######OpenITI# #META# URI: 1383CabbasMahmudCaqqad.DaciSama.Hindawi71859316 #META# Tags: biographies #META# ID: 71859316 #META# Title: داعي السماء: بلال بن رباح «مؤذن الرسول» #META# AuthorID: 64642852 #META# Author: عباس محمود العقاد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # كلمة تصدير‏ # مسألة العنصر‏ # العرب والأجناس‏ # الرق في الإسلام‏ # نشأة بلال‏ # إسلام بلال‏ # صفات بلال‏ # الأذان‏ # المؤذن الأول‏ # تعقيب‏ # كلمة تصدير‏ # مسألة العنصر‏ # العرب والأجناس‏ # الرق في الإسلام‏ # نشأة بلال‏ # إسلام بلال‏ # صفات بلال‏ # الأذان‏ # المؤذن الأول‏ # تعقيب‏ # | داعي السماء # | داعي السماء # | بلال بن رباح «مؤذن الرسول» # تأليف # عباس محمود العقاد # | كلمة تصدير # بين الحربين العالميتين شاعت الدعوة العنصرية فبلغت أقصى مداها، وعملت فيها السياسة غاية ~~عملها، وأقحمها الدعاة من مباحث العلم والتاريخ في غير موضعها. # وقد كانت للإسلام كلمة في إنصاف العناصر والأجناس سابقة لكلمة الحضارة العصرية والعلم ~~الحديث، وكان في صحابة النبي عليه السلام رجل أسود هو بلال بن رباح مؤذنه الأول، فكان ~~أثيرا عنده وعند الخلفاء وجلة الصحابة والتابعين. # فالكتابة عن بلال رضي الله عنه في هذا العصر تقع من سلسلة العبقريات والسير الإسلامية في ~~موقعها، وتصادف موعدها من الزمن في أعقاب الحرب العالمية القائمة. # ولهذا كتبت هذه الصحائف في سيرة داعي السماء. # عباس محمود العقاد # سنة 1945 # | مسألة العنصر # مسألة العنصر - أو الجنس - مسألة اجتماعية كثيرة الورود على ألسنة المعاصرين وأقلامهم، ~~ولكنها على هذا من أقدم مسائل الاجتماع التي وجدت مع وجود القبائل الأولى. # وأكثر الباحثين في المسائل العنصرية من المختصين بها بين الغربيين يردون كلمة العنصر أو ~~الجنس # Race # في لغتهم إلى أصل سامي يرجحون أنه هو اللغة ~~العربية، ويعتقدون أنها مأخوذة من كلمة الرأس التي كانت تميز بين رءوس السلالات الآدمية ~~وغير الآدمية. # ولم يكن اختلاف القبائل وتفاخرها شرا كله في بداية أمره، ولا كان مدعاة للنزاع دون ~~غيره. فمن علماء الاجتماع من يرجع بالوشائج الاجتماعية كلها والآداب الإنسانية برمتها إلى ~~الواشجة الأولى التي نشأت في مبدأ الأمر مع نشوء القبيلة الهمجية، ثم كانت سببا إلى ~~التجاذب والتعارف بينها وبين القبائل الأخرى. ومصداق ذلك في القرآن الكريم حيث جاء في سورة ~~الحجرات: # يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر ~~وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ~~... [الآية: ~~13]. # فكانت الواجبات التي تفرضها القبيلة على أبنائها أساسا لجميع ms01 الواجبات التي تعلمها ~~الإنسان بعد ذلك، سواء فرضتها عليه القبيلة أو الأمة أو الجامعة العنصرية أو الإنسانية ~~بأسرها. # وقد طبع الناس على التفاخر بما يخصهم ولا يعم غيرهم كائنا ما كان معدنه ومدار الفخر ~~فيه. فشاعت بينهم المفاخرة بالأنساب والأصول، كما شاعت بينهم المفاخرة بمعالم الأرض التي ~~يسكنونها وصنوف الطعام التي يأكلونها، وتفاضلوا بالحقائق كما تفاضلوا بالأساطير ~~والأوهام. # فمن قديم الزمن يفخر كل عنصر بعراقته وامتيازه على غيره، ويزيده إمعانا في عادة التفاخر ~~والمباهاة أن تتاح له فرصة الغلبة والاستعلاء فترة من الزمن، فإن كانت الغلبة قائمة حاضرة ~~فهي آية الفخر وحجة المباهاة، وإن كانت غابرة داثرة فهي عنده علامة على عراقة أصله وحداثة ~~غيره، وأنه أحق من ذلك الغير بالفخر والمباهاة، وإن خدمته الحظوظ والمصادفات في حاضر ~~أمره. # فلم تعرف أمة قديمة قط خلت من مفاخرة بعنصرها واعتداد بنشأتها وبيئتها وبلادها. والذي ~~قال: # بلادي وإن جارت علي عزيزة # وأهلي وإن ضنوا علي كرام # قد جمع هذه الحقيقة من جميع وجوهها، وهو يدري أو لا يدري، فليس من اللازم أن تكون البلاد ~~أطيب البلاد، ولا أن يكون الآل أكرم الناس ليفخر بهم الرجل الذي ينتمي إليهم، وتحسب سمعتهم ~~عليه وسمعته عليهم، فإنه ليعظمهم ويبجلهم فرارا من المهانة التي تصيبه إذا تقاصروا عن شأو ~~العناصر الأخرى في التعظيم والتبجيل ... فهو فاخر بهم إن عظموا مساهمة منه في فخارهم، وفاخر ~~بهم إن هانوا دفعا للهوان عنه إذا اعترف بهوانهم، ولا حساب للبحث أو للرأي في الحالتين إلا ~~بعد حساب العاطفة والشعور. # كان المصري القديم يؤمن بأنه هو الإنسان الكامل، ثم تتلاحق الشعوب بعده إلى أن يأتي ~~اليونان في المرتبة السادسة. # وكان اليوناني القديم يؤمن بأنه هو الإنسان المهذب ومن عداه برابرة لا يدركون مكانه من ~~الفهم والحضارة. # وكان العربي القديم يؤمن بأنه هو الإنسان المبين الكريم، ومن عداه «أعاجم» لا يفقهون ما ~~يقال، ولا يدينون بدين المروءة والأحساب. # وكذلك كان أبناء فارس والهند والصين. بل كذلك كانت كل قبيلة من تلك القبائل ms02 حين ينظر إلى ~~نظائرها وإن تلاقت جميعا في أصل قريب من الأحساب والأنساب. # وبقيت هذه الشنشنة بين أمم الحضارة في العصر الحديث فاعتز بها الأوروبيون على أبناء ~~القارات الأخرى، ولكنهم لبثوا فيما بينهم يفاخر كل شعب منهم جاره بالعادات والأخلاق والمآثر ~~وإن تقاربوا في السلالة واللغة والعقيدة، فليس أشد تفاخرا بين الأوروبيين من الطليان ~~والإسبان والفرنسيين، وهم يرجعون بلغتهم إلى اللاتينية، وبعقيدتهم إلى المسيحية الرومانية، ~~وبعناصرهم إلى مزيج متقارب من السلالات، ولكنهم تعلموا - بوحي المصلحة المتفقة - أن يجمعوا ~~فخرهم كله إلى فخر واحد يتقارب فيه الأوروبيون كافة، وهو «اللون الأبيض» أو الانتماء إلى ~~القارة المجتباة بين القارات. وجعلوا هذا اللون الأبيض رسالة يبشر بها الأوروبيون من عداهم ~~من الشعوب الإنسانية، وسموا تلك الرسالة «عبء الرجل الأبيض» أو أمانة الرجل الأبيض، أو ~~تبعته أمام الله لهداية خلقه الذين لم يبلغوا مبلغهم من العلم والارتقاء. # وصدق العالم الإنجليزي الحديث جوليان هكسلي حين قال: إن هؤلاء الدعاة مسبوقون إلى دعواهم ~~قبل ميلاد السيد المسيح؛ فقد سبقهم «أشعياء» من أنبياء إسرائيل فقال في إصحاحه التاسع ~~والأربعين: # اسمعي لي أيتها الجزائر، واصغوا أيها الأمم من بعيد. الرب من البطن دعاني، من ~~أحشاء أمي ذكر اسمي. وجعل فمي كسيف حاد. في ظل يده خبأني وجعلني سهما مبريا. في كنانته ~~أخفاني. وقال لي: أنت عبدي إسرائيل الذي به أتمجد. أما أنا فقلت عبثا: تعبت، باطلا ~~وفارغا أفنيت قدرتي. لكن حقي عند الرب وعملي عند إلهي. # والآن قال الرب جابلي من البطن عبدا له لإرجاع يعقوب إليه فينضم إليه إسرائيل. فأتمجد في ~~عيني الرب وإلهي يصير قوتي. فقال: قليل أن تكون لي عبدا لإقامة أسباط يعقوب ورد محفوظي ~~إسرائيل، فقد جعلتك نورا للأمم لتكون خلاصي إلى أقصى الأرض. هكذا قال الرب فادي إسرائيل ... # فرسالة الرجل الأبيض التي تمخض عنها القرن التاسع عشر كله لم يذهب أصحابها إلى أبعد من ~~هذا المدى الذي سبقهم إليه بنو إسرائيل قبل ميلاد السيد المسيح بسبعة قرون. ~~••• # وظلت المفاخر العنصرية كلها من قبيل ms03 هذه العادات الاجتماعية التي لا يرجع فيها إلى قياس ~~منطقي ولا موازنة علمية، فكانت أشبه شيء بمفاخرات الصبيان بعضهم لبعض بآبائهم وأمهاتهم ~~وإخوانهم وجيرانهم وبيوتهم التي يسكنونها ومدنهم التي ينشئون فيها، وكل شيء يتصل بهم وتنعقد ~~فيه المقابلة بينهم وبين غيرهم. وفحوى مفاخر الأجناس من هذا القبيل أن كل جنس هو أفضل ~~الأجناس لغير سبب. وليس هذا من القياس المنطقي ولا الموازنة العلمية في شيء. # ثم اتسع نطاق البحث العلمي في القرن التاسع عشر فأدخل الفوارق بين الشعوب في موضوعاته ~~الكثيرة، وجعل لها علما خاصا أو بابا خاصا من أبواب المعرفة يسمى معرفة الأجناس ~~البشرية. # وانتهى به البحث إلى وجود الفوارق الصحيحة بين خمسة من الأجناس التي ينتمي إليها شعوب ~~البشر كافة، وهي الجنس القفقاسي أو الأبيض، والجنس الزنجي أو الأسود، والجنس المغولي أو ~~الأصفر، والجنس الأسمر أو أهل الملايا، والجنس الأحمر أو سكان القارة الأمريكية ~~الأصلاء. # واختصر بعضهم هذا التقسيم إلى ثلاثة أقسام فجعل الأجناس الصفراء والسمراء والحمراء فروعا ~~من أصل واحد. وهو اختصار له سند معقول. # وقد عني أصحاب هذه التقاسيم بالفروق التي تورث وتنتقل مع الأجيال؛ أي بالفروق التي ~~يسمونها فروقا بيولوجية دون غيرها من الفروق الاجتماعية التي تكسب بالقدوة ~~والمحاكاة. # وتناول العالم اللغوي الألماني ماكس موللر دراسة الأجناس من الناحية التي تعنيه، وهي ~~ناحية المقابلة بين اللغات. فاستخدم كلمة اللغات الآرية وأحياها من جديد، بعد أن سبقه إلى ~~استخدامها السير وليام جونس في أواخر القرن الثامن عشر، وقرر أن لهجات اللغة الهندية ~~الفارسية نشأت من مهد واحد في أواسط آسيا التي كان الأقدمون يعرفونها باسم «أريانا»، وأنها ~~كانت في نشأتها الأولى لغة قبيل واحد من الأجناس البشرية، وكلا القولين اليوم خطأ عند علماء ~~هذه المباحث فيما أثبته جوليان هكسلي من كلامه عن الجنس في القارة الأوروبية. # وأحس العالم الألماني الكبير أن دعوة الجنس الآري ستخرج من حيز التفكير العلمي إلى ميدان ~~الصراع على الشهوات السياسية، فحذر قراءه من الخطأ في تفسير كلامه وعاد إلى التحذير من ms04 ذلك ~~في شيخوخته حيث قال: «لقد ناديت مرة بعد مرة أنني إذا ذكرت الآرية فلست أعني الدم ولا العظم ~~ولا الشعر ولا الجمجمة. وإنما أرمي إلى قصد واحد وهو أولئك الذين يتكلمون باللغة الآرية ... ~~ومتى تكلمت عنهم فلست أتبع في ذلك الخصائص التشريحية، ولا أعني أن أبناء السكنديناف ذوي ~~العيون الزرق والشعر الأصفر قد كانوا قاهرين أو كانوا مقهورين، ولا أنهم قد اتخذوا لغة ~~السادة السمر الذين تغلبوا عليهم أو كان الأمر عل نقيض ذلك ... وعندي أن عالم الأجناس الذي ~~يتكلم عن العنصر الآري والدم الآري والعيون الآرية والشعر الآري إنما هو في خطيئته العلمية ~~كاللغوي الذي يتكلم عن معجم مستطيل الرأس أو أجرومية مستديرته على حد سواء.» # وكان القرن التاسع عشر قرن «مذهب النشوء»، كما كان قرن المذاهب العلمية والفلسفية من شتى ~~نواحيها، فما زالت الأقوال في مذهب النشوء تتسع وتتشعب حتى عرض لبعض الباحثين فيه أن ~~الأجناس البشرية تنتمي إلى أصول متفرقة لا إلى أصل واحد أو شجرة واحدة، وأن القردة العليا ~~هي أجناس بشرية سفلى، وأن المغولي والقرد المعروف بالأورانج نبتا من أصل واحد، وأن الزنجي ~~والغوريلا والشمبانزي تنتمي إلى أصل آخر، وكان رأس القائلين بهذا الرأي عالم ألماني من ~~علماء الأجناس هو الدكتور هرمان كلاتش # Klaatsch # أستاذ هذا ~~العلم بجامعة برسلاو الألمانية. فأعلن في أوائل القرن العشرين رأيه هذا وأيده بما بدا له من ~~الشواهد والملاحظات التي كشفت عنها مقابلاته بين أنواع القردة وأنواع الإنسان. # لكن القرن التاسع عشر لم يكن قرن المباحث العلمية ولا قرن النشوء والتطور دون غيرهما. بل ~~كان كذلك قرن التوسع في الاستعمار وتسخير العلم لخدمة المطامع الاستعمارية والمنازعات ~~السياسية ... فظهر من الكتاب من يبشر بالجامعة اللونية أو العصبية الجنسية على أساس اللون ~~والعنصر، وقام في أوروبا من يبشر بامتياز أجناس الشمال على سائر الأجناس البشرية، ومن يرد ~~الفضل في كل فتح من فتوح العلم والثقافة والحضارة إلى أصل الجنس الآري المزعوم في الشمال، ~~وأشهر من اشتهر بهذه الدعوى «آرثر دي جوبينو» ms05 في فرنسا، وهوستون شمبرلين الإنجليزي المتجرمن ~~في ألمانيا، ولم تخل أمريكا من نصيبها من هؤلاء الدعاة، وهي ميدان نزاع بين الأجناس البيضاء ~~والحمراء والسوداء، وميدان مفاخرة بين المهاجرين الأوروبيين الذين يمتون بالنسب إلى أصول ~~مختلفة. كالسكسون واللاتين وأمم الشمال والجنوب. فكان لوثروب ستودارد # Lothrop Stoddard # وماديسون جرانت # Madison Grant # على رأس المبشرين بهذه ~~العقيدة في الولايات المتحدة، ولم تكن كراهة الأجناس الملونة هي الباعث الوحيد في نفوس ~~هؤلاء إلى التبشير بمزايا الرجل الأبيض أو مزايا الجنس الآري خاصة من بين الشعوب البيضاء. ~~وإنما كانت كراهتهم للحكومة الحرة - أو حكومة المساواة بين الطبقات - باعثا آخر إلى إنكار ~~صفاء الشعوب التي سمحت بهذه الحكومة الحرة، واتهامها بالنكسة والفساد من جراء امتزاجها ~~بأجناس غير الجنس الآري أو الجنس الشمالي المجيد، فكانت هذه النكسة مدرجة لها إلى النزول عن ~~أوج السيادة والإذعان لشريعة المساواة. # ولا شك أن حروب نابليون بونابرت كانت لها يد قوية في تمكن هذه النزعة بين الأمم ~~الجرمانية خاصة؛ لأنها كانت سلاحها الذي تدرأ العار به عن فخارها القومي في مجال الصراع ~~بينها وبين اللاتين أو بين أمم الشمال وأمم الجنوب، وقد كان نابليون - قائد فرنسا اللاتينية ~~في صراعها مع الجرمان - منحدرا من جنوب الجنوب بالقياس إلى القارة الأوروبية، فكانت صيحة ~~الفخار القومي التي تستثار بها الأمم الجرمانية إلى الوحدة هي تعظيم مزايا الجنس الشمالي ~~الذي ينتمون إليه، واتفق ذلك في عصر البحث عن الأجناس وعصر النشوء والتطور وعصر السباق إلى ~~الاستعمار وعصر الديمقراطية التي تخلف فيها الجرمان عن جيرانهم، فكانت صيحة التفوق العنصري ~~على أشدها بين الألمان، وكادت عقيدة الجنس الآري أن تنحصر فيهم بعد مولدها في بلاد الإنجليز ~~على لسان واحد منهم وهو العلامة ماكس موللر الذي سبقت الإشارة إليه، ومن ثم بدرت دعوة إلى ~~التفوق العنصري لم تكن لها صلة بالثقافة الألمانية الحديثة من قريب أو بعيد. ~~••• # وقد تعددت الأسباب التي ألهجت ساسة الألمان بعد الحرب العالمية الماضية (1914-1918) ~~بمسألة العنصر ودعوى الآرية أو الأقوام الشمالية وما لها ms06 من الرجحان على خلائق الله كافة من ~~أوروبيين وغير أوروبيين، سواء في الزمن القديم أو في الزمن الحديث. # فقد احتاج الساسة الألمان إلى محاربة المذهب الشيوعي فوضعوا بإزائه مذهب الاشتراكية ~~«الوطنية» وهي تعتصم بالخصائص القومية في وجه الدولية التي يبثها الشيوعيون؛ وفاقا ~~لعقيدتهم المعروفة، وهي عقيدة الثورة على الأوطان والأديان. # ووافقتهم الخصائص القومية في حربهم للشيوعيين من وجه آخر غير المقابلة بين المذهبين، وذاك ~~هو المقابلة بين عنصر السلافيين وعنصر التيوتون الذي ينتمي إليه الألمان. فكانوا يقولون: ~~إنهم هم حماة الحضارة الأوروبية من زحوف البرابرة التي تهددها من قبل آسيا في الزمن ~~الحديث. # واستغلوا دعوة العنصر الآري استغلالا غير هذا وذاك في محاربة اليهود باسم ~~الساميين. # واستغلوها مع هذا وذاك لاستنهاض نخوة الأمم الجرمانية بعد هزيمتها المنكرة في ميادين ~~القتال، فنفخوا في أوداجها أنها أهل للظفر - وليست بأهل للهزيمة - لأنها خلقت للسيادة ~~وتنزهت في سلالتها الآرية عن شوائب الأجناس، وأدخلوا في روعها أنها كانت وشيكة أن تظفر ~~بأعدائها لولا خيانة العمال من قبل الشيوعية، وخيانة اليهود من قبل الشيوعية تارة ومن قبل ~~أصحاب الأموال تارة أخرى. # فأصبحت دعوة العنصر هوسا جامحا كهوس التعصب في كل عقيدة من العقائد الشعورية، وبلغ من ~~التهوس بالدم الآري المزعوم أنهم جعلوه فلسفة في الحكم وفلسفة في الأخلاق والفنون والآداب، ~~فكانوا يقولون: إن الحكومة بنية حية تنبت من الدم القومي كما تنبت الجوارح في الأجسام، وإن الزعيم تركيب داخل في تلك البنية بتقدير من طبيعة الكون أو طبيعة ~~الخلاق العظيم، وكان هتلر ينادي في كتابه: # إننا معشر الآريين لا نعرف الحكومة إلا كبنية ~~ذات حياة يتلبس بها الشعب من الشعوب ... # فهي شيء لا يدخل في الإرادة ولا في التربية السياسية ~~ولا في نظم التشريع والانتخاب. # وتطوح الغلو بدعاة هذه العنصرية حتى بلغوا بها - مع تلك البواعث النفسية والسياسية - ~~مبلغا لم يسبقهم إليه سابق في عالم البحث ولا في عالم الخيال، فجعلوا أجناس البشر فصائل ~~تتعاقب طبقة تحت طبقة حتى تلتقي بالقردة ولا يبعد أن تناسلها، ms07 وجعلوا أنفسهم نخبة مختارة ~~بين فصائل الآرية جمعاء ترتقي إلى الذروة العليا في ذلك الترتيب، وعادوا إلى كل رجل من ~~أصحاب القرائح الخلاقة بين عظماء الأمم فألحقوه بالآريين على وجه من الوجوه، وعادوا إلى كل ~~اختراع من مبتكرات الصناعة وأدوات الحضارة فنسبوه إلى شعبة آرية مقيمة في موطنها أو مهاجرة ~~إلى وطن من الأوطان، فحصروا الخلق والقيادة في الآرية المزعومة دون غيرها، وجعلوا العناصر ~~الأخرى جميعا عالة على الآريين ينتفعون بما يخلقون، ويدينون لسيادتهم طائعين أو ~~كارهين. # ولعل هذا الغلو من جانب دعاة العنصرية قد جنح بنقاد هذا المذهب إلى الغلو في إنكار خصائص ~~الأقوام والأجناس، وهم إذا غلوا في هذا الطرف كان لهم شفيع من الحجج والشكوك أدنى إلى ~~الإقناع من شفيع العنصريين. # وإنما نعرض للبواعث السياسية التي امتزجت بالحقائق العلمية في مسألة الجنس والعنصر؛ لأن ~~الإلمام بهذه البواعث يعين على تجريد الحقائق العلمية من أخلاطها الغريبة ويرجع بها كرة ~~أخرى إلى حيز الدراسة الفكرية والبحث المعقول. # ومن الواجب أن نصغي أولا إلى دواعي التشكيك في تلك الدعوة الجازمة وهي كثيرة، فإنها على ~~التحقيق تدعو إلى الشك في دعوة العنصريين، وتبطل اليقين بكل عقيدة من تلك العقائد التي خيل ~~إليهم أنهم يؤمنون بها؛ لأنهم يشعرون بالحاجة إلى ذلك الإيمان. # فمن دواعي الشك في العنصرية الآرية أن العنصر الآري المزعوم لم يكن له وجود قط كأنه سلالة ~~من السلالات الوراثية على النحو الذي تخيلوه، وإنما كان جامعة لغوية يشترك فيها أقوام ~~مختلفون لا يتأتى ردهم اليوم إلى سنخ واحد، ولا يتشابهون في الخصائص العنصرية إلا كما ~~يتشابه الأقوام الذين يتكلمون اليوم بلغة واحدة على تباين المواطن والألوان. # قال العالم الإنجليزي جوليان هكسلي في كلامه عن العنصر أو الجنس بالقارة الأوروبية: إن ~~دعاة العنصرية يتكلمون عن الجرمان والآريين وأقوام الشمال «أو النورديين» كأنهم سلالة ~~واحدة، وهذا خلط لا مسوغ له من الحقائق. وإنما المقطوع به أن هناك نموذجا بشريا يعرف ~~بالنموذج الشمالي موزعا بين الأقطار الشمالية في أوروبا من الجزر البريطانية ms08 إلى التخوم ~~الروسية، وأن هذا النموذج وهو على أقرب ما يكون إلى النقاوة والصفاء في بعض الأقاليم ~~السكندنافية لم ينسب إليه قط فتح من فتوح الحضارة أو كشف من كشوف العلم أو أداة من أدوات ~~الاختراع التي اشتهرت في التاريخ، وقد روجعت مخلفات العصر الحجري التي ترد إلى ما قبل ~~الميلاد بثلاثة آلاف سنة في بريطانيا العظمى؛ فإذا هي تمثل ثقافة من ثقافات البحر الأبيض ~~المتوسط حملها ذووها إلى شبه الجزيرة الأيبيرية - التي نعرفها باسم الأندلس - ثم إلى فرنسا ~~فالجزر البريطانية. # ومن المحقق أن الخطوات الأولى التي خطاها الإنسان إلى الحضارة حين تعلم الحرث والكتابة ~~وبناء المنازل ونقل الأحمال على الدواب قد تقدم بها في جوار البحر الأبيض، حيث تقيم الأمم ~~السمراء التي لم تنسب إلى السلالة النوردية، ومن المحقق كذلك أن مشاهير الجرمان أمثال جيتي ~~وبتهوفن وكانت كانوا مستديري الرءوس ربعة في القوام، وليس نابليون ولا شكسبير ولا أينشتين ~~ولا غاليليو وعشرات من أمثالهم على الصفة التي يزعمونها للنورديين، ومن طرائف المصادفات أن ~~اللون الأشقر والقوام الطويل الرشيق لا يعرفان لزعيم من زعماء الدعوة النوردية أو الآرية ~~المزعومة. فهتلر أسمر وجورنج سمين بادن وجوبلز قصير دميم، وزعماء «الجنكر» من سكان ألمانيا ~~الشرقية تختلط فيهم ملامح السلافيين والتيوتون، وهم أكبر الدعاة إلى السيادة الجرمانية على ~~الأمم قاطبة. # ويتفق علماء الأجناس ووصف الإنسان على توزيع السلالات في العنصر الواحد، كما يتفقون على ~~ندرة النقاوة المحض في عنصر أو سلالة. فالجنس الأبيض في القارة الأوروبية وما جاورها ينضوي ~~إلى عنوان واحد، ولكنه ينقسم إلا السلالات النوردية والألبية وسلالة البحر الأبيض المتوسط، ~~وهذه السلالة الأخيرة تنضوي إلى عنوان واحد ولكنها تنقسم إلى ليبيين وأيبيريين وليجوريين ~~نسبة إلى جبال الألب ما بين البحر وسافونا السفلى، وقد يضاف إليهم البيلاسجيون # Belasgian # الذين ينعزلون وحدهم في بحر «إيجه» على ~~مقربة من اليونان. # والجنس الأسود، على كونه من العناصر المتميزة بين أجناس البشر، يختلف في بعض الصفات وإن ~~تماثل في اللون أو تقارب فيه، فقد عرفت القبائل ms09 السوداء في أستراليا ولكنها تخالف القبائل ~~الأفريقية في الخصائص الوراثية؛ بل يقع الخلاف في بعض الملامح والأخلاق بين السود ~~المتجاورين من أبناء القارة الأفريقية أو أبناء الإقليم الواحد منها، فالبوشمان والهوتنتوت ~~كلاهما من سود أفريقية ولكن الأولين قصار وثابون مولعون بالصيد والقتال، والآخرين طوال ~~يرعون الماشية ويميلون إلى الاستقرار، ويجاورهم السود من أبناء قبائل البانتو الذين يعمرون ~~السودان الجنوبي وبعض أقاليم الصحراء إلى الشواطئ الغربية، وهم جماعات شتى بين رعاة رحل ~~مقاتلين وزراع مقيمين موادعين، وليست فوارقهم في اللغات بأقل من فوارقهم الكثيرة في الملامح ~~والسمات والعادات. ~~••• # وبعض هذه الشواهد المتواترة يقرر لنا أن السلالات البشرية لا تبقى على وحدتها وانفرادها ~~مع تعاقب الأجيال واختلاف مطارح الهجرة والانتقال، ولكنها تتوزع وتتفرع وينتشر التوزيع ~~والتفريع في خصائصها ومزاياها. وليس أدعى من ذلك إلى التشكيك في مزاعم العنصريين الذين ~~يحصرون مزايا البشر العليا جميعا في سلالة واحدة تنفرد بها وحدها بين سائر ~~السلالات. # ومن دواعي الشك القوية في مزاعم العنصريين أن كثيرا من المزايا التي يصفون بها سلالة من ~~السلالات يسهل الرجوع بها إلى عواملها المحلية أو الاجتماعية التي لا تحسب من العوامل ~~الوراثية الحيوية. ونعني بها ما يعرف بالعوامل البيولوجية. # فقد زعموا - مثلا - للسلالات الأوروبية أنها انفردت بحب المعرفة النظرية وملكة البحث عن ~~حقائق الأشياء و«التفلسف» المجرد الذي لا يرمي إلى المنفعة القريبة سواء منها ما ينتفع به ~~الأفراد أو ما تنتفع به الجماعات. وقالوا: إن الشعوب الشرقية لا تحب المعرفة هذا الحب ولا ~~تتجرد للمباحث الفلسفية هذا التجرد، ولكنها تعنى بالعلم لتطبيقه في الصناعات ومرافق العيش ~~ومطالب الحياة العملية، ودليلهم على ما يزعمون ذلك الفارق الظاهر بين ثقافة اليونان وثقافة ~~المصريين. # وحقيقة الأمر أن البحث عن أسرار الغيب وقوانين الوجود يدخل في سلطان الكهانات القوية وأن ~~هذه الكهانات القوية ترسخ وتتوطد وتبسط يديها على العقول إلى جانب الدول العظيمة التي لا بد ~~من قيامها في أودية الأنهار الكبيرة. فحيثما وجد نهر كبير في صقع من الأصقاع لم يكن هنالك ~~بد ms10 من قيام دولة عظيمة على شطيه تسوس الري والزرع وتصون الأمن وتضمن سلامة المعاملات، ومتى ~~قامت هذه الدولة العظيمة لم يكن لها بد من الاعتماد على دعائم الدين وسلطان الكهانة والتفرد ~~بحق البحث في العقائد والسيطرة على عالم الروح والضمير، وكثيرا ما تجتمع الوظيفتان في شخص ~~واحد كما اتفق لبعض الملوك الأرباب أو «أنصاف الأرباب» في التاريخ القديم، فإذا أصبحت ~~المباحث الغيبية والمعارف التي تتناول أصول الوجود حقا للكهانة تحميه الدولة، فليس من ~~المعقول أن تتسع الحرية للناس يثبتون فيها وينكرون كما تتسع لهم في غيبة الكهانة القوية ~~والدولة العريقة، ولا مناص من اختلاف مقاصد التفكير جيلا بعد جيل بين الأمتين حتى يلوح ~~للنظر العاجل في النهاية أنه اختلاف بين طبيعتين أو معدنين من معادن الخليقة ~~الإنسانية. # وقد كانت أمم الشرق القديم دولا