######OpenITI# #META# URI: 1383CabbasMahmudCaqqad.CalamSududWaQuyud.Hindawi41639790 #META# Tags: biographies #META# ID: 41639790 #META# Title: عالم السدود والقيود #META# AuthorID: 64642852 #META# Author: عباس محمود العقاد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # كلمة تقديم‏ # إلى قره ميدان‏ # الليلة الأولى في السجن‏ # التهريب‏ # القراءة‏ # المنع والترخيص‏ # أخلاق (1)‏ # أخلاق (2)‏ # الوعظ‏ # ليلة المستشفى‏ # أحمد حمزة‏ # التسلية في السجن‏ # الزيارة أو برج بابل‏ # الطعام ومطالب الجسد‏ # الوقت‏ # يوم الإفراج‏ # بعض الشخصيات‏ # الجريمة والعقاب‏ # بعض الإصلاح‏ # كلمة تقديم‏ # إلى قره ميدان‏ # الليلة الأولى في السجن‏ # التهريب‏ # القراءة‏ # المنع والترخيص‏ # أخلاق (1)‏ # أخلاق (2)‏ # الوعظ‏ # ليلة المستشفى‏ # أحمد حمزة‏ # التسلية في السجن‏ # الزيارة أو برج بابل‏ # الطعام ومطالب الجسد‏ # الوقت‏ # يوم الإفراج‏ # بعض الشخصيات‏ # الجريمة والعقاب‏ # بعض الإصلاح‏ # | عالم السدود والقيود # | عالم السدود والقيود # تأليف # عباس محمود العقاد # | كلمة تقديم # عالم السدود والقيود الآن - عندي وعند كل عابر بسبيله - هو ذلك البناء المعزول في ناحية ~~منزوية إلى طرف من الأطراف في بعض أحياء القاهرة الواسعة الكثيرة، كأنه يحس نفرة الناس منه ~~ونفرته من الناس، واسمه في سجلات الحكومة سجن مصر العمومي، واسمه الشائع على الألسنة «قره ~~ميدان». # أما يوم كنت آوي إليه ولا أرى غيره ولا أسمع بالدنيا إلا من وراء جدرانه فلم يكن بناء ~~معزولا ولا كانت الناحية التي هو فيها ناحية منزوية إلى طرف من الأطراف، ولكنه كان هو ~~العالم بأسره وبأرضه وسمائه، وكان العالم الخارجي جزءا لاحقا به مضافا إليه، وتلك شيمة ~~في النفس الإنسانية أن تنقل مركز الكون كله إلى حيث تكون، فالسجن وإن كان عند السجناء ~~منزلا بغيضا يصبحون ويمسون على أمل الخلاص منه وكراهة الاستقرار فيه، هو مع ذلك محور ~~العالم ما داموا بين جدرانه، وهو شط والدنيا كلها شط آخر يتقابلان ويتناظران، فلو ظهرت في ~~السجن صحيفة كبيرة لكان لأخباره فيها مكان «الحوادث المحلية» الظاهر في صدور الصحف السيارة، ~~ولكانت أخبار العالم فيه كأخبار الحوادث الخارجية ورسائل الأقاليم ومنقولات البرق والبريد، ~~وإذا ارتقى بعضها إلى محل الرعاية والتنويه فإنما يرتقي إليه بالإضافة إلى سجين من السجناء ~~أو حادث يدور حول عقره وحجراته وخباياه. # وهذه الصفحات هي خلاصة ما رأيته وأحسسته وفكرت فيه يوم كنت أنزل «عالم السدود والقيود» ~~وأشعر به ذلك الشعور، وأنظر ms01 إلى العالم من ورائه ذلك النظر: لست أعني بها أن تكون قصة وإن ~~كانت تشبه القصة في سرد حوادث ووصف شخوص، ولست أعني بها أن تكون بحثا في الإصلاح الاجتماعي ~~وإن جاءت فيها إشارات لما عرض لي من وجوه ذلك الإصلاح، ولست أعني بها أن تكون رحلة وإن كانت ~~كالرحلة في كل شيء إلا أنها مشاهدات في مكان واحد، ولا أن أستقصي كل ما رأيت وأحسست وإن كنت ~~أقول بعد هذا إن الاستقصاء لا يزيد القارئ شعورا بما هناك، وإنه لا فرق بينه وبين الخلاصة ~~إلا في التفصيل والتكرير، وإنما دعوى هذه الصفحات - بل خير دعواها - أنها تتكفل للقارئ بأن ~~يستعرض عالم السجن كما استعرضته دون أن يقيم هناك تسعة شهور كما أقمت فيه. # فإن كانت الصفحات التالية عند دعواها فذاك وحده هو حقها من القراءة وشفاعتها عند القراء، ~~وهي إذن قد اختصرت تسعة شهور طوالا في مدى ساعات معدودات يطويها القارئ بين دفتي هذا ~~الكتاب الصغير وهو يتفكه ولا يضيق ذرعا بالسدود والقيود، وحسبها ذلك من نجاح. # عباس محمود العقاد # | إلى قره ميدان # فتحت الكوة الصغيرة، ثم فتح باب الرتاج الكبير، ثم احتوانا البناء المخفور الذي يعرف في ~~مصلحة السجون باسم «سجن مصر العمومي» ويعرف على ألسنة الناس باسم «قره ميدان»؛ أي الميدان ~~الأسود، باللغة التركية! # وخطر لي - وأنا أخطو الخطوة الأولى في أرض السجن - قول الفيلسوف ابن سينا وهو يخطو مثل ~~هذه الخطوة: # دخولي باليقين بلا امتراء # وكل الشك في أمر الخروج # فهو تقرير فلسفي صحيح للواقع! ... # أما الدخول فها هو ذا يقين لا شك فيه، وأما الشك كل الشك فهو في أمر الخروج متى يكون وإلى ~~أين يكون؟ أإلى رجعة قريبة، من السجن وإليه؟ أم إلى عالم الحياة مرة أخرى؟ أم إلى عالم ~~الأموات؟ # في تلك اللحظة عاهدت نفسي لئن خرجت إلى عالم الحياة لتكونن زيارتي الأولى إلى عالم ~~الأموات، أو إلى ساحة الخلد كما سميتها بعد ذلك؛ أي ضريح سعد زغلول. ~~••• # ولم تقع مني هذه الرحلة ms02 بين الدار والسجن موقع المفاجأة؛ لأنني كنت أنتظرها منذ زمن طويل ~~ولو على سبيل الحجز الذي ينتهي بإفراج سريع، ولكني كنت لا أرى فرقا بين أيام أو أسابيع ~~أقضيها على ذمة التحقيق وبين مدة أقضيها في الحبس بحكم القضاء، لأنني كنت أقدر أن حبس ~~التحقيق - وإن قصر - كاف لأن يصيبني بأكبر الضرر الذي يخشاه الناس من السجن، وهو ضرر العلة ~~التي لا تزول. # وعلى توقعي الاتهام والحبس كانت الأنباء تتوالى علي بما يؤكد ذلك التوقع من جهات ~~عدة، وسمعت النبأ اليقين في هذا الأمر من صديقنا المغفور له سينوت حنا بك، وقد لقيني مرة ~~فاستوقفني وقال لي: «حذار يا أستاذ!» فقلت له باسما: «لا يغني الحذر من القدر!» قال لي: ~~«إني أروي لك ما أعلم لا ما أظن: إن مقالاتك تراجع في بعض الدوائر مراجعة خاصة، وإنهم ~~ينتظرون يوما معينا ربما كتبت فيه ما يساعد على تأييد التهمة، ثم يقدمونك إلى المحاكمة ~~بما استجمعوا من أدلة قديمة وحديثة!» # وكان في نيتي أن أسافر صيف سنة 1930 إلى لندن مع وفد مجلس النواب لتمثيل مصر في مؤتمر ~~المجالس النيابية الذي عقد تلك السنة في العاصمة الإنجليزية، وقد استخرجت جواز السفر ~~السياسي، واشتريت دليل لندن ودليل العواصم الأوروبية التي كنت أنوي زيارتها، ولم يبق إلا ~~تذكرة السفر والاتفاق على الموعد واللحاق بإخواننا الذين سبقونا إلى باريس ليشهدوا فيها ~~الاحتفال بعيد الحرية، ثم بدا لي أنني إذا سافرت فقد أمهد بيدي وسيلة لنفيي في أوروبا سنوات ~~بلا عمل، ولا قدرة على البقاء في ذلك الجو القارس أيام الشتاء، وربما كان منع عودتي أسهل ~~على الوزارة من محاكمة قد تنتهي بالبراءة أو بعقوبة لا ترضيها، فعدلت عن السفر في اللحظة ~~الأخيرة، وقلت: إن السجن أحب من النفي الذي لا عمل فيه ولا ضمان للصحة ولا الحياة! # وفي اليوم الثاني عشر من شهر أكتوبر دق الجرس أصيلا وأنا وحدي بالمنزل؛ لأن أخي كان ~~معتقلا في قضية «البلطة» المشهورة متهما بالتآمر على حياة رئيس الوزارة، ولأن ms03 الخادم لم ~~يعد من راحته الظهرية وصلاته العصرية، ففتحت الباب فإذا ضابط في رتبة «اليوزباشي» على ما ~~أذكر يبادرني بالسؤال: هل حضرتك فلان؟ # قلت: نعم. # فمد إلي ورقة من دفتر في يده على هيئة ذكرتني الكونت نيمور وهو يلقي القفاز في محضر ~~لويس الحادي عشر. # قلت: «تفضل أولا فاجلس.» # فتردد في الدخول، ثم دخل وجلس، فتناولت الورقة وقرأت فيها دعوة من صاحب السعادة النائب ~~العمومي للحضور إلى مكتبه في الساعة العاشرة من صباح اليوم التالي، ووقعت على الدفتر - كما ~~طلب الضابط - بأنني تسلمت الورقة، وأخذت في إعداد الكتب التي سأقرؤها في السجن، والأدوية ~~التي أتعاطاها، والملابس البيتية التي أحتاج إليها هناك، وزدت فأعددت الأغطية الصوفية التي ~~تلزمني للفراش والغطاء؛ لأنني كنت حتى تلك الساعة أجهل «تقاليد السجون»، وأظن أن الأغطية ~~الخاصة مسموح بها كالملابس الخاصة أثناء التحقيق وفي الفترة التي تسبق المحاكمة. ثم حضر ~~الطاهي فأريته هذه الأشياء كلها وقلت له: إنه سيحضرها لي في السجن غدا عند اللزوم. # فظهر لي أنه لم يفهم، وأنه ينوي أن يقصد بها سجن الأجانب الذي كان أخي معتقلا ~~فيه. # فقلت له: «بل هي لي أنا في السجن الذي سيخبرونك عنه غدا بدار النيابة!» ووصفت له الدار ~~واجتهدت أن أفهمه جهد المستطاع، وذلك جهد يعرف العارفون بالشيخ «أحمد» أنه ليس ~~باليسير! # وذهبت في الموعد المحدود إلى دار النيابة، واستغرق التحقيق ساعات، ثم قال لي حضرة المحقق: ~~«إنني آسف لأننا سنضطر إلى إبقائك عندنا قليلا يا أستاذ!» وبدأ حضرات المحامين يوجهون نظر ~~رجال النيابة الحاضرين إلى «الحيطة الصحية» الواجبة في هذه الحالة، ومنها اختيار السجن الذي ~~يوافقني أثناء الحبس «الاحتياطي» أكثر من سواه. # وكان الأساتذة المحامون لحسن الحظ من الخبيرين بمزايا سجون القاهرة التي تردد عليها في ~~سنوات الثورة السياسية معظم المشتغلين بالقانون والسياسة، فأضافوا خبرتهم بالسجن إلى خبرتهم ~~بالمحكمة وقدرتهم على النصح السديد للمتهمين والموكلين، واستحسنوا أن يكون الحبس في «سجن ~~مصر»؛ لأن الجو فيه أوفق لي من سجن الاستئناف، وقد كان. # فذهبت مع ms04 الضابط والجند في سيارة خاصة إلى «قره ميدان» وتخطيت الباب فإذا هدوء غير مألوف؛ ~~لأن الوقت كان وقت الراحة عقب الغداء، وتوجه بي الضابط نحو حجرة الكتاب لتسليم ما عندي من ~~الودائع وكتابة الأوراق التي لا بد منها لكل مسجون جديد، وما هي إلا لحظة حتى توافد ~~الموظفون وكثر دخول السجانين ينظرون إلى القادم الذي سرى بينهم نبأ قدومه، وأخذ كاتب هناك ~~مرح ثرثارة يداعبهم واحدا بعد واحد كلما مروا به وتصنعوا سؤاله عما يضمره لهم بريد اليوم. ~~فيقول لأحدهم: «اطمئن ... فقد عينوك مديرا لمصلحة السجون ...» ثم يحدج ببصره كمن يستغرب ~~سكوته، ويقول له: «ألا تصدق؟ آه يا ابن الحلال. معذور، فإنك في السجن ولست في البيمارستان ~~...» # أو يقول لغيره: «تعال هنا ... قرب أذنك! قرب أيضا» ... ثم يناديه بصوت يسمعه كل من في ~~المكان: «افرح ... نقلوك إلى أسوان، لا تقل لأحد يا ولد!» # وهكذا في أثناء التسليم والتدوين، فاستعدت في ذهني موقف هملت وحفاري القبور إذ يغنون وهم ~~في ذمار الموت! # | الليلة الأولى في السجن # لم يكن مكتب الموظفين إلا بمثابة «الأعراف» التي تفصل بين نعيم الحرية وجحيم الاعتقال، ~~ولكنها «أعراف» تنقل من النعيم إلى الجحيم كما تنقل من الجحيم إلى النعيم، وقد كانت في ~~اليوم الذي سجلت فيه اسمي بين الداخلين تسجل أسماء شتى للخروج أو للإفراج كما يسمونه في لغة ~~السجون! ~~••• # وعبرنا مكتب الموظفين ومكتب المأمور مع ضابط العنبر في هذه المرة لا مع ضابط الشرطة الذي ~~انتهى مقامه عند الباب. # فاتجه الضابط إلى عنبر «ب» وفتح الباب الحديدي ودخلنا العنبر فكان أول ما صادفنا فيه ~~منظرا عجيبا لا تألفه العين: أناسا بملابسهم العادية جالسين القرفصاء في صمت لا يلتفت ~~أحدهم يمنة ولا يسرة، ومن ورائهم نفر مكبون على الأرجل والأيدي كما تمشي الدواب يزحفون ~~زحفا ويتغنى أحدهم بصوت خفيض والباقون يجيبونه بصدى - لا بكلام - يقولون فيه: «هيه هيه» ... ~~أما المغني فالذي أذكره من أنشودته الآن عبارة واحدة: «رايحه له فين! ده عليه ~~سنتين!» # فقلت: فأل جميل وايم ms05 الله ! وللفأل شأن كبير في «نفسيات» المسجونين كما سيرى القراء في بعض ~~هذه الذكريات. ~~••• # وكان لا بد لي من «فرجيل» يصاحبني كما صاحب الشاعر الإيطالي «دانتي» في طبقات الجحيم؛ ~~ليدله على أنواع العذاب ودرجات المعذبين، فمن هؤلاء الجالسون القرفصاء؟ ومن هؤلاء ~~المكبون على أربع؟ أهذا ضرب من العقاب في مكان العقوبات؟ وما بال أناس منهم يلبسون ثيابهم ~~العادية على اختلافهم بين المعمم والمطربش ولابس «الطاقية»، ولا يلبسون كأهل السجون؟ # على أنني لم ألبث طويلا حتى عثرت على الدليل الذي ينوب في جحيمنا عن فرجيل! # فقد كان على يسار الحجرة التي خصصت لي حجرة للصحفي الظريف علي أفندي شاهين رحمه الله، ~~وكان محبوسا رهن المحاكمة في قضية مقالات ورسوم قذف بها بعض الوزراء وعلى رأسهم إسماعيل ~~صدقي باشا كبير الوزراء في تلك الأيام، وكان واقفا عند باب حجرته ينتظرني بعد أن سبقت ~~البشائر إلى العنبر بقدومي! فلقيني مرحبا، وعلى مقربة منه اثنان أو ثلاثة من أهل بولاق ~~«دائرتي الانتخابية» كانوا في مؤخرة صفوف الجالسين القرفصاء، فنهضوا يحيونني ويهمون بالصياح ~~لولا أن شاهدوا الضباط والسجانين فعادوا جالسين. # وعلمت بعد ذلك بهنيهة أن هؤلاء الجالسين القرفصاء هم المحبوسون على ذمة التحقيق ممن ~~آثروا البقاء بملابسهم العادية، وأنهم جلسوا تلك الساعة في انتظار الخروج «للطابور» الذي هو ~~موعد الرياضة المصطلح عليه مساء كل يوم، وللمحبوسين شوق إلى موعده يفرحون به أشد من فرح ~~الطلقاء بنزهة الأصيل على شاطئ النيل وطريق الأهرام! # أما المكبون على أربع فهم أصحاب النوبة المنوط بهم تنظيف بلاط العنبر وتلميعه، وهم ~~يتغيرون كل شهر مرة ويقومون بهذا العمل طول النهار، ويؤثرونه على أعمال السجن الأخرى؛ لأنهم ~~ينطلقون فيه على مدى واسع بعض السعة، ولا يحبسون في الحجرات. ~~••• # قال دليلي أو «فرجيلي» بعد الشرح المتقدم: «وإن هؤلاء المساكين يعانون هذا العناء من أثر ~~دعوة النبي يوسف عليه السلام.» # قلت: «وما ذاك أفادك الله!» # قال: «لقد دعا يوسف ربه في السجن أن يغزر ترابه ويحلي طعامه ويقصر أيامه.» فالتراب لا ~~ينقطع لحظة ms06 عن أمثال هذا المكان. # قلت: «يخيل إلي أن يوسف عليه السلام قال: اللهم غزر رغامه ولم يقل: غزر ترابه ... ~~لأن السجعة تقضي بذلك!» # وما لبثت في السجن نصف ساعة حتى رأيت بعيني حرص الأقدار على إجابة ذلك الدعاء، فما هو إلا ~~أن يزحف الماسحون من طرف العنبر إلى طرفه حتى يكون التراب قد سفا على المكان الذي ~~تركوه. ~~••• # وإلى هنا لم أكن قد تناولت طعام الغداء مع اهتمامي برعاية المواعيد في تناول ~~الوجبات. # فأين الطعام؟ هل أحضره الطاهي أو نسي إحضاره وفهم غير ما تعبت بالأمس في إفهامه ~~إياه؟ # هنا ظهرت لي قيود السجن دفعة واحدة، فليس من المستطاع أن أعرف هذا الخبر الصغير إلا بعد ~~أن أسأل السجان، وبعد أن يسأل السجان الضابط، وبعد أن يسأل الضابط البواب، وبعد أن يحال ~~البواب إلى المأمور وأطباء المستشفى، وبعد أن ينقضي في ذلك كله وقت غير قصير. # ولم يكن الذنب في هذه المرة على ذكاء «الشيخ أحمد» كما توهمت لأول وهلة، فإنه قد أحضر ~~الطعام بعد انصرافي من دار النيابة، ولكنهم حجزوه على الباب حتى يتلقوا أمرا بقبوله ~~وانتظام حضوره، وحتى يراه الطبيب ويرى الأدوية التي معه، وحتى يتم الفحص عن حالتي الصحية ~~وما يصلح لي من الدواء، ثم قبلوا الطعام والدواء وردوا الغطاء والفراش؛ لأن السجن كما قالوا ~~فيه الكفاية من غطاء وفراش! # وفي هذه الأثناء بدأت أشعر بقشعريرة الرطوبة التي ينضح بها الأسفلت في أرض العنبر وسقوفه، ~~ثم فرغ السجان وصاحب النوبة الموكل بحجرتي من إعداد سريرها وأدواتها ولوازمها، فألقيت نظرة ~~على الغطاء الذي سيغنيني عن غطائي فلم أطمئن إليه كثيرا، ولكني قلت: لا بأس بالتجربة هذه ~~الليلة، وبقيت متوجسا من هذه النافذة المفتوحة على رأسي يندفع منها الهواء طول ليل الخريف، ~~فما العمل فيها؟ # قال دليلي أو «فرجيلي» علي أفندي شاهين: «لا عليك من هذه النافذة! فسترى كيف نعالج ~~خطبها.» والتفت إلى صاحب النوبة فأوصاه أن يسدها بالحصيرة المفروشة على أرض الحجرة كما يصنع ~~في حجرته هو، ففعل ms07 صاحب النوبة توا ليريني كيف يحكم هذه الصناعة، وضحك شاهين أفندي ضحك ~~العلم والمعرفة وهو يقول لي: «احمد الله على أنهم لم يختاروا لك سجن الاستئناف، فهناك ~~النافذة أربعة أضعاف النافذة هنا ولا أمل في سدها بحال من الأحوال، فضلا عن الظلام المطبق ~~من الصباح إلى المساء.» # قلت: «الحمد لله!» # وهبط ظلام الليل شيئا فشيئا، وعاد المسجونون قبل ذلك أفواجا إلى الحجرات، وتعالت بينهم ~~ضجة كضجة السوق في يوم زحام، ثم توالى إغلاق الأبواب وإدارة المفاتيح في الأقفال، ثم بدأ ~~«التتميم» أو المراجعة حجرة حجرة: كم يا ولد؟ عشرة! # كم يا ولد؟ أربعة ... وهكذا إلى نهاية الدور، وفي كل عنبر أربعة أدوار، ولن يبرح السجان ~~دوره حتى يستوثق من مطابقة العدد الموجود للعدد المكتوب في سجله المعلق عند الباب. # وازدادت الضجة بعد انتهاء المراجعة فلم يكن للسامع أن يسمع إلا أسماء تتقاذف بها أفواه ~~رجال ونساء، وصرخات وأهازيج وشتائم هي عندهم في منزلة التحيات المباركات! ثم سكنت الضجة بعض ~~الشيء وتبين من هنا وهناك نداء مفهوم، وشرع اثنان في قافية من القوافي المعروفة في محافل ~~الأعراس والموالد المصرية، وكأنهما علما بمقدم الصحفي الطارئ على السجن في تلك الليلة فجعلا ~~للصحافة قسما من هذه المساجلات المحفوظة: الأولاد تنادي وراك وتقول: إيش معنى؟ ~~- المؤيد! المؤيد ... وهو يعني «المقيد». ~~••• ~~- فوق رأسك يا معلم علي. ~~- إيش معنى؟ ~~- المقطم! # وهذه حقيقة واقعة وليست بمجاز! لأن بناء السجن واقع في حضن جبل المقطم. ~~••• ~~- الرغيف في سقف بيتكم. ~~- إيش معنى؟ ~~- كوكب! ~~••• ~~- تطلع من هنا تقابلك في البيت. ~~- إيش معنى؟ ~~- الحمارة! # وقس على ذلك ما يقال، وما يسمع كرها ولا يقال. # أما أنا فقد أظلمت الحجرة عندي ظلامين؛ لأن النافذة المغلقة حجبت كل ضياء يتسلل إلى ~~الحجرات من فناء السجن المنار بنوره الضئيل، فلم أستطع أن أعرف مكان الكوب ولا سلة الطعام ~~في ذلك الظلام، ولبثت أسمع الأصوات تخفت وتخفت حتى انقطعت أو كادت في نحو الساعة التاسعة ~~كما أنبأتني الساعة العربية التي تدق في مسجد القلعة، ولم ms08 يبق من مسموع إلا وقع أقدام ~~الحراس على البلاط، وإلا صيحاتهم كل نصف ساعة يطيلونها ويتنافسون في إطالتها، فذكرتني مبيت ~~ليلة على حدود الصحراء، أسمع فيها صياح الذئاب. # | التهريب # تقدمت في علم السجن بعد يوم واحد خطوات سريعات، وعلمت مركز الدور الذي أنا فيه - وهو ~~الدور الخامس - بين أدوار السجن عامة، وعلمت ما له من الشرف والوجاهة المرموقة في تلك ~~المدينة الصغيرة التي يسكنها نحو أربعة آلاف، فإنه هو محور حركة التهريب والحيل ~~والمناورات. # وليس التهريب في السجون بالشيء الهين ولا بالطلب اليسير؛ لأنه هو الدفاع الوحيد الذي ~~ينتقم به المسجونون من الأسوار والقيود والحراس، وهو فسحة الحرية الباقية لمن فقدوا ~~الحرية، فعليه وحده تنصب جميع الجهود والحيل والخبائث، وله وحده تجارة واسعة النطاق تجري ~~على معاملات خاصة ولغة خاصة ومواصلات خاصة، لا يكفي للعلم بها يوم واحد، ولكن لا يمضي يوم ~~واحد على السجين حتى يأخذ في العلم ببعضها، ثم لا يزال في الافتنان والمزيد ما شاء الله أن ~~يهبه من سعة الفهم والنبوغ! # والتبغ والحلوى هما عماد المهربات جميعا في السجون، وهما السلعة التي يغالي بأثمانها ~~من يطلبونها هناك حتى يبلغ ثمن اللفيفة الواحدة خمسة قروش، وثمن عود الثقاب قرشا أو ~~أكثر، وثمن القطعة «من الحلاوة الطحينية» كثمن اللفيفة من التبغ وربما زاد عليها في بعض ~~الأحيان. # ولكل سلعة من السلع المهربة، بل لكل شيء من الأشياء التي يتصل بها السجناء رمز من الرموز، ~~يعرفه كل من في السجن ولكنهم لا يزالون مصطلحين عليه بعد انكشاف سره وافتضاح صفره، ~~فالحارس يعلم أن «الزمارة» هي اللفيفة، وأن «العين» هي النار من ثقاب أو غير ثقاب، وأن ~~«العربة» هي الحارس نفسه، وأن السجين الذي يقول لزميله: «حاسب العربة فايتة.» إنما يعني أن ~~الحارس في الطريق، ولكن السجناء مع هذا قد ألفوا الكناية والتخفي والزوغان فنسوا الكلمات ~~الواضحة وصمدوا على هذه المصطلحات والرموز. # والدور الخامس فيه سجناء المحاكم المختلطة أو «الحمايات» كما يسمونهم هناك، وهم مميزون ~~بطعام غير طعام السجن يشتمل ms09 على الخضر واللحم والفاكهة والحلوى كل يوم، ولهم في الإفطار كوب ~~كبير من الشاي وبيضتان، وفي المساء جبن أو ما شابهه من طعام محرم على سائر ~~المسجونين. # وفي الدور الخامس قسم آخر من سكان السجن المجدودين في نظر الزملاء الآخرين، وهو قسم ~~المحبوسين على ذمة التحقيق الذين يسمح لهم «النظام» بالطعام واللباس من المنازل، فيصل إليهم ~~كل يوم دجاج ولحوم وخضر مطبوخة وفاكهة وحلوى وألوان من «الثمرات» المحرمة المشتهاة في ذلك ~~الجحيم. # وهؤلاء يشتاقون «التبغ» إن كانوا من المدخنين فيجدون في «العنبر» من يشتاقون الحلوى ~~واللحوم ويملكون اللفائف أو «الزمامير» للبيع والمقايضة، فتنعقد الصفقات وتظهر البراعة ~~والافتنان في التوصيل والتسليم. # على أن البيع لا يجري كله بالمقايضة ولا غنى فيه عن «النقد» في كثير من الأحيان، أما حمل ~~النقد فممنوع في نظام السجن ولكن هل يمنع بلع النقد واحتواؤه في الأجواف؟ هيهات! ومن هنا ~~كانت العملة المختارة في السجن هي قطعة القرشين الفضية وقطعة «نصف الجنيه» الذهبية، وما عدا ~~ذلك من القطع فهو شذوذ يتوقف عليه شذوذ المعدات والأمعاء، ومنها ما تصل طاقته في الشذوذ إلى ~~ربع ريال، وقد تزيد على ما يقال! ~~••• # ولم تمض علي ليلة في السجن حتى عرف الخبثاء المتربصون أن هناك فرصة للاستغلال لا ~~ينبغي أن تضيع، فاستغلوا جهلي بكل ما استطاعوا من وسيلة وحيلة، وكانوا موفقين كل ~~التوفيق. # جاءني خادم الحجرة في الصباح الأول بعد الإفطار، وأنا لا أعلم بطبيعة الحال شيئا عن ~~المحظورات والمباحات وأولها إعطاء الطعام والفاكهة لخدام الحجرات، فأعطيته كل ما بقي من ~~الموز والفاكهة في السلة، ففرح بها وتهلل وجهه وأسرع فخبأ بعضها تحت لبدته ولف بعضها في ~~سرواله، وتسلل من الحجرة إلى حيث لا أعلم، فأدهشني أنه لم يأكل ما أعطيت وظننت أنه يخفيه عن ~~أصحابه حتى ينفرد بأكله في ناحية، ولكني عرفت بعد ذلك أنه باع معظمه بزمارة! وقنع منه بأكل ~~القليل. # وجاءني بعد ذلك فسألني: هل تعبت كثيرا من البق والبراغيث؟ # قلت: كلا! لم أشعر لها بوجود. # قال: ms10 لكن هذه «الملاعين» ستظهر قريبا عندما تشم «نفس الناس» وتزعجك كثيرا، ومن العجيب ~~أنها لم تظهر أمس والحجرة مهجورة والأغطية مخزونة، فلا بد من تطهير السرير وحدائد النافذة ~~والباب للقضاء عليها ... # وطفق الخبيث يهول لي في فتك هذه الحشرات وألاعيبها في الاختفاء والظهور كأنها تحاور ~~السجناء وتلاعبهم لعبة «الاستخفاء» عن عمد وتدبير. # وخشيت أن يكون ما قال حقا؛ لأن المزعجات كلها مسلطة على السجناء في اليقظة ~~والرقاد. # فقلت: وكيف نقضي عليها ونستريح منها؟ # قال: بالنار، اطلب سعادتك موقد الغاز من السجان وهو لا يضن به على مثلك، وقل له: إنك ~~تريده لتطهير الحجرة من البق والبراغيث. # فشكرت له إخلاصه، وانتظرت حتى جاءني السجان فطلبت منه «الموقد» وذكرت له الغرض منه، فلم ~~يضن به كما قال الرجل، بيد أني علمت بعد لحظات قليلة حقيقة ذلك الإخلاص الذي شكرت صاحبنا ~~عليه! # فما هو إلا أن تسلم الموقد مشعلا حتى أسرع قبل كل شيء فأشعل منه لفة من خيوط الصوف ونظر ~~إلى الدور الأعلى - وهو الدور السادس - فإذا بلبدة تسقط على مقربة منه كأنها سقطت عفوا ~~بغير طلب، وإذا به يدس فيها اللفة المشعلة ويطويها طيا محكما ويقذف بها حيث سقطت، وهو ~~يقول في صوت بين الهمس والنداء: «خذ التليفون؟» # والتليفون كما علمت بعد ذلك هو الخيط المهرب على هذا المنوال لإشعال الزمامير! # قلت: «يا شيطان! أهذا هو البق الذي تريد إحراقه؟» # فحاول أن يتمادى في الكتمان والزوغان، ولكنه ضحك على الرغم منه وأفصح لي بسر هذه ~~«التهريبة» التي كانوا لا يظفرون بها إلا في الفلتات، وقال لي: إنهم كثيرا ما يشعلون خيط ~~الصوف على طريقة قدح الزناد، ثم يقذفون به في الحجرة المجاورة فيتلقاه أحد السجناء على ~~ذراعه الممدودة خارج «شعاع» الباب ثم يلقي به إلى جاره حتى يدور في الدور كله؛ ولذلك سموا ~~هذا الخيط بالتليفون! ~~••• # وماذا يصنع المدخن الذي يود التدخين لا محالة ومعدته خاوية من «ذات القرشين» أو من الزرار ~~كما يسمون تلك القطعة في لغة الاصطلاح؟ # أتراه يقلع ms11 عن تلك العادة؟ كلا ذلك آخر ما يفكر فيه، بل ذلك حديث لا يفكر فيه آخرا ولا ~~أولا فيما يظهر، وإنما يعتمد على الثقة ومعاملات القرض والتسليف حتى يفرجها الله، وإنها ~~لمعاملات معترف بها تسري بين السجناء سريانها بين الطلقاء، فلكل سجين «حسابه الجاري» الذي ~~يليق بسمعته المالية وكفاءته «السجنية»، وهي على نقيض الكفاءة التي توجب الثقة في معاملات ~~المصارف والمتاجر الخارجية؛ لأن أسوأ الناس سلوكا وأطولهم إقامة في السجن هو أحقهم بزيادة ~~الاعتماد وحسن السمعة، وأما البريء أو المحكوم عليه في أمر يسير فذلك في حكم المفلس المعدم ~~الذي لا يوثق به في التسليف من هنا إلى هناك! # ولا أزال أذكر صرخة الفزع التي سمعتها من أحد تجار التبغ المشهورين حين أبلغوه أن مدينه ~~«فلانا» قد برئ في محكمة الاستئناف بعد أن كان ميئوسا من براءته وكان هو أول اليائسين ~~المتفائلين ببقائه ... فقد صاح التاجر فيمن أبلغوه شامتين مستهزئين: «ويحكم ماذا تقولون؟ ~~هل برءوه النذل الوضيع؟» ثم عاد فاستسلم وأناب وقال لمن حوله وكأنه يحدث نفسه: «ولكن ~~الحق علي أنا المغفل الذي أثق بمثل هذا الكاركي الحقير!» وكان الأولى به أن يقول: «هذا ~~البريء الحقير.» بدلا من كلمة الكاركي التي هي عندهم اصطلاح على من دخل السجن محكوما ~~عليه لأول مرة، ولعلهم أخذوها من كلمة «الكاكي» الذي يشبه لونه لون العلامة الموضوعة على ~~لبدة هذه الفئة من فئات المسجونين. # وربما تبادر إلى الذهن أن ديون السجن عرضة للغدر والاهتضام إذ كان صاحبها لا يجسر على ~~المطالبة بها؛ خشية العقاب إذا هو أقر على نفسه بالتهريب والاتجار بالمحظورات، ولكن الحقيقة ~~أن ديون السجن كديون الشرف عند جماعة المقامرين هي أحق الديون بالضياع وهي مع ذلك أبعد ~~الديون عن الضياع، ولا شك أن الدائن يستميت في رد حقه على قدر حاجته إلى الاستماتة ~~والمجازفة، وهو يحتاج إلى الاستماتة والمجازفة كلما قل اعتماده على المطالبة المشروعة ~~والأصول المتفق عليها، فيذهب في طلب الدين المهرب إلى أقصى حدود العنف والإرهاب، ويلقي في ~~روع ms12 غريمه أن رد المال أهون من الإصابة التي لا مفر منها إذا هو تذرع بالغدر والمحال، وربما ~~استنكر «الرأي العام» بين هؤلاء اللصوص أن يأكل المدين مال الدائن في غيابة السجون، وهم ~~جميعا لا يستنكرون الخطف والسطو والاختلاس في فضاء الله الرحيب؛ لأنهم يحتاجون في السجن ~~إلى تجارة المهربات ويعلمون أنها تجارة قوامها الثقة والسداد، وإن كان هذا لا يمنعهم أن ~~يعجبوا «بالشاطر» الناجح الذي يستدين ثم يتمكن من الزوغان! # ومن هؤلاء الأشقياء من يعجز عن معاملة التسليف فيهجم على التزييف وهو يتوقع ما وراءه من ~~الخطر والعقوبة القاصمة. # رأيت من هؤلاء اثنين جاء بهما أحد السجانين إلى مكتب السجان الأول في انتظار عرضهما على ~~حضرة المأمور، وكنت أجلس أثناء الرياضة في فناء السجن بين المكتبين المتقابلين. # فبسط لي السجان المصاحب لهما يده وقال: «انظر! هذا من تزييف هؤلاء المجرمين.» وعد أمامي ~~ثماني عشرة قطعة من ذات القرشين صنعها ذانك السجينان في المعمل وأتقنا صنعها جد الإتقان، مع ~~السرعة وقلة الأدوات وشدة الحذر من الرقباء، فلا تختلف القطعة الصحيحة إلا بالرنين وهو محك ~~مأمون في داخل السجون، ومن ذا الذي «يرن» الزرار في لحظة التهريب؟ فالشياطين يعلمون أن ~~صاحب البضاعة سرعان ما يتناول القطعة بيده حتى يقذف بها إلى معدته، ثم يختلط الصحيح بالزائف ~~في ذلك الكيس الحي وتختفي الشبهة باختفاء القطعة بين أحشاء التاجر المخدوع. # قال أحدهما لصاحبه: «فيها خمس سنوات يا فلان.» # فاضطرب صاحبه، وقال: «قسمة ونصيب ... وكل هذا من أجل نفسين لا طلعا ولا نزلا.» # ثم التفت نحوي كالمستغيث سائلا: أصحيح أن الحكاية فيها خمس سنوات؟ # قلت: لا أظن. # فنظر إلي الأول نظرة يتنازعها ادعاء العلم بأحوال السجون ولهفة الخلاص، وقال لي كأنه ~~يتحدى ويستزيد من الاطمئنان في وقت واحد: وكيف هذا وقد رأيت بعيني جماعة عوقبوا بالسجن خمس ~~سنوات لأنهم زيفوا النقود؟ # فطاب لي أن أداعب مهارة هذين الشيطانين وأخذت أشرح لهما ما أعتقد من الفارق بين التزييف ~~في الخارج والتزييف في داخل السجن، وقلت لهما: ms13 إن المزيف في الخارج يختلس حق الحكومة وحق ~~الناس، ولكن المزيف هنا يختلس ما هو مختلس بطبيعته ومستحق للمصادرة عند ضبطه، وليس على هذا ~~عقوبة أكثر من عشرين أو ثلاثين جلدة، وأيام أو أسابيع من سجن الانفراد والخبز ~~القفار. # قال: لتكن مائة جلدة، وانطلق يدعو لي بالطمأنينة وارتقاء المراتب والصحة والعافية وكل شيء ~~... # قلت: هداك الله يا صاح، ولكن هذه الدعوات الصالحات هل تراها «عملة صحيحة» عند صيارفة ~~السماء؟! # | القراءة # يسمح النظام في «قره ميدان» بالقراءة للمحجوزين على ذمة التحقيق والمحكوم عليهم بالحبس ~~البسيط، وتنحصر القراءة المسموح بها في الكتب الدينية والعلمية والأدبية التي «لا تخل ~~بالنظام» ما عدا الروايات وكتب التسلية، ويرجع الأمر في التفريق بين ما هو جائز من ~~المقروءات وما هو محظور إلى رأي الموظف «الكتابي» الذي يتفق وجوده ساعة وصول الكتاب؛ لأن ~~الموظفين العسكريين يترفعون عن الخوض في هذه المسائل «الملكية» ولا يشعرون بغضاضة على ~~أنفسهم من إلقائها على كاهل حملة الأقلام، ولكن ما الحكم في اللغات التي لا يعرفها الموظف ~~الحاضر؟ وما الحكم في الروايات التي هي من صميم الأدب؟ وما الحكم في الكتب التي لا يلوح ~~عليها أنها روايات إلا لمن قرأها وأحاط بتراجم أصحابها؟ وما الحكم فيما يخالف النظام من ~~التصانيف إذا كان المراقب الفاضل لم يسمع قط باسم كارل ماركس ولا كروبتكين، ولا مانع عنده ~~من إجازة كل تأليف لإخوان هذا الطراز؟ # الحكم في ذلك كله للمصادفة والمزاج، فكثيرا ما يتوغل في السجن من أجل هذا كتاب يقشعر له ~~بدن النظام الاجتماعي وكل نظام في الوجود، وكثيرا ما ينتظر الكتاب الإذن بعبور الجدران ~~أياما وأسابيع حتى يرسل إلى الإدارة العامة ويعثر هناك على من يعرف الألمانية أو ~~الأوردية أو الأرمنية وما شابهها إذا كان مكتوبا بإحدى هذه اللغات. # وقد وقع اختياري عندما وصل إلي إعلان دعوة التحقيق على كتابين في التاريخ والأدب، ~~وهما الطبعة الجديدة من مختصر تاريخ العالم للمصلح الإنجليزي «ه.ج.ولز»، وسيرة بيرون للكاتب ~~الفرنسي «أندريه موروا» مترجمة إلى الإنجليزية ، فأفردتهما ms14 جانبا ووضعت علامات على الكتب ~~الأخرى التي سأطلبها بعد الفراغ من هذين الكتابين. # ولم يكن اختيارا في الحقيقة ذلك الذي هداني إلى اختصاص تاريخ العالم وسيرة بيرون ~~بالقراءة في أيام السجن الأولى، ولكن الكتابين كانا قد وصلا إلي في البريد الأخير فوجدت ~~الفرصة سانحة للفراغ منهما في هذه العزلة المقسورة! # على أنني لو تعمدت الاختيار المناسب «لمقتضى الحال» كما يقولون لما اخترت غير كتابين من ~~هذا الباب وعلى هذه الوتيرة، فليس أحب إلى الإنسان من أن يعوض حركة الجسم إذا فقدها بحركة ~~الخيال، وليس أقرب إلى المعقول من أن يلتمس في عالم القراءة ما يعز عليه في عالم الواقع، ~~وأي قراءة أليق بالسجين على هذا الاعتبار من تاريخ يصاحب به حركة الإنسانية بأسرها من بداية ~~نشأتها ومن قبل نشأتها إلى يومها الحاضر؟ أو من سيرة رجل قضى حياته كلها جامحا بين رحلات ~~الخيال ورحلات السياحة ورحلات الهوى والمغامرة؟ # فقد أحسن القدر الاختيار لي فيما أرى! ومن قبل ذلك بأعوام أذكر أنني كنت أنتقي ما أقرأ ~~وأنا مريض يائس من الشفاء، فكانت يدي تتجه إلى نوعين من الكتب بينهما مسافة بعيدة من ~~الاختلاف في الموضوع والوجهة، وأعني بهما الكتب التي تغلب عليها النزعة الجسدية والمتع ~~المادية والكتب التي فيها بحث عما وراء الطبيعة واستكناه لحقائق الأرواح وعالم الغيب، ~~وما أشد الاختلاف بين الموضوعين! وما أبعد المسافة بين النوعين! ولكن الصلة التي تجمع ~~بينهما أقرب الجمع بعد ذلك هي «التعويض» النفسي الذي يشتركان فيه، فكلاهما كفيل بتعويض ~~المريض الذي يحس من نفسه أنه سيفقد الحياة، وإنما يعوضانه في عالم الخيال والتفكير؛ لأن ~~حياته الواقعية تريه مقدار الحاجة إلى عالم الحس كما تريه مقدار الحاجة إلى عالم ~~الروح. ~~••• # على أنني لم ألبث أن عرفت أن للكتاب في السجن فائدة غير فائدة القراءة، وربما كانت فائدته ~~الأخرى هي المقصودة في كثير من الأحيان عند كثير من المسجونين، ولا سيما المصاحف وكتب الدين ~~على اختلاف الأديان. # أما هذه الفائدة الأخرى فهي الاستخارة! وهي أن يفتح ms15 القارئ الكتاب على الصفحة اليمنى ثم ~~يعد سبعة أسطر ويقرأ ما يصادفه في السطر السابع، فإذا هو المصير الذي ينتظره و«القرعة» التي ~~تصيبه بغير تدبير ولا مجاملة ولا مداراة، فإذا كان الكتاب مصحفا أو سفرا دينيا كائنا ~~ما كان فذاك إذن أشبه بالوحي السماوي وصوت النذير من عند الله. # ولا أظن أحدا من القراء لم يسمع قائلا يقول في دهشة وغضب: «أتريد أن أغالط نفسي؟ ...» كأن ~~مغالطة النفس أبعد الأشياء! وكأن الإنسان لا يغالطه إلا الآخرون ولا يغالط هو إلا ~~الآخرين. # ولكن ساعة من ساعات الضيق الشديد أو الحزن الشديد أو اللهفة الشديدة لترين الإنسان - ~~كل إنسان - أن المغالطة الكبرى إنما تكون من جانب النفس لا من جانب الخادعين بين الأصدقاء ~~والأعداء، فهو يصدق الرجاء أو العزاء؛ لأنه يحتاج إلى تصديقه، لا لأنه يقيم البرهان عليه ~~ويتبين الوقائع التي ترجحه وتقويه، والمقياس الوحيد لصدق العزاء في ساعة الضيق أنه ضروري ~~لازم لا أنه صحيح معزز بالبرهان، ولهذا يغتبط المسجونون بالبشارة التي تأتي من الاستخارة ~~كأنها خبر وثيق لا كذب فيه، بل يغتبطون بها؛ لأنها خبر لا يضير فيه الكذب ما دام يسر، ولا ~~يفتقر إلى تمحيص الغد ما دام مقبولا في حينه. # وقد كان بعض المسجونين الذين يلقونني عند الحلاق ويرونني في غفلة من الحراس يحدثونني ~~ببشائر «الاستخارة» والأحلام كأنهم يتحدثون «بالأسانيد» والبينات، فأشكر لهم مودتهم، ولا ~~أحب أن أزعزع فيهم ركنا من أركان العزاء، وما أوهى أركان العزاء جميعا عند بني ~~الإنسان! # كان باب الحجرة عندي مفتوحا للتنظيف في صباح يوم، فجاءني زميلي ودليلي وجاري السيد علي ~~شاهين يحمل مصحفه ويعلمني هذه الفائدة الجديدة من فوائد الكتب بين جدران السجون، ومن ~~المصادفات المدهشة أنه أخذ في الاستخارة لنفسه، وانفتحت له إحدى الصفحات اليمنى من سورة ~~يوسف فقرأ في السطر السابع: # سوءا إلا أن يسجن أو عذاب ~~أليم * قال هي راودتني ~~. # فانتفض صاحبنا كأنما سمع الحكم بالسجن يتلى عليه! وحق له أن ينتفض لأن المصادفة في ~~الحقيقة كانت من المدهشات ms16 التي قلما تتفق في هذه الاستخارات، إذ ليس في المصحف كله آية ~~تناسب استخارة السجين الذي سيحكم عليه كما تناسبها هذه الآية، ولكن ما أعمق معين المغالطة ~~في نفس الإنسان كلما احتاج إلى الرجاء والعزاء! فإن صاحبنا لم يقف عند السطر السابع بل زعم ~~أن أصول الاستخارة تقضي بمتابعة المعنى إلى تمامه، وجعل يقرأ ويقرأ حتى وصل في ختام الصفحة ~~التالية إلى الآية التي تقول: # فاستجاب له ربه فصرف ~~عنه كيدهن إنه هو السميع العليم ~~. # وكنت أقلب في كتاب «تاريخ العالم» فقال لي صاحبي: «ألا تستخير عندك؟» # قلت: «وهل تصلح الكتب الإفرنجية للاستخارة؟» # قال: «جرب!» # ولا أظن شيئا يبعث الأسى على تاريخ بني الإنسان المساكين كما تبعثه الاستخارة في كتاب ~~تاريخ عام، فما أذكر أننا وقفنا على سطر إلا وكان فيه عراك أو نكبة أو معنى محزن إن كان فيه ~~معنى على الإطلاق، وفي إحدى هذه الاستخارات ظهرت لنا آية قرآنية مترجمة علمت موضعها بقلم ~~رصاص كان مع السيد علي شاهين، ولم أكن أنا أحمل قلما ولا رضيت أن يحمل إلي شيء من ~~المهربات، فإذا السطر السابع منها هكذا: # Grieve at what had escaped you, nor at what befell you; and ~~(Allah is aware of what you do). # وتمام هذه الآية من القرآن في سورة آل عمران: # إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول ~~يدعوكم في أخراكم فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا ~~على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما تعملون * ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا ~~يغشى طائفة منكم ~~... ~~••• # وفي اليوم التالي لدخولي السجن أبلغت أن المصلحة ترخص لي في شراء الصحف التي أريدها على ~~حسابي، فتعبنا جدا في إحضار صحف المساء قبل الغروب وإغلاق الحجرات - وهي توزع في ميدان ~~القلعة نحو الساعة الرابعة - لأن البائع الخبيث علم أن هذه النسخ «مضمونة البيع» فالأولى به ~~إذن أن يبدأ ببيع النسخ «غير المضمونة»! ولم يشأ من أجل هذا أن يحضر إلى السجن وفي ضوء ~~النهار بقية، وأصر ms17 على ذلك مع تنبيهه مرة بعد أخرى، وإن كان هذا لا يمنعه أن يلقاني بالدعاء ~~والابتهال كلما خرجت من السجن، وكلما عدت إليه في طريق التحقيق والمحاكمة! # وربما علم بعض حضرات القراء أنني شرعت في أيام سجني أتعلم اللغة الفرنسية، وهي مصادفة من ~~المصادفات أيضا لم تكن تجول في نيتي عندما دخلت السجن واخترت كتب القراءة التي تقدمت ~~الإشارة إليها، وإنما فكرت في ذلك على أثر تحية وجيزة لقيتها من رجل إيطالي مهاجر وضعوه في ~~الحبس ريثما يتثبتون من «جنسيته» في الوكالة الإيطالية، فقد اقترب مني هذا الرجل يوما ورفع ~~قبعته محييا وهو يقول بالفرنسية: «يا حضرة النائب ...» ثم شفع ذلك بكلام كل ما فهمته منه ~~يومئذ أنه قرأ أخبار قضيتي، وأنه يسره أن يراني ويبلغني تحياته، فحاولت أن أفهمه جوابي ~~بالإنجليزية فلم يفهم إلا قليلا لا يزيد على ما فهمت منه! فسألت نفسي: وما بالي لا أتعلم ~~الفرنسية في هذه الفرصة؟ أمامي الآن نحو خمسة أشهر وهي مدة كافية للإلمام بالمبادئ، ولم يكن ~~وقت التحقيق صالحا للشروع في هذا البرنامج؛ لأنه وقت غير محدود، فلنبدأ الآن فقد عرفنا بعد ~~صدور الحكم بالحبس البسيط مدى ذلك الوقت المحدود. ~~••• # وأنت أيها القارئ - وقاك الله - لا تعلم كما علمت أنا في السجن أن دخول الجمل في سم ~~الخياط أيسر من دخول «قلم» إلى حجرة سجين بإذن من مصلحة السجون، فإن الترخيص للسجين بحمل ~~القلم يقتضيه كما قيل لي أن يكتب عريضة لإدارة السجن، وأن ترفع هذه العريضة إلى مدير ~~المصلحة، وأن ترفع بعد ذلك إلى كل من وزير الداخلية ووزير الحقانية، وهناك يصدر الأمر ~~بالرفض أو القبول إذا شملته رعاية خاصة، والأرجح أن يرفض لغير سبب إلا أن الرفض مباح ~~للرئيس، وإنه في معظم الأحيان شرط من شروط الرئاسة. # ولم كل هذا العناء؟ # نعم إن القلم ضروري لتعليم الأسطر كما تعودت في دراساتي ومطالعاتي، ثم تدوين الكلمات التي ~~تراجع وتحفظ، ولكني استعضت منه بالظفر أحز به العلامة في الهامش وفي خلال السطور، ms18 ~~وبثني الصفحات في مواضع المراجعة والإعادة، واستغنيت عن كتابة العرائض التي يقول فيها ~~جبرائيل لميكائيل وميكائيل لإسرافيل وإسرافيل لعزرائيل، ثم لا ينتهي بعد ذلك إلى كثير ولا ~~قليل. # ومن طرائف المقترحات التي سمعتها وأنا أبدأ دروس الفرنسية الأولى أن أدع هذه اللغة وأعد ~~نفسي - بدرس الفقه والشريعة والتصوف - لأن أكون إماما واعظا في الأقطار الإسلامية! وأن ~~أفطن للحكمة الإلهية التي قيضت لي محنة السجن، كما فطن لها صاحب الاقتراح الملهم بظهر ~~الغيب. # وجعل صاحبي - أعني صاحب الاقتراح - يسأل ثم يجيب نفسه: هل تستحق أنت بلاء السجن؟ لا ولا ~~ريب! # إذن لا يظلم ربك أحدا! وما أراد ربك بسجنك إلا نفعك ونفع المسلمين بك، وأن لا تكون غاية ~~سعيك خدمة الوطنية المصرية دون الجامعة الإسلامية، فدع الفرنسية واقرأ في الأشهر الباقية ~~كتب التفسير وأصول الدين، وتجرد لما جردك له الله، وثق أنك هنا لأمر عظيم. # وهكذا كان يحاورني من حين إلى حين رسول تلك البشارة المغموطة، والهداية التي تخلق الهداة ~~على الرغم منهم! ورسولنا هذا هو هندي متورع محبوس في قسم الحمايات لتهمة اختلاس في تجارة ~~كبيرة ينكرها أشد الإنكار، ويزعم أن عداوته للحكومة في الحركة الهندية هي علة تلفيق التهمة ~~عليه، وكان لا ينقطع عن كتب التفسير والأحاديث يقرؤها بالعربية فيفهمها بعض الفهم، ولكنه ~~يتكلم الإنجليزية إذا أراد التبسط في الحديث. # وفارق الرجل السجن وفارق مصر وهو بغصة المحسور على ذلك الإمام الذي هو واثق أنه إمام ~~منتظر، وواثق كذلك أنه قد ضيع بيديه الإمامة التي أعده لها القدر، وما أعجب الجمع بين ~~الثقتين! # | المنع والترخيص # كل شيء في السجن ممنوع حتى يصدر الأمر بإباحته وإلغاء منعه. # فالأصل في السجن «المنع» لغير سبب وبغير تفسير، فإذا أبيح عمل من الأعمال وأجيز أمر من ~~الأمور، فذاك الذي يحتاج إلى سبب ويحتاج بعد ذلك إلى ترخيص واستئذان. # وإن هذه القاعدة وحدها لكافية لأن تجعل السجن سجونا كثيرة بعضها أضيق وأثقل من بعض، ~~ولكنها مع ذلك رحمة سماوية إذا قيست إلى الطريقة التي ms19 ينفذونها بها حرفا حرفا ومرة مرة، ~~بغير تصرف ولا قياس ولا مراعاة للنظائر والمناسبات. # فإذا أبيح الشيء مرة فإنما يباح في حالة لا تسري إلى غيرها وفي وقت لا يمتد إلى ما بعده، ~~فلا يمكن أن تتكرر الإباحة ولو تكررت الدواعي والمناسبات، ولا يمكن أن يباح الشيء الذي ~~يشبهه تمام المشابهة ويجري مجراه في وصفه وفحواه ذهابا مع القياس والاستطراد، كلا! بل كل ~~شيء مباح بحرفه ووسمه ووقته وشخص المقصود به، فإذا تغير الحرف أو الوسم أو الوقت أو الشخص ~~فقد بطلت الإباحة وعاد المنع كما كان! # وبعض الأمثلة غني عن الإسهاب في هذا الباب. # كان قوام طعامي خارج السجن الفاكهة والخضار الطازج ولا سيما في الصباح والمساء، وقد ميزت ~~من الخضار الجرجير والخس، ومن الفاكهة الكمثرى الإيطالية والجوافة؛ لأن هذه الفاكهة تشتمل ~~على خلايا وبذور تساعد الهضم بخشونتها مساعدة لا تقوم بها الثمار الأخرى. # فأما الفاكهة فقد فصلت فيها مصلحة السجون من قديم عهدها الأول فصل أنبياء بني إسرائيل في ~~المباح والمحظور من الطعام والشراب، فهذا حلال وهذا حرام، ولا نقض بعد ذلك ولا إبرام، وليست ~~الكمثرى مما يسمح به ذلك «الحاخام»، أما الجوافة فلم يحن أوانها من العام! # واختلف الحال في الخضار فلم يتنزل في أمره تحريم كذلك التحريم بين آيات الكتاب العظيم، ~~ولكن كهان الهيكل قد حجروا على ما أباح الكتاب واسعا فلبث «المنع» الأصيل في مكانه القديم ~~لا يتراجع عنه ولا يريم! # كتبت اللجنة الطبية التي تقرر لي أصناف طعامي كل أسبوعين هذه العبارة في تذكرتي الصحية: ~~«يصرف له خضار كالفجل والجرجير ...» # فمضت أيام وأنا لا أرى غير الفجل في كل غداء، والفجل، وقاك الله، صنف يحتمله الهضم الضعيف ~~يوما، ثم لا بد له من أسبوع على الأقل لينساه ويجازف مرة أخرى بالرجوع إليه، فأما الفجل ~~وحده ولا خضار غيره مطبوخا أو نيئا في كل غداء فذاك بلاء للهضم الضعيف وليس بغذاء أو ~~دواء! # قلت: «فأين الجرجير؟» # قالوا: «إن الساعي الذي يذهب في طلب هذه الأصناف ms20 لا يجده في السوق، ولا يسعه أن ينتظره ~~حتى يعبر به الباعة في الطريق.» # قلت: «وما باله لا يشتري الخس مثلا أو الكراث؟» # قالوا: «إن اللجنة الطبية لم تسمح بغير الفجل والجرجير!» # قلت: «بل سمحت بكل خضار لأنها لم تذكر الفجل والجرجير إلا على سبيل التمثيل.» # قالوا: «لا بد من سؤالها والاستئذان منها؛ لأنها لو شاءت لذكرت أسماء الأصناف الأخرى ولم ~~تقصر الإشارة على هذين الصنفين.» # وبديه أن السجن مدرسة كما يقولون، ولكنه ليس بالمدرسة التي ألقي فيها درسا في معنى ~~التمثيل بالكاف أو في معنى التخصيص والتعميم! ~~••• # وسمحت لي اللجنة باللبن في طعام الإفطار، فكأنها قد سمحت لي بكوب فارغ لا شيء فيه؛ لأن ~~اللبن الذي يصل إلي في الصباح الباكر لا يكون صالحا للغذاء، ولا ينبغي أن يصلح لغير ~~الإهراق قبل ذلك بساعات. # وبيان ذلك أن اللبن الذي يجلبه المتعهد إلى مستشفى السجن إنما «يسلم» في الساعة العاشرة ~~من كل صباح. # والساعة العاشرة موعد حسن لمن يتناولون اللبن في الغداء، وموعد لا بأس به لمن ~~يتناولونه في العشاء، على شريطة أن يكون محلوبا في صباح يومه ولا يكون «بائتا» متخلفا من ~~اليوم الذي قبله. # فأما في طعام الإفطار فأين هو المستشفى الذي يطعم مرضاه لبنا مضت عليه أربع وعشرون ساعة ~~في الصيف أو في الشتاء؟ # وخطر لوكيل السجن الذي خاطبته في هذه المسألة عند مروره بي ساعة الرياضة أن «يتصرف» فيها ~~بعض التصرف على خلاف القاعدة المرعية هناك، فأمر رئيس الممرضين أن يضع المقدار اللازم لي من ~~اللبن في «الثلاجة» من ساعة وصوله حتى ساعة تقديمه في صباح اليوم التالي، عسى أن يمنع ذلك ~~فساده وتخثره ويبقيه سائغا سليما حتى موعد الإفطار. # لكن رئيس الممرضين ذهب إلى المأمور يستأذنه كما هي العادة في كل شيء، فأنكر المأمور هذا ~~الحل «الهرطقي» لأنه بدعة عجيبة لم يتنزل بها الوحي في «الناموس» القديم، ووجب أن يهرق ~~اللبن هدرا وأن يلغى الإفطار عليه حتى تعود اللجنة الطبية إلى فحص جديد. # وليس يخفى ms21 أن «النظام» لا يمكن أن يمنع وضع اللبن في ثلاجة المعمل الملحق بالمستشفى أو في ~~أي مكان يحتويه، ولا يمكن أن يمنع صيانة اللبن من الفساد بغير كلفة ولا نفقة زائدة ما دام ~~الثلج لا ينقطع عن المعمل في صيف ولا شتاء، بل صيانة اللبن أنفع للمستشفى وأقل نفقة عليه من ~~شراء لبن جديد لي في الصباح الباكر قبل حضور الأطباء. # ولكن «الناموس» لم ينص بالحرف والوصف على قنينة من اللبن توضع في الثلاجة لأجل سجين ~~يسمى عباس العقاد فهو قد نص إذن على المنع والتحريم! ~~••• # على أن الأخطر والأغرب في باب الضحك والفكاهة، لولا ما فيه من مساس بالحياة، هو قصة ~~انتقالي إلى المستشفى أو انتقال المستشفى إلي، ثم ما كان بعد ذلك من فصل حكيم في هذه ~~المشكلة العضال التي ليس لها إلا ذكاء سليمان بن داود. # وسيعجب القارئ من «عنوان» هذه القصة كما أسلفته؛ لأنه لن يتخيل أن هناك مشكلة تقوم بين ~~مريض ومستشفى لينتقل المريض إلى المستشفى أو ينتقل المستشفى إلى المريض. # ولكنه إذا عرف القصة على جليتها لم يستطع أن يتخذ لها عنوانا أصدق من ذلك العنوان، فهي ~~في الواقع خلاف بيني وبين المستشفى قد انتهى - بحكمة سليمانية - على أن ينتقل هو إلي ~~بدلا من انتقالي أنا إليه. # وجلية القصة أن الأطباء قرروا بعد أيام من دخولي السجن وجوب وضعي في مستشفاه ومعاملتي في ~~اختيار الطعام والفراش وأوقات الرياضة معاملة المرضى. # ولكن ماذا حدث بعد هذا القرار؟ هل نقلت إلى المستشفى كما يقضي العقل و«النظام»؟ # كلا! وإنما الذي حدث أنهم اعتبروا الحجرة التي أنا فيها ملحقة بالمستشفى وانفض ~~الإشكال! # وقد أبلغوني ذلك الحل الحكيم فأضحكني على الرغم من مضض السجن وتعب الجسم وسوء العاقبة، ~~وأصبحت أعذر ذلك العطار الذي حسب أنه استراح من النمل بكتابة كلمة الفلفل على حق السكر، فإن ~~هذه الحيلة العطارية ليست بأغرب من حيلة السادة المشرفين على السجون الذين كتبوا اسم ~~المستشفى على حجرة العنبر، فأصبحت بهذه المعجزة السحرية مكانا صالحا ms22 للعلاج، مشرقا ~~بالضياء، متوهجا بحرارة الشمس، معزولا من الرطوبة! ولا أحسب الفرق عظيما بين من يحاول ~~تضليل العناصر الطبيعية بكلمة على حق كبير، ومن يحاول تضليل النمل بكلمة على حق صغير، ~~فهما ولا ريب في البراعة سواء ... # ولما قلت لهم: إن المستشفى فيه حجرة تدخلها الشمس ويتخللها الهواء وتصلح للإقامة فيها ~~قالوا: «وكيف تقيم فيها؟ أليست فيها دواليب الملابس؟» # قلت: «وهل يستحيل نقل هذه الدواليب؟ أليست صحة مريض أولى بمكان في المستشفى من ~~دولاب؟» # فدار البحث أياما بين السجن والإدارة العامة والأطباء والنيابة وغيرها من المراجع التي ~~لا أدريها، ثم ظهر بعد طول البحث وشدة التنقيب أن الدولاب الأصيل أولى بمكانه في المستشفى ~~من الإنسان الطارئ الغريب! # وغاية ما صنعوه بعد جهد جهيد أنهم نقلوني من الحجرة الأولى إلى حجرة أخرى في طرف العنبر ~~مزيتها على زميلتها أن الشمس تنالها - في الظاهر - من حائطين اثنين بدلا من حائط ~~واحد. # ولما انتقلت إليها واقترحت عليهم أن يفتحوا في الحائط الآخر كوة صغيرة تنفذ منها الشمس ~~إلى داخل الحجرة، حسبت من دهشتهم واستغرابهم أنني طلبت إليهم أن يفتحوا ثلمة في الدين أو ~~ثلمة في نظام الدولة ... سامحني الله! # غير أنهم في هذه الحجرة الجديدة قربوا الشبه بينها وبين المستشفى من وجوه مختلفة غير ~~كتابة العنوان على الباب، فأغلقوا شعاع الباب بالزجاج وجعلوا للنافذة رتاجا يفتح ويقفل، ~~ومدوا إليها أسلاك النور الكهربائي الذي لا ينقطع طول الليل عن المستشفى الأصيل، ولم يفعلوا ~~ذلك إلا بعدما استحال ترك الحجرة بغير نور، وبعدما ثبت أن بقائي في الظلام الحالك بلا قراءة ~~ولا حديث ولا شاغل من الساعة الخامسة في المساء إلى الساعة السادسة في الصباح، أسبوعا بعد ~~أسبوع وشهرا بعد شهر هو علاج وبيل لا ينصح به أحد من الأطباء. # ولكنها إباحات السجن ولا بد في طي كل إباحة من قيد أو قيود. # فالمفتاح الذي ينير ويطفئ النور لا بد أن يركب عند الباب من خارج الحجرة، ولا يصح في حكم ~~النظام أو حكم «الناموس» ms23 أن يركب في داخلها لكي أفتحه وأقفله حين أحتاج إلى فتحه ~~وإقفاله. # وهو في تركيبه خارج الحجرة يظل معرضا لكل سجين يعبر بالعنبر أو يمشي في الدور، ولا يكون ~~معرضا لسجين واحد يحرص عليه؛ لأنه ينير له ويعينه على شأنه، ولكنه النظام ولا تفسير ولا ~~تأويل لما يقضي به النظام! # فإذا فرغت من القراءة الساعة العاشرة أو الحادية عشرة أو الثانية عشرة، فسبيلي أن أقرع ~~الباب السميك أستدعي الحارس ليتولى هو بيديه «شعائر إطفاء النور»، فإذا كان قريبا متيقظا ~~في تلك الساعة فالخطب هين، والدعوة لا تطول إلا ريثما تجاب، أما إذا ابتعد أو نام فالحل ~~الوحيد في حكم النظام هو إزعاج السجناء الذين معي في الدور جميعا لإدارة المفتاح الصغير، ~~فإن لم يكن هذا فمبيتي سهران إلى الصباح؛ لأن أعصاب عيني لا تألف الغمض في الضياء. # | أخلاق (1) # الألفة شرط المعرفة. # ولا تصدق هذه القاعدة على شيء كما تصدق على أخلاق الناس، واستطلاع أسرار الإنسانية التي ~~لا تنكشف - وليس في الوسع أن تنكشف - من اللقاء الأول. # فنحن لا نعرف شعبا من الشعوب ولا فردا من الأفراد حق عرفانه حتى نقاربه ونعاشره، ونزيل ~~ما بيننا وبينه من حجاب الغرابة الذي يمنعنا أن ننفذ إلى قرارة نفسه ونتغلغل إلى بواعث ~~أعماله ومناشئ إحساسه، وما يراه هو طبيعيا عاديا في نظره ويراه الآخرون في أنظارهم ~~غريبا أشد الغرابة بعيدا أشد البعد من العادات المألوفة. # لكن الصعوبة في الأمر أن الغرابة مانعة للمعرفة من جهة ولازمة لها من الجهة ~~الأخرى. # مانعة للمعرفة؛ لأنها تحجب عنا الأسرار التي تنطوي وراء الظواهر ولا تنكشف إلا بانكشاف ~~الأستار والحواجز. # ولازمة للمعرفة؛ لأن المعرفة هي التمييز والفصل بين الحدود، وكيف ترانا نميز إنسانا من ~~إنسان، إذا نحن لم نشعر بوجود الاختلاف والغرابة بينه وبين غيره؟ أو نعتقد أنه مخلوق غير ~~الخلائق الأخرى في دخيلته وظاهر أمره؟ # لهذا كانت المعرفة الحقيقية أصعب الأشياء وأدعاها إلى اليقظة والانتباه؛ لأنها تفرض على ~~النفس أن تجمع بين النقيضين في وقت واحد، وترى ms24 الشيء غريبا ومألوفا في حالة واحدة، وإنما ~~يكون تذليل هذه الصعوبة بإشراك الشعور والخيال والعقل في البحث عن الأمور التي نبتغي ~~عرفانها والنفاذ إلى بواطنها، فما يراه العقل متناقضا مختلفا يجمعه الشعور في نور واحد ~~ويتولاه الخيال بالتقريب أو التبعيد حتى تتمكن النفس من إدراكه واستيعابه على حقيقته التي ~~تخفى عن الحس والمشاهدة. # وفي السجن يعاني الباحث هذه الصعوبة بعض المعاناة حين يراقب أخلاق السجناء ويعالج التمييز ~~بينهم وبين سائر الناس في الطبائع والعادات، فهو يراهم مئات وألوفا ولا يرى غيرهم في حالة ~~تعارض حالتهم ومعيشة تفترق من معيشتهم، فيسبق إليه - من ثم - أنهم وسائر الناس على حد سواء ~~في جملة الأحوال، وأنك تستطيع أن تبدل ألفا منهم في جنح الظلام بألف ممن يعيشون خارج ~~السجن دون أن تحس الفارق بين هؤلاء وهؤلاء عند طلوع الصباح! # إلا أن هناك أمرا خليقا أن يهون هذه الصعوبة ويزيل اللبس والاختلاط بعض الإزالة، ~~وذاك أن المسافة بين هذه البيئة «السجينة» وبين الباحث الغريب عنها تظل بعيدة مفصولة مهما ~~يطل الوقت ويبطل الفارق في مكان الإقامة، فتبقى بينه وبينها على طول المدى وقرب الجوار ~~مسافة كافية للرؤية الصحيحة والتمييز الواضح. ~~••• # ومن السهل على من يراقب أحوال هؤلاء السجناء أن يقسمهم قسمة عاجلة إلى طائفتين من ~~المجرمين مختلفتين في البواعث والأخلاق وضروب الإجرام. # فهناك مجرم الاعتداء الذي لا يبالي إيلام غيره. # وهناك مجرم الخسة الذي لا يبالي ما يجلبه على نفسه من العار والمهانة. # وأظهر ما يبدو من خلائق المجرم الأول - مجرم الاعتداء - أنه جامد الحس من ناحية الشعور ~~بالألم على إطلاقه، فهو يتحدث عن أفجع المصائب وأشنع حوادث القتل والتعذيب كأنه يتحدث عن ~~فكاهة لا إزعاج فيها للسامع ولا للمتكلم، وقلما يدرك استغرابك إذا أنت استغربت هذه اللهجة ~~منه في وصف الفظائع والموجعات دون التفاف منه إلى وقعها أو مبالاة فرائسها أو المستمعين ~~لقصصها، وقد كان في الدور السادس - وهو الدور الذي فوق دورنا الخامس في عنابر السجن - فتى ~~من قرى الصعيد قتل أخته ms25 في القاهرة؛ لأنها هربت من أهلها ولاذت بدور البغاء، فتعقبها حتى ~~عثر بها في الدار التي تسكنها، وراوغها أياما وهو يخفي عنها قصده حتى اطمأنت إليه وسالمته ~~ومهدت له صنوف المتعة بصواحبها وجاراتها، وهو يتحين الفرصة لقتلها في غفلة عمن حولها، ~~إلى أن سنحت له ذات يوم ففاجأها بطعنة سكين وانقض عليها بالطعنات دراكا حتى فارقت الحياة، ~~ففي ليلة من ليالي السجن طاب له السمر واستدرجه زملاؤه في الحجرات المجاورة له إلى شرح ~~قصته، فما راعني إلا أن أسمع هذا الفتى يصف قتل أخته، وكيف غرر بها، وكيف تناول الطعام معها ~~وهو يخفي السكين في ثيابه، ثم كيف طعنها بعد ذلك، وكيف صاحت به تناديه باسم الأخوة وتناشده ~~حرمة المشاركة في الأمومة، ثم كيف قضى عليها واحتز رأسها وسافر به إلى بلده ليريه أنداده ~~وقرناءه الذين عيروه من قبل واستطالوا عليه. فلو أنه كان يتكلم عن ذبح شاة أو دجاجة لما ~~اختلف الأمر ولا تباينت اللهجة، ولا كان أقل من ذلك مبالاة بما يقول واسترسالا في النكات ~~والمزاح كلما عبث به أصحابه وتعمدوا إحراجه واستفزاز طبعه، وليس هذا كله من الغيرة على ~~العرض والنخوة للكرامة، فإن الغيرة على العرض تثير الغضب والنقمة ولكنها لا تخلق البلادة ~~ولا تعمي الإنسان عما صنع بعد فوات الثورة وسكون الهياج ويقظة النفس للذكرى والاستعبار ~~والأسف على ما كان من سبب القتل والاضطرار إليه. # ومع هذا ربما كان لهذا الفتى القروي الجاهل الخشن عذره من عادات قومه وشدة الغيرة في ~~نفسه، وربما كان يبالغ في الاستخفاف بفعلته لتخدير شعوره والأنفة من الندم على شيء هو من ~~واجبه في شرع فتوته وفي شرع أبناء بلده، ولكني سمعت فتى متعلما يباهي بقليل ما تعلم من ~~الدروس الابتدائية والثانوية ويكلم سجناء «الحماية» باللغة الإنجليزية ليدلهم على حظه من ~~الدراسة، ويريهم أنه سليل طبقة غير طبقة المسجونين معه في مثل جرمه، وكان قد حكم عليه ~~بالسجن خمس سنوات لاشتراكه في جماعة مؤلفة للسطو على الأغنياء، فلما استدرجوه ذات ليلة ms26 ~~للكلام عن سبب سجنه لم يتردد في ذكر السبب الصحيح، ولم تبد على كلامه مسحة من الندم والخجل، ~~وإنما كان يبدو عليه الزهو بانتمائه إلى جماعة لها فروع وقرارات ورؤساء أقسام واجتماعات ~~ومداولات، وكان يتحدث عن قتل من تقرر عندهم قتله كأنه يتحدث عن عقبة يفخر بالمهارة في ~~إزالتها، ولا يفرض لها حياة تصان وتتعلق بها الآلام والأحزان. # وقد كنت أسمي هذه البلادة في هؤلاء المنكوبين «أنانية» أو إمعانا في الأثرة العمياء لو ~~كانوا يشعرون بالألم في نفوسهم ولا يشعرون بالألم في نفوس غيرهم، ولكنهم على ما علمت من ~~أطوارهم الكثيرة محجوبون عن شعور الألم حيث كان، فلا يحسونه في أبدانهم ولا في ضمائرهم كما ~~يحسه الآخرون فيما يعتريهم من المؤلمات الجسدية والفكرية، وربما ضرب أحدهم رأسه بالحائط ~~ضربا عنيفا داميا ليتهم غيره بضربه، أو ربما وخز نفسه وعرض أعضاءه للتلف؛ من أجل أيام ~~قليلة يطمع في قضائها بالمستشفى أو تحت الرقابة الطبية، وقد قطع أحدهم بضعة من جسمه بحديدة ~~كليلة يكتبون عليها في السجن رقم السجين ولا تصلح للقطع إلا بجهد شديد؛ لأنه قدر أن هذه ~~الفعلة قد توقع مأمور السجن في عقوبة أو شبهة إهمال! # فالآفة عند سجين الاعتداء إنما هي آفة نقص في وظائف الشعور وليست آفة «الأنانية» على ~~معناها الشائع المفهوم، وليس ببعيد أن يجرم الإنسان لفرط الشعور بالألم كما يجرم لقلة ~~الشعور به في نفسه وفي غيره، ولكن هذا الصنف من المجرمين نادر جد الندرة بين من شهدت في ~~سجناء «قره ميدان». # أما مجرم الخسة الذي لا يبالي العار والمهانة فهو حقير بين ضراة المجرمين المعتدين، ~~يقولون عنه إنه «نتن» يدخل السجن في غير طائل، ويصبر على الإهانة وسوء المعاملة من المساجين ~~ولا يستثار. # ومعظم ما يقترفه هؤلاء المجرمون «الأخساء» مقصور على صغائر السرقات والاحتيال على الصغائر ~~والأغرار وما إلى ذلك من جرائم النذالة والطمع الوضيع. # وهم في الحق «نتنون» كما يقول عنهم زملاؤهم من أصحاب الضراوة والاعتداء: شعورهم بالعار ~~ضعيف وشعورهم بالزهو أضعف، ويعترفون ms27 على إخوانهم علانية بأقبح الرذائل في غير حياء ولا ~~إحساس بفقدان الحياء، ومع هذا تأبى الطبيعة الإنسانية أن تحرم أحدا نصيبه من الزهو ~~والمباهاة ولو كان من أدنى الأدنياء، فحتى هؤلاء يزهون فيما بينهم ببعض الخلال، ويأخذون على ~~أنفسهم بعض العيوب، وبماذا يزهون؟ يزهون بالافتنان في أساليب النذالة والاحتيال الشائن ~~المرذول، وعلى من يعيبون؟ يعيبون على الجهلاء بتلك الأساليب! وعلى المحدثين في الإجرام؛ ~~لأنهم بلهاء لا يفهمون الخدع و«المصطلحات» التي يفطن لها ذوو الدراية بالسجون! وهم في كل ~~حال لا يعدون الزهو الرخيص الذي لا يكلفهم جهدا من الجهود. # | أخلاق (2) # من أصدق المقاييس التي تسبر بها طبائع النفوس الفكاهة والغناء. # فإنك لن تجد الفكاهة ولا الغناء في نفوس خلت كل الخلو من الخير والمحبة الإنسانية وصلاح ~~الفطرة للعطف والمؤاخاة. # فالسليقة التي تعرف الفكاهة تعرف مواطن الضعف والتناقض من النفوس الإنسانية، أو تعرف - ~~بعبارة أخرى - أسرار النفس وخفاياها وما تداريه وما تكشف عنه وما تقابل به الدنيا وما تحفظه ~~في أعماق سريرتها، فكأنما تلك السليقة على اتصال أخوي حميم بجميع النفوس الآدمية، كاتصال ~~الصديق بصديقه المطلع على دخائل قلبه وحقائق نياته، وكأنها على استعداد دائم لأن تضحك مع ~~جميع النفوس ضحك السرور والمشاركة، وأن تضحك منها ضحك العطف والمداعبة، وتلك حالة نفسية لن ~~تخلو من الخير والشعور الحسن من ناحية بني الإنسان. # أما السليقة التي تحسن الغناء أو تحب الإصغاء إليه فهي سليقة تحس وتعرف الوزن والنظام ~~بشيء من الزكانة والإلهام، وهي - كتلك - سليقة تلتقي بالنفوس الأخرى في مجال العاطفة والذوق ~~والشعور بالجمال. # وفي السجن لم أر إلا عددا يسيرا جدا يحسن الفكاهة، وإن كنت رأيت سجناء كثيرين هم ~~موضوع فكاهة ومثار ضحك ودعابة، ولا أذكر أنني سمعت كلمات كثيرة تدل على فطنة للمواقف ~~المضحكة والمساجلات النفسية اللطيفة، وإن كنت قد سمعت كثيرا من النكات المحفوظة والفكاهات ~~المكررة التي يفوهون بها كما تفوه الببغاء بما يلقى إليها من الأصوات. # ولم أسمع قط غناء حسنا من سجناء الجرائم العنيفة أو سجناء الجرائم ms28 الخسيسة، ولكنني سمعت ~~الغناء الحسن من بعض الفتيان المحكوم عليهم بالحبس في قضايا تهريب المخدرات وتعاطيها، وهم ~~في أغلب الأحايين مسخرون ينقادون لكبرائهم المسيطرين عليهم، لم تنغرس فيهم بعد نذالة ~~الجريمة العامدة المدبرة التي تطلب الكسب من وراء الإضرار بالناس، ومن كان منهم يتعاطى ~~المخدرات فهو ضعيف يعتدي على نفسه وليس بمجرم من أولئك الجناة الأشرار الذين يعتدون على ~~غيرهم عدوان المكيدة أو عدوان الضراوة. # فإذا اتخذنا الفكاهة والغناء مقياسا للخير والمحبة الإنسانية في نفوس السجناء فأهل الخير ~~فيهم قليل، وهذا القليل الموجود يشف - في أغلبه وأعمه - عن معدن وضيع أو معدن مشوب، وإن لم ~~يجز لنا أن نقول: إن الخير فيهم معدوم وإن صلاحهم ميئوس منه، ولا سيما حين يعالجون بما ~~يناسبهم وحين يقترن حسن النية في علاجهم بالفكرة الرشيدة والعزم الصبور. # ويخطئ من يظن أن السجناء لا يغنون كما يغني الطلقاء والأبرياء كلما وجدوا فرصة للغناء، ~~فإنهم ليهتفون ولا يقصرون في الهتاف ملء صدورهم كلما خلا لهم الجو تحت ستر من الليل، وربما ~~كانوا أشد كلفا بالشدو والهتاف من الطليق المرسل على أرسانه؛ لأن رفع الصوت وسيلة من وسائل ~~الشعور عندهم بالحرية وإرسال النفس على السجية، فهو مطلوب لهذا الغرض ولو لم يكن فيه طرب أو ~~سلوى، ولا حاجة بالإنسان إلى دخول السجن لعرفان هذه الحقيقة بل لاستماع هذه الحقيقة الصارخة ~~من مسافة بعيدة! فإن العبور على مقربة من السجن بين العشاء والساعة التاسعة كاف لاستماع ما ~~يسمعه السجناء في الداخل من الغناء والهتاف، وقلما تمر ليلة واحدة دون أن يدوي السجن ~~بأناشيد أهل الصعيد ومواويل أبناء البلد على اختلاط لا تمييز فيه بين السامع والمسموع، ولكن ~~أهل الصعيد وأبناء البلد كما يعلم القراء يغنون كأنهم يتكلمون، أو هم يغنون ويصيحون حين ~~يعوزهم السمر والكلام وتكل ألسنتهم من السكوت، وليس هذا الذي نعنيه بالغناء المبين عن ~~الطبائع والأخلاق، وإنما نعني به الأوزان الفنية التي تتجلى فيها الأذواق وخلجات العواطف ~~وألوان الإحساس، وهذا الذي نقول: إنه قليل نادر بين ms29 المجرمين. ~~••• # وربما كان الأولى بي أن أتخذ مقياسا آخر للخير في طبائع زملائنا السابقين يعنيني أكثر ~~مما تعنيني هذه المقاييس التي تعم جميع الباحثين في هذه المشاهدات؛ لأنني اختبرت من معاملة ~~زملائنا صنوفا من البر والطيبة مختلفة المصادر والأسباب، فكنت أنا نفسي مقياسا محسوسا ~~يقاس به ويقيس! # فمنهم - وهم القليل - من كان ينطوي على كرم مأثور، ويلوح لنا من بعض بوادره وتصرفاته ~~أنه يقبل على نفسه حالة السجن ومضانكه وآلامه، ولا يقبل أن يعانيها رجل من ذوي الصناعة ~~الفكرية، كأنه يحس في قرارة ضميره بفارق بين عمله وعملنا وسائقه إلى السجن وسائقنا، ولا ~~يأنف أن يعترف بهذا الفارق ثم يرجح كفتنا على كفته عند الموازنة. # ومن هؤلاء من كان أساه لنا واهتمامه براحتنا والتسرية عنا يكلفانه المجازفة الجريئة ~~والإقدام على العقوبة وتضييع حقه في الإعفاء من ربع المدة، وهو الحق الذي يناله كل من قضى ~~مدة السجن بغير إخلال بقواعد النظام، ويزيد في فضلهم أنهم كانوا لا يطمعون منا في جزاء ~~عاجل، ولا ينتظرون الجزاء بعد الإفراج عنهم وعنا، إذ كان موعدهم بمفارقة السجن بعد موعدنا ~~بسنوات أو شهور طوال. # وقد كان بين هذا الفريق فتى يجيد الغناء بعض الإجادة، ويبث فيه شيئا من الحنين السائغ ~~والبواعث الشجية، وكان يخشى الحراس إذا غنى مساء؛ لأنه معروف الصوت في السجن كله لا يختلط ~~حيث كان بأحد غيره، فكنت أسمع بعض زملائه الذين يحضونه على الغناء يقولون له: إن «الأستاذ» ~~- ويقصدونني أنا - هو الذي أوعز إلينا أن نقترح عليك كيت وكيت من الأدوار، فلا يتردد في ~~الإجابة دون أن يعرفني أو أعرفه ودون أن يلقاني أو ألقاه. # ومنهم من لا يبلغ مبلغ هؤلاء في كرم الخليقة ولكنه يخدمنا ويبذل المعونة لنا عن غبطة ~~منه بإنشاء العلاقة بينه وبين أناس يراهم أرجح منه منزلة وأكبر ممن تجمعه بهم علاقة ~~الزمالة، ويرضيه أن يستحق من هؤلاء الناس كلمة الثناء وعرفان الجميل والشعور بفائدته لهم في ~~حالة من الحالات، وتلك ولا ريب نية خير لا ms30 غبار عليها؛ لأنها دليل على طبيعة لم تتجرد من ~~التطلع إلى حسن الظن وطيب الأحدوثة . # ومنهم من كان باعثه للخدمة والمعونة إعجابه بالجرأة كما يفهمها، ونظره إلينا كما ينظر ~~إلى أنداده الجسورين في معارك الفتوة ومقاحم الضرب والمصارعة، وهو باعث لم نكن نغتبط به وإن ~~كنا لا ننسى حسن النية فيه! # وكلهم كانوا يضمرون لنا شعور المودة ويخلصون الرغبة في بذل المعونة الميسرة لهم كلما ~~أتيحت لهم وسيلة من وسائلها. ~~••• # على أننا لم نخطئ في معظم السجناء عاطفة مصرية صميمة لاحظناها في جميع المصريين على تباعد ~~الطبقات والأقاليم، ونعني بها «عاطفة العائلة» وما يتفرع عليها من رعاية الأرحام ~~والأسنان. # رأيت مرة طفلا صغيرا من الأطفال الذين يودعونهم سجن مصر ريثما ينقلونهم إلى سجن الأحداث ~~في الجيزة، وكان هذا الطفل مع أقرانه الصغار ينتظرون الترحيل في فناء السجن المعرض لأنظار ~~الرؤساء والسجانين، فمر به سجين من العائدين في جريمة السرقة، فرفع له الطفل رأسه وناداه ~~بلهجة المسكنة الطبيعية التي يستشعرها الصغير في غيبة أهله وقال له: (جوعان)! # فتمهل اللص العائد هنيهة ثم قال له: «وماذا أصنع لك يا بني؟!» وانصرف آسفا فظننته لا ~~يعود ولا يفكر بعد ذلك في الطفل المستغيث، ولكنه ما لبث أن عاد بعد دقائق ومعه رغيف سرقه من ~~المخبز فقسمه نصفين وأعطى الطفل نصفه واستبقى لنفسه النصف الآخر، ولو نظروه وهو يسرق الخبز ~~لما نجا من الجلد الأليم أو من السجن على انفراد. # ورأيت رجلا شيخا نازلا من درج المستشفى وهو لا يقوى على الحركة، ولا يجد الممرض الموكل ~~به وبغيره من يقوى على حمله، وكان على مقربة منه يافع لم يتجاوز السادسة عشرة لا يدل مرآه ~~على ضلاعة ولا على صحة سليمة، فشق عليه أن يبصر الشيخ المريض يتعثر في خطاه ويئن من وجعه، ~~وتقدم إليه فحمله ومشى به على جهد شديد حتى أعياه حمله دون أن يكفله الممرض ذلك أو يخطر له ~~أنه قادر على هذا العبء الفادح ليافع مثله. # وتلاحى شيخ فان وفتى عارم ms31 مشهور بالشر والعربدة في السجن وفي الحي الذي يعيش فيه، فسبه ~~الشيخ سبا لا يطيقه من كان فتى في سنه، ولا يأمن من يسبه به أن يستهدف لضربة قاسية، ~~فما صنع الفتى المسبوب إلا أن بدا عليه الدهش والتردد لحظة، ثم هز رأسه وقال لمن حوله: ~~«انظروا إلى الرجل الشايب يعيب ولا يخجل! ...» وقال للرجل الشايب: «لو غيرك قالها لقتلته! ~~ولكن ماذا عسى أن أعمل لك وأنت أكبر من أبي؟» # وهذه على التحقيق ظاهرة اجتماعية ملحوظة في أخلاق الأمة المصرية بأسرها، سببها فيما أرى ~~قدم العهد في هذه الأمة بحياة الأسرة والحياة الاجتماعية والبيتية على إجمالها، ولهذه ~~الظاهرة في تكوين الأخلاق وتحويل العادات قرار عميق لا يغفل عنه المصلح الاجتماعي المشغول ~~بأطوار هذه الأمة العريقة، ومن زمام هذا الخلق الأصيل ينبغي أن يتناول المصلح الاجتماعي أهم ~~دواعي الإصلاح فيمن يحتاجون إليه من الضالين والزائغين، سواء كانوا من نزلاء السجون أو ~~من الطلقاء الذين نجوا من العقاب ولم ينج الناس مما يجترحون عامدين وغير عامدين. # | الوعظ # من المناظر - ولك أن تقول من المسامع - القليلة المؤنسة في السجن حلقات الوعظ التي ~~يعقدونها بين حين وآخر، ففيها يتسنى لمن بالسجن أن ينظروا إلى اجتماع إنساني يخاطب فيه ~~السجناء خطاب أصحاب النفوس التي قد يثمر فيها الكلام وقد يرجى لها العلاج! # رأيت أول حلقة من هذه الحلقات يوما من أيام الاثنين على ما أذكر، إذ كان بعض الحراس ~~ينطلقون بين الحجرات ينادون: «المسيحيين المسيحيين» وأنا أعجب لهذا النداء ولا أدري لماذا ~~يجمعون المسيحيين وحدهم دون بقية السجناء، وقبل أن أسأل أحدا عن القصة رأيت الواعظ المسيحي ~~في ثيابه السود، فذكرت الوعظ في السجون وانتظرت أثناء الرياضة الصباحية حتى أسمع ما يقول ~~باسم الدين لهؤلاء الخارجين على الشرع والقانون. # وما هي إلا لحظات معدودات حتى أقبل السجناء المسيحيون أفرادا متفرقين من مذاهب شتى لا ~~تجمعها كنيسة واحدة، فجلسوا بين يدي الواعظ القرفصاء إلى زاوية مشمسة في فناء السجن، وجلس ~~هو على كرسي وفتح التوراة وأخذ ms32 يقرأ منها ما صادفه من القصص، ويشرح معناها بصوت يعلو ثم ~~يعلو حتى يسمعه من في الميدان القريب. # ومنذ ذلك اليوم كان يطيب لي أن أشهد هذه الحلقات وأسمع ذلك الواعظ كل يوم اثنين؛ لأنه كان ~~يتحدث عن قصص التوراة حديث الحاشية المخلصة عن النوادر الملكية التي تقع بين كبار السلاطين ~~وكبار الأتباع ذوي الدالة عليهم، وكان يروي التجارب التي يبلو بها الله أنبياء بني إسرائيل ~~كأنها مفاجآت الأب الشيخ الحكيم حين يمتحن مدارك الأبناء الصغار، ويغتبط بما يراه من حيرتهم ~~البريئة وضعفهم المستسلم، ويضحك أحيانا ضحك العطف والرجاء حين يكشف لهم عن دعواهم القاصرة ~~وغرورهم المتعجل، فيطيب لي أن أرى التوراة منقولة إلى عالم الخيال الفطري والتصوير الشعري ~~والتمثيل الفني الذي لا تكلف فيه. # وكان من عادته إذا فرغ من شرحه ووعظه أن يطلب إلى أحد السجناء أن ينهض للصلاة والدعاء ~~ويجهر بما يجيش في نفسه ونفوس زملائه، فمنهم من يحسن الكلام ومنهم من يتعثر بالألفاظ ~~المألوفة في الأدعية والصلوات، وكل أولئك مما يستحب الإصغاء إليه والتأمل في مغزاه. # ولا أحسب أن أحدا منهم كان يجيد الكلام في دعائه وصلاته كما كان يجيده رجل من أضراهم ~~بالشر وأولاهم بالعقاب وأسوئهم سيرة بين السجناء، وإن شهدوا له بالبراعة والذكاء: وهو تاجر ~~مخدرات مشهور. # سمعته مرة يصلي ويذكر خطايا الخاطئين وآثام بني الإنسان ... فسألت عنه فقيل لي هذا فلان ~~صاحب الحيل المعروفة في ترويج المخدرات، وكنت قد سمعت عنه وعن قضاياه وأحابيله في إيقاع ~~صرعاه، وإغرائهم بتناول السموم وإدمانها، فقلت: لو كان هذا المصلي الخاشع يدعو الله ليستجاب ~~دعاؤه لما دخل السجن، ولا قام مقامه هذا للصلاة فيه! ولكنها حيلة جديدة من حيله الكثيرة، ~~ولعلها أيضا من حيل التخدير! ~~••• # ويتردد على سجن مصر عدة من الوعاظ المسلمين بين الصبيحة والظهيرة، ولكن في غير موعد مقرر ~~أو يوم معلوم. # فإذا وصل أحدهم إلى السجن جمعوا له سجناء دور من الأدوار في ساحته الأرضية، وجلس هو على ~~كرسي أمامهم ينصح لهم ويحذرهم عقاب ms33 الآخرة بعد عقاب الدنيا على طريقته في النصح ~~والتحذير. # فبعضهم كان يحفظ خطبه ويعيدها كما هي كل مرة بعد تحوير طفيف لا يقدم ولا يؤخر، وهو يحاول ~~أن يذهل سامعيه من السجناء عن هذا التكرار برفع الصوت والتلبس بالغضب والصرامة في الزجر ~~والإنذار، ويمضي في تكراره مطمئنا إليه؛ لأنه يعظ في كل مرة سجناء دور واحد من أدوار ~~السجن الكثيرة، وتنقضي مدة طويلة بين العظتين في الدور الواحد يخيل إليه أنها كفيلة بالتشكك ~~والنسيان. # وبعضهم يتوخى الطريقة العصرية في اختيار المناسبات، واتخاذ المناسبة الأخيرة من بعض ~~الحوادث الطارئة التي لها مساس بأحوال سامعيه. # وبعضهم يعتمد على التأثير بالسن والمهابة والسمت والثياب الفاخرة، ويحيط عظاته بمراسم ~~طنانة كأنها مراسم أصحاب العزائم والتعاويذ. # وكان يعنيني أن أراقب السجناء حين يحضرون إلى العظات وحين ينصرفون، لأرى كيف يقبلون عليها ~~وكيف ينصرفون عنها وكيف - فيما بين ذلك - يستمعون إليها؟ # فبدا لي أن أناسا منهم يحضرونها بروح الهازئ المستخف الذي يتحدى الواعظ بشقاوته واستعصاء ~~أمره، وكأنما يقول بينه وبين نفسه: (هلموا إلى ذلك الرجل الطيب الذي يحسب أنه يفهم من ~~الأمور ما لا نفهم، لنرى كيف يعلمنا العقل والدربة، ويصلحنا بكلماته وتهويلاته.) # وأناس منهم يرحبون بساعة الوعظ كما يرحب التلميذ بساعة لعب يستريح فيها من حصة الدراسة، ~~ويأنس فيها بالجلوس بين إخوانه في شيء من الطلاقة والسماحة. # وأناس آخرون يرحبون بساعة الوعظ؛ لأنهم يغتنمون فيها الفرصة حين يزجرهم الواعظ ويصب عليهم ~~اللوم والتبكيت، ليبثوه الشكوى من قسوة الحراس وجور الأحكام، ويلقوا شيئا من اللوم على ~~(النظام) وشيئا من اللوم على الأيام. # ولا تخلو جموعهم من أفراد تلمحهم عند انصرافهم منكسي الرءوس كاسفي البال من أثر الوعظ أو ~~من تداعي الخواطر واسترسال الخيال، وربما سمعتهم يرثون لأنفسهم ويندمون على ما فرط منهم، ~~ويودون لو هداهم الله وردهم أناسا كسائر خلقه لا يعرفون المحاكم والسجون، ولا يبتغون العيش ~~إلا من الرزق الحلال، ناعمين وادعين بين الأمهات والآباء والأزواج والأبناء، ثم يعلقون ذلك ~~كله على القدرة والاستطاعة، وهم ms34 مستقرون في ضمائرهم على أنهم لا يقدرون ولا يستطيعون؛ لأنهم ~~لا بد لهم من العيش وكسب الرزق، وهم يشكون بوار الصناعات وشح الناس وندرة الأعمال. ~~••• # على أن أثر الوعظ في الجملة ضعيف سريع الزوال، وقد يبلغ من ضعف أثره وسرعة زواله أن ينقضه ~~بعض سامعيه في ساعة سماعه، وأن يصبح الواعظ نفسه هدفا يرميه أولئك الخبثاء، وصيدا ~~يصيدونه، ودليلا يثبتون به أو يثبتون فيه بطلان وعظه وضياع جهده وعبث رجائه، حتى يخيل إلى ~~الإنسان في هذه الحال أن حلقة الوعظ إنما هي حلقة سباق وصيال بين الجريمة والهداية، تلتقيان ~~فيها لتنظر كلتاهما أيهما هي الأقدر على الظفر بالأخرى وتعريضها بين المتفرجين للهزيمة ~~والسخرية! انتقاما منها لاعتدادها بنفسها وسوء ظنها بقوة غريمتها! وقلما تتمثل حلقة ~~المباراة هذه في شيء كما تتمثل في القصة التالية التي سمعتها من أحد موظفي السجن، والعهدة ~~على راويها. # أعرف واعظا مشهورا يطوف بلاد القطر ويحب أن يتخذ له أبناء من موعوظيه في كل بلدة وكل ~~إقليم، يرعاهم رعاية أبوية ويسره أن يرى منهم حفاوة البنوة وتحيتها، ويمد يده للتقبيل كلما ~~انتهى من وعظه غير ممتنع ولا ناظر إلى تقبيل يده إلا كما ينظر الأب إلى تحية الاعتراف ~~والشكر من ولده. # وشاخ الواعظ الذي أعنيه وضعف عن الطواف في أنحاء القطر، ولكنه لم ينقطع كل الانقطاع عن ~~الوعظ في السجون وإن أطال الفترة بين عظاته كلما تقدمت به السن. # وجاء الشيخ يوما وهو لا يكاد يقوى على الجلوس والحركة إلا بمعونة معين، فأسهب في نصائحه ~~على عادته وملأ السجن بأصوات الدعوات يلقيها على سامعيه، ثم يطلب منهم تكريرها مرات ~~متواليات بنغمة مرتلة يلقنهم إياها وهو يهتز بينهم على نغمة ترتيلها، أو يتركهم يعيدونها ~~ويسبح في غيبوبته العلوية حتى يفيق منها! # فلما ختم عظاته وترتيلاته تدافع السجناء حوله يهمون بتقبيل يديه والتماس البركة منه فإذا ~~هو يحجم عنهم ويصيح بهم صيحة منكرة: «مكانك يا ولد! إياك أن تقترب يا ولد! من بعيد يا ولد!» ~~كأنه يرتل هذه الكلمات ms35 على طريقته في ترتيل النغمات! # قلت لبعض الموظفين ممن اتفق وجودهم على مقربة مني: «ما خطب الشيخ يأبى تقبيل اليد من ~~هؤلاء؟ أزهادة منه في السجناء؟ أم زهادة في هذا الصنف من قبلات الأبناء؟» # قال: «لا هذا ولا ذاك، ولكنه معذور لأنهم سرقوه مرة ويخشى أن يعيدوا عليه الكرة، فهو ~~يجانبهم هذه السنوات ويستعيض الله خيرا من تلك القبلات.» # قلت: «يا سوء هذا التقريظ! أيسرقون واعظهم وهم في دار العقاب؟!» # قال: «لقد فعلوا جزاهم الله من أبناء عققة، وفعلوها في يوم تجلى فيه الأستاذ فاختلب ~~القلوب وأبكى العيون، وأرسل يديه لهم ينكبون عليهما بالتقبيل ويوسعونه من التمسيح والتبجيل، ~~وهو يحسب أنهم ينتصحون ولا يسرقون، وينتفعون بما يفعلون، فقد أشبعهم وعظا وهداية فأشبعوه ~~اعترافا ورعاية.» # وذهب إلى حجرة المأمور وقد رضي عن نفسه وأحب أن يكافئها بعطسة أو عطستين من عطسات الإيمان ~~والتشميت برحمة الله. فضرب يده في جيبه الواسع فإذا علبة السعوط ضائعة، وأسرع إلى مكان ~~الساعة الذهبية الثمينة فإذا الساعة ضائعة! وكيس النقود أين هو؟ لا ريب أنه لن يبقى في ~~الجيب إذا فارقته الصاحبتان الحميمتان! ~~«وطارت بقايا الوعظ من رأس مولانا، وصاح بالمأمور يستغيث، فأكبر الرجل أن يصاب الأستاذ في ~~كفالته بهذه الخسارة الفادحة؛ لأنها خسارة في وعظه وفي ماله، فجمع السجناء الموعوظين ولما ~~يستقروا بالحجرات، وأقسم لهم لينكلن بالسارق شر تنكيل إذا هو اهتدى إليه ولا بد أن يهتدي ~~إليه، فلينقذ نفسه من شاء السلامة ولا عقاب عليه. # فأما علبة السعوط فقد عادت فارغة؛ لأن «الشطار» أحرص من أن يفلتوا من أيديهم شيئا فيه ~~رائحة الدخان. # وأما الساعة فقد عادت لأنها لا تنفع، وعاد معها كيس النقود؛ لأن النقود التي فيه أكبر من ~~أن تبلع، وسئل السارقون: كيف تجترئون على الأستاذ وتستحلون ماله وعتاده وتزدرون وعظه ~~وإرشاده؟ فقال خبيث منهم: ما اجترأنا عليه ولا سرقناه، وإنما هي بركة من مولانا نغتنمها ~~ونتقرب بها إلى الله!» # قال الموظف الذي يقص علي ما رآه: تلك قصة الشيخ. فهل يلام ms36 إذا هو ضن بهذا المال ~~المبارك وفرط في القبلات؟ وهل عليه جناح إذا هو أشفق من هذا الإفراط في اختلاس ~~البركات؟! ~~••• # ونحسب أننا نظلم السجناء إذا أحلنا الذنب كله في فشل المواعظ على رداءة طباعهم واستعصاء ~~أدوائهم، فالواقع أن المواعظ على أحسن حالاتها لا تشفي غلتهم ولا تخاطبهم بما يناسبهم ولا ~~تتحرى دخائلهم ومواقع التأثير والإقناع من طواياهم، والواقع أن إصلاح الأخلاق عسير في ~~السجون، وهي على نظامها القامع الذي يفرض الكبت على الطبائع، ويشل وظائف الحياة في جسوم ~~قوية ونفوس لا تقصد العفة لطهارة أو قداسة حتى يقال إنها تستفيد بالرياضة وعلاج الشهوة ~~والإرادة. # وأشد من ذلك إيذاء لأخلاق السجناء أنهم يفقدون في السجن الدرس الوحيد الذي هم مفتقرون ~~إليه. # فهم أناس منحرفون يجزيهم القانون بما يجزيهم به حين يعتدون ويسلبون؛ لأنهم يؤمنون بالعنف ~~والقوة ولا يؤمنون بالحقوق وآداب الاجتماع، ويعتقدون أنهم في حرب مع المجتمع من غلب فيها ~~ظفر ولا جناح عليه، فإذا استطاع أحدهم شيئا فعله ولم يحسب حسابا لما يجوز له وما لا ~~يجوز. # فماذا يلقون في السجن من معاملة السجانين؟ يلقون من معظمهم ما يثبت في نفوسهم تلك العقيدة ~~ويزيدهم إيمانا بأن الأمر قائم على العنف والغشم واعتداء من يستطيع العدوان ويأس الضعيف ~~المغلوب من إنصاف ذوي السلطان، فيبطل درس الشريعة والأدب ويبقى درس الواقع الذي شبوا عليه ~~من نشأتهم الأولى ووجدوا مصداقه في السجن ومباءة الإصلاح والتوبة، وكيف يراد منهم أن يعدلوا ~~عن ذلك الدرس ويرتابوا في صدقه وهم لا يجدون إلا ما يؤيده ويزكيه! # | ليلة المستشفى # إذا كان السجين يستنفد كثيرا من الحيلة والخبث في تهريب الممنوعات فمن الحق أن نعلم أنه ~~لا يستنفد حيلته كلها ولا خبثه كله في هذا المطلب العزيز، ولكنه يستبقي كثيرا منهما أيضا ~~لتهريب صنف آخر عزيز عند السجناء وإن كان بغيضا أشد البغض عند الطلقاء، وهو المرض، قاتله ~~الله. # نعم «المرض» أعني، ولا خطأ في الكتابة ولا في الطباعة! فإن الأمور لتنقلب أحيانا في ~~السجن رأسا على ms37 عقب حتى يتمنى المرء فيه ما يتمنى الخلاص منه وراء جدرانه، والمرض بعض هذه ~~الأمور . # إذا تيسر بقضاء من الله فذاك لطف من الله! وإذا لم يتيسر فالصناعة تغني هنا ما ليست تغنيه ~~الطبيعة، والمرض الصناعي المقلد عزاء لمن فاته المرض الطبيعي الأصيل، حتى يأذن الله بما ~~يشاء. # ولهذا برع السجناء في تقليد الأمراض على أنواعها وفي مقدمتها الأمراض الجلدية والأمراض ~~التي ترتفع بها الحرارة، فليس أيسر عليهم من اصطناع الحمى أو اصطناع الجرب والبثور الكريهة ~~وأعراض الإصابات السرية، وتسمع الواحد منهم يهمس لصاحبه في أثناء الرياضة أو يناديه بالليل ~~إذا أمن الوشاية: «غدا حمى في العيادة يا فلان!» أو «غدا في قسم الجرب!» فإذا هو موعد ~~يلتقيان فيه ساعة بل ساعات وقد يطول إلى يوم بل أيام؛ لأن المريض الذي يلتبس مرضه على ~~الطبيب يحجز في قسم «الملاحظة الطبية» حتى تنجلي حقيقة دعواه وتسفر الملاحظة عن دخوله ~~المستشفى أو إعادته إلى الحجرات، مع جرعة مريرة من العقاب. # وليس العقاب بالشيء المهم عند مصطنعي المرض وطلاب الراحة فترة من الزمن ولو أعقبها التعب ~~المضاعف، فإن السجين إذا ظفر بالانتقال إلى قسم «الملاحظة الطبية» أياما فقد غنم الفراغ من ~~العمل أولا، وغنم الطعام المقبول في بعض الحالات ثانيا، وغنم لقاء أصحابه الذين يحال بينه ~~وبينهم في الحجرات والمصانع، وقد يسعده الحظ عند الطبيب فيغنم الصعود إلى ساحة الرضوان عند ~~السجناء، وهو المستشفى! # وهذا المستشفى إذا رآه إنسان من الطلقاء عافه لأول نظرة، ولم يصبر على البقاء فيه ساعة ~~واحدة، ولكنه مع ذلك أمنية لا يسعد بها إلا المجدود وصاحب الحيلة التي تتسع لصنوف كثيرة من ~~المداورات والمراوغات ويعلمها بعض موظفي السجن وبعض الأطباء، ولكن لا يتسع المقام هنا ~~للتفصيل والبيان. # أما كاتب هذه السطور فليس من السعداء المجدودين، ولكنه من الأشقياء المطرودين! لأنه وصل ~~إلى المستشفى وفر منه تحت سواد الليل ولما تنقض عليه غير ساعات، وماذا عساك أن تصنع لمن ~~يرقى إلى هذه الأمنية الغالية ثم يدركه البطر فيدفعها عنه ms38 بيديه؟ # هكذا حصل، فقد علم القراء أنني دخلت السجن بذخيرة من السعادة في عرف السجناء تكفي عشرة ~~منهم لو كان هناك عدل في القضاء! # دخلته بألوان من السقام فوق الاصطناع وفوق التقليد، ولم ألبث أن نقلت إلى المستشفى - ~~حكما ورسما - وأنا لم أبرح حجرتي الأرضية التي لا تدخلها الشمس ولا تفارقها الرطوبة! فلما ~~سألتهم: ألا توجد في المستشفى حجرة منفردة تدخلها الشمس وتفارقها الرطوبة؟ قالوا: نعم توجد ~~هذه الحجرة، ولكنها مشغولة بدواليب الملابس، كما أسلفت في بعض هذه المقالات. # وعلى هذا لا بد من البقاء حيث أنا، أو الانتقال إلى إحدى الغرفتين الواسعتين في المستشفى ~~للإقامة هنالك مع جمهرة من المرضى قد تبلغ العشرين. # فبقيت حيث أنا عدة أيام، وبقى الزكام يتقدم ويتقدم حتى احتبست الأنفاس وامتنع النوم وعيف ~~الطعام وهبط وزن الجسم بضعة أرطال، ولم يبد من الظواهر ما يدل على تحسين قريب في الحجرة ~~الأرضية المحسوبة من المستشفى، وهي معزولة عنه بحراس وأشداد. # لقد رأيت ذلك المستشفى - أي رأيت ساحة الرضوان بعيني - مرات في خلال زيارة الطبيب، ولكني ~~لم أطمح إليه ولم أزل أتوقاه وأتحاماه، فلما طال الأمر وخيفت العاقبة ألا تجرب ساحة الرضوان ~~مع المجربين؟ ألا تفتأ على زهدك في هذا الرجاء الموعود وفي كل رجاء عند القوم موعود؟ # وجئتهم صباح يوم لم أنم في ليلته لحظة واحدة فأنبأتهم أنني أوثر غرفة المستشفى الواسعة ~~بين أشتات المرضى على البقاء في هذه الحجرة المسقمة، فلما كان العصر جاء الإذن بالانتقال ~~فانتقلت إلى غرفة المجروحين والمكسورين ومعي بعض الصحف والكتب والعقاقير والقوارير، وانقضت ~~الساعات الأولى على ما يرام: نظرت من النافذة التي كان سريري يقابلها فإذا بي أرى ميدان ~~القلعة والناس يذهبون فيه ويجيئون والمركبات تروح فيه ذات الشمال وذات اليمين، وهذه سعة - ~~ولو نظرية - لا يشعر بها السجين بين حجرات العنابر الأرضية، فغالطت نفسي قليلا وقلت ~~خير! # وهبط المساء فأضاءت المصابيح الضئيلة واستطعت أن أقضي هنيهة في قراءة الصحف المسائية، ولم ~~أكن أستطيع ذلك في الحجرة الأرضية قبل ms39 إدخال النور إليها، فغالطت نفسي مرة أخرى وقلت خير، ~~ولعله خيران! # وسكن ليل السجن إلا أصداء من الطريق فاستوى كل مريض على سريره، وأخذوا في السمر الطريف، ~~وأي سمر طريف؟! هذا مدمن مخدرات قبضوا عليه وأودعوه سجن الاستئناف ريثما يفرغون من تحقيق ~~أمره فألقى بنفسه من الدور الثاني إلى الأرض هربا من الدنيا التي يحرم فيها بلاء المخدرات! ~~وهذا مدمن آخر يصف كيف يعالجونه من دائه بنقل الدم من جسمه إلى جسمه؛ لأن دمه لا يزال كالسم ~~المخدر إذا سرى إليه أغناه عن الجرعة المشتهاة، وهذا يذكر أيامه في سجن طرة الكبير بين ~~القتلة وقطاع الطريق وهو لا يخلو في ذكرياته من ازدراء حاضره والحنين إلى ماضيه، وهذا يتحدث ~~بما عاناه في دخول المستشفى من العنت والبلاء، وبين ذلك كله جريح يئن وآخر يقضي ضروراته على ~~مشهد ممن حوله، وآخر يستدعي صاحبه ليعينه على قضاء ضروراته عجزا منه عن القيام ~~والحركة، وقس على ذلك ما عداه. # وكانت النوافذ مفتوحة في ساعات المساء الأولى، فلما أغلقت واحدة بعد أخرى فشت روائح ~~الدواء، وما هو شر من الدواء في الغرفة المغلقة، وزاد الكرب حين هدأت الأصوات وخيم السكون ~~فلم يكن يقطعه إلا أنين مقلق أو زفير مختنق من بعض أولئك المساكين، وإلا دقات الساعة الكبرى ~~في مسجد القلعة، تتزايد في عدتها على الحساب العربي كأنها تستحث الليل الراكد ~~الثقيل. ~~••• # وجعلت أصابر الوقت لحظة بعد لحظة ولا سبيل إلى الإغفاء، وكلما ابتدأ نصف ساعة قلت سأنام ~~قبل انتهائه وهو ينتهي وينتهي ما بعده ولا اختلاف بين الأنصاف ولا الساعات، وكنت أحصي الوقت ~~على الحساب الإفرنجي بظهور الممرض صاحب النوبة وهو يفتح الباب كل نصف ساعة ويتسلل إلى آخر ~~الغرفة ليدير مرصد الساعة الذي يسجل له مثابرته على السهر طول الليل، ومضيت أشغل الوقت خلال ~~هذه الفترات بفكرة واحدة لا تتبدل وهي: هل من فائدة للانتظار؟ وهل أرجو أن أستقر في هذه ~~الغرفة أياما وشهورا وتلك حالتها بضع ساعات؟ ثم انقضت الساعة الثانية فطاولت ms40 نفسي إلى ~~الثالثة في انتظار نوم نافر لبثت أنتظره ليالي متعاقبات، وشعرت بمضض انتظاره تلك الليلة في ~~كل لحظة لما خامرني من خيبة الأمل وما أحاط بي من التنغيص والإيذاء، فلما كانت الساعة ~~الثالثة بلغ الصبر غاية مداه، ولما انتصفت الرابعة بادرت الممرض وهو يفتح الباب، وطلبت إليه ~~أن يدعو ضابط الحراسة تلك الليلة، فتردد قليلا ثم لم ألبث أن سمعت قرقعة المفاتيح في هبوطه ~~على السلم وصعوده بعد فترة ومعه ضابط الحراسة. # سألني الضابط مستغربا: ماذا جرى؟ # قلت: لا شيء إلا أنني لا أطيق المكث بهذا المكان، ولا بد لي من العودة إلى الحجرة أو ~~المبيت في أي مكان غير المستشفى. # فتبسم كأنما كان ينتظر هذه النتيجة وقال لي: وماذا كنت تصنع لو صادفتك القرعة في قسم ~~الأمراض الباطنية؟ # قلت: أهو شر من هذا؟ # قال: بما لا يقاس. # قلت: شكرا لكم على هذه المرحمة؟ ولكن الحجرة على كل حال أرحم من الغرفتين؛ لأني أجد ~~الأرق هنا وهناك ولكني آرق هناك ولا أسمع الأنين، ولا أشم هذه الروائح، ولا أرى ما ~~يسوء. # وهكذا ودعت المستشفى غير آسف وطويت الليلة ساهدا إلى الصباح، ثم خرجت من السجن بعد عدة ~~شهور، ولو أنني استعرضت ليالي فيه لما استطعت أن أذكر بينها ليلة أسوأ ولا أنكأ من ليلتي ~~تلك في ... ساحة الرضوان. # | أحمد حمزة # أحمد حمزة رجل بارع الذكاء، بل هو أبرع الناس ذكاء، إن كان المقصود من الإنسان أن يفهم ~~عكس ما يفهمه الناس. # فإذا اتجه الفهم بين الناس من اليمين إلى الشمال، فالشيخ أحمد حمزة خير من يفهم من الشمال ~~إلى اليمين، وكل ما هنالك - كما يرى القراء - اختلاف في اتجاه الفهم كالاختلاف في اتجاه ~~الكتابة بين العرب والأوروبيين: فريق يبدأ السطر من يمينه وفريق يبدؤه من شماله، وكلهم ~~يكتبون ويقرءون. # وأحمد حمزة هذا ليس بسجان ولا بموظف في السجن ولا بزميل فيه، ولكنه طاهي البيت عندي منذ ~~عشر سنوات. # ولا يعرف القارئ كنه طريقته في الفهم إلا ببعض الأمثلة الواقعة، ms41 فإلى القارئ من هذه ~~الأمثلة قليل من كثير. # أيسر طلب تطلبه منه يجري على هذا الأسلوب: هات قهوة يا شيخ أحمد. ~~- نعم؟ ~~- هات قهوة. ~~- أجيء بماذا؟ ~~- بقهوة! ~~- بقهوة تقول حضرتك! ~~- أي نعم بقهوة. # فيكتفي ولا يحوجك بعد ذلك - لذكائه - إلى يمين مغلظة ليصدق أنك تطلب قهوة! ~~••• # وكنا على المائدة سبعة فطلبنا من الشيخ أحمد حمزة أن يضيف إلى كراسي المائدة الستة ~~كرسيا سابعا من غرفة الاستقبال. # ثم كان الأسبوع التالي فكنا على المائدة أربعة، وكان كرسيان من كراسي المائدة خاليين، ~~ولكن أحمد حمزة صف الكراسي الستة على حسب العادة، وجاء بالكرسي السابع من غرفة الاستقبال؛ ~~لأن هذا المكان حق كسبه الكرسي بالاستعمال، ولما ضحكنا وأغرقنا في الضحك نظر الرجل إلى ~~الكراسي ونظر إلى ما حوله وإلى نفسه في حيرة واستغراب لا يدري فيم يضحك هؤلاء الناس ولا ممن ~~يضحكون. أينكرون عليه زيادة الكرسي وهم الذين أمروه بنقله قبل أسبوع؟ أيضحكون منه أن خالف ~~ويضحكون منه أن أطاع؟ لا جرم يعقل هؤلاء الخلق من اليمين إلى الشمال حين ينبغي أن يكون ~~العقل من الشمال إلى اليمين! # وكنت متعبا في بعض أيام التوعك والانحراف. # وكنا نهيئ مكانا في البيت لإحضار قطعة من الأثاث، ونحب أن نقيس المكان الذي توضع فيه على ~~حسب المقاس المطلوب، فقلت له عليك يا شيخ أحمد بالمتر فقس الحائطين وقل لي أيهما أطول وأصلح ~~لوضع الأثاث المنتظر؟ فمضى هنيهة ثم عاد يتمتم ويوسوس كمن يناجي الغيب. # قلت: ما الخبر يا شيخ أحمد؟! هل قست الحائطين؟ # قال: نعم. # قلت: وكم الطول؟ # قال مثلا: ثلاثة أمتار. # قلت: وكم العرض؟ # قال: كذلك ثلاثة أمتار. # فعجبت للأمر؛ لأنني أعرف أن الحجرة ليست مربعة، ولكنها مستطيلة بعض الاستطالة، وسألته: أي ~~الحوائط الأربعة قست؟ # قال: الحائط الذي فيه الباب والحائط الذي أمامه! ~~••• # وكان في المنزل ضيوف ذات يوم، وأنا أفضل إذا كان في المنزل ضيوف أن أغسل يدي في حوض ~~المطبخ، وأدع لهم حوض الحمام، فدخلت المطبخ - حرم الشيخ أحمد - وطلبت منه صابونة فذهب ms42 وعاد ~~بها وأنا أبدأ غسل يدي ووجهي على مهل، ولا أحسب أن هناك ما يدعو إلى العجلة، ثم خرجت فإذا ~~بالضيوف كلهم عند حوض الحمام ينتظرون الصابون؛ لأن الشيخ أحمد أخذ الصابونة من ذلك الحوض، ~~ولم يخطر له أن يسأل نفسه لماذا أجشم نفسي أن أغسل يدي ووجهي في المطبخ وأدع لهم الحمام، ~~وإنما قيل له: هات صابونة فجاء بصابونة، وهذا هو المطلوب، ولماذا لا يجيء بها من حوض الحمام ~~ولم يقل له أحد مؤكدا مشددا: إياك أن تجيء بها من حوض الحمام؟ # أما معجزة الشيخ أحمد الكبرى فهي تلك التي صنعها بصورة قصر أنس الوجود وقد تركته هو وتركت ~~المبيضين بالمنزل ونجوت بنفسي إلى مدينة أخرى؛ فرارا من ربكة الأثاث المشتت الذي لا يطاق ~~معه قرار، فتجلت هنا عبقرية الشيخ أحمد التي تخلف كل ظن وتخرق كل حد وتخرج عن كل تقدير، لقد ~~خطر لي أن أقصى ما يستطيعه الشيخ أحمد من إعجازه المعهود في هذه الحالة أن يضع الصور في غير ~~مواضعها منحرفة نحو اليمين أو نحو الشمال وصاعدة إلى الأعلى أو هابطة إلى الأسفل، فقيدت ~~مواضعها بمسامير لا تتحول وأوصيت المبيضين أن لا يخلعوا المسامير عند طلاء الجدران، ولكن ~~أين يذهب بي سوء الظن بأفانين هذه العبقرية التي تهوى أبدا أن تداعب الظنون، وتتخطى الآماد ~~مما تحيط به الأفكار والأوهام؟ فقد عدت من غيبتي القصيرة فوجدت الصور والحق يقال في مواضعها ~~تماما بلا انحراف ولا تحريف، ولكنني وجدت أنس الوجود مقلوبا يقع فيه النيل موقع السماء ~~وتقع فيه السماء موقع النيل! # وإنما يبدو لنا مدى هذا الإعجاز إذا علمنا أن الشيخ أحمد من أهل ذلك الإقليم الذي قام فيه ~~أنس الوجود، فلو كانت «الرؤية» وحدها كافية لتصوير أثر من الآثار لكان الشيخ أحمد أولى من ~~المصور الكبير «هدايت» بتصوير ذلك الهيكل غيبا بلا معاينة ولا استحضار! # وللشيخ أحمد ملكة نادرة في نسيان الأسماء، ثم تحريفها وتصحيفها عند التذكر أعجب تحريف ~~وتصحيف. # فإذا تكلم «راشد» مثلا بالتلفون في ms43 غيبتي ثم سألته: من الذي تكلم، فمن المستحيل أن يكون ~~المتكلم راشدا وإنما هو «منشة » على التحقيق أو التقريب! # وينتهي «جاماتي» عنده إلى «جماد»، والشجاعي إلى رجل من «كوم الشقافة»، والطناحي إلى ~~الصنافي، وذو الفقار إلى زعفران! ... وقس على ذلك سائر الأسماء. # قلت: يا شيخ أحمد، أرحني أراحك الله بالكتابة، وأنت بحمد الله تعرفها على الأقل خيرا من ~~معرفة الكلام، فإذا تكلم أحد فاكتب ولا تعتمد على الذاكرة بعد الآن. # وحضرت إلى المنزل فسألته: هل من أحد تكلم؟ # قال: نعم، تكلم أربعة. # قلت: وهل كتبتهم عندما تكلموا؟ # فقال لي: نعم، وأحضر لي الورقة فإذا فيها البيان الشافي على هذا النحو الوجيز، إذ ليس ~~فيها إلا هذه السطور الأربعة سطرا فوق سطر وهي: # أحد تكلم. # أحد تكلم. # أحد تكلم. # أحد تكلم ... # ولما تنازعني الغيظ والضحك من هذا البيان الذي لا بيان فيه، وهذه الكتابة التي خير منها ~~الكلام وخير منها النسيان، بدا عليه العجب والاحتجاج، وعلمت أنني المخطئ لا الشيخ أحمد ~~المعصوم من الخطأ على طريقته العكسية الواضحة، فإنني حين أقول للشيخ أحمد: «إذا تكلم أحد ~~فاكتب ...» فليس ينبغي لي أن أنتظر غير ما فعل، فقد تكلم أحد فقال: أحد تكلم، وأعاد الكرة ~~كلما عادت الكرة، فأين الخطأ وأين المخالفة يا منصفون؟ # هذه أمثلة يعرف إخواننا الذين خبروا الشيخ أحمد نظائر من طرازها البديع، والظريف في أمره ~~بعد ذلك أنه جاءني يوما يستأذن في «إجازة» شهر للسفر إلى البلد على غير عادة. # فسألته: وفيم هذا السفر الغريب؟ # قال: يا أستاذ، إنهم يوزعون الآن تعويضات الخزان، وأقاربي وأهل البلد يخشون الغبن وخطأ ~~الحساب، فأرسلوا يستقدمونني ويلحون علي في شهود التوزيع. # قلت: ومن لها غيرك يا شيخ أحمد؟ سافر على بركة الله، كان الله في عون البلد الذي أنت ~~هاديه، وألبق من فيه. ~~••• # والشيخ أحمد كما علم القارئ ليس بسجان ولا موظف في السجن ولا زميل فيه، فما الذي زج به في ~~هذا المأزق المكروه؟ # الذي زج به فيه أننا تركنا له البيت ms44 وحده وأنا وأخي يوم كنا كلانا معتقلين، وقد ظل عمدتي ~~الوحيد في كل ما له علاقة بتدبير شيء في المنزل، أو إحضار شيء منه حتى انتهت الشهور التسعة، ~~ولا حاجة بي إلى أن أقول: إنه لم يقلع خلالها عن ذكائه البارع ولا عن تزويدنا بالأعاجيب من ~~«وحائده» وأفانينه. # فقد استطاع الشيخ أحمد بذكائه الثاقب وتجربته السنين الطويلة أن يعلم أنني أتناول الغداء ~~نحو الساعة الثانية، ولا أغير هذا الموعد إلا لسبب عارض، ولكنه لم يستطع أن يعلم أن مواعيد ~~السجن غير مواعيد البيت، ولم يستطع أن يصدق السجانين حين قالوا له: إن الساعة الثانية عشرة ~~هي موعد الغداء عندهم؛ لأنه لا يصدق إلا ما يسمعه من الأستاذ! # وتعبوا في إقناعه بغير جدوى، وعالجوا إفهامه أن «العنبر» يقفل عند الظهيرة وأن الموظفين ~~المنوط بهم رقابة السجن ينصرفون في هذه الساعة، وهو لا يفهم ولا يزيدهم على أن يقول: «إن ~~الأستاذ لم يتناول غداءه قط في الساعة الثانية عشرة، وقولوا ما شئتم، فأنا لا أصدق لكم ~~كلاما حتى أسمع من لسانه!» وهيهات ذلك إلا بإذن وموعد زيارة وكتابات وردود. # وكان السجانون قد عرفوا الشيخ أحمد، وخبروا منهاجه في فهم الأمور، فولعوا بعناده ~~واستثارته، وأنذروه يوما لئن لم يحضر غدا قبل الساعة الثانية عشرة ليدخلنه السجن ولا ~~يخرجن منه بعد ذلك أبدا. # ولم يحفل الشيخ أحمد بوعيدهم ولم يتقدم لحظة عن الموعد الذي اختاره لحضوره. فلما دق الباب ~~كان السجانون على أهبة القبض عليه، واتفق ثلاثة منهم على استدراجه وجذبه إلى داخل الباب، ~~فأخذوا بيديه وشدوا عليه وهو يستعيذ بالله ويقاوم بقوة الجبارين وقوة الخائفين ثلاثة رجال ~~ليسوا بالضعاف ولا بالهينين. # والشيخ أحمد لا يعلم أن دخول السجن إنما يكون بتحقيق وأمر بالقبض أو حكم من القضاء وإثبات ~~في الأوراق والسجلات، بل كل ما يعلمه أن من جاوز عتبة البناء المرهوب فهو مسجون لا فكاك له ~~حتى يشاء السجان! # فماذا ينتظر؟ أينتظر حتى يتغلب عليه هؤلاء الظلمة العتاة ويوقعوه في الفخ الذي ليس ms45 بينه ~~وبينه إلا شبر واحد أو شبران اثنان؟ # لا وحق الأولياء ومشايخ الطرق أجمعين! لقد حصلت بركتهم ونفخوا في عضلات مريدهم وربيبهم ~~حتى حار السجانون من أين له كل هذه القوة التي دافعهم بها مجتمعين؟ فلم يستطيعوا أن يزحزحوه ~~شبرا أو شبرين، وأفلتوه وقد غلبوا ضحكا، فانطلق كالسهم في ميدان القلعة لا يلوي على شيء ~~ولا يصدق بالسلامة! # ولكن هل عدل عن الموعد وأقلع عن العناد؟ # معاذ الله ومعاذ الذكاء! لم يعدل ولم يقلع ولم يزد على أن يدق الباب في الأيام التالية، ~~ويضع الآنية على مقربة منه، ثم يرجع هو إلى حيث يضمن النجاة، ويأمن الظلمة العتاة! ولم يزل ~~كذلك حتى بلغه عني مصداق ما يقول السجانون. # وعلى هذا جرى في إحضار الملابس لموعد الحمام، فهو لا يحضرها إلا أيام الحمام في البيت، ~~ولا شأن له بما يقولون عن مواعيدهم ومواعيد البخار الذي لا يدار في أيام الجمع ولا يختلف عن ~~الأوقات المرتبة له على حسب الحاجة إليه، وظل على عناده حتى أبلغته مواعيد الاستحمام كما ~~أبلغته مواعيد الطعام. # ولا تسل عن المشقة في تعريف الشيخ أحمد بالملابس اللازمة حين يدعو الأمر إلى التدرج من ~~الملابس الثقيلة إلى الملابس الخفيفة بين الفصول، فالتفرقة بين القميص الصوفي الأحمر ~~والبرتقالي والرمادي عنده من المشكلات المعضلات، وهو مع ذلك لا يتورع عن طلاء ما يلقاه من ~~تمثال أو صورة عندي بالألوان التي تروقه كلما تقشرت طبقة منها واحتاجت إلى طلاء، فتلك فنون ~~لا يحجم عنها الشيخ أحمد ولا ينتظر إذني في عملها، ولا يحتفل بالتفكير فيها أقل احتفال، ~~وإذا ضحك أصدقائي الفنانون صانعو تلك الصور أو تلك التماثيل من فنه في التلوين والتظليل ~~فماذا يعنيه من ضحك الناس المغرمين بالضحك من كل شيء؟ لقد تعود منهم أن يضحكوا حين يصنع ~~الشيء وحين يصنع نقيضه، فليضحكوا ما بدا لهم ما داموا لا يقطبون ولا يغضبون. # لكن بدائع الشيخ أحمد ليست كلها مضحكة ولا كلها سليمة، فربما كان منها ما يميت وما يغيظ، ~~وقد ms46 جاد علينا بواحدة من هذه البدائع القاتلة في السجن ثم اكتفى بها ولم يشفعها بثانية ، ~~ولله الحمد. # فأنا أتداوى من عوارض البرد بالماء الساخن أنغمس فيه بضع دقائق ثم أسرع إلى لبس البرنس في ~~الصيف أو البرنسين معا في الشتاء بغير وناء، فإذا أبطأت ساءت العاقبة وجنيت جريرة هذا ~~الإبطاء زكاما قد يلازمني الأسابيع، وقد يتجاوز الزكام إلى ما هو أشد وأقسى. # فلما كان يوم من أيام الحمام خرجت من الحوض الساخن والتمست البرنسين والملابس فإذا بالشيخ ~~أحمد قد نسي أن يصلح بعض أكمامها وتركها مقلوبة تارة ومعدولة تارة أخرى، وهذه هفوة صغيرة ~~ولكنها كافية! لأنني شعرت بالقشعريرة تسري في أوصال جسمي ورعدة البرد تملؤني، فأسرعت إلى ~~الحوض الساخن مرة ثانية حتى عاودني الدفء وشملتني الحرارة، ولكن الوقت الذي قضيته في الحوض ~~كان أطول مما يطاق، فلم ألبث أن خرجت منه حتى غشيني الإغماء، ولو أدركني في الماء قبيل ذلك ~~بلمحة عين لكانت هي القاضية. # وإن نسية من هذه النسيات التي يتقنها الشيخ أحمد لكافية لتوديعه مدى الحياة، لولا أمانة ~~عزيزة تشفع له وإخلاص وثيق يزكيه، وطول خدمة مذكورة تكافئ هذه النسيات. # | التسلية في السجن # لو تمت «تعليمات» السجن بحرفها في معاملتنا نحن المحكوم علينا في قضايا النشر والصحافة، ~~لكان معنى ذلك أنني قضيت تسعة شهور صامتا لا أنبس بكلمة واحدة، إلا أن تكون هذه الكلمة ~~سؤالا أو جوابا لموظف من موظفي السجن في عمل من أعماله الرسمية، ثم ألوذ بالصمت «البوذي» ~~الطويل عاكفا عليه ليلي ونهاري بلا صلاة ولا قربان! # لأن إدارة السجن أوصدت على كل مسجون في قضية صحفية أو قضية من قضايا النشر باب حجرة ~~منفردة. # وأمرت أن ينفرد كل منا في أوقات الرياضة فلا نتلاقى بمكان واحد، ولا يمر أحد منا على ~~حجرة الآخر. # بل أمرت أن يكون ذهاب كل منا إلى المستشفى لمقابلة الطبيب أو اللجنة الطبية في موعد ~~غير موعد زملائه. # وعلى هذا كنا في «سجن انفرادي» كالذي يعاقبون به السجناء الأشقياء، ونحن لا ms47 ندري ولا ~~إدارة السجن تدري، وكنا أسوأ حالا من شرار المجرمين؛ لأنهم يجتمعون في ساعة الرياضة عشرات ~~عشرات، ويجتمعون في المصنع بضع ساعات، ويجتمعون في حجرة النوم خمسة خمسة أو عشرة عشرة أو ~~عشرين عشرين حسب اتساع الحجرات. # وهذه نقيضة أخرى من نقائض السجن وأعاجيبه، وهو كمصر في رأي هيرودوت موطن النقائض ~~والأعاجيب. # ومهما يكن من زهادة الإنسان في اللغو والكلام، وفي إخلاده إلى العزلة والسكون فليس السكوت ~~تسعة شهور بالأمر المعقول ولا بالأمر الهين، وأي سكوت؟ إنه السكوت لغير عبادة يتعزى العابد ~~بسلامها وثوابها، وإنه السكوت مع الفراغ من العمل، ومن النظر إلى الدنيا، ومن ضروب السلوة ~~جميعها إلا القراءة ومراقبة النمل على الجدران! # لقد كنا نرى بعض المحبوسين من الموسرين القادرين على استئجار الحجرات المفروشة أثناء ~~التحقيق يهجرون تلك الحجرات لانفرادها وعزلتها، ليشتركوا مع غيرهم في حجرة واحدة ينامون ~~فيها على الأرض بغير فراش إلا الحصير من الليف الخشن، ويعملون بأيديهم في تنظيف الأرض وغسل ~~الآنية كل صباح ويؤثرون ذلك على السرير وحشايا القطن، والراحة من الخدمة وامتهان النفس في ~~الغسل والتنظيف؛ لأنهم يستطيعون الكلام هنا بغير عقوبة، ولكنهم يعاقبون إذا سمعهم الحارس ~~يكلمون جارا لهم من النافذة أو فتحات الباب حين ينفردون في حجرة معزولة. # وقد كنت أنا من المشهود لهم «بحسن السير والسلوك» عند السجانين ورؤسائهم الموقرين؛ لأنني ~~كنت لا أهتم بفتح باب الحجرة، ولا أسعى للتحدث إلى أحد، ولا أحاول الخروج أو المرور من غير ~~مكاني المألوف، ومع هذا تخطئ إدارة السجن إذا هي ظنت أنني أستحق شهادتها بحسن السير والسلوك ~~كل الاستحقاق، فلو أنني حوسبت بالعدل والقسطاس المستقيم في عرف النظام الأعوج، لخسرت كثيرا ~~من الدرجات في تلك الشهادة. # فالحق أننا نتكلم ونتلاقى ونتسامع الأخبار على قصد وعلى غير قصد، وإن كان ذلك كله فلتات ~~لا تخفف من قيود «السجن الانفرادي» المفروض علينا إلا بمقدار يسير. # أما شرار المجرمين فقد كان مباحا لهم كل ما هو محرم علينا، فما هو إلا أن توصد عليهم ms48 ~~الأبواب نهارا، حتى يتجمعوا للعب بحجارة «الدومينة» أو بحجارة النرد أو ما شاءوا من ~~الألعاب وضروب التسلية، وقد يسأل سائل: «ومن أين لهم حجارة النرد أو الدومينة؟ أتراهم ~~يهربونها من خارج السجن كما يهربون التبغ والنقود؟» ألا فليعلم هذا السائل إذن أنه يسيء ~~الظن ببراعة السجناء، فإنهم قد برعوا في صناعة هذه الحجارة داخل السجن حتى صنعوها من لباب ~~الخبز الساخن وهم في حاجة إليه، فأثبتوا بذلك أنهم يعرفون كيف يجدون إذا هموا باللعب أو ~~مخالفة النظام، وأثبتوا بذلك أيضا أن اللعب أحب إلى الإنسان من الطعام. # وليس يحلو اللعب للسجناء بغير رهان، فإذا كان نقد أو تبغ أو طعام ممنوع فذاك هو الرهان ~~المفضل على هذا الترتيب، وإن لم يكن واحد منها فلا رهان بعد هذه المتع المشتهاة أحلى وأشهى ~~من الضرب الوجيع والمبالغة في الإيجاع إظهارا للقوة والتذاذا بالسطوة، وربما كانت لذة ~~الضرب الكبرى عند السجين أنه يمنحه القدرة على التغلب والتعذيب وتوقيع العقاب، في مكان لا ~~يزال فيه مغلوبا معذبا خاضعا للعقاب. # أما الليل فالظلام يحول دون اللعب بالنرد والدومينة، ولكنه لا يحول دون اللغط والغناء ~~والعربدة وكل ما يحلو لسكان الحجرة ما داموا في أمان من أعين الحراس وآذانهم، وهم على ~~الأكثر في أمان! ~~••• # وكانت تسليتي بالليل قبل أن تسمح إدارة السجن بإدخال النور الكهربائي إلى حجرتي أن أستمع ~~إلى لغط اللاغطين حتى يهدأ: فأسمع مصارحات السجناء بأسرار حوادثهم ومراوغاتهم تارة، وأسمعهم ~~يمثلون روايات التهريب وإخفاء الممنوعات تارة أخرى، وربما كان من هذه الروايات المضحك ~~والفاجع والمقزز والمثير للسخط والنقمة، وربما كان منها ما يستمر ليلة كاملة ويشترك في ~~تمثيله حجرات ثلاث بعضها فوق بعض، وكل منها في دور مختلف من أدوار العنبر، وأصلح هذه ~~الروايات للتمثيل فيما أذكر رواية اشترك فيها أربعة أطفال، ومهرب كبير من عتاة المجرمين، ~~وسجين من سجناء المحاكم المختلطة. فأما الأطفال - وهكذا يسمونهم في السجن وإن بلغوا الثامنة ~~عشرة - فكانوا في الدور السادس؛ أي الدور الأوسط، وأما المهرب فكان في الدور ms49 السابع وهو ~~أعلى من السادس، وأما سجين المحكمة المختلطة فكان إلى جانبي في الدور الأرضي ؛ أي الدور ~~الخامس الممتاز بالأطعمة الخاصة، وشيء من التيسير في المعيشة. # وبدأت الرواية باتفاق بين المهرب والأطفال من جهة، وبين الأطفال وسجين المحكمة المختلطة ~~من جهة أخرى، وفحوى الاتفاق أن يدلي الأطفال بخيط من خيوط الصوف التي ينزعونها من غطائهم ~~أحيانا لتوصيل الرسائل والمهربات، فيربط فيه السجين في الدور الأرضي صرة صغيرة تحتوي ~~قطعتين من ذوات القرشين وقليلا من الحلوى، وعندما تصل هذه الصرة إلى الأطفال ينادون المهرب ~~فيسقط إليهم خيطا قد ربط فيه الصرة التي تحتوي لفائف التبغ المطلوبة، وإنما وثق الطرفان ~~بأمانة الأطفال في هذه الرسالة؛ لأنهم أطفال مخلصون لا يعرفون الخباثة، ولا بد من توسيطهم ~~بين البائع والشاري على كل حال لأنهم متوسطون بينهما بحكم المكان الذي لا يتحول، فاطمأن ~~البائع والشاري إلى الصفقة وبات كل منهما يمني نفسه بليلة سعيدة، فالبائع يتلمظ شوقا إلى ~~الحلوى ويترقب ثمن البضاعة التي يعاني ما يعاني في سبيل تهريبها وإخفائها، والشاري يحلم ~~بالتدخين ويعد الأنفاس في انتظار أنفاسه الهنيئة! أما بقية الممثلين في الرواية - وهم ~~الأطفال - فلم يكونوا عند حسن الظن أو عند سوء الظن بهم فهما في هذه الحالة سواء، ولكنهم ~~أضمروا النية على شيء آخر وقرروا فيما بينهم أن ينوبوا عن الطرفين البائع والشاري في ~~الاستمتاع بالتدخين والحلوى والقروش جميعا، وهكذا كان. # فلما أسقطوا الخيط إلى سجين المحكمة المختلطة المجاور لي لم يقصر الرجل في ربط الصرة، ~~وهمس لهم أن يرفعوها فرفعوها وهم يغالبون الضحك، والرجل لا يستريب بضحكهم ولا يرى فيه إلا ~~أنه من مرح الأطفال حين يلهون بأمثال هذه الألاعيب، ثم لبث الأطفال يضحكون هنيهة وانتظروا ~~ريثما يتحققون من محصول الصرة ويطمئنون إلى نجاح الحيلة من ناحية الشاري، ثم نادوا المهرب ~~فما توانى دون أن أجاب على الفور بإسقاط الحبل وفيه البضاعة النفيسة، ثم مضت لحظة، كنت أسمع ~~خلالها همس الأطفال وضحكاتهم المخنوقة وشجارهم الأخوي على تقسيم الغنيمة فيما يظهر، فلما ms50 لم ~~تصل اللفائف إلى سجين المحكمة المختلطة ولم تصل القروش والحلوى إلى المهرب، ناديا على ~~الأطفال في وقت واحد وهما حذران متوجسان، ولم يخطر لهما أول وهلة أنهم قد غدروا بهما، وإنما ~~خطر لكل منهما أن يرتاب في صاحبه ويسأله على الرغم مما في رفع الصوت من المجازفة والتعرض ~~للعقوبة والمصادرة، فإذا بكل منهما يقسم أغلظ الأيمان على بره بوعده ويحرق الأرم غيظا من ~~أولئك الصبية الملاعين! وأكد لهما الصدق فيما يقولان سكوت الصبية الملاعين وانفجارهم بالضحك ~~كلما غلبهم وأعياهم أن يغالبوه، وانقلب النداء شتما ووعيدا وإلحافا شديدا، ولا فائدة ~~لكل أولئك ولا جواب غير الهمس فالضحك المخنوق فالقهقهة الداوية من حين إلى حين، فلم يبق ~~للرجلين إلا أن يتجرعا غصة اليأس ويستعيضا الله فيما كانا يحلمان به من لذة وهناءة، وسكتا ~~وهما كظيمان مقهوران. # لكن الرواية لم تنته عند هذه النهاية، وإنما انقضت فترة قضاها الأطفال في سرور وفرح ~~بالغنيمة ونجاح الألعوبة، ثم انبعث صوت جاد أو متكلف للجد من حجرتهم ينادي المهرب مرة بعد ~~مرة، فخف المهرب إلى الجواب، ووثب إلى النافذة كأنه حسب أنهم ندموا على غدرهم وفكروا في رد ~~الأمانة إليه، فقال متوددا: «ما بالك يا فلان؟ لم كنت لا تجيب؟» فضحك الغلام الخبيث وقال: ~~«كنت نائما.» فأرسل المهرب عليه عشرات من التحيات لأبيه وأمه وصاح به: «أو تنام في غمضة ~~عين؟ ومن ذا الذي كان يضحك ويقهقه منذ هنيهة؟» ثم أخذ في ملاطفته وعاد يسأله: «ماذا تريد؟ ~~هل أسقط لك الخيط؟» قال الغلام الخبيث: «نعم ... وتسقط علينا.» أي كبريتا باصطلاح السجناء، ~~فأدرك المهرب أنهم يعبثون به ويكايدونه! وقد كانوا حقا يكايدونه ويبالغون في المكايدة؛ ~~لأنهم كانوا قد دخنوا اللفائف جميعا، وأشعلوها بالشرار الذي ينقدح في خيط الصوف من ضرب ~~الأرض بصفيحة الرقم المعروفة هناك «بالدوسيه»، فلم تكن بهم حاجة إلى الكبريت ولا حاجة إلى ~~النداء على المهرب من أجله، ولكنهم حرصوا على الاستمتاع باللعبة إلى آخرها، وتركوا صاحبهم ~~يفرغ ما عنده من السباب والتهديد، وهم ms51 يمرحون ويمزحون. # وتلك رواية من روايات التهريب التامة لم يقاطعها أحد دون تمامها إلى الفصل الأخير منها ~~كما يحدث أحيانا في أمثالها، ومسرح السجن غير ضنين بأشتات من هذه الروايات التي نشهدها نحن ~~ليلة ويشهدها غيرنا ليلة أخرى، ولكنها لا تنقطع عن شهودها المتفرقين في معظم لياليه. ~~••• # وتيسرت لي القراءة طرفا من الليل بعد دخول النور في الحجرة فكنت أقرأ حتى أمل الصفحات ~~فألهو بمراقبة النمل على الجدران، ويطيب لي هذا النوع من اللهو؛ لأنني أستأنف به أياما من ~~الطفولة كنت أقضيها في هذه المراقبة، وأكاد أصدق يومئذ أنني أعالج ضربا من الطلاسم التي ~~كان يعرفها سليمان عليه السلام. # وذاك أن تلميذا من أصحابنا في المدرسة كان يقول لنا: إنه يحفظ قسما يتلوه على النمل ~~ويرسم له خطا فلا يتعداه، ومن عصى القسم وحاول تعديه سقط وحلت به لعنة سليمان. # واحتلنا على صاحبنا التلميذ حتى باح لنا بذلك القسم، فإذا هو آيات يكررها القائل ثلاث ~~مرات وهو متوضئ فتحصل المعجزة، وقد رأيناه فعلا يحز للنمل خطا على الحائط ويتلو القسم ~~فيرجع النمل عن الخط أو يسقط دونه، وجربنا نحن القسم فصحت التجربة، وأيقنا برهة أننا نملك ~~سرا من أسرار السحر المتصرف في خلق من خلائق الله، حتى خطر لنا يوما أن نرسم الخط ولا ~~نتلو القسم، فما راعنا إلا أن تصح التجربة بغير تلاوة كما صحت بالوضوء والتلاوة، فعرفنا ~~السر ولكنا أسفنا على السحر الذي فقدناه! # ومن ذلك اليوم ونحن نمتحن النمل بالخطوط لنعرف كيف «يفكر» في اجتياز العقبات واللف حول ~~الدوائر والمربعات، وكنا نحيطه بدائرة مفتوحة ودائرة ثانية مفتوحة من جانب آخر، ونحيط ~~الدائرة الثانية بدائرة ثالثة لا فتحة فيها، ونراقب كيف يهتدي إلى الفتحات في خروجه حتى يصل ~~إلى الدائرة الكبيرة وكيف يهتدي إلى هذه الفتحات بعينها حين يرتد عن الدائرة المقفلة، ونكرر ~~هذه التجربة عشرات المرات، فلا نرى نملة واحدة «تفكر» في الرجوع إلى طريق الفتحة التي ~~تركتها منذ هنيهة، فانتهى بنا الأمر إلى أن فقدنا إعجابنا ms52 بذكاء النمل الموصوف كما فقدنا ~~السحر أو الوهم الذي سلطنا على هذه المخلوقات، وساءنا أن نعلم أن هذه المخلوقات الموصوفة ~~بالذكاء إنما تعمل بغير «تفكير»! كأنها من الآدميين! ~~••• # وكانت التسلية بمراقبة الآدميين ميسرة كالتسلية بمراقبة النمل على الجدران، ولكن أين هم ~~الآدميون الذين يستحقون المراقبة داخل السجون؟ # إنهم أرقام كما وسمتهم إدارة السجن ولم تظلمهم كثيرا في هذه السمة، فقد يمر بك المئات ~~بعد المئات من تلك الأرقام دون أن يبرز من بينها رقم واحد بشخصية إنسانية وملامح نفسية؛ لأن ~~«التفاهة» لعنة غالبة على مجرمي «سجن مصر» إلا النادر الذي لا يقاس عليه، ومن كان منهم ذا ~~«شخصية وملامح نفسية» فالأغلب أن يجيئه ذلك من طريق الجنون أو الشذوذ النافر، خلافا لسجناء ~~طرة وأبي زعبل الذين يجتازون بسجن مصر في انتظار الإفراج بعد زمن قليل، فإن «الشخصيات» بين ~~أصحاب الجرائم الكبيرة أكثر عدا من «شخصيات» السرقة الخسيسة والعدوان الوضيع، وقد رأيت من ~~هؤلاء وهؤلاء نماذج قليلة سأرجع إلى الكلام عنها في بعض هذه الفصول. # على أن الإنسان يراقب الناس كما يراقب جميع الأشياء داخل السجن وهو «بنصف نفس» كما نقول ~~في أحاديثنا العادية، أو يراقبهم وهو ينوي التأجيل، كمن يدخر الزاد المستطاب لساعة في ~~المستقبل غير الساعة التي هو فيها، فينظر إليهم وكأنما بينه وبينهم مسافة أشهر وأيام، ~~ويمتلئ بالمشاهد والتجارب وكأنه الجمل في الصحراء يختزن الماء في جوفه حتى يشربه مرة أخرى ~~الشرب الذي ينتفع به ويشعر بريه، وربما ازدحم وعيه الباطن بالتجارب كأقوى وأثبت ما تكون ~~التجربة، ولكن وعيه الظاهر لن يبرح كالجاهل أو المتجاهل الذي لم يسمع إلا بنصف الخبر ولم ~~يشارف التجربة إلا من مسافة قصية. # | الزيارة أو برج بابل # كان التعجب صعبا على أبنائنا الأولين على ما يظهر؛ لأنهم حصروا عجائب هذه الدنيا في سبع ~~لا أكثر، وحسبوا من هذه العجائب «برج بابل» الذي كان سكانه لا يتفاهمون لأنهم يتكلمون بلغات ~~كثيرة. # وكل بيت على الأرض هو «برج بابل» عجيب يأوي الناس منه إلى مكان ms53 واحد، ولا يتفاهمون فيما ~~بينهم وإن تكلموا بلغة واحدة؛ لأنهم يفترقون في ألوان الحياة أبعد ما يختلف إنسان من إنسان: ~~بين امرأة ورجل، وشيخ وطفل، ومهموم ولاعب، وقديم وحديث، ولا توجد أسباب للافتراق بين عقل ~~وعقل وشعور وشعور أبعد ولا أوسع من هذه الأسباب التي تجتمع في بيت واحد. # كل بيت هو «برج بابل» لا يحتاج إلى أكثر من «قاموس واحد» ليصبح أعجوبة من تلك الأعاجيب ~~التي أحصاها آباؤنا الأقدمون على أصابع يد واحدة وإصبعين اثنين من اليد الثانية! # ولكني أحسب أن برج بابل يحتاج إلى صورة هزلية تمثله كما نمثل بعض الناس في الصور الهزلية ~~بأنف أطول من أنوفهم الطويلة، أو رجل أقصر من أرجلهم القصيرة، كلما تعمدنا المبالغة التي ~~تعيننا على إبراز الحقيقة. # ولا أحسب أن فنانا يجد للبرج الداثر صورة هزلية أظرف وأصدق من ذلك المكان المعروف في كل ~~سجن بقفص «الزيارة»؛ لأنه المكان الذي يتكلم فيه الناس بلغة واحدة، ويتكلمون بأعلى ما في ~~وسعهم من زعيق وصريخ. # وتصغي إليهم على مسافة ثلاثة أشبار فلا تفهم ما تسمع ولا هم يفهمون ما يسمعون، وثق أنهم ~~لا يتكلمون في الفلسفة، وما أنت في ذلك بحاجة إلى توكيد. # وثق أنهم لا يصطنعون الألغاز والمعميات في التعبير كما يصطنعها المتخاطبون أحيانا ~~بالأصفار والرموز، ولكنهم يتكلمون في أبسط الأمور، ويجتهدون غاية الجهد في التوضيح ~~والإنصات. # ومع ذلك كله لا يتفاهمون بالكلمات كما يتفاهمون بالظنون والإشارات. # وإذا شاء لك حسن الحظ - أو سوء الحظ - مرة واحدة أن تشهد قفص الزيارة عرفت سر هذه ~~العجيبة، وعرفت أنها كسائر الأسرار من أبسط الأشياء؛ لأنها الشيء الذي لا يكون غيره، وهكذا ~~ينبغي أن يكون. # أربعة أقفاص يقابلها من الجانب الآخر أربعة أقفاص مثلها على مسافة أشبار، وفي كل قفص رجل ~~أو اثنان أو ثلاثة، وأمامهم جميعا دقائق معدودات يقولون فيها كل ما أعدوه للقول في شهور أو ~~أسابيع، ويحب كل منهم أن يقول كل ما عنده وأن يسبق الآخر إلى إفراغ ما في جعبته، ويتواصى ms54 كل ~~منهم قبل دخوله إلى القفص أن يخفض صوته ولا يغطي على صوت جاره. # ولكنهم لا يبدءون حتى يختلط بينهم الكلام وتأخذهم العجلة، فإذا هم من حيث لا يشعرون قد ~~انتقلوا من الهمس إلى زعيق المصابين بالصمم المغلق، وإذا بالسامع من وراء الجدار يسمع ~~سؤالا عن الزرع وجوابا عن السوق، وكلمة عن الأبناء والبنات وكلمة عن الماشية والأنعام، ~~ولا يدري ماذا جواب ماذا ولا هم يدرون من السائل ومن المجيب، إلا أن يرى المتحدثين رأي ~~العين، فيفهم بالظن من ملامحهم وإشاراتهم ما يتخاذل دونه الكلام، أو أكثر الكلام. # وهذه هي الزيارة التي يتشوف إليها المسجون ويحسب دوره فيها باليوم والساعة، لا لأنه يسمع ~~ولكن لأنه يرى، ولا لأنه يعنى كثيرا بمن يراه ولكن لأنه ينفذ بهذه الرؤية إلى العالم ~~الخارجي ولو بعض النفاذ. # وعلى هذا الشوق من المسجونين إلى أيام الزيارات لا تجد «مصلحة السجون» سريعة إلى شيء ~~كسرعتها إلى انتحال الأعذار لإلغاء الزيارات عامة بحجة المرض تارة وبحجة الوباء تارة أخرى، ~~فما هو إلا أن يشاع أن مرضا معديا ظهر في ناحية من أنحاء القطر حتى ينتهي خبر هذه الإشاعة ~~إلى كل مسجون في كل زاوية من زوايا السجون؛ لأنه يصغي إلى «برج بابل» فلا يسمع فيه لغطا ~~ولا ركزا، وما حاجته بعد ذلك إلى مطالعة الصحف ونشرات الأطباء! # قال لي مسجون من مدمني المخدرات حجبوه في اللحظة الأخيرة عن زيارة كان يتوقعها منذ ~~أسابيع: إنني يوم ساقوني إلى السجن كان في بيتي اثنان مريضان بالحمى، فلماذا لم يغلقوا في ~~وجهي باب السجن ذلك اليوم؟ # قلت: إنه لمنطق سليم! فإن الحميات والأمراض وأوبئة العالم بأسره لن تحجب عن أبواب السجن ~~هذا المدد الذي يتدفق كل يوم من خضم المجتمع الواسع، ولكن للمتهمين والجناة على ما يبدو من ~~هذه التفرقة في المعاملة «خاطرا» عند مصلحة السجون ليس للزوار الأبرياء. # وفي حساب بعض السجناء أن «الزيارة» قيراط إذا كان الإفراج أربعة وعشرين. # قال بعضهم لواحد من أولئك السجناء الذين فجعتهم مصلحة ms55 السجون في بعض هذه القراريط: لا ~~تعلم «المصلحة» هذا الحساب فتعطيك أربعا وعشرين زيارة و «تأكل عليك» الإفراج. # | الطعام ومطالب الجسد # أيسر تجربة للمسائل العامة خليقة أن تؤكد لنا صحة هذه الحقيقة المأثورة، وهي أن المبدأ ~~لذاته ليس بالمهم، أو ليس بالشيء الذي يستحق الجانب الأكبر من الاهتمام والدراسة، وإنما ~~المهم قبل كل مهم هو تطبيق المبادئ وتنفيذها، فإن التطبيق في أيدي المصلحين قد يصلح المبادئ ~~الفاسدة ويقوم اعوجاجها، كما أنه قد يفسد المبادئ الصالحة ويعكس مقاصدها إذا هو جرى على ~~أيدي العجزة وأهل الفساد. # فليس الإصلاح إذن منوطا بالقاعدة والنظام، وإنما هو منوط بضمان التطبيق، وحسن الرقابة ~~على التنفيذ. # وهذه الحقيقة تسري على مسألة الطعام في السجون أشد من سريانها على مسائل الدواوين الأخرى؛ ~~لأن الإغراء حاضر والشكوى عسيرة وتحقيقها أعسر، وخوف السجناء من الشهادة الجريئة خوف غير ~~مستغرب من أناس مهددين مملوكين في قبضة الحراس والرقباء، موسومين بالكذب والخداع عند ~~المشرفين عليهم والموكلين بشئونهم، موصوفين بضعف الخلق، وضعف النخوة، وضعف الغيرة على الحق، ~~وضعف الإبانة عنه، فإذا هم أحدهم بالشكاية ثناه ضعفه فأحجم، وإذا ألح عليه الضيم فأقدم ~~بعد وجل وتردد لم يستطع الإفصاح ولا إقامة الدليل، ولم يجد من العطف والتشجيع ما يغنيه عن ~~حسن البيان وقدرة الإثبات، وقد يخذله زملاؤه طلبا للسلامة وإيثارا للزلفى ومرضاة الحراس ~~والرقباء، فالحاجة إلى مراقبة التنفيذ في مثل هذه الأحوال أشد وألزم، والثقة بالمبادئ ~~والنظم أقل ثقة تعهد في مبدأ أو نظام. # ولو سئلت رأيي في تعديل طعام السجن من حيث المبدأ والنظام لما اقترحت من التعديل غير ~~القليل: زيادة جزء من المواد السكرية وجزء من الفاكهة والسماح في الشتاء بالمشروبات ~~الساخنة، وما عدا ذلك فهو غذاء صالح كما هو قائم الآن؛ لأنه يقوم على البقول عامة الأسبوع، ~~والخضر النيئة مرتين في الأسبوع، وتستبدل الخضر المطبوخة مع اللحم بالبقول مرة أو مرتين على ~~أقصى تقدير، وهذا على قلته كاف لحاجة الجسم ناف للضرر الذي يصيب الإنسان من نقص بعض ~~الأصناف. # لكن ms56 الاهتمام جد الاهتمام إنما يكون بالرقابة على تنفيذ هذا النظام، فإن العدس قد يكون ~~صحيحا وقد يكون منهوكا بالسوس، والخضر النيئة قد تكون ذابلة هزيلة وقد تكون ناضرة جزيلة، ~~واللحم قد يكون لحم حيوان شائخ أعجف سقيم، وقد يكون لحم حيوان فتى فاره سليم، والسمن قد ~~يكون مغشوشا مخلوطا وقد يكون من اللبن النقي الممخوض، والخبز قد يصنع من الدقيق النظيف ~~وقد يصنع من الدقيق المشوب بالحصى والتراب، والفرق كل الفرق ما بين عدس وعدس وخضر وخضر، ~~ولحم ولحم، وسمن وسمن، وخبز وخبز، وإن كانت كلها في العنوان سواء. # فالرقابة هنا هي أس النظام، والحذر من العبث والإهمال هو أولى الأمور باليقظة ~~والانتباه. # كذلك المرضى المستحقون للبر والرحمة قد يصلون إلى مكانهم من المستشفى بغير عناء ولا كلفة ~~إذا حسنت الرقابة واستقام الإشراف، وقد يحرم هذا الحظ من هو أهله ويعطاه من هو غير أهله إذا ~~التوت الأمور واستفاض الخلل والإهمال. # ومن الحق علي أن أقرر هنا أنني شكوت مرة من بعض الخلل الخطير فلم ينقض يوم على الشكوى حتى ~~أزيلت أسبابها وحيل بين المسيء وما يسيء، ومن الحق علي كذلك أن أشهد لكثير من الأطباء ~~والموظفين في سجن مصر بالجد والأمانة والإخلاص وبذل الوسع في تخفيف الشقاء وتلطيف الآلام، ~~فإذا قضيت هذا الحق وهو فرض لا أنساه فمن حق الضعفاء علي أن لا أنسى حاجتهم إلى الرقابة ~~الناجعة، ولا أنسى سهولة الإجحاف بهم والقسوة عليهم، إذا آلت الأمور إلى غير القادرين وغير ~~المخلصين. ~~••• # على أن مسألة الطعام في السجن - سواء صلح نظامه أو افتقر إلى التعديل والتنقيح - مسألة لم ~~تغب عن أذهان الحاكمين، ولم يغفلوا عن تقريرها بالمبدأ والقاعدة تارة وتعهدها بالرقابة ~~والاستطلاع تارة أخرى، ولكن العجيب كل العجب أنهم قد غفلوا وتغافلوا جميعا في مصر وفي معظم ~~بلاد العالم عن وظيفة جسدية ليست في صميمها بأقل من وظيفة التغذية، وقد ترجح عليها بما لها ~~من الأثر السريع في الأخلاق والآداب، ونعني بها وظيفة الغريزة الجنسية وحاجة الرجل إلى ms57 ~~المرأة في الشهور أو السنين الطوال التي يقضيها بمعزل عن النساء، فهل في وسع طبيب أن يجيز ~~تعطيل هذه الوظيفة في جسد صحيح ميسور الغذاء؟ وهل في وسع حاكم أن يزعم أن السكوت عنها أو ~~إسبال الستار عليها كاف لإلغائها وكفيل بمحوها وإخفائها؟ وهل في وسع الحاكم والطبيب أن ~~يرضيا عن شذوذها وتحولها كما تشذ وتتحول في مئات من الأحوال ينتهي خبرها إلى الحراس ~~والرقباء، وفي ألوف من الأحوال لا ينتهي خبرها إليهم وإن كانت في حكم المعلوم ~~المفهوم؟ # ليس السجناء نساكا ولا رهبانا فيطالبوا بزهد النساك والرهبان، وليس من الصلاح لهم أن ~~يطالبوا بذلك وهم لا يؤمنون بنية الزهد ولا يستمرئون سلوى العفاف، ولا يقصدون النسك ولا ~~الرهبانية، فمن أعجب الدلائل على كسل العقل الإنساني واعتياده أن يحل المشكلات بالإعراض ~~والتغابي هذه الغفلة السادرة عن المسألة الجنسية في السجون، وهي مشكلة لا تحل بالسكوت ولا ~~تحل بالشذوذ ولا بد لها من حل، وليس من يتصدى لحلها بين الرؤساء المسئولين كأنما هي شيء غير ~~موجود! # حدث في بعض الليالي أن استيقظ السجن كله على ضجة هائلة لا يتميز منها صوت بين صليل عشرات ~~من الجرادل والكيزان تتساقط على الأرض أو تصطدم بالجدران، ويتخلل ذلك صياح المجروحين وعويل ~~المضروبين وزمجرة كزمجرة الوحوش وضحك كضحك المخبولين، ثم جاء ضابط السجن وفتح الحجرة التي ~~انبعثت منها هذه الضجة فإذا بالذين فيها وعدتهم نحو الثلاثين ممن يسمونهم بالأحداث عرايا ~~متهتكون وإذا بالحادث كله مسألة من مسائل الشذوذ. # ويتكرر هذا الحادث وإن لم تتكرر هذه الضجة، ويبطل الحياء منه لكثرة التكرار والابتذال ~~فيرويه بعض المتهمين على مسمع من السجناء والحراس بصفاقة كأنها صفاقة الحيوان، ومنهم من كان ~~يساق إلى الجلد فينعى على زميله أنه خائن وأنه حانث في يمينه، ولا يحسب أن في الأمر غير ذلك ~~ما يشين، وربما وقعت هذه الحوادث وفي الحجرة أكثر من خمسة أو ستة؛ لأن الحياء منها يوشك أن ~~يكون في حكم المعدوم. # ولست أذكر أنني قرأت كتابا واحدا عن ms58 ذكريات السجون إلا وفيه إشارة إلى الشذوذ الذي يدفع ~~إليه كبت الغريزة الجنسية، فهو مذكور في كتاب دستيفسكي «منزل الأموات»، وفي كتاب ~~مكارتني # Macrtney ~~«الحيطان لها أفواه»، وفي كتاب ~~الدكتور هامبلين سميث # Homblin Smith # عن حياة السجون، وفي ~~كتاب بلير نيلز # Blair Niles # عن المسجونين بجزائر الشيطان، ~~وفي كتاب جوزيف فيشمان # Fishman # عن المسألة الجنسية في ~~السجون، وفي كتاب فكتور نلسون عن أيام السجن ولياليه، وفي الكتب والمجلات التي عقبت على بعض ~~حوادث الإصلاحيات وسجن جوليت # Joliet # بالولايات المتحدة، ~~وهي كتب تصف سجون آسيا وأوروبا وأفريقيا وأمريكا ولا تقتصر على بيئة واحدة ولا على زمن ~~واحد، فالآفة إذن آفة السجن حيث كان، والأمر أعم من أن يعالج بالمداراة والنسيان. # وقد عولجت هذه الآفة بأساليب مختلفة في أمم شتى، فسمحت حكومة الفيلبين للسجين بعد قضاء ~~فترة يسيرة أن ينتقل إلى مستعمرة تأديبية يتصل فيها بأهله وذويه. # وقررت حكومة سلفادور أن تسمح لمن تشاء من زوجات السجناء أن تزوره زيارات أسبوعية في حجرات ~~مستقلة. # واعتمدت الولايتان الأمريكيتان ألاباما ~~ومسيسيبي # Alabama and Mississippi # نظام الإجازات بين حين وحين لمن يحسن سلوكه من السجناء، ولم يختل ~~في ملاحظة الموعد المضروب لانتهاء الإجازة غير سجين واحد من مئات يقضون إجازاتهم كل ~~عام. # وأضافت ولاية مسيسيبي إلى ذلك أنها تمنح السجين فترة تجريبية من شهر إلى ستة أشهر إذا ~~استقام في أثنائها واهتدى إلى عمل صالح يرتزق منه مدت له التجربة سنة فسنة إلى آخر المدة ~~المحكوم بها، وأعفي من العقوبة. # أما في روسيا فقد عولجت هذه الآفة بطريقة لا يمكن أن تقرها حكومة تؤمن بالدين ونظام ~~الاجتماع الذي خرج عليه الشيوعيون. قال الصحفي المشهور نيجلي فارسون # Negly Farson # في كتابه «طريق الفضولي»: # أخبروني في الإصلاحية التي بظاهر كييف أن تجربة السماح للسجناء - ومعظمهم من ~~القتلة - بالذهاب إلى قراهم إبان الحصاد تجري على ما يرام، لأنهم يعودون بلا ~~استثناء، وأمامهم تجربة أخرى وهي أن يأذنوا للسجين العامل في الحقول أن يملي على ~~الحارس أسماء صديقاته البنات ms59 في كييف، فيجيز الحارس واحدة منهن إلى حيث تلقى ~~السجين، وتدار الظهور وتغمض العيون عندما يوغل الفتى وفتاته في الغاب. # ويقال إنهم يعتمدون على هذه التجربة في محو الشذوذ الجنسي من السجون، فإن بقي منه أثر ~~فكالذي يبقى في المجتمع الطليق بين المطبوعين عليه. # إلا أن الروسيين المحدثين قد عالجوا شذوذا بشذوذ، وأدنى من ذلك إلى العرف والفائدة أن ~~يباح للسجناء الخروج من السجن في فترات محدودة، وأن يعتبر إطلاقهم حينئذ مكافأة لهم على ~~حسن السلوك ولا سيما في المسائل الجنسية، ولا شك أن السجناء يحتاجون إلى ترك سجونهم فينة ~~بعد فينة لمطالب كثيرة غير هذا المطلب، تنفعهم وتنفع ذويهم وقد تخفف أعباء الزيارات عليهم ~~وعلى إدارات السجون، ولعل التجربة تنفعهم أيضا فيما لا يقع الآن في الحسبان من تقويم خلق ~~وإحياء عبرة وتجديد ثقة وتشويق إلى نعمة الحرية، ومهما يكن في التجربة من حرج محتمل أو ~~مقطوع به فهو دون الحرج الذي يصيب النفوس والأبدان من إكراه الغرائز وفرض الحرمان أو الشذوذ ~~على من لا يحمده ولا يبتغيه. # | الوقت # الوقت أعدى أعداء السجين، فلو اهتدى إلى طريقة يخلص بها من وقته لاهتدى إلى طريقة يخلص ~~بها من سجنه. # الوقت في كل مكان من ذهب كما يقولون، إلا في السجن وما شابه السجن، فهو من رصاص إن أردت ~~ثقلته وبشاعة اسمه، وهو من تراب إن أردت رخصه ومضايقته، والرغبة في كنسه! # الوقت أثقل شيء على «وجدان» السجين وأخف شيء على لسانه: كل دقيقة فيه محسوسة محسوبة، وكل ~~دقيقة فيه حسبة يراد إسقاطها من الحساب، وما هكذا يكون الوقت في غير السجون. # سل من شئت بين ألوف السجناء عما بقي له من مدة سجنه وثق أنه يغالطك في الجواب، وثق أنه ~~غالط نفسه قبل أن يغالطك مرات، بل ثق أنه لا يغالطك إلا ليستعين بذلك على مغالطة ~~نفسه! # سألت أحدهم: كم بقي لك من السنين؟ # فقال: ثلاث. وأنا أعلم أنه قد بقيت له خمس سنوات لا تنقص إلا بضعة أيام، وإنما ms60 القاعدة ~~عندهم أن يسقط السنة التي هو فيها والسنة التي يخرج في نهايتها، ولا يحسب إلا ما بين ~~السنتين! # ولهم في تقصير المدة على اللسان أساليب بعضها مصطلح عليه وبعضها من اختراع كل سجين على ~~حسب ذكائه وملكة استنباطه. # سألت سجينا بقيت عليه سبعة شهور: كم بقي عليك من أشهر؟ فقال: الربيعان والجمادان ورجب ~~وشعبان! # قلت: أو تخرج في شعبان؟ # فقال: سأخرج في عفو العيد! أي في آخر رمضان. # فهو قد جمع الربيعين والجمادين في اسمين بدلا من أربعة أسماء، وأسقط شهر رمضان كله كأنه ~~لا يعد في الزمان. # وأعرف سجينا كان سيخرج يوم الثلاثاء، فلما بقي على خروجه ثلاثة أشهر أخذ يحسب المدة ~~الباقية بالأسابيع ويختم الأسبوع بيوم الأربعاء، حتى إذا وصل إلى الأربعاء الأخيرة لم يحسب ~~ما بعدها وأسقط بذلك ستة أيام. # وكان لي جار مررت به أودعه قبل خروجي بيوم، فقال لي إنه سيخرج بعدي بخمسة عشر أسبوعا، ~~وأشار إلى خطوط على الحائط إلى جوار النافذة بعدة الأسابيع الباقية، فعمدت إلى خطين منهما ~~فمسحتهما وقلت له: إنني أسقطت عنك هذين الأسبوعين كرامة لهذا التوديع! فوالله لقد سر بذلك ~~كأنني مسحت الأسبوعين في مدار الأيام، وشكرني على هذه النية أو هذه الأمنية، وأحسبه قد عالج ~~مشقة مرهقة في إعادة الخطين إلى مكانهما؛ لأن هذه الإعادة تبدو له كأنها زيادة ~~أسبوعين! # وعلى هذه المغالطة الشائعة لن تجد سجينا واحدا يجهل الحقيقة أو يجهل عدة ما بقي له من ~~الأيام باليوم ولو كان الباقي عدة شهور، واسأل من شئت منهم على غرة: كم بقي لك من يوم؟ فإذا ~~هو يجيبك توا بلا تفكير ولا إبطاء! وإياك أن تستكثر هذه الأيام أو تظهر بالدهشة والأسف ما ~~يدل على استكثارها وإن كانت كثيرة، بل كل ما يمكن أن تقول في لهجة الاستخفاف: تهون! فيقول ~~لك: لا هنت، أو يكرر الكلمة على مسمعك قائلا: تهون! تهون! # وإذا دخل الليمان سجين محكوم عليه بخمس سنوات أو نحو هذه المدة قالوا له: إنما أنت زائر! ms61 ~~واحتقروه كما يحتقر ساكن البيت ساكن الخان النزيل! وأقنعوا أنفسهم بهذه المغالطة أن الخمس ~~سنوات في الليمان خطب يسير. # والشأن في هذه الخصلة شأن جميع السجناء بلا استثناء عالم أو جاهل وذكي أو غبي ومجرب أو ~~غرير، فكلهم يسوسون مشكلة الوقت على هذا المنوال، وكلهم يألفون المغالطة هذه الألفة، وكلهم ~~يستكبرون ما مضى ويستصغرون ما سيأتي وسوف يأتي إلى يوم الإفراج، وهو يوم محقق الوصول عندهم ~~جميعا كأنما الموت قدر مؤجل إلى ما بعد وفاء المدة، أو كأنما الإنسان لا يخرج من دنياه إلا ~~بعد خروجه من سجنه أو منفاه! # قال الكاتب الروسي الكبير «دستيفسكي» يصف منفاه وسجنه في سيبيريا: «من اليوم الأول بدأت ~~أحلم بيوم الخلاص، وجعلت هجيراي أن أحصي ألوفا وألوفا من المرات على ألوف وألوف من ~~الطرائق والأنماط مقدار أيامي التي سأقضيها في المعتقل، وكنت أفكر في ذلك دون غيره، وكل من ~~حرم الحرية فترة محدودة من الزمن فإنما يفكر على هذه الوتيرة، وإني من ذلك لعلى أتم ~~يقين.» # وقال في وصف الأيام الأخيرة: «لقد نسيت أمورا كثيرة، ولكني أذكر - ويا لشدة ما أذكر - كم ~~كانت الساعات في السنتين الأخيرتين بطيئة بطيئة وكم كانت الأيام حزينة حزينة، لا يلوح عليها ~~أنها ستقترب من مساء ولا تزال كأنها خضم من الماء ينحدر قطرة فقطرة، وإني لأذكر كذاك أنني ~~كنت مفعما بشوق طاغ إلى البعث والنشور من هذا القبر زودني بقوة على الصبر والانتظار ~~والرجاء، ومن ثم تعودت الجلد والاحتمال وعشت على الترقب والأمل، وعددت كل يوم عابر، فإن بقي ~~من الأيام ألف فقد أشعر بالارتياح؛ لأن يوما قد مضى ولم يبق إلا تسعمائة وتسعة ~~وتسعون!» # وهكذا تعتصم النفوس بالمغالطات ويصيح المستغرب: هل أغالط نفسي؟! كأن الإنسان لا يغالط إلا ~~غيره! وهو لنفسه في الحقيقة أول المغالطين! # | يوم الإفراج # يوم الإفراج. # أو يوم البعث والنشور. # أو يوم الحرية. # أسماء كثيرة يسمى بها يوم الخروج من السجن، والناس يحسبونه أسعد أيام المسجون؛ لأنه اليوم ~~الذي انتظره مئات الأيام أو ألوف ms62 الأيام، ويحسبون أن المسجون إذا قارب فجره لم تغتمض عيناه ~~سرورا بلقياه وأوشك أن يطير فرحا بالوصول إليه! وهم على حق فيما يحسبون لو أن الشعور مما ~~يقاس بأمثال هذه المقاييس التي تقاس بها الأحجام والأرقام، ولكن الشعور يجري على منطق غير ~~هذا المنطق، وينقاد لأحكام غير هذه الأحكام، فيوم الإفراج يوم لا تهتز له نفس السجين بسرور ~~عظيم ولا تقبل فيه على موعد جديد، وسبب ذلك هو بعينه السبب الذي يحسبونه جالبا للفرح ~~واللهفة والتهلل والاغتباط، وهو أن السجين قد انتظره مئات الأيام أو ألوف الأيام. # يظل السجين ينتظره ويطيل انتظاره ويتأمله من كل جانب ويحسب المسافة بينه وبينه بالأشهر ~~والأسابيع والأيام والساعات، ويقدر ما يصنعه فيه ويعيد التقدير ويعيد الإعادة ولا يفكر طوال ~~ساعات الفراغ أو ساعات العمل في شيء غير هذا التفكير الدائم الدائب الذي يستنفد كل صورة وكل ~~احتمال وكل خيال: حتى إذا جاء اليوم الموعود إذا بالسجين يراه كأنه وجه قديم طالما رآه ~~وأدمن النظر إليه وعرف ملامحه وقسماته خفية وظاهرة وكبيرة وصغيرة، ولم تبق منه لمحة واحدة ~~لم يرها ويحقق رؤيتها بدل المرة عشرات ومئات، فهو منظر من مناظر الماضي السحيق المتغلغل في ~~القدم والألفة، وليس بمنظر ظريف ولا بموعد جديد. # والمساجين ينظرون كل يوم إلى المفرج عنهم ويعجبون لهم ما بالهم لا يطيرون ولا يبتهجون! ~~ويحسبونهم يتوقرون ويكتمون ما يخامرهم من شعور، حتى إذا جاء يومهم في الإفراج عجبوا لأنفسهم ~~بعد أن كانوا يعجبون للآخرين، وهكذا كان من حظ بني الإنسان أن يستنفدوا السرور بالمتعة التي ~~تطول الرغبة فيها ويطول انتظارها، فلا يستشعرون السرور الصحيح إلا بأنصاف الآمال أو ~~المفاجآت التي لا تخطر على البال! # ويخيل إلي أن أبخل البخلاء إذا انتظر مليون جنيه بعد عشر سنوات وهو على يقين من الوصول ~~إليه عند موعد محقق لا خلاف فيه لأصبح هذا المليون وكأنه مبلغ في الخزانة داخل في الحساب، ~~لا يشعر بالزيادة عند وروده ولا يشعر بفقده قبل يوم الموعد المنظور، فهو ضائع ms63 من حسبانه في ~~حالتي الترقب والاستيلاء عليه، وهو أقل من مائة جنيه يغنمها ويشعر بزيادتها ولم يحسب لها ~~ذلك الحساب الطويل. # على أن اليوم - سواء عددته من أيام السعادة أو من أيام الفتور وقلة المبالاة - هو يوم ~~ينطبع في الذاكرة وينطبع معه كل ما يلازمه من المناظر والمسامع والأحاسيس، فهو محسوس به ~~إحساسا عميقا شديدا راسخا في قرارة الوعي والبديهة، وذلك شيء أندر جدا من المسرات ~~وأندر جدا من الأحزان. # وإذا أراد الإنسان أن يشعر بأغوار هذا العمق فما هو بقادر على ذلك إلا إذا فوجئ في اللحظة ~~الأخيرة بتغيير في الموعد أو خروج عن خط الانتظار المرسوم: هنالك يعالج شعور الفقد والشك ~~بعد شعور الاطمئنان واليقين، ويعلم أن تأخير ذلك اليوم ساعات معدودات هو بمثابة الحرمان ~~المباغت من أعوام لا يحدها الإحصاء، وقد رأيت سجينا يركبه البؤس والكرب والقنوط؛ لأنهم ~~أوشكوا أن يؤخروه يوما واحدا لخطأ في المضاهاة بين الأشهر العربية والأشهر الإفرنجية، ~~فلما ردوا له ذلك اليوم الواحد إذا به يشعر بالخلاص منه أشد من شعوره الأخير بالخلاص من ~~الأشهر والسنوات. # جاءني مأمور السجن عصر اليوم الذي سأغادر السجن في غده، وقال لي: إنه لا يعلم في أي ساعة ~~سيكون الإفراج، فيحسن بي أن أكون على استعداد للخروج منذ الصباح الباكر، وإنه لهذا سيرسل لي ~~الحلاق بعد هنيهة ليحلق رأسي ولحيتي التي مضت عليها ثلاثة أيام، ولا يحب رجال السجن أن يخرج ~~السجين من عندهم على هذا الحال؛ لأن رؤية اللحية الطويلة تلقي في روع الناس أن السجين خارج ~~من مكان يكثر فيه الإهمال وتقل النظافة والنظام. # والحلاقون في السجن هم حلاقون مسجونون يزاولون هذه الصناعة ويحسدهم أصحاب «الأشغال» ~~الأخرى؛ لأنهم يرون أن الحلاقة عمل خفيف لطيف لا مشقة فيه، وكانوا يزوروننا في الحجرة مرتين ~~كل أسبوع فتسمع منهم قصص السجن بجميع أنحائه؛ لأنهم يطوفون على جميع السجناء، والعجيب أن ~~هؤلاء الحلاقين على كثرتهم كانوا من المتهمين في قضايا المخدرات إما بالتعاطي أو بالاتجار، ~~وكانوا لهذا يعلمون من ms64 أخبار الحياة الاجتماعية العالية والوضيعة ما يشوق الاطلاع عليه، وقد ~~نسوقهم إلى ذكره إن آثروا السكوت أو خشوا رقابة الحراس. # أما في هذه الحلاقة الأخيرة فقد كان يعنيني أن أفرغ منها في دقائق عاجلة؛ لأنني فوجئت ~~بتغيير نظام الخروج، وكان لا بد لي من إبلاغ ذلك إلى أخي الذي كلفته أن ينتظرني بباقات ~~الزهر على مقربة من السجن حوالي الظهر موعد الإفراج المعتاد، وقد كان ضريح «سعد» الذي أعددت ~~له تلك الباقات على طريق «قره ميدان»، وكان يتردد بيني وبين أخي بالرسالة والجواب بعض ~~الموظفين وهم ينصرفون بعد العصر بقليل، فإذا فاتني أن ألقى واحدا منهم قبل انصرافه فقد ~~اختلف التقدير واختل الحساب، وقد أزور ضريح سعد عقب خروجي ولكن بغير أزهار، أو أزوره ومعي ~~الأزهار، ولكن بعد أن يبطل معنى هذه الزيارة التي قصدت أن تكون أول ما أباشر من عمل ~~الحرية. # وشاء الحلاق أن يبتليني في هذه الحلاقة الأخيرة بكل ما اشتهر به أبناء صناعته في أحاديث ~~الغابرين والحاضرين من حذلقة، وثرثرة، ومضايقة، وإعنات. # والحق أنني كنت أسمع بهذه الشهرة وأقرأ روايات الرواة عنها في كتب العرب والإفرنج فأحسبها ~~من مبالغات الهازلين؛ لأن الله لم ينكبني قبل ذلك بحلاق ثرثار، أما في ذلك اليوم فقد عرفت ~~أن الحقيقة أكبر من مبالغات الجادين والهازلين في بعض الأحايين، وأخذ هذا الحلاق «الظالم» ~~بحقوق جميع المظلومين من أبناء الصناعة! # وضع صاحبنا في ذهنه أنني خارج غدا وأن الناس سيلقونني فلا يلتفتون إلى شيء غير «حلاقتي» ~~النظيفة وغير العجب من أن أظفر بهذه الحلاقة الفاخرة بين جدران السجون! وسيتحدثون ولا ~~يسألون عن شيء في حديثهم إلا أن يعرفوا اسم ذلك «الفنان» المغمور المدفون في تلك الغيابة ~~المظلمة، وسيلبثون منتظرين متشوفين حتى يأذن الله برده إلى حانوته المجهول فيتسابقوا إليه ~~وينبذوا من كانوا يعبثون في رءوسهم ولحاهم من جهلاء الحلاقين، ويحمدوا الله أن سعدوا بجلسة ~~تحت يدي هذا النابغة العظيم. # وضع صاحبنا في ذهنه هذا الخاطر فأحفى غاية الإحفاء وأمعن غاية الإمعان، وطفق ms65 يفهمني أنه ~~ما من عدة يستعد بها الحلاقون في الأماكن المنتظمة إلا وهو قادر على الاستغناء عنها بحيلة ~~من الحيل وبراعة من البراعات، ومضى يجرب تلك الحيل وتلك البراعات حيلة حيلة وبراعة براعة ~~ليريني صدق ما يقول رأي العين، وأنا أقرظ وأزكي وأعيد التقريظ والتزكية، ولا جدوى ولا ~~نجاة. # وأخذت أنبهه إلى أنني مستعجل وهو لا يتنبه، وأرجوه أن يسرع وهو لا يزيد على قوله «حاضر» ~~ثم ينساها بعد لمحة، ويدأب على ما كان فيه كأبطأ ما يكون الإبطاء وأدق ما يكون ~~التدقيق. # وتململت وهو لا يحفل، وتأففت وهو لا يكترث، وظن أخيرا أنه فهم لماذا أتململ وأتأفف وأن ~~«الدنيا» حر وقد كانت «حرا» حقا؛ لأن الشهر شهر يوليو والساعة ساعة الأصيل، فلما قلت ~~له: بل إنني «أنتفض» من البرودة ضحك وأغرب في الضحك وظن أنها «نكتة» وأنه وهو «واحد» من ~~أبناء البلد لا يليق أن تفوته هذه النكتة دون أن يوفيها حظها من المزاح والتعليق! # فما العمل؟ # كل شيء يمكن اقتضابه إلا أن ينطلق الإنسان بوجه نصفه محلوق ونصفه غير محلوق، فغالبت غيظي ~~وضحكي المكظوم من هذا الغيظ، واتخذت كل ما يسعني اتخاذه من هيئة الجد والاهتمام وقلت: إنني ~~لا أستطيع أن أصبر فوق ما صبرت، فاكتف بما صنعت واقنع بما أبدعت، واجعل همك أن تتركني بعد ~~دقائق قليلة على حالة تصلح لمقابلة الناس، وأنا أتمم البقية غدا فسيكون عندي متسع للإتقان ~~والإحفاء. # فاختلج كالمذعور وصاح بي: عيب يا أستاذ، ماذا يقولون عنا إذا شهدوا هذه «اللكلكة» وهذه ~~العجلة بغير عناية؟ أيقولون إننا لا نقدر الأستاذ قدره، أم يقولون إننا صبيان في هذه ~~الصناعة؟ # وفطنت لما يدور بخاطره وما يمني به نفسه من ذلك الإعلان المأمول، فأحببت أن أفجعه بعض ما ~~فجعني، وقلت له وكأنني أطمئنه وأهدئ روعه: لا تشغل بالك بهذا يا فلان! إنني لن أبوح لأحد ~~باسمك! فعجل ما استطعت وأرحني أراحك الله! # فارتعب الرجل وخيل إلي أنه يوشك أن يدق صدره ويلطم خديه، وبدر على لسانه ms66 ما خبأ في ~~جنانه، فصاح قائلا: ماذا يا أستاذ؟ أتحرمني هذا الشرف، وأنا أنازع رصفائي عليه منذ أيام؟ ~~يا ضيعة المسعى ويا خيبة الرجاء؟ أتكتم اسمي كأنني أسأت وقصرت وأنا أقطع يدي وآتي بغاية ما ~~عندي لأبلغ اليوم قصارى الإحسان والإتقان؟ ... لا لا ... يا أستاذ ... كلها نصف ساعة وينتهي كل ~~شيء على ما يرام، ولا عليك من اقتراب موعد الإغلاق فإن الحراس لن يضنوا بفتح الباب لي ~~إكراما لك، ولا سيما في عشية الوداع! # وكأنما كان هذا المنكود ملهما أن يثير قلقي ويذكرني ما أحذر وأتقي، فإن إشارته إلى «موعد ~~الإغلاق» عصفت بالبقية الباقية من صبري فألقيت بالمنديل الذي ناطه بعنقي وهممت بالخروج إلى ~~فناء السجن، فلم يثنني عن إنفاذ عزمي إلا أن الخروج على هذه الصورة يجمع حولي الحراس ~~والموظفين، إن بقي أحد منهم إلى تلك الساعة، فلا يتيسر لي أن أتصل بمن أريد. # أشهد أنني شعرت بغبطة الإفراج كلها ساعة أفلت من يد ذلك الحلاق «راجي عفو الخلاق» لا عفا ~~الله عنه، فإن حركة اليأس التي اندفعت إليها في غير عمد ولا روية قد أكرهته على قبول ~~«التضحية» بفنه وإتقانه والرجاء في شهرته وعرفان قدره، فاستسلم للعجلة والندامة معا وانقلب ~~إلى إبداء براعة السرعة وحذاقة الهرولة بعد براعة التؤدة وحذاقة الاستقصاء والأناة، وتبعني ~~بعد أن تركته وهو يستحلفني ألا أنساه، وأنا أقسم له أنني لن أنساه وإن أردت نسيانه، ثم ~~انتهيت إلى فناء السجن وقد تخلف فيه بعض الموظفين عمدا إلى ما بعد موعد الانصراف؛ لأنهم قد ~~علموا من الحراس بما أنبأني به المأمور فانتظروني ريثما أخرج من الحجرة لعلي أفضي إليهم ~~بنبأ أو رسالة، وقد تمهدت السبيل في اللحظة الأخيرة وخلا الجو للمقابلة والكلام، فأسررت ~~إليهم بما عندي وعلمت بعد ذلك أنهم أدوا الرسالة في أمان، بل في إفراط من الأمان، لأنني ~~علمت أيضا بعد ذلك أن أناسا من هؤلاء كان معهودا إليهم أن يتلقوا رسائلي الشفوية ~~وينقلوها إلى مرجعين لا إلى مرجع واحد، وأنهم كانوا يوقعون ms67 بمن يخلصون في نقل رسائلي ~~مخاطرين مستهدفين للغضب والعقاب، ليستأثروا وحدهم بهذا الواجب المشكور المأجور. # بت تلك الليلة كما أبيت كل ليلة، ونمت كما أنام كل ليلة ، وأصبح الصباح فلم أكد أفرغ من ~~تناول الإفطار حتى وافاني الضابط في الحجرة يسألني هل أنا على استعداد؟ فقلت: على أتم ~~الاستعداد إذا شئت أن أفارقكم وأنا بملابس البيت، أما إذا كرهتم ذلك فليس بيني وبين ~~الاستعداد التام إلا خمس دقائق، ولاح عليه أن ينتظر هذه الدقائق وهو مشفق من إغضاب رؤسائه؛ ~~لأنني لم ألبث في الحجرة الملاصقة لحجرة المأمور إلا دقائق معدودات تسلمت فيها ودائعي ~~وانتقلنا بعدها مهرولين إلى سيارة مقفلة داخل السجن على أهبة المسير، فما هو إلا أن ~~استقررنا بها حتى فتحت لها الأبواب وطارت إلى الميدان، فإلى شارع محمد علي وهي لا تلوي على ~~شيء، وما زالت تعدو بهذه السرعة حتى بلغت سجن الاستئناف، وأسلمتني إسلاما جديدا إلى ~~مأموره، فنقلني نقلا جديدا إلى حجرة خالية، واستنزلني بعدها إلى الفناء في ساعة الرياضة، ~~وكانت نحو العاشرة، ولا يزال باقيا على موعد الإفراج عند الظهر ساعتان. # على أنني لم ألبث ربع ساعة في هذه الرياضة التي لا معنى لها في يوم الإفراج غير التزام ~~القواعد والأصول، وإذا بكبير من موظفي السجون يقبل على عجل، ويسلمني ودائعي مرة أخرى، ~~ويهنئني «بالفرج» ويتركني في كفالة ضابط يصاحبه رجل عملاق من رجال الشحنة الذين يعدونهم ~~لأعمال العنف والتهديد، ويمضي الموظف الكبير لطيته، وأمضي أنا والضابط والعملاق إلى حجرات ~~الموظفين بمحافظة العاصمة من طريق خلفية، ثم إلى مركبة تهرب بنا إلى منزلي بمصر الجديدة من ~~ناحية شارع فاروق. # في أيام المحاكمة كانت الجلسات تبدأ الساعة العاشرة أو الحادية عشرة، وكانوا يحضرونني مع ~~ذلك في إبان الشتاء القارس قبل الساعة الثامنة، وقبل أن يأذنوا لأحد بالدخول إلى قاعة ~~الجلسة، وقد فهمت سر العناية بهذا التبكير، لأن النيابة كرهت أن أدخل القاعة وهي مزدحمة ~~فيقف الحاضرون تبجيلا لهذا «المتهم» الذي يراد له الهوان، كما فعلوا في الجلسة ms68 ~~الأولى. # وفي يوم الإفراج فهمت سر العناية بهذا التبكير وهو اتخاذ الحيطة للمظاهرات وزحام ~~الاستطلاع. # أما الذي لم أفهمه ولا أزال أجهله فهو هذا العملاق المعد للعنف والتهديد ولا حاجة هناك ~~لعنف ولا تهديد: إنني لن أهرب من المركبة الهاربة، ولا إخال أن عملاقا واحدا يخيف ~~الجماهير إذا تعطلت المركبة ووقفت في الطريق، فلم يبق إلا أنه حكم الصنعة كما يقولون، وأن ~~الشرطة لا يتخيلون لهم مهمة يؤدونها بغير تخويف؛ لأنهم لا يكونون شرطة بغير ذلك! وإلا فما ~~الفرق بين المزاملة والحراسة؟ وما الفرق بين السطوة والإيناس؟ # طارت بنا السيارة في مدينة معهودة غير معهودة، وشائقة غير شائقة، كأنني أطرأ عليها لأول ~~مرة أو كأنني أستذكرها بعد غيبة طويلة، ولا يمنعني أن أتلفت إليها تلفت الغريب الطارئ إلا ~~أنني في فسحة من الوقت بعد فترة وجيزة للتلفت والاستذكار. # ولا يحضرني أنني ألتفت إلى معالم الطريق غير مدرسة الصناعة بالعباسية الوسطى، فقد كانت ~~حديثة البناء، فسألت عنها الضابط فقال لي: نعم هي حديثة، ولم يزد على ذلك. # ولما شارفنا المنزل دعوت الضابط والعملاق لتناول القهوة أو المرطبات فاعتذرا، لأنه حكم ~~الصنعة كذاك! # ولم يمنعني كل هذا التحوط والروغان أن أعود من مصر الجديدة إلى حيث أنجز البرنامج الذي ~~عولت عليه قبل مغادرة السجن، فرجعت من حيث أتيت، وزرت ضريح سعد وضريح ويصا، وتبين لي أن أخي ~~وأصحابي كانوا يلاحقونني من مكان إلى مكان؛ لأنهم كانوا يعلمون بانتقالنا من كل موضع ومخبأ، ~~على الرغم من التخفي، والإتاهة، والإسراع. # وجلست في المنزل كما كنت أجلس، ولقيت الأصحاب، وسمعت التهنئات، فأما الأصحاب فقد سرني ~~لقاؤهم بعد وحشة، وأما التهنئات بالإفراج فكنت كأنما أصغي منها إلى حكاية قديمة أو حديث ~~معاد. # هل مضت على آخر جلسة في هذا المكان تسعة أشهر؟ لا أظن، أو أظن أنها مضت ونسخت نفسها ~~بانقضائها، فلم أمكث في المنزل ساعات حتى خيل إلي أنني رجعت إليه ذلك الضحى بعد أن فارقته ~~ذلك الصباح! # | بعض الشخصيات # لبثت في السجن وخرجت منه ms69 ولست أذكر من سكانه الذي يستحقون اسم «الشخصيات» غير ثلاثة أو ~~أربعة من أربعة آلاف إنسان تحويهم جدرانه، وهو عدد يساوي عدد الرجال في عاصمة من عواصمنا ~~المصرية المشهورة. # ذاك أن «الشخصيات» في سجن مصر نادرة. # فالسجناء هناك أرقام في حساب مصلحة السجون، وهم كذلك أرقام في حساب الطبيعة: كلهم مغمورون ~~في بحر لجي من الضآلة، والخسة، والتفاهة، لا يعلو بينهم رأس فوق الغمار، ولا تتباين فيهم ~~الخلائق والصفات، إلا كما تتباين الموجة والموجة في بحر هادئ ذليل، لا تضربه العواصف ولا ~~يعج ولا يلتطم. # وهؤلاء «الشخصيات» الثلاثة أو الأربعة الذين أذكرهم من سكان السجن هم أيضا خلقاء أن ~~يغرقوا في غماره، ويتواروا في خموله لولا بعض الغرابة الملحوظة على أثباج ذلك الخضم الواسع ~~من التفاهة والفهاهة. # فالغرابة إذن؛ شفيعهم إلى الذكر والنباهة! وليس شفيعهم إلى الذكر والنباهة مزية إنسانية ~~أو قدرة خارقة، أو صبغة مستملحة من ألوان الحياة الفريدة. # أحد هؤلاء «الشخصيات» مجنون يتنازعه السجن والبيمارستان. # والثاني مجنون أيضا ولكن على طراز آخر من الجنون. # والثالث مقعد مبتور الرجلين إلى الفخذين. # والرابع - إن كان لا بد من تحقيق قولة الثلاثة والأربعة - خليط من الجنون والعربدة والمكر ~~والدماثة المصطنعة والجموح الصحيح. # وكلهم يسكنون السجن على انفراد؛ لأن الجمع بين واحد منهم وزميل آخر في حجرة واحدة ~~مستحيل. ~~••• # إنني لأتمشى ذات يوم في فناء السجن، إذا بشيطان أسود يقطر منه النفط القذر يعدو هنا وهناك ~~ويفر منه الجند والموظفون. # من هذا؟ # هذا هو المجنون الأول نقيب، ولنسمه بهذا الاسم القريب من اسمه ولا نذكره باسمه المشهور ~~مخافة المساس بهذه الشهرة الحسنة والسمعة المبرورة! وخشية المقاضاة ورد الشرف ~~والتعويض! # ولماذا صنع نقيب هذه الصنعة الكريهة بنفسه؟ ولماذا أغرق نفسه في حوض النفط وهو بغيض إلى ~~الشم بغيض إلى الذوق بغيض إلى النظر، غير مأمون على البشرة والحواس والجوارح؟ # مكره أخوك لا بطل! # هجم على المخبز لاختطاف رغيف ساخن ليس من حقه، فهجم عليه الحراس يوسعونه لكزا ولكما ~~ويقودونه إلى «سعادة المأمور»، فخير ms70 ما يصنعه نقيب في هذه الحالة أن يقذف بنفسه إلى حوض ~~النفط القذر لحظة واحدة يخرج بعدها كما رأيت شيطانا مرهوبا يفر منه من كانوا يطاردونه، ~~ويتقي لمسته من كانوا يوسعونه ضربا ولا يرسلونه من قبضتهم طرفة عين! # وراح نقيب يصول ويجول ويعدو ذات اليمين وذات الشمال، وكل حارس حريص على كسوته يهرب من ~~وجهه ويستغيث بالسجناء المطلقين في الفناء؛ لأنهم لا يخافون على كسوتهم كما يخاف الجندي ~~والحارس، حتى شبع نقيب من الصيلان والجولان، وأنذره ضابط السجن بمسدسه فخضع واستكان. # ويجيئه المأمور الرجل الوقور ويصيح به: ما هذا يا هذا؟ إنني لا أريد أن أجن معك، إنني ~~سأرسلك إلى البيمارستان! فينظر إليه نقيب في جد لا شائبة فيه من الهزل والمجانة، ويقول: ~~معاذ الله يا سعادة البك! وهل نحن من أهل ذاك؟ ~~••• # لا سمح الله! # ولنقيب مذهب في تقدير الجرائم والعقوبات يختلف من كل مذهب مأثور بين الناس في فلسفة ~~الشرائع والقوانين. # كان على وفاق مع رجل قصير قميء من تجار المخدرات محبوس على ذمة التحقيق، وكان الرجل ~~يستظرف نقيبا ويلطفه بلحوم الدجاج والضأن والديكة الرومية والفاكهة والحلوى والمطبوخات من ~~كل صنف تتسع له ثروة المتجرين بالمخدرات. # ويسعى أهل الفساد بين نقيب والرجل فيمنع عنه بره وسلامه وكلامه، ويهيج نقيب هيجته ~~الغضنفرية الحمارية الجامعة بين الزئير والنهيق، وهو لا يحتاج إلى أكثر من هذا السبب للغضب ~~والثورة والوعيد. # فبعد أن يفرغ جعبته من الشتم والتعيير في بعض الأيام يسكت كمن يفكر ويتدبر ثم يقول: من ~~أنت يأيها الحقير! إنني أمحقك ... إنني أسحقك ... إنني قد ضربت الدكتور فلانا وهو طول وعرض ~~وقامة وهامة، وأخذت فيه أربعة أشهر. فأنا أقتلك وأنت «شبر نكد» ولا آخذ فيك أكثر من ~~أسبوعين، ويشاور القاضي عقله بعد خروجي من المحكمة! # ولو اعتمد المشترعون مذهب نقيب في تقدير الجرائم والعقوبات لاستغنوا بمتر في كل محكمة عن ~~كل هذه الأسفار والمجلدات، وكل هؤلاء المفسرين والشراح. ~~••• # وتسمع في هدأة الليل لغطا وحركة، وتسمع الحارس يقول: من هذا؟ وأولى ms71 به أن يسأل: من ~~هؤلاء؟ # نعم من هؤلاء أولى؛ لأنك تسمع غناء عبده الحمولي، وتقريظ الحاشية حوله، وهتاف السامعين ~~وضجة الطفيليين الراغبين في دخول الفرح وغشيان السامر ، وما هم من المدعوين إليه. # وكل هؤلاء هم «نقيب» وحده بلا مساعد ولا معين؛ لأن «نقيبا» كما ينبغي أن تعلم يحسن ~~«التقليد والمحاكاة» بعض الإحسان، ويهوى الغناء من قديم، ولا يعجبه غناء بعد عبده الحمولي ~~ومحمد عثمان، ويضاف إليهما يوسف المنيلاوي، مع التحفظ والعطف وزم الشفتين! # وتسأله كل مرة يتحدث فيها عن مجالس الطرب القديم في عهد إسماعيل: كم عمرك؟ فيصر في كل مرة ~~على أنه لم يتجاوز الأربعين! # مع كل هذا الجنون عاقل! # أو مع ما فيه من العقل مجنون! ~~••• # وإذا تكلم نقيب فليس من يلجئه إلى السكوت، وإذا سكت فليس من يلجئه إلى الكلام. # ولكن الخبثاء من سجناء المحاكم المختلطة - وأكثرهم تجار لبقون - يعرفون كيف يخرجونه من ~~الصمت العنيد إذا احتاجوا إلى مناوشاته، وعربداته، وأغانيه، وهم أحوج ما يكونون إليها في ~~غياب المسارح والسهرات. # هو يهذر ويحكي عن أهله، وينسى بعد ساعة واحدة كل ما قال. # وإنه لفي صمته العنيد ذات ليلة إذا بصائح يناديه: كيف حال بهية؟! # وإذا بصوت ينفجر من ناحية الحجرة التي فيها نقيب: بهية من يا ولد؟! # فيجيب التاجي الخبيث: بهية أختك! بهية ذات الشعر الأصفر! بهية ذات العينين النجلاوين! ~~بهية ذات الردفين الثقيلين! بهية التي تلبس الرداء الأخضر! بهية التي تسكن في باب الشعرية! ~~بهية يا حسرتي على بهية! # وكل هذه أوصاف سمعها التاجر، وسمعها «العنبر» كل ليلة من الليالي الغابرة من فم نقيب دون ~~غيره، ونسيها نقيب. # ويصدق صاحبنا ما سمع، ويثوب إلى نفسه وكأنه يناجيها: «صدق من قال لا أمان للنساء!» ... ~~والعجيب أن «بنت الكلب» أوشكت أن تدفعني إلى الموت؛ لأنها شكت إلي رجلا يغازلها ويسد ~~المنافذ عليها، فبطشت به ولم ينقذه من يدي إلا عمره، لك حق يا فلان، اذهب فاصنع بها ما ~~تشاء! # ثم يرجع ثائرا ويندم على هذا «التفويض» وينادي التاجر: ms72 إياك يا هذا أن تصنع بها شيئا، ~~والله بعمرك! والله الحكاية كلها مشوار من هذه الحجرة التي أنا فيها إلى بيتك، ومن بيتك إلى ~~هذه الحجرة التي أنا فيها، وعوض الله عليك في عمرك: أسمعت؟ # نعم سمع، وسمع العنبر كله، وهذا هو المقصود. ~~••• # وأعترف أنني قد عرفت من نقيبنا هذا شيئا كثيرا من طبيعة الشاعر القديم، أو الشاعر ~~المداح الهجاء: عرفت أن كل ما يتوخاه ذلك الشاعر في فنه هو أن يقول لممدوحه: إنني أريد أن ~~أرضيك بالثناء وترضيني بالعطاء، وهي صفقة معقودة علانية بعلم المادح والممدوح والسامعين، لا ~~حاجة فيها إلى الصدق، ولا إلى المعاشرة، ولا إلى الإخلاص، ولا إلى شيء غير البضاعة والثمن، ~~والبضاعة هي المدح الظاهر، والثمن هو العطاء الظاهر، وكان الله يحب المحسنين. # نقيب لم يكن يعرف أحدا من سجناء المحاكم المختلطة الذين كانوا يبرونه بالحلوى والجبن ~~والإدام، ولكنه يعرف دائما أن الذي يعطيه قطعة من الحلاوة الطحينية أو شريحة من الجبن، رجل ~~ثري يملك سيارة فاخرة تخطف الهواء، ويركبها الراكب وهو حذر على طربوشه أن يطير، وأنه يملك ~~قصرا باذخا في بعض الضواحي دخله هو وأكل فيه، ولم ينفذ إلى حجرة استقباله إلا بعد أن عبر ~~خمسة بوابين، ويعرف أن الحرير أبخس ما يلبسه الخدم في ذلك القصر الباذخ، فضلا عن السادة ~~والسيدات! وهو يجهر بهذه المعرفة ليلة العطاء العلني المشهور المذكور بين سائر السجناء، ~~وينادي أحد الزملاء ليحدثه جهرة بهذا كأنه يعني أن يكشف له سرا في غياب الممدوح، لأنه لا ~~يخاطب الممدوح وإنما يخاطب سواه، فالكلام إذن؛ لا تمليق فيه ولا تزوير ولا محاولة إرضاء أو ~~جزاء. # نعم، ويعرف نقيب تماما في اليوم التالي أو اليوم الذي بعده أن ممدوحه هذا بعينه صعلوك ~~ابن صعلوك، لا يملك سيارة وإنما هو «حمار سبخ» لا يساوي شلنين! ولا يملك قصرا باذخا وإنما ~~هو كوخ في عرب المحمدي ينبني وينهدم في يوم! ولا يلبس الحرير وإنما هي ملاءة الفراش القديمة ~~يرقعها ويفصلها جلابيب، والظريف أن يكون ms73 جلباب الممدوح أو المهجو ذلك اليوم من نسيج منقوش ~~بالمربعات التي تنقش بها ملاءات السرير، فالشاعر على هذا لا ينسى بعض الحقائق وبعض ~~المناسبات! ~~••• # ذاك هو المجنون الأول. # أما المجنون الثاني فقد كنا نعجب له كيف اتسع وقته لزيارة البيمارستان وهو لا يفارق ~~السجن إلا ليعود إليه؟ وكيف يفارق البيمارستان إذا دخله مرة وهو أقرب إلى أهله من أهل ~~السجون. # قال لي إنه قضى في السجن أكثر من عشر سنين، وقال لي أحد الحراس: إنه قضى فيه ثلاث عشرة ~~سنة كلها أحكام مقطعة بين ثلاثة أشهر أو ستة أشهر أو سنة، وهو يعيد نفسه إلى السجن كلما ~~أخرجوه عند انتهاء أمده على الرغم منه، وما عليه إلا أن يخطف ما يخطف، أو يضرب كل من صادفه ~~أمامه صالحا «للانضراب» ثم يدع للمحكمة والشهود والمجني عليه أن يحلوا اللغز ويكشفوا عن سر ~~الجريمة بين مضروب لا يعرف الضارب، وضارب لا يعرف المضروب. # وقد سرى إلى قرارة خلده شعور صادق بضرب من «الملكية» للسجن بحق المكث الطويل فيه، فسمعته ~~يوما يتحدث مستخفا غاية الاستخفاف عن مأمور السجن الذي مضت عليه في الوظيفة سنوات، ~~ويذكره باسمه وهو يناجي بعض أصحابه قائلا: من هو «فلان» المأمور هذا؟! إننا لا نسمع به إلا ~~هذه الأيام! # وهذا - المخلوق - وليكن اسمه عساسا على طريقتنا في تسمية نقيب - هو النشوز بعينه لمن ~~يراه، ولمن يسمعه، ولمن يراقب أحواله، ويستقصي أخباره. # وجهه ناشز، وصوته ناشز، وأخلاقه وأعماله نشوز في نشوز، ولكن المدهش في نشوزه أنه على ~~استواء واحد، كأنما ينشز بقاعدة مرسومة، فإذا غنى اليوم وأعاد الأغنية بعد عشرة أيام فوقع ~~النغمة في الأذن واحد، وهي مع ذلك ناشزة في كل مرة على نحو مختلف من النشوز، فليس التشابه ~~في أغانيه كتشابه الأسطوانة التي تعاد، والدور الذي يضبط ويدار على لحن واحد، ولكنه مع ذلك ~~تشابه لا يحكيه أحد سواه. # ولا ريب عندنا في أن عساسا هذا على حظ من مزاج الشاعرية يناسبه ويماثله في الهبوط ~~والتفاهة، فهو إذا ms74 احتواه الليل بين أركان حجرته، رفع عقيرته وخاطب تلك الحجرة الجافية ~~معددا لها شواهد حبه ودلائل غرامه، وإنها هي التي تعلق بها وتعلقت به ففيها مشتاه ومصيفه ، ~~وإليها منقلبه ومآله، ولديها معتصمه وملاذه، من المأمور وغير المأمور، وعليه نظافتها ~~وجلاؤها، وبينه وبينها ما ليس بين الزوج وزوجه من رحم ومودة. # ومن أجل هذه الأغاني سماه السجناء والحراس «عساس الأوضة»؛ لأنه يسمي الحجرة «أوضة» ولا ~~يسميها زنزانة، كما تعرف في قاموس السجون. # وللجراية عنده أنشودة أخرى تجاري حركة التوزيع ساعة تفريق العدس والخبز عليه وعلى ~~الزملاء: قرب يا شاويش وهات الجراية! واغرف يا شاويش وفرق الجراية، وانصفنا يا شاويش ~~واشبعنا من الجراية ... وهكذا من قافية الشاويش إلى قافية الجراية حتى ينتهي التوزيع وينصرف ~~السجناء، وهم يرددون ما لقنهم إياه شاعرهم عساس. # وتمام العلم بنشوز هذا المخلوق الغريب أن تعلم أنهم نقلوه من «أوضته» العزيزة عليه إلى ~~قسم التأديب، فأراد أن ينتقم من المأمور فماذا صنع؟ عمد إلى الصفيحة التي تناط إلى صدره ~~وعليها رقمه فشحذها وقطع بها إحدى خصيتيه! ~~••• # أما ثالث الثلاثة أو الأربعة الذين يستحقون اسم «الشخصيات» بين أولئك النكرات، فليس هو ~~بمجنون ولا بمخبول، ولا بشاعر أو فنان، ولكنه مقعد يمشي على خشبة ذات مكر، يدفعها بمقبض في ~~كلتا يديه كما يدفع السابحون زوارق الحمام. # ولا يخاف السجناء مجنونا في ثورته كما يخافون ثورة هذا المقعد الكسيح. # ويخطئ القارئ إذا فهم من قولنا «ثورته» أن الرجل يثورها مهتاجا مغلوبا على أمره كما ~~يثور الغاضب المحنق، أو الطائش الأحمق، كلا! فإن الرجل ليثور لأنه يريد أن يثور، بل محتاج ~~إلى أن يثور، فثورته في كل مرة لا تأتي إلا بروية وتدبير وتقدير. # وجلية أمره أنه سجين مخدرات، وأنه في السجن ما زال يتجر بالممنوعات والمهربات، وأهمها ~~وأنفسها التبغ والكبريت. # ولعله يكسب في السجن أضعاف ما يكسبه من السموم المهربة وهو طليق. # فإذا استضعفه أحد من عملائه، وظن أن هذا العاجز الكسيح أهون من أن يحسب له حساب أو يؤدي ~~له ms75 حساب - فالويل للأحمق المأفون من عاقبة جهله وغروره: إنه لمغلوب ولو كان أقوى الأقوياء، ~~وإنه لن ينجو من الجروح، والرضوض، وإن لم يظفر به الكسيح كل الظفر ، ولم يهزمه كل الهزيمة، ~~فبينما الخصم القوي الواقف على قدميه لا يناله في مقتل، ولا مأمن، إذا بذلك الكسيح يتناول ~~كل ما نالته يداه ويقفز ويندفع ويكر ويفر كأنه الديك الصائل، لا تمسكه العين في حركة واحدة ~~أو موضع واحد، وسلاحه في كل ذلك تلك الخشبة التي يجلس عليها، وذلك المقبض الذي يحمله في ~~كلتا يديه، ولا تنتهي المعركة إلا وهو أربح الخصمين وأسلم المضروبين. # هذا المخلوق هو مثال القوة التي تخلقها الحاجة إليها، واستضعاف الناس لمن لا يحسبونه من ~~أهلها. ~~••• # بقي الرابع المرشح لتكملة العدد، ولك أن تحسبه أو تسقطه من عداد هذه النخبة المباركة، ~~فلست أعرف له من معالم «الشخصية» إلا أنه يضطرك إلى رؤيته، ويفرض عليك وجوده، فإذا أقبل شبح ~~من بعيد في غرارة من غرارات العقاب المفتوحة عند الكتفين فغالبا ما يكون الشبح المقبل هو ~~«الون» بعينه، وإذا رأيت كسوة حمراء من كسى التأديب تقترب في عنف وعجلة فأقرب الاحتمالات ~~إلى الصواب أن «الون» هو صاحب تلك الكسوة الحمراء، وإذا لم يكن بين المصطفين للجلد فهو لا ~~محالة بين المصطفين للتحقيق أو بين المصطفين للفحص الطبي في غير مرض ولا انحراف مزاج، وإذا ~~لم تسمعه مغنيا في هذه الطبقة فهو ولا ريب صائح أو صاخب في الطبقة المجاورة، فليس هو ~~«شخصية» لأنك تحب أن تراه أو يهمك أن تراه، ولكنه «شخصية» لأنك لا بد أن تراه وإن كرهت ~~مرآه. # وأظرف عربداته الكثيرة أنه طرأ له يوما من الأيام أن يصطنع الخرس والصمم، فلا سمع ولا ~~جواب، ولج في اصطناعه حتى حاول أن يعمي الأمر علي وهو يزعمني من أصدقائه وخلصائه، ولا ~~يداري عني ما يداريه عن الضباط والحراس المبغضين، فلما سألته: أصحيح أنك لا تسمع ولا تتكلم؟ ~~لمعت عيناه ولم ينبس بحرف، وتباله بسيماه كما يتباله الصم المغلقون، الذين ms76 لا يسمعون ولا ~~ينطقون ولا يفقهون. # ولم تمض دقائق على هذا التمثيل الغبي حتى سمعته في غرفة العمليات الجراحية يردد بعض ~~العبارات الإنجليزية بأعلى صوته، ويجيب الطبيب على كل سؤال يلقيه عليه، وإنما الفضل في شفاء ~~خرسه المصطنع للدواء المرقد الذي خدره به الطبيب فحجب إرادته وأطلق لسانه! ~~••• # وقد أظلم السجن إذا أنا جزمت بأن الأربعة الذين أجملت وصفهم هنا هم كل من فيه من ذوي ~~«الشخصيات» والغرائب الملحوظة، فغاية ما أجزم به أنهم هم كل من أذكر الآن ممن رأيت، ولعل ~~لهم أشباها ونظراء لم أرهم والحمد لله، ولا أسف على ما فات. # ذلك أنني بليت بمن لقيت من هؤلاء الأربعة بعد خروجي من السجن بلية لا يؤسف على فواتها، ~~فمنهم من كان يلقاني في شوارع العاصمة فلا يدعني دون أن يتقاضاني ضريبة لقائه، ومنهم من كان ~~يحييني تحية الزملاء الرصفاء كلما بصر بي في ناد أو طريق، وعرف أولهم «النقيب» طريق داري ~~فحاصرني فيها مرارا لا يبرح الدار إذا حضر حتى أخرج أو أعود، وأسوأ ما في الأمر أنه لم يكن ~~يحضر إلا وهو سكران طافح معقود اللسان مسترذل الحديث. # قلت له آخر يوم وقد دعوت له الشرطي: يا نقيب! إنك تحتاج إلى سجن لتكون ظريفا وقانا الله ~~من ظرفك وأنت سجين ومن مضايقاتك وأنت طليق، فاذهب ولا تعد، وإلا أعدتك مع هذا الشرطي إلى ~~حيث لا أراك. # وذهب ولم يعد حتى الآن، لا أعاده الله. # | الجريمة والعقاب # سومرست موام # Somerset Maugham # كاتب إنجليزي مستفيض ~~الشهرة، له مؤهلات كثيرة لمعرفة الطبيعة الإنسانية؛ لأنه كان طبيبا ومريضا في وقت واحد، ~~فهو عليم بما في الإنسان من ضعف وما يشتمل عليه من أثرة وعطف، وهو كاتب قصاص يتتبع «الشخوص» ~~وينقب عن أسرار الطبائع وبواعث الأخلاق، ودخائل الآداب المصطلح عليها بين الطبقات، وقد ~~اشتغل «بالجاسوسية» أيام الحرب العظمى، فعاشر الساسة والمغامرين، وعرف كيف يستدرج الناس إلى ~~إفشاء الأسرار والوشاية بالأعداء والأصدقاء، والوقوع في أشراك المطاردين والرقباء، وكيف يزل ~~أصحاب الدعوات والمثل ms77 العليا من أجل مطمع أو مظهر أو شهوة أو غواية، وكيف يستهين بالحياة ~~البشرية من ليس له غرض في إتلافها غير المال والمتاع، وكيف يقبل الشرفاء استخدام الأثمة ~~والأخساء عندما تعن لهم المصلحة العامة أو المصلحة الخاصة، وكيف يتوارى الناس وراء دعوى ~~الوطنية أو الغيرة على الحضارة والحرية لقضاء اللبانات وشفاء الحزازات والترات، وقد زاده ~~علما بطبيعة الإنسان أنه ساح في الغرب والشرق سياحة متفرج، وسياحة مستطلع مستخبر، فأعانته ~~هذه المؤهلات كلها مع الفطنة الوقادة والبديهة الحاضرة على استكناه النفوس والنفاذ إلى ما ~~وراء الظواهر، واختبار دعوى الخير والشر في الصالحين والطالحين على حد سواء. # هذا الرجل الكيس اللبيب يروي بلسان مدير الشرطة في بعض البلاد الآسيوية قصة عن «أسرة ~~موقرة» مؤلفة من أب وأم اشتركا في قتل زوج المرأة السابق، ولهما بنت هي بنت الخليل وإن كانت ~~منسوبة إلى الحليل، وقد حدثت جريمة القتل؛ لأن المرأة حملت وزوجها السابق لا يشك في سفاحها ~~إذا ظهر عليها الحمل، فدبرا الجريمة قبل أن يفتضح السر ونجحا في إخفائها، ثم انقضت الأيام ~~والسنون والأسرة تعيش في سلام لا يعكر صفوها معكر ولا ينغص عليها العيش تبكيت الضمير ولا ~~يجترئ أحد على الإيماء إليها بمسبة أو إهانة. # ويقول سامع القصة لمدير الشرطة سائلا: لا أظن الزوجين قد نسيا ما اقترفا؟ # فيجيبه المدير: «إني لن أدهش إذا كانا قد نسياه، فإن الذاكرة الإنسانية قصيرة الأمد قصرا ~~يستغرب، ولئن سألتني رأيي من الوجهة الفنية لم أحجم أن أبوح لك بأنني لا أعتقد أن الندم ~~لاقتراف الجريمة يرين ثقيلا على ضمير إنسان، إذا كان على يقين من كتمان سره.» # ويعود سامع القصة فيسأل: «ألا تشعر بشيء من النفرة أو القلق وأنت جالس إلى هؤلاء القوم؟ ~~أنا لا أرغب في انتقادك، ولكني أراني مضطرا أن أكاشفك بأنني لن أحسبهم مستطيعين أن يكونوا ~~أناسا لطفاء!» # فيجيبه المدير: «إنك في هذا لأنت على خطأ، إنهم ناس جد لطفاء، وهم معدودون هاهنا بين خيار ~~القوم، والسيدة كارتريت على الخصوص «معتبرة» ms78 أنيسة المحضر، ومن عملي أن أمنع الجريمة وأن ~~أعتقل المذنب بعد وقوعها، ولكن خبرتي بالمجرمين أكبر من أن تدعني أظنهم على الجملة شرا من ~~الآخرين، وقد تدفع الضرورات رجلا دمثا إلى اقتراف جرم محظور فيكشف ويناله الجزاء، إلا أنه ~~لا يندر أن يظل بعد ذلك رجلا دمثا كما كان، نعم إن المجتمع يعاقبه على انتهاك قوانينه وهو ~~حق لا نزاع فيه، ولكن أعمال الإنسان ليست في كل حين هي دليل باطنه الخفي وجوهره الصميم، ولو ~~أنك زاولت صناعة الشرطي كما زاولتها عهدا طويلا لرأيت أن المهم في أمر الإنسان هو كيف ~~يكون لا كيف يعمل، وماذا هو لا ماذا صنع ... ومن دواعي الغبطة أن الشرطي لا شأن له بأفكارهم ~~وإنما شأنه كله متصل بأعمالهم، ولو كان الأمر على غير ذلك لاختلف جد الاختلاف ولعاد أصعب ~~مما هو الآن بكثير.» # وخلاصة الرأي الذي يذهب إليه الكاتب الخبير أن كثيرا من المعاقبين يشبهون كثيرا من غير ~~المعاقبين، وأن بعض الجناة إذا أفلتوا من الجزاء لم يميزهم أحد بوسم خاص أو علامة ظاهرة بين ~~سائر الناس. # ولهذا الرأي أنصار كبار بين رجال القانون المؤهلين لدراسة هذه الأمور، وفي طليعتهم ~~المحامي الأمريكي النابه «كلارنس دارو» صاحب كتاب «الجريمة وأسبابها ومعالجتها» وهو حجة في ~~هذا الموضوع لسعة علمه ووفرة القضايا الجنائية التي درسها ودافع عن جناتها، والقضايا ~~الجنائية في أمريكا مدرسة زاخرة بالمعارف والعظات، لا يتاح نظيرها في الأقطار الأوروبية أو ~~الشرقية؛ لأن جرائم الحضارة الحديثة في أمريكا قد بلغت من الإتقان والتنوع مبلغ الفنون ~~المحكمة التي تستنفد جهود المحققين والقضاة والمحامين. # وفي وسعنا - بل الواجب علينا - أن نفهم هذا الرأي دون أن يتقاضانا فهمه أن نتبعه ونسترسل ~~معه إلى نتائجه البعيدة. # فمما لا شك فيه أننا نستطيع أن نؤمن بهذا الرأي، ونستطيع أن نؤمن معه بالحقائق الضرورية ~~لمنع البغي على المجتمع، ومنع البغي على الجناة والمسيئين. # فمهما يقل القائلون في تساوي بعض المعاقبين وبعض الناجين من العقاب، فهناك حقيقتان ليس ~~فيهما خلاف بين الباحثين ms79 في موضوع الجريمة والعقاب: أولاهما أن المجرمين الذين يشبهون سائر ~~الناس يستحقون أن يعاقبوا؛ لأنهم مسئولون عن أعمالهم، والثانية أن المجرمين الموسومين ~~بالشذوذ الخلقي يحتاجون إلى عناية الطب، كما يحتاجون إلى علاج الشريعة. # يرى «كانت» أن عقاب المجرم واجب وحق، ولو لم تكن له نتيجة غير جزاء العمل بمثله ومقابلة ~~الأضرار بالأضرار، فإن العدل البديهي يأمر بأن من يؤلم يتألم ومن يسيء يسأ، والضمير ~~الإنساني يأبى أن يرى شقيا معذبا، ومن يشقيه ويعذبه يغدو ويروح آمن السرب مستريح البال، ~~ولو لم يتماد في الإيذاء والتعذيب. # أما أصحاب الفقه الحديث فلا يحسبون من عمل المجتمع أن يتولى تطبيق العدل البديهي على هذا ~~المنوال، وإنما يطلب المجتمع عقاب المجرم لإصلاحه أو للوقاية من شره، وكل ما عدا ذلك عبث لا ~~يفيد ولا يليق. # فمنذ أصبح عقاب المجرم حقا للمجتمع ولم يعد حقا للمعتدى عليه أصبح العقاب لمحض ~~الانتقام والتشفي رذيلة لا تليق ولا تؤدي إلى المصلحة الاجتماعية، وليس يليق أيضا أن تعاقب ~~المجرم لردع غيره وإرهاب الناس من مثل مصيره، فإن هذا معناه كما يقول المنكرون لمذهب الردع ~~والتمثيل أنك تعذب زيدا لإصلاح خالد، وهذا إن صح أن العبرة بمصير المجرمين تردع أحدا ممن ~~تسوقهم ضرورة الطبع أو ضرورة الحوادث إلى الإجرام، وهو في اعتقاد هؤلاء المنكرين غير ~~صحيح. # فإذا كان الغرض من العقاب هو إصلاح المجرم وحماية المجتمع، فهل السجن على أحسن نظمه ~~ومقاصده مما يحقق هذه الغاية ويكفل للمجرم الصلاح وللمجتمع الحماية؟ # الحق أن فكرة «السجن» عتيقة جدا ظهرت في تاريخ الإنسان قبل أن تظهر فكرة العقاب للإصلاح ~~والوقاية الاجتماعية بآلاف السنين، فقد كان السجن في بداية الأمر مكانا لاعتقال الأسرى أو ~~المحكوم عليهم بالموت، ثم أصبح مكانا للتخلص من بعض المغضوب عليهم أو الواقفين في طريق ذوي ~~السلطان، ثم جاء العصر الحديث فحسبنا أن استبقاء السجون واتخاذها مكانا للعقاب وتنفيذ ~~القانون على سنة من سلف أمر لا محيص عنه ولا ضير فيه، مع أن قليلا من التدبر يرينا أن ms80 ~~«فكرة السجن» قابلة لكثير من المناقشة والمراجعة في العصر الحديث، وأن الأمم قد يأتي عليها ~~يوم تستغني فيه عن السجون بتة وتعدل عنها إلى طريقة أصلح منها لتنفيذ القانون ، وربما كان ~~هذا اليوم غير بعيد بالقياس إلى ما غبر من تاريخ السجون. # أما إذا اتخذنا السجن «مستشفى» لعلاج المرضى المطبوعين على الجريمة فمن الواجب إذن؛ كما ~~يقول «كلارنس دارو» أن نجعل توقيت العلاج في السجون كتوقيت العلاج في المستشفيات. # فنحن لا نرسل المريض إلى المستشفى ليبقى فيه سنة وإن شفي في ثلاثة أشهر، أو ليخرج بعد ~~أيام وإن كان شفاؤه يحتاج إلى أعوام، فلا بد إذن من وسيلة لعرفان الوقت الذي يحسن فيه ~~الإفراج عن السجين بغير ارتباط سابق بموعد معروف لا يقبل التعجيل والإرجاء. # إن تجربتي للمجرمين «المطبوعين» الذين يصلون إلى السجون دلتني على أنهم قلما يكونون إلا ~~واحدا من اثنين: فإما رجل معطل الحس بآلام الناس، وقد يكون معطل الحس بآلام نفسه وأقرب ~~الناس إليه، وإما رجل مختل الإرادة لا يضبط نزواته في ساعة الهياج أو ساعة الإغراء، وكلا ~~هذين لا تنفعه السجون الحاضرة على أحسن ما ارتقت إليه من تنظيم وتعليم، وإن حاجته إلى ~~العلاج والعناية النفسية لأشد من حاجته إلى العقاب والإيذاء؛ لأن الإيذاء يوسع الهوة بينه ~~وبين المجتمع الإنساني وهو محتاج إلى من يقرب المسافة بينه وبين أبناء جنسه، ويمحو من نفسه ~~أنه عدو يحارب الأعداء ويحاربونه. # ومن اليوم إلى اليوم الذي تلغى فيه السجون، ونهتدي فيه إلى طريقة أصلح منها لحماية ~~المجتمع وتنفيذ القانون، يخيل إلي أننا لا نملك وسيلة للإصلاح في هذا الصدد خيرا من ~~استخدام الرقي العلمي، والتقدم الصناعي، في مطاردة الجريمة، وكشف أسرارها قبل وقوعها وبعد ~~وقوعها إلى زمن طويل، وقد نصل إلى المستطاع من تحقيق هذا المقصد إذا رفعنا طبقة الشرطة ~~وزودناهم كما نزود المحققين بالأساليب العلمية التي تعين على مطاردة أعداء المجتمع، وتعقبهم ~~قبل الإجرام في دور النية والشروع، وبعد الإجرام في دور الهرب والتضليل. # والآن تكفي لمسة للرصاصة ms81 التي في داخل المسدس؛ لإثبات علامة يسهل رسمها وتحقيق شخص اللامس ~~الذي استخدم الرصاصة بمضاهاة الرسم على أصابع المتهمين، ويقال: إن بعض العقاقير إذا عولج ~~بها المتهم حجبت إرادته وأفضى بدخيلة سره، ومن هذه العقاقير الكلورال والسكوبولامين ~~“Scopolamine and Chloral” # وهي التي يقال: إن مكتب ~~التحقيق في روسيا استخدمها لإقناع المتهمين في قضايا «الخيانة العظمى» بالاعتراف وإفشاء ~~أسرار المؤامرات المزعومة، وقرأت في مجلة الفورم # Forum # وصفا لأساليب صناعية ونفسية يهتدي بها المحقق إلى المتهمين بغير خطأ كثير، ومنها أداة ~~كهربائية يقبض عليها المتهم ويواجهه المحقق بالأسئلة المريبة وغير المريبة، فتسجل الأداة ~~مقدار اضطرابه وإفراز جلده للعرق ولو كان يسيرا، لأن هذا الإفراز يضعف مقاومته لتيار ~~الكهرباء فيظهر الأثر على الفور في موضع التسجيل، قال هنري مورثون روبنسون كاتب المقال: # سألت الأب «سمرز» أن يجرب معي هذه الأداة فعمد إلى تجربة خلاصتها أن يطلعني على ~~عشر ورقات من ورق اللعب وأن أنتقي واحدة منها في ذهني ولا أبوح بها لغيري، فأخذت ~~ورقة القلبين الاثنين ثم عرضت علي الأوراق واحدة بعد واحدة والأب سمرز يسألني أهذه ~~ورقتك؟ فلما عرضت علي ورقتي تعمدت الإنكار وقلت: لا، وأنا أراقب موضع التسجيل على ~~الأداة لأرى الأثر الذي يظهر عليه، وقد حاولت جهدي أن أحتفظ بسكينتي وقلة اكتراثي ~~ولكن الأداة الكهربائية سجلت اضطرابي اليسير جدا مرة بعد مرة حتى اضطررت إلى ~~الاعتراف. # وأشار الكاتب إلى أسلوب «نفسي» يعتمد على تداعي الخواطر للكشف عن سرائر المتهمين، فإذا ~~كانت التهمة سرقة مائة دولار في محفظة سوداء من درج مكتب، وضع المحقق خمسين أو ستين كلمة ~~وتلاها واحدة بعد واحدة على المتهم، وطلب منه أن يعقب على كل كلمة بغير روية، فإذا تريث ~~المسئول أكثر من ثانيتين ونصف ثانية وهي المدة الطبيعية للتعليق فهناك وجه للريبة، وإذا ~~تليت عليه بين الكلمات كلمة مائة دولار، ثم كلمة درج، ثم كلمة مكتب، ثم كلمة محفظة، ثم كلمة ~~سوداء وأطال الوقوف عند كل منها، فهو إذن يعلم شيئا يريد إخفاءه ويجفل من ms82 ظهوره. # هذه أساليب مفيدة لا يحسن إهمالها وترك البحث فيها، ولكن ينبغي مع التوفر على دراستها أن ~~نذكر: «أولا» أن العقاقير الحاجبة للإرادة قد تمكن المحقق من إملاء الاعتراف على المتهم ~~وإرهابه حتى يخاف الإفضاء بسبب الاعتراف، وأن نذكر «ثانيا» أن العقول تختلف في قوة العارضة ~~وسرعة الجواب، فيتلجلج المسئول وهو بريء ويخشى أن يحسب المحقق هذا التلجلج دليلا على ~~اتهامه، فيضطرب ويزداد اضطرابه كلما ألح عليه هذا الخاطر ولمح من المحقق ما يؤيد وهمه، ~~وربما أعانت سرعة الخاطر إنسانا آخر على تحضير الجواب المناسب دون أن يظهر عليه من ~~الاضطراب ما يلفت النظر أو يريب. # وأن نذكر «ثالثا» أن إتقان أساليب التحقيق لا بد أن يقابله من الطرف الآخر إتقان أساليب ~~الإجرام، وتخصص المجرمين في دراسة أساليب الشرطة، وأساليب المحققين والاستعداد لها بما ~~يحبطها ويتغلب عليها، فتنشأ عصابات المجرمين المعروفين «بالمحترفين» والأخصائيين، ولا يبقى ~~من المتهمين من تفلح معهم تلك الأساليب غير الأفراد المعروفين «بالهواة»؛ لأنهم لا يجيدون ~~الحرفة ولا يتعاونون فيما بينهم على إتقانها. # فلا ينبغي أن ننسى أن الأساليب العلمية لن تستأصل الجريمة من الدنيا، ولكنها على كل ذلك ~~ملازمة ونافعة؛ لأنها وسيلة لا يصح إهمالها، ولا محيص لنا من استخدام كل وسيلة مستطاعة في ~~هذه الحرب التي بقيت منذ أوائل عهد الناس بالاجتماع، وستبقى على ما نرى من أحوالنا المعهودة ~~إلى زمن لا تعرف له نهاية. # | بعض الإصلاح # في إنجلترا يقسمون المسجونين لآجال بعيدة إلى أقسام: يمتد القسم الأول إلى ثمانية عشر ~~شهرا، والثاني إلى سنتين ونصف سنة، والثالث أو القسم المخصوص ينتقل إليه السجين بعد أربع ~~سنوات، ومزية هذا القسم أن يعطى فيه السجين بنسا كل يوم ويزاد كل سنة خمسي بنس إلى أن ~~تكتمل الأجرة اليومية بنسين ولا يزاد عليها بعد ذلك، ويباح لسجين القسم المخصوص أن يشتري ~~التبغ والحلوى من أجرته اليومية، وأن يشتري صحيفة أسبوعية، وما شاء من الكتب المباحة، سواء ~~من أجرته أو من هدايا أصحابه. # ومزية القسم الثاني الذي هو ms83 دون القسم المخصوص، بعض التحسين في الملابس والفراش، والتوسعة ~~في الرياضة والألعاب، وشراء الصحف وما إليها. # ويتوقف الكثير من هذه المزايا على درجات السلوك وهي ثماني درجات لكل يوم، ومن استوفى ~~المقدار المطلوب من هذه الدرجات أسقط عنه ربع المدة، واستحق التوصية عليه بعد خروجه لتدبير ~~عمل ومورد معيشة. # وفي السجون مكتبات تبلغ عدة الكتب في بعضها اثني عشر ألف مجلد، وتتلى على السجناء أخبار ~~العالم مرة كل أسبوع ملخصة من الصحف السيارة، ويباح لهم سماع الإذاعة وأغاني «الحاكي» ولعب ~~الشطرنج وبعض الألعاب الرياضية، وتلقى عليهم المحاضرات في موضوعات شتى يختارها مدير السجن ~~أو قسيسه، ويسمح لهم بالتمثيل وتنظيم الحفلات في أيام الأعياد، وطعامهم على العموم خير في ~~مادته وفي تنويعه من الطعام المسموح به للسجناء المصريين، أما العقوبات فهي كما في مصر ~~الجلد، والسجن المنفرد، وغذاء الخبز والماء. # ويؤخذ من رواية هانس فلادا الألماني ومن بعض الرسائل الأوروبية أن حالة السجون في أوروبا ~~تقرب من هذه الحالة وتشبهها كل المشابهة أو بعض المشابهة بغير اختلاف في الجوهر، إلا ~~الروسيا فإن للسجن فيها نظاما مفرطا في التوسعة والترفيه، نعتمد في وصفه على كتاب السير ~~جيمس برفس ستوارت «رحلة طبيب في روسيا» الشيوعية إذ يقول من كلامه على مدينة موسكو: # كل حجرة على بابها مذيع، والفراش نظيف ومريح، والنوافذ المشبكة بقضبان الحديد ~~واسعة، والأبواب تترك مفتوحة إلا ما بين الساعة الواحدة والساعة السادسة، بحيث ~~يتيسر للسجناء أن يتزاوروا كما يحبون، وقد مررنا بحجرة مغلقة أغلقها السجين ~~باختياره، فلما شعر بنا فتح الباب ودعانا إلى زيارته وأخبرنا أنه حكم عليه بالسجن ~~عشر سنوات؛ لاختلاسه واحدا وسبعين ألف روبل من مصنع سكر، وأنه مفرج عنه ذلك اليوم، ~~وهو مغتبط متهلل بعد أن قضى في السجن ست سنوات وعشرة أشهر وخمسين يوما، وعوفي من ~~قضاء المدة الباقية لاجتهاده وحسن سلوكه، وقال لنا: إنه وجد وظيفة كتابية في مصلحة ~~التجارة بسبعمائة روبل مشاهرة، وسيبدأ العمل فيها على إثر خروجه. # ويأكل السجناء في حجراتهم ريثما تبنى ms84 في السجن حجرة واسعة للمائدة العامة، ويطلب ~~من كل سجين أن يعمل ثماني ساعات كل يوم تتخللها ساعة للطعام، وينقسم السجناء إلى ~~قسمين فمن كان منهم أميا يجهل الكتابة وجب أن يتعلمها على يد زملاء له من الذين ~~كانوا مشتغلين بالتدريس خارج السجون، أما المتعلمون فيلحقون ببعض مصانع السجن؛ ~~ليمارسوا صناعات يدوية معظمها من قبيل الغزل والنسيج والخياطة والزركشة، ولهم على ~~ذلك مرتب يتراوح بين ثلاثين وخمسة وثلاثين روبلا مشاهرة، تودع بأسمائهم في خزانة ~~السجن وتسلم إليهم يوم الإفراج، ويسمح للسجين أن ينفق حصة من مرتبه في شراء الملابس ~~والتبغ واللوازم ما عدا المشروبات الروحية فهي محظورة، وله بعد قضاء سنة يوم إجازة ~~كل أسبوع يقضيه في بيتهن وتزاد الإجازة إلى أسبوعين خلال السنوات التالية، أما إذا ~~كان السجين فلاحا فله أن يقضي ثلاثة أشهر في قريته أثناء الحصاد، وللأصدقاء ~~والأقارب أن يزوروا كل سجين مرة كل عشرة أيام أثناء السنة الأولى، ومرة كل خمسة ~~أيام فيما يلي ذلك من السنين؛ لأنهم يختارون من بين السجناء وتعقد لهم لجنة لمعاقبة ~~زملائهم الذين يخالفون النظام، وإنما يقصر حمل السلاح على الحراس الخارجيين، بل قد ~~تشرف اللجنة على تصرفات موظفي السجن، وتقترح التعديل في بعض النظم المرسومة. # وهناك جماعة للتمثيل، وأخرى للشطرنج، وقسم للتصوير، وقسم للموسيقى، وقسم لهندسة ~~الآلات، ومكتبة فيها ستة آلاف مجلد تشتمل على التاريخ، والصناعة، والأدب، ~~والروايات، ويشرف عليها كتبي رقيق في الثالثة والعشرين يقضي سنتين؛ لاقترافه جريمة ~~شهوية يخجل من التحدث عنها إلا بأنها تقع تحت طائلة المادة 182 من قانون العقوبات، ~~وقد حولوا كنيسة السجن إلى مسرح جميل، وأزالوا الحواجز التي كانت تفصل كل سجين عن ~~زميله عند شهود العظة الدينية. # وكل يوم من أيام العمل يحسن السجين أداءه يعفيه من يوم ونصف من أيام العقوبة، ~~وأيام العمل خمسة والسادس للراحة، ومن يقصر أو يتكاسل يعاقبه زملاؤه بالحرمان من ~~الإجازات والزيارات، والمسليات، وبعض المزايا الأخرى. # وفي السجن حمامات معتادة وحمامات تركية ساخنة، وقد شاهدت حجرة الحلاق يغشاها ms85 عدة ~~سجناء للتزيين والتجميل، والأجرة عشرون كوبكا لحلاقة الذقن، وثلاثون لقص الشعر، ~~وخمسة وأربعون للتدليك، وثلاثون للتعطير، وستون لحلق الرأس كله، أما قص الشعر كما ~~يقص عادة في السجون فهو بالمجان. # وفي السجن صيدلية ومستشفى يديره طبيب «غير سجين» وممرضة، ويشرف على مطبخ المستشفى ~~شيخ ظريف ذو عوارض وشوارب طوال يتلهى بلفها على أذنيه! وعقوبته عشر سنوات لقتله ~~امرأته غيرة عليها! وطبيب الأسنان يقيم في الحجرة التي كانت من قبل حجرة سوداء، وهي ~~الآن مضاءة واسعة النوافذ، ومن هنا وهناك في الأبهاء العامة والحجرات عمدان ~~الدعاية، وصحف مصورة يكتبها السجناء ... إلخ إلخ. # هذا نظام السجن في موسكو كما وصفه الطبيب الإنجليزي الكبير، ولم يقل لنا ما هي نتائجه في ~~الحياة العامة، ولكنه روى على أثر هذا الوصف أن السجناء لا يحاولون الفرار ولا ينصرفون من ~~السجن في إجازة أو زيارة إلا عادوا إليه، وهذا طبيعي لا غرابة فيه بعد ذلك الوصف، وفي وسعنا ~~أن نتخيله بغير مشاهدة ولا إخبار. # نقول: إن هذا النظام مفرط في التوسعة والترفيه؛ لأننا نعتقد أن ضرره أعظم من نفعه، إذ ~~المقصود من الرحمة بالسجين أن نجتنب الإيلام الذي لا ضرورة له ولا منفعة فيه، وليس المقصود ~~أن نحول السجن إلى متعة يشتهيها بعض الطلقاء، ويؤثرونها على حياة البيت ومتاعب ~~الحرية. # ونتيجة هذه التوسعة على السجناء في الروسيا غير واضحة في الإحصاءات الرسمية لا في ~~الكتابات التي اطلعنا عليها، ولكنا نستطيع أن نقيسها على ما حدث في الهند، وهي بلاد تشبه ~~الروسيا وتشبه مصر في طبقة المعيشة، إذا صرفنا النظر عن نظام الحكم، وعن الرخاء الذي تمتاز ~~به البلاد المصرية، قال مستر رايت # Wright # الذي كان مفتشا ~~للشرطة في أقاليم الهند الوسطى: # أذكر في بعض أيام الشدة والكساد التي ندر فيها الغيث وجاع الفلاحون أنه رئي من ~~المصلحة أن يشار على القضاة بإصدار أحكام الجلد على صغار السراق، بدلا من إرسالهم ~~إلى السجون ... فنجح العلاج وأتى بالنتيجة المطلوبة، ثم تبين أن جرائم السلب والسطو ~~التي هي ms86 أعنف من السرقة الصغيرة تكفل لمقترفيها قضاء العقوبة في السجون، فأخذت هذه ~~الجرائم في الزيادة السريعة، وأذكر في الأيام التي هي أروج من ذلك وأرغد أن أناسا ~~تعمدوا السرقة ليستريحوا في أكناف السجون ... # وقد رأيت في سجن مصر من اعترف لي بمثل ذلك، ورأيت سجينا آخر يتخفى ولا يجيب نداء الحارس ~~الذي يدعو المطلقين كل يوم؛ لأنه يرجو أن ينساه الحارس، ويظل في السجن أياما أخرى بغير ~~عقوبة! ~~••• # إن «نسبة» السجناء في مصر تلفت النظر بالقياس إلى كثير من الأمم في أوروبا وآسيا ~~وأفريقيا، ويؤخذ في الإحصاء التقريبي المقارن الذي جمعته لجنة «عصبة الأمم» الموكلة بشئون ~~الجزاء والمسائل الجنائية ونشرته قبل بضعة أشهر أن عدد السجناء في مصر يبلغ مائة وستة ~~وأربعين من كل مائة ألف من جملة السكان، في حين أن هذه النسبة تنقص إلى نحو تسعة عشر في ~~حكومة أيرلندة الحرة، وسبعة عشر في فلسطين، وخمسة وستين في زنجبار وستة وخمسين في اليابان، ~~وسبعة وخمسين في أستراليا، وهي تزيد في بعض الأمم حتى تبلغ ثلاثمائة وثلاثة وثمانين في ~~«سيراليون» ومائتين وخمسة وسبعين في إستونيا، ومائتين واثنين وثلاثين في حكومة اتحاد ~~أفريقية الجنوبية، وقريبا من هذه النسبة في بلاد شتى من أمم الحضارة، ولكن النسبة في مصر ~~تلفت النظر مع هذا؛ لأن الأمة المصرية لم تشتهر بحب الإجرام كما اشتهرت بعض الأمم التي لم ~~تألف الحضارة والنظام، فهل لإيثار معيشة السجن على معيشة البيت دخل في زيادة عدد السجناء ~~ولو بين طبقة الأراذل والخلعاء؟ # يجوز هذا في نطاق محدود وحالات قليلة، ولكن ازدياد النسبة عندنا مرجعه فيما نظن إلى سبب ~~آخر غير إيثار معيشة السجن على معيشة البيت، وهذا السبب هو تعاقب عصور الظلم والعسف ~~والاستبداد حتى أصبح ضحية القانون وطريدة الحاكم موضع العطف لا موضع الازدراء، وأصبح دخول ~~السجن لا يعيب صاحبه كما يعيبه في عهود الحرية والإنصاف، وسيزول هذا السبب رويدا رويدا ~~ويعجل به الزوال كلما فهم الجهلاء والمنبوذون أن الخروج على الشريعة عداوة للمجتمع وليست ~~عداوة ms87 للحاكم الظالم والحكومة الطاغية، وسبيل ذلك هو التعليم والتربية الخلقية وإصلاح ~~المعيشة الاجتماعية لا تصعيب معيشة السجون وتعمد القسوة على السجناء. # ونحن كما أسلفنا في حل من كل تحسين ينقذ السجناء من الإيلام الذي لا ضرورة له، والتنغيص ~~الذي لا نفع فيه، ولا يغلو إلى الحد الذي يغري بالإجرام والاستخفاف بالعقوبة. # ومن هذا التحسين فرض الكتابة والقراءة على الأميين، وتدريب الصناع على صناعاتهم حسب ~~الأصول الحديثة، وتعليم من لا يحسنون الصناعات حرفة يبتغون بها الرزق والمعيشة الشريفة، ~~وتخصيص درجات لمن يجتهدون في نقص تعلم القراءة والكتابة، أو في تعلم الصناعات وإتقانها تحسب ~~لهم في نقص مدة العقوبة وتوفير وسائل الراحة، وتخول من يحصل عليها عند خروجه من السجن أن ~~تضمنه الحكومة في عمل أو وظيفة ولو جازفت ببعض المال لتعويض الخسائر ووفاء الضمانات، فقد ~~ثبت أن البلاء الذي يعانيه السجين بعد السجن أشد وأنكى من بلائه بالاعتقال وضياع الحرية؛ ~~لأن الناس ينفرون منه ويسيئون الظن به ولا يأتمنونه على سعي ولا تجارة، فإذا أمنوا عاقبة ~~السرقة والاختلاس أقدموا على استخدامه وانتفعوا بكفاءته ولم يحذروا غدرات طبعه، واستطاع ~~كثير من الموصومين أن يستعيدوا حظهم من حياة العمل النافع والمكانة الاجتماعية. # ولا ضير من إباحة التدخين، والأطعمة المنوعة، والملابس الخارجية، على أن يكون ذلك كله ~~مزية يكافأ بها المستقيم، ويحرمه المقصر والمسيء، بل هذه المزايا خليقة أن توفر للحراس ~~والرقباء أسباب العقوبة الزاجرة المعقولة، وهي حرمان السجين بعض المزايا المشتهاة إذا أساء ~~وخالف النظام، بدلا من معاقبته بالجلد، والمشقة، والإعنات. # فقد رأيت كثيرا من السجناء يباهون بالقدرة على احتمال الجلد والمشقة، ولم أر سجينا ~~واحدا يستخف بأكل الخبز والقفار ولزوم العزلة والحبس عن الرياضة، فإذا كثرت المزايا كثرت ~~الرغبة فيها والاجتهاد في تحصيلها، وكثرت وسائل العقوبة الأدبية التي تليق ببني الإنسان، ~~وقلت الحاجة إلى العقوبات البهيمية التي ترهق البدن ولا تصلح النفس، بل تعودها الفخر بما هو ~~أدعى إلى المهانة. # والسجناء في سجون سيبريا وجزيرة الشيطان وأمثالها من سجون أمريكا الشمالية والجنوبية ms88 ~~ينامون على أسرة خشبية، ولا ينامون على الأرض كما ينام جميع السجناء المصريين ما عدا المرضى ~~والمحكوم عليهم في المحاكم المختلطة، فلماذا يجبر السجين المصري على الرقاد فوق «البرش» ~~والأسفلت وهو لا شك فراش لا تحتمله بنية الهزيل المهدد بالأمراض، ولا تؤمن غوائله في ~~الشتاء؟ إن الرقاد على لوح من الخشب ليس من الترف في شيء، ولكنه أصح وآمن وأدنى إلى الكرامة ~~والتهذيب، فما نحن بحاجة إلى تعليم الفقراء المصريين فضيلة النوم على التراب! # هذه التحسينات كلها ميسورة لمصلحة السجون المصرية، ولها أن تظل على يقين أنها تستطيع ~~توفيرها جميعا، ثم يبقى السجن بعد ذلك سجنا يخيف من يخاف ويهذب من يتهذب، بل يبقى سجنا ~~ومدرسة ومستشفى! وهي الأماكن الثلاثة التي تعودنا أن نهرب منها ونحن صغار ونحن كبار! ms89