######OpenITI# #META# URI: 1383CabbasMahmudCaqqad.FalsafaQuraniyya.Hindawi19272704 #META# Tags: philosophy #META# ID: 19272704 #META# Title: الفلسفة القرآنية #META# AuthorID: 64642852 #META# Author: عباس محمود العقاد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # القرآن والعلم‏ # الأسباب والخلق‏ # الأخلاق‏ # الحكم‏ # الطبقات‏ # المرأة‏ # الزواج‏ # الميراث‏ # الأسر أو «الرق»‏ # العلاقات الدولية‏ # العقوبات‏ # الإله‏ # مسألة الروح‏ # القدر‏ # الفرائض والعبادات‏ # التصوف‏ # الحياة الأخرى‏ # خاتمة‏ # مقدمة‏ # القرآن والعلم‏ # الأسباب والخلق‏ # الأخلاق‏ # الحكم‏ # الطبقات‏ # المرأة‏ # الزواج‏ # الميراث‏ # الأسر أو «الرق»‏ # العلاقات الدولية‏ # العقوبات‏ # الإله‏ # مسألة الروح‏ # القدر‏ # الفرائض والعبادات‏ # التصوف‏ # الحياة الأخرى‏ # خاتمة‏ # | الفلسفة القرآنية # | الفلسفة القرآنية # تأليف # عباس محمود العقاد # | مقدمة # الدين لازمة من لوازم الجماعات البشرية. # ولم يكن الدين لازمة من لوازم الجماعات البشرية لأنه مصلحة وطنية، أو حاجة نوعية. # لأن الدين قد وجد قبل وجود الأوطان. # ولأن الحاجة النوعية «بيولوجية» تتحقق أغراضها في كل زمن، وتتوافر أسبابها في كل حالة، ~~ولا يزال الإنسان بعد تحقق أغراضها، وتوافر وسائلها في حاجة إلى الدين. # وغرائز الإنسان النوعية واحدة في كل فرد من أفراد النوع، وكل سلالة من سلالاته، ولكنه في ~~الدين يختلف أكبر اختلاف؛ لأنه يتجه من الدين إلى غاية لا تنحصر في النوع ولا تتوقف على ~~غرائزه دون غيرها، وليس الغرض منها حفظ النوع وكفى، بل تقرير مكانه في هذا الكون، أو في هذه ~~الحياة. # فالإنسان يتعلق من النوع بالحياة. # ولكنه يتعلق من الدين بمعنى الحياة. # ولن يوجد إنسان ليس له نوع، أو غريزة نوع، أو آداب نوع؛ لأن وشيجة النوع ليست مما ينفصل ~~عنه باختياره، ولكن قد يوجد إنسان يفوته معنى الحياة، وقد يوجد إنسان يفهم معنى الحياة على ~~أنه إعراض عن الحياة الفردية، وعن الحياة النوعية، وتوجه إلى ضرب آخر من ~~الحياة. # وقد يتحول الإنسان من عقيدة إلى عقيدة، فلا يقال إذن: إنه تحول من غريزة نوعية إلى غريزة ~~نوعية؛ لأن هذه الغريزة لا تقبل التحول ولا التحويل، بل يقال إذن: إنه آمن بعلاقة جديدة بين ~~الخلائق جميعا، وبين الحياة أو مصدر الحياة. # والإنسان إذا طلب من الدين الحياة الأبدية فهو لا يطلب ذلك لأنه فرد من أفراد نوع؛ فإن ~~النوع قد يبقى ألوف السنين، وقد يقدر الإنسان أنه مكفول البقاء بغير انتهاء، ثم لا ms001 يغنيه كل ~~ذلك عن طلب الأبدية؛ لأنه يريد لحياته معنى لا يزول، ويريد أن يتصل بحياة الكون كله في أوسع ~~مداه. ~~••• # وليست العقيدة لازمة من لوازم الجماعات البشرية؛ لأنهم يريدون منها دروسا علمية أو حيلا ~~صناعية. # فإن قوة الصناعة والعلم كامنة في الإنسان، لا تلجئه إلى قوة خارج الإنسان. # وإن ألف إنسان قد يعلمون علما واحدا، ولا يعتقدون عقيدة واحدة، بل ينكر أحدهم عقيدة ~~الآخر أشد الإنكار. # كما أن العلاقة بين العالم والمعلوم قد تكون علاقة غريب بغريب، وقد يعلم الإنسان أسرارا ~~من الكون، وهو يشعر بأنه غريب عنه أو عارض فيه، فإذا اعتقد فإنما يعتقد لأنه يريد أن يشعر ~~بأنه ليس في الكون بالغريب، ويؤمن بأنه موصول الحياة بحياته، وليس بالعارض فيه. # وليس مقياس العقيدة الصالحة مقياس الدروس العلمية والحيل الصناعية، وإنما حسب العقيدة ~~الصالحة من صلاح أنها تنهض بالعقل والقريحة، ولا تصدهما عن سبيل العلم والصناعة، ولا تحول ~~بين معتقديها وبين التقدم في الحضارة، وأطوار الاجتماع. ~~••• # وينبغى أن يلاحظ في هذا الصلاح أن الجماعات البشرية لا تعيش عمر إنسان واحد، ولا تنحصر في ~~طبقة واحدة. # فالعقيدة التي تصلح لعشرة أجيال يشترك فيها عشرة أجيال يختلفون في كثير من الأحوال ~~والعادات. # والعقيدة التي يدين بها الملايين يشترك فيها الخاصة والعامة والأعلياء والأدنياء، ولا ~~تصاغ منها نسخة مستقلة لكل طبقة أو لكل فريق. # فالذي يطلب من العقيدة الصالحة أن تصلح لكل هؤلاء مجتمعين، وأن تصلح لأعمار بعد ~~أعمار؛ لأنها ليس مما يخلع تارة بعد تارة، ولا مما يستبدل ببرامج السنوات ونصوص ~~الدساتير. # وموضوع هذا الكتاب هو صلاح العقيدة الإسلامية - أو الفلسفة القرآنية - لحياة الجماعات ~~البشرية، وأن الجماعات التي تدين بها تستمد منها حاجتها من الدين الذي لا غنى عنه، ثم لا ~~تفوتها منها حاجتها إلى العلم والحضارة، ولا استعدادها لمجاراة الزمن حيثما اتجه بها ~~مجراه. ~~••• # كنا نتحدث مع بعض الفضلاء من أعضاء لجنة «البيان العربي» في موضوع الدين والفلسفة، فقلنا: ~~إن العقيدة الدينية هي فلسفة الحياة بالنسبة إلى الأم التي ms002 تدين بها، وأنها لا تعارض ~~الفلسفة في جوهرها، وأن الفلسفة تصلح للاعتقاد كما تصلح العقيدة للفلسفة! واستشهدنا على ذلك ~~بآيات كثيرة من القرآن يستخرج منها المسلم فلسفة قرآنية لا تحول بينه وبين البحث في غرض من ~~أغراض الفكر والضمير. # وأيا كانت العلاقة بين موضوع الفلسفة، وموضوع الدين، فليس في وسع فيلسوف صادق النظر أن ~~ينسى أن الأديان قد وجدت بين جميع البشر، وأنها - من ثم - حقيقة كونية لا يستخف بها عقل ~~يفقه معنى ما يراه من ظواهر هذه الحياة. # فاقترح علي بعضهم أن يكون هذا البحث موضوع كتاب، فألفت هذا الكتاب في هذا الموضوع، ~~وسميته باسم الفلسفة القرآنية؛ لأنه أقرب الأسماء إلى بيان غرضه، وكان اسم «فلسفة القرآن» ~~من الأسماء التي اقترحت في سياق ذلك الحديث، فخطر لي أن هذا الاسم قد يوحي إلى الذهن أننا ~~نتخذ القرآن موضوعا لدراسة فلسفية كدراسة فلسفة النحو، أو البيان، أو التاريخ، وليس هذا هو ~~المقصود مما كنا نتحدث عنه، وإنما المقصود منه أن القرآن الكريم يشتمل على مباحث فلسفية ~~في جملة المسائل التي عالجها الفلاسفة من قديم الزمن، وأن هذه الفلسفة القرآنية تغني ~~الجماعة الإسلامية في باب الاعتقاد ولا تصدها عن سبيل المعرفة والتقدم، وهي لذلك تحقق ضرورة ~~الاعتقاد، وتمنع الضرر الذي يبتلى به من تصدهم عقائدهم عن حرية الفكر، وحرية الضمير. # وليس للعلماء ولا للفلاسفة أن يطلبوا من الدين غير هذا. # فمهما يكن من رأيهم في الإيمان بالله؛ فهم لا يجهلون - ولا يستطيعون أن يجهلوا ~~- أن الإيمان - كما قدمنا - ضرورة كونية، لا تخلقها مشيئة ~~أحد من الآحاد، ولو كان في قدرة الرسل والأنبياء. # فإذا أجمع الناس على الاعتقاد كيفما كان اختلافهم في الجنس، والزمن، والموطن، والمصلحة - ~~فليس هذا عمل فرد، ولا هو مما يقع بين الحين والحين عرضا واتفاقا من فعل الحيلة والتدبير، ~~ولكنه باعث من صميم قوى الكون، لا يفلح الرسل والأنبياء في نشر دعوته ما لم يكن في تلك ~~الدعوة مطابقة لحكمة الخلق، وسر التكوين. # وكل اعتراض يعترض به المنكرون ms003 على حقائق الأديان لا يقام له وزن في مواجهة هذه الظاهرة ~~الواقعة التي لا شك فيها. # بل هو لا ينفي الوحي الإلهي كما تخيلوه، أو كما يمكن أن يتخيلوه، ولا يبطل ضرورة الاعتقاد ~~بين الجماعات البشرية بحال من الأحوال. # إنهم يتخذون من عقائد بعض العامة، أو عقائد بعض الخاصة دليلا على أنها أمور لا تصدر ~~من عند الله، الذي يصفه أصحاب الأديان بالعلم، والحكمة، والقدرة على هداية العقول إلى ~~الصواب في الكبير والصغير. # فإذا كان هذا هو المبطل للوحي الإلهي؛ فكيف يثبت الوحي الإلهي في قياس أولئك الفلاسفة أو ~~العلماء؟ # أيثبت بعقيدة يدين بها العامة كما يدين بها الخاصة، وتطابق الدروس العلمية اليوم كما ~~تطابقها عندما تنقض نفسها بكشف جديد؟! # أيثبت بعقيدة تدخل المعمل الصناعي - أو العلمي - كل سنة أو كل بضع سنوات للفحص ~~والامتحان؟! # أيثبت بعقيدة ليست بعقيدة ولكنها مجموعة من الأزياء الموسمية التي يغيرها الإنسان تارة ~~بعد تارة، ولا يمزجها ببواطن الضمير؟! # كلا؛ فإن الوحي الإلهي - متى ثبت - لا يثبت على النحو الذي تخيلوه، بل على النحو الذي ~~عهدنا عليه الأديان، مع اختلاف العقول واختلاف الأجيال واختلاف المعلومات. # عقيدة هي عقيدة، وإيمان هو إيمان، وبعد ذلك موافقة لدواعي الحياة ومطالب الفكر، وخلجات ~~الشعور، وهكذا تصح العقيدة، إن صحت على الإطلاق، وهكذا يكون الإيمان، إن كان إيمان. # وقد رأيت أناسا يبطلون الأديان في العصر الحديث باسم الفلسفة المادية، فإذا بهم يستعيرون ~~من الدين كل خاصة من خواصه، وكل لازمة من لوازمه، ولا يستغنون عما فيه من عنصر الإيمان ~~والاعتقاد، التي لا سند لها غير مجرد التصديق والشعور، ثم يجردونه من قوته التي يبثها في ~~أعماق النفس؛ لأنهم اصطنعوه اصطناعا، ولم يرجعوا به إلى مصدره الأصيل. # فالمؤمنون بهذه الفلسفة المادية يطلبون من شيعتهم أن يكفروا بكل شيء غير المادة، وأن ~~يعتقدوا أن الأكوان تنشأ من هذه المادة، في دورات متسلسلة، تنحل كل دورة منها في نهايتها؛ ~~لتعود إلى التركيب في دورة جديدة، وهكذا دواليك، ثم دواليك إلى غير انتهاء. # ويطلبون ms004 منهم أن ينتظروا النعيم المقيم، على هذه الأرض، متى صحت نبوءتهم عن زوال الطبقات ~~الاجتماعية؛ فإن زالت الطبقات الاجتماعية في هذه السنة أو بعدها ببضع سنوات فتلك بداية ~~الفردوس الأبدي، الذي يدوم ما دامت الأرض والسماوات، وتنتهي إليه أطوار التاريخ كما تنتهي ~~بيوم القيامة في عقيدة المؤمنين بالأديان. # ولا يكلف دين من الأديان أتباعه تصديقا أغرب من هذا التصديق، ولا تسليما أتم من هذا ~~التسليم. # ولا يخلو دين الفلسفة المادية من شيطانه؛ وهو «الرأسمالية» الخبيثة العسراء. # فكل ما في الدنيا من عمل سوء، أو فكرة سوء، فهو كيد من هذا الشيطان الماكر ~~المريد. # وكل ما فيها من عمل سوء أو فكرة سوء يزول ويحول، وتحل في مكانه بركات الفلسفة المادية ~~ورضوانها، متى صار الأمر إلى ملائكة الرحمة، وذهب ذلك الشيطان إلى قرارة الجحيم. # ولما طبقت هذه العقيدة في البلاد الروسية - على أيدي أصحاب الفلسفة المادية - خيل ~~إليهم أنهم ظفروا بحقيقة الحقائق واستغنوا بها عن كل ما اعتقده الإنسان في جميع الأزمان، ~~ولا سيما عقائد الأديان والأوطان. # وادخروها للزمن كله، بل للأبد كله ... ولكنهم لم يصطدموا صدمتهم الأولى في الحرب العالمية ~~الأخيرة حتى أفلست «عقيدة الأبد» كل الإفلاس، ولجئوا إلى الوطن يستعيدون مثله، وإلى ~~الديانة يستجدونها ويتمسحون بها، فنادوا «بالجهاد القومي» ورحبوا بالصلوات في المعابد، ~~وشجعوا المصلين على ارتيادها، واجتمع رؤساء القساوسة في حضرة زعماء المذهب الشيوعي؛ ليعلنوا ~~العودة بمجلس الكنيسة إلى نظامه القديم. # وفحوى هذه العبرة البالغة أن أسرار العقيدة أعمق وأصدق مما يدور بأوهام منكريها، وأنها ~~ذخيرة من القوة وحوافز الحياة تمد الجماعات البشرية بزاد صالح لا تستمدها من غيرها، وأن هذه ~~الذخيرة «الضرورية» خلقت لتعمل عملها، ولم تخلق ليعبث بها العابثون، كلما طاف بأحدهم طائف ~~من الوهم، أو طارت برأسه نزعة عارضة، لا تثبت على امتحان. ~~••• # وفي هذا العصر الذي تتصارع فيه معاني الحياة بين الإيمان والتعطيل، وبين الروح والمادة، ~~وبين الأمل والقنوط، تلوذ الجماعات الإسلامية بعقيدتها المثلى ولا تخطئ الملاذ؛ لأنها عقيدة ~~تعطيها كل ما يعطيه الدين ms005 من خير، ولا تحرمها شيئا من خيرات العلم والحضارة. # وهذا الذي نرجو أن نبينه في هذا الكتاب. # القاهرة في أكتوبر سنة 1947/ذي القعدة سنة 1366. # عباس محمود العقاد # | القرآن والعلم # تتجدد العلوم الإنسانية مع الزمن على سنة التقدم، فلا تزال بين ناقص يتم، وغامض يتضح، ~~وموزع يتجمع، وخطأ يقترب من الصواب، وتخمين يترقى إلى اليقين، ولا يندر في القواعد العلمية ~~أن تتقوض بعد رسوخ، أو تتزعزع بعد ثبوت، ويستأنف الباحثون تجاربهم فيها بعد أن حسبوها من ~~الحقائق المفروغ منها عدة قرون. # فلا يطلب من كتب العقيدة أن تطابق مسائل العلم كلما ظهرت مسألة منها لجيل من أجيال البشر، ~~ولا يطلب من معتقديها أن يستخرجوا من كتبهم تفصيلات تلك العلوم، كما تعرض عليهم في معامل ~~التجربة والدراسة؛ لأن هذه التفصيلات تتوقف على محاولات الإنسان وجهوده، كما تتوقف على ~~حاجاته، وأحوال زمانه. # وقد أخطأ أناس في العصور الأخيرة؛ لأنهم أنكروا القول بدوران الأرض واستدارتها؛ اعتمادا ~~على ما فهموه من ألفاظ بعض الآيات. # وجاء أناس بعدهم فأخطئوا مثل خطئهم حين فسروا السماوات السبع بالسيارات السبع في المنظومة ~~الشمسية، ثم ظهر أنها عشر لا سبع، وأن «الأرضين السبع» - إذا صح تفسيرهم - لا تزال في حاجة ~~إلى التفسير. # ولا يقل عن هؤلاء في الخطأ أولئك الذين زعموا أن مذهب التطور والارتقاء ثابت في بعض آيات ~~القرآن؛ كقوله تعالى: # ولولا دفع الله الناس بعضهم ~~ببعض لفسدت الأرض ~~، # 1 # أو قوله تعالى: # فأما الزبد فيذهب جفاء ~~وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ~~. # 2 # لأن الآيتين تؤيدان تنازع البقاء، وبقاء الأصلح، ولكن مذهب التطور والارتقاء لا يزال بعد ~~ذلك عرضة لكثير من الشكوك والتصحيحات، بل عرضة لسنة التطور والارتقاء التي تنتقل به من ~~تفسير إلى تفسير. # ومن الخطأ كذلك أن يقال: إن الأوروبيين أخذوا من القرآن كل ما اخترعوه من السلاح الحديث؛ ~~لأن القرآن الكريم جاء فيه؛ حثا للمسلمين: # وأعدوا لهم ما ~~استطعتم من قوة ومن رباط الخيل # 3 # فقد يقال لهم: إن المسلمين سمعوا هذه الآيات مئات ms006 السنين فلم يخترعوا تلك ~~الأسلحة، وإن الأوربيين لم يسمعوها فاخترعوها. # فهل الإسلام إذن لازم أو غير لازم؟ وهل يضير الأوروبيين أن يجهلوه أو ليس بضارهم أن ~~يخترعوا ما اخترعوه ولم يتبعوه؟ # وخليق بأمثال هؤلاء المتعسفين أن يحسبوا من الصديق الجاهل؛ لأنهم يسيئون من حيث يقدرون ~~الإحسان، ويحملون على عقيدة إسلامية وزر أنفسهم، وهم لا يشعرون. # كلا، لا حاجة بالقرآن إلى مثل هذا الادعاء؛ لأنه كتاب عقيدة يخاطب الضمير، وخير ما يطلب ~~من كتاب العقيدة في مجال العلم أن يحث على التفكير، ولا يتضمن حكما من الأحكام يشل حركة ~~العقل في تفكيره، أو يحول بينه وبين الاستزادة من العلوم، ما استطاع حيثما استطاع. # وكل هذا مكفول للمسلم في كتابه، كما لم يكفل قط في كتاب من كتب الأديان. # فهو يجعل التفكير السليم، والنظر الصحيح إلى آيات ما في خلقه وسيلة من وسائل الإيمان ~~بالله: # إن في خلق السماوات والأرض واختلاف ~~الليل والنهار لآيات لأولي الألباب * الذين ~~يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في ~~خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك ~~فقنا عذاب النار ~~. # 4 # وهو يحث المسلم على أن يفكر في عالم النفس كما يفكر في عالم الطبيعة. # أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله ~~السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل ~~مسمى ~~. # 5 # وهو يعظ المخالفين والمصدقين عظة واحدة؛ وهي التفكير الذي يغني عن جميع العظات: # قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى ~~وفرادى ثم تتفكروا ~~. # 6 # كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم ~~تتفكرون ~~. # 7 # وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم ~~يتفكرون ~~. # 8 # ونفصل الآيات لقوم يعلمون ~~. # 9 # قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون ~~. # 10 # ولا يرتفع المسلم بفضيلة كما يرتفع بفضيلة العلم: # يرفع الله ~~الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ~~. # 11 # قل هل يستوي الذين يعلمون والذين ~~لا يعلمون ~~. # 12 # ولا يسأل المسلم ربه نعمة هي أقوم وألزم من العلم: # وقل رب ~~زدني علما ~~. # 13 # إنما يخشى الله من عباده ~~العلماء ~~. # 14 # فالقرآن الكريم يطابق العلم، ms007 أو يوافق العلوم الطبيعية بهذا المعنى الذي تستقيم به ~~العقيدة، ولا تتعرض للنقائض والأظانين ، كلما تبدلت القواعد العلمية، أو تتابعت الكشوف بجديد ~~ينقض القديم، أو يقين يبطل التخمين. # وفضيلة الإسلام الكبرى أنه يفتح للمسلمين أبواب المعرفة، ويحثهم على ولوجها والتقدم فيها، ~~وقبول كل مستحدث من العلوم على تقدم الزمن، وتجدد أدوات الكشف ووسائل التعليم، وليست فضيلته ~~الكبرى أنه يقعدهم عن الطلب، وينهاهم عن التوسع في البحث والنظر؛ لأنهم يعتقدون أنهم حاصلون ~~على جميع العلوم. # | الأسباب والخلق # من المتفق عليه اقتران الحوادث بالأسباب، يقول بذلك العلماء والفلاسفة كما يقول به عامة ~~الناس في أقوالهم التي تجري مجرى العادة. # فالأسباب موجودة لا خلاف فيها من أحد، ولكن الخلاف الأكبر في السبب: ما هو؟ وماذا يعمل؟ ~~وهل الأسباب العاملة عنصر مستقل في الكون، والحوادث المعمولة عنصر آخر يخالفه في الكنه ~~والقوة؟ وهل السببية قوة تنتقل بين الأشياء والحوادث، أو هي قوة خاصة ببعض الأشياء ~~والحوادث؟ # لكل شيء سبب، ما في ذلك خلاف. # ولكن ما هو السبب؟ # هل هو موجد الشيء الذي خلقه ولولاه لم يخلق؟ # أو هو حادث سابق للشيء، أو مقترن به يلازمه كلما حدث على نسق واحد؟ # أما أن السبب هو موجد الشيء فيمنعه في العقل اعتراضات قوية كأقوى ما يكون الاعتراض في ~~المسائل الفكرية. # فكل ما يقرره العقل وهو واثق منه أن سبب الشيء يسبقه، أو يقترن به كلما حدث على نسق ~~واحد. # ولكن السبق لا يستلزم الإيجاد، ويضربون لذلك مثل النور والصوت في قذيفة المدفع؛ فإن العين ~~ترى النور قبل أن تسمع الأذن صوت القذيفة، ولا يقول أحد: إن النور هو سبب الصوت! أو إنه هو ~~سبب القذيفة! وإن تكررت رؤيته وسماع الصوت بعده مئات المرات أو ألوف المرات، وكذلك صياح ~~الديكة قبل طلوع النهار، ووصول قطار الصبح قبل قطار الضحى، ودخول المرءوسين في الصباح قبل ~~دخول الرئيس إلى الديوان، وغير ذلك من المتلاحقات التي تقترن على ترتيب واحد، ولا يستلزم ~~تلاحقها أن يكون السابق منها موجدا لما لحقه؛ ms008 بأي معنى من معاني الإيجاد. # كذلك يعترض العقل على السببية على المعنى المتقدم بأن التلازم بين الأسباب والنتائج في ~~وقائع الطبيعة ليس تلازما عقليا كتلازم المقدمة والنتيجة في القضايا العقلية، وإنما هو ~~تلازم المشاهدة والإحصاء، وغاية ما نملكه فيه أن نسجل هذه المشاهدة أو هذا الإحصاء. # فحدوث الصوت من القذيفة يقع على التواتر كما نسمعه، ولكن لا يلزم عقلا من تسلسل الحوادث ~~التي تقع مع القذيفة أن نسمع ذلك الصوت، وإنما تستلزم حدوثه؛ لأنه قد حدث قبل ذلك مرات، ولا ~~زيادة على ذلك في دواعي الاستلزام. # فكل ما هنالك - مما يسمى بالأسباب الطبيعية - إنما هو مقارنات في الحدوث، ولا تفسير فيها ~~أمام العقل لتعليل الإيجاد. # قال الإمام الغزالي يرد على الفلاسفة: # إن الخصم يدعي أن فاعل الاحتراق هو النار فقط، وهو فاعل بالطبع لا بالاختيار، فلا ~~يمكنه الكف عما هو طبعه، ولكن هذا غير صحيح؛ إذ إن فاعل الاحتراق هو الله تعالى ~~بواسطة الملائكة أو بغير واسطة، وأما النار فهي جماد لا فعل لها، وليس للفلاسفة من ~~دليل على قولهم إلا مشاهدة حصول الاحتراق عند ملاقاة النار، والمشاهدة تدل على ~~الحصول عنده، ولا تدل على الحصول به. # ويقرب من رأى الغزالي هذا قول نيوتن صاحب مذهب الجاذبية في ملحق التعريفات. # فإنه يضرب المثل بجسم يتحرك من ألف إلى باء، ومن باء إلى جيم، ومن جيم إلى دال، فلا يمكن ~~أن يقال في هذه الحالة: إن حركة الجسم من ألف إلى باء هي سبب حركته التالية من باء إلى جيم ~~أو من جيم إلى دال! ويشبه هذا المثل مثل أصحاب ديكارت عن ساعة تدق، وساعة أخرى تدق بعدها ~~على الدوام، فلا يمكن أن يقال: إن دقات الساعة الأولى هي سبب منشئ لدقات الساعة الثانية! ~~وهكذا كل تلاحق في الحوادث والمشاهدات. # وقد ظهر الفيلسوف الإنجليزي دافيد هيوم بعد هؤلاء فبسط القول في مسألة السببية بسطا ~~وافيا يفسر هذه الآراء المجملة، ولا يخرج عن فحوى ما قدمناه. # وإذا نظرنا إلى أصول الأسباب الكبرى ms009 تعذر على العقل أن ينسب الظواهر الطبيعية إلى هذه ~~الأسباب التي تلازمها ثم يقف عندها، فمن العسير على العقل أن يسلم أن الظواهر المادية هي ~~أسباب الحوادث بطبيعة مستمدة منها ملازمة لها، مستقرة فيها؛ لأن التسليم بهذا تسليم بوجود ~~مئات أو ألوف من المادات كلها خالد، وكلها موجود بذاته، وكلها مع ذلك مؤثر في غيره، وهو ~~مستحيل. # فهل هناك ألوف من المادات، أو هناك مادة واحدة؟ إن كان هناك ألوف من المادات كلها خالد ~~بصفاته وطبائعه، فمن العجيب في العقل أن يكون الخالد مؤثرا في خالد مثله، وأن يوجد الشيء ~~منذ الأزل بطبيعته وخصائصه؛ ليؤثر في شيء آخر موجود مثله منذ الأزل بغير تلك الخصائص وغير ~~تلك الصفات. # أما إن كانت هذه الخصائص تحولات ترجع إلى مادة واحدة في القدم فقد بطل أنها هي أسباب ~~الحوادث بطبعها، وتعين أن تكون عارضة مؤثرة بما أودع فيها على حسب تلك التحولات، والتي ترجع ~~في النهاية إلى مصدر واحد لا تعدوه. # فالعقل ينتهي في مسألة الأسباب إلى نتيجة واحدة تصح عنده بعد كل نتيجة؛ وهي أن الأسباب ~~ليست هي موجدات الحوادث، ولا هي مقدمة عليها بقوة تخصها دون سائر الموجودات، ولكنها مقارنات ~~تصاحبها ولا تغني عن تقدير المصدر الأول لجميع الأسباب وجميع الكائنات. # وهذا هو حكم القرآن الكريم. # هناك سنة في الطبيعة: # سنة الله في الذين خلوا ~~. # 1 # ولن تجد لسنة الله تبديلا ~~، # 2 # ولا تجد لسنتنا تحويلا ~~. # 3 # ولكن الخلق كله مرجعه إلى إرادة الله، أو إلى كلمة الله. # إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون ~~، # 4 # إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن ~~نقول له كن فيكون ~~، # 5 # سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول ~~له كن فيكون ~~. # 6 # وكل شيء في السماء والأرض بإذن الله. # وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي ~~رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت ~~فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك ~~نخرج الموتى لعلكم تذكرون ~~. # 7 # والبلد الطيب يخرج نباته ms010 بإذن ~~ربه ~~. # 8 # لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ~~ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب ~~مبين ~~. # 9 # وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن ~~الله ~~. # 10 # والذي ينساق عندنا في مساق العقل أن الحوادث، كبيرها وصغيرها، لا يمكن أن تحدث إلا بأمر ~~الخلق المباشر من إرادة الله. # فلا ينساق عندنا في مساق العقل أن الحادثة تحدث بفعل الأسباب أو النواميس، ثم بفعل ~~الإرادة الإلهية؛ لأن الناموس لا يملك وحده قدرة الانطلاق والتوافق التي يسبب بها ألف حادث ~~على نسق واحد، ولا بد له من القدرة التي يتابع بها هذا التسبب مرة مرة، وحادثا حادثا، بلا ~~فرق هنا بين الجملة والتفصيل. # فلا فرق هنا بين الحادث الذي يقع مرة واحدة، والحادث الذي يقع ملايين ملايين المرات؛ ~~فكلها تتوقف في بادئ الأمر على إرادة الخلق والإنشاء: # كن ~~فيكون ~~. # 11 # وإنما # كن فيكون # تقريب إلى الذهن في المجاز، والأمر أهون ~~من ذلك جدا في إرادة الخلاق. # وإنما يهال الذهن المغلق بهذا التقدير؛ لأنه يظن أن مسألة الخلق مسألة حمل وانتقال، ~~وتحريك أثقال، وحيرة بين الأرقام والمقادير الموزعة في آفاق الفضاء السحيق، وهي - على هذا ~~الظن - شيء تختلف فيه القدرة على القليل، والقدرة على الكثير. # ولكننا نحن - معشر البشر - قد رأينا بأنفسنا أن الموجودات المادية تنتهي في حسابنا إلى ~~معان ومعادلات رياضية، فالإيجاد إذن بالنسبة لصاحب الوجود المطلق هو مسألة معقولات تقع ~~لأنها قائمة في العقل المحيط بجميع الكائنات، ولا فرق بين ما يقع منها كثيرا متواترا، أو ~~يقع قليلا نادرا، ولا بين البعيد منها والقريب؛ لأنه لا بعيد في العقل المطلق ولا قريب، ~~ولا حاجة إلى انتقال ولا حمل أثقال! ~~••• # وتأتي هنا مسألة المعجزات: فما هي المعجزات؟ وما هو موقعها من التفكير السليم؟ # موقعها على ما قدمناه أنها شيء لا يخالف العقل، ولكنه يخالف المألوف والمتواتر في ~~المحسوس. # فإذا كان كل عمل من الأعمال خلقا مباشرا في إرادة الله فلا فرق في حكم العقل بين وقوع ms011 ~~المعجزة، ووقوع المشاهدات المتكررة في كل لحظة، ولا يكون الاعتراض على المعجزة أنها شيء ~~يرفضه العقل، ولا يجوز في التفكير، وإنما يكون الاعتراض الصحيح: هل هي وقعت فعلا أو لم ~~تقع؟ وهل هي لازمة أو غير لازمة للإقناع؟ # فلا يمتنع عقلا أن تقع المعجزة، وإنما الذي يمتنع عقلا أن تقع عبثا لغير ضرورة مع ~~إمكان الاستغناء عنها، إذا تبين أن إقناع المكابرين كان ممكنا بغيرها. # هل يمكن أن تتغير نواميس الكون، وقوانين الطبيعة كلها دفعة واحدة؟ # نعم، يمكن. # ولا فرق في ذلك بين تغييرها في فترة ما، وتغييرها في جميع الآفاق والأكوان. # ولكن الذي لا يمكن هو وقوع التغيير عبثا، مع إمكان اجتنابه والاستغناء عنه ... وهكذا ينبغي ~~أن يكون البحث في حقائق المعجزات. # لأن تغيير الحوادث كلها في قدرة العقل المطلق أهون من تغيير الفرض في عقل الرياضي وهو ~~مغمض العينين، هذه قضية عقلية مجردة يستوي فيها حساب الكثير، وحساب القليل، ولكن الشيء الذي ~~لا يقع في العقل المطلق هو العبث الذي لا يساغ في العقل المطلق، ولا في سائر العقول. # وقد أشار القرآن الكريم إلى الخوارق من باب الإعجاز، أو من باب السحر، فردها كلها إلى ~~السبب الأخير، الذي ترد إليه جميع الأسباب؛ وهو إرادة الخالق أو إذن الله. # أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير ~~فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله ~~. # 12 # وما كفر سليمان ولكن الشياطين ~~كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل ~~هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما ~~نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به ~~بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن ~~الله ~~. # 13 # فكان هاروت وماروت يفعلان ما يفعله أصحاب الحيل العجيبة، وهم يقولون قبل ذلك: إنها من خفة ~~اليد، أو استهواء الأبصار، وفتنة العقول! # وأيا كان ما فعلاه فالحكم فيه وفي جميع الخوارق أن العقل لا يمنع وقوعه منعه للمستحيل، ~~وأن المرجع فيه إلى مطابقته للحكمة الإلهية، وضرورة التوسل به أو إمكان التوسل ms012 بغيره في ~~مقام الإقناع. # | الأخلاق # قيل في تعليل نشأة الأخلاق: إنها مصلحة اجتماعية تتمثل في عادات الأفراد؛ لتيسير العلاقات ~~بينهم، وهم متعاونون في جماعة واحدة. # فلو انطلق كل فرد في إرضاء نزعاته، وتحقيق منافعه دون غيره، لتعذر قيام الجماعة، وانتهى ~~الأمر بفوات المصلحة الفردية نفسها؛ لتعرض كل فرد لعدوان الآخرين، وعجزه عن تدبير منافعه ~~كلها، وهي تتوقف على أعمال كثيرة موزعة بين الأفراد الكثيرين على اختلاف الصناعات. # ومن هنا وجب على كل فرد أن ينزل عن بعض نفعه ويعدل عن بعض هواه؛ لكي يضمن بهذا النزول ~~المختار أكبر قسط مستطاع من الحرية والأمان. # وليس من اللازم أن يتم هذا النزول المختار بالتفاهم والتشاور، أو عن علم سابق بالنتيجة ~~التي يصل إليها المجتمع بعد هذا النزول الإجماعي، الذي يشترك فيه جميع الأفراد. # ولكنه يتم اضطرارا بعد المحاولة والتجربة وتصحيح الأخطاء بالعبرة والعقاب. # وأيا كان مذهب القائلين في تعليل الأخلاق فمما لا مشاحة عليه أن الأخلاق مصلحة ~~اجتماعية، وأن الجماعات تختلف بينها في العادات، وأصول العرف، على حسب اختلافها في أحوال ~~الاجتماع. # لكنك خليق أن تسأل: إذا تعادل خلقان في النفع الاجتماعي ألا يوجد هنالك مقياس نرجع إليه ~~في تفضيل أحدهما على الآخر؟ أليس لحاسة الجمال أو لنزوع الإنسان إلى الكمال شأن في تفضيل ~~بعض الأخلاق على بعض، أو في تمييز بعضها بالاستحسان والإيثار، وبعضها بالمقت ~~والاستنكار؟ # إن الوجوه كلها نافعة، بما فيها من الحواس التي تؤدي وظائف الحياة، ولكننا نرى وجها ~~واحدا من بينها يعلو بروعه الحسن على ألوف الوجوه، ويفدى بألوف الوجوه، ولعله من جانب ~~المنفعة التي تستفيدها وظائف الجسم أقل من تلك الوجوه في بعض المزايا، وأحوج منها إلى ~~العلاج والتصحيح. # فهل يدخل اعتبار الجمال إلى جانب المنفعة في وصف الجسد الإنساني، ولا يحسب له اعتبار في ~~خصائص النفس، أو خصائص المزاج؟ # وهل نعتبر كل إعجاب بخلق من الأخلاق ميزانا حسابيا للمنفعة والخسارة، وتقديرا ~~تجاريا لصفقة من الصفقات؟ # وهل يروعنا كل خلق بمقدار ما ينفعنا، سواء نظرنا إلى المنفعة ms013 المعلومة المحسوبة، أو نظرنا ~~إلى المنفعة التي تتحقق على طول الزمن في أطوار الاجتماع؟ # لا بد أن يخطر على البال أن «لحاسة الجمال» شأنا هنا كشأنها في الإعجاب بمحاسن الأجسام، ~~بل كشأنها في الإعجاب بمحاسن الجماد، أيا كان القول في أصل الشعور بالجمال. ~~••• # وقيل في تعليل نشأة الأخلاق: إنها ترجع إلى مصدرين في كل جماعة بشرية لا إلى مصدر واحد، ~~وإنها ترجع إلى مصلحتين لا إلى مصلحة واحدة، وقد تكون إحداهما على نقيض الأخرى فيما تمليه ~~وفيما تستمليه. # قيل: إنها ترجع في ناحية منها إلى مصلحة السادة، وترجع في ناحية أخرى إلى مصلحة العبيد، ~~وقد يقولون: أخلاق الأقوياء والضعفاء، بدلا من أخلاق السادة والعبيد. # والمرجح أن التفرقة بين أخلاق الكرام الأحرار، وبين أخلاق اللئام الهجناء، ملحوظ فيها ~~هذا المعنى في اللغة العربية بين العرب الأقدمين، فكانوا يفهمون من وصف الأخلاق بالكريمة ~~أنها أخلاق السادة الأحرار، ومن وصفها باللئيمة أنها أخلاق قوم ليست لهم أعراق، وليس لهم ~~خلاق. # وأحدث القائلين بهذه التفرقة بين المفكرين من الأوروبيين فردريك نيتشه المعروف بمذهبه ~~المشهور عن «إرادة القوة» التي يعارض بها الاكتفاء بمجرد إرادة الحياة، وهي قوام أخلاق ~~الضعفاء ممن لا مطمع لهم فيما وراء عيش الكفاف أو عيش الأمان. # ولكن ما هي الأخلاق القوية؟ هل هي أن يفعل القوي ما يشاء؛ لأنه قادر على أن يفعله، ولأن ~~الضعفاء عاجزون عن صده والوقوف في سبيله؟ # وهل كل ما يفعله الأقوياء خلق حميد محبوب؟ # وإذا قلنا: إن أخلاق القوة هي أخلاق القوي أمام الضعفاء، فما هي أخلاق القوي أمام القوي ~~مثله؟ وما هو الضابط الذي يجعل للقوي عملا يليق به وعملا آخر لا يليق؟ # قديما فسر هوبس الفيلسوف الإنجليزي كل خلق حميد بأنه قوة أو دليل على قوة. # فالصبر قوة؛ لأن الضعيف يجزع، ولا يقوى على الصبر والاحتمال. # والكرم قوة؛ لأن الكريم يثق من قدرته على البذل، ويعطي من هو محتاج إلى عطائه وهو ~~ضعيف. # والشجاعة قوة؛ لأنها ترفض الجبن والاستخذاء. # والعدل قوة؛ لأنه غلبة الإنسان ms014 العادل على نوازع طمعه ودوافع هواه. # والعفة قوة؛ لأنها تقاوم الشهوة والإغراء. # والحلم قوة؛ لأنه مزيج من الصبر والثقة، وقد ينطوي على شيء من الترفع والاستخفاف ~~بالمسيء . # والرحمة قوة؛ لأنها إنقاذ لمن يستحق الرحمة من المرضى أو العجزة أو الصغار الموكولين إلى ~~رعاية الكبار. # وقس على ذلك كل خلق حميد نفسره على هذا النحو من التفسير. # وفحواه أن القوي تحمد منه أعمال ولا تحمد منه أعمال، وأيا كان الظن بصواب هذه الفحوى أو ~~هذا التفسير فليس في وسع أحد أن يقول: إن القوي يفعل ما يشاء ويندفع مع قوته كما يشاء، وإن ~~كل ما يفعله وكل ما يندفع إليه حميد جميل. # فما هو الضابط إذن للأخلاق القوية؟ أهو الاستطاعة؟ أكل ما يستطيعه القوي حميد، وكل ما لا ~~يستطيعه ذميم؟ إن معنى هذا إبطال مذهب القوة من أساسه، والرجوع به إلى العجز وقلة الاستطاعة ~~في خاتمة المطاف. # ولماذا يشاء القوي أمرا، ولا يشاء أمرا آخر؟ لأنه يشاء ما يليق، أو يشاء ما يقدر عليه، ~~أو يشاء بلا ضابط من القدرة واللياقة؟ # كل ذلك لا تفسره كلمة «القوة» وحدها، ولا تغني فيه عن تفسير يقترن بالقوة، ويميز لنا ما ~~هو جميل من أعمالها، وما هو شائن قبيح. # ونعود إلى مذهب المنفعة في الأخلاق، فنسأل: هل نرتضي أخلاق الجزع، أو أخلاق الغدر، أو ~~أخلاق المشاكسة، ولو لم يكن لها علاقة بمصالح الاجتماع؟ # أليس في رؤية الرجل الجزوع قبح تنفر منه النفس، ولو كانت فيه سلامة صاحبه، ولم يكن للخلق ~~في ذاته علاقة بالفضائل الاجتماعية؟ # أليس لنا مقياس آخر، غير مقياس المنفعة الاجتماعية، أو مقياس التفرقة بين الأقوياء ~~والضعفاء؟ # بلى، هناك مقياس لا بد من الرجوع إليه في جميع هذه الأحوال؛ وهو صحة النفس، وصحة الجسد ~~على السواء. # فالنفس الصحيحة تصدر عنها أخلاق صحيحة، والجسد الصحيح يصدر عنه عمل صحيح، أيا كان أثر ~~الأخلاق والأعمال في حياة الجماعة، أو حياة الأفراد. # إن القوي الذي يفعل ما يشاء ليس بصحيح؛ لأن النفس الصحيحة لا تنطلق ms015 كما تنطلق الآلة التي ~~تملؤها قوة البخار، أو قوة الكهرباء، فتصدم وتهشم، وتخبط خبط عشواء؛ حيث تحملها القوة ~~العمياء. # لا صحة بغير ضابط أيا كان حكم الاجتماع ومطلب الاجتماع. # وكل ضابط معناه القدرة على الامتناع، ورد النفس عن بعض ما تشاء، وليس معناه القدرة على ~~العمل فحسب، ولا المضي مع النفس في كل ما تشاء. # وهذا قبل كل شيء هو مصدر الجمال في الأخلاق؛ مصدره أن القوة النفسية أرفع من القوة ~~الآلية. مصدره أن يتصرف الإنسان كما يليق بالكرامة الإنسانية، ولا يتصرف كما تحمله القوة ~~الحيوانية، أو القوة التي يستسلم لها استسلام الآلات. # مصدره أن يكون الإنسان سيد نفسه، وأن يعلم أنه يريد فيعمل أو يمتنع عن العمل، وليس قصاراه ~~أنه يساق إلى ما يراد. # إن المجتمع قد يملي على الإنسان ما يليق وما لا يليق، ولكنه لا يغنيه عن هذا الضابط الذي ~~تناط به جميع الأخلاق، كما تناط به حاسة الجمال؛ لأنه دليل على صحة التكوين، وخلو النفس من ~~الخلل والتشويه. # وبهذا الضابط الذي لا غنى عنه في كل خلق من الأخلاق يتحدى الإنسان فرائض المجتمع كله إذا ~~فرضت عليه ما ينفر منه طبعه، أو يجرح فيه حاسة الجمال، وسليقة الشوق إلى الكمال، فيعلو على ~~المجتمع في كثير من الأحيان، ولا يكون قصاراه أن ينقاد لما يمليه عليه، بل يخلق الآداب ~~الاجتماعية الجديدة، ولا يكون في أعماله ومقاييسه مخلوقا للمجتمع في جميع الأحوال. # مصدر الجمال في الأخلاق هو أن يشعر الإنسان بالتبعة، وأن يدين نفسه بها؛ لأنه يأبى أن ~~يشين نفسه، ويعتبر «الشين» غاية ما يخشاه من عقاب. # مصدر الأخلاق الجميلة هو «عزم الأمور» كما سماه القرآن، وهو مصدر كل خلق جميل حثت عليه ~~شريعة القرآن. ~~••• # فالشخصية الإنسانية ترتقي في الجمال الأخلاقي، كلما ارتقت في الاستعداد «للتبعة» ومحاسبة ~~النفس على حدود الأخلاق. # وليس للتفاوت في جمال الخلق مقياس أصدق من هذا المقياس، ولا أعم منه في جميع الحالات، ~~وفي جميع المقابلات بين الخصال المحمودة، أو بين أصحاب تلك الخصال. ms016 # وقد ألمعنا إلى ذلك في كتابنا «هتلر في الميزان»؛ حيث قلنا: إن «مقاييس التقدم كثيرة، يقع ~~فيها الاختلاف والاختلال ... فإذا قسنا التقدم بالسعادة فقد تتاح السعادة للحقير ، ~~ويحرمها العظيم، وإذا قسناه بالغنى؛ فقد يغنى الجاهل، ويفتقر العالم، وإذا قسناه ~~بالعلم فقد تعلم الأمم المضمحلة الشائخة، وتجهل الأمم الوثيقة الفتية، إلا مقياسا واحدا، ~~لا يقع فيه الاختلاف والاختلال، وهو مقياس المسئولية واحتمال التبعة؛ فإنك لا تضاهي بين ~~رجلين، أو أمتين إلا وجدت أن الأفضل منهما هو صاحب النصيب الأوفى من المسئولية، وصاحب ~~القدرة الراجحة على النهوض بتبعاته، والاضطلاع بحقوقه وواجباته، ولا اختلاف في هذا المقياس ~~كلما قست به الفارق بين الطفل القاصر، والرجل الرشيد، أو بين الهمجي والمدني، أو بين ~~المجنون والعاقل، أو بين الجاهل والعالم، أو بين العبد والسيد، أو بين العاجز والقادر، أو ~~بين كل مفضول، وكل فاضل على اختلاف أوجه التفضيل». # والقرآن يقرر التبعة الفردية، وينوط بها كل تكليف من تكاليف الدين وكل فضيلة من فضائل ~~الأخلاق: # ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر ~~وازرة وزر أخرى ~~. # 1 # كل نفس بما كسبت رهينة ~~. # 2 # لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ~~. # 3 # قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ~~ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل ~~فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل ~~. # 4 # وما من خصلة حث عليها القرآن إلا كان تقدير جمالها بمقدار نصيبها من الوازع النفساني، أو ~~بمقدار ما يطلبه الإنسان من نفسه، ولا يضطره أحد إلى طلبه. # فالحق الذي تعطيه، ولا يضطرك أحد إليه هو من أجمل الحقوق، وأكرمها على الله، وأخلقها ~~بالفضيلة الإنسانية. # فلا قدرة للمسكين، ولا لليتيم، ولا للأسير على تقاضي الحق، فضلا عن تقاضي الحسنة ~~المختارة، ولا يحث القرآن على البر بأحد كما يحث على البر بهؤلاء وأمثال هؤلاء. # ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما ~~وأسيرا ~~. # 5 # فأما اليتيم فلا تقهر * ~~وأما السائل فلا تنهر ~~. # 6 # ولا تحسب على الأمة لعنة تحيق بها، وتستحق النكال من أجلها كلعنة التهاون ms017 في رعاية ~~اليتامى والمساكين. # كلا بل لا تكرمون اليتيم * ولا ~~تحاضون على طعام المسكين ~~. # 7 # ومن واجب القوي القادر أن يجود بروحه في سبيل الله كما يجود بها في سبيل هؤلاء: # وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين ~~من الرجال والنساء والولدان ~~. # 8 # وأحب البر بالوالدين هو البر بهما حين يضعفان، أو حين يعجزان عن التأديب والجزاء. # وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ~~وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما ~~أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما ~~قولا كريما * واخفض لهما جناح الذل من ~~الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا ~~. # 9 # ولا يرجع هذا إلى ضعف صاحب الحق في الرحمة والإحسان، بل إلى مرجع الفضل كله من النفس ~~الإنسانية؛ وهو ضبط النفس، وملك زمامها، وعزم الأمور، واتخاذ الوازع منها حين لا وازع من ~~غيرها. # فالعدو القوي المقاتل له في هذه الفضيلة حق كحق الضعيف المستسلم الذليل. # وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا ~~تعتدوا ~~. # 10 # فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه ~~بمثل ما اعتدى عليكم ~~. # 11 # ولا تسقط الضرورة ولا الغضب هذا الواجب عن كاهل إنسان ينشد الكمال ويروض نفسه على الأفضل ~~من الخصال، فعلى الغاضب أن يغفر للمغضوب عليه، وعلى المضطر أن يتجنب البغي والعدوان: # وإذا ما غضبوا هم يغفرون ~~. # 12 # فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه ~~إن الله غفور رحيم ~~. # 13 # وغني عن التفصيل أن الفضائل المثلى التي يحض عليها القرآن هي الفضائل التي ترفع إلى هذا ~~المصدر وتجري في نسقه وتجمل بمن يروض نفسه على هذا الوازع ويحاسب نفسه هذا الحساب. # فالصبر، والصدق، والعدل، والإحسان، والمحاسنة، والأمل، والحلم، والعفو هي مثال الكمال ~~الذي يطلبه لنفسه من يزع نفسه، ويختار لها أحسن الخيرة، ويأبى لها أن يهبط بها مكانا دون ~~مكان الجميل الكامل من الخصال ومن الفعال. # ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم ~~الأمور ~~. # 14 # فاصبر على ما يقولون ~~. # 15 # وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني ~~مخرج صدق ~~. # 16 # والموفون ms018 بعهدهم إذا عاهدوا ~~والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك ~~الذين صدقوا وأولئك هم المتقون ~~. # 17 # إن الله يأمر بالعدل والإحسان ~~. # 18 # يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين ~~لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا ~~تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله ~~خبير بما تعملون ~~. # 19 # لا تقنطوا من رحمة الله ~~. # 20 # وهذا الأدب بعينه هو الذي يملي على الكبير أن يتواضع للصغير، ويملي على الصغير أن يحفظ ~~مكانة الكبير، ويملي على الكبار والصغار أجمعين أن يتجنبوا الإساءة، ويتعمدوا المحاسنة، وأن ~~يأخذ بعضهم بعضا بالرفق والأدب وطيب العشرة وإحسان المقال. # واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين ~~. # 21 # إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول ~~الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى ~~. # 22 # وقولوا للناس حسنا ~~. # 23 # قول معروف ومغفرة خير من صدقة ~~يتبعها أذى والله غني حليم ~~. # 24 # إن الله لا يحب كل مختال فخور ~~. # 25 # إن الله لا يحب من كان مختالا ~~فخورا ~~. # 26 # والله لا يحب كل مختال فخور ~~. # 27 # ولا تعتدوا إن الله لا يحب ~~المعتدين ~~. # 28 # ويجب على المسلم إحسان القول في المغيب كما يحسنه في الحضور: # ولا ~~تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل ~~لحم أخيه ميتا فكرهتموه ~~. # 29 # وجماع هذه الأخلاق كلها هو تلك الصفات التي اتصف بها الخالق نفسه في أسمائه الحسنى، وكلها ~~مما يحمد للإنسان أن يروض نفسه عليه، وأن يطلب منه أوفى نصيب يتاح للمخلوق المحدود، فيما ~~عدا الصفات التي خص بها الخالق دون سواه. ~~••• # وإن المسلم ليؤمن بمصدر هذه الأخلاق المثلى، ويؤمن بأنها جميعا مفروضة عليه بأمر من ~~الله. # ولكن المسلم وغير المسلم يستطيعان أن يقولا معا: إنها صفات لا ترجع إلى مصدر غير المصدر ~~الإلهي، الذي تصدر منه جميع الأشياء؛ لأن مناطها الأعلى لم يتعلق بمنفعة المجتمع، ولا ~~باستطاعة القوة، ولا بالقانون والسلطان، ولكنه تعلق بما في الإنسان من حب للجمال وشوق إلى ~~الكمال، وكلاهما نفحة من الخالق يهتدي بها الأحياء عامة في معارج ms019 الرفعة والارتقاء. # | الحكم # إذا وصفت الحكومة التي نص عليها القرآن بصفة من صفات الحكومة العصرية فهي الحكومة ~~الديمقراطية في أصلح أوضاعها؛ لأنها حكومة الشورى والمساواة ومنع «السيطرة ~~الفردية». # وأمرهم شورى بينهم ~~. # 1 # وشاورهم في الأمر ~~. # 2 # واخفض جناحك لمن اتبعك من ~~المؤمنين ~~. # 3 # إنما المؤمنون إخوة ~~. # 4 # إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي ~~أنما إلهكم إله واحد ~~. # 5 # يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة ~~سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به ~~شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله ~~. # 6 # وما أنت عليهم بجبار ~~. # 7 # وجملة ما يقال: إنها هي الحكومة لمصلحة المحكومين، لا لمصلحة الحاكمين، يطاع الحاكم ما ~~أطاع الله؛ فإن لم يطعه فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. # أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر ~~منكم ~~. # 8 # وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا ~~بالعدل ~~. # 9 # فكل أركان (حكم الأمة للأمة) قائمة في هذه الحكومة القرآنية. # ولكن لا يفهم من هذا بداهة أن الأمر فيها لكثرة العدد، أو للطبقة الكثيرة من بين سائر ~~الطبقات. # لأن القرآن الكريم قد تكررت فيه الآيات التي تنص على أن الرأي والفضل والذمة والعلم ليست ~~من صفات أكثر الناس على التعميم، وهذه أمثلة من تلك الآيات تتكرر أحيانا بلفظها، وأحيانا ~~بمعناها في مواضع شتى من السور التي تصف الناس عامة كما تصفهم بعد البعثة المحمدية. # وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله ~~ إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ~~. # 10 # أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو ~~يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا ~~. # 11 # وما يتبع أكثرهم إلا ظنا ~~. # 12 # وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن ~~وجدنا أكثرهم لفاسقين ~~. # 13 # ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ~~. # 14 # ولكن أكثرهم يجهلون ~~. # 15 # ولكن أكثركم للحق كارهون ~~. # 16 # وإذا كانت طاعة أكثر الناس تضل عن سبيل الله فليس من الرشد لهم ولا لغيرهم أن يكون لهم ~~الحكم المطاع، وإنما تقع تبعات الحكم على الأمة كلها بجميع عناصرها، وترجع ms020 الشورى إلى أهل ~~الشورى، وهي لا تكون لغير ذي رأي أو ذي حكمة، ويصبح المؤمنون كالإخوة في المعاملة: # إنما المؤمنون إخوة ~~. # 17 # ولكن الذين يعلمون منهم أحق بالطاعة من الذين لا يعلمون. # قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا ~~يعلمون ~~. # 18 # ولهذا كانت أمانة الحكم في الأمة مقرونة بأمانة مثلها لا تقل عنها شأنا، ولا يستقيم أمر ~~الأمم بغيرها؛ وهي أمانة الدعوة والإرشاد. # ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون ~~بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم ~~المفلحون ~~. # 19 # وشر ما تبتلى به جماعة بشرية من سوء المصير إنما مرجعه إلى بطلان هذه الدعوة، والتغاضي عن ~~المنكرات، وكذلك كان مصير الضالين من بني إسرائيل # كانوا لا ~~يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون ~~. # 20 # وعلى أبناء الأمة جميعا أن يتعاونوا على المصلحة العامة، وإقامة الفرائض والفضائل: # وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا ~~على الإثم والعدوان ~~. # 21 # فالحاكمون والمحكومون جميعا متعاونون في أمانة الحكم وأمانة الإصلاح: كل بما يستطيع، وكل ~~بما يصلح له، وما يصلح عليه، ولا حق في الطغيان لفرد جبار، ولا جماعة كثيرة العدد، بل الحق ~~كله للجماعة كلها، بين التشاور والتعاون، والتنبيه والإرشاد والاسترشاد. # وما من جماعة بشرية تتم فيها أمانة الشورى، وأمانة الإصلاح، وأمانة التعاون ثم يعروها ~~انحلال، أو يخشى عليها من فساد. ~~••• # ويلحق بقواعد الحكم قواعد توزيع الثروة، وهي في القرآن تمنع الإسراف وتمنع ~~الحرمان. # فاختزان الأموال محرم كل التحريم، وإنما جعل المال للإنفاق في سبيل الله، وفي طيبات ~~العيش، وفي مرافق الحياة: # والذين يكنزون الذهب ~~والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب ~~أليم ~~. # 22 # والمحرومون العاجزون عن العمل محسوب لهم حسابهم في الثروة العامة، فريضة لازمة لا تبرعا ~~يختاره من يختار. # خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم ~~بها ~~. # 23 # وآتوا الزكاة ~~، # 24 # أمر موجه إلى كل مسلم قادر عليها، وفي سبيلها حارب الخليفة الأول جموع ~~المرتدين، وهم أوفر عددا، وأكمل عدة من المسلمين. # وقلما تمتحن أمة بالبلاء في نظامها، وقواعد حكمها إلا من قبيل ms021 هاتين الآفتين: أموال ~~مخزونة لا تنفق في وجوهها، وفقراء محرومين لا يفتح لهم باب العمل، ولا باب الإحسان. # وكلتا الآفتين ممنوعة متقاة في حكومة القرآن. # | الطبقات # أقر القرآن سنة التفاوت بين الناس في جميع المزايا التي يتفاضلون بها وينتظم عليها العمل ~~في الجماعة البشرية. # فهم متفاوتون في العلم والفضيلة: # هل يستوي الذين ~~يعلمون والذين لا يعلمون ~~. # 1 # يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين ~~أوتوا العلم درجات ~~. # 2 # وهم متفاوتون في الجهاد الروحي والقدرة على الإصلاح: # تلك ~~الرسل فضلنا بعضهم على بعض ~~، # 3 # لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير ~~أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ~~فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين ~~درجة ~~. # 4 # وهم متفاوتون في الرزق وأسباب المعيشة: # نحن قسمنا بينهم ~~معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض ~~درجات ~~. # 5 # والله فضل بعضكم على بعض في ~~الرزق ~~. # 6 # ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم ~~على بعض ~~. # 7 # ولكن هذا التفاوت لا يرجع إلى عصبية في الجنس أو الأسرة؛ إذ لا فرق في ذلك بين إنسان ~~وإنسان: # إنما المؤمنون إخوة ~~. # 8 # ولا فرق بين أمة وأمة، ولا بين قبيلة وقبيلة، ولا بين أحد وأحد إلا برعاية الحقوق ~~والواجبات: # يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر ~~وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم ~~عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير ~~. # 9 # فالتعدد في الأمم وسيلة التعارف والتعاون، وليس بوسيلة للادعاء، والتنابذ، والتعصب ~~للأجناس والتعالي بالعصبيات. # وقد فسر النبي عليه السلام هذه الآيات البينات بأحاديث في معناها فقال: «لا فضل لعربي ~~على أعجمي، ولا لقرشي على حبشي إلا بالتقوى.» # وقال: «اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة ما أقام فيكم كتاب الله ~~تعالى.» # وكان عمر رضي الله عنه يتكلم عن الصديق، ويشير إلى بلال الحبشي فيقول: «هو سيدنا، ~~وأعتق سيدنا.» ~~••• # فالقرآن الكريم - بهذه الأحكام المفصلة - قد أعطى المساواة حقها، وأعطى التفاوت بين ~~الآحاد والطبقات حقه، فلا يمتنع التفاوت ولا يكون مع هذا سببا للظلم والإجحاف ms022 بالحقوق، بل ~~سببا لإعطاء كل ذي حق حقه ولو كان من المستضعفين في الجنس، أو المستضعفين في المنزلة ~~الاجتماعية. # وبإقرار التفاوت أقر القرآن الكريم أصلح النظم التي تستقيم عليها حياة الفرد والجماعة؛ ~~لأن سنة الاختلاف بين الأحياء أعمق من حياة البشر وأعمق من نظم الاجتماع، أو نظم ~~الاقتصاد. # فالحياة تتمثل في ألوف من الأنواع والأجناس والفصائل، وكل نوع أو جنس أو فصيلة يتألف من ~~آحاد يعدون بالألوف والملايين، ولا يتشابهون في الشكل ولا في اللون، ولا في القوة والمزية، ~~ومهما يقل القائلون عن أسباب ذلك في الزمن القديم فالحقيقة الماثلة أمامنا أن التنوع سنة ~~الحياة وغايتها، وأنها تنزع إلى تفاوت المزايا، ولا تنزع إلى التشابه والتساوي في مظاهرها ~~الإنسانية، ولا في مظاهرها الحيوانية، ويوشك أن يعم ذلك عالم الجماد قبل عالم الحيوان أو ~~الإنسان. # وحكمة التفاوت ظاهرة، وآفة التشابه والتساوي أظهر؛ لأن الحياة تفتقر إلى المزايا إذا قصرت ~~حركتها على تكرير صورة واحدة في كل فرد من الأفراد، وجعلتهم كلهم نسخة واحدة، لا فضل لبيئة ~~منهم على بيئة، ولا لمجموعة منهم على مجموعة، ولكنها تزخر بالمزايا المتجددة، وتستزيد من ~~الملكات المتعددة، كلما طرأ بينها التفاوت في الصفات والتفاوت في الأنصبة، وكان للتفاوت بين ~~آحادها فضل يحرصون عليه، ويتطلعون إلى بلوغه، والتقدم فيه. # ولا معنى للتفاوت إذا تساوى القادر والعاجز، وتساوى العامل والكسلان، وأصبح الكسلان يكسل ~~ولا يخاف على وجوده، والعامل يعمل ولا يطمح إلى رجحان، واطمأن المجردون من المزايا كاطمئنان ~~الممتازين عليهم بأشرف المزايا وأعلاها؛ فإن القدرة تكاليفها ثقيلة، وأعباؤها جسيمة، ~~ومطالبها كثيرة، والناس خلقاء أن يتهيبوا، وينكصوا عنها إذا لم يكن لهم وازع من الخوف ودافع ~~من الطموح، وإن العاجزين الكسالى ليقعدهم العجز، ويطيب لهم الكسل إن لم يكن فيه ما يحذرونه ~~ويخافون عقباه، وما هم بكسالى إذا كانوا يعملون وهم مستطيعون أن يتركوا العمل بغير خوف من ~~عواقب تركه، أو كان العجز مأمونا في كل حال، لا يصيبهم في رزقهم ومنزلتهم بما يقلق ويثير: ~~فالتفاوت موجود. # والتفاوت لازم. ms023 # ولكنه لا لزوم له ولا فائدة فيه إذا لم يقترن به رجاء وإشفاق، ووثوق من الرزق والجاه، وشك ~~في هذا وذاك. # وهذه هي شريعة الحياة منذ كانت. # وهذه هي شريعة الحياة كيفما تكون، وحيثما تكون. # وكل صورة من الصور تناقض هذه الصورة التي عرفنا حالها منذ كانت، وحيث كانت، فهي صورة لا ~~تستقر في العقل أو الخيال، فضلا عن استقرارها في الواقع الذي يقبل «التطبيق» ويقبل ~~الدوام. # على أننا لا نعرف صورة تناقضها في العقل أو الخيال غير تلك الصور التي خلقها الوهم في ~~أخلاد جماعة من الهدامين الذين يسمون أنفسهم بالماركسيين أو الشيوعيين. # فهؤلاء الماركسيون يتصورون أن تفاوت الحظوظ والأرزاق حيلة من حيل الأسواق، وشرك من أشراك ~~المرابين وطلاب الأرباح. # ويزعمون أن الناس قد تفاوتوا في الحظوظ الأولى والأرزاق؛ لأنهم قد انقسموا منذ بداية ~~التاريخ إلى مستغلين ومسخرين، وأن المسخرين هم العمال المأجورون، فإذا انتهى التاريخ إلى ~~مرحلة من المراحل يسود فيها العمال المأجورون؛ فقد انتهى الاستغلال، وانتهى التفاوت في ~~الحظوظ الأرزاق، وعمت المساواة بين جميع الآحاد وجميع الطبقات إلى آخر الزمان. # وفحوى ذلك أن المذهب الشيوعي يتقرر مثلا في قطر من الأقطار سنة 1917 للميلاد. # ثم يستقر في جميع الأقطار سنة 1950 أو قبل سنة 1970 أو قبل سنة ألفين أو قبل سنة ثلاثة ~~آلاف. # ثم ماذا؟ # ثم يقف سباق الحياة في الجماعات البشرية، ثم ينقطع التبديل والتغيير في تكوين تلك ~~الجماعات، ثم تستقر شعوب البشرية على هذه الحالة من النظام الاجتماعي دهر الداهرين وأبد ~~الآبدين. # إلى متى؟ # إلى سنة خمسة آلاف؟ إلى سنة عشرة آلاف؟ إلى سنة مائة ألف بعد الميلاد؟ إلى سنة مليون؟ إلى ~~سنة عشرة ملايين؟ # كلا، إلى أن يفنى البشر، وينهار بناء الكون. # ولماذا يقع التبديل في الجماعات البشرية بعد سنة ألفين للميلاد مثلا أو سنة ثلاثة ~~آلاف؟ # لماذا التغيير والتبديل بعد شيوع المذهب الشيوعي في كل قطر من أقطار الكرة ~~الأرضية؟ # المسألة كلها «لعبة سماسرة»، وقد انكشفت هذه اللعبة وارتفع الغطاء! # كل ما ms024 حدث من أطوار الجماعات، وأطوار الدول، وأطوار العقائد والدعوات فهو «مناورة سوق» ~~ودسيسة فريق من حزب الصعود، وفريق من حزب الهبوط، وقد بطلت الدسيسة بفراسة كارل ماركس ~~اللبيب وأتباعه الأيقاظ، فلا أطوار، ولا مناورات، ولا صعود، ولا هبوط، ولا سبيل للجماعات ~~البشرية إلى تبديل أو تغيير؛ لأن الحكاية كلها حكاية استغلال وتسخير، وقد بطل الاستغلال ~~والتسخير في هذا الطور الأخير، ووقف دولاب الحياة الاجتماعية، فلا مصير لها غير هذا ~~المصير! # وأصحاب هذه النحلة يسمون أنفسهم أحيانا بالماديين التاريخيين؛ لأنهم يدعون لأنفسهم ~~أنهم يستلهمون أسرار التاريخ، ويسبرون غوره، ويحيطون بآفاقه في ماضيه وحاضره ومصيره، ولكنك ~~ترى مما تقدم أي ضيق وأي صغر يلازمان نظرتهم إلى عوامل التاريخ الإنساني في آباده المترامية ~~إلى غير انتهاء معلوم الحدود، فما أضيق هذه الآفاق! وما أصغر هذا التاريخ! الذي تتقيد خطاه ~~بتنظيم الأجور في مرحلة من مراحل السياسة، فلا تنحرف بعد ذلك يمنة ولا يسرة، ولا يكون لها ~~متجه غير المتجه الذي رسمه لها «الماديون التاريخيون». # وأضيق من هذه النظرة إلى أطوار التاريخ نظرتهم إلى دوافع الحياة التي تنوع مظاهرها، وتعدد ~~جوانبها، فلا شيء غير نضوب الحياة، وضحالة الإحساس بها، يخيل إلى أحد من الناس أن مسألة ~~التفاوت بين الأحياء عامة - وبين البشر خاصة - مسألة عارضة أو تلفيقة من تلفيقات الأسواق، ~~وأحبولة من أحابيل الاستغلال، وأن هذا التفاوت لا يعمل عمله في بيئة المجتمع من جديد إذا ~~عولجت مسألة الأجور على نظام من النظم كائنا ما كان؛ فإن تفاوت الأرزاق أو الأجور نتيجة لا ~~محيص عنها للتفاوت في أقدار الحياة، ولن يمتنع تفاوت الأرزاق ولو منعته جميع القوانين التي ~~في طاقة الحكومات أو الجماعات. # على أنه لو امتنع يوما من الأيام بحيلة من الحيل الحكومية لبقي التفاوت الذي لا حيلة فيه ~~لحكومة قط، ولا تعدله في قيم الحياة قيمة تتعلق بالأرزاق أو بالأموال؛ لأنه هو التفاوت الذي ~~يسعد ويشقي، ويرفع ويضع، وتناط به الآمال والجهود، والغبطة والرجاء. # فقد يولد الإنسان بوجه جميل، يفتح له القلوب، ms025 ويسخر له اللذات، ويتمناه الألوف، فلا هو ~~قادر على أن ينزل عنه، ولا هم قادرون على أن يأخذوه. # وقد يمتاز الإنسان بالقوة التي تقاوم العدل، وتستغني بالقليل من الطعام والكساء عن الكثير ~~الذي لا ينفع الآخرين. # وقد يمتاز بالذرية التي تعز على غيره، أو يساوي غيره بالذرية ويمتاز عليهم بنجابة ~~الأبناء. # وقد يمتاز بالعبقرية والنبوغ، وقد يمتاز بالفصاحة وذرابة اللسان، وقد يمتاز بالظرف ~~والفكاهة والإيناس، وقد يمتاز بطول الأجل والرضا عن العيش، واعتدال المزاج، وقد يمتاز ~~بالهيبة ووجاهة المحضر وبروز «الشخصية» بين الأنداد والأقران. # فلا بد أن يكون الإنسان مشغولا جدا بالعملة والنقد حتى يتخيل أن النقود وحدها هي التي ~~خلقت الدرجات الاجتماعية بين هذه الفوارق التي لا تقبل الإحصاء، ولا بد أن يكون محسور ~~النظر، حين ينظر إلى المستقبل القريب والبعيد، فيحسب أن هذه المزايا معطلة العمل، في خلق ~~الدرجات والطبقات، وستظل معطلة العمل عشرات السنين، ومئات السنين، وآلاف السنين، إلى أبد ~~الآبدين. # وما كان بالناس من حاجة إلى انتظار آلاف السنين ليروا أن هذه المزايا وأشباهها قد تعمل ~~عملها، في ظل كل نظام، وعلى الرغم من كل نظام. # فقد تأسس النظام الشيوعي في البلاد الروسية منذ ثلاثين سنة، فحاول جهد المستميت أن يقضي ~~على الطبقات والدرجات، فما هي إلا سنوات حتى ظهرت بوادر التفاوت بينها بعد نشأة الصناعة ~~الحكومية، وهي قيد أنملة في أشواط الحياة الاجتماعية إذا قيست بالتاريخ المنتظر في الدهور ~~بعد الدهور. # ظهرت بوادر هذا التفاوت بين أناس يرغبون جميعا في منعه، ويؤمنون جميعا ببطلانه، ويدينون ~~بما تدين به حكومتهم من أسباب الفوارق بين الطبقات في حظوظ المعاش. # وقد دانوا بما تدين به حكومتهم؛ لأنهم ولدوا في ظلها، ولم يسمعوا رأيا غير رأيها، ولا ~~فلسفة للتاريخ غير فلسفتها؛ إذ كان الجيل العامل في البلاد الروسية من أبناء العشرين إلى ~~أبناء الخامسة والأربعين قد ولدوا بعد نشأة النظام الشيوعي، أو تعلموا دروس الطفولة والصبا ~~على يديه، فليس في وسع نظام أن يطمع في معونة أصدق من هذه ms026 المعونة بين الحكومة والشعب؛ ~~لتحقيق التجربة التي يؤمنون بها ويكرهون إخفاقها، ويعلقون عليها الرجاء الأكبر في الوجود ~~كله؛ لأنها هي عقيدتهم في الوجود. # ولكنهم بدءوا التجربة فلم يتقدموا فيها خطوتهم الأولى، حتى تبين لهم الخطر من التسوية بين ~~المطبوع على العمل، والمطبوع على الكسل، واحتاجوا إلى حفز الهمم وحث الخطا بالتمييز بين ~~المجتهد والمهمل، وبين السريع والبطيء، وبين من يركن إلى الكفاف، ومن يطمح إلى التفوق ~~والبروز. # فلم ينفعهم هذا التمييز في الأجور؛ لأن صاحب الأجر الكبير كصاحب الأجر الصغير في القدرة ~~على الشراء، فكلاهما يشتري الحاجيات، ولا يؤذن له بشراء «الكماليات » التي حسبوها من شرور ~~الادخار، أو نظام رأس المال. # فسمحوا بشراء الكماليات مكرهين، وأضافوا التفاوت في حظوظ المعيشة، وفي مراتب الشرف إلى ~~التفاوت في الأجور والمكافآت، وأنشئوا الطبقات باليمين وهم يحاربونها باليسار. # وكان هذا كل ما استفادته الأمة الروسية من هذه التجربة الدامية، التي كلفتها نيفا وعشرين ~~مليونا من النفوس البشرية، بين قتلى الثورة وفرائس الاضطهاد، وصرعى المجاعة والوباء، عدا ~~خسارة الأمة في الحرية، واستقلال الفكر والشعور. # وقد فعلت مدابرة الطبيعة فعلها في جميع نوازع الحياة، وفي مقدمتها عبقرية الأمة وملكاتها ~~الإنسانية، وهو أول ما يصاب بمدابرة الطبيعة، وإكراه العقول والقرائح على نحو من ~~الأنحاء. # فإن مدابرة الطبيعة شر على عبقرية الأمة من الطغيان والاستبداد؛ لأن عبقرية الأمة الروسية ~~لم تحرم في عهد القياصرة أفذاذا من نوابغ الأدب؛ أمثال: دستيفسكي، وتولستوي، وترجنيف، ~~وشيخوف، وآرتزيياشف، وجوركي، ونخبة من الموسيقيين والدعاة، ولكنها عقمت فلم تخرج واحدا من ~~طبقة هؤلاء في عهد النظام الشيوعي، على وفرة الكتب المطبوعة وكثرة القراءة بين جميع ~~الطبقات، ومن بلغ من أدباء الروس نصيبا من النبوغ يقارب تلك المنزلة كان مآله إلى الخمول ~~أو الانتحار. # وهكذا يفعل الحجر على سباق الحياة، حيثما جرب، وفي أي من الأوضاع تمثل للناس، فلم يكن ~~الحجر على تكوين