######OpenITI# #META# URI: 1383CabbasMahmudCaqqad.DarbIskandariyya.Hindawi57092418 #META# Tags: history #META# ID: 57092418 #META# Title: ضرب الإسكندرية في ١١ يوليو #META# AuthorID: 64642852 #META# Author: عباس محمود العقاد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # أما قبل ...‏ # مقدمات تاريخية‏ # الامتيازات الأجنبية‏ # إنجلترا وفرنسا‏ # الديون‏ # قناة السويس‏ # الصهيونية‏ # الدولة العثمانية‏ # جنود وموظفون‏ # نهضة الإصلاح‏ # أحمد عرابي‏ # الخديو توفيق‏ # من حملة إلى حملة‏ # أما بعد ...‏ # أما قبل ...‏ # مقدمات تاريخية‏ # الامتيازات الأجنبية‏ # إنجلترا وفرنسا‏ # الديون‏ # قناة السويس‏ # الصهيونية‏ # الدولة العثمانية‏ # جنود وموظفون‏ # نهضة الإصلاح‏ # أحمد عرابي‏ # الخديو توفيق‏ # من حملة إلى حملة‏ # أما بعد ...‏ # | ضرب الإسكندرية في 11 يوليو # | ضرب الإسكندرية في 11 يوليو # تأليف # عباس محمود العقاد # | أما قبل ... # عند مشرق الشمس من يوم الثلاثاء الحادي عشر من شهر يوليو سنة 1882 أخذ الأسطول ~~البريطاني في إطلاق قذائفه على الإسكندرية، فجاوبته إحدى قلاعها بعد الطلقة العاشرة، ~~وجاوبته القلاع الأخرى بعد الطلقة الخامسة عشرة، واستمر إطلاق النيران من الأسطول على ~~المدينة إلى الساعة الخامسة، ولم ينقطع تماما إلا عند الغروب. # وكان قائد الأسطول قد أجاب وكلاء الدول في الإسكندرية مطمئنا لهم حين سألوه عن خطر ~~البقاء في الإسكندرية بعد إنذارها بالضرب، فأكد لهم أنه سيعمد إلى القلاع دون غيرها ~~بقذائفه فلا خوف على أحد من سكان المدينة. ولكن القذائف قد أصابت المساكن الأوروبية ~~والمصرية خبط عشواء، وقالت صحيفة الطان الباريسية يومئذ: «إن قذائف السفن أصابت ~~مساكن الأوروبيين التي تبعد كثيرا عن خط القتال وسقطت إحداها في المستشفى الأوروبي، ~~وقد أوت إليه الراهبات واليتامى وعليه رايات الصليب الأحمر، فلم تنفجر القذيفة لحسن ~~الحظ، وأكد الإنجليز أنهم لم يروا على المستشفى أية راية ...» # وقالت صحيفة التيمس: «إن بعض القذائف قد سقط في الأحياء الأوروبية إلى جوار القنصلية ~~الإنجليزية على مسافة ألفي متر من حصن قايتباي.» # وقالت صحيفة الفاردي ألكسندري: «إن قذائف الإنجليز التي كانوا يرمون بها حصن كوم ~~الدكة، سقط منها اثنتان في حديقة دير الفرنسيسكان، وقذيفة في ساحة رهبان المدارس ~~المسيحية، واثنتان بالقرب من دير الأيتام، واثنتان في الحدائق التي تكتنف أبنية ~~المدرسة الإيطالية الجديدة.» # هذه رواية الصحف الأجنبية عن المواقع الأوروبية التي استهدفت لقذائف الأسطول، ومن ~~السهل أن يتخيل القارئ مدى الخراب الذي أصاب المدينة كلها في مساكن ms001 الوطنيين وغير ~~الوطنيين . # لقد كان عابر الطريق في الإسكندرية بعد ذلك اليوم المشئوم يعبر الأحياء العامرة، فلا ~~يمر بغير الأطلال والأنقاض ولا تقع عينه على بيت قائم بين عشرات البيوت المنهارة أو ~~المتداعية، وقد صدق أديب إسحاق حين قال في رثاء المدينة، وقد شهد الخرائب ~~بعينيه: # يا وارد الإسكندرية طامعا # بمنافع الإصدار والإيراد # أقصورها خفيت عن الأنظار أم # آثار قصري في القفار بوادي؟ # هذي عروس الشرق ماتت فاكتسى # حزنا عليها الغرب ثوب حداد # بالأمس كانت والبياض دثارها # واليوم صارت أرسما بسواد # كانت ملاذ الخائفين فأصبحت # والخوف منها مبعد القصاد # كانت موارد للظماء وقد غدت # ما أن بها من مورد للصادي # كانت مواقع نعمة فغدت وما # فيها سوى البأساء للمرتاد # كانت وكان الدهر سيد أهلها # فأصابها بالأهل والإسعاد # كانت وكنا لا ينام حسودنا # صارت وصرنا راحة الحساد # كم حامل خرجت بها محمولة # فوق الكواهل أو على الأعواد # ومعمر لم يبق في الدنيا له # غير السكينة من منى ومراد # ومريض قوم غاب عنه طبيبه # وجفاه أنس الأهل والعواد # خرجوا وهم لا يهتدون سبيلهم # والنائبات روائح وغوادي # فيم كانت هذه الفاجعة الدامية؟ فيم استبيحت هذه المدينة لمن أنذروها وأصروا على ضربها ~~فضربوها؟ ~~••• # إن بيان ذلك مسطور في «الإنذار» الذي تلاه الغرب بعد يوم واحد، وهذه ترجمته إلى العربية: # أتشرف بإخبار سعادتكم أنه نظرا لحدوث استعدادات حربية آخذة في الازدياد ~~منذ يوم أمس في حصون السلسلة وفاروس - قايتباي - وصالح، وهي موجهة بالطبع ~~إلى الأسطول الذي تحت قيادتي، فقد عقدت العزم على أن أنفذ غدا عند شروق ~~الشمس العمل الذي أعربت لكم عنه في خطابي المؤرخ في السادس من الشهر ~~الجاري، إن لم تسلموا لي حالا قبل هذه الساعة البطاريات المنصوبة على ~~رأس التين وعلى الشط الجنوبي لمنع التسلح ~~بها. # ويفهم من هذا أن قائد الأسطول قد استباح ضرب المدينة العامرة بسكانها من جميع ~~الأجناس؛ لأن حصونها تستعد لدفع الهجوم عنها، ففيم كان هذا الهجوم عليها؟ # إن النائب الإنجليزي «ريتشارد» قد أغنانا عن تسخيف هذا ms002 العذر حين قال في مجلس النواب: ~~«أرى رجلا يحوم حول داري وعلامات العدوان بادية على وجهه، فأعمد إلى الأقفال لأغلق ~~أبوابي ونوافذي فيثور غضبا ويزعم أنني أهينه وأهدده وأنه يقتحم علي بيتي ليذودني ~~عن نفسه ولا يزيد عن حق الدفاع.» # وهذه علة بالغة في السخافة لو صح أن الأسطول البريطاني كان معرضا لشيء من الخطر بعد ~~استعداد الحصون المصرية لدفع هجومه عليها، ولكنه مع هذا لم يكن عرضة للخطر على ~~الإطلاق، ولم يكن أيسر عليه من تحويل موقعه فلا تصيبه قذيفة حصن من الحصون، وكانت ~~مدافعها كما هو معلوم أقصر مدى من أضعف مدافع الأسطول. وفي ذلك يقول إنجليزي آخر هو ~~مستر «رويل» الذي كان محاميا أمام محكمة الإسكندرية المختلطة، ثم عين مستشارا ~~بمحكمة الاستئناف الوطنية، وألف كتابا عن الحملات المصرية، قال فيه: «إن الخطر ~~الذي كانت تستهدف له مدرعات الأسطول من جراء الاستعدادات المصرية لم يكن إلا خطرا ~~وهميا في ذلك الحين، وعلى فرض الخطر الحقيقي كان في الإمكان اتقاؤه إذا انحرف ~~القائد بأسطوله بعض الانحراف.» # والقائد نفسه كان يدرك ما في معاذيره من الوهن والتجني المفضوح، فترك الوقائع ولجأ ~~إلى الأحلام والنيات يعلل بها استباحته للمدينة العزلاء، وكان فيما كتبه إلى مجلس ~~البحرية: «إن أحمد عرابي يشيع أن النبي يزوره كل ليلة ويرجو أن يوقع الأساطيل المتحدة ~~في الفخ بمراكب محملة بالحجارة يغرقها في مدخل الميناء.» # وقد أطلقت دعاية الاستعمار في ذلك الحين كل قذائفها على مصر والمصريين، لعلها تحجب ~~هذه الفعلة النكراء في جو من الأباطيل والأراجيف. ولكن الحقيقة كانت أوضح من أن تحتجب ~~بهذه الدعاية كل الاحتجاب حتى في مجلس الوزراء الإنجليزي؛ فاستقال من وزارة ~~«غلادستون» أقوى أعضائها وأخطب خطباء ذلك العصر في عالم السياسة الأوروبية، استقال ~~«جون برايت» من الوزارة؛ احتجاجا على تلك الجريمة التي لا يسوغها شرع ولا عرف ولا ~~أدب من آداب الحضارة. وأقام جماعة من ذوي الأخلاق احتفالا لتكريمه، خطب فيه الدكتور ~~«دال»، فقال: «إن الإجلال والحب اللذين يوحيهما مستر برايت لا ms003 يكفي في تفسيرهما بيانه ~~البليغ وخدمته العظيمة لبلاده. إن الرجل أعظم من فصاحته، إنه أنبل من خدمته، فقد كان ~~في جميع الأحوال وفيا لضميره، لم تكن جميع الأباطيل والوشايات وأقاويل السخرية ~~والبغضاء لتحيد به قيد شعرة عما اعتقد أنه جادة الحق والصواب.» # ثم تعاقبت الحوادث دراكا بما يثبت الواقع الغني بنفسه عن الإثبات. # إن ضرب الإسكندرية لم تكن له علة واحدة يبحث عنها الباحثون في أنباء ذلك اليوم ولا ~~أنباء ذلك الشهر ولا أنباء تلك السنة أو تلك السنوات. # إن المدينة العامرة بسكانها قد استبيحت بالدم البارد والروية الطويلة لأسباب كثيرة ~~ترجع قبل ذلك إلى مئات السنين. ~~«أما قبل»، فهذا ما سنجمله فيما يلي من الفصول. # | مقدمات تاريخية # تعتبر المسألة المصرية من جميع الوجوه حلقة من سلسلة الوقائع والمنازعات التي دارت ~~سجالا بين الشرق والغرب من أقدم العصور التاريخية، وتعددت بواعثها بين عصر وعصر، وهي ~~في جميع البواعث تدور على محورها «التقليدي» من هذا النزاع الدائم بين الشقين ~~المتناظرين. # وقد عللت هذه المساجلات حينا بحب الفتح والغلب، وحينا بدفع الخطر واتقاء الغارة، ~~وأحيانا بالبحث عن الموارد الزراعية والتجارية أو بتنازع البقاء بين زحام الشعوب في ~~حيز محدود. # ولكنها في حوادثها التي انتهت باحتلال مصر، قد تمثلت في دورين كبيرين، أحدهما لاحق ~~بالآخر ومتوقف عليه، هذان الدوران هما: دور الحروب الصليبية ثم دور المسألة الشرقية، ~~واحتلال مصر لم يكن إلا صفحة من صفحات هذا السجل الواسع الذي اشتهر باسم المسألة ~~الشرقية، وامتد من الشرق الأدنى إلى الشرق الأقصى في حقبة من حقب التاريخ. # بدأت الحروب الصليبية في القرن الثاني عشر، واشتهرت باسم الحروب الصليبية؛ لأن ~~الداعين إليها نشروا دعوتهم باسم الدين واستنفروا أمم أوربة للاستيلاء على بيت المقدس ~~وموطن ميلاد السيد المسيح، ولكنها في حقيقتها لم تكن دينية بحتا ولم تخل من بواعث ~~سياسية واقتصادية لا علاقة لها بالدين ولا بالأماكن المقدسة. # ولهذا اتفق كثيرا أن جمهورية جنوا وجمهورية البندقية بذلتا المسعى الحثيث لتحويل زحف ~~الجيوش الصليبية إلى القسطنطينية، وهي في ms004 أيدي العواهل المسيحيين ، وساعدتهما كنيسة ~~رومة مرة بعد مرة في هذا المسعى المتواصل؛ لأنها كانت تشفق من نفوذ الكنيسة الشرقية ~~وتبادلها «التحريم والحرمان» في عنف ولدد وخصومة تهون عندها جميع الخصومات. أما ~~الجمهوريتان الإيطاليتان فكان همهما الأكبر تأمين المواصلات بين الشرق والغرب ~~والاحتفاظ بطريق البحر الأبيض المتوسط؛ حذرا من تحول التجارة إلى البحار ~~الغربية. # واتفق حينا أن أسقف فوقيس Phoc’s # استعدى السلطان ~~بيازيد على مزاحميه من أساقفة اللاتين والإغريق، ودعاه إلى فتح المورة والاستيلاء ~~عليها، كما اتفق من الجانب الآخر أن أذناب الدولة الفاطمية كتبوا إلى الصليبيين في ~~إيطاليا الجنوبية يستعدونهم ليدفعوا بهم سلطان صلاح الدين. # وقد كانت الشعوب الأوروبية ولا ريب تهتم بالحروب الصليبية لأسباب دينية، ولولا ذلك ~~لما سمح الآباء والأمهات بتجريد حملة من ثلاثين ألف طفل دون الخامسة عشرة (سنة 1212)؛ ~~لاعتقادهم أن براءة الطفولة خليقة أن تنال من الله ما لا يناله الكبار الغارقون في ~~الخطايا والذنوب. ولكن نظرة واحدة إلى أخبار الزمن وحوادثه السياسية تبدي لنا بواعث ~~كثيرة إلى جانب البواعث الدينية، كان لها شأن عظيم في تجريد تلك الحملات ومواصلة ~~الإمداد لها مائتي سنة أو تزيد. # مثال ذلك حالة إنجلترا في ذلك العصر، وهي لا تنتهي من نزاع الكنيسة حتى تدخل في نزاع ~~بين النبلاء والملك ومصالحة بينهم على شروط الوثيقة الدستورية التي اشتهرت باسم ~~الوثيقة الكبرى # Magna Carte ~~. # ومثال ذلك طموح فرنسا إلى استبقاء لقب الدولة الرومانية المقدسة والتذرع بذلك إلى ضم ~~الأقطار التي كانت مضمومة من قبل إلى الدولة الرومانية، ويقترن بهذا كله خلاف ~~البابوات والملوك على فرض الضرائب ونقل الكنيسة من رومة إلى الأرض الفرنسية. # وقد كان معظم الحملة في الحروب الصليبية موجها إلى البلاد المصرية؛ لأنها كانت ~~يومئذ أقوى الدول الإسلامية وكانت بيت المقدس تتبعها في كثير من الأوقات، ولكن ~~العالم الشرقي كان قد تجاوب بأنباء هذه الحرب، وكانت هذه الأنباء باعثا من البواعث ~~القوية لاستقدام الترك العثمانيين إلى آسيا الصغرى، فروسيا الجنوبية، فالأقطار التي ~~كانت جيوش الصليبين تتجمع عندها في ms005 أوربة الوسطى، ولم تزل جيوش العثمانيين تطرق أبواب ~~بودا وفيينا حتى هدأت الحروب الصليبية والحروب العثمانية بعض الشيء في أوائل القرن ~~الخامس عشر، واستولى الترك على القسطنطينية (سنة 1453)، ثم تحولت حملاتهم إلى الأقطار ~~الآسيوية وفتحوا مصر بعد ذلك بنيف وستين سنة (سنة 1517). # وانقضى نحو قرنين بعد قيام الدولة العثمانية في القسطنطينية وأمم أوربة مشغولة ~~بالأحداث الجسام التي تعاقبت عليها خلال تلك الفترة، ومنها دعوة الإصلاح الديني وكشف ~~أمريكا ونهضة الأمم الناشئة وحروب إنجلترا وفرنسا وإسبانيا وظهور الدولة الروسية في ~~أوربة الشرقية، فلم تجد متسعا من الوقت ولا من الوسيلة للبحث في الشئون الشرقية إلى ~~أواخر القرن السابع عشر، ثم تنبهت إلى النزاع بين روسيا الناشئة والدولة العلية ~~الشائخة، فكان هذا التنبه العام فاتحة المسألة التي عرفت باسم المسألة ~~الشرقية. # ولم يظهر لروسيا اسم في إبان الحروب الصليبية؛ لأنها كانت شعوبا متفرقة بعضها على ~~الوثنية وبعضها حديث عهد بالمسيحية، فلما تمت لها الوحدة بين شعوبها وقامت على رأسها ~~حكومتها القيصرية اتخذت لها سياسة تتلخص في «مداومة الحرب لفتح العالم»، وجمعتها ~~الوصية المفصلة التي كتبها بطرس الأكبر، وجاء في مادتها الأولى: «يجب أن يقاد الجيش ~~إلى الحرب على الدوام، وأن تظل الأمة الروسية على أهبة القتال ولا تغفل عنه إلا لراحة ~~الجند وتوفير المال.» # وجاء في المادة التاسعة منها: «يجب الاقتراب جهد المستطاع من القسطنطينية والهند، ~~وإذا كان معلوما مسلما أن القابض على القسطنطينية يقبض على الدنيا بأسرها كان ~~لزاما أن تشن الغارة تارة على الدولة العثمانية وتارة على الدولة الإيرانية، ويجب ضم ~~البحر الأسود شيئا فشيئا لإقامة دار لصناعة السفن على شواطئه، ولا غنى مع هذا عن ضم ~~البحر البلطي لأن موقعه لازم لتحقيق هذه الخطة، ومن الواجب التعجيل بإضعاف دولة إيران ~~أو القضاء عليها للوصول إلى خليج البصرة، لعلنا نتمكن من إعادة التجارة الشرقية ~~القديمة إلى بلاد الشام والنفاذ منها إلى الهند التي هي مخزن الدنيا، وبهذه الوسيلة ~~نستغني عن ذهب إنجلترا.» # وقد اشتملت مواد الوصية الأخرى على النصائح التي ms006 ينبغي اتباعها لبث الفتنة والفساد في ~~البلدان المتاخمة لروسيا توطئة للزحف عليها أو ضمها بالوسائل السلمية. # وهكذا اتفق أن تنفيذ هذه الوصية وفتح باب المسألة الشرقية باسم تحرير المسيحيين من ~~حكم الدولة العثمانية يمشيان مرحلة طويلة في طريق واحد، وتعاقبت المعاهدات تنفيذا ~~لتلك الخطة، كمعاهدة كارلوتيز بين روسيا والنمسا وبولونيا وتركيا (1699)، ومعاهدة ~~كجوق قينارجة بين الروسيا وتركيا (1774) ومعاهدات سابقة ولاحقة اشتركت روسيا وممالك ~~أوربة الوسطى وشواطئ البحر الأبيض في معظمها. # إلا أن هذه الدعوة لم تخدع أوربة الغربية عن خفايا المقاصد التي انطوت عليها، وكانت ~~فرنسا على الخصوص قد خرجت من الحروب الصليبية بلقب حامية البقاع المقدسة، وكانت ~~إنجلترا التي انفصلت عن كنيسة رومة لا تنازعها هذه الدعوى، ولكنها تخشى على الهند ~~وتأبى كل الإباء أن تسمح لروسيا بالتسلل إلى البحر الأبيض. فحدث غير مرة أن فرنسا ~~كانت تهب للمطالبة بحماية المسيحيين اللاتين كلما هبت روسيا لحماية المسيحيين ~~الإغريق، وأن إنجلترا كانت تتعلل بالمحافظة على كيان الدولة العثمانية كما ضمنته ~~المعاهدات، وكانت مع هذا لا تخلو من أناس يحبون أن يطلقوا على ملكهم لقبا من الألقاب ~~الدينية، وظلت هذه الرغبة تساورهم إلى أيام الملكة فكتوريا التي كانت تود لو اعترف ~~لها شعبها بلقب حامية الملة # Defonber of faith ~~، وسبقت ~~فرنسا الدول إلى عقد معاهدة مع تركيا تعترف لها باللقب القديم، فانعقدت هذه المعاهدة ~~بين لويس الخامس عشر والسلطان محمد خان (سنة 1740). # تمخضت الحروب الصليبية كما قدمنا عن حروب المسألة الشرقية، وظلت المسألة الشرقية ~~زمنا طويلا، وهي حروب صليبية بعنوان آخر، وبخاصة في موقف الدول الأوروبية الكبرى ~~بإزاء مصر، وعلى الأخص فيما يتعلق بقناة السويس؛ فإن الفيلسوف الألماني «ليبنتز» قد ~~زين لعاهل فرنسا «لويس الرابع عشر» أن يضرب هولندة في تجارتها الشرقية بانتزاع مصر من ~~قبضة الإسلام، وأنه بذلك يشل هولندة عن مقاومته؛ لأن اعتراضها إياه في غزوه لمصر يثير ~~عليها الأمم المسيحية، وسيأتي في الكلام على قناة السويس أن المركيز «دار جنسون # Dar Genson ~~» كان يعتبر حفر قناة السويس فتحا ms007 ~~صليبيا يهم العالم المسيحي بأسره، ولكن المسألة الشرقية قد ذهبت شوطا آخر وراء ~~ذلك، وتمخضت عن دور آخر في سياسة الدول الأوروبية نحو الدولة التركية، وهو الدور الذي ~~عرف بالتفاهم على تركة الرجل المريض. ~~••• # فبعد أن كان الغرض من المسألة الشرقية انتزاع الأقطار المسيحية في تلك الدولة أصبح ~~الغرض المتفق عليه في هذا الدور تقسيم أقطار الدولة جميعا من مسيحية وإسلامية، ~~وتبادل الإغضاء عن كل نصيب متفق عليه يقع في قبضة الطامعين فيه من المتنازعين على ~~التركة، وصاحبها بقيد الحياة. # وعلمت الدنيا في القرن الثامن عشر أن شركة من الشركات التجارية نزلت بالهند فملكتها ~~وضمتها إلى حوزة الدولة البريطانية. ونشأت الصناعات الكبرى في ذلك القرن، وتدفق الذهب ~~من القارة الأمريكية على الدول الأوروبية، صواحب المستعمرات في تلك القارة، فحسن لدى ~~بعضها أن تعتمد على الذهب وتعدل عن القتال لضم الأقطار المطموع فيها. وراقت هذه الخطة ~~دول التجارة والمستعمرات، وفي مقدمتها إنجلترا وفرنسا، ففتحت خزائنها لطلاب الديون من ~~بلاد الدولة العثمانية على الخصوص؛ لأنها تستند فيها إلى الامتيازات الأجنبية. ولم ~~تستطع الدول الأخرى أن تجاريهما في هذا المضمار، ولم تستطع كذلك أن تقف في طريقهما ~~لأنهما تعملان «بالوسائل السلمية» ولا تجردان السيف، فيتبع ذلك ما يتبعه من اشتباك ~~دول شتى في حومة القتال، ولكن الدولتين صاحبتي المال والمستعمرات لم تتركا الدول ~~المتربصة بغير عوض؛ فسمحتا لروسيا بضم ما شاءت ضمه من الديار الأوروبية، وتغاضتا عن ~~خطتها «إلى الشرق» ما دامت بعيدة من مكمن الخطر، وسمحتا لروسيا ببعض الأقاليم في آسيا ~~الغربية وأوقعتا في روعها دائما أن الحد الممنوع هو الحد الذي يؤدي إلى الاحتكاك في ~~طريق البحر الأبيض وطريق الهند من أقصاه إلى أقصاه. ~~••• # وقبل أن ينتصف القرن الثامن عشر كانت أوربة كلها تتطلع إلى دولة فتية نبغت في وسطها، ~~هي الدولة البروسية: ارتفع بها فردريك الكبير إلى مصاف الدول الكبرى، وقام على ~~أمورها بعده بفترة وجيزة وزيرها القدير بسمارك صاحب السياسة التي وسمت يومئذ بسياسة ~~الدم والحديد، وكان من مطامحه ms008 أن يضم إلى وطنه شعوب أوربة الجرمانية باسم ألمانيا ~~العظمى، ونظر إلى الشرق فطمع في الدولة النمسوية؛ لأنها شائخة تتداعى، ونظر إلى الغرب ~~فطمع في هولندة لأنها أصغر من أن تحمي نفسها في مصطرع الدول المحيطة بها. ولاح له أن ~~تصفية الدولة العثمانية خير طريقة إلى المساومة على صفقته الرابحة، فإذا شجع روسيا ~~على احتلال الآستانة ومضائق البسفور والدردنيل، وشجع إنجلترا على احتلال مصر وقناة ~~السويس، أمكنه أن يستلحق الجرمان الأوروبيين شرقا وغربا بغير عناء. وتبقى فرنسا فلا ~~يضيره أن يدفع اعتراضها بالسماح لها إلى حين بضم بلجيكا من جانب حدودها، ويتسنى له من ~~ثمة أن يقبض على ميزان الفصل بين الخصوم والنظراء، فلا تستغني دولة من الدول عن ~~مجاملته وخطب وده. ولولا أن دهاة إنجلترا وروسيا كانوا يحذرونه ولا يطمئنون إلى ~~تحريضه، لاندفعوا حيث أراد أن يدفعهم، ولكنهم راوغوه ولم يقنطوه وتخادع له بعضهم ~~ليخدعوه، فلم يزل يلعب لعبته بين إنجلترا وروسيا وفرنسا حتى بطلت الغاية منها فانقلب ~~على الجميع واحدة بعد أخرى. # من مخازي هذا الدور - دور المسألة الشرقية - فضائح المذابح التي تعللت بها الدول ~~لتحقيق غاياتها المرسومة، وقد لوحظ عليها أنها تحدث دائما في مكانها المطلوب وعند ~~الحاجة إليها، فحدثت في أرمينية عندما شرعت روسيا في استلحاقها، وحدثت في لبنان عندما ~~تهيأت فرنسا لبسط نفوذها عليه وتنصيب ولاته باختيارها، وحدثت في الإسكندرية والأسطول ~~البريطاني يتحفز على شواطئها، وكانت حجة مشتركة تسعف المحتجين بها في ساعتها وفي ~~مكانها. # وقد ثبت من الحوادث التي جرى التحقيق فيها بأعين العالم وسمعت فيها شهادات الأجانب ~~أنفسهم، أن الاعتداء فيها كان يبدأ من ناحية الأجانب الذين كانوا يصولون على أبناء ~~البلاد بامتيازاتهم المجحفة. وعرف في التاريخ أن الأرمن كانوا يعيشون مع جيرانهم ~~الترك في سلام ومودة، وكان الترك يسمونهم «بملتى صادقة» ثقة بهم واطمئنانا إليهم، ~~ومن دلائل ذلك في مصر إيثار بوغوص وأرتين ونوبار بمناصب الوزارة في أيام محمد علي ~~وإسماعيل، وإيثار أسطفان وأرام في أيام عباس الأول، وقد أدى البحث في ms009 مذابح سنة 1895 ~~إلى الوقوف على سبب هذه المذابح، وهو يعزز ما اشتهر من شعور الترك نحوهم، فقد سافر ~~مئات من الترك في تلك السنة إلى الحجاز وتركوا أبناءهم ونساءهم في رعاية جيرانهم من ~~الأرمن المقيمين معهم في بلادهم، فما هو إلا أن أبعدوا في السفر حتى اندس المحرضون من ~~الخارج بين تلك القرى يحرضون الأرمن على الفتك بجيرانهم الموكولين إلى رعايتهم، ~~فاعتدوا على الأرواح والأعراض وانقضوا على الصغار والشيوخ يقتلونهم أو يشردونهم. وسكت ~~المؤرخون الغربيون عن هذه الحقائق ولم يذكروا من أخبار أرمينية غير ما سموه بالمذابح ~~المسيحية، وتواطئوا على إخفاء الأخبار الصحيحة، كما جاء في دائرة معارف أفريمان من ~~مادة تركيا بمجلدها الثاني عشر. ويستطيع من شهدوا في مصر عدوان المعتدين على المصريين ~~عقب الحرب العالمية الأولى أن يعلموا سهولة هذا العدوان على من يسميهم أولئك الكتاب ~~الغربيون بضحايا العسف والاضطهاد. # أما مذابح لبنان فقد حدثت في الوقت الملائم أيضا، لأنها لبثت بالانتظار - إذا صح هذا ~~التعبير - حتى خرجت فرنسا وإنجلترا متفقتين من حربهما مع روسيا لصد روسيا عن بلاد ~~الدولة العثمانية، وإبطال دعواها في حماية الملة، وانعقد مؤتمر باريس (1856) لإبرام ~~الصلح وتقسيم ما تيسر تقسيمه من بلاد الدولة في أوربة وآسيا، وبعد هزيمة النمسا سنة ~~1858 واشتعال الحرب البروسية النمسوية وإلحاح الضرورة على نابليون الثالث لتوطيد ~~مركزه بين المحافظين المتدينين مستعينا بهم على الغلاة من أنصار الجمهورية - سنحت ~~الفرصة «لحامي الملة»، فجاءت مذابح لبنان في سنة 1860 ملبية لكل طلب موافقة لكل خطة. ~~وتلاها ارتياد المعاهد الفرنسية لمدن لبنان وسورية تثبيتا للثقافة الفرنسية والثقافة ~~العربية في وقت واحد؛ إذ كانت يقظة العرب لازمة لتقويض أركان الدولة وتقريب المسلمين ~~مع المسيحيين إلى سياسة فرنسا باسم الدين من ناحية، واسم العلم والحضارة من ناحية ~~أخرى، ثم نسيت ثقافة العرب، بل حوربت، بعد قضاء المأرب من تركة «الرجل ~~المريض». ~~••• # إن سياسة الدول في المسألة الشرقية درس تطبيقي مفصل لمذهب القائلين بالسياسة ~~الجغرافية # Geopolitics ~~، وخلاصته أن مركز الأمة ~~الجغرافي يملي عليها ms010 سياستها على اختلاف الحكومات والمعتقدات. # فالسياسة الروسية في عهد «بطرس الأكبر» هي بعينها سياسة الشيوعيين الذين يحاربون ~~الملة، ولكنهم يحذون حذو العاهل القديم في مراميه ومساعيه للسيادة على مضائق البسفور ~~والدردنيل والإشراف على البحر الأحمر وخليج البصرة وطريق الهند ومسالك إيران. # وفرنسا طمحت إلى ضم بيت المقدس ومصر على عهد ملوكها القديسين؛ لأن «لويس التاسع» كان ~~يزعم أنه «أمين الأمة العيسوية»، كما قال في خطابه إلى الملك الكامل «أمين الأمة ~~المحمدية»، ثم طمحت إلى هذه الغاية في عهد «لويس الخامس عشر»، قبيل الثورة وفي إبان ~~حركة التمرد والإلحاد. ثم جاء نابليون الأول إلى مصر، وهو يقول للمصريين بعد افتتاح ~~منشوره: «بسم الله الرحمن الرحيم ... الذي لا ولد له ولا شريك في ملكه، إنه أعظم ~~احتراما للنبي والقرآن الكريم من المماليك، ويطلب إلى العلماء والأعيان أن يبلغوا ~~أمتهم أن الفرنسيين مسلمون مخلصون ... يحبون الدولة العلية.» # يقول هذا في مصر وهو لم يبرح فرنسا حتى كان قد أقنع حكومة الإدارة «بأن مصر موصل ~~تجاري بين الشرق والغرب ... وأنها إذا افتتحت وبقيت فيها فرنسا خمسين سنة غنيت فرنسا ~~بما تأخذه من محاصيلها وما تبيعه في أسواقها ... ولم تقم لإنجلترا قائمة في بلاد الهند ~~بعد احتلال شواطئ البحر الأحمر وشق القناة بين النيل والسويس ...» # ثم انفصلت فرنسا عن الكنيسة ولم تزل إلى أواخر القرن التاسع عشر تدعي لنفسها حق حماية ~~المسيحيين في المشرق، ثم احتلت ما احتلته من هذا المشرق بحجة جديدة غير الحجة ~~الدينية، وهي حق الدول الكبرى في الوصاية على الأمم الصغرى بانتداب من أمم ~~الحضارة. # أما إنجلترا فقد أملى عليها موقعها البحري واستيلاؤها على الهند أن تحتل جبل طارق ~~ورأس الرجاء الصالح وعدن ومصر، كما تحتل جزيرة مالطة وجزيرة قبرص، وتعللت لاحتلال كل ~~موقع من هذه المواقع بعلة بينها وبين العلل الأخرى أشد مما بين هذه المواقع جميعا من ~~مسافات المكان، ولكن «السياسة الجغرافية» هي العلة الواحدة التي تطوي جميع تلك العلل، ~~والغاية الأخيرة التي تسبق جميع تلك الغايات. # فإذا كذب ms011 الساسة وانخدع المسوسون، لم تكذب الجغرافية ولم ينخدع التاريخ. # | الامتيازات الأجنبية # بلغت الديون التي ماطلت الدول الأوروبية المفلسة في سدادها عند نهاية القرن التاسع ~~عشر أكثر من أربعمائة مليون جنيه، ولكن الدولة البريطانية لم تتخذ من دين واحد بين ~~هذه الديون الكثيرة ذريعة للمساس باستقلال الدول المفلسة، ولم تكلف نفسها كتابة ورقة ~~واحدة رسمية لاستقضاء هذه الديون بالنيابة عن الدائنين، فضلا عن الإلحاف والتهديد ~~والمطالبة بتعيين الوزراء الأجانب للإشراف على خزائن الدول المدينة، كما فعلت في ~~البلاد المصرية. # 1 # إلا أن الامتيازات الأجنبية تكفلت لها بذرائع العدوان على السيادة المصرية، ~~والامتيازات الأجنبية أطمعت البيوت المالية - من إنجليزية وغير إنجليزية - في بذل ~~ديونها بأكبر الفوائد التي لم يسمع بمثلها في معاملات الدول، وهي مطمئنة إلى ~~استردادها مضاعفة والتوسل بها إلى المزايا السياسية والمغانم «الاقتصادية» التي ~~تفوقها في الخطر والمنفعة. # كتب الخديو إسماعيل إلى سفيره «غير الرسمي» إبراهام بك في سنة 1874، يقول: # لأي سبب أو مناسبة تتدخل الدول في المسائل الداخلية للسلطنة - العثمانية؟ ~~إن الامتيازات هي هذا السبب أو تلك المناسبة، وآية ذلك أن المغفور له ~~الصدر الأعظم، وصف الامتيازات في مؤتمر باريس بأنها حجر عثرة في سبيل ~~الإدارة الحسنة للسلطنة، فطلب إلغاءها لأنها مدعاة للاضطراب؛ أي للضعف. ~~وما دامت الامتيازات كذلك فلا بد من إزالتها، ولكن ما السبيل؟ هل هو ~~القوة؟ هل هو إلغاؤها بلا قيد ولا شرط، كما سمعت شخصية عالية في استامبول ~~تقترح ذلك؟ كلا ثم كلا، لن يكون ذلك إلا حافزا للدول على مناهضة إلغائها ~~واستفزازا للرأي العام في أوربة، مما يفوت علينا غرضنا بل يزيد تطبيقها ~~عنفا، فالوسيلة الوحيدة، الوسيلة الكفيلة بإدراك غايتنا هي التي ~~اصطنعتها في مصر، لما رأيت أن مصر ضائعة لا محالة إذا استمرت فريسة لتدخل القنصليات. # 2 # إلا أن الامتيازات الأجنبية التي وصفها الصدر الأعظم بأنها «حجر عثرة في سبيل الإدارة ~~الحسنة للسلطنة العثمانية»، كانت في الواقع رحمة بالقياس إلى الامتيازات التي كانت ~~تطبقها الدول في البلاد المصرية؛ فإن النظام العثماني كان يسمح ms012 بمحاكمة الأجانب أمام ~~المحاكم الوطنية، أما في مصر فقد انتزعت «القنصليات» التي أشار إليها الخديو إسماعيل ~~حقوقا مدعاة لم يرد لها ذكر في أي اتفاق من الاتفاقات الدولية. وساعدها على ذلك أن ~~ولاة مصر شهدوا أثر القناصل في تنصيب الولاة وخلعهم، وفي الشفاعة لهم أو الشكوى منهم ~~عند «الباب العالي»؛ فخافوهم وسلموا لهم في أمور لم تكن من حقهم في أرض الدولة ~~العثمانية التي أنشأت هذه الامتيازات. وتمادى القناصل في انتزاع السلطة شيئا فشيئا ~~حتى بلغت قنصلياتهم سبع عشرة قنصلية تحكم في قضايا الأجانب وتحكم على الوطنيين في ~~المنازعات بينهم وبين رعاياها، بل تحكم على الحكومة المصرية بالغرامات والتعويضات ~~كلما ادعى عليها مدع من الأوروبيين بأنها خالفت معه شرطا أو عرضته لخسارة مقصودة أو ~~غير مقصودة. وقد أحصيت هذه التعويضات في أقل من أربع سنوات بين سنتي 1864 و1868 فبلغت ~~ثلاثة ملايين من الجنيهات. # وكانت الحكومة المصرية لا تجسر على سؤال أجنبي في أمر من الأمور - كبر أو صغر - إلا ~~بحضور مترجم من القنصلية، فكانت القنصليات تتعمد منع المترجم من الحضور مع تكرار طلبه ~~لكي تضطر صاحب الحق في النهاية إلى الرجوع إليها والمساومة معها في المصلحة المختلف ~~عليها. وإذا وجب تفتيش بيت من بيوت الأجانب فلا بد من استئذان القنصلية قبل دخوله، ~~ولا بد من تأجيل التفتيش يوما بعد يوم، بل أسبوعا بعد أسبوع، حتى يفرغ «المترجم» ~~لمصاحبة الموظف المصري القائم بعمل التفتيش أو التحقيق. وكان المعهود المألوف في هذه ~~الأحوال أن صاحب البيت المطلوب تفتيشه يعلم بالخبر من ساعي القنصلية أو من المترجم ~~نفسه، فيبادر إلى تهريب ما عنده أو إلى إخفاء معالم الجريمة قبل إثباتها في محاضر ~~التحقيق. # ولا يجوز نقض الحكم الصادر من القنصلية إلا أمام أقرب محكمة من محاكم الاستئناف في ~~بلاد الدولة التي يمثلها القنصل، ويستدعي هذا أن المصري صاحب المصلحة في الاستئناف ~~يسافر إلى أوربة أو يوكل عنه محاميا أوربيا يفرض عليه ما يشاء من الأتعاب، إن قبل ~~التوكيل عنه في مخاصمة أحد ms013 من أبناء وطنه، ودون ذلك يهون ترك الحق واحتمال الضيم ~~والتسليم في موضوع الخلاف. وقد يحتاج الأمر إلى محكمة في البرازيل أو الولايات ~~المتحدة، بين الأمريكتين الشمالية والجنوبية، عدا أربع عشرة دولة في القارة ~~الأوروبية. # واطمأن الأجانب إلى الحماية المطلقة في كل ما يعن لهم من الدعاوى المشروعة وغير ~~المشروعة، فهانت عليهم أرواح المصريين واستخفوا بالعدوان عليها لسبب ولغير سبب، وشوهد ~~مئات من القتلة يذهبون إلى بلادهم لمحاكمتهم أمام محاكمها العليا ثم يعودون بعد فترة ~~وجيزة بأسماء أخرى أو بأسمائهم الأولى ولا تجسر الحكومة على إقصائهم أو استدعائهم ~~لسؤالهم، ولا يجسر أحد من أقارب القتيل على مطاردتهم أو مناقشتهم؛ لأن دعواهم مقبولة ~~ودعواه مرفوضة في جميع الأحوال، وإن قامت عليها البينات وعززتها شهادة الشهود. # وفي هذا وأمثاله، يقول شاعر النيل: # يقتلنا بلا قود # ولا دية ولا سبب # ويمشي نحو رايته # فتحميه من العطب # وإن السطوة الجامحة لتطغي الإنسان بين أبناء قومه، فكيف بمن يطغى على قوم ينظر إليهم ~~نظرته إلى غريب مستباح الذمار يقتحم عليه بلاده ويبتز ماله ويسومه الخسف، وهو آمن ~~وادع قرير العين والبال؟ # ولعل بلدا من بلاد العالم لم يشهد حادثا كالحادث الذي رواه مستر «بتلر» في كتابه عن ~~حياة البلاط بمصر؛ إذ روى قصة من أعجب القصص عن حماية الامتيازات الأجنبية لتجارة ~~المهربات، وفحواها أن قنصلا كان يقاسم رعاياه المهربين أرباحهم من تهريب المحظورات، ~~فنمى إليه يوما أن رجال حرس السواحل ضبطوا أولئك المهربين ومعهم مقدار كبير من ~~البضائع المهربة، فجمع طائفة من زعانف قومه وهجم بهم على ثكنة حراس السواحل وأعملوا ~~فيهم الضرب والطعن والسباب، وتكالب القنصل وزعانفه حتى بلغ من هياجه أنه أنشب أسنانه ~~في ذراع أحد العساكر فانخلعت إحداها وبقيت في ذراع الجندي الجريح، وثبت ذلك للمحقق ~~موريس بك «الأجنبي»؛ لأنه رأى أثر السن المخلوعة في فم القنصل الهمام، ثم احتج القنصل ~~على الحكومة على ما لقيه من مقاومة جنودها، وآزره زملاؤه الأماثل، فانتهت القضية ~~بعقاب الحراس والاعتذار للقنصل الشاكي من أولئك «المعتدين» ms014 المساكين! ~~••• # إن الكظم الذي عاناه أبناء مصر من عسف الامتيازات ليقع في نفوسنا اليوم موقع العجب من ~~طول الصبر وطول الاحتمال. وقد كان الأفاقون يقابلون ذلك الصبر بمزيد من الشطط ~~والمغالاة في الإيذاء؛ كأنهم يستصغرون كل طغيان يقف بهم دون الغاية من التحدي ~~والإذلا. وروي عن بعضهم أنه كان يطلق عنان جواده في الطريق المزدحم، ويلذ له أن ينظر ~~إلى الناس يتطايرون من حوله خوفا وهلعا ولا يقوى أحد منهم على كبح جماحه والوقوف في ~~وجهه! ومن حوادث هذه الرعونة الوحشية حادث الحوذي الأوروبي الذي صدم جنديا فقتله ~~وذهب به رفاقه إلى قصر رأس التين يطلبون من الخديو توفيق أن ينظر إلى هوان جنده على ~~هؤلاء الزعانف من شذاذ الآفاق. فهذا الحادث قد كان من أسباب الثورة المباشرة كما كان ~~مثلا للاستخفاف بالأرواح؛ حيث يظن أن لهذا الاستخفاف حدا يقف عنده على الأقل كرامة ~~للجيش ورعاية للجندية وحسابا للنخوة العسكرية، فإذا هان الاستخفاف في هذا المقام فهو ~~في غيره أهون ما يكون. # قال «لورد كرومر» في تقريره عن سنة 1905: «... الذي أغضب الوطنيين خصوصا أن يونانيا ~~ووطنيا تشاجرا في السابع من ديسمبر على أمر حقير، قيل: إنه مشتري قطعة من الجبن، ~~فاستل اليوناني سكينا وطعن الوطني طعنة كانت القاضية، وفي العاشر من ديسمبر جرت ~~حادثة أخرى أذكرها بالتفصيل لأنها تدل «أولا» على صغر قدر الحوادث التي يمكن أن تفضي ~~إلى عواقب وخيمة في مدينة مختلطة السكان مثل الإسكندرية، وثانيا على طيش كثيرين من ~~رعاع الأجانب وخفتهم في استخدام السلاح: إن أربعة نجارين يونانيين دخلوا مطعما ~~ووقفوا أمام مائدة حولها ثلاثة كراسي فقط، وكان على مقربة منها مائدة أخرى حولها ~~ثلاثة كراسي أيضا، وقد جلس عليها يوناني اسمه قسطندي ووطنيان، ثم نهض أحد الوطنيين ~~وخرج. وكان أحد النجارين الأربعة جالسا على ركبة رفيقه، فتقدم ليتناول الكرسي الخالي ~~فمنعه قسطندي، فتشاجر الفريقان ولكن صاحب المطعم فصل بينهم ورد بعضهم عن بعض. ثم خرج ~~قسطندي وما لبث أن عاد حاملا مسدسا، وكان النجارون قد ms015 خرجوا من المطعم في غيابه ~~ودخلوا قهوة بالقرب منه، فتناول قسطندى كرسيا وجلس أمام باب المطعم حتى خرج ~~النجارون من القهوة، فأطلق مسدسه على أحدهم فأخطأه ولكن الرصاصة أصابت وطنيا جالسا ~~في حانوت مجاور وجرحته، فتجمهر الناس وحدثت مخاصمة جرح فيها ثلاثة وعشرون أوروبيا ~~جروحا أكثرها خفيفة. وحضر رجال البوليس فقبضوا على كثيرين، ولم يمض إلا قليل حتى ~~شاع أن يونانيا قتل وطنيا؛ فاجتمع رعاع الوطنيين في أسفل حي من أحياء ~~الإسكندرية وجعلوا يصرخون: اقتلوا النصارى ... فحدثت مشاجرة أخرى وقبض فيها على كثيرين ~~... وأسرعت المحاكم فأنجزت قضية المشاغبين بالسرعة والدقة بعناية قاض وطني من ~~الأكفاء ... وقد كان عدد الذين ضبطوا منهم 185 نفسا فبرئت ساحة 59 منهم وحكم على ~~الباقين بالحبس من سنة إلى شهر ماعدا ثلاثة غلمان أدبوا بالجلد، ووقع أثقل الأحكام ~~على الذين ثبت أنهم كانوا ينادون: اقتلوا النصارى ... وما شاكل ذلك من ~~العبارات.» # روى اللورد «كرومر» هذه القصة ولم يكلف نفسه بعد مشقة أن يبحث عما أصاب الجناة من ~~العقاب، وقد أطلقوا النار وأثاروا الفتنة لسبب لا يدعو عاقلا إلى التفوه بكلمة ~~نابية، فضلا عن إطلاق النار بعد تربص وانتظار، ولم يكلف نفسه أن يذكر كم أجنبيا ~~قبض عليهم في ذلك الشغب كما قبض على أولئك الوطنيين، ولم يكلف نفسه أن يذكر كم ~~وطنيا أصيب غير ذلك القتيل كما كلف نفسه أن يذكر المصابين من الأجانب وأكثرهم ~~مسلحون، وأكبر الظن - إن لم نقل: أقطع اليقين - أن حكاية «اقتلوا النصارى» هي ~~التهويلة المعهودة التي تضاف دائما إلى الرواية لتسويغ هذا الإجحاف البين في ~~المعاملة، حين يكون الوطنيون هم المصابين. # كتب «جورج بتلر» قنصل الولايات المتحدة إلى وكيل الخارجية الأمريكية في الحادي ~~والثلاثين من شهر يناير سنة 1871، يقول عن أمن الأجانب في مصر: «لم أسمع قط أن ~~وطنيا قتل أجنبيا في مدينة أو تعدى عليه.» # 3 # و«لورد كرومر» أحجى أن يعلم بعد أربعين سنة من كتابة هذه الشهادة الأجنبية أن تقدم ~~الزمن قد أثبت هذه الحقيقة ولا يزال يزيدها ms016 ثبوتا بعد ثبوت، وأن الامتيازات الأجنبية ~~أسيء استعمالها في كل حادث من حوادثها المشهورة قبل الاحتلال البريطاني وبعده بزمن ~~طويل، وهو الذي قال في كتابه «مصر الحديثة» بعد خروجه من مصر وبعد انقضاء ثلاثين سنة ~~على الاحتلال: «إن هذه العهود - عهود الامتيازات - قد تحولت إلى أغراض خسيسة من ~~أمثلتها أن تحمي جهنم القمار كما تحمي بائع الخمور المغشوشة والمتاجر في السلع ~~المسروقة، والصيدلي الذي يبلغ به التهاون أن يعطي السم القاتل بدلا من الدواء ~~الموصوف ...» # وقد قال «لورد ملنر» من قبله في كتابه عن إنجلترا بمصر: «إن الحركة الوطنية من ~~الطبيعي أن تتجه بالتفاتها واهتمامها إلى المساوئ الشنيعة التي نجمت عن امتيازات ~~الأجانب في الديار المصرية، فإن هذه المساوئ قد أصبحت أداة ينتفع بها شر الطغاة من ~~الأوروبيين وأشباه الأوروبيين من متفرنجي الشرق الأدنى، ولا تزال حتى الآن كما سنرى ~~كثيرا فيها بعد آخر بلاء مسلط على الديار المصرية، ولكنها تجسمت في أخريات عهد ~~إسماعيل حتى بلغت مداها المخيف، وراح الأوروبي قناص الغنيمة وسمسار القروض المرهقة، ~~والإغريقي صاحب الخان ومرتهن الأرزاق، واليهودي أو السوري المرابي ومن إليهم يسهل ~~عليهم الاحتماء بإحدى الدول الأوروبية، يمتصون الخزانة العامة والفلاح والفقير ~~ويقترفون في هذه الجناية ما يستعصى على التصديق ...» ~~••• # ومع هذه الموارد التي استحل منها الأجانب ما يباح وما لا يباح، أعفتهم الامتيازات ~~من الضرائب جميعا فلا يؤدون لخزانة الدولة درهما من ثرواتهم الضخام ولو نيفت على ~~الملايين، ثم سمحت الدول في عهد إسماعيل بالتسوية بين الأجانب والمصريين في أداء ~~ضريبة الأرض؛ لأنها تعلم أن الأجانب يعملون في التجارة والمراباة ولا يعملون إلا ~~قليلا في الزراعة والفلاحة على أنواعها، وحيل بهذا بين المصريين ومنافسة الأجانب في ~~ميادين التجارة؛ لأنهم مثقلون بأنواع من الضرائب أعفي منها الأجانب كل ~~الإعفاء. # صبرت مصر زمنا على هذه الضربات التي لا تطاق، وارتفعت ضجة المصريين بالشكوى منها، ~~تارة إلى الولاة وتارة إلى السلطنة العثمانية على غير جدوى. ثم تنبهت السلطنة ~~العثمانية أخيرا إلى هذه النقمة، فأمرت «سعيد باشا» ms017 بالعمل على علاجها والتخفيف ~~منها، وكأنها أحست أن الولاة يبتغون الزلفى إلى الدول الأوروبية بالسماح لها بالتوسع ~~في تطبيق الامتيازات، وأنهم يحتمون بهذه الزلفى في سلطان الآستانة، فتنبهت إلى الخطر ~~بعد طول الغفلة عنه، وأمرت الوالي بالكف عن مجاراة القناصل في دعواهم، فلم يكترث ~~لأمرها عجزا منه عن تنفيذه أو شعورا منه بالحاجة إلى مجاملة السلطة الأجنبية. ولم ~~تتحرك حكومة مصر لتتدارك الخطر إلا في عهد الخديو إسماعيل بعد أن ثقلت عليه وطأة ~~المغارم والخسائر وامتنع عليه التصرف في أمر من أمور الحكومة دون أن يتعرض للمقاومة ~~والتهديد من قبل هذا القنصل أو ذاك؛ تمحلا لأسباب الشكاية أو المطالبة بالتعويض ~~ولغير سبب معقول في كثير من الأحيان. وطالت المفاوضات بين الحكومة المصرية وحكومات ~~الدول وحكومة الآستانة قبل أن تأذن بتوحيد القضاء وإنشاء المحاكم المختلطة التي كانوا ~~يحسبونها في ذلك الوقت منحة عزيزة، وهي في حقيقتها نكبة من النكبات. ولم يمض على ~~إنشائها غير قليل حتى صدمت الخديو إسماعيل صدمة لم تكن له في حساب؛ فقد كان يعتمد على ~~المفاوضات السياسية بينه وبين أصحاب الديون في الخلاف على المطلوب منه وعلى مواعيد ~~سداده، فلما أنشئت المحاكم المختلطة فصلت دفعة واحدة في قضية مستعجلة يتناول الخلاف ~~فيها عدة ملايين من الجنيهات وألزمته بالنفاذ المؤقت وهدده قضاتها بإغلاق أبوابها ما ~~لم يصدر أمره بتنفيذ الحكم في بضعة أيام. # على أن الدول لم تستجب إلى رجاء مصر في توحيد القضاء؛ رحمة بالمصريين أو حبا ~~للإنصاف ورغبة في الإصلاح، بل استجابت هذا الرجاء في الواقع لأن الأجانب أنفسهم كانوا ~~يشكون من تعدد القضاء بين القنصليات ويشكون من تناقض الأحكام ومحاباة بعض القناصل ~~لرعاياهم في قضاياهم مع الأجانب الآخرين. وقد حدث أن شركة قناة السويس أجرت دارا ~~في بورسعيد لبعض الأجانب فماطلها زمنا في سداد أجرته حتى اضطرت إلى مقاضاته عند ~~قنصله، فنزل عن الإيجار لأجنبي آخر تابع لدولة أخرى، وما زال هذا النزول يتتابع من ~~ساكن إلى ساكن سنوات عدة، وهي تنتقل بالقضية من قنصلية ms018 إلى أخرى حتى أنشئت المحاكم ~~المختلطة، فأصبحت حيلة النزول غير صالحة للتأجيل والانتقال بالشكوى من قضاء إلى ~~قضاء. # واشتهرت مسألة أخرى باسم مسألة «تريكو»؛ لأن القنصل الفرنسي «تريكو» أضرب عن الحكم ~~على أحد من رعايا فرنسا بحق من الحقوق بالغا ما بلغ من ثبوته للرعايا اليونانيين، ~~لأن قنصل اليونان كان يحابي رعاياه في قضاياهم مع الأجانب الآخرين. # وحدث غير مرة أن يتعدد أصحاب المصالح وتتعدد حكوماتهم، فيصدر الحكم من كل قنصلية ~~مناقضا لأحكام القنصليات الأخرى وتقف الحكومة حائرة بين أحكام متعددة كلها واجبة ~~النفاذ وكلها مقرونة بالتهديد الذي لا بد منه في كل شأن من شئون الامتيازات. # لهذا استجابت الدول إلى رجاء الحكومة المصرية في توحيد القضاء وإنشاء المحاكم ~~المختلطة، وصنعت الرشوة أحيانا ما لم تصنعه الحجة ولم تنفع فيه مصالح الأجانب ~~والوطنيين. ومن الوثائق المحفوظة وثيقة بين الخديو إسماعيل وبين سفيره غير الرسمي ~~إبراهام بك، ومدار هذه الوثيقة على تسليم السياسي الروسي المشهور «أجناتييف» عشرين ~~ألف جنيه جزاء له على وساطته في استجابة ذلك الرجاء! # 4 ~~••• # كانت هذه الامتيازات في مبدئها منحة من الحكومات الشرقية لرعايا الدول الأوروبية ~~تيسيرا لرحلتهم ومقامهم في الأرض المقدسة، وقد بدأت في أيام الحروب الصليبية لهذا ~~الغرض، ثم توسع فيها السلطان «سليمان القانوني»؛ ترغيبا للتجار من جميع الأمم في ~~تبادل التجارة مع بلاده، ومنعا لانتقال التجارة من طريق الشرق الأوسط إلى طريق رأس ~~الرجاء بعد دخول البرتغاليين في مضمار الرحلات وتحول التجارة من أيدي أهل البندقية ~~وجنوة في البحر الأبيض إلى البرتغاليين والإنجليز في البحار الغربية. وكانت الدولة ~~العثمانية في أوج قوتها حين سخا سلاطينها بهذه المنح الكريمة على سبيل الإنعام ~~والتشجيع، فلما ضعفت بعد قوة، وذلت بعد عزة، عرفت تلك المنح السخية باسم «شروط ~~التسليم»؛ كأنها فرضت على الدول الشرقية في ميدان قتال، وهم يعرفون هذه الشروط أو هذه ~~الامتيازات بأنها عقود بين الدول المسيحية وغير المسيحية، أو بين الدول المتقدمة ~~والدول المتأخرة؛ لضمان العدل في معاملة الأجانب بشرائع الحضارة، ويطلبون هذا الضمان ms019 ~~أحيانا من دول غير مسلمة كالصرب ورومانيا والصين واليابان. # إلا أن الواقع كما تقدم من شهادات الساسة الأوروبيين أن هذه الامتيازات لم تكن لازمة ~~لحماية أحد يستحق الحماية، بل كانت في غالب أمرها حماية للبغاة والعيارين في وجه ~~الشريعة ووجه الآداب والأخلاق، ولم تكن صناعة الحضارة الأوروبية في مهمتها هذه أشرف ~~من صناعة حراس الليالي الذين تعودت مواخير اللهو والفساد أن تقيمهم على أبوابها لدفع ~~الشرطة واجتلاب الرواد. وأسوأ ما توصم به حضارة أن تحمي الفساد وتنافس حراس الليالي ~~في مهمتهم، وهي تتحدث بشرائع العدل والحضارة، وتهدم ما بنته الأديان والأخلاق! # | إنجلترا وفرنسا # بدأ القرن التاسع عشر وإنجلترا وفرنسا - كما يقال - فرسا رهان في حلبة الاستعمار، ~~وكانت أزمة السياسة الدولية في أيديهما تتنازعانها في أكثر الأوقات وتنفقان عليها ~~حينا بعد حين. وقد كادت أزمة السياسة الدولية عند مفتتح القرن التاسع عشر تنحصر في ~~أيديهما؛ لأن إنجلترا كانت يومئذ أقوى دول البحار، وفرنسا كانت أقوى الدول البرية في ~~القارة الأوروبية. وكلتاهما تتجه إلى البحر الأبيض المتوسط وطرق المواصلات بين الشرق ~~والمغرب. لأن إنجلترا ملكت الهند وأصبح من همها أن تحرس الطرق بين هذه المستعمرة ~~الشاسعة وبين الجزر البريطانية، وفرنسا قد انهزمت في سياستها الهندية فأصبحت - مع ~~رغبتها القديمة في السيادة على البحر الأبيض ودعواها التقليدية في حماية البقاع ~~المقدسة - شديدة الطمع في تعويض خسارة الهند واغتنام الفرصة لانتزاع الهند كلها من ~~أيدي بريطانيا العظمى، أو إضعاف قبضتها عليها. # وكانت الدولة العثمانية قد دخلت في دور الانحلال الذي سماها الساسة الأوروبيون من ~~أجله بالرجل المريض في أوربة # The sick Man of Europe # وأخذوا من ثمة يتقسمون تركتها بينهم في حياتها، وليس في هذه التركة ما هو أغلى وأنفس ~~وأولى بالطمع فيه من الديار المصرية. # وكانت هذه الديار قد خرجت فعلا من سلطان الدولة العثمانية في أيام «علي بك الكبير» ~~أحد أمراء المماليك، فأعلن استقلالها وسك النقود باسمه وأوشك أن يستولي بجيشه القوي ~~على بلاد السلطنة متفقا مع ولاتها في الشام وما جاورها. ms020 ولعل المبارزة الدولية حول ~~مصر - في العصر الحديث - قد ظهرت للمرة الأولى بين روسيا وإنجلترا لإحباط هذا ~~الاستقلال، فقد استعان «علي بك الكبير» بالأسطول الروسي واستعان خصمه «محمد أبو ~~الذهب» بالأموال الإنجليزية، وكان حليفا لإنجلترا وتعاقد معها على تبادل التجارة ~~وتيسير وصول سفنها إلى السويس، واتفق هذا مع ثورة الخواطر في العالم الإسلامي على ~~روسيا في تلك الفترة، فانفض أنصار «علي بك الكبير» من حوله وفت في عضده مناداة دار ~~الخلافة بعصيانه، فتضاءل شأنه ومات سنة (1773) مغلوبا على أمره، وعادت مصر بعده إلى ~~ما كانت عليه في عهد المماليك الأخير، ميدانا للمنافسة والشقاق بين الأقوياء من ~~أمرائهم، وفريسة للنهب والسلب بين الأتباع والجند الذين يخدمون أولئك الأمراء. # ولم ينقطع نظر الدولتين - إنجلترا وفرنسا - إلى الديار المصرية في تلك الفترة، وكل ~~منهما تقدر أن هذه المنازعات ستئول عاجلا أو آجلا إلى ظهور أحد الأمراء الأقوياء ~~على خصومه ومنافسيه كما حدث في أيام «علي بك الكبير»، فحسبت حسابها لذلك اليوم وجعلت ~~تترقب الأحوال وتمتحن النظراء والمتنافسين على الرئاسة، وترشح للإمارة على القطر ~~أقواهم بأسا وأكبرهم أملا في النجاح، فتبذل له المعونة وتوقع في نفسه أن يعتمد ~~عليها وينتظر المساعدة السياسية والعسكرية منها، وترجو أن يذكرها عند نجاحه فتبلغ على ~~يديه ما كانت تطمع في بلوغه بالفتح والغلبة على الدول الأخرى. # ولم يكن من اليسير في ذلك العصر أن تطمع دولة كبيرة في ضم بلاد كمصر إلى حوزتها دون ~~أن تثير عليها حربا ضروسا تشترك فيها الدول الكبرى بأجمعها وتنتهي بهزيمتها وضياع ~~غنيمتها بل ضياع ما ملكته قبل اغتنامها؛ لأن القرن التاسع عشر قد طلع على القارة ~~الأوروبية، وهي تضطرب بالدول الجديدة والأمم المتطلعة إلى الاستقلال والسيادة، فانفتح ~~أمامها مجال السباق وأخذت على الرغم منها بسياسة التوازن والتألب على كل دولة تحاول ~~الاستئثار بالأمر والانفراد بالسيطرة على السياسة العالمية، لهذا فضلت الدولتان - ~~إنجلترا وفرنسا - أن تبسط كل منهما نفوذها من طريق «التدخل السلمي» في البلاد ~~الشرقية. وأوله في تقديرها أن يشعر الولاة بفضلها ms021 عليهم، وأنهم مدينون لها بالتشجيع ~~والمساعدة، ويتلو ذلك ما يتلوه عادة من ترويج المصالح ونشر الثقافة وادعاء «الحماية» ~~فعلا إن لم تكن حماية صريحة باعتراف الدول وإقرار الشعوب المحمية. # فأما إنجلترا فقد هداها تقديرها إلى ترجيح كفة «الألفي بك» أحد الأمراء الأقوياء، بل ~~لعله أقوى الأمراء المماليك في تلك الفترة، فاستمالته إليها ودعته إلى بلادها وأعادته ~~إلى مصر محملا بالهدايا النفيسة والأموال الوافرة، لينفقها في جمع الأنصار وشراء ~~الأعوان والمؤازرين، ويتوسل بالنفوذ الداخلي والنفوذ الخارجي إلى الاستقلال بولاية ~~الديار المصرية. # ويظهر أن فرنسا كانت أعلم بحقائق الأحوال في مصر من منافستها في هذه المرة؛ لأن ~~الحملة الفرنسية قد سبرت أغوار المماليك وترجح لديها أن دولتهم زائلة وأيامهم معدودة، ~~فمال تقديرها إلى رجل من غير المماليك وعلى خلاف هذا الطراز في علاج الأمور وجمع ~~الأنصار والأعوان، وهو «محمد علي الكبير». # ولبثت الدولتان تترقبان، ولم يطل الترقب في أوائل القرن التاسع عشر، فلما اتفقت كلمة ~~العلماء والأعيان وقادة الرأي العام في مصر على ترشيح «محمد علي» للولاية بادرت فرنسا ~~بوساطة الجنرال «سبستيان» سفيرها في الآستانة إلى تأييد هذا الترشيح. وبذل «ماثيو ~~دلسبس» صديق «محمد علي» ووالد فرديناند صاحب مشروع القناة غاية مسعاه لإقناع السفير ~~الفرنسي بموالاة العمل في هذا السبيل، فلم يقصر السفير في مسعاه جهد ما استطاع. ~~وساعده في هذا المسعى أن بعض المماليك كانوا من أصل فرنسي تخلفوا في مصر ولم يستطيعوا ~~السفر مع حملة نابليون عند عودتها إلى بلادها، فدانوا بالإسلام وعاشوا عيشة المماليك ~~وانضموا إلى حزب «محمد علي»؛ فرجحت كفته بتأييد الشعب ومؤازرة حزبه من المماليك ~~الأصلاء وهؤلاء المماليك المستشرقين. # وساعد الحظ «محمد علي» فمات منافسه «محمد الألفي» وخلفه على رئاسة المماليك رجل لا ~~يضارعه في العزم والهمة، وإن كان معمولا مثله على القوة الإنجليزية. فلما صدر ~~الفرمان العثماني بتولية «محمد علي» ثارت عليه ثائرة الإنجليز وأنفذوا إلى مصر حملة ~~بحرية (1807) عسى أن تفلح في جمع شتات المماليك وتأليبهم حول «شاهين بك» أميرهم ~~الجديد، ولكنها انهزمت في رشيد ms022 وأخفقت الحملة في أغراضها كما أخفقت مساعي إنجلترا ~~السياسية في الآستانة؛ لأن علماء مصر وأعيانها عادوا إلى تأييد «محمد علي» ورفض ~~الوالي الذي أرسلته الدولة ليعزله ويتولى أمر مصر في مكانه. # ولبثت إنجلترا تتحين الفرصة لضرب النفوذ الفرنسي في الديار المصرية وإخلاء الجو ~~لمطامعها في هذه الديار، فلما جرد «محمد علي» حملة على بلاد الدولة العثمانية وطرقت ~~جيوشه أبواب القسطنطينية، سنحت لها فرصتها المرتقبة واستفادت من شواغل فرنسا ~~الداخلية، فأثارت الدول على «محمد علي» ونفخت في نفير الخطر من اشتعال الحرب العالمية ~~إذا انهارت دولة بني عثمان وتجددت بانهيارها الفجائي منازعات الدول على تركة «الرجل ~~المريض». وحاولت أن تكسب بذلك عطف المسلمين في الهند بدعوى الغيرة على دولة الخلافة، ~~فكان لها ما أرادت واتفقت معها روسيا والنمسا وبروسيا على صد «محمد علي» عن بلاد ~~الدولة وإعادته إلى حدود البلاد المصرية، وأبرمت في ذلك الحين معاهدة سنة 1840، ~~فوقعت عليها تركيا مع الدول الأربع، ولم توقع عليها فرنسا لاشتغالها بشئونها كما ~~تقدم، واعتراضها على السياسة البريطانية، وهي لا ترمي إلى شيء غير إخلاء الميدان ~~المصري من كل نفوذ غير نفوذها. # وكانت هذه المعاهدة نكبة على مصر في حينها وبعد حينها إلى اليوم الذي انفصمت فيه ~~علاقة السيادة بين مصر والآستانة، فقد سمحت لإنجلترا أن تتذرع بها تارة لتهديد الدولة ~~العثمانية محافظة على امتيازات مصر، وتارة لتهديد مصر محافظة على امتيازات الدولة ~~العثمانية. # وتمكنت من التمادي في هذه اللعبة بعد وفاة «محمد علي الكبير»؛ لأن خلفاءه لم يكن لهم ~~من بعد النظر ما اشتهر به ذلك العبقري الموهوب، وإن كانت ثقته بفرنسا قد دفعته إلى ~~حرب لا يؤمن ضررها ولا يرجى من ورائها خير مضمون. # توفي «محمد علي الكبير» وتوفي أكبر أبنائه «إبراهيم» في حياته، وآل عرش مصر إلى «عباس ~~باشا الأول» ابن الأمير «طوسن بن محمد علي»؛ لأنه كان المرشح الوحيد للولاية بغير ~~مزاحم، ولم يكن محبوبا في الدوائر الأوروبية؛ لمحافظته وإعراضه عن الحضارة الحديثة. ~~فنفر منه القناصل ووقفوا له بالمرصاد وأجمعوا ms023 أمرهم على مقاومته، فيما كان يحاوله من ~~نقل وراثة العرش إلى ابنه إلهامي باشا، ثم مات عباس «مخنوقا» في قصره ببنها وفوجئ ~~ولي العهد الشرعي «محمد سعيد » بالخبر وهو في الإسكندرية، فأسرع إلى القاهرة لإعلان ~~ارتقائه إلى العرش قبل إحكام التدبير لإقصائه عنه. ولكنه علم في الطريق أن «الألفي ~~باشا» محافظ القاهرة - وكان من أنصار عباس - قد سبقه إلى بنها وحمل جثة الوالي القتيل ~~في مركبة التشريفة وجلس فيها أمامه، كما كان يجلس والوالي بقيد الحياة، ولم يستغرب ~~النظارة شيئا، ولم يخامرهم الريب في الأمر لأنهم تعودوا أن يشهدوا الوالي من بعيد ~~جالسا في مركبته لا يلتفت يمنة ولا يسرة لتحية الواقفين في الطريق. واتجه «الألفي ~~باشا» توا إلى القلعة حيث تقام مراسيم الولاية، فاتفق مع أمير الجند بها على إيصاد ~~أبوابها في وجه الأمير «محمد سعيد» حتى يحضر «إلهامي» ابن عباس من أوربة، فلما وصل ~~الأمير «محمد سعيد» إلى القاهرة، وجد العلماء أو الأعيان وقناصل الدول في استقباله ~~وتقدم وهم في ركابه إلى ناحية القلعة، وأبلغ القناصل محافظ القاهرة المتمرد أن الدول ~~لن تعترف بولاية تخالف الشروط التي ضمنتها لمصر في معاهدة سنة 1840. وكان قناصل فرنسا ~~وإنجلترا وأمريكا متفقين على هذا البلاغ، فسقط في يد المحافظ وأذعن للأمر الواقع، ولم ~~يصبح الصباح في اليوم التالي حتى كان قد قضى نحبه غما وخوفا من عاقبة ما ~~جناه. # محمد علي باشا. # لم يزل سعيد يذكر هذه اليد للقناصل ولا سيما قنصل فرنسا، وكان معجبا بالثقافة ~~الفرنسية، كثير الاختلاط بالفرنسيين والأجانب على العموم، يجيد الفرنسية ويتكلم ~~الإنجليزية. وفي عهده حصل «فرديناند دلسبس» على امتياز فتح القناة بشروط غاية في ~~الإجحاف والخطر على حقوق مصر والدولة العثمانية. وفي عهده طلب «نابليون الثالث» فرقة ~~سودانية لإخضاع الثائرين في المكسيك، فأجابه إلى طلبه وأنفذ إلى المكسيك فرقة من ~~أبناء السودان ومصر لتحل هناك محل الجنود الفرنسيين الذين فتكت بهم الحمى الصفراء ~~وتبين أنهم لا يحتملون أهوية البلاد وحمايتها كما يحتملها الأفريقيون. وأرادت البيوت ~~المالية في ms024 إنجلترا أن تقابل هذا النفوذ الفرنسي بمثله، فعمدت إلى تشجيع الوالي على ~~الاقتراض فأقدم عليه غير هياب لجرائره، ومات وعليه عدة ملايين من الديون الأجنبية ~~يختلفون في مقدارها بين ثلاثة ملايين وأحد عشر مليونا من الجنيهات. وكان «سعيد باشا» ~~يخفي حقيقة هذه الديون؛ لأن شروط الولاية لا تسمح له بعقد القروض الأجنبية، فعقد ~~قروضه وأخفى مقدارها ليحسبها من الديون الخاصة أو الديون التي يضمنها بثروته ~~«الشخصية» ولا يجوز للدولة أن تعترض عليها. # وكان «إسماعيل بن إبراهيم» قد أصبح وارث العرش بعد حادث كفر الزيات الذي سيأتي بيانه ~~في الفصول التالية، فعمل جهده على الموازنة بين النفوذ الأجنبي في بلاده واستخدم ~~الإنجليز كما استخدم الفرنسيين. وعلا شأن الولايات المتحدة في أيامه بعد قهرها ~~لبريطانيا العظمى وظفرها باستقلالها على الرغم من «سيدة البحار» التي لا تغيب الشمس ~~عن أقطارها، فاستدعى إلى مصر نخبة من الضباط الأمريكيين لتدريب جيشه، ولم يكتم عنهم ~~أنه يعتمد عليهم في أمر خطير ويستعد بهم لتحقيق استقلال مصر، فخطبهم قائلا: «إنني ~~معتمد على رزانتكم وإخلاصكم وغيرتكم للحصول على استقلال مصر.» # 1 # إلا أنه كان حريصا على علاقاته بفرنسا، دائبا على إغرائها بتأييده في طلب الاستقلال ~~وتعليق آمالها بما تناله من وراء هذا التأييد، كما قال في حديثه لمسيو تاستو قنصلها ~~بالإسكندرية حين فاتحه في هذا الشأن (سنة 1864)، فقال: «إني لا أطلب من الحكومة ~~الفرنسية تأييدها المادي أو المالي، بل تأييدها الأدبي يكفي، فلتعمل على منحي ~~الاستقلال وتنكشف لها نياتي بعد ذلك.» # وقال قبل ذلك لمسيو شيفر: «إنني من أسرة محمد علي، وكلنا نذكر ما ندين به لمعاونة ~~فرنسا وما خصتنا به دائما من رعايتها.» # وكان يتوجه بطلب القروض إلى فرنسا ثم تحول إلى البيوت الإنجليزية بعد حرب السبعين ~~وخروج فرنسا منها في حالة كحالة الإفلاس ثروة وسياسة، فتحولت إنجلترا أيضا من الدس ~~له في الآستانة وتحريض الدولة عليه لتورطه في الاستدانة وعقد المعاهدات - إلى الدفاع ~~عنه والوساطة له عند السلطان في توسيع حقوقه وامتيازاته والإصغاء إلى مطالبه، ومنها ms025 ~~مطلبه في مسألة وراثة العرش، وهي المسألة التي وقفت منها موقف المقاومة على عهد «عباس ~~باشا الأول»، وما هو إلا أن صدر الأمر السلطاني بتحقيق هذه الرغبة حتى كشفت عن غايتها ~~من المقاومة تارة والمعاونة تارة أخرى، فصرح السير «هنري إليوت» سفيرها في الآستانة: ~~«بأن ما ناله الوالي من الحرية في الإدارة الداخلية لا قيمة له ما لم تكن له الحرية ~~المطلقة في ارتياد الأسواق الأجنبية لجلب الأموال التي لا غنى عنها في إنجاز ~~المشروعات الضرورية لتنمية الثروة المصرية.» # ثم تفاقمت أخطار الديون واستحكمت أزماتها وضاق «إسماعيل» ذرعا بالسيطرة الأجنبية ~~وتقييده بآراء الوزيرين الأجنبيين اللذين اتفقت إنجلترا وفرنسا على تعيينهما في وزارة ~~المالية ووزارة الأشغال، وهما أهم