######OpenITI# #META# URI: 1383CabbasMahmudCaqqad.CaqaidMufakkirin.Hindawi73140837 #META# Tags: literature #META# ID: 73140837 #META# Title: عقائد المفكرين #META# AuthorID: 64642852 #META# Author: عباس محمود العقاد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # كلمة تقديم‏ # ما هي العقيدة الدينية؟ ‏ # سمة العصر‏ # مركز الكون‏ # قوانين المادة‏ # مذهب التطور‏ # المقارنة بين الأديان‏ # مشكلة الشر‏ # محصل وتمهيد‏ # عقائد العلماء‏ # عقائد الأدباء‏ # عقائد الفلاسفة‏ # الفلاسفة الوجوديون‏ # العقيدة الأخلاقية‏ # بعد مليون سنة‏ # تعقيب‏ # كلمة على الغلاف‏ # كلمة تقديم‏ # ما هي العقيدة الدينية؟ ‏ # سمة العصر‏ # مركز الكون‏ # قوانين المادة‏ # مذهب التطور‏ # المقارنة بين الأديان‏ # مشكلة الشر‏ # محصل وتمهيد‏ # عقائد العلماء‏ # عقائد الأدباء‏ # عقائد الفلاسفة‏ # الفلاسفة الوجوديون‏ # العقيدة الأخلاقية‏ # بعد مليون سنة‏ # تعقيب‏ # كلمة على الغلاف‏ # | عقائد المفكرين # | عقائد المفكرين # تأليف # عباس محمود العقاد # | كلمة تقديم # تجدد البحث في الحضارة الأوروبية الحديثة في مسألة العقيدة الدينية، وشعر كثير من ~~المفكرين أبناء القرن العشرين بخواء النفس من جراء مبادئ الإنكار والتعطيل التي شاعت خلال ~~القرن التاسع عشر، واجتهد بعضهم في التوفيق بين أصول العلم وأصول الإيمان، وحاول آخرون أن ~~يتخذوا لهم ديانة خاصة يطمئنون إليها بعقولهم وضمائرهم ويجدون عندها راحة القلب والبصيرة، ~~وأسفرت هذه البحوث عن اتجاه جديد لا يزال في مفتتح الطريق، فما هو هذا الاتجاه الجديد؟ وإلى ~~أين تنتهي هذه الطريق؟ # هل لها مرحلة أخرى ينتظرها الباحثون والمفكرون؟ وهل تستقيم الخطى بعد هذه الخطوة المترددة ~~على منهاج واضح المعالم والغايات؟ # في الصفحات التالية جواب هذا السؤال. ونرجو أن يكون جوابا شاملا لوجهات النظر المختلفة، ~~بما يستطاع من الإيجاز في هذا الحيز المحدود. # وظاهر مما تقدم، ومن عنوان الكتاب، أننا نقصر القول على القرن العشرين، فلا نعرض لآراء ~~المفكرين التي سلفت قبل شيوع المباحث الأخيرة في العلوم ومذاهب الأخلاق، ولا نتحدث عن ~~العقائد الموروثة التي يتساوى فيها حكم القرن العشرين وما تقدمه من القرون، فليس للتفكير ~~الخاص بالقرن العشرين علاقة بهذا الموضوع. # كذلك لا نتعرض لأقوال المنكرين الذين جزموا بالإنكار وأوهموا أنفسهم أنه هو الحل الأخير ~~لمسألة الدين ومسألة الحياة والوجود على العموم، فإن الاعتقاد هو الذي نعنيه وهو الذي تجددت ~~له أسباب في القرن العشرين لم تكن ظاهرة في القرون القريبة التي سبقته ... أما الإنكار فلا ~~جديد عليه من ms001 علوم القرن العشرين أو من حوادثه وكشوفه أو من تقديراته وفروضه، فمن كان ~~منكرا قبل هذا القرن فأسباب الإنكار فيما مضى هي أسباب الإنكار فيما حضر، وليس عليها من ~~طارئ جديد يتعلل به المنكرون. # إن الإنكار نفي، والنفي لا يزداد ولا ينتظر الزيادة، وإنما تكون الزيادة في جانب الإثبات ~~والتقرير، فما كان محاولة غامضة في زمن من الأزمان يصبح محاولة واضحة في زمن آخر، ثم يصبح ~~محاولة ناجحة أو متفائلة بالنجاح في زمن يليه، ثم ينتقل من المحاولة الضعيفة إلى محاولة ~~قوية، ومن المحاولة المتفرقة إلى المحاولة المجتمعة، ومن المحاولة جملة إلى الثبوت والقرار ~~على وجه من الوجوه. # فقد انتهى إنكار المنكرين عند النفي الحاسم ووقف عنده فلا مزيد عليه. # أما العقيدة فهي التي تحاول وتجتهد، وهي التي تفتح الأبواب الجديدة بابا بعد باب، وهي ~~التي تلتمس الطريق ولا تقف عند الغاية التي لا طريق بعدها، كما فعل المنكرون. # ومما لا شك فيه أن الحضارة الغربية ألجأت مفكريها إلى محاولات جديدة في مسألة العقيدة ~~الدينية، ولا تزال تدفعهم في هذا الطريق وتستحدث لهم في كل فترة من الزمن وجهة يتابعونها ~~ويترقبون ما وراءها. وقد تختلف الوجهات غاية الاختلاف بين فترة وفترة أو بين مفكر ومفكر، ~~ولكنه اختلاف كاختلاف الإبرة المغناطيسية في السفن التي تعبر المحيط المجهول: هذه إلى ~~اليمين وهذه إلى الشمال، وهذه مترددة وهذه عائدة بعد التردد، وكل إبرة في كل سفينة لها ~~حركاتها ولها رجعاتها، ولكنها لا تختلف إلا لأنها تحاول جميعا أن تصل إلى قطب واحد: هو قطب ~~الشمال، وإن تباعدت مواقع السفن وانعزل بعضها عن بعض في آفاق البحار. # مثل المفكرين الذين تختلف وجهاتهم في مسألة العقيدة الدينية، هو مثل الإبر المغناطيسية ~~التي تختلف حركاتها في السفن السابحة لأنها تسبح في المشرق والمغرب وفي الشمال والجنوب ~~وتتحول من جانب على الكرة الأرضية إلى جانب يقابله أو يوازيه، والمهم في هذه الحركات جميعا ~~أن كل سفينة من السفن تحمل إبرتها وأن كل إبرة منها تنجذب إلى قطبها ms002 ، ولو لم تكن هنالك إبرة ~~ولم يكن هنالك قطب لما اختلفت الوجهة ولا اختلفت الدلالة على الطريق. # والفرق بين السفن التي تحمل الإبرة والسفن التي لا تحملها، هو كالفرق بين الضمير الذي ~~يطلب الإيمان والضمير الذي تعطل وانتهى إلى التعطيل، فليست السفن التي خلت من الإبرة أهدى ~~من السفن التي تتردد فيها الإبرة ذات اليمين وذات الشمال، وليس الدليل الذي يتردد وهو يتجه ~~إلى القطب أضل من الدليل الذي لا يتردد ولا يشعر للقطب بوجود. بل الواقع أن عكس ذلك هو ~~الصحيح. # كذلك طلاب العقيدة حين يحومون في بحر الظلمات حول قطب واحد: تختلف الوجهات لأنها على وفاق ~~نحو الغاية القصوى، ولو لم تختلف لما كانت هناك حركة ولا كان هنالك اتجاه. # ذلك هو أقرب الأمثلة إلى تصوير الوجهات المختلفة في طلب العقيدة الدينية، ولعلنا نتابع ~~هذه الوجهات على بصيرة من أمرها حين نعرف معنى العقيدة الدينية كما يطلبها أولئك المفكرون، ~~فإننا إذا عرفنا معنى هذه العقيدة عندهم عرفنا ما يطلبونه وعرفنا من أين يطلبونه، وقد نعرف ~~من ثمة ما هي العقبات التي وقفت لهم في الطريق فلم يجدوا كل ما طلبوه. # | ما هي العقيدة الدينية؟ # نعم، ما هي العقيدة الدينية التي يعنيها المفكرون الغربيون حين يطلبونها أو يحسبونها ~~مطلبا صالحا للمحاولة والاتباع من طريق إلى طريق؟ # إن مفكري القرن العشرين في الحضارة الغربية هم أحق الناس بالرجوع إليهم في جواب هذا ~~السؤال؛ لأننا نعرف من الطالب نفسه ما يطلبه ولا نعرفه ممن طلبوه قبله، وإن ظهر أنهم متحدون ~~في الغاية والاتجاه. # وقد بحث المشتغلون بالدراسات الدينية زمنا طويلا في أصول الأديان والمقابلة بين العقائد ~~والعبادات منذ أقدم العصور إلى هذه الأيام، وفسروا معنى العقيدة الدينية كما وضحت لهم من ~~هذه البحوث الطوال. # ولكننا لا نعني عقيدة البحث في هذه الدراسات. # إنما نعني بالعقيدة الدينية ما يشتمل عليه وجدان المفكر في العصر الحديث، ولا نعني بها ما ~~تشتمل عليه أوراقه ومجلداته أو متاحفه ومحفوراته ... # إنما نعني بالعقيدة الدينية طريقة حياة ms003 لا طريقة فكر ولا طريقة دراسة. # إنما نعني بها حاجة النفس كما يحسها من أحاط بتلك الدراسات ومن فرغ من العلم والمراجعة ~~ليترقب مكان العقيدة من قرارة ضميره. # إنما نعني بها ما يملأ النفس لا ما يملأ الرءوس أو يملأ الصفحات. # وبهذا المعنى عرفت العقيدة الدينية أكثر من تعريف واحد في أقوال المفكرين العصريين، ~~سواء منهم من وصل إلى اعتقاد واضح يطمئن إليه ومن لم يزل في الطريق، على أمل في الوصول أو ~~على يقين بأن الطريق غير موصد في وجوه الساعين والمتطلعين. ~~••• # بدأ القرن العشرون وعلماء النفس يستحسنون في تلخيص جوهر الديانة مذهب وليام جيمس الفيلسوف ~~الأمريكي المخضرم بين القرن التاسع عشر والقرن العشرين، وفحوى مذهبه أن جوهر الديانة هو ~~الإيمان بالبقاء، وأن هذا البقاء مرهون بوجود قوة صديقة للإنسان وراء الظواهر الكونية أو ~~المادة العمياء. # ومما هو جدير بالنظر أن هذا التلخيص من رأي فيلسوف متخصص للدراسات النفسية، وليس من رأي ~~العلماء المتخصصين للبحث في تواريخ الأديان. # ويستحسن اليوم رأي جوليان هكسلي - عالم الأحياء المشهور - في كلامه عن الوحدة بين العقائد ~~الدينية المترقية أو الهابطة على اختلاف طبقاتها، وقد أجمله في تقديمه لمجموعة الآراء التي ~~أذاعتها طائفة من علماء العصر ونشروها باسم «العلم والدين» ... فقال بعد تمهيد موجز عن أثر ~~العلم في العقيدة: # لكن هل هناك في الحق روح دينية واحدة؟ هل هناك في الحق عناصر مشتركة توجد مثلا ~~في نحلة الصحابيين # 1 ~~(Quakerism) # ووثنية أبناء الكنغو، أو ~~توجد في زهادة البوذية ونزعاتها الصوفية وفي شناعات الدين المكسيكي القديم؟ هنا ~~أيضا يساعدنا النظر في الديانات المقارنة، فنعلم أن الروح الدينية لا تكون واحدة ~~على اختلاف العصور واختلاف طبقات الثقافة، ولكنها على الدوام تحتوي بعض العناصر ~~المشتركة، فلا يزال الشعور «بالقداسة» كامنا في قرارة كل عقيدة دينية، ولا يزال ~~كامنا فيها كذلك شعور بالتسليم والاتكال؛ لأن الإنسان محوط بقوى لا يستطيع فهمها ~~ولا يستطيع السيطرة عليها، ويدخل أخيرا في كل ديانة نزوع إلى التوضيح والتفسير ~~والإدراك، إذ يعلم الإنسان ms004 أنه محوط بالخفايا ويطلب منها على الدوام أن تكون ذات ~~معنى. # إلا أن شعور القداسة هو أعمق الأسس في عناصر كل ديانة، وهو لباب كل حاسة جديرة أن ~~توصف بالصفة الدينية، ولولاها لما كانت للإنسان ديانة على الإطلاق ... # وقد اعتمد جوليان هكسلي في الواقع على الشعور النفساني في رأيه هذا أكثر من اعتماده على ~~تواريخ الأديان، فإنه شعر بقداسة الدين قبل أن ينشدها ويتحقق وجودها في عقائد الأولين ~~والآخرين. ~~••• # والأستاذ «جوردون آلبورت» أستاذ علم النفس بجامعة هارفارد يتكلم في كتابه «الفرد وديانته» # 2 # عن طبيعة الاعتقاد فيقول: # إنه ينطوي على ثلاثة أطوار الأول فترة التصديق الساذج وهو أوضح ما يرى في الطفل ~~الذي يصدق حواسه وخياله وما يسمعه بغير تمييز، فعقائده الدينية الأولى مستمدة على ~~الأكثر مما يسمع، أي من الواقعية الكلامية، فإن الكلمات عنده والوقائع بمثابة ~~واحدة، وبقاء هذا التصديق الساذج معه مدى الحياة أمر ظاهر ولكنه في الغالب ملازم ~~للعقول التي توقف بها النمو دون التمام أو مقصور على المسائل التي يحيط بها الجهل ~~المطبق أو تتسلط فيها قدوة قوية الأثر، وبعض العقائد الدينية بين الكبار مؤلف من ~~هذا الخليط: أي من التصديق الصبياني والقدوة وما لم يمحصه التفكير. # ومن المعتاد على كل حال أن تأتي بعد هذه المرحلة مرحلة تزعزع قرارها، فإن الشكوك ~~تطرق عقل الإنسان من جميع الأبواب المتقدمة، وهي جزء متصل من كل تفكير مفهوم، وليس ~~في وسع الإنسان أن ينشئ له عقيدة مستقلة قائمة على الملاحظة والتفكير المفيد ما لم ~~يواجه النقائض التي يشتمل عليها كل عرف مسموع. # والمرحلة الثالثة هي مرحلة الاعتقاد الناضج، وهي تتطور - مع المشقة - من تراوح ~~الشكوك والتوكيدات التي يتسم بها كل تفكير مفيد ... # ثم يسأل الأستاذ: هل الإيمان والاعتقاد شيء واحد؟ فيقول: إن الكلمتين تستخدمان أحيانا ~~بمعنى واحد، وهما في بعض المواطن تعبران عن معنيين مختلفين؛ لأن التسليم غالب على الإيمان. ~~أما الاعتقاد فيقترن أحيانا بمعرفة بعض الأسباب، ولو من قبيل التقدير والترجيح. # قال: «ويبدو أن الإيمان أحر شعورا ms005 من الاعتقاد، فهو يجازف على علم بالمجازفة؛ لأنه يشعر ~~بأن الثقة أقوى ونتيجة الرهان أنفس وأغلى.» # ثم استطرد إلى التفرقة بين الشعور الديني الخالص وبين الشعور الذي يمتزج بالخوالج النفسية ~~الأخرى، فقال: إن أبسط وسيلة نبتدئ بها هي الرجوع إلى تعبيرات المتدينين. وضرب مثلا لذلك ~~عبارتين من كلام القديس توماس كمبس ~~(Kempis) # حيث يقول عقب ~~الدعاء: «إن أشواقي كلها تتنهد إليك»، وحيث يقول من عظة قصيرة: «لو كان الله هو صفوة ~~المقاصد التي نتشوق إليها لما خامرنا القلق بهذه السهولة.» # قال الأستاذ في التعقيب على العبارة الأولى ما فحواه: إن الشمول الواضح في قول القديس ~~«أشواقي كلها» هو آية الاعتماد الديني في طبيعته، وإن النفس لا تقبل التجزؤ والتفرق وهي ~~تتجه بأشواقها إلى معبودها، ثم قال في التعقيب على العبارة التالية: «أتراني على خطأ حين ~~ألمح في هذه العبارة دليلا على طبيعة الاستطلاع أو الاستقراء في العقيدة الدينية؟ أليس ~~معناها أن العقيدة إذا كانت قويمة سديدة وجد المؤمن مشكلاته محلولة مفسرة ووجد قلاقله ~~ومخاوفه مهدأة مستقرة؟ ... إنه لخليق إذن أن يهتدي إلى كشوف من المعرفة والفضيلة ...» # يريد الأستاذ أن الإنسان يطلب المعرفة من وراء العقيدة والإيمان، وأنه ينظر إلى الإيمان ~~كأنه برهان على أنه قد وثق بالله فاستحق أن يهديه في طريق المعرفة، ويتجلى عليه بما هو أكبر ~~من قدرته لو اعتمد على عقله وفهمه. # فموقف المؤمن من الله كموقف التلميذ الذي يطمئن إلى علم أستاذه فلا يمتحنه ولا يتردد في ~~قبول دروسه ومعارفه، فيكون هذا الاطمئنان برهانا على أنه تلميذ صالح للتعلم مستحق للمكافأة ~~وحسن الجزاء. ~~••• # ولا يظهر في هذه السنوات معهد مشتغل بالبحث في قضايا العصر الحاضر إلا كان البحث في مسألة ~~العقيدة من أوائل بحوثه الهامة التي ينشر فيها الرسائل ويذيع فيها المحاضرات والأحاديث، ومن ~~ذلك مكتب المسائل الجارية بلندن ~~(The Bureau of Current ~~Affairs) # فإنه عهد إلى الأستاذ جيسوب ~~(Jessops) # أستاذ الفلسفة وعلم النفس بجامعة هل ~~(Hull) # أن يكتب رسالة في موضوع الحاجة إلى الدين، ~~فكتبها ms006 بعنوان «لم الدين؟» وعرض في الفصل الثاني منها لمقومات العقيدة الدينية فقال: «إن ~~الفكرة الأساسية فيها تقوم على حقيقة فوق الطبيعة تخضع لها كل حقائق الطبيعة، ولا بد أن ~~تكون أفضل من الطبيعة وأن يكون الإنسان قادرا على أن يتصل بها صلة شخصية. وواضح أن هذه ~~الفكرة هي فكرة الإله. # ولا بد أن نلاحظ أنها تشتمل على عناصر ثلاثة، وأن غياب عنصر منها يخرج بها في نظر العقل ~~العصري من عداد العقائد الدينية فلا ينطبق عليها وصف الربانية، فإذا كان هناك قوة فوق ~~الطبيعة لا سلطان لها على الطبيعة فقد يروقنا أن نراقبها وأن نعقد الجلسات لمناجاتها ~~والتحدث عنها وننظم الأناشيد في وصفها وأن نجعلها موضوعا من موضوعات الاستطلاع والفن لا من ~~موضوعات الديانة، إذ هي لا تعيننا على الحياة ونحن مركبون بحياتنا في وسط الطبيعة ... وإن كان ~~هناك من الجهة الأخرى قوة فوق الطبيعة ليس فيها إلا أنها قوة فقد نرهبها ونفزع منها، ولكننا ~~لا نعظمها ولا نتعبد لها ولا نكون دينيين في اتصالنا بها، وإنما قصاراها أنها العصا الكونية ~~الكبرى أو العلة الأولى، ونحن نأبى أن نصف شيئا بوصف الربانية ما لم يكن أسمى وأقدر من كل ~~شيء نعرفه في نطاق المكان والزمان. وإذا بحثنا فيه انتهى بنا البحث إلى أننا نقصد به روحا ~~كاملا أو عقلا كاملا، فلا ننحني ساجدين لشيء دون ذلك. # وجملة القول أن الديانة تلتمس كائنا نستطيع أن نتجاوب معه تجاوب الفهم، فلا يتحقق هذا ~~الشرط في غير كائن عاقل. ومن ثم تفيد كلمة الله في العقل العصري معنى الروح الأعلى الأكمل ~~الذي يستجيب لقربان الإنسان، فالسمو والكمال والاستجابة هي العناصر الثلاثة التي يتم بها ~~قوام الفكرة الدينية، والكائن الذي تجتمع له هذه الصفات أهل منا للعبادة وله أن يفرض علينا ~~أرفع الفضائل وأن يعيننا على بلوغها، وصلاتنا له ذات معنى ...» # ثم قال بعد الكلام عن استجابة المطالب الإنسانية: إن للدين في العقل الإنساني جذرين ~~آخرين، هما الحزن والفرح. إذ هناك حالات من العذاب ms007 النفسي نحار فيها ونعجز عن احتمالها، ~~فتدفعنا النوازع التي لا سلطان للتعليم عليها إلى ملجأ وراء الجماعة الإنسانية، بل وراء ~~الأكوان الطبيعية، نبغي فيه نورا يضيء لنا ظلمات الحيرة وعزاء أو قوة على احتمال آلامنا ... ~~نبغي ذلك في ملاذ فوق هذا الكون كله قد يكون هنالك أو لا يكون، وربما كانت طبيعتنا عابثة ~~بنا في هذه الحالة عبثا قاسيا، ولكننا هكذا نحن في طبيعتنا، وهكذا يكمن فينا باعث آخر من ~~بواعث التدين والعبادة. # أما الفرح فمن أنواعه ودرجاته أيضا ما يرتفع بنا صعدا ولا يقف بنا عند المتعة به وحسب، ~~بل يرتفع العقل كله علوا إلى طباق أعلى بكثير من موضوع الفرح نفسه، وباعث هذا أن الفرح ~~العظيم يولد في نفوسنا عرفان الجميل، فنود أن نشكر أحدا ولا نرى إنسانا جديرا بمثل هذا ~~الشكر، فنرتفع بالشكر إلى النجم البعيد! # ذلك شعور طبيعي هو كما لا يخفى أحد الأجنحة التي تعلو بالعقل إلى ما فوق الطبيعة، فإن كان ~~وهما فإنه لوهم سعيد. # ولن تستطيع التعليلات النفسانية أن تقيم الديانة على أساس مطالبنا وحاجاتنا دون غيرها، ~~فإننا لا نستطيع أن نفسر ظواهر الكون ولا أن نستخرج طبيعة التدين من مجرد التنقيب عن ~~المطالب والحاجات في نفوسنا، إذ لا ريب أن الديانة تأتي إلينا من الخارج كما تنجم في نفوسنا ~~من داخلها. ونحن نستجيب كما نطلب الجواب، وعندنا إلى جانب التجارب التي تعتلج في باطن النفس ~~تجارب أخرى تنتزع منا وتفرض علينا من خارجنا، منها الروعة التي لا منجاة منها لأحد منا في ~~طوال أيامه، ولا حيلة لإنسان في تلك المواقف التي تروعه وتتعاظمه حيث يواجه أطوار الطبيعة ~~وأزمات البشرية فردية كانت أو جماعية، وتلك العوارض التي نسميها تارة بالخفية وتارة ~~بالغيبية. كذلك تطل علينا الروعة حين نفكر في الكمال أو نحسه في نفاذ وقوة، وليست الروعة هي ~~الخوف وإن كانت لا تخلو منه، إذ هنالك فرق بين مجرد الخوف من جلالة الطبيعة أو سر الموت ~~وبين الشعور أمامها بالروعة. وكأنها خوف محلول ms008 في مزيج آخر من العناصر والأخلاط، ففيها خوف ~~ودهشة وإعجاب وإحساس بضآلة وجودنا، فإن يكن ثمة شعور له سمة خاصة من سمات التدين فهو هذا ~~الشعور لا مراء، وقد ساور الإنسان من قديم ويساوره اليوم، ولن يزال للإنسان دين على نحو من ~~الأنحاء ما دام له شعور من هذا القبيل، فما كان غاية الأمر في هذا الشعور أنه جواب من ~~طبائعنا للعالم المجهول، فقد يوجد هذا الجواب الشعوري في نفس الفلكي كما يوجد في سائر ~~النفوس، ولكنما هو محور العبادة في الصميم. # إن الدنيا فيها من العظم الكفاية بغير ما فوق الطبيعة، فإذا أضيف إليها فوق الطبيعة بدا ~~الإنسان أصغر وأصغر، وإن الزمان لمن الطول بحيث يرينا التاريخ كله مسافة جد قصيرة، فما هي ~~حياة الإنسان إذن حين تقاس بمقياس الأبدية؟ وإن الإنسان إذا قيس بروائع الطبيعة لا يتراءى ~~صغيرا وحسب بل حقيرا مع صغره. فما أخس ما يبدو لنفسه إذن حين يعقد المقارنة بينه وبين ~~الكمال المطلق! إن إضافة الآفاق الربانية إلى وجودنا تهبط بالإنسان إلى منزلة مزرية، ولهذا ~~كان اتضاع النفس وتهوين شأنها حالة من الحالات الدينية المأثورة، فلا مناص مع الإيمان بالله ~~من القضاء على الكبرياء. # بيد أن الديانة لم تكن قط مقصورة على التمرغ والاستكانة، بل هي - مع هذا التهوين من شأن ~~النفس - قد نفخت روح الكرامة حتى في النفوس التي لا يخولها أبناء نوعها حظا من الكرامة. ~~إذ كان المخلوق الذي يقدر على معرفة الخالق قمينا أن يتصل به ويفقه مشيئته ويظفر بقبس من ~~كماله ويصبح محلا لعنايته، ولا جرم يتعالى مخلوق كهذا أن يكون هملا في نظام الطبيعة، ~~فإنه لروح على أوفى وأرفع حظ من الصلات الروحانية، ولن يكون من أجل هذا خاضعا كل الخضوع ~~لطغيان الطبيعة، ولا تموت روحه مع الجسد حين ينقضي أمده، بل تنطلق في حياة لا عائق لها، أو ~~كما قال أفلاطون: إن العقل الذي يسمو إلى معرفة الحقائق الأبدية لا يفنى حيث يتداعى الجسد، ~~وفي معظم الديانات - ولا سيما ms009 المترقي منها - إيمان بخلود الإنسان ... ~~••• # ومن علماء النفس الذين وضحوا الشعور بالعقيدة الدينية من الوجهة السيكولوجية أستاذ في ~~جامعة «كلارك» مارس العلاج بالوسائل النفسية ومنها وسائل الإيمان، وهو الأستاذ رايموند ~~كاتل ~~(Cattell) # صاحب كتاب «علم النفس ومسألة الدين» # 3 # وفيه يقول عند الكلام على التحليل النفساني والخواطر الدينية: «إن الصلاة ~~تتراجع - بازدياد - إلى الاكتفاء بتحسين الشخصية والمحافظة على الروح المعنوي في الفرد أو ~~الجماعة، وبهذه المثابة لا يستطيع علم النفس أن ينكر جدواها على اعتبارها من الإيحاء ~~الذاتي، ولكنها على هذا قد تنتحل لنفسها مزية لا ضرر فيها: وهي مزية الإرشاد إلى مزاولات ~~عملية تزيد من قابلية النفس للاستيحاء والاستجماع. ومما تقدم القول فيه عن خلود النفس نلخص ~~أصولها النفسانية - أي أصول الصلاة - في هذه المراجع الثلاثة: العودة إلى عادة الاسترسال مع ~~التفكير الذي يسر ويرضي، والاستمرار في تجارب الإنسان البدائي في الأحلام والخيالات، وضرورة ~~الاحتفاظ بالوازع الأخلاقي لمجازاة الذين عجز العدل الإنساني عن جزائهم في هذه الحياة ~~...» # ثم يقول في تعليل النزوع الديني المفاجئ في بعض أطوار النفس الإنسانية: «يبدو على العموم ~~أن هذا النزوع يعلل بأن الفورات الجنسية في طور المراهقة يقابلها في هذا السن زواجر كابحة ~~من الآداب التي تربط بالأهواء الجنسية كثيرا من إحساس الجريمة أو الخطيئة، وكلما اشتد ~~التدافع بين التعبيرات الجنسية والأهواء الكامنة وبين الزواجر الأدبية أحاط بالنفس القلق ~~والندم وتخلصت منهما فحلت المشكلة بالإعراض عن الشهوات والاعتزاز بالذات تساميا إلى حب بني ~~الإنسان جميعا بديلا من الحب الجنسي، وإلى مقاربة العزة الإلهية بديلا من الاعتزاز ~~بالذات ...» # ويقول الأستاذ كاتل بعد ذلك: إن الدراسات النفسية لم تستلزم وجود حاسة دينية خاصة، فإن ~~هذه الحاسة الدينية مجتمعة من خوالج الخوف وأهواء الجنس وروح الجماعة وتوكيد الذات والتطلع ~~والتسليم. # ومن جملة آراء الأستاذ في هذا الكتاب يظهر جليا أنه يقفو آثار العالم النمسوي المشهور ~~«فرويد» أشد علماء العصر إغراقا في تكبير شأن الغرائز الجنسية وإدخالها في تفسير كل قوة ~~نفسية تحتاج إلى تفسير. وخلاصة فلسفة فرويد ms010 هذه أن هواجس العصبيين هي بالنسبة إليهم ديانة ~~فردية خاصة، وأن الديانات العامة هي الهواجس العصبية بالنسبة إلى نوع الإنسان، وأن الضمير ~~هو مناط الأنانية النوعية في طوية كل فرد، كأنه الذات العليا فوق ذوات الآحاد. # على أن صاحب هذا الكتاب يقرر في أول الفصل الثالث من كتابه أن العلماء والأتقياء معا ~~يعلمون بعد بحث يسير أن وجود دواعي الوهم مركبة في طبائع البشر لا يستلزم القول بأن وجود ~~الإله وهم من هذه الأوهام. ~~••• # ومن الفلاسفة وعلماء النفس من يؤمن «بالعقيدة الروحية» ويفهم من «الروح» أنها قوام حياة ~~الإنسان الأدبية والوجدانية، ولا يرجع بها إلى مصدر وراء الطبيعة. # من هؤلاء الفيلسوف الألماني ماكس أوتو الذي عاش في الولايات المتحدة وكان رئيسا لمجمع ~~الفلاسفة في الأقاليم الغربية، ومن كلامه الذي يلخص مذهبه ومذاهب أمثاله في الرأي فصل عن ~~«الأشياء والأمثلة العليا» يقول فيه: # ليكن في قرارة قلوبنا أن الروح ليست اسما لشيء ولكنها اسم لحياة، وأن خلاص الروح ~~ليس بالسلعة أو المنحة التي تشترى أو تستعطى، ولكنه تطور نبلغه ونترقى إليه، وأن ~~تخليص روح الإنسان ليس بالعمل الموقوت الذي يتم في ساعته ولكنه سعي طويل يستغرق مدى ~~العمر كله، وليس هو إنقاذا لكيان مبهم لا تعريف له في سبيل التأهب لحياة مقبلة، ~~ولكنه خلق لنموذج من الشخصية من طريق الاعتراف بالقيم البينة التي تدور عليها ~~تجارب كل يوم. إنه نضج باطني ويقظة لمعاني الحق والجمال وكرامة الحياة ... ~~••• # وتكلم ماكس شوين ~~(Schoen) # أحد مؤلفي المكتبة الفلسفية # 4 # عن العلاقة بين العقيدة الدينية والعقل في كتابه «تفكير في الدين» فقال من فصل ~~عن الحاجة إلى التفكير في الدين: # إن الإيمان لا يعرف الهوادة ولا يقبل الاستثناء، ولكن الاعتقاد ~~(Belief) # هوادة وتسوية عملية يتطلع صاحبها إلى ~~ما يغنمه الداعي إليها والمستجيب لها. إنه وسيلة في الديانات للاشتراك بين الناس في ~~معيشة واحدة وشغل واحد باسم الله. وهذا الاعتقاد الديني يتبع الخلاف بينه وبين ~~العقل لأن العقل لا يساوم ولا يذعن، ومن دأبه أن يتغلغل ms011 في بواطن كل شيء يعرض عليه ~~باسم الحقيقة، وإن الذين يضعون الاعتقاد موضع المناقضة للعقل ليفعلون ذلك عن خطأ ~~منهم في فهم الاعتقاد والديانة، والعقل يبطل الخطأ. # إن منطقهم يجري على هذا القياس: ما نريد تصديقه مخالف للعقل، ولكن الأمر الذي ~~نصدقه لا يجوز أن يكون باطلا، ولهذا ينبغي أن يصبح اعتقادا ولا يتقيد بموافقة ~~العقل. # وعلى هذا النحو يصبح الاعتقاد مسوغا لكل هاجسة أو استحالة تحيك في نفس ~~المعتقد. # أما الذين يرون أن الأصول الدينية تجري مع العقل ولكنها أرفع منه وأسمى، فهؤلاء ~~يتكلمون عن الصواب أو التصويب ~~(Rationalization) # ولا يتكلمون عن العقل. فإن الفكر إنما يعمل ليكون شيئا من شيئين، فإما أن يعمل ~~للامتحان والنقد وإما أن يعمل للتسويغ والقبول، فإذا عمل للامتحان فهو العقل، وإذا ~~عمل للتسويغ فهو الصواب أو الحكمة ... # ثم ينتهي المؤلف من بحثه في هذا الفصل إلى أن العقائد الشائعة كثيرا ما تخل بمعنى الدين، ~~أو أن الديانات التي تناقض العقل هي تطبيق غير صحيح للدين الصحيح، فهناك دين واحد في الجوهر ~~ولكنه يصبح ديانات شتى في حيز التطبيق. ~~••• # وقد نشر الكاتب الإنجليزي أرنست مارتن ~~(Martin) # مجموعة من ~~الآراء لأساطين المفكرين سماها البحث عن عقيدة # 5 # قال في تقديمها عن معنى العقيدة العصرية: # ليس من الخير أن نقول - كما يقول كثير من الشكوكيين الأذكياء - إن الديانة نبعت ~~من الخوف، أو إن الإيمان بما فوق الطبيعة إنما هو مجرد تعويض لما في دنيا الواقع من ~~الجهامة والعبوس، فإذا كان هذا ولا ريب صحيحا في حالات الديانة الهمجية فليس هو ~~بصحيح في موقف الإنسان المتحضر من المسيحية، وقد كان الهمجي يعبد أربابه وأرواحه ~~لأنه يشعر بالرعب من الحياة والموت، ولكن المخاوف الصبيانية والخرافات المضللة قد ~~زالت اليوم مع اتساع نصيب الإنسان من الفهم، وبقيت العقيدة ولم يكن للجماعات ~~البدائية غنى عن السحر حيثما دعتها الحاجة إلى تنظيم مراسم العبادة، وليست كذلك ~~جماعات الإنسان في الحضارة العصرية، فإن الإنسان العصري لا حاجة به إلى السحر وفي ~~وسعه ms012 أن يتأمل الخير ويسعد بالسعي فيه وهو يعلم أنه ينبوع السعادة ... إن العقيدة لهي ~~اسم آخر للشجاعة. وقد قيل بحق إن الديانة الصحيحة هي خطار - أو رهان - على الحياة ~~كلها معلق على وجود الله ... ~~••• # وقد تكلم اثنان من رجال العمل والسياسة عن العقيدة من حيث القيمة العملية في حياة الآحاد ~~والجماعات. # فالمؤرخ المشهور هربرت فيشر الذي تولى وزارة التعليم زمنا في الحكومة الإنجليزية يكتب عن ~~السيدة التي أسست جماعة العلم المسيحي التي تعالج أمراض الروح والجسم بقوة الإيمان، فيقول ~~في كتابه (ديانتنا الجديدة): # دلت التجربة على أن الدقة في تصوير ما فوق الطبيعة قليلة الأثر في اجتذاب الناس ~~إلى الديانة، وأن شيوع ديانة من الديانات يرجع على الأرجح إلى مبلغ ما تلبيه من ~~مطالب النفس البشرية قبل رجوعه إلى مطابقتها لوقائع الحياة، وما كانت أسخف ~~السخافات لتصد أناسا عن قبول دعوة تملأ في قلوبهم فراغا من حاجاتهم الروحانية، ~~فهم يأخذون ما يطلبون وينبذون ما لا يدركون، وثمة قيمة محققة للدعوات الجريئة. وقد ~~قال رينان إن الإنسان يولد وسطا ولا طاقة له بعمل ذي بال حتى يتعلق بحلم من ~~الأحلام. # هذا واحد من المفكرين الذين اشتغلوا بالسياسة والإدارة ونظروا إلى الديانة من ناحية ~~القيمة العلمية. أما الآخر فهو الشاعر الناقد اللورد فانسترت ~~(Vansittart) # الذي قام بمهام السياسة الخارجية زمنا ~~طويلا في الوزارة البريطانية، وقد سئل أن يقدم المجموعة التي كتبها طائفة من المفكرين عن ~~مستقبل العقيدة فقال: إن فقدان الثقة بما فوق الطبيعة على صلة بفقدان الثقة بأنفسنا، ~~وكلاهما لم يسعد أحدا، بل أعقب بعده خللا في ميزان الحياة، لم تصلحه مذاهب الشك ~~واللذة. # ثم أشار إلى فقدان العقيدة في فرنسا فقال إنه ساقها إلى المسالمة والاستسلام قبل الأوان، ~~وإلى فقدان العقيدة في ألمانيا فقال إنه ساقها إلى بديل لها من العصبية والنازية، ولولا ~~البحر حول الجزر البريطانية لساقها فقدان العقيدة إلى مصير كهذا أو ذاك، وختم مقدمته ~~قائلا: «لقد آن الأوان «أولا» لتعديل التشبث ببعض الأفكار والمراسم التي لا توافق ms013 المطالب ~~العصرية، و«ثانيا» للعلم بأن العقيدة قد عرضت نفسها بعمل يديها لعوائق شتى، و«ثالثا» إن ~~السلطان الروحاني تزداد صعوبات التوفيق بينه وبين المساوئ السياسية، مما قد بينت في غير هذا ~~الموضع وسائل اجتنابه، و«رابعا» إن الأمل في التجديد والبقاء ينمو كلما فصلناه من ~~الأدعياء، وقد يحسن أن نحلم ونحن مفتوحو الأعين فإنما نحن وأعمالنا مصنوعون من مادة ~~الأحلام، ولكن لا شيء يمكن أن يقام على أساس من الهواء، و«خامسا» إن فصائلنا لا ينبغي أن ~~تضر بوطننا، ومن ثم لا غنى لنا عن مزيد من الحيطة ومزيد من المعرفة، و«سادسا» إنه في ~~الخيار بين الحيطة والمعرفة ستظل العقيدة قوام ما نرجوه وإن لم تكن على الدوام برهانا على ~~ما نجهله ...» ~~••• # تلك نماذج متفرقة من أطراف متعددة، نحسبها كافية للتعريف بمعنى العقيدة كما يفهمها مفكرو ~~هذا العصر في الحضارة الأوروبية، وقد لاحظنا في جمعها التعويل على التجارب النفسية أو ~~التجارب المنقولة من الحياة، ولم نعول كثيرا على روايات التاريخ ودراسات المقارنين بين ~~الديانات كما تحفظها السجلات والمأثورات؛ لأننا في هذه العجالة إنما ننظر إلى العقيدة الحية ~~كما يعيش بها الأحياء المثقفون في العصر الحاضر. # ويتبين من جملة الآراء المتقدمة أن العقيدة التي يصح أن توصف بالدينية هي العقيدة التي ~~تعتمد على سند فوق الطبيعة، وأن العقيدة على أية حال قوة مطلوبة لا يستغني عنها من وجدها ~~ولا يطيق الفراغ منها من فقدها، ولا يرفضها من اعتصم منها بمعتصم واستقر فيها على ~~قرار. # | سمة العصر # في مفتتح القرن التاسع عشر وجه نابليون بونابرت سؤالا إلى علامة الفلك في زمانه «لابلاس» ~~عن عمل القدرة الإلهية في تنظيم الأفلاك السماوية، وكان لتوجيه هذا السؤال إلى «لابلاس» سبب ~~خاص: وهو ظهور كتابه عن علم الحركة العلوية «أو الميكانيكا السماوية»، وفيه يشرح حركة الفلك ~~ويعللها بالقوانين الآلية كما يدل اسم الكتاب، فقال علامة الفلك مجيبا سائله الكبير الذي ~~كان يقول في الدين بمثل قوله: إنني لم أجد في نظام السماء ضرورة للقول بتدبير إله! # ومضى القرن التاسع ms014 عشر إلى نهايته والرأي الغالب فيه بين المشتغلين بالعلم والمؤمنين به ~~هو هذا الرأي الذي تحدث به لابلاس إلى نابليون: إن العلم كاف كل الكفاية لتفسير جميع ~~الأسرار! # كتب السير جيمس فتز جيمس ستيفن في سنة 1884 فصلا يعتبر يومئذ مثالا للآراء العلمية في ~~تلك الفترة، فقال: إذا كانت الحياة الإنسانية في نشأتها قد استوفى العلم وصفها فلست أرى بعد ~~ذلك مادة باقية للدين، إذ ما هي فائدته وما هي الحاجة إليه؟ إننا نستطيع أن نسلك سبيلنا ~~بغيره، وإن تكن وجهة النظر التي يفتحها العلم لنا لا تعطينا ما نعبده فهي كفيلة أن تعطينا ~~كثيرا مما نستمتع به ونتملاه. # إن بعضهم يظن - أو يقول إنه يظن - إن الحياة كما يصورها العلم لا تستحق أن نحياها، وهو في ~~رأيي ظن باطل، فنحن في هذه الحالة خلقاء أن نحيا على أصول غير التي تعودوا أن يعتقدوها، ومن ~~حقق النظر إلى موقفه الصحيح وكان على حظ وسط من موارد العيش فالحياة ستظل عنده جد رضية، وإن ~~الدنيا في نظري لموطن مستطاب جدا لو أنه يدوم، وفيها ملؤها من الناس الظرفاء والأشياء ~~العجيبة، بحيث يسع الأكثرين - على ما أحسب - أن يغضوا أبصارهم عن إدمان النظر إلى طبيعتها ~~الزائلة، وسيبقى الحب والإخاء والطموح والمعرفة والأدب والفن وأمور السياسة والتجارة ~~والصناعات والحرف وألوف غيرها سارية في مسراها كما كانت من قبل دون حاجة إلى إله أو حياة ~~مقبلة، ومن كان من الناس عاجزا عن تصريف كل لحظة من لحظات يقظته في شاغل من هذه الشواغل، ~~فهو لا محالة على حظ سيء بالغ السوء في تكوينه أو مرافق عيشه، أو هو لا محالة مخلوق جد ~~هزيل. # ولا ننكر أن قضايا اللاهوت الكبرى نبيلة فخمة، وأننا إذ نتخيل أن الدنيا من صنع خالق على ~~الغاية من الحكمة والغاية من القوة، وأنه على نحو خفي لا نحيط به هو كذلك على الغاية من ~~الطيبة، وأن الأخلاق إنما هي شريعة صادرة إلى الناس من قبل هذا الخالق العظيم، وأن هذه ms015 ~~العوالم الظاهرة إن هي إلا جزء يسير من هذه الشريعة التي يوصف بها خالقها - كل أولئك إذ ~~نتخيله شيء عظيم. # نعم، وإن الذين يقدرون مخلصين أن ينظروا إلى الدنيا هذه النظرة لتسمو بهم عقيدتهم وترفعهم ~~فوق صغائر الحياة، ويحق لهم أن يسوغوا هذه العقيدة أمام غيرهم حيث يرجع تسويغ العقيدة إلى ~~جمالها وجدواها ولا يرجع إلى صحتها ودلائل ثبوتها. # أما إذا وجب أن نطرح هذه العقيدة جانبا فلا أخال أن الحياة تخسر قيمتها وأن الأخلاق على ~~الخصوص تنقطع وتزول، وسوف تموت الديانة مع اللاهوت. ولكننا كما أسلفت قادرون على أن نعيش ~~عيشة حسنة بغير الديانة، وإن أقمناها على أصول غير هذه الأصول قلما تخالف في لبابها أصول ~~العيش التي يدين بها نفسه كل ذي خلاق. ~~••• # انقضى القرن التاسع عشر وهذا هو الرأي الغالب على أصحاب الرأي فيه ممن يؤمنون بالعلم ~~الحديث ويتوقعون له القدرة على الإحاطة في المستقبل بمجهولات الغيب التي لم يحط بها في ذلك ~~الحين. # ونقول الرأي الغالب ولا نقول الرأي الجميع الشامل؛ لأننا لا نعلم أن عصرا من العصور قد ~~اتفق فيه أصحاب الرأي على وجهة واحدة في مسائل العقيدة الدينية، ولكن العصور مع ذلك تختلف ~~وتتباعد في التفكير، ويحمل كل منها طابعه وسماته في شئون العقيدة الدينية، وفي غيرها من ~~الشئون العامة التي تتسع فيها مطارح الآراء والأهواء. # فلم يكن عصر من العصور مؤمنا كله ولا منكرا كله، ولا بد في كل عصر من مؤمنين ومنكرين، ~~ولكنهم مع هذا يختلفون بين عصر وعصر في معنى الإيمان والإنكار وفي أسباب هذا وذاك، وفي ~~الموضوع الذي يتناوله المؤمنون والمنكرون. # فليس القرن السابع عشر مثلا كالقرن العشرين، وليس القرن الثامن عشر كالقرن التاسع عشر، ~~وليست القرون الحديثة كالقرون الوسطى أو القرون الأولى، وإن كان في كل منها إيمان وإنكار ~~وشك ونفاق. # فإذا حسبنا لهذه المشابهات، أو هذه المفارقات، حسابها على جملتها، جاز أن يقال إن الحضارة ~~الغربية تحولت منذ القرن السابع عشر من الشك في الدين، إلى الشك في ms016 العقل، إلى الشك في ~~العلم الحديث، وإنها الآن تدخل في أبواب جديدة من الشكوك. # وربما كان الأصح أن يقال إن الحضارة الغربية بدأت بالشك في السلطة الدينية لا في الدين ~~نفسه، وإن الدين الذي شكت فيه أو أنكرته كان هو الدين كما تشبث به الجامدون المتحجرون على ~~التقاليد أو على العرف المقرر في عهود الجهل والطغيان. # وقد تزعزعت سلطة رجال الدين يوم تزعزعت كل سلطة، فشك الناس وأنكروا وثاروا على التقاليد ~~وعلى العرف المحفوظ، ثم أذنوا لعقولهم أن تفكر وتقدر، واعتمدوا على العقل وحده في فهم جميع ~~الأمور، وبخاصة ما كان فهمه مقصورا على دعوى ذوي السلطان من أصحاب الدنيا والدين. # انتقل ذوو الرأي من الإيمان بالدين إلى الإيمان بالعقل حتى انتهى بهم العقل عند حدوده، ~~فتحولوا من الإيمان بالعقل إلى الإيمان بالعلم الحديث. # وليس الإيمان بالعقل والإيمان بالعلم شيئا واحدا كما يلوح من النظرة العاجلة؛ لأن الناس ~~آمنوا بالعقل وحسبوا أنهم يفهمون به كل شيء من طريق المنطق والقياس، ومن طريق القضايا ~~والبراهين ... فلما اختلطت عليهم الأمور وقصر بهم العقل دون العلم بالمحسوسات فضلا عن ~~المغيبات - تحولوا إلى التجربة الحسية ووقفوا عليها جهود العلم الحديث، فلا علم بغير سند من ~~الحس والتجريب. # فاليوم - في القرن العشرين - أين تسير الحضارة الغربية بين هذه الشكوك التي بدأت بالشك في ~~الدين، ثم مضت أشواطا بعد أشواط تارة مع العقل وتارة مع العلم الحديث؟ # ما هو الشك الذي يغلب على ذوي الرأي في القرن العشرين؟ # نحسب أننا نجمل سمة القرن العشرين أصدق إجمال حين نقول إنها هي سمة الشك في ~~الإنكار. # إن الأسباب التي كانت كافية للإنكار قبل ثلاثة قرون أصبحت لا تكفي للإنكار بتلك القوة ~~الواثقة المتهجمة، بل أصبحت لا تكفي لإنكار ما كائنا ما كان سبب الإنكار من العلم المعترف ~~به بين العلماء. # تواضعت دعوى العقل في أوائل القرن التاسع عشر، وتواضعت دعوى العلم في أوائل القرن ~~العشرين، وكاد العلماء أن يتفقوا على أن التفسير والتعليل فوق طاقة العلم ولا سيما ms017 تفسير ~~الغايات والأصول، وحسبه من الدعوى أنه يصف ويجمع ويقابل ويعادل، ثم يترك العلل الأولى بعد ~~ذلك لمن يستطيعها، أو يقول إنها حتى اليوم غاية لا تستطاع. # كان من العلماء من يخال أنه قادر على الإثبات، فليس من العلماء اليوم من يزعم أنه قادر ~~على الإنكار بسند من العلم الصحيح. # ومن قال منهم إنه ينكر على سبيل الظن والترجيح، فحكمه في ذلك حكم القائل إنه يؤمن على ~~سبيل الظن والترجيح: كلاهما على مسافة واحدة من دعوى العلم بالتجربة، أو دعوى التعلل ~~بالبرهان. # وبديه أن الشك في الإنكار غير الجزم بالإيمان، فليس من صحة الحكم ولا من صدق النظر أن ~~يقال إن سمة الإيمان غالبة على القرن العشرين أو بينة الأثر فيه، ولكنه صحيح ولا ريب أن ~~يقال إن المنكر في القرن العشرين لا يستطيع أن يستند إلى أسباب من العلم يسلم بها المفكرون، ~~كما كانوا يسلمون بأسباب الإنكار في القرن السابع عشر، أو القرن الذي يليه إلى أوائل هذا ~~القرن الذي نحن فيه. ~~••• # ونحن متتبعون أكبر الأسباب التي اقترنت بمسألة العقيدة منذ القرن السادس عشر، وكان لها ~~شأن قوي في إضعاف العقائد الموروثة على تقدير الباحثين بالإجماع، وقد نرى من تتبعها كيف ~~قويت على إضعاف العقائد التقليدية ثم نرى كيف آل الأمر بها أخيرا حتى فقدت قوتها الأولى ~~على زعزعة الإيمان وإثارة الشكوك، ونرى من أين طرأ عليها الضعف حتى انتقل بعضها من ترجيح ~~التعطيل والإلحاد إلى ترجيح الاعتقاد وإعادة النظر في الموضوع. # هذه الأسباب على الإجمال خمسة ليس في أسباب التعطيل ما هو أقوى منها وأعظم فعلا في عقول ~~المفكرين الأوروبيين، وفي عقول غيرهم ممن نظروا إلى دلالتها مثل نظرتهم، وحكموا بها على ~~الأديان مثل حكمهم. وهم غير قليلين بين المفكرين في مختلف الأقوام. # وهذه الأسباب الخمسة هي: # أولا: # كشف كوبرنيكس لمركز الأرض من المنظومة الشمسية ومن الأجرام السماوية على ~~العموم. # وثانيا: # ظهور القوانين الطبيعية التي سميت بالقوانين المادية أو الآلية. # وثالثا: # مذهب النشوء والارتقاء. # ورابعا: # علم المقارنة بين ms018 الأديان والعبادات. # وخامسا: # مشكلة الشر، وهي ليست من مشكلات القرن العشرين خاصة، ولكنها تخصص ~~بالقرن العشرين لما تفاقم فيه من الحروب العالمية الجائحة، وبما نشأ فيه من ~~الآراء عن السلطان المحدود في الحكومات، وإمكان المشابهة بينه وبين السلطان ~~المحدود أو المطلق في حكومة الكون على أوسع نطاق. # فقد كان كشف كوبرنيكس لمركز الأرض من المنظومة الشمسية صدمة عنيفة للذين اعتقدوا أن الأرض ~~هي مركز الكون، وأن السماوات العليا وما فيها من الكواكب والشموس تبع للأرض - مركز الكون ~~كله ومقر الإنسان، فلما عرفوا أن الأرض لا تعدو أن تكون نجما صغيرا تابعا للشمس بين ألوف ~~من الشموس التي تحوم في أجواز السماء فزعوا من هوان الأرض كلها وهوان الإنسان كله، وخامرهم ~~الشك في حكمة القصد والاختيار ورجحت عندهم ظنون المصادفة والإتقان. # ثم جاء العلماء الطبيعيون فكشفوا ما سموه قوانين المادة وزعموا أنهم يفسرون بها كل شيء ~~حتى الحياة، فكل ما في الطبيعة آلات خاضعة لتلك القوانين، تجري في حركاتها على السنن ~~المطردة في حركات الآلات. # ثم جاء مذهب النشوء والارتقاء فألحق الإنسان بسائر الحيوان في نشأته وتطوره، وفهم بعض ~~النشوئيين أن تطوره من المادة الحية الأولى يبطل القول بالخلق وتمييز الإنسان بين عامة ~~المخلوقات. # أما علم المقارنة بين الأديان والعبادات فقد جمع المشابهات بين العبادات البدائية ~~والعبادات المقررة في الديانات العليا، فاتخذ أصحاب المذاهب المادية من ذلك دليلا على ~~تسلسل العبادات من أطوارها الأولى بين البدائيين، بغير حاجة إلى الوحي والتنزيل. # وقد أسلفنا أن المشكلة العظمى - وهي مشكلة الشر - لم تكن من مشكلات القرن العشرين خاصة ~~لأنها أقدم المشكلات التي ساورت عقول المفكرين وعقائد المتدينين، ولكنها قويت جدا في ~~القرن العشرين لتفاقم الشرور من الحروب والفتن وتنبه الناس إلى المحاسبة وتقرير التبعات، ~~فحق لمن يشاء أن يحسبها إحدى المشكلات الخاصة بهذا الزمن الأخير. # وسنرى فيما يلي عند عرض هذه الأسباب، كل منها على حدة، كيف تبدل النظر إليها حديثا حتى ~~ابتعدت الشقة بينها وبين دواعي التعطيل والإنكار واقتربت على الأقل من ms019 دواعي الشك في ~~الإنكار، إن لم نقل من دواعي الإيمان والبحث عن مسوغات التدين والاعتقاد. # | مركز الكون # نشر كوبرنيكس كتابه قبل وفاته بسنة (1542م) وتردد طويلا قبل نشره كأنه قدر بحق أنه ~~سيغضب عليه الملأ جميعا ويعرضه للسخط والنقمة. # وثبتت آراؤه مع الزمن فآمن بها الفلكيون وأخذوا في تصحيح ما يحتاج منها إلى التصحيح، وهو ~~كلامه عن دوائر الفلك ونظام الحركة في كل دائرة منها، ويومئذ بدأ العلماء والمفكرون ومعهم ~~رجال الدين يتساءلون: ترى أي شيء في هذا الكشف الكوبرنيكي خالف قواعد الدين وخرج على سنن ~~الإيمان؟ ولأي شيء صودر الكتاب وأجمعت شعاب الكنيسة من رومانية إلى لوثرية على تحريمه ومنع ~~تعليمه؟ # يصور الفيلسوف الأمريكي (جون ألوف بودين) دواعي هذه الثورة في كتابه ديانة المستقبل # 1 # فيقول: # كانت الأرض مسرح درامة التاريخ والإنسان فيها ذروة الخليقة وغايتها، وجاءت ~~الكوميدية الإلهية من نظم دانتي ختاما لعهد مدبر، كان نظام الكون فيه كأنه عملية ~~إخراج مسرحي لقصة الإنسان. ففي ناحية من الأرض كهف مطبق على دوائر جهنم، وعلى جبل ~~في ناحية أخرى ترتفع دوائر الأعراف، وفوق هذا الجبل على مسافة منه وردة الفردوس ~~التي يستوي على ورقاتها القديسون والأبرار، وكان من اليسير في ذلك العهد أن يبني ~~الخيال أساس رموزه غير منقوضة بحقائق الواقع المقرر، ولم يكن عليه شبهة من عنت ~~التوفيق بين مدى الأيام الستة وآماد التطور الكوني على حسب المعلومات الأخيرة. وقد ~~كافح الناس كفاح الأبطال لملاقاة مشكلة الشر ليصبروا عليها لا ليصرفوها ويفسروها ~~التفسير الذي يمحوها، وأحسوا الظلمات من حولهم فالتمسوا العزاء فيها باعتمادهم على ~~قدرة الله أن يبدل النواميس الطبيعية بنعمته ويحيلها روحانية علوية، ولم تزل قوى ~~الطبيعة تلوح لهم طيعة خاضعة لعالم الروح جارية في خدمة الأقدار التي تتلقاها مما ~~وراء الطبيعة. كانت دنيا مكنونة في حيز ملموم تطلع الشمس لتنيرها بالنهار ثم تطلع ~~النجوم لتنيرها بالليل ... # ثم هبت ثورة كوبرنيكس وفتحت الأعين على نظرة علمية إلى الوجود كله، فليست الأرض ~~مركز الكون بل ذرة لا يؤبه ms020 لها في إحدى المنظومات الصغيرة. وسأل السائلون: ما هو ~~هذا الإنسان الذي تتولاه بعنايتك؟ وما هو ابن الإنسان الذي تخصه بزورتك؟ إن الأرض ~~وعليها الإنسان ضائعة في آفاق ليس لها نهاية، وهذه الآفاق الكونية بما وسعت محكومة ~~كلها بالقوانين الآلية. ولم يقل «لابلاس» غير المقال الذي يردده الجميع حين قال ~~لنابليون إنه لم يجد ضرورة لفرض إله في نظام المكنة العلوية. وإذا كانت كشوف ~~كوبرنيكس قد أبدت لنا هذا الإنسان ضائعا في المكان لقد جاءت آراء داروين فأبدته ~~لنا ضائعا في الزمان، فتراءى كأنه حلقة في سلسلة الحياة، أولها وآخرها محتجبان في ~~غياهب الخفاء بدلا من قيامه على أوج الخليقة الأولى. # في دنيا العلم هذه يرى أنه لا محل للديانة المشبهة ولا للإله المشبه، ويرى أن ~~القلب الإنساني قد ضيع نفسه مستسلما للعقل كفاحه بين يدي الله ... # هذه صورة صادقة للعالم كما بدا في أعين الناس بعد أن جاء كوبرنيكس، فأخرج الأرض من مركز ~~الكون وأطلقها مع الشمس في أجواز الفضاء! # لكنها في أساسها صورة كاذبة لا أصل لها على الإطلاق في المعتقدات الدينية، فليس في ~~الأديان الكتابية عقيدة توجب على الإنسان أن يؤمن بجمود الأرض في مكانها ودوران الأفلاك من ~~حولها، وليس في الأديان الكبرى قاطبة حكم من الأحكام يعلق مقاصد الخلق على وضع من أوضاع ~~الفلك، وما كان لغير العادة المألوفة والفهم الخاطئ دخل في تصوير العالم على تلك ~~الصورة. # لقد كانت صورة الأرض في وسط العالم من عمل أرسطو وبطليموس، ولم يتفقا على وضعها في ذلك ~~الموضع ولا على تقدير الحركات الفلكية التي تحيط بموضعها، مما حير كوبرنيكس وأحزنه. فحكمت ~~العادة أيضا حكمها عليه وخيل إليه أنه يقتحم على الفلك هيكله الأقدس، وهو يبحث فيه عن ~~مستقر يوفق بين دورة أرسطو ودورة بطليموس ... وقال للبابا إنه طرق هذا الباب وهو جد ~~حزين. # ولم يكن المتدينون يبحثون كبحث كوبرنيكس في هذا الموضوع ولم يكن كوبرنيكس نفسه - في وسط ~~هاتيك الأضواء جميعا - على هدى من أمره كل الهدى فيما ms021 يدع وفيما يختار ... لقد كان أمامه ~~مذهب فيثاغوراس الذي قال إن الأرض كرة تسبح في الفضاء، فتركه ناحية ووقف مع أرسطو وبطليموس ~~حيث سكن به المطاف، وأدار على الأرض تلك الدوائر التي تشبه دوائر شاعرنا ابن الرومي: ~~... بمقدار ما تنداح دائرة # في صفحة الماء يلقى فيه بالحجر! # غير أنهم جميعا ناموا على وساد الأرض كما هي في مركز الكون! فاضطربوا حين هبوا من ~~رقدتهم تلك على غير وساد. # وإن موقف المتهجمين على الحقائق باسم الدين في ذلك الزمن لهو العبرة الخالدة لمن يعتبر، ~~لو كان العلم عبرة صالحة لمن يجهله في زمن من الأزمان. # لقد كانوا يحتمون على العلم أن يجزم بمقام الأرض في مركز الفلك، وكانوا يحتمون أن تجمد ~~الأرض هنالك لتحق الحكمة من خلق الأحياء على التعميم، وخلق الإنسان على التخصيص. # فلو عادوا اليوم إلى الحياة لرأوا عجبا من فعل الزمن في التباعد بين الأفكار والآراء، بل ~~بين الدعائم والآساس، حتى لتنقلب من النقيض إلى النقيض، وحتى ليقال اليوم عن حكمة الخلق ما ~~كان كفرا بالخلق والخالق قبل بضعة قرون. # إن القائلين بحكمة الخلق في القرن العشرين لا يجدون لذلك دليلا علميا ولا فلسفيا أدل ~~من مكان الأرض في ركنها الذي هي فيه من المنظومة الشمسية. # لم يكن لازما عندهم أن تقر الأرض في مركز الكون كله ولا في مركز المنظومة الشمسية كلها، ~~بل اللازم عندهم أن تكون حيث هي سيارة من سيارات، يعدون منها الآن عشرا ويتركون المئات ~~والألوف منها بغير عداد. # ويكاد الباحثون في هذا الموضوع أن يجعلوا الأرض نمطا فريدا بين كواكب الفضاء بموقعها ~~هذا من المنظومة الشمسية، فلولاه لما كانت أصلح كوكب لظهور الحياة عليه. # ذلك أن أسباب الحياة تتوافر في الكوكب على حجم ملائم وبعد معتدل، وتركيب تتلاقى فيه ~~عناصر المادة على النسبة التي تنشط فيها حركة الحياة. # لا بد من الحجم الملائم لأن بقاء الجو الهوائي حول الكوكب يتوقف على ما فيه من قوة ~~الجاذبية. # ولا بد من البعد المعتدل لأن الجرم ms022 القريب من الشمس حار لا تتماسك فيه الأجسام والجرم ~~البعيد من الشمس بارد لا تتخلخل فيه تلك الأجسام . # ولا بد من التركيب الذي تتوافق فيه العناصر على النسبة التي تنشط بها حركة الحياة؛ لأن ~~هذه النسبة لازمة لنشأة النبات ونشأة الحياة التي تعتمد عليه في تمثيل الغذاء. # وموقع الأرض حيث هي أصلح المواقع لتوفير هذه الشروط التي لا غنى عنها للحياة في الصورة ~~التي نعرفها ولا نعرف لها صورة غيرها حتى الآن. ~~••• # لقد كان الأقدمون يشرطون للإيمان بالقصد والتدبير في خلق الحياة على الأرض أن تكون الأرض ~~مميزة بين العوالم العلوية والسفلية، وكانوا يحسبون أنها لا تكون مميزة على هذا الشرط إلا ~~إذا قامت في مركز الكون كله وقامت الكواكب والشموس دائرة أو ثابتة من حولها، فلما تقدم على ~~الفلك وتقدمت علوم الكيمياء والطبيعة أصبح القائلون بالخلق والتدبير اليوم يميزونها من ~~العوالم جميعا لأنها في موضعها هذا من المنظومة الشمسية، ويحسبونها على هذا - بل لهذا - ~~مميزة بالخصائص التي تنفرد بها ولا يشاركها فيها كوكب آخر في آفاق السموات التي أحاطت بها ~~وسائل الكشف والرصد، وهذه الوسائل في العصر الحاضر أقوى وأنفذ مما عرف في جميع ~~العصور. # وأول هذه الخصائص المنفردة أنها سيارة في منظومة شمسية، وليست المنظومات الشمسية في الكون ~~بالكثرة التي يتوهمها من يتطلعون إلى السماء، ويخطر لهم أنهم يرون على آمادها الواسعة ~~شموسا كهذه الشمس، تحيط بها سيارات كهذه الغبراء. # فالمنظومة الشمسية ظاهرة فلكية لم يتفق العلماء على تعليلها، وكل ما عللوها به يدل على ~~ندرتها وصعوبة تكرارها. # وقد عللوا وجودها حتى اليوم بكثير من الفروض المقبولة وغير المقبولة أشهرها فروض ثلاثة ~~يعدل بعضها بعضا، ولا تزال على افتقار إلى التعديل الأخير. # أول هذه الفروض فرض بوفون ~~(Buffon) # العالم الفرنسي ~~(1708-1788) الذي تخيل أن المنظومة الشمسية نشأت من اصطدام الشمس بأحد المذنبات السابحة في ~~الفضاء، وأن الصدمة أطارت منها السيارات فطفقت تدور حولها بحكم الحركة المركزية والجاذبية، ~~ولكن العلماء الذين تبعوه عرفوا من تركيب المذنبات ما لم يكن ms023 يعلمه في عصره، فاستبدلوا ~~بالمذنب نجما عظيما يقارب الشمس في العظم، لأن قوام المذنبات أخف من أن يحدث ذلك الاصطدام ~~العنيف الذي فرضه بوفون. # ثم جاء «لابلاس» فأظهر خطأ آخر في نظرية بوفون، وقال إن الأجسام التي تتطاير من الشمس عند ~~المصادمة المزعومة ينبغي أن تدور في فلك بيضاوي، خلافا لأفلاك السيارات التي تستدير وتقترب ~~من شكل الدائرة التامة. ووضع فرضه الثاني الذي رجحه العلماء إلى زمن قريب، وخلاصته أن ~~السيارات طارت من الشمس على أثر انفجار شديد في باطنها، وأن هذه السيارات كانت في مبدأ ~~الأمر حلقات غازية تجمعت على طول الزمن وتكورت على شكلها الذي نعهده اليوم. وقد ناقض العالم ~~الإنجليزي كلارك مكسويل هذه النظرية فقال إن الغازات في هذه الحالة لا تتجمع على شكل كرة بل ~~ينبغي أن تتحلق حلقات متفرقات. # وانتهى التعديل في الفرضين إلى فرض ثالث، خلاصته أن انشقاق السيارات إنما نشأ من مرور نجم ~~آخر على بعد من الشمس لم يبلغ من قربه أن يصطدم بها، ولم يكن من البعد بحيث يعبرها في ~~طريقه، فبرز من الشمس نتوء منجذب إلى ناحية النجم الآخر، ثم انفصل على شكل مخروط تتقطع ~~رءوسه على التوالي وتدركها الجاذبية وفعل الحركة المركزية، فتنجم منها هذه السيارات. ~~وإحداها هذه الكرة الأرضية. # قال جورج جامو ~~(Gamow) # العالم الروسي في كتابه سيرة الأرض # 2 # وهو واحد من كتب كثيرة بحث فيها موضوع المنظومة الشمسية بحثا علميا على ~~أسلوب الأدب والقصة: # ولما كان المفروض أن النجم العابر كالشمس في تكوينه فالموجة التي تبرز على الشمس ~~عند عبوره لا بد أن تبرز موجة مثلها على سطحه، لعلها لم تنفصل وعادت إلى مكانها ~~لسرعة مسيره في وجهته، ويتوقف مقدار البروز على حجم الكوكب، فينفصل الجزء البارز من ~~النجم الأصغر قبل انفصاله من النجم الكبير، وإذ كنا نعلم أن أجزاء الشمس هي التي ~~انفصلت فالذي يفهم من ذلك لزاما أن والد سيارتنا يكبر الشمس جرما، ويستبعد أن ~~يكون قد حمل معه أحدا من أطفاله لسرعة العبور ms024 - كما تقدم - فلا حرج من القول بأن ~~الأم - الشمس - ضمت إليها كل ذريتها ما خلا آحادا قلائل خرجوا بدادا على النظام ~~... ~~••• # والأستاذ جامو مختص بهذه المباحث عاون في نشأته أكبر العلماء أمثال بوهر الدنمركي ~~وروذرفورد الإنجليزي، واستقل بعد ذلك بدراسة الشمس والظواهر الفلكية، وترجيحه لهذا الفرض ~~الأخير له قيمته الراجحة ولا ريب، ولكنه لا يعني أنه أكثر من فرض يقبل التعديل كرة أخرى ~~كغيره من الفروض. ~~••• # وكيفما كان مقطع الظن في هذه الفروض، فالواضح من تعددها واختلافها أن المنظومات الشمسية ~~ظاهرة نادرة في السماوات لم يبلغ من تكرارها أن تتفق الأفكار على تعليلها. # وهذا هو المميز الأول للكرة الأرضية بين الأجرام السماوية. # ثم يأتي مميز آخر يميزها بين سيارات المنظومة الشمسية نفسها في موقعها وفي حجمها. # وكلما تقدم علم الكيمياء على الخصوص، وتقدم معه فهم العناصر وعوامل تركيبها، تبين ~~للباحثين في مواطن الحياة أن الخصائص التي تلائم ظهور الحياة قد توافرت في الكرة الأرضية ~~على نحو لم يتكرر في سيارة أخرى. # فالمريخ فيه الماء، ولكن الأودية الواسعة والأقنية المنسقة التي تبدو على سطحه لم تمتلئ ~~بالماء، ويظن أن تلك الأقنية خطوط تفصل بين المناطق المختلفة فيه. ومنها ما يختفي عند تحقيق ~~النظر إليه بالمكبرات الحديثة، ولا يصلح جوه للحياة كما نعهدها لشدة البرد وتقلب الأجواء ~~عليه. # والزهرة قد يوجد فيها ثاني أكسيد الكربون، ولكن الأكسجين فيها نادر. ولم تظهر على سطح ~~الزهرة تفصيلات تدل على بيئاتها الإقليمية مع تعاقب الأرصاد بمختلف الأضواء. إما لإحاطته ~~بالظلام أو لخلوه من التفصيلات. وفي كلتا الحالتين لا يصلح الكوكب للحياة. # 3 # ومن الاعتراضات السهلة أن يقال إن شروط الحياة تختلف، أو إن الحياة قد توجد على تركيب ~~يخالف تركيبها في الكرة الأرضية، وقيل كثيرا إن عنصر السليكون قد يحل محل الكربون في ~~الكائنات الحية وإن عملية الفلورة ~~(Fluorination) # 4 # قد تعمل عمل الأكسدة في توليد الطاقة، وهو قول لا يتفق عليه المختصون ولا يزال ~~منهم من يستبعد تكوين الحيوان الكبير من هذا التركيب، ولكنه ms025 على فرض صحته يثبت القصد ~~والتدبير في خلق الحياة ولا ينفيهما. لأن السليكون والفلور عنصران موجودان في الكرة ~~الأرضية، فإذا كانت المصادفة لم تعمل هنا مرة واحدة في تجربة عرضية من تجارب الحياة الأولى، ~~فالمصادفة لا محل لها إذن في هذه الفروض، ولا حاجة بنا إلى الظنون عن الكواكب الأخرى التي ~~يوجد فيها هذان العنصران، إلا إذا كان الأمر مجرد تخمين واحتمال، ولا ضابط للتخمين ~~والاحتمال على كل حال. # ومن أشهر القائلين بإمكان وجود الحياة على المريخ العالم الفلكي سبنسر جونس صاحب كتاب ~~الحياة على العوالم الأخرى، # 5 # وهو على ترجيحه وجود النبات في المريخ يقول: «إن لون سطح المريخ يزودنا بدليل ~~قاطع على وجود الأكسجين الطلق في الماضي على الأقل، ويكاد وجود الأكسجين الطلق يستلزم وجود ~~النبات، فإذا قرنا هذا الاستدلال بالأدلة التي تجتمع لدينا من التغيرات التي تطرأ على ~~سطحه - حسب اختلاف الزرع موسما بعد موسم - أمكننا أن نفهم من ذلك أن وجود نوع من النبات في ~~المريخ محقق أو يكاد. وليس في وسعنا أن نقول إن الحياة الحيوانية - وبخاصة أشكالها العليا - ~~يمكن أن توجد في المريخ؛ لأن قلة الأكسجين فيه تجعل وجودها هناك بعيد الاحتمال، وإن كان رفض ~~هذا الاحتمال رفضا قاطعا غير مستطاع لنزارة ما نعلمه عن حقيقة الحياة. غير أن مسألة وجود ~~هذه الأشكال العليا في الوقت الحاضر على سطح المريخ قليلة الخطر بالقياس إلى المسألة الأخرى ~~التي تكاد تتحقق بالدليل القوي، وهي وجود حياة كائنة ما كانت هناك.» # وقائل هذا - سبنسر جونس - فلكي ملحوظ المكانة مسموع الرأي في هذه المسائل، ولكن جزمه ~~بوجود النبات في المريخ يخالف تقديرات الكثيرين من نظرائه في المكانة العلمية، فإن العالم ~~أرهنيوس ~~(Arrhenius) # يقول إن التغييرات التي استدل بها ~~سبنسر على مواسم النبات يمكن أن تفسر بتغيير ألوان الأملاح الماصة ~~(Hygroscopic) # في الأجواء الممطرة، والعالم المشهور سير ~~جيمس جينس لا يرفض هذا التفسير ويضيف إليه تفسير ليوت ~~(Lyot) # تغييرات تلك الألوان بانعكاسها من رماد ~~البراكين، ويقول: «إننا ولا ريب ms026 نشط كثيرا حين نقرر أن تغييرات اللون على سطح المريخ دليل ~~قاطع على وجود الأكسجين الطلق ولو في الماضي، وأن الأكسجين الطلق يستلزم وجود النبات. وأبسط ~~من هذا على التحقيق أن يقال إن الأكسجين الطلق الذي جاء من الشمس قد استوعبته الصخور، كله ~~أو معظمه، ولا موجب هنا لفرض وجود النبات.» # ونحن لا نريد في هذه العجالة أن نستغرق كثيرا من الصفحات في هذه الخلافات التي لا نهاية ~~لها، فما من شرط من شروط الحياة على كوكب آخر قد خلا من خلافات كهذه بين أكبر المختصين ~~بالبحث في هذه الأمور، ولهذا نكتفي بسرد أمثلة من الخصائص التي تلائم ظهور الحياة ولم يثبت ~~وجودها على كوكب آخر كما ثبت وجودها على الكرة الأرضية، فهي إما معدومة في الكواكب الأخرى ~~أو موجودة بالمقدار الذي لا يكفي ولا يفيد، أو هي متفرقة لم يتم لها التوافق والتركيب الذي ~~هو أهم من مجرد وجودها هنا وهناك بالنسبة إلى البنية الحية. # فمن هذه الخصائص وجود الماء الغزير، وانحلال الملح الصالح فيه دون الأملاح السامة، ووجود ~~النبات الذي يمثل الطعام للأحياء على اليابسة، ووجود الكربون وأكسيده الثاني على حالة لا ~~يمحوها الجو المحيط بالكوكب، وقيام هذا الجو على حالة من الكثافة والانجذاب إلى الكوكب بحيث ~~لا يكظم ما تحته ولا يطير شعاعا في الفضاء، وليس يتحقق ذلك إذا كان الكوكب عظيما كالمشتري ~~وزحل، فإن الكربون في هذه الحالة يوجد على شكل غاز الميثان ~~(Methane) # فلا يصلح مصدرا للكربون الذي يلائم المادة ~~الحية، وليس يتحقق كذلك إذا كان الكوكب صغيرا كعطارد والقمر فإن ثاني أكسيد الكربون لا ~~يوجد في هذه الحالة وقد ينعدم الجو على الإطلاق. # 6 # وينبغي أن تبدأ الملاءمة للحياة من الأدوار الأولى حيث تتكون الخلية التي تدخل في بنية ~~الأحياء العليا أو كما جاء في كتاب سيرة الأرض # 7 # لمؤلفه جورج جامو إذ يقول: # من النقط الهامة التي ينبغي أن تدخل في الحساب عند كل بحث في طبيعة الحياة ~~والنبات أن الخلية الأولى تتألف ms027 مما يسمى بالمحلول الغروي ~~(Colloidal solution) # أي من مواد عضوية مختلفة ~~في الماء. وهذه المحلولات الغروية - عضوية أو غير عضوية - مستحلب دقيق جدا من ~~ذريرات مشحونة بالكهرباء تتماسك على بعد بفعل تلك الشحنة، وتبقى في الماء طويلا ~~لأن الماء الصرف موصل رديء، فإذا أخذنا محلولا غرويا من الذهب مثلا وأضفنا إليه ~~بعض الملح حتى تزيد قابلية الماء للتوصيل فقدت الذريرات شحنتها وأسرعت إلى التلاصق ~~والانضمام ... ويمكننا أن نحدث هذا التلاصق أيضا بضم محلولين كل منهما له شحنة مضادة ~~لشحنة الآخر ... أما المحلول الغروي من المواد العضوية فمن خاصته أن خلايا الكربون ~~المركب على ألفة كيماوية مع الماء ... وأن نتيجة قيامه في الماء على الأبعاد المطلوبة ~~... تحول دون فقدان الشحنة الكهربية ... # إن كل خاصة من هذه الخواص متوافرة في الكرة الأرضية بالمقدار اللازم على النحو اللازم، ~~والذين ينكرون القصد والتدبير في خلق الحياة لم يثبتوا وجود كوكب واحد تتوافر فيه هذه ~~الخواص كتوافرها في الكرة الأرضية، ومن قال منهم إن الحياة غير مقصورة على الأرض حتما إنما ~~يذهب إلى هذا القول على سبيل الاحتمال وامتناع الاستحالة بغير دليل قاطع عليها، فيجوز عندهم ~~أن توجد الحياة في كوكب آخر متى اجتمعت فيه أسبابها وخصائصها، ومن العجيب أن يتوسع هؤلاء ~~الباحثون في احتمال وجود الحياة ويرفضون القول باستحالتها في صورة غير الصورة الأرضية، ثم ~~يضيق بهم مجال الاحتمال عن الحياة الروحية دون غيرها ... فلماذا يتسع الفرض لكل حياة وافقت ~~حياة الأرض أو لم توافقها ثم يستحيل وجود الحياة في صورة روحية ...؟ # إن الذي يأبى حصر الحياة في الأرض ليس من حقه، ولا من مقتضى رأيه وحكمه، أن يحصرها في ~~صورتها الحاضرة حيثما كان موضعها من عالم الوجود الفسيح. # بيد أننا كتبنا هذا الفصل عن مركز الكون لغرض واحد لا يتسع المقام لغيره في هذا ~~السياق. # كتبناه لنبين الفرق بين النظر إلى كشوف كوبرنيكس في القرن السادس عشر والنظر إليها في ~~القرن العشرين. # ففي القرن السادس عشر كان قيام الأرض في مركز الكون على ms028 ظنهم هو الدليل الوحيد على حكمة ~~القصد والتدبير. # وفي القرن العشرين يتحول النظر من النقيض إلى النقيض، فيلتمس المفكرون حكمة القصد ~~والتدبير في موضعها هذا الذي هي فيه، أو في اعتبارها سيارة من سيارات شتى في المنظومة ~~الشمسية. # ومن الحجر على الغيب أن نحسب أن هؤلاء المفكرين في القرن العشرين قد جاؤوا اليوم بفصل ~~الخطاب وقد أوصدوا الباب غدا على التعقيب والتعديل، فإنما يعنينا هنا أن مذهب كوبرنيكس قد ~~أصبح في القرن العشرين، وهو أقرب المذاهب إلى براهين المؤمنين. # | قوانين المادة # نشأت المذاهب المادية قبل العلوم التجريبية الحديثة، وكانت فضيلة المذاهب المادية عن ~~الماديين أنها تقوم على الوقائع والحقائق ولا تقوم على الظنون والأوهام، وكانت المادة عندهم ~~حقيقة الحقائق الثابتة التي لا يعتريها الشك ولا يلم بها الباطل، لأنها محسوسة ملموسة ~~محصورة في مكان محدود: يخبط أحدهم على المائدة بيده أو يضرب على الأرض بقدمه ويقول لمن ~~يجادله: هذه هي الحقيقة التي ألمسها بيدي وقدمي أو أراها بعيني وأسمعها بأذني، وليست ما ~~تخبطون فيه من الظنون والأوهام. # ثم شاعت العلوم التجريبية في القرون الأخيرة، وشاعت معها قوانين الحركة والحرارة والضوء ~~وسائر القوانين التي سميت بالقوانين الطبيعية: هذه هي قوانين الكون التي تسيطر على حركاته ~~وسكناته وتفسر كل ظاهرة من ظواهره، وتسري على الأفلاك العلوية كما تسري على المعادن ~~الأرضية، ولا يشذ عنها حكم واحد من الأحكام التي تشمل المادة في جميع صورها وأشكالها، ومنها ~~مادة الأجسام الحية أو مادة الحياة. # حقائق ملموسة محسوسة، وليست فروضا نخوض بها أو تخوض بنا فيما وراء المادة ... حيث لا يوجد ~~شيء من الأشياء يقوم عليه دليل. # وحدثت في السنوات الخمس الأخيرة من القرن التاسع عشر حوادث «علمية» غيرت كل صورة من صور ~~المادة عرفها الأقدمون. # فقد عرف الكيميون قبل ذلك أن عناصر المادة أكثر من أربعة، وأنها ليست محصورة في النار ~~والتراب والهواء والماء. # وعرفوا أن ذرة «الهيدروجين» أخف العناصر ليست هي أصغر جسم من أجسام المادة ينتهي إليه ~~التقدير. # عرفوا الكهرب الذي تحسب ms029 ذرة الهيدروجين جبلا ضخما بالقياس إليه، ثم تقدموا في معرفة ~~الكهرب والذرة حتى أفلتت المادة كلها من بين أيديهم، ولم يبق منها غير حسبة رياضية! # حسبة رياضية كانوا «يحسبونها» مثلا في الدقة والضبط والعصمة من الخلل، فإذا هي في ~~النهاية حسبة لا يضبطها الحساب إلا على وجه التقريب. # أفلت من المادة كل شيء ثابت أو كانوا يحسبونه مضرب المثل في الثبوت و«الحقيقة»! # فاللون من الشعاع والشعاع هزات في الأثير. # والوزن جاذبية، والجاذبية فرض من الفروض. # والجرم نفسه متوقف على الشحنة الكهربية وعلى سرعة الجسم في الحركة ونصيبه من ~~الحرارة. # والحرارة ما هي؟ حركة! # والحركة في أي شيء؟ في الأثير! # والأثير ما هو؟ فضاء أو كالفضاء، وكل وصف أطلقته على الفضاء فهو بعد ذلك مطابق لأوصاف ~~الأثير. # حتى الصلابة التي تصدم الحس أصبحت درجة من درجات القوة تقاس بالحساب، ويعلم الحاسب أنه ~~حساب قابل للخطأ والاختلال. # فهذه الصخرة القوية صلبة جامدة، يضربها الضارب بيده فترده فيقول: نعم، هذه هي الحقيقة ~~التي لا مراء فيها! # فماذا لو كانت يده أقوى ألف مرة أو ألف ألف مرة من يد الإنسان القوي بالعضل ~~والعصب؟ # إن حقيقة الصخرة تفقد تحت يده برهانها فلا يحسه، أو يحسه ولا يتحدث عنه كما يتحدث عن ~~الحقائق التي تصدم المنكرين! # وتقدم العلم بالكهرب والذرة مرة أخرى، فإذا المادة كلها كهارب وذرات، وإذا بالذرات تنفلق ~~فتنطلق شعاعا كشعاع النور. # هل هذا الشعاع موجات؟ هل هو جزيئات؟ # قل هذا أو قل ذاك، فهذا وذاك في ميزان «التجربة» سواء. # وعاد العلماء التجريبيون إلى القوانين الطبيعية التي تحكم الحرارة والحركة والضوء وكل ما ~~في عالم المادة من كهارب وذرات، فوجدوا لها قانونا واحدا وهو الخطأ والاحتمال. # أما القائمون بهذه التجربة فقد كانوا ثلاثة من أقطاب العلوم الطبيعية في مطلع القرن ~~العشرين. # كانوا ثلاثة من الأقطاب العالميين بأكثر من معنى واحد من معاني العالمية؛ لأن أحدهم ماكس بلانك # 1 # بولوني، والثاني ورنر هيزنبرج # 2 # ألماني، والثالث أروين شرودنجر نمسوي، # 3 # والأولان منهم صاحبا جائزة ms030 نوبل في العلوم الطبيعية عن سنة 1918 وعن سنة 1932، ~~والثالث مكمل النظريات التي اشتهر بها الأولان، وحجة لا تعلو عليه حجة في مسائل الذرة ~~والإشعاع ومسائل الطبيعيات على العموم. # فالأستاذ بلانك هو صاحب نظرية المقدار أو الكوانتم . # وخلاصتها أن الإشعاع قفزات لا تعرف القفزة التالية من القفزة الأولى إلا بالتقدير ~~والترجيح، وأن صحة التقدير لا تتفق إلا لأن أجزاء الكهارب تحسب بملايين الملايين، فلا يظهر ~~الخطأ فيها إلا بمقدار يسير. # والأستاذ هيزنبرج هو صاحب نظرية الخطأ أو الاحتمال في قوانين الطبيعة، وخلاصة براهينه ~~الكثيرة في هذا الباب أن الموضع والسرعة لكهرب معين لا يمكن تحقيقهما في لحظة معينة على وجه ~~اليقين، وأن موقع الكهرب بعد ثانية يتراوح اختلافه إلى مدى أربعة سنتيمترات، # 4 # ثم يقل مدى هذا الخطأ في الثانية التي تليها وأن التجربتين في أية قاعدة من ~~قواعد العلم الطبيعي لا تأتيان بنتيجة واحدة بالغا ما بلغ المجرب من الدقة وبالغا ما بلغ ~~المسبار من الإتقان. # والأستاذ شرودنجر هو المجرب المحقق الذي أسفرت تجاربه كلها عن نتيجة واحدة تؤيد نظرية ~~إكسنر ~~(Exner) ~~، وهي أن تقدير ما سيحدث تطبيقا للقوانين ~~المادية ممكن، ولكنه غير محتوم، وإذا دققنا في التعبير فليس هو بالاحتمال الذي يوصف بأنه جد ~~قريب، ومن مقررات شرودنجر في محاضراته عن الحياة # 5 # ومحاضراته عن العلم ومزاج الإنسان أن القوانين التي تنطبق على الذرات في ~~الطبيعة لا تنطبق على الذرات في البنية الحية، وأن الصورة ~~(Form) # وهي قوام المادة، فلا يصح أن يقال إن هذه الذرة ~~الصغيرة من المادة هي نفسها التي رصدناها قبل لحظة ونرصدها بعد لحظة تالية. إذ ليس لهذه ~~الذرات ذاتية ثابتة تبقى في جميع هذه الأرصاد، وكل ما يثبت منها هو الشكل أو الصورة التي ~~تتكرر في رصد بعد رصد بغير ذاتية ثابتة ~~(Sameness) ~~. # 6 # هذه النظريات لم يشتهر بها العلماء الثلاثة، بلانك وهيزنبرج وشرودنجر لأنهم ينفردون ~~بتقريرها وتأييدها، فإنها نظريات عامة يقررها معهم علماء الطبيعة جميعا ولا يخالفونهم في ~~مبادئها، ولكنهم اشتهروا بالنظريات ms031 التي تدور على نقص القوانين الطبيعية لأنهم استطردوا في ~~مباحثها حتى شملوا بها المباحث العقلية والدينية كالقضاء والقدر وحرية الإرادة، وورد ذكرهم ~~كثيرا في مساجلات العلماء والفلاسفة الذين يطبقون العلوم الطبيعية على الفلسفة ~~والأخلاق. # فلا اختلاف على نقص القوانين الطبيعية، أي على أخذها بالتقريب دون الضبط المحكم الذي ~~يمتنع فيه الخطأ كل الامتناع، وإنما الاختلاف على النتائج التي يرتبونها على هذه النظريات ~~والملاحظات. فما هي نتيجة العلم بأن القوانين الطبيعية لا تفسر لنا حركات الكون وسكناته إلا ~~على وجه التقريب؟ # هل نتيجة ذلك أن نسقط حساب الأسباب والعلل ونلغي القوانين الطبيعية؟ # إن بلانك نفسه لا يقول بذلك ويقرر في كتابه (إلى أين يذهب العلم؟) # 7 # أن الأسباب الطبيعية عاملة في كل حال وأنا لو حققنا موضع كل كهرب وسرعته ~~ووزنه أمكننا أن نعرف حركته التالية بغير خلل في الحساب، فإذا كانت مراقبة الملايين من ~~الكهارب تعطينا نتيجة تقريبية فالنقص ناشئ من جهلنا بحالة كل كهرب على صدق لا من خلل ~~القوانين الطبيعية. # ولا يرى المعقبون على رأي بلانك في هذه المسألة أنه قد حسم بها خلافا ذا بال. إذ لا خلاف ~~على أن المقدمات جميعها تؤدي إلى جميع نتائجها، وإنما الخلاف في إمكان الحصر والاستقصاء، ~~ويتساوى بعد ذلك عالم المادة وعالم الروح، فإن العلم بكل المقدمات في عالم الروح يؤدي كذلك ~~إلى العلم بجميع النتائج على وجه التحقيق. # ولم يفت بلانك أن يستدرك ذلك في كتابه المتقدم ذكره، فقال معقبا على الآراء الحديثة في ~~السببية وحرية الإرادة: # الواقع أنه في هذا العالم الواسع الذي لا يحده القياس - ونعني به عالم العقل ~~والمادة - توجد نقطة واحدة، نقطة لا ينطبق عليها العلم ولا ينطبق عليها أسلوب من ~~أساليب البحث، وستظل كذلك لا من الوجهة العملية وحسب، بل من الوجهة المنطقية كذلك: ~~تلك النقطة هي الذات الفردية، فإنها لصغيرة في رحاب الوجود، ولكنها في ذاتها عالم ~~كامل يحيط بحياتنا العاطفية كما يحيط بمشيئتنا وفكرتنا، وهذا الكون الذاتي هو مصدر ~~لأعمق أحزاننا وأرفع أفراحنا، ms032 ولا سبيل عليه للقوى الخارجية، ولا نحن قادرون على ~~إطراح سلطاننا عليه وتبعاتنا نحوه إلا حين نطرح الحياة نفسها. # ثم قال: # وتذكر أن لابلاس كان يرى أنه لو وجد عقل سام بمعزل عن جميع العوامل في هذا الكون ~~أمكنه أن يتبع العلاقات السببية في جميع حوادث الإنسان والطبيعة إلى أدقها وأخفاها. ~~وإنما بمثل هذا السمو يتسنى للإنسان أن يصل إلى العزلة والاستقلال وأن ينفصل الباحث ~~من موضوع بحثه عند البحث في سريرة نفسه، ولا بد من هذا الفصل كما رأينا لتطبيق ~~مقاييس السببية والاستقرار. وكلما اقتربنا من الحوادث تعذر النفاذ إلى أسبابها، ~~وكذلك كلما اقتربنا من الحوادث التي تدور عليها تجاربنا الشخصية زادت صعوبة الدرس ~~في ضوء تلك الحوادث، إذ كان الذي يتولى الملاحظة هو نفسه موضوع الملاحظة، ومن ~~المستحيل في هذه الحالة تمييز العلاقات السببية لأن الأسباب والمسببات هنا لا فاصل ~~بينها ... وما من عين تستطيع أن ترى نفسها، ولكنه بمقدار ما يختلف الإنسان اليوم عما ~~كان عليه منذ سنوات، يستطاع بعض الاستطاعة أن توضع تجاربه أمامه موضع التعليل ~~والتفسير، وإنما أذكر هذا كأنه تمثيل للمبدأ في عمومه. # ولقد يخطر لكثير من القراء أن يسألوا: إن صح هذا أفلا تكون حرية الفرد وهما ~~ظاهرا مرجعه إلى عيب في أساليب فهمنا؟ # فنقول إن عرض المسألة على هذا النحو خطأ فيما أراه. وقد نصور هذا الخطأ حين نقول ~~إنه يشبه الظن، بأن الإنسان يعجز عن اللحاق بظله لنقص في سرعته! إذ إن الحقيقة التي ~~ترينا أن الإنسان في بعض حالاته الراهنة لن يخضع لقانون السببية هي حقيقة قائمة على ~~أساس من المنطق، كالقضية التي تقول لنا إن الجزء أصغر من كله، وإن استحالة حكم ~~المرء على تأملاته، طبقا لعلاقات السببية، لهي استحالة مؤكدة ولو على فرض العقل ~~السامي الذي ذكره «لابلاس»، فإن ذلك العقل السامي، على استطاعته أن يرقب البواعث ~~والنتائج في عقول أعظم العباقرة، لا مناص له من التخلي عن هذه المراقبة حين ينظر في ~~تأملات ذاته. # أما «شرودنجر» فرأيه ms033 كهذا الرأي في التفرقة بين عوامل المادة الحية وغير الحية، وهو يقول ~~في ختام رسالته «ما هي الحياة»: # أود أن أوضح في هذا الفصل الأخير بالإيجاز أن كل ما علمناه من بناء المادة الحية ~~يوجب علينا أن نكون على استعداد لأن نراها عاملة على مثال لا يمكن إخضاعه لقوانين ~~الطبيعة العادية، وليس ذلك على اعتبار أن التركيب هنا يخالف كل تركيب درسناه في ~~معامل العلوم الطبيعية. # وختم «شرودنجر» رسالته بالتساؤل عن الشخصية والروح، فقرر أن «الوعي» ظاهرة مفردة لا تقبل ~~الجمع، وأن كل ما يمكن الجزم به هو أن الشخصية لا تتكرر وأنها قوام مستقل عن كل ~~قوام. ~~••• # ونعود هنا فنقول - كما قلنا في ختام الفصل السابق - إننا لا نسرد هذه الآراء لأننا نحسبها ~~مقطع القول في القوانين الطبيعية، فإن العلماء لا يقطعون بقول فيها اليوم إلا قطعوا بغيره ~~غدا، وقلما يقطعون بالقول حيث يلتزمون أمانة العلم ويقفون عند حدوده. # ولكننا نسرد تلك الآراء لغرض واحد، وهو أن القوانين الطبيعية لا تتخذ في القرن العشرين ~~حجة للتعطيل والإنكار، بل هي أقرب إلى التشكيك في التعطيل والإنكار، إن لم نقل إنها أقرب ~~إلى مباحث العقيدة والإيمان. # إن المادة اليوم لا تصد المفكرين عن عالم الحقائق المجردة، ولا هم يتخذون من صلابتها ~~وجسامتها شرطا للحقيقة الثابتة، فإن الحقيقة المادية نفسها لا تثبت اليوم بمجرد الصلابة ~~والجسامة، ولا تزال ترتد إلى أصولها حتى تؤول إلى عدد من الهزات في ميدان مجهول هو ميدان ~~الأثير وميدان الفضاء. # فالمادة في القرن العشرين قد اقتربت من عالم الفكر المجرد بل دخلته وأصبحت في تقدير ~~الثقات «عملية رياضية» أو نسبة من النسب التي تقاس بمعادلات الحساب. # وقد جاز لعالم كبير كالسير جيمس جينس ~~(Jeans) # أن يعتبرها ~~كذلك وأن يقول كما قال في ختام كتابه الكون العجيب: # إن المعرفة الجديدة تضطرنا إلى تنقيح خواطرنا العجلى التي أوحت إلينا أننا وقعنا ~~في كون لا يحفل بالحياة أو لعله يعمل على مناصبتها العداء. ويلوح لنا أن الثنائية ~~العتيقة التي تقول ms034 بالعقل والمادة ويرجع إليها افتراض العداوة المزعومة آخذة في ~~الزوال، لا لأن المادة تدخل بأية حال من الأحوال في ظلال وأشباح، أو لأن العقل تحول ~~إلى وظيفة مادية، بل لأن المادة الجوهرية تحيل نفسها إلى شيء من خلق العقل ومظهر من ~~مظاهره. ونحن نستكشف أن الكون يبدي الدليل على قدرة مدبرة أو مسيطرة لديها العقل ~~الذي يماثل ما نفهمه بعقولنا ... # وجاز كذلك لعالم آخر كبير كالسير آرثر إدنجتون ~~(Eddington) # أن يقول في ختام كتابه عن كيان الدنيا ~~الطبيعية: إن نظرات المتصوفة لا تهمل، وإن ملكات الإنسان التي يمازجها الشعور الديني هي من ~~وقائع الكون إذا كان الإنسان قد استبقاها بفعل الانتخاب الطبيعي، وهو من أهم العوامل ~~الكونية. # وفي ختام كتابه فلسفة العلم الطبيعي يقول: # نحن حتى في العلم ندرك أن المعرفة ليست بالأمر الوحيد الذي نعتد به، ونسمح ~~لأنفسنا أن نتحدث عن روح العلم ... وإن أعمق من كل قضية من قضايا النكران لهي العقيدة ~~التي هي قوة خالقة أهم مما تخلقه ... وفي عصر العقل تظل العقيدة راجحة لأن العقل بعض ~~مادة العقيدة. # وتقابل التفكير الديني والتفكير العلمي في الغرب في مجال التقريب بين القوانين الطبيعية ~~والأفكار الدينية، فإذا كان علماء الطبيعة قد أدخلوا المادة في عداد المعادلات الرياضية، ~~فالعلماء اللاهوتيون قد عبروا تلك الفجوة الواسعة التي فصلت بين الطبيعة والروح مئات ~~السنين، ولم تزل إلى زمن قريب تفصل بينهما كأنهما عدوان لدودان لا يتصالحان. وقد عرض ~~الدكتور ماثيو مطران كنيسة سان بول لهذا البحث في كتابه «مقالات في البناء» # 8 # فقال: # إذا كنا نفهم من الطبيعة أنها تعني الكون كله في اشتماله على نظام الوجود قاطبة ~~فلست إخال أحدا يزعم أن هناك شيئا مناقضا أو خارجا عن ذلك النظام، ومتى نظرنا ~~إلى الطبيعة تلك النظرة فليس بعث سيدنا نفسه - أي السيد المسيح - بالخارق للنظم، ~~وبدلا من المناقضة يعد هذا البحث - كما قال القديس بطرس - إحدى الموافقات لسنن ~~الوجود. # ولم يعهد مثل هذا التقارب بين الطبيعيين واللاهوتيين في القرن التاسع عشر، ms035 فكأنما انقضى ~~ذلك القرن وبين العقيدة وقوانين الطبيعية والمادة حاجز قاطع أو حصن رادع. فلما أقبل القرن ~~العشرون هبط الحاجز وانفتح باب الحصن، وقامت في مكانهما قنطرة تتصل من ناحية وتنفصل من ~~ناحية، ولكنها صالحة لأن يعبر عليها، مع الجهد، كل من يشاء العبور. # | مذهب التطور # اقترن مذهب التطور في النصف الأخير من القرن التاسع عشر باسمين عظيمين، هما اسم الفرد رسل ~~ولاس واسم شارل داروين، وذاعت شهرة داروين بالمذهب حتى كاد أن ينسب إليه ويعرف به، فيقال ~~مذهب داروين كما يقال مذهب التطور أو مذهب النشوء والارتقاء، وقد عدل أخيرا عن تسمية ~~المذهب بالنشوء والارتقاء وبقيت الداروينية غالبة عليه. # ولقد هوجم المذهب كثيرا باسم الدين، وجعله بعضهم مرادفا للإلحاد والمادية، ومع هذا لم ~~يكن والاس ولا داروين ملحدين معطلين، وكان والاس شديد الإيمان بالله، خامرته الشكوك في ~~الديانة التقليدية ولم تخامره في الإيمان بالله وبحكمته، ومن كلامه ما يستدل به على تصديق ~~المعجزات وخلود الإنسان. # أما داروين فلم يزعم قط أن ثبوت التطور ينفي وجود الله، ولم يقل قط إن التطور يفسر خلق ~~الحياة، وغاية ما ذهب إليه أن التطور يفسر تعدد الأنواع الحيوانية والنباتية، وفي ختام ~~كتابه عن أصل الأنواع يقول إن الأنواع ترجع في أصولها إلى بضعة أنواع تفرعت على جرثومة ~~الحياة التي أنشأها الخلاق. # وقد قال والاس في كتابه عالم الحياة ~~(The World of Life) # متحدثا عن عقيدة داروين: «إنه على ما يظهر قد صار إلى نتيجة واحدة»، وهي أن الكون لا يمكن ~~أن يكون قد وجد بغير علة عاقلة، ولكن إدراك هذه العلة على أي وجه كامل يعلو على إدراك العقل ~~البشري. # ثم عقب والاس قائلا: «وإنني لأولي هذه النظرة كل عطفي وشعوري، ولكنني مع هذا أرى أننا ~~مستطيعون أن نلمح قبسا من القدرة التي تعمل في الطبيعة، يساعدنا على تذليل الصعوبة البالغة ~~التي تحول دون العلم بحقيقة الخالق الأبدي الذي لا أول له ولا آخر.» # ولما سئل داروين عن عقيدته الدينية (سنة 1879) قال في ms036 خطاب إلى مستر فوردايس ~~(Fordyce) # صاحب كتاب ملامح من الشكوكية: # إن آرائي الخاصة مسألة لا خطر لها ولا تعني أحدا غيري، ولكنك سألتني، فأسمح ~~لنفسي أن أقول إنني متردد، ولكنني في أقصى خطرات هذا التردد لم أكن قط ملحدا ~~بالمعنى الذي يفهم فيه الإلحاد على أنه إنكار لوجود الله، وأحسب أن وصف اللاأدري ~~يصدق علي في أكثر الأوقات - لا في جميعها - كلما تقدمت بي الأيام. # وقد كتب قبل ذلك (سنة 1873) إلى طالب هولندي سأله السؤال نفسه فقال: «... إن استحالة تصور ~~هذا الكون العظيم العجيب وفيه نفوسنا الشاعرة قائما على مجرد المصادفة - هي في نظري أقوى ~~البراهين على وجود الله، ولكنني لم أستطع قط أن أقرر قيمة هذا البرهان.» # وسأله طالب ألماني (سنة 1879): هل يتفق مذهب التطور والإيمان بوجود الله، فأوصى أحد ~~أعوانه أن يكتب إليه ما فحواه أنهما يتفقان، ولكن الناس يختلفون في فهم المقصود ~~بالإله. # وعاد الطالب يسأل ويطلب التفصيل، فكتب إليه داروين نفسه في هذه المرة وقال له: إنه لا يرى ~~دليلا على الوحي، وإن الإيمان بالبعث متروك لكل من يشاء أن يتخذ له فيه معتقدا بين ~~المحتملات المتضاربة. # وآخر ما عندنا من آرائه في هذا الموضوع خطاب أرسله إلى جراهام صاحب كتاب عقيدة العلم # 1 # كتبه سنة 1881، وقال فيه: «إنك عبرت عن عقيدتي الباطنة ... إن الكون لم ينجم عن ~~مصادفة؛ ثم عاد يتساءل: ما قيمة هذه العقيدة في إثبات حقيقتها؟» ~~••• # والمهم في هذا الصدد أن صاحبي مذهب التطور، كما ذاع في النصف الأخير من القرن التاسع عشر، ~~لم يستندا إليه في إنكار العقيدة الدينية، ولم يزعما أنه يفسر سر الحياة أو سر الكون، ~~وأحدهما - وهو والاس - كان مؤمنا بالله وبحكمته في مخلوقاته، والآخر - وهو داروين - كان ~~يأبى أن يوصف بالإلحاد، ويحسب نفسه أحيانا «ربانيا» أي منكرا للمصادفة ومرجحا لعقيدة ~~الربوبية، ويؤكد إلى آخر أيامه أن الاستدلال بمذهب التطور على إنكار الإله خطأ كبير وادعاء ~~لا سند له من العلم ولا من التفكير الأمين. # وقد مضى على آخر ms037 ما كتبه داروين في مسألة العقيدة ثلاث وخمسون سنة وشاع مذهب التطور في كل ~~بيئة علمية، وأراد العالم اللاهوتي دروبرج ~~(Drawbridge) # سنة ~~1932 أن يعيد الأسئلة التي وجهت إلى داروين في حياته ويوجهها هذه المرة إلى علماء الجمعية ~~الملكية، وهم أكبر العلماء المشهود لهم بالمكانة الملحوظة في بلادهم وغير بلادهم، ومنهم ~~مختصون بالكيميا ومختصون بالطبيعيات ومختصون بالرياضيات ومختصون بعلم الحياة أو بعلم ~~الحيوان، فسألهم: هل ترون أن تصديق مذهب التطور يوافق التصديق بوجود الله؟ # فأجاب بالإيجاب مائة واثنان وأربعون من المائتين الذين أرسلوا ردودهم، وأجاب اثنان وخمسون ~~مترددين، وأجاب ستة بالنفي قائلين إن الاعتقادين لا يتفقان. # وإذا قوبلت وجهة النظر العلمية بوجهة النظر الدينية في القرن العشرين لم تختلف الوجهتان ~~في هذا المعنى. # ولا نريد بذلك أن المتدينين يقررون صحة مذهب التطور على علاته، ولكننا نريد أنهم يقررون ~~أن تصديقه لا يناقض التصديق بوجود الله، فلا يلزم عندهم أن يكفر بالدين كل من قال بتسلسل ~~الأنواع الحية من أصل واحد أو بضعة أصول، ومنهم من يعتبر العوامل الطبيعية التي فعلت فعلها ~~في هذا التسلسل آية من آيات التدبير والتنظيم. # وقد جاء في الموسوعة الكاثوليكية في مادة الخلق ~~(Creation) # أن حقائق العلم وحقائق الوحي في هذا الموضوع ~~لا تتناقضان. # وقال اللاهوتيون أصحاب كتاب العلم وما ~~فوق الطبيعة # Science and the Super Natural ~~: إن العلل الثانوية التي تبدو في أعمال الطبيعة لا تبطل العلة ~~الأولى التي تنتهي إليها جميع العلل وتقف عندها جميع المقاصد والغايات. # وقال اللاهوتي اليسوعي الأب نابرباور ~~(Kna berbauer) # فيما ~~روته عنه الموسوعة الكاثوليكية: «إن أصول الاعتقاد التي اشتمل عليها سفر التكوين تبقى ثابتة ~~غير ممسوسة؛ ولو فسرنا الأحوال التي نشأت فيها الأنواع المختلفة وفاقا لقواعد ~~التطور.» # ونخلص مما تقدم، إلى بيان الفرق بين القرن التاسع عشر والقرن العشرين في موقف العلم من ~~الدين حول مذهب التطور، أو مذهب داروين والآراء الداروينية على اختلافها. # فالنشوئيون في القرن العشرين لا يستندون إلى التطور في إنكار الدين وإثبات التعطيل ~~والإلحاد، ومن ms038 كان منهم معطلا منكرا فليس له سند مسلم من مذهب داروين، ولا من كلام داروين ~~نفسه عن عقائده وترجيحاته. # والدينيون في القرن العشرين لا يقيمون أصول الدين حجة على بطلان مذهب التطور، ولا يقولون ~~بالتناقض بين الإيمان والعلم في هذا الباب. # وإذا رجعنا إلى مكان مذهب التطور من العلم لم نجد من يحسبه علما قاطعا مفروغا من أصوله ~~وفروعه، وأكبر أنصاره لا يدعي له أكثر من أنه صحيح في بعض ملاحظاته ومقارناته، ويجوز بعد ~~ذلك أن يكون التطور قد حصل في جهات متعددة لا في جهة واحدة، وأن يكون ملازما للارتقاء ~~حينا ومقارنا للنكسة حينا آخر، وإن كانت شواهد الارتقاء أكثر من ظواهر النكسات. # وخفت اليوم تلك الدفعة الأولى من جانب النشوئيين وجانب الدينيين، فتقاربت شقة العلم وشقة ~~العقيدة في أمر الخلق والتطور، وجاء القرن العشرون بعد القرن التاسع عشر بنظرة جديدة في هذه ~~المسألة التي أوشكت أن تغطي على مسألة دوران الأرض ومسألة القوانين الطبيعية في دعواها ~~الأولى حيال العقائد الدينية، فإن لم يكن مذهب التطور آية من آيات العقيدة فليس هو على ~~التحقيق برهانا على بطلانها، وثبت اليوم أن الذين حاربوا الدين باسم التطور والذين حاربوا ~~التطور باسم الدين كلهم في الخطأ والادعاء سواء. # وربما كان لسخف الكبرياء نصيب كنصيب الجهل في مقاومة القول بالتطور، فإن الأكثرين أنفوا ~~أن يكون آباؤهم وأجدادهم قردة، وظنوا أن تصديق التطور يوجب هذا النسب لا محالة على كل فرد ~~من أفراد السلالة الآدمية. # ولا مسوغ لهذا السخف اليوم إن كان للسخف مسوغ في حين من الأحيان، فليس باللازم في مذهب ~~التطور أن ينتمي كل إنسان حديث إلى قرد عريق، وما من نشوئي إلا وهو يلتمس حلقة بين النوعين، ~~ويجعل للإنسان نسبا مستقلا في أصله عن غيره من الأنواع العليا بين الحيوان. # | المقارنة بين الأديان # لما كشفت أمريكا الوسطى ووجد الأسبان فيها أقواما يتعبدون على أديان لا يعرفونها؛ خف ~~القساوسة والمبشرون إلى البلاد المكشوفة ليبحثوا في أديانهم ويحولوا أقوامها إلى العقيدة ~~المسيحية، فأدهشهم ms039 بعد قليل أن يروا لهم شعائر كشعائر الأديان المعهودة في الدنيا القديمة، ~~وأنهم سمعوا منهم كلاما عن التكفير والخلاص ومناسك الإيمان على شيء من الشبه بنظائره في ~~الديانة المسيحية، وحاروا في تعليل تلك المشابهة، فخطر لبعضهم أنها بقية من بشارة قديمة ~~نسيت واندثرت وتخلفت منها موروثاتها الممسوخة، وخطر لغيرهم أن الشيطان يزيف لهم الباطل ~~بالحق والحق بالباطل ليخدعهم عن الدين القيم ويمزج لهم الخبيث بالطيب فيصرفهم عن الطيب ~~كله. # وكان هذا التفسير كافيا لفهم أسرار المشابهة بين الأديان في الدنيا القديمة والأديان في ~~الدنيا الحديثة التي رجح عندهم أنها كشفت لأول مرة، وظل هذا التفسير كافيا من أوائل القرن ~~السادس عشر إلى أواخر القرن الثامن عشر، ثم اتسعت كشوف الرحالين وتتابعت أخبار القبائل ~~والسلالات التي تتشابه بينها شعائر الأديان والعبادات، وتقدم علم الأجناس البشرية ومعه علم ~~المقارنة بين أديانها وعقائدها، فثبت أن التشابه بينها في هذه الأطوار الدينية أعم وأوسع ~~مما خطر لرجال الدين من الأسبان عند كشف القارة الأمريكية، بل ثبت هذا التشابه بين السلالات ~~التي لا صلة بينها ولم يعرف أنها اتصلت قبل القرن الثامن عشر بأزمنة متطاولة، فاحتاج الأمر ~~إلى تفسير غير ذلك التفسير عند المتدينين والمعتقدين. أما المنكرون الذين كانوا قد برزوا ~~وتكاثروا في أواخر القرن الثامن عشر، فقد كانوا يقررون أن الأديان كلها من وضع البشر، ~~فاتخذوا من هذه المشابهات دليلا على صحة ما قرروه. # وقد كانت الصدمة قوية لأنصار الدين، لأن القرن الثامن عشر على الخصوص قيض لهم مشاكل كثيرة ~~لم يفرغوا منها، وأثار في نفوس الأجيال الجديدة شكوكا تعالجها الكنائس واحدة بعد واحدة، ~~ولا تنتهي من علاجها. فلما أسفرت المقابلة بين الأديان والعبادات عن تلك المشابهة المتكررة ~~كانت ضربة قوية محرجة بعد ضربات مثلها في القوة والإحراج، كادت أن تخذل عوامل الإيمان ~~والاعتقاد أمام عوامل الشك والإنكار. # ولم يحرج بهذه الشكوك جميع المعتقدين والمؤمنين، فإن الأوروبيين الذين خرجوا على سلطان ~~الكنيسة الرومانية قد ظهر منهم أناس يؤمنون بالله ولا يؤمنون بالكتب ولا بالشعائر ms040 الكنسية، ~~وتسمت منهم طائفة بالربانيين ~~(Deists) # من كلمة ديوس بمعنى ~~الرب أو الإله، وسموا دينهم بدين الطبيعة تمييزا له من دين الكنيسة، واشتهر من هؤلاء في ~~البلاد الإنجليزية لورد هربرت شربري ~~(Cherbury) # المتوفى ~~قبيل منتصف القرن السابع عشر، فدعا إلى دين (طبيعي) يقوم على أركان خمسة: هي الإيمان بالله ~~والعبادة والفضيلة والتوبة واليوم الآخر، ثم تلاه أنتوني كولنس ~~(Collins) # الذي يعتبره الكثيرون أستاذا لفولتير ~~وبنيامين فرنكلين في حرية الفكر، ويحسبون كتابه «محاضرة في الحرية الفكرية» ~~(Discourse on freethinking) # إنجيل هذه النحلة. ثم تلاه ~~تندال ~~(Tindal) # فألف كتابه الذي جعل عنوانه أن «المسيحية ~~قديمة كقدم الخليقة» ليثبت به أن الإيمان سابق للكنائس والمذاهب (1730). # وبعد ظهور الربانيين بقليل ظهرت طائفة أخرى تسمت باسم الإلهيين ~~(Theists) # ولا خلاف بين الاسمين في اللغة لأن كلمة ثيوس ~~(Theos) # مرادفة لكلمة ديوس ~~(Deus) # بمعنى الإله، وإنما الخلاف بينهما في الإيمان ~~بعلاقة الإنسان بالله. فالآخرون يقولون بعمل الله المتواصل في تدبير الكون، والأولون يقولون ~~بأن الله قد أحكم خلق الكون ووكله إلى شريعته وقدره، ومنهم من يؤمن بإله كإله أرسطو يتحرك ~~الكون نحوه بباعث الشوق إلى الكمال ولا يقبل كمال الله أن يتصل بالكون غير هذا ~~الاتصال. # وظهر غير هاتين الطائفتين دعاة ومفكرون لا ينتمون إلى طائفة ولا يعترفون بالأديان ولكنهم ~~يدينون بالإله والفضيلة ويسمون أنفسهم أحرار الفكر أو أحرار العقيدة. # فهؤلاء الربانيون والإلهيون لم تحرجهم المشابهة بين الأديان والعبادات؛ لأنهم آمنوا بأن ~~الله يوحي هدايته إلى الإنسان من كل طريق وأن الناس يتشابهون في التعقل وطلب الهداية وإن ~~تفاوتوا في ارتقاء العقول. # وتبين بعد الأخذ والرد في مقارنات الأديان أنها لم تحرج من رجال الكنيسة أنفسهم غير ~~المتحرجين المتشددين في تحرجهم؛ لأن الفقهاء المتبصرين منهم سلموا أن الإنسان يهتدي إلى ~~الله بالوحي وبغير الوحي، وإن كان الوحي أهدى وأفضل. وكثر فيهم من يقول كما قال صاحب ~~«مقالات في البناء» المتقدم ذكره أن الشعور الديني قد يكون طبيعيا وقد يرجع إلى ما فوق ~~الطبيعة، ومناط الفرق بينهما ms041 هو الإيمان بإله خالق مخلص، وهو الله. # وانجلى النزاع الذي أثارته المقارنة بين الأديان عن هذا الموقف في أوائل القرن ~~العشرين. # فالمتدينون المتحرجون يقبلونه على أنه أثبت وجود أديان لم تكن متلقاة من طريق الوحي ~~الإلهي، ولكنه لم ينف وجود أديان أخرى موحاة من الله. # بل ذهب أناس من المتدينين المتحرجين إلى القول بأن العبادات جميعا وحي من الله، ولكنه ~~وحي قديم شابته الخرافات من فعل السحرة والكهان، فانحرفت الأمم البدائية في جهالاتها عن ~~طريق ذلك الوحي القديم. # أما غير هؤلاء المتدينين المتحرجين فالمقارنة بين الأديان والعبادات قد زودت فئة كبيرة ~~منهم بالحجة القوية على ضرورة التدين وأنه بديهة مركبة في طبيعة البشر، ولولا ذلك لما ~~أجمعوا على التدين متفرقين في أرجاء الأرض مع اختلاف الأزمان وتفاوت الحضارات وتباعد ~~الثقافات وطبقات التفكير. # ويصدق على المقارنة بين الأديان ما صدق على دوران الأرض والقوانين الطبيعية ومذهب التطور ~~في مسألة العقيدة، وقد رأينا أنها شككت العقول زمنا في أصول الاعتقاد ثم أصبحت في القرن ~~العشرين سندا لمن يؤثرون الاعتقاد ويشككون في الإنكار. # | مشكلة الشر # وهي مشكلة المشاكل في جميع العصور، وليس البحث فيها مقصورا على القرن العشرين، ولا نظن ~~أن عصرا من العصور يأتي غدا دون أن تعرض فيه هذه المشكلة على وجه من الوجوه، وأن يدور فيه ~~السؤال والجواب على محور قديم جديد. # والقرن العشرون لم يطرأ فيه طارئ من الشر لم يكن معروفا قبلا إلى أبعد العصور التي ~~تعيها ذاكرة الإنسان، إلا أن يكون ذلك الطارئ من قبل الضخامة والكثرة لا من قبل الشر في ~~جوهره وطبيعته. فالناس قد عرفوا الحروب والفتن، وعرفوا الأوبئة والعوارض المتكررة، وعرفوا ~~المظالم وضروب العدوان، وقد ثقل منها ما ثقل في القرن العشرين وخف منها ما خف، إن كان هناك ~~اختلاف في أثقال الشر وجرائره. أما أن القرن العشرين قد عرف نوعا من الشر لم يكن معهودا ~~فيما مضى، فذلك ما لم يزعمه أحد ممن يتحدثون عن شروره، ومنها الحروب العالمية والأسلحة ~~الجائحة، وهي جديدة ms042 في قوة فتكها، ولكن الفتك في ذاته ليس بالشيء الجديد. # إن القرن العشرين قد أضاف إلى هذه المشكلة أسبابه وأساليبه، ولم يضف إليها شرا جديدا، ~~بل أضاف إليها أسبابا للسؤال وأساليب للجواب، ولا يزال الباب مفتوحا للسائل ~~والمجيب. # ومن آفات القرن العشرين أن أسباب الشكوى فيه أكثر وأعظم من جهتين لا من جهة واحدة. # فهي أكثر وأعظم لأن حروبه الطاحنة شملت الكرة الأرضية وعمت أقوياءها وضعفاءها، وكادت أن ~~تتلاحق من أوله إلى ما بعد منتصفه، ويخشى في كل سنة أن تستأنف الحروب العالمية طغيانها ~~وفتكها، بغير أمل في السلام والأمان. # وهي أكثر وأعظم لأن النفوس فيه تدعي الحقوق وتلح في المحاسبة، فلم يكن مستغربا فيما مضى ~~أن يداس حق إنسان أو جماعات من الناس، ولم يكن هنالك محاسبة لأصحاب السلطان على الشرور ~~والمظالم، فلما علم الناس في القرن العشرين أن لهم حقوقا وأن لهم أن يحاسبوا المعتدين على ~~تلك الحقوق؛ تعاظمت شكواهم من كل كبيرة وصغيرة، وتعودوا الشكوى من شرور الحياة كما تعودوا ~~الشكوى من شرور ذوي السلطان. # ولقد كان الناس قديما يسألون: من أين يأتي الشر إلى العالم والله خالقه رحيم ~~قدير؟ # وكانوا يسلمون الجواب ولا يلحون في الحساب، وكان هذا دأبهم في محاسبة الحاكمين من بني ~~آدم، فلا جرم يقبلون من الحاكم الخالق ما يقبلونه من الحاكم المخلوق. # فلما أقبل القرن العشرون بحروبه وأسلحته، أقبل بدعاواه وحقوقه ولجاجته في المحاسبة ~~والاعتراض. فإذا بمشكلة الشر تتفاقم فيه من جانبين كما أسلفنا: جانب الضخامة في الشرور، ~~وجانب اللجاجة في المحاسبة والادعاء. # وهذا هو الجديد على المشكلة في القرن العشرين، فالسائلون فيه أكثر سؤالا والمجيبون فيه ~~ليسوا بأقدر على الجواب من سابقيهم في القرون الغابرة، سواء بين الأوروبيين أو غير ~~الأوروبيين. # وقد أجيب السؤال كثيرا على ألسنة المفكرين من أمم الغرب منذ نهضوا للسؤال واستشرفوا ~~للجواب، أو منذ استقلوا بالفهم والبحث ولم يقنعوا بالتقليد والترديد. # فمن الحلول التي اختارها بعض المفكرين لعلاج مشكلة الشر أن الشر وهم يزول، ولا بقاء له ms043 مع ~~الخير. # ومنها أن الشر لا وجود له بذاته، وإنما هو غياب الخير أو نقصه. فليس الظلام شيئا غير ~~احتجاب النور، وليس الشر شيئا غير انقطاع الخير. # ومنها أن الشر تربية نافعة لبني آدم، وأن تجارب الأيام قد بينت للناس أن الشدة أنفع لهم ~~من الرخاء في كثير من الأحيان. # ومنها أن الشر ضرورة ناجمة من التقاء الخيرات الكثيرة، فوجود النور مثلا ممكن، ولكنه لا ~~بد من النور والظلام والشروق والغروب حين توجد الكواكب وتوجد معها المدارات والأفلاك، ويوجد ~~الليل والنهار والشتاء والصيف والجدب والخصب، أو توجد مع النور خيرات غير النور. # ومنها أن الشر خير يوضع في غير موضعه. ومن يعترض على أسباب الشر كمن يعترض على خلق الماء ~~اعتراضا على فيضان الأنهار، أو كمن يعترض على خلق الجرثومة الحية التي تتألف منها الأجسام ~~اعتراضا على جراثيم الوباء. # ومنها أن حرية الإرادة نعمة إلهية، وأن حرية الإرادة لا تكون إلا في عالم يحدث فيه الخير ~~والشر، وينقاد فيه الإنسان إلى العمل الصالح غير مكره عليه. # ومنها أن الشر هو تمام الخير الذي يوجد معه وينعدم بانعدامه، فلا معنى للرحمة بغير الألم، ~~ولا معنى للشجاعة بغير الخطر، ولا معنى للكرم بغير الحاجة، ولا معنى للصفح بغير الإساءة، ~~ولا معنى للنجدة بغير الظلم، ولا معنى للهمة والسعي بغير الحذر من مكروه والشوق إلى ~~مأمول. # ومنها أن الفروق بين الأشياء لازمة، ولولاها لم يوجد شيء مستقل عن شيء، ومع وجود الفروق ~~لا مناص من الشكوى، ومن الطلب والفوات. ~~••• # هل جرى في القرن العشرين من جديد في هذه الحلول أو هذه المعاذير؟ # كلا من حيث الجوهر، ونعم من حيث التطبيقات والتفصيلات. # فالحروب الكبرى في عصر الدراسات والمقارنات قد نبهت أذهان المفكرين إلى البحث في عواقبها ~~وما فيها من المنفعة والضرر، وقد وسعت ميادين بحوثهم حتى شملت كل ما وعاه التاريخ من الحروب ~~الغابرة والحاضرة، ورصدت كل ما يعزى إليها من المضار والمنافع، سواء منها ما يجمع عليه ~~الباحثون وما يختلفون فيه. # وزبدة هذه ms044 الدراسات والمقارنات أن الحروب أفادت كما أضرت ووصلت كما قطعت، وقد يكون النفع ~~فيها أكبر من الضرر والصلة فيها أبقى من القطيعة. # فأنفع المخترعات والمعارف العلمية قد جاء عرضا في طريق التنافس على صنع السلاح الفعال، ~~ولولا حروب القرن العشرين لما بلغت الطيارة مبلغها من الإتقان، ولما تضافرت الجهود على فلق ~~الذرة واستكناه أسرار المادة وخفايا الطبيعة. # وقد تعاقبت شكوى الحكماء وأنصار السلم من حروب الفرس واليونان وحروب الصليبيين وحروب ~~العثمانيين وحروب الاستعمار ، ولولاها لبقيت كل أمة في عزلتها أو لبقيت القارة الأمريكية ~~كلها حيث كانت مجهولة على سطح الكرة الأرضية. # وإذا كانت للحروب فائدة تقترن بالضرر، وهو كثرة الموت فيها، فهذا الضرر مفروغ منه؛ لأن ~~حياة الكائن المحدود تنتهي بالموت لا محالة، ولا فرق بين موت الألوف معا وموت الآحاد ~~متفرقين، فهو ضرر واقع على كل حال. ولكن منافع الحروب ليست بالمنافع الواقعة في جميع ~~الأحوال. # في هذه المعاذير شيء من الجدة ينسب إلى القرن العشرين. # وقد ينسب إلى القرن العشرين أيضا شيء من الجدة في فهم المسئولية المطلقة والمسئولية ~~المقيدة، يمتزج أحيانا بفهم القضاء والقدر وحرية الإرادة، وهما في الصميم من مشكلة الشر ~~كما تعرض للعقول في العصر الحديث. # فالناس في هذا العصر قد تعودوا الكلام على مسئولية المحكومين كما تعودوا الكلام على ~~مسئولية الحاكمين، فالحكومة مسئولة والأمة مسئولة، والراعي مسئول والرعايا مسئولون. # هذا خاطر أوشك أن يزحف من الوعي الظاهر إلى الوعي الباطن، فعود العقول أن تحمل على ~~المخلوقات بعض المسئولية ولا تلقي المسئولية المطلقة على القدر. # وهذا الخاطر من شأنه كذلك أن يكفكف من شهوة المحاسبة ولجاجة الشكوى، فلا تجري المحاسبة في ~~مجرى واحد، ولا يزال العقل الحائر يبحث عن المحكومين المسئولين كما يبحث عن الحكومة ~~المسئولة. # وكل أولئك خليق أن يحسب من جديد القرن العشرين في التفصيلات والتطبيقات، وليس هو بالجديد ~~كل الجدة في جوهره الأصيل، وهو كالشر قديم. # ومن التفصيلات الجديدة - غير ما تقدم - أسلوب المفكرين العشرينيين في عرض القضايا العقلية ~~على نمط علمي ms045 يخاطب الناس خطاب إنسان لإنسان، ويجتنب غاية الاجتناب خطاب السلطة ~~والكهانة. # وتوضيح هذا النمط بالنماذج المنقولة أقرب من توضيحه بالوصف والإشارة، فإن النماذج تحيط ~~بنمط الفكر وأنماط المفكرين في وقت واحد، والمضاهاة هي أوجز السبل إلى التفرقة بينها وبين ~~أنماط التفكير قبل القرن العشرين. # قال الأستاذ لويس ~~(Lewis) # صاحب كتاب مشكلة الألم ~~(The problem of pain) ~~: # إن القدرة على كل شيء معناها القدرة على ما هو في أساسه ممكن وليس معناها القدرة ~~على ما هو في أساسه مستحيل . إنك تستطيع أن تنسب المعجزات إلى القادر على كل شيء، ~~ولكنك لا تستطيع أن تنسب إليه الهراء ... فإذا بدا لك أن تقول إن الله قادر على أن ~~يمنح الإنسان حرية الإرادة ويحرمه إياها في وقت واحد، فإنك لم تفلح في إسناد صفة قط ~~إلى الله، ووحي الكلمات التي لا معنى لها لن يصبح له معنى لمجرد قولك معه: هل ~~يستطيع الإله؟ ويبقى صحيحا أن كل شيء ممكن في قدرة الله، لأن الاستحالات معدومات ~~وليست بالأشياء الموجودة أو التي تقبل الوجود. # وقال الأستاذ سيدني دارك من كتابه الدين في إنجلترا الغد ~~(Religion in the ~~England of Tomorrow) ~~: # نحن نعيش بين العجائب والخفايا، وبغير العجائب والخفايا تصبح الحياة ثقيلة جد ~~مملولة، الحق أن قيمة الدين العليا في عصر لا يفرط في المغالاة بعلمه المكتسب هي ~~أنه قائم على العجائب والخفايا ... # وقد كتب جورج سانتسبري ~~(Saintabaury) ~~: # إن حر الفكر المعهود لا يسود ~~كتابا واحدا ولا صفحة واحدة دون أن يقرر - أو يبدو أنه يقرر - أن ما فوق الطبيعة ~~ينبغي أن يخضع لمقاييس الطبيعة، وهذا هو التناقض الذي يرفضه كل ذي عقيدة. # وقال الأستاذ مالكولم جرانت في كتابه «حجة جديدة في الكلام عن الله ~~والخلود # A New Argument for God and Survival ~~»: # نبدأ بفكرة الإله الرحيم فيتحدانا الكون الناقص، ولدينا أمام هذا التحدي ثلاثة ~~مسالك مفتوحة: إنكار وجود الله كما فعل المغلظون في الإنكار، أو ننكر قدرته المطلقة ~~على أحوال الطبيعة كما فعل ميل، أو ننكر ms046 صحة الشر كما فعلت مسز إدي. # هذه المسالك الثلاثة لا تقنع، فليس أمامنا إذن إلا أن نقول مع هيوم إن الله بمعزل ~~عن سعادة الإنسان وشقائه، أو نعرف أسبابا مقنعة للإيمان بأن الشقاء الذي في الكون ~~واعتقاد وجود الله لا يتناقضان. # والآن نرى أن الآلام والنقائص والشرور بعض السمات الملازمة للوجود، ولكن جوابنا ~~للذين يحسبونها مانعة لوجود إله كامل أنهم يتجاهلون قيمة الشر، ويبالغون في قيمة ~~السعادة التي تخلو من الألم، ومذهبهم هو مذهب القائلين بأن الرضى هو المثل ~~الأعلى. ~~... ومن الخطأ أن نعلق كل قيمة الوجود على مقدار المتعة فيه ... فإن إنسانا لا خلاق ~~له ... قد يجد من المتعة ما لا يجده نيوتن أو فنيلون، وما كانت المتعة تأتي على ~~الدوام في قطار الصفات المتفق بين الناس على أنها قيم غالية. أما دواعي الشقاء فنحن ~~نضعها في مقدارها حين نقول إنها غير قابلة للزيادة. فإذا وقع مليون إنسان وأصيبوا ~~من الوقعة فذاك من حيث شأن الشقاء كوقوع إنسان واحد، وربما هالنا اتساع مدى الكارثة ~~ولكننا لا ينبغي أن ننسى أن في الإنسان قوة تعمل على محوها كقوة الرغبة البالغة في ~~الحياة وتلبية أحكام الحاضر الراهن، ولا حاجة إلى أكثر من رضى لحظة حاضرة لصد ~~الطوفانات التي تتجمع من الأحزان السابقة، وإن عارضا طفيفا كيوم ربيع مشرق لينحي ~~المأساة إلى الوراء بعيدا عنا، ولا يكلفنا أكثر مما فيها من المناقضة ~~الساخرة. # ولست أريد أن أهون من شرور الوجود، وإنما أريد أن أقول إن الطبيعة تعمل لمحوها ~~ومسحها، تاركة للإنسان من بعدها موازنة من الرضى والقناعة ... # إن تقدير قيمة الوجود إنما يقوم على قيمة الإنسان، وإذا كانت وطأة الحياة وما ~~فيها من الشر تنزعان إلى تنمية الفكر والخلق، فالشر والألم لا يغضان من صفة الكرم ~~في الله. إن القسطاس هنا هو القيمة المعنوية وليس المنفعة. وعلينا أن نتبين كرم ~~الله من التدبير الذي نتبعه وراء الشر والألم، لا من الشرور والآلام في ~~ذواتها. ~~... ولقد يكون سهلا - ومن ثم لا يساوي شيئا ms047 كثيرا - أن يخلق كون سعيد يحوي ~~أناسا على أرفع حظ من الذكاء، وفي الشطرنج يدور اللعب على أخذ الملك وهي محاولة ~~تتعب اللاعب الماهر، ولكنني أنا وأنت نستطيع أن نأخذ الملك - ولو كنا نلعب أمام ~~«كبابلنكا» نفسه - إذا أغضينا عن قواعد اللعب وخطفنا الملك خطفة واحدة. ~~... ويلزمنا أن ننتهي إلى أن الكون - بالنظر إلى الله وإلينا - يشتمل على قيم تستند ~~كثيرا إلى وجود المصاعب، ولا توجد هذه المصاعب إلا إذا أجرى الله عمله على قوانين ~~تتحقق بها مشيئته. # ويلزم بعد هذا أن نعرض لمسألة هامة في هذا الصدد، وهي علاقة خلود الإنسان ~~بالموضوع كله، فإن لم تكن للإنسان حياة أخرى فقد يتعذر الإيمان بإله يعنى بسعادة ~~خلائقه، وما أكثر الذين يعفون من الشقاء المرهق ولكنهم يقصرون في الذكاء أو الخلق ~~أو الخلقة أو الأغراض التي كانوا يحرصون على تحصيلها لو كانت حياتهم مقصورة على ~~أمدها القصير في الدنيا ... # وقال إيونج ~~(Ewing) # مدرس الأخلاق بكامبردج في كتابه عن ~~«مسائل الفلسفة ~~الأساسية # Fundamental Questions of Philosophy ~~»: # يعترض علينا بأن وجود إله قادر كريم يناقض وجود الشر في العالم، ولكن هذا ~~الاعتراض على أسوأ احتمالاته لا يمكن أن يبطل وجود الله؛ لأننا قد نتصور الله ~~محدودا تحده العقبات التي تحول دون القضاء على الشرور، غير أن تصور الله كذلك على ~~جميع الصور، التي عرضت حتى الآن، ليس بالمقبول في العقول المتدينة ولا تسلمه تلك ~~العقول إلا إذا استحال القول بغيره، بل هو في الواقع يصطدم بالبديهة الدينية، فلا ~~غرابة إذا اشتدت المحاولات في سبيل حل يوافق الإيمان بقدرة الله على كل شيء، ومن ~~هذه المحاولات أن يعتبر الشر وهما غير صحيح، ولكنها محاولة لا تطاق إذا اعتمد ~~أصحابها الجد فيما يقولون. لأنها تناقض أحكامنا على ما نحسه ونتفقده من شعورنا أو ~~تناقض أحكامنا في الأخلاق، فإذا نحن قلنا إننا في الحقيقة لا نحس الألم الذي ندعي ~~أننا نحسه ولا نقترف الإثم الذي نظن أننا اقترفناه، فنحن ننقض أحكام الوجدان ~~والذاكرة. وإذا نحن قلنا ms048 إننا أحسسنا الألم واقترفنا الإثم ولكنهما ليسا من الشر في ~~الواقع، فنحن ننقض أوثق مقررات الأخلاق. # وأشيع من ذلك وأقل نكرا حل القائلين إنه لا بد من شر كثير ليتحقق خير كثير، ~~وربما لاح أن هذا القول يستتبع الحد من قدرة الله، لولا أننا نعلم أن الفلاسفة حين ~~وصفوا الله بالقدرة المطلقة لم يقصدوا أن قدرته تتعلق بالنقائض، أو تجعل مجموع ~~الاثنين خمسة، أو تخلق كائنا هو إنسان وليس بإنسان في وقت واحد. ولا ريب أننا إذا ~~عنينا بقدرة الله المطلقة هذا المثال من القدرة وجب أن نسلم أن مشكلة الشر لا تحل ~~على صورة من الصور ، إذ لا يسعنا في هذه الحالة أن ندعي أن خلق الشر سائغ لتحصيل ~~الخير الأعظم، وفي وسع الله على هذا الفهم أن يمحو الشر ولو كان وجوب الخير متوقفا ~~عليه. إلا أنه واضح أن هذا الفهم ينقض بعضه بعضا، وأن ما يفهم من قدرة الله لا ~~يعني هذا. وإنما يعني أنه قادر على غير المتناقضات وأنه لا يحده شيء من غير ~~إرادته. # وقد قيل إن الإنسان إذا وجب أن يكون كائنا ذا فضيلة فهذه الفضيلة تستلزم ألا ~~يكون مسخرا ... فإذا كان الله لا يمنع الناس أن يذنبوا إلا بسلب إرادتهم؛ فقد بطل ~~خير ما فيهم. ~~... وعلينا إذ نتناول الكلام على الشرور أن نرجع إلى القول بأن وقوع الشرور - لا ~~مجرد إنكارها - يسوغه أنه ضرورة لا محيد عنها لوجود الخيرات، وهذا القول بالنسبة ~~إلى القدري هو الحل الوحيد لجميع الشرور. # وإنها لحقيقة واقعة أن ثمة خيرات ... لا تأتي بغير محصول الشر، فكيف تتسنى الفضيلة ~~مثلا بغير المغريات والعوائق، ومن ثم بغير الشر ولو في صورة الألم والعرقلة؟ وكيف ~~توجد شجاعة بغير ألم أو مشقة أو خطر؟ وكيف يوجد الحب في أرفع حالاته التي نعرفها ما ~~لم يكن هنالك داعية للعطف والإشفاق والتضحية ... لا بد من شر نغلبه كي نحصل على فضيلة ~~الغلبة عليه، وربما كان هناك ضروب أخرى من الحب والفضيلة كالتي نتخيل أن ms049 الكائنات ~~العليا التي تعلو على طوق الإنسان متصفة بها ولا تنطوي على شر من الشرور، ولكنها - ~~إذا صح تخيلنا - نوع آخر غير حبنا وفضيلتنا، وكلما تعددت أنواع الفضائل كان ذلك ~~أفضل وأجمل. ~~... ومن اللازم أن نضيف إلى ما تقدم - نظرا لتفاقم الشر وانتشاره في العالم - أن ~~حلا كهذا لمشكلة الشر لا يمكن أن يقبل أقل قبول ما لم يكن للإنسان بقاء بعد موت ~~جسده، وأننا إذا وقفنا عند هذه الحياة وحدها؛ فمن غير المعقول أن تكون الدنيا خلقة ~~إله كامل قادر على كل شيء. وإن هذا لحجة قوية تؤيد الحياة الأخرى إذا سلمنا مذهب ~~الربانيين، ولست أرى وجها ما للاعتراض من الوجهة المنطقية على تقدير تلك الحياة ~~الأخرى، وحجة تضاف إلى هذه الحجة أننا متى تصورنا الله لطيفا رحيما تصورناه لا ~~محالة محبا (للشخصيات) التي يخلقها، وإذا أحبها فكيف يسمح بفنائها؟ # إن الشرور التي في هذا العالم لا ريب مفزعة بفرط كثرتها وانتشارها، ولكننا لا ~~نستطيع أن نعرف حقا مقدار الشرور التي لا بد منها لتحصيل الخير الأعظم، فإن أعظم ~~فضائل الأخلاق إنما تتحقق عند مفاضلة أعظم الآفات. ~~... وهناك قضايا غير قضية الشر تتصل بالبحث عن الله مما قد تصدى الإلهيون والفلاسفة ~~قديما للنظر فيه، فينبغي لهذا النظر أن نشجعه ونحض عليه لا أن نبخسه ونصد عنه. إذ ~~ليس من أعمال الإنسان ما هو أنبل من تحصيل العلم بحقيقة الحقائق جهد المستطاع، إلا ~~أن الإلهي الذي ينظر هذا النظر مطلوب منه أن يذكر على الدوام أن الله أعظم كثيرا ~~جدا من كل صورة نحن قادرون على إدراكها ... # وعلى هذا النحو معظم الحلول التي يرجحها أوساط المفكرين في القرن العشرين، ونريد بأوساط ~~المفكرين أولئك الذين يدرسون ويتأملون ويقابلون بين الآراء ثم يجتهدون في تنسيق حل يستريحون ~~إليه بتفكيرهم وشعورهم، فهم آحاد مستقلون يتخيرون الآراء ولا ينخرطون في سلك مذهب يتشيعون ~~له مقلدين أو متعصبين. # وليس في هذه النماذج التي أجملناها شيء مبتكر لم يسمع قبل القرن العشرين، وما كان لنا أن ms050 ~~نترقب شيئا مبتكرا كل الابتكار في مشكلة عريقة كمشكلة الشر التي خامرت كل فكر، وساورت كل ~~نفس، وتعلقت بكل معتقد، فغاية ما يستحدثه المفكرون في أمثال هذه المشكلات أن يعرضوها على ~~مناهج عصورهم وأن يصبغوها بصبغة عقولهم، وهذا الذي صنعه مفكرو القرن العشرين إذ عرضوا لها ~~من ناحيتها الفلسفية، فإنهم أطلقوها من صبغة الأوامر الحتمية ~~(Dogma) # التي اتسمت بها فلسفة الدين في القرون الماضية، ~~وأنهم تخاطبوا بها كما يتخاطب الإنسان والإنسان بمعزل عن البيعة والصومعة، وأنهم راجعوا من ~~سبقهم فانتفعوا بفرصة المراجعة والانتقاء. # وجديد المسألة من الوجهة الشعورية في هذا العصر هو كما أسلفنا يدور على وجهة الشعور لا ~~على أصل الشعور. فقد كانت شرور الحروب العالمية أوسع الشرور ميدانا وأشدها إثارة للسخط ~~والتساؤل، مع تعود الناس في هذا العصر أن يتساءلوا عن كل أمر جلل وأن يطلبوا الإقناع الذي ~~لا تحكم فيه. # ولم ينصرف هذا السخط دفعة واحدة إلى التمرد والإنكار، فليس من طبيعة العالم الإنساني أن ~~يصرفه السخط إلى ناحية واحدة، وبخاصة حين يحيط السخط بأعماق الضمير وآفاق النظر، وتراث ~~العصور الماضية ورجاء العصور المقبلة. وقد استخلص الباحثون من استقراء أحوال الحروب أنها ~~تضر وتنفع وتقطع وتصل، وأن أضرارها لا تزيد شيئا على طبيعة الشر وأن منافعها تأتي بأشياء ~~لم تأت من غيرها. # هذا «رد فعل» الحروب في بحث العقول. # أما «رد فعلها» في جانب الشعور فلم يذهب في وجهة واحدة فيما هو من شئون العقيدة، إلا أن ~~تكون تلك الوجهة الواحدة هي الإجماع - أو ما يقرب من الإجماع - على الشعور بالحاجة إلى ثقة ~~الإيمان. # فمن المجمع عليه بين الناس أن ثقة الإيمان مطلوبة، وأن أشد الطلب لها إنما يكون عند تفاقم ~~الشعور بالمصيبة. # وقد اتفق أبناء القرن العشرين على القلق الذي يلجئ النفس البشرية إلى طلب الإيمان. # لكنهم افترقوا في إمكان الإيمان في هذا الزمان. # فمنهم من يرى أنه مطلوب غير ممكن، ثم يعوض العقيدة الدينية بما يشبهها من العقائد ~~الشاملة، فيهبط بها إلى الأرض غير متطلع ms051 إلى السماء. # ومنهم من يرى أن الإيمان ممكن لأنه مطلوب، وما دام مطلوبا فلا منصرف عنه ولا بد من ~~الوصول إليه، وبرهانه على صدق الإيمان أنه حاجة من حاجات الطبيعة، وأن الطبيعة لا تعطيه ~~خالصا قويا إلا إذا ارتفع إلى ما فوق الطبيعة، وجاوز الأرض إلى السماء، أو جاوز الواقع ~~المشهود إلى الغيب المحجوب. # وإخالنا نجمل مشكلة الشر في القرن العشرين إجمالا كافيا حين نقول إن القرن العشرين قد ~~تركها حيث هي من الوجهة الفكرية الفلسفية. أما من الوجهة الشعورية فقد كان الشعور بأن شرور ~~العالم لا تطاق صدمة من جانب ودفعة من جانب آخر. ولم تضطرب النفس الإنسانية قط بالشعور الذي ~~لا يطاق إلا التمست لها ملاذا فوق طاقتها وقاربت بذلك ملاذ الإيمان. # وبعد، فليفرض من شاء أن مشكلة الشر عقدة باقية، فماذا نريد؟ أنريد كونا كهذا الكون ~~الهائل لا عقدة فيه ولا ينطوي على سر مجهول وراء حجاب. # إن كان هذا مرادنا فليس بالعجيب ألا نجاب إليه ... # | محصل وتمهيد # محصل الفصول المتقدمة أن أسباب الإنكار في القرون الماضية فقدت قوتها في القرن ~~العشرين. # وأسباب الإنكار الكبرى منذ القرن السادس عشر أو السابع عشر هي مسألة دوران الأرض، ومسألة ~~القوانين المادية، ومسألة التطور، ومسألة الأديان المقارنة، ومسألة الشر وعلاقتها بالقدرة ~~الإلهية. # فهذه المسائل كانت في نشأتها حجة على بطلان العقائد التي واجهتها. # ولكنها قد صارت في القرن العشرين إلى موقف غير موقفها في القرون الماضية، فليس الإنكار ~~الذي يقوم عليها اليوم حاسم الحجة ولا موصدا لأبواب المناقشة والسؤال. # بل تنقلت هذه الأسباب بين مباحث العلم والعقل حتى صلحت للشك في الإنكار، بعد أن كانت فيما ~~غبر مصوبة كل قوتها إلى الشك في الإيمان. # من دلائل التدبير الإلهي اليوم أن الأرض سيارة حول الشمس، وليست مركزا تدور حوله ~~السيارات والشموس. # ومن القول الجزاف اليوم أن يقال إن محسوسات المادة هي وحدها الوجود الحقيقي وأن المتكلمين ~~عن أصول المادة يأتون بشيء أثبت من الكلام عن الأرواح والمجردات. # ويعود النشوئيون اليوم فلا ms052 يجدون في مذهب النشوء ما يعطل الإيمان، ولا ينسون أن المذهب ~~كله ينسب إلى عالم مؤمن وعالم آخر يرفض الاعتماد على المصادفة؛ التي لا تعقل في تفسير ظواهر ~~الكون والحياة. # أما المقارنة بين الأديان فالذين اتخذوها دليلا على أصالة الدين أكثر عددا وأقوى حجة ~~ممن يبطلون بها الأديان. # وأما مشكلة الشر ففيها اليوم ما يحفز النفوس إلى الإيمان ويزعجها كلما ركنت إلى التعطيل ~~والإنكار، والمنكرون الذين أغلقوا الباب من جرائها أقل من المنكرين الذين تركوه مفتوحا ولم ~~يروا من أمانة العلم والبحث أن يغلقوه ويصروا على إغلاقه، وهم لا يعلمون ما يأتي به ~~الغيب. # هذا هو محصل الأسباب التي شككت العقول في القرون الماضية، وخلاصة ما آلت إليه في القرن ~~العشرين. # وهذا المحصل هو التمهيد الواجب لبيان العقائد التي اختارها لأنفسهم أناس من مفكري القرن ~~العشرين في مختلف مذاهب التفكير، منهم علماء وأدباء وفلاسفة وأخلاقيون، وكلهم من المطلعين ~~على زبدة المعلومات التي أوجبت الشك قديما أو توجبه في العصر الحديث. # وغني عن القول أن عقائدهم التي اختاروها لأنفسهم غير العقائد التي اصطدمت بالشكوك في ~~العصور الماضية، وهم لا يريدون أن تصطدم بالشكوك التي يعرفونها حيث كانت، وليس يفهم من ذلك ~~أنها عقائد أقوى وأمتن في نفوس أصحابها، إذ لا ننسى أن العقيدة التي يخلقها الإنسان لا تبلغ ~~من القوة في نفسه مبلغ العقيدة التي تستولي عليه وتهيمن على وجدانه، ولكنها في غيبة العقيدة ~~المهيمنة هي حيلته التي لا حيلة له غيرها حيث يرفض الإنكار والتعطيل. # أو هي على التحقيق أرجح في عقولهم وضمائرهم من الإنكار والتعطيل. # | عقائد العلماء # من العلماء من عقيدته تقرير وتوكيد، ومنهم من عقيدته ترجيح ورغبة، ومنهم من عقيدته ~~استعداد وانتظار. وحصة هؤلاء في تأييد العقيدة غير قليلة، لأنها بمثابة «فتوى علمية» بأن ~~العلوم التي تفرغوا لها وبلغوا مبلغ الثقة فيها لا تعارض الإيمان في أساسه، ولا تمنع صاحبها ~~أن يفتح صدره وضميره لعالم الغيب، فليس عالم الشهادة عندهم بالعالم الوحيد. # ولا نعرف من علماء القرن العشرين ms053 من هو أبعد شوطا في الاعتقاد من الدكتور ألكسس كاريل ~~(Alexis Carrel) # الطبيب المتخصص في بحوث الخلية ونقل ~~الدم والأعضاء، والمشتغل بالطب علما وجراحة وإشرافا على معاهد العلاج والنظريات العلاجية، ~~وصاحب جائزة نوبل سنة 1912، ومدير معهد الدراسات الإنسانية بفرنسا خلال الحرب العالمية ~~الثانية. # وإذا عدت بواعث القلق النفساني في القرن العشرين لم يكن كاريل غريبا عن واحد منها. بل صح ~~أن يقال إنه عاش حياته كلها في حومتها سواء في القارة الأوروبية أو القارة الأمريكية، فقد ~~تولى علاج الجرحى والمرضى في الحرب العالمية الأولى وتولى الإشراف على معهد روكفلر للتجارب ~~العلمية، وتولى الإشراف على معهد الدراسات الإنسانية خلال الحرب العالمية الثانية، ولم ~~ينقطع قط عن الاهتمام بالحياة في خلايا الجسد وفي أعماق الروح، وولد بفرنسا سنة 1873 ومات ~~فيها بعد رحلات كثيرة سنة 1944، فكان مولده في غبار حرب السبعين، وكانت وفاته في غبار الحرب ~~العالمية. # وليس في العلماء المعتقدين من هو أبعد منه شوطا في الإيمان بالله، وخلاصة إيمانه أن الله ~~لازم للإنسان لزوم الماء والأكسجين، وأنه راقب آثار المادية في تجاربه بالولايات المتحدة ~~فعزا إليها كثيرا مما يعرض للشباب من الخلل العقلي والحطة الخلقية، فضلا عن تعويد الفكر ~~أن يتشبث بالآراء الحتمية، حتى يفقد القدرة على صحة الحكم والتبصر في الأمور. # ويؤمن كاريل بأن كل خلية في الجسم تتهدى بالعقل الأبدي إلى موضعها من البنية المرسومة، ~~وتعمل في كل خطوة من خطواتها كأنها ترى تكوين الجسم كله ماثلا أمامها، ولهذا يعن له أن ~~وجود الخلية الحية أبدي غير زمني، لأنها تحتوي الوجود المقبل قبل وجود الزمان، ويعن له كذلك ~~أن الكون على رحبه مملوء بعقول فعالة غير عقولنا، وأن العقل الإنساني هاد قاصر بين دروب ~~التيه التي حوله إذا كان معوله كله على هدايته، وأن الصلاة من وسائل الاتصال بالعقول التي ~~حولنا وبالعقل الأبدي المسيطر على مقادير الأكوان قاطبة فيما هو ظاهر لنا وما هو محتجب عنا ~~في طي الخفاء، وليست قوة الصلاة عنده مقصورة على صاحبها، ولا هي ms054 من قبيل الإيحاء النفسي ~~الذي ينفع الإنسان لاقتناعه به في صميم وجدانه، بل هي قوة تسري من المصلي إلى غيره، ويستطيع ~~أن ينفع بها غيره إذا توجه إلى الغيب داعيا له ملتمسا له الهداية والفلاح. # قال في رسالته الصغيرة عن الصلاة: # وليس من الضروري لحدوث هذه الظاهرة أن يصلي الإنسان لأجل نفسه. فقد شفي أطفال ~~صغار لم يتكلموا بعد كما يشفى أناس لا يؤمنون في لورد ~~(Lourdes) # لأن بجوارهم أناسا يصلون لهم. ~~وكثيرا ما كانت الصلاة لغير صاحبها أنفع من صلاته لنفسه، وإنما تستمد الصلاة فعلها ~~من عمقها وخلوصها. # وقال قبل ذلك في تعريف الصلاة: ~~... إن الصلاة على ما نرى تسام من النفس إلى أوج اللامادية من الدنيا، وهي على أكثر ~~ما تكون شكاية أو ابتهال أو صرخة أو استغاثة، وهي في بعض الأحايين تأمل خالص في ~~أصول الوجود ومصادره، ويصح أن يقال إنها ارتفاع بالروح إلى المقام الإلهي عنوانا ~~للتوجه بالحب والعبادة إلى الذي منه صدرت الأعجوبة التي هي الحياة ... # والشعور بالجانب «المقدس» من هذا الوجود حالة لا تنفصل من حالة الخشوع الذي يلازم الصلاة، ~~فلا صلاة مع الابتذال والجشع والتهافت على اللبانات، وإنما الصلاة تطلع مع الحب وفزع مع ~~الثقة، وهي بهذا نوعان: مناجاة وابتهال، ومن الجهل بها أن يقال إنها أشبه شيء بأن يطلب ~~الإنسان من الله أن يخل بنظام الكون ويغير الأسباب والمسببات؛ لأن المصلي وعقائده وملهماته ~~جزء من نظام الكون وسبب من الأسباب التي يحيط بها علم الله. ثم ختم الرسالة قائلا: # والخلاصة أن الشعور بالقداسة مع غيره من قوى النشاط الروحاني له شأن خاص في ~~الحياة؛ لأنه يقيمنا على اتصال بآفاق الخفاء الهائل من عالم الروح. وبالصلاة يسمو ~~الإنسان إلى الله ويداخل الله سريرته. وهي على ما نرى ضرورة لا غنى عنها لنمو ~~الإنسان في أرفع حالاته، ولا ينبغي أن ننظر إليها كأنها عمل لا يلجأ إليه غير ~~الضعاف والمتسولين والجبناء كما قال نيتشه: إنها شيء مخجل. فما الصلاة بأدعى إلى ~~الخجل من شرب ms055 الماء والتنفس، وإن الإنسان ليحتاج إلى الله حاجته إلى الماء ~~والأكسجين، وهذا الشعور بالقداسة إلى قرائنه من الشعور بالبصيرة والحاسة الخلقية ~~وذوق الجمال وضياء الفهم - هو تمام الازدهار والنضج للشخصية الإنسانية، ومما لا ~~جدال فيه أن استيفاء حياتنا يتطلب منا أن ننمي كل نشاط فينا يشمل الجسد والذهن ~~والعطف والروح، وما الروح خلو من العقل ولا من العاطفة. فمن واجبنا إذن أن نحب جمال ~~العلم وجمال الله ... # وقد كانت رسالة الصلاة زبدة آراء العالم الطبيب في مسائل العقيدة، وأجمع منها لآرائه ~~كتابه عن «الإنسان المجهول» ~~(The Unknown Man) # وهو في بابه ~~أجرأ كتاب كتبه عالم باسم الطب والعلم في مسائل العقيدة والروح؛ لأنه أعلن فيه أن النظر إلى ~~الإنسان كأنه آلة جسدية هو «خطأ طبي» أو خطأ علمي تثبت للباحث جرائره الحسية كما يثبت كل ~~محسوس يعتمده أصحاب التجارب الطبية والعلمية، وختمه بنداء إلى ذوي الرأي والبصيرة كأنه توسل ~~في محراب، ناشدهم فيه أن يعتقوا ضمائرهم من ربقة الكون المادي الذي بناه لهم الطبيعيون ~~والفلكيون، وقال فيه إن الوقت قد حان لأن نعمل خلاصنا بأنفسنا، ثم قال: «إننا لا نضع للخلاص ~~برنامجا، لأن البرنامج يخنق الحقيقة الحية تحت غشاء متحجر، ويمنع تفتق المجهول عن وارد ~~الغيب الذي لا ينتظر ولا يسبقه خبر، ويحبس المستقبل في حيز العقل المحدود. وإنما علينا أن ~~ننهض ونتحرك، وأن نطلق أنفسنا من المصطلحات العمياء ونقبل على طبائعنا بما أودعته من الغنى ~~والذخيرة المركبة.» ~~«وقد أشارت علوم الحياة إلى بني الإنسان نحو قبلتهم ووضعت تحت أيديهم الوسائل التي تبلغهم ~~غايتها، ولكننا لا نزال غائصين في الدنيا التي خلقتها علوم المادة الميتة غير ملتفتين إلى ~~عوامل النمو والكمال التي في نفوسنا، بين جدران دنيا لم تخلق لنا لأنها من صنع الخطأ في ~~تفكيرنا والذهول عن حقيقتنا، ومثل هذه الدنيا لا يمكن أن تلائمنا ونلائمها، فلا مناص لنا من ~~الخروج عليها وأن نبدل قيمها ونعيد نشأتها وفاقا لمطالبنا الصادقة، وأن هذه العلوم ~~الإنسانية اليوم لتخولنا أن ننمي كل ms056 قوة كامنة في أجسامنا، فنحن نعلم الأسرار الآلية في ~~وظائفها وفي ملكاتها القليلة، ونعلم من ثم مواطن ضعفها، كما نعلم كيف تخطينا أوامر الطبيعة ~~ولماذا عوقبنا وضللنا في الظلمات، ولكننا على هذا نبصر خلال الضباب قبسا من الفجر خليقا ~~أن يهدينا سبلنا إلى النجاة ...» # وقد جاء كتاب الإنسان المجهول في إبانه فتجاوبت به الأندية العلمية والدينية سنوات، وقيل ~~إن وطأته على مذاهب الإنكار قد حملت دعاتها على تطويقه بسد خفي من المصادرة، فوقفت نشره عند ~~حد محدود. ~~••• # ويشبه كاريل في اطمئنانه إلى عقيدته المختارة طبيب آخر من الفرنسيين اشتغل مثله بمباحث ~~التشريح والعلم الطبيعي وعمل مع الأستاذ كوري وقرينته، ثم تسامعت المعاهد بتقريراته العلمية ~~والطبية فاستدعاه معهد روكفلر لمواصلة بحث مع أعضائه في خصائص وعلاج الجراح، ثم عاد إلى ~~فرنسا بعد سبع سنوات فتولى رئاسة معهد باستور للمباحث البيولوجية الطبية، واختير بعد عشر ~~سنوات (1937) مديرا لمعهد الدراسات العليا بجامعة السربون، ونال في سنة 1944 جائزة جامعة ~~لوزان بفلسفة العلوم. # هذا الطبيب العالم الذي قلنا إنه يضارع كاريل في اطمئنانه إلى عقيدته هو ليكونت دي نوي ~~(De Nouy) # صاحب كتاب القدر الإنساني أو قدر الإنسان ~~(Human Destiny) ~~، وفحوى رسالته فيه أن العقيدة لا تقاس ~~بالمنطق والحساب ولا يقال عن الضمير الإنساني إنه يؤمن بجدول الضرب أو التجربة الكيمية، ~~وإنما طبيعة الإيمان من طبيعة الحياة وهي سر لم توضحه حتى اليوم نظرية من نظريات العلوم، ~~ومدار الإيمان عند دي نوي هو شعار الفيلسوف الإسباني (أنامونو) ~~(Unamuno) # وهو: «إن اعتقادك في الله هو أن ترغب في وجوده، وتزيد على هذا ~~أن تبني عملك على أنه موجود.» # قال: «كثير من الأذكياء وذوي النية الحسنة يتخيلون أنهم لا يستطيعون الإيمان بالله لأنهم ~~لا يستطيعون أن يدركوه. على أن الإنسان الأمين الذي تنطوي نفسه على الشوق العلمي لا يلزمه ~~أن يتصور الله إلا كما يلزم العالم الطبيعي أن يتصور الكهرب، فإن التصور في كلتا الحالتين ~~ناقص وباطل، وليس الكهرب قابلا للتصور في كيانه المادي. وإنه مع ms057 هذا لأثبت في آثاره من ~~قطعة الخشب، ولو أننا استطعنا أن نتصور الله لما استطعنا أن نؤمن به لأن تمثيلنا إياه - ~~لاصطباغه بالصبغة الإنسانية - يخامرنا بالشكوك.» ~~«... وليست الصورة التي نتمثلها للإله هي التي تثبت وجوده، وإنما يثبت وجوده ذلك الجهد ~~الروحاني الذي نبذله لمعرفته، وكذلك الفضائل إنما يعول فيها على شعورنا بها لا على ~~نتائجها.» # وبعد أن أشار إلى فضل التدين العميق - حتى التعصب - في وقاية المسلم والبرهمي من غوائل ~~الجحود، مضى يطبق قوانين التطور على الضرورات الروحانية والخلقية فقال: إن إنشاء بيئة جديدة ~~لازم لوقاية الأنواع المهددة من عواقب الانحلال والانقراض، وإن النوع الإنساني يواجه حالة ~~كهذه الحالة في أمر العقيدة فلا بد له من بيئة روحانية جديدة. # قال: «على الإنسان أن يفهم أن التطورات الآلية التي أدخلها في بيئته وراح يلائم بينه ~~وبينها لن تكون لها إلا نتيجة من نتيجتين، وهما التقدم أو الدمار حسب نجاحه في شفاعتهما ~~بالتطور في بيئته الخلقية. فواجب الإنسان إذن أن يزيح جانبا معالم حضارته الباطلة ويقيم في ~~مكانها معالمه الصادقة، وهي الكمال الذي يوافق كرامة الإنسانية، وليس المطلوب منه أن يحارب ~~التقدم الآلي - ولا طاقة له بمحاربته لما يرجى من المزيد في تقدم العلم والطب - بل بتهذيب ~~النفس والارتفاع بأمثلتها العليا.» ~~••• # ومن العلماء المؤمنين روبرت بروم ~~(Broom) # عضو الجمعية ~~الملكية الإنجليزية، ووليام براون ~~(Brown) # أستاذ علم النفس ~~بجامعة أكسفورد وصاحب التجارب المشهورة في العلاج النفساني، وسير آرثر تومسون ~~(Thomson) # أستاذ التاريخ الطبيعي بجامعة ابردين، ~~والأستاذ جوردون عضو جماعة الأطباء الملكية بأدنبرة، وهم يتناولون مسألة العقيدة من نواح ~~متفرقة ولا تجتمع منهم مدرسة خاصة كمدرسة العلماء الباحثين في الذرة وأصل المادة من الأقطار ~~الأوروبية المتعددة. # سئل الأستاذ بروم عن عقيدته الدينية باعتباره رجلا من رجال العلم الحديث، فأجاب في فصل ~~خاص كتبه لمجموعة (الروح ~~العصري نحو فلسفة الإيمان) ~~(Modern Spirit towards a Philosophy of Faith) # وقد نشرت هذه المجموعة سنة 1951. # قال الأستاذ بروم: من نحو عشرين سنة اهتم بعضهم بأن يبحث عن الآراء ms058 المادية التي شاعت بين ~~الدوائر العلمية في النصف الأخير من القرن التاسع عشر! هل لا تزال على شيوعها؟ أو أن الآراء ~~الأخيرة عن بناء المادة ومذهب النسبية وعلوم الحيوان قد عدلت على صورة من الصور فلسفة رجال ~~العلم في القرن العشرين؟ # فتبين أن فئة مدهشة - بنسبة عددها إلى سائر أعضاء الجمعية الملكية - قد قررت بأسلوب واضح ~~أنها تؤمن بعالم روحاني وعناية ربانية مهيمنة، وأن كثيرا منهم يعتقدون بقاء الشخصية بعد ~~موت الجسد، وظهر في امتحان الأسئلة أن عددا كبيرا من الأعضاء لم يحفل بالإفصاح عن رأيه، ~~مما قد يفهم منه أن بعضهم على شك وتردد، وقد يكون الشك والتردد خطوة في طريق ~~الإيمان. # ولقد كانت مباحثي في الخمسين السنة الأخيرة مفرغة على الأكثر لدراسة الحفريات الفقارية، ~~ولم تقنعني هذه المباحث بأن أنواع الحياة الأخيرة قد جاءت من طريق التطور وكفى، بل أقنعتني ~~كذلك بأن هذا التطور لم يحدث جزافا ولا عرضا، ولكنه حدث بهداية أو هدايات روحانية. # إن داروين سيظل في مكانه الرفيع من تاريخ علوم الأحياء والنباتات، إلا أن مذهبه في ~~الانتخاب الطبيعي كما يلوح لي جد قاصر عن الإقناع والكفاية، وقد عدل عنه رسل والاس نفسه ~~شريك داروين الذي أعلن المذهب معه في سنة 1858. # فأما أن التطور قد حدث فأمر لا شك فيه، ولا بد من مذهب صحيح للتطور، وإن كنا حتى اليوم لم ~~نستقر على مذهب مقنع، وربما كان مذهب لامارك أقرب جدا إلى الحقيقة من مذهب داروين، ولكنه ~~غير واف على الحالة التي تركه بها لامارك. # وقد ذكر رسل والاس أن كثيرا من الخلط والصعوبة قد نجم من القول بأن الاحتمال لا يقبل غير ~~فرضين اثنين لا ثالث لهما، وهما الإله الحكيم القادر على كل شيء أو المصادفة العرضية، ~~وانتهى في أواخر أيامه إلى إيمانه بعدة عوامل روحانية لا تسمو إلى القدرة الكاملة ولا إلى ~~الحكمة الكاملة. # وأمران يبدو أنهما محققان: أحدهما أن التطور الذي أفضى إلى خلق الإنسان من تدبير قدرة ~~روحانية عظيمة، والأمر الآخر ms059 أن هذا التدبير تتولاه عوامل ثانوية تخطئ في إنجازه، ولكن ~~الغاية المطلوبة تتحقق في النهاية على الرغم من هذه الأخطاء. # والظاهر أن التوفيق بين الحيوانات وبيئاتها من عمل روح أو ملكة شبيهة بالواعية في ~~الحيوان، ويتفق أحيانا أن يكون التوفيق غير سديد. وهذه الأرواح أو الملكات الثانوية لا ~~تطلع على المستقبل، وقد فضل كثيرون من علماء الحيوان نظرية مؤداها أن قدرة مدبرة تدفع ~~التطور إلى غاية معينة وتتولى الأرواح الأخرى أمر مطالبه العاجلة، وقد كان الرائد الأيقوسي ~~العظيم في ميدان التطور روبرت شامبرز ~~(Chambers) # يلمح ما ~~لعله الرؤيا الواضحة لما هو قريب من الحقيقة. ومن النشوئيين من هو كبرجسون أدنى إلى التأثر ~~بالبينات التي تدل على قوة دافعة وراء التطور، ومنهم من هو كصمويل بتلر وبرنارد شو تؤثر ~~فيهم على نحو قوي بينات تنم على وجود عامل أو عوامل موشجة في الحيوان، يتسنى لها أن تلائم ~~بينه وبين أحواله. ~~«وكان رسل والاس في شيخوخته يعتقد أن الكون المادي إنما هو مظهر للكون الروحاني، وأن في ~~الكون الروحاني أنماطا من العوامل الفعالة من القوى العليا إلى الأرواح الكامنة في الخلايا ~~الحية، وربما تعذر إثبات هذه التقديرات بالبرهان القاطع، ولكنها فيما نراه أصلح لتوضيح ~~الوقائع من أي تقدير يأخذ به الماديون.» # ثم قال: «ومتى سوغ الباحث لنفسه أن يقتنع بصدور التطور عن قوة أو قوى توجهه إلى خلق ~~الإنسان؛ فمن النتائج التي تنساق إليه مع هذا الاقتناع طواعية، أن ظهور كائنات كبيرة الدماغ ~~قائمة على قدمين لا يعقل أن يكون هو غاية القصد من تمهيد ملايين السنين، وأحرى أن يكون ~~القصد من هذا التدبير إنشاء وحدات روحية تبقى بعد موت الجسد ...» ~~••• # وقال الأستاذ براون من جوابه المنشور في هذه المجموعة: # هناك صورتان للتطور: إحداهما صورة التطور في الكون، أو بعبارة أخرى تطور الأحياء ~~التي يصارع بعضها بعضا ويبقى الأصلح منها وما شابه هذه العوامل. والأخرى تطور ~~الكون نفسه. # وإنهما لصورتان متميزتان. وهذه الصورة الثانية - وهي الصورة التي تنمى إلى ما ~~وراء الطبيعة ms060 - مخالفة جدا لصور الأحياء المنفردين في تطورهم وفاقا لبيئة معينة. ~~إذ ليس للكون بيئة معينة، وكل بيئة معينة فهي مطوية فيه، وليس هو من الزمان بل ~~الزمان والمكان منه. ~~... هذه التطورات إذا استقصيناها إلى مداها ترينا أن العلم حري أن يقودنا إلى معرفة ~~غير العلم، إذا نحن تمشينا معه على منهاجه وطبقا لقواعده، وتلك المعرفة الأخرى هي ~~فلسفة ما وراء الطبيعة. # ثم قال بعد استطراد: # فإذا رجعنا إلى علم النفس ألفينا مسألة الروح أو العقل على صلة بالدماغ أو منفصلة ~~عنه بعض الانفصال، واضطررنا إلى أن نتساءل: هل العقل مستقل عن الدماغ؟ ونعود فنذكر ~~أن العلوم الطبيعية عزلت نفسها من مسألة الوعي ولم تزودنا بوسيلة ما للوصل بين ~~العقل والتغيرات المادية، وكل ما نلاحظه أن للعقل نشاطا مقترنا بالتغيرات المادية ~~في أجزاء مركبة من البدن، ولكننا لا نعلم شيئا عن حقيقة هذا الاقتران. # وليس ثمة ما يمنعنا أن نفهم أن العقل الواعي - وإن تطور من صور أبسط في الوظائف ~~الحيوية - يتدرج شيئا فشيئا إلى حال من الاستقلال، ويتمكن من التأثير في البدن ~~بقسط متزايد من الحرية ويصبح كيانا له وحدة تبقى بعد الجسد، وليس في وسعنا أن نقطع ~~بأن نقيض هذا التقدير قد ثبت بأدلة العلم الحديث، ونعني بالنقيض أن العقل يستحيل أن ~~يعيش بعد الجسد. # ثم ربط بين القول بالعقل الباقي وبين العقيدة الدينية فقال: # إن للدين تعريفات شتى، ومن تعريفاته أنه الموقف الذي يتخذه العقل حيال الوجود في ~~شموله، ومن تعريفاته أنه الشعور بالاعتماد التام على الكون، وهذا هو تعريف سكلير ~~ماكر ~~(Schlerr macher) ~~. # غير أنه لا هذا التعريف ولا ذاك ولا كلاهما معا يوفي الدين كل صفاته. فإن الرجل ~~المعطل قد يتخذ له موقف سخرية واحتقار أمام الوجود في شموله أو موقف حيدة وقلة ~~اكتراث. أما الشعور بالاعتماد على الكون فليس كافيا على حدة. فإننا حين نرقب ~~المتدينين الذين يعلمون أنهم متدينون ويرى من أحوالهم أنهم كذلك؛ نبصر على الدوام ~~عنصر العبادة قائما هنالك، نبصر العبادة والإيمان ms061 بالقيم والإيمان بقيمة عليا يتصل ~~بها العقل الإنساني ويستجيب لها: قيمة عليا توحي إلى النفس التقديس والعبادة لأنها ~~خير. # فكيف نقرب بين هذا المعبود وبين القيم التي أشرت إليها؟ إن هذه القرابة على ما ~~أرى هي تلك الصلة التي توجد بين المجسمات والمعاني المجردة. إذ كانت معاني الحق ~~والجمال والخير كلها مجردة، وكلها صور من الوجود الصادق، وكلها تمضي معا ولا رجحان ~~لواحدة منها على الأخرى، إذ كلها بمرتبة واحدة. ومن السخف مثلا أن يقال عن آية ~~قيمة إنها جميلة ولكنها مناقضة للخلق الفاضل أو خالية منه، فهذه القيم مستقلة لأنها ~~صفات متعددة لكائن واحد هو الله. # ولا يوصف هذا الاعتقاد بأنه من قبيل الاعتقاد بوحدة الوجود. بل هو اعتقاد بأن ~~الله محيط بكل شيء، ولكن الأشياء درجات، ولكل قيمة درجتها في الكائن المحدود ، وتعلو ~~بعض القيم حتى تعم ولا تتوقف على ذوات الكائنات المحدودة. ومن التجربة والمزاولة ~~يزداد المرء تعمقا في إدراك القيم كلما بلغ القدرة على تحصيلها. فالخير قيمة صحيحة ~~والشر قصور عنه أقل وأنقص، والحق قيمة صحيحة والباطل قصور عنه أقل وأنقص، والجمال ~~قيمة صحيحة والقبح قصور عن الجمال. # وصفوة كلام العالم النفساني بعد ذلك أن تصحيح النفس هو ردها إلى الشعور بهذه القيم ~~والقدرة على تمليها، وأنه ما من نفس تمرض وفيها ثقة بالجمال والحق والخير، وأن الديانة ~~المثلى هي قوام هذه الصحة النفسية، وأن وظائف العقل تترقى وتسمو لتتهيأ لإدراك هذه المعاني، ~~ولا يعقل أن يتهيأ العقل لها كي يعود فينغمس في المادية والجسدية. # ويفرق الدكتور براون بين الفردية والشخصية، أي بين كون الإنسان فردا ~~(Individual) # وكونه شخصا ~~(person) # أو ~~(Personality) ~~. وعنده أن الشخصية هي الفردية وزيادة، ~~وأن الشخصية روحانية أقرب إلى الاتصال بالروحانية العليا، أو إلى ذلك الهيام الصوفي الذي ~~يجمع بينها وبين الروحانية الشاملة، وهذه الصوفية هي التي يعبر عنها السيد المسيح حين يقول: ~~إن من يفقد نفسه من أجلي يجدها. ~~••• # أما السير آرثر ثومسون فهو يعول كثيرا على تخفف الكثافة المادية واقترابها ms062 من ~~«اللاموزونات»؛ أي المعاني التي لا توزن كالفكر والعاطفة والعناية ~~(Imponderables) ~~، ويقول إننا في زمن شفت فيه الأرض ~~الصلب، وفقد فيه الأثير كيانه المادي، فهو أقل الأزمنة صلاحا للغلو في التأويلات ~~المادية. # وفي جوابه للسائلين عن عقيدته قال في مجموعة أخرى هي مجموعة العلم والدين ~~(Science and Religion) ~~: ~~... إذا كان العلم صيغا وصفية وكان الدين في جانبه العقلي تفسيرا علويا أو ~~خفيا فلا موجب للتعارض الحاسم بينهما. # وقد مهد لهذا التقابل بين العلم والدين بقوله: إن الإنسان قد أحس لزوم الدين كلما انتهى ~~إلى قصاراه من العمل أو الحس أو التفكير. ثم قال: # ليس للعقل المتدين أن يأسف اليوم لأن العالم الطبيعي لا يخلص من الطبيعة إلى رب ~~الطبيعة. إذ ليست هذه وجهته. وقد تكون النتيجة أكبر جدا من المقدمة إذا خرج ~~العلماء بالاستنتاج من الطبيعة إلى ما فوق الطبيعة. إلا أننا خلقاء أن نغتبط لأن ~~العلماء الطبيعيين قد يسروا للنزعة الدينية أن تتنفس في جو العلم حيث لم يكن ذلك ~~يسيرا في أيام آبائنا وأجدادنا ... فإذا لم يكن عمل الطبيعيين أن يبحثوا في الله - ~~كما زعم مستر لانجدون دافيز خطأ في كتابه البديع عن الإنسان وعالمه - فنحن نقرر عن ~~روية وعن أن أعظم خدمة قام بها العلم أنه قاد الإنسان إلى فكرة عن الله أنبل وأسمى، ~~ولا نجاوز المعنى الحرفي حين نقول إن العلم أنشأ للإنسان سماء جديدة وأرضا جديدة ~~وحفزه من ثم إلى غاية جهده العقلي، فإذا به في كثير من الأحيان لا يجد السلام إلا ~~حيث يتخطى مدى الفهم، وذاك في اليقين والاطمئنان إلى الله. # ومضى يقول: إن العقائد القديمة أحرى أن تعبر عن أصولها اليوم تعبيرا جديدا على هذا المثال: # في البدء كان العقل. # وكان العقل مع الله. # وكان العقل هو الله. # وكل شيء صنع من العقل. # وبغيره لم يصنع شيء مما صنع. # منه الحياة. # ومن الحياة نور الإنسان. # ثم تساءل: ألا يمكن أن يستعين العلم بالدين؟ فقال إنه يوشك أن يسمع جواب هذا السؤال من ms063 ~~زملائه بالنفي القاطع، ولكننا ينبغي أن نفهم أن العلم للحياة وليست الحياة للعلم، وإذا كان ~~عمل العلم المباشر أن يفهم فعمله غير المباشر أن يزيل الشرور ويزيد الطيبات، ومن الشعور ~~الديني يستمد العالم ثروة حية هي نعم المدد للبصيرة في الكشف عن المجهول. # ثم ختم كلمته قائلا ما معناه أن الإنسان يجهل حاجته إذا وضع الدين أمام العلم موضع ~~المناجزة، وقال لنفسه: إما هذا وإما ذاك ... «فالذي نحن على يقين منه أننا بحاجة إلى مزيد من ~~العلم ومزيد من الدين.» # والدكتور جوردون يقول في كتابه «فلسفة عالم» ~~(The Philosophy of a ~~Scientist) # من فصل بعنوان (على الإنسان أن يوجد ديانته): # إذا تم للإنسان هذا تمت له عفوا إطاعته أعظم الأوامر الإلهية وهي: أحبب إلهك. ~~لأنه سيحب إذن تلك القيمة العليا أو الصفة العليا التي هي المعبود، وذاك هو أساس كل ~~دين. # والمعبود كائن نوجده ونخدمه ونحبه بأرفع معاني الخدمة والحب. إذ بفضل الحب ينال ~~هذا التقدم، وقوة الحب الصحيح هي التي تنظم أو تجند كل طاقات الشخصية الإنسانية إلى ~~وجهة أعلى وأرفع: وجهة أفضل من أنفسنا، نستطيع أن نستقبلها بالإجلال الحق ونسعى ~~إليها في شوق لا يهدأ. وقد تنفعنا الروح الجماعية متسامية إلى المعونة المتبادلة ~~كما شرحها كروبتكين، ولكنها لا تغني فتيلا بغير دفعة الحب، وقل إن شئت إنه من الحب ~~الجنسي أو من الحنان الأبوي ... فإن شوق المحبوب وحنان الأبوة القريب منه هما أساس ~~الحب الشامل، وحيث نصدق في حب المحبوب نحس فوق كل شيء أننا نطمح إلى القداسة ~~والأمانة والحق والجمال. ~~... ويلاحظ أننا حين نرتقي هذا المرتقى لا نظل مشغولين بالشيء نفسه، بل بالقيمة ~~التي يحتويها. فليس همنا المعبود أو المحبوب، وإنما همنا القيمة التي يجلوها لنا ... ~~ويومئذ نحب الله، وحيث نحب الله في كماله نرى أن الكمال هو المهم، ويصبح كل شيء وكل ~~أحد حقا، ويصبح كل شيء وكل أحد جميلا، ويصبح كل شيء وكل أحد خيرا. إذ ليس واحد ~~أو اثنان أو فئة مختارة منتقاة هم ms064 الذين يدركون ذلك الكمال المنشود، بل كل في هذه ~~الحالة يشارف كمال المعبود. # من الأمثلة المتقدمة، مثال للعالم الذي يؤمن وإيمانه قائم على حقيقة خارجية، ومثال للعالم ~~الذي يؤمن وإيمانه قائم على حقيقة باطنية. # ومن العلماء «الإيمانيين» غير هؤلاء فئة ذات صبغة خاصة تجمعها شعبة واحدة من شعب العلم ~~الطبيعي، أو مدرسة واحدة كما أسلفنا في مقدمة هذا الفصل عن عقائد العلماء، وهي مدرسة الذرة ~~والبحث في بناء المادة، ومنها أقطاب هذا البحث من طبقة بلانك وهيزنبرج وادنجتون وجينس، ~~ومذهبهم فيما وراء المادة مجمل فيما أشرنا إليه آنفا عند الكلام على قوانين الطبيعة، ~~ومحصلة أن المادة تحولت إلى ضياء وأن الضياء تحول إلى معنى كمعاني المعادلات الرياضية ~~الذهنية، وأنه لا محل بعد اليوم للاعتراض باسم العلم على المعاني المجردة لأنها مخالفة لما ~~تصوره الأقدمون من شرائط الوجود الثابت في الحس والعيان، ومعظم علماء هذه المدرسة يجاوزون ~~الناحية «النافية» التي تكتفي بنفي الموانع، ويذهبون شوطا بعيدا في الإثبات الموجب كما ~~فعل جينس في قوله بالعقل المدبر، وكما فعل إدنجتون في قوله إن العالم غير المنظور في صميمه ~~يوحي بهيمنة «الذات» الإلهية عليه، تمييزا للإله أن يكون مجرد معنى كما تصفه بعض النحل ~~البرهمية القديمة، وإقرارا لعقيدة «الذات الإلهية» كما يؤمن بها المتدينون. # ولا يقف بلانك وهيزنبرج دون هذا الشوط في الإثبات الموجب، ولكنهم يقنعون بفتح أبواب ~~الإلهام الديني على أوسعها من قبل التفكير. ~~••• # ولم تستوعب هذه النظرات مواقف العلماء جميعا من العقيدة والإيمان. ففي العلماء كثيرون لا ~~يذهبون إلى هذا المدى ولكنهم لا يقفون موقف العداء أو قلة الاكتراث لما يحاوله زملاؤهم في ~~هذا المجال. ومنهم من يود لو يعتقد ولكنه لم يجد عقيدته، ومنهم من يعتقد ولكنه حين يسأل عن ~~معتقده لا يتضح من كلامه معتقد محدود. # يمثل هؤلاء العلماء اثنان يختص كل منهما بشعبة من البحث العلمي كادت أن تكون من خصائص ~~القرن العشرين: أحدهما مالنوسكي البولوني (1884-1942). أشهر الباحثين في الأجناس البشرية، ~~والآخر ألبرت أينشتين العالم الألماني الإسرائيلي ms065 صاحب مذهب النسبية المشهور. # فالعالم البولوني يقول حين سئل عن عقيدته: # 1 # أما عني أنا فإنني لا أدري. ليس في وسعي أن أنفي وجود الله، ولست أميل إلى ~~نفيه، فضلا عن القول بأن الإيمان بالله غير لازم. # كذلك أتمنى لو يكون هناك بقاء بعد الموت وأود لو أنتهي إلى يقين في هذا الأمر. ولكنني على ~~كل أتمنى وأود، لا أجدني قادرا على قبول عقيدة موجبة في العناية الإلهية سواء مسيحية أو ~~غير مسيحية ... # ثم قال بعد استطراد: «ترى هل للعلم دخل في هذه اللاأدرية وفيما يشبهها عند أمثالي؟ أظن ~~ذلك، ولهذا لا أحب العلم وإن لم يكن لي بد من الولاء في خدمته.» # أما إينشتين فهو يحسب أن الإيمان بالله على أنه «ذات» هو بقية من تشبيهات الأديان الأولى. ~~ولكنه يؤمن بعالم غير عالم الشهادة ويقول: «إن الإنسان الذي لم يختبر وقفة من وقفات الصوفية ~~حيال ذلك العالم ولم يشعر نحوه بالروعة؛ هو حي حكمه حكم الميت. ولب الديانة عنده أن يعلم أن ~~الذي لا ننفذ إليه بمداركنا هو موجود حقا متجل حقا. يطالعنا بالحكمة العليا والجمال ~~الرائع ولا تحيط عقولنا الكليلة منه إلا بأشكال بدائية كالظلال.» # وقد شرح إينشتين عقيدته في كتاب الدنيا كما أراها ~~(The World as I ~~see) # وكتاب من سنواتي الأخيرة ~~(out of my later ~~years) ~~، وناقش آراء المعلقين على معتقده في الكتاب الخاص به من سلسلة ~~الفلاسفة الأحياء، ولم يخرج إجمال تلك الشروح عما قدمناه. ~~••• # وليس استقصاء المعتقدات التي يدين بها جميع العلماء ميسورا في هذه العجالة، ولكننا نحسب ~~أننا مثلنا لها تمثيلا يجزئ في الإبانة عن مناحيها، وقد تلاقى الجازمون والمترددون منهم في ~~تبرئة العلم من عداء الدين، فمن لم يكن صديقا خالصا فليس بالعدو المبين، بل وجد من هؤلاء ~~المعارضين للدين من يثبت القصد في الخليقة مع تصريحه بأنه مادي آلي يعزز التطور بالانتخاب ~~الطبيعي، ومنهم من يرى دلائل القصد في المادة غير العضوية فضلا عن الأجسام الحية، وقد أشار ~~إلى هؤلاء العلماء ms066 الدكتور فردريك وود جونس عضو الجمعية الإنجليزية الملكية في كتابه عن ~~التدبير والقصد، فذكر لورنس هندرسون أستاذ الكيمياء الحيوية بجامعة هارفارد، وروى عنه أن ~~تقلب الليل والنهار على الأرض له معناه في تركيب ثاني أكسيد الكربون (لارتباط صلاحيته ~~بالنور والظلام)، وأن تقلب الفصول وموقع الأرض من المنظومة الشمسية لهما معناهما في خصائص ~~الماء بين حالتي التجمد والذوبان، وأن هندرسون قد اضطر إلى الاعتراف بأن مجرى التطور في ~~مظاهره الكونية والحيوية يماثل مجرى الأعمال التي نقول حين نرقبها في الناس إنها مقصودة. ثم ~~ذكر توماس دوايت ~~(Dwight) # أستاذ التشريح بجامعة هارفارد، ~~فروى عنه أنه كتب قبيل وفاته يقول إن صدور الرسم الواحد عن المصادفة قد يفهم، ولكن نسبة ~~الرسوم في عدد كبير من الظواهر إلى مجرد الاتفاق سخف وهراء. # 2 # فإذا جاء هذا الاعتراف من العلماء المصرحين بالمادية فلا حاجة بالذين لا يصرحون بها إلى ~~أكثر من هذا الاعتراف. # | عقائد الأدباء # يستشهد بأقوال الأدباء في العقيدة لأنهم دارسون، ولأنهم موضوع دراسة . # هم دارسون لأنهم يفكرون في عقائدهم ويمحصونها ويقبلون منها ما يقبل ويرفضون منها ما يرفض، ~~أو ينشئون لأنفسهم عقائدهم المختارة حين يرفضون كل ما ورثوه من المعتقدات. # وهم موضوع دراسة لأنهم يمثلون شعور عصرهم ويعبرون عنه. فمن أراد أن يدرس المعتقدات في عصر ~~من العصور فمن أقرب وسائله أن يراجع أقوال أدبائه عن أنفسهم وعن أبناء عصرهم، فيعرف منها ~~أنماطا صالحة لتصوير تلك المعتقدات. # ومن المتفق عليه أن العقيدة حاجة إنسانية في ضمائر المعتقدين، فهي من هذه الناحية شعور ~~نلتمسه - أقرب ملتمس - في أقوال الأدباء، أي في أقوال الذين يشعرون ويعبرون عن الشعور، وهذه ~~هي وظيفة الأدب في كل زمن. فلا أدب لمن لا يشعر ولا يحسن التعبير عن شعوره وعن كل شعور ~~يحكيه. # فإذا كانت العقيدة موضوع امتحان ودراسة في نظر العلم فهي في ميدان الأدب موضوع تجربة ~~وتصوير. # وتنتهي وظيفة العالم حين يقول: علمي يقبل هذه العقيدة أو يرفضها، فإذا تحدث بعد ذلك عن ~~العقيدة كما يشعر بها ms067 أو يفكر فيها فهو والأدب سواء في هذا الحق: حق الشعور ~~والتفكير. ~~••• # ومن أدباء القرن العشرين في الغرب من نروي كلامه عن العقيدة لأنه صاحب رأي فيها. # ومنهم من نروي كلامه لأنه صورة معبرة تدل على مجرى الشعور بين أمثاله، وكلهم يضيفون إلى ~~صفتهم الأدبية صفة المطلع المستفيد من علوم عصره ومباحث علمائه، فهم مثال صادق لزمانهم على ~~كلتا الحالتين. ~~••• # في مقدمة الأدباء العالميين الممثلين لزمانهم في القرن العشرين (برنارد شو) الكاتب ~~الأيرلندي العالمي الذي عاش من منتصف القرن التاسع عشر إلى منتصف القرن العشرين، وصاحب ~~التطور في مذهب التطور نفسه خلال هذه المدة، فخرج من تجاربه ومطالعاته بمذهبه عن القوة ~~الحيوية، وهي في مذهبه تحل محل الإله في الأديان. # ومذهبه كما لخصناه في رسالتنا عنه أن لا يؤمن بالمادية المطلقة ولا يقول بأن الوجود كله ~~مادة مسيطرة على الفكر والحياة. # بل يؤمن بقوة غير مادية يسميها القوة الحيوية ويقول إنها تتطور بإرادتها، وإن المادة عدو ~~لها في تطورها، وإن ارتقاء هذه القوة في معارج الفكر إنما يأتي من طريق واحد: وهو طريق ~~الخطأ والتصحيح والتكرار والمثابرة، ولا نهاية للارتقاء الذي تبلغه الحياة من هذا الطريق. ~~فإنها تسلكه وتتطلع في كل مرحلة من مراحله إلى القدرة المطلقة والعلم المطلق، وقد تبلغهما ~~في زمن من الأزمان بعد الملايين التي لا تحصى من السنين ... ~~... وأول خطوة من خطوات التطور عنده أن القوة الحية تلبست بالأجساد المادية لتعمل وتستفيد ~~من معاركة المادة وإملاء إرادتها عليها، فأصبحت القوة الحيوية أفرادا متفرقة بعد أن كانت ~~جملة مجتمعة لا تفرق بين أجزائها. # وظهر الفكر وتقدم من علاج الإرادة الحية للمادة التي تقاومها وتعاديها. # فكل معالجة تتقرر فيها تجربة ثابتة، وكل تجربة ثابتة تجري مجرى العادة، وكل عادة تتجمع مع ~~العادات الأخرى فتهتدي بها الحياة وتتعود التفكير. # ولكن المادة من طبعها أن تعوق الفكر وتصده عن الانطلاق بغير قيد ولا حائل، وينتهي هذا ~~التعويق بتنبيه إرادة الحياة إلى طلب الخلاص من هذه العوائق واعتماد الحياة على الفكر ms068 ~~المجرد مستقلا من الأجسام، فلا تزال تطلب وتكرر الطلب، وتخطئ وتصحح الخطأ، وتثابر على ~~الطلب والتصحيح حتى تبلغ ما تريد. # ويومئذ لا يبقى من هذه الأجساد الحية غير الفكر الحي المجرد المطلق من جميع ~~القيود. ~~... وليس في مذهب شو مطلب بعيد على الإرادة، فسوف تتحقق الحياة بالفكر المجرد كما تحقق ~~الفكر نفسه، وكما تحقق الحس والنظر والسمع وسائر الحواس بالمحاولة بعد المحاولة والتصحيح ~~بعد التصحيح. ~~... ويزعم شو أن التطور الخلاق صالح لأن يصبح ديانة جديدة لأبناء القرن العشرين، وكما قيل ~~عن المعري إنه سئل عن قرآنه فقال: اتركوه حتى تصقله الألسنة في المحاريب. كذلك يقول شو عن ~~ديانته هذه إنها لا تشيع بين جمهرة الناس حتى تنشأ حولها أساطيرها وأماثيلها ومعجزاتها، ~~ولكنها مع هذا خير من الديانات العتيقة وخير من الشكوكية وخير من المادية العمياء، وخير من ~~مذهب داروين العتيق والحديث ... ولا يصلح الإنسان على كل حال بغير إيمان. ~~••• # وبين نوابغ الكتاب الإنجليز في العصر الحاضر الدوس هكسلي صاحب المشاركات المعروفة في ~~الشعر والقصة والفلسفة، وهو صاحب نزعة صوفية واضحة في جميع كتبه، وديانته الصوفية عامة في ~~غير عقيدة محدودة يجمعها مسلك عملي في الحياة قائم على القناعة والإقلال جهد الطاقة من ~~علاقات المرء بالدنيا وهمومها، قطعا للشواغل السفلى وتوسيعا لمنادح النفس في التماس ~~مطالبها العليا وتوفير حظها من المتعة بالحق والجمال. # ومن كتاب القصة العالميين الأديب النمسوي فرانز ويرفل ~~(Werfel) ~~(1890-1945) صاحب رواية أغنية برناديت ورواية ~~الأيام الأربعين وكتاب بين السماء والأرض، وفيه خلاصة فلسفته الدينية والخلقية، ولا تخلو ~~هذه الفلسفة من بقايا الصوفية الإسرائيلية القديمة؛ لأنه نشأ من سلالة إسرائيلية، ولكنه ~~يورد المصطلحات مورد المجاز فلا تؤخذ على ظواهرها الحرفية. # يقول ويرفل في كتاب ما بين السماء والأرض: # إن تفسير الكون بالقياس والتعقيب هو أنجح أحابيل الشيطان؛ لأن حجته التي تقوم ~~عليها جميع المذاهب الوضعية المادية هي أن الشيء يساوي نفسه (س = س، والأمة وليدة ~~الإقليم الجغرافي، والفرد محكوم بظروفه، ومطالب الشعب السياسية تتوقف على حاجاته ~~الاقتصادية، والفيل ms069 له جلد فيل لأنه ضروري له في اجتياز أشجار الغاب بغير ضرر يصيبه ~~... إلخ إلخ)، ومثل هذا التفسير لغايات الطبيعة هو عند الأحمق مفتاح كل باب بغير ~~استثناء سر من الأسرار. # وقد نجح الشيطان في تزويغ الأصول الأولى من المسألة كلها وهي أصول الخلق، ~~والكينونة ووجود الله، وإنما تتحقق الروحانية بالإلحاح كل الإلحاح على المسألة من ~~جانبها هذا. # وقال في الكتاب نفسه: # إن الإنسان - وهو لفة قصيرة بين العالم العلوي والعالم السفلي - لا يفلح في شيء ~~فلاحه في توليد الشرارة التي تنقدح من هذا الالتقاء بين العالمين: شرارة الفكر التي ~~تصهر جميع الأخلاط. # وقال فيه: # كل تقدم فهو انفصال قد تتابع من النشأة الأولى، فالنبات يبقى مغروسا في البقعة ~~الصغيرة من تربته، والحيوان يتجول في صقع محدود، والإنسان هو الذي يفارق ~~ويعود. # وهذه الهجرة - وإن حسبناها مجازا من مجازات الروح - إنما هي حالة لا مرجع منها، ~~وليس على معالم الطريق إلا كلمة واحدة تقودنا من أعلى إلى أعلى: نحو الوطن. # وقال فيه : # ويل للإنسان - شك أو آمن - إذا فقد القدرة على جيشان الروح. فكل من جمد على يقين ~~قانع فهو فريسة الشيطان، أو هو شر من فريسة الشيطان: هو ممزق سياسة. # ولقد تكون ثورة اليائس حينا من الأحيان أقرب إلى القداسة من صلاة الجمود. # وقال: # إن التجربة الصوفية التي لا معدى للإنسان عنها ساعة احتضاره تنم عن وحشة غير ~~مفهومة لا مهرب للروح من عبورها، لعلها في انتظار تحصين يعززها مما فوق ~~الطبيعة. # وقال: # إن الله أعظم جدا من أن يحتوي كلام الإنسان برهانا على وجوده، وأن صفته العامة ~~- وهي الخير الذي لا نهاية له - لتثبتها بالبرهان الواقع حياة مخلوقاته، إذ هي تؤثر ~~أن تكون على ألا تكون، كيفما كانت محنتها بالخوف والمرض والعذاب والموت. # وقال: # القانون هو حماية للإنسان من الإنسان، وضعها الإنسان في سبيل الله. # وقال: # إن الله هو الزمن كله: هو الأبدية. # ومن هنا تتمثل الشيطانية في تمزيق الزمن: فالشيطانية الرجعية تثني على الماضي، ~~والشيطانية الثورية تثني ms070 على المستقبل. # وقال: # كيف كنا قادرين على أن نموت لو لم نكن خالدين؟ # وقال: # إن الدين هو الحوار الخالد بين الإنسان والله، والفن هو المناجاة الأحادية ~~(Soliloquy) ~~. # وقد احتوى كتاب ويرفل «بين السماء والأرض» نتفا من هذا القبيل عن العقائد الروحية ~~والخلقية، تفارق المراسم التقليدية في بعض تعبيراتها، ولكنها تعود فتلاقيها حول محيطها وعند ~~غايتها، مما يجعلها مزيجا عجيبا من التجديد والمحافظة، ومن الصبغة العالمية والصبغة ~~القومية في أضيق حدود العصبية. # ومن المفيد - وقد لوحظ أن عقائد الأدباء هي في ذاتها موضوع دراسة - أن نستخرج من أقوال ~~ويرفل دلالتها على مصادر الاعتقاد في طائفة من الملل والمذاهب. # فقد تواتر أن العقيدة عند الإسرائيلي تصاحب روح القبيلة أو تستمد العصبية منها، وربما ~~فارق المفكر الإسرائيلي تراثه القديم من باب واحد ليعود إليه آخر الأمر من أبواب شتى، ولو ~~كانت في ظاهرها أبواب إلحاد ومروق. ويصدق هذا كثيرا على ويرفل كما يصدق أحيانا على سائر ~~المفكرين من بني إسرائيل، وقد عبر عن ذلك في كلماته التي يفسر بها معنى شعب الله المختار، ~~وقال في إحدى تلك الكلمات: «إن إسرائيل أكثر من أمة: إنها دروشة تاريخية وبيولوجية من شذاذ ~~متفرقين على الرغم من الآحاد الموسرين هنا وهناك، ومن دخل هذه الدروشة بالميلاد طوعا لأمر ~~الله لن يفك من عقالها إلا في اليوم الأخير قبل ختام الزمان.» # وعقيدة الرجل أن هذه الهجرة الدائمة هي رسالة القوم، وأنه من خفايا الأسرار التي لا تدرك ~~في التاريخ الإنساني أن حب الاستقرار هو الخدعة التي يؤتى اليهود من قبلها كلما حاولوا أن ~~يؤسسوا لهم وطنا. وقد حاولوا في القدم، قبل عصر المسيح؛ أن يحسبوا مصريين أو بابليين أو ~~يونانيين كما يرى من كل صفحة من صفحات العهد القديم، فمزقت عنهم ستورهم وبرزت جلودهم ~~المعذبة عارية من تحتها كرة بعد كرة، وهذه محاولاتهم في العصر الحديث تسمى تارة بحركة ~~الاستنارة أو حركة العالمية أو التحرر أو الاشتراكية أو القومية وتنتهي إلى المذابح ~~الأوروبية والبولونية. ولم يبق أمامهم الساعة ms071 إلا مقر من مقرين تتزاحم عليهما جموع إسرائيل ~~في إصرار وإلحاح كما يتزاحم النمل في طلب النجاة، ولا بد للإنسان على كل حال من أن ~~يعيش. # هذان المقران هما الديمقراطية الأمريكية أو الصعلكة الروسية، وإن قشعريرة الروح من أن ~~تصير إسرائيل إلى أي مصير غير أن تظل إسرائيل؛ لن تستطيع الوقوف أمام هاتين القوتين. # ومهما يستكثر المؤرخ من أمثلة العقائد التي يدين بها المفكرون الإسرائيليون في العصر ~~الحديث، فلن يجد في كل مائة مثال إلا مثلا أو مثلين يشذان عن هذه القاعدة، وتطرد الأمثلة ~~دائما على أن «الجامعة العصبية» لا تلبث أن تملأ فراغ العقيدة من جوانح الإسرائيليين كلما ~~انطلقوا من شعائر دينهم الموروث، فالتعب الذي يحتمله المفكر الأوروبي كي يستعيض عقيدته باسم ~~الإنسانية أو الحضارة أو الروح الكونية؛ يحل محله تعب واحد سريع إلى نفس المفكر الإسرائيلي، ~~وهو الجامعة الإسرائيلية أو رسالة إسرائيل كما يترسمها في مستقبل قريب أو بعيد. # وهذه الظاهرة المتكررة هي إحدى الظواهر التي يرقبها الباحثون المخصصون لشئون العقيدة ، ~~ليقرنوا بينها وبين عوامل الاعتقاد في عقول المحدثين والأقدمين. # ولهذه القاعدة شذوذها كما تقدم، ولكنه شذوذ ضخم يكاد أن يلغيها لو كان الشذوذ يلغي ~~قاعدته، فقد تمثل في أديب واحد أوشك أن يحلق وحده في سماء الأدب الصوفي بين قومه من مطلع ~~القرن العشرين إلى منتصفه إذ توفي (سنة 1949). # هذا الأديب هو موريس مترلنك ~~(Maeterlinek) # الشاعر ~~البلجيكي الإسرائيلي الذي لقبوه بالحبر ولم يبالغوا، وإن كانوا يتهكمون، وقد أنفق حياته ~~باحثا عن أسرار الطبيعة وأسرار ما بعد الطبيعة، فدرس غرائز النحل والنمل ودرس الديانات ~~الشرقية التي تواترت الروايات عن قدرة أحبارها على تسخير الطبيعة، وفحص هذه الروايات في ~~كتابه عن السر الأعظم فلم يخف على القارئ غمه لتحققه من بطلانها، وظل بعد ذلك مؤمنا بعالم ~~الأسرار يراها ويلمسها في كل مكان بين ظواهر المادة والحياة، ومن مؤلفاته غير القصص ~~المسرحية وغير كتاب السر الأعظم كتاب عن «أبديتنا» ~~(Our ~~Eternity) # وكتاب عن موقفنا أمام الصمت العظيم ~~(Before ~~the great ms072 silence) # وشذرات مجموعة في هذا المعنى لا تخلو صفحة منها ~~جميعا من شواهد قوية على شعوره بأسرار الكون ووجوب التسليم بما لها من الأثر في الحياة، ~~وهو يقول في كتاب «أبديتنا» إن المجهول سيظل مجهولا ولو رزقنا ألف نصيب كنصيبنا من الفطنة ~~والذكاء، ولكن «فكرتنا» عن هذا المجهول هي أهم وأنبل ما تحتويه بصيرة الإنسان. إذ ليس ~~المجهول منفصلا عن الكون لأنه مجهول، بل هو فينا ومحيط بنا وعامل بأيدينا ولا حيلة لنا في ~~تقصير المسافة بيننا وبينه إلا أن نصاب بالقصور من تجاهل هذا المجهول، فالبصيرة الإنسانية ~~تكبر بمقدار ما تتسع أمامها حدود ذلك المجهول، وهي تصغر بمقدار ما تصغره وتعرض عنه وتعيش ~~معه كأنه غير موجود. ~~••• # وننتقل من هذا الشاعر الروائي «الحبر» كما وصفوه إلى كاتب روائي عاش زمنا بين أسرار ~~الشرق ثم قنع بأن يعيش في عالم معطل الأسرار، وهو إدوارد مورجان فورستر مؤلف كتاب (مجاز إلى ~~الهند) وصاحب المقالات النقدية عن أدب الهند وأدب اليونان الحديثين. # ويعد «فورستر» بين أعلام القصة والنقد الفني في اللغة الإنجليزية ، ويمتاز على نظرائه بذلك ~~الاطلاع على الأدب الحديث في اليونان والهند، حيث ساح وعمل أثناء الحرب العالمية الثانية، ~~وقد لخص عقيدته في مجموعة مقالاته، فصرح في أول مقالة بأنه لا يعتقد في الاعتقاد. ولكنه في ~~عصر الاعتقاد حيث تحيط به العقائد المناضلة مدفوع بحكم الوقاية إلى صوغ عقيدة له تغنيه حيث ~~لا تغني السماحة وطيب الطوية والعطف بإحسان. # وبعد أن أشار إلى الإيمان بالبطولة بديلا من العقائد المتداعية؛ قال إنه ضعيف الثقة ~~بالأبطال لأنهم يمسحون ما حولهم وينكسون جميع الرءوس إلى جانبهم ويحفون أنفسهم أحيانا ببحر ~~من الدماء إن لم يكن صحراء من الخلاء. # ثم ترجى أن ينبغ من الغيب محل مرموق، فقال: «إنه حين يجيء - إن جاء - لا يعظ الناس بكتاب ~~جديد، ولكنه يستغني عن ذلك بتوجيه العلية من ذوي المزايا الخلقية، وأن يعمد إلى ما هو موجود ~~من العزائم الصالحة والشمائل الطيبة فيجندها للعمل الناجز، أو هو بعبارة ms073 أخرى سيأتي بترتيب ~~جديد. وقد قيل لنا في شئون الاقتصاد إنها لو وضع لها ترتيب جديد لما كان هناك محل للفاقة ~~ولما هلك الناس جوعا في مكان ونبذوا الفاضل من الغلات في مكان آخر، فمثل هذا التغيير مطلوب ~~في ميادين الأخلاق السياسية، وليس هذا بالمطلب الجديد. فإنه قد طلب بالأسلوب اللاهوتي على ~~لسان جاكوبون داتودي قبل ستمائة سنة حيث يقول: «يا من تحبونني، رتبوا حبكم على وفاق!» ولكنه ~~طلب لم يستجب، ولا إخاله سيجاب غدا، ومع هذا أرى أن الخلاص إنما يأتي من هذا الطريق لا من ~~طريق تغيير طبائع القلوب، فليس الأمل أن يصبح الإنسان أحسن من هذا الإنسان، بل الأمل أن ~~يرتب ما فيه من الخلق الصالح وأن يحسن توزيعه فيغلق على العنف صندوقه ويفسح الوقت لكشف ~~أسرار الكون وطبعه منه بطابع كريم. أما الآن فإنه يكشف أسراره اتفاقا على أوقات متفرقات ~~كأنه يغتنم الفرصة من التفات القوة العنيفة إلى ناحية أخرى، وتبدو ملكاته الإلهية المبدعة ~~كأنها محصول عرضي يقتلع ساعة تدق الطبول وتطن القاذفات.» # ثم قال إنه ضعيف الرجاء في تحقيق هذه النبوة بالوسائل الدينية الحاضرة، وإلى أن يفلح ~~علماء النفس وعلماء الحياة في خلق لحام جديد يربط بين الناس سيظل كل إنسان فردا راضيا بما ~~قسم له قانعا بصفوة ما يتأتى له من مؤونة قليلة الصفاء. # وأحدث المجاميع التي عني واضعوها بنقل كلام الأدباء والمفكرين عن عقائدهم كتاب (ما اعتقد) # 1 # لواضعه السير جيمس مارشانت ~~(Marchant) # وفيه فصل ~~مسهب كتبه الأديب الشاعر المؤرخ للأدب والنقد ألفرد نويس ~~(Alfred ~~Noyes) # وهو من المؤمنين بعد دراسة واطلاع على الفلسفة، وقد استخف فيه ~~بالدراسات التي تقف عند حل التأمل والاستطلاع في مسائل العقيدة وقال إن العالم لن يحل ~~مشاكله بالوقوف عند هذه الدراسات، وإن مشكلات العالم ناجمة من عجزه عن إشباع روحه لا من ~~عجزه عن إشباع جوفه، وسخر من قول القائلين إن الله قد نشأ في عقل الإنسان فعقب عليه قائلا: ~~وأين نشأ زعم الزاعمين أن الكون مكنة ms074 كبيرة؟ ألم ينشأ في عقل الإنسان؟ ثم استشهد بقول لوتز ~~(Lotze) # إن المكنات حولنا في كل مكان ولكنها في كل مكان ~~مسخرة تابعة، فلم تشاهد قط مكنة إلا كان وراءها عقل يديرها ويسخرها، وهذا الذي ينساه ~~الماديون الآليون الذين يزعمون أن عمل الطبيعة في أنظمتها وقوانينها شبيه بعمل ~~الآلات. ~~••• # والأديب الفرنسي جول رومان ~~(Romains) # من أجدر أدباء أمته ~~بتمثيل من المدرسة الإيمانية وسطا بين المقلدين وطلاب المظاهر والحذلقة من المنكرين ~~وأدعياء الإنكار، وهو في رأي النقاد ضريب زولا وبلزاك في الإعراب عن المزاج اللاتيني ~~الفرنسي الأصيل، وقد سئل عن عقيدته فكتب جوابه في فصل موجز قال فيه: إنه ليس بالشكوكي، ولا ~~بالمتشائم، ولا يحسب العقل قادرا على استطلاع الحقيقة المطلقة، وإنه قد يقترب منها ثم ~~ينحرف عنها هنيهة، ولكنه يرجو من تقدم الزمن أن يضطلع العلم النفساني بحكمة يعترف بها العلم ~~الطبيعي قسرا، ولا يتسنى له أن يغفلها أو يحيلها مزدريا بها إلى مجال البحث فيما بعد ~~الطبيعة، ويدهش الأديب لأن أقطاب العلم والفلسفة المعاصرين قانعون بأن يعيروا (نصف أذن) لما ~~يقال عن كشف الحجب واستشفاف الغيوب. # قال: «إنني أحسبني من بعض الجوانب من العقليين الذين يقلبون ما فوق العقل ~~(Sur-rationaist) ~~، وأعني أنني مستعد أن أعترف للروح عند ~~بعض الأفذاذ في حالات مميزة بالقدرة على بلوغ الحقيقة بالإلهام المباشر، وأؤمن بأن هذا ~~الإلهام قد تكرر حدوثه في تاريخ الروح الإنسانية، ولكني - وأحب أن أؤكد هذا لأنه مبعث كثير ~~من الخلط والاضطراب - أرى أن هذه اللمحات إنما تطرأ عرضا بين ركام من حالات الوعي التي قد ~~تشبهها ولكنها لا تعدو أن تكون حلما أو وهما، وليس عمل العقل في هذه الحالات أن يدفع ~~الروح إلى رفضها جميعا بل عليه أن يعينها على التمييز بينها بمضاهاتها على ~~الحقيقة.» ~~«وقد ذكرت كلمة الروح مرات، والواقع أنني أرى للقوة الروحية والنفسية مكانا هاما في ~~الكون ... وأعتقد بصفة خاصة أن المقاربة بين الروحي والمادي تصدق في تجارب الجماعات كما تصدق ~~في تجارب الآحاد ...» # ثم ختم ms075 رسالته قائلا: «وإلى هنا لم أقل شيئا عن الله بالمعنى الشائع لهذه الكلمة، لأنني ~~أجد من العسير علي أن أقرر معنى يقينيا أو مقاربا لليقين في هذا الموضوع.» # ومضى يناقش الفلاسفة في صفات الله، ولا يرى كيف يكون التوفيق بين القدرة الكاملة وما ~~يعتري الكون من الآفات والعيوب، ويرجح أن المادة عائقة للمقاصد الإلهية، وأن الإنسان مطالب ~~بأن يجتهد اجتهاده لتغليب تلك المقاصد على ما عداها. # وجملة ما يفهم من فلسفة رومان - وهو فيلسوف درس الفلسفة زمنا - أن روح الإنسان وروح ~~الأمة ملاذ صالح للمقاربة بين المقاصد الإلهية والمقاصد الدنيوية، وأن الإجماع اللدني الذي ~~يهتدي إليه الناس بداهة وارتجالا غير مصطنع ولا مدير هو أصدق ما يشعر به الإنسان من وحي ~~الله. ~~••• # ومن النادر جدا أن يشتهر في أمم الشمال (السكندنافية) أديب معطل كل التعطيل، ولكنك تلمح ~~في كتابات المفكرين منهم لواعج القلق التي تشبه لواعج العاطفة السوارة: فهي شوق غير مستقر ~~وغير ضعيف وغير مفارق، ولا حيلة فيه لصاحبه إلا كحيلة المحب الذي يقنع بما في أعماق وجدانه ~~من الشوق، ثم لا يحاول أن يسلط عليه أنوار النهار، وكأنما عودتهم أجواء بلادهم أن يعيشوا ~~تحت السحاب ويسكنوا إلى الليل الطويل، فليس من اللازم عندهم جو الوضوح والإشراف. # وقد تردد منذ سنتين اسم كاتبهم السويدي «لاجر كفيت» صاحب رواية «باراباس»، ذلك اللص الذي ~~اختاره الأحبار والشعب للعفو عنه بديلا من السيد المسيح، وليس إيمان «لاجر كفيت» كإيمان ~~البسطاء في الرواية، ولكنه يستلهم الإيمان من تلك البساطة ويروض حيرته الذهنية البادية من ~~خلل السطور على الاقتداء بهؤلاء البسطاء، فإن كان ذهنه يعجز عن حل مشكلاته فاللوم عليه، ~~ولعله لا يضيره أن يعيش بذلك الذهن الحائر ما دام يحس في الأعماق تلك الذخيرة المحتجبة ~~المضطربة، وما دام له ذلك العطف على بساطة الإيمان. ~~••• # وفي الشعر تكثر شواهد الاعتقاد الشخصي ويسهل على القارئ أن يلمح من تصفح ديوان الشاعر ~~قبلته في العقيدة الدينية. # وقد أردنا أن نختار من الشعر الإنجليزي ثلاث مراحل على ms076 حسب السن، وأن نختار من كل مرحلة ~~شاعرا ممتازا بحكم الشهرة العامة، فاخترنا من المرحلة الأولى جون ماسفيلد الشاعر المتوج، ~~ومن المرحلة الثانية توماس إليوت صاحب جائزة نوبل منذ سنوات، ومن المرحلة الثالثة ديلان ~~توماس ~~(Dyllan) # أوفى الشعراء الشبان نصيبا من تقدير النقاد ~~الجديين. # أما ماسفيلد فهو مؤمن بالله يتجاوب شعره في الأزمات العالمية بما يشبه الصلاة، وفي إحدى ~~قصائده (عونا للإنسان) يناجي الأمل الذي يتطلع إليه ابن آدم كما يتطلع إلى فلق الصبح لا ~~إلى نجم عابر، أو كما ينظر إلى نهار صاح يعيش فيه لا كما ينظر إلى علامة متنقلة، ويقول إن ~~كل مخلوق آدمي يولد هو روح يلبس الجسد في حجته بين ظلماتنا، ويقبل من الغيب مزودا بالجمال ~~والحكمة والفرح، فيجمع بيننا الحزن والحماقة والشطط، فإن لم يقض بعد ذلك قتيلا مات وهو ~~مجلل بأخطاء الزمان. # ثم يتساءل: «أما كان الأحرى بكل مولد أن نستقبله كأنه طالع إلهي يؤم بالناس قبلة الإخاء ~~الذي هم في حاجة إليه؟ أما كان الأحرى به أن يكون دعوة لقادم جديد يقبل إليهم بعد عناء؟ ~~أليس هذا التقديس للحياة جديرا أن يمهد لعيش أكرم وأسلم، وأن يكون من إيمانه أنه عالم يعمه ~~الإخاء، ومن خيره أنه جنة على الأرض، ومن رجائه أنه صدى للغناء - هناك!» # وهو يومئ «بهناك» إلى عالم لا يسميه ولا يشير إلى مكانه، ولكنه هناك ... مأنوس ~~محسوس. # أما إليوت فقد مضى عليه سنوات وهو يطرق بابا من أبواب المجهول ثم يوصده أو يولي عنه إلى ~~غيره، أو هو يشك لسبب ثم يشك لسبب آخر ثم يوازن بين الأسباب، حتى انتهى به المطاف إلى ~~التمذهب بمذهب الكنيسة الكاثوليكية الإنجليزية، إيثارا للاعتقاد في الجماعة، وإيمانا ~~بواجب كل فرد أن يتصل ولا ينفصل في مسائل الديانة حيثما استطاع. # وأما ديلان توماس فقد ظهر ديوانه الأخير قبل نهاية السنة الماضية (1952) وقال عن سبب جمعه ~~من كلمة موجزة في تصديره: # قرأت مرة عن راعي غنم سئل: لماذا صنع من تمائم السحر تعويذة إلى القمر ms077 عسى أن ~~يحرس له قطيعه؟ فقال: لو لم أفعل لحقت علي لعنة الحماقة. # وهذه القصائد بكل ما فيها من الخشونة والشك والخلط قد نظمت في حب الإنسان والثناء ~~على الله، ولو لم أنظمها لحقت علي لعنة الحماقة! # وفي هذا السطر الأخير من التصدير كل ما استطاعه الشاعر من البيان: هكذا وإلا فهو أحمق ~~(damn fool) ~~. # ويخرج القارئ من الديوان كله على إيمان بالله غير محدود، أو هو إيمان حدوده أن الله عنوان ~~لخير ما يرجى في الحياة الإنسانية، وماذا بعد الحياة الإنسانية؟ حب لا يحاسب ولا يدين ~~(Unjudging love) ~~. وذلك غاية ما يقال - في شعر الديوان ~~- عما بعد الموت من حياة. # وقد اخترنا هؤلاء الشعراء الثلاثة لأنهم جميعا شعراء معبرون عما يحسونه في أنفسهم وما ~~يحسونه حولهم، وأعرضنا عن أدعياء الأفانين ممن يهيمون بكل أفنونة معتسفة لا حياة لها في ~~أنفسهم ولا في العالم، ولا معنى لها غير أنها فقاعة في رغوة طافية، تلمع ثم تنفجر بعد ~~قليل. ~~••• # والاهتمام بعقائد الفنانين من المصورين والموسيقيين والممثلين مطلب لا يقل في دلالته ~~وقيمته عن عقائد الشعراء والأدباء والفلاسفة، ويزيده دلالة أنهم يصدرون عن البداهة الصامتة ~~في فنونهم، ويباشرون دقائق الخلق والإنشاء عملا لا يلتبس بأخطاء اللفظ وتعبيراته. # إلا أن هذه البداهة الصامتة هي موضع الصعوبة في استقراء عقائدهم من أعمالهم، وهم لا ~~يكتبون عن العقيدة ولا يسجلون آراءهم كثيرا بالقلم والكلمة، ولهذا نعول على أقوال الذين ~~كتبوا منهم في المسائل الدينية، ولا نرى بين أيدينا من أقطاب الفن في القرن العشرين من هو ~~أجدر بالتعويل عليه من جون كوليير ~~(Collier) ~~(1850-1934)، ~~الذي يحسب مع الكتاب والنقاد كما يحسب مع المصورين في الذروة العليا، وله في المسألة ~~الدينية كتاب سماه «ديانة فنان» كتبه بعد الحرب العالمية الأولى وتناول فيه هذه المسألة من ~~جميع أطرافها، وفيما يلي تلخيص كلامه على العقيدة والفضيلة ورجاء بني الإنسان، وقد ختم ~~كتابه ختاما موجزا، قال فيه: إن الديانة ليست هي الوسيلة الوحيدة للسعي في طريق الأمثلة ~~العليا، وإنه ms078 يترقب مع الزمن يوما تغني فيه الأخلاق غناء الديانة، وتستقيم فيه الحماسة ~~الدينية إلى طريق غير طريقها فيما مضى، وقد كانت طريقها العراك والخلاف، فلعل طريقها المقبل ~~وحدة بني الإنسان. # رأى كوليير في الديانة أن مذهب الموحدين ~~(Unitarianism) # هو المذهب الذي يرتضيه الرجل العصري، إذا فارق عقائده الموروثة وأحب أن يحتفظ بنسبته إلى ~~المسيحية. # ويفضل في أمر الإله أن يؤمن بالإله الذي وصفه الكاتب الكبير (ويلز) على لسان أحد أبطاله، # 2 # وهو إله قادر على كل شيء ولكنه يوزع تدبير الكون على الملائكة وأكبرهم الملك ~~المحجوب ~~(The Invisible King) ~~، فإذا حدث النقص والشر في ~~الوجود فذاك من عمل الملك المحجوب لأنه طيب رحيم ولكنه ليس بالقادر على كل شيء، فهذه الصفة ~~أقرب إلى تفسير الواقع لولا أنه - أي كوليير - عاجز عن تخيل الكائنات التي فوق ~~الطبيعة. # أما الأخلاق فرأيه فيها أن المتدينين يسندون أعمالهم خطأ إلى الإرادة الإلهية، فإنهم لا ~~يعلمون هذه الإرادة ويضطرون إلى استجلائها بالصلاة والدعاء إذا عم عليهم أمرها، وخير ~~للفضيلة وللناس أن يبنوا عملهم الخلقي على أساس من حب بني الإنسان. فإن الله غني عن حبنا، ~~وأما بنو الإنسان فلا يستغني بعضهم عن حب بعض ، ولا تزال العداوة بينهم مفسدة للأخلاق ~~والضمائر، ولا يصدق كوليير بالعذاب الأبدي لأن الأبد ديمومة ليس لها نهاية، وعمر الإنسان ~~محدود فلا يجزى عن الخطأ المحدود بعقاب دائم سرمدي لا يعرف الحدود، وهو يقول عن الحياة بعد ~~الموت: «إنني لا أعني أنني أنكر إمكان الحياة الأبدية خارج الزمان والمكان، وإنما الذي ~~أعنيه أنني لا أفهمها وأنها لا تشبه الوجود كما أفهمه.» # وبعد استطراد قصير قال: «إن العلاقة بين العقل والمادة لمن الخفاء بحيث يحسن الوقوف منها ~~موقف اللاأدرية. فقد يحتمل أن يوجد العقل مستقلا من المادة ويحتمل أن يكون للحياة بعد ~~الموت صلة مادية، وحقيقة الأمر أننا لا نعرف عن ذلك شيئا، ولعل هناك موضعا ~~للرجاء.» # ولا ننسى أن هذا الكتاب ظهر في غاشية الحرب العالمية الأولى، وأنه مشوب بالكثير من ms079 ~~دواخينها ونيرانها، وليس في مؤلفات أقطاب الفنون ما يبسط القول في العقيدة الدينية، وليس ~~لدينا أيضا ما يدل على شيوع هذه النظرة التي شرحها كوليير في كتابه بين أولئك ~~الأقطاب. # أما الأدباء والفنانون المتدينون بديانة الآباء والأجداد فهم غير قليلين، ولكننا نقصر ~~القول في هذه الرسالة على الجديد الذي تمخضت عنه أحوال القرن العشرين باجتهاد المجتهدين ~~ومحاولة الباحثين، ومما أجملناه آنفا - وهو نموذج صالح للقياس عليه - يتبين لنا أن ~~المؤمنين منهم بقوة غير القوة المادية يزيدون على غيرهم، وأن القرن العشرين قد أبرز من ذوي ~~العقائد المجتهدة طائفة لم يكن لها وجود محسوس في القرن التاسع عشر، إذ لم يكن فيه صوت لغير ~~الإلحاد أو الإيمان الموروث. # | عقائد الفلاسفة # تتقابل في مذاهب الفلاسفة مدرستان خالدتان، لا تزال كل منهما تتجددا عصرا بعد عصر باسم ~~جديد، وهما المدرسة المادية والمدرسة العقلية أو الروحانية أو المثالية، وكلها أسماء لمسمى ~~واحد في النهاية. # فمدرسة الماديين - كما يدل عليها اسمها - ترجع بالمعرفة إلى التجربة المحسوسة، وغيرها من ~~المذاهب العقلية أو الروحانية أو المثالية ترجع بها إلى شيء غير التجربة المحسوسة، وقد ~~تستعين بهذه التجربة ولا تبطل عملها في المعرفة، ولكنها لا تسلم القول بأنها هي المصدر ~~الوحيد. # وفي القرن العشرين تقابلت هاتان المدرستان، واتسمت كل منهما بالتطرف في دعواها، كما يحدث ~~كثيرا في موقف التحدي والمناجزة العنيفة. # فقامت مدرسة المنطق الوضعي ~~(Positive Logic) # من جانب، ~~وقامت بإزائها مدرسة التجريد من جانب آخر، وهي في الواقع مذاهب شتى يجمعها النظر فيما وراء ~~الطبيعة. # فمدرسة المنطق الوضعي لا ترى محلا للبحث فيما وراء الطبيعة؛ لأنها ترجع بالمعرفة كلها ~~إلى الحس، وكل كلمة لا نرى مصداقها في شيء محسوس فهي لغو فارغ وقرقعة أشبه بقرقعة الأصوات ~~المادية. # أما المذاهب الفلسفية الأخرى التي لا تقبل دعوى المنطقيين الوضعيين فتجمعها جامعة واحدة ~~في النهاية، وهي الرجوع بالمعرفة إلى غير المادة، أو الرجوع بها إلى ما وراء ~~الطبيعة. # ومن هؤلاء الفلاسفة الذين ينظرون فيما وراء الطبيعة من يقابلون الغلو الوضعي ms080 بغلو مثله أو ~~أبعد منه مدى في الناحية الأخرى، فينفون وجود معرفة قط تستغني عن النظر فيما وراء الطبيعة، ~~ولا يستثنون من ذلك معارف الحسيين والواقعيين في أضيق حدودها. # تناول سدني هوك دعوى القائلين إن الفكر نفسه هو آلة العمل، فقال: إن هذه الدعوى نفسها غير ~~ممكنة ما لم يسلم أصحابها أن هناك مقررات غير حسية؛ لأنهم يقررون وجود عالم لم تخلقه قوة ~~عاقلة، كما يقررون وجود فكر فيه يعمل، ووجود تغييرات يحدث بعضها بمشاركة الفكر وبعضها بغير ~~مشاركته، وأن التغييرات التي يشترك فيها الفكر ليست مثالية أو عقلية في جوهرها. # 1 # غير أن المذاهب الوسطى من مذاهب ما وراء الطبيعة تضيف ولا تحذف. # تضيف وسائل البحث الفكري إلى وسائل التجربة الحسية، ولا تحذف من برنامجها وسيلة علمية أو ~~واقعية يستعان بها على المعرفة. # فبدلا من شعار «هذا أو ذاك» تتخذ لها شعارا جامعا لهذا وذاك وزيادة، ومن هذه الزيادة ~~حسبان الإلهام والبداهة من وسائل المعرفة عند طائفة من فلاسفة «ما وراء الطبيعة» في العصر ~~الحديث. # فمعظم المدارس العقلية في القرن العشرين تدخل العلم في تقديرها وترجع إلى شعبة من شعبه في ~~تأسيس دعائمها، ومنها علم النفس وعلم الطبيعة ومذهب النشوء والارتقاء في حدوده ~~العلمية. # فمن المذاهب التي ترجع إلى علم النفس مذهب «الظواهرية» نسبة إلى ظواهر الطبيعة ~~(Phenomenology) ~~. # ومن المذاهب التي ترجع إلى علم الطبيعة مذهب الزمانية المكانية ~~(Space ~~time reality) ~~. # ومن المذاهب التي ترجع إلى مذهب النشوء والارتقاء مذهب التطور والانبثاق ~~(Emergnet Evolution) ~~. # ونحن مجتزئون في هذا الفصل بتلخيص فكرة الإيمان كما يدين بها كل مذهب من هذه ~~المذاهب. # فالظواهرية - وأشهر فلاسفتها هسيرل ~~(Husserl) # الألماني ~~ترد كل معرفة إلى الوقع ~~(Experience) # وهو أعم من التجربة ~~الحسية والتفكير العقلي؛ لأن المعرفة - على حسب هذا المذهب - تتم بما يقع في الوعي من طريق ~~الحس والتفكير والكلام. # فالحس لا يعطينا كل المعرفة، والتفكير كذلك لا يعطينا المعرفة كلها ولو كانت مستمدة من ~~الحس والتفكير، والكلمات تعطي المعنى ولكن المعنى غير المعرفة ms081 التي تقع في وعي ~~العارف. # أما المعرفة بالله خاصة فهي «وقع» مباشر لا يعتمد على الحس؛ لأن الله لا يقع تحت الحس، ~~ولا يعتمد على الفكر لأن الفكر لا يحده، ولا يعتمد على الكلمات لأن الكلمات تنقل معناها ولا ~~تزيد عليه، وإنما تستقر المعرفة بالله في الوعي مباشرة بما يقع فيه من جملة المعارف الحسية ~~والفكرية والمعنوية وزيادة عليها، وكونك لا تستطيع حصرها في اللفظ لا ينفي وجودها، فإنك لو ~~جربت حصر معنى واحد في المعاني الحسية في لفظ جامع مانع لاستعصى عليك أن تحصره وتقنع بحصره، ~~فكيف بالمعرفة التي لا تدانيها معرفة في الشمول والكمال؟ # وأما مذهب الزمانية المكانية فرأس القائلين به هو صمويل ألكسندر الذي نشأ في استراليا ~~وعاش في إنجلترا، وصفوة الرأي فيه أن الوجود حركة وأن الحركة الأولى نشأت من اتصال الزمان ~~بالمكان، وأن صفات الموجودات هي جملة حركات منوعة، وأن الله هو غاية هذه الحركات، فهو ~~الكمال التالي لكل مرحلة ينتهي إليها الكون، ولا يزال الكون يحقق بالحركة كمالا بعد ~~كمال. # وقد يبدو هذا المذهب، لأول وهلة، ممعنا جد الإمعان في غوامض ما بعد الطبيعة، ولكنه في ~~دعائمه لا يعدو أن يكون تفسيرا خاصا لمعنى الجسم المادي في علم الطبيعة الحديث. # فالأجسام كلها تتألف من الذرة، والذرة تنشق وتنطلق فتصبح شعاعا، والشعاع هو حركة في ~~الأثير أو الفضاء؛ لأن أوصاف الأثير في علم الطبيعة مطابقة لأوصاف الفضاء. # وكأنما يقول الفيلسوف إن الحركة هي الزمان، وإن الأثير هو المكان، وإن المادة وجدت حين ~~وجد الشعاع، أي حين اتصل الزمان بالمكان، وإن تنوع الموجودات إنما جاء من تلاقي الحركات ~~واتحادها في الجهة، ثم يزيد على ذلك نتيجة مذهبه وهي تقدم الحركة مع تقدم الزمان. # أما مذاهب التطور الانبثاقي أو التطور المنبثق وسائر المذاهب التي تمت إلى النشوء ~~والارتقاء فلها شراح كثيرون، وهي مذاهب واسعة الآفاق يدخل فيها حتى مذهب الزمانية والمكانية ~~الذي يذكر باسم صمويل ألكسندر، وكل شراحه من أقطاب الفلسفة في اللغة الإنجليزية أمثال ~~ويتهيد ومورجان ms082 وسمطس، وكلهم يؤمنون بوجود القوة الإلهية على اختلاف في تصوير علاقتها ~~بالكون والإنسان، ومنهم من يؤمن بقدم الأشياء جميعا وحدوث تراكيبها وأطوارها، ويكل إلى ~~الله تدبير الخلق وإخراج الأطوار والتراكيب من بسائطها الأولى، ومنهم من يعتبر كل موجود ~~مركب كائنا عضويا لأنه كالجسد الحي في ضرورة تركيبه وتماسك أجزائه، ويعتبر الحياة تركيبة ~~مميزة بين هذه الكائنات العضوية، والمهم في هذه الفلسفات بالنظر إلى موضوع رسالتنا عن عقائد ~~المفكرين أن وجود الله لازم فيها لتفسير كل موجود، وأن أصحابها مؤمنون فلسفيون، وإن لم ~~يكونوا مؤمنين بالديانة «الرسمية». # وقد أجمل كولنجود ~~(Collingwood) # موقف الفلسفة من العلم في ~~البلاد الإنجليزية فقال في كتابه «فكرة الطبيعة» ~~(The Idea of ~~Nature) # إن العلماء الطبيعيين «بعد أن تتبعوا نظرياتهم عن المادة إلى ~~حيث تنكشف حدود العالم الطبيعي وتنكشف حاجته إلى الاعتماد على غيره أطلقوا الاسم القديم - ~~اسم الله - على ذلك السند الذي يعتمد عليه، وأن اللجوء إلى هذا الاسم يقابل بالترحاب؛ لأنه ~~يظهر مدى تحرر الفكر الحديث من أوهاق المثالية الذهنية، لا لأنه يبشر برتق الطبيعة بين ~~الدين والفلسفة، ولا لأنه يومئ إلى إحياء التقاليد الفلسفية القديمة على سنن أفلاطون وأرسطو ~~وديكارت وكفى.» # ومن رأي كولنجود في هذا البحث أن المادية لم تزل منذ ظهرت في القرن السابع عشر محاولة لم ~~تصل إلى محصل، ولم يزل ربها - أي الكون المادي - إله خوارق وأعاجيب تخفى على العقول، وأنها ~~تعلق رجاءها على الغيب عسى أن يجلو الزمن أسراره مع تقدم العلوم، وأنها بمثابة من يكتب ~~صكوكا ضخاما على رصيد غير موجود، وأن زعمها أن الفكر إفراز من الدماغ كإفراز الصفراء من ~~المرارة قد يحسب من تصديقات المتدينين ولكنه في نظر العلم إنما هو تمويه وتهويش. ويتهكم ~~كولنجود ببعض دعاة المادية الأسبقين فيقول: إنك لو بدلت كلمة هنا وكلمة هناك من كلامه عن ~~المادة لسلكتها في عداد الصلوات. # وفي عالم الفلسفة الإنجليزية أناس مثل كولنجود يسمع حكمهم في المسائل الفلسفية ولا يسلكون ~~بين أصحاب المذاهب والمدارس، وقيمة آرائهم أنها ms083 آراء مستقلين لا يعنيهم ترويج هذا المذهب أو ~~ذاك ولا يحاسبون على أفكارهم المتفرقة بحجج المؤمنين ولا بحجج المنكرين، وهؤلاء النقدة ~~الفلسفيون هم ميزان الآراء بين المدارس الفلسفية والعلمية، ومن هذا الميزان يتبين أن ~~الفلسفة المادية في هذا العصر أضعف من أن تهاجم العقيدة في معقل أو في مقتل، وأنها قد ~~تراجعت من الهجوم المتلاحق إلى الدفاع الذي لا يعززه دليل مقبول. # من هؤلاء النقدة الفلسفيين غير كولنجود أستاذان لا يقلان عن أقطاب المذاهب، ولا يعيبهما ~~أنهما لا يشتركان في مباحث الفلسفة بمذهب ينسب إليهما. بل لعل هذا مما يشهد لهما بأمانة ~~العلم والحيدة بين البراهين والأسانيد التي تتساوى عندهم في القوة والإقناع. # هذان الناقدان هما الأستاذ برود ~~(Broad) # والأستاذ جود ~~(Joad) # وكلاهما من أساتذة الفلسفة والأخلاق وعلم النفس ~~وأصحاب التواليف المحترمة في هذه الموضوعات. # فالأستاذ برود يعرض براهين الإيمان وبراهين الإنكار في محاضراته عن الدين والفلسفة ~~والمباحث النفسية # 2 # ويبين ما فيها جميعا من مواطن القوة والضعف، ويقول ما مؤداه إن الأدلة على ~~العالم الآخر قد توجد من التجارب النفسية ومن القضايا المنطقية ولكنها لا تلزم المعارض، وإن ~~الفلاسفة الأقدمين الذين اعتبروا الحقيقة الإلهية مقنعة بذاتها؛ إنما سلكوا هذا المسلك ~~لأنهم نشأوا في الجو العقلي الذي كان يتقبل قضايا إقليدس بغير برهان، فإذا تحرج المنطقي ~~العصري من قبول تلك البراهين الفلسفية فقد يتحرج الرياضي العصري مثل هذا التحرج من قبول ~~أحكام إقليدس بعد أن كانت غنية عن كل برهان في رأي الرياضيين الأقدمين، ومثل هذا التغير قد ~~عرض للبراهين المادية فسقط منها في جو العقل الحديث ما كان معدودا من المفحمات. # ويوازن برود في محاضرته عن وجود الله بين الكفتين المملوءتين بحجج المعتقدين والمتشككين، ~~ثم يختمها بهذه المعادلة التي استقر عليها رأيه فيقول: «إن النوع الإنساني إذا استمر على ~~اعتقاده وبحثه في التجارب الدينية فسوف يأتي الزمن الذي تختلف فيه عقائده حتى لا يعرفها من ~~عرفها كما هي الآن، ولكن هذا الحكم يسري بقضه وقضيضه على مدركات العلم ونظرياته، ms084 ومن الهزل ~~أن يدعى لنحلة من النحل أنها فرغت من تقرير الحقائق جميعا في هذه المسائل كافة ... ولكن ~~الطرف المقابل لهذا الطرف يهزل كهذا الهزل - وإن لم يكن مثله تماما - حين يزعم أن تجارب ~~الدين كلها وهم وخداع ...» # ويوازن مثل هذه الموازنة في ختام كلامه على ديانات الفاشية والشيوعية، فيذكر قصة الطفل ~~الذي هرب من مرضعته في حديقة الحيوان فأكله الأسد ... ويتمثل بنصيحة مستر بلوك ~~(Belloc) # مؤلف القصة، إذ يستخلص عبرتها قائلا: «صبرا ~~على المرضعة حذرا مما هو أمر وأدهى.» ~~••• # أما الأستاذ جود فقوة المعارضة أدل على فلسفته من قوة التأييد، ومعارضته للمادية أشد من ~~معارضته للبراهين الإلهية، وصفوة كلامه كما أجمله في كتابه عن معنى الحياة ~~(The meaning of life) ~~«أن الكون لا يمكن تفسيره بمبدأ ~~أساسي واحد دون غيره، ولا بد لتفسيره الوافي من مبدأين على الأقل ... فالمادة - على كونها ~~حقيقة واقعة - ليست كذلك على وجه مطلق؛ لأن وقائع علم الحياة تأبى أن تفسر بمصطلحات المادية ~~البحتة.» # وخير ما يستفاد من المادية العصرية، أو الآلية العصرية، في اعتقاد (جود) أنها تعطينا ~~الوقت الكافي لاستملاء محاسن القيم النفسية كالخير والحق والجمال. لأن علمنا بقوانين المادة ~~قد أغنانا عن ملابستها كما كان يلابسها آباؤنا وأجدادنا، فنحن - بحركة أصبع - نطلق من القوى ~~الآلية ما كان آباؤنا وأجدادنا ينفقون العمر وهم يعملون برءوسهم وأيديهم وأرجلهم ، ولا ~~يقدرون على إطلاقه، وادخار هذه الجهود لا فائدة له إن لم نكسب به قيما باقيا في ميادين ~~الخير والحق والجمال، وعلى هذا التقدير يكون العصر المادي أو العصر الآلي مقدمة لعصور أخرى ~~يتضاءل فيها شأن العوامل المادية والآلية جيلا بعد جيل، إن لم يصب بنو الإنسان بنكسة ليست ~~في الحسبان. # وبينا نحن نصحح هذا الفصل ورد إلينا كتاب جود الأخير «رجعة العقيدة» ~~(The ~~Recovery of Belief) # وفي اسمه دلالة عليه. فقد خطا جود في هذا الكتاب ~~خطوة كبيرة نحو الإيمان، ودان بعقيدة شبيهة بعقيدة هكسلي الصوفية، وختمه قائلا: «إنه قد ~~يكون داعيا قويا إلى النظرة الربانية ms085 في الكون، ولكنه بالنسبة إلى تفسيرها المسيحي يقف ~~موقف الإشارة دون البرهان.» ~~••• # وأهم المدارس الفلسفية في غير إنجلترا وألمانيا هي مدارس الوجودية الفرنسية على نهجيها من ~~وجودية متدينة ووجودية ملحدة، وهي أخص المدارس الفكرية بالقرن العشرين؛ لأن بواعثها لم ~~تنتشر قط في عصر سابق كما انتشرت فيه، وبواعثها هي طغيان روح الجماعة على استقلال الأفراد، ~~وتفاقم الشرور العالمية وأزماتها الروحية في ضمائر المفكرين، وسنجمل الكلام فيها على ~~حدة. # ولم تخل القارة الأمريكية من دعوات فلسفية في مباحث ما وراء الطبيعة، فنبغ كروتشة # Croce # في إيطاليا وأوشك أن يسيطر على تفكيرها الفلسفي من ~~أوائل القرن العشرين، ونبغ أنامونو # Unamono # في إسبانيا ~~وأوشك أن يضارع كروتشة في مكانته بين الإيطاليين، لولا أن كتابة الفيلسوف الإسباني أقرب إلى ~~الشعر والقصة وأدنى إلى الخيال منها إلى التفكير. # وكاد جوسيا رويس ~~(Josiah Royce) # أن يستوي وحده في أمريكا ~~الشمالية على مدرسة الفلسفة التي تبحث فيما وراء الطبيعة، بل كاد في هذه المباحث أن ينحى ~~مذهب وليام جيمس الذي توفي قبله ببضع سنوات؛ لأن وليام جيمس قد اكتفى بفلسفة النتائج ~~والذرائع (أو البرجمية) ولم يوغل في مباحث ما وراء الطبيعة. # وليست هذه الآراء والمذاهب مستوعبة لفلسفة ما وراء الطبيعة في تلك الأمم، ولكنها في ~~زبدتها مثال صالح لاتجاه العقول والنفوس الذي لا تنحرف الأفكار العامة عنه بعيدا، وإن ~~تمثلت على تفاوت بينها في عقائد الأفراد، كما يتفاوت الأفراد عادة في مسائل الفهم ~~والشعور. # وزبدة الفلسفة التي بسطها كروتشة في تصنيفاته الكثيرة هي نفي المادية وتغليب الفكرة ~~الخالقة على عوامل الكون والحياة، فليس في الكون حقيقة أبدية غير العقل الإلهي، وخلود النفس ~~عنده معناه أنها جزء