لها كهانات قائمة قبل أن تظهر الفلسفة اليونانية بألوف ~~السنين، فامتد تفكير اليونان إلى محاريب الفلسفة التي كانت حرما منيعا في ظل الكهانات ~~الشرقية لا يتخطاه عامة الناس. # وظهر الفارق من أجل ذلك بين ثقافة اليونان وثقافة الشرقيين، ولو انعكس الأمر بين أرض ~~اليونان وأودية النيل ودجلة والفرات لانعكست الآية بلا مراء. # ومما يؤيد هذه الحقائق أن الكهانة القوية صنعت في أوروبا حين توطدت فيها مثل ما صنعته ~~الكهانات في الشرق القديم. فلما امتد سلطان الكنيسة البابوية على الأمم الأوروبية ضرب الحجر ~~على العقول فأحجم الناس دهرا طويلا عن البحث المجرد والتفكير في حقائق الوجود، وبلغت ~~الكهانة الأوروبية على حداثتها ما بلغته كهانات الشرق بعد أحقاب وأحقاب تتوالى من بداية عهد ~~التاريخ. # كذلك زعم بعض النقاد العسكريين من أهل أوروبا أن الأوروبيين يمتازون على الآسيويين ~~والأفريقيين في معدن الشجاعة والبطولة الحربية، واستدلوا على ذلك بانتصار اليونان مع قلتهم ~~على الفرس مع كثرتهم في معركة ماراتون ومعركة سلاميس. # فالواقع الذي أسفرت عنه دراسات الثقات من النقاد العسكريين المحدثين، أن الفخار الوطني قد ~~لعب لعبته المعروفة بأخبار المعركتين فبالغ فيها جد المبالغة وأضفى عليها ثوبا من الحماسة ~~الخيالية خرج ms11 بها من حيز التاريخ الصميم إلى حيز الملاحم الهومرية. # فلم يدر في خلد «دارا» يوما من الأيام أن يستولي على أرض اليونان؛ لأنها أرض جرداء لا ~~تنفعه للزراعة ولا للتجارة ولا يخشى منها الخطر العسكري على دولته المترامية الأطراف، وإنما ~~عناه أن يؤدب إريتريا وأثينا لأنهما تجرأتا على معاونة اليونان الثائرين عليه في آسيا ~~الصغرى، واغتنم لذلك فرصة الشقاق بين المستبدين وأنصار الحرية في أثينا أو قيل إنه تلقى من ~~زعماء الشعب المتمرد وعدا بالانضواء إليه وخذلان أولئك المستبدين. # فأخمد الثورة في آسيا الصغرى ثم زحف على «إريتريا» فعصف بها وأرسل أهلها أسارى وسبايا إلى ~~شطوط الخليج الفارسي يسامون فيها سوم الأرقاء. # ثم تقدم إلى أثينا وفي حسابه أنها منقسمة على نفسها مسرعة إليه بالتسليم ولو من بعض ~~طوائفها وزعمائها، فلما وقع ما لم يكن في حسبان الفرس ولا اليونان واتفقت كلمة الأثينيين ~~على الدفاع عن بلادهم لم يشأ أن يطيل الحصار؛ لأنه لم يقصد إلى إسقاط المدينة ولم يجد في ~~الأمر ما يستحق المطاولة والعناء. # أما معركة سلاميس فقد كانت المصادفة فيها أغلب من التدبير. شغل الفرس بعد معركة ماراتون ~~بالثورة المصرية ثم خرج زركسيس لقتال اليونان في جيش ضخم مختلط الأجناس لكنه دون الضخامة ~~التي صورها اليونان بكثير، وكانت ضخامته واختلاطه عائقا له ولم تكن من مزاياه ومرجحاته؛ ~~لأن قيادة جيش كبير من قبيل واحد أيسر جدا من قيادة نصف هذا الجيش وهو مختلط الأجناس ~~متعدد الأهواء، ولأن الجيش كان مرتبطا بمعونة الأسطول الذي يلازم الشاطئ ويحمل له المئونة ~~والعتاد ويتكفل بنقله في المجازات البحرية، فأصبح الجيش والأسطول معا مقيدين بطريق واحد لا ~~يعدوانه ولا يغيب علمه عن اليونان. ولما التقى الأسطولان في سلاميس كانت كثرة السفن ~~الفارسية عائقا للأسطول أيضا ولم تكن من مزاياه ومرجحاته؛ لأن المكان أضيق من أن يتسع ~~لمناورات الأسطول كله، ولأن زركسيس لم يتقدم إليه إلا لعلمه باختلاف قواد اليونان في إدارة ~~المعركة البحرية، وكان الواقع أنهم مختلفون وأن بعضهم أعلن في مجلس ms12 الحرب نية التراجع بمعظم ~~السفن من سلاميس. # فلما نشبت المعركة قبل أن يتم هذا التراجع كانت الكفة الراجحة في جانب اليونان، وأصبح ~~تموين الجيش الفارسي ضربا من المحال بعد ضياع السفن التي مني بخسارتها في المعركة، فعدل ~~زركسيس عن المطاولة في المعركة البحرية وإن كان قد ظفر بالأثينيين في المواقع ~~البرية. # ولا شك أن الذي أصاب الفرس في هذه المعارك قد كان يصيب اليونان لا محالة لو أنهم كانوا في ~~موضعهم وكانوا ينقلون الجيش مثل نقلهم وهو في اختلاطه وتعدد أهوائه. # فليست المسألة كلها مسألة اختلاف في معدن القوم أو مناقب السلالة، ولكنها اختلاف في ~~الأحوال والملابسات، وخليق بالذين ينسون آفة الاختلاط في الجيوش ويحسبون مغبتها على الفرس ~~أو الشرقيين دون غيرهم، أن يذكروا أن الصليبيين على وفرة جموعهم وانتمائهم جميعا إلى ~~العنصر الأوروبي قد أصابتهم الهزيمة على أيدي الشرقيين وهم دولة واحدة تقل عنهم في العدد ~~والعتاد ولم تعوز الصليبيين في تلك المواقع حرارة العقيدة وشدة المراس. # ومع هذا ألا يقول دعاة البدعة الآرية إن الفرس قديما من سلالة الآريين وإنهم أقرب إلى ~~أمم الشمال من يونان الجنوب؟ # إن العالم النمسوي فردريك هرتز يذكر أن اختلاط الزنوج بأهل أوروبا كان في الزمن القديم، ~~ومن المفيد في هذا الصدد أن ننقل هنا ما أوردناه في كلامنا على مفاخر الأجناس بالجزء الثاني ~~من «ساعات بين الكتب» وهذا بعض ما جاء فيه: # للزنوج أثر في أوروبا تدل عليه الجماجم التي وجدت في ألمانيا وبلجيكا وفرنسا ~~وكرواتيا ومورافيا، ووجد ما يشابهها منذ ثماني سنوات في أفريقيا الجنوبية. وقد بقي ~~أثر للأقزام السود في جبال الألب إلى عهد بنيني الذي تكلم عن هؤلاء الأقزام وعززت ~~كلامه القصص والأساطير. # ويزعم شمبرلين أن عرفان حقوق الحياة هو مزية الآريين التي لا يعرفها الساميون في الشرق ~~لاستغراقهم في المادة وتقديمهم المال والحطام على الأذهان والأرواح. فيجيبه الأستاذ هرتز ~~بجواب مفحم هو المقابلة البسيطة بين شريعة الرومان وشريعة حمورابي في محاسبة المدينين، ~~فاللوح الثالث من ألواح القانون الروماني ms13 يبيح للدائنين أن يقطعوا لحم المدين ويقتسموه ~~بينهم وأن يقتلوه قتلا في مدى سبعة وعشرين يوما من يوم القبض عليه وتكبيله في الحديد ~~والحبال، وأما شريعة حمورابي فهي تقضي بأن يخدم المدين دائنه ثلاث سنوات، والقانون يحميه في ~~خلال هذه الخدمة من سوء المعاملة والإرهاق. زد على هذا أن الفرق واضح بين الشريعتين في أمور ~~أخرى؛ منها أن السارق المضطر معذور في شريعة حمورابي، وهو غير معذور بحال من الأحوال في ~~شريعة الرومان، وأن الأب الروماني يجوز له أن يبيع أولاده، ولا يجوز ذلك للآباء عند ~~البابليين، وأن الزوج البابلي لا يجوز له أن يقتني السراري بغير إذن من زوجته، وليس للزوجة ~~مثل هذا الحق عند الرومان، وأن المدين يحق له أن يطلب الحط من دينه إذا نقصت غلة أرضه وليس ~~في الشريعة الرومانية شيء من هذا القبيل. وهكذا وهكذا من شواهد الرحمة وتقديم الحياة على ~~الحطام في شريعة حمورابي ثم من شواهد القسوة وتقديم الحطام على الحياة في شريعة ~~الرومان. # ويرفع شمبرلين اليونان إلى السماء ويقول إن علومهم وفلسفتهم وفنونهم مرجعها إلى طبيعتهم ~~الآرية التي يمتازون بها على الآسيويين والساميين. فيقول له هرتز: إن أرسطو في زمانه كان ~~يطري مواهب الآسيويين في الفنون ويحكم على أمم الشمال بالعقم الذي لا علاج له في المعارف ~~الفنية والسياسية لعلة الجو التي لا تبديل لها على تعاقب الأزمان، ويقول هرتز أيضا إن ~~ثوسيديد المؤرخ اليوناني ذكر أن اليونان كلها كانت في قبضة البرابرة، وذكر هيرودوت أنه كان ~~يسمع في زمانه لغة البرابرة في بعض أنحاء وطنه، وأن العلماء المحدثين - كرشمر وكيسلنج وفك - ~~أقاموا الأدلة على أن سكان آسيا الصغرى وسكان اليونان كانوا جنسا واحدا من الآسيويين، وأن ~~أسماء بعض المواقع اليونانية لا ترد إلى مصادر من هذه اللغة؛ لأنها مشتقة من اللغة القديمة ~~كما اشتقت منها أسماء الأرباب فيما يقول هيرودوت. والأقوال متفقة على أن طاليس ~~رأس الفلسفة اليونانية من أصل آسيوي سامي وأنه تعلم العلم في البلاد المصرية، وكذلك تتفق ~~الأقوال ms14 على أن زينون رأس الفلسفة الرواقية آسيوي الأصل والنشأة، بل يقول فيرث: إن هومر ~~نفسه اسم سامي آسيوي محرف من «زومر» بمعنى المغني أو الزامر، وغير ذلك كثير من الأقوال عن ~~الفلاسفة الآخرين. # ولا يريد هرتز أن يقف في الإنصاف عند شعب من الشعوب ولا جنس من الأجناس؛ لأنه يرى أن ~~الفواصل بين أي شعبين في العالم ليست من البعد والحيلولة بحيث تستعصي على التقارب مع تشابه ~~الأحوال ومؤاتاة الأيام. فهنيبال الزنجي الذي اقتناه بطرس الأكبر ارتقى بذكائه واجتهاده إلى ~~رتبة مهندس في المدفعية وبنى بسيدة من الأشراف، وكان حفيدهما بوشكين أكبر شعراء الروس وأحد ~~كبار الشعراء في الدنيا، وسليمان وهو زنجي آخر كان في البلاط النمسوي في القرن الثامن عشر ~~بنى بسيدة شريفة واقترنت بنته بسيد من الأشراف، وتزوج تاجر من هامبورج بنت سلطان زنجبار ~~فبلغت بأدبها ورجاحة لبها مكانة تغبط عليها في البلاط الألماني وأصبحت صديقة حميمة ~~للإمبراطورة فردريك وكتبت لها ترجمة حياتها التي عنوانها «من قصة أميرة عربية». وقد كان ~~الدم الزنجي يجري في عروق دوماس الكبير ودوماس الصغير كما هو معروف. # يقول هرتز: «لا ترى أحدا يزعم أن هناك فجوة لا تعبر بين الحمص الأحمر والحمص الأزرق أو ~~بين الحصان الأبيض والحصان الأسمر. أما في بني الإنسان فالفرق اليسير - بالغا ما بلغ من ~~التفاهة - كاف لأن ينشئ من الأوهام الجنسية والعصبيات الشعبية أسخفها وأنآها عن الحقيقة. ~~وما الفرق هنا مع هذا إلا اختلاف في الدرجة لا في الجوهر. فقد يرينا المجهر أن الفروق ~~الكثيرة بين ألوان بني الإنسان إنما هي فروق في درجات التجمع والتوزع في مادة صبغة واحدة ~~متماثلة في الجميع.» # كلام إذا رجعنا به إلى الأسانيد والبينات فهو أقوى سندا وأثبت بينة من كلام المغرقين في ~~تمجيد الأوروبيين وتفضيلهم على جميع الشعوب، وإذا رجعنا به إلى الهوى فهو أقرب إلى هوانا ~~وأولى بإصغائنا من كلام أولئك المغرقين. # فلا وقائع التاريخ ولا مباحث العلم ولا مشاهدات العيان تؤيد دعوى العنصريين الذين ~~يستخلصون من النوع البشري ms15 كله نخبة واحدة ويفردونها بأفضل المزايا وأشرف الأخلاق بين ~~السلالات الإنسانية. # ولكننا نتجاوز الحد المأمون إذا تجاوزنا هذه الحقيقة إلى ما وراءها، فكل ما هو محقق في ~~صدد المفاخر العنصرية، أن العلم لا يؤيد الامتياز المطلق الذي يدعيه العنصريون لبعض ~~السلالات، ولكنه لا ينفي وجود الاختلاف بين العناصر ولا توارث الخصائص الجسدية وما يتعلق ~~بها من الخصال النفسية. فهذه فروق موجودة يزداد ظهورها في بعض الأفراد وينقص في آخرين ~~ولكنها لا تبطل ولا يتأتى لنا أن نتجاهلها ونتجاوز عنها إلا إذا تجاوزنا العيان وأغضينا عن ~~المحسوس الماثل لجميع الأذهان. # وقد يوجد من العنصرين المختلفين شخصان يتشابهان وتصعب التفرقة بينهما على الباحث المحقق ~~فضلا عن الناظر في عرض الطريق. ولكن التشابه حينا لا يمنع الاختلاف في جميع الأحيان، ولو ~~ذهبنا نبطل المخالفة بين الأنواع كلما وجدت المشابهة بينها لأمكن إنكار الفارق بين الإنسان ~~والحيوان على هذا القياس، فإذا قيل: إن الحيوان يمشي على أربع أمكن أن يقال كذلك: إن بعض ~~الإنسان يمشي على أربع، وإذا قيل: إن الحيوان أعجم أمكن أن يقال كذلك: إن بعض الإنسان أبكم ~~وإن بعض الطير ينطق كما ينطق الإنسان، وإذا قيل: إن الحيوان مسلوب العقل والتفكير أمكن أن ~~يشار إلى أفراد من الناس لا يعقلون ولا يفكرون. وإذا قيل: إن الإنسان والحيوان لا يتناسلان ~~أمكن أن يقال: إن الكلب حيوان والهر حيوان وهما لا يتناسلان. # فوجود المشابهة في بعض الأفراد لا ينفي المخالفة في عامة الأفراد. وقد يتعذر الفارق ~~الحاسم بلغة العلم المقرر ولكنه مع ذلك يبقى فارقا حاسما إلى أن يوجد التعريف. # والحد المأمون الذي لا نريد أن نتجاوزه في هذا الصدد هو ما أسلفناه من أن الدعوى التي ~~تفرد بعض العناصر بأفضل المزايا وأشرف الأخلاق هي دعوى يعوزها الدليل القاطع من وقائع ~~التاريخ ومباحث العلم ومشاهدات العيان. أما الاختلاف بين خصائص الأجناس فهو موجود لا شك فيه ~~وإن تفاوتت درجات ظهوره في بعض الأفراد. # فمن المشاهدات - ومن البديهات معا - أن العزلة في النسب وفي ms16 التعرض للمناخ والبيئة ~~وأحوال المعيشة وعادات الاجتماع تعقب العزلة في الصفات الجسدية والخلائق النفسية على ~~السواء. # ومن المشاهدات - ومن البديهات معا - أن الشعب الذي يقضي عشرة آلاف سنة ولاء في مكافحة ~~العوارض الجوية والاحتيال على موانع الطبيعة والتأهب للمفاجآت من جيرانه ومن طوارق الأرض ~~والماء والسماء، لا يشبه شعبا قضى مثل تلك الدهور في الدعة أو في التعويل على المصادفات ~~وهو معفي من الحيلة والجهد في صراع الحياة. # وقد أظهر العلم الحديث أن التوارث في الخلق والخلق منوط بالناسلات # Genes # التي توجد في خلايا الذكور والإناث، وأن هذه ~~الناسلات تتقارب في أفراد القبيل الواحد كما تتقارب في أفراد الأسرة الواحدة. ولكننا لا ~~نعرف اليوم على وجه التحقيق كم من الزمن يكفي لتحويل العوارض التي تنشأ من البيئة والمعيشة ~~إلى موروثات تستقر في تكوين الناسلات وتنتقل من الآباء إلى الأبناء، ولا نعرف على وجه ~~التحقيق هل ما يوجد الآن من اختلاف الناسلات وليد الاستمرار الطويل في عوارض البيئة ~~والمعيشة، أو هو وليد أصل آخر من أصول الاختلاف في التكوين؟ # والذي يلوح لنا من المشاهدة المحسوسة، ونعتقد أن العلم وشيك أن يمثله في تجربة من التجارب ~~المقررة - أن فراسة الوجه الإنساني تدل على كثير، وأن هذه الدالة مرتبطة أوثق الارتباط ~~بالأعصاب ثم بالعظام. # فأنت لا تخطئ تاريخ الأمة كلها إذا نظرت إلى وجوه أبنائها، ولا يفوتك أن تعلم أن هذا ~~الوجه السهل الذي تغلب فيه ملامح اللحم والدم على ملامح الأعصاب والعظام هو وجه أناس مارسوا ~~في ماضيهم قليلا من الكفاح وقليلا من التجارب وقليلا من حوافز النفوس، وأن ذلك الوجه ~~الحازم الذي يلفتك إلى متانة الأعصاب والعظام قبل أن يلفتك إلى بضاضة اللحم والدم هو وجه ~~أناس ثابروا على الاعتزام والجلد ولم يستسلموا لسهولة العيش منذ زمن بعيد، وليس في وسعنا، ~~أن نعلم اليوم كيف تورث هذه الملامح الحازمة في الوجوه، فإن اللحم لا ينقلها والدم قد يخزن ~~الناسلات ولكنه لا يخزن القوى التي هي من قبيل الطاقة الكهربائية في الأحياء ms17 وغير الأحياء، ~~فأغلب الظن إذن أنها تنقل في مخازن الأعصاب ثم في مخازن العظام، ولعلها تنحصر في الأعصاب ~~على نحو لا يصعب على العلم - فيما نقدره - أن يهتدي إليه، وقد يكون للأعصاب فيها اتصال ~~كبير بالدماغ وسرعة الاستجابة بينه وبين مواطن الانتباه والتنبيه. # ومهما يقل العلم غدا في هذه المسألة فالذي نجزم به منذ الساعة، أن وجوه الأمم التي قضت ~~ألوف السنين في الجلد والاعتزام تخالف وجوه الأمم التي تيسرت لها المعيشة طوال تلك السنين، ~~وأن الاستدلال بملامح الوجوه طبيعة في جميع الأحياء؛ لأن الحيوان ينظر أول ما ينظر إلى وجه ~~الحيوان الذي يقابله ليعلم هل يسالمه أو يناجزه ويتحداه، وإن كانت الوجوه لا تبدي كل ما في ~~النفوس والعقول، فهي كذلك لا تخفي كل ما في النفوس والعقول. # وحسبنا الآن أن العلم يثبت كما تثبت المشاهدة أن خصائص الأجناس تورث إلى زمن بعيد ولا ~~سيما حين ينحصر التزاوج في أبناء القبيلة الواحدة أو الوطن الواحد، وأن بعض العادات ~~الاجتماعية التي تنجم من تشابه المعيشة تثبت في الأفراد بعد زوال أسبابها إلى حقبة طويلة، ~~وأن الأبناء ينقلونها عن الآباء بالقدوة والتلقين وإن لم ينقلوها بالوراثة كما تنقل الخصائص ~~التي تتمثل في الناسلات. # وليس بنا هنا أن نبسط القول في خصائص الأجناس جميعها؛ لأن الجنس الأسود هو الذي يعنينا ~~منها في هذا الكتاب، وهو من الأجناس التي يسهل تمييزها بالخصائص الموروثة وعادات القدوة ~~والمعيشة، والاختلاف في وصفه أقل من الاختلاف في وصف غيره من الأجناس البشرية الخمسة أو ~~الثلاثة على قول بعض المتأخرين. # ونحن ننقل هنا شذرات من أوصافه في كتل علم الأجناس وعلم الإنسان ونصحح بعضها ببعض ونضيف ~~إليه ما نعلمه من خصائص هذا الجنس بالمعاشرة والاختبار. # قال الدكتور سايس # Sayce # صاحب كتاب أجناس العهد القديم: # إن الزنجي مستطيل الوجه شديد بروز الفكين مع ضمور في الذقن، أنفه أفطس واسع ~~المنخرين، وشفتاه غليظتان، وأسنانه كبيرة جيدة، وضرس العقل منها يظهر سريعا ويذهب ~~أخيرا، وهو بسيط الجمجمة طويل الذراعين، وربلات ساقه ms18 معيبة، وقصبة رجله منبسطة مع ~~انقباض في الإبهام، ومادة الصبغة السوداء في الزنجي كما أسلفنا تسري إلى عضلاته وقد ~~تسري إلى دماغه، وهو بالقياس إلى الأدمغة الأخرى بسيط التلافيف. وميله إلى الفنون ~~قليل ما عدا الموسيقى فهو مغرم بها أشد غرام، ومن عاداته أن يتأثر بالشعور دون ~~التفكير. ويقال: إن أبناء الزنوج قلما يتقدمون بعد الرابعة عشرة، ويغلب عليه الكسل ~~والإيمان بالخرافة ومن طبعه العطف والوفاء. وهما خصلتان ترغبان من قديم الزمن في ~~اقتنائه واستخدامه. فمنذ عصور الفراعنة في الأسرة الأولى كانوا يبعثون الحملات إلى ~~بلاد كوش لاستجلاب العبيد منها، وكان عدد الزنوج المجلوبين كبيرا على الأغلب في ~~جميع الأزمان، ولعل عبد ملك الذي أنقذ حياة النبي أرميا كما جاء في الإصحاح الثاني ~~والثلاثين كان من الزنوج وكذلك الكوشي جد اليهودي الذي جاء ذكره في الإصحاح السادس ~~والثلاثين إذ يقول: «فأرسل كل الرؤساء إلى باروخ يهودي بن نثنيا بن شلميا بن كوشي ~~قائلين: الدرج الذي قرأت فيه في آذان الشعب خذه بيدك وتعال.» # ومع قدم الاتصال بالحضارة المصرية تلك القرون الطوال لم يتعلم الزنجي منها على ~~الأرجح غير صهر الحديد، فجاء عصر الحديد معقبا لعصر الحجر توا في تاريخ بعض ~~القبائل بغير توسط من عصر الشبه أو النحاس. # والزنجي مقلد شديد الميل إلى التقليد. ولهذا يلفت النظر أنه لم يظهر قط رغبته في ~~الرسم خلافا للمصري المثقف؛ بل خلافا لأبناء قبائل البوشمان المقيمين بأقصى ~~الجنوب في القارة الأفريقية، فإن رسوم الحيوان على الجدران التي تحتمي بها قبائل ~~البوشمان حية ملهمة ومنها ما ليس يخجل الفنان الأوروبي إذا نسب إليه، وهي على ~~الجملة تفضي بنا إلى سؤال عن قدم الجنس الزنجي في التاريخ. # ففي جنوب مصر تشاهد الصخور الرملية التي تغطيها رسوم الحيوان والإنسان ومنها ~~الحديث الذي لا شك في حداثته والقديم الذي لا شك كذلك في قدمه، ويرى على الصخر ~~الواحد شيء من تلك الرسوم ونقوش ترجع إلى الأسرة الخامسة، فأما النقوش الأخيرة ~~فيبدو عليها تغيير قليل من أثر العوارض ms19 الجوية حتى ليخيل إلى الناظر إليها أنها من ~~عمل أمس القريب، وأما الرسوم الأولى فيبدو مما أصابها من أثر العوارض الجوية أنها ~~قد مضى عليها ردح طويل من الزمان، ويرى - عدا هذا - بين الرسوم رسم الزرافة كثير ~~التكرار، فإذا لاحظنا أن ذلك الإقليم كان أرضا قاحلة من بداية التاريخ المصري، دل ~~حضور الزرافة في رسومها على عهد بعيد القدم كانت فيه تلك الأرض بطاحا مروية بالماء ~~تغطيها أشجار الحسك التي يرعاها الزراف. وينتشر رسم النعامة في تلك الرسوم كما ~~ينتشر رسم الزرافة مع اختفاء رسم النعامة من المقاطع الهيروغليفية التي تتمثل فيها ~~الطيور المصرية على وفرة ملحوظة، وخليق بهذا أن يدلنا على أن النعامة لم تكن معروفة ~~عند مخترعي الكتابة المصرية الأولى، وأن سيرفلاندرس بتري على حق حين يستخلص من هذا ~~أن الرسوم التي ذكرناها هي بقايا متخلفة مما قبل التاريخ لأسلاف المصريين في وادي ~~النيل. وتؤيد رأيه كشوف السائحين في جهات أخرى من أفريقية الشمالية حيث تشاهد أمثال ~~تلك الرسوم في جنوب تونس ومراكش. وقد أستطيع الاهتداء إلى تاريخها التقريبي من حالة ~~واحدة أمكن العثور عليها، فإن الدكتور بونيه # Bonnet # وجد في وهران الأداة الحجرية التي كانت تنقش بها تلك الرسوم ملقاة تحت بعض الصخور ~~التي عليها تلك الرسوم ووجد على مسافة غير بعيدة منها المصنع النيولوتي الذي تصنع ~~فيه تلك الآلات، ومن ثم يفهم أن الرسوم ترجع إلى العهد السابق لاستبدال الآلات ~~المعدنية بالآلات الحجرية، وهو عهد في مصر جد بعيد. # فمن المحتمل إذن على ما يظهر أنه في العهد الذي كانت فيه الصحراء الكبرى مخصبة ~~وكانت دال مصر ذراعا من البحر الملح كان جيل من الناس قريب إلى جيل البوشمان ينزل ~~في أفريقية الشمالية بين السواحل الأطلسية وشواطئ نهر النيل، ولعل قبائل الأكاسيين ~~وغيرها من قبائل الأقزام المستديرة الرءوس في أواسط أفريقية بقية ذلك الجيل القديم، ~~وقد أجلتهم عن مواطنهم غارات الزنج ولم تزل بهم غارات قبائل البانتو أو الكافرين ~~حتى ألجأتهم إلى جنوب القارة الأفريقية، وقد ms20 كانوا جسديا دون أعدائهم في القوة ~~وإن لم يكونوا دونهم في المزايا الأدبية، وكانوا على كل ذوي ملكة فنية تعوز الزنج ~~والكافرين على السواء وهي ملكة الرسم؛ إذ لم يكن في وسع الزنجي أن يرسم أو يتمم ~~رسوم الصخور في بلاد البوشمان ولا رسوم الصخور في أفريقية الشمالية. # وقد كانت الجبال التي تحد الصحراء من الشمال مسكن قبائل من اللوبيين منذ عهد سحيق ~~في القديم، وقد وصفنا هذا الجيل آنفا وبينا أنه ينتمي إلى سلالة مميزة بين سلالات ~~الجنس الأبيض، وربما شاهدنا اليوم في قرى إنجلترة وأيرلندة فروعا من تلك القبائل ~~على حسب الملامح الظاهرة، والنموذج العتيق الذي تبديه لنا تلك القبائل تؤكد لنا ~~الآثار المصرية كما تجلوه الملامح البيضاء التي بقيت له إلى الآن ... # وكلام الدكتور سايس هذا في أوصاف الجنس الزنجي وتاريخه العريق قليل الخطأ كثير الصواب، أو ~~هو من أصح ما كتب في هذا الموضوع، ويزاد عليه من كتب الأجناس الحديثة أو كتب علم الإنسان ~~أوصاف أخرى يعد بعضها من قبيل التصحيح وبعضها من قبيل التكملة، نأتي عليها بإيجاز. # فاللون الأسود في الأجناس السوداء لا يتعمق إلى ما وراء البشرة الظاهرة ثم تتساوى ألوان ~~الجسم الإنساني في جميع الأجناس، وإنما يأتي السواد من صبغة في الغشاء الذي يلي البشرة ~~الظاهرة، ولا يسري على ما وراءه إلا عرضا في قليل من الأفراد. # وقد نفهم دلالة الضيق والسعة في تركيب الجمجمة إذا فهمنا أن جمجمة الجنس الأبيض بين ~~الأوروبيين ليست أوسع الجماجم الإنسانية ولا أوسع من جماجم غيرها من الأمم التي لا تجاريهم ~~في الحضارة، فإذا حسبنا قطر الدماغ من الأمام إلى الخلف مائة فنسبة العرض إليه في الزنجي ~~سبعون وفي الأوروبي ثمانون وفي الساموي من أبناء الجزر المعروفة غرب المحيط الهادئ خمسة ~~وثمانون. # والزنجي طويل الذراعين تصل ذراعه إلى الركبة في بعض الأحيان. وشعره الصوفي المعروف هو ~~أوضح العلامات المميزة له بين جميع الأجناس. # أما مزاياه الثقافية فيجب أن نتذكر حين نقابل بين تخلفه وتقدم الأجناس الأخرى أنه ms21 قد بلغ ~~من الثقافة كل ما يحتاج إليه، وأن العبرة بالمجهود العقلي الذي يتطلبه فهم أمر من الأمور لا ~~بالطبقة الثقافية التي تحسب لذلك الأمر في سلم الثقافة العامة. فالمعادلات الرياضية العليا ~~أرقى في سلم المعرفة من الجمع والطرح في الحساب، ولكن المعادلة الرياضية العليا لا تتطلب من ~~ذهن المهندس المتعلم جهدا أكبر من جهد الرجل الزنجي حين يفهم أن خمسة في خمسة تساوي خمسة ~~وعشرين. ولا سيما إذا كانت نهاية العدد عنده هي مجموع أصابع اليدين والرجلين؛ أي ~~عشرين. # وقد عرف أن الزنجي في قبائل «الوي» التي تقيم عند «سيراليون» قد اخترع نوعا من الكتابة ~~يوائم حاجاته ولا يرجع إلى أساليب الكتابة الأخرى التي عرفت في بلدان الحضارة. # أما حظه من الفنون فليس بالحظ القليل إذا نظرنا إلى حاجاته الطبيعية ودواعيه الضرورية إلى ~~المعيشة الاجتماعية. ولعل «هافلوك إيليس» حين قال: «إنه قد سلك سبيله إلى الحضارة راقصا.» ~~قد لخص ملكاته الفنية أجمل تلخيص. # فالرقص لا يكون بغير