وزارات القطر كله. فاحتضن الحركة الدستورية؛ أملا ~~في نقل الرقابة على خزانة الدولة من الوزير الإنجليزي والوزير الفرنسي إلى مجلس ~~النواب، وألغى أوامره السابقة التي سلم بها مقاليد الوزارة وأبواب الخزانة لصندوق ~~الدين تارة وأيدي الوزيرين الأجنبيين تارة أخرى. فاتفقت إنجلترا وفرنسا معا على طلب ~~عزله، وقبل الباب العالي هذا الطلب؛ لأنه حسب الفرصة سانحة للرجوع في امتيازات مصر ~~بموافقة الدولتين، ولكنهما انقلبتا عليه على الأثر بعد موافقته على العزل، وعلمتا أنه ~~يرشح الأمير «عبد الحليم» لمنصب الخديوية بدلا من الأمير «محمد توفيق بن إسماعيل»، ~~فأبلغتاه أنهما لا تقران هذا الترشيح ولا تعترفان بالخديوية لغير ولي العهد «محمد ~~توفيق». فعدل الباب العالي مكرها عن ترشيحه للأمير «عبد الحليم»، وأراد أن يستدرك في ~~فرمان التولية ما فاته في تعيين خلف إسماعيل، فلم يزل يسوف في إرسال الفرمان حتى تم ~~الاتفاق على انتقاص بعض الحقوق وتقرير بعض القيود، ومنها: حظر زيادة الجيش إلى أكثر ~~من ثمانية عشر ألفا، وتبليغ الباب العالي نصوص المعاهدات التي تبرمها الخديوية ~~المصرية، وحظر النزول عن جزء من أجزاء البلاد المصرية، وحظر القروض المالية، وكانت ~~كلها شروطا موافقة لسياسة الدولتين، وإن ظهر أن بعضها يخالف هذه السياسة، كحظر ~~القروض وحظر التصرف في أجزاء البلاد المصرية؛ فإن القروض كانت في ذلك الحين ms026 قد أدت ~~رسالتها، وبلغت غايتها، وكانت «سلامة الأراضي المصرية» حجة تشهرها كل من الدولتين في ~~وجه الأخرى إذا انفردت باحتلال البلاد واقتطاع جزء من أجزائها، فجاء فرمان 1879 ~~ملغيا لفرمان 1873 في هذه المسائل ولم يبق منه على غير امتياز واحد من الامتيازات ~~الهامة التي حصل عليها الخديو إسماعيل، وهو حصر الوراثة في أكبر الأبناء؛ لأن إلغاء ~~هذا الامتياز يفتح الباب لسلاطين آل عثمان في تجديد مسألة الترشيح حينا بعد ~~حين. # الخديو إسماعيل باشا. ~~••• # وأصبح هم «توفيق باشا الأكبر» بعد ارتقائه العرش في تلك الظروف أن يتقي غضب ~~الدولتين ما استطاع، فأعاد منصب الوزيرين الأجنبيين باسم مفتشين وبمرتب أكبر من مرتب ~~رئيس الوزارة، وقبل أن يحال عليهما عمل المراجعة، وأن يكون لهما الإشراف التام على ~~خزانة الدولة. وألجأ رئيس الوزارة «شريف باشا» إلى الاستقالة؛ لأنه كان يصر على تجديد ~~الحياة النيابية، فأشارت عليه إنجلترا باختيار «رياض باشا» للوزارة، وهو سياسي حازم ~~كان يوافق الخديو في أمور ويخالفه في أمور، فقد كان معروفا بميله إلى الصرامة في ~~معاملة الحزب العسكري والمتطرفين. ولكنه كان من الجانب الآخر معروفا بميله إلى الحد ~~من سلطة الخديو ولا سيما حق الإنعام بالرتب والأوسمة، فكان الخديو يؤيده حينا ويخذله ~~حينا ويتصل من ورائه بالمتطرفين مع أنه لا ينوي أن يجيبهم إلى ما يطلبون. واتسعت ~~أبواب التدخل أمام إنجلترا، ما بين خلاف الأمير ووزيره وخلاف الأمير والوزير معا ~~وقادة الجيش وطلاب الدستور. وكان «رياض باشا» يطلب إقالة بعض وزرائه - ومنهم «محمود ~~سامي باشا» - لأنه اتهمهم بإفشاء أسرار الوزارة لقنصل فرنسا وزعماء العسكريين، فلا ~~يصغى إليه. وقد كانت الأحوال كلها تسوء وتغضب ولا ترضي أحدا من المتطرفين ولا من ~~المعتدلين، واشتدت أزمة العيش وأطبقت على النفوس عوامل السخط والثورة، وتفاقم الخطب ~~بإثارة الضغائن والعصبيات بين الجراكسة والمصريين، فتألفت لجنة من عشرين عضوا ~~للتحقيق والبحث في أسباب التذمر والإشارة بوجوه الإصلاح، لم يكن فيها غير مصري واحد ~~هو «أحمد عرابي» والباقون بين إنجليزي وفرنسي وألماني وإيطالي وأمريكي وجركسي وتركي ms027 ~~وكردي وألباني ... فكانت مقترحاتهم من قبيل التهدئة التي لا تطول! # ولما تفاقمت عوامل الثورة أخذت إنجلترا تنشر بين الدول فكرة الاستعانة بالدولة ~~العثمانية وإقناعها بإنفاذ حملة إلى مصر تعيد النظام . وكان الغرض من نشر هذه الفكرة ~~حمل الدول عن الامتناع عن «التدخل الفردي» في الشئون المصرية، لكي تنصرف جميعا عن ~~التمهيد لهذا التدخل، وتترك الطريق ممهدا لها دون غيرها في الموعد المقدور! # وظهرت هذه النية ظهورا واضحا حين دعت فرنسا إلى عقد مؤتمر الآستانة، فانعقد في ~~السفارة الإيطالية؛ لأن الدولة العثمانية لم تقبل الدعوة إليه، واقترح السفير ~~الإيطالي الذي وقع الاختيار على سفارته لقدمه أن يصدر المؤتمر قرارا بمنع التدخل ~~الفردي في الثورة المصرية، فسرعان ما اتفق المندوبون على هذا القرار حتى ألغوه فعلا ~~بقبول اقتراح من اللورد «دفرين» مندوب إنجلترا، يقضي بإضافة استثناء واحد يجيز التدخل ~~«الفردي» إذا دعت إليه الظروف القاهرة ... وشاعت الإشاعات عن أسباب هذه الموافقة، فقيل ~~فيما قيل: إن دهاء اللورد «دفرين» لم يكن هو السلاح الوحيد الذي تذرع به السياسي ~~الداهية إلى إلغاء القرار بهذا الاستثناء المريب، وإن «فارس الجنيه الإنجليزي» كان ~~أمضى سلاحا في إقناع بعض المعارضين من كل برهان! # وقبل أن ينفض المؤتمر كان الأسطول البريطاني يضرب الإسكندرية ويقرر «التدخل الفردي» ~~فعلا معتمدا على ذلك الاستثناء. وتتابعت بعد ذلك مناورات الدس والمناوأة بين فرنسا ~~وإنجلترا حول المسألة المصرية وحول غيرها من المسائل الدولية، ولكن الأمر الذي هو ~~جدير بالتقدير والتذكير أنهما كانتا ترجعان إلى التفاهم حينا بعد حين، كلما سنحت ~~لهما فرصة المساومة وتبادل المنافع على قضية من القضايا السياسية. وحسب المؤرخ أن ~~يسجل من هذه المساومات ثلاثة مواقف في أقل من ثلاثين سنة: «أولها» وساطة بسمارك أثناء ~~انعقاد مؤتمر برلين (1878) بين الدولتين للاتفاق بينهما على إطلاق يد فرنسا في تونس ~~تعويضا لها عن احتلال إنجلترا لجزيرة قبرس، وأن تعمل الدولتان يدا واحدة في مسألة ~~الديون المصرية، وأن تعترف إنجلترا لفرنسا بما تدعيه من حق حماية المسيحيين التابعين ~~للكنيسة اللاتينية في سورية. # و«ثانيها» ms028 الاتفاق المعروف باتفاق سلسبوري وكمبون في سنة 1899 عقب حادثة فاشودة على ~~تقسيم القارة الأفريقية في السودان إلى شواطئ المحيط الأطلسي ... # و«ثالثها» اتفاق سنة 1904 على إطلاق يد فرنسا في المغرب وإطلاق يد إنجلترا في مصر ~~والسودان ... # وفي هذه المواقف وما إليها تنبيه كاف لمن ينخدعون بالخلاف بين دول الاستعمار ~~ويعتمدون على وعودها في هذه الحال، وأبلغ ما في هذه العبرة أن بعضنا قد توجه إلى ~~برلين بعد خيبة الأمل في باريس، وقد كان أول اتفاق بين الدولتين - بعد طول خلاف - ~~معقودا في مكاتب برلين. # | الديون # قلنا في غير هذا الفصل: إن الديون لم تكن وسيلة للإشراف الأجنبي على حكومة من ~~الحكومات غير الحكومة المصرية، وعلة ذلك راجعة إلى الامتيازات الأجنبية التي أباحت ~~للدول في بلاد الدولة العثمانية ما لا يباح في بلاد غيرها. وقد كانت مصر استثناء ~~ملحوظا بين البلاد التي ابتليت بنكبة الامتيازات، فإن تركيا نفسها قصرت في سداد ~~الأقساط قبل مصر فلم تنكب بما نكبت به مصر من ضروب الإشراف مرة باسم الوزارة ~~الأوروبية، ومرة باسم صندوق الدين أو لجنة التصفية، ومرات كثيرة بما شاءت الدول ~~وشاء القناصل من الدعاوي والمعاذير، وعلة هذا الاستثناء راجعة إلى الطمع في احتلال ~~مصر وبسط الحماية عليها فعلا أو رسما، دون أن يقابل ذلك اتفاق على صد الغارة عنها؛ ~~كاتفاق الدول على صد الغارة على مجازي البسفور والدردنيل وما يليهما من التخوم ~~العثمانية. # وقد كان هذا الوضع «المستثنى» خليقا أن ينبه المسئولين عن السياسة المصرية إلى ~~اجتناب الديون وإغلاق هذا الباب على الواغلين والمتطفلين، ولكنهم فتحوه على مصراعيه ~~وفتحوا معه أبواب السرف والخلف وإضافة الجديد على القديم قبل الخلاص من القديم، وقبل ~~أن تدبر وسائل السداد لهذا أو ذاك. بلغت الديون على عهد إسماعيل زهاء مائة مليون ~~جنيه، لم يصل منها إلى الخزانة العامة أكثر من ستين مليونا على أحسن تقدير، ولم ينفق ~~منها على الأعمال العامة غير جزء من هذا المقدار. وكان إنفاقه على قواعد تخالف ~~المعروف المقرر من قواعد ms029 الإصلاح المنتج والتعمير المفيد؛ إذ كان من الخطل عند جميع ~~العاملين في الميادين الاقتصادية أن تنفق في بضع سنوات أموال لا تؤتي ثمرتها قبل ستين ~~أو سبعين سنة، وكان من الواجب دائما أن تجنى الثمرة ويحسب حساب موعدها على قدر ~~المورد والمصرف، وإلا كانت إلى الغرم والخراب أقرب منها إلى الغنم والعمار! # من أمثلة التدبير السيئ في الحصول على القروض أن الحكومة المصرية أرسلت وسطاءها إلى ~~أوربة لاقتراض اثنين وثلاثين مليونا من الجنيهات، فلبثوا نحو سنة (من يونيو سنة ~~1873 إلى مايو سنة 1874) ثم حصلوا على القرض فلم يتسلموا منه غير عشرين مليونا على ~~التقريب منها تسعة ملايين سندات على الخزانة المصرية مؤجلة السداد، أما الباقي فقد ~~ضاع في نفقات الوسطاء ورشوة السماسرة عدا ما يضيع بعد ذلك في الأرباح - بنسبة سبعة في ~~المائة. ~~••• # بدأت مصر في الاستدانة على عهد «محمد سعيد باشا»، فمات وعليه وعلى خزانة الحكومة أكثر ~~من عشرة ملايين من الجنيهات، وقد أخذ قبل وفاته في جمع المال لسداد هذا الدين أو ~~بعضه؛ فأمر بتسريح الجند إلى بلادهم، وباع المصانع في القاهرة والأقاليم، وباع كثيرا ~~من الجواهر والتحف والذخائر المحفوظة، وجعل معاش الموظفين أرضا من ملك الحكومة وحسب ~~المرتبات على ضرائب الأطيان، ولم يعرف كيف صرفت بعده حصائل هذه البيوع في سداد ~~الديون! # وتعددت أنواع الديون في عهد إسماعيل، ومنها: الدين السائر؛ وهو مقابل الأعمال التي لا ~~تدفع أجورها فورا، والدين الثابت؛ وهو القرض المضمون ببعض موارد الدولة كالموانئ ~~والسكك الحديدية وخراج الأقاليم الغنية. ومنها: دين المقابلة؛ وهو قرض داخلي سمي بقرض ~~المقابلة لأنه اشترط فيه أن من يؤدي ضريبة ست سنوات سلفا يعفى من نصف الضريبة إلى ~~أجل غير محدود، وهذا الإعفاء في «مقابلة» التعجيل بأداء الخراج. ومنها: دين الرزنامة؛ ~~وهو مجموع من سندات تخول صاحبها أن يقبض من الخزانة تسعة في المائة من جملة ~~دينه! # وكان إسماعيل يتعهد أحيانا بوقف الاستدانة إلى أجل ثم يضطر إلى المال قبل انتهاء ~~الأجل، فيعمد إلى بيع ما يمكن ms030 بيعه، كأسهم قناة السويس، أو يفوض إلى وكلائه تحصيل ~~المال المطلوب من حيث يوجد في البلاد أو خارج البلاد. # ولما نفدت جميع الحيل في أقل من عشر سنوات لجأ إسماعيل إلى الاستعانة بالخبراء ~~الأجانب لتنظيم الإدارة المالية متوسلا بذلك إلى كسب الثقة التي تتيح له عقد المزيد ~~من القروض، فأنفذت إليه حكومة إنجلترا خبيرا من خبرائها يسمى مستر كيف # Cave # فلم يكن لعمله من ثمرة، غير أنه اطلع على أسرار ~~الخزانة ووسائل الاستدانة وأودعها تقريرا كان لنشره فيما بعد أسوأ الأثر في تشويه ~~سمعة مصر وغل أيديها في شئونها الداخلية! # ودق ناقوس الخطر الأكبر حين أعلن الباب العالي أن فوائد ديونه تسدد بعد أول يناير سنة ~~1876 بحساب النصف نقدا والنصف الآخر سندات لها فوائد خمسة في المائة. # وتبعته مصر بعد بضعة أشهر، فتوقف الخديو عن صرف سندات الخزانة وعرض على الدول أن تضمن ~~ديون رعاياها بالإشراف على الخزانة المصرية، وأنشئ بعد أسبوعين من إعلان التوقف صندوق ~~الدين (مايو سنة 1876) الذي اشتركت فيه الدول الدائنة ورفضت إنجلترا في مبدأ الأمر أن ~~تشترك فيه؛ لأن ديون رعاياها مضمونة وثابتة، وديون سائر الدول من قبيل الديون ~~السائرة. وقد بلغت الديون الموحدة نيفا وتسعين مليونا بفائدة سبعة في المائة تسدد ~~في خمس وستين سنة. ثم اتفقت إنجلترا وفرنسا على إيفاد مندوبين لدراسة المسألة، فأسفرت ~~بحوثهما عن الإشارة بإخراج أكثر من ثلاثين مليونا من الدين الموحد يسدد بعضها من ~~أقساط دين المقابلة، ويسدد البعض الآخر - ويسمى بالدين الممتاز - من موارد السكة ~~الحديد وميناء الإسكندرية، ويضمن الباقي بمزارع الدائرة السنية. # ولم ترض الدول بأقل من فرض الرقابة الفعلية على ديواني المالية والأشغال، فاختير ~~للوظيفتين ريفرز ويلسون # Rivers Wilson # الإنجليزي، ~~وبلنيير # Blignieres # الفرنسي، ثم شكا هذان ~~الموظفان من ضيق نطاق السلطة. واقترح مندوبو الدول في صندوق الدين ندب لجنة للتحقيق ~~بدأت عملها باستدعاء وزير الحقانية «شريف باشا» لسؤاله فأنف الرجل أن يستدعى كما ~~يستدعى المتهمون واستقال حين أصرت اللجنة على إحضاره ولم تقنع منه بالردود الكتابية ms031 ~~على أسئلتها. ثم أشارت لجنة التحقيق بإقامة وزارة مسئولة يكون من أعضائها المراقبان ~~الأجنبيان، فتألفت أول وزارة من هذا القبيل سنة 1878 برئاسة «نوبار باشا»، وفيها ~~ريفرز ويلسون وزير للمالية وبلنيير وزير للأشغال. وكانت ألمانيا تؤيد إنجلترا وفرنسا ~~في ضرورة الرقابة على أهم الدواوين في الحكومة المصرية؛ لأن بسمارك كان يخشى - إذا لم ~~تتفق الدول على التدخل جميعا - أن تقدم إحداهن على الانفراد بالعمل، كما قال سفيره ~~في العاصمة الإنجليزية اللورد «دربي»، وهو يلمح إلى فرنسا ويدور بخلده أنها هي التي ~~يخشى منها أن تقدم على هذه الخطوة. # ولم يسترح الخديو إلى هذا الضغط على سلطته فعمل على مناوأة الوزيرين الأوروبيين. وقد ~~قوبل تعيينهما بالسخط الشديد في مصر، وزاد المصريين سخطا على سخط أن الوزيرين لم ~~يوفقا في كثير من الوسائل التي استخدماها لتحصيل الديون وتنظيم الإدارة، فلم يكن لهما ~~هم غير إقناع الدول بقدرتهما على تحصيل الأقساط في مواعيدها، فعمدا إلى وسائل العنف ~~والإكراه في جمع الضرائب، وعينا في الدواوين المحلية مئات من الموظفين الأجانب بعضهم ~~لازم للعمل وأكثرهم عالة عليه يحلون في الوظائف محل المصريين. ولم يباليا بتأخير صرف ~~المرتبات لإتمام الأقساط في مواعيدها، وأشارا بنقص عدد الجيش وفصل عدد كبير من ~~الضباط. فلم يجد الخديو صعوبة في تبغيض هذا «النظام الجديد» إلى الأمة، وكان ضباط ~~الجيش في طليعة الثائرين على الوزيرين وعلى رئيس الوزارة. وقد كان المعتقد أن الوزارة ~~«الأوروبية» كما كانت تسمى يومئذ، ستؤدي المرتبات المتأخرة من قرض روتشيلد، وهو ~~القرض الذي عقد برهن مزارع الخديو والأسرة الخديوية، وتبلغ أكثر من أربعمائة ألف ~~فدان، فعقد القرض وظلت المرتبات متأخرة. وتفنن الوزيران في ابتداع الوسائل لتحصيل ~~الضرائب، فكان من مقترحاتهما في هذا الباب فرض ضريبة تسمى ضريبة بدل السخرة يؤديها من ~~يريد إعفاءه من العمل بغير أجر في الترع والجسور وفتح الطرق وما إليها، ولم تأت سنة ~~1879 حتى كانت القاهرة تموج بأصحاب المظالم وطلاب الإصلاح، وحان موعد القسط من تلك ~~السنة، فسول سوء السياسة للوزيرين أن ms032 يتمما المبلغ المطلوب من مرتبات ضباط الجيش ~~وأشارا على الوزارة «باستيداع» ألفين وخمسمائة ضابط تخلصا من مرتباتهم القديمة ونصف ~~مرتباتهم الجديدة في وقت واحد. فاحتشد هؤلاء الضباط وغيرهم عند ديوان المالية وأخذوا ~~يصيحون بطلب عزل الوزارة وخرج نوبار وويلسون وهم محتشدون فهجموا عليهما وأهانوهما ~~واعتقلوهما في الديوان. وبادر الخديو إلى مكان الحادث ومعه فرقة من الحرس، ولم يتفرق ~~المحتشدون إلا بعد أن صدر الأمر بإطلاق النار، فأطلقها أمير الحرس في الهواء. # ورأى الخديو أن الوقت ملائم لاسترداد سلطته فأبلغ الدول أنه لا يعتبر نفسه مسئولا عن ~~هذا الحادث وأمثاله ما لم تكن في يديه السلطة الضرورية لتنفيذ أوامره. واضطر نوبار ~~إلى الاستقالة فخلفه الخديو في رئاسة مجلس الوزراء. ولكن وكيل الحكومة الإنجليزية في ~~مصر أبلغ الخديو أن هذا التصرف مخالف للعهد الذي أخذه على نفسه بمشورة الدول عند ~~تأليف مجلس الوزراء المسئول. واهتدى الطرفان إلى اتفاق «وسط»، يحل ولي العهد «توفيق ~~باشا» محل الخديو نفسه في رئاسة المجلس ويخول الوزيرين وقف كل أمر لا يقرانه، ويوجب ~~على الخديو أن يطلع الدولتين - إنجلترا وفرنسا - على أسماء وزرائه قبل تعيينهم، وكان ~~هذا الشرط الأخير «مفهوما» غير مكتوب. ~~••• # هذه الحركة تعد في رأي المؤرخين مبدأ الثورة العرابية؛ لأن مطالب العسكريين بعدها لم ~~تنقطع في شئونهم التي تخصهم أو في الشئون القديمة العامة، وفي مقدمتها إعلان الدستور ~~ورد الأمر كله إلى الأمة تتولاه في مجالسها النيابية. # ومن عجائب المقادير أن زعيم الثورة العرابية لم يساهم في هذه الحركة بنفسه ولا بأحد ~~من فرقته؛ لأنهم كانوا جميعا في رشيد وحضروا إلى القاهرة في اليوم السابق لوقوع ~~الحادث واشتغلوا نهارهم بتسليم الأسلحة والذخائر إلى مخازن الوزارة، ولكن حزب الضباط ~~الشراكسة في الجيش أراد أن يلصق بهم «تهمة» المؤامرة فوضعهم من حيث لا يدري على رأس ~~الحركة ووجه إليهم أنظار الثائرين والمسالمين. # وربما صح أن يقال أن سنة 1879 هي السنة التي أطبقت فيها إرادة المصريين جميعا على ~~إقامة الحياة النيابية، ولم تكن مصر قد عرفت منها ms033 قبل ذلك غير المجالس الشورية التي ~~كانت تدعى في عهد «محمد علي الكبير» للاقتراح والمشورة، وقد أعادها إسماعيل باسم مجلس ~~شورى النواب، وافتتح هذا المجلس في التاسع عشر من شهر نوفمبر سنة 1866، واختار أعضاءه ~~من الوجهاء ورؤساء العشائر بغير انتخاب، ولكن الأعضاء المختارين كانوا في الواقع ~~ممثلي الأمة الذين تختارهم برضاها لو وكل إليها أمر انتخابهم؛ لأنهم كانوا بمثابة ~~قادة المجتمع في كل إقليم. # أما الآن فالخديو نفسه كان أول المطالبين بالمجلس المنتخب الذي يراقب الخزانة ويكون ~~له الرأي القاطع في موارد الدولة ومصارفها؛ لأنه يخلصه من سيطرة الوزيرين التي تحميها ~~الدول بقوة المال والسلاح. فلم يجد طلاب الحياة النيابية معارضة من الخديو في إقامتها ~~وتوسيع حقوقها. وتلاقت آراء العسكريين وغير العسكريين على حل واحد اعتقدوا أنه ترياق ~~صالح لجميع السموم أو أنه على الأقل تجربة يرجى منها أن تفلح حيث خابت جميع التجارب ~~في مشكلة الديون ومشكلة الإدارة. # وقد أيد الخديو موقفه بعجز «الوزارة الأوروبية» عن جمع قسط الدين في موعده وعزم ~~المندوبين الدوليين في صندوق الدين على إعلان الإفلاس وتأجيل سداد الأقساط. وكان ~~جوابه على احتجاج الوزيرين واتهامه بتعويق عملهما أنه أعد نظاما ماليا لسداد ~~الديون لا يستلزم شهر الإفلاس. ثم أقال الوزارة واستدعى «محمد شريف باشا» لتأليف ~~الوزارة الجديدة، وهو معروف بغيرته الوطنية ومبادئه الدستورية، ودعي مجلس شورى النواب ~~للاجتماع فكان مطلبه الأول فرض رقابته على خزانة الدولة والاعتماد على النظم التي ~~يرتضيها لسداد الديون. # وقد استند الخديو في عمله إلى إجماع الأمة، وقد كان إجماعها حقا منعقدا على رفض ~~السيطرة الأجنبية وإسناد الأمر إلى وزارة وطنية. واتفق على طلب هذا من الخديو رؤساء ~~الدين ووجهاء العاصمة والأقاليم وقادة الجيش، فكان جواب المندوبين الأوروبيين ~~والموظفين الذين جاءوا بهم في الدواوين، إعلان الإضراب ورفض التعاون مع النظام ~~الجديد. وأصروا على رفض التعاون حتى حين أبلغهم «شريف باشا» أنه مستعد لأداء القسط ~~بفائدة خمسة في المائة، فامتنعوا عن تسلمه ولجوا في عنادهم وفضحوا نياتهم ونيات ~~دولهم، فعلم من لم ms034 يكن يعلم أن السيطرة على البلاد هي الغرض المقصود، وأنهم لم يشيروا ~~على الخديو بإنشاء مجلس الوزراء المسئول غيرة منهم على المبادئ الدستورية، وإنما هي ~~سلطة ينقلونها من يد الخديو إلى أيديهم ويتشبثون بها ولو تكفلت لهم الوزارة المصرية ~~بسداد الديون وقدمت برهانها الأول على صدق نيتها أن تؤدي القسط في ميعاده، بعد تعويل ~~صندوق الدين والوزيرين الأوروبيين على شهر إفلاس البلاد! # وقد كان الخديو يقبل إعادة الرقابة الثنائية تفضيلا لها على تسليم مجلس الوزراء إلى ~~وزيرين أجنبيين. ولكن الدول لم تقبل «أن تكون هيئة النظارة مشكلة من أعضاء وطنيين ~~مصريين ومكلفة المسئولية لدى مجلس الأمة»، كما جاء في الأمر الخديوي بتأليف الوزارة ~~الشريفية، وبرز بسمارك في الميدان بإيعاز من «نوبار باشا» رئيس الوزارة المقال، وكان ~~نوبار قد تجنس بالجنسية البروسية ودأب على إثارة الدول على الخديو وحكومته، فحرض سفير ~~ألمانيا في لندن أصحاب الديون ودولهم على المبادرة إلى حماية مصالحهم وحماية المحاكم ~~المختلطة، وقد كانت تصدر أحكامها على الخديو كلما رفعت إليها قضية من قضايا الدائنين. ~~وبدأت الدول بإسداء «النصيحة» إلى الخديو أن يعتزل العرش وهددته - إذا هو لم يأخذ ~~بنصيحتها - أن تسعى عند الباب العالي لإلغاء فرمان الوراثة وتنصيب الأمير «حليم» عمه ~~بدلا من ابنه الأمير توفيق، فلم يصغ إلى هذه «النصيحة» وعلق رجاءه بحماية السلطان ~~العثماني لحقوقه. ولكن السلطان العثماني لم يقو على معارضة الدول مع إجماعها على طلب ~~العزل، وتوهم أن موافقة الدول في هذه الأزمة قد تمكنه من استرداد بعض الامتيازات ~~التي حصل عليها إسماعيل بفرمان سنة 1873، فأبرق إلى مصر بخلع إسماعيل وتنصيب ابنه ~~توفيق في مكانه، وغادر إسماعيل مصر بعد وصول أمر الخلع بأربعة أيام (في آخر يونيو سنة ~~1879). # وقد قيل: إن المصائب لا تأتي فرادى، وصدق هذا القول على أتمه بما تعاقب من المصائب ~~الطبيعية و«الاقتصادية» في عهد «إسماعيل»، فابتليت مصر بوباء الماشية ثم بوباء الهيضة ~~«الكوليرا»، ثم بالقحط من جراء شح النيل تارة وطغيانه تارة أخرى، وحدث في خلال ذلك ~~هبوط سعر ms035 القطن بعد ارتفاعه في إبان الحرب الأمريكية، فلم يبق في مصر من يرضى بحاله ~~ولا يتحفز جهده لتغيير هذه الحال كيفما اتفق التغيير، وكانت الثورة عند جلوس «توفيق» ~~على العرش نتيجة محتومة تنتظر موعدها من الزمان، ولا تتمهل في الانتظار. # | قناة السويس # هذه القناة في رأي الأكثرين هي بيت القصيد من الخطة التي انتهت بضرب الإسكندرية في ~~الحادي عشر من شهر يوليو سنة 1882؛ لأنها سبيل مهم من سبل المواصلات الإمبراطورية ~~ومسلك نافع من مسالك التجارة العالمية. ومن لم يحسبها بيت القصيد من الخطة كلها فهي ~~في تقديره غرض هام من أغراض السياسة الإنجليزية في القرن الماضي ولا تزال كذلك في ~~القرن الحاضر، ولا سيما بعد انحسار النفوذ البريطاني في الهند وتطلع القوم إلى تعويضه ~~بالسيطرة على موارد القارة الأفريقية، ويكفيهم من هذه الموارد خامات الصناعة الموفورة ~~في أرجائها، إن لم يتحقق لهم ما يترقبه الخبراء من التنقيب عن المعادن في أجوافها. ~~وقد طوى الساسة البريطانيون أسبابا كثيرة من ذرائع الاحتلال وظلوا يتشبثون بسبب واحد ~~يزعمون أنه بغيتهم من الإصرار على إبقاء جيوشهم في الأراضي المصرية، وهو حماية القناة ~~والتأهب لرد الهجوم عنها. # والغالب على اعتقاد المؤرخين أن الطريق بين البحر الأحمر ونهر النيل لم تنقطع قط في ~~عهد من عهود الحضارة القديمة، وأن تجارة جزيرة العرب وبلاد الهند بعينها كانت هي ~~بغية المصريين الأقدمين من العناية المتواصلة بهذه الطريق على تعدد المواقع ~~والأزمنة. # ففي عهد الأسرة السادسة - وكان مقرها جزيرة أسوان - كان الملك «مريرع» يتخذ هذه ~~الطريق على مقربة من مقر حكمه ويوالي العناية بمسالك البر بين قفط على النيل وبرنيس ~~على البحر الأحمر، ولا يقل تاريخ هذه الطريق عن نحو ثلاثين قرنا، سبقتها قرون عدة في ~~طريق غير ممهد لسير القوافل والبحث عن المعادن في بعض الجهات. # ولما انتقل الملك إلى أقاليم الشمال وجدت في عهد «سيتي الأول» - قبل الميلاد بأربعة ~~عشر قرنا - قناة تمتد من فرع النيل عند «بوبسطة» وتصل إلى البحر الأحمر وتصلح ~~للملاحة في أكثر أيام ms036 السنة، وهي القناة التي اشتهرت باسم «سيزوستريس» ورسمت صورتها ~~على معابد الكرنك، ثم تجددت بعد هجرها قبل الميلاد بسبعة قرون في عهد الملك «نخاو» ~~ولم يثابر على تجديدها؛ لأنه رأى في المنام أن الأرباب تحذره من تسليم مصر إلى ~~الغرباء من جرائر هذه الطريق. # ورأى الفرس أنها نافعة لهم لتيسير الاتصال بين بلادهم ووادي النيل؛ فعمل دارا على ~~حفرها وتعميقها، وتركها قبل أن يفرغ من فتحها فظلت مهملة من القرن السادس قبل الميلاد ~~إلى القرن الثالث قبله؛ إذ تم فتحها في عهد بطليموس الثاني، ولم ينتفع بها بعد أيامه ~~لتتابع الفتن والمخاوف، إلى أن فتح العرب مصر فجددوها لنقل الميرة إلى الحجاز في عام ~~المجاعة. وظلت صالحة للملاحة إلى أوائل أيام العباسيين، وفي سنة (770م) أمر «أبو جعفر ~~المنصور» بردمها منعا لنقل الأزواد منها إلى الثائرين عليه في الحجاز. # ومضى عليها مردومة مهملة أكثر من عشرة قرون، وطريق التجارة بين وادي النيل والبحر ~~الأحمر لا تنقطع في هذه الأثناء ولا سيما أيام الحروب والقلاقل، بين مصر والشام؛ ~~فانتظمت في هذه الأثناء طريق قنا والقصير وطريق أسوان وعيذاب، واستمرت هذه ~~«المواصلات» في أحرج الأوقات. # وكانت هذه الطرق تنتظم أحيانا وتختل أحيانا أخرى، والتجارة الشرقية تنتقل على ~~الدوام من الخليج الفارسي إلى الشام أو إلى مصر، فيجني منها الولاة على الشام ومصر ~~مكوسا مضاعفة. وينقلها البندقيون إلى القارة الأوروبية فيزيدون أثمانها أضعافا على ~~أضعاف. ولم تكن بضائع الشرق كلها من قبيل البذخ والزينة أو الكماليات التي يطلبها ~~الموسرون والمترفون، بل كان منها - كالتوابل والأفاديه - ما هو ضروري لحفظ اللحوم في ~~الشتاء حين تشح الزروع والضروع ولا يجد الفقراء ولا الأغنياء طعاما غير اللحوم ~~المحفوظة والبقول، ومن هذه البقول ما يحمل إلى القارة الأوروبية من بلاد الشرق ~~والجنوب. # لهذا أحس الأوروبيون بالمغالاة في المكوس والأرباح، وقيل: إن طمع الملوك والأمراء ~~الغربيين في حصة من هذه الثروة كان في مقدمة الدوافع التي جنحت بهم إلى الإصغاء ~~للدعاة الصليبيين، ولا شك أن هذا الطمع كان ms037 أحد الدوافع - بل ربما كان الدافع الوحيد - إلى اجتهاد البرتغاليين في البحث عن طريق للتجارة الشرقية غير طريق مصر والشام، ~~وإلى اجتهاد الكشافين في مغامرات السياحة آملين من ثم أن يصلوا غربا إلى الشرق بعد ~~أن تعلموا من العرب أن الأرض كرة وأن التوجه إلى المغرب يؤدي إلى البلاد الهندية من ~~طريق «بحر الظلمات». # وقد انقسمت الدول الأوروبية شطرين في هذه النزعة؛ فكانت الدول القريبة من المحيط ~~الأطلسي تحارب كل محاولة يراد بها تقريب المسافات من ناحية برزخ السويس، وكانت ~~البندقية وجنوا تسعيان إلى استئناف سير القوافل من البلاد المصرية خاصة، واقترحت ~~البندقية فعلا فتح البرزخ وألحت في هذا الاقتراح بعد اشتباكها في حروبها مع الدولة ~~العثمانية وتعويلها على الطرق المصرية دون غيرها، ولولا هذه الحروب المتتابعة لسبقت ~~الأمم إلى فتح القناة. وقد خطر لفرنسي هو «المركيز دار جنسون» أن يعلن الدعوة إلى ~~فتحها باسم الدين لخير جميع المسيحيين، فأعلنها في عهد لويس الخامس عشر، ولم يفلح في ~~اجتذاب الأسماع إليها. # إلا أن الرحالة من أمم الغرب قد توافقت خواطرهم على الاتجاه إلى المحيط الأطلسي ~~جنوبا أو غربا، فكشف «دياز» البرتغالي طريق أفريقية الجنوبية في سنة 1486، وكشف ~~«كولمبس» أمريكا بعد ذلك ببضع سنوات، ووصل «دي جاما» إلى الهند من طريق رأس الرجاء ~~بعد ذلك بأربع سنوات. وجرت هذه الكشوف إلى وقائع بحرية بين البرتغاليين والمماليك ~~المصريين انتصر فيها المماليك ثم انهزموا في أوائل القرن السادس عشر (1509) فيئسوا من ~~طريق تجديد التجارة كما كانت قبل حقبة يسيرة، وساءت أحوالهم وقلت مواردهم واشتبكت ~~بينهم الحروب والفتن مما زادهم خسارا على خسار، وأطمع الدول الغربية في انتزاع ~~البلاد من أيديهم. ودخلت قناة السويس لأول مرة في ألاعيب السياسة الدولية على يد ~~فيلسوف من فلاسفة الألمان أحس الخطر على بلاده من مطامع «لويس الرابع عشر» فأراد أن ~~يحول مطامعه من القارة الأوروبية إلى القارة الأفريقية؛ هذا الفيلسوف هو جو تفريد ~~ولهلم «ليبنتز» (1646-1716) صاحب الرسالة المشهورة عن «البعثة المصرية» وسفير حكومته ~~زمنا في بلاط ms038 باريس، لكن هذه المغامرة قد ادخرت في الغيب لمغامر أوربة الأول في ~~القرن الثامن عشر «نابليون بونابرت»، فلم تتحرك حكومة باريس لحشد الجيوش إلى مصر إلا ~~في عهد ذلك المغامر الكبير. # جاء نابليون إلى مصر ومعه بعثة من العلماء والمهندسين وفي ذهنه مشروع وصل البحرين، ~~إما من طريق النيل كما كانا متصلين في عهد الفراعنة، أو بحفر قناة السويس إلى موقع ~~يقابلها على البحر الأبيض المتوسط. ولكن