######OpenITI# #META# URI: 1383CabbasMahmudCaqqad.CamrIbnCas.Hindawi26931350 #META# Tags: biographies #META# ID: 26931350 #META# Title: عمرو بن العاص #META# AuthorID: 64642852 #META# Author: عباس محمود العقاد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # 1 - نشأة عمرو بن العاص‏ # 2 - التعريف بعمرو بن العاص‏ # 3 - من التجارة إلى الإمارة‏ # 4 - فتح مصر‏ # 5 - البلاد والسكان‏ # 6 - المقوقس‏ # 7 - الحالة الدينية‏ # 8 - الحالة الإدارية والسياسية‏ # 9 - بين الإمارتين‏ # 10 - من كلامه‏ # 11 - خاتمة مفسرة‏ # 1 - نشأة عمرو بن العاص‏ # 2 - التعريف بعمرو بن العاص‏ # 3 - من التجارة إلى الإمارة‏ # 4 - فتح مصر‏ # 5 - البلاد والسكان‏ # 6 - المقوقس‏ # 7 - الحالة الدينية‏ # 8 - الحالة الإدارية والسياسية‏ # 9 - بين الإمارتين‏ # 10 - من كلامه‏ # 11 - خاتمة مفسرة‏ # | عمرو بن العاص # | عمرو بن العاص # تأليف # عباس محمود العقاد # الفصل الأول # | نشأة عمرو بن العاص # نشأ عمرو بن العاص في بطن من البطون القرشية المشهورة، وهم بنو سهم. # والبطون القرشية كثيرة، تتفاوت في الضعف والقوة، والقلة والكثرة، ولكن البطون التي ~~انتهى إليها الشرف - كما قال النسابة الكلبي - عشرة، اتصل شرفها في الجاهلية والإسلام، ~~وهم: هاشم، وأمية، وعبد الدار، وأسد، ومخزوم، وعدي، وجمح، وسهم. # والظاهر من بعض أنباء «سهم» أنهم كانوا على كثرة في العدد، وإن لم يحسبوا من ذوي ~~الصدارة في قريش، إلى جانب بني هاشم أو بني أمية أو بني عبد الدار. # فلما انقسمت قريش إلى حزبين، في أحدهما بنو عبد مناف، وفي الآخر بنو عبد الدار، عبئ بنو ~~سهم لبني عبد مناف، وهم أكبر هؤلاء الأحلاف، كأنهم ند لهم كثرة وقوة في الصلح ~~والخلاف. # وتفاخر بنو سهم وبنو عبد مناف مرة، فقال كل حي منهما: «نحن أكثر سيدا، وأعظم رجالا، ~~وأكثر قائدا ...» فكثر بنو عبد مناف بني سهم بعدد الأحياء، ثم تكاثروا بالأموات، فجعلوا ~~يشيرون إلى القبر فيقولون: أفيكم مثل هذا؟ أفيكم مثل هذا؟ ويذكر كل منهم أنه أكثر مالا ~~وأعز نفرا، كما جاء في القرآن الكريم، ونزلت في ذلك الآية: # ألهاكم التكاثر * حتى زرتم المقابر # على إحدى الروايات. # فعمرو بن العاص ينتمي - على هذا - إلى بطن يعد من أكبر بطون قريش، ويطمح إلى مساواة بني ~~عبد مناف بوفرة الرجال والأموال وكثرة السادة والقادة، ويوصل شرفه في الجاهلية بشرفه ms001 في ~~الإسلام. # أما حصتهم من شرف الجاهلية؛ فقد كانت إليهم الحكومة، والأموال المحجرة التي سموها ~~لآلهتهم، وهي أموال حبسوها على الأرباب والمعابد وخيراتها، كأنها الأوقاف في العصور ~~الإسلامية، وكان الرؤساء من بني سهم طائفة من نظار الأوقاف يعرفون بحسناتهم أو سيئاتهم ~~التي اتصف بها نظار الأوقاف في جميع الأزمان. # ولا نعلم على التحقيق ما هي تلك الحكومة التي وكلت إلى بني سهم في الجاهلية، كما وكلت ~~الشورى والرفادة والسقاية وغيرها من مهام الحجاز إلى البطون القرشية الأخرى. # ولكننا نستطيع أن نقيسها إلى بعض ما ندب له ابن العاص في الإسلام، على حكم العادة ~~الموروثة التي قلما تتغير في مأثورات القبائل المحفوظة، ويؤخذ من هذه المهام أن المرجع ~~في حكومة بني سهم إلى اللباقة في تناول الأمور، والتلطف في حسم الشقاق، والتغلب على حرج ~~النفوس في الشئون الدقيقة التي تتصل بالمصاهرة ومعاذير الراغبين فيها أو الراغبين عنها ~~من الرجال والنساء، كما تتصل بالإقناع فيما يمس المروءة والعقيدة، أو يرد الإقناع فيه ~~على النفس من طريق التهوين والتسويغ على سنن الدهاة من الساسة بين سائر الأمم وفي سائر ~~العصور. # وجماع ذلك كله أن الحكم على هذه الطريقة هو الرجل «الأريب» الذي يعرف «من أين تؤكل ~~الكتف» ويترفق بعلاج النفوس وتناول الأمور. # خطب سلمان الفارسي إلى عمر بن الخطاب، فأجمع على تزويجه، فشق ذلك على عبد الله بن عمر، ~~وشكاه إلى عمرو بن العاص ... فها هنا مسألة دقيقة بين أب وابنه في تزويج رجل لا تحسن ~~الإساءة إليه بعد وعده، ولا بد للحكم فيها من رفق وإربة، حتى يرضى الأب والابن والخطيب ~~وما منهم من يسخط على زميله، قال عمرو لعبد الله بن عمر: علي أن أرده عنك راضيا، وأتى ~~سلمان فضرب بين كتفيه بيده، ثم قال: هنيئا لك أبا عبد الله! هذا أمير المؤمنين يتواضع ~~بتزويجك ...! فالتفت سلمان مغضبا وقال: أبي يتواضع؟ والله لا تزوجتها أبدا. # وخطب عمر بن الخطاب أم كلثوم بنت أبي بكر إلى أختها أم المؤمنين عائشة - رضي الله ms002 عنها ~~- فقالت له: الأمر إليك! ثم سألت أختها فأبته وهي تقول: لا حاجة بي إليه، فزجرتها قائلة: ~~أترغبين عن أمير المؤمنين؟ قالت : نعم، إنه خشن العيش، شديد على النساء ...! # وهنا مسألة دقيقة من قبيل ما تقدم: أمير المؤمنين ترفضه أم المؤمنين. # ولا ينبغي أن يواجه بالرفض، وإن كان لا سبيل إلى إكراه أم كلثوم على قبوله. # فلجأت السيدة عائشة إلى عمرو بن العاص ليحتال في الأمر برفقه ودهائه، فجاء عمر وفاجأه ~~قائلا: بلغني خبر أعيذك بالله منه، قال: ما هو؟ قال: خطبت أم كلثوم بنت أبي بكر؟ قال: ~~نعم، أفرغبت بي عنها أم رغبت بها عني! قال: لا واحدة، ولكنها حدثة نشأت تحت كنف أمير ~~المؤمنين في لين ورفق، وفيك غلظة، ونحن نهابك وما نقدر أن نردك عن خلق من أخلاقك، فكيف ~~بها إن خالفتك في شيء فسطوت بها؟ كنت قد خلفت أبا بكر في ولده بغير ما يحق عليك! # ولا شك أن عمر قد فطن إلى ما وراء هذه الوساطة، وفهم أن ابن العاص لا يقدم عليها من عند ~~نفسه، فسأله كأنه يستطلع ما وراءه: كيف بعائشة وقد كلمتها؟ # قال: أنا لك بها، وأدلك على خير منها: أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب، تعلق منها بنسب ~~رسول الله. # فهي إذن حكومة الإرضاء والتناول الرفيق لكل شائك محرج من العلاقات التي يصعب الحكم فيها ~~بغير هوادة وحنكة ...! # وشبيه بهذا - وإن لم يكن من شئون المصاهرة - إيفاد عمرو إلى نجاشي الحبشة لإقناعه ~~بتسليم من قبله من المسلمين إلى مشركي قريش، وهو أمر فيه من المساس بأصول الضيافة ما ~~تصعب المفاتحة فيه فضلا عن الإقناع به، إلا أن تكون لباقة ورفق مدخل وقدرة على التخلص ~~السريع. # وشبيه بهذا أيضا إيفاد عمرو إلى أخوال أبيه في عهد الإسلام لإقناعهم بالخروج من دينهم ~~والدخول في الدين الجديد. # ويتفق مع هذا وذاك أن تكون الوساطة على النحو المعهود بين طلاب الوساطات في جميع قضايا ~~الخلاف، فيتخاصم الرجلان على ضيعة أو حق مغصوب، ويرجعان إلى ms003 حكومة الحكم المختار لعلمهما ~~بقدرته على فض الخصومات واستلال الأضغان. # ومن ذلك حكومة عمرو بين طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام حين اختلفا على واد يدعيان ~~ملكه بالمدينة، فقال عمرو لهما: # أنتما في فضلكما وقديم سوابقكما ونعمة الله عليكما تختلفان! لقد سمعتما من ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # مثل ما سمعت، وحضرتما من قوله مثل ما حضرت - فيمن اقتطع ~~شبرا من أرض أخيه بغير حق إنه يطوقه من سبع أرضين! والحكم أحوج إلى العدل من ~~المحكوم عليه؛ وذلك لأن الحكم إذا جار رزئ دينه، والمحكوم عليه إذا جير عليه ~~رزئ عرض الدنيا، إن شئتما فأدليا بحجتكما، وإن شئتما فأصلحا ذات ~~بينكما. # فاصطلحا وأعطى كل واحد منهما صاحبه الرضا. # فهذه حكومة معهودة في قضية من القضايا الشائعة التي لا تمس المحرجات النفسية ولا تشوك ~~اليدين في تناول الدعوى بين الطرفين وما هما بعد بخصمين، ولكننا نتأمل هذه الحكومة أيضا ~~فنلمح فيها حب الاستعانة باللباقة والكيس قبل الاستعانة بالعدل والإنصاف، كأنما كان ~~الخصمان يريدان الوفاق بغير غضاضة على أحد منهما، فاختارا الحكم الذي يمنع هذه الغضاضة ~~وييسر لهما سبيل الوفاق. # وقد جاء في الأثر أن النبي - عليه السلام - أمر عمرا بالفصل بين رجلين اختصما إليه، ~~فكأنه عرف بهذه المقدرة وبقيت له شهرتها في حضرة النبي - عليه السلام. ~~••• # وليست حكومة القهر والإكراه على أية حال بالحكومة التي كان العرب يرتضونها ويسعون ~~إليها، فهم إذا لجئوا إلى الحكم لم يلجئوا إليه لأنهم ينتظرون منه أن يقهرهم على سماع ~~حكمه، ويلزمهم أن يتبعوه في قوله وفعله، بل لعلهم يتعمدون أن يختاروا لحكومتهم رجلا لا ~~يخشى ولا يهاب، ولا يقع العار على من يخضع له بالخوف والإذعان، فإذا أطاعوه قيل: إنهم ~~يطيعون كلمتهم وينزلون باختيارهم على الحكم الذي ارتضوه، ولم يقل قائل: إنهم مطيعون عن ~~ذلة، ومستمعون لأمره مسوقون إلى استماعه. # فالحكم الذي يختارونه - على هذا - إنما يكون على خصلة من خصلتين: رجل يأنسون إلى عدله ~~وإنصافه، أو رجل يأنسون إلى لباقته وحيلته وحسن ms004 بصره بمواقع الأهواء وذرائع الإرضاء. ~~والثاني ببني سهم أشبه وأمثل؛ لأنهم لم يشتهروا بالعدل والإنصاف، بل كان من زعمائهم من ~~يمطل أصحاب الحقوق، ويلوي الضعيف بديونه ويلج في ذلك لجاجة حملت السادة من قريش على ~~التحالف فيما بينهم ليردن المظالم ويأخذن للضعيف حقه حيث كان، وسموه حلف الفضول ~~المشهور، وهو الحلف الذي قال عنه النبي - عليه السلام: «لقد شهدت في دار عبد الله بن ~~جدعان حلف الفضول: ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دعي إليه في الإسلام ~~لأجبت!» # وسبب هذا الحلف غير بعيد عن عمرو بن العاص نفسه؛ لأن الذي مطل الدين أبوه العاص بن وائل ~~من أغنى السهميين وأشهرهم بالعزة والعصبية، وكان رجل من بني زبيد في اليمن قد وفد إلى ~~مكة معتمرا، ومعه بضاعة طيبة، فاشتراها العاص ولواه بحقه ولم يجبه إلى رجائه حين سأله ~~ماله أو متاعه، فقام الرجل في الحجر ينشد: # يا آل فهر لمظلوم بضاعته # ببطن مكة نائي الدار والنفر # وأشعث محرم لم يقض عمرته # بين المقام وبين الحجر والحجر # أقائم في بني سهم بذمتهم # أو ذاهب في ضلال مال معتمر # فخف لنجدته أقطاب قريش، وكان ذلك من أسباب حلف الفضول. ~~••• # تلك جملة المعروف في شأن بني سهم الذين نبت فيهم عمرو بن العاص من بطون قريش. # أما أسرته القريبة فأبوه هو العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن ~~كعب بن لؤي بن غالب، يرتفع بنسبه إلى الذؤابة القرشية. # ويقال في متواتر الروايات: إنه كان من ذوي اليسار، وكان يتجر بين الشام واليمن، ويحتشد ~~لرحلة الصيف ورحلة الشتاء. # وقد كان عمرو بأبيه جد فخور، حتى لقد كان يفخر به على الخلفاء كعمر بن الخطاب وعثمان بن ~~عفان. # فلما أرسل إليه عمر بن الخطاب من يحاسبه ويشاطره ماله، غضب وقال للرسول: «قبح الله ~~زمانا عمرو بن العاص لعمر بن الخطاب فيه عامل. والله إني لأعرف الخطاب يحمل فوق رأسه ~~حزمة من الحطب وعلى ابنه مثلها! وما منهما ms005 إلا في نمرة لا تبلغ رسغيه! والله ما كان ~~العاص بن وائل يرضى أن يلبس الديباج مزررا بالذهب ...» ثم خشي العاقبة، فاستحلف الرسول ~~ليكتمن عليه ما قال بأمانة الله. # ولما عزله عثمان من ولاية مصر، دعاه فأنبه ... وقال له: استعملتك على ظلعك وكثرة القالة ~~فيك، فقال عمرو: قد كنت عاملا لعمر بن الخطاب ففارقني وهو عني راض. واحتدم الجدل ~~بينهما، فهم عمرو بالخروج مغضبا وهو يقول: قد رأيت العاص بن وائل ورأيت أباك ... فوالله ~~للعاص كان أشرف من عفان، فما زاد عثمان على أن قال: ما لنا ولذكر الجاهلية! # وقد أدرك العاص الدعوة المحمدية، ومات بعد الهجرة بقليل وهو في الخامسة والثمانين، ~~ولكنه - في أشهر الروايات - لم يسلم، ولم يزل يناصب النبي وأصحابه العداء، ويكيد لهم ~~في الجهر والخفاء، وهو الذي قال عن النبي - عليه السلام - حين مات ابناه القاسم وعبد ~~الله: إن صاحبكم هذا لأبتر، فنزلت فيه الآية: # إن شانئك هو ~~الأبتر # وكأنما كان التكاثر بالذرية والاعتزاز بالعصبية شنشنة غالبة ~~على هؤلاء السهميين! ~~••• # وعلى قدر ذلك الفخر بأبيه كان خجله من نسبه إلى أمه، واجتراء الناس عليه بمسبتها كلما ~~تعمدوا الغض منه والإساءة إليه. # فكان حساده والنافسون عليه يلاحقونه بذكرها وهو على دست الإمارة ومنبر الخطبة، وخاطر ~~بعضهم رجلا أن يقوم إليه وهو على المنبر فيسأله: من أم الأمير؟ ... فأمسك من غضبه وقال: ~~النابغة بنت عبد الله، أصابتها رماح العرب فبيعت بعكاظ، فاشتراها عبد الله بن جدعان، ~~ووهبها للعاص بن وائل فولدت فأنجبت، فإن كانوا جعلوا لك شيئا فخذه! # ويؤخذ من بعض هذه المعايرات أنها كانت تؤجر للغناء بمكة، فإن عمرا شتم أروى بنت الحارث ~~بن عبد المطلب بمجلس معاوية، فانتهرته قائلة: «وأنت يا بن النابغة تتكلم، وأمك كانت أشهر ~~امرأة تغني بمكة وآخذهن لأجرة؟ # اربع على ظلعك واعن بشأن نفسك، فوالله ما أنت من قريش في اللباب من حسبها ولا كريم ~~منصبها، ولقد ادعاك خمسة نفر من قريش كلهم يزعم أنه أبوك، فسئلت أمك عنهم فقالت: كلهم ~~أتاني، ms006 فانظروا أشبههم به فألحقوه به!» # ومن كلامه عنها في بعض ما نقل عنه: «أنها سلمى بنت حرملة تلقب بالنابغة من بني عنزة ، ~~ثم أحد بني جلان، أصابها رماح العرب، فبيعت بعكاظ فاشتراها الفاكه بن المغيرة، ثم ~~اشتراها منه عبد الله بن جدعان، ثم صارت إلى العاص بن وائل.» # ويروى أنها كانت على صلة بالعاص وأبي لهب وأمية بن خلف وأبي سفيان، فولدت عمرا فألحقته ~~بالعاص، وسئلت في ذلك فقالت: إنه كان ينفق على بناتي. # وأيا كان شأن المبالغة في لغة الثلب والتعبير، فالمتفق عليه أنها كانت سبية مغلوبة ~~على أمرها، فلم تقارف البغاء سقوطا منها وابتذالا لعرضها، ومثل هذه لا تحسب عليها ~~زلاتها كما تحسب على المرأة التي تزل ولها مندوحة عن الزلل، وتهوي وهي في موضع الصون ~~والكرامة، وإنجاب هذه ومثيلاتها للنوابغ من البنين ليس مما يخالف المألوف من سنن النسب ~~والوراثة. ~~••• # ولا يظهر من أخبار عمرو أنه تلقى مالا كثيرا من أبيه، فقد كان يحترف الجزارة ويعمل ~~بمال غير وافر في تجارة الأدم والعطر بين اليمن والشام ومصر، على ما جاء في إحدى ~~الروايات. # إلا أن القصة التي روت لنا خبر سفرته إلى مصر تروي لنا كذلك أنه خرج في تلك السفرة إلى ~~بيت المقدس، وقصارى ما يرجوه أن يصيب ما يشتري به بعيرا فتكون له ثلاثة أبعرة. # وقد حاسبه عمر - رضي الله عنه - فقال له في كتابه إليه: «... فشت لك فاشية من خيل وإبل ~~وغنم وبقر وعبيد، وعهدي بك قبل ذلك ألا مال لك!» فلم ينكر عمرو أنه لم يكن له مال، بل ~~قال: «... أتاني كتاب أمير المؤمنين يذكر فيه ما فشا لي، وأنه يعرفني قبل ذلك لا مال لي ~~وإني أعلم أمير المؤمنين أني بأرض السعر فيه رخيص وأني أعالج من الحرفة والزراعة ما ~~يعالج أهله، وفي رزق أمير المؤمنين سعة.» # فإذا صدقت الرواية عن ثروة العاص بن وائل، فمن العجيب ألا يبقى لعمرو من هذه الثروة ~~نصيب موفور وهو أكبر ولديه، وليس لأبيه ذرية كثيرة ms007 من الذكور فيقال: إن الثروة الكبيرة ~~تبددت بالتوزيع والتقسيم، وقد أسلم عمرو بعد موت أبيه فلا يقال: إنه حرمه الميراث ~~لإسلامه غضبا عليه. # نعم، إن هشاما - أخاه الأصغر - كان أحب إلى أبيه، وكانت أمه بنت هشام بن المغيرة من ~~كرائم قريش وليست سبية مشتراة كأم عمرو، وكانت إلى هذا محببة إلى زوجها، وباسم أبيها سمى ~~ولده على غير الشائع المألوف في تسمية الأبناء بين القبائل العربية، ولكننا لم نعرف من ~~أخبار العاص ولا من أخبار ولديه أن هشاما استأثر بالميراث دون أخيه، والأشبه إذا كان ~~أحدهما قد حرم ميراثه أن يكون هو هشاما؛ لأنه أسلم في حياة أبيه. # ولا تفهم قلة المال عند عمرو - مع ما اشتهر به أبوه من الثراء - إلا على فروض كثيرة يصح ~~الأخذ بها جميعا؛ لأن الاكتفاء بواحد منها غير معقول، وهي أن ثروة العاص كانت أقل من ~~شهرتها، وأنه كان ينفق ولا يمسك، وأنه أصيب في تجارته قبل موته، ولا سيما بعد قيام ~~المسلمين على طريق الشام، وأن عمرا كان كأبيه من المنفقين ولم يكن من المقترين، وقد ~~يؤخذ هذا من ظهور شكواه بعد عزله من ولاية مصر بأقل من عام، فقال له عثمان وقد سبه لما ~~بلغه من تحريضه عليه: «ما أكثر ما قمل جربان جبتك - أي طوق جبتك - وإنما عهدك بالعمل ~~عاما أول!» # فلا يبعد أنه أصاب شيئا من الميراث فأنفق منه ما أنفق بعد يأسه من تجارة الحبشة ~~والشام، ولم يبق له عند ولايته على مصر إلا اليسير. ~~••• # والاهتمام بنسب المترجم لهم واجب لازم في كل سيرة من السير، وهو في سيرة عمرو أوجب ~~وألزم؛ لأن أثر الوراثة فيه أقوى من المعهود الشائع في العظماء عامة، وليس الأثر الذي ~~استفاده من تلقين البيئة وفعل الرياضة النفسية بأقل من أثر الوراثة التي لا اختيار له ~~فيها. # فمن أثر الوراثة مشابهة عمرو لأبيه في الخلقة والخليقة، ولولا قوة الشبه في الخلقة لما ~~عرفت نسبته إلى أبيه وهو وليد. # ومن المشابهة في الخليقة حبه للمال ms008 والسيادة، واعتداده بالعصبية ونخوة القبيلة. # إلا أن المغمز الذي كان يؤلمه من نسبه إلى أمه قد كان له من قوة الأثر في تكوين فكره ~~وتوجيه نفسه ما يعدل الوراثة، أو يزيد. # فاحتياجه إلى مداراة هذا المغمز، والغلبة على من يفاخرونه بكرم الأمومة، هو الذي أغراه ~~فبالغ في إغرائه بالمال والرئاسة. # وشعوره بهذا المغمز هو الذي أعز أباه عنده، وعلقه بفخره وألهجه باسمه وسمعة ~~ثرائه. # وكان لاعتداده بأبيه دخل في تعويق إسلامه وتأخير شهادته للدين الجديد إلى ما بعد موته، ~~وقد كان يعلم ذلك من نفسه ويجهر به إذا فوتح فيه، فسأله رجل: «ما أبطأ بك عن الإسلام ~~وأنت أنت في عقلك؟!» فقال: «إنا كنا مع قوم لهم علينا تقدم، وكانوا ممن يوازي حلومهم ~~الجبال، فلما بعث النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، فأنكروا عليه فلذنا بهم، فلما ذهبوا وصار الأمر إلينا ~~نظرنا وتدبرنا فإذا حق بين، فوقع في قلبي الإسلام!» # بل أصبح اعتداده بأبيه اعتدادا للعصبية بالقبائل الأولى، كمن فيه من أيام جاهليته ~~إلى ما بعد إسلامه، وعالجه أحيانا فلم يستطع أن يجتثه من أصوله. # وقع بينه وبين المغيرة بن شعبة كلام فسبه المغيرة، فقال: يا آل هصيص! أيسبني ابن ~~شعبة؟ وكان ابنه عبد الله حاضرا، وهو من أتقى المسلمين وقد أسلم قبل أبيه، فقال: إنا ~~لله! دعوت بدعوى القبائل وقد نهي عنها! فأعتق عمرو ثلاثين رقبة. # وسمع معاوية مرة يأذن للأنصار، فأحب أن يأذن للناس بأسماء قبائلهم ويردهم إلى ~~أنسابهم. # وكان من إعزازه لأبيه وحضور العصبية في ذهنه أنه فكر في الانتقام من عمارة بن الوليد ~~المخزومي لاجترائه على تقبيل زوجته أمامه، فلم يقدم على الانتقام منه - وهما في طريق ~~الحبشة - حتى بعث إلى أبيه أن يخلعه لكيلا تحيق به أو بأحد من أهله ترات العصبية التي ~~تدين بها القبائل فيما بينها. # وعصبيته هذه هي التي أنسته أن الإسلام ينهى عن كراهة الذرية من البنات، فأنف أنفة ~~الجاهلية حين رأى معاوية يقبل ابنته عائشة، قال: من هذه؟ قال معاوية: هذه ms009 تفاحة القلب! ~~فقال له: «انبذها عنك، فوالله إنهن ليلدن الأعداء ويقربن البعداء ويورثن ~~الضغائن!» # ولا شك أن الألم من ذلك المغمز في نسبته إلى أمه كان من أشد الحوافز النفسية تغلغلا في ~~سريرته، وأصلحها لتفسير ميوله وبدواته ومنها الحسن والمفيد. # فقد كان خوفه من التعيير به عقل لسانه عن فحش القول، ويلزمه سمت الجد والتوقر في مخاطبة ~~الناس. # ولم يبالغ حين اعتذر لمسلمة بن مخلد، وقد ناله بلسانه في ساعة حدة، فقال له يسترضيه: ~~«ما أفحشت قط إلا ثلاث مرات، مرتين في الجاهلية وهذه الثالثة، وما منهن مرة إلا ندمت وما ~~استحييت من واحدة منهن أشد ما استحييت مما قلت، ووالله إني لأرجو ألا أعود إلى ~~الرابعة.» # كذلك كان يتحرج من إسقاط هيبته ونسيانه سمته، حتى قال عمر بن الخطاب وقد نظر إليه وهو ~~يمشي: «ما ينبغي لأبي عبد الله أن يمشي على الأرض إلا أميرا!» # فهي بلوى في طيها نعمة كما قال أبو تمام: # قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت # ويبتلي الله بعض القوم بالنعم # ولم يجزم المؤرخون بتاريخ مولد عمرو ولا قاربوا الجزم فيه، فهو عند بعضهم عاش سبعين ~~سنة، وعند بعضهم بلغ المائة. # وإذا صح أنه كان يذكر الليلة التي ولد فيها عمر بن الخطاب، وأنه كان له يومئذ من العمر ~~سبع سنين فالأرجح أنه ولد قبل الهجرة بنحو أربع وأربعين سنة، حوالي سنة 580 ~~للميلاد. # على أن المؤرخين مختلفون في سن عمر بن الخطاب يوم وفاته، فبعضهم يؤكد أنه قتل وله من ~~العمر خمس وخمسون سنة، وبعضهم يؤكد أنه كان يومئذ في الثالثة والستين، ونحن نميل إلى ~~الاقتراب من التاريخ الثاني؛ لأن عمر - رضي الله عنه - كان يشكو الكبر في سنة وفاته، ~~ويسأل الله أن يقبضه إليه؛ لأنه شاخ وانتشرت رعيته، والمرء في بنية عمر وقوته لا يشكو ~~الهرم في الرابعة والخمسين أو الخامسة والخمسين، فذلك بما بعد الستين أوفق وأقرب إلى ~~القبول. # وعلى هذا تكون السنة التي رجحنا ولادة عمرو فيها هي أقرب التواريخ إلى ms010 المعقول، ويكون ~~عمرو قد جاوز الثمانين بسنوات ولم يرتفع إلى المائة؛ لأنه عاش بعد عمر عشرين سنة، وولد ~~قبله بسبع سنين، فإذا كانت سن عمر عند وفاته حوالي الستين فقد عاش عمرو بن العاص إلى ~~قريب من السابعة والثمانين. # وإذا شككنا في سن عمرو يوم مولد عمر، وحسبناها دون السابعة فهو إذن قد جاوز الثمانين ~~بقليل. # ويدعونا إلى الشك في هذه السن أن اعتذار عمرو من تأخر إسلامه باتباع كبار قومه لا ~~يقبل من رجل في نحو الخمسين، وهي سنه عند إسلامه وإن كان مع ذلك ليستغرب حتى ممن بلغ ~~الأربعين. # وليس في نشأة عمرو من تاريخ يستوقف المترجم له بعد سنة ميلاده غير سنة زواجه، ويظهر أنه ~~كان من المبكرين بالزواج؛ لأن ابن قتيبة يقول: «إن الفارق في المولد بينه وبين ابنه عبد ~~الله اثنتا عشرة سنة.» وهو فارق غير معقول، ولكنه يدل على صغر سنه حين بنى بأم عبد الله، ~~وهي فتاة من قبيلته اسمها ريطة بنت منبه بن الحجاج. # الفصل الثاني # | التعريف بعمرو بن العاص # التعريف بنشأة عمرو بن العاص، تمهيد لازم للتعريف بصفاته وطباعه، والتعريف بهذه الصفات ~~والطباع تمهيد لازم للتعريف بأعماله ومساعيه؛ لأن الأعمال والمساعي لن تفهم على حقيقتها ~~إلا بفهم الطباع التي توحيها والنيات التي تسبقها والغايات التي ترمي إليها، وقد تتشابه ~~الأعمال والمساعي في ظاهر الأمر وهي في الحقيقة مختلفة أشد اختلاف، مفترقة كما يفترق ~~الخير والشر أو تفترق الرفعة والضعة، وإنما مناط ذلك كله بالفرق بين باعث وباعث، ~~والاختلاف بين نية ونية. # وأدنى إلى القصد في هذه السبيل أن نلم بالصفات والطباع، ثم نتتبع الأعمال الصادرة عنها ~~مفهومة واضحة البواعث والأغراض، من أن نلم بالأعمال مبهمة متشابهة، ثم نعود إلى تفسيرها ~~بما نستخلصه من طباع صاحبها ونياته. # لهذا بدأنا قبل سرد الأعمال بهذا التعريف الذي يسبغ الدلالة على تلك الأعمال. ~~••• # والمحفوظ لنا من صفات عمرو الجسدية قليل، ولكنه كاف إذا لم يكن بد من الاكتفاء منها ~~بقسط له دلالة. # فهو كما يؤخذ ms011 من جملة الأقوال التي وصف بها: «أدعج، أبلج وافر الهامة، ربعة، أقرب ~~إلى قصر القامة، يخضب بالسواد» عليه مهابة وشمائل نباهة وسيادة، كما يدل عليه ما تقدم من ~~قول عمر فيه «ما ينبغي أن يمشي أبو عبد الله إلا أميرا ...» # وإذا جاز أن يكون لهذا التكوين الجسدي أثر في أخلاقه ودخائل طبعه، فذلك أثر آخر يعين ~~أثر النسب المغموز من جانب أمه، وهو التماس «التعويض» بكل ما في النفس من حول وحيلة، ~~وحفز الهمة إلى مكان يسطع فيه المرء سطوعا يداري المغمز في النسب والنقص في المظهر، ~~فيروع القلب بالسطوة والشارة إذا اجترأت عليه العيون أول نظرة، أو اجترأت عليه الألسنة ~~بالثلب والمهانة: رجل متهم النسب قصير، ولكنه لا يضار بذلك في مقام الفخر بين ذوي الحسب ~~والبسطة من عظماء الرجال. # وإذا اعتزم الرجل هذه العزمة، وكان من أصحاب الهمة والشهامة، أو ما نسميه اليوم بالقوة ~~الحيوية، فأخلق به أن يبلغ ما يصبو إليه وأن يذهب بعيدا في مسعاه الذي توفر ~~عليه! # أما أن عمرا كان من أصحاب «القوة الحيوية» فذلك ظاهر من احتفاظه بحضور ذهنه ومضاء ~~عزمه، إلى تلك السن العالية التي تجاوز بها قوم التسعين، ولم يهبط بها أحد إلى ما دون ~~السبعين، فإنه ليجيش به هذا الطبع وقد أناف على الخامسة والأربعين إلى فتح البلاد وتقليب ~~الدول، وافتتاح المساعي إلى المجد والرئاسة، كأنه ناشئ لما يزل في بادرة الشباب ومستهل ~~المغامرات والمجازفات في سبيل الشهرة والسلطان! # وقد وصفت لنا شارة عمرو هنا وهناك، فإذا هو في كل صفة من هذا القبيل عظيم العناية بما ~~يروع الناس من هيبته وفخامة مرآه، وليست مشيته التي أشار إليها الفاروق بأقل ما احتفل به ~~لتلك الشارة والفخامة. # قال أبو مخنف: «حج عمرو بن العاص فمر بعبد الله بن عباس، فحسده مكانه وما رأى من هيبة ~~الناس له وموقعه من قلوبهم، فقال له: يا بن عباس! مالك إذا رأيتني وليتني القصرة، وكأن ~~بين عينيك دبرة!» (أي: أعرضت وازوررت عني) ... فأجابه ابن عباس ms012 جوابا مقذعا فيه من ~~الجرأة مثل ما فيه من الدهاء، وانتهى منه قائلا: «حملك معاوية على رقاب الناس، فأنت ~~تسطع بحلمه وتسمو بكرمه .» # ولم يشأ عمرو - وقد ذهب دور المفاجأة - أن يبزه ابن عباس في الدهاء، فعاد يقول: «أما ~~والله إني لمسرور بك، فهل ينفعني عندك؟» # قال ابن عباس: «حيث مال الحق ملنا وحيث سلك قصدنا!» # ووصفه بحير بن ذاخر المعافري وهو مقبل إلى المسجد يخطب الناس يوم الجمعة، فقال: «... ~~فأطلنا الركوع، إذ أقبل رجال بأيديهم السياط يزجرون الناس، فذعرت ... فقام عمرو بن العاص ~~على المنبر ... وعليه ثياب موشية، كأن به العقيان يأتلق، عليه حلة وعمامة وجبة ...» # فهذه الأبهة المقصودة - ولا سيما قبل استقرار السلطان له - هي أثر من آثار ذلك النسب ~~المغموز وتلك القامة المحدودة. ~~••• # أما صفاته النفسية فنبدؤها بما وصف به نفسه، أو يقول الرواة الذين وصفوه هذا الوصف، وهم ~~يدعون من المعرفة به ما يقوله الرجل حين يصف نفسه بلسانه. # روى هشام بن الكلبي أن أناسا لاموا معاوية على تقديمه عمرا فبلغته ملامتهم، فقال بعد ~~استشهاد: «... قد علمتم أنني الكرار في الحرب، وأنني الصبور على غير الدهر، لا أنام عن طلب ~~كأنما أنا الأفعى عند أصل الشجرة ... ولعمري لست بالواني أو الضعيف، بل أنا مثل الحية ~~الصماء لا شفاء لمن عضته، ولا يرقد من لسعته، وإني ما ضربت إلا فريت ولا يخبو ما شببت، ~~عرفني أصحاب يوم الهرير (بحرب صفين) أنني أشدهم قلبا وأثبتهم يدا، أحمي اللواء وأذود ~~عن الحمى، فكأنني وشانئي عند قول القائل: # وهل عجب إن كان فرعي عسجدا # إذا كنت لا أرضى مفاخرة العشب» # وهذا وصف صادق، إذا أغضينا عن جانب الفخر فيه، طابق صفاته النفسية التي تشهد بها أقواله ~~وأعماله ومساعيه، وهي مجموعة محكمة من الصفات القوية، لكنها على قوتها بسيطة متناسبة، ~~يأخذ بعضها ببعض على نحو مألوف غير مستغرب في أمثال هذه النفس الفطرية، وأعمقها جدا هو ~~أظهرها جدا ...! أو هو الذي تعمق حتى بلغ من عمقه أن ينضح على قسمات وجهه ms013 وحركات جسده، ~~وهو الطموح إلى الهيبة والثراء، وطلب البسطة في الجاه والمال، ما نخاله وقف في الطموح ~~عند حد، ولا قعد عن الخلافة وهو مختار، بل هو قد طمح إليها وأعد عدته لإقصاء بني أمية ~~عنها، فلما أيأسه مغمز النسب ورجحان بني أمية على بني سهم في العصبية القرشية، طوى الصدر ~~على كظم وقعد عنها وهو كاره يعزي نفسه بقوله المأثور عنه: «إن ولاية مصر جامعة تعدل ~~الخلافة.» # وكان سعيه إلى الرئاسة والمال باديا منه في الإسلام كما بدا منه في الجاهلية، فلم يعرف ~~له موقف قط نزل فيه عن الرئاسة باختياره. # فلما بعث به النبي - عليه السلام - إلى غزوة ذات السلاسل، أرسل في طلب المدد فجأءه ~~المدد من المهاجرين، وفيهم أبو بكر وعمر وعليهم أبو عبيدة بن الجراح أمير، فقال عمرو: ~~أنا أميركم وأنا أرسلت إلى رسول الله أستمده بكم، فأنف المهاجرون أن يؤمروه وفيهم من ~~فيهم من جلة الصحابة، وقالوا: بل أنت أمير أصحابك وأبو عبيدة أميرنا ... قال عمرو: إنما ~~أنتم مدد أمددت بكم ... # وأشفق أبو عبيدة أن يتخاذلوا وهم على أهبة الحرب، فقال له: تعلم يا عمرو أن آخر ما عهد ~~إلى رسول الله أن قال: «إذا قدمت على صاحبك فتطاوعا.» وإنك إن عصيتني لأطيعنك، قال عمرو: ~~إذن أنا أعصيك، قال أبو عبيدة: وأنا أطيعك. # وعاد إلى منازعة أبي عبيدة الرئاسة والإمارة يوم أقدم أبو بكر - رضي الله عنه - على فتح ~~الشام، فسعى عند عمر ليقنع الخليفة بتأميره على الألوية جميعا، وكان يوشك أن يفلح في ~~مسعاه لولا إكبار عمر لأبي عبيدة، حتى لقد هم بمبايعته بعد النبي - عليه السلام - قال: ~~إنه ليستخلفنه بعده لو عاش. # وقد كان حب المال يملؤه ويتمكن منه حتى لم يبال أن يخفيه، ولم يزل يتكلم - كلما دعاه ~~داعي الكلام - بما يكشفه وينم عليه. # سأله معاوية وقد شاخا وبطلت لذات الشباب عندهما: ما بقي من لذة الدنيا تلذه؟ قال: ~~محادثة أهل العلم وخبر صالح يأتيني من ضيعتي. # وفي حديث آخر أنه دخل ms014 يوما على معاوية، وقد كبر ودق ومعه مولاه وردان، فتذاكرا الأيام ~~واستطرد عمرو سائلا: يا أمير المؤمنين ما بقي مما تستلذه؟ قال معاوية : «أما النساء فلا ~~أرب لي فيهن، وأما الثياب فقد لبست منها حتى وهى بها جلدي، فما أدري أيها ألين، وأما ~~الطعام فقد أكلت من لبنه وطيبه حتى ما أدري أيه ألذ وأطيب، وأما الطيب فقد دخل خياشيمي ~~منه حتى ما أدري أيه أطيب ... فما شيء ألذ عندي من شراب بارد في يوم صائف، ومن أن أنظر إلى ~~بني وبني بني يدورون حولي ... فما بقي منك يا عمرو؟!» فقال: «مال أغرسه فأصيب من ثمرته ~~وغلته!» # وقد اشتهر منه هذا الحب للمال حتى عرضه لظنون الخلفاء واحدا بعد واحد؛ فقاسمه عمر ~~ماله، وعزله عثمان من ولاية مصر وهو يحسب أنه قد استأثر بخراجها دون بيت المال، وقال له ~~معاوية يوما وهو يذكر له الحساب والعقاب والأوزار التي يثقل بها ميزان السيئات: هل رأيت ~~بينها شيئا من دنانير مصر؟ # ومن ثم تسابق الرواة في تقويم ثروته يوم وفاته، فاعتدل صاحب «مروج الذهب» في وصفها بعض ~~الاعتدال، وبالغ صاحب «حياة الحيوان» فقال: إنه خلف «سبعين بهارا دنانير» والبهار من ~~جلد الثيران، قيل: إنه يسع أردبين! # ولقد كان النبي - عليه السلام - أدرى الناس بهذه الصفة في عمرو بن العاص قبل أن يعرفه ~~المسلمون أو المشركون بطول المراس وتعاقب الأعمال والمساعي وتفتق المطامع والآمال، فولاه ~~الإمارة في غزوة ذات السلاسل، وقال له وهو يعرضها عليه: «إني أريد أن أبعثك على جيش ~~فيسلمك الله ويغنمك، وأزعب لك من المال زعبة صالحة.» # 1 # فأجابه عمرو، وهو يشفق أن يظن النبي بإسلامه الظنون: «يا رسول الله ما أسلمت ~~من أجل المال، بل أسلمت رغبة في الإسلام.» فهون عليه النبي ما خامره من الظن ودفع عنه ~~وهمه وهو يقول: «يا عمرو ... نعما المال الصالح للمرء الصالح.» # ثم عهد إليه في ولاية الصدقة بعمان، فبقيت له إلى أن تولى أبو بكر الخلافة فرغبه فيما ~~هو خير منها. # وظل ms015 الرجل يسائل نفسه عن حفاوة النبي به إلى آخر حياته، فروى الحسن البصري أن بعضهم قال ~~له - أي عمرو - أرأيت رجلا مات رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وهو يحبه أليس رجلا صالحا؟ قال: ~~بلى، فقال محدثه: قد مات رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وهو يحبك، وقد استعملك، قال: «بلى ... فوالله ~~ما أدري أحبا كان لي منه أو استعانة بي.» ~~••• # ومن خصائص هذا الطموح الذي لزمه من صباه إلى ختام حياته أنه كان كما رأينا طموحا ~~قائما على مطالب الواقع في بواعثه ومراميه، فكانت نظرته إلى الدنيا نظرة معروفة الموارد ~~والمصادر، ولم تكن تلك النظرية الخيالية التي يتسم بها أصحاب الحماسة والأحلام من ذوي ~~الطموح. # ومناط الرجحان في تلك النظرة العملية إنما هو للأخذ بالأحوط والأنفع في كل أمر من ~~الأمور ما كبر وما صغر، حتى ليكاد الأحوط والأنفع أن يكون عنده مقياسا للحق أو لصحة ~~الأشياء على نحو يشبه مقياس القائلين بفلسفة الذرائع Pragmatism # في عصرنا الحديث. # فلم نعرف قط حكما من أحكامه في أجل الأشياء فارقته تلك النظرة العملية، أو ذلك المقياس ~~الموكل بالأحوط والأنفع في ترجيح جانب على جانب وطريقة على طريقة. # وحسبك من جلائل الأحكام في أعظم مطالب الحياة حكمه في مسألة العقيدة الإسلامية وحكمه في ~~مسألة الخلافة، وهما أعظم ما عرض له من المشكلات التي تتطلب الترجيح والتفضيل، وكلاهما ~~قد حكم فيه على سنة الأحوط والأنفع بين مختلف الوجوه. # فلما استراب المشركون في ميله إلى الإسلام أوفدوا إليه من يسأله في ذلك، فلم يكاشفه ~~بالحقيقة لأول وهلة، بل واعده إلى مكان منفرد وقال له: أنشدك الله الذي هو ربك ورب من ~~قبلك ومن بعدك، أنحن أهدى أم فارس والروم؟ قال صاحبه: اللهم بل نحن، فسأله: أفنحن أطيب ~~معاشا وأوسع ملكا أم فارس والروم؟ قال صاحبه: بل فارس والروم، فقال عمرو: فما ينفعنا ~~فضلنا عليهم في الهدى إن لم تكن إلا هذه الدنيا وهم أكثر فيها أمرا، ثم عاد فقال: قد ~~وقع في نفسي أن ms016 ما يقول محمد من البعث حق؛ ليجزى المحسن في الآخرة بإحسانه والمسيء ~~بإساءته، هذا يا بن أخي الذي وقع في نفسي ولا خير في التمادي في الباطل. # وخلاصة هذا البرهان العملي أن الإسلام أنفع للعرب وأصلح للدنيا والآخرة، فهو أحق ~~بالتصديق وأجدر بالاتباع. # ولبث في مشتجر الخلافة لا يميل إلى طرف من أطرافها، حتى انحسر الخلاف كله عن حزبين ~~اثنين لا ثالث لهما، فوجب عليه أن يخرج من عزلته لينصر أيهما، وهما حزب علي وحزب ~~معاوية. # فدعا بولديه عبد الله ومحمد فقال لهما: إني قد رأيت رأيا ولستما باللذين ترداني عن ~~رأيي لكن أشيرا علي، إني رأيت العرب قد صاروا عنزين يضطربان، وأنا طارح نفسي بين جزاري ~~مكة ولست أرضى بهذه المنزلة، فإلى أي الفريقين أعمد؟ قال له عبد الله وقد علمنا تقواه: ~~إن كنت لا بد فاعلا فإلى علي، قال: إني إن أتيت عليا يقول لي: إنما أنت رجل من ~~المسلمين، وإن أتيت معاوية يخلطني بنفسه ويشركني في أمره. # وعلى هذا الأساس في التفضيل بين الطرق سلك أحب الطريقين إليه وأجدرهما عنده ~~بالاتباع. ~~••• # وأعانه على هذه النظرة العملية أنه كان مالكا لزمام شعوره، آمنا أن تضله الحماسة من ~~ناحيتها أو يضله الحنان من ناحيته، قابضا بعقله على جمحات العاطفة كما نسميها اليوم، أو ~~كما قال هو: «أبلغ الناس من كان رأيه رادا لهواه، وأشجع الناس من رد جهله ~~بحلمه.» # فليس في جوامح الشعور ما هو أشد جماحا ولا أقرب أن ينفلت من قبضة العقل من غضبة الغيور ~~على عرضه، أو حنان الواقف على جثة أخيه، أو نخوة المتصدي للقتال بين معسكرين، فهي هي ~~الجوامح التي قل أن تراض وأن تثوب على المشيئة إلى قوام. # ولكنه عمرا قد راضها كلها على ما أراده في حينها وبعد حينها، وكانت رياضته لها وهو في ~~عنفوان الصبا كرياضته لها وهو في أوج الكهولة قد أناف على الأربعين. # خرج مع عمارة بن الوليد المخزومي إلى أرض الحبشة تاجرين، وكان عمارة مولعا بالخمر ~~والنساء فشرب ms017 وهما في السفينة فانتشى، ونظر إلى امرأة عمرو نظرة اشتهاء ثم هم بتقبيلها، ~~بل أومأ إليها أن تقبله في قول صريح، فقال لها عمرو - متقيا ما يكون من رجل سكران بين ~~الماء والسماء: قبلي ابن عمك! فقبلته، فلم يزد ذلك عمارة إلا إغراء بالمراودة وجرأة ~~على القحة، ولمح عمرا على حافة السفينة - وهو في سكرة من سكراته - فدفع به إلى الماء ~~يظنه غير قادر على السباحة، كما يغلب بين أبناء البادية، فسبح عمرو حتى نجا وسمع عمارة ~~وهو يقول له غير آبه بحقده عليه: أما والله لو علمت يا عمرو أنك تحسن السباحة ما فعلت! ~~فإذا هو قد جمع سوء النية بحياته إلى سوء النية بعرضه ومع هذا كله كظم عمرو ما بنفسه، ~~وظل يصانعه حتى تمكن من الكيد له عند النجاشي، فأرسله في العراء مخبولا يعيش في الغربة ~~عيش الأوابد حتى مات ...! # واشترك عمرو وأخوه هشام في حرب الشام، وأخوه هذا من علم الناس في الصلاح وصدق البلاء، ~~فإذا ثلمة في الطريق يتخطف المدافعون من يهجم عليها بالسيوف، فهابها العرب وأحجموا عنها ~~وطال ترددهم لديها، فإذا هشام يقدم عليها وهو ينادي في الجيش: يا معشر المسلمين إلي ~~إلي! أنا هشام بن العاص! أمن الجنة تفرون؟ وما زال يتقدم حتى خر قتيلا متعرضا في تلك ~~الثلمة المرهوبة، فلما انتهى المسلمون إليها هابوا أن يدوسوه كرامة له ولأخيه، فكان عمرو ~~أول من تقدم فداسه وهو يصيح بجنده: أيها الناس إن الله قد استشهده ورفع روحه، وإنما هي ~~جثة ثم أوطأه وتبعه الناس، حتى تقطع وهو مشغول عنه بما هو أجدى وأعظم، فلما انتهت ~~الهزيمة عاد إليه وجعل يجمع لحمه وأعضاءه وعظامه بيديه ثم حمله في نطع فواراه ...! # وبرز علي بن أبي طالب يوما في حومة صفين وقد طال أمد القتال، فقال: يا معاوية! علام ~~يقتتل الناس؟! ابرز إلي أو أبرز إليك، فيكون الأمر لمن غلب، وجاء في روايات شائعة أن ~~عمرا قال لمعاوية يومئذ: والله لقد أنصفك الرجل ...! فظن معاوية أنه ms018 يغرر به ويدفع به إلى ~~هلاكه طمعا في دولته؛ فأقسم عليه ليخرجن للمبارزة التي أغراه بها، فلما غشيه علي بالسيف ~~رمى بنفسه إلى الأرض وأبدى له سوءته، فضرب على وجه فرسه وانصرف عنه. # وكل هذه أخبار متوافقة يخيل إليك أنك ترى ابن العاص وهو يفعلها ويروض وقائعها رياضة ~~الرجل الذي يعتز بقدرته على هواه، وكأنه يأنف لدهائه أن يغتر بنزوات الساعة كما يغتر بها ~~سائر الناس، وكلها تعبر عن خليقة لا شك في صدقها عند ابن العاص، وإن تمارى الناس في صدق ~~الروايات، ونعني بها خليقة النظرة العملية وغلبة العقل على الشعور. # ولا شك أن استحضار هذا «الخلق العملي» لازم جدا للمؤرخ في كل خطوة يخطوها مع عمرو بن ~~العاص في أحواله الفردية أو أحواله العامة؛ لأنه سرى من مزاجه إلى سياسته وطريقة التفاهم ~~بينه وبين الناس، سواء كانوا من الزملاء أو الرعية أو الأعداء، وقلما تظهر الطريقة التي ~~يقتنع بها الرجل من شيء كما تظهر من الطريقة التي يقنع بها الآخرين. # انظر مثلا إلى الفرق بينه وبين عبادة بن الصامت في إقناع عظماء القبط ببقاء العرب في ~~مصر، وأنهم لن يتركوها وقد دخلوها، ولن يرجعوا عن فتحها جميعا لا لرغبة في رشوة ولا ~~لرهبة من قوة. # فإن عبادة بن الصامت لم يزد على أن احتقر الدنيا حين خوف المقوقس عاقبة الإيغال في ~~بلده، فكان توكيد حب الآخرة هو فحوى كلامه حين قال: إن غاية أحدنا من الدنيا أكلة يأكلها ~~يسد بها جوعه لليله ونهاره، وشملة يلتحفها فإن كان أحدنا لا يملك إلا ذلك كفاه، وإن كان ~~له قنطار من ذهب أنفقه في طاعة الله واقتصر على هذا الذي بيده؛ إنما النعيم والرخاء في ~~الآخرة وبذلك أمرنا الله وأمرنا به نبينا، وعهد إلينا ألا تكون همة أحدنا من الدنيا ~~إلا ما يمسك جوعته ويستر عورته، وتكون همته وشغله في رضوانه وجهاد عدوه. # أما عمرو فإنه وقف مثل هذا الموقف فلجأ إلى الطعام؛ ليقنع عظماء القبط بأن العرب غير ~~تاركي مصر ms019 وقد دخلوها. ~~«أمر - كما جاء في الطبري - بجزر فذبحت، فطبخت بالماء والملح وأمر أمراء الأجناد أن ~~يحضروا وأعلموا أصحابهم، وجلس وأذن لأهل مصر، وجيء باللحم والمرق فطافوا به على ~~المسلمين، فأكلوا أكلا عربيا: انتشلوا وحسوا وهم في العباء ولا سلاح، فافترق أهل مصر ~~وقد ازدادوا طمعا وجرأة، ثم بعث في أمراء الجنود في الحضور بأصحابهم من الغد، وأمرهم أن ~~يجيئوا في ثياب أهل مصر وأحذيتهم وأمرهم أن يأخذوا أصحابهم بذلك ففعلوا، وأذن لأهل مصر ~~فرأوا شيئا غير ما رأوا بالأمس، وقام عليهم القوام بألوان مصر فأكلوا أكل أهل مصر ونحوا ~~نحوهم، فافترقوا وقد ارتابوا وقالوا: كدنا، وبعث إليهم - أي إلى أمراء الجنود - أن ~~تسلحوا للعرض غدا وغدا على العرض، وأذن لهم فعرضهم عليهم ثم قال: إني قد علمت أنكم ~~رأيتم في أنفسكم أنكم في شيء حين رأيتم افتقار العرب وهون تزجيتهم، فخشيت أن تهلكوا ~~فأحببت أن أريكم حالهم وكيف كانت في أرضهم، ثم حالهم في أرضكم ثم حالهم في الحرب فظفروا ~~بكم، وذلك عيشهم وقد كلبوا على بلادكم قبل أن ينالوا منها ما رأيتم في اليوم الثاني، ~~فأحببت أن تعلموا أن من رأيتم في اليوم الثالث غير تارك عيش اليوم الثاني وراجع إلى عيش ~~اليوم الأول ...» # وإن هذا الضرب من البراهين لقائم عنده أبدا لا يأتي عرضا في حادث من الحوادث ثم ينقضي ~~بانقضائه، وكثيرا ما ذكر الطعام وهو يلجأ إلى الإقناع، فكان من كلامه: «أكثروا الطعام، ~~فوالله ما بطن قوم قط إلا فقدوا بعض عقولهم، وما مضيت عزمة رجل بات بطينا!» # بل هو يقوم الأخلاق والفضائل بقيمتها العملية وفائدتها الملموسة، فالعدل مثلا فضيلة ~~جميلة محبوبة، ولكنها عند عمرو محبوبة؛ لأنها سياسة حسنة لتوفير المال كما قال: «لا رجال ~~إلا بمال، ولا مال إلا بعمارة، ولا عمارة إلا بعدل.» # وإن ذلك لشأنه في تقويم كل قيمة، وتفضيل كل فضيلة. ~~••• # وفي أخلاق عمرو «عقدة نفسية» لا تفتأ تصادفنا عند المقابلة بين نقائضه، كما تصادفنا في ~~جميع العظماء من أمثاله وأشباههم في ms020 الطبيعة والملكة، ونعني بهم أولئك الذين يلتقي فيهم ~~الطموح والحركة وضبط النفس في سبيل المطالب التي يطمحون إليها، فما منهم أحد إلا وجدت له ~~نقائض من الحذر الشديد والاندفاع الشديد، أو من ضبط النفس كأنه لا يعرف جمحات الشعور، ~~ومن المجازفة كأنه لا يعرف الروية، وهي نقائض في الظاهر وليست بنقائض في الحقيقة؛ لأن ~~قوة الطموح تفسر لنا النقيضين، فإذا هما مستمدان من ينبوع واحد وهو قوة الطموح؛ إذ إن ~~هذه القوة الطامحة لا تزال محضرة له الأمل شاخصا باهرا نصب عينيه، فيهون عليه أن يكبح ~~شعوره الجامح في سبيل الوصول إلى أمله العظيم، أو في سبيل المحافظة عليه بعد الوصول ~~إليه. # ثم يثقل الكبح على هذا الطماح لقوته فيلتمس الروح منه والمنفس من قيده بالمجازفة، كما ~~يتوق الصائم إلى العيد، والفرس الملجم إلى المراح. # فساعة المجازفة وهي ساعة التسريح من القيد، وهي ألزم له من حالة التوسط التي لا قيد ~~فيها ولا انطلاق. # وقد كان الذين يعرفون عمرا بالدهاء وكبح الهوى، يعرفونه كذلك بالاندفاع والهجوم على ~~المهالك، فقال عثمان يحذر منه الفاروق - رضي الله عنهما: «إن عمرا لجريء الجنان، وفيه ~~إقدام وحب للإمارة، فأخشى أن يخرج في غير ثقة فيعرض المسلمين للهلكة!» # وشاعت عنه روايات في المجازفة، يخيل إليك أنها من أطوار الحماسيين أصحاب الخيال، لولا ~~أن العقال يغري بالانفلات من ربقته، فيقدم الرجل الحذور على شطحات قد يحجم عندها صاحب ~~الخيال المشبوب! # قيل: إنه تعرض للموت مرات، لاقتحامه الحصون على أعدائه في هيئة رسول أو محارب من عامة ~~الجند في جيش المسلمين؛ فلما طلب والي قيسارية رسولا من العرب يكلمه ذهب عمرو إليه، ~~فأعجب الرجل بحديثه وعقله وخطر له أنه قد يكون أمير العرب فيستريح منهم جميعا بقتله، ~~فأمر له بجائزة وكسوة وبعث إلى البواب: إذا مر بك فاضرب عنقه وخذ ما معه، قالوا: وتنبه ~~عمرو، أو نبهه أحد إلى المكيدة فرجع إلى الوالي يقول: نظرت فيما أعطيتني فلم أجد ذلك ~~يسع بني عمي، فأردت أن آتيك بعشرة ms021 منهم تعطيهم هذه العطية، فيكون معروفك عند عشرة خيرا ~~من أن يكون عند واحد، فقال: صدقت! عجل بهم، وبعث إلى البواب أن خل سبيله. # ورووا عنه في الإسكندرية قصة تماثل هذه القصة، وهي أنه اقتحم بعض حصونها مع فريق من ~~الجند، ثم ارتدوا وبقي هو وثلاثة من صحبه، فعرض عليهم الروم أن يخرجوا إليهم ليبارزوهم ~~واحدا لواحد، فتصدى هو للمبارزة، لولا أن منعه صاحبه مسلمة بن مخلد، ووقف دونه وهو يقول ~~له: «ما هذا؟ تخطئ مرتين فتشذ عنك أصحابك وأنت أمير، وإنما قوامهم بك وقلوبهم معلقة ~~نحوك، لا يدرون ما أمرك حتى تبارز وتتعرض للقتل، فإن قتلت كان ذلك بلاء على أصحابك، ~~مكانك وأنا أكفيك إن شاء الله.» # قالوا: ومثل بين يدي البطريق فعجب هذا من أنفته وقوة جوابه، فالتفت إلى من في مجلسه ~~وقال لهم باليونانية: «يظهر من أنفة هذا الرجل وكبر نفسه أنه من وجوه العرب، وربما كان ~~من كبار قوادهم فلا ينبغي أن نتخلى عن قتله.» وكان مولاه وردان يفهم اليونانية، فأحب أن ~~يريهم خطأهم، وبين لهم أن الذي يكلمهم إنما هو رجل من عامة الجند، فأسرع إليه فلطمه ~~صائحا به: ما أنت ولهذا يا لكع! دع هذا المقال لمن هو أولى منك بالكلام عن قومه! فكانت ~~هذه اللطمة سبب نجاته. # ورويت عنه روايات أخرى من هذا القبيل إن صحت كلها أو صح بعضها، أو كانت كلها اختراعا ~~من تلفيق الرواة، فالدلالة التي لا شك فيها على كل حالة من هذه الحالات أن الرجل كانت له ~~شهرة بالمجازفة تقبل فيها أمثال هذه الروايات، وتدعو إلى تلفيقها بما يشبه الواقع ~~المعهود من أخلاقه. # وهو نفسه كان يقول ما ينم على هذا الخلق فيه، فهو القائل: «عليكم بكل أمر مزلقة ~~مهلكة.» # ولعله لم يفصح بكلمة من كلماته عن ضيقه بقيود الحكمة والسمت وكبح الهوى، كما أفصح عنه ~~بقوله وقد سئل عن أمتع اللذات، إذ قال: «إسقاط المروءة!» # فهي كلمة الرجل الذي تقيد بالوقار، حتى أصبح طرح الوقار عنده غاية ms022 ما يبتغيه من اللذة ~~ويشتاق إليه، وتقيد بكبح الهوى حتى أصبحت المجازفة في المزالق المهلكة هي فرجة نفسه من ~~ذلك الحجر الذي ضربه عليها. # أفنقول إذن: إنه شجاع مقدام، أم نقول: إنه جبان حذور؟ # بل نقول: إنه شجاع كما قال معاصروه وقد شهدوه في مواقف الاستبسال ومآزق الحرب والفزع، ~~ولكننا نعود فنقول: إن شجاعته وكل فضيلة فيه إنما كانت في خدمة طموحه إلى المجد الذي كان ~~يسعى إليه، فهو يضن بشجاعته أن يبذلها في غير طائل، ويتخذها وسيلة إلى غاية ولا يجعلها ~~هي الغاية التي تنقطع دونها الوسائل. # وقد سأل هو صاحبه معاوية يوما: «والله ما أدري يا أمير المؤمنين أشجاع أنت أم جبان؟» ~~فقال معاوية: # شجاع إذا ما أمكنتني فرصة # وإن لم تكن لي فرصة فجبان # وبمثل هذا الجواب يستطيع عمرو أن يجيب من يسأله مثل ذلك السؤال، إلا أنه كان أحوج إلى ~~الوثوب والمجازفة من معاوية، فقد كان نسب معاوية ومكانته في بني أمية مع طول استعداده ~~للملك مغنيا له عن عجلة الوثوب والمجازفة من حيث لا يستغني عنه عمرو وهو مغموز النسب، ~~مخذول العصبية، مضطر إلى إدراك مطلبه قبل أن يفوته، فلا تسنح لإدراكه سانحة أخرى. # ومن ثم اختلف دهاؤه ودهاء معاوية - كما قال مرة وهما يتساءلان عن العقل - قال معاوية: ~~ما بلغ من عقلك؟ قال: ما دخلت في شيء قط إلا خرجت منه، فقال معاوية: لكنني ما دخلت في ~~شيء قط وأردت الخروج منه. # كل منهما بدهائه أشبه: عمرو في اقتحام الطموح المغامر، ومعاوية في تؤدة المستقر الواثق، ~~وعمرو في دفعة العبقرية، ومعاوية في روية التدبير الطويل. # ولعل هذه الحيلة الحاضرة التي كانت تجود بها عبقرية عمرو كخاطف البرق في المآزق ~~المطبقة، وهي التي كانت تزين له الهجوم على المورد وهو واثق من قدرته على الصدور، فكان ~~في مجازفته شيء من الحيطة المجهولة، تبقى مجهولة حتى تعلم في الوقت المقدور، فإذا هي ~~مسعفة لا تخيب رجاءه فيها واعتماده عليها. # ولقد أحصى العرب دهاتهم في الإسلام فعدوا ms023 أربعة هو منهم، وجعلوا لكل منهم مزية يمتاز ~~بها في دهائه فقالوا: إن معاوية للروية وعمرو بن العاص للبديهة والمغيرة للمعضلات وزياد ~~لكل صغيرة وكبيرة . # ونظن أن لو تكلم العرب باصطلاح هذه الأيام لقالوا: إن حيلة عمرو هي حيلة العبقرية ~~المطاعة التي تتفتق له من حيث يعلم ولا يعلم وآيتها أنها عبقرية معبرة تلهم الخاطر ~~السريع وتلهم التعبير عنه في كلم وجيز، وهذه هي العبقرية التي يختلط أمرها أحيانا على ~~من يراقبونها فيتهمونها بالطياشة، ويرمونها بدفعة التهور؛ لأنهم يسلسلون أسبابهم في بطء ~~وتثاقل، وهي تسلسل أسبابها في سرعة وخفة، فيبدو لها ما يظل خافيا عليهم ملتبسا في ~~أعينهم، ولولا أنها واضحة عند صاحبها كل الوضوح لما تسنى له التعبير عنها بأسلوب يلائم ~~ومضاتها في السرعة والنفاذ. # قيل لعمرو: ما العقل؟ قال: الإصابة بالظن، ومعرفة ما سيكون بما قد كان، وذلك هو الظن ~~الذي يقول فيه القائل: # الألمعي الذي يظن بك الظن # كأن قد رأى وقد سمعا # والأصح أن يقال: إن التعريف بالعقل هنا هو التعريف بعقل عمرو نفسه؛ لأنه كان يجمع بين ~~الفطنة والخبرة، وبين التخمين واليقين، ويأخذ من أمامه بالنظرة الخاطفة فإذا هو قد وصل، ~~والذي أمامه لا يزال يتحرى سبيل الوصول. # قيل في غير الرواية التي قدمناها: إنه هو الذي وصف نفسه ووصف الدهاة الثلاثة معه على ~~تلك الصفة، وأنه اجتمع مع معاوية بن أبي سفيان مرة فقال له معاوية: من الناس؟ فقال: أنا ~~وأنت والمغيرة بن شعبة وزياد، قال معاوية: كيف ذلك؟ قال: أما أنت فللتأني، وأما أنا ~~فللبديهة، وأما المغيرة فللمعضلات، وأما زياد فللصغير والكبير ... قال معاوية: وأما ذانك ~~فقد غابا، فهات بديهتك يا عمرو! قال: أوتريد ذلك؟ فأجابه نعم، فسأله أن يخرج من عنده ~~فأخرجهم، فقال عمرو: يا أمير المؤمنين، أسارك، فأدنى معاوية رأسه منه، فقال عمرو: هذا ~~من ذاك! من معنا في البيت حتى أسارك؟ # وتصح هذه الواقعة أو لا تصح فهما يستويان، إذ الغرض الذي ترمي إلى إثباته صحيح، وهو أن ~~تفكير عمرو ms024 تفكير بديهة حاضرة، وأن تفكير معاوية تفكير روية بطيئة، ومرجع ذلك كما قدمنا ~~إلى سببين: أحدهما أصيل والآخر عارض، فالسبب الأصيل أن عمرا يصدر عن وحي العبقرية، وأن ~~معاوية صاحب عقل من العقول الوسطى التي أفادتها المرانة وتمثلت أمامها قدرة الآباء، ~~كأنها السجل المحفوظ الذي ينقل عنه نقل المحاكاة، والسبب العارض أن عمرا مضطر إلى ~~الوثوب والاقتحام؛ لأنه لن يفتح له باب بغير اقتحام، أما معاوية ففي موضعه وانتظار ساعته ~~على هينة ووثوق، فإن وصل فذاك وإن لم يصل فالذي في يده يغنيه، والعجلة لا تغني عنه ولا ~~تنفعه كما تنفعه الأناة. ~~••• # والبديهة الحاضرة في أعمال عمرو لا تحصى شواهدها، فإنها تلازمه في جميع حالاته ولا تبدو ~~منه في حالة دون حالة: تذكيها المآزق والخوف من الخطر، ولا تخمدها الطمأنينة والأمان في ~~سرية، ويستخدمها لغيره كما يستخدمها لنفسه كما شاء. # خرج يعس بالليل وهو أمير على مصر، فسمع أناسا يقعون فيه ويتوعدونه وعلم أنه إن تركهم ~~إلى غده لم يعرفهم ولم يظفر بأجمعهم فأقبل عليهم إقبال الخائف الطريد، وأوهمهم أنه يلوذ ~~بهم ويضرع إليهم ألا يسلموه إلى الأمير؛ لأنه يتعقبه ويمعن في طلبه، فاستبقوا إلى تقييده ~~وساقوه إلى باب قصره لا يتخلف أحد منهم طمعا في المثوبة، فأوصلهم إلى حيث أراد! # وقتل الروم رجلا من المسلمين حول الإسكندرية، واحتزوا رأسه وانطلقوا به إلى داخل ~~الحصن، فأقسم أبناء قبيلته لا يدفن إلا برأسه، قال عمرو: تتغضبون كأنكم تتغضبون على من ~~يبالي بغضبكم! احملوا على القوم إذا خرجوا فاقتلوا منهم رجلا، ثم ارموا برأسه يرموكم ~~برأس صاحبكم، فلما فعلوا إذا برأس صاحبهم يسقط عليهم، فقال: دونكم الآن فادفنوه ~~برأسه. # أما البديهة الحاضرة في تعبير عمرو، فمسطورة الشواهد في مساجلاته وأجوبته ورسائله ~~وأوصافه، فهي جميعا مثل من أمثلة الإيجاز والمضاء، كأنها ضرب من الاختزال لولا أنها ~~واضحة وضوح التفصيل، وقد رويت له مقطوعات من الشعر تسلكه بين طبقة من الشعراء، لولا أن ~~كلمات البديهة التي أثرت عنه قد غلبت على نظمه ونثره، فكانت ms025 أولى بالدلالة على العارضة ~~القوية فيه وهي أنبغ ملكاته، وحسبك من نبوغ هذه الملكة فيه أنها كانت عند الفاروق من ~~آيات قدرة الله، فكان إذا رأى رجلا يتلجلج في كلامه قال: آمنت بالله! ... خالق هذا وخالق ~~عمرو بن العاص واحد! ~~••• # وإذا اجتمع للرجل ذكاء ماض، وعزيمة ماضية، ولسان ماض، وهوى يمضي في زمامه وينثني بعد ~~عرامه، فذلك الرجل الذي يحسب له حساب في كل زمان وجد فيه. # ولكنه أحرى أن يحسب له كل حساب في أيام الفتن والقلاقل واختلاف الدعاوى والحقوق؛ لأنه ~~يستطيع التفريق والتوفيق ويستطيع التأليب والتغليب، وعسير جدا أن يهمل شأنه بين الشيع ~~والأحزاب، وإن لم يكن إهماله في غيبة الشيع والأحزاب جد عسير. # لهذا لم يظهر لعمرو بن العاص شأن ذو بال في الترشيح للخلافة بعد الفاروق، بل عد دخوله ~~في هذا الأمر من الفضول والتظاهر بما ليس من قدره؛ فلما اجتمع رهط الشورى في بيت عائشة ~~لانتخاب الخليفة أقبل هو والمغيرة بن شعبة فجلسا بالباب، فحصبهما سعد بن أبي وقاص ~~وأقامهما من مكانهما وهو يهزأ بهما قائلا: تريدان أن تقولا: حضرنا وكنا في ~~الشورى؟! # فما زالت الأيام تدور دوراتها حتى أصبح هذا المحصوب الذي استكثر عليه الجلوس بباب أهل ~~الشورى، فإذا هو قبلة القصاد في مشكلة الخلافة، وكل من عداه لائذون بالأبواب ...! # ولا نختم الكلام في التعريف بعمرو حتى نومئ إلى تعريف له طريف من كلام مجالد عن ~~الشعبي عن قبيصة عن جابر في رواية النجوم الزاهرة، حيث قال بعد كلام في وصف نفر من ~~الصحابة: «... وصحبت عمرو بن العاص فما رأيت أنصع ظرفا منه، ولا أكرم جليسا ولا أشبه ~~سريرة بعلانية منه.» # والطريف في هذا الوصف مشابهة السريرة والعلانية في الرجل الذي لم يشتهر بشيء كما اشتهر ~~بالدهاء. # فهل فرط الدهاء خيل إلى الرجل الذي وصفه بتلك الصفة أنه أشبه الناس سرا ~~بعلانية؟ # أو هو الصدق رآه الرجل الطيب فوصفه كما رآه غير مبال بمن يستغرب هذه الغريبة أو تخامره ~~الشكوك فيها؟ # إننا في الحق ms026 لا نستبعد أن يكون عمرو بن العاص شبيه السر بالعلانية في جميع الأمور التي ~~لا يعنيه أن يكتمها أو يلوذ فيها بحيطته ودهائه! # فقد عهد في كثير من الدهاة أنهم ينطلقون بالحديث، ولا يتحرزون من الصراحة في أخطر ~~الأمور، وقد أثر هذا عن بسمارك كما أثر عن بيكنسفيلد # 2 # من دهاة الأوروبيين في الزمن الأخير. # ومعظم هؤلاء الدهاة يحبون إرسال النفس على السجية، ويشبهون المهرة من اللاعبين الذين ~~يلعبون «على المكشوف»، كما يقولون في عرفهم، ثقة منهم بالقدرة على الإصابة والسداد، أو ~~يشبهون الفارس الذي يخلع شكته من حين إلى حين مباهاة ببأسه واقتداره، ولا سيما إذا كان ~~هؤلاء الدهاة ممن امتزجت بهم نزعة المغامرة والطموح البعيد. # ويلوح من جملة أخبار عمرو مع معاوية على التخصيص أنهما كانا في الصلة التي بينهما ~~يؤثران اللعب على المكشوف، ولا يضيعان الوقت في مراء يعرفانه ولا يجهلانه، وقد كانت ~~مساومة عمرو لمعاوية صريحة لا مداجاة فيها، فقال له: «أترى أننا خالفنا عليا لفضل منا ~~عليه؟ لا والله! إن هي إلا الدنيا نتكالب عليها، وايم الله لتقطعن لي قطعة من دنياك أو ~~لأنابذنك ...» # وعلى هذا النمط كانت المساومات بينهما في معظم الأحاديث المروية عنهما، فإذا عمد أحدهما ~~إلى المداورة لم يلبث أن يرتد إلى الصراحة وقد رأى عين صاحبه واقعة على أخفى ~~خفاياه! # فغير بعيد إذن أن يكون عمرو من الظرفاء الصرحاء في أحاديث المجالس وعروض الكلام المشاع، ~~وليس في شيء من هذا ما يناقض صفته التي خرجنا بها من جملة أحواله ومساعيه، وهي صفة الرجل ~~العملي، الطموح الذكي الذي يكبح هواه وينفلت منه بين الحين والحين في نوبات مجازفة تغريه ~~بها وثبات العبقرية وضرورة الاقتحام، ويهونها عليه اقتداره على رد الزمام إلى يديه، ~~وابتداع الحيلة المسعفة حيث شاء. # الفصل الثالث # | من التجارة إلى الإمارة # من الطمع الكثير أن تتطلع إلى تاريخ مفصل لطفولة عمرو بن العاص، أو لطفولة عظيم من ~~عظماء عصره في البلاد العربية خاصة؛ لأن أبناء العصور القديمة قلما حفلوا بالطفولة ms027 أو ~~حفلوا بأخبار الرجال - كبارهم وصغارهم - إلا بمقدار اتصالها بالحوادث الجامعة؛ فهم حينئذ ~~يدخلون في حوزة التاريخ ويذكرون في سباق الحوادث التي لهم بها اتصال. # ولكننا نستطيع أن نقول على ثقة: إن عمرا الطفل قد تعلم كل ما يتعلمه أطفال العرب ~~المقيمين في الحاضرة؛ لأنها السنة العامة التي لا موجب للشذوذ عنها؛ ولأننا نعلم ذلك ~~وزيادة عليه من أخباره وهو في طور الشباب والكهولة، فنعلم أنه كان يحسن ركوب الخيل ~~والسباحة ويحسن الضرب بالسيف، وينظم الشعر ويعرف الكتابة كما كان يعرفها نفر من أبناء ~~التجار النابهين الذين يرشحهم آباؤهم للعمل في التجارة. # وقد عصمه اعتزازه بالنسب أن ينظم الشعر للتكسب بالمدح والهجاء على عادة «المحترفين» من ~~شعراء زمانه، وإنما كان ينظمه للتنفيس عن نفسه، ويجري به خاطره كما كانت تجري به خواطر ~~الوجوه من رؤساء العشائر في معرض العظمة والاعتبار. # والظاهر من أخبار نشأته الأولى كما أسلفنا أنه بكر بالزواج؛ لأن الفارق بين سنه وسن ~~ابنه عبد الله غير كبير؛ ومن ثم يجوز لنا أن نفهم أنه استقل بمعيشته وهو في ميعة الشباب، ~~ولا سيما إذا ذكرنا أن أمه لم تكن سيدة الدار في كنف أبيه. # فربما تزوج الفتى الناشئ من أهل البادية، ولم يستقل بالمعيشة بعد زواجه؛ لأنه يعمل هو ~~وزوجه في رعي الإبل له ولأبيه في محلة واحدة. # أما العربي الناشئ في الحاضرة فالأغلب الأعم أن يستقل بيته وعمله بعد زواجه، ويصدق هذا ~~على عمرو خاصة؛ لأننا لم نقرأ من أخباره وهو عامل في التجارة أنه كان يصحب أباه في ~~رحلاته إلى الحبشة والشام، وربما دل على استقلاله بمعيشته البيتية أنه كان يصطحب زوجه في ~~سفره، كما جاء في النبأ المشهور عن إحدى رحلاته إلى الحبشة، وإنه لكذلك دليل على شبيبة ~~حازمة غير لاهية، جديرة أن تضطلع بأدب الأسرة، ولا تعيث في الغربة عيث الإباحية التي ~~شاعت بين فتوة الجاهلية. # وقد داول في شبيبته بين الجزارة والتجارة، وظل يداول بينهما إلى ما بعد إسلامه وانقضاء ~~صدر من الإسلام ms028 إلى قيام الفتنة بين علي ومعاوية؛ ففي مشاورته لولديه بين اللحاق بهذا أو ~~بذاك كان يشكو معيشته بين «جزاري مكة»، ويطمح إلى مقام أكرم له من هذا المقام. # وللتجارة في سيرة عمرو شأن أعظم من شأن المرتزق أو الصناعة التي يكسب بها مئونة عيشه؛ ~~لأنها ولا ريب كانت مدرسته الكبرى التي تعلم فيها ما تعلم من أحوال الحياة وخلائق الناس، ~~بل كانت مدرسته الكبرى في السياسة والفتوح: من سياحاتها تلقى علمه الأول عن الأمم ~~والبلدان، ومن سياحاتها نفذ إلى عيوب الحكم ومواقع الخلل في الدول التي كانت له يد في ~~الإشارة بفتحها وسوق الجيوش إليها، وتهوين الأمر على الخلفاء حين خامرهم التردد في ~~القدرة عليها. # وكانت سياحاته التجارية خليقة أن تطلعه على أسرار دخيلة ليس يفطن لها كل سائح، لامتيازه ~~بنفاذ البصر وبلوغه مرتبة الحظوة عند بعض الأمراء الذين كانت له تجارة في بلادهم، ومن ~~تلك الحظوة أن نجاشي الحبشة قد ألفه وعوده أن يلقاه كلما عاد إليه لقاء المودة، ويستمع ~~له في خاصة أهله ويدعوه أحيانا بالصديق. # وسنجتزئ من أخبار سياحاته بطائفة قليلة فيها الغنى عن سائر تلك الأخبار وفيها كذلك غنى ~~في الإبانة عن كثير مما يستحق الجلاء من خلائقه ومساعيه. # خرج إلى الحبشة في شبابه مع فتى عربيد من بني مخزوم يدعى عمارة بن الوليد، (وقد سبق ذكر ~~هذه الحادثة على إيجاز)، فشربا في السفينة خمرا، فسكر عمارة ونظر إلى امرأة صاحبه نظرة ~~مريبة وسألها أن تقبله، فكظم عمرو غيظه وقال لامرأته وهو يسر في نفسه شيئا: قبلي ابن ~~عمك! فقبلته. # وطمع عمارة فلج في غيه، وتمادى في مراودة المرأة خلسة وعلانية وهي تمتنع عليه، فظن أن ~~امتناعها لخشيتها من زوجها، وأنه بالغ مأربه إذا قذف به إلى البحر على غرة منه، فأمهل ~~عمرا حتى دنا من حافة السفينة ودفع به إلى الماء، ثم أمعن في حماقته فصارح عمرا بسوء ~~قصده، وقد نجا هذا سابحا من الغرق وعاد إلى السفينة، فقال له قولة تنضح بالحمق والغفلة: ~~أما ms029 والله لو علمت يا عمرو أنك تحسن السباحة ما فعلت! أي: إنه كان ينوي له قتلة لا سلامة ~~منها، فنجا وهو كاره لنجاته! # وتمضي الرواية فتنبئنا أن عمارة كان وسيما محببا إلى النساء، فدب إلى حرم النجاشي ~~وخرج يفخر لعمرو بفعلته ويحدثه بنجواه مع خليلته، وعمرو يظهر له التكذيب ليستخرج منه ~~دليل اليقين الذي لا يشك النجاشي في صدقه إذا نمى إليه، حتى ظفر منه بذلك الدليل فأورده ~~موارد الهلكة في خبر طويل لا محل هنا لاستقصائه ...! # هذا خبر من أخبار رحلاته إلى الحبشة. # وخبر آخر من أخبار رحلاته إلى تلك البلاد رواه هو فقال ما فحواه: «جمعت رجالا من قريش ~~بعد منصرف الأحزاب من الخندق فقلت لهم: إني لأرى أمر محمد يعلو الأمور علوا منكرا، ~~وإني قد رأيت أن نلحق بالنجاشي فنكون عنده، فإن ظهر محمد على قومنا كنا عند النجاشي، ~~فلأن نكون تحت يديه أحب إلينا من أن نكون تحت يدي محمد، وإن يظهر قومنا فنحن من قد عرفوا ~~فلا يأتينا منهم إلا خير، قالوا: إن هذا لرأي، قلت: فاجمعوا له ما يهدى إليه، وكان أحب ~~ما يهدى إليه من أرضنا الأدم فجمعنا له أدما كثيرا، ثم خرجنا حتى قدمنا عليه وإنا ~~لعنده إذ جاء عمرو بن أمية الضمري من قبل رسول الله، قد بعثه إليه في شأن جعفر بن أبي ~~طالب وأصحابه، فقلت لأصحابي: هذا عمرو بن أمية الضمري لو قد دخلت على النجاشي وسألته ~~إياه فأعطانيه فضربت عنقه، رأت قريش أنني أجزأت عنها حين قتلت رسول محمد. # فدخلت عليه فسجدت له كما كنت أصنع، فقال: مرحبا بصديقي! أهديت لي شيئا من بلادك؟ قلت: ~~نعم أيها الملك قد أهديت لك أدما كثيرا، ثم قربته إليه فأعجبه واشتهاه! # ثم قلت: أيها الملك! إني قد رأيت رجلا خرج من عندك وهو رسول رجل عدو لنا، فأعطنيه ~~لأقتله فإنه قد أصاب من أشرافنا وخيارنا. # فغضب، ثم مد يده فضرب بها أنفه ضربة ظننت أنه قد كسره، فقلت: والله أيها الملك ms030 لو ظننت ~~أنك تكره هذا ما سألتكه، قال: أتسألني أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الأكبر الذي كان ~~يأتي موسى لقتله؟! فراعني ما سمعت وسألته: أيها الملك أكذلك هو؟ قال: ويحك يا عمرو! ~~أطعني واتبعه فإنه والله لعلى الحق وليظهرن على من خالفه كما ظهر موسى على فرعون ~~وجنوده، ثم بسط يده فبايعته على الإسلام.» ~~••• # أما رحلاته إلى غير الحبشة فالذي لا شك فيه أنه قد رحل إلى الشام وبيت المقدس، وحمل ~~إليهما بضاعة من اليمن والحبشة والحجاز، ولكن الذي تحيط به الشكوك رحلة له إلى مصر، يوشك ~~- لولا ما فيها من الخرافة - أن تكون أقرب الرحلات إلى التصديق؛ لأن جهله بمصر أدعى إلى ~~الشك من بعض الخرافات، فإن لم تكن رحلة إليها فعلم بها على الأقل يساوي العلم بالمشاهدة ~~والاختبار. # وخلاصة هذه الرحلة، كما تناقلها مؤرخو العهد، أن عمرا كان يرعى إبله وإبل أصحابه في ~~جبال بيت المقدس نوبا بينه وبين أولئك الأصحاب، فبينما هو يرعى إذ أقبل إليه شماس ~~يكاد يهلك من العطش، فسقاه عمرو حتى روي، وتركه ينام مستريحا إلى جواره وإنه لنائم إذ ~~خرجت عليه حية عظيمة، فقتلها عمرو قبل أن تصل إليه، فاستيقظ الشماس وشكره وقبل رأسه، ~~وقال له: لقد أحياني الله بك مرتين: مرة من شدة العطش، ومرة من هذه الحية، فكم ترجو أن ~~تصيب من تجارتك؟ قال: أرجو أن أشتري بعيرا فتكون لي ثلاثة أبعرة، فسأله الشماس: كم دية ~~أحدكم بينكم؟ فأجابه عمرو: إنها مائة من الإبل. # فقال الشماس: لسنا أصحاب إبل بل أصحاب دنانير، فكم تكون الدية بالدنانير؟ قال: ألف ~~دينار. # عند ذلك أنبأه الشماس أنه غريب في بيت المقدس، قدم إليه وفاء بنذر قديم، وسيعود إلى ~~إسكندرية بلده، وعليه عهد الله لئن صحبه إليها ليعطينه ديتين؛ لأن الله تعالى قد أحياه ~~به مرتين. # وسأله عمرو: كم يكون مكثه في هذه الرحلة؟ فأخبره الشماس أنه شهر ينطلق في ذهابه عشرا، ~~ويقيم بالإسكندرية عشرا، ويعود في عشر. # فانطلق عمرو وصاحب له حتى انتهوا ms031 إلى الإسكندرية، فرأى من عمارتها وثروتها ما أعجبه، ~~ووافق دخوله إليها عيدا يجتمع فيه ملوكهم وأشرافهم يترامون بكرة من ذهب، ويحفظون فيما ~~اختبروه منها أن من وقعت في كمه لم يمت حتى يملك عليهم، فلما جلس عمرو والشماس على مقربة ~~من ملعب الكرة، أقبلت تهوي حتى وقعت في كم عمرو، فتعجب القوم لأنها لم تكذبهم خبرها في ~~مرة من المرات، وتساءلوا: أترى هذا الأعرابي يملكنا؟ # ثم حدث الشماس قومه حديث إنقاذه على يدي عمرو، فجمعوا له المال الذي وعده به، ورده ~~محروسا مكرما إلى أن بلغ أصحابه. # تلك خلاصة القصة التي تناقلها المؤرخون عن رحلة عمرو إلى مصر قبل إسلامه، وهي قصة مريحة ~~في تلفيقها؛ لأن القارئ لا يتعب في الاهتداء إلى مواضع التلفيق منها، فلا يخفى على قارئ ~~من قراء العصر الحاضر موضع التلفيق من حكاية الكرة، ولا موضع المبالغة من حكاية ~~الدنانير، وشفاعة القصة الوحيدة أنها تروي لنا مدخل عمرو مصر على أقرب الوجوه أن يكون هو ~~الوجه الصحيح، وهو النظر إلى شعبها وحكومتها وعمارتها ومجمل أحوالها في صحبة شماس يريه ~~من أسرار ذلك جميعه ما لا يراه في صحبة رجل غيره، إذ كان الشماسون يومئذ أعرف الناس ~~بحقائق الخلاف بين الحكومة والكنيسة وبين شعب الكنيسة في داخلها، وكان عمرو خليقا أن ~~يعرف منه مصر تلك المعرفة التي هونت عليه الهجوم على فتحها بذلك العدد القليل من الجند، ~~وتلك العدة القليلة من السلاح. # غير أن هذه القصة على أية حال ليست مرجعنا الوحيد في العلم بزيارة عمرو للديار المصرية، ~~فقد روى الكندي أنه كان يحمل التجارة إليها كما كان يحملها إلى بيت المقدس ~~والشام. # والغريب حقا ألا يكون عمرو قد زار مصر في جاهليته مرة أو مرات، ويتجاوز حد الغرابة أن ~~يكون قد وصل إلى تخوم مصر تاجرا ومقاتلا ولم يسمع من أخبارها الوافية ما فيه غنى عن ~~الزيارة! # فلا شك أنه قد علم من أخبارها في جاهليته وبعد إسلامه شيئا غير قليل ... ~~••• # وفي وسعنا على الجملة أن ms032 نتخيل حياة عمرو في الجاهلية على النحو الذي وصفته لنا حكايات ~~الرحلة إلى الحبشة والشام ومصر، بما يتخللها من أفانين الاختراع والتزويق، فلن تكون على ~~نحو غير النحو المعقول من تلك الحكايات بعد إخلائها من الأخلاط التي لم تخل منها قصة ~~قديمة من قبيلها. # وقد ظهرت الدعوة المحمدية وعمرو بن العاص يعيش في الحجاز هذه المعيشة، أو يضرب فيما ~~حوله على النحو الذي رأيناه. # فكيف كان لقاؤه الأول للإسلام؟ وكيف جاوب هذا الرجل تلك الدعوة الطارئة عليه؟ # أوجز ما يقال: إنه جاوبها كما ينتظر أن يجاوبها رجل مثله في مثل طبيعته وعمله وخبرته ~~بما حوله. # جاوبها على سنة الحيطة العملية التي لا تقدم على الأمر إلا إذا زالت جميع الموانع من ~~طريقه، وتبينت دواعي الإقبال عليه فعارض الإسلام في حياة أبيه؛ لأنه كان يعتز باسمه ~~ويعتز بالعصبية التي تعلق بها جميع فخره، أو جميع سلواه من حطة نسبه إلى أمه. # ومات أبوه، فظل يعارض الإسلام لبقية أمل عنده في غلبة قريش وإخفاق هذه الدعوة الواغلة ~~عليها. # وانهزمت قريش مرة بعد مرة، فلم ييأس من رجعة النصر إليها، ولم يستسلم لأمله في انتصاره، ~~بل فكر في الحبشة يلوذ بها وينتظر العاقبة فيها، فيستبقي مودة قريش إذا انتصرت، ولا يصاب ~~بهزيمتها إذا هي أطبقت عليها الهزيمة، ويأمن على نفسه في الحبشة وعند صاحبه النجاشي ما ~~استقر به المقام فيها. # لكنه لقي النجاشي فإذا هو صديق للنبي العربي، لا يغضبه ولا يفرط في رسله ودعاته ~~...! # ويجوز أن النجاشي قد أحس صدق النبي وعلم ما بين الإسلام والمسيحية من المقاربة ~~والمناسبة، فاستنكر أن ينصر ديانة الأوثان على ديانة التوحيد! # ويجوز أنه نظر إلى الدعوة النامية نظرة حكمة وسداد، فأبى أن يناهض صاحبها وهو موشك أن ~~يسود الطريق بين الحبشة ودولتي الفرس والروم، وأن يشرف على مسالك التجارة بين أقطار ~~العالم المعمور. # وعلى كلتا الحالتين ليس هو بالعون لعمرو في تربصه بالإسلام وكيده لنبي الإسلام من قريب ~~ومن بعيد! # وليس عمرو - في حيطته العملية - بالذي ms033 يحارب قضية تؤيدها هذه الطوالع في بلادها وغير ~~بلادها، ولا هو بالذي ينصر قضية لقريش قد خذلتها هذه الخواذل، وحلق بها الفشل من ~~نواحيها، وذهبت مولية تمعن في توليها ولا تؤذن بإقبال ... # هنا تفتح الحيطة سبيل التأمل والتفكير ...! # ومن دأب أصحاب هذه العقول أنهم يستنفدون أسباب الحيطة أولا، ثم يتأملون ويفكرون، فلا ~~يمنعهم مانع أن ينفذوا إلى اللباب، وأن يدركوا ما هم أقدر على إدراكه من الآخرين، لولا ~~ما كان يعوقهم من طبيعة التربص والانتظار، وإذا أدركوا فهم كذلك إنما يدركون على ديدن ~~الحيطة والموازنة بين الأمور والمقابلة بين طريق وطريق ... فما باله لا يفكر في هذا ~~الإسلام الذي لبث من قبل معرضا عنه مصرا على إبائه؟ # ألا يجوز أن يكون خيرا وأبقى؟ بلى هو خير وأبقى؛ لأنه يكفل حياة الدنيا والآخرة، ويعوض ~~العرب عن ضنك العيش، فلا تكون قسمتهم دون قسمة الفرس والروم، وهم أصحاب العيشة الرخية في ~~هذه الحياة الدنيا. # ففيه مرضاة للعزة العربية ومرضاة للحيطة، ومنفس للأمل فيما بعد الموت، وفيه المحيص حيث ~~لا محيص. # أيفهم من هذا أن عمرا لم يسلم عن يقين وخلوص نية؟ # كلا! بل يفهم منه أنه أسلم كما ينبغي لصاحب هذه الطبيعة أن يسلم أو يؤمن بعقيدة من ~~عقائد الفكر والروح. # فالإسلام لا يمنع اختلاف الطبائع وأساليب التفكير، ولا يستلزم أن يكون طريق الناس إلى ~~فهم العقيدة واحدا لا تفاوت فيه. # ومن المستحيل أن يكون الرجل مطبوعا على الحيطة دون أن يكون لذلك الطبع أثر في إسلامه، ~~أو يكون مطبوعا على الشك والتردد ثم يخلو منها ساعة تفكيره في التدين والاعتقاد، أو ~~يكون شجاعا ويسلم إسلام الجبان، أو جبانا ويسلم إسلام الشجاع ...! # فإذا أسلم رجل كما ينبغي لطبعه وخلقه، فقد أسلم إسلامه الصحيح، ولا عجب أن يخالفه آخرون ~~في دواعيهم التي جذبتهم إلى الإسلام، فإنما العجب أن يتفق الناس وهم مطبوعون على ~~اختلاف! # ومن سيرة عمرو بعد إسلامه نعلم أنه كان يتعبد ويتصدق ويستغفر من ذنوب وقع فيها، ويقيم ~~الصلاة ويسرد الصوم، ms034 ويعيش بين ذويه مسلما وكلهم مسلمون، وأدركته الوفاة فبكى لما أضاع ~~من أيامه في جمع الحطام، وود لو يأخذه منه من يحمل وزره، وهو هنا أيضا يستقبل الموت ~~استقبال المسلم الذي لا شك في إسلامه، وإلا لكان رضاه بترك المال لذويه أولى من أسفه ~~لجمعه وحفظه، ولكنه كذلك لم يخرج عن طوية طبعه الذي لا حيلة له فيه، فهو يأخذ بالأحوط في ~~حفظ المال ما قدر على حفظه، ولا يضيعه إلا وهو قادر على تضييعه ناجيا من وزره، آملا أن ~~ينجو من حسابه! ~~••• # مسلم لا شك في إسلامه، ولا شك في طبعه، ولا شك في اختلاف الطبائع بين المعتقدين جميعا ~~في كل دين من الأديان ورأي من الآراء. # فلما فتحت له الحيطة باب التفكير في الإسلام أقبل عليه وود لو يغنمه بريئا من عقابيل ~~الجاهلية؛ لأنه نفض يديه منها وأيقن بضلالها. # قال - وقد اعتزم لقاء النبي عليه السلام - ما فحواه: «فلقيت خالدا فقلت: ما رأيك؟ قد ~~استقام المنسم والرجل نبي، فقال خالد: وأنا أريده، قلت: وأنا معك ... وقال عثمان بن ~~طلحة: وأنا معك ... وكنت أسن منهما فقدمتهما لأستدبر أمرهما، فبايعا على أن يغفر لهما ما ~~تقدم من ذنوبهما، فأضمرت أن أبايعه على ما تقدم وما تأخر، فلما بسط يده قبضت يدي، فقال - ~~عليه السلام: ما لك يا عمرو؟ قلت: أبايعك يا رسول الله على أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي، ~~قال: إن الإسلام والهجرة يجبان ما كان قبلهما فبايعته، والله ما ملأت عيني منه وراجعته ~~بما أريد حتى لحق ربه، حياء منه.» # وقد كان ذلك في السنة الثامنة للهجرة على أرجح الأقوال، ويؤخره بعضهم إلى ما بعد فتح ~~مكة بزمن وجيز. # ولقد كانت رحابة صدر النبي - عليه السلام - تسع الناس جميعا، ولا تضيق بأحد من مختلف ~~الطوائف والطباع: سنة النبي الكريم الذي يدعو الناس جميعا، ولا يخص منهم فئة دون فئة ~~ولا خليقة دون خليقة، فكان يتقبلهم مرحبا بهم مشجعا لهم راجيا أحسن الرجاء فيهم، ~~كلا وما فطر عليه ms035 وكلا وما تؤهله له فطرته وشأنه، وقلما ذهبت هذه السماحة سدى في نفس ~~مسلم أقبل على الإسلام سمح الإقبال أو مشوب السماحة بشيء من عقابيل الجاهلية ؛ فكان أول ~~أثر من آثار هذا الكرم النبوي أن يتسامى المسلم إلى المنزلة التي رفعه ذلك الكرم النبوي ~~إليها، ومنهم من كان يستكثر الثقة الرفيعة التي ظفر بها فيعمل على استحقاقها والمحافظة ~~عليها، ويشفق أشد ما يشفق أن يداخل النبي طائف من الظن بصدق نيته وخلوص إيمانه. # وطالما أشفق عمرو بن العاص هذا الإشفاق، وود لو تخلص له ثقة النبي على أحسن ما يتمناها؛ ~~لأنه ما زال يستكثر الثقة التي ظفر بها، ويرى فيها من كرم النبوة أكثر مما يراه من حقه ~~واستحقاقه. # فلما رشحه - عليه السلام - لبعثة يسلم منها ويغنم، أسرع قائلا: ما أسلمت من أجل المال، ~~بل أسلمت رغبة في الإسلام! # وظل إلى ما بعد وفاته - عليه السلام - بسنين عدة يسائل نفسه عن تولية النبي له: والله ~~ما أدري أكان ذلك حبا لي أم استعانة بي! # ونخال أنه لم يكن يملأ عينه من النبي كما قال؛ حذرا من هذا الذي يساور نفسه أن يبدو من ~~لحظه، فتلتقي به نظرة من تلك النظرات النبوية النفاذة على ما بها من الطيب والسماحة ... ~~وإن طموحه إلى ثقة النبي لهو الذي جعله يقول كما قد قال في بعض أحاديثه: «ما عدل بي رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم # وبخالد بن الوليد أحدا من أصحابه في حربه منذ أسلمت!» # غير أن هذا القلق الذي كان يعتاده من حين إلى حين إنما كان مبعثه ما ركب في طبعه من ~~ظنون الدهاء ودخيلة الحيطة، أو المساءلة الباطنية التي لا تريح أصحابها ممن جبلوا على ~~غراره. # أما مسلك النبي معه فقد كان قوامه ذلك الأدب الإلهي الذي لا يكلف نفسا إلا وسعها، ولا ~~ينتظر من نفس إلا ما هي خليقة أن تعطيه ... # ولقد عرفه - عليه السلام - كما عرف غيره من الصحابة جد عرفانه. # عرفه وعلم «وسعه» الذي يكلفه، فعلم أنه ms036 وسع كبير فيما يحسن وفيما يسيء، وإن في وسعه هذا ~~خيرا للإسلام هو وشيك أن يستعين به عليه. # وقد ندبه لأمور لا يندبه لها إلا من كان على علم واف بالرجل وما غلب عليه من ظاهر خصاله ~~واستسر في مكنون خلده. # ندبه لغزوة ذات السلاسل ولهدم الصنم «سواع»، ولدعوة جيفر وعباد أميري عمان إلى ~~الإسلام ... ثم أقام على الصدقة في تلك الإمارة، فإذا هو - عليه السلام - قد وعى كل خاصة ~~من خواصه التي ظهرت في تاريخه أجمع؛ لأنه اختار له المساعي التي توافق رجلا معتدا ~~بالنسب ولا سيما نسب أبيه، محبا للرئاسة وتدبير المال، لبقا في الخطاب، قديرا على ~~الإقناع، حذورا في موضع الحذر، جريئا في موضع الاجتراء. # كان أخوال العاص بن وائل من قضاعة، ونمى إلى النبي - عليه السلام - أنهم يتأهلون للزحف ~~على المدينة ويعيثون في الطريق، فندب لهم عمرا يتألفهم إن استطاع، فإن لم يستطع فهو بأن ~~يزجرهم أولى من أن يجيء زجرهم على يد غيره، وأرسله في سرية من ثلاثمائة رجل سار بهم حتى ~~بلغ ماء يسمى السلاسل، فاستطلع فإذا القوم نافرون مصرون على جفاء، وإذا بهم أكبر عددا ~~من أن يتصدى لهم بجيشه الصغير؛ فاستمد النبي - عليه السلام - فأمده بكتيبة على رأسها أبو ~~عبيدة بن الجراح، وفيها أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب، وهم أجل الصحابة وأقربهم إلى ~~خلافة النبي - عليه السلام - وأمرهم أن يطيعوه إذا أبى عليهم الطاعة فبلغه بذلك رضاه من ~~الإمارة! # وانهزمت قضاعة منذ الوقعة الأولى ... # فلم يغتر عمرو بالنصر، ولم ينس ذمة القرابة واستبقاء الرحم على ما يبدو من مسلكه الذي ~~جمع به بين المصلحة والمودة، فقد أراد جيشه أن يتعقب المنهزمين، فنهاهم عن ذلك، وذهب ~~جماعة من الجيش يصطلون ليلا، فتوعدهم لئن فعلوا ليقذفن بمن أضرم نارا في النار التي ~~أوقدها، ووسطوا له أبا بكر فأصر على رأيه ووعيده! # ثم شكوه إلى النبي فكان في عذره بلاغ بين، قال: كرهت أن يتبعوهم فيكون لهم مدد، وكرهت ~~أن يوقد المسلمون نارا فيرى ms037 عدوهم قلتهم فيكر عليهم بعد فراره. ~~••• # أما بعثته إلى سواع فقد كانت لهدم ذلك الصنم الذي عبدته هذيل في الجاهلية، وكان على ~~مقربة من مكة، يقصدونه للحج والعبادة وقضاء النذور، وكانت له خزانة يودع فيها ما يودع من ~~النذور ومن المال المحجر الذي وكل به بنو سهم قبل الإسلام، فكان اختيار زعيم من بني سهم ~~فيه حرص على تحصيل المال نعم الاختيار لتلك البعثة التي لا حرب فيها. # سأله سادن الصنم: ماذا تريد؟ # قال: أمرني رسول الله أن أهدمه. # قال السادن: إنك لا تقدر على ذلك. # فتقدم عمرو إلى الصنم وكسره، وأمر أصحابه بهدم الخزانة فإذا هي خاوية! # فأقبل على السادن يسأله: كيف رأيت؟ قال: أسلمت لله رب العالمين. ~~••• # وكانت رسالته إلى عمان أشبه الرسائل به وأولاها بانتدابه؛ لأنها كانت مجالا مستجمعا ~~لكل ما فطر عليه من اللباقة والدهاء والجرأة وحب الرئاسة والثراء. # كتب النبي - عليه السلام - إلى جيفر وعباد ابني الجلندي كتابا يدعوهما فيه إلى ~~الإسلام، قال فيه بعد السلام على من اتبع الهدى: «أما بعد، فإني أدعوكما بدعاية الإسلام، ~~أسلما فإني رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين، ~~وإنكما إن أقررتما بالإسلام وليتكما، وإن أبيتما أن تقرا بالإسلام فإن ملككما زائل وخيلي ~~تحل بساحتكما، وتظهر نبوتي على ملككما ...» # فحمل الكتاب عمرو بن العاص، وكان عند ظن النبي به في مقدرته ودهائه، فبدأ بأصغر الأخوين ~~عباد؛ لأنه لم يكن على ولاية الملك، فهو أقرب إلى حسن الإصغاء فاحتفى به وأصغى إليه، ~~ووعده أن يوصله إلى أخيه ويمهد له عنده. # ثم لقي جيفرا فإذا هو أصعب مراسا من عباد؛ فطفق يسأل عمرا عن نفسه وعن أبيه: هل أسلم ~~من قبله أو مات على غير الإسلام؟ وسأله عما صنعت قريش فلخص له موقفها أوقع تلخيص حيث ~~قال: «إما راغب في الدين وإما مقهور بالسيف ...» ثم عقب كلام وجيز فيه وعد ووعيد، فقال له: ~~«وأنت، إن لم تسلم اليوم وتتبعه يوطئك الخيل، فأسلم تسلم فيوليك على ms038 قومك، وتبقى على ~~ملكك مع الإسلام، ولا تدخل عليك الخيل والرجال، وفي هذا ومع سعادة الدارين راحة من ~~القتال.» # وأتبع هذا الوعيد بما يوائمه من قلة الاكتراث لجيفر حين لج هذا في عناده، وأعلنه بلقاء ~~المسلمين دون أرضه وصدهم عن حوزة ملكه، فانصرف وقد ألقى في روع عباد ما ألقى، فإذا بعباد ~~قد أتم له ما بدأه من النذير والنصيحة، وإذا بالأخوين ومن تبعهما مستجيبون ~~للإسلام. # وكان جزاء عمرو على هذا التوفيق أن عقد له النبي ~~ولاية الزكاة، يأخذها من الأغنياء ويفرقها على الفقراء، وهو عمل حبيب إلى طبعه لما فيه ~~من تدبير المال ومشابهة للمهمة التي تولاها زعماء بني سهم في الجاهلية، وله منها نصيب ~~يرضيه؛ لأن الزكاة كما نص القرآن الكريم في الصدقات: # إنما ~~الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها ~~والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل ~~الله وابن السبيل ~~[التوبة: 60]. # فله منها نصيب العاملين ... ~~••• # فإذا كان النبي - عليه السلام - قد اختاره لتلك المهام المرتبة، فإنما اختاره وهو يعرف ~~من اختار، ولم تكن مرضاته كل ما توخاه - عليه السلام - بل هي مرضاته من طريق الخير لجميع ~~المسلمين. # وقد أبقاه - عليه السلام - على ولاية الصدقة حتى توفاه الله، فلم يشأ أبو بكر - رضي ~~الله عنه - أن يعزله عنها إلا برأيه ومرضاته؛ إيثارا للسنة التي التزمها من إقرار كل ما ~~أقره النبي - عليه السلام - في حياته، وألا يحل عقالا عقله رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، ولا ~~يعقل عقالا لم يعقله، كما أوصى عمرا نفسه يوم أبلغه نعي النبي الكريم. # ولم ير عمرو قط في حزن كالحزن الذي غمره يوم ورد إليه ذلك الكتاب فبكى طويلا، وجلس ~~يتلقى العزاء كما يتلقاه في أقرب الناس إليه. # ثم جاءت حروب الردة، فكان موقفه منها الموقف المنتظر من مثله كيفما نظرنا إلى أسباب تلك ~~الحروب، فقد كانت ثورة الإسلام وثورة من البادية على الحاضرة، وثورة من القبائل على ~~قريش، وثورة على الزكاة من فرائض الدين خاصة ... وإن أحق الناس أن يبغض تلك الردة لهو ms039 عمرو ~~المسلم القرشي العامل على الزكاة. # فلما كان في طريقه من عمان إلى المدينة، نزل ببني عامر، فإذا بزعيمها قرة بن هبيرة يهم ~~بالردة ويقول له : «يا عمرو! إن العرب لا تطيب لكم نفسا بالإتاوة، فإن أعفيتموها فستسمع ~~لكم وتطيع، وإن أبيتم فلا تجتمع عليكم.» فلم تأخذه في الأمر هوادة، بل اشتد فيه كما اشتد ~~أبو بكر، وصاح بزعيم بني عامر: «ويحك! أكفرت يا قرة؟ تخوفنا بردة العرب! فوالله لأوطئن ~~عليك الخيل في حفش أمك.» أي: في خبائها! # ثم أبى إلا أن ينبئ الخليفة بما سمع من قرة، غير مبق منه بقية يسترها مخافة عليه، فلما ~~جيء بالرجل مأسورا وانطلق عمرو يروي ما سمع منه، ووصل إلى ذكر الزكاة صاح به الرجل: ~~مهلا يا عمرو، فقال: كلا والله! لأخبرنه بجميعه. # وكان هذا الموقف منه أول ما استحق به الثقة والرعاية في عهد الخلافة. ~~••• # وواقع الأمر أن ثقة الخليفة الأول كانت مكفولة لكل من تولى عملا للنبي - عليه السلام - ~~ومات النبي وهو راض عنه. # فلما وقف عمرو من حروب الردة ذلك الموقف الذي حمده أبو بكر خاصة، لاشتداده في قمع هذه ~~الحركة الخبيثة، أصبح عمرو من أقرب المقربين في العهد الجديد، ونظر أبو بكر فيمن حوله ~~يوليه حرب قضاعة، فلم ير أمامه خيرا من صاحبه عمرو، وقد تولى حربها قبل ذلك في عهد ~~النبي، وكان الخليفة الأول يومئذ من جنوده ... فأبلى في تأديب قضاعة أحسن بلاء ولم يرجع ~~عنها إلا وقد سلمت بحق الزكاة وثابت إلى شرعة الإسلام. # والظاهر من بعض الروايات أن عمرا تولى لأبي بكر أعمالا أخرى تدل على ثقة الخليفة به ~~واعتماده عليه، ففي رواية الحافظ أبي عبد الله شمس الدين محمد الذهبي أنه «قدم دمشق ~~رسولا من أبي بكر إلى هرقل.» ويغلب على الظن - إن صح نبأ هذه الرسالة - أنه إنما أوفد ~~من قبل الخليفة لاستطلاع حال العرب في طريق الشام، مستنفرا إياهم إلى حرب الروم إذا وقع ~~المتوقع من الحرب بينهم وبين المسلمين، فذلك أشبه المهام ms040 بما يندب له عمرو بن العاص، ~~وليس في تواريخ الإفرنج أو العرب ما يعزز نبأ رسالة من الرسائل حملها إلى هرقل من أبي ~~بكر الصديق. # ثم ترامت أخبار الأهبة الكبيرة التي تأهب بها هرقل للقضاء على الدولة الإسلامية في ~~نشأتها، ونمى إلى الخليفة أنه جمع مائة ألف أو يزيدون على مقربة من حدود فلسطين، فجرد ~~جيشا من ثقات المسلمين الذين لم يختلط بهم في بادئ الأمر أحد من أهل الردة، وعقد لواءه ~~لخالد بن سعيد بن العاص - أخي عمرو لأمه - وأمره أن يستعين بالعرب في طريقه، وأن ينزل ~~بتيماء مترقبا لا يبرح مكانه إلا بإذنه ولا يقاتل إلا من بدأ بقتاله، ولعله أراد بتجريد ~~هذا الجيش تأمين الطريق من انتقاض أهل البادية حينما سمعوا بتحفز الروم للهجوم على بلاد ~~المسلمين، ثم استطلاع الخبر وتعويق حركة الروم حتى يجمع لهم كفايتهم من الجند ~~والقواد. # وقد كره عمر بن الخطاب ولاية خالد؛ «لأنه رجل فخور يحمل أمره على المغالبة والتعصب»، ~~فسعى عند الخليفة في عزله، فعزله وعقد لواءه ليزيد بن أبي سفيان. # هنالك جاشت مطامع عمرو، فسمت به همته إلى قيادة الجيوش الإسلامية التي تصد الروم وتفتح ~~الشام، ورأى أن خالد بن الوليد صاحبه القديم تكفل بدولة الأكاسرة، فليكن هو إذن كفيل ~~المسلمين بدولة القياصرة، ولم يشأ أن ينتظر حتى يبرم الرأي في مسألة القيادة العليا وهو ~~غائب عنها، فلما أخذ الخليفة في تجريد الجيوش وعقد الألوية لها، ذهب إلى عمر بن الخطاب ~~فقال له متلطفا: «يا أبا حفص! أنت تعلم شدتي على العدو وصبري على الحرب، فلو كلمت ~~الخليفة أن يجعلني أميرا على أبي عبيدة، وقد رأيت منزلتي عند رسول الله، وإني أرجو أن ~~يفتح الله على يدي البلاد ويهلك الأعداء.» # فأجابه عمر بصراحته الصادعة: «كلا! ما كنت لأكذبك! وما كنت بالذي أكلمه في ذلك، فإنه ~~ليس على أبي عبيدة أمير! ولأبو عبيدة عندنا أفضل منزلة منك وأقدم سابقة، والنبي # صلى الله عليه وسلم # قال فيه: «أبو عبيدة أمين الأمة.» فلم ms041 ييأس عمرو من إقناعه بعد ما سمع، وراح يقول له: ~~«ما ينقص من منزلته إذا كنت واليا عليه.» فانتهره عمر قائلا: «ويلك يا عمرو! إنك ما ~~تطلب بقولك هذا إلا الرئاسة والشرف، فاتق الله ولا تطلب إلا شرف الآخرة ووجه الله ~~تعالى.» # واستقر رأي الخليفة على البعوث وقوادها، فأنفذ أبا عبيدة بن الجراح إلى حمص، ويزيد بن ~~أبي سفيان إلى دمشق، وشرحبيل بن حسنة إلى وادي الأردن، وعمرو بن العاص إلى فلسطين، وخشي ~~أن يقع الخلاف مرة أخرى على الرئاسة، فقال له وهو يودعه: «... كاتب أبا عبيدة وأنجده إذا ~~أرادك، ولا تقطع أمرا إلا بمشورته.» وأوصاه أن يذهب في طريق العقبة إلى فلسطين. # ويقدر عدد الجيش الذي قاده عمرو بتسعة آلاف مقاتل، معظمهم من أهل مكة والطائف وهوازن ~~وبني كلاب، وعدد الجيوش الإسلامية كافة بسبعة وعشرين ألفا من الفرسان والمشاة. # وكان ذلك في أواخر السنة الثانية عشرة للهجرة، على القول المشهور، أو في أوائل السنة ~~التي بعدها، على قول آخر. ~~••• # إلا أن دهاء عمرو أنزله من هذه الجيوش منزلة المشورة والمراجعة، وإن لم ينزله بينها ~~منزلة الرئاسة العامة والقيادة العليا. # فلما اقترب جند المسلمين من مواقعهم التي قصدوا إليها سمعوا بأهبة العدو، فإذا هو يزحف ~~إليهم في جحافل جرارة تبلغ عدتها مائة وخمسين ألفا، من حاملي الشكة السابغة والعدة ~~الكاملة، فترددوا وتشاوروا وكتبوا إلى عمرو بن العاص وإلى الخليفة، فوافاهم الجواب منهما ~~معا بالاجتماع للقاء الروم في موقع واحد، وكان رأي عمر أن يتراجعوا إلى اليرموك ~~وينتظروا جيوش الروم هناك ... # وأقبل خالد بن الوليد يطوي الصحراء بأمر الخليفة لنجدة القواد من إخوانه المبعوثين لحرب ~~الشام، فألفاهم متفرقين لا يجتمعون على قيادة، واقترح عليهم ذلك الرأي الذي تواترت به ~~الروايات، وهو تداول الإمارة بينهم، وأن تكون الإمارة إليه في اليوم الأول وقد وقع في ~~تعيين تاريخه خلاف كبير. # قيل: إن عدة المسلمين يومئذ لم تجاوز خمسين ألفا، وارتفع الطبري بعدة جيش الروم إلى ~~مائتين وأربعين ألفا، وهبط بها بعضهم إلى أقل ms042 من نصف هذا العدد وليس هو بقليل. # وكانت ملحمة الرجاء المستميت واليأس المستميت، وتنادى أبطال المسلمين على عهد الموت لا ~~يرجعون إلا منتصرين، أو يقعوا مكانهم مستشهدين، وتزمل اليائسون من الروم في أماكنهم ~~ينتظرون القتل إيثارا له على الفرار، فانجلى النهار عن هزيمة اليأس وغلبة الرجاء، ~~واشتهرت هذه المعركة باسم معركة أجنادين على اختلاف في الموقع والتاريخ لا يعنينا هنا أن ~~نتقصاه. # ويؤخذ من المصادر المختلفة أن عمرا قد اشترك في أكثر حروب الشام بين دمشق وفلسطين، وأن ~~شجاعته فيها جميعا كانت كفاء دهائه وحزمه، فلم يكن يرضى لنفسه مقاما في الشجاعة دون ~~مقام أحد من القواد أيا كان حظه من سمعة البأس والإقدام. وذكروا في وصف وقعة اليرموك ~~أن الروم هجموا في بعض حملاتها بقضهم وقضيضهم على فريق من المسلمين، فانكشف المسلمون ~~وولى صاحب رايتهم، فلحق به خالد بن الوليد وعمرو بن العاص يتسابقان لأخذها من يده، ~~فأخذها عمرو واندفع بها يقاتل المتقدمين من الروم حتى كر إليه المسلمون وتجمعوا حوله، ~~فأدبر الروم منهزمين. ~~••• # وكأنما شاءت الأقدار للخليفة الأول - أبي بكر الصديق - أن يفارق الدنيا وقد اطمأن إلى ~~غزوة الروم، التي اضطلع بتبعاتها المرهوبة وهو عظيم الهم بها، شديد القلق من عواقبها؛ ~~فانتهت أيامه بهذا النصر المؤزر الذي أوشك أن يكون حاسما كل الحسم في معارك الشام ~~وفلسطين. # وأسلم الزمام إلى خير يد تلقى إليها الأزمة من بعده، فبويع لعمر بن الخطاب بالخلافة ~~والنصر مقبل، والحوادث مواتية لمن يتولاها بالحزم الذي هو أهله، وبالروية التي كانت ~~قرينة لحزمه. # وكان عمر بن الخطاب من أعظم الناس ثقة بأبي عبيدة بن الجراح، لما سمع من تزكية النبي ~~له، واختبر من أمانته وإيمانه في طويل الصحبة بين الرجلين العظيمين، وكان يبلغ من هذه ~~الثقة أنه هم أن يبايعه بالخلافة في عجلة الموقف بعد وفاة النبي - عليه السلام - وأنه ~~كان يقول وهو يجود بنفسه: «لو كان أبو عبيدة حيا لعهدت إليه.» # فلم يلبث غير قليل أن وضع هذه الثقة في موضعها، فأسند إليه ms043 القيادة العامة في حرب ~~الروم، واعتمد على رأيه فيما يأتيه من أخبار ذلك الميدان الفسيح. # والظاهر أن توحيد القيادة كان أعون على توزيع العمل بين القواد في أنحاء الميدان كله، ~~فاستقل عمرو بن العاص بغزوات فلسطين وما جاورها، وتم على يديه فتح سواحلها وحصار بيت ~~المقدس ومنازلة صاحبها «أريطيون» بالجرأة تارة وبالمكيدة تارة أخرى، وكلتاهما من الصفات ~~التي اشتهر بها عمرو بن العاص. # واتفقت المصادر على التنويه ببلاء عمرو في هذه الغزوات، فوضح منها جميعا أنه لم يكن ~~يألو ذلك العمل الجسام الذي وكل إليه جهدا من شجاعته ولا من تدبيره، وربما جشمته ~~موارد التدبير مخاطر لم يتجشمها في موارد القتال! # من أمثلة ذلك ما رواه الكلبي حيث قال: «لما فتح عمرو بن العاص قيسارية سار حتى نزل غزة، ~~فبعث إليه علجها أن ابعث إلي رجلا من أصحابك أكلمه، ففكر عمرو وقال: ما لهذا أحد ~~غيري! وخرج حتى دخل على العلج فكلمه، فسمع كلاما لم يسمع قط مثله! فقال العلج: حدثني، ~~هل في أصحابك أحد مثلك؟ قال: لا تسأل عن هذا، إني هين عليهم إذ بعثوا بي إليك، وعرضوني ~~لما عرضوني له ولا يدرون ما تصنع بي، فأمر له بجائزة وكسوة وبعث إلى البواب: إذا مر بك ~~فاضرب عنقه وخذ ما معه، فخرج من عنده فمر برجل من نصارى غسان فعرفه، فقال: يا عمرو، قد ~~أحسنت الدخول فأحسن الخروج، ففطن عمرو لما أراده ورجع فقال له العلج: ما ردك إلينا؟ قال: ~~نظرت فيما أعطيتني فلم أجد ذلك يسع بني عمي، فأردت أن آتيك بعشرة منهم تعطيهم هذه ~~العطية، فيكون معروفك عند عشرة خيرا من أن يكون عند واحد! فقال: صدقت، وبعث إلى البواب ~~أن خل سبيله، فخرج عمرو ودخل عليه العلج قال له: أنت هو؟ قال: نعم، على ما كان من غدرك ~~...» ا.ه. # وهذه القصة التي أشرنا إليها غير مرة لا تؤخذ على علاتها في تفصيلاتها، ولا يلزم أن تصح ~~أصولها ولا فروعها، ولكنها تدل - ولو كانت مؤلفة - على أشياء ms044 قريبة من الحقيقة، بل لا بد ~~أن تكون قريبة منها؛ لأن صدق الأخبار عامة لا يستقيم ولا ينتظم بغيرها، فمن تلك الأشياء ~~شهرة عمرو بالدخول في أمثال هذه المداخل العويصة التي يجرب فيها حيلته كما يجرب إقدامه، ~~ومنها أن عرب الشام كان فريق منهم على الأقل ينظر إلى الحرب بين الروم والمسلمين نظرة ~~العصبية الجنسية، على ما بينهم من الفارق في العقيدة، فلم يعتذروا كذبا حين زعموا بعد ~~هزيمة الروم أنهم أكرهوا على القتال في صفوفهم وهم يودون لهم الهزيمة، ويتمنون الظفر ~~لإخوانهم في الأصل واللغة، ومن تلك الأشياء أن عمرا كان معروفا بين أهل غسان، فلا يبعد ~~أن يصدق ما خطر لنا عن رسالته إلى أنحاء دمشق من قبل الخليفة الصديق، وأنها كانت رسالة ~~إلى عرب القبائل الشامية لتحريضها واستطلاع أحوالها قبل الشروع في قتال الروم ... # وجماع تلك الأخبار التي لا خلاف في لبابها - وإن وقع الخلاف على قشورها - أن عمرا كان ~~بطل الغزوة الشامية في ميدان فلسطين، وأنه ربما كان بطل الغزوة من طلائعها الأولى، يوم ~~كانت بعد في طور التأهب والاستطلاع. # وليس رأي الخليفة الجديد في عمرو بمجهول، فربما كانت ثقته باقتداره واستعداده لعظيمات ~~الأمور أكبر من ثقة أبي بكر الذي تابع في استعماله سنة النبي - عليه السلام - فعمر بن ~~الخطاب هو الذي قال فيه: «لا ينبغي أن يمشي أبو عبد الله على الأرض إلا أميرا.» وهو ~~الذي كان يقول كلما رأى رجلا يلجلج في كلامه: «خالق هذا وخالق عمرو واحد.» وهو الذي ~~تبين صواب هذه الثقة في غزوات فلسطين نفسها، فجعل يقول لإخوانه: «رمينا أرطبون الروم ~~بأرطبون العرب.» يعني أريطيون الذي كانت تصحفه قلة النقط والشكل في الحروف العربية يومئذ ~~إلى أرطبون. # وما زالت ثقة الفاروق بكفاءة عمرو ودرايته تعظم وتتمكن كلما صحبه التوفيق في فتح مدينة ~~بعد مدينة، والغلبة على جيش بعد جيش، حتى فرغ من السواحل والمشارف، واتجه بعزمه كله إلى ~~حصار «إيلياء» أو بيت المقدس حاضرة البلاد. # وقد شدد الحصار عليها حتى يئس ms045 أريطيون من مقاومتها وفر منها إلى الديار المصرية، وقيل: ~~إن بطريقها لم يؤجل تسليمها للقائد العربي إلا لأنه أراد أن يكون التسليم بمحضر من ~~الخليفة ، فكتب عمرو يستدعيه ويعلمه برغبة البطريق، وتم الصلح في السنة الخامسة عشرة ~~للهجرة بحضور الفاروق. # وما هو إلا أن سكنت الشام إلى الحكم العربي، وخف الطاعون الذي فشا في أرجائها بين ~~السنة السابعة عشرة والثامنة عشرة للهجرة، حتى تطلعت نفس عمرو إلى فتح أكبر وأخطر، ~~ونازعته إلى منزلة أشبه به وأجدر: إلى فتح الديار المصرية التي يعلم المسلمون من القرآن ~~الكريم أنها كرسي فرعون ذي الأوتاد، ويعلمون من أخبار أيامهم أنها درة التاج في دولة ~~هرقل، وأن الروم لا يدعونها ولو غلبوا عليها؛ لأنهم عادوا إليها فانتزعوها من الفرس بعد ~~مقامهم بها اثنتي عشرة سنة، وفاقا لوعد القرآن أن الروم من بعد غلبهم ~~سيغلبون. # وهنا تشترك المصادفة والتقدير اشتراكهما في كل عمل جسام من أعمال التاريخ القديم ~~والحديث! # ترى كيف كان يخطر هذا الخاطر على بال الفاروق لو لم يفاتحه فيه عمرو بن العاص؟ # وترى كيف كان يخطر هذا الخاطر على بال عمرو بن العاص لو لم يكن فاتح فلسطين على طريق ~~مصر، وكان فاتح دمشق أو فاتح السواد؟ # وترى كيف كان التردد منتهيا بالخليفة لو لم ينته وعمرو يغذ السير في طريقه إلى التخوم ~~المصرية؟! # أفضى الفاتح الجسور بأمله وأمل الإسلام إلى الخليفة فاستمع إليه، وتردد فيه بين ما عرف ~~من كفاية عمرو، وما عرف من إقدامه على العظائم في سبيل الشرف والرئاسة. # بل تردد فيه بين دواعي الحرب، وهو لا يرى داعية للحرب إلا درءا لخطر أو قصاصا من ~~عدوان. # وكان أقرب الناس إلى الفاروق يترددون مثله، ويرون في طماحة عمرو بن العاص مثل رأيه، ~~منهم من يخلص في حذره، ومنهم من يغار من عمرو أن يكتب هذا الفتح الجليل على يديه! # وفي طليعة المخلصين حذرا من عواقب هذا الطموح الجموح، عثمان بن عفان، فقد كان يذكر ~~الفاروق بجرأة ابن العاص، وأنه يرد ms046 المهالك في سبيل طمعه، وما بالفاروق من حاجة إلى ~~تذكير. # أما ابن العاص فقد كان أخبر بالخليفة وبمصر من أن تفوته وسيلة الإقناع في هذا ~~المقام! # إنه ليعلم حرص الفاروق على جند المسلمين أن يسفك دم واحد منهم في غير خطر واقع أو عدوان ~~محذور. # فلتكن غزوته لمصر إذن دفعا للخطر الواقع، وضمانا لأرواح المسلمين، ولقد كانت هي كذلك ~~لا مراء. # ولم يكن عمرو مغررا بالفاروق، ولا كان الفاروق ممن يجوز عليهم التغرير، فإنه ألقى إلى ~~الخليفة أن «أريطيون» داهية الروم قد فر إلى مصر ليجمع فيها قوة الدولة الرومانية ويكر ~~بها على الشام، فلا أمان للمسلمين في فلسطين أو الشام أو الحجاز نفسه وباب هذا الخطر ~~مفتوح! وإنما يوصد الباب إذا ضربت الدولة الرومانية في مصر، وامتنع منها مدد الجند ~~والمال والطعام لتلك الدولة المتداعية ... # فعلم الفاروق أنه يستمع إلى صواب، واستجاب لرأي عمرو وهو بين الإقدام والإحجام، فأذن له ~~في المسير وأنظره كتابا آخر يأتيه منه في الطريق، وقال له: «سيأتيك كتابي سريعا إن شاء ~~الله تعالى، فإن أدركك كتابي آمرك فيه بالانصراف عن مصر قبل أن تدخلها أو شيئا من أرضها ~~فانصرف، وإن أنت دخلتها قبل أن يأتيك كتابي، فامض لوجهك واستعن بالله واستنصره.» ~~••• # ولا نعتقد أن الفاروق قد ترك الأمر للقرعة المجهولة، تبرم فيه وتنقض بحسب اتفاقها، ~~ليسلم إليها العنان في هذا العمل العظيم، ولكنه أراد أن يستزيد من المشاورة والتفكير، ~~وأن يشرك معه ذوي الرأي في التبعة التي هو مقدم عليها. فإذا كف عمرا بعد ذلك قبل أن ~~يطرق أرض مصر فلا ضير من كفه، وإذا جاءه الكتاب وهو في أرضها فقد امتنع الرجوع ووجب ~~المسير؛ لأن الرجوع عن أرض بعد دخولها يكشف للروم ضعفا من العرب ورهبة من العدو، ~~ويغريهم بالكرة على الشام، ويعينهم على جمع الجموع لاستئناف القتال ولو لم يفكروا فيه ~~قبل ذلك، ويخيف أهل مصر أن يستسلموا للعرب إذا أقبلوا مرة أخرى؛ لأن العرب أنفسهم يقدمون ~~على بلدهم بين الشك واليقين. ms047 # قيل: إن كتاب الفاروق أدرك عمرا في رفح، فأغضى عن الرسول حتى بلغ إلى مكان من مصر غير ~~مختلف فيه، فقرأ الكتاب وقال لجنده: لم يلحقني كتاب أمير المؤمنين حتى دخلنا أرض مصر، ~~فسيروا وامضوا على بركة الله وعونه، وكذلك التقى التدبير والمصادفة مرة أخرى في الصفحة ~~الأولى من هذا التاريخ الكبير. # الفصل الرابع # | فتح مصر # كان الصدام بين العرب والدولة الرومانية قضاء موعودا منذ اللحظة التي نشأت فيها ~~الدعوة الإسلامية وكتب لها البقاء؛ لأن الإسلام رسالة تتجه إلى أسماع الناس وقلوبهم؛ ~~ولأن الدولة الرومانية سلطان قائم يحول بين رسالته وبين الأسماع والقلوب. # فلا مناص من التقائهما يوما من الأيام، على سلام أو على خصام. # وهما إذا التقيا على خصام أو على سلام دخل الإسلام مصر مدافعا أو غير مدافع. # ويفتح الإسلام مصر على كلتا الحالتين فتح رضوان أو فتح تسليم ... وإنما هو كتاب مؤجل إلى ~~أوانه المقدور. ~~••• # لمح النبي - عليه السلام - هذا المصير بلحظ الغيب قبل أن يحين أجله المقدور ببضع عشرة ~~سنة. # وكتب إلى المقوقس - عظيم القبط - يدعوه إلى الدين الجديد دعوة أهل الكتاب: «أسلم تسلم ~~يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فعليك إثم القبط: # يا أهل ~~الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا ~~نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا ~~بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا ~~بأنا مسلمون ~~.» # وقد تلقى جواب المقوقس مؤذنا بالأمل، غير قاطع بالإباء، يقول فيه كما جاء في بعض ~~نصوصه: «... فهمت ما تدعو إليه وقد علمت أن نبيا بقي، وقد كنت أظن أنه يخرج بالشام ...» ثم ~~يقول: «وقد أكرمت رسلك، وبعثت إليك بجاريتين لهما مقام في القبط عظيم وبكسوة، وأهديت ~~إليك بغلة لتركبها والسلام.» # وتعلقت الحوادث بأجلها الموعود. # وقال النبي # صلى الله عليه وسلم # جازما لصحابته الأقربين: «ستفتحون مصر فهي أرض يسمى فيها القيراط، ~~فاستوصوا بأهلها خيرا فإن لهم ذمة ورحما.» وعلم - عليه السلام - أنه فتح لا ينام عنه ~~الغالب ولا المغلوب، فقال لصحابته: «إذا فتح ms048 الله عليكم مصر فاتخذوا بها جندا كثيفا، ~~فذلك الجند خير أجناد الأرض.» فقال أبو بكر - رضي الله عنه: ولم يا رسول الله؟ قال - ~~عليه السلام : «لأنهم وأزواجهم في رباط إلى يوم القيامة.» # فما كان من مسلم في حياة النبي - عليه السلام - أو بعد وفاته، إلا وهو يعلم أن مصر ~~مفتوحة للمسلمين على يقين. # وإنما هو الأوان المحتوم في يوم غير معلوم. # وآية ذلك الأوان أن يجيء الخطر من قبل مصر، أو يقوم الروم فيها عائقا كئودا في سبيل ~~الدعوة. # وعمرو بن العاص هو الذي قال: إنه رأى الآية بعينيه، وقال: إن العائق كئود إذا أجل، ~~ميسور التذليل إذا عوجل قبل استقراره. # وقالها وهو صادق في مقاله! # غاية ما هنالك أنه رآها بعين العبقرية التي تلمح ما وراء الحجب من بعيد، وأنه فسر الحلم ~~المحقق بوحي الإلهام فأحسن التفسير! # لم يكن هو الذي اخترع عزيمة الإقدام على فتح مصر، فقد كان فتحها في حكم الواقع المفروغ ~~منه منذ سنين. # ولكنه كان هو الذي أعلن الوقت المقدور وأصاب الاختيار، واهتدى إلى الأوان. # ولم يخدع نفسه ولا خدع الخليفة، ولا جازف بالفتح الخطير مجازفة الطيش والجهل بالعقبى، ~~ولكنه عند من يجهل الحقائق مجازف هجام! وعند من عرف الحقائق كما عرفناها اليوم حاسب دقيق ~~الحساب، وحالم مطمئن أصدق في حلمه من الخائف اليقظان! # أفكان عمرو إذن يعرف الحقائق كما جلاها لنا التاريخ بعد مئات السنين؟ لا ولا جدال! ~~... # لم يكن يعرفها مفصلة محصلة كما عرفناها، وذلك فضله الكبير. # ولكنه أحسها جملة، فملأته باليقين الذي يمتلئ به العارف بعد التفصيل والتحصيل. # ففي حياة عمرو بن العاص حدثت في مصر وحول مصر خطوب لن يجهلها مثله، وإن لم يطلع على ~~وصفها المسهب، كما كتبه المؤرخون من أبناء العصور الحديثة. # كان في عنفوان الرجولة يوم أغار الفرس على الروم، ففتحوا ما بين بيت المقدس والإسكندرية ~~في أقل من سنتين. # وكان فتى يعقل الدنيا يوم أغار القائد الروماني نقتاس على الديار المصرية من المغرب، ~~بجيش لا تزيد عدته ms049 على ثلاثة آلاف منهم البدو والسودان، ففتحت له الثغور والمدائن ~~بمواطأة من أهل البلاد، ومن بعض الرومان الناقمين على عاهل القسطنطينية. # وكان يزور بيت المقدس ويصغي إلى حجاجه ورهبانه المقيمين فيه، فيسمع أخبارا تنم على ما ~~في مصر من قلق الرعية، وضعف الرعاة، واستفحال الشقاق بين طوائف النصارى، وغضب المصريين ~~من الروم، سواء منهم الموافقون لهم في المذهب والمخالفون. # وكان يلقى اليهود في وادي الأردن وكلهم مغيظ من الدولة الرومانية، لما أصابهم على يديها ~~من الذبح والنهب والتشريد، وفيهم من هو أعلم بمصر وبمداخلها وبمخارجها ومواقع الخلل فيها ~~من حكامها الرومان. # وحضر غزوات الشام وسمع بغزوات العراق، فعلم أن جيوش الإسلام على قلتها قد غلبت الفرس ~~وغلبت من غلبوهم في النضال الأخير: غلبت هرقل وهو في أوج مجده، فما أحراها أن تغلبه وهو ~~مهيض بعد هزائم الشام وفلسطين، وقد شاخ وغامت على عقله الوساوس وحاقت به الدسائس، وتلكأ ~~زمنا بين الحياة والموت! ... # فإن لم يكن عمرو قد علم هذا تفصيلا، فقد علمه جملة وافية، علمه بالقدر الصحيح الذي ~~يتيح له أن يقول للخليفة: إنه يقدم على فتح بلد «ليس أقل منه قوة، ولا أعظم منه ~~ثروة». # ولو أنه علم تفصيل الحوادث التاريخية كما علمناها اليوم، لكان ذلك أحرى أن يزيده ~~إقداما، وأن يلهب من شوقه إلى الفتح ما يرسله في سبيله قدما، قليل المبالاة بكل تحذير ~~وتهويل! # لأنه كان أحرى أن يعلم أن أهل البلاد يرحبون به، وإن لم يرحبوا بالفرس من قبله؛ لأن ~~الفرس الرهبان والقسوس في طريقهم إلى مصر، ولم يكن من عادة جيوش المسلمين أن يقتلوا ~~أحدا من الرهبان والقسوس؛ ولأنه يسلك طريقا بدويا يستطيعه البدو، واستطاعوه في قديم ~~ولا يزال سكانه منذ عرفه التاريخ بدوا يشعرون بعصبية القرابة لهذا الفاتح ~~الجديد. # ولأن الروم أنفسهم كانوا قد فقدوا عزيمة القتال، بل فقدوا ما هو ألزم من ذلك للمقاتل، ~~وهو إيمانه بحقه في النصر وبرضوان الله عليه؛ فقد كان إيمان الروم الغالب عليهم في معارك ~~الشام أنهم استحقوا ms050 غضب الله، وأن العرب لهم سوط العذاب الذي يصبه الله على عباده ~~الواقعين في الخطيئة، وصاح بينهم بهذا النذير صائح مسموع الكلمة في مؤتمر أنطاكية الذي ~~اجتمع إليه كبارهم وأحبارهم، فقال لهم - وهرقل يسمع: إن الروم ليلقون من الله جزاء ~~العصاة! وربما كان هرقل نفسه يشعر بذلك الشعور؛ لأنه كان في شيخوخته دائم الندم معذبا ~~بوسواس الخطيئة، لبنائه ببنت أخته «مرتينة»، بعد علاقة بينه وبينها وهو إثم محرم في ~~دينه! # ولا نخال عمرا قد غفل عن استطلاع البلاد المصرية برسل من عنده، أو بالاستماع إلى أناس ~~يغنونه عن الرسل، فعلم أن الحصون مهملة، وأن الدساكر معطلة وأن الجنود المفرقين هنا ~~وهناك يدفعون عن معاقلهم في وهن ويأس من المصير، ويعيشون بين شعب يبغضهم ويتمنى لهم ~~الهلاك والضياع، ويجهر بعدائهم ومشايعة أعدائهم، إذا أمن عاقبة الجهر بالعداء، ورجح عنده ~~الأمل في غلبة المغير عليهم! وأي عدو هو أولى بالأمل في غلبته من غزاة العرب الذين صدوا ~~الأكاسرة والقياصرة، واقتحموا عليهم عقر دارهم وهم مجلبون إليهم من قرار سحيق؟ فإذا أصبح ~~لهؤلاء العرب مقام محمي في تخوم مصر وعلى مداخلها، أيشق عليهم إذن أن ينتزعوا مصر من ~~هرقل وليس فيها غير ظل له بعيد؟ ~~••• # تقدم العرب إلى الديار المصرية، وبينهم وبين عدوهم فروق كثيرة في العدد والعدة والحضارة ~~والعقيدة، من الفضول أن نعرض لحصرها في هذا المقام، ومن الإسهاب في غير موضعه أن نتتبع ~~أصولها ونتعقب فروعها في تاريخ الأمتين. # فإنها لتجتمع كلها في فرق واحد يغني من وعاه عن كل تفرقة بعدها، مسهبة كانت أو مقتضبة، ~~وهو الفرق بين قوم ضيعوا كل ثقة في النصر، وقوم ضيعوا كل شك فيه وآمنوا بحقهم في النصر ~~كل إيمان. # ضاعت ثقة هرقل في نفسه، وضاعت ثقة الروم في صلاحهم للحكم، وضاعت ثقة الأعوان في صلاح ~~العاهل والدولة، ولم تبق لهم إلا بقية من تمسك يقيمها الخوف من عقاب الرؤساء، ويوشك أن ~~يذهب بها خوف أعظم منه وهو الخوف من بأس المغيرين! # ومن الجانب الآخر ms051 ملك العرب كل ثقة بالنصر وكل إيمان بحقهم فيه، واطمأنوا إلى خليفة ~~قوي، وقائد قوي، وصبر قوي على كل بلاء! وعلم عدوهم هذا منهم فوصفهم بعد رؤية وخبرة بأنهم ~~«قوم الموت أحب إليهم من الحياة! والتواضع أحب إلى أحدهم من الرفعة! ليس لأحدهم في ~~الدنيا رغبة ولا نهمة!» # ومع هذا الفارق الذي هو خلاصة جميع الفوارق، لم تكن الثقة وحدها هي العدة التي رجح بها ~~العرب وانخذل بها الروم، بل ظهر من تقابل الفريقين في شتى المعارك أن العرب كانوا أخبر ~~بفنون القتال - ولا سيما في المفاجأة - من قادة الروم الذين كلوا وكلت عقولهم بالإهمال ~~والاستنامة إلى الترف والغرور. # فقد كان عمرو يوجه خطط القتال كما يشاء منذ تخطى الحدود وأوغل في جوف البلاد، وكان يضطر ~~أعداءه إلى تبديل خططهم وتحويل معسكراتهم كلما تحرك في الشمال أو الجنوب حركة مفاجئة لا ~~يدرون ما يعقبها، فبينما هم يتجمعون في الفيوم إذا هو يزحف إلى منف شمالا، ويوهمهم أنه ~~موغل في الجنوب إلى تخوم النوبة، وقد أعانه على المفاجأة خفة العدة وقلة الزاد وسرعة ~~الخيل العربية في سهول الريف ورمال الصحراء، ومن هذه المفاجآت البارعة تلك المفاجأة التي ~~دهم بها الروم عند الجبل الأحمر، وفقدوا بها جيشا يقارب عشرين ألفا لم يبق منه إلا بضع ~~مئات، وكان قائدهم «ثيودور» قد خرج للقاء عمرو عند عين شمس، فاستعد له عمرو بقلب جيشه، ~~وأقام من جناحيه كمينا عند الجبل الذي يلي المكان المعروف بالعباسية الآن، وكمينا آخر ~~عند «أم دنين» حيث قامت الأزبكية الحديثة، واستمر القتال بين الجيشين، والروم يحسبون ~~أنهم يواجهون الجيش العربي كله، ويستنفدون الجهد أجمع في الغلبة عليه، فما راعهم إلا ~~الجيشان الكمينان ينقضان على حين غرة، فيبتعد الأمل القريب ويدب اليأس في مكانه إلى ~~القلوب، ويرجع القوم بثلاثمائة مشردين من ألوف ربما تجاوزت العشرين! # وكلما خطر للروم أن يأخذوا العرب بحيلتهم ويرتدوا عليهم بمفاجأة من مفاجآتهم، حبطت ~~الحيلة في أيديهم ووجدوا العرب أيقاظا لهم كأنهم كانوا على علم بنياتهم ومكائدهم، ms052 فما ~~خرجوا من معاقلهم المحصورة في ليل ولا نهار ليدهموا العرب على غرة، إلا تجمعت لهم أهبة ~~الجيش كله في لحظات معدودات، فإذا هم المأخوذون بما دبروه، كأنهم سيقوا على كره منهم إلى ~~شرك منصوب. # فالعرب لم ينتصروا اتفاقا ولا جزافا، ولكنهم انتصروا بخير ما يكفل النصر للمجاهدين: ~~بالثقة والخبرة، ثم بشيء آخر يعين الثقة والخبرة أيما عون في الميادين البعيدة عن ديار ~~المعسكرين المقاتلين، وهو اطمئنان العرب إلى أهل البلاد من حيث خشيهم الروم وتوقعوا ~~منهم كل مكروه؛ لأن العداء بين المذهب الملكي - وهو مذهب الروم - والمذهب اليعقوبي - وهو ~~مذهب القبط - لم يدع مكانا لتوفيق بين الكنيستين، ولم يبق في النفوس بقية للرحمة ولا ~~للصلح والهوادة، وبلغ من لدد هذا العداء أن الروم أمهلوا ثلاثة أيام للخروج من حصن ~~بابليون، فقضوا يوما منها في تعذيب القبط وتقطيع أيديهم وأرجلهم ليتركوهم في حالة لا ~~يفرغون فيها لشماتة بعدوهم المهزوم. # نعم، إن التضارب كثير فيما كان من موقف القبط بين حكامهم الروم، وبين المسلمين المغيرين ~~على أرضهم، ولكنه تضارب لا غرابة فيه، ولا موجب لاتخاذه دليلا على كذب الأخبار في ~~جملتها، ولا لتقييد المؤرخ بترجيح قول منها على قول؛ فإن التضارب حالة لا محيص عنها في ~~الموقف كله، وفي أقوال المؤرخين الذين كتبوا عنه بعد زمن طويل أو قصير. # فكراهة القبط للروم ثابتة لا جدال فيها ولا يتطرق الشك إليها، فإذا جاء في بعض التواريخ ~~أنهم أظهروا المودة للعرب، وجاء في تواريخ أخرى أنهم لبثوا على موالاة الروم إلى ما بعد ~~الهزيمة الحاسمة، فليس سبب ذلك أنهم أحبوا أولئك وكرهوا هؤلاء، ولكنما السبب أنهم ترقبوا ~~جلاء الموقف بين الجيشين المقاتلين، وأنهم كانوا يعملون متفرقين، لامتلاء البلاد ~~بالمعسكرات التي تقطع الصلة بين أجزائها، فيكون قوم منهم على مقربة من جند الروم تارة ~~ومن جند العرب تارة أخرى، ويكون الأقوام المتفرقون على نية متشابهة وأعمال متخالفة على ~~حسب الحوائل والأحوال. # وعلينا أن نترقب تضاربا كهذا في أكثر الأخبار التي تصل إلينا عن فترة ms053 الفتح، وعن حركات ~~الجيوش ومفاوضات الصلح في خلالها. # فمن العبث أن نجزم باستحالة حركة من هذه الحركات قياسا على أعمال الجيوش التي جرى بها ~~العرف في غير هذه الأحوال؛ لأن الاستحالة والجواز إنما يحسبان هنا بحساب لا يتكرر كثيرا ~~في جميع الحروب. # ففي غير هذا «الفتح» يجوز مثلا أن يسأل السائل: كيف استطاع عمرو بن العاص أن يترك حصن ~~بابليون ويوغل في الصعيد، ومن ورائه جيش أعداء يقطع عليه الرجعة ويحصره حيث كان؟ ويجوز ~~تبعا لذلك أن نستبعد الحركة كلها ونحسبها من تلفيق المؤرخين. # ولكننا إذا اصطنعنا هذا القياس هنا، وجب أن نستبعد الفتح كله من ألفه إلى يائه؛ لأن ~~أربعة آلاف مقاتل يتفرقون من العريش إلى بابليون لا يفتحون قطرا يسكنه شعب كبير وتحميه ~~دولة كبيرة، فإن لم يتفرقوا وساروا جميعا إلى حصن بابليون، فقطع الرجعة عليهم أيسر ~~الأمور لو سارت الحركات العسكرية على المألوف في سائر الحروب، وما أعجب حصر الإسكندرية ~~مثلا وهي مفتوحة من البحر إلى القسطنطينية! وما أعجب التقصير في إمدادها خلال الفتح ~~كله، وهو أول ما يخطر على بال! # فالحساب في هذا الفتح غير الحساب في سائر الفتوح. # وأولى أن يقال: إن جند الروم - لا جند العرب - هم الذين كانوا على حذر من الإيغال في ~~جوف البلاد ومن إحداق الأعداء والرعية بهم في مأزق غير متوقع، فالتناقض في هذه الأخبار ~~وما شابهها هو طبيعة الموقف التي لعلها توجب الميل إلى قبولها ولا توجب الشك فيها، ~~وعلينا كما أسلفنا أن نترقبه في كل شيء، وفي كل مرحلة من مراحل هذا التاريخ العجيب، وقد ~~نستغني عن تعداد شواهده الكثيرة إذا أضفنا إلى ما أسلفنا تناقضا آخر نحتم به هذه ~~الملاحظة التي لا بد منها، وهو التناقض الذي أحاط باسم الوالي الروماني الذي تلقى العرب ~~ثم صالحهم على تسليم البلاد، فمن هو «المقوقس» هذا، وما حقيقة الأمر فيه؟ أهو روماني أو ~~مصري؟ وهل هو من رجال الحرب أو من رجال الدين؟ وهل كان محبوبا في شعبه أو كان ms054 مبغضا ~~إليه؟ # قيلت جميع هذه الأقوال فيما كتبه العرب والرومان، ولكنه في أرجح الأقوال - كما سيأتي ~~تفصيله - رجل من غير الروم ومن غير المصريين الأصلاء الأقدمين، تولى من قبل هرقل سلطانا ~~دينيا مقرونا بسلطان الدنيا، ومضى في سياسته على سنة النهازين للفرص من خدام الدول ~~المتداعية، فأغلظ للشعب الضعيف مرضاة للسادة الأقوياء، ثم بدا له أن سادته الأقوياء ~~ذاهبون، فأحب أن يستقل بكرسيه، وأن يأوي إلى جناح الفاتحين لعلهم يشكرون له صنيعه، ~~ويحمونه من أعدائه في مصر والقسطنطينية. # ذلك هو أقل الغرائب في وصف هذا الرجل الغريب، ولكنه على ذلك ليس بالوصف القاطع الوثيق، ~~وأوثق ما يقال عنه: إنه رجل كان يرهن مصيره بمصير البلد الذي أقام فيه. ~~••• # تقدم عمرو من طريق الساحل إلى العريش، فلم يجد بها أحدا يصده من قبل الروم، ثم تقدم ~~إلى «الفرما» فحاصر حاميتها واستولى عليها في أقل من شهرين، ثم مضى في طريقه حتى نزل ~~بلبيس، فهزم بها جيشا رومانيا يقدره بعض المؤرخين بثلاثة أضعاف الجيش العربي، وانقض ~~من ناحية الصحراء على «أم دنين» فاستولى عليها، وجاوزها إلى حصن «بابليون»، أو قصر الشمع ~~كما سماه العرب، على الضفة الشرقية من النيل ... واختلفوا فيمن كان يقود حاميته، فقال ~~أناس: إنه «جورج» أو الأعيرج كما سماه العرب، وقال أناس: إنه هو «ثيودور» الذي نازل ~~العرب غير مرة، وقال غيرهم: إنه هو «أريطيون» صاحب عمرو القديم. # وصل الجيش العربي إلى جوار «منف» عاصمة الفراعنة، في شتاء 640 للميلاد - 19 للهجرة - ~~وعرض على والي البلد شروطه التي هي شروط المسلمين قبل كل قتال، وهي الإسلام أو الجزية أو ~~السيف، وعمد إلى التأثير الأدبي في إقناع الحامية ومن يلوذ بها من أهل البلاد، كما عمد ~~إلى الخدعة والبسالة، فكان إذا جاءه الرسل من قبل الروم أبقاهم بين جنوده يوما أو يومين ~~ليروا بأعينهم زهد المسلمين في الدنيا واستخفافهم بالموت، وصبرهم على الشدة وإقدامهم على ~~الكريهة في سبيل ما هم مؤمنون به وساعون إليه. # غير أن أدوات الحصار في جيش ms055 عمرو لم تكن من القوة بحيث تعينه على اقتحام سريع للحصون ~~التي كانت توصف بالمناعة في تلك الأيام، فطال لبثه أمام حصن بابليون قياسا على حصار ~~الفرما وبلبيس، ولم يشأ أن يقضي الوقت كله في الإقامة على جوانب الحصن حتى تضيق الحامية ~~ذرعا بالحصار فتستسلم إليه، ولم يكن ميسورا له أن ينفذ السرايا إلى مصر السفلى نحو ~~الإسكندرية وما جاورها؛ لأن ابتداء الفيضان في النهر وجداوله الكثيرة حال دون ذلك، ~~فحول سراياه إلى الصعيد وأطراف الفيوم، ويبدو لنا أنه لم يقصد بها الفتح والاستيلاء ~~على المدن في المرحلة الأولى من القتال، وإنما قصد بها أن يشغل جنده مخافة عليهم من فساد ~~الراحة وطول الانتظار، وأن يعرف بالتجربة المحسوسة مدى التعويل على ولاء أهل البلاد، وأن ~~يضطر حاميات الروم القليلة في الصعيد إلى البقاء حيث هي، والعدول عن إمداد الحامية في ~~حصن بابليون ببعض رجالها إذا خطر لها هذا الخاطر؛ لأن تهديد الصعيد من حين إلى حين يوجب ~~عليها أن تحمي مواقعها قبل التفكير في إمداد غيرها، فإنما كانت حركات السرايا في الصعيد ~~مناورات للتعمية والاستطلاع، ولم تكن حملات للفتح «والاحتلال». # وفي هذه الفترة خيل إلى قائد الروم أنه قادر على أخذ العرب بالمباغتة كما يأخذونه، ~~فتأهب للهجوم على جيش عمرو في قاعدته الكبرى بعين شمس، وكانت تلك المعركة التي أسلفنا ~~الإشارة إليها ودارت فيها الدائرة على الروم، فتجلت فيها مهارة عمرو في القيادة، كما ~~تجلت فيها يقظته لحركة أعدائه وثباته لقوتهم وهي أضعاف قوته في الرجال والسلاح. # وانقضت السنة ومضت أشهر من السنة التالية، والحصن صامد لا يسلم، ولا يزال الذين فيه ~~يخرجون من حين إلى حين لمناوشة جند المسلمين والعودة إليه، وكان النيل قد هبط في أثناء ~~ذلك، فاستطاع عمرو أن يرسل فرقا من جيشه إلى مصر السفلى لتعويق حركات الروم قبل التقدم ~~إليه، فكان يهزمهم تارة ويرتد عنهم تارة أخرى، بغير كبير طائل لهذا الفريق أو ~~لذاك. # وظل الفاروق في المدينة يرقب جيشه الزاحف بعين لا تغفل وقلب ms056 لا يوجل، ولم يزل يمدهم ~~ويسأل عن أخبارهم ويتفقدهم، فلا يرى شيئا هو أحق عنده بالتفقد من سلاحهم الماضي قبل كل ~~سلاح، وعدتهم اللازمة قبل كل عدة ، وهي الإيمان أو قوة الروح، فلما أبطأ الفتح المبين لم ~~يرجع بإبطائه إلى قلة العدد أو قوة العدو، بل رجع به إلى نقص الإيمان ودخل النيات، وكتب ~~إلى المسلمين يقول: «عجبت لإبطائكم فتح مصر، تقاتلونهم منذ سنتين وما ذاك إلا لما أحدثتم ~~وأصبتم من الدنيا ما أحب عدوكم، وإن الله تعالى لا ينصر قوما إلا بصدق ثباتهم.» # ولهذا الاستبطاء معناه التاريخي الجليل في فهم خطط المسلمين صدر الإسلام، وفهم التردد ~~الذي بدا من الخليفة يوم أن عرض عليه عمرو مسيره إلى مصر لفتحها بعد فتح فلسطين، فإن هذا ~~الاستبطاء دليل على أنه لم يتردد في تسيير الجيش إلى مصر استهوالا لخطب الروم، أو ~~استعظاما لفتحها على جيش المسلمين، ولكنه تردد على سنته في اجتناب الغزو إلا لدفع خطر، ~~أو اتقاء عدوان منتظر، ولولا ذلك لكان استبطاؤه الفتح بعد استهواله إياه من أعجب ~~الأمور. # وحدث في أثناء ذلك أن مات العاهل هرقل، وشاعت الدسائس في البلاط بعده، وفشا المرض في ~~حامية الحصن حتى هلك به خلق كثير، وتغلب حزب الصلح بعد موت العاهل الذي كان يأباه، واعتز ~~جيش المسلمين بإمداد من الفرسان المغاوير يقدر الواحد منهم بألف مقاتل ولا مغالاة؛ لأن ~~تقديره بألف مقاتل لا يعني أنه يساويهم في العدة والكثرة، بل يعني أنه يبث الشجاعة في ~~الجيش بقدرته ويقينه، فيقاتل الجيش كأنه قد زيد ألف مقاتل، ولم يكن قصاراه زيادة فارس ~~واحد، وليس هذا بعجيب في جيش تقوم عدته الكبرى على الثقة واليقين. # من هؤلاء الزبير بن العوام الذي جاء في بعض الروايات أنه تسور الحصن يتبعه جماعة من ~~المستشهدين، فأوقع الرعب في قلوب الحامية وهي تعاني ما تعاني من اليأس والخوف والسقام، ~~فأسرع أنصار الصلح إلى التسليم بعد ممانعة قليلة من المعارضين، وكان ذلك يوم الجمعة ~~السابق ليوم القيامة سنة (641). # وبادر عمرو ms057 بعد سقوط الحصن إلى إقامة المعابر على النيل لعبوره قبل فيضانه، ثم مضى في ~~طريقه إلى الإسكندرية يقاتل من لقيه من فالة الروم أو جموعهم المتربصة في حصون المدن ~~الكبيرة بين بابليون وشاطئ بحر الروم، وضرب الحصار على المدينة الكبيرة، بينما كانت ~~جنوده وهو على رأسهم في بعض الأحيان يشنون الغارة على مدينة بعد أخرى من مدن مصر السفلى، ~~حتى كان أول المحرم سنة 21 للهجرة/10 ديسمبر سنة 641، فسلمت الإسكندرية يأسا وخورا وهي ~~قادرة على مواصلة القتال سنوات، وانعقد الصلح على أن تؤدى الجزية دينارين عن كل رجل قادر ~~على العمل، وأن تستمر الهدنة أحد عشر شهرا تجلو الجيوش الرومانية في خلالها عن المدينة، ~~وتحمل معها من متاعها ما تشاء، وأن تباح للمسيحيين عبادتهم، وتصان لهم معابدهم، وأن يؤذن ~~لليهود بالبقاء في الإسكندرية، وأن يضع الروم عند المسلمين رهائن لضمان نفاذ الاتفاق ~~مائة وخمسين من المقاتلين، وخمسين من السراة غير المقاتلين. # وكان هذا الصلح على هوى المقوقس، ولم يكن على هوى الكثيرين من غلاة الجند وأصحاب ~~الأموال في العاصمة التجارية الكبرى فثاروا بالمقوقس، وأحاطوا بقصره متوعدين منذرين، ~~وخرج لهم باكيا يعتذر لهم بمشيئة الله من أزل الآزال ولا راد لقضاء الله، فاستمعوا إلى ~~الرجل الذي يكلمهم بلسان الدين ولسان الدنيا وشاركوه في البكاء! # تقدمت الإشارة إلى بسالة عمرو في حصار الإسكندرية، ومجازفته بنفسه في اقتحام حصونها مع ~~طلائع المقتحمين، فما هو صحيح من أنباء تلك البسالة فهو شاهد بخلق قد شهدت به معارك ~~كثيرة ومآزق شتى، وما ليس بصحيح فهو من مبالغة الخيال في تكبير الواقع، وليس مما ينقص ~~ذلك الخلق المتفق عليه. # على أن العظمة التي ثبتت لعمرو بن العاص بعد فتح مصر لا تقل عن عظمة الفاتح الجريء ولا ~~عظمة القائد الضليع بفنون الخدعة والإقدام. # فقد عرف مصر وهو مقبل على حكمها، كما عرفها وهو مقبل على فتحها، فإذا هو صالح للعمار ~~والقرار صلاحه للهجوم والحصار. # انتهى دور الفاتح بتسليم الإسكندرية، وبدأ دور الحاكم الذي يسوس رعاياه. # وكان ms058 رأي عمرو أن مصر أخذت فتحا، ولم تؤخذ صلحا كما يفهم من الصلح بغير قتال، وفي ذلك ~~يقول: «قعدت مقعدي هذا وما لأحد من قبط مصر علي عهد ولا عقد، إن شئت قتلت وإن شئت ~~خمست، وإن شئت بعت.» # ولكنه مع هذا شاء غير القتل وغير التخميس وغير البيع، فعامل الرعية في أمور دينها ~~ودنياها معاملة رضيتها وأطلقت ثناءها، وجعلت البطريق بنيامين يسمي عهد العرب بعهد ~~السلامة والأمان، وعهد الرومان بعهد الجور والطغيان. # وكان هذا البطرق مبعدا عن مكان الرئاسة الدينية لمخالفته مذهب الكنيسة الملكية، ~~فاستقدمه عمرو واحتفى به ورده إلى مكانه. # وأقبل على سياسة البلد وتدبير مصالحه وتوفير خيراته، فعلم أن الرخص والغلاء مرهونان ~~بفيضان النيل، وأن سياسة مصر هي سياسة النهر في ارتفاعه وهبوطه، فكتب إلى الخليفة أن أهل ~~مصر يجهدهم الغلاء إذا وقف النيل عند حد مقياس لهم، فضلا عن تقاصره، وشرح له علل الغلاء ~~فقال: «إن فرط الاستشعار يدعوهم إلى الاحتكار، ويدعو الاحتكار إلى تصاعد الأسعار بغير ~~قحط.» ثم أتبع ذلك فقال: «إني وجدت ما تروى به مصر حتى لا يقحط أهلها أربعة عشر ذراعا، ~~والحد الذي تروى منه سائرها حتى يفضل منه عن حاجتهم ويبقى عندهم قوت سنة أخرى ستة عشر ~~ذراعا، والنهايتان المخوفتان في الزيادة والنقصان وهما الظمأ والاستبحار اثنا عشر ~~ذراعا في النقصان وثمانية عشر ذراعا في الزيادة.» # وقام بأمر الخليفة على بناء المقاييس، فبنى مقياس حلوان ومقياس أسوان، وأشرف على صيانة ~~الجداول والجسور، وكان سكان البلاد يعتمدون على وسائل خرافية لاستدرار ماء الفيضان، منها ~~إلقاء قربان في النيل يقال في بعض الروايات الضعيفة: إنه عذراء بقيد الحياة، ويقال على ~~الأرجح: إنه دمية من الطين على هيئة فتاة تمثل الأرض الزراعية التي «يتزوج» بها النيل أو ~~يثمر منها ثمراته، فكتب عمرو إلى الخليفة في ذلك، فجاءه منه الأمر بإبطاله بعد أن فكر هو ~~في مثل ذلك، فأبطل هذه العادة الخرافية، واعتمد على الوسائل المعقولة من تنظيم الماء ~~ومناوبة الري حسبما تهيأت له الأسباب ms059 العلمية في ذلك الزمان. # وترفق في جمع الأموال من جزية الرءوس وخراج الأرض، فوزعها على ثلاثة أقساط في العام، ~~ولم يزد محصول السنة على اثني عشر مليون دينار : ثلثاها من جزية الرءوس على حساب أربعة ~~ملايين عدد الذكور العاملين، ومنها نحو ثلاثة ملايين دينار خراج الأرض على حساب مليون ~~ونصف مليون فدان، وهو دون الخراج الذي كان يجبى في عهد الرومان والفراعنة غير ما كانوا ~~يستصفونه غصبا من الخيرات والثمرات. # وقد كانت قلة الخراج عن القدر المنظور في أول الأمر مدعاة سؤال كثير من قبل الخلفاء، ~~فراجعه عمر في ذلك وانتهت مراجعة عثمان إياه إلى عزله، فزاد الخراج على عهد ابن أبي سرح، ~~وقال عثمان لعمر: أشعرت أن اللقاح درت بعدك ألبانها؟ قال عمرو: لأنكم أعجفتم ~~أولادها! # ومهما يكن من تصرف عمرو في مال الخراج - أو من طمعه المشهور - فما نظن أن طمعه في المال ~~المحصل كان سببا ظاهرا لذلك النقص الذي لحظه الخلفاء؛ لأنه كان يستطيع أن يجمع ما ~~يكفيه ولا يلحظ نقصه لو آثر الجور على القصد في السياسة. وإنما عمل بالعهد الذي كتبه ~~للمصريين ونظر إلى طول البقاء في الولاية، فمضى على السياسة التي تكفل له ولاء الرعية، ~~وتصلح شئون العمارة في البلاد على حد قوله: «إنه لا سلطان إلا برجال ولا رجال إلا بمال، ~~ولا مال إلا بعمارة ولا عمارة إلا بعدل.» # وكان من أهم أعمال التعمير التي تمت على يديه بأمر الخليفة فتح الخليج الذي سماه بخليج ~~أمير المؤمنين بين نهر النيل والبحر الأحمر، فكان ممرا صالحا للسفن التي تحمل الميرة ~~من مصر إلى الحجاز، وطالما احتاج الحجاز إلى تلك الميرة في أعوام القحط والمجاعة. # وبنى مدينة الفسطاط حول مسجده المعروف باسمه إلى اليوم، وإذا صح ما قيل في سبب تسميتها ~~بالفسطاط، فقد بقي عمرو «الشاعر» يقظان الحس والخيال تحت آكام السياسة وأنقاض الحروب، ~~قيل: إنه أراد أن يقوض فسطاطه فرأى يمامة قد باضت في أعلاه فقال: لقد تحرمت بجوارنا ~~وأمر الجند أن يقروا الفسطاط ms060 حتى تطير فراخها، فبقي حتى بنيت المدينة في مكانه وسميت ~~بالفسطاط، أو لعل السياسي هنا كان أيقظ من الشاعر؛ لأن حماية يمامة وديعة في جوار وال ~~لهي أجدى له من البأس والرهبة في استمالة القلوب العصية إلى «الحماية» الغريبة التي فرضت ~~عليها. ~~••• # ومن تمام القول في سمعة الحكم الإسلامي بعد فتح مصر، أن نعرض لمسألة طال فيها الأخذ ~~والرد بين المؤرخين وناقدي الإسلام، وهي مسألة إحراق المكتبة الكبرى بالإسكندرية! # وخلاصة هذه المسألة أن عمرا رفع إلى الفاروق خبر المكتبة، فجاءه الجواب بما نصه: «أما ~~الكتب التي ذكرتها فإن كان فيها ما يوافق كتاب الله ففي كتاب الله عنه غنى، وإن كان فيها ~~ما يخالف كتاب الله فلا حاجة إليه، فتقدم بإعدامها.» فوزعت الكتب على أربعة آلاف حمام ~~بالمدينة، ومضت ستة أشهر وهي تستخدمها في وقودها. # ولم تذكر هذه الرواية إلا بعد انقضاء ستة قرون على تاريخ الفتح، فلم يعرض لها البطرق ~~يوتيخوس الذي توسع في الكلام على فتح الإسكندرية، وكذبها ظاهر من المبالغة في عدد الكتب ~~التي تغني أربعة آلاف حمام عن الوقود ستة أشهر! مع العلم بأن الرق الذي كانت الكتب تسطر ~~عليه في تلك العصور لا يصلح للوقود، وأن الوالي الذي يريد إعدامها لا يسلمها لمن لعله ~~يبيعها أو يحفظها ولا يفوته أن يعهد في نقلها إلى أصحابها وقد حملوا معهم متاعهم الذي ~~طلبوا حمله وهم ذاهبون إلى أرض الروم، وقد حدث أن هذه المكتبة أحرقت مرات في عهد يوليوس ~~قيصر، وعهد العاهل ثيودسيوس الذي أباد آثار الوثنية، سواء من الكتب أو التماثيل. # وكفى لتكذيب هذه الأسطورة أنها لا تشبه عملا من أعمال الفتح الإسلامي الذي اقترن ~~بالتعمير ولم يقترن قط بالتنكيل والتدمير، ومهما يكن من صدق القول المعزو إلى عمرو في ~~وصف مصر: «أن نيلها عجب وترابها ذهب، وأمراءها جلب، وهي لمن غلب.» فإنه لم يأخذها قط ~~بسلطان الغلبة والرهبة، ولم يشرع فيها شرعة إلا كان رائده فيها الرفق والمودة. # الفصل الخامس # | البلاد والسكان # قبل الاسترسال في ms061 بقية هذه السيرة إلى نهايتها من أعمال عمرو في مصر، نرى أن هذه السيرة ~~تستلزم بيانا مفصلا عن حالة البلاد المصرية كما صارت إليه في الآونة التي تم فيها ~~الفتح وقضى فيها على سيادة الدولة الرومانية، فهذه الحالة من الأسباب التي لا يغفل ~~عنها عند تقدير عمل الفاتح العربي، وتقدير العوامل التي يسرت له الغلبة على ~~الرومان. # وقد راجعنا بعض المراجع التي لم نقف لها من قبل، وانكشفت في السنوات الأخيرة نيات فئة ~~من المؤرخين الغربيين الذين كتبوا عن تاريخ الرومان بمصر، كأنهم أناس من الرومان يذكرون ~~مصابا لحق بهم، ويلتمسون العزاء عنه تارة، ويلتمسون العلة التي تعفيهم من وصمته تارة ~~أخرى. وقد نظرنا إلى تعليلاتهم وتحليلاتهم بالنظرة التي تنبغي لها فرددنا كثيرا منها، ~~وهتكنا الحجاب عن كثير مما كان يخفى على من يقرءون تاريخ هذه الفترة على غير التفات إلى ~~هذه الأهواء التاريخية، بل هذه التواريخ العصرية التي تمليها في هذا الزمن «بواعث حية» ~~كما سيرى القراء، ولعلهم يستوضحون ذلك من مواجهة الحقائق في أمر البلاد والسكان، وأبطال ~~التاريخ المشتركين في حوادث الفتح على ذكر من هذه النيات. ~~••• # كانت مصر في الزمن القديم معروفة بين أهلها باسم «كيم» أو «خيم» بياء تنطق ممالة بين ~~الياء والألف، ويتوهم بعضهم أنها مأخوذة من كلمة خام أو حام بن نوح، على اعتبار المصريين ~~سلالة حامية قديمة، وهو من الأوهام التي لا سند لها من التاريخ ولا من الآثار الباقية؛ ~~لأن معنى الكلمة قديم في اللغة المصرية بمعنى الأرض السوداء، ومنها أخذ اليونان كلمة ~~الكيمياء حين كان علم الكيمياء يسمى بالعلم الأسود أو السحر الأسود؛ لأنه من العلوم ~~الخفية التي يستعان عليها بالأرواح الشريرة في زعم الأقدمين! # ولم يبق من أسماء مصر القديمة في العصر الحاضر غير اسمين اثنين، أحدهما اسم «إيجبت» # Égypte # الذي تلقاه الغربيون عن اليونان، ولا يزال ~~لديهم علما على البلاد المصرية، وأصله مجهول تختلف فيه الأقوال، ويرجح أن الكلمة منحوتة ~~من كلمتين بمعنى «جي بتاه» أو «كي بتاه»؛ أي: ms062 بلاد فتاح الإله الذي كان معبودا في «منف» ~~العاصمة القديمة التي عرفها اليونان الأسبقون. # والذين يرجحون هذه التسمية يرون أن كلمة «قبطي» مشتقة من النسبة إلى «كي بتاه»، خلافا ~~لمن يرجع بها إلى قفط أو كوبتوس في طريق البحر الأحمر، وقديما قيل: إنها كانت بلدة على ~~البحر الأحمر، ثم نقلت إلى الطريق كله بين البحر الأحمر والبلدة التي اشتهرت باسم قفط في ~~إقليم قنا، ولا تزال معروفة به إلى اليوم ولا تزال طريق القصير وقنا من الطرق الممهدة ~~للقوافل في العصر الحاضر! وليس من التعسف البعيد أن يقال: إنها أصل التسمية القديمة ~~للبلاد المصرية؛ لأن عواصم مصر الكبرى كانت في الإقليم القنائي، وظلت فيه قرونا طوالا ~~من العصر القديم. ويتوسع بعض المؤرخين في دلالة هذه التسمية، فيردون إليها علاقة مصر ~~العليا بالبلاد العربية القديمة، ويحسبون أن المهاجرين الأوائل قدموا من طريق البحر ~~الأحمر ثم طريق الصحراء في زمن مجهول، ولا يلزم من ذلك أن يكون أصل المصريين جميعا من ~~هؤلاء المهاجرين؛ لأن ملامح المصريين الأوائل ولغاتهم لا تنحصر في أصل واحد، ولا تنحصر ~~على الخصوص في السلالة السامية، بل يوجد فيها مزيج قليل يسهل تعليله بالنسبة إلى طريق ~~«قفط» من جانب البحر الأحمر أو الجانب الذي يقابله على النيل. # أما الاسم الآخر من الأسماء الباقية، فهو اسمها المشهور في اللغة العربية أو هو اسم ~~«مصر» الذي يحسبه بعضهم مأخوذا من كلمة «المصر» التي تطلق في العربية على أرض الحواضر ~~أو على الحاضرة الكبرى، حيث تقام معالم الحكم وأحكام الشريعة. # والغالب أن كلمة «مصر» عربية الأصل، ولكن في لغة العرب السابقة لهذا الاصطلاح الحديث، ~~وإنما نقول: الحديث بالنسبة إلى الكلام العربي المتداول على الألسنة من عهد الإسلام وما ~~قبله بأجيال قليلة! وقبل هذا العهد - عهد الإسلام - عرف العرب مصر ثم عرفها منهم ~~العبرانيون المنتقلون من أرض العراق، وقد كاد المؤرخون أن يتفقوا على أن العبرانيين ~~قدموا إلى مصر في عهد القبائل العربية من الرعاة وأتباعهم المشهورين باسم الهكسوس، فهم ~~أول من ms063 أطلق على «مصر» هذا الاسم وسموها «مصرايم»، فزعم بعضهم أن الكلمة من اسم قديم ~~يدعى مصرايم يحسبونه جد المصريين أجمعين، ولكن الواقع أن «مصرايم» تثنية مصر باللغة ~~العبرية بمعنى المصرين؛ أي: الوجه البحري والوجه القبلي ولا تزال الكلمة بعد ذلك محتاجة ~~إلى تفسير من اللغات السامية الأولى إن لم يكن لها معنى قديم منقول عن ~~الهيروغليفية. # والبحث في العبرية واللغات السامية عامة، هو الذي قاد الباحثين إلى مادة «صر» في جميع ~~هذه اللغات، فمادة «صر» تفيد في هذه اللغات جميعا معنى الضم والضيق، والشيء المصرور هو ~~الشيء المضغوط أو المشدود، ومنه الصرة والصرار والإصرار، وقيل لهذا: إن المصر يراد به ~~الوادي الضيق المصرور بين الجبلين، وبولغ في تتبع هذا المعنى، فقيل: إن العبرانيين سموا ~~البلد باسم «مصر»، بعد ما أصابهم فيها من الضيق، وبعد ما اعتزموه من الفرار بأنفسهم من ~~هذا الضيق، وهو اعتساف في التأويل لا تؤيده كلمة واحدة توجه اشتقاق الكلمة هذا ~~الاتجاه. # أما المصر من «الصر» بمعنى حصر الوادي بين الجبلين، فيلاحظ أن العبرانيين أطلقوا اسم ~~المصرين على الوجهين، ولم يكن الوجه البحري - حيث أقام الأكثرون منهم - واديا محصورا ~~بين الجبال، ولم يعرف قط أنهم أطلقوا على مصر اسما آخر قبل وفودهم إليها، إلا أن يكون ~~اسم النهر أو بلاد حام. # ولهذا يذهب بعضهم إلى أن كلمة «مصر» هيروغليفية قديمة مركبة من كلمات ثلاث بمعنى «بلد ~~أبناء الشمس»، والكلمات الثلاث هي «ما» بمعنى موضع، و«سي» بمعنى ابن، و«ري» أو «را»، ~~بمعنى الشمس، ومنها «راع» التي ينسب إليها بعض الفراعنة، فإذا صح أن «ما سيري» هي أصل ~~هذه التسمية فلا غرابة فيه، وإنما يعوزه السند الذي يعزز الاستنتاج وليس له الآن وجود، ~~وكل ما هناك أن أناسا من الثقات يستندون إلى إطلاق اسم «مسرى» على شهر الفيضان أو شهر ~~النيل المنتظر، ويربطون كما فعل العلامة «مسبرو» بين اسم الشهر واسم البلاد. # ولا يخفى أن اللغة الهيروغليفية كانت لغة تصوير، تغلب فيها المقاطع على الحروف، وأن ~~المصريين استخدموا الأبجدية ms064 اليونانية وزادوا عليها بعض الحروف التي لا وجود لها عند ~~اليونان، حين أرادوا الكتابة باللغة الوطنية، والاستقلال بها عن كتابة الدول الرومانية! ~~وقد وجدت صور الأرض والشمس عليها دالة على البلاد المصرية في الآثار القديمة، أما نطقها ~~بألفاظ تقارب لفظ مسر أو مصر فليس له سند معروف، بل كان الكتاب المصريون المخضرمون بين ~~عصر اللغة الهيروغليفية وعصر اللغة القبطية يذكرون مصر كما يذكرها اليونان باسم وسط بين ~~«جبت» و«قبت» أو قبط، ويظهر أن كتاب العربية أنفسهم كانوا يطلقون كلمة «قبط» على البلاد ~~أحيانا، ولا يقصدون بها السكان كما فعلوا بعد ذلك؛ ولهذا كانوا يذكرون المصريين باسم ~~«القبطيين»، وتكررت هذه النسبة بعد الفتح الإسلامي بزمن غير قصير، ولم يلجئهم إلى ~~التفرقة بين النسبة إلى مصر والنسبة إلى «قبط» إلا الرغبة في توضيح الفرق بين المصريين ~~بعد الإسلام والمصريين قبل الإسلام، وقد كان المؤرخون المسلمون يذكرون «المصريين» إلى ~~عهد «معاوية» ويعنون بهم العرب المسلمين المقيمين في الديار المصرية؛ ولهذا كانوا ~~يقولون: إن «المصريين» أيدوا عليا في خلافه مع معاوية، وأنهم لم يبايعوا معاوية إلا ~~بعد ولاية عمرو بن العاص الثانية، على أن العرب كانوا يسكنون مدينة «قفط» قبل الإسلام، ~~وقال سترابون: إن نصف سكانها منهم، وربما أخذوا كلمة قبط من النسبة إلى هذه المدينة ~~القديمة في طريق الحجاز. # ومن المحقق بعد جميع التأويلات والاحتمالات أن اسم «مصر» كان معروفا في أرض كنعان قبل ~~وفود العبرانيين، وأن اليونان عرفوا مصر باسم «إيجبت» قبل عصر الشاعر هوميروس، وأن ألواح ~~تل العمارنة ذكرت مصر باسم «هكبتاه» الذي يرجع إليه الاسم اليوناني، وأرادت به أرض منف ~~وعاصمة بتاه أو فتاح، وأن «مصر» بغير التعريف لم تطلق على قطر غير وادي النيل، وأن العرب ~~هم أول من تسمى بالمصريين، ولم يأنفوا من مساواة أبناء البلاد بالانتساب إليها كما أنف ~~الرومان واليونان من قبلهم! وقد كان المؤرخون قبل الميلاد وبعده يحصون سكان البلاد ~~المصرية فلا يشملونهم بإحصاء واحد، ويفردون كل فريق من السكان بتعداد خاص، كالروم ~~واليهود وأبناء ms065 البلاد الأصلاء، ومعظمهم كانوا يقيمون في الصعيد وفيما بين فرعي النيل ~~المعروفين الآن باسم فرع دمياط وفرع رشيد، وكانت الأقاليم التي تقع إلى شرق فرع دمياط ~~وإلى غرب فرع رشيد، مقاما لقبائل متفرقة تعرف بالأنساب، ولا تعرف بأسماء المدن والقرى ~~في أسمائها الشائعة. # وقد أحصى ديودورس الصقلي ويوسفيوس اليهودي سكان مصر، فلم يجاوزوا بهم ثمانية ملايين، ~~وأولهم من مؤرخي القرن الأول قبل الميلاد، والآخر ممن شهدوا عصر الميلاد في أوائله، ~~وكلاهما فرق في التعداد بين المصريين واليهود والروم! # وكانت هذه الأجناس جميعا في نزاع دائم بينها، وفي نزاع دائم مع الدولة الرومانية، ~~وربما تجرد بعض القساوسة لقتال اليهود بجنود يجمعها من الوطنيين، ويغير بها على الأحياء ~~اليهودية في الإسكندرية، وقد كانت عدتهم فيها وفي عين شمس تزيد على مائتي ألف في بعض ~~الأوقات. # ولما حان عصر الفتح الإسلامي - أي القرن السابع للميلاد - لم يكن في مصر كلها من يود ~~بقاءها في حوزة الدولة الرومانية، حتى الروم، ولم يكن هؤلاء الروم يثقون بدوام ملك ~~الدولة الرومانية بعد تكرار هزيمتها أمام الفرس وأمام العشائر الهمجية في أوروبة الشرقية ~~وأوروبة الوسطى، ومن كان من الروم يدافع الأجانب عن أرض مصر، فإنما كان يدفعهم ليستبقي ~~له ملك الأرض، ويتحين الفرصة لاقتطاعها من الدولة البيزنطية أو الدولة الرومانية ~~الشرقية، فلم يكن حكم الرومان حكم رضى من المحكومين، ولا حكم ثقة بالبقاء ~~والدوام. # كان القبطيون، أو أبناء البلاد من غير الروم واليهود على أشد السخط من الدولة ~~الرومانية، لأسباب دينية وأسباب سياسية؛ إذ كانت كنيسة بيزنطة قد نازعت كنيسة الإسكندرية ~~سلطانها وأرادت أن تفرض عليها مذهبا في المسيحية لا تقره، وهو المذهب الذي اشتهر باسم ~~المذهب الملكي، واعتقد التابعون له أن المسيح ذو طبيعتين، خلافا للإسكندريين الذين ~~كانوا يدينون بطبيعة واحدة، ويطلق عليهم خطأ اسم اليعقوبيين، وقد كان المصريون يثورون ~~على الدولة الرومانية قبل دخولها في المسيحية ويقابلون اضطهادها بالإضراب أو بالرهبانية ~~والاعتكاف على الصوامع والأديرة في الصحراء، ثم دان عواهل الرومان منذ أيام قسطنطين ~~بالمسيحية، ms066 فتغير سبب الاضطهاد ولم يتغير طغيانه وبغضاؤه التي شقي بها أبناء البلاد عدة ~~قرون. كان الاضطهاد لاختلاف الدين، فتحول إلى اضطهاد لاختلاف المذهب والنحلة، ولم يزل ~~أتباع الكنيسة الوطنية يرمون أتباع الكنيسة الملكية بالكفر والمروق، ويقولون عنهم: إنهم ~~يمزقون طبيعة السيد المسيح ويؤمنون بإلهين مختلفين، ومن قبل هذا كان النزاع السياسي ~~الوطني قد بلغ غايته بين المحكومين والحاكمين، ولكن المحكومين - على الأقل - كانوا ~~يستقلون بالعقيدة في الأمور التي تصطدم فعلا بسلطان الدولة، فلما دان عواهل الروم ~~بالدين المسيحي فرضوا لأنفسهم سلطانا روحيا إلى جانب السلطان السياسي، ولم يتركوا ~~للمحكومين منفسا يشعرون فيه باستقلال الرأي والضمير، وقد تفاقم الخطب في عهد الإمبراطور ~~فوقاس - قبل الفتح الإسلامي مباشرة - فصدر أمره إلى ولاته على مصر بطرد جميع الوطنيين من ~~وظائف الحكومة، وإلزامهم طاعة الكنيسة في القسطنطينية، ويكفي لبيان السخط على الدولة ~~الحاكمة أن الخلاص منها أصبح حلما من الأحلام التي تساور زعماء الكنيسة الوطنية في ~~يقظتهم ومنامهم، فرأى البطرق بنيامين في منامه أن مصر ستفتح لأناس مختونين ينقذونها من ~~أعدائها المتسلطين عليها، وروي هذا الحلم على روايات مختلفة منسوبا إلى أناس غير ~~البطرق بنيامين. # ولم تكن عداوة المصريين للدولة القائمة خافية على سكان البلاد المصرية من الروم، بل هم ~~كانوا يعلمون أن كراهة المصريين للسكان «المحليين» من الروم أشد من كراهتهم لرؤسائهم في ~~القسطنطينية؛ لأن هؤلاء الروم المحليين يخالفون الوطنيين في العقيدة والجنس كما يخالفهم ~~رؤساؤهم في العاصمة الكبرى، ويزيدون على رؤسائهم بعداوة أخرى هي عداوة المنافسة الشخصية ~~والغطرسة المحسوسة، ويحيك في نفوسهم أن كل زيادة في سلطان الوطنيين نقص في سلطان الولاة ~~والموظفين الرسميين، وبخاصة بعد التجاء الدولة إلى استرضاء الوطنيين ببعض مناصب الرئاسة ~~والقيادة، وتوكيلهم في تحصيل الضرائب والإشراف على حقوق الالتزام في الجهات النائية، ~~فهذه العداوة المحلية تضاف إلى العداوة العامة التي تكون على الدوام بين الدولة الغاصبة ~~والأمة المغصوبة. فلا جرم يتخوف الروم المحليون من أبناء البلاد عند هجوم العرب على ~~تخومها، ويبلغ من تخوفهم وسوء ظنهم أنهم يفضلون ms067 الانفراد بالدفاع عنها على الاستعانة ~~بجيش من أبنائها، ولم يكن هذا الجيش قائما قبل ذلك للاستعانة به في ساعة الخطر المفاجئ. ~~فلما وجد الروم المحليون أن الأمر يحتاج إلى تنظيم جيش جديد مستعد للدفاع في حالة ~~الاطمئنان إليه، عظمت عليهم مشقة التنظيم العاجل، فانفردوا كذلك بشروط الصلح والاتفاق، ~~فكانت شروطهم غير الشروط التي اتفق عليها الوطنيون. # وينبغي أن نتنبه إلى خطأ يتعرض له المؤرخون في هذا السياق؛ لأنهم يقيسون الأمور في ذلك ~~العصر على أشباهها في العصر الحديث، فيخطر لهم أن الروم سكان مصر كانوا يشعرون مع الدولة ~~القائمة بوحدة الوطنية أو وحدة الجنس والقومية، وليس لهذا الخاطر مسوغ من تكوين ~~الدولة، ولا من وحدة العنصر، ولا من شعور الولاء للنظام الحكومي الذي كان قائما في دولة ~~الرومان شرقا وغربا عند فتح العرب للديار المصرية. # لم تكن الدولة الرومانية دولة روم بمعزل عن اللاتين وسائر الأقوام التابعين لرومة ~~القديمة ورومة الجديدة؛ أي: القسطنطينية، بل كان الروم اليونانيون قلة في مناصب الدولة ~~الشرقية، وكان اللاتين من أهل الغرب يشعرون أن رومة الجديدة قد جارت على مكانة رومة ~~القديمة وعرضتها للهوان والإهمال، وكان الرعايا في الشرق والغرب خليطا من الأجناس ~~المتعادية المتنافرة، لا تربطهم رابطة غير سلطان القوة والخوف من الغارات المشتركة ~~والقبائل البربرية، ولم يكن نظام الجلوس على العرش قائما على وراثة محترمة أو حقوق ~~مرعية، بل كان باب القصر المالك مفتوحا لكل غالب وغاصب، وكان فوقاس على عرش القسطنطينية ~~وحوله أناس يتآمرون مع هرقل حاكم إفريقية الشمالية في ذلك الحين لإغرائه بالهجوم على ~~العاصمة وانتزاع العرش من صاحبها، فقتل فوقاس في هذا الصراع، وخلفه هرقل بتأييد ~~المنشقين على العاهل القتيل، ثم انقلب هؤلاء على هرقل بعد تأييده، فهم بترك العاصمة ~~والانتقال إلى إفريقية حيث كان، ولولا أن بطرق العاصمة خاف على مكانته من منافسة كنيسة ~~الإسكندرية وكنيسة رومة القديمة، لانتقل إلى إفريقية وترك الدولة الشرقية للمغيرين ~~عليها، ولكن بطرق العاصمة فتح له كنوز خزائنه وحشد له أعوانه، واستخدم سلطانه الديني ms068 في ~~تهدئة جأشه وتوهين الدعاوى التي ادعاها عليه أعداؤه ومنازعوه، وهذا كله يجري بعلم الولاة ~~الكبار والقادة البارزين، فيضعف في نفوسهم ولاء الطاعة والإذعان، كما يضعف فيها ولاء ~~الإخلاص والوفاء. ولم يكن أحد في الدولة الرومانية يجهل أنها دولة منهارة تتصدع وتؤذن ~~بالزوال، ولم يكن قد غاب عن بالهم هزائم هرقل وأسلافه أمام الفرق وأمام القبائل ~~البربرية، ولا غاب عنهم أن أساطين الدولة يتربصون به الدوائر من الداخل لمنازعته ~~السلطان، أو لتحويل الدفة مع اتجاه الريح، وقد كان لها اتجاه مختلف كل الاختلاف ما بين ~~عام وعام. # فالمؤرخ الذي يقيس موقف الروم المحليين في ذلك العصر على مواقف العصر الحاضر يجهل ~~الموقف ويخطئ القياس، إذ لم يكن هنالك شعور قومية من سلالة اللحم والدم، ولا شعور وطنية ~~من تقاليد النظام السياسي وقواعد الحكومة، وكل ما كان هنالك أن آحادا من زعماء الروم ~~المحليين في مصر كانوا يعتمدون على قوة القسطنطينية للمحافظة على مصالحهم «المحلية» ~~والتغلب على الوطنيين، وكانوا مع هذا الاعتماد على قوتها يشكون في دوامها ونجاحها، ولا ~~يطمئنون إلى وعودها ولا يأمنون انقلابها، وخطتهم هذه إنما هي خطة مداورة واغتنام فرصة، ~~قد تتحول من عاهل إلى عاهل كما تتحول من فريق إلى فريق. # وقد علموا أن العواهل أنفسهم مستيئسون في قتالهم، يحارب بعضهم بعضا محاربة القانط من ~~الغد، أو الذي لا يهمه أن يكون الغد كيف يكون، وآخر ما عرفوه من ذلك قبيل الفتح الإسلامي ~~أن «فوقاس» قذف بكنوز الدولة وجواهر القصر الملكي في البحر، ضنا بها أن تئول إلى ~~منافسه هرقل بعد غلبته عليه، فما كان أحد منهم يقاتل يومئذ قتال الرجال أو الثقة بالعودة ~~إلى النصر بعد الهزيمة. # أما اليهود فقد كان حسبهم من النقمة على الدولة الرومانية أنها هدمت هيكل سليمان، ~~وشردتهم من بيت المقدس، وتعقبتهم في بلادها بالمطاردة والمصادرة، والإكراه على عبادة ~~الإمبراطور تارة والإكراه على العبادة المسيحية تارة أخرى، ولكنها كانت تغنيهم في كل عصر ~~عن الذكريات القديمة بما تجدده من صنوف الاضطهاد والتعذيب، ms069 وكانت لهم نكبة يذكرونها لكل ~~من العاهلين اللذين تعاقبا على عرش القسطنطينية في عصر الفتح الإسلامي، وهما فوقاس ~~وهرقل، فأما فوقاس فقد أمر بطردهم من وظائف الدولة في الإسكندرية وتعميدهم كرها، وقتل ~~من يخالف أمره فيرفض الإذعان للتعميد، فلما ثار هرقل على فوقاس نصروه وانتظروا خيرا على ~~يديه، فإذا بهرقل ينكبهم نكبة تنسيهم مظالم سلفه المغضوب عليه، وروي ذلك بطرق هرقل في ~~الإسكندرية «أفتيخوس» حيث قال من تاريخه المشهور: # في السنة التاسعة من ملك هرقل خرج من القسطنطينية يريد بيت المقدس، فلما بلغ ~~طبرية خرج إليه اليهود الساكنون بطبرية وجبل الجليل والناصرة وكل قرية في تلك ~~الناحية، فاستقبلوه بالهدايا ودعوا له، وسألوه أن يعطيهم الأمان، فكتب لهم ~~بذلك عهدا، فلما بلغ بيت المقدس استقبله رهبان الصوامع وأهل بيت المقدس، ~~ومعهم مودستس بالمجامر والبخور، فلما دخل المدينة ونظر إلى ما دمر الفرس ~~وأحرقوه اغتم غما شديدا، ثم نظر إلى ما بناه مودستس من كنيسة القيامة ~~وكنيسة مار قسطنطين وغيرهما فسره ذلك، وشكر مودستس على ما فعل، وشكا الرهبان ~~وأهل بيت المقدس له ما فعلته معهم اليهود الذين حول بيت المقدس مع جبل الجليل ~~وقت قدوم الفرس، وأنهم كانوا معهم يعينونهم، وقتلوا من النصارى أكثر مما قتله ~~الفرس، وخربوا الكنائس وأحرقوها بالنار، وأروه القتلى الذين في ماميلا، ~~وأعلموه بما فعلوا في مدينة صور من قتل النصارى وخراب الكنائس، فسألهم هرقل: ~~ماذا تريدون؟ قالوا له: نقتل كل يهودي حول بيت المقدس وجبل الجليل؛ لأننا لا ~~نأمن أن يجيئنا عدو أو قوم مخالفون فيكونوا أعوانا لهم، كما أعانوا الفرس ~~علينا، قال هرقل: وكيف أستحل قتلهم وقد أعطيتهم الأمان، وكتبت لهم بذلك عهدا ~~كما تعلمون؟ ومتى نقضت العهد والأمان، كان ذلك عارا علي وأحدوثة قبيحة، ولم ~~آمن إن كتبت لغيرهم عهدا أن يأباه، فقالوا له: إن سيدنا يسوع المسيح يعلم أن ~~قتلك لهم غفران لذنوبك والناس يعذرونك؛ لأنك في الوقت الذي أعطيتهم الأمان لم ~~تدر ما فعلوا من قتل النصارى وخراب الكنائس، وإنما خرجوا إليك ms070 واستقبلوك ~~بالهدايا مكرا منهم ولعنة، فقتلهم قربان إلى الله! ونحن نحتمل لك وعنك هذا ~~الذنب ونكفر عنك، ونسأل سيدنا اليسوع ألا يؤاخذك به، أو نجعل لك جمعة كاملة في ~~بدء الصوم الكبير نصومها لك، ونترك فيها أكل الجبن والبيض ما دامت النصرانية، ~~ونجعل في هذا قانونا وحرما بألا يغير، ويكتب به إلى جميع الآفاق غفرانا ~~لجميع ما سألناك أن تفعل، فأجابهم هرقل إلى ذلك، وقتل من اليهود حول بيت ~~المقدس وجبل الجليل ما لا يحصى من قدر عليه، ومنهم من اختفى، ومنهم من هرب إلى ~~الجبال وإلى مصر. # وجاءت هذه القصة في تاريخ المقريزي حيث يقول: # ثم سار هرقل من قسطنطينية ليمهد ممالك الشام ومصر ويجدد ما خربه الفرس منها، ~~فخرج إليه اليهود من طبرية وغيرها، وقدموا إليه الهدايا الجليلة، وطلبوا منه ~~أن يؤمنهم ويحلف لهم على ذلك فأمنهم وحلف لهم، ثم دخل القدس وقد تلقاه ~~النصارى بالأناجيل والصلبان والبخور والشموع المشعلة، فوجد المدينة وكنائسها ~~وقمامتها خرابا، فساءه ذلك وتوجع له، وأعلمه النصارى بما كان من ثورة اليهود ~~مع الفرس وإيقاعهم بالنصارى وتخريبهم الكنائس، وأنهم كانوا أشد نكاية لهم من ~~الفرس، وقاموا قياما كبيرا في قتلهم عن آخرهم، وحثوا هرقل على الوقيعة بهم ~~وحسنوا له ذلك، فاحتج عليهم بما كان من تأمينه لهم وحلفه، فأفتاه رهبانهم ~~وبطاركهم وقسيسوهم بأنه لا حرج عليه في قتلهم، فإنهم عملوا عليه حيلة حتى ~~أمنهم من غير أن يعلم بما كان منهم وأنهم يقومون عنه بكفارة يمينه بأن ~~يلتزموا ويلزموا النصارى بصوم جمعة في كل سنة عنه، على مر الزمان والدهور، ~~فمال إلى قولهم، وأوقع باليهود وقيعة شنعاء أبادهم جميعا فيها، حتى لم يبق في ~~ممالك الروم بمصر والشام منهم إلا من فر واختفى. # وهذه قصة تدل على مكامن الخطر من نقمة اليهود، وتدل على مكامن الخطر التي هي أبلغ من ~~ذلك وأدهى، فإذا كان هرقل يجهل ما حدث في بيت المقدس حتى يراه بعينه، وكان رعاياه الكبار ~~منقطعين عنه حتى يصل إليهم في عقر ms071 دارهم، فتلك دولة ممزقة مهملة مفتوحة للأخطار من ~~مكامنها ومما حولها على السواء. # وقد كانت لليهود ترات غير تراتهم عند العاهلين؛ لأنهم كانوا قبل ذلك يهاجمون أبناء ~~البلاد ويتعرضون لهجومهم في كل فترة من فترات الثورة والانتفاض، وكانوا إذا سلموا من ~~ضربات الدولة واستهدف لها أبناء البلاد وحدهم، خامر هؤلاء الظن أنهم يمالئون الدولة ~~عليهم، وأنها تحابيهم وتستعين بهم سرا وعلانية على اضطهادهم، فإذا أمنوا طغيان الدولة ~~لم يأمنوا الشبهات والتهم من رعاياها الموتورين! # وكان لليهود موقعان من أهم المواقع في البلاد المصرية من الوجهة العسكرية، فكان لهم ~~حيان بين أحياء الإسكندرية الخمسة، وحي كبير في عين شمس بجوار منف عاصمة البلاد ~~الداخلية، وكل من هذه المواقع له شأنه الخطير في أوقات الهجوم على البلاد من بحرها ~~وبرها. # وكانت للبشموريين في شرق الدلتا مواقع استطلاع وعبور لا تقل خطرا عن مواقع اليهود في ~~العاصمتين؛ إذ كانوا يسكنون المراعي الواسعة على تخوم الصحراء بين البحيرات الشمالية ~~وأودية الجنوب، وكانوا عربا منحدرين على أرجح الأقوال من سلالة العمالقة الأقدمين، ~~وكانوا يعاونون العرب الفاتحين، كما عاونهم عرب الصحراء في الشام على اختلاف العقيدة ~~والمقام، وإذا لاحظنا أن بادية الفيوم كان يسكنها أناس يتكلمون بلهجة بشمورية علمنا أن ~~أقسام البادية العربية لم تتغير كثيرا من قديم الزمن، وأن عمرو بن العاص قصد إلى الفيوم ~~قبل فتح منف على علم بأصول هذه السلالة. # وانقضى عهد هرقل كله ومصر تسمع بأخبار الفتوح الإسلامية، وتتوقع مصيرا كمصير جاراتها ~~في المشرق القريب، ولم يكد أعوان هرقل يستعيدون بعض الثقة بدولته بعد خروج الفرس من مصر ~~حتى تبين لهم أن قوة أقوى من الفرس والروم معا قد ظهرت في ميدان النضال العريق بين ~~الدولتين، وسمعوا بهزيمة الفرس كما سمعوا بهزيمة الروم في فلسطين، ومنهم من ذهب إلى ~~فلسطين نجدة لهرقل، فلم يكد يدخل الأرض باحثا عن العاهل الذي استنجده حتى سمع بفراره ~~وتوديعه البلاد توديع اليائس المفارق إلى غير رجعة، كما تناقل عنه الذين قفلوا من ركابه ~~عند تخوم ms072 آسيا الصغرى. # وأوشك العهد الذي كتبه الخليفة العربي لبطارقة بيت المقدس أن يصبح من محفوظات السياسة ~~ورجال الدين في منف والإسكندرية بالرواية المتواترة، وعلموا أن الخليفة حضرته الصلاة وهو ~~في صحن الكنيسة الكبرى ببيت المقدس، فخرج منها وصلى على درجها منفردا؛ لئلا يطلبها ~~المسلمون ذكرى لصلاة الخليفة عليها، وأنه كتب في عهده أنه أعطاهم أمانا لأنفسهم ~~وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم: لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينتقص منها ولا من صليبهم ولا ~~من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم، ومن خرج من الروم فإنه آمن ~~على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم، ومن أقام منهم فهو آمن وعليه مثل ما على أهل إيليا من ~~الجزية، ومن أحب من أهل إيليا أن يسير بنفسه وماله مع الروم، فإنهم آمنون على أنفسهم ~~وعلى بيعهم وصلبهم حتى يبلغوا مأمنهم. ~~••• # وسيرى القارئ فيما يلي كيف خاض المؤرخون في حديث المقوقس كبير مصر، وكيف تخيلوا أنه ~~احتال للصلح بشروط غير شروط الروم من جند هرقل في الإسكندرية، وسيرى أن هؤلاء المؤرخين ~~نساخون يتخبطون في صناعة النسخ فضلا عن التأويل والتخريج؛ لأن اتفاق المقوقس بشطريه ~~لم يكن إلا نسخة من اتفاق بيت المقدس بين العرب وأبناء البلاد، وكانت سياسة العرب أن ~~يتفقوا مع أبناء البلاد، ثم لا يعنيهم من أمر الدولة الحاكمة إلا أن تنجلي بجنودها حيث ~~تشاء، فإذا قبل أبناء البلاد شرطا متفقا عليه لم يكربهم أن يقبله الروم، ولم يأبوا ~~عليهم الخروج إلى ديارهم آمنين مع من يتبعهم من رعاياهم المتعلقين بهم في موقف ~~الرحيل. # الفصل السادس # | المقوقس # نعرض الآن ببعض التفصيل لسيرة المقوقس وهو - كما تقدم - من أكبر الشخوص الخلافية في ~~تاريخ مصر، ويندر أن توجد في تاريخ العالم كله سيرة خلافية من هذا القبيل. # وشطر من اللوم في ذلك على المؤرخين الناسخين، وشطر آخر من اللوم على المؤرخين الذين ~~يدخلون أهواءهم الحديثة في مسائل التاريخ الخالية، ويكتبون بخصومات اليوم وأغراضه في ~~شئون لم يكن فيها محل قط لتلك الخصومات ms073 والأغراض! # وقد كان تاريخ المقوقس مبهما كتواريخ حكام الرومان في البلاد التي فتحها العرب من ~~فلسطين إلى إفريقية الشمالية؛ لأن أحوال الدولة الرومانية البيزنطية كانت في ذلك العصر ~~مبهمة متقلبة، يتولاها الإمبراطور اليوم، فيولي ويعزل ويقرب ويبعد، ويغير المناصب ~~وأصحابها، ولا يستقر على عرشه حتى يثور عليه طامع في الملك يهدم كل ما أقامه من أركان ~~ملكه، وقد يبقي أناسا من أصحاب المناصب كانوا معه سرا أيام ثروته، وقد ينكل بأناس كان ~~يداريهم ويداورهم إلى أن يتمكن منهم، وقد تنظم الدولة وتجري حوادثها على وتيرة معقولة ~~بضع سنوات، ولكنها تصل إلى التاريخ في عصر قد اضطرب فيه التاريخ والمؤرخون، وحالت فيه ~~الأهواء والمنازعات دون ذكر الحقائق والتبعات، فيقع اللوم على غير أهله، ويبذل الثناء ~~لمن لا يستحقه، وتمسخ الأخبار والحوادث مسخا لمجاراة المآرب والشهوات! # وتاريخ المقوقس كان عرضة للمسخ والإبهام في جميع هذه الجوانب: كان عرضة للمسخ والإبهام ~~من جانب المؤرخين النساخين، وعرضة للمسخ والإبهام من مؤرخي العصور الحديثة الذين نظروا ~~إلى أيام الفتح العربي كأنهم ينظرون إلى فتح يحدث في هذه الأيام، ثم كان قبل ذلك جميعه ~~عرضة للمسخ من تقلقل الأحداث وتغير الدول والحكومات والأحزاب الدينية والسياسية، ويكفي ~~منها اغتيال إمبراطور وجنون إمبراطور بعده، ودخول مصر في حوزة الفرس وخروجها منها، ~~وتنازع الكنائس على العبادات تنازعا قد استعصى على كل توفيق، فمن دان بمذهب فخصوم ذلك ~~المذهب عنده كفرة مشركون ولا توسط بين الطرفين؛ لأن الخصومة تشمل عقيدة الدين وعصبية ~~الجنس ومطامع السيادة والسياسة، وتطرأ في إبانها غارات من الخارج وثورات من الداخل لا ~~تؤذن في حينها باستقرار! # لهذا اختلف المؤرخون على كل شيء يتعلق بالمقوقس حتى كادوا أن ينكروه! # اختلفوا على اسمه واختلفوا على جنسه، واختلفوا على منصبه، فضلا عن الاختلاف على مقاصده ~~وأغراضه! # وظن بعضهم أن المقوقس اسم الرجل على أصله، أو مشوبا ببعض التحريف. # وظن بعضهم أنه لقب وظيفة، ثم اختلفوا في الرجل الذي كانت تطلق عليه، فمنهم من اعتقد أنه ~~«الأجيرج» أو الأعيرج الذي ms074 جاء في كلام بعض المؤرخين العرب أنه كان يتحصن في قصر ~~بابليون، ومنهم من اعتقد أنه البطرق بنيامين الذي كان على مذهب الكنيسة الوطنية، ومنهم ~~من اعتقد أنه البطرق فيروش الذي كان على مذهب الكنيسة الملكية، ومنهم من قال: إنه وطني ~~تمذهب بمذهب أبناء البلاد واعتقد الكفر في رؤساء الدين بالقسطنطينية، فأضمر الكيد لهم ~~وأحب أن يستأثر بالحكم دونهم، ولم يتفقوا بعض الاتفاق أخيرا إلا في أمر لقبه باللغة ~~اليونانية، فليس بين المؤرخين اليوم من يحسب المقوقس اسما للرجل. # بل ليس فيهم من يحسب أنه لقب سبقه إليه أحد من ولاة الروم على الديار المصرية. # وعندنا أن هذا «اللقب» مفتاح لبعض الألغاز التي أحاطت بتاريخه؛ لأنه يرجح الدلالة على ~~جنسه، وعلى علاقته بالدولة التي كانت لها السيادة الاسمية على البلاد. # لم تجر عادة الدول الأجنبية أن تفخم ألقاب الولاة إلا إذا كان الغرض مرضاة البلد ~~المحكوم بمظهر من مظاهر السيادة. # وكانت الدولة الرومانية على الخصوص تكتفي بأيسر الألقاب إذا أطلقتها على الولاة من ~~الرومان، فكانت تسمي الوالي حاكما أو قنصلأ أو نائب قنصل أو نائبا أو وكيلا، من ~~أشباه هذه الأسماء التي تؤدي المعنى الرسمي ولا تزيد، وتعمدت الدولة في أيام العواهل أن ~~تضعف من في الولايات؛ لأنهم كانوا يرشحون أنفسهم للعرش إذا برزوا بين القادة وملكوا زمام ~~الجيش في إقليم كبير. # إنما كانت ألقاب التفخيم مقصورة على الوطنيين ومن هم في حكمهم من المنتسبين إلى البلد؛ ~~لأن هذا اللقب عوض عن التاج حيث لا منازعة عليه، فلا خطر على الإمبراطور في القسطنطينية ~~من رئيس وطني مفخم في بلده بين أبناء وطنه، بل في ذلك دفع لخطر الثورة ورضى بالنصيب ~~المقدور من الرئاسة، وأما الخطر كل الخطر فهو من تعظيم قائد روماني ينازع الإمبراطور على ~~عرشه، ويتخذ من فخامة اللقب ذريعة إلى الاقتراب به من مقام الإمبراطور وجميع الأعوان ~~الذين يحيطون به، كما يحاط بكل حاكم مناظر لصاحب العرش يطمح إلى مكانه. # وقد وجب تعويض مصر عن بعض ما فقدته ms075 من سلطان الملك وسلطان الدين بعد القرن الخامس ~~للميلاد. # فقبل ذلك كانت الثورات في مصر لا تنقطع، وكان بعض الثائرين من قادة الرومان أنفسهم، ~~فلما استقرت هذه الثورات بعض الشيء كانت الإسكندرية قد تعرضت لمنافسة شديدة أشد عليها من ~~سلطان السيادة السياسية. # كان الإمبراطور قسطنطين قد دان بالمسيحية في أواخر أيامه، فأصبحت عاصمة الدولة تابعة في ~~العرف الديني لكنيسة الإسكندرية؛ لأنها أقدم الكنائس وأكبرها في المشرق والمغرب. # ثم جاء جوليان المرتد بعد قسطنطين فبقيت للإسكندرية مكانتها الكبرى، ولم تكن ~~للقسطنطينية مكانة دينية كبيرة أو صغيرة؛ لأنها عاصمة دولة لم تعترف بالدين، أو لم تثبت ~~على الاعتراف به، وانقلبت عليه تحاربه وتقصي أتباعه من مراكزها العليا. # وظل مقام الإسكندرية مقامها إلى القرن السادس الذي استقرت فيه المسيحية في عاصمة الدولة ~~وأصبحت كنيستها عاصمة الكنائس على هذا الاعتبار، وأوشكت هذه الصفة أن تثبت لها بعد تسمية ~~القسطنطينية برومة الجديدة؛ تعاليا بها على رومة القديمة، فلم يبق لبطرق العاصمة مناظر ~~يحسب حسابه غير بطرق الإسكندرية. وإذا كان مذهب الملك هو المذهب السائد في بلاد الدولة ~~الرومانية، فرئيس الكنيسة في الإسكندرية تابع ولا شك لرئيس الكنيسة التي يصلي فيها ~~الإمبراطور ويتولى رئاستها الدينية في عاصمته الكبرى، وبطرق الإسكندرية مرءوس لبطرق ~~القسطنطينية على هذا الاعتبار. # لقد كان البطرق الإسكندري رأس الدين المسيحي في العالم كله قبل رؤسائه في العاصمة ~~الغربية والعاصمة الشرقية، وكان من بطارقتها من يقول: «ماذا يعنيني من الإمبراطور؟ إنني ~~هنا الإمبراطور!» وكان صادقا فيما قال؛ لأن الناس كانوا يطيعونه ويؤمنون بأن طاعته من ~~طاعة السماء، أما الإمبراطور فمهما يكن من أمر طاعته القسرية فهي طاعة أرضية على كل ~~حال! # هنالك وجب تعويض مصر، ووجب اجتماع اللقب السياسي واللقب الديني في كرسي واحد، وكان هذا ~~هو حكم البداهة الذي وافقه حكم الواقع، فكان «المقوقس» جامعا بين صفة الرئاسة الدينية ~~وصفة الرئاسة الإدارية، أو كان هو بمثابة «ولي الأمر» في مصر بالاصطلاح الحديث، وقد تكون ~~رئاسته عند الدولة رئاسة شرف يعززها مكانة «عملية» بين ms076 أبناء البلاد. # وإذا كان التاريخ لا يكرر نفسه كل التكرار في جميع الحوادث، فهو لا يخلو كل الخلو من ~~التكرار المتجدد حينا بعد حين، ولعل لقب «الخديو» أشبه الأشياء بلقب «المقوقس» في أواخر ~~عهد الدولة الرومانية، فهو وال وأكثر من وال في المنزلة السياسية، وهو ولي الأمر ~~بالنيابة عن الخليفة أمير المؤمنين، وباسمه تقام الأحكام الشرعية والإدارية في ظل ~~شاهنشاه، وخليفة الإسلام. # كان لقب المقوقس أو المقوقز كلمة يونانية بمعنى المفخم أو الفاخر، كالحضرة الخديوية ~~«الفخيمة» أو المفخمة كما صححتها اللغة العربية. # وكان إطلاق هذا اللقب على رئيس من المصريين أو المتمصرين معقولا مفهوما في تلك الفترة ~~على سبيل التعويض والترضية، ودفع النزاع والتنافس بين سلطان العاصمة الكبرى وسلطان ~~الإسكندرية، أما الغريب الذي قلما يفهم فهو إطلاقه على قائد روماني لا يكبر - إذا كبر - ~~إلا لينتزع العرش من الإمبراطور. # وهذه ناحية من نواحي البحث المنتج في تاريخ المقوقس وتاريخ الفتح العربي على إجماله، ~~وهناك نواح أخرى تضارعها في الإنتاج أو تزيد عليها، ومنها خطاب النبي - عليه السلام - ~~إلى المقوقس، وتلك السمعة «الخارجية» التي جعلت له هذه المكانة، وجعلته أهلا لأن يخاطبه ~~النبي - عليه السلام - في أمر المصريين جميعا، مع خطابه لهرقل في الوقت نفسه، كأنه لا ~~يملك من أمر مصر ما يملكه المقوقس. # ومن نواحي البحث المنتج صفة المقوقس التي رشحته للتعاهد باسم مصر، والتزام الإنجاز ~~والتنفيذ بعد ارتحال الجيش الروماني من البلاد، ومنها البواعث النفسية التي تحبب إليه أن ~~يبقى في مصر ويخرجها من دولة الروم أبدا، غير مبال بانتقال سلطان الدولة إلى أيدي ~~الفاتحين من أبناء دين غير دينه، فكل هذه النواحي المنتجة تؤدي إلى شيء من الترجيح ~~القوي، إن لم يكن من شأنها أن تؤدي إلى القطع والجزم في جانب الإثبات أو جانب النفي ~~والإنكار، ولكنها على ذلك أهملت أسوأ الإهمال، ولم يعرها «المؤرخون النساخون» بعض ما ~~أعاروه كعادتهم للمقارنة بين النصوص والموازنة بين الأرقام، وسرد أقوال الشهود على وقائع ~~ليست من وقائع الشهادة والحكاية في التاريخ، ms077 ولا في حوادث كل يوم. # وهذه نماذج من أقوال المؤرخين في هذه المسألة، نحسبها نماذج لأكثر من باب واحد من أبواب ~~التاريخ، فهي مثال لتاريخ النساخين ومثال لتاريخ ذوي الأغراض، ومثال للتاريخ الذي يكتبه ~~المعاصرون وينظرون فيه إلى حوادث الزمن القديم، فيحكمون عليها كأنها تقع اليوم، وتنبعث ~~من دواعي السياسة أو الشعور التي تدور عليها حوادث القرن التاسع عشر أو القرن ~~العشرين. ~~••• # من أكبر المؤرخين لعصر الفتح الإسلامي الدكتور ألفريد بتلر الذي أقام في مصر زمنا قبل ~~الاحتلال البريطاني وبعده، واجتهد اجتهاده العلمي في تمحيص الوثائق التي عثر بها في ~~القصور الخديوية وفي المكتبات العامة والخاصة، ولكنك تلمح من ثنايا كلامه كأنه يكتب عن ~~خروج مصر من الدولة الرومانية، وهو يتصورها خارجة من الدولة البريطانية في العصر الحديث، ~~ويحسب أن تدبير هذا الخروج «عمل خائن» يحاط بالشبهات، ويدان بأحكام العلاقات الدولية في ~~هذه الأيام. # فبعد أن أورد الأقوال المتضاربة ليضعفها ويفندها، اختار منها قولا واحدا لا فضل له ~~على سائرها، غير أنه القول الذي يدين المقوقس ويسفه رأيه! # قال: «إلى هنا قد بينا ما هنالك من أدلة بينها اتفاق عجيب في بعض الأحايين واختلاف ~~واسع في أحايين أخرى، وقد استمددنا تلك الأدلة من وثائقها الأصلية، ومنها ما تخلف عن ~~العصر الذي نصفه وهي من أصول متباينة: منها اليوناني والقبطي والسرياني والعربي، وكلها ~~تدل على أن المقوقس إنما هو «فيرس» بطريق إسكندرية والعامل على الخراج، والحاكم العام ~~على مصر في وقت الفتح، وليس ينقض هذا الرأي أن يقول: إن مؤرخي العرب قد يطلقون لقب ~~المقوقس أحيانا على شخص يسمونه ليس هو فيرس، ولسنا ننكر أن الأمر كذلك، ولكننا ننكر كل ~~الإنكار تلك النتيجة التي يذهب إليها أصحاب ذلك القول، وهو أن لقب المقوقس لم يكن علما ~~على شخص معين واحد، وحجتهم في ذلك أنه قد أطلق خطأ في بعض الأحوال على أشخاص متعددين، ~~ويلوح لنا أن العلامة كاتياني من بين من يذهبون هذا المذهب، وأما الحقيقة التي نراها فهي ~~أن المؤرخين ms078 العرب إنما كتب أكثرهم وليس عنده من المقوقس أكثر من صورة ضئيلة مبهمة وأنه ~~كان حاكما على مصر، فليس من العجيب أن نجدهم يصورونه أحيانا مشتركا في أعمال أو حوادث ~~لم يكن مشتركا فيها بنفسه؛ ولذلك فهم يخطئون فيها، ولكن المسألة التي نحن بصددها باقية، ~~وهي أن نكشف خلافهم عن حقيقة شخصية المقوقس، وأن نعرف من كان بين الناس، ولم يذكر مؤرخ ~~عربي - وما كان له أن يذكر - أن ذلك اللقب قد أطلق على ثلاثة أشخاص كلهم حق له أن يلقب ~~به، وليس في طاقة المنطق أن يبيح لقائل أن يقول: إن وجود الخلاف يجعل ذلك اللغز متعسرا ~~على العقول لا تستطيع حله، بل إن واجب النقد التاريخي أن يصفي ما هناك من خلاف، وأن يزيح ~~ما تراكم منه على الحقيقة فيكشفها ويجلوها، ولعلنا يحق لنا أن نعتقد أنه إذا عرضت الأدلة ~~عرضا لا ميل فيه ولا تحيز أمكن أن نصل إلى نتيجة مؤكدة ليس فيها شك، وهي أن المقوقس لم ~~يكن سوى فيرس، وأنه لا ينبغي لذلك اللقب أن يطلق على سواه من الناس.» # 1 ~~••• # وأشد من بتلر «بريطانية» في تصوير التاريخ تلك السيدة الإنجليزية «أ.ل. بتشر» التي كتبت ~~الأمة القبطية لتأسف أولا على أنها انفصلت من الكنائس الغربية، وتثبت ثانيا أن خروج ~~مصر من حكم الرومان كان خيانة مصرية لا تضارعها خيانة وتمثلت صاحب هذه الخيانة كأنه عائش ~~في زمانها، فهالت عليه من السباب المقذع ما يستحقه عندها الخارجون على سلطان بريطانيا ~~العظمى، وهي - أي السيدة بتشر - على خلاف رأي بتلر في تحقيق شخصية المقوقس؛ لأنها تقول: ~~إنه هو جورج أو جرجس المصري وتتوجع لما حدث، كأنه لو لم يحدث كانت سلمت الدولة الرومانية ~~مما أصابها، وبقيت مصر في حوزتها! # قالت: «لما طرد هرقل الفرس سنة 630 وأعاد حامياته في مصر كان أعلم باضطراب الموقف، ~~وتخلخل قبضته على البلاد من أن يندفع متهجما، وجعل ينتظر ريثما تبلغ مقترحاته الدينية ~~مبلغها عند الجانب المصري، وكان حكام الأقاليم - ومنهم مصريون ms079 وطنيون - يعلمون أن وقت ~~الحساب غير بعيد لا يقبل التسويف الطويل، وكثير منهم كانت له أسبابه الخاصة وأسبابه ~~السياسية التي تخيفه من عاقبة استقرار السيطرة البيزنطية. # ولو أن مقترح التوفيق الذي عرف بالأوطاخي، لقي القبول عند البطرق بنيامين لأصبح هؤلاء ~~الحكام عزلا من السلطان، ولكن هرقل من طريق نائبه فيرس الذي اختاره بطرقا للكنيسة ~~البيزنطية أو كنيسة الدولة، كان قد أخطأ فهون من شأن البطرق المصري، فلما بدا لفيرس أن ~~جمهرة الأمة المصرية رحبت بمقترحه لم يتردد في اضطهاد البطرق المصري ونفيه لرفضه وإبائه، ~~فما كان من أثر ذلك إلا أن الرفض والإباء كمنا في طوايا الأمة المصرية جمعاء، وأصبح ~~المقترح محتوم الزوال بعد حين، ومهما يكن من أخطاء الأمة المصرية، فلقد كان من دأبها ~~أنها لم تخذل قط بطرقها، ولعل مقترح الإمبراطور كان يبدو كأنه غاية ما ترومه لولا أن ~~البطرق لم يقره، فليس من حق المصري الصادق أن يباليه ويلتفت إليه، وشيئا فشيئا تحولت ~~جمهرة الشعب من جانب الإمبراطور، وأخذ فيرس يدرك أنه أخفق وخاب في مسعاه فتنفس الموظفون ~~الخونة الصعداء، ولاح لهم يوم الحساب غير قريب. # من هؤلاء الموظفين والوكلاء واحد ينفرد بارزا بالمكانة الشائنة، وقد سمع أكثر الناس ~~بالمقوقس الذي تمارى الكثيرون في اسمه ووظيفته، بل تماروا في وجوده، وتناقشوا طويلا في ~~أمره، ولكن مجموعة الورق البردي التي في حوزة الأرشيدوق رينر وترجمت أخيرا، قد يسرت لنا ~~ولو بعض التيسير أن نزيل بعض المصاعب التي تحف بهذه المسألة. # ومعظم المؤرخين متفقون منذ زمن بعيد على أن المقوقس لم يكن اسم علم، ولكنهم حاروا في ~~الجزم بحقيقته بين أن يكون لقبا أو عنوان منصب من مناصب الدولة، أما الواقع فيظهر أنه ~~لم يكن هذا ولا ذاك، وإنما كان الرجل صاحب عنوان يمكن أن يسمى بالعمدة، ويخطئ بعض ~~المؤرخين فيسمونه نائب الملك، واسمه الأصيل جرجس بن مينا بركيوبس، وقد كان اسم مينا في ~~مصر عاما شائعا يحتاج إلى لقب يوناني لتمييزه، وليس العمدة أو المدير في الأقاليم إلا ms080 ~~الحاكم المصري الذي يشرف على جميع أعماله الإدارية كحفظ الأمن، وجمع الضرائب وتسليمها، ~~وتدبير شئون الطرق والجداول والسدود والقناطر، وكل ما يلحق بالنظام الإداري، حتى سك ~~العملة وتقدير المقاييس والأوزان، ولا يخرج من سلطانه غير الجيش، وتمثله في كل إقليم ~~حامية صغيرة والقساوسة، وهم الاستثناء الأهم من استثناء الحامية، وقد كان عدد الموظفين ~~الذين لا يعرفون أحدا أكبر من العمدة عظيما جدا، ومن الكشوف الحديثة نعرف أسماء ~~الأقسام الثلاثة التي تولاها العمدة أو المديرون في عهد الغزوة العربية. # لقد كانت اليونانية لغة البلاد الرسمية، وكان لقب التمجيد الذي يمنحه المديرون كلمة ~~تقابل عندنا في الإنجليزية كلمة الفخم أو المجيد كما تعودنا في تقديم سفرائنا بألقاب ذوي ~~السعادة، ولكن العرب حسبوا هذه الكلمة اسما شخصيا للعمدة الخائن الذي فاوض عمرا على ~~تسليم البلاد، وقد أصبح جرجس الخائن من ثم مشهورا خلال القرون بوصف ما أقل انطباقه ~~عليه، وهو وصف المقوقس أو الفخم المجيد. # كان عمدة الوجه البحري آمون مينا رجلا، كما وصفه يوحنا النخوي مدعيا غبيا، يمقت ~~المصريين أشد المقت، بقي في منصبه بعد دخول مصر في حوزة العرب، وكان عمدة مصر الوسطى على ~~أحد شواطئ النيل من ناحية المنيا يسمى فيرس ولا نعلم عنه شيئا إلا أنه اشترك في تسليم ~~البلاد للمسلمين، وأما عمدة مصر العليا - أو بابليون - فاسمه في أوراق البردي جورج أو ~~جرجس الذي نسميه المقوقس، وهؤلاء كانوا المديرين على أهم الأقاليم مع الدوق العسكري ~~والحامية التي تتبعه، وإلى جانبهم قديما - أو بعد دخول العرب - مديران آخران أقل شأنا ~~منهم، وهما: فولكسينوس بالفيوم، وشنودة بالريف. # وثلاثة من هؤلاء العمد مصريون وطنيون، بدليل أسمائهم التي لا تقبل الشك، وإن لم يكونوا ~~من أتباع الكنيسة الوطنية، وإلا لما أمكن أن يشغلوا هذه المناصب، وإن المؤرخين الذين ~~يذكرون المقوقس على أنه قبطي مصري لعلى صواب، ولكنهم مخطئون في زعمهم أنه تابع للكنيسة ~~الوطنية التي تعرف الآن باسم الكنيسة القبطية، ولعله كان في قلبه يشايع كنيسة آبائه ولا ~~يستطيع أن يصرح بالانتساب ms081 إليها، فهو موظف بيزنطي من أبناء مصر وهو من ثم خائن ~~لإمبراطوره وخائن لبلاده وخائن لكنيسته. # وكان قد مضى عليه عهد بعيد في وظيفته على أيام الغزوة العربية، فأصبح أقوى المديرين ~~جميعا لدخول بابليون في إقليمه على أقصى حده الشمالي، وتعود المصريون نحو عشرين سنة أن ~~ينظروا إليه كأنه وحده حاكم وادي النيل، وقد علمتهم غارات الفرس أن البيزنطيين بغير حول ~~ولا قوة، ثم ذهب الفرس وعاد البيزنطيون، واحتلت طائفة من جنودهم حصن بابليون وبعض ~~الأمكنة في بني سويف والفيوم، ولم يشعر أبناء البلاد إلى الجنوب بآثار هذا التغيير، ولا ~~فرقوا بين الجنود في ملابس الفرس أو الجنود في ملابس الرومان، وإنما كانوا يؤدون الضرائب ~~بحكم العادة للعمدة أو المدير، ويكلون إليه أن يسلمها لمن يشاء، وانقضى زمن طويل والمدير ~~القوي يتصرف فيها على أيسر وسيلة، فيستبقي له كل ما بقي من الأموال بعد توزيع المرتبات ~~وتكاليف الحكومة في الإقليم، ولكنه ما عتم أن رأى هرقل يظن أن مقترحات التوفيق قد جمعت ~~أبناء البلاد، ويريد الدليل المحسوس على سلطانه ويشدد في استقضاء الأموال حتى شهد الخطر ~~فاغرا فمه أمام عينيه، وكان من قبل قد نظر إلى بعيد، وأرسل إلى الشمس الطالعة سفارة ~~ودية تحمل الهدايا من العسل والعبيد إلى محمد زعيم القوم، وها هو ذا محمد قد مات، وها هي ~~ذي وقائع النصر التي أحرزها هرقل تغمه وتشغل باله، فإذا نهضت الدولة القديمة وهزمت العرب ~~أمامها كما هزمت الفرس، فهو أول من يساق لتقديم الحساب. # وقد التقت جيوش هرقل وعمر خليفة محمد في فلسطين، وأيقن جرجس أن مصر ستكون لا محالة نصيب ~~الظافر من الفريقين، ولاح له من وقائع هرقل الأخيرة أنه قد يكون صاحب الكفة الراجحة، ~~فبادر إلى العمل على حسب هذا التقدير، وكانت له فتاة حسناء تسمى أرمانوسة فخطر له خاطر ~~بارع: أن يزوجها من قسطنطين بن هرقل ووارث عرشه الذي ماتت زوجته، وأن يزودها بجهاز يغريه ~~بإهمال موضوع الأموال المتأخرة، وكان قسطنطين يومئذ في قيصرية، ويظهر أنه ms082 استراح إلى هذه ~~الفكرة، وعلى هذا خرج من بابليون في أواخر سنة 630 موكب فخم يزف العروس المصرية إلى ~~قرينها الملكي، وقيل: إن حراس الموكب بلغوا ألفي فارس عدا الحشم والخدم وحملة الذخائر ~~والتحف المهداة، وما كاد يقترب من الحدود المصرية وينحو ناحية القنطرة فالعريش حتى نمى ~~إلى أرمانوسة نبأ انتصار العرب ومحاصرتهم لقيصرية، وتأهبهم للهجوم على البلاد المصرية، ~~فتصرفت المصرية الشابة بالشجاعة والفنطة الجديرتين بأسلافها العريقين، وقفلت إلى بلبيس ~~مستعدة هنالك للدفاع، فأنفذت على الأثر حراسها إلى الفرما للمقاومة فيها إذا قدم العدو ~~من جانبها كما كان مرجحا في تلك الأحوال، وأرسلت إلى أبيها تنذره، ولم تبرح بلبيس ~~لتشجيع السكان على الثبات في وجه الكفار، على أن عمرا قائد المسلمين تجنب الفرما وتقدم ~~رأسا إلى بلبيس، فضرب حولها الحصار فلبثت الفتاة الباسلة شهرا تصد العرب بفرقتها ~~الصغيرة التي لم تدرب على القتال، وبعد خسارة عظيمة في الأرواح وقعت المدينة عنوة في ~~قبضة عمرو، ومعها أرمانوسة وكل ما لديها من ذخائرها وكنوزها، فبعث بها إلى أبيها معززة ~~مكرمة، إما لإعجابه ببسالتها ومحاولتها الدفاع والمقاومة، وإما لإدراكه جلالة العاقبة من ~~ترك كل عمل يسيء إلى العمدة المقتدر في بابليون، فانحلت مشكلة المقوقس وبرح الخفاء في ~~أمر الشمس الطالعة منذ ذلك الحين.» # وعلى هذا المنهج من تشويه الوقائع تمضي المؤرخة «المترومنة» وتتكلف من التحقيق والتمحيص ~~ما يعينها على غرض واحد، وهو الحسرة على خروج مصر من الدولة الرومانية، وإلقاء التبعة في ~~ذلك على المقوقس، وتعليل خيانته بجمع الضرائب لنفسه في الآونة التي انقضت بين استيلاء ~~الفرس على مصر وخروجهم منها، وهي علة لا يعقلها جاهل بظواهر الأحوال، فضلا عن مؤرخ ~~يتصدى لتفسير التواريخ واستخلاص الحقائق من وراء الشبهات، فإن الفرس لم يفتحوا مصر ~~ليتركوا ضرائبها وخيراتها غنيمة للمقوقس، يعطي منها ما يعطيه ويستبقي منها ما يستبقيه، ~~وإذا كانت علة الخيانة خوف المطالبة بالضرائب المتأخرة فأيسر شيء على المقوقس أن يقول: ~~إن الفرس نهبوها ولم يعطوه «إيصالا» بما نهبوه بطبيعة الحال، وإذا عز ms083 عليه في دهائه - ~~أو في بلاهته - أن يعتذر بهذا العذر الواضح، فقد كان خيرا له أن يبذل المال لهرقل أو ~~لقسطنطين بدلا من إرساله تحفا وهدايا وجهازا وصداقا مع بنته المزعومة أرمانوسة، وهو ~~لا يأمن أن تخرج مصر من يد هرقل، فيكون قد قذف بفتاته إلى النيران ووقع بين شقي الرحى من ~~ناحية المهزومين وناحية المنتصرين، ولم يستفد من كل ذلك إبقاء المال ولا إبقاء فتاته ~~لديه. # وقد قبلت المؤرخة «المترومنة» قصة أرمانوسة من قصص الواقدي على علاتها، ولم تبحث فيها ~~أقل بحث يتطلب التعزيز والإسناد، ولم يحملها على قبول القصة إلا أنها ذريعة لتهمة من ~~التهم تكال للمقوقس المسكين، على أن «بتلر» لم يرفض قصة أرمانوسة إنصافا للحقيقة، أو ~~ذهابا مع التمحيص والتدقيق، بل رفضها لأنه اختار أن يكون المقوقس هو فيرس، واختار أن ~~يكون فيرس راهبا لا يجوز له الزواج، وهو في ذلك لم يبلغ بالتمحيص غايته؛ لأن مسألة ~~الزواج لم تكن يومئذ من الحرج والصرامة بحيث انتهت إليه بعد فصل الكنيسة القبطية من ~~سلطان الرومان. وقد كان مستحبا للأسقف أن يكتفي بزوجة واحدة إذا خشي الفتنة على نفسه ~~ولا يزيد عليها، قال ساويرس بن المقفع أسقف الأشمونين، صاحب «سير البطارقة» في أثناء ~~الكلام على ديمتريوس الثاني عشر: «وإذا قال قائل: كيف يجوز أن يكون بطرك متزوجا؟ نقول ~~له: قد قال التلاميذ في قوانينهم: إذا كان الأسقف متزوجا امرأة واحدة فلا يمنع من ذلك؛ ~~لأن الزوجة المؤمنة طاهرة وفراشها طاهر ولا ذنب عليه، والبطرك هو أسقف مدينة الإسكندرية، ~~وله الرئاسة على أساقفة أعمالها؛ لأنه خليفة مار مرقس الرسول على إقليم مصر جميعه، الخمس ~~مدن والنوبة والحبشة كل هذه خرجت من قسم الأب مرقس الرسول البشير ببشرى الإنجيل؛ ولهذا ~~أوجب أن يكون حكم أسقف إسكندرية على جميعها.» # فليست هناك علل حاسمة تصلح للاستناد إليها في التثبت من السير والأشخاص على هذه الطريقة ~~التي توخاها بتلر، أو على تلك الطريقة التي توختها السيدة فيما اختارته أو نبذته من ~~تاريخ تلك ms084 الآونة. # وكان خليقا بتاريخ هذه السيدة أن يهمل كل الإهمال، أو يترجم لتصحيحه وإبرائه من ~~السخائف والأباطيل، ولكنه ترجم فبلغ من غباء مترجمه أن يصرف همه في الترجمة إلى توكيد ~~سخائفه وتمكين أباطيله، واختراع القصص لتزييفه وتسويغه، ونبذة واحدة من الترجمة السقيمة ~~تكفي لتصوير الجرأة على الهزل في مقام الجد مما يساق للناس في مقام التاريخ المحفوظ، ~~وهذه النبذة هي هذه القصة التي اخترعت أو أضيفت إلى التاريخ من أساطير الخيال، وقد نقلها ~~المترجم مما تقدم فقال: # من مميزات المقوقس أنه كان ذا وجهين، يتلون تلون الحرباء ويتقلب حيث شاء، ~~ولسان حاله يقول: أنا مع الغالب فإنه لما انتصر هرقل على العرب في موقعة عند ~~فلسطين، ظن جرجس أن النصر سيكون لهذا الإمبراطور؛ ولذلك سعى في التقرب إليه ~~والتملق له عساه يتناسى عدوانه وطمعه، فدبر الطريقة الآتية، وهي أنه كانت له ~~ابنة بارعة في الجمال اسمها أرمانوسة، فخطر على باله أن يزوجها بقسطنطين بن ~~هرقل الأكبر ووريثه، وأمهرها بصداق وفير جعل هذا الأمير الذي كان حاكما في ~~قيصرية أن يقبل طلب جرجس ويتنازل في المتأخرات الباقية عليه من ضرائب مصر التي ~~لم يدفعها للخزينة الإمبراطورية، ففي سنة 639 سارت هذه العروس المصرية من ~~بابليون بأبهة الملكات وفخفخة جداتها المصريات، يحف بها جيش جرار ويمشي في ~~ركابها أمراء وأقيال، حتى بلغ مقدار الفرسان الذين كانوا في موكب زفافها ألفي ~~فارس أو يزيدون، عدا العبيد والهدايا النفيسة والمطايا الفاخرة التي تليق ~~بعروس مصرية لعريس روماني، ولكن عندما وصلت هذه الحسناء لحدود مصر، وكادت تعبر ~~القنطرة عند الإسماعيلية إلى العريش، بلغها أن الغلبة كانت حليفة للعرب الذين ~~شددوا الحصار على قيصرية، وهم يستعدون للهجوم على مصر، فلما طرق هذا الخبر ~~آذان سليلة رعمسيس وابنة فرعون وكريمة أولئك الأجداد الكرام الذين دوخوا ~~العالم واجتاحوه قبل أن يوجد العرب، طرحت حلي العرس وزينة الفرح، وتقلدت السيف ~~بدل الوشاح، ولبست الدروع بدل الدمالج، وتمنطقت بمعدات الهلاك بدل أحزمة الذهب ~~المرصعة باللآلئ ونزلت من مركبتها، وامتطت متن ms085 جواد أشهب، وقالت للذين يسيرون ~~معها أن هيا نخضب أيدينا بدماء الأعداء بدل خضاب الأوانس، ونشرب بجماجمهم ~~عوضا عن شربنا بكاسات الذهب وطاسات الإبريز، تعالوا نشنف آذاننا بصلصلة ~~السيوف وصهيل الخيل، بدل وقع الدف ورنة العود! سيروا بنا نحو الأعادي، وهناك ~~إذا وقعت العين على العين، وحمي وطيس الحرب وعلا سعير الطعن والضرب، وتقابلت ~~مع الفرسان، تجدونني أردد ما قاله عنترتهم الأسود، وأنا فتاة بيضاء بضاء، ~~وغادة هيفاء: # إذا كشف الزمان لك القناعا # ومد إليك صرف الدهر باعا # فلا تخش المنية وارتقبها # ودافع ما استطعت لها دفاعا # ولا تختر فراشا من حرير # ولا تبك المنازل والبقاعا # وحينئذ كرت أرمانوسة راجعة إلى بلبيس في نفر من رجالها وأخذت تستعد للدفاع ~~وصد هجمات الأعداء المغيرين. # إلى أن قال: # وبعد أن دخل عمرو بلبيس وقعت أرمانوسة أسيرة في يده، ولكنه أرسلها إلى أبيها ~~بكل احترام وتبجيل؛ إما لأنه أعجب بشجاعتها وبسالتها؛ أو لأنه خاف أن يؤذيها ~~فيسيء إلى والدها صديقه الحميم الذي ثبت لديه الآن أن العرب هم الذين سوف ~~يأخذون مصر بلا مجادلة، ولما وصلت أرمانوسة إلى أبيها سألها عما فعلت، ~~فأجابته: # أقمنا بالذوابل سوق حرب # وصيرت النفوس لها متاعا # حصاني كان دلال المنايا # فخاض عبابها وشرى وباعا # وسيفي كان في الهيجا طبيبا # يداوي رأس من يشكو الصداعا # إذا الأبطال فرت خوف بأسي # ترى الأقطار باعا أو ذراعا # فكظم أبوها غيظه منها؛ لأنها قاومت الذين تعاهد معهم على أن يعطيهم وطنه لقمة ~~باردة دون حرب أو عناء، ولم يستطع توبيخها أو تعنيفها؛ لأنه كان لا يزال تحت ~~سلطة الرومانيين، ولم تصر مصر بعد إلى أيدي هؤلاء العتاة المغيرين ... # وعلى غير هذا الأسلوب أصلا وترجمة، يتعرض الدكتور جاك تاجر لتحقيق أمر المقوقس وتاريخ ~~الفتح العربي، وسرد الوقائع والمرويات على نسق يوهم القارئ أن النظر في الوثائق ~~والمعاهدات يعاد من جديد، فيقول في الصفحة الرابعة والأربعين من كتاب بعنوان «مسلمون ~~وأقباط»: # إن الشخص الذي يطلق عليه مؤرخو العرب اسم المقوقس لم يزل غامضا، هل ms086 كان ~~قبطيا؟ هل كان من أصل يوناني؟ هل المقوقس الذي سلم القاهرة هو نفسه الذي ~~أبرم اتفاقية الإسكندرية؟ لم يصل المستشرقون بعد بحث وتنقيب خلال قرن أو أكثر ~~إلى جواب دقيق عن هذه الأسئلة. نعم إننا اليوم أقرب إلى الحقيقة من أمثال ~~شمبليون فيجاك شقيق شامبليون الذي صور لنا فيرس على أنه قس قلق ومفسد - خلف ~~البطريرك جورج عام 630 - بينما حكم مصر أحد الأقباط كريم الأصل ومن أغنى ~~أغنياء البلاد اسمه المقوقس، غير أن المستندات التي حصلنا عليها حتى الآن لا ~~تسمح لنا بعد بتفسير هذا اللغز التاريخي تفسيرا تاما. # استعمل المؤرخون كلمة «مقوقس» باعتبارها اسم شخص معين. على أننا متأكدون ~~تقريبا من أصل هذه الكلمة، إن البطريرك فيرس الذي عينه الإمبراطور هرقل ~~محافظا على دوقية الإسكندرية كان قبل تعيينه أسقفا لمدينة فاز من مدن ~~القوقاس، فلقب في مصر بلقب فوفيوس - القوقاسي - كما يشهد على ذلك أحد ~~المستندات القبطية النادرة التي كشف عنها وأشار إليها إميلينو # Amlineau ~~: أما الفوفيوس هذا الأسقف المزعوم، ~~فقد ترك الحقد يوغر في صدره إلى أن وصل إلى مدينة الفيوم ... ولما أدرك الأب ~~صمويل أنه سيفارق الحياة، قال له - أي للفوفيوس: أنت أيضا أيها الكلسيدوني ~~المخادع ... # إلى أن قال في الصفحة الخامسة والأربعين: # ونميل إلى الاعتقاد دون أن نجزم قطعيا بأن المقوقس الذي فاوض في تسليم ~~بابليون، هو شخص آخر غير البطريرك فيرس الذي أبرم صلح الإسكندرية، بل إنه حاكم ~~قبطي وأمسك المؤرخون العرب عن التثبت من شخصية هذا الحاكم ... على أن المؤرخ ~~الكاثوليكي «ابن بطريق» يشير إلى المقوقس على أنه يعقوبي مبغض للروم، ولم يكن ~~يتهيأ له أن يظهر مقالة اليعقوبيين لئلا يقتلوه، ويتهمه ابن بطريق إلى جانب ~~ذلك بأنه قد اقتطع أموال مصر من وقت حصار كسرى للقسطنطينية، فكان يخاف أن يقع ~~في يد هرقل الملك فيقتله ... والذي يحملنا أيضا على الاعتقاد بأن حاكم بابليون ~~أيام الحملة كان قبطيا، هو الفرق الواضح بين اتفاقيتي القاهرة والإسكندرية: ~~فبينما تعنى اتفاقية الإسكندرية صراحة بمصير اليونانيين، ms087 لم تهتم اتفاقية ~~بابليون إلا بمصير الأهلين، وأبى ابن الحكم أن يترك شكا في هذا الموضوع: ~~فأضاف بعد ذكر الاتفاقية الموقع عليها في بابليون ما يأتي: (هذا كله على القبط ~~خاصة .) ومن جهة أخرى أراد المقوقس أن يخطر عمرا قبل دخول الاتفاقية في دور ~~التنفيذ فقال له: إنما سلطاني على نفسي ومن أطاعني، وقد تم صلح القبط فيما ~~بينك وبينهم، ولم يأت من قبلهم نقض، وأما الروم فإني بريء منهم وليس ديني ~~دينهم ولا مقالتي مقالتهم: إنما كنت أخاف منهم القتل، فلذلك كنت أستر ديني ~~ومقالتي ... وأكتم ذلك. # أما الأوراق الأثرية التي استند إليها هؤلاء المؤرخون وغيرهم فليس فيها ترجيح لقول من ~~أقوالهم، وقد يكون فيها ترجيح لما يخالفها، وهذه أمثلة منها أهمها الأوراق التي عثر ~~عليها سليمان الشرقاوي مكتوبة بالقبطية الصعيدية، وأهداها في شهر يونيو سنة 1982 إلى ~~«القمص فيلوتاءوس»، وفي أول إحداها حكاية عن زيارة المقوقس لبعض الأديرة وحواره مع ~~رهبانه: ~~... فقال رئيس الدير: لا أعرف لأي سبب بارحوا ... حينئذ أمر بضرب رئيس الدير حتى ~~يخبره بكل ما حصل، فأجابه الرئيس بقوله: لا تضربني وأنا أخبرك الحقيقة ... هذا ~~الرجل، صمويل الناسك، عمل للرهبان موعظة طويلة لامك فيها، ودعاك مجدفا ~~ويهوديا خلقيدونيا، وكافرا غير مستحق أن تقدس بطريركا، وغير مستحق لشركتك ~~بأي نوع؛ ولهذا السبب أصغى الرهبان لكلامه وذهبوا ... فلما سمع الكافر هذا ~~الكلام غضب غضبا شديدا، وصار يعض شفتيه من شدة غضبه، ثم ابتدأ يلعن رئيس ~~الدير والدير والرهبان ... وعقب ذلك رجع من سكة أخرى، ولم يحضر للجبل لهذا ~~اليوم. وبعد هذه الحادثة رجع الإخوة بسلام إلى الدير. # أما من جهة المقوقس، البطريرك الكاذب، فإنه صار حاقدا لحين وصوله لمدينة ~~الفيوم، ففي الحال حضر خدام ورجال - عارفين البلد - لكي يأتوا له بالقديس أنبا ~~صمويل مغلول اليدين وراء ظهره وفي عنقه طوق حديد، ويدفعوه أمامهم مثل لص، ~~فوصلوا إلى الدير وأخذوه. أما هو فكان يمشي متهللا بالرب قائلا: لعل الله - ~~سبحانه وتعالى - يجعل دمي يسفك اليوم من أجل اسم ms088 المسيح! ولهذا السبب ابتدأ ~~يشتم المقوقس بحرية قائلا: بدون شك أنه سيفعل ما وعد به منذ قليل، فلما أحضره ~~العسكر أمام المقوقس ورأى الكافر رجل الله، امتلأ غضبا وأمر العسكر أن يضربوه ~~حتى يسيل دمه مثل الماء، ثم بعد ذلك قال له: أنت يا صمويل الناسك الكافر، قل ~~لي: من رسمك إيفومانسا على هذا الدير؟ ومن أمرك أن تغري الرهبان على لعني ولعن ~~إيماني؟ فأجابه القديس أنبا صموئيل قائلا: تصلح الإطاعة لله ولقديسه البطريرك ~~أنبا بنيامين أولى من الإطاعة لك ولتعليمك الشيطاني يا بن إبليس المسيح ~~الدجال، حينئذ أمر بضرب القديس أنبا صموئيل على فمه قائلا: إن المجد الذي ~~يعطيه لك الناس بصفة ناسك ينفخك، لكن أنا الذي سوف أعلمك وأرشدك للتكلم ~~بالباطل؛ لأنك لم تكرمني بصفة كوني بطريركا، ولم تراعني أيضا أنا وقدرتي ~~بصفة كوني عاملا على خراج بر مصر، فأجابه القديس أنبا صموئيل قائلا: إن ~~الشيطان كان أيضا بوظيفة عامل وله سلطة على الملائكة، لكن تكبره وعدم ~~أمانته إنما هما اللذان جعلاه غريبا عن مجد الله وملائكته، وأنت أيضا أيها ~~الخلقيدوني الغاش، إيمانك نجس، وأنت ملعون أكثر من الشيطان وجنوده، فلما سمع ~~المقوقس ذلك امتلأ رجزا ضد القديس، وأشار إلى العسكر أن يجلدوه لحد الموت # 2 ~~... # ويبدو لنا أن هذا الحوار مفهوم إذا كان المقوقس مصريا يحتاج إلى التذكير بصفته ~~الحكومية، وكان منتميا إلى مذهب غير المذهب الذي ينتمي إليه أكثر قومه، ولكنه غريب في ~~خطاب يدور بين ناسك مصري ورئيس روماني يدين بمذهب المجمع الخلقيدوني، ولا ينتظر أن ينتمي ~~إلى غيره بحكم مولده ومنصبه وانتمائه إلى النحلة الملكية، وكذلك المقابلة بين البطرق ~~بنيامين والمقوقس مفهومة إذا كان كلاهما مصريا، وكان الاختلاف بينهما في المذهب، أما ~~أن يكون أحدهما رومانيا ملكي المذهب وأن يكون الآخر مصريا يعقوبي المذهب، فلا وجه ~~للموازنة بينهما في كفتين متعادلتين. ~~••• # ومن المراجع التي جاء فيها ذكر المقوقس كتاب «سير البطاركة» لمؤلفه ساويرس بن المقفع ~~أسقف الأشمونين، الذي جمع تاريخه من أوراق الأديرة، وقال ms089 عن البطرق بنيامين: # خرج من الديارات بوادي هبيب - النطرون - ومضى إلى الصعيد، وأقام مختفيا في ~~دير صغير في البرية إلى كمال العشر سنين، كما قال له ملك الرب، وهي السنون ~~التي كان فيها هرقل والمقوقز متسلطين على ديار مصر ... ثم إن هرقل أقام أساقفة ~~في بلاد مصر كلها إلى أنصنا ... فلما تمت عشر سنين من مملكة هرقل والمقوقز، وهو ~~يطلب بنيامين البطريرك وهو هارب منه من مكان إلى آخر مختفيا في البيع ~~الحصينة، أنفذ ملك المسلمين الخليفة سرية مع أمير من أصحابه يسمى عمرو بن ~~العاص في سنة ثلاثمائة وسبع وخمسين لديقلاديانوس قاتل الشهداء، فنزل عسكر ~~الإسلام بقوة عظيمة في اليوم الثاني عشر من بئونة، وهو الرابع من دنكطس من ~~شهور الروم، وكان الأمير عمرو قد هدم الحصن وأحرق المراكب بالنار، وأذل ~~الروم وملك بعض البلاد، وكان مجيئه من البرية، فأخذ الجبل حتى وصلوا إلى قصر ~~مبني بالحجارة بين الصعيد والريف يسمى بابليون، فضربوا جميعهم خيامهم هناك حتى ~~ترتبوا لمقاتلة الروم ومحاربتهم، ثم إنهم أسموا ذلك الموضع بلغتهم الفسطاط، ~~وهو اسمه إلى الآن، وبعد قتالهم ثلاث دفعات غلب المسلمون، فلما رأى رؤساء ~~المدينة هذه الأمور، مضوا إلى عمرو وأخذوا منه أمانا على المدينة لئلا تنهب، ~~وأهلكوا جنس الروم وبطريركهم المسمى أريانوس، ومن سلم منهم هرب إلى الإسكندرية ~~وأغلقوا أبوابها عليهم وتحصنوا فيها ... فلما ملك عمرو المدينة ورتب أمورها، خاف ~~الكافر والي الإسكندرية، وهو كان واليها وبطركها من قبل الروم، أن يقتله عمرو، ~~فمص خاتما مسموما فمات لوقته، فأما سانوتيوس التكس - أي الدوق المؤمن - فإنه ~~عرف عمرا بسبب اختفاء الأب بنيامين البطريرك، وأنه هارب من الروم خوفا منهم، ~~فكتب عمرو بن العاص إلى عمال مصر كتابا يقول فيه هكذا: (إن الموضع الذي يكون ~~فيه بنيامين البطريرك الذي للنصارى القبط له العهد والأمان والسلامة من الله، ~~فليحضر آمنا مطمئنا ويدبر حال بيعه وسياسة طائفته.) فلما سمع القديس ~~بنيامين هذا عاد إلى مدينة الإسكندرية بفرح عظيم، بعد غيبته ثلاث عشرة سنة، ~~منها عشر ms090 سنين لهرقل الرومي الكافر، وثلاث سنين قبل أن يفتح المسلمون ~~الإسكندرية، لابسا إكليل الصبر وشدة الجهاد. # وهذا التاريخ الذي كتبه المؤرخ القبطي في عصر الفاطميين، يخرج لنا المقوقس في صورة ~~تناقض جميع الصور التي يظهر فيها خائنا متواطئا مع العرب، فإنه بخع نفسه خوفا منهم أن ~~يدمروا عليه الإسكندرية، وكان الفرح بهم من جانب الحزب المصري في الكنيسة برئاسة ~~البطرق بنيامين الذي عاد إلى كرسيه آمنا بعد موت المقوقس وخروج الروم منها. # ونقلت المجلة القبطية في العدد السادس من السنة الثالثة تعليقات من حواش مخطوطة على ~~جداول البطاركة، جاء في إحداها: # إنه كان في أيام الأب بنيامين أن ملكت العرب أرض مصر، وكان دخولهم إليها في ~~ثاني بئونة سنة 333، وكان المقوقز جريج بن مينا الهراطيقي نائب هرطاقة هرقل ~~بالديار المصرية، يطلب ويضطهد على الموافقة له على أمانة لاوون الفاسدة، وظفر ~~بأخيه مينا وأنزل به عقوبات عظيمة وغرقه. # وهذه الفقرة لا ترجح شيئا كما ترجح انتماء المقوقس إلى مصر؛ لأنه نشأ في بيت يسمي ~~أبناءه باسم مينا، ويتسمى هو وأخوه بهذا الاسم الواحد، مع التفرقة بينهما في اللقب أو ~~الكنية، وهذه التسمية تقليد وطني لم يؤثر مثله عن أحد من الرومان الشرقيين أو ~~الغربيين. ~~••• # وممن أرخوا هذه الفترة: أبو المكارم سعد الله بن جرجس بن مسعود من أبناء القرن الثاني ~~عشر، وهو يقول عن إقليم البحيرة: «إن بحيرة الإسكندرية كانت مزروعة كروما جميعها لامرأة ~~جريج بن مينا مقوقس الروم، وكانت تستأدي خراجها خمرا، فكثر عندها، فطلبت دنانير ذهب فلم ~~يحصل لها من الخمر ما طلبت؛ لأنه كان موجودا عند الناس وما يجدون من يشتريه، فكرهت هذا ~~فغرقت البحيرة بالماء، ولم تزل كذلك حتى استنبطها بنو العباس، وهم المسودة وإنهم سدوا ~~جسورها ومنعوا الغرق.» # والمهم في هذه الفقرة هو تسمية المقوقس باسم جريج بن ميناء، وهي التسمية المصرية التي ~~لم تعهد في أسماء الرومان أو الروم. # وجاء في تاريخ ابن البطريق هو من الملكيين المعارضين للكنيسة الوطنية: إنه في أول خلافة ~~أبي ms091 بكر: «صير سرجيوس بطريركا على الإسكندرية أربع سنين، فلما سمع أن المسلمين غلبوا ~~الروم وفتحوا فلسطين، وأنهم سائرون إلى مصر ركب البحر وهرب إلى القسطنطينية، فبقي كرسي ~~الإسكندرية بعده بلا بطريرك ملكي سبعا وتسعين سنة. ولما هرب صير بعده كورش - أي فيرس - ~~بطريركا على الإسكندرية، وكان مارونيا على دين هرقل، وكان بالإسكندرية رجل راهب يسمى ~~صفرونيوس، فأنكر صفرونيوس مقالة كورش؛ لأنه كان يقول: إن لسيدنا المسيح طبيعتين بمشيئة ~~واحدة وفعل واحد، وأقنوم واحد، وهي مقالة مارون، فسار صفرونيوس إلى كورش فناظره ... فقال ~~له كورش بوقاحة: إن أنوريوس بطريرك رومية وسرجيوس بطريرك القسطنطينية موافقان لي على هذه ~~المقالة ... فخرج صفرونيوس إلى القسطنطينية فقبله سرجيوس بطريركها، وقص صفرونيوس عليه ما ~~كان بينه وبين كورش، فعجب سرجيوس من ذلك، فلما كان بعد مدة قدمت هدايا من كورش إلى ~~سرجيوس، فانصرف عن رأيه وصار مخالفا لصفرونيوس موافقا لكورش ... ثم إن صفرونيوس صيروه ~~بطريركا على بيت المقدس، فكتب صفرونيوس كتابا في الإيمان وبعث به إلى جميع الآفاق، ~~فقبله أهل الدنيا في السنة الثالثة من خلافة عمر بن الخطاب ...» # إلى أن قال عن عمرو بن العاص: «... ثم سار إلى مصر وكان الروم قد تحصنوا في الحصن، ~~وخندقوا حول الحصن خندقا، وطرحوا فيه سككا من الحديد، فقاموا يقاتلونهم قتالا شديدا ~~ستة أشهر، فلما أبطأ الفتح عليه كتب عمر بن الخطاب يستمده فأمده بأربعة آلاف رجل، منهم ~~الزبير بن العوام، وعبادة بن الصامت، ومسلمة بن مخلد، وكان مع عمرو أربعة آلاف، فصار في ~~ثمانية آلاف، وكان العامل على الخراج بمصر رجلا يدعى المقوقس من قبل هرقل، وكان ~~يعقوبيا مبغضا للروم إلا أنه لم يكن يتهيأ له أن يظهر مقالته لئلا يقتله الروم، وكان ~~أيضا قد اقتطع أموال مصر في وقت حصار كسرى القسطنطينية، وكان يحاذر من هرقل الملك أن ~~يقع في يده فيقتله، فاحتال على الروم، وقال لهم: إن العرب قد جاءهم مدد وليس لنا بهم ~~طاقة، ولا نأمن أن يفتحوا القصر فيقتلونا، ولكن نسد أبواب الحصن ونصير ms092 عليه مقاتلة، ~~ونخرج من القصر إلى الجزيرة فنقيم فيها ونتحصن بالبحر، فخرج الروم ومعهم المقوقس وجماعة ~~من أكابر القبط من باب القصر القبلي، ودونهم جماعة يقاتلون العرب، فركبوا المراكب ولحقوا ~~بالجزيرة موضع الصناعة اليوم، وقطعوا الجسر، وكان ذلك في جري النيل ... # ثم أرسل المقوقس إلى عمرو بن العاص يقول له: إنكم قوم قد ولجتم بلادنا ولججتم على ~~قتالنا، وطال مقامكم بأرضنا، وقد أحاط بكم هذا النيل، وإنما أنتم أسارى في أيدينا ... ~~فابعثوا إلينا رجلا منكم لنسمع كلامكم، فلعل يأتي الأمر فيما بيننا وبينكم على ما تحبون ~~ونحب، وينقطع عنا وعنكم هذا القتال، فلما أتت رسل المقوقس عمرو بن العاص وجه معهم بعبادة ~~بن الصامت، وكان عبادة أسود فلما دخل على المقوقس أدنى مجلسه فقال المقوقس له: ما الذي ~~تريده منا؟ بينه لنا، فقال له عبادة: أن ليس بيننا وبينكم إلا إحدى ثلاث خصال، فاختر ~~أيها شئت، وبذلك أمرني بها الأمير وأمير المؤمنين: إما أن تدخلوا في الإسلام فكنتم ~~إخوتنا وكان لكم ما لنا ورجعنا عن قتالكم، ولم نستحل أذاكم، فإن أبيتم فأدوا لنا الجزية ~~نرضى بها ونحن وأنتم في كل عام أبدا ما بقينا وبقيتم، ونقاتل عنكم من ناوأكم وتعرض لكم ~~في شيء من أراضيكم ودمائكم وأموالكم، ونقوم بذلك عنكم إذا كنتم في ذمتنا وكان به عهد ~~علينا، فإن أبيتم فليس بيننا وبينكم غير المحاكمة بالسيف حتى نموت عن آخرنا أو نصيب ما ~~نريد منكم، فقال المقوقس: فإما الدخول في دينكم فهذا ما لا يمكن، وأما الصلح فقد رضيت ~~أنا ذلك لنفسي ولأصحابي القبط، وامتنع الروم أن يجيبوا إلى الصلح وقالوا: لا نفعل ذلك ~~أبدا، وإنما فعل المقوقس هذا مكرا منه وخديعة حتى أخرج الروم من الحصن، ثم رضي بالصلح ~~ليسلم له ما أخذ من المال ... فرجع عبادة بن الصامت فأخبر عمرا بجميع ما كان، ثم إن ~~المسلمين لما علموا أن ليس في الحصن من المقاتلة إلا نفر يسير، ناهضوا القتال من ناحية ~~سوق الحمام اليوم، فرموا الحصن بالمنجنيقات والعرادات، ms093 ثم إن الزبير وضع سلما إلى جانب ~~الحصن من سوق الحمام، ثم صعد، فما شعروا إلا والزبير على رأس الحصن، فكبروا وتحامل الناس ~~على السلم، فخلا الروم عن القتال، وركبوا المراكب ولحقوا بالجزيرة إلى أصحابهم، وفتح ~~المسلمون الحصن، فقتلوا وأسروا وغنموا، فلما نظر الروم ما فعل بهم المقوقس، وكيف أنه ~~خدعهم وأخرجهم من الحصن وسلمه إلى المسلمين، خافوا ناحيته فتركوه وركبوا البحر وعسكروا ~~بكوم شريك، واجتمع المقوقس مع عمرو بن العاص على عهد بينهما، واصطلحا على جميع من بمصر ~~أسفلها وأعلاها من القبط، ديناران ديناران على كل نفس، شريفهم ووضيعهم ممن بلغ الحلم ~~منهم، وليس على الشيخ الفاني ولا على الصغير الذي لم يبلغ الحلم ولا على النساء شيء، ~~وأحصى عدد القبط يومئذ، خاصة من بلغ الحلم، وأخذت منهم الجزية، وفرض عليهم الديناران، ~~رفع ذلك بالأيمان المؤكدة، فكان جميع من أحصى بمصر أعلاها وأسفلها من جميع القبط الذين ~~أحصوا وكتبوا، فكانت فريضتهم في ذلك الوقت: اثني عشر ألف ألف دينار كل سنة. # ثم أقبل المقوقس إلى عمرو فقال له: أما الروم فإني منهم بريء وليس دينهم ديني، ولا ~~مقالتي مقالتهم، وإنما كنت أخاف منهم القتل، فكنت أستر مقالتي وأكتم ديني، وأنا أطلب ~~إليك أن تعطيني ثلاث خصال، فقال عمرو: وما هي؟ قال: لا تنقصني عن القبط، وأدخلني معهم ~~وألزمني ما ألزمتهم، فقد اجتمعت كلمتي وكلمتهم، وأنا متمم لك على نفسي والقبط متممون لك ~~على الصلح الذي صالحتهم عليه وعاهدتهم، والثانية: إن سألك الروم بعد اليوم الصلح، فلا ~~تصالحهم حتى تجعلهم عبيدا وإماء؛ فإنهم أهل لذلك. والثالثة: إن أنا مت فأمر أن أدفن في ~~كنيسة حنس في الإسكندرية ... فأنعم عليه عمرو بذلك على أن ضمنوا له إصلاح الجسرين جميعا ~~ويقيمون الأنزال، وصاروا لهم أعوانا على ما أرادوا من قتال الروم، ومضى عمرو ومن معه ~~حتى لقي جميع الروم بكوم شريك، # 3 # فاقتتلوا به ثلاثة أيام وولى الروم منهزمين، ثم التقى بسلطيس فاقتتلوا تسعة ~~عشر يوما، وانهزم الروم فدخلوا الإسكندرية وتحصنوا فيها، ms094 واستأسدت العرب عند ذلك، فلجت ~~بالقتال على أهل الإسكندرية فقاتلوهم قتالا شديدا، وكان الروم يخرجون من الأبواب في كل ~~يوم يقاتلون، وكان يقتل من الفريقين في كل يوم خلق كثير، ففي يوم من الأيام اشتد القتال ~~حتى اقتحم العرب حصن الإسكندرية، فقاتلوهم في الحصن قتالا شديدا، ثم خاشت عليهم الروم ~~حتى أخرجوهم من الحصن، واستأسروا عمرو بن العاص ومسلمة بن مخلد ووردان مولى عمرو ورجلا ~~آخر، ولم يدر الروم من هم! فقال لهم البطريق: إنكم صرتم في أيدينا أسارى، فعرفونا ما ~~الذي تريدون منا؟ فقال له عمرو: إما أن تدخلوا في ديننا وإما أن تعطونا الجزية، وإما ألا ~~نزال نقاتلكم إما أن تفنونا بالقتل وإما أن نفنيكم! فقال واحد من الروم للبطريق: أتوهم ~~أن هذا أمير القوم فاضرب عنقه، ففطن لكلامهم وردان وكان يحسن الرومية، فحدث وردان لعمرو ~~حديثا شديدا، وكلمه وقال له: ما لك وللكلام؟ ما في المعسكر أدنى منك ولا أقل، فاترك ~~غيرك يتكلم! فقال البطريق في نفسه: لو كان هذا أميرهم لم يتهيأ لهذا أن يكلمه، فقال ~~مسلمة بن مخلد: إن أميرنا كان قد عزم أن ينصرف عنكم ويترك حربكم، وبهذا كتب إليه أمير ~~المؤمنين، غير أنه أراد أن يوجه إليكم بعشرة قواد من أصحابه من وجوههم، ممن لهم الرأي ~~السديد، حتى تتوافقوا أنتم وهم على شيء تتراضون بينكم وبينهم أيضا وننصرف عنكم، فإن ~~أحببتم ذلك فأطلقوا سبيلنا حتى نذهب إلى أميرنا ونعلمه ما صنعتم بنا من الجميل حتى يوجه ~~إليكم بالعشرة القواد، فينقطع الأمر بيننا وبينكم على ما تحبون، وننصرف عنكم! فتوهم ~~البطريق أن هذا كلام حق، فخلاهم رجاء أن يأتوا بالعشرة القواد فيقتلهم ويتمكن من العرب ~~...» # ثم قال ابن البطريق: «إن عمرو بن العاص كتب إلى الخليفة يصف له فتح الإسكندرية، فقال: ~~إني فتحت مدينة لا أقدر أصف ما فيها، غير أني أصبت فيها أربعة آلاف بنية، بأربعة آلاف ~~حمام، وأربعين ألف يهودي عليهم الجزية، وأربعمائة ملهى للملوك، واثني عشر ألف بقال ~~يبيعون البقل الأخضر ms095 وما يتلوه من البقولات! وإني فتحتها عنوة بغير عقد ولا عهد ... وإن ~~المسلمين طلبوا قسمتها ... فكتب إليه عمر بن الخطاب يقبح رأيه ويأمره ألا يتجاوزها ولا ~~يقسمها، ويتركها ليكون خراجها للمسلمين قوة على عدوهم .» ~~••• # قال: «فأقرها عمرو وأحصى أهلها، فرض عليهم الخراج، وكانت مصر فتحت صلحا كلها بفريضة ~~دينارين كل رجل لا يزاد على أحد جزية رأسه أكثر من ذلك، إلا أنه لا يلزم مقدار ما يتوسع ~~فيه من الأرض والزرع، إلا الإسكندرية، فإنهم كانوا يؤدون الخراج والجزية على قدر ما يرى ~~واليهم؛ لأن الإسكندرية فتحت عنوة بغير عهد، ولم يكن لهم صلح ولا ذمة ... وفتحت الإسكندرية ~~يوم الجمعة مستهل المحرم سنة عشرين للهجرة، وعشرين للملك هرقل.» # وهذه الروايات لسعيد بن البطريق أحجى أن تقارب التاريخ الصحيح؛ لأن صاحبها كان أقرب ~~المؤرخين إلى مراجع الأخبار جميعا من رومانية وقبطية وعربية، ولكنها لم تخل من عيب ~~التاريخ في هذه الفترة، وهو تخلل الوقائع والرويات بالمنازع والأهواء، بحيث يظهر لون ~~المؤرخ من كلامه، وإن لم ينسب هذا الكلام إلى شخص معلوم، وقد ترك ابن البطريق متسعا ~~لدعواه أو متسعا لهواه، كغيره من المؤرخين، فكان «روماني المذهب» في اختيار الأخبار ~~التي توافق منزعه، وأولها أن الرومان لم يرتبطوا بعهد ولا عقد عند سقوط الإسكندرية، وإن ~~سقوط بابليون كان خديعة من الحاكم اليعقوبي، ولم يكن ضعفا اضطرت إليه الحامية بعد اليأس ~~من المدد، وكان تعليله لخديعة الحاكم اليعقوبي الوطني أسخف من تعليلات غيره، فإنهم زعموا ~~أن الحاكم الوطني - وهو المقوقس - قد استبقى عنده ضرائب القطر كله أيام استيلاء الفرس ~~على مصر، فلم يرسلها إلى القسطنطينية، ولم يكن في نيته أن يرسلها، وقد يكون هذا السبب ~~معقولا بعض الشيء؛ لأن إرسال الضرائب إلى القسطنطينية مع سيرة الفرس على البلاد لم يكن ~~بالميسور وإن أراده المقوقس، وموضع السخف من القصة أن نتصور المقوقس عاجزا في هذه ~~الحالة عن الاعتذار باغتصاب الفرس لكل ما أصابوه من الغلات والخيرات وأموال الخراج! فإذا ~~أغضينا بنظرنا عن هذا السخف، فما ms096 عدا ذلك سهل مستساغ! وأما الذي لا يستساغ فهو امتناع ~~المقوقس عن إرسال الضرائب؛ لأن الفرس يحاصرون القسطنطينية! إذ الواقع أن الطريق بين مصر ~~والقسطنطينية لم تكن مقفلة من جانب البحر، ولم يكن الرومان ينقطعون عن طلب الأزواد ~~والأمداد من إفريقية، وقد استطاع هرقل مع حصار القسطنطينية من الناحية الآسيوية أن ~~يتركها وينقض على بلاد فارس وراء البحر الأسود، فلم يكن من العسير أن تصل ضرائب مصر إلى ~~القسطنطينية في فترة الحصار، إلا أن يكون المقوقس قد أعلن قطع الصلة بالإمبراطور ووضع ~~يده على أموال البلد جهرة مع وجود الحامية الرومانية فيها، وعلى هذا لا تبقى للرومان ثقة ~~به وهو معهم في داخل حصن بابليون، ولا ينتظرون منه أن يخدعهم ويتفق مع عمرو بن العاص من ~~ورائهم حتى يتخوفوه ولا يأمنوه. # كذلك يروي ابن البطريق تلك القصة التي رويت عن عمرو وغلامه وردان في أثناء حصار ~~الإسكندرية، كما رويت في حرب فلسطين، وهي كما يرى أدنى إلى الخرافة منها إلى ~~التاريخ. # ولا تنحصر الخلافات حول المقوقس فيما تقدم، بل يقول آخرون - كما قال امبلينو - إنها ~~مشتقة من «كوكيوت» اسم عملة يونانية؛ لأن المقوقس كان يلي أمر الخراج، ولا يستبعد «بتلر» ~~أن يكون اللفظ مصحفا على لسان المصريين من القوقاس؛ لأن هرقل نقل فيرس من القوقاس إلى ~~الديار المصرية. # ولكن المقوقس عرف بهذا اللقب في الحجاز قبل فتح مصر بأكثر من عشر سنين، وكتب إليه النبي ~~- عليه السلام - رسالة بهذا اللقب جاءه الجواب عنها مع هدايا المقوقس التي لا جدال فيها، ~~فما تأويل ذلك عند بتلر وأتباعه في التحقيق والتصديق والتكذيب؟ تأويل ذلك يسير على طرف ~~اللسان، وهو خطأ المؤرخين العرب في رواية الخبر بعد الفتح الإسلامي بسنين! # إلا أن خبر الرسالة النبوية وجوابها من وراء كل شك وكل تردد وتأويل، فلا شك في كتابة ~~النبي - عليه السلام - إلى عظيم القبط في مصر، ولا في جواب عظيم القبط عن كتابه، وقد ~~وصلت السيدة مارية وأختها مع الجواب، وعرف الرسول الذي جاء ms097 مع الهدية، والبيت الذي ~~نزلت فيه بالحجاز، ثم ولد للنبي - عليه السلام - ابنه إبراهيم من مارية القبطية، وتواترت ~~التواريخ بمولده ووفاته حوالي الثانية من عمره، وتواتر كذلك بكسوف الشمس يوم وفاته، وقول ~~النبي - عليه السلام: إن الشمس لم تكسف لموته، وجاوز الأمر أخبار التاريخ إلى تحقيقات ~~الحساب الفلكي، فأثبت العالم الكبير محمود الفلكي باشا أن هذا الكسوف حدث في المدينة ~~المنورة «الساعة الثانية والدقيقة الثلاثين بعد نصف الليل من اليوم السابع والعشرين من ~~شهر يناير سنة 632 ميلادية»، ويطابق هذا التاريخ تقدير مؤرخي المسلمين عن وقت ولادة ~~إبراهيم ووقت قدوم أمه السيدة مارية إلى الحجاز. # فليس المهم إذن تصريف اسم المقوقس باليونانية أو الحبشية أو القبطية، وإنما المهم أن ~~هناك عظيما في مصر كان يملك من أمر شعبها ما لم يملكه عاهل القسطنطينية؛ ولذلك كتب ~~النبي إليه ولم يكتف بالكتابة إلى العاهل في عاصمة الدولة الكبرى، وقد وصل الكتاب إلى ~~صاحبه المقصود بدليل واضح بسيط، وهو وصول الجواب عنه، فإذا كانت منزلة هذا الرجل حقيقة ~~مقررة لا خلاف عليها، وكان اسم المقوقس دليلا على هذه المنزلة لا يتأتى اختراعه لمن ~~يجهله - فلماذا نلغيه ونبطله، أو نشك فيه وننفيه؟! # إن خروج المؤرخ بتلر أو غيره من ورطة وقعوا فيها، لا تكفي لتغيير مجرى الحوادث ~~والروايات، وعلى بتلر وغيره أن يخرجوا من الورطة التي دخلوا فيها كما يشاءون، ولكن على ~~غير حساب التاريخ. ومهما يكن من أخطاء المؤرخين الأوائل، فهي لا تكفي للإسعاف من كل ورطة ~~والإجالة عليها في كل تأويل. ~~••• # ليست هذه التخريجات أو هذه التأويلات إذن هي المرجع في تمحيص القول عن مسألة المقوقس ~~وما لابسها من الأخبار والروايات، وإنما المرجع إلى «الموقف» وما يمليه بحكم البداهة ~~وحكم الحوادث التي عرفت بمقدماتها ونتائجها. وأيا كان الرأي في هذا المقياس، فهو أصدق ~~بيانا من جميع المقاييس التي رأيناها تضطرب ذلك الاضطراب بين أيدي المؤرخين. ~~••• # وهذا هو حكم الموقف على أسلم الوجوه من النقد والريب، أو من الاختلاق وتوجيه المنازع ~~والأهواء. # حكم ms098 الموقف أننا أمام «دور» واضح محدود لا يقبل اللبس على وجه من الوجوه، دور زعيم ~~«أهلي» مسئول له صفة شعبية، لا تستطيع دولة الرومان أن تنتزعها منه، سواء رضيت عنه أو ~~غضبت عليه. # وليس هو «دور» رئيس روماني بحال من الأحوال؛ لأن الرئيس الروماني إن بقي في مصر لم تكن ~~له صفة ولم يكن له سلطان، وإن خرج من مصر لم تكن للتعاقد معه قيمة، ولم يكن أهلا ~~للالتزام. # وإذا كان الموقف يستلزم «دورا» محدودا واضحا فلا محل فيه للاختلاق ولا للتنازع بين ~~المؤرخين. # فهناك «أشخاص» يجوز الشك في وجودهم، بل يستدعي العمل المنسوب إليهم أن نشك في حقيقتهم، ~~أما إذا كانت المسألة مسألة «أدوار» قائمة لا مسألة أشخاص، فلا محل للشك ولا للتنازع، بل ~~الأمر ينعكس من هذا النقيض إلى النقيض الذي يقابله، ويصبح من اللازم تاريخا وعقلا أن ~~نوجد الشخص الذي يمكن أن يؤديه، لا أن نراه موجودا ثم نشك فيه! # إن الدور الذي نسب إلى المقوقس لا يؤديه إلا زعيم له صفة المقوقس، كائنا ما كان اسمه ~~ولقبه، وكائنا ما كان عنوانه في الدولة وفي البلاد. # فهو دور يؤديه «زعيم أهلي» عرف الناس حول بلاده أنه يملك منها ما ليس يملكه هرقل في ~~عاصمته، ويتعاهد العرب معه فيعلمون أنهم يعاهدون البلاد، وأن البلاد مقرة لما تعاهدوا ~~عليه. # ومن بقي من الرومان - أو من الروم - بعد وصول عمرو بن العاص إلى الفسطاط، فإنما بقي ~~مقاتلا أو منتظرا للمدد من خارج مصر لمواصلة القتال، ومثل هذا لا يتعاهد معه عمرو بن ~~العاص، ولا معنى للتعاهد معه قبل انقضاض المعركة بين الدولة الذاهبة والدولة ~~الباقية! # فلا يكون المتعاهد أو المصالح في الحرب إلا زعيما يتكفل بشيء يقدر عليه، ويعلم معاهدوه ~~أنه قادر عليه باسم قومه، وأنه إذا نقضه كانت الخسارة عليه وعليهم، لا على الرومان في ~~مصر والإسكندرية، أو الرومان في القسطنطينية وبلاد الروم! # فالزعيم المصري هنا شخص يفرضه التاريخ فرضا، ويتطلب منه تبعة لا يقوم بها سواه. # وهذه التبعة ms099 تدل كذلك على حالة محدودة واضحة، لا تلتبس بغيرها من الحالات. # إن الصلح في مصر كان نسخة مكررة من الصلح في فلسطين. # ففي العهدين معا أمان للبيع والكنائس، واتفاق على خروج من يريد الخروج مع الروم من أهل ~~البلاد. # وفي عهد فلسطين أمان من إكراه أهل بيت المقدس على مساكنة اليهود، يقابله في عهد مصر ~~أمان من إكراه أهلها على مساكنة النوب؛ لأنهم كانوا معهم قبل ذلك في قتال على الشئون ~~الدنيوية والدينية. # فلا موضع هنا لخيانة ابتدعها الزعيم الوطني في الديار المصرية؛ لأنه لم يقبل شيئا أقل ~~مما قبله أهل فلسطين. # وقد تذكر كلمة الخيانة إذا كانت الدولة الرومانية قادرة على حماية مصر عاجزة عن حماية ~~فلسطين، ولكنه فرض بعيد لا يخطر على بال أحد ينظر إلى الموقف اليوم، أو كان ينظر إليه ~~كما رآه المعاصرون في تلك الأيام. # فالدفاع عن فلسطين أهون من الدفاع عن مصر بكثير؛ لأن طريق البر مفتوح بين بلاد الدولة ~~الرومانية في آسيا الصغرى، وبين ميادين فلسطين من شمالها إلى جنوبها، فإذا كانت الدولة ~~الرومانية لا تستطيع أن تبعث البعوث إلى جيرتها القريبة، فهي أعجز عن ذلك في الميادين ~~المصرية، وإذا كانت السفن لا تسعفها على شواطئ فلسطين فهي لا تسعفها في الإسكندرية ~~ودمياط. # ولا بد من النظر إلى اعتبار آخر في هذا الموقف، وهو حالة فلسطين من الوجهة الدينية، فإن ~~هرقل كان خليقا أن يهتم باستبقائها، لما فيها من الأماكن المقدسة التي تقوم عليها صفته ~~في عاصمة الدولة الشرقية على الخصوص، وإن رعاياه هناك لم يكن عندهم من أسباب النقمة عليه ~~شيء يثنيهم عن تأييده واستبقاء ملكه؛ لأنه لم يكرههم على خلاف عقيدتهم كما فعل في مصر، ~~ولم تزل ذكرى دخوله بيت المقدس، وحفاوة أهلها به ووعدهم بالكفارة عن يمينه مدى السنين ~~عالقة بأذهان القادة والأتباع في تلك البلاد. # وربما وجد من المؤرخين من يصف المقوقس بالخيانة، إذا كانت دولة الرومان قادرة على شيء ~~في الدفاع عن مصر، فحال بينها وبين المثابرة على ms100 الدفاع، فقد يقال حينئذ: إنه موظف ~~«روماني» خذل رؤساءه وسادته وسلم البلاد لقوم آخرين! # لكن الواقع أن الدولة الرومانية لم تكن لها ذمة تخان في البلاد المصرية من الوجهة ~~الدينية، أو الوجهة العملية الواقعية. # فمن الوجهة الشرعية هي دولة أجنبية غاصبة، تعتدي على الأرواح والأموال، وتستنزف ثروة ~~البلاد في الضرائب والإتاوات، وتحرمها الغلات والثمرات التي هي أحوج إليها في أيام الشح ~~والغلاء، وتقحمها في منازعاتها قبل انقسامها إلى دولة شرقية ودولة غربية، وبعد انقسامها ~~إلى دولتين بغير استقرار وبغير انقطاع، وقد ساعدها المصريون على طرد الفرس، وساعدوا هرقل ~~في ثورته على خصمه فوقاس حتى قهره واستولى على العرش بعده، فمن قوة مصر وإفريقية ~~الشمالية تجمعت قوة هرقل التي انتصر بها على خصمه، ولكنه لم يلبث أن اطمأن إلى مكانه حتى ~~جزى المصريين على معاونتهم شر الجزاء، فلم يكن من حقه عليهم أن يحاربوا له حربه، ويمسكوا ~~له سلطانه وهو يشارف الزوال. # ومن الوجهة الدينية لم تكن على مذهب أهل البلاد، ولم تكن سمحة معهم فيما يختارونه ~~لعقيدتهم، وكان النزاع الديني بين مصر والدولة الحاكمة على أشده وأعنفه عند قدوم عمرو بن ~~العاص. # وقد قال ميخائيل السوري في تاريخه: إن «المنتقم الجبار» أتى بأبناء إسماعيل من الصحراء ~~ليخرجوا الأمم من ربقة الروم والرومان. # ومن وجهة الواقع لم تكن دولة الروم قادرة على مهمة الحكومة الأولى، وهي صد الغارات عنها ~~وحفظ الأمن فيها. وكان من عملها ما يخل بالأمن ويغل الأيدي عن الدفاع؛ لأنها نزعت سلاح ~~المصريين وقسمت القيادة العسكرية أقساما بين الرؤساء الرومانيين، وتركت للجنة الوطنيين ~~أن يدفعوا غارات اللصوص بسلاحهم، فتعرضت للسطو من ناحية الصحراء ومن ناحية الجنوب، وما ~~بقي للمصريين من جند مسلح، فإنما كان من قبيل الشرطة الذين تأمنهم الدولة الحاكمة؛ لأنهم ~~لا يستطيعون إجلاءها ولا تأمنهم عصابات اللصوص؛ لأنها تتسلح بمثل سلاحهم ويزيد عددها على ~~عددهم في بعض الأطراف، وقد كان قائد ليبيا الروماني على مقربة من المعارك الفاصلة بين ~~العرب والدولة الرومانية، فلم يتقدم للاشتراك فيها؛ ms101 لأنها لم تترك في نفس أحد من جندها ~~غيرة عليها؛ ولأنه لا يخلي مكانه إلا على خطر من العصابات. ~~••• # وأيا كان تفصيل الموقف من جهة السيادة الرومانية على البلاد فإنها لم تكن سيادة ملزمة ~~لأهلها بذمة من الذمم، ولم يسلبها أبناء مصر شيئا كانت قادرة عليه بقوتها الغاصبة، ومن ~~رآها تعجز عن المقاومة في فلسطين فلن يخطر له أنها تقوى عليها في بلاده، وليست أمامه ~~حالة «ممكنة» أسلم وأكرم من تصريف الموقف بما يقتضيه، فهو موقف ضرورة لا موضع فيه ~~للخيانة ولا للاختيار. # وهو - بعد - موقف زعيم «أهلي» ينهض بتبعة لا حيلة له فيها، فإما أن يدع الفاتحين وشأنهم ~~في بلاد لا يتكلم عنها أحد ولا يتفق باسمها أحد، وإما أن يتكفل بشروط الصلح التي لا يملك ~~خيرا منها، وهذا هو قضاء الموقف بحرفه ومعناه. # والمقوقس الذي يصوره لنا الموقف حقيقة لا يسمع فيها جدل المؤرخين، ولا يزال قول التاريخ ~~فيها أصدق وأوضح من لجاجة كتابه ومدونيه، أو نساخيه. # وهذا الموقف الذي يبسطه لنا التاريخ، يتممه الموقف كما كان يراه المقوقس في علاقته بعرش ~~الرومان وغيره من العروش الكبيرة من حوله. # فإذا كر راجعا إلى أول أيامه، لم يكد يرى على العروش شرقا وغربا إلا جرائم الغيلة ~~والتعهر: ثار فوقاس فقتل الإمبراطور موريس، وثار هرقل فقتل الإمبراطور فوقاس، والتاث عقل ~~هرقل فلا يكاد يفيق من إحدى لوثاته حتى ترين عليه لوثة أخرى! # وينظر إلى المشرق فيرى الشاهنشاه ملك الملوك قتيلا، ويرى ابنه كسرى الثاني ناجيا ~~بنفسه إلى حمى بيزنطة، يتبناه الإمبراطور موريس ويزوجه من إحدى الأميرات طمعا في عرش ~~فارس من طريق الوراثة، وقيل: إن هذه الأميرة كانت بنت الإمبراطور وإن كان قولا مشكوكا ~~فيه. # وكان كسرى الثاني قد عاد إلى عرشه بمؤازرة الإمبراطور الروماني، فلما قتل هذا نهض كسرى ~~الثاني للأخذ بثأره ظاهرا، ولأخذ بلاده باسم الأميرة البيزنطية وحق الفتح والغلب في ~~باطن الأمر، واجتاح جيوش الدولة المتداعية أمامه، ووصل بجيوش فارس إلى إفريقية الشمالية، ~~ولم يرجع عن غاراته ms102 إلا بعد اضطراره إلى إنقاذ بلاده من حملة هرقل التي أوغلت إلى العراق ~~وما وراءه، ونفذت عنوة إلى قلب الديار الفارسية. # وبينما الإمبراطور هرقل يتقدم إلى بيت المقدس لرد الصليب إليه، إذا برسالة النبي العربي ~~تدركه في الطريق، وإذا به قد علم من أخباره من عرب الشام والجزيرة وعرب قريش المتجرين ~~بفلسطين أمورا ذات بال يحسب لها كل حساب، وتصل الرسالة إلى المقوقس من النبي العربي ~~الذي خاطب هرقل، فلم يجسر هذا على رده والترفع عليه، فيعلم أنه أحرى بالحيطة والتقية، ~~وأن المصانعة والانتظار أجدى من الغلظة والاستنكار. # ومن الجائز جدا أن يكون المقوقس قد علم بجواب النجاشي عن رسالة النبي العربي، وأنه ~~أيده ولم يحفل برجاء المشركين من قريش، ثم تمضي فترة قصيرة، فيتسامع المشرق كله إلى أقصى ~~بلاد الصين بغزوات أتباع النبي في العراق والشام وفلسطين، وأنهم قد هزموا دولة الأكاسرة ~~ودولة القياصرة، ودخل في ملتهم وكلاء فارس في اليمن الذين أمرهم الشاهنشاه باعتقال نبي ~~العرب لاجترائه على دعوته إلى الإسلام! # كيف يقع كل هذا من نفس المقوقس في وطنه المهدد المضطرب بين الغارات والمطامع ~~والمنازعات؟ # إن المؤرخ الحديث قلما يرد على خاطره أن يضع نفسه في مواضع الرجل، ويفكر مثله تفكير ~~السياسي وتفكير الزعيم، وتفكير المتدين المؤمن بالنبوات! ماذا لو كان صاحب الدعوة هو ~~النبي الموعود من ذرية إبراهيم؟ وماذا لو كانت رسالته مقدمة لأشراط آخر الزمان؟ وماذا لو ~~لم يكن هذا وذاك وكان أنه قوة لم يغلبها غالب من القياصرة ولا من الأكاسرة؟ # وإن المقوقس لينظر يمينا وشمالا بين هذه الزعازع والأعاصير، ثم ينظر في داخل البلد ~~فلا يرى أحدا يريد أن يفدي دولة الرومان بحياته وإن استطاع، وإنه مع ذلك لغير ~~مستطيع! # والمؤرخ الحديث يركبه غروره فيظن أن الجهل بالوقائع والأسماء أيسر شيء يتهم به أبناء ~~ذلك الزمان، ويكاد يجزم بغرابة الأمر كله؛ لأنه يتوهم أن هذه الحوادث العالمية كانت ~~مجهولة في بلاد العرب، ولم يكن عند أهلها علم بها وبما يترتب عليها في مصر ms103 والقسطنطينية ~~وسائر الأقطار. # على أن الواقع أن هذه الحوادث العالمية كانت من أخبار بلاد العرب اليومية، وكان العرب ~~يتلقونها أحزابا وشيعا، ويعقدون المراهنات على حاضرها ومصيرها، وقد تراهن المسلمون ~~والمشركون على عاقبة الغزوة الفارسية البيزنطية ، ودخل في الرهان أبو بكر الصديق - رضوان ~~الله عليه. وجاء في القرآن الكريم من أول سورة الروم: # الم * غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم ~~من بعد غلبهم سيغلبون * في بضع سنين ~~... [الروم: 1-4]. # وقد نزلت هذه الآية بالتاريخ الميلادي في سنة خمس عشرة بعد الستمائة، ولم تمض سبع سنوات ~~حتى كانت النبوءة قد تمت وآذنت بما يليها، وهو وعد المؤمنين بالنصر وإنجاز الأمر الإلهي ~~الذي دعاهم أن يسيروا في الأرض وينظروا عاقبة المشركين: # قل ~~سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل ~~كان أكثرهم مشركين ~~[الروم: 41]. # فبلاد العرب لم تكن خلوا ممن يراقب الحوادث العالمية، ويوازن بين القوى، ويضع الخطوة ~~في موضعها وفي أوانها، وأول ما كان من ذلك أن يخاطب النبي - عليه السلام - هرقل بعد ~~انتصاره المنظور على الفرس، فلا يخاطبه في شأن مصر، ويؤثر عليه المقوقس بالخطاب، ولا ~~تخفى دلالة ذلك على المقوقس أو على الرجل الذي هو في موضع المقوقس؛ لأنها تنبئه بالكثير ~~من حقيقة صاحب الدعوة وأنه يعرف من يعنيه وما يعنيه. # فالموقف من أطرافه يوجد لنا المقوقس حيث يوجد، وبالصفة التي من أجلها قد اتجه إليه ~~الخطاب. # إنه رجل يرتبط مصيره بمصير الأمة القبطية، ولا يطالب بعهد يلزم الرومان، ولا كان هذا ~~العهد مطلوبا أو مستحقا لعناء الطلب، فالرومان أصحاب دولة تبقى أو تزول، فإن بقيت فلا ~~معنى لمعاهدتها على فتح البلاد، وإن زالت فقد أغنى زوالها عن كل عهد، ولن يربطها العهد ~~بشيء وراء البلد الذي خرجت منه، ولم تكن لتخرج منه إلا مكرهة على غير وفاق. # وهكذا كانت نهاية القتال بين العرب ودولة الرومان الشرقية في فلسطين، وقد عادت إلى ~~القتال ما استطاعت أيام الخلفاء الراشدين وأيام الأمويين، وأيام العباسيين، ~~والفاطميين. # وقد كانت مهمة المقوقس مهمة ms104 أمانة يؤديها على أحسنها لمصلحة بلده، ولو أراد أن يخون لما ~~استطاع أن يخون؛ لأنه لم ينزل عن شيء كان في وسعه أن يتشبث به، ولم يترك شيئا كان في ~~وسعه أن يبقيه لنفسه أو لقومه ، أو للرومان إن كان من همه أن يخدمهم بحال. # إن الذين كتبوا عن المقوقس وأثبتوا وجوده مجمعون على علاقته بتحصيل الخراج، وأنه كان ~~يظهر مذهب الروم الملكيين ويبطن مذهب القبط اليعقوبيين، وعلاقته هذه بالخراج ترشحه دون ~~غيره للاتفاق من الفاتحين على ضريبة الرءوس، فيجوز أن تكون علاقته بالخراج توكيلا ~~عاما، أو تكون وكالة خاصة مقصورة على أرضه وثروته، فقد كان الخراج كما سنرى في باب ~~الإدارة مقسوما إلى ثلاثة أقسام: قسم تحصلة المجالس البلدية، وقسم يحصله الملتزمون، ~~وقسم يؤديه أصحاب الضياع الواسعة مباشرة بغير وسطاء، ولا شك أن المقوقس كان من هؤلاء، ~~ولم يكن من الذين يؤدون ضرائبهم للمجالس البلدية، وربما كان هذا الذي عناه بعضهم بخوفه ~~من تأخير الأموال المطلوبة منه إن كان لهذه المسألة أثر من الصحة، وأيا كان عمله في ~~تحصيل الخراج فهو صاحب خبرة ترشحه للتعاقد على أعمال الضرائب والتحصيل. # أما مذهبه الديني فربما كان للسياسة دخل فيما يعلنه منه وما يخفيه، وفي زماننا هذا ~~الأخير نرى بعض الأسر الكبيرة تخشى على مكانتها، فتعلن غير ما تبطن من أمر المذهب ~~والعقيدة، ففي مصر طلب الفرنسيون من محمد علي الكبير أن يقنع الطائفة القبطية بالانتماء ~~إلى الكنيسة الغربية، فدفعه المعلم غالي «مباشر الدواوين» بحيلة موقوتة تصرفه عن هذه ~~الخطة، ريثما تهدأ وسائط الفرنسيين، وقال له: إنه هو وأسرته سيدينون بالكثلكة، فيتبعهم ~~أبناء الطائفة بغير حاجة إلى الإكراه أو الإقناع! وفي لبنان حدث مثل ذلك بين الأمراء ~~الشهابيين من المسلمين والمسيحيين، وبقيت الأسرة كلها على دينها إلى اليوم! وغير بعيد أن ~~يكون المقوقس قد استبقى مكانته بمجاراة الدولة على مذهبها، فقنعت الدولة منه بذلك وحمدت ~~هذا الحل السياسي؛ لأنه يعفيها من مشكلة الاحتيال على اختيار رجل غيره في مكانته، وليس ~~الاختيار هنا ms105 بالميسور إذا كان مركز الرجل من مراكز الوجاهة الموروثة والحسب العريق، ~~وكان خلفه لا يقدر على قيادة الشعب المصري طواعية، كما ينقاد لزعيم من ذوي بيوتاته ~~المعروفين. # وحكم «الدور التاريخي» بعد كل فرض وتأويل هو إيجاد رجل بالصفة التي وصف بها المقوقس، ~~واللقب الذي أطلق عليه: رجل ذو وجاهة لا تتوقف على بقاء دولة الرومان في البلد، ورجل ~~يخاطب في أمر مصر بمعزل عن عاهل القسطنطينية، ويعرف من أعمال الخراج ما تتولاه الدواوين ~~المصرية قبل أن يتولاها الفاتحون، ورجل ترضيه الدولة بالألقاب التي لم تتعود أن تخلعها ~~على أبنائها، ولم يعهد في التاريخ أن دولة أجنبية منحتها أحدا غير الزعماء الوطنيين ~~تعويضا لهم عن سيادة الحكم والسلطان. # وهذا المقوقس قد وجد بصفاته اللازمة عقلا وعملا، فلماذا نحتال على الشك فيه؟ # إن صفاته هذه تعيننا على تصحيح كل صفة وكل شخصية في زمانه، فمن لم يكن صالحا لهذا ~~«الدور»، فلا يمكن أن يكون هو المقوقس المشهور، وليكن بعد ذلك من كان! # قال ابن عبد الحكم في فتوح مصر وأخبارها: # كان بالإسكندرية أسقف للقبط يقال له أبو ميامين، فلما بلغه قدوم عمرو بن ~~العاص إلى مصر، كتب إلى القبط يعلمهم أنه لا تكون للروم دولة، وأن ملكهم قد ~~انقطع، ويأمرهم بتلقي عمرو، فيقال: إن القبط الذين كانوا بالفرما كانوا يومئذ ~~لعمرو أعوانا ... # يريد ابن عبد الحكم البطرق بنيامين ويسميه «أبو ميامين»، وقد بادر البطرق ~~إلى الإسكندرية حين استقر الأمر فيها للعرب، ولم يعد إليها وفيها بقية لسلطان الروم، ~~وهذه خطة من البطرق المختار توافق خطة المقوقس الذي كانت له مكانة الوجاهة الدنيوية، ولم ~~تكن له في الدين مكانة البطرق بنيامين. # الفصل السابع # | الحالة الدينية # من المأثورات المتواترة أن المسيحية انتشرت في مصر خلال القرن الأول للميلاد، وأن ~~الرسول مرقس الإنجيلي تولى نشرها في الصعيد ثم في مصر العتيقة والإسكندرية، وتتفق أقوال ~~الأكثرين من الشراح الشرقيين على أن بابل المشار إليها في أعمال بطرس الأولى من العهد ~~الجديد هي بابليون المعروفة بموضعها الآن ms106 إلى جوار الفسطاط ومصر العتيقة، وفي ختام هذه ~~الأعمال يشير بطرس الرسول إلى تلميذه مرقس قائلا: «تسلم عليكم التي في بابل المختارة ~~ومعكم مرقس ابني ...» # ويؤخذ من سيرة مرقس المتداولة بين أبناء الكنيسة المصرية أن المسيحية سبقته إلى مصر، ~~وأنه جلس إلى جانب إسكاف بالإسكندرية يصلح نعله، فشغل الإسكاف بالحديث معه وأخطأ، فأدخل ~~المخرز في يده فصاح: أيها الإله الواحد! فعلم الرسول أنه يدين بالإلاهية، وشرح له عقيدته ~~المثلى في الدين. # والقول الأشهر أنه من يهود القيروان أصلا، ثم قدم مع أهله إلى بيت المقدس أيام ظهور ~~المسيح - عليه السلام - فكانوا جميعا من أسرع اليهود إلى تلبية الدعوة المسيحية، وكان ~~خاله يرنابا وأبوه أرستوبولس من المسيحيين الأوائل، وفي منزلهم حضر السيد المسيح وليمة ~~الفصح، وإلى هذا المنزل كان التلاميذ يترددون قبل انتشارهم في الأقطار. # وقد اختار مرقس وطنه إفريقية الشمالية للتبشير فيه، بعد أن صاحب بولس الرسول، ثم صاحب ~~بطرس بعد مقتل بولس. # وقدم من طريق الصحراء الغربية إلى الصعيد ومنه إلى مصر العتيقة، حيث كتب إنجيله باللغة ~~اليونانية الشعبية؛ لأنها كانت أقرب اللغات إلى فهم الخاصة والعامة من اليهود واليونان ~~وأبناء البلاد المصرية، ثم أنشأ بالإسكندرية مدرسة لاهوتية، وجعل يتردد بينها وبين وطنه ~~الأول بالقيروان، وينيب عنه أستاذها يستاس في أثناء غيابه، إلى أن توفي سنة ثمان وستين ~~للميلاد، ودفن بالإسكندرية، وظل مدة مدفونا بها إلى أن سرقه أناس من البحارة البندقيين ~~في القرن التاسع للميلاد. # وليس في كتابات الفيلسوف المسيحي أوريجين، ولا في كتابات كلمنت الإسكندري إشارة إلى ~~مرقس الرسول، وقد عاش أوريجين بين أواخر القرن الثاني وأوائل القرن الثالث، ولكن يوسبيوس ~~الذي عاش في القرن الرابع يروي خبر إنشاء الكنيسة، ويؤخذ من خطابات كلوديوس إلى ~~الإسكندريين أن طائفة من اليهود الذين دانوا بالمسيحية، وشجر الخلاف بينهم وبين أبناء ~~ملتهم، كانوا يقيمون بالإسكندرية في القرن الأول للميلاد، ويترددون بينها وبين رومة ~~وفلسطين. # ومهما يكن من الرأي في السجلات التاريخية، فليس من الجائز عقلا أن يكون الدعاة ~~المسيحيون قد ms107 غفلوا عن الإسكندرية منذ القرن الأول، وهي أكبر معاهد الثقافة والبحوث ~~الدينية يومئذ في عالم الحضارة، وقد ثبت أن أقدم الأساقفة الذين لقبوا بلقب «البابا» ~~كانوا في كنيسة الإسكندرية، واعترف لهم بهذا اللقب أعضاء مجمع نيقية الذي انعقد في منتصف ~~القرن الرابع للميلاد. # وقد كانت السمة الغالبة على المفكرين الدينيين منذ القرن الثاني قبل الميلاد إلى القرن ~~الثاني بعد الميلاد، شيوع التفرقة بين العقل والهيولي أو بين الروح والجسد في جميع ~~المذاهب التي ظهرت بين أرجاء الدولة الرومانية، ومحور هذه المذاهب عامة لا يخرج من نطاق ~~مدينة الإسكندرية. # فقبل الميلاد كانت تقيم في أطراف الصحراء على مقربة من الإسكندرية طائفة من المتنسكين ~~المتنطسين، يتعبدون بالتأمل وترك الملذات الجسدية، ويعرفون بين الناس باسم المتطببين # Therapeutae ~~، ومنهم على الأرجح طائفة الآسين أو ~~الأسينيين، وهي كلمة بالآرامية تفيد معنى الأساة؛ أي: المتطببين، وأتباعها هم ألد أعداء ~~الدولة الرومانية بين اليهود! # وبعد المسيحية ظهرت طائفة المعرفيين # Gnostics ~~، وظهر ~~أتباع أفلوطين الفيلسوف، وظهرت طائفة المشبهين # Docetists # التي تنكر كل الإنكار أن يكون السيد المسيح قد تجسد في جسد ~~من المادة، وإنما هو كيان شبيه بالمادة في النظر وليس منها في الحقيقة. # والمهم أن المسيحية حين شاعت وانتشرت في الشرق وفي مصر خاصة، كانت بمثابة احتجاج روحاني ~~على السيطرة الرومانية، وإننا نستطيع أن نقسم العالم الروماني يومئذ إلى قسمين: قسم ~~توافقه عبادة الإمبراطور وهم السادة الحاكمون، وكانت نفوسهم تقبل القول بالخلط بين ~~الطبيعة الإنسانية والطبيعة الإلهية على صورة من الصور، وقسم لا توافقه عبادة الإمبراطور ~~وهم الرعايا الساخطون على السيطرة الأجنبية، وكانت نفوسهم تنفر غاية النفور من الخلط بين ~~الطبيعتين الإنسانية والإلهية، ويرفضون كل فكرة تومئ إلى جواز عبادة الإمبراطور، أو جواز ~~الصفة الإلهية على الآدميين. # وما استمات أتباع الأديان الوحدانية في تمييز العنصر الإلهي، كما استماتوا في تمييز هذا ~~العنصر بعد طغيان العواهل الرومانيين وطموحهم إلى التشبيه بالأرباب! # فاليهود كانوا ينزلقون إلى عبادة الأرباب الكنعانية والبابلية والمصرية قبل خضوعهم ~~لدولة الرومان، فلما سامهم عواهل الرومان ms108 أن يضعوا تماثيلهم في الهيكل، أو يعلقوا عليه ~~شارة الإمبراطور الإله تمردوا غاية التمرد، وأقاموا الحاجز الحاسم بين سلطان الأرض ~~وسلطان السماء. # والأمة المصرية كانت أشد الأمم سخطا على الدولة الرومانية، وأشدها تقبلا للديانة ~~المسيحية، ثم أشدها إنكارا بعد ذلك للقول بالطبيعتين، وهو القول الذي لم ترفضه الكنيسة ~~في عاصمة الدولة الشرقية، ولا في عاصمة الدولة الغربية، ولم ترفضه كذلك كنيسة أنطاكية كل ~~الرفض؛ لأنها كانت على البرزخ بين القساوسة الأوروبيين والقساوسة الشرقيين. وقد رجع بعض ~~المؤرخين إلى تعليل هذا الفارق، فعللوه بالفارق بين النفس الشرقية والنفس الغربية، وهو ~~هنا فارق متعسف جد بعيد، وإنما حقيقته أنه الحد الحاسم بين النفور من عبادة الإمبراطور، ~~وبين الترخص فيها أو الإغضاء عنها؛ ولهذا كان في آسيا الصغرى أناس يقولون بالطبيعتين وهم ~~شرقيون، وكان في مصر أناس من الأصل اليوناني يقولون بالطبيعتين، ومعهم فريق من المصريين ~~الذين لا يتعصبون على الرومان؛ بل لهذا كانت قبائل القوط والتيتون تدين بمذهب آريوس ~~وتقبل عليه من ناحية التفرقة بين ربوبية الأب التي لا مثيل لها، وربوبية الابن التي ~~خلقها الأب ولم تكن قائمة منذ الأزل، فهذه التفرقة كانت تروق عشائر القوطيين والتيتون، ~~وتدخلهم في زمرة الثائرين على تقديس الإمبراطور من هذا الجانب البعيد. # فعند البحث في الفوارق بين المذهب ينبغي أن نذكر هذا الفارق في مقدمة الفوارق النفسية ~~والعقلية التي قسمت الدولة الرومانية من حيث التنزيه والتوحيد إلى قسمين: قسم السادة ~~الذين لا يسخطون في قرارة ضمائرهم على الخلط بين الطبيعة الإنسانية والطبيعة الإلهية، ~~وقسم الرعايا المضطهدين الذين امتلأت ضمائرهم سخطا على هذه العقيدة، فلم تغب قط عن ~~أنظارهم ولا عن عقولهم كلما واجهتهم المذاهب والبدع بشيء جديد. # ومصدر القوة الكبرى التي اشتهرت بها المسيحية المصرية وجعلتها ندا مصاولا للدولة ~~الرومانية، هو أنها كانت قوة تمتزج فيها العقيدة الدينية والحماسة الوطنية. # ثم دانت الدولة الرومانية بالمسيحية فلم يمتنع هذا النزاع بين القسطنطينية ورومة من ~~جهة، وبين الإسكندرية من الجهة الأخرى؛ لأن الجانب القومي منه لم يزل ms109 على حماسته الأولى، ~~بل أصبح بعد ذلك أشد وأقوى، إذ كان طغيان الدولة الرومانية - بعد تحولها إلى دين رعاياها ~~- قد تناول السيطرة على الروحانيات، بعد أن كان مقصورا على السياسة وشئون المعيشة ~~الدنيوية. # وعلى ضوء هذا الفارق أيضا ينبغي أن ننظر إلى نتائج المجامع الدينية التي انعقدت في صدر ~~المسيحية، فكل ما رجع منها إلى سلطان القسطنطينية أو رومة قوبل بالمقاومة في الإسكندرية ~~ومن يدينون بمذهب كنيستها، وكل مجمع ديني ملك فيه الأساقفة الإسكندريون حريتهم وشرحوا ~~فيه مذهبهم، لم يجد في مصر مقاومة بين جمهرة المصريين، ولم ينظر إليه المصريون نظرتهم ~~إلى السيطرة الأجنبية التي تفرض مشيئتها عليهم دينا ودنيا، ولا تدع لكنيستهم حقها من ~~الرعاية والكرامة. # وقد كان سلطان الرأي العام المصري مخيفا مرهوبا على مخالفيه والمارقين عليه، فكان ~~الأساقفة المصريون في مجمع خلقيدونية يرتعدون فرقا من العودة إلى بلادهم بغير ما فوضتهم ~~فيه، وكانوا يصرخون في وجوه الأعضاء الآخرين قائلين: اقتلونا هنا إن شئتم، ولا تردونا ~~إلى بلادنا بغير ما ترضاه! # ومن التهم التي وجهت إلى البابا أثناسيوس السكندري 296-373، نعرف مدى المكانة الدينية ~~والدنيوية التي بلغها رؤساء الكنيسة في مصر أمام مكانة الإمبراطور نفسه في القسطنطينية، ~~فإنه اتهم بمنع تصدير القمح وافتتاح كنيسة بغير إذن الإمبراطور! ونقل المؤرخ جبون من ~~أخباره أنه لم يكف عن مناضلة قسطنطين وقسطنطينيوس ويوليان وفالنس، وكان يوليان المرتد ~~يسميه بالمشاغب والبغيض، ويبادله التهم مبادلة الند بالند! وسأله قسطنطينيوس مرة: لم لا ~~تأذن بإقامة الكنيسة الآرية في الإسكندرية؟ فكان جوابه: إنني سآذن بها يوم تأذن بإقامة ~~كنيسة أرثوذكسية في أنطاكية! # وغني عن القول: أن المفكرين الدينيين الذين نشئوا في صدر المسيحية، كانوا يعرفون فلسفة ~~اليونان، وكان منهم من يحاول أن يوفق بين الدين وهذه الفلسفة، ومن يفهم قدم العالم وقدم ~~الإله المنزه عن المادة أو الهيولي على مذهب أرسطو تارة، وعلى مذهب المعرفيين أو مذهب ~~الأفلاطونية الحديثة تارة أخرى، وكان من هؤلاء المفكرين يونانيون ومصريون ينظرون إلى ~~المسائل من جانبها الفلسفي، ولا يجنحون ms110 بها إلى فريق الحاكمين أو المحكومين، وهذه الآراء ~~العقلية تنجم في كل عصر وفي كل أمة، وتتصل بالسياسة العامة أو لا تتصل بها على حسب ~~الظروف. # ولكن اللازمة التي لا فكاك منها تبرز على الأثر كلما اجتمعت الأسباب اللاهوتية والأسباب ~~القومية في جانب، وهذه القوة المتجمعة من غير الدين وحماسة القومية هي التي اعتصم بها ~~المصريون زمنا في وجه الدولة الرومانية، قبل إيمان هذه الدولة بالمسيحية، وبعد هذا ~~الإيمان. # وقد اضطهد المصريون قبل إيمان الدولة الرومانية بالمسيحية، وبعد إيمانها بها في أيام ~~قسطنطين، وكان من مضطهديهم قياصرة كالفيلسوف ماركوس أورليوس، وقياصرة لا يفقهون ولا ~~يفكرون مثل كاراكلا ودقلديانوس، ووقع الاضطهاد في عهد النقيضتين فوقاس وهرقل، ووقع من ~~العواهل المتدينين وغير المتدينين! ولم يكن هذا الاضطهاد الديني قط خلوا من شوائب ~~السياسة وعوامل الثورة القومية، فلما وجدت للمصريين كنيسة قائمة كانت هي الدين والدولة ~~في وقت واحد، أو كانت هي الزعامة التي لا تلتف بها الأمة وتثبت فيها كيانها ومشيئتها في ~~وجه القوة المفاجئة. # ولم يسع حكومة القسطنطينية إلا أن تعترف بهذه الحقيقة الواقعة، فأرادت أن تستفيد منها ~~لإرضاء الشعب المحكوم واتقاء التمرد من ولاة الرومان الطامحين، فكانت تفصل أحيانا بين ~~سلطان الإدارة وسلطان الجيش، وكانت تقسم معسكرات الدفاع بين مصر العليا ومصر السفلى، ~~وكانت تمنح بعض الزعماء المصريين حقوق الرعاية الدينية والرئاسة الحكومية؛ لأنها بمثابة ~~الاعتراف بالضرورة التي لا محيد عنها، وبالحيلة التي تصلح لتفريق القوى ومنعها أن تتجمع ~~في ناحية واحدة للتمرد عليها، وكانت تستعظم قوة البطرق الوطني أحيانا، فترسل إلى مصر ~~بطرقا على مذهبها يدير كنيسته إلى جانب الكنيسة الوطنية، ويتبعها المسيحيون من اليونان ~~والرومان غير الوطنيين، كما يتبعها بعض الوطنيين الذين يميلون إلى عقيدتها ورأيها، أو ~~يتزلفون للدولة الحاكمة طمعا في المناصب والحظوة النافعة. # وكان الوضع الديني في أوائل القرن السابع محدودا مقررا بين الكنائس الثلاث في المشرق ~~والمغرب والإسكندرية. # كان الأساقفة المصريون قد تمكنوا من بسط آرائهم في مجمع نيقية برئاسة البابا الإسكندر ~~وتلميذه الكبير أثناسيوس، ms111 فأقروا العقيدة المسيحية كما اتفق عليها الأساقفة الذين شهدوا ~~المجمع، وحرصوا على رعايتها في القطر المصري وفي بلاد القيروان وما حوله من المدن ~~الإفريقية، ثم نفس عليهم رؤساء القسطنطينية هذا النفوذ، وأرسلوا آريوس إلى الإسكندرية ~~بأمر الإمبراطور، فقاطعه الشعب المصري وأوصد في وجهه أبواب كنائسه، وفعل مثل ذلك مع ~~البطرق جريجوريوس الذي أقامه الإمبراطور مقام البطرق أثناسيوس المصري بالإسكندرية، فلم ~~يحضر صلواته ولم يعترف بوجوده وأهمله حتى مات في عزلة بين رعاياه! وكان أثناسيوس في هذه ~~الأثناء قد استعان بكنيسة رومة على كنيسة القسطنطينية فأعانته، وبرأته من التهم المنسوبة ~~إليه، فعاد إلى الإسكندرية وكاد يقتل فيها غيلة بدسيسة من الإمبراطور يوليان! # ثم انعقد مجمع خلقيدونية، ورجحت فيه كفة رومة والقسطنطينية، وأهملت فيه كنيسة ~~الإسكندرية أشد الإهمال، فوقع الانقسام بين الملكيين أي: التابعين لمذهب الإمبراطور وبين ~~المصريين التابعين لمذهب كنيستهم، وقيل عنهم يومئذ: إنهم «يعقوبيون»؛ لأنهم تلقوا من ~~يعقوب البرادعي - تلميذ البطرق المصري - تفصيل العقيدة التي يؤمن بها ويوصي باتباعها، ~~وكان هذا البطرق المصري «ديسقورس» قد حكم عليه بالنفي لمقاومته قرارات المجمع الخلقيدوني ~~على الرغم من تزكية الإمبراطور! # ولكن التفرقة الصحيحة بين المذهبين هي التفرقة بين القول بطبيعة واحدة للإله، وبين ~~القول بطبيعتين إحداهما إلهية والأخرى إنسانية. ولما استعصى على الدولة أن ترغم المصريين ~~على اتباع مذهبها، توسط بعض الرؤساء الدينيين في حسم الشقاق بترك الخلاف على الطبيعة ~~والطبيعتين، ووصف الإله بأنه ذو مشيئة واحدة، وقدروا أن القول بهذا المذهب يرضي ~~المصريين؛ لأنه يرادف القول بالطبيعة الواحدة، ولا يسخط أصحاب القول بالطبيعتين؛ لأنهم ~~يقولون: إن الطبيعتين تتفقان في المشيئة الإلهية. # غير أن هذا التوفيق لم يحسم الشقاق، ولم تكن له من نتيجة غير تجديد المناقشة في صورة ~~أخرى، وإثارة الخلاف على الفرق بين الطبيعة والمشيئة مما عاد بالمسألة كلها سيرتها ~~الأولى! # ووضح للإمبراطور الروماني أن هذا «العناد» من جانب المصريين - كما سماه - يخفي وراءه ~~شيئا غير مجرد الخلاف على العقائد اللاهوتية، والواقع أنه كان لاهوتيا قوميا بغير ~~مراء، وأن تهافت المصريين ms112 على الرهبانية نفسها لم يكن خلوا من الاحتجاج على المظالم ~~الرومانية، وقد عبر عنه أثناسيوس هذا التعبير حيث قال في كتابه «حياة القديس أنطون» # Vita Antoniou ~~: «إن رهبان الصحراء كانوا ينشدون ~~المزامير، ويحبون المطالعة، ويصومون ويصلون، ويفرحون بالرجاء في المصير، ويعملون على ~~إسداء الإحسان ويحب بعضهم بعضا ... حيث لا يقيم بينهم معتد ولا معتدى عليه، ولا يقترب ~~منهم جابي الضرائب، ولا يبصرون هنالك غير جمهرة من النساك على مقصد واحد، وهو التطلع إلى ~~الفضيلة.» # لقد كان هرقل مشغولا بحرب الفرس وقبائل البرابرة في أوائل أيامه على العرش، فلما انتصر ~~على الفرس وهادن القبائل حول عاصمته فرغ «للمعاندين المنشقين»، وغره النصر، فأمعن في ~~طغيانه وغلا في مطالب الطاعة من رعاياه، وخيل إليه أن استقرار الأمر له مرهون بتوحيد ~~المذاهب في المملكة، وأن هؤلاء المعاندين المنشقين يهددونه ويجترئون عليه، فانقسمت ~~الدولة عنده إلى «ملكيين» وخارجين على الملك، وتبادل الفريقان التهم العنيفة، فكانت كلمة ~~الوثني الخائن أيسر وصف لمن يخالفون الإمبراطور وشيعته، وكانت كلمة الخلقيدوني مرادفة ~~لوصف الكفر والغشم في نظر أبناء البلاد! ولم تكن المسألة يومئذ مسألة مذاهب وطوائف في ~~ديانة جامعة، بل كانت مسألة مسيحية أو لا مسيحية؛ لأن مهمة المجامع في القرون الأولى ~~إنما كانت تقرير العقيدة التي يدين بها المؤمن وينكرها غير المؤمن، ثم جاء الاضطهاد ~~فأوغر الصدور، وخرج به الفريقان من الخلاف إلى العداء، وآمن كل متدين مخلص في عقيدته أن ~~مخالفيه قد استحقوا الغضب والنقمة من الله! # ولم ينحصر النزاع بين الملكيين وجملة المصريين، بل ظهرت معه الخلافات بين الآريين ~~والنسطوريين والأوطاخيين والشيوبسقيين أتباع بطرس القصار، وغيرهم من أصحاب النحل ~~المتقاربة أو المتباعدة في تفسير اللاهوت والناسوت، وغلب الضجر على الكثيرين فاعتزلوا ~~المذاهب، وساورتهم الشكوك، وانهارت الأخلاق، وساءت القدوة بعلية الناس ورؤسائهم، فمن لم ~~يكن ناقما متوقعا للغضب السماوي فهو متهاون غير حافل بما تصير إليه الأمور. # وقد صور لنا أبناء ذلك العصر شعورهم في أقوالهم وأخبارهم فاتفقوا على شعور واحد مع ~~اختلافهم في كل ما عداه، ms113 وذلك هو شعورهم بالغضب الإلهي وانتظار الجزاء العادل من ~~الله. # فلما تقدم المسلمون لحرب الدولة الرومانية، شاع في المشرق كله أن هزيمتها حق، وأن غلبة ~~المسلمين عليها عدل، وأن القضاء الإلهي ينفذ في مستحقيه بما قدمت أيديهم من ظلم ~~ومعصية. # وربما نفر الخاضعون للدولة الرومانية من هذا القضاء الذي حل بها، لو أنه أصابهم كما ~~أصابهم، وعرضهم للشر الذي كانوا يأمنونه في ظلها، ولكنهم وجدوا الفاتحين يؤمنونهم من حيث ~~خافوا، ويبيحون لهم ما لم يكن مباحا لهم في أيام الدولة الدائلة، فمن التصدي لعدل الله ~~في قضائه أن ينصروها لتخذلهم وأن يدافعوا عنها ليدفعوا عنها غضب الله. # كانت مدينة غزة أول المدن الكبرى التي استولى عليها العرب من أرض فلسطين، وقالت مجلة ~~المشرق اليسوعية في سنتها الثانية: «إنه كان يسكن وقتئذ في جنوب غزة قوم من قبائل العرب ~~المتنصرين، وكان قد أصابهم من قبل ولاة الروم عسف وجور في المعاملات فالتجئوا إلى عساكر ~~المسلمين، ودعوهم إلى فلسطين، فلبوا دعوتهم وزحفوا على غزة في اليوم الرابع من شهر شباط ~~لعام 634، وظفروا بجيش الروم وفتحوا المدينة ... وبعد أيام قليلة أتموا فتح بقية مدن ~~فلسطين.» # قال ماير # Meyer # في تاريخ مدينة غزة: إن سكانها ~~المسيحيين خرجوا مع جيش الروم عندما حاصرها العرب، إلا أنهم عادوا إليها بعد اطمئنانهم ~~إلى الفاتحين، ودخل فريق كبير منهم في الإسلام، وذهب المتكلمون عنهم إلى عمرو بن العاص ~~يطلبون منه قسمة الكنائس بينهم، فقسمها بينهم على حسب عددهم، وأعطى الكنيسة الكبرى ~~لأصحاب العدد الأكبر وهم المسلمون، وأمر بإبقاء الكنيسة الأخرى لمن بقي على دينه من ~~المسيحيين. # وكانت غزة على أبواب مصر تسري أنباؤها إلى الديار المصرية بين ليلة ونهار، وكان فيها ~~وفيما حولها طائفة من الجنود المصريين والمتمصرين الذين استنجد بهم هرقل وقائده بميادين ~~فلسطين، وكانت أنباء العهود التي اتفق عليها المسلمون ونصارى العراق والشام تتوالى على ~~كل جانب من جوانب الدولة الرومانية، فلم يكن في كل أولئك ما يدعو أبناء البلاد إلى ~~مؤازرة الدولة الرومانية ودفع الهزيمة ms114 عنها ولم يكن لانتصار العرب وانهزام الدولتين - ~~دولة الأكاسرة ودولة القياصرة - غير تفسير واحد، وهو قضاء الله وعدل الله. # ولفهم التاريخ كما حدث ينبغي أن ننظر إليه بأعين المعاصرين، وأن نشعر بحوادثه كما كانوا ~~يشعرون بها، وأن ندخل في حسابنا ما دخل في حسابهم من التقديرات والمعايير، وأن نعرض ~~العداوات والصداقات على المحك الذي عرضوها عليه، ومنها ما خطر لهم وهو لا يخطر لنا الآن، ~~ومنها ما نستخف به ولم يكن خفيفا قط في موازينهم للحوادث والأمور. # إن العرب أبناء إسماعيل وهاجر ... يعلم ذلك كل من قرأ التوراة واطلع على أصول الديانة ~~المسيحية، ويعلمونه في ذلك العصر خاصة؛ لأنه كان عصر العداوة القومية بين الرومان ~~الأجانب وشعوب الشرق على الإجمال، وقد كانت وحدة الديانة خليقة أن تنسي الشعوب المحكومة ~~فوارق الوطن واللغة، ولكنها وحدة لم تنتظم قط بين الحاكمين والمحكومين، ولم يكن فيها ما ~~يجمع المختلفين، بل كان فيها على الدوام ما يفرق المجتمعين، ويمشي بينهم بالعداوة ~~والبغضاء! # فالعرب أبناء إسماعيل وهاجر أقرب من الروم إلى أبناء مصر بالنسب الذي تحفظه الكتب ~~الدينية، وقرابة الأمومة والسلالة، ومثل هذه القرابة لم تكن من المهملات في ذلك العصر ~~ولا في العصور التي لحقت به إلى عهد غير بعيد من عصرنا الحاضر، وقد رأينا أنها كانت حجة ~~الفرس في الزحف على بلاد الدولة الرومانية؛ لأن زوجة كسرى كانت من بنات الروم. # ومن مقدمات الفتح الإسلامي تبادل الرسائل بين النبي - عليه السلام - والمقوقس، أو عظيم ~~القبط كما سمي في تلك الرسائل، وقد حفلت بأخبارها كتب السيرة النبوية وكتب التاريخ عن ~~الفتح وما بعده، نستخلص منها ما لا بد من العلم به وبأمثاله في بيان الحالة الدينية بمصر ~~كما واجهها الفاتحون وأهل البلاد. # قال حاطب بن أبي بلتعة، حامل رسالة النبي إلى المقوقس، إنني قلت له: «كان قبلك رجل - ~~يعني فرعون - زعم أنه الرب الأعلى، فانتقم الله به ثم انتقم منه! فاعتبر بغيرك ولا تعتبر ~~بك! وإن لك دينا لن تدعه إلا لما هو خير ms115 منه، وهو الإسلام الكافي الله به فقد ما سواه، ~~وما بشارة موسى بعيسى إلا كبشارة عيسى بمحمد، وما دعاؤنا إياك إلى القرآن إلا كدعائك أهل ~~التوراة إلى الإنجيل، ولسنا ننهاك عن دين المسيح، ولكننا نأمرك به.» # قال حاطب: ثم تناول المقوقس كتاب النبي فقرأ فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد ~~رسول الله إلى المقوقس عظيم القبط، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بداعية ~~الإسلام، فأسلم تسلم وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين. # يا أهل ~~الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا ~~نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا ~~بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا ~~بأنا مسلمون ~~[آل عمران: 64]. # ثم قال المقوقس كلاما عن صفات النبوة، منها: «أنه يركب الحمار ويلبس الشملة، ويجتزئ ~~بالثمرات والكسر، ولا يبالي من لاقى من عم ولا ابن عم.» وأنه كان يظن أن مخرجه من الشام، ~~فمن هناك كانت تخرج الأنبياء، وكتب الجواب فجعل عنوانه «لمحمد بن عبد الله من المقوقس ~~عظيم القبط». # وورد في بعض الأخبار أن المقوقس أراد أن يمتحن دعوى النبوة بالهدية، فأرسل هدية معها ~~صدقة؛ لأن الأنبياء تقبل الهدايا ولا تقبل الصدقات، وجعل الهدية جاريتين أختين ليرى هل ~~يجمع بينهما أو يتورع عن الجمع بين الأختين، فكان أن أهدى النبي إحدى الجاريتين وبنى ~~بالأخرى، وأنه وزع الصدقة على الفقراء. # ومثل هذه الأخبار يوجبها فهم التاريخ كما حدث أو كما ينبغي أن يحدث، ولا ترفضها إلا ~~الحذلقة التي تداخل المؤرخ العصري، فيحسب أن المقوقس يعيش في هذا القرن العشرين، ويتلقى ~~دعوة النبوة كما يتلقاها أبناؤه، فلا ينظر في امتحانها بما كانت تمتحن به النبوات في ~~القرون الأولى للميلاد، وإنما الخليق بالتحقيق التاريخي أن يوقن المؤرخ من حصول شيء ~~كالذي نقله رواة السير والأخبار عن تصرف حاطب بن أبي بلتعة، وتصرف المقوقس في جوابه ~~وهديته، فما كان المقوقس ليتلقى رسالة النبي أو ليجيب عنها إلا على ذلك النحو، مما يحاول ~~المؤرخ أن يتخيل غيره ms116 فلا يستطيع! # أما المسلمون فقد جاءوا مصر ومنهم من سمع أحاديث النبي - عليه السلام - في التوصية بها، ~~ومنها: «وإنكم ستفتحون مصر، وهي أرض يسمى فيها القيراط، فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى ~~أهلها، فإن لهم ذمة ورحما، أو قال: ذمة وصهرا.» # ومن الأحاديث النبوية عن مصر أنه - عليه السلام - قال: «إذا فتح الله عليكم مصر فاتخذوا ~~فيها جندا كثيفا، فذلك الجند خير أجناد الأرض.» قال أبو بكر - رضي الله عنه: ولم ذلك ~~يا رسول الله؟ فقال: «لأنهم وأزواجهم في رباط إلى يوم القيامة.» وقال: «ما كادهم أحد إلا ~~كفاهم الله مئونته.» # ومن لم يكن من الجند الفاتح قد سمع الأحاديث النبوية، كان قد سمع آيات من القرآن ~~الكريم، وفيها من لعنة فرعون: # إن فرعون علا في الأرض ~~وجعل أهلها شيعا ~~[القصص: 3]، وفيها من لعنته: # إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض ~~[القصص: 19] وفيها: # ونريد أن نمن على الذين ~~استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم ~~الوارثين * ونمكن لهم في الأرض ونري ~~فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون ~~[القصص: 5-6]. # وعلى ألسنتهم جميعا حكاية عن قوم يوسف: # ادخلوا مصر إن ~~شاء الله آمنين ~~[يوسف: 99]، وقوله تعالى: # كم ~~تركوا من جنات وعيون * وزروع ومقام كريم ~~* ونعمة كانوا فيها فاكهين * ~~كذلك وأورثناها قوما آخرين ~~[الدخان: 25-28]. # وكل هذه الوصايا القرآنية والنبوية في أذهان الفاتحين تجنح بهم إلى المسالمة والمؤامنة ~~في معاملة أهلها، وتضع الروم عندهم في موضع فرعون الذي تجبر وفرق رعيته شيعا، ووجب أن ~~يتركوا الأرض لمستضعفيها، وأن يورثها الله قوما آخرين. # وتوافق هذه المسألة خطة مثلها من أبناء البلاد توحيها إليهم أحوال كثيرة كانوا ~~يكابدونها على الأحقاب المتوالية، وأهمها الحالة الدينية كما صارت أيام الفتح الإسلامي ~~خاصة، وهي تلك الحالة التي أزعجت البطرق عن كرسيه، وألجأت زعيم القوم إلى مذهب في ~~العقيدة غير مذهبه، فلم تعد الطمأنينة إلى المتعبدين لأول مرة في ثلاثة قرون إلا بإعلان ~~الأمان لكل متعبد ورعاية لكل معبد. # ولا خلاف بين المؤرخين في منهج الدعوة الدينية في سنوات ms117 الفتح الأولى إلى أواسط أيام ~~الدولة العباسية، فلم يقع إكراه على أحد، بل وقع ما يناقض الإكراه في رواية الكثيرين من ~~مؤرخي العربية ومؤرخي اللغات الأجنبية، فقد أدهشهم إحجام الفاتحين عن إكراه أبناء البلاد ~~على الدخول في ملتهم، حتى التمسوا تأويل ذلك بأنهم كانوا يشفقون من نقص الجزية وإقفار ~~خزانة الحكومة وانقطاع أرزاق الجند والعمال، وهو تأويل مخطئ كما سنرى في باب الأحوال ~~الإدارية وتقسيم الأموال بين الجزية والخراج والزكاة، ولكنه مهما يكن من خطئه صحيح في ~~الإبانة عن الواقع في مسألة الدعوة الدينية، فإذا بلغ من إحجام الحاكمين عن إكراه الرعية ~~على التدين بدينهم أن يعلل المؤرخون ذلك بنفورهم من فقدان الجزية، فقد صح على الأقل أنهم ~~أحجموا عن الإكراه ولم يقسروا أحدا على الخروج من دينه. # غير أن الحالة الدينية كما وصفناها، تفسر الواقع كما تستدعيه تلك الحالة، وكما ورد في ~~التواريخ القبطية كتاريخ يوحنا النخيوي المشهور، فهو يقول: إن المسيحيين الملكيين أسرعوا ~~إلى الدخول في الإسلام؛ لأنهم كرهوا أن يثوبوا في أحكامهم ومعاملات زواجهم وطلاقهم إلى ~~الكنيسة التي يعادونها وتعاديهم، ويشبه الطائفة الملكية أناس في حكمها كالطائفة ~~النسطورية والآرية، ومن يقول بالمشيئة الواحدة ولا يقول بالطبيعة الواحدة، كما يقول ~~القبط، ولا بالطبيعتين على النحو الذي يدين به الملكيون. # وقد حدث في هذه الفترة وما قبلها بقليل أن الطائفة المارونية هجرت أرضها جملة واحدة، ~~وانتقلت إلى جبال لبنان كراهة الخضوع لليعقوبيين، ولعلها لو اضطرت إلى البقاء حيث كانت ~~لدانت بالإسلام ولم تذعن لمن حاربتهم وحاربوها في المعتقدات والأحكام عشرات ~~السنين. # فالذين أسلموا بعد الفتح إنما أسلموا طوعا غير مكرهين على ترك مذهب ولا نحلة، وهم ~~على رواية يوحنا النخيوي طائفة الملكيين الخلقيدونيين ومن يشبهها من الطوائف التي لا ~~تقول بالطبيعة الواحدة! ويضاف إليهم أناس من الذين فهموا من انتصار المسلمين على الفرس ~~والروم أنه آية إلهية وبرهان من السماء على صحة الدين وسلامة الدعوة، ويضاف إليهم أناس ~~ممن هان عليهم أمر التدين في محنة الشقاق ومحنة الأخلاق، فلم ms118 يبالوا على أي دين أصبحوا ~~بعد الشك والريبة، ثم فضلوا الدين الذي يعتقده ولاة الأمر وحكام البلاد! ولا تفسير ~~للحالة الدينية أيام الفتح أصح من هذا التفسير. # الفصل الثامن # | الحالة الإدارية والسياسية # عرفت مصر التقسيمات الإدارية من أيام الأسر الأولى، وعد سترابون ستة وثلاثين من هذه ~~الأقسام التي نسميها اليوم بالمديرية أو المحافظة، وعرفها اليونان باسم النوم # Nom ~~، وزادت بعد عصر سترابون حتى أربت على ~~الأربعين. # ويقال: إنها كانت في مبدأ الأمر مواطن للعشائر أو القبائل المختلفة التي تسكن الوادي ~~وما يقابله من جانبي الصحراء، وكانت كل عشيرة منها مستقلة برئيسها وعبادتها المحلية، على ~~حسب الطواطم التي تدين بها، ومن هنا غلبة العبادة في كل إقليم لطوطم من الطواطم ~~الحيوانية، فمنها إقليم الصقر، وإقليم التمساح، وإقليم ابن آوى، وإقليم الهر، وإقليم ~~الحمل، وغيرها من هذه المعبودات الطوطمية؛ ولهذا كبرت بعض الأقاليم أو صغرت لأسباب لا ~~ترجع إلى الوضع الجغرافي أو المصالح الاقتصادية، وتعذر تغييرها، والتصرف في حدودها قبل ~~اتخاذ البلاد جميعا في عبادة قومية عامة. # وإلى جانب هذه التقسيمات كانت هناك أقسام أكبر من هذه الأقسام، نلاحظ في تخطيطها ~~الدواعي العسكرية والسياسية، أو دواعي الدفاع واجتناب النزاع بين أصحاب الحقوق المشتركة ~~في الإمارة. # وأقدم هذه الأقسام قسمان: مصر العليا ومصر السفلى، ثم زيدت عليها مصر الوسطى، وتفرعت ~~مصر السفلى إلى فرعين: أحدهما إلى شرق الدلتا والآخر إلى غربها، ووجد في بعض العصور قسم ~~آخر، يضم إليه الواحات وطرفا من الأرض الليبية، ويتصل بالفيوم والإسكندرية حيث يشرف ~~عليه الوالي الأكبر، لما له من الخطر في الدفاع عن حدود مصر الغربية. # هذه التقسيمات جميعا تحللت وكادت تندثر أو تختلط بينها التبعات في عهد الإمبراطورية ~~الرومانية الشرقية. # ففي عهد الإمبراطورية بطلت الحاجة إلى الدفاع شرقا وغربا؛ لأن مصر كانت محاطة من ~~الجهتين بأملاك الإمبراطورية في فلسطين وفي ليبيا وإفريقية الشمالية ... وبطلت الحاجة إلى ~~الدفاع جنوبا؛ لأن نجاشي الحبشة كان على عهد مع عاهل القسطنطينية أن يتعاونا على حرب ~~فارس وإخراجها من اليمن التي ms119 كانت تهم الحبشة وتخشى الخطر من جانبها فلم تبق من حاجة إلى ~~الدفاع في غير الإسكندرية، ولم يكن دفاع البر هو المقصود بالحامية التي تعسكر فيها، ~~ولكنه كان دفاعا بحريا تعززه الحاجة إلى الأسطول لنقل المحصولات والغلات من القطر ~~المصري إلى بلاد الدولة المترامية الأطراف على سواحل بحر الروم. # وجاوز الأمر إهمال الدفاع إلى تعجيز الحاميات، وإغراء بعضها ببعض خوفا من اتفاقها على ~~الدولة، وإجماع قادتها على رفض المطالب التي تتوالى على القطر من القسطنطينية. # فاختلت أحوال الأمن في داخل البلاد، ولجأ بعض السراة من أصحاب الضياع الكبيرة إلى اتخاذ ~~الجند من أتباعهم وزراعهم وحواشيهم، فلم يمض غير قليل حتى نجم الخطر من هذه الفرقة التي ~~لا تدين بالطاعة لقائد واحد، فعاثت في الأرض، وخيف منها على الوادعين المسالمين، وأصبحت ~~شرا عليهم من عصابات اللصوص وقطاع الطريق! وفي تاريخ يوحنا النخيوي وقائع شتى من عبث ~~هذه الفرق، تدل على ما كان من اضطراب الأمن وفزع الأهلين وعجز الحكومة العامة في الأيام ~~الأخيرة قبل الغزوة العربية. # وآل الغرض كله من التقسيمات الإدارية إلى جمع الضرائب والأزواد المقررة للدولة في كل ~~سنة زراعية. # ولم يكن لهذه الضرائب نظام واحد ولا مقدار معروف لا يتغير مع السنين، ويظهر هذه ~~الاختلاط في سياسة الضرائب من تضارب الأقوال بين المؤرخين الذين جمعوا كل ما أتيح لهم ~~جمعه من الوثائق والسجلات وأوراق البردي ورسائل العواهل والولاة، فاختلفوا في ضريبة ~~الأرض وضريبة الرءوس، وذهب بعضهم إلى نفي الخبر المتواتر عن وجود ضريبة الرءوس في مصر ~~على عهد الدولة الرومانية الشرقية؛ لأنهم لم يجدوا لها موضعا بين أنواع الضرائب على ~~الأطيان، ثم اتفق بعضهم على أن ضريبة الأطيان هي ضريبة الرءوس التي أصبحت أساسا لتحصيل ~~الجزية بعد فتح العرب؛ لأنهم كانوا يلاحظون في مقدار ضريبة الأرض كفاية الزارع الواحد ~~طول العام، فتحسب الغلات بحساب الرءوس، ولا يختلف التقدير بين ضريبة الوحدة الأرضية # Jugum # وضريبة الرأس على فرد من أفراد الفلاحين # Caput ~~، فلم يكن خراج الأرض # Jugatio # وضريبة الرءوس ms120 # Capitatio # صورتين مختلفتين لضريبة واحدة. # 1 # واستوجب هذا النظام أن يعتبر الفلاح أسيرا على الأرض التي يزرعها، ويعامل معاملة ~~الهارب بحق الدولة إذا فارق قريته ولاذ بقرية أخرى، وحل الزارع المحلي # Colonus # محل العبد الرقيق بعد تعذر الاعتماد على ~~هذا النظام في الزراعة. # وعلى هذا لم يكن مقدار الخراج محدودا في كل سنة، بل كان تحديده على حسب المحصول ~~المنظور في أيام الفيضان، فيصدر البيان السنوي من الوالي الروماني خلال شهر يوليو أو أغسطس، # 2 # ويبلغ إلى الأقاليم في سبتمبر أو أكتوبر، ويتولى كل إقليم توزيع المقدار ~~المطلوب منه على القرى والبلاد، كما يروق صاحب الكلمة العليا في الإقليم. وأصحاب الكلمة ~~العليا مختلفون بين حكام رومانيين، أو أصحاب ضياع من الأجانب والوطنيين، وبين مجالس ~~بلدية أو إقليمية، ومستأجرين يتولون زرع الأرض في مساحات واسعة، ثم يتولون محاسبة ~~المجالس أو أصحاب الضياع. # والمطلوب من الأرض كذلك يختلف على حسب الجودة والصنف المزروع، فمن الأرض ما يسهل ريه ~~بماء النيل، ومنها ما يصل إليه ماء النيل ولكنه يغمره أياما في السنة فلا يصلح للزراعة ~~في غير موسم قصير، ومنها ما يحتاج إلى الآلات لريه ولا يأتي بالغلة الكافية إلا مع كثرة ~~الأيدي العاملة فيه. # والدولة لا يعنيها إلا أن تجمع المقدار المقرر في حسابها، والموظفون لا يعنيهم إلا ~~إرضاء الدولة، وليس للتقصير في أداء مطالبها غير نتيجة من نتيجتين، كلتاهما مكروهة ~~ومحذورة: فإما العزل وإما العمل بغير مرتب؛ لأن المرتبات محسوبة من حصة الضرائب التي ~~تبقى في مصر بعد استيفاء مطالب الدولة جميعا من المال والمحاصيل. # وربما تسابق الملاك الكبار ورؤساء المجالس المحلية والإقليمية في معاملة الدولة في ~~تحصيل الضرائب؛ طلبا للكسب والنفوذ من وراء هذه المعاملة! # فقد كان النظام المتبع مع كبار الملاك أن يؤدوا ضرائبهم إلى خزانة الدولة مباشرة، بغير ~~واسطة الجباة ورؤساء المجالس، وكان هذا النظام يرضي الدولة؛ لأنه يغنيها عن استخدام ~~الموظفين والمحصلين، ويرضي المالك الكبير؛ لأنه يكسبه الجاه في الدواوين، ويمكنه من ~~تسخير العمال المستأجرين، فلا يبرحون ms121 أرضه أو يستعين عليهم بسلطان الحكومة ويستبقيهم ~~عنده مكرهين، وكان من حقه بهذه المثابة أن يطارد المماطلين؛ لأنهم يماطلون الدولة كما ~~يماطلونه، وأن يستزيد من الأرض المزروعة لحسابه ما استطاع؛ لأنه يزيد بذلك في نصيب ~~الخزانة العامة ويعطي الدولة حقها جملة واحدة في موعد معلوم! # وهناك غاية سياسية وراء هذه «الإجراءات الإدارية» ترمي إليها الدولة البيزنطية في ~~عاصمتها الكبرى، وهي إثارة الشحناء بين سراة البلاد وأصحاب المناصب الكبرى، فتضرب بعضهم ~~ببعض، وتأمنهم جميعا على سلطانها، وقد تأمن أن يغتالها أحدهم في نصيبها من الضرائب ~~حذرا من وشاية الخصوم والنظراء. # ويغلب على اعتقادنا أن سلطان المقوقس في مصر إنما كان من عمله على هذا النحو في تدبير ~~أمر الخراج، فلم يكن واليا مفوضا في أمر الخراج كما خطر لبعض المؤرخين، ولكنه كان ~~مالكا كبيرا من أبناء البلاد، فكان يتكفل للدولة بحصته وحصة عملائه وأتباعه، وكانت ~~الدولة الرومانية تعترف بوجاهته وتستفيد منها، كما كانت الدولة البريطانية تصنع في الهند ~~مع الراجات وأمراء الولايات. # ولكن الطمأنينة شيء وتنازع الوجهاء على السيطرة شيء آخر، فهذا التنازع صراع دائم لا ~~طمأنينة فيه لأحد من كبار الملاك ولا من كبار العمال والولاة، وإذا كان مداره على ~~التزايد في إعطاء الدولة وابتزاز المال من المحتاجين إليه، فهو قلق دائم لصاحب الأرض ~~وزارعها والمأجور عليها، ومن تقوم سيادته على التنكيل بنظرائه، والعدوان على من هم دونه ~~من الصغار والمستضعفين. # ولم تكن ضريبة الأرض أو ضريبة الرءوس كل ما تطلبه الدولة من رعاياها المصريين، بل كانت ~~هناك ضرائب كثيرة على المقتنيات جميعا بين ثابتة ومتنقلة، وقد أحصى منها ميلن # Milne # في تاريخه لمصر في ظل الحكم الروماني أنواعا شتى، ~~كضريبة الإصلاح والترميم التي تجبى لإقامة الجسور وتسليك الجداول وتنظيف الأحواض، وضريبة ~~البيوت والمساكن الخاصة والعامة، وضريبة الحيوانات كالخيل والجمال والحمير، وضريبة ~~الصناعات والمتاجر، وضريبة عامة تسمى ضريبة إنتاج ... وكلها على اختلاط حسابها وحساب وحساب ~~مواعيدها والمراجع التي تتولى تقديرها وتحصيلها كانت مصدرا دائما للشكاية والقلق ~~والنزاع بين الشعب والموظفين، ms122 وبين الإدارة المحلية والإدارة العامة وبين خزانة مصر ~~وخزانة الدولة الرومانية. # واقترنت هذه الحالة في القرن السادس بتدهور العملة الرومانية، واختفاء العملة جملة من ~~الاسواق المصرية! وقد فسر المؤرخ ميلن هذه الأزمة بالخوف من تقلبات التجارة، واكتفاء ~~أصحاب الزراعات بلوازمهم من غلات أرضهم ومما يحصلون عليه مقايضة ومبادلة على تلك الغلات، ~~وقد يكون بعضها راجعا إلى عادة الكنز والادخار، تهريبا للمال من أعين الحكومة، وحيطة ~~للمستقبل المجهول. # وبين هذه الأزمات والشكايات يسمع القوم عن نظام الفاتحين في البلاد المجاورة، ويعلمون ~~أنه يقصر الضرائب على ضريبة الرءوس للذميين، وضريبة العشر للمسلمين، ولم يكن هناك خراج ~~يتقاضاه الفاتحون من الفريقين مستقلا عن الضريبتين؛ لأن نظام الخراج إنما استعير من ~~الدولة الفارسية، وصحفت الكلمة من كلمة «خلاج أو خارج» الآرامية التي دخلت في تعبيرات ~~الفرس؛ لأنهم كانوا يستعيرون الكتابة بالحروف الآرامية، فلما شرعت الدواوين الإسلامية في ~~تطبيق نظام الخراج والتوفيق بينه وبين ضريبة الذميين وبين عشور الزكاة، كان قد مضى وقت ~~غير قصير على أوائل أيام الفتوح. # وكان الأمل في الخلاص من شبكة الضرائب الرومانية سببا آخر من أسباب الرغبة في الخلاص ~~من حكمها كله، بما اشتمل عليه من ضروب الإرهاق والسيطرة الجائرة على الأرواح ~~والأموال. # وقد خلق المؤرخون كعادتهم مشكلة متشعبة من الأقاويل والتقديرات حول نظام الضرائب في ~~العصر الإسلامي الأول، وتساءلوا هل كانت ضرائب رءوس؟ هل كانت غنائم فيء؟ هل كانت خراجا ~~على الأرض؟ هل كان تحصيلها على طريقة الدواوين الرومانية أو على طريقة جديدة لم تكن ~~معروفة في تلك الدواوين؟ # وإنما يخلق المؤرخون مشكلاتهم لأنفسهم؛ لأنهم يطلبون النصوص والأوراق دائما، ولا ~~يطالبون أنفسهم بتقدير الموقف كما ينبغي أن يكون، ثم يستعينون عليه بنصوصهم وأوراقهم على ~~هذا التقدير! # وينبغي أن يقدر المؤرخون شيئا واحدا لا شك فيه، وهو أن انتقال نظام الضرائب بين ليلة ~~ونهار من الحساب الروماني إلى الحساب الإسلامي هو المستحيل؛ لأن إشراف القائمين على ~~الدواوين التي يجري فيها الحساب باللغة اليونانية غير ميسور، وقد يتعسر إشرافهم عليها ~~بأية ms123 لغة من اللغات في سنوات الانتقال من نظام إلى نظام. # كذلك ينبغي أن يقدر المؤرخون أن معاملة القطر كقطعة واحدة من الأرض شيء لم يخطر على بال ~~أحد في ذلك الزمان! # فالمؤرخون الأقدمون كانوا يذكرون مصر في كتبهم، فيتكلمون عن مصر وإسكندرية، ومصر وطيبة، ~~ومصر والفيوم، ومصر والمدن الخمس، ويفرقون بينها في أحكام الولايات والأبرشيات من الوجهة ~~الإدارية والوجهة الدينية. # ولما تم الفتح كانت معاملة الأقاليم مختلفة على حسب الولاة والملاك، وعلى حسب المقاومة ~~والصلح، وعلى حسب الجنود والقادة الذين أخذوها عنوة، أو أخذوها بعد حصار أو أخذوها ~~بغير مقاومة. # فهناك أقاليم كان الملاك فيها من الرومان فهجروها، وأصبحت من غنائم الدولة التي تستولي ~~عليها وتتولى تقسيمها وتوزيعها. # وهناك أقاليم يكثر فيها الملاك الوطنيون، وهذه داخلة في ضريبة الجزية، وأقاليم حاربت ~~وأقاليم لم تحارب ولم تعقد صلحا؛ لأنها كانت متروكة بغير زعامة وبغير رئاسة تنوب عنها ~~في المعاهدة والمصالحة. # أما اختلاف المعاملة بالنظر إلى الجيش الفاتح فمرجعه إلى الفرق بين الغنيمة والفيء في ~~أرزاق الجنود. # فالغنائم التي تؤخذ حربا تعزل منها حصة لبيت المال، وتقسم منها حصة على ~~المقاتلين. # والغنائم التي يأخذها الفاتحون بغير حرب هي الفيء الذي يئول الأمر فيه إلى تصرف الإمام ~~ولا يصح تقسيمه بين المقاتلين. # فلما حصل الفتح جاء الاختلاف من قبل التمييز بين المحارب والمسالم، وبين حقوق الغنيمة ~~وحقوق الفيء، ولكن لا اختلاف على الإطلاق في نظام الضرائب كيف يكون في محاسبة الذميين ~~ومحاسبة الجنود. ~~••• # وقد يختلف في الأرض الخراجية وغير الخراجية، ولكن الأمر الذي لم يقع عليه خلاف قط هو ~~ضريبة العشر على المسلم؛ لأنها هي فريضة الزكاة التي تلزمه باستحقاقها ولا خلاف عليها. ~~والتنبيه إلى ذلك واجب لتصحيح أقوال المؤرخين الذين وهموا أن أناسا من أبناء مصر دخلوا ~~الإسلام فرارا من ضريبة الجزية، فإن نظام الضرائب الجديدة كان يوجب على كل ذمي عامل ~~دينارين في السنة، ولا ضريبة على النساء ولا على الأطفال ولا على الشيوخ العجزة «ولا ~~يزاد أحد منهم في جزية ms124 رأسه أكثر من دينارين، إلا أنه يلزم بقدر ما يتوسع فيه من الأرض ~~والزرع، إلا أهل الإسكندرية فإنهم كانوا يؤدون الخراج والجزية على قدر ما يرى من وليهم»؛ ~~لأن سكانها من الروم، ومن والاهم لم يدخلوا في اتفاق، وعادوا إلى القتال بأمر الدولة ~~الرومانية مرتين. # والحكم في تحصيل الجزية كما أثبته الفقهاء: «ألا يضرب أحد من أهل الذمة في استيدائهم ~~الجزية، ولا يقدموا في الشمس ولا غيرها، ولا يجعل عليهم في أبدانهم شيء من المكاره، ولكن ~~يرفق بهم ويحبسون حتى يؤدوا ما عليهم، ولا يخرجون من الحبس حتى تستوفى بهم ~~الجزية.» # فإذا أسلم الذمي فرارا من الجزية فالإسلام لا يعفيه من الزكاة، ولا من خراج الأرض بحسب ~~ما يلزم لإصلاحها وريها، ويوجب عليه «التجنيد» الذي يعفى منه الذميون، وليس في هذا تخفيف ~~ولا إعفاء من وجهة التكاليف التي تناط بالأنفس أو الأموال. # وليس من غرض هذه الرسالة بسط القول في النظم الإدارية والمالية إلا من جانب واحد، وهو ~~الجانب الذي له علاقة بمهمة الفتح وعمل عمرو فيه، فإذا نظرنا إلى نظام الضرائب ونظام ~~الإدارة عامة في عهد الرومان، والتمسنا آثارها في فتح العرب مصر، كان أوضح هذه الآثار ~~أنها يسرت مهمة الفتح تيسيرا عظيما، فاستطاع عمرو ببضعة آلاف من الجند ما لم يكن ~~مستطيعه بأضعاف هذا العدد، إذ كانت هزيمة الروم نكبة على الروم نكبة على الروم، وكان ~~انتصارهم نكبة يحذرها أبناء البلاد وإيذانا بظلم فوق ظلم؛ لأنه ظلم المنتصر الذي استقر ~~له الأمر في بلد مغلوب يحس من أهله العداء والمناقضة في أمر العقيدة وأمر السياسة. وقد ~~وصف ساويرس بن المقفع فرح الجماهير بلقاء رئيسهم بنيامين بعد اختفائه في منفاه، فقال: ~~إنهم كانوا أشبه شيء بصغار النعم خلي بينها وبين ألبان أمهاتها، وقال البطرق نفسه في ~~جوابه لأسقف نيخو الذي هنأه بزوال عهد الروم: «إنني وجدت في الإسكندرية ما كنت أوده من ~~الطمأنينة بعد ما قاسيناه من الكفرة الظالمين!» # أما السياسة التي اتبعها عمرو في تحصيل الضرائب، فكانت في ms125 جانب المصلحة المصرية كلما ~~اختلفت الآراء بين خطتين، فلما أشار عليه زعماء الجند بقسمة الأرض والمال أبى ذلك عليهم، ~~وراجع الخليفة عمر بن الخطاب في ذلك فأقره على رأيه، ثم اقتصد في تحصيل الضرائب حتى ~~ارتاب الخليفة في الأمر، وحاسبه علىه حسابا عسيرا كعادته في محاسبة العمال؛ إبراء ~~لذمته من العبث ببيت المال، وفي الكتب التي دارت بين الخليفة وعمرو في هذا الصدد بيان عن ~~سياسة عمرو، وبيان أوضح من ذلك عن خلقه وقوة شكيمته مع خليفة لم يجترئ عليه أحد من عماله ~~مثل اجترائه، فلما كتب إليه الخليفة «يعجب من أن الأرض لا تؤدي نصف ما كانت تؤديه»، ~~ويعرض له ببعض الشبهات، أجابه مغضبا فقال: «إننا عملنا لرسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، ولمن بعده، ~~فكنا بحمد الله مؤدين لأمانتنا، حافظين لما عظم الله من حق أئمتنا ... وإن الله قد نزهني ~~عن تلك الطعم الدنيئة والرغبة فيها بعد كتابك الذي لم تستبق فيه عرضا ولم تكرم فيه ~~أخا ...» # إلى أن قال - وهو أشد ما ووجه به خليفة وما ووجه به ابن الخطاب خاصة: «والله يا ابن ~~الخطاب لأنا حين يراد ذلك مني أشد غضبا لنفسي ولها إنزاها وإكراما، وما عملت من عمل ~~أرى عليه متعلقا، ولكني حفظت ما لم تحفظ، ولو كنت من يهود يثرب ما زدت، يغفر الله لك ~~ولنا ...!» # وتكررت المعارضة منه في طلب الزيادة من مال مصر حتى عزله عثمان - رضي الله عنه - وقال ~~له حين جاءه الخراج زائدا: «أرى أن اللقاح قد درت!» فأجابه: «حين أعجفتم ~~فصالها!» # ولم يحاول المؤرخون الغربيون أن ينكروا هذه الخطة من عمرو، ولكنهم أكدوها واستدلوا منها ~~على نية البقاء في المنصب أو نية العمل لنفسه في المستقبل، وليس هذا بالبعيد في رأينا ~~ولا بالمستغرب من عمرو أو غيره من الولاة، ولكنه قول يلقى على عواهنه إذا أريد به أنه ~~كان يقتطع أموال مصر لنفسه بعد الفتح، فإن الخليفة قد حاسبه على ما زاد من عطائه - وهو ~~مائتا دينار - فوجد فضلا ms126 سأله عنه، فقال له: إنه من التجارة فلم يتقبل منه هذا العذر، ~~وأرسل إليه من يقاسمه الزائد من المال كعادته مع الولاة في كل بلد، ثم عزله عثمان فلم ~~يتخلف عنده من المال ما يغنيه بعد عزله، ولو تخلفت عنده بقية تحسب من الغنى لما قال ~~عثمان: «إن جبتك قملت منذ عزلناك!» # هذه خطته في الإدارة ونظام الضرائب بعد هزيمة الرومان، وهي الخطة التي عاهد عليها من ~~عاهدوه فيها، ولم يتغير منها بعد ولايته الثانية في أيام معاوية إلا أنه كان المسئول عن ~~الحكم كله في أيام هذه الولاية، فلم يكن حفظ ما زاد من المال اختلاسا من حق مفروض عليه ~~لبيت المال في دار الخلافة. # قيل: إن عثمان - رضي الله عنه - عزله لأنه أراد أن يجعله على الحرب ويولي عبد الله بن ~~سعد تدبير أمر الخراج! ويخيل إلينا أن عثمان - رضي الله عنه - قد نظر في ذلك إلى نظام ~~الدواوين كما بقي من عهد الروم، وأراد أن يجعل للدفاع وللحرب واليا غير ولاة المال، وقد ~~كان الخلفاء الأولون يبتدئون هذه النظم على غير سابقة، فيرجعون إلى سوابقها في البلاد ~~التي حكموها بعد الفرس والرومان، وأيا كان الباعث على معارضة عمرو في هذا النظام، فلقد ~~كان على طريقته التي انتهجها قبل تحويل إدارة الدواوين شيئا فشيئا إلى النظام الذي ~~استلزمه تغيير سياسة مصر، من ولاية تساس لتدبير طعام الدولة الرومانية وتزويدها بالمدد ~~لخزانتها إلى قطر يقوم بشئونه ويرسل من فيضه حصة لا ينفرد بها بين الأقطار التي كانت ~~تشترك في دولة واحدة. ~~••• # ولا تنفصل مسألة الضرائب والإتاوات ومسألة الفتح في تقدير أحد ممن كتبوا عن هذه الفترة ~~في تاريخ مصر وتاريخ الدولة الرومانية، فقد اتفق المؤرخون الاجتماعيون والناقدون ~~العسكريون على أن النظام الإداري - أو نظام الضرائب خاصة - كان له أثر قوي في تيسير ~~الفتح من جانب المصريين، وعزز هذا الرأي ناقد عسكري حديث رجع بالدرس إلى معارك الفتح على ~~أحدث المبادئ العصرية، وهذا الناقد العسكري هو القائد «فولر» رائد التسليح ms127 الآلي في ~~تركيب الفرق الحديثة، فإنه راجع فتوح الإسلام وعجب لاتفاق فتح خراسان وفتح مصر في وقت ~~واحد، ثم كان من تفسيراته لهذا الفتوح «أنها رد فعل على الحكم الروماني الذي أرهق ~~المصريين بالضرائب الثقيلة، وحجر على عقيدة القبط الدينية». # الفصل التاسع # | بين الإمارتين # أشار عمرو بفتح مصر ... # وقام عمرو بفتح مصر ... # وكل فتح فله تأمين وتمكين ... # وقد قام عمرو بتأمين ذلك الفتح وتمكينه، على نحو لم يسبقه إليه سابق من فاتحي وادي ~~النيل في قديم عصوره؛ لأنه أبقى لهذا الفتح أثرا خالدا في لغة البلد ودينه وفنونه، ~~فصنع ما لم يصنعه فاتح قديم وقل أن يصنعه فاتح حديث. # فلم يغفل عن حدود البلاد بعد أن سلمت له الإسكندرية وتتابع تسليم العواصم الأخرى ~~لأعوانه، ولا سيما الحدود التي يجيء الخطر منها وهي حدود الغرب والجنوب. # ولعله علم من مصر - إن لم يعلم قبل ذلك - أن نقتاس القائد الروماني أغار على البلاد من ~~غربيها فأخضعها، وأن هرقل قد حدثته نفسه مرة بالرجعة إلى المغرب ليحكمه، فرارا من فتن ~~القسطنطينية ودسائسها، وقد يفعل ذلك خلف من بعده فيصبح المغرب منفذا لغارة رومانية قد ~~يخشى خطرها على «الفتح الجديد» وهو في أوائل سنواته. # فتوجه في فتح المغرب حتى وقف عند تونس بأمر الخليفة، وعلم أن أهل مصر يخافون من مساكنة ~~النوبة إياهم في بلادهم، ويسألون حاكمهم أن يقصيهم عنها ولا يأذن لهم بطول المقام فيها، ~~فوعدهم ألا يأذن بهذا المقام، وسير الكتائب إلى مصر الجنوبية يذود عنها النوبة ويحرس ~~ما دخل في حوزته من أرضها. # وقد أنصف الخليفة عمرا وأحسن جزاءه بتوليته على مصر بعد فتحها وتنظيم شئونها على أثر ~~الحروب التي أفسدت فيها كل صالح، وبدلت فيها كل نظام، فحرص عمرو جهده على مرضاة الخليفة ~~واستبقاء رأيه فيه، وكان من الولاة القليلين الذين طال عهدهم بالولاية في خلافة ~~الفاروق. # قيل: إن الفاروق استوصف عمرا مصر فكتب إليه يقول: # إن مصر تربة غبراء، وشجرة خضراء، طولها شهر، وعرضها عشر، يكنفها جبل أغبر، ~~ورمل ms128 أعفر، يخط وسطها نهر ميمون الغدوات، مبارك الروحات، يجري بالزيادة ~~والنقصان، كجري الشمس والقمر، له أوان تظهر به عيون الأرض وينابيعها، حتى إذا ~~عج عجاجه وتعظمت أمواجه لم يكن وصول بعض القرى إلى بعض إلا في خفاف القوارب ~~وصغار المراكب، فإذا تكامل في زيادته نكص على عقبه، كأول ما بدأ في شدته وطما ~~في حدته، فعند ذلك يخرج القوم ليحرثوا بطون أوديته وروابيه: يبذرون الحب ~~ويرجون الثمار من الرب، حتى إذا أشرق وأشرف، سقاه من فوقه الندى وغذاه من تحته ~~الثرى، فعند ذلك يدر حلابه، ويغني ذبابه، فبينما هي يا أمير المؤمنين ورقة ~~بيضاء، إذا هي عنبرة سوداء وإذا هي زبرجدة خضراء، فتعالى الله الفعال لما ~~يشاء. والذي يصلح هذه البلاد وينميها ألا يقبل قول خسيسها في رئيسها، وألا ~~يستأدى خراج ثمرة إلا في أوانها، وأن يصرف ثلث ارتفاعها في عمل جسورها وترعها، ~~فإذا تقرر الحال مع العمال في هذه الأحوال، تضاعف ارتفاع المال، والله تعالى ~~يوفق في المبتدأ والمآل. # فإن لم يكن هذا الكلام من نص كلامه فهو من صميم رأيه وعيانه لا مراء، والذي لا خلاف فيه ~~أن الفاروق تلقى منه وصفا لمصر يشبه هذا الوصف، ودليلا على الدراية بها يشبه هذا ~~الدليل، وأن عمرا أخلق الناس أن يحذر في عهد الفاروق «سعي الخسيس بالرئيس»، وهو الذي ~~يعلم أنه مستهدف لمثل هذا السعي، وأنه ملاق به شيئا من القلق الدائم في ساحة الفاروق، ~~وهو العظامي الذي كان يتعصب للنسب تعصب المأخوذ بالريب، ويتقي كلمة السفلة فيقول: «إن ~~ذهاب ألف من العلية أهون ضررا من ارتفاع واحد من السفلة!» # وربما كان من الإغراق في الرجاء أن يطمع وال من الولاة في الإفلات من حساب الفاروق، ~~بالغا ما بلغ نصيبه من الحرص والإحسان، وإن أحق الناس أن يعلم ذلك لهو عمرو بن العاص ~~الذي يعلم حساب الفاروق للولاة، ويسمع بمراجعته للمحسن منهم والمسيء، فما نحسبه ترقى ~~بطمعه في هوادة «ابن حنتمة» - كما كان يسميه بلسان الغيظ والإعجاب - إلى أبعد من ms129 ~~البقاء في الولاية، مع الأهبة الدائمة للجواب عن كل جليلة ودقيقة من أعماله التي تنمى ~~إلى دار الخلافة. وقد ظفر بما أراد وظل فخورا بهذا الظفر بقية حياته، يقول لمن لا يعجبه ~~حكمه: إن الفاروق قد مات وهو عنه راض! وحمد الله أنه لم يحاسب في عهده بأكثر مما حوسب ~~عليه، ومن أمثلته - فيما نقلته كتب السير - حسابه على مال الخراج، وحسابه على غلطة طائشة ~~لابنه محمد، وحسابه على إعفاء عبد الرحمن بن عمر بن الخطاب من بعض القصاص في حد ~~الشراب! # كتب إليه الفاروق في أمر الخراج يعجب من قلته ومن «أن مصر لا تؤدي نصف ما كانت تؤديه من ~~الخراج قبل ذلك، على غير قحط ولا جدب!» فرد عليه عمرو في لهجة شديدة وأنفة يعلم موقعها ~~من نفس عمر الذي لا يبالي أن يخاطبه الكبار والصغار مخاطبة الأنداد ما حفظوا مع ذلك حق ~~الله وحق المسلمين، وجدد عمر الكتابة إليه يؤنبه على إبطائه مع كثرة الكتب إليه، ويقول ~~له: «إني لست أرضى منك إلا بالحق البين، ولم أقدمك مصر أجعلها لك طعمة ولا لقومك، ولكني ~~وجهتك لما رجوت من توفيرك الخراج وحسن سياستك!» # وطالت المكاتبة بين الخليفة وواليه، وتسايرت الأنباء بفاشية من المتاع والرقيق والآنية ~~والحيوان، فشت لعمرو في مصر لم تكن له قبل ولايتها، فعمد الخليفة إلى حزمه المعروف، ~~وأنفذ إلى عمرو أمينه على العمال محمد بن مسلمة يعلنه أنه قد ساء به ظنا، وأنه مقاسمه ~~ما عنده من المال، وجعل له مائتي دينار جزاء عمله غير العطاء الذي ربط له أسوة ~~بالمجاهدين من المسلمين. # أما حساب الخليفة له على غلطة ابنه محمد، فخلاصته أن عمرا أجرى الخيل، فأقبلت فرس رجل ~~من المصريين، فحسبها محمد بن عمرو فرسه وصاح: فرسي ورب الكعبة! ثم اقتربت وعرفها صاحبها، ~~فغضب محمد، ووثب على المصري يضربه بالسوط ويقول له: خذها وأنا ابن الأكرمين! وبلغ ذلك ~~أباه فخشي أن يشكوهما المصري، فحبسه زمنا حتى أفلت وقدم إلى الخليفة يرفع إليه مظلمته ... ~~فاستقدم ms130 الخليفة عمرا وابنه، وقال للمصري: دونك الدرة فاضرب بها ابن الأكرمين! ثم قال ~~له: أجلها على صلعة عمرو، فوالله ما ضربك إلا بفضل سلطانه، ففزع عمرو واعتذر المصري ~~قائلا: قد ضربت من ضربني! والتفت الخليفة إلى المصري يقول له: «أما والله لو ضربته ما ~~حلنا بينك وبينه حتى تكون أنت الذي تدعه.» ثم إلى عمرو بن العاص يقول تلك الكلمة التي ~~تعد من جلائل الأعمال، ولا تحصى في جلائل الأقوال وكفى: «أيا عمرو! متى استعبدتم الناس ~~وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟!» # ولقد حاسبه على إعفاء ابنه - أي ابن الخليفة - كما حاسبه على إعفاء ابنه هو من الجزاء ~~الذي استحقه بالعدوان على بعض رعاياه؛ فقد ذهب عبد الرحمن بن عمر بن الخطاب إلى عمرو ~~يبلغه أنه شرب مسكرا، ويطلب إليه أن يقيم الحد عليه، فتغاضى قليلا ثم أذن بحده على أن ~~يعفى من حلق رأسه على مشهد من العامة، فجاءه التأنيب من الخليفة مع البريد يقول فيه: ~~«عجبت لك يا بن العاص ولجرأتك علي وخلاف عهدي ... فما أراني إلا عازلك فمسيء عزلك، تضرب ~~عبد الله في بيتك وتحلق رأسه في بيتك، وقد عرفت أن هذا يخالفني؟ إنما عبد الرحمن رجل من ~~رعيتك، تصنع به ما تصنع بغيره من المسلمين.» # وإن واليا ينجو من الفاروق بهذا القسط من الحساب على هذه المسائل وأشباهها لمجدود بين ~~الولاة! # قضى عمرو نحو خمس سنوات واليا لمصر في خلافة عمر بن الخطاب يتولى له إدارتها وخراجها ~~والدفاع عنها، ويساعده عبد الله بن سعد بن أبي سرح في ولاية الصعيد ودفاع النوبة. # وقبض عمر، فقام بالخلافة بعده عثمان بن عفان، فشخص عمرو إلى المدينة يبايعه ويعرض عليه ~~شئون ولايته، ويتلقى أوامره فيها، وكان أكبر همه أن يسأل الخليفة الجديد عزل عبد الله بن ~~سعد من ولاية الصعيد؛ لأنه منافس قوي جسور لا يطيقه رئيس مثله في القوة والجسارة! فعز ~~عليه المطلب، واقترح عليه الخليفة أن يتولى شئون الحرب ويترك لعبد الله شئون الخراج ~~فأبى، ونفرت نفسه من هذه ms131 المشاركة، وقال: «إني إذن كمن يأخذ البقرة بقرنيها ليحلبها ~~غيره.» وتعذر التوفيق بين المتنافسين، فانتهى الخلاف بإقالة عمرو وإقامة عبد الله على ~~ولاية مصر، حربها وخراجها، وكان ذلك حوالي سنة سبع وعشرين للهجرة. # والظاهر أن ولاية عمرو في مصر كانت على خطر منذ مبايعة عثمان؛ لأن رأي عثمان في طمع ~~عمرو وسوء الظن به قديم؛ ولأن عبد الله بن سعد كان أخا لعثمان في الرضاع، وهو كفؤ ضليع ~~بالرئاسة حربا وإدارة، وليس من دأب عثمان أن يعزل أقرباءه وإن لم يكن لهم من الكفاية ~~والضلاعة ما كان لعبد الله. # ومما لا ريب فيه أن حاشية عثمان تنفس على عمرو مكانه، وتخشى منه الخطر الأكبر إذا رسخت ~~في الديار المصرية قدمه، وظل فيها قائما بالأمر إلى أن يمعن الخليفة في الهرم ويؤذن ~~عهده بانقضاء، فليس ببعيد إذن أن يستقل عمرو بإمارة الديار أو يطمح إلى الخلافة، وليس ~~ببعيد كذلك أن يشترك في التحذير منه أناس كمروان بن الحكم ومعاوية بن أبي سفيان، ولو لم ~~يكن لهؤلاء المقربين شأن في الكيد لعمرو لكانت محاسبة عمرو على طريقة الفاروق أجدى وأقرب ~~إلى الطمأنينة على الخراج، ولكن مقاسمة الولاة في أموالهم بين حين وحين، شيء يأباه ولاة ~~الدولة الجديدة، فأيسر من مقاسمة عمرو في الخراج أن ينحى عنه أو ينحى عن الولاية برمتها ~~... وقد كان. # ولعلهم لم يؤجلوا عزل عمرو إلى حوالي سنة سبع وعشرين إلا انتظارا لمصير الفتنة التي ~~نشبت في الإسكندرية، إذ انتقض الروم وجاء المدد بحرا بقيادة منويل الخصي من ~~القسطنطينية، فأهاب أقطاب مصر بالخليفة أن يبقي عمرا على الولاية لدرايته بالقوم وهيبته ~~في نفوس الأعداء، ثم تبين من كفاية عبد الله بن سعد في كفاح الروم بإفريقية ما عزز مقامه ~~وأبطل تلك الحجة فصحت له الولاية، ورشحه للقيام على الخراج وفرة المال الذي جمعه من ~~الديار الإفريقية المفتوحة. # أما أثر العزل في نفس عمرو فلا يصعب إدراكه، ولا حاجة به إلى الأخبار والأسانيد، فليس ~~عمرو بالذي يحتمل هذا العزل أو ms132 يستكين إليه! وليس هو بالرجل الذي يثور في غير موضع ~~للثورة، أو يأخذ في انتقام لا يثق بإنفاذه وسلامة عقباه عليه! فقصاراه أن يتربص الدوائر ~~بالعهد كله، وأن يترقب يومه الذي يعلم أنه آت لا ريب فيه! وقد ترقب واختار لنفسه مرصد ~~الرقبة فأصاب اختياره: ترقب في بيته بفلسطين حيث تفترق السبل بين الحجاز ومصر والشام ~~والعراق، وحيث يحرض من يحرض من عابري تلك السبل وهو آمن جهد ما يتاح له الأمان، وربما ~~رحل بين الحين والحين إلى مكة أو المدينة يستطلع ويستوثق ويدفع الحوادث إلى الطريق الذي ~~يرتجيه، ثم يقفل إلى مينائه الأمين كالربان الذي يختبئ بسفينته والرياح عاصفة والأمواج ~~زاخرة جارفة، ريثما تنجلي الغاشية عن مهب الريح أين يتجه على استقرار، فيوليه شراعه ~~ويستدير إليه. # ووشى به الوشاة إلى الخليفة، فاستدعاه وأغلظ في شتمه، وراح يؤنبه ويقول له بأحد لسان ~~وأشده: «يا بن النابغة ... أتطعن علي وتأتيني بوجه وتذهب عني بوجه آخر؟» فتنصل عمرو وقال: ~~«إن كثيرا مما يقول الناس وينقلون إلى ولاتهم باطل، فاتق الله يا أمير المؤمنين.» فعاد ~~الخليفة يقول: «استعملتك على ظلمك وكثرة القالة فيك.» فثار عمرو إلى فخره القديم: «لقد ~~كنت عاملا لعمر بن الخطاب ففارقني وهو عني راض.» قال عثمان: «لو آخذتك بما آخذك به عمر ~~لاستقمت، ولكني لنت عليك فاجترأت.» # ومع هذا كان عثمان يبعث إليه فيستشيره كلما أعيته الحيلة وغلبته الحيرة في حكومته! فكان ~~ينصحه بما يعلم أنه لا يضيره ولا ينفع الخليفة، يقول له: «... أرى أن تلزم طريقة صاحبك - ~~أي الفاروق - فتشتد في موضع الشدة وتلين في موضع اللين، وإن الشدة تنبغي لمن يألو الناس ~~شرا، واللين لمن لا يخلص بالنصح، وقد فرشتهما جميعا باللين!» # وإن عمرو بن العاص لأول من يعلم أن طريقة عمر لا يصلح لها غير عمر، وأنه مكلف عثمان ~~شططا حين يركبه متن هذا الطريق، وهو الذي قال له عثمان يوما: «لقد أمرت عبد الله بن ~~سعد أن يتبع أثرك.» فقال: «لقد كلفته شططا!» # وتدرج في ms133 الجرأة على عثمان كلما تدرجت الفتنة في التفاقم والاستفحال، ففي مجلس الشورى ~~الذي جمعه عثمان سأله: «ما رأيك؟» فلم يبال أن يجيبه أمام صحبه: «إنك قد ركبت الناس بمثل ~~بني أمية، فقلت وقالوا، وزغت وزاغوا، فاعتدل أو اعتزل، فإن أبيت فاعتزم عزما وامض قدما ~~...» ولكنه اجترأ هنا وأبقى للحيطة بقية، فانتظر حتى تفرق المجلس ، وخلا بالخليفة فأقبل ~~يعتذر إليه بينه وبينه: «لا والله يا أمير المؤمنين لأنت أكرم علي من ذلك، ولكني قد علمت ~~أن بالباب قوما قد علموا أنك جمعتنا لنشير عليك، فأحببت أن يبلغهم قولي فأقود لك خيرا ~~وأدفع عنك شرا!» # كان يقول هذا وأشباهه وفي دولة عثمان أمل يضعف يوما بعد يوم، فلما أوشك هذا الأمل أن ~~ينفد صاح به في المسجد: «اتق الله يا عثمان! فإنك قد ركبت أمورا وركبناها معك، فتب إلى ~~الله نتب!» # ثم ترك الفتنة وأوى إلى مينائه بفلسطين، يتلقى الركبان ويسأل منهم كل عابر ينفعه سؤاله، ~~فمر به راكب من المدينة فاستخبره خبر عثمان فقال: «محصور!» ثم أعقبه راكب آخر فقال: «قتل ~~عثمان.» فيروي رواة الخبر أنه صاح يومئذ: «أنا أبو عبد الله، إذا نكأت قرحة أدميتها.» ثم ~~قال: «والله إني كنت ألقى الراعي فأحرضه على عثمان!» ~~••• # وبويع علي بن أبي طالب بالخلافة فلم ينصره ولم ينصر أحدا من خصومه، ولبث يترقب وينتظر ~~حتى انحسر الميدان عن خصمين اثنين هما: علي ومعاوية بن أبي سفيان، بعد أن زال عنه طلحة ~~بن عبيد الله والزبير بن العوام، فوجب أن يختار له طريقا من الطريقين؛ لأنه لو آثر ~~الاعتزال لم يتركه الفريقان في عزلته، ولم يزل به أحدهما حتى يستدنيه إليه. # شاور معاوية أصحابه، فأشار عليه عتبة بن أبي سفيان أن يستعين على أمره بعمرو، وأن يثمن ~~له بدينه، قال: «فإنه من قد عرفت، وقد اعتزل أمر عثمان في حياته، وهو لأمرك أشد اعتزالا ~~إلا أن يرى فرصة.» فكتب له معاوية بفلسطين: «أما بعد، فإنه كان من أمر علي وطلحة والزبير ~~ما قد بلغك، ms134 وقد سقط إلينا مروان بن الحكم في رافضة أهل البصرة، وقدم إلينا جرير بن عبد ~~الله في بيعة علي، وحبست نفسي عليك حتى تأتيني. أقبل أذاكرك أمورا لا تعدم صلاح مغبتها ~~إن شاء الله ...» # فاستشار عمرو ولديه عبد الله ومحمدا فيما يصنع، فقال عبد الله: «قتل عثمان وأنت عنه ~~غائب، فقر في منزلك فلست مجعولا خليفة، ولا تريد أن تكون حاشية لمعاوية على دنيا قليلة ~~أوشك أن تهلك فنشفى فيها.» وقال محمد: «إنك شيخ قريش وصاحب أمرها، وإن تصرم هذا الأمر ~~وأنت فيه خامل صغر أمرك، فالحق بجماعة أهل الشام فكن يدا من أيديهم ...» # قال عمرو: «أما أنت يا عبد الله فأمرتني بما هو خير لي في ديني، وأما أنت يا محمد ~~فأمرتني بما هو خير لي في دنياي، وأنا ناظر فيه.» # وروي أنه قلب رأيه في الأمرين فقال: «إني إن أتيت عليا قال: إنما أنت رجل من ~~المسلمين، وإن أتيت معاوية يخلطني بنفسه ويشركني في أمره.» # ولكنه ظل يتردد إلى ساعة السفر بعدما عن له أن ينضوي إلى جانب الشام، فدعا غلامه ~~وردان فقال: «ارحل يا وردان!» ثم صاح به: «حط يا وردان.» فقال له وردان، وكان كما وصفوه ~~داهيا ماردا: «خلطت أبا عبد الله أما إنك إن شئت أنبأتك بما في نفسك.» قال: «هات ~~ويحك!» قال: «اعتركت الدنيا والآخرة على قلبك، فقلت: علي معه الآخرة في غير دنيا، وفي ~~الآخرة عوض من الدنيا. ومعاوية معه الدنيا بغير آخرة وليس في الدنيا عوض من الآخرة، فأنت ~~واقف بينهما ...» قال: «والله ما أخطأت فما ترى يا وردان؟» قال: «أرى أن تقيم في بيتك، فإن ~~ظهر أهل الدين عشت عند دينهم وإن ظهر أهل الدنيا لم يستغنوا عنك ...» فتأمل في قول غلامه ~~مليا، ولكنه لم يقبل القرار في بيته بعد دعوته، وعول على المسير فسار. ~~••• # ومن ثم قصد إلى معاوية بالشام ... # ولم تكن بين الرجلين من قبل مودة ولا صحبة ولا مشاركة في منفعة، بل ربما كانا إلى ~~التنافس والتنافر أقرب ms135 منهما إلى المودة والصحبة. # حدث أبو حاتم أن معاوية «قدم من الشام وعمرو بن العاص من مصر على عمر بن الخطاب، ~~فأقعدهما بين يديه وجعل يسائلهما عن أعمالهما، إلى أن اعترض عمرو في حديث معاوية، فقال ~~له معاوية: أعملي تعيب وإلي تقصد؟ ... هلم تخبر أمير المؤمنين عن عملي وأخبره عن عملك.» ~~قال عمرو: «فعلمت أنه بعملي أبصر مني بعمله، وأن عمر لا يدع أول هذا الحديث حتى يصير إلى ~~آخره! فأردت أن أفعل شيئا أشغل به عمر عن ذلك، فرفعت يدي فلطمت معاوية!» فقال عمر: ~~«تالله ما رأيت رجلا أسفه منك.» قم يا معاوية فاقتص منه، قال معاوية: «إن أبي أمرني ألا ~~أقضي أمرا دونه.» فأرسل عمر إلى أبي سفيان، فلما أتاه ألقى له وسادة وذكر حديث رسول ~~الله: «إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه.» ثم قص عليه ما جرى بين عمرو ومعاوية فقال: «لهذا ~~بعثت إلي؟ أخوه وابن عمه! وقد أتى غير كبير، وقد وهبت ذلك له!» # وأقل ما في هذه الرواية ومثيلاتها أن المنافسة بين الرجلين كانت ملحوظة لا غرابة فيها، ~~وهي في موقعهما من ولاية الشام وولاية مصر أشبه شيء أن يكون. # ويؤخذ من حديث روي عن عبادة بن الصامت أن الاجتماع بين معاوية وعمرو كان من نوادر ~~الأشياء، وأن اجتماعهما كان في رأي الأخيار من علامات الأخطار، فلما قدم عبادة بن الصامت ~~عليهما وهما بالشام، جلس بينهما ثم سألهما: «أتدريان لم جلست بينكما في مكانكما؟» قالا: ~~«نعم، لفضلك وسابقتك وشرفك.» قال: «لا والله ... ما جلست بينكما لذلك، وما كنت لأجلس ~~بينكما في مكانكما، ولكن بينا نحن نسير مع رسول الله # صلى الله عليه وسلم # إذ نظر إليكما تسيران ~~وأنتما تتحدثان، فالتفت إلينا فقال: «إذا رأيتموهما اجتمعا ففرقوا بينهما، فإنهما لا ~~يجتمعان على خير أبدا».» # وفي صحة هذا الحديث نظر، ولكنها أخبار تدل على مبلغ الصلة بين معاوية وعمرو، وأنها لم ~~تكن من الوثاقة والقرب بحيث تمنع مثل هذا المقال. # فمعاوية لم يستقدم عمرا لصداقة وصحبة قديمة! # وعمرو ms136 لم يقدم على معاوية لشيء من ذاك! # ولكنهما رجلان طموحان أريبان، مثلهما لا يعادي إذا كان له في الصداقة نفع، ولا يصادق ~~إذا لم يكن له في الصداقة أرب، وإن أقرب الناس عندهما لوشيك أن يقصى إذا أقصته المنفعة، ~~وإن أقصاهم لوشيك أن يستدنى إذا كان في بعده ضرر! # فهما ملتقيان على تفاهم صريح بلسان المقال، أو صريح بلسان الحال، وقد عرفا ولا جدال على ~~أي وجه يتفاهمان منذ كتب هذا وأجابه ذاك. # زعموا أن المساومة جرت بين الرجلين أول ما التقيا، فسأل معاوية عمرا أن يتبعه، فأقبل ~~عمرو يسأله: لماذا؟ للآخرة؟ فوالله ما معك آخرة! إنما هي الدنيا نتكالب عليها، فلا كانت ~~حتى أكون شريكك فيها، وأخذ معاوية يذكر ممالأة علي على قتل عثمان، وأنه أظهر الفتنة وفرق ~~الجماعة، فقال عمرو: إنه وإن كان كذلك فإن المسلمين لا يعدلون به أحدا، وليست لك مثل ~~سابقته وقرابته، ثم عاد يساوم مرة أخرى، فسأل معاوية: ولكن ما لي إن شايعتك؟ قال معاوية: ~~حكمك، قال عمرو: اجعل لي مصر طعمة ما دامت لك ولاية، فتلكأ معاوية ولم يجبه، وحذر عتبة ~~بن أبي سفيان العاقبة، فحذرها معاوية وقال لي لائما: أما ترضى أن تشتري عمرا بمصر إن ~~صفت لك؟ فليتك لا تغلب على الشام. # فرضي بالصفقة واتفقا عليها. # وليقل الناقدون التاريخيون ما بدا لهم أن يقولوا في صدق هذا الحوار وصحة هذه الكلمات، ~~وما ثبت نقله وما لم يثبت منه سنده ولا نصه، فالذي لا ريب فيه ولو اجتمعت التواريخ قاطبة ~~على نقضه، أن الاتفاق بين الرجلين كان اتفاق مساومة ومعاونة على الملك والولاية، وإن ~~المساومة بينهما كانت على النصيب الذي آل إلى كل منهما، ولولاه لما كان بينهما ~~اتفاق. # فكان معاوية يطمح إلى الخلافة يتولاها ويورثها أعقابه من بعده. # وكان عمرو يطمح إلى ولاية مصر جامعة، وهي عنده تعدل الخلافة ما لم يكن إلى الخلافة ~~سبيل، ويرجو أن يضم إليها الشام وأن يترك ولايته ميراثا من بعده لولده عبد الله. # ومثل هذا ms137 الاتفاق أقوى اتفاق، ولكنه قد ينقلب في حالة في حالاته فإذا هو أضعف اتفاق ~~وأقربه إلى النقض والانتقاض. # فمن سر القوة فيه أن يعمل الرجل لصاحبه كأنه يعمل لنفسه، ما دامت وسيلته من وسيلته، وما ~~دامت لهما غاية واحدة يتلاقيان عندها! # ومن سر الضعف فيه أن الشريك هنا هو أعدى الأعداء وأولى المنافسين بالتخلص منه إذا أمكن ~~وجه الخلاص؟ # وقد أعانت على هذا الاتفاق أمور كثيرة أهمها أمران: وهما أن عمرا لم يكن على أمل في ~~ناحية أخرى، فإذا فسد الأمر على معاوية فسد الأمر عليه، وإن معاوية كان يعلم أنه يساوم ~~شيخا يدلف إلى الثمانين ويوشك أن يودع دنياه فما ربحه منه فهو دائم له، وما خسره في ~~مرضاته صائر إليه. # على أن عمرا من جانبه كان رجلا ممتلئا بالحياة في شيخوخته، جريء المطامع ما بقي في ~~الدنيا مطمع يتخايل بين عينيه، فلم يكن ييأس من الخلافة نفسها، ولم يستبعد قط أن تسنح له ~~سانحة من طوارئ القدر يغلب فيها معاوية على عرش الدولة التي شاركه في تأسيسها، فربما ~~أخلص معه العمل في هزيمة علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ولكنه لم يخلص معه العمل في ~~تمكينه كل التمكين حتى يستغني عنه ويتغير له، ويثبت في الخلافة ثبوتا لا مطمع بعده ~~لطامع. # فقد كان بعض نصائحه لمعاوية سديد المرمى قبل هزيمة علي - رضي الله عنه - ولكنه كان ~~متهما في كل نصيحة أدلى بها إلى معاوية بعد تلك الهزيمة، وكان ظاهرا من نصائحه في ~~جملتها أنه أراد أن يثير عليه العداوات وأن يوغر عليه صدور الصحابة ويتركه مشغولا بخوف ~~الفتنة أو واقعا في أوهاقها، وهو إذن أقرب قريب من الخلافة متى زال معاوية عنها، ولا ~~سيما إذا طال عهده بولاية مصر وجمع في يديه الأموال ومن حوله من الأنصار والطامعين في ~~النوال. # فمن نصائحه التي لا يندفع مثله فيها لدافع العنجهية الجاهلية وحدها، أنه حضر مجلس ~~معاوية وحاجبه يستأذن لوفود الأنصار، فقال: ما هذا اللقب يا أمير المؤمنين؟ اردد ms138 القوم ~~إلى أنسابهم! ثم قال للحاجب: اخرج فقل من كان ههنا من ولد عمرو بن عامر فليدخل، فدخل ولد ~~عمرو بن عامر كلهم إلا الأنصار، فنظر معاوية إلى عمرو نظرة منكرة وقال له: باعدت جدا؟ ~~فقال: اخرج فقل من كان ههنا من الأوس والخزرج فليدخل، فخرج فقالها فدخلوا يقدمهم النعمان ~~بن بشير الأنصاري وهو يقول: # يا سعد لا تجب الدعاء فما لنا # نسب نجيب به سوى الأنصار # إن الذين ثووا ببدر منكم # يوم القليب هم وقود النار # فجعل معاوية يقول: لقد كنا أغنياء عن هذا. # وأشار على معاوية بقتال أسرى صفين من جماعة علي، وقد أطلق علي أسراه من جماعة معاوية، ~~وهي مشورة لا تنفع معاوية بشيء، وتجلب عليه العار لا محالة وتنصبه غرضا لكل مطالب بترة، ~~في أمة لا تنسى بينها الترات! # وعلى ما في طبع عمرو من الحيلة والجنوح إلى المصالحة واستلال الأضغان، لم يكن يصدر عن ~~هذا الطبع في مشورته على صاحبه بعد وقعة صفين، فلما شاوره معاوية في أمر عبد الله بن ~~هاشم، أشار عليه بقتله وغضب حين خالفه معاوية، فقال بعد ذلك من أبيات: # أليس أبوه يا معاوية الذي # أعان عليا يوم حز الغلاصم؟ # وأشار كذلك بقتل قيس بن سعد في جيشه الذي كان معه من بقايا حزب علي، بعد نزول ابنه ~~الحسن عن الخلافة، وكان قيس رجلا صعب المراس مقداما على الخطر، لا يؤمن قتاله، والدولة ~~الأموية في أوائلها بين الشك واليقين، فأعرض معاوية عن مشورته وبذل الأمان لقيس ومن معه، ~~وأرضاهم بالمصانعة والعطاء. # ولم يكن معاوية يسلك معه غير هذا المسلك، أو يضمر له غير هذا الضمير، فكان يحتفي به ~~ويجلسه معه على سريره، ويظهر له الركون إلى رأيه والمشاركة في أمره، ثم يقبل منه ما ~~يقبل، ويمضي على نيته التي انتواها، وقد هم أن يخلف له موعده من ولاية مصر، لولا أنه ~~توقع الشر منه، وعلم أنها ولاية عام أو أعوام قلائل، ثم تصير إليه يعطيها من يشاء، وقد ~~مات عمرو بعد ms139 أعوام فضم معاوية خزائن أمواله إلى بيت المال، وخالف رجاءه في تولية ابنه ~~عبد الله مكانه، وأسند الولاية إلى أخيه لأبيه عتبة بن أبي سفيان. # وربما ثقل عليهما وقر الرياء، فتصارحا بما في الطوايا صراحة هي أشبه بالصراع الذي يجمع ~~فيه الندان بين اللعب والخصومة، سأله معاوية وهو في حالة من حالات النقمة والطمع : ما ~~أعجب الأشياء؟ فقال: أعجب الأشياء غلبة المبطل ذا الحق على حقه، فما أبطأ معاوية أن ردها ~~عليه قائلا: بل أعجب من هذا أن تعطي من لا حق له بحق من غير غلبة! # وربما داعب معاوية في أمر آخرته ودنياه مداعبة الرجل الذي يعلم أن المداعبة هنا مقبولة؛ ~~لأنهما في الحظ سواء قال له يوما: لقد رأيت البارحة في المنام كأن القيامة قد قامت ~~ووضعت الموازين، وأحضر الناس للحساب فنظرت إليك وأنت واقف قد ألجمك العرق، وبين يديك صحف ~~كأمثال الجبال، فعاجله معاوية ساخرا: وهل رأيت في الميزان شيئا من دنانير مصر؟ # ودخل على معاوية في مجلسه، فضحك معاوية حين رآه، قال عمرو: «ما يضحكك يا أمير المؤمنين، ~~أضحك الله سنك؟» قال: «أضحك من حضور ذهنك عند إبدائك سوءتك يوم ابن أبي طالب، أما والله ~~لقد وافقته منانا كريما، ولو شاء أن يقتلك لقتلك.» فلم يبرح عمرو أن أشركه معه في ~~عاره، وجعل يقول له ويمعن في وصف فزعه: «أما والله إني لعن يمينك حين دعاك إلى البراز ~~فاحولت عيناك، وربا سحرك - أي صدرك - وبدا منك ما أكره ذكره لك، فمن نفسك فاضحك أو ~~دع.» # فالرجلان كانا فيما بينهما على صراحة وتفاهم واحتراس. # وكانا يعلمان ما يريدان، ويعلمان أنهما لا يتعاونان لأنهما على ثقة من إخلاص كل منهما ~~لصاحبه وإيثاره لنفعه، ولكنهما يتعاونان لأن التعاون أنفع لهما من التخاذل والشقاق، ولن ~~يتعاونا إذا تبدلت الحال وأصبح لهما أو لواحد منهما نفع في تخاذل أو شقاق! # وكانا يفهمان أن هزيمة علي هي سبيلهما معا إلى ما يريدان فعملا متفقين، ولعلهما عملا ~~مخلصين لتحقيق هذه الهزيمة، وكانت معونة ms140 عمرو لمعاوية في نضاله مع علي كبيرة الخطر، ~~محسوسة الأثر في مآزق كثيرة، ومعضلات متوالية، أهمها حرب صفين ومؤتمر التحكيم وانتزاع ~~مصر من والي علي وأتباعه فيها، وهم غير قليلين. # وكانت جهوده العظمى في حرب صفين جهود الداعية المحرض، لا جهود المقاتل المستبسل، فكان ~~يثير الحفائظ ويستدرج الأنصار بالأطماع، ويمحو الوساوس والشكوك التي تثني عزائم القوم عن ~~القتال، ويشيع الفتاوى التي يقبلها من هو مستعد لقبولها، ومنها - حين قتل عمار بن ياسر - ~~إن أصحاب معاوية تلجلجوا فيما بينهم، وساورهم الريب في حقهم؛ لأن النبي # صلى الله عليه وسلم # كان ~~يقول عن عمار: «تقتله الفئة الباغية.» فكان عمرو بن العاص - في أشيع الأقوال - هو الذي ~~حسم هذه الشكوك قبل استفحالها، فقال: إنما قتله من أخرجه، فقبلها الأنصار المستعدون ~~لقبول أشباه هذه التأويلات. # وكان على بغضه لعثمان أسبق الناس إلى التفجع لمقتله والتحريض باسمه، فإذا هدأت ثورة ~~النفوس قال لمعاوية: «حرك لها حوارها # 1 # تحن ...» أي: علق لهم قميص عثمان المخضوب بدمائه؛ لأنهم إذا رأوه هاجت ~~أحقادهم، كما تدر الناقة إذا حركوا لها جلد حوارها! # وجاء كذلك في أشيع الأقوال أنه هو الذي أشار على معاوية برفع المصاحف على الرماح، ودعوة ~~أنصار علي إلى تحكيم كتاب الله، فلما عمل بهذه المشورة وقعت الفتنة في جيش علي بين قائل ~~بالمضي في القتال، وقائل بإجابة القوم إلى التحكيم، وأوشك الفريقان أن يدعا جيش معاوية ~~ويشتبكا بينهما في حرب، أو يبطش جماعة منهم بالإمام علي نفسه، إذا هو لم يأمر شيعته ~~المقربين بالكف عن الحرب وإلقاء السلاح. # وإذا صح ما يعزى إلى هذه المشورة من الأثر الجسيم في تمكين معاوية وخذلان علي، فهي كلمة ~~أنفع من جيش ومكيدة أمضى من قوة، وهي خليقة أن تغنيه في حرب صفين عن جهود الشجاعة ~~والاستبسال، إذ الواقع أنه لم يغن في تلك الحرب بجهد من جهود الشجاعة والاستبسال، ولم ~~يذكر أحد من حزبه أنه برز في ميدان قتال، مع أن الحرب في تلك المعركة خاصة كانت حرب براز ms141 ~~ونزال، أما خصومه فقد ذكروا له تلك الفعلة التي سارت بها الأمثال بعد ذلك، وأصبح من ~~الأقوال الشائعة عن كل من يرد المكروه بالمهانة أنه رده «كما ردها يوما بسوأته ~~عمرو!» # ويظهر أن خصومه ومنافسيه كانوا يلحظون منه التقاعد عن مخاطر البراز، فقال الحارث بن نصر ~~الجشمي من أبيات: # ليس عمرو بتارك ذكرة الحر # ب مدى الدهر أو يلاقي عليا # واضع السيف فوق منكبه الأ # يمن لا يحسب الفوارس شيا # ليت عمرا يلقاه في حمس النق # ع وقد صارت السيوف عصيا # فزعموا أن عمرا تغيظ من قوله، وأقسم: «لو علمت أني أموت ألف موتة لبارزت عليا في أول ~~ما ألقاه!» # وكان علي - رضي الله عنه - كثيرا ما يتقدم بين الصفوف داعيا إلى المبارزة، فبدا له ~~يوما أن يدعو معاوية لمبارزته، فأيهما غلب فالأمر له وتحقن دماء الناس، فنادى: يا ~~معاوية، يا معاوية، فقال هذا لأصحابه: اسألوه ما شأنه؟ قال: أحب أن يبرز لي فأكلمه كلمة ~~واحدة، فبرز معاوية ومعه عمرو، فلما قارباه لم يلتفت إلى عمرو وقال لمعاوية: ويحك! علام ~~يقتتل الناس بيني وبينك؟ ابرز إلي، فأينا قتل صاحبه فالأمر له، فالتفت معاوية إلى عمرو ~~فقال: ما ترى يا أبا عبد الله؟ أبارزه؟ فقال عمرو: لقد أنصفك الرجل، واعلم أنك إن نكلت ~~عنه لم تزل سبة عليك وعلى عقبك ما بقي عربي، فقال معاوية: يا عمرو! ليس مثلي يخدع عن ~~نفسه، والله ما بارز ابن أبي طالب رجلا قط إلا سقى الأرض من دمه ... ثم تلاحيا، وعزم ~~معاوية على عمرو ليخرجن إلى علي إن كان جادا في نصحه، ولم يكن مغررا به طمعا في ~~مآل أمره، فلما خرج للمبارزة مكرها وشد عليه علي شدته المرهوبة، رمى عمرو بنفسه عن ~~فرسه ورفع ثوبه وشغر برجله فبدت عورته! فصرف علي وجهه عنه، وقام معفرا بالتراب هاربا ~~على رجليه، معتصما بصفوفه. # وليس في هذه القصة من موجب للشك فيها إلا أن عمرا كان أشجع من ذلك في معارك كثيرة قبل ~~هذه المعركة، ولكنه ms142 شك ضعيف غير قاطع في إنكار القصة بحذافيرها؛ لأن عمرا لم يبارز قط ~~رجلا في قوة علي وبأسه، ولم يكن قد دلف إلى الثمانين وهو يحارب في المعارك الأخرى، وأهم ~~من ذلك أنه كان يحارب في تلك المعارك، وله أمل في الشهادة ونعيم الجنة وإيمان بحقه وباطل ~~خصمه، ولكنه لا يحارب عليا وله أمل في الشهادة قاتلا أو مقتولا، أو ثقة بالحق تعوضه ~~من خسارة الدنيا، وليس بالعجيب من طبيعة عمرو أن يلوذ بالحيطة، غير حافل بمقال الناس إذا ~~خاف على حياته، وأيقن من ضياع دينه ودنياه. # ومهما يكن من مبلغ الصدق في هذه الرواية، فالمتفق عليه بين ولاته وعداته أنه اشتهر في ~~صفين بجهاد الحيلة والدعوة، ولم يشتهر فيها بجهاد البسالة والبلاء. # أما جهوده في مسألة التحكيم # 2 # بين علي ومعاوية، فقد أفادت معاوية بالمطاولة والمراوغة أضعاف فائدتها إياه ~~بالنتيجة التي انتهى إليها قرار عمرو وقرار أبي موسى الأشعري؛ لأن تطاول الأيام أعان على ~~تفريق جيش علي وتبديد شمله، وشيوع اللغط بين طوائفه وأصحاب المذاهب المغالية من ~~المتمردين عليه، ولا سيما الخوارج والقائلين بتحريم القتال وكل ما أعان على تفريق جيش ~~علي فهو معين على تعزيز جيش معاوية، وتقريب طلاب المغانم وتباع الفرص من دولته ~~وسلطانه. # وقد اختار معاوية عمرا للتحكيم وهو لا يأمنه كل الأمان، وربما كان اطمئنانه إلى أبي ~~موسى الأشعري صاحب علي أكبر من اطمئنانه إلى صاحبه ووكيله؛ لأن أبا موسى كان يجهر ~~باجتناب القتال واعتزال الفريقين، وكان اختياره على الكره من علي، وعلى هوى الأشعث بن ~~قيس الذي كان متهما بالتخذيل عن علي، وترويج كل رأي يرضاه معاوية، ولا سيما بعد زيارة ~~قيس لمعاوية في إبان معركة صفين. # والذي حدث في أوائل المفاوضات خليق أن يسوغ قلق معاوية واسترابته في نيات صاحبه ووكيله، ~~فإنه قال لأبي موسى: ما يمنعك من ابني عبد الله مع فضله وصلاحه وقديم هجرته وصحبته؟ فقال ~~أبو موسى: إن ابنك رجل صدق ولكنك غمسته في هذه الحروب غمسا. # وطالت المفاوضة، فأوجس ms143 معاوية وعظم خوفه، وجاءه داهية العرب المغيرة بن شعبة فألفاه ~~قلقا يتسمع ويستطلع، فقال له: قد أتيتك بخبر الرجلين، قال معاوية: وما خبرهما؟ قال ~~المغيرة: إني خلوت بأبي موسى لأجلو ما عنده، فسألته: ما تقول فيمن اعتزل عن هذا وجلس في ~~بيته كراهية للدماء! فقال: أولئك خيار الناس، خفت ظهورهم من دماء إخوانهم وبطونهم من ~~أموالهم ، فخرجت من عنده وأتيت عمرو بن العاص، فقلت: يا أبا عبد الله! ما تقول فيمن اعتزل ~~هذه الحروب؟ فقال: أولئك أشرار الناس، لم يعرفوا حقا ولم ينكروا باطلا. # ثم عقب قائلا: أنا أحسب أبا موسى الأشعري خالعا صاحبه وجاعلها لرجل لم يشهد، وأحسب ~~هواه في عبد الله بن عمر بن الخطاب، وأما عمرو بن العاص فهو صاحبك الذي عرفته، وأحسبه ~~سيطلبها لنفسه أو لابنه عبد الله، ولا أراه يظن أنك أحق بهذا الأمر منه. # والذي نراه نحن كذلك أن عمرا لم يكن ليظن أن معاوية أحق بالخلافة منه، ولكنه كان أكيس ~~من أن يطلب الخلافة له أو لابنه باتفاق رأيه ورأي أبي موسى الأشعري، دون ما يستلزمه طلب ~~الخلافة من الجند والدولة والعصبية، فماذا عساه أن يغنم بالاتفاق مع الأشعري على ~~المبايعة لابنه عبد الله؟ إنه يخسر عضد معاوية، ولا يكسب أحدا من أنصار علي، ولا يصل هو ~~ولا ابنه عبد الله إلى مأرب، وإنما نعتقد أنه ذكر اسم عبد الله ليغرر بأبي موسى، ويلقي ~~في روعه أنه غير جاد في خدمة معاوية، وأنه يعمل لنفسه ولأعقابه من بعده، وقد أصابت هذه ~~الحيلة محزها، فصدق أبو موسى أن عمرا يخلع معاوية، وأنه إذا قام على المنبر ليخلع ~~عليا، قام عمرو من بعده فخلع معاوية، وترك الأمر شورى ليظفر به ابنه فيما يرتجيه، فلما ~~اتفقا على خلع الاثنين وأن يبدأ أبو موسى بخلع صاحبه، قبل هذا الاتفاق ولم يتردد في ~~إنفاذه، وهو يحسب أن خذلان عمرو لمعاوية غير بعيد، ما دام يطمع فيها لنفسه من طريق ~~الدعوة إلى ابنه. # وإن جهد عمرو في مسألة التحكيم ms144 لجهد يسير عليه، ولكنه حقيق من معاوية بجزاء غير ~~يسير. # ولقد تطلع عمرو لهذا الجزاء الذي طال اشتياقه إليه، وهو ولاية مصر جامعة موروثة في ~~عقبه، فماطله معاوية زمنا واستكثر عليه هذه «الطمعة» التي اشتهاها، وأسر في نفسه إذا هو ~~رضخ له بشيء منها أن يرجع فيما أعطاه بذريعة من الذرائع التي لا تعيبه، فكتب في وثيقة ~~تصالحا عليها أن ولاية مصر لعمرو «على ألا ينقض شرط طاعة»، وهو يريد أن يتعلل له بالخروج ~~عن طاعته فيبطل شرطه، وفطن عمرو لما وراء هذا «القيد» المقحم في الوثيقة فأنكره، وكتب: ~~«على ألا تنقض طاعة شرطا ...» يريد أن الطاعة لن تخول معاوية الرجعة فيما اتفقا ~~عليه. # وكان معاوية يتهم عمرا بالعجلة كلما ذكر له مصر وأغراه بالزحف إليها، فجمع خاصته يوما ~~يسألهم: هل تدرون ما أدعوكم إليه؟ قالوا: لا يعلم الغيب إلا الله، فقال عمرو: «نعم ... ~~أهمك أمر مصر وخراجها الكثير وعدد أهلها، فتدعونا لنشير عليك فاعزم وانهض ... في ~~افتتاحها عزك وعز أصحابك وكبت عدوك.» فقال له معاوية: يا بن العاص! إنما أهمك الذي ~~بيننا، يعني طعمة مصر، والتفت إلى صحبه يستشيرهم: ما ترون؟ فوافقوا عمرا، وعاد هذا ~~يقول: «ابعث جيشا كثيفا عليهم رجل حازم صارم تثق به فيأتي إلى مصر، فإنه سيأتيه من كان ~~من أهلها على رأينا، فيظاهره على من كان بها من أعدائنا.» فخالفه معاوية وقال له: «إنك ~~يا بن العاص، بورك لك في العجلة.» # غير أنه لم يلبث أن تلقى من أنصاره بمصر كتابا يستحثه إلى غزوها، ويسأله «أن يتعجل ~~بخيله ورجله، فإن أعداءنا قد أصبحوا لنا هائبين». # فعندئذ قبل نصيحة عمرو، وأشخصه على رأس جيش عدته ستة آلاف رجل، وخرج يودعه ولا يزال ~~يحذره العجلة ويوصيه بالرفق «فإنه يمن، والعجلة من الشيطان». # ولولا الكتاب من أنصاره بمصر لقد كان معاوية يؤثر أن يفتحها له أولئك الأنصار، وأن يولي ~~عليها زعيما من زعمائهم، وله الحجة الناهضة في ذلك، إذ كان القائد المتغلب على البلد ~~أولى بولايته من الطارق ms145 الواغل الذي يقبل عليه لينازعه ثمرة جهاده. # على أن مصر لم تكن إلى ذلك الحين طعمة سائغة ولا طعمة عصية، فقد كان فيها محمد بن أبي ~~بكر لا يزال واليا عليها من قبل علي بن أبي طالب، وكان قد ولاه حكمها بعد عزل قيس بن ~~سعد، أقدر رجاله وأخبرهم بشئون الولاية والسياسة، فقال قيس وهو يسلمه مقاليد الأمر: «ليس ~~عزله إياي بمانعي أن أنصح لك وله، وأنا من أمركم هذا على بصيرة، وأنا أدلك على الذي كنت ~~أكايد به معاوية وعمرا وجماعة العثمانية المقيمين بخربتا، فكايدهم به ...!» إلا أن محمد ~~بن أبي بكر لم يستمع له واستغشه، وبطش بالعثمانية بطشة عنيفة فثاروا عليه، وثار معهم ~~من لم يكن على رأيهم، وأبوا أن يقيموا على حكمه، فصالحهم آخر الأمر على أن يلحقوا ~~بمعاوية في الشام، فلحق به الغلاة منهم وبقيت لهم بقية تنطوي على مضض وتترقب الفرصة، ~~وتزداد أملا ويزداد الأنصار من حولها كلما تضاءل أمر علي وتعاظم ملك معاوية. # فلما أقبل عمرو على مصر أقبل عليها فاتحا قبل أن ينالها واليا مكين الولاية، وكان ~~«عمرو الفاتح» يعمل لمعاوية كمن يعمل «لعمرو الوالي» إذا تم له الفتح كما اشتهاه. # وأوشك الفتح الثاني أن يكون نسخة مكررة من الفتح الأول: عمرو يستعجل غزو مصر ويتهم ~~بالعجلة، ثم يدخل مصر وفيها حكومة وشعب لا يتفقان، ثم يسلك الطريق الذي سلكه أول مرة، ثم ~~يلتقي بجيش محمد بن أبي بكر، كما التقى بجيش الرومان من قبل في جيزة بلبيس، على مسافة ~~قريبة من الوقعة الأولى عند قرية تسمى المنشأة. # أما محمد بن أبي بكر فقد دافع عن مصر دفاع المستميت، وصمد لأنصار معاوية المقيمين ~~والقادمين صمود الأبطال، ولكنه أخفق في دفاعه؛ لأنه لم يلبث أن رأى جنوده يتفرقون عنه ~~يأسا من الدولة المولية، وأملا في الدولة المقبلة، ثم تعقبه أعداؤه حتى ظفروا به ~~فمثلوا به شر تمثيل! # ومن الإنصاف لعمرو أن يعلم أنه كان بريء اليد في هذه المثلة الذميمة، فقد كان عمرو يشير ms146 ~~على معاوية بقتل الأسرى والنقمة من أصحاب علي، حيث كان معاوية هو المسئول عن قتلهم ~~والنقمة منهم، فلما تفرد بالتبعة في أمثال هذه المشورات أقصاها عنه جهده، ووقف منها موقف ~~من لا يدفع ولا يمنع، فكتب إلى محمد بن أبي بكر يقول له: «تنح عني بدمك يا بن أبي بكر، ~~فإني لا أحب أن يصيبك مني ظفر.» ثم وقع محمد في أسر معاوية بن حديج، وهو من أسفه ~~العثمانية عصبية لحزبه، فأرسل إليه عمرو أن يأتيه به كرامة لأبيه ولأخيه عبد الرحمن بن ~~أبي بكر، وقد كان من عجائب التفرق بين الأحزاب أن محمدا يشايع عليا، وعبد الرحمن ~~يحاربه في جيش الشام! فلم تنفع وساطة عمرو، وأقسم معاوية بن حديج ليقتلنه شر قتلة، وجاء ~~به، فطلب ماء فقال ابن حديج: لا سقاني الله إن سقيتك قطرة! إنكم منعتم عثمان الماء ثم ~~قتلتموه صائما، فتلقاه الله بالرحيق المختوم، والله لأقتلنك يا بن أبي بكر، فليسقك الله ~~من الجحيم! # ولم تفارق محمدا أنفته بين يدي آسريه، فأغلظ الجواب لهم وتلفت قائلا: والله لو كان ~~سيفي بيدي ما بلغتم بي هذا، فقتلوه «وألقوه في جيفة حمار ميت، ثم حرقوه بالنار»! # ونفض عمرو يده من هذه المثلات وأشباهها، وجهد في تهدئة الزعازع بمصر، وتمهيد الأمر فيها ~~لنفسه ولأعقابه من بعده، وسرعان ما تمهد له بعد مقتل علي ونجاته هو من القتل في السابع ~~عشر من رمضان سنة أربعين للهجرة. # وذلك أن ثلاثة من الخوارج تآمروا على قتل علي ومعاوية وعمرو في ليلة واحدة، فأما صاحب ~~علي فقد أصابه، وأما معاوية وعمرو فقد نجوا من صاحبيهما، وقتل خارجة بن حذافة صاحب ~~الشرطة؛ لأنه خرج للصلاة في مكان عمرو، إذ كان هذا يشتكي بطنه في تلك الليلة، فقال عمرو: ~~أردتني وأراد الله خارجة! وأمر بقتله. # ولم يعرض له في ولايته الثانية حادث ذو بال بعد هذا الحادث، فقد هدأت مصر واجتمع الناس ~~على مبايعة معاوية في سنة إحدى وأربعين للهجرة، فسميت «عام الجماعة» ... وحكمت الشيخوخة ~~حكمها، ms147 فوهن جسمه وتتابع سقمه ودانت له الدنيا، وهو يقول إذا سئل عن حاله: «إنه حال من ~~يذوب ولا يثوب!» # وإنه على هذا لمجدود مسعود. # فمن آية الجد أن ينتفع الإنسان بما يضير الناس، وقد انتفع عمرو بوهنه مرتين: مرة حين ~~نجا من الموت لاشتكاء بطنه، ومرة حين سلمت له الولاية ببركة هذا الوهن الذي لا محيص عنه، ~~فلولاه لما طابت نفس معاوية له بولاية يملك فيها الأموال والرجال، ولعله يعيش بعده فيغلب ~~أعقابه على الخلافة، وأهون شيء أن ينتزع ابن العاص في شبابه أو كهولته خلافة من ~~يزيد. # على أن هذا الفؤاد المتوهج بنوازع الحياة لم يسأم العيش يوما، وقد جاوز الثمانين، أو ~~قارب المائة في قول آخرين، فبكى وهو يجود بنفسه أسفا على الحياة، وقال لأبنائه: «إذا ~~واريتموني فاقعدوا عند قبري قدر نحر جزور وتفصيلها، # 3 # أستأنس بكم حتى أعلم ما أراجع به رسل ربي.» # ورحمه الله ... إنه لم يدع الأحوط من الأمرين حيث يدع الحي نفسه، فكان يقول وهو على سرير ~~الموت: «لو كان ينفعني أن أطلب لطلبت، ولو كان ينجيني أن أهرب لهربت.» وربما نظر إلى ~~أمواله فقال: «من يأخذها بأوزارها؟» وقبل ذلك بعام أو عامين كان يسأله معاوية عما بقي له ~~من لذات العيش فيقول: «مال أغرسه وخبر من ضيعتي!» ~~••• # وكانت وفاته ليلة عيد الفطر سنة ثلاث وأربعين للهجرة، فدفن بجوار المقطم عند ضريح ~~الإمام الشافعي القائم الآن، وضم معاوية خزائنه إلى بيت المال، وولاية مصر إلى أخيه عتبة ~~بن أبي سفيان. # وكذلك انقضت حياة حافلة، حياة عاملة، وحياة طائلة، وصح فيه على تباين الآراء والأقوال ~~أنه رجل من عظماء الرجال، فمهما يختلف المختلفون في نياته وحسناته أو سيئاته، فالذي لا ~~خلاف فيه أنه كسب للإسلام قطرين كبيرين: هما فلسطين ومصر، وأن له سهما وافرا في كل ما ~~نحسبه للدولة الأموية من العظائم والمآثر في تاريخ الأمة العربية والأمم ~~الإسلامية. # الفصل العاشر # | من كلامه # من تمام القول في عمرو بن العاص، بل من تمام العلم به، ms148 أن نلم بطرف من كلامه الذي يدل ~~عليه. # وقد نسب إليه كلام كثير نسب إلى غيره، وكان شأنه في هذا كشأن الجلة من النابهين في ~~صدر الإسلام فيما ينقل عنهم، فربما نسبت الكلمة الواحدة إلى ثلاثة أو أربعة من أبناء عصر ~~واحد أو عصور متفرقة، بيد أننا نعتمد في نسبة الكلام إليه مشابهته لما أثر عن خلقه ونسق ~~تفكيره، ثم شيوع الرواية ومكان رواتها من الثقة والدراية. # فما يشبهه في التعاظم بالنسب، أو في الخصلة التي نسميها اليوم بالنزعة الأرستقراطية أنه ~~قال لمعاوية: «يا أمير المؤمنين! لا تكن بشيء في أمور رعيتك أشد تعمدا منك لخصاصة ~~الكريم حتى تعمل في سدها، ولطغيان اللئيم حتى تعمل في قمعه واستوحش من الكريم الجائع، ~~ومن اللئيم الشبعان، فإن الكريم يصول إذا جاع، واللئيم يصول إذا شبع.» # وكان يؤمن بهذا الرأي كثيرا، ولا يزال يعيده، فقال في مناسبة أخرى: «موت ألف من ~~العلية، أقل ضررا من ارتفاع واحد من السفلة.» # ويتصل بهذا المعنى وقد يكون فيه اعتذار من حربه لعلي بن أبي طالب، قوله لابنه عن الإمام ~~والحكومة: «يا بني! إمام عادل خير من مطر وابل، وأسد خطوم خير من إمام ظلوم، وإمام ظلوم ~~غشوم خير من فتنة تدوم، يا بني! مزاحمة الأحمق خير من مصافحته، يا بني! زلة الرجل عظم ~~يجبر، وزلة اللسان لا تبقي ولا تذر، يا بني! استراح من لا عقل له!» # ومن وصفه للرجال: «الرجال ثلاثة: فرجل تام، ونصف رجل، ولا شيء. فأما الرجل التام فالذي ~~يكمل دينه وعقله، فإذا أراد أمرا لم يمضه حتى يستشير أهل الرأي، فإذا وافقوه حمد الله ~~وأمضى رأيه فلا يزال مضيه موثقا، ونصف رجل الذي لم يكمل الله له دينه وعقله، فإذا أراد ~~أمرا لم يستشر فيه أحدا، وقال: أي الناس كنت أطيعه أو أترك رأيي لرأيه؟ فيصيب ويخطئ، ~~والذي لا شيء من لا دين ولا عقل له، ولا يستشير في الأمر فلا يزال مخطئا مدبرا! ... ~~ووالله إني لأستشير في الأمر حتى خدمي ...!» # ووصف ms149 عبد الملك بن مروان، فقال: «آخذ بثلاث، تارك لثلاث: آخذ بقلوب الرجال إذا حدث، ~~وبحسن الاستماع إذا حدث، وبأيسر الأمرين عليه إذا خولف، تارك للمراء، تارك لمقاربة ~~اللئيم، تارك لما يعتذر منه.» # ويتعاطى وصف الأمم على رأيه، كما قال في أقوام زمانه: «أهل الشام أطوع الناس لمخلوق ~~وأعصاهم للخالق، وأهل مصر أكيسهم صغارا وأحمقهم كبارا، وأهل الحجاز أسرع الناس إلى ~~الفتنة وأعجزهم عنها، وأهل العراق أطلبهم للعلم وأبعدهم منه!» # على أنه كان وصافة لا يجارى في وصف المناظر الكبيرة بالكلمات القليلة، ومن أبرع صفاته ~~للطبيعة والناس معا قوله في البحر: «إنه خلق عظيم، يركبه خلق صغير: فدود على ~~عود!» # وكان بليغ البادرة سريع الجواب، سديدا في توفيق لفظه ومعناه، ولا عجب أن يكون كذلك، ~~وهو مع ذكائه المتوقد عرضه للمسبة، مضطر إلى إفحام من يتعمدونه بالغض والإزراء! # قال له المنذر بن الجارود العبدي: أي رجل أنت لو لم تكن أمك من هي! فسرعان ما ردها ~~عليه قائلا: «لقد فكرت فيها البارحة، فجعلت أنقلها في قبائل العرب، فما خطر لي عبد قيس ~~ببال!» # وقال له رجل: والله لأتفرغن لك، فقال: «هنالك وقعت في الشغل!» قال الرجل: «كأنك تهددني؟ ~~والله لئن قلت لي كلمة لأقولن لك عشرا.» قال: «وأنت والله لئن قلت لي عشرا لم أقل لك ~~واحدة!» # وقال له سلام بن روح الخزاعي: كان بينكم وبين الفتنة باب فكسرتموه، فما حملكم على ذلك؟ ~~قال: «أردنا أن نخرج الحق من حظيرة الباطل، وأن يكون الناس في الحق سواء.» # ومن أشبه الأجوبة به وقد سئل: ما السرور؟ فقال: «الغمرات ثم تنجلي ...» فهي كلمة رجل يقدم ~~على المغامرة، ويحسن جلاء الغمرات. # وشبيه به كذلك قوله: «ما وضعت عند أحد من الناس سرا فأفشاه فلمته ...» فسئل: ولم؟ قال: ~~«أنا كنت به أضيق صدرا حين استودعته إياه.» # وشبيه به على هذا النحو قوله: «لا أمل دابتي ما حملتني، ولا زوجتي ما أحسنت عشرتي، ~~ولا جليسي ما لم يصرف وجهه عني.» لأن الذي يصطنع الناس ويشتري الصدقات، ms150 ويتجمل للرئاسة ~~لا بد له من هذه الخصال. ~~••• # وقد اشتهرت القبريات في آداب الأمم، وشاعت الكلمات التي حفظت عن العظماء في ساعاتهم ~~الأخيرة، فلو جمعت كلمات المحتضرين ومن يواجهون الموت، لما كان في عظماء المسلمين أحفل ~~من عمرو بن العاص نصيبا من هذا الأدب الذي يدل على حظ قائليه من الحياة، وميزانهم في ~~الحسنات والسيئات، ومعظم المنقول عنه في هذا الصدد يوائمه أن يقوله، ويشبه ما يستقبل به ~~آخرته ويودع دنياه! # فكان في أخريات أيامه يدعو الله قائلا: «اللهم آتيت عمرا مالا فإذا كان أحب إليك أن ~~تسلب عمرا ماله ولا تعذبه بالنار، فاسلبه ماله! وإنك آتيت عمرا أولادا، فإن كان أحب ~~إليك أن تثكل عمرا ولده ولا تعذبه بالنار فأثكله ولده، وأنك آتيت عمرا سلطانا، فإن ~~كان أحب إليك أن تنزع منه سلطانه ولا تعذبه بالنار، فانزع منه سلطانه.» # ويرحمه الله! لقد دخل الإسلام وهو يشترط أن يضمن له إسلامه سقوط العقاب على آثام ماضية ~~وهم بمفارقة الدنيا فلم يبال أن يخسر ماله أو ولده أو سلطانه إذا ضمن شيئا واحدا في ~~الآخرة: ألا يعذب بالنار! # وكان يقول لبنيه، كأنه حسب نصيبه من جانبيه، ورفع ميزانه بيديه: «إني لست في الشرك الذي ~~لو مت عليه أدخلت النار، ولا في الإسلام الذي لو مت عليه أدخلت الجنة، فمهما قصرت فيه ~~فإني متمسك بلا إله إلا الله.» # وكان يقول: «اللهم لا قوي فأنتصر ولا بريء فأعتذر، ولا مستكبر بل مستغفر، لا إله إلا ~~أنت، لا إله إلا أنت.» ولم يزل يرددها حتى مات. # وردد في سرير موته استغفاره الذي يقول فيه: «اللهم أمرت بأمور ونهيت عن أمور، فتركنا ~~كثيرا مما أمرت، ووقعنا في كثير مما نهيب ... اللهم لا إله إلا أنت، اللهم لا إله إلا ~~أنت.» # ودخل عليه ابن عباس في مرض موته، فسأله: كيف أصبحت؟ قال: «أصبحت وقد أصلحت من دنياي ~~قليلا وأفسدت كثيرا، فلو كان ما أصلحت هو ما أفسدت لفزت، ولو كان ينفعني أن أطلب طلبت، ~~ولو كان ms151 ينجيني أن أهرب لهربت، فعظني بموعظة أنتفع بها يا بن أخي!» قال ابن عباس: هيهات ~~يا أبا عبد الله ... فأجابه بكلمة يجري بها لسان من يحضرون السلطان ويردون الوقيعة عنده، ~~كأنه أراد أن يستجلب رحمة الله بكلمة ابن عباس، فقال: «اللهم إن ابن عباس يقنطني من ~~رحمتك، فخذ مني حتى ترضى!» # وليس بين العظماء في صدر الإسلام من استقبل الموت بكلام أجزل من هذا الكلام، وأدل منه ~~على شعور صاحبه في مفترق الدنيا والآخرة، وجملة ما يدل عليه أنه كلام رجل ملأته الحياة ~~ودوافعها القوية، فلم يخطر الموت بباله حتى خطر له مرة واحدة، وهو بين يديه لا منصرف ~~عنه. ~~••• # تلك أمثلة عابرة من كلماته المأثورة غير ما تقدمت الإشارة إليه في سياق الكتاب. # وقد رويت له آثار في الشعر والخطب الطوال تسلكه بين الشعراء والخطباء، فنسب إليه من ~~الشعر هذان البيتان: # معاوي لا أعطيك ديني ولم أنل # به منك دنيا فانظرن كيف تصنع # فإن تعطني مصرا فأربح بصفقة # أخذت بها شيخا يضر وينفع # ونسبت إليه أبيات قالها لعمارة الذي راود امرأته، بعد أن أوقع به في الحبشة: # إذا المرء لم يترك طعاما يحبه # ولم ينه قلبا غاويا حيث يمما # قضى وطرا منه وغادر سبة # إذا ذكرت أمثالها تملأ الفما # من الآن فانزع عن مطاعم جمة # وعالج أمور الموت لا تتندما # ومن الشعر المنسوب إليه وصف فرسه في قوله: # شبت الحرب فأعددت لها # مفرع الحارك محبوك الثبج # 1 # يصل الشد بشد فإذا # ونت الخيل من الشد معج # 2 # وكل ما نسب إليه من شعر فهو من هذه الطبقة التي لا تسف، ولا تعلو إلى الذروة بين بدائع ~~الشعراء. # أما الخطب المطولة ففي النموذج التالي غنى في الإبانة عن قدرته عليها، وهو شطر من خطبة ~~ألقاها يوم الجمعة قال فيها: # يا معشر الناس إياي وخلالا أربعا، فإنها تدعو إلى النصب بعد الراحة، وإلى ~~الضيق بعد السعة، وإلى الذل بعد العز: إياي وكثرة العيال، وانخفاض الحال، ~~وتضييع المال، والقيل والقال، في غير ms152 درك ولا نوال إنه لا بد من فراغ يئول ~~المرء إليه في توديع جسمه، والتدبير لشأنه وتخليته بين نفسه وشهواتها، فمن صار ~~إلى ذلك فليأخذ بالقصد والنصيب الأقل، ولا يضيع المرء في فراغه نصيب نفسه من ~~العلم، فيكون من الخير عاطلا، وعن حلال الله وحرامه عادلا، يا معشر الناس: ~~قد تدلت الجوزاء وارتفعت الشعرى، وأقلعت السماء وارتفع الوباء، وقل الندى وطاب ~~المرعى، ووضعت الحوامل ودرجت السخائل، وعلى الراعي حسن النظر ... فحي بكم على ~~بركة الله إلى ريفكم، فتنالوا من خيره ولبنه وخرافه وصيده، وأربعوا خيلكم ~~وأسمنوها وصونوها وأكرموها، فإنها جنتكم من عدوكم، وبها تنالون مغانمكم ~~وأنفالكم، واستوصوا بمن جاورتم من القبط خيرا، وإياكم والمشمومات المعسولات، ~~فإنهن يفسدن الدين ويقصرن الهمم. حدثني أمير المؤمنين عمر أنه سمع رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يقول: «إن الله سيفتح عليكم مصرا فاستوصوا بقبطها خيرا، فإن لهم ~~فيكم صهرا وذمة.» فكفوا أيديكم وفروجكم وغضوا أبصاركم، فلا أعلمن ما أتاني ~~رجل قد أسمن جسمه وأهزل فرسه، واعلموا أنني معترض الخيل كاعتراض الرجال، فمن ~~أهزل فرسه من غير علة حططته من فريضته قدر ذلك، واعلموا أنكم في رباط إلى يوم ~~القيامة، لكثرة الأعداء حولكم ولإشراف قلوبهم إليكم وإلى داركم، معدن الزرع ~~والمال، والخير الواسع والبركة النامية. حدثني عمر أمير المؤمنين أنه سمع رسول ~~الله يقول: «إذا فتح الله عليكم مصر فاتخذوا فيها جندا كثيفا، فذلك الجند ~~خير أجناد الأرض.» فقال أبو بكر: ولم ذاك يا رسول الله؟ قال: «لأنهم وأزواجهم ~~في رباط إلى يوم القيامة.» فاحمدوا ربكم معشر الناس على ما أولاكم، وأقيموا في ~~ريفكم ما بدا لكم، فإذا يبس العود وسخن العمود وكثر الذباب وحمض اللبن وصوح ~~البقل، وانقطع الورد من الشجر، فحي على فسطاطكم على بركة الله، ولا يقدمن أحد ~~منكم ذو عيال على عياله إلا ومعه تحفة لعياله، على ما أطاق من سعته أو عسرته، ~~أقول قولي هذا وأستحفظ الله عليكم. # وهذا نموذج نادر من الخطب المنبرية التي كان الخطيب فيها يتولى «وظيفة» ms153 الوالي والواعظ ~~والوالد والزعيم، وكان فيها مسحة من البرامج السياسية، والخطط الإدارية ونفحة من الشعر ~~وقبس من الدين والحكمة. ~~••• # ومن لواحق هذا الباب أن نأتي ببعض الأحاديث التي رواها عمرو عن النبي # صلى الله عليه وسلم ~~؛ لأن عقل ~~الرجل ودينه قد يظهران مما يجري على لسانه من كلام غيره، كما يظهران من كلامه. # قال رجل من بني بكر بن وائل: لئن لم تنته قريش ليضيعن هذا الأمر في جمهور من جماهير ~~العرب سواهم، فقال عمرو بن العاص: كذبت! سمعت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يقول: «قريش ولاة الناس ~~في الخير والشر إلى يوم القيامة.» # واختصم رجلان إلى النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، فقال لعمرو: «اقض بينهما.» فقال: أنت أولى بذلك مني ~~يا رسول الله! قال: «وإن كان.» قال: فإذا قضيت بينهما فما لي؟ قال: «إن أنت قضيت بينهما ~~فأصبت القضاء فلك عشر حسنات، وإن أنت اجتهدت فأخطأت فلك حسنة.» # وقال عمرو: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد - وكان في غزوة ذات السلاسل - فأشفقت إن ~~اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، فلما قدمنا على رسول الله ذكرت ذلك ~~فقال: «يا عمرو! صليت بأصحابك وأنت جنب؟» قلت: نعم يا رسول الله! إني احتلمت في ليلة ~~باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، وذكرت قول الله - عز وجل: # ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم ~~رحيما ~~[النساء: 92]. فتيممت ثم صليت، فضحك رسول الله # صلى الله عليه وسلم # ولم يقل ~~شيئا. ~~••• # واستأذن على فاطمة - رضي الله عنها - فأذنت له، فسأل: ثم علي؟ قالوا: لا. فرجع، ثم ~~استأذن عليها مرة أخرى، فسأل كذلك: ثم علي؟ قالوا: نعم فدخل، فقال له علي: ما منعك أن ~~تدخل حين لم تجدني ههنا؟ قال: إن رسول الله نهانا أن ندخل على المغيبات. ~~••• # وإن الرجل في حديثه مع النبي لهو عمرو بن العاص في كل ما ثبت له من رواية أو عمل أو ~~مقال. # الفصل الحادي عشر # | خاتمة مفسرة # ظهرت في السنوات الأخيرة كتب عدة ms154 عن تاريخ مصر، كتب بعضها باللغة العربية، وكتب أكثرها ~~باللغات الأوروبية، ووجهتها جميعا تشويه الماضي وتصوير الحاضر على الصورة التي توافق ~~أهواء المؤلفين، وتخدم مساعيهم التي لا تخفى ... ولا تفهم أهواء أولئك المؤلفين إلا على ~~وجه واحد، وهو أنهم يتمنون لو لم تخرج مصر من حكم الدولة الرومانية، ومن رعاية كنيستها ~~التي كانت قائمة يومئذ في القسطنطينية وفي رومة ، وكل ما يأتي بعد ذلك من تصويرات أولئك ~~المؤرخين، فهو مفهوم على هذا الاعتبار. # وقد أعددنا هذه الطبعة من هذا الكتاب # 1 # فوجب علينا جلاء الحقيقة عن وجه التاريخ في هذه المسألة التي يشوه فيها ~~الماضي، خدمة لبعض المساعي الأجنبية في الوقت الحاضر، ولا نحب أن نتوسع في الشروح ~~والتفصيلات، ولكننا نحسب أن الصفحات التي عبرها القارئ كافية لنقض تلك الأهواء واجتناب ~~المزالق التي ينحدر إليها من يقرءون التاريخ، ولا يلتفتون إلى تسخيره في خدمة أصحاب ~~المآرب والسعايات. # فمن حقائق التاريخ التي لا تحجبها الأهواء، أن انتشار المسيحية في مصر إنما كان ~~احتجاجا روحانيا على الدولة الرومانية؛ ولهذا لم ينقطع الخلاف بين مصر والدولة ~~الرومانية بعد دخول هذه في الدين المسيحي، فقد ظهر سخط المصريين بعد ذلك في صورة أخرى، ~~فقاوموا المذهب الملكي الذي فرضته عليهم تلك الدولة، وفرقوا بينه وبين مذهبهم بهذه ~~التسمية التي جعلت المذهب الحكومي الروماني في جانب، وجعلت المذهب القومي المصري في ~~الجانب الآخر، ودار النزاع على هذا المحور إلى نهاية عهد الدولة في الديار ~~المصرية. # كذلك ينقض التاريخ كل ما يقال عن التفرقة بين عناصر الوطنية المصرية؛ فمن الحقائق ~~الواضحة أن المسلمين والمسيحيين سواء في تكوين السلالة القومية، ولا فرق بين هؤلاء ~~وهؤلاء في الأصالة والقدم عند الانتساب إلى هذه البلاد، فإذا كان بين المسلمين المصريين ~~أناس وفدوا من بلاد العرب أو الترك، فبين المسيحيين المصريين كذلك أناس وفدوا من سورية ~~واليونان والحبشة، ودانوا بمذهب الكنيسة المصرية أو بغيره من المذاهب المسيحية، ويبقى ~~العديد الأعظم بعد ذلك سلالة مصرية عريقة، ترجع بآبائها وأجدادها إلى أقدم العهود ms155 قبل ~~الميلاد المسيحي، وقبل بعثة موسى - عليه السلام. # وحديث المظالم التي يلج المؤرخون المغرضون في التنقيب عنها قد تثبت كل الثبوت أو تثبت ~~المبالغة فيها لغرض من الأغراض، ولكنها إذا رويت على حقيقتها التاريخية مجردة من تلك ~~الأغراض، لم تنحصر في مصر ولا في بلد واحد من بلاد العالم ... فمن أجل المظالم وأشباهها ~~ثارت الأمم في الغرب والشرق، ومنها أمم مسيحية تثور على حكام مسيحيين، أو أمم إسلامية ~~تثور على حكام مسلمين، وقد يكون الثائرون والطغاة من أبناء نحلة واحدة تنتمي إلى دين ~~واحد، كما حدث منذ القرون الوسطى إلى القرن الأخير. # وعصمة القارئ والمؤرخ في تمحيص الحقائق أن يلتمس هوى «الدولة الرومانية» في كتابة تاريخ ~~هذا البلد بعد زوالها، فكل من كتب التاريخ كأنه يضع نفسه في موضع تلك الدولة ويتحسر على ~~زوالها، وزوال سلطانها وسلطان عواهلها وأحبارها، فهو «أجنبي الهوى» يشوه الماضي، ثم لا ~~يعنيه تشويه الماضي في الواقع، بل يريد أن يتسلل من الماضي كما يصوره إلى الحاضر كما ~~يشتهيه، ودون ذلك، ويعتصم الحق بحمى الوطن وحمى التاريخ. ms156