######OpenITI# #META# URI: 1383CabbasMahmudCaqqad.DhuNuraynCuthmanIbnCaffan.Hindawi39308515 #META# Tags: biographies #META# ID: 39308515 #META# Title: ذو النورين عثمان بن عفان #META# AuthorID: 64642852 #META# Author: عباس محمود العقاد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # 1 - على العهد‏ # 2 - بين القيم والحوادث‏ # 3 - وبعد الصدمة‏ # 4 - أسباب ولا أسباب‏ # 5 - بين الجاهلية والإسلام‏ # 6 - نشأته وشخصيته‏ # 7 - ثقافة عثمان‏ # 8 - من إسلامه إلى خلافته‏ # 9 - المبايعة‏ # 10 - الخلافة‏ # 11 - مصحف الإمام أو مصحف عثمان‏ # 12 - النهاية‏ # 1 - على العهد‏ # 2 - بين القيم والحوادث‏ # 3 - وبعد الصدمة‏ # 4 - أسباب ولا أسباب‏ # 5 - بين الجاهلية والإسلام‏ # 6 - نشأته وشخصيته‏ # 7 - ثقافة عثمان‏ # 8 - من إسلامه إلى خلافته‏ # 9 - المبايعة‏ # 10 - الخلافة‏ # 11 - مصحف الإمام أو مصحف عثمان‏ # 12 - النهاية‏ # | ذو النورين عثمان بن عفان # | ذو النورين عثمان بن عفان # تأليف # عباس محمود العقاد # الفصل الأول # | على العهد # علم قراء هذه التراجم وجهتنا التي نتجه إليها في كتابتها، ولا نحسب أن أحدا ممن ~~تتبعوها - أو تتبعوا معظمها ينتظر منها بحثا غير بحوثها التي عنيناها، فليس يعنينا منها ~~سرد الحوادث ولا استقصاء البيان عن فترة من السنين، وإنما يعنينا من الحادثة التي نعرض لها ~~ومن الفترة التي نستبينها أنها وسيلة إلى مقصد واحد: وهو التعريف بالنفس الإنسانية في حالة ~~من أحوال العظمة والعبقرية، أو حالة من أحوال النبل والأريحية، فإن جاوزنا هذا المقصد إلى ~~غيره فإنما نجاوزه لجلاء فكرة تحيط بأطوار التاريخ الإنساني، وتخرجه من غمار التيه ~~والظلمة، وتسلك به مسلكا غير مسلك التخبط والضلال. ~~••• # ونحن نقيس أثر هذه التراجم بمقياسين متقابلين، بل متعارضين متناقضين، ولكنهما ينتهيان ~~إلى نتيجة واحدة. # نقيس أثرها بالرضى والقبول من الموافقين، ونقيسه بالسخط والنفور من المخالفين، وكلاهما ~~دليل على أثر نغتبط به ونستزيد منه، دليل على أن التراجم رمية أصابت مرماها، وهذا كل ما ~~نبغيه. # ومن الملاحظات التي نغتبط بها خاصة أن جانب الرضى عن هذه التراجم غير مقصور على أبناء دين ~~واحد أو أبناء نحلة واحدة. فتراجمنا لعظماء الإسلام قد اطلع عليها وتتبعها أناس كثيرون ~~ممن لا يدينون بالإسلام، وترجمتنا لغاندي قد كان أكثر قرائها من المسلمين، وهؤلاء وهؤلاء قد ~~عرفوا وجهتها ولم يخرجوا بها عن سبيلها؛ فليست النفس الإنسانية ملكا لأبناء دين ms001 واحد، وما ~~من شيء يجعل للدين نفسه معنى إن لم تكن النفس الإنسانية ذات معنى وذات قيمة وذات علاقة ~~أصيلة بهذا الوجود أجمع، فلا يضل معتقد عن هدى عقيدته حين يؤمن بجانب من جوانب عظمتها، ~~أو جانب من جوانب النبل والأريحية فيها. والسؤال الذي يسأله من يعرف المسألة كلها هو: هل ~~تستحق الحياة أن نحياها؟! # فإن كانت حياة الإنسان أهلا للثقة بها والإيمان بقدرها؛ فالجواب: نعم، وإن لم تكن كذلك؛ ~~فلا جواب للسؤال غير اليأس والضياع والانحلال، بل نحن نرى أن الشاكين والمترددين يثوبون ~~إلى طريق الأمل والرجاء كلما لمسوا للنفس الإنسانية جذورا عميقة في أصول الحياة، وهذه ~~الجذور نلمسها لمسا كلما علمنا أن النفس الإنسانية قابلة لعمل عظيم، وكلما علمنا أن قوة ~~الاعتقاد بالخير هي نفسها عمل عظيم. وليس الخلاف إذن بين دين ودين، أو بين مذهب ومذهب أو ~~بين فلسفة وفلسفة؛ ولكنه خلاف بين حياة لها جذور وحياة مستأصلة من جميع الجذور، وهو ~~بعبارة أخرى خلاف بين حياة لها معنى وحياة فارغة من كل معنى، ولو كان هذا المعنى من ~~مخترعاتها الملفقة وأباطيلها المزجاة. ~~••• # نقيس أثر هذه التراجم بالرضى من هؤلاء المؤمنين بمعنى الحياة وهؤلاء الباحثين عن ~~معناها. # ونقيسه كذلك بسخط الساخطين وغيظ المحنقين، وكلما اشتد هذا السخط واضطرم هذا الغيظ؛ علمنا ~~موقع الرمية من الهدف الصميم، فهو موقعها الذي أصبنا به المقتل من ذلك المعسكر الذي يسمي ~~نفسه بمختلف الأسماء، ولا يصدق عليه اسم كما يصدق عليه اسم أعداء الإنسان. # وإنما تصدق الأسماء حيث تصدق على الصفات والأعمال، وقد سمي بأعداء النوع الإنساني ~~قديما معاشر من الخلق كانوا يكرهون النعمة، ويعافون السرور، ويتجنبون معاشرة الناس، ~~ولكنها تسمية لم تكن على صواب؛ لأنهم كرهوا النعمة وعافوا السرور؛ إيمانا بنعمة أشرف من ~~جميع النعم، وشوقا إلى مسرة أرفع من جميع المسرات، ثم تجنبوا معاشرة الناس؛ نبوا ~~بضمائرهم عن العيش الذي لا يعرف النعم والمسرات إلا في أحضان الرذائل والشهوات، فمن شاء ~~فليسم هؤلاء المتزمتين بما شاء من الأسماء إلا ms002 أن يسميهم بأعداء الإنسان. # أما أعداء النوع الإنساني حقا فهم الحريصون على تصغير كل عظيم فيه، الملوثون لكل صفحة ~~نقية من صفحاته، العاكفون على هدم كل ما بناه في تاريخه الطويل من قيم الأخلاق وعقائد الخير ~~والفلاح، الذين يعملون ما لا يعمله إلا عدو مغير على الأرض يتعقب بقايا أهلها، كما يتعقب ~~العدو اللدود جنسا من ألد الأعداء لجنسه، فلا يسره شيء كما يسره أن يرجع إلى ماضيه ~~وحاضره بالتشويه والتخريب، وذم الحميد منه وتسجيل الذميم المعيب. ~~••• # ويبلغ المسخ بهؤلاء المساكين أنهم يخلصون في بغضائهم إخلاص الجنسين المتعاديين بالطبيعة؛ ~~فلا يقنعون بما يجدونه من العيوب والأدناس، بل يتجسسون عليها ويلحون في تأويلها، ولا يطيب ~~لهم شيء كما يطيب لهم أن يبطلوا الثناء على بطولة البطل وتفدية الشهيد وإيثار الكريم، ~~فيردوه إلى الزراية والمهانة، وتعليل الأمور بأسوأ العلل، وتفسيرها بأقبح البواعث والأغراض ~~... ومثل هذه اللجاجة في تلطيخ تراث الإنسانية كله بالأوزار والأدناس لا تصدر إلا من طبع سقيم ~~وخليقة عوجاء، فيجوز لكل صاحب عقل أن يفهم بعقله علل الأعمال: سامية أو مسفة، وعامة أو ~~خاصة، ومخلوطة بالأثرة أو خالصة للإيثار، ولكن الهيام بتحقير كل عظيم واتهام كل ثناء، ~~والحماسة المتشنجة لتغليب الخسة على النبل، ونبش السمعة المأثورة عن جراثيم النتن والقذى؛ ~~ليس المرجع فيه إلى فهم ودراسة، ولكنه يرجع إلى مسخ في الكيان يسلخ المبتلى به في مسالخ ~~العدو المبين لنوع الإنسان. # وما كان في وسع إنسان حي أن يسيغ الحياة كما يريدها هؤلاء المسخاء المنكودون، ولكنهم ~~فقدوا الثقة بالحياة المثلى؛ فعوضوها ببديل منها لا يغني عنها إلا إلى حين. إن المنحدر من ~~القمة إلى الهاوية يتحرك في انحداره، بل يتحرك سريعا إلى قراره، وهو في حركته هذه أسرع من ~~الصاعد إلى القمة ... بجهده وهدايته، وأسبق منه جدا إلى غايته بل نهايته. إلا أنها حركة ~~المصاب بالحركة على الرغم منه، فلا وجه للمقابلة بين الصاعد المجاهد والهابط المقذوف كما ~~ينقذف الجلمود، وإن لاح لمن يراهما أنهما متحركان وأن الهابط منهما أقدر ms003 من الصاعد على ~~العدو والجريان. # وقد امتلأ مكان الثقة من نفوس هؤلاء المسخاء بسخائم المقت والكراهية؛ فكانت لهم عوضا بئس ~~العوض، كانت لهم عوضا كعوض الحركة الهابطة من الحركة الصاعدة، وليس أدل على ضرورة الثقة ~~للإنسان في اجتماعه وانفراده من حاجة هؤلاء إلى تعويضها بذلك الثمن الثقيل، وإنه لجد ~~ثقيل في الحقيقة، فإنه لهو الانتحار بغير إرادة الانتحار. # ونحمد الله على نصيبنا من هذه الكراهية كما نحمده على نصيبنا من تلك الثقة، فهذه وتلك ~~كلتاهما مقياس صادق لأثر هذه التراجم التي نزيدها اليوم ترجمة جديدة، وسنزيدها بمشيئة الله؛ ~~كلما اتسع الوقت وأحسسنا الرضى من هنا والكراهية من هناك. ~~••• # إن سيرة الخليفة الثالث نمط من أنماط متعددة زخرت بها الدعوة الإسلامية من سير الخلفاء ~~وغير الخلفاء: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وأبي عبيدة، وخالد، وسعد، وعمرو، وأمثالهم من ~~الصحابة والتابعين، ما منهم إلا من كان عظيما بمزية، وعلما من أعلام التاريخ، فأين كان ~~موضع هؤلاء من العظمة ومن تاريخ بني الإنسان لولا العقيدة الدينية ولولا الرسالة ~~المحمدية؟ # ليقل من شاء من فلاسفة التاريخ ما يشاء في التعليل والتحليل والتلخيص والتفصيل، فمهما ~~يقل القائلون، ومهما يشرح الشارحون؛ فليس من السهل على عقل رشيد أن يزعم أنها كلها خدعة ~~وهم في رءوس أناس جاهلين، ولا حاجة هنا إلى الفلسفة ولا إلى الحذلقة ولا إلى الجدل ~~الطويل، فالقول الفصل بعد كل قول ووراء كل شرح: إن الوهم الخادع في رءوس الجاهلين خير ألا ~~يكون، وماذا يبقى من تاريخ الإنسانية لو حذفنا منه هذه العوامل الحية، وقلنا مع القائلين: ~~إنها وهم من الأوهام كان خيرا لها أنه لم يكن ولم يكن بعده ما جرى في مجراه؟! ~~••• # وفي هذه السيرة - على ما نرجو، وعلى خلاف ما يخطر في بال الكثيرين لأول وهلة - شواهد على ~~هذه العبرة الكبرى أكبر من شواهد أخرى، فلعلها لا تبرز لنا عبقرية كعبقرية الصديق أو ~~الفاروق أو الإمام، ولكنها تبرز لنا من جانب الأريحية صفحة لا تطوى، ولا يستطيع العقل ~~الرشيد أن ms004 يرجع بها إلى باعث غير باعث العقيدة والإيمان. # الفصل الثاني # | بين القيم والحوادث # ربما كانت سيرة الخليفة الثالث - ذي النورين - أوفى السير بالشواهد على الخصائص التي ~~تلازم تاريخ العقيدة في أطوارها الأولى، ولا سيما أطوار التحول في طريق الاستقرار. # وأبرز هذه الخصائص في تاريخ العقيدة أنه تاريخ قيم ومبادئ، وليس بتاريخ وقائع ~~وأحداث. # فالوقائع والأحداث تتشابه في العصور المتطاولة، ولو أننا تخيلناها معروضة في الصور ~~الصامتة؛ لما وجدنا من فارق يذكر بين الوقائع والأحداث التي تفصلها من مسافة الزمن آلاف ~~السنين، ومن مسافة المكان آلاف الفراسخ، كلها صورة متكررة من حيث ظواهرها وأغراضها البادية ~~للعيان، ولكنها تختلف اختلافا بعيدا حين ننفذ من ظاهرها إلى باطنها، أو حين ننفذ من ~~حركاتها المكشوفة إلى القيم النفسية التي تكمن وراءها، وإلى الدعاوى التي تدور عليها، ولو ~~كانت من دعاوى المبطلين التي يصدق عليها في بعض الأحايين أنها كلمات حق أريدت بها ~~أباطيل. # فالحوادث التي تدور على طلب السطوة غير الحوادث التي تدور على طلب الحرية، ولو كان طلب ~~الحرية أكذوبة يتعلل بها المتعلل لغاية في نفسه يسترها ويعلن ما عداها. # فإذا كان المتعلل بالحرية مبطلا في دعواه؛ فهناك فارق صحيح بين المعارك التي تذكر فيها ~~الحرية حقا أو باطلا، والمعارك التي لا ترد فيها على لسان أحد ولا تخطر بباله، فلولا ~~أنها أصبحت شيئا يهتم به الناس ويتنازعونه؛ لما ذكرها الصادقون ولا المبطلون، ومتى أصبحت ~~الحرية قيمة من القيم المحسوبة في حياة الأمم؛ فهناك دليل عليها ممن يتعلل بها صادقا ~~ويتعلل بها كاذبا؛ ليخدع الناس بها عما يريده من ورائها. ~~••• # وفي سيرة عثمان رضي الله عنه صدمة عنيفة تواجه كل باحث في تاريخ صدر الإسلام، وتلك هي ~~قتلته البشعة وهو شيخ وقور جاوز الثمانين. # لم يكن عثمان أول خليفة قتل، فإن الفاروق عمر بن الخطاب قتل قبله غيلة وهو يقيم ~~الصلاة. # ولكن مقتل عمر لم يكن صدمة في تاريخ العقيدة ... قتله غلام دخيل على الإسلام، ومن ورائه ~~عصابة تدين بغير دينه، وتكره منه ms005 ما عمله لإقامة ذلك الدين، فلا غرابة ولا صدمة، ولا شيء ~~فيه غير الفاجعة التي تفجع نفوس المسلمين. # أما تلك القتلة البشعة التي انتهت بها حياة الخليفة الثالث فشيء غير هذا، وشيء بعيد عن ~~هذا في صدمته المفاجئة لمن يتابع تاريخ العقيدة الإسلامية في أطوارها الأولى. # لم يمض جيل على الإسلام ويقتل خليفة المسلمين هذه القتلة؟! فماذا صنعت هذه العقيدة إذن ~~بنفوس الحاكمين والمحكومين؟! وماذا تغير من فتكات الجاهلية بعد جهاد المؤمنين وإيمان ~~الكافرين؟! # والسؤال صدمة عنيفة. # ولكنه قائم على خطأ جسيم، وإن يكن خطأ قريب التصحيح. # فالعقيدة لا تبطل الخلاف والنزاع، ولا تختم الوقائع والأحداث في التاريخ، ولم يحدث قط في ~~دعوة إصلاح في الدين أو غير الدين أنها قسمت التاريخ إلى عهدين: عهد سابق كان فيه نزاع ~~وكانت فيه أحداث، وعهد لاحق يبطل فيه النزاع وتنقضي فيه الأحداث. # لم يحدث هذا قط ولا يحسن أن يحدث، فإنه لو حدث؛ لكانت العقيدة المصلحة شللا معطلا لحياة ~~الأمم، معوقا للتاريخ في مجراه المطرد إلى غير قرار. # إن العقيدة لا تلغي الحوادث والخصومات، ولكنها تجدد القيم التي تدور عليها الحوادث ~~والخصومات. # وليست الخصومات شر ما يبتلى به الناس، فشر منها الخسة التي ترضى بالدون، وشر منها الوفاق ~~على الغش والمهانة، وشر منها شلل الأخلاق الذي لا يبالي صاحبه ما يحسن وما يقبح وما يرضى ~~وما يسوء، وشر منها الحياة بغير قيمة تستحق الخلاف عليها، وبغير معنى يتسع للبحث ~~فيه. # فليس مطلوبا من العقيدة أن تبطل الخصومات، ولكنما المطلوب منها أن ترتفع بالنفوس عن ~~الخصومة في غير شأن، أو ترتفع بها عن الخصومة في شأن هزيل ضئيل. # وعلى هذا ينبغي ألا تكون الخصومات والأحداث هي مدار البحث في تاريخ هذه الفترة، بل ينبغي ~~أن يكون مدار البحث على القيم والمبادئ التي دارت عليها تلك الخصومات والأحداث. # ولا نقول: إن الفاجعة إذن تهون. # وغاية ما نقوله: إنها تفهم على وجهها الصحيح، وإنها تفهم على وجه لا يريب في عمل ~~العقائد وعمل العقيدة الإسلامية ms006 على التخصيص. # لقد كان مدار الخصومة على محاسبة الإمام: محاسبة الرعية لإمامها، ومحاسبة الإمام لنفسه، ~~وكل أولئك شيء جديد في التاريخ، وكل أولئك شيء يقيم ويقعد في حياة الأمم، ولا سيما حياتها ~~في أطوار العقيدة الأولى. # أين كان أبناء الجاهلية من حق الحساب بين الحاكم والمحكوم؟ # أما في البادية فقد كان الحساب كله على شريعة الثأر والانتقام وإغارة القبيلة الكبيرة على ~~القبيلة الصغيرة، وكان الغالب على الفرد أن يعيش في كنف قبيلته، تحميه إن استطاعت، أو تخلعه ~~إن عجزت عن حمايته. وقد شاع في العصور الحديثة كلام كثير عن الحرية البدوية، ولم تفهم على ~~حقيقتها مع كثرة الكلام فيها، فما كانت الحرية البدوية قط قائمة على حق إنساني تحميه ~~الشرائع والآداب، ولكنها كانت أشبه شيء بانطلاق المادة حيث لا عائق لها مما حولها، ومثل هذه ~~الطلاقة طلاقة العصفور في فضائه، والحيوان الآبد في صحرائه، طلاقة المادة حيث لا حواجز ولا ~~سدود. # وأما الحكومات التي قامت في الجزيرة العربية، على نحو من نظام الملك والإمارة، فقد كانت ~~شريعتها - على خلاف المظنون - طغيانا مطلقا من جميع القيود، وكان بعض ملوكها يتخذ من ~~أهوائه ونزواته شعائر يدين بها الناس في مسائل الحياة والموت، فكان المنذر بن ماء السماء ~~يجعل له يوم نعيم ويوم بؤس، ويقتل كل من يسوقه إليه الحين في يوم ولو كان عابر طريق، وكان ~~يسكر ويأمر بالقتل فينفذ لساعته، ولا يدرى بعد إفاقته فيم كان هذا العقاب إن صح أن يسمى ~~بالعقاب، وحدث أن حجر بن الحارث فرض على بني أسد إتاوة ثقيلة؛ فتمردوا عليها فاستباح ~~أحياءهم، واعتقل رؤساءهم، وأقسم ليقتلنهم بالعصا؛ هوانا بهم عنده أن يقتلهم بالسيف أو ~~السلاح، فسموا من أجل ذلك بعبيد العصا، وقال شاعرهم عبيد بن الأبرص يستشفع فيهم: # ومنعتهم نجدا فقد # حلوا على وجل تهامه # إما تركت تركت عف # وا أو قتلت فلا ملامه # أنت المملك فوقهم # وهم العبيد إلى القيامه # وكان عمرو بن هند يكلم الناس من وراء ستور، وكانوا يضربون المثل بكليب وائل ms007 في عزته، ~~فيقولون عن العزيز البالغ في العزة: «إنه أعز من كليب وائل» ... لأنه كان يحمي الكلأ فلا يقرب ~~حماه، ويمر بالمكان يعجبه فيرمى عنده بكليب وينادى بين القوم: إنه حيث بلغ عواؤه كان حمى لا ~~يرعى ... وكانوا يقولون: «لا حر بوادي عوف»؛ لأنه كان من عزته يقهر كل من حل بواديه، فكلهم ~~عنده كالعبيد. # وأقبح من ذلك ما روي عن عمليق ملك طسم وجديس، فإنه كان يأمر ألا تزف الفتاة إلى بعلها ~~قبل أن تزف إليه، وفي ذلك تقول إحدى هؤلاء الفتيات: # أيجمل ما يؤتي إلى فتياتكم # وأنتم رجال فيكم عدد الرمل؟ # إلى أشباه هذه المظالم التي أجملناها في كتابنا عن الديمقراطية في الإسلام، وقلنا معقبين ~~عليها: إنها روايات لم تخل من إضافات القصة والخيال، كجميع روايات التاريخ القديم المنقول ~~بالتلقين والإسناد «ولكننا نثبتها ونعول عليها؛ لأن الفكرة هنا أبلغ من الخبر، وأصدق من ~~وثائق الأوراق، فلو لم تكن فكرتهم الغالبة عن الحكم أنه عزة وخيلاء لا تكملان لصاحبهما بغير ~~إذلال الأعزاء، وتمحل الذرائع للعتو والإيذاء، لما تواترت أنباء الملوك على هذه ~~الوتيرة.» ~~••• # ومن هذه الفكرة المتواترة عن سلطان الحكم إلى محاسبة الخليفة على كل صغيرة وكبيرة في شئون ~~الدولة بون بعيد، وشيوعها بين الخاصة والعامة، حتى يتصدى للحساب صغير القوم وكبيرهم على ~~السواء هو الفتح الذي جاءت به العقيدة الإسلامية على أعقاب الجاهلية، وعلى مسمع من طغيان ~~الأكاسرة والقياصرة والتبابعة، في الشرق والغرب والشمال والجنوب. # وسنرى أنهم كانوا يحاسبون الخليفة على الزيادة في حمى المرعى المتروك لإبل الصدقة بعد ~~تكاثرها ومضاعفة عددها، وسنرى أنهم كانوا يحاسبون واليا من أكبر ولاته - وهو والي الشام ~~معاوية بن أبي سفيان - لأنه سمى مال الدولة مال الله بعد أن كان يسمى ببيت مال ~~المسلمين، وأشفقوا أن يكون تغيير الاسم تمهيدا لاستئثار الحاكم بالتصرف فيه، وكف المسلمين ~~أصحاب المال عن المحاسبة عليه. # هذه المحاسبة بين الحاكم والمحكوم قيمة كبيرة نشأت مع العقيدة المحمدية، وهي قيمة كبيرة ~~على جميع حالاتها من الصدق فيها أو ms008 التذرع بها إلى غرض قد يخفيه أصحاب الذرائع والتعلات، ~~فإن القانون يصونه أناس مخلصون، ويدعى غيرهم صيانته كاذبين مدلسين، ولكن القانون على ~~الحالتين كسب عزيز لا يستهين به عاقل، ولا يقول أحد بالاستغناء عنه من أجل الكذب به أو ~~الكذب عليه، وكذلك كل قيمة غالية من قيم الحياة الإنسانية كالفضيلة والخير والحرية والصدق ~~وما شابهها من فتوح الضمير في آماد التاريخ، مما يحرص عليه الناس أو يصطنعون الحرص عليه، ~~فإنما تكسبها الإنسانية بالتعارف عليها وقبولها أو قبول مقاييسها، ولن تكون القيم جميعا ~~إلا من هذا القبيل وعلى هذا المثال. ~~••• # ولقد كان من الناهضين لمحاسبة عثمان رضي الله عنه أناس مغرضون يقولون مالا يفعلون ويفعلون ~~غير ما يقولون: كان منهم من أقام عليه الحد، ومن حبس أباه في جريمة، ومن فرق بينه ~~وبين حليلة تزوجها على غير الشريعة، ومن أبى عليه الولاية، ومن لم يصنع به الخليفة أمرا من ~~هذه الأمور، ولكنه كان منطوي النية على الفساد والإفساد، وكل هذه المآرب قد شيبت بها ~~حركة المحاسبة على أعمال الخليفة؛ فكانت عيبا للحركة، ولكنها لم تكن عيبا لحق المحاسبة، ~~ولا إزراء بشأنه ولا بالشأن الذي أكسبته الأمة من تقريره والتعارف عليه، ولولا أنه حق؛ لما ~~تعلل به المبطلون. # وآفة البحث في تطور الأخلاق والقيم الإنسانية أن يتولاه من لا يفقهون قيمة النهي عن شيء، ~~بعد أن كان مباحا غير منهي عنه، ولا يخطر النهي عنه على بال أحد، فإقامة الحدود التي يؤخذ ~~الناس بالتزامها وينهون عن تجاوزها، هي عنوان الدوافع الباطنية التي غيرت حياتهم، وغيرت ~~نظراتهم إلى الأعمال والأخلاق فأعلنوها في تلك الحدود. # وأضل من هؤلاء من يبحثون في تطور الأخلاق؛ فيأخذونها بالعناوين ويطلقون العنوان الواحد ~~على صفتين مختلفتين أو متناقضتين، ويكاد القس راشدال # Rashdall # أن يزن الأطوار الأخلاقية بهذا الميزان حيث يقول: «إنه ندر من ~~رذيلة أو جريمة إلا كانت في زمن من الأزمنة منظورا إليها كأنها واجب من واجبات الديانة أو ~~العرف، كالسرقة التي كانت تحسب فضيلة من الناشئة الإسبرطية ms009 ومن الطائفة الهندية التي ~~تسمى بطائفة الخناقين، وقد كانت القرصنة - وهي سطو وقتل - صناعة محترمة في العالم ~~القديم، وكان الاضطهاد الديني في القرون الوسطى أشرف الواجبات.» # وليس من الميسور في هذا المقام أن نفصل وجوه الخلاف بين الإباحة القديمة والتحريم الحديث ~~في جميع هذه الفعال والخلال، ولكننا نكتفي بما يستطاع بيانه بغير حاجة إلى الإفاضة ~~والإسهاب، كالقرصنة ما بين العصرين القديم والحديث، فهل القرصنة التي نحرمها اليوم هي ~~القرصنة التي كانت مباحة بالأمس، أو هما نقيضان باسم واحد مشترك بينهما بوهم ~~الاصطلاح؟ # الواقع أن قرصنة الأمس كانت حقا كحق صاحب الملك الذي تسطو عليه؛ إذ كان صاحب الملك يجمع ~~بضاعته بالسطو على قبيلة أو عشيرة أضعف منه وأعجز عن الهجوم والدفاع، فإن كان فيما يملكه ~~شيء مصنوع فهو من صنع العبيد المسخرين في أرضه أو معمله، وكلهم من أسرى الحرب المغتصبين من ~~أبناء القبيلة التي قهرت؛ لأنها عاجزة عن مقاومته ودفعه، فحقه في بضاعة السفينة كحق ~~القرصان في السطو عليها، وليس هذا الحق الذي يستطيع القرصان في العهد الحديث أن يدعيه ويقبل ~~التعارف عليه. # ويصدق على سرقة الناشئة الإسبرطيين ما يصدق على القرصنة في العصور القديمة، ويمكن أن يقال ~~كذلك: إن الاضطهاد الديني في العصور الوسطى غير الاضطهاد الديني في العصر الحديث؛ لأن العمل ~~لا يعتبر رذيلة أو جريمة إلا إذا كان فيه نقض لقيمة أخلاقية مصطلح عليها، ولم يكن التسامح ~~ولا الحرية الفكرية قيمة مصطلحا عليها في العصور المظلمة بين الأوربيين سواء منهم ~~المضطهدون ومن يقع عليهم الاضطهاد، فلو أن أحدا من الذين وقع عليهم الاضطهاد ظفر بمخالفيه ~~في العقيدة؛ لاضطهدهم كما اضطهدوه وقسرهم على التصديق بعقيدته كما قسروه، وكلا الفريقين ~~يستعيذ من حرية الفكر على اعتبارها تفريطا في الغيرة على الدين. # فالقيم الأخلاقية والوجدانية هي الجوهر المهم في تطور الأخلاق، وليست هي الأسماء ~~والعناوين، ومتى ظهرت «القيمة» في أمة فهي مكسب حق لا شك في نفعه أيا كانت نية المنادي به ~~على الصدق أو على الخداع، فلو لم ms010 يكن الذهب ذا قيمة لما استحق أن يزيفه المزيفون. # ومحاسبة الحكام كانت قيمة جديدة بين العرب وسائر المسلمين في الصدر الأول من الإسلام، ~~فنادى بها الخاصة والعامة وادعاها الصادق والكاذب، وظلت عاملا مهما في السياسة أيام ~~الخلافة وبعد أن صار الحكم ملكا يتوارثه الأبناء عن الآباء. ~~••• # أما الخليفة عثمان رضي الله عنه فأثر العقيدة فيه وهو فرد أوضح من أثرها فيمن قدموا ~~إليه من الأمصار ليناظروه ويحاسبوه، وهو واحد من آحاد معدودين لم يكن في وسع العقل أن ~~يتخيلهم في جاهليتهم على حالتهم التي ارتفعوا إليها بعد الإسلام. # إنه كان من سلالة الأمويين، وهي سلالة اشتهرت في الجاهلية بالحرص على المال لا تبذله في ~~غير مأرب أو متعة، ولم ينهض أحد منهم بتكاليف المروءة والسخاء إلا منافرة لمن ينافسهم بين ~~الملأ، وغيرة منهم أن يسبقوه إلى المجد والثناء، فلما أسلم عثمان رضي الله عنه كانت شهرته ~~الكبرى بالسخاء والأريحية، فنزل عن ماله لتسيير جيش في سنة العسرة، ونزل عن ماله لشراء بئر ~~يستقي منها المسلمون بغير ثمن، ونزل عن ماله لتوسعة المسجد، ونزل عن ماله لحمل المغارم ~~وإعانة الملهوف والبر بالأقربين والأبعدين. # ومذهبه في محاسبة نفسه قد تتعارض فيه الأقوال والتأويلات، ولكنه في الأمر الثابت الذي لا ~~جدال فيه قد بلغ الذروة من محاسبة النفس والتحرج من المساس بالحياة البشرية ولو في سبيل ~~الذود عن حياته وحياة أقرب الناس إليه، فلما أيقن من القتل؛ أبى أن يبقى في داره من يقتل ~~أحدا ممن يحيطون بها ويعالجون اقتحامها لاغتياله، ولما سئل أن يتنحى عن الخلافة أبى أن ~~يتنحى عنها، ولم يكن إباؤه ضنا بشيء يحتويه، فلا شيء أغلى من الحياة وقد هانت عليه، ولا ~~يزعم أحد أنه غنم من الخلافة مالا، بل يتفق المؤرخون على أنه ترك الدنيا وماله أقل مما كان ~~لديه يوم ولي الخلافة، ولكنه أبى أن يخلع نفسه حذرا من أن يحمل جريرة الخلع وما يعقبه من ~~النزاع والقتال، وقد صرح بذلك غير مرة فقال: إنه يخشى على ms011 الذين يستطيلون أيامه أن يتمنوا ~~بعده لو كان يومه مائة سنة، فلا يبوءن بالعاقبة المحذورة وهو مختار. ~~••• # فإذا تركنا الحوادث جانبا ونظرنا إلى التاريخ في صدر الإسلام على أنه تاريخ قيم ومبادئ، ~~فلنا أن نقول: إننا أمام فواجع مؤلمة يود الناظر إليها لو يزوي بصره عنها، وليس لنا أن ~~نقول: إننا أمام صدمة يصطدم بها من يسأل عن أثر العقيدة وأطوارها، فلا صدمة هناك إذا نحن ~~وزنا الحوادث بميزان القيم، وعلمنا أن التاريخ لن يخلو من الحوادث، وأن حوادث الخلاف ليست ~~بأكبر الشرور التي تبتلى بها ضمائر بني الإنسان. # الفصل الثالث # | وبعد الصدمة # وليست الصدمة العنيفة بالحائل الوحيد دون توضيح هذه الفترة وتمحيص أسبابها وعواملها ~~وتبعات المسئولين عنها، فالصعوبة الكبرى أننا في هذه الفترة أمام حادثين يرجع كل منهما إلى ~~أسبابه وعوامله، ويتكلم عنهما بعض المؤرخين كأنهما حادث واحد متحد الأسباب والعوامل. # هذان الحادثان هما: التطور السياسي، ومقتل عثمان رضي الله عنه. وأسباب هذا لا تكفي لتعليل ~~ذاك وليس من الحتم أن تؤدي إليه، وقد طال الجدل حول عمل عبد الله بن سبأ الملقب بابن ~~السوداء وأثره في هذه الفترة، فرأى بعض المؤرخين أنه أهون من ذاك؛ لأنهم اعتقدوا أن ~~الانقلاب السياسي ومقتل عثمان حادث واحد له أسباب واحدة، وليس هو كذلك. ولو أنهم فصلوا بين ~~الأسباب في كليهما؛ لأمكن تقدير التبعة والاستطاعة في عمل كل عامل ودسيسة كل مشترك في ~~المؤامرة. ~~••• # فابن السوداء - ولا شك - أهون من أن يحدث التطور السياسي، وغيره ممن هم أعظم منه شأنا ~~وأشد منه خطرا أهون من إحداث ذلك التطور كله، سواء تعمدوه أو عملوا له غير عامدين؛ لأنه ~~يرجع إلى أسباب متفرقة عميقة القرار، كثيرة التشعب، لا تضطلع بها قدرة رجل واحد ولا عدة ~~رجال متألبين متواطئين. # ولكن مقتل عثمان شيء آخر غير التطور السياسي، وفي وسع ابن السوداء ومن هو أقل منه أن ~~يقترفه بيده وأيدي من يستمعون لتحريضه ودسيسته؛ لأنه في حقيقته «مشاغبة» من مشاغبات الدهماء ~~التي لا تعجز عن أمثال ms012 هذه الأفاعيل. # والذين يقرءون فاجعة عثمان ويلمون بالتاريخ يسبق إلى خيالهم ما قرءوه عن مصارع رؤساء ~~الدول في إبان الثورات والفتن القومية: كالثورة الإنجليزية مع شارل الأول، والثورة الفرنسية ~~مع لويس السادس عشر، وغيرهما من الثورات في العالم القديم والعالم الجديد. # ومتى سبقت إلى خيالهم هذه الصورة، حسبوا أن الثورة التي أفضت إلى مقتل رئيس الدولة في ~~الأمتين كالثورة التي أفضت إلى مقتل رئيس الدولة الإسلامية في صدر الإسلام، وبينهما في ~~الواقع فارق بعيد أبعد من فارق الزمان والمكان. # إن الثورة التي أطاحت بشارل الأول قد اجتمعت فيها قوة الأمة بأسرها على وجه التقريب أمام ~~العرش وأنصاره من النبلاء، وقد كانت هناك حرب وهزيمة غلبت فيها إحدى القوتين، وانهزمت ~~فيها القوة الأخرى. # وهكذا حدث في الثورة الفرنسية التي طاحت بلويس السادس عشر، وهكذا حدث في ثورات كهذه ~~بالقارة الأمريكية والعالم القديم. # أما مقتل عثمان عليه الرضوان فلم تكن فيه حرب بين قوة الدولة وقوة الأمة، ولم تتقابل فيه ~~قوى الحكومات الإسلامية وقوى الأمم في البلاد العربية وغير العربية، وغاية ما يوصف به أنه ~~«حادثة محلية» قد تتم على أثر مشاغبة جامحة من مشاغبات الدهماء، وقد يستطيعها ابن السوداء ~~ومن هو أقل من ابن السوداء. # وعلى سبيل الإيجاز الذي يغنينا عن الإسهاب في المقارنة والمناقشة نقول: إن عثمان رضي ~~الله عنه ما كان ليقتل لو كانت داره محروسة حراسة الدور التي يقيم فيها ولاة الأمور، إن هذه ~~الجمهرة التي اقتحمت داره واجترأت عليه بالسلاح ما كانت لتقتل واليا من ولاته - كمعاوية بن ~~أبي سفيان في الشام مثلا - لو أنها هجمت على داره بين حرسه وأجناده، فلا محل هنا للموازنة ~~بين قوى الدولة وقوى المشاغبة أو الفتنة، ولا محل كذلك للموازنة بين عوامل الانقلاب السياسي ~~وعوامل الدفاع عن شخص الخليفة في داره، فكل عوامل الانقلاب لم يكن من الحتم أن تؤدي إلى ~~مقتل الخليفة ولو بلغت أضعاف ما كانت عليه، وقد كانت المشاغبة التي جنت جنايتها على حياة ~~الخليفة كافية لاجتراح هذه ms013 الفعلة، ولو لم يكن وراءها كل عوامل التطور التي كانت تتجمع هنا ~~وهناك في تلك الفترة الفاجعة، وقد بقيت عوامل التطور وازدادت بعد انتهاء عهود الخلفاء ~~الراشدين وقيام الملك الموروث، فلم ينجم عنها مقتل ملك أو وال من كبار الولاة في بقاع ~~الدولة الإسلامية من أقصاها إلى أقصاها. ~~••• # فمن الواجب إذن عند إحصاء الأسباب والتبعات، والكلام عما يستطاع وعمن يستطيعه أن نفرق ~~بين الحادثين، وأن نرجع بالتطور السياسي إلى أسبابه وعوامله التي تبلغ ما تبلغ ولا يلزم ~~منها أن تؤدي إلى مقتل ولي الأمر في عاصمته، وأن نرجع بمقتل ولي الأمر إلى أسبابه وعوامله ~~التي قد تحدث مع ذلك التطور، وقد تحدث منفصلة عنه في كل طور من أطوار القلق والتذمر، مما ~~يدوم أو ينقضي بانقضاء آونته ثم لا يعود في عصره. # الفصل الرابع # | أسباب ولا أسباب # على أن الأسباب التي ذكرت للحادثين جميعا لا تزال في حاجة إلى إعادة نظر؛ لأنها إما ~~أسباب مزعومة يراد بها غير ظاهرها، أو يجتهد بها المجتهدون بغير روية في مواردها ومصادرها، ~~وإما أسباب صحيحة ولكنها لم تفعل فعلها إلا لاقترانها بأحوال تلك الفترة، ولو جاءت في فترة ~~أخرى؛ لما كان لها ذلك الأثر. # خذ لذلك مثلا أسباب الفتنة كما ذكرها معاوية لابن الحصين. سأله حين وفد عليه: «ما الذي ~~شتت أمر المسلمين وخالف بينهم؟» قال ابن الحصين وكأنه أراد أن يوافق هواه: «قتل الناس ~~عثمان!» قال معاوية: «ما صنعت شيئا»، فعاد ابن الحصين يقول: «فمسير طلحة والزبير وعائشة ~~وقتال علي إياهم». قال معاوية مرة أخرى: «ما صنعت شيئا»، فقال الرجل: «ما عندي يا أمير ~~المؤمنين». قال معاوية: «فأنا أخبرك أنه لم يشتت بين المسلمين ولا فرق أهواءهم إلا الشورى ~~التي جعلها عمر إلى ستة نفر؛ وذلك أن الله بعث محمدا بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين ~~كله ولو كره المشركون، فعمل بما أمره الله به ثم قبضه الله إليه، وقدم أبا بكر للصلاة ~~فرضوه لأمر دنياهم؛ إذ رضيه رسول الله # صلى الله عليه ms014 وسلم # لأمر دينهم، فعمل بسنة الرسول وسار بسيرته ~~حتى قبضه الله، واستخلف عمر فعمل بمثل سيرته، ثم جعلها شورى بين ستة نفر، فلم يكن منهم رجل ~~إلا رجاها لنفسه ورجاها له قومه ... ولو أن عمر استخلف عليهم كما استخلف أبو بكر ما كان في ~~ذلك اختلاف.» # كذلك روى ابن الحصين عن معاوية، وجاء أناس من ذوي النظر في الحكمة والتاريخ فقالوا بما ~~قال به معاوية، ومنهم محمد بن سليمان المتفلسف فيما رواه عنه ابن مكي الحاجب. قال ما فحواه: ~~إن اختيار الستة من أهل الشورى ليكون الخليفة واحدا منهم بعد مقتل الفاروق قد جعل كلا منهم ~~يشرئب إليها ويعلم أنه أهل لها، وكان أشدهم عملا لها وكيدا لعثمان طلحة بن عبيد الله بن ~~عثمان التيمي الملقب بطلحة الجود، فهو من أبناء عمومة أبي بكر، محبوب لسخائه وشجاعته وسبقه ~~إلى الإسلام، وكان ينافس عليها الفاروق فضلا عمن جاء بعده، ويرى أن أبا بكر كان خليقا أن ~~يكلها إليه، وأنه إذا فضل عليه فليس بعد عمر من يفضله، وأعانه الزبير؛ لأن منافسة علي ~~وعثمان إذا وليا الخلافة أشق عليه من منافسة طلحة إذا هي آلت إليه. # وكان أناس من المجتهدين يتابعون محمد بن سليمان المتفلسف على هذا الرأي، أو يتابعون ~~معاوية بن أبي سفيان - أول من قال به وذهب إلى تخطئة عمر في ندبه لأهل الشورى - ولم تزل ~~منهم بقية في عصرنا هذا ترى الحصافة والحكمة فيما قاله معاوية، منهم الأستاذ محمد أحمد جاد ~~المولى الذي كان كبيرا للمفتشين بوزارة المعارف، فهو ينقل كلام معاوية في كتابه «إنصاف ~~عثمان» ثم يتبعه قائلا: إنه رأي «الحصيف المجرب الذي حلب الدهر أشطره، وغلب برأيه ودهائه ~~صاحب الحق على حقه، وأقام دولة الإسلام على تخوم دولة الروم موطدة الأكناف قوية الدعائم، ~~وحاش لعمر أن يتهمه أحد فيما فعل؛ فإنه لم يرد إلا الخير للمسلمين جاهدا، وكان أعظم ما ~~يرجوه من ذلك ألا يكون خلاف وافتراق بين المسلمين ... وأكبر الظن عندنا أن عمر لو كان في ms015 حال ~~غير هذه؛ فربما فضل أن يريح المسلمين