الطبقات في ظل النظام الشيوعي أرحم ولا أعدل من الحجر على تكوينها في ظل ~~العقائد البرهمية بين الهنود؛ لأنه منع الصعود، ولم ms027 يمنع الهبوط، وضاعف المشقة في طريق ~~العناصر الصالحة للتقدم، ولم يخفف شيئا من الضواغط القاسرة التي ترين على النفوس فتهوي بها ~~إلى الحضيض. # وكثيرا ما تسمع من دعاة «المادية» كلاما عن الظلم الاجتماعي، والعدالة الاجتماعية؛ ~~لأنهم يزعمون أنهم يحاربون الظلم، ويقررون العدالة، ولكنك لن تتخيل في الدنيا ظلما أوبل من ~~ظلم التسوية بين غير المتساوين؛ فإنه يجور على الأصلح، ولا يحمي المجرد من الصلاح، ويقيم ~~العقبات في سبيل تجديد القوى، واستفزاز الهمم، وتنشيط الكسالى، وتقرير الثقة في نفوس ~~العاملين. # بل ليس أظلم للطبقة السفلى نفسها ممن يحسبها «طبقة سفلى» إلى آخر الزمان ، ولا يفتح باب ~~الرجاء في الصعود والترقي لطائفة من أبنائها في حاضرهم الراهن، أو مستقبلهم القريب أو ~~البعيد، فهو يأخذهم بشريعة اليأس، ولا يأخذهم بشريعة الأمل، ويحرك فيهم الحسد والخسة، ولا ~~يحرك فيهم الهمة والطموح. # وفي ذلك الجور كل الجور على جميع الطبقات، فيه الجور كل الجور على القادرين المستعدين ~~للصعود، وفيه الجور كل الجور على العاجزين الحاسدين الذين لا يصعدون ولا يحبون لغيرهم أن ~~يصعد وهم قاعدون، ولو لم تشايعهم الدعوة المادية على حسدهم لأنفوا منه وأنكروه، ولكنهم ~~يجدون من يمثل لهم تلك الرذيلة في صورة العدل والتجديد، أو صورة «الناموس» الدائم الذي ~~يسيطر على مستقبل الجماعات والآحاد، فيعلنون ما يخجل ويفخرون بما يشين. # وإنما العدل الحق في مسألة الطبقات أن الناس متفاوتون بالفطرة، فينبغي أن يظلوا متفاوتين، ~~وينبغي أن يتفاوتوا بالفضل والجدارة، ولا يتفاوتوا بالمظهر والتقليد، وأن لهم من الحقوق ~~بمقدار ما عليهم من الواجبات، وهم في غير ذلك سواء. # وتلك هي شريعة القرآن الكريم: # ورفعنا بعضهم فوق بعض ~~درجات ~~. # 10 # إن أكرمكم عند الله أتقاكم ~~. # 11 # إنما المؤمنون إخوة ~~. # 12 # وعلى هذا تصلح الحياة ويستقيم العدل، ويرتفع من يستحق الرفعة، ويمضي التفاوت بين الأحياء ~~إلى معناه، ولا يمضي بغير معنى في تكوين الجماعات. # | المرأة # ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال ~~عليهن درجة ~~. # 1 # الرجال قوامون على النساء بما فضل ~~الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا ms028 من أموالهم ~~. # 2 # للذكر مثل حظ الأنثيين ~~. # 3 # إنه من كيدكن إن كيدكن ~~عظيم ~~. # 4 # وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن ~~وأكن من الجاهلين ~~. # 5 # ميزان العدل الصحيح هو التسوية بين حقوق المرء وواجباته. # فليس من العدل أن تسوي بين اثنين مختلفين في الحقوق والواجبات، ذلك هو الظلم بعينه، بل هو ~~شر من الظلم أيا كانت العاقبة التي يؤدي إليها؛ لأنه هو وضع الشيء في غير موضعه، وهو ~~الخطل والاختلال. # والتسوية بين الحقوق والواجبات، هي العدل الذي فرضته الفلسفة القرآنية للمرأة، وهو هو وضع ~~المرأة في موضعها الصحيح من الطبيعة، ومن المجتمع، ومن الحياة الفردية. # فمن اللجاجة الفارغة أن يقال : إن الرجل والمرأة سواء في جميع الحقوق، وجميع ~~الواجبات. # لأن الطبيعة لا تنشئ جنسين مختلفين؛ لتكون لهما صفات الجنس الواحد، ومؤهلاته، ~~وأعماله، وغايات حياته. # وفي حكم التاريخ الطويل ما يغني عن الاحتكام إلى التقديرات والفروض فيما تتوخاه الطبيعة ~~من الاختلاف بين الذكر والأنثى في نوع الإنسان. # فلم يكن جنس النساء سواء لجنس الرجال قط في تاريخ أمة من الأمم التي عاشت فوق هذه الكرة ~~الأرضية، على اختلاف البيئات والحضارات. # وكل ما يقال في تعليل ذلك يرجع إلى علة واحدة؛ وهي تفوق الرجل على المرأة في القدرة ~~والتأثير على العموم. # فليست جهالة القرون الأولى سببا صالحا لتعليل هذه الفوارق العقلية بين الرجال والنساء ~~في جميع الأمم؛ لأن الجهل كان حظا مشتركا بين الجنسين، ولم يكن مفروضا على النساء وحدهن ~~دون الرجال، ومن زعم أن الرجل فرض الجهل على المرأة فقبلته وأذعنت له؛ فقد قال: إنه أقدر من ~~المرأة، أو إنه أحوج إلى العلم وأحرص عليه منها. # وليس الاستبداد في القرون الأولى سببا صالحا لتعليل تلك الفوارق؛ لأن استبداد الحكومات ~~كان يصيب الرجل في الحياة العامة، قبل أن يصيب المرأة في حياتها العامة أو حياتها البيتية، ~~ولم يمنع الاستبداد طائفة من العبيد المسخرين أن ينبغ فيهم العامل الصناع، والشاعر ~~اللبق، والواعظ الحكيم، والأديب الطريف. # وليس عجز المرأة عن مجاراة الرجل في الأعمال ms029 العامة ناشئا من قلة المزاولة لتلك الأعمال؛ ~~لأنها زاولت أعمال البيت ألوف السنين، ولا يزال الرجل يبزها في هذه الأعمال كلما اشتغل ~~بصناعاتها؛ فهو أقدر منها في الطهو، وفي تفصيل الثياب، وفنون التجميل، وتركيب الأثاث، وكل ~~ما يشتركان فيه من أعمال البيوت. # وقد يرجع الأمر إلى الخصائص النفسية، فيحتفظ الرجل فيها بتفوقه على الرغم من استعداد ~~المرأة بتلك الخصائص من أقدم عصور التاريخ. # فالنواح على الموتى عادة تفرغت لها المرأة، منذ عرف الناس الحداد على الأموات، ولكن ~~الآداب النسوية لم تخرج لنا يوما قصيدة من قصائد الرثاء تضارع ما نظمه الشعراء الرجال، ~~سواء منهم الأميون والمتعلمون، وقد كان أكثر الشعراء في العهود القديمة من الأميين. # بل هناك خاصة نفسية، لا تتوقف على العلم، ولا على الحرية، ولا نوع العلم أو الوظيفة، في ~~المجتمعات أو البيوت؛ وهي خاصة الفكاهة، وخلق الصور الهزلية، والنكات التي يلجأ إليها الناس ~~حين يحال بينهم وبين التعبير الصريح. # وربما كان الاستبداد، أو الضغط الاجتماعي من دواعي تنشيط هذا «السلاح» النفسي في قرائح ~~المستعبدين والمغلوبين؛ لأنه السلاح الذي ينتقم به المغلوب لضعفه، والمنفذ الذي يفرج به عن ~~ضيقه وخوفه، وقد كان ضغط الرجال على النساء خليقا أن يغريهم باستخدام هذا السلاح لتعويض ~~القوة المفقودة، والانتقام للحرية المسلوبة، ولكن الآداب والنوادر لم تسجل لنا فكاهة واحدة ~~أطلقتها النساء على الرجال كما فعل الرجال المغلوبون في الأمم الحاكمة، أو المحكومة على ~~السواء، أو كما فعلوا في تصوير رياء المرأة، واحتيالها على إخفاء رغباتها، وتزويق علاقاتها ~~بالرجال. # وهذه الملكة - ملكة الفكاهة - خاصة نفسية لم يقتلعها من طبائع الرجال ظلم، ولا جهل، ولا ~~فاقة، ولا عجز عن العمل في ميدان الحياة. # فمن اللجاجة أن يتجاهل المتجاهلون هذه الفوارق وهي أثبت من كل ما يثبته العلم والعلماء، ~~وما كان للعلم أن يوجد شيئا لم يكن له وجود في الوقائع أو في تفكير العقول، وإنما هو ~~أبدا في مقام التسجيل، أو مقام التفسير. ~~••• # وقد أقام القرآن الفارق بين الجنسين على الأساسين اللذين يقيمانه، ms030 ويقيمان كل فارق عادل ~~من نوعه؛ وهما: أساس الاستعداد الطبيعي، وأساس التكاليف الاجتماعية. # الرجال قوامون على النساء بما فضل الله ~~بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم ~~. # 6 # فحق القوامة مستمد من التفوق الطبيعي في استعداد الرجل، ومستمد كذلك من نهوض الرجل بأعباء ~~المجتمع، وتكاليف الحياة البيتية. # فهو أقدر من المرأة على كفاح الحياة، ولو كانت مثله في القدرة العقلية والجسدية؛ لأنها ~~تنصرف عن هذا الكفاح قسرا في فترة الحمل والرضاعة. # وهو الكفيل بتدبير معاشها، وتوفير الوقت لها في المنزل لتربية الأبناء، وتيسير أسباب ~~الراحة والطمأنينة البيتية. # وكلاهما فارق ضروري، تقضي به وظائف الجنسين، ويقضي به توزيع العمل في البيئة الإنسانية ، ~~كلما تقدم الإنسان، واتسعت في نفسه وفي مجتمعه عوامل العطف، وملكات العقل وخصائص المزاج، ~~ويقضي به اختلاف الحقوق والواجبات؛ ذلك اختلاف لم يخلق لإلغاء الفوارق، بل للاعتراف بها، ~~وتوجيهها إلى وجهتها المعقولة، ولا نحسب أن المجتمع الإنساني ناج من مشكلاته المعقدة، في ~~سياسة الأمة، وسياسة البيت، وسياسة الحياة الفردية، حتى يثوب إلى هذا التقسيم الطبيعي الذي ~~لا محيص عنه، فيعمل الرجال عمل الرجال، ويعمل النساء عمل النساء، وتقام دولة المرأة في ~~البيت، ودولة الرجل في معترك الحياة. ~~••• # فالمجتمع الذي يتزاحم فيه النساء والرجال على عمل واحد في المصانع والأسواق لن يكون ~~مجتمعا صالحا، مستقيما على سواء الفطرة، مستجمعا لأسباب الرضا والاستقرار بين بناته ~~وبنيه؛ لأنه مجتمع يبذر جهوده تبذير السرف والخطل على غير طائل، ويختل فيه نظام المعمل ~~والسوق، كما يختل فيه نظام الأسرة والبيت. # فالمرأة لم تزود بالعطف والحنان والرفق بالطفولة، والقدرة على فهمها وإفهامها، والسهر على ~~رعايتها في أطوارها الأولى؛ لتهجر البيت، وتلقي بنفسها في غمار الأسواق والدكاكين. # وسياسة الدولة كلها ليست بأعظم شأنا، ولا بأخطر عاقبة من سياسة البيت؛ لأنهما عدلان ~~متقابلان: عالم العراك والجهاد، يقابله عالم السكينة والاطمئنان، وتدبير الجيل الحاضر ~~يقابله تدبير الجيل المقبل، وكلاهما في اللزوم وجلالة الخطر سواء. # وإنما الآفة كلها من حب المحاكاة بغير نظر إلى معنى المحاكاة؛ فإن المرأة يخيل ms031 إليها أنها ~~لا ترفع الضعة عن نفسها إلا إذا عملت عمل الرجال، وطالبت بحقوق الرجال، وقيل: إن النساء ~~والرجال سواء، في جميع الأعمال والأحوال! # ولولا مركب النقص لكان للمرأة فخر بمملكة البيت وتنشئة «المستقبل» فيه، لا يقل عن ~~فخر الرجل بسياسة «الحاضر» وحسن القيام على مشكلات المجتمع التي تحتاج إلى الجهد والكفاح، ~~وهي لو رجعت إلى سليقتها لأحست أن زهوها بالأمومة أغلى لديها، وألصق بطبعها من الزهو بولاية ~~الحكم ورئاسة الديوان، فليس في العواطف الإنسانية شعور يملأ فراغ لب المرأة كما يملأه ~~الشعور بالتوفيق في الزواج والتوفيق في إنماء البنين الصالحين، والبنات الصالحات. ~~••• # وقد لوحظ هذا الاعتبار في تقسيم الميراث بين الذكور والإناث، فأعطي الذكر مثل حظ ~~الأنثيين، وبنيت هذه القسمة قبل كل شيء على اعتبار واحد؛ وهو أن الرجل يتكفل بمعيشة المرأة، ~~وهي مشغولة بأمر البيت ورعاية الأسرة، وأنه هو الذي يجمع الثروة ويكدح في طلب المال، فمن ~~العدل أن يعطى منه نصيبين؛ على قدر سعيه في تحصيله، وعلى قدر حاجاته التي تشتمل على حاجة ~~النساء، ومن يعولهم من الزوجات والأبناء. ~~••• # ووصف القرآن المرأة بالكيد العظيم، وهو وصف لا يناقض رجحان الرجل عليها في العقل ~~والتدبير؛ لأن سلاحها في هذا الكيد من أسلحة الطبيعة التي تستميل بها الرجل إليها، وتغرس في ~~نفسه حب الاستجابة لغوايتها، ولم تزل الحيلة عوضا عن القدرة، ودليلا على نقصها في ناحية ~~من نواحيها. ومن المشاهدات المحسوسة أن المرأة تصر على طلبتها، وتلج في إصرارها؛ لأنها تعجز ~~عن صرف الفكرة من رأسها، إذا خطرت لها، وهجست في ضميرها، فهي تطرد الفكرة من هنا فتعاودها ~~من هناك، وهي تعالج الخلاص منها فلا تفلح في علاجها، ولا تزال فريسة لهواجسها في يقظتها ~~ومنامها؛ حتى تستريح منها بالإنجاز والتنفيذ، فهي تثابر على الطلب؛ لأنها عاجزة عن الخلاص ~~من الحاجة والتغلب على معاوداته ومراجعاته، وهي تستمد القوة من هذا الضعف الذي يتعقبها فلا ~~يرحمها ولا يريحها، فتبدو كالمطاردة وهي طريدة، وتتراءى كالغالبة وهي مغلوبة، فتجمع بين ~~الضعف العظيم، والكيد ms032 العظيم، وتعتمد على غواية الطبيعة في نجاح كيدها حين يخذلها الضعف ~~ويسلمها للنزوة الملحة، والوسواس المقيم. # على أن هذه التفرقة بين الجنسين لا تتعدى تكاليف المعيشة، وعلاقات المجتمع إلى تكاليف ~~العقيدة وفضائل الأخلاق ومطالب الروح؛ لأن المرأة تخاطب في القرآن الكريم كما يخاطب الرجل ~~في هذه الأمور، وتندب لكل ما يندب له من الفرائض والأخلاق التي تجمل بذوي الخير ~~والصلاح، ومن أمثلة ذلك هذه الآية الكريمة من سورة الأحزاب: # إن ~~المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين ~~والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات ~~والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات ~~والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات ~~والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة ~~وأجرا عظيما ~~. # 7 # ولهذا كانت المرأة تشهد الصلاة الجامعة في المساجد، وتؤدي فريضة الحج سافرة غير مقنعة، ~~وتبايع النبي عليه السلام كما بايعه الرجال. # أما الحجاب الذي كثر فيه اللغط كما كثر فيه الغلط، فالقرآن لم يتعرض له إلا بمقدار ما يحق ~~لكل مجتمع سليم أن يتعرض لحياطة الأخلاق والأعراض؛ لأن شهوات الجنس أخطر من كثير من الأضرار ~~التي تحتاط لها الجماعات البشرية بالحد من الحرية في بعض الأحوال، وقد سمحت القوانين بالحد ~~من الحرية في سبيل تأمين الأموال، وحراسة الطرق، والمواصلات، ووقاية السابلة من أخطار ~~المركبات والسيارات، فمن السخف أن يقال: إن الفرد يحظر عليه الانطلاق على هواه في شئون ~~كهذه، ويباح له أن ينطلق في أهواء الشهوة الجنسية بغير ضابط من قبيل الحيطة والرقابة التي ~~لا تعوقه عن مباح! # وإذا رجعنا إلى نصوص القرآن لم نر فيها ما يحرم على المرأة شيئا لا يجب على القانون أن ~~يحرمه في أحدث المجتمعات. # فلا يجوز للمرأة أن تتبرج تبرج الجاهلية الأولى، وفصلت آية الحجاب ذلك في سورة النور فجاء ~~فيها: # وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ~~ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ~~وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن ~~إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو ~~أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني ~~إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن ms033 أو ما ملكت ~~أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو ~~الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن ~~بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله ~~جميعا أيه المؤمنون لعلكم تفلحون ~~. # 8 # وفحوى ذلك أن المرأة لا يجوز لها أن تخرج بزينة جسدها لتتصدى للغواية بين الغرباء، وهي حل ~~بعد ذلك أن تلقى من تشاء ممن تجمعها بهم مجالس الأسرة من الرجال أو النساء. # وما من عقل سليم يرى أن الشرائع تتخطى حدودها حين تعرض لمنع التبذل والغواية على هذا ~~النحو الصريح، وما من عقل سليم يبدو له أن حراسة الأعراض والأخلاق بمثل هذه الحيطة فضول من ~~الشرائع والقوانين ، أو تصرف لا نظير له في المجتمعات البشرية التي تتكفل بحراسة الأموال ~~والأرواح. # فلا فائدة للرجل ولا للمرأة ولا للأمة في جملتها من هذا الرياء الذي يجزم باستحالة ~~الأخطاء الشهوانية حين تستثار بغواية الزينة المكشوفة، وهو في الوقت نفسه لا ينزه النفس ~~البشرية من سرقة الدراهم والسلع إذا عرضت بغير حيطة لكل من يمد إليها يده، ومن حاول التفرقة ~~بين الأمرين بالتفرقة بين الطمع في الجماد، والطمع في مخلوق إنساني، يؤكد ضرورة الحيطة هنا ~~من حيث يريد أن يبطلها أو يضعفها؛ لأن الخطر الذي تلتقي فيه الرغبة من الجانبين أولى ~~بالحيطة من خطر مقصور على رغبة السارق دون الجماد المسروق. # ولعل الغربيين قد لمسوا من أضرار الإباحة المطلقة في مقابلات الجنسين ما يجوز بهم إلى ~~الصواب في مسألة «الحجاب» فيفهمون الحكمة في الاعتدال بين الإباحة المطلقة، والقسر الشديد ~~في هذه المسألة التي لا يغني فيها الرياء عن الحقيقة، ويدركون أن أخطار الشهوات الجنسية شيء ~~يحسب له حساب في الشرائع والآداب؛ لأنه حساب الأعراض والأنساب. # وخير ما يطلب من الشريعة عدل وصحة تقدير، ونحن لا نلتزم العدل ولا صحة التقدير حين نتجاوز ~~بالكائن الحي طبيعته في حقوقه وواجباته، أو حين نطلب من الطبيعة ما لا يستطاع. # | الزواج # من الأوهام الشائعة بحكم العادة أن الدين الإسلامي هو الدين الوحيد ms034 الذي أباح تعدد ~~الزوجات بين الأديان الكتابية. # وهذا وهم قد سرى إلى الأخلاد بحكم العادة كما أسلفنا؛ لأن الواقع الذي تدل عليه كتب ~~الإسرائيليين والمسيحيين أن تعدد الزوجات لم يحرم في كتاب من كتب الأديان الثلاثة، وكان ~~عملا مشروعا عند أنبياء بني إسرائيل وملوكهم فتزوجوا بأكثر من واحدة، وجمعوا بين عشرات ~~الزوجات والجواري في حرم واحد، وروى «وستر ~~مارك # Wester Mark ~~»، العالم الحجة في شئون الزواج على اختلاف النظم الإنسانية، أن ~~الكنيسة والدولة معا كانتا تقران تعدد الزوجات إلى منتصف القرن السابع عشر، وكان يقع غير ~~نادر في الحالات التي لا تعنى بها الكنيسة عنايتها بزواج الأسرة الكبيرة. # وكل ما حدث في القرن الأول للمسيحية أن الآباء كانوا يستحسنون من رجل الدين أن يقنع بزوجة ~~واحدة، وخير من ذلك أن يترهب ولا يتزوج بتة، فكانت الفكرة التي دعت إلى استحسان الزواج ~~الموحد هي فكرة الاكتفاء بأقل الشرور، فإن لم تتيسر الرهبانية فامرأة واحدة أهون شرا من ~~امرأتين! وكانت المرأة على الإطلاق شرا محضا! وحبالة من حبالات الشيطان، بل أخطر هذه ~~الحبالات، واستكثر أناس من آباء الكنيسة وفقهائها أن تكون لها روح علوية، فبحثوا في ذلك ~~وأوشكوا أن يلحقوها بزمرة الحيوان الذي لا حياة له بعد فناء جسده. # فكان تعدد الزوجات مباحا في الأديان الكتابية جميعا، ولم يحرم - حين حرم - إكبارا ~~للمرأة، وتنزيها لها عن قبول المشاركة في زوجها، بل كانت الفكرة الأولى في تحريمه أن ~~المرأة شر يكتفى منه بأقل ما يستطاع! ~~••• # ومن المحقق أن الشريعة الصالحة للزواج هي الشريعة التي تراعى فيها حقيقة الزواج في جميع ~~حالاته الواقعة أو التي تحتمل الوقوع. # فليس الزواج علاقة جسدية بين حيوانين. # وليس الزواج علاقة روحية بين ملكين. # ولكنه علاقة إنسانية في المجتمع بين الذكور والإناث من البشر الذين يزاولون المعاش ~~ويتمرسون بضرورة دنياهم صباح مساء. # ولم يستطع خيال الشعراء في أبعد سبحاته أن يجعل من الزواج علاقة ~~شعرية - رمانتيكية - تدوم بين الزوجين مدى الحياة على ~~سنة الوفاء والقداسة التي نتخيلها للملائكة والأرواح ms035 العلوية، فهذه حالات يتمناها الناس، ~~ويحلمون بها، ويصورونها لأنفسهم في عالم الخيال، ولكن الشرائع لا توضع للأماني والأحلام؛ بل ~~للوقائع والمحسوسات، وتلاحظ فيها أكثر الوقائع والمحسوسات لا أقلها وأندرها بين النزر ~~القليل الذي لا يقاس عليه. # واتفاق الزوجين على الوفاء والعشرة الدائمة كمال روحاني مفضل على العلاقة بين رجل واحد ~~وعدة زوجات، ولكن الكمال الروحاني لا يفرض بقوة القانون ... وليس الفضل فيه أن يكتفي الرجل ~~بزوجة واحدة؛ لأنه لا يستطيع التزوج من اثنتين أو ثلاث، وإنما الفضل فيه أنه يستطيع ولا ~~يفعل، وأنه يمتنع عنه؛ لأن سعادته الروحية في الامتناع عنه باختياره، فإذا حدثت وحدة الزوجة ~~كرها فلا فرق في هذه الحالة بين الوحدة والتعدد ، وقد يتصل الرجل بأكثر من امرأة واحدة وهو ~~مقصور على زوجة واحدة، فيضيف نقض الشريعة إلى نقض الآداب الروحية، ولا يستفيد هو ولا الزوجة ~~ولا المجتمع من هذا الرياء. # والطرف الثاني لهذه المبالغة في تنزيه الزواج هو طرف العلاقة الحيوانية التي لا يرتبط ~~فيها الزوجان بأكثر من العلاقة بين ذكر الحيوان وأنثاه، بل يكون فيها الزواج أحيانا أهون ~~شأنا من علاقة الذكور والإناث عند بعض الأحياء؛ لأن بعض الأحياء تكون عندهم المودة بين ~~الذكر والأنثى، وتبلغ حد التلازم في أكثر من موسم واحد من مواسم التناسل، فهي أفضل من ~~العلاقة التي تنفصم في كل ساعة إذا خطر لأحد الزوجين أن يفصمها منقادا لهواه، وهذه هي ~~شريعة الزواج في رأي الشيوعيين أو الماركسيين ... وهم الذين يتناقضون في هذه الشريعة بين ~~إطلاق الحرية لأهواء الفرد العارضة على الرغم من المصلحة النوعية، وبين تغليب مصلحة الجماعة ~~على جميع أهواء الآحاد، وهو أساس الشيوعية وأساس المذاهب الاشتراكية جمعاء. # فمن إنكار الواقع والمصلحة أن نجعل الزواج علاقة بين ملكين. # ومن