ضخامة النفقات التي قدرت لإنجاز المشروع ~~أقعدته عن العمل، وانصرف عنه كل الانصراف كما قيل؛ لأن مهندسه «لابير # Lapere ~~» توهم أن البحرين لا يستويان وأن بينهما ~~فرقا يقرب من ثلاثين قدما. فكان هذا مع ضخامة النفقات سبب انصراف نابليون عن تنفيذ ~~المشروع كما وعد حكومته، وقد خامر بعض الظنون أن حسبة «لابير» مصطنعة لتعجيز ~~المحاولين ريثما يتيسر تدبير النفقات، ودعا إلى احتمال هذا الظن أن «التوصيلة» ~~المطلوبة، كانت ميسورة بمد فرع النيل كما كان في العهد القديم لولا عقبة ~~النفقات. # على أن خطأ الموازنة بين مستوى البحرين لم يلبث أن ظهر للفرنسيين أنفسهم عندما تولى ~~البحث جماعة السيمونيين # Simonians ~~، وهم أنصار الوحدة ~~الإنسانية والتقريب بين أجزاء العالم. وتعاقبت بحوث العلماء في هذا الموضوع نحو خمسين ~~سنة بعد الحملة الفرنسية، وممن اشتغل به لجنة من الإنجليز (1846) كان بين أعضائها ~~«جورج ستيفنسن» # Stephenson # ابن صاحب المخترعات ~~البخارية المشهور، ولكنها لم تتقدم خطوة وراء البحث في إمكان التنفيذ وتقدير ~~التكاليف. وظل الاعتقاد الغالب على غير المختصين أن المشروع «مخرقة» أو حيلة لابتزاز ~~المال كما قال بالمرستون في مجلس النواب الإنجليزي حين أخرجه بعض الأعضاء لتقاعده عن ~~تشجيع الشركة التي تأسست لفتح القناة، ويغلب على الظن أن مصلحة ستيفنسن الخبير بالسكك ~~الحديد هي التي زينت له تفضيل الاتصال بالخطوط الحديدية، وعليه اعتمد ~~بالمرستون. # واهتم التجار والمهندسون الإنجليز بإحياء الطريق المصري لنقل البضائع والمسافرين من ~~الهند إلى إنجلترا، وساورهم في الوقت نفسه أمل الاتفاق على حفر القناة. وكان سفيرهم ~~في مصر «جورج بلدوين» من أصحاب الخيال الشعري فسير ms039 سفينة من إنجلترا إلى الإسكندرية ~~وأخرى من الهند إلى السويس وصعد ذات يوم إلى قمة الهرم الأكبر ومعه ثلاث قوارير، ~~إحداها مملوءة بماء النيل والثانية بماء التامز والثالثة بماء الكنج، وشرب مع أصحابه ~~نخب الصداقة بين الأنهر الثلاثة. ولكن مشروعه حبط في ذلك الحين لامتناع الآستانة عن ~~منح الرخصة الضرورية لإباحة الملاحة في البحر الحمر. ثم عاود رجال شركة الهند الشرقية ~~مسعاهم عند «محمد علي الكبير» لاستئناف السير في الطريق البرية بين السويس ~~والإسكندرية، فلم تثبت لهم فائدة الطريق البرية في اختصار الوقت والكلفة إلا في أواخر ~~سنة 1845. واستقر الرأي أخيرا على اتخاذ مرسيليا محطا لبواخر الشركة بعد أن كانت ~~ترسي بواخرها في تريسته وتنقل البضائع منها إلى الشواطئ البلجيكية، ويشاهد إلى اليوم ~~في ميناء السويس تمثال «توماس وجهورن» صاحب المساعي التي عاد بفضلها طريق التجارة ~~البرية إلى الأرض المصرية، وكان الرجل يعزو ذلك الفضل إلى تشجيع «محمد علي» وموالاته ~~برعايته، ويستحث قومه على العرفان بجميله، فاجتمعت نخبة من جلة القوم وأعربت عن شكر ~~الأمة الإنجليزية لتلك الرعاية المتوالية، وأهدت إليه نوطا نقشت صورته على أحد وجهيه ~~وكتبت على الوجه الآخر صيغة الإهداء: «إلى نصير العلم والتجارة والنظام، حامي رعايا ~~الدول المتنافرة وأموالها وفاتح طريق البر إلى الديار الهندية.» # وكان تقديم هذا الاعتراف «ذي الوجهين» في سنة 1840 نفس السنة التي وقفت فيها إنجلترا ~~مع الدول «المتنافرة» لكي تنسى تنافرها وتتفق على صد «محمد علي» عن أبواب ~~الآستانة. # لقد كان «محمد علي الكبير» يعلم بثاقب نظره أن هذه الدول «المتنافرة» تتفق عليه إذا ~~سنحت لها الغرة منه أو من خلفائه، وقد سمع منها جميعا طلبا بعد طلب في مسألة القناة ~~بعينها، فلم تكن إنجلترا ولا فرنسا وحدهما صاحبتي الغرض الأكبر في هذه الطريق، بل حدث ~~أن «مترنيخ» قطب السياسة الأوروبية في عصر نابليون أرسل إليه من يقنعه بفتح القناة؛ ~~لأن النمسا في ذلك العصر كانت تشرف على الشواطئ الإيطالية، وقد تلقى «مترنيخ» مذكرة ~~بهذا الطلب من وزير دفاعه «الكونت فيكلمونت» ms040 (1843) وجاء رسول النمسا إلى القاهرة ~~ومحمد علي في الفيوم فلم ينتظر عودته بل ذهب إليه ليعرض مطلبه في ساعة صفو وخلو من ~~التكاليف، فكان جواب محمد علي، كما كان جوابه لمن فاتحوه في الأمر من قبل ومن بعد «أن ~~القناة تفتح - إن فتحت - بمال مصر وعملها ولا يكون ذلك قبل اتفاق الدول على حيدة مصر ~~والقناة.» # ومن نقائض مصر الخالدة أن مشروع القناة جذب إليه غلاة الاشتراكيين وأقطاب رءوس ~~الأموال والصناعات في وقت واحد، فكان الفضل في تصحيح الأخطاء الهندسية التي صرفت ~~الأنظار عن المشروع راجعا إلى أتباع «سان سيمون» كما تقدم، وكان خليفته «آنفانتين» ~~داعية القناة الأكبر في الدوائر العلمية والمالية، وكانت دوائره العلمية تجمع ~~المهندسين والمؤرخين من فرنسيين وإيطاليين ونمسويين وإنجليز، رمزا إلى الإخاء ~~و«تضامن» الأسرة الإنسانية، ووجهتها ربط الشرق والغرب في وشائج هذه الأسرة العامة، ~~فاشترك «تالبوت» الفرنسي و«نيجريللي» الإيطالي النمسوي و«ستيفنسن» الإنجليزي في تقسيم ~~العمل وقيام كل طائفة على دراسة قسم منه. ولكن صداقة «آنفانتين» للمهندس الفرنسي ~~«دلسبس» هي التي خرجت بالمشروع من دور الأحلام إلى دور «الشغل» المثمر كما يقولون. ~~وأصغى «دلسبس» إلى المبشر الإنساني يوم شهد بعينيه حركة الميناء في مرسيليا فشحذت ~~همته وأنعشت آماله وابتعثته ابتعاثا إلى إعادة الكرة عند «محمد علي»؛ لأنه كان يجهل ~~جوابه لمندوب النمسا وغيره من رسل أوربة الوسطى. ولكن محمد علي كان كما قدمنا يتخوف ~~من تسلط الأجانب على الطرق المصرية بحرا وبرا فأعرض عن حفر القناة، كما أعرض عن مد ~~السكة الحديد بين الإسكندرية والسويس، وظلت البضائع في أيامه تنقل على ظهور الجمال أو ~~على السفن الصغيرة في ترعة المحمودية. ولبثت أدوات السكة الحديد معطلة إلى أيام «عباس ~~الأول» الذي أذن بمدها فكان ذلك حافزا جديدا لمعاودة البحث في حفر القناة. # وما من شيء يدل على أثر العلاقات الشخصية أحيانا في تمهيد الوسائل إلى الأعمال ~~الجسام، ما يدل عليه نجاح «فردينان دي لسبس» صاحب مشروع القناة في إقناع «محمد سعيد ~~باشا» - بعد وفاة عباس الأول - بإمكان حفر ms041 القناة وعظم الفوائد التي تعود على مصر من ~~فتح هذه الطريق العالمية في أرضها. # فقد كان «محمد سعيد باشا» في صباه يميل إلى البدانة وكان أبوه «محمد علي» حريصا على ~~تربية أبنائه على الحياة العسكرية والنشأة الرياضية، فكان يحتم على الصبي محمد سعيد ~~أن يسبح ويعدو كل يوم مسافات طويلة، ويأمر له بالقليل من الطعام الذي لا يسمن ولا ~~يشبع. وكان «ماتيو دلسبس» والد «فردينان» صديقا لمحمد علي يحبه من عهد وساطته عند ~~الباب العالي في اختياره للأريكة المصرية، وكان يأذن لأبنائه في زيارة القنصل لتوثيق ~~عرى المودة وإتقان اللغة الفرنسية. فكان «محمد سعيد» يجد في دار القنصل شبعه من ~~المكرونة التي كان مشغوفا بأكلها، وكانت صحبته لفردينان الصغير خير شفيع للمهندس ~~الفرنسي فيما بعد، لاستجابة رجائه بعد طول التردد فيه على أيام أبيه. # فردينان دي لسبس. # واتفق أيضا أن فردينان هذا كانت تربطه بالإمبراطورة «أوجيني» صلة قرابة ومودة، فلولا ~~صحفة المكرونة وهذه المصادفة التي ربطت بين دلسبس وبلاط فرنسا لما استطاع الرجل أن ~~ينجح حيث أخفق غيره، ولحبط العمل كله بعد الشروع فيه لولا اليد القوية التي كانت ~~تنقذه من ورطة بعد ورطة في بلاط باريس. # إلا أن «دلسبس» قد استخدم كل ما في جعبته من الوسائل لإقناع «سعيد باشا» بفوائد ~~مشروعه وضمن ذلك خطابه التاريخي الذي يحسن بنا إثباته في هذا المقام بقليل من التصرف ~~لبيان وجهات النظر التي مثلها أو تمثلها القائمون بحفر القناة قبل الشروع فيه، قال: ~~«طالما اهتم أقطاب العالم - ولاسيما ملوك مصر - بالصلة بين البحرين الأحمر والأبيض، ~~ومنهم «سيزوستريس» الأشهر و«الإسكندر الأكبر» و«يوليوس قيصر» و«عمرو بن العاص» ~~و«نابليون الكبير» ووالدك العظيم. وأفلح بعضهم فوصل بين البحرين بترعة تمتد من النيل ~~بقيت فترة قبل الهجرة المحمدية بنحو تسعة قرون ثم أهملت وانقطع عنها ماء النيل وظل ~~منقطعا إلى أن أعيد بعد ذلك. وبقيت الترعة زهاء أربعة قرون ونصف قرن صالحة للملاحة ~~في أيام البطالسة حتى علاها التراب في القرن الرابع قبل الهجرة وجاء «عمرو بن ms042 العاص» ~~فأصلحها وجرى الماء فيها مائة وثلاثين سنة ... # ولما قدم بونابارت إلى مصر ود لو أمكنه إعادة الترعة وأن تقترن شهرة هذا العمل العظيم ~~بشهرته ... فندب للبحث في هذه المسألة كبار المهندسين وعلماء السير والآثار ... وطلب ~~إليهم إبداء الرأي في إمكان التوصيل بين البحرين من غير طريق النيل وإحصاء تكاليفه ... ~~فكتب أحدهم مسيو لوبير تقريره ... ووقف بونابرت على تكاليف المشروع فاستعظمها ... وتمنى ~~لو تأتى للدولة العثمانية أن تصل بين البحرين فتدل بذلك على حياتها وتنفي الشبهة عن ~~بقائها وتسدي للحضارة يدا لا تنساها ... ولا يخفى أن اتفاق دول أوربة على رد العدوان ~~على الآستانة وبقائها في يد الدولة ... إنما يرجع إلى موقع خليج السويس بين البحرين ~~وخوف الدول من تسلط إحداهن عليه فتقوى على غيرها ويختل التوازن بينها وبين نظيراتها ... ~~فكيف لو تمت الصلة وقبضت مصر على مفاتيح العالم؟! إن الدول إذن تجمع على حرية هذا ~~المجاز ولا تسمح لغير الدولة العثمانية بالسيادة عليه ...» # ثم استطرد المهندس الفرنسي إلى مسألة الأموال والأيدي اللازمة لحفر القناة، فقال: إن ~~مسيو لوبير منذ خمسين سنة قدر عدد العمال بعشرة آلاف ينجزون حفرها في أربع سنوات ... ~~وإن مسيو تلابوت منذ عشر سنين استحسن أن تمتد القناة إلى القناطر الخيرية فالإسكندرية ~~وقدر تكاليف إنجازها بنحو مائة وثلاثين أو مائة وأربعين مليون فرنك، يضاف إليها عشرون ~~مليونا لإنشاء الميناء بالسويس ... ثم ذكر أن مهندس القلاع الفرنسي في عهد «محمد علي» ~~وضع رسما للمشروع وكتب عنه تقريرا عاونه فيه المهندسان الفرنسيان لينان وموجيل ... ~~وتبين من جميع هذه البحوث أن المشروع «عملي» قابل للتنفيذ محقق الفائدة خلافا لما ~~وقر في بعض الأذهان. # ثم تكلم عنه من الوجهة الدولية، فذكر من أسباب معارضة إنجلترا له أنها تريد أن تستأثر ~~بالسيادة البحرية ولا تحب التقدم لغيرها مع أنها تملك أهم المواقع البحرية في العالم ~~كجبل طارق ومالطة وجزائر الأرخبيل وعدن وسنغافورة وأستراليا فلا ضرر عليها من التقريب ~~بين البحرين، وقال: إن ابتداء العمل فعلا خليق أن يحسم الخلاف ويحمل الدولتين ms043 ~~إنجلترا وفرنسا على قبول الاستمرار فيه، أما الدول الأخرى؛ فالنمسا قد اعترفت بحرية ~~الملاحة في نهر الدانوب، والمجر ترحب بالقناة لأنها عظيمة النفع لميناء تريسته ~~والبندقية، ولا ينتظر من روسيا معارضة في حفر القناة؛ لأنها تروج تجارتها ، ولا من ~~الولايات المتحدة؛ لأنها تؤكد العلاقة بينها وبين الهند والصين، ولا من إسبانيا؛ ~~لأنها تيسر مواصلاتها مع جزر الفليبين، ولا من هولندة لأنها تيسر مواصلاتها مع جاوه ~~والصومال وبرنيو ... فالعالم كله يسعد بفتح هذه القناة ... وما من أحد ينظر إلى موقعها ~~الخالي من الخريطة إلا اندفع شوقا إلى الأمل في محو ذلك الخلاء. # ولم يكد خبر الموافقة على مقترحات دلسبس يسري إلى أوربة حتى تناولته الصحافة ~~الإنجليزية، وفي مقدمتها الصحف الهزلية، بالتسخيف والتقريع، واتهمت دلسبس بالدجل ~~ونبزته بألقاب السخرية وأطلق عليه بعضها لقب سيزوستريس القرن التاسع عشر، وتساءلت: من ~~هذا الذي يريد في هذا العصر أن يعيد أساطير الأولين؟! # وقد كان أخوف ما يخافه «سعيد باشا» أن يغضب إنجلترا وأن يستهدف لمكائدها في ~~الآستانة، فسأل قنصلها عن رأي دولته فلم يسمع منه اعتراضا؛ لأن إنجلترا كانت في تلك ~~الفترة شديدة الرغبة في مرضاة فرنسا لمقاومة روسيا في غارتها على الدولة العثمانية، ~~وبعد أخذ ورد ووعد وتسويف صدر الإذن (يناير سنة 1856) بالبدء في حفر القناة، ولكنه لم ~~يبدأ قبل انقضاء ثلاث سنوات. # ويرى القراء مما تقدم أن دلسبس قد استغل موقف الدول من «محمد علي» في سنة 1840 لإقناع ~~خليفته بمزايا فتح القناة في بلاده، فاعتقد «سعيد باشا» أن وجود هذا المجاز العالمي ~~في مصر ضمان لها من عدوان إحدى الدول عليها، كما كان وجود الآستانة بين مضائق البسفور ~~والدردنيل ضمانا لها من هجمات روسيا ومصر عليها، واعتقد أنه اتخذ الحيطة الكافية ~~لإعلان حرية القناة وحيدتها العالمية بالنص في «الرخصة» على تأليف شركة دولية تجمع ~~كلمة الدول على مباشرة العمل فيها. # غير أن شروط الاتفاق كانت في جملتها مجحفة بمصر وشروط تنفيذها أشد إجحافا؛ لأنها ~~أوجبت على مصر أن تنزل للشركة عن الأرض ms044 التي تحف بضفتي القناة، وأن تسمح للشركة ببيع ~~الماء العذب من الترعة التي تمدها إلى الإسماعيلية، وأن تسخر للشركة أربعة أخماس ~~العمال المشتغلين بها، وأن تخولها الانتفاع بمناجم الحكومة ومعادنها، وأن تعفيها من ~~الضرائب والرسوم على وارداتها، وأن تقسم أرباح الشركة - بعد خصم خمسة في المائة في ~~مقابلة الفوائد وخمسة في المائة تدخر للمال الاحتياطي - على النسبة الآتية: عشرة في ~~المائة لمؤسسي الشركة وخمسة وسبعون في المائة لأصحاب الأسهم والموظفين والعمال، وخمسة ~~عشر في المائة للحكومة المصرية، وتئول القناة بعد تسع وتسعين سنة إلى ملك ~~الحكومة. # أما إنجلترا فإنها عملت على إحباط المشروع من جهة وعلى كسب نفوذ لها في مصر يقابل هذا ~~النفوذ من جهة أخرى، فلم تأت سنة 1862 حتى تورط «سعيد باشا» في صفقة جائرة مع بيت ~~«فرهلنج جوشن» بلندن فعقد معه قرضا بأكثر من ثلاثة ملايين من الجنيهات، تبعتها قروض ~~أخرى كانت هي أول الكارثة التي استفلحت بعد ذلك حتى قضت على استقلال البلاد وعرضتها ~~للرقابة الأجنبية. # وفي خلال هذه السنوات لم تهدأ الخطة عن محاربة المشروع عند «الباب العالي» فتأخرت ~~موافقته عليه من سنة 1856 إلى سنة 1858، ولما صدر الفرمان بالموافقة عرضت الأسهم في ~~الأسواق - وعدتها أربعمائة ألف بمائتي مليون فرنك - فاشترت فرنسا (207111 سهما) ~~واشترت البندقية ألفا وثلاثة وثمانين سهما واشترت حكومة البيمونت ألفا وثلاثمائة ~~وخمسين سهما، واشترت هولندة وأسبانيا وتركيا ما بقي من الأسهم، ماعدا حصة مصر وقدرها ~~(136642) منها ستة وتسعون ألف سهم رصدها دلسبس لحساب محمد سعيد باشا على غير علم منه، ~~فاضطر إلى قبولها بعد الممانعة؛ خوفا من تهمة الإفلاس وحبوط العمل بعد الشروع فيه، ~~وتخلفت أثمان هذه الأسهم ديونا إلى أن سددها إسماعيل باشا بأسناد مالية كتبها على ~~الحكومة المصرية. ~~••• # ولم تيأس إنجلترا من تدبيراتها للقضاء على المشروع فاتخذت من نغمة العصر في تلك ~~الآونة حجة للتشهير به واستثارت الضمير الإنساني عليه، وكانت نغمة العصر محاربة الرق ~~وتجريد الحملات لمطاردة النخاسين، فراحت ألسنة السياسة البريطانية تذيع أخبار السخرة ~~في القناة، ms045 وأخبار الوباء «حمى التيفود» الذي سرت عدواه من القناة إلى القطر كله ~~فأهلك عشرات الألوف من العمال والفلاحين، وصدقت في القول ولم تصدق في النية؛ لأن ~~المتعهدين ضنوا بالأجر اليومي على قلته - وهو عشرة مليمات للعامل - فهلك العمال جهدا ~~وجوعا. وشاع التذمر بين المصريين من شركة القناة ومن كل ما يتعلق بالقناة، وأوشكت ~~إنجلترا أن تنجح في تدبيراتها بين الآستانة والقاهرة وعواصم الدول الأوروبية. ثم مات ~~سعيد باشا في هذه الأثناء وآلت الأريكة المصرية إلى إسماعيل باشا فأحس النقمة على ~~المشروع من جانب إنجلترا ومن جانب الدولة العثمانية. ولم يشأ أن يغضب فرنسا فبادر ~~بسداد ثمن الأسهم التي لم يسددها سعيد باشا وقيمتها مليونان من الجنيهات، وأعلن ~~الشركة بعزمه على نقص العمال ورد الأرض التي وضعت يدها عليها إلى ملك الحكومة وأنذرها ~~بوقف العمل إن لم تبلغه موافقتها في وقت وجيز. فلجأ دلسبس إلى حكومته وتحرجت الأمور ~~بين إسماعيل ونابليون فإذا بالتهديد الذي وجهه إسماعيل إلى الشركة يئول إلى مصلحتها ~~وخسارة مصر. لأن إسماعيل رضي أن يعرض الخلاف على هيئة من المحكمين في فرنسا فحكموا ~~على مصر بغرامة قدرها ثلاثة ملايين وثلثمائة وستين ألف جنيه؛ تعويضا للشركة عن إلغاء ~~السخرة ورد الأرض التي على الضفتين وتكاليف حفر الترعة العذبة، فانتفعت الشركة بهذا ~~المال وهي محتاجة إليه، وأبرأ إسماعيل ذمته أمام الآستانة ولندن، وأقبل على مساعدة ~~الشركة بكل ما استطاع، وكان في الواقع يساعدها في أشد أوقات الخلاف، فقد أعطاها ~~ثلاثمائة ألف جنيه ثمنا لأرض في وادي الطحيلات اشترتها في عهد سعيد بأربعة وسبعين ~~ألف جنيه، وأعطاها مليونا ومائتي ألف جنيه ثمنا للمباني التي أقامتها بالسخرة ~~والأدوات المعفاة من الرسوم. # وفرغت الشركة من حفر القناة في أواخر سنة 1869 فنجمت مشكلة جديدة كانت خواتمها أخطر ~~جدا من فواتحها؛ لأنها غيرت قلب السلطان العثماني على الخديو وفتحت أبواب الآستانة ~~للدسائس والوشايات التي اشتركت فيها الدول وأمراء البيت العلوي ممن حرموا حقوقهم أو ~~آمالهم في الوراثة بعد نقل ولاية العهد إلى أبناء إسماعيل ms046 فجرت إلى خلعه بعد ~~سنوات. # وخلاصة هذه المشكلة المتشعبة أن الخديو وجه الدعوة إلى الملوك والأمراء لشهود حفلة ~~الافتتاح باسمه، وأغفل السلطان في هذه الدعوة؛ فداخله الريب وأمر الصدر الأعظم ~~بالاحتجاج لدى الدول والعتب على من قبل الدعوة دون الرجوع إلى ولي الأمر «المتبوع» ~~فصادف هذا الاحتجاج هوى في نفوس المحنقين على الحفلة كلها لما فيها من تمييز نابليون ~~الثالث «محتضن المشروع» في مجامع السياسة الدولية، وهموا بالاعتذار لولا التوسط في ~~الأمر والاتفاق على تسوية المشكلة بمرور من يشاء من المدعوين بالآستانة قبل السفر إلى ~~القاهرة. وكأنما أراد السلطان أن يضرب دولة بدولة وأن يطفئ نجم نابليون بنجم أكبر ~~منه، فألجأه الحنق إلى انتقام غير لائق بمكانته ولا بدعواه وأناب عنه مندوب إنجلترا ~~وفوض إليه أن يشكر المدعوين باسمه. وقد تعمد هذا المندوب أن يتأخر قليلا في سفره إلى ~~الإسماعيلية فوصل والقوم يخطبون ويشيدون بذكر الخديو دون الإشارة إلى السلطان، فإذا ~~به يقف هاتفا لأمير المؤمنين ويتبعه الحاضرون بهذا الهتاف - وكان افتتاح القناة في ~~السابع عشر من نوفمبر سنة 1869. ~~••• # وهذا هو مجمل وجيز للبيانات الرسمية المصرية عن سير العمل في القناة إلى يوم ~~افتتاحها، كما جاءت في تقويم النيل لصاحبه «أمين سامي باشا» المؤرخ ~~المشهور: ~~(1) # كان مبدأ العمل في حفر قنال السويس حصل في بورسعيد يوم (25 أبريل ~~سنة 1859 / 21 رمضان سنة 1275). ~~(2) # صرفت شركة مساهمة القنال في برزخ السويس 480 مليونا من الفرنكات، ~~بما في ذلك أماكن العمال وبناء مدينتي بورسعيد والإسماعيلية ~~والمحاط والمكافآت التي كانت تعطى زيادة على المرتبات. ~~(3) # بلغ عدد العمال الوطنيين الذين أعدتهم الحكومة لهذا العمل بدون ~~أجرة - سخرة - 27000 نفس، وأما عدد المستأجرين والمستخدمين فبلغ ~~خمسة آلاف نفس تقريبا. ~~(4) # بلغ طول القنال من بورسعيد إلى السويس - محطة توفيق - 87 ~~ميلا. ~~(5) # حصل الاحتفال بالسفر فيه في يوم 17 نوفمبر سنة 1869 وقد حضر هذا ~~الاحتفال كل من جلالة إمبراطورة فرنسا وجلالة إمبراطور النمسا ~~والمجر، والأمراء أولياء الروسيا وبروسيا وهولندة، وحضر أيضا ~~بالنيابة عن دولة إنجلترا، رئيس ms047 عمارة حربية. ~~(6) # وأول سفينة تجارية مرت بالقنال بعد الاحتفال بافتتاحه دافعة عوائد ~~الأمور باعتبار عشرة فرنكات عن كل طونولاته هي السفينة المسماة ~~«أمبيراتريس» وهي من سفن المساجيري أمبيريال، وهي الآن مساجيري ~~ماريتيم. # وهذه البيانات المتقدمة أجوبة على أسئلة وجهها إلى شركة القناة صاحب تقويم ~~النيل. # وقال «جرجس حنين بك» صاحب كتاب «الأطيان والضرائب»: # في تاريخ 13 يناير سنة 1863 جلس على أريكة الخديوية المغفور له إسماعيل ~~باشا، ولم يمض أكثر من سبع سنوات على تاريخ جلوسه حتى تم حفر برزخ ~~السويس وأعد رسميا لمرور البواخر في 19 نوفمبر سنة 1869. # وقد تكلفت خزانة الحكومة في تيار إنشائه نحو ستة عشر مليونا ونصف مليون جنيه، هذه ~~مفرداتها: ~~(1) # ثلاثة ملايين ونصف مليون قيمة السهام التي اشتراها المغفور له ~~«سعيد باشا». ~~(2) # ثلاثة ملايين قيمة الترضية التي حكم بها على الحكومة المصرية ~~الإمبراطور «نابليون» تعويضا لشركة القنال عما ألم بها من الضرر ~~بسبب ما نسب إلى الحكومة من أنها منعت تشغيل الأنفار ~~بالترع. ~~(3) # أربعمائة ألف جنيه ثمن أراضي ومباني رأس الوادي التي أخذتها ~~الحكومة من الشركة، «وهي أطيان جفلك الوادي التي كانت أخذتها شركة ~~القنال من خديو مصر بمليون وسبعمائة ألف فرنك، ثم أعيدت بعد ذلك ~~للحكومة في مقابل عشرة ملايين من الفرنكات.» ~~(4) # أربعمائة ألف جنيه نظير تعويض للشركة عن أعمال، قيل: إن الشركة ~~قامت بإجرائها في الترعة الحلوة. ~~(5) # ثمانمائة ألف جنيه صرفت إلى المقاولين الفرنساويين لإتمام إنشاء ~~الترعة الحلوة. ~~(6) # أربعمائة ألف جنيه أنفقتها الحكومة في إنشاء الترعة الحلوة. ~~(7) # مليون جنيه نفقات المهرجان الذي أعد للاحتفال بفتح القنال رسميا، ~~ويتبع ذلك نفقات أسفار إلى أوربة والآستانة في شئون ~~الترعة. ~~(8) # سبعة ملايين جنيه فائدة هذا المال لتمام استهلاكه.» وجاء في كتاب ~~«تاريخ مصر في عهد إسماعيل»: # في (غرة صفر سنة 1286 / 6 يوليو سنة 1864) أصدر نابليون الثالث ~~إمبراطور فرنسا حكمه في الإشكالات التي كانت بين سمو إسماعيل باشا والي ~~مصر والموسيو دولسبس رئيس شركة قنال السويس بما يأتي: # أولا: # إعادة ستة آلاف فدان من الأطيان الممنوحة ms048 ~~للشركة إلى الحكومة المصرية بتخفيض مقدار الأرض التي ~~كانت للشركة على جانبي الترعة من كيلو متر إلى ستين ~~مترا. # ثانيا: # إعادة جميع الأطيان التي باشرت الشركة ~~فلاحتها وزراعتها وقدرها 63000 هكتار إلى الحكومة ~~على ألا تبقي لنفسها منها سوى ثلاثة آلاف ~~هكتار. # ثالثا: # تتخلى الشركة للحكومة المصرية عن كل حق في ~~مد الترعة ذات الماء العذب من مصر إلى السويس ~~وبورسعيد، وإلزام الحكومة المصرية بمدها، وهي الترعة ~~المعروفة الآن بالإسماعيلية، مع حفظ حق الشركة في ~~الانتفاع بها. # رابعا: # إبطال حق الشركة في مطالبة الحكومة المصرية ~~بالعمال إلا على سبيل العارية ~~المأجورة. # خامسا: # إلزام الحكومة المصرية مقابل ذلك جميعه، ~~وعلى سبيل التعويض بدفع مبلغ 84 مليونا من ~~الفرنكات. # وخير ما يعقب به على هذا الحكم قول الشاعر الهازل: # منك الدقيق ومني النار أنفخها # والماء مني ومنك السمن والعسل # قال «فرانسوا جوزيف» إمبراطور النمسا ل «إسماعيل باشا»، وهو يودعه في محطة القاهرة: ~~«اسمح لي يا صاحب السمو أن أبدي رأيي الخاص: إن مصر لو كانت في حوزتي لوضعتها بين ~~جفني عيني وأحكمت إغلاقهما عليها حتى لا يراها أحد.» # لم يكن «فرنسوا جوزيف» مغمض العين حين فاه بهذه الكلمة؛ لأنه قد نظر بعيدا جدا إلى ~~الأعين التي فتحت على مصر في أرجاء العالم كله، ساعة الافتتاح! # وكأنما شاءت المقادير لقناة السويس هذه أن يحيط بها سوء التقدير من كل جانب وفي كل ~~حقبة؛ فإن «دلسبس» نفسه قد أساء التقدير كثيرا حين قدر أن اختصار المسافة من 11379 ~~ميلا إلى 7528 ميلا سيحول السفن الشراعية حتما من طريق رأس الرجاء إلى طريق ~~السويس، وحين قال لأصحاب الأموال من الإنجليز وهم معرضون عنه: «ليست بواخركم التي ~~تعنيني ولكنني أخطب ود السفائن ذوات الشراع.» فانقضت سنتان وهذه السفائن ذوات الشراع ~~تتجنب الطريق الجديدة، وهبطت قيمة السهم في السوق من عشرين جنيها إلى سبعة جنيهات، ~~ولم تقو الشركة على تعويض الخسارة إلا بعد موافقة الدول في مؤتمر الآستانة - باقتراح ~~الإنجليز في هذه المرة - على زيادة الرسوم بنسبة ms049 أربعين في المائة؛ لأن الكشف عن ~~مناجم الذهب في أستراليا وزيلندة الجديدة قد ضاعف حركة الملاحة بينها وبين هذه الجزر ~~النائية. وكان تقدم الآلات البخارية قد نقص من تكاليف الوقود فاعتمدت الشركة على هذه ~~«البواخر» التي خف حسابها في تقدير دلسبس وحاملي الأسهم الأولين. # وإذا رجعنا إلى العلة الحقيقية لنقص موارد القناة تكشفت لنا هذه العلة عن غش صريح في ~~تقدير حمولة السفن وتقدير الرسوم تبعا لهذه المغالطة؛ فقد كانت الحمولة «الواقعية» ~~أضعاف حمولة المركب المسجلة في الرخصة، فأعلنت الشركة في أول يوليو سنة 1872 أنها ~~ستحصل الرسم على الحمولة الموجودة فعلا في كل سفينة. وصدر الحكم لمصلحتها في الخلاف ~~بينها وبين بواخر «المساجيرى ماريتيم»، ولكن البواخر الإنجليزية فزعت إلى حكومتها ~~ودارت المفاوضات بين هذه الحكومة والحكومات ذوات المصلحة في القناة، واتفقت الدول ~~جميعا على عقد مؤتمر الآستانة للنظر في هذه المسألة سنة 1873، ورفض المؤتمر الأخذ ~~بمبدأ الشركة في تقدير الحمولة، ولكنه نظر - كما قال - إلى «تضحيات» حاملي الأسهم ~~فأضاف ثلاثة فرنكات على رسوم الطن المسجل حسب الطريقة الإنجليزية، وأربعة فرنكات على ~~الرسم المسجل بغير هذه الطريقة، وتقرر البدء بتحصيل الرسوم على هذا الحساب من 28 ~~أبريل سنة 1874، ولكن هذا التعديل لم يسر على السفن الحربية. # وقبل أن تستفيد مصر من هذا التعديل ضاعت من يدها أسهم الشركة التي كانت تملكها إلى ~~ذلك الحين، وتألبت المصاعب الداخلية والدسائس الخارجية على حرمانها هذا النصيب الوحيد ~~الذي خرجت به من أسهم الشركة، فقد علم صحفي إنجليزي - هو فردريك جرينوود محرر البال ~~مال جازيت - أن أزمات الديون قد ألجأت الخديو إسماعيل إلى المساومة على بيع حصة ~~الحكومة المصرية من أسهم القناة السويس، فبادر إلى إطلاع دزرائيلي على الخبر وتبين من ~~سؤال الخديو أنه صحيح وأن بيتا من بيوت فرنسا عرض على الخديو ثلاثة ملايين وستمائة ~~وثمانين ألف جنيه ثمنا للأسهم، وهي قرابة «177000سهم» نحو نصف الأسهم جميعا وعدتها ~~أربعمائة ألف سهم كما تقدم، ولم تعارض الحكومة الفرنسية في عقد هذه الصفقة مع الحكومة ms050 ~~الإنجليزية؛ لأنها كانت محتاجة إلى تأييدها أمام هجمات بسمارك ومحتاجة إلى معونتها ~~والاشتراك معها في القناة؛ دفعا لمناوراتها السياسية والاقتصادية حولها وحول غيرها ~~من المرافق الكبرى، فأوعز دوق ديكاز # Dicaze # إلى البيت ~~الفرنسي بكف يده عن المسألة، وقدم الصفقة هدية إلى دزرائيلي فبادر هذا إلى اغتنام ~~الفرصة ولم ينتظر إذن البرلمان بعد عودته إلى العمل من إجازة الخريف، وأسعفه روتشيلد ~~بالمبلغ المطلوب وهو أربعة ملايين وتمت الصفقة في نوفمبر سنة 1875. ~~••• # بعد هذه الصفقة لم يحدث شيء ذو بال يتعلق بالقناة غير اتفاق الدول في سنة 1888 على ~~حيدة القناة، وقد وقع على هذا الاتفاق مندوبو إنجلترا وألمانيا وروسيا وفرنسا ~~والنمسا والمجر وإيطاليا وهولندة وتركيا. وصرحت إنجلترا بأنها لا تتقيد بهذا الاتفاق ~~أثناء احتلالها العسكري للبلاد المصرية إلا بشرط يقضي بتعيين لجنة دولية لتنفيذ ~~الميثاق عند تهديد سلامة القناة، وأعلنت في المادة السادسة أنها تقر معاهدة 29 ~~أكتوبر سنة 1888 وتعمل على تنفيذها. # وعلى الرغم من هذه الحيدة «المضمونة» وهذا العهد المكفول بموافقة ثماني دول، فقد ~~استخدمت القناة في الحرب الروسية اليابانية (1904-1905) لشل حركات الأسطول الروسي ~~المعروف بأسطول البحر البلطي، وقد كان أقوى عدة للروس في حروب البحر، وكان تعويلهم ~~عليه أكبر من تعويلهم على السكة الحديد في سيبيريا لكسب الحرب البرية. وجلية الأمر أن ~~«المصادفات» كما قالت صحافة إنجلترا يومئذ قد انتظرت إلى أن وصل الأسطول الروسي إلى ~~مدخل القناة فأغرقت - أي المصادفات - سفينة عابرة وسط القناة وتعطل مرور السفن إلى أن ~~سمحت المصادفات أيضا بغلبة اليابانيين على الروس في الشرق الأقصى، فأزيلت السفينة ~~الجانحة عن الطريق، ووصل الأسطول إلى مقصده بعد فوات الأوان. ~~••• # وأهم ما حدث بعد معاهدة الحيدة وحادث الأسطول البلطي أن شركة القناة أرادت بعد ~~الاتفاق الودي بين إنجلترا وفرنسا بفترة وجيزة، أن تمد أجل الامتياز أربعين سنة بعد ~~انتهائه في 17 نوفمبر سنة 1968، وعرضت على مصر في مقابلة ذلك أن تقسم الأرباح مناصفة ~~بين الحكومة والشركة، وأن