من حقيقة الكون في أعماقه، تتراءى في صور المادة ثم تخلفها صور أتم ~~منها وأكمل وأعلى إلى غير انتهاء. # وزبدة فلسفة أنامونو أنه كان في بيان ديانته «يميل بقلبه وشعوره إلى المسيحية دون أن يأخذ ~~بقضايا الاعتقاد في هذه النحلة أو تلك ...» وهذه مسألة قلبية، وأعني بأنها قلبية أنها لم تثبت ms086 ~~عندي على النحو الذي أثبت فيه أن اثنين واثنين تساوي أربعة. # وفي أقوال أبطاله ومحاورات قصصه زبدة أخرى أدل على لباب عقيدته من ذلك البيان، فليس الله ~~ما تحتويه بفكرة أو أمثولة، ولكنه ما تطلبه بشوق وجهاد، وليس حساب الله للإنسان على ما كان ~~بل على ما ينبغي أن يكون ثم قصر دونه بغفلته وإسفافه وإيثاره الحلوى الصبيانية على غذاء ~~النضج والنماء، ومن قال إنه إنسان وقنع بأن يظل إنسانا في أهوائه ونزواته فنهايته أن ينحدر ~~عن منزلة الإنسان إلى حضيض الحيوانية، وإنما تتم له فضائل الإنسانية حين لا يقنع بها ~~ويتسامى إلى ما فوقها، ولا يكف عن السعي لأنه يسعى في طريق الأبد، وليس للمسعى في طريق ~~الأبد من قرار. # وليس في روسيا اليوم فلسفة مستقلة عن الفلسفة الماركسية كما تطبقها الدولة، ولكن الفيلسوف ~~الروسي المستقل (لوسيف) ~~(Lossev) # قد أعلن آراءه فيما وراء ~~الطبيعة بعيدا من موضوع المباحث الاقتصادية والسياسية، واعتبر أن الوجود ثلاثة أطوار: طور ~~فوق الفكر وفوق الوجود المدرك، وطور كائن لا يتصوره العقل إلا مع مقابل معدوم، وهو يرادف ما ~~يسمى بالكليات في الفلسفة العامة، كاسم الشجر والحجر والنجم والإنسان وغيرها من الأجناس ... ~~والطور الثالث هو الصيرورة التي لا تزال في جانب منها وجودا وفي الجانب الآخر عدما، ومهمة ~~الفلسفة ومهمة العلم تختلفان حيال هذه الأطوار الثلاثة. فالعلم يتولى تحقيق الموجود الفرد ~~الماثل للعيان والحس والتجربة، والفلسفة تتولى النظر في الوجود المطلق والوجود الذي تبرزه ~~الصيرورة، ولا يزال وسطا بين الكائن والمعدوم. # ولولا أن هذا المذهب أقرب إلى النفي لكان كلامه عن الوجود فوق الفكر شبيها بكلام أفلوطين ~~عن «الأحد» الذي يعلو به حتى عن صورة الوجود على الإطلاق، ولكن لوسيف في كتابه عن الكون ~~القديم والعلم الحديث ~~(The Ancient Cosmos and Modern ~~Science) # يكاد ينفي كل وجود فوق الفكر ويقول وهو يسميه بالأحد: «إن هذا ~~الأحد ليس مطابقا لنفسه ولا لغيره، وليس كذلك مخالفا لنفسه ولا لغيره، وإنه بهذه المثابة ~~لا يوجد، وفوق الوجود.» # 3 ms087 ~~••• # ومن الحالات التي تلوح للنظرة الأولى كأنها إحدى المفارقات أن العالم الجديد أميل إلى ~~المحافظة الدينية من العالم القديم، بيد أنها في الواقع حالة طبيعية منطقية لا محل فيها ~~للمفارقة. إذ كان المجتمع الأمريكي الأول قد قام على عقائد المهاجرين المتنطسين الذين لاذوا ~~بالعالم الجديد فرارا بعقائدهم من اضطهاد خصومهم ومعارضيهم، وإذ كانت ثورة التمرد على ~~الدين بين أمم القارة الأوروبية قد نجمت من مقدمات طويلة في تاريخها لم يحدث لها نظير في ~~تاريخ القارة الأمريكية، فلا جرم يغلب الميل إلى الاعتقاد على مذاهب الفلسفة التي يتمخض ~~عنها مجتمع العالم الجديد، ويقال عنه إن مذاهبه هي الجناح الأيمن في صفوف الدين، ويصدق هذا ~~بصفة خاصة على مذهب رويس الذي ألمعنا إليه. # فالفضيلة العليا في مذهب رويس هي توسيع الحياة الإنسانية حتى تخرج من أفقها الضيق المحدود ~~إلى أفق «اللانهاية» الإلهية، وعلامة الالتقاء بين الأفق الإنساني المحدود والأفق الإلهي ~~السرمدي هو الخلق الذي تجاوز المنافع الفانية، فما الإنسان في حياته الخاصة إلا شذرة من ~~الحياة الأبدية المطلقة، تظل مغلقة إذا غفلت عن مصدرها وتثوب إلى ذلك المصدر كلما تنبهت إلى ~~مبادئها وغاياتها، وليست الحياة الإنسانية الخاصة مفهومة على حدة ما لم تنزل في منزلتها من ~~الحياة الأبدية المطلقة، فهي كالنغمة الموسيقية التي لا معنى لها مع انفرادها، والتي تترجم ~~عن الأبد كله عند تنسيقها مع سائر النغمات. # وفي مذهب رويس أن العالم إرادة وفكرة كما في مذهب شوبنهور المعروف، ولكن الإرادة والفكرة ~~فيه تتعاونان ولا تتناقضان، وتمام التعاون بينهما أن يخرجا من المحدود إلى غير ~~المحدود. # وقد حل رويس مشكلة الشر باعتبارها آية من آيات الكمال الإلهي تثبت الكمال ولا تنفيه، ~~فإنما الكمال أن يعارض النقص معارضة فعالة لا أن يكون قوامه سلبيا لخلو الكون من النقائص ~~والشرور، فآية الكمال أن الله يخلق الخير ويخلق له أدواته التي يقاوم بها نقيضه، ولو قام ~~الخير مفردا بغير نقيض لما تم له الكمال. وتبدو ملامح الفلسفة الألمانية واضحة في مذهب ~~رويس ولا سيما ms088 مذهبي هيجل وشوبنهور، ولكنه يغربل المذهبين ويستصفي منهما عناصر الإيمان ~~والتوفيق بين العقيدة الفلسفية وعقائد الديانات. # ولا بد عند الكلام على الفلسفة في أمريكا من الإلماع إلى مذهب الواقعية الجديدة ~~(Neo-Realism) # الذي يشيع فيها هذه الأيام، وهو مذهب يدل ~~على اتجاه جديد «للواقعية» نفسها يبين لنا الفارق بين الواقعيين من مفكري القرن العشرين ~~والواقعيين من مفكري القرن الماضي، وهو فارق مهم في اتجاه الفكر الحديث حيال المسائل ~~الغيبية على العموم، فإن الواقعيين الجدد لا يعتبرون التصديق بالواقع منافيا للتصديق ~~بالغيب المجهول، بل يجعلون المعرفة معرفتين: إحداهما علمية وهي التي تنعزل عن شعور العارف ~~وأمله، والأخرى عملية ذاتية، ومنها المعرفة الدينية الغيبية التي تناط بها الآمال في حياة ~~أفضل من الحياة الحاضرة سواء في هذا العالم أو في عالم آخر، ولا مانع عند الواقعيين الجدد ~~أن تكون هذه المعرفة مقترنة بالحقيقة وإن لم تثبتها التجارب العلمية في حيزها المحدود، ~~ويرجع في استقصاء آراء هؤلاء المفكرين إلى مجموعة هورنلي # 4 # أستاذ الفلسفة السابق بجامعة هارفارد وإلى كتاب الفيلسوف بيري # 5 # عن الاتجاهات الفلسفية المعاصرة. ~~••• # وبعد فإن الفلسفة تذهب في كل مذهب، وتتسع للتصور كل متسع، إذا تتبعناها إلى أطرافها لم ~~نحصرها في أقسام محدودة، فإذا تتبعناها إلى مركزها أو محورها فهناك يتأتى تقسيمها إلى ~~أقسامها المجملة، ومن النظر إلى مراكز الفلسفة في القرن العشرين يخلص لنا أنها تنقسم إلى ~~ثلاثة أقسام: ~~(1) طائفة نفضت يديها من مباحث «ما وراء الطبيعة» لأنها من المجهولات التي لا تعرف ولا ~~تقبل المعرفة بالوسائل العلمية أو العقلية، وينتمي أصحاب المنطق الوضعي إلى هذه الطائفة، ~~كما ينتمي إليها الشكوكيون، أي اللاأدريون. ~~(2) وطائفة جزمت بإنكار ما وراء الطبيعة ولا سند لها من نظريات العلم في القرن العشرين، ~~ولا سيما النظريات التي خرجت بالمادة من صورتها في العلم القديم إلى الصورة التي جعلتها في ~~عداد المعقولات الرياضية. ~~(3) وطائفة تؤمن أو تتجه إلى الإيمان، ولا تجد من العلوم الحديثة تلك المقاومة التي كانت ~~راصدة لها قبل القرن الأخير. # ومجمل القول في ms089 موقف الفلسفة كلها في هذا القرن أن الفلسفة المادية تتراجع من الهجوم إلى ~~الدفاع بسلاح غير فعال. # | الفلاسفة الوجوديون # بدأت الفلسفة الوجودية ~~(Existentialism) # في القرن التاسع ~~عشر واستفاضت في القرن العشرين، ولا تزال أشهر المدارس الفلسفية في هذه السنوات لأنها تشتمل ~~على مذهب من مذاهب السلوك، ويغلب على مذهبها الشائع في السلوك أنه يدعو إلى الإباحة وإطراح ~~العرف والخلق وعقائد الأديان. # لكن «الوجودية» مدرسة واسعة النطاق ينتمي إليها المؤمنون والملحدون، وبين فلاسفتها أناس ~~متدينون متصوفون لعلهم أكثر عددا من الوجوديين المنكرين، إذ ليست «الوجودية» في ذاتها دعوة ~~مخالفة للدين ولا للعقائد الخلقية، وليس بين مذاهبها من وحدة مشتركة غير إنصاف «الشخصية ~~الإنسانية» أمام الجماعة في عصر شاعت فيه قيمة الكثرة والزحام، وقلت فيه قيمة المزايا ~~والصفات. وما عدا ذلك من التفصيلات فإنما يقع فيه الخلاف تبعا لموضوع النزاع بين الحرية ~~الشخصية وطغيان الجماعات. # فالوجودي المتدين قد يؤمن بالله أشد الإيمان ولكنه لا يؤمن بالمراسم والشعائر ولا يذعن ~~لسلطان الكنيسة ورجال الدين. # والوجودي الإباحي قد يكون من أقوم الناس خلقا وأطهرهم سيرة ولا تتراءى منه الإباحة إلا ~~حين يتمرد على المحظورات التي لا حجة لها غير مجاراة العادة والاستسلام للتقاليد ~~والموروثات. # والوجودي الذي يتهالك على الشهوات ويختار لنفسه ما يهواه يتعلل بحق الفرد أو بحق الشخصية ~~الإنسانية في حياتها الخاصة، ولكنه لا يستطيع أن يجعل ذلك الحق قانونا ملزما لجميع ~~الشخصيات، وإنما يدين به في سلوكه ولا يجهل المصير الذي قد يعرضه له ذلك السلوك، حيث يصطدم ~~بالجماعة أو يصطدم بغيره من آحاد الناس. # وقد تسمى الوجوديون بهذا الاسم لأنهم يعتبرون وجود الإنسان مقدما على ماهيته، أو يعتبرون ~~أن وجوده لذاته أهم من كونه واحدا من نوع متعدد الآحاد، فلا حقيقة للنوع الإنساني كله إلا ~~بوجود هذا الإنسان وذاك الإنسان، ولا يصح لهذا أن يكون وجود النوع معطلا لاستقلال الشخصية ~~الإنسانية وهي الأصل في الوجود. # فليس من الضروري إذن أن يخرج الإنسان على العقائد الدينية لأنه من الوجوديين، وقد تكون ~~الوجودية ms090 الدينية - كما تقدم - أعم من الوجودية المنكرة أو الإباحية، ومن تدين من الوجوديين ~~فهو لا يقنع بما دون الوصول إلى معتقده ببحثه ودأبه ونفاذه إلى ما وراء «النسخ المكررة» من ~~عقائد المقلدين، ومنهم من يسمي عقائد المقلدين بالعقائد «المرجوعة» تشبيها لها بالثياب ~~التي يلبسها غير واحد بغير قياس، وفيها ما فيها من البقايا والأدناس. ~~••• # هذه الوجودية المتدينة متعددة بطبيعتها على أوسع ما يكون التعدد تحت عنوان واحد. لأنها من ~~اجتهاد كل باحث بينه وبين ضميره، وهي أشبه ما تكون بالنحل الصوفية التي يهتدي فيها كل مجتهد ~~بهديه. وقلما تتكرر على نحو واحد إلا في أعم المبادئ والغايات، وسنحاول في الخلاصات التالية ~~أن نختار منها المذاهب التي يمثل كل منها وجهة متفقة بطبيعة التفكير والمزاج. ~~••• # من هذه المدارس مدرسة بردييف ~~(Berdyaef) # الروسي الذي ~~ازدوجت ثورته على الشيوعية وعلى الديانة «الرسمية» واعتقد أن خلاص الإنسان عمل من أعمال ~~الإنسان، فلا يخلصه أحد إن لم تكن في طويته عدة الخلاص، وقد ترددت له كلمات كأنها من كلمات ~~الحلاج في الحلول، لولا أنه لا يؤمن بالحلول، وإنما يقول إن وجود الإنسان في العالم لازم ~~كوجود الله، وإن الحب يمحو ما بين الخالق والمخلوق من الموانع والحجب، فالله يطلب الإنسان ~~والإنسان يطلب الله، وباطل كل «حكم مطلق» في السماء كما هو باطل في الأرض بين المخلوق ~~والمخلوق، وإنه لولا أن خلق الإنسان يضيف شيئا جديدا إلى حقيقة الحياة لما خلقه ~~الله. # وعلى الإنسان أن يعلو بنفسه من الفردية إلى الشخصية؛ لأن الفردية عدد والشخصية قيمة، وفي ~~سبيل القيمة قد ينبذ الفرد حياته ولا خسارة عليه. # كذلك ينبغي للجماعة أن ترتفع من كونها جمهرة إلى كونها رابطة روحية ~~(Community) ~~. فإن الجمهرة مجموعة أفراد، وأما الرابطة ~~فهي مجموعة «شخصيات» يضيف بعضها إلى بعض في قيم الحياة. # ولا بد للعملين من حرية، ولكن حرية الوسيلة غير حرية الغاية، فإذا طلبنا حرية الوسيلة ~~فإنما نطلبها لنختار بين طريقين، وإذا طلبنا حرية الغاية فإنما هي حرية الضمير التي تخلص ~~بها ms091 من قيود طباعه السفلى فلا يعوقه منها عائق عن الحق والخير، وينعي بردييف على المصلحين ~~الدينيين في عصر النهضة أنهم جعلوا إرادة الإنسان كأنها مطية يركبها الله أو يركبها ~~الشيطان، فإنما إرادة الإنسان هي التي تختار طريقها ومطيتها أو تعجز عن المسير فلا تخطو ~~خطوة تستحق عناء المسير. # ولم تكن فلسفة بردييف فلسفة اطلاع ودراسة وحسب، بل كانت خبرته بالحياة أعظم أثرا في نفسه ~~من مطالعاته ودروسه، فاختبر أزمات الأمم الأوروبية في جميع أقطارها، وشهد القارة الأوروبية ~~من مشرقها إلى مغربها وهي في أحرج أزماتها. # شهد أزمة القيصرية في روسيا ثم شهد أزمة الشيوعية فيها، ثم انتقل إلى برلين فضاق ذرعا ~~بالنازية وهجر البلاد الألمانية إلى فرنسا حيث أقام بباريس وظل مقيما بها إلى أن دخلها ~~الألمان، فاعتقلوه برهة ثم أطلقوه فشهد في العاصمة كل نوع من أنواع الحكم وخالط كل مدرسة من ~~مدارس الفكر إلى أن مات بها (سنة 1948). # ولم تزده هذه الأزمات المطبقة إلا إيمانا بالحرية الشخصية واعتصاما بالضمير الروحاني في ~~وجه العالم الخارجي بجميع أهواله وأوقاره، وساء ظنه بثقافة الغرب وحضارته في وقت واحد؛ لأن ~~الثقافة تنزع إلى نقد كل شيء وتستقبل الحياة بروح مجزأة مبعثرة ثم تستغرق النفوس بالشواغل ~~الدنيوية التي تنحصر في السطوة والمال. أما الحضارة فهي مجاز من الثقافة والتأمل والنقد إلى ~~الحياة العملية الواقعية التي تختتم بانتحال العقيدة المادية الاقتصادية ~~(Economic Materialism) # كما حدث في ظل الحكم الأوروبي ~~الحديث على تعدد عناوينه وأسمائه، ولا تستقيم حياة الإنسان - على مذهب بردييف - إلا ~~بالاشتراكية الشخصية؛ أي بالقضاء على الاستغلال وسلطان المال مع الإبقاء على حرية الفكر ~~والضمير، وهذه هي الحرية التي تسمح لكل معتقد بالاطمئنان إلى خلاص روحه حسب اجتهاده وعلى ~~هداية فكره وبصيرته، فيدين كل ذي روح بالصوفية التي تقربه من الله وتتمم فيه مهمة الإنسان ~~على هذه الأرض، وهي استحقاق الحرية والقداسة. # وفي الفصل الأخير من آخر كتاب ألفه قبيل وفاته # 1 # يقول: # إننا نميز في الماضي ثلاثة أنماط من الصوفية: أولها تصوف ms092 الفرد وهو يبحث عن الله ~~ويقترب منه، وهذا هو أشبه الأنماط بالصبغة الكنسية. وثانيها هو تصوف دعاة المعرفة ~~(Gnostics) # ولا يحسن الخلط بينه وبين الزندقة ~~التي ظهرت في العصور المسيحية الأولى، وهذا النمط من التصوف يتجاوز حياة الفرد ~~ويشمل الكون والحياة الإلهية. وثالث الأنماط هو تصوف النبوات والتبشير بالرسالات ~~المخلصة، وهو نمط يتعلق بالقيامة وما وراء التاريخ وعنده تبتدئ النهاية. وكلها - أي ~~الأنماط الصوفية الثلاثة - لها آمادها وحدودها. # والعالم اليوم يدلج في الظلام نحو صوفية وروحانية جديدة، لا محل فيها لتلفت ~~النظرة النسكية إلى الدنيا ولا لما توحيه تلك النظرة النسكية من العزلة واجتناب ~~الجماعات والآحاد، ولا يبقى فيها النسك إلا كوسيلة أو رياضة على التطهر والصفاء، ~~وهو يتجه إلى الدنيا ولكنه لا يعتبرها نهاية الغايات. فهو مسلك من النسك أشد ~~اتصالا بالدنيا وأكثر تحررا منها في وقت واحد، أو هو مسلك نحو العمق الروحاني ~~تقوى فيه دعوة الخلاص وتتجلى فيه معرفة صادقة أقدر على السلامة من أوهاق الغايات ~~الدنيوية التي ابتلي بها المعرفيون الأقدمون. وتتلاقى ثمة أشتات النقائض المعذبة ~~والنحل الموزعة؛ لأن الصوفية الجديدة أعمق من الديانات وينبغي أن توحدها وتؤلف ~~بينها، ويومئذ تنتصر الصوفية على أباطيل الدعوات الاجتماعية المتشبهة بها، وتنتصر ~~دولة الروح على دولة قيصر. # وقد أخرجت ألمانيا الحديثة فيلسوفا يضارع بردييف في دعوته «الوجودية» المتدينة، وهو كارل ~~جاسبر ~~(Karl Jasper) # الذي بدأ حياته الفكرية بمعالجة الطب ~~النفساني، وهدته التجربة في علاج النفس إلى مذهبه الفلسفي القائم على تصحيح الروح ~~بالإيمان. # وكلمة «المذهب» لا تطلق على فلسفة جاسبر إلا مجاراة للعرف في الكلام على آراء الفلاسفة. ~~أما أصح الأوصاف لفلسفته فهو أنها تمهيد يصل منه كل طارق إلى مذهبه الذي يختاره، فهي أصبع ~~نافذة تشير إلى الوجهة المستقيمة، وعلى من فهم الإشارة أن يتجه إلى قرارة نفسه فيحقق لها ~~كيانها الذاتي ~~(Selfhood) # الذي لا وجود لها بغيره. ومذهب ~~الباحث على هذا الاعتبار هو ديانته الخاصة التي يستوحيها من بداهته ويظل دائبا على ~~استيحائها طول حياته، فهو ما ms093 عاش طالب هداية يترقى فيها من طور إلى طور ومن طبقة إلى طبقة، ~~ولا بد له من الوصول إلى هداه الجدير بسعيه متى توفر على هذا السعي صادق الرغبة في محاولاته ~~صابرا على تكرار المحاولة كلما قصرت به عن الغاية، وخليق بكل من عرف حدود العلم وعرف ذاته ~~في قرارها أن يلهم حقيقة الإيمان بالله ويبصر من حوله رموز هذا الإيمان وإشاراته في كل ~~ظاهرة وخفية من ظواهر الوجود وخفاياه. # والفرق بين معرفة العلم ومعرفة الهداية الدينية أن معرفة العلم مستقلة عن شخص العالم قد ~~يأخذها من غيره ويحملها إلى غيره ويتساوى فيها الآخذون والمانحون، وأما معرفة الهداية ~~الدينية فهي جزء من حقيقة الإنسان لا تنفصل عنه ولا تخلو من مقوماته الشخصية، فلا تكفي فيها ~~المعلومات والبراهين ولا تغني هذه المعلومات والبراهين عن معونة من بديهة الإنسان. إذ إن ~~هذه البديهة جزء من الحقيقة التي يتم بها الإيمان، وليست الحقيقة كلها خارجية عالمية ~~يتلقاها كاملة من غيره، سواء كان غيره إنسانا حيا أو مظهرا من مظاهر الكون بما ~~حواه. # ونقص البراهين العقلية التي يستدل بها الفلاسفة على وجود الله أن البرهان قوة ترغم العقل ~~على التصديق، ولا يأتي الإيمان بإرغام بل بطلب وشوق واجتهاد في التحصيل، فإن لم تشعر النفس ~~بمكان الإيمان منها فلا محل للبرهان فيها. وإن شعرت بهذا المكان فالبرهان متمم لشيء موجود ~~يعاونه ويزيد عليه. # قال في كتابه مجال الفلسفة الدائم # 2 # عند الكلام على مقومات العقيدة الفلسفية: # ويمكن تقرير العقيدة الفلسفية في هذه الدعائم التالية: # أن الله موجود. # وأن هناك أوامر مطلقة ~~(absolute ~~imperative) ~~. # وأن العالم طريق عارض بين الله والوجود. # فما يعلو على وجود العالم أو يسبقه فاسمه الله. والفرق شاسع جدا بين النظر إلى ~~الكون كأنه موجود بنفسه كوجود الله، وبين النظر إليه كأنه موجود غير مستقل بوجوده، ~~وإنما تفسير قوامه وتفسير قوامي يرجعان إلى شيء خارج عنه. # ولدينا براهين وجود الله قد أجمع المفكرون الأمناء منذ (أيام كانت) على أنها ~~مستحيلة إن كان ms094 الغرض منها إفحام العقل كما تفحمه بالبراهين التي تثبت دوران الأرض ~~أو وجوه القمر، ولكن براهين وجود الله لا تفقد صحتها وإن فقدت قوتها على الإقناع، ~~فهي مدد العقيدة من جانب الأقيسة العقلية، وهي بصدقها وخلوصها تبده المفكر في ~~تجاربه كأنها من أعمق الوقائع التي تمر به في حياته، ومتى مثلت للذهن وظلت ماثلة له ~~تيسر للمفكر تكرار التجربة مرة بعد أخرى، ومزية الخواطر التي من هذا القبيل أنها ~~تنشئ في الإنسان طورا بعد طور وتفتح عينيه، وتزيد على ذلك أنها تصبح جزءا منا بما ~~توسع من شعورنا بالوجود وتعمق من معالمنا الشخصية. # وهذه البراهين تبدأ من شيء يمكن أن يوجد ويختبر في هذا العالم، كي نتأدى منه إلى ~~هذه النتيجة: إن كان هذا فالله موجود. وبذلك نبرز خفايا الكون ونتيقظ لها ونتكئ ~~عليها كأنها مرساة العبور إلى الله، أو نحن بعبارة أخرى نعالج الأقيسة العقلية التي ~~يكون فيها الفكر بمثابة الانتباه لكياننا ومقدمة للانتباه إلى وجود الله. # ثم قال عن الأوامر المطلقة إنها تدرك بمعرفة القصد منها أو بالطاعة العمياء، وينبوعها في ~~نفسي، بما أنها مساك كياني، وليس وجود الكائن الأبدي المطلق مسألة علم بل مسألة يقين، فإن ~~العلم المحدود لا يمتد وراء الحدود. # ثم فسر معنى العقيدة الفلسفية التي تدلنا على أن العالم في طريق عارض بين الله والوجود، ~~فقال إن إدراكنا للعالم يتوقف على طرفين: أحدهما العارف والآخر المعروف، وليس أدل من ذلك ~~على أن العالم ليس كيانا قائما بذاته وليس هو بالكيان كله، وأن العلم بحقيقته ليس من ~~المعارف التجريبية بل من المعارف التي نترقى إليها بتجاوزه واستجلاء ما فوقه أو ما ~~يليه. # يريد أن العقل العارف نفسه لا يحتوي المعرفة كلها لأنه طرف طرفين، وكذلك العالم الذي ~~تدركه العقول. # ثم وازن بين دعائم الإيمان ودعائم الإنكار، فلخص دعائم الإنكار فيما يلي: # أولا: # لا إله، إذ لا وجود لغير العالم وقوانين الطبيعة، والعالم هو ~~الله. # وثانيا: # لا أوامر مطلقة، فإن الأوامر التي اتبعها تنشأ بحكم العادة ms095 والتجربة ~~والتقليد. # وثالثا: # أن العالم هو كل شيء وهو الحقيقة الوحيدة والصادقة وكل شيء فيه متغير ~~نعم، ولكن العالم نفسه دائم مطلق غير معلق على سواه. # ولا تبنى على هذه الدعائم معرفة، ولا يصح التعلل بسلب المعرفة للروغان من كل جواب، وإزاء ~~هذه المعرفة الممتنعة أو المسلوبة تأتي العقيدة فتستولي علي إلى الحد الذي يتيح لي أن أعيش ~~بها، وترفعني إلى الحضور الإلهي بقوتها. # ولا يقوم الإيمان في فلسفة جاسبر على إله منعزل عن الخلق، فإن الإله بغير خلق فكرة مجردة ~~يختفي فيها كل شيء، ولا يقوم على إله نعبده لنلجأ إليه بصلواتنا، فإننا بهذا نعبد أنفسنا ~~ونجعلها محورا لوجود الله وسائر الموجودات، ولا يقوم الإيمان على ادعاء اليقين بمقاصد الله ~~ومشيئته في خلقه، فإن شرور التعصب كافة قد نجمت من هذا الادعاء، وإنما يقوم الإيمان على ~~استخلاص «الذات» من الشوائب التي تحجبها ثم باتجاهها صافية إلى الله بغير حجاب، وفي هذا ~~الاتصال الذي لا نهاية له حقيقة كل إيمان. ~~••• # وفي فرنسا تذيع الوجودية - عقيدة وسلوكا من طرفي الإيمان والإنكار - قصاراها من ~~الذيوع. # إلا أن الوجودية المؤمنة تنفرد في فرنسا بظاهرة خاصة لا تشاهد في غيرها، وهي التحول من ~~الإلحاد إلى التدين بمذهب الكنيسة أو بالتوفيق بين هذا المذهب وبين التعبيرات الفلسفية التي ~~يستعان فيها بالرمز والتمثيل. # وعلى هذا المثال تحول الفلاسفة الوجوديون المتدينون جاك ماريتان ~~(Maritan) # وجبرييل مارسل ~~(Marcel) # ولويس لافيل ~~(Lavelle) # وغيرهم ممن لم يبلغوا مبلغهم من المكانة ~~والصيت. # وقد ألحد ماريتان ثم تتلمذ للفيلسوف برجسون فانتقل من الإلحاد إلى الإيمان بالقوة ~~الخالقة، ثم شك في القوة الخالقة التي لا تني تتغير لأنها ناقصة بذاتها محتاجة إلى قوة ~~دائمة تحيط بهذه الغير ولا تتغير معها، ثم أعلن انتماءه إلى الكنيسة مع إيمانه بأن إرادة ~~الله تظهر من استقراء حوادث التاريخ كما تظهر من فهم وحيه وتنزيله على ضوء الرمز ~~والتمثيل. # ويلجأ مارسل إلى العقيدة على أنها تكملة المجهود العقلي وليست بديلا منه ولا نظيرا ~~يناظره ويتغلب عليه، فإذا ms096 اجتهد العقل غاية اجتهاده بقي العمل الذي تتولاه العقيدة وتخف ~~إليه كما يخف المنجد إلى صديق قصر به المطاف دون النهاية، وآفة الآفات التي تساور النفس ~~اليائسة في زماننا أنها تعامل الإنسان معاملة موضوع يفهم ويستفاد منه ~~(Object) # ولا تعامله كأنه ذات ~~(Subject) # تعاون ذاته وتمدها وتوسع معها نطاق المحسوسات ~~والمعلومات. # والأستاذ لافيل يقسم الوجود إلى درجات على حسب ما فيه من العدم. فالوجود المحض الذي لا ~~يقاربه العدم ~~(Nothingness) # هو الله، ووسيلتنا إلى العلم به ~~وإدراكه هي نفس تبرأ من شوائب العدم وتمتلئ بالكيان الصادق، والفرق بين الوجود المحض ~~والوجود الذي يقاربه العدم أن الوجود الأول فعل محض والوجود الثاني فعل وقابلية. أو قدرة ~~حاصلة وقدرة موجودة بالقوة دون الفعل، وليس المقصود بالفعل ما تفعله الأيدي والأعضاء وحسب، ~~بل من الفعل عند لافيل أن يتم الوعي والشعور، ومن كان وجوده وجودا صادقا كان أوفى وعيا ~~وأكمل إدراكا لما يدخل في وعيه، فهو أقرب الموجودات إلى الله وأبعدها من العدم. # فالوجود يتراوح بين العدم والله، ووجود المادة التي لا تعي هو أقرب درجات الوجود إلى ~~العدم، ووجود الوعي الواسع المحيط بما حوله هو أقربها إلى الله، وعلى الإنسان أن يصبح ~~وجودا محضا في وعيه خالصا غاية الخلوص من أوهاق الجثمان، فهو إذن على اتصال بالحضرة ~~الإلهية، وهو إذن فعل لا يشتمل على قوة معطلة من قوى الموت والفناء. ~~••• # وفي سويسرة مدرسة وجودية تشبه المدرسة الفرنسية في بعض ملامحها وتخالفها في ملامح ~~أخرى. # فمن وجوه الشبه بين الوجودية السويسرية والوجودية الفرنسية أن فلاسفة سويسرة الوجوديين ~~يدينون بمذهب الكنيسة، ومن وجوه الاختلاف بين المدرستين أن هؤلاء الفلاسفة لم يبدأوا ~~بالإلحاد ومعظمهم نشأوا على خدمة الدين على مذهب الكنيسة الإنجيلية. # وأشهر هؤلاء الفلاسفة كارل بارث ~~(Barth) # وإميل برونر ~~(Brunner) # ورينولد نيبهر ~~(Niebuhr) # وهو جرماني الأصل أمريكي النشأة. # أما كارل بارث فلولا أنه ولد في أواخر القرن التاسع عشر (1886) أجاز أن يقال إنه من ~~مواليد القرون الوسطى، لأنه يرد كل شيء في الدين إلى ms097 النصوص ويحسب الدين كله قائما على ~~«كلمة الله» كما جاءت في تلك النصوص لا على اعتقاد الإنسان أو تفكيره، فليس المهم هو ما ~~يعتقده الإنسان في الله بل المهم هو ما يعتقده الله في الإنسان، وهذا الاعتقاد الإلهي هو ~~الذي يترجمه الواعظ والمبشر مستلهما فيه هداية الله، لينقذ الإنسان بالعون الإلهي من وصمة ~~وجوده ووصمة الخطيئة. # أما إميل برونر فهو أقرب إلى القرن العشرين من صاحبه، وتقوم بشارته على طبيعة الإنسان ~~وأنها إلهية في بعض خصائصها، فهي لا تتلقى الوحي الإلهي كأنه رسالة أجنبية، وأن علامة ~~النفحة الإلهية في الإنسان هي الحب، فإذا عرف بعضهم الإنسان بأنه حيوان ناطق وعرفه بعضهم ~~بأنه مدني بالطبع وعرفه غيرهم بأنه حيوان يستخدم الآلة، فتعريفه الأتم كما ينبغي أن يكون لا ~~كما هو كائن على الدوام أنه حيوان محبة يستطيع أن يعيش بالمحبة مع الله. # أما نيبهر فهو يريد أن يعرف الإنسان بما يعبده لا بما يأكله كما يعرفه الماديون ولا بما ~~يقبضه من الأجر كما يعرفه الماركسيون، وما دام الإنسان العصري يخلط بين معنى العقل ~~(Reason) # ومعنى الروح ~~(Spirit) # ويحسبها ملكة واحدة في النفس البشرية فهو في ~~ضلال عن حقيقته، وقد يلتفت قليلا إلى الفارق بين التقدم العلمي والتدهور الروحاني في العصر ~~الحاضر ليفهم أن العقل والروح لا يترادفان في المعنى والعمل، وسيظل الناس في حرمان من ~~السلام ما داموا في طلب السطوة معرضين عن طلب المحبة، وإنما تأتي المحبة من طريق الروح لا ~~من طريق العقل والمادة. # وهؤلاء الوجوديون الذين ينتمون إلى هذه المدرسة - وإن لم يكونوا كلهم من سويسرة - أدنى ~~إلى مدارس اللاهوت منهم إلى مدارس الفلسفة . ولكنهم يحرصون على «التبشير الفردي» ويعلن بعضهم ~~أن كل فرد من المتدينين مفتقر إلى بشارة خاصة لهداية ضميره، ولعل هذا هو الفارق بينهم وبين ~~اللاهوتيين الرسميين. ولعل الأمان في سويسرة حرمهم نعمة القلق وما يفتحه من أبواب ~~الضمير. # ومن تحصيل الحاصل أن يقال إن الفلسفة الوجودية عامة في هذا العصر لا تنحصر في أمة ms098 ولا ~~تخلو منها أمة؛ لأن ثورة الضمير الفردي على طغيان الجماعة ظاهرة عامة بين جميع الأمم ~~الأوروبية، وكل ما هنالك من الاختلاف بين أمة وأمة في هذه الظاهرة هو مقدار حاجتها إلى ~~المناداة بمبدأ الحرية الفردية، ففي إنجلترا مثلا توجد الفلسفة الوجودية بغير اسمها ~~وعنوانها، لأن مبدأ الحرية الفردية مفروغ منه من حيث المبدأ والفكرة، ولأنهم - في إنجلترا - ~~قلما يتجمعون باسم مدرسة فكرية، وقلما تعرف المذاهب الفلسفية عندهم بغير أسماء أصحابها ~~كمذهب هيوم ومذهب بركلي ومذهب داروين، وإن حدث أحيانا في المذاهب المشتركة بين فلاسفة ~~إنجلترا وفلاسفة القارة أن تعرف بعنوان جامع كمذهب النفعيين ومذهب التطور ومذهب المنطق ~~الوضعي في العصر الحاضر. # ولكن السمة التي تمتاز بها الوجودية المتدينة هي الإيمان المستقل الذي يتحرر به ضمير ~~الفرد من سلطان الشعائر المرسومة، ويغلب أن تقترن به سمة أخرى تلحظ في كل نزعة وجودية، وهي ~~عمل المحنة النفسية في صهر الضمير واستخلاصه للإيمان، وبهذه الخصلة في الوجودية أصبح القرن ~~العشرون موسما للوجودية المتدينة بين مذاهب المتدينين على التعميم، لأنه العصر الذي امتحن ~~الضمير المستقل أشد امتحان وأقساه، فحيثما وجد ضمير صامد لمحنة الألم ومحنة الطغيان ~~والتقليد فهو من زمرة الوجوديين وإن لم يصاحبه هذا العنوان. # | العقيدة الأخلاقية # تنوعت بحوث العلوم في القرن العشرين، وتعددت مراجع البحث في كل علم منها، وأولها - بل ~~أخصها علم الأخلاق - فإن العلوم المختصة به في جملته أو في بعض فروعه لا تقل عن ستة علوم، ~~بعد أن كان الكلام في الأخلاق كلها قائما على نصيحة من هنا وحكمة من هناك، أو على عبرة في ~~قصة من القصص تحسب من حنكة السن وخبرة الأحداث . # فمن العلوم المختصة ببحث الأخلاق علم الحياة أو البيولوجية؛ لأنه يدرس الناسلات ~~(Genes) # وعملها في وراثة الغرائز والأخلاق، ويرتبط بركن ~~من أهم أركان الخلائق الإنسانية: وهو ركن المسئولية، كما يرتبط بتحديد الفوارق بين ~~الاستعداد للخلق وبين الخلق نفسه. فيكون الولد وارثا لأبيه حقا ثم يخالفه في أعماله من ~~جراء تلك الوراثة؛ لأنه ورث الاستعداد ms099 لبعض الأعمال ولم يرث العمل نفسه، وقد يظهر الاستعداد ~~للشجاعة في الحرب كما يظهر في حملة أدبية لمكافحة الحروب على الرغم من غلبة الآراء واندفاع ~~الجمهرة من الناس في هذا الاتجاه. # ومن العلوم المختصة ببحث الأخلاق علم وصف الإنسان، أو الأنثروبولوجي ~~(Anthropology) # لأنه يدرس العرف والعادة في جميع الأمم، ~~ويتتبع ضروب العرف والعادة إلى مناشئها الأولى في القبائل الهمجية، ويقارن بينها وبين ~~أسبابها كما يقارن بين العوامل الإقليمية والاجتماعية وآثارها في التشابه أو التباعد بين ~~قواعد الأخلاق. # ومن تلك العلوم علم النفس والطبيعة النفسية، ومن علمائه من يرى أنه وقف على أساس الأخلاق ~~كلها ومن يرد الأخلاق إلى الوعي الباطن ويرد الوعي الباطن إلى منازعات الغريزة الجنسية ~~والسيطرة الأبوية، ومنهم من يردها إلى روح الجماعة وطبيعة حب البقاء في النوع كله، ويفسر كل ~~فضيلة في الفرد بما لها من الأثر في بقاء النوع وتغليب مصالح الجماعات الباقية على مطامع ~~الآحاد. # ومن تلك العلوم علم الحيوان أو الزولوجية؛ لأنه يبحث الصفات العليا في الإنسان وما ~~يقابلها من الصفات الفطرية في أنواع الأحياء، ويستخلص من المقابلة بينها شواهد الوحدة أو ~~التباين في نشأة الأخلاق المكتسبة والأخلاق العريقة في الطباع. # ومن تلك العلوم علم السلالات البشرية أو الأثنولوجية ~~(Ethnology) # لأنه يرقب أصول الأخلاق في النوع الإنساني ~~بجميع سلالاته وأجناسه، ثم يميز بين الأجناس بمزاياها التي اختص بها كل جنس منها، ويضع ~~المقاييس للحسن والقبيح من الآداب والعادات في كل سلالة بشرية، ويحاول أن يردها إلى مقياس ~~واحد، أو يعلل اختلاف المقاييس بالعلل المحلية والتاريخية. # ومن تلك العلوم كل علوم الاجتماع والسياسة والاقتصاد مجتمعات أو متفرقات، ومن أصحاب هذه ~~البحوث من يقرر أن أخلاق الفرد والجماعة كافة تنعكس من أحوال الاقتصاد ووسائل الإنتاج، ~~ومنهم من يفرق بين مقاييس السياسة ومقاييس الأخلاق، ويجيز بمقياس منها ما لا يجوز بمقياس ~~آخر. # وهذه العلوم غير العلم المستقل بدراسة الأخلاق وهو الأثولوجية ~~(Ethology) # وعنده تلتقي هذه العلوم والبحوث جميعا ~~وتنتظم في ميدان واحد، ثم تتقبل في كل يوم ms100 مددا من سائر العلوم، وإن بعدت الشقة بين ~~موضوعاتها وهذا الموضوع. # ونضرب المثل لهذه الأمداد الغريبة بمسألة حرية الإرادة وقوانين المادة التي سبقت الإشارة ~~إليها، فإن علم الطبيعة لم يكن من العلوم التي تقرر الآراء في أصول الأخلاق قبل الكلام في ~~الذرة والقوانين الحتمية على أجزاء المادة في جميع حركاتها، فلما كشف علماء الطبيعة عن ~~مواطن الخلل في تجارب هذه القوانين تفتحت الأبواب للكلام عن حرية الإرادة ونصيب الإنسان ~~منها، إذ كانت حركات المادة تتسع على هذا الاعتبار - في نظر بعض الباحثين على الأقل - لشيء ~~من التصرف بسند إلى العقل والضمير. # وقد تكلم الكيميون عن قوانين الألفة بين العناصر ورجا بعضهم أن تطبق يوما على عوامل ~~الألفة النفسية، ولكنه رجاء مرهون بالمستقبل لم يظهر منه بعد مذهب واضح في بحوث الأخلاق إلا ~~أن هذا لم يمنع أن يكون بين الكيميين من يضع للأخلاق قاعدة واحدة تسري على القوى النفسية ~~كما تسري على القوى المادية، وفي طليعة هؤلاء ولهلم أوستوالد ~~(Wilhelm ~~Ostwald) # صاحب القاعدة التي يعارض بها قاعدة «كانت» التي اشتهرت باسم ~~الأمر المطلق ~~(Categorical Imperative) # ومؤداها أن يتوخى ~~الإنسان في عمله أن يصلح قانونا عاما يستقيم عليه أمر الناس أجمعين. # أما القاعدة التي وضعها أوستوالد مقابلا بها قاعدة كانت فهي أن يتجنب الإنسان دائما ~~تبديد الطاقة، فشعاره في الأخلاق الفاضلة: «لا تبدد الطاقة» ~~(Do not Waste ~~Energy) # وهو شعار جامع لأسباب الفضائل كما يرى الكيمي الكبير، وإذا ظهر ~~لأول وهلة أن الإنسان يبدد طاقته في الرياضة مثلا فهو في الواقع يجمع الطاقة بهذا التبديد ~~الظاهر، وهكذا يحدث عندما ينفق طاقته في الإشفاق والحزن على مصائب الناس، فإن هذا الإنفاق ~~سبيل الادخار أو سبيل الحماية والعزاء. # وغني عن القول أن هذه العلوم قد شعبت دراسات الأخلاق غاية التشعيب، إلا أنها لم تخرج بها ~~عن محورها، أو على الأصح عن محوريها اللذين تدور عليهما، منذ القدم وهما أصول الأخلاق ~~ومقاييس الأخلاق. # فما هي الأصول التي يرجع إليها في تعليل الأخلاق الإنسانية؟ وما ms101 هي المقاييس التي نستند ~~إليها حين نفضل خلقا على خلق وحين نثني على بعضها ونقدح في البعض الآخر؟ وإذا اختلفت مذاهب ~~الناس في التفضيل فهل هناك مقياس محيط بجميع المقاييس يرجع إليه بين المختلفين؟ # هذان هما المحوران اللذان ينتهي إليهما مدار البحث في هذه العلوم جميعا، ولم ينته ~~الباحثون فيهما إلى مقطع الرأي الأخير. # فالطبيعيون الذين يعللون كل شيء بما في الطبيعة يرجحون القول بأن الأخلاق جميعا إنما هي ~~حيطة فطرية لوقاية النوع الإنساني، وأن الفرد ينسى نفسه بحكم الغريزة النوعية أو الاجتماعية ~~حين يتخلق بالخلق الذي لا مصلحة له فيه، وقد يكون فيه تفويت بعض المصالح عليه. وتنقسم ~~الأخلاق عند أصحاب هذا التعليل أقساما كثيرة على حسب الغاية منها، فما ينفع الناس جميعا ~~في جميع الأزمان أفضل مما ينفعهم في زمن واحد، وأفضل مما ينفع قبيلا من الناس في الزمن ~~الطويل ويعود بالضرر على غير ذلك القبيل. # والمقياس العام الذي يختاره جمهرة النشوئيين في العصر الحاضر هو مقياس الدكتور وادنجتون ~~(Waddington) # المحاضر في علم الحيوان بجامعة كمبردج. ~~وقد بدا له من بحوثه في علم الحيوان ~~(Zoology) # وبحوثه في ~~علم الحياة أن الحي يتطور وأن الأطوار المتقدمة هي «التصفية» التي بلغتها عوامل البقاء ~~والتقدم، فمن نتائج التطور ينبغي أن نستخرج الهداية إلى أقوم الطرق وأفضل الأخلاق، وكل ما ~~تحقق به الخير الأعظم على هدى هذه السنة فهو المقياس الأخير الذي ترجع إليه جميع ~~المقاييس. # وقد أقنع هذا المقياس الجمهرة الغالبة من النشوئيين ولم يقنعهم جميعا، ولعله لم يقنع ~~أحدا من معارضيه وهم كثيرون بين فلاسفة ما بعد الطبيعة على التخصيص. # ومن هؤلاء الفلاسفة من يرفض القول بالتطور أصلا؛ لأن الكون قديم بجميع عناصره ومواده فلا ~~محل فيه لشيء جديد، ولا يعقل أن تكون الحياة قد وجدت فيه بعد انعدامها إلا على اعتبار واحد: ~~وهو الإيمان بأنها من صنع إله يحدثها في الكون ويرتب لها موعدها من الزمان. # ومنهم من ينكر المقياس الذي اختاره وادنجتون وأصحابه النشوئيون، لأن قياس الشيء بنفسه ms102 لا ~~ينتهي إلى طائل، وقياس التطور بالتطور لا يدل على شيء، ومن قال إن التطور خير بدليل ما وصل ~~إليه التطور، فكأنما يقول إن هذا الجسم مثلا خمسة أضعاف خمسة وعشرة أضعاف عشره، فلا نتيجة ~~لأمثال هذا القياس. # وقد ناقش هذا المقياس فلاسفة لا ينكرون مذهب النشوء والتطور، ولكنهم ينكرون الاعتماد عليه ~~وحده في تفسير القيم الإنسانية، ومن هؤلاء الأستاذ جود رئيس شعبة الفلسفة وعلم النفس بكلية ~~بيركبك ~~(Birkbeck) ~~، فرد عليه الدكتور وادنجتون ردا لم يخل ~~من المغالطة حيث قال: إننا نقيس أبعاد الكون بجزء من الكون، فلا بدع في قياس الأخلاق ~~المتطورة بمقياس من التطور، ووجه المغالطة في هذا الرد أن المقياس الذي نقيس به أجزاء الكون ~~بمقياس محدود متفق عليه، ولكن المقياس الأخلاقي هنا غير محدود في زمن من الأزمان. # وقد جمعت مناقشات وادنجتون ومعارضيه في كتاب عنوانه العلم والأخلاق ~~(Science and Ethics) # اشترك فيه نحو عشرين باحثا بين ~~عالم وفيلسوف ولاهوتي وأديب، ولم يزد عدد المقرين لآراء وادنجتون في هذه المجموعة على ~~اثنين، أحدهما جوليان هكسلي زميل وادنجتون في دراسات علم الحيوان وعلم الحياة. # والغريب في اتجاه هكسلي ووادنجتون أنهما عالمان من علماء الحيوان، ولكنهما يبنيان آراءهما ~~على مدرسة التحليل النفساني ويدخلان هذه المدرسة بزاد غزير من دراسة الغرائز في الحيوان، ~~ومن المقابلة بين الطفولة الحيوانية والطفولة الإنسانية في دور الاعتماد على الأبوين. ويقول ~~هكسلي إن الوازع الأكبر في الديانات وقوانين الأخلاق إنما هو الأم مكبرة متعالية نامية في ~~مخيلة الطفل مع نموه في الحياة العقلية والاجتماعية، ولا يستبعد قول القائلين إن الأخلاق ~~الاجتماعية مستمدة في نشأتها الأولى من روح القبيل أو ما يسمونه بالنفس القبيلية ~~(Tribal self) ~~، ولكنه يستند إلى دراساته للغرائز ~~فيخطئهم في اعتبار الغرائز عادات موروثة وفي القول بأن الضمير غريزة من الغرائز، ويقول إن ~~مذهبهم يرجع بكل شيء إلى القبيل ولا يدع محلا للفضيلة الفردية، وقد جمع هكسلي مساجلاته في ~~هذه المباحث وضمها إلى ردوده على جده توماس هكسلي الكبير، ونشرها بعنوان التطور ms103 والأخلاق ~~بين سنتي 1893 و1943 ~~(Evolution and Ethics ~~1893-1943) ~~. # وليس جوليان هكسلي بالعالم الوحيد الذي ينكر اعتبار الضمير غريزة من الغرائز الحيوانية، ~~ولكنه في العصر الحاضر أشهر المنكرين لذلك استنادا إلى تجارب علم الحيوان وعلم الحياة، وهو ~~في كليهما من الثقات المعدودين. أما الباحثون الفلسفيون والأدبيون الذين يرفضون اعتبار ~~الضمير من الغرائز الموروثة فهم الكثرة الراجحة في العصر الحاضر، وحجتهم الغالبة هي أن ~~الإنسان يصاب في ضميره فترجع به النكسة إلى غرائزه الأولى، وأن المفاضلة بين إنسان ذي ضمير ~~وإنسان خلو من الضمير هي مفاضلة في الأوج لا في القرار، أي إنها لا ترجع بنا إلى الأغوار ~~السحيقة في الماضي بل تتقدم بنا أحيانا إلى المستقبل البعيد، فيكون الرجل صاحب الضمير ~~سابقا لزمانه بمرحلة واسعة، ومن شاء من فلاسفة العصر أن يستند إلى العلم في تعليل ضمير ~~الإنسان زعم أن كبار المصلحين والقادة الدينيين أشبه بالفلتات التي تفسر التحول الفجائي ~~(Mutation) # في عالم النبات، فقد يتغير النبات قليلا ثم ~~تظهر فيه فجأة فلتات غير منظورة ~~(Sports) # تترقى به طفرة ولا ~~يقاس عليها في جميع الأحوال، وكذلك المصلحون والقادة الدينيون الذين ترتفع ضمائرهم إلى ~~الذروة العليا بين أقوامهم وأبناء عصورهم، فإنهم طفرة في سبيل التقدم وليسوا بالرجعة إلى ~~الغرائز المتروكة منذ زمن سحيق، وكثيرا ما يكون التقدم هنا ناشئا عن ترك أثر قديم واكتساب ~~مزية جديدة، فهو ارتفاع في الأوج وليس بالغوص في القرار. ~~••• # ومن نظرة سريعة يتبين لنا أن اشتراك العلوم الكثيرة في دراسة الأخلاق كان لها أثران ~~متعارضان: أحدهما إلى التعسير والآخر إلى التيسير. # تفتحت الأبواب وتشعبت المسالك فازدادت مصاعب السير فيها وتقاطعت مداخلها ومخارجها فتعسر ~~الوصول إلى غاياتها. # لكن هذا التشعب قد كان له أثر ميسر يعين الباحث على التمييز والتبسيط شعبة شعبة من مراحل ~~الطريق. فقد تشعبت المتشابهات فظهرت الفروق التي بينها وتيسرت التفرقة بين أشتات من المسائل ~~كانت ملتبسة متشابكة إلى زمن قريب. # أصبح الباحث الأخلاقي يميز بين ألوان مختلفة من الواجبات والمحرمات ومن الأوامر والنواهي، ms104 ~~واتضحت أمامه إلى اليوم مناهج ثلاثة يستطيع أن يلمس حدودها في مواقعها البارزة ومراميها ~~القريبة على الأقل، إن لم يلمسها في كل موقع وفي كل مرمى. # فلا التباس اليوم بين وازع الأخلاق ووازع القانون ووازع العقيدة الدينية، وليس اتفاقها في ~~الإباحة والتحريم أحيانا بالذي يمنع الباحث أن يعرف لها صيغتها ويميز طبيعتها، فلا يخلط ~~بين أوامر القانون وأوامر الأخلاق وأوامر الدين. # والغالب على الأوامر القانونية أنها إرادية تكتفي بتحقيق السلامة، ولا تذهب وراء الأسلم ~~الألزم إلى شوط بعيد. # والغالب على الأوامر الأخلاقية أنها لدنية تعمل فيها الإرادة شيئا ولكنها لا تعمل كل ~~شيء، بل يتولى الشعور أهم البواعث في أعمال الأخلاق، ويشاهد فيها كثيرا نزوع إلى ما وراء ~~السلامة واللزوم، وتفضيل للأجمل الأمثل من الأمور. فصاحب الوازع الأخلاقي لا يقنع بفروض ~~القانون ولا يزال متطلعا إلى درجة أعلى من درجات القانعين باجتناب العقاب والتزام أدنى ~~الحدود. # أما الغالب على الأوامر الدينية أو على آداب العقيدة، فهو الشمول الذي يحيط بالإرادة ~~والشعور والظاهر والباطن، ولا يسمح لجانب من النفس أن يخلو منه، ولا يقنع بالسلامة والجمال ~~إلا أن تكون معهما الثقة التي لا تتزعزع في صميم الحياة، بل في صميم الوجود. # ومن السهل أن يقال إن حاسة القانون تتولد في الإنسان لأنه عضو في مجتمع، وإن حاسة الأخلاق ~~تتولد فيه لأنه فرد من أفراد النوع الإنساني كله، ولكن ليس من السهل أن يقال إن الإنسان ~~يهتم بمصيره في الكون لأنه عضو في المجتمع أو فرد من أفراد النوع. # فنحن قد نفسر احترام القانون بانتماء الإنسان إلى مجتمع، وقد نفسر احترامه للأخلاق الحسنة ~~بانتمائه إلى الإنسانية، ولكننا لا نفسر التدين بهذا ولا بذاك. وإنما يتدين الإنسان لأنه ~~يهتم بمصيره ومعنى وجوده ويطلب له قرارا أوسع جدا من علاقاته الإنسانية أو علاقاته ~~بالمجتمع، ويحب أن يطلب عقيدة تحتويه ولا يكتفي بعقيدة يحتويها ويريدها كما يشاء. # ولهذا وجدت العقائد التي لا تبالي بقاء النوع الإنساني كله، والتي يقطع المعتقدون بها حبل ~~النسل طواعية واختيارا ms105 ليخلصوا بأرواحهم إلى مصدر الوجود وقبلة كل موجود. # ولهذا هان على الأمم أن تخوض أهوال الحروب وأن يحكم بعضها على بعض بالفناء في سبيل ~~العقيدة، لأن سلامة النوع الإنساني كله لا معنى لها عند المعتقد إن لم يكن للوجود معنى أكبر ~~من حياة الإنسان وجميع بني الإنسان. # ولم يحدث أن حاسة الأخلاق حفزت الأمم إلى الجهاد كما تحفزها الحاسة الدينية، فلا تناقض ~~ولا غرابة في تعليل نشوء الأخلاق بغريزة حب البقاء في نوع الإنسان، ولكن التناقض كبير في ~~تعليل التدين بهذه العلة، ولا سيما التدين كما ارتقى إليه الإنسان بعد عصور الهمجية ~~والجهالة الأولى. # طالب العقيدة يطلب معنى الوجود كله أو معنى الكون كله، ولا يفسر له هذا المعنى أنه متصل ~~بأمة أو متصل بالأمم جمعاء. # ومحصل البحوث المتشعبة هو هذه التفرقة الواضحة بين حاسة القانون وحاسة الأخلاق وحاسة ~~التدين، وما من باحث جاد في بحثه يستطيع أن يفهم أن تتولد في الإنسان حاسة قانونية لأنه جزء ~~من وطن، أو تتولد فيه حاسة أخلاقية لأنه جزء من نوع، ثم لا تتولد فيه حاسة أقوى من هذه وتلك ~~لأنه جزء من أصل الوجود كله لا تنقطع له صلة به كيف كان. وما من باحث جاد في بحثه يستطيع أن ~~يفهم أن الإنسان يوجد في الكون ويدركه ثم تكون غاية إدراكه له أنه لا يطمئن إليه ولا يخرج ~~منه بمعنى غير العبث والضياع. # ومن التفرقة الواضحة بين بواعث القانون وبواعث الأخلاق وبواعث الدين نعلم أن طبيعة ~~القانون وطبيعة الأخلاق لا تغنيان عن طبيعة الاعتقاد، ولعل «العلوم الطبيعية» كما يسميها ~~أبناء العصر صدقت أسماءها بظاهرة هامة في القرن العشرين، وهي «أن العقيدة طبيعية» في ~~الإنسان، وأن خلوه من الاعتقاد هو الغريب. # | بعد مليون سنة # في مليون السنة المقبلة - هو عنوان كتاب ~~(The Next Million ~~years) # ألفه السير شارل داروين العالم الطبيعي المشهور في العصر ~~الحاضر. # وهو - بالبداهة - غير شارل داروين صاحب مذهب التطور، فهو حفيده وواحد من أسرة كبيرة كاد ~~أفرادها جميعا أن ms106 يشتهروا بالعلم والثقافة ويبلغوا في دراساتهم الخاصة مبلغ الإمامة ~~والرئاسة، ومنذ أيام جدهم الأكبر أراسموس داروين الذي نشأ في أوائل القرن الثامن عشر لم ~~تخل الأسرة من عالم نابه يتخصص في علم من العلوم الطبيعية أو الرياضية، ويطرد هذا في ~~أبناء العمومة من أسرة جالتون ~~(Galton) # كما يطرد في أسرة ~~داروين. # وهذه ملاحظة نقدمها في التمهيد لكتاب «المليون سنة» لأنها ترتبط ببعض مقترحاته لا لمجرد ~~التعريف بصاحب الكتاب، وأهم هذه المقترحات أن يعمد المصلحون إلى الوسائل البيولوجية لترقية ~~السلالة البشرية، فلا نظن أن المؤلف يقترح هذا المقترح إلا وقد قام لديه دليل الحس من أسرته ~~نفسها على إمكان هذه الترقية البيولوجية وتطبيقها في الجماعات الكبيرة والآماد ~~الطويلة. # يقرر داروين العصري أن الإنسان سيحتفظ بالعقيدة الدينية في المليون السنة المقبلة قياسا ~~على المعهود من تاريخه القديم والحديث، وهو يتكلم عن العقيدة ~~(Creed) # كأنها صفحة من الصفحات في تاريخ الديانة تستغرق ~~نحو مائتي سنة، وتبقى الديانة العظمى مع تجدد العقائد فيها إلى أجلها المحتوم، لا يقدح في ~~هذا التعميم أن العقائد عرضة للمخالفة في كل زمن، فتلك طبيعة في بعض الناس أن يخرجوا من ~~الصف ولا يطيقوا الصبر على نظام القطيع. # قال: ولمحة أخرى من ملامح العقيدة يبدو أنها عامة في جميع العقائد، فقد يوجد في كل عقيدة ~~نحو تسعة أعشار القوم يدينون بها بغير تصرف كأنها قانون من قوانين الطبيعة، وهم الذين يطلق ~~عليهم اسم قطيع الضأن! ولكن يوجد معهم قلة يطلق عليهم اسم المعز مولعون بالخلاف ويعارضون كل ~~شيء يجمع عليه من حولهم. # والمعز هؤلاء قلما يكونون من زمرة المحبوبين المقبولين، ولكنهم في الغالب أعلى من المتوسط ~~في الذكاء، وربما كان إلحاح هؤلاء المعز هو الذي يستنزف عصارة الحيوية من العقائد بعدوى ~~المجاورة، وقد توجد في الحق نسبة بين عدد المخالفين وبين عمر عقيدة الضأن في ~~الجماعة. # وطبيعة البشر الثابتة تؤكد لنا أنهم سيظلون في تاريخهم المقبل منقادين لحماسة العقيدة على ~~شكل من الأشكال، وأن الإنسان سيضطهد غيره وسيبتلى بالاضطهاد ms107 من غيره مرة بعد مرة في سبيل ~~خاطرة من الخواطر لا يلبث بعضها أن يصبح قليل الخطر أو غير مفهوم ولا معقول في جيل ~~آخر. # إلا أن العقائد لها خاصة أخرى أقوم وأجدر بالالتفات إليها، وذاك أنها تكفل الدوام للخطط ~~الاجتماعية زمنا أطول من الزمن الذي تتكفل به أية فكرة عقلية، وفي التاريخ حالات عديدة ~~تصدى فيها نخبة من الساسة المستنيرين لوضع سياسة يتوخون بها المصلحة العامة ويقفون حياتهم ~~على إنجازها، وما هو إلا أن ينقضي جيلهم حتى يعقبهم ساسة آخرون ينقضونها إيثارا لطريقة ~~غيرها من طرق المصلحة الإنسانية، فلا يطول أجل الخطة القائمة على العقل أكثر من جيل واحد، ~~وهو أمد قصير جدا لا يكفي للتغلب على عقبات المصادفة، فلو أن خطة من الخطط تسنى لها أن ~~تمتزج بحماسة الإيمان فأصبحت من العقائد المصدقة لقوي الأمل في بقائها نحو عشرة أجيال ~~متعاقبة وهي برهة كافية للتغلب على طوارئ المصادفات، وبهذه المثابة تشارك العقيدة خلية ~~التناسل في خاصتها التي تحفظ أثرها في البنية الإنسانية. # فإذا كان تاريخ المستقبل لا ينطوي على تطور إلي لبعض الوقائع التي لا سلطان عليها ولا ~~يمكن تبديلها - وهو فرض لا يقره إلا القليل منا - ففي وسع من تتقرر عنده فكرة يناط بها ~~التقدم الثابت لبني نوعه أن يقفو طريقا من طرق ثلاثة: أولها وأضعفها برنامج سياسي مفهوم لا ~~يلبث أن يموت معه ويذهب بغير أثر، وثانيها أن يبث في النفوس عقيدة إيمانية يرجى أن تدوم ~~أجيالا وأن تحدث معها تغييرا حقا في أثناء بقائها، وثالثها أن يعمل مباشرة على تغيير ~~الطبيعة البشرية بوسائل الوراثة البيولوجية. وهي وسيلة إذا استطيعت أحدثت أثرا فعالا، ~~ولكنها على فرض الإحاطة بكل أسرار الخلايا الناسلة - ونحن نجهلها - لا يتأتى حمل الناس على ~~إنفاذها ولو فترة قصيرة، ولما كان الأمر يحتاج إلى أجيال متطاولة كان الأرجح أن هذه الوسيلة ~~تهمل حتما قبل ظهور نتيجة من نتائجها النافعة. # لهذا كانت العقائد على جانب عظيم من الأهمية بالنظر إلى المستقبل؛ لأن العقيدة تبعث ms108 الأمل ~~فعلا في دوامها بعد صاحبها وفي سيطرة الإنسان على مصيره بفضلها. ~~••• # وتطرق المؤلف من موضوع العقيدة إلى موضوع الفصائل الإنسانية، فاقترح استخدام الوسائل ~~البيولوجية في تكوين فصائل من النوع الإنساني كل فصيلة منها نافعة في مقصد من مقاصد النوع ~~كله، وكلها تنتقى وتختار لاستئصال بقايا الوحشية من خلائق الإنسان. # وبعد كلام عن السعادة وعن موارد الطبيعة وكفايتها، جمع أطراف البحث في خاتمة خلص منها إلى قوله: # ومن الميسور عند النظر إلى المستقبل البعيد أن نشرع في أعمال غير التي تعودناها ~~حتى الآن، فإن الأعمال التي يراد بها تحسين النوع قصرت إلى اليوم على تحسين أحواله ~~دون طبيعته، ولا تلبث الأحوال أن تتبدل حتى ينقضي كل شيء. والأمل الوحيد معقود بأن ~~نستخدم معارفنا البيولوجية بحيث لا يضيع كل شيء كلما تبدلت الأحوال، وهذه قواعد ~~الوراثة حرية أن تقودنا إلى مرساة تثبت لنا كل كسب نبلغه في المزايا ~~الإنسانية. # ولا ندري لماذا لم يعالج المؤلف إمكان استخدام الوسائل البيولوجية في تثبيت الاستعداد ~~للعقيدة خاصة، ما دام على هذه الثقة بفضل العقيدة في إطالة أمد الإصلاح واستبقاء نخوته في ~~نفوس طلابه. # فمهما يكن من صفة العقيدة الاجتماعية فالواضح من علاماتها وأطوارها أنها قوة حيوية يتفاوت ~~نصيب الأفراد منها على حسب المزاج والخلق والوراثة، وإن كل مؤمن ففي طبيعته موضع للثقة يركن ~~فيه إلى خاصة حيوية أقرب ما تكون إلى الخواص الموروثة، وإن استفادت من التعليم ~~والبيئة. # إن في هذه النفوس الآدمية طبائع مفطورة على الثقة والإقدام وطبائع مفطورة على التردد ~~والإحجام، ولا نكاد نرقب معرضا من معارض الحياة اليومية - فضلا عن الحياة في معارضها ~~الخالدة - إلا رأينا أمامنا علامات ماثلة لهاتين الطبيعتين. # فهذا رجل يدخل إلى محفل عام كأنه يدخل إلى بيته ويتحرك فيه حيث يشاء، ويحسب أنه مهما يعمل ~~فيه فهو عمل جائز له غير مراقب فيه، وهذا رجل يدخل إلى المحفل نفسه كأنه مهدد بالطرد منه ~~مترقب للنقد في كل خطوة من خطواته. # والكون كله شبيه بهذا المحفل إذا نظرنا ms109 إلى القادمين إليه بهذه النظرة. فمنهم من يواجهه ~~بالثقة في ظواهره وخفاياه، ومنهم من يواجهه بالتوجس والحذر كأنه طارئ عليه غير مستوف جواز ~~القدوم إليه! ومنهم من يثق بخفاياه دون ظواهره أو بظواهر دون خفاياه، وإن جاءت العقائد بعد ~~ذلك فإنما تجيء لتترجم عن هذه الحالات وتضع صاحبها في موضعه من الكون كله؛ موضعه من الكون ~~كله أو من أرض بعينها أو زمن بعينه. ومن يسر هذه الطبائع فإنما يسر أغوار الاستعداد ~~للعقيدة، وهو الاستعداد الذي يثبت في النفوس بالتخير والانتقاء ثم بالانتقال مع الخلائق ~~الموروقة جيلا بعد جيل. # والمقصود بالوراثة هنا هو الاستعداد للعقيدة لا العقيدة في أحكامها وفرائضها، ولا نرى بين ~~الطبائع الموروثة ما هو أثبت في علاماته وأطواره من طبيعة الاستعداد للعقيدة، أو طبيعة ~~الثقة التي تداخل النفس أمام هذا الوجود بجميع ظواهره وخفاياه. # على أن العلم الذي يمتد بالأمل مليون سنة لحقيق ألا يضل سبيله إلى العقيدة التي تصحبه إلى ~~ذلك الأمد البعيد! # | تعقيب # بهذه الكلمة تنتهي هذه الرسالة عن «عقائد المفكرين في القرن العشرين»، وقد توخينا فيها أن ~~نجعلها «نموذجية» تمثل العقائد من وجهات النظر على اختلافها. # ويرى من الفصول المتقدمة أن علوم القرن العشرين لا تبطل العقيدة الدينية، وأن للعلماء فيه ~~موقفا من العقيدة غير موقفهم في القرن السابق، فليس لعالم من علمائه أن يجزم بالإنكار ~~والتعطيل مستندا إلى حقائق العلم ونظرياته، وقد وجد منهم كثيرون يستخرجون من علومهم ~~أسبابا شتى للشك في الإنكار والتعطيل. # وقد انقسم علماؤه المعتقدون إلى فئات ثلاث: فئة منهم تؤمن بما فوق المادة أو الطبيعة، ~~وفئة أخرى تلحق المادة نفسها بالمعاني المادية، وفئة ثالثة تؤمن بالقيم الإنسانية لأنها ~~تعتبر العقيدة الدينية ترجمة لنوازع النوع الإنساني التي يقتضيها تكوينه طبقا للسلامة ~~والبقاء. # وملاحظتنا نحن على عقائد القيم الإنسانية أنها تقف بصاحبها دون الغاية الوافية من ~~العقيدة؛ لأنها تتركه في الكون كله بغير سند يطمئن إليه، ولا تجاوز به حدود نوعه، وهو - أي ~~النوع الإنساني - ضائع كله في الكون ما لم ms110 يكن لوجوده معنى أصيل مرتبط بالوجود الشامل لجميع ~~الموجودات. # وعقائد القيم الإنسانية تقف دون الغاية حتى في المشاهدات المحسوسة التي لا خلاف ~~عليها. # فكل علاقة بين الإنسان وبين «محيطه» ماثلة في غريزة من غرائزه أو نزعة من نزعاته. # فروح الجماعة تربطه بالمجتمع أو الوطن. # وغرائز الجنس تقود روابطه الحيوية بنوعه. # وآداب الأخلاق تقود روابطه أو معاملاته الإنسانية. # وليس بالمفهوم أن تتأصل فيه هذه العلاقات ولا تتأصل فيه علاقاته بالكون كله في صورة من ~~الصور. # إن علاقة الإنسان بالكون أعرق وأوثق وأعمق من كل علاقة بإقليمه أو بعشيرته أو بنوعه، وليس ~~بالمفهوم أن تترجم نوازعه عن علاقات العشيرة والإقليم والنوع ثم تخلو من ترجمة لعلاقته ~~بالوجود كله، فإن لم تكن العقيدة الدينية هي ترجمة العلاقة الكونية فأين توجد هذه الترجمة؟ ~~ولماذا تتأصل في الإنسان نوازع العلاقات بكل محيط ولا تتأصل فيه نوازع هذه العلاقة؟ # لهذا نرى أن عقائد القيم الإنسانية تقف بالإنسان دون الغاية سواء نظرنا إلى طبيعة العقيدة ~~وما تتطلبه من القوة والشمول، أو نظرنا إلى أطوار الإنسان في علاقاته بما حوله. # نعم إن القيم الإنسانية تؤسس في خلائق الإنسان الإيمان بالواجب، وإن قيامه بواجبه يبعث ~~فيه الثقة والطمأنينة والعزاء، وإنه متى عرف القيم الإنسانية عرف الأحسن والأكمل وأعرض عن ~~القبح والنقيصة، ومتى اهتدى إلى الواجب بين ما هو حسن وما هو قبيح صمد له وتبين طريقه في ~~ظلمات المجهول. # ولكنه ولا ريب لا يكتفي بهذا الواجب لو علم بما هو أكثر منه وأكبر، وإنه لا يستغني معه عن ~~سند له وسند للنوع الإنساني كله، ولا يجد هذا السند في شيء كما يجده في عقيدة تشمل الكون ~~وما فيه بل تشمل الكون وما وراءه وتحيط بالزمن بغير ابتداء ولا انتهاء، وتلك عقيدة لا ~~تملكها القيم الإنسانية ولا تدعيها، وإذا ملكتها فإنما تملكها بالرمز والإشارة وترفعها ~~باختيارها فوق القيم الإنسانية جمعاء . # وهنا تعرض لنا مشكلة الشر كرة أخرى، وهي المشكلة التي قلنا إنها لا تخص القرن العشرين ولا ~~يزال لها شبح ms111 قائم في كل زمان، ويكفي أنها في الأديان نفسها مجسمة في مثال الشيطان. # فما الذي يمنع المفكرين في هذا العصر أن يسلموا ضمائرهم إلى عقيدة دينية فيما فوق ~~الطبيعة؟ # إن السؤال هنا ينصرف إلى الشاكين والمترددين ولا ينصرف إلى مفكري العصر الذين آمنوا بما ~~فوق الطبيعة إيمان المعرفة أو إيمان التسليم. # والشاكون المترددون يقولون إننا عاجزون عن التوفيق بين كمال الله وقدرته وبين الكون الذي ~~تعتريه النقائص وتعيش فيه الشرور. # نقول: وهل هم قادرون على التوفيق بين كمال الله وقدرته، وبين الكون الكامل والمخلوقات ~~الكاملة والحالة السرمدية التي لا يوجد فيها ما يشكوه أحد أو ما يخالف مشيئته أحد؟ # هل الكون الذي يبعث فيهم العقيدة هو الكون الذي يرضى فيه كل مخلوق في كل حالة وفي كل ~~حين؟ # إن تصور هذا الكون أصعب جدا من تصور الكون كما نعهده ونزاوله، وما لم يكن في مذهبهم أن ~~العقيدة مستحيلة أصلا فالعقيدة في الكون الذي نحن فيه أقرب من العقيدة في كون يفرضونه ~~وهما ولا يستطيعون أن يفرضوه متبينين متثبتين. # والذي يحيك في نفوسنا بإزاء هذا الموقف أن المسألة مسألة زمن وتجربة، وأن الزمن فاصل غدا ~~في أمر الاعتقاد ونبذ الاعتقاد، فإذا مضت الأيام بعد الأيام وثبت من التجربة بعد التجربة أن ~~الخلو من العقيدة فقر في الشعور بالحياة والقدرة على العمل وشذوذ عن سواء الخلق، فالعقيدة ~~يومئذ فارضة لنفسها مفروضة في العقول لا محالة، أو يعجز الإنسان عن استلهام عقيدته فتلك آية ~~الفناء وإفلاس الحياة والأحياء. # وقد رأينا في الفصل السابق عالما من جلة علماء العصر يمد بصر العلم مليون سنة ولا يتخيل ~~الإنسان متروكا لنفسه عاملا على صلاحه مائتي سنة ولاء من هذا الدهر الطويل ما لم يكن له ~~اعتقاد وما لم تكن لاعتقاده نخوة وحماسة. # ونخال أن مائتي سنة كافية للفصل في أزمة العقيدة الحاضرة، بل نخال أن القرن الحادي ~~والعشرين قمين أن يتقدم بالضمير الإنساني خطوة أوسع من خطوته بين القرن التاسع العشر والقرن ~~العشرين. وإن علم النفس ms112 سيلاقي علم الذرة في الشقة الوسطى التي لا تزال حتى اليوم فاصلة بين ~~المادية والروحانية، ومن يعش ير عيانا ما نراه باعتقاد وتقدير. # ونختم الرسالة كما بدأناها مذكرين من يعوزه التذكير في هذا المقام: إننا لم نكتبها لنبسط ~~القول في معتقدات الغرب جميعا، فهذا شرح يطول ولا تستوعبه المكتبات بله الصفحات، وإنما ~~أردنا بهذه الرسالة بيان العقيدة كما تفرض نفسها على المفكر المجتهد في القرن العشرين خاصة، ~~فلا محل فيها لشرح العقائد التي توارثها الأبناء عن الآباء ولا للكلام على الذين رفضوا كل ~~اعتقاد ولا سند لهم من علوم القرن العشرين، وحسبنا من محصول القول في هذا المقصد أن نصف قرن ~~لم ينقض على المفكرين دون أن يطرقوا من أبواب العقيدة كل باب أدركوه بالبصيرة ~~والتفكير. # | كلمة على الغلاف # نعم هي كلمة على الغلاف، ولكنها ليست بالغريبة عن موضوع الرسالة ولا عن الموضوع كله: وهو ~~موضوع العقيدة وذوي الرأي فيها. # فمن المسائل التي يتفق عليها الأكثرون، إن لم نقل إنها محل الإجماع، أن المشكلة الكبرى في ~~العصر الحاضر إنما هي مشكلة العقيدة، وأن أزمة الضمير الإنساني في عصرنا هي الأزمة الشاملة ~~التي تنتهي إليها جميع الأزمات، ولولاها لهانت كل أزمة وجدانية تعترض حياة الإنسان، فردا ~~كان أو جماعة. # وما من أحد يستغرب الكتابة عن أزمة العصر كله، فالغريب حقا أن يسكت عن هذا الموضوع ولا ~~يستوفي الكلام فيه من جميع نواحيه، فإذا كان في الناس من يستغربه ويستنكر الكتابة فيه ~~فالأمر واضح ... إن هذا المستنكر واحد من اثنين: إما مسخر للعاملين في زماننا هذا على هدم ~~جميع العقائد وتقويض كل دعامة قائمة من دعائم المجتمع الإنساني في كل بيئة، وإما عاجز ~~مستسلم للكسل والحسد، يداري عجزه بالتطاول على كل عمل مفلح، كائنا ما كان. # ولكنهم مع هذا يتركون السبب الواضح ويلغطون بالتهم والظنون، وأول هذه التهم والظنون ~~وآخرها أن الكاتبين في مسائل العقائد إنما يطرقون هذا الموضوع طلبا للربح وابتغاء الرواج ~~عند الدهماء. # فيما يعنيني أنا يكفي أن أرد على ms113 هذا اللغط المسف بكلمتين: أولهما أنني أعاقد الناشرين ~~على طبع كتبي، ولمن يشاء أن يطلع على عقود الاتفاق بيني وبين الناشرين، فلا فرق فيها بين ~~كتاب في الأدب وكتاب في المعتقدات. لا امتياز لعبقرية المسيح مثلا على دراسة في ابن الرومي ~~أو في ابن رشد أو في باكون أو في أي غرض من الأغراض التي لا تدور على المعتقدات. # والكلمة الثانية أنني لو كتبت للربح؛ لما طرقت هذه الموضوعات التي تكلفني الجهد والنفقة. ~~فإن نظرة واحدة إلى كتاب عبقرية المسيح مثلا، أو إلى هذه الرسالة، تدل العارفين على ~~مراجعها، وأنها لا يمكن أن تكتب قبل الرجوع إلى مئات المصنفات، نشتريها فتكلفنا ثمنا ~~ثقيلا، ونطالعها فتكلفنا جهدا مضنيا، ونوازن بينها فترهقنا وتلجئنا إلى الاطلاع على مئات ~~الصفحات قبل أن نخرج منها بصفحة واحدة. فما أغنانا عن كل هذا؟ # ما أغنانا عن إنفاق المال والصبر على المطالعة والمراجعة إن كان غاية ما نبغيه الكسب ~~والرواج؟ # لقد كان أيسر من هذا جدا أن نضع القلم على الورق بغير مطالعة ولا مراجعة فنخط به قصة من ~~قصص الشهوات التي تروج وتحسب عند الأغرار من فتوح الإبداع والتجديد، فإن لم تكن تأليفا ~~فلتكن ترجمة، ولتكن من قبيل الصور العارية التي تملأ المكتبات مخطوطة ومرسومة، ولا تعب في ~~ترجمتها ولا كلفة ولا صعوبة في البحث عنها، ولا في توخية الناشرين عليها في مظانها، كما ~~نفعل في التوصية على غيرها، من كتب الدراسة والتفكير. # كان ذلك أجدى علينا لو أردنا الربح والراحة، وكان ذلك غنما لنا عند هذا «الواغش» البشري ~~الذي لا يتورع عن خسة الافتراء بغير بينة ولا حياء. # لكن الرجل الذي قضى حياته يحارب الأضداد ولا يبالي خسارة تصيبه من هذه الحرب التي لا ~~هوادة فيها - آمن ما يكون شرفا من تطاول المتطاولين وبهتان المفترين. # ولا والله ما في هذه المفتريات ما يوجب الرد عليه لو كان قصارى الأمر أن ندفع عنا ما ~~يفترون. # ولكننا نميط الأذى عن الموضوع نفسه، لكيلا يخطر على بال أحد ms114 أنه موضوع تجارة وتمليق ~~أهواء، أو ابتغاء المرضاة من الدهماء، وما من أحد يفهم ما يقول يزعم أن صاحب كتاب «الله» أو ~~الفلسفة القرآنية أو عبقرية المسيح، أو هذه الرسالة في عقائد المفكرين، يبتغي الدهماء بحرف ~~واحد مما يكتب، وليس شيء منه بالذي تصبر عليه طاقة الدهماء. # وفي هذا الكفاية! وموعدنا كتب أخرى، بعد كتب أخرى، عن العقائد والمعتقدين إن شاء ~~الله! ms115