إنكار الواقع والمصلحة أن نجعله علاقة بين حيوانين. # وإقامة الشرائع على إنكار الواقع من طرفيه نقض للشريعة من الأساس، وإنما تقوم الشريعة على ~~أساسها حين تبنى على الواقع وتصلح للتطبيق في أوسع نطاق، فتعترف بتفضيل الزواج الموحد ولا ~~تقضي بتحريم ms036 الزواج المعدد؛ لأن تحريم ما دون الكمال يوقعنا في مغالطة لا شك فيها؛ وهي أن ~~الناس جميعا كاملون، أو يستطيعون العيش على سنة الكمال. # وهكذا صنعت شريعة الإسلام؛ اعترفت بأن الزوجة الواحدة أدنى إلى العدل والإحسان، وأباحت ~~تعدد الزوجات؛ لأنه حالة لا بد من حسبانها في الشرائع الاجتماعية، ولا يستطيع أحد أن ينكر ~~وقوعها بموافقة القانون أو بالاحتيال على القانون والخروج عليه. # أباحت شريعة الإسلام تعدد الزوجات، ولم تفرضه كما يبدر إلى أخلاد المتكلمين في هذا ~~الموضوع من الغربيين. # فقد يخيل إليك وأنت تسمع بعض الغربيين يتكلم في موضوع الزواج الإسلامي أن الإسلام قد أوجب ~~تعدد الزوجات على كل مسلم، واستنكر منه أن يقنع بزوجة واحدة مدى الحياة! # وذلك وهم شائع كالوهم الذي شاع في تحريم الأديان الكتابية الأخرى لتعدد الزوجات. # فلا الأديان الكتابية حرمت تعدد الزوجات، ولا الإسلام حرم توحيد الزوجة وأوجب على المسلم ~~أن يتزوج أكثر من واحدة، وإنما أباح تعدد الزوجات مع ضمان العدل بين النساء، واستبعد العدل ~~على طبيعة الإنسان، فقال القرآن الكريم: # ولن تستطيعوا أن ~~تعدلوا بين النساء ولو حرصتم ~~. # 1 # فالأقوال متفقة على أن انعقاد الزواج من ذكر وأنثى هو الزواج المثالي المفضل على ~~غيره. # ولكنه «زواج مثالي» وليس بزواج يتكرر بين كل ذكر وأنثى من نوع الإنسان؛ لأننا لا نستطيع ~~أن نجعل من كل رجل زوجا مثاليا، ومن كل امرأة زوجة مثالية، ومعنى أنه «زواج مثالي» أنه ~~عمل من أعمال الفضائل الاختيارية وليس بعمل من أعمال الشرائع المفروضة على جميع الرجال ~~وجميع النساء، ولا حاجة بالشرائع إلى أن تفرضه على من يصلح له ويتقبله ويفضله على غيره؛ ~~لأنه يؤثره على كل علاقة متعددة ولو أباحتها الشرائع أو حسنتها لمن يطلبونها، ولا فرق في ~~ذلك بين الرجل والمرأة متى اتفقت بينهما أواصر المودة وتبادل العطف والرعاية. # وإذا كان «الزواج الحيواني» هو المثل الأدنى للزواج بين أبناء النوع الإنساني؛ فمن حق ~~الشرائع أن تمنعه ولا تقبله على وجه التعليل ولا على وجه الاستثناء. # ونعني بالزواج ms037 الحيواني ذلك الزواج الذي يقوم على هوى الجسدين ولا تبقى فيه بقية للألفة ~~ودوام العلاقة بين الزوجين، متى نفر بالزوج هواه أو نفر بالزوجة هواها. # فلا نقسر الناس على أدب الملائكة، ولا نقبل منهم خسة الحيوانية، وقوام الأمر بين الحالتين ~~هو ما قضت به شريعة القرآن: تفضيل الزواج الموحد وعصمة الزواج من أهواء الساعة وعوارض ~~النفور والسآمة: # وعاشروهن بالمعروف فإن ~~كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا ~~كثيرا ~~. # 2 # ولم يجاوز القرآن بتعدد الزوجات أن وضعه في نصابه فاعترف بإمكان وقوعه أو ضرورة وقوعه في ~~بعض الأحوال، وهي حالة معترف بها ولا شك في الحياة الإنسانية حيث كانت من أقدم الأزمان إلى ~~هذا الزمان، ولكنه اعتراف التواطؤ والإغضاء الذي يحدث في غفلة الشريعة ويصبح في العرف ~~المصطلح عليه شريعة مفعولة تهرب من وضح النهار ولا يعوزها إلا التقرير والتصريح، فكم من ~~زوجة بين من يحرمون تعدد الزوجات تعلم أن «فلانة» بعينها خليلة زوجها وتدعوها إلى بيتها ~~وتزورها وتتجاهل الحقيقة التي لا تجهلها ولا يجهلها أحد من بيئتها، ولكنها تقبل هذا ~~التواطؤ؛ لأنها تقابله بمثله وتذهب في المجتمع باسم زوجة «فلان» وخليلة «فلان!» ويحدث من ~~جراء ذلك ما يحدث من التناقض الوبيل بين شريعة الواقع وشريعة الدين أو شريعة الدولة، ~~مغالطات ومخادعات أهون منها كل إحساس يتولد من تعدد الزوجات؛ لأنه يضيف إلى الغيرة والنكد ~~أكاذيب الأخلاق ومحاولات التهرب والاحتيال في مسائل الذرية ومسائل الأسر والقرابات. # وما هو الإحساس الذي يتولد من تعدد الزوجات؟ # هو على التحقيق إحساس لا ترضاه النساء. ولكن أين هو المجتمع الذي يتكفل لكل إنسان بالرضا ~~كله ويعفيه من كل ما يسوءه ويخالف هواه؟ # فالمرأة تلاقي في حياتها كثيرا من المحزنات والمغضبات التي لا حيلة فيها للمجتمع ولا ~~للشريعة، وقد يهون احتمال الضرة لديها إذا قيس بما تحتمله في كثير من مآزق الحياة، وقد تفضل ~~المشاركة في زوج من الأزواج على الحرمان منه في بعض الأحايين، ويصدق هذا على المرأة التي ~~ملكت كل حريتها في ms038 أمم الحضارة الحديثة كما يصدق على المرأة الجاهلة في الأمم التي أنكرت ~~على النساء أكثر الحقوق، ولا نظن أن امرأة بلغت من الحرية في اختيار الأزواج والعشراء ما ~~بلغته المرأة الأمريكية في القرن العشرين، ولا سيما الفتيات اللاتي ملكن كل أسباب الطلاقة ~~من سيطرة الآباء والأولياء، ومن هؤلاء من سئلن رأيهن في تعدد الزوجات فقالت إحداهن في ~~مجلة الحوار # Debate ~~: # إنني وإن كنت أعتقد أن تعدد الزوجات يوافق الرجال أكثر مما يوافق النساء أحسبه ~~شيئا لا يخلو من الطرافة والغرابة، ولست من الطفولة بحيث يخفى علي أن كواكب ~~الصور المتحركة يعشقهم كثير من النساء ويعلمن - وهن يعشقنهم - أنهن لا يسيطرن على ~~قلوبهم ومشيئتهم، ومهما يكن رأيك مثلا في «إيرول فلن» فإنك لن تجهل الواقع الذي لا ~~شك فيه من أمره، وهو أن كثيرا من النساء يقبلن الشركة فيه، نعم، ليس كل الرجال في ~~وسامة إيرول فلن، أو فكتور ماتيور، أو فان جونسون، أو كلارك جابل، ولكن الرجال ~~الذين لهم نصيب من الوسامة والقسامة كثيرون في كل مكان، فلماذا لا تشترك في قربهم ~~عدة نساء؟ إنهن ينفردن في الحجرات متى كبر الأطفال، وتتقدم السنون فتبرد حرارة ~~الشباب، وتهدأ مرارة الغيرة، ولا يبعد أن يجد هؤلاء الشريكات مواطن للتسلية ~~والمقارنة في التحدث عن ذلك الرجل الذي ارتبطن به جميعا برابطة الزواج ... ولقد عشت ~~معظم أيامي في ضاحية مدينة كبيرة فلا أحسب صديقاتي إلا مستغربات عاتبات لو أصبح من ~~حظي غدا ان أكون واحدة من هؤلاء الزوجات المشتركات، ولكن هب الرجل كان مليح ~~الشمائل، قادرا على إيوائنا جميعا؛ ألا يخطر لك أن اللاغطات بحديث زواجي يلغطن ~~إذن من الغيرة لا من الإنكار؟ ~~(راجع العدد 665 من مجلة الرسالة سنة 1946). # ومهما يكن من إحساس المرأة لمشاركة الضرائر في زوجها فهو من أحاسيس الحياة الطبيعية التي ~~تحدث في الزواج وفي غير الزواج، وليس هو بأقسى من مهانة العمل، أو مهانة الحاجة، أو مهانة ~~الدمامة، أو مهانة الغيرة اليائسة، أو مهانة الابتذال، وليس في وسع الشرائع ms039 أن تزعم أنها ~~تعفي النساء أو الرجال من أمثال هذه العوارض والمنغصات. # ولتصنع الشرائع ما تصنع من ضروب التحريم والتحليل، فلا مناص للمرأة ولا للرجل على السواء ~~من مواجهة الحياة بمسراتها ومنغصاتها، ومن قبول ما لا يقبل، والرضا بما لا يرضي في حالة ~~القدرة والاختيار. # وهل يخطر على بال أحد أن عشرة مرءوسين يتنافسون على إرضاء رئيس واحد أيسر أو أندر من حالة ~~امرأتين يتنافسان على مرضاة زوج؟ وهل لا يحدث في الحياة أن خمسة أبناء يتنافسون على حنان أب ~~أو أم في أسرة واحدة؟ وهل يندر في الدنيا تنافس الساسة على كسب الجماهير، أو تنافس العلماء ~~والمصلحين على كسب الأنصار والمريدين؟ # أما المسوغات لتعدد الزوجات فكثيرة؛ ترجع تارة إلى خصائص الطبيعة، وتارة إلى ضرورات ~~المعيشة الاجتماعية. # فالرجل يؤدي وظيفة النسل طوال أيام السنة ولا تؤديها المرأة وهي حامل زهاء تسعة ~~شهور. # والرجل يلد بعد الستين وقد يلد بعد السبعين، وقلما تلد المرأة بعد الخامسة والأربعين أو ~~الخمسين. # ويستقل الرجل بمعاشه ولا تستقل المرأة به، ولا سيما في أثناء الحمل والرضاع وتربية ~~الأطفال. # وقد تقرر من إحصاءات الأمم أن عدد النساء يربى على عدد الرجال في أوقات السلم فضلا على ~~أوقات الحروب. # وأول ما تستلزمه هذه الخصائص الطبيعية أن يدخل تعدد الزوجات في حساب الشرائع وحساب ~~المجتمعات البشرية. # وقد تقضي ضرورات المعيشة أو ضرورات الأسرة بحسبان الحساب لهذا التعدد في بعض الأحوال، ~~فربما عقمت المرأة أو أصيبت بمرض عضال أو ذهبت عنها جميع المغريات الحسية والنفسية، فيضيرها ~~الطلاق في هذه الحالة أضعاف ما تضيرها المشاركة في زوجها، ولا تجني هذه العلاقة العقيمة على ~~الزوج في نسله ولا على النوع الإنساني في بنيه. # ولا خطر من التمادي في الإباحة؛ لأن التناسب الطبيعي بين عدد الذكور والإناث يأبى أن تعم ~~الرخصة فيصبح لكل رجل زوجتان، أو يعدد الزوجات كل من أراد، مع اشتراط القدرة على تكاليف ~~الأسر والأبناء. ~~••• # ومتى استوفت الشريعة أمانتها من حياطة الأسرة، وضمان النفقة عليها، بقيت أمانة العرف ~~الاجتماعي ms040 يتولاها على حسب الآداب والمصالح والضرورات التي تغلب على المجتمعات بين أمة وأمة ~~وبين جيل وجيل، وفي هذا العرف الاجتماعي الكفاية للإشراف على تنظيم الزواج من ناحيته بعد أن ~~قالت الشريعة كلمتها واضطلعت بأمانتها التي تطلب منها. # فمن أمثلة التنظيم الذي يتولاه العرف الاجتماعي في مسألة تعدد الزوجات أنه يحد من رغبات ~~الطبقة الغنية في هذه المسألة، كما يحد من رغبات الطبقة الفقيرة فيها، على اختلاف أنواع ~~الحدود. # فالطبقة الغنية أقدر على الإنفاق وأقدر من ثم على تعدد الزوجات، ولكن الرجل الغني يأبى ~~لبنته أن تعيش مع ضرة أو ضرائر متعددات، والمرأة الغنية تطلب لنفسها ولأبنائها نفقات ترتفع ~~مع ارتفاع درجة الغنى، حتى يشعر الأغنياء أنفسهم بثقلتها إذا تعددت بين زوجات كثيرات، فلا ~~ينطلق الزوج الغني في رغباته على حسب غناه، بل يقيم له العرف حدودا وموانع من عنده تكف من ~~رغباته؛ لتثوب به إلى الاعتدال، ولهذا نرى في الواقع أن الطبقات الغنية تكتفي بزوجة واحدة ~~في معظم الأحيان، وربما كان للاختيار نصيب من ذلك كنصيب الاضطرار؛ لأن الأغنياء يستوفون ~~حظوظهم من العلم والثقافة فيدركون بلطف الذوق مزايا العطف المتبادل بين زوجين متكافئين في ~~الكرامة والشعور. # والطبقة الفقيرة لا ترفض المرأة فيها ما ترفضه المرأة الغنية من معيشة الضرائر، ولكن ~~العجز عن الإنفاق يمنعها أن تنطلق مع الرغبة كما تشاء، فلا تستبيح تعديد الزوجات بغير ~~حدود. # وهكذا تقوم الشريعة في تعدد الزوجات بما عليها، ويقوم العرف الاجتماعي بما عليه، ويقع ~~الإلزام حيث ينبغي أن يقع مع الرغبة والاختيار. ~~••• # على أن تعريف الزواج نفسه أهم من تنظيم الانفراد أو التعدد في الزوجات! # فما هو تعريف الزواج قبل أن يعرفه القرآن الكريم؟ # هل هو صفقة تجارية بين شريكين في المعيشة؟ # هل هو وسيلة من وسائل الضرورة لإسكات صيحات الجسد والاستراحة من غوايته الشيطانية؟ # هل هو تسويغ الشهوة بمسوغ الشريعة؟ # هل هو علاقة عدمها خير من وجودها؛ إذا تأتى للرجل أو للمرأة أن يستغنيا عنها؟ # كان هذا وأشباهه أعلى ما تصورته المجتمعات والعقائد ms041 من صور الزواج قبل الإيحاء بالقرآن ~~الكريم. # ولكن الزواج في القرآن الكريم هو «الزواج الإنساني» في وضعه الصحيح من وجهة المجتمع ومن ~~وجهة الأفراد. # فهو واجب اجتماعي من وجهة المجتمع، وسكن نفساني من وجهة الفرد، وسبيل مودة ورحمة بين ~~الرجال والنساء. # فكان خطاب القرآن في تدبير الزواج موجها إلى المجتمع كله؛ لأنها مسألة تناط به، ويصلح أو ~~يفسد من ناحيتها: # وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين ~~من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من ~~فضله والله واسع عليم * وليستعفف الذين لا ~~يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله ~~. # 3 # وقد سماه القرآن ميثاقا كما سماه نكاحا، والنكاح على خلاف ما يفهم بعض العامة هو ~~الاتفاق والمخالطة على إطلاقها، يقال: نكح المطر الأرض أي خالطها، ونكح الدواء المريض ~~أي سرى في أوصاله، فهو ميثاق اختلاط بين الأزواج والزوجات. # وفضيلة هذه العلاقة بين الرجال والنساء أنها علاقة «سكن» تستريح فيها النفوس إلى النفوس، ~~وتتصل بها المودة والرحمة: # ومن آياته أن خلق لكم من ~~أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ~~ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ~~. # 4 # هن لباس لكم وأنتم لباس لهن ~~. # 5 # ومن ثم يراد الزواج - فضلا عن بقاء النوع - لتهذيب النفس الإنسانية واستزادة ثروتها من ~~الرحم والرحمة، ومن العطف والمودة، ومن مساجلة الشعور بين الجنسين بما ركب فيهما من ~~تنوع الإحساس وتنوع العاطفة وتنوع القدرة على الحب والإيناس. # ولهذا كان اختيار الزوجات مقصورا على النساء اللاتي يوجدن المودة من طريق العشرة الزوجية ~~دون غيرها، فلا زواج بين رجل وامرأة تتصل المودة بينه وبينها عن طريق القرابة ومحارم ~~الأسرة، وكل النساء المحرمات في الزواج من هذا القبيل: # حرمت ~~عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم ~~وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي ~~أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم ~~وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم ~~بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل ~~أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين ~~إلا ما قد سلف إن الله كان غفورا ms042 رحيما ~~. # 6 # فالغرض من شمول هؤلاء النساء جميعا بالتحريم ظاهر؛ وهو زيادة ثروة الإنسان من العطف ~~والمودة، وتعويده أن ينظر إلى كثير من النساء نظرة مودة لا تشوبها شهوة جنسية، أو تعويده ~~أن يعرف ألوانا من الشعور غير شعور الذكور والإناث في عالم الحيوان، وكل هؤلاء القريبات أو ~~أشباه القريبات قد جعلت المودة بينهن وبين أقربائهن من الرجال، فلا موجب لخلطها بالمودة ~~التي تنشأ من العلاقة الجنسية، ولا لتعريضها للجفاء الذي يعرض أحيانا بين الأزواج ~~والزوجات. # ومما يؤكد هذا المعنى أن التحريم هنا لا يجري على سنة التحريم في شريعة القبائل التي تدين ~~أبناءها باختيار الزوجات من الأباعد دون الأقربين، وتسمى شريعتها في علم الاجتماع ~~بالأوكسوجامي # Exogamy ~~. # لأن العلاقة هنا تقوم على علاقة الألفة والمودة لا على علاقة الدم ووشائج النسب الأصيل، ~~فلا قرابة بين الرضعاء، ولا بين الربائب، ولا تحريم للجمع بين الأخت وأختها في شريعة ~~القبائل التي تختار الزوجات من الأباعد دون الأقربين؛ لأن الزوجة وأختها سواء في القرب ~~والبعد، سواء كانتا من القبيلة نفسها أو من قبيلة غريبة عنها، وإنما هي قرابة أدبية يحترمها ~~الذوق المهذب، ولا يقع احترامها من وشائج الدم وأواصر الأنساب. # كذلك لم تكن هذه المحرمات جميعا مرعية في الشريعة الإسرائيلية؛ لأنها لا تنص على ~~التحريمات التي ترجع إلى العلاقات الأدبية أو علاقات الألفة والمودة، بل روت التوراة أن ~~إبراهيم عليه السلام تزوج من سارة أخته لأبيه، وأوشكت تلمار أن تتزوج أخاها عمنون، وجاء منع ~~الزواج بين الأخوين بعد ذلك على سبيل الكراهية والاستهجان، ثم على سبيل الإلزام، ولم تتعرض ~~له الشريعة. # وقد تقررت تحريمات الدم من قديم الأزمنة وعرفتها شرائع القبيلة، كما عرفتها شريعة الدولة ~~وشريعة العقيدة، ولكن شمول المنع لقرابة الألفة «الأدبية» هو الذي وسع آفاق العطف بين ~~الجنسين، وخرج بها من حصرها القديم في شهوة الجسد أو تجديد النوع بالذرية. # فعلى خلاف الأقاويل المدعاة على سنن الزواج في القرآن الكريم لم تكن العلاقة بين الجنسين ~~- حسب هذه السنن - محصورة في علاقة ms043 الجسد أو علاقة النوع، بل كان فيها متسع لألوان من ~~العواطف الإنسانية لم تعرفها شرائع كثيرة بين الأقدمين والمحدثين، وكانت خليقة أن تعلم بني ~~الإنسان آدابا من العواطف بين الرجل والمرأة تنشأ بينهما من غير صلات النسب، وغير صلات ~~النوع ووظائف تجديده، فلا تدخل في أواصر القرابة ولا في أواصر الزواج. ~~••• # وهكذا كانت شريعة القرآن مطابقة لحقيقة الزواج في معانيه الإنسانية ومعانيه النوعية ~~والاجتماعية. # فاستحسنت الاكتفاء بالزوجة الواحدة، ولكنها جعلته فضيلة يختارها الزوجان ولم تفرضها ~~عليهما بغير فضل يرجع إلى الزوج أو الزوجة. # وأباحت تعدد الزوجات مع اشتراط العدل لمن استطاعه، وحسبت للدواعي النوعية والاجتماعية ~~التي تبيح تعدد الزوجات في بعض الأحوال كل ما ينبغي أن تحسبه شريعة تسري بين أبناء البشر في ~~دنياهم هذه التي تطلب المثل الأعلى ولا تصل إليه في كل حين. ~~••• # أما معاملة الزوجات فهي في الشريعة القرآنية موافقة لهذا التقدير الصحيح لطبيعة ~~الزواج. # فليس الزوج سيدا للزوجة، ولكنه وليها وله حقوق الولي وعليه واجباته، ومنها حمايتها ~~والإنفاق عليها. # وللمرأة فيما عدا الولاية مثل الذي عليها: # ولهن مثل الذي ~~عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة ~~. # 7 # ومعاشهن مثل معاش الرجل: يسكن حيث سكن، ويرزقن من حيث رزق: # أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ~~، # 8 # وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن ~~بالمعروف ~~. # 9 # وفي حالة الغضب يجوز للرجل أن يقوم خطأ امرأته بالوعظ والنصيحة، أو بالإعراض والهجر ~~في المضاجع، أو بالضرب، أو بالتحكيم بين أهله وأهلها إذا استعصى الوفاق بينهما: # واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في ~~المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن ~~سبيلا إن الله كان عليا كبيرا * وإن خفتم ~~شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن ~~يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما ~~خبيرا ~~. # 10 # وليس معنى إباحة الضرب إيجابه في كل حالة ومع كل امرأة؛ فقد كان النبي عليه السلام - وهو ~~أول المؤتمرين بأوامر القرآن - يكره الضرب ويعيبه ويقول في حديثه المأثور: «أما يستحي أحدكم ~~أن يضرب امرأته كما يضرب العبد؟ ms044 يضربها أول النهار ثم يجامعها آخره؟!» فلم يضرب زوجة قط، بل ~~لم يضرب أمة من الصغار ولا من الكبار، وأغضبته جارية صغيرة مرة فكان غاية ما أدبها به أن هز ~~في وجهها سواكا، وقال لها: «لولا أخاف الله لأوجعتك بهذا السواك.» # وإنما يباح الضرب؛ لأن بعض النساء يتأدبن به ولا يتأدبن بغيره، ومن اعترض على إجازته من ~~المتحذلقين بين أبناء العصر الحديث فإنما يجري اعتراضه مجرى التهويش في المناورات السياسية، ~~ولا يجري مجرى المناقشة في مسائل الحياة وأخلاق الناس؛ لأن الاعتراض على إباحة الضرب بين ~~العقوبات لا يصح إلا على اعتبار واحد؛ وهو أن الله لم يخلق نساء قط يؤدبن بالضرب ولا يجدي ~~معهن في بعض الحالات غيره، ومن قال ذلك فهو ينسى أن الضرب عقوبة معترف بها في الجيوش ~~والمدارس، وبين الجنود والتلاميذ، وهم أحق أن ترعى معهم دواعي الكرامة والنخوة إذا جاء ~~الاعتراض من جانب الكرامة والنخوة، وأن رؤساءهم ليملكون من العقوبات المادية والأدبية، ومن ~~وسائل الحرمان والمكافأة ما ليس يملكه الأزواج في نطاق البيوت المحدودة. # وقد يهزأ النساء أنفسهن بهذه الحذلقة التي تخلط بين مظاهر السهرات في الأندية وبين وقائع ~~العيش ومشكلات البيوت في ناحية من نواحي الضنك والضرورة؛ فإن النساء ليعلمن أن عقوبة الضرب ~~عند المرأة العصية الناشز ليست من الهول والغرابة بهذه الصورة المزعومة في بيئات الأندية ~~والسهرات، فربما كان من أنيقات الأندية والسهرات أنفسهن من يعرفن عن هذه الحقيقة ما يجهله ~~المتحذلقون والمتزوقون في مجامع اللهو والبطالة بزواق الفروسية و«اللطافة» المستعارة ... ~~فيعلمن ويعلم الكثيرون - كما قلنا في كتابنا عبقرية محمد - «أن هؤلاء النساء - الناشزات - ~~لا يكرهنه ولا يسترزلنه، وليس من الضروري أن يكن من أولئك العصبيات المريضات اللاتي يشتهين ~~الضرب كما يشتهي بعض المرضى ألوان العذاب!» ~~••• # وقد بينا في ذلك الكتاب أيضا حقيقة الغرض من عقوبة الهجر في المضاجع؛ لأنها تبدو ~~للكثيرين كأنها عقوبة جسدية، غاية ما يؤلم منها أنها تحرمها لذة الجسد بضعة أيام أو بضعة ~~أسابيع ... إلا أنها في الحقيقة لا تؤلمها ms045 لهذا السبب، ولو كان هذا سبب إيلامها لكانت عقوبة ~~للرجل كما كانت عقوبة للمرأة، ولكنها في الواقع عقوبة نفسية في الصميم؛ لأن أبلغ العقوبات - ~~كما قلنا في عبقرية محمد - «هي العقوبة التي تمس الإنسان في غروره، وتشككه في صميم ~~كيانه؛ في المزية التي يعتز بها ويحسبها مناط وجوده وتكوينه، والمرأة تعلم أنها ضعيفة إلى ~~جانب الرجل، ولكنها لا تأسى لذلك ما علمت أنها فاتنة له، وأنها غالبته بفتنتها وقادرة على ~~تعويض ضعفها بما تبعثه فيه من شوق إليها ورغبة فيها، فليكن له ما شاء من قوة فلها هي ما ~~تشاء من سحر وفتنة، وعزاؤها الأكبر عن ضعفها أن فتنتها لا تقاوم، وحسبها أنها لا تقاوم ~~بديلا من القوة والضلاعة في الأجساد والعقول، فإذا قاربت الرجل مضاجعة وهي في أشد حالاتها ~~إغراء بالفتنة، ثم لم يبالها ولم يؤخذ بسحرها، فما الذي يقع في وقرها وهي تهجس بما تهجس به ~~في صدرها؟ أفوات سرور؟ أحنين إلى السؤال والمعاتبة؟ كلا بل يقع في وقرها أن تشك في صميم ~~أنوثتها، وأن ترى الرجل في أقدر حالاته جديرا بهيبتها وإذعانها، وأن تشعر بالضعف ثم لا ~~تتعزى بالفتنة ولا بغلبة الرغبة، فهو مالك أمره إلى جانبها وهي إلى جانبه لا تملك شيئا إلا ~~أن تثوب إلى التسليم، وتفر من هوان سحرها في نظرها قبل فرارها من هوان سحرها في نظر مضاجعها ~~... فهذا تأديب نفسي وليس بتأديب جسد، بل هذا هو الصراع الذي تتجرد فيه الأنثى من كل سلاح؛ ~~لأنها جربت أمضى سلاح في يدها فارتدت بعده إلى الهزيمة التي لا تكابر نفسها فيها، فإنها ~~تكابر ضعفها حين تلوذ بفتنتها، فإذا لاذت بها فخذلتها فلن يبقى لها ما تلوذ به بعد ذلك، ~~وهنا حكمة العقوبة البالغة التي لا تقاس بفوات متعة ولا باغتنام فرصة للحديث والمعاتبة، ~~وإنما العقوبة إبطال العصيان، ولن يبطل العصيان بشيء كما يبطل بإحساس العاصي غاية ضعفه ~~وغاية قوة من يعصيه ...» # وجملة القول أن هذه الوسائل تستنفد كل حيلة في الوسع للإبقاء على صلة ms046 الزواج واتقاء ~~الفرقة بين الزوجين، فعلى الرجل أن يغالب كراهته للمرأة إذا تحول قلبه عنها عسى أن يكره ~~شيئا ويجعل الله الخير فيه، وعليه أن يجرب النصيحة والهجر والتأديب بالضرب والتحكيم بين ~~الأسرتين؛ فإن أفلحت هذه الوسائل بقيت الصلة ودامت المودة والألفة، وإلا فالطلاق حل لا مناص ~~منه في النهاية بعد استنفاد جميع الحلول. # وقد عالجت أمم كثيرة من أمم الحضارة أن تستغني عن الطلاق وتحرمه في جميع الأحوال أو في ~~معظم الأحوال، فأظهرت التجارب المتوالية أن الخطر على الزواج من تحريمه أفدح وأعضل من كل ~~خطر يأتي من إباحته والاعتراف بلزومه في كثير من الحالات. # والقرآن يخول المرأة أن تطلب الطلاق إذا كرهت البقاء في عصمة زوجها # وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح ~~عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير وأحضرت ~~الأنفس الشح وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما ~~تعملون خبيرا ~~. # 11 # فإذا تصالحا على الفراق فذلك خير من البقاء على الشقاق الدائم؛ وخير من الفراق على عداوة ~~ونقمة، وكل ما يطلب من المرأة في هذه الحالة أن تعفي الزوج من النفقة وترد إليه ماله، فليس ~~لها أن تترك الرجل وتمسك ماله وتفرض النفقة عليه. # وقد جاءت امرأة إلى النبي عليه السلام وشكت إليه أنها لا تطيق زوجها - ثابت بن قيس - ~~فسألها: «هل تردين إليه مهره؟» فقبلت أن ترده؛ فنصح لثابت أن يطلقها؛ إذ كان لا خير له في ~~استبقائها، وتم الطلاق على وفاق. # ولم يوضع الطلاق بغير حدود، ولا أبيح كل الإباحة لغير ضرورة، فهو حيلة من لا حيلة له ~~في الوفاق، وهو مع ذلك أبغض الحلال عند الله كما جاء عن النبي عليه السلام، ومن أقواله ~~صلوات الله عليه: «لعن الله كل ذواق مطلاق»، و«لعن الله الذواقين والذواقات.» و«لعن الله كل ~~مزواج مطلاق.» # ويراجع الرجل نفسه في حالة الغضب: «لا طلاق ولا إعتاق في إغلاق»، ولا يقع من السكران أو ~~المكره أو المحرج أو غير الرشيد. # فإذا وجب وقوعه وجب بإحسان ورفق ms047 ومروءة: # الطلاق مرتان ~~فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن ~~تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما ~~حدود الله ~~. # 12 # وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم ~~إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا ~~. # 13 # وللمرأة إذا طلقت وهي حامل أن تطالب زوجها بالإنفاق عليها حتى تضع حملها # وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن ~~حملهن ~~، # 14 # فإذا وضعت حملها فلها أن ترضع ولدها سنتين، وعلى الرجل أن ينفق عليها طول مدة ~~الرضاع # والوالدات يرضعن أولادهن حولين ~~كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له ~~رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها ~~لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده ~~. # 15 # هذه في جملتها وتفصيلها خير الحدود التي ترعاها الجماعة البشرية بين الزوجين في حالي ~~الوفاق والفراق. ~~••• # ونعتقد أن الأمم المتحضرة سترجع إلى كثير من مأثورات الزواج في صدر الإسلام لعلاج بعض ~~المشكلات التي خلقتها أطوار الحياة الصناعية والثقافية في السنين الأخيرة من العصر ~~الحديث. # فمن الكتاب والمصلحين في أوروبة وأمريكا من يكتبون عن الزواج في هذا العصر كأنه نظام منحل ~~أو على وشك الانحلال! # ومنهم من يغرب في آرائه لعلاج مشكلة الزواج حتى يصبح علاجه بمثابة الاعتراف بالمرض ~~والاسترسال فيه! # ومنهم من يقول شيئا يجوز النظر فيه، ومن يقول شيئا لا يستحق نظرا ولا يرجى الوصول منه ~~إلى علاج ولا تمهيد للعلاج! # فالكاتب الإنجليزي ولز يشير بولاية الأمة للأطفال ويسمي ذلك إعتاقا للأبناء من ربقة ~~الآباء والأمهات! وفي رأي ولز هذا رجوع إلى رأي أفلاطون القديم الذي استحسن فيه أن ينشأ ~~الولد بأعين المربين الأفاضل والمربيات الفضليات، وهو لا يعلم من أمه ومن أبوه! # وآفة هؤلاء المفكرين وأمثالهم أنهم يقدرون أن الناس يرتقون من جانب ويلبثون على الجهل ~~والنقص في غير ذلك الجانب، فيقدرون أن الجماعة البشرية تبلغ من التهذيب والفطنة والأريحية ~~والعلم بفنون التربية أن يؤتمن فيها الرجل والمرأة على تنشئة أطفال لا تربطهما بهم صلة نسب ~~ولا قرابة ... إلا الآباء والأمهات، ms048 فإنهم سيظلون على هذا الارتقاء العميم، غير أهل لأمانة ~~التربية والسهر على الأبناء! فلماذا نستثني الآباء والأمهات وحدهم من فيض الارتقاء العميم؟! ~~ولماذا لا يكون الآباء والأمهات الذين شملهم الارتقاء أصلح من غيرهم للتربية مع مزية الحنان ~~المطبوع، ومزية العواطف الإنسانية التي تخلقها الأسرة ولا نعرف لها أصلا في الإنسان غير ~~وشائج القرابة بين الآباء والإخوة والأخوات؟! # ورأى وزير فرنسي مسموع الكلمة وأديب معروف المكانة بين الأدباء - وهو ليون بلوم - أن ~~الزواج في العصر الحاضر علاقة لا ينتظم عليها بقاء، وأن الخيانة فيه بين الأزواج ليست مما ~~تطيب عليه العشرة والطمأنينة في أسرة سعيدة، وليست مما يمتنع بسلطان القانون؛ لاتساع مجال ~~الحيل التي يحتال بها على مخالفته وانطلاق الرجال والنساء في حرية نفسية واجتماعية تستعصي ~~على الحجر والرقابة، فلا مناص للمجتمع البشري من الاعتراف بهذه الحالة وتقديرها في نظام ~~الزواج، وعنده أننا نعطي هذه الحالة حقها من التقدير إذا أخرنا سن الزواج إلى الثلاثين أو ~~ما بعد الثلاثين، وأغضينا عما يجري قبل ذلك بين الفتيان والفتيات؛ لأنهم خلقاء بعد تجربة ~~اللهو، وإشباع الشهوات منه، أن يسأموه ويثوبوا إلى الحياة الزوجية وهم زاهدون فيه صالحون ~~للوفاء صلاح القناعة والاكتفاء، وصلاح القدرة على التعاون وتربية الأبناء. # والذي يسبق إلى الذهن من كلام مسيو بلوم أن الإباحة وابتذال الشهوات أمر لا يعاب لذاته ~~ولا يستنكر في الذوق والخلق والآداب الاجتماعية لولا أنه معطل للزواج أو مخل بأمانة ~~الزوجين، ولكن الواقع أن ابتذال الشهوات مرض معيب يدل على شيء غير سليم في بنية الفرد، كما ~~يدل على شيء غير سليم في بنية الجماعة، فلو لم يكن في الدنيا زواج أو نظام للأسرة لكانت ~~الإباحة خليقة بالعلاج لذاتها كما يعالج كل نقص في تكوين العقل والإرادة واستعداد المرء ~~للعمل الجدي في الحياة الخاصة والحياة العامة، وخير لنا من التعويل على سآمة الفرد للشهوات ~~واللذات أن نعول على سآمة المجتمع كله لهذه الآفة، وأن نتخذ من هذه السآمة دليلا على خطأ ~~المبادئ التي تسمح للحرية الفردية ms049 أن تنطلق في العلاقات الجنسية بغير وازع ولا رقيب، ~~فنحد من الاختلاط بين الجنسين بعض الحد ونقيم الآداب الجنسية أو النوعية على أساس ~~غير أساس الحرية المطلقة لآحاد الرجال أو آحاد النساء، وقد نثوب بهذا إلى نظام قريب من نظام ~~الآداب القرآنية في الحجر على كل انطلاق يفسد العلاقة السليمة بين جنس الذكور وجنس ~~الإناث. ~~••• # ومن الفلاسفة المحدثين الذين عرضوا لمسألة الزواج نابغة إنجليزي من نوابغ الرياضة ~~والفلسفة؛ هو اللورد برتراند رسل الذي اشتهر بالجرأة في الرأي والاستقلال في شئون السياسة ~~والدين. # فهذا الفيلسوف يرى أن سن الزواج قد تأخرت بغير اختيار وتدبير؛ فإن الطالب كان يستوفي ~~علومه قبل مائة سنة أو مائتين في نحو الثامنة عشرة أو العشرين ... فيتأهب للزواج في سن ~~الرجولة الناضجة، ولا يطول به عهد الانتظار إلا إذا آثر الانقطاع للعلم مدى الحياة، وقل ~~من يؤثر ذلك بين المئات والألوف من الشبان. # أما في العصر الحاضر فالطلاب يتخصصون لعلومهم وصناعاتهم بعد الثامنة عشرة أو العشرين، ~~ويحتاجون بعد التخرج من الجامعات إلى زمن يستعدون فيه لكسب الرزق من طريق التجارة أو ~~الأعمال الصناعية والاقتصادية، ولا يتسنى لهم الزواج وتأسيس البيوت قبل الثلاثين، فهناك ~~فترة طويلة يقضيها الشاب بين سن البلوغ وبين سن الزواج لم يحسب لها حسابها في التربية ~~القديمة، وهذه الفترة هي فترة النمو الجنسي والرغبة الجامحة وصعوبة المقاومة للمغريات، فهل ~~من المستطاع أن نسقط حساب هذه الفترة من نظام المجتمع الإنساني كما أسقطها الأقدمون وأبناء ~~القرون الوسطى؟ # يقول الفيلسوف: إن ذلك غير مستطاع، وإننا إذا أسقطناها من الحساب فنتيجة ذلك شيوع الفساد ~~والعبث بالنسل والصحة بين الشبان والشابات، وإنما الرأي عنده أن تسمح القوانين في هذه السن ~~بضرب من الزواج بين الشبان والشابات لا يئودهم بتكاليف الأسرة، ولا يتركهم لعبث الشهوات ~~والموبقات وما يعقبه من العلل والمحرجات، وهذا ما سماه بالزواج العقيم أو الزواج بغير أطفال # Childless Marriage # وأراد به أن يكون عاصما من ~~الابتذال ومدربا على المعيشة المزدوجة قبل السن التي تسمح بتأسيس البيوت. ms050 # في قاموس الإسلام الذي ألفه توماس باتريك هيوز # Hughes # بحث عن الزواج الإسلامي يقول فيه عن زواج المتعة: «إن هذه الزيجات الموقوتة هي ولا ريب أعظم ~~الوصمات في تشريع محمد الأخلاقي، ولن تقبل المعذرة بحال من الأحوال.» # وزواج المتعة هذا ضرب من الزواج الموقوت، يروى عن النبي عليه السلام أنه أذن به في إحدى ~~الغزوات للصحابة الذين انقطعوا عن أوطانهم، وطالت غيبتهم عن بيوتهم، ثم اختلفت الروايات في ~~تحريمه، وقال بعض الفقهاء من الشيعة على الأكثر أنه مباح إلى الآن لبعض الضرورات. # قلنا ونحن نقرأ تعقيب مؤلف القاموس على زواج المتعة: لقد كان من النافع للرجل أن يعيش حتى ~~يرى فيلسوفا من أكبر فلاسفة قومه يدرس مشكلة الجنسين في الحضارة الحديثة درس الفلاسفة ~~المحققين فلا يهديه الرأي فيها إلى حل غير زواج المتعة أو ما هو من قبيله ... فقد كان خليقا ~~به إذن أن يتهيب مشكلة الجنس والأسرة قليلا من التهيب، وأن يدرك مكرها أو طائعا أنها ~~ليست باللعبة التي يلعب بها المتطلعون إلى سمعة اللطافة والفروسية المصطنعة في الأندية ~~والمحافل، وأن مشكلات النوع الإنساني الضخام قد تلجئ أساتذة العصر إلى مقام المتعلمين من ~~أبناء العصور الماضية، فيتعلمون أن الحذلقة أسهل شيء على طلاب المظاهر وأدعياء اللطافة، ~~ولكنها سهولة لن تنفع البشر في المعضلات الصعاب، التي تتجدد مع الزمان وتستفحل على تعاقب ~~الأجيال. # | الميراث # أثبت القرآن نظام المواريث بتفصيلاته لجميع ذوي القربى، اعتبر الإرث حقا مشروعا للوارث ~~لا يجوز حرمانه منه بحيلة من حيل التهريب. # وإجماع المفسرين منعقد على ذلك، لم يخالفهم فيه إلا فئة من فقهاء «الظاهرية» قالوا بمنع ~~ميراث الأرض خاصة وإباحة الميراث من العروض والأموال؛ لاعتقادهم أن الأرض لله # إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا ~~يرجعون ~~. # 1 # ولكنه تفسير يخالفهم فيه جملة الفقهاء من جميع المذاهب؛ لأن كون الأرض لله لا يمنع أن ~~يرثها الصالحون من عباده # يورثها من يشاء ~~، # 2 # ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر ~~أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ~~، # 3 # فهي ومن ms051 عليها لله # ولله ميراث السماوات ~~والأرض ~~، # 4 # وهذا هو المعنى المقصود بميراث الله لكل ما في الكون، وليس المقصود به منع ~~أجزاء من الأرض أن يملكها آحاد من الناس. ~~••• # والميراث حق وعدل ومصلحة من وجوه كثيرة؛ أقواها في رأي المدافعين عن نظام التوريث أنه ~~نظام لا ينفصل عن نظام الأسرة، وأن الأسرة دعامة من أكبر دعائم الاجتماع، لا تنعقد ثم تنفرط ~~مرة في كل جيل، بل هي وحدة تناط بالدوام. # ومن الواضح أن الأسرة هي منبت العواطف الإنسانية في المجتمع على اتساعه، وأن الصلة التي ~~بين الآحاد في الأمة لا تغني عن وشائج اللحم والدم بين الآباء والأمهات، والأبناء والبنات، ~~والإخوة، وبني العمومة والخئولة؛ فإن «المجتمع» في نطاقه الواسع «كم مبهم» في نظر كل فرد من ~~أفراده، وإنما الصلة العاطفية بين هؤلاء الأفراد هي صلة النسب والقربى في هذه «الخلية» التي ~~تتركب منها بنية كل قبيل وكل جمهور كبير. # فالمجتمع الذي يجعل العلاقة بين الوالد والولد كالعلاقة بين كل فرد منه وكل فرد آخر أقل ~~ما يقال فيه: إنه مجتمع «غير طبيعي» وغير متماسك الأجزاء، ومهما يقل القائلون عن واجبات ~~الأمة على الفرد فلن تكون هذه الواجبات أقوى ولا ألزم من واجبات النوع على أفراده، وهي مع ~~هذا الوجوب لم تفرضها الطبيعة على الفرد إلا من طريق استهوائه بلذته وعاطفته ومصلحته التي ~~تمتزج بمصالح ذويه، فليس للاجتماع أن يدعي لنفسه من القدرة على تسخير أفراده دعوى تعجز عنها ~~الطبيعة التي يتكون منها اللحم والدم والحس والعاطفة، فإنما هو ادعاء لا محصل له غير ~~الألفاظ الجوفاء. # ومن الاجتماعيين من ينكر الميراث وينكر الأسرة معه؛ لأنهما يغريان بتضخيم الثروة وتحكيم ~~رءوس الأموال في جهود العاملين! # ولكن هؤلاء الاجتماعيين يترجمون المسألة كلها بلغة المال، ويقفون عندها فلا يتجاوزونها ~~إلى لغة الحياة أو الدوافع الحيوية، وهي لو ترجمت بهذه اللغة لكان معناها أن الفرد يأتي ~~بغاية ما يستطيع حين يعمل للأسرة وينظر إلى توريث أبنائه، ولا يكتفي من العمل بأدنى حدود ~~الكفاية أو بأيسر ms052 ما يتيسر في حدود الطاقة، ومعنى ذلك أيضا أنه سيخصص قريحته وجهده وكفاءته ~~إلى الغاية التي يقوى عليها، وأنه لا يحسب قواه العقلية والنفسية حساب الشح والضنانة بل ~~حساب السعة والسخاء، فيعمل أضعاف ما يعمل بغير هذه الوسيلة، ويفكر أضعاف ما يفكر، ويحس ~~أضعاف ما يحسه، وهو يقبض على ذخائر قواه في وجه العالم كله فلا ينفق منها إلا بمقدار ما ~~يعنيه في سنوات عمره، وليس هذا بالخسارة على العالم ولا عليه، ولكنه ربح للحياة الإنسانية ~~كلها، وليس بالربح المقصور على الورثة أو المورثين. # وإذا قيل: إن هذا المال يؤخذ من المجتمع ليتحول إلى أفراد منه، فالذين يقولون ذلك يتخيلون ~~أن الأسرة تخرج بميراثها من البيئة الاجتماعية التي تعيش فيها؛ لتنقطع به في عزلة عن تلك ~~البيئة المغصوبة، وينسون أن الميراث يبقى في المجتمع كما كان؛ فإن أحسن أصحابه تدبيره، ~~صرفوه في وجوه نافعة، وإن أساءوا خرج من أيديهم وآل على الرغم منهم إلى حيث ينبغي أن ~~يئول. # أما تضخيم الثروة فقد يعالج بوسائل شتى غير وسيلة القضاء على نظام الأسرة ونظام التوريث، ~~وما من شريعة تحول بين المجتمع وبين فرض الضرائب على التركات بالمقدار الذي يراه، فيأخذ ~~المجتمع نصيبه المقدور ولا ينزع من الأفراد حوافز العمل التي يعملون بها كأحسن ما ~~يعملون. # وللميراث جانب من العدل الطبيعي كما أن له هذا الجانب من الحق والمصلحة ... لأن الولد يأخذ ~~من أبويه ما حسن وما قبح من الصفات والطبائع، ويأخذ منهما ما فيهما من استعداد للمرض ~~والخلائق المرذولة، وليس في وسع الأمة أن تحميه من هذه الوراثة الطبيعية التي لا تفارقه من ~~مولده إلى مماته، فليس من العدل أن تدع له هذا الميراث وتنزع منه ميراث المال، وهو مفضل فيه ~~على غيره، ولا يتساوى فيه مع أبناء القاعدين عن الكسب والادخار. ~~••• # هذا نظام يوافق حركة السعي والنشاط في الجماعات البشرية ولا يعوقها عن التقدم الذي تستحقه ~~بسعيها ونشاطها، بل يرجع إليه الفضل أكبر الفضل فيما بلغته من الحضارة والارتقاء، ولو عمل ms053 ~~الناس لأنفسهم منذ القدم آحادا متفرقين ولم يعملوا كما عملوا أسرا متكافلات لما بلغوا ~~شيئا مما بلغوه اليوم من أطوار المعاش وآداب الاجتماع، ولا مما بلغوه من المعارف ~~والصناعات، ولا مما بلغوه من العواطف المشتركة ومقاييس العرف والشعور. ~~••• # وقد نظر القرآن إلى الميراث في نطاق أوسع من هذا النطاق؛ وهو نطاق الميراث الذي تتلقاه ~~الأجيال عن الأجيال، أو الأعقاب عن الأسلاف. # فأنكر من هذا الميراث ما يعوق التقدم ويحجر على العقول ويقيم العادات و«التقاليد» سدا ~~بين الإنسان وحرية الفكر والارتياء. # ولم ينكر القرآن شيئا كما أنكر الاحتجاج بالعادات الموروثة لمقاومة كل جديد مستحدث، في ~~غير تمييز ولا تبصر ولا موازنة بين الجديد المستنكر والقديم المأثور، وكان أشد هذا الإنكار ~~«للمترفين» الذين يتخذون من عراقة البيوت حجة للبقاء على ما ألفوه ودرجوا عليه. # وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من ~~نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة ~~وإنا على آثارهم مقتدون * قال أولو جئتكم ~~بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم ~~به كافرون ~~. # 5 # وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله ~~قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان ~~آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون ~~. # 6 # وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا ~~والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء ~~أتقولون على الله ما لا تعلمون ~~. # 7 # ولما استحسن اتباع الآباء استحسنه؛ لأنه تمييز بين عقيدة خاطئة وعقيدة أكرم منها وأحرى ~~بالاتباع: # إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله ~~وهم بالآخرة هم كافرون * واتبعت ملة آبائي ~~إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من ~~شيء ~~. # 8 # وإذا كانت شريعة الميراث تحمي الأسرة، ولا تحجر على حرية الأجيال فهي على هذا أصلح ما ~~تصلح به الجماعات البشرية من نظام. # | الأسر أو «الرق» # نحن نكتب هذه الفصول وقد مضى على انتهاء الحرب العالمية أكثر من سنتين، ولا تزال الدول ~~الغالبة توالي البحث في مسألة الأسرى وتحاول أن تشرع لهم نظاما جديدا يوافق العلاقات ms054 ~~الإنسانية التي تقررها بين الغالبين والمغلوبين وبين الأمم كافة على التعميم. # ولا تزال أخبار الأسرى ومحاكماتهم تتردد في الصحف وتنقلها الأنباء البرقية أحيانا كأنها ~~من المألوفات التي لا تحتاج إلى تعليق. # ومن تلك