تدفع الشركة إلى الحكومة أربعة ملايين من الجنيهات ms051 على ~~أربعة أقساط تبتدئ من سنة 1910 وتنتهي في سنة 1913 وتنزل الحكومة من أجل ذلك عن ~~أرباحها - وهي خمسة عشرة في المائة من جملة الأرباح - ابتداء الأجل الجديد. # وقد كان الزعيم الخالد «سعد زغلول باشا» وزيرا يومئذ في الوزارة فاشترط للدفاع عن ~~الاقتراح أمام الجمعية العمومية أن يكون رأيها قاطعا في قبوله أو رفضه، ووافقت دار ~~المندوب البريطاني على هذا الشرط لأنها لم تشأ - بعد الاتفاق الودي بينها وبين فرنسا ~~- أن تصدمها برفض الاقتراح، فرأت في إحالة المسألة إلى الجمعية العمومية مخلصا من ~~المشكلة كلها، وكان الرأي العام في مصر متجها إلى رفض الاقتراح؛ كراهة منه لذكرى ~~القناة وعقابيل القناة. ~~••• # في خلال هذه السنين تضخمت السفن وتعذر مرور بعضها من القناة فوسعت وعمقت بين ~~سنة 1885 وسنة 1889 حتى بلغ عرضها خمسة وستين مترا أو خمسة وسبعين مترا على حسب ~~المواقع في الأماكن المستقيمة وثمانين مترا في الأماكن المنحنية وبلغ عمقها تسعة ~~أمتار. وبعد الإصلاحات التي تمت في سنة 1933 أصبحت القناة تتسع للسفن التي حمولتها ~~خمسة وأربعون ألف طن. # وقد بنيت بعد الحرب العالمية الأولى مدينة بورفؤاد على الضفة الشرقية أمام بورسعيد، ~~وأقيمت على القناة بعد نشوب الحرب العالمية الثانية قنطرة للسكة الحديدية تصل بين ~~القاهرة وبيروت. # ولم تزل إنجلترا تسعى عند دول البحر الأبيض المتوسط حتى اعترفت لها فرنسا وإيطاليا ~~بأهمية القناة العسكرية بالنسبة إلى مركز إنجلترا في الهند وما وراءها، ونصت المادة ~~الثامنة من المعاهدة المصرية الإنجليزية (1936) على إبقاء قوة بريطانية بجوار القناة ~~للدفاع عنها ريثما يستقل الجيش المصري بهذه المهمة. # وقد أدى تطبيق قانون الشركات الذي أصدرته حكومة «النقراشي باشا» إلى زيادة الأعضاء ~~المصريين في مجلس الإدارة وزيادة عدد الموظفين والعمال في الشركة وقضى اتفاق (7 مارس ~~سنة 1949) بين الحكومة المصرية والشركة بإجراء إصلاحات أخرى لتعميق القناة نصف متر؛ ~~تيسيرا لمرور السفن التي يبلغ غاطسها ستة وثلاثين قدما، ولا تقل حصة مصر بمقتضى ذلك ~~الاتفاق عن ثلاثمائة وخمسين ألف جنيه. # لقد جنى الإنجليز من أرباح ms052 القناة أكثر من عشرة أضعاف الثمن الذي بذلوه في الأسهم ~~المصرية، وقدرت قيمة الأسهم منذ سنوات بأكثر من ثلاثين مليون جنيه، وخولتها هذه ~~الأسهم أن تعين في مجلس الإدارة عشرة أعضاء من ثلاثة وثلاثين، ولكن دعوى إنجلترا في ~~القناة تتبدل في كل دور من أدوار السياسة البريطانية وكل دور من أدوار السياسة ~~العالمية. # قال النائب الإنجليزي باسيل وريفولد # Worsfold # في ~~كتابه «مستقبل مصر»: «إن سياسة إنجلترا في مصر عرضة للانحراف أو للنقض من جراء ~~المفاجآت في تطورات العلاقة بين الدول الكبرى.» # وقال قبل ذلك: «إن العناصر المهمة في تطورات الموقف، هي: (1) استقرار بريطانيا كقوة ~~رئيسة في شواطئ أفريقية الشرقية مع شبكة من النظام تتناول السودان وأوغندة وأفريقية ~~الشرقية البريطانية وأفريقية البريطانية الوسطى وروديسيا الشمالية والجنوبية. و(2) ~~امتداد الإمبراطورية الهندية وعلاقتها التي يحتمل أن تزداد اتصالا بتلك الشبكة من ~~النظام. و(3) إنشاء القوات الوطنية وتدريبها بإشراف أفريقية الجنوبية وأستراليا ~~وزيلندة الجديدة مع تأسيس بحريات محلية في أستراليا وزيلندة الجديدة. و(4) ارتباط ~~الهند وأفريقية الشرقية لأغراض الدفاع.» ~~«وعلى هذا، ومع حسبان الحساب للنقص المتتابع في أهمية قناة السويس من الوجهة ~~العسكرية، تظل مصر عاملا له قيمته في الدفاع عن الإمبراطورية، ويمكن أن يقال: إنه ~~مهما يبلغ من استعداد الشعب المصري سريعا لحكم نفسه لن تنجلي بريطانيا العظمى إلا ~~على شروط تخولها العودة إلى السيطرة العسكرية في حالة الاضطراب الداخلي أو التهديد من ~~الخارج.» # لا جرم إذن تصبح قناة السويس هي بيت القصيد من حوادث الإسكندرية وحوادث مصر عامة في ~~الحادي عشر من يوليو سنة 1882. # ولكنه بيت قصيد يتغير معناه ولا يزال متغيرا مع الزمن كما يشاءون، إلا أن يشاء الله. # | الصهيونية # من العوامل التي مهدت للاحتلال البريطاني عامل هام لا يجوز إهماله عند تقدير الواقع ~~في كل مسألة خطيرة، ولا سيما المسألة المصرية، وهو عامل «الصهيونية» التي تسمى ~~أحيانا باليهودية الدولية. # وقد رأينا طائفة من المؤرخين يتكلمون عن هذا العامل الهام في سياسة العالم؛ كأنه ~~«هيئة منظمة» تتألف من شيوخ محنكين يجتمعون ms053 في عواصم مختلفة ويصدرون في كل اجتماع ~~قرارا يتبع إلى موعد الاجتماع التالي، ويوشك أن تنطبق الحوادث في هذه الفترة حرفا ~~حرفا على ما رسموه ورتبوه. # ونحن لم نعرف فيما اطلعنا عليه دليلا قاطعا يثبت وجود هذه الهيئة من الشيوخ ~~المحنكين والرؤساء المطاعين الذين لا يعلم أحد كيف يقع عليهم الاختيار، وكيف تنعقد ~~لهم طاعة الملايين في أقطار العالم المعمور. ولكننا نحسب أن الحوادث التي يذكرها ~~أولئك المؤرخون لا تستلزم تفسيرها بوجود تلك الهيئة المختارة ، وأن التدبير المقصود ~~يمكن أن يتم بما بين أقطاب الصهيونيين من وحدة الغرض والقدرة على اغتنام الفرص ~~والانتشار في جهات العالم التي تفتح لهم منافذ الفرصة في أمكنة متعددة، مع اشتغالهم ~~جميعا بأسواق المال والتجارة التي تتصل سرا وجهرا بمسائل السياسة. # وسنرى فيما يلي مثالا «للتدبير» الذي يتم في حينه خطوة بعد خطوة على غير تفاهم سابق، ~~فيظهر بعد حين كأنه خطة مرسومة وضعها أناس متفاهمون، وأملوها على أتباع يدينون لهم ~~بصدق الطاعة وإخلاص النية، ولا تفاهم هناك في الحقيقة والإملاء. # اتفق في سنة 1798، سنة الحملة الفرنسية على مصر، أن يهوديا فرنسيا أذاع في باريس ~~خطابا إلى قومه يدعوهم فيه إلى تأليف مجلس عام يضم إليه مندوبين من اليهود المنتشرين ~~في أنحاء العالم، ويكون اجتماعه الأول في باريس لتقديم طلب إلى الحكومة الفرنسية ~~يسألونها أن تساعدهم على رد وطنهم القديم، ويشفعون هذا الطلب بالسعي في الآستانة ~~لإقناع السلطان العثماني بقبوله. وقد جاء في ذلك الخطاب أن البلاد التي يريدونها تشمل ~~الوجه البحري في مصر إلى عكا والبحر الميت وشواطئ البحر الأحمر، وهي رقعة من الأرض ~~تجعلهم سادة التجارة الهندية والعربية والفارسية، ويقول صاحب الخطاب: إن فرنسا يمكن ~~أن تستمال إلى هذه المهمة بما نخصها به من الربح والعوض والمقايضة على النفوذ. # نقل سوكولوف # Sokolow # هذا الخطاب في كتابه عن تاريخ ~~الصهيونية من سنة 1600 إلى سنة 1918، ونقل معه التصريح الذي أعلنه «نابليون» في ~~الصحيفة الرسمية بعد ذلك بسنة واحدة، ودعا فيه يهود أفريقية وآسيا إلى ms054 موافاة جيشه ~~ليدخل بهم في ظل رايته إلى مملكة «أورشيلم». # وقد فشلت حملة نابليون كما هو معلوم، وحبطت معها مشروعات كثيرة، ومنها هذا المشروع. ~~لكن الفكرة لم تزل تساور أذهان الصهيونيين، ولم يزل لها دعاة في القارة الأوروبية، ~~يعالجون تحريكها حيث سنحت لهم سانحة في الرجاء، وقد جاءت الحركة التالية من يهودي ~~متجنس بالجنسية الإنجليزية يسمى السير «موسى حاييم مونتفيور»، ويشتغل بالتجارة في ~~الشرق، وله معرفة بوالي مصر في ذلك العصر «محمد علي الكبير»، وقد كتب في مذكرته ~~بتاريخ الرابع والعشرين في شهر مايو سنة 1839 «أنه سيطلب من محمد علي أن يؤجر له ~~إقليما يزرعه من أرض فلسطين ويؤلف لاستغلاله شركة إنجليزية تؤدي أجرته مدة خمسين سنة ~~...» ثم تغيرت الأحوال بعد معاهدة سنة 1840 وإخراج فلسطين من حوزة محمد علي، فقنع الرجل ~~بوعد من بالمرستون بحماية اليهود في البلاد التركية، واستأجر في سنة 1854 أرضا في ~~صغد؛ لإقامة نحو خمسين أسرة إسرائيلية. # وكما اتفق في سنة الحملة الفرنسية توجيه تلك الدعوة التي أشرنا إليها، اتفق كذلك في ~~سنة الاحتلال البريطاني - 1882 - أن جماعة باسم «بيت يعقوب تعالوا نذهب» تألفت في ~~الآستانة لاستئناف المساعي، حيث انتهى بها «موسى حاييم مونتفيور»، وكان اثنان من ~~الإنجليز المسيحيين، هما: اللورد «شافتسبري» والمستر «لورنس أوليفانت» يبذلان المال ~~لتوسيع الأرض التي يزرعها اليهود في فلسطين. # وقد بلغ النفوذ الصهيوني أوج القوة والشهرة بين الإنجليز في تلك الحقبة، وكان رئيس ~~الوزارة الإسرائيلي - لورد بيكنسفيلد - يتولى الحكم من سنة 1874 إلى سنة 1880، وهو ~~الذي اشترى أسهم مصر في قناة السويس من الخديو إسماعيل بعد إعراض الإنجليز زمنا عن ~~المساهمة بكثير أو قليل في شركة القناة، وخطابه إلى الملكة فكتوريا عن هذه الصفقة يدل ~~على كثير؛ حيث يقول: # الآن تمت، وهي في يديك سيدتي ... أربعة ملايين من الجنيهات ... وتكاد تؤدى ~~فورا، ولم يوجد غير بيت واحد يعقدها، هو بيت روتشيلد ... لقد سلكوا مسلكا ~~عجبا، بذلوا المال بفائدة قليلة، وباتت حصة الخديو كلها اليوم ملك يديك ~~سيدتي ...! # وقد مر ms055 بنا في هذه العجالة أن دزرائيلي - أي اللورد بيكنسفيلد - قد اشترى الصفقة في ~~غيبة البرلمان وبغير إذنه، وهي مجازفة نادرة في تاريخ السياسة البريطانية. # ودزرائيلي هذا هو المؤلف المشغول بالحملة على الشرق وفلسطين وسيناء، أحد أبطاله في ~~رواية «تانكرد» أو «الحملة الصليبية» الحديثة يتلقى الوحي والبشارة في سيناء، وبطل ~~آخر من أبطاله الصهيونيين في رواية «كوننجزبي» # Coningsby # يقول: # إن الثورة العتية التي تتأهب هذه الآونة في ألمانيا ... ولا يعرف في ~~إنجلترا حتى الساعة إلا القليل عنها، تجري بأعين اليهود الذين كادوا أن ~~يستأثروا بكراسي التعليم في بلاد الألمان ... فأنت ترى يا عزيزي كوننجزبي ~~أن الدنيا يتولى حكمها أناس آخرون غير هؤلاء الذين يتخيلهم من لا ينظرون ~~فيما يجري وراء الستار. # وقد زار دزرائيلي مصر زيارة ~~استطلاع وجاس خلالها من الإسكندرية إلى الشلال. # أما روتشيلد فهو القائل: «لا يهمني إذا صرفت مال أمة من يضع لها قوانينها!» وبيت ~~روتشيلد هو صاحب الدين المضمون في مصر، وهو الذي وفق بفروعه المتشعبة في إنجلترا ~~وفرنسا وألمانيا، بين دزرائيلي وبسمارك. وأصحاب الديون من الألمان اليهود هم الذين ~~جعلوا وزير ألمانيا يتوسط للتوفيق بين الإنجليز والفرنسيين في المسألة الشرقية، على ~~طريقة المقايضة. # وقد تتراءى لنا أهمية العمل الذي أقدم عليه دزرائيلي بتشجيعه بيت روتشيلد على إقراض ~~الخديو، إذا عرفنا أن حملة الاحتلال قد حدثت في عهد وزير الأحرار غلادستون، وأن ~~غلادستون كان معارضا في الاحتلال، وقد استقال أحد وزرائه استنكارا لضرب الإسكندرية. ~~ولكن قروض روتشيلد وغيره قد صورت المسألة بصورة الحيطة لحماية حق الدائنين، وأضيفت ~~إليها حماية أرواح المسيحيين المهددين، فحدث على يد وزير الأحرار «القديس» ما كان ~~خليقا أن يحدث على يد الوزير المحافظ بيكنسفيلد، أول من سمى الملكة فكتوريا ~~بإمبراطورة الهند، وأوشك أن يجعل من ألقابها الرسمية «حامية الملة» ليصبح من حقها ~~يوما ما أن تشرف على طريق الهند باسم المال واسم الدين. # والشائع على الألسنة أن دزرائيلي عرضت له فرصة شراء الأسهم المصرية، فأسرع إلى ~~اغتنامها على غير تدبير سابق في هذه ms056 الصفقة ولا في غيرها من صفقات أسهم القناة، غير ~~أن الواقع أن شراء الأسهم كلها أو معظمها أو بعضها كان من الخواطر الملازمة لتفكير ~~دزرائيلي من قبل سنوح هذه الفرصة. وكان هذا السياسي على الدوام من وراء المضاربات ~~المالية التي كان يراد بها استدراج حملة الأسهم إلى بيعها بالسعر البخس في أزمات ~~العملة التي كانت تلعب بالنقد وأسهم الشركات في أيام الحروب والفتن، وقد سعى جهده عند ~~دلسبس لبيع الأسهم الفرنسية للحكومة الإنجليزية مغريا له بالمعونة الدولية التي ~~تضمنها شركة القناة إذا تعددت الحكومات التي تنتفع بها. وكان دلسبس يميل إلى عقد ~~الصفقة معه ويتردد في طرق أبواب لندن بعد إغلاقها في وجهه مرات في أيام وزارة ~~غلادستون، وبعد أن تبين له أن وزراء الإنجليز - ومنهم اللورد دربي - لا يرحبون بصفقة ~~من هذا القبيل. ولما حصل دزرائيلي أخيرا على الأسهم المصرية لم يكتم محاولته السابقة ~~ولا مقاصده التالية في تصريحه أمام مجلس النواب بجلسة الحادي والعشرين من شهر فبراير ~~سنة 1876، فقال: «إنني لم أزل من زمن أوصي بالحصول على أسهم القناة، وقد عقدتها صفقة ~~مالية وسياسية واعتبرتها صفقة لازمة لتمكين الإمبراطورية، وهذا الذي أعنيه اليوم وقد ~~ارتاحت إليه البلاد التي تفهمني جيدا وتقبلته بالغبطة والسرور، أما الذين انتقدوني ~~من أجل هذه الصفقة فهم كما يخيل إلي لا يفهمون المسألة على هذا الوجه.» ~~••• # من هذا القبيل أثر النفوذ الصهيوني في السياسة الدولية، وفي المسألة المصرية على ~~الخصوص: اتفاق في الغرض واغتنام للفرصة، وتوزيع للعمل بين دوائر السياسة والمال في ~~مختلف الجهات. # | الدولة العثمانية # من مقدمات ضرب الإسكندرية التي تتعلق بالدولة العثمانية ما هو متقدم يرجع إلى تاريخ ~~فتح مصر، وما هو متأخر يرجع إلى يوم الضرب نفسه أو قبله بيوم واحد، وتتلخص هذه ~~المقدمات فيما يلي: ~~(1) # إضعاف موارد الثروة. ~~(2) # الامتيازات الأجنبية. ~~(3) # مسألة وراثة العرش. ~~(4) # الاشتراك في الحروب. ~~(5) # موقف الدول من حوادث الثورة العرابية. # فمصر كانت غنية قوية قبل الفتح العثماني، وقد هزمت الجيوش العثمانية أكثر من مرة في ~~الشام وعلى الحدود ms057 المصرية. وكانت على الرغم من تحول التجارة إلى البرتغال قد احتفظت ~~بحصة كبيرة من أرباح التجارة البرية، وبقيت فيها صناعات نفيسة يشتغل بها ألوف من ~~العمال وتدر الرزق على ألوف من التجار. فلما فتحها السلطان سليم أخذ معه نحو ألف ~~«معلم» من معلمي هذه الصناعات، وترك المماليك يتنازعون الأقاليم ويعتمدون على النهب ~~والتسخير ومضاعفة المكوس على القوافل التجارية، فكانت حالة مصر في أيام المماليك ~~مقدمة للحملة الفرنسية، فالمناورات السياسية بين فرنسا وإنجلترا لاحتلال مصر أو تغليب ~~النفوذ فيها. # أما الامتيازات الأجنبية فقد تورطت فيها الدولة العثمانية بعد فتح مصر ببضع عشرة سنة، ~~فعقد السلطان «سليمان القانوني» أولى معاهداتها مع «فرنسوا» ملك فرنسا سنة (1535)، ~~وكانت الرغبة في استئناف طرق التجارة الشرقية في بلاد الدولة أهم دواعيها والمغريات ~~عليها، ولم يكن ذلك مما يعني الترك يوم كانت مصر والشام في أيد غير أيديها. # ومسألة وراثة العرش قد نشأت في مصر وتركيا في وقت واحد، ولكنها تمت في مصر ولم تتم في ~~تركيا إلى أن فارقها آخر خليفة من بني عثمان. # وكانت التقاليد العثمانية في وراثة العرش أن يتعاقب العرش الأكبر فالأكبر من أمراء ~~الأسرة المالكة، ولم يكن «محمد علي الكبير» يشغل باله بتعديل هذا النظام؛ لأن ابنه ~~الأكبر إبراهيم كان أكبر الأمراء بطبيعة الحال، ولعله كان ينوي أن يقرره على أساس ~~ثابت لولا المرض الذي أصابه في أخريات حياته فاضطره إلى الاعتزال. # وقد بدأ الخلاف بين إبراهيم وعباس الأول ابن أخيه طوسن، فخاف عباس على نفسه وسافر إلى ~~الحجاز، فلما استدعي للولاية بعد وفاة إبراهيم ضيق الخناق على أبناء أخيه جميعا، ~~واتهم إسماعيل بقتل أحد خدمه؛ لأنه علم أن الأمراء متفقون على شكايته إلى السلطان، ~~فأراد أن يشعره بمقتهم عنده، وقد سافر الأمراء فعلا إلى الآستانة وبقي إسماعيل فيها ~~بعد عودة إخوته إلى القاهرة والإسكندرية. # وقد عرف في عهد عباس أنه كان يسعى لتعديل نظام الوراثة واختيار ابنه الأمير «إلهامي» ~~وليا لعهده، وفي سبيل موافقة الدولة على هذا التعديل أفرط في الخضوع ms058 لمطالبها وسير ~~الجيوش المصرية إلى نجدتها في حربها مع الروسيا. ولكنه لم يوفق لتعديل نظام الوراثة، ~~وفوجئ بالقتل قبل تحقيق رجائه، وقيل: إن لمقتله علاقة بمسألة الوراثة، وإنه دبر في ~~الآستانة. # وبعد إخفاق الحركة التي قام بها محافظ العاصمة لإقامة «إلهامي باشا» على العرش آلت ~~الأريكة إلى «محمد سعيد باشا»، فحدثت في أيامه حادثة فاجعة غيرت ترتيب المرشحين ~~لولاية العهد؛ وهي حادثة غرق الأمراء في كفر الزيات لإهمال ربط المركبات على القنطرة ~~المتحركة، ونجا «إسماعيل» من الغرق لأنه استدعي في اللحظة الأخيرة قبل سفر القطار من ~~الإسكندرية. # وبقي من الأمراء، مرشحان لولاية العهد، «مصطفى فاضل بن إبراهيم» و«عبد الحليم بن محمد ~~علي» - وكان لنحافته قد تمكن من مغادرة المركبة الغارقة من إحدى نوافذها - فاستطاع ~~«إسماعيل» لأسباب كثيرة أن ينقل ولاية العهد إلى أكبر أبنائه «محمد توفيق»، ومن هذه ~~الأسباب أن السلطان «عبد العزيز» نفسه كان يفكر في تعديل نظام الوراثة، وأن إقامة ~~«إسماعيل» في الآستانة عرفته بأصحاب النفوذ فيها وفتحت له مسالكها. # وقد كان تعديل نظام الوراثة مريحا لأولياء الأمر في مصر، متعبا لهم في الآستانة؛ ~~لأن الأمراء المحرومين لجئوا إليها ودأبوا على خلق المشكلات لإسماعيل وأبنائه، وتحريض ~~السلاطين والصدور - رؤساء الوزارات - عليهم في كل مناسبة، وقد كانت الدول الأجنبية ~~تستغل هذه المشكلات وتتذرع بها لتهديد الخديويين والسلاطين على حسب المصالح ~~والأهواء. # وقد دعت الدولة ولاة مصر من عهد «محمد علي» إلى عهد «إسماعيل» لنجدتها في حروبها، ~~فكانت نجدة مصر من الأسباب التي جعلت الدول تتواطأ على إضعاف جيشها وتقييد عدده ~~وعدته، وتأييد السلطان في سياسة إضعاف الجيش المصري بعد هزيمة تركيا أمام الحملات ~~المصرية. وقد كانت إنجلترا تحذر سلاطين آل عثمان من تجريد الحملة على مصر اكتفاء ~~بالقيود التي تفرض على جيشها. # أما موقف الدولة العثمانية من الثورة العرابية، فقد كان خطة مرسومة ولم يكن - كما قال ~~بعض المؤرخين الأوروبيين والشرقيين - جريا على عادتها في التردد والتناقض بين ساعة ~~وأخرى. # فإنها أرادت عند خلع «إسماعيل» أن تغير نظام الوراثة ms059 وحقوق الخديوية المصرية، فلم ~~توافقها الدول الأوروبية. فلما نشبت الثورة لم تقبل الدولة أن ترسل جيشا من عندها ~~لقمعها؛ لأنها كانت تنقم من الخديو «توفيق» موالاته لإنجلترا وفرنسا، وكانت تعلم من ~~الأمراء العلويين في الآستانة أن «أحمد عرابي» يفضلهم على الخديو وأنهم هم يقبلون ~~ولاية مصر بشروطها التي تريدها الدولة، فأحجمت عن إرسال الجيش التركي عند طلبه ~~انتظارا للنتيجة. ورأت أن مصلحتها في ترك الخديو وشأنه أجدى عليها من تأييده ثم ~~الجلاء على الأثر كما اشترطت عليها الدول الأجنبية. # وكانت دوائر الآستانة ترجح أن الدول تمنع انفراد واحدة منها باحتلال مصر، وزادها ~~ترجيحا لذلك أن الأسطولين الإنجليزي والفرنسي يرسوان معا في ميناء الإسكندرية. وقد ~~اعترضت على المؤتمر الدولي الذي انعقد في الآستانة لدرس المسألة المصرية، فقاطعته إلى ~~اليوم التاسع من شهر يوليو. ثم نمى إليها خبر عن تردد فرنسا وإخلائها الطريق ~~لإنجلترا، فأبلغت مؤتمر الآستانة عزمها على الاشتراك فيه من الغد، فأسرعت إنجلترا إلى ~~ضرب الإسكندرية قبل أن تعلن الدولة عن خطة تحمل الدول على إسناد الأمر إليها وكف يد ~~الإنجليز عن الانفراد بعمل حربي في الإسكندرية، وبعد ضرب الإسكندرية بأسبوعين أعلن ~~«الباب العالي» عزمه على إرسال جيش إلى مصر لإعادة النظام. # ترى لو أن الدولة العثمانية أرسلت جيشها إلى مصر، أكانت تمنع الاحتلال البريطاني بعد ~~أن أحكمت بريطانيا تدبيرها له وأعدت عدتها أعواما طوالا لوضع قدميها في وادي ~~النيل؟ # إن الذي حدث بعد ذلك يدل على أن إنجلترا كانت وثيقة العزم على صد الجيش التركي عن ~~النزول في مصر بكل حيلة مستطاعة، فلما تأهب الباب العالي لإرسال جنوده اشترطت عليه ~~إنجلترا شروطا عدة، منها: ألا تزيد الحملة على ستة آلاف جندي إلا بعد موافقتها، وأن ~~يكون نزولها في رشيد أو أبي قير أو دمياط ولا ينزل منها أحد بالإسكندرية أو بورسعيد، ~~وأن تكون أعمال الجيش التركي وجيش الاحتلال الإنجليزي باتفاق القائدين، وأن يبرح ~~الجيشان مصر في وقت واحد. # وقبل أن يتفق الطرفان، نشرت صحيفة التيمس كلمة، قالت فيها: إن ms060 الحكومة الإنجليزية ~~وقعت على رسالة من السلطان إلى عرابي تؤكد استمرار الوفاق بينهما على خطة مجهولة، ~~وأخذ الإنجليز يتحدثون عن خطر اتفاق الجيش التركي والجيش العرابي إذا اجتمعا بمصر، ~~وكان هذا التلويح هو «الدفع الاحتياطي» الذي تدخره السياسة الإنجليزية لمنع الجيش ~~التركي من النزول بمصر لو أذعن السلطان للشروط المفروضة على حركات جيشه وسكناته في ~~الديار المصرية. # فإنجلترا كانت تطلب الجيش التركي وتشترط عليه الشروط التي تعلم أنه يأباها، وتستعد في ~~الوقت نفسه بالحيلة التي تتوسل بها لصده في حالة القبول. # وغاية ما ينتظر من هذه المراوغة أنها كانت تؤجل المكيدة بضعة شهور. # | جنود وموظفون # إذا كان موضوع الكلام تاريخ ثورة أو تاريخا يتعلق بالثورة ومقدماتها وجرائرها، فمن ~~أمهات المسائل التي يدور عليها البحث بصفة خاصة، مسألة السلطة ومن يتولاها من ~~الموظفين المدنيين والعسكريين؛ لأن خروج الأمر من أيدي السلطة هو الثورة أو هو الحالة ~~التي تؤدي إليها؛ وقد كانت الثورة العرابية على الخصوص وثيقة العلاقة بمسألة السلطة ~~في الديار المصرية، على نحو لم يعرف له نظير في ثورات الأمم الحديثة، فكان «نظام» ~~التجنيد والتوظيف علة مباشرة من علل اختلال النظام. # كان الموظفون العسكريون والمدنيون في مصر طائفة غريبة عن الأمة المصرية، فلم يكن ~~بينهم وبين المحكومين تفاهم في اللغة ولا تقارب في العادات والأخلاق، وهذه الغرابة ~~وحدها كافية لدوام النفرة بين الرعاة والرعايا، أو هي في الواقع حالة ثورة كامنة في ~~انتظار الثورة الفعلية، كلما تهيأت لها دوافع الانفجار. # لم يكن نظام التوظيف هذا مقصودا في بادئ الأمر كما وقع في وهم بعض المؤرخين، بل لعله ~~كان نظاما مكروها دعت إليه الضرورة القاسرة؛ لأن المماليك الذين حكموا مصر بعد ~~الدولة الأيوبية كانوا يجهلون اللغة العربية إلا القليل منهم، وكانت مخاطباتهم كلها ~~باللغة التركية وموظفوهم كلهم من العارفين بها ما عدا صيارفة البلاد ومحصلي الضرائب، ~~فكان احتكار الوظائف الكبرى للترك والأمم الشرقية التي تتكلم بلسانهم ضرورة تفرضها ~~«الظروف» ولا يقصدها الحاكمون على نظام مرسوم. وتكاثرت من ثم طوائف الغرباء الذين ms061 ~~يتولون الحكم أو يستأثرون بالثقة والحظوة عند الحكام، فكان منهم الترك والشراكسة ~~والألبانيون والأرمن واليونان، وغيرهم من رعايا «الدولة العلية» المحسوبين من ~~العثمانيين. # وليس من النادر في هذه الأحوال أن تصبح العادة تقليدا متبعا، وأن يصبح التقليد ~~«مصلحة محتكرة» يغار عليها المنتفعون بها ويعملون ما في وسعهم لاستبقائها ويشفقون من ~~زوالها مع الزمن كلما لاح لهم أنها في خطر من المزاحمين والمتطلعين. ومن هنا تنجم ~~العداوة بين الغرباء وأبناء البلد لعصبية المنفعة مع عصبية الجنس واللسان. وقد تمكن ~~هذا «التقليد» في دواوين مصر حتى أصبح من المضحكات التي لا تعقل لولا أنها مكتوبة ~~محفوظة في سجلات الدواوين، فمن الأوامر التي أصدرها «كتخدا باشا» في سنة 1265 هجرية ~~(1849م) أن يرسل المستخدمون بالممالك المحروسة لحاهم كما هو جار في دار السعادة، ~~وعليهم - كما جاء في الأمر - «أن يرسلوا لحاهم حينما تظهر ولا يحلقوها وأن ينفذوا هذا ~~الأمر حالا على أثر تبليغهم إياه!» # وفي عهد «محمد علي الكبير» بدأ تعليم المصريين في المدارس العصرية، وصدرت الأوامر ~~المشددة باختيار النوابغ من طلاب الجامع الأزهر لإتمام الدراسة في مصر والبلاد ~~الأوروبية، فكان لهم نصيب من الوظائف العلمية وبقيت وظائف «التنفيذ» في أيدي ~~العسكريين وحكام الإدارة من الغرباء. وقد سار التطور الحديث بطيئا على الخصوص في ~~الوظائف العسكرية، فكان «أحمد عرابي» زعيم الثورة أول ضابط مصري ترقى إلى رتبة «قائم ~~مقام»، وظل في هذه الرتبة تسع عشرة سنة بغير ترقية؛ لأن رؤساءه نظروا إليه نظرتهم إلى ~~المقتحم الدخيل في هذه الرتب التي كانت مقصورة قبله على الغرباء. ومن مفارقات الزمن ~~أن الأمر الذي صدر بإنصافه بعد تكرار شكواه كتب إليه باللغة التركية، بما معناه أن ~~قد عفي عنه من عقوبة التأخير، وتلقاه «ديوان جهادية ناظري» بالعبارة الآتية: # 6 جي بيادة سابق قائمقام أحمد عرابي بك أشبوعر ضحال منظورم أولدي خطا سني ~~عفوا يتمشى أولد يغمدن حاله مناسب خدمة ظهورنك استخدام ايتدير لمسي حقنده ~~إيجابتي أجرا إيتمكز أيجون أشبو أمرم إصدار قلندي ... # وقد عرف عن «محمد ms062 سعيد باشا» والي مصر بعد «إبراهيم باشا الكبير» أنه كان شديد الميل ~~إلى توظيف المصريين وتقديمهم في المراكز العليا بالقاهرة والأقاليم، ومن أوامره ~~الأولى بهذا الصدد يتبين أن هذا التطور جرى على سبيل التجربة التي يتوقف المضي فيها ~~على نتائجها، لأنها أول تجربة من قبيلها، وهذه صورة أمر منها صدر في سنة 1273 هجرية ~~(1856) على سبيل الاختبار والإعذار؛ حيث يقول بعد الديباجة: ~~... قد سنح لخاطرنا أن أجعل الحكام ممن يوثق باعتمادهم في الأمور الدينية ~~والمدنية من عمد أبناء العرب بنواحي المديريات مع أبناء الترك على سبيل ~~التجربة وإبراز ما انطووا عليه من الثمرات المقصودة بالذات أو ضدها، ~~هنالك يكون الإقدام على تقدمهم أو تعيين تأخرهم عن برهان واضح، فابتدأنا ~~بتنصيب اثنين من عمد نواحي مديرية المنيا وبني مزار نظار أقسام ~~وجعلناهما موقعا للتجربة، وأمرنا مدير الجهة المذكورة بتنصيب جانب من ~~العمد حكام أخطاط، والآن قد تعلقت إرادتنا أن يكون حصول ذلك عموما بسائر ~~الأقاليم، فأصدرنا أوامرنا إلى المديرين عموما، وهذا إليكم لتنتخبوا من ~~عمد أبناء العرب المجربين الأطوار المتصفين بحسن الاستقامة والسياسة من ~~يليق للتقدم لمناصب الحكومة وترتبوا نظار أقسام مديريتكم على الثلث منهم ~~بأن يكون اثنان منهم نظار أقسام. # ولم يأت عهد إسماعيل حتى كان الفريقان قد انساقوا إلى موقف التناحر السافر والاصطدام ~~العنيف: تزايد المصريون الصالحون للمناصب فطالبوا بحقهم واعتزوا بكرامتهم، واقترب ~~الخطر من مراكز الغرباء فأصابهم مثل الجنون من رعونة الغيظ والخوف وحماقة الغطرسة ~~والعصبية، وبلغ سوء الظن غايته من نفوس الفريقين، فأوشكت حوادث الإساءة ورد الإساءة ~~أن تكون حوادث كل يوم وكل ديوان. # جاء في كتاب «مصر المسلمة والحبشة المسيحية»، كما روى صاحب كتاب «مصر في عهد إسماعيل ~~باشا»: «اتفق لملازم أول مصري والجيش معسكر في قرع قبل واقعة 7 مارس أن عثمان بك ~~آلايه الشركسي ضربه ذات يوم بدون سبب وبدون ذنب، فرفع الملازم شكواه من ذلك إلى ~~السردار راتب باشا وبينها بيانا مفصلا، فلم يلتفت السردار إليها وضرب بها عرض ~~الحائط، فرأي الملازم أن ms063 ضربه وهو ملازم لا يتفق مع الكرامة المطلوبة له، والتي ~~تطالبه نفسه بها ولا مع هيئته في نظر مرءوسيه فتخلى عن وظيفته ورجع إلى الصف بصفته ~~جنديا بسيطا ... ولكن أمير آلايه الشركسي عد عمله هذا خارجا عن حدود الأدب العسكري ~~ومستوجبا عقابا صارما يردع غيره عن الاقتداء به، وشاطره راتب باشا رأيه، فما استقر ~~في حصن ممر قياخور إلا وأمر بذلك الرجل الأبي، فسيق أمام مجلس حربي وحوكم محاكمة ~~أصولية على زعمهم فحكم المجلس عليه بالموت تحت الرصاص ونفذ الحكم فيه.» # وروى المصدر نفسه: «أن قائم مقام مصريا شعر بتوعك في مزاجه، والتمس من القائد ~~إسماعيل باشا الشركسي التصريح له بالبقاء في الحصن حتى يشفى، فأبى عليه ذلك زاعما ~~أن مرضه ليس مما يستوجب الإمهال، فألح قائم المقائم، لا سيما أن الرفض الصادر من ~~رئيسه زاد فعلا في وطأة الداء على جسمه، فأمر إسماعيل باشا طبيب الفرقة بالكشف عليه، ~~واستعمل في أمره ألفاظا أدرك الطبيب منها أن الباشا يرتاح إلى تقرير لا يكون موافقا ~~للمريض، فكشف عليه وقرر أن المرض ليس ذا بال، فما كان من الباشا إلا أنه ذهب بنفسه ~~إلى خيمة ذلك القائم مقام وأمر باقتلاعها وقلبها على رأسه، وحتم أن يسير الرجل مع ~~أورطته مشيا على قدميه، فازداد المرض ثقلا على المسكين وحال دون تمكنه من الاستمرار ~~على المشي، فتأخر عن أورطته، فأمر إسماعيل باشا الشركسي بتجريده من رتبته وتنزيله إلى ~~الصف نفرا بسيطا ففعل، ولكن ذلك لم يشف غليله كأنه كان بينه وبين ذلك القائم مقام ~~ثأر قديم، فلما استقر الجيش العائد من قرع في