الذي آمن ببشارة النصر ولو كره الكافرون، كما آمن من قبل ~~بانتصار الروم على الفرس بعد بشارة القرآن فخاطر على ذلك النصر بالمال والميثاق، ولم ~~يخامره الشك لحظة أنه الرابح لا محالة في ذلك الخطار. وكذلك غضب في حرب الردة غضبة ~~الواثق من الحق، الواثق من الغلبة، الواثق من العاقبة؛ لأنه سمع البشارة السماوية لينصرن ~~الله الإسلام على الدين كله، فإذا حارب في سبيل الإسلام فهو لا محالة على حق وهو لا ~~محالة منصور. # وهناك الرجل «الدقيق التكوين» يقابل بالاستخفاف في أول خلافته وقد راض نفسه طوال حياته ~~على المروءة والكرامة والوقار، أنفة من الاستخفاف وكراهة للصغر والاستصغار، ms078 فإذا بهم ~~يستقبلونه بما أشاح عنه طوال حياته، وإذا بالأمر صريح بالمقال فضلا عن صراحته بلسان ~~الحال: هم يستكثرون عليه كنيته أبا بكر فيكنونه أبا الفصيل؟ وأعوانه يردون عليهم ذلك ~~الاستهزاء متوعدين: لترونه غدا أبا الفحول. # وهنالك الرجل الذي فيه من وثاقة العزم ما قمع به ثورة الحدة وهي أصيلة في تركيبه، ~~ومن كان له ذلك العزم فهو منجده حين يحتاج إليه، وما كان محتاجا إليه قط لو أنه استغنى ~~عنه في فتنة الردة، وهي تفاجئه بالغضب المثير. # وهنالك الرجل الذي كان مثلا في الاقتداء بالرسول حيثما سبقت سابقة يقاس عليها، وقد ~~سبقت هذه السابقة في فريضة من فرائض الإسلام وإن لم تكن فريضة الزكاة: سبقت في فريضة ~~الصلاة، وذهب أناس من المثقفين يعرضون على النبي إسلامهم على أن يعفيهم من الصلاة، فقال ~~عليه السلام: «إنه لا خير في دين لا صلاة فيه.» وكذلك لا خير في دين لا زكاة فيه، فإذا ~~جاء المرتدون يزعمون أنهم مسلمون يقبلون فرائض الإسلام ولا يقبلون الزكاة فليس أبو بكر ~~بالذي يقبل منهم ما يزعمون. # إنما كان أبو بكر إذن أصدق ما كان لنفسه وسرائر مزاجه يوم قابل الردة بدرس الطاعة التي ~~لا هوادة فيها، ولم يكن في باطن الأمر غريبا عن المعهود فيه، وإن لاح في ظاهر الأمر أنه ~~جاء بالغريب من رجل وديع رفيق. # ولقد أكثر المؤرخون من الكتابة عن حروب الردة ما لم يكثروا قط في حادث من حوادث صدر ~~الإسلام، وكانوا على حق حين وازنوا بين دعوة الإسلام الأولى في مقاومة الشرك ودعوة ~~الإسلام الثانية في مقاومة الارتداد، فإنما كانت الغلبة على فتنة المرتدين فتحا جديدا ~~لهذا الدين الناشئ، كأنما استأنفت الدعوة إليه من جديد. # ولكنهم لم يكونوا على حق حين حاولوا أن يصبغوا الردة بغير صبغتها وأن يفهموها على غير ~~وجهها، ولا سيما النقاد المغرضين الذين انحرفوا بها عمدا ليتسللوا منها إلى الطعن في ~~نشأة الإسلام؛ فقالوا: إن ارتداد الأعراب إنما كان دليلا على أنهم قد أسلموا مكرهين، ~~فما ms079 عتموا أن وجدوا سبيلا إلى النكصة على أعقابهم حتى نكصوا مسرعين. # والمسألة أوضح من هذا لو أراد أولئك النقاد طريق الوضوح. # المسألة أقرب شيء إلى طبائع الأمور في أشباه هذه الأطوار من كل دين ومن كل مذهب ومن كل ~~دعوة تتناول الناس عامة وخاصة، بل من كل فكرة تخامر الأذهان والقلوب حتى ما كان من قبيل ~~الحكمة والفلسفة والدراسات العلمية التي يعنى بها خاصة الباحثين ولا تتسرب دعوتها إلى ~~السواد. فماذا حدث في الحكمة بعد سقراط؟ وماذا حدث في مذهب النشوء بعد داروين؟ وماذا حدث ~~في علم الأخلاق بعد كانت أو بعد بنتام أو بعد برجسون؟ # فالذي حدث من ردة العرب هو الطبيعي المنظور أن يحدث، والذي تخيله النقاد المغرضون ~~واجبا مقررا هو الغريب الذي لم يحدث قط في دعوة من الدعوات. # وإلا فما هو ذاك الذي كان يتخيله أولئك النقاد المغرضون؟ أكانوا يتخيلون أن دينا ~~جديدا يملك الناس جميعا في الجزيرة العربية فيسري إلى كل نفس، ثم يسري من كل نفس إلى ~~جميع بواطنها وخفاياها فلا يبقي فيها بقية للنكسة والارتداد؟ أكانوا يتخيلون ذلك الدين ~~مقتلعا في مدى تلك السنوات القليلة كل أثر لأطماع الخليقة الآدمية وكل حنين في قلوب ~~الزعماء إلى الجاه القديم، وكل فضلة من فضلات الجاهلية، وكل باب من أبواب الدسائس التي ~~تنفذ إلى جزيرة العرب من طريق الدول الأجنبية والعصب الداخلية؟ ... أكانوا يريدون من ~~الأعراب بعد بضع سنوات أن يوغلوا في الإسلام أشد من إيغال قبائل نجران أو الغساسنة في ~~الدين المسيحي بعد بضعة قرون؟ # إن تخيلوا ذلك فاللوم على الخيال المضلل وليس على الواقع ولا على العقل السليم ولا على ~~الإسلام. # وما من شيء هو أحرى أن يدل على النشأة الطبيعية في الإسلام من هذه العوارض الطبيعية ~~التي عرضت له في حياة نبيه وبعد موته، وأولها حرب الردة وما اقترن بها من عوامل النكسة ~~والاضطراب. # لقد كان النبي مناط الاستقرار في الجزيرة العربية بعد نجاح دعوته ودخول العامة والخاصة ~~في دينه، أو كان كما ms080 قال الشاعر: # فإنك موضع القسطاس منها # فتمنع جانبيها أن يميلا # وإذا غاب «مناط الاستقرار» أو موضع القسطاس فماذا يكون؟ بل ماذا يمكن أن يكون؟ # يكون نقيض الاستقرار لا جرم. # أو يكون الميل هنا والميل هناك ولو كان العارض الذي طرأ قد عرض لأجسام من المادة لا ~~تعرف الدين باختيار، ولا تعرفه باضطرار. # فلما غاب «مناط الاستقرار» أول مرة حدث ما لا بد أن يحدث، وطرأ التقلقل الذي لا مناص ~~منه في كل بيئة ريثما يزول الأثر الطارئ وترجع الأمور إلى نصاب. # فعرض لكل طائفة من الناس تقلقل يناسبها ويجري في مجراها. # تقلقل الأنصار وهم مسلمون حق مسلمين، واجتمعوا في سقيفة بني ساعدة يبتون بتهم في مصير ~~الخلافة؛ لأنه مصير لا بد لهم من البت فيه. # وتقلقل المهاجرون من بايع منهم أبا بكر ومن لم يبايعوه، ومنهم عترة النبي وأقربهم ~~إليه وأعظمهم إيمانا بدينه والغيرة عليه. # وتقلقل في مكة أناس قريبو عهد بالنفاق، فهموا بالعصيان لولا نذير من ولى ~~السلطان. # أما القبائل فيما وراء ذلك فكان لكل منها نصيب من التقلقل يناسب نصيبها من القرب والبعد ~~والمودة والجفاء. # فأقربهم إلى مهد الإسلام كانوا يخلصون للنبي ويخرجون على من ولي الحكم بعده. # أطعنا رسول الله مذ كان بيننا # فيا لعباد الله ما لأبي بكر؟ # وأناس منهم آمنوا بالزكاة ولم يؤمنوا بمن يؤدونها إليه، واحتجوا بآيات من القرآن الكريم ~~حرفوها إلى المعنى الذي أرادوه، ومنها: # خذ من أموالهم ~~صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك ~~سكن لهم ~~[التوبة: 103] ... قالو: فلسنا ندفع زكاتنا إلا إلى من صلاته ~~سكن لنا! وأبوا أن يدفعوها وإن علموا أن دفعها فريضة من فرائض الدين، فهم لم ينكروا ~~الفريضة ولكنهم أنكروا الجباة. # أما الأبعدون من مهد الإسلام فكان لهم تقلقلهم الذي يعرض لكل بعيد لم يسكن قط إلى قرار، ~~وإنما هو في اضطراب مستور يتربص أن يثب إلى الجهر ما تهيأ له وثوب. # فأبناء اليمن كان لهم ملك قديم، وكانت لهم أسر معرقات في الحكم تتداوله تارة بسلطان ms081 ~~الحبشة، وتارة بسلطان فارس، وحينا بين هذا وذاك بسلطان أهل البلاد، وكانت لهم كهانة ~~تمتزج بكل عقيدة من العقائد الكتابية وغير الكتابية، فلما اضطرب بينهم ميزان الأمور برز ~~كل عامل من هذه العوامل في الفتنة بأثر من آثاره، ونجح بينهم الأسود العنسي صاحب النبوة ~~فيهم - وهو مسخ مشوه - لأن التشويه كان من آلات الكهنة والسحر عندهم ولم يكن من عوائق ~~النجاح في أمثال هذه الدعوات. فكان وفاقا لشروط الكهانة اليمنية على شبه من كاهنهم ~~«سطيح» الذي قيل فيه: إنه كان لحما بغير عظم، أو كان من لين العظام بحث يدرج جسمه كما ~~يدرج الثوب خلا جمجمة رأسه، وهي مع هذا تمس باليد فيؤثر فيها المس الخفيف لفرط لينها، ~~وعلى شبه من كاهنهم «شق» الذي سمي بهذا الاسم لأنه أشبه بنصف إنسان مشقوق لنحافته ~~وانسلاخ أعضائه فكانت حقارة الأسود العنسي آلة من آلات نجاحه تبطل العجب ولا تدعو إليه، ~~كلما استعظم أحد أن يظفر مثله بما ظفر به من الفوز العاجل في بداية الفتنة ~~اليمنية. # وحيثما رجعت الفتنة إلى مطامع العنسي وأمثاله من المشعوذين الطامحين إلى الصولة فقد ~~بدأت طلائعها من أيام النبي عليه السلام في أنحاء متفرقات من الجزيرة؛ لأن هؤلاء ~~المشعوذين لم يفهموا الإسلام ولم يعقلوا قط أنه دعوة إصلاح لخير الناس، وكل ما عقلوه أنه ~~حيلة كاهن أفلحت فحق لهم أن يطمعوا في الفلاح؛ لأنهم كهان لا تعوزهم وسائل السحر وحبائل ~~الخديعة. فتطلعت رءوس الفتنة من هنا وهناك والنبي عليه السلام بقيد الحياة، إلا أنها لم ~~تتفاقم ولم تبلغ مداها من الانتشار في حياته عليه السلام. # ولكنها تجمعت إلى يوم الرجة التي ارتجتها الجزيرة العربية بعد فراقه هذه الدنيا، وهي ~~رجة لا محيص عنها. فما كان معقولا ولا منظورا أن يحدث هذا الحادث الجلل بغير رجته ~~التي تقترن به لا محالة، وإذا وقعت الرجة فما كان معقولا ولا منظورا أن تقع على غير ~~هذا المثال. # وغاية ما يفهم من هذه الرجة التي لا غرابة فيها أنها الأثر المعقول ms082 المنظور لمطامع ~~الطامعين وخلائق الأعراب وذوي الجهالة من أهل البادية في كل جيل. فما عرف التاريخ قط ~~أناسا منقطعين للبداوة الأولى إلا عرف منهم الاستعداد لأمثال هذا الانتقاض كائنا ما ~~كان الدين الذي ينتحلونه والزمن الذي قضوه في انتحاله. وربما مضت مئات السنين على قبيلة ~~من البادية المغرقة في البداوة وهي تدين بالمسيحية أو الإسرائيلية ثم تنقلب مثل انقلاب ~~الردة في رجة من الرجات النفسية أو الاجتماعية التي تشبهها، ولا يستغرب العالمون بطبائع ~~الناس هذا الانقلاب بعد مئات السنين كما استغرب أناس أن ينقلب بعض أهل البادية على ~~الإسلام أو على دولة الإسلام، ولما ينقض على دخولهم فيه عشر سنين. # على هذه الحقيقة أن تفهم فتنة الردة إنصافا للتاريخ إن لم يكن إنصاف الدعوة المحمدية ~~مما يعني أولئك المستغربين. # ولإنصاف التاريخ ينبغي أن تفهم هذه الفتنة على أنها أصدق امتحان للدعوة المحمدية خرجت ~~منه دعوة من الدعوات. # فإذا كانت فتنة الردة قد كشفت عن زيغ الزائغين وريبة المرتابين فهي قد كشفت كذلك عن ~~الإيمان المتين والفداء السمح واليقين المبين فحفظت للناس نماذج للصبر والشجاعة والإيثار ~~والحمية تشرق بها صفحات الأديان، وجاءت الشهادة الأولى على لسان رجل من أصحاب طليحة ~~سأله: ويلكم ما يهزمكم؟ فقال له: أنا أحدثك ما يهزمنا. إنه ليس رجل منا إلا وهو يحب أن ~~يموت صاحبه قبله، وإنا لنلقى قوما كلهم يحب أن يموت قبل صاحبه! # وقد امتحنت دعوة الإسلام وامتحنت جميع الدعوات التي نهضت لمنافسته بقوة السلاح وقوة ~~الدهاء وقوة العصبية فقضت له بالبقاء وقضت عليها بالفناء. ولو كان نجاح الدعوة الإسلامية ~~نجاح سلاح أو دهاء أو عصبية لقد كان أصغر متنبئ من أدعياء الردة خليقا أن يطمع في ~~مثل ذلك النجاح؛ لأنهم بدءوا دعوتهم ومعهم من جموع القبائل التي تعتز بعصبياتها ما لم ~~يتهيأ لصاحب الدعوة المحمدية قبل عدة سنين، وصدقهم أناس كانوا يقولون: إن نبيا كاذبا ~~منهم خير من نبي صادق من مضر أو قريش. # وأصدق من هذا كله في امتحان الدعوة المحمدية أنها ms083 خرجت من فتنة الردة وهي بشهادة الواقع ~~والحق بنية حية تسير على سنن الحياة الصحيحة التي لا زيف فيها ولا اصطناع: يعرض لها ~~الخطر من أسبابه، وتعرض لها السلامة من أسبابها، وتنجو كما تنجو البنية الحية القوية ~~حيثما تجمعت فيها عناصر النجاة. # فليست هي جسما محجبا بالأوهام كما زعم طليحة الكذاب لجسمه أنه لا يعمل فيه السيف ~~ولا تصيبه السهام. ولكنها جسم صحيح يعمل فيه السيف وله مع ذلك ما يدفع الطعن ويبرئ من ~~الجراح. # ولا شك أن المسلمين لم يواجهوا جوانب الخطر كلها في حروب الردة دون المرتدين الذين ~~أشعلوا الفتنة وصلوا بنارها. فقد كانت حروب الردة فتنة كجميع الفتن التي لا يؤمن خطرها ~~على الفريقين المشتركين فيها، فكان فيها جانبها الخطر على أهل الردة كما كان فيها جانبها ~~الخطر على الإسلام. وما كان منها خطرا على فريق فقد كان فيه للفريق الآخر أمان. # وقد كان أمانها على الإسلام أن المرتدين متفرقون لا تؤلف بينهم وحدة معلومة المقاصد في ~~السياسة ولا في الدين، وأنهم هددوا المدينة بجموع البادية فأثاروا فيها سليقة الدفاع ~~ووحدوا بين صفوفها وهي موشكة أن تتصدع بين الشيع والأهواء. فعلم أهل المدينة كما علم ~~أهل مكة أنهم مهددون بجائحة من البادية لا يطمئون بعدها إلى مصير، وهبوا يتعاونون ~~ويتكاتفون لاتقاء تلك الجائحة سواء من بايع الخليفة ومن تثاقل عن البيعة في أوائلها. ~~وتقدم على رءوس المدافعين أناس كانوا في يوم البيعة متخلفين، وجرى القضاء بوقوع أهل ~~الردة في خطأ من أخطاء العجلة كان فيه نفع - أي نفع - للمسلمين. فهجموا على المدينة ~~مغترين بكثرتهم وقلة المدافعين عنها، ولم يحسنوا الأهبة للهجوم كما أحسن المسلمون ~~الأهبة للدفاع. فثارت حمية الأنصار والمهاجرين معا للدين الذي آمنوا به، وثارت حميتهم ~~معا للجوار الذي روعوا فيه، وكانت هذه الهجمة وبالا على الردة وفاتحة من فواتح ~~الهزيمة، ولو أنهم قنعوا بالبقاء في باديتهم والتوغل في صحرائهم لقد كان ذلك أدنى إلى ~~الحزم من ناحيتهم، وإن لم يكن حتما لزاما أن يفضي بهم ms084 آخر الأمر إلى النجاح. # وزاد في بواعث الطمأنينة إلى جانب المسلمين أن عاد جيش أسامة سالما موفورا ولما ~~ينقض على مبعثه شهران على أرجح الأقوال: عاد بالأسلاب والغنائم من تخوم الروم ولم يقتل ~~منه أحد ولا بدا عليه عناء أو مشقة مما كان فيه، ولا تجهل قبائل البادية ما هي دولة ~~الروم التي اجترأ الجيش على تخومها في غير مبالاة. إنهم يعلمون ما هي دولة الروم بالعيان ~~أو يعلمون ما هي دولة الروم بتهويل السماع، وجيش يذهب إلى تخوم تلك الدولة ثم يعود غير ~~مسحوق ولا منقوص بل يعود بالغنائم والأسلاب، كيف تستخف به قبيلة هائمة في عرض صحراء؟ ~~وكيف تخفى دلالة هذا الحادث على أناس اشتهروا بتنسم الأخبار كما اشتهروا باستطلاع ~~الدلائل على القوة والضعف وعلى الخطر والأمان؟ # إن جيش أسامة قوة ذات بال في الجزيرة العربية، ولكنه فعل بسمعته ومعناه ما لم يفعله ~~بقوته وعدده. فأحجم من المرتدين من أقدم، وتفرق من اجتمع، وهادن المسلمين من أوشك أن ~~ينقلب عليهم، وصنعت الهيبة صنيعها قبل أن يصنع الرجال وقبل أن يصنع السلاح. ~~••• # تلك فتنة الردة بجملتها، وبجانبي الخطر والسلامة فيها. # قابلها أبو بكر رضي الله عنه بأحزم ما تقابل به من مبدئها إلى منتهاها، وعالجها علاجها ~~في كل خطوة من خطواتها وكل ناحية من نواحيها. # فبادرها بالحزم من صيحتها الأولى، وتعقبها بالحزم يوما بعد يوم وساعة بعد ساعة حتى ~~أسلمت مقادها وثابت إلى قرارها. # وأحزم الحزم في تلك الفتنة عقابه للمرتدين الذين مردوا على العصيان ولم يستجيبوا نصيح ~~المودة ولا استجابوا نذير الجزاء؛ فقد كان العقاب أليق شيء بالوزر الذي اجترموه ومردوا ~~عليه: أناس قد استوهنوا سلطان الدين وبخلوا بالمال فبلغ من شحهم به أنهم أنكروا حقوق ~~الدين كله في سبيل حصة من الزكاة، فجزاؤهم أن يشهدوا من بأس ذلك السلطان ما يعتبرون به ~~ولا ينسونه مدى الحياة، وأن يفقدوا المال الذي من أجله تبادروا إلى الفتنة واستبقوا ~~إلى العصيان. فاستبيحت ديارهم ومراعيهم ومساقيهم ووهبت عطايا للمجاهدين، ولان خالد ms085 في ~~بعض المواقع وأبو بكر الوديع الرفيق لا يلين، ووضع القصاص فيمن تجاوزوا منع الزكاة إلى ~~قتل المسلمين بين ظهرانيهم، فلم تأخذه فيهم هوادة بعد إصرارهم على العصيان واعتدائهم ~~بالقتل وإعراضهم عن النصيح والنذير جزاء حق؛ لأنه من جنس العمل. # استهانة يقابلها بأس، وبخل بالمال يقابله ضياع للمال، ونفس بنفس، ومجاهدون مخلصون ~~يؤثرون الإيمان على عروض الدنيا أخذا بثأرهم من عصاة غادرين يؤثرون عروض الدنيا على ~~الإيمان. ~~••• # قال أبو رجاء البصري: «دخلت المدينة فرأيت الناس مجتمعين ورأيت رجلا يقبل رأس رجل ~~ويقول له: أنا فداؤك، ولولا أنت لهلكنا، قلت: من المقبل ومن المقبل؟ قالوا: هو عمر ~~يقبل رأس أبي بكر في قتال أهل الردة إذ منعوا الزكاة حتى أتوا بها صاغرين.» # وأبو رجاء من ثقات الرواة، وكلا الرجلين جدير بما روي عنه من مودة وإكبار، عمر جدير ~~بإكبار أبي بكر، وأبو بكر جدير بإكبار عمر إياه، فالخبر صحيح أو هو كالصحيح، إن لم يكن ~~فهو حري أن يكون. # هنالك ولا ريب أعظم رجلين واجها حروب الردة بين عظماء المسلمين في ذلك الحين. # وما كان اثنان قط أقرب منهما في القصد، ولا كان اثنان قط أبعد منهما في الرأي بما أشارا ~~أول الأمر في شأن أهل الردة. # ولا ينتهي العجب في موقفهما هذا عند فرط الاقتراب وفرط الابتعاد، ولكنه عجب عاجب من غير ~~ناحية فيه، فإذا قدر لهما أن يتفقا مقصدا ويختلفا رأيا فقد كان المظنون أن يتجه ~~عمر إلى جانب الشدة، وأن يتجه أبو بكر إلى جانب اللين، فجاء اختلافهما يومئذ على غير ~~المظنون. # ومهما يكن من حق الدراسة التاريخية في هذا الموضوع فحق الدراسة النفسية يساويه إن لم ~~يزد عليه، أو ربما كان حق الدراسة التاريخية مطلوبا لما ينتهي إليه من هذه العجيبة ~~النفسية التي هي غاية العلم الذي نصبو إليه؛ إذ ليس للتاريخ ولا لغيره من العلوم غاية ~~أشرف ولا أنفس من تعريف الإنسان بالإنسان. # كان عمر يقول لصاحبه: يا خليفة رسول الله؛ تألف الناس وارفق بهم! كيف ms086 تقاتلهم وقد ~~قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله. فمن قال ~~لا إله إلا الله فقد عصم مني نفسه وماله إلا بحقه؟!» # وكان أبو بكر يقول: «والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، ~~والله لو منعوني عناقا لقاتلتهم على منعها» ... ويملكه الغضب فيصيح بصاحبه: «يا ابن ~~الخطاب، رجوت نصرتك وجئتني بخذلانك؟ أجبار في الجاهلية وخوار في الإسلام؟ إنه قد ~~انقطع الوحي وتم الدين، أوينقص وأنا حي؟» # فكيف اختلف الصاحبان هذا الاختلاف؟ # أما أن يختلفا فلا عجب، وأما أن يتصارحا بالاختلاف فلا عجب فيه كذلك. # وإنما العجب - عند النظرة الأولى - أن يجيء منهما الاختلاف على هذا النحو الذي خالف ~~المنظور كما خالف المعهود من طبائع الرجلين، وهذا الذي يستوقف النظر في طليعة ما يستوقف ~~الأنظار من حروب الردة، ومن جميع ما أعقب وفاة النبي عليه السلام وقيام الخلافة ~~الأولى. # وصفوة ما يقال في تفسير هذه العجيبة حقيقتان غير عجيبتين: أولاهما أن المعهود من أخلاق ~~الإنسان ليس هو الإنسان كله، بل في الإنسان شيء كثير مما ليس يعهده الناس منه في عامة ~~أحواله. والحقيقة الثانية أن الخلق المعهود قد يفسر على وجوه كثيرة بعضها موافق للمتبادر ~~إلى الذهن وبعضها لا يوافق المتبادر إلى الذهن إلا بعد إنعام واستقصاء. # فالشدة في أبي بكر موجودة تظهر في مناسباتها. # واللين في عمر موجود يظهر في مناسباته. # وأولى المواقف أن يظهر فيها هذان الخلقان هو الموقف العصيب؛ لأنه موقف المراجعة الذي لا ~~يذهب فيه الإنسان مع الخاطرة الأولى. # فالموقف العصيب هو الموقف الذي يراجع فيه الإنسان نفسه ويثوب إلى المكنون من أخلاقه ~~فيصل منها إلى القرار الذي يخفى على الناس في عامة الأحوال ولا يظهر لهم للوهلة الأولى. ~~فيشتد اللين ويلين الشديد، أو يبدو كل منهما على الحالين بجميع ما فيه من شدة ~~ولين. # ومن ثم يبدو ما لم يكن بمعهود في عامة الأحوال ... # على أن الموقف الذي وقفه عمر في حرب ms087 الردة معهود فيه إذا علمنا أن الخلق الإنساني يفسر ~~نفسه على عدة وجوه. # فعمر متصرف بالرأي. # وعمر جريء فيما يرى. # وعمر وثيق الإيمان . # وعمر عادل متحرج في عدله. # وهل كان موقفه من المرتدين خلوا من خلق من هذه الأخلاق؟ # ألم يكن فيه تصرف حين أراد أن يؤجل أمر الزكاة إلى يوم تتبدل فيه الأحوال؟ # ألم يكن فيه جرأة حين جهر بهذا الرأي ولم يحفل بمداراته؟ # ألم يكن فيه ثقة بأن المصير إلى ثبات الإسلام، وإن ضل من ضل وزاغ في الطريق من ~~زاغ؟ # ألم يكن فيه تحرج من قصاص لم يتضح له حقه فيه حتى وضح له ذلك الحق فبطل الحرج ووافق ~~صاحبه في كل ما ارتآه؟ # فهذا هو عمر المعهود، ولكن بعد إنعام واستقصاء. # أما أبو بكر المعهود فنحسب أننا قد بيناه فيما تقدم، فبينا أن ما صنع من قتال أهل الردة ~~كان أقرب الأعمال إلى «الصديقيات» المطبوعة، وإن بدا في النظرة الأولى على غير ذلك، ونحن ~~لا نفهم الإنسان حقا إذا فهمنا أنه يعيش حياته كلها ولا يأتي بشيء يخالف ما عهدناه ~~وانتظرناه. ونحن لا نستغرب الموقفين من أبي بكر وعمر إذا أحضرنا هذه الحقيقة التي هي ~~أقمن شيء بالإحضار في دراسة النفوس الإنسانية، وبخاصة نفوس العظماء. # وقد وضح كل الوضوح أن أبا بكر كان على صواب عظيم. # ولكن لم يتضح كل الوضوح أن عمر كان على خطأ عظيم. # فنحن يخيل إلينا اليوم، أننا لو كنا في عصر الردة لوضح لنا يومئذ ما يتضح لنا اليوم، ~~ولم نتردد في متابعة أبي بكر إلى القتال على يقين أنه الصواب كل الصواب أو أنه الواجب ~~الذي لا مثنوية فيه. # ولكننا لو حضرنا ذلك العصر، لجاز كثيرا أن يميل منا الألوف - بل ألوف الألوف - إلى ~~القول بالمسالمة والمتاركة حتى حين، وجاز أن يعتقد منا الكثيرون أن التربص بالمرتدين حتى ~~يعود جيش أسامة ويثوبوا إلى الحسنى أسلم وأحزم، فإن لم يثوبوا إلى الحسنى فعدة القتال ~~يومئذ أوفى وأعظم، وقد يجنح بنا إلى ms088 هذا الرأي أن الخطر من نكسة المنافقين في مكة ~~والمدينة غير بعيد، وأن الخطر من غلبة المرتدين غير مستحيل، وأن القبائل إن بقيت في ~~باديتها فأمرها مستدرك حتى تعالج بالهوادة أو بالنذير أو بالقتال آخر الأمر على ثقة من ~~الغلبة فيه. # ذلك جائز واضح الجواز، وما كان كذلك فالقول به ليس بالخطأ العظيم، وإن بينت الحوادث أن ~~القول بغيره كان صوابا جد صواب. # وإنما الخلاف في أهل الردة من ضروب الخلاف التي يفضها الفقهاء؛ لأن الرأي وحده لا يكفي ~~ولن يكفي يوما لفض خلاف في مسألة حاسمة من مسائل التاريخ. # وقد شاء القضاء أن يكون أبو بكر بطل الإسلام في حروب الردة غير مدافع، فهو فيها صاحب ~~الشرف الأول بين ذوي الرأي وذوي العمل في تلك الحروب. # وكأنما عمر قد وضع بشفتيه شفاه المسلمين جميعا على ذلك الرأس الجليل يوم انحنى عليه ~~بالتكريم والتقبيل. وحسب المؤرخ والنفساني عبرة أن يلحظ هذه الثروة النفسية في صدر ~~الدعوة الإسلامية: دعوة فيها لكل موقف أبطال، وفي كل بطل منها أهبة لكل حادث طارئ تختلف ~~فيه الأهب والآراء، وفيهم جميعا التعاون والإخلاص مختلفين ومتفقين. ~~••• # وما انتهت حروب الردة حتى بدأت في تاريخ الإسلام مرحلة أخرى أجل وأعظم، تصدى لها ~~الصديق بذلك العزم الذي تصدى به لكل ما عقد النية عليه وآمن بصوابه: إقدام كأنه لا ~~يعرف المبالاة والتدبير، ومبالاة وتدبير، كأنهما لا يعرفان الإقدام. # كانت المرحلة الأولى تأمين الإسلام في عقر داره. # وكانت المرحلة الثانية تأمين الإسلام في حدوده وتخومه، ودفع الخطر من هجوم الأعداء ~~عليه. # ونقول تأمين الحدود ولا نزيد؛ لأننا نعتقد أن الصديق رضي الله عنه أخذ في تسيير البعوث ~~إلى حدود العراق والشام وهو على هذه النية دون نية الفتح بالسلاح، وأنه رضي الله عنه قد ~~التزم في سياسته الخارجية خطة النبي عليه السلام في تلك السياسة، وهي الخطة التي ظهرت في ~~بعثة تبوك ثم في بعثة أسامة بن زيد، وأصدق ما يقال فيها أنها خطة لا هجوم فيها ولا ~~تهجم، ms089 ولا باعث لها إلا دفع الأذى وحماية الطريق، والتمهيد لنشر الدين بالحسنى ~~والبرهان إن تيسر نشره بالحسنى والبرهان، فإن قامت العقبة من قوة طاغية تحول دون ذلك ~~فعلى القوة الطاغية حساب تلك العقبة، حيثما حان أوان الحساب. # ففي غزوة تبوك - كما قلنا في «عبقرية محمد»: # عاد الجيش الإسلامي أدراجه بعد أن أيقن بانصراف الروم عن القتال في تلك ~~السنة، وكان قد سرى إلى النبي نبأ أنهم يعبئون جيوشهم على حدود البلاد ~~العربية، فلما عدلوا عدل الجيش الإسلامي عن الغزوة على فرط ما تكلف من الجهد ~~والنفقة في تجهيزه وسفره. # أو كما قلنا في «عبقرية عمر»: # إن دولة الروم كانت ترسل البعوث إلى تخوم الجزيرة وتهيج القبائل لحرب ~~المسلمين من عهد النبي عليه السلام، وكان المسلمون يعيشون في فزع دائم من خطر ~~هذه الدولة وأتباعها، يدل عليه كلام عمر وهو يتحدث عن أزواج النبي حيث يقول: ~~«... وكنا تحدثنا أن غسان تنتعل النعال لغزونا، فنزل صاحبي يوم نوبته فرجع ~~عشاء فضرب بابي ضربا شديدا وقال: أثم هو! ففزعت فخرجت إليه، وقال: حدث ~~أمر عظيم ... قلت: ما هو؟ أجاءت غسان؟ قال: لا. بل أعظم منه وأطول؛ طلق النبي # صلى الله عليه وسلم # نساءه! # وهو حديث يتبين منه مبلغ الفزع من تهديد الروم للجزيرة العربية بالليل والنهار. # فلما تولى الصديق رضي الله عنه الخلافة أنفذ بعثة أسامة التي يصح أن تسمى بلغة العصر ~~الحاضر بعثة تأديبية لردع القبائل التي تعيث في الطريق بين الحجاز والشام تأمينا لتلك ~~الطريق وتوطيدا لهيبة الإسلام في نفوس تلك القبائل. فلم تجاوز البعثة هذا الغرض المحدود ~~ولم تلبث أن قفلت إلى المدينة بعد أربعين يوما في قول بعض المؤرخين وسبعين في قول ~~آخرين. # أما غزوة فارس فقد كانت استطرادا لحروب الردة في أطراف البحرين، فكانت القبائل التي ~~تدين لسلطان فارس توالي الإغارة على أرض المسلمين فيدفعونها ويقتصون منها ويتعقبونها في ~~بلادها، وكان الصديق رضي الله عنه يجهل اسم القائد المقدام الذي كان يتولى الدفاع ~~والتعقيب في تلك الأنحاء، فسأل ms090 عنه في شيء من العجب: من هذا الذي تأتينا وقائعه قبل ~~معرفة نسبه؟ فعرفه به قيس بن عاصم قائلا: هذا رجل غير خامل الذكر ولا مجهول النسب ولا ~~ذليل العماد: هذا المثنى بن حارثة الشيباني! # فكان هذا الاستطراد في حرب الردة بداءة الاشتباك بفارس ومن والاها من قبائل البحرين ~~والسواد، ومضت الحوادث شوطا قبل أن تنقلب إلى الحرب الضروس بين العرب وفارس في أوسع ~~نطاق، فلما أرسل الصديق خالدا لنجدة المثنى أمره أن «يتألف أهل فارس ومن كان في ملكهم ~~من الأمم.» وتقدم خالد في تأمين الطريق فصالح أهل الحيرة وغيرهم على «أن لا يخالفوا ولا ~~يعينوا كافرا على مسلم من العرب ولا من العجم، ولا يدلوهم على عورات المسلمين ... فإن هم ~~خالفوهم فلا ذمة ولا أمان، وإن هم حفظوا ذلك ورعوه وأدوه إلى المسلمين فلهم ما للمعاهد، ~~وعلى المسلمين المنع لهم ... وأيما رجل منهم وجد عليه شيء من زي الحرب سئل عن لبسه ذلك، ~~فإن جاء منه بمخرج وإلا عوقب بقدر ما عليه من زي الحرب ...» # فمن طلائع الغزوة الفارسية يلوح للمتتبع أنها غزوة فرضتها الحوادث على الخليفة الأول، ~~فاستجاب لها بما ينبغي أن يستجيب، وقبل المناجزة حين لم يكن له من قبولها مناص ولا ~~متحول، ولم ينس مع هذا أن يتألف الأمم، ويسالم الأمراء ويدعوهم إلى السلام والإسلام، ~~ويشخص إليهم من يعلمهم ما هو وصف الدين الذي يدعوهم إليه. فإن أصاخوا إليه فلا حرب ~~ولا عداء، وإن جردوا له السيف رجع معهم إلى حكمه الذي نزلوا عليه. ~~••• # وهكذا قدر للخليفة الأول أن تتوطد على يديه دعائم الدولة الإسلامية الناشئة في سياستها ~~الداخلية وسياستها الخارجية، فما صنعه فقد استمر فيه على خطة النبي عليه السلام، وما ~~صنعه الذين لحقوا به فإنما هو نتيجة لازمة لما بدأ فيه. # وشاء الله أن يشهد سداد رأيه بعينه وهو حظ لا يتاح للكثيرين ممن يفتتحون الدول العظام ~~ولا سيما الشيوخ. فشهد سداد رأيه فيما تم من أعماله وفيما هو آخذ في التمام؛ وفارق ms091 ~~الدنيا وهو يعلم أنه قارن التوفيق في حرب فارس كما قارنه في حرب الردة، وليس بينهما ~~تفاوت في الإقدام ولا في ثقة الإيمان . # ويحق لمن يؤرخ تلك الحوادث، ولمن يبحث في صفات الصديق ومناقبه، أن يسأل: ما مبلغ تلك ~~الثقة من الإيمان؟ وما مبلغها من الحساب؟ # إنه سير البعوث لإخضاع الجزيرة العربية وهي ترتج رجتها الكبرى، وليس معه من الجند ~~إلا قلة محدودة من أهل تلك الجزيرة. # وإنه سير البعوث إلى تخوم فارس والروم وليس معه من قوة غير المسلمين من العرب، مستثنى ~~منهم في أول الأمر كل من تابوا بعد ردة، وإنه لتفاوت بين القوتين أعظم من التفاوت بين ~~جيش الخليفة وجيوش المرتدين. # أفكانت مجازفة؟ # أفكانت يقينا لا تصحبه الروية وهي في الدين الإسلامي مطلوبة مع اليقين؟ # لا ريب أن اليقين كان أكبر العدد التي تقدم بها الصديق في بعوث الردة وفي بعوث فارس ~~والروم على السواء. # ولا ريب أنه أقصى المسلمين الذين تابوا بعد ردة فلم يلحقهم بالجند الموجهين إلى تخوم ~~الدولتين؛ لأنه علم أن العدة الكبرى في أولئك الجند هي عدة اليقين الذي لا يتزعزع ولا ~~يدركه الوهن والطمع. # ولا ريب أن يقين الصديق بنصرة الإسلام على الدين كله في يوم من الأيام قد كان أقوى ~~يقين سكن في قلب إنسان أو سكن إليه قلب إنسان. # فكل وعد من وعود القرآن قد كان عنده حقيقة عيان، بل أمكن من حقيقة العيان. # وكل كلمة سمعها من النبي بخبر من أخبار الغد المجهول، فهي عنده شاهد من شواهد الحاضر ~~الملموس باليدين. # نزل القرآن الكريم بغلبة الروم على الفرس في بضع سنين فذهب الصديق إلى مشركي قريش ~~يكبتهم بنبأ هذا النصر القريب؛ لأنهم كرهوه كراهة منهم في كل أهل كتاب، وأحبوا نصر ~~فارس حبا منهم لكل عابد وثن، وقال لهم: ليظهرن الروم على فارس! أخبرنا بذلك نبينا ... ~~فصاح به أبي بن خلف الجمحي: كذبت يا أبا فصيل! قال الصديق: أنت أكذب يا عدو الله، ~~ودعاه أبي أن يراهنه على عشر ms092 قلائص. فعاد إليه يقول: بل على مائة إلى تسع سنين؛ لأنه ~~سمع وعد القرآن، ووعد القرآن حقيقة عيان، بل أمكن من حقيقة العيان . # ولما تعقب جاسوس المشركين سراقة بن جعشم ركب النبي عليه السلام في الهجرة سمعه الصديق ~~يقول لسراقة: كيف بك إذا لبست سواري كسرى؟ # فما شك الصديق أن الإسلام غالب الأكاسرة في يوم من الأيام، وأنه منصور على الدين كله ~~كما جاء في الكتاب، وفي حديث صديقه الرسول الأمين. # ذلك كله لا ريب فيه. # سينصر الإسلام على الدين كله في يوم من الأيام. ذلك خبر عيان بل أمكن من خبر ~~العيان. # ولكن أي يوم! ومتى يحين الأوان؟ # هنا تبدأ الروية إلى جانب اليقين، بل تجب الروية على ولي الأمر في الإسلام كما يجب ~~اليقين. # ونعتقد نحن أن الخليفة الأول قد أعطى الروية حقها، كما أعطى اليقين حقه، فما كان أبو ~~بكر بالرجل الذي ينسى الحيطة كلما وجبت الحيطة على ولي الأمر، وهي هنا كأوجب ما ~~تكون. # وحسبنا من ذلك حيطته في حراسة المدينة وتبييت الجند بالمسجد حين تجرد لكفاح أهل الردة، ~~ثم وصيته لخالد بن الوليد - وقد علم حنكته في فنون الحرب وقدرته على قيادة الجيوش - ~~فلم ينسه هذا العلم أن يزوده بالنصح حين خرج لحرب المرتدين، فيدير هذا النصح كله على ~~الحيطة واليقظة كما قال من كلام رصين وجيز: «إذا دخلت أرض العدو فكن بعيدا عن الحملة؛ ~~فإني لا آمن عليك الجولة، واستظهر بأفراد، وسر بالأدلاء، وقدم أمامك الطلائع ترتد لك ~~المنازل، وسر في أصحابك على تعبئة جيدة، واحرص على الموت توهب لك الحياة، ولا تقاتل ~~بمجروح فإن بعضه ليس منه، واحترس من البيات فإن في العرب غرة ... وإذا لقيت أسدا وغطفان ~~فبعضهم لك، وبعضهم عليك، وبعضهم لا عليك ولا لك، متربص دائرة السوء ينتظر لمن تكون ~~الدبرة فيميل مع من تكون له الغلبة، ولكن الخوف عندي من أهل اليمامة، فاستعن بالله على ~~قتالهم، فإنه بلغني أنهم رجعوا بأسرهم، فإن كفاك الله الضاحية فامض إلى أهل اليمامة، ms093 ~~سر على بركة الله.» # وأدل من هذه الوصية على الحيطة والاحتراس في كفاح الأجانب وصيته ليزيد بن أبي سفيان ~~في فتوح الشام حين يقول: «إذا قدم عليك رسل عدوك فأكرمهم وأقلل لبثهم حتى يخرجوا من ~~عسكرك وهم جاهلون به، ولا تريثهم فيروا خللك ويعلموا علمك، وأنزلهم في ثروة ~~عسكرك، وامنع من قبلك من محادثتهم، وكن أنت المتولي لكلامهم، ولا تجعل سرك كعلانيتك ~~فيختلط أمرك ... وأكثر حرسك، وبددهم في عسكرك، وأكثر مفاجأتهم في محارسهم بغير علم منهم ~~بك، فمن وجدته غفل عن محرسه فأحسن أدبه وعاقبه في غير إفراط، وأعقب بينهم بالليل واجعل ~~النوبة الأولى أطول من الأخيرة فإنها أيسرها لقربها من النهار ...» # ولم ينس قط ما بين جنده وجند العدو الأجنبي من فروق العدة. فكان يعمل في تدارك هذا ~~الفرق ورأب هذا الصدع ما استطاع. فذهب يوما يتفقد جنده الذين هموا بالخروج لغزو الشام ~~فلم تعجبه عدتهم وسأل من حوله: ما ترون في هؤلاء إن أرسلتهم إلى الشام في هذه ~~العدة؟ فقال عمر: ما أرضى هذه العدة لجموع بني الأصفر، وقال بقية أصحابه: نحن نرى ما ~~رأى عمر، فكتب إلى أهل اليمن يستكمل العدة ويستنهضهم إلى الجهاد ليخفوا إليه بما يسد ~~هذا النقص من جند وسلاح. # فالرجل الذي لا تفوته فائتة من شأن القبائل التي يرسل إليها بعوثه، والرجل الذي يختار ~~القائد فيحسن اختياره، ثم لا ينسى مع ذلك وصيته وتحذيره وإتمام عدته بما يقارب عدة ~~عدوه، والرجل الذي يقرن ذلك كله بالحيطة في مدينته بما في وسعه ليس هو الرجل الذي ~~يزجي البعوث إلى تخوم فارس ولم يأخذ للأمر مثل هذه الحيطة ولم يعمل فيه مثل هذه ~~الروية، وليس بالذي يجازف وله مندوحة عن المجازفة من إرجاء أو مسالمة إلى حين. # وإنما يرجو الغلبة بالقليل على الكثير؛ لأنه يعتمد على «عدة الإيمان» ويعلم كما قال ~~ليزيد بن أبي سفيان: «قد نبأنا الله أن الفئة القليلة مما تغلب الفئة الكثيرة بإذن الله، ~~وأنا مع ذلك ممدكم بالرجال في أثر الرجال ms094 حتى تكتفوا ولا تحتاجوا إلى زيادة ~~إنسان.» # وإننا لنعلم اليوم أن الصديق لم يجازف قط بتجريد البعوث إلى تخوم فارس والروم، ونعلم ~~أن عوامل النصر كانت كلها أو معظمها في صفوفه، وأن عوامل الهزيمة كانت كلها أو معظمها في ~~صفوف أعدائه. # نعلم اليوم أن الفرس قد انهزموا؛ لأنهم كانوا يدفعون العرب عن دولة حطمتها الحروب ~~الخارجية والفتن الداخلية، وباخت نارها التي تعبدها في قلوب أهلها قبل أن تبوخ في ~~معابدها ومشاغلها، وشاع فيهم الخوف من الثبات في القتال حتى قيدوا بعضهم إلى بعض ~~بالسلاسل ليحولوا بين هارب وهربه، وقلت الدربة في قادتهم حتى تخيروا أسوأ المواقع وأسوأ ~~الأوقات للهجوم في معارك كثيرة. # ونعلم أن الروم قد انهزموا؛ لأنهم كانوا يدفعون العرب عن دولة حطمها ما قد حطم الفرس