######OpenITI# #META# URI: 1383CabbasMahmudCaqqad.DirasatFiMadhahibAdabiyyaWaIjtimaciyya.Hindawi80940683 #META# Tags: literature #META# ID: 80940683 #META# Title: دراسات في المذاهب الأدبية والاجتماعية #META# AuthorID: 64642852 #META# Author: عباس محمود العقاد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # 1 - عصر النهضة في الأدب العربي الحديث‏ # 2 - الاتجاهات الحديثة في الأدب العربي‏ # 3 - الأدب والحياة‏ # 4 - الواقعية في الأدب‏ # 5 - الأدب العربي المطبوع ... تطور قبل القمر المصنوع‏ # 6 - اتجاه الشعر العربي الحديث‏ # 7 - كيف يكون التجديد في الشعر؟‏ # 8 - معراج الشعر‏ # 9 - شوقي في الميزان ... بعد خمس وعشرين سنة‏ # 10 - الفلسفة والفن‏ # 11 - نعرب أو نترجم‏ # 12 - الفكاهة في الأدب العربي‏ # 13 - شعراء المهجر الجنوبي‏ # 14 - الزهاوي وديوانه المفقود‏ # 15 - مشكلة المعجمات العربية الحديثة‏ # 16 - معجم المصطلحات الحراجية‏ # 17 - خليل مطران ... أروع ما كتب‏ # 18 - شعري‏ # 19 - نعم ... هي أقدم‏ # 20 - التيارات المعاصرة في النقد الأدبي‏ # 21 - مرداد‏ # 22 - عالم الغد‏ # 23 - العقل في الإسلام‏ # 24 - الكتب بين الإهداء والشراء‏ # 25 - التعليم عند العرب‏ # 26 - الجامعة في التاريخ‏ # 27 - تصوف إقبال ... من الهند أو الإسلام‏ # 28 - الإنسانية في سن الرشد‏ # 29 - الوعي السياسي في البلاد العربية‏ # 30 - الشعوبية‏ # 31 - شئون اقتصادية في الدولة الإسلامية‏ # 32 - الإسلام والحضارة الإسلامية‏ # 33 - أثر الحضارة الإسلامية في الحضارات الإنسانية‏ # 34 - آسيا والسيطرة الغربية‏ # 35 - مؤتمر باندونج في الميزان‏ # 36 - بعد انقضاء عام على مؤتمر باندونج ماذا حقق المؤتمر من أهدافه؟‏ # 37 - الطفرة غير محال‏ # 38 - خواطر في الجمهورية‏ # 39 - لو أصبحت مصر اشتراكية‏ # 40 - عهد الإقطاع يلفظ أنفاسه‏ # 41 - عالم الكتابة والكتاب في حاجة إلى التطهير‏ # 42 - أزمة التعليم‏ # 43 - العلم فيضان ولا بد أن نسبقه بإقامة جسور‏ # 44 - الصحافة والجنون‏ # 45 - الجيش وقائده‏ # 46 - ملكان ومرضان‏ # 47 - حرية القلم والريشة والإزميل‏ # 1 - عصر النهضة في الأدب العربي الحديث‏ # 2 - الاتجاهات الحديثة في الأدب العربي‏ # 3 - الأدب والحياة‏ # 4 - الواقعية في الأدب‏ # 5 - الأدب العربي المطبوع ... تطور قبل القمر المصنوع‏ # 6 - اتجاه الشعر العربي الحديث‏ # 7 - كيف يكون التجديد في الشعر؟‏ # 8 - معراج الشعر‏ # 9 - شوقي في الميزان ... بعد خمس وعشرين سنة‏ # 10 - الفلسفة والفن‏ # 11 - نعرب أو نترجم‏ # 12 - الفكاهة في الأدب العربي‏ # 13 - شعراء المهجر الجنوبي‏ # 14 - الزهاوي وديوانه المفقود‏ # 15 ms001 - مشكلة المعجمات العربية الحديثة‏ # 16 - معجم المصطلحات الحراجية‏ # 17 - خليل مطران ... أروع ما كتب‏ # 18 - شعري‏ # 19 - نعم ... هي أقدم‏ # 20 - التيارات المعاصرة في النقد الأدبي‏ # 21 - مرداد‏ # 22 - عالم الغد‏ # 23 - العقل في الإسلام‏ # 24 - الكتب بين الإهداء والشراء‏ # 25 - التعليم عند العرب‏ # 26 - الجامعة في التاريخ‏ # 27 - تصوف إقبال ... من الهند أو الإسلام‏ # 28 - الإنسانية في سن الرشد‏ # 29 - الوعي السياسي في البلاد العربية‏ # 30 - الشعوبية‏ # 31 - شئون اقتصادية في الدولة الإسلامية‏ # 32 - الإسلام والحضارة الإسلامية‏ # 33 - أثر الحضارة الإسلامية في الحضارات الإنسانية‏ # 34 - آسيا والسيطرة الغربية‏ # 35 - مؤتمر باندونج في الميزان‏ # 36 - بعد انقضاء عام على مؤتمر باندونج ماذا حقق المؤتمر من أهدافه؟‏ # 37 - الطفرة غير محال‏ # 38 - خواطر في الجمهورية‏ # 39 - لو أصبحت مصر اشتراكية‏ # 40 - عهد الإقطاع يلفظ أنفاسه‏ # 41 - عالم الكتابة والكتاب في حاجة إلى التطهير‏ # 42 - أزمة التعليم‏ # 43 - العلم فيضان ولا بد أن نسبقه بإقامة جسور‏ # 44 - الصحافة والجنون‏ # 45 - الجيش وقائده‏ # 46 - ملكان ومرضان‏ # 47 - حرية القلم والريشة والإزميل‏ # | دراسات في المذاهب الأدبية والاجتماعية # | دراسات في المذاهب الأدبية والاجتماعية # تأليف # عباس محمود العقاد # الفصل الأول # | عصر النهضة في الأدب العربي الحديث # يبدأ عصر النهضة في الأدب العربي الحديث منذ الصدمة الأولى التي شعر بها العالم العربي ~~على أثر الحملة الفرنسية التي قادها نابليون الأول إلى وادي النيل قبيل نهاية القرن الثامن ~~عشر، واصطحب فيها طائفة من العلماء والباحثين المنقبين، ومعهم مطبعتهم وأزوادهم من كتب ~~المراجع ومصنفات العلم الحديث. # يقول ابن خلدون: إن المغلوب مولع بمحاكاة الغالب؛ لأن الهزيمة توحي إليه أن مشابهة الغالب ~~قوة يدفع بها مهانة الضعف الذي جنى عليه تلك الهزيمة، ويوشك أن يندمج المغلوب في بنية القوي ~~المتسلط عليه ويفنى فيه - عادة وعملا ولغة وأدبا - إن لم تعصمه من هذا الفناء عصمة من ~~بقايا الحيوية كمنت فيه وورثها من تاريخه القديم. # ولقد كانت لوادي النيل عصمته التي سلم بها من غوائل الذهاب مع المحاكاة إلى نهاية شوطها، ~~فكانت ms002 الصدمة الأولى من صدمات الإيقاظ والتنبيه، ولم تكن صدمة يتبعها التضعضع والاستكانة، ~~أو استكانة يتبعها التسليم فالزوال. # وكانت لوادي النيل حيويتان كامنتان في تلك الفترة من فترات الجمود والظلام، ولم تكن حيوية ~~واحدة من بقايا التاريخ المندثر كما يحدث في كثير من أمثال هذه الصدمات. # كانت له حيوية المجد التاريخي المتأصل في الحضارة المصرية العريقة. # وكانت له حيوية اللغة العربية بثقافتها الروحية والفكرية، وهي حيوية لم يلتفت إلى حقيقة ~~قوتها من يكتبون عنها من غير العرب؛ لأن العربي الذي يدين بالإسلام يفسر بقاء اللغة بمعجزة ~~القرآن الكريم، ولكن الباحث الأجنبي الذي لا يؤمن بهذه المعجزة ينبغي أن يكون منطقيا مع ~~نفسه، فينسب إلى قوة اللغة تلك الحيوية التي أتاحت لها البقاء. # كان من أثر الصدمة الأولى بين العالم العربي وسطوة الحضارة الأوروبية الحديثة أن المغلوب ~~أخذ في محاكاة الغالب كما هي العادة العامة، وأن هذه المحاكاة بدأت بالتقليد الآلي الذي لا ~~تمييز فيه ولا اختيار، ولكنها لم تنطلق فيه إلى نهاية الشوط بل تحولت عنه بعد قليل إلى ~~المحاكاة المميزة المختارة، ثم إلى الاستقلال المتعثر المضطرب في أول الأمر، فالاستقلال ~~الناشط المسدد إلى الغاية من خطاه بعد حين. # إن حيوية التاريخ واللغة هي التي أوحت إلى عقول المتيقظين من أبناء الشرق أنهم يشبهون ~~أنفسهم في أيام مجدهم وازدهار لغتهم، ولا يشبهون الأوروبيين في حضارتهم الحديثة التي ~~انتصروا بها على جيش المماليك الغرباء عن ذلك التاريخ وعن تلك اللغة عند سفح ~~الأهرام. # فلم تمض سنوات على افتتان الشرق المغلوب بمظاهر القوة في الحضارة الأوروبية الحديثة، حتى ~~سمعت في مصر وفي العالم العربي صيحة الدعوة إلى إحياء التراث القديم ورد الأمانة إلى ~~أهلها مرة أخرى قبل فوات الأوان؛ لأن الحضارة الحديثة عند الأوروبيين عارية مستعارة من هذا ~~الشرق العربي، أخذوها وأقاموا بنيانهم على أساسها الذي هو أولى بنا ونحن أولى به من أن ~~نتركه للمستعمرين المتطفلين عليه، وليس بالعسير علينا أن نقيم بناءنا الجديد على أساسنا ~~القديم. # لهذا كانت الصدمة صدمة إحياء ms003 للتراث القديم، ولم تكن في أشد أيام الضعف والمحاكاة صدمة ~~تسليم وفناء. # بدأت النهضة في وقت واحد بالترجمة والنقل وبإعادة البلاغة العربية إلى الحياة في تراثها ~~المأثور من المنظوم والمنثور، وانقضى أكثر من قرن ونصف قرن منذ أيام الحملة الفرنسية تقدمت ~~فيه النهضة في مراحلها الثلاث إلى مرحلتها الحاضرة التي أوشكت أن تسير مع الحضارة الغربية ~~جنبا إلى جنب في مراحل التقدم والاستقلال. # تقدمت من مرحلة النقل الآلي إلى مرحلة النقل المتصرف، إلى مرحلة الاستقلال المبتدئ ~~المتعثر، إلى هذه المرحلة الأخيرة من مراحل الاستقلال المتمكن من غايته ومن خطاه. # ولم ينقض عصر الترجمة بعد ، ولا نعتقد أنه ينقضي أو ينبغي أن ينقضي في زمن من الأزمنة ~~المقبلة؛ لأن الثقافة الإنسانية في هذا العصر العالمي على الخصوص شركة بين أمم العالم لا ~~تقبل الانفصال أو الانقطاع، ولكن الفرق بيننا في هذا العصر وبيننا قبل نهاية القرن التاسع ~~عشر أن الترجمة اليوم لا تنفرد بالظهور في ميدان من ميادين الثقافة، ولكنها تظهر في جانب ~~ويظهر معها التأليف في جانب يضارعه في السعة والانتشار، أو تظهر الترجمة أحيانا على ~~التأليف، ولكنها ترجمة الفهم والاختيار والموازنة بين ما يؤخذ وما يترك، وليست بترجمة ~~النقل الآلي والاقتباس الجزاف. # ومن الحوادث الكبرى التي كانت لها صدمة كصدمة الحملة الفرنسية بعد أواخر القرن الثامن عشر ~~حادث الاحتلال البريطاني قبيل نهاية القرن التاسع عشر، ثم حادث الحرب العالمية الأولى ~~تتبعها الحرب العالمية الثانية إلى منتصف القرن العشرين. # وهنا كانت للحوادث الكبرى دفعتها التي حركت العالم العربي قدما إلى الأمام مع اختلاف ~~واضح بين أثر الصدمة الأولى وآثار الصدمات الأخيرة، ولكنه واضح في الدرجة والمقدار أكثر من ~~وضوحه في العمق والقوة. # فالصدمة الأولى كان لها أثر الانبعاث في أول الطريق، وفي نطاق محدود بين أبناء الأمة ~~الواحدة، والصدمات الأخيرة كان لها أثر المضي والاستمرار، وأثر الشيوع والاتساع الذي يناسب ~~السعة العالمية، وهي طابع كل حركة من حركات الجماعات منذ منتصف القرن العشرين. # والجديد بعد الحوادث الكبرى الجديدة بالنسبة إلى ms004 زماننا هو كل جديد يصاحب الكثرة العددية ~~وسعة الانتشار. # فاتساع العلاقات العالمية قد صاحبته الدعوات التي ترمي إلى تطبيق النظم الاجتماعية على ~~العالم كله، ولا تقنع بانحصارها في وطن واحد. # واتساع نطاق التعليم قد أدخل في ميادين الثقافة ألوفا من طلاب الثقافة - أو من قراء ~~الكلم المطبوع - لم تكن لهم عناية من قبل بشيء مطبوع أو مكتوب. # وقد تبين أن الحيوية الواقية كانت ألزم للعالم العربي في هذا الدور مما كانت في جميع ~~الأدوار الماضية منذ ابتداء النهضة في العصر الحديث. # فإن الدعوات العالمية خليقة أن تجور على كيان القومية، وأن تؤول بها إلى فناء كفناء ~~المغلوب في الغالب. # وإن شيوع الثقافة خليق أن يمسخها ويشوه معالمها؛ لأنه قد يضحي بالعمق والنفاسة في سبيل ~~الضحالة والإسفاف. # وقد أخذت الدعوات العالمية تتستر وراء اسم الأدب الهادف لتتجه بالكتابة نظما ونثرا وقصة ~~ودراسة إلى وجهة الدعاية المذهبية التي يروجها أعداء القومية والوطنية، وأعداء الثقافة ~~الخالدة من كل تراث مأثور. # وأخذت هذه الدعوات وغيرها من دعوات الكسب والتجارة في التستر وراء اسم «الشعبية» لتسويغ ~~الإسفاف السهل على الأدعياء، أو تسويغ القضاء على الشعب بالجهل الأبدي الذي يقصر مطالعاته ~~على موضوعات لا تعلو بالقارئ عن طاقة «الأمية» وما يشبه الأمية من سقط المتاع. # وأخذت الدعوة إلى هدم قواعد الفنون تظهر حينا من جانب العاجزين عن التعبير الفني بقواعده ~~الأصيلة، وحينا آخر من جانب المتواطئين على الهدم والمتعللين له كل يوم من وراء الستار ~~بعلة جديدة. # وأخذت الشعوبية تحارب العروبة بمختلف الأسلحة أو مختلف الحيل والأحابيل. # ولكن حيوية اللغة - ومعها حيوية التاريخ العريق - هما الحارس القوي الأمين الذي تقاصرت ~~عنه تلك الحيل وتلك الجهود، فبقيت النهضة على حصانتها المنيعة بين العاملين على هدمها ~~وتعويقها عامدين لرغبتهم في الهدم أو غير عامدين لعجزهم عن النهوض بمطالب الفن ~~الصحيح. # وحق لنا أن نقول: إن نهضة الأدب العربي في العصر الحديث قد أصبحت كما ينبغي عالميا في ~~الصميم؛ لأن العالمية في صورتها الصحيحة هي وحدة إنسانية تقوم على ms005 التضامن بين الأمم، ولا ~~تقوم على هدم هذه الأمة أو تلك في بلادها، وبناء العالم - المهدوم - من الأخلاط والفوضى ~~التي لا تعرف القومية ولا تعرف الإنسانية على السواء. # وقد صارت النهضة بالأدب العربي إلى السعة العالمية بهذا المعنى الذي لا اختلاف عليه بين ~~طلاب الثقافة الإنسانية، وإنما يكون الأدب عالميا إذا اتسع لكل موضوع من الموضوعات ~~الإنسانية المشتركة كما يحسها أبناء كل أمة في الزمن الذي يعيشون فيه، وليس بالشرط اللازم ~~في الأدب العالمي أن يكتب باللغة التي يستطيع أن يقرأها أبناء العالم أجمعين، فإن اللغة ~~الصينية يتكلمها خمسمائة مليون ولا يقال عن آدابها الحاضرة أنها أجدر بوصف العالمية من ~~آداب الأمة السويدية أو البلجيكية أو التشيكية، وإنما تكون عالمية بمقدار نصيبها من موضوعات ~~الأدب التي تشترك فيها أمم الحضارة في العصر الحديث، وبخاصة تلك الموضوعات «التعبيرية» التي ~~تصاحب الأمم الحية في كل زمن ولا تتوقف على نصيبها من المزايا العرضية بين حين وحين، فربما ~~كثر عدد الفلاسفة والرياضيين في زمن من الأزمنة وقل في زمن آخر، والأمة هي الأمة في ~~علاقاتها العالمية وتعبيراتها عما تكنه من الشعور، ولكن المعبرين عن ذلك الشعور من ~~الشعراء والأدباء والفنانين يقلون، وتكون قلتهم دليلا على نقص الحيوية، ويكثرون وتكون ~~كثرتهم دليلا على قوتها واندفاعها إلى إثبات وجودها والتعبير عن بواطنها. # ومن الأدلة على الصبغة العالمية في أدبنا الحديث أنه يمثل العوارض العالمية في نواحيها ~~المتعددة بما يصيبها من نشاط وفتور أو من محافظة وتجديد، فكل ما هو شائع رائج من الفنون بين ~~أمم الحضارة له مثل هذا النصيب من الشيوع والرواج بين المتكلمين بالعربية، وكل ما يقال ~~عنه: إنه شيء في غير أوانه يعاد فيه هذا القول بيننا مع اختلاف العبارة كما ينبغي أن تعترف ~~بين قوم وقوم يخالفونهم باللغة والتاريخ. # إن الشعر - مثلا - من الفنون التي يقال عنها أنها في غير أوانها بين أبناء العصر ~~الحديث، ويعتقد النقاد ما يعتقدون في تعليل ذلك، ونعتقد نحن أن المسألة كلها مسألة توزيع ~~لمواضع التعبير ms006 وليست مسألة انصراف عن وسائله وأدواته، فإن العصر الذي يملك من وسائل ~~التعبير عن العاطفة الإنسانية فنونا تتوزع بين المسرح، والقصة، والصور المتحركة، وأغاني ~~الإذاعة، والحاكي (الجرامفون)، وأخبار الصحف ... وغيرها من فنون العاطفة، لا يعقل أن يكون ~~نوع الشعر الذي يطلب فيه كنوع الشعر الذي يطلب، وهو هو الفن الوحيد المعبر عن عواطف ~~الشعراء والمستمعين. # وأيا كان سبب التغير في مناهج الشعر وميادينه، فالمهم فيما نحن بصدده أن الظاهرة ~~العالمية تظهر عندنا كما ظهرت بين أمم الحضارة الحديثة، وأنها آية من آيات الصيغة العالمية ~~التي تترقى إليها نهضة الأدب العربي الحديث. # تترقى نعم، ولا نقول إنها تصل إذا كان معنى الوصول الوقوف والاستقرار، وتترقى أيضا مع ~~حفظ النسبة بيننا وبين أناس سبقونا بعدة أجيال، وحسبنا مع الأمل الطيب في المستقبل أننا ~~وصلنا إلى الميدان، وإن لم نصل في أوائل الصفوف. # الفصل الثاني # | الاتجاهات الحديثة في الأدب العربي # 1 # للأدب في عصوره الناشطة على الخصوص حركتان: إحداهما التطور والامتداد؛ وهي حركة ~~متقدمة ذات اتجاه معروف يشبه اتجاه التيار بمجرى النهر المطرد في حركته إلى غاية مجراه، ~~وهي كذلك أشبه بحركة النمو في الجسم الحي تحتفظ بالبنية وتزيد عليها، ولا تلغي شيئا من ~~البنية إلا إذا جاءت بعوض له في مكانه. # والحركة الثانية هي حركة التغيير الذي ينبعث في الأدب وفي غيره عن مجرد حب التغيير، ~~وقد يسميها بعضهم مذاهب ومدارس وليست هي من المذاهب أو المدارس في شيء، وإنما الأحرى ~~بها أن تسمى بالأزياء والجدائل العارضة «الموضات» التي تتغير مع الزمن، وقد تعود في ~~صورة أخرى بعد فترة طويلة أو قصيرة، ولا معنى فيها للتقدم والاطراد، وإنما هي - بالنسبة ~~إلى حركة التيار في مجراه - أشبه بحركة الموج من الشاطئ إلى الشاطئ تزحف كل موجة منه ~~على ما بعدها، فتلغيه وتزول هي بعده في موجة أخرى، ولا تتقدم بالنهر خطوة واحدة في طريق ~~مجراه. # ويغلب على هذه الموجات التي يمحو بعضها بعضا في تواريخ الأدب أن تنشأ من سوء فهم ~~الآراء العلمية ms007 الحديثة وسوء تطبيقها على الموضوعات الفنية. # وأشهر ما حدث من هذا القبيل في العصر الحديث سوء فهم أصحاب «الموضات» في الفن لنظريات ~~فرويد وإخوانه من رواد التحليل النفساني، وأخصها نظرية الوعي الباطن ... # فقد سبق إلى الأوهام أن الوعي الباطن هذا اختراع حديث لم يكن له وجود في عصور التاريخ ~~الغابرة، وخطر لهؤلاء الواهمين أن الحس الظاهر لا يكون مرجعا للفنون بعد اكتشاف ذلك ~~«الوعي الباطن» ... ولا يجوز للفنان بعد اليوم أن يرسم ما يراه بعينيه ولو ظهرت فيه آثار ~~وعيه الباطن كله، بل يجب عليه أن يلفق المحسوسات كيفما تخيلها في وعيه الباطن وفي غيره ~~الذي لا يعرفه ولا يراه بطبيعة الحال! ولا ضير بعد ذلك أن تخرج الصور بلا مقاس معروف ~~لأمانة النقل أو لجودة الأداء التعبير، ولا بدليل مفهوم على الفارق بين الحسن والرديء، ~~وبين العناية والإهمال. # وليس أدل على جهل هؤلاء الواهمين بالفن نفسه من غفلتهم عن آثار الوعي الباطن في كل ~~صورة من صور الفنانين الأقدمين، مع الحرص على صدق الحس وأمانة الشبه واللون، فلا عجب أن ~~تنتهي هذه الأوهام إلى نهايتها التي لا محيص عنها، وهي الخلط الذي يلغي بعضه بعضا بعد ~~قليل. # وقد كان لسوء فهم المذاهب الاجتماعية أثر لا يقل في تضليله للأذهان عن الأثر الذي نجم ~~عن سوء فهم الدراسات النفسية. # فقد كان المفهوم من الاشتراكية في بداءة ظهورها أنها دعوة تحارب الامتياز بالثروة ~~المغتصبة وتمنع الاحتكار والاستغلال. # فلما وصلت الدعوة إلى الذين لا يفهمونها خيل إلى الجاهلين بها أنها تقضي على كل ~~امتياز بين أفراد الناس ولو كان امتيازا بالعبقرية، والمواهب العقلية، أو الفضائل ~~الخلقية ... وحسب فريق من هؤلاء أن الكتابة في غير مسائل الأجور وأسعار الطعام وحاجات ~~المعيشة اليومية تعني الترفع عن طبقة الدهماء، وأن كل استعداد للكتابة، غير الكتابة ~~التي يدركها الأميون وأشباه الأميين، هو ضرب من الفضول والخروج على مبادئ الاشتراكية ~~كما يفهمونها، ومصالح الشعب كما يقدرونها. # ومن آثار هذه الدعوة في الأدب العربي صياح الصائحين بإلغاء كل ms008 استعداد فني غير متوافر ~~لمن يجهلون أصول الفنون والآداب. # فلا لزوم لقواعد الرسم والتلوين في التصوير، ولا لزوم للنحو والصرف في اللغة، ولا ~~لزوم للقوافي والأوزان في الشعر، ولا لزوم - جريا على هذه القاعدة - لقيود العرف ~~والأخلاق في العلاقات الاجتماعية. # وبعبارة أخرى لا لزوم لمزية من المزايا، ولا لضرب من ضروب الاستعداد لا يشيع بين جميع ~~الناس. # وفي اعتقادنا الذي نبنيه على تجارب الواقع أن هذه الدعوات لا تجاوز أعمار «الموضات» ~~التي يعجل إليها الزوال، وأن هذه الأمواج التي يلغي بعضها بعضا ليست مما يطلق عليه ~~اسم الاتجاه في الأدب العربي ولا في غيره من الآداب العالمية، وليست هي بالتيار الجاري ~~في مجراه القويم على أية حال. # وفي وسع الناظر إلى أدبنا العربي في مجراه أن يصرف نظرته عن هذه الموجات جميعا ليرقب ~~النهر في طريقه المتقدم منذ مطلع نهضتنا الفكرية إلى اليوم، فإنه وشيك أن يتابع النهر ~~في طريقه منذ نيف وسبعين سنة، متقدما على سنة التطور بغير انقطاع، وبغير التفات إلى ~~هذه المقاطعة العارضة من الشاطئ إلى الشاطئ، في موقع محدود لا تتعداه. # ومن هذا الاتجاه المطرد يبدو لنا جليا واضحا أن الأدب العربي يتقدم في وجهة ~~الاستقلال بجملة معانيه بالنسبة إلى الفرد وبالنسبة إلى الأمة، وأن العلامة المحققة ~~لهذا الاتجاه هي الابتعاد يوما فيوما عن التقليد، والاقتراب يوما فيوما من التعبير ~~المطبوع الذي لا يقوم على المحاكاة ولا على النقل بغير تصرف فيه. # ففي الشعر يتقدم الشعراء سريعا من شعر النماذج العامة إلى شعر التعبير عن الشخصية ~~المستقلة. # وفي النثر على اختلاف موضوعاته يكثر التأليف ويزيد عدد الكتب المؤلفة على عدد الكتب ~~المترجمة في أكثر تلك الموضوعات، وذلك فيما عدا موضوعات الثقافة العلمية التي يكثر فيها ~~النقل لتزويد البرامج المدرسية بمادتها الصالحة للتعليم. # ونحن نعني بشعر النماذج؛ ذلك الشعر الذي يصف نموذجا من الناس كما يكون في الجماعة ~~العامة، ولا ينفذ من وراء النموذج إلى أفراد الناس «شخصية شخصية» مستقلة بطابعها عن ~~سائر الشخصيات الإنسانية. # فإذا تغزل ms009 مائة شاعر في معشوقاتهم، فالمحاسن المحبوبة في جميع هؤلاء المعشوقات واحدة ~~لا تنويع فيها، من صفات الطلعة والعين والأنف والثغر والقامة الهيفاء والخصر النحيل ... ~~إلى صفات الدلال، والتيه، والهجر، والمطل بالمواعيد. # وإذا امتدح شعراء العصر جميعا وزراء العصر جميعا، فليس أمامنا غير وزير واحد تتكرر ~~شمائله وأعماله في كل قصيدة بمختلف العبارات والأساليب. # تغير ذلك كله رويدا رويدا في مدى هذه السنين من عهد الثورة العرابية وما قبله ~~بقليل، وظهر بعده الشعر الذي يقوله «شخص» له شعوره المستقل وتقديره الخاص لمعاني ~~المديح، والذي يقال في معشوق له صفاته وملامحه وعاداته وأحاديثه التي تروى بلفظها ~~الشعري في أبيات القصيد، أو الذي يقال في ممدوح مميز بطابعه الحي الذي لا يختلط بغيره ~~من الممدوحين. # وسرى هذا الاستقلال سريانه السريع في منظومات الغناء من القصائد الفصحى أو الأزجال ~~والمواويل. # فالأغنية اليوم تعبر عن علاقة حاصلة أو عن واقعة محدودة، ولا ترسل إرسالا في ~~قالبها الموروث بنغماتها أو بمضمونها المكرر المطروق. # وظفر المسرح بنصيبه من هذا التطور في الروايات المسرحية، وأكثرها ينظم لإحياء ~~«الشخصيات» التاريخية بصورتها التي يخرجها الشاعر من القالب العتيق إلى عالم الحياة بين ~~الأحياء. # وظفرت المسائل الاجتماعية بالنصيب الأوفى في الشعر الحديث، وأكثر ما يكون ذلك في سياق ~~القصة المنظومة التي تمزج التعبير العاطفي بالنظرة الاجتماعية إلى أبطالها وبطلاتها، ~~وقد ألقيت في مهرجان الشعر الأخير بالإسكندرية قصائد لكبار الشعراء تزيد على العشر، ~~كانت سبع قصائد منها من باب القصص الاجتماعي أو النفساني، تهدف إلى غاية للشاعر وراء ~~الوصف الصادق والتعبير العاطفي عن وقائع القصة ومواقفها. # أما النثر الأدبي فقد كاد يقصر على القصص وعلى التراجم أو السير التي يصح أن تلحق ~~بالقصة التاريخية. # وانصرف القصاصون عن الموضوعات الغرامية أو الحماسية «الرومانسية» التي تصور الحياة ~~الواقعة في أحياء المدن وجهات الريف، وغلبت القصة الهادفة على الأغراض القصصية الأخرى، ~~كما غلبت الأهداف القومية الاشتراكية على جملة الأهداف التي يرمي إليها «الهدفيون» من ~~القصصين. # وكان للمسرح حظه الموفور من فن القصة الهادفة، وراجت الكتابة ms010 باللغة العامية في القصص ~~المسرحية؛ لأنها مقصودة لأغراضها «المحلية» الموقوتة فلا تحتاج إلى الأسلوب الفصيح، وهو ~~أسلوب كل كتابة يقرؤها أبناء الأقاليم على اختلاف لهجاتهم العامية، واختلاف الأزمنة بين ~~جيل وجيل. # ولا يوجد في القصص العربي اليوم ذلك النوع من القصة الذي يدخلونه في الغرب تحت ~~عنوان «البرج العاجي»، ويعنون به أدب الزينة والرفاهية وأدب العواطف اللاهية التي يتسع ~~لها وقت الفراغ. # وإنما يوجد من بين الكتاب الكبار من يشترك في وضع القصص الرمزي الذي يتناول سرائر ~~النفس الإنسانية، ويكاد يحسب من رموز التصوف وأسرار «ما بعد الطبيعة.» # ويوجد كذلك من بين كبار الكتاب من يمارس أدب «البرج العاجي» في حواره المنتظم ~~وموضوعاته التي تستعار أحيانا من الأساطير وما إليها من مبتكرات الذوق والخيال، ولكن ~~روايات هذه النخبة من كبار الكتاب لم تخل قط من ناحية اجتماعية أو ناحية فكرية لا يصدق ~~عليها وصف الناقدين لأدب «الفراغ»، وقد يقال في هذه البروج العاجية أنها لم تخل من ~~حجراتها التي ينتفع بها للسكن والمأوى من حين إلى حين. # وتكاد القصة تجور على نتاج الأدب المنثور، وأن تشغل الأكثرين من قرائها على أبواب ~~الأدب الأخرى، ولا نخالها تركت لهذه الأبواب الأدبية ما يزيد على ربع محصول التأليف مما ~~تصدره المطابع في كل عام. # إلا أن التأليف في النقد الأدبي وفي تاريخ الأدب، وفي المقالة الوصفية، لا يزال في ~~ازدياد وانتشار عند المقارنة بين مؤلفات اليوم وأمثالها من المؤلفات إلى منتصف القرن ~~العشرين ... ويتسم التأليف في هذه الأبواب بسمات العصر كله؛ وهي سمات الاستقلال أو ~~الترجمة مع التعقيب عليها والتصرف في الآراء والأحكام التي تحتويها، وربما استخدم ~~المؤلفون في النقد الأدبي أو تاريخ الأدب مصطلحات المذاهب الغربية من أقدم عصورها إلى ~~العصر الحديث، ولكنهم يحاولون في أكثر الأحوال أن يقابلوا بينها وبين أصول البلاغة عند ~~العرب في المشرق والمغرب، ويعطوا الشعر العربي حقه من الافتراق عن أشعار اللغات الأخرى ~~بمقوماته التي تستلزمها الفوارق الأصلية بين لغة الاشتقاق والوزن في كل كلمة من ~~كلماتها، ms011 وبين لغات النحت وهي لا تتقيد بالوزن في كلمة من كلماتها، ولا توضع فيها ~~المشتقات على أوزان مقررة لا تحيد عنها. # وينبغي أن نذكر هنا أن هذه الوجهة في أدبنا الحديث تعم أدب المرأة كما تعم أدب الرجل ~~إن صح هذا التقسيم في ثمرات الفنون، وإنما يصح في جميع الأذواق والمشارب أن ينقسم الأدب ~~إلى الجيد منه وغير الجيد، ولا تتوقف جودته على جنس الأديب ولا سنه ولا مزاجه، ولكنه ~~يختلف في بواعثه ولا يندر أن يكون اختلافه بين أديبين من جنس واحد أقل من اختلافه بين ~~أديبة وأديب. # وقد اشترك في مهرجان الشعر الأخير نحو عشر أديبات: منهن باحثتان في النقد الأدبي وفي ~~تاريخ الأدب، وسائرهن شاعرات لم يزلن في سن الشباب، إذا لوحظ في شعرهن شيء خاص ينسب ~~إلى الجنس - فهو الميل إلى المحافظة في التزام أصول الشعر على عروض لا يجوز فيها إهمال ~~الوزن القافية، وليس هذا بالشيء الخاص بأدب المرأة إلا في اعتبار القائلين: إن المرأة ~~أقرب إلى المحافظة على سنة الجماعة. # ولكن اشتراك المرأة في الحركة الأدبية على أية صورة من الصور هو نفسه علامة مستقلة من ~~أبرز علامات الاتجاه المتطور مع الزمن الحديث، وخلاصته في كلمات الختام أنه اتجاه من ~~التقليد إلى الاستقلال، أو من النماذج التي يغيب فيها الفرد بين أشباهه إلى «الشخصية» ~~المتميزة بطابعها في اختيار التعبير واختيار الموضوع، أو هو على الإجمال اتجاه الكاتب ~~الذي ينقل عن مشق منقوط كمشق الخطاط، إلى صاحب الخط الذي لا تتشابه فيه يدان. # 2 # مذهب الفيلسوف «هيجل» في أطوار الأمم وأدوار التاريخ يصدق على اتجاهات الأدب في اللغة ~~العربية، وفي غيرها من اللغات الحية. # وخلاصة مذهب «هيجل» - كما هو معلوم - أن كل دور من الأدوار يتبعه ضده أو نقيضه، ثم ~~يلتقي النقيضان على حد وسط بينهما، حتى إذا استقر هذا الحد الوسط على وضع متفق نجم منه ~~نقيضه دواليك على النحو المتقدم. # وفي كل عصر من عصور الأدب يستطيع الناقد أن يكون على يقين من ms012 تقابل اتجاهين مختلفين: ~~أحدهما تغلب عليه المحافظة، والآخر يغلب عليه التجديد، ثم يتوسط بينهما اتجاه معتدل لا ~~إلى هذا الطرف ولا إلى ذاك. # حدث هذا في الأدب العربي بين أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين؛ إذ تيقظت ~~الأمم الشرقية وأخذت تنظر في أسباب ضعفها، وتعالجها بما بدا لها من بواعث قوتها، فرأى ~~فريق منها أن يرجع إلى القديم؛ لأنه عهد العظمة والتفوق على غيرها، ورأى فريق آخر أن ~~الرجوع إلى القديم لا سبيل إليه لانقضاء زمنه وتبدل أحوال الزمن بعده، وأن القوة إنما ~~تكون بمحاكاة الأقوياء من أبناء الحضارة الأوروبية في كل شيء، ومن ذاك اتجاهات الآداب ~~والفنون. # ثم اعتدلت بين المدرستين مدرسة متوسطة ترى أن المحاكاة لا تفيد، سواء أكانت محاكاة ~~للقديم أم محاكاة للجديد، وإنما الصواب أن نأخذ بالحسن من كليهما وأن نحذر من «التقليد ~~الأعمى» حيث كان، فلا ندين بالتقليد لأحد، ولا نتجه إلى وجهة في أدبنا وفنوننا غير ~~الوجهة التي نستقل فيها بالرأي والشعور. # وتكاد هذه المدرسة أن تغلب على اتجاهات الأدب في العصر الحاضر، وأن تنجح في تدبير ~~الحلول الصالحة لأكبر المشكلات التي عرضت للأدب العربي في الآونة الأخيرة وهي مشكلة ~~الفصحى والعامية، وأيهما نعتمد عليه في لغة الثقافة والكتابة. # ورأي هذه المدرسة الوسطى أن الفصحى لها موضعها وموضوعاتها، وأن العامية لها كذلك موضع ~~وموضوعات، فهي - أي: العامية - لا تصلح للتعميم بين الأمكنة والأزمنة المختلفة؛ لأنها ~~بطبيعتها محلية وقتية، ولكنها تصلح للمسائل التي تعالج في حينها ومكانها، ثم تنتهي ~~بانتهاء ذلك الحين وذلك المكان. # ولكن هذه المدرسة تعارضها في السنوات الأخيرة دعوة جامحة تحاول أن تنطلق من جميع ~~القواعد وجميع الأصول، وآفتها الكبرى أنها تخلط بين القواعد والقيود، فتحسب أن الانطلاق ~~من القيود سيلزم الانطلاق من القواعد الفنية، وهو وهم ظاهر البطلان؛ لأن الفنون لا توجد ~~بغير قواعد تعصمها من الفوضى، بل لا توجد لعبة عامة بغير قاعدة عامة، ولا يستطيع لاعب ~~الشطرنج أو النرد أو الدومينة مثلا أن يحرك القطع كما يشاء، وإلا ms013 بطلت اللعبة كلها في ~~لحظة واحدة. # ومن أسباب التفاؤل في مصير هذه الدعوة الجامحة أنها أجنبية غريبة لم تخلقها بنية ~~الأمة ولم تنبتها جذورها العريقة ولا فروعها الحديثة، ولكنها أشبه بالزوان بين سنابل ~~القمح، يوشك أن يخنقها لو بقي، وليست له مع هذا قوة على البقاء. # فالاتجاهات الحديثة في الأدب العربي لا توجهها هذه الدعوة في الواقع ولا تنقاد لها ~~باختيارها ولا على غير قصد منها، وإنما تأتي هذه الاتجاهات نتيجة للحالة العملية التي ~~طرأت خلال ربع القرن الأخير، وهي حالة يلخصها ظهور الإذاعة وانتشار الصحافة وزيادة عدد ~~القراء، حتى دخلت في موازين القراءة والكتابة مسألة الكثرة العددية، بعد أن كان الحكم ~~فيها للصفوة المختارة من المثقفين أصحاب الآراء والأذواق. # إن هذه الحالة العملية ليست مذهبا من مذاهب البحث والتفكير، وليست مدرسة من مدارس ~~الفن التي تتقابل فيها الحجج والأقوال، ولكنها هي النتيجة التي لا بد منها في أول عهد ~~الإذاعة مع انتشار الصحافة وتداول القراءة بين عدد كبير من القراء، تميل الجمهرة ~~الغالبة منهم إلى التسلية، ولا تستعد بثقافتها لطلب الفنون العالية والتعبيرات الرفيعة ~~في آداب اللغة، وسائر التعبيرات التي تؤديها الفنون بوسائلها المتعددة. # وتتلخص هذه النتيجة في الاتجاهات الآتية: # أولها: # وفرة القصص السهلة التي تخاطب الغرائز ولا سيما الغرائز الجنسية ~~وغرائز الصراع التي تتأثر بالمخاوف والأهوال، وتمثيل القصص بالصور ~~المتحركة قد جعلها من شئون السماع ولم يقصرها على القراءة. # وثانيها: # شيوع الموضوعات العرضية التي يمكن أن توصف في جملتها بأنها من ~~موضوعات الصحافة الشائعة يشترك فيها جمهرة القراء. # وثالثها: # قلة الشعر المستقل وكثرة الشعر الذي يعتمد على الغناء والمناظر ~~المسرحية، ويقترن به الرقص ومواقف الغزل واللهو على الإجمال. # تلك هي الاتجاهات الشائعة التي تعم الجمهرة القارئة ولا تتخصص بطائفة من طلاب ~~المطالعة التي لم تتأثر بانتشار الصحافة المبتذلة وبرامج الإذاعة ومعارض الصور ~~المتحركة. # إلا أنها - كما قلنا - اتجاهات شائعة تحكمها العددية، ولا تلغي وجود الاتجاهات الجدية ~~التي تستعد للأدب بثقافة عالية أو فهم راجح، ورغبة صادقة في الاستفادة ms014 وتهذيب العقل ~~والذوق. # فإلى جانب القصص الغريزية والمناظر المثيرة، توجد المطالعات الرفيعة في النقد ~~والتاريخ والتحليلات النفسية، وتوجد التصانيف التي يدرسها الطالب في جامعته، وتشتمل ~~عليها برامج التعليم في مراحله العالية. # وربما كان نصيب النقد أكبر من نصيب الخلق والابتداع في هذه المطالعات الجديدة، ولكنه ~~نقد مستقل في كثير من موضوعاته، وكل استقلال فهو نوع من الخلق والإنشاء وإن لم يأت ~~بثمرة جديدة؛ لأن الاستقلال في النقد كالإبداع في ثمرات الفنون، كلاهما يعتمد على ~~«شخصية» المؤلف وموازينه التي لا تختل بالمحاكاة أو بالمجاراة. # وطوالع الأمل تبشر بالانتقال من هذه الحالة إلى حالة خير منها؛ لأنها تبشر بالتخصص ~~بين القراء كما تبشر بالتخصص بين الأدباء. # فالقصة المهذبة توجد إلى جانب القصة الغريزية وإن كانت الآن لا تروج مثل ~~رواجها. # وقلة الشعر المستقل أو المحض لا تدل على انطفاء شعلة الشعر في النفس الإنسانية، ولا ~~نحسب أن هذه الشعلة تنطفئ في وقت من الأوقات؛ إذ كان الشعر ملكة إنسانية لم تتجرد منها ~~قبيلة من قبائل البشر وصلت إلى طور التفاهم والتخاطب، ولا شك أنه أول ما يسيغه الطفل ~~الوليد من الكلام؛ لأنه يتأثر به في المهد قبل أن يفهم ما يقال بلغة الخطاب. # إنما قل الشعر المحض؛ لأن موضوعه مشترك في العصر الحاضر بين كثير من التعبيرات التي ~~تؤدي رسالته أو تنوب عنها، ومنها السماع الميسر في جميع البيوت من طريق الإذاعة أو طريق ~~الأسطوانات، ومنها التعبيرات العاطفية التي تنفس عن شعور القارئ والسامع كلما اطلع على ~~خبر أو حادث ينبه إحساسه ويشغل خاطره كما كانت تشغله من قبل قصائد الشعراء. # ونحن في عصر يجمع بين النقيضين؛ لأنه عصر المشاهدات العالمية التي تواجه الإنسان كل ~~يوم بملحمة مفعولة وإن لم تكن ملحمة منظومة أو مقروءة. # نحن في عصر يستطيع أن يجمع بين النقيضين؛ لأنه عصر العالميات التي لا تنحصر في حدود ~~البلدان، وهذان النقيضان هما: التخصص والتعميم. # ففي وقت واحد يتخصص الطب مثلا، حتى ليوجد الطبيب الذي يعرف كل شيء عن علاج ms015 العين ~~ولا يعالج الأنف، وهو إلى جوارها. # وفي هذا الوقت نفسه يشعر هذا الطبيب أنه ينقطع في عزلة عن العالم وعن علمه نفسه إن لم ~~تتسع معارفه العالمية، ولم تكن له إحاطة ملمة بكثير من الدراسات والمعلومات. # وكذلك يتجه الأدب إلى التخصيص كلما عم وانتشر وشاع بين الجمهرة والعلية المفكرة، فلا ~~يزال حتى ينفرد كل فن من فنونه بقرائه وكتابه مع الإلمام المحيط بسائر الفنون. # وخلاصة القول في اتجاهات الأدب العربي الحديث أن الاتجاه المتطرف منها غير أصيل وغير ~~مستمد من بنية الأمة العربية، وأن الحالة العملية أقوى أثرا فيه الآن من المذاهب ~~والمدارس الفكرية، ولكن هذه المدارس والمذاهب لم تتزحزح عن مقامها، ولا تزال في انتظار ~~التطور الذي يأتي به التخصيص بعد التعميم والشيوع، وأن الملكات الناقدة أكبر عملا في ~~عصرنا هذا من الملكات الخالقة، ويشفع لها أنها ملكات ناقدة تجنح إلى الاستقلال، وهو ~~أقرب ما يكون إلى الخلق والابتكار. # وكل شيء يمكن أن يقال عن الأدب العربي الحديث إلا أنه في ركود وجمود؛ إذ الواقع أنه ~~في «ارتجاج» دائم لا ركود فيه، ولا بد من هذا الارتجاج في التمهيد للفرز والتمييز ~~والصفاء. # وكذلك يأتي المحض بعد المحض في مضطرب الآراء والأقوال. # الفصل الثالث # | الأدب والحياة # من العناء الضائع تعريف الأدب على صورة من الصور للاعتراف بنوع من الأدب وإنكار نوع آخر، ~~فما من تعريف سمعناه إلا وهو يسمح لكل أدب أن ينطوي فيه. # يقال مثلا إن الأدب ظاهرة اجتماعية، أو يقال إنه ظاهرة اقتصادية أو ظاهرة بيولوجية، أو ~~غير ذلك من الظواهر المختلفة، ولك أن تقول عن ظاهرة من هذه الظواهر أو عنها جميعا: حسن، ثم ~~ماذا؟ فلا يسع صاحب التعريف أن ينتهي بك إلى باب مغلق على نوع من أنواع الأدب. # ذلك أن الأدب كالحياة لأنه تعبير عنها، فلا يستوعبه مذهب ولا يستغرقه أسلوب. # قل مثلا: إن الأدب ظاهرة اجتماعية، فماذا في هذا؟ # إن المجتمع لا يستنفد أغراضه ومقاصده في أربع وعشرين ساعة، ولا في سبعة أيام، ms016 ولا في شهر ~~أو بضعة شهور، ولا في عام أو بضعة أعوام. # ومن الجائز أن ظاهرة اجتماعية تتحقق في خمسين سنة، وتبدأ في هذه السنة وكأنها معزولة عن ~~المجتمع أو مناقضة لمصالحه الظاهرة، ولكنها بعد خمسين سنة تؤتي ثمراتها التي لا نعرفها ~~اليوم ولا نعرف سلفا كيف تكون. # وليس أضر بالمجتمع من قطع النسل، ولكن الكاتب قد يشجع العزوبة في قصة يكتبها، وقد يكون ~~تشجيعه لها احتجاجا على نظام الزواج في المجتمع، وقد يؤتي هذا الاحتجاج ثمرته بعد سنوات، ~~فيصح على هذا الاعتبار أن يكون تشجيع العزوبة ظاهرة اجتماعية ودليلا على مرض اجتماعي يحتاج ~~إلى العلاج . # فإذا قلنا: إن الأدب مسألة اجتماعية فما الذي أبحناه بهذا التعريف؟ وما الذي ~~حرمناه؟ # بل أنت مستطيع أن تشيد بالأدب الذي يسمونه أدب البرج العاجي، ولا تخرج به عن الأدب الذي ~~هو مسألة اجتماعية. # فإذا جاز في المجتمع أن تغرس حديقة للنزهة لا تزرع فيها القمح والشعير ولا تغرس فيها ~~التفاح والكمثرى، فقد جاز في هذا المجتمع نفسه أن تنظم الشعر وصفا للأزهار ~~والبساتين. # وإذا جاز في المجتمع أن تنشئ مصلحة للآثار لا تبيع تحفها ولا تساوم عليها، فقد جاز في هذا ~~المجتمع نفسه أن تصف أبا الهول بمقال أو عدة مقالات، وجاز فيه أيضا أن تحاكي تلك الآثار ~~بصناعة الصور والتماثيل. # ومن السخف أن يقال إن الطبقة الحاكمة هي التي تنحرف بالأدب عن خدمة المجتمع لخدمة ~~مصالحها ومآربها، وإن الأمر وكل إلى الشعب لما نظم أحد شعرا ولا كتب حرفا في غير ~~القوت والكساء والدواء وما يلحق بهذه الأشياء. # فقد عرفنا الأدب الشعبي بمصر سبعة قرون متوالية، فلم تعرف فيه هذه الشروط ولا تلك ~~الموانع، ولم نعرف له صبغة عامة غير الصبغة الإنسانية التي تعم جميع الطبقات في جميع ~~الأوقات. # على أي موضوع كان الأدب الشعبي يدور بمصر منذ القرن السادس للهجرة؟ # إنه كان يدور على ملاحم أبي زيد الهلالي، والزناتي خليفة، والزير سالم، وسيف بن ذي يزن، ~~وغيرهم من أبطال هذا الطراز. ms017 # وقد اختلفت الهيئة الحاكمة خلال هذه القرون من الدولة الفاطمية إلى الدولة الأيوبية إلى ~~دول المماليك إلى الدولة العلوية. # واختلفت الأحوال الاقتصادية من رواج النقل في تجارة المشرق والمغرب إلى انقطاع الصلة ~~بينهما إلى نشأة الزراعة القطنية إلى تجدد المعاملات التجارية بين القارات الشرقية ~~والغربية. # وفي جميع هذه القرون كانت قصة أبي زيد هي هي، وقصة الزير سالم على نسختها الأولى، وقصة ~~الذوين والتبابعة مسموعة في القرن الثالث عشر كما كانت تسمع قبل ذلك بثلاثة أو أربعة ~~قرون. # وهذا هو رأي الشعب في الأدب الشعبي، لا سلطان عليه للطبقة الحاكمة؛ لأن هذه الطبقة ~~الحاكمة كانت تجهل اللغة التي نظمت بها قصائد السيرة الهلالية وما شابهها، ولأن قبائل بني ~~هلال وبني تغلب وبني من شئت من الآباء لم يكن لها سلطان على الدولة الحاكمة، ولا كانت ~~الدولة الحاكمة معتزة بهم أو جارية في نظام المجتمع على مثالهم. # فلماذا أقبل الشعب على تلك الملاحم يسمعها ولا يمل سماعها سبعة قرون أو تزيد؟ # وإذا كانت الأفلام والروايات المسرحية في قبضة المخرجين، وكان المخرجون في قبضة رأس ~~المال، فشاعر الربابة الذي تسخره عشرة دراهم من العشاء إلى مطلع الفجر تراه في أي قبضة كان؟ ~~... وما هي المناوبات المصرفية أو البرجوازية أو الحركية أو الاسترخائية التي كانت تدبر من ~~وراء الستار لصرف الشاعر عن الكلام في الرغيف والفول المدمس إلى الكلام في البطولة والغزل ~~وغرام مرعي وسعدى وآخرين وأخريات؟ # إن هذه الملاحم حقيقة واقعة، وإن غرام الشعب بها حقيقة واقعة، وإن ثباته على الافتتان بها ~~مع اختلاف الدول والأحوال الاقتصادية والطبقات الحاكمة حقيقة واقعة. # فأين يذهب تعريفنا الأدب بأنه مسألة اجتماعية بين هذه الحقائق الواقعة؟! وأي فرق بين ~~الأخذ بذلك التعريف وإهماله غاية الإهمال؟! # أليس المقصود بالأدب الشعبي أن يكتب بلغة الشعب؟ # أليس المقصود به أن يلقى القبول والإقبال عند طبقة الشعب؟ # أليس المقصود به أن يصدر من صميم الشعب ولا يصدر من الحكام أو المستغلين؟ # أليس المقصود به أن يأتي طواعية من الناظم إلى ms018 المستمعين بغير تسليط ولا إكراه؟ # بلى ... وكل أولئك كان موفورا للملاحم الهلالية وما جرى مجراها؛ فلماذا كانت هذه الملاحم ~~دائرة على البطولة والغزل، ولم تكن دائرة على الرغيف والفول المدمس؟ ومن الذي أكره الشعب ~~على طلب هذه المعاني والإعراض عما عداها؟ # جواب واحد لا سبيل إلى الحيد عنه بكلمة من كلمات الرطانة التي يلفظ بها أصحاب الأمر ~~والنهي في تعريفات الآداب. # وذلك الجواب هو: شعور الإنسان. # فالشعب «إنسان» قبل كل شيء، ونفس الإنسان تهتز في كل زمان لأريحية البطولة والغزل، وتجري ~~في ذلك على سنة الحياة التي لا سنة غيرها للأدب والفن، كيفما اختلفت الطبقة الحاكمة ، ~~واختلفت أحوال المعيشة، واختلف الناظمون والمستمعون. # لقد كان الشعب يستمع إلى ملاحم أبي زيد وهو موفور الطعام ناعم بالرخاء والسلام، وكان ~~يستمع إليها وهو مهدد بالمجاعة والوباء، ولم يكن من هم الحاكمين أن يعلموا المحكومين ~~البطولة ويعرضوا أمامهم قدوة المجازفة والهجوم على الموت والخطر، ولعلهم قد مضى عليهم زمن ~~وهم لا يعلمون من هو أبو زيد ولا يسمعون باسمه، بل لعلهم منعوا الجلوس على القهوات التي ~~تنشد فيها تلك الملاحم مرات بعد مرات منعا للضوضاء والشجار، وهم لا يدرون من أسبابه ~~الكثير أو القليل. # ثم بطلت ملاحم أبي زيد وخلفتها بطولة رعاة البقر في البراري الأمريكية، أو خلفتها بطولة ~~العصابات في المدن الكبرى، ولم تكن لرعاة البقر ولا للعصابات دولة تروج لها الدعوة في وادي ~~النيل، ولم يكن إقبال الشعب على هذه الملاحم بعد تلك الملاحم؛ لأنه «تأمرك» بعد أن ~~تعرب، وإنما حلت دار الصور المتحركة محل القهوة البلدية وبقي حب البطولة والغزل كما كان؛ ~~لأنه حياة يفهمها الحي كائنا ما كان القائلون والممثلون. # وإذا انحدرنا من عالم الإنسان إلى عالم الحيوان والنبات، فما هو العنوان الاجتماعي الذي ~~يندرج تحت زهر الفول وتغريد العصفور؟ # إننا نتخيل في هذه اللحظة رطانا من أصحاب البرجوازيات والاسترخائيات والانتهازيات قد ~~شال بأنفه وصعر خده وامتلأ عجبا من هؤلاء الناس الذي يسألون أمثال هذه الأسئلة الفضولية، ~~ويخفى عليهم أن ms019 الأمر متعلق باللقاح والتناسل ووفرة الغذاء في الربيع! # وأفادهم الله وإن لم يفيدونا شيئا. # ولكنهم مسئولون بعد ذلك: لماذا يغني العصفور يا ترى إذا شبع؟ أليس الشبع هو المقصود وفيه ~~الكفاية؟ ولماذا يغني إذا تغزل؟ أليست الغريزة الجنسية هناك؟ ولماذا تضيع الطبيعة وقتها في ~~تزويق أوراق الفول؟ أليس هذا ترفا برجوازيا استرخائيا مظهريا إلى آخر هذه ~~المنسوبات؟ # لقد كان أجهل جاهل من المستمعين إلى ملاحم الهلالي والزير سالم إنسانا أكرم من بعض هؤلاء ~~التقدميين الذين يرسمون للأدب طريقه وللحياة طريقها، وهم عالة على الأدب وعلى ~~الحياة. # وسيعاد تعريف الأدب على ألف صورة! مسألة اجتماعية تارة ومسألة اقتصادية تارة ومسألة ~~حركية أو سكونية تارة أو تارات، ولكنه لن يمتنع بذلك عن موضوع ولن ينقطع لموضوع، ولن يكون ~~أدبا ما لم يكن نصيب من شعور الإنسان، وبهذه المثابة يحدثنا عن القطب الشمالي فيحدثنا عن ~~قريب، ويروي لنا خبر البطولة فيروي لنا خبرا يهز نفس الفقير والغني والصغير والكبير، ~~ويذكر لنا الزهرية فلا يقول له قائل حي: دعها واذكر قدرة الفول المدمس، ما دام إنسانا ~~يرجع إلى الطبيعة إن لم يرجع إلى نفسه، فيلمس منبت الفول وزهرته من تربة الحياة. # الفصل الرابع # | الواقعية في الأدب # يسأل بعض القراء عن الواقعية في الأدب والفن: ما هي؟ ومن هم الواقعيون؟ وما أصل هذه ~~الدعوة؟ وما هي رسالتها في عالم الآداب والفنون؟ # وهذا في جلية الأمر أسئلة عن شيئين لا عن شيء واحد: أسئلة عن الواقعية في نشأتها ~~التاريخية، وأسئلة عن الواقعية في دعوتها الحاضرة بعد اتصالها بالدعوات الحديثة من وجودية ~~وآداب موجهة، وفوق الواقعية أو سريالية، وما هو من قبيلها في الدعوات الحديثة. # إن الواقعية في نشأتها التاريخية دعوة بدأت في أواسط القرن التاسع عشر ردا على الدعوة ~~الرومانية أو المجازية، وترتيبها في سلسلة الدعوات التي نشأت بعد عصر النهضة يأتي في المكان ~~الرابع بعد دعوة الإنسانيين ودعوة السلفيين المحدثين ودعوة الرومانيين أو المجازيين. # في عصر النهضة حوالي القرن الخامس عشر أخذ الأوروبيون في الكتابة ms020 باللغات الوطنية بعد أن ~~كانوا يكتبون الأدب والعلم باللاتينية أو بالإغريقية، ونشأ من ذلك ما لا بد أن ينشأ عن ~~الكتابة بلغات لم تتسع قبل ذلك لمطالب الأدب والعلم والفلسفة والدراسات الرفيعة ~~والوضيعة. # نشأ من ذلك كتابة بغير قاعدة وبغير أحكام مرعية تضارع القواعد والأحكام في لغة اللاتين ~~ولغة الإغريق، واستمر دعاة المدرسة الإنسانية على هذه الفوضى في الصيغ والأساليب، فارتاع ~~العلماء والأدباء الذين تفقهوا بآداب السلف وبلاغتهم العالية، ونهضت من بينهم دعوة سميت ~~بالسلفية الحديثة؛ لأنها تنادي باتباع أساليب السلف واتخاذ القواعد على نمط جديد من غير ~~تقليد كتقليد النقل الآلي على عصر الجمود. # وشاعت هذه الدعوة السلفية الجديدة، ونحن نسميها الدعوة الاطرادية؛ لأنها تدين بالاطراد ~~على سنة متبعة، وتنكر الابتداع المتفرق الذي تذهب فيه كل طائفة مذهبها المنقطع عن سواها، ~~كأنها بدعة من البدع لا تئول في جملتها إلى قسطاس مستقيم. # شاعت الدعوة السلفية أو الاطرادية وسارت سيرا لم يعرف له نظير منذ عصر الكتابة ~~اللاتينية والإغريقية، ومضى عليها نحو ثلاثة قرون وهي مسيطرة على الأقلام والألسنة في ~~القارة الأوروبية، كلما ضعفت في أمة من أممها قامت بها أمة أخرى لا تزال في طور النشأة ~~الأولى، وتمادى بها الإصرار على القواعد والأحكام، حتى جمدت وتحجرت وضاقت بها الأقلام ~~والألسنة في إبان عصر الثورة الفرنسية، فتصدى لها طلاب التجديد والتصرف الحر لإطلاق العقول ~~والأذواق، ونشأت من ثم مدرسة الرومانيين أو المجازيين، تحاول أن تجعل لكل كاتب أو شاعر ~~نصيبا من الحرية الفردية إلى جانب القواعد المقررة في الأساليب العامة، وصادف ذلك شيوع ~~الأقاصيص الشعبية التي تمتزج فيها أخبار الفرسان والأبطال، وأخبار العشاق والحسان، وأطلق ~~على الدعوة اسم الرومانية؛ لأن تلك الأقاصيص كانت تعرف في الغرب باسم الرومان. # فالمدرسة الرومانية إذن تقوم على أركان ثلاثة، هي: ~~(1) # سهولة القواعد. ~~(2) # وحرية الكاتب في إظهار نزعته الشخصية. ~~(3) # وتصوير الحياة على صورة الأمثلة الموروثة من أيام أقاصيص البطولة ~~والفروسية. # هذه الدعوة الرومانية أو المجازية أفرطت وأصابها ما يصيب كل إفراط من رد الفعل وحب ms021 ~~التغيير، فكان رد الفعل هو الدعوة الواقعية أو الريالزم، وهي مفهومة على هذا الوجه في ~~نشأتها التاريخية، فإذا أردنا أن نعرف لماذا نشأت دعوة الواقعيين، فعلينا أن نعرف العيوب ~~التي أرادت تغييرها من دعوة الرومانيين في دور الإفراط والانحدار، وهذه العيوب تجتمع في ~~مأخذين ظاهرين: أحدهما حب التجميل، والآخر ظهور الطابع الشخصي المفرط في الكلام المنظور ~~والمنثور. وحجة الواقعيين في إنكار هذا الطابع الشخصي المفرط أنه يخل بالحقيقة العلمية، ~~ويصبغ الحادث والأشخاص بصبغة ملونة على حسب أهواء الكاتب والشاعر، وهذه الصبغة من حب ~~التجميل تبتعد بالكتابة عن الواقع المشاهد في الحياة، وتصور الناس كأنهم يعيشون في عالم ~~الخيال، ولا يمارسون الدنيا المحسوسة، كما يمارسها الأحياء بما فيها من جمال وقبح، وما ~~يمتزج بها من سرور وحزن، ومن سعادة وشقاء. # وعلينا أن نذكر أن الواقعية ظهرت مع العلم الحديث في إبان نشأته واندفاعه، فأرادت أن تكون ~~الكتابة كلها على نسق الكتابة العلمية، مجردة من الطابع الشخصي والنزعات العاطفية مقيدة ~~بالصور التي تشبه الصور الشمسية كأنها من صنع الآلة لا تسلم من الجمود والجفاف، ولا نكران ~~لرسالة الدعوة الواقعية في حينها، ولا في صواب الحملة التي حملتها على مدرسة التجميل ~~والطابع الشخصي والأخيلة المثالية، ولكنها هي أيضا تعرضت لعواقب الأفراد وانتهت إلى هذه ~~العواقب على أيدي فريق من الواقعيين بلغ بهم اللجاج في دعوتهم إلى إنكار الواقع أو إلى ~~تصويره كما أرادوه، فعادوا من الباب الآخر إلى أخطاء كأخطاء الرومانيين وخالفوا دقة العلم ~~وأمانة الحس، فلا هم واقعيون يلتزمون الوصف المحسوس، ولا هم خياليون يتعلقون بالأمثلة ~~العليا. # يصورون الدنيا كأنها ليل مطبق الظلام، والواقع المحسوس يرينا بأيسر نظرة أن الدنيا ليل ~~ونهار، وأن ليلها لا يخلو من ضياء ونهارها لا يخلو من غمام وغطاء. # ويصورون الحياة كأنها جحيم ليس فيه غير الزبانية والمعذبين، والواقع المحسوس يقول لنا كل ~~يوم إن الدنيا ليست بالجحيم وليست بالفردوس المقيم، ولكنها دنيا تستحق منا أن نجاهد ونسعى، ~~ولو كانت جحيما مطبقا لما كان فيها معنى للسعي ms022 والجهاد. # ويصورون الناس كأنهم لا يحلمون ولا يتخيلون، وليس من الواقع أن نسقط الأحلام والأخيلة من ~~حسابنا؛ لأن الواقع الذي يراه اليقظان بكلتا عينيه المفتوحتين أن الناس يحلمون ~~ويتخيلون. # ويصورون الرذيلة كأنها حكر لطائفة واحدة، هي الجانية وغيرها من الطوائف مجني عليه كما ~~يقال في لغة القانون، والواقع أن بني آدم جميعا يصابون ويصيبون، ويجنون من الرذيلة وتجني ~~عليهم الرذيلة، ويكيلون بالكيل الذي يكال لهم في السر والعلانية، فليس فيهم ذرية ملائكة ولا ~~ذرية شياطين. # وأعجب العجب أن يكون الواقع حجتهم في الصدق والكذب والحق والبطلان، وأن يكون الواقع في ~~الوقت نفسه هو الفساد الذي يجب أن يتغير وهو الباطل الذي لا يعول عليه ... فهو مقدس لأنه ~~واقع، وهو لعنة لا يحق لنا أن نواجهها إلا لنطلب تغييرها ونهدمها من أساسها ونأتي بشيء ~~يناقض هذا، والواقع الذي نحسه ونراه، وإنما تحقق هذه الصورة على الواقع لأناس غير ~~الواقعيين؛ لأنهم يدينون بعقيدة لهم تتمثل بعد في الواقع المحسوس، ولم تزل بعد حلما من ~~الأحلام أو خطة معروضة للبحث ومعروضة بعد ذلك للتنفيذ، وليس بالنادر أن نسمع أناسا من دعاة ~~الواقعية ينادون بها وهم يجهلون أصولها ويخلطون بينها وبين الدعوات التي تناقضها، فيزعم ~~أحدهم أنه واقعي وجودي، وهما نقيضان؛ لأن الواقعية تفرض على من يدين بها أن يصف الحادث ~~وصفا علميا خاليا من الصبغة الشخصية كأنما هو تجارب العلم أو معادلات الرياضة التي ~~تتساوى عند جميع الناس، وهذا في حين أن الوجودية تحرص على إبراز الخصائص الفردية، وترى أن ~~كل فرد نسخة فريدة لا تتكرر في الكون، ولا يجوز أن يتشابه وجود هذا الفرد ووجود ذلك لأن ~~التشابه تقليد، والتقليد إلغاء للوجود أو نزول به إلى مرتبة الآلات، وهي الكائنات التي لا ~~تعلم بوجودها ولا بوجود سواها من باب أولى ... # ومنهم من يزعم أنه مادي تاريخي واقعي مستقبلي في نفس واحد، مع أن المستقبليين يحتقرون ~~التاريخ، ويقول زعيمهم «مارينتي» إن الالتفات إليه كإفراغ الدم الحي في توابيت الموتى، ومع ~~أن المادي يصطنع ms023 التبشير بالسلم، والمستقبلي يجعل الحرب سبيل الارتقاء واختيار الأصلح ~~للبقاء. # ومنهم من يزعم أنه واقعي وطبيعي في وقت واحد، مع أن المذهب الطبيعي إنما نشأ لاستدراك نقص ~~يراه في الدعوة الواقعية، ومهما يكن بين الدعوتين من وجوه الشبه فهما مفترقتان حين تنظر إلى ~~أنواع الأدب التي تحاربانها وتحملان عليها، فالواقعية تحارب الخيال والخرافة الشخصية، ~~والدعوة الطبيعية تحارب الصنعة والتنميق والفصاحة المتأنقة ولا تنكر الصبغة الشخصية، ويكاد ~~كل قطب من أقطابها يبرز بصورته المعروفة من وراء أبطاله وحوادثه ومناظره المنتقاة، وليست ~~الكلمة الأخيرة اليوم للدعوة الواقعية ولا للدعوة الطبعية في سوق الدعوات ومزاحم الأفانين ~~والعناوين، فقد ظهرت بعدها دعوات الداديين والمكعبيين والمستقبليين وما شابهها من الدعوات ~~التي يشملها جميعا عنوان السريالية أو فوق الواقع ... وقد يكون المقصود بما فوق الواقع أنه ~~يتجاوز الواقع المحسوس إلى الواقع المستتر في العقل الباطن، أو الواقع المختلط بالفوضى في ~~ضوضاء المدينة الحديثة، فكلما ابتعد الفن عن العقل والرشد ومضى في اللغو أو في أضغاث ~~الأحلام فهو التعبير الصحيح عن هواجس النفس الخفية، وعن الوعي الباطن الذي يرفض المنطق ~~والحمة وصور الجمال ومحاسن الأخلاق. # يكفي اسم «الدادية» للدلالة على الغرض الأخير من هذه الدعوات فوق الواقعية، فإن الكلمة ~~مأخوذة من الحروف الأولى التي يلفظ بها الطفل على مثال «بابا» «ماما» و«دادا» في ألفاظ ~~الفترة الأولى؛ لأنها باصطلاح الطفولة الفرنسية تطلق على حصان الأطفال. # وأول سطر يقول هؤلاء الواقعيون الفائقون: إن عبارات الأحلام هي أصدق العبارات الإنسانية، ~~إنها مكامن النفس على البديهة تنطلق بلا تزويق ولا تنسيق ولا نفاق ولا اختلاق. # وأصح من ذلك أن يقولوا إن صيحات الحيوان هي الصدق الذي لا صدق فوقه على هذا الاعتبار، ~~وإذا تراجعت هذه الدعوات النافرة بكلمة واحدة، فهي كلمة التحذير التي تقال لمن يتخطى الحدود ~~... «عندك». # نعم، هذه الدعوات النافرة تترجمها جميعا كلمة «عندك»، تقال تحذيرا لكل دعوة تجاوز ~~الحدود وتخالف الواقع باسم الواقع، وهي ليست من الواقع في كثير ولا قليل. # إن الواقعية الصادقة لا تجرد البشرية من ms024 أحلامها ولا تجرد الدنيا من محاسنها، فلا يعاب ~~الأدب الذي يصور لنا الإنسان على حقيقته والدنيا على حقيقتها، وما وراء ذلك فهو وراء الواقع ~~في الحس وفي العقول. # الفصل الخامس # | الأدب العربي المطبوع ... تطور قبل القمر المصنوع # يسألونك: هل يتطور الأدب العربي في عصر القمر الصناعي؟ # ولك أن تقول: بل قد تطور الأدب العربي فعلا، قبل أن يكون القمر الصناعي شيئا يدركه ~~العلم، أو شيئا يدركه العيان. # وليس يخفى أن الحكم على القمر الصناعي حكم على شيئين مختلفين: القمر الصناعي في عالم ~~النظريات العلمية، والقمر الصناعي في عالم الصناعة والتطبيق الذي يخرجه إلى حيز ~~المحسوس . # والفكرة - أو النظرية العلمية في الأقمار الصناعية - ليست بالبدعة الحديثة، وليست كذلك ~~بالأثر القديم الموغل في القديم، ولكنها على أية حال ليست بسابقة الفكرة الأدبية التي نتعلم ~~منها أن الأدب ينبغي أن يكون صادقا في التعبير عن الحياة الحاضرة، ولا ينبغي أن يكون ~~محاكاة آلية لما سبق من الآداب في الأزمنة الماضية. # وليس منا من لم يشاهد حقيقة النظرية العلمية التي يقوم عليها اختراع الأقمار الصناعية، ~~قبل ظهور هذا الاختراع إلى حيز الحس بعشرات السنين، فإنما يجري القمر الصناعي على نظرية ~~التوازن بين قوة الجاذبية وقوة الحركة التي تطرد الجسم من المركز على حسب سرعته، وكلنا قد ~~رأى تطبيق هذه النظرية في كوب الماء الذي لا تسقط منه قطرة وهو يدار في سرعته الخاطفة، ~~وكلنا قد رأى تطبيقها في سرعة الدراجة التي تعمل على الأرض تكاد تستلقي عليها بجانبها ~~ولكنها تظل مع ذلك سائرة ممعنة في السير بحركتها التي تقاوم الجاذبية الأرضية، وكلنا قد رأى ~~المقلاع الذي يحمل الحجر ولا يسقط في دورته إلا إذا هدأت هذه الدورة، وغلبت فيه قوة الجذب ~~إلى الأرض على قوة الحركة التي تطرده منها. # ليس في هذا شيء جديد ... # نعم، ولا في الصاروخ الذي يرفع القمر شيء جديد من وجهة النظريات العلمية؛ لأن حركة الجسم ~~بما يندفع منه أمر مألوف في بحوث العلماء، مألوف فيما نراه ونحسه حين تنطلق ms025 القذيفة من ~~المدفع أو البندقية. # أما الجديد في الأقمار الصناعية فهو وجود المال الذي ينفق عليها؛ لأن المصانع لا تنفق ~~الملايين من أموال الناس لتجربة القمر الصناعي أياما في الفضاء، ولم تستطع الدول أن تنفق ~~الملايين لهذا الغرض إلا حين أصبحت للصواريخ علاقة بالدفاع والتسليح؛ ولهذا وجدت ~~الاعتمادات التي تصرف في تجربة الصواريخ، ولم توجد الاعتمادات التي تصرف على تجربة القمر ~~الصناعي في دول شتى، يكثر عندها العلماء ولا تقصر فيها جهود الصناعة عن غاية من الغايات ~~العملية، وكلما استطيع الإنفاق بغير إذن من الهيئات النيابية أمكنت زيادة النفقة على ~~تجارب الأقمار المصنوعة حتى تستوفي أسباب النجاح. # والذي حدث في تطور الأدب العربي شبيه بهذا وإن كان سابقا له في جانب التنفيذ ~~والتطبيق. # فقبل أن يفكر أحد في قمر صناعي يخترع ويرى بالعينين، فكر المجددون في إحياء الأدب ~~العربي وإطلاقه من قيود التقليد والمحاكاة إلى فضاء الحرية والابتكار، وقبل أن يقول حافظ ~~رحمه الله: # ارفعوا هذه الكمائم عنا # ودعونا نشم ريح الشمال # كانت هذه الشمال تهب فوقنا وكان الجو الفكري يتهيأ لاستقبال الأدب العربي المطبوع كما ~~تهيأ جو المكان بعد ذلك لاستقبال القمر المصنوع. # ولا حاجة إلى الإطالة في القول والرد، أو في التأييد والتفنيد، فإن المقابلة بين الأدب ~~العربي في سنة 1957 والأدب العربي في سنة 1857 تغنينا عن هذه الإطالة، وتقول لنا إن قمرنا ~~الأدبي قد كان فكرة ناشطة يوم كان القمر الصناعي حلما في الخيال أو معادلة رياضية تشبه ~~أحلام الخيال. # وشأن الأدب العربي في دور التنفيذ العلمي كشأن القمر الصناعي في هذا الدور، فإن المعول - ~~عند التنفيذ - على الجهود العملية التي يستطيعها الناطقون بالضاد لتحقيق الأفكار وتطبيق ~~النظريات، ولا زيادة على فكرة التجديد بهذه الزيادة في أعمال التطبيق والإنجاز، كما أن ~~العلم لم يزد شيئا في نظريات الحركة وقوانينها الدائمة بعد ظهور الأقمار الصناعية ~~للعيان. # إن قمر الآداب قد صعد فعلا إلى سمائه يوم انطلق من قيود المحاكاة وتصرفت به الأقلام في ~~مختلف الموضوعات بين منظوم ms026 ومنثور، وبين نقد وتاريخ، وبين قصة ومقال، وليس يصح في الرأي أن ~~يقال إن الأدب العربي في عصرنا هذا قاصر عن مطالب أهله؛ فإن هذا قد يصدق على خصب المكان ~~ولا يصدق على خصب العقول والملكات، فإذا قيل إن تربة الإقليم الذي تعيش فيه الأمة لا ~~تواتيها بكل ما تحتاج إليه من الثمرات والخيرات فذلك شيء جائز في الحس، واقع بين أعيننا في ~~مختلف الأقطار، أما أن يقال إن عقول الأمة لا تواتيها بحاجاتها الفكرية فهو قول متناقض لا ~~يستقيم لا فيما نفهمه ولا فيما نراه؛ إذ كانت حاجة العقل لا تزيد على ما يستطيعه من ~~الإنتاج ، ولا يحدث في أمة من الأمم أن تكون لها عقول تنتج ثم تكون العقول التي دونها في ~~الإدراك طالبة لشيء يفوق إدراك المنتجين. # والمشاهد في تواريخ الآداب أن «العصر الحاضر» في كثير من الأزمان يتعرض للظلم من بنيه، ~~ويجد الإنصاف أحيانا من لاحقيه وممن يستطيعون بعده أن يوازنوا بينه وبين سواه. # ففي مذكرات «دستيفسكي» كاتب الروس الأكبر يشير هذا العبقري القدير إلى النعاة على عصره، ~~ويحاول أن يدفع الشبهة عنه وعن زملائه في الأدب بما استطاع، ولو أننا عرضنا أمامنا آداب ~~الأمة الروسية منذ عرفت لها آداب مقروءة في العالم لما وجدنا بين أعمالها من هم أحق ~~بالذكر والإعجاب من «دستيفسكي»، وزمرته من أمثال تلستوي وترجنيف وجوركي وشيخوف وارتزيباشف ~~وأندرييف وغيرهم، وغيرهم من طبقة هؤلاء الفحول أو ممن هم دونهم بقليل. # وهكذا يحدث في عصرنا هذا حين يقاس إلى عصور الآداب القريبة منذ بدأت فيها نهضة التجديد، ~~فلا نفتأ نسمع فيه صيحات النعاة الذين لا يعملون ولا يقدرون جهود العاملين، ولا يفتأ زاعم ~~يزعم أن الحاضرين مقصرون ولا يقول لنا من هم السابقون الواصلون: أهم أدباء ما مضى قبل قرن ~~من الزمان؟ أم هم أدباء ما يأتي بعد قرن آخر من الزمان؟ # لا هؤلاء ولا هؤلاء يصح أن يقال إنهم فعلوا ما لم يفعله الحاضرون في خدمة الآداب ~~العربية، وقد يأتي العصر المقبل ms027 بجديد حسن - ونرجو أن يفعل ذلك ويجاوز المدى من حيث الظن ~~والرجاء - ولكنه حين يأتي به يحسب له ولا ينقص من حساب من تقدمه، بل يضاف إليه. # ولا يسأل سائل: هل وصل الأدب في عصرنا إلى الغاية؟! فإن جوابه سؤال مثله: هل وصل القمر ~~الصناعي إلى الغاية في سمائه؟! # إنه لا يزال طفلا يتعثر ويتلعثم، ولا نحسب أن طفلنا في الأدب العربي أكثر منه تعثرا في ~~الخطوات وتلعثما في الكلمات، وما كان لشوط أن ينتهي أبدا إلى نهاية المطاف، وما يكون لنا ~~أن نترقب هذه النهاية في مقبل الزمان القريب أو مقبل الزمان البعيد، ولكننا نعلم أن القمر ~~الصناعي يدرج والقمر الأدبي لم يقض ولم ينقض عليه جيلان في موضع واحد، وسيدور القمر ~~الصناعي دورته قبل أن تتم الدورة بالأدب في لغتنا أو في سائر اللغات؛ لأن جو الفضاء يذرع ~~ويقاس فيما ندركه بالأجسام، وأما جو النفوس فلا غاية له ولا قرار، ولا هو مما تحده الأيدي ~~والأبصار أو تحصره المصانع والأدوار. # الفصل السادس # | اتجاه الشعر العربي الحديث # انتقل الشعر العربي من عهد الجمود إلى عهد النهضة في أربع مراحل: # أولها: # دور التقليد الضعيف. # وثانيها: # دور التقليد المحكم. # وثالثها: # دور الابتكار الناشئ من الشعور بالحرية القومية. # ورابعها: # دور الابتكار الناشئ من الشعور بالحرية الشخصية أو من الشعور باستقلال ~~الفرد في شعوره. # محمود سامي البارودي # وكان أكبر الشعراء الذين ظهروا في طليعة دور الابتكار محمود سامي البارودي الذي نبغ ~~في أواخر القرن التاسع عشر، وتوفي في أوائل العشرين. # كان البارودي أكبر شعراء العربية في أواخر القرن التاسع عشر غير منازع، وكان أحرى أن ~~يقال إنه بقية من شعراء السلف المجيدين عاد إلى الحياة في الزمن الأخير؛ لأنه كان صاحب ~~سليقة حية حتى في تقليده، فكان في معظم شعره واحدا من شعراء السلف المتقدمين، ولم يكن ~~قصاراه أنه مقلد يجيد صناعة التقليد. # كان «سلفيا» مطبوعا وإن تخلف في العهد الأخير، وكانت سنته سنة الشعراء العرب في ~~الأسلوب والموضوع، وربما أفرط في التزام ms028 الموضوعات السلفية حتى نهج على نهجها في وصف ~~الطلول والرعيان والنقا والبادية، فلم يكن للثقافة الحديثة أثر إلا في النادر الذي لا ~~يقاس عليه. # وقد لحقت البارودي طائفة من الشعراء كان للثقافة الأوروبية أثر ظاهر في وجهتها ~~وفي اختيار موضوعاتها، ونعني بهم في مصر أمثال: إسماعيل صبري وأحمد شوقي وحافظ إبراهيم، ~~وفي لبنان والشام أمثال: نجيب الحداد وخليل مطران وبشارة الخوري، وفي العراق أمثال: ~~الزهاوي والرصافي والشبيبي، ولكن الأثر الذي ظهر في شعرهم من الثقافة الأوروبية راجع ~~إلى الحركات الاجتماعية والسياسية، وقليلا ما يرجع إلى الحركات الفنية ~~والأدبية. # وهذا الدور هو الذي عنيناه بدور «الابتكار الناشئ من الشعور بالحرية القومية». # فنهضة هؤلاء الشعراء هي نهضة المجتمع كله في ميدان الحرية السياسية واليقظة القومية؛ ~~ولهذا شاع في عهدهم أن الشعر الحديث هو الشعر الذي ينظم في مسائل السياسة والاجتماع، ~~وفي إحياء المفاخر وتعزيز المطالب، وما إلى هذه الأغراض العامة، وكل ما عدا هذه الأغراض ~~فهو شعر قديم. # والفرق واضح بين فهم التجديد على هذا المعنى، وفهم التجديد من الوجهة الفنية. # التجديد في الشعر # فالشاعر الذي ينظم في الوصف أو في الغزل ويعبر في نظمه عن شعوره الصحيح، هو شاعر مجدد ~~غير مقلد، وإن كان الوصف والغزل من أقدم الموضوعات. # والشاعر الذي ينظم في مسألة اجتماعية أو مسألة عامة، ولا يستقل بالتعبير الصادق في ~~نظمه هو شاعر مقلد، وإن جاء في أحدث العصور. # والعمل الاجتماعي والعمل الفني كلاهما واجب، ولكن لا يفهم من ذلك أنهما عمل واحد، ~~وأن الابتكار في هذا يستلزم الابتكار في ذاك. # على أن هذه المدرسة قد أطلقت الشعر من كثير من القيود وجددت شباب اللغة ووسعت نطاق ~~الموضوعات، وكانت مرحلة في التجديد لا غنى عنها للانتقال إلى التجديد الفني بمعناه ~~الصحيح. # وقد جاءت بعدها مدرسة الشعر التي نسميها مدرسة الابتكار المستقل أو مدرسة الحرية ~~الفردية، وهي المدرسة التي ينطلق فيها شعور الفرد حيث ينطلق شعور الإنسان. # ويتجلى الفرق بينها وبين المدرسة التي سبقتها في ملامح كل قصيدة، وفي ms029 سمة كل ديوان، ~~وفي ظهور «الشخصية الإنسانية» على كل موضوع يتناوله الشاعر، بعد أن كانت هذه الموضوعات ~~عامة مشتركة لا يتميز فيها مقام عن مقام. # بنية القصيد # فقد أصبح للقصيدة اسم يعرف وبنية كالبنية الحية لا تسمح بتقديم بيت على بيت. # وقد كانت القصيدة قبل ذلك مجموعة من الأبيات لا تتسمى باسم، ولا تتميز بعنوان. # كذلك كان الشاعر يصف عشرين إنسانا في مقام التقدير أو مقام الرثاء، ولكنك تستطيع أن ~~تنقل الأسماء بينها كما تشاء فلا تتغير الملامح ولا تتغير الأزياء؛ لأن الشاعر هنا ~~كالطرزي الذي يصنع الملابس المجهزة لجميع اللابسين، وليس كالطرزي الذي يصنع لكل لابس ~~كسوة محكمة لا تصلح لسواه. # وهذا الذي عنيناه بمدرسة «الفرد المستقل» في الشعر؛ لأن الشاعر من هذه المدرسة يعبر ~~عما يحسه هو في كل حالة يتناولها بعاطفته وخياله، ولا يصدر عن المعاني العامة المشتركة ~~التي لا تتميز فيها بين شخصية وشخصية، ولا بين مقام ومقام. # ومن الجائز أن تسمى هذه المدرسة بالمدرسة الإنسانية؛ لأن المعول فيها على سليقة ~~الإنسان، فهي إذا طالبت الشاعر بشيء فكل ما تطلبه منه أن يكون إنسانا صادق الشعور صادق ~~التعبير، وليقل بعد ذلك ما يشاء في كل زمن، وفي كل موضوع. ~~«فعبر عن شعورك الإنساني» هو الشعار الوحيد الذي اتخذته هذه المدرسة في مذهب التجديد، ~~وهو الشعار الذي اتخذه كاتب هذه السطور؛ لأنه من دعاة هذه المدرسة منذ ظهورها في الربع ~~الأول من القرن العشرين. # وليس معنى هذا الشعار إلغاء الفوارق الوطنية والإقليمية، أو استنكار النظم في موضوع ~~من الموضوعات التي يطوقها الشعراء في كل لغة، وإنما معناه «أن صدق التعبير عن الشعور ~~الإنساني هو التجديد الحق الذي يعصم صاحبه من التقليد والمحاكاة»؛ لأنه يقول ما يحسه، ~~ومن قال ما يحسه فما هو بمقلد لأحد كائنا ما كان الموضوع الذي ينظم فيه. # فمن ركب الجمل في القرن العشرين واجتاز به الصحراء ثم وصف مركبه هذا فهو شاعر مجدد، ~~وإن كان موضوعه مشابها لموضوع طرفة بن العبد وامرئ القيس. ms030 # واختلاف الشعر بين الأوطان والأقاليم فارق طبيعي حاصل بطبعه من غير حاجة إلى القواعد ~~والأصول التي تفرض على الشعراء. # فالشاعر الإنجليزي الذي يصف الهرم، أو يصف النيل، أو يتكلم عن رمسيس، لا يصبح مصري ~~الشعر ولا مصري الشعور؛ لأن موضوعاته مصرية، والشاعر العربي يصف شلال نياجرا أو غاب ~~بولون لا يزال عربيا في سليقته وتفكيره وإن ذهب بخياله إلى أمريكا أو فرنسا، فلا فكاك ~~له من طبعه الأصيل ولا حاجة إلى فرض طبيعة الإقليم عليه. # وقد كان لهذه المدرسة أثر في قوالب الشعر كما كان لها أثر في معانيه، فأطلقت من ~~قيود القافية بعض الإطلاق، وتصرفت في الأوزان والبحور مع ملاحظة العروض كما يلاحظه ~~الأقدمون. # مضت مدرسة التجديد على هذا النحو قدما منذ نشأتها قبل أكثر من ثلاثين سنة، ولكنها ~~على ذلك تمثل الشعر الحديث في ناحية منه ولا تمثله في جميع نواحيه؛ لأن من الشعراء في ~~هذا العصر من ينزع إلى المذهب السلفي مع التصرف والابتكار، ومنهم من ينظم للغناء ~~ومصاحبة التمثيل في الصور المتحركة والروايات المسرحية، وتدعوه مجاراة الجمهور المسرحي ~~إلى نمط من الشعر لا يكاد يختلف في مادته عن مادة الموال أو الزجل الذي يشيع بين ~~الجماهير. # ومما تقدم يبدو أننا قصرنا القول غالبا على التجديد في قطر واحد وهو البلاد ~~العربية. # إلا أن الشعر الحديث في الأقطار العربية الأخرى يختلف في وجهته قليلا أو كثيرا من ~~هذه الوجهة المصرية، ويستحق في هذا المقام تنويها خاصا به على حسب الموطن الذي ينتمي ~~إليه. # فهناك مدرسة العراق، وهي في الحقيقة مدرستان متجاورتان: إحداهما يصح أن نسميها بمدرسة ~~الشريف الرضي، وهي أقرب إلى المحافظة والجزالة في الأسلوب والأخرى يصح أن نسميها ~~المدرسة النواسية وهي أقرب إلى الانطلاق واللهجة العصرية، وكلتاهما مدرسة قوية تنظم ~~الشعر في مختلف الأغراض، قد أضافتا إلى ثروة الشعر العربي ولا تزالان تضيفان ~~إليه. # وهناك مدرسة لبنان وسورية، وتغلب على اللبنانيين خاصة نزعة التمرد والانفصال من ~~القديم سواء في وطنهم الأول أو في أوطان المهجر الأمريكية، ms031 ومرد هذه النزعة إلى حالة ~~لبنان السياسية التي جمعت في أيدي رجال الدين من طوائف المسيحيين سيطرة الدين والدولة، ~~فاندفع المفكرون الناشئون إلى تحدي هذه السيطرة، ولا سيما المهاجرين منهم إلى أمريكا ~~الشمالية والجنوبية. # وفي إفريقية الشمالية والسودان والحجاز طلائع لمدرسة التجديد بلغ بعض أعلامها القمة ~~في الإجادة، وهي تخطو في هذه البلاد جميعا خطوات سراعا في ميدان السبق ~~والابتكار. # وجملة القول: أن للشعر العربي اتجاهين في العصر الحديث: أحدهما اتجاه «الشعر المستقل» ~~والغالب عليه إيثار المذهب الإنساني المطلق، أو مذهب الابتكار المستمد من الشعور بحرية ~~الفرد واستقلاله. # والاتجاه الثاني وهو اتجاه الشعر المضاف إلى فن الغناء أو مناظر الصور المتحركة، وهو ~~متقيد بما يخدمه من هذه الأغراض، يعلو معها حين ترتفع ويسف معها حين تجنح إلى ~~الإسفاف. # والغلبة في المطالب «المحلية» الموقوفة لهذه الوجهة. # والغلبة في مطالب الفن الخالص للوجهة الأولى مع الأيام ... # الفصل السابع # | كيف يكون التجديد في الشعر؟ # إذا أوجزنا قلنا إن التجديد هو اجتناب التقليد، فكل شاعر يعبر عن شعوره ويصدق في تعبيره ~~فهو مجدد وإن تناول أقدم الأشياء، هل شيء في هذا العالم الأرضي أقدم من الشمس؟ إن الذي ~~يصفها اليوم صادقا في وصفه غير مقلد في تصويره مجدد تام التجديد، وإن لم يأت بكلام ~~جديد. # هكذا تجدد الشمس النهار، ويجدد الأرض الربيع، ويجدد الشباب الأمل والحب جيلا بعد ~~جيل. # وليست الدنيا عتيقة بالية؛ لأنها تجيئنا كل عام بربيع كالربيع الذي تقدمه، وليس الشاعر ~~عتيفا باليا؛ لأنه يجيئنا بذلك الربيع كما جاءت به الدنيا في حينه، موصوفا على الصورة ~~التي عهدها آدم في جنة الفردوس، ثم عهدها أبناؤه في جناتهم على هذه الغبراء؟ ... التجديد - في ~~كلمتين - هو اجتناب التقليد. # أما إذا تعمدنا الأسباب والتفصيل، وتناولنا عناصر الشعر جميعا فهي مختلفة في قبولها ~~للتجديد، أو مختلفة على الأصح في حاجتها إلى التجديد. # هذه العناصر هي اللفظ والوزن والموضوع، وهي على هذا الترتيب في حاجتها إلى التجديد مع ~~الزمن؛ فاللفظ الذي يتألف منه الشعر يبقى ألف سنة ms032 ولا يطرأ عليه تغيير يذكر، ويصلح في هذه ~~الحالة لشعر امرئ القيس كما يصلح لشعر البارودي، مع قليل من التحوير أو التحريف الذي لا ~~يلتفت إليه إلا المختصون بتعجيل أطوار الكلمات. # ونعني باللفظ هنا المفردات في غير الجمل والأبيات، وهي المفردات التي تطرأ عليها الزيادة ~~القليلة كل بضعة قرون، أو يطرأ عليها اختلاف الاستعمال من فترة إلى فترة في حياة اللغة ~~الواحدة، ولا بد للشاعر من متابعة هذه الأطوار، وقد يكون هو عاملا من عوامل الزيادة ~~والتصرف في الكلمات. # إلا أن الجهد في تجديد المفردات يظل على الدوام أقل وأهون من الجهد في تجديد الأوزان ~~وتجديد الموضوعات ، فالمعجم الشعري اليوم قريب من المعجم الشعري في عهد أصحاب المعلقات، أما ~~الوزن فقد اختلف في عدد البحور، واختلف في عدد القوافي، ولا يزال قابلا للاختلاف، وفي حاجة ~~إلى الاختلاف. # كانت أوزان الشعر في الجاهلية قليلة البحور، وكانت القصيدة الواحدة قليلة الأبيات، ثم ~~تعددت البحور ومجزوءاتها، وتضاعف عدد الأبيات في القصيدة الواحدة، وطرأ التنويع على القافية ~~في الرجز ثم في التسميط والتوشيح، ثم انتهينا إلى العصر الحديث فظهر بيننا من دعاة التجديد ~~من يدعو إلى إلغاء القافية ونظم الشعر مرسلا أو مطلقا على الطريقة الأوروبية، ولكنها دعوة ~~لم يكتب لها النجاح، ولا نظنها جديرة بالنجاح في المستقبل؛ لأن أعاريض الشعر العربي ~~تستلزم القافية من حيث لا تلزم الأعاريض الأوروبية، وقد يكون الإطلاق من القافية في ~~الأعاريض الأوروبية نفسها مقصورا على المطولات والملاحم التي تصلح للقراءة وقلما تصلح ~~للسماع، والشعر قبل كل شيء سماع. # والذي نعتقده أو نشعر به أن تنويع القوافي أوفق للشعر العربي من إرساله بغير قافية، وأنه ~~يقبل التنويع في أوزان المصاريع والمقطوعات على أسلوب الموشحات، فيتسع للمعاني المختلفة ~~والموضوعات المطولة، ولا ينفصل عن الموسيقية التي نشأ فيها ودرج عليها، ولعلنا لا نحتاج إلى ~~تيسير أوسع من هذا التيسير، كائنا ما كان موضوع القصيد وإن طال غاية المطال. # تجديد قليل في اللفظ، وتجديد أكثر منه في الوزن، وتجديد أكثر من هذين ms033 التجديدين في ~~الموضوع، فكيف يكون هذا التجديد في الموضوع؟ # إن صرف الشعر إلى الاجتماعيات والأحداث العامة رأي من الآراء في تجديد الموضوعات الشعرية، ~~ويقترن به رأي آخر ينادي بالطابع الإقليمي في الشعر خاصة وفي الأدب عامة، ويقول آخرون ~~بالشعر المسرحي أو شعر القصة المسرحية وغير المسرحية، وكل هذه الآراء مقبولة من ناحية، ~~مرفوضة من ناحية؛ لأن العبرة في الشعر بالملكة التي توحي معانيه، وليست العبرة بالعنوان ~~الذي تختاره لموضوعاته، كعنوان المسرحية أو عنوان الشعر الإقليمي، أو عنوان الشئون ~~الاجتماعية والمسائل العالمية. # ونحن إذا نظرنا إلى الشعر من ناحية الملكة التي توحيه وجدنا أن ملكة الشعر الغنائي قد ~~لازمت القصيدة العربية من نشأتها الأولى، فهي تتردد بين نغمات الغزل والفخر والحماسة ~~والرثاء، أو تتردد بين ألوان الشعور الفردي البسيط، ويندر أن تتخطاه إلى الشعور المركب ~~المتوشج، وهو الشعور المتجاوب بين عدة نفوس على عدة أمزجة وفي عدة حالات. # فإذا كان للتجديد في موضوع الشعر وجهة فهذه هي الوجهة التي أمامنا، ولتكن سبيلها الرواية ~~المسرحية أو الحادثة العالمية أو الأوصاف الإقليمية، فإنما العبرة بالملكة التي توحي ~~المعاني في جميع الموضوعات، وليست بالعناوين التي نخلعها على هذه الموضوعات. # والفرق بين الشعر الغنائي والشعر المركب المتجاوب هو الفرق بين الربابة وبين الفرقة ~~الموسيقية التي نسمع منها عشرات المعازف في نغمات متعددة مع التناسق بينها والوحدة في ~~مجموعها، وينبغي أن نذكر هنا أن التنوع والتجاوب هما المقصودان بالتصرف والتجديد، وليس ~~المقصود هو كثرة الآلات التي تعزف عليها في وقت واحد، فإن ألف ربابة توقع لنا لحنا واحدا ~~هي أسلوب ساذج بغير تصرف، وقد يكون التصرف كل التصرف في ربابة ومزمار ودف وقيان تختلف ~~وتتجاوب وتفلح في الارتفاع بالشعور من البساطة والانفراد إلى التجاوب والتركيب. # ولكن الخير أن نبقى كما نحن، وأن نقصر نظمنا على الشعر الغنائي، إذا كنا ننظم في ~~الموضوعات الجديدة تقليدا للذين سبقونا إلى النظم فيها، فإن التقليد نقيض التجديد، والدرهم ~~الصحيح أنفس من الدينار الزائف، يحكي الزائف الذهب باللون والصورة ولا يحكيه ms034 بالمعدن ~~والقيمة. # ومن أمثلة الدعوات الزائفة إلى التجديد أن يسمع بعضنا بالشعر الإقليمي في اللغة ~~الإنجليزية - وأكثره من شعر الأمريكيين - فيخطر له أن الشعر الإقليمي اختراع واختيار، وينسى ~~أنه واقع طبيعي لا محل لفرضه على الشعراء؛ حيث لا تفرضه عليهم طبيعة الحياة، وفي أمريكا ~~أقاليم لا تتشابه في الموقع ولا في المكان ولا في المعيشة، فهم لا يختارون الإقليمية في ~~الشعر ولا في الجغرافية، ونحن هنا لن نستطيع أن نزرع قمحا في التربة المصرية دون أن يصبح ~~قمحا إقليميا باختيارنا أو بغير اختيارنا، ومن قال لشاعر «كن إقليميا»، فقد قال له ~~«كن مقلدا»، ولكنه إذا كان من طبيعته منتميا إلى إقليمه فلا حاجة به إلى الأمر ~~والإرشاد. # كذلك يقول بعضهم متعجبا: هل توحي حرب طروادة إلى هوميروس بالإلياذة ولا تظهر في العصر ~~الحديث إلياذة أضخم منها بعد الحرب العالمية العظمى؟ # ولو كان هؤلاء القائلون يفهمون وحي الابتكار في الشعر لما خطر لهم أن شاعرا عصريا ~~ينبغي أن ينظم إلياذة في الحرب العالمية؛ لأن شاعرا قديما نظم إلياذة في حرب طروادة، من ~~أين لهم مثلا أن هوميروس كان ينظم في الحرب العالمية إلياذة لو أنه عاش في زماننا؟ # من أين لهم أن ضخامة الحرب هي التي توحي بالنظم فيها؟ فقد تكون الحرب بين عشرين فارسا ~~متقابلين أعنف في إثارة النفس من حرب الملايين بين الخنادق لا يشهد بضعهم بعضا، ولا يعرفون ~~من الحركة غير ضغط الزناد! # كذلك لا يفقه التجديد من يحسب أن الشعر المسرحي - حيث كان - أرفع من الشعر الغنائي في كل ~~موضوع؛ فإن الشاعر المسرحي الذي لا يرسم لك شخصية واحدة صحيحة أقل من الشاعر الغنائي الذي ~~يتحدث لك عن غناء البلبل فيصدقك الحديث والشعور، فكل فضل الشاعر في الملكة التي توحي إليه ~~شعره دون العناوين التي يطلقها على موضوعاته، ونحن لا نفضل الشاعر المسرحي على الشاعر ~~الغنائي إلا لأن الشاعر المسرحي يستطيع شعر الغناء ويستطيع زيادة عليه، وهذه الزيادة عليه ~~هي الحس المتجاوب في النفوس المتعددة، فإن كان ms035 يملك هذا الحس فهو صاحب الفضل بهذه الملكة ~~أيا كان الموضوع الذي يختاره لنظمه، وإن لم يملكها فالموضوع لا يعطيه ملكة هو محروم ~~منها. # وإذا كان التجديد هو اجتناب التقليد، فالتجديد هو اجتناب الاختلاق، والمختلق هو كل من ~~يجدد ليخالف، وإن لم يكن هناك موجب للخلاف، إن الذي يمشي على يديه يأتي بجديد ويدل على ~~براعة لا يستطيعها من يمشي على قدميه، ولكننا قد نضع في يده درهما وقد نزج به في مستشفى ~~المجاذيب، ولا نمشي على الأيدي من أجل تلك البراعة وذلك الاختلاف أو الاختلاق. # نجدد فلا نقلد ولا نختلق، ونحن مجددون كما ينبغي - وكأحسن ما ينبغي - إذا خرجنا بالشعر ~~العربي من لحن الربابة إلى لحن الفرقة الموسيقية، شعورا منا بتعدد النغمات النفسية، لا ~~مجرد المباهاة بكثرة المعازف وإيقاع الضجيج. # الفصل الثامن # | معراج الشعر # سألني محرر أدبي صديق عن رأيي في مقام شوقي وحافظ من شعراء العرب وشعراء العالم، وهل ~~غير الزمن من رأيي في الشاعرين؟ وجواب هذا السؤال يرجع بي إلى أول رأي كتبته في شعر شوقي ~~وحافظ قبل نيف وثلاثين سنة، وهو مثبت في كتيب صغير لي طبعته في سنة 1912، ودونت آراءه ~~وملاحظاته قبل ذلك بسنوات، وأسميته «خلاصة اليومية». # كان من عاداتي - وأنا دون العشرين - أن أدون مذكراتي اليومية في «نوطة» صغيرة لا تفارقني، ~~وكان كل هذه المذكرات يدور على الخواطر التي أفكر فيها، والموضوعات التي أنوي كتابتها أو ~~مراجعتها، ومن ذاك ما كتبته عن تعريف الشاعر كما كنت أفهمه يومئذ، وذاك أن اسم الشاعر ~~بلغتنا «يشير إلى تعريفه»، ولعل معجما من معاجم اللغات لا يتضمن اسما للشاعر أدل على ~~مسماه من اسمه في اللغة العربية ... فقد عرفنا أن وزن الأعاريض غير قرض الشعر، ولكن من هو ~~الشاعر؟ أهو المقصد الذي لا يعجز عن ترصيع قصائده بما يبهر ويخلب من الخواطر البراقة ~~والمعاني الخطابية المتلألئة؟ كلا؛ هذا شاعر يذكرني بصاحب ذوق مبهرج يريد أن يزين غرفته ~~بالرسوم فيرصص سجوفها وحوائطها بالإطارات والكفافات، حتى لا يبرز منها قرن ms036 أو تظهر فيها ~~زاوية، أو بذاك المصور الذي يصبع رسمه ببهي النقوش وبهيج الألوان ليبهر بها أبصار الناظرين، ~~أو بتلك القروية التي تحلي يديها فتدس عشر أصابعها في أنابيب من مختلف الخواتم والفصوص، ~~فليس الشاعر من يزن التفاعيل؛ ذلك ناظم أو غير ناثر، وليس الشاعر بصاحب الكلام الفخم واللفظ ~~الجزل؛ ذلك ليس بشاعر أكثر مما هو كاتب أو خطيب؛ وليس الشاعر من يأتي برائع المجازات وبعد ~~التصورات؛ ذلك رجل ثاقب الذهن حديد الخيال، إنما الشاعر من يشعر ويشعر ... # ولقد ضاع الشعر العربي بين قوم صرفوه في تجنيس الألفاظ، وقوم صرفوه في تزويق المعاني، فما ~~كان شعرا بالمعنى الحقيقي إلا في أيام الجاهليين والمخضرمين على ضيق دائرة المعاني عندهم، ~~وسيعود كذلك في هذه الأيام على أيدي أفاضل شعراء العصر. # وقد فسرت معنى الشاعر بالشعور في لغتنا كما قلت؛ لأن بعض الباحثين يردون الكلمة إلى ~~مادة الغناء في بعض اللغات السامية. # كذلك كان مقياس الشاعر في اعتقادي قبل نيف وثلاثين سنة، وبهذا المقياس كنت أقيس شوقيا ~~وحافظا حين كتبت عنهما ما كتبته في «خلاصة اليومية»، فقلت عن حافظ: «يعجبني منه ذاك ~~الجلال» وإن كنت أعتقد أن الجلال الظاهر لا يتطلب من شعرائه سموا في المشاعر أو أفضلية ~~لها على شعراء الجمال، فعندي أن إدراك الجمال ينبغي له تهذيب في النفس ودقة في الذوق لا ~~تكتسبان إلا مع العلم ومعاينة ثمرات الفنون؛ ذلك لي استقامة الفطرة وسلامة الطبع، وليس ~~كذلك الجلال، فإنه لقوته الضاغطة على الحواس يضطر النفس إلى الشعور به قسرا ما دامت على ~~استعداد له، ويندر أن تعرى نفس عن استعداد للشعور بالجلال ... وأما فيما عدا ذلك فشعر حافظ، ~~كما قال فيه الدكتور شميل - ولم يرد أن يطريه - كالبنيان المرصوص متين لا تجد فيه متهدما: ~~«فهو يعتمد في تعبيره على متانة التركيب وجودة الأسلوب أكثر من اعتماده على الابتداع أو ~~الخيال.» # وكنت أعيب «رسميات» شوقي دائما أو تقليدياته؛ فكتبت أعقب على رثائه لبطرس غالي باشا ~~بعد انقضاء سنة على وفاته، وفيه ms037 يقول: # القوم حولك يا ابن غالي خشع # يقضون حقا واجبا وذماما # يبكون موئلهم وكهف رجائهم # والأريحي المفضل المقداما # متسابقين إلى ثراك كأنه # ناديك في عز الحياة زحاما # فقلت: أكان يريد أن يقول إن زائري قبر الرجل، وفيهم ساداته الأمراء والوزراء والعظماء ~~والعلماء ... كلهم ممن كانوا يقصدون من ناديه موئلا وكهف رجاء يستعطون من أريحية ساكنه ~~الجواد ويستدرون من أفضاله؟! أم أراد أن يقول كما قال الناس في هذا المعنى فأخطأ ~~التقليد؟! أم لعله كان لا يريد أن يقول شيئا؟! أم تراه يحسب أنهم ملكوا عليه حتى دموع ~~عينيه، وأنه نائحة المعية، أتى ليرثي كل من يموت من خدامها بغير مقابل؟! # هذا الرأي في الشعر، وهذا الميل إلى الشاعرين، لم يتغيرا كثيرا منذ نيف وثلاثين سنة، ~~ولكنني أرجع فيهما إلى مقاييس أعم وأوسع من المقاييس التي كنت أرجع إليها يومذاك، وفاقا ~~لما اختبرته واطلعت عليه طوال تلك السنين، أما هذه المقاييس فهي في جملتها ثلاثة ألخصها ~~فيما يلي: # فأولها: # أن الشعر قيمة إنسانية وليس بقيمة لسانية؛ لأنه وجد عند كل قبيل وبين ~~الناطقين بكل لسان، فإذا جادت القصيدة من الشعر فهي جيدة في كل لغة، وإذا ~~ترجمت القصيدة المطبوعة تفقد مزاياها الشعرية بالترجمة إلا على فرض واحد، ~~وهو أن المترجم لا يساوي الناظم في نفسه وموسيقاه، ولكنه إذا ساواه في هذه ~~القدرة لم تفقد القصيدة مزية من مزاياها المطبوعة أو المصنوعة، كما نرى في ~~ترجمة فتزجيرالد لرباعيات الخيام. # وثانيها: # أن القصيدة بنية حية وليست قطعا متناثرة يجمعها إطار واحد، فليس من الشعر ~~الرفيع شعر تغير أوضاع الأبيات فيه ولا تحس منه ثم تغييرا في قصد الشاعر ~~ومعناه. # وثالثها: # أن الشعر تعبير، وأن الشاعر الذي لا يعبر عن نفسه صانع وليس بذي سليقة ~~إنسانية، فإذا قرأت ديوان الشاعر ولم تعرفه منه، ولم تتمثل لك «شخصية» صادقة ~~لصاحبه، فهو إلى التنسيق أقرب منه إلى التعبير. # وإذا عرضت الشاعرين - شوقيا وحافظا - على هذه المقاييس الثلاثة صح أن تقول: إن حافظا ~~أشعر ولكن شوقيا أقدر؛ ms038 لأن ديوان حافظ هو سجل حياته الباطنة لا مراء، أما ديوان شوقي ~~فهو «كسوة التشريفة» التي يمثل بها الرجل أمام الأنظار، وليس هو من حقيقة حياته في كثير ولا ~~قليل، وقد يبدو بعض العجب عند بعض القراء لقولنا: إن حافظا أشعر ولكن شوقيا أقدر، ~~فيحسبون أنه تناقض في الحكم على الشاعرين ولا تناقض هناك، ولعلنا ندفع شبهة التناقض بمثل ~~قريب في عالم الحس؛ لأن أمثلة المحسوس أوضح من أمثلة المعقول، فالحرير أغلى من الكتان، ولكن ~~الكسوة السليمة المحكمة من الكتان أفضل وأجمل من كسوة الحرير التي لا تلائم لابسها ولا تخلو ~~من التمزيق والتلوث، وهكذا نتخيل الفرق بين شوقي وحافظ، فإن شوقيا ولا شك أذكى وأعلم ~~وأصنع، ولكن حافظا يعيش في نطاقه المحدود خيرا من معيشة شوقي في نطاقه الواسع، ويعبر عنه ~~أصدق من تعبيره. # وقد اختلف النقاد في المقابلة بين الشاعرين وبين شعراء العربية أو الشرق المتقدمين، فشوقي ~~نفسه يتشبه بأبي نواس، ويسمي بيته كرمة «ابن هانئ» في بعض شعره: «وأني نواسي هذا ~~الزمان.» # ومن النقاد من يقرن بينه وبين المتنبي لولوعه بالحكمة وتسيير الأمثال. # ومن النقاد من يقرن بينه وبين البحتري لسلاسة النظم وطلاوة اللفظ وحلاوة الأسلوب، ولا ~~سيما بعد أن نظم شوقي سينيته التي يعارض بها سينية البحتري في الإيوان. # والحقيقة أن الشبه بين شوقي وأبي نواس بعيد؛ لأنك تقرأ أبياتا من هنا وأبياتا من هناك ~~في ديوان أبي نواس فلا يفوتك أن تعرفه على حقيقته في السر والعلانية، ولا يعجزك إذا كنت من ~~المتصورين أن تطبع له صورة في خيالك ثم تطبعها على القرطاس، ولكنك تقرأ دواوين شوقي كلها ~~فلا تخرج منها بصفة صادقة عن الرجل، لا في السجية ولا في التفكير. # وكذلك لا شبه على الإطلاق بين شوقي وأبي الطيب، وإن كثرت الحكمة في ديوان هذا وديوان ذاك؛ ~~لأن حكمة أبي الطيب منتزعة من تجارب نفسه وحسه، وما من بيت له - ولو كان مستعارا في معناه ~~- إلا وأنت مستطيع أن تجد له مصداقا من سيرة ms039 الرجل، أو مما اختبره وتحراه، وليست حكم شوقي ~~من هذا القبيل؛ لأنها مظهر للقسط المشترك بين المتمثلين بمظاهر الأخلاق. # والشبه بعيد كذلك بين شوقي والبحتري، فإن وقفة البحتري على الإيوان أو على البركة، أو على ~~قصر المتوكل من وحي الصناعة، وبروز الصناعة في شعره لا ينفي عنه الطبع الذي يمثله لك في ~~ديوانه إنسانا معروف الملامح النفسية مشتركا معك في حياة كل يوم. # إنما شوقي في مجال التشبيه هو مسلم بن الوليد في العصر الحديث، وحسبك أن تقرأ لابن الوليد ~~مثلا: # أقر بالذنب مني لست أعرفه # كيما أقول كما قالت فنتفق # لتنسبه بغير عسر إلى من قال : # مولاي وروحي في يده # قد ضيعها سلمت يده! # والخطأ في تشبيه حافظ بالأقدمين كالخطأ في تشبيه شوقي، فحسبك مثلا أنه شبه بحافظ ~~الشيرازي لاتفاق الاسمين كما قال البارودي: # هيهات ليس لحافظ من مشبه # في الشعر غير سميه الشيرازي # وبين الحافظين أبعد مما بين تخوم مصر وتخوم إيران. # وقد شبهوه مرة بالأخطل، ومرة بأبي تمام، وليس في مزاجه ولا في كلامه نسب إلى هذين، ولعله ~~أشبه الشعراء بعلي بن الجهم بين العباسيين، وإن لم تكن لابن الجهم تلك الفكاهة التي اشتهر ~~بها حافظ في حياته الخاصة، ولم يكثر منها في منظوماته. # ويصعب جدا أن نختار لشوقي وحافظ مكانا صالحا لهما بين الشعراء العالميين، أو بين ~~الشعراء الغربيين، وليست المسألة هنا مسألة مفاضلة، بل مسألة تباين واختلاف، فربما كان شوقي ~~وحافظ أفضل من كثيرين من الشعراء المعدودين في بعض الأقطار الأوروبية، ولكن المقابلة بينهما ~~وبين أولئك الشعراء كالمقابلة بين ثمرة وثمرة تختلفان في المنبت واللون والمذاق، على أننا ~~نستطيع أن نشبه حافظا بين شعراء الإنجليز بإسكندر بوب، ونشبه شوقيا بجون درايدن ويفهم ~~العارفون بهذين الشاعرين وجوه الشبه التي نعنيها. # ولا يتسع المقام لتعريفهما إلى من يجهل اللغة الإنجليزية، ويكفي أن نقول: إن وجه الشبه ~~الأكبر يرجع إلى مقدار «ظهور الشخصية» في هذا وذاك، ولا يتجاوز ذلك إلى مدى الثقافة ~~والذكاء. # ومقطع الرأي في شوقي وحافظ ms040 عندنا أنهما كانا ولا يزالان يستويان على أرفع القمم العالمية ~~بين نهاية التقليد وبداية التجديد، وأن ما نقص منهما في الجديد تقابله زيادة في ~~القديم. # الفصل التاسع # | شوقي في الميزان ... بعد خمس وعشرين سنة # ما هو أدب التجديد؟ # باتفاق الآراء يمكن أن يقال إنه الأدب الذي فيه شيء مستمد من قريحة الأديب. # وما هو أدب التقليد؟ # هو - بهذا المقياس نفسه - كل أدب لا عمل فيه للأديب غير نقل الأشكال والقوالب وحكاية ~~المعاني والألفاظ. # وبهذا القياس للتجديد والتقليد نحسب أن ربع القرن الذي مضى بعد وفاة الشاعر شوقي قد ~~عرفناه بمكانه وقد وضعه في ذلك المكان. # فهو إمام المدرسة الوسطى بين المقلدين والمجددين، أو هو إمام مدرسة نستطيع أن نسميها ~~بمدرسة «التقليد المبتكر أو التقليد المستقل». ونقول بذلك شيئا يفهمه الناقد الذي يفهم ~~درجات التطور من الجمود على القديم إلى ابتداع الخلق والإنشاء مستقلا عن كل ~~محاكاة. # لم يكن شوقي من المقلدين الآليين الذين يلتزمون حدود المحاكاة الشكلية ولا يزيدون. # ولم يكن من المجددين الذين يعطون من عندهم كل ما أعطوه من معنى وتعبير. # ولكنه كان يقلد ويتصرف، وكان تصرفه يخرجه من زمرة الناقلين الناسخين، ولكنه لا يسلكه في ~~عداد المبدعين الخالقين الذين تنطبع لهم «ملامح نفس مميزة» على كل ما صاغوه من منظوم ~~ومنثور. # فهو قد نشط بالشعر من جمود الصيغ المطروقة والمعاني المكررة، ولكنه لم يستطع أن ينتقل به ~~من شعر القوالب العامة إلى شعر «الشخصية» الخاصة التي لا تخفى معالمها ولا تلتبس بغيرها، ~~فلا «شخصية» هناك في قصائده ولا في رواياته، ولا يخصه شيء من شعره إذا صرفنا النظر عن براعة ~~القالب وطلاوة اللفظ ونغمة الأداء. # لهذا تقرأ مائة قصيدة لشوقي ولا تستخرج منها «ملامح شخصية» غير ملامح المبدع ~~الصناع. # ولهذا يمدح شوقي من مدحهم ويرثي من رثاهم وهم عشرات من مختلف الأعمال والأدوار، ولا تكاد ~~تميزهم من شعره بغير ما ميزتهم به الأسماء والأرقام والعناوين. # ولهذا يعرض لنا الأبطال في رواياته كأنهم «الخامات» التاريخية بغير تصوير من ms041 الخيال أو ~~صقل من القريحة، إلا أن يكون تصويرا يفهمه القارئ كما يفهمه من مطالعة التواريخ. # خلاصة القول فيه: إنه مقلد مبتكر، أو أنه مبتكر مقلد، فلا هو يقتفي آثار الأقدمين ولا ~~ينفرد بملامحه الشخصية في التعبير عن نفسه أو التعبير عن سواه. # وقد ضربت المثل لهذا النوع من التقليد في مقال عن الأدب المصري في نصف قرن، فقلت: إن ~~الثري الذي ينافس زميله فيأتي بسيارة من طراز سيارته لا يقال عنه إنه مستعير منه ولا إنه ~~دونه في الثروة والوجاهة، ولكنه كذلك لا يقال عنه إنه مستقل عن ذلك الزميل كل الاستقلال؛ ~~لأنه لم يكن ليأتي بتلك السيارة من ذلك الطراز - لو لم يسبقه إليها ولم يكن به حرص على ~~محاكاته والظهور بمظهره كما شاء له قبل أن يشاء لنفسه. # وننقل هذا المثل إلى الشعر الذي انعقدت فيه المقارنة بين شوقي وأنداده من الشعراء ~~الأقدمين؛ لأنه عارضهم فيه بالوزن أو الموضوع. # فقد وازن بعض النقاد بين سينية شوقي في الأندلس وسينية البحتري في الإيوان، وقال بعض ~~هؤلاء النقاد: إنه سبق بها البحتري في بلاغة لفظه وجودة معناه وحداثة تشبيهاته، وليس بنا في ~~هذا الصدد أن نرجع إحدى القصيدتين على هذا المنوال، فإن الشوقية قد ترجح البحترية في كل شيء ~~ويبقى بعد ذلك فضل الابتكار المستقل للبحتري غير منازع فيه، لا لأنه سبق صاحبه في الزمن ~~فذلك ما لا فضل فيه للمتقدم ولا حيلة فيه للمتأخر، ولكن لأن وصف الآثار التاريخية قالب ~~محفوظ يترسمه شوقي ولا يكلفه كثيرا ولا قليلا من جرأة الخيال ولا من اقتحام الإبداع ~~... # أما البحتري - الشاعر العربي - فلم يكن ليفهم أن خرائب فارس تستحق في قريحته ما تستحقه ~~أطلال سعدى ولبنى لولا جرأة في الخيال، وتصرف في الشعور وإحساس صحيح ببواعث الشعر حيث ~~كان. # وعلى هذا يقول من شاء: إن قوالب شوقي لا تقل عن قوالب المبرزين من الشعراء الأقدمين، ~~ولكنه في «ملامحه الشخصية» يغيب عن النظر حيث تبدو الملامح الواضحة لكل شاعر من أولئك ~~الشعراء. ms042 # على أن القاعدة هنا تتفتح للاستثناء على سنة القواعد في الأدب وفي جميع الأمور. # والاستثناء الذي نعنيه شعر ظهر لشوقي في أخريات أيامه وازدياد ظهوره بعد وفاته، وكاد ~~يهمله جامعو الديوان وهو في اعتقادنا أحق باب فيه بالإثبات؛ لأنه الباب الوحيد الذي يحسب ~~من شعر الملامح الشخصية بين سائر الأبواب. # ذلك هو باب القصائد الفكاهية التي كان ينظمها شوقي ويطويها، ولم يكن يعرض لها في أوائل ~~عهده بالنظم إلا على غير احتفال منه في فلتات بعد فلتات. # من هذه القصائد ما نظمه في «المحجوبيات»، ومنها ما نظمه قبل ذلك بين فترة وفترة على غير ~~انتظام. # وبين أطراف هذه المحجوبيات قوله في سيارة الدكتور: # إذا حركها مالت # على الجنبين منهارة # وقد تحرن أحيانا # وتمشي وحدها تارة # ولا تشبعها عين # من البنزين فوارة # ترى الشارع في ذعر # إذا لاحت من الحارة # وصبيانا يضجون # كما يلقون طيارة # ومثله قوله في براغيث محجوب: # بواكير تطلع قبل الشتاء # وترفع ألوية الموسم # وتبصرها حول بيت الرئيس # وفي شاربيه وحول الفم # وبين - حفائر - أسنانه # مع السوس في طلب المطعم # وأقدم من هذه المحجوبيات قليلا قوله في رحلة غاندي إلى مؤتمر المائدة المستديرة: # وقل هاتوا أفاعيكم # أتى الحاوي من الهند # وقوله يخاطب البحر الأبيض المتوسط: # فابلع فديتك كل ما # ئك فالملا ينوي ابتلاعك # وقوله في هرب الخليفة عبد المجيد على سفينة إنجليزية: # أمن سرق الخليفة وهو حي # يعف عن الملوك مصفدينا # وقوله في معرض الرياحين بباريس: # من رآه يقول قد حرموا الفر # دوس لكن بسحرهم سرقوه # وفي هذه القصيدة يقول: # ما ترى الكرم قد تشاكل حتى # لو رآه السقاة ما حققوه # صوروه كما يشاءون حتى # عجب الناس كيف لم ينطقوه # فهذه الفكاهات وأشباهها هي الباب الوحيد الذي ظهر فيه شوقي بملامحه الشخصية؛ لأنه أرسل ~~نفسه فيه على سجيته وانطلق من حكم المظهر والصنعة والقوالب العرفية التي تنطوي فيها ملامح ~~الشخصية وراء المراسم والتقاليد. # وهنا يبرز للقارئ من ملامح شوقي ما لم يبرز له من جميع دواوينه ورواياته، فيراه ms043 بما جبل ~~عليه من حب الحيلة والعمل الخفي والاستراحة إلى مقالب النكاية التي تنطوي في الدعابة، ويرى ~~كيف يدور وعيه الباطن ويدور ليتحدث عن حيلة الحاوي واختلاس المستعمر وابتلاع أمواه البحار ~~وسرقة الكرم والزهر من الفردوس ومكامن البراغيث في حفائر الأسنان. # غير أن القوالب هنا تتسلل بحكم العادة إلى السليقة فتفرض عليها وجودها في إبان انطلاقها ~~من قيودها، وكذلك يقول شوقي عن الكرم: إن المصورين كادوا أن ينطقوه مع أن الكرم الأصيل لا ~~ينطق ولا يسمع له صوت، ولكنه مشى مع مبالغات التشبيه فقال عن صورة الكرم كما يقال عن صور ~~الإنسان والحيوان. # ومن قبيل هذه النزعة القالبية أنه يسأل البحر الأبيض أن يبلع ماءه؛ لأن المستعمرين يريدون ~~أن يبلعوه، وهو لو أصبح بغير ماء لوطئه المستعمرون بغير عناء. # إلا أن هذه المقطوعات الفكاهية التي لصقت بالديوان كأنها نافلة فيه قد حلت منه في محل ~~أصيل لا غنى عنه لإنصاف شاعرية الشاعر، وإنصاف الموازين التي اعتمدنا عليها في نقد شعر ~~زملائه في أول دعوتنا الأدبية، فمن هذه المقطوعات يظهر الفارق في كلام الشاعر الواحد بين ~~الشعر الذي يستوحيه من سجيته ويستودعه ملامح نفسه وبين الشعر الذي تغلب عليه القوالب العامة ~~بغير تمييز بين الطبائع والخصائص النفسية، وقد كان لشوقي نصيبه من وحي الشخصية حين ينطق معه ~~بغير قيد من قيود العرف والتقليد، ولكن نطاق المدرسة التي كان يمثلها - وهي مدرسة التقليد ~~المبتكر - لم يكن ليتسع في وقته لمزيد من الاستقلال أو المزيد من مقاومة البديهة المتحررة ~~من بقايا الزمن القديم. # وقد مضت خمس وعشرون سنة بعد وفاة شوقي - رحمه الله - لم تغير من حقائق أدبه ولا من حقائق ~~الأدب على الإجمال شيئا من جوهرها الصميم، ولكنها غيرت من نظرات القراء كما غيرت من شعورهم ~~وموازين ثقافتهم، فهم اليوم أقرب إلى الحدود الواضحة في مسائل الأدب التي كانت ملتبسة ~~الحدود قبل جيل أو جيلين. # كانوا قبل خمسين سنة يطلقون اسم الأدب الجديد على أدب لا جديد فيه إلا أنه مخالف لما ms044 ~~قبله. # وكانوا قبل عشر سنوات يطلقون اسم أدب التقليد على كل أدب يجري على أصل من الأصول، ولا ~~ينطلق مع الفوضى والإباحة إلى غير غاية. # فالآن نستطيع أن نفرق بين القواعد والقيود، فنعلم أن القواعد لازمة لكل فن، وأنها لا تمنع ~~شخصية الشاعر أن تستوفي تعبيرها عن ذاتها كما تشاء، ونعلم أن التحرر من القواعد فوضى ولكن ~~التحرر من القيود حرية وابتكار. # وقد دعونا إلى التجديد قبيل الحرب العالمية لنقول ذلك بالأسلوب الذي ارتضيناه أو ارتضاه ~~المقام، وكان أسلوبا يوجبه علينا أننا كنا نخترق السدود ونحارب سوء الفهم وسوء النية في ~~وقت واحد، فمن كان يؤمن بحق الدعوة في أسلوبها على حسب العوامل الخلقية - أو النفسية - التي ~~تحيط بها فله أن يحقق تاريخ الفترة ليقضي لنا أو علينا فيما اخترناه من وسيلة لإبلاغ ~~دعوتنا، ومن كان لا يؤمن بحق للعوامل الخلقية والنفسية في هذه الدعوات فلا يعنينا ما يرى أو ~~ما يقول. # ورأينا في أدب شوقي بعد خمس وعشرين سنة من وفاته - رحمه الله - أنه خير مصداق لموازين ~~النقد التي اتخذناها لتصحيح الآراء في تلك الفترة، فليس من الحق أن يقال إن الشاعر كان ~~مقلدا كمن سبقه من المقلدين، ولا إنه كان مجددا مستقل القريحة واضح الاستقلال بملامحه ~~الشخصية، ولكنه كان في مرحلة التقليد المنصرف إماما يحمل العلم ويسبق كثيرا من المبتكرين ~~في ميدانه، وهو ميدان الصناعة المتجددة على نهج السلف القديم. # الفصل العاشر # | الفلسفة والفن # الفلسفة تجريد والفن تجسيد، فهما على هذا التعريف نقيضان أو طرفان متقابلان؛ أو هما على ~~الأقل شيئان مختلفان، وليس من غرضنا في هذا المقال أن نعرض لما بين موضوع الفلسفة وموضوع ~~الفن من خلاف، فإن قصارى القول في هذه المسألة أن الفيلسوف لا يشغل مكان الفنان، والفنان لا ~~يشغل مكان الفيلسوف على أية حال، وأن بحث هذه المسألة أحرى بدراسة مستقلة تقصر عليه، وإنما ~~غرضنا من هذا المقال أن نجمل رأي الفلسفة في الفن، أو قيمة الفن في رأي الفلاسفة، وأن نرد ~~ذلك كله ms045 إلى سبب أصيل في موقف الفيلسوف من جميع المسائل التي تدخل في تقديره، ومنها حقيقة ~~الفنون. # والسبب الأصيل الذي ترجع إليه تقديرات الفلاسفة في الحكم على الفن هو موقفهم من قيمة ~~المحسوسات بالنسبة إلى الحقائق، فأنت تعرف رأي الفيلسوف في الفن إذا عرفت رأيه في المحسوسات ~~ومبلغ دلالتها على الحقيقة؛ لأن الفن لا ينفصل عن المحسوسات، والفلسفة لا تنفصل عن طلب ~~الحقيقة في أصول الأشياء أو فروعها، فلا قيمة للفن في نظر فيلسوف من الفلاسفة أكبر من قيمة ~~الحقيقة التي يدل عليها. # فأفلاطون مثلا كان يقول أن الحقائق أفكار مجردة من عقل الخالق جل وعلا، وأن هذه الأشياء ~~المحسوسة إن هي إلا محاولة لإبراز تلك الأفكار إلى عالم المادة أو الهيولى، فالمحسوسات هي ~~محاكاة للحقائق العليا، والمصنوعات الفنية هي محاكاة لهذه المحسوسات، ومؤدى ذلك أن الفن ~~محاكاة للمحاكاة وتقليد للتقليد، وليست هذه بالمنزلة «المشرفة» في تقدير الفيلسوف، فلا جرم ~~ينزل الفنانون في مقام دون مقام الشرف من جمهورية أفلاطون! # أما تلميذه الكبير - أرسطو - فقد كان للمحسوسات شأن أعظم من هذا الشأن في موازينه؛ لأنه ~~يعتمد على المشاهدة والتجربة واستخلاص الكليات من الجزئيات، فالمحسوسات عنده وسيلة من وسائل ~~الترقي إلى الحقيقة والنفاذ إلى لبابها، ومن ثم تبدو الحقيقة في عمل الفنان المجيد على وجه ~~من الوجوه، بل ربما تأتى للفنان أن يخلص إلى الحقيقة الكلية من وراء المشاهدات الجزئية؛ ~~لأنه إذا رسم لنا الوجه الجميل رسم لنا نموذج الوجه الجميل، ولم يرسل لنا هذا الوجه أو ذاك، ~~فهو يترقى من الجزئيات إلى الكليات، وعند الفيلسوف أن «الجميل» غير «الطيب» أو «الخير» في ~~خصلة واحدة شاملة لما بينهما من الفروق، وهي أن الطيب متعلق بعالم العمل أو الحركة، وأن ~~الجميل متعلق بعالم من المعاني ثابت لا حركة فيه، ومتى ذكرنا أن أرسطو يصف الله بأنه هو ~~«المحرك الذي لا يتحرك»، فقد عرفنا المرتقى الذي ارتقى إليه بالجمال أو بالفن المشغول ~~بتمثيل الجمال، ومن هنا لا عجب أن يرى أرسطو أن الشعر أهم ms046 من التاريخ؛ لأن الشعر يعرض لنا ~~الإنسان في كلياته العامة ولا يعرض لنا التاريخ منه إلا وقائع مخصوصة وآحادا ~~متجزئين. # ومن طرائف المفارقات حقا أن أفلاطون - وهو في صميمه فنان واسع الخيال - ينزل بالخيال ~~وذويه إلى تلك المنزلة المهينة! وأن تلميذه الكبير - وهو عالم لم يبلغ من سعة التخيل مبلغ ~~أستاذه - يرتفع بالفن ذلك المرتفع ويقدره ذلك التقدير. # ولكن أرسطو - على جلالة قدره - لم يسلم من خطأ الأقدمين جميعا في قولهم: إن الفنون كلها ~~تقوم على المحاكاة والتقليد، وغفلتهم عن الحقيقة التي شاعت اليوم بين المفكرين ونقاد ~~الفنون، وهي أن الفن الرفيع لا يقوم على غير الخلق والإبداع، ومن طرائف المفارقات أيضا أن ~~الرجل الذي أدرك - بين الأقدمين - أن الفنان يبتدع ولا يقلد لم يكن من الفلاسفة المعدودين، ~~بل كان معدودا من الأدباء والخطباء، وهو شيشرون الخطيب الروماني المشهور؛ فإنه قال لصديقه ~~ماركس بروتس: إن فيدياس لم يقلد شيئا حين مثل لنا زيوس وأثينه، ولكنه خلق من مخيلته ما ~~يراه الناس بالأبصار، وكان يقول إن الجمال معنى يقوم على نسبة الجزء إلى سائر الأجزاء، وأنه ~~لارتباطه بالمعنى يختلف بين الرجال والنساء، فجمال الرجل فحواه الوقار وجمال المرأة فحواه ~~الرشاقة، ومتى كان الفنان موكلا بتمثيل المعاني فهناك شيء أمامه غير محاكاة ~~المحسوسات. # ثم ظهرت المدرسة الأفلاطونية الحديثة، فكان رأيها في الجمال والفن هو رأي إمامها أفلاطون، ~~وهو لا يعظم المحسوسات كلها ولا يحتقرها كلها، ولكنه يعطيها من الحسن والخير بمقدار نصيبها ~~من الفيض والصدور. # وخلاصة فلسفة أفلوطين أن المخلوقات جميعا صدرت من «الأحد» على التوالي؛ ففيها من الجمال ~~بمقدار ما يتجلى فيها من فيض الأحد، أو من فيض العقول التي تسلسلت من وجوده درجات بعد ~~درجات، فإذا مثل الفنان لونا من ألوان الجمال فهو لا يمثل لنا محسوسا من هذه المحسوسات، ~~وإنما يمثل لنا قبسا من نور «الأحد» الذي تجلى في ذلك المحسوس، وقد كان أفلوطين ينكر تعريف ~~الجمال بالتناسب؛ لأن التمثال الذي يصور الحياة أجمل في رأيه من التمثال الذي ms047 تتناسب ~~أعضاؤه، وهو بعيد الشبه بالحياة. # وقامت الفلسفة الدينية بعد المدرسة الأفلاطونية الحديثة، فانقسم أصحابها إلى قسمين في ~~تقدير الفنون، ويمكن أن يقال هذا عن الفلسفة المسيحية، كما يقال عن غيرها من الفلسفات ~~الدينية، ومنها فلسفة المتصوفة والمتكلمين بين المسلمين. # فالذين نظروا منهم إلى الدنيا نظرة الزهد فيها والتزاور عنها توجسوا من الفنون، كما ~~توجسوا من سائر المحسوسات، وحسبوها أحبولة من أحابيل الشيطان. # والذين نظروا إلى الخلق كأنه أثر من آثار الخالق التمسوا في الحسن دليلا على وجود مبدعه ~~ومصوره، فلم ينكروه ولم ينكروا الفنون التي تعرضه وتجلوه. # وربما جمعوا بين النظرتين، كما فعل سكوتس # Scotus ~~(815-877)، ومن نحا نحوه، فيقولون إن الجمال قد يكون رمزا إلى جمال الله، كما يكون فخا ~~من فخاخ الشيطان، ولا يجعله الشيطان فخا من فخاخه إلا لأنه حسن يستهدي الأبصار ويفتن ~~القلوب. # وقد كان القديس توما الأكويني حكما عدلا في هذه المسألة، كما كان حكما عدلا في غيرها ~~من مسائل الفلسفة واللاهوت، فعنده أن الكون كله جميل في نظر من يراه فيرى إبداع خالقه فيه، ~~وأن الجميل الحق لا يكون جميلا إلا إذا توافر فيه كمال وتناسق وصفاء، وذلك كله عنوان محسوس ~~لجمال الله. # ولما نشأت الفلسفة الحديثة كان إمامها «ديكرت» وسطا بين تقديس الحس وتدنيسه، أو بين ~~الاعتماد عليه كل الاعتماد وإسقاطه كل الإسقاط، فهو لا ينكر أن الحس يتأدى بنا إلى المعرفة ~~في بعض الأحيان، ولا يقول بأنه هو سبيل المعرفة الوحيد، كما يقول الحسيون التجريبيون، فهناك ~~حس صادق وحس واهم، والتمييز بينهما لا يرجع إلى مقاييس الحس نفسه، بل إلى مقاييس الحقائق ~~الرياضية التي أثبتها الله في عقل الإنسان، فإذا جلست أمام الموقد فقد تكون جالسا هناك ~~حقا، وقد تكون في حلم يخيل إليك أنك جالس هناك، والعقل بمقاييسه الرياضية هو الذي يميز ~~بين الحسين. # وجملة ما يؤخذ من هذا الرأي أنه رأي سلبي في النظر إلى قيمة الفنون، وغاية ما ينتهي إليه ~~أنه لا مانع من تمثيل المعرفة أو الحقيقة ms048 في آيات الفن الجميل. # ثم راجت مدرسة الحس والمعرفة التجريبية، واقترن رواجها بالرجعة إلى المدرسة السلفية، أي: ~~بالرجعة إلى مقاييس الفنون كما كانت في عهد اليونان واللاتين الأقدمين، فقامت فلسفة الجمال ~~كلها - أو كادت تقوم كلها - على المقاييس الحسية، وظهر اسم «الأيستتك # Oesthetics ~~» بمعنى فلسفة الجمال لأول مرة حوالي هذه الفترة، وكان صائغ هذه ~~الكلمة بومجارتن # Baumgarten # ينشر مذهبه في ألمانيا، ~~ويعاصره أدمند برك # Burke # بآراء في الجمال والجلال تتلاقى ~~معه في شيء واحد، وهو الرجوع إلى المشاهدات والمحسوسات وتوخي الدراسات العلمية في تقرير ~~القواعد وتعميم الأحكام. # وجاء رد الفعل المنتظر بعد كل حركة تتمادى إلى نهايتها، فأخذ الفلاسفة ينقصون من سلطان ~~الحس ويلوذون بعض اللواذ بإلهام البداهة وإيحاء الضمير. # وطليعة هذه الحركة فيلسوفان عظيمان من أعظم الفلاسفة الألمان في القرن التاسع عشر، وهما: ~~«كانت» و«هيجل». # ف «كانت» يقول إن الحس والعقل معا لا ينفذان إلى ما وراء الظواهر الطبيعية، وإننا لا ~~نعرف قانونا من القوانين العامة يضطرنا إلى الحكم على شيء من الأشياء بأنه جميل أو غير ~~جميل، وإنما يرجع تذوق الجمال إلى «القانون الأدبي أو الأخلاقي» الذي تناط به معرفة الله، ~~فالجمال هو رمز النظام الأدبي في الوجود، وهو مع هذا لا يرادف «الخير» في مدلوله ومعناه؛ ~~لأنك لا تقول عن الشيء إنه «خير» أو «طيب» إلا إذا عرفت قبل ذلك ما هو ذلك الشيء، ولكنك ~~تعرف الجميل، ولا تحتاج إلى مثل تلك المعرفة؛ لأن البداهة التي يوحي بها النظام الأدبي في ~~الوجود هي مصدر الحكم عليه. # و«هيجل» يضع الفن في جانب، ويضع الفلسفة في جانب يحاذيه ولا يناقضه؛ لأنه يقرن الفن ~~بالجمال، ويقرن الفلسفة بالحقيقة، ويقول إن الحقيقة هي الفكرة المطلقة # Absolute # كما تتجلى للعقل، وإن الجمال هو الفكرة ~~المطلقة كما تتجلى للحس والمدركات الحسية، ويتبعها الخيال. # ويترقى شأن الفن بترقي شأن البداهة في الجيل الذي أعقب ذلك الجيل، وهو جيل القرن العشرين، ~~فالفيلسوف الإيطالي كروتشي ~~“Croce” # يقسم المعرفة إلى ~~معرفتين: معرفة منطق ومعرفة بداهة، وعماد المنطق ms049 العقل، وعماد البداهة الخيال، وهو - أي: ~~كروتشي - محسوب من الهيجليين؛ لأنه يقول بالفكرة المطلقة، أو يقول بأن الفكر هو قوام ~~الوجود، ولكن الفكرة عند كروتشي روح عامل وليس مجرد فكرة منطقية، ومن هنا يفضل كروتشي الفن ~~على العلم وعلى فلسفة ما وراء الطبيعة؛ لأنه ينشئ ويعمل وينفذ بنا مباشرة إلى معرفة الكائن ~~أو الحي في ذاته، وإذا قال كروتشي إن الخيال قرار وإن المنطق يقوم عليه، فليس معنى ذلك أنه ~~يرفع شأن المنطق على شأن الخيال، بل هو يجعل العلاقة بين المعرفة البديهية والمعرفة ~~المنطقية كالمعرفة بالكلام والمعرفة بالأجرومية، فلا أجرومية بغير كلام، وإن كان الكلام ~~قرارا تقوم الأجرومية عليه، وفضل الفن أنه منوط بالنموذج الفرد من حيث ينقلنا العلم بعيدا ~~من الحياة النابضة إلى المجردات العامة، ونحن نبتغي المنفعة من العلوم، ولكننا نبتغي الحياة ~~من الفنون. # ويقابل كروتشي - ولكن على الطريقة الإنجليزية - الفيلسوف الإنجليزي كولنجود # Collingwood ~~، فهو يبين في كتابه عن فلسفة الفن أو العرض أو ~~التمثيل، غير التقليد؛ لأن التقليد أخذ صناعة من صناعة، أما العرض أو التمثيل فهو أخذ صناعة ~~من الطبيعة، ثم يعود فيقول إن العرض عمل يلازم الفن، ولكنه ليس هو الفن في صميمه؛ لأنه عمل ~~من أعمال الحذق والمهارة التي تشبه أن تكون مهارة آلية، وليس بخلق ولا إنشاء ولا إفضاء بروح ~~الفنان إلى من ينظرون عمله، ولو كان كل ما يعنينا من الفن أنه يعرض لنا الطبيعة في الصورة ~~لما بقيت للصورة التي مات أصحابها قيمة فنية بعد موتهم وضياع المقياس الذي تقاس به ~~مشابهتهم للصور التي تمثلهم، فهناك شيء في الصورة غير مجرد المشابهة يعنينا ويقوم عليه ~~تقديرنا لملكة الفنان المطبوع، وهذا هو الخلق والتغيير. # وعند كولنجود أن الخيال باب من أبواب المعرفة وإن اختلط فيه الصدق بالضلال، وليس في هذا ~~الاختلاط ما يعيبه ويبطل عمله؛ لأنه بمثابة الفروض العلمية التي تختلط وتتضارب فيما بينها ~~إلى أن تتمحص عن فرض واحد معول عليه، ويفرق كولنجود بين الخيال # Imagination # والوهم أو الخداع # Make-believe ms050 # كما يفرق بين الفن الذي يعتمد على هذا، والفن الذي يعتمد على ذاك. # فالفن الخادع هو الفن الذي يرضي شهوة من الشهوات يفقدها الإنسان في عالم الحس، فيموهها ~~على نفسه في عالم الأحلام. # أما الخيال فإنه يجري عمله كما تجري الحواس وظائفها دون تعمد للخداع وإرضاء الشهوات، وإن ~~جاء منه عفوا ما يخدع أو ما يرضي شهوة المتخيلين. # ويمتاز فن الخيال على فن الخداع بأنه فن لا يتوخى التسلية ولا إثارة الإحساس، بل يعمد إلى ~~الأشياء التي يحسها الناس إحساسا مبهما أو مضطربا فيجلوها لهم، ويرفعها أمامهم من ~~قرارتها الغامضة إلى وضح الوعي والتصور المبين، ولا معنى في مذهب كولنجود لقول القائلين ~~بالفن للفن، على اعتبار أن الفن صناعة أو صياغة منفصلة عن الموضوع، ولكن «الفن للفن» في ~~رأيه معناه أن الفن لموضوعه، وأن موضوعه هو ما تقدمت الإشارة إليه من تجلية الخيال ~~والشعور. # وتنتهي بنا هذه الرحلة السريعة بين القديم والحديث إلى خلاصة نجعلها في هذه الحقيقة، وهي ~~أننا نرتقي في تقدير الفن كلما ارتقينا في تقدير الحس والبداهة وفي العلم بوظيفة الخيال، ~~فليس الفن مقيدا بالحس والمدركات الحسية، وليس الخيال خداعا منعزلا عن حقائق الأشياء، بل ~~هو وظيفة مبدعة تنفذ من أسرار الخلق إلى الصميم. # ونعود إلى أفلاطون لنقتبس منه أمثولة تنفعنا في تقريب وظيفة الفن على هذا الاعتبار، ~~فأفلاطون يقول إن الإله السرمدي شاءت له نعمته أن يتفضل على المخلوقات بنوع من البقاء ~~يناسبها؛ لأنه هو الباقي الذي لا يزول، وليس من المعقول أن يخلع عليها نعمة البقاء الأبدي؛ ~~لأن بقاء الأبد لا يخلع ولا ينتقل من خالق إلى مخلوق، فوهب لها بقاء الزمان تحاكي به بقاء ~~الله، وهو غاية ما تسمو إليه من دوام. # وعلى هذا النحو يمكننا أن نقول إن الخالق السرمدي - جلت قدرته - قد شاءت له نعمته أن ~~يتفضل على العباد بنوع من قدرة الخلق تناسبها، وتدخل في مستطاعها، فوهب لها الفن تخلق به ~~بدائعها وتصور به آمالها، فهو غاية ما تسمو إليه من ms051 خلق وإبداع، وهو قبس في الإنسان من قدرة ~~الله، أو كما قلنا من قصيدة في ديواننا الأول: # الشعر من نفس الرحمن مقتبس # والشاعر الفذ بين الناس رحمان # الفصل الحادي عشر # | نعرب أو نترجم # مسألة الكلمات الأجنبية - ولا سيما المصطلحات الخاصة - مسألة قديمة حديثة، لم يخل منها ~~عصر من عصور اللغة العربية منذ نشأتها الأولى قبل تفرع اللغات السامية. # وحلها كذلك حل قديم حديث، لم يخل منه عصر قديم ولا حديث. # حلها التعريب والترجمة معا، لا اختلاف بين عصر وعصر فيهما غير الاختلاف في المقدار أو في ~~النسبة بين الكلمات المعربة والكلمات المترجمة، فقد تزيد كلمات التعريب أحيانا، وتزيد ~~كلمات الترجمة أحيانا أخرى وتجري الزيادة في هذه أو تلك على حسب العوامل النفسية قبل ~~غيرها، وأهمها عوامل الثقة بالنفس والاطمئنان إلى سلامة اللغة وقلة الخوف عليها من طغيان ~~اللغات الأخرى. # ففي عصر الجاهلية كان العرب يكثرون من التعريب ولا يتوقفون عن تعريب كلمة أعجمية صادفتهم ~~في بلادهم أو خارج بلادهم من شبه الجزيرة، فلو أحصينا الكلمات المعربة في اللغو لزاد ما ~~عربه الجاهلون عن نصف هذه الكلمات في جميع العصور؛ إذ نحسب منه أسماء كثير من الجواهر ~~والمواد ومن الأدوات والنباتات، ومن الأباريز والعطور، ومن الأكسية والمأكولات والمشروبات، ~~ولا تقل عدتها عن ألوف. # وقلما يخطر لنا اليوم أن نترجم اسم مدينة مشهورة ولو كان لهذا الاسم معنى، وقلما يخطر لنا ~~كذلك أن نترجم اسم إنسان مشهور وإن كان من الأسماء التي لها معان في اللغة كاسم جورج ~~وميخائيل ومرجريت وفكتوريا، وإنما نعربها بألفاظها مع صقلها بالصيغة العربية. # وعلى هذا النحو كان ينظر العربي إلى أسماء المواد والأشياء التي وجدت في غير بلاده، ~~فإنه يعلم أن العربية هي لغة العرب وأن اللغة تركيب وسياق وليست مفردات ومقاطع وحروف، وإنما ~~تسمى الأشياء بأسمائها في بلادها وتعرف بتلك الأسماء كما تعرف أسماء الأعاجم التي ~~تلقوها من آبائهم وأمهاتهم بغير حاجة إلى تعريب: كسرى، وهرقل، وسابور، وفرعون، وأشباه ذلك ~~من الأسماء ... # ولعلهم لم يسألوا أنفسهم ms052 قط عن معنى كلمة دينار أو معنى كلمة قنطار، ولو سألوا لعرفوا أن ~~معنى الدينار «عشري» نسبة إلى عشرة، وأن معنى القنطار «مئوي» نسبة إلى مائة، ولكنهم على هذا ~~كانوا خليقين أن يعربوا الكلمتين ولا يترجموهما؛ لأن الترجمة لا تدل عليهما كما يدل ~~التعريب. # ولم يكن تعريبهم مقصورا على أدوات المعيشة من اللوازم والضروريات، بل كان شاعرهم الأعشى ~~يعرب آلات الطرب بألفاظها الأعجمية كما قال في وصف مجلس الغناء: # والناي نرم وبربط ذي غنة # والصنج يبكي شجوه أن يوضعا # فالناي نرم، والبربط، والصنج، كلمات أعجمية بألفاظها عربها الشاعر ولم يترجمها، وربما ~~استطاع أن يترجمها بما يقاربها لو أنه أراد. # وإنما صنع العربي ذلك في عصور اللغة الأولى لثقته بلغته وخلو ذهنه من الخوف عليها من ~~مزاحمة اللغات الأخرى، ولعله لم يحسب قط أنها «لغات» تقارن لغته لاعتقاده أن المتكلمين بها ~~أعاجم لا يفصحون. # هنا كانت نسبة التعريب أكبر من نسبة الترجمة، وكان باعثه الطبيعي أنه أقرب إلى العادة ~~المألوفة، وأنه شيء لا مانع له من الخوف على كيان اللغة ولا على مصيرها، فما شعر العربي قط ~~بتهديد لذلك المصير. # ثم انتشر العرب بعد الإسلام في بلاد العالم المعمور، فاختلطوا بأبناء اللغات الأجنبية في ~~ديارهم وحادثوهم بألسنتهم أو سمعوهم يتحدثون إليهم بلسان عربي تشوبه اللكنة الأعجمية ~~والأخطاء الدخيلة على تراكيب اللغة وأبنيتها وقواعدها المصطلح عليها، فساورهم الخوف لأول ~~مرة على سلامة اللغة في حاضرها ومصيرها، وأخذوا في ضبط قواعدها وتدوين مفرداتها وتمييز ~~قديمها من الدخيل عليها، وتحفظوا في النقل إليها فرجحوا الترجمة على التعريب كلما تيسر نقل ~~المعاني من اللغات الأخرى إلى الألفاظ العربية، ولكنهم قصروا التحفظ على شئون الدين ~~والبيان، ولم يلتزموه كثيرا في غير ذلك من الشئون، حتى شئون العلم ومراسم الدولة. # فعربوا مثلا كلمة «الموسيقى» بلفظها اليوناني بغير تصرف، وكان في وسعهم أن يسموها «فن ~~النغم». # وعربوا كلمة «الاصطرلاب»، وكان في وسعهم أن يسموها «مقياس النجوم» أو «مقياس ~~الفلك». # وعربوا كلمة «إيساغوجي» في المنطق، وكان في وسعهم أن ms053 يسموها «المدخل» أو ~~«التمهيد». # وعربوا «النوروز»، وكان في وسعهم أن يسموه «اليوم الجديد». # بل كان ابن سينا مثلا يعرب كلمة ال «مانيا» بلفظها ولا مندوحة بترجمتها إلى «الهوس» أو ~~«النزوة» أو «الهاجسة» وما إليها؛ لأنهم حرصوا على تحديد المعنى العلمي بغير التباس بينه ~~وبين الألفاظ التي تجري على ألسنة العامة والخاصة في البيوت والأسواق. # إلا أن الحذر من التعريب لم يبلغ في أوائل العصر الإسلامي قط مثل ما بلغه في العصر الحديث ~~منذ مائة سنة أو نحو ذلك؛ لأن الحذر هنا قد عم واستفاض حتى شمل الحذر على كيان البلاد ~~العربية في وجودها القومي وحياتها السياسية وعقائدها الدينية وسائر مقوماتها في حاضرها ~~ومصيرها، وكلها من المقومات التي تتصل باللغة ولا تنفصل عنها. # ففي هذا العهد الأخير تجمعت على البلاد العربية أخطار الاستعمار وأخطار المذاهب الهدامة ~~وأخطار الجهل والاستسهال، فاشتدت دعوة المحافظة على القديم حتى بلغت غايتها من الشدة وأوشكت ~~أن تخرج بالتطرف إلى الإفراط، ثم آذنت بالتحول كما يتحول كل شيء بلغ الغاية من مداه، واتفق ~~في الوقت نفسه أن كفة الحرية رجحت على كفة الخضوع والمهانة، فعادت الثقة إلى النفوس وعادت ~~معها قدرة التصرف دون مغالاة في الحذر أو الاطمئنان. # كان خصوم التعريب في إبان الحذر على كيان الأمة ينكرون أن تعرب كلمة «الهيدروجين»، ~~ويقترحون فيما اقترحوه أن تترجم بكلمة «المميه» من: أماه الشيء، يميهه، إماهة - أي: جعله ~~ماء على هذا التصريف - وفاتهم أن هذه الكلمة اليونانية لم يضعها اليونان الأقدمون وإنما ~~استعارها الإفرنج المحدثون للاصطلاح العلمي، مع إمكانهم أن يؤدوا معناها بلغاتهم الحديثة، ~~لولا اتقاء اللبس بين اسم العنصر وبين معنى الكلمة المطروقة على ألسنة الناس. # والذي نراه أن الحذر من التعريب كله يخف شيئا فشيئا على حسب نصيبنا من التقدم والثقة ~~وحرية التصرف في جميع الأحوال، ولكننا لا نريد أن نترك هذا الحذر مرة واحدة أو نفتح أبواب ~~التعريب على جميع المصاريع، فإنما الخير كل الخير أن نتحول عن الحذر من التعريب إلى الحذر ~~من الإفراط في ms054 التعريب، فلا نعرب من المصطلحات العلمية أو الفنية إلا ما كان من قبيل ~~الأعلام التي لا تقبل الترجمة، أو قبيل الرموز التي تنحت منها الكلمات ولا تقبل النقل إلى ~~حروفنا العربية، وهي كثيرة في علوم الطب والكيمياء على الخصوص، قليلة فيما عداها من العلوم، ~~وإن كانت قلة يحسب لها حسابها في جميع اللغات. # والنهج السوي أن نفضل الترجمة ما دامت مستطاعة سائغة، فإن تعذرت فلا حرج من التعريب على ~~قدر الحاجة إليه، بغير إفراط ولا استرسال. # ولا غنى لنا عن ملاحظة التخصيص اللازم في مصطلحات العلوم والفنون، فإن الاصطلاح يفقد ~~معناه إذا وقع اللبس بين مدلوله ومدلول الكلمات الشائعة؛ ولهذا يتجنب العلماء الكلمات ~~المطروقة ويفضلون عليها الكلمات التي يمكن تخصيصها بمدلولها ولا تلتبس بسواها. # مثال ذلك عصر البوتاس، فإنه في الإنجليزية مأخوذ من كلمتي Pot-ash # أي: رماد القدر كما يدل عليه لفظه وتحضيره، ~~ولكن الإنجليز يفضلون أن يطلقوا على هذا العنصر في لغة العلم كلمة «قليوم» # Kalium # وهي من أصلها العربي الذي يشمل القلويات. # أما الفرنسيون فهم يفضلون كلمة البوتاس والبوتاسيوم؛ لأن اللغة لا توحي إلى السامع ~~الفرنسي شيئا عن رماد القدر في اللفظ المطروق. # ونحسب أن بداهة اللغة العربية من قديمها إلى حديثها تملي علينا جواب هذا السؤال: هل نترجم ~~أو نعرب أو نكتفي بما عندنا فلا ترجمة ولا تعريب؟ # وجواب اللغة بلسان بداهتها الأصلية أن المعاني تترجم، وأن الأعلام وما هو من قبيلها ~~تعرب، وأن التعريب ضرورة ملازمة قد لازمت اللغة العربية منذ نشأتها ولا خوف عليها منه في ~~حدوده الصالحة؛ لأن البنية الحية هي التي تستطيع أن تلحق بتركيبها المكين كل غذاء ~~مفيد. # الفصل الثاني عشر # | الفكاهة في الأدب العربي # يتساوى أن يقال «إن الإنسان حيوان ناطق» وإن «الإنسان حيوان ضاحك»؛ فإن الضحك والنطق ~~خاصتان من خواص الإنسان لا يشاركه فيهما سائر الحيوان، وإذا صح أن المفارقات المنطقية هي ~~أساس الضحك كله، وأن الإنسان يضحك إذا رأى سخافة لا تليق بالحي العاقل؛ فالخاصتان إذن هما ~~خاصة واحدة ms055 في صورتين مختلفتين. # وكيفما كان القول في علاقة الضحك بالمنطق فالأمر الذي لا شك فيه أن الضحك خاصة إنسانية لا ~~تشاهد في حيوان آخر ولا تخلو منها أمة من أمم بني آدم وحواء، وكل ما هنالك من اختلاف بين ~~الأمم في هذه الخاصة فإنما هو كالاختلاف بينها في المزايا الإنسانية بأنواعها وأطوارها، ~~وإنما هو الاختلاف في الدرجة أو الشكل أو الوضوح أو أسلوب التعبير، ولا يزيد بحال من ~~الأحوال عن هذا الاختلاف الشائع في كلام اللغات، وهي المزية التي تلازم جميع ~~الناطقين. # فلا يقال عن أمة من الأمم إنها «أمة فكاهة» أو إنها أمة «مجردة من الفكاهة»، وإنما تجري ~~التفرقة بينها بألوان الفكاهة وأساليب التعبير عنها ودلالة هذا التعبير على الأخلاق ~~والعادات وملكات الفهم والذوق، وهي ضروب من التفرقة يضيق بها الحصر؛ لأنها تتصل بجميع ~~المعاني الإنسانية في حياة الفرد أو في حياة الجماعة. # فإذا أردنا أن نبين الفكاهة العربية بلون من ألوانها الغالبة عليها، فقد يكون أصدق بيان ~~عنها بكلمات معدودة: «إنها فكاهة النكتة السريعة، والعبارة الوجيزة، والولع بإبراز صفة ~~المروءة والفطنة وازدراء صفة اللؤم والذلة ...» ولا يظهر هذا المعنى العميق في طبيعة الفكاهة ~~العربية من كلام ورد على لسان شاعر كما يظهر من كلام النجاشي في هجاء بني العجلان؛ حيث ~~يقول: # إن الله عادى أهل لؤم وذلة # فعادى بني العجلان رهط ابن مقبل # ثم يقول: # قبيلته لا يغدرون بذمة # ولا يظلمون الناس حبة خردل # فإن الشاعر هنا نظر إلى الضعف والهوان، فجعلهما سببا للتحقير والسخرية ولم يحمد معهما ~~اجتناب الغدر والظلم؛ لدلالتهما هنا على الضعف والضعة لا على العفة وصدق النية. # وعلى هذا النحو، نستطيع أن نقول إن الهزل والمهزلة باللغة العربية يتقاربان، وإن العربي ~~لا يضحك من شيء إلا بحثت فيه فوجدت له معنى من معاني السخف وهو الضعف، ومعنى من معاني ~~الفكاهة وهو العي وضعف العقل واللسان. # ومن أصالة الفكاهة في طبع العربي أنها لازمته مع خشونة البادية، كما لازمته مع حياة ~~الحضارة من عصورها القديمة ms056 إلى عصورها الحديثة، فليس أكثر في كتب الأدب من ملح الأعراب ~~وطرائف أهل البادية التي يقول الجاحظ (أحد أمراء الفكاهة العربية): «إنها لا تجارى في ~~سهولتها وبساطتها ونفاذها، ويروى منه الكثير المعجب في طوايا كتبه كما رواها غيره من كتاب ~~النوادر والأخبار.» # أما فكاهة الحضارة عند العرب فليس أدل على شيوعها وإقبال جمهرة الناس عليها من صناعة ~~«الندماء» التي كانت تعرض في الأسواق والأندية العامة، ولا تختص بها قصور الأمراء وأصحاب ~~اليسار. # ومن هؤلاء الندماء الشعبيين كان «ابن المغازلي» الذي قيل عنه إنه كان ببغداد يتكلم عن ~~الطرق بالأخبار والنوادر، وقد حدث عن خبره مع الخليفة المعتضد، فقال: «سلمت فرد السلام ~~وهو ينظر في كتاب، فنظر في أكثره وأنا واقف، ثم أطبقه ورفع رأسه إلي وقال: أنت ابن ~~المغازلي؟ فقلت: نعم يا مولاي! قال: بلغني أنك تحكي وتضحك بنوادر عجيبة ... فقلت: يا أمير ~~المؤمنين، الحاجة تفتق الحيلة ... فقال: هات ما عندك، فإن أضحكتني أجزتك بخمسمائة درهم، ~~وإن أنا لم أضحك أصفعك بذلك الجراب عشر صفعات ... ثم أخذت في النوادر والحكايات فلم أدع حكاية ~~أعرابي، ولا نحوي، ولا قاض، ولا نبطي، ولا سندي، ولا زنجي، ولا خادم، ولا تركي، ولا شاطر، ~~ولا عيار، ولا نادرة، ولا حكاية ... إلا وأحضرتها، حتى نفد كل ما عندي وفترت ولم يبق ورائي ~~خادم ولا غلام إلا وقد ماتوا من الضحك، وهو مقطب لا يبتسم، فقلت: قد نفد ما عندي، ووالله ما ~~رأيت مثلك قط. قال لي: هيه! ما عندك. فقلت: ما بقي لي سوى نادرة واحدة، قال: هاتها، قلت: ~~وعدتني أن تجعل جائزتي عشر صفعات وأسألك أن تضعفها لي وتضيف إليها عشر صفعات أخرى، فأراد أن ~~يضحك ثم تماسك، وقال: نفعل ... يا غلام! خذ بيده، ثم مددت ظهري فصفعت بالجراب صفعة لكأنما ~~سقطت علي قطعة من جبل، وإذا هو مملوء حصى مدورا، فصفعت عشرا، فكادت أن تنفصل رقبتي ~~وطنت أذناي وانقدح الشعاع من عيني، فصحت: يا سيدي! نصيحة، فرفع الصفع بعد أن عزم على ~~العشرين، ms057 فقال: قل نصيحتك، فقلت: يا سيدي! إنه ليس في الديانة أحسن من الأمانة وأقبح من ~~الخيانة، وقد ضمنت للخادم الذي أدخلني نصف الجائزة، وأمير المؤمنين بفضله وكرمه قد أضعفها، ~~وقد استوفيت نصفي وبقي نصفه ... فضحك حتى استلقى، واستفزه ما كان سمع فتحامل له، فما زال يضرب ~~بيديه الأرض ويفحص برجليه ويمسك بمراق بطنه، حتى إذا سكن قال: علي به، فأتي به وأمر ~~بصفعه، فقال: وما جنايتي؟! فقلت له: هذه جائزتي وأنت شريكي فيها، وقد استوفيت نصيبي منها ~~وبقي نصيبك، فلما أخذه الصفع وطرق قفاه الوقع، أقبلت ألومه وأقول له: قلت لك: إنني ضعيف ~~معيل، وشكوت إليك الحاجة والمسكنة وأقول لك: خذ ربعها أو سدسها وأنت تقول: لا آخذ إلا ~~نصفها، ولو علمت أن أمير المؤمنين - أطال الله بقاءه - جائزته الصفع، وهبتها لك كلها، فعاد ~~إلى الضحك من عتابي للخادم، فلما استوفى نصيبه أخرج صرة فيها خمسمائة درهم وقال: هذه كنت ~~أعددتها لك فلم يدعك فضولك حتى أحضرت شريكا لك، فقلت: وأين الأمانة؟ فقسمها بيننا وانصرفت ~~...» # وهذه نادرة تكشف لنا عن قيمة النوادر التي أولع بها العرب لمعرفة التاريخ، فإنها ترجح ~~بعدة كتب في تاريخ عصرها بما تكشف عنه من أخلاق الخلفاء في ضبط النفس ومعاملة المتكسبين ~~بأشغال البطالة، وبما تكشف عنه من أخلاق الخلفاء في ضبط النفس ومعاملة المتكسبين بأشغال ~~البطالة، وبما تكشف عنه من أخلاق الأتباع والخدم عندهم، ومن عادات المجتمع يومذاك في الجد ~~والهزل وعادات ندماء الفكاهة في جدهم وهزلهم كذلك ... ولكن دلالتها فيما يعنينا هنا هي إحصاء ~~وجوه الفكاهة وأسباب المضحكات فيما كان يرويه ابن المغازلي من نوادر أصحاب الصناعات وأبناء ~~الأجناس والطوائف، فإننا نعلم من هذا الإحصاء العارض أن الفكاهة العربية كانت تدور على ~~«النقد الاجتماعي» الذي يلتفت إلى مواطن الغرابة والملاحظة من أصحاب المناصب أو السوقة، ~~وإلى جوانب الحذلقة والادعاء في العلماء والجهلاء، وأشباه هذه الجوانب التي أوشكت أن تجمع ~~كل ما تدور عليه فنون «النقد الاجتماعي» المشهورة في الآداب العالمية، وليس للفكاهة من ~~ناحيتها ms058 الاجتماعية وظيفة أصلح من هذه الوظيفة وقدرة أبلغ من هذه القدرة للكشف عن معاني ~~الجد والهزل، أو معاني الصراحة والغموض، أو معاني الاستقامة والالتواء، من النفس ~~الإنسانية. # هذه كلمة موجزة عن سليقة الفكاهة في الأمة العربية، ولا بد أن يكون لهذه السليقة مكانها ~~الذي يلائمها من مراجع الأدب العربي ومن أقوال أدباء العرب في النظم والنثر، كما ينبغي أن ~~يكون كل أدب صادق التعبير عن أحوال أمته النفسية والاجتماعية. # وقد كان لهذه المملكة نصيبها الوافي بين كتب الأدب العربي على صور متعددة، أظهرها وأقلها ~~كلفة وعملا كتب النوادر والأخبار وكتب الأمثال وتفسيراتها، فلا توجد اليوم لغة بين اللغات ~~الحية جمعت مثل ما جمعته اللغة العربية من هذا التراث الحافل بألوان العبر وطرائف الأمزجة ~~وغرائب الأطوار فيما وعاه الرواة والقصاصون من الحكايات أو الأمثال، ومن مناسبات كل حكاية ~~وكل مثل في تاريخه ومعرض سياقه. # أما فكاهات الشعر والنثر العربيين فمدارها الأكبر «أولا» على القصائد التي نظمت في ~~النقد الاجتماعي الذي اصطلحنا على تسميته بالهجاء، ولا يصرفنا جانبه «الشخصي» عن الجانب ~~الأهم والأعم، بين جوانبه المتعددة، وهو ذلك الجانب الذي نعلم منه مواضع الحمد والذم في ~~أخلاق الأمة وأخلاق الرعاة والرعايا على التعميم، فمهما يكن من بواعث الهجاء عند الشعراء ~~فلا ريب أن قصائدهم الباقية لدينا تحفظ لنا معرضا واسعا لأحوال الأدباء «أولا» وأحوال ~~الرؤساء والكبراء «ثانيا»، وأحوال الجمهرة الغالبة بعد ذلك فيما تقيمه لنفسها من موازين ~~التعظيم أو التحقير، وفي الصفات المطلوبة المثالية أو الصفات الشائعة الواقعية، وهي بغية ~~الباحثين في معارض النقد الاجتماعي حيث كان، ولعلنا نصدق السليقة العربية وصفها الجامع حين ~~نقول إن النقد الاجتماعي الذي يمثله شعر الهجاء يرينا أن العربي يقرن بين «الهزال ~~والمهزلة»، وأن المضحك عنده هو الشيء الهزيل في العمل أو القول، فلا تخلو حالة مضحكة عنده ~~من الكشف عن ضعف أو ذلة أو عن عي وفهاهة، وهما آفة الجنان وآفة اللسان. # أما الكلام المنثور فيما عدا الأخبار والأمثال فالنموذج العربي منه هو نموذج المقامة ms059 أو ~~المقالة التي تساق مساقها وتجري مجرى التخيل في التعبير عن الواقع. # فالمقامات هي المعرض الأدبي في النثر الغربي لغرائب الأخلاق بين أبناء الطوائف الاجتماعية ~~من الولاة والجند والقضاة والتجار والدهاقين، وموضوعها يجمع بين موضوع القصة الصغيرة ~~والمقالة النقدية في آداب العصر الحديث، وقد كان كتاب العرب يكتبون المقالة النقدية بأسلوب ~~المقامة، ويودعونها الصور الخيالية المضحكة لمن يوجهون النقد إليه، كما كان يفعل أبو حيان ~~أستاذ هذا الأسلوب في سخريته بأعداء الفلسفة والعلوم الحديثة في زمانه، ومنه قوله عن الكاتب ~~المشهور أحمد بن ثوابة وهو يلقي على لسانه أنه قال عن أحد علماء التنجيم: «... فأخذ القلم ~~ونكت نكتة ... تخيلها بصري وتوهمها طرفي كأصغر من حبة الذر، فزمزم عليها من وساوسه وتلا عليها ~~من أسفار أباطيله، ثم أعلن عليها جاهرا بإفكه، وأقبل علي وقال: أيها الرجل! إن هذه النقطة ~~شيء لا جزء له، فقلت: أضللتني ورب الكعبة، وما الشيء الذي لا جزء له؟ فقال: كالبسيط ... فقلت ~~أنا: وما البسيط؟ فقال: كالله والنفس! فقلت له: إنك من الملحدين، أتضرب لله الأمثال والله ~~يقول: # فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم ~~وأنتم لا تعلمون ~~. # على أن الأديب العربي يعالج موضوع الفكاهة وهو على حذر وتقية، ويكاد يثني قلمه بعنان على ~~الاسترسال والتبسط فيه؛ لأن معنى الأدب يرادف في لغة الأدب العربي معنى السمت أو معنى ~~«اللياقة» بالعرف الحديث، فيحمد الأديب لنفسه أن يفهم المضحكات ويروي أخبارها، ولكنه لا ~~يحمد لها أن يغرق في موضوعها أو يكون هدفا لها ومادة من موادها؛ ولهذا نرى أئمة الأدب من ~~أمثال ابن قتيبة والجاحظ وابن عبد ربه يتقدمون بالاعتذار أو بالتوضيح والتفسير قبل سرد ~~الأضاحيك والفكاهات، بل يكتب الأديب عن الظرف والظرفاء فيقدم للكتاب بالنهي عن الإفراط في ~~الضحك والمزاح كما فعل محمد بن إسحاق الوشاء في مقدمته لكتاب الظرف والظرفاء؛ حيث يقول: «إن ~~كثرة المزاح يذل المرء، ويضع القدر، ويزيل المروءة ...» # ومن خالف هذه السنة من الأدباء فإنما كان «يحترف الهزل»، ويتكسب بتعريض نفسه للضحك والعبث ms060 ~~ويعلم أنه يسقط مروءته بذلك، ولكنه يتقبل ما يصيبه لاضطراره إليه أو قلة اعتداده بوقاره، ~~ومن هذه الطائفة أمثال أبي دلامة وأبي العنبس الصعيدي وأبي العبر وأبي الشمقمق وذي ~~الرقاعتين وغيرهم وغيرهم من المتقدمين والمتأخرين، وبين هؤلاء الأدباء المضحكين نشأت صناعة ~~التقليد الساخر التي لم يعرفها الغربيون قبل الزمن الأخير، ومن هؤلاء ذو الرقاعتين الذي ~~عارض مقصورة ابن دريد، فقال: # من دخلت في عينه مسلة # فاسأله من ساعته عن العمى # من صفع الناس ولم يدعهم # أن يصفعوه، فعليهم اعتدى # ومنهم بين المحدثين الشيخ عامر الأنبوطي الذي حكى ألفية ابن مالك، فقال: # الأصل في الرغيف أن يقمرا # وجوز التقديد إذ لا ضررا # وحكى لامية العجم للطغرائي، فقال: # أناجر الضأن ترياق من العلل # وأصحن الرز فيها منتهى أملي # وبهذا الفن يضاف أسلوب التقليد الساخر إلى أساليب النقد الاجتماعي في قصائد الهجاء ~~والمقامات والمقالات التصويرية إلى جانب الأمثال والنوادر وسائر فكاهات الأدب في اللغة ~~العربية، ولا يعوز الأدب العربي من أساليب الفكاهة التي تشيع الآن في الآداب العالمية غير ~~أساليب المسرح والرواية، وهما من ألوان الأدب التي نشأت بين الأوروبيين ولم تنشأ بين العرب ~~لأسباب ترجع إلى الاختلاف في شعائر العبادة على عهد الوثنية الأولى. # أما فكاهات الأدب العربي في العصر الحديث فإن المشابهة بين موضوعاتها وموضوعات الآداب ~~العالمية متقاربة متناظرة، يقترن فيها أدب المسرح والقصة بأدب القصيدة والمقالة والتقليد ~~الساخر والمثل السائر، فإن يكن بينهما فارق ظاهر فهو كما أسلفنا «فارق النكتة السريعة ~~والعبارة الوجيزة والولع بإبراز صفة المروءة والفطنة وازدراء صفة اللؤم والذلة» مع الاختلاف ~~بين عربي الأمس وعربي اليوم في تقدير معنى المروءة وآدابها، فإنها من الأمور التي لا تثبت ~~على وتيرة واحدة في عصرين أو حضارتين. # الفصل الثالث عشر # | شعراء المهجر الجنوبي # إن المهاجر بطبيعته إنسان طليق مقدام، ليس يطيق البقاء حيث يضيق به المقام، ولا يهاب ~~المخاطرة بالإقدام على المجهول، إذا كان «المعلوم» الذي يعرفه ويعيش فيه يكلفه ما هو أشد ~~عليه من المخاطرة، وهو الصبر على الحجر ms061 والهوان. # والمهاجرون إلى الجنوب في أمريكا الجنوبية أحوج إلى هذه الخصلة من إخوانهم الذين هاجروا ~~إلى أمريكا الشمالية؛ لأن المهاجر إلى ولايات الشمال من العالم الجديد ينزل بأرض ممهدة ~~ويقدم على خطط مرسومة معبدة، ويكاد يعرف كل ما سيصيبه في هجرته قبل فراقه لوطنه، فلا ~~يبقى بين يديه غير التجربة التي لا اقتحام فيها، وعلى خلاف ذلك مهاجر الجنوب. # إنه ليجدد «نصف مجازفة» كولمبس بعد نزوله بدار الهجرة، وإنه ليصنع لنفسه من جديد كل ما ~~صنعه المقتحمون من حوله ولو كانوا من أبناء القارة الأصلاء، وإنه باسم المكتشف لأحرى منه ~~باسم المهاجر الغريب! ... وهكذا كل من حوله من الغرباء، وغير الغرباء. # وهو على هذه الحالة أحوج من سائر المهاجرين إلى العلاقة الروحية بكل ما فارقه في دار ~~مولده أو دار نشأته الأولى. # وماذا فارق في ذلك المولد؟ أو في ذلك المنشأ؟ # إننا إذا استقصيناه وحاولنا أن نجمعه في علاقة واحدة لم نجد في النهاية غير علاقة اللغة ~~وتراث اللغة، وكل ما تحفظه اللغة بمبناها ومعناها. # فإنه لم يفارق من أجواء بلاده الروحية جو العقيدة الدينية؛ لأن أكثر المهاجرين من ~~المؤمنين بالدين المسيحي يتبعون الكنائس التي يتبعها أبناء القارة الجنوبية. # وإنه لم يفارق أجواء الطبيعة ومناظرها، فإننا إذا أغضينا النظر عن ولع الإنسان بمناظر ~~بلاده كيفما كانت، لم نكد نفقد في أقاليم القارة الجنوبية لوحة من لوحات الطبيعة نتملاها في ~~لبنان وسورية، بين الهضاب والآجام، أو بين الجداول والينابيع، أو بين البراري والسهول، أو ~~بين مواسم الغيوث ومواسم الصحو والصفاء. # إنما فارق المهاجر العربي إلى الجنوب جوا واحدا من أجواء بلاده الروحية ينقطع عنه حين ~~يتصل به المقام في وطنه الجديد، ولا سيما في عصر البحث عن الجامعات الروحية في كل ~~اتجاه. # إنما فارق اللغة، وإنما فارقها وليس لديه أعز منها ولا أحق منها بالحنين والتذكار. # لا جرم تصبح هذه العلاقة عنده «عصبية» متوهجة تطوي في ثناياها كل ما عداها من عصبيات ~~وعلاقات، ويوشك أن تنقل إليها حماسة الدين وألفة الطبيعة ms062 وحدة النخوة الوطنية، ويهون ~~المساس بكل شيء، ولا يهون المساس بهذه البقية الباقية من أمانة القلب واللسان. # إن هذه «العصبية» قد أوشكت أن تكون «أسلوبا مشتركا» بين جميع المهاجرين لا يعرفون من ~~أساليب اللغة أسلوبا غيره، فكلهم مظهر «لغوي» واحد من مظاهر تلك العصبية الشاملة، وكلهم ~~«متكلم» عربي قبل كل شيء، ثم هو «فلان بن فلان» بعد ذلك. # ولقد أطلق أدباء المهجر الجنوبي على أنفسهم «العصبة الأندلسية» بحق ودراية؛ لأن الأندلس ~~القديمة هي النسخة الوحيدة التي سبقت نسخة العصبة الأندلسية الجديدة في تاريخ اللغة ~~العربية، على هذا الطراز. # ففي الأندلس وحدها - قبل الآن - عرفنا الأفذاذ من كبار الشعراء كابن هانئ وابن زيدون وابن ~~خفاجة وابن حمديس، كما عرفنا غيرهم عشرات من هذه الطبقة، ولكننا لم نعرف بينهم - على ~~فحولتهم - فارقا في أسلوب التعبير ولا في جرس اللغة يتيسر للقارئ أن يلمحه من النظرة ~~الأولى، فليس بينهم ذلك الفارق الذي تلمحه في عصر واحد بين أساليب أبي تمام والبحتري وابن ~~الرومي، أو بين أساليب بشار وأبي العتاهية وأبي نواس، أو بين البارودي وصبري وشوقي وحافظ ~~ومطران في العصر الحديث. # كلا ليس هناك ألسنة أفراد يختلفون، بل ليس هناك غير لسان القومية الواحدة ينطق ببديهة ~~واحدة، ولا يسمح «للشخصية» على قوتها أن تتغلب عليه بسمة من سماتها المستقلة، وإن كانت ~~«الشخصية الفذة» لتنصف نفسها كما تشاء فيما عدا اللغة والأسلوب، تنصف نفسها فيما تتميز به ~~الشخصيات القوية من مزايا الأخلاق والضمائر وأسرار البداءة والعبقريات. # ولقد تميز ابن زيدون وابن حمديس وابن خفاجة بالشيء الكثير من خصائص الفكر والذوق ~~والإلهام. # وهكذا يتميز شعراء المهجر الجنوبيون بجملة من مزايا الفن والذوق والبصيرة تحيط بآفاق من ~~الشعر الجيد الأصيل، لا تقل عن تلك الآفاق التي سبح فيها أسلافهم الأندلسيون ~~الأولون. # يكاد أسلوب النظم أن يكون أسلوب شاعر واحد في فترة واحدة من الزمن، ولكنك تترجمهم إلى لغة ~~أخرى، أو تقرؤهم بلسان المعنى دون لسان اللفظ، فلا تخطئ بينهم تلك الفوارق التي تفصل بين ~~عشرات من ms063 الشعراء بملامح الفكر والسليقة. # ففي ديوان الشاعر القروي ملامح من صور الطبيعة تغلب على صور البيت وصور المجتمع، ولا يبدو ~~فيها البيت ولا المجتمع إلا كما تبدو فصيلة من الأحياء يسمون بالآدميين، ثم لا تعرف لهم ~~قانونا ولا شريعة غير قانون الفردوس على المحبة أو قانون الغاب على البغضاء والعدوان، ~~وكلاهما قانون زرع وماء وحياة. # وفي دواوين إلياس فرحات يظهر آدم من وراء ذلك الفردوس ولكنه آدم الذي عرف إبليس لعبة بعد ~~لعبة، فتعلم منه السخرية الضاحكة، ثم جرد تلك السخرية من أشواك الكيد والخبث، ومن عواقب ~~الندم والحسرة. # وفي شفيق معلوف «عبقر» تمتد الهجرة من عالم الإنس إلى وادي الجن، ومن جوف الواقع إلى ~~أطراف الخيال ، وتقترب العدوة بين هذه البحور المتباعدة حتى لينسى نزيل «عبقر» أين هو من ~~رحلات البر والبحر ... ويخيل إليه في لحظة بعد لحظة أنه لم يبرح زحلة بلبنان أو سان باولو ~~بالبرازيل ... ويوشك المعلوفون أن يكونوا جميعا إخوة في لحمة الأدب كأخوتهم في لحمة النسب، ~~بين يدي سليمان هو يحبس الجن في القماقم أن ينطلق على بساط الريح. # وتقرأ «جورج صيدح» فلا تفوتك فيه أشواق الطبيعة التي تعهدها في دواوين زملائه، ولكنك لا ~~تتمثله في صورة من الصور إلا رأيت في ظهارة الصورة أبراج المدينة ومداخن المصانع ومعالم ~~الأسوار. # ومعظم الشعراء من المهجريين آباء وأزواج، ولكنك لا تتمثل القنصلين - إلياس وزكي - إلا ~~تمثلت زوجا يمشي مع زوجة، ووالدا يحنو على طفل في يمينه أو بين ذراعيه. # وتتراءى ألوان من هذه الملامح في كثير من شعراء العصبة الأندلسية لا نحصيهم هنا، ولا ~~تتيسر لنا مراجعتهم في هذا المقام، ولكنهم جميعا يتلاقون في تمثال واحد شامخ الهامة مكين ~~القدمين، نسميه تمثال «العصبية اللغوية» أو القومية التي تلخصت في كلمة واحدة هي كلمة ~~«العربية»، ونهضت برسالة في تاريخ الأدب العربي لا تشبهها رسالة أخرى في جميع أدوار هذا ~~التاريخ. # ونحسب أن مدرسة العصبة الأندلسية تنفرد بهذه الخاصة التي تعد من النقائض للوهلة ~~الأولى، ثم يزول عنها كل ms064 وصف من أوصاف التناقض متى رجعنا إلى القوة الخارقة التي اجتمعت في ~~حنين المهجريين الجنوبيين إلى اللغة، فصنعت ما تصنعه القوة الخارقة من المعجزات. # تلك الخاصة التي انفردت بها العصبة الأندلسية هي فرط المحافظة وفرط التجديد في وقت ~~واحد. # فالمهجريون الجنوبيون لم يقبلوا قط دعوة من دعوات الهدم باسم التجديد في قواعد اللغة أو ~~قواعد العروض أو قواعد الآداب السلفية في جملتها، وقد أعرضوا عن كل دعوة من هذا القبيل ~~وساعدهم على الإعراض عنها، أنها جاءت من مبدئها ضعيفة هزيلة لا تقنع أحدا بالإصغاء إليها، ~~فكان الداعون إلى إهمال قواعد العروض أو قواعد النحو أصحاب مذهب قديم ليس أقدم منه، ولا ~~أسهل منه على الجاهل والعاجز ومن لا يحسن الأداء بالكلام الموزون أو الكلام المنثور ولا ~~التعبير باللهجة الفصحى أو اللهجة العامية، وذلك المذهب القديم العتيق هو العجز عن الفصاحة ~~والقدرة على الركاكة، أو العجز عن الصواب والقدرة على الخطأ، وليس هذا مذهبا يقنع أحدا ~~بالتجديد أو بترك القديم؛ لأنه هو بذاته أقدم من أقدم الأقدمين. # وعلى هذه المحافظة في وجه كل دعوة من دعوات الهدم أثبت المهجريون الجنوبيون أنهم أقدر من ~~المجددين المزعومين على استخدام أوزان الموشحة وأوزان الرباعية والمقطوعة في ضروب النظم ~~الغنائي وضروب النظم الملحمية على اختلاف الموضوعات. # وقد ذهب المهجريون المحافظون أشواطا وراء أشواط المجددين المزعومين، فليس من هؤلاء ~~المحافظين من لم يكن له مذهب مستقل في العقيدة الإلهية أو السماحة الدينية، وليس منهم من ~~أحجم عن رأي حديث من آراء العلم الاجتماعي جمودا على القديم وإشفاقا من تكاليف الحرية ~~الفكرية، بل كان منهم أناس تطرفوا في اتباع هذه الآراء عند ظهورها، وذهبوا معها إلى غاية ~~مداها، ولم يعدلوا عنها متقيدين بقيود المحافظة العمياء؛ بل عدلوا عنها لأنهم عرفوها ~~وحققوها خيرا من معرفة الجامدين عليها والمتعصبين لها، جريا على سنن التقليد ~~والمحاكاة. # وإذا وقف الفريقان معا موقف المناجزة بالحرية والقدرة، فلن يستطيع المجددون المزعومون أن ~~يتهموا أشد المحافظين حفاظا على عقيدته بالتخلف في ميدان الحرية والإقدام ms065 على سلطة مرهوبة ~~في وطنه الأصيل أو وطنه الحديث، ولكن المحافظ «المزعوم» يستطيع بغير مشقة أن ينكر عليه حرية ~~السماحة الفكرية كما يستطيع أن ينكر عليه قدرته على تصحيح الأسلوب، ويسجل عليه خلو الجديد ~~الذي يدعو إليه من كل قدرة يحاولها من يريد. # وبهذه الخاصة «المنفردة» في تاريخ الآداب العربية يتميز الأدب المهجري في الجنوب، وينفرد ~~المحافظون من شعرائهم بهذه «الشخصية» الشاملة التي انطوت فيها جميع «الشخصيات» بين أطواء ~~العبقرية العربية، والتي برزت من ورائها ألوان من ملامح الروح والسليقة يعتز بها طلاب ~~الثروة الأدبية في كل عهد من العهود. # الفصل الرابع عشر # | الزهاوي وديوانه المفقود # اطلعت في مجلة «المكتبة» البغدادية على مقال للسيد أكرم زعيتر عن «ذكرياته لشاعر العراق ~~الزهاوي» قال فيه من حديث جرى بينه وبين الشاعر في آخر لقاء له قبل سفره من بغداد: # قال - أي: الزهاوي - هل اطلعت على «الأوشال»؟ قد كنت أظن وقد رق عظمي أن زمني ~~لن يمتد بي كثيرا؛ فسميت مجموعة قصائدي الأخيرة (الأوشال)، ثم نظمت بعد ذلك قصائد ~~أخرى أعتقد أنها آخر ما أنظم في حياتي التي أراني مغادرها قريبا، وقد جمعتها في ~~ديوان سميته «الثمالة» ليكون آخر ما يطبع لي ... # قلت: وهل للأستاذ شعر لم يطبع غير «الثمالة»؟ قال: أجل، إنه ديوان لا ينشر في ~~القرن العشرين. # وكنت قد علمت من الزهاوي نفسه أن له شعرا كثيرا لا ينشره، وأنه سيوصي بنشره بعد وفاته، ~~وفارق القاهرة وهو يكرر لي حديثه عن الشعر المطوي الذي يعتقد أنه إذا نشر في يوم من ~~الأيام فلن يتسع لنشره بلد غير القاهرة بين البلدان الشرقية. # وقد سمعت أخيرا أن كتابا ظهر في القاهرة باسم «الزهاوي وديوانه المفقود»، فاعتقدت لأول ~~وهلة أنه هو مجموعة الشعر التي تحدث عنها الزهاوي إلى الأستاذ أكرم زعيتر ببغداد وأومأ ~~بنبئها إلي في القاهرة، واطلعت على الكتاب لمؤلفه «هلال ناجي» فصدق ظني في موضوعه وإن كان ~~المؤلف الأديب قد توسع في أبوابه، فتناول فيه مباحث شتى عن الزهاوي وما كتبه وما ms066 كتب عنه، ~~غير ديوان «النزغات»، وهو اسم الديوان المفقود. # وحرص المؤلف على تحقيق نسبة «النزغات» إلى الزهاوي فاستقصى الشواهد والقرائن التي تدل على ~~صحة هذه النسبة ... وكلها مقنعة - بل قاطعة - في إثبات نظم الشاعر لجملة القصائد والمقطوعات ~~التي احتواها ديوان «النزغات»، كما تركه الزهاوي عند تسليمه إلى الأستاذ سلامة موسى، وعند ~~انتقاله منه إلى الدكتور زكي أبو شادي بغير زيادة فيه، وهو مرقوم على الآلة الكاتبة غير ~~مصحوب بالأصل المخطوط. # على أننا نستطيع أن نصحح نسبة النظم في هذا الديوان إلى الزهاوي من الدليل «الداخلي» في ~~أسلوب الشاعر «النظمي» كما يقول النقاد، وأظهر ما في هذا الدليل «الداخلي» أن أبيات القصائد ~~والمقطوعات تشتمل على كثير من ذلك الشد والفتل الذي يطوع به الشاعر كلماته لأوزان ~~العروض. # فالشاعر الذي يقول: # عاش في الغاب القرد دهرا طويلا # قبل أن يلقى للرقي سبيلا # هو الشاعر الذي يقول في ديوان «النزغات»: # هذه الدنيا دار كل جزاء # وهو الذي يقول فيه: # عسى الذي عاف أرضه # أن يضمه عالم جديد # وغير ذلك كثير من «الأسلوب النظمي» في سائر منظومات الديوان. # أما الأسلوب «الفكري» فهو كذلك مطابق لأسلوب الزهاوي في كل ما نظم من الشعر منذ عالج نظمه ~~في أوائل حياته، ومما لا شك فيه أن أفكار الديوان المفقود ليست طورا جديدا في تكوين آراء ~~الشاعر مع الزمن كما يتوهم القارئ من قول الزهاوي أنه آخر ما نظم وأنه يحتوي أفكارا لم ~~تنشر قبل ذلك في حياته. # إذ المحقق من معارضة دلائل الشك والتردد ودلائل الإيمان واليقين أن هذه الدلائل جميعا قد ~~وجدت في مؤلفاته الباكرة كما وجدت في مؤلفاته الأخيرة، على درجة واحدة من القوة ~~والوضوح. # وأغلب الظن أن العالم الديني المفكر الكبير محمد فريد وجدي قد أصاب الحقيقة حين قال في ~~مجلة «الأزهر» مما نقله الأديب هلال ناجي في الصفحة ال 300 من كتابه، فإنه لاحظ أن الزهاوي: ~~«يكتب الشيء ثم ينقضه بقول آخر كما فعل في كتابه «الكائنات». فقد جرى فيه على أسلوب ~~الماديين ms067 ... ثم ختمه بكلمة تحت عنوان - ابتهال - حقر فيها كل الآراء التي قررها في الكتاب، ~~وذكر أنه إنما جرى فيها على أسلوب الماديين لبيان مذهبهم ... أما هو فيبرأ إلى الله منهم ومن ~~آرائهم ويرجو من يقرأ الكتاب ألا يعتد بما قرره فيه.» # ثم عقب الأستاذ وجدي على هذا الأسلوب قائلا: «إنه أسلوب في الكتابة كل ما يمكن أن يعتذر ~~عنه أنه يلجأ إليه هربا مما قرره.» # وكل ما نزيده على تعقيب الأستاذ وجدي أن الزهاوي قد يبادر في مفتتح كتابه إلى تحقير آراء ~~المتهجمين على الحقائق الكبرى كحقائق عالم الغيب، وما يسميه الباحثون بحقائق ما وراء ~~المادة، فإنه افتتح كتابه «الكائنات» الذي ألفه في مقتبل صباه بين البيتين: # وما الأرض بين الكائنات التي ترى # بعينيك إلا ذرة صغرت حجما # وأنت على الأرض الحقيرة ذرة # تحاول جهلا أن تحيط بها عدا # وهذا غاية ما يقوله المفكر المتواضع أمام عظمة الكون لكبح الغلاة من الباحثين في حقائقه ~~عن الشطط الأهوج والغرور الكاذب بقدرة العقل البشري على إدراك هذه الأسرار المطبقة حول ~~حقائق الوجود. # والذي نلاحظه في مواقف الزهاوي العقلية بين الشك واليقين سهولة شكوكه وسهولة ردوده عليها ~~في وقت واحد. # فكل شكوك الزهاوي بلا استثناء مما يقبل الرد والاستخفاف من النظرة الأولى؛ لأنها مبنية ~~على تصور العامة الجهلاء للخرافات والأساطير التي يلصقونها بالدين وهو بريء منها بعيد عنها، ~~وليس من هذه الشكوك شك واحد يقوم على فهم الدين كما ينبغي أن يفهمه المؤمنون به على صحته، ~~وقد كان خطأ الزهاوي الأكبر أنه يتلقى حجة العقائد من الأوهام الشائعة بين المقلدين دون ~~الثقات المجتهدين، وإنما تقوم قضية الدين على الضمير الإنساني الذي يناط به التمييز بين كل ~~دعوة تشيع في العالم، ولم تقحم حجة الدين قط على ما يفهمه المقلدون أو يفهمه المغرورون بهم ~~من الأدعياء، وإنما تقوم حجته على البصيرة الصادقة والوحي الأمين. # لا جرم كان تقريره لقواعد الإيمان بعد ذلك سهلا غنيا عن جهد التردد والبحث في أمثال ~~تلك الشكوك أن يثوب ms068 يقينه إلى يقين الزهاوي الذي عبر عنه بهذه الأبيات في موقف ~~الحساب: # قال: ما دينك الذي كنت في الدن # يا عليه، وأنت شيخ كبير؟ # قلت: كان الإسلام ديني فيها # وهو دين بالاحترام جدير # قال: من ذا الذي عبدت؟ فقلت: # الله ربي وهو السميع البصير # وقبل ذلك يقول من كلمة منثورة: «لم آت في حياتي أمرا إدا ولا ارتكبت منكرا ... أنظم ~~الشعر وأودعه عصارة شعوري وتفكيري وأجعله منبرا أدافع منه عما يتراءى لي أنه الحق غير حاسب ~~لمخالفة الناس إياي حسابا، وهذا ما كان يثيرهم علي ويجعلهم يعملون على معاكستي حتى ~~هموا مرة أن يقتلوني، مع أني معتقد بالوحي مؤمن بالأنبياء وبالمرسلين وملائكة الله وكتبه، ~~وقمت بشعائر الدين كلها ؛ فصمت وصليت، وزكيت وجاهدت، وحججت إلى بيت الله، وزرت قبر رسوله ~~الكريم.» # وهو الذي ردد هذه الشهادة في مواطن كثيرة من شعره كما قال في هذا المعنى غير مرة: # أنا ما كفرت كل عم # ري بالكتاب المنزل # أنا لم أزل أشدو بنع # ت للنبي المرسل # وإنه بمثل هذا اليقين لخليق أن يكذب كل هاتيك الشكوك التي تثيرها أوهام الجهلاء وخرافات ~~أصحاب الخرافات من المقلدين. # وجملة القول في الديوان المفقود وفي الدواوين المنشورة أنها طور واحد من الفكر لم يتغير ~~في مدى خمسين سنة، ويوشك أن ينقل كل بيت في ديوان من هذه الدواوين المتتابعة إلى ديوان آخر ~~صدر قبله أو بعده، بغير اختلاف في المعنى أو في النسق أو في الأسلوب، إلا ما تقتضيه المرانة ~~الطويلة من تيسير النظم في نهاية الشوط بعد تعسر فيه عند الابتداء. # والسرعة إلى التفكير مع السرعة إلى العدول عن الفكرة في وقت واحد هما آفة العجلة في ~~مواجهة الزهاوي لمسائل العلم والأدب أو مسائل الاجتماع والأخلاق، فليس أسرع منه إلى اختطاف ~~الرأي الشائع أو اختطاف الرد عليه، ونحسب أن بنية الرجل «مسئولة» كما يقولون عن هذا الولع ~~بالسرعة والقلق من الاستقرار، فإن مصابه بالداء الذي أقعده عن الحركة قد بدأ معه اضطرابا ~~مقلقا قبل أن يثقل ms069 على أعصابه ويثقله عن حركته، وما أكثر ما نظم في «الصراط» وصعوبة العبور ~~عليه من شعره الأول ومن شعره الأخير. # ولا ريب عندنا ولا عند قراء الزهاوي شعرا ونثرا في قدرته الفكرية ولا في ملكته ~~الرياضية، ولكنك تراجعه من بواكيره إلى خواتيمه فيبدو عليه أنه يثب إلى الآراء وثبة بعد ~~وثبة ولا يتطور معها على أمد مديد يتصل فيه الانتقال من مكان إلى مكان، فهو في وثباته ~~المتلاحقة على مكان واحد، يصعد منه وينزل إليه، ويثبت عليه صاعدا ونازلا ومترددا ~~ومستقرا، وهكذا كان في آخر ديوان كما كان في أول ديوان، وللقارئ بعده أن يبقيه حيث شاء، ~~بما هو أهل للبقاء. # الفصل الخامس عشر # | مشكلة المعجمات العربية الحديثة # لا تزال للمعجمات العربية مشكلة قائمة يتصدى لها المشتغلون باللغة، ويحاولون جميعا أن ~~يكون المعجم الحديث مستدركا للنقص في المعجمات العربية القديمة، تارة من ناحية الترتيب ~~والتبويب، وتارة من ناحية الاختصار والتخلص من الإطالة والتكرار، وتارة أخرى من ناحية أهم ~~وأولى بالاستدراك في حينها، وهي ناحية الاستيفاء بإضافة المفردات التي استحدثت في العهود ~~الأخيرة من ألفاظ الحضارة ومصطلحات العلوم ومخترعات الصناعة، ونقلت إلى لغتنا من طريق ~~التعريب أو من طريق التوليد أو من طريق الترجمة بتصرف أو بغير تصرف على حسب الأحوال. # وأحدث المعجمات على هذا النمط معجم «المنجد» الذي توفر على تأليفه الأب لويس معلوف ~~اليسوعي، وظهرت طبعته الأولى سنة 1800، ثم توالت طبعاته مع التوسع فيه إلى أن ظهرت طبعته ~~السادسة منذ بضع سنوات وهي على أحدث مثال من نظام المعجمات في لغات الحضارة، جميلة الطبع ~~والترتيب، وافية المادة والبيان، ملمة بطائفة صالحة من الألفاظ المولدة والدخيلة والمعربة ~~جرت على الأقلام الفصيحة وانتظمت في جملة المفردات العربية المقبولة لصعوبة الاستغناء عنها ~~بغيرها، ولا تقل هذه الطبعة عن أوفى طبعات المعجم الفرنسي في مثل حجمه من عمل مؤسسة «لاروس» ~~المشهورة؛ لأنها تحتوي - غير المفردات اللغوية - بابا للأسماء الجغرافية، وبابا آخر ~~للتراجم، وبابا ثالثا للأمثال، مع التوضيح بالصور والخرائط والرسوم. # ولم تتوسع هذه ms070 الطبعة في جمع ألفاظ الحضارة ومصطلحات العلم والصناعة، ولا نرى أن ذلك ~~يعيبها أو أنه نقص يتيسر استدراكه في المعجمات العامة بهذا الحجم أو أكبر منه؛ لأن النظام ~~الذي جرى عليه واضعو المعجمات الحديثة باللغات الأوروبية يخصص لكل علم أو صناعة معجما ~~مستقلا لا يتعرض لغير مصطلحاتها وألفاظها، وذلك بعد أن بلغت هذه المصطلحات والألفاظ عددا ~~يكفي لتأليف معجم خاص بكل منها تزيد صفحاته على المئات، ولا تمس الحاجة إليه عند البحث عن ~~الكلمات اللغوية في معجماتها العامة، وبخاصة بعد أن توفر أناس منا على وضع المعجمات ~~المستقلة لبعض العلوم والصناعات، ولا يزال المدد الوافر يتوالى على هذه المعجمات المستقلة ~~لاستمرار العمل في تدريس العلوم باللغة العربية والاستغناء شيئا فشيئا عن مصادرها ~~الأوروبية. # ولم يظهر بعد «المنجد» معجم من تأليف الأفراد، ولكن ظهر في السنة الماضية معجم المجمع ~~اللغوي «الوسيط» في جزأين يبلغ عدد صفحاته ألفا وثمانين صفحة يشتملان على نحو ثلاثين ألف ~~مادة وستمائة صورة، ويبين الدكتور إبراهيم مدكور مزيته على معجمات القرن العشرين فيقول: إنه ~~«دون نزاع أوضح وأدق وأضبط وأحكم منهجا وأحدث طريقة، وهو فوق ذلك مجدد ومعاصر، يضع ألفاظ ~~القرن العشرين إلى جانب ألفاظ الجاهلية والإسلام، ويهدم الحدود الزمانية والمكانية التي ~~أقيمت خطأ حول عصور اللغة المختلفة.» # وهذا المعجم الوسيط أوسع تناولا لألفاظ الحضارة من «المنجد»، ولكنه - على أية حال - لا ~~يغني عن المعجمات المستقلة للعلوم والصناعات، ولم يأخذ مؤلفوه أنفسهم بالاستغناء عنها، وليس ~~في وسع مؤلف أن يأخذ نفسه بمثل هذا في معجم من المعجمات العامة كائنا ما كان حجمه، وقد نظر ~~المجمع في تخصيص بعض المراجع المستقلة بأغراضها، فابتدأ منها بمعجم مستقل للقرآن الكريم، ~~وهو مقصور على الألفاظ القرآنية بتفسيراتها اللغوية وبغير توسع في التفسيرات التي تحسب من ~~قبيل الرأي والاجتهاد على مذاهب الفقهاء. # والمجمع دائم الاشتغال بتأليف معجمه الكبير الذي ينتظر أن يستدرك كل نقص يستطاع استدراكه ~~في الترتيب والشرح، أو في البحث عن الأصول، أو في استيفاء المعرب والدخيل، مع الإحاطة بأكبر ms071 ~~عدد ميسور من ألفاظ الحضارة ومصطلحات العلوم والصناعات. # والمعهود في أعمال المجامع أنها أطول أمدا من أعمال الأفراد، فإن معجم الأكاديمية ~~الفرنسية قد استغرق العمل فيها أكثر من مائة سنة، ولم يسلم بعد هذا من مواضع النقد لإفراطه ~~على المحافظة على النهج القديم كما اتبعه أعضاء الأكاديمية عند ابتداء وضعه. # وطول الأمد في أعمال المجامع ضرورة لا حيلة فيها ولا وجه للاعتراض عليها؛ لأن الخطة التي ~~يتفق عليها ثلاثون أو أربعون متجددون بين حين وحين أصعب تنفيذا من الخطة التي يفرغ لها ~~المؤلف الواحد بينه وبين نفسه، ولا يطالبه أحد بمراجعتها وإعادة النظر فيها، فقد حدث خلال ~~تأليف الصفحات الأولى من المعجم الكبير أنها أعيدت إلى المؤتمر أكثر من أربع مرات للنظر ~~في ملاحظات الأعضاء الجدد أو الأعضاء الأوائل الذين بدا لهم بعد الشروع في تأليفه رأي غير ~~الذي اختاروه عند ابتدائه. # ومن هذه الملاحظات ما كان يدعو إلى إعادة النظر في ترتيب المواد بحسب الحروف الأولى أو ~~الأخيرة، وفي تضمين الأعلام أو عزلها، وفي ذكر المرادفات السامية والأجنبية على العموم أو ~~الاقتصار على الضروري منها، وفي التزام التسلسل التاريخي لمعاني الكلمات مع إثبات الشواهد ~~من أقوال الشعراء والكتاب أو العدول عن ذلك لصعوبة السير عليه في معجمات اللغة ~~العربية. # ومن الملاحظات التي أعيد النظر فيها مسألة التقسيم والترتيب في المادة الواحدة، هل ~~تشرح الكلمة شرحا واحدا متصلا من بدايتها إلى نهايتها، أو تقسم المادة إلى أبواب ~~يشرح كل باب على حدة، ولا ينتقل إلى ما يليه إلا بعد الفراغ منه واستيفائه إلى ~~غايته؟ # ونضرب لذلك مثلا مادة القاف والدال والميم، أي: مادة «قدم»، فهي تحتوي: معنى السبق، ~~ومعنى القدوم، ومعنى مضي الزمن الطويل، ومعنى النفاذ، ومعنى الرجل، ومعنى الشجاعة، وفيها ~~معنى القياس الذي هو جزء من اليردة، ومعنى الآلة التي يستخدمها النجارون، وغير ذلك معان ~~شتى تتولد بالاشتقاق وباستعمال الفعل المزيد على جميع الأوزان. # فهل يتصل الشرح ويعاد إلى الباب بعد الانتقال منه على حسب ترتيب الحروف، أو ينفصل ms072 كل ~~معنى بقسم لا يشترك فيه مع غيره، وإن تشابهت حروف الكلمات؟ # هذا مثل من أمثلة الملاحظات الكثيرة التي استوجبت إعادة النظر في خطة التأليف قبل المضي ~~فيه على المنهج المتفق عليه. # ويضاف إلى هذه المعوقات التي لا بد منها أن الأعمال «الرسمية» ترتبط بقراراتها ~~وتواريخها، ولا يتأتى تعديلها أو استئنافها بغير الرجوع إلى قرارات أخرى تتطلب الوقت الطويل ~~لاتخاذ «إجراءاتها» وإصدار الإذن «بالاعتمادات» التي ترصد للإنفاق عليها، ولو اقتضى الأمر ~~زيادة خبير واحد إلى لجنة التأليف لما تيسر ذلك قبل معاودة الإذن بهذه الإضافة إلى «مصروفات ~~المشروع»، ومعاودة السلسلة الإدارية كرة أخرى من الألف إلى الياء، وقد تعترض ذلك أحوال ~~كأحوال الحرب وما يشبهها يتبدل فيها نظام توريد الورق من نوع معين، ونظام الطبع في جهة ~~محدودة، ونظام المعاملة بين الجهات الحكومية والجهات الأهلية التي تعهد إليها مهمة ~~التحضير والطباعة. # وبما صادف المعجم الكبير من هذه العوارض أنه ارتبط - من الخطوة الأولى - بمعجم الدكتور ~~فيشر الذي كان قد اعتزم تأليفه على المنهج المقرر لتأليف ذلك المعجم الكبير، وكان الدكتور ~~فيشر قد أعلن عزمه على تأليفه لأول مرة بمؤتمر المستشرقين في باسل (سنة 1907)، وجاء في محضر ~~المؤتمر لتلك السنة أن الدكتور «قد أبان أن القواميس العربية الموجودة التي ألفها الغربيون، ~~وبخاصة تلك التي عالجت الفصحى لعهدها القديم، لا تفي بحال من الأحوال بالمطالب العلمية؛ ~~لأسباب أهمها أنها لم تعتمد على كتب الأدب الموجودة، بل نشأت من القواميس التي ألفها العرب، ~~وإن كانت هذه قيمة جدا». # ثم جاء في المحضر أن الدكتور فيشر «لا يرى أن ينفرد بالعمل بل يجب اشتراك غيره من العلماء ~~معه.» # ثم ندب الدكتور فيشر لإدارة القسم العربي الإسلامي لمعهد الاستشراق بمدينة ليبزج، ~~فاختار من تلاميذه نخبة تعمل معه لإعداد البحوث اللازمة للبدء بتنفيذ مشروعه، ولم يزل هذا ~~المشروع في مرحلة التمهيد إلى سنة 1924 إذا اطلع أحد الناشرين الألمان على نموذج منه، فأبلغ ~~الدكتور استعداده للقيام على طبعه وتدبير نفقاته، ولم يكن يقدر في تلك المرحلة ms073 مصاعب ~~التنفيذ إلى تمام تأليف المعجم وطبعه، فلما عرف من تفصيلاته كل ما يحتاج إليه جهدا ونفقة، ~~عدل عن عزمه وأبلغ المؤلف وتلاميذه بعدوله، وكان مجمع اللغة العربية قد تألف وضم إليه فئة ~~ممتازة من المستشرقين الأوروبيين منهم الدكتور فيشر والدكتور ليتمان الألمانيان، وعلم ~~الأعضاء بمشروع فيشر كما علم فيشر بالبرنامج المقرر لأعمال المجمع اللغوي وفي مقدمتها تأليف ~~المعجم التاريخي الكبير، فتم الاتفاق على ولاية المجمع لهذا العمل باعتباره تنفيذا ~~لبرنامجه المقرر، وأعان الدكتور بما عنده من المراجع المطبوعة والمخطوطة وأماكن المراجعة ~~والتحضير، ويسر له العمل بمعونة موظفيه الخبراء وأعضائه المتطوعين للمشاركة فيه، ولم تمض ~~سنتان على ابتداء البحث في خطة التأليف وجمع المواد المتفرقة وكتابة الجزازات لكل مادة على ~~حدة حتى نشبت الحرب العالمية الكبرى، وانقطع الدكتور فيشر عن حضور جلسات المجمع بضع سنوات، ~~ثم انقطعت أخباره وتبين بعد العلم بخبر وفاته أن أوراقه التي حملها معه إلى بلده قد تبددت ~~وضاع منها الكثير بغير أمل في الحصول عليه، فلم ير المجمع في هذه الحالة بدا من تعديل ~~العقود التي كانت مبرمة بين المؤلف ووزارة التربية، ولم يكن في وسعه أن ينشئ قبل ذلك معجما ~~آخر إلى جانب المعجم المتفق عليه، ولا أن يلغي تلك العقود قبل التحقق من مسوغات إلغائها أو ~~تعديلها. # وتدل النماذج التي انتهى العمل فيها من معجم فيشر، على جهد كبير في التبسط والاستطراد، ~~يزيد على الحاجة في معجمات اللغة ويحيط بمعان للكلمات ليست من قبيل الإحاطة اللغوية، ~~كاستطراده في حرف الهمزة، بعد الكلام على استخدام الهمزة للنداء، إلى الكلام على جميع أحرف ~~النداء، وإتيانه بمادة «النوم» في كلمة «أخذ» لقوله تعالى: # لا ~~تأخذه سنة ولا نوم # وأمثال ذلك من ضروب التوسع التي يصعب الاسترسال ~~فيها على هذا النحو في سائر الحروف، فبدا للجميع أن يعيد النظر في جزازات المواد ليثبت منها ~~ما يصح أن يدخل في نطاق المعجمات اللغوية، ويحيل البقية إلى مواضع الانتفاع بها في غير هذه ~~المعجمات عند التفكير في تأليفها. # هذه ms074 بعض العوارض التي يسهو عنها الذين يقفون بعيدا - على البر - ليستبطئوا عمل المجمع في ~~معجمه الكبير، وهي - كما نرى - عوارض معهودة في كل عمل من أعمال الجماعات يجري على «السنن ~~الرسمية»، ولا مناص له من الجري عليها، ولكن الواقع أن المعجم الكبير مشروع يطول العمل فيه ~~سواء صادفته هذه العوارض أو لم يصادفه عارض منها، فإذا تم تأليفه خلال ثلاثين سنة فذلك ~~توفيق يغبط عليه، بالقياس إلى أعمال المجامع التي توافر لها من المعدات على طول الزمن ما ~~ليس بالمتوافر للمجامع العربية. # ولا يبعد أن يظهر من المعجمات الكبيرة في هذه الأثناء معجم أو معجمان بعناية الأفراد ~~المنطلقين من ضوابط الأعمال الجماعية، ولكن المعجم الذي تتولاه الجماعة يظل مع هذا مطلوبا ~~لمزايا فيه لا تتيسر للفرد الواحد، مهما يكن مبلغه من المعرفة والاجتهاد. # ويتسع الوقت ولا ريب لظهور عشرات المعجمات العلمية والصناعية المستقلة بأغراضها في هذه ~~الأثناء، وتلك هي المعجمات التي يلوح لنا أن المحرر الفاضل يسأل عنها، ويسمي مشكلتها بمشكلة ~~المعجمات العربية، وليس لها حل عند واضعي المعجمات الكبرى بالغا ما بلغ بها الاتساع ~~والاستقصاء، ولكنها تحل على أحسن وجه بالمعجم المستقل لكل موضوع من موضوعات العلوم ~~والصناعات وألفاظ الحضارة على الإجمال. # الفصل السادس عشر # | معجم المصطلحات الحراجية # تقدم في الكلام على مشكلة المعجمات العربية الحديثة أن المعجمات العامة لا تتوسع في جمع ~~ألفاظ الحضارة ومصطلحات العلم والصناعة، ولا نرى أن ذلك يعيبها أو أنه نقص يتيسر استدراكه: ~~«لأن النظام الذي جرى عليه واضعو المعجمات الحديثة باللغات الأوروبية يخصص لكل علم أو صناعة ~~معجما مستقلا لا يتعرض لغير مصطلحاتها وألفاظها، وذلك بعد أن بلغت هذه المصطلحات ~~والألفاظ عددا يكفي لتأليف معجم خاص بكل منها تزيد صفحاته على المئات ولا تمس الحاجة إليه ~~عند البحث عن الكلمات اللغوية في معجماتها العامة، وبخاصة بعدما توفر أناس منا على وضع ~~المعجمات المستقلة لبعض العلوم والصناعات، ولا يزال المدد الوافر يتوالى على هذه المعجمات ~~المستقلة لاستمرار العمل في تدريس العلوم باللغة العربية والاستغناء ms075 شيئا فشيئا عن ~~مصادرها الأوروبية.» # ومن هذا العدد المبارك الذي وصل إلينا بعد ظهور المقال السابق في «قافلة الزيت» معجم ~~العالم المجتهد الأمير مصطفى الشهابي الذي أسماه «معجم المصطلحات الحراجية»، وأورد فيه هذه ~~المصطلحات بالإنكليزية والفرنسية والعربية. # وليس هذا المعجم - في الواقع - بالجديد بالنسبة إلى العالم الباحث، مؤلفه القدير، سواء في ~~الكثير من مفرداته أو في الطريقة العلمية التي يتوخاها عند نقل المصطلحات أو تعريبها أو ~~وضعها، بما هو معروف عنه من سعة المعرفة بعلمه، وفرط الغيرة على لغته، وحسن التصرف في أدائه ~~لعباراته، وقد اطلعنا على هذه الطريقة في معجمه السابق للألفاظ الزراعية بالفرنسية ~~والعربية، ووقفنا على شيء من تفصيلاتها التي يعرضها للمناقشة في جلسات المجمع اللغوي، وهو ~~علم من أعلامه النابهين الذين يمحضون له أكبر العون في علم النبات خاصة، وفي غيره من العلوم ~~على الإجمال. # ولكن الجديد في هذه المجموعة النفيسة إعدادها في قالب المعجمات التي يتداولها القراء ~~العلميون، وهم في هذا الزمن غير قليلين بين أبناء البلاد العربية، وقد سماه معجما ~~للمصطلحات؛ لأنه أفضل ترجمة للكلمة الإنجليزية # Vocabulary # التي تعني الاصطلاح الخاص لموضوع من الموضوعات أو الاستعمال اللغوي الخاص لكاتب من الكتاب، ~~ولو في الموضوعات العامة، كما يقال - مثلا - معجم المصطلحات للشاعر شكسبير أو معجم ~~المصطلحات في دواوين الشاعر براوننج، ولا يعنى فيه بالكلمة إلا على حسب معناها الذي ورد ~~في مؤلفاته؛ لأنها قد تخالف معناها العام بغير ذلك الاصطلاح. # ونضرب المثل بكلمة عربية نقصد التمثيل بها لإظهار الفرق بين شرح معنى الكلمة في المعجم ~~العام، وشرح معناها بعينها في كل معجم خاص قد تدخل في عداد مصطلحاته. # فكلمة «الرفع» مثلا تذكر في المعجم العام بمعناها المشهور، ولكنها تذكر بين مصطلحات ~~علم النحو بمعناها الذي يتعلق بإعراب الكلمات، وتذكر بين مصطلحات علم الآلات في صدد ~~الكلام على الآلات الرافعة، وتذكر في باب المراسم للدلالة على درجة من درجات التشريف ~~والتحية، كصاحب الرفعة وصاحب المقام الرفيع، وتذكر في علم الحديث للتفرقة بين الأحاديث ~~المرفوعة وغيرها من الأحاديث ms076 المرسلة أو المنقطعة، ولا يلزم أن يحتوي المعجم العام جميع هذه ~~المصطلحات إلا إذا أفرط في التوسع على منهج واحد في أمثال هذه الكلمة، وهو جد عسير. # وقد حافظ المؤلف الفاضل على منهج المعجمات الخاصة في معجمه هذا للمصطلحات الحراجية، وزاد ~~فيه كثيرا على ما جاء من هذه المصطلحات في معجمه السابق للألفاظ الزراعية، وإن لم يخالف ~~طريقته التي اعتمدها في جميع بحوثه الفنية والعلمية؛ لأنها طريقة للتحقيق والتحري لا تحسن ~~مخالفتها بين موضوع وموضوع. # ومن الدقة الفنية المأثورة عن المؤلف أنه سمى معجمه السابق بمعجم الألفاظ الزراعية، وسمى ~~هذا المعجم الأخير بمعجم المصطلحات الحراجية؛ لأن الغالب على الكلمات التي تستخدم علم ~~الحراج أن تكون حدودا فنية وتعريفات مصطلحا عليها بين أهلها. # ولا يغلب مثل هذا على كلمات الزراعة؛ لأنها في جملتها ألفاظ متداولة بين العلماء وغير ~~العلماء من الزراعيين وغير الزراعيين، ومثل هذه الدقة في التفرقة بين مواضع الكلمة ظاهر في ~~جميع الكلمات المترجمة أو التعريفات المصطلح عليها. # والمؤلف يعتمد المصطلحات باللغة الإنجليزية، تليها هذه المصطلحات باللغة الفرنسية، ثم ~~يقابلها بالترجمة العربية، محيلا إلى المصطلحات الأخرى فيما يرتبط معناها بأكثر من مصطلح ~~واحد عند اختلاف الترتيب بالحروف الأجنبية أو العربية، وإنما اعتمد المؤلف ترتيب المصطلحات ~~على حسب الحروف الأجنبية؛ لأنه يترجمها لمن يدرسون العلم الحديث باللغات الأوروبية المشهورة ~~أو لمن يقرءون في كتب ذلك العلم للاطلاع أو الاستفادة ويحبون أن يعرفوا مقابلا للكلمة ~~الأوروبية باللغة العربية الفصحى، أو باللفظ المولد والدخيل إن لم يوجد اللفظ ~~الفصيح. # على أن المؤلف الخبير بمناهج المراجعة لم يفته أن ييسر الأمر على القارئ العربي كل ~~التيسير إذا أردت أن يبدأ البحث بالرجوع إلى الكلمة العربية، فإنه بدأ المعجم بإحصاء ~~المصطلحات العربية التي وردت فيه مرتبة على حسب الحروف الأبجدية، ووضع بإزاء كل مصطلح منها ~~رقم المصطلح كما ورد في الترتيب الأجنبي، فأصبح الكشف عن الكلمة في الأصل أو الترجمة ميسرا ~~للباحث عنها حيث يشاء. # واختار المؤلف أن يسمي المعجم باسم المصطلحات الحراجية مفضلا ms077 اسم الحراج على اسم الغاب ~~المرادف له في الجملة؛ لأنه لاحظ في ذلك دقة الفارق بين المعنى الاصطلاحي والمعنى اللغوي ~~العام، كما لاحظ العناية بالتراث اللغوي العلمي في مراجع هذا العلم من اللغة العربية، وقال ~~في المقدمة: «... استعملت كلمة حرجة لا غابة أمام كلمة # Foret ~~«الفرنسية» وجمعها حراج وأحراج وحرجات وحرج، والأخيرة تأتي للمفرد والجمع ... والحرجة والحراج ~~والأحراج هي التي كانت تستعمل في كتبنا القديمة، فمنذ زمن الأيوبيين في مصر مثلا كان ~~الأديب القبطي الكبير ابن مماتي يقول في كتابه النفيس الموسوم بقوانين الدواوين: «الحراج ~~السلطانية» لا الغابات السلطانية، وظل لفظ الحراج يستعمل في زمن المماليك وفي قوانين ~~الدولة العثمانية، ثم في قوانين الأقطار العربية التي انفصلت عنها عقب الحرب العالمية ~~الأولى، فلا مجال إذن لترجيح لفظ الغابات عليه، وقد استعملت كلمة الغابة تخصيصا أمام # Futoie # الفرنسية # Foresth # الإنجليزية، ثم إن كلمتي حرش وأحراش العاميتين ~~ما لبثتا شائعتين في كثير من الأقطار العربية.» # وليست ملاحظة هذه الاعتبارات في تمصيص الفوارق بين المصطلحات العلمية عملا ميسرا لكل ~~مشتغل بالعلوم الزراعية ما لم تسعده على الإحاطة بها معرفة بمراجع التاريخ واللغة تحدد له ~~مواضع التخصيص والتعميم في كل مصطلح، وقد وعى المؤلف من هذه المراجع ما يكفيه للاستقلال ~~بالترجمة والتعريب أو بالوضع في مواضع الحاجة إليه، ولكن أمانته العلمية شاءت له أن يستعين ~~بغير جهوده في هذا الباب كلما تطرق إلى بحث من البحوث عن إحدى الكلمات، فقال: «إن مراجع هذا ~~المعجم هي على الأخص الطبعة الثانية من معجم الألفاظ الزراعية والمصطلحات التي أقرها مجمع ~~اللغة العربية في القاهرة، وهناك ألفاظ جديدة وضعتها وألفاظ راجعت فيها مراجع عديدة يمكن ~~الوثوق بها قليلا أو كثيرا، فأثبت أصلح تلك الألفاظ في نظري.» # ولم يتوسع الأستاذ الشهابي في إثبات المصادر أو المراجع أمام المصطلحات الحراجية؛ إذ لا ~~يمكن - كما قال - «في مثل هذا المعجم الصغير ذكر أصول المصطلحات العربية الصحيحة منها ~~والمولدة، وذكر الأسباب التي دعت إلى ترجيح بعضها على بعض، فقد ذكرت ذلك كله ms078 في معجم ~~الألفاظ الزراعية.» # أما منهجه في إثبات المصادر أو المراجع أمام الألفاظ الزراعية في معجمها الكبير فحسبنا ~~منها كلمة واحدة نكتفي بها؛ لأننا نعرف مناسبتها ونستدل بها على مبلغ الحرص على إثبات ~~المرجع لأيسر مناسبة. # تلك الكلمة هي كلمة «سهب» بالعربية تقابل كلمة # Steppe # الفرنسية أو الإنجليزية، فقد جاء في ترجمتها من معجم الألفاظ الزراعية: «الجمع سهوب ... ~~الفرنسية من الروسية، تطلق على سهول روسية الواسعة المعشبة، والعربية تدل على المستوى من ~~الأرض في سهولة، وذكر لي الأديب المشهور عباس محمود العقاد زميلنا في مجمع مصر أنه استعمل ~~العربية مقابل الأعجمية منذ عشرين سنة، وقد شاع اليوم هذا الاستعمال في الكتب الجغرافية ~~خاصة.» # وقد ألقيت بترجمة هذه الكلمة اقتراحا عارضا في إحدى جلسات المجمع ، ولم يخطر لي أنها ~~علقت بذهن الأمير أو أنه يذكرها مع المراجع، ولم يذكرها قبله أحد ممن نقلوها في كتب ~~الجغرافية، حين استعمالها لأول مرة في هذا المعنى. # وللمؤلف منهج كهذا المنهج في التعقيب على الألفاظ التي يختار وضعها لمعانيها ويتحرى تسويغ ~~هذا الوضع لأسبابه اللغوية أو العلمية، نكتفي منها كذلك بكلمة واحدة هي كلمة # Haras # التي اختار ترجمتها بالحريسة من الحراسة أو ~~المفرسة، وقال أمامها: «إنها مؤسسة تربى فيها كرائم الخيل، والمفرسة من فرس على وزن ~~مفعلة، والحريسة لم ترد بهذا المعنى ولكنها في اللسان فعيلة بمعنى مفعولة أي: إن لها من ~~يحرسها ويحفظها وهي الحرائس، فترى أن هناك وجها لإقرار الحريسة اصطلاحا، ويمكن أن يقال ~~محرس «بكسر الراء» إذا أريد المكان، وجاء في بعض المعاجم الفرنسية أن الكلمة الفرنسية من ~~فرس العربية، ولكن الثقات من العلماء الفرنسيين يشكون في ذلك كما يشكون في نسبتها إلى مادة ~~حرس العربية.» # ثم أحال المؤلف القارئ إلى معجم «إسكار بلوخ» ولحق معجم «لترة»، وأعطى التحرج كل حقه من ~~نسبة الكلمة إلى اللغة العربية بهذا المعنى، ولكننا لا نستبعد أن تكون الكلمة عربية من أصل ~~آخر هو أصل «التهريش»، وهو مرانة معروفة في تربية كلاب الصيد تتصل بحرائس الخيل، ms079 وتقابلها ~~بالإنجليزية كلمة # Harras # وبالفرنسية كلمة # Harrases # ويقولون في المعجمات الإنجليزية الكبيرة عند ~~ردها إلى الفرنسية: إنها يغلب أن تكون من كلمة # Harer # بمعنى ~~إثارة الكلاب للمهارشة. # وتنتقل هذه الجهود في بحوث الترجمة والوضع، أو بحوث المراجعة والموازنة، إلى صفحات المعجم ~~الجديد للمصطلحات الحراجية الذي صدرت طبعته الأولى في منتصف السنة الماضية، بعد عشرين سنة ~~من ظهور الطبعة الأولى لمعجم الألفاظ الزراعية، تقضت كلها في الاستزادة من خبرة العلم ومادة ~~اللغة ومزاولة التجارب العلمية في الحياة الدراسية، وثمرة ذلك كله ظاهرة في صفحات هذا ~~المعجم الحديث الذي يصلح للمقارنة بينه وبين أحسن المعجمات الأوروبية في بابه، وليس له - ~~على ما نعلم - نظير في هذا الباب باللغة العربية. # وليس لنا أن نحكم على المعجم من ناحيته العلمية النباتية، وإن كنا نعرف رجاحة المؤلف ~~الكبير في علمه من متابعة المناقشات التي تجري بينه وبين فطاحل علماء النبات خبراء هذا ~~العلم في لجان مجلس المجمع أو في جلسات مؤتمراته العامة، ولكننا - من الناحية اللغوية - ~~نلمس دلائل الكفاية التي يتطلبها تأليف أمثال هذه المعجمات، وتزداد الحاجة إليها كما ذكرنا ~~في مستهل هذا المقال عاما بعد عام ... وهي كفاية تمت للمؤلف الكبير بالاطلاع والمثابرة على ~~المراجعة في أبواب من الثقافة لا تتصل جميعا بثقافة فنه، ولا شك أنه اطلاع يسعده الحب ~~والرغبة إلى جانب الفهم والدراية، تلك الرغبة التي استمدها من قدوة أخيه «عارف الشهابي» ~~شهيد القضية العربية الذي قال في إهدائه معجم الألفاظ الزراعية إنه «علمني أن أحب لغتنا ~~الضادية وأن أبذل جهدي في خدمتها.» # الفصل السابع عشر # | خليل مطران ... أروع ما كتب # كتاب في نحو مائة وسبعين صفحة من القطع الكبير، يعتبر من كتب الجمع والرواية كما ~~يعتبر من كتب النقد والتأليف. # وضعه الباحث المؤرخ الناقد الدكتور محمد صبري، وجمع فيه طائفة صالحة من منثور الشعر ~~الكاتب خليل مطران، وصرف عنايته فيه إلى استقصاء المقالات والنبذ التي نشرتها الصحف ~~والمجلات ولم تظهر قبل الآن في مجموعة واحدة، وهذا هو جانب الجمع والرواية. # أما ms080 جانب النقد والتأليف فهو شامل للمقدمة الوافية التي كتبها الدكتور محمد صبري وصدر بها ~~الكتاب، ومعها نخبة من التعليقات يتخلل بها مقالات مطران وشذراته بما يقتضيه المقام من ~~الشرح تارة والمناقشة تارة أخرى، ويجيد كعادته في هذه الشروح والمناقشات، ويفيد. # وقد جاءت مقدمة الكتاب في مكانها وفي موعدها؛ لأنها تعين على التعريف بفضل مطران الناثر، ~~وتصحح الدعاوى الفاشية بين الأدباء الناشئين الذين تغرهم تلك الطنطنة الجوفاء بأسماء ~~المذاهب الأدبية والمدارس الفنية كما راجت زمنا في صحف الأدب الرخيص بين الغربيين، وقد ~~تفيد الناقد الأصيل المطبوع ولكنها تضلل الناقد المقلد عن الحقيقة المقصودة؛ لأنها تشغله ~~بالأسماء عن المسميات وبالقشور عن اللباب، وقد يصل أصحابها أنفسهم في وضع أسماء المذاهب وفي ~~تطبيقها على الموضوعات. # ويكفي أن نختار مثلا واحدا لهذه التقسيمات والتطبيقات نلمس منه ذلك الخطأ البعيد في ~~النظر إلى حقيقة الكلام ذهابا مع العناوين التي يحلقونه بها، وهذا المثل الواحد هو تقسيمهم ~~الشعر إلى شعر انبعاث وحركة «ديناميكي» وشعر استقرار ووقوف أو سكون «ستاتيكي»، وهو كما ~~يقولون غالب على الأدب العربي منذ عصر الجاهلية إلى العصور الحديثة. # وقد أشار الدكتور صبري إلى هذه التفرقة في مقدمته مستشهدا بكلام الأستاذ إسماعيل أدهم ~~نقلا عن الدكتور جرمانوس، فقال: إن الأستاذ إسماعيل أدهم استشهد برأي الدكتور يوليوس ~~جرمانوس ... ومثال ذلك واضح في وصف طرفة للجمل؛ إذ يصفه بدقة تشريحية ولكن تعوزه الطاقة على ~~التجرد من الذاتية، وأنت لو طالعت في الإلياذة كيف يصور هوميروس درع أخيلوس حيث تصهر الدروع ~~وتطرق وتنحت وتصقل أمام بصر السامعين الذهني لأمكنك أن تعرف الفارق الكبير بين طبيعة الشعر ~~العربي وطبيعة الشعر الغربي، فإن الأخيرة زحمة في قوتها ونشوئها الدرامي، ومن هذا أمكننا أن ~~نقف على السبب الذي قعد بالشعر العربي عن التصوير؛ لأن التصوير يستلزم التجرد عن الذاتية ~~والعرض للظواهر الطبيعية في طبيعتها الموضوعية، ولا ينبغي أن ينسينا هذا النقص استكمال ~~الشعر العربي من ناحية أخرى - ناحية الذاتية - وهذا ما يظهر عند شاعر قوي الروح العربية ~~كالمتنبي ... # وقد ms081 ناقش الدكتور صبري هذه الآراء واستطرد منها إلى مناقشة آراء المفرقين بين الأدب ~~العربي والأدب الغربي بهذه المقاييس التي تحمل أسماء «الموضوعية والذاتية والدينامية ~~والاستاتيكية» وما شابهها من العناوين والأسماء، وحبذا هي من مقاييس لولا أنها تضلل الأذهان ~~عما تقيسه وتنسيها حقيقة المقصود كلها بالوصف حيث كان في كل لغة وفي كل أمة ... فلو ذكر ~~الناقد أن الوصف الصحيح هو التعبير الحي عن إحساس الشاعر بما يدركه لما انقلب عليه الأمر ~~فحكم بنقص التمثيل الدينامي في الشعر العربي وغلبة التمثيل الاستاتيكي عليه، ولو أنه عكس ~~القول لكان أقرب إلى الصواب. # ولنقنع هنا بالمتنبي الذي جاء ذكره في تلك العبارة، فإنه أكبر شعرائنا النابهين الذين لم ~~يشتهروا بالوصف؛ لأنهم اشتهروا بالحكمة، ولكنه - على هذا - يصف مناظر الحركة والانبعاث ~~فيخيل إلينا أنه يعرض أمامنا شريطا من أشرطة الصور المتحركة التي تتوالى فيها الصور، ونوشك ~~أن نراها بالعين ولا نسمعها بالأذن لفرط الصدق في تمثيل الشعور الحي بما يقع منها في ~~الأبصار والأسماع. # إليك مثلا وصفه للبحيرة حيث يقول: # لولاك لم أترك البحيرة وال # غور دفيء وماؤها شبم # والموج مثل الفحول مزيدة # تهدر فيها وما بها قطم # والطير فوق الحباب تحسبها # فرسان بلق تخونها اللجم # كأنها، والرياح تضربها # حيشا وغى: هازم ومنهزم # كأنها في نهارها قمر # خف به من جنانها ظلم # تغنت الطير في جوانبها # وجادت الأرض حولها الديم # فهي كماوية مطوقة # جرد عنها غشاؤها الأوم # فأي «دينامية» هذه التي تعوز هذا الوصف الحي في حركته وسكونه، وفي وقع الصور المتعاقبة من ~~النظر والسمع ووقعها من الخيال؟! # وإليك وصفه للأسد حيث يقول: # متخضب بدم الفوارس لابس # في غيله من لبدتيه غيلا # ما قوبلت عيناه إلا ظنتا # تحت الدجى نار الفريق حلولا # في وحدة الرهبان إلا أنه # لا يعرف التحريم والتحليلا # يطأ الثرى مترفقا من تيهه # فكأنه آس يجس عليلا # ويرد عفرته إلى يافوخه # حتى تصير لرأسه إكليلا # ما زال يجمع نفسه في زوره # حتى حسبت العرض منه الطولا # سبق التقاءكه بوثبة هاجم # لو ms082 لم تصادمه لجازك ميلا # فماذا تزيد دينامية الأرض كلها على هذه الصفة التي تكاد تهز القرطاس بالحركة وهي تجري ~~عليه؟ # وشبيه بالمتنبي شاعر آخر لم يشتهر بالوصف أيضا؛ لأنه اشتهر بالحكمة كصاحبه، فقال عنهما ~~أبو العلاء: إن أبا الطيب وأبا تمام حكيمان والشاعر البحتري. # يقول أبو تمام - الحكيم - في وصف الربيع: # مطر يذوب الصحو منه وبعده # صحو يكاد من الغضارة يقطر # يا صاحبي تقصيا نظريكما # تريا وجوه الأرض كيف تصور # تريا نهارا مشمسا قد شابه # زهر الربى فكأنما هو مقمر # دنيا معاش للورى حتى إذا # هل الربيع فإنما هي منظر # ولا نذكر الشعراء الوصافين، أو المشهورين بالوصف، فإن صورة واحدة من كل شاعر منهم تتدفق ~~في جملتها تدفق البحر الخضم، فتغرق الإلياذة بما وسعت من دروع وسيوف! # أحسن الدكتور صبري في نقده لهذه الآراء تمهيدا لمختاراته من وصف مطران، فإن مطران الناثر ~~- كمطران الشاعر - مثل البلاغة «الدينامية» على قول أصحابنا عشاق العناوين، وإننا لننقل أول ~~وصف له في المجموعة فيغنينا عن المزيد من هذه الأوصاف الحسان؛ لأنها كلها أوصاف لا تعوزها ~~الحركة ولا المناظر التي تراها العين أو يتمثلها الخيال. # قال في مقال سجن الأحداث: # نحن يوما جلوس على شرفة ناد، وإذا جمهور من صبية، كبار وصغار، طوال وقصار، ~~يمرون في الطريق وينقلون أقدامهم على نغم موسيقى يعزف بها أمامهم، ويتقدم الموسيقى ~~غلام يحمل صولجان طويلا ثخينا يقلبه في قبضته شمالا ويمينا، كأنه يشير به إلى ~~المارة أن اخلوا السبيل جانبا وقفوا منا موقف اتقاء السيل جارفا والجيش محاربا ... ~~وتتلو صاحب الصولجان الغلمة العازفة الضاربة الجادة اللاعبة، ثم نحن المائة من ~~الأحداث نمشي وراءها صفوفا متحدة الملبس مختلفة الوجوه صنوفا، وكل هذا السواد ~~كاسون أبيض مسطرا بسواد، قويمة قاماتهم، مرفوعة هاماتهم، غضة أبدانهم، بادية من ~~السرور أسنانهم، فقلنا: من الجيش بلا سلاح؟ فقيل: المساجين في مدرسة ~~الإصلاح. # هذه أيضا إحدى «أفلام» الصور المتحركة التي تتلاحق على القرطاس، ويتبعها في كل صفحة من ~~صفحات الكتاب مقال إن شئت، وإن شئت فشريط ms083 يريك كل ما يغني القارئ بالصفات المكتوبة عن ~~الموصوفات المنظورة أو المسموعة، ولا تبتعد في المجاز كثيرا إذا قلت: إنها من الصور ~~الناطقة؛ لأنك تستطيع أن تعلم من المنظر المشهود كيف نسمعه بأذن الخيال. # وتدل هذه القطعة المختارة - بغير انتقاء - على أسلوب الكتابة في سائر الفصول والشذرات؛ ~~أسلوب فصيح النسق، سليم اللغة، مرسل العبارة لا يترك السجعة المقبولة إذا جاءته في الطريق، ~~ولا تخرجه عن الطريق إذا تعمد أن يلتفت إليها حيث يستدعيها المقام. # ولقد كان صاحب هذا الأسلوب «عصريا» في تركيبه لعباراته على نمط الكتابة العصرية في ~~صحافة الأدب على الخصوص، ولكنه سلم مما كان يعرض لأقلام الصحفيين من أخطاء اللغة وخلل ~~التركيب، ولم بجانب الروح العصرية حتى في مجاراته للسلف حين يجنحون إلى التحسين أو السجع ~~والتشبيه، فكتابه «مرآة الأيام في ملخص التاريخ العام» يسمى على منهج الأسماء التي حرص ~~المؤلفون على تسجيعها وتزويق معانيها بعد عصر المخضرمين وأوائل الأمويين، ولكنك لو ترجمته ~~إلى اللغة الفرنسية أو الإنجليزية لما استغربه القارئ ولا حسب أنه منقول من لغة شرقية؛ لأن ~~المؤرخ الغربي أيضا يعتبر تشبيه التاريخ بالمرآة وصفا غير بعيد عن لغة الواقع، وعن مقاصد ~~المؤرخين. # وتحتوي المجموعة - مع الوصف - نقدا أدبيا يلم بالموضوعات العربية والموضوعات ~~الأوروبية، وينقد المؤلفات كما ينقد المؤلفين، ويعلق عليها شارح الكتاب فيهدي القارئ إلى ~~ظروف المقال التي يفوتها العلم بها لولا هذا التنبيه إليها، ويستدرك على الكاتب بعض الأمور ~~فيوافقه حينا ويخالفه حينا وينم على الإعجاب به في جميع الأحيان، ولا نكتم صديقنا الشارح ~~أننا قد نخالفه لنوافق مطران على كثير مما لاحظه عليه، ومن أمثلة ذلك تعليقه على نقد مطران ~~لرواية «مكبث» إذ يقول إن شكسبير «يقدم لنا مثلا أعلى من الأمثلة التي تقوم أخلاق الأفراد ~~وتصلح الأسر، وتقيل الأمم من العثرات، ويرينا بأقوى ما نستطيع البراعة سلطان الضمير في كل ~~نفس، ويرينا بأية الحيل تحتاج الغرائز الدنيئة لإفساد الضمير.» # هذه الملاحظة لم يشأ أن يوردها الدكتور صبري دون أن يورد عليها ملاحظة ms084 من عنده يقول فيها: ~~«أنا لا أعتقد أن شكسبير وهو يكتب رواية مكبث كان يفكر في الأسرات وإقالة الأمم من العثرات، ~~شكسبير شاعر ينشد الجمال أولا ويعبر عما يختلج في قلبه من عاطفة ووجدان.» # وهذا صحيح، أو يجوز أن يكون صحيحا فيما يرجع إلى مقصد شكسبير، ولكنه - صح أو لم يصح - لا ~~يمنعنا أن نقول كما قال مطران: إن شكسبير قدم لنا العبرة كما تقدمها لنا حوادث الزمن، ولا ~~يلزم من اعتبارنا بالحوادث أن تكون الحوادث ذات قصد فيما نتعظ به أو لا من العبر، على مسرح ~~التاريخ أو على مسرح التمثيل. # ونود أن نختم هذا المقال باقتراح على الأستاذ الشارح نخصه به؛ لأنه أحق باستجابته وإنجازه ~~لطول عهده بدراسة مطران في حياته وبعد مماته، فهذا الكتاب - على ما نعتقد - يشوق قراء ~~العربية إلى الروائع النثرية التي جنت عليها شهرة الأديب الكبير بالشعر، فكاد ينساها قراء ~~الجيل الحديث، بل نسي مؤرخو مطران أنفسهم أن يذكروها في عداد أعماله وآثاره، ومنها كتابه ~~الذي أشرنا إليه عن التاريخ، وكتابه عن الدكتور شميل ومترجماته التي استقل بها وأودعها من ~~بلاغة العربية ما يصح أن ينسب إليه وأن يحتويه كل كتاب يتكلم عن الكاتب مطران، فإذا حسن ~~عند الدكتور صبري يوم يعيد طبع كتابه هذا أن يحيط فيه بنماذج الكتابة المطرانية في جملة ~~موضوعاتها ومناسباتها، فإنه لجدير بهذا الوفاء وهذا الاستيفاء. # الفصل الثامن عشر # | شعري # الشعر العربي كفؤ لأداء رسالته ما دامت له تلك اللغة الخاصة التي يعبر بها صاحب «الشخصية ~~الفنية» عن معانيه المقصودة، بوحي فطرته، وبواعث وجدانه وإرادته. # ونريد باللغة الخاصة تلك اللغة التي تستقل عن الصيغ المحفوظة، والأساليب المطروقة، ~~والاستعارات المتفق عليها كاتفاق الأحاديث في تحيات المجتمع، وردود الناس عليها. # وتخصيص اللغة بالتعبير عن صاحبها أهم من الجودة في العبارة والسمو في المعنى، فإن المعنى ~~الخاص أحوج إلى القدرة اللغوية من المعنى الرفيع والتعبير الجيد، والطرزي الذي يستطيع أن ~~يسبغ على البنية الخاصة كسوتها التي تلائمها أحوج إلى القدرة ممن يسبغ ms085 الكسوة على البنية ~~المثالية في تناسق الهندام واعتدال القوام؛ لأن موافقة البنية المثالية خبرة مشتركة بين ~~جميع أبناء الصناعة، وإنما يحتاج الطرزي إلى كل فنه وابتكاره الكسوة «الخاصة» حين يهيئ لها ~~إتقانها وجودتها، ولا يتقنها كما يتقنها صانع مجيد، أو كل صانع متبع على سنة ~~التقليد. # ولقد أحسن صاحب ديوان «شعري» في اختيار هذا الاسم لمجموعة قصائده ومقطوعاته، فإنه في الحق ~~شعره الخاص الذي يقوله هو ولا يقوله غيره، وآيته فيه أنه يعني ما يقوله ويقول ما يعنيه، ~~وأنه وحي السليقة الذي تمليه عليه حياته وبواعث وجدانه من آثار الحياة وآثار عوارض ~~الحياة. # قيل إن العالم النفساني «آدلر» خالف أستاذه «فرويد» في إيمانه بالعامل المهم في النفس ~~الإنسانية، فأنكر أن يكون «الجنس» هو ذلك العامل المهم، أو هو الينبوع الخفي الذي تصدر منه ~~أسرارها، وترجع إليه كوامن أشواقها ومخاوفها، وقرر أن حب الحركة لإثبات الذات هو ذلك ~~الينبوع الأصيل في كل نفس بشرية؛ لأن ذات الإنسان ألصق به من جنسه وال «أنا» فيه أسبق وأعرق ~~من الذكورة والأنوثة في كل من الرجل والمرأة. # وأراد العلماء النفسانيون أن يطبقوا علم النفس على المذهب وصاحبه، كما يطبقه هو في ~~تحليلاته، فظهر لهم من مراجعة تاريخه في طفولته الباكرة أنه كان يعاني الألم من لين العظام، ~~وأن ألمه النفساني مما عاناه كان أشد عليه وأعمق في سريرته من آلام جسده الصغير. # ويقول شاعرنا أبو الوفاء في أبياته إلى حافظ إبراهيم مترجم «البؤساء»: # يا صاحب «البؤساء» جاءك شاعر # يشكو من الزمن اللئيم العاني # لم يكفه أني على عكازة # أمشي، فحط الصخر في طرقاتي # ثم انثنى يزجي علي مصائبا # سحبا كقطعان الدجى جهمات # في ليلهن فقدت آمالي الألى # صاحبنني مذ لاح فجر حياتي # فغدوت في الدنيا ولا أدري أمن # أحيائها أنا أم من الأموات؟! # تلك صيحة الحس من أثر الصدمة العارضة، ولكن طبيعة الشاعر الحية سمت بالصدمة الحسية فوق ~~هذه الشكوى إلى مغالبة الحوادث وإطلاق النفس من قيودها، فأصبحت عقيدته كلها تعلقا بالحركة، ~~ونفورا من ms086 القيد، وتطبيقا للفكرة الجياشة التي سماها كما يسميها علم النفس «بالتسامي»، ~~وقال عنها مرة من مرات في أوائل صفحات الديوان: # وأحق الناس في الناس احتراما # من تعالى عن هواه أو تسامى # ذا هو الجمر الذي يخشى نهاه # لا سواه وهو لا يرجو سواه # بل أصبحت غايته كلها من الحياة أن يتخطى القيود وأن يتركها، ولا يجر وراءه سلاسل ~~الحديد: # وإذا مت مت حرا لأني # لم أضف للحياة قيدا جديدا # بل إذا مت لم أجر ورائي # من كلامي سلاسلا وحديدا # وقد يترجم عن هذه العقيدة أحيانا بحب القوة، كما يترجم عنها بحب المجد أو بحب الحرية، ~~ولكنك تتطلع وراء هذه الأمثلة العليا جميعا، فترى خلالها شيئا واحدا هو حب الحركة ~~والتعلق بالحركة وحدها دون الغاية التي تصير إليها: # قدر ماض إلى غايته # مسرعا حتى وإن لم يسرع # لا يبالي بالمسافات ولا # بالذي يعنيه كسب الموقع # الذي يسأل عن موضعه # سوف يمضي ما له من موقع # وفي خلال هذا الانطلاق المسرع إلى غير موضع، تنبعث به انطلاقته تارة إلى المجد الذي يهون ~~في سبيله سفك الدماء: # لن تبلغ المجد إلا إن صعدت له # على سلالم أشلاء وهامات # ومذهب الحركة الدائمة هو مذهب الشاعر في الحب، وفي الغزل، وفي تقدير الجمال، ونشدان ~~الكمال: # كل ما في الأمر أني هائم # ولقد آثرت عيش الهائمين # ولقد وافق مذهب الحركة نزعته إلى التسامي، وانبعث من أعماق حياته ومن عوارض حياته، ولكنه ~~وافقه في الشعور المطبوع من غير باعث واحد في حياته الخاصة والعامة؛ لأنه هو الشعور الذي ~~تمليه حوادث التاريخ بعد رقدة الجمود وطول العهد بالسلاسل والقيود. # واللغة الخاصة التي أشرنا إليها في مطلع هذا المقال لازمة لهذا الشعور الخاص، موافقة له ~~في تعبيرها عن «الشخصية» الفنية موافقتها له في تعبيرها عن كل دعوة عامة فيها وجدان الشاعر ~~ووجدان الأمة التي نشأ فيها. # فيندر في هذا الديوان أن تقع على قالب من قوالب التعبير التي سميناها بالصيغ المحفوظة ~~والأساليب المطروقة، ويصح أن نسميها دائما بأنها في ms087 البلاغة أنماط كأنماط التحية المتفق ~~عليها حتى توشك أن تفقد معناها، ويستمع إليها السامع وهو لا يصغي إلى كلماتها ~~وحروفها. # وأراه على نقيض ذلك قد ترك الصيغ المحفوظة في نظم القصيد ليستبدل بها الصيغ التي لا تزال ~~تجري مجراها على الألسنة في طريق الحفظ والقالب المتفق عليه، كأنه يعطي «اللغة الخاصة» حقها ~~حين يجاري لغة الزمن في أحدث حركاته، ولغة اللسان العام في أعم كلماته وعباراته. # فمن العبارات الشائعة التي تتردد في الديوان قول الشاعر: # أي وضع ذلك الوضع الحقير؟! # أنا مما أنا فيه مستجير # رب هب لي حق تقرير المصير # أو قوله من «النشيد»: # ودعيني أجتلي شخصيتي # أو أرى ذاتي على مرآة ذاتي # وهذه وأشباهها عبارات شائعة بين أبيات الديوان شيوعها على ألسنة المتحدثين أو على أقلام ~~كتاب الصحف، لا ننسى أنها في رأي النقاد من صيارفة الكلام أشبه بعبارات الكلم المنثور منها ~~بعبارات القصيد، وأقرب إلى المعاني المعقولة المحسوسة منها إلى المعاني الملهمة التي ~~يتلقاها الوجدان من الوجدان ويومئ بها الخيال إلى الخيال، ولكننا - على إقرارنا لهذا النقد ~~- نود أن نشفعه بعذره ونقرنه باستدراكه الذي لا بد منه في موضعه، فقد يحسن في كل لغة خاصة ~~كهذه اللغة أن نفرق بين التعبير الشائع والتعبير المبتذل، وأن نميز بين الكلمات التي تراد ~~لمعانيها ومقاصدها وإن كانت محسوسة ملموسة ولم تكن بالوجدانية ولا الخيالية، وبين الكلمات ~~التي تقال ولا تراد لمعنى من المعاني، ولا تعدو أن تكون من تكرار الببغاء لما تسمعه من ~~الأصوات والأصداء. # فالعبارات «المحسوسة» في ديوان أبي الوفاء غير قليلة، ولكن القليل فيه هو العبارات ~~الببغاوية التي يقولها من لا يعيها، ويسمعها من لا يعي منها غير إشارة كإشارة اليد أو صيحة ~~كصيحة النداء المجهول: أنماط كأنماط التحية المتفق عليها بمعزل عن عمل الرأي والقلب ~~واللسان. # ولعلنا ننصف النقد الصادق وننصف الشاعر من هذا النقد إذا سألنا أصحاب الرأي الذي يأبى على ~~الشاعر رخصة الكلم المشاع: أترون هذه الأبيات يلائمها تعبير أصلح لها من هذا التعبير؟ ~~أترونها ms088 أقرب إلى طبعها ومعدنها في كلمات الشاعر أو في كلمات تقترحونها لم تشع على الألسنة ~~في الأحاديث ولم تتواتر على الأقلام في أنباء الصحافة؟ # من اختار لها كلماتها في نظم الشاعر فقد أنصفه من النقد وأنصف النقد منه، ومن اقترح لها ~~كلمات غير كلماته فله أن ينظر من التأييد والاستحسان وفاق حظه من الإصابة والتوفيق. # وسيبقى بين الفريقين مكان للفريق الذي يتلقى الديوان ويحمد لقياه، ويضعه في ميزان الفن ~~الجميل فترجح به كفة الميزان. # الفصل التاسع عشر # | نعم ... هي أقدم # يجوز للمؤلف أن يتولى عرض كتابه إذا كان العرض عرض بيان وتفسير ولم يكن عرض تقريظ وتقدير؛ ~~لأن صاحب الدار أدرى بالذي فيها كما يقال. # يجوز هذا وتختلف فيه الأقوال. # ولكن الأمر الذي لا خلاف فيه أن المؤلف يجوز له، بل يجب عليه أن يعرض آراء نقاده؛ لأنه ~~مسئول أن يصحح أخطاءه إذا كشف النقاد عن شيء منها، أو مسئول أن يصحح أخطاءهم إذا كانوا ~~هم المخطئين. # وهذا هو العرض الذي أستجيزه وأستوجبه في هذا المقال؛ لأنه تصحيح لآراء النقاد في الرسالة ~~التي ألفتها عن قدم الثقافة العربية وبينت فيها الشواهد التي تثبت أنها أقدم من الثقافة ~~اليونانية وأقدم من الثقافة العبرية. # وقد كنت أتوقع الدهشة التي يحدثها بيان هذه الحقيقة في أذهان بعض القراء من الشرقيين ~~فضلا عن الغربيين، فسميتها لذلك ب «الحقيقة المفاجئة» في مقدمة الرسالة، وقلت: إنها مفاجأة ~~«لا تزول بغير المراجعة والبحث المستفيض». # وتيسر لي على أثر ظهور الرسالة أن ألمس آثارا مختلفة لهذه المفاجأة عند أناس مختلفين من ~~الغرباء عن العربية، ومن أبناء العربية أنفسهم، فكان أعجبها أن إحدى القارئات الأوروبيات ~~بلغ بها استغرابها لصدور هذا الرأي مني أنها اعتقدت وصرحت لي بأنه رأي أبديه الآن مجاراة ~~لتيار الدعوة العربية في حركتها الجديدة! # هذه الفتاة الأوروبية تعرف لغتنا وتشتغل بتحضير رسالة عن القصص العربي في عصرنا، ولم تقرأ ~~الرسالة كلها ولكنها فوجئت بالعنوان وحده وبالمقدمة بعد صفحة أو صفحتين منها، فخيل لها ~~كما أسلفت أن ms089 البحث مقترح علينا لمجاراة الدعوة العربية في إبانها. # قلت للآنسة المستعربة المستغربة: إنني لا أرى حرجا في مجاراة الدعوات العامة إلا أن يكون ~~ذلك خلافا للحقيقة أو إقحاما للآراء في غير موضعها، ولكنها تظن ظنا يغنيني عن الإفاضة ~~في الرد عليه أن الفكرة قديمة عندي لم أعلنها اليوم ولم يفتني إبداؤها في مناسباتها، ومنها ~~كتابي عن أثر العرب في الحضارة الأوروبية، وقد تكفل مقال العالم الباحث الأستاذ علي أدهم ~~الذي كتبه نقدا لرسالتي الجديدة بتصحيح هذا الظن قبل كتابة هذا المقال، فكتب في مجلة ~~«الرابطة الإسلامية» يقول: # إن هذه الفكرة - فيما أعلم - ليست طارئة عند الأستاذ العقاد، فما أزال أذكر نقدا ~~كتبه الأستاذ لكتاب العالم البحاثة المرحوم الأستاذ أحمد أمين «فجر الإسلام»، في ~~أواخر العشرينيات، فقد أخذ على الأستاذ أحمد أمين في هذا النقد ذهابه إلى أن ~~اليونان هم أول من وضع أسس التفكير الفلسفي الصحيح، وعاد الأستاذ إلى تناول هذا ~~الموضوع من زاوية أخرى في كتابه القيم عن أثر العرب في الحضارة الأوروبية، ونقده ~~للأستاذ أحمد أمين وما ذهب إليه في كتابه المذكور يمهدان ذهن قارئه إلى ما أسماه في ~~كتابه الجديد حقيقة مفاجئة. # نقول: وهذا لون من ألوان الدهشات التي توقعتها ورأيتها قد يذهب به هذا البيان الوجيز، فلا ~~حاجة به إلى تفصيل فوق هذا الإيجاز. # أما المفاجأة لي حقا فهي أن الفكرة لم تقع موقع المفاجأة كما كنت أنتظر عند عالم من ~~علماء الروس في العصر الحاضر، وهو الأستاذ سورين شيرويان الذي ألف كتابه لنيل شهادة ~~الدكتوراه عن أبي العلاء المعري وزار القاهرة لإتمام بحوثه في الآداب العربية، فقد سأله ~~محرر «الجمهورية» قائلا: إن الرسالة أثارت «دهشة الكثيرين بما تضمنته من آراء عن سبق ~~الثقافة العربية للثقافة اليونانية والعبرية»، فأجابه الأستاذ بأنه «في الواقع لم يدهش ~~لذلك» ... ثم قال: «وقد سبق أن نوقشت هذه المسألة في موسكو منذ سنوات، وكانت الفكرة أن ~~الثقافة اليونانية سبقت الثقافات جميعا، وليس هذا صحيحا ...» # وقد نشر هذا الحديث في عدد «الجمهورية» ms090 الذي صدر في الثامن والعشرين من شهر نوفمبر ~~الماضي، واستغربته أول الأمر فعددته من مفاجآت الفكرة التي تلازمها في حالتيها من التأييد ~~والتفنيد، ثم لاح لي أن الأستاذ شيرويان خليق أن يعلم تاريخ الأبجدية «الكيرلية»؛ لأنها ~~تستخدم في كتابة اللغة الروسية كما تستخدم في كتابة بعض اللغات من أمم أوروبا الشرقية، ~~ولا بد أن يهديه علمه بتاريخ هذه الأبجدية إلى العلم بتاريخ الثقافة «المكتوبة» في بلاد ~~اليونان، فلا يخفى عليه إذن جانبها الأصيل وجانبها المنقول والمستعار. # وقرأت للدكتور محمد مندور أخيرا فصلا في صحيفة «الجمهورية» أيضا يرفض فيه القول بسبق ~~الثقافة العربية للثقافتين اليونانية والعبرية، ويرى أننا لم نفرق بين السامية والعربية ولا ~~بين الثقافة والحضارة، وأن تقديم ثقافة العرب في التاريخ على ثقافة اليونان والعبريين زعم ~~لا يستند إلى أساس. # ونعود فنقول: إننا توقعنا الدهشة وتوقعنا أنها «لا تزول بغير المراجعة والبحث ~~المستفيض». # وهذا ما لم يصنعه الدكتور محمد مندور؛ لأنه كتب ما كتب قبل مراجعة الرسالة نفسها، وفيها ~~الكفاية لتصحيح ظنه في أمر الثقافة وفي أمر التفرقة بين السامية والعربية. # وإن إشارة واحدة لتكفي لتصحيح هذا الظن السريع؛ لأننا تكلمنا عن تعليم الكتابة وتعليم ~~العقيدة وهما من شئون الثقافة قبل الحضارة على كل معنى من معانيها، فإذا سبق العرب اليونان ~~إلى تعلم الكتابة، وسبقوا العبريين إلى رسالة العقيدة، فلا شك أنه سبق ثقافي لا يوصف بأنه ~~من مظاهر الحضارة غير الثقافية؛ إذ ليس للحضارة معنى - حين تنفصل عن معنى الثقافة - غير ~~مظاهر العمران الملموسة في العواصم والمدن الكبيرة وما ينتقل من هذه المظاهر إلى القرية ~~والبادية. # ونحن لم نقصر مصدر الكتابة على الأبجدية الفينقية، بل ذكرنا الأبجدية اليمنية والأبجدية ~~بين وادي النهرين وبلاد كنعان، فإذا قيل إن تسمية الفينقيين باسم العرب خطأ تاريخي - وهو ما ~~لا نسلمه - فالحقيقة التي لا شك فيها أن اسم العرب يشمل أبناء البلاد الذين يشتركون في سكنى ~~الجزيرة من اليمن إلى وادي النهرين إلى بادية الشام إلى جنوب فلسطين. # ونوجز القول فنسأل: من ms091 هم سكان جزيرة العرب؟ ومن هم المهاجرون منها قبل الميلاد بثلاثة ~~آلاف سنة؟ إن لم يكونوا عربا فمن هم العرب في ذلك الزمان؟ وإذا نسب إليهم فضل سابق في ~~الكتابة والفلك وشعائر الدين، فماذا نسميه إن لم نسمه فضلا عربيا عند المقابلة بين فضائل ~~الأجناس واللغات؟! # هذه كلمة موجزة ولكنها كافية، في «دهشة تلك الحقيقة وحقيقة تلك الدهشة» يسترشد بها من ~~يريد التوسع والمزيد من «المراجعة والبحث المستفيض.» # أما الذين لا تنفعهم هذه الكلمة الموجزة ولا تنفعهم مطولات الأسفار في هذا المقام، فهم ~~أولئك النفر الحريصون على السمعة الرخيصة بالتحقيق والتدقيق، وعندهم أن هذه السمعة سهلة ~~الكسب جدا بذريعة واحدة، وهي مخالفة الرأي المحبوب أو القريب من الشعور، فإذا قيل عن أحد ~~إنه يخالف ما يحبه الناس ويألفونه بشعورهم وعاطفتهم فهو إذن ذلك المحقق المدقق الذي يتوخى ~~الصواب؛ لأنه لا يتوخى مرضاة الجمهور، وليس أقدر على كسب سمعة التحقيق والتدقيق بهذه ~~السهولة من العاجزين عن كل تحقيق وتدقيق؛ لأن موافقة الجمهور ومعارضته على الغيب ~~تستويان. # الفصل العشرون # | التيارات المعاصرة في النقد الأدبي # هذا كتاب جامع في تاريخ النقد الأدبي عندنا منذ أكثر من مائة سنة، وهي الفترة التي يصح أن ~~توصف بالمعاصرة، إذا حسبت أدوار الأدب بالعصور التي يتسع العصر منها للسلف والخلف في ~~الجيل الواحد. # وقد تحرى مؤلفه الفاضل أن يضمنه إلمامة كافية بأسلوب كل كاتب معروف من كتاب اللغة العربية ~~في هذه الفترة، وتحرى ذلك ليتخذ من عرض الأسلوب وسيلة إلى عرض مذهب الكاتب في النقد، ثم عرض ~~آراء النقاد في مذهبه، فلم يفته تسجيل أسلوب من أساليب الكتابة يتناوله النقد وتدور حوله ~~مقاييس النقاد. # وطريقة المؤلف في هذا الكتاب الجامع هي الطريقة المدرسية لتعليم الطلاب، ولكنها في الوقت ~~نفسه طريقة المطالعة الشائقة والتاريخ الصالح لمراجعة القراء على اختلاف الأذواق. # ومع التزام الدكتور طبانة لمنهج الحيدة في الكتب التعليمية لم يخل كلامه في سياق العرض ~~من تعليق عابر يشف عن استخفافه بما هو خليق بالاستخفاف، مما تضطره أمانة ms092 العرض إلى نقله ~~للتوضيح والاستشهاد. # ومن أمثلة ذلك حيدته التي جمعت بين الأمانة العلمية والرأي «الشخصي» في التعقيب على قصيدة ~~«حرة» عنوانها القصيدة «ك»، وفيها يقول القائل ستره الله: # أريدني عدما في قبعة # وأريدك عينين منومتين وأصابع رشيقة # تعبث بالقبعة والسائرين وبي # وتبعثني أرنبا ينط. # فقد نقل المؤلف هذه الأبيات، وكان من واجبه أن يعتذر لقرائه من إضاعة أوقاتهم في قراءتها ~~وبحثها، لولا أنه يضطر إلى الاعتذار من جهة أخرى إذا هو أسقطها ولم يثبتها في موضعها بين ~~أساليب ناظميها، فكان بديعا في توفيقه بين الواجبين حين قال بعد إيرادها: «ولست أقدم هذا ~~النموذج من باب الطرافة، أو قصدا لإضحاك أحد، فهذا هو نموذج حقيقي من ديوان الشاعر الذي ~~يبلغ حوالي مائتي صفحة ...» # وعلى هذا النحو من أمانة التسجيل، وحيدة المعلم، ومرضاة الناقد لذوقه، تتابعت الصفحات ~~والفصول على أكثر من أربعمائة صفحة بالقطع الكبير، لا تخلو إحداها من معلومات نافعة، أو ~~شاهد مطلوب، أو رأي عن أديب من أصحاب الأساليب، أو قياس لهذا الرأي بمقاييس النقاد من مدرسة ~~عصره أو مدارس النقد في شتى العصور. # ويبتدئ الكتاب بفصل عن المفاهيم والقيم العامة تبعا لاختلاف الثقافات وتراوحها بين بقايا ~~المحافظة وطوالع التجديد. # يليه فصل عن اتجاهات النقد المعاصر يشتمل على تعريف مجمل بخصائص الأدب العربي ومميزاته ~~الجوهرية، يستطرد إلى إعادة النظر في النقد العربي القديم ودراسة التفاعل بين الأدب العربي ~~والآداب الأجنبية. # ويليه فصل عن نقد الأغراض الأدبية ومنها وظيفة الأدب في الإصلاح الاجتماعي وعلاقة البلاغة ~~بدقة التعبير عن الأساليب العلمية. # يليه فصل عن لغة الأدب وما طرأ عليها من التجوز في قواعد اللغة ومن محاولة التقريب بين ~~الفصحى والعامية، ومن تغليب العامية على الرواية المسرحية أو على الحوار بين شخوص الرواية، ~~ويتخلل ذلك شرح لقيمة الأدب الشعبي وقوة معانيه وأفكاره. # يليه الفصل الخامس عن صورة الأدب من المنظوم والمنثور، وصورة المنظوم من الأوزان العروضية ~~أو الانطلاق من جميع الأوزان أو التوسط بين رعاية البحور الموروثة ورعاية التفاعيل دون ~~البحور. # يليه ms093 الفصل السادس في نقد المعاني الأدبية وسرقات المعاني أو الألفاظ، ومما يدعو إليه ~~بعضهم في الزمن الأخير من قلة الاكتراث للمعنى والمدلول، أو ما يسمونه باللامعقول، وما ~~يلاحظ على النقاد أحيانا من الشتات والإخلال بالوحدة الواجبة في قواعد النقد وخطط ~~الكتابة ودعوات التفكير. # ويطلع القارئ على هذه الفصول المتناسقة وهو على ثقة من الوقوف فيها على المادة الصالحة ~~للحكم على آراء المؤلف وآراء النقاد، فلا يتقبل الحكم على مذهب من المذاهب غيبا أو اتكالا ~~على القول المعروض عليه، ولا يزال في وسعه أن يوافق المؤلف أو يخالفه وبين يديه السند الذي ~~يعتمد عليه في الحالتين، ولو كان من الطلاب الذين يتلقون معلوماتهم من الكتاب تلقي الطالب ~~من الأستاذ. # فإذا تصرف المؤلف بالرأي مرة على نحو يتحلل به من قيود الحيدة لم يغلق على القارئ باب ~~الاستقلال بالرأي، بل يجد نفسه حجة على الرأي المستقل وعلى المخالفة بالفهم ~~والاستدلال. # ولم يهمل المؤلف من تقسيم مدارس النقد التي انتهت إليها مذاهب المعاصرين، ولكنه جاء بها ~~متفرقة في مناسباتها ومعارض النظر إليها خلال الكلام على أساليب الكتاب والنقاد، ولعله كان ~~يستطيع أن يوفق بين إيراد المناسبة في مواطنها المتفرقة خلال الصفحات وبين الكلام على مدارس ~~النقد جميعا في فصل مستقل يحقق فيه انتساب كل ناقد إلى مدرسته النقدية، ولا يدع أشتات ~~المناسبات موزعة بين الصفحات والفصول، تفتح الباب للخطأ الكثير عند تقسيم الكتاب والنقاد ~~على حساب «المدارس» والأذواق. # ونود أن نجتزئ هنا بمثل واحد على عادتنا في البحوث الموجزة التي تضيق عن شروح الإسهاب ~~ومطارح الاستشهاد. # إن مدارس النقد جميعا توشك أن تنحصر في ثلاث: # مدرسة التحليل النفسي، ومدرسة الدراسة الاجتماعية، ومدرسة الأذواق الفنية. # ومدرسة التحليل النفسي هي أقرب المدارس إلى الرأي الذي ندين به في نقد الأدب ونقد التراجم ~~ونقد الدعوات الفكرية جمعاء؛ لأن العلم بنفس الأديب، أو البطل التاريخي يستلزم العلم ~~بمقومات هذه النفس من أحوال عصره وأطوار الثقافة والفن فيه، وليس من عرفنا بنفس الأديب في ~~حاجة إلى تعريفنا بعصره ms094 وراء هذا الغرض المطلوب، ولا هو في حاجة إلى تعريفنا بالبواعث ~~الفنية التي تميل به من أسلوب إلى أسلوب. # وللنقد - كما تقدم - مدرسة أخرى محترمة كثيرة الأنصار في العصر الحديث على الخصوص، بعد ~~استفاضة البحوث حول الدعوات الاجتماعية وعلاقة الأديب بمطالب عصره، وموضع الملاحظة على هذه ~~المدرسة أن الذي يعرفنا بأحوال المجتمع وحسب لا يستطيع أن يعرفنا بأسباب الفوارق الكثيرة ~~التي تشاهد بين عشرات الأدباء من أبناء العصر الواحد، ولا غنى له عن الرجوع إلى ~~«النفسيات» مع التعويل على «الاجتماعيات» في مسائل الأدب والتاريخ. # أما المدرسة الفنية فهي مدرسة البلاغة والذوق ومدرسة المعاني الرائقة والتعبير الجميل، ~~وهي تلجئنا لا محالة إلى ذوق الأديب وذوق الناقد على السواء، ومتى وصلنا إلى الذوق فقد ~~وصلنا إلى «النفسيات»، ووصلنا قبلها إلى الاجتماعيات على الإجمال. # إذا وضحت الفوارق بين هذه الفوارق وضح معها الخطأ الذي جعل الباحث النابه الأستاذ محمد ~~خلف الله يسلك الدكتور طه حسين بين نقاد التحليل النفسي، ويكاد أن يسلكني بين هؤلاء النقاد ~~من باب الإضافة، لا من باب الأصالة ولا من باب التعميم الذي يشمل الكلام على شخوص ~~«العبقريات» وشخوص الأدباء الكثيرين؛ أمثال: ابن الرومي، وأبي نواس، وأبي الطيب، وأبي ~~العلاء ... إلخ. # ولقد أدى السهو عن هذه الفوارق بين المدارس إلى هذا الخطأ في تقدير باحث من خيرة الباحثين ~~عندنا في تواريخ الفكر والأدب، فهو الذي ساق الأستاذ خلف الله إلى مخالفة الدكتور طه حسين ~~نفسه في مذهبه النقدي، وهو الذي صرح غير مرة أنه لا يحب للأدباء أن يشغلوا أنفسهم بالدراسات ~~النفسية كلما عرضوا لقرائح الشعراء بالوصف والبيان، وقد كان تطبيق التحليلات النفسية على ~~أبي نواس أكبر وجوه النقد التي أخذها الدكتور طه على كتابنا عن هذا الشاعر، الذي يغري قبل ~~غيره بتطبيق دراسات التحليل عليه. # إلا أن الأستاذ طبانة لم يضيع على القراء شيئا ذا خطر بنسيان هذا الفصل من فصول كتابه ~~الجامع المستفيض؛ لأن تعليقاته على مناهج النقاد عصرا بعد عصر قد تكفي كل الكفاية لتحقيق ~~الغرض ms095 من تأليف أمثال هذا الكتاب، وذلك هو بيان النقص عند أدعياء النقد بين المعاصرين، وهي ~~وجوه شتى من النقائص الكثيرة قد تتلخص في سطر واحد يغني عن صفحات ... ففي سطر واحد يدل المؤرخ ~~على أدعياء النقد الحديث كل الدلالة حين يقول عنهم إنهم نقاد بغير أداة. # إن الناقد الذي توافرت له أداة النقد من المعرفة واللغة والأمانة والاطلاع على مراجع ~~النقاد هو أديب قادر على الإنتاج، مخصب القريحة بثمرات الإجادة والافتنان، مميز للمحاسن غير ~~مقصور الفهم على تمييز النقائص والعيوب؛ لأنه عارف بالقدرة التي تنتج المحاسن وترتفع به إلى ~~الإجادة في التفكير والتعبير، وقل أن يحتاج الناقد إلى من يعلمه مواطن العيوب من علمه ~~بمواطن الحسنات؛ لأن أجهل الجهلاء بالبناء قد يدرك عيوب القصور والصروح، كما يدرك عيوب ~~الخصائص والأكواخ. # وكتاب الدكتور طبانة يرفع القناع عن علة الاندفاع إلى هذه المذاهب الخاوية التي يروج ~~لها دعاة النقد بغير أداته ... فإنهم فضوليون على موائد الأدب لا يحسنون الطهو ولا يبذلون ~~نفقة الطعام، ولا تستجاب عندهم دعوة الضيوف، فلا عجب يسقطون من أداة النقد عندهم كل عدة ~~غير عدة الدعوى بغير حجة وبغير ميزان، وهكذا يكون النقد للأدب الذي لا تشترط فيه اللغة ~~ولا العروض ولا المعنى ولا القياس المطرد في منطق العقول ... كلا ... بل لا يشترط فيه العقل ~~ولا يراد فيه من الأديب والناقد غير الخوض في لجاج مهزول مجهول، لا معقول ولا ~~مقبول. # الفصل الحادي والعشرون # | مرداد # قصة لا تقبل التلخيص، ولا تعرفها حق معرفتها إلا بأن تقرأها من الألف إلى الياء، أو من ~~صفحتها الأولى إلى صفحتها الأخيرة، وتعود إليها بعد ذلك كلما شئت أن تعود فستطلع منها على ~~معنى جديد. # هذه هي قصة «مرداد» التي ألفها الأديب اللبناني الكبير الأستاذ ميخائيل نعيمة ~~بالإنجليزية، وبلغ بها القمة بين عليا القمم التي ارتقى إليها المؤلفون العصريون في سائر ~~اللغات. # وهي لا تقبل التلخيص لسببين: أحدهما أنها تجربة روحية، وكل تجربة فهي كالروح نفسها كل ~~كامل يستعصي على التجزئة، ولا تكون ms096 التجزئة بالنسبة إليه إلا كما يكون التفتيت بالنسبة إلى ~~البنية الحية، يسلبها الحياة ويرد الأعضاء منها إلى أشلاء. # والسبب الآخر الذي يستعصي بها على التلخيص أنها تخاطبك بلغة الرموز الصوفية، والرموز ~~الصوفية في جانب من جوانبها أشبه شيء بالقيم الرياضية التي تدل عليها الحروف، فلا يغني حرف ~~منها عن سائرها ولا يزال كل حرف منها منطويا على قيم مخزونة فيه، ولكنها لا تخزن في ~~سواه. # ورموز الصوفية بعد إشارات وإيماءات، فهي لا تقبل الإيجاز لأنها هي غاية غاية ~~الإيجاز. # هذه الرموز، أو هذه الكلمات، هي كما قال «مرداد» بطل القصة أو رسولها في بعض عظاته: «إن ~~الكلمات على أحسنها إنما هي ومضات تكشف الآفاق، فليست هي الطرق التي تفضي إلى تلك الآفاق، ~~وليست هي من باب أولى بتلك الآفاق نفسها، فإذا حدثتكم ... فلا تتعلقوا بالحرف بل اتبعوا ~~الومضة، فتجدوا من كلماتي أجنحة قوية لفهمكم المكدود.» # وليس للقصة كذلك واقعة تقبل التلخيص، وكل ما في واقعتها أنها سمط تناط به الكلمات، أو ~~سلك تنبض فيه الومضات هنا وهناك، وليس للقارئ أن يسأل فيها عن التجارب الحسية ما يقع منها ~~وما لا يقع في عالم الحس المشهور، فإنها تغضي عن الحس عمدا؛ لأنها تقصد إلى الخروج منه ولا ~~تقصد إلى التقيد به أو الوقوف عنده، فهي في حل من ضوابط المحسوسات. # ولك أن تقول: إن الواقعة نفسها رمز من الرموز وليست حدثا من الأحداث، فهي بمقياس الرموز ~~- لا بمقياس الأحداث - تقاس، أو هي لا تقاس ولكنها تفهم على النحو الأليق بها من ~~التعبير. # قمة في جبل، يسأل عنها فتى من طلاب المجهول، فيقال له: إنها قمة الفلك؛ لأن «نوحا» ~~بناها على الطوفان ليعتصم بها من الغرق في الدنيا، بعد أن عصمه الفلك من الغرق في الماء، ~~وأوصى بنيه أن يوقدوا فيها نارا لا تطفأ على مدى الزمن؛ لأنها هي شعلة الإيمان، وأن ~~يقيموا إلى جانبها هيكلا على صورة الفلك، ولا يأذنوا لأكثر من تسعة أن يسكنوه، وهم رفقاء ~~الفلك الذين يحرسون نار ms097 الإيمان ولا يشغلون ضمائرهم بهم من هموم العيش ولا بشهوة من شهوات ~~الجسد، ويأتيهم رزقهم من حيث لا يحتسبون، ويسوق إليهم القدر تاسعهم كلما فقدوا واحدا منهم، ~~وعليهم أن يتقبلوه كلما طرأ عليهم؛ لأنه لا يأتيهم إلا من عند الله. # ويشتهر هيكل الفلك فيقبل عليه الزوار بالهدايا، وتكثر الهدايا فيملك الرفقاء حبوسا في ~~الأرض تملأ خزائنهم بالخيرات، ويتولى الرياسة فيه - زمنا من الأزمان - رفيق جشع يدعى ~~«شمدام» فيرفض الضيف التاسع حين ساقه إليه القدر؛ لأنه أحس فيه سرا يجهله ويخشى أن يرشحه ~~للرياسة، ثم يقبله خادما في الهيكل، فيقضي في الخدمة سنوات يتجلى في خلالها سره للرفقاء، ~~فيقتدون به ويلتمسون عنده الهداية، ويغار منه الرئيس فيصابره زمنا ثم يغري به أمينا في ~~جواره فيعتقله ويقصيه عن الهيكل، ولكنه يعود إليه بسره الذي يحطم القيود ويتحدى السلطان، ~~ويحمل الرفاق في الفلك ويترك «شمدام» طيفا مرصودا يحوم حوله مغلق الفم معتقل ~~اللسان. # ذلك هو «مرداد» بطل القصة أو رسول الكتاب. # وإنه ليرصد «شمدام» إلى اليوم المعلوم في انتظار وافد له علامة، وعلامته أنه يصعد إلى ~~القمة من أوعر الطرقات إليها، فإذا حان اليوم المعلوم وصعد الوافد إلى القمة جائعا عاريا ~~منزوفا منهوكا بغير سند ولا وقاء، فتلك علامته التي تطلق لسان شمدام، فيروي له قصته ~~ويسلمه كتاب «مرداد». # وكتاب مرداد هذا هو وصاياه التي باح بها لتلاميذه، وهي الوصايا التي لا نلخصها في هذا ~~المقال؛ لأنها كما أسلفنا لا تقبل التلخيص، ولكننا ننقل منها فقرات من هنا وهناك في مختلف ~~الصفحات، بغير ترتيب مقصود. # عندما خلق على الأرض أول إنسان وقف في ناحية من السماء ملكان يتحاوران، فجرى بينهما هذا ~~الحوار: # الأول ~~: # لقد ولد للأرض طفل عجيب، فهي تسطع بالضياء ... # الثاني ~~: # ملك مجيد ولد للسماء فهي تخفق بالفرح. # الأول ~~: # إنه ثمرة القرآن بين السماء والأرض ... # الثاني ~~: # إنه الوحدة الأبدية؛ وحدة الأب والأم والوليد. # الأول ~~: # به ترتفع الأرض ... # الثاني ~~: # فيه تتحقق السماء. # الأول ~~: # النهار نائم في عينيه. # الثاني ~~: # الليل يقظان في فؤاده. # الأول ms098 ~~: # صدره وكر العواصف ... # الثاني ~~: # حنجرته سلم الألحان. # الأول ~~: # ذراعاه تعانقان الجبال ... # الثاني ~~: # أصابعه تقطف النجوم. # الأول ~~: # البحار تزمجر في عظامه. # الثاني ~~: # الشموس تجري في عروقه. ~~••• # الأول ~~: # حول قدميه قيود الغد ... # الثاني ~~: # في قلبه مفتاح القيود. ~~(ويمضي الحوار بين الملكين على هذا النسق حين يكون شيطانان في ~~الطرف الآخر من الكون يتناجيان بهذا الحديث.) # الأول ~~: # بطل ظافر دخل في صفوفنا، وبعونه نحن منتصرون ... # الثاني ~~: # بل جبان رعديد موسوم الجبين بالخيانة، ولكنه مخيف في خوفه وبكائه. # الأول ~~: # ذهنه ثاقب دؤوب ... # الثاني ~~: # سمعه ثقيل بليد، ولكنه خطر في الثقل والبلادة. ~~••• # الأول ~~: # لهفته على خبزنا وظمؤه إلى خمرنا، هما المطية له في حومة الكفاح. # الثاني ~~: # بالجوع الذي لا يشبع، والظمأ الذي لا يروي، سيظفر فلا يقهر ويثير الفتنة في هذا ~~المعسكر. # الأول ~~: # ولكن الموت قائده الذي يأخذ بزمام المطية ... # الثاني ~~: # وبالموت قائدا سيدوم خالدا. # إذا أثبت شيئا نفيت نقيضه وإذا أثبت نقيضه نفيته، والله لا نقائض فيه؛ فكيف ~~تثبته أو تنفيه؟ # ازحف حيث لا تستطيع أن تمشي، أو امش حيث لا تستطيع أن تجري، واجر حيث لا تستطيع ~~أن تطير، وطر حيث لا تستطيع أن تجمع الكون كله إلى قرار فيك! # إن الصاعقة لن تضرب بيتا إن لم يكن ذلك البيت قد جذبها إليه، وعلى البيت حساب في ~~خرابه كحساب النار التي سقطت عليه! # الضعيف مع الضعيف وقر، ومع القوي أمانة مستحبة ... ابحثوا عن الضعفاء! إن ضعفهم هو ~~قوتكم! # إنك لا تعلم ما تسأل يا ميكايون: أتود الخلاص من مخلصك؟ # صدقني يا شمدام، إن الحياة التي يحياها الناس، والموت الذي يموتونه إن هما إلا ~~سبات وغيبوبة، ولقد جئت لأوقظ الناس من سباتهم وأخرجهم من كهوفهم وجحورهم إلى ~~الحياة الطلقة التي لا تموت، صدقني لأجلك أنت لا لأجلي. # لا تسألوا الأشياء التي تلقي عنها قناعها، ألقوا أنتم أقنعتكم عن أنفسكم فإذا ~~بالأشياء سافرة أمامكم! # ولا تسألوا الأشياء أن تفض عنها خواتيمها، فضوا أنتم خواتيم أنفسكم، وكل ما ترونه ~~بعد ذلك ترونه غير مختوم. # ما الحب ms099 فضيلة، الحب ضرورة، ضرورة ألزم من الخبز والماء، وألزم من النور ~~والهواء! # بذور الحق كائنة في كل إنسان وفي كل شيء، وليس عملك أن تبذر الحق، وإنما عملك أن ~~تهيئ له موسما صالحا ينجم فيه. # الصبر صحة حين يركن إلى الإيمان، فإن لم يكن معه إيمان فهو شلل! # لهذا أقول لكم: إن صليتم من أجل شيء، فلتكن صلاتكم أولا وآخرا من أجل ~~«الفهم». # لا عجب يا بنون أنك دعيت بالقاضي الحكم، والقاضي الحكم يتشبث بمنطق الدليل في ~~القضية قبل أن يحكم، أيطول عهدك بالقضاء هكذا ولا تعلم أن نفع المنطق الأكبر أن ~~يخلصك منه لتصل إلى الإيمان، ويصل بك الإيمان إلى «الفهم»؟! # المنطق عكاز الكسيح، ولكنه وقر على السابق العداء، ووقر أفدح من ذاك على كاهل ذي ~~الجناح ! # تلك قبسات من كتاب «مرداد» نقلتها وأنا أقلب صفحاته على غير ترتيب مقصود وهي لا تلخصه ولا ~~تجمله، وقصارى الأمر فيها أنها كقبضة تملأ اليد من خزانة حافلة بالجوهر النفيس، وهي تدل على ~~قيمة الخزانة كلها إذا علمت أنها تتسع لألف قبضة من هذا القبيل. # وقد اطلع على الكتاب ناشرون من الإنجليز فوصفوه بأنه كتاب «غير عادي أو غير ~~مألوف». # وهو كذلك غير مألوف، وأصدق من ذاك عندي أن يقال إنه «كتاب ذو ملامح» يذكرك بكتب أخرى ~~قرأتها من هذه الأسرة، وإنها لأسرة يتشابه فيها الإخوة بالملامح، ويختلفون بالشواغل ~~والأعمال، كما يتشابه الإخوة ويختلفون في كل سلالة. # ولقد كنت أذكر وأنا أقرأ كتاب «مرداد» كتبا أخرى تمت إليه بملامحها البادية للنظر، وهي ~~«سفر الجامعة من كلام سليمان الحكيم»، و«رحلة الحاج» من كلام جون بنيان، و«هكذا قال زرادشت» ~~من كلام نيتشه. # ولكن رسالة الجامعة حكمة الأمان، ورسالة بنيان حكمة القلق، ورسالة زرادشت حكمة الكفاح، ~~ورسالة «مرداد» حكمة «الفهم» أو الفهم البصير. # وليس الأمان غاية؛ لأنه راحة في طريق الغاية ... # وليس القلق غاية؛ لأنه دافع من وراء، وليس بهاد من أمام ... # وليس الكفاح غاية؛ لأنه سعي يتجدد ... # والفهم البصير هو غاية القلق وغاية الكفاح، ms100 وكتاب «مرداد» بشير بهذه الغاية التي تتقاصر ~~دونها الغايات. # الفصل الثاني والعشرون # | عالم الغد # عالم الغد، أو النظام العالمي الجديد هو خلاصة فلسفة «ولز» التي دأب على نشرها في السنوات ~~الأخيرة، وهي فلسفة تدور في جملتها على محور واحد قلما تعدوه، ونعني به مستقبل النظم ~~الحكومية والمبادئ الأخلاقية في العالم الذي نرجوه: عالم الحضارة والسلام. # وهذا الكاتب العالمي - ولز - من أكفأ الكتاب لخوض هذه المباحث والإجادة فيها؛ لأنه عاصر ~~الحوادث الكبرى في التاريخ الحديث، ونظر إليها بعين الفتى ابن العشرين وعين الرجل ابن ~~الأربعين وعين الشيخ ابن السبعين والثمانين، واستعد لفهمها بثقافة علمية طويلة مشتركة في ~~كثير من العلوم الطبيعية والمعارف التاريخية والفلسفية، فاطلع على الكيمياء واستمع إلى ~~العلامة الجليل الأستاذ هكسلي الكبير في علم الحياة ، وساهم في الصناعات الآلية، ومارس النقد ~~والقصة والتاريخ، وطبع على حب الخير لبني الإنسان وكراهة البغاة والمتجبرين، وصعد في سلم ~~المعيشة من طبقة الطفل ابن بائع الصيني الفقير والخادمة الوضيعة إلى طبقة السراة الذين ~~يحسبون دخلهم بعشرات الألوف. # قيل إنه تنبأ بصنع الدبابة قبل الحرب العالمية الماضية بأكثر من عشر سنين، وقيل إنه صاحب ~~الفضل - أثناء تلك الحرب - في اختراع وسيلة النقل التي عرفت باسم التلفراج، وقيل إنه عاون ~~حكومته بقدرته الفنية كما عاونها بقدرته الكتابية، ولكنه في نبوءاته العلمية أو تحقيقاته ~~الصناعية لا يتجاوز مرتبة الصانع الماهر والمخترع الناجح، وليست به حاجة إلى أكثر من رسم ~~«تصميم» الآلة المخترعة لتصبح النبوءة عنها في حكم الواقع الملموس ولا تبقى منه بقية ~~للمشاهدة العيانية غير التنفيذ. # أما النبوءة في مستقبل النظم السياسية والمبادئ الأخلاقية في عالم الغد فتلك هي المرتبة ~~التي لا تسمو إليها كل نفس ولا يحيط بها كل خيال، ولا بد لها من خصال روح ومدارك عقل ومزايا ~~خلق ومثابرة جهد لا تتهيأ لغير الصفوة المختارين من الدعاة والمرشدين. # كذلك لا يفهم من خدمة «ولز» لحكومته في الحروب العالمية أنه من جملة أولئك «المستخدمين» ~~السياسيين الذين تستغرقهم مصلحة الدولة، فلا تدع فيهم فضلة ms101 لخدمة «النوع الإنساني» كله، أو ~~خدمة العالم على اختلاف أجناسه وأقوامه، فإنه لما حيل بينه وبين التصريح بآرائه الجريئة ~~خلال الحرب العالمية الماضية لم يحفل بالرقابة المضروبة على الأقلام، ولا بالعقوبة التي ~~تصيبه كما أصابت غيره من أحرار المفكرين، وأقدم على طبع كتابه عن الحرب والمستقبل غير مكترث ~~بأوامر الرقيب، وهي مجازفة في البلاد الإنجليزية قد تسقط بالكاتب إلى الحضيض، ولكن الرجل قد ~~جرى فيها على شنشنة معروفة فيه، وهي تقديس حرية الرأي في كل وقت وكل حالة، وعلى الرغم من كل ~~خطة وكل ضرورة، والإيمان بأن هذه الحرية هي ضمان السلم والتقدم في عالم الغد ~~المنشود. # ويتنبأ «ولز» - أو يرجو على الأصح - أن يصير العالم على نظام متحد في الحكومة لا تجور ~~فيه دولة كبيرة على دولة صغيرة، وأن هذا النظام «سيتم خطوة خطوة هنا وهناك» كما قال في ~~الكتاب الذي نحن بصدده، كيف؟ قال: «كما تم ابتداع الطيران، وكما تمت إلى الآن منظمات عالمية ~~كاتحاد البريد والصحة البحرية ومقاومة الرقيق والتعاون البوليسي وجماعات الصليب الأحمر وما ~~إليها»، أو كما قال في تاريخه الموجز للعالم: «ربما تنبهت الدنيا يوما، فإذا هي محكومة من ~~حيث لا تشعر في الشئون المشتركة بينها كما تحكم المنظمة الواحدة، وهي مع ذلك يعز عليها أن ~~تدرك أن حكومة عالمية قائمة ...» # ولا يعتمد ولز على تدبيرات الساسة وإجراءات الحكومات كما يعتمد على التعليم والدعوة ~~الروحية أو الفكرية، ويشمل بالتعليم أمم آسيا التي يحكمها المستعمرون، فيقول عن هذه الأمم: ~~«إن عددا كبيرا من هؤلاء الناس لهم أذهان كالأذهان الأوروبية المتوسطة أو خير منها، وإنك ~~لتستطيع في جيل واحد أن تثقف العالم كله إلى مستوى خريج كمبردج - وهو ليس بالمستوى الشامخ ~~جدا - إن كان لديك ما يكفي من المعاهد والأجهزة والمعلمين»، ثم يتساءل: «لم لا نقرر أن ~~الاتحاد حيثما امتد يعني تعليما قويا جديدا في البنغال وفي جاوة وفي حكومة الكنغو ~~الحرة، كما في تنيسيا أو جرجيا أو إسكتلندا أو أيرلندا؟! لم لا نقل بعض الإقلال من ms102 ~~التفكير في التحرير التدريجي بالتصويت وتجارب الاستقلال المحلي وما إليهما من الأفكار ~~القديمة؟ ونكثر بعض الإكثار من تحرير العقل، لم لا نترك هذه الشقشقة القديمة عن الشعوب ~~التي لم تنضج سياسيا؟» # ولا يفصل ولز بين التقدم السياسي والتقدم الاقتصادي في التوجه بالأمم إلى هذه الغاية ~~المرموقة من الوحدة العالمية، ولكنه لا يبالي بوحدة العملة كما يبالي بوحدة المعيشة ووحدة ~~التربية؛ لأنه لا قيمة للنقد ولا معنى لتوحيده إن لم يكن عنوانا على معيشة واحدة أو نظرة ~~واحدة إلى أغراض الحياة وخيراتها ووسائل المتعة فيها. # ولن تنجح هذه الوحدة ما لم تقم على الاعتراف بحقوق الإنسان بغير تمييز بين العقائد ~~والأجناس والألوان، وهي تتلخص في: حق الغذاء، والكساء، والعناية الطبية، والتعليم الكافي، ~~وحرية الاشتغال بالصناعات، وحرية المعاملة ، وحماية النفس والملك، وحرية الانتقال في أنحاء ~~العالم، ومنع السجن إلا لجريمة، ومنع التجنيد وما إليه إلا بالاختيار. # ويعتقد «ولز» أن الثورة لازمة للتقدم في هذه الوجهة الإنسانية الشاملة، ولكنها ثورة من ~~نوع غير نوعي الثورة اللذين عرفهما البشر فيما مضى، ويسميهما بالثورة الكاثوليكية والثورة ~~الشيوعية؛ لأن الثورة الأولى تقترن بتاريخ الأمم الكاثوليكية أو التي تجاهد مع الكنيسة، ~~كثورات فرنسا وإسبانيا والمكسيك وأمريكا الجنوبية؛ ولأن الثورة الثانية هي وليدة المؤامرات ~~أو التنظيمات العرضية التي تدل على تطور باطني يتناول ضمير الإنسان ويرتفع به في مدارج ~~الأخلاق والآداب. # وإنما ثورة ولز ثورة صاعدة يقوم بها أوفر الناس نصيبا من الثقافة والبواعث الخلقية ~~والقدرة على التوجيه والإيحاء، وتنبيه الهمم إلى التشبه والاقتداء. # ومن أساليب التعليم اللازم لتحقيق هذه الثورة تحقير من تعود الناس أن يعظموهم من السفاحين ~~والطغاة المعتدين، وهو لا يصطنع الكذب لإقناع الناس بحقارة هؤلاء «الأبطال» المقدسين؛ لأن ~~الوقائع التاريخية كافية لتمثيلهم أمام الناس في الصورة المزدراة، فلم يكن لهم نصيب عظيم من ~~العقل أو الملكات الذهنية، وأعجب من ذلك أنهم لم يكونوا على نصيب عظيم من الرجولة، على خلاف ~~ما يتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى، فالإسكندر كان له عاشقون، ويليوس قيصر كان يقال ms103 عنه: ~~إنه رجل كل امرأة وامرأة لكل رجل، والزأريوس كان يسعى إلى الدير ليخرج منه فتى كانت زوجته ~~تهواه، ونابليون كان في حياته الشخصية كما يعلم قراء تراجمه الخفية، وكان بعد موته موضع ~~العجب بين المشرحين لفرط المشابهة في تكوينه بين جسده وأجساد النساء. # وقد حرص ولز في تواريخه العالمية على تمثيل هؤلاء «الأبطال» في صورتهم الصحيحة، لتذهب ~~عنهم تلك الهالة الكاذبة التي تغري الناس بسفك الدماء أو تعظيم من يسفك الدماء، ومما توخاه ~~في ذلك أن يفرق الناس بين القدرة على التعمير والقدرة على التدمير، وأن يبطلوا الإعجاب ~~بالطغاة من طريق الإعجاب بالقوة والجبروت؛ لأن الطغاة في الواقع أصحاب مزاج خاص يرشحهم ~~لتلقي الصناعة الممقوتة، وليس من اللازم أن يكون ذلك المزاج مقرونا بالبأس والفحولة ~~والاقتدار. # أما الدواعي الفكرية التي تدعو الكاتب الكبير إلى انتظار هذا التغيير العالمي، فهي من ~~قبيل النتائج المحتومة لا من قبيل الأماني والأحلام؛ لأن المخترعات الحديثة قد ألغت ~~المسافات والأبعاد، فأصبحت العزلة والتحصن وراء الحدود ضربا من المحال، ومتى زالت الحدود ~~على الأرض فلا سبيل إلى بقائها في عالم النظم السياسية: كان ذلك ممكنا في عهد الحصان ~~والسيف والقوس والبندقية، ولكنه لا يمكن ولا يدوم طويلا إن أمكن في عصر الطيارة والكهرباء ~~ومحدثات العلم التي أوشكت أن تسبق الخيال بالعيان. # وإلى جانب هذه الغير العلمية تندفع البواعث البيولوجية بالعالم إلى حالة غير حالته اليوم ~~وغير حالاته فيما تقدم من أطوار التاريخ؛ لأن نشوء الملايين من الشباب القلق الذي يواجه ~~معضلات الكون وينتظر عليها جوابا غير تلك الأجوبة المسكتة التي كانت تريح عقول الآباء ~~والأجداد هو الحافز «البيولوجي» الدائم إلى التغيير في هذا الاتجاه؛ لأن الفشل قد صحب ~~القادة والزعماء الذين يصرون على بقاء الدنيا كما كانت عليه في مشتجر المطامع والخصومات، ~~ولن يفلح هؤلاء القادة في اجتذاب القلوب إليهم بدعوة قائمة على بقاء القديم في السياسة أو ~~الاقتصاد أو الأخلاق. # وليس ولز شيوعيا ولكنه اشتراكي من أنصار الأعمال الجماعية التي تحد من حرية الفرد ms104 في ~~الاستغلال، ولا تحد من حريته في التثمير والإنتاج، وليس هو «ديمقراطيا» من أشياع النظم ~~البرلمانية التي تحتكر الحزبية وأساليب الانتخاب، ولكنه يفضل على أساليب الانتخاب التي تشيع ~~اليوم بين الأمم الديمقراطية أساليب التمثيل النسبي وما يتبعها من فسح المجال أمام فريق ~~جديد من العاملين في السياسة غير فريق المحترفين والدعاة المشعوذين. # ومن تعريفاته للملكية والاشتراكية في كتبه المختلفة يخيل إليك أن الكاتب عربي أصيل ~~ينقل المصطلحات من لسان العرب أو القاموس المحيط، فليست الاشتراكية في جوهرها عنده إلا ~~نقدا مختلفا لنظام الملكية أو نظام الامتلاك كأنه ما كان، وليس الامتلاك من مخترعات ~~الطبقات الاجتماعية كما يقول الشيوعيون؛ لأن الملك في حقيقته هو كل ما يدافع عنه الإنسان أو ~~الحيوان، وهذا هو معنى الحوزة أو الحمى أو الحرم أو الذمار كما تعرفه لغة الضاد. # قال عن روسيا وستالين: «كانت الثورة كغيرها من ثورات الذين لا يملكون منذ فجر التاريخ، ~~استولت فيها عبادة الأبطال على الجماهير الهائجة، ولم يكن بد من ظهور زعيم ... وما انقضت ~~عشرون سنة حتى أخذوا يعبدون ستالين، وكان في الأصل رجلا ثوريا على شيء من الأمانة، ~~طموحا غير عبقري ... وتتم الدورة فلا تجد تغييرا ما، كما هي الحال في كل ثورة جموح أخرى، ~~فقد زال عدد كبير من الناس وحل محلهم عدد كبير آخر، وكأن روسيا تعود أدراجها إلى النقطة ~~التي بدأت منها، أي: إلى استبدادية وطنية: جدارتها محل شك وغايتها مبهمة غير محدودة، وأنا ~~أعتقد أن ستالين رجل أمين صادق النية، وهو يؤمن بالجماعية في بساطة ووضوح، ولا يزال يؤمن ~~بأنه يقصد الخير لروسيا والشعوب التي تقع تحت سلطانها، وبلغ من اعتداده بنفسه، أنه لا يصبر ~~على نقد أو معارضة، وقد لا يكون خلفه مثله استقامة أو عدم تحيز.» # وما اقتبسناه هنا هو مثل صالح لعبارة الكتاب كما ترجمه إلى العربية الأديبان الفاضلان ~~الأستاذ عبد الحميد يونس والأستاذ حافظ جلال مترجما، دائرة المعارف الإسلامية، وراجعنا ~~فقرات منه على النسخة الإنجليزية فألفيناها على جانب من الدقة وأمانة ms105 النقل والأداء، مع ~~سلاسة في اللفظ وصحة في اللغة، وكل ما يلاحظ عليه سهوات أو هنات متفرقات بين صفحات لا تخل ~~بجوهر معناه، ولا تحول بين الكاتب العربي وبين النفاذ إلى اللباب الذي تضمنته النسخة ~~الإنجليزية، كما جاء مثلا في الصفحة التاسعة وتكرر في صفحات أخرى؛ حيث يقولان: «وليست هناك ~~ثمة حاجة» وثمة بمعنى هناك، أو حيث يقولان في الصفحة الأربعين: «ويجد أمثال فرنكلين روزفلت ~~أنفسهم مشرفون» ... وهو سهو ظاهر، أو حيث يقولان: «ولم يكن عند ألمانيا من الصناعة ما عند ~~الناطقين بالإنجليزية فطمحت إلى الجوزاء» ترجمة لما جاء في الأصل؛ حيث يقول الكاتب: «وطمحت ~~إلى مكان في الشمس، إلى حيز تعيش فيه» والمعنيان مختلفان، أو حيث يقولان صفحة 64: «وكلما ~~زاد سلطان الحكومة كلما اشتدت الحاجة »، ولا موضع لكلما الثانية في الجملة. # وهذه كلها - كما أسلفنا - من قبيل السهوات والهنات، ولا غضاضة منها على العمل النافع الذي ~~أسدياه إلى اللغة العربية في أوانه؛ لأن البحث عن عالم الغد باب لم يطرق عندنا في أذهان ~~أكثر الكتاب فضلا عن أذهان أكثر القراء، ولو عنينا به حق عنايته لوجب أن يكون ~~لدينا في موضوعه عشرات من الكتب المترجمة وعشرات مثلها من الكتب المبتكرة على حسب ما عندنا ~~من الأحوال العالمية؛ لأننا نحب أن نصل إلى عالم الغد عاملين مؤثرين لا تابعين متأثرين، ~~ونحب أن نسبقه بالتفكير والتدبير ولا ننتهي إليه لاحقين متخلفين مدفوعين مع الزحام كأنما ~~نساق إليه مسخرين منقادين، فترجمة هذا الكتاب في هذه الأيام عمل مشكور «وفرض كفاية» كما ~~يقول الفقهاء حين يميزون بين درجات الفروض، ولكنه جدير أن يعلمنا أن النظر إلى عالم الغد ~~فرض عين لا يسقط عن شرقي أو عربي في هذا الزمان. # الفصل الثالث والعشرون # | العقل في الإسلام # تحكيم العقل واجب أمر به القرآن الكريم في عشرات الآيات، فليس أكثر فيه من الآيات التي ~~تحث على التعقل والتفكر وتنحى باللائمة على من يهملون العقل والتفكير، وليس التفكير مقصورا ~~على موضوع دون موضوع في أوامر القرآن الكريم، ms106 فالإنسان مطالب بأن يتفكر في نفسه: # أولم يتفكروا في أنفسهم ~~(الروم: 8)، وأن يتفكر في ~~الكون كله: # ويتفكرون في خلق السماوات ~~والأرض ~~(آل عمران: 191)، وأن يجيل نظره فيما يحيط به من المشاهد والأسرار: # كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم ~~تعقلون ~~(البقرة: 242) و # إن في خلق ~~السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي ~~تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ~~ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة ~~وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض ~~لآيات لقوم يعقلون ~~(البقرة: 164). # والحكمة صفة من صفات الله «الحكيم» التي كررها القرآن في شتى المواضع، فكل ما في الكون ~~فإنما يجري على مقتضى الحكمة الإلهية ولا يخالف العقل السرمدي أو ينقضه في عمل من الأعمال، ~~وإن قصرت عن إدراك كنهه عقول الآدميين. # فليس بالمسلم من يقضي بتعطيل العقل وينهى عن التفكير؛ لأن الإنسان ينكر العقل ليؤمن بالنص ~~الذي لا اجتهاد فيه، والنص هنا صريح متواتر في وجوب النظر والتفكير وإطلاق هذا الوجوب على ~~مسائل التصديق بوجود الإله، ومسائل العلم بمخلوقاته والتدبر في أوامره ونواهيه. # وغاية الأمر فيمن تكلم بشيء في إنكار حكم العقل أنه يؤمن بعقل أكبر من العقل الإنساني، ~~ويأبى أن يجعل هذا العقل قسطاسا للعقل السرمدي المحيط بالإنسان وبسائر المخلوقات، فلا بد ~~للعقل الإنساني من حد يقف عنده ويلجأ فيه إلى التسليم، وليس هذا مناقضا للعقل الإنساني في ~~أساسه، ولا هو من قبيل الكفر بدين العقل والقضاء ببطلانه؛ لأن العقل الإنساني نفسه يعلم أنه ~~محدود، ويعلم أن المحدود لا يحيط بما ليست له حدود، فهو يقضي بالعقل حين يقضي بأن العقل ~~مضطر إلى التسليم في بعض الأمور. # وقد أثرت عن بعض المتكلمين أقوال يخيل إلى الناظر فيها لأول وهلة أنها أقوال قوم ~~ينكرون العقل، ويبطلون أحكامه ولا يعولون عليه في شيء من الأشياء، ومن أمثلة ذلك سؤال من ~~يسأل: هل تتعلق قدرة الله بالمستحيل؟ فإن الفلاسفة يقولون: إن المستحيل ممتنع في العقول، ~~وبعض المتكلمين يقولون: إن ms107 قدرة الله تتعلق بالمستحيل، فهل معنى ذلك أنهم ينقضون العقل ~~ويحكمون بإلغائه وإلغاء كل ما يقتضيه؟ كلا ... بل هم يرجعون في ذلك إلى قضية عقلية يسلمها من ~~يدينون بالتفكير وإن كانوا من غير المتكلمين؛ لأنهم يقولون: إن الله الذي خلق لنا هذا العقل ~~قادر على أن يخلق عقلا آخر يخالفه في تقدير الاستحالة والإمكان، وقادر على أن يرفع العقل ~~الإنساني درجة في مراتب الإدراك فيرى بعيني الإلهام الإلهي ما ليس يراه بغير ذلك الإلهام، ~~فهم يبنون رأيهم على «قضية منطقية»، ويبطلون العقل بعقل أصح منه وأقدر على الإدراك، وليس ~~هذا شأن من يسقط العقل جملة واحدة من الحساب. # فالعقل أصل من أصول الإيمان في الإسلام لا شك فيه، وكل ما هنالك أن العقل عند المسلم وغير ~~المسلم له حدود ينتهي إليها، وأن علماء المسلمين وحكماءهم يختلفون في رسم الأمد الذي تنتهي ~~إليه تلك الحدود. # هذا الموضوع الدقيق هو الموضوع الذي يدور عليه كتاب «العقل في الإسلام» من تأليف الباحث ~~الفاضل الدكتور كريم عزقول، وربما صح أن يقال في العنوان: إنه كتاب عن العقل عند ~~«الغزالي»؛ لأنه هو في الواقع كذلك بعد التمهيد الضروري لهذا الموضوع، وقد قال المؤلف ~~الفاضل في مقدمته: «إن الصدق في تصوير آراء الغزالي والأمانة في نقل أفكاره والضبط والدقة ~~في عرضها بعد محاولة فهمها على حقيقتها، فهما موضوعيا مجردا خاليا من كل غرض، متحررا ~~من كل فكرة سابقة هو جل ما توخيته من هذه الدراسة، تاركا لمناسبات أخرى أمر قدر تلك ~~الآراء والحكم عليها، مكتفيا هاهنا بالقيام بهذا القسط المعين من واجبي الحضاري البشري ~~والإنساني والقومي، وهو تعريف القارئ العربي إلى أهم ناحية فكرية في الحضارة الإسلامية كما ~~عكسها دماغ أكبر مفكر في الإسلام.» # ويشهد من قرأ الكتاب أن المؤلف الفاضل قد أحسن الاختيار؛ لأن الغزالي ولا ريب أكبر نموذج ~~للفكر الإسلامي، يرجع إليه في تبيان موقف الإسلام من العقل والتفكير، وأنه قد بر غاية البر ~~بوعده في صدر كتابه، فكان أمينا نزيها مخلصا في صدق ms108 العرض وصحة البحث عن حقائق الموضوع ~~في مراجعها الكثيرة، فأجمل في كتابه كل ما يلزم أن يقال عن عناصر هذه المسألة، ووضع العقل ~~في موضعه الصحيح من فلسفة الإمام العظيم أو مجموعة آرائه ومحصل تفكيره. # وخلاصة القول في هذا البحث: أن الغزالي يؤمن بالعقل ويقيس عليه المعارف والمعلومات، ولا ~~يستثني بابا من أبواب المعرفة من هذا القياس أو هذا الميزان، فيقول: «لا أدعي أني أزن بها ~~- أي: بموازين النظر - المعارف الدينية فقط، بل أزن بها العلوم الحسابية والهندسية ~~والطبيعية والكلامية وكل علم حقيقي غير وضعي، فإني أميز حقه عن باطله بهذه الموازين ...» ~~ويقول في موضع آخر: «وزنت بها جميع المعارف الإلهية، بل أحوال المعاد وعذاب القبر وعذاب أهل ~~الفجور وثواب أهل الطاعة ...» # نعم؛ إن الغزالي شك في العقل حينا، فتساءل على لسان المحسوسات وهي تخاطب الباحث عن ~~الحقيقة: «بم تأمن ألا تكون ثقتك بالعقليات كثقتك بالمحسوسات وقد كنت واثقا بي، فجاء حاكم ~~العقل فكذبني، ولولا حاكم العقل لكنت تستمر على تصديقي؟!» # ولكن الغزالي لم يستقر على هذا الشك طويلا، بل خرج منه واعتبر أن إبطال العقل بالشك ~~المطلق «آفات تصيب العقل فيجري مجرى الجنون، ولكن لا يسمى جنونا، والجنون فنون.» # إلا أننا لا نفهم من ذلك أن العقل - عند الغزالي - قادر على إدراك كل حقيقة وكفيل بالوصول ~~إلى كل معرفة؛ لأن القياس شيء، والوصول شيء آخر، فنحن بالإبرة المغناطيسية نستطيع أن نعرف ~~الهدى والضلال، ولا يلزم من ذلك ضرورة أن الإبرة المغناطيسية قادرة على البلوغ بنا إلى مكان ~~الهدى واجتناب مكان الضلال، وقد يكون تشبيه العقل بالإبرة المغناطيسية تشبيها غير جامع ~~لوجوه الشبه الصحيح، فحسبه أنه تشبيه يدل على الغرض المقصود: وهو أن العقل يصلح للتمييز بين ~~الصواب والخطأ ولا يلزم من ذلك ضرورة أنه صالح للوصول إلى الغايات جميعا بغير تكملة من ~~قدرة أخرى ومعونة من «عقل» أكبر لا يلغي حكم العقل أصالة بل ينتقل به من طبقة إلى طبقة ومن ~~مجال إلى مجال. # هذه التكملة عند الغزالي هي ms109 «الكشف» أو النور الذي يفيض على قلب الإنسان من الجود الإلهي ~~بالرياضة والاستعداد، وهو شيء لا ينقض العقل في أساسه، بل يتمم للعقل ما هو ناقص فيه ويعينه ~~على ما يؤوده ويعييه. # ويرد على الخاطر هنا سؤال لا ينسى في صدد الكلام عن الغزالي على التخصيص، وهو: كيف ~~اجتهد الغزالي ذلك الاجتهاد العنيف في هدم الفلاسفة وإثبات تهافتهم إذا كان على إيمانه هذا ~~بهداية العقل والتفكير؟ هل فعل ذلك لأنه يبطل الفلسفة ويلغي الأقيسة المنطقية؟ أو هو قد ~~فعله؛ لأنه يرى أن الفلاسفة مخطئون في تطبيق الفلسفة واستعمال القياس؟ # الرأي الأول يميل إليه كالرادي فو، والرأي الثاني يميل إليه آسين بلاسيوس. # أما المؤلف الفاضل فهو يفصل بين الرأيين بكلام الغزالي نفسه، وفحواه أن الفلاسفة قد ~~أساؤوا استعمال القياس، فمنعوا ما ليس يمنعه العقل، وأوجبوا ما ليس يوجبه في المسائل ~~الغيبية، و«أن ما شرطوه في صحة مادة القياس في قسم البرهان من المنطق، وما شرطوه في صورته ~~في كتاب القياس، وما وضعوه من الأوضاع في إيساغوجي وقاطيغورياس التي هي من أجزاء المنطق ~~ومقدماته، لم يتمكنوا من الوفاء بشيء منه في علومهم الإلهية». # فليس اللوم إذن على المنطق بل على المناطقة، وليس اللوم على العقل بل على الذين يوجبون به ~~ما ليس بواجب ويمنعون به ما ليس بممنوع. # ونعتقد أن التوفيق قد لازم المؤلف في جميع تقريراته وتمحيصاته ولم يفارقه بعض المفارقة ~~إلا في مقام واحد وهو مقام المقابلة بين الغزالي والفلاسفة والأوروبيين. # مثال ذلك مقابلته بين الغزالي وديكرت حيث يقول: «إنه قد تنبه ستمائة سنة قبل الفيلسوف ~~الفرنسي ديكرت إلى هذا التحديد - تحديد اليقين - ينبغي أن يكون حكما بديهيا لا ~~اختباريا، وبهذا سلم من التناقض الذي وقع فيه ديكرت؛ إذ ظن أنه وضع لليقين تحديدا ~~اختباريا، بينما كان في الواقع قد عرف ماهية اليقين قبل الاختبار، فديكرت ظل ممتنعا عن ~~تحديد اليقين إلى أن عثر على حقيقة يقينية هي: أفكر، إذن أنا موجود، وظن أنه بواسطتها قد ~~أدرك ماهية اليقين واستنبط ms110 تحديده، على أنه سها عن باله أنه لا بد كان يعرف ما هو اليقين من ~~قبل حتى عرف أن هذه الحقيقة المعينة هي حقيقة يقينية.» # والإنصاف بين الحكيمين أن معرفة الشك تستلزم معرفة اليقين، سواء ثبت بالاختبار أو ثبت ~~بالبداهة، فلا يقول قائل إن هذا مشكوك فيه إلا إذا عرف ما يطلب وعرف أن اليقين غير مشكوك ~~فيه، ولا يناقض الباحث نفسه إذا وفق بين البداهة والاختبار بمثل من الأمثال. # كذلك أراد المؤلف أن يفرق بين مذهب الغزالي ومذهب دافيد هيوم في إنكار الأسباب، فقال: ~~«أرى من الضروري توضيح فكرة عن موقف الغزالي قد تكون غامضة عند البعض مشوهة عند البعض ~~الآخر من المشتغلين بالفلسفة العربية، فإنه من الشائع عند الكثيرين من هؤلاء أن الغزالي قد ~~نفى مبدأ السببية؛ ولذا نراهم يشبهونه بالفيلسوف الإنجليزي داود هيوم ويفاخرون أهل الغرب ~~بسبق الغزالي ذلك الفيلسوف إلى نفي هذا المبدأ، على أن من تعمق في فهم رأي هذين المفكرين في ~~السببية وجد أن فكرة الواحد تختلف جوهريا عن فكرة الآخر، وإن كان يجمع بينهما وجه من وجوه ~~الشبه العرضية، فإن داود هيوم لا يعتقد بالمبدأ القائل: بأن لكل سبب نتيجة، وهو ينفي كون ~~العلاقة بين السبب والنتيجة علاقة ضرورية ... أما الغزالي فإنه بالعكس يؤمن بضرورة المبدأ ~~القائل: إن لكل سبب نتيجة ... فالله - تعالى - في نظره هو السبب الحقيقي الوحيد لكل حوادث ~~الكون ...» # ونحن لا نرى أن الغزالي أنكر مبدأ السببية، كما ذكرنا ذلك في مقالنا عن الأسباب بينه وبين ~~ابن رشد بمجلة الكتاب، ولكننا نرى أن داود هيوم لم ينكر العلاقة بين المقدمة والنتيجة في ~~الأقيسة المنطقية، وإنما أنكر أن يكون السبب في المشاهدات الاختبارية ثابتا بالبداهة بغير ~~تجربة محسوسة، فعلمنا بالنار لا يلزم منه بالبداهة علمنا أنها تقتل من يحترق بها قبل أن ~~نشاهد ذلك بالتجربة والاختبار، ومعنى ذلك أن السببية المنطقية قائمة لا شك فيها، ولكن ~~اقتران الحوادث شيء وتلازم المقدمة والنتيجة في البداهة العقلية شيء آخر، ولولا ذلك لما ~~أنكر ms111 هيوم علاقة السببية في المشاهدات المحسوسة، ثم قال: إنه ينكرها لهذا السبب أو لهذا ~~الدليل ... فإن الذي يقدم لنا سببا لإنكاره لا ينكر مبدأ السببية في أساس التفكير، وعلى هذا ~~لا يقال إن المشابهة بين الغزالي وهيوم عرضية في هذه المسألة؛ إذ هي مشابهة تمتد من ~~العرضيات إلى الجوهر الأصيل. # وزبدة ما يقال بعد هذا في كتاب «العقل في الإسلام» أنه كتاب محقق للغرض من البحث فيه، ~~مستخلص من اطلاع كاف وعزيمة صادقة على التمحيص والتجرد من الأهواء، ولا يؤخذ عليه شيء ~~غير هنات هينات من قبيل ما أشرنا إليه، وغير عبارات إفرنجية التركيب قد يدل عليها بعض ما ~~اقتبسناه من شواهد الكتاب، وحسب المؤلف الفاضل نجاحا أنه أنجز ما وعد بمثل هذا التوفيق ~~النادر في أمثال هذه المؤلفات. # الفصل الرابع والعشرون # | الكتب بين الإهداء والشراء # كان الدكتور شبلي شميل - أول من بشر بمذهب داروين في اللغة العربية - طبيبا يعالج ~~المرضى ويشتغل بالمباحث الفكرية والاجتماعية، ويميل من مذاهب الاجتماع إلى مذهب المعتدلين ~~من الاشتراكيين. # وكانت عيادته لا تعمل؛ لأن المرضى كانوا يتجنبونه ويعتقدون أن الله لا يشفي مريضا على ~~يديه؛ لاشتهاره بالكفر والإلحاد. # وأراد أن يطبع مجموعة رسائله ومقالاته فلم يستطع؛ لأنها كانت تقع في مجلدين ضخمين، فاكتتب ~~له بالمبلغ اللازم بعض المعجبين به، وشاء الرجل أن يعلن جميلهم، فنشر أسماءهم في ذيل المجلد ~~الأول ومعها بيان ما تبرعوا به من كثير أو قليل على السواء. # وأعلن أن ثمن المجلدين معا مائة قرش. # فاستعظمت الثمن وكتبت إليه بين الجد والدعابة أقول: إنه اشتراكي من طراز عجيب؛ لأن ~~الاشتراكيين يستكثرون على الأغنياء احتكار المال، فإذا به يحتكر لهم العلم ويحرم منه كل من ~~لا يستطيع بذل جنيه في كتاب، وهم ألوف وملايين. # فوقعت الدعابة من صاحبنا موقع الإقناع، وأرسل إلي الكتاب هدية بعنواني في أسوان، وأعلن ~~في الصحف أنه قد خصص مائة نسخة من الكتاب لطلابه من فقراء القراء. # على هذا المبدأ - فيما أعتقد - يصح إهداء الكتب واستهداؤها: مؤلف لم يتكلف ms112 شيئا في طبع ~~كتابه، وقارئ لا طاقة له بشراء الكتاب، ففي هذه الحالة يحسن بالمؤلف أن يخصص من كتابه نسخا ~~للإهداء، ولا يعاب على القارئ غير المستطيع أن يستهديه. # أما الأندية والجماعات فلا حق لها في استهداء كتاب على الإطلاق كائنا ما كان ثمنه؛ لأن ~~الجماعة أقدر من الفرد على الشراء؛ ولأن النسخة الواحدة يشتريها ناد من الأندية التي يختلف ~~عليها العشرات والمئات من الأعضاء هي في الحقيقة خسارة على المؤلف؛ إذ كانت تقوم في النادي ~~مقام مائة نسخة أو مائتي نسخة يشتريها آحاد متفرقون. # كتبت في هذا الموضوع منذ سنوات، وأثاره الأستاذ الصاوي في الأيام الأخيرة، ولا يزال على ~~ما يظهر في حاجة إلى إعادة وإفادة؛ لأن الطلبات التي من هذا القبيل تعاد في كل ~~أسبوع. # ولو أنني أتناول هذا الموضوع لما يعنيني خاصة لاستطعت أن أجيب بكلمة موجزة تغني عن ~~الإسهاب، كتلك الكلمة التي أجاب بها الضابط التركي حين حاكموه؛ لأنه لم يطلق المدافع تحية ~~للأمير حين عبر بقلعته. # سألوه: لم قصرت في تحية الأمير؟ # فقال: عندي أسباب كثيرة. # سألوه: ما هي؟ # فقال: أولا لم يكن في القلعة بارود. # قالوا: حسبك، فلا حاجة إلى بقية الأسباب. # وفي وسعي أنا أن أقول للأندية والجماعات - وقد قلت ذلك غير مرة - إنني لم أطبع منذ خمس ~~عشرة سنة كتابا على نفقتي، وإنما يتولى الناشرون طبع كتبي على نفقتهم، ولا يخصني من نسخ ~~الكتاب إلا عدد محدود أحتفظ به لإعادة الطبع أو للإهداء إلى زملائي الذين يهدون إلي ما ~~يؤلفون. # ولكن الموضوع جدير بأن يتناول من غير هذه الوجهة، ولا حاجة بي أن أقول: إنني - مع ما ~~قدمت - أهدي ما أستطيع إهداءه لمن لا يستطيع شراءه، فليس المهم في هذه المسألة بضع نسخ ~~تهدى أو لا تهدى وتشترى أو لا تشترى، وإنما المهم ما وراء ذلك كله من الدلالة على ~~قيمة الثقافة أو قيمة المطالب الفكرية في البلد وهي شيء جدير بعناية الكتاب والقراء. # لو كانت المطالب الفكرية دخلت عندنا في حساب ms113 الضروريات التي لا غنى عنها لنظر الناس إلى ~~استهداء كتاب كما ينظرون إلى استهداء رغيف أو ثوب أو طربوش، وهم يأنفون من استهداء شيء من ~~هذه الأشياء. # ولكن المطالب الفكرية لا تزال بين الكثيرين منا معدودة من النوافل التي لا يعيبك أن تقصر ~~في اقتنائها. # فأنت تملكها أو لا تملكها، وتستهديها أو لا تستهديها، فليس في ذلك ما يلاحظ وليس فيه ما ~~يعاب. # إنك تلمح هذا في كثير من العادات التي تشمل الأغنياء والفقراء. # دخلت بعض القصور التي بنيت في الريف على أحدث طراز، فلم أجد فيها مكانا للمكتبة، وفي ~~بعضها مع ذلك مكان للصور المتحركة. # وسمع الناس أن أديبا باع كتابا ببضع مئات من الجنيهات ففغروا الأفواه دهشة واستعظاما، ~~وقد سمعوا في المجلس نفسه أن مغنيا تناول ثلاثة أضعاف ذلك المبلغ من أجل أنشودة في رواية ~~سينمائية فلم يستغربوا خبر الغناء كما استغربوا خبر التأليف! # وقد يبدو لنا - حتى من الناشر الجاهل وهو يعيش من الكتب ويقتني منها البيوت والضياع - أن ~~تأليف الكتب عمل ليس له حقوق، وأن المؤلف لا يحق له أن يربح من كتبه ما يقيم أوده، فإذا ~~تبين له أن مؤلفا يتطلع إلى حصة من الربح تساوي حصته، دخل في وهمه أنه مغبون وأن ذلك ~~المؤلف يختلس منه حقه ويشتط عليه في طلبه، وهو على أية حال لا يصنع للكتاب شيئا غير أن ~~يعرضه لشاريه أو يرسله إلى طالبيه. # وحتى الساعة لم يوجد في الشرق العربي كاتب واحد يستطيع أن يتخذ من تأليف الكتب صناعة ~~مستقلة عن غيرها، وقد وجد في الأقطار الأوروبية مئات من الكتاب يؤلف أحدهم كتابا في كل ~~سنة أو في كل سنتين، ويعيش من بيعه وترجمته عيشة الموسرين، بل عيشة كبار الموسرين. # فالمسألة هينة إذا نظرنا إلى عدد النسخ التي تهدى أو تستهدى، ولكنها ليست بهينة إذا ~~نظرنا إلى دلالتها على قيمة المطالب الفكرية في بلادنا، وعرفنا منها أن هذه المطالب لم تدخل ~~بعد عندنا في حساب الضروريات. # إن الكتب يجب أن ms114 تنشر بين الأغنياء والفقراء، ولكن من هو المسئول عن نشرها؟ # ليس المؤلف بطبيعة الحال؛ لأنه لا يعيش من كتبه فضلا عن أن يتبرع منها بما فوق ~~الحاجة. # وإنما المسئول هو الدولة أو الأمة بجميع طبقاتها. # فعلى الأغنياء أن يتبرعوا بشراء الكتب وهبتها للمكتبات الشعبية، وعلى مجالس الأقاليم أن ~~تفتح من المكتبات العامة ما تستطيع. # وإذا جاء اليوم الذي تشيع فيه القراءة بين جميع الطبقات، فيومئذ يطبع من الكتاب الواحد ~~طبعة غالية وطبعة أو طبعات رخيصة، ويستطيع القارئ أن يقتني النسخة إن شاء بمائة قرش، وأن ~~يقتنيها من الكتاب نفسه إن شاء بقروش أو مليمات. # وتحقيق هذه الأمنية لا يتطلب من أحد في الشرق العربي أكثر من أن يذكر، وهو يلمس رأسه ~~أنه يطالبه بشيء في داخله، وأن مطالبه كلها لا تنقضي إذا تكفل له بعمامة أو طربوش أو مشط أو ~~عدة حلاقة أو قرص أسبيرين. # الفصل الخامس والعشرون # | التعليم عند العرب # كان التعليم عند عرب الجاهلية يجري على سنة الفطرة الأولى، وهي أن يتلقى الأبناء عن ~~الآباء ما يحتاجون إليه من الصناعات والمعارف، سواء في معيشة المجتمع أو في المعيشة ~~البيتية، فكانوا يتعلمون الفروسية وما تشتمل عليه من ركوب الخيل والمصارعة واستعمال السلاح ~~وبعض الألعاب الرياضية، ويضيفون إلى العلم بالفروسية علما آخر بشئون الثقافة التي كانت ~~ميسرة في ذلك الزمان، وهي تتلخص في رواية الأخبار وحفظ الأشعار والدراية بالأنساب ~~والأمثال، مع طرف من العلم بالنجوم والأنواء ودلالات الطريق. # ومن سروات القوم من كان يصحب أبناءه في قوافل التجارة حين يبلغون أشدهم ويتهيأون ~~للاستقلال بالمعاملات التجارية وتصرف الأموال، ولا يندر في هذه الحال أن يعلموهم الكتابة ~~والحساب. # أما الأعمال البيتية كالنسج وعلاج الألبان وصنع الخبز والطعام ونصب الخيام، فما كان منها ~~من عمل الرجل أو النساء تعلمه الأطفال على السواء في أحضان الأسرة على ذلك الأسلوب الفطري، ~~وكان معولهم في تعلمه على المشاهدة أو التدرب والمحاولة المتكررة، كما يتعلم صبيان ~~الصناعات في قرى الريف إلى هذه الأيام. # ولما عرفوا حياة المدن ms115 درجوا على عادة تنم على الحصافة وبعد النظر في تقويم أبدان الناشئة ~~وخلائقها واستدامة الصلة بين روح البداوة وروح الحضارة العربية، وهي إرسال الأبناء في سن ~~الطفولة إلى الصحراء ليتعودوا فيها مقاومة العناصر الجوية ومزاولة الصعاب ويتحرزوا بهذا ~~الحرز الطبيعي من ترف المدنية ووباله على النفوس والأجساد، وطرأ بعد ذلك سبب آخر للمثابرة ~~على هذه العادة إلى ما بعد أيام الجاهلية، وهو تصحيح اللسان من العجمة واللحن واستحياء ~~خلائق المروءة العربية في الجيل الذي فارق الجزيرة إلى الأمصار القصية بعد الفتوح، ولم ينس ~~أول خليفة أقام ملكه في الشام أن يرسل ابنه إلى باديتها ليتربى فيها على هذه السنة العربية ~~العريقة، فنشأ يزيد بن معاوية مع أمه ميسون بنت بحدل الكلبية في صحراء بني كلب ، وأخذ من ~~الصحراء خير ما كان فيها، وهو الفصاحة وحب الصيد ورياضة الحيوان. # وكانت للعرب صناعات خاصة، كالشعر والكهانة والطب والعيافة والدلالة يتعلمونها كذلك على ~~أسلوب النقل والتلقين، فالشاعر يتبعه الراوية ويحفظ عنه شعره وشعر غيره ثم ينظم هو الشعر ~~حين يقدر على نظمه، والكهان والأطباء والعيافون والأدلاء يصحبون أبناءهم وذويهم ليدربوهم ~~ويزودوهم بأسرارهم، ويتركوهم من بعدهم خلفاء لهم على ذلك الميراث. # وربما اجتمع تعليم الحرب والأدب في أستاذ واحد كما يؤخذ من هذين البيتين: # أعلمه الرماية كل يوم # فلما اشتد ساعده رماني # وكم علمته نظم القوافي # فلما قال قافية هجاني # أو ربما تعلم الولد في أحضان الأسرة كل هذا أو معظم هذا كما يؤخذ من هذين ~~البيتين: # وربيته حتى إذا ما تركته # أخا الحرب واستغنى عن المسح شاربه # تغمد حقي ظالما ولوى يدي # لوى يده الله الذي هو غالبه # ولم تزل هذه طريقة التدريب والتنشئة في الصحراء من أزمنة الجاهلية إلى الزمن ~~الحديث. # ثم اتسعت الحضارة العربية في الآفاق، وقصرت تلك الأساليب الفطرية عن الوفاء بحاجة الدولة ~~إلى المتعلمين لهذه الصناعة، وهم درجات يمكن أن نحصرها في درجتين اثنتين: # أولاهما: تعليم الأطفال إلى السن التي يحفظون فيها القرآن كله أو بعضه، ويلمون فيها ~~بقواعد ms116 الكتابة والحساب، وكان ذلك موكولا إلى أناس من الحفاظ يتوسطون بين مرتبة الأميين ~~ومرتبة المثقفين، ولا يحسبون منهم في كثير من الأحوال. # ويرتقي الطالب من هذه المرتبة إلى ما فوقها، وهي مرتبة التوسع في التحصيل، أو مرتبة ~~التخصص والاستقصاء، وينشدها الطالب في حلقات الدرس العامة، وأكثرها في المساجد التي يجلس ~~فيها الأساتذة لإلقاء دروسهم على كل من يحضرها، ويواصل حضورها على اختلاف موضوعاتها، من فقه ~~ولغة وأدب ومنطق وطبيعيات ورياضيات، وقد كانت دروس الرياضيات والمنطق أيضا مما يلقى في ~~مساجد العبادة صدرا من بداية الدولة الإسلامية، ثم عكف طلابها على بيوت أساتذتها أو على ~~المدارس التي كانت تفتح للدرس دون العبادة، ولا سيما المدارس المقصورة على تخريج ~~الأطباء. # ولا شك أن هذا «البرنامج التعليمي» العام قد صاحب الدولة العربية إلى العهد الأخير الذي ~~أدركناه، ولا تزال بقاياه مشهودة في مصر وفي غيرها من البلاد الإسلامية، فلم تزل الحلقات ~~والمكاتب المعروفة عندنا باسم «الكتاتيب» هي أماكن التعليم التي يؤمها الكبار والصغار منذ ~~أوائل الدولة العربية إلى عهد قريب. # لكن الحلقات والمكاتب لم تستأثر بالتعليم كله في عصور الدولة العربية ولا سيما عصورها ~~الذهبية، وإنما كانت هي مثابة «التعليم العام» المباح لكل من يحضره ويواصل حضوره، ووراء ذلك ~~تعليم لا يباح لكل طالب، ولا يحضره غير أهله في رأي أساتذته القادرين عليه، وهذا التعليم ~~المضنون به على غير أهله قسمان: قسم يتصل بحكمة الدين، وقسم يتصل بالحكمة على الإطلاق، أو ~~قسم المتصوفة وعلماء الكلام، وقسم الفلاسفة وعلماء الطبيعيات والرياضيات. # فالغزالي، وهو قدوة الأساتذة الأولين، يرى أن يقصر العلم في مسائل الكلام العويصة على ~~صفوة المتعلمين الأطهار درجات بعد درجات، أو كما قال في كتابه إلجام العوام عن علم الكلام: ~~«فقد خلق الناس أشتاتا متفاوتين كمعادن الذهب والفضة وسائر الجواهر، فانظر إلى تفاوتها ~~وتباعد ما بينها صورة ولونا وخاصية ونفاسة، فكذلك القلوب معادن لسائر جواهر المعارف، ~~فبعضها معدن النبوة والولاية ومعرفة الله تعالى، وبعضها معدن للشهوات البهيمية والأخلاق ~~الشيطانية ...» # والغالب في المتصوفة أنهم ms117 كانوا يمتحنون قدرة المريد على الوصول بما ينشده من معرفة «السر ~~الأعظم» الذي يتوق إليه جميع الباحثين عن الحقيقة، فما دام مقصده منه قوة التسلط أو القدرة ~~على تسخير العناصر المادية والإتيان بالخوارق فهو بعيد عن مرتبة الوصول، فإذا أنست نفسه إلى ~~سعادة المعرفة لغير مأرب من هذه المآرب الجسدية، واكتفى من البحث بأن يعرف ليعرف، وأن يخلص ~~إلى الحقيقة ليسعد بالخلوص إليها، فهو قد استغنى عن القيادة الروحية وبلغ الغاية التي لا ~~يفاجأ فيها بإنكار تلك المطالب أو إنكار السعي إليها، ويومئذ لا يسوؤه أن يعلم كما علم ~~الغزالي «أن الخلائق - وإن اتسعت معرفتهم وغزر علمهم - فإذا أضيف ذلك إلى علم الله سبحانه؛ ~~فما أوتوا من العلم إلا قليلا.» # وحجر الغزالي على التعليم بهذه القيود لا يحسب من الحجر الديني على العقول كما وهم بعض ~~المتأخرين؛ لأن مذهبه في ذلك مذهب العارفين بعقول الناس من قديم الزمن، وفي طليعتهم سقراط ~~أستاذ أفلاطون ومن بعده أرسطو وسائر حكماء اليونان، فقد كان سقراط ينكر الكتاب؛ لأنه علم ~~مفتوح لمن يدرك ومن لا يدرك، ويؤثر التعليم بالاختصاص والانتقاء والاستبراء، ولم يكن بين ~~الغزالي وفلاسفة الإسلام فرق يذكر في جوهر هذا المذهب؛ لأن أولئك الفلاسفة كانوا يدينون ~~بقصر العلم على أهله وتخصيصه بمن هو قادر عليه، ونحسبهم على صواب فيما اعتقدوه من «إلجام ~~العوام عن هذا المقام»، ولو كانت هناك وسيلة التمييز العامي الذي سيظل عاميا طول حياته ~~لوجب أن يمتنع العلم عن العوام ولا يسمح لهم منه إلا بما هم مضطرون إليه قادرون على فهمه، ~~ولكن المحظور في هذه المسألة آت من صعوبة التمييز بين العامي بحكم البيئة والعامي بحكم ~~الطبيعة التي لا تقبل التبديل، ورب رجل من سواد الناس يفتح له باب العلم فلا يقف فيه ~~دون أقصى الغايات. # وإذا كان الغزالي قدوة الأساتذة الأولين، وهم المتصوفة وعلماء الكلام، فلعل الفارابي هو ~~قدوة الأساتذة الآخرين، وهم الفلاسفة وعلماء الطبيعيات والرياضيات، وهو كالغزالي في تحريمه ~~العلم الرفيع على سفلة الناس، وقد خطر ms118 له أن أرسطو كان يتعمد «الإغماض» تعمدا لثلاثة ~~أغراض، وهي: استبراء طبيعة المتعلم هل يصلح للتعليم أو لا يصلح، وأن تبذل الفلسفة لمن ~~يستحقها لا لجميع الناس، وأن يروض الفكر بالتعب في الطب. # وقد استوجب الفارابي على طالب العلم الرفيع أو الحكمة الخاصة دروسا عددها «فيما ينبغي أن ~~يقدم قبل تعلم الفلسفة»، ومنها الهندسة والطبائع والمنطق ورياضة النفس على حب الحق والأنفة ~~من الشهوات، ومتى استعد بهذه العدة تهيأ له أن يبلغ «الغاية التي يقصد إليها في تعليم ~~الفلسفة، وهي معرفة الخالق تعالى وأنه واحد غير متحرك، وأنه العلة الفاعلة لجميع الأشياء، ~~وأنه المرتب لهذا العالم بجوده وحكمته وعدله، وأما الأعمال التي يعملها الفيلسوف فهي التشبه ~~بالخالق بمقدار طاقة الإنسان.» # ولسنا نستوعب «برنامج التعليم» كله عند العرب بما قدمناه على وجه الإجمال. # ففي هذا البرنامج المطلق برنامج «مخصوص»؛ لأنه مقيد بمطالب القصور والبيوتات من أعلى ~~تلك المطالب إلى أدناها، وأقرب ما نشبهه به في عصرنا الحاضر هو «الدرس الخصوصي» الذي يستأثر ~~به العلية ومن هم في حكم الحاشية والأعوان. # ويدخل في هذا البرنامج تعليم الملوك والأمراء والكبراء، وهو فن من التعليم له شروط ~~ومؤهلات جمع زبدتها شهاب الدين بن محمد بن أبي الربيع في الكتاب الذي ألفه للخليفة المعتصم ~~بالله باسم «سلوك المالك في تدبير الممالك»، وجاء فيه بما ينبغي أن يتعلمه الرئيس لسياسة ~~نفسه وسياسة الشرفاء والرعية والعبيد، وقسم العمل على ثلاثة أنحاء، وهي: «سياسة الإنسان ~~نفسه وبدنه، أي: سيرته في نفسه بالأعمال الصالحة، وسياسة المنزل، أي: سيرته مع أهله وماله ~~وولده وعبيده، وسياسة أهل نوعه، أي: سيرته التي لا يستغني عنها ما دام حيا ...» ثم أحصى فيه ~~الصفات التي تطلب في الوزير مثلا، وهي: «حسن العلم بالدين، وحسن العقل، والحلم، وحلاوة ~~اللسان، وبلاغة القلم، وكرم الأخلاق، وسهولة الحجاب، واعتقاد الخير، والصلاح، وقلة اللهو، ~~وكتمان السر، وصحة الجسم، وجودة التفكير ...» # وقد كثر عدد المعلمين الذين يستجيبون إلى مطالب القصور والبيوتات من أعلاها إلى أدناها، ~~فكان منهم من يعلمون الجواري ms119 والوصفاء ويخرجونهم في فنون الأدب والموسيقى والمحاضرة وتربية ~~الأبناء، ويغالون بأثمانهم على قدر حظهم من العلم والتدريب، وكان منهم معلمو الصناعات ~~البيتية والدقائق الفنية التي لا ترام في غير القصور والبيوتات. # وأهم من هؤلاء جميعا أولئك المعلمون الذين يستعدون لتخريج أبناء السراة في كل ضرب من ~~ضروب المعرفة التي تكمل بها مروءة الشرفاء، وكان لهؤلاء المعلمين فن يشبه فن التربية ~~الحديثة والنظم «البداجوجية» فيما يساس به الطفل، وما يباح له وما يحرم عليه، وما ~~يشجع به على التعليم، ويبسط له بعد إيجاز أو يفصل له بعد اقتضاب، ويبدو لنا أن ما ~~كتب عن فن التدريس باللغة العربية إنما كتب لهذا الطراز من المعلمين «الخصوصيين»؛ لأن ~~طبقة المعلمين في المكاتب الشعبية لم ترتفع إلى هذا المقام من التخير والاصطفاء، ولأن ~~العلماء أصحاب الحلقات لم يكن من شأنهم تعليم البيان، وقد وفى شرح هذا الفن في كتاب الباحث ~~الفاضل الدكتور «أحمد فؤاد الأهواني» عن «التعليم في رأي القابسي» فهو أفضل المراجع العربية ~~في هذا الباب. # وخلاصة ما يقال عن التعليم عند العرب أنهم كان لهم تعليم يغنيهم ولا يقصرون به عن شأن ~~حضارتهم، وأن منه ما هو أنفع من تعليمنا الآن، ونعني به تعليم الحلقات وتعليم الاصطفاء ~~والاستبراء، فلولا أن تعميم التعليم فريضة من فرائض العصر الحاضر لكانت الحلقات أنفع من ~~الجامعات، وكان استبراء المريدين أنفع من التخصص على النظام الحديث؛ لأن التعليم قبل كل شيء ~~هو اتصال روح بروح واقتباس حياة من حياة، وليس هذا على أتمه بميسور مع التعليم الذي لا محيص ~~فيه من بعض الآلية في النظام، وفي كل آلية جور على حرية الإنسان. # الفصل السادس والعشرون # | الجامعة في التاريخ # تتابعت أطوار كثيرة على كلمة «يونيفرستي» التي يطلقها الغربيون اليوم على المدرسة الجامعة ~~التي يتلقى فيها الطلاب دروسا عالية في مختلف المعارف البشرية من العلوم والآداب ~~والفنون. # فكان معنى كلمة «يونيفرس» - في أول وضعه - الدورة الواحدة؛ لأنهم كانوا يعتقدون أن ~~الأفلاك تدور بعضها على بعض وتجتمع كلها في فلك ms120 الكون الأعظم الذي يدور على نفسه دورة ~~واحدة، ومن ثم أطلقت الدورة الواحدة على الكون الذي يشمل كل شيء، ثم أطلقت على كل مجتمع ~~شامل من الناس والأشياء، وكانت تطلق في القرون الوسطى على نقابات الحرف والصناعات، فكانت ~~نقابة البنائين مثلا تعرف باسم جامعة البنائين أو البناء، وكذلك نقابة الصاغة والنجارين ~~والمعلمين، وسائر نقابات الصناع والمشتركين في عمل واحد، ولم تخصص الكلمة بالمدرسة ~~الجامعة كما نعرفها اليوم إلا بعد القرن الثالث عشر للميلاد، وبعد أن نشأت الجامعات ~~الأوروبية الأولى بنحو مائة وخمسين سنة. # لكن الجامعة كانت أقدم من اسمها في التاريخ بنحو ثلاثين قرنا ذاهبة في القدم إلى عهود ~~الحضارات الأولى بوادي النيل وما بين النهرين، وليس يعرف على التحقيق أين نشأت الجامعات ~~الأولى في البلاد الشرقية، ولكن القول الراجح أنها نشأت في مصر ولحقت عند نشأتها بالهياكل ~~والبلاطات الملكية، فكان المتخصصون للعلم يلوذون بمدارس الهياكل، وكان طلاب الوظائف يلوذون ~~بمدارس الكتبة التي يتخرج منها موظفو الحاشية الملكية وموظفو الدواوين على العموم. # كان أرسطو يقول: إن كهان مصر شغلوا بطلب العلم لذاته، خلافا لما شاع أخيرا من غلبة ~~المنفعة على أغراض التعليم جميعا في مصر القديمة، وكان أفلاطون يضرب المثل بالمتعلمين ~~المصريين في حذق المعارف الرياضية والهندسية بصفة خاصة، وكان هيرودوت يقول: إن كهان مصر ~~كانوا يتحدثون إليه كأنهم يتحدثون إلى تلميذ صغير، ومن المشهور أن صولون وأفلاطون حضرا بعض ~~الدروس في جامعة عين شمس، وأن موسى - عليه السلام - كان من طلاب الجامعات المصرية، وقد كانت ~~في مصر مدارس لا يحصيها التاريخ، أهمها وأكبرها: جامعات عين شمس، ومنف، وطيبة. ودروسها ~~تباح لمن يقدر على طلبها ولا تصطبغ بالصبغة المصرية إلا حين يقع الاختيار على المرشحين ~~للكهانة من بين نجباء الطلاب، فيفضي إليهم الكهان الأساتذة بما يحجبونه عن سائر ~~الطلاب. # وقد كان النظام صارما في جميع المدارس المصرية من أدناها إلى أعلاها، ومن أقوالهم ~~المأثورة: «إن أذني التلميذ في ظهره»، ويعنون بها أن يفتح سمعه حين تقع عصا المعلم على ظهره ms121 ~~للتأديب والتنبه، وربما ارتفعت العصا عن ظهور الطلاب الكبار الذين يرشحون للكهانة ~~والمناصب العليا، ولكنهم يستعيضون في هذه الحالة بوقار الدين والمنصب عن وقار النظام وصرامة ~~العقاب. # وقامت في بابل وفارس القديمة جامعات حافلة بطلاب العلوم ومنها الفلك والطب والزراعة، ~~ووجدت آثار كلية للبنات في بابل، وامتاز التعليم الفارسي القديم - كما قال هيرودوت ~~وزينوفون - بالتربية البيتية، ثم التربية على أصول الفروسية والنخوة، فكان الطفل يتعلم في ~~حضانة أمه إلى الخامسة ولا يرى أباه قبل ذلك، ثم يتعلم على أيدي الأساتذة إلى أن يبلغ ~~العشرين ويتخرج بعد ذلك مثلا في الطاعة والصدق ورعاية حقوق الأسرة والعرش والدين. # وكانت جامعات الهند تتولى تحفيظ القصائد الدينية لطلابها مع كتب الصلوات والأناشيد، ولا ~~يباح التعليم في الجامعات في الطبقة المحرومة بطبيعة الحال، ولكنه يقسم على حسب الطبقات ~~وما تحتاج إليه من التربية، وأعظمها تربية الكهان والولاة. # أما اليونان فقد نشأت جامعاتهم بعد الجامعات الشرقية بزمن طويل، وكانت في أول العهد بها ~~كالندوات والأندية التي يجتمع فيها الأستاذ وتلاميذه للمحاضرة والمحاورة، ثم قامت عندهم ~~جامعة أثينا التي كانت قبلة الطلاب من بلاد بحر الروم، وفي مقدمتها بلاد الدولة الرومانية، ~~ويدل على مكانة هذه الجامعة أن شيشرون الخطيب الروماني الكبير قد أرسل إليها ابنه ليتعلم ~~فيها الفلسفة والبيان. # ويظهر أن جامعة أثينا هي النموذج الذي تحكيه الجامعات العصرية في القارتين الأوروبية ~~والأمريكية، فقد كانت لها مسابقات ومحافل وسهرات يتغاضى عنها الرؤساء والأساتذة، وكانت ~~لطلابها مراسم في استقبال الطالب الجديد كالمراسم التي يسمونها الآن «بالتدشين» ويفرضون ~~فيها على الطالب الجديد أن يستسلم لما يصيبه من زملائه، وإن بالغوا في التهزئة وأغلظوا في ~~المزاح، وكانت هذه الحفلات بمثابة كسر القيود جميعا بين الطلاب كأنهم من أسرة واحدة قد ~~امتنعت فيها الكلفة كل الامتناع. # ولم تشتهر روما بجامعاتها كما اشتهرت بمضامير الفروسية وميادين الرياضة، ولكنها كانت ~~كثيرة الندوات التي يتكلم فيها الحكماء والخطباء، ويشرح فيها العلماء دروسهم للطلاب وغير ~~الطلاب، وربما كان المتحف الإسكندري خير مثال للجامعة الرومانية في ms122 أرقى أطوارها، فهو مزيج ~~من المدرسة اليونانية والمدرسة المصرية، مع جموح إلى الأدب الشائع في دولة الرومان. # ولما خيم الظلام على القارة الأوروبية لم يخل الشرق من معاهد التعليم التي تنوب في ~~زمانها عن الجامعات، فكانت هناك مدرسة جنديسابور الفارسية، ومدرسة الرها السريانية، ودور ~~الندوة التي يتلاقى فيها حكماء العرب وشعراؤهم وعلماء الأنساب منهم ليتعلموا ويعلموا كل ما ~~عندهم من معلومات الأدب والحكمة والتاريخ والنجوم، وتتبعها الأسواق الدورية التي تعرض ~~فيها بضاعة التاجر وبضاعة الشاعر، وكل بضاعة تروج عند قصاد تلك الأسواق. # ولما ظهر الإسلام مضت بضعة قرون قبل ظهور الجامعات؛ لأن المسجد الجامع كان يغني عن ~~المدرسة الجامعة، وفيه يجلس العلماء بين مواقيت الصلاة للمحاضرة في النحو أو اللغة أو الفقه ~~أو الحديث أو علم الكلام، حتى إذا مضى القرن الرابع وتعددت العلوم واتسعت رقعة الدولة قامت ~~الجامعات في القاهرة وبغداد ونيسابور وقرطبة وغرناطة وأشبيلية ومالقة ودمشق وبيت المقدس، ~~وازدهر أكثر هذه الجامعات قبل الجامعات الأولى في القاهرة الأوروبية، وهي جامعات بولونيا ~~الإيطالية وباريس الفرنسية وأكسفورد الإنجليزية، وأقدمها نشأ في الثاني عشر للميلاد، ومن ~~قبلها في القرن الحادي عشر نشأت مدرسة «سالرنو» لتدريس الطب خاصة، وظلت مفتوحة إلى أن قضت ~~عليها حروب نابليون. # ومما لا خلاف فيه أن العلوم في الجامعات الحديثة أوفر وأوسع من نظائرها في الجامعات ~~الأولى، إلا أن الجامعات الحديثة لا تزال في حاجة إلى التعليم من تلك الجامعات التاريخية، ~~إذا هي أرادت أن تحقق معنى التربية الجامعية كما فهمها الأقدمون، وينبغي أن يفهمها ~~المحدثون. # إن كانت للجامعة مزية على المدرسة فهي مزية «التعليم الحي» واشتراك «الشخصية» كلها في ~~إلقاء الدروس، وتلقين المثل وإحسان القدوة والاقتداء بين الأساتذة والطلاب، وحرية الفكر في ~~العصر الحديث مكفولة بحكم القانون على نحو لم يعهده الأقدمون في أمم كثيرة، ومع هذا يرجح ~~الأقدمون في استقلال «الشخصية العلمية» على المتعلمين المحدثين؛ لأن شخصية المعلم كلها ~~بعقلها وروحها وضميرها وآداب سلوكها كانت تلتقي بشخصية الطالب الذي لا يحول بينه وبين ~~أستاذه حائل ms123 من جانب العقل أو الروح أو الضمير، أما الجامعة العصرية فقد أوشكت الصلة الآلية ~~فيها أن تنوب عن الصلة الشخصية الحية التي لا تنقطع قديما في معاهد التعليم العليا، بل ~~أوشكت التربية الجامعية أن تكون صفقة تجارية بتكاليفها ومواعيدها وأثمان كتبها وأوراقها، ~~فليس لها من «الشخصية الحية» نصيب موفور. # ويحضرني هنا رأي للفيلسوف الإسباني «أورتيجا أي جاسيت» عن مهمة الجامعة يلخص فيه هذه ~~المهمة في خلق المعارف والإعداد لخلقها لا في مجرد التحصيل والإحاطة بالمعلومات «المجهزة»، ~~ويسألونه عن اقتباس النظام الثانوي من إنجلترا؛ لأنها امتازت بمدارسها الثانوية، وعن اقتباس ~~النظام الجامعي من ألمانيا؛ لأنها امتازت بفيض المعارف الجامعية فيعجب لهذا السؤال ولا يرى ~~نفعا في التعويل على الاقتباس وحده كائنا ما كان موضوع الاقتباس؛ لأن النظام عظيم بأمته ~~وليست الأمة عظيمة بنظامها، ومن قال إن «المدرسة الثانوية» ممتازة في البلاد الإنجليزية ~~فإنما يذكر جانبا واحدا من جوانب الامتياز الكثيرة التي تتعدى التعليم إلى السياسة ~~والتجارة والتشريع والألعاب الرياضية، وليس شيء من ذلك بالذي ينقله الناقلون مع نظام ~~المدارس الثانوية، أن نظام التعليم ينقل من بلد إلى بلد غريب. # والفيلسوف الإسباني على صواب لا ريب فيه، فلا خير في تزويد الجامعات بما يسمونه حرية ~~الفكر وقداسة الحرم الجامعي وإطلاق المواعيد للأساتذة والطلاب، إذا كان ذلك كله محصورا في ~~نطاق الجامعة، معزولا عن الخلائق القومية التي تحيط بها وتشرف عليها، ويوم يقال هذا بلد ~~عظيم يقال هذه جامعة عظيمة، ولا ينعكس الوصف يوما على وجه من الوجوه. # الفصل السابع والعشرون # | تصوف إقبال ... من الهند أو الإسلام # اشتهر محمد إقبال باسم شاعر الإسلام. # واشتهر كذلك بالشعر الصوفي والبحث في الطرق الصوفية، ورسالته التي نال بها الجائزة مكتوبة ~~عن الصوفيين الفارسيين. # وهنا محل التساؤل: هل استمد إقبال هذا التصوف من مصدر هندي أو من مصدر إسلامي؟ وهل أثر ~~فيه ميراث الوطن أو ميراث العقيدة؟ # والتساؤل هنا ضروري من وجوه متعددة، فإن المستشرقين مثلا يزعمون أن التصوف غريب عن طبيعة ~~الإسلام، ويخلط بعضهم بين الطبيعة ms124 العربية والطبيعة الإسلامية، فيقولون: إن سليقة العربي لا ~~تقبل التصوف؛ لأنه نشأ في بلاد صحراوية تحت سماء صافية، بين مناظر مكشوفة لا تخفي عنه ~~شيئا، ولا تغريه بالغوص على سر من الأسرار. # فهي طبيعة حسية واقعية، وليست كطبائع الأمم التي تنشأ بين الغابات المتشابكة والأغوار ~~السحيقة والجبال السامقة في جو غائم قلما يتكشف عما فوقه من الكواكب حتى الشمس ~~والقمر! # ويخلط أولئك المستشرقون بين الطبيعة العربية والطبيعة الإسلامية، ثم يسيئون فهم الطبيعتين ~~على السواء، فيستغربون ظهور التصوف بين الشعراء المسلمين، ويعللونه تارة بعلة الوراثة ~~القومية، وتارة أخرى بالتعلم والاقتباس. # هذا سبب من أسباب التساؤل عن تصوف إقبال: هل هو من الهند أو من الإسلام؟ # وسبب آخر لهذا التساؤل أن المعجبين به من المسلمين أنفسهم يريدون أن يضعوه في مكانة بين ~~الدعوة الإسلامية والدعوة القومية، ويسألون: أي الدعوتين أغلب عليه، وأيتهما أقوى وأعمق في ~~شعره وفي أعماله؟ # وكيفما كان مفصل الرأي في الطبيعة العربية فالواقع المحقق أن التصوف ليس بالغريب عن طبيعة ~~الإسلام، وأن المسلم يستطيع أن يستمد أصوله من آيات القرآن الكريم، قبل أن يلتفت إلى مصادر ~~التعليم من الكتب الإسلامية الأخرى أو من الكتب الأجنبية. # فمن الآيات القرآنية التي تجمع التصوف في أصوله قوله تعالى: # وإن ~~من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون ~~تسبيحهم ~~. وقوله تعالى: # الله نور السماوات ~~والأرض ~~. وقوله تعالى: # ونحن أقرب إليه ~~من حبل الوريد ~~. وقوله تعالى: # ولله المشرق ~~والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله ~~. وقوله تعالى: # هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو ~~بكل شيء عليم ~~. وقوله تعالى: # ففروا إلى ~~الله إني لكم منه نذير مبين ~~. # وقصة موسى مع الخضر - عليهما السلام - هي خلاصة القول في علم الظاهر وعلم الباطن، وفي ~~إعداد المؤمن المجتهد لفهم أسرار الأمور قبل الحكم على ظواهر الحياة. # وليس بالمسلم من حاجة إلى مصدر للتصوف غير هذا المصدر الذي يرجع إليه كل يوم، ولا يحتجب ~~بابه عن قارئ في كتاب الدين. # فهناك تصوف إسلامي أصيل، ولا غرابة في اشتهار إقبال باسم ms125 شاعر الإسلام واسم الشاعر ~~المتصوف، فإن الإسلام والتصوف لا يتناقضان. # لكننا إذا سألنا بعد ذلك عن مصدر تصوفه، فأي المرجعين هو المرجع الذي نعول عليه، وما هي ~~الشواهد التي نستشهد بها على طبيعة التصوف في شعر إقبال، بل في حياة إقبال؟ # إننا لا نحتاج إلى شواهد الكتب، فإنها تضطرب في كل مضطرب، ولا تخلو هي نفسها من حاجة إلى ~~إعادة هذا السؤال. # ولا نحتاج إلى إحصاء الطرق الصوفية في الإسلام وقبل الإسلام، فإن هذه الطرق لم تخلص قط من ~~تعدد النشأة واختلاط الأمزجة القومية. # وإنما نحتاج إلى شيء واحد وهو تمييز التصوف بنوع من نوعيه المعروفين، وهما: التصوف الذي ~~يرفض الحياة، والتصوف الذي يقبل الحياة، أو هو على الأقل لا يحسب رفضها شرطا لازما من ~~شروط الخلاص والنجاة. # فمما لا شك فيه أن التصوف الهندي يقوم على رفض الحياة وطلب الخلاص من دولاب الولادة ~~والموت، وسبيل هذا الخلاص أن ينكر الإنسان جسده ويقطع نسله ولا يشغل باله بهم من هموم ~~الحياة، بل يعتزلها بعيدا منها ومن سائر الأحياء حيثما استطاع. # ومما لا شك فيه أن تصوف إقبال ليس من هذا القبيل، وأنه لا يقوم على نبذ الحياة ولا على ~~إنكار الجسد ولا على ترك العمل والجهاد في المطالب العامة والخاصة، بل هو على نقيض ذلك قائم ~~على مضاعفة العمل، ورفض العزلة والتواكل، والتسامي بالنفس عن منزلة القنوع ~~والاستسلام. # وآراء إقبال مطابقة لسيرته الواقعية في فهم التصوف على هذا المذهب، فإنه يقول عن تصوف ~~العزلة: إنه بدعة طرأت على الإسلام من بعض النحل الإيرانية القديمة، وإن البحث عن سر للحياة ~~لا يعني رفضها والإعراض عنها، بل يعني أن نرتفع بها إلى غاية أكبر وأقدس من ظاهرها، وألا ~~تكون شواغلها الظاهرة صارفة لنا عن حقيقة معناها. # هذه الصوفية هي «الصوفية الإقبالية» التي لا يطول البحث عنها في شعره ونثره ولا في سيرة ~~حياته وسجل مساعيه وأعماله، فهو متصوف؛ لأنه يطلب للحياة سرا لا يراه طالبه من النظرة ~~الأولى؛ وهو مسلم لأن السر ms126 لا يوجب عليه أن يعاف نصيبه من الدنيا ولا يكفه عن العمل، بل ~~يطلب منه العمل الذي يراه الله والرسول والمؤمنون: # وقل اعملوا ~~فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى ~~عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم ~~تعملون ~~. # وليس من مقتضى هذا العمل «إنكار الذات»؛ لأن قوة العمل قوة للعامل يحقق بها كماله كما ~~يحقق بها الكمال في قومه ودنياه. # ولهذا كان «إثبات الذات» لباب الفلسفة الإقبالية، وكانت معرفة النفس سبيلا إلى معرفة ~~الله ومعرفة الكون، ورائد إقبال في هذا المذهب هو قول النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «من عرف نفسه فقد عرف ~~ربه.» وهو أصل من أصول الصوفية الإسلامية يضاف إلى أصولها التي قدمنا أمثلتها من القرآن ~~الكريم. # ولو أنصف الناقدون الغربيون إقبالا لاعتبروه رائدا من رواد الوجودية المتدينة؛ لأن ~~كلامه المستفيض عن «أسرار الذات» أوفى من كل ما كتبه الوجوديون عن الذاتية، وسابق للكثير ~~مما كتبوه وحاولوا أن ينشئوا به عقيدة جديدة، وما هو في صميمه إلا عقيدة المسلم إذا تصوف ~~وتعبد لربه على المثال الذي اختاره إقبال. # ولقد بنى إقبال فلسفته الوجودية على الحب والفقر والشجاعة والسماحة، ولكنه فسر الفقر بقلة ~~المبالاة بجزاء العمل، وقال عنه: إنه يجلب الإكسير إلى خلقة الطين والماء. # أما الحب عنده فهو الذي يعين على العمل بغير أمل في الجزاء. # والذين درسوا إقبالا من الغربيين والشرقيين برزت لهم فيه هذه الناحية القومية التي جمعت ~~بين الصوفية والعمل، فقال سمث في كتابه عن الإسلام الحديث في الهند: إن رسالة إقبال «هي أن ~~يلهب الناس بالسياط حثا لهم على الحركة»، ثم استشهد بأبيات يقول فيها: # إن لب الحياة مكنون في العمل، وإن الفرح بالخلق والإنشاء هو ~~قانون الحياة، فانهضوا واخلقوا لكم دنيا جديدة، لفوا أرواحكم باللهيب، وليكن كل ~~منكم كإبراهيم. # والكاتب الهندي إقبال سنغ يصفه، فيقول: «إن إقبالا لم يكن - ولا هو يحسب نفسه - من زمرة ~~المتأملين ... وإنه لا يقنع بأن يترجم الدنيا ويفسرها حتى ينقحها ويغيرها.» # وقد صدرت أخيرا في لندن مجموعة «فورستر» الكاتب ms127 الإنجليزي الذي اختبر الهند والشرق ~~العربي عن كثب، وفيها فصل كتبه عن إقبال يقول فيه: «إنه كان مناضلا وكان يؤمن بالذات، ~~ويؤمن بها على اعتبارها وحدة تنال، وليست فلسفته أسئلة عن الحقيقة، بل وصايا لمن يريد أن ~~يعرف كيف يكون النضال في سبيلها.» # وفي ختام هذا الفصل يقول: «إن محمد إقبال عبقري ذو عبقرية آمرة، وربما خالفته أحيانا حيث ~~أوافق تاجور، ولكن إقبالا هو الذي أوثر قراءته؛ لأنني أعرف أين أنا معه، وإنه لواحد من ~~العلمين البارزين للثقافة الهندية الحديثة، وجهلنا به قد جاوز المألوف.» # نعم؛ قد جاوز الجهل بإقبال ما هو مألوف بين الغربيين في شأن أمثاله ونظرائه، ولكنهم اليوم ~~قد أخذوا يقرءون عنه ويتساءلون: أين نحن منه؟ هل هو ظاهرة هندية أو ظاهرة إسلامية؟ هل هو ~~قريب منا أو بعيد عنا؟ # ونعتقد أن هذا التساؤل لا يطول بعد العلم بالقليل من أقواله وآثاره، وأن «عبقريته ~~العلمية» قريبة إلى الذهن الأوروبي العامل، فلا يطول الزمن حتى يرى كل قارئ له من أبناء ~~الغرب كما رأى فورستر «أنه يعرف أين هو من إقبال.» # أما المعجبون به من قراء العربية - وهم يزدادون يوما بعد يوم - فلن يشق عليهم أن يضعوه ~~في مكانه بين الدعوة القومية والدعوة الإسلامية، فإن أمة الباكستان هي بنشأتها وحدة قومية ~~قامت على الدين، فلا تناقض في انتساب إقبال إلى الوطن وإلى الإسلام. # أما الرسالة الفذة التي انفرد فيها إقبال بمكان خاص بين المصلحين المسلمين فهي أنه أخرج ~~الصوفية من حدودها الضيقة، فجعلها تشمل الأمم الإسلامية بأسرها، فليست هي طائفة هذا الشيخ ~~أو صحبة ذلك الولي، وليست هي رياضة يرتاضها بينه وبين نفسه، ولكنها هي الطريقة الإسلامية ~~التي تصلح لكل فرد مسلم ولكل أمة مسلمة. # وإذا سأل عن تصوفه: هل هو من الهند أو من الإسلام؟ # فالجواب: إنه تصوف من الإسلام للإسلام، وأنه كاسم صاحبه تصوف الإقبال على الحياة وعلى ~~العمل كما أمر به المسلمون # وقل اعملوا فسيرى الله ~~عملكم ورسوله والمؤمنون ~~. # الفصل الثامن والعشرون # | الإنسانية في سن ms128 الرشد # نريد أن نستقبل هذه السنة الجديدة متفائلين ... أترانا نريد ذلك لأن التفاؤل أحب إلى النفس ~~الإنسانية وأقرب إلى هواها وأيسر لها من التشاؤم والشكاية؟ # نشك في ذلك: # نشك في أن التفاؤل أحب إلى النفس الإنسانية من الشكوى والتذمر؛ لأن راحة الشكوى عند فريق ~~من الناس على الأقل أقرب من راحة التفاؤل، إن كانت الشكوى تنفس عن صدورهم وترفع عنهم أثقال ~~هموهم، وهي إلى جانب ذلك وسيلة لإعفاء النفس من تبعاتها وإلقاء التبعات على غيرها، سواء كان ~~«الغير» ما يسمونه «بالدهر» ويصفونه بغدر الزمان، أو كان الغير المشكو منه إنسانا من ~~الناس. # والنفس تحب الشكوى بعد هذا وذاك؛ لأنها حالة سلبية لا تتطلب الجهد والكلفة، ولعلها في ~~كثير من الأحيان بمثابة «اعتذار» للحياة بقلة الطاقة وقلة الإمكان! # التفاؤل واجب # فليس من الثابت أن التفاؤل أحب إلى الإنسان من التشاؤم، إذا كان التشاؤم يعطيهم حق ~~الشكاية والاعتذار، ولسنا نريد أن نتفاءل في مطلع السنة الجديدة مجاراة للهوى وطلبا ~~للراحة في كل باب، بل يسرنا أن نقول إننا نتفاءل؛ لأن التفاؤل واجب، ولأننا نستطيع أن ~~نعتمد فيه على أسباب صحيحة تزداد ظهورا في عصرنا الحاضر، عاما بعد عام، ولم تكن ظاهرة ~~قبل هذه السنين الأخيرة من القرن العشرين فمن أسباب التفاؤل عندنا أن العالم الإنساني ~~قد تقارب وتشابك حتى أصبحت العزلة فيه مستحيلة على الأقوياء والضعفاء، وعلى القريب في ~~مواقع الكرة الأرضية والبعيد. # ومن أسبابه أن الأقوياء والضعفاء معا قد أدركوا في هذا العصر حاجتهم إلى التعاون ~~والاشتراك في الواجبات. # ومن أسبابه أن الاشتراك في الواجبات من شأنه حتما لزاما أن يفرض على الموافقين ~~والمخالفين ضرورة الاشتراك في الحقوق. # أهم سبب للتفاؤل # ومن أسبابه، بل أهم أسبابه، أن المشكلات الكبرى تثبت للأقوياء الأغنياء أنهم أحوج من ~~الضعفاء الفقراء إلى طلب التعاون وإلى التفاهم على احترام الحقوق، فقد يستغني الضعيف عن ~~معونة القوي في هذا الزمن قبل أن يستغني القوي عن معونة الضعيف برضاه. # وإذا وزنا الأمور بميزان السلم والحرب فليس في وسع ms129 أحد أن يتفاءل في زماننا حتى ~~يجزم بابتعاد خطر الحرب، ويطمئن إلى دوام السلام، ولكننا نستطيع أن نجزم بالفرق الكبير ~~في هذه المسألة بين الأمس واليوم ... فمما لا شك فيه أن الحرب كانت «عملية» مكسبة ~~للمنتصرين إلى زمن قريب، فلما جاء القرن الحاضر قلت مكاسبها وازدادت مغارمها، وكاد ~~المنتصر يحمل فيها أكبر الغرمين وأفدح الخسارتين. # هذه الأسباب صالحة للتفاؤل بحق، لا يستطيع ذو عينين أن يغمض عنه عينيه، وهي لا ريب ~~تطور في الحياة الإنسانية جدير بالتسجيل والانتباه. # إن مشكلات العالم كثيرة # إن الأمم تختلف عليها وقلما تتفق على مشكلة منها. # إن الأمم المتحدة هي في الواقع «أمم غير متحدة» كما يقول الساخرون والمتهكمون وهذا ~~كله صحيح، وسيظل صحيحا في القرن الحاضر والقرن التالي والعشرة القرون التي تليه، ~~وحسبنا هذا الآن فلا نقول في العشرين والثلاثين والأربعين. # مشكلات العالم ستزداد # ستظل مشكلات العالم كثيرة وتزداد كثرة. # ستختلف الأمم عليها ولا تتفق على معظمها. # ستبقى هيئة الأمم «غير متحدة» كما بقيت إلى اليوم كل مجموعة من آحاد الناس فضلا عن ~~الأمم والشعوب. # ولكن ليس المهم هو هذا في مقام التفاؤل والتشاؤم، وليس الأمل أن يتفق الناس على شيء ~~فإنهم مختلفون ولا يزالون مختلفين! # وإنما المهم هو أن نسأل: ماذا يصنعون حين يختلفون؟ وما هي نتيجة الخلاف ~~والاختلاف؟ # كانوا يختلفون قبل مائة سنة أو مائتين فيعمد القوي إلى ابتلاع الضعيف بغير عذر ولا ~~احتيال لمداراة عدوانه، بل مع الفخر والمجاهرة بالقدرة على العدوان. # فأصبحوا اليوم يختلفون ويلتمسون العلل والمعاذير من نصوص المعاهدات والقوانين. # أتراه فرقا صغيرا لا يغير ولا يبدل في حقيقة الواقع كما يزعم بعض ~~المتخلفين؟! # كلا؛ ليس هذا بالفرق الصغير، وليس بين الهمجية الأولى والحضارة الراقية من فرق أكبر ~~منه على جميع الاعتبارات، فإن القوي في أمم الحضارة لا يزال قويا ولا يزال قادرا على ~~أمور كثيرة يعجز عنها الضعيف، ولكننا نغتبط بالحضارة؛ لأنها تلجئه إلى الحيلة وتضطره ~~إلى التذرع بالنصوص والأحكام، ولا تسمح له بأن يبطش بالضعيف وأن يغتصب ms130 منه حقه جهرة في ~~غير مبالاة ولا اعتذار. # الفوارق بين الأقوياء والضعفاء # ولقد وضعت الشرائع وانتظمت المحاكم لتطبيقها، فهل نستطيع بعد ألوف السنين أن نزعم ~~أن الفوارق بين الأقوياء والضعفاء قد زالت، وأن الاختلاف بينهم لا يجري اليوم ولا يجري ~~غدا إلا على شريعة الحق والإنصاف؟ # ليس في الناس من يزعم ذلك، وليس في الناس مع هذا من يقول: إن بقاء الشرائع والمحاكم ~~وزوالها يستويان. # وهذا بعينه ما يقال، أو يصح أن يقال عن الوسائل العالمية الحديثة التي تلجئ القوة ~~إلى المداراة والاحتيال لتحقيق غاياتها، فإن هذه السوائل لا تبطل الفوارق بين القوة ~~والضعف وبين القدرة والعجز، ولكننا لا نقول من أجل ذلك: إن وجودها وعدمها سواء. # إن التفاؤل نظر إلى الماضي قبل النظر إلى المستقبل، فلن يتعلم الإنسان كيف يتفاءل لو ~~كان المستقبل هو كل ما ينظر إليه وكل ما يدخل في تقديره واعتباره. # فلنرجع بالنظر مائة سنة، أو نرجع به ألفي سنة، فنحن أقدر على الرجاء وأخبر بما نرجوه، ~~ونحن إذن نتفاءل بحساب أو نتشاءم بحساب. # لو بعث سقراط # ماذا يقول سقراط إن عاد إلى الحياة؟ # ماذا يقول إن علم أن دولة من الدول تملك القذيفة الذرية ولا يتأتى لها أن تستخدمها ~~كما تريد، وأن تفرض بها إرادتها على من لا يملكها؟ # مهما يكن المانع لها أن تبطش بهذا السلاح فهو مانع لم يكن له نظير في عهد ~~سقراط. # لم تكن ظروف السياسة أو ظروف التجارة أو ظروف المعاملات على اختلافها مانعا كهذا ~~المانع قبل ألفي سنة، فإن لم يكن ذلك سببا قويا من أسباب التفاؤل، فأسباب التفاؤل ~~لعمري ماذا تكون؟! # ومن الواجب أن نذكر أن العلاقات السياسية ليست هي الألف والباء في الحياة الإنسانية، ~~وأن ثقافة الإنسان ومعارف الإنسان وأشواق الإنسان تمضي في طريقها وتصنع الأعاجيب سنة ~~بعد سنة وجيلا في أعقاب جيل، وأنها على مدى الأزمنة ستفعل فعلها لا محالة في الإصلاح، ~~وفي التطور والارتقاء، وأن الإنسان الذي خرج من ظلمات الوحشية جاهلا بقوانين الطبيعة ~~لن ms131 تكون الحضارة مقبرة له وهو يعرف تلك القوانين. # الإنسانية في سن الرشد # ونخطو خطوة أخرى مع التفاؤل فنقول: إن الإنسانية اليوم في سن الرشد، وإن أزماتها ~~الروحية هي أزمات هذه السن كما تعودناها في سن النضج حيثما وصلت إليها بنية الكائن ~~الحي، ولا سيما الكائن الحي من بني آدم وحواء. # وأزمات سن الرشد متعبة، ولكن من ذا الذي يرجع إلى الطفولة؛ لأنه يتعب من ~~شبابه؟ # تعب ولا جدال # ولكن الراحة ليست كل شيء، فكل قدرة يتغلب بها الكائن الحي على التعب هي أعز من الراحة ~~وأنفس، وهي الأمل الذي نتعلق به مع الزمن وفي وجه الزمن، وهما مناط التفاؤل ~~والرجاء. # أجل، وهي القدرة التي نلوذ بها في قرارة النفس البشرية وننظر إليها متفائلين قائلين ~~في مطلع هذه السنة الجديدة: عام سعيد، وكل عام وأنتم بخير. # الفصل التاسع والعشرون # | الوعي السياسي في البلاد العربية # يفهم من الوعي السياسي معنيان: أحدهما يطابق معنى الوعي القومي أو الوعي الوطني، والآخر ~~يطابق معنى الوعي الاجتماعي أو الوعي المدني. # أما الوعي القومي فلا شك أن نصيب الأمم العربية منه موفور منذ أقدم العصور، وهو في الغالب ~~يقوم على عنصرين من العصبية وحياة الحرية، وقد كانت العصبية على أشدها في أمة العرب ~~الأولى، وهم أبناء الجزيرة العربية؛ لأنها كانت أمة قبائل تعتز بأعراقها وأصولها، وترى ~~الكرامة كل الكرامة في المحافظة على أنسابها والغيرة على ذمارها، وقد كان العربي حرا في ~~حله وترحاله، حرا في أقواله وأفعاله، يهيم حيث شاء ويقول ويفعل كل ما يشاء، ولا يحد من ~~حريته إلا حرية الآخرين من أبناء الجزيرة، الذين يغارون على حقوقهم من الحرية كما يغار هو ~~عليها. # وقد تمكن الشعور بالقومية في نفوس العرب لسبب آخر، وهو الحيوية القوية، فإن أول مظهر من ~~مظاهر الحيوية في الفرد والأمة على السواء هو الثقة بالنفس والاعتداد ب «الشخصية»، وقد كانت ~~حيوية العرب في عهد فطرتهم سليمة لم تشبها عوارض الوهن والانحلال، وكانت حولهم أمم ذوات دول ~~غالبة وسلطان شامخ، كالفرس والروم ms132 والأحباش، فإذا اعتز العربي بشأنه بين تلك الأمم فهو لا ~~يفاخرها بالدولة؛ لأن دولاتها أعظم من دولته ولا يفاخرها بالغنى، فإن أموالها أوفر من ~~أمواله، ولا يفاخرها بالحضارة، فإن نصيبها من الحضارة أوسع من نصيبه، ولكنه يعوض ذلك كله ~~بفخر العنصر وعزة القومية، فهو عنده كفاءة مجد الدولة ومجد الثروة ومجد الحضارة، فلا جرم ~~يفرط في الاعتصام به وهو يريد أن يعلو بينها، ولا يريد أن يستكين. # وبلغ من اعتداده بهذا الفخر أن بعض الأكاسرة أراد أن يصهر إلى أحد أمراء الحيرة - وهم ~~خاضعون لعرشه - فأنف أن يقبل مصاهرته، وقال تلك الكلمة المشهورة: «أليس له في مها العراقين ~~ما يغنيه؟» وهي غاية في النخوة القومية لا تتجاوزها غاية بين القديم من الأجيال البشرية ~~والحديث. # كان هذا والعرب في جاهليتهم لا ثروة لهم ولا صولة بين الدول الكبرى، فلما قامت لهم بعد ~~الإسلام دولة أضخم من تلك الدول تجاوزوا هم تلك الغاية التي لم يتجاوزها أحد غيرهم، وأضافوا ~~عزة السلطان إلى عزة العنصر وعزة العقيدة، ثم تحركت الشعوب لمقاومة هذا السلطان الجانح، ~~فقابلوها بعصبية أشد منها وأقوى، ولم تضعف هذه العصبية بعد ضعف الدولة وتفكك أوصالها؛ فإنهم ~~عادوا إليها يعتصمون بها حيث لم تكن لهم عصمة سواها، فكان وعيهم السياسي بهذا المعنى على ~~أتمه وأشده في جميع هذه الأطوار. # وليس يقدح في هذه الحقيقة أنهم خضعوا للحكم الغريب عنهم، كما حدث مثلا في عهد الدولة ~~العثمانية؛ إذ كان ذلك قد حدث يوم كانت جامعة الأمة وجامعة الدين شيئين غير منفصلين، وكان ~~هذا التوافق بين الجامعتين أمرا عاما بين أمم الشرق وأمم الغرب بلا اختلاف، وعلة ذلك - ~~كما قلنا في كتابنا عن أثر العرب في الحضارة الأوروبية - «أنه لم يكن من الميسور أن تنشأ ~~الوطنية بمعناها الحديث قبل القرن الثامن عشر، أو قبل الأطوار الاجتماعية التي تقدمتها، ~~وكان ممهدا لظهورها وانتقالها من حيز الغرائز المشتركة إلى حيز الصلات الروحية والثقافية ~~التي ينفرد بها الإنسان في مجتمعاته؛ لأن هذه الأطوار كانت تناقض الوطنية ms133 في بعض الأحوال، ~~وكانت تخفيها في أحوال أخرى، وكانت على الجملة خطوات سابقة لا بد منها قبل التطرق إلى ~~الخطوات التي تليها، فكان لا بد من تطور عهد الإقطاع قبل شعور الإنسان بوطنه في نطاقه ~~الواسع ومصالحه المتشابكة؛ لأن انتماء الناس إلى إقطاعات متعددة في قطر واحد يربطهم بضروب ~~شتى من الولاء للسادة المتعددين الذين يسيطرون عليها، ويعودهم ضروبا من المخالفات ~~والمخاصمات تتغلب فيها الزمرة والطائفة على الأمة والدولة نفسها في بعض الأمور، وكان لا بد ~~من تطور الجامعة الدينية قبل الشعور بمعنى هذه الوطنية؛ لأن الإنسان يرضى في الجامعات ~~الدينية أن يحكمه من ليس من أبناء وطنه لاتفاق الحاكم والمحكوم في العقيدة والمراسم ~~الروحية، ويكره أن يحكمه من لا يدين بدينه، ولو كان من بلده وجواره، ولا يزال كذلك حتى ~~يتعذر حكم الأوطان المختلفة بحكومة واحدة قائمة في مراكزها البعيدة عنها، لاختلاف المرافق ~~واختلاف النظر إلى الحقوق والتبعات ونشوء الطبقات الاجتماعية التي تتنافس في الأوطان ~~المتعددة، وإن جمعتها علاقة وثيقة واحدة.» # فالعربي الذي كان يدين بالطاعة للدولة العثمانية لم يكن يحسب أنه ينزل بذلك عن سلطانه، أو ~~أن أحدا غريبا عن أمته يحكمه بشريعة غير شريعته وحق غير حقه، وهو إلى جانب ذلك كان يدين ~~للحاكم العثماني من بعيد، ولا يشعر بسطوته في عقر داره؛ لما هو معلوم من عزلة الجزيرة ~~العربية وقيام الولاة على أجزائها من أبنائها. # فلما اقترن ظهور الحركات الوطنية في العالم بانتشار الحكم في الدولة العثمانية، كانت أمم ~~العرب من أسبق الأمم إلى الثورة وطلب الاستقلال أو التمرد على «النظام المركزي» في الدولة، ~~وليست ثورات اليمن ولا ثورات النجديين بزعامة الشيخ محمد عبد الوهاب، ولا ثورات لبنان ~~وسورية ومصر والسودان، إلا حركات قومية في الصميم، وإن لاحت للنظرة الأولى في صورة الشقاق ~~المذهبي، أو صورة الانقضاض على الظلم والاستبداد، فقد كان حكم الدولة العثمانية للأناضول ~~كحكمها لهذه الأطراف وما عداها، فلم يثر أهل الأناضول كما ثار العرب؛ لأنهم ترك من عنصر ~~الحاكمين، ليسوا أقواما آخرين ms134 غرباء عن أصحاب العرش والتاج، ولا يقال في تعليل ذلك إن أهل ~~الأناضول تجنبوا الثورة لقربهم من عاصمة الدولة ومراكز جيوشها، فإن الأكراد والأرمن ~~والألبانيين كانوا يثورون بين حين وحين، ومنهم من يسكن بلادا أقرب إلى عاصمة الدولة من ~~أطراف الأناضول. # ولقد كان إبراهيم باشا عبقريا حصيفا حين أحس أن هذه القومية الحية هي أقوى عماد له في ~~محاولة الخروج من ربقة الأستانة، وسئل: إلى أين تمتد فتوحك؟ فقال: إلى حيث ينطق لسان باللغة ~~العربية، وقد صحت فراسته في عصره بعشرات السنين، ورأينا بعد قيام الحكم الدستوري في ~~الأستانة أن أمم العرب كانت أول المطالبين بتعميم اللامركزية في دولة آل عثمان. # من هذا العرض السريع لتاريخ القومية العربية نتبين قوة الوعي السياسي عند العرب بهذا ~~المعنى، ونستبشر خيرا بما يكون له من الشأن في صيانة حوزتهم وغيرتهم على حقوقهم وسعيهم إلى ~~تثبيت قواعد الحرية في أوطانهم، وهي حديثة عهد بالاستقلال. # أما الوعي السياسي، بمعنى الوعي الاجتماعي أو الوعي المدني، فهو درجات بين أرقى أمم ~~الحضارة، ويتوقف الارتقاء في هذه الدرجات على نصيب الفرد من المشاركة الفعلية في حكم بلاده، ~~حتى تتفق مصلحته ومصلحة القانون، وتصبح أمانة الحكم حاسة فيه ينساق بها إلى المصلحة العامة، ~~بغير سائق من نصوص الشريعة أو رهبة الحاكمين. # ولسنا نعتقد أن شعبا من الشعوب قد بلغ في هذه «الحاسة» درجة أرفع من درجات الأمة ~~الإنجليزية، وآية ذلك أنه لا قانون هناك ولا دستور إلا وهو مستمد من العرف والتضامن بين ~~عناصر الرأي العام، قبل استمداده من النصوص والأوراق، ولم يكن الإنجليز كذلك؛ لأنهم جيل من ~~البشر أرفع من سائر الأجيال، وإنما كانوا كذلك لظروف جغرافية وتاريخية هيأت لهم أسباب ~~المشاركة الفعلية في الحكومة، ولم يتهيأ مثلها لغيرهم من أمم القارة الأوروبية، ومن هذه ~~الظروف أن الملك في إنجلترا لم يكن بحاجة إلى جيش قائم كبير ينفق عليه ويستبقيه مستعدا ~~للحرب على الدوام، فقد أغناه عن هذه الكلفة أن البحر يحمي جزيرته من مفاجأة أعدائها ~~وأعدائه، فاكتفى ms135 بجيش قليل في العاصمة، يقابله جيش أصغر منه عند كل نبيل من نبلاء الأقاليم، ~~ووجب عليه إشراك هؤلاء في الحكم والإدارة المحلية؛ لأن تسخيرهم بالقهر والتهديد غير ~~مستطاع. # ومن هذه الظروف أن التجارة ضرورة من ضرورات الحياة في تلك الجزيرة فنشأت المدن التجارية ~~إلى جانب المقاطعات الريفية، وعز على النبيل من أجل هذا أن يستبد بالتاجر، وعلى التاجر أن ~~يستبد بالنبيل. # ومن هذه الظروف أن السياسة الخارجية في إنجلترا سياسة تضامن بين جميع الطبقات؛ لأن جميع ~~الطبقات من أصحاب الأموال والعمال تعتمد على المعاملات الخارجية ولا تكتفي بمحصول الجزيرة ~~من المزروعات أو المصنوعات. # فلهذه الظروف وأشباهها تم التوازن بين جوانب المجتمع، وتهيأت لكل طائفة من أسباب المشاركة ~~الفعلية في سياسته العامة، وشعر كل فرد هنالك بأنه مسئول عن رأيه محاسب على عمله، فأصبح ~~الوعي السياسي بمعناه المدني أو الاجتماعي عادة في النفس تجري مجرى الغريزة في الحيوان، ~~وأعجب ما بدا من وحي هذه الغريزة أو هذه البداهة، أن الإنجليز خذلوا «تشرشل» زعيم المحافظين ~~غداة نهاية الحرب التي أكسبهم فيها النصر والسلامة، ولو فعلوا غير ذلك لوقعت الطامة الكبرى ~~في البلاد؛ لأن اصطدام السياسة الإنجليزية بالسياسة الروسية قد يفهم على أنه مكيدة من رأس ~~المال في مقاومة حقوق العمال، فينقلب العمال إلى جانب الشمال، ولكنه لا يفهم على هذا ~~الوجه إذا وقع الاصطدام والعمال هم المسئولون عن العلاقات الأجنبية، كما هم مسئولون ~~الآن. # حدثني رجل من رجال الأعمال الأذكياء عاد من إنجلترا في الأشهر الأخيرة، فقال: إن الحصول ~~على جراية تزيد على الجراية المقررة من أصعب الأمور في المطاعم العامة، وقد يوجد هنا ~~وهناك مطعم معروف غير مجهول يباع فيه الطعام الزائد بثمن أغلى من ثمنه، ولكنك تذهب إليه ~~فيندر أن ترى فيه أحدا من الإنجليز، ويغلب أن يكون رواده جميعا من الأجانب ~~الطارئين. # وعندنا أن الحكومة ربما كانت تعلم بوجود تلك المطاعم وتبقيها عمدا لاستجابة حاجات ~~الأجانب الطارئين، وهم لازمون للبلاد في بعض الأحوال، فتبقيها لهم ولا تلجأ إلى القانون ms136 لصد ~~أبناء البلاد عنها؛ لأن الحاسة الاجتماعية تعمل هنا عمل القانون! # ويذكرني هذا بفكاهة من فكاهات السياسي التركي «رضا توفيق» الذي اشتهر بلقب الفيلسوف، قال: ~~إنه زار صديقه المستشرق «براون» وأحب أن يخرج يوما للصيد، فنبهه صديقه إلى اجتناب بعض ~~الطيور؛ لأن صيدها في موسم التناسل ممنوع، فلما ذهب يجول في الغابات والحقول ساء حظه في ذلك ~~اليوم، وأشفق أن يرجع من رحلته فارغ اليدين، فأصاب طائرا من تلك الطيور الممنوعة، وأشار ~~إلى الكلب ليلحق بالطائر المصاب ويعود به إليه ... قال: فأدهشني أن أرى الكلب واقفا مكانه لا ~~يتحرك؛ لأنه لا يريد أن يخالف القانون! # وهي مبالغة من مبالغات الفكاهة، ولكنها لا تخلو من دلالة على المعنى الذي أراده الفيلسوف ~~الظريف. # ونحن - أبناء العربية - نغلو في الطمع إذا اشتركنا في حكوماتنا المستقلة بالأمس ورجونا أن ~~تتحقق لنا اليوم تجربة لم تتحقق لغيرنا في أقل من مئات السنين، ولكننا لا نغلو في الطمع إذا ~~قلنا إننا لن نحتاج إلى كل تلك السنين لنستفيد في الوعي السياسي من تجاربنا وتجارب غيرنا، ~~إننا نثوب إلى النخوة القومية التي تأصلت فينا كما قدمنا، فتسعفنا بمدد منها، كلما نازعتنا ~~مآرب الآحاد فأوشكت أن تذهلنا عن مصالح الجماعات. # الفصل الثلاثون # | الشعوبية # لكل زمن شعوبية تناسب الأمة التي تسود فيه. # وهي تنشأ كلما نشأت في العالم أمة لها دعوى تنفسها عليها الأمم التي تحيط بها، وتقابلها ~~بدعاوى أخرى من عندها، كل على حسب تاريخها ونظرتها إلى نفسها. # فكانت في العالم «شعوبية» قبل أن تكون فيه دولة عربية. # وأصبحت فيه «شعوبية» بعد أن ضعفت الدولة وخرج عليها الخاضعون لسلطانها. # بل كان العرب أنفسهم «شعوبيين» في زمن من الأزمان قبل ظهور الدعوة الإسلامية، وكان ذلك في ~~زمن الدولة الفارسية التي برزت بين الأمم في الرقعة الغربية من القارة الآسيوية، فكان من ~~مزاعم الفرس يومئذ أنهم أهل السيادة بحق وجدارة، وأن غيرهم من الأمم خلقوا لطاعتهم ~~والدخول في حوزتهم، فكان تقابلهم «شعوبية» من العرب واليونان والعبرانيين ~~والآراميين. # فأما العرب فكانوا ms137 يقابلون فخر الفرس بفخر الفصاحة وعراقة الأنساب، وأما اليونان فكانوا ~~يقابلونه بفخر العلم والحضارة، ويحسبون الفرس في عداد البرابرة، وأما العبرانيون فكانوا ~~يقابلونه بفخر الدين والإيمان بالإله الحق، وأنهم هم شعب هذا الإله المختار، وأما الآراميون ~~فكانوا يفخرون بأنهم علموا الفرس الكتابة، وأن حروفهم هي الحروف التي تكتب بها اللغة ~~الفارسية. # وعاد العرب في زمرة الشعوبيين على عهد الدولة العثمانية، فإن هذه الدولة حكمت أمما كثيرة ~~من غير أصلها ولسانها، واستطالت على تلك الأمم بحق السيادة والسطوة العسكرية، وقابلها العرب ~~بفخر الأمانة الأصلية وكرم الأسلاف وفصاحة اللسان؛ وقابلها رعاياها من الغربيين بفخر ~~الأوروبيين في مواجهة الآسيويين، وربما كانت أوروبة كلها مجموعة شعوبية في مواجهة الدولة ~~العثمانية؛ إذ كانت تجمعها كلها كلمة «الأجانب»، وكانت الامتيازات الأجنبية مظهر هذه ~~الشعوبية من هذا النمط الجديد. # وقديما خلق الرومان في إبان دولتهم شعوبية، بل شعوبيتين؛ لأنهم كانوا يقسمون العالم ممن ~~عداهم قسمين: قسم يسمونه بالبرابرة، وهم قبائل للبلاد التي لم يعرف لها تاريخ ولم تؤثر ~~لها حضارة، وقسم يسمونه بالجنتيليين # Gentili # من كلمة # Gentili # بمعنى المجانس أو المنتمي إلى جنس واحد، كأنهم ~~يعتبرون كل من عداهم جنسا متشابها على اختلاف الأقوام واللغات. # وعن الرومان أخذ اليهود والمسيحيون هذه التسمية، فأطلقها اليهود على جملة الأقوام من غير ~~بني إسرائيل، وأطلقها المسيحيون على جملة الأقوام غير الإسرائيليين والمسيحيين، وكانت ~~الكلمة التي أطلقها اليهود على أولئك الأقوام هي كلمة «جوييم» أي: الأقوام باللغة العبرية، ~~ولكنهم استعملوا الكلمة الرومانية فيما كانوا يكتبونه باللغتين اللاتينية ~~واليونانية. # ونحسب أن هذا التقسيم قريب إلى بداهة الجماعات من كل جنس وفي كل موضع، وبخاصة فيما قبل ~~القرن العشرين، أو فيما قبل انتشار الدعوة العالمية، فمن عادة كل جماعة من الناس أن تنظر ~~إلى نفسها كأنها وحدة قائمة بذاتها، وتنظر إلى غيرها من الجماعات كأنها وحدة أخرى؛ لأن ~~الحقوق العامة كانت على الأغلب مقصورة على كل جماعة بين أبنائها، ولم تكن مشتركة متساوية ~~بين الجماعات كافة. # هكذا رأينا الإنجليز يسمون أنفسهم أيام «عزتهم ms138 الفاخرة بأهل الجزيرة، ويسمون سائر ~~الأوروبيين بأهل القارة». # وهكذا رأينا الأمريكيين يعممون الوحدة الأمريكية على العالم الحديث، ويحمونها في وجه ~~العالم القديم كله بمذهب مونرو المشهور. # ومن طرائف هذه العادة الجماعية ما سمعته من شيوخ بلدتنا «أسوان» من أخبار تحصيل الضرائب ~~قبل الثورة العرابية. # فقد كان الضغط على الموظفين في تحصيل الضرائب شديدا متواليا في تلك الأيام، فقسموا ~~البلدة إلى قسمين: أهل البلدة، وهم متضامنون بينهم على حسب قبائلهم في سداد المتأخر عليهم ~~من ضرائب الأرض والعقار، والطارئون على البلدة وهم متضامنون بينهم كذلك في موسم ~~التحصيل. # واتفق أن يونانيا يدعى «مخالي» كانت عليه مخلفات من الضرائب المتجمعة، فضاق بسدادها ~~وهرب من البلدة قبل موعد التحصيل بأيام. # وحار شيخ الحلة التي كان يسكنها مخالي فيما يصنع، فإنه لا مناص له من الإتيان بمخالي أو ~~بمن ينوب عنه، أو تؤخذ الضريبة من ماله، أو يعزل من المشيخة بعد أن يستوفي نصيبه من ~~السجن أو ضربات السياط. # فإذا به بعد أيام يدخل إلى ناظر القسم، ومعه شيخ عليه عمامة خضراء من أهل إسنا يسمونه ~~بالحاج عثمان ويلقب نفسه بالشريف، وقال للناظر: هذا ينوب عن مخالي في سداد الضريبة المتأخرة ~~عليه! # فلم يتمالك الناظر جهامته أن يستلقي ضاحكا، ويسأله: وما الذي يجمع مخالي على «الحاج» ~~الشريف؟ # قال الشيخ بكل جد وبساطة: كلهم يا حضرة الناظر غرباء! # فهذه العادة الجماعية قريبة إلى بداهة الجماعات، فيما مضى على الخصوص، من غير تعمل ولا ~~حاجة إلى دعوة أو إقناع. # ولم يكن من ثم عجيبا أن تنشأ مع الدولة العربية «شعوبية» كالتي نشأت مع كل دولة أو مع كل ~~أمة لها سيادة ولها منافسون على تلك السيادة من أبناء الأمم الأخرى. # فقد كان العرب أصحاب الدعوة الغالبة وأصحاب الدولة القائمة، وكانوا قبل أن يخرجوا من ~~الجزيرة العربية ينافسون قبيلة قريش، وينكرون عليها أن تستأثر بالحكم في كل وظيفة والولاية ~~على كل إقليم ... فلما خرجوا من الجزيرة بطلت هذه المنافسة وحلت منافسة الشعوب المحكومة في ~~محلها، وهي شعوب ms139 قديمة الحضارة عريقة الدولة من بقايا الأكاسرة والفراعنة والقياصرة، فكانت ~~«الشعوبية» مظهرا للمنافسة بين العرب وبين هذه الشعوب. # ومن عجائب أطوار الجماعات أن التشبع لآل النبي العربي - عليه السلام - كان أقوى ما يكون ~~بين هذه الشعوب؛ لأنهم لا ينافسون العرب في الدين وإنما ينافسونهم في العصبية القومية، ~~وكانت دعوة النبي # صلى الله عليه وسلم # لا تفرق بين «العربي والأعجمي ولا بين القرشي والحبشي» إلا ~~بالتقوى، فكانت الشعوبية تشددا في تعزيز هذه الجامعة العامة، ولم تكن خروجا عليها، إلا ما ~~جاء منها عن سوء نية وتراءى بغير حقيقته لخداع العرب والشعوبيين على السواء. # وبلغت قوة الشعوبية غايتها في أيام العباسيين، وهم الذين تغلبوا على بني أمية باسم ~~القرابة من النبي عليه السلام. # ففي أيام الدولة العباسية كان الشأن كله في الحكومة للفرس والديلم، وكانت مواسم الفرس ~~وعاداتهم في المجالس هي معالم الحضارة الشائعة بين الطبقة الحاكمة ومن يقتدي بها في معيشته ~~وزيه، وكان بنو طاهر - وهم الشيعة - يقولون إذا فاخرهم العرب: إن العربي لا يفلح إلا ومعه ~~نبي، كأنهم لا يسلمون للعرب بفضل غير فضل النبوة والدعوة المحمدية. # وأوشكت الشعوبية أن تطوي فيها أناسا من شعراء العرب الذين أخذوا بفتنة البذخ والعمارة، ~~ولا نذكر منهم أبا نواس الذي كان ينعى على الطلول ولا ينعى الطلول كدأب الشعراء الجاهليين ~~والمخضرمين، فإن أبا نواس صاحب نسب لم يصحح، وإنما نذكر البحتري الذي ينتمي إلى النسب ~~العربي الصميم، ويقول مع ذلك في وصف إيوان كسرى: # حلل لم تكن كأطلال سعدى # في قفار من البسابس ملس # ومساع لولا المحاباة مني # لم تطقها مسعاة عنس وعبس # وهكذا كانت العروبة والشعوبية في الدولة العربية أشبه شيء بالمنافسة بين أبناء الأسرة ~~الواحدة، أو بين الوطن الواحد، وقلما خلا وطن من أمثال هذه المنافسات بين أبناء شماله ~~وجنوبه، أو بين أبناء جباله وسهوله، أو بين أبناء حواضره وريفه: منافسات تذكر في معرض ~~المفاخرة ولا تستفحل في معرض العداء والبغضاء، وما لم تعرض لها مطامع السياسة، فلا يكون ~~شأنها في ms140 خدمتها أعجب من شأن هذه المطامع في التفرقة بين أبناء الجنس الواحد، وأبناء اللغة ~~الواحدة، وأبناء الوطن الواحد الذي لا تباين في أصوله على الإطلاق. # ومضت الشعوبية لسبيلها بعد عهد الدولة العباسية. # مضت لسبيلها لأن العرب أنفسهم كما قلنا دخلوا في عداد «الشعوبيين» الذين ينكرون مع الأمم ~~المحكومة سلطان الحاكمين عليهم بغير مشيئتهم. # وظهرت العروبة المستقلة في العصر الحديث بغير شعوبية قومية كانت أو سياسية. # لأن العصر الحديث كله ينزع منزعا جددا في تساوي الحقوق بين الجماعات، فلا تكون لكل وحدة ~~جماعية حقوق تعترف بها لنفسها وتنكرها على الآخرين. # ولأن العروبة الحديثة عروبة شفافة مشتركة بين جميع الناطقين باللغة العربية، وليست عروبة ~~جنس يحكم جنسا، أو دولة تسيطر على رعية. # ومهما يبلغ من ولع أبناء العصر بثقافة الغرب، في وجه ثقافة العروبة، فإن الغرب لا يحسبنا ~~منه، ونحن لا نحسب أنفسنا من الغرب؛ لأن ثقافته في هذا العصر تستهوي العقول وتستحق الدرس ~~والاطلاع. # فإن كانت هناك شعوبية تواجه الأمم العربية في هذا الزمن الحديث، فهي شعوبية الطامعين في ~~تلك الأمم كلها، وليست شعوبية أحد من الداخلين فيها والقائمين على أساسها، قيام المشاركة ~~والمساواة. # لقد كان للشعوبية في العالم العربي معنى ما على وجه من تلك الوجوه التي لم تنفرد بها في ~~تواريخ الجماعات. # ولكنها اليوم كلمة غير ذات معنى، أو ليس لها معنى ينصرف إلى مصلحة من الناطقين باللغة ~~العربية والمشتركين في الثقافة العربية، كائنة ما كانت الأقطار والحكومات. # وإذا كانت الشعوب هي الشعوب العربية، فقد أصبحت العروبة والشعوبية بمعنى واحد على هذا ~~الاعتبار، فكل ناطق بالعربية هو فرد من أفراد تلك الشعوب. # الفصل الحادي والثلاثون # | شئون اقتصادية في الدولة الإسلامية # تناول الإسلام كثيرا من الشئون الاقتصادية التي تدخل في نظام الاقتصاد القومي، ومنها ~~الزكاة والفيء والضرائب والمواريث والقروض، عدا شئون المعاملات التي اصطلحنا في العصر ~~الحاضر على تسميتها بالمعاملات «المدنية». # والزكاة فريضة على كل مال خلا من الدين وحال عليه الحول ولم يقل في الفضة عن مائتي درهم ~~وفي ms141 الذهب عن عشرين مثقالا، ولها نصاب مقدور على الإبل والماشية والخيل، ما يرعى منها وما ~~يتكلف مالكه شراء علفه على ما بينه الفقهاء، والزكاة على مائتي درهم خمسة دراهم، وعلى ~~عشرين مثقالا نصف مثقال، ويزاد درهم على كل أربعين درهما تزيد على النصاب، وقيراطان على ~~كل أربعة مثاقيل تزيد على العشرين، وتجب الزكاة على المعادن والبضائع بمقادير تلاحظ فيها ~~النسبة المتقدمة، بحيث تتساوى أنواع الأموال المختلفة جهد المستطاع، وينفق المحصول من ~~الزكاة على الفقراء والمساكين والمثقلين بالدين والأرقاء وأبناء السبيل والموظفين العاملين ~~عليها. # وقد كان بعض علماء السياسة والاقتصاد في عصرنا هذا يذهبون إلى أن إنفاق المال في هذه ~~الوجوه عمل من أعمال الأخلاق لا شأن به للدولة ولا للقانون، ولكننا نرى الدول في هذا العصر ~~تفرض على رعاياها الضرائب التي تنفقها على أغراض كأغراض الزكاة، فهي من «الخير» الذي يعني ~~الجماعات البشرية ولا يرجع أمره كله إلى أخلاق الآحاد. # والفيء يقابل غنائم الحرب، وحكمها أن تقسم إلى خمسة أخماس، أربعة منها للجند ~~المقاتلين، والخمس الباقي ينفق منه على اليتامى والمساكين وأبناء السبيل. # ومن الضرائب التي عرفت في الإسلام الخراج والجزية، أي: ضريبة الأرض وضريبة ~~الرءوس. # وضريبة الخراج تقدر على حسب سهولة الري وقيمة الثمر، وهي غير العشور التي تجبى من ~~أرض المسلمين، وإن كانت ضريبة الأرض قد عرفت جميعا باسم الخراج بعد صدر الإسلام، وكانت ~~كلها تؤخذ عينا في صدر الإسلام، ثم استبدل بها مقدار من العملة بعد استقرار نظام ~~الدواوين. # وضريبة الرءوس، وهي الجزية، لا يعرف لها مقدار محدود، وقد تفرض بأمر الإمام أو تجري ~~عليها المصالحة بينه وبين أبناء البلاد المفتوحة، ويغلب أن تساوي أربعة دراهم في الشهر على ~~الغني ودرهمين على متوسط الغنى ودرهما على الفقير العامل. # أما المواريث فمنها ما بينه الكتاب ومنها ما بينته السنة واجتهاد الأئمة، وكلها جارية ~~على احترام نظام الأسرة وقوامة الرجل على من يعولهم من النساء والأطفال. # وحكم الإسلام في القروض معروف، فهو يبيح القرض الحسن ويأمر بكتابة الوثائق بالديون: ms142 # يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى ~~أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ~~. ~~ويصرح القرآن الكريم في غير موضع بتحريم الربا: # يا أيها الذين ~~آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم ~~تفلحون ~~. وقد فصل الفقهاء أنواعه المحرمة على اختلاف بينهم في التشديد ~~والترخيص. # وقد عرف الإسلام نظام الإقطاع في الأرض وفي جباية الأموال، وكان تعمير الأرض شرطا ~~لامتلاكها، فلما أقطع النبي - عليه السلام - أناسا من مزينة أرضا ليعمروها فأهملوها، وجاء ~~قوم من جهينة فعمروها، حكم عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بملكها للجهنيين وقال: «من كانت ~~له أرض ثم تركها ثلاث سنين لا يعمرنها، فعمرها قوم آخرون، فهم أحق بها.» # أما الإقطاع - أو على الأصح الالتزام في جباية الأموال - فمثله ما رواه المقريزي ، حيث ~~قال: «إن متولي خراج مصر كان يجري في جامع عمرو بن العاص من الفسطاط في الوقت الذي تتهيأ ~~فيه قبالة الأراضي وقد اجتمع الناس في القرى والمدن، فيقوم رجل ينادي على البلاد صفقات ~~صفقات، وكتاب الخراج بين يدي متولي الخراج يكتبون ما انتهى إليه مبالغ الكور والصفقات على ~~من يتقبلها من الناس، وكانت البلاد يتقبلها متقبلوها بالأربع سنين لأجل الظمأ أو الاستبحار ~~أو غير ذلك، فإذا انقضى هذا الأمر خرج كل من يتقبل أرضا وضمها إلى ناحيته، فيتولى زراعتها ~~وإصلاح جسورها وسائر وجوه أعمالها بنفسه وأهله ومن ينتدبه لذلك، ويحمل ما عليه من الخراج في ~~إبانه على أقساط ويحسب له من مبلغ قبالته وضمانه من تلك الأراضي ما ينفقه على عمارة جسورها ~~وسد ترعها وحفر خلجها بضرابة مقدرة في الخراج، ويتأخر من مبلغ الخراج في كل سنة في جبهات ~~الضمان والمتقبلين.» # هذه خلاصة شديدة الإيجاز لمجمل الأحكام التي دخلت بالنص والاجتهاد في نظام الدولة ~~الإسلامية، مما يعرف اليوم باسم النظم المالية أو الاقتصادية. # وقد زعم بعض المؤرخين المحدثين أن الدولة الإسلامية قد أصابها الوهن والانحلال؛ لأنها لم ~~تجر على «سياسة اقتصادية» مقررة، ولكنه كلام يلقى على عواهنه، ويرجع الخطأ فيه إلى قياس ms143 ~~الحاضر على الماضي بغير نظر إلى العوامل المختلفة بين الزمنين، فنحن اليوم نعرف نظام الباب ~~المفتوح والدولة المفضلة والحماية الجمركية أو حماية الصناعة الوطنية، كما نعرف التأميم ~~وتنظيم الإنتاج الصناعي لأسباب لم يعهدها الأقدمون في سياسة الدولة أو السياسة القومية ~~العامة. # فلم يكن عندهم نظام رأس المال الذي شاع في العصر الحديث مع شيوع الصناعات الكبرى، ولم تكن ~~عندهم هذه الآلات الضخام التي تغزو الأسواق بمصنوعاتها ويقوم عليها تنافس الدول على فتح ~~الأسواق أو إغلاقها، ولم تكن في العالم عشرات الأمم المستقلة التي تختلف عندها مصادر الثروة ~~بين الزراعة والصناعة، أو بين الزراعة التي تخرج الأطعمة والزراعة التي تخرج الخامات لهذه ~~الصناعة أو تلك من أنواع الصناعات الكبرى. # لم يكن عند الأقدمين قبل القرن الثامن عشر شيء من هذه العوامل الاقتصادية، فقيام الدول في ~~العهد القديم لم يكن منوطا بسياسة خاصة من السياسات التي خلقتها العوامل الاقتصادية التي ~~أشرنا إليها، وإنما كانت تقوم أو تسقط حسب اقتدارها على الاضطلاع بمهام الحكومة العامة التي ~~تطلب من جميع الحكومات وهي تأمين الرعية وحراسة الطرق وفتح الأبواب للتجارة وتيسير الوسائل ~~لري الأرض والانتفاع بمحصولاتها، واجتناب المظالم التي تزعزع الثقة وتوقع الشك في نتائج ~~التعمير والتثمير. # فإذا حاسبنا الدولة الإسلامية بهذا الحساب فالأحكام الاقتصادية التي لخصناها كانت هي هي ~~أحكامها في أيام الصولة والسعة وأيام الضعف والانقسام، وكل ما اختلف عليها إنما هو طريقة ~~الحاكم في تنفيذها أو طريقة الحكومات في التزام الأمانة لواجباتها. # مثال ذلك أن الخليفة عمر بن الخطاب كان يستبقي الأرض لمن يزرعونها ويحاسب ذوي الإقطاع على ~~استصلاحها، فخرج بعض الأمويين على هذه السنة ووزعوا الأرض على أشياعهم ولم يسألوا بعد ~~ذلك عن صلاحها وعمارها. # ومثاله أن - رضي الله عنه - كان يفرض على أرض السواد درهما واحدا وصاعا واحدا على ~~الجريب من الأرض المروية، وخمسة دراهم على الجريب من أرض المرعى، وعشرة دراهم على الجريب من ~~أرض البساتين التي تثمر الفاكهة، وكانت الدولة العباسية في إبانها تتحرى التخفيف عن الرعية ~~ويكتب ms144 فقيهها أبو يوسف إلى خليفتها الرشيد: «أن تتقدم في الرفق بأهل ذمة نبيك وابن عمك محمد # صلى الله عليه وسلم # والتفقد لهم؛ حتى لا يظلموا ولا يؤذوا ولا يكلفوا فوق طاقتهم، ولا يؤخذ ~~شيء من أموالهم إلا بحق يجب عليهم، فقد روي عن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أنه قال: «من ظلم ~~معاهدا أو كلفه فوق طاقته فأنا حجيجه».» # وقد كان لاتباع هذه الأحكام أثره كما كان لمخالفتها أثرها، ولم تتغير الأحكام في ~~الحالتين. # ومثاله أيضا أن التزام الجباية كان من أحسن الأنظمة والدولة مكينة والحكام ساهرون؛ لأنه ~~كان يعفي الزراع من نفقات الدواوين ووظائفها الكثيرة، ويجب على الملتزم أن يخدم الأرض كأنه ~~يخدم مرافقه وموارد رزقه، فلما اختلت الدولة وفسد حكامها كان هذا الالتزام بعينه شرا على ~~الجباة وشرا على الزراع؛ لأنه عرض الملتزمين لاستصفاء أموالهم وإبطال التزامهم وعرض ~~الزراع للشطط من الحكام والملتزمين. # فالأحكام كافية والحكام هم الذين يتفاوتون في القدرة على إجرائها والإخلاص في رعايتها، ~~وشبيه هذا يحدث عندما يسري النظام الدستوري الواحد على أمتين متجاورتين، فتسعد به أمة وتشقى ~~به جارتها، أو تسعد به الأمة الواحدة في زمن وتشقى به في زمن آخر، وليس الذنب ذنب الدستور ~~ولكنه ذنب الحاكمين والمحكومين. # إلا أن هناك نقدا «معاصرا» يلوح على ظاهره بعض الوجاهة وهو أن المعاملة بالتسليف مدار ~~حركة واسعة في التجارة وأعمال المصارف والشركات تصيب الحالة الاقتصادية بالشلل في العصر ~~الحاضر، وهي تمتنع بمنع الفوائد على الأموال إذا حسبت هذه الفوائد من الربا المحرم في ~~الإسلام، ولتقرير الحقيقة في هذه المسألة ينبغي أن نفرق بين فوائد القروض في العصور الغابرة ~~وفوائد القروض في العصر الحاضر، فإن الاختلاف بينها جوهري مع وحدة التسمية والعنوان. # فالقرض في العصور الغابرة كان على أغلبه وأعمه تفريج ضائقة، ولم يكن كما نعهده الآن ~~نظاما من أنظمة المعاملات المتداولة، وكان المرابون يرهقون المضطرين من طلاب الديون، ~~فيضيفون إلى الدين مثله أو ما يقرب من مثله إذا حل موعده وتأخر المدين عن سداده، ms145 وهذا هو ~~الربا بالنسيئة أو أكل الربا أضعافا مضاعفة كما جاء في القرآن الكريم، وقد حرمته التوراة ~~وحرمه آباء الكنيسة بل حرمه الفلاسفة قديما، وتوسع أرسطو في التحريم فاعتبر المتاجرة ~~بالمال نفسه محظورا يخالف طبيعة المال الذي جعل ليكون واسطة لتبادل السلع ولم يجعل ~~ليكون سلعة تباع وتشترى في الأسواق، ولم يسوغ القانون الروماني القديم فرض الفوائد على ~~القروض إلا على اعتبارها تعويضا عن خسارة لحقت بصاحب المال. # ولا نريد أن نخوض هنا في آراء الفقهاء وتقسيماتهم لأنواع الربا، فحسبنا من ذلك أن أكل ~~الربا أضعافا مضاعفة محرم بجميع الشرائع في الوقت الحاضر، وأن الإسلام لا يحرم أن ~~ينقسم الربح بين صاحب المال ومستغل المال قسمة عادلة لا ظلم فيها على الطرفين، وإجراء ~~المعاملة على هذا الأساس كاف لانتظام الحركة الاقتصادية على التسليف والثقة إن كان هذا هو ~~المقصود من التعاون بين أصحاب الأموال وأصحاب «المشروعات» والأعمال، أما تكديس المال ~~لاستخدامه في تسخير العاملين فهو نكبة العصر الحديث وإلغاؤه تتبعه مصلحة كبرى، ولا يتبعه ~~تعطيل للحركة الاقتصادية سواء في عصر رأس المال أم في غيره من العصور. # وحكم الإسلام في الاقتصاد القومي هو التوسط بين كنز الذهب والفضة وبين الإعراض عن نصيب ~~الإنسان من الدنيا # ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ~~ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا ~~(الإسراء: ~~29) # والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا ~~وكان بين ذلك قواما ~~(الفرقان: 67) ومثل هذا القصد هو لباب ~~الاقتصاد للجماعات والآحاد. # الفصل الثاني والثلاثون # | الإسلام والحضارة الإسلامية # الإسلام دين إنساني عام، أو دين عالمي كما نقول في اصطلاح العصر الحديث، يخاطب الأمم ~~جميعا، فلا فرق بين أمة وأمة بفارق الجنس أو اللون أو اللغة، فكل إنسان في جوانب الأرض أهل ~~لأن يأوي إلى هذه الأخوة الإنسانية، حيث شاء وحين يشاء. # وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ~~ونذيرا ~~. # وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله ~~شهيدا ~~. # هكذا أعلنها القرآن الكريم دعوة عامة منذ ألف وأربعمائة سنة، وهكذا أعلنها النبي # صلى الله عليه وسلم # وخلفاؤه الراشدون ms146 وتابعوهم الأبرار في صدر الإسلام، ولم يمض ربع قرن من التاريخ الهجري حتى ~~قامت بينات الواقع على حقيقة هذه الدعوة الإنسانية الإسلامية، فدان بالدين الجديد أناس من ~~جميع الأقوام والسلالات، ولم تنقض على الهجرة ثلاثة قرون حتى كان في عداد المسلمين ساميون ~~وآريون وحاميون وطورانيون، عرب وفرس وترك وهنديون وصينيون وإفريقيون من السود ~~والإثيوبيين. # هذه هي البينة العلمية أو الواقعية على «عمومية» الدين، وهي بينة ينفرد بها الإسلام بين ~~الأديان الكتابية وغير الكتابية، وينبغي أن ننظر إليها من وجهتها الصحيحة لنعرف حقا أنها ~~مزية قد انفرد بها الإسلام. # إن دينا من الأديان الأخرى لم يكسب أمة ذات كتاب عريقة في الحضارة، وإنما كانت الأديان ~~مقصورة على العصبية القومية أو على تحويل الوثنيين الذين درجوا على عبادة الأصنام وما يشبه ~~الأصنام من رموز القوى الطبيعية. # فالموسوية قصرت دعوتها على العبريين أو اليهود، ولما قام المكابيون ليكرهوا قبائل البادية ~~على قبول الشعائر اليهودية كانت هذه القبائل وثنية مغرقة في الجهالة، وكان المكابيون يؤمنون ~~بالإله «يهوا» ملكا تجب له الطاعة على رعاياه، وكانوا من أجل هذا يسمون أمراءهم رؤساء ~~كهان ولا يسمحون لهم بلقب الملك وشاراته ومراسمه، فإكراه القبائل على قبول سلطان «يهوا» ~~إنما كان عندهم بمثابة الخضوع السياسي الذي يلزم الأجانب والغرباء كما يلزم أبناء الأمة ~~وأهل السلالة. # والبرهمية ظلت ديانة قومية عنصرية حتى خرجت منها النحلة البوذية، فنجحت في تحويل الوثنيين ~~إليها في الصين واليابان، ولم تحول إليها قط أمة ذات كتاب. # والمسيحية حولت إليها الرومان وغيرهم من الغربيين أو الشرقيين، ولكنهم كانوا جميعا من ~~الوثنيين الذين وقفوا عند خطوات الدين الأولى، ولم يجاوزوها إلى عقائد أهل الكتاب. # أما الإسلام فقد حول إليه - على خلاف ذلك - أعرق الأمم في الحضارة وفي الإيمان بالعقيدة ~~الكتابية، فأسلمت فارس وأسلمت مصر، وهما على التحقيق أعرق أمم العالم يومئذ في تاريخ ~~الحضارة، أولاهما كانت تؤمن بالله واليوم الآخر والحساب والعقاب وغلبة الخير على الشر وخلود ~~الروح، وثانيتهما كانت تدين بالمسيحية وتحمل لواءها في العالم القديم. ms147 # هذه العزيمة ينفرد بها الإسلام بين جميع الديانات وهي آية العالمية والصلاح لدعوة الأمم ~~جمعاء، سواء منها الأمم المعرقة في الحضارة والدين أو الأمم التي لم تبلغ بعد مبلغ الارتقاء ~~في التحضر والاعتقاد. # إن هذه الحقيقة خليقة أن تذكر على الخصوص في عصرنا الحديث؛ لأننا سمعنا فيه أناسا من ~~المبشرين يعترفون بغلبة الدعوة الإسلامية في أواسط القارة الإفريقية ويسلمون أنها نجحت حيث ~~لم ينجحوا، وشاعت بغير تبشير حيث يخفقون بعد التبشير سنوات، ولكنهم يعتذرون لأنفسهم بعذر ~~يقبلونه ولا يقبله الواقع، وهو موافقة الإسلام للقبائل المتأخرة بطبيعته وأنه قريب المأخذ ~~عند «البدائيين» من سلالات القارة السوداء! وليس أصلح لتفنيد هذا العذر من تلك الحقائق التي ~~أثبتها التاريخ، أو من تلك المزية التي انفرد بها الإسلام بين الأديان، فدخلت في دعوته أعرق ~~الأمم حضارة بعد خلاصها من الوثنية الأولى عدة قرون، ولم يحصل ذلك قط في تاريخ دين. # وتزداد هذه الحقائق ثبوتا ووضوحا كلما رجعنا إلى تاريخ الدعوة الإسلامية بين البلاد ~~الآسيوية، فإنها لم تعتمد على القتال، ولم تعتمد على التبشير بقدر اعتمادها على القدوة ~~الحسنة والأمثلة العملية، فلا تذكر الوقائع الحربية إلى جانب العدد الذي دان بالإسلام من ~~أهل الهند والصين والملايا، وعدتهم نحو مائتي مليون، وكل ما يرويه التاريخ عن القتال بين ~~المسلمين وغيرهم في تلك الأرجاء فإنما حدث بعد أن أصبح المسلمون معدودين بالملايين، وإنما ~~هو في جميع الأحوال قتال سياسة وليس بقتال إكراه على الدين. # إن الوقائع العملية هي الشهادة للإسلام بالصبغة الإنسانية العالمية، ولا حاجة بالدين إلى ~~شهادة أخرى متى ثبت له من تاريخه الأول أنه يضم إليه شعوبا من جميع السلالات والعقائد، ومن ~~جميع الأطوار في الحضارة والمعيشة البدائية، وأن كتابه يخاطب الناس كافة، ويوجه الرسالة إلى ~~كل سامع. # هذه الخاصية الإنسانية باقية في صميم الإسلام يواجه بها الحضارة العصرية كما واجه بها ~~حضارات العصور الأولى، وهي التي صبغت تلك الحضارات بالصبغة الإسلامية، وهي التي جعلت تاريخ ~~العالم من القرن السادس للميلاد إلى القرن الخامس عشر ms148 تاريخ الفكر الإسلامي والآداب ~~الإسلامية، ولم ينفصل التاريخان بعد ذلك؛ لأن الإسلام فقد «خاصته» التي لازمته عدة قرون، ~~ولكنهما انفصلا؛ لأن المسلمين تخلفوا عن الركب، وأصبحوا «غير مسلمين» إلا باللقب ~~والعنوان. # يقول المؤرخ الكبير «توينبي»: إن المسلمين يواجهون حضارة العصر بنزعتين متناقضتين: ~~إحداهما يسميها النزعة الهيرودية وينسبها إلى هيرود ملك اليهود الذي قابل حضارة الرومان ~~بمشابهة الرومان في السكن والملبس والمعيشة، والأخرى نزعة الغلاة وينسبها إلى نساك إسرائيل ~~الذين كانوا يصرون على القديم وينكرون كل مخالفة للعادات والموروثات. # ولو أراد الأستاذ «توينبي» أن يتوسع في الأسئلة لعمم القول على الطبيعة الإنسانية في ~~مواجهة كل حديث ومقابلة كل تغيير. # فالهوادة والتشدد طبيعتان في النفس البشرية تبرزان في كل عصر وتتقابلان أو تتناقضان أمام ~~كل دعوة، وقد ظهرت هاتان الطبيعتان في طوائف المسلمين منذ الصدر الأول للإسلام، فكان منهم ~~أبو ذر الغفاري المتقشف المتنسك، كما كان منهم الصحابة الذين أقبلوا على معيشة الحضر ~~واليسار، وقال المسعودي عن بعضهم: «إن الثمن الواحد من متروك الزبير بلغ بعد وفاته خمسين ~~ألف دينار، وإنه خلف ألف فرس وألف أمة، وإن غلة طلحة من العراق بلغت ألف دينار كل يوم، ~~وإن عبد الرحمن بن عوف كان على مربط ألف فرس وله ألف بعير وعشرة آلاف من البعير، وإن منهم ~~من بنى دورا بالحجاز والشام والإسكندرية ...» إلى آخر ما روي من أخبار تغلب فيها المبالغة ~~على التقدير الصحيح. # ونحن في العصر الحاضر نعرف الرخصة والهوادة كما نعرف الشدة والصرامة، ونواجه الحضارة ~~الأوروبية بالنزعتين معا أو نتوسط بينهما، تارة مع المحافظة وتارة مع التجديد، ومن لم ~~يتوسط منا تشبث بالمحافظة حتى الجمود أو اندفع مع التجديد حتى أصبح كالمنبت عن طريق، ~~وأحسب هذه النزعات جميعا كانت على اختلافها الذي نشهده اليوم في تاريخ كل دعوة ومواجهة كل ~~تغيير، فهي طبيعة الناس لا تتبدل ولا تختلف مع الأزمنة بغير الصور والأشكال، وحسبنا أن نرى ~~في الإسلام متسعا لها مع الحضارة العصرية كما اتسع لها مع الحضارات الأولى، فإنما يغني ms149 ~~المسلمين من الإسلام أن يظل كما كان عقيدة إنسانية عامة، وأن يكون الإنسان مسلما حقا حين ~~يتشدد ومسلما حقا حين يترخص، فلا يقطعه الإسلام عن زمنه ولا عن مزية من مزايا حضارته ~~ومعارفه وصناعاته، ولا يكون المسلم الحق غريبا مع حضارة الغرب الحديث وهو لم يكن غريبا مع ~~حضارة الفراعنة والفرس والروم. # لقد كان الإسلام عقيدة الإنسانية ودعوة عالمية يوم تقطعت الأسباب بين الأمم وتمزقت ~~الأنساب بين بني آدم وحواء، فاليوم والدعوة الإنسانية على كل لسان خليق بالإسلام أن يجعلها ~~في كل قلب وأن ينفذ بها إلى كل ضمير. # الفصل الثالث والثلاثون # | أثر الحضارة الإسلامية في الحضارات الإنسانية # نشأت في العالم حضارات متعاقبة أو متعاصرة، قبل ظهور الإسلام، كانت هناك الحضارة المصرية ~~والحضارة البابلية والحضارة الإغريقية الرومانية ، وكانت في الشرق الأقصى حضارة الهند وحضارة ~~الصين. # كل هذه الحضارات قد ازدهرت زمنا في التاريخ القديم، ثم آل بها الأمر إلى الفتور ~~والاضمحلال، ولم يكن لها من بقية عند ظهور الإسلام غير ما خلفته من المصنوعات وأساليب ~~المعيشة المادية. # أما العلوم والمعارف فقد ركدت أو احتجبت قبل الدعوة الإسلامية ببضعة قرون، واندثرت أوراق ~~الكتب التي ألفها حكماء يونان أو بقيت في حوزة من لا يقرؤها ولا يفهمها، وربما قرأها وحاول ~~فهمها ليحرمها باسم الدين. # وزالت شريعة الرومان، وهي تراث رومة الأكبر، ثم تراث الذين تدربوا على الحكم في ظلالها ~~بعد زوال السطوة الرومانية، وأصبحت ولايات الدولة القديمة مثلا للفوضى واختلال الأمن ~~وثورات الفتنة والشقاق التي لا تهدأ في ناحية منها إلا لتضطرب وتضطرم في ناحية أخرى. # وجاء القرن السادس للميلاد والعالم الحاضر لا تفرقه من الهمجية إلا أساليبه التي تعلمها ~~بالوراثة الآلية لصنع الكساء وطهو الغذاء. # وهنا ظهر الإسلام. # فإذا أردنا أن نلخص أثره في الحضارات السابقة، فخلاصة هذا الأثر في كلمات معدودات أنه ~~أحياها وجعلها «حاضرة» بعد أن كانت من بقايا الماضي المهجور. # أما الحضارات التي تتابعت بعد ذلك فليس منها حضارة واحدة خلت من آثار الدعوة الإسلامية، ~~وليس منها حضارة ms150 واحدة كانت تتبع طريقها الذي اتبعته لو لم تسبقها الدعوة الإسلامية ~~إليه. # نشأت الحضارة الإسلامية في الرقعة الوسطى من القارات الثلاث التي تألف منها العالم ~~القديم، فبعد أن كانت هذه الرقعة حاجزا فاصلا بين حضارات المشرق والمغرب جاشت فيها ~~الحياة، فأصبحت كالعروق الحية التي تنقل الدم في بنية واحدة، ولم يكن في المغرب شيء يعطيه ~~في ذلك العصر ولكنه أخذ من المشرق كل ما عرفه وأحسن الحاجة إليه. # واجتمع محصول العلوم الإنسانية كلها في هذه الرقعة المتوسطة من الكرة الأرضية، فلم يبق ~~علم عرفه الإنسان قبل ذلك إلا وهو معلوم بين أبنائها، وتجمعت زبدة الثقافة الصينية والهندية ~~والمصرية واليونانية الرومانية في ظل دولة واحدة، فحق لها أن تسمى خلاصة حضارات الإنسان، ~~بعد أن كانت حضارات متفرقة لهذه الأمة أو تلك، تنعزل تارة وتتصل تارة أخرى من بعيد. # وبرزت حكمة اليونان من قبورها المطوية، وكأنما تكفل أبناء الإسلام الغرباء عن القارة ~~الأوروبية بنقل حكمتها العليا من طرفها الشرقي إلى طرفها الغربي في الأندلس وإفريقية ~~الشمالية، فلما سمع الأوروبيون بفلسفة اليونان أخذوها من أيدي المسلمين في الغرب قبل أن ~~يعرفوا كلمة من لغتها ومصنفاتها. # أول أثر، بل أكبر أثر لحضارة الإسلام في الحضارات السابقة لها هو أنها جمعتها ووصلت بينها ~~وجعلتها أمانة إنسانية واحدة ثم أدت هذه الأمانة أحسن أدائها. # ولم يكن ذلك حتما لزاما لو لم تكن دعوة الإسلام قابلة لاستحياء تلك الحضارات وتحصيلها ~~والمحافظة عليها وإعدادها لما يأتي بعدها ويتممها أو يزيد عليها. # كان من الجائز جدا أن تقوم على الرقعة الوسطة قوة تقضي على ما بقي، وتحجب الماضي عن ~~الحاضر والمستقبل، وتعيش فترة من الزمن، ثم تنطوي في ظلام من بعده ظلام. # لكن الحضارة الإسلامية لم تهدم شيئا كان قائما يوم ظهورها، بل أعادت إلى البناء ما ~~تداعى وتهدم ثم زادت عليه، فاستقام علم الإنسان في طريقه غير مقتضب ولا معطل ولا محتاج إلى ~~جهد في الاستعادة والتجديد. # ومن القرن السادس للميلاد إلى القرن العشرين لم ينشأ في العالم ms151 أثر جديد لا يرجع إليها ~~بسبب قريب أو بعيد. # فالحضارة الأوروبية في القرن العشرين ترجع إلى عصر النهضة، وعصر النهضة يرجع إلى ثقافة ~~المسلمين في الأندلس وإلى الثقافة التي عاد بها الصليبيون من الديار الإسلامية، وربما كان ~~كشاف الأوروبيين قادرين يوما على الوصول إلى العالم الجديد مع تطاول الزمن بدافع من ~~الدوافع التي نجهلها الآن، أما وصولهم إلى العالم الجديد كما حدث في التاريخ فإنما هو على ~~التحقيق أثر التراث الإسلامي في المغرب، ونتيجته لم يكن لها مقدمات غير ذلك التراث وما ~~تتابع منه أو تتابع بعده من الأحداث. # ولم تصل الحضارة الإسلامية إلى أمة شرقية ثم تركتها بغير أثر محمود في أطوارها وعاداتها، ~~فكانت شريعة المساواة درسا مهذبا لشرائع الطبقات في البلاد الهندية، وكانت القدوة ~~بالرحالين والتجار من المسلمين تبشيرا سمحا لأجيال الهند والملايا والصين التي يبلغ ~~أعقابها اليوم مائتي مليون من النفوس، ولم يحدث مثل هذا لغير الدعوة الإسلامية مع بذل ~~الجهود في التبشير والاستعمار. # وقد كان أثر الإسلام فيمن دانوا به معجزة لا نظير لها بين معجزات التاريخ. # إنه حفظ لهم قوة من قوى المقاومة لم تنهزم أمام الدول العاتية المستعدة لإخضاع من يقاومها ~~بالمال والعلم والسلاح، وعجب الباحثون من أين جاءت أبناء الإسلام هذه القوة بعد ضياع المجد ~~والسلطان؟! بل بعد ضياع العلم والثقافة والتجرد من كل سلاح أمام المستعمر المزود بكل ~~سلاح؟! # ولم يشأ أولئك الباحثون أن يلتفتوا إلى مصدر تلك القوة - وهو منهم قريب - مصدرها العقيدة ~~الإسلامية! # وسر الغلبة في العقيدة الإسلامية أنها انفردت بمزية لم تكن لدين آخر ولا لثقافة ~~أخرى. # وتلك المزية هي أنها عقيدة شاملة تأخذ الإنسان كله ولا تقتطع منه جزءا تسميه جانب الروح ~~أو جانب الآخرة، وتترك ما عداه من الجوانب للجسد أو للدنيا. # فهي عقيدة ونظرة إلى الدنيا ونظام معيشة وآداب وسلوك، وهي لهذا لا تدع للإنسان جزءا ~~يسلمه للحاكم الأجنبي وجزءا يتجه به إلى الله ... وقد وجدت عبادات تسمح للمرأة أن تسلم ~~جسدها لبعل على غير عقيدتها، ms152 وتسمح للمحكوم أن يسلم زمامه لسيد من غير قومه وغير ملته، ~~وتسمح للمتدين بها أن يعيش في وطن لا معالم فيه لقواعد إيمانه؛ لأنه إيمان ينفصل عن الدنيا ~~ويرتبط بالحياة الأخرى على غير طريقها، ولكن النفس الإسلامية لم تعرف قط هذه التجزئة في ~~كيان الإنسان فردا أو جماعة، فهي لا تخضع للمتسلط عليها إلا وهي شاعرة بمذلة هذا الخضوع ~~متربصة بمن يخضعها إلى حين. # ذلك هو سر القوة التي استفادها المسلمون من عقيدتهم، فحافظوا بها على وجودهم واستطاعوا ~~بها حين آلت الحضارة إلى غيرهم أن يصمدوا لسيطرتها حتى تعود إليهم، وليس أقوى من عقيدة تصون ~~للنفس وحدتها وتعصمها أن تتمزق بددا أو تتفرق شعاعا كلما زالت الدولة