نغمات، والمرح المطبوع في الزنجي هو مبعث وحيه الذي ألهمه الرقص ~~والغناء، فهو عظيم الولع بالأغاني سريع الأذن إلى التقاطها حين يسمعها مرة أو مرات قليلة، ~~وينبغي أن نفرق بعض التفرقة بين ملكة الموسيقى وملكة الغناء والإيقاع؛ لأن الأصوات ~~الموسيقية تبلغ من التراكب والتنوع مبلغا يبعدها من الإيقاع الذي يصاحب حركات الأجسام في ~~الرقص الفطري أو الرقص الحديث. # والزنجي يحب الغناء الراقص ويبرع فيه، وقد عرف به حيث نزل من بلاد العالم في عصور ~~التاريخ، ومن هذا رقص النوبة الذي علمنا - في سيرة النبي عليه السلام - أنه دعا السيدة ~~عائشة رضي الله عنها إلى التفرج به والنظر إليه، وكان يعرف بالزفيف لسرعته وتوالي الحركة ~~فيه. # ولما اشتغل الزنجي بالفنون الأخرى كصنع التماثيل كان الإيقاع رائده الأول في هذه الصناعة ~~التي قد يظهر للوهلة الأولى أنها بعيدة عن الغناء؛ لأن النسب التوقيعية كانت تغلب في ~~التماثيل الزنجية على مشاهدات الحياة، وكانت منذ وجدت تنقل الشبه فتحسن نقله، ولكن على نمط ~~واحد يقل التصرف ms22 فيه، وهي لا تزال اليوم بحيث وجدت منذ آلاف السنين. # وشيوع التماثيل وصوغ المعادن ونسج الثياب الموشاة بالخطوط والأشكال مع ندرة الرسم في ~~قبائل الزنج أمر لا غرابة فيه؛ لأن تقليد الجسم في أبعاده الثلاثة أسهل من تقليده في بعد ~~واحد، وهو التقليد الذي يوجب التصرف لتمثيل العرض والطول والقرب والبعد حيث لا عرض ~~هناك ولا اقتراب ولا ابتعاد. # ولتماثيلهم - مع غلبة الإيقاع عليها - سمة أخرى تعرف بها بين سائر التماثيل القديمة، وهي ~~سمة الخوف والتخويف، وهي كذلك سمة لا غرابة فيها إذا نظرنا إلى الأخطار التي تحدق بالزنجي ~~بين الوحوش والحيات وآفات الأرض وصواعق السماء، ونظرنا إلى الغرض الذي يتوخاه من صنع كثير ~~من تماثيله، وهو لبس الوجوه والأقنعة التي تخيف أعداءه في ميدان القتال. # ولم تزل فنون القتال عند الزنجي ضربا من الفن الجميل؛ لأنها تمزج بين الحركة الرياضية ~~وبين الرقص والإيقاع والغناء. وليس أشبه بمناظر الرياضة البدنية من منظر الزنجي وهو يقذف ~~بالرمح ويوازن بين وضع يديه وكتفيه وبين وضع صدره وكشحه حين يقذف به فيقع حيث أراد، كأنه قد ~~ركزه في الهدف بيمناه. # والزنجي شجاع مقدام لا يهاب الموت ولا ينكص عن الألم، وقد تلهبه السياط ويسيل الدم من ~~إهابه الممزق وهو صابر لا يتلوى ولا يتأوه؛ لأنه يحسب الفرار من الألم كالفرار من الموت ~~جبنا لا يجمل بالرجال، وقد عودته مجالدة الوحوش والأفاعي والمحاذرة الدائمة من المتربصين ~~به أن يقسو عليها وأن تقسو عليه، وأن يحتمل القسوة على نفسه كذلك ... وفيه إلى جانب الصبر ~~والشجاعة عناد شديد حين يخشى أن يتهم بالجبن إذا صدع بالأمر فرارا من العذاب. # وهو مصدق وفي يؤمن بالعقائد التي توارثها عن أسلافه وأكثرها من قبيل السحر وعبادة الأرواح ~~الخفية، وتقديس الرقى والتعاويذ التي تعصمه من فعل تلك الأرواح. # والوفاء فيه طبيعة لأنه نشأ على طاعة الرئيس في القبيلة وطاعة الساحر الذي يعلمه ويحميه، ~~وقلما يغدر أو يخون إذا وجد من يكسب ثقته ويشتمل على عطفه وولائه، وإنما يغدر ويخون إذا ms23 ~~توجس وسلبت منه الطمأنينة، فإنه ليرجع إذن إلى حياة المخاوف والأخطار التي علمته الحذر ~~الدائم بين الوحوش والآفات، أو بين الأسرار الغوامض التي يتكفل الساحر بجلائها له على ما ~~يعتقد ويروم، فيعمل في حالة التوجس وسلب الطمأنينة عمل الطريد المطارد أو عمل الهاجم الذي ~~يتوقع الهجوم من كل مكان، فلا يبالي ما يصنع وهو غاضب يائس محروم من العطف والحنان. # وينبغي - قبل مراقبة الزنجي وتسجيل غرائبه - أن ننسى أننا نراقب خلقة غريبة تخالف ما ~~طبعنا عليه؛ لأننا حريون أن نستغرب كل شيء إذا نحن توقعنا الغرابة والاستغراب، فيمر بنا ~~العمل الذي يعمله أبناء لغتنا وعنصرنا دون أن نلتفت إليه، ثم يمر بنا هذا العمل بعينه حين ~~يعمله الغريب فنسرع إلى التنبه له ونحسبه من البدوات التي لا تصدر إلا عن أمثال ذلك الغريب، ~~وكثير من غرائب الزنوج أو غرائب الأجناس عامة لا تحسب من قبيل الغرائب إلا على هذا ~~الاعتبار. ~~••• # ولو شاء الناس لالتفتوا إلى هذه الملاحظة في الحقائق الاجتماعية الكبيرة كما يلتفتون ~~إليها كل يوم في الحقائق الاجتماعية الصغيرة، فإننا نسمع العامة في كل مكان يتحدثون عن بعض ~~المشهرين بالسوء فيقولون عنه: «إن صوفته حمراء.» ويعنون بذلك أنه يفعل الشيء الذي يفعله غيره ~~فسرعان ما يتنبه إليه الناس ويتعقبونه بالذم والتشهير، ويمضي غيره بفعلته دون أن يتنبه أحد ~~إليه فضلا عن ذمه والتشهير بسمعته، وهم يستعيرون هذا الوصف من لغة الرعاة الذين يفردون ~~الخروف «الأحمر» بالزجر والعقاب وهو لا يصنع شيئا غير الذي يصنعه إخوته في القطيع من ذوات ~~الفراء السود، ولكنه يظهر وهي لا تظهر، فيعاقب وحده وتنجو هي من الملاحظة والعقاب. # والجنس الأسود له غرائبه الكثيرة في الأخلاق والعادات، ولكننا إذا بدأنا بالاستغراب أو ~~كان الاستغراب سابقا للمراقبة كنا خلقاء أن نجد الغرابة حيث لا غرابة على الإطلاق، وحسبنا ~~أنه يخالف الناس في أصول الطباع وهو لا يفعل إلا ما يفعله في مكانه سائر الخلق من أبناء آدم ~~وحواء. # أما مداركه العقلية فمن الواجب قبل الحكم على ms24 طاقتها الأصيلة أن نذكر الضرورات المختلفة ~~التي باعدت بينه وبين أجيال البشر الأخرى في مواطن الإدراك، وهي مباحث العلوم ~~والصناعات. # فليس من قصور العقل وحده أن نجد الزنجي مقصرا عن الأجناس البيضاء والسمراء في علوم ~~الهندسة والفلك والطبيعة والكيمياء؛ لأن حياته لم تلجئه قط إلى الملاحة في البحار الواسعة ~~فيعرف ما عرفته الأمم الأخرى من حركات الأجرام السماوية ومن علوم الفلك والظواهر الجوية ~~والأنواء، ولم تلجئه قط إلى إقامة الصروح ومزاولة البناء بالأحجار فيعرف من قواعد الهندسة ~~وصناعات النحت والعمارة ما عرفته الأمم التي تهيأت لها الوسائل ودفعتها الضرورات إلى ~~التشييد والتعمير، ولم تلجئه قط إلى توقيت مواعيد الري ولا السيطرة على مجاري الماء فيتعلم ~~الهندسة ويدرك خصائص الجوامد والسوائل ويراقب أسباب الخصب والقحط مراقبة المدير المسئول عن ~~عواقب الإهمال في هذا التدبير، ولم تلجئه قط إلى الافتنان في طهو الغذاء ونسج الكساء وصوغ ~~الآنية والأدوات التي تستخدم في هذه الأغراض، ولم تلجئه قط إلى تفتيق الحيلة في حفظ الطعام ~~وادخاره وصيانته من العطب والفساد، ولا ألجأته إلى تفتيق الحيلة في ابتداع أفانين الحرب من ~~مطاولة للحصار وتنويع للأسلحة واعتماد على أسلوب في الكر والفر غير أساليب الأحياء المحدقة ~~به في الجرأة تارة والاستخفاء تارة أخرى؛ لأن أبناء القارة أجمعين درجوا على نمط واحد في ~~الهجوم والدفاع واستخدام السلاح وتشابهوا في مواقع واحدة يسكنها المغيرون والمدافعون، فلا ~~حاجة بهم إلى التفوق والاحتيال على مختلف المواقع والأسلحة والأساليب. # وكل ما احتاجوا إليه من ضرورات المعيشة وجدوه سهلا ميسرا غنيا عن الجهد والحيلة في ~~مواعيده التي تعودوها، فإذا بقي من وراء ذلك سر يجهلونه أو محذور يتقونه فهنالك الساحر كفيل ~~به يكفيهم مؤنته إذا صدقوه وأطاعوه، ومن ثم عاشوا حياتهم كلها وقضوا عصور التاريخ وما قبل ~~التاريخ وهم بين الدعة والطمأنينة إلى العيش، وبين القتال والجلاد، وبين التصديق والتعوذ ~~بالرقى والطلاسم. ولزموا هذه الحالة أعواما بعد أعوام وأحقابا بعد أحقاب، بغير حاجة إلى ~~التبديل أو التجديد. # فالأمم التي عرفت الهندسة والفلك والعمارة ms25 والكيمياء وأدوات البذخ والرفاهة إنما عرفتها ~~لأنها لا تستطيع أن تعيش في بيئتها حقبة طويلة بغيرها، ولو عاشت في القارة الأفريقية كما ~~عاش الزنوج لأهملتها ولم تفكر فيها، ولا شك أن الزنوج لو بدءوا الحياة الاجتماعية حيث بدأها ~~أولئك الأقوام لاخترعوا وفهموا فهمهم وعرفوا معرفتهم وأعادوا سيرتهم بغير فارق كبير في جوهر ~~الأمور. # أما الطب ومداواة الأمراض فكل ما حذقه الإنسان الفطري بمعزل عن الأمور الأخرى فقد حذقه ~~السود وبرعوا فيه، ولم تفتهم خاصة لازمة لهم من خواص العشب والنبات أو خواص الإيحاء ~~والتأثير بالعقيدة والتنويم. # ونحن لا نعني بهذه المقابلة بين ضرورات السود وضرورات غيرهم من أجناس البشر أن الفرق ~~بينهم وبين تلك الأجناس معدوم أو قريب التحصيل والاستدراك، ولكننا نعني أنه يرجع إلى أسباب ~~تجوز عليهم كما تجوز على غيرهم فهم وسائر البشر في أصولها سواء. # ولو نظرنا إلى النصيب الذي تيسر لهم من الثقافة الأدبية، فحصلوه وأجادوه لعلمنا أنهم ~~حريون أن يبلغوا بالعطف والمعاملة الحسنة شأوا محمودا في مجال الآداب والعلوم، فقد نبغ ~~منهم في العربية شعراء معدودون من طراز عنترة وسحيم عبد بني الحسحاس ونصيب والأغربة ~~المشهورين الذين أجادوا الحماسة كما أجادوا الغزل والنسيب، وبين غزلهم والأغاني المرقصة ~~التي عكف عليها السود من آلاف السنين صلة قريبة لا تصعب النقلة فيها، ولكن الطبقة الفنية - ~~والنفسية - التي ارتفعوا إليها في ذلك الغزل تدل على أن الآباد الطوال التي قضوها في ~~المعيشة الآبدة لا تحجبهم عن الظرف الاجتماعي إذا وجدوا السبيل إليه، وما أحسب شاعرا من ~~شعراء الحضارة يترفع عن توقيع هذه الأبيات التي نظمها سحيم لمعشوقة مريضة فقال: # ماذا يريد السقام من قمر # كل جمال لوجهه تبع # ما يرتجي؟ خاب! من محاسنها # أما له في القباح متسع؟ # غير من لونها وصفرها # فارتد فيه الجمال والبدع # لو كان يبغي الفداء قلت له # ها أنا دون الحبيب يا وجع # ففي هذه الأبيات من روح الفكاهة ودعابة الظرف والفطنة إلى محاسن الملاحة المريضة والخبرة ~~بتدليل النساء غير قليل. ~~••• # ويبدو لنا ms26 أن فوارق الإدراك لم تضل العقول في أمر الجنس الأسود، كما ضللها ذلك اللون ~~الماثل للنظر قبل مثول الفوارق العقلية والخلقية للبصائر والأفكار، فعاملتهم الأمم منذ أقدم ~~العصور معاملة لا هوادة فيها وانطلق النخاسون في طريق البحر الأحمر وبحر الهند ونهر النيل ~~يحملونهم إلى بلاد العرب وما بين النهرين كما يحملونهم إلى مصر واليونان والرومان. # ولم تكد الدنيا الجديدة تنكشف لأبناء الدنيا القديمة حتى شاطرتها في هذا السباء الذي بدأت ~~به أقدم الأمم من ألوف السنين، ولعل فضائل هذا الجنس - وفي مقدمتها الوفاء والصبر والقناعة ~~- كانت أسرع من نقائصه في الجناية عليه؛ ولهذا تمادى النخاسون في نقل السود إلى أمريكا ~~وانقطعوا عن نقل الهنود الحمر إلى أوروبا بعد سنوات قليلة، لإخفاق التجربة وضياع الأمل في ~~صلاح هؤلاء الهنود «للتطبيع» والعمل المفيد. # وخلاصة ما يقال في تاريخ الجنس الأسود: أنه جنس قديم معرق في القدم يوغل في أصوله إلى ما ~~قبل التاريخ بزمن بعيد، وأنه جنس قد وقف به النماء عند حدود الفطرة الأولى؛ لأن معيشته في ~~القارة الأفريقية لم تلجئه إلى كشف العلوم وتعمير المدن واختراع الصناعات وتدبير وسائل ~~الادخار والحيطة للمستقبل البعيد، ولكنه عرف كثيرا من الفضائل والملكات التي توائمه في ~~بيئته المستقرة؛ لأنه عرف النضال والمرح والإيمان، فعرف الشجاعة والوفاء والصبر على الألم، ~~واستنبط الفنون التي توافق مرحه وإيمانه بالمجهول. # وكأنما اتفقت عليه منذ القدم عوادي الإجحاف، ولم يسعده حظه بباعث واحد من بواعث الإنصاف ~~والرعاية، فاصطلحت عليه أسباب الجشع والاستغلال وغرابة المظهر وقلة الحيلة في الدفاع وسهولة ~~التطبيع والتعويد، وجعلته هدفا يسيرا للقناصين والنخاسين الذين يحفزهم الطمع ولا يزعهم ~~عنه وازع من وشائج العطف أو زواجر الأخلاق. # ومضى العهد به على ذلك عصورا طوالا بعد عصور طوال إلى عصرنا هذا الذي نحن فيه، فقامت ~~الثورات بعد الثورات باسم الإنسان وحقوقه، واشتعلت في الكرة الأرضية حربان عالميتان في ~~النصف الأول من هذا القرن العشرين، ولا تزال الكلمة الباقية التي تقال لإنصافه وحماية حوذته ~~أكبر وألزم من الكلمة التي ms27 قالتها الحضارة الحديثة إلى الآن. # ففي هذه السنة التي نحن فيها (1945) انعقد مؤتمر الجماعات التي تشتغل بالتبشير في الجزر ~~البريطانية ووجه إلى العالم نداء شديدا أهاب فيه بأمم الحضارة إلى محو الفوارق القائمة ~~بين البيض والسود في المستعمرات البريطانية، وأعلنت لجنة الكنائس البريطانية موافقتها على ~~قرار المؤتمر وهي ترجو معه «أن تنجز الأمم المتحالفة وعودها المتكررة بالتسوية بين الألوان ~~والعناصر في فرص التعليم والحياة». # ولا تزال الفوارق الجنسية قائمة في الولايات المتحدة على تعدد الدعوات فيها إلى المساواة ~~والإعراض عن المزاعم العنصرية التي روجها خصوم الدولة الأمريكية في الحرب العالمية ~~الحاضرة، ففي الولايات الجنوبية تقوم الفوارق بين البيض والسود بنصوص القوانين والأوامر ~~الحكومية، ولا يباح للسود الجلوس مع البيض في المركبات العامة ولا النزول معهم في الحانات ~~والفنادق، ولا تعليم أبنائهم في المدارس التي يتعلم فيها أبناء البيض، ولما صدر القانون ~~الذي يخول الطفل الأسود حقا في التعليم كحق الطفل الأبيض مع انفصال المدارس والجامعات - ~~تبين من التنفيذ أن المساواة صورة لا حقيقة، وأن التلميذ الأبيض يكلف الدولة في تسع ولايات ~~من ولايات الجنوب نحو تسعة وخمسين ريالا في السنة ولا تزيد كلفة التلميذ الأسود فيها على ~~تسعة عشر ريالا، على الرغم من نص القانون، وتبين أن الفارق في ولاية مسيسبي يتجاوز ذلك ~~كثيرا؛ لأن الدولة تنفق على الطفل الأبيض ريالين وخمسين ريالا ولا تزيد نفقة الطفل الأسود ~~على سبعة ريالات ونصف ريال. # وقد ألغي في ولايات الشمال معظم القوانين التي تنص على التفرقة بين البيض والسود، ولكن ~~هذه التفرقة ما تزال قائمة بحكم العرف والعادة على نحو لا يقل في صرامته عن صرامة القانون، ~~فلا يرى الأسود نازلا بفندق من الفنادق الكبيرة أو جالسا في مطعم من المطاعم الفاخرة، وإن ~~كان من أصحاب الثراء. ~~••• # وإبطاء الحضارة الغربية كل هذا الإبطاء في تقرير مبدأ الإنصاف - فضلا عن تنفيذه - هو ~~المقياس الصادق لسبق الشريعة الإسلامية في هذا المضمار الإنساني المتوعر المهجور من قديم ~~الدهور، فإنها خلصت إلى أدب الإنصاف والمساواة بين ms28 بني الإنسان منذ أربعة عشر قرنا بغير ما ~~حافز من المصالح الاقتصادية أو من عادات العرف والأخلاق، بل خلصت إليه على كره من تلك ~~المصالح وعلى رغم من تلك العادات. واجترأت على سلطان المادة الطاغية بسلطان الروح الرفيع، ~~ولا يحسب الدين دينا ما لم يكن له سلطان روحي يغلبه على طغيان المصالح والشهوات. ~~••• # وقد كان هذا السلطان الروحي هو السلطان الذي أذعن له السادة والعبيد عند ظهور الدعوة ~~الإسلامية بين قبائل البادية العربية، واشتمل على بلال بن رباح صاحب هذه السيرة وهو مولى ~~ضعيف غريب في أرض الحجاز، كما اشتمل على أبي بكر والفاروق وعثمان بن عفان وهم سادات مكة ~~وأقطاب قريش. # والذي يعنينا في هذه المقدمة عن تاريخ الأجناس والجنس الأسود؛ خاصة أن نجمع الملتقي بينها ~~وبين صاحب هذه السيرة بلال. # وليس الملتقى بينها بعسير. # فمن مجمل الصفات المتواترة التي وصف بها بلال يتراءى لنا أنه قريب الملتقى بخصائص الجنس ~~الأسود التي أجملناها في هذه الصفحات. # ولا نحب أن نقول: إن الذي يتصف بتلك الصفات لن يكون حتما لزاما إلا من الجنس الأسود ~~بخصائصه المعلومة، فلا يزال من الجائز جدا أن يكون بلال على تلك الصفة - فيما عدا اللون - ~~ولا يكون من القبائل الأفريقية السوداء، ولكن الذي يقال ولا يتجاوز حد الصحة في المقال أنه ~~لو لم يكن كذلك لكان هذا من غرائب المصادفات، ولا داعية عندنا الآن لتقدير تلك ~~المصادفات. # فلو لم يكن بلال أسود الإهاب لكانت في صفاته النفسية علامات لا تستغرب في الأجناس ~~السوداء؛ لأنها من خصائصها المميزة التي تبرز فيها عند مراقبتها على الإجمال. ومنها حب ~~الإيقاع الموسيقي وسليقة الإيمان والتضحية والعناد والصبر على عذاب الجسد والوفاء لمن ~~يستولي منه على مكان الثقة والإعجاب. # ولكن الجنس الأسود لا يحتويه كله على ما يظهر من بعض صفاته الجسدية فيما عدا لون السواد، ~~فلم يوصف بالفطس ولا بغلظ الشفتين ولا بالشعر المتقبض المتصوف الذي خص به الزنوج، والذين ~~يشاهدون على هذا التكوين بين أمم أفريقية الشرقية كثيرون ms29 حتى هذه الأيام، وتحقيق تاريخهم ~~يدل على امتزاج قديم بالأجناس السامية أو بالعربية منها على التخصيص؛ لأن رحلات العرب إلى ~~سواحل أفريقية الشرقية قديمة قبل الإسلام بزمن بعيد. # ومن علماء الأجناس من يربط بين جلة الأحباش وجلة العرب - ولا سيما اليمانية - برباط وثيق؛ ~~لأن عبور أهل اليمن إلى الحبشة وعبور أهل الحبشة إلى اليمن ميسران معهودان من أقدم ~~العصور. # وقد قيل في تاريخ بلال: إنه من الموالي المولدين بمكة أو بالسراة اليمانية، فأصدق ما يقال ~~فيه: أنه من سلالة زنجية سامية، وأنه على أقرب ما يكون الزنج من خلائق العرب أو ~~المستعربين. # | العرب والأجناس # ألممنا في فصل سابق بأقوال بعض العلماء في مسألة العنصر وفوارق الأجناس، فأيا كان قول ~~العلم في هذه العصبية العنصرية - أو الجنسية - فالقول الذي لا ريب فيه أن هناك شيئين ~~مختلفين يدوران حول هذه العصبية، ويلتبسان في بعض الأحوال فتجب التفرقة بينهما: وهما ~~المفاخرة الجنسية والعداوة الجنسية. # فقد تكون مفاخرة جنسية ولا عداوة. # وقد تكون عداوة جنسية ولا مفاخرة. # لأن المفاخرة طبيعة الجماعات حيث كانت من قديم أزمانها، وقد توجد المفاخرة في الأمة ~~الواحدة بين أهل الحضر وأهل القرى، أو بين أبناء الشمال وأبناء الجنوب، وقد تتفاخر البطون ~~من القبيلة الواحدة ولا تتعادى، وقد تتعادى ولا تتفاخر، وقد تتفاخر وتتعادى في آن، وهي من ~~جنس واحد وقبيلة واحدة. # وعندنا في مصر مفاخرات كثيرة بين أبناء القاهرة وأبناء الإسكندرية، وبين أبناء الصعيد ~~وأبناء الريف، ومفاخرات أخرى حول اللهجات والأذواق والأطعمة لا تتجاوز الفكاهة إلى الجد في ~~عامة أوقاتها. # ومثلها متكرر يشاهد بين أبناء الأقاليم الإنجليزية أو الفرنسية أو الإيطالية أو ~~الألمانية، وحيثما تعددت الجماعات في صقع واحد ولو من أرومة واحدة. # وقد تتجاوز العناصر ألوف السنين ولا تتجاوز المنافسة بينها حدود المفاخرة اللسانية ~~والمنافرة الكلامية، ولكنها تتجاوز المفاخرة العنصرية إلى العداء العنصري كلما اندفعت إلى ~~التنازع بينها على مغنم واحد لا يتأتى لإحداها بغير القضاء على الأخرى أو إذلالها، ويستحكم ~~العداء بينها على الزمن إذا تداولت بينها ms30 الذحول والغارات فلا يهمها المغنم يومئذ كما يهمها ~~الثأر والانتقام. # والعرب قد عاشت في جزيرتها بمأمن من سطوة جيرانها إلا في أطراف الجزيرة، حيث لا يبلغ ~~النزاع بينهم وبين أولئك الجيران مبلغ الإبادة والاستئصال. # وعاشوا ثمة وهم يحسون مكان جيرانهم ويحس جيرانهم مكانهم، فوجدت بينهم أسباب المفاخرة ولم ~~توجد بينهم أسباب العداء اللدود. # وأملى التاريخ على العرب وجه المفاخرة إملاء لا اختيار لهم فيه. # فقد كان جيرانهم الفرس والروم والأحباش أصحاب ثروة ودولة ومعاش ومتاع، وكانوا يعيرون ~~جيرانهم العرب شظف العيش وسوء الطعام والكساء، وكان العرب لا يجهلون حظ هاتيك الدول من ~~الجاه والترف وغزارة الأمواه والأزواد، فإذا فاخروهم تركوا المفاخرة بطعام أمتع من طعامهم ~~وكساء أنفس من كسائهم وحطام أوفر من حطامهم، ورجعوا إلى فخرهم الذي يملكونه ولا يهابون ~~المقالة فيه، وهو فخر الفصاحة وعراقة الأحساب والأعراض. # فهؤلاء كلهم عند العرب أعاجم! # وهؤلاء كلهم عند العرب أخلاط لا حساب عندها للحسب العريق. # وقد رضوا عن أنفسهم بهذا الفخر واستطاعوا المقالة فيه، ولم ينشب بينهم وبين مفاخريهم من ~~العناصر الأخرى قتال طويل يبيدون فيه أو يبادون، فوقفوا بالمفاخرة دون اللدد في الخصومة ~~الدموية، ونقلت عنهم وعن مفاخريهم أحاديث مستطرفات في هذا الصدد هي أقرب إلى مساجلات ~~الأدباء في موقف الدعابة منها إلى المنازعات التي تسفك فيها الدماء. # إن فخر الروم والفرس ببياض الألوان قال العرب: تلك وجوه مقشرة! # وإن فخر الروم والفرس بالخوان الحافل فخر عليهم العرب بالجود وبذل الموجود. # وساجلوا وسوجلوا في هذا المجال فأثبتوا بحق أنهم أصحاب فصاحة وأصحاب أعراق. # لكنهم لم يعرفوا قط عداء العنصر أو عداء الجنس كما عرفه البيض والحمر في القارة ~~الأمريكية، أو كما عرفه الأوروبيون والأصلاء في القارة الأسترالية، أو كما عرفه السلافيون ~~والتيوتون في أوروبا الشرقية، أو كما عرفه الإسرائيليون والكنعانيون أو عرفه المغاربة ~~والإسبان في زمن من الأزمان. # وإذا سمعت الزراية بالعبيد على لسان العربي فآخر شيء يتبادر إلى الذهن أنهم يقصدون عداء ~~الألوان والأجناس، أو يخصون اللون الأسود بذلك الازدراء ms31 أو ذلك العداء. # فقد غلبت على بعض العرب أنفسهم سمرة تضرب شديدا إلى السواد، وكان من سادتهم من وصف ~~بحلكة اللون وشابه الزنج بالإهاب الخشن والبشرة الفاحمة. # فإذا قالوا: «العبد» فهم لا يقصدون الزنجي ولا يخصون سواد اللون بالمهانة، ولكنهم يقصدون ~~كل أسير لم يفك إساره وكل جليب يباع ويشرى في الأسواق، ومنهم صفر الوجوه وبيض ~~الوجوه. # ويقصدون على الأخص كل إنسان مجهول النسب لا ينتمي إلى أصل من أصولهم المشهورة ... إذا لم ~~يكن في وسعهم أن يجهلوا مفخرة النسب، وقد فرضتها عليهم معيشة البادية ومفاخرة الحاضرة مئات ~~السنين. # فلا يزدرى العبد عندهم لأنه حالك اللون ولا لأنه من جنس يعادونه ويعاديهم، ولكنه يزدرى ~~لعلة اجتماعية لا لعلة عنصرية، وقد تزول هذه العلة من حيث لا تزول علل العناصر وعداوات ~~الأجناس. # وجاء زمن على الدولة العربية بعد اتساعها وسطوتها كثر فيه جلب الزنوج السود من القارة ~~الأفريقية إلى فرضات البحار المقاربة للعاصمة العربية، وأكبرها البصرة في ذلك الحين، فشجر ~~بين الزنج والعرب يومئذ عداء الأجناس في عصوره الحديثة والقديمة، ونشبت فتنة الزنج بالبصرة ~~على مثال الفتن الجنسية التي نشهدها اليوم أو توصف لنا في التواريخ، ولكنها كانت غاشية ~~عابرة لسبب عابر، فذهب أثرها بعد ذهابها بسنوات. # أما في غير تلك الآونة فقد كان الزنج قلة في بوادي الجزيرة وحواضرها، وكان الرجل العربي ~~يولد الجارية السوداء ويتبنى وليدها إذا نجب وصلحت حاله وظهرت منه الفروسية والفصاحة، وربما ~~كان له عبد يحمد خصاله فيعقته ويستلحقه ويزوجه بنته أو ذات محرم منه، ولا يمنعه أن يصنع ذلك ~~عداء الجنس أو بغضاء اللون، بل يمنعه عرف اجتماعي توجد له النظائر في كل عرف يدور حول ~~الزواج، ولو بين الأقرباء. # وعلينا أن نحترس كثيرا من نسبة كل عبد أسود يذكر في أيام العرب إلى الزنج أو أبناء حام ~~كما يعرفون في علم الأجناس. # فلعله كان ساميا عبر إلى أفريقية كما عبر الإثيوبيون، ولعله أن يكون خلاسيا من ~~الساميين والحاميين، ويغلب على الظن أن بلالا - صاحب ms32 السيرة في هذا الكتاب - كان حاميا ~~حبشيا ولم يكن زنجيا خالصا من السود؛ لأن العرب يحسنون وصف الملامح التي تميز الأجناس ~~والسلالات، ولم يذكروا من أوصاف بلال الفطس ولا الشعر الصوفي «المفلفل» اللذين يميزان معا ~~سلالة حام. # وقد كان بلال من أضنك العبيد حالا قبل الإسلام، وكانت حال العبيد هي السوأى بين طبقات ~~المجتمع العربي في الجاهلية ظلما للضعيف لا عداوة للجنس أو كراهة للسواد، فقد كان شأن ~~العبيد كشأن كل صعلوك وضيع النسب قليل العضد غير محسوب له حساب في شريعة الثأر والدية، وكان ~~العبيد أسوأ حالا من وضعاء النسب؛ لأنهم لا ينسبون إلى أحد معروف، ولا يردع الظالم عن ~~ظلمهم شرع ولا عرف ولا