من ~~الحروب الخارجية والفتن الداخلية، وباخت عقائدها في صدورها لفرط ما أرثها من الجدل ~~العقيم والمحال الدميم، واستكانت إلى الذلة زمنا حتى رضيت بالجزية تؤديها لبرابرة الهون ~~والأبارة، واشتملت على أمم كثيرة تعاديها وتتربص بها الدوائر كلما طمع الطامعون ~~فيها. # نعلم اليوم ذلك من الواقع الذي وقع وبطل الشك فيه، ومن التاريخ الذي تفتحت أمامنا ~~صفحاته وقد زال عنها الحجاب. # ولكن الصديق لم يكن قد رأى هذا الذي رأيناه، ولا تصفح هذا الذي تصفحناه، فهل معنى ~~ذلك أنه أقدم بغير علم، وأنه نسي ما طبع عليه من الحيطة والحزم، وأنه سها عن واجب الروية ~~وقد تهيأ له واجب اليقين؟! # لا، فإن الذي كان يعلمه الصديق قد كان يكفيه ويغنيه عن هذا الذي علمناه. # كان يعلم أن الفرس قد خسروا قبل الإسلام وقعة ذي قار وهم أقوى صولة، والعرب أضعف شأنا ~~من شأنهم بعد الإسلام. # وكان يعلم أن الروم قد صبروا على بعثتين عربيتين بلغتا من بلادهم إلى التخوم، وأوغلتا ~~في بعض الأطراف، ثم فترت همتهم عن مقابلة ذلك بالقمع والقصاص السريع. # وكان يعلم أن العرب إن طلبوا الدين حاربوا صادقين في القتال، وإن طلبوا الدنيا حاربوا ~~صادقين في القتال، وأنهم موعودون بالنصر ms095 ومؤمنون بصدق الوعد ومقبلون بنفوس تحب الموت كما ~~يحب أعداؤها الحياة، وأنهم خفاف لا تثقلهم العدد محميون من وراء ظهورهم بالصحراء إن ~~وجبت الرجعة، مقدمون على أرض خبرتها طلائعهم وهونت عليه خطبهم، وأبلغته من أخبار ~~فتنها ومفاسدها ما يملي له في الإيمان بالقدرة عليها. # فإذا علم هذا فهو حسبه من الروية مقرونا بذلك اليقين الذي لو سها عن كل روية لكان له ~~بعض العذر، وكان به جل الغناء. ~~••• # وفي أقل من ثلاث سنوات قصار أنجز ما أنجز من تلك المآثر الطوال ... وفي أقل من ثلاث سنوات ~~أنفذ بعثة أسامة وفي سبيلها ما فيه من صعاب، وقمع الردة وحولها ما حولها من خطر، ~~ووطئ حدود فارس والروم ولها ما لها من هيبة ومنعة؛ ثلاثة أركان للدولة الإسلامية لم يكن ~~ليقوم لها ركن قبل أن تقوم، ولو أنها حسبت لثلاثين سنة - ولم تحسب لثلاث سنوات قصار - ~~لجللتها جميعا بالثناء والفخار. # ولم يتسع الزمن لإقامة نظام للدولة الإسلامية في عهد أبي بكر على مثال النظم السياسية ~~والإدارية التي تقام للدول الكبار في حداثة نشأتها. أو لعل المسألة هنا ليست مسألة اتساع ~~الوقت وضيقه في عهد الخلافة الأولى، ولكنها مسألة الحاجة إلى تلك النظم وقلة الحاجة ~~إليها، ففي عهد الخليفة الأول بعد النبي عليه السلام لم يطرأ على إدارة الدولة الإسلامية ~~ما يدعو إلى نظام جديد غير النظام الذي كانت تجري عليه عهده عليه السلام؛ لأن الجزيرة ~~العربية عادت بعد حروب الردة إلى مثل ما كانت عليه في أيام النبوة، ولأن الأرجاء ~~الأجنبية التي زحفت عليها بعوث المسلمين لم تزل إلى آخر خلافة الصديق في دور الغزو ~~والفتح، ولم تبلغ بعد إلى دور التوطيد والتنظيم، فكل ما جرى عليه النظام في أيام النبوة، ~~فقد كان صالحا للاتباع في أيام الخلافة الأولى، وههنا تتجلى حكمة النبي عليه السلام في ~~إسناد الخلافة الأولى إلى أصلح الناس لمتابعة العهد النبوي على حاله الذي كان عليه. حتى ~~إذا حان وقت التوسع والتصرف وجد الوقت من هو أصلح وأقدر ms096 عليه، وكأنه كان معروفا من قبل ~~موكولا إلى حينه الذي يترقبه ويستدعيه، ولن يكون إلا عمر بن الخطاب كما سماه عليه ~~السلام حيث قال: «أريت في المنام أني أنزع بدلو بكرة على قليب فجاء أبو بكر فنزع ذنوبا ~~أو ذنوبين نزعا ضعيفا، والله يغفر له، ثم جاء عمر بن الخطاب فاستحالت غربا، فلم أر ~~عبقريا يفري فريه حتى روي الناس وضربوا بعطن.» ~~••• # وعلى هذا يمكن أن يقال: إن الأداة الحكومية - أو الإدارية - لم تكن في عهد الصديق ~~محتاجة إلى نظام غير النظام الذي اتخذه النبي عليه السلام، واكتفى به في إدارة الشئون ~~العامة بمكة والمدينة والجزيرة العربية، مع التعديل الذي اقتضاه توزيع العمل وتفرقة ~~العبء الكبير بعد وفاة النبي، وغياب المرجع الأعلى الذي ترتفع إليه جميع الأمور. # فتولى بيت المال رجل سماه النبي عليه السلام «أمين الأمة» وهو أبو عبيدة بن الجراح، ~~وتولى القضاء رجل لم يشتهر أحد بالعدل اشتهاره وهو عمر بن الخطاب، وتولى الكتابة كاتب ~~النبي عليه السلام زيد بن ثابت، وكانت ولاياتهم أقرب إلى الارتجال والتداول منها إلى ~~التكليف الدائم والعمل المرسوم. # وكان قادة الجند يفتحون البلدان ويقيمون فيها الولاة والقضاة على النحو الذي ألفوه في ~~الجزيرة العربية، ومن عرضت له مشكلة من مشكلات الإدارة في بلد أجنبي تركها على النحو ~~الذي كان مألوفا في ذلك البلد، إلا ما كان فيه خلاف للدين. # وكل من ولاه النبي عليه السلام في حياته عملا من الأعمال العامة أبقاه الصديق في ~~مكانه، أو رده إليه إن كان قد تحول عنه، أو استأذنه في تحويله عنه إن بدا له من مصلحة ~~المسلمين ما أوجب تحويله، كما كتب إلى عمرو بن العاص: # إني كنت قد رددتك إلى العمل الذي كان رسول الله # صلى الله عليه وسلم # ولاكه مرة، وسماه ~~لك أخرى: مبعثك إلى عمان، إنجازا لمواعيد رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، فقد وليته ثم ~~وليته، وقد أحببت - أبا عبد الله - أن أفرغك لما هو خير لك في حياتك ومعادك ~~منه، إلا ms097 أن يكون الذي أنت فيه أحب إليك. # وأشار عمر بن الخطاب بعزل خالد بن الوليد بعد أن قتل مالك بن نويرة على غير بينة ~~قاطعة في رأي عمر، وتزوج بامرأته في ميدان القتال وهو أمر تكرهه العرب قبل الإسلام وبعد ~~الإسلام. فاختلف الفاروق والصديق اختلافهما الذي يرجع من كل منهما إلى أصل أصيل في ~~الطباع والنظر إلى الأشياء والرجال: والفاروق وديدنه أن يوقع الجزاء بمن يستحقه كائنا ~~من كان، والصديق وديدنه أن يتألف ويستبقي ولا يبتدئ شيئا بغير سابقة، وساعده على إبقاء ~~خالد سابقة للنبي عليه السلام معه في حرب بني جذيمة. فإنه تعجل يومئذ في قتل بعض الأسرى ~~فوداهم النبي عليه السلام حتى رد إليهم ميلغة الكلب، ورفع يديه يبرأ إلى الله مما ~~صنع خالد، ولكنه لم يعزله من الإمرة أو القيادة. فكانت هذه السابقة أمام الصديق يوم لام ~~خالدا على ما بدر عنه ثم أبقاه. # وما من شيء يدل على تكافؤ العظمة بين الرجلين، كما تدل عليه الحجة التي يعتمد عليها كل ~~منهما حين يختلفان. فما اختلفا قط بحجة تضعف من ناحية، وحجة تقوى من الناحية الأخرى، بل ~~كان لكل منهما حجته الناهضة فيما يجنح إليه، وإن كانت هذه حجة اقتداء، وهذه حجة ~~ابتداء. # جاءت الغنائم والأنفال إلى بيت المال لتوزيعها بين من يستحقونها من الرجال والنساء. ~~فكان الفاروق يجنح إلى تمييز الأنصبة على حسب المآثر والأقدار، وحجته أنه لا يسوي بين ~~من قاتل رسول الله، ومن قاتل مع رسول الله، وكان الصديق يجنح إلى التسوية بين الأنصبة ~~بغير تمييز، وحجته أن «الأعمال شيء ثوابه على الله، وهذا معاش فالأسوة فيه خير من ~~الأثرة.» # وما اختلفت حجة الابتداء وحجة الاقتداء - أو ترك الابتداء - كما اختلفت هاتان الحجتان ~~على مساواة في النهوض والإقناع. # وقد جرى الصديق في سياسة الدولة على سنة النبي عليه السلام من مشاورة ذوي الرأي والثقة ~~في كل ما جل أو دعا إلى السؤال، ولكنه كان يستقل بالرأي حين تكون التبعة فيه تبعته دون ~~غيره، كما ms098 استقل بالرأي في اختيار الخليفة من بعده، واستقام له بعد المشاورة والروية أن ~~يعهد بالخلافة إلى عمر بن الخطاب. # فخلاصة ما يقال في سياسة الصديق للدولة الإسلامية على عهده أنها كانت سياسة المقتدي ~~المقتدر الفعال الذي يصغي إلى النصح ممن يرون التصرف والتمييز والابتداء، ولم يكن قط ~~مقتديا على ضعف وتواكل وإلقاء بالتبعة على غيره، بل ربما اقتدى ليعمل ما هو أصعب وأعضل ~~وأنهض بالتبعة من أعمال المتصرفين. # وإذا حسبت لأبي بكر بعوث أسامة، وبعوث الردة، وبعوث فارس والروم، فلا بد أن يحسب له ~~عمل آخر لا يدخل في باب البعوث، ولكنه أقوم للدولة الإسلامية من جميع هذه البعوث؛ لأنه ~~دستور هذه الأمة التي لم تقم لها قائمة بغيره، وهو جمع القرآن. # وقد كانت سنته في جمع القرآن سنته الواضحة التي لا محيد عنها: وهي سنة الاقتداء ~~والإصغاء إلى القويم من الآراء. فلما مات من مات من حفاظ القرآن في حروب الردة وخيف ~~على من بقي منهم أن تأتي عليهم حروب فارس والروم كبر الأمر على عمر فأشار على الخليفة ~~بجمع القرآن. فأحجم بادئ الرأي، وهو يقول: كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله؟ ثم انشرح ~~صدره لما أشار به عمر فتجرد له بجميع عزمه؛ وانقضت خلافته على القول الأشهر، والقرآن ~~مجموع مفروغ من كتابته في المصاحف كما نقرؤه الآن. # وكانت الدولة الإسلامية بهذه المثابة أمانة أعظم بها من أمانة تنوء بها كواهل ~~الرجال. يقول من شاء ما شاء في دراسة هذه الفترة الخالدة، إلا شيئا واحدا لا يقوله ~~عارف بما يقول، وهو أن أحدا كان يتلقى تلك الأمانة خيرا من تلقيه أو يسلمها خيرا من ~~إسلامه، منذ أن تلقاها بيد من النبي عليه السلام حتى أسلمها بيد إلى عمر بن ~~الخطاب. # الفصل الثامن # | الصديق والحكومة العصرية # قلنا في الفصل السابق عن الصديق والدولة الإسلامية: إن الحاجة لم تدع في عهده إلى ~~نظام غير النظام الذي سنه النبي عليه السلام لسياسة الجزيرة العربية، وإنه رضي الله عنه ~~قد توفي ولما ms099 تستقر الأمور في البلاد المفتوحة على حال تدعو إلى اتباع نظام شامل لكل قطر ~~من أقطار الدولة الإسلامية. # إلا أن الصديق كان أول خليفة قام بالحكم الإسلامي بعد عهد النبوة فمن الطبيعي أن نسأل ~~عن نوع الحكم الذي توصف به حكومته وحكومة الخلفاء من بعده، وأن نعرف وجه المشابهة بين ~~تلك الحكومة وحكومات العصر التي قامت على المبادئ الدستورية الحديثة. # فأي حكومة هي حكومة الصديق أو حكومة الإسلام في عهده؟ وأي العناوين هو أقرب إليها من ~~عناوين الحكم في هذا العصر الحديث؟ # الديمقراطية - ولا ريب - هي أقرب النظم إلى نظام الحكم في عهد الصديق. # ولكن الديمقراطية أشكال تختلف في العصر الواحد بين أمة وأمة، ولها قواعد دستورية ~~ومقدمات تاريخية من العسير أن نوحد بينها وبين قواعد الخلافة ومقدماتها، ومن السهل ~~جدا مع هذا أن نصدف عن هذا التوحيد دون أن نغض من نوع الحكومة في صدر ~~الإسلام. # فليس من المحقق أن حكومة الإسلام يومئذ توصف بالديمقراطية على المعنى الذي نفهمه من هذه ~~الكلمة في هذه الأيام. # ولكن من المحقق أن الحكومة الإسلامية على النحو الذي جاء به القرآن الكريم واتفق عليه ~~المسلمون كانت بعيدة كل البعد من جميع أنواع الحكومة المعيبة أو جميع المبادئ التي تستند ~~في تقرير حكم الشعوب على أساس معيب. # فإذا كانت حكومة الخلافة لم تقرر الديمقراطية على أساسها العصري المعروف بيننا فهي - ~~بلا ريب - قد أبعدت مبادئ الأوتوقراطية، ومبادئ الثيوقراطية، ومبادئ الأليجاركية، ومبادئ ~~حكومة الغوغاء، وسائر المبادئ التي لا تستقيم مع حرية الفرد ومع الفطرة السليمة. # فالأوتوقراطية، وهي حكومة الفرد المستبد ممنوعة في الإسلام؛ لأن القرآن الكريم يأمر ~~النبي أن يشاورهم في الأمر وينص على أن: # وأمرهم شورى ~~بينهم ~~[الشورى: 38]. # وإذا كان النبي الذي يتلقى الوحي الإلهي لا يجل عن مشاورة أتباعه والرجوع إلى رأيهم ~~في سياسته، فغيره من ولاة الأمر أولى أن يتقيد بالشورى ويتجنب حكومة الطغيان. # والثيوقراطية، وهي الحكومة التي يدعي فيها الحاكمون صفة إلهية ممنوعة كذلك في الإسلام؛ ~~لأن القرآن الكريم يعلم المسلمين ms100 أن النبي بشر مثلهم ويبطل الكهانة والوساطة بين ~~الإنسان وربه، وقد نهى النبي ولاته وأمراء جيشه أن يبرموا العهود باسم الله أو باسم ~~رسوله، فكان يقول لمن ولاه: «... لا تجعل لهم ذمة الله ولا ذمة نبيه ولكن اجعل لهم ذمتك ~~وذمة أصحابك، فإنكم إن تخفروا ذممكم وذمم أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة ~~رسوله.» # ولما قيل للصديق: يا خليفة الله، أنكر ذلك وقال: إنما أنا خليفة رسول الله، وسأل الناس ~~أن يقوموه ويرشدوه. # والأليجاركية، وهي حكومة الفئة القليلة من الأعيان والسروات ممنوعة كذلك من المسلمين؛ ~~لأن بيعة الخاصة في الإسلام لا تغني عن بيعة العامة وليس في الإسلام سيادة نسب كما جاء ~~في الحديث الشريف: # اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة. # وحكومة الأهواء سواء كانت أهواء الوجوه أو أهواء السواد ممنوعة كما منعت الحكومات التي ~~أسلفناها. # فليست أهواء المحكومين مغنية عن أصول الحق والعدل ودستور الشريعة والنظام، وفي ذلك ~~يقول القرآن الكريم: # فاحكم بينهم بما أنزل الله ~~ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا ~~منكم شرعة ومنهاجا ~~[المائدة: 48]. # وإذا امتنعت كل هذه المبادئ المعيبة في حكم الناس فقد صلحت الحكومة بما شئت من الصفات ~~والعناوين: إذ الحكومة على تعدد أنواعها إنما تنحصر في نوعين اثنين هما النوعان اللذان ~~فرق بينهما أرسطو في أصول السياسة: أو هما الحكومة الصالحة لمصلحة المحكومين، والحكومة ~~الفاسدة لمصلحة الحاكمين. وكل ما عدا ذلك من الصفات والعناوين فهو داخل في أحد هذين ~~النوعين. # فإذا لم تكن حكومة الصديق ديمقراطية حديثة فالديمقراطية لا تتوخى من الحكم غاية أفضل من ~~الغاية التي تتوخاها حكومة الخلافة، ولا تبعد من المبادئ شيئا غير المبادئ التي ~~أبعدتها الحكومة الإسلامية بما نص عليه القرآن الكريم أو الحديث الشريف أو اتفاق ~~المسلمين. ~~••• # أما الحكومة من حيث علاقتها بشخص الخليفة وخلائقه النفسية فخلائق أبي بكر التي عرفناها ~~دليل عليها: عفه وصدق ودعة وحزم وأناة وكيس، وكل ما يعهد من هذه الخلائق فهو معهود من ~~الخليفة الأول ms101 في جميع ما حكم به وتولاه. # ولي الخلافة فأصبح ذات يوم وعلى ساعده أبراد يذهب بها إلى السوق، فلقيه عمر فسأله: أين ~~تريد ؟ # قال: إلى السوق. # قال: تصنع ماذا وقد وليت أمر المسلمين؟ # قال: فمن أين أطعم عيالي؟ # فأشار عليه أن يذهبا إلى أبي عبيدة أمين بيت المال ليفرض له قوته وقوت عياله. ففرضت له ~~ستة آلاف درهم في السنة. # وكان يقيم بالسنح على مقربة من المدينة فتعود أن يحلب للضعفاء أغنامهم كرما منه ورفقا ~~بهم. فسمع جارية تقول بعد مبايعته بالخلافة: اليوم لا تحلب لنا مفاتح دار. # فسمعها فقال: بلى لعمري لأحلبنها لكم. # فكان يحلبها وربما سأل صاحبتها: يا جارية! أتحبين أن أرغي لك أو أصرح؟ فربما قالت: أرغ، ~~وربما قالت: صرح. فأي ذلك قالته فعل. # ثم تكاثرت أعمال الحكومة فانتقل إلى المدينة ورأى أن يعين نفسه على النفقة بالتجارة ~~حيثما استطاعها. فلما حضرته الوفاة أمر أن يحصى ما أخذه من بيت المال فيرد من ماله ~~وأرضه، وقال لعائشة رضي الله عنها: فإذا أنا مت فردي إليهم صحفتهم وعبدهم ولقحتهم ~~ورحالهم، ودثارة ما فوقي اتقيت بها البرد، ودثارة ما تحتي اتقيت بها نز الأرض، كان ~~حشوها قطع السعف. # ومما روي عن عفته وزهده أن امرأته اشتهت حلوا واستفضلت من نفقتها في عدة أيام ما ~~تشتريه به، فلما علم ذلك رد الدريهمات إلى بيت المال وأسقط من نفقته كل يوم ما فضل منها ~~لثمن الحلوى. # وما كان صديق النبي وصفيه ليبيح لنفسه ما لم يبحه النبي، وإن استطاع من خاصة ماله، ~~فضلا عن بيت مال المسلمين. # وكان حكمه إلى الرفق والأناة والكياسة، غير غافل عن اليقظة والحزم حيثما وجبت يقظة ~~وحزم. # فكان يتقصى أخبار الولاة ويسأل الرعية: هل من أحد يتشكى ظلامة؟ فإن وجد ظلامة أنصف ~~المظلوم على سنته التي استنها، وهي أن الكبير صغير حتى يأخذ الحق منه. # وكان يوصي قائده: «ألا تغفل عن أهل عسكرك فتفسده، ولا تتجسس عليهم فتفضحهم، ولا تكشف ~~الناس عن أسرارهم واكتف بعلانيتهم.» # أو ms102 يقول: اقبل علانيتهم وكلهم إلى سرائرهم، ويأمره مع ذلك ألا يغفل عن استطلاع أمرهم ~~لإصلاح ما فسد منه. # وإلى كياسته يرجع الفضل في تغليب مبدأ من أسلم مبادئ القضاء قديمها وحديثها، أخذ ~~به رجال المسلمين في قضائهم واتبعته الحكومات العصرية جميعا في قضائها، ونعني به المبدأ ~~الذي يحرم على القاضي أن يحكم بعلمه في إقامة الحدود، وقد آثره الصديق رضي الله عنه ~~فقال: «لو رأيت رجلا على حد من حدود الله لم آخذه حتى يكون معي شاهد غيري». ~~••• # وما حفظت له وصية قط إلا ظهر فيها خلقاه الغالبان: الكياسة والصدق، فإذا حذر الولاة أن ~~يكشفوا عن أسرار الناس لم ينس قط تحذيرهم من إخلاف الوعد والوعيد، وجماع ذلك قوله ~~لعكرمة: «مهما قلت إني فاعل فافعله، ولا تجعل قولك لغوا في عقوبة ولا عفو، ولا ترج إذا ~~أمنت ولا تخافن إذا خوفت، ولكن انظر ماذا تقول وما تقول، ولا تعدن معصية بأكثر من ~~عقوبتها، فإن فعلت أثمت وإن تركت كذبت.» # وجرى حكمه كله على هذه السنة من الرفق والصدق ومن اليقظة والحزم، ومن الكيس والفطنة، لم ~~تؤخذ عليه إلا بادرة واحدة هي إحراقه الفجاءة في ساعة من ساعات الحدة التي كان يغالبها ~~جهده، حتى غلبته مرة في عقاب هذا اللص الخاتل السفاح. # وكان الفجاءة هذا - أو إياس بن عبد ياليل - قد جاء الصديق فاستعانه بالسلاح لقتال ~~المرتدين، فلما أعطاه السلاح أخذه ليقطع الطريق ويعيث في الأرض ويثخن فيمن صادفه قتلا ~~ونهبا من المسلمين كان أو المرتدين، وتفاقم شره وعظم بغيه حتى وقع في الأسر وجيء به إلى ~~الخليفة وهو يرى أنه قد استحق جزاء أكبر من جزاء القتل؛ لأن جرمه أكبر من جرم قاتل. وقد ~~استثاره هذا الرجل بكل ما يثيره ويذهب بحلمه ورفقه: استثاره بكذبه عليه وهو يمقت الكذب، ~~واستثاره بخداعه إياه وهو يكره أن يعبث به أحد، واستثاره بتسخيره في قتل المسلمين بما ~~أعطاه من سلاح وعدة، فأكبر جرمه بمقدار ما يكبر عنده الصدق والكرامة والغيرة على دماء ~~المسلمين، ms103 وأمر به أن يلقى في نار توقد له في مصلى البقيع. # خطأ ولا ريب ... # ولكنه خطأ له عذره، وخطأ في رأي أبي بكر نفسه قد ندم عليه بعد فورة الغضب التي ذهبت ~~بحلمه ورفقه، وقد ظل يذكر هذا الخطأ ويأسف له إلى أن قال وهو يجود بنفسه: «وددت أني لم ~~أكن حرقت الفجاءة السلمى وأني كنت قتلته سريحا أو خليته نجيحا ...» # ومهما يكن من رأي الأقدمين أو المحدثين في هذا الحادث فالخطأ الذي لا جدال فيه أن ندين ~~به الإسلام كله أو ندين به أبا بكر كله في جميع حالاته. ففي كل عصر تقع الحوادث من أشباه ~~هذا الحادث المفرد، ولا تحسب على دين أو دولة سواء في العصر القديم أو العصر الحديث ... # إنما يحسب على الإسلام ما هو قاعدة من قواعده، ويحسب على أبي بكر ما هو سنة مطردة في ~~حكومته، وما عدا ذلك فهو نبوة عارضة عذره فيها فداحة الجرم وشفيعه فيها طول الندم، ~~فمن غلا في المؤاخذة حتى فتح من هذا الحادث المفرد بابا للمقارنة بين عصر وعصر، وبين ~~حاكم وحاكم فقد أضاف إلى سوء النية جهله بالعصر الحديث. # وعلى هذا يثبت من شاء هذا الحادث لحكومة أبي بكر ويحذفه من شاء منها، فلا تزال على ~~الحالين قدوة لأصلح الحكومات العصرية في مزيتين جامعتين: إحداهما إبطال المبادئ الضارة ~~التي تفسد الحكومة على اختلاف صفاتها وعناوينها ودعاواها، والثانية تقرير الغاية التي ~~تفضلها غاية لحكومة إنسانية: وهي حرية الفرد ومصلحة المحكومين. # الفصل التاسع # | الصديق والنبي وصحبه # سئل النبي عليه السلام: يا رسول الله: أي الناس أحب إليك؟ # قال: عائشة. # قالوا: إنما نعني من الرجال. # قال: أبوها. # وكان عليه السلام يقول: ما لأحد عندنا يد إلا وقد كافيناه بها ما خلا أبا بكر، فإن له ~~يدا يكافيه الله بها يوم القيامة. # ويفسر ذلك قوله عليه السلام: ما أحد أعظم عندي يدا من أبي بكر: واساني بنفسه وماله، ~~وأنكحني ابنته. # وكان عمر بن الخطاب يقول: أبو بكر سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى ms104 رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~. # وهذه حقيقة لو لم يؤيدها لسان المقال لأيدها ما يسمونه بلسان الحال. فإن أبا بكر كان ~~ألزم الناس للنبي وأعرفهم بسره وجهره وأقربهم إلى ثقته وحسن رأيه، وكان النبي عليه ~~السلام يسمر عنده في شئون المسلمين ويركن إلى مشورته في كثير من الأحايين، وإذا بلغ من ~~شأن رجل أن يكون أحب الناس إلى النبي عليه السلام فهو أهل لحبه وأهل لثقته لا مراء؛ لأن ~~هذا الحب في النفوس العظيمة قرين الثقة والتقدير لا يخلو منهما ولا ينفصل عنهما، فمن ~~استحق منها الحب الراجح فقد استحق عندها الثقة الراجحة في آن. # فلم يكن حب النبي أبا بكر حب الرجل يجزي به من يحبه ويخلص له ويوليه الجميل من ذات نفسه ~~وماله ثم لا مزيد. ولكنه كان كذلك حب الرجل من يستحق منه الحب لفضيلته وكفايته واقتداره ~~على معونته فيما تجرد له من عمل عظيم لا يضطلع به كل معين. # وحين قدمه للإمامة من بعده لم تكن وسيلته إليها حب الإخلاص والجزاء، بل كانت وسيلته ~~إليها حب الثقة والروية وحب الدعوة التي تجرد لها وحب المسلمين الذين آمنوا بتلك الدعوة. ~~فإن نبيا كمحمد عليه السلام لا يجعل مستقبل دينه مكافأة لصداقة إنسان، وإنما يكل هذا ~~المستقبل لمن هو أهل لأمانته وأقدر على صيانته، وهو من أجل ذلك أهل للحب وأهل للبقيا ~~والادخار. # أما حب أبي بكر محمدا فهو كما قدمناه حب الإيمان والإعجاب والولاء، وهو الحب الذي تهون ~~فيه على المرء نفسه وماله وذووه، وينزعه من ماضيه ليستولي على حاضره كله وما هو أعز عليه ~~من الحاضر وما فيه، وهو الأمل فيما يشهد والأمل فيما وراء الغيب، بل الأمل في حياة لن ~~تبيد. # فمنذ اللحظة التي انعقدت فيها الصداقة بينهما رضي الصديق الأمين أن يسخو في سبيل هذه ~~الصداقة بكل نفيس عنده وكل أثير لديه وأنفق ماله وفارق وطنه وأبناءه وهاجر من مكة ~~مخاطرا بحياته، فما همه وهو محفوف بالخطر في طريقه إلا صاحبه الذي معه ms105 يفديه بما وسعه ~~من فداء؛ ليسبقه تارة ويخلفه تارة أخرى ليدرأ عنه الشر من حيثما توقعه واتقاه، ثم يقيم ~~على هذا العهد ما أقام في دنياه، غير باخل بعزيز، ولا ناكص عن محذور ولا نادم على مبذول ~~أو مفقود. # ومن فضول القول أن يقال: إنه أقام على عهده هذا بعد موت النبي، كما أقام عليه طوال ~~حياته، فكل حركة تحركها وكل كلمة قالها شهيد بذلك له عند من ينصف ويعقل، بل عند من يعقل ~~ولو لم يكن من المنصفين. # إذ ليس من العقل أن يقدح قادح في ولاء الصديق للنبي بما حرم فاطمة رضي الله عنها من ~~ميراث أبيها. فلئن حرمها لقد حرم عائشة مثلها؛ لأن الأنبياء في شرعة محمد لا يورثون، وما ~~أراد أبو بكر أن يضن بميراث محمد على وارثيه ومنهم بنته وأحب الناس إليه، ولكنه أراد أن ~~يضن بدينه ويضن بوصاياه، وهي أولى أن تصان من المال ومن البنين، كذلك لا يقال: إنه حرم ~~عليا رضي الله عنه حقا في الخلافة، فما كان في وسعه أن يحرمه شيئا لو كان عليه ~~السلام قد وصى له بشيء، وما كانت فاطمة بغائبة عن سرير أبيها في مرض موته فيقال: إنهم ~~قد كتموا عن النبي بعض ما قال، ولا كان علي بالذي يعوزه المنطق لو أنه أراد البرهان من ~~القرآن الكريم أو أراد الحجة من الحديث الشريف. ومن أين لأبي بكر تلك القوة التي ينتزع ~~بها الخلافة انتزاعا من آل النبي ومن الأنصار والمهاجرين بغير حجة وبغير برهان؟ لئن ~~استطاع ذلك غير محتال ولا مغتال ولا سافك دم لكفى بذلك آية له أنه أحق المسلمين بولاية ~~أمر الإسلام وأقدرهم عليها، وما استطاعه بعد ذلك من تثبيت الدين وقمع الفتنة وافتتاح ~~الدولة لهو الآية بعد الآية والتمكين فوق التمكين. # لقد حدث بعد النبي ما لا بد أن يحدث، وما ليس بكثير أن يحدث في موقف مقتضب لم يمهد ~~له بسابق متبوع ولا بقدوة مأمومة، فتأخر علي على المبايعة أشهرا وقيل: إنه ms106 لم يتأخر ~~غير أيام بل ساعات، فلا هو ولا أبو بكر صنعا ما يعاب في هذه الفترة طالت أو قصرت؛ لأن ~~أبا بكر كان يندب عليا للمهمات في حراسة المدينة وعلي كان يلبي ندبة أبي بكر تلبية ~~الصدق والنجدة. ولو صح أن أبا بكر أخفى حقا يشينه إخفاؤه لما أقر علي له ببيعة، ~~ولا رضي له ولا لمن بعده بصحبة، فكيف لو صح ما تهوس به بعض المتهوسين من إخفاء آيات من ~~القرآن أو كلمات من الحديث؟ # جهد ما يقال في أحداث تلك الفترة أنها مدعاة أسف لا يؤسى عليها؛ لأنها أقل ما يؤسف له ~~إلى جانب الغبطة التي يغتبط بها من أحاط بالموقف وأحاط بدواعي الخطر فيه ودواعي السلامة ~~منه. # أما عهده لعمر من بعده فلا محل هنا للموازنة بين استخلاف عمر واستخلاف علي في تلك ~~الآونة، ولكننا نقول: إن الصديق قد جهد في مسألة العهد جهد رأيه، وإنه كان يود أن يكل ~~الأمر إلى المسلمين يختارون من يشاءون، فجمع إليه نخبة من أهل الرأي وقال لهم فيما قال: ~~«... قد أطلق الله أيمانكم من بيعتي، وحل عنكم عقدتي، ورد عليكم أمركم، فأمروا عليكم من ~~أحببتم، فإنكم إن أمرتم في حياة مني كان أجدر ألا تختلفوا بعدي.» # فلم يستقم لهم أمر كما جاء في رواية الحسن البصري، ورجعوا إليه يقولون: «إن الرأي يا ~~خليفة رسول الله رأيك» فاستمهلهم حتى «ينظر لله ولدينه ولعباده.» # ثم استقر رأيه على استخلاف عمر بعد مشاورة عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان وسعيد بن ~~زيد وأسيد بن الحضير. # وسأل عليا فقال: «عمر عند ظنك به ورأيك فيه، إن وليته - مع أنه كان واليا معك - نحظى ~~برأيه ونأخذ منه، فامض لما تريد، ودع مخاطبة الرجل، فإن يكن على ما ظننت إن شاء الله فله ~~عمدت، وإن يكن ما لا تظن لم ترد إلا الخير.» # وأملى أبو بكر كتاب العهد على عثمان بن عفان فكتبه وختمه وخرج به مختوما ونادى في ~~الناس: أتبايعون لمن في هذا ms107 الكتاب؟ ... وقيل إن أبا بكر أشرف من كوته فقال: «يا أيها ~~الناس! إني قد عهدت عهدا أفترضونه؟ فقالوا: رضينا يا خليفة رسول الله . وقام علي فقال: ~~لا نرضى إلا أن يكون عمر.» # ثم كانت البيعة التي أجمع عليها المسلمون. ~~••• # فالمسألتان اللتان حسبتا من قبيل الخلاف بين الصديق وعترة النبي عليه السلام هما ~~هاتان المسألتان: الميراث والخلافة. # ففي مسألة الميراث ما كان له أن يبرم فيها غير ما أبرم وقد علم أن النبي لا يورث كما ~~قال عليه السلام، وكان حكم عائشة في هذا كحكم فاطمة رضي الله عنهما، وقد حضرته الوفاة ~~وهو يوصي عائشة أن تنزل للمسلمين عما وهب لها من ماله، وإنه لحل لها بالهبة ~~والميراث. # وفي مسألة الخلافة لا تحمد المجاملة حيث تكون المجاملة إخلالا بالذمة التي بينه وبين ~~ربه، وإخلالا بالوحدة الإسلامية ومصالح المسلمين مجتمعين. # وفيما عدا هاتين المسألتين لم يكن من أبي بكر في حق علي وفاطمة إلا أحسن المجاملة ~~والإجمال، ولم يكن منه تقصير قط في تعهد البيت النبوي بما يصون وقاره، ويحمي جواره، بل ~~كان منه في حق أهل البيت كل ما يرضي ويريح. # وجرى أبو بكر في معاملته لصحابة النبي على طبعه الذي فطر عليه، وهو الرفق والمروءة ~~والحياء، فأحسن صحبتهم وأثبت لهم ما أثبته النبي لهم في حياته، ولم يكن منه في حقهم ما ~~يشكونه إلا ما شكا منه بعضهم حين التسوية بينهم وبين العبيد والنساء في حصة بيت المال، ~~وذلك رأي له قدمنا حجته فيه، فأقدارهم عند الله يجزيهم عليها الله، وهذا معاش تحسن فيه ~~المساواة بين الناس. # وكان أقربهم إليه وأجمعهم لثقته وحسن ظنه عمر بن الخطاب؛ عرفه على حقيقته التي جهلها ~~بعض الصحابة، وعرف ما في باطن نفسه من رحمة تخفيها خشونة ملمسه وشدته في عمله. فلما سأل ~~عنه عبد الرحمن بن عوف أجابه: «إنه أفضل من رأيك فيه، ولكن فيه غلظة» فقال عن خبرة به: ~~«هو كذلك لأنه يراني رقيقا، ولو أفضي الأمر إليه لترك كثيرا مما هو ms108 فيه.» # وقد آثر أبو بكر أن يبقى عنده نخبة الصحابة في المدينة فلا يقصيهم في الولايات ولا ~~يفرقهم بين الأقطار؛ لأنهم أحق الناس أن يستشيرهم ويرجع إليهم ويشركهم معه في رقابة ~~العمال والولاة، وسئل في أهل بدر: لم لا يوليهم عملا فقال: أكره أن أدنسهم بالدنيا، ~~ولعله يريد بالتدنيس تعريضهم لفتنة الدنيا وشهوة الحكم وغواية المال والمتاع. # ولا ندري على التحقيق أي الصاحبين كان صاحب الفكرة الأولى في هذه السياسة التي اتفقا ~~عليها ولم ينحرفا عنها قط في عهديهما إلا لضرورة نادرة. ونعني بها سياسة الإقلال من ~~إسناد الأعمال إلى كبار الصحابة. # فعمر كان مشتدا في اتباع هذه السياسة حتى ليخطر على البال أنه هو صاحب الفكرة السابقة ~~فيها، وكان أبو بكر يخالفها حينا فيحاول عمر أن يرده إليها. قال: «لما خرج معاذ بن جبل ~~إلى الشام أخل خروجه بالمدينة وأهلها في الفقه وما كان يفتيهم به، ولقد كنت كلمت أبا ~~بكر رحمه الله أن يحبسه لحاجة الناس إليه، فأبى علي، وقال: رجل أراد جهادا يريد ~~الشهادة فلا أحبسه، فقلت: والله إن الرجل ليرزق الشهادة وهو على فراشه.» # إلا أن أبا بكر كان يحاذر انطلاق بعض الصحابة محاذرة الرجل الذي امتلأ بيقين رأيه ولم ~~يستمده من مشورة غيره. فلم ينس أن يحذر عمر هذا التحذير في وصيته إياه بعد استخلافه حيث ~~قال: «واحذر هؤلاء النفر من أصحاب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # الذين انتفخت أجوافهم، وطمحت ~~أبصارهم، وأحب كل امرئ منهم لنفسه، وإن منهم لحيرة عند زلة واحد منهم، فإياك أن تكونه، ~~واعلم أنهم لن يزالوا منك خائفين ما خفت الله ...» # وفاض هذا الرأي من لسانه حين أحس من بعض المهاجرين طمعا في الاستخلاف دون عمر بن ~~الخطاب، فقال لعبد الرحمن بن عوف وقد دخل عليه يعوده: «... ما لقيت منكم أيها المهاجرون ~~أشد علي من وجعي، إني وليت أمركم خيركم في نفسي، فكلكم ورم أنفه أن يكون له الأمر ~~دونه، ورأيتم الدنيا قد أقبلت، ولما تقبل، وهي مقبلة حتى ms109 تتخذوا ستور الحرير ونضائد ~~الديباج وحتى يألم أحدكم بالاضطجاع على الصوف الأذربي كما يألم أحدكم إذا نام على حسك ~~السعدان. والذي نفسي بيده لأن يقدم أحدكم فيضرب عنقه في غير حد خير له من أن يخوض غمرات ~~الدنيا. ثم أنتم غدا أول ضال بالناس يمينا وشمالا، لا تضيعوهم عن الطريق. يا هادي ~~الطريق جرت!» # فهذا كلام رجل ممتلئ النفس باليقين مما يقول، فليس هو برأي انتقل إليه من غيره استحسنه ~~وارتضاه، ولكنه - فيما نرجح - رأي اتفقا عليه وقلباه بينهما فازداد كل منهما يقينا به ~~فوق يقين. ~~••• # على أن هذه النصائح القوية بين يدي الموت تكشف من حياة أبي بكر ما ليست تكشفه الأخبار ~~المطولة والأقوال المستفيضة، فهي تشهد له أنه قد سار في حياته تلك السيرة التي يريدها من ~~الصحابة ويحث عليها أناسا في منزلة عبد الرحمن بن عوف وعمر بن الخطاب، وأن تلك السيرة ~~كانت من البدائه المعروفة التي يصدر عن صاحبها النصح فيسمعه أمثال هذين الصحابيين ~~الكبيرين. وقد كانت هذه في الواقع منزلة أبي بكر بين الصحابة عامة وخاصة: استحقها بينهم ~~بسابق إسلامه وقديم صحبته للنبي صلوات الله عليه، واستحقها برياضة نفسه على الكرامة ~~والوقار حتى امتلأت النفوس حوله بكرامته ووقاره، ولم يكن أحد غير أبي بكر يسكت عمر بن ~~الخطاب وقد ثار ثورته بعد موت النبي، أو يسكته وقد نهض للكلام أول مرة في سقيفة بني ~~ساعدة، وما أسكته يومئذ لأنه خليفة فما كان يومئذ بالخليفة ولا كان عمر بالذي تسكته هيبة ~~منصب أو سطوة سلطان، ولكنه رجل وقور يستمع له رجل حق. وناهيك بمن يهابه عمر بن الخطاب! ~~إنه لأحق امرئ بين الصحابة أن يهاب. # الفصل العاشر # | ثقافته # تعرف ثقافة الرجل المثقف بعلامات كثيرة، ولو لم تكن لها بالفكر والاطلاع صلة ~~ظاهرة. # وندر أن يظهر من الإنسان أثر محسوس إلا كان فيه علامة من العلامات على نصيبه من ثقافة ~~زمانه. # على أن هذه العلامات تتفاوت في الدلالة كما تتفاوت في القيمة، وأدلها وأقومها - فيما ~~نرى - كلام ms110 الإنسان ورأيه في كلام غيره؛ لأن الكلام صورة نفسية وقدرة عقلية في وقت واحد. ~~فهو يكشف عن نفس قائله كما يكشف عن قدرة عقله ومبلغ عرفانه بتصوير خلجات قلبه وخطرات ~~ذهنه، فتقديره لكلامه وكلام الناس ميزان صادق لتقدير الرجل في جملة أحواله وأفعاله، ~~وعلامة على الثقافة الروحية والفكرية قلما تضارعها علامة أخرى. # وتقدير الكلام من أصدق العلامات على ثقافة الصديق، سواء نظرنا في وزنه لكلامه أو في ~~وزنه لكلام غيره، أو في وزنه للكلام عامة من حيث هو جزء من «الشخصية الإنسانية» يحرص ~~عليه المرء كما يحرص على مقومات نفسه. # فالصديق كان أحرص الناس على كلام يبدر من لسانه، وكان أعلم الناس بموضع كلام الرجل من ~~مروءته وشرفه، فكان قوله نزرا، ووصيته بالإقلال من المقال أسبق وصاياه إلى ولاته ~~وعماله. # قال لخالد بن الوليد: «أقل من الكلام فإنما لك ما وعي عنك.» # وقال ليزيد بن أبي سفيان: «إذا وعظتهم فأوجز، فإن كثير الكلام ينسي بعضه بعضا.» # وكان يقول: «إن البلاء موكل بالمنطق» ويجتنب التزيد في المقال كما يجتنب التعرض ~~للبلاء. # كان أقرب الصحابة إلى النبي عليه السلام وألزمهم له في نهاره وليله، ولكنه على هذه ~~الملازمة لم يرو من الأحاديث النبوية إلا نيفا ومائة وأربعين حديثا لم يتجاوز ما أثبته ~~البخاري ومسلم نحو سبعها. # وقيل في تعليل ذلك أنه رضي الله عنه مات قبل تدوين الأحاديث. # وهو تعليل يرد عليه أنه كثيرا ممن سمعوا الأحاديث النبوية ماتوا كذلك قبل الاشتغال ~~بتدوينها، وإنما هي قلة كلامه فيما نرى أقلت ما سمع الناس عنه فحرروه ~~ونقلوه. # ذلك وزنه للكلام عامة من حيث هو ملكة نفسية وجزء من الشخصية الإنسانية. # أما كلامه هو فمن أرجح ما قيل في موازين الكلام، سواء في ذلك موازين البلاغة أو موازين ~~الخلق والحكمة، وله من جوامع الكلم أمثلة نادرة تدل الواحدة منها على ملكة صاحبها فيغني ~~القليل منها عن الكثير كما تغني السنبلة الواحدة عن الجرين الحافل، حين تكون المسالة ~~مسألة الدلالة على المنبت والنبات. # فحسبك أن ms111 تعلم معدن القول من نفسه وفكره حين تسمع كلمة كقوله: «احرص على الموت توهب لك ~~الحياة.» # أو قوله: «أصدق الصدق الأمانة، وأكذب الكذب الخيانة.» # أو قوله: «خير الخصلتين أبغضهما إليك.» # أو قوله: «الصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله.» # أو قوله: «إذا فاتك خير فأدركه، وإن أدركك فاسبقه.» # أو قوله: «لا تخزن عن المشير خبرك؛ فتؤتى من قبل نفسك.» # أو قوله: «ليست مع العزاء مصيبة.» # فهي وما أثر عنه من أمثالها كلمات تتسم بالقصد والسداد، كما تتسم بالبلاغة وحسن ~~التعبير، وتنبئ عن المعدن الذي نجمت منه فتغني عن علامات التثقيف التي يستكثر منها ~~المستكثرون؛ لأن هذا الفهم الأصيل هو اللباب المقصود من التثقيف. # وكانت له رضي الله عنه لباقة في الخطاب إلى جانب هذه البلاغة في الكلام، وهذا الجد في ~~وزن المقال. # عزى عمر في طفل احتسبه فقال له: «عوضك الله منه ما عوضه منك» # وسال رجلا يحمل ثوبا: أتبيع هذا الثوب؟ # فأجابه: لا عافاك الله! # قال: هلا قلت: لا وعافاك الله. # وهذا تمام البصر بالكلام، قصد في العبارة، ووزن للكلام، وذوق في الخطاب، ولا تتعرف ~~النفس المثقفة إلى الناس بآية هي أقرب من هذه الآية وأحق منها بالتصديق. # ومن السهل على من يملك هذا البيان في كلامه أن يتتبع شواهد البيان في كلام ~~الآخرين. # ولعل الصديق قد ملك هذا البيان؛ لأنه طبع عليه وطبع على حبه فتتبعه في كلام البلغاء من ~~الخطباء والشعراء. # فكان يروي الشعر ويحفظ الأمثال ويراجع النبي عليه السلام في الأبيات التي يبدل مواضع ~~كلماتها ليخرجها عن وزنها، ومنه - لا ريب - قبست السيدة عائشة ذلك القبس من مأثورات ~~الشعر والخطب - فيما كانت تتمثله وترويه، وإليه ترجع السليقة التي ظهرت في ذريته ومنهم ~~ولداه عبد الله وعبد الرحمن وكانا ينظمان الأبيات بعد الأبيات. # وهو نفسه لم ينظم الشعر فيما أجمع عليه الثقات، ولكنه - وإن لم ينظم - قريب السليقة ممن ~~قالوه ولو بالتذوق والحفظ والرواية. # ولهذه الثقافة مراجعها التي ترجع إليها أفضل ثقافات زمانه في الجزيرة العربية. # طبع سليم ms112 وملاحظة صادقة وخبرة بالدنيا من طريق المعاملة والسياحة، وإصغاء إلى الحسن من ~~القول، والوثيق من الأخبار، وعلم بالأنساب والتواريخ مشهور بين المشهورين من أربابه، ~~واستيعاب للقرآن كله ولفقه الدين كله، ودراية بما استوعب من معانيه عن فهم وعن سماع ممن ~~نزل عليه القرآن الكريم، صلوات الله عليه. # قرأ يوما: # يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم ~~ لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ~~[المائدة: 105]. # فقال: إن الناس يضعون هذه الآية في غير موضعها، ألا وإني سمعت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يقول: «إن القوم إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه، والمنكر فلم يغيروه، عمهم الله ~~بعقابه.» # وسأل أصحابه يوما: ما تقولون في هاتين الآيتين: # إن الذين ~~قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون ~~[الأحقاف: 13]. و # الذين آمنوا ولم ~~يلبسوا إيمانهم بظلم ~~[الأنعام: 82]. # قالوا: لم يلبسوا إيمانهم بظلم الخطيئة. # فقال: لقد حملتموها على غير المحمل: استقاموا فلم يلبسوا إيمانهم بشرك. # وإن فقه القرآن لينبوع يستمد منه الصديق في سلامة طبعه وصفاء ذهنه مددا يرجع ~~بأمداد. # فثقافته في زمانه هي ثقافة الفقيه الأديب المؤرخ بما اصطلحوا عليه من معنى التاريخ في ~~ذلك الزمان. # ولا يتشابه معنى التاريخ عندهم ومعنى التاريخ عندنا كما نتوسع فيه اليوم، ولكن النسب ~~الذي كان يعلمه الصديق كان هو النسب المحيط بالمحامد والمثالب في القبائل العربية كافة، ~~وهو أنفع ما في علم التاريخ حين يراد بعلمه الطموح إلى منزلة الحمد والسمعة الرفيعة ~~والتنزه عن معارض الذم وقالة السوء، وكذلك كان علم الصديق بأنساب العرب ~~أجمعين. # لما خرج النبي عليه السلام ليعرض نفسه على القبائل في أول الدعوة الإسلامية كان معه أبو ~~بكر وعلي بن أبي طالب أسبق الناس إلى الإسلام. # قال علي رضي الله عنه: «فرفعنا إلى مجلس من مجالس العرب، فتقدم أبو بكر فسلم، وكان ~~مقدما في كل خير، وكان رجلا نسابة فقال: ممن القوم، قالوا: من ربيعة، قال: وأي ربيعة ~~أنتم؟ أمن هاماتها أو من لهازمها؟ # قالوا: من هاماتها العظمى. # قال: وأي ms113 هاماتها العظمي أنتم؟ # قالوا: من ذهل الأكبر. # قال: فمنكم عوف بن محلم الذي يقال فيه: لا حر بوادي عوف؟ # قالوا: لا. # قال: فمنكم المزدلف الحر صاحب العمامة الفردة؟ # قالوا: لا. # قال: فمنكم بسطام بن قيس أبو القرى ومنتهى الأحياء؟ # قالوا: لا. # قال: فمنكم جساس بن مرة حامي الذمار ومانع الجار؟ # قالوا: لا. # قال: فمنكم الحوفزان قاتل الملوك وسالب أنفسها. # قالوا: لا. # قال: فمنكم أصهار الملوك من كندة؟ # قالوا: لا. # قال: فمنكم أصهار الملوك من لخم؟ # قالوا: لا. # قال أبو بكر: فلستم ذهلا الأكبر. إنما أنتم ذهل الأصغر.» # وكان هذا علمه بأنساب كل قبيلة ومحامد السابقين منها ومثالبهم ولا سيما قريش ومن ~~جاورها. ولهذا كانوا يقولون كلما سمعوا أبياتا من الشعراء المسلمين يردون بها الهجاء ~~على المشركين: هذا تلقين ابن أبي قحافة وما عداه؛ لأنه كان في هذا العلم بين قريش عامة ~~بغير نظير. # ونحن لا ننتظر بداهة من كل رجل تيسرت له هذه المراجع أن يبلغ من الثقافة مبلغ أبي بكر ~~الذي تدل عليه أقواله وأعماله وخلائقه وسجاياه. ولكننا إذا علمنا أن تلك مراجعه وأن ذلك ~~مبلغه فقد علمنا شيئا آخر نقصده ونتحراه، وهو أنه رجل خلق من معدن العظمة والامتياز، ~~ولم يخلق رجلا كسائر الرجال. # الفصل الحادي عشر # | الصديق في بيته # من السهل بعد مراجعة يسيرة لحياة الصديق في جملتها أن نعلم أنه «رجل بيت» أو «رجل أسرة» ~~وأن أواصره البيتية لا تستند إلى الشعور بالواجب وحده، ولكنها تستند مع الشعور بالواجب ~~إلى الشعور بغبطة القرابة ومودة الرحم ونعمة الألفة والمصاحبة، فلم يكن ولدا بارا؛ ~~لأن البر بالآباء واجب وكفى، ولا أبا رحيما؛ لأن الرحمة بالأبناء غريزة وكفى، ولا ~~زوجا وفيا لأن الوفاء للأهل واجب وكفى، ولكنه كان كذلك كما كان في جميع أواصره ~~وعلاقاته: رجلا يشعر بالغبطة في جوار أبناء جنسه، ويأنس للصحبة في جو الشعراء ~~والأصدقاء، ويتجلى فيه خلق الإنسان «الاجتماعي بطبعه» على أخلصه وأوفاه. # عرف بره بأبويه في الجاهلية، فلما أسلم وصاحب النبي عليه السلام جمع ms114 بين بر الفطرة ~~والحنان وبر الواجب والفريضة، واطمأن إلى هذا البر كما يطمئن صاحب الخير الذي لا جزاء ~~عليه أن يصبح وله من الحظوة الإلهية أجمل جزاء. # وعرف عطفه على أبنائه طوال حياته، فما داخلته في عطفه عليهم قسوة أو شدة إلا أن يكون ~~ذلك بدافع من العقيدة أو وازع من التأديب. # قال له بعض أبنائه - وقد كان يقاتل مع المشركين: إنني كنت أراك فأتحاماك. # فقال له: لكنني لو رأيتك لما تحاميتك. # وكان بين عائشة والنبي كلام. فسألها: من ترضين أن يكون بيني وبينك؟ أترضين بأبي عبيدة ~~بن الجراح؟ # قالت: لا. ذلك رجل هين يقضي لك. # قال: أترضين بأبيك؟ # قالت: نعم. # فلما جاء أبو بكر قال رسول الله: اقصصي! # فقالت: بل اقصص أنت. # فأخذ رسول الله في إعادة ما جرى بينهما من كلام، وبدرت من عائشة كلمة لا تعنيها فقالت: ~~اقصد، أي التزم القصد ولا تزد في الرواية، فرفع أبو بكر يده فلطمها وانتهرها مغضبا: ~~تقولين يا بنت أم رومان: اقصد! من يقصد إذا لم يقصد رسول الله! وجعل الدم يسيل من أنفها ~~ورسول الله يحجز بينهما ويقول لصديقه: إنا لم نرد هذا. حتى انصرف برضى من رسول الله. ~~فقال لها ما معناه: رأيت كيف أبعدك الله منه! أو قال لمثل هذه المناسبة: «رأيت كيف ~~أنقذتك من الرجل!» # ففي هذا وأمثاله يشتد أبو بكر على بنيه وهي شدة قد تقترن بالرحمة ولا تحجبها إلا إلى ~~حين. # وكان لصدق شعوره بالأبوة يحس ما يحتاج إليه الوليد في نشأة الطفولة ويزوده بتلك ~~الحاجة ولو أغضب الآباء، وهم عنده أصدق الأصدقاء. # فلما أخذ عمر بن الخطاب ابنه عاصما من أمه المطلقة تخاصما إليه فقضى بالوليد لأمه وقال ~~لعمر: «ريحها وشمها ولطفها خير له منك.» فكان غاية الرحمة وغاية العدل في آن، وإن رجلا ~~يعدل حين يهم بالجور عمر لهو من العدل بمكان لا يسامى. # وكادت الصداقة عنده أن تكون أخوة أو بنوة. فكان يتحدث عن عمر يوما فإذا هو يقول ~~كأنما يتحدث إلى ms115 نفسه: «والله إن عمر لأحب الناس إلي ...» # ثم خشي أن يكون في قوله ما يمس الصدق الذي فطر عليه فسأل من معه وفيهم عائشة: كيف قلت؟ ~~فأعادت له عائشة ما جرى به لسانه، فاستدرك قائلا: اللهم أعز والولد ألوط، أي ألصق ~~بالقلب وأدنى. ~~••• # وقد بنى أبو بكر بزوجتين في الجاهلية وزوجتين في الإسلام، منهن أم رومان وهي أم ولديه ~~عبد الرحمن وعائشة رضي الله عنهما، ومنهن حبيبة بنت خارجة التي مات عنها وهي حامل، فولدت ~~بعد موته أم كلثوم. # ومن أولاده - غير عبد الرحمن وعائشة - عبد الله الذي كان يأتيه بأخبار قريش حين هاجر مع ~~النبي إلى المدينة. وقد جرح بالطائف ومات بجرحه بعد انتفاضه. وكان فيه شجاعة وأدب ورقة، ~~وله شعر حسن يروى بعضه في زوجته المطلقة عاتكة بنت زيد وقصته معها من أدل أخبار هذه ~~الأسرة على شعور أبي بكر بالأبوة والزوجية والواجب في وقت واحد، وأن المغالبة بين الرحمة ~~والواجب في نفسه كانت مغالبة سجال. # وقد كانت عاتكة من أشهر نساء عصرها بالجمال والعقل والفطنة، ففتن بها عبد الله وشغل بها ~~عن مصالحه وشئونه، فنصح له أبوه بطلاقها فطلقها، فما زال حتى ندم وألح به الندم على ~~فراقها، وقال من شعره فيها: # أعاتك، لا أنساك ما ذر شارق # وما لاح نجم في السماء محلق # أعاتك، قلبي كل يوم وليلة # لديك بما تخفي النفوس معلق # لها خلق جزل ورأي ومنصب # وخلق سوي في الحياء مصدق # ولم أر مثلي طلق اليوم مثلها # ولا مثلها في غير شيء تطلق # فرحمه أبوه وأمره بمراجعتها، فراجعها. فكان أبو بكر في هذا نموذجا مقابلا لنموذج عمر ~~في هذه الناحية من الخلائق والوشائج القلبية، كما كان نموذجا مقابلا له في خلائل شتى ~~ووشائج أخرى؛ إذ كان عمر ينعي على ولده أنه عجز عن طلاق امرأته، وعد ذلك من مآخذه حين ~~رشحه بعضهم للخلافة بعده. # ولم يكن لزوجات أبي بكر ما يشتكينه منه غير الإقلال من النفقة والقصد في المعيشة، ففي ~~اليوم الذي اجتمعت فيه ms116 نساء النبي عليه السلام يطالبنه بالمزيد من النفقة كانت بنت خارجة ~~زوجة أبي بكر تطالبه هذه المطالبة، فيغضب منها، ويلوي عنقها، ويذهب إلى النبي فيحدثه ~~بحديثها ليسري عنه وقد رآه بين أمهات المسلمين على مثل تلك الحالة؛ فكأنما كن جميعا ~~على ميعاد. # ولم يكن أبو بكر مقلا من المال، ولا عاجزا عن كسبه قبل الخلافة ولا بعدها، فقد أنفق ~~في سبيل الإسلام أربعين ألف درهم، وما زال ينفق من ماله في شراء الأكسية والأطعمة ~~وتوزيعها على الفقراء ولا سيما في الشتاء، ولكنه آثر متاع روحه على متاع جسده وكره أن ~~يعيش في بيته خيرا من معيشة نبيه وصفيه، وكان يبغض السرف فيقول: «إني لأبغض أهل البيت ~~ينفقون رزق الأيام في يوم ...» # فلو بقى له من المال ما يجاوز به حظه من النفقة لما جاوزه وهو يرى أمامه مثل النبي، ~~ويجب أن يكون مثلا لمن معه، ومن بعده من خلفاء الإسلام، وعامة أتباعه. # وقد تعددت الروايات عما قسم له من الرزق بعد الخلافة وكيف قسم بمشورة من حضر من جلة ~~الصحابة، ومنهم عمر وعثمان وعلي وأبو عبيدة. ولكن الروايات متفقة على قصده في بيته ~~واجتنابه للسرف في معيشته، وأنه كما قال: «لم يعد سد الجوعة ووري العورة ~~وقواتة القوام.» # ومات وليس عنده مدخر يذكر، فقال عمر: «رحمه الله. لقد أتعب من بعده.» يريد أنه ألزمهم ~~قدوة تتعب ولا تريح. ~~••• # ونحسب أن النشأة في حياة أبي بكر البيتية لا تتمثل في شيء كما تتمثل في نشأة بنتيه ~~عائشة وأسماء رضي الله عنهما. فأما عائشة فقد فارقت بيت أبيها وهي في نحو العاشرة أو ~~أكبر من ذلك بقليل كما استخلص بعض المؤرخين من مراجعة التواريخ الكثيرة، فإذا هي في تلك ~~السن قد وعت ما وعته من الشعر البليغ والأمثال السائرة والأخبار النادرة، وقد نضجت ~~لمصاحبة النبي والوعي عنه والدراية بالمأثور من كلامه، وكانت بعد ذلك مرجعا من مراجع ~~الفقه والسنة خليقا باعتماد الثقات الأجلاء. # ومن الناس من تعود أن يتخيل عائشة رضي الله ms117 عنها جارية صغيرة حظيت عند زوجها عليه ~~السلام لجمالها وصغرها وصداقة أبيها، ولكنها - ولا ريب - لم تبلغ هذه الحظوة عنده صلوات ~~الله عليه إلا أنها الزوجة الكفء لبلوغها والمحافظة عليها، وكانت تعرف من أدب الزواج ما ~~يجمل بمكانها، وتعرف من ملاطفة الزوج مداخل قلبه ومواطن رضاه، وربما دللت زوجها ولم تترك ~~له وحده مسرة تدليلها. فمن ذلك في روايات تختلف في النقل، وتتفق في هذا المعنى أنه كان ~~عليه السلام يصلح نعله في يوم قائظ فتندى جبينه، وتحدر العرق على خده، وهي تلحظه من قريب ~~وكأن بها وجدا عليه. فسألها: ما لك بهت؟ # فقالت: لو رآك أبو كبير الهذلي لعلم أنك أحق بقوله. # فعاد يسألها: أي قوله؟ # فأجابته: حين يقول: # ومبرأ من كل غبر حيضة # وفساد مرضعة وداء مغيل # وإذا نظرت إلى أسرة وجهه # برقت بروق العارض المتهلل # فقام النبي إليها يقبل ما بين عينيها، ويقول لها: سررتني يا عائشة سرك الله. # فهي أبعد شيء عما يتصوره النقاد الأوروبيون حين يصورونها لقرائهم لعبة صغيرة بين يدي ~~رجل كبير يدللها ولا تفاهم بينه وبينها، ولكنها الزوجة التي تكافئ الزوج في حياته ~~المنزلية، والمرأة التي تبادل الرجل عما عنده من شعور، والتلميذة التي تتلقى عن أستاذ ~~عظيم فتحسن التلقي عنه، وهي من جميع هذه الجوانب مثل صالح للنشأة البيتية في أسرة ~~الصديق. ~~••• # أما أسماء - ذات النطاقين - فما حمد الناس فضيلة للمرأة بنتا وزوجا ووالدة إلا كانت ~~فيها على أجملها وأسماها وأحقها بالتمجيد والإكبار. # أسلمت مع أبيها، وكانت تخاطر بنفسها لإخفاء هجرته مع رسول الله وتزويدهما بالطعام ~~والميرة في تلك الهجرة، ولم تجد ما تشد به طعامهما فشقت نطاقها وشدته به، فسميت لذلك ذات ~~النطاقين. # وتزوجت الزبير بن العوام وليس له مال ولا مورد، فكانت تعلف فرسه وتدق النوى لناضحه ~~وتستقي له الماء وتخرز له غربه وتنقل النوى على رأسها من الأرض التي أقطعه إياها رسول ~~الله على مسيرة ميلين. وما زالت كذلك حتى علم أبوها بمشقتها في خدمة زوجها اتفاقا ~~فأعانها بخادمة، ms118 بعد أن قضت زمنا تخدم بيتها وهي بنت أبي بكر وزوج الزبير، وأم عبد الله ~~من أعظم أبطال الإسلام. # وحوصر ابنها عبد الله في مكة فخذله الناس حتى أهله وولده، وعرض عليه بنو أمية الأمان ~~والولاية والمال. فذهب إليها يعرض عليها أمره، وهو يقول: «... لم يبق معي إلا اليسير ومن ~~لا دفع عنده أكثر من صبر ساعة من النهار، وقد أعطاني القوم ما أردت من الدنيا فما ~~رأيك؟» # فما ضعفت من الهول ضعف النساء، ولا ضعف الأمهات، وإن الأبطال الصناديد ليضعفون في ~~مكانها، فلا يعدمون المعذرة الناهضة، والشفاعة المقبولة، بل ملكت جأشها وملكته جأشه، ~~وأقبلت عليه تقول: «يا ولدي، إن كنت على حق تدعو إليه فامض عليه، فقد قتل عليه أصحابك، ~~ولا تمكن من رقبتك غلمان بني أمية فيتلعبوا بك، وإن قلت: إني كنت على حق، فلما وهن ~~أصحابي ضعفت نيتي فليس هذا فعل الأحرار، ولا فعل من فيه خير. كم خلودك في الدنيا؟ القتل ~~أحسن ما يقنع به يا ابن الزبير. والله لضربة بسيف في عز أحب إلي من ضربة بسوط في ~~ذل.» # والتفتت تدعو الله كأنما تناجي نفسها: «اللهم ارحم طول ذاك النحيب والظمأ في هواجر ~~المدينة ومكة، وبره بأمه! اللهم إني قد سلمت فيه لأمرك، ورضيت فيه بقضائك، فأثبني في عبد ~~الله ثواب الشاكرين.» # مقالة أم جاوزت المائة واصطلحت عليها الملمات، وكف بصرها من الحزن ويئست من نصرة ابنها ~~ومن حياته في جهاده، فناهضت من السن والمرض والخوف والثكل في أحرج الساعات ما تنوء به ~~عزائم الأقيال وتنهد له أركان الجبال. # ثم غلب القوم ابنها المقدام فصلبوه ورفعوا جثته للتمثيل والتشهير، فآلمها أن يصاب في ~~كرامة موته، كما آلمها من قبل أن يصاب في كرامة حياته. # وذهبت إلى الحجاج تسأله في ذلك سؤال الأعزاء، فقادها الدليل إليه حتى وقفت على مقربة ~~منه تقول: أما آن لهذا الراكب أن ينزل؟ # قال في غير رفق ولا حياء: المنافق؟ # فما همها وهو صاحب طلبتها أن يجيبها أو لا يجيبها، وإنما ms119 همها أن تدفع عن ولدها وأن ~~تجزي الشاتم بشتمه، وقالت مغضبة: والله ما كان منافقا، والله ما كان منافقا، وقد كان ~~صواما قواما ... # فعالجها مغيظا من ردها عليه: اذهبي، فإنك عجوز قد خرفت ... # قالت: لا والله! ما خرفت. ولقد سمعت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يقول: «يخرج من ثقيف كذاب ~~ومبير، فأما الكذاب فرأيناه، وأما المبير فأنت هو.» # وهذه هي الأم التي يشرف بها الأبناء والآباء، وتشرف بها سلالة آدم وحواء ... # هذه أسماء بنت أبي بكر. # وتلك عائشة بنت أبي بكر. # فما عسى أن يقول القائل وأن يثني المثني على بيت ينجب هاتين العقيلتين ~~الكريمتين؟ # لقد كان لأبي بكر أبناء من خيرة الرجال. # ولكن البيت تدل عليه بناته قبل أن يدل عليه أبناؤه. لأن الفضل في نشأتهن كلها للبيت، من ~~حيث يحسب لغير البيت الفضل في نشأة الأبناء. # وذلك هو بيت الصديق، أكرم به من بيت بين ما حملت الأرض كلها من بيوت. # الفصل الثاني عشر # | صورة مجملة # قالت السيدة عائشة في وصف أبيها وقد تناوله بعضهم بما أغضبها: «... سبق إذ ونيتم سبق ~~الجواد إذا استولى على الأمد، فتى قريش ناشئا، وكهفها كهلا، يفك عانيها، ويريش مملقها، ~~ويرأب شعبها، ويلم شعثها، حتى حلته قلوبها، ثم استشرى في دين الله، فما برحت شكيمته في ~~ذات الله عز وجل ...» # وكان نفر من المهاجرين والأنصار يتذاكرون فضائل أهل الفضل عند باب النبي عليه السلام، ~~فخرج عليهم النبي فسألهم: فيم أنتم؟ # قالوا: تتذاكر الفضائل. # فقال: «لا تقدموا على أبي بكر أحدا؛ فإنه أفضلكم في الدنيا والآخرة.» # ومن قوله فيه عليه السلام: «أبو بكر خير الناس إلا أن يكون نبي.» # وقال علي رضي الله عنه في تأبينه: ~~... كنت كالجبل الذي لا تحركه العواصف ولا تزيله القواصف: كنت كما قال رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم # ضعيفا في بدنك قويا في أمر الله، متواضعا في نفسك عظيما ~~عند الله، جليلا في الأرض كبيرا عند المؤمنين، ولم يكن لأحد عندك مطمع، ولا ~~لأحد عندك هوادة، فالقوي ms120 عندك ضعيف حتى تأخذ الحق منه، والضعيف عندك قوي حتى ~~تأخذ الحق له، فلا حرمنا الله أجرك، ولا أضلنا بعدك ... # وفي هذا الثناء كفاية إذا عمدنا إلى الثناء الذي قاله فيه عارفوه. # ولكننا في أمر أبي بكر وأمثاله نستطيع أن نتجاوز الثناء إلى مقالة الأعداء الألداء، ~~ونحن آمنون أن نسمع فيه ما يغض من فضله وينقص شيئا من حقه. إذ ليس على عظيم من العظماء ~~غضاضة أن يختلف فيه مختلفون، وأن يتأول أعماله متأولون، فكل عظيم من عظماء الدنيا قيل له ~~وقيل عليه، وحسنت نيات قوم نحوه وساءت نيات آخرين، فليس هذا بضائره، وليس هذا بعجيب، ~~وإنما الميزان العادل في الحكم له أن عليه دليل القائل وليس مقال القائل، فلمن شاء أن ~~يزعم ما يشاء فيمن يشاء، ولكنه لا يوضع في الميزان إلا بدليل تؤيده الوقائع والأعمال، ~~فهذا الذي يحسب من مقال القائلين ومن خلاف المختلفين. # فليست فضيلة أبي بكر أنه ظفر من الناس جميعا بالثناء الذي لا معقب عليه، إذ ليس هذا ~~بممكن وليس هذا بمعقول ولا بمطلوب. # وإنما فضيلته أنه قد ظفر بالثناء ممن في ثنائه صدق، ولثنائه قيمة، وأن خلاف المخالفين ~~لم يقم قط على دليل، ولم يأت قط من أناس يحسنون ما يقولون. # وكل حكم على أبي بكر مؤيد بدليل معتمد على واقع، فهو مصور له في صورة عامة واحدة لا شك ~~فيها، وهي صورة أمين، وأكثر من أمين؛ لأنه لم يتهم قط بخيانة في الجاهلية أو ~~الإسلام. # وأكثر من الأمين؛ لأن الأمين هو الذي يعطي حق غيره، فأما الذي يعطي الأمانة يزيد عليها، ~~أو يعطي حق غيره، ويعطي من حقه الذي لا يطلب منه، فذلك هو المفضل الذي جاوز قدر الأمانة، ~~فهو أكثر من أمين. # وكان أبو بكر يؤدي الأمانات في الجاهلية ويزيد عليها من عنده فضل المفضل، وإحسان ~~المحسن، وإغاثة المغيث. # ثم تسلم الأمانة الكبرى بعد الخلافة، فترك الدنيا وقد أداها كما هي وزاد عليها. # ولسنا غالين في المجاز حين نقول: إنه صنع مثل ms121 ذلك في أمانة الخلق أو أمانة الحياة، فمات ~~خيرا مما ولد، ونشأ ضعيفا في بدنه كما قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، فإذا هو يستمد من قوة ~~باطنه لقوة ظاهره ويلقي من مروءته على مرآه، حتى أنشأ من نفسه ما لم ينشأ من بدنه، وبلغ ~~من المهابة بالقوة التي زادها على تكوينه الظاهر فوق ما يؤتاه أمثاله في أمثال هذا ~~التكوين. # للناس أن يعطوه وهم على ثقة أن يستردوا ما أعطوه وزيادة، وللحياة أن تعطيه وهي على ثقة ~~ألا ينقص عطاؤها، وألا يزال معه في ازدياد، وعلى كل أمانة عنده كائنا ما كان معطيها حق ~~مصون، ومزيد مضمون. # صورته المجملة أنه الأمين وأكثر من الأمين. # الأمين في الصداقة، والأمين في الحكومة، والأمين في السيرة، والأمين في المال، والأمين ~~في الإيمان، ثم هو في كل أولئك أكثر من الأمين. # عصمته العواصم من فتنة الغواية فولد كريما تعنيه العزة بين الأقوياء، ولا يعنيه ~~الطغيان على الضعفاء. # وكبر وليس له مأرب في سيادة باغية، ولا في صولة دائمة على من لا يريدها ولا يطمئن ~~إليها. # وكبر في تكوينه حدة الشعور وحماسة اليقين، وسليقة الإعجاب، وعصمة المروءة ~~والوقار. # وكبر وكل فضيلة فيه تكبر إلى آمادها، فلما مات كان أكبر ما كان، وأكبر ما يتأتى أن ~~يكون. # مات وهو صاحب الدعوة الثانية في الإسلام، فكان الثاني حقا بعد النبي عليه السلام في ~~كل شيء من قبول الإسلام إلى ولاية أمر الإسلام إلى تجديد دعوة الإسلام، بعد أن نقضت ~~الردة دعوته الأولى وأوشكت أن ترجع بها إلى الجاهلية الجهلاء. # ثاني اثنين، وأول مقتد، وأول مجيب. # ذلك موضعه في تلك الدعوة الإنسانية التي نشأت في أمة واحدة ثم غيرت ما بعدها في جميع ~~الأمم، سواء منها من علم بها ومن لم يعلم، وهي دعوة صديقه وصفيه ونبيه محمد صلوات الله ~~عليه. ~~••• # قيل: إنه مات بالسم في أكلة أكلها قبل عام من وفاته، وليس لهذا القول مرجع يميل الباحث ~~إلى تصديقه. # وقيل: إنه مات بالحمى؛ لأنه استحم ms122 في يوم بارد، وقد مات في شهر قائظ، كما يظهر من ~~مضاهاة الشهور العربية على الشهور الشمسية، فليس لهذا القول سند صحيح. # وأغلب الظن أنها حمى المستنقعات (الملاريا) التي أصيب بها بعد الهجرة إلى المدينة، ثم ~~عاودته في أوانها مرة أخرى وهو شيخ ضعيف، فجددت الإصابة الثانية عقابيل الإصابة الأولى، ~~وانتهت حياة بلغت نهايتها في حيز الجسد، وفي حيز المجد، وفي حيز التاريخ. ms123