من العناء والمناوشات الحزبية، ويعهد إلى من هو أهل ~~للخلافة، فقد يجد الناس لهذا التعيين حرمة تسكت الألسنة والدولة لا تزال فتية، أعدى أعدائها ~~الشقاق والانقسام.» # هذا سبب من أشهر الأسباب المذكورة، تواتر القول به من أيام الفتنة إلى العصر الحاضر، ولو ~~كانت الأسباب التاريخية تهمل على قدر وهنها وظهور الغرض فيها؛ لما ورد لهذا السبب ذكر على ~~لسان بعد إفضاء معاوية به إلى أبي الحصين، إلا أن يكون ذكره لتوهينه والكشف عن غرضه، وهو ~~مكشوف لا يجهد من يريد أن يلتفت إليه. # فمعاوية لم ينكر الشورى في اختيار الخليفة؛ إلا لأنه أجمع العزم على خطة ولاية العهد ورشح ~~لها ابنه يزيد من بعده، وما كان في هذه الخطة حصافة ولا تجربة؛ لأنها لم تلبث أن أوقعت ~~الخلاف في أقرب الأقربين إلى معاوية، وساقتهم إلى تولية العهد اثنين بدلا من ولي عهد واحد، ~~ولم تحسم الخلاف بين بني أمية فضلا عن حسم الخلاف بين قريش وبين سائر المسلمين. # وقد قال الشعبي: إن عمر لم يمت حتى كانت قريش قد ملته؛ لقمعه رؤساءهم، وحبسه إياهم ~~بالحجاز خوفا من فتنتهم بالدنيا وفتنة الدنيا بهم، فإذا كانت هيبته في حياته قد سكنت بهم ~~عن الخلاف؛ فهم مختلفون بعد موته لا محالة، ولو أنه اختار للخلافة أحدا سماه لما اختار ~~طلحة ولا الزبير؛ لأنه لم يذكرهما فيمن تمناه للخلافة من الموتى ولا من الأحياء، فقال: إنه ~~كان يختار أبا عبيدة لو عاش؛ لأنه سمع الرسول الله يدعوه أمين الأمة، أو كان يختار سالما ~~مولى أبي حذيفة لو عاش؛ لأنه رأى رسول الله يقدمه للصلاة بالمهاجرين. فلما سمى من يحسبهم ~~مرشحين للخلافة من الأحياء سمى عليا وعثمان، ولم يجاوزهما إلى غيرهما من الستة أصحاب ~~الشورى. فقال لعلي: «اتق الله يا علي إن صارت إليك، ولا تحمل بني هاشم على رءوس الناس» ~~وقال لعثمان: «اتق الله يا عثمان إن صارت إليك، ولا تحمل بني معيط على رءوس الناس»، ms016 وما ~~نحسبه سكت عن طلحة إلا عامدا وعلى علم بأن اتفاق الستة لا يجمعون عليه، وتقية أن يظن ~~ظان أنها وقف على بني تيم، ويقينا منه أن اتفاق الستة على واحد أحرى أن يلزمهم الطاعة لمن ~~يتفقون عليه. # وإذا كان في كلام معاوية لأبي الحصين حصافة ألمعية، فتلك هي إشارته المقصودة إلى التفرقة ~~بين أمور الدين وأمور الدنيا، واعتباره أن تقديم النبي عليه السلام أبا بكر للصلاة بالناس ~~بمثابة الرضى عنه لأمور دينهم، فأضاف الناس إليه الرضى عنه لأمور دنياهم، ويصح من ثم أن ~~يكون المرضي عنه لهذه غير المرضي عنه لتلك، وهذا هو المدخل إلى ولاية الملك لأمثال يزيد ~~عقبه مع وجود من هم أفضل منه دينا من جلة الصحابة والتابعين. ~~••• # ونعدل عن الأسباب المزعومة أو الأسباب التي اجتهد بها المجتهدون إلى الأسباب الواقعة التي ~~حدثت وكان لها أثر في إهاجة الخواطر وتسويغ الانقلاب: ومنها ما يتعلق بأمور الدين، ومنها ما ~~يتعلق بأمور الدنيا أو أمور الحكم والسياسة. # فمن الأمور التي تتعلق بالدين أن الخليفة الثالث زاد النداء في الأذان لصلاة الجمعة، وأنه ~~أتم الصلاة في منى وعرفة، وكان النبي والخليفتان الأولان يقيمونها على القصر، وقد صلاها ~~عثمان نفسه في أول خلافته ركعتين، ومنها أنه جمع القرآن الكريم في نسخة، وأمر بإحراق ما ~~عداها في المدينة والأمصار. # ولم يكن عثمان رضي الله عنه في واحدة من هذه مستبيح حرام، بل كان متحرجا غاية التحرج ~~لدينه، فقد زاد في الأذان لكثرة عدد الناس واتساع المدينة، وصلى صلاة المقيم؛ لأنه اتخذ ~~بمكة أهلا فتحرج أن يصلى صلاة المسافر وهو صاحب أهل فيها، وقد كان جمعه القرآن الكريم حسنة ~~من أجل الحسنات، سبقه أبو بكر وعمر إلى مثلها؛ فحمد المسلمون صنيعهما وأنكره من أنكره منهم ~~أولا، ثم عادوا إلى قبوله، بل ألفوه وأثنوا عليه. # قال عمر: إن القتل قد استحر بأهل اليمامة، وأخشى أن يستحر بقراء الكتاب في غيرها ~~فيذهب ما حفظوه بذهابهم، إلا أن يجمعوه، وأشار على الخليفة الأول بجمعه، فكانت ms017 مفاجأة نفر ~~منها أبو بكر، وجعل يقول: «كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله؟!» فقال عمر: «هو والله خير». ~~قال أبو بكر: «نعم خير»، ولم يزل عمر يراجعه حتى شرح الله لذلك صدره، ثم أخذوا يتتبعون آي ~~القرآن ويجمعونها من الرقاع والعسب والأكتاف وصدور الرجال، حتى وجدوا من سورة التوبة ~~آيتين عند خزيمة بن ثابت لم يجدوهما عند غيره؛ وتم جمع الكتاب في مصاحف عند طائفة من جلة ~~الصحابة: كالإمام علي، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وجاء ~~عثمان فسد ذرائع الخلاف ولم يأت بشيء من عنده غير تعميم المصحف في جمع البلدان ليقرأه ~~المسلمون على نسخة واحدة. # ولئن كان في بعض هذه الأمور التي تتعلق بالدين مخالفة للمألوف؛ لقد خالف عمر المألوف في ~~منع زواج المتعة، وفي نقص الأعطية للمؤلفة قلوبهم، وفي الإعفاء من حد السرقة في عام ~~المجاعة، وفي تسوية الصفوف بالمسجد عند الصلاة، وفي مسائل أكبر مما أحصوه على عثمان؛ فلم ~~يتحدث بها متحدث على سخط وتذمر فضلا عن الثورة وحمل السلاح. ~~••• # ولا نطيل في سرد الأمور «الدنيوية» التي قيل: إنها هاجت الفتنة على عهد عثمان ومنها: غلبة ~~قريش على الأمصار، وسيادة العرب على الأمم الأخرى، وإقامة بعض الولاة الذين اتهموا في ~~تقواهم، وبذل الأموال لذوي القرابة والنصراء. # فقد ثار الثوار، فجاء الكوفيون يطلبون الزبير، وجاء البصريون يطلبون طلحة، وجاء المصريون ~~يطلبون عليا وكلهم من صميم قريش، وقد أقام معاوية ملكه بقريش والعرب، وكان بذل الأموال ~~لذوي القرابة والنصراء عماد دولته ووسيلته إلى تأسيس بيته وبسط سلطانه. # ومن الولاة الذين أنكر الثائرون ولايتهم لاتهامهم بشرب الخمر الوليد بن عقبة، وقد حده ~~عثمان بعد استماعه للشهادة عليه، ولم تكن ولايته على عهد عثمان، بل ولاه عمر على الجزيرة، ~~واختاره عثمان لولاية الكوفة. # وسنرى بعد، أنه ما من عمل نسب إلى الخليفة الثالث إلا حدث مثله من قبله؛ فلم تنشب من ~~أجله فتنة أو حدث مثله من بعده فلم تنشب من أجله ms018 فتنة، بل لعله كان من دعائم الدولة وأساس ~~السلطان. # ولهذا قلنا: إنها أسباب ولا أسباب، وإنها بين أسباب مزعومة يراد بها غير ظاهرها، أو أسباب ~~صحيحة ولكنها لم تفعل فعلها إلا لاقترانها بأحوال تلك الفترة، ولو جاءت في فترة أخرى لما ~~كان لها ذلك الأثر، لم؟! # نعم، لم والأسباب واحدة تختلف عواقبها بين هذه الفترة وغيرها؟ # ذلك أنها فترة جاءت بين الخلافة والمملكة، فلا تستقيم فيها وسائل الخلافة ولا تستقيم فيها ~~وسائل المملكة. ومن هنا اضطرب الوزن، واضطراب السخط والرضى، وقياس الأمور في وقت واحد ~~بمقياسين مختلفين أو متعارضين. ولعمر الحق ما من شيء يدل على أن الأحداث السياسية تبع ~~للحالة النفسية ومقاييس الفكر والأخلاق كما يدل عليه تاريخ هذه الفترة في صدر الإسلام بين ~~خلافة الراشدين ودولة بني أمية. # لقد كان الناس رعية «مملكة» يتصرفون في معايشهم ومطالبهم، كما يتصرف رعايا الممالك ~~ويسومون ولي أمرهم أن يسوسهم سياسة الخلافة، وينتظرون من الخليفة الثالث ألا يجري في أمر من ~~الأمور على نهج ينحرف قيد شعرة عن نهج الخليفتين الأول والثاني، وهم أنفسهم قد انحرفوا عن ~~نهج رعايا الخليفتين أبعد انحراف. # ومما لا جدال فيه أنه عثمان لم يكن بقوة أبي بكر وعمر، ولكن عمر نفسه على قوته ومهابته قد ~~أحس في أخريات أيامه وطأة الاختلاف بين العهود؛ فكان يقول في دعائه: «اللهم كبرت سني، وضعفت ~~قوتي، وانتشرت رعيتي، فاقبضني غير مضيع ولا مفرط ...» # فتكليف عثمان أن يستبقي الزمن حيث لا يبقى ضرب من تكليف الأيام ضد طباعها كما قال الشاعر ~~الحكيم، وقد أسلفنا الإشارة إلى ذلك، فقلنا في عبقرية الإمام إن عثمان «أحس بها فما فارق ~~الدنيا حتى ترك الخلافة والملك عسكرين متناجزين لا يرجع أحدهما إلا بالغلبة على نده ~~وضده.» # وقلنا قبل ذلك: «إنه لا بد من ملك أو خلافة، ولن ~~يكون ملك بأدوات خليفة ولا خليفة بأدوات ملك، ولم يكن معاوية زاهدا في الخلافة على عهد أبي ~~بكر أو عمر أو عثمان، ولكن الخلافة كانت زاهدة فيه، فلما ms019 جاء عصر الملك طلب الملك والملك ~~يطلبه ...» # ثم قلنا: «كيف يكون المخرج بين سياسة الملك كما يطلبها العصر وسياسة الخلافة كما تطلبها ~~البقية الباقية من آداب الفترة النبوية! ... أيفرق الأموال على رءوس القوم وقادة الجند وطلاب ~~الترف؟! أم يلزمها عيشة النسك والشظف والجهاد؟! وإذا حرمهم وتألبوا عليه مع خصمه أفهو ~~الغالب إذن بمطالب العصر ومقتضياته ودواعيه أم هم الغالبون؟! وإذا أعطاهم ليبذخوا بذخ الملك ~~الدنيوي وهو وحده بينهم الناسك المجتهد على سنة النبوة، أفيستقيم له هذا «الدور» العجيب وهو ~~في جوهره متناقض لا يستقيم؟!» # تلك هي العقدة التي استحكمت في عهد عثمان ووجب أن تنقطع في عهد علي ومعاوية. # وإعادة النظر في جميع الأسباب والتبعات تعود بنا إلى نظرة فاصلة في هذه المشكلة التي ~~زادها نفر من المؤرخين إشكالا بما أضافوه إليها من الأسباب المختلفة والأسباب الصحيحة التي ~~خرجوا بها على غير مخرجها. # فنحن أولا في تاريخ الخليفة الثالث أمام حادثين لا تكفي أسباب أحدهما لتفسير الحادث ~~الآخر. # ونحن في الحادثين جميعا بعد هذا أمام أسباب لا تفعل فعلها لو جاءت في فترة أخرى، ولعلها ~~تفعل نقيض فعلها فتؤيد ولي الأمر ولا تخذله كما تأيدت دولة بني أمية بالعطايا والعمائر، ~~وكان فيها خذلان عثمان ومشيره مروان. # وما لم تنقطع غاشية هذا اللبس وهذا الإبهام من تاريخ هذه الفترة؛ فنحن نسلكها في ضباب لا ~~تبدو فيه الأشباح والصور على حقيقتها؛ ومن ثم رجونا أن نبدأ السيرة وقد تبدد ما حولها من ~~غواشي ذلك الضباب الكثيف، وسنبدؤها من حيث تبدأ في طريق لا يبهمه اختلاط الأسباب ولا ~~التعويل عليها مبتورة منفصلة الرءوس والأذناب. # الفصل الخامس # | بين الجاهلية والإسلام # نشأ عثمان بن عفان في أسرة أموية تنتمي إلى أمية جد أبيه، وعند أمية يكثر الخلاف على ~~سلسلة النسب بين أسرته والنسابين؛ فلا تتفق الأقوال المتضاربة على قول حاسم. # يقول المقريزي في رسالة النزاع والتخاصم فيما بين بني أمية وبني هاشم: «وقد كانت المنافرة ~~لا تزال بين بني هاشم وبني عبد شمس؛ بحيث إنه ms020 يقال: إن هاشما وعبد شمس ولدا توءمين فخرج ~~عبد شمس في الولادة قبل هاشم، وقد لصقت أصبع أحدهما بجبهة الآخر، فلما نزعت دمي المكان ~~فقيل سيكون بينهما أو بين ولديهما دم، فكان كذلك. # ويقال: إن عبد شمس وهاشم كانا يوم ولدا في بطن واحد، كانت جباههما ملصقة بعضها ببعض ~~ففرق بين جباههما بالسيف، فقال بعض العرب: ألا فرق ذلك بالدرهم؟ فإنه لا يزال السيف ~~بينهم وبين أولادهم إلى الأبد.» # وأمية هو في تاريخ الأسرة ابن عبد شمس أحد التوءمين أو الأخوين، ولكن بعض النسابين يقول: ~~إنه ربيب عبد شمس، وإنه ابن جارية رومية وصلت إلى الحجاز مع ركب سفينة جنحت إلى الشاطئ، ~~ويفسرون بذلك أبياتا منسوبة إلى أبي طالب يقول فيها: # قديما أبوهم كان عبدا لجدنا # بني أمة شهلاء جاش بها البحر # ويفسرون به أيضا قول الإمام علي لمعاوية في بعض كتبه: «ليس المهاجر كطليق، ولا الصريح ~~كاللصيق.» وجاء في ابن هشام أن عقبة بن ذكوان بن أمية صاح حين أمر النبي بقتله: «أأقتل ~~من بين قريش؟» فقال عمر بن الخطاب: «حن قدح # 1 # ليس منها»، وهو مثل يضرب للقدح الدخيل في الميسر، وروى ابن هشام أيضا أن النبي ~~عليه السلام قال حينئذ: «إنما أنت يهودي من أهل صفورية» ويقال في تفسير الحديث: إن الأمة ~~التي ولدت أباه كانت ليهودي من أهل صفورية، ويقال غير ذلك مما يعسر الفصل فيه. # ولكنه من الراجح الذي ينتهي به التاريخ إلى دور التحقيق أن التبني وتدعيم العصبية به ~~معهودان في هذه الأسرة على نحو لم يذكر له مثيل في الأسر الجاهلية الكبيرة، ومما رواه ~~الأصفهاني وابن أبي الحديد أن معاوية قال لدغفل النسابة: «أرأيت أمية؟» # قال: «نعم» قال: «كيف رأيته؟» قال: «رأيته رجلا قصيرا ضريرا يقوده عبده ذكوان.» قال ~~معاوية: «ذلك ابنه أبو عمرو.» قال دغفل: «ذلك شيء تقولونه أنتم، أما قريش فلم تكن تعرف إلا ~~أنه عبده.» ~~••• # وفي التاريخ الثابت بعد الإسلام أن أبا سفيان استلحق زيادا الذي كان يسمى بزياد بن ms021 ~~أبيه أو بزياد بن سمية، وكان معاوية يغضب على من ينكر هذا الاستلحاق، فقال يزيد بن مفرغ ~~يخاطبه: # أتغضب أن يقال أبوك عف # وترضى أن يقال أبوك زان # فأقسم إن رحمك من زياد # كرحم الفيل من ولد الأتان # وروى البلاذري من أخبار هذا الاستلحاق أن عثمان بن محمد بن أبي سفيان ولي المدينة بعد ~~عمرو بن سعيد، فعرض في خطبته بسلفه وكان هذا حاضرا في المسجد؛ فنهض مغضبا وقال فيما ~~قال لعثمان حفيد أبي سفيان: «إنني لا يستنكر شبهي ولا أدعى لغير أبي.» # ويزيد المقريزي على ما تقدم من خبره أن أمية «صنع في الجاهلية شيئا لم يصنعه أحد من ~~العرب: زوج ابنه أبا عمرو امرأته في حياته.» # قال المقريزي: «والمقتيون # 2 # في الإسلام هم الذين أولدوا نساء آبائهم واستنكحوهن من بعد موتهم، وأما أن ~~يتزوجها في حياته ويبني عليها وهو يراه فإن هذا لم يكن قط، وأمية قد جاوز هذا المعنى ولم ~~يرض بهذا المقدار حتى نزل عنها له وزوجها منه.» # ثم قال المقريزي: «وأبو معيط بن أبي عمرو بن أمية قد زاد في المقت درجتين.» # وندع ما جاء في أنساب الأشراف وفي شرح نهج البلاغة من سائر هذه الأخبار عن استلحاق ~~الأبناء، فإن الحرص على تدعيم العصبية ظاهر في هذه الأسرة مما ثبت من أخبارها فلا حاجة إلى ~~الإسهاب فيه. ~~••• # وكانت المنافرة شديدة بين أمية وهاشم على أيام الدعوة المحمدية، يحفظ لنا الرواة أخبارا ~~كثيرة منها، قديمة وحديثة، فمن أحدثها قبل الدعوة الإسلامية أن حرب بن أمية وعبد المطلب بن ~~هاشم تنافرا إلى حكم من بني عدي القرشيين هو نفيل جد الفاروق، فقال نفيل لحرب: «أتنافر ~~رجلا هو أطول منك قامة، وأعظم منك هامة، وأوسم منك وسامة، وأقل منك لامة، وأكثر منك ولدا، ~~وأجزل منك صفدا، وأطول منك مذودا: # 3 # أبوك معاهد وأبوه عف # وذاد الفيل عن بلد حرام» # يشير إلى تعرض أمية للنساء، ومنهن امرأة من بني زهرة راودها فتصدى له بعض قومها، وأوشكت ~~أن تكون من ms022 جراء هذا الخلاف فتنة بين قبائل قريش. # وأقدم من هذه المنافرة منافرة أخرى بين هاشم وأمية تكلف فيها أمية أن يصنع صنيع هاشم، ~~وكان هاشم - واسمه عمرو - قد غلب عليه لقب هاشم؛ لأنه تكفل بإطعام المعوزين من أهل مكة ~~وجيرتها عام المجاعة، فكان يهشم الثريد لهم وينحر الإبل ويتعهد الفقراء، وفيه يقول ~~شاعرهم: # عمرو الذي هشم الثريد لقومه # ورجال مكة مسنتون عجاف # فأراد أمية أن ينافسه في الشرف ومحبة الناس إياه فعجز عن هذه المنزلة، فدعاه إلى المنافرة ~~كعادتهم، واحتكما إلى كاهن خزاعة بعسفان على خمسين ناقة تنحر بمكة، وجلاء عشر سنين من ~~جوار الحرم، فقال الكاهن سجعا على أسلوب الكهان والمحكمين جميعا يومئذ: «والقمر الباهر ~~والكوكب الزاهر، والغمام الماطر، وما بالجو من طائر، وما اهتدى بعلم مسافر، من منجد وغائر، ~~لقد سبق هاشم إلى المآثر، أول منه وآخر، وأبو همهمة بذلك خابر.» # وأبو همهمة الذي أشار إليه الكاهن هو حبيب بن عامر الذي خرج مع أمية، وينتهي نسبه إلى ~~فهر بن مالك، وكأنما أراد الكاهن بذكره أن يذكره بما في النسب الأول والآخر من سر هو به ~~خبير. # قال الرواة: فأخذ هاشم الإبل فنحرها وأطعم لحمها من حضر، وخرج أمية إلى الشام فأقام بها ~~عشر سنين. # ويكاد التنافس بين العشيرتين أن يشمل كل مطلب من مطالب الحياة فشمل الفروسية، ووسامة ~~الذرية، كما شمل الرئاسة، ومفاخر السيادة. ~~••• # تنافس أمية وعبد المطلب على سباق للخيل، وتراهنا على أن تحز ناصية المسبوق سنة ويغرم ~~عددا اختلفوا فيه من العبيد والإماء والإبل، فسبق فرس عبد المطلب فرس أمية، ودان أمية ~~بسيادته عليه سنة، وينقل ابن أبي الحديد في شرحه لنهج البلاغة كلمة لعبد الله بن جعفر في ~~محضر معاوية جبه # 4 # بها يزيد وهو يفاخره فقال: «أتفاخرني بحرب الذي أجرناه، أم بأمية الذي ملكناه، ~~أم بعبد شمس الذي كفلناه؟!» # ويقول الكلبي في أبناء عبد المطلب: «كانوا إذا طافوا بالبيت يأخذون البصر»، ورآهم عامر بن ~~مالك فقال: «بهؤلاء تمنع مكة». وغير هذه الصفة تقال ms023 في أبناء حرب؛ فلا يتصدى لنقضها أحد من ~~الأمويين المتقدمين. # ونحسب أن المنافسة بين العشيرتين كانت ضربة لازب؛ لأن الاختلاف بينهما أعمق غورا من ~~الاختلاف على الرئاسة ومناصب الشرف فيما اصطلح عليه عرف الجاهلية: كان اختلافا في الخلق ~~والطبيعة، وكان بنو هاشم على ما ثبت من الروايات المتقدمة أقرب إلى الأخلاق المثالية ~~الدينية، وبنو أمية أقرب إلى الأخلاق العملية الدنيوية، وقد يتردد المؤرخ في قبول بعض ~~الروايات المتقدمة على علاتها، ولكنه لا يحتاج إلى المشكوك فيه من تلك المرويات؛ ليعلم هذا ~~الفارق الواضح من خلائق العشيرتين فيما أثر عنهم قبل الإسلام وبعد الإسلام، ففي حلف ~~الفضول قام بنو هاشم بالأمر، وقام به معهم بنو أسد وبنو زهرة وبنو تيم، وتخلى عنه عبد شمس ~~فلم يشتركوا فيه. وحلف الفضول هذا هو الذي قال عنه النبي عليه السلام: «لقد شهدت في دار عبد ~~الله بن جدعان حلف الفضول ... أما لو دعيت به اليوم لأجبت، وما أحب أن لي به حمر ~~النعم وأني نقضته.» # وخلاصة قصته أن رجلا يمانيا قدم مكة ببضاعة، فاشتراها رجل فلواه بحقه وأبى أن يرد إليه ~~بضاعته، فقام في الحجر أو في مكان على شرف وصاح يستغيث، وكان من أجل ذلك أن تعاهد أناس من ~~بني هاشم وأحلافهم ألا يظلم بمكة غريب ولا قريب ولا حر ولا عبد؛ إلا كانوا معه حتى يأخذوا ~~له بحقه من أنفسهم ومن غيرهم، وعمدوا إلى ماء من زمزم فجعلوه في جفنة وبعثوا به إلى البيت ~~فغسلت به أركانه وشربوه. # وقد أبى الأمويون وبنو عبد شمس عامة على أحد منهم أن يدخل هذا الحلف، فكان أحدهم عتبة بن ~~ربيعة يقول: «لو أن رجلا وحده خرج من قومه؛ لخرجت من عبد شمس حتى أدخل حلف الفضول.» # وإن طبيعتين يفصلهما هذا الفاصل من ذوات النفوس، لا جرم تتنافران وإن ضمهما بلد واحد، ~~وإنهما في البلد الواحد لأخلق بالتنافر من المتباعدين. # هذه العجالة عما كان من المنافرة بين بني هاشم وبني أمية في الجاهلية تدخل في سيرة ms024 عثمان ~~من مداخل شتى، وقل أن يمر بنا مبحث في عمل من أعماله أو أخلاقه إلا كانت به عودة إلى تلك ~~المنافرة. # فمنها نفهم أن فضل عثمان في إسلامه لا يدانيه فضل أحد من السابقين المعدودين إلى الإسلام؛ ~~إذ لم يكن منهم من أقامت أسرته بينها وبين النبي هذه الحواجز العريقة من المنافسة ~~والملاحاة، وكلهم كان بينهم وبين الإسلام ما كان بين القديم عامة والجديد خاصة، ولم تبلغ ~~عداوتهم أن تكون من عصبية اللحم والدم، أو عصبية البيت كما كانت عداوة الأمويين للهاشميين، ~~وليست هذه العداوة في الجاهلية بالشيء الهين ولا بالعقبة المذللة، فقد رأينا رجلا من بني ~~عبد شمس كان يتمنى أن يشهد حلف الفضول، فحماه أن يفعل ذلك خشية الخروج على قومه ببدعة لم ~~يقبلوها ولم يشتركوا فيها، وهذا مع ما هو واضح من الفارق بين دعوة كحلف الفضول لا تنقض ~~دينا ولا تغير عبادة ولا تميز أحدا من الداخلين فيها بشرف أو سيادة، وبين دعوة كالدعوة ~~المحمدية: تحطم كل صنم، وتبدل كل عبادة، وتثبت لبيت عبد المطلب شرفا لا يسمو إليه شرف بين ~~الناس كافة، فضلا عن قريش وأمة العرب بكل من تشتمل عليه. # وما تقدم من شواجر النزاع بين أمية وهاشم كاف لإبانة عن فضل عثمان في سبقه مع السابقين ~~إلى قبول الدعوة المحمدية. إلا أن هذا الذي تقدم لم يكن شيئا إلى جانب الشر الذي قوبل به ~~النبي في بيت عثمان نفسه وبين عمومته وقرابته من جملة الأمويين. # فالحكم بن العاص - عم عثمان - كان يتصدى للنبي، ويشتمه ويمشي وراءه يحكيه في مشيته، ويخلج ~~بأنفه وفمه، فقيل: إنه عليه السلام التفت إليه وهو بهذه الحالة فلزمه ذلك الاختلاج، وقال ~~فيه عبد الرحمن بن حسان وهو يهجو مروان ابنه: # إن اللعين أباك فارم عظامه # إن ترم ترم مخلجا مجنونا # يضحى خميص البطن من عمل التقى # ويظل من عمل الخبيث بطينا # وقد لبث على دخلة نفسه بعد إسلامه عام الفتح خوفا من القتل، فكان يتطلع على النبي في ms025 ~~داره، فرآه مرة فقال: «من عذيرى من هذا الوزغة!» ثم أمر ألا يساكنه بالمدينة، فأخرج ~~مع بنيه إلى الطائف لا يدخل المدينة ما أقام فيها عليه السلام. # ومنهم عقبة بن أبي معيط الذي كان يتربص بالنبي حتى يسجد في صلاته فيلقي على رأسه سلا ~~الشاء أو يطأ على عنقه الشريفة، كما قال النبي في يوم بدر: «إنه وطئ على عنقي وأنا ساجد، ~~فما رفعت حتى ظننت أن عيني قد سقطتا.» وكان أحد الأسرى الذين قتلوا ببدر لشدة ما ابتلى به ~~المسلمون من أذاهم قبل الهجرة، وفي بيت عقبة هذا أقام عثمان زمنا؛ لأنه تزوج من أمه بعد ~~موت أبيه في صباه. # وتصدى للنبي عليه السلام كثيرون غير هذين من قرابة عثمان وخاصة أهله، ولم يدخل في الإسلام ~~أحد من بني أمية قبله مع هذه العداوة في أسرته كلها وفي خاصة قرابته منها، فله من فضل هذه ~~السابقة ما ليس لأحد السابقين إلى قبول الدعوة المحمدية. # ولما أسلم رضي الله عنه أخذه عمه الحكم، فأوثقه رباطا وعذبه، وأقسم لا يخلينه أو يدع ما ~~هو فيه؛ فأقسم لا يدعنه أبدا، وصبر على العذاب حتى يئس منه عمه فأخلاه. # وروي في سبب إسلامه أن أبا بكر شرح له قواعد الإسلام وهداية الدين الجديد وأنس منه ~~خشوعا وتفكيرا؛ فقال له: «ويحك يا عثمان، والله إنك لرجل حازم، ما يخفى عليك الحق من ~~الباطل. ما هذه الأوثان التي تعبدها وقومك؟ أليست حجارة لا تسمع ولا تبصر ولا تضر ولا ~~تنفع؟» فراجع نفسه وقال: «بلى، والله إنها لكذلك»؛ فدعاه أبو بكر إلى لقاء النبي ولقيه، ~~فقال له عليه السلام: «يا عثمان، أجب الله إلى جنته.» قال عثمان: «فو الله ما ملكت حين سمعت ~~قوله أن أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، ثم لم ~~ألبث أن تزوجت رقية.» # ومن المتواتر أن عثمان كانت له خالة اسمها سعدي بنت كريز تتكهن وتتعبد، ونقل عنها أنها ~~هنأته بإسلامه وزواجه، فقالت: ms026 # هدى الله عثمان الصفي بقوله # فأرشده والله يهدي إلى الحق # فبايع بالرأي السديد محمدا # وكان ابن أروى لا يصد عن الصدق # وأنكحه المبعوث خير بناته # فكان كبدر مازج الشمس في الأفق # وينقل عنها غير ذلك أنها كانت طرقت # 5 # وتكهنت عند قومها، فلما رأته بعد قيام النبي بالدعوة قالت: # أبشر وحييت ثلاثا تترى # أتاك خير ووقيت شرا # أنكحت والله حصانا زهرا # 6 # وأنت بكر ولقيت بكرا # وافيتها بنت عظيم قدرا # بنت نبي قد أشاد ذكرا # قال عثمان: «فعجبت من كلامها وسألتها: يا خالة، ما تقولين؟!» قالت: «يا عثمان، لك الجمال ~~ولك اللسان، هذا نبي معه البرهان، أرسله بحقه الديان، فاتبعه واهجر الأوثان.» واستزادها ~~قائلا: «يا خالة، إنك لتذكرين شيئا ما وقع ذكره في بلدنا فأبينيه لي.» قالت: «محمد بن عبد ~~الله رسول من عند الله، جاء بتنزيل الله يدعو إلى الحق والهدى.» # ويقال: إن عثمان إنما ذهب إلى أبي بكر بعد ما سمعه من خالته، فرآه أبو بكر مفكرا فسأله، ~~وجرى بينهما بعد ذلك ما تقدم من النصيحة والاستجابة على ما اتفقت به الروايات. # ونحن نسقط من حسابنا ما روي من كلام الكاهنة؛ لأنه ضعيف السند لا يبقى منه إلا أن خالة ~~لعثمان كانت تتكهن وتتعبد، وأن مسألة الدين في بيته كانت شغلا شاغلا لمن يأخذه على ~~العصبية والعناد أو يأخذه على العبادة والتقوى، فما نظن أن رجلا في الثلاثين - وهي سنه عند ~~إسلامه - كان يعصى آله جميعا، ويطيع شيخة عقاما لو لم يكن في ضميره باعث مطاع إلى الإيمان ~~بالدين الجديد. # وفي وسعنا أن نتخيل غضب قومه الأقربين من إسلامه، فقد كان كأشد غضب لحق مسلما من قومه ~~المقيمين على الجاهلية، ولكنه مع هذا لم يمنع أناسا منهم أن يلوذوا به خوفا على أنفسهم ~~بعد هزيمتهم، ولم يمنع أن يتشفع لهم عند النبي وصحبه ويسأله العفو عنهم، وكذلك نرى أن تاريخ ~~أمية في الجاهلية يحضرنا عند تقدير فضل عثمان في إسلامه، ويحضرنا عند تقدير أعذاره وعلل ~~أعماله التي أخذت ms027 عليه بعد ولايته الخلافة؛ فقد كان لتدعيم العصبية وتأليبها شأن قديم في ~~تاريخ هذه الأسرة ألجأها إلى استلحاق الأبناء من الموالي، وإلى تزويج البنين من زوجات ~~آبائهم أو الموالي من زوجات أوليائهم، ولا ندري على التحقيق بم نعلل هذه العادة التي ~~انفردوا بها أو كادوا، إلا أنها قد تعلل بأن القوم لم يكونوا من الخمول بحيث يسكنون إلى ~~خمولهم، ولم يكونوا من العزة الراسخة بحيث يطمئنون إلى عزتهم، وأنهم - وإن لم يعقموا - لم ~~تشتهر عنهم غزارة الذرية في الجاهلية، ولا في الإسلام، وهذه سلسلة ولاية العهد أوشكت أن ~~تنقطع في كل بيت من بيوتهم ولي الخلافة بعد قيام الدولة الأموية، وربما انقرض البيت في جيل ~~أو جيلين وبقي معاصروه من غيرهم عدة أجيال. # وقد انتهت المفاخرة بعد الإسلام بين المسلمين من بني أمية وبين بني عبد المطلب، فما من ~~أموي مسلم كان يتعالى إلى مطاولة آل النبي بالنسب من جانب آبائه عليه السلام خاصة، ولكنهم ~~مع هذا - ولا استثناء لأصدقهم إسلاما كعثمان وصحابة النبي - قد كانوا يودون لو سمعوا عن ~~أمية كلما سمعوا عن هاشم وبنيه. وتقدم أن معاوية سأل دغفلا النسابة عن أمية بعد سؤاله عن ~~عبد المطلب، وابن أبي الحديد يروي مثل هذا عن عثمان في أيام خلافته، وأنه رضي الله عنه تمنى ~~رجلا يحدثه عن الملوك وسير الماضين؛ فذكروا له رجلا بحضرموت، فكان مما سأله عنه: أرأيت ~~عبد المطلب؟ قال: «نعم، رأيت رجلا قعدا أبيض طوالا مقرون الحاجبين بين عينيه غرة يقال إن ~~فيها بركة، وأن فيه بركة.» فعاد يسأله: «أفرأيت أمية؟» قال: «نعم، رأيت رجلا آدم دميما ~~قصيرا أعمى يقال: إنه نكد. وإن فيه نكدا.» قال عثمان: «حسبك من شر سماعه وصرف ~~الرجل.» # ولا ينبغي أن ينسى العذر حيث يذكر الفضل للرجل من سوابق آله وذويه. # الفصل السادس # | نشأته وشخصيته # ترجمة عثمان ترجمة سوية، لا نستغرب من لاحقها بعد الإسلام شيئا مما نعلمه عن سابق سيرته ~~قبل إسلامه، وإذا فاجأنا بالغرابة لأول وهلة فإنما نستغربه من ms028 أثر المفاجأة، ثم نعود إلى ~~دواعيه؛ فإذا هو مطرد لا غرابة فيه. # نشأ في نعمة وعيش خفيض، وكانت ولادته بالطائف أخصب بقاع الحجاز، لست سنوات مضت من عام ~~الفيل، ولم يؤثر عنه أنه اختبر شظف العيش قط في صباه أو طفولته. # وهو ابن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، كان أبوه تاجرا واسع ~~التجارة، وكان يحمل قوافله إلى الشام على دأب الأكثرين من تجار بني أمية، وفي إحدى هذه ~~الرحلات التجارية مات عن ثورة عظيمة، وترك ابنه بين الصبا والشباب. # وإذا صح ما جاء في أنساب الأشراف للبلاذري فقد كان عفان يعمل في حياكة الثياب: «عفان أول ~~حائك لثيابكم»، ولكننا نستبعد جدا أن يجمع الثروة من حياكة الثياب بيديه، ومن الراجح إذن ~~أنه كان يدير مصنعا من مصانعها، أو أنه عمل بها في صباه، ثم تحول عنها إلى التجارة. # وأم عثمان هي أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، وأمها أروى البيضاء بنت عبد ~~المطلب عمة النبي عليه السلام، وقد سبق أن أختها تتكهن وتنقطع للكهانة، ففي وراثته من جانب ~~أمه جنوح إلى طبيعة التدين التي اشتهر بها عبد المطلب وآباؤه وبنوه. # ويروى كما جاء في ابن الأثير أن عقبة بن أبي معيط شكاه إلى أمه - وكان قد تزوج بها بعد ~~وفاة عفان - فقال لها: إن ابنك قد صار ينصر محمدا؛ فلم تنكر ذلك من ابنها، وقالت: «ومن ~~أولى به منا؟ ... أموالنا وأنفسنا دون محمد.» # وقد كان مألوفا في الجاهلية أن تتزوج المرأة بعد تطليقها من زوجها أو بعد وفاته، ولكن ~~هذه العادة المألوفة لا تمنع أن ينقبض لها الابن وأن ينكسر لها بينه وبين نفسه، فيلازمه ~~منها بعض الخجل ولا يرتاح إليها بأية حال. # ويبدو من دراسات علم النفس الحديث أن «مشكلة الأب» قد تمكنت من طوية الصبي؛ فكان لها ~~فعلها في توجيه شعوره من ناحية ذويه ومن ناحية البيئة بأسرها؛ فضاعفت ما في وراثته الأموية ~~من الإيواء إلى ذوي ms029 قرباه، وهيأت نفسه للنفور من الوضع القائم في البيئة؛ فلم يصعب عليه أن ~~ينكر الأوضاع القائمة في نطاقها الأعم الأوسع، وهو نطاق الشعائر الجاهلية. # ذلك أنه نشأ وهو يحس أن رب البيت الذي نشأ فيه غاصب ينتزع مكان أبيه؛ فتمكنت من نفسه ~~الريبة في الأوضاع القائمة، ولم يحتملها إلا على مضض الكاره وترقب المتربص، وبخاصة حين تأتي ~~من ناحية الأم التي تتمثل لابنها في هذه الحالة كأنها مغلوبة على أمرها منتزعة ممن هو أحق ~~بها. # وقد أسلفنا أننا لا نعول كثيرا على الرواية التي تعود بإسلام عثمان إلى نصيحة خالته ~~الكاهنة؛ فليس في كلامها مقنع للفكر يحول رجلا في الثلاثين عن دينه وتراث بيته، ولكنها على ~~هذا تدل على داعية من الشعور لا نهملها ولا نستبعد مكانها من السريرة الباطنة، ويعززها أن ~~أسرة أمه كانت لا تخلو من عطف قوي نحو صاحب الدعوة إلى الدين الجديد؛ عطف يبدو من قول أمه: ~~«أموالنا وأنفسنا دون محمد»، وهي كلمة لا ينبغي أن ننساها في مواطن كثيرة من سيرة ابنها ~~رضوان الله عليه. # ونقرأ وصف عثمان على ألسنة معاصريه؛ فنراهم مجمعين على صفتين لم ينسها أحد منهم: وهما ~~الجمال والحياء. # كان ربعة لا بالقصير ولا بالطويل، حسن الوجه، مشرف الأنف، بوجنتيه نكتات من آثار ~~الجدري، رقيق البشرة، أسمر اللون، كثير الشعر، له جمة أسفل أذنيه، وبه صلع مع طول في لحيته ~~وغزارة في عارضيه. # وكان خفيف الجسم، ولكنه لم يكن بضعيفه ولا معروقه، بل كان ضخم الكراديس بعيد ما بين ~~المنكبين. # أما خلائقه فقد أجمع واصفوه على أنه كان عذب الروح، حلو الشمائل، محببا إلى عارفيه، ومن ~~ذاك أن نساء قريش كن يرقصن أطفالهن فيقلن: # أحبك والرحمن # حب قريش عثمان # وكان يوتد أسنانه بالذهب، ويخضب لحيته، وربما تركها بغير خضاب. # وفي كتاب «الرياض النضرة» يروي المحب الطبري عن عمرو بن عثمان أن عثمان بن عفان قال: «كنت ~~رجلا مستهترا بالنساء، وإني ذات ليلة بفناء الكعبة في رهط من قريش إذ أتينا فقيل لنا: ms030 إن ~~محمدا قد أنكح عتبة بن أبي لهب رقية، وكانت رقية ذات جمال رائع. # قال عثمان: فدخلتني الحسرة لم لا أكون أنا سبقت إلى ذلك؟ فلم ألبث أن انصرفت إلى منزلي ؛ ~~فأصبت خالة لي قاعدة وهي سعدى بنت كريز، وكانت قد طرقت وتكهنت عند قومها، فلما رأتني قالت: ~~«أبشر وحييت ثلاثا تترى» إلى آخر الأبيات. وروى ما تقدم من حديثها في غير هذا الفصل إلى ~~قوله: «وكان لي مجلس عند أبي بكر، فأتيته فأصبته في مجلس ليس عنده أحد، فجلست إليه فرآني ~~مفكرا فسألني عن أمري، وكان رجلا متأنيا، فأخبرته بما سمعت من خالتي، فقال: «ويحك يا ~~عثمان إنك لرجل حازم ما يخفى عليك الحق من الباطل»، ثم قال: فما كان أسرع من أن مر رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم # ومعه علي بن أبي طالب يحمل ثوبا؛ فلما رآه أبو بكر قام فساره في أذنه ~~بشيء، فجاء رسول الله # صلى الله عليه وسلم # ثم أقبل علي فقال: «يا عثمان، أجب الله إلى جنته، فإني ~~رسول الله إليك وإلى خلقه.» قال: فوالله ما تمالكت حين سمعت قوله أن أسلمت؛ وشهدت أن لا إله ~~إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله ...» # وتتكرر قصة كهذه في كتاب الإصابة لابن حجر العسقلاني، وهي قصة يلاحظ عليها أن زواج ~~السيدة رقية من عتبة بن أبي لهب قد كان قبل البعثة النبوية، فلما بعث النبي قال أبو لهب ~~لابنه: «رأسي من رأسك حرام إن لم تطلق ابنته»؛ ففارقها ولم يكن دخل بها. # فلا يبقى من هذه القصة ما يستبقى للتعريف بخلائق عثمان إلا قوله عن نفسه إنه كان في ~~الجاهلية مستهترا # 1 # بالنساء، ولو لم يرد حديث هذه القصة في رواية من الروايات؛ لما علمنا قط أنه ~~كان كذلك في الجاهلية؛ لأن أحدا من معاصريه في الجاهلية لم يشهده على حال يحسبها من ~~الاستهتار بالنساء، فإنهم كانوا يبيحون كثرة الزوجات لمن استطاع أن يجمع بينهن، وإنما نعرف ~~من هذه القصة خلائق عثمان ms031 بنعمته وحيائه، وبقدرته على المتعة والتعفف عما يشينه منها، ~~وبالخلق الذي لازمه طول الحياة، وهو خلق ربيب النعمة الكريم. # روى عمرو بن أمية الضمري قال: «إني كنت أتعشى مع عثمان خزيرا من طبخ من أجود ما رأيت، ~~فيها بطون الغنم وأدمها اللبن والسمن، فقال عثمان: كيف ترى هذا الطعام؟! فقلت: هذا أطيب ~~ما أكلت قط، فقال: يرحم الله ابن الخطاب. أكلت معه هذه الخزيرة قط؟ قلت: نعم، فكادت اللقمة ~~تفرث بين يدي حين أهوى بها إلى فمي وليس فيها لحم، وكان أدمها السمن ولا لبن فيها، فقال ~~عثمان: صدقت: صدقت! إن عمر رضي الله عنه أتعب والله من تبع أثره، وإنه كان يطلب بثنيه - ~~أي منعه - عن هذه الأمور ظلفا - أي غلظا - في المعيشة. ثم قال: أما والله ما آكله من مال ~~المسلمين، ولكني آكله من مالي، وأنت تعلم أني كنت أكثر قريش مالا وأجدهم في التجارة، ولم ~~أزل آكل من الطعام ما لان منه وقد بلغت سنا، فأحب الطعام إلي ألينه، ولا أعلم لأحد ~~علي في ذلك تبعة.» # ودخل زياد على عثمان في خلافته بما بقي عنده لبيت المال، فجاء ابن لعثمان فأخذ شيئا من ~~فضة ومضى به؛ فبكى زياد، قال عثمان: «ما يبكيك؟» قال: «أتيت أمير المؤمنين عمر بمثل ما ~~أتيتك به، فجاء ابن له فأخذ درهما، فأمر به أن ينتزع منه حتى أبكى الغلام، وإن ابنك هذا جاء ~~فأخذ ما أخذ؛ فلم أر أحدا قال له شيئا.» قال عثمان: «إن عمر كان يمنع أهله وقرابته ابتغاء ~~وجه الله، وإني أعطي أهلي وأقربائي ابتغاء وجه الله. ولن تلقى مثل عمر، لن تلقى مثل عمر، لن ~~تلقى مثل عمر.» # وقد سمع غير مرة يقول: «يرحم الله عمر، من ذا يطيق ما كان يطيقه!» ~~••• # وصفوة القول في خلائق عثمان أنه كان إلى صفات الطيبة والسماحة أقرب منه إلى صفات البأس ~~والصرامة، وأن نشأة العيش الخفيض صحبته من صباه إلى شيخوخته، وفي غير تبعة عليه كما ~~قال. # اختصم يوما هو وأبو ms032 عبيدة بن الجراح، فقال أبو عبيدة: «أنا أفضل منك بثلاث»، فسأله ~~عثمان: «وما هن؟» قال: «الأولى: إني كنت يوم البيعة حاضرا وأنت غائب، والثانية: شهدت بدرا ~~ولم تشهده، والثالثة: كنت ممن ثبت يوم أحد ولم تثبت أنت»، فلم يغضب عثمان ولكنه قال له: ~~«صدقت». ثم أجابه معتذرا فقال: «أما يوم البيعة فإن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # بعثني في حاجة، ومد ~~يده عني وقال: هذه يد عثمان بن عفان، وكانت يده الشريفة خيرا من يدي، وأما يوم بدر فإن ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # استخلفني على المدينة ولم يمكنني مخالفته، وكانت ابنته رقية مريضة؛ ~~فاشتغلت بخدمتها حتى ماتت ودفنتها، وأما انهزامي يوم أحد، فإن الله عفا عني وأضاف فعلي إلى ~~الشيطان، فقال تعالى: # إن الذين تولوا منكم يوم ~~التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ~~ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم ~~(آل عمران: ~~155).» # والحق أن تخلف عثمان عن يوم البيعة وعن يوم بدر لم يكن باختيار منه، ولم يكن فيه إحجام عن ~~خطر مخوف، بل تخلف في اليومين طوعا لأمر النبي عليه السلام، أما يوم «أحد» فقد انهزم معه ~~فيه كثيرون من شجعان الصحابة، وكانت الهزيمة فيه صدمة من صدمات البغتة التي يكاد النكوص ~~فيها أن يكون دفعة آلية، ثم يثبت الجأش بعد الصدمة الأولى كما حدث من أكثر المنهزمين في ذلك ~~اليوم العصيب. # بيد أن المعارك الأخرى لم تحفظ لعثمان موقفا من تلك المواقف النادرة التي تتناقلها ~~الألسنة ويتساير بها الركبان من أخبار زملائه الخلفاء، فإن كان فيها غير متخلف ولا محجم ~~فليست هي بفخره الأول وفضيلته العليا. إنما كانت فضيلته العليا السخاء حيث يعز السخاء على ~~أمثاله من ذوي الثراء، ولا سيما ذوي الثراء من بني أمية الذين ضنوا بأموالهم في الجاهلية ~~والإسلام إلا لمطمع أو مصلحة، وهذه هي آية العقيدة في مناقب عثمان. # لقد أشربت النفوس من العقيدة الجديدة غيرة لا عهد لها بمثلها في التنافس بين أكفائها: ~~غيرة في العقيدة، وغيرة ms033 لها، وغيرة عليها، فجمعت من معاني الغيرة أشرفها وأصدقها وأبعدها عن ~~التنازع بين الناس بالباطل والتلاحي بينهم بالعرض الزائل، إذ كانت تجمع من معاني الغيرة ~~الشريفة: غيرة الحماسة للعقيدة، وغيرة التنافس عليها ، وغيرة الصدق في منافستها، وأشرف ما في ~~هذه الغيرة الشريفة أنها لم تكن تغري أحدا بغمط حق لأحد، أو بادعاء حق لا يؤمن به من يدعيه ~~في قرارة ضميره؛ لأنها لم تكن غيرة العرف الظاهر قصاراها الوجاهة عند الناس، بل كانت ~~الوجاهة عند الله قصاراها ومبدأها ومنتهاها، فلا يدعيها مدع بالباطل، ولا يأمن إذا ادعاها ~~بالباطل أن تذهب جميعا فلا تبقى لها عنده ولا عند الناس أو عند الله باقية؛ ومن ثم كانت ~~غيرة بناء وصدق، ولم تكن غيرة هدم وادعاء. # ومضى الناس يتنافسون، ويؤمرون أن يتنافسوا في مثل هذا الفضل، فهم فيه متنافسون مجدون، وقد ~~رأينا كيف كان أناس في رجاحة أبي عبيدة وعثمان يتعارفون على هذا التنافس الذي لا يخجل فيه ~~أخ من أخيه ولا صديق من صديقه؛ فلا ينقم مسبوق على سابق، ولكنه يغبطه ويستحث عزائمه على ~~سبقه ما استطاع. # وهكذا نظر عثمان إلى أكفائه فوجد أنه لم يسبقهم في ميادين الجهاد؛ بالسيف فآلى على نفسه ~~ليسبقنهم في ميادين الجود والسخاء، وثابر على ذلك من أول أيامه في الإسلام إلى ختام أيامه ~~في الحياة، فهاجر إلى الحبشة وهو يعلم أن ماله كله عرضة للضياع من جراء هذه الهجرة؛ فلم ~~يبال ما بقي منه وما ضاع، وتقدم في كل محنة أصابت المسلمين من فاقة أو قحط أو نقص في ~~السلاح والعتاد، فبذل من المعونة والعطاء ما لم يبذله أحد من أمثاله في ثرائه، وما لم يبذله ~~الذين هم أقدر منه على معونة أو عطاء، ولم يكن على أية حال بأغنى الأغنياء. # وكانت له سماحة محببة حيث يجود ويتكلم بكلام التجار في مساواتهم، وهو على غاية ~~الجود. # قال ابن عباس: «قحط الناس في زمن أبي بكر، فقال أبو بكر: لا تمسون حتى يفرج الله عنكم، ~~فلما كان ms034 من الغد جاء البشير إليه، فقال: لقد قدمت لعثمان ألف راحلة برا وطعاما، فغدا ~~التجار على عثمان؛ فقرعوا عليه الباب فخرج إليهم وعليه ملاءة قد خالف بين طرفيها على عاتقه، ~~فقال لهم : ما تريدون؟ قالوا: بلغنا أنه قدم لك ألف راحلة برا وطعاما. بعنا حتى نوسع على ~~فقراء المدينة، فقال لهم عثمان: ادخلوا! فدخلوا، فإذا ألف وقر قد صب في الدار، فقال لهم: كم ~~تربحوني على شرائي من الشام؟ قالوا: العشرة اثني عشر. قال: قد زادوني. قالوا: العشرة أربعة ~~عشر. قال قد زادوني. قالوا: العشرة خمسة عشر. قال: قد زادوني. قالوا: من زادوك ونحن تجار ~~المدينة؟ # قال: زادوني بكل درهم عشرة. هل عندكم زيادة؟ قالوا: لا. قال: فأشهدكم معشر التجار أنها ~~صدقة على فقراء المدينة.» # ويشير عثمان هنا - كما هو ظاهر - إلى جزاء الحسنة بعشرة أمثالها عند الله، ولن تعدم في ~~هذا المقام ابتسامة سخف على فم متذحلق يقول: أما أعطى عطاءه وهو ينتظر الجزاء في الآخرة؟ ~~فلقد آمن بالآخرة ألوف من ذوي الأموال التي لا تفنى، وهم لا يبضون بدرهم يوقنون من جزائه ما ~~أيقنه عثمان. # وكان يدخل عرف الإحسان في صفقات التجارة، وهي تلك المعاملة التي اصطلح الناس قديما على ~~أنها شيء يتقدم فيه حساب المنفعة على حساب المودة، بل القرابة، وممن يعبرون اليوم عن هذا ~~المعنى ويقولون باصطلاح العصر من يعبرون عن معنى قديم تفاهم عليه المتعاملون بالبيع ~~والشراء من أقدم الأزمنة، فقيل من أخباره في هذه الخصلة: إنه ابتاع حائطا - أي بستانا - ~~من رجل، فساومه حتى قام على عثمان فالتفت عثمان إلى عبد الرحمن بن عوف، فقال: سمعت رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم # يقول: إن الله عز وجل أدخل الجنة رجلا كان سمحا بائعا ومبتاعا وقابضا ~~ومقبضا، ثم زاد البائع العشرة الآلاف. # وأسعدت شمائل السماحة فيه بخصال أندر في أبناء النعمة من خصال الكرم والإحسان، فقد يهون ~~على المرء أن يتجرد من بعض ماله، ولا يهون عليه أن يتجرد من بعض كبريائه وخيلائه وتعاليه ~~على ms035 أنداده ونظرائه فضلا عمن يعلوهم بالبسطة والجاه، وكان المأثور عن عثمان كما روى صاحب ~~الصفوة عن مولاة له أنه «كان لا يوقظ أحدا من أهله إلا أن يجده يقظان فيدعوه.» # وروى الحسن أنه «رآه نائما في المسجد ورداؤه تحت رأسه فيجيء الرجل فيجلس إليه، ثم يجيء ~~الرجل فيجلس إليه، كأنه أحدهم.» # وربما أحرج كما يحرج أصحاب الحياء حين يجترئ على حيائهم من هو أولى بتوقيره فيبدر ~~منه بعض ما يسوء مخاطبه، ثم لا يلبث أن يندم على بادرته ويتوب إلى الله، ومن قبيل ذلك غضبه ~~على عمرو بن العاص حين واجهه بالزجر وهو يخطب الناس؛ فثارت ثورته أن يكون هو من يعظه عمرو ~~بمثل ذلك الكلام وما فيه من إغراء بالفتنة عليه، قال عمرو: يا عثمان إنك قد ركبت بالناس النهابير # 2 # وركبوها منك، فتب إلى الله عز وجل ليتوبوا. فالتفت إليه مغضبا وأجاب قائلا: ~~وأنت هناك يا ابن النابغة؟ ثم لم يلبث أن رفع يديه، وقال: أتوب إلى الله تعالى. ثم كررها ~~فقال: اللهم إني أول تائب إليك. # فهذه شخصية سمحة، تساندت فيها مناقب السماحة، وأوشكت أن تستوفيها على مثال منقطع النظير ~~فيمن عرفناها من الأعلام بين الجاهلية والإسلام: كرم، وحياء، ودعة، ورفق، وأريحية ومروءة ~~تعين على المروءات. فهل يقال على هذا: إنها شخصية سمحة وكفى؟! هل يقال: إنها شخصية خلت من ~~صفات البأس والصرامة، أو كان حظها من هذه الصفات ضئيلا لا يلتفت إليه؟! هل يقال إنها شخصية ~~ضعيفة بكلمة متيقنة لا تردد فيها؟! # من السهل أن يقال ذلك متابعة لجمهرة المؤرخين الذين درجوا على تعليل الحوادث الجلى في ~~عصر عثمان بضعفه واستسلامه لمن حوله، وعلى رأسهم ابن عمه مروان بن الحكم، فإن السهولة هنا ~~توحي إلى المؤرخ أن يختار سبيلها، ويعفي نفسه من النظر إلى طريق غيرها قد يعترضه فيها ~~اعتراض من حيث لا اعتراض على سالك السبيل السهل الذلول. # لكن القول بضعف عثمان صعب على من يعلم أن السماحة نفسها قوة لا يضطلع بها طبع ضعيف، ms036 وصعب ~~على من ينظر في أعماله جميعا، ولا يكتفي منها بأعماله التي يبدو عليها الضعف والتردد، ولم ~~يكن عهد من عهود سيرته يخلو من عمل يدل على قوة نفس ومناعة خلق وثبات لا يتزعزع أمام الهول ~~والخطر، وحسبنا من عهود سيرته ما أحاطه بأطرافها من أول إسلامه إلى ختام حياته؛ فقد كان ~~إسلامه تحديا قويا لخاصة أهله ثبت عليه مع بقاء العلية من قومه بين عدو للإسلام أو مسالم ~~له على دخل وسوء نية، وقد تلقى في أول خلافته صدمات لم يتعرض الفاروق لأخطر منها في جميع ~~أيامه ومنها: هزيمة الجيوش، وفناء بعضها بين عوارض الأجواء القصية، وانقضاض الروم والخزر ~~على أطراف الدولة الإسلامية الحديثة، وبعض مواقفه في تلك الأيام لا يمكن الرجوع به إلى رأي ~~مروان بن الحكم، كوصاياه في إعداد الحملات البحرية من المتطوعين بغير إكراه على أحد من ~~المجندين، وليس من السهل أن يوصف بالضعف رجل يحيط به خطر الموت من كل جانب ولا يذعن لمن ~~توعدوه به جهرة ورددوه على مسمعه ليل نهار. # كلا، لا يقول القائل عن رجل كهذا: إنه ضعيف، ثم يستريح إلى قولته، إلا أن يبتغي الراحة ~~ولا يبتغي سواها. # ولكنا نحسب أن مكان عثمان من القوة والعزيمة هو المكان الذي يحتاج إلى التوضيح، ولا يتضح ~~لأول نظرة في سيرته وحوادث عصره، فليس هو بالمكان الذي يتراءى على القرب والبعد كأنه العلم ~~البين الغني عن التوضيح. ~~••• # من الناس من يقتحم طريقه ولا ينتظر من يدله أو يدفعه، بل لعله يقتحمه ويصر على اقتحامه ~~كلما كثر المعارضون له وقل من يدلونه عليه، ومن شأنه أن يحسم تردد المترددين واعتراض ~~المعترضين؛ فلا يلبث أن يقودهم معتزما فينقادوا له معتزمين. # ليس عثمان من هؤلاء. # ومن الناس من لا يعرف العزم تابعا أو متبوعا، ولا يثبت عليه إذا عرفه إلا ريثما يدفعه ~~الخطر عنه، وقد ينثني عن عزمه بغير خطر؛ لأنه من الوهن والعي بحيث لا يقوى على ~~الثبات. # وليس عثمان من هؤلاء. # فليس هو مقتحما ولا ms037 هو منقادا عاجزا عن العزم والثبات، ولكنه وسط بين الاقتحام ~~والانقياد لغيره في جميع الأحوال. # إنه ينقاد ويسوغ انقياده لنفسه بمسوغ ترضاه، ولا بد له من المسوغ المرضي في جميع ~~الأحوال. # هؤلاء أيضا يختلفون في مسوغ الانقياد للآخرين، فمنهم من ينقاد لمن هم أكبر منه ويأبى ~~الانقياد لمن هم مثله أو دونه في المنزلة، ومنهم على نقيض ذلك من ينقاد لمن هم أنداده أو ~~ينقاد لمن هم دونه، ويأبى الانقياد للنظراء والرؤساء. # ومسوغ الأولين الذين ينقادون لمن هم أكبر منهم أن الانقياد للأكبر طبيعة في كل علاقة بين ~~رئيس ومرءوس، ويدين بهذا المسوغ من لا حق له في الرئاسة، أو من لا مطمع له فيها على الأقل ~~إلى حين، فقد يكون صغيرا يرجو أن يكبر، أو خاملا يرجو أن يعرف، أو مبتدئا يرجو أن ينتهي ~~إلى العظمة كما انتهى إليها من يعظمهم من الرؤساء. # أما مسوغ الآخرين الذين ينقادون لمن هم أنداد لهم أو من هم دونهم، فهو أنهم أمنوا أن ينسب ~~انقيادهم إلى ذلة أو خوف، وبخاصة حين يكون المنقاد معروف الوجاهة والرئاسة، مساويا لمن ~~يدله ويشير عليه، أو راجحا عليه بالمكانة والسلطان. # وكذلك كان عثمان في اهتدائه إلى الإسلام بنصيحة أبي بكر الصديق، فقد كان عثمان أجمع ~~لأسباب الوجاهة من أبي بكر في عرف عصره: كان من أمية وأبو بكر من تيم، وكان أغنى منه ~~وأقدر على مخالفته، وكان أبو بكر إلى جانب هذا وذاك يدعوه إلى الإيمان برسول يتبعانه معا ~~فيقبل إن شاء، ويأبى إن شاء، ولا سلطان له عليه. # وكذلك كان عثمان في إصغائه لمروان بن الحكم حيث أصغى إليه، فقد كان مروان كاتبه وتابعه، ~~وكان إصغاؤه له لغير خوف أو مذلة، وعلما منه بأنه محسوب عليه. # وسماحة عثمان واضحة هنا أيضا؛ لأنها فرض كفروض الحساب لا يتأتى بغيره تقدير الحقيقة ~~الملتبسة، فمن الناس من يأبى الانقياد للأنداد والرؤساء حسدا ونكدا، ومن يأبى الانقياد ~~للأتباع والأعوان تيها وتجبرا وذهابا مع شهوة الترفع والاستعلاء، فهؤلاء كأولئك لا ms038 ~~يعرفون السماحة ولا يوصفون بها، ولو لم يكن عثمان سمحا مبرأ من الحسد والنكد ومن ~~شهوة الترفع والاستعلاء؛ لما أصغى إلى ند ولا إلى تابع، ولا سوغ الإصغاء إليهما بمسوغ من ~~المسوغات ترضاه نفسه وتطمئن إليه. # من أشد ما يروى استدلالا على ضعفه وانقياده لرأى مروان بن الحكم قصة رواها ابن عباس ~~عن أبيه، وهو ثقة فيما عاينه وحكاه، قال: # ما سمعت من أبي شيئا قط في أمر عثمان يلومه فيه أو يعذره، وما سألته عن شيء من ~~ذلك مخافة أن أهجم منه على ما لا يوافقه، فأنا عنده ليلة ونحن نتعشى؛ إذ قيل: أمير ~~المؤمنين بالباب، فقال: ائذنوا له، فدخل فأوسع له على فراشه، وأصاب من العشاء معه، ~~فلما رفع قام من كان هناك وثبت أنا، فحمد عثمان الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد ~~يا خال، فإني قد جئتك أستعذرك من ابن أخيك علي ... سبني وشهر أمري، وقطع رحمي، ~~وطعن في ديني، وإني أعوذ بالله منكم يا بني عبد المطلب. إن كان لكم حق تزعمون أنكم ~~غلبتم عليه فقد تركتموه في يدي من فعل ذلك بكم، وأنا أقرب إليكم رحما منه، وما ~~لمت أحدا منكم إلا عليا، ولقد دعيت أن أبسط يدي عليه فتركته لله والرحم، وأنا ~~أخاف ألا يتركني فلا أتركه. # قال: فحمد العباس الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد يابن أختي فإن كنت لا تحمد عليا ~~لنفسك؛ فإني لأحمدك لعلي، وما علي وحده قال فيك بل غيره، فلو أنك اتهمت نفسك للناس اتهم ~~الناس أنفسهم لك، ولو أنك نزلت مما رقيت وارتقوا مما نزلوا فأخذت منهم وأخذوا منك؛ ما كان ~~بذلك بأس. # قال عثمان: «فذلك إليك يا خال، وأنت بيني وبينهم.» # قال: «فأذكر لهم ذلك عنك؟» # قال: «نعم» وانصرف. # فما لبثنا أن قيل: هذا أمير المؤمنين قد رجع بالباب، فقال: ائذنوا له. فدخل فلم يجلس، ~~وقال: لا تعجل يا خال حتى أوذنك. # فنظرنا فإذا مروان بن الحكم جالسا بالباب ينتظره حتى خرج، فهو الذي ثناه ms039 عن رأيه. # فأقبل علي أبي وقال: يا بني! ما إلى هذا - يعني عثمان - من أمره شيء.» # فإذا أخذت هذه القصة على عجل؛ فعثمان قد كان أداة لمروان يذهب به ويجيء كما يشاء ويمضيه ~~على رأي أو يثنيه عنه على هواه. # ولكننا إذا تخيلنا عثمان على هذه الصورة وجب أن نسأل: من غير مروان كان يصنع بعثمان هذا ~~الصنيع؟ فإن الرجل إذا كان هين المقادة إلى هذا الحد؛ هان على كل موسوس له أن يقوده، ولا ~~سيما أقربهم إليه وألزمهم له من حرمه ومساكنيه في داره، وقد عرفنا من تاريخ تلك الفترة ~~أو ما قاربها أنه كان يستمع في بيته إلى من يوغر صدره على مروان فلا يستجيب لتوغيره، ومنهم ~~نائلة بنت الفرافصة زوجته، وقد كان للزوجات أثر في قصور ذوي السلطان ممن عرفوا بالقوة ~~والسطوة، لم ينقطع في عصر من العصور. # فالطاعة هنا ليست بطاعة نفس ضعيفة لكل من يوسوس لها على مقربة منها، ولكنها طاعة اختيار ~~لسبب له شأنه عند عثمان، وإن لم يكن له هذا الشأن عندنا نحن اليوم أو عند ناقديه من ~~معاصريه. # ونحن على يقين أننا اليوم نتردد في الجواب إذا سئلنا: «من غير مروان بن الحكم كان ~~خليقا أن يعمل لعثمان عمل الكاتب الوزير الذي يعمل له كأنه يعمل لنفسه في سره ~~وجهره؟» # إننا نعرف رجال تلك الفترة المرشحين لمثل هذا العمل، فمن منهم يتولاه إذا استغنى عن ~~مروان؟! # ليس مروان بأفضل من يكتب للخليفة في عصره، ولكن الذين هم أفضل منه لا يرتبطون بهذا العمل ~~ارتباطه، ولا يطالبهم عثمان بما يطالب به مروان من خدمته وولائه. # لقد ذهب عثمان إلى العباس يشكو عليا، ويكاد يعم بالشكوى بني عبد المطلب؛ لأنه يحسبهم ~~ذوي حق غلبوا عليه، فإذا خامرته هذه الشكوى صوابا أو خطأ وخامرته في أناس كبني عبد المطلب ~~على مثل ذلك الصواب أو ذلك الخطأ، فهو لا يتخذهم وزراء كتبة يعملون له ويرتبطون بخدمته ~~كارتباط مروان ومن إليه، ولعله لو لم يشكهم لا يخطر ms040 له أن يكلفهم عملا كعمل كاتبه ووزيره؛ ~~فإنهم في مقام الأنداد ولهم شاغل عن عمل يرتبطون به إلى جواره. # ولا نقول: إن عثمان لم يكن يستمع لمروان، ولا إنه كان يستمع للصواب من رأيه ويعرض عن ~~الخطأ منه، ولكنما نريد أن نقول: إن ما بينهما ليس بطاعة الضعيف يلعب به القوي، وإنه اختيار ~~له سببه الذي يوضع في ميزانه عند عثمان وغير عثمان حين يكون في مكانه. # والسؤال الواجب على أية حال في كل مقام كهذا المقام هو: «ماذا كان أجدر وأجدى من هذا؟» ~~فإن كان الجواب قاطعا فقد أمكن القطع بالخطأ، وإن كان الجواب يحتمل رأيا هنا ورأيا هناك؛ ~~فليس التردد بينهما بالدليل حتما على الضعف والاستسلام. # واتباع عثمان لمشورة مروان أو لمشورة غيره، لم يكن قط ذلك الاتباع الذي يعاب جملة أو ~~يستحسن جملة، ولم يكن طاعة المستسلم الذي لا يدري فيم يستسلم، ولكنه أشد ما يكون من قبيل ~~الحيرة التي يشترك فيها سالكان لا يأمن أحدهما إذا ضل صاحبه، ومن حار معك كما تحار أقرب ~~إليك ممن يهتدي وهو في طريق وأنت في طريق. # ونعود فنقول: إن شخصية عثمان بما اشتملت عليه من نواحي قوتها وضعفها شخصية سوية، لا تناقض ~~بين ما علمناه من أخبارها وأعمالها، وبين ما نرجحه من المؤثرات فيها من فعل البيئة ~~والعقيدة، وقد ذكرنا بين مؤثرات البيئة: وراثته الأموية، ويتمه في صباه، ونشأته في بيت ~~يتولاه غير أبيه، وانتماءه من جانب الأمومة إلى بيت عبد المطلب؛ وعلينا أن نشير إلى مؤثر ~~آخر يلحق بهذه المؤثرات ولا يورد على أنه مؤثر يتواتر في جميع الحالات؛ ولكنه يورد لأنه لا ~~يهمل في اعتبار بعض النفسانيين. # ذلك السبب هو إصابته بالجدري في شبابه، وعند بعض النفسانيين أن الجدري يعقب أثرا في بنية ~~المصاب به إذا أهمل علاجه - بعد سن الطفولة خاصة - وليس إهمال علاجه يومئذ بالأمر ~~البعيد. # أما أثر العقيدة فمن الواجب ونحن نتعرف معادن الشخصية الإنسانية أن نثبت من معاييره في ~~تقويم الأخلاق والتفرقة بين ms041 فاضلها ومفضولها، ويجب هذا التثبت خاصة في الزمن الذي يكثر فيه ~~الخلط بين قيمة الفضيلة وبين التعريف بأسبابها، فيعذر بعض المقصرين أنفسهم أن يكونوا ~~دون المؤمنين بالدين شجاعة وسخاء، ويقولون: إننا كنا خلقاء أن نقدم مثل إقدامهم، ونسخو ~~مثل سخائهم، ونجود بالروح والمال مثل جودهم، لو كنا ننتظر الجزاء في اليوم الآخر أضعافا ~~مضاعفة من النعيم والسعادة. # وتلك في الواقع خديعة الطبع اللئيم، وإنهم ليزعمون أنهم يشجعون ويجودون لو آمنوا بالجزاء ~~بعد الموت، والواقع أنهم واهمون أو مغالطون، وإن لهم أشباها صدقوا بالجزاء بعد الموت ولم ~~يتركوا الجبن والشح، ولا تركوا ما هو أقبح من الجبن والشح وهو: السلب والغصب والعدوان على ~~النفس والمال. # فانتظار الجزاء بعد الموت لا يبطل قيم الأخلاق، ولا يجعل الشجاع غير شجاع، أو الكريم غير ~~كريم في ميزان الخلق المحمود. # قلنا في كتابنا أبي الشهداء: «كذلك يقول من يقول: إن الأريحية التي سمت إليها طبائع أنصار ~~الحسين إنما هي أريحية الإيمان الذي يعتقد صاحبه أنه يموت في نصرة الحسين؛ فيذهب لساعته إلى ~~جنات النعيم. فهؤلاء الذين يقولون هذا القول يجعلون المنفعة وحدها باعث الإنسان إلى جميع ~~أعماله، حتى ما صدر منها عن عقيدة وإيمان، وينسون أن المنفعة وحدها لن تفسر لنا حتى الغرائز ~~الحيوانية التي يصاب من جرائها الفرد طوعا أو كرها في خدمة نوعه، بل ينسون أن أنصار يزيد ~~لا يكرهون جنات النعيم ولا يكفرون بها؛ فلماذا لم يطلبوها كما طلبها أنصار الحسين؟ إنهم لم ~~يطلبوها؛ لأنهم منقادون لغواية أخرى؛ ولأنهم لا يملكون عزيمة الإيمان ونخوة العقيدة، ولا ~~تلك القوة الخلقية التي يتغلبون بها على رهبة الموت، ويقرعون بها وساوس التعلق بالعيش، ~~والخنوع للمتعة القريبة، فلولا اختلاف الطبائع؛ لظهر شغف الناس جميعا بجنات النعيم على نحو ~~واحد، ومضى الناس على سنة واحدة في الأريحية والفداء. ومرجع الفرق إذن في آخر المطاف إلى ~~فرق واضح بين طبائع الأريحيين وطبائع النفعيين.» # وهذا الفرق بين الطبائع هو الذي نرجع إليه في رجل يمتاز بالشجاعة البالغة، ورجل يمتاز ms042 ~~بالسماحة البالغة، ولا يمتازان بمزية واحدة، وكلاهما يؤمن بالثواب والعقاب. # وهذا الفرق بين الطبائع هو الفرق بين من يطمح إلى المثل الأعلى ولا يقنع بما دونه، وبين ~~من يكفيه من الجزاء أنه يؤمن العذاب. # وهذا الفرق بين الطبائع هو الفرق بين فرقتين من المسلمين تحارب كلتاهما في صف، وكلهم ~~مصدقون بجزاء السماء واطلاع علام الغيوب بما يطوونه في الخفاء. # فالعقيدة الدينية لا تبطل سماحة عثمان ولا تغض من قيمتها، وتظل هذه السماحة سماحة مقومة ~~في معيار كل فضيلة ومعيار كل فاضل، لا يغير منها أن العقيدة بعثتها في مبعثها هذا، أو ~~حركتها بعد سكون، أو خلقتها خلقا من حيث لم تكن. فقد كان مع عثمان أناس من منبته لم ~~يعتقدوا كما اعتقد، ولم يزل بينهم وبين الاعتقاد حجاب من: عوج العقول، وعمى الأبصار، وأثرة ~~الجهالة، وكل أولئك محسوب معدود في معايير الأخلاق. # ونعمم هذا القول في تقويم الفضائل والمواهب؛ فنفرق بين التقويم والتقدير وبين التعليل ~~والتفسير، فليست كل فضيلة عللناها أو فسرناها شيئا قد أبطلنا قيمته وقدره، وليس قولنا: إن ~~هذه الروضة تنبت الرياحين والثمرات مبطلا ما بينها وبين الفلاة المجدبة من الفرق ~~والاختلاف، وليس قولنا: إن هذا الإنسان شجاع؛ لأنه استمد مناقب الشجاعة من وراثته أو من ~~تعليمه أو من اعتقاده ذاهبا بفضل الشجاعة، مسويا بينه وبين الجبان، أو بينه وبين الشجاع ~~الذي هو دونه في شجاعته وإقدامه. # فالأسباب تثبت الفضائل والمواهب ولا تنفيها، وهي من أجل هذا جديرة بالإثبات وجديرة بالطلب ~~وجديرة بالثناء، وإن من تعرف أسباب حسنه لحسن، وإن من تعرف أسباب قبحه لقبيح؛ فلن يصبح ~~الحسن قبيحا لأنه معروف السبب، ولن يصبح القبيح حسنا لأنه معروف السبب، وإن قل العجب مع ~~عرفان السبب كما قيل، فقد يذهب العجب ولا يذهب الإعجاب. # والشاعر قد بلغ غاية الإعجاب بيحيى حفيد علي بن أبي طالب حين قال: # كدأب علي في المواطن كلها # أبي حسن والعرق من حيث يخرج # وأين له من ذاك؟ لا أين! إنه # إليه بعرقيه الزكيين محرج ms043 # تفسير للشجاعة هو غاية التقدير، وإبطال للعجب هو غاية الإعجاب، وإنما يتجنى على الفضائل ~~الإنسانية بتفسير أسبابها من يتمحل للنوع الإنساني كأنه يتمحل لعدو لا يرضيه أن يوصف بخير؛ ~~إلا أن يتعلل لمعابته بعلة، ويبطل العجب منه والإعجاب به سواء. # الفصل السابع # | ثقافة عثمان # نعنى في تراجم عظماء الصدر الأول من الإسلام بالكلام على ثقافتهم، ومصادر هذه الثقافة ~~من معلومات زمنهم، ونرى أنها من العناصر التي لا غنى عنها في التعريف بمنازلهم وكفاياتهم؛ ~~لأن هذه الكفايات قسمة بين قوة النفس والخلق، وبين قوة الفهم والتفكير، ولا تخفى علاقة ~~ثقافتهم بما يفهمون ويفكرون. # وبديه أن ثقافة الأقدمين غير ما نريده بكلمة الثقافة في العصر الحديث، ولكنه فرق يحسب ~~للأقدمين، ويشهد باجتهادهم ودرايتهم بالاستفادة من القليل المبعثر حيث لا يستفاد اليوم من ~~الكثير المجموع الميسر لطالبيه، ولو أننا جعلنا ودائع الورق مقياسا للثقافة؛ لكانت أوراق ~~تلميذ مبتدئ في عصرنا أضخم من أوراق نوابغ المثقفين في صدر الإسلام، ولكنهم كانوا بهذا ~~المحصول القليل يعملون ما يعجز نوابغنا وأبطالنا، ويتكلمون في المعضلات فإذا بالكلمة ~~الوجيزة فصل الخطاب. # ونخال أن الاختلاف بيننا وبينهم في ثقافتنا وثقافتهم يتلخص في فرق واحد يحصر جميع الفروق، ~~وذاك أن الكلمة قد رخصت في زمن المطبعة وإباحة الكلام أو ابتذاله لمن لا يحسنه في قول ولا ~~استماع. # كانت الكلمة تسمع وتحفظ، وتنقل من سلف على خلف، وتندمج في تجربة كل سامع كأنها زيادة ~~عضوية تتوالد ولا تموت. # كانت بضعة من حياة. # كانت تصان كما تصان ذخائر الآباء والأجداد، ولو أنها صينت هذه الصيانة لأول مرة في عصر ~~التنزيل؛ لما استغرب أحد تقديسهم للكلمة التي يعلمون أنها مقدسة ويصونونها إيمانا بالفريضة ~~الإلهية، وما في ذلك غرابة عند الأقدمين أو المحدثين، ولكنهم فعلوا ذلك قبل عصور التنزيل، ~~وتعودوا الحرص على ذخيرتها الإنسانية قبل أن يتعودوا الحرص عليها وهي ذخيرة سماوية يدخرونها ~~لحياة أبقى من الحياة الدنيا، وهي حياة الخلود. # إليك مثلا علمهم الذي يسمونه علم الأنساب: ما مبلغه من العلم بالقياس إلى ms044 العلم الذي ~~يقابله في زماننا، وهو علم التاريخ؟ # أين ذلك مما يستوعبه اليوم من النقد والتحليل والشرح والتفصيل والتفريع والتأصيل؟ # لكن علم الأنساب هنالك وشائج أعراق وأحساب وعروق في الأبدان والأنفس لا يدفنها ~~التراب. # إذا عرف أحدهم نسبا؛ فقد عرفه ليهتز بفخره، أو يهتاج بعداوته، أو يقرفه بفعال صاحبه، ~~ويشهدها في ذريته وخلفائه. # وإذا عرف ذلك النسب فهو فلان هذا الذي أمامه، يساجله المودة أو البغضاء، ويذكر ما كان له ~~ولآبائه من عزة ومضاء أو ذلة واستخذاء، ويضيف إلى كل نسب رواية عن ملحمة، أو طرفة من حكمة، ~~أو ملحة من فكاهة، ولا يجد بينها وبين أنباء نهاره فاصلا بين قديم وجديد، أو بين مدثور ~~مهجور وحاضر مسموع ومذكور. # وقل مثل ذلك في: أمثال العرب، وشواهدها، ومعارض الاستشهاد بها في مواضعها. # وقل مثل ذلك في: أشعارها، ومدائحها، وأهاجيها، وبلاغتها، ومحاسن ألفاظها، ~~ومغازيها. # كل ممدوح كائن حي من مجد ومنعة وجود ومطاولة بالغلبة والعطاء، وكل مادح كائن حي بما ~~استجاشه من طمع وما استقبله من أمل وما خلفه وراءه من عطف وحنين، وما أثار في كلامه من ~~تنافس وتناظر، أو من سوابق بين عشائرهم تذكر، وتستعاد وتعود معها محاسن آباء وأجداد ومساوئ ~~أضغان وأحقاد. # فإذا سطرت تلك الأمثال والقصائد كلاما في الورق، فهي بضع صفحات مختزلات، وإذا تمثلتها ~~خوالج بين الصدور فهي حيوات تضاف إلى حياة. # لقد كانوا يعيشون عيشهم المحمل بتجاربه وعواقبه، كلما تكلموا أو استمعوا إلى متكلم من ~~رواتهم وبلغائهم وثقافتهم؛ فلا جرم كانوا يفاخرون أمم العالم، بأنهم يتكلمون. ~~••• # وكان عثمان على علم بمعارف العرب في الجاهلية ومنها: الأنساب، والأمثال، وأخبار الأيام. ~~وساح في الأرض فرحل إلى الشام والحبشة، وعاشر أقواما غير العرب؛ فعرف من أطوارهم وأحوالهم ~~ما ليس يعرفه كل عربي في بلاده، وجدد في رحلاته تجديد الخبرة والعمل معارف البادية عن ~~الأنواء والرياح ومطالع النجوم ومقارنتها في منازل السماء، وهي معارف القوافل والأدلاء من ~~أبناء الصحراء العربية، وأبناء كل صحراء. # وأسلم فكان من أفقه المسلمين في أحكام ms045 الدين وأحفظهم للقرآن والسنة، روى عن النبي عليه ~~السلام قرابة مائة وخمسين حديثا، وقال محمد بن سيرين وهو يتكلم عن الصحابة: «كان أعلمهم ~~بالمناسك عثمان، وبعده ابن عمر.» # وكان أقرب الصحابة إلى مجرى الحوادث بين المسلمين والمشركين، فكان من سفراء الإسلام في ~~غير موقف من مواقف الخلاف أو الوفاق، تارة بين المسلمين وأعدائهم وتارة بينهم وبين الأسرى ~~منهم في أرض الأعداء. # وكان كاتبا يجيد الكتابة، فاعتمد عليه النبي عليه السلام في تدوين الوحي، واعتمد عليه ~~الصديق في كتابة الوثائق الهامة، ومنها الوثيقة التي عهد فيها بالأمر بعده لخليفته ~~الفاروق. # وزودته معرفته بالأخبار والأنساب وسياحته في البلاد بزاد حسن من مادة الحديث مع ذوي ~~الكمال من الرجال. قال عبد الرحمن بن حاطب: «ما رأيت أحدا من أصحاب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # كان ~~إذا حدث أتم حديثا ولا أحسن من عثمان بن عفان، إلا أنه كان رجلا يهاب الحديث.» # ولم يكن حديثه لغوا ولا ثرثرة يزجى بها الفراغ بين أهل الفراغ، بل كان من تلك الأحاديث ~~التي كان يتوق إليها النبي عليه السلام في بعض أوقاته فيتمناها، وتروي السيدة عائشة من ذلك ~~أنها سمعت النبي ذات ليلة يقول: لو كان معنا من يحدثنا؟ قالت: يا رسول الله أفأبعث إلى ~~أبي بكر؟ فسكت، ثم قالت: أفأبعث إلى عمر؟ فسكت، ثم دعا وصيفا بين يديه، فساره فذهب فإذا ~~عثمان يستأذن، فأذن له فدخل فناجاه عليه السلام طويلا. # وينقل عنه الرواة كثيرا من شواهد الأمثال والأشعار، وكأنه ينظم الشعر إن صح ما قيل: إنهم ~~وجدوا في خزانته وصية مكتوبا على ظهرها: # غنى النفس يغني النفس حتى يجلها # وإن غصها حتى يضر بها الفقر # وما عسرة فاصبر لها إن لقيتها # بكائنة إلا سيتبعها يسر # ومن لم يقاس الدهر لم يعرف الأسى # وفي غير الأيام ما وعد الدهر # ولكن هذا الشعر وغيره مشكوك في نسبته إليه، إلا أنه كتب في خلافته رسائل من النمط الذي ~~لا يرتضي الظن نسبته إلى كاتبه مروان. # ومن هذه الرسائل ms046 كتاب إلى عماله يقول فيه: ~~... استعينوا على الناس وكل ما ينوبهم بالصبر والصلاة، وأمر الله أقيموه ولا ~~تداهنوا فيه، وإياكم والعجلة فيما سوى ذلك، وارضوا من الشر بأيسره، فإن قليل الشر ~~كثير، واعلموا أن الذي ألف بين القلوب هو الذي يفرقها ويباعد بعضها عن بعض، سيروا ~~سيرة قوم يريدون الله؛ لئلا تكون لهم على الله حجة. # ومنها كتاب إلى العمال يقول فيه: # إن الله ألف بين قلوب المسلمين على طاعته، وقال سبحانه: # لو ~~أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين ~~قلوبهم ~~(الأنفال: 63)، وهو مفرقها على معصيته، ولا تعجلوا على أحد ~~بحد قبل استيجابه؛ فإن الله تعالى قال: # لست عليهم ~~بمصيطر* إلا من تولى وكفر # ومن ~~كفر داويناه بدوائه، ومن تولى عن الجماعة أنصفناه وأعطيناه حتى يقطع حجته وعذره إن ~~شاء الله. # ومن كتبه إلى العمال: # أما بعد، فإن الله أمر الأئمة أن يكونوا رعاة، ولم يتقدم إليهم أن يكونوا جباة، ~~وإن صدر هذه الأمة خلقوا رعاة ولم يخلقوا جباة، وليوشكن أئمتكم أن يصيروا جباة ~~ولا يكونوا رعاة، فإذا عادوا كذلك انقطع الحياء والأمانة والوفاء. ألا وإن عدل ~~السيرة أن تنظروا في أمور المسلمين فتعطوهم الذي لهم وتأخذوا بما عليهم، ثم تثنوا بالذمة # 1 # فتعطوهم الذي لهم وتأخذوهم بالذي عليهم، ثم العدو الذي تنتابون ~~فاستفتحوا عليهم بالوفاء. # ومن كتبه إلى الجباة: # أما بعد، فإن الله خلق الخلق بالحق، فلا يقبل إلا الحق. خذوا الحق وأعطوا الحق، ~~والأمانة الأمانة، قوموا عليها، ولا تكونوا أول من يسلبها؛ فتكونوا شركاء من ~~بعدكم إلى ما اكتسبتم، والوفاء الوفاء لا تظلموا اليتيم ولا المعاهد، فإن الله ~~خصم لمن ظلمهم ... # وكتب على أمراء الأجناد: # أما بعد فإنكم حماة المسلمين وذادتهم، وقد وضع لكم عمر ما لم يغب عنا، بل كان على ~~ملأ منا ... لا يبلغني عن أحد منكم تغيير ولا تبديل؛ فيغير الله ما بكم ويستبدل بكم ~~غيركم، فانظروا كيف تكونون، فإني أنظر فيما ألزمني الله النظر فيه والقيام عليه ~~... # وبعض هذه الكتب يبدؤه ويختمه بذكر ms047 آيات من القرآن، تتوالى في بيان ما يدعوهم إليه وينهاهم ~~عنه، وليست هي مما يكتبه مروان؛ لأنه لم يكن يحفظ القرآن حفظ عثمان، وليس ما تقدم من ~~الوصايا بالذي يكتبه مروان غير مملى عليه ؛ لأنها هي الوصايا التي هي أحرى بحياء عثمان ~~وألفته ووفائه ورحمته لليتيم وإيثاره الموادعة وكراهته اللجاجة في القصاص؛ لهذا نقول: إنها ~~من أسلوبه الذي يوائمه رضي الله عنه، وأسلوبه ثمة هو ترجمان نفسه، فإن الرجل يكتب لغيره ~~ليقنعهم بما يحس أنه مقنعه لو كتب إليه، وهذه كتابة عثمان لا كلفة فيها ولا محاولة ولا ~~إطناب، إلا الدعوة القويمة في استقامة وسهولة وبساطة لا تقدر في الناس أنهم يخالفون ما وضح ~~لهم واستقام بين أعينهم من الأمور، وكذلك كان عثمان يعقل ما يطيعه وما يطاع، وكذلك استجاب ~~لدعوة أبي بكر حين دعاه إلى الإسلام، فما هو إلا أن اتجه ذهنه مستقيما إلى حقيقة الأصنام ~~وحقيقة الإسلام حتى قال لصاحبه: نعم ... هو ذاك. ~~••• # أما الخطابة فقد كانت على هذا النهج من الكتابة السهلة القويمة، وربما ارتج عليه فلا ~~يبتئس لذلك ولا يزيد على أن يقول ما معناه: سيأتي القول حين الحاجة إلى ~~القول. # ومن خطبه في أوائل الفتنة: # إن الناس يبلغني عنهم هنات وهنات، وإني والله لا أكون أول من فتح بابها وأدار ~~رحاها. ألا وإني زام نفسي بزمام وملجمها بلجام ... ومناولكم طرف الحبل، فمن اتبعني ~~حملته على الأمر الذي يعرف، ومن لم يتبعني ففي الله خلف منه وعزاء عنه. ألا وإن لكل ~~نفس يوم القيامة سائقا وشاهدا: سائقا يسوقها على أمر الله وشاهدا عليها بعملها، ~~فمن كان يريد الله بشيء فلييسر، ومن كان إنما يريد الدنيا فقد خسر ... # ومن خطبه بعد تفاقم الفتنة خطبة على الروية لم تكن مرتجلة قال فيها: ~~... آفة هذه الأمة وعاهة هذه النعمة، عيابون طعانون، يرونكم ما تحبون، ويسترون عنكم ~~ما تكرهون، ويقولون لكم وتقولون، أمثال النعام يتبعون أول ناعق، أحب مواردهم إليهم ~~البعيد، لا يشربون إلا نعصا، ولا يردون إلا عكرا، لا ms048 يقوم لهم رائد ... وقد أعيتهم ~~الأمور ... # ألا فقد والله عبتم علي ما أقررتم لابن الخطاب بمثله، ولكنه وطنكم برجله، ~~وضربكم بيده، وقمعكم بلسانه؛ فدنتم له على ما أحببتم وكرهتم، ولنت لكم وأوطأتكم ~~كنفي، وكففت عنكم يدي ولساني؛ فاجترأتم علي، أما والله لأنا أعز نفرا وأقرب ~~ناصرا وأكثر عددا، وأحرى إن قلت: هلم؛ أتي إلي، ولقد أعددت لكم أقرانا، ~~وأفضلت عليكم فضولا، وكشرت لكم عن نابي، وأخرجتم مني خلقا لم أكن أحسنه، ومنطقا ~~لم أنطق به، فكفوا عني ألسنتكم وعيبكم وطعنكم على ولاتكم، فإني كففت عنكم من لو ~~كان هو الذي يكلمكم رضيتم مني بدون منطقي هذا. ألا فما تفقدون من حقكم؟ والله ما ~~قصرت عن بلوغ ما بلغ من كان قبلي، ولم تكونوا تختلفون عليه ... # وهذه الخطبة هي التي قام مروان بعدها يهم بالكلام ويتكلم متوعدا، فأسكته عثمان، ونرى ~~أنها قيلت على الروية؛ لأنه خرج من داره وهو يعلم باجتماع الوفود وحفزها، ولم يفاجأ منها ~~بأمر لم يكن يعلمه وهو ينوي الخطابة فيها. # وهذه النماذج من كتبه وخطبه لا تورد في هذا المقام من ناحية البلاغة والبيان مستقلة عن ~~مواضعها ودواعيها، ولكنها تورد قبل كل شيء؛ لأنها - مع ما تبديه من بيانه - تبدي لنا أسلوب ~~الخليفة الثالث في علاقته برعاياه من خلال أسلوب الكتابة والخطابة. فقد كانت أوائل كتبه ~~أشبه الكلام بما نسميه اليوم «الأسلوب الرسمي»، أو أسلوب التشريع والوثائق القانونية: تبليغ ~~وتقرير بغير تنميق ولا محاولة تأثير، وهو كذلك أسلوب الخلافة التي تعلم أن التفاهم بينها ~~وبين من تخاطبهم مفروغ منه متفق عليه مستغن عن الإقناع وعن المسحة الشخصية التي يصطبغ بها ~~الكلام إذا وقع الاختلاف في النظر بين السامع والمتكلم، ثم يستطرد الموقف بالخليفة إلى ما ~~رأيناه في خطابه الأخير، وأول ما يبدو منه أن الراعي والرعية لا يثوبون إلى قسطاس واحد، ~~وتلك بوادر الملك تظهر في مضامين القول، كما ظهرت على ما نراه في الأعمال والنيات. # الفصل الثامن # | من إسلامه إلى خلافته # شئونه # مضى من إسلام عثمان ms049 إلى مبايعته بالخلافة نيف وثلاثون سنة، شهد فيها من الغير في ~~تاريخ الجزيرة العربية وفي تاريخ العالم من حولها ما لم يعهد العالم قط قبل البعثة ~~المحمدية، وشهد فيها عهد الدعوة النبوية وعهد الخلافة في أوجها على أيام الصديق، ثم على ~~أيام الفاروق. # وجمعت المصاهرة بين حياته الخاصة وحياة النبي عليه السلام في بيته مع اتصاله به في ~~الدعوة الكبرى من سنتها الأولى؛ فلم يفته شيء من أخبار النبوة الخاصة والعامة في حياة ~~النبي، ولم يفته شيء بعدها من أخبار الخلافة في حياة الشيخين، ولم يفته بعبارة أخرى شيء ~~مما نسميه اليوم بأعمال التأسيس في الدولة الإسلامية. # تزوج من السيدة رقية بنت النبي عليه السلام، وهاجر بها إلى الحبشة فكان أول المهاجرين ~~إليها، ثم هاجر بها إلى المدينة فمرضت هناك بالحصبة، وأذن له النبي عليه السلام أن ~~يتخلف عن وقعة بدر للعناية بها، فماتت يوم ورد البشير إلى المدينة بنصر المسلمين وهزيمة ~~قريش في تلك الوقعة الحاسمة، وقيل: إن عثمان كان قد أصيب بالجدري قبل الخروج إلى بدر، ~~فحال مرضه ومرض زوجته دون الخروج إليها مع جلة الصحابة. # وكانت غبطة عثمان بمصاهرة النبي عليه السلام عظيمة، وحزنه لانقطاع هذه الصلة أعظم؛ ~~فلم ير بعد ذلك إلا محزونا مهموما لفقد زوجته وانقطاع صلته بنبيه وأكرم الناس عليه، ~~ورآه النبي # صلى الله عليه وسلم # على تلك الحال فسأله: «مالي أراك مهموما؟» قال فيما رواه سعيد بن ~~المسيب: «وهل دخل على أحد ما دخل علي يا رسول الله؟! ماتت ابنة رسول الله التي كانت ~~عندي، وانقطع ظهري وانقطع الصهر بيني وبينك»؛ فطيب النبي # صلى الله عليه وسلم # خاطره وزوجه أختها أم ~~كلثوم، وبقيت معه إلى أن توفيت في السنة التاسعة للهجرة بعد بنائه بها بست ~~سنوات. # وأشهر الروايات على أنه سمي بذي النورين؛ لأنه تزوج من رقية وأم كلثوم بنتي النبي ~~عليه السلام، «ولم يعلم أحد تزوج بنتي نبي غيره.» # ويقال: إنه سمي بذلك، لأن النبي عليه السلام قال: فيه نور أهل السماء ms050 ومصباح أهل ~~الأرض، ويقال: إنه كان يختم القرآن كل ليلة في صلاته «فالقرآن نور وقيام الليل ~~نور.» # ومما خرجه الحافظ السلفي في سياق هذه الكنية أن إسماعيل بن علين أتى يونس بن خباب ~~ليسمع منه، فسأله يونس «من أين أنت؟» فقال: «من أهل البصرة.» قال يونس: «أنت من أهل ~~المدينة الذين يحبون عثمان بن عفان، وقد قتل ابنتي رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~...»، فقال إسماعيل ~~ما فحواه: «أتراه قتل واحدة فزوجه الثانية من أجل ذلك؟!» # وجواب إسماعيل مفحم، وقصته مع يونس بن خباب عبرة من عبر الدعوة «السياسية» إذا لجت ~~بالنفوس وغلبت على العقول، فما يسمى عثمان من أجله بذي النورين يجري على لسان صاحب ~~الهوى في النقد والمعابة؛ فينعاه عليه وينعاه على البلد الذي يحبه، ويحسبه قتلا لبنتين ~~من بنات النبي، ولا يدور بخلده جواب إسماعيل أن من قتل واحدة لا يعطي غيرها ليقتلها، ~~ولا يرد على باله ما لا يغيب عن مثله من حديث ابن عباس، حيث يروى عن النبي أنه قال ~~لعثمان مواسيا بعد موت رقية: «والذي نفسي بيده لو أن عندي مائة بنت تموت واحدة بعد ~~واحدة زوجتك أخرى حتى لا يبقى من المائة شيء ...» # وحقيق بهذه القصة أن نحضرها أخلادنا ونحن مقبلون على العلل والتعلات في الدعوة لعثمان ~~والدعوة عليه، فإننا لواردون على علل كثيرة وتعلات أكثر منها، تسبقها الرغبة في خلق ~~المحاسن أو المآخذ فلا تعيا مرة بخلق ما تريد. # ومنذ اليوم الذي أسلم فيه عثمان لزم النبي حيث كان، ولم يفارقه إلا للهجرة بإذنه، أو ~~في مهمة من المهام التي يندب لها، ولا يغني أحد فيها غناءه شأنه في هذه الملازمة شأن ~~الخلفاء الراشدين جميعا، كأنما هي خاصة من خواصهم رشحهم لها ما رشحهم بعد ذلك للخلافة ~~متعاقبين بغير حاجة إلى مفاضلة وترجيح. # فمن الصحابة من كان يبرح المدينة أو مكة في عمل من أعماله، ومن كان يحضر الغزوات ~~ويغيب عما عداها في مصالحه ومصالح أهله، ما عدا أبا بكر وعمر وعثمان ms051 وعليا، فقد أصبح ~~عملهم بعد إسلامهم مقترنا بعمل النبي في مقامه وسفره، وقد يقترن به فيما عم أو خص من ~~أمره صلوات الله عليه، وتلك وشيجة من وشائج الواقع غير مدبرة ولا مقدرة، تجمع بين ~~النبوة والخلافة كما ينبغي أن تجتمعا بحكم القرابة اللدنية بين المهمتين ~~المتلازمتين. # وترك عثمان تجارته الواسعة لمن يتولاها عنه من وكلائه وذوي قرباه، وجعل بيته بيتا ~~لمال المسلمين قبل أن يكون للدولة الإسلامية بيت مال، فلم يتطلب عمل الرسالة مددا من ~~زاد السلم أو الحرب إلا نهض به عثمان وحده، أو كان أول ناهض به مع القادرين على بذل ~~المال في هذا السبيل. # شكا المهاجرون تغير الماء بالمدينة، ولم يجدوا فيها غير بئر واحدة يستسيغون ماءها، ~~وكانت عند يهودي يغالي بثمنها؛ فاشترى منه نصفها وغلبه دهاء؛ لأنه قسم سقياها يوما له ~~ويوما لصاحبها، وأباح السقيا منها بغير ثمن في يومه، فكان طلاب الماء يأخذون منه ~~كفايتهم في ذلك اليوم ... ونظر اليهودي فرأى أنه لا ينتفع من نصفه الباقي له بكثير أو ~~قليل، فلما باعه بالقليل بعد المغالاة فيه وهبها عثمان لمن يستقي منها في جميع ~~الأيام. # ولما ندب النبي # صلى الله عليه وسلم # المسلمين لغزوة تبوك لم يكن عندهم من المال ما يقوم ~~بنفقاتها؛ لبعد شقتها، واشتداد القيظ في وقت الخروج إليها، فتكفل عثمان وحده بثلث ~~نفقاتها، وتبرع للمجاهدين بالمطايا والأطعمة، وجاء بألف دينار في كمه فنثرها في حجر ~~الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~، وكرر ذلك غير مرة على ما جاء في جمهرة الأخبار. # واشترى أرضا ليزيدها في بناء المسجد، بذل فيها عشرين ألف درهم أو خمسة وعشرين ألفا، ~~ولم يقصر عن معونة يستطيعها في عسرة أو مجاعة، مدعوا إلى ذلك أو ملبيا من نفسه داعية ~~النجدة والسماحة، فلم يضارعه في سخائه أحد من أقرانه، وكان بحق أسخى الأغنياء وأغنى ~~الأسخياء. # وعهد إليه النبي # صلى الله عليه وسلم # في السفارات التي يخشى خطرها، فلما كانت حملة الحديبية التي ~~تأهب فيها النبي لدخول مكة دعا بعمر ms052 ليبعثه إلى رؤساء عشائرها، فقال عمر: «إن قريشا ~~تعرف عداوتي إياها وغلظتي عليها، وليس بين القوم أحد من بني عدي ينتصر لي، فلو بعثت يا ~~رسول الله عثمان إليهم فهو بينهم أعز مني» وقد بعثه النبي فلم يسلم من سفاهة السفهاء، ~~ولم يمنعهم أن يبطشوا به لولا أن تصدى لهم ابن عمه أبان بن سعيد بن العاص، وشاع يومئذ ~~في معسكر المسلمين أن المشركين قتلوه، وكانوا قد احتبسوه ثلاثة أيام يتشاورون في أمره، ~~فلما دعا النبي جنده إلى بيعة الرضوان أو بيعة الشجرة، وضع يده اليمنى على يده اليسرى ~~وهو يقول: هذه بيعة عثمان. «اللهم هذه عن عثمان في حاجتك وحاجة رسولك.» # وسيأتي من أمر الدعوة على عثمان أنهم كانوا يحسبون عليه أنه لم يشهد بدرا ولم يشهد ~~يوم البيعة، ولا لوم عليه في المرتين ولا سيما التخلف عن بيعة الشجرة؛ إذ كان قد تخلف ~~فيما هو أخطر وأعسر من حضور المبايعة كما حضرها سائر الصحابة، وهذه وما تقدمها من حديث ~~يونس بن خباب بعض أفانين التهم التي تخلقها الفتنة، ويعلم بطلانها القائل قبل المستمع ~~إليها. ~~••• # ومن المهام التي اختصه النبي بها أنه كان يكتب له الوحي عند نزوله، وكان عليه السلام ~~يناديه متحببا، ويقول له وهو يملي عليه: «اكتب يا عثيم» واستخلفه على المدينة في ~~غزوته إلى ذات الرقاع، وأرسله إلى اليمن مستطلعا حين كانت إمارتها إلى علي، وكاد أن ~~يفرده بالعمل فيما نسميه اليوم أمانة السر أو الكتابة الخاصة، وهي أمانة يضطلع بها من ~~يوثق بصدقه وكياسته ولطف أدائه لما يؤتمن عليه من رسالة أو سفارة. # لا جرم يروي عنه أبو عبد الله الجبيري في رواية راجحة أنه كان موضع سر النبي في مرضه ~~عليه السلام، وفي هذه الرواية ينقل عن السيدة حفصة أنها حادثت السيدة عائشة تذكرها بما ~~كان من هذه المسارة فقالت: «إني كنت أنا وأنت عند رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فأغمي عليه، فقلت ~~لك: أترينه قد قبض؟ فقلت: لا أدري، ثم أفاق فقال: ms053 افتحوا له الباب، فقلت لك: أبوك أو ~~أبي؟ فقلت: لا أدري ففتحنا فإذا عثمان، فلما رآه النبي # صلى الله عليه وسلم # قال: ادنه، فأكب عليه ~~فساره بشيء ما ندري ما هو، ثم رفع رأسه فقال أفهمت ما قلت لك؟ قال: نعم سمعته أذناي ~~ووعاه قلبي، ثم أمره فانصرف.» # كان بين الصحابة منزلة من منازل الفخر، يعتدون بها ويتعارفون عليها، وهي منزلة الرضى ~~من رسول الله إلى يوم وفاته، وكان من الكلمات الجارية على الألسنة في معرض الثناء أن ~~يقال عن الرجل إنه توفي رسول الله وهو عنه راض. # فهذه المنزلة كانت من مفاخر عثمان التي يذكرها ويذكرها له من يحمده، وكان في الطليعة ~~ممن تحسب لهم هذه المفخرة بين الصحابة، وإنما كان شانئوه يتحدثون بتخلفه عن وقعة بدر ~~وعن بيعة الرضوان؛ لينزلوا به شيئا من منزلته تلك التي ليس عليها خلاف. # وصارت الخلافة إلى الصديق وهو الذي أسلم عثمان على يديه، وطالت الصحبة بينهما من قبل ~~الإسلام، وألفت بينهما مشابه كثيرة في الطباع والأخلاق، وكان أبو بكر يعتقد في عثمان ~~الحزم كما قال له يوم فاتحه في أمر إسلامه، وليست هي من كلمات المجاملة في مقام الترغيب ~~والارتفاع، فما كان أبو بكر بالرجل الذي يرسل الكلمات جزافا، ولا بالمتكلم الذي يعيبه ~~أن يجامل أحدا بالصدق الذي يرضيه. # ولم يكن مستغربا بعد طول الصحبة أن يكون عثمان أقرب المقربين إلى الخليفة الجديد في ~~أعمال سياسته وأواصر مودته، ولكننا هنا أمام عهد نادر من عهود الإنسانية تتقدم فيه ~~النظرة إلى الدعوة القائمة على كل نظرة إلى ما عداها، وقد يحب الإنسان من يحب؛ لأنه ~~أقرب إلى اعتقاده في نصرة الدعوة والأمانة لها والقدرة على خدمتها، وإن هذه الظاهرة ~~العميقة الأغوار لمن أقوى ظواهر العهد وأحقها من المؤرخ بالانتباه إليها، وقد سبقت ~~الإشارة إلى فعلها اللدني في الجمع بين النبوة والخلافة، وتخصيص الخلفاء الراشدين على ~~غير تدبير، والتقديم بملازمة النبي في مقامه وسفره وغيابهم حين يغيبون بإذنه وفي رسالة ~~من رسائل الدعوة النبوية، ms054 ثم ها هي تتكرر في التقريب بين الخليفة الأول وبين أوفق ~~الصحاب لمعونته وملازمته والاطلاع على مقاصده ونياته، فلم يكن بين أبي بكر وعمر من ~~الصحبة قبل الإسلام ولا من المشابهة في الخلق بعض ما كان بين أبي بكر وعثمان، ولكن أبا ~~بكر وعمر كانا أوفق اثنين بين الصحابة للعمل معا في مهام الخلافة الأولى؛ فتلازما ~~وتشاورا وتقرب بينهما في الدعوة ما تباعد في الخلق والخليقة، حتى كان من يريد الوقيعة ~~يسأل أبا بكر متجاهلا: والله ما ندري أأنت الخليفة أم عمر؟ فيقول رضي الله عنه: هو لو ~~كان شاء. # ويحق لنا أن نقول إن الأمر لم يكن باختيار أبي بكر ولا باختيار عمر، ولكنه كان ~~باختيار المصلحة العليا التي غلبت على كل مصلحة في ذلك العهد النادر، وإنها لمن وحي ~~الله. # في أيام أبي بكر لم يكن أحد بعد عمر أقرب إليه من عثمان، وكتب أبو بكر عهده الأخير ~~وهو على سرير الموت وعثمان على جواره يملي عليه، فلما أفاق سأله: من كتبت؟ # قال: عمر. كتبها وهو يعلم أنه لا يعدو بها نية الخليفة المحتضر، فإن أفاق أتم عهده ~~كما أراد، وإن ذهب في تلك الغشية بطلت اللجاجة فيما أراد، وانسد باب الفتنة ~~والخلاف. # قال أبو بكر وهو على سرير الموت مستريح إلى وفاء صاحبه، مطمئن إلى أمانة كاتبه: «بارك ~~الله فيك! بأبي أنت وأمي، لو كتبت نفسك كنت لها أهلا.» # هذا هو أسلوب الصديق فيما يرتضيه لمجاملته وصدقه: كلمة حق توافق السامع ولا تخالف ~~الحقيقة في ضمير القائل، ومما لا شك فيه أن أبا بكر كان يرى في عثمان أنه أهل للخلافة، ~~وإن رأى عمر أحق بها منه. ~~••• # ثم صارت الخلافة إلى عمر، ولم يكن عنده قريب أو بعيد غير من يقربه عمل أو يبعده عمل، ~~ولم يكن للناس عنده أقدار غير أقدارهم عند الله وعند رسول الله، وكان يستمع إلى كل ~~ويعتمد على كل، ويستبقي كبار الصحابة جميعا عنده؛ ليستعين برأيهم ويجنبهم غواية ~~الدنيا إذا انطلقوا إليها، ms055 أو كما قال: إنه كان يخشى عليهم من الدنيا ويخشى على الدنيا ~~منهم، فبقي منهم من بقي على رضى وموافقة، وبقي الكثيرون منهم على تبرم وملل، فلم يرسل ~~أحدا منهم في البلاد إلا من أرسله في ولاية أو جهاد، ولم يكن يطيل الولاية لأحد منهم ~~وإن أحسن وأفضل؛ مخافة على الناس أن يفتتنوا بإحسانه وأفضاله، إن لم يخف عليه أن يفتنه ~~الناس. # وكان عثمان ممن بقي معه ولازمه غير مكره ولا راغب في الرحلة كما رغب فيها الذين لم ~~يرتحلوا ارتحاله قبل الإسلام، ولم يشتغلوا بالدين اشتغاله بعد الإسلام، فركن إليه عمر ~~في طلب المشورة، وعمل بمشورته في إحصاء الناس والأعطية، وفي بدء السنة بشهر المحرم، ~~وعمل بها في خطته الكبرى وهي خطة العزل بين الإمامة والقيادة في ميادين القتال، فإن ~~إصابة الإمام قد تطمع العدو وقد تيئس الصديق، وليست كذلك إصابة القائد الذي من ورائه ~~إمام يوليه ويولي أنداده وأمثاله من بعده، وهي نصيحة من عثمان لعمر ما أدلها على سرائر ~~المؤمنين في ذلك العهد الأمين: ينصح الناصح ولا يبتغي بنصيحته غير وجه الله، ويتقبلها ~~السامع وهو لا يبتغي بقبولها غير وجه الله. # شيء واحد من أشياء كثيرة يكشف لنا عن أصالة المشكلات والنقائض في عهد عثمان. # فها هنا فترة من التربية السياسية مرت به ومر بها ولم تهيأ لخليفة قبله ولا بعده، ~~فهي أطول من فترة التربية السياسية التي تهيأت لأبي بكر مع النبي، وأطول من الفترة التي ~~تهيأت لعمر مع النبي والخليفة الأول، ثم هي أطول من الفترات التي تهيأت للخليفة الرابع ~~علي الذي جاء بعده؛ لأن عليا رضي الله عنه أسلم وهو صبي، ومضت عليه سنوات قبل مشاركته ~~في أعمال الرأي أو أعمال الفعل والإنجاز، وقد كان إسلام عثمان وهو في نحو الثلاثين - ~~مشهود له بالحزم والبصر، ومتأهب من اللحظة الأولى للمشاركة في كل خطة يتعاون عليها - ~~أقرب المقربين من صاحب الدعوة، وبينه وبين صاحب الدعوة عليه السلام صهر ومودة وقرابة ~~ليست بالبعيدة. # وفي هذه الفترة ms056 التي تمرس فيها بشئون الدعوة وشئون الخلافة عرضت كل مشكلة وارتسمت كل ~~خطة في معاملة الصحابة وسائر المسلمين، وارتسمت كذلك كل خطة في معاملة المشركين ~~والمنافقين من مسالمين أو محاربين ومن أناس على المواربة بين السلم والقتال، واتضحت على ~~هذا النحو حدود الإمام وحدود أحوال الرعية ومواضع الترخص والتشدد في جميع هذه الحدود ~~على اختلاف أحوال اليسر والعسر أو أحوال التبسط والحرج، وكان خليقا به وهو مطلع على كل ~~قدوة وكل سابقة أن يكون اطلاعه هذا عدة جامعة يستعد بها لولاية الخلافة وتدبير ~~الولايات من قبلها، وصراطا يستقيم عليه فلا يعوزه الرأي الواضح ولا التصرف العاجل في ~~أمر من الأمور. # وهذه هي المشكلة الكبرى. # بل هذه هي مشكلة المشاكل في عهد عثمان من قبل ابتدائه إلى ما بعد نهايته. # المشكلة الكبرى كما سوف تتراءى لنا أنه لم يعمل في خلافته عملا قط على غير سابقة ~~تشبهه في كل شيء إلا في ظروفه وملابساته؛ فقد تغيرت كل الظروف والملابسات وهي هي بيت ~~القصيد في كل استعداد لها بالقدوة السابقة. # لقد كانت له سابقة في كل شأن من شئونه حتى في شئون زواجه ومصاهرته، وحتى في شئون ~~تمييزه وتأليفه لذويه ولأعدائه، ولكن مع هذا الفارق الواحد الذي هو في الحقيقة جامع لكل ~~فارق يخطر على البال، وهو فارق الظروف والملابسات. # كانت تربيته السياسية عدة له وأي عدة، وكانت مع هذا هي مشكلة المشكلات بين الاستعداد ~~بها والتصرف فيها وفاقا لما اختلف من ظروفها وملابساتها. # عدة ولا عدة. # وهذه هي إحدى النقائض الكبرى التي تأصلت في عهد هذا الخليفة الشهيد. # ونقيضة أخرى من نقائض عهده تعود إلى مزيته العظمى في إسلامه قبل عامة قومه. # فهذه المزية العظمى، ما معناها إذا نحن عبرنا عنها بعبارة أخرى لا تخرج عنها في ~~لبابها وقشورها؟ # معناها القريب البسيط أن قومه تأخروا في الإسلام، وأنه كان مسلما من صفوة المسلمين؛ ~~إذ كان قومه عامة على لدد الكفر وإسرار العداوة بينهم وبين النبي وصحبه الأبرار، وكان ~~منهم من يعوذون ms057 به وهم كافرون أو مرتدون؛ فيبدو ذلك نكيرا منفردا بين جلة الصحابة؛ ~~لأنه كان وحده منفردا بالمزية التي لم ينفردوا بها مثله، وهي سبقه إلى الإسلام بين ~~أسرة مصرة على المكابرة والعداء. # ولقد كان العربي يلوذ بالعربي وهما في المعسكرين المتناجزين، وكان عثمان مسلما يوم ~~أوفده النبي إلى مكة وتلقاه أهلها بالأذى فتصدى لنصرته بعض أبناء عمومته المشركين، ومضى ~~ذلك في حينه ولم يلتفت إليه ملتفت في ذلك الحين؛ لأنه لم يكن بدعا من عادات القوم قبل ~~الإسلام ولا بعده، وكان مشركو مكة يهابون المساس بصاحب الدعوة نفسه؛ لعلمهم أن عشيرته ~~تغضب له إذا جد الجد وأصابه المكروه في سبيل الدين. # فلما انتهى أمر الشرك، وانتهى عرفه وعاداته، وبقيت مفاخر الإسلام وسوابقه أصبحت ~~المزية العظمى نقيضة من جانبها الآخر، وبغير هذا الجانب الآخر لم تكن مزية على ~~الإطلاق. # يحضرنا في هذا الصدد مثل يستوحيه الذهن قسرا في موقعه من هذه السيرة، وهو مثل الرؤيا ~~التي فسرها المنجمون للملك تفسيرا قضى عليهم بالعقاب، ثم فسرها له غيرهم تفسيرا أغدق ~~عليهم النعمة والثواب، ولا فرق بين التفسيرين في المدلول. # قال له المنجمون أولا: إن الرؤيا مشئومة؛ لأنها تريهم أعزاءه يهلكون واحدا بعد ~~واحد، ثم لا يلبث الملك أن يهلك على آثارهم. # ثم قال له المنجمون آخرا: إنها لرؤيا سعيدة تبشره بالعمر الطويل، وإنه لأطول عمرا ~~من قومه أجمعين. # والتفسيران واحد في المدلول، ولكن الأول يسخط ويسوء، والثاني يرضي ويسر، ولا فارق ~~بينهما في غير التعبير. # وعثمان رضوان الله عليه كان أسبق قومه إلى الإسلام فهذه مزيته العظمى. # وكان كل أهله على الشرك ما عداه، وهنا تتغير الصفحة في النظر بعد ذهاب الشرك وأهله، ~~وما بدا في الصفحة الأولى إلا الذي بدا في الصفحة التالية: قريب من قريب. ~~••• # ليس من المألوف في أيام عثمان أن يكون الزواج مسألة من مسائل المجتمع، فإنما كانت ~~شئون الزواج تجري على وتيرة واحدة بحكم العادة، كأنها من شئون الزوج والزوجة التي لا ~~تعني أحدا غيرهما، ولكن زواج ms058 عثمان لم يجر على هذه الوتيرة سواء قبل الخلافة أو بعدها ~~... فكان زواجه على التعاقب من بنتين للنبي عليه السلام تاريخا في علاقات الزواج يكفي من ~~ندرته أنه عرف في كنيته على قول من أشهر الأقوال. # ولم يختلف بعد وفاة السيدة أم كلثوم عن سنة أمثاله في الزواج من عقيلات البيوت على ~~الأغلب إلى أن توفي عن زوجاته الثلاث: رملة وفاختة ونائلة، إلا أن زواجه من نائلة بنت ~~الفرافصة كان من قبيل الزواج الذي يقال فيه: إنه مسألة من مسائل المجتمع في حينه؛ فقد ~~كان زواج الصحابة من غير المسلمات خارج الحجاز أحد الطوارئ التي جدت في المجتمع ~~الإسلامي بعد فتوح العراق والشام ومصر، وكان لها أثرها البعيد في تطور البيت العربي ~~واختلاف أنماط المعيشة بين ذوي البيوتات من جلة الصحابة، وبعضها مما دخل على المعيشة ~~العربية بعادات للأمم الغريبة لم يتعودها العرب قبل مخالطتهم تلك الأمم مخالطة الصهر ~~والمعاشرة البيتية. # وتتعدد الروايات في الباعث إلى خطبة عثمان لنائلة بنت الفرافصة كما هو الغالب في ~~أخبار العصر كله، وأشهرها أنه سمع بزواج سعيد بن العاص والي الكوفة من أختها هند، ~~وتناقل ذوو قرباه الأحاديث عن كياستها وجمالها وحسن قيامها على أمور بيتها؛ فكتب إلى ~~سعيد يخطب أختها ولا يعرفها، وكان ضب بن الفرافصة قد أسلم، فأمره أبوه أن يزوجه أختها ~~نائلة، وكانت أديبة ذكية تنظم الشعر وتحسن القول، ولها في زواجها من عثمان أبيات مما ~~تغنى به ابن عائشة في بعض ألحانه، ومنها قولها تخاطب أخاها: # ألست ترى يا ضب بالله أنني # مصاحبة نحو المدينة أركبا # إذا قطعوا حزنا # 1 # تخب ركابهم # كما حركت ريح يراعا مقتبا # لقد كان في فتيان حصن بن ضمضم # لك الويل ما يغني الخباء المطنبا # 2 # ثم قولها تخاطب نفسها: # قضى الله حقا أن تموتي غريبة # بيثرب لا تلقين أما ولا أبا # وغادرت قومها في بادية الشام وحواضرها على كره منها إلى مسكنها الغريب، وسألها عثمان ~~حين رآها: «لعلك تكرهين ما ترين من شيبي؟» قالت: ms059 «والله يا أمير المؤمنين إني من نسوة ~~أحب أزواجهن إليهن الكهول.» قال عثمان: «أنا قد جزت الكهول، وأنا شيخ، ولن تجدي عندنا ~~إلا خيرا.» # على هذه النفرة بعد هذه الغربة توثقت المحبة بين الزوجين؛ حتى كرهت الزوجة الفتية بعد ~~مقتل عثمان أن تتزوج من أحد بعده كائنا ما كان قدره ونسبه، وتكاثر خطابها فأحبت أن ~~تصرفهم عنها وتصرف نفسها عنهم، فعمدت إلى حجر فهتمت به ثناياها، وردت معاوية بن أبي ~~سفيان حين خطبها قائلة لرسوله: «ماذا يرجوه من امرأة جذماء؟» # ونائلة هي التي كتبت إلى معاوية تصف مقتل زوجها، وقالت من خطابها الذي تواترت نسبته ~~إليها: «من نائلة بنت الفرافصة إلى معاوية بن أبي سفيان. أما بعد ... فإني أدعوكم إلى ~~الله الذي أنعم عليكم وعلمكم الإسلام وهداكم من الضلالة، وأنقذكم من الكفر ونصركم على ~~العدو وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة، وأنشدكم الله وأذكركم حقه وحق خليفته أن ~~تنصروه بعزم الله عليكم، فإنه قال: # وإن طائفتان من ~~المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما ~~على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر ~~الله ~~(الحجرات: 9) وإن أمير المؤمنين بغي عليه، ولو لم يكن لعثمان ~~عليكم إلا حق الولاية لحق على كل مسلم يرجو إمامته أن ينصره، فكيف وقد علمتم قدمه في ~~الإسلام وحسن بلائه وأنه أجاب داعي الله وصدق كتابه واتبع رسوله؟! والله أعلم به إذ ~~انتخبه فأعطاه شرف الدنيا وشرف الآخرة ...» # ثم استطردت تقص خبر مقتله، وتتهم المقصرين عن نجدته. فما كان صوابها بأدل على الوله ~~والحزن من خطئها فيما اتهمت، ومن تخبطها فيما زعمت، فإن خطبا أهون من خطبها الذي شهدته ~~بعيني رأسها ليذهل الحزين عن سداد رأيه كما قال حكيم المعرة فيما دون ذلك: # ربما أذهل الحزين جوى الحزن # إلى غير لائق بالسداد # مثلما فاتت الصلاة سليمان # فأنحى على رقاب الجياد # وقد كان لها عند عثمان مثل هذا الحب وهذه الحظوة، بل كان له من الثقة بنصحها ما لم ~~يكن له في مروان بن الحكم أقرب المقربين ... وكانا ms060 يتلاحيان كثيرا في محضره، وعيرها ~~مرة أباها «الذي لا يحسن الوضوء»، فقالت له تعرض بأبيه - وهو عم عثمان - «أما والله ~~لولا أنه عمه وأنه يناله غمه لأخبرتك عنه ما لم أكن أكذب عليه»؛ وغضب عثمان فتوعد مروان ~~لئن تعرض لها ليسودن وجهه، ثم قال له: «والله لهي أنصح لي منك ...» # إن خلق الرجل لا يقاس بمقياس أصدق من المرأة وأسبر منها لأغوار طبعه، وقد يعز على هذا ~~المقياس - مقياس المرأة - أن يسبر لنا أغوار عقله وأعماق بديهته، ولكنه لا يعز عليه أن ~~يفرق بين الرجل الذي يحب ويطاع ويهاب، والرجل الذي تنزل به الألفة منزلة الوهن والعجز ~~في نظر من يألفونه قبل من يعرفونه على البعد أو لا يعرفون منه إلا القليل. # وهذا مقياس صادق من هذا الزواج الغريب أو الطارئ على المجتمع الإسلامي بعد فتوح ~~العراق والشام وسائر الفتوح الأسيوية والإفريقية، وهو مقياس قيس به رجال من النابهين ~~على نحو واحد، فلم يكن بينهم من هو أرجح فيه من عثمان. # ولا سيما مقياس الشخصية الغالبة التي تؤثر فيمن يعاشرها، وتصبغه بصبغتها، كما تأثرت ~~السيدة نائلة بإيمان عثمان وتقواه وكرم نفسه؛ فنسيت نفرتها واختلاف عقيدتها وبيئتها ~~وتحنفت على سنة زوجها كما قال من وصفوها في حياته وبعد مقتله. # وفي ذلك العصر نفسه تزوج أناس من ولاة الدولة العربية بالعقائل والجواري في الحاضرة ~~والبادية، فكان منهم من تعود عاداتهن من الشراب على الطعام، وسوغه لنفسه باختلاف ~~المختلفين في الخمر وأنواعها، وكان أمر هؤلاء ومن شاكلهم يرفع إلى الفاروق قبل خلافة ~~عثمان؛ فيحسمه على دأبه بتأديب من عصى والتنكيل بمن أصر على استباحته الشراب ~~المحظور. # ومن لم يبلغ من ضعفه أن ينقاد هذا الانقياد لم يبلغ من شخصيته الغالبة على ذوي جواره ~~وعشرته أن يصبغهم ويحولهم إلى معيشة كمعيشته، وهذه ميسون بنت بحدل الكلبية من ~~قبيلة نائلة بنت الفرافصة قد تزوجت بمعاوية، وداره إلى جانب دارها، ومقامه في دمشق أقرب ~~على باديتها؛ فلم تلبث أن سئمت مقامها وعافت القصر الذي تسكنه زوجة ms061 لأمير المؤمنين ~~وأما للأمير بعده، ونظمت أبياتها التي جرت مجرى المثال على لسان كل زاهد في مقامه ~~حنينا إلى مآلف عيشه الأولى، وإن كانت دون ذلك المقام في الرغد والنعيم. # قالت ميسون تذكر القصر والبادية: # لبيت تخفق الأرواح فيه # أحب إلي من قصر منيف # ولبس عباءة وتقر عيني # أحب إلي من لبس الشفوف # وقالت تشير إلى زوجها: # وخرق # 3 # من بني عمي نحيف # أحب إلي من علج عليف # فما أبغى سوى وطني بديلا # فحسبي ذاك من وطن شريف # وذلك مع الفارق البعيد بين قصور الشام وبيوت الحجاز وبين سن معاوية وسن عثمان، وبين ~~ما ترجوه زوجة الخليفة بعد موته، وما ترجوه زوجة معاوية وأم يزيد وأم شقيقته «أمة رب ~~المشارق» وسيدة القصر تكاد أن تنفرد فيه وأن تغدو وتروح بين الحاضرة والبادية حين ~~تشاء. ~~••• # هذه لمحة من ملامح «الشخصية العثمانية» لا تهمل في مكانها من سيرته الخاصة، ولعلها ~~أهدى للمؤرخ من شيم كثيرة توضح له خلائقه التي يؤثر بها فيمن حوله، ولا شك أنها تزداد ~~وضوحا إذا اتضحت معها ملامح الشخصية التي تأثرت بهذا الأثر، وهي السيدة نائلة التي ~~جاءته نافرة تنعي غربتها وزواجها من غير بني عمومتها ولم تلبث أن تحنفت وأخلصت لبعلها ~~في وفائها واعتقاده. # فهذه شخصية قوية من بيئة عريقة في القوة والاعتزاز بالعرف والقوة، وقومها بنو كلب ~~إحدى القبائل التي هجرت موطنها قديما في الجزيرة العربية وحافظت على أرومتها وعصبيتها ~~وفصاحتها؛ فكانت إلى ما بعد الإسلام بعدة قرون مرجعا لمن يتقصى أساليب الفصحى أو يريد ~~أن ينشئ أبناءه على خشونة البادية وصحتها، ومهما نصعد مع أصولها في القدم نجد في ~~أخبارها - بل في أسمائها - لونا من ألوان هذه العصبية وهذه الخشونة وهذه العراقة ~~البدوية التي لا يسهل على أبنائها وبناتها أن يتخلقوا بخلق غيرها. # وتنسب هذه القبيلة على وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، ويقول ~~النسابون: «إن وبرة ولد له كلب وأسد ونمر وذئب وثعلب وفهد وضبع ودب وسيد وسرحان»، ثم ms062 ~~يزيدون على ذلك بعد الإسلام: «إن من أشراف كلب الفرافصة بن الأحوص بن عمرو بن ثعلبة، ~~وهو الذي تزوج عثمان بن عفان ابنته نائلة بنت الفرافصة، ومنهم زهير بن جناب بن هبل بن ~~عبد الله بن كنانة ، ومن أسلافهم في الإسلام دحية بن خليفة الكلبي وهو الذي كان جبريل ~~عليه السلام ينزل في صورته، ومنهم حسان بن مالك بن جذيمة ...» # ويؤخذ من بعض أخبار الكنيسة الشرقية أن رؤساءهم دانوا بالمسيحية؛ تلبية لدعوة الرسل ~~الأولين في بادية الشام قبل أن تدين بها الدولة البيزنطية، خلافا لما قد يظن من أنهم ~~دانوا مع الدولة القائمة في بلاد الروم. # وأيا كان مقطع القول في ذلك، فلا مراء في قوة هذه القبيلة وعراقتها واعتزازها بأصولها ~~واعتدادها بأنفتها وخشونتها كأنها ضرب من الإيمان أو آصرة من أواصر