قياخور طلب محاكمته أمام مجلس عسكري ~~فحوكم وحكم المجلس عليه بالإعدام فأخذوه وأجلسوه على الأرض موثق الركبتين مغلول ~~الكوعين وراء كتفه، وأطلقوا عليه الرصاص فجرح جروحا عدة ولكنه لم يمت، فكلف باشجاويش ~~بالإجهاز عليه، فقتله جبرا.» # هاتان حادثتان رواهما رجل أجنبي، واخترناهما من مئات الحوادث لأنهما وقعتا في أثناء ~~حرب - هي حرب الحبشة - حيث تجري العادة دائما باصطناع الحسنى وتكلف المودة ms064 بين ~~الرؤساء والمرؤسين، فيقاس عليها ما يجري في أوقات السلم التي لا مبالاة فيها ~~بالمحاسنة والتودد ويتخيل القراء ألوانا من أمثال هذه المظالم تتكرر في كل يوم وتسري ~~أخبارها إلى كل بيئة، ويقضي العمل فيها بالتعاون بين أناس ينطوي بعضهم لبعض على مثل ~~هذا الشعور. # وقد طرأ على الموقف في أواخر عهد إسماعيل طارئ آخر من طوارئ الحرج والنزاع، وهو ~~امتلاء الوظائف الكبرى في دواوين السكة الحديد والموانئ ووزارة المالية ووزارة ~~الأشغال بالموظفين الأوروبيين الذين جاء بهم المراقبون الأجانب ليضمنوا سداد الديون ~~من موارد تلك الدواوين، وفرضوهم على كل ديوان ينظمون موارده ومصارفه؛ لأنهم أعلنوا ~~أنهم لا يضمنون حسن العمل ولا انتظام المورد والمصرف في مصلحة حكومية ما لم يكن فيها ~~أناس يثقون بهم ويعولون على اجتهادهم وخبرتهم، فشجر بين هؤلاء الموظفين وبين الفريقين ~~من موظفي الحكومة المصريين والشرقيين خلاف دائم يحال في كل مرة على مرجع من مراجع ~~السلطة العليا، وهي موزعة بين المراقبين الأوروبيين وبين الشرقيين الغرباء وبين ~~المصريين المغضوب عليهم من هؤلاء وهؤلاء. # وكأنما كانت هذه المحرجات المتراكبة بحاجة إلى مزيد من دسائس السياسة، فجاءت هذه ~~الدسائس من كل صوب، وجعل الرؤساء يضربون كل طائفة من هذه الطوائف بغيرها، ويقربون هذه ~~يوما ويقربون تلك يوما آخر وفقا لأهواء الساعة، فكانت السلطة التي يوكل إليها حفظ ~~النظام هي مصدر الفوضى التي تخل بكل نظام. # وابتدأ عهد الخديو توفيق والحالة تتأزم والحرج يتفاقم ويتجسم، وشاع فيما شاع أن أصحاب ~~المناصب الكبرى ينقسمون إلى فريق يرحب بالعهد الجديد، وفريق يعمل على إعادة عهد ~~إسماعيل أو عهد أمير من الأمراء المقيمين في الآستانة بعد تحويل الوراثة إلى سلالة ~~إسماعيل، فانتشرت الريبة وسوء الظن في كل بيئة من بيئات الحكومة، وعمل المتنافسون ~~غاية ما في طاقتهم للإيقاع بمنافسيهم. وكان على وزارة الحربية ناظر شركسي زعم أنه ~~يقمع الفتنة في مكمنها، فأمر بمنع الترقية من تحت السلاح - أي من صف الجنود - بامتحان ~~أو بغير امتحان، وفرق رؤساء الكتائب المصريين ليتمكن من إخضاعهم وتشتيت ms065 شملهم، فلما ~~اجتمعوا ولجئوا إلى الشكوى عوملوا معاملة المتمردين وسيقوا إلى المحاكمة بحيلة من ~~الحيل، فقيل لهم: إنهم مدعوون إلى وليمة وأخذوا في ثكنات قصر النيل على حين غرة، ~~فهجم زملاؤهم على الثكنات لإنقاذهم، وحدثت للمرة الثانية في مدى سنوات قليلة مظاهرة ~~عسكرية تتحدى أوامر الرؤساء. # وبات كل فريق على حذر، واشتد الحذر كما يشتد على الدوام مع الريبة والتحفز وفساد ~~النية، فسرى من الدواوين إلى البيوت، واتهم الخدم بدس السم للمخدومين وخامرت الظنون ~~رؤساء الكتائب فأصبح كل اتصال بين ضباط من ضباطهم وبين رجال الكتائب الأخرى محلا ~~للريبة والاشتباه. ولما حوكم فريق من الضباط الشراكسة لاتهامهم بالتآمر على اغتيال ~~الضباط المصريين، استكبر الخديو توفيق عقوبتهم واستبدل بها - بعد مشاورة الآستانة - ~~عقوبة أخف منها كالنفي والاستيداع. كذلك كانت علاقة السلطة بين موظفيها وجنودها ... أما ~~المحكومون بتلك السلطة فكانوا ضحية النزاع الدائم وعرضة لسطوة كل فئة من الموظفين ~~تنافس غيرها في القدرة على تحصيل الضرائب أو جمع «القرض» بعد استيفاء الضرائب أو ~~استنباط الحيلة لتقديم الأقساط في مواعيدها، ومنها ثمن الإعفاء من السخرة كما تقدم أو ~~ثمن الإعفاء من الجندية، مع العلم بأن عدد الجيش محدود وأن الحكومة لا تحتاج إلى ~~جنود. # | نهضة الإصلاح # شاعت الثورات وحركات الإصلاح في الغرب والشرق خلال القرن التاسع عشر، وقيل في ~~تعليلها: إنها عدوى الثورة الفرنسية التي بدأت في القرن الثامن عشر، ولم تزل تتجدد ~~إلى ما بعد سقوط نابليون الكبير فنابليون الصغير. # ومهما يكن من أثر العدوى بين الأمم - وهو أثر محقق لا جدال فيه - فمن النادر جدا، ~~إن لم يكن من المستبعد عقلا، أن تثور أمة لمجرد العدوى وحب التشبه بغيرها، فلا بد ~~لكل ثورة من بواعث متعددة في أحوال الأمة نفسها تساعدها العدوى على الظهور. # وهكذا كانت الحال في مصر من منتصف القرن الثامن عشر، بل ربما خصت مصر باجتماع طائفة ~~من بواعث السخط لم تجتمع قط في أمة واحدة في وقت واحد، فتضافرت البواعث السياسية ~~والوطنية والمعيشية والفكرية وكل باعث يوغر ms066 الصدور على إزعاج الأمة المصرية. # ونفى الأمن والطمأنينة عن نفوس أبنائها طغيان الدول الأجنبية ومساوئ الامتيازات التي ~~بلغت القحة بأصحابها أن يحسبوها فرصة لاستذلال المصريين بغير داع وفي غير مصلحة ~~معروفة، وأثقال الضرائب والقرض والسخرة والمصادرات التي استنفدت الأرزاق في زمن قلت ~~فيه المحاصيل والمرافق وتتابعت فيه الأوبئة ونوبات القحط تارة والفيضان تارة أخرى، ~~واختلال الحكم وتنازع السلطة بين الحاكمين من الأجانب والغرباء والوطنيين، وجرح ~~الشعور الديني بإباحة المنكرات علانية وتمادي أشرار الأجانب المحميين بامتيازاتهم في ~~التحريض على الفساد بجميع أنواعه، ومنه الفجور والقمار والربا الفاحش وما يقترن بها ~~من الفضائح والمخزيات. # لا عجب في أمثال هذه الأحوال أن ترهف الأمة أسماعها لالتقاط كل دعوة إلى الإصلاح ولو ~~لم يكن فيها غير الأمل في التغيير. # وقد كانت النهضة الفكرية في إبانها، وكان المتعلمون من أبناء مصر يسمعون أخبار ~~النهضات الفكرية ويتناقلون أفكار دعاتها ومذاهب الساسة والحكماء القائمين عليها. وقد ~~قرأ الكبار والصغار في عهد «محمد علي الكبير» كتاب رفاعة بك بدوي الطهطاوي الذي سماه ~~«تخليص الإبريز إلى تلخيص باريز» وفيه بيان للدستور الفرنسي وحقوق الفرنسيين ومبادئ ~~الثورة وحرية القول والكتابة، ومن ذلك قوله عن الصحف، ننقله بنصه حيث يقول: «أما ~~المادة الثامنة فإنها تقوي كل إنسان على أن يظهر رأيه وعلمه وسائر ما يخطر بباله مما ~~لا يضر غيره فيعلم الإنسان سائر ما في نفس صاحبه، خصوصا الورقات اليومية المسماة ~~بالجرنالات والكازيطات؛ الأولى جمع جرنال، والثانية جمع كازيطة، فإن الإنسان يعرف ~~منها سائر الأخبار المتجددة، سواء كانت داخلية أو خارجي؛ أي داخل المملكة أو خارجها، ~~وإن كان قد يوجد بها من الكذب ما لا يحصى إلا أنها قد تتضمن أخبارا تتشوف نفس ~~الإنسان إلى العلم بها على أنها بما تضمنت مسائل علمية جديدة التحقيق أو تنبيهات ~~مفيدة أو نصائح نافعة، سواء كانت صادرة من الجليل أو الحقير. لأنه قد يخطر ببال ~~الحقير ما لا يخطر ببال العظيم، كما قال بعضهم: لا تحقتر الرأي الجليل يأتيك به الرجل ~~الحقير، فإن الدرة ms067 لا تستهان لهوان غواصها، وقال الشاعر: # لما سمعت به سمعت بواحد # ورأيته فإذا هو الثقلان # فوجدت كل الصيد في جوف الفرا # ولقيت كل الناس في إنسان # ومن فوائدها أن الإنسان إذا فعل فعلا عظيما أو رديئا وكان من الأمور المهمة، ~~كتبه أهل الجرنال ليكون معلوما للخاص والعام لترغيب صاحب العمل الطيب ويرتدع صاحب ~~الفعلة الخبيثة. وكذلك إذا كان الإنسان مظلوما من إنسان كتب مظلمته في هذه الورقات ~~فيطلع عليها الخاص والعام، فيعرف قصة المظلوم والظالم من غير عدول عما وقع فيها ولا ~~تبديل، وتصل إلى محل الحكم ويحكم فيها بحسب القوانين المقررة فيكون مثل هذا الأمر ~~عبرة لمن يعتبر.» # وكانت لرفاعة بك منظومات وطنية منها أناشيد تناسب ذلك العصر، وفي أحدها يقول مخاطبا ~~الجنود: # هيا انتظموا وارقوا الأوجا # هيا اقتحموا فوجا فوجا # هيا التحموا عند الهيجا # هيا هيا سونكي دوران ~~••• # لا تعطوا الأعدا مقودكم # لا ترضوا أن يستبعدكم # والله تعالى أسعدكم # بقتال وهزم ذوي الطغيان # للحرب هلموا يا شجعان # حب الأوطان من الإيمان # ولبثت هذه الأفكار أكثر من أربعين سنة تسري في الأذهان وتتغلغل في الطوايا ويتوارد ~~عليها في كل فترة مدد جديد من أفكار الناشئين في مدارس مصر والعائدين من المدارس ~~الأوروبية والمطلعين على الكتب المؤلفة والمترجمة، وتواتيها بواعث النفوس القلقة ~~والخواطر المتحفزة فتندفع كل يوم إلى غاية لا محيد عنها. # ثم وفد إلى مصر مصلح الشرق العظيم «جمال الدين الأفغاني» (مارس 1871) فوجد العقول ~~مهيأة لقبول دعوته. وأقام فيها سنوات ثمانيا يعلم ويخطب ويستنهض الهمم ويلقى الكبراء ~~والرؤساء، وينصح لهم بتنظيم الحكومة على القواعد الدستورية ويحض تلاميذه على الكتابة ~~والخطابة، ومنهم أمثال: محمد عبده وسعد زغلول واللقاني وعبد الله نديم وأديب إسحاق، ~~فكان كالقائد الذي جاء في حينه لحشد القوى المتفرقة وتوحيد وجهتها وإلهاب الحماسة ~~والنخوة في نفوسها. وقد جمع في محفله الماسوني نحو ثلاثمائة عالم ورئيس، منهم ولي ~~العهد «محمد توفيق» و«أحمد عرابي» القائد المشهور. # قال تلميذه الأكبر الأستاذ الإمام الشيخ «محمد عبده» في وصف هذه النهضة وأثرها ms068 في ~~نفوس طلابه: «كانوا ينتقلون بما يكتبونه من تلك المعارف إلى بلادهم أيام البطالة، ~~والزائرون يذهبون بما ينالونه إلى أحيائهم، فاستيقظت مشاعر، وانتبهت عقول، وخف حجاب ~~الغفلة في أطراف متعددة من البلاد خصوصا في القاهرة. كل ذلك والحاكم القوي في علو ~~مكانه أرفع من أن يناله هذا الشعاع في ضعف شأنه. وما زال هذا الشعاع يقوى بالتدريج ~~البطيء، وينتشر في الأنحاء على غير نظام إلى أن نشبت الحرب بين الدولة العثمانية ~~ودولة روسيا (1887) ... وجد الناس من نفسهم لذة في الاطلاع على ما يكون من شأن الدولة ~~العثمانية صاحبة السيادة عليهم مع دولة روسيا. فتطلعوا إلى ما يرد من أخبار الحرب، ~~وكثرة الأجانب في هذه البلاد سهلت ورود الجرائد الأوروبية إلى طلابها من الأوروبيين، ~~ومخالطتهم للعامة والخاصة مهدت الطريق إلى العلم بما فيها. وسرى هذا الشعور إلى بعض ~~الجرائد العربية التي كانت لا تزال إلى هذا العهد مقصورة على ما لا يهم، فانطلقت في ~~إيراد الحوادث. فوجد في الناس الناقم على تلك الجرائد والناصر لها، وحدث بين العامة ~~نوع من الجدال لم يكن معروفا من قبل. ثم استحدثت جرائد كثيرة لمباراة ما سبقها في ~~نشر الأخبار ومناوأتها في المشرب، واندفعت الرغبات إلى الاشتراك فيها إلى حد لا يمكن ~~منعه، وقضى سلطان الوقت على سلطان الإرادة القاهرة. # ولم يكن ما ينشر في الجرائد محصورا في حوادث الحرب بل اجترأ الكثير منها على نشر ما ~~عليه سائر الأمم في سيرتهم السياسية والمعاشية وزادوا على ذلك نشر ما كان قد بدأ في ~~الحكومة المصرية من سوء الأحوال المالية. وأخذ جمال الدين في حمل من يحضر مجلسه من ~~أهل العلم وأرباب الأقلام على التحرير وإنشاء الفصول ... وأخذت الحرية الفكرية تظهر في ~~الجرائد إلى درجة يظن الناظر أنه في عالم خيال ...» # ووقع ما لا بد أن يقع من اصطدام بين هذه الدعوة ورجال الحكم من الأجانب والمصريين ~~وأحاطت الدسائس بجمال الدين من كل جانب، وتقرر نفيه من الديار. ودلت شدة الامتعاض منه ~~على استحالة التفاهم بين ms069 دعاة الإصلاح ومن يعارضونهم وينفرون من دعوتهم. وكان الخبر ~~الذي نشرته الوقائع المصرية - 31 أغسطس سنة 1879 - تسويغا لنفيه، يدل دلالة كافية ~~على مبلغ ذلك الامتعاض واستحالة التقارب بين من يفكرون على هذا النحو ومن يؤمنون ~~بآراء جمال الدين، وهذا بعض ما جاء في ذلك الخبر السخيف: # لما كان الأمن والأمان، والراحة والاطمئنان، يتوقف عليهما تمام العمران ~~في جمع الممالك والبلدان، ومن أنجح الأبواب وأصلح الأسباب، التي بها نجاح ~~الممالك، وسلوكها في أقدم المسالك، قطع دابر المفسدين الساعين فيما يضر ~~بالدنيا والدين ويكون ذريعة للطائشين المتظاهرين بين الناس بمظهر الحرية ~~بدون أساس، البانين ذلك على غير شرع، وأصل ثابت وفرع، وإنما هو مجرد ~~خزعبلات وترهات، وأشراك وأحبولات، نصبوها لاقتناص أمثالهم السفهاء ~~والجهال، الذين هم بمعزل عن معرفة شيء من صالح الأحوال. # إلى أن يقول عن جمعيته السرية: «رئيسها شخص يدعى بجمال الدين الأفغاني مطرود من بلاده ~~ثم من الآستانة العلية؛ لما ارتكبه من أمثال هذه المفسدة في ديارنا المصرية ... وهذا من ~~أكبر ما يغير الأفكار، ويجب أن يعامل مرتكبه بالتشديد والإنكار. فالتزمت هذه الحكومة ~~الحازمة أن تتخذ الطرق اللازمة، وتستعمل السداد في قطع عرق هذا الفساد، فأبعدت ذلك ~~الشخص المفسد من الديار المصرية بأمر ديوان الداخلية، ووجهته من طريق السويس إلى ~~الأقطار الحجازية ...» # بمثل هذا السخف خيل إلى ولاة ذلك العهد أن يسلكوا أعظم المصلحين أمام التاريخ في زمرة ~~المفسدين، فنقض التاريخ ما أبرموا وجرهم نفي الرجل إلى نقيض ما قدروا، وتسامع عارفوه ~~بنفيه على هذه الصورة المزرية فأخجلتهم الفضيحة واستفزهم الغضب لكرامته إلى إتمام ~~سعيه والدأب على منهاجه. فلما بدأت حركة الانقلاب بعد سنة من تاريخ نفيه كان تلميذه ~~«محمد عبده» إمامها الروحي، وتلميذه «عبد الله نديم» خطيبها المتوقد، وتلميذه «سعد ~~زغلول» قائد الطلبة في مظاهرتها، ثم أفلت الزمام من كل يد فكانت دعوة جمال الدين رحمة ~~إلى جانب الدعوات التي انتشرت في كل مكان على هدى العقل حينا وعلى غير هدى في ~~أحايين. # قال المؤرخ المصري «أحمد شفيق ms070 باشا» في الجزء الأول من مذكراته يصف القاهرة في تلك الأيام: # وانقلبت مصر مسرحا للخطباء في كل مجتمع وناد حتى في المساجد، ولم يبق ~~مجلس للسمر أو للاحتفال بعرس أو غيره إلا اقتحمه الخطباء واعتلوا منصة ~~المغنين بعد إقصائهم عنها وغيرهم، حتى لقد سمعت أن محمد عثمان المغني ~~الشهير كان إذا سئل: في أي فرح تغني الليلة؟ أجاب في الفرح الفلاني مع ~~عبد الله نديم! # وكثيرا ما كان الخطيب يستصحب معه بعض طلبة المدارس، وبعد خطابته يقدم ~~أحدهم إلى الجمع ليخطب فيهم إلى جانبه، فينبري الطالب مثيرا في الحاضرين ~~الغيرة والحمية، وقد شاهدت عبد الله نديم مرة يقدم فتحي أفندي زغلول ~~الطالب بمدرسة الحقوق ليخطب في حفلة عظيمة وبعد أن جال بخطبته في السياسة ~~كل مجال، أمسك عبد الله النديم بذراعه، وقال للحاضرين: # ألا تعجبون لما أبداه هذا التلميذ في خطبته من العلم والبيان ~~والتفنن في المواضيع مع أن جلادستون خطيب إنجلترا لا يتناول ~~إلا موضوعا واحدا في خطبته. ~~... وقدم مرة أخرى في إحدى الحفلات الطالب مصطفى أفندي ماهر فخطب القوم ~~وراقتهم خطبته، فقال عبد الله نديم: أشهدكم أيها الناس أن أمة يكون هذا ~~مقدار استعداد التلميذ فيها لا يغلبها أحد على أمرها. # وكان عرابي والبارودي وعبد العال حلمي وعلي فهمي وغيرهم من زعماء الحركة ~~يحضرون أكثر هذه الحفلات ويتصدرونها، فتلقى الخطب والقصائد في مدحهم ~~وتقديسهم وتعداد مناقبهم ولا ينصرفون عنها إلا بالتهليل والتكبير، فإذا ~~انتهت خرج الناس منها وكأنهم أهل سياسة ورياسة، وأصبح الناس كلهم عرابي ~~وأصبح عرابي الناس كلهم، وانحلت الطبقات، واختلط الحابل بالنابل والعالي ~~بالسافل. وقد كان عرابي يمثل في شكل البطل المنقذ، وقد وزعت صورته في ~~أنحاء البلاد، وهو جالس ينظر نظرات بعيدة وعلى رأسه عبد العال قابضا على ~~سيفه وإلى جانبه علي فهمي وهو يمسك بيده ورقة مطوية كتب عليها ~~«الدستور». # وهكذا سارت الروح العرابية في الأمة بأسرها وجعلت كل الطبقات في صعيد ~~واحد ممتزج بعضها ببعض. # وقد اختلط الحابل بالنابل والعالي بالسافل حقا في ms071 تلك الحركة، كما قال صاحب ~~المذكرات، ولكنه اختلاط لم تسلم منه حركة قومية ولا تعاب به الحركات القومية من ~~قبيلها، بل من شروط كل دعوة تتناول الشعوب أن يهتم بها العامة والدهماء، كما يهتم بها ~~الخاصة وقادة الآراء. وقد كانت نهضة مصر في القرن التاسع عشر نهضة قوية وحركة طبيعية ~~لا غبار عليها، ولكنها كانت تخطو في طريقها وأمامها عقبات السياسة كلها خارجا ~~وداخلا تصدها إلى الوراء، وعلى كواهلها أوزار الماضي الثقال تهبط بها إلى الأرض، ~~فتعثرت ولم تنطلق إلى غايتها، ولكننا نحن اليوم لم ننته إلى شيء لم يبدأ فيه طلاب ~~الإصلاح بدايتهم التي لا محيص عنها في ذلك الجيل. # | أحمد عرابي # سميت الثورة التي أعقبها الاحتلال البريطاني باسم الثورة العرابية؛ نسبة إلى زعيمها ~~«أحمد عرابي» بطل الحرية والدستور في عصره. وهي نسبة صادقة وتسمية مطابقة؛ لأن زعامة ~~عرابي لتلك الثورة كانت من مشيئة القدر التي لا محيد عنها، فلا حيلة فيها لعرابي نفسه ~~ولا لأحد من أشياعه وأتباعه. وينظر المتأمل في تاريخها فيحار في اختيار اسم آخر يقترن ~~بها ويقوم بأعبائها، فكأنما كانت قرعة ألقاها القدر فوقعت على عرابي دون غيره، وسيقت ~~إليه كما سيق إليها من فعل الحوادث وفعل الزمن وفعل المصادفات التي تتوافى على قدر ~~واتفاق. # لم يكن في الجيش المصري من هو أقدر من عرابي ولا أعرف منه بمطالبه وأحق منه بعرضها ~~والدفاع عنها، وكانت حالة الجيش في ذلك العصر تلخص حالة الأمة المصرية في ~~جملتها. # كان المصريون من الضباط قد برزوا في عهد «محمد سعيد باشا» وفي طليعتهم «أحمد عرابي»، ~~وكان أول ضابط فلاح وصل إلى رتبة قائم مقام وعرف حقه في التقدم بالقياس إلى زملائه من ~~الترك والشراكسة. ونكب الجيش بعد ذلك في حرب الحبشة من جراء عجز القيادة وغيرتهم من ~~مرءوسيهم المصريين الذين أبلوا في تلك الحرب أحسن بلاء وشهدوا بأعينهم خيانة رؤسائهم ~~وتواطؤهم مع الأعداء. فاعتقدوا أن التحقيقات التي أثبتت عليهم تهمة التقصير الشديد ~~على الأقل سوف تنتهي إلى إقصائهم وتأخيرهم ms072 وترشيح مرءوسيهم للترقي إلى مناصبهم. فلم ~~يكن شيء من ذلك بل كان نقيضه في مناصب الجيش وفي غيرها من المناصب الكبرى. وتمت ~~البلية بتمكين المقصرين والمتهمين من الانتقام كما يشاءون ممن عرضوهم للملامة ~~والاتهام. # أحمد عرابي باشا. # وقد لبث «عرابي» تسع عشرة سنة في رتبة القائم مقام، ووصل إليه الظلم حيث كان كلما ~~تطلع إلى الإنصاف والمساواة. ومن ذلك أنه حرم نصيبه من الأرض التي أمر الخديو إسماعيل ~~بتوزيعها على الضباط في إقليم الغربية وإقليم المنوفية. وكان الخديو قد دعا ضباط ~~الجيش إلى وليمة عامة ثم أعلن بعد الفراغ من تناول الطعام أنه قد أنعم على كل واحد من ~~الباشوات بخمسمائة فدان، وكل واحد من أمراء الألايات بمائتي فدان، وكل قائم مقام ~~بمائة وخمسين فدانا من زيادة المساحة. # قال «عرابي» في مذكراته: «ولكن عند الشروع في استلام تلك الأطيان ظهر الظلم وتجسم ~~بأكمل معانيه، فقد كان يتوجه كل واحد من المندوبين من طرف المنعم عليهم بأمر من ~~المديرية إلى بلد يختاره من أحسن البلاد تربة، ويطلب تحديد المقدار المعين قطعة واحدة ~~في أخصب حوض من الأراضي المملوكة لأربابها، فيجاب إلى طلبه ثم يحال المالكون الضعفاء ~~على الحيضان الأخرى التي توجد بها زيادة المساحة وقد لا توجد.» # إلى أن قال: «وقد حماني الله من الوقوع في شرك هذه المآثم على غير إرادة مني، وذلك أن ~~خسرو باشا أمير اللواء ... كان رجلا جاهلا متعصبا لجنسه تعصبا زائدا عن حد ~~المعقول. وكان قد أخبرنا ناظر الجهادية إسماعيل باشا سليم - الرومي الأصل - بأني صلب ~~الرأي شرس الأخلاق ... وطلب منه توقيف تسليمي الأطيان المنعم بها علي لحين تحقيق ما ~~افتراه من الكذب، فعرض ناظر الجهادية الأمر على الخديو مشافهة وصدر بناء على ذلك أمر ~~المعية لمديرية الغربية بعدم تسليمي تلك الأطيان.» # ولفقت لعرابي تهمة ثبتت براءته منها بعد أن عرضت أوراقها على «إبراهيم باشا خليل» ~~رئيس قلم العرائض، ولكنه ظل - بعد ثبوت براءته - ثلاث سنوات يتردد على الديوان ويطلب ~~إعادته إلى الخدمة ولا يجاب إلى ms073 طلبه، ثم أعيد إلى الخدمة المدنية ولم يصدر الأمر ~~بإعادته إلى الخدمة العسكرية إلا بعد أربع سنوات. # لقد أصاب الرجل كل ما أصاب قومه من الحيف وابتلى الضنك في نفسه وصحبه، وأقامته ~~الحوادث هدفا للاضطهاد من جانب الأقوياء وقبلة للرجاء من جانب الضعفاء. وكان ولا شك ~~رجلا ممتازا بكفاءته وخلقه ملحوظا حيث كان باستقامته واقتداره، ولم يعهد إليه عمل ~~من الأعمال المدنية أو العسكرية إلا أبدى فيه من الاجتهاد وحسن التصريف ونزاهة القصد ~~ما يشهد به المنصفون من رؤسائه وزملائه، وبعض هذه الأعمال غريب عن تربيته ونشأته، ~~كوقاية الجسور وبناء القناطر وتسليم المحصولات، فلم يؤخذ عليه عيب من عيوب الإهمال أو ~~التواني أو الاختلاس التي كانت فاشية في زمنه. ووضحت كفاءته الممتازة لكل من خبروه ~~ولازموه في حياته العامة أو الخاصة. ولا ريب أن الوالي «سعيد باشا» قد لمح فيه هذه ~~الكفاءة الممتازة حين خصه بهدية عجيبة في بابها وأسلوبها ولكنها كبيرة الدلالة في ~~مغزاها؛ إذ أهدى إليه نسخة من سيرة نابليون الكبير مترجمة إلى اللغة العربية، ولم ~~يعرف عنه أنه أهدى مثل هذه الهدية إلى أحد من ضباط جيشه وهم ألوف، وقد تكلم عنه ~~الضابط الأمريكي داي صاحب كتاب «مصر المسلمة والحبشة المسيحية»، فقال: «إنه خليق أن ~~يكون من خيرة الضباط في غير البلاد المصرية.» # ويلوح لنا أن الرجل مخلوق من طينة العبقرية التي يمتحن صاحبها بشقوتها كما يمتحن ~~بنعمتها وفضلها، ففي رأي «لمبروزو» وغيره من علماء المدرسة النفسانية التي عنيت ~~بدراسة الممتازين والنوابغ، أن العبقرية تمتزج بالأعراض العصبية، وقد رأى لمبروزو من ~~دراسة نابليون الكبير نفسه أنه مثل لهذه الطبيعة # Epileptoid ~~Nature # ورأى من دراسة القادة والزعماء أن عقولهم تتقبل البدوات ~~والأعاجيب وتولع بالأسرار والخفايا. ومن قصة عرضية وقفنا عليها في خلال أجوبة عرابي ~~على أسئلة المحققين يظهر لنا أنه لم يسلم من ضريبة العبقرية كما فرضتها الفطرة على ~~نظرائه؛ فقد قال عن حادثة تفتيشه بعد القبض عليه: «صار يفتشني حتى أخرج الجزمة من ~~قدمي وفتشها أيضا فلم ms074 يجد معي شيئا إلا جملة أحجبة كانت تحت ملابسي، وهي ليست بشيء ~~وإنما كان حملها بسبب أن أولادي كانت تموت بداء التشنج في حال الصغر ولم تجدهم نفعا ~~أدوية الحكماء، ففزعنا - وعلى حسب اعتقاد الناس في التحفظ على الأولاد - بحمل تلك ~~الأحجبة، وبالواقع حفظهم الله بسبب ذلك ...» # على أن العلامة التي لا تخطئ من علامات العبقرية هي «الخصوبة الذهنية» وهي أن يثمر ~~الذهن محصولا وافرا من بذور قليلة. وقد كانت الدروس التي تلقاها «عرابي» في صباه ~~قسطا مشتركا بينه وبين كل صبي من صبيان القرى؛ حضر مبادئ القراءة والحساب وما إليها ~~في الكتاتيب وأروقة الأزهر المعدة للمبتدئين، ولكننا نقرأ أقواله في الحكم النيابي ~~والمبادئ الديمقراطية والحقوق العامة وقواعد الإدارة والنظام، فيتمثل أمامنا حظ وافر ~~من الفهم والمعرفة لا يتهيأ للكثيرين ممن أحاطوا بالمعلومات المستفيضة في هذه ~~الشئون. # ولد هذا الزعيم في عصر يتمخض بالأحداث الجسام - 1841 - وكان مولده بقرية «هرية رزنة» ~~من إقليم الشرقية، وأبوه السيد «محمد عرابي» عالم تقي ينتمي إلى الحسين بن علي رضي ~~الله عنه، ويبذل ماله القليل في عمل الخير ومواساة الفقراء من أبناء قريته. وقد أنشأ ~~لهم مكتبا يتعلمون فيه، كان ابنه «أحمد» من تلاميذه. ثم دخل «أحمد» للجندية خلافا ~~لعادة الوجهاء الذين كانوا يحتالون على الخلاص من التجنيد بما وسعهم من الحيل وهي ~~كثيرة في ذلك الزمن، فانتظم في الجيش جنديا بسيطا وترقى في صفوفه بكفاءته ~~واجتهاده. وكانت تبدو عليه مخايل الزعامة من نشأته الباكرة، فأحاط به رفاقه والتفت ~~إليه رؤساؤه. واتفق في تلك الأيام أن تولى الإمارة «محمد سعيد باشا»، وأنه كان عظيم ~~السخط على كبار الرؤساء؛ لأنهم اشتركوا في اضطهاده أيام ولاية «عباس باشا الأول»، ~~فأعرض عنهم وأقبل على الناشئين من المصريين يشجعهم ويكافئهم بالترقية والعناية، فكان ~~«أحمد عرابي» صاحب النصيب الأول من عنايته، وكان كما تقدم أول مصري وصل في الجيش إلى ~~رتبة «قائم مقام»، وكانت ترقيته إلى رتبة الملازم بالامتحان أمام لجنة من الخبراء ~~العسكريين. ثم تتابعت ترقيته في عهد ms075 سعيد وذهب إلى الحبشة في عهد إسماعيل وهو «قائم ~~مقام»، فكانت له في الحرب الحبشية صفحة مشرفة بشهادة الأجانب والحبشان أنفسهم، ولم ~~يرتق إلى الرتبة التي تليها إلا بعد تسع عشرة سنة في أيام الخديو توفيق، وقد ظلت ~~فرقته خالية من رتبة «أميرالاي» ثماني سنوات وهو لا يرقى إليها. # ويعنينا من تاريخه في هذا الكتاب ما يرتبط بعلل الثورة ويساعد على تفسيرها. وخلاصة ~~مواقفه منها أنه زج فيها ولم يكن له محيد عنها، وأن أول ما أخذ عليه أنه تظلم من ~~الحيف فلم يغتفر له هذا التظلم، وهو أهون ما ينتظر من ذي كرامة لقي ما كان يلقاه هو ~~وزملاؤه، ولم يزل بمرصد للانتقام منذ وقع عليه الظلم فشكاه. # وليس في تاريخه ما يدل على أنه كان يتطوع للشكوى بغير سبب ملجئ إليها، فلما حدثت أول ~~مظاهرة للضباط حول وزارة المالية في وزارة «نوبار باشا»، أقحم خصومه اسمه في الحركة ~~ولم تكن له يد فيها؛ لأنه كان في دمياط وعاد منها ليلة وقوع المظاهرة، وقضى يومها وهو ~~مشغول بتسليم عهدته في مخازن الوزارة. # ولما اعتقل هو وزميلاه «عبد العال حلمي» و«علي فهمي» - أول فبراير سنة 1881 - لم تكن ~~فرقته من الفرق التي هجمت على معسكر قصر النيل لإنقاذهم من الموت المحقق، ولكنه اشترك ~~مع الفرق التي توجهت بعد الإفراج عنهم إلى قصر عابدين لرفع خبر المكيدة المدبرة لهم ~~إلى مقام الأمير. # وقد صدر الأمر بإقصائه عن القطر زمنا، وهو يعلم أن النتيجة المحققة لإخلاء مكانه هي ~~التنكيل بكل من شاركه في طلب الإنصاف، وتشتيت شمل المتظلمين والمتطلعين إلى الإصلاح. ~~فبقي في مكانه ليصيبه ما يصيب زملاؤه ومرءوسيه، أو تكتب لهم السلامة أجمعين. # ولو انحصرت شكايته في مظالم الرتب والوظائف لكان حكم التاريخ عليه وعلى أصحابه أنهم ~~أناس لا يعنيهم من صلاح الحكم إلا زيادة المرتبات والأرزاق، ولكنهم طلبوا إصلاحا لم ~~يكن في مصر كلها من لا يطلبه ولم يحل بينهم وبين تحقيقه إلا هوان شأن المصريين على ~~الأجانب المسلطين عليهم، ms076 وأولهم أصحاب الديون. # ففي الوقت الذي رصد فيه الحاسبون والخبراء كل مورد في مصر لسداد كل مليم من الديون ~~الأجنبية، عمدوا بجرة قلم واحدة إلى إلغاء دين المقابلة وقيمته سبعة عشر مليون جنيه؛ ~~لأنه دين وطني يستحقه المصريون ولم يساهم فيه الأوروبيون، وألغوا كذلك أسهم المصريين ~~في الدين الوطني وقيمتها خمسة ملايين. # وخلاصة دين المقابلة هذا أن الحكومة المصرية أعلنت في عهد الخديو إسماعيل أنها تعفي ~~من نصف الضريبة كل من يسدد الضرائب دفعة واحدة عن ست سنوات، فلما أشرف الأجانب على ~~الميزانية وحسبوا حسبتهم لتوفير أقساط الديون الأوروبية، أسقطوا هذا الدين كله وقرروا ~~تحصيل الضرائب كاملة على جميع أصحاب الأطيان، فوجب على نحو مليون مصري أن ينهضوا ~~بخسارة اثنين وعشرين مليونا بغير عوض وأن يغرموا ضرائبهم في كل سنة بالعصا والكرباج، ~~وهناك إحدى النكبات المتراكمة التي جمعت كلمة الأمة بأسرها على ضرورة الإشراف على ~~ميزانية الدولة صونا لأقوات المصريين في زمن عزت فيه الأقوات وكسدت فيه الأسواق ~~وأحاطت فيه الآفات بمحصولات الزراعة، فلم يكن هذا الإجماع بدعا في رأي أحد لم يسقط ~~المصريين عنده من كل حساب. # بدأت الحركة التي سميت بعد ذلك «بالعرابية» منذ رفع الضباط المصريون عريضتهم يلتمسون ~~العدول عن أوامر وزير «الجهادية» التي قضت بمنع الترقية من تحت السلاح، وتفريق الضباط ~~الذين حصلت ترقيتهم قبل ذلك في جهات الأقاليم. وقد طلبوا فيها عزل وزير الجهادية ~~وتقرير مبدأ الترقية بالامتحان والاختبار، فعولت الوزارة على محاكمتهم وفوضت إلى وزير ~~الجهادية «المطلوب عزله» أن يتولى عقابهم بنفسه. فدعا الضباط الثلاثة الذين وقعوا ~~العريضة - وهم أحمد عرابي وعلي فهمي وعبد العال حلمي - إلى ثكنات قصر النيل كأنهم ~~يدعون إلى كمين، وقيل لهم: إنهم مدعوون للاحتفال بزفاف الأميرة «جميلة هانم» شقيقة ~~الخديو. فلما ذهبوا إلى الثكنات أحاط بهم الضباط الشراكسة الذين اجتمعوا هناك من رتبة ~~الملازم إلى رتبة الفريق، وجردوهم من سيوفهم وساقوهم إلى حجرات الاعتقال ريثما ينعقد ~~المجلس العسكري للمحاكمة. ولكنهم كانوا قد أوجسوا خيفة مما وراء هذه الدعوة واتفقوا ms077 ~~مع زملائهم على المبادرة إلى إنقاذهم إن أحسوا الخطر على حياتهم، فأسرعت فرقتان من ~~رجال الحرس الخديو إلى الثكنات وكادت تكون مذبحة لولا أن «عرابيا» وقف بين الجند ~~والضباط الشراكسة ونهاهم أن يمسوهم بسوء. وانضمت فرق أخرى إلى الفرقتين وتوجهوا ~~جميعا إلى قصر عابدين؛ حيث عرضوا مطالبهم من جديد، فصدر الأمر بعزل وزير «الجهادية» ~~وتعيين «محمود سامي البارودي» لهذه الوزارة، وتأليف لجنة للنظر في أحوال الضباط ~~والجنود، وكان مرتب الجندي لا يزيد في الشهر الواحد على ريال. # ثم عزل «محمود سامي باشا» ولما يمض على تعيينه ستة شهور وعين «داود يكن باشا» في ~~مكانه. وظل كل فريق يتربص بالفريق الآخر ويرتاب في مقاصده وأعماله، واتسعت الهاوية ~~بينهما حين فوجئ غلام شركسي يدس السم في طعام «عبد العال حلمي» وقد كان وصيا عليه؛ ~~لأنه ابن زوج حرمه المتوفى. وانكشفت مؤامرات شتى للإيقاع بالضباط المصريين، وأحيطت ~~منازلهم بالحراس والجواسيس، وصدر الأمر من وزير الجهادية الجديد بمنع التزاور في ~~البيوت ومعاقبة كل ضابطين يسيران معا في الطريق. وتتابعت المواعيد بتنفيذ قوانين ~~الإصلاح وإجراء الانتخاب لمجلس النواب. وشاع أن مندوب إنجلترا مستر «ماليت» يتردد على ~~الديوان العالي وعلى الوزارة لإرجاء الانتخاب والاعتراض على إنشاء مجلس ~~النواب. # وكانت الحركة في هذه الأثناء قد شملت المدنيين والعسكريين، فأبلغ كبار الضباط الديوان ~~العالي أنهم حاضرون مع فرقهم - في اليوم التاسع من سبتمبر سنة 1881 - للشكوى من تأخير ~~تنفيذ القوانين وإعلان الدستور. فأشار مستر «كوكسن» قنصل إنجلترا في الإسكندرية على ~~الخديو بالخروج لمقابلتهم واستدعاء عرابي إلى مقربة منه ثم إطلاق النار عليه، ولكن ~~الخديو تردد في العمل بمشورته. ولم يصغ إليه حين استعجله وهو واقف إلى جانبه في ~~ميدان القصر، واكتفى بأن أمر عرابيا بالترجل، ثم سأله: لماذا حضرت إلى هنا؟ فأعاد ~~عرابي بيان المطالب؛ وهي: إقامة وزارة دستورية وافتتاح مجلس نواب وإبلاغ الجيش إلى ~~العدد المنصوص عليه في الفرمانات. وجاءت كلمة العبيد على لسان الخديو، فقال عرابي: ~~«لقد خلقنا الله أحرارا ولم يخلقنا تراثا وعقارا.» # عهد الخديو ms078 إلى «محمد شريف باشا» بتأليف الوزارة والاستعداد للانتخاب، ونمى الخبر إلى ~~الآستانة، فتخوف السلطان من سريان العدوى إلى بلاده وقيام الأمة هناك بحركة كهذه ~~الحركة للمطالبة بالحكومة الدستورية، فقدمت إلى مصر بعثة «علي نظامي باشا». واتفق ~~الرأي على إقصاء عرابي عن القاهرة، ولكنه أرجأ سفره إلى أن يصدر الإعلان عن موعد ~~الانتخاب. ولم يلبث أن أعيد إلى القاهرة؛ لأن الأقاليم التي مر بها جميعا أسرعت إلى ~~موكبه تهتف له وتنادي بحياته، وهرع إليه طائفة من الأعيان والشبان يتبعونه حيثما ~~سار. # وغضبت إنجلترا وفرنسا لاستجابة الخديو إلى مطالب الأمة، وأصر النواب على مراجعة ~~الميزانية، وأراد «شريف باشا» أن يتوسط في الأمر بعرض جزء منها على المجلس وإبقاء جزء ~~منها في رقابة المندوبين الأوروبيين؛ فاستقالت الوزارة حين تعذر التوفيق بين موقفها ~~وموقف النواب والأمة، وقامت وزارة غيرها برئاسة «محمود سامي باشا»؛ إذ اشترك فيها ~~عرابي وزيرا للجهادية - فبراير 1882 - فأرسلت الدولتان «لائحة» أو مذكرة تطلبان فيها ~~إقصاء عرابي من القطر وإقالة الوزارة - 25 مايو 1882 - وعلم رئيس الوزارة أن الخديو ~~قبل المذكرة، فاستقال محتجا على تعرض الدول لشئون الحكومة الداخلية، وجاء الأسطولان ~~الإنجليزي والفرنسي يعززان هذا التصرف بالإنذار والتهديد. # حدث هذا في السادس والعشرين من شهر مايو، ولم ينقض أسبوعان حتى وقعت مذبحة الإسكندرية ~~في الحادي عشر من شهر يونيو، وكانت منتظرة - أو كأنها منتظرة - لأنها تمام التدبير ~~الذي بدأ بذلك النذير. # كان في الإسكندرية يومئذ محافظ يسمى «عمر لطفي باشا» لم يحرك ساكنا لاتقاء هذه ~~المذبحة أو وقفها قبل تفاقمها واستشرائها، وسئل في ذلك، فقال أنه تلقى أمرا من ~~«عرابي» بالكف عن كل عمل في ذلك اليوم ... ولكن كذب الرجل ينجلي من أمرين لا يقبلان ~~اللبس والمكابرة: أحدهما أنه دخل الوزارة على أثر ذلك توا وزيرا للجهادية، والآخر ~~أن «أحمد عرابي» لم تكن له مصلحة في الفتنة، بل كانت الفتنة حربا عليه وحجة لمن ~~أرادوا أن يسجلوا عليه القصور في حماية الأرواح والأموال وحفظ الأمن والنظام. # وغني عن القول أن الأسطول ms079 الإنجليزي لم يأت إلى الإسكندرية ليرجع أدراجه كما أتى، ~~فقد طلب قائد الأسطول الإنجليزي وقف الترميم والتسليح في قلاع الميناء، ثم طلب تسليم ~~تلك القلاع ليحول بين الحامية المصرية ومعاودة الترميم بعد وقفه، وزعم أنه يدفع الخطر ~~عليه من تلك القلاع، وهو الخطر الذي لم يشعر به الأسطول الفرنسي الواقف إلى جانبه. ~~فانقسم الساسة وذوو الرأي إلى فريقين: فريق يرى التسليم وفريق يعارضه، ومنه «درويش ~~باشا» مندوب الباب العالي الذي حضر من الآستانة في تلك الأيام وحجته أن تسليم الحصون ~~المصرية أمر لا يملكه الخديو بموجب الفرمانات، وكان «عرابي» من المعارضين؛ لأن نية ~~الافتيات ظاهرة من الطلب المتعسف فلا فائدة تجنيها البلاد من إجابة القائد ~~إليه. # ولا ريب أن مجال القيل والقال هنا متسع لأصحاب الحكمة الخالدة: حكمة ماذا يجري لو ~~كان؟ وماذا يجري لو لم يكن؟ وماذا تصنع حين ينتهي كل صنيع؟ # فقد قيل يومئذ، ولا يزال يقال إلى اليوم: إن معارضة «عرابي» في تسليم القلاع هي التي ~~جرت إلى الاحتلال، مع أن تسليم القلاع هو الاحتلال بعينه مقبولا برضى الجميع من غير ~~مقاومة ولا اعتراض. # وقد استمر «عرابي» يقاوم بما عنده من وسائل المقاومة إلى ما بعد ضرب الإسكندرية في ~~الحادي عشر من شهر يوليو، ولم يكن نجاحه في صد الجيش الإنجليزي ميئوسا منه، بل كان ~~على نقيض ذلك أملا راجحا لولا الأوامر التي صدرت بمساعدة الجيش الإنجليزي، ولولا ~~خيانة المأجورين على هداية ذلك الجيش في دروب الصحراء، ولولا إعلان السلطان عصيان ~~«عرابي» بإلحاح من الإنجليز. # فمن شاء أن يلوم الرجل فليلمه؛ لأنه طلب الإصلاح وتعرض للانتقام، أو فليلمه لأنه رفض ~~الدسائس والذرائع المختلفة من الدول الأجنبية، وليقم الدليل القاطع على أن الخير كل ~~الخير في اجتناب ذلك الملام. # إنما يلام «عرابي» في اعتقادنا؛ لأنه ضعف في منفاه واستسلم لإغراء المحتلين الذين ~~أطمعوه في العفو، ثم أرسلوا إليه من يسأله عن إلغاء السخرة وتنظيم الإدارة وإصلاح ~~الأرض، فحمد الله لأنه أراد شيئا حققه الزمن. ولكن الرجل الذي أفضى ms080 بذلك الحديث كان ~~شيخا فانيا خابت آماله في أبناء قومه فلم يكفهم ما أصابه من أجلهم حتى جبهوه بوصمة ~~الخيانة وهو براء منها. ولم يكن سعي الإنجليز في العفو عنه إلا لأنهم يستندون إلى ~~فساد الحكم للبقاء في البلاد، فليس في وسعهم أمام العالم المتمدن أن يقضوا بالإعدام ~~على رجل ضاق ذرعا بالفساد وتمرد عليه، ولئن حق عليه اللوم بعد هذا لأحق منه باللوم ~~من فتحوا الصدور للاحتلال وتقبلوه بالترحيب. # | الخديو توفيق # استهل الخديو «توفيق» ولايته بعهد كتبه إلى رئيس مجلس الوزراء «شريف باشا»، قال فيه: ~~«... إني عظيم الميل إلى بلادي، شديد الرغبة في تحقيق آمال الأمة التي أظهرت السرور ~~بولايتي وفي إخراجها من هذه الحال السيئة، ومع هذه العواطف فإني عازم عزما أكيدا ~~على بذل الجهد وصرف الهمة إلى التماس أحسن الوسائل لإزالة هذا الاختلاف المفسد لكثير ~~من المصالح ...» # وقال في الأمر الآخر: «إن الحكومة الخديوية يلزم أن تكون شورية ونظارها مسئولين، ~~فإنني اتخذت هذه القاعدة للحكومة مسلكا لا أتحول عنه، فعلينا تأييد شورى النواب ~~وتوسيع قوانينها لكي يكون لها الاقتداء في تنقيح القوانين وتصحيح الموازين ...» # الخديو توفيق. # صدر هذا الأمر في الثالث من شهر يوليو سنة 1879، وفي الخامس منه - أي بعد يومين - فض ~~مجلس شورى النواب، واستقالت وزارة «شريف باشا»، فألف الخديو الوزارة برئاسته، وأشير ~~عليه باستدعاء «رياض باشا» من إنجلترا فاستدعاه، ووكل إليه تأليف الوزارة فألفها، ولم ~~يذكر فيها شيئا عن المجلس والنظم النيابية. وبقيت الحياة النيابية معطلة إلى أوائل ~~سنة 1881، ولم يعمل أحد على التمهيد لإعادتها إلا بعد أن أذاع «عرابي» منشوره الذي ~~قال فيه: «اعلموا يا معاشر الوطنيين، أن أولادكم المنتظمين في سلك الجهادية قد اتكلوا ~~على الباري سبحانه وتعالى وعزموا على منع كل ما من شأنه الإجحاف بحقوقكم، وذلك لا يتم ~~إلا بسقوط وزارة رياض باشا، وتشكيل مجلس النواب ليحصل الوطن على الحرية ~~المبتغاة.» # وعلى أثر ذلك ذهب وفد من الوجهاء إلى «شريف باشا» وعلى رأسهم «سلطان باشا» و«سليمان ~~أباظة باشا» و«الشريعي باشا» ... ومعهم ms081 عريضة وقعها نحو ألف وستمائة وجيه وعالم وكبير، ~~يطلبون استئناف الحياة النيابية. ولم تكن هذه العريضة وليدة المنشور الذي أذاعه «أحمد ~~عرابي» على الأمة؛ لأنها كتبت في اليوم التالي لمظاهرة عابدين - 9 سبتمبر 1881 - ~~ووضح من ذلك أن العسكريين والمدنيين كانوا صوتا واحدا في طلب الحياة ~~النيابية. # أما سياسة الخديو «توفيق» في هذه الحركة، فقد كانت سياسة تردد وتسويف، وحينا يشجع ~~العرابيين لإحراج الوزارة الرياضية، وحينا يشجع الوزارة الرياضية لكبح العرابيين، ~~وفي كل حال من هذه الأحوال يداري الدول الأجنبية، ولا سيما إنجلترا فلا يرفض لها ~~طلبا تصر عليه. # وكان على اتصال دائم بقناصل الإنجليز ، يطلعهم على المطالب العرابية والأزمات ~~الوزارية، ويأذن لهم بمصاحبته وهو يستقبل الرؤساء والوزراء. وقد علمته التجارب دروسا ~~كثيرة، ولكنه لم ينس قط أن إنجلترا وفرنسا سعيا في خلع أبيه واستخلاص الفرمان الذي ~~يحفظ له أهم الحقوق الخديوية ... فحاذر جهده أن يشتبك مع الدولتين في خلاف حاسم، ولا ~~سيما الدولة الإنجليزية. # ومن كلام أخصائه الإنجليز - ومنهم ألفريد بتلر المؤرخ المشهور - يبدو أنه كان يحتفل ~~بمجاملتهم بين كبار موظفيه، فيقضي الساعات يتكلم معهم باللغة الإنجليزية التي لا ~~يعرفها أولئك الموظفون، ويذكر الأسماء بالحروف الهجائية في سياق أحاديثه؛ ليخفي موضوع ~~الكلام عن سامعيه الذين لا يعرفون أصحاب تلك الأسماء، ويفضي في هذه الأحاديث بأخبار ~~من المعلومات الخاصة والأوراق المحفوظة تتعلق بالأسرة وعظماء البلاد! # وليس بالمعقول أن يقال عن أمير: إنه يرتضي باختياره تسليم سلطانه للأجانب وتحكيم ~~أولئك الأجانب في بلاده، ولكن الخطأ في سياسة الخديو «توفيق» أنه اعتقد أن التدخل ~~الأجنبي مؤقت، وأن المعاهدات الدولية والمنافسات بين الدول تمنع ضم مصر إلى دولة ~~منها، فلم يحذر الاحتلال البريطاني ووجه الحذر كله إلى مقاومة العرابيين. # لهذا أصدر أمره في الرابع عشر من شهر أغسطس - بعد ضرب الإسكندرية في الحادي عشر من ~~شهر يوليو - منذرا من يقاوم الجيش الإنجليزي بشديد العقاب، وجاء في ذلك الأمر ما ~~يلي: # ليكن معلوما عند السلطات الملكية والعسكرية في ~~منطقة قناة السويس أن أميرال الأسطول ms082 الإنجليزي وقائد الجيوش البريطانية ~~العام، إنما أتيا إلى مصر لإعادة الأمن والنظام إليها، ومن ثم قد سمحنا ~~لهما باحتلال جميع الأمكنة التي يريان في احتلالها ما يساعد على قمع ~~العصيان، ومن يخالف أمرنا هذا ينزل به أشد ~~العقاب. # وعلى حين فجأة، ينكشف الستار وتنجلي الغشاوة ويبدأ المحتلون حكمهم في القاهرة بتهديد ~~مسند الخديوية الذي زعموا أنهم جاءوا لتأييده وتمكينه، فما هو إلا أن اختلف الخديو ~~وقادة الإنجليز على طريقة محاكمة العرابيين حتى أبرق إليه اللورد جرانفل مهددا ~~متوعدا في أسلوب خشن ولفظ قارص، وأبلغ الحكومة المصرية بصريح العبارة: «أنه ليس هذا ~~أوان ظهور الحكومة المصرية بمظهر المعارضة والممانعة، وأن استمرارها على الإباء ~~يعرضها للفشل والخطر، ولا تكون هذه النتيجة مقتصرة على الوزارة وحدها بل تتناول مركز ~~الخديو نفسه، وإذا لم تقبل الحكومة المصرية طلب الحكومة الإنجليزية فلا يسعها أن ~~تتحمل تبعة ما يترتب على رفضها من النتائج السيئة بعد انقضاء ثمانية أيام على تبليغ ~~هذا الإنذار ...» # تلقى الخديو هذا الإنذار من الوزارة البريطانية قبل أن ينقضي على جيش الاحتلال شهر ~~واحد في القاهرة، ولو تسنى له أن يتراجع في سياسته لتراجع وأمعن في التراجع، ولكن سبق ~~السيف العذل وبلغ الكتاب أجله وانتهت الحيل بترك الحيلة مع أقطاب الاحتيال والاغتيال ~~... # جمال الدين الأفغاني. # | من حملة إلى حملة # 1780-1880 # قبيل الحملة الفرنسية كانت مصر مستقلة وظلت على استقلالها عن الدولة العثمانية بضع ~~سنوات، نادى باستقلالها عن الدولة «علي بك بلاط»، الذي اشتهر باسم «علي بك الكبير»، ~~ولكنه أخفق في محاولته؛ لأن أعوانه وغير أعوانه اعتبروا هذا الاستقلال مطمعا شخصيا ~~ليس له سند مشروع باسم الخلافة أو باسم الشعب المحكوم. وكان معظم أهل الصعيد منكرين ~~لولايته، وتنكر له كثيرون من أتباعه بعد استعانته بالأسطول الروسي على حرب الدولة ~~العثمانية، فلم يدم استقلاله أكثر من ثلاث سنوات - من سنة 1769 إلى سنة 1772. # وقدم «نابليون» إلى مصر معتبرا بهذا الدرس من ناحيتيه ... فأرسل سفيرا له إلى ~~الآستانة يسترضي السلطان عن حملته، ثم جمع العلماء والأعيان ms083 في مصر وعول على تأييدهم ~~في غارته على المماليك المفسدين في الأرض، المارقين من طاعة السلطان، معلنا في ~~منشوره الأول: «من الآن فصاعدا لا ييأس أحد من أهالي مصر عن الدخول في المناصب ~~السامية وعن اكتساب المراتب العالية، فالعلماء والفضلاء والعقلاء بينهم سيديرون ~~الأمور، وبذلك يصلح حال الأمة كلها.» # ولكن أهل القاهرة ثاروا عليه قبل انقضاء شهرين على احتلاله. وليس بصحيح أن هزيمة ~~الأسطول الفرنسي في معركة أبي قير التي دارت بينه وبين أسطول نلسون هي التي دفعت ~~الشعب المصري إلى الثورة؛ فإن جيش نابليون بقي على قوته في مصر بعد الهزيمة، ولم يحدث ~~من أثر الهزيمة البحرية ما يضعفه في نظر المصريين. وإنما ثار الشعب لأنه كان يتحفز ~~للثورة بعد تسليم المماليك، وبعد أن أخلف نابليون وعوده في ذلك المنشور. # على أن «نابليون» فهم بعد الثورة على الخصوص أن القوة العسكرية وحدها لا تغنيه في ~~سياسة الأمة المصرية، فأنشأ في مصر مجلسا شوريا يسمى بالديوان الوطني قوامه تسعة ~~من العلماء والوجهاء. # وصلت الحملة الفرنسية إلى مصر في «21 يونيو سنة 1798» وخرجت منها في «18 سبتمبر سنة ~~1801»، ومن أثار هذه الحملة في السياسة المصرية المقبلة أن خروجها كان على يد قوة ~~تركية وقوة إنجليزية، وأن القوة الإنجليزية فارقت مصر بعد جلاء الجيش الفرنسي، فاعتقد ~~بعض الساسة المصريين أن دخول الجيش الإنجليزي إلى مصر مأمون العاقبة في أمثال هذه ~~الظروف؛ لأنه يدخل إليها وهو على نية الخروج! # وأهم الحوادث التي ارتبطت بمركز مصر السياسي بعد الحملة الفرنسية ولاية «محمد علي ~~الكبير» على مصر باختيار الأمة المصرية وبناء على مشورة علمائها ووجهائها. وكانت ~~عبرة «علي بك بلاط» أو «علي بك الكبير» ماثلة في الأذهان، فاجتنب «محمد علي الكبير» ~~غلطاته ولم يقبل الحكم إلا بعد الاطمئنان إلى الشعب والزعماء في مصر السفلى ومصر ~~العليا، وحاذر جهده أن يعتمد على معونة علنية من دولة أجنبية. ولما كتبت الدولة ~~العثمانية إلى واليها «خورشيد باشا» تأمره أن يعيد «محمد علي» وجنوده إلى بلاده أظهر ~~«محمد علي» ms084 الطاعة واستعد للرحيل ولم يعدل عن السفر إلا برجاء من طائفة من كبار ~~العلماء والرؤساء أحلوه من هذه المخالفة في انتظار الموافقة من السلطان. # وقد جاءت الموافقة السلطانية إلى مصر - في شهر يوليو سنة 1805 - ولمس «محمد علي» أثر ~~المعونة الشعبية في مقاومة الحملة التي أنفذتها الحكومة الإنجليزية إلى مصر بعد ~~توليته عليها بأقل من سنتين؛ فإن مزاحمه «الألفي بك» لم يتعلم ما تعلمه «محمد علي» من ~~درس «علي بك الكبير»، فأرسل إلى إنجلترا يستنجدها على الدولة العثمانية وعلى ~~المماليك، فجاءت حملتها بعد وفاته، وكان وصولها إلى رشيد و«محمد علي» مشغول بقتال ~~المماليك في أسيوط، فتصدى لها الفلاحون والعرب وحامية المدينة الصغيرة وأبادوها على ~~آخرها. وأمر شيخ الأزهر طلابه بترك الدروس والانتظام في الجيش، وجمع السيد «عمر مكرم» ~~أكثر من ألف كيس لنفقات الدفاع. وقد تخوف «محمد علي» من العاقبة، فأعد العدة للمقاومة ~~وللمفاوضة، وساعده الجد الناهض، فانهزمت النجدة الإنجليزية بعد مناوشة يسيرة، ~~وقفلت إلى بلادها وكل ما ألحقته بالإسكندرية وضواحيها من الضرر أنها أعادت إطلاق ~~الماء الملح على بحيرة مريوط، ولو وجدت في مصر عونا من المماليك أو من الشعب لما ~~ارتدت بهذه السهولة بعد طول التربص والانتظار في الإسكندرية. # ومن الراجح جدا أن إنجلترا كانت تعاود الكرة لو حلت بها هزيمة كتلك الهزيمة في ظروف ~~غير ظروفها الداخلية والخارجية في تلك الآونة، ولكنها كانت مشغولة يومئذ بما هو أهم ~~لديها وأخطر عليها من المسألة المصرية: كانت مشغولة بتأليب الدول الأوروبية على ~~نابليون، وكانت سياسة «التأليب» تضطرها إلى مصانعة روسيا وتأجيل كل عمل من شأنه أن ~~يفتح باب المسألة الشرقية على مصراعيه. وعرضت لها في الوقت نفسه مشكلة المستعمرات ~~الإسبانية في أمريكا الجنوبية، ووافق الزمن ثورة الصناعة الكبرى وتنبه الأفكار إلى ~~إصلاح الحياة النيابية وتوسيع حقوق الانتخاب للطبقة العاملة، وقد مضت المدة بين 1807 ~~وسنة 1832 في شواغل كبرى تملأ فراغ السياسة البريطانية؛ منها: أزمة الحصار البحري ~~التي اشتركت فيها الولايات المتحدة بأمر «حظر التصدير» إلى كل من بريطانيا ms085 وفرنسا - ~~سنة 1807 - وحروب نابليون التي انتهت في سنة 1815، ومذهب منرو الذي أعلن في سنة ~~1822، وتعديل نظام الانتخاب الذي تقرر في سنة 1832، فانقضت هذه الفترة - وهي ربع قرن ~~- وإنجلترا عاجزة كل العجز عن الاستقلال بعمل قوي في المسألة المصرية، وقصرت سياستها ~~في هذه المسألة على اغتنام الفرصة الدولية كلما جرت في مجراها وطابقت أغراضها. وفي ~~هذه الفترة نشبت الثورة اليونانية، واستعانت الدولة العثمانية بجيش مصر وأسطولها ~~لقمعها في مقرها، وسنحت للسياسة البريطانية فرصتها الأولى، فدعت الدول إلى عقد مؤتمر ~~لندن - 1827 - الذي اتفقت فيه إنجلترا وفرنسا وروسيا على فصل اليونان من تركيا مع ~~بقاء السيادة التركية، وكانت هذه المعاهدة حجة صالحة لتحطيم الأسطول المصري في ميناء ~~نوارين والتخلص من هذه القوة البحرية الجديدة في البحر الأبيض المتوسط، وزادت فرنسا، ~~فأرسلت جيشها إلى بلاد المورة لإكراه الجيوش المصرية على إخلائها. # إذا صح أن المصادفة لها «دور مهم» في التاريخ، فهذه الفترة من الفترات التي أطلت فيها ~~طوالع المصادفة كلها على المسألة المصرية، فلو تم استعداد «محمد علي» في مصر أيام ~~حروب نابليون لما وجدت دول أوربة فراغا من الوقت للتألب عليه في حربه مع الدولة ~~العثمانية، ولكنه أقدم على هذه الحرب في أوائل سنة 1832 - بعد أن كانت الدول قد فرغت ~~أو كادت من مشكلات نابليون وعقابيلها المتشعبة - فأسرعت روسيا إلى عرض مساعدتها على ~~السلطان «محمود» وخافت إنجلترا وفرنسا من عواقب هذه المساعدة وحيل بين «إبراهيم باشا» ~~وبين التقدم، فقنع بما عرضه عليه السلطان من ولاية سورية وضم إليه بموافقة الدول ~~إقليم أطنة في آسيا الصغرى. # وكان هذا النذير كافيا لوقف الحروب مع تركيا، ولكن فرنسا وعدت «محمد علي» بعد الحرب ~~الأولى بالمساعدة، وعززت وعدها برفض الاشتراك مع إنجلترا لانتزاع الأسطول التركي الذي ~~أوى باختياره إلى الموانئ المصرية. ونشبت الحرب الثانية و«محمد علي» يرجو خيرا من ~~التفرقة بين السياستين الفرنسية والإنجليزية في المسألة الشرقية، ولكن فرنسا لم تصنع ~~شيئا وإنجلترا لم تيأس من مساعيها عند الدول الأخرى، فجددت الدعوة إلى مؤتمر ms086 آخر في ~~عاصمتها، وأسفر المؤتمر - باتفاق إنجلترا وروسيا وبروسيا والنمسا - عن المعاهدة التي ~~عرفت باسم «معاهدة لندن سنة 1840» وتقرر فيها حرمان «محمد علي» من ثمرات انتصاره ~~وإعطاؤه جزءا من سورية الجنوبية على شريطة الموافقة من جانبه على هذا الصلح في خلال ~~عشرة أيام. # وقد اعتقد «محمد علي» أن انفصال فرنسا عن الدول - وهي دولة البحر الأبيض المتوسط - ~~يمكنه من رفض معاهدة لندن لصعوبة الاتفاق بين الدول «القارية» على تسيير الجيوش إلى ~~ميدان القتال في سورية وآسيا الصغرى، ولكن إنجلترا وتركيا والنمسا اتفقت على تلفيق ~~حملة بحرية برية لاقتحام سورية، وساعدها على النجاح في هذه الحملة ثورة السوريين وسوء ~~الأحوال في داخل البلاد المصرية ، فأسفرت هذه الحروب والمناورات جميعا عن حرمان «محمد ~~علي» ما استولى عليه خارج البلاد الأفريقية. وصدرت فرمانات سنة 1841 بإقرار «محمد ~~علي» في ولاية مصر وجعلها وراثية للأكبر فالأكبر من أمراء الأسرة العلوية وإلزامه ~~بخراج سنوي للدولة أربعمائة ألف جنيه، وتخويله منح الرتب العسكرية إلى رتبة أميرالاي، ~~وضرب العملة الذهبية والفضية والنحاسية باسم السلطان، وألا يزيد عدد الجيش على ثمانية ~~عشر ألفا في أيام السلم، يرسل من مقترعيهم كل سنة أربعمائة إلى دار الخلافة، وأن ~~تشتمل حدود المملكة المصرية على مقاطعات النوبة ودارفور وكردفان وملحقاتها. # كذلك كان مركز مصر السياسي في أيام «محمد علي» الأخيرة، ومن مزاياه أنه مضمون بموافقة ~~الدول، ومن عيوبه أن هذا الضمان قد فتح الباب للتدخل في المسألة المصرية بحجة ~~المحافظة على «المركز المضمون». # أما نظام الحكم الداخلي على عهد «محمد علي»، فقد كان وسطا بين الحكومة المطلقة ~~والحكومة الدستورية، فكان للوالي مجلسان، أحدهما يشبه مجلس الوزراء ويسمى المجلس ~~المخصوص، والآخر يشبه الجمعية التشريعية ويسمى مجلس المشاورة، ويختار الوالي أعضاءه ~~من وجوه الأقاليم وكبار الموظفين. # وقد اعتزل «محمد علي» الحكم قبل وفاته، ولم يطرأ على مركز مصر ولا على نظام حكومتها ~~تغيير يذكر في عهد خلفه «إبراهيم»، وتولى «عباس الأول» بعد «إبراهيم»، فنقض كثيرا ~~مما بناه جده الكبير، وتم في عهده مد السكة ms087 الحديدية من الإسكندرية إلى القاهرة، ~~وأريد بمدها قطع السبيل على «مشروع قناة السويس» الذي توجس منه «محمد علي الكبير» كما ~~تقدم. # وقتل «عباس» فخلفه «محمد سعيد»، وأهم المحدثات التي طرأت في عهده إصدار قانون ~~الأراضي الذي نقل الأرض الزراعية من حكر الحكومة إلى أيدي الفلاحين. وعقد أول قرض ~~أجنبي والترخيص في فتح قناة السويس. وكان يطمح إلى الاستقلال، فاعتقد أن فتح هذا ~~المجاز العالمي في مصر يضمن لها مدافعة الدول عن حوزتها. واتخذ له سياسة وطنية تتجه ~~دائما إلى تقريب المصريين وترقيتهم إلى المناصب الكبيرة، وصك على سبيل التجربة ~~نقودا من العملة الصغيرة باسمه، ثم أخفاها حذرا من غضب الدولة العثمانية، وقد كان ~~يتطلع إلى موافقتها على مشروع القناة. # أما الغير الكبرى كلها فقد تمت في عهد «إسماعيل خلف سعيد»، ففي عهده امتازت مصر بمركز ~~خاص بين الولايات العثمانية، وأطلق لقب الخديو على واليها، وانتقلت الوراثة من الأكبر ~~في الأسرة إلى الأكبر في الأبناء، واتسعت الدولة المصرية في أعالي النيل وأوشكت أن ~~تشمل بلاد الحبشة لولا خيانة القادة من الأجانب على الخصوص، وأنشئت المحاكم المختلطة ~~التي وحدت فروع القضاء الأجنبي وجمعته في نظام واحد، وساهمت مصر في تحريم تجارة ~~الرقيق وتضييق المسالك على النخاسين، وتضاعفت الديون الأجنبية على عجل وفرغ العمل في ~~قناة السويس، فبيعت حصة مصر فيها سدادا لبعض الديون. وكان لهذه الديون مع فتح القناة ~~في إبان اقتراضها وسداد أقساطها، شأن كبير في توجيه مركز مصر السياسي وجهته التي ~~سلكها من منتصف القرن التاسع عشر إلى هذه الأيام في منتصف القرن العشرين. # أصبح من «الأسرار» الشائعة في دوائر الدول العليا أن بريطانيا العظمى تريد أن تتسلل ~~إلى القطر المصري منذ أيام «محمد علي الكبير». # وقد قال القيصر «نقولا الأول» - في فبراير سنة 1839 - لمسيو «بارانت # Barante ~~» سفير فرنسا عنده: «إن الإنجليز يضعون ~~أعينهم على مصر، إن تلك البلاد ضرورية لهم من أجل مواصلاتهم التي يريدون تعبيدها ~~بينهم وبين الهند، وقد وطدوا أقدامهم في البحر الأحمر والخليج الفارسي، وسوف ms088 تتعرضون ~~للمتاعب معهم في تلك البلاد.» # واستراب «محمد سعيد باشا» - على قلة احتياطه - في نيات «السائحين» الإنجليز الذين ~~يلتمسون الإذن بزيارة القلاع على الشواطئ، فزجر المشرفين على تلك القلاع لأنهم يرجعون ~~إليه قبل رفض التماسهم، وأمرهم بأن يجعلوا هذا الرفض قاطعا غير قابل للمراجعة ~~والاستثناء. # ولما اقترضت الحكومة المصرية من البيوت الإنجليزية انفردت هذه البيوت بطلب الضمان ~~لقروضها من موارد الضرائب والرسوم في الجمارك والسكك الحديدية وضرائب الأقاليم ~~الغنية، وليس لذلك إلا غرض واحد وهو تسويغ السيطرة على دواوين الحكومة في يوم من ~~الأيام. # وقد شغلتهم الخطوب الدولية من عهد محمد علي إلى عهد سعيد عن اختلاق أسباب «التسلل» ~~المترقب منذ زمن بعيد، ولكنهم «أفاقوا» لاختلاقها بعد تراكم الديون على مصر وعجز ~~الحكومة المصرية عن سدادها. # ففي سنة 1876 قدمت إلى مصر بعثة «كيف # Cave ~~» ~~الإنجليزية، ومهدت صحيفة التيمس لها قائلة: «إن الخديو سيذعن صاغرا للسيطرة ~~البريطانية على الإدارة الحالية.» # وفي السنة نفسها أنشئ صندوق الدين، وأضيف إلى «اختصاصه» الإشراف على أخصب المديريات، ~~وهي: الغربية والمنوفية والبحيرة في الوجه البحري وأسيوط في الوجه القبلي، مع الإشراف ~~على منافذ القطر جميعا، وهي: جمارك الإسكندرية والسويس وبورسعيد ورشيد ودمياط ~~والعريش، وغير ذلك من المصالح ذات الإيراد كالسكك الحديدية والقناطر واحتكار الملح ~~والدخان، وتضاف إليها موارد الدائرة السنية التي يملكها الخديو «إسماعيل»، وقد نصت ~~المادة الثامنة من الأمر الصادر بإنشاء «الصندوق» على أن الحكومة المصرية لا يحق لها ~~تعديل الضرائب والرسوم بما ينقص إيراد الدولة. # وفي سنة 1878 تألفت لجنة التحقيق واشترك فيها السير «ريفرز ويلسون» وكيلا لها ومسيو ~~«دلسبس» رئيسا والكابتن بارنج - اللورد كرومر فيما بعد - عضوا. ثم سافر «دلسبس» ~~فجأة، فحل محله في الرئاسة المندوب الإنجليزي، وأصبحت اللجنة في حقيقتها لجنة ~~إنجليزية بحتا، فأشارت في تقريرها بالحد من سلطة الخديو وتأليف مجلس وزراء مسئول ~~يشتمل على وزيرين، أحدهما إنجليزي للمالية والآخر فرنسي للأشغال. واقترحت عقد قرض ~~جديد - قدره ثمانية ملايين ونصف مليون - تضمنه أملاك الأسرة الخديوية، وهي تزيد على ~~أربعمائة ألف ms089 فدان. # وفي هذه السنة حدثت مظاهرة الضباط حول وزارة المالية، وأسقط الخديو وزارة نوبار وأقام ~~في مكانها وزارة برئاسة الخديو توفيق. # ومن حسنات نكبة الديون - إن كان للنكبات حسنات - أنها وحدت كلمة الأمة والأمير في طلب ~~الحياة النيابية؛ لأن السلطة الأجنبية أبطلت حقوق الراعي والرعية على السواء. # وقد كان في مصر على أول عهد «إسماعيل» مجلس كالمجلس الذي كان معروفا باسم مجلس ~~المشورة في عهد جده الكبير، افتتح في سنة 1866 وسمي بمجلس شورى النواب وتقرر ألا ~~يزيد عدد أعضائه على خمسة وسبعين، وقد استمر هذا المجلس ينعقد فترة في كل سنة إلى سنة ~~1878، ثم استبدل به مجلس نيابي واسع الاختصاص بموافقة الخديو إسماعيل. # ومن المخجل أن مدارس الحكومة المصرية ظلت تلقن أبناء المصريين في عهد الاحتلال أنباء ~~وأساطير تزري بالحياة النيابية بين المصريين، ومنها أسطورة رواها مسيو «ماك كون» في ~~كتابه «مصر كما هي» زعم فيها أن النواب جميعا هرعوا إلى مقاعد اليمين حين طلب منهم ~~«شريف باشا» أن يقسموا أنفسهم إلى فريقين: فريق يناصر الحكومة ويجلس إلى اليمين، ~~وفريق يعارضها ويجلس إلى اليسار، وهي قصة لم تحدث قط بل حدث نقيضها من محاسبة الحكومة ~~ودعوة وزرائها إلى حضور جلساته. وشهد المتتبعون لأعمال المجلس أن أعضاءه كانوا يدا ~~واحدة في رعاية المصالح القومية؛ لأنهم كانوا يفهمون من وظيفة النيابة أنها أمانات ~~وأعباء، ومنهم من كان يساق إليها سوقا؛ لأنه في غنى عن استغلال مركزه، وكل ما يتوقعه ~~من النيابة أن تضطره إلى الاصطدام بولاة الأمور، ولو كانوا يقصرون واجبهم على ~~التسليم، لتهافتوا على النيابة تهافت «المنتفعين المستغلين». # ثم انعقد مجلس شورى النواب في الثاني من شهر يناير سنة 1879، فبدأ جلساته باستدعاء ~~الوزارة إليه، ومنهم وزير المالية الإنجليزي، وقبل أن يذهب بعض النواب إلى ديوان ~~المالية للاجتماع بالوزير، على أن يكون هذا الاجتماع مقدمة لحضور الوزير في جلسة من ~~الجلسات، ولكن الوزارة أصرت على تجاهل المجلس وفضته في شهر مارس ولما ينظر في ~~الميزانية، فثار المجلس ثورته القوية وجبه «رياض ms090 باشا» وزير الداخلية بما لا يرضاه ~~وهو يتلو عليه الأمر بفض الدورة، وبقي الأعضاء في أماكنهم معلنين أنهم لا ينفضون قبل ~~أن يفرغوا من أعمالهم. وتسامعت القاهرة ثم الأقاليم بأخبار تلك الجلسة التاريخية، ~~فاجتمع مئات من العلماء والرؤساء والأعيان والضباط في منزل «إسماعيل راغب باشا» ~~ورفعوا إلى الخديو عريضة يحتجون فيها على الوزارة ويطلبون تمكين مجلس النواب من حقوقه ~~الدستورية في مراقبة المالية، وهي العريضة التي اعتمد عليها الخديو في إقالة الوزارة ~~وتكليف «شريف باشا» بتأليف وزارة تخلف الوزارة الأوروبية التي «كانت سببا لتغيير ~~قلوب الأمة ونفورها من هيئة النظارة كل النفور.» وقد شهدت التيمس يومئذ - 16 أبريل ~~سنة 1879 - أن مجلس النواب لم يكن عاملا في هذا الموقف بإيعاز الخديو، فقالت : «مهما ~~تكن طريقة الانتخاب للمجالس النيابية، فهذه المجالس تشعر بشيء من الاستقلال لا محالة ~~عند اجتماعها، ولعل مجلس نواب مصر غير مستثنى من هذه القاعدة ...» # على أن التيمس وغيرها عادت بعد ذلك تذكر «تعنت المجلس» ولا تذكر غطرسة الوزير ~~الإنجليزي الذي لا يجوز عندها أن ينزل إلى حضور الجلسات، ولو من قبيل المجاملة ومجرد ~~الاطلاع! # فلما أقيلت الوزارة النوبارية وخلفتها وزارة «شريف باشا» قامت قيامة الدائنين ~~والحكومة الإنجليزية على الخصوص، ولم تنم لحظة من الشهرين اللذين انقضيا بعد تأليف ~~الوزارة الجديدة عن السعي الحثيث لإحباط هذه الحركة المباركة. ففي الأسبوع الأول من ~~شهر أبريل تألفت الوزارة، وفي أواخر يونيو صدر الفرمان بعزل الخديو إسماعيل وتولية ~~ولي عهده «محمد توفيق» - 25 يونيو سنة 1879 - وأبلغ مجلس النواب أن التطور الجديد سوف ~~يشغل الحكومة عن تقديم أعمال إليه، فانفض ولم يدع للاجتماع في خلال تلك السنة ولا في ~~خلال السنة التالية. # ولكن الأمر كان قد خرج من قبضة الحكومة والمجلس، وصار إلى أيدي الأمة كلها ممثلة في ~~الحزب الوطني الذي جعل شعاره «مصر للمصريين»، وجاهر بالانتماء إليه كل ذي خطر في ~~البلاد. # محمد سلطان باشا. # | أما بعد ... # نقترب الآن من اليوم الحادي عشر من شهر يوليو سنة 1882، نقترب من النهاية ms091 التي تلتقي ~~فيها كل هذه المقدمات. # فإذا كان اليوم الحادي عشر من شهر يوليو نقطة في الغيب، فهذه السوابق خطوط تنحدر ~~إليها من محيط الزمن وتنحو نحوها من بعيد: تنحدر إليها من جهات شتى تتفرق في مناشئها ~~وتلتقي في غايتها، وتترك العلامة مرسومة بينها وبين تلك الغاية، تنتظر «التسويد» ~~بمداد الأيام. # كانت النهضة الوطنية كلها في ختام عهد «إسماعيل» صفا واحدا في المطالبة بحقوق ~~الدستور أو حقوق الأمة في بلادها. وابتدأ عهد «توفيق» والأمل قوي في ثبات هذه النهضة ~~على وجهتها، ولكن الخديو عرف موقف الدول من مجلس النواب، فأراد أن يغفله ويغفل معه ~~مجلس الوزراء، فلما اعتزل «شريف باشا» الوزارة لتأخير دعوة المجلس النيابي، تولى ~~الخديو رئاسة الوزارة بنفسه، ثم تنحى عن رئاستها غير مستريح في الواقع إلى هذا ~~التنحي، وأسندها إلى «مصطفى رياض باشا»، وهو كذلك لا يستريح إليه. # وأعلنت اللجنة التي شكلت لتصفية الديون تقريرها في مستهل عهد الخديو «توفيق»، فإذا ~~هو يلغي دين المقابلة الوطني ويعوض الدائنين عنه في آجال بعيدة تمتد إلى خمسين ~~سنة. # وبينما الدائنون المصريون يألمون لهذه الضربة إذا بضربة أخرى تلحقها على الأثر وتصيب ~~الضباط المصريين دون غيرهم، وخلاصتها الوجيزة جدا - مع التجاوز عن المكائد والدسائس ~~والمناورات - أن وزير الجهادية أحال على الاستيداع ألف ضابط ليس فيهم ضابط واحد من ~~غير المصريين. ولما اجتمع بعضهم في أوائل الحركة عند - رئيس المترجمين بإدارة الخزانة ~~- محمد أفندي فني - صدر الأمر باقتحام الدار والقبض على من فيها، وحوكم صاحب الدار ~~بالسجن سنتين، وعلى زواره بالسجن شهورا أو بالإقصاء إلى مساقط رءوسهم في القرى ~~والمدن الريفية. # وتلا ذلك رفع الظلامة من كبار الضباط إلى الحضرة الخديوية، فقرر مجلس الوزراء أن يكل ~~الأمر إلى وزير الجهادية لينكل بأولئك الضباط مع الأناة والحذر من العواقب، فكان كل ~~ما اهتدى إليه من الحيطة أنه دعا الضباط - وهم أحمد عرابي وعلي فهمي وعبد العال حلمي ~~- إلى ثكنات قصر النيل «للتشاور في ترتيب زفاف الأميرة جميلة هانم شقيقة صاحب السمو ~~الخديو.» ms092 فلما لبوا الدعوة قبض عليهم وعقد مجلسه العسكري وأمر بخلع سيوفهم ~~واعتقالهم إلى أن يفصل في أمرهم، وكان زملاؤهم أصدق في حذرهم من وزير الجهادية فخفوا ~~إلى الثكنة بجنودهم وحملوهم على الأعناق وساروا في موكب يحف به ألوف من السابلة إلى ~~قصر عابدين يطلبون عزل الوزير. # وقد نمى إلى الوزارة أن قنصل فرنسا ينافس قنصل إنجلترا ويؤيد حركة الضباط، فطلبت نقله ~~من مصر، واجتمع كبار الفرنسيين بفندق «أبات» في الإسكندرية يؤيدونه ويحملون على ~~الوزارة ويوقعون العرائض إلى دولتهم بطلب استبقائه، فجاء الرد من باريس باستدعاء ~~القنصل الفرنسي في الحال، وكان ذلك إيذانا من الدولة الفرنسية بنفض يدها من السياسة ~~المصرية وإطلاق اليد للقنصل الإنجليزي، يفعل ما يشاء غير معترض عليه من حكومة لندن أو ~~حكومة القاهرة. # وفي الوقت نفسه سمع «مصطفى رياض باشا» أنه متهم بممالأة الضباط ليصعد على أكتافهم إلى ~~مسند الخديوية، فنفى التهمة عنه بالتشدد في معاقبتهم وخرج من سواء الرأي إلى اصطناع ~~المداراة ودفع الشبهات، فأخطأه التوفيق فيما رآه. # ذاع بين الناس في تلك الظروف أنه لا وفاق بين الضباط والوزارة ولا بين الوزارة ~~والخديو، وتحدث الناس بالشقاق بين الضباط الشراكسة والضباط المصريين، وأن الحكومة ترى ~~في هذا الشقاق منفذا لحفظ سلطانها بين الفريقين. # وجاء «محمود سامي» بعد «عثمان رفقي» المعزول من وزارة الجهادية، ثم جاء «داود يكن» ~~بعد «محمود سامي» صديق العرابيين، فاستراب الضباط المصريون واشتدت ريبتهم حين أبلغ ~~بعضهم أمر النقل من القاهرة إلى الأقاليم. فسارت الحوادث بعد ذلك على عجل وحدثت ~~مظاهرة الجيش المشهورة أمام قصر عابدين، ونفخ فيها المراقب الإنجليزي - وكان قنصل ~~فرنسا يومئذ في طنطا - فراح يحرض الخديو على قتل عرابي ويستفز عرابيا إلى المجازفة ~~والاستيئاس في المقاومة، ثم فتقت الحيلة للمستر كوكس قنصل إنجلترا في الإسكندرية أن ~~يقنع عرابيا بإحالة «الطلبات» القومية إلى سدة الخلافة لينظر فيها «أمير المؤمنين» ~~بما يستحسنه، وهو - بطبيعة الحال - لم يكن يستحسن في ذلك الحين إنشاء مجلس نواب في ~~القاهرة يتبعه مجلس نواب في الآستانة، فأسرع ms093 عرابي إلى الموافقة على إحالة الأمر إلى ~~سدة الخلافة، ولكنه أصر على عزل الوزارة؛ لأنه شأن من الشئون المصرية. ثم استجاب ~~الخديو آخر الأمر إلى عريضة الضباط وعريضة الأعيان التي رفعت بعدها بيوم واحد، ~~فاستدعى «محمد شريف باشا» لتأليف وزارة دستورية، فاعتذر كثيرا واشترط لقبول تأليفها ~~إقصاء زعماء الضباط إلى الأقاليم ولم ينزل عن هذا الشرط، فتوسط علية القوم بينه وبين ~~الضباط ووعد عرابي وأصحابه بالسفر من القاهرة إلى حيث تنقلهم الوزارة بعد إعلان ~~الدعوة إلى انتخاب مجلس النواب. # محمود سامي البارودي باشا. # في العاشر من أكتوبر - 1881 - قدم إلى مصر وفد من الباب العالي مؤلف من «علي نظامي ~~باشا» رئيسا و«علي فؤاد بك» وكيلا واثنين من رجال التشريفات في المابين الهمايوني، ~~مهمته التحقيق في المذكرات التي وصلت إلى السلطان من جانب الخديو وجانب العرابيين. ~~وقد كانت إحالة المسألة إلى الباب العالي اقتراحا من مندوب إنجلترا كما تقدم، ولكن ~~تاريخ الاستعمار البريطاني أو تاريخه في مصر على الخصوص، قد أثبت على الدوام أن ~~الحكومة البريطانية تلجأ إلى «الحجة الشرعية» لكي تغتصب من ورائها غنيمة من الغنائم ~~ولا تستند إليها إلا بالقدر الضروري لاغتصاب تلك الغنيمة. فما هو إلا أن وصل الوفد ~~العثماني إلى مصر حتى ثارت إنجلترا واستثارت فرنسا واتفقتا على إرسال أسطوليهما إلى ~~الموانئ المصرية على سبيل التهديد والتربص. ولما احتج الباب العالي على هذا التدخل ~~السافر لغير علة، وطلب سحب السفن من المواني المصرية اشترط اللورد «فرين» أن يبرح ~~الوفد العثماني مصر أولا ثم يتلوه الأسطولان في اليوم نفسه! # وقد يسر «شريف باشا» المهمة على الوفد العثماني بإعلان طاعة الجيش، وصدع قادة الجيش ~~بالأوامر التي صدرت إليهم فبرحوا العاصمة إلى الأقاليم التي نقلوا إليها، وزالت هذه ~~الحجة من حجج التدخل والتهديد. # وكما ظهرت قيمة «الحقوق الشرعية» عند الإنجليز في حادث الوفد العثماني، ظهرت كذلك في ~~موقفهم من مجلس النواب المصري بعد انتخابه، فلم يكن حق الدستور هو الذي أوحى إليهم ~~تقييد سلطان الخديو بمجلس وزرائه، وإنما قيدوه بهذا ms094 المجلس لتنطلق فيه يد وزير ~~المالية الإنجليزي ويصبح من حقه أن يرفض كل قانون لا يرتضيه، ولهذا غضبوا من مجلس ~~النواب الجديد؛ لأنه يحرص على حقه في الرقابة على الميزانية، فأبرق مستر ماليت إلى ~~حكومته يقول: إن التدخل العسكري ضرورة لا محيص عنها إذا أصر مجلس النواب على رأيه. ~~وقد كانت هذه هي الخطة المرسومة قبل ترميم القلاع المزعوم وقبل المذبحة المدبرة في ~~الإسكندرية بنحو ستة شهور - 2 يناير سنة 1882. # وفي الثامن من شهر يناير - أي بعد ستة أيام من إرسال تلك البرقية - تلقت مصر مذكرة ~~مشتركة بين الدولتين، قالتا فيها: «والحكومتان تفهمان أن الخديو سيستمد من هذا ~~التصريح ما يلزمه من الثقة والقوة لإدارة شئون البلاد.» # وردت هذه المذكرة قبل أن يفرغ «شريف باشا » من بحثه مع مجلس النواب في اختيار الخطة ~~التي توفق بين جميع المطالب. وقبل الخديو المذكرة والمجلس يتشاور مع الوزارة في موضوع ~~الخلاف وكله دائر على نظر الميزانية، فقنع المجلس بمناقشة أبواب الميزانية ما عدا ~~الأبواب التي ترتبط بالالتزامات الدولية، وقنع بعد ذلك بتأليف لجنة من النواب يشترك ~~معهم عدد مثلهم من الوزراء، ويؤخذ بالقرار الذي يرجحه صوت الرئيس، فرفضت الدولتان كل ~~هذه المقترحات، وبرز الوزير الفرنسي «جمبتا» في هذه المسألة؛ لأنه كان من ألد أعداء ~~الأسرة المالكة في فرنسا، وكان يتهم مصر بممالأة تلك الأسرة ومساعدتها في الخفاء على ~~استرداد عرش فرنسا، ولم يسلك مثل هذا المسلك مع اليونان وإسبانيا وهما غارقتان في ~~الديون، والأمل في وفائهما أضعف جدا من الأمل في وفاء الحكومة المصرية! # استقال «شريف باشا» وخلفه «محمود سامي البارودي باشا» - 5 فبراير سنة 1882 - واختار ~~«أحمد عرابي باشا» وزيرا للحربية. وأهم ما حدث بعد ذلك في عهد هذه الوزارة حادث ~~القبض على الضباط الشراكسة بتهمة التآمر على اغتيال رئيس الوزارة ووزير الحربية ~~ومعاونيه من كبار الضباط المصريين. وقد حوكموا في مجلس عسكري برئاسة الفريق «راشد ~~حسني باشا» وصدر الحكم بتجريدهم من رتبهم ونفيهم إلى السودان، فرفع «عرابي» الحكم إلى ~~الخديو وسأل ms095 سموه تخفيف الحكم إذا شاء، فآثر الخديو أن يحيل هذه المسألة أيضا إلى ~~الباب العالي، ولكنه لم ينتظر جواب الباب العالي وأمر بتخفيف الحكم والاكتفاء ~~بالإقصاء من الديار المصرية. ووقع هذا التخفيف على غير ما ينتظر الوزراء الذين كانوا ~~مهددين بالاغتيال، فاحتكموا إلى مجلس النواب واجتمع المجلس بصفة غير رسمية في بيت ~~رئيسه «سلطان باشا»، ومشى كبار أعضائه بالصلح بين الأمير ووزرائه، ورأى الأمير إخراج ~~رئيس الوزارة وإبقاء الوزراء الآخرين. وإذا بالأسطولين يظهران مرة أخرى في ميناء ~~الإسكندرية، ولما تنته المشاورات في اختيار الرئيس الجديد، فرأى «محمود سامي باشا» ~~و«عرابي باشا» طي مسألة الضباط الشراكسة ... ولكن وصول الأسطولين، أعقبه «في الخامس ~~والعشرين من شهر مايو» تقديم إنذار بإقالة الوزارة ونفي عرابي، فقبل الخديو المذكرة ~~واستقالة الوزارة في اليوم التالي. وفزع النواب لما رأوه من بوادر الخطر ولمسوه من ~~هياج الأفكار، فالتمس «سلطان باشا» رئيس المجلس ومعه النواب وطائفة من الأعيان أن ~~يعاد «عرابي» إلى وزارة الحربية لحسم الشر واتقاء الهياج، فرفض الخديو. وجدد النواب ~~الرجاء وفاتح الأجانب عرابيا في كفالة الأرواح والأموال وأضافوا رجاءهم إلى رجاء ~~أعيان البلاد، فتكفل عرابي بحفظ الأمن وأمر الخديو بإعادته إلى وزارة الحربية وأبرق ~~إلى الباب العالي يلتمس فيه إيفاد مندوبين للتحقيق وعرض الأمر على السلطان. # في السابع من شهر يونيو وصل المندوب العثماني «رءوف باشا» وفي صحبته السيد «أحمد ~~أسعد» وكيل السلطان في الفراشة النبوية: هذا لاستطلاع طلع العرابيين، وذلك لاستطلاع ~~طلع الخديو، فتركا كلا من الفريقين يفهم أن السلطان معه، وأنه يوصيه بمسالمة الفريق ~~الآخر من باب التقية ودفع الشرور. ولكن الشرور كانت تعدو عدوا إلى غايتهما المرسومة ~~من قديم الزمن، وكانت هناك حاجة إلى علة عاجلة فوجدت العلة العاجلة في حينها، وحدثت ~~مذبحة اليوم الحادي عشر في الإسكندرية، وليس أدل على تدبيرها من وقوعها في الوقت ~~المطلوب. وقد سبق في تاريخ تلك الفترة أن خلت مصر من الوزارة وأن اختلف الأمير ~~والوزارة وأن اختلف الضباط والساسة، فلم تحدث مذبحة ولا معركة في ms096 بقعة من بقاع القطر، ~~كما حدثت تلك المذبحة التي جاءت في أوانها المطلوب! # تتلخص قصة المذبحة في مشاجرة بين مكار ورجل مالطي من أتباع الحكومة البريطانية، ركب ~~معه ثم أعطاه أجره قرشا واحدا بعد ساعات من الطواف في جوانب المدينة في أشد أيام ~~القيظ الذي بلغ أشده صيف تلك السنة. فلما استزاده وألح عليه طعنه المالطي بمدية ~~فقتله، وتجمع السابلة من هنا وهنا بعضهم من الأجانب وبعضهم من المصريين، وأكثر ~~الأجانب مسلحون ولا سلاح في أيدي المصريين. وراح بعض الأجانب يطلق الرصاص من النوافذ ~~ويهجمون على من وجدوه من الوطنيين. وتنادى الوطنيون يطلبون الغوث فقتل من قتل وجرح ~~من جرح في هذه الجلبة. واختلف الرواة في إحصاء القتلى والجرحى، ولكنهم على اختلاف ~~الروايات قد اتفقوا على أن قتلى المصريين وجرحاهم أضعاف من قتلوا وجرحوا من الأجانب ~~على تعدد الأجناس. # يطول الشرح في سرد التهم والدفوع التي تبادلها جميع الأطراف حول هذه المذبحة، ولكن ~~الثابت أن مندوبي الدول - ولا سيما مندوبي إنجلترا وفرنسا واليونان - رفضوا الاستمرار ~~في التحقيق بعد أن طلبه وكيل القنصلية الفرنسية، وأن المالطي الذي قتل المكاري كان له ~~أخ يعمل في القنصلية الإنجليزية، وأن «عمر لطفي باشا» اعترف بإحجامه عن قمع الفتنة ~~إلى المساء، ووقع عليه الاختيار بعد ذلك لوزارة الحربية، وأن المذبحة استخدمت على ~~الأثر للطعن على عرابي والسخرية من كفالته للأمن من قبل ذلك بأيام، وربما كان أهم من ~~هذا كله أن المذبحة استخدمت للطعن في بعوث السلطان والبحث في وسيلة أخرى لتهدئة ~~الحالة «والأسطولان الإنجليزي والفرنسي مرسيان في ميناء الإسكندرية!» فانعقد المؤتمر ~~الدولي في الآستانة في الثالث والعشرين من شهر يونيو، وأحس الباب العالي ما وراءه فلم ~~يعترف به ولم يشترك فيه، وروى صاحب تاريخ «الكافي»، وهو ممن شهد وقائع الثورة واطلع ~~على كثير من أسرارها، أن اللورد دفرين واصل السعي عند الباب العالي للإنعام على عرابي ~~بلقب أو وسام فأنعم عليه بالنوط المجيدي الثاني، فقامت قيامة الصحف الإنجليزية بعد ~~ذلك تتهم السلطان بتحريض العرابيين ms097 وتوقع بين الآستانة والقاهرة وتشكك في الفائدة ~~التي ترجى من تسيير الجيش العثماني إلى مصر لقمع الثورة العرابية، وهو ~~المقصود! # وقد تحقق أسوأ الظنون قبل أسبوع واحد، فراح الأسطول الإنجليزي يعمل عمله والمؤتمر ~~منعقد، وتلقى الأسطول من لندن في الثالث من شهر يوليو أمرا بإنذار الحكومة المصرية ~~أن تكف عن تحصين القلاع وإلا أطلق مدافعه عليها، وكأنما كان أمير الأسطول محتاجا إلى ~~حافز «خاص» - مع بواعث الاستعمار - لاستعمال الضربة المدبرة! فإنه خشي أن يتأخر ضرب ~~المدينة إلى حين حضور أسطول «المانش» إلى البحر الأبيض، وأميره دويل # Dowel # أعلى منه في الرتبة فسبقه إلى العمل قبل أن ~~تضيع منه «المفخرة» ومكافآتها. # وكان الخديو قد انتقل إلى الإسكندرية بعد المذبحة بيوم، وأقام وزارة جديدة برئاسة ~~«إسماعيل راغب باشا» - في 18 يونيو - فلما تلقت هذه الوزارة إنذار أمير الأسطول بذلت ~~جهدها في تحويله عن عزمه فلم يقبل، وأضاف إلى إنذاره التشديد في المطالبة بتسليم ~~القلاع إليه. # وقد طال الأخذ والرد وحان الموعد المقرر لضرب الإسكندرية، فضربت كما تقدم في الفصل ~~الأول، ونزل الجند الإنجليز بالمدينة، فاستدعى الخديو إليه «أحمد عرابي»، وقال في أمر ~~الاستدعاء: «اعلموا أن ما حصل من ضرب المدافع من الدونتمة الإنجليزية على طوابي ~~الإسكندرية وتخريبها، إنما كان السبب فيه استمرار الأعمال التي كانت جارية بالطوابي ~~وتركيب المدافع التي كلما كان يصير الاستفهام عنها كان يصير إخفاؤها وإنكارها. والآن ~~قد حصلت المكالمة مع الأميرال فأفاد بأنه ليس للدولة الإنجليزية مع الحكومة الخديوية ~~أدنى خصومه ولا عداوة، وأنه تقرر من جميع الدول العظمى في المؤتمر بأنه لا ينتقص من ~~امتيازات الحكومة ولا حريتها ولا مس حقوق الدولة العلية، بل هي تبقى ثابتة لها كما ~~كانت. وأن يصير إرسال عساكر شاهانية لأجل استتباب الراحة بمصر، فلذلك يلزم أن تصرفوا ~~النظر عن جميع العساكر وعن كافة التجهيزات الحربية التي تجرونها بوصول أمرنا هذا ~~وتحضروا حالا إلى سراي رأس التين لأجل إعطاء التنبيهات المقتضبة الشفاهية على حسب ~~أمرنا هذا وما استقر عليه رأي مجلس النظار.» ms098 # وقد أجاب «عرابي» على هذه الدعوة بكتاب قال فيه: «... في شريف علم مولاي المعظم أن ~~المحاربة التي وقعت بيننا وبين الإنجليز وبلغت مسامع عظمتكم وعرضت على مجلس نظاركم ~~المنعقد تحت رئاسة سموكم بحضور كثير من ذوات البلاد المنتخبين ودولتلو درويش باشا ~~نائب الحضرة السلطانية، ولما تحقق عند جميعهم أن هذه الطلبات مضرة بالحكومة الخديوية ~~ومخلة بشأن البلاد قرر المجلس المذكور لزوم زيادة خمسة وعشرين ألف عسكري وصدرت ~~الأوامر إلى المديريات بطلبهم وقرر المجلس أيضا أنه لا تطلق المدافع من جهتنا إلا ~~بعد إطلاق خمسة مدافع من السفن الإنجليزية. ولما ابتدأت السفن بضرب النيران على مدينة ~~الإسكندرية لم نقابلها إلا بعد عشرين طلقة، ولم يكن عندنا قبل وقت الضرب أدنى استعداد ~~لاستمرار الأوامر بعدم الاستعداد.» # إلى أن قال: «إنني كنت أتمنى أن أتمثل بين يدي عظمتكم لإبداء هذه الملحوظات، لكن من ~~الأسف أنه تحقق عندي من الاكتشافات الحقيقية أن مدينة الإسكندرية مشغولة الآن بعساكر ~~الإنجليز، فمن المعلوم عند مولاي أنه لا يمكنني الحضور لتلك المدينة لهذا السبب، فإذا ~~حسن لدى مولاي فليصدر أمره السامي بحضور حضرات النظار أو سعادة رئيس مجلس النظار إلى ~~مركز الجيش للمداولة في هذا الأمر لنكون على بينة من الحقيقة.» # وقرر «عرابي» دعوة الرؤساء وذوي الرأي في البلاد إلى مؤتمر عام، فاجتمع في القاهرة في ~~- 17 يوليو - أكثر من أربعمائة رئيس وعالم ووجيه، وتداولوا في الموقف مليا ثم ~~أعلنوا وقف العمل بأوامر الخديو؛ لأنه مغلوب على أمره في يد الأعداء، ووكلوا إلى ~~عرابي مهمة الاستمرار في الدفاع. # وممن وقع على هذا القرار شيخ الأزهر وكبار علمائه ورؤساء الطوائف الدينية ووكلاء ~~الوزارات ومعظم من في القاهرة من سروات البلاد، وعلى رأسهم ثلاثة أمراء، هم: الأمير ~~إبراهيم أحمد باشا والأمير كامل فاضل باشا والأمير أحمد كمال باشا، وكل من بقي في ~~القاهرة من النواب. # وقد استمر القتال بين الإنجليز والجيش المصري، فصمد هذا الجيش على قلة استعداده أكثر ~~من شهر في كفر الدوار، وجاء المدد إلى الجيش الإنجليزي غير ms099 مرة من قبرس ومالطة وجبل ~~طارق، وعلم الإنجليز أن «النزهة» التي تخيلوها، حرب عوان لا يأمنون عقباها، فاستعانوا ~~بالرشوة والخيانة وأشاعوا في مصر منشورا من الباب العالي يرمي العرابيين بالعصيان ~~والمروق من طاعة السلطان! # قال «أحمد شفيق باشا» الذي عمل بالمعية الخديوية من قبل الثورة إلى أيام الخديو عباس ~~الثاني: «في وقت إعلان عصيان عرابي أرسل السلطان ستة آلاف جندي إلى فرضة صوداء بكريد ~~لإرسالها لمصر عند اتفاقها مع إنجلترا على مشاركة هذه الجنود للقوة الإنجليزية ... ومما ~~ساعد أيضا على نجاح الإنجليز أن الجناب الخديو عين «محمد سلطان باشا» رئيس مجلس ~~النواب مندوبا خديويا وبمعيته بعض ياوران سموه لدى الجنرال ولسلي وناط به نشر ~~الدعوة - وخصوصا بين العرب - لمساعدة الجيش الإنجليزي الذي يحارب العرابيين باسم ~~الخديو، أضف إلى ذلك الهبات المالية التي كان الإنجليز يغدقونها على العربان، وخصوصا ~~الذين قيدوا منهم بقلم الاستعلامات الإنجليزي.» # وجاء في مذكرات «شفيق باشا» أيضا: «وفي 22 أغسطس أصدر الخديو إلى الدوائر الملكية ~~والعسكرية في القطر المصري إرادة أخرى، قال فيها: إنه لما كان الغرض الوحيد من ~~الأعمال العسكرية التي يقوم بها السير جارنت ولسلي هو استتباب الأمن في مصر، فنحن قد ~~صرحنا له باتخاذ التدابير العسكرية التي يرى لزوما لاتخاذها، فيجب عليكم حال وصول ~~أمرنا هذا إليكم أن تبذلوا له المساعدات اللازمة وتطيعوا أوامره كما لو كانت صادرة ~~منا، فمن يخضع له كأنه خضع لنا شخصيا ومن خالفه يعد عاصيا لنا، ويعامل معاملة ~~العاصي، وقد أصدرنا أمرنا هذا إليكم للعمل بمقتضاه.» # ولا حاجة إلى الإسهاب في سرد أسباب الهزيمة التي منيت بها الجيوش المصرية في التل ~~الكبير، فليس من العسير أن نفهم كيف ينهزم جيش يحيط به الجواسيس وينقلون أخباره إلى ~~الأعداء وينساق إلى خذلانه أقرب الناس إليه. # إلا أن المؤرخين علقوا بعض أسباب الهزيمة على موقف الجيش من قناة السويس، وحسب كثير ~~منهم أن ردم القناة كان خليقا أن تعطل حركات الإنجليز في الجهة الشرقية، وهو كلام ~~يلقى على عواهنه. لأن عرابيا لم ms100 يكتف بما أخذه دلسبس على نفسه من العهود المؤكدة، ~~وأمر بإرسال قوة إلى القناة لمواجهة الحال بما تقتضيه.قال الأستاذ الإمام في تعليقاته ~~على الثورة العرابية: «وقبل أن يتحرك عسكري إلى ناحية القنال كان الجيش الإنجليزي قد ~~احتله؛ وذلك لتأخر الجيش 15 ساعة في مخابرة دلسبس، ويظهر أنه كان في الحاضرين خونة ~~حملوا الأخبار وأبطئوا في المخابرة.» # أما وجهة نظر عرابي في هذا التأخر، فهي تقديره أن الإنجليز يعملون منفردين بين الدول، ~~وأن ردم القناة يجنح بالدول إلى تأييدهم. وقد أبلغ السلطان خطته في رسالة برقية، قال ~~فيها بعد أن أشار إلى قطع الإنجليز للمواصلات البرقية بين الإسماعيلية والسويس: «أما ~~نحن فبالنظر إلى احترامنا لعهود الترعة، بأن تكون على الحياد وإلى عدم تفويتنا لتلك ~~النقطة وعدم وجود قوة عسكرية تقوم بشأن المحافظة على النقط فيما عدا نقط العساكر ~~المستحفظة وموالاة التحريض الشديد على عدم مس حقوق الترعة، كل ذلك جعلنا في مأمن تام ~~من تحمل أي تبعة كانت.» ~~••• # هذه كلمة مجملة في خطة الجيش المصري حيال القناة، وليست هذه الخطة على كل حال هي سبب ~~الهزيمة؛ لأن الهزيمة كانت ضربة لازب بين عوامل الخذلان التي أحاطت بالجيش المصري في ~~حالته تلك؛ وهي حالة النقص في العدد والعدة، على الرغم من تكرار المطالبة بزيادته ~~وتسليحه، ولو كان في مصر عدد كاف من الجنود المدربين لأمكن رصد «المخافر» اللازمة ~~منهم لحماية قناة السويس من غير حاجة إلى ردمها وتسليم المحتلين بذلك حجة يسوغون بها ~~هجومهم ويمثلونه للدول في صورة «المهمة الدولية»، ويأتون بالشهود من مصر وغيرها على ~~سبق المصريين إلى العمل الذي أوجب الهجوم لحماية القناة في حينها، واليوم - في سنة ~~1952 - كانت حجة المحتلين أمام الدول بدعوى حماية القناة تسبق حجة المصريين إلى ~~الإقناع، مع تضارب الأهواء. # ويبقى أن تقال هنا كلمة أخرى عن المذابح التي وقعت داخل البلاد بعد خروج الجيش المصري ~~من الإسكندرية، فإن أخبار المهاجرين من الإسكندرية عن قتلاها وحرائقها وخرائبها كانت ~~قد ملأت بلاد الوجه البحري، وذاع معها ms101 أن الذي حدث في الإسكندرية سيحدث في المدن ~~الأخرى عند وصول الجنود الإنجليز إليها، فثارت ثائرة الغوغاء واشتبكت بينهم وبين ~~الأجانب والمسيحيين مشاجرات قتل فيها أناس من هؤلاء، كما قتل فيها أناس من المسلمين. ~~والذي ينبغي أن يلفت النظر أن أعيان المسلمين خفوا إلى نجدة الأجانب والمسيحيين ~~المعتدى عليهم، وأن كبير هؤلاء الأعيان في إقليمه «أحمد المنشاوي بك» تلقى من مؤتمر ~~الأجانب الذي انعقد بفندق «أبات» في الإسكندرية خطاب تقدير باللغتين العربية ~~والإيطالية، قالوا فيه: «إننا نحن الواضعين إمضاءاتنا بذيله المستوطنين في القطر ~~المصري والتابعين لدول مختلفة بناء على ما اشتهر لدينا، مما أتيتم به من الإعانة ~~والغيرة نحو ساكني طنطا على اختلاف أجناسهم وأديانهم، قد رأينا من الواجب علينا أن ~~نقدم لسعادتكم هذه العريضة برهانا على إقرارنا الأبدي بحميتكم وشكرنا الدائم ~~لسعادتكم. وإنه ليسرنا ويعزينا كثيرا أن نرى في القطر المصري مع ما أصيب به من ~~النوائب رجالا دافعوا عن حقوق الإنسانية وراعوا زمام التمدن بحمايتهم أولئك ~~الأبرياء.» # أما الجزاء الذي قابل به الاحتلال ذلك الشكر الأبدي فهو النظر بعين السخط إلى أولئك ~~الحماة، وقد تمحل الممثلون العلل لسجن الرجل الذي تلقى ذلك الاعتراف بالجميل، فاتهموه ~~بالعنف في إكراه بعض اللصوص على الاعتراف بجريمتهم، وساقوه إلى المحاكمة «تكفيرا» عن ~~حقوق الإنسانية. ومغزى هذه المعاملة وأمثالها أوضح من أن تحتاج إلى توضيح، فهي - إلى ~~مكافأة عمر لطفي وشركائه - برهان يغني عن كل بيان ... # يضيق الصدر بعد هذا بما جرى في أثر الهزيمة المصرية من عودة الخديو إلى القاهرة ~~محفوفا بالجيوش الإنجليزية، وبما جرى من الفضائح والمخزيات في محاكمة الزعماء ~~العرابيين، ولكننا نلخصها موجزين، فنقول: إن الإنجليز لم يضعوا أقدامهم في القاهرة ~~حتى بدءوا بتهديد الخديو في مركزه كما تقدم، وبادر الشاعر الأيرلندي «بلنت» الثائر ~~على الدولة البريطانية إلى نجدة أصدقائه العرابيين، فندب للدفاع عنهم محاميا ~~إنجليزيا خبيرا بالشئون الشرقية هو مستر «برودلي» صاحب كتاب «تونس في ماضيها ~~وحاضرها» وكتاب «كيف دافعنا عن عرابي؟» فعلم هذا المحامي بمشاوراته مع المراجع ~~الإنجليزية ms102 العليا أن إنجلترا لا تستطيع الحكم بالإعدام على عرابي؛ لأنها تتذرع بفساد ~~الحكم لتسويغ الاحتلال، فلا يلائم هذه الدعوى أن تعاقب بالإعدام من يثور على الفساد، ~~ولكنها كذلك قد تذرعت بعصيان عرابي وتثبيت مركز الخديو لتسويغ حملتها على البلاد ~~المصرية، فلا مناص إذن من الاعتراف بالعصيان. # وفي المحكمة تولى المحامي الدفاع على هذا الأساس، فكانت المحاكمة كلها فصلا من فصول ~~التمثيل، ولما يسدل الستار بعد على الفصل الأخير. # إلا أن المقادير توالي سياسة الاستعمار بالسخرية التي لا تنقطع في مرحلة من مراحله، ~~فالاحتلال البريطاني يبقى اليوم باسم القناة التي بدءوا أعمالهم في غزو مصر باقتحام ~~حرمتها ونقض عهودها، ونحن اليوم نحتج عليهم بمقاومتنا لاحتلالهم، وقد كانت هذه ~~المقاومة نكبة القائمين بها أمس، فهي شفاعتهم اليوم في التقدير والإنصاف. # جنرال سيمور. # الأسطول الإنجليزي يستعد لتدمير الطابية. # طابية الفنار بعد تدميرها. # الأجانب يهاجرون من الإسكندرية في السفن قبل إنذار ~~سيمور. ms103