وتغيرت طوابع الزمن ~~بين سعوده ونحوسه وإقباله وإدباره، وتلك هي عقيدة الإسلام. # ويزيد في هذه القوة أنها لا تقاوم الحضارة إذا جاءت من جانب غير جانبها، فهي موافقة لتقدم ~~الحضارات وليست عائقا معترضا في سبيلها، وهي مالكة لأسباب التجديد كلما وجب التقدم من طور ~~قديم إلى طور جديد، وكأنها - وقد وحدت نفس الإنسان - قد وحدت تاريخ الإنسان، فلا انقطاع فيه ~~بين ماضيه وآتيه إلى آخر الزمان، ولا داعية للتخلف عن ركب الحضارة في عهد من العهود كائنا ~~من كان رائدها على تعاقب الأجيال، وإذا آمن المسلم بطلب العلم «ولو في الصين» فإنما يؤمن ~~بطلبه وإن تمادى به البعد في الزمن المقبل، ولا يقصر البعد على موقعه حيث كان. # ولسنا نعمد إلى نكتة من نكت الجناس حين نقول: إن التوحيد في الإسلام هو مصدر قوته بجميع ~~معانيه: «توحيد الإله»، وتوحيد النفس الإنسانية، وتوحيد العالمين عالم الأرواح وعالم ~~الأجساد. # إنها حقيقة الحضارة الإسلامية، أو العقيدة الإسلامية مصدر تلك الحضارة، وليست جناسا في ~~اللفظ تستدعيه كلمة التوحيد. # وإذا كتب للإنسان مستقبل في عالم الإيمان يعصمه من هذا البلبال الذي سلطته الحضارة ~~الحديثة على ضميره، فلن يكون هذا المستقبل إلا لعقيدة توحده وتلم ما تبدد من وجدانه، وتضعه ~~كما وضعت عقيدة الإسلام أبناءها من قبل في عالم ms153 واحد تواجهه نفس واحدة متمالكة الأوصال ~~متماسكة الجسد والروح. # الفصل الرابع والثلاثون # | آسيا والسيطرة الغربية # قرأت كثيرا من الفصول التي كتبها المستشرقون باللغة العربية، فلا أذكر أنني قرأت فصلا ~~واحدا منها يصح أن يقال إن صاحبه يكتب العربية كما يكتبها أحد أبنائها! # ولا يرجع ذلك إلى الوقت فإن بعض المستشرقين قضوا في دراسة العربية أكثر من أربعين سنة، ~~وهي أطول من عمر بعض الكتاب الذين ولدوا وتعلموا وأتقنوا الكتابة بلغتهم قبل ~~الثلاثين! # ولا يرجع ذلك أيضا إلى المولد والنشأة، فإن الكتاب الشرقيين الذين ولدوا في الهند ~~أو في مصر يكتبون الإنجليزية، ويشهد أبناء الإنجليزية الثقات أنهم يكتبونها كأحد ~~أبنائها. # كلا، ليست المسألة إذن مسألة وقت ولا مسألة مولد ولكنها في الغالب مسألة ملكة يمتاز بها ~~الشرقيون، ولا يصعب تعليل هذا الامتياز مع قدم عهدهم بالحضارة والكتابة والتعبير على اختلاف ~~أساليبه مع كثرة الاختلاط بينهم قديما يوم كانت القارة الأوروبية في عزلة تفصل القبيلة عن ~~القبيلة فضلا عن الأمم والشعوب. # كتاب جديد # يحضرني هذا الخاطر وأنا أقرأ كتاب «آسيا والسيطرة الغربية» لمؤلفه «السردار بانيكار» ~~سفير الهند في مصر الآن وسفيرها في الصين قبل ذلك، فإن سهولة التعبير فيه باللغة ~~الإنجليزية لا تفوقها سهولة الكثيرين من الساسة الذين يتناولون أمثال هذه الموضوعات ~~التاريخية السياسية من صميم الإنجليز. # ولا يطوي القارئ من الكتاب فصلا أو فصلين حتى يتبين له أن المؤلف يملك موضوعه كما ~~يملك قلمه، ولعله من أجل هذا يستطيع أن يقول ما يريد كما يستطيع أن يريد ما ~~يقول. # يبدأ المؤلف دراسته للسيطرة الغربية من عصر الرحلات الكشفية، ولكنه يعود بها إلى ~~العصر السابق لهذه الكشوف وهو عصر الحروب الصليبية؛ لأنها فاتحة الاحتكاك بين الغرب ~~والشرق في القرون الوسطى. # فالحملة الأولى من محاولات السيطرة على آسيا تحركت مع الغزوة الصليبية واستمرت معها ~~إلى نهايتها. # وقد انتهت الحروب الصليبية حين شغلت القارة الأوروبية فيما بينها بالمنازعات ~~الدينية وما اقترن بها من النضال العنيف بين سلطان الدين وسلطان الدولة، وتمادت هذه ~~المنازعات بعد ms154 زوال الخطر المفاجئ من ناحية الترك منذ فتح القسطنطينية. # وقد تحولت الحملة من الغزوات العسكرية إلى غزوات التبشير والدعوة إلى الإنجيل، ~~فانتشرت بعثات المبشرين في أقطار الشرق من أدناها إلى أقصاها، ولم يمض غير قليل حتى ~~بدأ عصر السيادة الفعلية مبتدئا بالتجارة ومتدرجا منها إلى الاستعمار بقوة ~~السلاح. # سيطرة الاستعمار تتوقف # ودامت سيطرة الاستعمار على أشدها إلى فترة متوسطة بين أواخر القرن التاسع عشر وأوائل ~~القرن العشرين، فتوقفت شيئا فشيئا أمام عاملين طارئين من جانب الغرب: أحدهما ظهور ~~أمريكا في ميدان الشرق الأقصى، والآخر عامل الحرب العظمى في سنة 1914، وهي الحرب التي ~~تسمى بالعالمية ويعتبرها الآسيويون حربا داخلية أو حربا أهلية بين ~~الغربيين! # فظهور أمريكا في ميدان الشرق الأقصى كان بمثابة دعوة قوية لكبح مطامع اليابان ~~وألمانيا ، وكلتاهما كانت تطمع في الاستيلاء على أقاليم جديدة من الصين، أو كانت تطمع ~~على الأقل في كسب الامتيازات الاقتصادية على انفراد، وكانت السياسة الأمريكية ترمي إلى ~~الانتفاع بالمزايا العامة المشتركة بين جميع الدول، فدعتهن جميعا إلى ~~التعاهد على سياسة الباب المفتوح بحيث يمتنع ~~الاستيلاء على الأقاليم كما يمتنع احتكار المرافق والامتيازات. # أما الحرب العظمى فقد زلزلت مكانة الاستعمار بين الشرقيين وكسرت وحدته وأبرزته في ~~صورة غير تلك الصورة الرائعة التي تمثل بها زمنا في أعين الآسيويين، وعاد الجنود ~~الوطنيون الذين شهدوا ميادين القتال في الغرب، وقد تزعزعت في نفوسهم ثقتهم «بالصاحب» أو ~~الرئيس، وكاد أن يفقد لديهم ما كان له من الهيبة والوقار. # عوامل غيرت موقف الشرق # والمؤلف القدير يبسط هذه العوامل في نسق جميل وتسلسل دقيق، ثم لا يدعها حتى يقابلها ~~بالعوامل المضادة لها، وهي العوامل التي غيرت موقف الشرق من الغرب، وكان لها أثر فعال ~~في نظرة كل منها إلى الآخر. # وأول تلك العوامل أن الأوروبيين أخذوا يعرفون شيئا عن حضارة الشرق وما أنشأته من ~~الصناعات الأنيقة كصناعة الخزف والحرير وورق الجدران وتوابل الطعام والشاي وما إليها ... ~~فزال من أذهانهم ما توهموه من همجية الشرق وتخلفه في معيشة الحضارة. # ووافق هذا ms155 الوقت ترجمة الثقافة الشرقية من دينية وأدبية، فأقبلت عليها طائفة من ~~المفكرين وأعجب ڨولتير بتفكيرها الروحي الذي لا معجزات فيه ولا خوارق للطبيعة، وخشي ~~فريق منهم فتنة هذه الثقافة فتصدى فينلون في محاوراته بين الموتى للموازنة بين سقراط ~~وكنفشيوس على نحو يرضي الذين يصفون أهل الصين بالسخافة لتفضيل حضارتهم على سائر ~~الحضارات. # ثم كانت الثورة الفرنسية فعمت مبادئها بلاد الشرق وتمكنت بين الغربيين أنفسهم، ~~فشاعت بينهم آداب جديدة عن حقوق الإنسان، وشعروا بالحاجة إلى تسويغ الاستعمار بضروب من ~~المعاذير والتعلات لم يشعروا بالحاجة إليها قبل ذلك. # واضطرب الشرق بتيار الوطنية الجارف فانبعثت فيه كبرياؤه بتراثه القديم، وتشبث دعاته ~~وشعوبه بحق تقرير المصير، وزادهم تشبثا بهذا الحق وجود الألوف من الوطنيين المتعلمين ~~ممن تدربوا على وظائف الإدارة في حكومات الاستعمار، على استعداد للعمل في حكوماتهم ~~المستقلة. # سلاح في يد الشرق # وعرف الشرقيون سلاحا ماضيا يشهرونه على قوة الاستغلال، وهو سلاح المقاطعة ورفض ~~التعاون مع السيطرة الأجنبية، وكان سلاحا فعالا كما ثبت من حوادث هونج كونج في الصين ~~ومن حملة المقاطعة الهندية. # ومن العوامل الحديثة التي أضافها المؤلف إلى ما تقدم تطور الأحزاب اليسارية في الأمم ~~الأوروبية وقيام الثورة الشيوعية في روسيا. # والتفت التفاتة دقيقة إلى التفرقة بين الدعوة الوطنية والدعوة الآسيوية التي ترددت في ~~الزمن الأخير، فهذه الدعوة الآسيوية لم تكن معروفة قبل الجيل الحاضر، وليست هي من قبيل ~~الدعوة الوطنية التي تنبهت في القرن الماضي، ولكنها تضامن آسيوي يقابل التضامن الأوروبي ~~في هذه المرحلة من مراحل السياسة العالمية. # قال المؤلف في تعقيبه على هذه الآثار المتبادلة بين الشرق والغرب ما فحواه أن بعض ~~الناقدين الأوروبيين لا يزالون يؤمنون بأن الشرق شرق والغرب غرب، وأن الشرقيين لم ~~يستفيدوا من علاقاتهم بالثقافة الغربية أثرا باقيا يثبت على مر الأيام بعد استقلال ~~الشرقيين بحكم أنفسهم وخروجهم من سيطرة الغرب مباشرة على حكوماتهم. # الإفادة من علوم الغرب # ويعتقد المؤلف أن هؤلاء الناقدين ينظرون إلى الأمور نظرة سطحية، وأن الزمن وحده كفيل ~~بتصحيح أوهامهم وإقرار ms156 ما سوف يستقر من علوم الغرب وصناعاته وشرائعه في مستقبل الأمم ~~الغربية، وسوف ينجلي للعيان موقف الديانات الكبرى في الشرق أمام الأطوار الفكرية التي ~~انتهى إليها تقدم الغربيين، وسوف يتحقق مرة أخرى أن حصر الحكمة في ثقافة الإغريق أو ~~ثقافة الغرب الحديث تضييق لحدود الطاقة الإنسانية تنقضه وقائع التاريخ. # المؤلف يتحرى الحقيقة وحدها # إن كتاب «آسيا والسيطرة الغربية» يقع في أكثر من خمسمائة صفحة، لا تخلو صفحة منها من ~~واقعة تاريخية أو رأي أو تمهيد لنتيجة تسبقها مقدماتها، فليس من المستطاع تلخيصه في ~~صفحتين إلا على سبيل الإشارة وإجمال الموضوع كله في حدوده الواسعة. # وإنه لمن التوفيق الحسن أن يتناول هذا الموضوع المتشعب كاتب له ما للمؤلف البحاثة من ~~الاطلاع الواسع على التاريخ، ومن الخبرة العملية بسياسة الغرب والشرق في القارة ~~الآسيوية من أقصاها إلى أقصاها، وسيحمد له جهده القيم أبناء الشرق كما يحمده له ~~أناس من الغرب يريدون الحقيقة ولا يجدونها في التصانيف التي يمليها التحيز وتجري مع ~~الأهواء إلى غرض مسموم. # الفصل الخامس والثلاثون # | مؤتمر باندونج في الميزان # يحضرنا هذان السؤالان قبل الحكم على نصيب المؤتمر الإفريقي الآسيوي من النجاح: # السؤال الأول: # ماذا كان يحدث لو أن طائفة من الساسة الأوروبيين دعوا إلى عقد مؤتمر عام ~~يحضره مندوبون من جميع الأمم في القارة الأوروبية؟ # والسؤال الثاني: # ما هي النتيجة التي كانت منتظرة للمؤتمر الإفريقي الآسيوي على أحسن ~~تقدير؟ # أما الدعوة إلى مؤتمر عام للأمم الأوروبية فلا نغالي إذا قلنا إنها لا تصدر من أول الأمر، ~~وإنها إذا صدرت لم يجتمع المؤتمر بعد الدعوة إليه بثلاثة أشهر أو أربعة، وإنه قد تمضي السنة ~~على توجيه الدعوة الأولى ولا ينعقد المؤتمر، إذا انعقد على الإطلاق! # وأما النتيجة التي كانت منتظرة للمؤتمر الإفريقي الآسيوي في أسبوع انعقاده فمن المحقق ~~أنها لم تكن لتنتهي في تقدير أحد إلى القضاء على الاستعمار كله بجرة قلم، ولم تكن لتنتهي ~~إلى إلغاء الفوارق بين الأجناس البشرية قبل انفضاض المؤتمر، ولم يكن منظورا أن تزول جميع ms157 ~~الخلافات في الرأي والشعور بين الأمم الإفريقية والآسيوية بين ليلة ونهار؛ لأن هذه الأمم ~~تقارب الثلاثين وتجمع أكثر من ألف وخمسمائة مليون من الأجناس البشرية المتفرقين في أقطار ~~العالم القديم. # المؤتمر نجح # فإذا حضر في أذهاننا هذا السؤال فمن البين جدا أن المؤتمر قد نجح، وأن نصيبه من ~~النجاح غير قليل. # فقد أدرك في دعوته نجاحا لا تحلم به الأمم الأوروبية التي تدعي لنفسها قيادة ~~الحضارة الإنسانية، وها هي ذي الدعوات بعد الدعوات تبحث هناك سرا وعلانية بين أقطاب ~~الدول الكبرى ولا تنتهي إلى اجتماع ثلاثة أو أربعة من الرؤساء، فضلا عن ثلاثين ~~وأربعين. # وقد عمل المؤتمر الإفريقي الآسيوي، كل ما استطاعه دون المعجزات التي لم تكن في حساب ~~أحد من أعضائه أو غير أعضائه ... فقرر المشكلات التي يواجهها وحدد موقفه من كل مشكلة ~~منها، وأنشأ قبل هذا وذاك كيانا عالميا جديدا لم يكن له وجود في العالم، منذ أول ~~عهد التاريخ. # قراراته عن الاستعمار # ولا نخفي عن أنفسنا أن قراراته عن الاستعمار كان يصح أن تفرغ في قالب أصرح وأقرب إلى ~~رسم الخطة العملية من القالب الذي تم الاتفاق عليه، ولكننا لا نرى في التوفيق بين وجهات ~~النظر على هذا الأسلوب حرجا كبيرا إذا تذكرنا أنه أول اجتماع بين ضحايا الاستعمار، ~~وأنه يجمع المتفرقات بين ألوف الأميال ومئات الملايين. # ولا شك أن المؤتمر كان عنوانا قويا للضمير الإنساني، أو للضمير العالمي في الشرق ~~أو الغرب، لمسألتين كبيرتين من المسائل التي اتضح فيها طريق المستقبل أمام جميع الشعوب، ~~ولا بد أن تضاف إليها مسألة فلسطين التي لا تزال في حاجة إلى مزيد من الحزم ~~والتوكيد. # كان عنوانا قويا للضمير الإنساني في مسألة الشعوب التي سلبت حق تقرير المصير، ~~وفي مسألة الأجناس الملونة أو مسألة التفريق بين البيض والصفر والسود، فانهدم ~~السور الذي كانت تحتمي وراءه دول الاستعمار وأصحاب المذاهب الرجعية في مسألة الألوان، ~~وانكشف الميدان وراء ذلك السور عن موقف ضعيف يزداد مع الزمن ضعفا ولا يستطاع الثبات ~~عليه. # شخصية ms158 المؤتمر # ونعتقد أن المؤتمر قد أثبت وجوده فعلا في كثير من المواقف التي تحولت إليها الدول ~~العالمية الكبرى حتى الآن. # من ذلك أن هذه الدول قد تحولت عن مقاومته ومحاربة دعوته إلى خطة المجاملة والتشجيع ~~على حضوره أملا في كسب الأنصار واتقاء العداوات بهذه الخطة الحكيمة، ومن قرأ التعليقات ~~الأولى على الدعوة إليه لم يخامره الشك في النيات التي كانت تخفيها وأولها السعي الخفي ~~إلى الإحباط والتعطيل. # ومن آثار «باندونج» مسلك الدول الكبرى في المؤتمر الذي يسمونه مؤتمر «السياتو» إشارة ~~إلى تنظيم المعاهدة بين الدول في الشرق الجنوبي من القارة الآسيوية. # فقد كان الغرض من اجتماع هذا المؤتمر أخيرا أن يقرر القواعد العسكرية واتفاق القيادة ~~وقيام الحاميات المختلطة في جهات معلومة من آسيا الشرقية الجنوبية، وكان المقصود ~~بالاجتماع أن يوجد لآسيا في الشرق الجنوبي نظام على مثال نظام الدفاع عن شمال المحيط ~~الأطلسي المعروف بالناتو. # وكان المفروض أن السياتو نسخة آسيوية من الناتو الأوروبية، وأنها ستحذو حذوها في ~~الأصول والفروع. # فلما تقرر قيام المؤتمر الإفريقي الآسيوي توقفت تلك المشروعات في انتظار الخطوط التي ~~يرسمها مؤتمر الآسيويين والإفريقيين، أو في انتظار الوجهة التي يتجهونها والنظرة التي ~~ينظرونها إلى تلك المشروعات، ولا نظنها تتم بعد اليوم إلا مع الاستئناس بالشعور المقبول ~~نحوها في كل من القارتين الشرقيتين. # الولايات المتحدة والصين # ولم يخف على أحد أن المؤتمر الإفريقي كان له أثر ظاهر - قبل انعقاده - في مسلك ~~الولايات المتحدة الأمريكية نحو الصين، وأن هذا الأثر قد ازداد ظهورا من الجانبين بعد ~~اجتماع المؤتمر، فأعلن رئيس وزراء الصين أن شعبه لا يضمر العداء للشعوب الأمريكية، ~~وأعلنت الولايات المتحدة من جانبها رأيا يتقدم بقضية النزاع رويدا رويدا ~~إلى التفاهم والوفاق. # ولم يخل المؤتمر من أي أثر يؤبه له في مسألة الأحلاف العسكرية التي انقسمت فيها ~~آراء الأمم الآسيوية، فخلاصة الرأي في هذه المسألة أن الأحلاف العسكرية - كما قلنا في ~~مقالين سابقين - ضرورة عنيفة لا تلجأ إليها الأمة الحرة وهي مالكة لزمام اختيارها، ~~وأنها تجعل العالم من ms159 الآن ميدان حرب منقسما إلى معسكرين يستعد كلاهما للقتال كأن ~~الحرب واقعة لا يعوزها غير الإعلان، أو هي واقعة بغير إعلان! # وقفة من الأحلاف # فهذه المسألة قد أقيم فيها الحد الفاصل بين الأنصار والمعارضين على أثر المناقشة ~~بين الجنرال كارلوس روميولو - مندوب الفلبين - والبانديت جواهر لال نهرو - رئيس الوزارة ~~الهندية، فكان كلام مندوب الفلبين بمثابة اعتذار عن المحالفة العسكرية التي لا مناص ~~منها بحكم الضرورة، وكان قرار المؤتمر بعد ذلك في مسألة السلام والأسلحة الذرية دليلا ~~على صمام الأمان من هذه المحالفات وهذه التقسيمات «الحربية» بين الأمم والبلاد، وإذا ~~تبين من شعور الأمم الآسيوية جميعا أنها لا تريد التحالف العسكري تشجيعا للعدوان، ~~وأنها تستخدم قوتها على نقيض ذلك في مقاومة العدوان، فالمحالفات العسكرية باقية في نطاق ~~الأمان. # أفضل من المؤتمرات # وصفوة القول في أمر هذا الاجتماع التاريخي النادر أنه خير من كثير من المؤتمرات ~~الدولية التي عرفناها في التاريخ القريب أو في العهد الأخير، وأن نصيبه من النجاح لا ~~يقل عن نصيب مؤتمر منها في المقاصد التي تعقد من أجلها المؤتمرات. # ففي ذاكرة الأحياء عشرات المؤتمرات لم تعمل في برامجها المرسومة بعض ما عمله المؤتمر ~~الإفريقي الآسيوي في برنامجه المرسوم، وليس في ذاكرة الأحياء مؤتمر عالمي قد اجتمع ~~وانفض على نتيجة أوفى من هذه النتيجة التي حققها الإفريقيون والآسيويون، وهم ~~يخطون خطوتهم الأولى في هذه المؤتمرات. # حادث عظيم # إن الدعوة وحدها نجاح، وإن استجابة الدعوة نجاح أتم وأكبر، وإن انتظام المؤتمر في ~~خلال انعقاده بين التيارات المتضاربة والدسائس الخفية والمناورات المكشوفة أنجح مما ~~توقعه المتوقعون وتفاءل به المتفائلون، وستذكر حوادث النصف الثاني من القرن العشرين ~~بعد مئات السنين فلا ينسى في مقدمها هذا الحادث العظيم. # كتاب في طبعته الأولى، ولكنه كتاب مرتب مبوب وليس بأشتات من العناوين ~~والخطوط. # وكان ينبغي لهذا الكتاب أن يظهر أولا ليتم فيه ما نقص ويزداد عليه ما يحتاج إلى ~~الزيادة، وقد ظهر على خير ما ينتظر، وسيظهر مع الزمن على خير مما ظهر لأول مرة، ms160 ~~وسيقرأ فيه العالم سفرا جديدا من أسفار التاريخ. # الفصل السادس والثلاثون # | بعد انقضاء عام على مؤتمر باندونج ماذا حقق المؤتمر من أهدافه؟ # لما انعقد مؤتمر «باندونج» في السنة الماضية كان مجرد انعقاده تطورا كبيرا في تاريخ ~~الشرق خاصة وفي تاريخ السياسة العالمية على الإجمال. # لأن الدعوة إلى مثل هذا المؤتمر لم تكن مما يخطر على البال إلى ما بعد الحرب العالمية ~~الأولى، ولم يكن من الجد أن يشتغل الزعماء المسئولون بالدعوة إليه؛ لأنها دعوة تجاب، وإذا ~~أجيبت لم يكن من يجيبها من القادرين على عمل شيء بالنيابة عن شعوبهم فضلا عن حكوماتها، ~~وكثيرا ما كانت تلك الحكومات في أيدي الأجانب المستعمرين. # فإذا لم يكن من أثر المؤتمر الآسيوي الإفريقي إلا تسجيل هذا «التطور» التاريخي العظيم، ~~فهو أثر جدير بالاهتمام والنظر إلى نتائجه في زمن قريب. # وهذه نتائجه خلال سنة واحدة، تدل على تغير في كل اتجاه من اتجاهات السياسة الدولية، ~~خارجية كانت أو داخلية: # تدل على تغير اتجاه سياسة الكتلتين الشرقية والغربية نحو شعوب آسيا وإفريقيا. # وتدل على تغير في اتجاه سياسة الكتلتين إحداهما نحو الأخرى. # وتدل على تغير في علاقات الشعوب الآسيوية الإفريقية فيما بينها. ~~(1) اتجاه الكتلتين # أما التغير في اتجاه سياسة الكتلتين نحو شعوب آسيا وإفريقية، فمن ظواهره الواضحة أن ~~الدول الكبرى أصبحت تتجه إلى الشعوب الشرقية في معاملاتها التي ترتبط بها. # ومعنى ذلك أن هذه الشعوب الشرقية أصبحت ذات كيان عالمي معترف به لا يتأتى لمن يتجاهله ~~أو يتخطاه أن يثق من نجاح خطة يجري عليها مما يمس شئون الشرق عامة أو شئون كل أمة فيه ~~على حدة. # كانت الخطة الشائعة قبل ثلاثين سنة أن يكون التفاهم على مسألة من مسائل الشرق موضوع ~~بحث بين الدول الكبرى لا يشترك فيه الشرقيون، وكانوا يقسمون الأقاليم في القارتين إلى ~~مناطق نفوذ يتبادلون المنافع فيها على غير علم أو موافقة من أهلها. # فاليوم لا تستطيع دولتان كبريان أن تتفقا على شئون أمة شرقية - مهما صغرت - بغير ~~مشاركتها وحضور ساستها المختارين ms161 من قبلها للنيابة عنها. # وأصبحنا نرى كبار الوزراء في أمريكا وروسيا وإنجلترا وفرنسا يزورون عواصم الشرق، ~~ويباحثون ساستها كما يزورون عواصم الغرب ويباحثون نظراءهم فيها، وربما كانت الزيارات ~~للعواصم الشرقية أكثر وأهم من الزيارات للعواصم الغربية، بل وربما جاز لنا أن نقول إن ~~التبعيات في صميم القارة الأوروبية أكثر اليوم من التبعيات في القارتين الآسيوية ~~والإفريقية، وهما إلى سنوات قليلة لم يكن فيهما شعب واحد لا يعد من الأتباع لدولة من ~~دول الاستعمار. # ففي القارة الأوروبية اليوم أمم لا تبرم شيئا ولا تنقضه في خاصة أمورها وعلاقاتها ~~بغير إذن الدولة التي تشرف عليها أو تساعدها. # وليس في آسيا على الخصوص ولا في البلاد المستقلة من إفريقية، أمة مضطرة إلى مثل هذه ~~«التبعية» تارة لأمريكا وتارة لإنجلترا وتارة لروسيا ، وإذا وجدت الأمة الآسيوية أو ~~الإفريقية المستقلة التي ترتبط بإحدى الدول الكبرى في عمل من أعمالها فهي مسألة اختيار ~~على حسب الموازنة بين الظروف، وليست مسألة اضطرار أو تقليد «رسمي» بحكم مركزها السياسي، ~~كما كانت الحال قبل ثلاثين سنة! # وكان المظنون - مثلا - أن الصين تجري على سياسة روسية لاشتراك الدولتين في دعوة ~~اجتماعية واحدة، فإذا بالصين تعمل ما ترضاه روسيا وما لا ترضاه في علاقتها بأمريكا ~~وبريطانيا العظمى، وفي نظام الحكام الداخلي ومبادئ السياسة المحلية، وتسبق الكرملين إلى ~~بعض الخطط ولا يكاد الكرملين أن يسبقها في خطة من خططه العالمية. # وحدث في شمال إفريقية ما لم يكن يحدث قط بين أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن ~~العشرين. # حدث أن فرنسا تعترف باستقلال الشعوب وتتفاهم مع قادتها وترسل المندوبين من كبار ~~وزرائها إلى عواصم تونس والجزائر ومراكش التي أعيد سلطانها إلى عرشه بإرادة ~~شعبه. # وكل أولئك تغيير واضح في موقف الكتلتين من شعوب القارتين: تغيير معناه أن شعوب هاتين ~~القارتين قد أصبح لها كيان عالمي وإرادة مستقلة يتوقف عليها كل أمر من أمورها العامة، ~~ولا يكفي فيه أن يستأثر بالتفاهم عليه أصحاب «مناطق النفوذ» من دول المستعمرين. ~~(2) بين الكتلتين # وقد أسلفنا في مقالنا ms162 الأول عن مؤتمر «باندونج» أن استقلال شعوب الشرق بسياستها حماية ~~للدول الكبرى نفسها من غوائل مطامعها، ووسيلة محققة إلى توطيد أركان السلم في المشرق ~~والمغرب، باختيار الكتلتين أو على غير اختيار منهما. # إن الخطر الأكبر على السلم إنما كان يأتي «أولا» من التنازع على المطامع في البلاد ~~الشرقية، ويأتي «ثانيا» من الاعتماد على تسخير الشرقيين جنودا وعمالا وثمرات ~~وأسواقا لمساعدة هذا الفريق أو ذاك في حربه للفريق الآخر. # وكانت كل دولة كبرى على يقين من تسخير طائفة من الشعوب الشرقية في حروبها وتدبير ~~لوازمها العسكرية من الخامات والأيدي العاملة، أو من المواصلات وتأمين طرقها البرية ~~والبحرية والجوية. # أما اليوم فلا توجد دولة كبرى تستطيع أو تزعم بينها وبين نفسها أنها قادرة على تسخير ~~الشعوب الشرقية في حروب لا تعنيها. # وهذا التردد سبب قوي من أسباب التردد في الإقدام على المنازعات والحروب، وسبب أقوى ~~منه للعمل الإيجابي على فض المشكلات واجتناب النزاع الذي يخشى من جرائره على ~~السلام. # ولولا هذا التردد لانطلقت السياسة الدولية في أساليبها العتيقة، ومضت كل دولة تجمع من ~~حولها الأتباع والأذناب وتدخلها في معسكرها من الآن قبل نشوب القتال، وكان تقسيم ~~المعسكرات على هذا الأسلوب العتيق خطوة في طريق الحرب لا بد أن تتبعها خطوات سراع إلى ~~النهاية المحتومة. # ولولا هذا التردد لما حصل هذا التقارب المباشر بين ساسة الكتلة الشرقية وساسة الكتلة ~~الغربية، وهو تقارب لم يصل بعد إلى قراره المأمول عند الجانبين، ولكنه قد ابتدأ في طريق ~~غير الطريق العتيق، ولا مناص له من الاتجاه إلى وجهة غير وجهة التعويل على التسخير ~~وتقسيم المعسكرات علانية بين الفريقين. ~~(3) وبين شعوب القارتين # وما ينبئ عن تغير الاتجاه في السياسة العالمية أن شعوب القارتين تعتمد في علاقات ~~بعضها ببعض على التفاهم والتشاور، وتجري في تفاهمها وتشاورها على سنة المساواة ~~والإخاء. # ولا نزال نذكر الساعة ما كان يقال عن البواعث الخفية إلى عقد المؤتمر الآسيوي ~~الإفريقي من قبل الدولتين العظيمتين في آسيا، وهما: الهند والصين. # فقد زعموا أن هذا ms163 إنما أقيم لتغليب نفوذ الدولتين على القارة أو لتقسيمها بينهما ~~إلى «مناطق نفوذ» جديدة على نحو المناطق العتيقة! # وقد كان هذا الزعم من مبدئه ظاهر البطلان؛ لأن الدعوة إلى المؤتمر قد اشتركت فيها ~~إندونيسيا والباكستان، وعدة كل منهما تقارب مائة مليون، ولم تكن إحداهما لقمة سائغة ~~للدول المستعمرة في إبان عصر الاستعمار حتى يمكن أن يقال إنها مطمع سهل لجارة من ~~جاراتها في قارة الثورة على الاستعمار، ولكن الواقع كان أبلغ في التقدير والتفكير في ~~الدلالة على أغراض المؤتمر ونيات الداعين إليه، فإن الدولتين الكبيرتين لم تخلقا لهما ~~منطقة نفوذ في شبر من الأرض، ولم تكسب إحداهما بكثرة عددها حقا لا تكسبه أصغر الشعوب ~~الآسيوية أو الإفريقية، وكان نفوذهما ونفوذ أخواتهما منصرفين إلى غاية واحدة، وهي ~~التعاون على توفير حظ الشعوب في القارتين من حقوق الحرية ومعالم الحضارة والثقافة، ولم ~~نعرف حتى الآن علاقة بين أمتين في القارتين خرج بها مؤتمر «باندونج» من صبغتها باسم ~~القوة أو الكثرة أو الرجحان في الثروة والعتاد. # وخلاصة العام في أمر «المؤتمر» أنه أسفر عن تغيير ملحوظ في اتجاه السياسة العالمية من ~~جانب الكتلتين نحو القارتين، ومن جانب كل كتلة في سياستها مع الكتلة الأخرى، ومن جانب ~~العلاقة بين الشعوب الآسيوية والإفريقية. # والعام مسافة قصيرة من الزمان، ولكن العام الذي يلحظ فيه مثل هذا التغيير خطوة ~~كبيرة إلى مستقبل السلام. # الفصل السابع والثلاثون # | الطفرة غير محال # من الأمثال التي شاعت في الزمن الحديث أن الطفرة محال، وهو مثل - كسائر الأمثال - يتوقف ~~على فهم معناه، وقد يصدق أو لا يصدق على حسب المفهوم من الكلمة المهمة فيه. # أما الكلمة المهمة في المثل فهي كلمة الطفرة، فما هي الطفرة؟ # إنك إذا سألت إنسانا من المتشددين في المحافظة على القديم والناظرين بعين الحذر والتهيب ~~إلى كل تغيير في أوضاع الأمور علمت منه أن الطفرة هي الطموح إلى العظائم والهجوم على ~~المجهول في سبيل هذا الطموح، وبخاصة ما كان منه ممتزجا بالحماسة الملتهبة والغيرة المتوثبة ~~والتقدم إلى الأخطار ms164 في ثقة وصلابة وإصرار، على حد قول الفتى الحكيم أبي تمام: # إذا هم ألقى بين عينيه عزمه # ونكب عن ذكر العواقب جانبا # وإذا سألت إنسانا آخر من غير المحافظين ولكنه من المترددين المفرطين في التدبر وإعمال ~~الروية علمت منه أن الطفرة هي كل عمل تعترضه الصعوبات وتقف في طريقه العقبات، ويقلق صاحبه ~~فلا يستريح أو يكون له ما يريد. # ولكنك إذا أردت أن تعرف أن هذه الطفرة محال أو غير محال، فحوادث التاريخ خير مقياس لما ~~يمكن وما لا يمكن من مطالب الطامحين وذوي الهمم والعزائم، فإنك إذا أحصيت الأعمال التي قيل ~~عنها قبل وقوعها إنها طفرة مستحيلة، ثم تمت وتحققت وتبين أنها ممكنة لا استحالة فيها؛ ~~جاز لك أن تقول إن الطفرة كما يفهمها هؤلاء غير مستحيلة وغير نادرة في التاريخ القديم أو ~~الحديث، ولا سيما الأعمال التي يستبعدها من يكرهها ولا يريد وقوعها، فهو يتمنى أن تكون ~~مستحيلة ويصدق أنها مستحيلة؛ لأن المرء في كثير من الأمور يصدق ما يتمناه. # وجملة القول: أن المستحيل قبل وقوعه سهل ممكن بعد وقوعه، كما قال أبو الطيب: # كل ما لم يكن من الصعب في الأنف # س سهل فيها إذا هو كانا # ودولة «الباكستان» إحدى هذه المستحيلات الممكنات. # كانت دولة الباكستان مستحيلة عند أناس كثيرين مخلصين في اعتقادهم وغير مخلصين، وفي ~~مقدمتهم من كانوا يكرهون قيام الباكستان ويسرهم أن تكون أملا مستحيلا، أو تكون أملا غير ~~معقول وغير رشيد. # ومنهم من كان يحكم عليها بالاستحالة ويبني حكمه على أسباب يخيل إليه أنها من البديهيات ~~التي لا تقبل المراجعة. # كانت مستحيلة لأسباب جغرافية، فإن المسافة البعيدة بين شطرها الشرقي وشطرها الغربي مانعة ~~في رأيهم أن تنتظم فيها الإدارة، وتستقر فيها دعائم الحكومة. # وكانت مستحيلة لأسباب اقتصادية؛ لأنها مضطرة إلى القروض الأجنبية للدفاع عن حدودها، ثم ~~تبحث عن تلك القروض فلا تجدها، أو لعلها تجدها بعد الجهد والرضا بشروطها الثقيلة، فترهق ~~شعبها وتعطل مرافقها بما تبذله من تلك الجهود وتحتمله من تلك الشروط. # وكانت ms165 مستحيلة لأسباب نفسية وحيوية؛ لأن الأمم - كما يقولون - تخلق ولا تصنع، وكل أمة ~~تلفق كيانها من البعيد والقريب وتقتلع جذورها من جهة وتغرسها في جهة أخرى فهي عرضة لجرائر ~~ذلك التلفيق. # كانت على الجملة مستحيلة لكل سبب ولم تكن ممكنة لسبب واحد، فإذا بأسباب الاستحالة كلها ~~تزول، وإذا بأسباب الإمكان كلها توجد من سبب واحد لم يكن جديرا عندهم بالجد والنظر، وهو ~~وجود الباكستان في قلوب أبنائها وإيمانهم بإمكانها، فكانت في عالم المكان والزمان؛ لأنها ~~كانت قبل ذلك في عالم الإيمان. # كانت طفرة، ولكنها لم تكن مستحيلة؛ لأنها كانت طفرة عند من يكرهون قيامها أو عند الذين ~~يحبون قيامها ولكنهم يتهيبون ويترددون، أما الذين وجدوها في نفوسهم حقيقة حية لا تموت فقد ~~جعلوها سحرا ملموسا يصدق عليه قول البحتري: # يغتلي فيها ارتيابي حتى # تتقراهم يداي بلمس # فأمسى الليل وهي حلم وأصبح الصباح وهي عيان يتملاه اليقظان. # لا تستحيل الطفرة إذن كما يقول الجامدون والمترددون، ولكنها في الواقع لم تكن طفرة؛ لأنها ~~لم تخلق من الحلم وحده، بل خلقت بالأمل والعمل والصبر والانتظار إلى اليوم ~~الموعود. # ربما ولدت الباكستان قبل مولدها بنيف وسبعين سنة، وربما كان مولدها مع مولد عليكرة في ~~سنة واحدة، وقد ولدت عليكرة سنة 1875، وتخرج منها الأقطاب الذين حملوا الباكستان في ~~مهدها، وهم رجل يتولى أمورها الآن وهو السيد «لياقت علي خان». # كان خروج الإنجليز من الهند أمرا مقدرا في بصيرة الرجل العظيم الذي وضع أساس التعليم ~~الحديث والتعليم العالي لأبناء الهند المسلمين، ونعني به السيد «أحمد خان». # كان المسلمون هم أصحاب الثقافة وأصحاب المناصب التي يتولاها المثقفون يوم كانت الثقافة ~~قائمة على العلوم العربية والفارسية، ويوم كانت الدولة في أيدي «بابر وأرانزيب» ونظرائهم من ~~سلاطين المسلمين، فلما دخل الإنجليز الهند أصبحت معرفة الفارسية أو الأردية أو العربية لا ~~تغني صاحبها في الوظيفة كما تغنيه معرفة الإنجليزية، وأصبحت معرفة الإنجليزية تستفاد في ~~مبدأ الأمر من مصدر واحد وهو مدارس المبشرين، فأحجم عنها المسلمون وأقبل عليها غير ~~المسلمين، وعلم ms166 السيد «أحمد خان» أن العاقبة ضياع لقومه إن لم يتعلموا ويعملوا في الدواوين ~~والأسواق، فأهاب بهم سائلا: متى خرج الإنجليز من الهند فمن يحكمكم وأنتم لا تتعلمون؟ ومن ~~يبرز منكم في المجتمع القومي وليس في أيديكم من مرافق البلاد غير القليل؟ ... تعلموا واعملوا ~~في التجارة والصناعة، وإلا فمصيركم إلى الضياع. # ولم يقلها مقترحا ولا حالما، بل قالها مفتتحا وعاملا، وشفع دعوته إلى العلم بإقامة ~~المعهد الذي يتعلم فيه طالب العلم، وإبانة الطريق لمن يتوجس من أعمال التجارة وأعمال ~~الشركات والمصارف في العصر الحديث. # فلم تكن الباكستان حلما كلها، ولا طفرة كلها، ولكنها لم تكن لتكون بغير الحلم الذي استخف ~~به الجامدون المترددون، وبغير الطفرة التي قالوا عنها إنها «مستحيل». # ونحسبها «أدوارا» أو شخصيات تتكرر في كل نهضة واسعة النطاق بعيدة الآفاق، فلا غنى في ~~جميع هذه النهضات عن رسل الحماسة والأمل، ولا عن رسل الروية والعمل، ولا استثناء لنهضة ~~واحدة من هذه الشريعة الخالدة: طفرة تصاحبها فكرة، وأمل يقترن به عمل، ثم لا استحالة ولا ~~مستحيل. # كان جمال الدين الأفغاني ينطلق كالعاصفة الثائرة بين أرجاء العالم الإسلامي من أقصاه إلى ~~أقصاه، وكان يبذر بذور الثورة حيث حل وحيث رحل كأنه كان يحملها معه في علبة السعوط، وكان ~~معه إمام عظيم لا يقل عنه في القوة والهمة وهو محمد عبده تلميذه الكبير، ولكنه كان يخالفه ~~في الطريقة وكان يرى على الدوام أن تعليم عشرة من المريدين يعلم كل منهما عشرة من أمثاله ~~ينفع العالم الإسلامي حيث لا تنفعه الثورة العاجلة والهجوم السريع، فكان أستاذه وصديقه ~~يجيبه بلسان العطف تارة ولسان المؤاخذة تارة أخرى: أنت مثبط ... أنت مثبط يا بني، فهلم إلى ~~الدعوة، هلم إلى الفلاح! # لم يخطئ جمال الدين. # ولم يخطئ محمد عبده. # ولكن المطلب عظيم لا يدركه من يطلبونه من طريق واحد، فلا بد من الغيرة الملتهبة ولا بد من ~~العمل الثابت، ومع هذين لا طفرة ولا مستحيل في عظائم الأمور. # الفصل الثامن والثلاثون # | خواطر في الجمهورية # الناس جمهوريون، ما ms167 لم يعرض لهم عارض قاهر فهم إذن ملكيون. # حقيقة تاريخية، نسيها الناس حتى استغربوها، ولكنها من الحقائق التي يسهل تذكرها؛ لأنها لا ~~تحتاج إلى تعمق بعيد في أغوار التاريخ. # كان أقدم الأنظمة جمهوريا متطرفا إذا صح هذا التعبير؛ لأن الصلة فيه بين الحاكم ~~والمحكوم أوثق وأقرب من صلة الانتخاب، كانت قرابة الدم هي التي تربط بين الراعي والرعية، ~~فكلهم أسرة واحدة، وأحقهم بالولاية عليهم هو أحقهم بالتوقير والطاعة من الجميع. # ثم جاء النظام الملكي في صورته القديمة، بعد اتساع البلاد وتعدد القبائل المحكومة، فكان ~~اضطرارا لا حيلة فيه. # ومن ضروراته «أولا» ضرورة الفتح والغلبة، تلك الضرورة التي كانت تلجئ قبيلة إلى اقتحام ~~مواطن القبائل الأخرى، فهي سيادة على الأجنبي وليست سيادة على القبيلة الغالبة. # ومن ضروراته «ثانيا» بعض العبادات الخرافية التي تفرضها الجهالة من جهة وتفرضها السياسة ~~من جهة أخرى؛ إذ كان الحاكم ملكا وكاهنا في وقت واحد، فكان يحكم بأمر الله لا بأمره حتى ~~في ذلك الزمن السحيق. # وكثيرا ما كان الكاهن يحل محل الملك، فيجعل الملك معبودا أو شبيها بالمعبود، وكأنه ~~بذلك ينكر - من حيث لا يدري - حق الإنسان في التسلط على الإنسان، فلا بد من صفة إلهية لمن ~~يريد أن يستبيح لنفسه القوامة على العباد. # ومن ضروراته المتكررة وجود الأنهار الكبيرة كالنيل والرافدين والكنج واليانجستي في مصر ~~وبابل والهند والصين، فالنظام الملكي إنما استقر قديما على بلاد الأنهار الكبيرة؛ لأن ~~السياسة فيها تحتاج إلى سعة واستمرار وشمول للأرض التي تسقيها تلك الأنهار، ولم تكن رياضة ~~الأنهار يومئذ قد أصبحت علما تتولاه الدواوين المنتظمة التي يتعاقبها الموظفون بعد ~~الموظفين، بل كانت السلطة الواسعة هي كل ما يتطلبه تنظيم الري من الأنهار الكبيرة على تتابع ~~السنين. # النظام الملكي والأديان # ويمكن أن يقال إن الأديان الكتابية جميعا جاءت بعد الأديان الوثنية، فنظرت إلى ~~النظام الملكي نظرة الريب والكراهية. # فالإسلام يعرف المبايعة ولا يعرف الوراثة الملكية، وإشارات القرآن الكريم إلى الملوك ~~تدل دائما على الريب والحذر، ولما أشار إلى الحق الذي ms168 خول طالوت أن يملك على بني ~~إسرائيل كان ذلك الحق # إن الله قد بعث لكم طالوت ~~ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق ~~بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله ~~اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله ~~يؤتي ملكه من يشاء ~~. # ولما طلب بنو إسرائيل ملكا قال لهم صمويل: «هذا يكون قضاء الملك الذي يملك عليكم، ~~يأخذ بنيكم ويجعلهم لنفسه، لمراكبه وفرسانه ... ويجعل لنفسه رؤساء ألوف ورؤساء خماسين، ~~فيحرثون حراثته ويحصدون حصاده، ويعملون عدة حربه وأدوات مراكبه، ويأخذ بناتكم عطارات ~~وطباخات وخبازات، ويأخذ حقولكم وكرومكم وزيتونكم من أجودها ويعطيها لعبيده، ويعشر ~~زروعكم وكرومكم ليعطي خصيانه وعبيده، ويأخذ عبيدكم وجواريكم وشبانكم الحسان وحميركم ~~ويستعملهم لشغله ... فتصرخون من وجه ملككم الذي اخترتموه لأنفسكم، فلا يستجيب الرب في ذلك ~~اليوم.» # ولم يعرف عن دين كتابي أنه يؤيد الملكية الوراثية، وإنما قام الملك الوراثي على ~~السيف وعلى اتقاء الفتنة حين يخشى اختلاف الناس وشيوع الفوضى، ولا يكون قبول الحكم في ~~هذه الحالة إلا اختيارا لأهون الشرين. # الملكية في العصر الحديث # أما اختيار النظام الملكي الوراثي في العصر الحديث فهو مسألة ضرورة أو مسألة شكل ~~وصورة، وتاريخه في القارة التي يحسبونها أقرب القارات إلى الديمقراطية مزدحم بالشواهد ~~والأمثلة على اختيار الضرورة واختيار الشكل والصورة. # فالأمم الأوروبية التي تحررت خلال القرن التاسع عشر إنما اختارت لها ملوكا منها أو ~~من خارجها؛ لأنها تحررت بسلطان الدول الكبرى، وكانت الدول الكبرى يومئذ متعاقدة على ~~حماية السلطة الملكية لمقاومة المبادئ الثورية، وتلك هي الحركة التي كانوا يسمونها ~~بالحركة الشرعية تمييزا لها من حركات الغضب والتمرد، فلما تحررت الأمم الأوروبية ~~الصغيرة وأعلنت استقلالها لم يكن في مقدورها أن تتحدى الدول الكبرى، وتتخذ الحكم ~~الجمهوري نظاما لها على الرغم من تلك الدول التي حققت لها استقلالها. # ولم تكن الأمم المتحررة على اتفاق بينها في الداخل على أسرة من الأسر الوطنية أو ~~دستور من الدساتير الديمقراطية. # فكان اختيارهم للحكم الملكي الموروث أشبه شيء بالاضطرار. # دلالة اسم ms169 الملك # والعجب الأعجب في الأمر نظام الحكم الملكي في بلاد الشمال التي تكاد تنفرد اليوم ~~بالمحافظة على هذا النظام. # فاسم الملك نفسه معناه بلغات تلك الأمم «الجمهوري» أو الشعبي أو القومي ...! # وكلمة كنج # King # أي: الملك في لغات الشمال تتألف من ~~مقطعين: «كين» بمعنى الأهل والقوم والجنس، ومنها «كايند» # Kind # و«كندر» و«كندر جارتن» ... إلخ إلخ. # والمقطع الآخر هو «إنج» # ing # علامة النسبة. # فكلمة الملك إذن معناها: الشعبي أو القومي أو الجمهوري؛ وسمي كذلك لأنهم كانوا ~~يختارون الملوك بالانتخاب، ولم يكن لهم حق توريث العرش لمن بعدهم إلا إذا اختاره جماعة ~~العقلاء # Witenagmat ~~، ولا تزال كلمة # Wise # وكلمة # Wit # تفيد معنى الحكمة والفطنة في تلك اللغات. # وقد تحول مجلس العقلاء أو الحكماء أو الشيوخ كبار السن إلى مجلس نيابي يسمى ~~«ركسداج» يرجع تاريخه إلى أوائل القرن الخامس عشر، وقيل في وصف وظائفه إنه يختار الملك ~~ليقمع النبلاء، والشعب والنبلاء معا يقمعونه ويخلعونه إذا خالف عهده، ولم يكن ملك ~~منهم يتولى الملك إلا بعقد مكتوب، ولولا العهد الذي التزمه أكبر ملوكهم المحدثين ~~جستاف أدولف لما استوى على عرش بلاده. # والملك في البلاد الإنجليزية بقية من بقايا هذا النظام بين أمم الشمال، وإنما احتفظوا ~~بهذا النظام؛ لأن سلطان العرش عندهم دون سلطان رياسة الجمهورية، ولأنهم يجمعون حول ~~التاج دولة واسعة الأطراف تتفرق فيها الأوطان والأقوام. # مسألة ضرورة # وكذلك كانت بقايا النظام الملكي عند الأمم الأوروبية مسألة ضرورة أو مسألة شكل وصورة، ~~وبقي هذا النظام في أمم الشمال على الخصوص؛ لأنه جمهوري أكثر من الجمهورية. # أما عندنا نحن المصريين فقد بلونا النظام الملكي في أحسن عهوده وبلوناه في أسوأ ~~عهوده، وصحبناه من أقدم الأزمنة يوم كان ضرورة قاهرة بحكم الجغرافية وحكم الواقع، ولم ~~نزل نصحبه حتى قضى الزمن على تلك الضرورة وآل الأمر فيه إلى اختيارنا كما نريد. # ولقد ودعنا النظام الملكي، وهو بحالة لا يأسى عليها أحد، وبلغ من فساده أنه فقد كل ~~مزية للأنظمة الملكية الوراثية، فلم يكفل للأمة استقرارا ولا ضمانا ms170 ولا وقاها غائلة ~~التقلقل والاضطراب، وأصبح مركز الحكومة أضعف من مركز الخادم الذي يطرد في كل ساعة، ~~وزالت الثقة في نفوس الموالين وفي نفوس الخصوم على السواء. # ماذا تختار الأمة؟ # ولما ذهب فاروق لم يكن بمصر إنسان واحد على ما نعتقد يريد لبلده سيطرة ملكية أو يريد ~~لولي الأمر حقوقا أكبر من حقوق رئيس الجمهورية، وإنما أصبحت المسألة مسألة زمن لا ~~مسألة مبدأ ولا عقيدة؛ لأن ملك الطفل أحمد فؤاد الثاني لم يكن حقيقة عملية، ولم يكن له ~~سلطان واقع ولا كان يمكن أن يؤول إليه هذا السلطان في زمن قريب ... # ماذا تختار الأمة؟ # تختار أن تملك خيارها. # تختار أن تجرب الحكم لنفسها بنفسها، ونحن نستقبل التجربة الجمهورية لأول مرة، وليس في ~~استطاعتنا أن نجعلها أسوأ من التجربة الملكية الأخيرة، فليكن في استطاعتنا أن نجعلها ~~خيرا منها وأبقى، وستكون خيرا وأبقى بمشيئة الله. # الفصل التاسع والثلاثون # | لو أصبحت مصر اشتراكية # وقد أصبحت مصر اشتراكية أو شبيهة بالاشتراكية قبل أكثر من مائة سنة ... ولم تكن اشتراكيتها ~~تطبيقا لنظرية من النظريات التي ينادي بها أصحاب المذاهب الاقتصادية، ولكنها كانت اشتراكية ~~عملية تستلزمها أحوال الزمن، وكانت أسبق الاشتراكيات العملية من نوعها في الزمن ~~الحديث. # كانت الأرض كلها ملكا للدولة في عهد محمد علي الكبير، وكانت التجارة الخارجية تدار بيد ~~الحكومة، وهي التي تقدر لكل محصول من المزروعات الغذائية أو المزروعات التي تستخدم في ~~الصناعة كالقطن والكتان والتوت مساحة من الأرض تناسب الحاجة إليه في أسواق مصر أو الأسواق ~~الأجنبية. # وكان عشاق الآراء النظرية ينتقدون هذه الخطة ويفضلون عليها حرية التجارة والزراعة، ولكنهم ~~كانوا على خطأ مبين في تطبيقهم لهذه الآراء على مصر خاصة في عهد الإنشاء أو عهد بناء الثورة ~~الزراعية والصناعية، فإنه عهد يستلزم التوفيق بين محصولات البلاد وبين ما تطلبه الأسواق ~~الخارجية منها، ولم تكن لهذه المطالب سابقة يقاس عليها، وليس في استطاعة الآحاد أن يجمعوا ~~الإحصاءات ويحكموا الصادرات ويفرضوا مشيئتهم على غيرهم من المشتغلين بالزراعة والتجارة، فلا ~~غنى في هذه ms171 الحالة - حالة الإنشاء والبناء - من الإشراف العام الذي لا يستطيعه أحد غير ~~الحكومات. # كانت مصر في ذلك العهد «اشتراكية» عملية أو شبيهة بالاشتراكية العملية، ولعلها عادت إلى ~~نظام قريب من ذلك النظام في أيام الحرب العالمية وما بعدها، تحقيقا للغرض من توفير محصولات ~~الطعام وتدبيرها من طريق تحديد المزروعات واستيلاء الدولة عليها، وخضوعا لشروط المبادلة ~~بين التصديرات والتوريدات المتفق عليها في حساب العملة الدولية. # فالاشتراكية ليست بالنظام الغريب عن بلادنا ... وتجاربنا لهذا النظام تنتهي بنا إلى اختيار ~~الخطط المناسبة لنا ولتقاليدنا ومصالحنا القومية والفردية، وهي خطط الاشتراكية الوسطى أو ~~الاشتراكية المعتدلة بين الطرفين: طرف السيطرة الحكومية الشاملة وطرف الفوضى التي تتيح لكل ~~فرد أن يفعل ما يشاء، في أمور لها مساس بسلامة المجتمع ووسائل المعيشة فيه. # إن تجارب مصر وتجارب غيرها قد أثبتت لنا على التحقيق أن المرفق الذي تديره الحكومات ~~تتضاعف تكاليفه وتزيد فيه المغارم على المغانم، ويؤول شأنه إلى الإهمال وقلة الاكتراث، ~~وبداهة العقل تأبى أن يقال إن عمل الإنسان لغيره كعمله لنفسه، فإن الطبيعة برمتها - كما ~~ألمحنا إلى ذلك مرارا - لا تحمل الحي على إبقاء نوعه ما لم يكن في تكوينه دافع من المتعة ~~الشخصية، ومن الحنان الأبوي، ومن الأمل الذي تدور عليه عواطف الأحياء. # فمن الخطر تسليم المرافق جميعا إلى الدولة، وإلغاء البواعث الفردية التي تشحذ الهمم ~~وتقنع المرء بأنه يعمل لنفسه وذريته مع خدمته للمجموع. # وإنما قوام الأمرين بالنسبة إلينا نحن المصريين على الخصوص أن نبقي للفرد حق الملك وحق ~~التصرف فيما يقدر عليه، وندع للحكومات أن تستأثر بالأعمال العامة التي لا قبل بها للأفراد ~~ولا للشركات. # وسبيل ذلك أن نعتمد على خطتين تصلحان لبلادنا كل الصلاحية، بعد التدريب عليهما والإحساس ~~بضرورة كل منهما ... وهما خطة الضرائب التصاعدية، وخطة التعاون في كل مادة من مواد التجارة ~~والزراعة على درجات من الاتساع والوفرة تلائم جماعات المتعاونين والريف. # إن الضرائب التصاعدية ترضي شعور الفرد بحقه في الملكية، وتغني عن تقييد الملكية الزراعية ~~أو العقارية بمقدار محدود. # فإذا ms172 رأى الزارع أن الضيعة التي تزيد مساحتها على خمسمائة فدان مثلا تتساوى أرباحها ~~وأرباح الأربعمائة، أو رأى أن الفرق في الربح تقابله زيادة الضرائب وزيادة التكاليف ... فهو ~~من غير أمر ولا قانون سيتحول بالمال الزائد إلى مرفق آخر غير الزراعة، وسينتهي هذا التحول ~~في القطر كله إلى التوازن بين مرافق الزراعة ومرافق التجارة وإلى التقارب بين أصحاب ~~الضياع الكبيرة وأصحاب المزارع الصغيرة، دون أن يخل بنشاط الفرد في رعاية ملكه والسهر ~~على مصالحه، ثم يتم التحول بالتوريث بعد جيل واحد، فلا يطغى مرفق على مرفق ولا طائفة على ~~طائفة، ولا يختلف الوضع في الحقيقة إذا نظرنا إلى مصلحة المجتمع كله، فإن الزارع الذي يربح ~~من ضيعته الكبيرة بضعة ألوف من الجنيهات لا اختلاف بينه وبين الموظف الذي تنتدبه الدولة ~~لإدارتها وتعطيه مرتبه من خزانتها، لو فرضنا أننا ألغينا الملكية وجعلنا الدولة مالكة للأرض ~~كلها في القطر كله، وقد يكون هناك اختلاف محقق بين مجهود المالك لعمله وربحه ومجهود الموظف ~~الذي يعمل لغيره ويضمن مرتبه من كل محصول يجنيه. # أما التعاون فهو الوسيلة المثلى للقضاء على الاستغلال، والقضاء من ثم على حرب الطبقات، ~~فإنه هو الوسيلة التي تجعل المشتري بائعا وشاريا في وقت واحد، وتجعله رابحا بزيادة السعر ~~ورابحا بنقصه، فإذا زاد الكسب فهو راجع إليه وإذا نقص الكسب فهو رابح من قلة الثمن الذي ~~يشتري به سلعته، وهو على الحالتين غير مغبون ولا عاجز عن الوصول إلى السلع الميسرة ~~للجميع. # قد يقال: وهل تضمن الأمانة في إدارة الشركات التعاونية؟ وهل يخلص الموظفون الموكلون ~~بالبيع والشراء في توفير الربح لهذه الشركات؟ # والجواب عن هذا السؤال يختلف بين الناس على اختلاق تجاربهم أو اختلاف ثقتهم بالقائمين ~~عندنا على الأعمال العامة، ولكن الأمر الذي لا خلاف فيه أن الشك هنا في أمانة الموظفين ~~وقدرتهم يشمل كل نظام وكل مشروع من مشروعات الإصلاح، فإذا قدرنا الإخفاق لنظام التعاون؛ لأن ~~موظفيه يخونون الأمان ولا يبذلون الهمة في خدمة الشركة، فهذا الإخفاق من نصيب كل نظام ms173 آخر ~~يتولاه الموظفون المتهمون، أما إذا أمكننا أن ندفع التهمة عنهم في نظام من الأنظمة ~~المتعددة، فلا موجب لحصر التهمة إذن في التعاون وموظفيه. # إذا أصبحت مصر «اشتراكية» فأصلح الاشتراكيات لها أن تتوسط ولا تندفع مع الشطط في جانب من ~~الجانبين، فليس من مصلحة مصر أن تستولي الحكومات على مرافقها وأن تدار فيها الأعمال العامة ~~كما تدار أعمال المكاتب والدواوين، وليس من مصلحة مصر أن تغفل عن مجرى الأمور في العصر كله ~~وفي العالم بأسره، وأن تبقي هذا التفاوت الشاسع بين أغنيائها وفقرائها الزراعيين، وبين ~~أصحاب رءوس الأموال وأصحاب الأيدي العاملة، وفي وسعها أن تحقق المصلحة لأبنائها جميعا ~~بنظام الضرائب التصاعدية ونظام التعاون في الريف والحاضرة، فلا ينهدم لها مجتمع ولا تنحرف ~~عن تقاليدها التي قامت على الأسرة والميراث، ولا تتسع الفجوة بين أغنيائها وفقرائها أو ~~تتفتح أبواب الاستغلال والشكوى بين من يبيع فيها ومن يشتري وبين من يعطي السلعة ومن ينتفع ~~بها. # وإذا أصبحت مصر اشتراكية على هذا النظام فلا خوف عليها من دعوة طائشة أو مذهب هدام، ولا ~~انفصام بين ماضيها قبل ألف عام، وبين مصيرها بعد ألف عام. # الفصل الأربعون # | عهد الإقطاع يلفظ أنفاسه # من الواضح أن عهد الإقطاع يلفظ أنفاسه الأخيرة في بلد بعد بلد من بلاد الحضارة، فإن لم ~~يمت عبطة يمت هرما كما قال الشاعر، أو كما قال الشاعر الآخر: # ومن لم يمت بالسيف مات بغيره # تعددت الأسباب والموت واحد! # ففي البلاد التي تقدمت فيها الصناعات الكبرى يموت بالشيخوخة، ومن بقي من أصحابه فإنما ~~يبقى منقسم السلطان متهدم الأركان، يشاركه في سلطانه التاجر الكبير كما يشاركه الصانع ~~الكبير، وتشاركه نقابات العمال كما يشاركه قادة الرأي العام من الساسة ودعاة ~~الإصلاح. # أما في البلاد التي تخلفت فيها الصناعات فلا استقرار له بين أهلها ولا قدرة له على ~~التماسك والثبات في وجه القوى التي تنوشه من جميع جهاته وتعمل على التعجيل بذهابه، وقد ~~تقوضت أركانه في بلاد زراعية لم تتقدم فيها الصناعة الكبرى، وتقوضت أركانه في ms174 بلاد يتوسط ~~فيها الأمر بين الزراعة والصناعة، ولم يكن الفضل في رجوعه - بعد ذهابه - لقوة فيه أو مقاومة ~~فعالة بين أجزائه، وإنما كانت علة رجوعه حماقة أعدائه وجهلهم بالسلاح الذي يرديه، كما تبين ~~ذلك مرتين من تجربة المجر بعد الحرب العالمية الأولى، وتجربة إسبانيا قبل الحرب العالمية ~~الثانية ... # فالثورة على عهد الإقطاع إنما أخفقت في بلاد المجر بعد الحرب العالمية الأولى؛ لأن القائم ~~بالثورة «بلاكون»، كان يجهل الشيوعية التي يدعيها كما يجهل أطوار الأمم وأنظمة الحكم ~~وأساليب الإصلاح، فجرد الملاك الكبار من ضياعهم، وأبى كل الإباء أن يوزعها على ~~صغار الفلاحين؛ لاعتقاده أن الملكية تناقض الماركسية، وأن المالك الصغير يقاوم الشيوعية ~~كما يقاومها المالك الكبير، والواقع أن الشيوعية تناقض الملكية كما اعتقد «بلاكون» ولكنه ~~لم يلتفت إلى رأي أستاذه «لنين» في مرحلة الانتقال بين ملكية الإقطاع والملكية العامة، فلم ~~يجد لنظامه سندا من كبار الملاك ولا من صغار الفلاحين، وانهزمت ثورته العاجلة بعد قليل كما ~~ينهزم كل نظام بغير نصير. # وجاءت التجربة الثانية في المجر نفسها فأفلحت حيث أخفق «بلاكون»؛ لأن القائمين بها حاربوا ~~الإقطاع وسالموا صغار الفلاحين، وتدرجوا من الملكية الإقطاعية إلى الملكية التعاونية ~~والملكية الجماعية، فانهزم الإقطاعيون ولم تقم لدولتهم قائمة. # أما التجربة الإسبانية فقد كانت حماقة الشيوعيين فيها أظهر وأخرق من حماقة «بلاكون»، ~~فتماسك عهد الإقطاع بحماقة خصومه ولم يتماسك بقوة أركانه وصلابة بنيانه، واشتركت العوامل ~~الخارجية مع العوامل الداخلية، فاستفاد منها النظام القديم لكثرة مؤيديه من الخارج والداخل ~~وتفرق الكلمة بين خصومه ومنكريه. # لقد كانت الغلطة الكبرى التي تورط فيها الجمهوريون الإسبانيون أنهم صادروا أملاك الكنيسة ~~وصادروا مدارسها في وقت واحد، ولم يحسبوا حسابا للفلاحين الذين كانوا يحرمون على أنفسهم ~~استغلال الأرض «المقدسة»، ولا حسابا لعشرات الألوف من الأطفال الذين كانوا يتعلمون في ~~مدارس الكنيسة ولم يجدوا مدارس للحكومة تغنيهم عنها، فأصبح آباء هؤلاء الأطفال يرحبون بكل ~~نظام ينقذ أبناءهم من نشأة الجهل والتشرد بغير أمل في تربية الصبا ولا في التعليم العالي ~~الذي يعقبها، وأطبقت ms175 البلوى حين تهجم أراذل الشيوعيين على الأديرة والكنائس، فلوثوها ~~واعتدوا على راهباتها وهتكوا الأعراض جهرة بغير حياء على مرأى ومسمع ممن ينكرون هذه الفضائح ~~ولو لم يكونوا من المتدينين. # وانفرد الجمهوريون بعد حين بين خصوم من الإقطاعيين وخصوم من الشيوعيين، بل خصوم من ~~معسكرهم نفسه؛ لأنهم منحوا المرأة الإسبانية حق الانتخاب فانتخبت مرشحي الكنيسة سرا ~~وعلانية، وكلهم ساخطون على النظام الجديد. # ثم أطبقت العوامل الخارجية فوق هذه العوامل الداخلية، فجاء الانقلاب من القوة المرابطة في ~~مراكش بمعزل عن الحكومة، وظفر هذا الانقلاب بتأييد النازيين والفاشيين ولم يلق معارضة قط ~~من الدول الديمقراطية التي كانت تحارب النازية والفاشية، وتوالى التأييد للانقلاب من أمم ~~أمريكا الجنوبية التي كانت تحارب الشيوعية، وتناصر كل من يخذلها، فأخفقت التجربة بحماقة ~~أنصارها، ولم تخفق بقوة الإقطاع في البلاد الإسبانية، على كونه قوة لا يستهان بها في تلك ~~البلاد. # واتفق أن الشعور الوطني في هذه الآونة كان عونا للإقطاعيين ولم يكن عونا للجمهوريين؛ ~~لأن الجمهورية اعترفت لقطالونيا وبلاد الباسك بحكومتين منفصلتين وفيهما من السكان نحو تسعة ~~ملايين، فقيل يومئذ إن النظام الجديد يمزق الوطن الإسباني ويوقع الفتنة في الوطن الكبير بعد ~~انفصال هذه الأقاليم. # وجملة القول أن التجربة الإسبانية تجربة شاذة لا يقاس عليها؛ لأن العوامل فيها بين ~~النظامين غير متكافئة، وهي من جهة أخرى عوامل خاصة بالبلاد الإسبانية لا تتكرر في غيرها، بل ~~لعلها خاصة بالفترة التي وقع فيها الانقلاب من حيث علاقته بالحوادث الوطنية المحلية وعلاقته ~~بالحوادث العمالية وحوادث أمريكا اللاتينية على التخصيص. # أما التجارب في البلاد الأخرى، سواء في أوروبا الوسطى أم أوروبا الشرقية، فهي آخذة في ~~التطور والانتقال إلى حالة جديدة غير حالة الإقطاع، ولم تبق فيها للإقطاع قوة قادرة على ~~استئناف حياته الأولى، لو وقف هذا التطور يوما لعارض من العوارض التي لا تدخل الآن في ~~الحساب. # وليس من الميسور أن نستقصي في هذا المقال ظروف كل أمة زراعية قضت على عهد الإقطاع، ~~واستبدلت به نظاما من الملكية غير نظام الضياع الواسعة ms176 واحتكار الثروة الزراعية، ولكننا ~~نكتفي هنا ببيان الظروف التي تميزت بها تلك التجارب في جملتها، ومنها يظهر لنا أن ظروفنا في ~~مصر أصلح من تلك الظروف لنجاح التجربة مع توافر أسباب الحيطة والتدبير القويم. # فمن الظروف التي تميزت بها تجارب أوروبا الشرقية وبعض الأقطار في أوروبا الوسطى أن الملاك ~~الكبار فيها كانوا أقوى من كل قوة سياسية أو اجتماعية بين قواها المختلفة. # كانوا أقوى من الأسر المالكة الحديثة؛ لأن هذه الأسر قد نشأت بعد استقلال تلك الأمم من ~~السلطنة العثمانية، أو كان أصحاب العروش فيها أمراء محدودين لا سلطان لهم على رعاياهم؛ ~~ولهذا توقفت التجربة التي بدأت في رومانيا نحو سنة 1860، واقتصرت على توزيع الأرض التي خرجت ~~من حوزة العثمانيين وأعوانهم في ذلك الحين، وظل الملاك الكبار عقبة في طريق الإصلاح الزراعي ~~إلى ما بعد الحرب العالمية الأولى. # إلا أن هذه القوة لم تكن على الدوام عقبة مانعة في طريق الإصلاح، بل حدث في السنوات ~~الأخيرة أن الملاك الكبار هربوا من البلاد بعد هزيمة الدول الجرمانية والدولة القيصرية؛ إذ ~~كان الكثيرون منهم أجانب يرجعون في نسبهم إلى السلالات النمسوية أو المجرية أو الروسية، ~~فوضع الفلاحون الصغار أيديهم على أملاكهم بغير عوض، واستراحت خزانة الحكومة الوطنية من سداد ~~العوض الذي كان لهم أن يتقاضوه منها، لو لم يهجروا مزارعهم قبل توزيع الأرض على صغار ~~الفلاحين. # وجاء الشعور الوطني معززا لحركة الإصلاح في البلاد التي كان الملاك الكبار فيها أجانب ~~مكروهين يستغلون فيها صغار الفلاحين بقوة الحكومة وقوة الإقطاع، فكانت جنسيتهم الغريبة ~~عونا على الإصلاح، بعد أن كانت عقبة لا يسهل تذليلها منذ جيل. # ومن الظروف التي تميزت بها التجارب الأوروبية أنها حدثت في بلاد لم تثبت لها حدود قط في ~~هذا القرن قبل الحرب العالمية الأولى وبعدها إلى أعقاب الحرب العالمية الثانية، فالإقليم ~~الواحد يتنقل من حكومة إلى حكومة ومن نظام ومن ظروف اقتصادية إلى ظروف تشابهها تارة ~~وتناقضها تارة أخرى، فكان هذا الاضطراب المتتابع إحدى العقبات التي اصطدمت بها حركة ms177 الإصلاح ~~الزراعي، ولولاه لتيسرت طريق الحركة منذ سنين. # ومن تلك الظروف أن تلك الأمم كانت فريسة لأصحاب النظريات ممن يهتمون بمذاهبهم قبل كل شيء، ~~ولا يقصرون الإصلاح على مقتضياته في كل بيئة من البيئات التي يطبقون نظرياتهم عليها، ~~وكثيرا ما يعتمدون في نظرياتهم على دول أجنبية تدين بالشيوعية، أو تدين بالفاشية والنازية، ~~أو تعارض هؤلاء وهؤلاء، ولو أنهم حصروا غايتهم في هدم الإقطاع وعالجوا كل نتيجة بما تقتضيه ~~لحفظوا كثيرا من الجهود التي أريد بها إكراه الوقائع على مجاراة النظريات. # وعند الموازنة بين هذه الظروف وبين ظروفنا في مصر يبدو لنا أن الإصلاح الزراعي عندنا ألزم ~~وأيسر من وجوه شتى. # هل من الصواب أن يظن أن هذا الإصلاح خلو من عقباته ومصاعبه؟ كلا ... وليس في الوسع أيضا ~~أن نحصرها كلها قبل الشروع في التطبيق والتقدم به خطوة بعد خطوة، ولكننا إذا ضربنا المثل ~~بالصعوبة الأولى التي ظهرت بوادرها أمكننا أن نقيس عليها ما يتبعها. # فالبوادر التي ظهرت حتى الآن تتلخص في ارتفاع أجور العمل الزراعي وهبوط أثمان المحصولات ~~مع تحديد أجرة الفدان، ومن المصلحة فيما نرى أن يرتفع مستوى المعيشة بين عمال الزراعة، فلا ~~محل للحد من أجرة العامل الزراعي كلما أمكنه الحصول عليها، فهل من العسير علاج هذه الصعوبة ~~بغير تحديد الأجور؟ # نعتقد نحن أن إشراف الدولة على تصدير الحاصلات المطلوبة في الخارج ييسر لها أن تشتري ~~حاصلات الأرض بالثمن الذي يجزئ المالك والعامل، وأن الإصلاح يحتاج حتما إلى مؤسسة مالية ~~تتكفل بتمويل الحركة كلها، وقد يؤدي جمع المال لهذه المؤسسة إلى تخفيف التضخيم النقدي ~~وتمكين الحكومة من سداد أثمان الأرض المستغنى عنها ومعونة الفقير الذي يزرع أرضا ولا يملك ~~أدوات زرعها، وكل صعوبة تعترض هذه الحلول وما شاكلها هي أهون على أية حال من دوام عهد ~~الإقطاع الذي لا مصلحة لأحد في دوامه، حتى الإقطاعيين لو أنهم يتبصرون. # الفصل الحادي والأربعون # | عالم الكتابة والكتاب في حاجة إلى التطهير # نعم؛ تطهير لابد منه في عالم الكتابة، ولعله أوجب من ms178 كل تطهير وأنفع من كل تطهير، بل لعل ~~عالم الكتابة أحوج إلى التطهير من كل بيئة نودي إلى اليوم بوجوب التطهير فيها. # ولست أرى أن التطهير في عالم الكتابة أوجب وأنفع؛ لأنني أعتقد كما يعتقد بعض المغالين ~~بصناعتهم المفاخرين بأقلامهم أن الكتابة هي المسيطرة على أقدار الشعوب وهي الموكلة بالتذكير ~~والتبشير بغير شريك ولا نظير. # كلا! إن الكتابة قد تكون متأثرة كما تكون مؤثرة، وإنها قد تكون تبعا لمن حولها كما ~~يتبعها من حولها في أحيان أخرى، وإنما نعتقد وجوب التطهير في عالم الكتابة قبل غيره؛ لأن ~~الكتابة في الأمة صورة للكاتب والقارئ في وقت واحد، فإذا حسنت هذه الصورة فهي علامة حسنة ~~على خلائق الكتاب وعقولهم، وعلامة حسنة كذلك على الأخلاق والأفكار بين أنواع القراء، وما ~~كان صدق الأقلام قط شهادة للكتاب وحدهم؛ إذ لا يستطيع الكاتب الصدق إذا كان القراء جميعا ~~معرضين عنه غير قادرين على تمييزه أو تفضيله على الباطل والبهتان، فإذا صدرت الأقلام جميعا ~~عن صدق وأمانة فذلك هو الدليل «أولا» على حسن الإدراك عند القراء، وأن الفضل فضلهم في صدق ~~كتابتهم ونهوضهم بأمانتهم؛ لأن هؤلاء الكتاب لا يقدرون على الكذب والزور حيث يظهر الكذب ~~والزور لكل قارئ، وحيث يحاسب كل كاتب على كذبه وزوره، وحيث يقابل بالإعراض فلا تنفق ~~له تجارة بينهم بعد ذلك، ولا يزال عبرة لغيره ممن يكذبون ويزورون، ثم يعلمون أن الصدق ~~فضيلة ومصلحة وليس قصاراه أنه فضيلة وكفى. # تعجبني كلمة لجمال الدين الأفغاني حين قيل له: «إن المستعمرين ذئاب.» فقال: «لو لم يجدوكم ~~نعاجا لما كانوا ذئابا!» # وهذه كلمة جديرة بأن تذكر ولا تنسى كلما تحدث المتحدثون بالجناية على الأمم ~~والجماهير، ويرحم الله البكري؛ حيث قال: # لا تعجبوا للظلم يغشى أمة # فتنوء منه بفادح الأثقال # ظلم الرعية كالعقاب لجهلها # ألم المريض عقوبة الإهمال # فمن الواجب أن نقول لمن يشكون الظلم وهم قادرون على دفعه: إنكم أنتم الظالمون، بل أنتم ~~أظلم من الظالمين؛ لأن الظالم له عذر فيما يكسبه من ظلمه أو ms179 يستطيل به من قوته، وأما أنتم ~~فإنكم تقبلون الظلم وتستديمونه، وإنكم لخاسرون مهانون. # يجب أن نقول لمن يشكون الدجل في الكتابة: إنكم أنتم الملومون وأنتم المسئولون؛ لأن ~~الكاتب الدجال ينتفع ويرتفع، وأما أنتم فإن أدركتم الغفلة وسكتم عليها فأنتم شر من الدجال ~~الذي تنفعه الغفلة وترفعه، وإن مرت بكم الغفلة وأجزتموها فليس المغفل بأفضل من الدجال، وليس ~~الدجال لولاكم بقادر على الاستغفال. # التطهير في الكتابة أوجب وأنفع لهذا، لا لأن الكتابة قوة لا نظير لها في الإصلاح ~~والإفساد. # التطهير في الكتابة دليل على صدق الكاتب ويقظة القارئ، وشهادة حسنة للأفكار والأخلاق بين ~~من يكتبون ومن يقرءون. # ويحزننا أن نقول إن الكتابة في جملتها لم تكن عندنا قط قامعة للطغيان في عهد من العهود، ~~وإنها كثيرا ما كانت عونا للطغيان وسترا له من يقظات العيون والأذهان. # ويجب أن تتطهر ... # ويجب أن يشترك في تطهيرها كل من يعنيه تطهيرها وكل من يقدر عليه، ومنه ما يقدر عليه ولاة ~~الأمر، ومنه ما يقدر عليه جمهرة القراء، وكل منهم مسئول عن عمل الكتاب حيث يجترئون على الغش ~~والنفاق، ومن أعمالهم هم حيث يستغلون الغش والنفاق، أو حيث يصابون بهما فيسكتون أو ~~يشجعون. # تطهير الكتابة تطهيران: تطهير من قبل الحكومة وتطهير من قبل الجمهور، ويشمل هذا القول ~~كتابة الصحف كما يشمل كتابة المصنفات والوسائل وكل كتابة منشورة على العموم. # من التطهير الذي تستطيعه الحكومة أن تراجع أضابير الدواوين وتستخرج منها أسماء أصحاب ~~«الرواتب السرية» في عهد كل وزارة غابرة، وأن تحاسب الوزراء الذين أخذوا من خزانة الدولة ~~مالا باسم «المصاريف السرية» كيف أنفقوه وعلى من وزعوه، وكيف استجازوا أن يستعينوا بمال ~~الأمة على تضليل الأمة وحملها على قبول الرأي المأجور والثناء الزائف والفكرة التي يكتبها ~~الكاتب غير مؤمن بها ولا مخلص في الدفاع عنها. # وليست «المصاريف السرية» هي كل الأجرة التي يؤجر بها أصحاب الأقلام المسخرة والضمائر ~~الخربة، فهناك الوساطات في الصفقات والمنافع، وهناك السمسرة «الأدبية» في الشفاعات ~~والاستثناءات، وكلها فساد ذو حدين: فساد في ms180 الوسيط والمنتفع وفيمن يقبل الوساطة من الحكام ~~مخالفة للعدل والقانون في تصريف أمور الدولة، ولولا الوساطة والشفاعة لكان له تصريف فيها ~~غير ذلك التصريف. # في هذه المهمة تقدر الحكومة على مراجعة الأوراق والحسابات وعلى سؤال الموكلين بتوزيع ~~المصروفات وعقد الصفقات. # بل تقدر على كشف الأقلام المأجورة لغير المصروفات السرية من خزانة الدولة، فإن خزائن ~~الأحزاب وخزائن الشركات تنفق الأموال الكثيرة على شراء الأقلام وتسخير الضمائر وترويج ~~النفوذ الذي يسيطر على الحياة العامة من غير الطريق المستقيم، وقد تستطيع الأحزاب والشركات ~~هنا ما لا يستطاع بمصروفات الخزانة؛ لأن مصروفات الخزانة قد تكون اليوم في يد هيئة وقد تكون ~~غدا في يد خصومها، فهي لا تثابر على خدمة سياسية واحدة ولا تنحصر في غرض واحد، ولكن ~~الشركات تثابر على خطتها وتملك السامع في أزمنة متعاقبة، فهي أقدر على ترويج الأباطيل ~~الباقية وأبلغ ضررا من الهيئات السياسية في استغلال الغفلة وتسميم الأفكار. # هذه مهمة حكومية يتعين القيام بها على الحكومة التي تتصدى للتطهير وتصدق النية في اقتلاع ~~جذور الفساد. # أما مهمة القراء من جمهرة الناس على اختلاف طبقاتهم فكل ما يطلب منهم أن يحترموا عقولهم، ~~ويضنوا بمصالحهم العامة أن تلعب بها أقلام المأجورين وتلعب بهم معها. # وسهولة المهمة هنا بمقدار سهولة التمييز عند حضرات القراء الموقرين. # عليهم أن يميزوا قليلا، ولا حاجة إلى تمييز كثير ليطهروا الكتابة من كل قلم لا يعرف غير ~~الثناء على السلطان القائم، ولا يعرف النقد والمذمة إلا إذا تكلم عن السلطان الزائل. # عليهم أن يميزوا قليلا، ولا حاجة إلى تمييز كثير، ليطهروا الكتابة من كل قلم يكتب دائما ~~ليرضي ولا يكتب مرة ليغضب، وإن أغضب بكتابته أحدا فإنما يغضب الذين لا ينفعون ولا يضرون؛ ~~ليزدلف بذلك إلى القادرين على المنافع والأضرار. # عليهم أن يطهروا الكتابة من كل قلم يجري مع التيار ولا يقف يوما في وجه التيار، فما من ~~أمة تعجز عن توفير المئات من الأقلام التي تجري مع كل تيار، وقد تحتاج في وقت من الأوقات ~~إلى ms181 قلم واحد يقف في وجه التيار فلا تجده، وهو ألزم لها من تلك المئات. # عليهم أن يطهروا الكتابة من الأقلام التي تطلب لأصحابها أكاليل الغار، وهم لا يستحقون من ~~الناس غير أغلال السجون ومذلة الاحتقار. # أقلام تسخرها الدول الأجنبية جواسيس على أوطانها لتفسد سياسة أوطانها وتخدم سياسة تلك ~~الدول، ثم تطالب الناس بشرف البطولة وهي بوصمة الخيانة وعقوبة القانون أولى ما تكون. # ومن التشريف لتلك الأقلام المأجورة أن يقال عنها إنها تبشر بالمذاهب الهدامة أو بما ~~شاكلها من مذاهب الفوضى، فإن صاحب المذهب الذي يؤمن به يعمل على المصلحة العامة كما يراها ~~وإن أخطأ في تقديرها. # ولكن الوصمة وصمة من يخدم الجاسوسية الأجنبية حيث اتجهت وجهتها، فلا وفاق مع إسبانيا ولا ~~مع تركيا ولا مع الصين الوطنية ولا مع الأمم التي تحاربها تلك الجاسوسية الأجنبية، وقد يصعب ~~تمييز الخيانة حين تكون الحملة منصبة على الدول الكبرى؛ لأنها حملة تتلبس بلباس الغيرة ~~الوطنية وتمضي في طريقها ... أما الجاسوسية فهي الحملة على كل عدو للدولة التي تنشر شباك ~~الجاسوسية، وإن لم يكونوا أعداء للمصريين في القضية الوطنية، وهي الحملة على كل دولة ما عدا ~~الدولة التي تشتري الأقلام لخدمة مآربها وتسخير الوطنية المصرية لغاياتها. # ونجاة الخائن من جريمة إجحاف معيب، ولكن الإجحاف الذي لا يدانيه إجحاف أن يخرج الخائن ~~متوجا بأكاليل الغار مزفوفا بأناشيد الأبطال. # وكلما كان المعمول الأكبر في تطهير الكتابة على التمييز والإدراك صغرت تبعة الحكومة وكبرت ~~تبعة الأمة، فلا يجلس أحد في مقعده ويطلب من ولاة الأمر أن يقدموا له التطهير لقمة سائغة ~~بين شدقيه، ولا تفعلن كما فعل بنو إسرائيل يوم قالوا لموسى عليه السلام: # فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا ~~قاعدون ~~. # كلا! إن هذا القعود لا يجدي في تطهير الكتابة إن كانت له جدوى في تطهير كائنا ما كان، ~~وإنما الجدوى التي لا جدوى مثلها في تطهير الكتابة أن نطهرها بالتمييز السريع والعقول ~~اليقظى، ويومئذ لا يهمنا كثيرا ما تصنعه الحكومات وما يصنعه الكتاب وما يصنعه المغرضون ms182 ~~الذين يلجئون القانون والرأي العام إلى التطهير. # الفصل الثاني والأربعون # | أزمة التعليم # كان التلميذ ينجح في امتحان الشهادة الابتدائية فيضمن على الأثر وظيفة في دواوين الحكومة ~~... # وكانت الموسيقى العسكرية تحيي التلميذ المنقول من سنة إلى سنة، ويشهد تسليمه شهادة النقل ~~حفل من كبار الموظفين والأعيان ... # وكان التلميذ يقبل في السنة الابتدائية بعد العاشرة من عمره ... # وكانت الأماكن في المدارس خالية مع كل هذه الرغبات؛ لأن الناس كانوا لا يفرقون بين السخرة ~~والتعليم ... # ولم يكن ذلك كله في زمن بعيد ... # بل كان معروفا معهودا في جهات كثيرة من البلاد المصرية قبيل القرن العشرين ببضع سنوات ~~... # واليوم يتقيد القبول في المدارس المختلفة بالسن ودرجات النجاح ومادة العلم المطلوب، ولا ~~يضمن المتخرج في أعلى المدارس وظيفة في دواوين الحكومة. # ومع هذا تزدحم الأماكن في كل مدرسة، ويشتد الطلب عليها، ولا يزال المطلوب من الأماكن في ~~جميع المدارس أكثر من الموجود. # أتسمى هذه أزمة؟ # نعم؛ تسمى أزمة إذا نظرنا إلى الحاضر والمستقبل، ولكننا إذا نظرنا إلى الماضي غير ~~البعيد فهي فرج قريب ... # على أننا لا نريد أن ننظر إلى الماضي إذا كان النظر يقنعنا بالحاضر، ويحول بيننا وبين ~~إطلاق الأمل إلى أبعد الحدود ... # فلننظر إلى المستقبل! # بل ننظر إلى أبعد مستقبل يمتد إليه البصر، فنرى أن أزمة الأماكن في المدارس إنما هي في ~~الحقيقة «أزيمة» صغيرة إلى جانب الأزمة الكبيرة التي يجب علينا أن ننظر إليها من الآن؛ ~~وهي أزمة الأماكن في المجتمع المصري لجميع هؤلاء المتعلمين ... # هذه أزمة يخافها كثير من المتشائمين الذين يخافون الحياة، ولا يقدمون عليها بثقة الحي ~~الذي يحق له أن يعيش، ويعلم على ثقة أنه سيعيش. # يخافها هؤلاء الخائفون؛ لأنهم يتساءلون: أين يذهب جميع هؤلاء المتعلمين بعد انتهاء ~~الدراسة؟ ألا يخشى يومئذ من أزمة عاطلين؟ ... ألا يتعرض المجتمع لخطر الثورة كلما تكاثر فيه ~~الشبان الذين يطمحون إلى المجد والمكانة، أو يطلبون الرزق والعمل، ثم لا يجدون أمامهم ~~أعمالا في المجتمع المصري تستوعب هذا العدد الكبير؟ # سؤال تستطيع أن تجيبه ms183 بنعم، وتستطيع أن تجيبه بلا، ويتوقف الجواب بهذه أو تلك على المجتمع ~~الذي تتصوره بعد عشر سنين أو بعد عشرين سنة، قياسا على التطور الدائم الذي رأيناه، والذي ~~نراه وسنراه ... # فإذا كان مجتمعنا المصري سيظل على حالة واحدة إلى الأبد «فنعم» هي الجواب الصحيح ... # وإذا كان مجتمعنا سيتطور مع الزمن - وهو يتطور فعلا - فنحن بين أمرين: إما خطر يمكن ~~التغلب عليه عند وجوده، وإما لا خطر على الإطلاق. # لقد كان الشاب المصري يحصر رجاءه كله في الحكومة حين كان التعليم مزية محصورة في بضع مئات ~~أو بضعة ألوف من الشبان ... # كان الشاب المصري يومئذ يعتقد أنه إنسان ممتاز، فمن حقه أن يتطلع في المجتمع المصري إلى ~~مكان ممتاز ... # أما اليوم، وبعد اليوم، فقد تغير نظر الشاب إلى مزية التعليم وتغير نظره إلى وظيفة ~~الحكومة ... # فالتعليم قد أصبح - وسيصبح - قسطا مشتركا بين جميع الشبان، فلا مزية فيه لأحد على أحد ~~... # ووظيفة الحكومة قد أصبحت - وستصبح - عملا لا امتياز فيه، بل لعله أقل ربحا ومظهرا من ~~أعمال كثيرة يستطيعها الشبان ... # والبركة في الحرب العالمية الأولى، وفي الحرب العالمية الثانية، فإن الشاب المصري يفتح ~~عينيه فيرى أمامه جاهلا يجمع الثروة التي تعد بألوف الجنيهات، وينظر في كل بيئة فيرى ~~مجالا للسعي والاجتهاد يغنيه عن أبواب الوظائف، ولا يتوقف على أحوال الحروب ومفاجآت ~~الحوادث الخارقة التي تحيط بهذه الحروب. # ففي جانب كل شاب يعلق الأمل على الوظيفة شبان لا يعلقون عليها أملا ولا يزالون يبحثون عن ~~العمل الحر في مختلف ميادين الحياة ... # أعرف صاحب مكتبة يعلم ابنه تعليما لا يرشحه لوظيفة من وظائف الحكومة، ولكنه يرشحه أحسن ~~ترشيح للعمل في تجارة أبيه. # وأعرف تاجرا يعلم أبناءه تعليما لا يفتح لهم بابا من أبواب الدواوين، ولكنه يفتح لهم ~~كل باب من أبواب التجارة ومشروعات الاقتصاد ... # وأعرف كثيرين من الشبان كانوا في وظائف الحكومة، وكانوا موعودين بالترقي السريع فيها، ~~فتركوها غير آسفين وأقبلوا على الشركات أو على المرافق الفردية التي يحسنونها، ولم يندموا ~~على ما فعلوه، ms184 بل كان إقدامهم هذا مشجعا لغيرهم من طلاب الحرية والكفاح ... # ومن اليوم إلى عشر سنين أو عشرين سنة مقبلة، سيتم كثير من وجوه الإصلاح التي تتطلب جهود ~~الألوف من الشبان، ثم لا تزال تتطلب المزيد. # أرض تستصلح للزراعة. # مشروع كهرباء، أو مشروعات عدة للكهرباء، لا تضيق بمن يقصدها من دارسي الهندسة ~~والصناعة. # مصارف وشركات، ومكاتب وساطة داخلية وخارجية تتسع لطلب الرزق والثراء ولا تكلف طلابها ~~شيئا من العنت الذي يتكلفونه وهم يطرقون أبواب الدواوين. # أميون يذهبون ويخلفهم قراء ينشدون المعرفة والاطلاع من الصحف والمؤلفات وسائر ~~المطبوعات ... # والمعلمون يزدادون، وهذه المرافق تزداد، ويرجى أن تكون الزيادة هنا مكافئة للزيادة ~~هناك، وأن يقترن التطور في الأخلاق والنظر إلى قيم الأمور بكل تطور يجري في مطالب العيش ~~وتكاليف الحياة. # وإذا لم يكن هذا فماذا؟ # أتكون أزمة؟ أيكون خطر؟ # فلتكن أزمة، وليكن خطر، فإنما خلقت الأزمات لمن يفرجونها، وخلقت الأخطار لمن ~~يكافحونها، وعلى الجيل المقبل أن يضطلع بأزماته وأخطاره، ويخرج منه أصلح وأقوى مما كان، ما ~~دام صالحا للبقاء قويا على احتمال الصدمات ... # فإذا سئلنا عن شعار نتخذه لسياسة التعليم، فالشعار الوحيد الذي لا نتردد فيه هو: ~~علموا وعلموا وعلموا ... علموا كل شيء، وعلموا كل إنسان، واتركوا الأزمات لقوم ~~متعلمين فذلك خير من أن تتركوها لقوم جهلاء! # والكلمة التي نلقيها في آذان المتعلمين بعد ذلك هي: إن الأزمة الحقيقة اليوم هي أزمة لعلم ~~للعلم، هي أزمة العلم الذي يتعلمه الإنسان لنفسه ولا يكون تعليم المدرسة بالنظر إليه إلا ~~ضربا من التمهيد والتوجيه ... # وستبقى أزمة العلم للعلم باقية، ما دام العلم عندنا علم مظاهر وألقاب، وعلم مراسم وأشكال ~~... # وعساه لا يدوم على هذه الحال ...! # الفصل الثالث والأربعون # | العلم فيضان ولا بد أن نسبقه بإقامة جسور # اتفق علماء التربية في العصر الحديث على أن تعميم التعليم واجب. # واتفقوا كذلك على أن تعميم التعليم من نوع واحد أمر لا تصلح عليه أمة من الأمم، ولا تحتاج ~~إليه، ولا يتأتى تحقيقه إذا أريد. # وإذا أريد وتأتى تحقيقه فهو ms185 ضار شديد الضرر، ولا خير فيه على الإطلاق للأمة في جملتها ~~ولا لآحادها متفرقين. # لأن أبناء الأمة يختلفون في المطالب والرغبات، كما يختلفون في الملكات والأعمال، فمنهم من ~~يتعلم ليشتغل بالصناعة، ومنهم من يتعلم ليشتغل بالزراعة، ومنهم من يتعلم ليشتغل بالتجارة، ~~ومنهم المستعدون للفنون والمستعدون للتوسع في العلوم، وغير ذلك من ضروب الاستعداد. # والذين يشتغلون بالصناعة أو الزراعة أو التجارة يشتغلون بذلك على درجات لا على درجة ~~واحدة، حسب اختلاف الطاقة أو اختلاف الحاجة أو اختلاف طبيعة الإقليم الذين يعيشون ~~فيه. # فهناك تعليم يمكن تصميمه. # وهناك تعليم لا يمكن تعميمه ولا يطلب فيه التعميم. # ما الفرق إذن بين التعليمين؟ # الفرق بينهما أن التعليم الذي يجب تعميمه لا اختلاف فيه بين طفل وطفل في ~~الاستعداد. # فمهما يكن نصيب الطفل من الذكاء أو قلة الذكاء، ومهما يكن مستقبله من الاتجاه إلى الصناعة ~~أو الاتجاه إلى الفلسفة والعلوم النظرية، فلا غنى له عن نصيب من القراءة والكتابة ونصيب من ~~مبادئ الحساب والجغرافيا وما إليها. # كل طفل بين السابعة والعاشرة، أو ما بعد العاشرة بقليل، يساوي غيره من الأطفال في الحاجة ~~إلى هذا التعليم العام. # ثم يبدأ الاختلاف بين الأطفال حين يتجاوزون الثانية عشرة، فلا يتعلمون على نسق واحد ولا ~~يتساوون في الملكة ولا في المستقبل الذي يتطلعون إليه. # ما هي الوسيلة للتفرقة بينهم على حسب هذا الاختلاف؟ # هل نفرق بينهم بمقدار ما يستطيعونه من المصروفات المدرسية؟ هل نفرق بينهم بما عندهم من ~~المال؟ # كلا؛ لأنها تفرقة لا تعرفها الديمقراطية ولا تسيغها، بل لا تعرفها التربية الصحيحة ولا ~~السياسة الرشيدة. # وإنما تسيغ الديمقراطية والتربية أن نفرق بينهم على حسب الاستعداد والمزية ~~العقلية. # من ظهر من درجاته المدرسية أنه مستعد للتفوق في العلوم، فالواجب على الدولة أن تمكنه من ~~التوسع فيها، مهما يكن حظه من الثروة أو قلة الثروة. # ومن ظهر من درجاته المدرسية أنه مستعد لغير هذا السلك من التعليم وجب أن يتحول إليه، وأن ~~يكون تعليمه الفني على نفقة الدولة إذا كان من ms186 الفقراء. # أما إذا كان أبوه غنيا قادرا على مصروفاته في مدارس التعليم على اختلافها فما هي ~~المصلحة في إعفائه؟ ولماذا نحمل الفقير ضريبة الإنفاق عليه؟ # إنها مزاحمة لأبناء الفقراء في حق المجانية، ومساواة للأغنياء بالفقراء ونحن نطلب للفقراء ~~مساواة الأغنياء. # التعليم ليس احتكارا! # وللمسألة بعد هذا وجه آخر أحق بالاعتبار من كل وجه يتعلق بالمجانية والمصروفات. # المسألة الكبرى هي أن التعليم مهمة قومية ولا يصح أن يكون حكرا للسلطة في جميع مراحله ~~ودرجاته. # فإذا كان التعليم بالمجان في جميع المراحل والدرجات، فمعنى ذلك أنه حكر للحكومة وحدها، ~~وأن مجاله مغلق في وجه العمل الحر والجماعات القومية ... وليس هذا من مصلحة الثقافة ولا من ~~مصلحة الحرية الفكرية في شيء. # إن التعليم الثانوي الحر مثلا لن ينشط ولن يتقدم مع تعميم المجانية في المدارس الثانوية ~~للقادرين وغير القادرين، وللمستعدين له وغير المستعدين. # ومن الجائز أن الدولة تعطي أصحاب المدارس إعانة مالية تعوضهم عن تكاليفهم وتغنيهم عن ~~مصروفات التلاميذ. # ولكننا بهذا نعمل في الحقيقة على «تصفية» المدارس الموجودة ونمد الطريق على من يفكرون في ~~إنشاء المدارس الجديدة، ولن يطول أمد هذه التصفية حتى ينحصر التعليم كله في «الحكر ~~الحكومي»، ويقف التطور في هذه المهمة القومية عند حد يتراجع عنه ولا يتقدم عليه. # والأولى في تقديرنا أن نوفق بين إعانة الحكومة للمدارس الحرة وبين استقلال هذه المدارس في ~~تطورها، فنقصر الإعانة على أبناء الفقراء الذين يتعلمون فيها بالمجان، وندع الأغنياء ~~وواجبهم في تعليم أبنائهم وقدرتهم على إعفاء الدولة من هذا العبء المشترك بين الفقراء ~~والأغنياء. # مهمة قومية ... # والرأي الذي أجملته في هذا المقال هو الرأي الذي أخذت به في كل فرصة أتيحت في خلال ~~أعمالي النيابية وأعمالي الكتابية. # فهو الرأي الذي أخذت به عند بحث القوانين التعليمية في لجان مجلس الشيوخ ومن قبله لجان ~~مجلس النواب. # وهو الرأي الذي فصلته في الصحف غير مرة، وآخرها مقالي ب «المصور» في الحادي عشر من شهر ~~نوفمبر الماضي، حيث أقول عن تنويع التعليم: «إن أبناء الأمة لم ms187 يخلقوا جميعا للتلمذة في ~~المدارس التي نسميها بالمدارس النظرية والمدارس العلمية، ولم يخلقوا جميعا لابتداء ~~التعليم الذي نهايته الجامعة أو المدرسة العالية أو حتى المدرسة الثانوية، فلا بد للبلاد من ~~صناع ولا بد لها من زراع، ولا بد لها من مشتغلين بالبيع والشراء، ومن العبث أن نتكلم عن ~~تدبير المستقبل لأبناء الأمة المصرية كأنهم كلهم تلاميذ نظريون أو علميون.» # وختمت ذلك المقال سائلا: «هل يغنينا في ارتقاب ذلك اليوم وزير المعارف؟ ... بل هل تغنينا ~~الحكومة وما فيها من الوزارات والدواوين؟ ... كلا؛ لأن الأمة التي تتمنى على وزير واحد، أو ~~وزارة واحدة، أو عدة وزارات، تتمنى المستحيل.» # وهذه هي المهمة القومية التي نعنى بها اليوم، وقد عنينا بها على الدوام. # يجب أن يعمم التعليم حيث يتساوى الاستعداد. # يجب أن تفتح الأبواب للفقراء المستعدين للعلوم العالية. # يجب أن نفتح للتعليم الحر أبواب التطور والارتقاء. # يجب أن نتخذ الحيطة لاتساع الفصول وتدبير الكفاية من المعلمين. # هذه هي الواجبات التي لا محيد عنها ولا اختلاف عليها. # وزميلنا الدكتور طه حسين يقول حين سألوه عن هذه الحيطة: «إن الجهل حريق، وإن الحريق ~~يعجلنا عن كل احتياط.» # ونحن نقول: إن كلام الدكتور هنا هو كلام الأديب الذي يعتمد على بلاغة التشبيه. # ولكن بلاغة التشبيه تعطينا الشيء ونقيضه في لحظة واحدة، وفي وسعنا أن نمضي مع التشبيهات ~~فنقول: إن العلم فيضان، ولا سلامة مع الفيضان إن لم نسبقه بإقامة الجسور وبناء القناطر وشق ~~الترع وتوزيع المناوبات، وقد كان النيل نفسه خطرا على مصر حينما استقبلت فيضانه بغير ~~الحيطة اللازمة في عصرنا هذا وفي العصور الخالية، وهي بنت النيل كما قيل بحق في جميع ~~العصور! # وتشبيه الجهل بالحريق لا يعلو في طبقة البلاغة على تشبيه العلم بالفيضان. # الفصل الرابع والأربعون # | الصحافة والجنون # رفع صاحبي نظره عن الصحيفة وهو يبتسم، ثم ناولني الصحيفة وأشار إلى موضوع فيها قائلا: هل ~~قرأت هذا؟ # فقرأت ما أشار إليه فإذا هو خبر من واشنطن خلاصته أن أطباء الأمراض العقلية في مستشفى ~~القديسة «اليصابات» ms188 نجحوا في علاج الجنون بتدريب المجانين على صناعة الصحافة، وأنهم أنشأوا ~~في المستشفى صحيفة عهدوا في تحريرها وإدارتها إلى مائة وخمسة وسبعين مجنونا، فأخذوا يشفون ~~من مرضهم واحدا بعد واحد، وثبت للأطباء أن الصحافة دواء صالح لهذا الداء (داء ~~الجنون). # والتفت إلي صاحبي منتظرا متسائلا: ما رأيك؟ # قلت: معقول؟ # قال: لا أفهم ما تعني ... ما هو هذا المعقول؟ # قلت: إن علاج الجنون بالصحافة في اعتقادي أمر لا غرابة فيه، ولكن الذي أستغربه هو: كيف ~~خطرت هذه الفكرة لطبيب المستشفى أو أطبائه؟ ولماذا اتجهت أذهانهم إلى صناعة الصحافة دون ~~غيرها لعلاج المصابين بعقولهم، فليس هذا بالخاطر الذي يخطر على بال الطبيب بغير مقدمات ~~تدعوه إليه! # قال صاحبي: لعلهم يعتقدون أن الصحافة صنعة مجانين. # قلت: لو اعتقدوا ذلك في أمريكا خاصة لما أخطأوا، فإنك كثيرا ما تلمس دلائل الجنون الصارخ ~~في الصحف التي تنشر على الناس خارج المستشفيات، فإذا عهدوا بهذه الصناعة إلى نزلاء ~~المستشفيات فهي بضاعة ردت إلى أصحابها وإدارة حصرت في مكانها! # على أنهم لا يخطئون كثيرا إذا عمموا الحكم على الصناعة كلها ولم يقصروه على الصحافة ~~الأمريكية دون غيرها، فليس من البعيد أن الصحافة تحتاج إلى شيء من الجنون في جميع الأمم، ~~وأن الإنسان لا يملك عقله كله وهو يقبل على هذه الصناعة. # سواء شقي بها أو سعد ... فالسعداء فيها ولا ريب أجن من الأشقياء. # قال لي: أيملك عقله رجل يتجرد عن شئونه ليشتغل بشئون الناس؟ أيملك عقله رجل يخيل إليه ~~أنه يشرف على الكون ويصلح أخطاء العالمين؟ أيملك عقله رجل يشبع جنون الفضول في نفوس ~~الجماهير ويزودها أبدا بما يلبي هذا الفضول ويرضي هذا الجنون ...؟ إن لم يكن هؤلاء مجانين ~~فقل على الأقل: إنهم أنصاف مجانين، وإن نزلاء المستشفى يجدون في هذه الصناعة برزخا بين ~~الجنون والعقل ينتقلون عليه من الجنون المطبق إلى ضرب من الجنون «المعقول»! # قال: فالصحافة إذن هي الجنون المعقول! # قلت: لك أن تقول هذا فلا تخرج من عداد العقلاء، ولك أن تقول غير هذا ms189 وتبقى أيضا في عداد ~~العقلاء. # قال: وما غير هذا؟ # قلت: غير هذا هو الذي أظن أن الأطباء قصدوه حين فكروا في اتخاذ الصحافة علاجا لنزلاء ~~مستشفاهم، فإن في الصحافة عناصر كثيرة من تلك العناصر التي يداوى بها مرضى العقول، وأولها ~~الثرثرة والتنفيس عن الضمير المكظوم. # فمن المعلوم أن «الكبت» سبب من أقوى أسباب الجنون: ينطوي الإنسان على نفسه ويطيل كتمان ~~حزنه ويعيد ويبدئ في هواجسه وهمومه، فتفعل فيه هذه الآلام المكبوتة فعل السم القاتل، ويخالط ~~في عقله لا محالة ما لم يسترح من محنته بالنفث والشكاية، أو بالتعبير عنها على وجه من ~~الوجوه. # هنا تسعفه الصحافة على الرغم منه؛ لأنها لا تدع في نفسه ذخيرة مخزونة يبيت عليها وتضطره ~~إلى تصريف ما عنده حتى يقول على غير وعي منه كل ما يريد ، بل يبحث أحيانا عما يقول فإذا هو ~~يقول ما لا يريد. # وهناك عنصر آخر من عناصر الصحافة يساعد على علاج الجنون، وهو: الشعور بالرقابة، والتنبه ~~إلى الجمهور. # فلا يخفى أن المجنون الذي يخرج عاريا إلى الطريق إنما يفعل ذلك؛ لأنه فقد الإحساس بوجود ~~الناس. # وكذلك تنشأ عادات الجنون غالبا من فقدان هذا الإحساس على نحو من الأنحاء، فإذا أخذ ~~المجنون في التنبه إلى جمهور يتعقبه ويتابع كلامه فهذا في الحقيقة هو بدء الشفاء، وهذا هو ~~أول عمل الصحافة في تنبيه المجانين إلى وجود الرقباء والقراء. # فلا عجب أن تكون الصحافة علاجا للجنون. # قال صاحبي: نعم؛ لا عجب، وقد يكون «المصل» الشافي من جرثومة الداء. # والحق أن خبر «المستشفى الأمريكي» جدير بعناية كل طبيب وكل مشتغل بالمسائل النفسية؛ لأنه ~~على ما فيه من دواعي المزاح جد لا شك فيه. # وأحسب أن تجاربنا الصحفية في مصر تؤيد هذا الكشف الطريف الذي اهتدى إليه أطباء «القديسة ~~اليصابات». # فإنني واحد من الصحفيين الذين طال اشتغالهم بالصحافة لا أذكر زميلا واحدا انتقل من ~~مكاتب الصحف إلى مستشفى المجاذيب، وأذكر على نقيض ذلك رجلا كان في مستشفى المجاذيب فانتقل ~~إلى مكاتب الصحافة وزاول فيها ms190 أعمالا كثيرة منها التحرير والإدارة والإشراف على المطبعة، ~~فكان مثلا في الاجتهاد والتوفيق. # وأذكر من تجاربي في الصحافة ما يشهد بفراسة الأطباء الذين اختاروها لجذب المجانين إلى ~~العمل النافع. # فإن فيها لجاذبا قويا لكثير من المجانين والمخبولين، وقلما مضى أسبوع في أيام عملي ~~بالصحافة اليومية لم أتلق فيه خطابا من مجنون يعرض علي فيه بعض المقترحات أو يشير ~~علي ببعض الموضوعات. # وأعجب ما تلقيت من ذلك ولا أزال أتلقاه أن أحدهم تصدى لإصلاح الكون كله، وأوحي إليه أنني ~~مطالب بكتابة مقالات ثلاث أبشر فيها برسالته وإلا حلت علي لعنة الله وبطلت مهمة الإصلاح، ~~وأنا المسئول! # قلت له: أأنت نبي؟ # قال: أكثر من نبي، أنا ملهم الأنبياء. # قلت: ولكن إذا كانت رسالتك كلها تتوقف على مقالات ثلاث أكتبها فأنا أقوى منك وأجدر ~~بالنبوة ، وأشهد أمامك إنني لست من الأنبياء ولا من الأولياء. # فلم يقنعه كلامي وما زاد على أن قال: إنما هي أسباب، إنما هي أسباب ... # وحدث مرة أنني كنت أعمل في الصحيفة التي أزامل فيها طليق المستشفى الذي أشرت إليه، فلم ~~أدر ذات يوم إلا ومجنون شارد العينين يهجم على مكتبي وهو يصيح: اكتب عندك، لقد منعوني من ~~دخول الديوان. # فسألته: أي ديوان؟ # قال: ديوان رياسة الوزارة. # قلت: ومن تكون أنت؟ # قال: ألا تعلم؟ أنا صاحب الدولة رئيس الوزراء. # قلت في ذات نفسي: لا يفل الحديد إلا الحديد، وبالغت في الاعتذار إليه وأنا أدعو بالفراش ~~ليقوده إلى مكتب ذلك الزميل، وأرجوه أن يعفيني من كتابة الخبر؛ لأن مقامي في الصحيفة لا ~~يسمح لي بالتعرض لهذه الأخبار الجسام، وإنما هي من اختصاص المحرر الذي أرسله إليه. # ولم تنقض خمس دقائق حتى كانت الصحيفة من أعلاها إلى أدناها تعج بصوتين متعاليين لا ~~يفهم أحد ما يقولان: صوت صاحب الدولة المطرود من ديوانه، وصوت زميلنا المطرود - لحسن حظه ~~وحظي - من مستشفى المجاذيب! # إنها لفكرة عبقرية تلك الفكرة التي أوحت إلى أطباء واشنطن أن يستغلوا جاذب الصحافة في ~~علاج المجاذيب، وأكبر الظن أنهم وقعوا ms191 عليها؛ لأنهم يفهمون جيدا ما هو المجذوب! يفهمونه ~~بمشاركة في شيء من الأشياء، لا بمجرد العلم والتجريب! # الفصل الخامس والأربعون # | الجيش وقائده # لا نعتقد أن فاروقا كان يعقل أن يضع لنفسه سياسة يحمي بها عرشه ويوطد عليها دعائم ملكه، ~~ولكنني أرجح أنه تلقى من أبيه وصية مكتوبة أو محفوظة تلخص له قواعد السياسة التي يعتمد ~~عليها لحماية العرش وتوطيد دعائم الملك، ومنها الاحتفاظ بولاء الجيش وولاء الأزهر، وقد كان ~~أبوه يحاول الاحتفاظ بولائهما غاية ما وسعه، ولم يكن وسعه بالقليل. # هذه السياسة - ولا شك - أصح سياسة يوصي بها الملك من يخلفه على عرشه، فليس أنفع للعروش من ~~ولاء القوة والعقيدة، وهما متمثلتان في رجال الجيش ورجال الدين. # ولكنها منفعة لا تتأتى إلا للملك النافع، فإن كان ملكا غير نافع فأخطر الخطر عليه من حيث ~~يقدر الحماية والأمان. # ولهذا كنت أقول وأكرر القول لصاحبي في السنوات الأخيرة على الخصوص: إذا خلع فاروق، فلن ~~يتم خلعه بمعزل عن الجيش أو الأزهر، وقد يخلعانه متفقين. # إن الفاسد يفسد على نفسه كما يفسد على غيره، ولن يكون الملك فاسدا حيث تصلح سياسته لكسب ~~الأنصار والاحتفاظ بولاء أنصاره، فإذا فاته أن يكسب الأنصار المحافظين على ولائه فلا حماية ~~له ولا لعرشه من أحد، وجاءته الرزايا من وجوه المطالب كما قال الشاعر الحكيم. # كل ما فهمه فاروق من الاحتفاظ بولاء الجيش وولاء الأزهر أن يفرض على كل منهما أعوانا ~~وأذنابا يخدمونه ويخدمون مصالحهم في وقت واحد، ووقع في خلده أنهم يخشونه لا محالة ما دامت ~~مصلحتهم مقرونة بمصلحته وما دامت مناصبهم موقوفة على مشيئته، فما زال على هذا الجهل حتى ~~انتهى الأمر إلى موقف لا لبس فيه بينه وبين جيشه؛ إن هؤلاء الخدم الذين فرضهم على الجيش قد ~~أصبحوا لازمين له لحمايته هو من الجيش، ولو وقف الأمر عند هذا لكان الخطب أعظم من أن ~~يستدرك، ولكنه كان أخطر وأفدح من ذلك بكثير؛ كان هؤلاء الخدم يحتاجون إلى من يحميهم هم من ~~الجيش أيضا ولم يكن ms192 لهم تعويل على غير مرجع واحد، فمن هو هذا المرجع؟ # فاروق! # لقد كانت السياسة الرشيدة أن يحتفظ الملك بولاء الجيش؛ لأن الأمة كلها تدين له بالولاء ~~وتحميه بكل قوة وفي طليعتها القوة العسكرية. # فما زال به الجهل حتى أصبح أذنابه وأعوانه حمى له من الجيش، وهم أعجز من أن يحموا ~~أنفسهم، لو لم يعتمدوا عليه ...! # وصل فاروق إلى هذا الموقف قبل حرب فلسطين، فلما تكشفت تلك الحرب عن فضائح السلاح «لم يبق ~~في الجيش المصري ضابط، ولا جندي يضمر الولاء للملك المجرم الذي بلغت به الضعة - والعياذ ~~بالله - أن يتجر بأرواح جنده وهم في ساحة القتال»، وشملت الريبة كل عامل في القوى العسكرية ~~من المقربين إليه والمقصيين عنه على السواء، وغاية ما بينهما من الاختلاف أن أذنابه ~~المقربين كانوا ينظرون إلى منافعهم ويخشون على مراكزهم، ويحسبون حساب العقاب، ولا يعرفون ~~سبيلا إلى المخرج من المأزق الذي انحصروا فيه ... فيودون لو بقي فاروق حماية لهم، وهم على ~~هذا متوجسون غير مطمئنين إليه. # ولقد وضح منذ سنوات أن دوام فاروق على العرش أمر مشكوك فيه، ولكنه كان شكا يقترن ببعض ~~الأمل في الصلاح وبعض الحيرة في المصير، ثم أخذ هذا الأمل ينقطع شيئا فشيئا وأصبح السخط ~~في القلوب غالبا على كل حيرة في العقول، حتى إذا كانت الأسابيع الأخيرة من عهده المشئوم ~~جرى ذكر الكوارث التي تتعاقب على الأمة في مجلس يضم أكثر من عشرين مصريا بين أديب وصحفي ~~وأستاذ وطالب، فقال قائل: وما العمل؟ ... قلت: إنها الثورة لا محيص لنا منها، وليكن ما يكون! ~~والحمد لله ... جاءت الثورة ولم يمض شهران. # وجاءت سليمة لم يسفك فيها دم ولم يضطرب فيها حبل الأمور، وقد كان الخلاص من عهد فاروق ~~ضرورة لا تستكثر عليها أن تقدم الأمة في سبيلها على خسارة في الأرواح والأموال، واضطراب ~~الأمور شهورا أو أكثر من شهور، فلما تكفل الجيش للأمة بالثورة التي كانت مطلوبة منها ~~عوفيت من جرائرها وأهوالها وانتظمت الأمور في سياقها، وانجلى ملك مكروه من عرشه ms193 بأيسر من ~~جلاء عمدة في قرية صغيرة، ينصره أناس ويخذله آخرون. # وبحق أعلن الجيش أنه يحارب فساد فاروق، ولا يقصر حربه على شخص فاروق. # وبحق أعلن كذلك أنه فساد في نظام الإقطاع كله، فلا يتأتى القضاء عليه إذا انقضى فاروق ~~وترك وراءه ألوفا من الفواريق الصغار. # وقبل أن يسأل السائل: وما للجيوش ولهذه الشئون؟ عليه أن يسأل: كيف كان الخلاص لو لم ~~تخلصنا حركة الجيش من فاروق؟ # إن فاروقا قد نزل عن العرش وهو في الثانية والثلاثين من عمره، فلو أنه بقي على العرش إلى ~~نهاية أجله فلا يعلم إلا الله كم سنة تتعاقب على مصر وهي تنحدر من هاوية إلى هاوية، وتتقهقر ~~من نكسة إلى نكسة، وتتهافت من خراب على خراب، وتتلطخ بوصمة بعد وصمة من وصمات ذلك الفساد ~~الذي جعلها مضغة في أفواه العالمين، وأسقط الثقة بها في حساب العروض والأعراض. # أما إذا قدر له أن يخلع قبل نهاية أجله، فمن المستبعد جدا أن يتفق ملوك الإقطاع ~~الصغار على خلع ملك الإقطاع الكبير، وإنما يجيء خلعه بقوة أجنبية، تعصف باستقلال البلد أو ~~بثورة شيوعية تعصف بكل خير فيه وتسلمه إلى الفوضى التي لا يدري أحد متى تثوب إلى ~~قرار. # فإذا كانت ثورة الجيش قد عصمت مصر من إحدى هذه العواقب وكلها شر لا خير، فمن حقه - بل من ~~واجبه - أن يدفع غائلة النكسة عن هذا الوطن فلا يرجع إلى الهاوية التي لم يكد يخرج منها، ~~ولن تؤمن هذه النكسة مع بقاء نظام الإقطاع على شره الذي عهدناه، ولو عقل الإقطاعيون ~~لسبقوا غيرهم إلى حمد الله على هذه النتيجة، فإنها حماية لهم في آخر المطاف. # ومن التوفيقات الإلهية أن يتولى قيادة الجيش في هذه الثورة رجل من أصلح القادة لحرب ~~الإقطاع، رجل لو قيل فيه إنه محصن الضمير ب «مصل نفساني» مضاد لآفات الإقطاع لما اختلف تعبير ~~المجاز وتعبير الحقيقة في وصفه، فإن آفات الإقطاع جميعا تتلخص في الولع بالمظاهر ~~والاستكثار من جمع المال بغير حاجة إليه، وكل من ms194 عرفوا ذلك القائد عن كثب، يعرفون عنه طبيعة ~~النفور من المظاهر والميل إلى الاعتكاف والزهد في المال. # ومن التوفيقات الإلهية أيضا أن يبتلى جشع فاروق بقناعة ذلك القائد الملهم، وأن يدخر ~~القدر لثورة الجيش في حرب الإقطاع رجلا من أصلح الناس أن يكون قدوة لمن يحاربون الإقطاع، ~~ويعتصمون بنزاهة اليد والضمير من آفات الإقطاعيين وفتن الإقطاع. # ولم يكن كافيا لتمام العمل التاريخي الذي لا يتكرر كل يوم أو كل جيل أن يزول فاروق ويبقى ~~بعده ألف فاروق أو أكثر من ألف فاروق، فليست نهاية فاروق هي نهاية الحركة، ولكنها فاتحة عهد ~~لا بد أن تستقر على أساس وطيد. # وليس المقصود بهذا أن عمل السياسة في مصر قد بطل، وأن القوة العسكرية مسئولة وحدها بعد ~~اليوم عن تدبير معضلات السياسة والاجتماع والاقتصاد، وسائر ما ينتظم في جملة مهام ~~الإصلاح. # إن كاتب هذه السطور آخر من يرى هذا الرأي أو يقول بهذا القول، وإنه لقول لا يقول به فيما ~~نعتقد إلا متملق جاهل، والمتملق الجاهل يسيء إلى من يتملقه من حيث يحسب أنه يثني ~~عليه. # فالعلم بالفنون العسكرية في هذا العصر أوسع من أن يحيط به رجل واحد؛ لأنه معرفة تتناول ~~أسلحة الجو والبحر والبر وأبواب العلم الطبيعي والرياضي التي تدخل من قريب أو بعيد في هذه ~~الفنون، وتحتاج مع هذا إلى الخبرة بالأطوار النفسية وأساليب الدعوة والاستطلاع، لا يحيط بها ~~قائد فرد ولا يستغني فيها على أية حال عن مشورة الخبراء ممن يعلمون مثل علمه أو ينفردون ~~بعلم لم يطلع عليه. # فليست القيادة العسكرية من السهولة بحيث ينهض بها قائد واحد، وينهض بغيرها من المهام ~~الكبرى في وقت واحد. # وليس هذا - فيما نرى - هو المطلوب في مرحلة الإصلاح، فما هو المطلوب في هذه المرحلة ~~بالإيجاز؟ # إننا نعلم المطلوب إذا علمنا المحذور الذي اتقيناه ولا نزال نتقيه. # وهذا المحذور هو شعور الموظف الفاسد بحماية الفساد الأكبر له. # إنه يخالف الشرع والعرف والحياء ولا يبالي العاقبة؛ لأنه يخدم بالمخالفة سيدا يغريه بها ~~ويكافئه ms195 عليها، فإذا زال هذا السيد وزالت هذه الحماية فقد زال المحذور. # والذي نرجوه من حراسة الجيش لحركة الإصلاح أن يؤمن كل عامل بزوال حماية الفساد وقيام ~~حماية في مكانها، تؤيد الصالح المصلح وتملأ سريرته بالطمأنينة إلى النجاح والتوفيق فيما ~~يتوفر عليه ويصمد له من الخدمة العامة والجهد الشريف. # كانت حماية المفسدين أس الفساد. # فإذا زالت هذه الحماية المفسدة وقامت في مقامها الثقة بحماية العمل النافع والعاملين ~~النافعين، فذلك هو أس الصلاح والإصلاح. # الفصل السادس والأربعون # | ملكان ومرضان # نزل طلال ملك الأردن عن عرشه لمرض أصابه، وقيل عن هذا المرض: إنه هو داء «الفصام» الذي ~~يعرفه الأطباء النفسانيون في أوروبا وأمريكا بأسماء متعددة منها الشيزوفرانيا # Schizophrenia # و # Dementia ~~praecax # أي: الخرف المبكر. # واسم «الشيزوفرانيا» من وضع الطبيب السويسري الدكتور أوجين بلولر # Eugen ~~Bleuler # الذي عاش إلى سنة الحرب ~~العالمية الثانية، ودرس هذا المرض دراسة خاصة دعته إلى تغيير اسمه في سنة 1911، وتابعه على ~~هذا التغيير طائفة من الأطباء الأمريكيين على الخصوص. # وأعراض هذا المرض عند «بلولر» هي فقدان التجاوب العاطفي بين المريض ومن حوله وما حوله، ~~والاستسلام أحيانا والتصلب أحيانا أخرى، وبدوات التفكير التي تخالف القياس المنطقي، ~~والوساوس التي تعاود صاحبه كلما صدمته الوقائع أو لغير سبب ظاهر في كثير من الأوقات. # وينطوي هذا المرض على أنواع كثيرة، منها الخرف ~~البسيط # Simplex Dementia # والأفانين الشاذة # Catatonia # وأوهام الخيلاء Paranoid # والاضمحلال # Heberphrenia # وقد رده فرويد كعادته إلى الأسباب ~~الجنسية، فقال إنه يرجع في أصوله إلى شذوذ جنسي كامن، ولكنه رأي لا يأخذ به معظم ~~النفسانيين، ومنهم من يلخص المرض في نزاع داخلي دائم ينجم عن شعور بالهوان لا فكاك منه وعجز ~~من المريض عن الثقة بكرامته بين الناس، فلا يزال ناقما مما يتوهمه من علامات احتقارهم ~~واستخفافهم، لائذا بالعزلة فرارا من هذا الشعور واعتقادا منه أنهم يطلعون على هوانه كلما ~~نظروا إليه. # على أن الاسم القديم - وهو الخرف ~~المبكر # Dementia praecax ~~- لا يزال هو المعول عليه في التعبيرات العلمية، ودلالته على ~~أنواع ms196 المرض كلها وأسبابه جميعا أوسع وأصدق؛ لأن هذا الاسم يدل على الإصابة بالمرض في سن ~~الشباب قبل بلوغ الشيخوخة، ويدل على الأعراض جملة وهي إعياء العاطفة وفقدان الصلة بالأحوال ~~الجديدة تشبثا بالأحوال التي استقر عليها شعور المريض وعجز عن تبديلها، ويدل على تداعي ~~البنية تداعيا يشبه أعراض الهرم وينتهي كنهايته، إلا إذا كتب الشفاء للمريض، ومن رأي ~~الدكتور السويسري أن المصاب بهذا المرض قابل للشفاء. # وقبل أن يصل الملك طلال إلى القاهرة للعلاج في مستشفياتها لحق به ملك مصر نفسها ونزل عن ~~العرش لأسباب غير أسباب المرض، وهي استجابة رغبات الأمة التي أعرب عنها الجيش في ~~بيانه. # على أن فاروقا في رأي الكثيرين لم يسلم من مرض نفسي كمرض طلال أو من قبيله، وقد ازداد ~~الظن باختلاله وثوقا على أثر الأخبار التي علمت عن أطواره المجهولة مما كان يطلع عليه ~~خاصته ويكتمونه أو ينشرون ما يناقضه. # وقيل: إن بعض الأطباء الأجانب لحظوا أعراض الاختلال على تكوينه بعد الكشف عن إصابته في ~~حادث القصاصين، وقيل: إن عشراءه كانوا يشهدون منه على الدوام نزوات عنيفة لا تصدر عن ~~العقلاء. # ولكننا لم نسمع قولا قاطعا عن تقرير الأطباء الأجانب الذين تولوا علاجه الأول في حادث ~~القصاصين، وأكثر الذين يقرأون الدراسات النفسية من غير الأطباء - ونحن منهم - يطبقون ما ~~قرأوه على أخباره وأطواره، فيجدون أنها تنطبق تارة على جنون ~~القسوة # Sadism # وتنطبق تارة أخرى على جنون ~~السرقة # Kleptomania ~~، وتنطبق تارات على جنون ~~الشهوة # Satyriasis # ولا تعوزهم الأدلة على نوع من هذه الأنواع. # ونحن على اعتقادنا أن التوصيف الطبي يساعد كثيرا على تمييز هذه الأمراض نعلم أن مجال ~~التقديرات الفكرية لم يزل متسعا جدا لغير المتخصصين في المسائل النفسية؛ لأن المعول ~~الأكبر فيها على شواهد الأعمال وقرائن العادات والمألوفات. # فالمفهوم أن جنون القسوة # Sadism # هو نفسه نتيجة لأنواع ~~مختلفة من الاختلال، وليس هو العلة التي تنتج ذلك الاختلال. # ومن أنواع الاختلال هذه ما يرتبط بالنوازع الجنسية، ومنها ما لا علاقة له بالنوازع ~~الجنسية ولكنه ينم ms197 على النكسة # Atavism # التي يرتد بها ~~صاحبها إلى قسوة كقسوة الوحشية الضارية، ومنها ما يدور على كل مركب للنقص يدفع المصاب به ~~إلى الخلاص منه بإظهار القوة وشغل العاطفة بما يثير ويغيظ ويبعث الدهشة أو الامتعاض. # وربما كان جنون القسوة من آفات فاروق، ولكنه لا يغني عن سبب آخر يرجع إليه. # أما جنون السرقة فمن شرائطه الغالبة حب الاختلاس والإخفاء، وقد كانت آفة فاروق أقرب إلى ~~السطو منها إلى السرقة المختلسة، وعلة الحالتين فيما نرى أنه أضعف من أن يقاوم الإغراء كلما ~~ألمح شيئا يحب أن يحتجنه ويدخله في حوزته، وذلك مرض آخر سنعود إليه. # وأما جنون الشهرة الذي ينسب إلى «الساتير» فهو دوافع غريزة وليس مجرد مظاهرات وتمثيليات ~~كما يفهم من أطوار فاروق في قصص المغامرات والشهوات، إن المرض الأصيل الذي غلب على طبيعة ~~فاروق فيما نعلم هو (توقف النمو). # ويسمى بالإنجليزية # Arrested development # وتتفرع عليه حالة ~~تسمى بحالة التشبث # Fixation # وقد كانت ظاهرة الأعراض على ~~فاروق. # وتوقف النمو هذا مرض كثير الشعب متعدد المقاييس، فقد يكون الإنسان رجلا مستوفيا نموه ~~الجسدي وهو مع ذلك طفل في نموه الاجتماعي أو العقلي، وقد يكون ناقص النمو في جميع هذه ~~الوظائف بالقياس إلى إنسان آخر في مثل سنه وظروفه. # ومن أشد آفات هذا المرض أن يكبر الرجل، ولا يزال شعوره نحو أبيه خاصة شعور الطفل نحو الأب ~~الذي يعوله ولا يقوى على فراقه. # وقد يتخذ له بديلا من الأب يركز حوله شعوره ويتعلق به، ولا يطيق الانفصال عنه أو نسيانه ~~والتغاضي عن ذكره، وهذه هي حالة التشبث. # ويجوز أن يكون هذا البديل هو ضريح أبيه أو صورته أو أثرا من آثاره التذكارية يحتفظ به ~~الابن احتفاظا جنونيا لا يفسره مجرد الحب الأبوي أو الوفاء. # ومما لا شك فيه أن فاروقا كان مصابا بهذه الآفة على أشدها، وكانت غرائبه كلها تدور ~~عليها، فقلما حدث حادث سياسي إلا ذكر فيه أباه، وقلما تكلم عن مشروع إلا أشار فيه إلى رغبات ~~أبيه، وقلما عرضت ms198 مناسبة إلا ذهب فيها لزيارة ضريحه وبكى عنده أو تباكى بعد الوفاة ~~بسنوات. # هذه الآفة من شأنها دائما أن تشعر صاحبها بقصوره وتلعج نفسه «بمركب النقص» الذي يدفعه ~~إلى إظهار القوة وإظهار القسوة والشك في كل أحد غير «محور التشبث»، كأنه يتهمهم جميعا ولا ~~يلقي باعتماده الباطن كله على غير هذا المحور. # وهذه الآفة، من جانب ما فيها من توقف النمو، تقترن بدوافع كدوافع الطفولة التي تحب أن تضم ~~كل شيء إلى حوزتها علانية أو خلسة دون أن تشعر بغرابة عملها، وهذه هي الأعراض التي تلتبس ~~بأعراض «الكلبتومانيا» أي: جنون السرقة، وليست هي جنون السرقة بعينه في سائر ~~الأعراض. # إن «التشبث» الناشئ من توقف النمو يفسر لنا قسوة فاروق كما يفسر لنا ولعه بالاستيلاء على ~~كل ما يراه، ويفسر لنا كذلك مظاهراته وتمثيلياته التي حسبها بعضهم من جنون الشهوة، فما هي ~~في حقيقتها إلا «مركب نقص» في طبيعة لا تشعر باستيفاء كيانها ، فهي تتخلص من ألم النقص بتلك ~~المظاهرات والتمثيليات. # ومن المرجح أن يكون الاختلال المقترن بأمثال هذه الآفات كامنا بالوراثة تضاف إليه ~~الطوارئ الاجتماعية والشخصية، فينكشف على درجات، أو ينكشف دفعة واحدة في بعض ~~الأطوار. # وقد حصرت مراحل العمر التي تكشف عن الجنون الكامن في أسنان ثلاث: سن المراهقة وهي من ~~الحادية عشرة إلى السادسة عشرة، وسن النضج وهي من العشرين إلى نحو السادسة والعشرين، وسن ~~اليأس أو سن الحرج وهي في الرجال بين الخامسة والأربعين والخمسين، وقد تتأخر إلى الستين وما ~~بعد الستين. # وقد تكون العوامل الاجتماعية والعوامل الشخصية مضاعفة للآفات الكامنة أو معجلة بظهورها ~~واستشراء أمرها، فإذا كان الأب هو «محور التشبث» في نفس المريض فمن العوامل التي تضاعف هذا ~~التشبث أن ينقطع التعاطف بينه وبين أقربائه أو يحدث منهم ما يذله ويحيره، ويدفعه إلى المزيد ~~من التعلق بذكرى أبيه، وإذا اتفق أن الابن فقد أباه وهو قاصر، يعلم قصوره وتذكره به الظروف، ~~فمن المؤكد أنه لا يتخلص من هذا الشعور بسهولة كما كان خليقا أن يتخلص ms199 منه لو كبر ونما حتى ~~يكون سلطان الأب مضايقا له دافعا به إلى التمرد عليه. # ومن المؤكد كذلك أن الإلحاح على البنية بالسهر والإجهاد والتعرض للمخاوف والمقلقات حائل ~~دون الشفاء، ومدد جديد للعلة، ومعجل لظهورها قبل الأوان. # ومن كان ملكا يصنع ما يروقه ويأبى أن يحاسب نفسه ويتعالى أن يحاسبه غيره أو يستمع إلى ~~ثناء المتملقين وينفر من نصيحة المخلصين، فقد أطبقت عليه البلية وامتنعت عليه سبل النجاة، ~~وصحت فيه قولة قالها أبو تمام، لا تنسى في عبرة من عبر الأيام الجسام: # قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت # ويبتلي الله بعض القوم بالنعم # أعاننا الله على بلاء النعم قبل بلاء النقم، ووقانا مزالق السراء والضراء حيث نشاء وحيث ~~لا نشاء. # الفصل السابع والأربعون # | حرية القلم والريشة والإزميل # حرية الرأي قوة لا تقف في طريقها قوة. # ومن الخطأ أن يقال إن حرية الرأي كانت محبوسة أو مقيدة في عصور التاريخ القديم، فإن ~~الواقع أنه لم يكن هناك رأي، فلم ينطلق الرأي لأنه غير موجود أو غير قادر على الانطلاق، ولم ~~تدع حاجة من الحاجات العامة إلى حبسه أو تقييده. # فلما وجد الرأي وجدت حرية الرأي على الأثر؛ لأن السلاح نفسه ينكسر في وجه الرأي الحر ~~ولا يصمد لمقاومته، وليس من الميسور لأحد أن يحكم بقوة السلاح عشرات الملايين من الآدميين ~~الذين يخالفونه في الرأي؛ لأن الحكم يتطلب أشياء كثيرا غير إخضاع المحكومين بالقوة، ولأن ~~أصحاب القوة أنفسهم قد يسري إليهم رأي المحكومين فيضم القوة إليه. # وكان الناس قديما يحكمون على حسب حاجتهم إلى الأمن والمعيشة لا على حسب حاجتهم إلى الرأي ~~والمذاهب الفكرية. # كان المحكومون لا يطلبون نوعا من الحكومة غير الذي يطلبه الحاكمون، فكان الراعي والمرعي ~~متفقين على قاعدة الحكم أو على أصول الحكومة، وكان غضب المحكومين غضبا على أشخاص يسيئون ~~سياس الرعية، ولم يكن ثورة على الأصول التي تقوم عليها سياسة الدولة. # فإذا ثاروا فليست هي ثورة رأي ولا دعوة إلى فكرة جديدة، ولكنها ثورة قوة مادية على قوة ms200 ~~مادية من نوعها، ثورة أجساد على أجساد، لا ثورة عقول على عقول أو أفهام على أفهام. # أما السلطة الدينية في الزمن القديم فقد كانت سلطة مطلقة يوم كانت «معلومات» المتدينين لا ~~تدعوهم إلى الشك في العقائد التي تعززها تلك السلطة، فلما وجد الشك وجدت الحرية معه ~~ووجدت على قدره، واتفق كثيرا أن عقيدة جديدة تنقض عقيدة قديمة، فكان يتفق أيضا أن تجري ~~العقيدة الجديدة في مجراها على حسب تمكنها من النفوس، وإن وقفت لها قوة السلاح ~~بالمرصاد. # ثم نما نصيب الفرد من الحرية على حسب نصيبه من العلم والمعرفة والدوافع النفسية، فأصبح ~~الإنسان يحكم برأيه ولا يكفي في سياسته أن يحكم على حسب حاجته إلى الأمن والمعيشة، بل أصبح ~~له رأي في الخطط التي يستقر عليها الأمن وتحسن بها المعيشة، فبلغت حرية الرأي قوتها التي لا ~~تصمد لها قوة، ولا تزال في ازدياد كلما ازدادت مع الزمن حرية الآحاد. # وكان قسط الفنون من هذه الحرية على حسب حاجتها إلى الصراحة من جهة، وعلى حسب الخطر منها ~~على ذوي السلطة من جهة أخرى. # فكان الجهاد في سبيل حرية القلم أظهر من الجهاد في سبيل حرية الريشة والإزميل، وكان سبقها ~~إلى طلب الحرية على ترتيب صراحتها وخطرها، فسبق اللسان ثم تلاه القلم، ثم تلته الريشة ~~والإزميل ثم تلاها المعزف؛ لأنه أقل الفنون حاجة إلى جهاد السلطة والمتسلطين. # سبق اللسان لأنه كان قبل المطبعة أقوى من القلم، وكان هو أداة الخطاب الأولى بين طالب ~~الحرية ومن يخاطبهم ليطلبوها مثله. # ثم جاء دور القلم حين شاعت القراءة وشاعت وسائل نقلها إلى العدد الأكبر من ~~المتعلمين. # ولم تكن بالريشة أو الإزميل حاجة إلى مثل هذا الجهاد في طلب الحرية؛ لأن الصورة تجمع بين ~~الحاكم والمحكوم في تعبير واحد أو تعبير متقارب، فإذا كانت صورة ثائرة تصدى لها من يمنعها، ~~ووجب لها في هذه الحالة جهاد الألسنة والأقلام. # أما الموسيقى فهي لغة إنسانية عامة، وهي لهذا تتكلم بكل لسان ويغلب فيها الجانب المشترك ~~بين جميع الناس ms201 على الجانب الذي ينفرد به الآحاد. # ولسنا نعني بذلك أن فنون التصوير والنحت لا تعاني حجرا أو تقييدا في زمن من الأزمان، ~~ولكننا نعني به أن الحجر يصيبها من أصحابها قبل أن يصيبها من سلطة غاشمة أو دولة قائمة، فلا ~~تزعج الحاكمين ولا يضيرهم أن يقع الخلاف بينها وبينهم إلى زمن طويل. # ويقع الحجر على الفنون الجميلة من الشعوب المحكومة قبل أن تستهدف له من الحاكم المسيطر ~~عليها. # فإذا جمد الشعور، وفترت النفوس، وقصرت الهمم، وضاق أفق الخيال، فهي التي تحجر على الفن ~~الجميل من غير حاجة إلى سلطان أو تشريع، ويأتي عمل السلطان والتشريع في الحجر عليها تابعا ~~لعمل الرعية، وهو في الواقع أحرى أن يسمى عجزا عن العمل وانصرافا إلى الدعة ~~والجمود. # فالفن المصري كان في عهد العظمة الفرعونية لا يلقى عنتا من الفراعنة العظام وهم في ذلك ~~العهد أرباب يعبدون. # فلما انقضى عهد العظمة وأعقبته عهود الضعف والخمول جاءته القيود من أصحابه، وجاء الحجر ~~على صناعة التماثيل من المثالين، وكان المثالون عنوانا للشعب كله في جمود شعوره وعجزه ~~عن تذوق الفن الجميل على إطلاقه، وهذه هي الفترة التي أصبح فيها التمثال البشري مجموعة من ~~المقاييس المقررة بين حجم الرأس وأحجام سائر الأعضاء، وبين طول الذراع وطول الساق، أو طول ~~الكف وطول القدم، على نحو لا يختلف بين إنسان وإنسان، وإن رأى المثال بعينه أن التمثال ~~يخالف صاحبه في هذه المقاييس. # ويحدث في صناعة المعزف ما يحدث في صناعة الريشة والإزميل، فيسري الجمود إلى ألحان من جمود ~~السامعين والمستمعين، ولا يسري إليها كثير من جمود رجل السياسة أو جمود رجل الدين، وينتهي ~~الأمر بالحس الجامد في صناعة الألحان إلى مقاييس محفوظة كمقاييس المثالين التي يفرضونها على ~~نسب الأجسام والأعضاء، فلا يأتي اللحن معبرا عن شعور لأنه لا شعور، ولكنه يأتي على حسب ~~المقاييس المفروضة لكل نغمة ولكل مقام، أو يأتي آليا يخرج من آلات، ولا يأتي إنسانيا ~~يخرج من قلوب ونفوس. # ويخيل إلينا أننا وصلنا في هذا العصر ms202 إلى حالة لا نتكلم فيها عن الحرية ولا عن الحجر ~~على الحرية فيما يرجع إلى الفنون الجميلة، ولكننا نتكلم عن «البطر» في استخدام الحرية ~~الفنية، فإن الشبع من الحرية قد وصل إلى حد «البطر» الذي يخشى منه على جمال الفن كما كان ~~يخشى عليه قديما من الحجر والتقيد أو من الجمود والخمول، وكلا الطرفين يلتقيان، كما ~~يقال. # فمن البطر في الحرية تلك المذاهب السخيفة التي تبتلي فنون الكتابة والتصوير والغناء في ~~هذا الزمن بنكسة من نكسات السقم والاعوجاج لا موجب لها، إلا أن الفنان قد ملك الحرية كلها ~~فظن أنه يفعل ما يشاء. # كان الأديب يستخدم الرمز في الخرافات والأمثال والحكم التي هي من قبيل حكم لقمان؛ لأنه ~~كان في خوف على نفسه من ذوي السلطان، فأصبح لدينا في العصر الحديث من يتعسفون الرموز لغير ~~حاجة، ثم تسألهم عن المعنى الذي أرادوه فإذا هو «أولا» معنى لا يؤديه ذلك التعبير، وإذا هو ~~بعد ذلك معنى يقال في لفظ صريح وعبارة واضحة، لا يلجئ أحدا إلى اللف وراء الرموز. # وكان الهمجي يرسم الإنسان أو الحيوان في صورة شائهة؛ لأنه لا يحسن الرسم ولا يعرف تمثيل ~~المنظور في الظل والنور، فأصبح لدينا في العصر الحديث من يشوهون أشكال الإنسان والحيوان ~~ويرسمون رجلا أو امرأة، فلا يعرف أحد - ولو كان من المصورين - من هو ذلك الرجل ومن هي تلك ~~المرأة ... وتسألهم فيقولون لك: إنه مذهب المستقبليين أو مذهب فوق الواقعيين، وإنهم ينقلون عن ~~الوعي الباطن الذي يتشدقون به ولا يعرفونه، ولا يعرفون أهو وعي باطن الراسم أو وعي باطن ~~المرسوم، ويتمادون في ذلك مدرسة بعد مدرسة، وفنانا يسابق فنانا في الإيهام والتشويه، ~~كأنما التصوير فن من فنون التنجيم، أو كأنما الوعي الباطن قد ألغى الحس الظاهر، أو كأنما ~~الوعي الباطن مخترع حديث لم يصحب الإنسان منذ كان، أو كأنما المصور أقدم من أصحاب الصناعات ~~في هذا المضمار، وهو إن لم يحسن النظر بعينه إلى الأشكال والظلال فليس له حجة في ادعاء ملكة ~~غير ms203 هذه الملكة بحق صناعة التصوير. # هذا هو دور البطر، وهو يصيب جمال الفن كما يصيبه فقد الحرية، ولكننا نعود فنقول: إن ~~الحرية الفنية أقوى من القيود وأقوى من البطر، وهي التي يصح فيها أن نستعيد كلمة سليمان ~~الحكيم فنقول: إنها هي أقوى من الموت نفسه؛ لأن النفس البشرية في سبيل حريتها تقتحم سدود ~~الموت، ثم تقهر الموت بالخلود في عالم الفنون. ms204