الأنساب، وقد عجزت ~~قصور الملك في دمشق أن تروض أم يزيد على البقاء مع بعلها في القصر المنيف؛ فلم يسع ~~معاوية إلا أن يرسلها وابنها إلى باديتها؛ عسى أن يستفيد من تلك النشأة منعة في الخلق ~~تواتيه يوم ينهض بأعباء الدولة التي أعدها له من صباه. # فإذا كانت خلائق عثمان هي التي حببت إلى زوجته من تلك العشيرة أن تفارق النشأة التي ~~عزت مفارقتها على أترابها؛ فلن يرد على الخاطر أنها خلائق رجل إمعة أو رجل هزيل يذهب به ~~من يذهب ويجيء به من يجيء، ولا بد لتردده وحيرته حين يقع منه التردد والحيرة أن يثاب ~~بهما إلى باعث يعمل عمله في طبائع الأقوياء وغير المستضعفين، ولا ينحصر عمله في النفوس ~~التي برئت من القوة وخلصت للضعف والهزال. # وقد ولدت له نائلة بنته مريم؛ فكان مما يخطر على البال أن هذه التسمية من إيحاء أمها ~~ومن بقايا حنينها إلى عقيدتها الأولى، ولكن اسم مريم كان من الأسماء المحببة إلى عثمان، ~~وقد سمى به بنته من أم عمرو بنت جندب، وهو أشبه أن يكون تحية للزوجة المخلصة من أي يكون ~~متابعة لها فيما لا تعاب المتابعة فيه. ~~••• # تزوج عثمان ms063 على التعاقب تسعا من النساء، ومات عن ثلاث منهن هن: نائلة وفاختة ورملة، ~~إذا صح أنه طلق أم البنين وهو محصور. # وقد ولد له تسعة من الذكور وسبع من الإناث، ولم يولد له من بنتي رسول الله رقية وأم ~~كلثوم غير عبد الله ابنه من رقية، عاش إلى السادسة ثم نقر عينه ديك فورم وجهه ومات، ~~وسائر أبنائه من زوجاته الأخريات لم يؤثر عنهم أمر ذو خطر في التاريخ، وهي حالة من ~~حالات السلالة الأموية لا نجزم بتعليلها على وجه واضح، فهم على خلاف بني هاشم الذين ~~بقيت فيهم بقايا النجابة والعزيمة على استمرار القتل في أصولهم وفروعهم، وإنما كان بنو ~~أمية في المشرق والمغرب يعقبون كأنما يأتي العقب منهم على قدر الضرورة، مع أنهم قد ~~اتخذوا الجواري إلى جانب زوجاتهم، وتزوجوا من قريباتهم وغير قريباتهم، فإذا تسلسل النسب ~~منهم جيلا أو جيلين لم يمض على سوائه في الجيل الثالث، أو يرزقون الولد ولا يرزقون فيه ~~النجابة والنبوغ؛ وربما كان للنسب الدخيل في أصولهم الجاهلية أثر في هذه الحالة ~~المتلاحقة، وأقرب من ذلك إلى التعليل المقبول أن أولئك الأصول في الجاهلية لم يتصونوا ~~في المخادنة والمعاشرة كما شاع عن بعضهم؛ فأصابهم من الآفات الجنسية ما كمن في أعقابهم ~~وتداركوه بالتبني تارة والاستلحاق تارة والتماسك بين ذوي القربى حيث لا موضع للتبني ~~والاستلحاق. # ونحن نومئ إلى هذه الملاحظة بسبيل الكلام على ذرية عثمان؛ لأنها ملاحظة شوهدت في ~~تاريخ الأصول الأموية وشوهدت في نسله وعشيرته، وشوهدت في أعمال خلافته، فلها محل فيما ~~خص أو عم من سيرته وتاريخه. # شئون المجتمع # منذ أسلم عثمان إلى أن تولى الخلافة تغير المجتمع العربي في نطاق واسع، وأصبحت الصبغة ~~الإسلامية نوعا من الصبغة العالمية يكاد أن يقرب بين أساليب المعيشة في جميع أمم ~~الحضارة الشرقية والغربية. # أسلم عثمان والدعوة الإسلامية محصورة في آحاد معدودين يلتمسون النجاة بعقائدهم ~~وأنفسهم وذويهم من مجتمع إلى مجتمع ومن بلد إلى بلد، وصاحب الإسلام في جهاده وفتوحه؛ ~~حتى عم الجزيرة العربية ms064 قبيل وفاة النبي عليه السلام، وأصبح بذلك دينا عربيا يجمع ~~بين قبائل العرب على اختلاف الأنساب والطبقات. # ثم صاحب الإسلام في جهاده وفتوحه أيام حروب الردة وفتوح العراق وما جاوره من أرض فارس ~~والروم، ثم صاحبه في جهاده وفتوحه؛ حتى أوشكت هذه الفتوح أن تحيط بالعالم المعمور يوم ~~تسلم زمامه من سلفه العظيم عمر بن الخطاب. # ولم تمض سنوات من خلافة عثمان؛ حتى أحاط العالم الإسلامي بالعالم المعمور كله إلا ما ~~كان منه في أقصى المشرق أو أقصى المغرب؛ فأصبحت الصبغة الإسلامية كما أسلفنا صبغة ~~عالمية تشمل: العربي، والفارسي، والرومي، والمصري، والبربري، وتسلكهم كلهم في دولة ~~واحدة لأول مرة في التاريخ. # وليس الذي طرأ على المجتمع العربي خاصة أنه عرف الترف ولم يكن يعرفه، أو عرف الثروة ~~وكان محروما منها، فإن الترف والوفر قديمان في الجزيرة العربية، وزيادة المقدار لا ~~تحسب من التغير الجوهري في المجتمع إن لم تكن مصحوبة بالتغير في نظرة الإنسان إلى ~~الحياة، وهذا الذي غير المجتمع العربي، وغير المجتمع الإسلامي، بعد اتساعه وامتداده إلى ~~أقصى مدى في خلافة عثمان. # إن الغني المترف من عرب الجاهلية لم يكن يخجل من ترفه، ولم يكن يحسب أنه يختلس به ~~شيئا ليس من حقه ويستمتع بشيء لا ينبغي لمروءته، بل كان يبذخ في ترفه ويفاخر نظراءه ~~ببذخه، ومن لم يدرك من الترف والبذخ حظا كحظه فهو متطلع له، حاسد عليه، ناظر إليه كما ~~ينظر إلى أمنية الحياة، إن فاتته فقد فاته من حياته خير ما يتمناه. # تغير هذا بعد الإسلام كل التغير، وأصبح الترف رذيلة مزدراة كائنا ما كان نصيب المترف ~~من الجاه والثراء، وأصبح الثراء نعمة دون النعمة الكبرى التي يتطلع إليها المسلم في ~~حياته الجديدة، فهو وسيلة دون غاية ومتاع في حاجة إلى تسويغ، ثم لا مسوغ للترف فيه بأية ~~حال. # وعلى هذا كبر مقدار الثروة التي ينعم بها أصحابها بعد أن تغير النظر إلى كثيرها ~~وقليلها ومسوغاتها ومحظوراتها، فربما بلغت ثروة الرجل الواحد في خلافة عثمان ما ms065 يعدل ~~ثروة السادة المترفين جميعا على آخر عهد الجاهلية، وما يحسب حتى في زماننا هذا غنى ~~مفرطا عند أغنى الأغنياء. # قيل في مصادر متعددة: إن عبد الرحمن بن عوف خلف ذهبا كان يقطع بالفئوس حتى تمجل ~~أيدي الرجال، وترك ألف بعير وثلاثة آلاف شاة ومائة فرس، وقسم ميراثه على ستة عشر سهما ~~فبلغ السهم ثمانين ألف درهم، وكان يزرع بالجرف على عشرين ناضحا ويتجر فيكسب من التجارة ~~مئات الألوف. # وكان كلما اجتمع له من الربح مدخر كثير فرقه على الغزاة وتصدق به على الفقراء. قال ~~ابن عباس: «مرض عبد الرحمن بن عوف فأوصى بثلث ماله، فصح فتصدق به، ثم قال: يا أصحاب ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # كل من كان من أهل بدر له على أربعمائة دينار، فقام عثمان وذهب مع ~~الناس، فقيل له: يا أبا عمر! ألست غنيا؟ قال: هذه وصلة من عبد الرحمن لا صدقة، وهو من ~~مال حلال؛ فتصدق عليهم في ذلك اليوم بمائة وخمسين ألف دينار.» # وكان كلما اجتمع له عدد من العبيد أعتقهم ووصى لهم بما يكفيهم. # ولما مات الزبير بن العوام طلب أبناؤه ميراثه، فأبى عبد الله أن يقسم بينهم حتى ينادي ~~بالموسم أربع سنين من كان له على الزبير دين فليأتنا فلنقضه؛ لأنه كان يؤتمن على ~~الودائع ممن يترددون على الحجاز للتجارة، فلما انقضت أربع سنين قسم بينهم ما بقي من ~~ماله خالصا فإذا هو خمسون ألف ألف ومائتا ألف. # وكان طلحة يغل بالعراق ما بين أربعمائة ألف إلى خمسمائة ألف، ويغل بالسراة عشرة ~~آلاف دينار، وكان لا يدع أحدا من بني تميم عائلا إلا كفاه مئونة عياله، ويزوج ~~أياماهم ويقضي دين غارمهم، وأخرج صاحب الصفوة فيما أخرج من أخباره أنه باع عثمان ~~أرضا بسبعمائة ألف حملها إليه، فلما جاء بها قال: إن رجلا تبيت هذه عنده في بيته لا ~~يدري ما يطرقه من أمر الله لغرير بالله ... فبات ورسله تختلف في سكك المدينة حتى أسحر وما ~~عنده منها درهم. # وعن سعدى ms066 بنت عوف امرأته أنها دخلت عليه يوما فرأته مغموما فسألته، ما شأنك؟ قال: ~~المال الذي عندي قد كثر وأكربني، قالت: وما عليك؟ اقسمه. فقسمه حتى ما بقي منه درهم، ~~وقال خازنه: كان المال الذي فرقه يومئذ أربعمائة ألف. # ونحن لا نشك في عظم هذه الثروات التي توافرت لهؤلاء النخبة من أجلاء الصحابة شيئا ~~فشيئا من أيام النبي عليه السلام إلى ما بعد قيام الدولة الأموية، ولا نجري على عادة ~~المحدثين الذين يتلقون أخبار العصور الماضية جملة واحدة بالشك أو بالنفي من غير بينة؛ ~~فإن الرفض المطلق كالتسليم المطلق كلاهما من الآليات التي تحكم حكمها بغير تصرف ولا ~~انتقاد، ومن الجائز أن الناقلين لم يتحروا الدقة في حساب الأرقام بالملايين والألوف ~~والمئات كما نحسبها اليوم، ولكن الذي نعتقده أن مقادير تلك الثروات أكبر وليست أقل مما ~~توحيه تلك الأرقام؛ لأنها اجتمعت من أربح التجارات في جميع العصور، وهي التجارة ~~المتبادلة بين الشرق والغرب من طريق العراق والشام والجزيرة العربية مجتمعات. ~~••• # لقد كان الملأ من قريش أغنياء مفرطين في الغنى أيام الجاهلية، وكان موردهم كله من ~~مواصلات الحجاز بين اليمن والشام، ولم يكن لهم فوق ذلك سلطان على بقعة وراء الحجاز، بل ~~كان سلطانهم في الحجاز نفسه عاجزا عن تأمين قوافلهم بغير المساومة بينهم وبين قبائل ~~الطريق. # فلما استقر الأمن في الجزيرة العربية وامتدت الفتوح إلى العراق والشام وفلسطين ومصر، ~~واطمأنت القوافل على هذه الطرق شرقا وغربا وإلى الشمال والجنوب، واتسعت مواصلات ~~التجارة العالمية في تلك البقاع لم يكن مورد في العالم قط أعظم ولا أربح من هذا المورد ~~الذي تهيأ لبيوت التجارة العريقة في قريش، ويكفي أن يسلم هذا المورد سنة في كل سنتين أو ~~ثلاث؛ ليغنم منه التاجر الكبير ألوف الألوف، ويأخذ من ربح سنة ما يعوض وقف التجارة ~~سنوات. # ومن المعلوم في العصور الحديثة أن شركة الهند الشرقية جمعت الملايين من أرباح تجارة ~~دون هذه التجارة في السعة والضمان؛ إذ كانت تؤدي الضرائب والإتاوات في البحر والبر. ولا ~~تملك ms067 خطوطا من المواصلات كتلك الخطوط التي تمهدت لأصحاب التجارات في الحجاز، أما أصحاب ~~هذه التجارات فلم تكن عليهم ضريبة مفروضة غير الزكاة ونفقات الحراسة، وكانت أرباحهم ~~معدنا خالصا أو عملة مقبولة في كل جهة من جهات العالم يومذاك، دون أن تتعرض لتقلب ~~المضاربات في الأسواق بين أقصى المشرق في الهند وأقصى المغرب على الشواطئ ~~الأطلسية. # فإذا قام على هذه التجارة العالمية عشرون بيتا أو ثلاثون بيتا من بيوت التجارة ~~العريقة في مكة والمدينة؛ فليس من المبالغة أن يقال عنها: إنها كانت تملك الملايين ~~وتعمل الفئوس في حطام الذهب والفضة، فربما كانت المبالغة هنا إلى القلة لا إلى التزيد ~~في التقدير. # ويهمنا أن نلتفت إلى مصدر الثروات من التجارة تصحيحا لوهم الواهمين أنها قد اجتمعت ~~كلها من غنائم القتال؛ فإن عطاء المقاتلين لم يكن يتفاوت هذا التفاوت في الأنصبة بين ~~أكبر عطاء وأصغر عطاء، ولم يكن في وسع طلحة ولا الزبير ولا عبد الرحمن بن عوف أن يجمعوا ~~من أنفال القتال ثروة تزيد على نصيب الأجناد بمثل ذلك الفارق الكبير. # وليس هذا كل ما يهم من تحقيق مصدر الثروة أو من الرجوع بأكثره إلى التجارة دون غنائم ~~القتال؛ إذ المهم في الواقع أن المجتمع الذي تدور ثروته على الأعمال التجارية غير ~~المجتمع الذي تدور ثروته على أعطية الجند من غنائم القتال دون سواها، فهما مجتمعان ~~متغايران في آداب المعاملة وفي موازين الأخلاق وفي النظر إلى متع الحياة، وإذا التقيا ~~معا في أقل من عمر الرجل الواحد فلا قرار ولا تفاهم بين موازين التجارة وموازين الجهاد ~~إلى حين. # قال محمد بن سيرين: «كثر المال في زمن عثمان فبيعت جارية بوزنها وفرس بمائة ألف درهم، ~~ونخلة بألف درهم.» # وهذا الذي كان يقال عنه في الزمن الماضي: إنه وفرة الخير ودرة الرزق. وهذا الذي نقول ~~عنه اليوم: إنه آفة «التضخم» في النقد مع فارق بعيد بين أحوال عصرنا وأحوال العصور ~~الماضية: ذلك هو الفارق بين عملة الورق وعملة الذهب والفضة، فإذا رخص الذهب والفضة ms068 كما ~~حدث في ذلك العصر؛ فقد رخص المال في جوهره ولم تكن ثمة غرابة في كتل الذهب التي تقسمها ~~فئوس العبيد، ولا حيلة في مثل تلك الحالة لمن يعيش على مورد محدود ولا يقتني من الذهب ~~والفضة ما يكفيه من الكفاف، وليست كذلك أزمة التضخم من عملة الورق وما جرى مجراها؛ إذ ~~يقل الشراء لقلة ما يشترى من المتاع المطلوب، وبعضها يطلب ولا يوجد عند طلبه في ~~الأسواق. # هذه الأزمة بلغت غايتها في خلافة عثمان، ولكنها بدأت بعد الهجرة إلى المدينة واستئناف ~~مسير القوافل إلى رحلتي الصيف والشتاء ببضع سنوات. # والإسلام لا يمنع التجارة ولا ينكر الثروة، ولكنه يمنع الترف وينكر كنز الذهب والفضة، ~~ويأمر بإنفاق المال في المنافع والمرافق، كما جاء في القرآن الكريم # كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم ~~(الحشر: 7) ويتقي ~~أشد التقية أن يترف أناس ويعدم أناس آخرون. ~~••• # ولم يصعب على المجتمع الإسلامي تدبير مشكلة الثروات الكبيرة في السنوات الأولى من ~~الدعوة، أو على الأصح أن الثروات الكبيرة لم تكن مشكلة من مشكلات المجتمع في تلك ~~السنوات، سواء من جانب الأغنياء أو جانب الفقراء، فإن أصحاب تلك الثروات كانوا يتعوذون ~~منها ويشفقون من فتنتها، ويسارعون إلى تفريقها على مستحقيها من الغزاة والمجاهدين وعلى ~~المحرومين والمعوزين، وكان تخصيص الغزاة بالصلات التي تأتيهم من فيض تلك الثروات ~~تشريفا لهم يتنافسون عليه ولا يأنفون منه، بل كان منهم من يأبى أن تفوته هبة يراد بها ~~أهل بدر أو غيرهم من أصحاب المغازي والسرايا، كأنه يرى في ذلك إنكارا لصفته وكرامته ~~وسابقته في جهاده، وقد تقدم أن عثمان ذهب مع الناس إلى عبد الرحمن بن عوف ليأخذ حصته من ~~العطاء الذي نذر تفريقه على البدريين، وموقف عثمان هنا خاصة - ونحن بصدد ترجمته - يصور ~~لنا شعور الغني والفقير يومئذ بشرف العطاء الذي يخص به البدريون ومن حذا حذوهم في ~~غزوات الجهاد، فقد كان عثمان رضي الله عنه يفرق أضعاف ما أخذه من عبد الرحمن بن عوف، ~~ولكنه أشفق أن يدخل البدريون ms069 في حساب ولا يكون هو مثلهم من الداخلين فيه، وبخاصة حين ~~عيره بعضهم أنه تخلف عن غزوة بدر، ودفع عنه هذا التعبير بما اعتذر به من إذن النبي له ~~بالتخلف ومن حسبان سهمه في الغنيمة وهو غائب ، فمثل هذا الشعور الذي يشمل الواصل ~~والموصول من الغزاة والمجاهدين لا يجعل الثروة الكبيرة مشكلة يضيق بها المجتمع بين ~~أغنيائه وفقرائه؛ إذ هي ودائع عند الأغنياء يحرصون على تفريقها ولا يحرصون على اكتنازها ~~واستبقائها، ثم هم لا حاجة لهم إلى اكتنازها واستبقائها؛ لأنهم كانوا يعافون الترف ~~ويعرضون عنه إعراضهم عن وصمات الخلق التي لا تجمل بالرجل في دينه ولا في دنياه، وكان ~~أحدهما يشكو الحكة فلا يسمح لنفسه بلبس الحرير وهو قادر عليه إلا أن يستأذن في ذلك رسول ~~الله؛ فيأذن له على سبيل الفتيا لا على سبيل التسلط من الرسول في لباس المسلم وطعامه، ~~فما كان هذا التسلط مما يفرض الرسول لنفسه أو يفرضه المسلمون للرسول في غير ما يتولاه ~~من التبليغ والتشريع، وقد كان الزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف ممن أذن لهم الرسول ~~بلبس قميص من الحرير في بعض الغزوات ضرورة لا ترفا ولا سرفا، والمقام غير مقام الترف ~~والسرف في شكة الجهاد. # وابتدأت الخلافة الأولى على عهد الصديق ومشكلة الثروات الكبيرة مكبوحة الجماح مملوكة ~~الزمام، ثم أحس الخليفة الأول بزمامها يضطرب في يديه بعد اتساع التجارة وامتداد الفتوح؛ ~~فاتخذ الحيطة لفتنتها واستبقى عنده كبار الصحابة ليجمع بين معونتهم له في الرأي والعمل، ~~وبين تجنيبهم الفتنة ومآزق الولاية، وكان يتذمر من ترخص بعض الصحابة في أمور تؤذن بما ~~بعدها، فقال لعبد الرحمن بن عوف وهو على سرير الموت: «ما لقيت منكم أيها المهاجرون أشد ~~من وجعي، إني وليت أمركم خيركم في نفسي، فكلكم ورم أنفه أن يكون له الأمر دونه، ورأيتم ~~الدنيا قد أقبلت ولما تقبل، وهي مقبلة حتى تتخذوا ستور الحرير ونضائد الديباج، وحتى ~~يألم أحكم بالاضطجاع على الصوف الأذربي - أي المنسوب إلى أذربيجان - كما يألم أحدكم إذا ms070 ~~نام على حسك السعدان.» # ثم قال يعظه ويحذره: «والذي نفسي بيده لأن يقدم أحدكم فتضرب عنقه خير له من أن يخوض ~~غمرات الدنيا، ثم أنتم غدا أول ضال بالناس يمينا وشمالا. ولا تضيعوهم عن الطريق. يا ~~هادي الطريق جرت!» # ولم يكن عمر بحاجة إلى التحذير من عواقب انطلاق الصحابة في الأقطار، بل ربما كان ~~يحذرها حيث لم يحذرها صاحبه، ولكن الصديق رضوان الله عليه لم ينس تحذيره في موقف ~~الأمانة، فقال له وهو يجود بنفسه: «واحذر هؤلاء النفر من أصحاب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # الذين انتفخت أجوافهم وطمحت أبصارهم، وأحب كل امرئ منهم لنفسه وإن منهم لحيرة عند زلة ~~واحد منهم، فإياك أن تكونه، واعلم أنهم لن يزالوا منك خائفين ما خفت الله ...» # كلمات لا ندري كيف نحيط بما فيها من فهم لكل شيء في إبانه وقبل موقعه: فهم لطبائع ~~الناس، وفهم للخطر كيف يأتي، ومن أين يبدأ، زلة واحد تتبعها حيرة من الكثيرين، وماذا ~~يصد ذلك الخطر من الزلة ومن الحيرة؟ تصده القدوة بولي الأمر، فلن يزالوا خائفين منه ما ~~خاف الله. # وهكذا قد كان. ~~••• # على أن المشكلة ظلت في قبضته الزمان على عهد عمر، بين قوة الخليفة وتورع الأجلاء من ~~الصحابة، وشواغل الجهاد والفتح قبل استفحال قضاياه ونقائضه، وما برح الصحابة الكبار ~~يتورعون من الشغلان بالثروة إلى ما بعد أيامه؛ فكان أقدرهم على التجارة وتثمير المال ~~عبد الرحمن بن عوف يخجل أن يراه أحد منصرفا إلى شئون متاجره ومزارعه، وحدث ابنه ~~إبراهيم عنه فقال: «إن رجلا زار المدينة ليلقى أصحاب رسول الله فلقيهم جميعا إلا عبد ~~الرحمن بن عوف، وسأل عنه فقيل له إنه في أرضه بالجرف، فلما جاءه ألفاه واضعا رداءه ~~وبيده مسحاة يحول بها الماء؛ فاستحى عبد الرحمن وأخذ رداءه وألقى المسحاة.» # قال إبراهيم: «فسلم الرجل ثم قال: جئتك لأمر ثم رأيت أعجب منه ... هل جاءكم إلا ما ~~جاءنا وهل علمتم إلا ما علمنا؟ قال عبد الرحمن: ما جاءنا إلا ما جاءكم وما علمنا ms071 إلا ما ~~علمتم، فقال الرجل: فما لنا نزهد في الدنيا وترغبون فيها ونخف إلى الجهاد وتتثاقلون ~~عنه، وأنتم خيارنا وسلفنا وأصحاب نبينا # صلى الله عليه وسلم ~~؟ فعاد عبد الرحمن يقول: إنه لم يأتنا ~~إلا ما جاءكم ولم نعلم إلا ما قد علمتم، ولكنا ابتلينا بالضراء فصبرنا، وابتلينا ~~بالسراء فلم نصبر.» # وقد دعا الأمر بعد قيام الفاروق بالخلافة إلى مضاعفة الحيطة في كل تدبير لجأ إليه ~~الصديق على اتفاق مع صاحبه؛ لاتقاء الفتنة ومصاحبة التغير الطارئ بالسياسة التي تلائمه، ~~وجعل يشتد في حيطته كلما تباعدت المسافة بين المجتمع الإسلامي في أوائل عهد الدعوة وبين ~~هذا المجتمع بعد افتتاح العراق وأقاليم فارس الغربية والشام ومصر إلى حدود إفريقية ~~الشمالية والسودان. # فمن سياسته في ذلك أنه ثابر على استبقاء كبار الصحابة إلى جواره في المدينة، وكان ~~منهم من يسأله الخروج للغزو وللجهاد فيثنيه عن ذلك ويلقي في روعه معذرته المشهورة: «إن ~~له في غزوه مع رسول الله ما يكفيه ويبلغه ... وهو خير له من الغزو اليوم»، ثم يقول له: ~~«خير لك ألا ترى الدنيا ولا تراك ...» # وانتهج في محاسبة الولاة خطة حاسمة لا هوادة فيها مع أحد ممن أحسن أو أساء، فراقبهم ~~جميعا أشد مراقبة، واتخذ موسم الحج موعدا لمراجعتهم وسماع أخبار الرعية عنهم، ومنهم ~~من كان يعزله ويستدعيه إليه لغير جريرة يؤخذ بها إلا أنه لا يريد - كما قال غير مرة - ~~أن يحمل فضل عقله على الناس، وأنه يخشى أن يفتتن الناس به إن لم يفتتن هو بالناس مع ~~فتنة السلطان وفتنة النجاح. # وحظر على المقاتلين أن يملكوا الأرض والعقار، وكان له - كما قلنا في عبقرية عمر - ~~نظام اقتصادي يوافق مصلحة الدولة في عهده، فكان يحض على التجارة ويوصي القرشيين ألا ~~يغلبهم أحد عليها؛ لأنها ثلث الملك، ولكنه أبقى الأرض لأبنائها في البلاد المفتوحة، ~~ونهى المسلمين أن يملكوها على أن يكون لكل منهم عطاؤه من بيت المال كعطاء الجند في ~~الجيش القائم، وإذا أسلم أحد الذميين أخذت منه أرضه ووزعت بين أهل ms072 بلده وفرض له العطاء، ~~وكان غرضه من ذلك أن تبقى لأهل البلاد موارد ثرواتهم، وأن يعتصم الجند الإسلامي من فتن ~~النزاع على الأرض والعقار، ومن فتن الدعة والاشتغال بالثراء والحطام، وربما أغضى عن ~~كثير في سبيل الإعانة على تعمير البلاد بأهلها؛ فصفح عن أهل السواد - العراق - ليأمنوا ~~البقاء فيه ... مع أنهم حنثوا بالعهد وعاونوا الفرس على المسلمين في أثناء القتال، ويلوح ~~من كلامه في أخريات أيامه أنه كان على نية النظر في تصحيح النظام الاقتصادي وعلاج مشكلة ~~الفقر والغنى على نحو غير الذي وجدها عليه فقال: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لأخذت ~~فضول أموال الأغنياء فقسمتها على الفقراء»، ولم يرد في كلامه تفصيل لهذه النية، ولكن ~~الذي نعلمه من آرائه في هذا الصدد كاف لاستخلاص ما كان ينويه، فعمر على حبه للمساواة ~~بين الناس كان يفرق أبدا بين المساواة في الآداب النفسية والمساواة في السنن ~~الاجتماعية، فكتب إلى أبي موسى الأشعري: # بلغني أنك تأذن للناس جما غفيرا، فإذا جاءك كتابي هذا فأذن لأهل الشرف ~~وأهل القرآن والتقوى والدين، فإذا أخذوا مجالسهم فأذن للعامة. # ولكنه لما رأى الخدم وقوفا لا يأكلون مع سادتهم في مكة؛ غضب وقال لسادتهم مؤنبا: ما ~~لقوم يستأثرون على خدامهم؟ ثم دعا بالخدام فأكلوا مع السادة في جفان واحدة. # فالمساواة في أدب النفس لم تكن عند عمر مما ينفي التفاضل بالدرجات، ولم يكن يرضيه ~~كذلك أن يعتمد الفقراء على الصدقات والعطايا ويعرضوا عن العمل واتخاذ المهنة؛ فكان يقول ~~لهم في خطبه: «يا معشر الفقراء ارفعوا رءوسكم! فقد وضح الطريق فاستبقوا الخيرات ولا ~~تكونوا عيالا على المسلمين.» وكان يوصى الفقراء والأغنياء معا أن يتعلموا المهنة، ~~فإنه يوشك أن يحتاج أحدهم إلى مهنة وإن كان من الأغنياء؛ فيسوغ لنا أن نفهم من هذا ~~جميعه معنى ما انتواه من أخذ فضول الغنى وتقسيمها في وجوه البر والصلاح ... على أن عمر ~~يصح أن يسمى مؤسسا لديوان الوقف الخيري على الوجه الذي نعهده الآن؛ فقد أنشأ بيت ~~الدقيق لإغاثة الفقراء الذين ms073 لا يجدون الطعام، وأصاب قبل خلافته أرضا بخيبر فاستشار ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # فيها، فاستحسن له أن يحبس أصلها ويتصدق بريعها، فجعلها عمر لا تباع ولا ~~توهب ولا تورث، وينفق منها على الفقراء والغزاة وغيرهم، ولا جناح على من وليها أن يأكل ~~بالمعروف ويطعم صديقا فقيرا منها. # وكان عمر يستقصي عادات المسلمين في معيشتهم حيث تفرقوا من بقاع الدولة الإسلامية، ~~فسأل من عنده من أجلاء الصحابة: أن الناس قد دنوا من الريف فما ترون في حد الخمر؟ ~~وكان ممن سألهم عبد الرحمن بن عوف، فقال: نرى أن نجعله كأخف الحدود؛ فجلد فيه ~~ثمانين. ~~••• # ثم انتهت خلافة عمر والمجتمع الإسلامي مجتمعان: أحدهما ماض ولما يمض بأجمعه، والآخر ~~مقبل ولما يقبل بأجمعه، وأوشك عمر على قوته أن يحار في تدبيره، وقال الشعبي كما تقدم: ~~إنه قضى وقد أوشكت قريش أن تمله لشدته ووقوفه لها بحيث وقف حائلا بينها وبين نزعاتها ~~ومطامحها في دنياها الجديدة، بين ماض ينصرم، وحاضر يتقلب ويكاد أن ينهزم، ولكن الثقة به ~~لم تضعف مع طوالع المجتمع الجديد؛ بل زادته هذه الطوالع المتقلبة تمكينا على تمكين، ~~وجعلت من يخالفه يخجل من مخالفته، لمكان تلك الثقة القوية ولاستطاعة النفوس أن تغلب محن ~~الحوادث ولا تستسلم لغوايتها. ولعلنا لا نجد لهذه المغالبة مثلا يبرزها كما يبرزها مثل ~~عبد الرحمن بن عوف الذي بلغ غاية النجاح في المجتمع الجديد، وكان قطبا من أعظم الأقطاب ~~في مجتمع الدعوة والخلافة الأولى، فإنه شهد بدرا والمشاهد كلها، وكتبت له حصة وافية من ~~أنفال الغزوات وغنائمها، وفاضت ثروته من التجارة والزراعة حتى فرقها بعد مرة، وعاش إلى ~~أيام عثمان وكان صاحب القول الفصل في اختياره للخلافة؛ لأنه ارتضى أن يخلع نفسه منها ~~ليكون له الرأي فيمن يختار من المرشحين لها، فهو بحق مثل نادر للمغالبة النفسية بين ما ~~استقبل واستدبر من حياته على عهد النبي صلوات الله عليه وعهد عمر وعهد عثمان، وقد كان - ~~كما أخرجه البخاري - يقول كلما رأى وفرة المال عنده: «خشينا أن ms074 تكون حسناتنا قد عجلت ~~لنا.» وكان يصوم ثم يؤتى له بالطعام فيقول: «قتل مصعب بن عمير وهو خير مني، فكفن في ~~بردة إن غطي رأسه بدت رجلاه، وإن غطيت رجلاه بدا رأسه، وقتل حمزة وهو خير مني فلم ~~يوجد له ما يكفن فيه إلا بردة، ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط وقد خشينا أن تكون ~~حسناتنا قد عجلت لنا.» # فهذه المغالبة لمحنة المجتمع الجديد، وتلك الثقة بالفاروق، وتلك القوة فيه، قد حفظت ~~زمام الدولة في قبضة وليها، ولم تذهب بالمخالفة له إلى مدى أبعد مما سماه الشعبي بالملل ~~وأحسن في وصفه، فلو لم تكن هناك ثقة مكينة لجاوز الأمر الملل إلى السخط والتمرد، وألفي ~~هنالك من يتمرد ليمضي مع الماضي ومن يتمرد ليقبل مع المستقبل، ولكنها حالة لم تدم ~~طويلا بعد خلافة الفاروق؛ إذ كان في الناس من يغضب باطلا ولا يخجل من غضبه بالباطل، ~~وكان منهم من يغضب حقا وليس هو على يقين أن ولاة الأمر أحق منه وأجدر بالفضل والطاعة، ~~وكان منهم من يحار بين الفريقين ولا يدري كيف يهتدي في حيرته إلى الصواب. # الفصل التاسع # | المبايعة # إذا لخصت سنة الصديق أو سنة الفاروق في تولية العهد بعدهما، كانت خلاصتها أنها إبراء ~~للذمة أمام الله؛ درءا للخلاف وحرصا على الوحدة الإسلامية. # ولا بد من استحضار هذه الحقيقة لمنع كل شبهة، وتأويل كل قصد، ودفع كل فرية عند تعليل ~~الطريقة التي اختارها كلاهما لتحقيق هذه البغية واختلفا فيها ظاهرا، ولا اختلاف بينهما ~~باطنا فيما قصدا إليه. # فلا تدبير هناك ولا احتيال لغاية يرميان إليها غير تلك المصلحة أو تلك الوحدة، ومن ظن أن ~~الصديق قد اختار عمر ليقصي عن الخلافة غيره، أو ظن أن عمر قد اختار جماعة الشورى ليرجح ~~الكفة في جانب واحد منهم على سواه؛ فهو ينكر عليهما الإسلام ولا ينكر عليهما حسن النية أو ~~حسن التدبير وحسب، فإن أحدا يؤمن بأنه محاسب على نيته وعمله إذ يودع الدنيا ويستقبل ~~الآخرة؛ لن يحتال ولن يدبر لهواه ms075 وهو يعلم أنه يغضب الله بما يفعل، ولو كان لأحدهما هوى في ~~أحد لاختار أبو بكر من بني تيم، واختار عمر من بني عدي أو بني الخطاب، وما كان ينبغي لهما ~~الهوى وهما في سطوة الدنيا وجاه الولاية، فكيف ينبغي لهما وهما مقبلان على الموت مؤمنان ~~بحساب لا شك فيه؟! # لم يكن هناك نظامان دستوريان كما وهم بعض المحدثين، الذين أرادوا أن يعينوا بلغة ~~الدساتير العصرية نظاما لتولية العهد في سابقة الصديق أو سابقة الفاروق، وإنما هما نظام ~~واحد يتبعه كلاهما في موضع صاحبه، فما نحسب أن أبا بكر كان مسميا أحدا بعينه لو كان في ~~موضع عمر، وما نحسب أن عمر كان محجما عن التسمية لو كان في موضع أبي بكر، وليس البحث ~~عندهما أي أولياء العهد أفضل وأحب إليهما، ولكنما البحث الذي يعنيهما ويشغلهما: أيهم أحب ~~إلى المسلمين وأقمن أن يجمعهم على بيعة واحدة وكلمة متفقة، ولا يعقل أن أحدا منهما كان ~~يعلم في طويته أن ثمة وسيلة غير الوسيلة التي اختارها لتحقيق الوحدة المنشودة ثم يعدل عنها؛ ~~ليأثم في حق ربه وحق دينه وحق رسوله وحق المسلمين كافة، تبرعا منه بالإثم حيث لا حاجة ولا ~~مصلحة ولا فرصة بعدها للندم والتوبة. # حضرت الوفاة أبا بكر، فسأل نفرا من نخبة الصحابة عمن يتولى أمور المسلمين بعده، فذكروا ~~عمر وأشار بعضهم إلى شدته، فقال لهم: إنه كان يشتد؛ لأنه يراني رقيقا فإذا وكل إليه الأمر ~~فلا خوف من شدته. وروى محمد بن سعد أن جماعة من الصحابة دخلوا عليه لما عزم على استخلاف ~~عمر، فقال له قائلون منهم: «ما أنت قائل لربك إذا سألك عن استخلافك عمر علينا وقد ترى ~~غلظته؟» فقال أبو بكر: «أجلسوني» ثم جلس فقال: «أبالله تخوفونني؟ خاب من تزود من أمركم ~~بظلم، أقول: لأنني قد استخلفت عليهم خير أهلك. أبلغوا عني ما قلت لكم من وراءكم.» # ثم اضطجع وجاء عثمان بن عفان، فجعل يملي عليه: «اكتب بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما عهد ~~أبو بكر ms076 في آخر عهده بالدنيا خارجا منها، وعند أول عهده بالآخرة داخلا فيها، حيث يؤمن ~~الكافر، ويوقن الفاجر، ويصدق الكاذب، إني استخلفت بعدي عمر بن الخطاب فاسمعوا وأطيعوا، فإني ~~لم آل الله ورسوله ودينه ونفسي وإياكم خيرا، فإن عدل فذاك الظن به وعلمي فيه، وإن بدل فلكل ~~امرئ ما اكتسب، والخير أردت ولا علم لي بالغيب، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، ~~والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.» # وكان يملي وتدركه غشية، فلما قال: «استخلفت بعدي» ولم يذكر اسما أتم عثمان وصيته باسم عمر ~~بن الخطاب. ثم أفاق أبو بكر فسأله: ماذا كتبت؟ فأعاد عليه العبارة كما زادها، فدعا له وبارك ~~عليه، وقال له: «هكذا الظن بك، لو كتبت اسمك لكنت لها أهلا.» # والقوم في معرض المحاسبة لأنفسهم أمام الأمانة العظمى لا يصطنعون زخارف المجاملات التي ~~يتلهى بها طلاب الظرف ورواد الأندية في زماننا هذا وقبل زماننا، فما كان عمر ليتنحى عن ~~الأمانة وقد اختير لها وهو يعلم أنه أقدر عليها؛ فإنه محاسب على إنكاره حقه كما يحاسب على ~~إنكار حق غيره إذا اجتمعت له صفة الولاية دونه. فكان يتولى الخلافة وهو يقول: «لو علمت أن ~~أحدا أقوى على هذا الأمر مني، لكان أن أقدم فتضرب عنقي، أحب إلي من أن أليه.» # ثم حضرته الوفاة فلم يعهد في بادئ الأمر لأحد، ونقل إليه حديث الناس إذ يقولون: «إنه غير ~~مستخلف، ولو كان له راعي إبل أو راعي غنم ثم ترك رعيته كان قد فرط في أمانته، فماذا يقول ~~لله عز وجل إذا لقيه ولم يستخلف على عباده؟» فأصابته كآبة ثم نكس رأسه طويلا، ثم رفعها ~~وقال: «إن الله تعالى حافظ الدين، وأي ذلك أفعل فقد سن لي، إن لم أستخلف فإن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # لم يستخلف وإن أستخلف فقد استخلف أبو بكر.» # وعاوده في هذا الحديث فجعل يسأل كأنما يسأل نفسه: «من أستخلف؟» وروى عمر بن ميمون الأودي ~~أنه قال بعد ذلك: لو كان أبو عبيدة حيا لاستخلفته، وقلت ms077 لربي إن سألني: سمعت نبيك يقول: ~~إنه أمين هذه الأمة، ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا استخلفته وقلت لربي إن سألني: سمعت ~~نبيك يقول: إن سالما شديد الحب لله تعالى.» فقال له المغيرة بن شعبة: «أدلك عليه؟ عبد الله ~~بن عمر.» فنهره قائلا: «قاتلك الله! والله ما أدرت الله بهذا. ويحك! كيف أستخلف رجلا عجز ~~عن طلاق امرأته؟! لا أرب لنا في أموركم، فما حمدتها فأرغب فيها لأحد من أهل بيتي، إن كان ~~خيرا فقد أصبنا منه، وإن كان شرا فقد صرف عنا. بحسب آل الخطاب أن يحاسب منهم رجل واحد ~~ويسأل عن أمر أمة محمد. أما لقد جهدت نفسي وحرمت أهلي، فإن نجوت كفافا لا وزر ولا أجر إني ~~لسعيد ...» # ثم قال: «انظر، فإن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني، وإن أترك فقد ترك من هو خير مني، ~~ولن يضيع الله دينه.» # وراجع نفسه وروجع في الاستخلاف مرة بعد مرة، فقال: «ما أردت أن أتحملها حيا وميتا. ~~عليكم هؤلاء الرهط الذين قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: إنهم من أهل الجنة، وهم: علي، وعثمان، ~~وعبد الرحمن، وسعد، والزبير، وطلحة؛ فليختاروا منهم رجلا، فإذا ولوا منهم واليا فأحسنوا ~~مؤازرته وأعينوه.» # ثم دعا بهم فحضروا إلا طلحة كان غائبا، فقال لهم: «إني نظرت فوجدتكم رؤساء الناس ~~وقادتهم، ولا يكون هذا الأمر إلا فيكم، وقد قبض رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وهو عنكم راض، وإني ~~لا أخاف الناس عليكم إن استقمتم، ولكني أخافكم فيما بينكم فيختلف الناس.» # ووضع رأسه وقد نزفه الدم، فتناجوا بينهم حتى ارتفعت أصواتهم، وقال عبد الله بن عمر: ~~«سبحان الله! إن أمير المؤمنين لم يمت بعد!» فسمعه فانتبه، وقال: «أعرضوا عن هذا، فإذا مت ~~فتشاوروا ثلاثة أيام، وليصل بالناس صهيب، ولا يأت اليوم الرابع إلا وعليكم أمير منكم، ويحضر ~~عبد الله بن عمر مشيرا ولا شيء له من الأمر، وطلحة شريككم في الأمر، فإن قدم في الأيام ~~الثلاثة فأحضروه أمركم، وإن مضت الأيام الثلاثة ms078 فامضوا.» # والتفت سائلا: «ومن لي بطلحة؟!» قال سعد بن أبي وقاص: «أنا لك به ولا يخالف إن شاء الله ~~تعالى.» # وقال لأبي طلحة الأنصاري: «يا أبا طلحة، إن الله طالما أعز بكم الإسلام؛ فاختر خمسين ~~رجلا من الأنصار، فاستحث هؤلاء الرهط حتى يختاروا رجلا منهم»، وقال لصهيب: «صل بالناس ~~ثلاثة أيام، وأدخل هؤلاء الرهط بيتا وقم على رءوسهم، فإن اجتمع خمسة وأبي واحد فاشدخ رأسه ~~بالسيف، وإن اتفق أربعة وأبي اثنان فاضرب رءوسهما، وإن رضي ثلاثة رجلا وثلاثة رجلا فحكموا ~~عبد الله بن عمر، فإن لم يرضوا بحكم عبد الله بن عمر، فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن ~~عوف، واقتلوا الباقين إن رغبوا عما اجتمع فيه الناس.» ~~••• # على هذا الوجه أبرأ عمر ذمته من قضية الاستخلاف. # وعلى هذا الوجه نرى عقل رجل من أولئك الرجال الأفذاذ يعمل في تفصيلات هذه القضية التي ~~واجهته بجميع عقدها ومخاطرها لأول مرة في حياته، وهو يفارق تلك الحياة: يقلبها على جميع ~~الوجوه، ويفرض لها جميع النتائج، ويطرق أبوابها فيفتح منها ما ينبغي أن يفتح، ويغلق منها ما ~~ينبغي أن يغلق، ويلاقي من جانب ما يخشاه من جانب، ويختار الرجال ثم يختار الخطط على كل ~~احتمال من إحسان أو إساءة ومن وفاق أو شقاق، ويفعل ذلك في غمرات الموت بين صرعات الألم من ~~جراحه القاتلة، ويعالج به أمرا لم يعالج من قبل على هذا المثال أو على مثال غيره، وكأنما ~~هو من خبراء الاختصاص في دساتير الحكم، درسها وتلقى دروسها من أساتذتها الذين سبقوه إلى ~~تقريرها وتدوين وقائعها ومواقعها، وجلس ليوازن ويقابل، ويطابق ويوافق، ومن حوله الأعوان ~~يلبون ما يطلب ويستدركون ما يفوت، وينتهون في سعة من الوقت إلى قرارهم وهم وادعون آمنون أن ~~يصيبهم مكروه من مغبة ما قرروه. # ولو كان تفكيره لعذر يتكلم به أو لحجة يسكن إليها لقد كان حسبه أن يبرئ ذمته بالطمأنينة ~~إلى الدين في حراسة الله، أو كان حسبه أن يبرئ ذمته بما جرى عليه الأمر في عهد ms079 رسول الله، ~~ولكنه لا يلتمس عذرا يقال وحسب، أو حجة تقنع وكفى، بل يسأل نفسه ويحاسبها على اختلاف ~~الأمور بين عهد وعهد، وتباين الأعذار من حال إلى حال؛ فلا يدع من جوانب القضية شبهة يوردها ~~من يحاسبه إلا أوردها لنفسه، كأنما هو حامل الميزان. # فمن سأل عن معجزات العقائد في كواكب السماء أو أطواد الأرض؛ فهذه معجزة المعجزات التي ~~تأتي بها العقيدة في نفس الإنسان: تخرجه من جوف الصحراء كفؤا لأعضل المعضلات بخلقه، وكفؤا ~~لها بعقله، وكفؤا لها بعمله، ونمطا من الشعور بالتبعات لا يجارى، ونمطا من القدرة على ~~النهوض بها يطول الزمن بأبناء الحضارات قبل أن يبلغوه وقبل أن يعرفوه. # ومن آيات بعد النظر في سبر أغوار الرجل أنه جعل للترجيح بين أصحاب الشورى رجلين: هما عبد ~~الله بن عمر، وعبد الرحمن بن عوف، فأما عبد الله بن عمر فهو الذي نحاه عن المشاركة في ~~الخلافة، وأعده للترجيح بين المختلفين وليس له من الأمر شيء، وأما عبد الرحمن بن عوف فلم ~~يلبث أن نحى نفسه ليقبل حكمه؛ فكان بحق أصلح المتشاورين لترجيح إحدى الكفتين. # ومن آيات بعد النظر في الاختيار وسبر الأغوار أنه أقام أبا طلحة الأنصاري على رأس خمسين ~~ممن يختارهم لقمع الفتنة في مهدها إذا اختلف المتشاورون؛ فكان أبو طلحة عند ظنه حزما ~~وتقية قال للقوم وقد تنازعوا الرأي: «لقد حسبتكم تتدافعونها ولا تتنافسونها»، ثم أقسم ~~لا يمهلهم لحظة بعد الأيام الثلاثة، ثم هو صانع بهم ما أمر به أمير المؤمنين. # ومن آيات بعد النظر في الاختيار أنه اختار صهيبا للصلاة بالناس، فهو الإمام الذي لا تخشى ~~له دعوة من تقديمه للصلاة، ولا يأبى الناس أن يأتموا به وقد أمهم قبل ذاك. # ومن آيات بعد النظر في الاختيار وسبر الأغوار أنه اختار طلحة مع الستة وهو غائب من ~~المدينة، أوما كان في الخمسة المقيمين بالمدينة غنى وكفاية؟ أوما كان لطلحة بديل من سائر ~~الصحابة المقيمين؟ جواب ذلك عند التاريخ في نهاية عهد عثمان، وعند التاريخ في بداية ms080 عهد ~~علي، وعند عمر قبل ذلك باثنتي عشرة سنة. # وآية الآيات دستوره في اختيار الستة دون سائر الصحابة من الأنصار والمهاجرين. # أتراه اختارهم جزافا كما شاء؟! ذلك دستور لا يلزم الناس جميعا ولا حجة له عليهم فيه إذا ~~سألوه عن فضل المختارين على غير المختارين؟ # أتراه اختارهم من قبائل قريش؛ ليكون كل منهم نائبا عن قبيلة منها أو متكلما باسم بيت من ~~بيوتات الرئاسة فيها؟! تلك هي العصبية يحييها في أسوأ أوان لإحيائها، حيث تراد الوحدة ~~والغيرة على العقيدة، ولا تراد العصبيات الجاهلية أو لا يراد الاعتراف بها إذا تيقظت على ~~غير إرادة. # أتراه اختارهم من البدريين وذوي السوابق في الجهاد؟ لقد كان من هؤلاء عند وفاة عمر نفر ~~غير قليل. لو جمعهم كلهم لكثروا، ولو فاضل بينهم؛ لما وضحت لهم أسباب المفاضلة، ومنهم من هو ~~ذو فضل وليس بذي رئاسة تتبع، ومنهم من ذوي الفضل والرئاسة من لو اجتمعوا لاختل ميزان ~~الترجيح وبطل معنى الاختيار. # فلا بد من اختيار ولا بد من دستور يثاب إليه في الاختيار، وكان الدستور الذي ثاب إليه عمر ~~- حيث يعجل المرء عن الروية - غاية في الروية والدقة في الموازنة بين جميع الوجوه. # كان دستوره أن أصحاب الشورى هم الذين ذكروا بأسمائهم في خطبة النبي عليه السلام بعد حجة ~~الوداع، وهم الذين يتفق الناس على من يقع عليه الاختيار منهم؛ فتكون له حجته على أصحاب ~~الشورى وتكون لهم حجتهم عليه. # وعمر يعلم أن طلحة كان يطمح إلى استخلافه بعد أبي بكر، وكلاهما من عشيرة واحدة وهي قبيلة ~~تيم، فقال له أبو بكر: «أما والله لو وليتك لجعلت أنفك في قفاك، ورفعت نفسك فوق قدرها؛ حتى ~~يكون الله هو الذي يضعها ...» # وما كانت تخفي على عمر فضيلة في واحد من الستة ولا نقيصة، وما كان يغمط لهم فضلا ولا ~~يغضي على نقص، وأولهم عبد الرحمن بن عوف الذي أقامه بينهم مقام الحكم الذي يرجح بين ~~العدلين، فقال له: إن إيمانه يرجح بنصف إيمان الأمة، وقال عنه ms081 لابن عمر: نعم المرء ... ذكرت ~~رجلا صالحا إلا أنه ضعيف، وهذا الأمر لا يصلح له إلا الشديد من غير عنف، اللين من غير ~~ضعف، الجواد من غير سرف، الممسك من غير بخل. # ورأيه في الزبير أنه مؤمن الرضا كافر الغضب، وقد صارحه برأيه فيه فقال له: «لعلها لو أفضت ~~إليك ظللت يومك تلاطم بالبطحاء على مد من شعير ...» # ورأيه في سعد أنه أهل لها ... فإن تولوه فهو أهل، وإلا فليستعن به الوالي فإني لم أعزله عن ~~ضعف ولا خيانة، وكان يقول: «إذا روى سعد حديثا فلا تسألوا عنه غيره لصدقه وأمانته.» # وكان يظن مع هذا أنه لا يليها «إلا أحد هذين الرجلين: علي وعثمان، فإن ولي عثمان فرجل ~~فيه لين، وإن ولي علي ففيه دعابة وأحرى به أن يحملهم على الحق.» # وقال لعثمان: «كأني بك قد قلدتك قريش هذا الأمر لحبها إياك؛ فحملت بني معيط على رقاب ~~الناس، وآثرتهم بالفيء.» وقال لعلي مثل ذلك عن بني هاشم ولم يذكر الفيء، وإذا صح ما جاء ~~في إحدى الروايات # 1 # أنه قال لعثمان بعد مقالته الأولى: «فسارت إليك عصابة من ذؤبان العرب فذبحوك ~~على فراشك ذبحا»، فإنها لمن نبوءاته التي جعلته من المحدثين، أي من الذين يتحدث إليهم ~~بلسان الغيب، كما قال عنه النبي عليه السلام. # ولا خوف عليهم من الناس إذا اتفقوا كما قال لهم حين دعاهم للمشاورة وانتخاب واحد منهم ~~للخلافة، فليس أسلم عاقبة ولا أصدق حجة من اتفاقهم على إسناد الخلافة إلى أحدهم، فإن اتفق ~~أكثرهم فأبو طلحة مأمور بحسم الفتنة قبل أن تنجم والقضاء على المخالفة قبل أن يبرح مجلس ~~الشورى، فإن لج الخلاف مع هذا وبعد هذا فلا حيلة فيه. # وقد روى الثقات حديث النبي عليه السلام حين عاد من حجة الوداع قبيل وفاته، فقال: «أيها ~~الناس إن أبا بكر لم يسؤني قط فاعرفوا له ذلك، يا أيها الناس إني راض عن: عمر، وعلي، ~~وعثمان، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وسعد بن مالك، وعبد الرحمن ms082 بن عوف، ~~والمهاجرين الأولين، فاعرفوا لهم ذلك ...» # فحسب عمر أن يرتضي للمشاورة في أمر الخلافة من رضي النبي عليه السلام عنهم قبيل وفاته، ~~وحسبه مع هذا أن يكون هؤلاء النفر الكرام المرضي عنهم هم ملتقى الآراء بين خاصة المسلمين ~~وعامتهم، فلا يسمون خليفة إلا كان واحدا من هؤلاء، ولا يحاول أحد في ذلك العصر أو في عصرنا ~~هذا أن يزيد عليهم علما من أعلام الإسلام يومئذ إلا اعترضه مانع أو كان مستنده إلى سبب غير ~~جامع، فقد كان العباس بن عبد المطلب حيا في ذلك الحين فلم يدخل في أصحاب الشورى، وقال ابن ~~جرير الطبري في تعليل ذلك: «أنه - أي عمر - إنما جعلها في أهل السبق من البدريين والعباس لم ~~يكن مهاجرا ولا سابقا ولا بدريا ...» # ولكن الواقع أن العباس لم يذكر في خطبة الوداع، ولم يكن من المرشحين للخلافة مع وجود علي، ~~وهو نفسه قد تقدم لمبايعة علي ثم أشار عليه ألا يدخل في جماعة الشورى فليس في استثنائه تعسف ~~من عمر، وإنما التعسف أن يختاره لسبب ولا يختار معه كل من يشاركونه في هذا السبب، وذلك هو ~~الاستثناء الذي لا يغني شيئا ولا يطاع بسند شامل براء من التحكم والجزاف. ~~••• # ولقد علمنا فيما علمناه وألممنا به آنفا من آراء المعقبين على خطة الصديق وخطة الفاروق، ~~أن بعضهم ود لو كان الفاروق قد نهج على منهاج سلفه في اختيار خلفه، وأنهم عابوا عليه أن يكل ~~إلى الستة أن يتشاوروا في انتخاب واحد منهم؛ لأنهم تولوا هذه المهمة فداخل كلا منهم ~~الأمل في الخلافة والإيمان بصلاحه لولايتها، فانفتح بينهم باب التنافس وتطرقت إليهم نوازع ~~الشقاق في هذا الباب. # ومعاوية بن أبي سفيان كان على رأس القائلين بهذا الرأي وهو نفسه حجة على نقيضه؛ لأنه قد ~~اشرأب إلى الخلافة وتصدى للمبايعة بها، وليس هو من الستة ولا من كان يطمع في إسنادها إليه ~~بوصية من الفاروق لو اختار الفاروق أن يعهد بعده لخليفة يسميه باسمه، وقد نادى معاوية ~~بولاية العهد لابنه ms083 يزيد وبويع عليها طوعا أو كرها لم يحسم بذلك خلافا بين المسلمين عامة ~~ولا بين بني أمية أو أبناء بيت أبي سفيان. # وما نحسب أن عمر كان يؤمن بترجيح واحد من الستة على الآخرين وإجماع المسلمين على مثل رأيه ~~فيه، وأنه قادر على رد المخالفين له إلى الإجماع إن كان من الناس من يخالفه قبل المبايعة، ~~وليس البحث في هذا المقام عن فضل العلم أو فضل البأس والفروسية، فربما قل الخلاف على صاحب ~~الفضل فيهما بين أصحاب الشورى ورؤساء المهاجرين والأنصار كافة، وإنما البحث فيمن يجمع الناس ~~إلى حكمه وفضله، وهو بحث لازم لا غنى عن المشاورة يومئذ فيه، ولو استغنى عنه أحد لاستغنى ~~عنه عمر ولم يبال إن كان يحكم برأيه في ولاية العهد على يقين. # ولا ريب أنه حصر المرشحين بعده للخلافة؛ فأحسن حصرهم ولم يدع واحدا منهم خارجا من ~~زمرتهم، فهم مرشحون لها عند أنفسهم وعند أنصارهم قبل أن يندبهم للمشاورة فيها، فإن صارت إلى ~~واحد منهم باتفاقهم كان هذا ألزم لهم وأوجب؛ لتحرجهم من الخروج على من ولي الأمر ~~باختيارهم، وكان أوجب لتحرجهم كذلك من الخروج على مشيئة عمر التي أملاها ورتب لها ~~نتائجها. # كان ولي الأمر في ذلك المجتمع الوليد كفؤا لأمانة الخلافة إلى النفس الأخير من أنفاس ~~حياته المباركة؛ فأوصى وصيته المحكمة التي نظر فيها نظرته الشاملة، ولم يدع فيها بقية لنظرة ~~ثانية، ولكن الوصايا مهما يبلغ من إحكامها وإلزامها لا تنفذ بغير منفذين يقدرون على تنفيذها ~~ويصدقون النية فيه، فلو لم يكن أصحاب الشورى وقائد الجند وإمام الصلاة في الأيام الثلاثة ~~أهلا لأمانتهم؛ لما أغناهم حزم الخليفة الراحل شيئا في تلك المهمة المعجلة التي يوشك أن ~~يفسدها كل خطأ في القيام عليها وكل تأخير عن موعدها، وقد أدى الخليفة واجبه وبقي واجب ~~المنفذين الذين ائتمنهم على الأمة بعد حياته، فمن حقهم على التاريخ أن يسجل لهم أداءهم ~~لواجبهم وتصريفهم لأمانتهم على أتم الوجوه الميسرة لهم في تلك المهمة المحرجة ... وفي زمرتهم ~~قبل غيرها ms084 بعض محرجاتها، بل أعضل محرجاتها. # تنافسوا بينهم ولا جرم أقل من منصب الخلافة في الدنيا والدين يتنافس عليه المتنافسون، ومن ~~المروءة أن يستشرف المرء إلى مقام الفاضل ويأبى لدينه ودنياه مقام المفضول، فإن لم يكن ~~تنافسهم على مكانة عالية فهو تنافس يربئون به عن مظنة التخلف والقصور. # ثم ألهم أحدهم أول حل للمشكل تتبعه لا محالة سائر الحلول: واحد ينزع نفسه منها باختياره ~~وينوب عن سائرهم في التوفيق بين المختلفين. # سبقهم إلى هذا الحل عبد الرحمن بن عوف، ولم يسبقهم إليه نزولا بقدره عن أقدارهم، بل ~~نزولا به عن قدر الصديق والفاروق، فقد علم أن الرضى عن خليفة بعد هذين مطمع بعيد، ولم يشأ ~~أن ينزل بنفسه منزلا لا يرضى له ولا يرتضيه. # ولم يخطر له أن يخلع نفسه بادئ ذي بدء قبل أن يرى منهم من عساه يصنع مثل صنيعه، فإن كان ~~منهم من يخلع نفسه على أن يختار غيره فقد ضاقت بينهم شقة الخلاف، وإن لم يكن؛ فلينظر بعد ~~ذلك فيما يلي خطوته الأولى من خطوات. # قال: «أيكم يخرج منها نفسه ويتقلدها على أن يوليها أفضلكم؟» فلم يجبه أحد فقال: «فأنا ~~أنخلع منها»، ثم تقدم إلى الخطوة التالية فلم يخطئها، ووصل منها إلى حصر الخلافة في واحد من ~~اثنين: علي وعثمان. # لقي كلا منهما فأراه أنه يعلم حجته ودعواه، قال لعلي: «تقول يا أبا الحسن إني أحق من ~~حضر بهذا الأمر لقرابتك وسابقتك وحسن أثرك في الدين، ولم تبعد في نفسك، ولكن أرأيت لو صرف ~~هذا الأمر عنك فلم تحضر، من كنت ترى من هؤلاء الرهط أحق به؟» قال: «عثمان». # ولقي عثمان فقال: «إنك تقول: شيخ من بني عبد مناف، وصهر رسول الله وابن عمته، ولي سابقة ~~وفضل، فأين يصرف هذا الأمر عني؟! لكن لو لم تحضر، فأي هؤلاء الرهط تراه أحق؟» فقال: ~~«علي»! # وتختلف الروايات فيمن اختاره الزبير وسعد، ولكن الراجح منها أنهما ذكرا عثمان بشرط ولم ~~يقطعا برأي في إيثار علي عليه. # فلما انحصر الترجيح بين ms085 عثمان وعلي؛ خرج يسأل من يلقاه من غير أصحاب الشورى؛ فيذكر له ~~بعضهم عثمان وبعضهم عليا، ويزيد المختارون لعثمان على المختارين لعلي، وهو أمر لا غرابة ~~فيه مع المعهود من طبائع الناس، وأنهم لا يجنحون إلى العظمة النابغة جنوحهم إلى الطيبة ~~والسلامة، ولا ينفسون على الشيوخ ما ينفسونه على الفتيان والكهول. # كل أولئك وأبو طلحة الأنصاري رئيس الجند ينذرهم ويقسم لهم «بالذي ذهب بنفس عمر» لا ~~يزيدنهم على الأيام الثلاثة، ثم يجلس في بيته فينظر ماذا يصنعون، وينفذ الأمر فيمن خالف ~~وأصر على الخلاف. ~~••• # ولئن كان عمر موفقا في اختيار كل لعمله لقد كان اختياره لأبي طلحة أوفق ما في هذا ~~التوفيق. إنه الرجل الذي آخى النبي عليه السلام بينه وبين أبي عبيدة بن الجراح أولى الناس ~~في رأي عمر بالخلافة لو عاش، وهو البطل الذي ثبت في وقعة أحد يوم انهزم أشجع الشجعان، ولزم ~~النبي في ذلك اليوم المشهود يقف بينه وبين السهام والسيوف، ويتطاول بصدره ليدفع عنه ضربات ~~المشركين الذين عرفوه وتعمدوه؛ ليصيبوا الدعوة في مقتلها إذا أصابوه، وشهد أبو طلحة وقعة ~~حنين فبارز عشرين خصما وصرعهم وصاح صيحته التي كان عليه السلام يقول: «إنها في الجيش خير ~~من مائة رجل»، ولم يكن يبالي الموت وهو في سعة من دنياه، ولم يعرف غير الجد فيما يعمل أو ~~يقول. # وقد أوفى بأمانته في أيام الشورى، فلم يدعهم حتى فرغوا من عملهم في صبيحة اليوم الثالث، ~~وكان فيه فصل الخطاب. # في تلك الليلة أتى عبد الرحمن بن عوف منزل المسور بن مخرمة، فأيقظه وأرسله يدعو الزبير ~~وسعدا، ثم بدأ بالزبير فقال له: «خل بني عبد مناف وهذا الأمر» قال الزبير: «نصيي لعلي»، ثم ~~قال لسعد: «اجعل نصيبك لي فنحن كلالة» أي: أبناء عم من بعيد، وكلاهما من بني زهرة. فقال ~~سعد: «إن اخترت نفسك فنعم، وإن اخترت عثمان فعلي أحب لي.» ثم قال: «أيها الرجل بايع لنفسك ~~وأرحنا وارفع رءوسنا»؛ فاعتذر عبد الرحمن لأنه خلع نفسه منها، وأعاد عليه مقالته: ms086 أنه لا ~~يقوم مقام أبي بكر وعمر أحد بعدهما ويرضى الناس عنه. # ثم كان علي وعثمان آخر من دعاهم في تلك الليلة: دعا عليا فناجاه طويلا، ثم دعا عثمان ~~فناجاه إلى صلاة الصبح، ويظن أنه سأل كلا منهما عما ينويه إذا ولي الخلافة، وعن وصية عمر ~~بعمال الولايات أن يتركوا في ولاياتهم عاما بعد وفاته، ثم يصنع الخليفة ما بدا له من إقرار ~~أو عزل على حسب أحوالهم وأحوال ولاياتهم، وأنه سأل كلا منهما عن سياسته عامة وخاصة في ~~شئون: الأفياء والأرزاق والأجناد والسرايا والمغازي وسائر ما يتولاه من أمور الخلافة، ولا ~~يقطع أحد بما دار بين عبد الرحمن وبين كل من علي وعثمان على حدة، وأغلب الظن أن الذين ~~ذكروا شيئا من هذا إنما ذكروه مستنبطين، ولم يذكروه نقلا عن عبد الرحمن أو عن علي ~~وعثمان. قال عبد الله بن عمر: من أخبرك أنه يعلم ما كلم به عبد الرحمن بن عوف عليا ~~وعثمان، فقد قال بغير علم. # وحانت صلاة الصبح فصلوا في المسجد، وجمع عبد الرحمن رهط الشورى، وبعث إلى من كان بالمدينة ~~من أهل السابقة والفضل من الأنصار وأمراء الأجناد فاجتمعوا حتى التج المسجد بأهله، وقام عبد ~~الرحمن فقال: «أيها الناس، إن أهل الأمصار قد أحبوا أن يلحقوا بأمصارهم وقد علموا من ~~أميرهم»؛ فصاح به سعيد بن زيد أحد ذوي السابقة الأولى في الجهاد: «إنا نراك أهلا لها.» قال ~~عبد الرحمن: «أشيروا علي بغير هذا.» قال عمار بن ياسر: «إن أردت ألا يختلف المسلمون ~~فبايع عليا.» وقال المقداد بن الأسود: «صدق عمار. إن بايعت عليا، قلنا: سمعنا وأطعنا.» ~~وإذا بعبد الله بن أبي السرح يناديه: «تبايع عثمان فلا تختلف قريش.» ويثني عبد الله بن أبي ~~ربيعة فيقول: «صدق، إن بايعت عثمان قلنا: سمعنا وأطعنا.» فتنابز عمار وابن أبي السرح، ~~واختلط القول بين بني هاشم وبني أمية، فعاد عمار يقول: «أيها الناس، إن الله عز وجل أكرمنا ~~بنبيه وأعزنا بدينه، فأنى تصرفون هذا الأمر عن أهل بيت نبيكم؟» ms087 وبادره رجل من آل مخزوم ~~شاتما: «لقد عدوت طورك يا ابن سمية. وما أنت وتأمير قريش لأنفسها؟» # وضاق سعد بن أبي وقاص صدرا بهذه المنابذة وهذا الصخب فصاح بعبد الرحمن: «يا عبد الرحمن ~~افرغ قبل أن يفتتن الناس .» # ولا ندري هل تعمد عبد الرحمن هذا التمهل قبل إعلان البيعة، أو أنه سكت حين اعترضه ~~المعترضون باللجاج والمنابذة، فالغالب من تصرفه في أمر الشورى أنه كان يخطو الخطوة، ثم ~~يتبعها ما بعدها بحساب وأناة، وآخر ما كان من ذلك أنه أرجأ محادثة الاثنين اللذين انحصرت ~~فيهما الأقوال حتى كانا آخر من تحدث إليه، وأنه لما دعاهما دعا عليا ثم ثنى ~~بعثمان. # فإن كان قد تمهل في المسجد على عمد فقد أحسن الروية؛ لأنه سكت حتى أيقن الحاضرون بما رأوه ~~وما سمعوه أن الفتنة موشكة أن تكشر عن نابها إن لم ينته الناس من مبايعة خليفتهم تلك ~~الساعة! هذا يذكر اتفاق قريش، وهذا يشترط، وهذا يقابل شرطه بمثله، وهذا يتكلم عن بني هاشم، ~~وهذا يتكلم عن بني أمية. فلما صاح سعد صيحته بعبد الرحمن: افرغ يا عبد الرحمن قبل أن يفتتن ~~الناس، كان صوته في تلك اللحظة كأنما هو صوت المسجد كله يتكلم بلسان واحد. # وأسرع عبد الرحمن فقال: «إني قد نظرت وشاورت؛ فلا تجعلن أيها الرهط على أنفسكم سبيلا.» ~~ودعا عليا وقال: «عليك عهد الله وميثاقه لتعملن بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخليفتين من ~~بعده.» فقال: «أرجو أن أفعل وأعمل بمبلغ علمي مع اجتهاد رأيي.» ودعا عثمان فقال له كذلك: ~~«عليك عهد الله وميثاقه لتعملن بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخليفتين من بعده.» فقال: ~~«نعم.» # فرفع عبد الرحمن رأسه إلى سقف المسجد ويده في يد عثمان فقال: «اللهم اسمع واشهد ... أني قد ~~جعلت ما في رقبتي من ذلك في رقبة عثمان.» ثم بايعه بالخلافة، وبايعه بعده المهاجرون ~~والأنصار. # وجاء في بعض أخبار ذلك اليوم أن عبد الرحمن بن عوف لما بايعه؛ ازدحم الناس عليه يبايعونه ~~حتى غشوه عند المنبر، فقعد عبد ms088 الرحمن مقعد النبي صلوات الله عليه، وأقعد عثمان على الدرجة ~~الثانية فجعل الناس يبايعونه، وأبطأ علي فقال عبد الرحمن: # فمن ~~نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه ~~الله فسيؤتيه أجرا عظيما ~~(الفتح: 10). فرجع علي يشق الناس حتى ~~بايع وهو يقول: # فصبر جميل والله المستعان على ما ~~تصفون ~~(يوسف: 18). # وقد بايع رهط الشورى عثمان في المسجد ما عدا طلحة، فإنه كان غائبا فقدم بعد ذلك وعلم ~~بالبيعة فسأل: «أكل قريش راض به؟» ثم قال له عثمان حين ذهب إليه: «أنت على رأس أمرك ... إن ~~أبيت رددتها.» قال طلحة: «أتردها؟» قال: «نعم» ... فسأله: «أكل الناس بايعوك؟» قال: «نعم» ~~قال: «قد رضيت، لا أرغب عما قد اجتمعوا عليه.» # ولا نلتفت هنا إلى زوائد الأقاويل عما خدع عليا وعمن خدعه؛ فإن ما أجملناه هنا من شتى ~~الروايات هو الأشبه والأمثل بهم أجمعين. # ولكننا نلم بطرف من تلك الأقاويل حيث يزعم بعض الرواة أن عليا بايع وهو يقول جهرة: ~~«خدعة وأي خدعة»، وأنه يعني بذلك أن عمرو بن العاص خدعه فانخدع، وأن ابن العاص لقيه في ~~ليالي الشورى، فألقى في روعه أن «عبد الرحمن بن عوف رجل مجتهد، وأنك إن أعطيته شرطه، زهد ~~فيك ... ولكن تقبل على الجهد والطاقة»، ويزعم أصحاب هذه القصة أيضا أن ابن العاص لقي عثمان، ~~فقال له: «إن عبد الرحمن رجل مجتهد، وليس والله يبايعك إلا بالعزيمة» أي وفاقا لشرطه، ~~فاقبل منه عزيمته يبايعك عليها. # فهذه القصة وما هو من قبيلها ضرب من ضروب المخترعات المألوفة ممن يحبون أن يسندوا كل شيء ~~إلى دهاء الدهاة وخديعة المخدوعين، فما كان علي بالذي يعتقد أن عمرو بن العاص يتآمر معه ~~على عبد الرحمن وعثمان، وما كان عثمان بالذي يتلقى سر عبد الرحمن من عمرو بن العاص، وما ~~تخطر هذه الخواطر إلا على بال الذين يتعشقون بطولة الدهاء؛ فيضعون عمرو بن العاص بحيث يعرف ~~سر عبد الرحمن، ويعرف الشرط الذي سيعرض به الخلافة على علي وعثمان، ويجعل هذا يقول: «نعم» ~~ويجعل ms089 ذاك يقول «لا» كما يشاء. # والأشبه والأمثل بهم جميعا أن يكون عبد الرحمن بن عوف وغيره يشترطون ذلك الشرط بعينه على ~~من يقبل أمانة الخلافة في تلك الآونة، وأن عليا وعثمان يقولان ما قالاه في جوابه، ولا ~~حاجة إلى دهاء ولا إيحاء من النصحاء والوسطاء. ~~••• # إن حكم الحال أصدق من حكم المقال في جميع الأخبار، وهو كذلك على التخصيص في أخبار هذه ~~المبايعة، إن لم يكن في رواية الأقوال والحوادث ففي رواية الشعور الذي كان يخامر الصدور ~~ويتجمع فيها منذ زمن بعيد: شعور بحال لا تدوم، وخوف من تغيير وتبديل، واجتهاد في منع ~~التغيير والتبديل أو في اجتناب الضرر منهما جهد المستطاع. # ومن الأحاديث التي رويت عن النبي صلوات الله عليه أن الخلافة ثلاثون سنة، ثم هي بعد ذلك ~~ملك عضوض. # ومن كلام أبي بكر في معارض شتى أن الدنيا موشكة أن تغير من النفوس مالا يحمد تغييره، ومن ~~كلام عمر وعمله في أيامه جميعا ما ينم على حذر كهذا أو أشد من خطر الدنيا على نفوس الأقطاب ~~الكبار فضلا عن الدهماء وسواد الدنيا. # وكانت لهذا الشعور أحيان يشتد فيها ويغلب على الناس عامة؛ حتى كأنه بديهة حاضرة لا تحتاج ~~إلى تفكير، ومن هذه الأحيان فترات التوجس والترقب بين عهد وعهد منذ أيام النبي عليه السلام: ~~بين وفاة النبي وقيام أبي بكر، وبين وفاة أبي بكر وقيام عمر، وبين وفاة عمر خاصة وقيام ~~عثمان. # ولما حدثت فتنة الردة في أوائل عهد أبي بكر دهش الناس ولم يدهشوا: دهشوا لأنهم فوجئوا، ~~ولم يدهشوا لأنهم - وقد وقع الذي وقع - لم يستغربوه، ولم يستكثروا حدوثه بعد صدمة كتلك ~~الصدمة الهائلة، وبعد غياب صاحب الدعوة ومتعهدها وصاحب المنزلة التي لا تدانيها فيهم منزلة، ~~ثم أصبح التوجس والترقب ديدنا لهم في كل فترة من قبيلها، فتساءلوا بعد موت أبي بكر: ماذا ~~عسى أن يكون بعد هذا الخليفة الرفيق الرقيق؟! ولعله تساؤل لم يعنتهم كثيرا ولم يطل بهم ~~أجله غير قليل؛ إذ كان أبو بكر لا ms090 يبرم أمرا بغير مشورة عمر، وكانت سياسة الشيخين سياسة ~~واحدة تلين معهما تارة وتشد تارة أخرى، فلما أشفق الناس بعد وفاة أبي بكر لم يشفقوا من ~~تبديل سنة مرعية أو خروج على جادة متبعة، ولكنهم أشفقوا من شدة فيها وصرامة في حمل الناس ~~عليها، ثم ذهب عمر بغتة والناس يستعظمون الخطوب ويلمسون بوادر التغير من بعيد ومن قريب، ~~فعادوا إلى ديدنهم في أمثال هذه الفترة، وخيل إليهم أن كل أمر جائز، وكل خطر متوقع خلال هذه ~~النقلة مما علموه إلى ما يجهلونه ويوجسون منه ويترقبونه. # وفي كل كلمة بدرت، وكل وصاة قيلت في هذه الفترة، إعراب مقصود أو غير مقصود عن هذا الشعور ~~الغالب الذي بلغ أقصاه يومذاك: شعور بحالة يخشى ألا تدوم، وخوف من تغير لا يدرى كيف ~~يتقى. # عمر يوصي ببقاء الولاة عاما، ويتوقع الفواجع من الأثرة والإيثار، ويريد «من يحمل الأمة ~~على الحق»، ومن يشتد في غير عنف ويلين في غير ضعف. وعبد الرحمن يعلم أنه لا رضى عن أحد بعد ~~الصديق والفاروق، ولا طمأنينة للناس إلا أن يطمئنوا إلى سيرة كالسيرة الأولى، وهم لا يعلمون ~~من أين يأتي التبدل والانحراف. # إن تقرير هذه الحالة النفسية أهم من إحصاء مئات الحوادث والأقوال التي انحدرت إلينا من ~~تلك الفترة؛ لأن الحوادث والأقوال لا تفهم بغير فهم تلك الحالة النفسية، ولعل تلك الحالة ~~في كثير من الأحيان هي مبعث الحوادث وأقوال القائلين فيها، فما كان أحد يعيب سياسة عثمان ~~مخلصا أو غير مخلص إلا كان الحذر من تبديل السنن ونقص السوابق حجة له يسوقها في خطابه ~~للخليفة أو خطابه للخاصة والعامة من رعيته، وأصبح حضور هذا الحذر في الأذهان من دواعي ~~المبالغة في تعظيم المخالفات وخلقها من غير شيء على نية حسنة عند بعضهم وعلى نية سيئة عند ~~الأكثرين؛ لأنها نغمة العصر التي تفتح الآذان، وتتأهب الآذان لاستماعها في كل مكان. # وأهم من ذلك أن عثمان على رأس المسلمين قد ساوره ذلك الشعور، وداخلته تلك الحالة النفسية ~~وجثمت في ms091 سريرته؛ حتى تمكن منه التسليم والاستسلام لما هو كائن لا محالة، فكان يقول لمحدثيه ~~كما يقول في خطبه: إن ما تبتلى به هذه الأمة قدر واقع لا يدفع، وإن فتنة الدنيا طغت على ~~النفوس طغيانها الذي لا تجدي فيه الحيلة أو المحاولة. وذلك كله مما نلمسه في استسلامه آخر ~~أيامه، وتركه المحاولة أو عدوله عنها بعد المضي فيها، ونلمسه كذلك في شكه واسترابته في صدق ~~العاملين وتعويله من أجل ذلك على أقربائه وخاصة ذويه عسى أن يصدقوه في رعاية السنن ~~والمواثيق. # وتظهر تلك الحالة النفسية من خطبه الأولى كما تظهر من خطبه الأخيرة، فلما بايعه أصحاب ~~الشورى خرج فيهم وهو أشدهم كآبة حتى أتى منبر رسول الله وقام يخطب الناس فأرتج عليه، وجاء ~~في كلام من روى خبر الإرتجاج عليه أنه قال يومئذ: «أيها الناس، إن أول مركب صعب، وإن بعد ~~اليوم أياما، وإن أعش تأتكم الخطبة على وجهها، وما كنا خطباء وسيعلمنا الله ...» # مقام أدل من المقال، يدل على كثير. # وأول ما يدل عليه أنه لا تدبير ثمة ولا تحضير، فلو كان عثمان على علم باختياره للخلافة ~~لما أعياه أن يعد لهذا المقام كفايته من المقال البليغ، ولكنها قد جاءته وهو لا يستبعد أن ~~تفوته، ولا يزال يخشى في ذات نفسه أمام الله أن يتعجلها بالتحضير والتدبير، وأن يطوي في سره ~~منها ما لم يكن له أن يبديه في العلانية. # ثم خطب فاتفقت الأقوال أو كادت على نصوص خطبه الأولى، وكان مدارها على: فتنة الدنيا، ~~والوعد باتباع السنن واجتناب البدع، وتهدئة النفوس من قبل ما تخافه، ولا تخاف خطرا أكبر ~~من خطره. # قال في خطبته الأولى: «إنكم في دار قلعة، وفي بقية أعمار؛ فبادروا آجالكم بخير ما تقدرون ~~عليه. فلقد أتيتم، صبحتم أو مسيتم، ألا وإن الدنيا طويت على الغرور، فلا تغرنكم الحياة ~~الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور. اعتبروا بمن مضى، ثم جدوا ولا تغفلوا فإنه لا يغفل عنكم. ~~أين أبناء الدنيا وإخوانها الذين أثاروها وعمروها ومتعوا بها طويلا؟ ms092 ألم تلفظهم؟! ارموا ~~بالدنيا حيث رمى الله بها ...» # وقال في أوائل خطبه: «... إني قد حملت وقد قبلت، ألا ~~وإني متبع ولست بمبتدع. ألا وإن لكم علي بعد كتاب الله عز وجل وسنة نبيه # صلى الله عليه وسلم # ثلاثا : ~~اتباع من كان قبلي فيما اجتمعتم عليه وسننتم، وسن سنة أهل الخير فيما لم تسنوا عن ملأ، ~~والكف عنكم إلا فيما استوجبتم. ألا وإن الدنيا خضرة قد شهيت إلى الناس ومال إليها كثير ~~منهم؛ فلا تركنوا إلى الدنيا ولا تثقوا بها فإنها ليست بثقة، واعلموا أنها غير تاركة إلا من ~~تركها ...» # إن أقرب الأخبار إلى الصدق ما تهم بأن تنفيه؛ فيحمي صدقه بآية من دواعيه قبل النفس وقبل ~~الواقع، وكل ما كان خليقا أن يحدث عند مبايعة الخليفة الثالث قد حدث على وجهه الذي يطابق ~~الواقع والمتوقع، وفي هذه الخطبة مطابقة لما يتطلبه الموقف من المعدات والعهود، وفيها زيادة ~~وعد «بالكف عن الناس إلا فيما استوجبوه»، ولعلها الزيادة التي أتت في أوانها بعد ما تململ ~~منها القوم من صلابة عمر ومنعه إياهم أن ينساحوا في الدنيا خوفا عليهم منها وخوفا منهم ~~عليها. # أما المكائد التي أبدعتها أوهام المتوهمين فقد يبطلها قبل كل شيء أنها ليست بمكائد تعمل ~~عملا ينفع من يكيدها. # ومن هذه المكائد ما يخيل إلينا أن مخترعيها وضعوا حين وضعوها «قصة مسرحية» يعطون كل بطل ~~من أبطالها دوره في الكلام ودوره في الدخول والانصراف، ومنها ما يخيل إلينا أن أصحاب الشورى ~~كانوا عصبة محضرة مستعدة على مصارحة بينها لحرمان هذا واجتباء ذاك، وإحدى هذه الخيالات ~~خيالة المستشرقين الذين توهموا أن أصحاب الشورى خصوا عثمان باختيارهم؛ لأنه شيخ يدلف إلى ~~منيته فكلهم يطمع فيها بعد موته، أفحدث حقا أنهم خصوه وعرفوا يقينا قبل أن يبايعه عبد ~~الرحمن من سيكون مختاره ومجتباه؟! # وفي مكيدة أخرى من هذه المكائد التي «يمسرحها» المخترعون لها أن اختيار عثمان قرر الملك ~~لبني أمية على نية مبيتة، فهل هي مسرحية يكتبها التاريخ نسخة بعد نسخة، ويريد هنا ms093 غير ما ~~يريد هناك؟! # ولماذا تطمع القبائل أن تتداول الخلافة بعد خليفة من بني أمية، وهم أقدر على احتجانها ~~وأرغب في الاستئثار بها بعد مآلها إليهم في صدر الإسلام؟! # كل هاتيك حيل مسرحية توضع لها أدوارها وأعمالها حسب منهاج التأليف. وأولاها بالشك فيه ما ~~لاح عليه الإحكام والتوفيق بين الأدوار والأعمال، وأولاها بالقبول ما ليس وراءه تحضير ينتظم ~~كما ينتظم التحضير في المسرحيات: شيء يراد وشيء لا يراد، ويعالجه فيستطيعه تارة ويعيي به ~~تارة؛ فينقلب على غير ما تعمده وانتحاه. # وعلى هذا النحو المطبوع آلت الخلافة إلى عثمان. # الفصل العاشر # | الخلافة # بين هذه النذر قامت أصعب خلافة تولاها خليفة قط في صدر الإسلام، وقد كانت ثورة المرتدين ~~في أول خلافة الصديق محنة شديدة نهض لها المسلمون جميعا متساندين متآزرين؛ فابتلي عثمان في ~~أول خلافته بما يشبه تلك الثورة ويزيد عليه: الخلاف في الداخل، والتغير في الدواعي النفسية، ~~وهو أخطر المصاعب جميعا في خلافة عثمان. # كانت هيبة عمر تملأ الجزيرة العربية وما حولها، وكان أصحاب الدولتين الكبيرتين من الروم ~~والفرس أهيب له من رعيته في الجزيرة؛ لأن هذه الرعية تعتصم من هيبته بحق يعرفه لها وتعرفه ~~لنفسها، ولم تكن للروم والفرس عصمة من هيبته إلا بالحذر والدسيسة، ورستم بطل الفرس المشهور ~~الذي كاد أن يصبح من أبطال الأساطير هو القائل عن عمر: «أحرق كبدي عمر، إنه يكلم الكلاب ~~فتفهم عنه!» يعني أنه جعل من عرب البادية الذين ازدراهم الفرس أبطالا كالأسود بفضل ما يسدى ~~إليهم ويستمعون إليه من نصيحته والاقتداء بسيرته، وقد خطر للمؤرخين في صدر الإسلام أن ~~الهرمزان كان من المتآمرين مع أبي لؤلؤة على قتل عمر، وهو خاطر قريب إلى الذهن، ولو لم ~~يعتمد فيه المؤرخون على غير القرائن التي شهد بها يومئذ شهود الفاجعة قبل وقوعها، ولكننا ~~نحسب أن المؤامرة أكبر جدا من ظواهرها التي تحصرها في أبي لؤلؤة والهرمزان، وأن تدبيرها ~~في معسكرات فارس وبلاط يزدجرد وحاشيته أقرب إلى الخاطر وأدنى إلى المنظور في مجمل ~~الأحوال. # فما ms094 هو إلا أن ذاع في ساحات المشرق والمغرب مقتل عمر؛ حتى تلاحقت الثورات والفتن كأنما ~~كانت على موعد، وتمرد من قبائل الفرس والترك والروم من كان قد أذعن وتعاقد مع قادة الحرب ~~على الصلح والطاعة، ونقضت دولة الروم صلحا فأغارت على الإسكندرية برا وبحرا وأرسلت ~~أساطيلها إلى شواطئ فلسطين، وأطلقت في الميادين خفية من يبث فيها الوعد والوعيد ويغري ~~المطيع بالعصيان، وأحصى المؤرخون البيزنطيون عدة السفن والجيوش التي اشتركت في حركات الثورة ~~والانتقاض فقال بعضهم: إنها جاوزت خمسمائة سفينة ومائة ألف مقاتل، وسرعان ما تسايرت الأنباء ~~بهذه الزحوف بين الخزر والأرمن ومن وراءهم من الشعوب الآسيوية؛ فهبوا يتعللون بالذرائع لنقض ~~الصلح، أو ينقضونه بغير ذريعة وينتهزون الفرصة التي علموا أنها لا تسنح مرة أخرى إذا ~~استكانوا للطاعة المسالمة. # لقد كانت محنة كمحنة الردة أو أكبر منها في اتساع ميادينها وتباعد أطرافها. # وكان عثمان كفؤا لها بالعزم والرأي والسرعة في تصريف الأمور وتسيير النجدات وإسناد كل ~~عمل إلى من يحسنه ويسد فيه أحسن سداد. # ولقد درج العاذرون واللائمون في تاريخ عثمان على التسليم بضعفه كأنه حالة لا تفارقه في ~~جميع أعماله، أو كأنه حالة لم تفارقه قط في عمل مما تولاه. # فالذين آمنوا منه بحسن القصد، كانت معذرتهم له بالضعف واللين أسبق معاذيرهم إلى ألسنتهم ~~حيث يوفقون بين خطته وحسن قصده، والذين أفرطوا في اللوم جعلوا من ذلك الضعف خطلا في الرأي ~~قد يغطي على حسن النية لو افترضوه وسلموه، وهؤلاء وهؤلاء يستغربون أن يقال: إنه كان كفؤا ~~لتلك المحنة بعزيمته وأصالة رأيه، ويخيل إليهم أن كلمة «الضعف» تلغي كل قوة وتبطل كل عزيمة، ~~أو ينسون أن الضعفاء لا يتساوون، وأن الضعف لا يلازمهم في كل ما يعملون، وأن الضعف كالمرض ~~تتفاوت فيه مناعة الأبدان ومناعة النفوس، فقد يعدي القوي الركين وإلى جانبه النحيل الهزيل ~~لا تسري إليه عدواه، وقد يكون القوي في حالات أضعف من الضعيف في حالات، وهذا مع التسليم ~~بضعف عثمان على العلات، وهو قول لا يقبل على ms095 إطلاقه؛ إذ لا نرى من علامات ضعفه إلا ما يظهر ~~فيه الضعف بالنسبة إلى موقف من المواقف قد يحار فيه الأقوياء كما يعيى به الضعفاء. # فلا تنس أن عثمان قد ولي أعمالا ناجحة في الجاهلية والإسلام، وأن من هذه الأعمال قوافل ~~تترحل في الصيف والشتاء، وتوافق مطالب اليمن في الجنوب والشام في الشمال، وإنه استطاع أن ~~يصرف هذه القوافل ويوائم تلك المطالب وهو مقيم في مكة أو المدينة، وأنه تعود أن يستشار فيما ~~يحضره ويغيب عنه، وأنه تعود كذلك أن يعرف مشورة غيره في مثل عمله، وأن يعرف أخبار من تقدمه ~~ومن عاصره من نظرائه، وأنه بعد الإسلام قد لازم ولاة الأمر في السياسة والحرب من عهد النبي ~~عليه السلام إلى عهد الفاروق، وشاركهم في كثير، وسمع أوامرهم وحضر مشاوراتهم في ~~كثير. # فلا تكونن كلمة الضعف حاضرة في الذهن كلما حضرته حادثة من حوادث سيرته أو آية من آيات ~~عزمه وتدبيره، وليكن للضعف محله فلا يشغل كل محل في معارض هذا التاريخ العجاب. # إن علاج عثمان لمشكلات الدولة «الخارجية» التي فاجأته بعد ولايته قد كان كأحسن علاج ~~يتولاه خليفة في تلك الآونة: عزم وسداد وسرعة، مع الحيطة والأناة والرفق في سياسة الأولياء ~~والخصوم. # ولا شك أن الخليفة كان معانا على عمله، ولم يكن منفردا بعبئه في تلك المحنة الجائحة: ~~كان معانا عليه بحمية الجند وكفاية القادة، وكانت حمية الدين التي حفزت دعاة الإسلام من ~~نصر إلى نصر، ومن عزمة إلى عزمة، وصحبتهم من بدر إلى القادسية وتبوك وبابليون، صامدة على ~~سمتها كأقوى وأقوم ما كانت في يوم من أيامها، بل لعلها في حروب الفرس والروم كانت أقوى ~~وأقوم من حروبها في الجزيرة العربية؛ إذ كانت أنفة العربي أن ينهزم أمام المتعجرفين عليه من ~~الأعاجم كفيلة أن تنفث في قلبه الغضبة القوية التي لا تثيرها حرب العربي للعربي والشبيه ~~بالشبيه. # كان حبيب بن مسلمة الفهري يقاتل الروم في ميادين سورية وفلسطين، فاستعان بمدد من الجزيرة ~~فوصل إليه، واستعان بمدد من الكوفة ms096 فأبطأ عنه، فلما أقبلت الروم قبل وصول المدد وهم لا ~~يتوقعون القتال مع قلة الجند في معسكر العرب أتاهم حبيب من حيث لم يتوقعوا وبيتهم بليل. ~~فانتصر وانهزموا. # وإن الدهشة من هذه الجرأة لتغمرها؛ حتى لتكاد تمحوها دهشة أخرى من دهشاتها التي لا عداد ~~لها في كل وقعة من وقعاتها: كانت أم عبد الله امرأة حبيب معه وهو ينوي الهجمة بليل قبل أن ~~يسفر نور الصبح ويأتي المدد المرتقب، فسألته: أين الموعد؟! قال: سرادق «الموريان» أو الجنة ~~فوجدها عند السرادق سبقته إليه. # وقبل هذا أعين الصديق والفاروق بحمية الأجناد وكفاية القواد، ولكن أعباء الجهاد في أوائل ~~أيام عثمان كانت أشق وأكبر وأحوج إلى التوجيه الناجز والتصريف الذي لا يغني الإجمال فيه عن ~~التفصيل، على حسب الأطوار المتجددة والطوارئ المتقلبة، لامتداد خطوط القتال وتعدد الفتن ~~وتباعد المسافات بين البلدان وتكاثر العناصر والأجناس في جيوش المسلمين؛ فقام الخليفة الشيخ ~~بأعبائه الجسام على أحسن ما يقام بها في تلك المحنة الجائحة، وكان له ولا شك أكبر الفضل في ~~تثبيت مهابة الدول الجديدة بعد ما أصابها من الوهن والتخلخل عند مقتل عمر، فوقر في أخلاد ~~الأمم المحيطة بها أنهم ينازلون قوما لا يقدح في قوتهم موت خليفة أو تبديل قائد، وأنهم ~~منتصرون مستميتون في سبيل النصر على اختلاف القادة والرؤساء، فقتل بعد هذه التجربة عثمان، ~~ثم قتل علي، ثم مات معاوية، ثم مات يزيد وتخلى معاوية الثاني عن الملك، وانقسم المسلمون ~~على أنفسهم، ولم تقم للثورة عليهم قائمة في بلاد الروم أو بلاد الفرس إلا ما كان من شغب ~~متفرق على غير وجهة، يعرو الدول من داخلها ومن خارجها بلا انقطاع ولا يخاف منه على دعائمها ~~وأركانها. ~~••• # ولم يقنع عثمان بتسكين الثورات حيث يكفي فيها التسكين أو قمعها حيث تحتاج إلى القمع في ~~بلاد الطغاة والمتجبرين؛ فصالح من صالح وحارب من حارب، ثم أمر قواده بمجاوزة البلاد التي ~~نشبت فيها الثورات إلى ما وراءها منعا لارتداد الهاربين إليها وانبعاث الفتن والدسائس من ~~قبلها، فتقدمت ms097 جنوده شرقا إلى حدود الهند والصين، وشمالا إلى ما وراء بحر الخزر، وغربا ~~إلى أبواب القسطنطينية وتخوم الأندلس، وجنوبا إلى السودان وجوانب الحبشة، ولم يؤخذ عليه قط ~~وناء في إنفاذ نجدة أو تسيير مدد أو تدارك خطر في أوانه من أقصى تلك البقاع إلى ~~أقصاها. # وعرضت له مسألة عسيرة من المسائل التي استطاع الفاروق إرجاءها ولم يكن ثمة بد من عودتها ~~في أوانها. # عرضت له غزوة قبرص ورودس وجزر بحر الروم، وإعداد العدة لدفع الغارات البحرية عن شواطئ مصر ~~والشام والقيروان، فكانت بحق مسألة - بل مشكلة - من المشكلات التي لم تستحكم قبل أيامه ولم ~~تتطلب الحل السريع من ولي لأمر المسلمين في الجزيرة العربية، أو في البقاع التي انتهت ~~إليها الفتوح. # وكان من سياسة عمر ألا يجعل بينه وبين جيش من المجاهدين بحرا ولا جسرا ولا قنطرة، وأن ~~يجنبهم ركوب البحر ما استطاع، وكان معاوية يلح عليه في غزو الروم بحرا، ويهون عليه خطب هذه ~~الغزوات، ولا يفتأ يحضه على ذلك، ويقول فيما قاله حضا عليه: «إن قرية من قرى حمص ليسمع ~~أهلها نباح كلابهم وصياح دجاجهم» يعني جزيرة أرواد. # فكتب عمر إلى عمرو بن العاص يسأله أن يصف له البحر وراكبه ويقول له: «إن نفسي تنازعني ~~إليه.» # فكتب إليه: «إني رأيت خلقا كبيرا يركبه خلق صغير، ليس إلا السماء والماء. إن ركد خرق ~~القلوب، وإن تحرك أزاغ العقول، يزداد به اليقين قلة والشك كثرة، وهم فيه دود على عود، إن ~~مال غرق وإن نجا برق ...» إلى آخر ما هول به عليه؛ فأقسم عمر لا يحملن عليه مسلما أبدا، ~~ورضي من ملك الروم بترك القتال، ثم زاد ملك الروم فكاتبه وقاربه وبادله الهدايا وأرسل مع ~~البريد هدية من الملكة إلى السيدة أم كلثوم زوجة عمر تحتوي فيما احتوته عقدا فاخرا يقوم ~~بأضعاف أضعاف هدية الطيب التي أرسلتها إليها أم كلثوم؛ فباع عمر العقد وأودعه خزانة بيت ~~المال، وكتب إلى معاوية يحذره من القتال وينذره أن يصيبه منه ما أصاب العلاء ms098 الحضرمي إذا هو ~~أقدم عليه بغير إذنه. ~~••• # أما قصة العلاء هذه فقد كان لها أثرها الذي لم ينسه عمر، ولم يزل عالقا بذهنه يعاوده ~~كلما عاوده بذكر البحر وغزواته، وخلاصتها أن العلاء الحضرمي والي البحرين كانت بينه وبين ~~سعد بن أبي وقاص منافسة في الجهاد، فبرز اسم العلاء في حروب الردة، ثم غلبه سعد فضلا وهمة ~~في وقعة القادسية «وأزاح الأكاسرة عن الدار وأخذ حدود ما يلي السواد» قال ابن الأثير: ~~«فأراد العلاء أن يصنع في الفرس شيئا ... وقد كان عمر نهاه عن الغزو في البحر، فعبرت الجنود ~~من البحرين إلى فارس، فخرجوا إلى إصطخر وبإزائهم أهل فارس، وعليهم الهربذ، فحالت الفرس بين ~~المسلمين وبين سفنهم ... واقتتلوا قتالا شديدا بمكان يدعى طاوس، وقتل من أهل فارس مقتلة ~~عظيمة، ثم خرج المسلمون يريدون البصرة ولم يجدوا إلى الرجوع في البحر سبيلا، وأخذت الفرس ~~منهم طرقهم فعسكروا وامتنعوا ...» # قال ابن الأثير الذي تلخص منه قصة هذه الغزوة: «ولما بلغ عمر صنيع العلاء أرسل إليه عتبة ~~بن غزوان يأمره بإنفاذ جند كثيف إلى المسلمين بفارس قبل أن يهلكوا ... وأمر العلاء بأثقل ~~الأشياء عليه وهو تأمير سعد عليه؛ فشخص العلاء إلى سعد بمن معه» ولم يكن أشد على نفسه من ~~هذا العقاب الأليم، وما كان ليطيعه لولا إيمانه وتقواه وأنه استحقه بمخالفته من لا ينجو من ~~عقابه مخالف كائنا من كان. # وبقيت عبرة هذه الغزوة لا تنسى ولا تغيب عن فكر عثمان بعد عمر، وأوشكت مصائبها جميعا أن ~~تعزى إلى البحر وإلى كل ماء من بحار فارس والروم، ثم عادت المسألة - أو المشكلة - إلى عثمان ~~فوجب أن يفصل فيها برأيه وهو على ذكر من سياسة عمر وسياسة أبي بكر من قبله: لا يحملن أحدا ~~من المسلمين على ركوب البحر، أو على ركوب الغرر - في قتال. # ونظرة عثمان في هذه المشكلة من أدل أعماله على نصيبه من الاجتهاد ومن الاقتداء، ومن أدل ~~الأمور على إقدامه حيث يحجم من هم أشهر منه بالإقدام. # إن المشكلة هنا ms099 قد تغيرت ولم يبق بينها وبين مجازفة العلاء الحضرمي غير شبه قليل. # تغير من ركوب البحر أنه أصبح اليوم ضرورة لا محيد عنها، بعد إذ كان مجازفة لا حاجة ~~إليها. # فقد أصبحت قبرص ورودس وجزر الشاطئ القريب ملتقى تتربص فيه الأساطيل المتجمعة من أقطار ~~دولة الروم، وأصبح امتناع السفن المغيرة بها خطرا على الشام وفلسطين ومصر والقيروان، لا ~~يؤمن على غرة، ولا على استعداد وأهبة، ثم كان ما كان من اختيار المسلمين ركوب البحار ~~اضطرارا وتجربتهم للسفن كبارها وصغارها، فذللوا المركب العصي الذي طالما تجنبوه، وتغيرت ~~المشكلة ولم يبق بينها وبين مجازفة البحرين غير شبه قليل. # وعلى هذا الشبه القليل بين الأمس واليوم لم تزل شبهة التغرير بالناس قائمة لا تدفع إذا ~~خيف الضرر ووقع الخطر، وقيل: إن ولاة الأمر لم يحذروا ما كان حذرهم منه عمر وأوجب الحذر منه ~~على أتباعه وتابعيه. # وعسير أن يمنع غزو البحر، وعسير مثله أن يباح، فخرج عثمان من العسرين خير مخرج، وكتب إلى ~~معاوية يأذن له ويشترط عليه «ألا ينتخب الناس ولا يقترع بينهم، وأن يخيرهم فمن اختار الغزو ~~طائعا حمله وأعانه ...» # وعلى هذا الشرط غزا عبد الله بن قيس الجاسي قائد الأسطول خمسين غزاة «بين شاتية وصائفة في ~~البر والبحر ولم يغرق أحد ولم ينكب ...» # واتفقوا مع أهل الجزر على شروط تحميهم الغرة وتبيحهم أن ينزلوا بها؛ ليمنعوا نزول العدو ~~بأرضها واحتماء الأساطيل المغيرة بمرافئها، ورتبوا الحملة عليها من مصر والشام تأمينا ~~للطريق من شرقها وغربها وجنوبها، فأمنوا البحر وأمنوه لمن يسلكونه من المسلمين والمسالمين، ~~ولو أنهم تركوا البحر وشأنه لاستعصى عليهم بعد ذلك أن يدفعوا غارة الروم من قبل البحر كما ~~دفعوها، وأن يسيطروا على سبل الملاحة خلال سنوات معدودات كما سيطروا عليها. # وكانت هذه الهمة من عثمان في علاج الأخطار الخارجية حلا نافعا في شئون الدولة الداخلية ~~إلى حين؛ لأن مدافعة الأخطار من الخارج شغلت الناس زمنا عن شواغل السلم والدعة التي تفرقهم ~~وتفرغ أوقاتهم للنقاش والجدال فيما يعنيهم أو ms100 لا يعنيهم، ولكن مواقع الجهاد اختلفت واختلف ~~عدد المجاهدين فيها ونصيب كل مجاهد من غنائمها وأنفالها ومن رواتبها وأعطيتها. # وبدأ ذلك في عهد عمر، كما تبدأ مشكلات الميادين التي لا تستقر على قرار، بين الكر والفر، ~~والإقامة والترحال ، وتعاقب الأمراء والقادة في ميادين القتال، فمما حدث في عهد عمر من ذلك ~~أن أهل البصرة شكوا عجز خراجهم على كثرتهم، وأن أناسا يشاركونهم فيه ممن أقاموا معهم بعد ~~تمام الفتح؛ فاختصم أهل البصرة وأهل الكوفة «وادعى أهل البصرة قرى افتتحها أبو موسى دون ~~أصبهان، أيام أمد به عمر بن الخطاب أهل الكوفة، فقال لهم أهل الكوفة: أتيتمونا مددا وقد ~~افتتحنا البلاد؛ فأنشبناكم في المغانم، والذمة ذمتنا، والأرض أرضنا. قال عمر: صدقوا. فقال ~~أهل الأيام والقادسية ممن سكن البصرة: فلتعطونا نصيبنا مما نحن شركاؤكم فيه من سوادهم ~~وحواشيهم؛ فأعطاهم عمر مائة دينار برضا أهل الكوفة، أخذها من شهد الأيام والقادسية ~~...» # وقد عزل عمر والي الكوفة عمار بن ياسر واستعمل عليها أبا موسى، وكان أهل الكوفة يشكون ~~عمارا ويقولون لعمر: إنه لا يدري علام استعملته، فسألهم: ومن تريدون؟ قالوا: نريد أبا ~~موسى، فولاه عليهم، فأقام عليهم سنة، ثم باع غلامه العلف فشكوه؛ فعزله وصرفه إلى ~~البصرة. # ولبث عمر مهموما مغمورا بأمر هذه الشكايات، حتى اضطجع يوما بجانب المسجد وهو يفكر فيها ~~واستيقظ وهو مكروب بادي الأسى، فقال له المغيرة بن شعبة: ما فعلت هذا يا أمير المؤمنين إلا ~~من عظيم، فقال: وأي شيء أعظم من مائة ألف لا يرضون عن أمير ولا يرضى عنهم أمير؟ وأتاه ~~أصحابه وهو بتلك الحال من الغم والأسى فسألوه: ما شأنك؟ فقال: إن أهل الكوفة قد عضلوني. ~~واستشارهم فيمن يوليه، فأشاروا عليه بتولية المغيرة، فولاه، وأقام واليا عليها أكثر من ~~سنتين إلى مقتل عمر، وكان من رأي المغيرة الذي استمع إليه عمر أن الوالي القوي المسدد أصلح ~~من الضعيف التقي «أما الضعيف المسلم فإن إسلامه لنفسه وضعفه عليك وعلى المسلمين، وأما القوي ~~المسدد فإن سداده وقوته لك وللمسلمين.» ms101 # ولم ينحسم هذا الخلاف في عهد عمر ولا في عهد عثمان ولا في عهد علي إلى أيام الدولة ~~الأموية، فكان معاوية يأخذ لجند قنسرين بنصيب من فتوح العراق وأذربيجان والموصل والباب، ~~وهكذا كان يحدث في الميادين عامة بين من ظفروا فيها، ثم تحولوا عنها إلى غيرها، وبين من ~~أقاموا فيها ولم يشهدوا فتوحا، ولا ظلم ولا غبن في التقسيم والتقدير، وإنما هي جرائر السعة ~~واشتباك النظم والولايات وكثرة الأمداد التي تنتقل من ميدان إلى ميدان ومن ولاية إلى ولاية، ~~ولنا أن نقول: إنها جرائر الاختلاف من نظام الخلافة إلى نظام الملك، والدولة التي تواجهها ~~كل يوم قضية من قضايا المعيشة مقرونة بقضايا الجهاد، أو قضية بين حالة عاجلة وحالة باقية ~~على مدى الأيام، ولا ينفصل فيها نظام المعيشة ونظام الجهاد كل الانفصال. # وليس بالنادر بين هذه القلاقل أن يخف الجيش لنجدة جيش آخر فلا يصل إلى المكان المحصور أو ~~المهدد إلا بعد الاستغناء عن نجدته، وليس بالنادر أن تتنافس الجيوش بالقادة والسمعة ~~والسابقة؛ فينفس بعضها على بعض أن ينحاز لقيادته وأن يكون أميره تابعا لأمير آخر لم يعرفه ~~قبل ذلك. # ومما اتفق من ذلك أيام عثمان أن حبيب بن مسلمة الذي سبقت الإشارة إليه كتب إلى عثمان ~~يسأله المدد، فكتب عثمان إلى معاوية في الشام يأمره أن يشخص إليه من أهل الشام والجزيرة ~~قوما ممن يرغب في الجهاد، وكتب إلى سعيد بن العاص في الكوفة يأمره بأن يمد حبيبا بجيش ~~عليه سلمان بن ربيعة الباهلي، فسار سلمان في ستة آلاف من أهل الكوفة ولم يصل إلى حبيب إلا ~~بعد فراغ حبيب من حملته الظافرة على الموريان. # ولقد كان كلاهما - حبيب وسلمان - من أشجع القواد وأخبرهم بفنون القتال، وكان كل منهما ~~«غزاء» معروف السابقة في ساحات الجزيرة والشام، فلما أراد سلمان أن يلي إمارة الجيشين أبى ~~عليه حبيب ذلك، ودخل جند القائدين في المنافسة، وقال أهل الشام لنضربن سلمان: إن أبى ~~إلا الرئاسة علينا؛ فأجابهم أوس بن مغراء من جند سلمان ms102 بشعر يقول فيه: # فإن تضربوا سلمان نضرب حبيبكم # وإن ترحلوا نحو ابن عفان فارحلوا # 1 # وإن تقسطوا فالثغر ثغر أميرنا # وهذا أمير في الكتائب مقبل # ونحن ولاة الثغر كنا حماته # ليالي نرمي كل ثغر وننكل # ولكن القائدين كانا أحكم وأكرم من أن تفسد عليهما هذه المنافسة عملا حاضرا بين أيديهما، ~~فافترقا على أن يوغل حبيب في غرب أرمينية، وأن يوغل سلمان في شرقها، وأن يتلاقيا إلى الشمال ~~بعد فتح المواقع بينهما؛ فدان لهما ما بين البحر الأسود وبحر الخزر، وصرفا بأسهما إلى العدو ~~ضنا بقوة الجيشين أن تتفرق في المنافسة على الإدارة والسمعة، ولكنها منافسة كانت تحتدم في ~~أيام السلم وبين سكان المدن؛ فلا تنتهي بغير خصومة ولا تنتهي الخصومة فيها بغير شر ~~وعناد. ~~••• # ومن مقابلة النقيض بالنقيض أن نستطرد من قصة حبيب وسلمان إلى قصة الوليد بن عقبة وسعيد بن ~~العاص اللذين تعاقبا على ولاية الكوفة في عهد عثمان، وقد أجمع المؤرخون على فداحة الخطر ~~الذي نجم من هذه القصة على إمامة عثمان بين أهل الكوفة، ثم بين سائر الأمصار. # كان الوليد بن عقبة والي الكوفة قد اتهم بشرب الخمر؛ فعزله عثمان وأمر بإشخاصه إليه وأسند ~~الولاية بعده إلى سعيد بن العاص؛ فغضب نفر من بني أمية على سعيد؛ لأنه غسل منبر المسجد قبل ~~أن يخطب عليه، وعدوا ذلك تشهيرا بالوالي المعزول، وتربصوا به الدوائر يكيدون له بين رعيته ~~ويغرون به من يلغط في مجلسه. # ونحن نقتبس من جملة المؤرخين، كالطبري وابن الأثير وغيرهما، زبدة هذه القصة التي كان لها ~~كل ذلك الخطر من بدء الفتنة إلى مقتل عثمان. # وزبدة هذه القصة من مراجعها المتواترة أن سعيدا اختار وجوه الناس وأهل القادسية وقراء ~~أهل الكوفة، فكان هؤلاء دخلته داخلا وأما إذا خرج فكل الناس يدخل عليه. # وسأل عن أهل الكوفة فأطلعوه على حالهم؛ فكتب إلى عثمان بما انتهى إليه كما أمره، وقال له ~~فيما قال: «إن أهل الكوفة قد اضطرب أمرهم وغلب أهل الشرف منهم، والغالب على تلك البلاد ms103 ~~روادف ردفت، وأعراب لحقت، حتى ما ينظر إلى ذي شرف ولا بلاء من نازلتها ولا نابتتها ~~...» # فأتاه الجواب من عثمان أن يفضل أهل السابقة والقدمة ممن فتح الله عليه تلك البلاد، وليكن ~~من نزلها بسببهم تبعا لهم، إلا أن يكون أهل السابقة قد تثاقلوا عن الحق وتركوا القيام به ~~وقام به هؤلاء، وليحفظ لكل منزلته ويعطيهم جميعا بقسطهم على سنة العدل والمعرفة بأقدار ~~الناس. # وأرسل سعيد إلى وجوه القوم فقال لهم: «أنتم وجوه من وراءكم، والوجه ينبئ عن الجسد، ~~فأبلغونا حاجة ذي الحاجة وخلة ذي الخلة، ثم أدخل معهم من يحتمل من اللواحق والروادف وخلص ~~بالقراء والمتسمتين في سمره، فانقطع الذين لا سابقة لهم ولا قدمة بعضهم إلى بعض، وجعلوا ~~يقعون فيه وفي عثمان، وكلما لحق بهم لاحق من ناشئ أو أعرابي أو مولى طليق أعجبه كلامهم؛ حتى ~~غلب الشر وفشت القالة، فكتب سعيد بذلك كله إلى عثمان على ما تعوده الولاة من إبلاغ كل كبيرة ~~أو صغيرة إلى الخليفة منذ أيام الصديق، فنادى منادي الخليفة إلى صلاة جامعة وخطبهم وتلا ~~عليهم ما جاءه من سعيد، وذكر لهم أنه يريد أن يبعث إلى العراق بمن شاء النقلة إليه من أهل ~~السابقة، ويأذن له في أن يبيع ما يملك بالحجاز عسى أن يستعين بهم سعيد على نصيحة الشاغبين ~~من الروادف والأتباع. # على أن سعيدا لم ينقطع عن لقاء العامة إذا جلس للناس، فحدث في بعض هذه المجالس أن فتى ~~غرا أثنى على طلحة بن عبيد الله فقال: ما أجود طلحة! قال سعيد: إن من كان له مثل بساتينه ~~لحقيق أن يكون جوادا ... والله لو أن لي مثلها لأعاشكم الله بها عيشا رغدا ... فقال عبد ~~الرحمن بن قيس، وهو فتى حدث: والله لوددت أن لك ما كان لكسرى على نهر الفرات؛ فانتهره أناس ~~من الحاضرين وصاحوا به: أتتمنى له سوادنا! وهاج الشر بينهم وبين أهل الفتى، وسمع قومه من ~~بني أسد بما أصابه فجاءوا وأحاطوا بالقصر، وعاذت القبائل بسعيد، فأقسم ألا يغشى ms104 مجلسه أحد ~~من أولئك الشاغبين «فقعد أولئك النفر في بيوتهم وأقبلوا يقعون في عثمان.» # ونما خبر هذا الشغب إلى عثمان؛ فأذن لسعيد في إخراجهم إلى الشام، وكتب إلى معاوية: «إن ~~نفرا قد خلقوا للفتنة فأقم عليهم وانههم، فإن آنست منهم رشدا فاقبلهم، وإن أعيوك فارددهم ~~علي.» # فلما قدموا على معاوية أنزلهم كنيسة مريم وأجرى عليهم ما كان لهم بالعراق، وكان يتغدى ~~ويتعشى معهم ويحادثهم ويستخبرهم عن شكاتهم عسى أن يقنعهم، فقال لهم في بعض الأحاديث: بلغني ~~أنكم نقمتم قريشا، ولو لم تكن قريش كنتم أذلة. إن أئمتكم لكم جنة فلا تفترقوا عن جنتكم، ~~وإن أئمتكم يصبرون لكم على الجور ويحتملون منكم المئونة. والله لتنتهن أو ليبتلينكم الله ~~بمن يسومكم السوء ولا يحمدكم على الصبر، ثم تكونون شركاءهم فيما جررتم على الرعية في حياتكم ~~وبعد وفاتكم. # قال رجل منهم - وهو صعصعة: أما ما ذكرت من قريش فإنها لم تكن أكثر العرب ولا أمنعها في ~~الجاهلية فتخوفنا، وأما ما ذكرت من الجنة فإن الجنة إذا اخترقت خلصت إلينا. # قال معاوية: عرفتكم الآن. وعلمت أن الذي أغراكم على هذا قلة العقول، ثم قال لصعصعة: أنت ~~خطيبهم ولا أرى لك عقلا ... أعظم عليك أمر الإسلام وأذكرك به وتذكرني الجاهلية. # وطالت اللجاجة بينه وبينهم فأجمع رأيه على إخراجهم بعد الكتابة إلى الخليفة، وكتب إليه ~~يصفهم ويقول عنهم: ~~... قدم علي أقوام ليست لهم عقول ولا أديان، أضجرهم العدل لا يريدون الله بشيء، ~~ولا يتكلمون بحجة، إنما همهم الفتنة وأموال أهل الذمة، والله مبتليهم ومختبرهم ثم ~~فاضحهم ومخزيهم، وليسوا بالذين ينكون أحدا إلا مع غيرهم، فانه # 2 # سعيدا ومن عنده عنهم، فإنهم ليسوا لأكثر من شغب ونكير. # وخرجوا قبل أن يخرجهم معاوية من الشام؛ فقصدوا إلى الجزيرة ولم يعودوا إلى الكوفة اتقاء ~~الشماتة بهم، وسمع بهم والي حمص عبد الرحمن بن خالد بن الوليد؛ فاستدعاهم منذرا متوعدا ~~وقال لهم: يا آلة الشيطان، لا مرحبا بكم ولا أهلا ... خسر والله عبد الرحمن إن لم يؤدبكم. ~~يا معشر من ms105 لا أدري أعرب هم أم عجم لا تقولوا لي ما بلغني أنكم قلتم لمعاوية. أنا ابن خالد. ~~أنا ابن من قد عجمته العاجمات. أنا ابن فاقئ الردة ... والله يا صعصعة ... لأطيرن بك طيرة بعيدة ~~المهوى. # ثم أقامهم شهرا كلما ركب مشاهم معه، وخافوه فاستقالوه وأعلنوا له توبتهم، وسرح أحدهم - ~~وهو الأشتر - إلى عثمان فخيره عثمان أن يحل حيث شاء، فاختار العودة إلى ولاية عبد ~~الرحمن. # وجرى في البصرة ما كان يجري في الكوفة من أشباه هؤلاء الروادف، وكان في بعض قرى الولاية ~~قاطع طريق يسمى حكيم بن جبلة العبدي يصاحب الجيش، ثم يخنس عنه ويغير على أهل الذمة، ~~فشكاه أهل الذمة ورؤساء المسلمين إلى عثمان؛ فكتب إلى ابن عامر والي البصرة أن يحبسه ومن ~~كان مثله فلا يخرجن من البصرة «حتى تأنسوا منهم رشدا» فحبسه وتعقب خبره، فجاءه النبأ ذات ~~يوم أن رجلا يدعى ابن السوداء نزل عليه وأخذ يصرح له ولأمثاله بالطعن في عثمان وخلافته، ~~فدعا بابن السوداء هذا فإذا هو عبد الله بن سبأ، يهودي من أهل اليمن يقول برجعة النبي إلى ~~الدنيا ويظهر التشيع لعلي، فسأله ابن عامر: من أنت؟ قال: رجل من أهل الكتاب رغبت في الإسلام ~~وفي جوارك. ثم أخرجه من البصرة لما علم من لياذه بالمفسدين فيها، فذهب إلى الكوفة يلوذ فيها ~~بأمثال حكيم بن جبلة فأخرج منها، وذهب إلى مصر فجعل يكاتب من تركهم في البصرة والكوفة. وأوى ~~بمصر إلى حمران بن إبان وهو رجل موتور من عثمان، كان قد تزوج امرأة في عدتها؛ ففرق عثمان ~~بينهما وضربه وسيره إلى البصرة، فسعى هناك في وقيعة بين الوالي ورجل من النساك، وافتضح كذبه ~~عليه؛ فأخرج من البصرة، وذهب يتردد بين الشام والحجاز ومصر، فلقيه فيها ابن السوداء وأوى ~~إليه وأدخله معه في مكاتباته وسعاياته، وكثرت السعاية بين أهل الأمصار من الروادف وأشباههم، ~~فمن نزل منهم بالشام أرضاه معاوية أو أخرجه، ومن تحول عنها كاتب غيره للاجتماع في مكان لا ~~رقابة عليهم فيه. # وحدث أن ms106 الكوفة خلت من واليها سعيد بن العاص وخلفه عمرو بن حريث، فإذا بجموع المكاتبين ~~تلتقي فيها؛ وإذا بأناس منهم يشيعون في الناس أن سعيدا عائد إليهم، وأنه ذهب إلى الخليفة ~~يراوده على نقصان رزق نسائهم إلى مائة درهم، ورد أولي البلاء من المجاهدين إلى ألفي درهم، ~~ويزعم أن الفيء من العراق بستان قريش وأنها تأخذ منه ما تأخذ وتدع ما تدع، وطفق دعاة منهم ~~يذيعون هذه القالة أيام الجمع والناس مجتمعون في المسجد؛ فيستخفون ألبابهم، ولا يستمعون ~~لذي رأي يبطل لهم ما يذاع على كذب بينهم، وتصدى عمرو بن حريث - خليفة سعيد على الكوفة في ~~غيابه - لتفنيد ما زعموا؛ فقام على المنبر في يوم جمعة ينصح لهم ويوصيهم بالطاعة ولا من ~~سميع. # قال القعقاع بن عمرو: «أترد السيل على أدراجه؟ هيهات، والله لا يسكن الغوغاء إلا ~~المشرفية، ويوشك أن تنتضي ويعجون عجيج العيدان، ويتمنون ما هم فيه اليوم فلا يرده الله ~~عليهم أبدا؛ «فاصبر» قال عمرو: «أصبر». وتحول إلى منزله لا يأمر ولا ينهي. # هذه بداية تتبعناها إلى نهايتها. بدأت في أوائل خلافة عثمان، وتتبعناها إلى نهايتها قبيل ~~مقتله، وما يبلغ من خطب هذه الغاشية أن تفضي إلى مقتل رئيس دولة، لولا شذوذ في طبيعتها خرج ~~بها عن سوائها وتعدى بها أطوارها. # نعم، هي غاشية هان خطبها لو أنها صادفت أميرا يعالجها بنظام الإمارة، وهان خطبها لو أنها ~~صادفت واليا مسئولا عن نظام ولايته مطلق اليد في دفع شواجر الفتنة عنها، وقد عالج كل وال ~~من ولاة ذلك العهد ما وقع منها في ولايته؛ فاستطاع أن يصرف عنه غائلتها، عالجها معاوية بنفي ~~القائمين بها، وعالجها عبد الرحمن بن خالد بتأديب دعاتها، ولم يستفحل شرها في الكوفة إلا ~~بعد أن غاب عنها واليها سعيد بن العاص، ووقف دونها خليفته عمرو بن حريث مكتوف اليدين وهو ~~بعيد عن مشورة عثمان ومشورة أمير الولاية سعيد، ولو كان له أن يسكنها بالسيف كما قال ~~القعقاع؛ لما كان تسكينها كثيرا عليه، ولكن القعقاع نفسه لم ms107 يشر عليه بامتشاق السيف على ~~توقعه أن يعج عجيجها، وإنما أشار عليه أن يصبر فصبر، ولزم بيته لا يأمر ولا ينهى. # لقد كان خطب الغاشية هينا لو أخذها الآخذون بسلطان الولاية، ولكنها قد جرى الحساب فيها ~~على سنة الخلافة في عهد لا هو بعهد خلافة ولا بعهد مملكة، تتقاصر فيه حقوق الخليفة ولما ~~يتوطد فيه حق الملك، وهذه هي النكبة الكبرى في صميمها. # وفي أمثلة الشواجر التي أشرنا إليها في عهد عمر وعهد عثمان كذلك مجال للتفرقة بين طريقة ~~الخلافة وطريقة الملك والإمارة في سياسة هذه الشئون، أو في سياسة جميع الشئون. # كان عمر أقوى من عثمان ولا مراء في ذلك، وتقدم أنه بدل ثلاثة من الولاة على الكوفة غير ~~وال رابع كان يهم بإشخاصه إليها قبل مقتله، وشوهد مهموما مكروبا على قدرته التي لا تضيق ~~بأزمة من أزمات السلم والحرب واضطلاعه بأعظم الأعباء التي عرضت له أيام خلافته: مائة ألف لا ~~يرضون عن وال ولا يرضى عنهم وال، وهذه معضلة ثقلت عليه؛ حتى أحس ثقلها كل من كان يعرفه ~~ويلقاه في إبان شكاياتها ومنازعاتها. # فما بال أزمة كهذه تثقل على الرجل الذي نهض بأفدح الأعباء وصغرت في عينيه مخاوف الدنيا ~~ومطامعها؟ # أتراه خاف من ثورة أصحاب الشكاية؟ # لو كان هذا ما يخشاه لما أعضله ولا أعياه أن يعد له عدته ويفرغ منه على النحو الذي ~~يريده. # أم تراه خاف على سلطانه، أو خاف على حياته أو خاف على مصلحة من المصالح الكبرى أو الصغرى ~~تعنيه غير مصلحة الإسلام والمسلمين؟ # كلا، فما في شيء من ذلك ما يخيفه، وإنما أعضله من أمر تلك الشكاية مخافة أمر واحد: مخافة ~~الظلم أن يقع منه على شاك له حق في شكاة. # ذلك كل ما أعضل على عمر من شكايات أهل الكوفة، ولو لم يكن حساب نفسه على الظلم أعضل من كل ~~معضلة؛ لما كان في شكايات القوم ما يكربه ويقلق نومه ويغيم على وجهه حتى يلمحه من ينظر إليه ~~من عارفيه. # ولو أن ms108 عمر على يقين من افتراء الشاكين؛ لما أهمه أن يسخطهم ويخسر ثناءهم، ولا أعياه أن ~~يؤدبهم ويردهم إلى طاعة وليهم، فإنما الشكاة بالحق هي التي تزعجه وتكربه ويشغله منها أن ~~يبرأ من مظنتها غاية جهدهم، فإن عرف وجه الحق فما يبالي بعده من شكا أو ادعى، ولو زعم أنه ~~يدعى باسم من شاء من الأكثرين أو الأقلين، وعلى هذا جرت سياسته وسياسة أبي بكر، وعلى هذا ~~كان يقضي بين أبي بكر والشاكين منه حيثما سمعت الشكاية من الخليفة الأول، وبخاصة في مسائل ~~الأعطية والأرزاق. # كان رزق أبي بكر الصديق حين استخلف خمسين ومائتي دينار في السنة، وشاة في كل يوم يؤخذ ~~منها بطنها ورأسها وأكارعها؛ فلم يكن يكفيه ذلك ولا عياله، فخرج إلى البقيع يتجر، وجاء عمر ~~فإذا هو بنسوة جلوس فسألهن: ما شأنكن؟ قالت بعضهن: «نريد خليفة رسول الله يقضي بيننا.» ~~فانطلق يطلبه فوجده في السوق، فأخذ بيده وجذبه ليذهب به إلى حيث تنتظره النسوة. قال أبو ~~بكر: «لا حاجة بي إلى إمارتكم. رزقتموني ما لا يكفيني وعيالي.» وسأله عمر عما يكفيه، فقدروه ~~بثلاثمائة دينار في السنة وشاة كل يوم لا يؤخذ منها شيء، وجاء علي وهما على هذه الحالة، ~~فلم ير ضيرا في الزيادة ووافقه عمر بعد مراجعة. قال أبو بكر: «أنتما رجلان من المهاجرين لا ~~أدري أيرضى بقية المهاجرين بما رضيتماه أم لا.» ثم صعد المنبر واجتمع إليه الناس فقال: ~~«أيها الناس، إن رزقي كان خمسين ومائتي دينار وشاة يؤخذ منها بطنها ورأسها وأكارعها، وإن ~~عمر وعليا كملا لي ثلاثمائة دينار والشاة، أفرضيتم؟» # فأجابه المهاجرون: «اللهم نعم، قد رضينا.» وصاح صائح من جانب المسجد؛ فإذا هو أعرابي ~~يقول: «لا والله ما رضينا. فأين حق أهل البادية؟» # ولم يكن عسيرا على عمر ولا على أبي بكر أن يعلما أنها صيحة لا يصغى إليها، فمن التنطع أن ~~يمنع رزق الخليفة الذي أقره ذوو الرأي من المجاهدين في انتظار سؤال البادية من حضرهم منها ~~ومن لم يحضر، وكان جماع قولهم ms109 أن المهاجرين إذا ارتضوا شيئا؛ فإنما الغائبون من أهل ~~البادية تبع للحاضرين، ولا يشتكي من ذلك مشتك بالحق كائنا ما كان ادعاؤه وكائنا من كان ~~المدعون على غراره. # فلا حساب للخليفة إذا جاءته الشكاية غير حسابه لضميره وخشيته أن يكون قد ظلم أحدا، أو ~~قمع شاكيا له مظنة صدق في شكايته، وغير ذلك حساب الملك والإمارة، فإنهما بين خوف الفتنة ~~وخوف الضرر على سلطان صاحب سلطان، ويأتي الإنصاف في المرتبة بعد النظام والمصلحة إن كان له ~~حساب. # ولقد شكا من الزكاة أيام الخليفة الأول أكثر أهل الجزيرة العربية، واستدعى قتالهم جهدا ~~أكبر من جهد القتال مع الأكاسرة والقياصرة، فما وقع اليقين في نفس الخليفة أنه على الحق وأن ~~الشاكين على الباطل؛ حتى أقدم على مكاره الحرب الداخلية وأقدم معه سائر المهاجرين والأنصار، ~~ولو تكرر هذا لتكرر علاجه بما يقتضيه في غير مبالاة بكثرة الشاكين وقلة المجاهدين. # المثل الآخر الذي تفترق فيه خطط الخلافة وخطط الملك من جانب الرعية، قبل جانب الرعاة، هو ~~مثل الخلاف بين القائدين سلمان وحبيب في حروب أرمينية. فقد وجد النزاع على الرئاسة ووجد ~~التنافس بين الأتباع، ولكنهما وجدا في موقف جهاد؛ فأوحى الموقف إلى المتنازعين والمتنافسين ~~خير ما يصنعون بغير حاجة إلى مشورة الخليفة، وهذه حادثة من حوادث عهد عثمان الذي اشتبكت فيه ~~معالم الخلافة ومعالم الملك، وغلبت فيه معالم الملك على مطالب المعيشة أيام السلم، بعيدا ~~من حمية الجهاد ومن خطر العدو المتحفز للانتقاض، وقريبا من شهوات الدنيا وبطالة ~~الفراغ. # وقضى للخليفة الثالث، باتساع دولته ودرء الأعداء عنها، أن يتولى أصعب خلافة في صدر ~~الإسلام. # كانت ثورة الفرس والروم والخزر والترك أول صدمة تلقاها، وأكبر بها من صدمة يتلقاها صاحب ~~دولة في أول حكمه، ولكنه ظفر بها وجاوزها بالدولة سليمة منيعة؛ فأسلمه الظفر إلى الصدمة ~~الكبرى، وهي صدمة الزلازل النفسية التي امتحن بها رعاياه في بحبوحة السلم والرخاء، وكانت ~~كلها طورا جديدا في حياة أولئك الرعايا: فلا هم رعايا خلافة، ولا هم رعايا مملكة، ~~متراوحين ms110 هنا تارة، وهناك تارة أخرى، بين بين، على غير نظام متبع في حالة واحدة أو في ~~الحالتين. # وقد أتينا من قبل على فارق بين الخليفة والملك في محاسبة النفس على شئون الرعية، ونأتي ~~الآن على الفارق الأصيل أو الفارق الشامل بين النظامين، وهو الفارق بين الثقة التي لا تحتاج ~~إلى حماية وبين السلطة التي تحمي نفسها. # فالخليفة يعمل ما يشاء في ظل الثقة به والاطمئنان إليه، يعمل اليوم ما ينقضه غدا ولا ~~ملامة عليه، ما دام عمله اليوم والأمس لغيره لا لنفسه، وللمصلحة العظمى التي لا يناله منها ~~نصيب غير نصيبه المقدور، وقد يرضى هو لنفسه بأقل من ذلك النصيب. # رعية تثق بخليفتها وخليفة يثق برعيته، ولكنه لا يبالي ألا يثقوا به إن كان على طمأنينة ~~بينه وبين ضميره وبينه وبين الله على السنة الإلهية التي يعلمها من أحكام دينه. # أما الملك فالسلطة هي قوامه عند ذويه سواء نعموا بالثقة طواعية أم خذلتهم هذه الثقة عن ~~إكراه وكراهية. # وقد وصلت الخلافة إلى عثمان وهو أحوج ما يكون إلى هذه الثقة، وهي أعصى ما تكون ~~عليه. # سبقه بالحذر من علية الناس خليفتان بلغت ثقة العلية والدهماء بهما غاية مبلغها، فأبو بكر ~~كان يحذر الدنيا على أولئك العلية، وعمر كان يسلمهم منها ما يأمن عاقبته عليهم، ولا يقدرون ~~على مخالفته؛ لأنهم لا يشكون فيه ولا الشك فيه مقبول منهم إذا هم قبلوه. # أما هؤلاء العلية فهم في خلافة عثمان منافسون ونظراء، وخلافته بينهم على شرط معرض في كل ~~لحظة للتأويل والحساب العسير. # وأما سواد الناس فقد شغلوا أولا ثم فرغوا من الشغل للبطالة والملاحاة وكأنهم ورثوا من ~~بيزنطية سلطانها ومعه محاك الجدل البيزنطي الذي تضرب به الأمثال، ولا يؤمن سواد الناس مع ~~البطالة والفراغ للقيل والقال. # وقد كانت سياسة أبي بكر وعمر أن يستبقيا العلية عندهما، ويرسلا الجند والقادة على قدر إلى ~~ميادين الجهاد، وكان عمر يقتضب الولاية على الولاة مخافة - كما قال - من أن يحمل فضل عقولهم ~~على الناس. # أما سياسة ms111 عثمان فقد اختلفت باختلاف الأحوال: سياسة عثمان كانت ترمي إلى إطلاق العلية في ~~الآفاق؛ إرضاء لهم وتوسلا بمقامهم بين الدهماء في كل قطر إلى تسديد النصيحة وحسن القيادة ~~واتقاء الفوضى، وهو اجتهاد منه، له ولا ريب جانبه من الصواب. # وعزت عليه الطمأنينة إلى الولاة مع الفراغ للدنيا بعد الجهاد، فاختار للولاية أناسا من ~~ذوي قرابته سبقت لهم ولاية في عهد الخليفتين السابقين؛ عسى أن يصدقوه العون بحكم القرابة إن ~~لم يصدقوه العون خالصا لوجه الله. # ولما اضطر إلى هذه الخطة حاسب ضميره فعمل على تدارك الضرر منها؛ فذلك حين وفد الوفود لكل ~~مصر من الأمصار عليه وال من ولاته الأقربين، فهم يعيشون في أمصارهم ويحضر منهم من يشاء في ~~موسم الحج ليرجع إليه بما يراه موضعا للمراجعة من أحوال مصره، وهذه خطته التي آثرها ~~للطمأنينة إلى ولاته والطمأنينة على رعاياه. # والذي شاع عن عثمان - وما أسهل الإشاعة - أنه كان يبالي ذوي الثراء ولا يبالي المقترين ~~والضعفاء، والذي كان يحدث منه فعلا أنه يغضب الطامعين ويحمي المطموع فيهم من أهل الذمة ~~وأهل الحاجة والمتربة، فمن أجل إبل الصدقة غضب الغاضبون حين حمى لها المرعى، وزاد في مرعاها ~~على حسب زيادتها، ومن أجل أهل الذمة غضب الشطار من قبيل حكيم بن جبلة؛ لأنه أدبهم وأمر ~~بحبسهم ونهاهم عن أموال أهل الذمة وهم يحسبونها حلالا مباحا لمن يسطو عليها، وكان رهط ~~المبعدين من الكوفة إلى الشام يحاور معاوية في هذه الأموال فينهاهم عنها ويكتب عنهم إلى ~~عثمان أنهم «لا يتكلمون بحجة وإنما همهم الفتنة وأموال أهل الذمة.» # فأما الرزق الحلال فقد فرض لأصحابه ضعف ما كانوا يأخذونه من الأعطية يوم تولى الخلافة، ~~ولم يفعلها سياسة بل فعلها إيمانا بالصواب في هذه الزيادة، وقد كان هو في عهد الفاروق أول ~~من قال بكثرة المال وأشار عليه برصد الأسماء وتوفية كل ذي حق حقه من العطاء خشية النسان ~~والتكرار. # وقد تعود المؤرخون أن يقسموا عهد عثمان قسمين: قسم الصلاح والرضى، وقسم الخلل والشكاية، ~~وهم على ms112 صواب في تقسيمهم هذا، وإن لم يصب منهم من قال إنهما قرينان لأيام الكهولة وأيام ~~الشيخوخة في حياة عثمان. # فالواقع أن عثمان كان شيخا جاوز السبعين على أرجح الأقوال في كلا القسمين، ولكن الفرق ~~الصحيح بين السنوات الأولى والسنوات الأخيرة من عهده أن الناس كانوا في شاغل بدفع الأعداء ~~في السنوات الأولى، وأنهم فرغوا للجدل والملاحاة في السنوات الأخيرة، وأن اتهام الولاة أيسر ~~من اتهام القادة في إبان القتال، وقد صارت الرئاسة كلها إلى الولاة بعد المشاركة بينهم وبين ~~قادة الحروب. # ولم يأت هذا التغيير في أطوار النفوس من جانب واحد ولا من الرعية وحدها دون راعيها؛ فحسب ~~طالب الحقيقة أن يعلم أنه لم يأت كله من جانب عثمان، وأن الرعية تغيرت فلم تصبح رعية ~~خليفة، وهي تحاسب ولي أمرها بميزان الخلافة. # أما أن عثمان لم يشترك في هذا التغيير بعمل من عنده؛ فذلك هو الطرف الآخر من طرفي الباطل ~~والادعاء. # إنما آفة عثمان أنه لم يخل من الأموية ولم يكن أمويا «كفاية». # فمن خلاله الأموية حب القرابة فهو مبالغ في إيثاره لذوي قرباه. # ومن خلال الأموية تلك «الطبيعة العملية» التي لم يكن للأسرة فكاك منها. # لقد كان أبو سفيان يخلط بين النبوة والملك فيقول للعباس: «لقد أصبح ملك ابن أخيك ~~عظيما.» # وكان ينظر إلى مال الفيء بين يدي رسول الله؛ فيقول للرسول عليه السلام: «لقد أصبحت أكثر ~~قريش مالا.» # وروي عن الحسن أن أبا سفيان دخل على عثمان رضي الله عنه حين صارت الخلافة إليه فقال: «قد ~~صارت إليك بعد تيم وعدي، فأدرها كالكرة واجعل أوتادها بني أمية؛ فإنما هو الملك ولا أدري ~~ما جنة ولا نار»؛ فانتهره عثمان وأخرجه مطرودا من عنده. # إن عثمان لأنزه نفسا وأطهر عقيدة من مثل هذه النزعة الدنيوية، ولكنه سلم من شر ما في ~~«الأموية» ولم يسلم من ميراثها بأجمعه؛ فكانت له نظرة إلى الإمامة قاربت أن تكون نظرة إلى ~~الملك، وكان يقول لابن مسعود كلما ألح عليه في المحاسبة: «مالك ولبيت مالنا؟!» ms113 وقال في ~~خطبته الكبرى يرد على من أخذوه بهباته الجزيلة في إيتاء ذي القربى على رواية الطبري: «فضل ~~من مال، فلم لا أصنع في الفضل ما أريد، فلم كنت إماما؟!» # فقد كاد في هذا المقال أن يرفأ الخلافة برقعة من الملك، ومالت به طبيعة العصر كله إلى ~~بقية من النزعة الأموية؛ فكاد الملك والخلافة لديه يلتقيان في حساب الأموال. ~~••• # على أنه مع هذا التوسع في فهم حقوق الإمامة لم يثبت أنه أنفق المال في غير مصالح الأمة ~~كما يقدرها، ويوافقه على تقديرها الكثيرون من المحدثين الذين نشئوا في عصر الاقتصاد وتقسيم ~~الموارد والمصروفات على حسب مرافق الدولة، وثبت على التحقيق أنه أنفق من ماله الخاص - قبل ~~الخلافة وبعدها - لاستصلاح أمور عامة من خصائص بيت المال، وقد تحرج أشد التحرج من إنفاق ~~المال على حرس يحميه في أسوأ أيام الفتنة، ولو أنه فعل لما خالف بذلك سنة الحكم في نظام من ~~النظم الحكومية. # وكانت له «سياسة اقتصادية» يلاحظ فيها تدبير المرافق العامة وتيسير التجارة والعمارة، ~~ومنها إصلاح ميناء جدة وتمهيد الطرق وإقامة الشرطة في المخافر وتنظيم الأسواق. # ومهما يقل القائمون عن ترخصه في العطاء وبذل الرواتب من بيت المال؛ فلا قول لأحد في حرمة ~~الحياة عنده حتى فيما يخشى منه الجور على حياته، فما طاوعه ضميره قط على إيقاع حكم الموت ~~بإنسان ممن استحقوا هذا الحكم بالشغب والعصيان، ومن لامه في هذا الباب فإنما يلومه؛ لأنه ~~أفرط في الرحمة والأناة، ولا يلومه لأنه قسا فضلا عن الإفراط في القسوة. # والمشقة التي يلقاها المؤرخون في هذا الصدد عظيمة متبعة؛ لأن الغالب في المؤرخين أنهم ~~يستسهلون الرأي كلما كتبوا عن رجل اشتهر بصفة من الصفات، وهم على دأبهم هذا قد يستسهلون ~~الرأي في تقدير سياسة عثمان بعد السنوات الأولى من خلافته على الخصوص، فما كان عملا ~~وتدبيرا فليس أسهل من إسناده إلى أعوانه، وما كان توانيا وتفريطا؛ فليس أسهل من إسناده ~~إليه، وإن أسندوه إليه ليقولوا: إنه غلب عليه. # وتحضرني في هذا المقام ms114 مساجلة بين بعض الصحاب سمعناها عن ضعف عثمان وتسيير الناصحين له من ~~حزبه ومن غير حزبه، إحدى الدلالات على ذلك أنه تاب ثم عدل عن التوبة مرات في عامه ~~الأخير. # والأمر الذي نسيه أصحاب هذه الدلالة أن التوبة شيء لم يطلب قط من أحد في تلك الآونة إلا ~~استجاب إليه، وما قيل لأحد قط: تب إلى الله، فأجاب على ذلك بغير التوبة والاستغفار، فما كان ~~منهم من أحد يرى أنه غني عن الاستغفار وتكفير الذنوب في وقت من الأوقات، أو كان يستعلي عن ~~الوقوف أمام الله موقف التوبة والندامة، ما كانت توبات عثمان إلا من هذا القبيل كلما دعي ~~إليها في أيامه الأخيرة، فإنما هي توبة لله وأمام الله، ولا عليه أن يعيدها في اليوم مرات ~~بعد مرات. # فمن تيسير المؤرخ على نفسه أن يحيل عمل عثمان وتدبيره على الأعوان والنصحاء، وأن يحيل ~~التواني والتفريط إليه أو إلى غلبة الأعوان عليه، ولا سيما المسئول الأكبر في رأي الأكثرين ~~عن أخطاء عثمان ابن عمه مروان. # فما كان لمروان هذا من القوة ما أسبغه عليه المداحون بعد قيام الدولة الأموية، ولم تكن له ~~هذه القوة حتى في مطامع الملك وهمم السيادة والرئاسة، فإنه كان يزاحم معاوية فلم يستطع أن ~~يبلغ معه كثيرا ولا قليلا، وراح يحرض عمرو بن عثمان ليناوئ معاوية ويقول له: إنه لم يأخذ ~~الخلافة إلا باسم أبيك، ثم ينزوي ولا يجسر على الظهور. ولم يفارقه هذا الخمول بعد موت ~~معاوية وابنه يزيد؛ فكاد أن يبايع عبد الله بن الزبير بالخلافة لولا النزاع بين اليمانية ~~والقيسية في الشام. # وقد أودى حمقه بحياته بعد أن صارت الخلافة إليه ذلك المصير الذي لا فضل له فيه، فقد خشي ~~أن يكبر خالد بن يزيد بن معاوية فينازعه سريره؛ فلم تهده حيلته إلى عمل يحتاط به لهذه ~~المنازعة غير أن يتزوج أمه ليصغره ويلحقه بأتباعه، وأمعن في هذه الحيلة لما كبر خالد فقال ~~له على مسمع من أشراف القوم: مالك ولهذا يابن الرطبة. فكان ms115 فيها حتفه، وقيل: إن خالدا أخبر ~~أمه فقالت له: لا يعلمن أحد أنك أخبرتني، ثم وضعت على رأس مروان وسادة ولم ترفعها حتى ~~مات. # فمروان هذا ليس بالعون الغالب الذي لا يخالف، وليس هو على الأقل بالذي ينسب إليه الرفق في ~~تسيير الناس للقتال متطوعين، أو الرفق في محاسبة الخصوم والثائرين، أو بذل العطاء لمن ~~ينافسهم وينافسونه من رؤساء بيت العاص أو بيت حرب في بني أمية، وغاية شأنه أنه المأمور الذي ~~لا يستعاض عنه بمن هو أنصح منه وأقدر على الطاعة وأعرف بما كان وما هو كائن من أخبار ~~العاصمة وأحوال الولايات لطول المراسلة والمعاشرة، ومن كان يحسب أن مشورته السيئة هي علة ~~العلل في محنة عثمان، فعليه أن يلغي هذه المشورة ويفترض أنه لم يقل بها ولم تسمع منه، ثم ~~لينظر ماذا يقدم هذا أو يؤخر من أزمة الحكم ومن فاجعة عثمان. # إنما المحنة كلها أنه زمن كان يحتاج حينا إلى ثقة الخلافة فلا يجدها، ويحتاج حينا آخر، ~~أو في الحين نفسه، إلى سلطة الملك فلا يجدها، ولن يسلم حكم يحتاج إلى سند الثقة في موضعه أو ~~إلى سند السلطة في موضعه؛ فلا يجد هذا ولا ذاك. # الفصل الحادي عشر # | مصحف الإمام أو مصحف عثمان # ينفرد اليوم بين أعمال عثمان عمل جليل يوازنها جميعا، يذكر باسمه حيث يذكر المصحف ~~الشريف، ويعلمه من يعلم أن المصحف «العثماني» منسوب إليه. # فقليل من الناس يعلمون اليوم أنباء الفتوح التي فتحها عثمان، وأنباء الغارات التي ردها ~~عثمان، ومنها ما تلتبس فيه أسانيد المؤرخين؛ فيختلط السند الواحد بين البلد والبلد وبين ~~السنة والسنة، ولا يعرف القول الفصل في ذلك كله إلا بعد معارضة ومقابلة بين الأنباء ~~والروايات لا يشتغل بها أحد غير المختصين. # أما عمل عثمان في المصحف فهو ماثل معلوم حيث يقرأ المصحف وحيث يقال: هذا مصحف عثمان وكل ~~مصحف اليوم هو مصحف عثمان؛ فلم تكن كلمة «المصحف» نفسها معروفة علما على الكتاب الذي يجمع ~~آي القرآن الكريم، فعرف المصحف تارة و«الإمام» ms116 تارة منذ سميا باسميهما في أوائل خلافة ~~عثمان. # وليس من مباحث هذا الكتاب تاريخ جمع القرآن منذ جمع لأول مرة في حياة النبي عليه السلام؛ ~~وإنما نذكر منه ما يذكر في تاريخ عثمان رضوان الله عليه، وهو باتفاق الخالفين بعده ألزم ما ~~كان لازما من أعمال العناية بحفظ القرآن الكريم. # جمع القرآن الكريم في حياة النبي عليه السلام بعد أن كان مفرقا في جريد النخل وصفائح ~~الحجارة والعظام والجلود والرقاع، ولم يرتب يومئذ على حسب السور والموضوعات، وفي ذلك يقول ~~الشيخ محمد العاقب الشنقيطي من أرجوزته المشهورة: # لم يجمع القرآن في مجلد # على الصحيح في حياة أحمد # للأمن فيه من خلاف ينشأ # وخيفة النسخ بوحي يطرأ # وكان يكتب على الأكتاف # وقطع الأدم واللخاف # فلما كانت أيام أبي بكر؛ قال له عمر: إن أصحاب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # باليمامة يتهافتون ~~تهافت الفراش، وإني أخشى ألا يشهدوا موطنا إلا فعلوا ذلك وهم حفظة القرآن. فهلا جمعته ~~وكتبته؟ فنفر أبو بكر أن يفعل ما لم يفعل رسول الله، ثم أرسل أبو بكر إلى كاتب الوحي زيد بن ~~ثابت فقال له مشيرا إلى عمر: «إن هذا قد دعاني إلى أمر فأبيت عليه، وأنت كاتب الوحي، فإن ~~تكن معه اتبعتكما وإن توافقني لا أفعل.» وتراجعا في الأمر حتى قال عمر: «وما عليكما لو ~~فعلتما ذلك؟» فنظرا مليا ثم قالا: «لا شيء!» # فجمعت الآيات وروجع الحفاظ في كل آية، ولم يشتغلوا يومئذ بنسخ ما جمعوه وإرسال النسخ إلى ~~الأمصار؛ لأنهم تتبعوا الآيات لجمعها لا لمخافة الاختلاف في قراءتها. # ثم حدث هذا الاختلاف بعد تفرق المسلمين في الأمصار على أيام عثمان، وبلغ من ذلك أن ~~المعلمين والصبية كانوا يقتتلون في المكاتب؛ لأن الصبية يرجعون إلى آبائهم فيسمعون منهم غير ~~ما سمعوه من معلميهم، وعاد حذيفة بن اليمان من قتال أرمينية، فلم يدخل بيته حتى أتى الخليفة ~~فقال له: «أدرك الناس يا أمير المؤمنين قبل أن يختلفوا في الكتاب»؛ فلم يتوان عثمان بقية ~~يومه، وأرسل إلى ms117 السيدة حفصة يطلب النسخة التي أودعها أبوها عندها قبيل وفاته وقبل أن ينتخب ~~الخليفة بعده، وأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث ~~بن هشام أن ينسخوها، ثم عارضها على ما يحفظه وهو يحفظ القرآن كله، وعارضها على ما يحفظ سائر ~~الصحابة؛ فخلصت له النسخة المتفق على قراءتها وترتيب آياتها، فلم يحجم بعد ذلك عن أمر كان ~~غيره خليقا أن يهابه، مذ رأينا أن أبا بكر قد تردد قبل أن يجيب عمر إلى مشورته وليس فيها ~~أكثر من مجرد التفكير في جمع الآيات المتفرقات. # أمر بعد حصول هذه النسخة لديه فأباد كل ما عداها إحراقا ومحوا، وأخذ «العسب واللخاف ~~والجلود» التي لم تختلف ولم تجتمع على ترتيب فدفنها بين القبر والمنبر، وأرسل من «المصحف» ~~كما جمعه نسخا إلى الأمصار يعتمدونها ولا يقرءون في غيرها. # عمل من أخلق الأعمال أن يوصف بأنه «عمل عثماني» في الإقدام عليه وفي أثره. # فهذه الجرأة أحق شيء أن يلتفت إليه من كانوا يحسبون أن صفة الرحمة أو صفة الطيبة تحجب ~~الشجاعة وتثني صاحبها عن تبعته إذا آمن بها. # وهذا العمل - في اختلاف تقديره وأثره - مثال من أعمال عثمان كافة، إذ كان معدودا عليه من ~~أكبر السيئات، ولم تبق لعثمان أعظم منه في تاريخ الإسلام. # الفصل الثاني عشر # | النهاية # قلنا في الفصل الأول من هذا الكتاب: «إن الصعوبة الكبرى أننا في هذه الفترة أمام حادثين ~~يرجع كل منهما إلى أسبابه وعوامله، ويتكلم عنهما بعض المؤرخين كأنهما حادث واحد متحد ~~الأسباب والعوامل، هذان الحادثان هما: التطور الاجتماعي، ومقتل عثمان رضي الله عنه، وأسباب ~~هذا لا تكفي لتعليل ذلك وليس من الحتم أن تؤدي إليه.» # ومقتل عثمان لا يوصف بأكثر من أنه «مشاغبة دهماء» لم تجد من يكبحها. # أما التطور الاجتماعي فلا بد من التفرقة في تعليله بين لغط الألسنة في حينه وبين البواعث ~~الحقيقية التي عملت فيه عملها الفعال، ولم تعمل فيه بداهة بألسنة اللاغطين في ذلك ~~الحين. # إنهم لغطوا ms118 يومئذ بسيادة قريش، ولغطوا بالأموال التي أغدقها ولاة الأمر على الأنصار ~~والأشياع، ولغطوا بإيثار الصنائع وذوي القربى. # ولم يكن شيء من هذا اللغط علة للتطور الاجتماعي الذي بدأ بعد دعوة الإسلام وانتهى بقيام ~~الدولة الأموية. # فالذين شغبوا على عثمان جاءوا من البصرة والكوفة ومصر ليبايعوا واحدا من ثلاثة هم الزبير ~~وطلحة وعلي، وكلهم من قريش. # ودولة بني أمية قامت بعد ذلك وهي دولة قرشية غالية في عصبيتها. # والذين ثاروا على بني أمية إنما ثاروا باسم بني هاشم وهم قرشيون، ومن بني هاشم قامت دولة ~~العباسيين ودولة الفاطميين. # وبعد نحو مائة سنة من مقتل عثمان قام بالأمر في الأندلس «صقر قريش» عبد الرحمن بن معاوية ~~بن هشام؛ فبايعه العرب والبربر لأنه من سلالة قرشية. # فلا يكفي أن يلغط بالنقمة على قريش سامرون في مجلس أو لاغطون في طريق؛ ليقال: إن التطور ~~الاجتماعي أيام عثمان إنما كان مداره على الضجر من قريش والرغبة في الخلاص من ~~سيادتها. # وقد غلا الأمويون في العصبية كما غلوا في كسب الأنصار والأشياع ببذل الأموال وإسناد ~~الولايات؛ فوطدوا ملكهم وقهروا خصومهم، ولم يقتل منهم أحد من جراء ذلك كما قتل ~~عثمان. ~~••• # كان خراج السواد في عهد معاوية خمسين مليون درهم، ومعها مثلها من هدايا النيروز ~~والمهرجان؛ فاحتجنها لنفسه وأنفقها في سبيل سلطانه ودولته. # ووهب خراج مصر كلها لعمرو بن العاص؛ جزاء له على معاونته إياه، وهو كان يربى على عشرة ~~ملايين من الدراهم، وجعل عطاء الحسن والحسين مليوني درهم وكان عشرة آلاف درهم في عهد عمر بن ~~الخطاب. # واقتفي يزيد آثار أبيه فسأل عبد الله بن جعفر حين قدم عليه: «كم عطاؤك؟» قال: «ألف ألف ~~درهم.» قال: «قد أضعفناها لك.» فقال له عبد الله: «فداك أبي وأمي ما قلتها لأحد قبلك»؛ ~~فضاعف عطاءه ثانية، ثم خرج عبد الله فقال جلساء يزيد له: «أتعطي رجلا واحدا أربعة آلاف ~~ألف درهم؟» فقال لهم: «ويحكم! إني أعطيتها أهل المدينة أجمعين فما يده فيها إلا ~~عارية!» # وهذه الهبات على عهد الدولة ms119 الأموية ربما بلغت في اليوم الواحد ما لم تبلغه هبات عثمان في ~~سنوات، وأكثر هبات عثمان من خاصة ماله، وليس فيما وهبه من بيت المال عطاء واحد لم تكن له ~~صلة بعمل من أعمال الفتح والجهاد. # فإذا كان الناس قد شغبوا على عثمان فلغطوا بسيادة قريش، أو لغطوا بالهبات والعطايا فليس ~~هذا اللغط هو حقيقة البواعث والقوى التي عملت في التطور الاجتماعي وانتهت بقيام الدولة ~~الأموية على دعائم من سيادة قريش وتقريب الأنصار والأشياع. # إنما تطور المجتمع الإسلامي بعد أيام الدعوة النبوية؛ لأن الدعوة النبوية قد رفعت مجتمعها ~~إلى الأوج الذي لا تقوى النفوس البشرية على مداومة البقاء فيه، ولو لم تتغير أحوال المعيشة ~~بإقبال الدنيا واتساع الفتوح، فإذا اتفق على النفس البشرية عسر البقاء في ذلك الأوج وفتنة ~~المعيشة معا؛ فلا بد من تطور المجتمع حالا بعد حال. # وقد يسمى هذا التطور انقلابا من قبيل الترخص في التعبير، أما حقيقته فهي نقيض ~~الانقلاب: حقيقته أنه رد فعل للانقلاب العظيم الذي طرأ على حياة الأمة العربية من أثر ~~الدعوة النبوية؛ فارتفعت مع تلك الدعوة شأوا لا طاقة للنفوس البشرية بالدوام عليه، وثابت ~~إلى طبيعتها بعد سكون تلك الوثبة، وغنمت منها القيم الجديدة التي دخلت في تقدير الرعاة ~~والرعايا وحسبت في موازين الأخلاق والآداب، فأما دوام الغيرة الروحانية سنوات وأجيالا على ~~قوة واحدة فذلك ما ليس فيه مطمع لطامع، وليس له سابقة ولا لاحقة من وقائع التاريخ. # هذا التطور الاجتماعي هو أحد الحادثين المختلفين اللذين يتلاقيان في سيرة عثمان، وفحواه ~~التحول مع الزمن من وثبة النبوة إلى ثقة الخلافة إلى سلطة الملك، أيا كان القول في سيادة ~~قريش وتوطيد الملك بالعصبية والهبات. ~~••• # أما الحادث الآخر فلا صفة له أكثر من صفة المشاغبات التي يجمح بها الدهماء، ولا اختلاف ~~بينهما وبين المشاغبات التي تعمل فيها: الأغراض الصغيرة، والغرائز الهوجاء، والدعاوي ~~الملفقة، والصيحات التي تقبل بغير تمحيص، وتنطلق على غير مقصد وعلى غير هداية. # وأساس البلاء كله البطر على الحقوق التي كسبوها من ms120 الإسلام ومنها حق خولهم إياه عثمان، ~~حين وفد الوفود، وندب طوائف منها للقائه في موسم الحج كل عام؛ لإبلاغه ما يشكونه من الولاة ~~وما يطلبونه إليه، وقد رأينا أنهم استسهلوا الشكاية من العمال من أيام عمر، ثم زادها سهولة ~~عليهم أنهم استطاعوا في عهد عثمان أن يقدحوا في انتخابهم ويشككوا الناس في كفايتهم للولاية ~~لولا قرابتهم من الخليفة، وليس أدل على وهي الأسباب الحقيقية للشكوى من حاجتهم إلى نبش ~~الماضي عن أسباب تثير الشعور ولا تستند إلى حجة غير المزاعم والأقاويل. ومن ذلك نبشهم عن ~~سيئات عبد الله بن أبي السرح الذي ارتد في عهد الدعوة، ثم تاب وولاه عمر بعض ولاياته في ~~مصر، فإنهم زعموا أن عثمان قد ولاه القيادة؛ لأنه أخوه في الرضاع، والصحيح أن عبد الله بن ~~أبي السرح كان أكفى الكفاة في قيادته، وأنه انتصر حيث قاد جيشا في البر أو في البحر، ومع ~~الروم أو مع أهل إفريقية، وزعموا أن عثمان نفل مروان بن الحكم بخمس الغنائم التي أرسلها ابن ~~أبي السرح من إفريقية، وهو غير صحيح، وإنما الصحيح أن ابن أبي السرح أخرج الخمس من الذهب ~~وهو خمسمائة ألف دينار؛ فأنفذها إلى عثمان وبقي من الخمس أصناف من الأثاث والماشية يشق ~~حملها إلى المدينة، فاشتراها مروان وبقيت من ثمنها بقية عنده فوهبها له عثمان يوم بشره بفتح ~~إفريقية، والناس على وجل من أخبار الغارات عليها. # وكقصة ابن أبي السرح قصة الحكم بن العاص الذي رخص له عثمان في العودة إلى المدينة بعد أن ~~نفاه النبي عليه السلام عنها، فإنما أبى النبي أن يساكنه في المدينة، ثم وعد عثمان أن يعفو ~~عنه، ولا حرج من مقامه حيث لا مساكنة له عليه السلام بعد وفاته، فقد أذن له بالمقام في ~~الطائف حيث لا يسكن معه وهي أحب في سكنها وأشهى. # ومن هذه الشكايات التي يبحث عنها الباحث، أنه ولى الوليد بن عقبة لقرابته، ثم اتهم بشرب ~~الخمر وثبتت عليه التهمة. فأما أنه هو الذي ولاه فغير ms121 صحيح؛ لأنه كان مولى من قبل عمر، وأما ~~أنه شرب الخمر فقد أقام عليه عثمان الحد وعزله، ولا يطلب من الإمام أكثر من ذلك. # ولاموه؛ لأنه لم يقتص من عبيد الله بن عمر لقتله الهرمزان المتهم بالتآمر على قتل أبيه، ~~وأيا كان وجه العدل في هذه القضية لقد كان لوامه على قتل عبيد الله لو أنه أخذه بالهرمزان ~~أكثر من عاذريه، فما كان أكثر من يقول يومئذ إن عمر قتل بالأمس وابنه يقتل اليوم، وقد كان ~~عذر عثمان في ترك عبيد الله أنه دفع الفتنة، فأطلقه ولما يمض على قتل أبيه أيام، ودفع ~~الفتنة ولا ريب حق من حقوق الإمام. # وذكروا أنه أبعد أناسا من الصحابة عن مساكنهم أو عن أعمالهم، ولم يذكروا أنهم أغلظوا له ~~في القول ولم يوقروه، وقد ضرب عمر بن الخطاب سعد بن أبي وقاص؛ لأنه لم يقف له في مجلس ~~الخلافة، وقال له: «إنك أردت أن تقول: إنك لا تهاب الخلافة، فالخلافة تقول: إنها لا تهابك!» ~~ولم يعرف عن إنسان أنه اعتذر لصحابي من الإساءة إليه كما اعتذر عثمان لابن مسعود إلى يوم ~~وفاته، وهو غاية ما يستطيع. ~~••• # وإذا كان أساس البلوى كلها سهولة الشكوى، فيومئذ يظهر بالشكوى من كان حقه أن يتوارى بها ~~من أصحاب الترات والذنوب، ولكن سماحة عثمان أطمعتهم في الظهور وسولت لمن شاء منهم أن ~~يجترئ عليه مع الشاكين والمتذمرين، وأعجب العجب في هؤلاء قصته مع محمد بن أبي حذيفة بن عتبة ~~بن ربيعة بن عبد شمس قريب عثمان وربيبه في داره. فإن الناس قد ولعوا بالكلام على محاباة ~~عثمان لأقربائه، وهذا واحد من أقرب الأقربين إليه أقام عليه الحد؛ لأنه أصاب شرابا، ثم ~~جاءه يطلب منه ولاية فأباها عليه، وقال له: لو كنت أهلا لذلك لوليتك! فكان هذا زعيم ~~الثائرين عليه في مصر ومعه نفر من ذوي قرباه. # ومنهم من عاقبه عثمان؛ لأنه كان يلعب بالنيرنجيات، ومن عاقبه لأنه تزوج بامرأة في عدتها، ~~ومنهم من عزله كعمرو بن العاص، فكان ms122 أحكم من أن يجهر بالشغب عليه، ولكنه كان يدعوه جهرة إلى ~~التوبة وهي دعوة أشبه ما تكون بالاتهام الصريح. # ومنهم من كان يزجره ولاة عثمان؛ لأنه كان يهذر في ~~الدين بما لا يعلم، أو يهذر فيه بما يعلم أنه الباطل ويضمر من ورائه سوء النية، كعبد الله ~~بن سبأ المشهور بابن السوداء، فقد أخرجه الولاة من بلد إلى بلد؛ لأنه كان يقول برجعة النبي ~~إلى الدنيا وحلول روح الله في علي، وقد كان علي رضي الله عنه أشد على ابن السوداء هذا من ~~عثمان وولاته. # وبين هؤلاء الشاغبين يسمع النصح الصادق من رجل كأبي ذر يروعه البذخ والترف؛ فيدعو إلى ~~التقوى والصلاح، وينعي على الذين يكنزون الذهب والفضة ويحبسونهما عن الخير والصدقة؛ فتحسب ~~صيحته على عثمان ولا قبل لعثمان بتغيير الزمن وتبديل الأوان، وقد حذر منه قبل أوانه ~~الصديق، ثم حذر منه الفاروق وجلة الصحابة الأكرمين. ولا شيء يجنى من تلك الصيحة إلا أن تملي ~~للشاغبين في شغبهم، وهم لا يصدقون صدق أبي ذر ولا يتقون تقواه. # ولقد أشير على عثمان بالضرب على أيدي الشاغبين، وكان عمرو بن العاص أول من قال له: إنه ~~قد لان لهم في المقال، ولم يجزهم بما استحقوه من جزاء، ومن محنة الإمامة في ذلك الزمن أن ~~يلام الإمام على النقيضين: على الرأفة بالشاكين، وعلى أنه أغضبهم ولم يجبهم إلى ما ~~سألوه. ~~••• # ولما جمع مجلسه للشورى كان من ناصحيه من أشار عليه بأن يشغل الناس بالجهاد؛ فلم يرض أن ~~يكون الجهاد سياسة يحمي بها نفسه ويشغل بها الساخطين عليه. # وكان من ناصحيه من أشار عليه باتخاذ الحرس أو بالسفر إلى الشام؛ فلم يقبل هذا ولا ~~ذاك. # وكان رأي علي أن يشتد في حساب الولاة، وأن يعزل منهم من نهج في الولاية منهجا لم يكن ~~يرضاه قبله الفاروق ولا الصديق، ولو فعل لعزل معاوية أول من عزل، ولكن ولاية معاوية في ~~الشام كانت أقل الولايات شغبا عليه. # وللسائل في أمثال هذه المآزق أن يسأل: «فعل عثمان ms123 هذا أو ذاك فسخطوا عليه، فهل يرضون عنه ~~لو لم يفعل هذا وذاك؟!» # واليقين في رأينا أن الرضى عنه في أمثال ذلك المأزق مطمع لا يرام؛ لأن أساس البلاء كله ~~سهولة الشكوى من الدهماء، ومتى سهلت الشكوى فالإعراض عنها محنة، واستجابتها محنتان؛ لأنها ~~تغري بالشكوى من جديد، وتزيد البلاء بزيادة السهولة طمعا في دوام الإصغاء. # وتحسب على عثمان أخطاء وهنات جنت عليه، وساعدت من أراد أن يتجنى عليه بالحق ~~وبالباطل، منها: توسعه في حقوق الإمامة، وتوسعه في معيشة الغنى بعد خليفتين كانا مثالا في ~~التقشف والرضى بالقليل، وقد توسع كذلك في تقريب ذوي قرابته واصطفائهم لأعماله وبطانته، ولم ~~يردعهم أن يجبهوا كبار الصحابة من أمثال علي وعبد الرحمن بن عوف بسوء المظنة والتهمة ~~الجائرة؛ فجعلوهم في حيرة من أمرهم: إن دخلوا في أمر الفتنة على عزم وقوة لم يأمنوا التهم، ~~وإن تجنبوا الأمر كله عزلوا عثمان حتى يشعر الناس بعزلته، وقد ظن من ظن بعد تفاقم الشر أن ~~عثمان إنما صرف من تطوعوا لحراسته في داره؛ لأنه لم يكن على طمأنينة من جانبهم، فتفرقوا ~~وأحس الشاغبون حول الدار من تفرقهم كأنهم خاذلوه. ~~••• # ومن الإنصاف له أن يقال: إن تقصيره في حق نفسه كان أكبر من تقصيره في حق رعيته؛ فقد أفرط ~~في المسالمة واغتفر ما لا يغتفر من العدوان عليه في حضرته، وتحرج غاية التحرج من البطش ~~بمساعير الفتنة؛ لأنه لم يكن من الغرور بحيث يبرئ نفسه من تبعة سخطهم، ولم يكن من الأثرة ~~بحيث يدرأ عن نفسه الخطر، وهو لا يبالي أكان على خطأ أم كان على صواب. # ولا نحسب نحن من أخطائه أنه أصر على الإمامة، وأبى أن ينزل عنها، وقال لمن أنذروه القتل ~~إن هو لم يعتزل: إنه لا يخلع قميصا ألبسه الله إياه، فقد عزا بعضهم هذا الإصرار إلى وصية ~~النبي له في مرض وفاته، وعزاه بعضهم إلى يقينه من الموت ويأسه من جدوى الاعتزال على رعيته، ~~وأيا ما كان باعثه على الإصرار فهو الباعث الذي ms124 لا يعزى إلى الأثرة ولا يفسره إلا ~~الإيثار في سبيل ما اعتقده واجبا عليه، حتى الإيثار على الحياة. # ومن الفضول في سيرة تدور على «تحليل الشخصية» أن نطيل في سرد أحداث الفتنة التي انتهت ~~بمقتله، وأن نحصر أسماء من تكاتبوا ومن دعا منهم ومن أجاب، فكل ما رواه المؤرخون من هذه ~~الأحداث يدل على مؤامرة مشتركة بين وفود الأمصار، عملت فيها الدعاية والاستثارة، وعملت فيها ~~الشعوذة والضلالة المدبرة، ولم تكن قط في مصلحة رأس من رءوس الصحابة الكبار؛ فيميل الظن إلى ~~اتهامه بالتدبير، فإن الفتنة التي يلغط فيها بالثورة على قريش لن تكون من تدبير القرشيين، ~~وإن الفتنة التي يشعوذ بها أصحاب الضلالة ممن يزعمون أنهم من دعاة علي لن تفيد عليا عند ~~المؤمنين، ولن يرضاها علي لدينه ولا لدنياه. # إنما هو شعب غوغاء لا رأس له ولا قدم، ووجود التدبير وراء هذا الشغب الأعمى هو الذي يوحي ~~إلى المؤرخ أن يدا كانت تعمل فيه لمحض الشغب وإلى غير نتيجة؛ إلا أن يفسد الأمر على الدولة ~~الإسلامية، وتحوم الشبهات من أجل هذا حول ابن السوداء ومن كانوا يستمعون إليه من شذاذ ~~الأمصار الذين قيل فيهم: «لا ندري أعرب هم أم عجم ومسلمون هم أم مفسدون مدسوسون على الإسلام ~~...» # ثم بلغ الكتاب أجله بقصة ذلك الكتاب الذي قيل: إنهم وجده مع غلام لعثمان يأمر فيه والي ~~مصر أن ينكل بقادة الوفد الذي عاد من عند عثمان. # عاد وفد مصر من عند عثمان موعودا بما يرضيه، ثم لم يلبث أن قفل ومعه كتاب مختوم بخاتم ~~عثمان يأمر فيه بجلد «عبد الرحمن بن عديس، وعمرو بن الحمق، وعروة بن البياع، وحبسهم وحلق ~~رءوسهم ولحاهم وصلب بعضهم ...» # ولم يعد وفد مصر وحده، بل عاد معه وفد الكوفة ووفد البصرة وهم مفترقون في الطريق، ولم يفت ~~عليا أن يسألهم عن هذا الملتقى العجيب، إن صحت قصة الكتاب! ~~••• # وحان المصرع الأليم الذي لا نحب أن نطيل النظر فيه، فإن تريثنا بعده هنيهة فإنما نتريث ~~لنستخرج العزاء ms125 لبني الإنسان من الشر المركوز في طبيعة الإنسان. # لئن كان مصرع عثمان شرا مطبقا، لقد كان كجميع الشرور، ينطوي على خير يبقى بعد زوال ~~الغاشية في حياة فرد أو أفراد. # كان الخير فيه ذلك الحق الذي آمن به من لا يحسنونه، فأراهم أنهم أهل لحساب ولي الأمر وهو ~~يبسط سلطانه من تخوم الصين إلى بحر الظلمات. # وكان الخير فيه ذلك الإيمان الصادق الذي صمد به شيخ في التسعين للكرب المحيق به وهو ظمآن ~~محصور في داره بغير نصير، ولو شاء لكان له ألوف من النصراء يريقون البحار من الدماء، حيث ~~عزت قطرة الماء. ~~••• # وإن وجبت كتابة السير، فأوجب ما يوجبها أن تكشف جانب الخير في أغوار النفس الإنسانية، لا ~~قصيدة مديح كما يقال بل تحية صدق تمتحن بالنار والنور بين ظلمات الشرور. وهذه السيرة ~~الرابعة من سير الخلفاء الراشدين لا نسميها بالعبقرية كما سمينا عبقرية عمر وعبقرية الإمام ~~وعبقرية الصديق؛ لأننا لا نؤمن بالعبقرية لعثمان رضي الله عنه، ونؤمن في الحق أنه ذو ~~النورين: نور اليقين، ونور الأريحية والخلق الأمين. ومن أبى عليه ميزانه أن يحابي في كلمة ~~تستدعيها المجاراة لما سبقها من الكلمات لن ينظم قصائد المديح في محراب التاريخ، فحسب النفس ~~البشرية أملا أنها غنية بالحق عن قصائد المديح في هذا المحراب. ms126