عقيدة، فكانوا ضحايا الظلم والتفرقة في المنازل والأقدار، وكان ~~خلاصهم كله في عقيدة تنكر الظلم لأنه قسوة كما تنكره لأنه ينقض شريعة المساواة. # وقد تكفل الإسلام بهذا الخلاص من جانبيه، لأنه ينكر ظلم القسوة، وينكر ظلم الإجحاف ~~والمحاباة. # فحق له أن يلبي دعوته، وأن يدعو إليه. # | الرق في الإسلام # كان الإيمان بالروح أول خطوة صحيحة في طريق الحرية الإنسانية أو طريق الحكومة الديمقراطية ~~كما نسميها اليوم. # لأن الإيمان بالروح يعلم الإنسان التبعة وأن # كل نفس بما ~~كسبت رهينة ~~[المدثر: 38]، ~~وهذا هو أساس التكاليف والحقوق. # ولأنه يوحي إلى العقل عقيدة المساواة بين جميع الناس أمام الله وأمام شريعة الله. # ولو جاء الإيمان بالروح سابقا للرق لامتنع الاعتراف به في الأديان التي تأمر بهذه ~~العقيدة؛ لأن بيع الإنسان بيع السلع الصماء لا يوافق الإيمان بروح يتساوى فيها السادة ~~والعبيد، فضلا عن الإيمان بتفضيل روح العبد الصالح على روح السيد الذي يعوزه ~~الصلاح. # ولكن الأديان «الروحية» جاءت بعد ظهور الرق في المجتمع الإنساني بآلاف السنين، وكان الرق ~~في تلك الأحقاب الطوال قد امتزج بنظام الثروة ونظام المعاملات، فأصبح اقتلاعه دفعة واحدة من ~~أعسر الأمور، ولم تكن أذواق الناس وأخلاقهم في العصور القديمة قد بلغت من اللطف والتهذب ~~مبلغ الترفع عن تسخير الآدميين كما يسخر الحيوان أو كما ms33 تسخر الآلة الصماء. فدارت الأديان ~~«الروحية» حول المشكلة ولم تقابلها وجها لوجه في معظم الأحوال، ولم تكن للعبيد أنفسهم أنفة ~~تعزف بهم عن هذه المنزلة التي فرضتها عليهم ضرورات الزمان، ومن كانت لهم الأنفة لم تكن لهم ~~القدرة على التمرد والعصيان وتبديل المصالح والآداب. # ومع هذا لم يكن للمصلحين الدينيين بد من التوفيق بين عقيدة الروح وإباحة بيع الإنسان ~~وشرائه كما تباع الآلات. # فكان من توفيقاتهم في هذا الباب أن العبد عبد بجسده حر بروحه أمام الله، وأنه في هذه ~~الدنيا عبد وفي الآخرة سيد قد يرتفع إلى مراتب القديسين. # وكتب القديس بولس إلى أهل (أفسس) رسالة أوصى فيها العبيد بالإخلاص في الولاء لساداتهم كما ~~يخلصون في الولاء للسيد المسيح، وكان الحواري بطرس يأمر العبيد بهذا الأمر ويلزمهم الخشية ~~من سادتهم كأنها أدب من آداب الدين الصحيح، وجاءت الكنيسة فأقرت نظام الرق واعتمده أحبار ~~رومة في المناشير والعظات، وأيده توماس الأكويني كبير فلاسفة النساك والقسيسين وتلميذ أرسطو ~~الذي اشتهر بالعلم والتقوى في القرن الثالث عشر للمسيح. فاستند إلى أقوال رسل المسيحية، كما ~~استند إلى أقوال أرسطو في كتابه عن السياسة؛ لأن أرسطو اعتبر الأرقاء في حكم الآلات التي ~~تراد لعمل من الأعمال، ولم ير في نظام الرق شيئا يعاب، فما دام في الناس من يعجز عن كفالة ~~نفسه فعليه أن يعيش في كفالة سواه، وتبعه تلميذه الناسك؛ لأن الزهد في الحياة يجعل القناعة ~~بأبخس المنازل أمرا سائغا لا غضاضة فيه، بل لعله من المأثور المحمود عند من يرفضون الحياة ~~... وقد واجه الرق بهذا المزاج فحسبه من الحرمان الذي لا يناقض الخطة المثلى في آداب الديانة ~~وفضائل السلوك، وسهل عليه أن يجد للرق مصدقا من أسر الضرورات وتقييد بعض الحركات ببعض في ~~نواميس الطبيعة وخصائص التكوين. # ومن أعجب العجب أن البلاد التي شاع فيها تحريم قتل الحيوان حتى ما يؤذي منه ولا يفيد - قد ~~بلغت عقائدها القسوة القصوى في معاملة الأرقاء، فإن أناسا من براهمة الهند كانوا يضربون ~~الذلة على العبيد ms34 المعروفين باسم السودرا؛ لأنهم خلقوا من أسفل أعضاء الآلة فلا تبرحهم وصمة ~~الذل ما لبسوا ثوب الحياة، فأيسر ما يعاقب به الرقيق على إغضاب سادته أن يسل لسانه أو يقتل ~~بعد التمثيل به على مشهد من الناس. # وكانت الحضارة تلطف من هذه القسوة بعض التلطيف فتجري العادة أحيانا في الأمم المتحضرة ~~بالشفقة على العبيد والجواري وتخويلهم بعض حقوق المساواة. فكان المصريون الأقدمون يجيزون ~~معاملة الإماء كما تعامل الزوجات الحرائر، ويحكمون بالقتل على من يقتل الرقيق في غير جريرة، ~~ويلزمون الرجل في موقف الحساب بعد الموت أن يبرئ ذمته من إيذاء العبيد والإساءة إليهم، ~~ويجعلون هذا الإبراء جوازا لا مناص منه إلى حظيرة الأرباب. # ومن مصر أخذ العبرانيون تحريم القسوة على العبيد والأجراء؛ لأنهم كثيرا ما كانوا يؤدون ~~في مصر عمل الأجراء إن لم يكن عمل العبيد. فجنحت بهم الرغبة والقدوة إلى إنصاف الأرقاء ~~والأحلاس، وأنكروا الإرهاق كما أنكروا الضرب والإيذاء في معاملة الأجراء. # وقال هيرودوت: إن الفرس في زمانه كانوا يمنعون عقاب العبد على الهفوة الأولى، ولكنهم ~~يبيحون للسيد أن يقتل عبده أو يعذبه إذا أذنب مرة بعد أخرى، وكانت شريعة الفرس أرفق بالعبد ~~على الجملة من شرائع اليونان والرومان؛ لأنها كانت ترخص له في الراحة وتكره العدوان عليه، ~~وربما سرى إليهم أدب الشريعة هذا من عادة التسري واقتناء الزوجات من الإماء، ووافق ذلك ~~معيشة الحضارة في المدن الكبيرة، وقلة الحاجة إلى إرهاق الأرقاء لتحصيل ضرورات المعيشة، ~~ولعلهم قد استفادوا أيضا من سنن العبرانيين في معاملة الرقيق، لطول العشرة بين اليهود وبين ~~شعوب النهرين. # ولم تسلم أمة قط من إقرار نظام الرق وازدراء العبيد على اختلاف عناصر الأمم ~~وأجناسها. # فما قيل عن فضل أمم الشمال الأوروبية على أمم الجنوب كافة في هذه المسألة خطأ ظاهر في ~~البحث عن حقائق الأسباب؛ لأن أمم الشمال لم تخل من نظام الرق سموا في الأخلاق أو تفردا ~~بالصفات الإنسانية التي تدعى للشماليين في الزمن الأخير، ولكنها خلت من نظام الرق؛ لأن ~~اقتناء الأرقاء في ms35 تلك البلاد الباردة يكلفها أكثر مما يحط عنها، فهي فضيلة الضرورات لا ~~فضيلة الأخلاق، وهي مزية البقاع لا مزية عناصر الشمال. # وما زال الرقيق محروما من المساواة الإنسانية إلى هذا اليوم في الأمم الأوروبية ~~والأمريكية. وكانت القوانين إلى القرن الثامن عشر تجيز قتل العبيد في المستعمرات إذا هربوا ~~من الأسر أو أغلظوا لمواليهم في الكلام، ولم يكن على السيد الذي يقتل مولاه إرهاقا أو ~~تعذيبا عقاب منصوص عليه. # تلك كانت حالة الرقيق جملة في القرون الأولى وفي القرون الحديثة، وقبل ظهور الأديان ~~«الروحية»، وبعد ظهور تلك الأديان. # ومن الأسباب التي تذكر لتحسين أحوال الأرقاء ومنع الاتجار بهم في العصر الحديث: أن اقتناء ~~العبيد كان ييسر لبعض البلاد أن تنافس البلاد التي تستخدم العمال الأحرار في الصناعة وتبذل ~~لهم أجرا لا يطمع العبيد السود في مثله، وكان اقتناء العبيد يضير أولئك العمال الأحرار في ~~الوقت الذي عرفوا فيه حقوقهم ونهضوا للمطالبة بها، وساعدهم على المطالبة بها أصحاب الأموال ~~الذين لا يستفيدون من تسخير الأرقاء. # ومهما يكن الرأي في حقيقة هذه الأسباب فهي مما يدخل في التقدير عند بيان فضل الإسلام ~~وسبقه للحضارة الحديثة إلى أرفع الآداب وأكرمها في مسألة الرق ومعاملة الأرقاء. # فلم تكن معاملة الأرقاء على الوجه الذي أمر به الإسلام مصلحة اقتصادية على فرض من هذه ~~الفروض، بل ربما كان من المصلحة إبقاء الرق على نظامه الأول ليفرغ الأرقاء لأعمال المعيشة ~~والسخرة، ويفرغ الأحرار لأعمال الجهاد والرئاسة. # كذلك لا يقال: إن الإسلام تهيب النظام القائم في المجتمعات القديمة كما تهيبتها الأديان ~~الروحية فدارت حول المشكلة ولم تقابلها وجها لوجه في معظم الأحوال، ولم تأخذ بأيدي العبيد ~~إلا بما كانت تفرضه عليهم من الطاعة وتزجيه إليهم من العزاء المنظور في الدار ~~الآخرة. # فلا يقال: إن الإسلام قد منع رق المسلم وقصر الرق على الأسرى وأوجب لهم حسن المعاملة؛ ~~لأنه كان دينا يؤمن بالروح، ولا توافق بين الإيمان بالروح وبين بيع الآدميين كما يباع ~~الحيوان ... فإن الواقع أن أديانا «روحية» كثيرة ms36 قد وفقت بين الأمرين على نحو من ~~التوفيق. # ولا يقال: إن الإسلام قد جاء بآداب الرفق بالرقيق بعد ذهاب الحاجة إلى تسخير الأرقاء ~~وتبدل الأحوال الاقتصادية في مجتمعات المشرق والمغرب ... فإن الواقع أن هذه الحاجة ظلت قائمة ~~في البلاد الشرقية والغربية إلى زمن يذكره الأحياء، ولا تزال قائمة حتى اليوم في بعض ~~الأنحاء. # فإنما هو إذن فضل خالص من علل المادة ودواعي الثروة الاجتماعية، وإنما هو نصر صريح في ~~عالم الروح يحسب للدين الإسلامي وحده بين سائر الأديان. # كان في وسع الدعوة الإسلامية أن تمر بنظام الرق في العالم العربي وفي العالم بأسره ثم ~~تتركه حيث كان فلا يحسب عليها ذلك - في حينها - إغضاء معيبا تسأل عنه؛ لأن مسألة الرق لم ~~تبلغ يومئذ أن تكون من المسائل الناطقة التي يؤول السكوت عنها بالإغضاء أو المداراة. # ومن المحقق أن الدعوة الإسلامية لم تكن تخسر شيئا لو أنها أهملت مسألة الرق في أول ~~ظهورها؛ لأن المسلمين على نقيض ذلك كانوا يتجشمون خسارة لا يطيقونها في إعتاق العبيد ~~والإماء. كلما ساءت حالهم عند سادتهم بدخولهم في دين الإسلام. وكان أبو قحافة يمثل الرأي ~~الحصيف وهو يأخذ على ابنه الصديق بذل المال الكثير في سبيل رهط من الضعاف المهازيل يثقلون ~~كاهله ولا يغنون عنه أقل غناء. # فلم يكن ثمة من باعث إلى النظر في إنصاف الأرقاء وهدم نظام الرق القديم غير باعث الفضيلة ~~المثالية، التي تعنى بطلب الكمال ولا تحفل بالمصلحة المادية أقل احتفال. # وقد تبدل نظام الرق على يد الإسلام في أوسع نطاق للتبديل، أو على أعمق أساس يبنى عليه كل ~~تبديل في أمثال هذه الأنظمة الاجتماعية؛ لأنه عمد إلى أساس التفرقة بين الأجناس والأقوام ~~فمحاه أو عفى عليه. # وعلم الناس أن المؤمنين إخوة، وأنه لا فضل لمسلم على مسلم بغير التقوى، وألقى إليهم في ~~الأحاديث القدسية أن «الجنة لمن أطاعني ولو كان عبدا حبشيا، والنار لمن عصاني ولو كان ~~شريفا قرشيا» أو كما قال. # وحصر الرق مع هذا في سبب واحد من ms37 أسباب الاسترقاق، وهو الأسر في ميادين الحروب، فلا يملك ~~الرجل أو المرأة بالنخاسة والاختطاف، ولا يعد من العبيد إلا من وقع أسيرا في ميدان القتال ~~إلى أن يفدي نفسه أو يفديه من يفديه. # وقد مضت مئات السنين بعد ظهور الدعوة الإسلامية فبطل نظام الاسترقاق أو بطلت الحاجة إليه، ~~ولا يزال الأسر مشروعا والفداء واجبا، ولو بتبادل الأسرى، أو بشرط من الشروط التي تقوم ~~مقام الفداء، ولا يقع في العقل نظام غير هذا النظام ما بقيت الحروب وبقي الأسر والاستئسار ~~مقبولين في شرعة المتحاربين. # ولم تنته عناية الإسلام بمسألة الرق بتضييق نطاقه وحصره في هذا السبب الوحيد من أسباب ~~الاسترقاق، بل أمر المسلمين بقبول الفداء أو المن وهو الإعتاق بغير فداء: # فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب ~~أوزارها ~~[محمد: 4]. # وأوجب على المسلم أن يقبل من الأسير تنجيم فديته حتى يستوفيها على سنة الرفق والسماحة: # والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم ~~فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله الذي ~~آتاكم ~~[النور: 33]. # وقد جعل الإعتاق حسنة تكفر عن كثير من السيئات، وفرضها على الذين يخالفون بعض أحكام الدين ~~كما فرض الصدقات وإطعام المساكين، وجعل وصية الرفق بهم مقرونة بوصية الرفق بالآباء ~~والأقربين: # وبالوالدين إحسانا وبذي القربى ~~واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب ~~والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن ~~الله لا يحب من كان مختالا فخورا ~~[النساء: 36]. # وكانت وصية النبي للمسلمين قبيل وفاته: «الصلاة وما ملكت أيمانكم.» وتكررت منه عليه ~~السلام أحاديثه في هذا المعنى، حتى قال في بعض تلك الأحاديث: «لقد أوصاني حبيبي جبريل ~~بالرفق بالرقيق حتى ظننت أن الناس لا تستعبد ولا تستخدم.» # وتجاوز الإشفاق على الأرقاء من سوء المعاملة إلى الإشفاق عليهم من الكلمة الجارحة، فكان ~~عليه السلام يقول: «لا يقل أحدكم: عبدي وأمتي. وليقل: فتاي وفتاتي وغلامي.» # أما ضرب الرقيق بغير تأديب محتمل فهو ذنب كفارته العتق، أو كما قال عليه السلام: «من لطم ~~مملوكه فكفارته عتقه.» فإذا قتله فهو يقتل به في ms38 قول أشهر الفقهاء. # وقد فضل الإسلام الزواج بالأمة المؤمنة على الزواج بالحرة المشركة. وأوجب عتق الأمة متى ~~ولدت للرجل واعترف بأبنائها. # وقد أعتق النبي عليه السلام مملوكه زيدا وزوجه بعقيلة حرة من عقيلات بيته، وتبناه وأقام ~~ابنه أسامة من بعده واليا على جيش الشام وهو دون العشرين، وفي الجيش نخبة من أجلاء الصحابة ~~منهم عمر بن الخطاب. # وكانت معاملة النبي للأرقاء في ملك يده وفي ملك غيره تفوق سماحة هذه الوصايا على فرط ما ~~فيها من السماحة بالقياس إلى آداب ذلك العصر، وإلى آداب جميع العصور، فكان يؤاكلهم ويلبي ~~دعوتهم إلى الطعام ويقول للمسلمين: «هم إخوانكم وخولكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه ~~تحت يده فليطعمه مما يأكل، ويلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم ~~فأعينوهم.» # وأكرم ما قال في هذا الباب - وكله كريم: «إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأجلس كما ~~يجلس العبد.» ~~••• # هذه الوصايا والمعاملات كانت كلها من فيض الآداب العلوية الرفيعة، ولم يكن شيء منها قط من ~~إملاء الضرورات الاجتماعية أو المصالح الاقتصادية، بل هي ولا شك قد تقررت على الرغم من ~~ضرورات الاجتماع ومصالح الاقتصاد التي كانت غالبة في تلك الآونة على الجزيرة العربية وعلى ~~غيرها من أرجاء العالم المعمور. # وهي لم تتقرر - بالبداهة - دفعة واحدة في مستهل الدعوة الإسلامية، ولا تقررت كلها أو ~~بعضها قبل إسلام بلال وزملائه من الموالي والإماء. فقد تتابعت الأحكام الإسلامية في معاملة ~~الرقيق على أثر قيام الحرب بين المسلمين والمشركين، وبعد ظهور حالة الأسرى والمستأسرين في ~~معارك الفريقين. # فمن الخطأ أن يقال: إن أحكام الرقيق هي التي جلبت إلى الإسلام من دخل فيه من الموالي ~~والإماء، أو إنهم سيقوا إلى الدخول فيه طلبا لراحة الجسد وهربا من مظالم السادة ومتاعب ~~التسخير. # إن يكن هناك أثر للمعاملة الحسنة في إقبال بلال وزملائه على الإسلام، فهو على التحقيق أثر ~~المثال الرفيع الذي تمثلوه في معاملة النبي عليه السلام لصحبه ومواليه، ولكل ضعيف منتم ~~إليه. ولم يكن سرا مجهولا ms39 بينهم أن النبي عليه السلام أحسن إلى مولاه زيد بن حارثة ~~فأنساه أباه وذويه، وجاءه هؤلاء يفتدونه ويعرضون عليه الحرية والعودة إلى أحضان أهله، فآثر ~~صحبة النبي على نعمة الحرية بين معشره الأولين وفي ظلال وطنه الذي فارقه مكرها منذ ~~سنين. # فهذا المثال الرفيع قد كان له ولا ريب أثره البالغ في تحبيب الإسلام ونبي الإسلام إلى ~~الأرقاء وغير الأرقاء. # ولكن طلب الإسلام عند أولئك الأرقاء لم يكن طلبا لراحة الجسد ولا مفاضلة بين سيد وسيد ~~أو معيشة ومعيشة. # فإننا لا نعرف في تواريخ العقائد الدينية أن أحدا يقبل على الدين مساومة على الراحة ~~ورفاهة العيش، ولم يكن طلاب الراحة ورفاهة العيش قط أعوان عقيدة ناشئة في عهدها الأول وهي ~~مقدمة على المغامرة والجهاد تتطلب الضحايا وتفرض على الأتباع ألوان الفداء. # وفي حالة بلال وزملائه خاصة، لم يكن الإسلام راحة لهم ولا انتقالا من جانب الخطر إلى ~~جانب السلامة والأمان، بل كان على نقيض ذلك انتقالا من جانب السلامة والأمان إلى جانب ~~الخطر الذي لا يدفعه عنهم دافع. لأن العربي يحميه من الضيم آله وعشيرته ولا يبلغ الأمر مبلغ ~~الخطر على حياته وماله إلا في قتال صريح بعد يأس من الوفاق، ولا حاجة إلى قتال صريح أو غير ~~صريح لإهدار دم العبد المملوك المرهون بمشيئة مولاه. وأهون من ذلك عند مولاه تعذيبه وإعناته ~~وحرمانه الراحة وضرورات الحياة. # كذلك لم يكن طلب الإسلام عند هؤلاء الأرقاء طلبا للنقلة من رق ثقيل إلى رق خفيف، أو من ~~سيد قاس إلى سيد رحيم؛ لأن الإسلام في مبدأ أمره لم يكن ليخرجهم من ربقة الأسر عند سادتهم ~~الأقوياء، ولم يكن العتق جزاء موعودا لمن يغضب سيده المشرك ويرضي النبي عليه السلام ~~بالدخول في دينه. فإنما جاء العتق مصادفة واتفاقا بعد تشديد العذاب على أولئك الضعفاء ~~المساكين، وقد كان العذاب يقينا لا شك فيه، ولم تكن النجاة إلا وعدا مأمولا لم تبد ~~تباشيره للعيان. # فمن الخطأ، كما أسلفنا، أن يعلل إيمان العبيد والإماء بأحكام الإسلام ms40 في معاملة الأرقاء، ~~أو بالطمع في الراحة والمساومة على حسن المعاملة ، فإنما عرفت تلك الأحكام بعد ابتداء الدعوة ~~الإسلامية بزمن طويل، وإنما كان العناء والخطر أول ما يصيب العبد الذي يصبأ عن دين مولاه، ~~وكانت الراحة آخر ما يرجوه من أمل بعيد، إن سلمت له الحياة. # وما زالت العقائد أكرم على ضمير الإنسان من هذه المساومات التي تلازم الأسواق وتعرض في ~~صفقات البيع والشراء، وما زال قلق النفس هو الباعث لها وطمأنينة النفس هي البغية منها، ~~وتهون في سبيلها بعد ذلك مطالب العيش وراحة الأجساد. # وآية ذلك أنه لم يؤمن إنسان قط لغنيمة تخصه ولا تعم سواه. # إنه ليساوم في سوق التجارة على الغنيمة التي تخصه دون غيره، ولكنه إذا آمن بعقيدة من ~~العقائد التي تتناول الحياة والموت فلا بد من غاية تعمه وتعم غيره على السواء، ولا بد من ~~الأمل العام الذي يتخطى مصالح الفرد ومساومات الآحاد. # وبلال حين آمن بالإسلام قد آمن حقا بالدين الذي ينصف العبيد، ولكنه قد آمن به على السنة ~~التي ترضي الكرامة الإنسانية لا على سنة المساومة والمصافقة، أو هو قد آمن به إنسانا كما ~~آمن به السادة الأحرار القادرون على شراء العبيد والإماء. # وأقل ما يقال في تعليل إسلامه: إنه إعجاب نفس طيبة بنفس عظيمة، وإنه إيثار للخير الكبير ~~على الخير الصغير، وإنه استقامة طبع تهتدي إلى الصراط المستقيم، وإنه شوق إلى الحق الذي ~~يريح النفوس وليس بشوق إلى الرفاهة التي تريح الأجساد. # ومما لا شك فيه أن إرضاء الكرامة بالمساواة بين جميع المسلمين، كان أحب إلى أولئك العبيد ~~والإماء من كل راحة يرجونها بعد الدخول في الدين الجديد، أيا ما كانت الثقة بتحقيق ذلك ~~الرجاء. في أجل قريب أو بعيد. # وقد غبرت القرون على وصايا الإسلام بالرقيق، وعمل بها من المسلمين من عمل وخالفها من ~~خالف، واحتال عليها من احتال، على عهد الناس بجميع الأوامر أو النواهي التي تشرعها العقائد ~~والأديان. # ولكنها، سواء روعيت أو خولفت، قد كانت كسبا عمليا له أثر ms41 من النفع الواقع في تاريخ بني ~~الإنسان، وقد بقي لها هذا الأثر إلى أن بطل الأسر وبطل الرق بشتى ذرائعه ودواعيه، وارتفعت ~~للحرية الفردية والحرية القومية صيحة لم ترتفع لها قط في زمن من الأزمان. # فبعد وصايا الإسلام بألف ومائتي عام، وفي العصر الذي راحت فيه أوروبا تنكر الرق وراح فيه ~~اليونان يطلبون الاستقلال نزل بمصر فوج من الأسرى اليونان يزيدون على خمسة آلاف وخمسمائة، ~~ووزعهم الولاة على بيوت السراة وذوي الثراء في القاهرة والإسكندرية، تم عقد الصلح وقضت ~~شروطه برد الأسرى إلى بلادهم وإعتاق من بيع منهم بمال الحكومة المصرية لا بمال الأسير أو ~~بمال ذويه، فآثروا البقاء جميعا في البيوت التي نزلوا بها نزول العبيد، ولم يقبل منهم ~~العتق غير أربعمائة أو دون ذاك، كما جاء في بيان المندوب الإنجليزي الذي نيط به تنفيذ تلك ~~الشروط. # ومهما يقل القائلون في تعليل ذلك الإيثار، فالأمر الذي لا ينكر في هذا المقام ولا ينسى ~~أن أولئك الجند الأوروبيين الذين أسروا وهم يعلنون قضية الاستقلال، ما كانوا ليحمدوا البقاء ~~عند سادتهم المسلمين لو كانت وصايا الإسلام بالأرقاء قد ذهبت ذهاب الكلام في الهواء. # فالعقائد الكبرى قد تتكلم بلسان الفضائل المثالية في نشأتها الأولى، وقد ينشدها المؤمنون ~~بها حبا للمثال الأعلى وطموحا إلى الكمال، ولكنها لا تلبث بعد ذلك أن توزن بالميزان ~~وتشخص للعيان. # | نشأة بلال # اتفقت الأقوال على أن بلالا كان من أبناء الحبشة المولدين، وجاء في وصفه أنه رضي الله ~~عنه كان «آدم شديد الأدمة نحيفا طوالا أجنأ - أي فيه انحناء - كثير الشعر خفيف ~~العارضين». # وهي أوصاف تعهد في سلالة المولدين من السود والساميين، وقد كانوا كثيرين بين الحبشة ~~واليمن من قديم الزمن، فليست أوصافه المتفق عليها أوصاف الزنج ولا أوصاف أبناء سام، وسواده ~~وكثرة شعر رأسه مع خلوصه من فطس الأنف وتقبض الشعر تدل على أنه مولد من السلالتين. وقد زعم ~~بعضهم أنه كان ينطق السين شينا على عادة السود، فنفى الثقات هذا الزعم وأكد نفيهم أنه كان ~~يقيم ms42 الأذان وفيه السين والصاد. # ويختلف في مولده فيقال: إنه ولد في مكة ويقال: إنه ولد في السراة، وربما رجح القول ~~الأخير؛ لأن السراة أقرب إلى اليمن والحبشة، ولأن بلالا رضي الله عنه رجع إليها حين فكر في ~~الزواج. # وأرجح الأقوال في سنة مولده أنه ولد قبل الهجرة بنحو ثلاث وأربعين سنة، ثم تختلف الأقوال ~~حتى يبلغ التفاوت بينها زهاء عشر سنين. # وأبوه وأمه معروفان: أبوه يدعى رباحا وأمه تدعى حمامة، وكان ينبز بابن السوداء إذا غضب ~~منه غاضب، ولعل أمه كانت من إماء السراة أو إماء مكة، إذا صح أنه لم يولد بالسراة. # ويحسب بعض الإفرنج الذين كتبوا عنه أنه تلقى من أمه كلمات التوحيد، كما كان يفهمه ~~المتدينون والمتدينات بالمسيحية من أبناء الحبشة، وأنه من ثم أسرع إلى تلبية الدعوة ~~المحمدية حين جهر النبي عليه السلام برسالة التوحيد، وهو حسبان جائز ولكنه بعيد؛ لأن ~~الأحباش في ذلك الزمن إنما كانوا يفهمون المسيحية على نحو أقرب إلى الوثنية، ولا يرحبون ~~برسالة التوحيد المحمدية ذلك الترحيب. # ويذكر لبلال أخ يسمى خالدا ويكنى بأبي رويحة، والأغلب في الروايات المختلفة أنه كان أخاه ~~في الإسلام على سنة المؤاخاة بين الصحابة التي سنها عليه السلام، وقيل: إن له أختا تسمى ~~غفرة هي مولاة عمر بن عبد الله مولى غفرة المحدث المصري، ولا خبر عنها غير ذلك فيما روي من ~~أخباره. # وكانت نشأة بلال بمكة في بني جمح من بطون قريش المشهورة. # وفي بني جمح هؤلاء نشأ أبو محذورة أحد الثلاثة المختارين من مؤذني النبي عليه السلام، وهم ~~بلال وأبو محذورة وعمرو ابن أم كلثوم ... ولا يدرى أمن محض المصادفة أن كانت نشأة اثنين من ~~الثلاثة في بني جمح، أم كان لهؤلاء القوم بعض عناية بالصوت والغناء. وإنما المعروف عن القوم ~~أنهم كانوا أصحاب الأزلام والأيسار في الجاهلية وأنهم كانوا من حزب عبد الدار حين شجر الخلف ~~بينه وبين عبد مناف، فكان بينهم وبين بني عبد مناف خلاف قديم. # وإذا كان لنشأة بلال بين هؤلاء ms43 القوم أثر مقدور في بغضه لعبادة الجاهلية وإقباله على ~~الإسلام فذلك هو اطلاعه بين القوم على أسرار الأزلام والأيسار وما يلزمها أحيانا من الغش ~~والتلبيس، وأن القوم فيهم مجافاة عن الرحمة والنزعة الروحية باعدت بينهم وبين خلائق عبد ~~مناف - جد النبي عليه السلام - منذ القطيعة الأولى بين الأحزاب القرشية، وخليق بأمثال ~~هؤلاء ألا يألفهم الضعفاء. # ولم يعلم على التحقيق من كانوا سادة بلال وأبيه من بني جمح هؤلاء. فقيل إنه كان عند عقيلة ~~من عقائلهم، وقيل إنه كان عند أيتام لأبي جهل، وقيل إنه كان عند أمية بن خلف وبعض ولده، ~~واتفقت الأقوال على أن الصديق رضي الله عنه هو الذي استنقذه من أيديهم بعد ما عاينه من ~~تعذيبهم إياه لدخوله في الإسلام. فاشتراه بخمس أواق من الذهب وقيل بسبع أواق وقيل بتسع ~~أواق. وزعموا أن سيده أراد أن ينغص الصفقة على الصديق بعد شرائه فقال له: لو أبيت إلا أوقية ~~لبعناك! فقال له الصديق: لو أبيتم إلا مائة لاشتريته ...! ويزعم بعض الرواة أن الصديق استبدله ~~بغلام له جلد من عبيده، وهي رواية يشك فيها كثيرا؛ لأن الصديق لم يكن ليسلم المشركين رجلا ~~من أتباعه ليستنقذ به رجلا غيره، وأدنى من ذلك وأشبه بخلائق الصديق رضي الله عنه أنه ~~اشتراه بأمر النبي عليه السلام، وأنه عليه السلام عرض عليه الشركة فيه ليخفف عنه عبء نفقته ~~ونفقة المستضعفين من أمثاله، فقال له: لقد أعتقته يا رسول الله. وعمل بعد ذلك خازنا له ثم ~~خازنا للنبي ومؤذنا للمسلمين بعد إقامة الأذان. # واستراح بلال بعد عتقه من إيذاء السادة للعبيد ولكنه لم يسترح ولا استراح غيره من إيذاء ~~الأحرار للأحرار ولا سيما المستضعفين الذين لا تحميهم العصبية ولا الخوف من الثأر. فقد كان ~~المشركون يتعقبون المسلمين بكل ما استطاعوا من عنت ومساءة، واشتدوا في ذلك حتى هموا بقتل ~~النبي عليه السلام، وجمعوا كلمة القبائل على هذه النية ليفرقوا دمه الزكي بينها فلا تقوى ~~هاشم وحدها على محاربتها أو تصمد لعداوتها. فأشفق النبي الكريم ms44 على صحبه وأذن لهم في الهجرة ~~قبله، وكان بلال ممن هاجر إلى المدينة على إيثار منه للبقاء في مكة. فلما وصل النبي عليه ~~السلام وصاحبه الصديق إلى المدينة كانت «أوبأ أرض الله من الحمى» ولكنها أرحم بهم من جيرة ~~المشركين في مكة. ونزل الصديق وعامر بن فهيرة وبلال في بيت واحد فأصيبوا جميعا بالحمى - ~~ولعلها الملاريا كما رجحنا في غير هذا الكتاب - فكان بلال إذا تركته الحمى اضطجع بفناء ~~البيت ثم رفع عقيرته يترنم بصوته الجهوري قائلا: # ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة # بفخ وحولي إذخر وجليل # وهل أردن يوما مياه مجنة # وهل يبدون لي شامة وطفيل # وهي مواضع ومنابت بمكة وجوارها تشوقها بلال في العلة لما ابتعد عنها، وليس أعجب في الوفاء ~~لموطن الصبا من هذا الوفاء؛ لأن بلالا قد لقي عند تلك المواطن والمنابت قسوة في جاهليته ~~وتعذيبا في إسلامه وخطرا على حياته، ولكنه عاش فيها مع الصبا الأول وعاش فيها مع الإيمان ~~الأول، فهي حبيبة إليه أثيرة لديه، وإن لقي الحفاوة والسلامة في الهجرة منها إلى ~~غيرها. # وقد لزم بلال النبي والصديق بالمدينة ومكة وسائر المغازي والأسفار بعد ذلك. وكان لمسجد ~~المدينة الذي اشترك النبي عليه السلام في بنائه حظ الأذان الأول، فكان لبلال حظ السبق ~~بهذا الأذان. ولم يزل له حظ التقدم على سائر المؤذنين في حضرة النبي حتى قبض عليه السلام، ~~وميز بالتقدم عليهم لتقدمه في الإسلام ولجهارة صوته وحسن أدائه، وإن كان تقدمه في ~~الإسلام هو أرجح المزيتين التي استحق بها التفضيل والتكريم. # كان إذا فرغ من الأذان وأراد أن يعلم النبي عليه السلام أنه قد أذن وقف على الباب وقال: ~~حي على الصلاة! حي على الفلاح! الصلاة يا رسول الله. فإذا خرج رسول الله فرآه بلال ابتدأ في ~~الإقامة. # وقيل في خصائص أذانه: إنه كان يؤذن حين تدحض الشمس ويؤخر الإقامة قليلا. أو ربما أخرها ~~قليلا، ولكن لا يخرج في الأذان عن الوقت. وربما ترنم ببعض الشعر وهو صاعد للأذان رثاء ~~لحاله وطلبا ms45 للتوبة والرحمة من الله. ومن ذاك أنه سمع وهو يقول: # ما لبلال ثكلته أمه # وابتل من نضح دم جبينه # وكان من عمل بلال في صحبة النبي عليه السلام قبل بناء المصلى أنه كان يحمل العنزة بين ~~يديه ويركزها حيث تقام الصلاة، وكانت هذه العنزة إحدى عنزات ثلاث أهداها نجاشي الحبشة إلى ~~النبي عليه السلام، فأمسك واحدة لنفسه وأعطى كلا من علي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب واحدة، ~~واختص بلالا بحمل العنزة بين يديه أيام حياته، فكان يحملها في العيدين وفي أيام الاستسقاء ~~ويركزها حيث تقام الصلاة، وقيل: إنه كان يمشي بها بين يدي الصديق في خلافته، ثم جعل سعد ~~القرظ يمشي بها بين يدي عمر وعثمان بوصاة من بلال، وهي العنزة التي احتفظ بها الولاة يمشى ~~بها بين أيديهم بعد عهد الخلفاء. # وقد آخى النبي في المدينة بين المهاجرين والأنصار، فآخى بين بلال وخالد أبي رويحة ~~الخثعمي، وقيل بل بينه وبين أبي عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، أو بين أبي عبيدة بن ~~الجراح، وهو على ما يظهر لبس في الأسماء، والأول هو الأرجح لبقاء الصلة بين بلال وأبي رويحة ~~إلى أن فرقت بينهما الوفاة. # ويبدو من أحاديث النبي عليه السلام لبلال أنه كان يصطفيه؛ لأنه أهل لاصطفاء التربية ~~والتعهد بالنصيحة والتعليم، فكان يقول له: يا بلال! أفضل عمل المؤمن الجهاد في سبيل الله، ~~وكان يقول له: عش فقيرا يا بلال ومت مع الفقراء، وربما عهد إليه في تفريق ما يفضل من المال ~~عنده وقال له: انظر حتى تريحني منه. فيرى بلال القدوة في سيده ونبيه فإذا هو من خيرة ~~المقتدين، ويظل على هذه القدوة حتى فارق الحياة. # وقد أري النبي عليه السلام أنه سمع دف نعلي بلال بين يديه في الجنة، فسأله بعد الصلاة: ~~يا بلال! حدثني بأرجى عمل عملته عندك في الإسلام منفعة، فإني سمعت الليلة دف نعليك بين يدي ~~في الجنة ... فلم يذكر بلال زهده ولا جهاده ولا صبره على العذاب ولا أمانته وتسليمه. بل قال: ms46 ~~«ما عملت عملا في الإسلام أرجى عندي منفعة من أني لا أتطهر طهورا تاما في ساعة من ليل ~~أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب الله لي أن أصلي.» # فكان اصطفاء النبي هذا الصديق المؤمن الأمين اصطفاء المربي الكبير للرجل تثمر فيه التربية ~~والقدوة الحسنة كما يثمر فيه الصنيع الجميل، ويحب للطف محضره كما يحب لخلوص طويته وفضائل ~~نفسه، وقد كان كالحارس الملازم لشخص النبي عليه السلام في طويل صحبته بين الحرب والسلم ~~والإقامة والسفر، ولكنه عليه السلام لم يكن يتخذه حارسا يحميه كما يحمي الحراس الأمراء ~~والسلاطين، وإنما كان يستصحبه في إقامته وسفره استصحاب الحراس لأنه كان يستريح إلى رؤيته ~~والشعور بصدق مودته ووفائه، وكانت مودة بلال لمولاه وهاديه تبدو منه حيث يريد وحيث لا يريد، ~~فإذا اشتد الهجير في رحلة من الرحلات أسرع إلى تظليله بثياب الوشي والنبي لا يسأله ذلك، ~~وإذا تهيئوا للقتال ضرب له قبة من أدم يرقب الموقعة منها، وجعل يتردد بينها وبين الميدان ليطمئن عليه ويتلقى الأمر منه، فلم يفرقهما موقف ضنك ولا ~~موقف خطر، ولم ينقض يوم إلا جمعتهما فيه الصلوات الخمس ومجالس العظة والحديث، ما لم يكن في ~~غيبة قصيرة لشأن من شئون الدين الذي لم يكن له شأن سواه. # ولما فتحت مكة أمره النبي عليه السلام أن يقيم الأذان على ظهر الكعبة فأقامه والمشركون ~~وجوم يغبطون آباءهم لأنهم لم يشهدوا ذلك اليوم ولم يسمعوا ما سمعوه فيه، ودخل النبي الكعبة، ~~فكان في صحبته ثلاثة هم عثمان بن طلحة صاحب مفاتيحها وأسامة بن زيد ابن النبي بالتبني، ~~وبلال. # وما زال يصحب النبي مجاهدا حتى قبض عليه السلام، فأقام الأذان بعد وفاته أياما على ~~أرجح الأقوال ثم أبى أن يؤذن وأصر على الإباء، لأنه كان إذا قال في الأذان «أشهد أن محمدا ~~رسول الله» بكى وبكى معه سامعوه، فلم يطب له المقام حيث كان يصحب النبي ويراه ثم هو بعد لا ~~يصحبه ولا يراه، وآثر الاغتراب على فرط حبه لمكة والمدينة، وآثر ms47 الجهاد على فرط حاجته إلى ~~الراحة في غرة الستين، واتفقت أرجح الأقوال على أنه استعفى الصديق من الأذان معه ~~واستأذنه في الخروج إلى الشام مع المجاهدين. فأذن له بعد إلحاح منه، واشترك في معارك لا ~~نعلمها على التفصيل، ثم سكن إلى ضيعة صغيرة بجوار دمشق يزرعها ويعيش من غلتها، ولم يسمع عنه ~~خبر بعد ذلك إلا يوم أذن للخليفة الفاروق بدعوة من كبار الصحابة والتابعين، ويوم تصدى ~~لمحاسبة خالد في مجلس الحكم بين يدي أبي عبيدة. # وأدركته الوفاة في نحو السبعين - لأنه كان ترب الصديق على أرجح الأقوال - وقيل: إنه مات ~~في طاعون عمواس، وقيل سنة عشرين للهجرة أو إحدى وعشرين. واستعذب الموت؛ لأنه سيجمع بينه ~~وبين النبي وصحبه كما كان يقول في ساعات الاحتضار، فكانت زوجته تعول إلى جانبه وتصيح صيحة ~~الوله: واحزناه! فيجيبها في كل مرة: بل وافرحاه! غدا نلقى الأحبة؛ محمدا وصحبه. # وكانت وفاته بدمشق فدفن عند الباب الصغير، وقبره رضي الله عنه معروف يزار. # وليس أدل على قدر بلال عند الصحابة والتابعين من ذلك الوجد الذي اختلجت به حناياهم وهو ~~يؤذن لهم في دمشق بعد انقطاعه عن الأذان تلك السنين الطوال. بكى عمر وبكى معه الشيوخ ~~الأجلاء حتى اخضلت اللحى البيض واضطربت الأنفاس التي لا تضطرب في مقام الروع. ولو بدا لهم ~~أنهم يستمعون إلى صوت آدمي ينطلق من حنجرة من اللحم والدم لما اختلجوا تلك الخلجة ولا ~~تولاهم ما تولاهم يومئذ من الوجد والرهبة، ولكنهم أنصتوا لوحي الغيب حين أصغوا إليه، وقام ~~في أفئدتهم أنه صوت جدير بمحضر النبي عليه السلام يسمعه معهم كما سمعوه معه آونة من الزمان. ~~فهم إذن في عليين أو أقرب من عليين، وهم إذن على مسمع ومشهد من ذات الله جل وعلا وذات النبي ~~عليه السلام في جواره، وهم إذن أرواح علوية يضيق اللحم والدم بفيضها الإلهي فترجف من الوجد ~~وتنكسر الأجساد بالبكاء مغلوبة في عالم الأرواح وآفاق السماء. # رحم الله بلالا ... إنه كان داعي السماء ليرفع أبناء الأرض بدعوتها. ms48 وقد رفعتهم في ذلك ~~اليوم إلى الأفق الأعلى؛ إلى الحضرة التي ترتجف فيها الأجساد لأنها غريبة في ذلك ~~الجوار. ~~••• # وحق للمسلمين في ذلك العهد أن يقرنوا بين محضر النبي وصوت بلال حيث كان. فمن سيرة بلال ~~الوجيزة نعلم أنه كان يأوي إلى كفالة النبي في حياته البيتية كما كان يأوي إليه في حياته ~~الدينية. وأن أحدا من الصحابة لم يكن يذكرهم بالنبي عليه السلام كما كان يذكرهم به مؤذنه ~~وصاحبه ووليه طوال حياته حيث يرونه أو حيث يستمعون إليه، وقد شغل النبي بمعيشته في بيته كما ~~شغل بعتقه ورزقه وتقويم دينه، ففي روايات مختلفة أنه تزوج بوصية منه عليه السلام، وفي إحدى ~~هذه الروايات: # إن بني أبي البكير جاءوا إلى رسول الله عليه السلام فقالوا: زوج أختنا ~~فلانا، فقال لهم: «أين أنتم عن بلال؟» ثم جاءوا مرة أخرى فقالوا: يا رسول الله، أنكح أختنا ~~فلانا، فقال لهم: «أين أنتم عن بلال؟» ثم جاءوا الثالثة فقال لهم: «أين أنتم عن بلال؟ أين ~~أنتم عنه؟ رجل من أهل الجنة فأنكحوه.» # والظاهر أنه تزوج غير مرة وأنه مات بغير عقب، فقد جاء في رواية قتادة أنه تزوج أعرابية من ~~بني زهرة، وجاء في رواية أخرى أن له زوجة تدعى هندا الخولانية، وهي من خولان اليمن لا من ~~خولان الشام؛ لأنها كانت معه قبل هجرته إلى الشام. # ذكره ابن إسحاق فيمن حضر بدرا فقال: وبلال مولى أبي بكر. مولد من مولدي بني جمح اشتراه ~~أبو بكر من أمية بن خلف وهو بلال بن رباح لا عقب له. # نعم ولكنه أعقب الميراث الذي يتصل بالأذان في كل مكان ... فلا ينساه من يسمع الأذان ويرجع ~~به إلى أول من نادى به قبل أجيال وأجيال. # | إسلام بلال # كل إيمان فهو شيء يتجاوز الفرد الواحد ولا ينحصر في مصلحته العاجلة أو الآجلة. # فليس بإيمان ذلك الذي يخص فردا واحدا ولا يتجاوزه إلى غيره في زمنه أو بعد زمنه، وليس ~~بإيمان ذلك الذي يدور على المصلحة الفردية وإن تعدد ms49 فيه الأفراد؛ لأن الإنسان قد يضحي ~~بالمصلحة في سبيل الإيمان، ولا يفعل ذلك وهو يحسب حساب المصالح ولا يتجاوزها. # وقد يضحي الإنسان أحيانا بالإيمان في سبيل المصلحة العاجلة أو الآجلة، ولكن ذلك لا ينفي ~~أن الإيمان شيء أكبر من المصلحة عاجلها وآجلها، وإنما يدل في هذه الحالة على أن ذلك الإنسان ~~يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، وأنه ضعيف اليقين ضعيف الاستعداد للإيمان. # فالإيمان لا يقوم على أساس المصلحة العاجلة أو الآجلة. # ويكفي أن يضحي الناس بمصالحهم في سبيل إيمانهم - ولو في بعض الأحيان - لتقرير هذه الحقيقة ~~من وراء الجدل والخلاف. # لأننا نفهم أن ينسى الرجل إيمانه في سبيل مصلحته فنقول: إن المصلحة عزيزة عليه وإن الإيمان ~~ضعيف في نفسه. # ولكننا لا نفهم أن ينسى الرجل مصلحته في سبيل إيمانه إلا على وجه واحد، وهو أن الإيمان ~~والمصلحة معدنان مختلفان، وأن المصلحة عزت أو هانت هي شيء غير الإيمان. # ولا يقال إن مصلحة الآخرة تدخل في حساب الرجل فينسى من أجلها مصالحه الدنيوية. فإن تصديقه ~~بمصلحة الآخرة هو نفسه إيمان بالغيب، وهو سابق لحصول المصلحة على كل حال. # ومع هذا وجد في زماننا هذا أناس - كأتباع كارل ماركس - يؤمنون بالمادة وينكرون كل شيء غير ~~هذه الدنيا المحسوسة، ويقولون إن الأديان والمذاهب والآداب وكل ما يحيك بضمير الإنسان إن هي ~~إلا صورة من حياته المادية التي لا بعث بعدها ولا محل للروح فيها، ومنهم مع ذلك من يدخل ~~السجن ويتعرض للنفي ويجازف بالحياة ويفقدها في سبيل إيمانه بمعتقده وإنكاره لمعتقد الآخرين ~~... وليس بالمعقول أن يفقد الإنسان الحياة لأنه يطمح إلى الطعام الهنيء والعيش الرغيد، وليس ~~بالمعقول من باب أولى أن يفقد الحياة ليأتي بعده من ينعم بالطعام الهنيء والعيش الرغيد وهو ~~تحت التراب. فإذا هو أقدم على فقد الحياة فالمسألة عنده ليست مسألة حساب وموازنة أو مسألة ~~مصلحة كبيرة بإزاء مصلحة صغيرة، ولكنه إنما يفعل ذلك لأنه بإزاء قوة تمضي به حيث شاءت ولا ~~يمضي بها حيث شاء، أو لأنه ms50 في حالة نفسية غير حالة الحساب والموازنة ووضع الأرقام بإزاء ~~الأرقام . # وقد شوهدت في الدنيا عبادات كثيرة وعقائد لا تحصى، ولكن لم تشاهد قط عقيدة تقبل التضحية ~~بالحياة وهي خلو من إيمان بحق وثورة على باطل، ولم تشاهد قط عقيدة تقبل التضحية بالحياة وهي ~~قائمة على منفعة تخص صاحبها ولا تتجاوزه إلى الآخرين. ومتى تجاوزت المنفعة فردا واحدا ~~وأصبحت قابلة للتعميم بين الأفراد الآخرين؛ فهي إذن مسألة حق سابق لوجود المنافع وسابق ~~لوجود الأفراد. # فالإيمان أبدا هو شعور بالحق وليس شعورا بالمصلحة على وجه من الوجوه. # وقد تقف المصلحة في سبيل العقيدة قبل الإيمان بها؛ لأن المصلحة موجودة والإيمان غير ~~موجود. ولكنهما متى وجدتا معا فهما شيئان وليسا بشيء واحد. ويظلان أبدا شيئين من معدنين ~~مختلفين وإن تلاقيا في الطريق إلى مدى بعيد. # وإن إسلام بلال رضي الله عنه لمن الشواهد الكثيرة التي تقرر هذه الحقيقة في ~~الأذهان. # وقد عنينا بأن نبين مزايا الإسلام في معاملة الأرقاء. ولكننا عنينا مع ذلك بأن نبين حقيقة ~~أخرى لا بد من تبيينها في هذا المقام، وهي أن المعاملة نفسها ليست هي سبب دخول الأرقاء في ~~الإسلام، وإنما هو «الحق» والشعور بجمال هذا الحق أو وجوب تغليبه على الباطل، ولو لقي ~~الأرقاء في سبيله ما هو أقسى عليهم من معاملة المشركين للعبيد والإماء. # كان أول من أسلم ثمانية هم أولئك النخبة الأبرار: خديجة وأبو بكر وعلي وعمار وأمه سمية ~~وصهيب وبلال والمقداد. # قال رواة صدر الإسلام: أما أبو بكر فمنعه الله بقوته وكذلك من كان لهم قوم يحمونهم. وأما ~~سائرهم فأخذهم المشركون فألبسوهم أدراع الحديد وأصهروهم في الشمس، فما منهم إنسان إلا وقد ~~واتاهم على ما أرادوا من الكفر وسب النبي عليه السلام، إلا بلالا فإنه هانت عليه نفسه في ~~الله وهانت على قومه فأعطوه الولدان فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة وهو يقول: أحد. أحد. ولا ~~يزيد. # وجاء في طبقات ابن سعد بإسناده ما فحواه: إنه كان من المستضعفين من المؤمنين، وكان يعذب ms51 ~~حين أسلم ليرجع عن دينه فما أعطاهم قط كلمة مما يريدون ، وكان الذي يعذبه أمية بن خلف ... # وكانوا إذا اشتدوا عليه في العذاب قال: أحد. أحد. فيقولون له قل كما نقول. فيقول: إن لساني ~~لا يحسنه. وكانوا يأخذونه فيمطونه ويلقون عليه من البطحاء وأنطاع الأدم ويريدونه على أن ~~يذكر اللات والعزى فلا يذكرهما ويقول: أحد. أحد. فأتى عليه أبو بكر فسألهم علام تعذبون هذا ~~الإنسان! واشتراه بسبع أواق وأعتقه. # ومما جاء في الطبقات أن أبا جهل جاءهم بالعشي فجعل يشتم سمية ويرفث، ثم طعنها فقتلها فهي ~~أول شهيد في الإسلام. وهانت على بلال نفسه في الله حتى ملوه، فجعلوا في عنقه حبلا ثم ~~أمروا صبيانهم أن يشدوه بين أخشبي مكة فلم يزدهم على كلمته التي كان يرددها ولا يمل من ~~تردادها: أحد. أحد. # وكانوا يضربونه ويلقونه على الرمال الكاوية في وقدة الهجير ثم يضعون الحجارة على صدره وهو ~~لا يجيبهم إلى كلمة مما يسألونه، ولا يسكت ولا يكف عن الجهر بالتوحيد. ~~••• # هذه صورة بلال رضي الله عنه في مبدأ إسلامه وهو يتلقى العذاب ويتعرض للموت ولا يصل به ~~الإسلام إلى الوعود - فضلا عن تحقيق الوعود - في معاملة المستضعفين من العبيد والإماء؛ لأن ~~أحكام الإسلام في معاملة الأسرى والأرقاء على التعميم لم تكن معروفة مفصلة في ذلك ~~الحين. # وإن آخر ظن يخطر على بال المرء إذ يرى بلالا على تلك الصورة المؤلمة، أنه يرى أمامه ~~رجلا وازن بين سوء المعاملة في الجاهلية وحسن المعاملة في الإسلام، فاختار المعاملة الحسنة ودخل في ~~الدين الجديد من أجلها. # لأن إسلام بلال لم يكن مخرجه من رق سادته المشركين، ولم يكن سوء معاملتهم إياه قبل ~~الإسلام شيئا يذكر إلى جانب ذلك العذاب الأليم الذي كان يسامه بعد إسلامه، ولو كان حسن ~~المعاملة همه من الدين الجديد لانتظر حتى يسلم سادته فيطمع عندهم في تلك المعاملة الحسنة، ~~أو لانتظر حتى يمتنع جانب المسلمين بالعدد الكثير فيجهر بالإسلام بين مئات وألوف، ولا يعجل ~~إلى دخول الدين الجديد ms52 بين نفر من المغلوبين المطاردين، سواء من الأحرار أو العبيد. # وأعجب شيء أن يخطر للعقل أن الإسلام قد سوى بين العبيد والأحرار فآمن به العبيد، ولا يخطر ~~له أن هذه التسوية تغضب الأحرار فتحميهم الأنفة أن يدخلوه، وقد دخله الأحرار كما دخله ~~العبيد في مبدأ التبشير بالدين الجديد. # فإن كانت لبلال وصهيب وأمثالهما مصلحة في الإيمان بذلك الدين؛ لأنه يسوي بينهم وبين أبي ~~بكر وحمزة وعثمان وعلي والفاروق، فما مصلحة هؤلاء في النزول بأقدارهم إلى حيث يتساوون ~~بعبيدهم المستضعفين؟ وهم أولئك ذوو الحمية التي تشمخ برءوسهم على رءوس الأحرار من أبناء كل ~~قبيل لا يضارعهم في العزة والجاه! # فعن الحق وسكينته في النفوس فلنبحث في تعليل الإيمان بكل عقيدة جديدة وكل مصلحة إنسانية ~~فوق مصالح الأفراد، وإنما يوجد الإيمان حين يوجد للنفس حق محبوب وباطل مكروه، ولو ضاعت في ~~سبيل حب الحق وكراهة الباطل كل مصلحة عاجلة أو آجلة أو ضاعت الحياة بغير أمل في ~~الجزاء. # فلا العبيد آمنوا لأن الإسلام يسوي بينهم وبين الأحرار، ولا الأحرار آمنوا لأن الإسلام ~~يسوي بينهم وبين العبيد؛ لأن قصارى هذه التسوية أنها مصلحة لفريق من الناس، وما زال الإيمان ~~والمصلحة شيئين مختلفين ومعدنين متباينين. فالمصلحة شيء تحتويه حياة الفرد وقد تحتويه حصة ~~قليلة من حياته، أما الإيمان فهو أبدا شيء يتجاوز الفرد الواحد، وقد يبذل في سبيله المصلحة ~~والحياة. # أولم يوجد في الوثنية وفي بعض الأديان الكتابية أناس يؤمنون بالأرباب، وهم يؤمنون أن ~~الأرباب تفرق بين أقدارهم وأقدار سادتهم في الحياة وبعد الممات؟ # أولم يكن بلال يؤمن باللات والعزى وغيرها من أرباب الجاهلية وكان لا يرجو نصفة منها ولا ~~تسوية بينه وبين ساداته المتجبرين عليه وعلى سائر الضعفاء؟ # فلما ساء ظنه بهذه الأشتات من الأرباب كان حسن ظنه بالإله «الأحد» هو الذي سوأ ظنه بدين ~~الجاهلية، وكانت وحدانية الله العلي الأعلى هي التي تجري على لسانه وتعمر قلبه وتعينه على ~~شدته وهو يتلظى من ألم العذاب بين يدي سادته القساة. # فكانت الوحدانية هي ms53 الكلمة الواحدة التي لخص بها فضل الدين الجديد على الدين المهجور ، وقد ~~ألهم هذا التلخيص الصادق الوجيز إلهام الإيمان الذي يهدي العقل إلى موقع الهدى من أوجز ~~طريق، فلو أنه كان يقول «الرحيم» في موضع «الأحد» لجاز أن يقال: إن في الآلهة الوثنية من ~~يتصف بالرحمة، أو لجاز أن يقال إن الرحمة بدرت إليه في تلك اللحظة لأنه يشتكي القسوة ~~والعذاب. ولكنه لما ردد كلمة الوحدانية ولم يردد غيرها كان قد هدي إلى الصفة الوحيدة التي ~~لا يدعيها المدعون لأرباب الجاهلية، كما هدي إلى الصفة الوحيدة التي تجعل الإيمان إيمانا ~~بالحق ولا تجعله انتظارا لرحمة أو غفران أو جزاء. # ولا نريد أن نقول: إن الإيمان والمصلحة لا يجتمعان، ولا أن نقول: إن المؤمن لا تخطر له ~~المصلحة بحال أو إنها لا شأن لها البتة في تحويل العقائد والعبادات. فإن المصلحة قد تعوق ~~كثيرا من الناس عن قبول دين جديد، وقد تنبه الأذهان إلى الإصغاء الذي يتبعه الارتياح ~~والتصديق، وقد تكون مصلحة فرد ومصلحة ألوف من الناس، فيستطاع الجمع بينها وبين الإيمان ~~بالخير العميم. # ولكن الذي نقوله: إن المصلحة غير الإيمان وإنهما قد يفترقان كما يتفقان، ولو كانت ~~المصلحة هي الإيمان لوجدت المصلحة ولم تكن هناك حاجة إلى وجود إيمان على الإطلاق ... كفى أن ~~يسعى الإنسان إلى مصلحته دون أن يجعل الإيمان سبيلا إليها، وكفى أن يلتزم المصلحة ولا ~~يتعداها إلى الشعور الذي يحبب إليه الموت. فأما وقد وجد الإيمان في كل زمن من الأزمان، ووجد ~~مع انتظار الجزاء ومع اليأس من كل جزاء، فلا معنى لأن يقال: إن فردا من الأفراد قد آمن لأن ~~له مصلحة في إيمانه، فإنه يضم إلى المصلحة شيئا آخر إذن حين يدعمها بالإيمان. # كلا. ليست صورة بلال على رمال البطحاء الموقدة في قيظ الصحراء صورة الرجل الذي طلب الخلاص ~~من قسوة السادة. لأن الخلاص هو كل ما يعنيه. # وليست صورته وهو يكرر «أحد. أحد» بصورة الرجل الذي دخل الدين الجديد وهو يجهل الفارق ~~الصحيح بين ms54 الدينين. ولا يعرف للدين الجديد فضلا إلا الرحمة بالعبيد في الأرض أو في ~~السماء. # لقد كادوا يقتلونه وهو لا يجيبهم إلى تعظيم آلهتهم ولا يؤثر السكوت. ولعلهم لم يبقوا عليه ~~إلا لشحهم بثمنه أن يضيع عليهم إن قتلوه. ولعل أبا جهل قد قتل سمية؛ لأنها جارية عجوز لا ~~تصلح للبيع ولا للمبادلة. ولم يقتل بلالا ولا عمارا ولا صهيبا لأنهم رجال عاملون يباعون ~~ويشترون ... ولكنهم لا شك كانوا قاتليه آخر الأمر إن يئسوا منه ولم يجدوا من المشركين من ~~يشتريه وهو صابئ عن دين الجاهلية، فلم يكن إسلامه سبيل رفق ولا تخفيفا من عناء. بل كان ~~سبيل عذاب ومخاطرة بالراحة والحياة. # وأي عذاب ذلك العذاب؟ # حسبنا أن نعلم أن رفقاء بلال جميعا قبلوا ما سامهم المشركون أن ينسبوا به - ومنهم عمار ~~بن ياسر - لنعلم أنه كان عذابا يفوق طاقة الإنسان. # إن عمارا لم يكن يهاب الموت في هرمه، ولكنه ضاق - في صباه - بذلك العذاب الأليم. # كان يجاهد مع علي رضي الله عنه وقد أناف على التسعين، وقد شهد المغازي في عهد النبي وعهود ~~الخلفاء، وكان عليه السلام يقول: «إن عمارا ملئ إيمانا إلى مشاشه.» ويجعله قدوة للمسلمين ~~في الهداية، فيوصيهم أن يقتدوا بأبي بكر وعمر وأن يهتدوا بهدي عمار. وهو أيضا لم يجذبه إلى ~~الإيمان طلب راحة وطمع في حسن معاملة؛ لأنه كان يرى طريق الراحة والغنيمة مع معاوية وينضوي ~~إلى جانب علي ليموت تحت لوائه في صفين، وما كان علي لو انتصر بمغدق عليه مالا، ولا بمطمعه ~~في عيش أرغد من عيشه، وهو عيش الكفاف. # وقد كان عمار رضي الله عنه ممن يصدق عليهم القول بأنه قد وهب عبقرية الإيمان. لأن إيمانه ~~كان ذلك الإيمان الخالص الذي يوصف بأنه الإيمان حبا للإيمان. لا حبا بما وراءه من رضى ~~أو جزاء. وآية المؤمن الموهوب أنه لا يرضى العيش بغير العقيدة ولا يطيب له البقاء وهو مخالف ~~لما يعتقد. فيقبل على الموت كراهة للبقاء في دنيا لا تواتيه على اعتقاده. وليس ms55 يقبل على ~~الموت طلبا للجنة كما يقول، فإن من المؤمنين بالعقائد المادية كما أسلفنا من يموت في ~~سبيلها ولا أمل له في حياة بعد الحياة، وإن الجنة لحبيبة إلى كل إنسان يصدق بها. فليس الفرق ~~بين رجل يجاهد ورجل لا يجاهد أن هذا يكره الجنة التي يحبها ذاك، وإنما الفرق بينهما هو قوة ~~الإيمان أو هبة العقيدة، وهي قد كانت في عمار على أقوى ما تكون في إنسان. # ومع هذا خف الموت على نفس عمار فسعى إلى لقائه عشرات المرات منذ غزا مع النبي إلى أن ~~نيف على التسعين ومات تحت لواء علي بمعركة صفين، ولكنه ثقل عليه ذلك العذاب الأليم الذي ~~صبر عليه «بلال» وظل صابرا عليه بغير أمل في الخلاص القريب. # وكل طمع في حسن المعاملة يزول ويبطل في مثل ذلك العذاب الذي ضاقت به طاقة عمار. # نعم يزول ويبطل لولا إيمان يهون معه الموت ويهون معه العذاب، ويهون معه سوء المعاملة ~~وحسنها على السواء. # نعم إن العبيد كانوا أسرع من الأحرار إلى دخول الدين الجديد، ولكن الذي يفهم من ذلك - أو ~~ينبغي أن يفهم منه - أن المصلحة لم تكن عقبة بين العبيد وبين الإصغاء إلى الدعوة الجديدة، ~~وأن الأحرار كانت لهم مصالح تحجبهم عن جمال تلك الدعوة وعن التأمل في صدقها وبطلان ما هم ~~عليه، وفرق عظيم بين القول بأن المصلحة لم تكن عائقا عن فهم الدين والدخول فيه، وبين القول ~~بأن الدين هو المصلحة التي أرادها المؤمنون، إذ لو كانت المصلحة هي المراد بالعقيدة لما ~~وجدت العقيدة على الإطلاق، ولو وجدت المصالح كما هي موجودة في الدنيا بغير اعتقاد على ~~الإطلاق في شيء من الأشياء. # لقد كانت في نفس بلال حاجة إلى الولاء والإخلاص، فصدق النبي الكريم؛ لأنه كان أهلا ~~لولائه وإخلاصه، وكان خليقا أن يطمئن إليه ويشعر بالسكينة في الإصغاء إلى قوله والاقتداء ~~بعمله. # وسمع رجلا ينادي بأن الناس أمة واحدة وأن المؤمنين إخوة، وهو في الذؤابة العليا من بني ~~هاشم أو في الذؤابة العليا ms56 من قبائل العرب جمعاء، فكان هذا سبب التصديق والإيمان، وكانت ~~دعوة الرجل الحسيب النسيب التي لا مصلحة له فيها هي البرهان الأول على صدق العقيدة. ولولا ~~انعدام المصلحة في دعوة ذلك الرجل الحسيب النسيب لما أسرع بلال إلى تصديقه والجنوح ~~إليه. # فأما وقد جنح إليه وآمن بدعوته فالمسألة بعد ذلك لن تكون مسألة موازنة بين المعاملات أو ~~مساومة على الزيادة والنقصان، ولكنها أصبحت مسألة راحة بالإيمان أو راحة بغير الإيمان، ولم ~~تكن لبلال راحة بغير ذلك الإيمان بعد أن جنح إليه ومزجه بقلبه وضميره. فصبر في أيام معدودات ~~على عذاب لم يكن ليلقاه من المشركين مدى العمر لو بقي على دينهم كما كان ... وقد صبر على بلاء ~~الجسد؛ لأنه مستريح القلب والضمير. # على أن المعاملة الحسنة قد جاءت إلى بلال من حيث يحتسب ومن حيث لا يحتسب كأحسن ما تصبو ~~إليه الأحلام ويتعلق به الرجاء. # فبلغ من تعظيمه أنه كان ندا لأعظم المسلمين في حياة النبي عليه السلام وحياة الصديق ~~والفاروق، بل كان الفاروق رضي الله عنه يقول: «أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا.» ويقصده بهذا اللقب ~~الرفيع، واتفق يوما أن أبا سفيان بن حرب وسهيل بن عمرو بن الحارث ورهطا من سادة العرب ~~طلبوا لقاء الفاروق وطلبه معهم بلال وصهيب. فأذن لهما حتى يستمع لما يريدان ويفرغ بعدهما ~~لعلية القوم. وغضب أبو سفيان وقال لأصحابه: لم أر كاليوم قط، يأذن لهؤلاء العبيد ويتركنا ~~على بابه؟ وكان سهيل أحكم منه وأدنى إلى الإنصاف فقال لهم: «أيها القوم! إني والله أرى الذي ~~في وجوهكم. إن كنتم غضابا فاغضبوا على أنفسكم. دعي القوم - إلى الإسلام - ودعيتم فأسرعوا ~~وأبطأتم. فكيف بكم إذا دعوا يوم القيامة وتركتم!» ~~••• # جمال هذا الأدب هو الذي يهون في سبيله الموت وسوء المعاملة والعذاب الأليم، وهو الذي يوحي ~~العقيدة إلى النفس فترتفع بها فوق المصالح والمساومات. ولقد كان هذا أدب النبي فأحبه ~~الأحرار وأصغوا إليه وصدقوه ... ولقد تمت أداة العقيدة حين تم الحب والإصغاء والتصديق. فما ~~يزال بنو الإنسان على ms57 هذا الشأن إلى آخر الزمان: ليس بينهم وبين الفداء إلا قضية يحبونها ~~وداع يصدقونه. وما يكونون يوما أحوج إلى الإيمان منهم يوم تعز عليهم القضية التي تحب ~~والداعي الذي يصدق. فإذا بلغت بهم هذه الحاجة مداها فليس أمامهم محيص من إحدى غايات ثلاث: ~~فناء، أو حياة كحياة الحيوان، أو إيمان يوجد حيث كان. # | صفات بلال # كان بلال رجلا على سواء الفطرة. # وآية ذلك أنه كان كما ينبغي أن يكون كل رجل قوي الطبع من بني جلدته وفي مثل نشأته، يمر ~~بالحوادث التي مر بها ويمارس التجارب التي مارسها. # وقد تقدم في صفات الموالي الأفريقيين أنهم ينقمون الإساءة على المسيء ويحفظون الحسنة لمن ~~يحسن إليهم ويملكهم بمهابته وطيب سجاياه. # وهكذا كان بلال رضي الله عنه في مجمل صفاته: كان متصفا بأجمل صفات بني جلدته: وهي ~~الأمانة والطاعة والولاء والصدق مع الولاء، وكانت فيه مع ذلك قسوة وعناد في موضع القسوة ~~والعناد، ولكنه لم يكن بالمبتدئ في قسوته ولا بالمكابر في عناده. إنما كان لقسوته عذر أو ~~سبب، وكان لعناده فضل الإصرار على الإيمان بالصواب. # قال ابن الرومي: # إذا الأرض أدت ريع ما أنت زارع # من البذر فيها فهي ناهيك من أرض # ولا عيب أن تجزي القروض بمثلها # بل العيب أن تدان دينا فلا تقضي # فالذين أساءوا إلى بلال كانوا لا يحمدون أثر الإساءة فيه، وكانوا يطلبون منه الرضا حيث ~~أسلفوا له المساءة، فلا يجدون الرضا حيث طلبوه؛ فإذا بهم ينحلونه صفاتهم ويعيبونه بمساءتهم، ~~وينكرون صحبته كما ينكر صحبتهم. ومن ذاك أن مشتريا أراد أن يساوم فيه سيدته «قبل أن ~~يفوتها خيره وتحرم ثمرته» فقالت له متعجبة: وما تصنع به؟ إنه خبيث ... وإنه. وإنه إلى آخر ما ~~وصفت به سخطه على سوء المعاملة وسوء العشرة. # ومع هذا قد أجمع الذين وصفوا بلالا على أنه كان طيب القلب صادق الإيمان، وأنه أبعد ما ~~يكون عن خبث أو كنود، وإنما هو بشرة سوداء على طبع صاف يرى الناس وجوه أعمالهم فيه. # وقد كان أكرم ms58 صفاته الفطرية مما يوافق الطاعة وصدق الولاء، فكان إيمانه القوي بالله ، ~~وإخلاصه المكين لرسول الله، هما الذروة التي ترتقي إليها محاسن بني جلدته، ومحاسن كل مولى ~~مطيع، سواء أكان ولاؤه ولاء تابع لمتبوع أم ولاء معجب بمن يستحق الإعجاب. # كان حبه لرسول الله هو لب الحياة عنده، وهو معنى الدنيا والآخرة في طوية قلبه، وعاش ومات ~~وهو لا يرجو في دنياه ولا بعد موته إلا أن يأوي إلى جواره وينعم برضاه. # وحضرته الوفاة فكانت امرأته تئن وتغلبها النكبة في قرين حياتها فتصيح: واحزناه. # وكان هو يجيبها في سكرات الموت: بل وافرحتاه! غدا نلقى الأحبة. غدا نلقى الأحبة، محمدا ~~وصحبه. # على هذا عاش وعلى هذا مات، وما كان له علاقة تربطه بهذا الكون العظيم إلا وهي في جانب ~~منها علاقة بمحمد رسول الله ومحمد سيده ومولاه. # وتلك الزوجة الوفية البارة كانت ترضيه في معظم حالاتها، وكانت لا تخليه من مناكفة في بعض ~~حالاتها؛ كما يتفق أحيانا في كل عشرة بين الزوجين وفي كل صلة بين إنسانين، فكان يقبل منها ~~كل ما يسر ويسوء إلا أن تمسه في لب اللباب وأصل الأصول ومناط الحياة والكرامة عنده: وهو ~~إخلاصه لرسول الله وصدق الرواية عنه. فاستعظمت يوما ما يحدثها به عن رسول الله فإذا به ~~يثور ويغضب ويهم بالبطش بها ثم يدع المنزل محنقا مقطبا حتى يلقاه الرسول، فيلمح ما به من ~~تغير حال ويعلم سره فيشفق أن يدعه على ما هو فيه وأن يدع لزوجه مظنتها في صدقه. # ويذهب معه إلى بيته فيقول للمباركة: «ما حدثك عني بلال فقد صدق. بلال لا يكذب، فلا تغضبي ~~بلالا.» # فإذا المولى الأمين هانئ قرير. # وقد أثر عنه هذا الصدق بين الصحابة فكانوا يشكون في أبصارهم ولا يشكون في روايته ونقله. ~~ويروون عنه رواية اليقين في شئون الصلاة والصيام. # ففي صحراء العرب حيث يضيء النهار إلى ما بعد غروب الشمس وتشيع لمحات النور قبل مطلعها كان ~~بعض المسلمين يترددون في مواعيد السحور والإفطار فيقولون: إنا لنرى الفجر ms59 قد طلع، أو ~~يقولون: ما نرى الشمس ذهبت كلها بعد، فإذا سمعوا من بلال أن رسول الله أكل أو أنه ترك رسول ~~الله يتسحر فالقول ما قال بلال، وليس للشك في ضوء النهار مكان. # وقد لزمت بلالا عادة الصدق في كل كلام يبلغه المسلمين عن النبي أو يبلغه إليهم في شأن ~~من عامة الشئون وخاصتها، فلما رجاه أخوه في الإسلام - أبو رويحة - أن يسفر له في زواجه عند ~~قوم من أهل اليمن لم يزد على أن قال: «أنا بلال بن رباح وهذا أخي أبو رويحة، وهو امرؤ سوء في ~~الخلق والدين، فإن شئتم أن تزوجوه فزوجوه، وإن شئتم أن تدعوا فدعوا ...» # فزوجوه فكان حسبهم عنده أن يقبل الوساطة ولا يرده أو يموه عليهم أوصافه! # وقد كان من ولائه لأبي رويحة هذا أن ضم ديوان عطائه إليه حين خرج إلى الشام. فلما دون ~~الفاروق دواوين الصحابة سأله: إلى من تجعل ديوانك يا بلال؟ قال: «إلى أبي رويحة لا أفارقه ~~أبدا؛ للأخوة التي كان رسول الله عقد بينه وبيني.» # وذاك أن رسول الله قد آخى بينهما قبل الهجرة إلى المدينة كما آخى بين غيرهما من صحابته ~~الأوفياء. فكانت أخوة العمر عنده من فضل الولاء لرسول الله. وكان أحب الناس إليه وأولاهم ~~برعيه من أمره رسول الله أن يحبه ويرعاه. ~~••• # وقد عرف له النبي عليه السلام هذه الخصال التي تتجمع كلها في صفة الأمانة - وهو هو قائد ~~الرجال الخبير بمناقب النفوس - فأقامه في موضع الثقة وائتمنه على مال المسلمين وعلى طعامه ~~ومؤنته وشخصه، واستصحبه في غزوه وحجه وحله وترحاله، وأسلمه العنزة يحملها بين يديه أيام ~~العيد والاستسقاء، ولم يعرف أحد من الصحابة لازمه عليه السلام كما لازمه هذا المؤذن الذي ~~يقيم معه الصلاة وهذا الأمين الذي يحفظ له المال والطعام، وهذا الرفيق الذي كان يظله بالقبة ~~الستار من لفحات الهجير في رحلات الصيف، وربما تقدمه فركب ناقته «القصواء» التي قلما كان ~~يركبها سواه عليه السلام، ولم يدخل الكعبة معه بعد فتح مكة غير ms60 عثمان بن طلحة صاحب ~~مفاتيحها، وأسامة بن زيد مولاه، وبلال. # ودامت هذه الصحبة حتى قبض عليه السلام وحتى دفن في ثراه. فكان بلال هو الذي ذكر واجب ~~الحنان المكلوم في ذلك الموقف الأليم، فحمل القربة ودار حول ذلك الثرى الشريف يبلله ~~بالماء. ~~••• # وعلى هذا الحنان في طويته لمولاه العظيم كان للرجل ضمير يعرف الإصرار على الرأي كأشد ما ~~عرف مؤمن بعقيدة ونافر من رذيلة. # وربما كان في الإصرار شيء من عناد بني جلدته أبناء الحبشة المولدين وأبناء السلالة ~~السوداء. إلا أن العناد خصلة ذات لونين أحدهما يحمد ويفيد وثانيهما يذم ويضير. # فالعناد أحد لونيه ثبات على الصواب والعقيدة. وفي لونه الآخر ثبات على الخطأ والهوى، ولم ~~نعرف من العناد في تاريخ بلال إلا أجمل اللونين وأشبههما بقوة الآسر وخلائق الأمناء. # من ذلك عناده للمشركين حين ساموه العذاب ليفتنوه عن دينه ويكرهوه على سب نبيه كما تقدم ~~في وصف إسلامه، ومنه إصراره على ترك الأذان لغيره حين وقر في نفسه أن أذانه بعد رسول الله ~~نقص في الوفاء، وربما كان منه إصراره على الجهاد والسفر من المدينة إلى الشام حين سأله ~~الخليفة البقاء، فقال له في رواية مشهورة: # إن كنت أعتقتني لنفسك فاحبسني، وإن كنت أعتقتني ~~لله عز وجل فذرني أذهب إلى الله عز وجل. # وأبى إلا أن يمضي حيث أراد. # ولا شك أن الرحمة بالأعداء أمر لا ينتظر من رجل طال عهده وعهد قومه وآبائه بقسوة الطغاة ~~وعذاب اللؤماء، فإن رحمة رجل كهذا لمن أحسنوا إليه وسالموه خلق مفهوم لا غرابة فيه، أما ~~الخلق الذي يستغرب منه حقا فهو رحمته في ميدان قتال أو رحمته خاصة لمن أفرط في الإساءة ~~إليه. # ولهذا لا نستغرب ما روي عن بلال بعد وقعة خيبر وما روي عنه بعد وقعة بدر مع المشركين. ~~ومنهم أظلم الناس له وأقساهم عليه. # فلما افتتح النبي حصن القموص بخيبر جيء له بصفية بنت صاحب الحصن وقريبة لها دون سنها. ~~فأرسلهما عليه السلام مع بلال إلى رحله. فمر بهما ms61 بلال على القتلى من قومهما فصاحت البنت ~~الصغيرة صياحا شديدا ولطمت على وجهها. وعلم النبي بما صنع فقال له عاتبا: أنزعت منك ~~الرحمة يا بلال حين تمر بجارية حديثة السن على القتلى؟ فكان عذر بلال الذي اعتذر به جوابه: ~~يا رسول الله ما ظننت أنك تكره ذلك وأحببت أن ترى مصارع قومها! # أما في وقعة بدر فقد كان عذره أوضح وأسلم من عذره في وقعة خيبر. # فقد رأى أمية بن خلف وابنه بعد الوقعة في صحبة عبد الرحمن بن عوف يقودهما كما يقاد ~~الأسرى، وقد كانا أشد الناس إيذاء للمستضعفين من المسلمين كما تقدم، وكان بلال أوفر ~~المسلمين نصيبا من ذلك الإيذاء اللئيم. فما وقعت عينه على أمية حتى صاح بالمسلمين من حوله: ~~رأس الكفر أمية بن خلف. لا نجوت إن نجا. ولم يغن عنه دفاع عبد الرحمن بن عوف، بل جعل بلال ~~يهم بقتله ويصيح: لا نجوت إن نجا. لا نجوت إن نجا. حتى اجتمع حولهم خلق كثير، وضرب أحدهم ~~ابن أمية فوقع صريعا فإذا بأمية يصيح من الفزع صيحة لم يسمع بمثلها. قال عبد الرحمن بن ~~عوف: انج بنفسك ولا نجاء بك! فوالله ما أغني عنك شيئا، ولكن المقاتلين هبروهما بأسيافهم ~~قبل أن يخلص له سبيل إلى الفرار. # وقد يزيد في وضوح العذر لبلال من هذه القصة أن أمية هذا كان من أحق الناس بالبغض وقلة ~~الرحمة؛ لأنه كان يعذب المستضعفين تعذيب الجبان اللئيم لا تعذيب الساخط الغيور على عقيدة، ~~وكان يرهب القتال ولا يعرض حياته لمغامرات الحرب التي أقدم عليها شجعان المشركين. فما هو ~~إلا أن سمع بنذير النبي إياه بالقتل حتى ارتعدت فرائصه وراح يسأل عن المكان الذي توعده ~~بالقتل فيه، فصارح قومه بالقعود عن القتال وأنه لا يخرج لحرب المسلمين في غزوتهم تلك وهو ~~مقصود بذلك الوعيد، ولم يتحرك للخروج حتى جاءه أبو جهل بين الملأ بمجمرة يبخره بها، وقال ~~له: تجمر يا هذا فإنما أنت من النساء. # ولما نشبت المعركة ببدر كان هو وابنه ms62 في طليعة الناكصين عن القتال، ثم قتل ابنه فكانت ~~صيحته عليه صيحة فزع لا تسمع في ميدان. فإنما كان تعذيبه المسلمين من لؤم الجرأة على الضعيف ~~وهو آمن في عقر داره، ولم يكن من لدد العقيدة التي يغار عليها الرجل الشجاع ويلقى الموت هو ~~وأبناؤه من أجلها غير وكل ولا هياب. وليس أحق من مثل هذا ببغضاء المنتقم في ساعة القصاص، ~~وكفى لبلال عذرا في هيجة غضبه عليه أنه يعلم إنذار النبي إياه بالقتل وأن أبا بكر هنأه بعد ~~قتله فقال: # هنيئا زادك الرحمن خيرا # لقد أدركت ثأرك يا بلال # وفي غير هذه الهيجة التي تدرك أحلم الناس في مواطن النقمة وحومة الحرب لم تكن شدة بلال ~~غير حمية الرجل الفطري الذي تبدو منه القسوة وهو لا يعنيها، وكان في جملة أحواله مثلا ~~للخلق الوديع والطيبة الرضية وحلاوة النفس والاتضاع، فكان يخجله أن يسمع الناس يحمدون بلاءه ~~في صدر الإسلام ويقدمونه على أجلاء الصحابة لثباته وصبره، فيطرق ويقول: «إنما أنا رجل كنت ~~بالأمس عبدا.» وكانت قلة دعواه نفحة من نفحات تلك الطيبة الرضية. فلم يعرف عنه أنه تصدى ~~لتعليم الناس ما يجهلون من أحاديث النبي عليه السلام بعد ملازمته الطويلة وكثرة سائليه ~~والواثقين بصدق ما يرويه، ولم يزد في إخباره عن النبي على ما يعنيه من إقامة الصلاة والأذان ~~أو مواعد الإفطار والصيام. ~~••• # وكان بلال ابن قومه في خلقين آخرين يعرفان في بعضهم، قدماء أو محدثين، وهما فراسة النظر ~~وحب الراحة أو الضيق بالجهد الشديد. # أرسله النبي عليه السلام مع رعية السحيمي ليرد له ابنه الذي أسره المسلمون، فلم يفته وهو ~~يقص نبأه على النبي أن يقول: والله ما رأيت واحدا منهما مستعبرا إلى صاحبه! فقال النبي: ~~ذاك جفاء الأعراب. # ووكل إليه النبي وهو مقبل إلى وادي القرى بعد وقعة خيبر أن يوقظه لصلاة الصبح - وكان الحر ~~شديدا، فنام حتى طلعت الشمس. ثم صلى عليه السلام بمن معه وإن أحدهم ليسلت العرق عن جبينه ~~من حر ذلك اليوم، فلما سلم ms63 قال: كانت أنفسنا بيد الله فلو شاء قبضها وكان أولى بها . ثم ~~التفت إلى بلال فهتف به: مه يا بلال. فبادر بلال معتذرا وهو يقول: بأبي وأمي. قبض نفسي ~~الذي قبض نفسك! فتبسم عليه السلام. # وإنما تدل هذه السهوة - وإن لم تتكرر - على إيثار الراحة؛ لأنها غلبت كل حذر من تفويت ~~صلاة الفجر حاضرة على النبي وصحبه، وهو حذر كان ولا شك في نفس بلال شديدا، بل أشد من ~~الشديد. ~~••• # وآخر ما يروى من أعمال بلال وقفته مع خالد بن الوليد حين أمر الفاروق بسؤاله عن الهبات ~~التي كان يهبها لبعض الشعراء. فقد سكت خالد وأبو عبيدة يسأله عن تلك الهبات أهي من ماله أم ~~من مال المسلمين؟ وهو معرض لا يجيب. فوثب إليه بلال ثم تناول عمامته ونقضها وعقله بها وخالد ~~لا يمنعه. وسأله: ما تقول؟ أمن مالك أم من إصابة؟ فعند ذلك أجاب خالد: بل من مالي فأطلقه ~~وعممه بيده، وهو يقول: «نسمع ونطيع لولاتنا ونفخم ونخدم موالينا.» # ذلك آخر ما روي من أعمال بلال في خدمة الخلافة، ولكنه يجمع أعماله كلها وخلائقه كلها في ~~عمل واحد وخلق واحد، وهو الطاعة الجريئة التي لا تنسى التفخيم والتعظيم إلا في سبيل طاعة ~~أكبر منها وأوجب. فلم يكن أسرع منه بين شهود الموقف إلى محاسبة خالد بأمر الخليفة وأمر ~~الله، ولم يكن أسرع منه إلى السرور بتفخيمه وتعظيمه حين فرغ الحساب. # كانت طاعته للمرء الذي يطاع والأمر الذي تجب له الطاعة وهي طاعة القوي الشريف، وليست ~~بطاعة المسخر الضعيف، وقد عصى سادته والموت جاثم على صدره، وفرض الطاعة على من يهابه ~~العصاة. فكان سيد المطيعين، ولا يشرف الإنسان إن لم يكن سيد الآمرين إلا أن يكون سيد ~~المطيعين. # | الأذان # أشبه الأشياء بالدعوة إلى الصلاة دعوة تكون من معدن الصلاة، وتنم على صوت من أصوات الغيب ~~المحجب بالأسرار: دعوة حية كأنما تجد الإصغاء والتلبية من عالم الحياة بأسرها، وكأنما يبدأ ~~الإنسان في الصلاة من ساعة مسراها إلى سمعه، ويتصل بعالم الغيب ms64 من ساعة إصغائه ~~إليها. # دعوة تلتقي فيها الأرض والسماء، ويمتزج فيها خشوع المخلوق بعظمة الخالق، وتعيد الحقيقة ~~الأبدية إلى الخواطر البشرية في كل موعد من مواعد الصلاة، كأنها نبأ جديد. # الله أكبر، الله أكبر. # تلك هي دعوة الأذان التي يدعو بها المسلمون إلى الصلاة، وتلك هي الدعوة الحية التي تنطق ~~بالحقيقة الخالدة ولا تومئ إليها، وتلك هي الحقيقة البسيطة غاية البساطة، العجيبة غاية ~~العجب؛ لأنها أغنى الحقائق عن التكرار في الأبد الأبيد، وأحوج الحقائق إلى التكرار بين ~~شواغل الدنيا وعوارض الفناء. # المسلم في صلاة منذ يسمعها تدعوه إلى الصلاة؛ لأنه يذكر بها عظمة الله، وهي لب لباب ~~الصلوات. # وتنفرج عنها هدأة الليل فكأنها ظاهرة من ظواهر الطبيعة الحية تلبيها الأسماع والأرواح، ~~وينصت لها الطير والشجر، ويخف لها الماء والهواء، وتبرز الدنيا كلها بروز التأمين ~~والاستجابة منذ تسمع هتفة الداعي الذي يهتف بها: «إن الصلاة خير من النوم.» # فتخرج كلها إلى الحركة بعد لمحة أو لمحتين، وتقول كلها: إن الحركة صلاة خفية بيد محرك ~~الأشياء، وإن الصلاة خير من النوم. # وإذا ودع بها الهاتف ضياء النهار واستقبل بها خفايا الليل فهو وداع متجاوب الأصداء، وكأنه ~~ترجمان تهتف به الأحياء أو تهمس به في جنح المساء. وكأنه ينشر على الآفاق عظمة الله فتستكين ~~إلى سلام الليل وظلال الأسرار والأحلام. # وإنها لتسمع بالليل ثم تسمع بالنهار. # تسمع والنفوس هادئة كما تسمع والنفوس ساعية مضطربة: توقظ الأجسام بالليل وتوقظ الأرواح ~~بالنهار، فإذا هي أشبه صياح بسكينة، وأقرب ضجيج إلى الخروج بالإنسان من ضجيج الشواغل ~~والشهوات. # حي على الصلاة! # حي على الفلاح! # نعم هذا هو الفلاح جد الفلاح؛ لأن كل فلاح بغير الإيمان هو الخسار كل الخسار. ~~••• # وما يعرف وقع الأذان من شيء كما يعرف من وقعه بمعزل عن العقيدة ومعزل عن العادة والسنة ~~المتبعة، أو كما يعرف من وقعه في بداءة الأطفال وبداءة الغرباء عن البلاد، وعن عقيدة ~~الإسلام. # ففي الطفولة نسمع الأذان ولا نفهمه، ولكننا نميزه حين يحيط بنا بين دعوات هذه الأرض ms65 وبين ~~صيحات اللعب وصيحات البيع والشراء، ونؤخذ به ونحن لا ندري بم نؤخذ، ونود لو نساجله ونصعد ~~إليه ونستجيب دعاءه، ويفسره المفسرون لنا «بأمر الله» فنكاد نفهم كلمة الأمر ونكاد نفهم ~~كلمة الله، ولكننا نحار في البقية ونحيلها إلى الزمن المقبل ... ثم نقضي السنوات بعد السنوات ~~من ذلك الزمن المقبل ونحن نتعزى من حيرة الطفولة بأننا ما نزال حائرين، وإن سميت الحيرة ~~بأسماء بعد أسماء وأطلق عليها عنوان بعد عنوان. # وفي الذكريات أصداء تكمن في النفس من بعيد، ويلتفت المرء لحظة من اللحظات فكأنما هو قد ~~فرغ من سماع تلك الأصداء منذ هنيهة عابرة، ثم التفت على حين غرة ليرقب مصدر ذلك الصدى الذي ~~سرى إليه. # إن أبقى هذه الأصداء في كل ذاكرة لهي صيحة الأذان الأولى التي تنبهت إليها آذان الطفولة ~~لأول مرة، وما تزال تبتعد في وادي الذاكرة ثم تنثني إليه من بعض ثنياتها القريبة، فإذا ~~المرء من طفولته الباكرة على مدى وثبة مستطاعة، لو تستطاع وثبة إلى ماض بعيد أو ~~قريب. # أما الغرباء عن البلاد وعن عقيدة الإسلام فما يلفتهم شيء من شعائر العبادة الإسلامية كما ~~يلفتهم صوت الأذان على المنائر العالية، كيفما اختلف الترتيل والتنغيم. # يقول إدوارد وليام لين صاحب كتاب «أحوال المصريين المحدثين وعاداتهم»: إن أصوات الأذان ~~أخاذة جدا، ولا سيما في هدأة الليل. # ويقول جيرار دي نرفال في كتابه «سياحة بالمشرق»: # إنني لأول مرة سمعت فيها صوت المؤذن ~~الرخيم الناصع خامرني شعور من الشجو لا يوصف. وسألت الترجمان: ماذا يقول هذا الهاتف؟ # فقال: إنه ينادي أن لا إله إلا الله. قلت: فماذا يقول بعد هذا؟ # فقال: إنه يدعو النيام قائلا: يا من ينام توكل على الحي الذي لا ينام ... # وأنشأ الكاتب المتصوف «لافكاديو هيرن # La Fcadio Hearn ~~» ~~رسالة وجيزة عن المؤذن الأول - أي بلال بن رباح - ستأتي ترجمتها بعد هذا الفصل فقال: # إن ~~السائح الذي يهجع لأول مرة بين جدران مدينة شرقية، وعلى مقربة من إحدى المنائر، قلما تفوته ~~خشعة الفؤاد لذلك الجمال الموقور ms66 الذي ينبعث به دعاء المسلمين إلى الصلاة ... وهو لا شك ~~يستوعب في قلبه - إذا كان قد هيأ نفسه للرحلة بالقراءة والمطالعة - كل كلمة من كلمات تلك ~~الدعوة المقدسة، ويتبين مقاطعها وأجزاءها في نغمات المؤذن الرنانة، حيثما أرسل الفجر ضياءه ~~المورد في سماء مصر أو سورية وفاض بها على النجوم. وإنه ليسمع هذا الصوت أربع مرات أخرى قبل ~~أن يعود إلى المشرق ضياء الصباح: يسمعه تحت وهج الظهيرة اللامعة، ويسمعه قبيل غياب الشمس ~~والمغرب يتألق بألوان القرمز والنضار، ويسمعه عقيب ذلك حين تنسرب هذه الألوان الزاهية في ~~صبغة مزدوجة من البرتقال والزمرد، ثم يسمعه آخر الأمر حين تومض من فوقه ملايين المصابيح ~~التي ترصع بها تلك القبة البنفسجية فوق مسجد الله الذي لا يزول. ولعله يسمع في المرة ~~الأخيرة عند نهاية التنغيم كلمات مقنعة بالأسرار جديدة على أذنيه، فإذا سأل عنها ترجمانه ~~كما فعل جيرار دي نرفال أجابه ولا شك بتفسير كذلك التفسير: يا من تنام توكل على الحي الذي ~~لا ينام ... عظات جليلة تعيد إلى الذاكرة تلك الآيات التي ينقشونها في المشرق على بعض الحجارة ~~الكريمة ومنها # لا تأخذه سنة ولا نوم ~~... فإن كان الترجمان ممن يعون طرفا من تاريخ الإسلام ~~فلعله ينبئه أن المؤذن الأول - أول من رتل الدعاء إلى الصلاة - كان الخادم المقدس الذي ~~اصطفاه نبي الإسلام لهذه الدعوة، بلال بن رباح، صاحب الضريح الذي يشار إليه للسائح في ناحية ~~من دمشق حتى هذا اليوم. # وقد لمسنا نحن أثر الأذان البالغ في روع كثير من السائحين والسائحات الذين ينزلون ببلدتنا ~~أسوان خلال الشتاء، أو يمرون بها في الطريق من السودان وإليه. # فإنهم كانوا يصلون إلى أسوان وقد سمعوا الأذان مرات في القاهرة والإسكندرية، وربما سمعوه ~~في غيرهما من البلدان الإسلامية، ولكنه كان يفاجئهم بجدة لا تبلى كلما طرق أسماعهم بالليل ~~أو النهار - ولا سيما في أيام الجمعة. وكان من المصادفات الطيبة أن مؤذن الجامع الأكبر ~~بالمدينة كان حسن الصوت منطلق الدعاء، يمزج الغيرة الدينية بالغيرة الفنية في أذانه، ms67 فكان ~~يخيل إلينا وهم يصغون إليه أنهم يتسمعون هاتفا من هواتف الغيب يطرق الأسماع في وقت رتيب، ~~أو يترقبون طائرا من طوائر الهجرة التي تأتي في الأوان، ولكن كما يأتي كل شيء غريب. # وكان من عادات المؤذنين التي لبثوا يعيدونها في شهر رمضان إلى عهد قريب أن يدقوا طبول ~~السحور على المنائر العالية في الهزيع الأخير من الليل. فشكا بعض النازلين بالفنادق القريبة ~~من المنارة وترددوا في تبليغ شكواهم إلى رجال الحكومة؛ لأنهم حسبوا هذه الطبول شعيرة من ~~شعائر الإسلام، فلما سأل عنها بعض مثقفيهم وقيل لهم: إنها عادة من عادات البلد وليست شعيرة ~~من شعائر الدين تقدموا برجائهم وقالوا: إننا لا نشكو من الأذان؛ لأنه لا يقلقنا ولا يزال ~~يسري إلينا في ساعة الفجر كما يسري الحلم الجميل، ولكننا نقلق من هذه الطبول التي تدق فوق ~~رءوسنا، وكنا نحتملها لو علمنا أنها شعيرة لا تبديل لها. ولكننا علمنا أنها تبدل في كل بلد ~~إسلامي على حسب عاداته، وأن المدن الكبرى تستبدل بها طبولا صغيرة تدق على الأبواب: فاسمحوا ~~لنا أن نهدي إلى البلد بعض هذه الطبول. # وكانت هذه الطبول مما يباع في كل موسم للسائحين على أحجام مختلفة؛ لأنها كانت تستخدم في ~~عهد الدراويش بالسودان، إما لجمع الجند أو لتنبيه الغافلين أو للتوقيع والتنغيم، وكانت ~~ملابس الدراويش وأسلحتهم وأدوات معيشتهم مما يبحث عنه السائحون في أسواق البلدة، فتبرعوا ~~بالطبول الصغيرة فرحين؛ لأنها تنقذهم من قرع الطبول حين يختلط بأصوات المؤذنين، فيقلقهم ~~ويشوه عندهم جمال الأذان الخفيف على أسماع النيام. ~~••• # وقد كانت هذه الطبول وشيكة في بداية الأمر أن تقوم مقام الأذان في دعوة المسلمين إلى ~~الصلاة. # إذ لم يكن الأذان كما نسمعه اليوم معروفا قبل انتشار الإسلام في مكة والمدينة، وإنما كان ~~المسلمون طائفة قليلة يدعون إلى الصلاة الجامعة بالنداء الذي يسمع من قريب، فلما صرفت ~~القبلة إلى الكعبة فكر المسلمون في دعاء إلى الصلاة يسمعه المنتشرون بالمدينة من ~~بعيد. # ومن جملة الروايات التي جاءت في طبقات ابن سعد ms68 وغيرها يفهم أنهم كانوا قبل أن يؤمر ~~بالأذان ينادي منادي النبي عليه السلام: الصلاة جامعة! فيجتمع الناس ... فلما صرفت القبلة إلى ~~الكعبة تذكر المسلمون الأمر فذكر بعضهم البوق وذكر بعضهم الناقوس وذكر بعضهم نارا توقد ~~كنار القرى، ثم تفرقوا على غير رأي، ومنهم عبد الله بن زيد الخزرجي ... فلما دخل على أهله ~~فقالوا: ألا نعشيك؟ قال: لا أذوق طعاما. فإني قد رأيت رسول الله قد أهمه أمر الصلاة، ونام ~~فرأى أن رجلا مر وعليه ثوبان أخضران وفي يده ناقوس. فسأله: أتبيع الناقوس؟ فقال: ماذا ~~تريد به؟ قال: أريد أن أبتاعه لكي أضرب به للصلاة لجماعة الناس. فأجابه الرجل: بل أحدثك ~~بخير لكم من ذلك. تقول: الله أكبر. أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن محمدا رسول الله. حي ~~على الصلاة حي على الفلاح. الله أكبر. الله أكبر. لا إله إلا الله. ونادى الرجل بذلك النداء ~~وهو قائم على سقف المسجد، ثم قعد قعدة ثم نهض فأقام الصلاة. # فلما استيقظ عبد الله بن زيد من منامه ذهب إلى النبي عليه السلام فقص عليه ما رأى، فقال ~~له: قم مع بلال فألق عليه ما قيل لك، وجاء الفاروق بعد ذلك فقص على النبي مناما يشبه ذلك ~~المنام. # وجرى الأمر في الدعوة إلى الصلاة منذ ذلك اليوم على الأذان كما نسمعه الآن، وزاد بلال في ~~أذان الصبح «الصلاة خير من النوم» فأقرها النبي عليه السلام، وبقي النداء في الناس بالصلاة ~~الجامعة للأمر يحدث فيحضرون له يخبرون به مثل فتح يقرأ، أو دعوة يدعون إليها، وإن كان في ~~غير وقت الصلاة. # ولا اختلاف في صيغة الأذان بين الطوائف الإسلامية جمعاء ... إلا أن الشيعة يضيفون إليه، «حي ~~على خير العمل» مع حي على الصلاة وحي على الفلاح. ويردد المالكية التكبير مرتين بدلا من ~~أربع مرات. # ولا اختلاف كذلك في جواز التلحين والترجيع في الأذان ما لم يخل بنطق الكلمات ومخارج ~~الحروف. إلا أن الحنابلة يعلنون الأذان بغير تلحين، ويتصرف الأحناف في بعض ~~الترجيعات. # وقد ms69 ندب بلال بن رباح للأذان من لحظته الأولى، فلم يسمع لأحد أذان قبله ولم يسبقه إلى ~~ذلك سابق في تاريخ الإسلام، وهو شرف عظيم؛ لأن محمد بن عبد الله كان إمام المسجد الذي كان ~~مؤذنه بلال بن رباح. # ومن المتفق عليه في أقوال الصحابة أن بلالا كان محبب الصوت إلى أسماع المسلمين، وأنهم ~~كانوا يقرنون دعوته بصلاة النبي بهم فيزيدهم هذا خشوعا - لسماع صوته - فوق خشوع. # على أننا نقرأ في أنباء فتح مكة أن رهطا من المشركين كانوا ينكرون نداءه ويتساءلون: أما ~~وجد محمد غير هذا العبد ينهق على ظهر الكعبة؟! وكانوا يستكبرون من رجل كائنا من كان أن ~~يعلو ظهر البيت الذي لم يصعد إليه أحد في الجاهلية. فهالهم أن يروا «عبدا» يصعد إليه ويجهر ~~بذلك النداء. # قال بعضهم للحارث بن هشام: ألا ترى إلى هذا العبد أين صعد؟ فلجأ الرجل إلى حكمة المضطر ~~وقال: «دعه، فإن يكن الله يكرهه فسيغيره.» # وكان الحارث بن هشام وأبو سفيان بن حرب وعتاب بن أسيد جلوسا بفناء الكعبة يوم أمر النبي ~~بلالا أن يصعد إلى ظهر الكعبة فيقيم الأذان. # قال عتاب: لقد أكرم الله أسيدا ألا يكون سمع هذا فيسمع منه ما يغيظه، وقال الحارث بن ~~هشام: أما والله لو أعلم أنه محق لاتبعته، وأنكر أبو سفيان ما سمع، أو قيل في بعض الروايات: ~~إنه جمجم قائلا: «لا أقول شيئا، ولو تكلمت لأخبرت عني هذه الحصا.» # وقبل أن نحيل هذا الإنكار إلى شيء يؤخذ مأخذ النقد ينبغي أن نذكر أن ذلك الوصف جاء من ~~المشركين الذين كانوا خلقاء أن ينكروا أول أذان يرتفع في سماء مكة ولو ترنمت به الملائكة ~~وتجاوبت به سواجع الأطيار، وأنهم سمعوه زعيقا و«نهيقا» كما قالوا؛ لأنهم سمعوا شيئا لا ~~يطيقونه ولا يستريحون إليه. وكانت بهم عنجهية السادة في النظر إلى العبيد، وكان لبلال عندهم ~~وتر معروف بمن قتل من سادات مكة في غزواته مع النبي عليه السلام. # فإذا رددنا إعجاب المسلمين بصوت المؤذن الأول إلى الخشوع ثم ms70 إلى ذكرى النبي الحبيب، ~~ورددنا كره المشركين إياه إلى النفرة ثم إلى العنجهية والعداء. فقد بقي شيء واحد يتفق عليه ~~هؤلاء وهؤلاء وهو جهارة الصوت وابتعاد مداه في أجواز الفضاء، ولا حاجة بنا إلى العناء في ~~الموازنة بين خشوع المسلمين وعداء المشركين لنقول: إن اختيار النبي إياه يدعوه ويدعو ~~المسلمين دعوة عامة يسمعها كل يوم خمس مرات - هو الشهادة لصوت المؤذن الأول بالسلامة من ~~النفرة والنشوز المعيب. فما عهد محمد عليه السلام خاصة إلا أنه كان يحمد المنظر الحسن. وكان ~~ينكر كل نكير ويستريح إلى كل جميل. # | المؤذن الأول # كتب عن الخلفاء الراشدين وكبار القادة والولاة من صحابة النبي عليه السلام كلام كثير ~~باللغات الأوروبية في أثناء الكتابة عن تاريخ الإسلام. ولكن الذي كتب عن الصحابة ممن لم ~~يتولوا الحكم ولا اشتركوا في السياسة العامة - كبلال بن رباح - جد قليل، وبين هذا القليل ~~الذي كتب عن بلال خاصة فصل في اللغة الإنجليزية للأديب القصصي لفكاديو هيرن # Lafcadie Hearn # الذي عمل حينا في الصحافة الأمريكية، ~~وقضى زمانا في جزر الهند الغربية التابعة لفرنسا ثم جال بين بلاد الشرق، واستقر باليابان ~~وبنى فيها بزوجة يابانية ومات هناك سنة 1904، بعد أن قضى حياته الأدبية كلها هائما بنفحات ~~الشرق الروحية؛ سواء هبت عليه من بلاد العرب أو من الصين أو اليابان. # ولا شك أن ترجمة هذا الفصل إلى العربية ترده إلى اللغة التي هي أحق به وأولى. وتعد ~~مناسبة نقله إلى العربية سانحة كل السنوح في صدد الترجمة لبلال رضي الله عنه برسالة ~~مستقلة به مقصورة عليه. وهو عدا ذلك فصل قيم يفيض بالعطف الإنساني والروح الشعرية والفكاهة ~~الأدبية، ويضيف كثيرا إلى علمنا بأثر الأذان الإسلامي في نفوس الأدباء الغربيين، ولا سيما ~~الأدباء من طراز هيرن الذين أظمأتهم الحضارة العصرية وتشوقت نفوسهم إلى الري الروحاني من ~~ينابيع أخرى غير ينايع أمريكا وأوروبا. # وقد مهد هيرن لفصله عن «المؤذن الأول» بأبيات الشاعر إدوين أرنولد # Edwin Arnold # التي يقول فيها مخاطبا العزة الإلهية: # لو أن عابديك ms71 اليوم على الأرض طاف بهم طائف من الفناء فجاءة وصمت كل مؤذن يرفع ~~الصوت بالتكبير في سكينة السماء، لما خلت الدنيا بعد هذا من آيات تشهد بوجودك على ~~الأرض وفي أغوار الماء. نعم ... ولو ذهبت هذه وذهبت الأرض معها لبقيت لك آيات في ~~أعالي السماء أعظم وأسمى؛ إذ كل شارقة فوقنا من تلك الشموس التي تشتعل إلى مطلع ~~النهار، وتلك الكواكب التي يعود بها الليل كل مساء - هي يا رب «دراويشك» التي تدور ~~في حلقة الذكر حول عرشك الوضاء. # ثم قال هيرن: إن السائح الذي يهجع لأول مرة بين جدران مدينة من مدن الشرق على مقربة من ~~إحدى المنائر على المساجد الجامعة قلما تفوته خشعة الفؤاد لذلك الجمال الوقور الذي ينبعث ~~به دعاء المسلمين إلى الصلاة، وهو لا شك يستوعب في قلبه - إذا كان قد هيأ نفسه للرحلة ~~بالقراءة والمطالعة - كل كلمة من كلمات تلك الدعوة المقدسة، ويتبين مقاطعها وأجزاءها في ~~نغمات المؤذن الرنانة حيثما أرسل الفجر ضياءه المورد في سماء مصر أو سورية وفاض بها على ~~النجوم. وإنه ليسمع هذا الصوت أربع مرات أخرى قبل أن يعود إلى المشرق ضياء الصباح: يسمعه ~~تحت وهج الظهيرة اللامعة ويسمعه قبيل غياب الشمس والمغرب يتألق بألوان القرمز والنضار، ~~ويسمعه عقيب ذلك حين تنسرب هذه الألوان الزاهية في صبغة مزدوجة من البرتقال والزمرد، ثم ~~يسمعه آخر الأمر حين تومض من فوقه ملايين المصابيح التي ترصع بها تلك القبة البنفسجية فوق ~~مسجد الله الذي لا يزول، ولعله يسمع في المرة الأخيرة عند نهاية التنغيم كلمات مقنعة ~~بالأسرار جديدة على أذنيه، فإذا سأل عنها ترجمانه - كما فعل جيرار دي نرفال - أجابه ولا شك ~~بتفسير كذلك التفسير: يا من تنام توكل على الحي الذي لا ينام ... عظات جليلة تعيد إلى الذاكرة ~~تلك الآيات التي ينقشونها في المشرق على بعض الحجارة الكريمة، ومنها «لا تأخذه سنة ولا ~~نوم»، فإن كان الترجمان ممن يعون طرفا من تاريخ الإسلام فلعله ينبئه أن المؤذن الأول - أول ~~من رتل الدعاء إلى ms72 الصلاة - كان الخادم المقدس الذي اصطفاه نبي الإسلام لهذه الدعوة - بلال ~~بن رباح - صاحب الضريح الذي يشار إليه للسائح في ناحية من دمشق حتى هذا اليوم. # أما بلال هذا فكان أسود أفريقيا من أبناء الحبشة قد اشتهر بقوة يقينه وهو يتخذ دين ~~الإسلام، وبغيرته على الدعوة النبوية وجمال النغم في ترجيع صوته؛ ذلك الصوت الذي تناوله ~~ومد فيه وكرره كل مؤذن في الإسلام منذ أكثر من ألف ومائتي عام. # وقد رجع بلال أذانه قبل أن ترتسم في الذهن صورة المنارة الأولى، وقبل أن يؤثر القوم ~~اختيار المؤذنين من العميان مخافة أن يرمق المؤذن بعينه منظرا محرما وهو يطل من عل على ~~سقوف المدينة. # واليوم ترتفع إلى السماء منائر لا عداد لها في كل موطن من مواطن الإسلام حتى واحات ~~الصحراء، وقد تقوم على بناء بعضها أيد جاهلة بميزان البناء فيخيل إلى من يراها أنها تتلوى ~~من الوجد، كمئذنة «أوجلة» التي رآها فكتور لارجو # Largau # في ~~سنة 1877. # أما الكلمات التي يرددها المسلمون في أنحاء عالم الإسلام من حيث تقوم بنى القرميد التي ~~ترفع على قبور الصحراء إلى تلك المنائر السحرية الحالمة التي ترتفع على مسجد «أجرا» عند ~~ضريح «تاج محل» بالهند - فهي بنصها وفصها تلك الكلمات التي ترنم بها صوت بلال ~~المكين. # ولا تزال للمؤذن شروط ترعى حتى اليوم ليسمح له بأداء الأذان. # فعليه أن يحفظ القرآن وأن ينزه اسمه وسمعته عن كل سوء، وأن يكون له صوت واضح جهير ولهجة ~~فصيحة ومخارج للحروف صحيحة، ولكن شروط الصوت الحسن التي كانت تطلب من المؤذن في صدر الدعوة ~~المحمدية والمسلمون على ذكر من صوت بلال قد كانت أندر وأصعب مما اكتفي به بعد ذلك. وقد روى ~~الشاعر الفارسي الأشهر مصلح الدين السعدي في كتابه بستان الورد غير نادرة واحدة تدل على ~~آراء أبناء عصره فيما يرجع إلى اختيار المؤذنين وقراء آي الذكر الحكيم. # قال في بعض تلك النوادر: إن مؤذنا في سنجار تعود أن يؤدي الأذان أداء صحيحا ولكن بصوت ~~كريه إلى ms73 كل من سمعوه، وكان صاحب المسجد أميرا عادلا لا يسيء في عمل من أعماله، فلم يشأ ~~أن يجرح فؤاد المؤذن المسكين، وخاطبه على نحو يرضيه فقال له: يا سيدي. إن لهذا المسجد ~~مؤذنين أقدمين يعطى كل منهم خمسة دنانير. فهل لك في عشرة دنانير تأخذها أنت على أن تترك لهم ~~مهمة الأذان فيه؟ فقبل الرجل عرض الأمير وغادر المدينة إلى حيث شاءت له المقادير. # إلا أنه لم يلبث غير قليل حتى قفل إلى الأمير قائلا: لقد ظلمتني يا مولاي إذ قد زينت لي ~~أن أترك هذا المسجد من أجل عشرة دنانير. فإنهم قد عرضوا علي عشرين دينارا حيث كنت على أن ~~أفارقهم فأبيتها ... فابتسم الأمير وقال: لا يخدعوك إذن ... فإني لأحسبهم معطيك خمسين دينارا ~~أو يزيد على ذلك إذا أصررت على البقاء هناك! # وفي الكتاب نادرة أخرى لا تقل عن هذه في طرافتها، يزيدنا فهما لها أن نذكر أن الأسلوب ~~العربي المأثور في تلاوة القرآن يكاد يعلو على كل أسلوب معروف في التلاوات الدينية. وخلاصة ~~النادرة أن قارئا من حفاظ الكتاب كان يجود الآيات بصوت غير جيد. فمر به رجل فطن وسأله: ~~كم أجرك على هذه القراءة؟ فقال الحافظ: لا شيء! قال الرجل: وفيم إذن عناؤك هذا؟ قال: حبا ~~لله! قال الرجل الفطن: حبا لله إذن لا تقرأ يرحمك الله. ~~••• # وبدأ بلال حياته عبدا؛ لأنه كان وليد جارية حبشية، ولم يعرف عن نشأته في الطفولة غير ~~النزر اليسير. ومن وصف سير وليام موير إياه يظهر أنه كان فاحم السواد كثيف الشعر وكانت ~~لوجهه ملامح الزنوج، وأنه كان طويلا أجنأ كأنه الجمل، لا يروق النظر ولكنه شديد الأسر ~~مفتول الجسد متين الأعصاب. # وقد كان لدعوة محمد الأولى أثر عميق في قلوب عبيد مكة؛ لأن هؤلاء القوم الغرباء في ربقة ~~العبودية بين أناس غير أهلهم قد تلقوا ولا ريب دعوة النبي إلى الأبوة العليا التي تكلأ ~~الناس جميعا كما يتلقى الجريح بلسم الشفاء والحزين سلوة العزاء. # ولعل بلالا كان أول من دان ms74 بالإسلام من بني جلدته، ولذاك قال النبي عنه: إنه أول ثمرة من ~~ثمرات الحبشة، ولعل العبد الصغير قد تلقن من والدته السوداء شيئا من تلك الخواطر الفجة ~~التي شاعت في الحبشة باسم الديانة المسيحية في القرن الرابع فهيأت ذهنه لقبول وحدانية ~~الإسلام. # وما هو إلا أن بدأت فترة الاضطهاد حتى انصب أشده وأقساه على هؤلاء العبيد. فقد كانت سنة ~~العرب منذ عهد بعيد أن يحمي الرجل ذوي قرباه ولو كلفته حمايته بذل الحياة. فمن سفك دم عربي ~~فهو غير آمن أن يرتد عليه أهله بالثأر وأن يستتبع ذلك حربا سجالا بين العشيرتين إلى زمن ~~طويل. ومن ثم كان محمد وصحبه الأحرار يأمنون بعض الأمان على أنفسهم من سطوة التنكيل العنيف. ~~ولم يكن للعبيد مثل هذه الحماية، فتعاورتهم الأيدي بالضرب وتلقوا نذر الموت وذاقوا أمر ~~العذاب معرضين لنيران القيظ في شمس الجزيرة العربية السافعة. فكانت غواية الماء البارد ~~والظل الوارف والطعام الشهي تحت هذا العذاب الذي يضاف إليه عذاب الجوع والظمأ أشد من أن ~~تدفعها عزيمة أولئك المساكين ... فما زالوا واحدا بعد واحد يتفوهون بالعبارات التي كانت تملى ~~عليهم سبا لنبيهم ولو خرجت من الشفاه دون القلوب، وجعلوا يقسمون باللات والعزى على صدق ما ~~يقولون، وطالما عاد بعضهم فبكى ندما على ما فرط منهم في تلك المحنة النكراء. # ولكن النبي قد استنزل لأولئك المساكين عزاء وافيا بما ذكره القرآن عنهم، حيث جاء فيه: # إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات ~~الله وأولئك هم الكاذبون * من كفر بالله ~~من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ~~ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم ~~عذاب عظيم ~~[النحل: 105-106]. # وقد ظل بلال وحده ثابت القلب واللسان فلم يصبأ ولم ينل من عقيدته ألم الضرب ولا حر الظمأ ~~ولا طول التعريض للشمس على بطاح مكة المتلهبة، وعجزت كل هذه المحن أن تثني عزيمته الحديدية، ~~فلم يكن له من جواب على كل أمر يتلقاه من معذبيه إلا أن يردد قوله: أحد! أحد! ms75 مشيرا إلى ~~واحدانية الله الذي ليس له شريك. # هذه الفترة في حياة بلال أيام دخوله في الإسلام هي التي اختارها الشاعر الفارسي فريد ~~الدين العطار للإشادة بها في كتابه منطق الطير، فقال: # إن بلالا قد تلقى على جسده الهزيل ~~ضربات العصي من الخشب، والسياط من الجلد، فتمزق إهابه وسال الدم من جراحه، ولم يمسك قط عن ~~توحيد الله الذي لا إله غيره. # واتفق ذات يوم - والحبشي المسكين يتلظى من ألم ذاك العذاب - أن عبر به رجل نحيف البدن ~~صغير القد جميل الملامح واسع الجبين فشهد فيمن يشهدون ثبات بلال وشدة عذابه. # وكان ذاك الرجل النحيف هو التاجر عبد الله بن عثمان أبي قحافة، ويعرف في التاريخ الإسلامي ~~باسم أبي بكر صديق النبي الحميم وزميله في ذلك الكهف الذي تقول الرواية إن العناكب نسجت على ~~مدخله خيوطها لتخفي اللاجئين إليه عمن يتعقبونهما، ويدعى أبو بكر أيضا بالصديق أي المخلص ~~الوفي، وكان أبا السيدة عائشة التي قدر لها أن تقترن بالنبي وقدر لأبيها أن يخلف النبي على ~~رعاية شأن المسلمين بعد وفاته، وكان إلى ذلك الحين قد أنفق كثيرا من ثروته التي تبلغ ~~أربعين ألف درهم في شراء العبيد الذين سيموا العذاب على أيدي ساداتهم من أجل دخولهم في دين ~~الإسلام، ومعظمهم رجال مهازيل أو نساء، فكان أبو قحافة يؤاخذه؛ لأنه ينفق ماله في إعتاق ~~النساء والضعفاء ويقول له: هلا أنفقته في إعتاق الأقوياء الذين يشدون أزرك ويدرءون عنك ~~عدوك؟ وكان أبو بكر يجيبه: كلا. يا أبت. إنما أريد بهم وجه الله. # ويقول الرواة: إن هذا البذل السخي في سبيل التقوى قد أفقر الرجل حتى لبس الثياب الخشنة من ~~شعر المعز الذي يلفق بالسلا. # فلما شهد بلالا في ذلك العذاب لم يطل صبره على رؤيته بتلك الحال وأخذ لتوه يساوم أمية بن ~~خلف وأبي بن خلف في ثمنه فباعاه بعباءة وعشرة دنانير. # وقليلا ما كان يخطر على بال أحد من شهود تلك الصفقة، أن يوما من الأيام سيأتي على أمية ~~وابنه يسألان ms76 فيه الرحمة من عبدهما الذي ضنا عليه بكل رحمة فلا ينالانها. فما انقضت عشر ~~سنين على ذلك اليوم حتى ظفر بلال بصاحبيه وسنحت فرصته بعد وقعة بدر الحامية، فوقعت عليهما ~~عيناه بين أسرى قريش، وشفى قلبه أن ينظر إليهما وهما يذبحان على مشهد منه؛ لأن الإسلام لا ~~يأمر الذين يدينون به أن يجزوا الشر بالخير. # وقد كان بلال في الحقيقة أول عبد قيم أطلقه أبو بكر، فأرسله عتيقا لوجه الله. # وكان بلال رجلا قويا، فلا يفهم وصفه بالهزال في قصيدة الشاعر الفارسي إلا على معنى ~~الهزال الذي توصف به الطبيعة البشرية بالقياس إلى قوة الروح. # ولم يلبث لسان الكذب والوشاية أن قال قولته في السبب الذي بعث أبا بكر إلى شراء الحبشي ~~المعذب، فزعم من زعم أنه توخى الفائدة ولم يتوخ التقوى والصلاح، وكانت هذه الأكذوبة خليقة ~~أن تسري مسراها في البيئة التي عهدت ذلك التاجر الورع زمانا وهو الأريب الخبير بتصريف ~~التجارة، ولكن محمدا كان ينكر ما يلغطون به ويوسع القائلين به تأنيبا وملامة، وفي ذلك ~~يقول الكتاب من سورة الليل: # والليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى * وما خلق الذكر والأنثى ~~* إن سعيكم لشتى * فأما من ~~أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * ~~فسنيسره لليسرى * وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسره للعسرى ~~* وما يغني عنه ماله إذا تردى * ~~إن علينا للهدى * وإن لنا للآخرة والأولى ~~* فأنذرتكم نارا تلظى * لا ~~يصلاها إلا الأشقى * الذي كذب وتولى * وسيجنبها الأتقى * الذي يؤتي ماله ~~يتزكى * وما لأحد عنده من نعمة تجزى * إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى * ~~ولسوف يرضى ~~[الليل 1-21]. # ومن ثم أصبح بلال خادما أمينا لمحمد «عليه السلام»، وكتب له أن يسهم بنصيب في نشر دعوة ~~الإسلام. # وتزعم بعض الروايات أن بلالا عاد بعد هجرة النبي فوقع في أسر قريش فعذبوه وضاموه، ولكنها ~~رواية لا يوثق بها في رأي المراجع التي تعتبر حجة في تاريخ الدعوة الإسلامية، وإنما نلتقي ~~ببلال مرة أخرى بعد عتقه في المدينة حيث كان المؤذن الأول بعد الاتفاق على الأذان. ms77 ~~••• # ولم يكن الأذان معروفا في مستهل الدعوة الإسلامية حين كان المؤمنون فئة قليلة تقيم إلى ~~جوار نبيها، وإنما كان الأذان صيحة مسموعة ينادي بها المنادي إلى الصلاة الجامعة. # ثم عرف الأذان بعد بناء مسجد المدينة وتحويل القبلة من بيت المقدس إلى مكة وكعبتها. إلا ~~أن بيت المقدس لم يزل له شأن في المأثورات الإسلامية ولم يزل عزيزا في قلوب ~~المسلمين. # ألا يذكر الذاكرون من علامات الساعة الكبرى أن عيسى ابن مريم سيقبل عند حلول الساعة إلى ~~مسجد بيت المقدس قبيل صلاة الفجر، فيشرق المسجد بطلعته ويتقدم إلى محراب الإمام فيبهت أولئك ~~الذين يزعمون أنهم من أتباعه حين يعلن بينهم شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول ~~الله؟ # أما كيف خطرت فكرة الأذان فقد كان ذلك بتوفيق عجيب، وفحواه أن النبي حين فرغ من بناء ~~مسجده - الذي يعد على زهادة بنيانه مثالا للأسلوب العربي في البناء - تبين على الأثر أن ~~دعوة المسلمين إلى الصلاة على النحو الذي اتبعوا قبل ذلك ليست مما يوائم أحوال المسلمين في ~~ذلك الحين! لأنها خلو من ذلك الجلال الذي لا غنى عنه في إقامة الفرائض العامة والشعائر ~~العلنية. # وخطر للنبي في بداءة الأمر أن يتخذ بوقا للدعوة إلى الصلاة، ولكنه لم يشأ أن يحول القبلة ~~عن بيت المقدس ثم يتخذ لدعوة الصلاة أداة كان يستخدمها اليهود في بعض الصلوات. # ثم خطر له أن يتخذ للدعوة ناقوسا يدق في ساعات معلومات، ولكنهم لم يجدوا في المدينة من ~~يصنع الناقوس المطلوب. # وإنه ليوشك أن يتخذ للدعوة ناقورا من الخشب؛ إذ سنحت فكرة الأذان لبعض الصالحين في رؤيا ~~المنام. # فقد رأى ذلك الرجل الصالح فيما يرى النائم أنه لقي على مقربة من داره - وهو يسري في ضوء ~~القمراء - رجلا طوالا في ثياب خضر بيده ناقوس جميل، وبدا له أنه قارب الرجل الطوال يسأله ~~أن يبيعه الناقوس. فتبسم الرجل الطوال وراح يسأله: ولأي شيء تريده؟ فقال له: إنما أشتريه ~~للنبي عليه السلام ليدعو به المسلمين إلى الصلاة. # قال ms78 الرجل الطوال، وكأنه يزداد في مقاله طولا: كلا. بل أخبرك بما هو أصلح وأجدى. فخير من ~~ذاك أن ينادي مناد بالدعاء إلى الصلاة من سقف المسجد كما أصنع. وانطلق في ندائه بصوت رنان ~~عجيب سماوي الجلال يبعث الوجل الأقدس في فؤاد سامعه، وهو يردد ذلك الأذان كما يردد اليوم من ~~شاطئ أفريقية العربي إلى تخوم هندستان: # الله أكبر ... # الله أكبر ... # أشهد أن لا إله إلا الله ... # أشهد أن محمدا رسول الله ... # حي على الصلاة ... # حي على الفلاح ... # لا إله إلا الله. # فهب من رقاده والنغم العجيب يتردد في أذنيه، وبادر إلى النبي فقص عليه رؤياه، فسمعها منه ~~النبي كما يسمع الرؤيا الصادقة التي تأتي بالهداية من الله، وتذكر تلك الهبة الصوتية ~~النادرة التي خص بها مولاه الوفي بلال، فأمره أن ينادي إلى الصلاة بتلك الكلمات التي سمعها ~~المسلم الصالح في منامه، وكان الليل في هزيعه الأخير فوعى المؤذن الأول واجب صناعته الجديدة ~~قبل مطلع الفجر، وما هو إلا أن طلعت بشائر النور الأولى حتى نهض أهل المدينة من نومهم على ~~صوت الحبشي الساحر يردد الأذان من مشرف عال بجوار المسجد. فكان ذلك فاتحة تاريخ المنارة ~~الجميلة التي تتسم بها قبل غيرها ملامح العمارة في المدن الإسلامية، وكان مصعد بلال في تلك ~~الليلة إلى الشرفة المضاءة بنور الكواكب على سقوف المدينة هو أول خطوة على سلم المنارة ~~الباقية قبل ألف ومائتي عام. ~~••• # في خلال تلك القرون جميعا لم يعرف الإسلام يوما واحدا لم ترتفع فيه صيحة الأذان إلى ~~الله. # ولا تزال نغمات الأذان تعلم طريق الساعات لسكان مدائن شتى لا عداد لها. وفي المأثورات ~~أنها ستكون علامة للساعة التي تقوم فيها القيامة ويظهر فيها المهدي المنتظر - مسيح الديانة ~~الإسلامية - فيعلن الأذان بصوت جهوري يدوي في أنحاء العالم بأسره! # وما برحت دعوات الصلاة تستجاب في العالم الإسلامي بدقة يدهش لها السياح ويعجبون. # وقد اشتهرت هذه الدقة عن المسلمين في استجابة داعي الصلاة حتى استخدمت أحيانا في الإضرار ~~بهم والإغارة عليهم. فاتفق في ms79 نيسابور - تلك المدينة المحببة إلى عطار الروح الشاعر المعروف ~~باسم العطار - أن الأذان أعلن لأول مرة غدرا وختلا للإيقاع بمن يستجيبون إليه، إذ حدث في ~~السنة الثامنة من القرن السابع أن أغارت على المدينة جموع جنكيزخان، وكان من عادة هذه ~~الجموع التي درجت على الاستئصال والتخريب عادة فريدة بين الأمم في قسوتها وغدرها؛ وهي أن ~~يعودوا إلى المدينة فجأة بعد تخريبها ليعملوا السيف فيمن رجع إليها من أهلها مطمئنا إلى ~~جلاء العدو عنها أو فيمن يقبلون على الأنقاض المحترقة ليستخرجوا نفائس الأعلاق منها. فلما ~~عادوا إلى نيساوبر على هذا النحو أمر الزعيم المغولي بإقامة الأذان فأقبل إليه بهذه الحيلة ~~كثيرون ممن كانوا يعتصمون بالمخابئ والزوايا المهجورة، وصدق المؤرخ الفارسي حين قال في وصف ~~هذه الجموع: # إنهم يقصدون إلى إبادة نوع الإنسان وفناء العالم ولا يقصدون إلى السيادة أو ~~الغنيمة. # إن جو المأثورات - بما يحفه من الأشعة والهالات - ليرن فيه صوت بلال أبدا كما رن في ~~الحلم صوت ذلك الغريب في الأكسية الخضر منبعثا من عالم فردوسي إلهي مسربل بالضياء. # وليس في مقدورنا بعد انقضاء تلك المئات من السنين أن نعرف حقيقة صوت المؤذن الأفريقي، ولا ~~أن نقوم مزاياه الموسيقية التي لا شك فيها، ولكننا إذا صح لنا أن نستدل بما قيل في وصفه ~~على طبقته الموسيقية فالأغلب الأقرب إلى الحقيقة أنه كان من طبقة «الباريتون» المعروفة ~~لدينا بالامتداد والغزارة خلافا للنغمة العربية التي تعرف بشيء من الحدة والنعومة. # ولا يعوزنا السبب لأن نشك في أن أحدا من المشهورين بين أرباب صناعة الغناء في الجاهلية ~~كان من ذلك العنصر - العربي - الذي وصفه سائح فرنسي فقال: إنه شعب صخاب، وقد أنبأنا الدكتور ~~بيرون Perron # في كتابه الممتع عن النساء العربيات الذي ~~نشر بالجزائر سنة 1848 أن معظمهم كان عبيدا وأن جميع العبيد قبل الدعوة المحمدية كانوا على ~~وجه الإجمال من الحبش أو الزنوج، ولا يبعد أن تكون القينتان المشهورتان باسم جرادتي عاد - ~~ولا يزال لأغانيهما بقية مروية - فتاتين حبشيتين. # وتقول الأخبار: إنهما ms80 كانتا لعبد الله بن جدعان من سلالة عاد، وإن فترات التاريخ العربي ~~لم تخل من عتقاء أو خلاسين نبغوا في الشعر أو في الفن أو الغناء، ومن هؤلاء الأغربة السود ~~ذلك الأسود الذي نظم إحدى المعلقات ورويت له أغان وأناشيد بين أحسن القصيد، ونعني به ~~عنترة بن شداد. # ومنهم خفاف الشاعر الفارسي ابن عم الخنساء، والشنفرى الذي لم يكن حظه من الشعر بالقليل، ~~وقد شهر الحرب وحده على قبيلة كاملة ثأرا لحميه الذي قتلوه؛ لأنه ارتضى لبنته زوجا من ~~غير أكفائها وأقسم لا يهدأن أو يقتل منهم مائة بقتيله. فأصاب تسعة وتسعين منهم ثم أصابوه ~~وقطعوا رأسه وجاء رجل منهم فركله بقدمه العارية فجرح في قدمه وفسد جرحه فمات. فقيل: إن ~~الشنفرى بر بقسمه وهو قتيل. # ويروى عن النبي أنه ود لو شهد عنترة بن شداد، ولعله لم يكن يود ذلك إعجابا بشعره كما وده ~~لعلمه بجدوى ذلك الفارس الشاعر لدعوته؛ إذ يجنح إليها ويقود لها عتقاء الصحراء جميعا تحت ~~لواء نبي يبشر بالمساواة. # وطوت روح الإسلام شيئا فشيئا قصيد الصحراء الجميل بألوانه الساخنة التي تشبه ألوانها، ~~وحرارته التي تشبه حرارة رمالها ووقدته التي تشبه وقدة سمائها، ولكن الأغربة لم تزل تغني ~~وإن كفت عن نظم المعلقات! ولم يكن بالقليل عدد المغنين السود أو الخلاسيين الذين نبغوا في ~~القرون الثلاثة الأولى بعد ظهور الإسلام، فسعيد بن مذحج الذي صادر الخليفة عبد الملك ماله؛ ~~لأنه فتن أبناء الأشراف بسحر غنائه فأجزلوا له العطايا وضيعوا تراثهم عليه، كان عبدا من ~~عبيد مكة، وأبو محجن نصيب بن الزنجي لقد لقي الحظوة من أمراء كثيرين وحكام مختلفين منذ أيام ~~عبد الملك إلى أيام هشام. وقد حشا يزيد الثاني فاه درا في يوم من الأيام. # وأبو عباد معبد - أمير الغناء في عصره - أطرب ثلاثة من الخلفاء، وغشي على يزيد من الطرب ~~وهو يستمع لغنائه، ومنحه خلفه اثني عشر ألف دينار جائزة واحدة، ومشى في جنازته الوليد ~~الثاني هو وأخوه في ثياب السواد حدادا عليه، وكان ms81 قد مات في قصره. # ويبدو أن سلامة الزرقاء - التي بلغ ثمن القبلة منها أربعين ألف درهم - كانت من سلالة ~~السود، وكانت سلامة القس وحبابة صاحبتها من جواري المدينة المولدات، وتروى قصة من أشجى ~~القصص العربية عن غرام يزيد بحبابة هذه وموته حزنا عليها. # والأدلة كثيرة على أن أصوات الجواري السود وأساليبهن في الغناء كان لها سحر ملحوظ في نفوس ~~ساداتهن المسلمين، كما يؤخذ من مطالعة أدباء العرب والفرس في بعض الأحيان. وقد قيل: إن ~~إسماعيل بن جامع أعظم المغنين في عصر الإسلام الذهبي أعطى جارية سوداء أربعة دراهم لينقل ~~عنها نغما غريبا سمعها تترنم به وهي تحمل الجرة على رأسها. ثم وضع في ذلك النغم دورا ~~سمعه الخليفة هارون الرشيد فقال: إنه لم يسمع مثله قط في جماله وابتكاره وأجازه عليه بأربعة ~~آلاف دينار ومنزل نفيس الأثاث والرياش. # ويقص علينا السعدي - الشاعر الفارسي - أنباء أخرى نعلم منها أن أرباب الغناء من السود قد ~~بقيت لهم منزلتهم في هذا الفن إلى ما بعد صدر الإسلام، ومن تلك الأنباء قصة رواها في كتابه ~~بستان الورد من أحوال الدراويش وكان لها شاهد عيان. # قال: # خرجت إلى الحجاز في رفقة من الشبان الأذكياء، وكانوا يترنمون في الطريق بين حين ~~وحين ببعض الأشعار الصوفية، وكان بيننا رجل من الأتقياء ينكر سلوك الدراويش؛ لأنه ~~يجهل حالهم ولا يعرف نجواهم، فلما بلغنا نخل بني هلال برز لنا من خيام بعض العرب ~~غلام أسود يتغنى بصوت يستنزل الطير من السماء، ونظرت إلى جمل صاحبنا التقي قد أخذه ~~الصوت الساحر فألقى براكبه إلى الأرض وهام في الصحراء، فصحت بالرجل: يا هذا! إن صوت ~~هذا الفتى قد عمل في الحيوان الأعجم ولم يعمل فيك. # وذاك أنه كان من عادات العرب القديمة أن يحفزوا الإبل إلى المسير والصبر على السفر بألحان ~~الحداء، وقد روى جنتيوس # Gentius # معقبا على هذه الواقعة في ~~ترجمته لبستان الورد (أمستردام 1654) قصة أخرى أعجب من الأولى فقال: # إن مؤلفا من الثقات ~~نزل بضيافة رجل في الصحراء ضاعت ms82 منه جميع إبله، فجاءه عبد زنجي وسأله أن يتشفع له عند مولاه ~~في ذنبه، فلما حضر الطعام أبى المؤلف الضيف أن يمد يده إليه أو يصفح صاحب الدار عن ذنب ~~مولاه. فقال له صاحب الدار: إن هذا العبد خبيث ضيع عليه ماله ورده إلى أسوأ الحال، وقد منحه ~~الله صوتا جميلا فأقمته حاديا لإبلي فأجهدها بسحر حدائه حتى قطعت في يوم واحد مسيرة ~~ثلاثة أيام. ولكنها لم تلبث أن نفقت جميعا ساعة وضعت عنها أحمالها لفرط ما نالها من ~~الإعياء، وقد وجب لك حق الضيف فتقبلت شفاعتك وأعفيت هذا العبد الخبيث من الجزاء. # ومن النوادر التي تروى في هذا المعنى وتدل على شأن الحداة في المشرق: نادرة حكاها جلال ~~الدين في تاريخه حيث قال: # إن المنصور أجاز سالما الحادي بنصف درهم؛ لأنه أطربه بحدائه حتى ~~أوشك أن يسقط عن جمله، فقال سالم: لقد حدوت لهشام فأجازني بعشرة آلاف! # فمما لا شك فيه أن المغنين في الجاهلية وفي الصدر الأول من الإسلام كانوا على الأكثر من ~~العبيد والمولدين، وأن هؤلاء العبيد السود كانوا من ذوي الهبات الصوتية العجيبة وبلغوا ~~الرفعة بمهارتهم في الصناعات الموسيقية، فلا داعي للشك في ملكة الغناء عند بلال ولا في قيام ~~المأثورات عن صوته الحسن على أساس صحيح ... ويبقى أن ننظر هل هو الذي أبدع لحن الأذان الذي ~~مضى عليه المؤذنون من بعده أو أنه قد أدى الأذان كما أمر به وأوحي إليه. # وعلينا أن نذكر «أولا» أن العرب الأقدمين مع حساسيتهم الموسيقية لم ترتفع الموسيقى بينهم ~~فوق طبقة التجويد الصوفي إلا في الفرط النادر، وغاية ما بلغوه في هذا الباب يشبه الصدحات ~~الكورسيكية الحديثة بما فيها من الزركشة والترديد على هوى المغني أو على هوى السامعين، ~~فتعاد الكلمة الواحدة مرة بعد مرة بتمويه وتجويد ومد وقصر يطول التكرار فيه حتى ليستغرق ~~إلقاء القطعة الواحدة من النظم بضع ساعات. # ولا تزال هذه النزعة في الغناء باقية على حالها بين العرب المحدثين، فقد صدق بيرون Perron # حين سأل: ms83 أي سائح في مصر لم يسمع كلمة يا ليل تعاد ~~مرة بعد مرة نصف ساعة أو تزيد؟ # والأغلب أن الأنغام العربية لم تكن لتزيد في عهد الدعوة المحمدية على ثلاثة أنواع ~~متميزات: وهي ما يسمى بالنغم البسيط ويغنى به في مقام الوقار ومعارض البطولة أو السهولة ~~كغناء الحرب والحداء. # وما يسمى بالنغم المركب وهو يتألف من حركات عدة وترجيعات صوتية كثيرة، وما يسمى بالخفيف ~~وهو يستخف السامع إلى الطرب ويهزه ويحرك أشجانه ويخرجه عن الوقار. # ولما كان بلال عبدا وكان ولا ريب في بعض أوقاته يسوق الإبل فقد كان على الأرجح يتغنى ~~بالحداء ويعالج النغم البسيط، ولكنه - بسليقته الأفريقية التي طبع عليها أبناء جلدته - ربما ~~وجد من وقته متسعا لترديد الأصوات المركبة واستطاع من ثم أن يلقي الأذان في ألحانه ~~المعروفة. # فلا يخفى أن النغم الذي يسمع في المنام قلما يثبت في الذاكرة، وأن النغم الذي سمعه المسلم ~~الصالح من الطيف الغريب صاحب الثياب الخضر يصعب أن يعلق بذاكرته ويجري على لسانه وهو يقص ~~رؤيته على النبي (صلوات الله عليه). # فلا يبعد إذن أن يكون بلال قد سمع الأذان وصاغ منه اللحن الذي أوحته إليه سليقته ~~الأفريقية الآبدة فأقره النبي عليه كما أقره على ما أضافه بعد ذلك إلى أذان الصبح حيث زاد ~~عليه «الصلاة خير من النوم». # ولا جرم يقره محمد على أسلوب ترتيله وهو الذي كان يقربه إليه ويسأله الرأي في مهمات ~~الأمور. وقد كان يؤثره على غيره من المؤذنين، فلم يكن يؤذن لأحد الرجلين اللذين ندبا للأذان ~~بعده أن يدعو إلى الصلاة وبلال قادر على الدعاء إليها. ~~••• # ولزم بلال النبي عن كثب طوال حياته، فكان يوقظ النبي بعد الأذان أحيانا بآية من الآيات ~~أو بكلمة من جوامع الحكمة والتقوى. فإذا اجتمع المصلون بالمسجد اتجهت الأنظار نحو الأفريقي ~~الواقف بالصف الأول ليتلوه في حركات الصلاة، فإن من واجب المؤذن بعد إعلان الأذان أن يصحب ~~الإمام بالتكبير والدعاء كما يصنع الشماس مع الأسقف في الصلاة المسيحية. # ولما تعاظمت قوة ms84 الإسلام تعاظمت معه مكانة بلال وعهدت إليه أمور أهم وأكبر من الأذان، ~~فكان خازن بيت النبي وأمينه على المال الذي يصل إلى يديه، وتلقى من النبي مفاتيح الكعبة يوم ~~دخل مكة في موكبه الظافر، وكان هو الذي أقام الأذان على أعلى مكان في تلك البنية التي ~~اشتهرت الآن في أنحاء الكرة الأرضية. وكان هو الداعي إلى الصلاة يوم حضر إلى المدينة ملوك ~~حضرموت للدخول في الإسلام، وكان هو الذي يدعو إلى الصلاة حين يحتشد فرسان الإسلام بالصحراء ~~لقتال عابدي الأوثان. # وتروى عنه أخبار شتى بعد وقعة بدر وفتح خيبر تشف عن بغض شديد لأعداء وليه والمحسن إليه لا ~~حاجة بنا في هذا المقام إلى تفصيلها، وأجمل من هذا أن نذكر للأسود الأمين غيرته على شخص ~~النبي يوم ذهب معه في حجة الوداع فظل يحرص على راحته طوال الطريق ويمشي إلى جانبه مظللا ~~إياه بستار في يده يحميه وهج الظهيرة، ولعله في تلك الرحلة قد عبر في الوادي المقدس تلك ~~الأماكن التي كان سادات قريش يعذبونه هو في حر شمسها. # ثم توفى محمد «عليه السلام» فسكت الصوت العجيب ودعي مؤذنون آخرون لدعاء المسلمين إلى ~~الصلاة. لأن بلالا عاهد نفسه ألا يؤذن لإمام بعد نبيه ووليه. # ولا نعلم كم من الوقت قضاه بلال في صحبة أبي بكر بالمدينة، ولكنه ولا ريب كان في موضع ~~الرعاية والكرامة بين المسلمين، وكان له من جلالة القدر في أنظارهم ما خوله أن يخطب امرأة ~~عربية حرة لأخيه الأسود، وهي رعاية عظمى بين قوم لا يزالون يفخرون بصحة النسب ويسمون أنفسهم ~~بالأحرار أي الخلص من النسب الخليط. # ويؤخذ من بعض الأنباء أن بلالا قد تولى بعض مهام الدولة بعد الخليفة الأول. فلما أراد ~~الخليفة العادل الصارم في عدله - عمر بن الخطاب - أن يحاسب «سيف الله» خالد بن الوليد على ~~بعض أعماله كان بلال هو الذي نزع عمامة خالد وأوثق يديه أمام جماعة المسلمين بالمسجد وهو ~~يردد مشيئة أمير المؤمنين. # ولكننا لا نسمع بعد هذه القصة عن بلال ms85 إلا القليل، حتى وصل عمر إلى الشام فنعلم أنه كان ~~يصحب الجيش وأنه كان قد منح بجوار دمشق قطعة من الأرض واعتزل الحياة العامة كل ~~الاعتزال. # وكان معظم الصحابة قد فارقوا الدنيا، ولحق أبو بكر وخالد بالنبي في رضوان ربه، كما لحق به ~~آخرون ممن جاهدوا معه في معارك الإسلام الأولى. ولم يكن الجيل الجديد على نمط الجيل الذي ~~تقدمه في المعيشة، فزالت أو كادت تزول من حياة العرب تلك البساطة البدوية التي درجت عليها، ~~وظهرت بينهم بدع من الترف الآسيوي لم تكن معهودة فيما مضى، وتدفقت أموال فارس على المدينة ~~كأنها سيل من الذهب حتى دمعت عينا الخليفة عمر وهو ينظر إليها ويخشى منها الفتنة والحسد على ~~رعاياه. # وفي خلال ذلك كانت العقيدة التي تعذب بلال من أجلها ودان بها زمنا وهي لا تتجاوز حي ~~أبي طالب، قد جاوزت البرور والبحار إلى سورية وفلسطين وفارس، وشهدها قبل أن يسلم روحه إلى ~~ذلك الذي لا ينام وهي تسلك سبيلها إلى القارة الأفريقية فتضمها إلى فتوح الإسلام. وبهذا ~~أصبحت دعوته الأولى - دعوة الأذان - مستجابة بين أقوام من المتعبدين من تخوم الهند إلى ~~شواطئ الأطلس، وقرع فرسان الصحراء العربية أبواب كابل ... ولعل ولدا من ذرية بلال قد عاش حتى ~~رأى الدولة تمتد على بقاع الأرض مسيرة مائتي يوم بين المشرق والمغرب. وإن ما بلغته الفتوح ~~الإسلامية - حتى في السنة الثانية عشرة للهجرة - لخليق أن يستجيش في صدر الشيخ الهرم حمية ~~الدين التي عمر بها ما بين جانحيه. ~~••• # سكت صوت بلال عن ترديد الأذان بعد نبيه ووليه؛ لأنه رأى - في حسبانه التقي - أن الصوت ~~الذي أسمع نبي الله ودعاه إلى بيت الصلاة لا ينبغي أن يسمع بعد فراق مولاه. ولنا أن نتخيله ~~في مأواه بالشام وإنه ليدعى مرارا إلى ترديد ذلك الدعاء الذي أعلنه لأول مرة تحت قبة ~~السماء المضاءة بمصابيح الكواكب، وإنه ليضطر مرارا إلى الإباء والاعتذار لأولئك الذين ~~كانوا يجلونه إجلال القديسين وبودهم لو بذلوا أموالهم كلها ليسمعوه. # إلا أنه لما ms86 ذهب عمر إلى دمشق توسل إليه رؤساء القوم أن يسأل بلالا إقامة الأذان تكريما ~~لمحضر أمير المؤمنين، فرضي بلال وكان أذانه الأخير. ~~••• # لقد كانت غيرة فتيان الدين الجديد في تلك الأيام غيرة يوشك ألا تعرف الحدود، ومن المحقق ~~أن النبأ الذي سرى بينهم مبشرا باستماعهم إلى أذان بلال قد أذكى في نفوس أهل المدينة ~~الوردية الشذى حمية مفرحة لا نظن أن العالم المسيحي قد شهد لها مثيلا في غير أيام ~~الصليبيين. # فلما شاعت البشرى بين أبناء المدينة بسماع صوت المؤذن النبوي لاح للأكثرين ولا شك أن ~~الظفر بسماع هذا الصوت غنيمة مقدسة تكاد تضارع الظفر بسماع صوت النبي عليه السلام ... وأنها ~~أفخر أحدوثة في الحياة تروى بعد السنين الطوال للأبناء والحفدة. وقد يكون في المدينة من ~~تلقى النبأ بشعور لا يتجاوز التطلع والاستشراف، ولكن الأكثرين الذين تزاحموا في صمت وخشوع ~~واجفي القلوب مرهفي الآذان لسماع «التكبيرة» المعروفة قد خامرهم ولا ريب شعور أعمق وأقوى من ~~أن يلم به النسيان. وتزكي روايات العيان هذا الاعتقاد؛ لأننا نعلم من تلك الروايات أنهم بعد ~~لهفة الانتظار في تلك اللحظة لم يلبثوا أن سمعوا رنة الصوت الجهوري تشق حجاب السكون، ~~وتتعاقب من حنجرة الشيخ الأفريقي بتلك الكلمات المحبوبة الباقية، حتى بكى عمر ومن معه ~~وتحدرت الدموع على وجوه أولئك الأبطال المجاهدين، وارتفع لزفراتهم نشيج عال غطى في المسجد ~~على دعاء الأذان الأخير. # أي فنان موسيقي أو دارس لتاريخ الموسيقي ليود لو يسمع كيف كان صدى بلال في ذلك ~~الأذان، وأن يسمع الكلمات الخالدات كما كانت تسمع من أول المؤذنين! # ولا حاجة بنا إلى أن نقول: إنها أمنية مستحيلة؛ لأن فن النوتة أو تدوين الأنغام لم يكن ~~معروفا يومئذ بين العرب ولم تكن لهم وسيلة لنقل الصوت من جيل إلى جيل غير تعليق الذاكرة، ~~فليس في وسعنا أن نجزم كل الجزم بما بقي أو بما تبدل من تلحين بلال للأذان. ولكننا نرجع إلى ~~الظن وقد يغني في هذا الباب. ولدينا من الأسباب ما يكفي لترجيح ms87 بقاء الأصوات نيفا وألف سنة ~~محفوظة في الذاكرة بغير تدوين، ولعلنا نستطيع القول بأن بعضا من النغمات العبرية بقيت بهذه ~~الوسيلة من أيام سليمان ، وليست غيرة العرب على المأثورات الدينية بأقل من غيرة العبريين، ~~فلا جرم تسنح لأنغام الأذان فرصة للبقاء في الذاكرة كالفرصة التي سنحت لأناشيد ~~إسرائيل. # فمن الجائز أن الأذان الحديث فيه على الأقل نغمات مشابهة للنغمات التي ابتدأ بها بلال إذ ~~كانت الكلمات نفسها باقية بغير تبديل. # ولعل مصر التي فتحت وبلال بقيد الحياة - مصر بلد الخلود الذي لا يقبل التبديل - قد حفظت ~~دعوة الصلاة كما كانت ترتل في العشرة الثانية بعد الهجرة المحمدية، وقد سمعت الأذان من ~~مؤذنين سمعوه من بلال. # ويرضينا أن نعتقد أن بلالا نفسه قد أدى الأذان على نحو يشبه أداءه المسموع في مصر ~~الحديثة كما سجله فيلوتو # Villoteau ~~، وهو أنغام تذكر السامع ~~برسوم العمارة العربية وتنقسم إلى أجزاء وأجزاء، مما يقع موقع الغرابة في تأثيره على مسامع ~~الغربيين. # وقد كان المؤذن الذي سمعه فيلوتو أقرب إلى التفنن من المؤذن الذي سجل لين # Lane # نغماته في كتابه عن المصريين المحدثين، فإذا بها تنتهي ~~وفي السمع انتظار لبقية تالية ... ولعلنا نؤثر أن يكون تلحين بلال من قبيل ذاك الأذان لما فيه ~~من تجزئة النغم التي يألفها العرب وتشبه تلك الخفايا المستغربة في الأصداء الأفريقية. إلا ~~أن النغم الآخر مع هذا يعبر عن بساطته عن جمال ووقار، ويوحي إلى معنى العبادة الخالدة التي ~~لا نهاية لها والتي هي أبدا في ابتداء بغير ختام، كما يوحي إلى صلاة معلقة تتصل بما بعدها ~~ولو كانت هي آخر صلاة. # | تعقيب # من الصفحات التي مرت بنا - مترجمة من الإنجليزية عن الكاتب الألمعي لفكاديوهيرن - يتبين ~~للقارئ منزعه الأدبي في الكتابة والتصوير. وهو على الأغلب منزع الخيال والمجاز والعطف على ~~الحياة الشرقية التي تمتزج بتواريخ الروحيات والدينيات على الإجمال، وهو مع تحقيقه في ~~مراجعة المصادر التي اعتمد عليها لم يخل من هفوة هنا أو هناك لا يعيبها سوء النية الذي تشف ms88 ~~عنه أقوال الكثيرين من المستشرقين، وإنما يوقعه في الخطأ حب المجاز أو الاسترسال في صقل ~~موضوعه وتجميل صورته، فلا يستغني هذا المقال الممتع الذي حيا به ذكرى المؤذن الأول عن تعقيب ~~نصحح فيه من مقاله ما يحتاج إلى التصحيح أو الاستدراك. # فمن هفواته العرضية إشارته إلى «عقب» بلال رضي الله وليس له عقب، كما ورد في ابن هشام ~~نصا، وكما يفهم من السكوت عن ذكر بنين له أو بنات في كل ما قرأناه عنه. # ومن هذه الهفوات العرضية اعتقاده أن أبا رويحة كان أخا لبلال من أبويه أو من أحدهما، وهو ~~على أرجح الأقوال أخوه في الإسلام على سنة المؤاخاة التي كان النبي (صلوات الله وسلامه ~~عليه) يعقدها بين الصحابة من أنصار ومهاجرين. # غير أن هفوته الظاهرة هي مذهبه في تعليل كثرة المغنين والمغنيات بين الموالي في بلاد ~~العرب وقلتهم بين أبناء البلاد الأصلاء، فإنه يجنح في كلامه إلى تعليل هذه الكثرة بنقص في ~~الأداة الصوتية، أو في القدرة الفنية عند العربي الأصيل، وأن الموالي والجواري من السود ~~والأحباش سلموا من هذا النقص فكثر اشتغالهم بفن الغناء في الحجاز ثم في غيره من الأقطار ~~الإسلامية. # وظاهر أن هذا التعليل بعيد من الصواب؛ لأننا نسمع العرب اليوم في حديثهم وندائهم كما ~~سمعوا قبل الإسلام فلا نجدهم قاصرين في الجملة عن أداء صوت من الأصوات أو الارتفاع في ~~جهارة الصوت وقوته إلى طبقة من الطبقات، ولكنهم كانوا يعرضون عن صناعة الغناء؛ لاعتقادهم في ~~بداوتهم أنها صناعة أنثوية لا تليق بالفارس المقدام ولا بالرجل الكريم، وأن المنادمة ~~والتسلية بجمال المسمع أو جمال المنظر أدنى إلى عمل النساء منها إلى عمل الرجال، وكانوا أهل ~~حرب أو تجارة فلا يحمدون من الرجل الكريم أن يشتغل بعمل غير القتال أو تسيير القوافل بين ~~رحلتي الصيف والشتاء، وكثيرا ما كان تسيير القوافل بالتجارة ضربا آخر من ضروب ~~القتال. # وتوارثوا هذا الاعتقاد إلى ما بعد أيام الدولة الإسلامية، فكان الغناء مقصورا على ~~الموالي والجواري أو على المخنثين الذين ms89 يتشبهون بالنساء في المظهر والكساء، ولهذا كانوا ~~يرسلون الشعر ويطلون الوجوه وعنهم أخذ الأوروبيون هذه العادة وعمموها في أزياء أصحاب الفنون ~~من موسيقيين ومصورين وممثلين، وظل إرسال الشعر وطلاء الوجه شائعا بينهم إلى زمن قريب، بعد ~~أن نقلوه من الأندلس ونقله الأندلسيون عن أهل الصناعة في مدن الحجاز. # فكثرة المغنين بين الموالي والجواري إنما ترجع إلى هذه العلة لا إلى عجز الأداة الصوتية ~~في العرب الأصلاء. وقد كانت لهم صناعة غناء لا ينكرونها وهي الحداء والنصيب وما إليه، ~~فكانوا يبلغون بها أقصى مدى الصوت الإنساني في العلو والقوة والامتداد، وقد سمعناهم في ~~البادية مع القمراء، فكانت أصواتهم الجهيرة تملأ الصحراء، وهي في الغناء أعسر مكان على ~~امتلاء. # وصوت بلال رضي الله عنه لم يطلب مع هذا للآذان؛ لأنه عرف قبل ذلك في أفانين الغناء، ولعله ~~رعى الإبل وحداها في بوادي الحجاز أو في الطريق بين الحجاز واليمن وبين الحجاز والشام، ولم ~~يذكر قط أنه اشتغل بغير هذا الضرب من الغناء قبل الإسلام أو بعد الإسلام، فإنما عرفت جهارة ~~صوته في الحرب والسلم وحداء الطريق، فاختاره النبي عليه السلام للأذان، وكانت تقواه وغيرته ~~على الصلاة والعبادة ولزوم المسجد من أسباب ذلك الاختيار. ms90