الأخبار أن الأسرى من أبناء الأمم المغلوبة ينقلون بالألوف وعشرات الألوف من ~~بلادهم إلى بلاد الأمم الغالبة أو مستعمراتها وتوابعها؛ حيث يعيشون هناك في المعتقلات عيشة ~~الأرقاء السجناء، ويسلمون العمل في تعمير الخرائب وإصلاح الأرض الموات وإدارة المصانع التي ~~يعملون فيها بالكفاف أو بما دون الكفاف، ولا يؤذن لهم في أثناء ذلك بحرية الإقامة أو حرية ~~الانتقال. # ومن تلك الأخبار محاكمة بعض الأسرى المسئولين عن سوء معاملة الشعوب التي كانوا يحكمونها، ~~أو القسوة على من كان في حراستهم من الأسرى التابعين للأمم الغالبة، وفي بعض التهم التي ~~يحاكمون من أجلها أنهم أزهقوا بقسوتهم أو بسوء معاملتهم مئات وآلافا من الأبرياء، الذين ~~لا ناصر لهم ولا يعزى إليهم ذنب يلامون عليه غير وقوعهم في الأسر وإلقائهم سلاح القتال في ~~الميدان، وقد حكم على بعض أولئك المتهمين بالموت أو بالسجن آمادا طوالا؛ لثبوت التهمة ~~عليهم بمختلف أدلة الثبوت. # يقع هذا في أعقاب حرب عالمية يراد على آثارها تصحيح الآداب الإنسانية في معاملة الأسرى ~~والمغلوبين، ويعترف الساسة والمفكرون بضرورة هذا التصحيح من وجهة النظر إلى الواجب ~~والمروءة، ومن وجهة النظر إلى المصلحة العالمية؛ لتحسين العلاقات بين أمم الحضارة وتدبير ~~الوسائل التي تمنع تجديد الحروب، وتتكفل بمحو آثارها من النفوس، واستلال الضغائن التي ~~تثيرها بين الموتورين والمنكوبين. # وهذا غاية ما وصلت إليه المساعي في مسألة الأسرى بعد ألفي سنة من عصر المسيحية الأولى، ~~وبعد التفاهم على ضرورة النظر فيها من جديد على ضياء المصلحة العالمية، وعلى قواعد الآداب ~~الإنسانية التي تجمل بعهد الحضارة ورجاء البشر في التقدم والسلام. ~~••• # على أن النظرة العقلية أو الروحانية التي نظر بها حكماء الغرب ومصلحوه عند نشأة الفلسفة ~~أو نشأة الدين أو نشأة البحث المجرد في الحكومة المثالية لم تسبق هذه النتيجة الواقعية بشيء ~~كثير، ولو ms055 من قبيل النصح والاستحسان والمحاولة التي تجدي كثيرا أو قليلا في السعي إلى ~~الكمال. # فالفيلسوف «أفلاطون» قد اعتبر نظام الاسترقاق نظاما ملازما للجمهورية الفاضلة أو ~~الحكومة الإنسانية في مثلها الأعلى، وحرم على الرقيق حقوق «المواطنة» والمساواة، وقضي على ~~الرقيق الذي يتطاول على سيد غريب غير سيده بتسليمه إلى ذلك السيد للاقتصاص منه على هواه، ~~ولا يجوز فكاكه من العقوبة إلا بمشيئته ورضاه، وإذا وجبت الرحمة بالرقيق فإنما تجب الرحمة ~~به من قبيل الترفع عن الإساءة إلى مخلوق حقير لا يحسن بالسيد أن يهتم بالإساءة إليه. # والفيلسوف أرسطو جعل الرق نظاما من الأنظمة الملازمة لطبائع الخليقة البشرية، فلا يزال ~~في العالم أناس مخلوقون للسيادة وأناس مخلوقون للطاعة والخضوع ... وحكمهم في ذلك حكم الآلات ~~«الحية» التي تساق إلى العمل ولا تدري فيم تساق إليه، وغاية ما أوصى به أن يتفضل السادة ~~بتشجيع هذه الآلات على الترقي من منزلة الآلة المسخرة إلى منزلة الآلة المتصرفة، كلما بدت ~~منها بوادر الفهم والتمييز. # ولما ظهرت المسيحية في بلاد اليونان كتب القديس بولس إلى أهل «أفسس» رسالة يأمر فيها ~~العبيد بالإخلاص في إطاعة السادة كما يخلصون في إطاعة السيد المسيح، وكان الحواري بطرس يأمر ~~العبيد بمثل هذا الأمر، وجرت الكنيسة على منهجه، وقبلت نظام الرق، وزكاه الفيلسوف «توما ~~الأكويني» أكبر حكماء الكنيسة؛ لأنه أخذ فيه بمذهب أستاذه أرسطو، وزاد عليه أن القناعة ~~بأبخس المنازل من المعيشة الدنيوية لا تناقض فضائل الإيمان. ~~••• # ولا بد من المقابلة بين تلك النتائج العملية وتلك التقديرات الفلسفية، وبين أحكام القرآن ~~في مسألة الرق؛ لبيان كسب الإنسان الذي بلغته الحضارة البشرية من تقرير تلك الأحكام، لغير ~~ضرورة توجبها دواعي الاقتصاد أو دواعي السياسة في مأزق من مآزق الحروب الكبرى. # فالقرآن قد أباح استخدام الأسرى؛ لأن الأسر حالة لا بد من دخولها في الحساب ما دامت في ~~الدنيا حروب وما دام فيها غالب ومغلوب، ولكنه حث المسلمين على فك الأسرى كرما ومنا، أو ~~قبول الفدية من أوليائهم أو منهم، ومعاونتهم على تيسيرها كلما ms056 استطيع التيسير: # فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب ~~أوزارها ~~، # 1 # والذين يبتغون الكتاب مما ملكت ~~أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال ~~الله الذي آتاكم ~~. # 2 # وأوصى بالإحسان إلى الأرقاء كما أوصى بالإحسان إلى الوالدين وذوي القربى في آية واحدة: # وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى ~~والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب ~~بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب ~~من كان مختالا فخورا ~~. # 3 # وقد تمم الإسلام هذه الأحكام - كما بينا في كتاب داعي السماء - «فجعل الإعتاق حسنة تكفر ~~عن كثير من السيئات، وفرضها على الذين يخالفون بعض أحكام الدين كما فرض الصدقات وإطعام ~~المساكين» ... وكانت وصية النبي للمسلمين قبل وفاته: «الصلاة وما ملكت أيمانكم» وتكررت منه ~~عليه السلام في أحاديثه حتى قال في بعض تلك الأحاديث: «لقد أوصاني حبيبي جبريل بالرفق ~~بالرقيق حتى ظننت أن الناس لا تستعبد ولا تستخدم» ... وتجاوز الإشفاق على الأرقاء من سوء ~~المعاملة إلى الإشفاق عليهم من الكلمة الجارحة، فكان عليه السلام يقول: «لا يقل أحدكم: ~~عبدي، أمتي، وليقل: فتاي، وفتاتي وغلامي»، أما ضرب الرقيق بغير تأديب فهو ذنب كفارته العتق، ~~أو كما قال عليه السلام: «من لطم مملوكه فكفارته عتقه»، فإذا قتله فهو يقتل به في قول أشهر ~~الفقهاء. ~~••• # إن الباحثين الاجتماعيين من الأوروبيين أنفسهم قد عللوا حركة التحرير - تحرير الأرقاء - ~~بعلل كثيرة من ضرورات «الاقتصاد» ... فذكروا أن المطالبين بتحرير الرقيق لم يفعلوا ذلك إلا ~~احتيالا على الكسب ومنعا للمنافسة التجارية التي تيسر لأصحاب العبيد ومسخريهم في الصناعات ~~أرباحا لا تتيسر لمن يستأجرون الأحرار ويبذلون لهم ما يرتضونه من الأجور، ولم تزل معاملة ~~السود في أمريكا الشمالية - بعد تحريرهم من الرق - أسوأ معاملة يسامها بنو آدم في هذا ~~الزمان، وذلك بعد أن دان المسلمون أربعة عشر قرنا بشريعة المساواة بين الأجناس، وعلموا أن ~~فضل العربي القرشي على العبد الحبشي إنما هو فضل التقوى والصلاح دون فضل العصبية ~~واللون. # ولم يأخذ الإسلام أتباعه بهذا الكرم المحض مجاراة لضرورات ms057 الاقتصاد، بل أخذهم به على ~~الرغم من تلك الضرورات، وعلى الرغم من شح الأنفس بالأموال وما تملك الأيمان، وتلك هي مزية ~~الإسلام الكبرى في السبق إلى هذا الأدب الرفيع. # | العلاقات الدولية # من المستحسن في كتاب عن عقيدة الجماعة الإسلامية أن نلم بأصول الأدب التي يتعلمها ~~المسلمون من كتابهم في معاملاتهم مع الأمم الأخرى. # ولباب ما يقال في هذا الصدد أن المعاملات الدولية كلها تقوم على العهود والوفاء بها ~~وخلوص النية في التزامها. # وقد أوجب القرآن الكريم على المسلمين الوفاء بعهودهم في كثير من الآيات فقال: # وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا ~~، # 1 # وذكر صفات المؤمنين ثم قال: # والموفون بعهدهم ~~إذا عاهدوا ~~، # 2 # وجعل الخروج من فضيلة الوفاء كالخروج من فضيلة الإنسانية كلها حيث قال جل شأنه: # إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم ~~لا يؤمنون * الذين عاهدت منهم ثم ينقضون ~~عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون * فإما ~~تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم ~~يذكرون * وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ ~~إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين ~~. # 3 # وقد غدر المشركون غير مرة بعهودهم كما جاء في الآية، فلم يكن ذلك موجبا لسقوط العهد مع ~~من استقام منهم على عهده، كما بينت هذه الآيات: # كيف يكون ~~للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم ~~عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ~~إن الله يحب المتقين * كيف وإن يظهروا عليكم ~~لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم ~~وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون ~~. # 4 # على أن القرآن الكريم يأمر المؤمنين به أن يعاملوا الخائن بمثل عمله، ولا يتعدوه إلى ~~الجور والتنكيل، ويزين لهم الصبر إذا آثروه على العقاب: # وإن ~~عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو ~~خير للصابرين ~~. # 5 # وقد غدر بعض المشركين بصلح الحديبية - وهو المقصود بالعهد «عند المسجد الحرام» - فلم يبطل ~~النبي عليه السلام عهد سائرهم، ولم يقبل عنده قرشيا مشركا يجيئه في أثناء قيام العهد؛ ~~عملا بما اتفق عليه المسلمون ms058 والمشركون، قال أبو رافع مولى رسول الله: بعثتني قريش إلى ~~النبي فلما رأيت النبي وقع في قلبي الإسلام، قلت: يا رسول الله، لا أرجع إليهم، قال: «إني ~~لا أخيس بالعهد، ولا أحبس البرود، ولكن ارجع إليهم، إن كان في قلبك الذي فيه الآن ~~فارجع.» # بل روي في الوفاء بالعهد ما هو أكثر من ذلك؛ لأنه عهد بين آحاد في مثل حالة الإكراه، كما ~~جاء في حديث حذيفة بن اليمان؛ حيث قال: ما منعني أن أشهد بدرا إلا أنني خرجت أنا وأبي ~~الحسيل فأخذنا كفار قريش، فقالوا: إنكم تريدون محمدا؟ فقلنا: ما نريده، وما نريد إلا ~~المدينة! فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننطلق إلى المدينة ولا نقاتل معه، فأتينا رسول الله ~~فأخبرناه الخبر فقال: «انصرفا نفي لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم.» # وقد أوجب القرآن الكريم إتمام العهود إلى مدتها، إن كانت موقوتة بأجل متفق عليه، وأوجب ~~إعلان بطلانها متى صحت النية على إبطالها، # وأذان من الله ~~ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من ~~المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خير لكم وإن ~~توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين ~~كفروا بعذاب أليم * إلا الذين عاهدتم من ~~المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا ~~فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب ~~المتقين ~~. # 6 # ولا نعرف إشاعة أكذب من قول القائلين - جهلا منهم أو تجاهلا بالقرآن الكريم: إن الإسلام ~~دين سيف، وإن العلاقة بينه وبين الأمم علاقة حرب وقتال! # فإن شريعة القرآن لم تضع السيف قط في غير موضعه، ولم تستخدمه قط حيث يستغنى عنه ~~بغيره. # وقد نشأت الدعوة الإسلامية بين أقوام يحاربونها، ويكيدون لها، ويصدون الناس عنها، وأمر ~~المسلمون بقتال من يقاتلونهم في غير عدوان، ولا شطط: # وقاتلوا في ~~سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب ~~المعتدين ~~. # 7 # وكانت جزيرة العرب جزيرة بالمعنى السياسي - لا بالمعنى الجغرافي وحده - إذا نظرنا إلى ~~الدول التي أحدقت بها في عهد الدعوة الإسلامية وتربصت بها الدوائر للإيقاع ms059 بالدعوة ودعاتها ~~في إبان نشأتها، وكان على رأس تلك الدول أصحاب السلطان الذين يصدون عن سبيل الله؛ ذيادا عن ~~عروشهم، واستئثارا بمنافعهم، وإطالة في أمد سلطانهم، ولا يرجعون في ذلك إلى الحجة والبيان؛ ~~بل إلى السيوف والرماح، فإذا حورب هؤلاء فإنما يحاربون بسلاحهم؛ ولا يحاربون بالجدل والبينة ~~الحسنة، السيف للسيف، فإذا انكسر سيف السلطان بقي رعايا الدول أحرارا فيما يختارون لأنفسهم ~~من دين آبائهم، أو من الدين الجديد: # لا إكراه في الدين قد ~~تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله ~~فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع ~~عليم ~~. # 8 # فمن اختار الدين الجديد فهو مسلم كالمسلمين فيما له وفيما عليه، ومن بقي على دين آبائه ~~فليس عليه غير ضريبة المحكوم للحاكم، ويمنعه الحاكم بعد ذلك مما يمنع منه المسلمين، ويحميه ~~كما يحميهم ويعوله كما يعولهم، ثم لا يطلب منه جهاد ولا ذياد كما يطلب من ~~المسلمين. # قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم ~~الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين ~~الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد ~~وهم صاغرون ~~. # 9 # ولم يقل الكتاب: قاتلوهم حتى يسلموا كرها إن كانوا لا يسلمون اقتناعا! وكل ما هنالك من ~~حكم السيف أنه قد أبطل حكم السيف الذي لا يدين بالحجة ولا بالرأي، وترك الناس لضمائرهم ~~يدينون بما اختاروه من دين. # ولو أننا رجعنا إلى حروب العقائد من الوجهة العلمية لوجدنا أن أصحاب الأديان الأخرى قد ~~شنوا على غيرهم من الحروب «المقدسة» أضعاف ما أثر عن تاريخ الإسلام، وقد رأينا في عصرنا هذا ~~من دعاة الإصلاح من يؤلب الأمم على حرب كل حكومة تدين بمبادئ الطغيان في الحكم ولا تؤمن ~~بمبادئ الحرية والشورى، ومن لم يسمع هذه الدعوة باختياره سمعها على قسر واضطرار، كما حدث في ~~الحروب بين بلاد الفاشية والنازية وبين المنكرين لقواعد الحكم في تلك البلاد. # وعلاقات الحرب والسلم بين المسلمين وجيرانهم أو معاهديهم هي أرفع معاملة عرفت في عصور ~~الحضارة الإنسانية: ms060 أمن الطريق، وأمان الوادعين المسالمين، وفتح المسالك للأرزاق والذهاب ~~والمآب، وتنظيم ذلك كله بالعهود والمواثيق، مع حث المسلمين على رعايتها، ومسامحة الغادرين ~~في غدرهم إذا أمنوا العاقبة ولم تلجئهم الضرورة إلى مقابلة الغدر بمثله؛ دفعا للهلاك، ~~وصونا للحدود والحرمات. # وقد سبق الإسلام أمم الحضارة الحديثة إلى كل خير في معاملة الأسرى والرسل ~~والجواسيس. # فالأسير يفتدي، والرسول لا يخشى على نفسه وماله، والجاسوس يعاقب بعقابه المصطلح عليه في ~~كل زمان، ويعفى عنه إذا حسنت نيته واعتذر من عمله بعذر مقبول. # جاء ابن النواحة وابن آثال رسولا مسيلمة إلى النبي فقال لهما: «أتشهدان أني رسول الله؟» ~~قالا: نشهد أن مسيلمة رسول الله، فقال رسول الله: «آمنت بالله ورسوله، لو كنت قاتلا رسولا ~~لقتلتكما»، فمضت السنة بتأمين الرسل والبرود. # وروى علي رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله أنا والزبير والمقداد بن الأسود، قال: ~~«انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ؛ فإن بها ظعينة ومعها كتاب فخذوه منها»، فانطلقنا تتهادى بنا ~~خيلنا حتى انتهينا إلى الروضة، فإذا نحن بالظعينة، فقلنا: أخرجي الكتاب، فقالت: ما معي من ~~كتاب! فقلنا: لتخرجن الكتاب أو لتلقين الثياب! فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول الله فإذا ~~فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين من أهل مكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله، فقال ~~رسول الله: «يا حاطب، ما هذا؟» قال يا رسول الله لا تعجل علي، إني كنت امرءا ملصقا في ~~قريش ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون بها أهليهم ~~وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدا يحمون بها قرابتي، وما ~~فعلت ذلك كفرا ولا ارتدادا ولا أرضى بالكفر بعد الإسلام. فقال رسول الله: «لقد صدقكم»، ~~فقال عمر: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق! فقال: «إنه شهد بدرا، وما يدريك لعل ~~الله يكون قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ...» # فقوام المعاملات كلها في هذه العلاقات على الرفق ما ms061 أمكن الرفق، ثم على القوة المنصفة؛ ~~لاتقاء ما لا يتقى بغيرها. # وعلى مثل هذه المعاملة تصلح العلاقات بين الأمم والحكومات، وفيها كل ما يهيئ الأسباب ~~للوحدة العالمية بين الناس كافة، وهم الذين يعمهم القرآن الكريم بالخطاب ولا يخص المسلمين ~~وحدهم حين يقول: # يا أيها الناس إنا خلقناكم من ~~ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن ~~أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير ~~. # 10 # وليس من مانع يعوق الوحدة العالمية عند أصحاب دين يصدقون الرسل جميعا، ويعتبرون الناس ~~كلهم أمة واحدة كما جاء في القرآن الكريم: # شرع لكم من الدين ~~ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به ~~إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا ~~فيه ~~، # 11 # يا أيها الرسل كلوا من الطيبات ~~واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم * وإن ~~هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون ~~. # 12 # | العقوبات # من المبادئ المتفق عليها في عصرنا أن الجريمة فساد في نفس المجرم، وأن العقوبة إصلاح له ~~أو وقاية للمجتمع من فساده، وأن مصلحة المجتمع مقدمة على مصلحة الفرد، ولكن لا تغفل مصلحة ~~الفرد في سبيل مصلحة المجتمع إلا إذا كانت إحدى المصلحتين معارضة للأخرى، وأن القصاص مصلحة ~~اجتماعية، وأن تأويل الشبهة إنما يكون لمصلحة المتهم، فلا يدان المتهم إذا وقع الشك في ~~أدلة الإدانة. # وهذه المبادئ كلها مسلمة في شريعة القرآن، فلا وزر على القاصر ولا على المكره ولا على ~~المجنون، ولا وزر على من تاب وصلح على التوبة. # ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب ~~. # 1 # وفي كل ذلك تدرأ الحدود بالشبهات. ~~••• # والعقوبات في الإسلام قسمان: قسم التعزير، وقسم الحدود؛ فالتعزير يتناول الزجر والغرامة ~~والحبس والجلد دون مقدار الحدود، قال الإمام ابن تيمية في رسالته عن الحسبة: «منها عقوبات ~~غير مقدرة وقد تسمى التعزير، وتختلف مقاديرها وصفاتها بحسب كبر الذنوب وصغرها، وبحسب حال ~~المذنب وبحسب حال الذنب في قلته وكثرته، والتعزير أجناس؛ فمنه ما يكون بالتوبيخ والزجر ~~بالكلام، ومنه ما يكون بالحبس، ومنه ما يكون بالنفي عن ms062 الوطن، ومنه ما يكون بالضرب ... ~~والتعزير بالعقوبات المالية مشروع أيضا في مواضع مخصوصة في مذهب مالك في المشهور عنه، ~~ومذهب أحمد في مواضع بلا نزاع عنه، وفي مواضع فيها نزاع، والشافعي في قول، وإن تنازعوا في ~~تفصيل ذلك كما دلت سنة رسول الله # صلى الله عليه وسلم # في مثل إباحته سلب الذي يصطاد في حرم المدينة لمن ~~وجده ... ومثل تضعيفه # صلى الله عليه وسلم # الغرم على من سرق مالا من غير حرز ... ومثل أخذ شطر مانع الزكاة ~~... ومن قال: إن العقوبات المالية منسوخة، وأطلق ذلك عن أصحاب مالك وأحمد؛ فقد غلط على ~~مذهبهما، ومن قال مطلقا عن أي مذهب كان؛ فقد قال قولا بلا دليل.» # أما الحدود فهي في عقوبات العيث بالفساد والقتل، وإتلاف الجوارح والأعضاء، والسرقة والزنا ~~وشرب الخمر. # فالقاتل يقتل، وشريعة القرآن الكريم في ذلك قائمة على أمتن الأصول؛ وهو صيانة البشر ~~جميعا؛ لأن القاتل يعتدي على الحياة الإنسانية كلها ولا يقع عدوانه على نفس المقتول ~~وحده. # من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من ~~قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل ~~الناس جميعا ~~. # 2 # والذين يعيثون في الأرض فسادا «فيحاربون» ويحملون السلاح ويأخذون على الناس سبلهم، ~~ويقتلونهم؛ طمعا في أموالهم أو أعراضهم فجزاؤهم القتل والصلب أو ما دونه إذا سلبوا ولم ~~يقتلوا: # إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ~~ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع ~~أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك ~~لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم * إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم ~~فاعلموا أن الله غفور رحيم ~~. # 3 # وقال الحسن البصري وسعيد بن المسيب ومجاهد، وقال ابن عباس في رواية: إن «أو» هنا للتخيير؛ ~~أي أن الإمام إن شاء قتل، وإن شاء قطع الأيدي والأرجل، وإن شاء نفى. # والنفي عند أبي حنيفة وكثير من المفسرين والفقهاء هو العزل أو الحبس، ولا يلزم منه ~~الإقصاء إلى بلد آخر؛ لأن هذا البلد الآخر ms063 إن كان دار إسلام فحكمه وحكم كل بلد إسلامي سواء، ~~وإن كان دار كفر فالنفي إليه حمل على الارتداد. # ويجزي القتل بالقتل وإتلاف الأعضاء بمثله: # وكتبنا عليهم ~~فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف ~~والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق ~~به فهو كفارة له ~~. # 4 # ومعنى التصدق به العفو من ولي الدم، وهو كفارة عن إقامة الحد، ولكنه لا يمنع ولي أمر ~~المسلمين عن تعزير الجاني ومعاقبته بما يرى فيه صلاحا له وصلاحا للأمة، ويشتمل هذا ~~التعزير - كما تقدم - حكم السجن وحكم الجلد وحكم الغرامة. # أما السرقة فحكمها في هذه الآية من سورة المائدة أيضا: # والسارق ~~والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله ~~ والله عزيز حكيم * فمن تاب من بعد ظلمه ~~وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم ~~. # 5 # وإجمال الآية هنا فيه مجال لتفصيل يتناول هذه الأمور: # أولا: # ما هي السرقة؟ وما هو المسروق؟ وهل حكم المسروق المحروز كحكم المسروق غير ~~المحروز ؟ المتفق عليه أن السرقة لا تسمى بذلك إلا أن تكون فيها مسارقة لعين ~~المالك على شيء هو محل الشح والضنة. # وثانيا: # من هو السارق؟ هل هو من يسرق مرة واحدة، أو من تعود السرقة؟ فإن كلمة ~~الكاتب مثلا لا تطلق على كل من يكتب ويقرأ، وإنما تطلق على من تعود ~~الكتابة وأكثر منها، والإشارة إلى النكال وإلى عزة الله في الآية الكريمة ~~قد تفيد معنى الاستشراء والاستفحال الذي يقضي بالنكال. # وأيا كان القول في المقصود بالسارق في الآية الكريمة فالتوبة ~~والاستصلاح تعفيان من إقامة الحد ويوكل الأمر فيهما إلى الإمام في رأي جملة ~~الفقهاء. # ثالثا: # ما هو المسروق وما مقداره؟ # وقد روي عن النبي عليه السلام أنه قال: «لا قطع إلا في ثمن المجن»، وأنه: ~~«لا قطع إلا في ربع دينار»، وربع الدينار وثمن المجن محل اختلاف بين ~~العلماء في التقدير على حسب البلدان والأوقات. # وأيا كان المقدار المسروق فالأئمة: أبو حنيفة، والثوري، وإسحاق يقولون ~~بأن من يسرق شيئا يلزم ms064 غرمه، ولا يجمع بين القطع والغرم؛ فإن غرم فلا قطع، ~~وإن قطع فلا غرم. # وقد اعتبر عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أن الاضطرار من الإكراه الذي ~~يعفي من الحد، وإن كان لا يعفي من التعزير، فلم يقم الحد على غلمان ~~حاطب بن أبي بلتعة؛ لأنهم سرقوا في عام المجاعة. # رابعا: # ما هي اليد التي تقطع؟ هل هي الكف، أو الأصابع، أو اليد اليمنى، أو اليد ~~اليسرى؟ # والاختلاف على هذا المعنى قليل بين الفقهاء. ~~••• # أما الزنا فعقوبته على المحصنة والمحصن مائة جلدة: # الزانية ~~والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا ~~تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله ~~واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من ~~المؤمنين ~~. # 6 # وتثبت جريمة الزنا بشهادة أربعة عدول مجتمعين؛ فإن تخلف واحد منهم بطلت شهادة الآخرين، ~~ولا يقام الحد إلا إذا شهدوا جميعا بوقوع الفعل لا بمجرد الشروع فيه، ولا حد على من ~~لم يبلغ الحلم ولم يدن بالإسلام، ولا حد كذلك مع قيام الشبهة، وعلى القاضي لدفع كل شبهة ~~في الإكراه أن يراجع المقر بالزنا أربع مرات، وأن يستثبت من وقوع فعل الزنا فيسأله: لعلك ~~قبلت؟ لعلك عانقت؟ لعلك لمست؟ حتى يصر على الإقرار بعد تكرار المراجعة والسؤال؛ فإن عدل عن ~~إقراره سقط عنه الحد، وجاز أن يعاقب بالتعزير. ~~••• # وقد نهى الإسلام عن الخمر وجاء في القرآن الكريم جوابا لمن يسألون عنها وعن القمار: # يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما ~~إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ~~، # 7 # وشمل حكم النهي الخمر والميسر والأنصاب والأزلام في سورة المائدة: # يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر ~~والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه ~~لعلكم تفلحون * إنما يريد الشيطان أن يوقع ~~بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ~~ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون ~~. # 8 # والمتفق عليه منذ صدر الإسلام أن عقوبة شرب الخمر ثمانون جلدة، ويقام الحد إذا شهد على ~~الشارب شاهدان عدلان وأخذ ورائحة الخمر تفوح من فمه، وانتفت ms065 كل شبهة في تعاطيها خطأ أو ~~للعلاج. # وفيما أحصيناه هنا أسس العقوبات في الشريعة القرآنية. # ولا يخفى أن الشرائع الدينية تستمد سلطانها من مصدر أكبر من مصدر الأمة أو ولاة الأمر ~~فيها؛ لأنها تستمد من أمر الله. # ولكن مبادئ التشريع التي تقوم على مصلحة الأمة لا تعارض مبادئ الإسلام التي عمل بها ~~المسلمون أو يمكن أن يتفق على العمل بها. # فالإمام هو المسئول عن إقامة الحدود والأخذ فيها بالتشديد أو التخفيف، ولكنه مسئول أمام ~~الجماعة، وإجماع المسلمين مصدر من مصادر التشريع. # والعقوبات القرآنية تكفل للمجتمع حاجته التي تغنيه من العقوبة؛ وهي قيام الوازع ورهبة ~~المحذور. # ولكنها لا تحرم الفرد حقا من حقوقه في الضمان الوثيق والفرصة النافعة، وأول ضمان للفرد ~~فيها شدة التحرج في إثبات التهمة، وتأويل الشبهة لمصلحته في جميع الأحوال، وتمكينه من ~~الصلاح والتوبة إذا كان فيه مستصلح ومتاب. # وإذا خيف أن يؤدي التشدد في حماية الفرد إلى إسقاط العقوبات والاجتراء على المحظورات ~~فالإمام موكل بالنظر في منع تلك المحظورات من طريق الزجر والتعزير، وقد تقدم أن التعزير ~~يتناول الحبس والضرب والغرامة المالية، ويعاقب به فيما دون الحدود. # وقد يرى الإمام أن اجتماع الشهود الذين يثبتون التهمة غير ميسور في بعض الأزمنة؛ إما ~~للخوف والتحرج، أو لشيوع الباطل والزور، أو لاختلاط المسلمين بغير المسلمين، أو لاتخاذ ~~الأماكن التي تدارى فيها المحظورات، أو لغير ذلك من الأسباب؛ فإن رأى ذلك ورأى أن الإعفاء ~~من الحد مضرة ومفسدة فله أن يجمع بين ضمان الأمة وحمايتها، وبين إعطاء الفرد حقه من الضمان ~~والحماية، فيعاقب بما يراه صالحا للأمرين من ضروب التعزير. # وأيا كان القول برعاية الحرية الشخصية في فرض العقوبات فليس في وسع غال من غلاتها أن ~~يقطع بأن مسألة الزنا أو مسألة السكر من المسائل الفردية التي يترك فيها الأمر كله لآحاد ~~الناس؛ ففي الزنا والسكر مساس بقوام الأسر وأخلاق الجماعة، وسلامة الذرية لا مراء فيه، ومتى ~~بلغ من الزاني أن يشهده أربعة شهود عدول، وبلغ من السكير أن يصل ms066 إلى القاضي بين شاهدين ~~عدلين والخمر تفوح من فمه؛ فليست المسألة هنا مسألة فرد يفعل ما يحلو له بينه وبين نفسه، ~~ولكنها مسألة المجتمع كله في كيانه وأخلاقه وأسباب الأمن والطمأنينة فيه، وقد تبدو من هذا ~~حكمة من حكم الشرائط التي اشترط الشرع الإسلامي توافرها لإقامة الحدود العلنية بين ~~الناس. # ننتهي من ذلك كله إلى نتيجتين يقل فيهما الخلاف حتى بين المسلمين وغير المسلمين؛ وهما: أن ~~قواعد العقوبات الإسلامية قامت عليها شئون جماعات البشر آلاف السنين وهي لا تعاني كل ما ~~تعانيه الجماعات المحدثة من الجرائم والآفات، وأن قواعد العقوبات المحدثة لم تكن تصلح ~~للتطبيق قبل ألف سنة، وكانت تنافر مقتضيات العصر ذلك الحين، ولكن القواعد القرآنية بما فيها ~~من الحيطة والضمان ومباحث التصرف الملائم للزمان والمكان، قد صلحت للتطبيق قبل ألف سنة، ~~وتصلح للتطبيق في هذه الأيام، وبعد هذه الأيام. # | الإله # قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوا ~~أحد ~~. # 1 # هو الأول والآخر والظاهر والباطن ~~وهو بكل شيء عليم ~~. # 2 # كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم ~~وإليه ترجعون ~~. # 3 # خالق كل شيء ~~. # 4 # وكان الله على كل شيء قديرا ~~. # 5 # ولله المشرق والمغرب فأينما ~~تولوا فثم وجه الله ~~. # 6 # والله بصير بما تعملون ~~. # 7 # ألا إنه بكل شيء محيط ~~. # 8 # وإذا سألك عبادي عني فإني قريب ~~أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي ~~لعلهم يرشدون ~~. # 9 # والله غفور رحيم ~~. # 10 # ليس كمثله شيء ~~. # 11 # لا تدركه الأبصار وهو يدرك ~~الأبصار وهو اللطيف الخبير ~~. # 12 # في هذه الآيات القرآنية مجمل العقيدة الإلهية في الإسلام. # وهي أكمل عقيدة في العقل. # وهي أكمل عقيدة في الدين. # خالق واحد، لا أول له ولا آخر، قدير على كل شيء، عليم بكل شيء، محيط بكل شيء، وليس كمثله ~~شيء. # وعالم مخلوق، خلقه الله، ويرجع إلى الله، ويفنى كما يوجد، بمشيئة الله. # وإذا عبرنا عن هذه العقيدة بلغة الفلسفة قلنا: إنهما وجودان، وجود الأبد ووجود ~~الزمان. ms067 # ومن الوهم أن يقع في الأخلاد أن الزمان قد يكون جزءا من الأبد، نمده أو نمطه من أوله ~~فإذا هو أزل، ونمده أو نمطه من آخره، فإذا هو سرمد لا ينقضي على الدوام. # فالحقيقة أن الزمان غير الأبد، ننقصه كله فلا ينقص من الأبد شيء، ونزيده كله فلا يزيد على ~~الأبد شيء؛ لأنهما وجودان مختلفان في الكنه والجوهر، مختلفان في التصور والإدراك. # فالأبد وجود لا نتصور فيه الحركة. # والزمان وجود لا نتصوره بغير حركة. # وإذا ثبت أحد الوجودين ثبوتا لا شك فيه فالوجود الأبدي هو الثابت عقلا وهو وحده الذي ~~يقبل التصور بغير إحالة في الذهن والخيال؛ لأننا نذهب لنفرض أولا للوجود فنقع في الإحالة، ~~وكذلك نقع في الإحالة حين نذهب لنفرض له آخرا أو عمقا أو امتدادا على نحو من الأنحاء، ~~ولكننا لا نقع في إحالة ما إذا تصورنا الأبد بغير ابتداء ولا انتهاء ولا كيف ولا قياس على ~~شيء من الأشياء. # وهكذا يؤمن المسلم بوجود الإله. # ولا يسع العقل أن يبلغ من الإيمان به فوق مبلغ الإسلام. ~~••• # وليس بنا أن نطيل القول في قدم العالم وحدوثه، فلا حاجة بنا إلى ذلك فيما نحن فيه، وكل ما ~~قيل عن قدم العالم خلط ليس له طائل، ولا يبطل عقيدة واحدة من عقائد الإسلام. # إن قيل: إن الزمان أبدي فهذا خلط في التفكير وخلط في الكلام. # وإن قيل: إن الزمان هو مقياس القدم فنحن حين نقول: إن الزمان قديم فكأنما نقول: إن الزمان ~~هو الزمان، أو إن الزمان وجد حين وجد، ولم يوجد زمانان مفترقان. # وإن سأل سائل: لم وجد الزمان حين وجد، ولم يوجد في حين قبله؟ فكأنما يفرض زمانا ~~موجودا قبل وجود الزمان. # ويكفي المسلم أن يعلم أن الزمان لم يوجد أبديا، وأن وجود الأبد أكمل من الوجود الموقوت، ~~وهذا هو غاية التنزيه الذي يفرضه الإسلام على معتقديه، وهذا - أيضا - هو غاية ما ينتهي ~~إليه تمييز العقول. # ولا إعضال في فهم الصلة بين الوجودين: الوجود الأبدي، والوجود في الزمان. ms068 # فالوجود الأبدي كامل مطلق الكمال، ولا يكون الكمال المطلق بغير قدرة وإنعام، ولا تكون ~~القدرة والإنعام بغير خلق وإبداع. # ومن العبث أن يقال: إن الخلق إذن اضطرار. # لأننا لا نقول: إن الله جل وعلا مضطر حين نقول: إنه كامل مطلق الكمال، وإنه لا يقبل النقص ~~والعيب، وإن الخلق من كمال جوده وقدرته وإحسانه؛ إذ ليس بالمعقول أننا ننفي الاضطرار عن ~~الله حين نجعله ناقصا في قدرة الخلق والإبداع، بل نحن في هذه الحالة ننفي عنه مقتضيات ~~الكمال. # ويستطرد بنا هذا إلى الكلام على صفات الله تعالى في القرآن الكريم؛ فإن هذه الصفات هي ~~الصفات التي تنبغي لكل كمال مطلق منزه عن الحدود. # والكمال المطلق واحد لا يتجزأ، ولا يكون كمالا مطلقا إلا إذا كان غاية في القدرة والعلم ~~والرحمة والعدل والإحسان والتصريف. # وعلة الزلل كله أن نحصر هذه الصفات وهي لا تقبل الحصر، أو نقيسها على شيء وهي أعلى وأكمل ~~من كل شيء، فأصدق الإيمان - وأصدق التفكير معا قي هذا الصدد - أن الله ليس كمثله شيء، وأنه ~~يدرك الأبصار ولا تدركه الأبصار. # وخير لنا من الخوض في تقسيمات الصفات النفسية أو الصفات الثبوتية أو الصفات السلبية، أن ~~نضرب مثلا واحدا لخطأ العقول في استلزام بعض الصفات وبطلان بعض الصفات، فيما هو محسوس ~~قابل للامتحان والاختبار: علاقة الجوهر البسيط بصفة البقاء، أو صفة التنزه عن ~~الانحلال. # فالأقدمون - أو أكثر الأقدمين - متفقون على أن الكائنات العلوية، كالشموس والأفلاك، خالدة ~~لا تقبل الفناء؛ لأنها من نور، والنور جوهر بسيط، والجوهر البسيط لا يقبل التركيب وهو من ثم ~~لا يقبل الانحلال. # وها نحن قد رأينا في عصرنا هذا أن الأجسام كلها ذرات، وأن الذرات كلها تنفلق أو تنحل ~~فتصير إلى شعاع أو تصير إلى نور. # ومع هذا تألفت من هذا النور عناصر، وتألفت من هذه العناصر أجسام، وتألفت في هذه الأجسام ~~ألوان وأشكال وأطوار وأحوال، هي هذه المادة أو هذه الهيولى التي قيل في المذاهب القديمة: ~~إنها معدن الفساد المنحل، ونقيض الجوهر البسيط. # فإذا ms069 كان هذا حكمنا على بساطة المادة فمن أين لنا أن نحكم على بساطة الجوهر الإلهي حكما ~~نجريه مجرى اللزوم لما ينبغي أن يكون عليه؟ ومن أين لنا أن نقول: إن الوجود الأبدي يفعل هذا ~~ولا يفعل هذا، ويكون من المناقض له أن تنسب إليه هذه الصفة أو يحدث منه الخلق على هذا ~~المثال؟ # غاية الغايات أن نقول: إن الوجود الأبدي أكمل وجود، وإن أكمل وجود يخلق وجودا آخر دونه ~~في الكمال، وإن الوجودين لا ينعزلان. # فإذا كانت كيفية ذلك تعزب عن أذهاننا فقد عزبت عن أذهاننا كيفيات ما نراه ونحده بالأبصار، ~~فلا جرم تعزب عنا الكيفيات فيما يدرك الأبصار ولا تدركه الأبصار. # وهل من الكيفيات المفهومة أن نقول مثلا: إن الوجود الكامل لا يقدر على الإيجاد أو على ~~منح الوجود؟ أو هل من الكيفيات المفهومة أن نقول: إن الوجود كله طبقة واحدة بين ما كان ~~أزليا أبديا وبين ما كان ذا زمان؟ # أو هل من الكيفيات المفهومة أن نقول: إن الوجودين منعزلان لا علاقة بينهما بحال من ~~الأحوال؟ # أو هل من الكيفيات المفهومة أن نقول : إن هذه العلاقة تقف عند حد لا تتعداه كما قال أرسطو ~~حين زعم أن الله حرك العالم ووقفت علاقته به بعد ذلك؟! # كل أولئك غير مفهوم في العقل ولا مفهوم في الإيمان. # ولكننا نفهم ولا نشك - دينا وعقلا - أن الوجود الكامل المطلق يصنع شيئا يقتضيه كماله، ~~وأن الصانع من المصنوع، وأن المصنوع لا ينعزل عن الصانع، وإن أعيانا أن نحصر الصلة بينهما ~~حصر الإحاطة والاستيعاب. # والأديان جميعا تؤمن بهذه العلاقة بين الخالق والمخلوق، ولكنها تفرق بين علاقة الخالق ~~بالمخلوقات، وبين علاقة السبب المادي بالمسببات المادية، أو علاقة الحتم «الآلي» بين ~~المقدمات والنتائج في القياس. # فالأسباب المادية - بالغة ما بلغت من العظمة - لا تنشئ دينا ولا تقر طمأنينة الإيمان في ~~قلب إنسان. # والكون عظيم واسع لا شك في عظمته واتساعه، ولكن الإنسان لا يقنع بعظمته واتساعه ليؤمن به ~~ويطمئن إليه، وإنما يركن إلى الإيمان حين يبحث ms070 عن إرادة حية وراء الكون كله ووراء الأسباب ~~فيه والمسببات. # فعلاقة الدين علاقة حية بين خالق واع ومخلوقات واعية، تدعوه فيستجيب وتصلي إليه وتؤمن ~~بجدوى الصلاة. # والقرآن صريح في إثبات هذه العلاقة بين المعبود والعباد: # وإذا ~~سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان ~~ فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون ~~. # 13 # والقرآن صريح كذلك في حث الناس على الاستعانة بأنفسهم والاعتماد على قوتهم مع اعتمادهم ~~على القوة الإلهية في مقام الدعاء والصلاة، ولا يحرمه مع ذلك رجاءه في معونة القدرة الإلهية ~~حين لا يستطيع، وذلك قصارى ما يعطيه الدين من قوة الصبر وقوة الرجاء. # يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة ~~ إن الله مع الصابرين ~~. # 14 # فهو يلهم الناس أن الله لا يخذلهم إن نصروا أنفسهم، ولا يحرمهم الطاقة التي تفوق الطاقة ~~حين يتجهون إلى الله. # وكل دين لا يكفل لأصحابه هذا الرجاء فهو دين لا معنى له ولا حاجة إليه، وإن وجوده وعدمه ~~سواء. # وليس المراد من ذلك أن الإيمان بالله قائم على الحاجة إليه، وإنما المراد به أن الإيمان ~~بالله قائم على الإيمان بقدرته وكماله وعدله وسلطانه في الوجود واتصاله بهذا الوجود، فإن لم ~~يكن المعبود كذلك فما هو بأهل للإيمان به، على الاستغناء عنه أو على الحاجة إليه. # وأكثر ما يعترض به المعترضون على حكمة الصلاة أنها لا توافق الإيمان بنظام الكون واطراد ~~حركاته وسكناته على سنة واحدة أو قانون واحد مقدور الأعمال والآثار من أزل الآزال. # وهو اعتراض يقبل على فرض واحد، وذاك أن الصلاة عمل خارج من الكون غير داخل فيه، فهي لا ~~تنبعث من نظامه ولا تؤثر في نظامه، ولا يكون لها شأن حقيق بها غير الشذوذ والإهمال. # فأما إذا كانت الصلاة داخلة في حساب الكون - كما هي في الواقع - فشأنها في الآثار ~~والمؤثرات كشأن جميع الأعمال والحركات، فلا يقال لهم: كفوا عن التعرض لقوانين الطبيعة ~~بالاختراع والصناعة؛ لأنها قوانين مقدورة الأعمال والآثار من أزل الآزال. # ولا مانع مطلقا من تأثير العوامل ms071 الروحية في أحداث الكون ولو قصرنا التأثير على النحو ~~الذي نعانيه كل يوم في هذه المحسوسات فضلا عن الغيوب والمعقولات. # قال الإمام الغزالي في تهافت الفلاسفة: «لو لم ير إنسان المغناطيس وجذبه للحديد، وحكي ~~له ذلك، لاستنكره وقال: لا يتصور جذب الحديد إلا بخيط يشد عليه ويجذب به؛ فإنه المشاهد في ~~الجذب، حتى إذا شاهده تعجب منه، وعلم أن علمه قاصر عن عجائب القدرة». # وذلك بعد أن قال عن المؤثرات الروحية: «ذلك يكون بأسباب، ولكن ليس من شرط أن يكون السبب ~~هو هذا المعهود، بل في خزانة المقدورات عجائب وغرائب لم يطلع عليها، ينكرها من يظن أن لا ~~وجود إلا لما شاهده.» # وما يقال عن جذب المغناطيس يقال عن جذب الأجسام ولا سيما جذب الكواكب أو تجاذبها على هذه ~~الأبعاد الشاسعة من السماء؛ فإن انتقال التأثير من الجاذب إلى المجذوب حقيقة لا ريب فيها، ~~ولكنها لا تفسر إلا بالفروض والتخمينات وتقدير الوسائط التي لا يثبتها العيان ولا يقطع بها ~~البرهان. # والعجيب أن أدعياء العلم والعقل يشاهدون هذا وأمثاله ويسمعون تعليله الذي يختلف فرضا بعد ~~فرض، وتخمينا بعد تخمين، فيسكتون ويسلمون أنه معقول ومفهوم، ولكنهم يستكثرون تأثير الروح ~~في الأرواح، وتأثير العقل في العقول؛ لأنهم يريدون أن يلمسوا بأيديهم كيف تؤثر وكيف تتأثر، ~~ولا يقبلون هنا ما يقبلونه في عالم الحس والعيان. # كذلك لا مانع مطلقا من تفاوت الأرواح والعقول في قدرة التأثير بالصلاة وبالدعاء ~~والإيحاء. # لأن الوجود كما أسلفنا طبقات وليس بطبقة واحدة، منها ما هو أقرب إلى الخصائص الإلهية ~~ومنها ما هو أقرب إلى الخصائص الطبيعية، وليست كلها في التأثير سواء. # فالوجود الكامل يوجد غيره، وهو جميع هذه الكائنات. # ولكن هذه الكائنات درجات: فما يعي منها وجوده ويشعر بأنه موجود، أرفع من الكائن الذي لا ~~يعي وجوده ولا يشعر بأنه موجود. # والكائن الواعي الذي يشعر بموجده أو يشعر بالوجود المطلق الكمال أرفع من الكائن الواعي ~~الذي لا يعي غير ذاته أو ما حوى من المحسوسات. # فإذا كانت قدرة الإيجاد ms072 تختلف باختلاف طبقات الوجود فأقرب الكائنات إلى الله هو الكائن ~~الذي يعي ذاته ويعي موجده، ويستمد منه قبسا من القدرة الإلهية يقصر عنه من دونه من هذه ~~الكائنات. # ووعي الموجود لموجده كذلك درجات؛ فمن كان أكمل وعيا كان أكمل اقتباسا من قدرة الله، ~~وأقرب لياذا به وبحكمته وتدبيره وعمله، ولا يعقل أن تخلو الكائنات الروحية من هذه الفوارق، ~~ولا يعقل أن تكون بينها هذه الفوارق عبثا كأن وجودها وعدمها سواء، ولا يعقل أن يكون منها ~~ما هو أقرب إلى الله ولا يقدر على شيء يختص به في أحداث هذا الكون على نحو يناسب القرب من ~~قدرة الله، وهو تأثير العقل أو تأثير الروح. # فجدوى الصلاة لا تنفي نظام الكون؛ لأن المصلحين جزء من الكون وجزء من نظامه، بل بطلان ~~جدوى الصلاة ينفي وجود الإله الذي يخلق النظام خلقا ولا يقوم بين منظماته مقام الآلة التي ~~لا فرق فيها بين أن تدار وأن تدير. ~~••• # أما فلسفة القرآن في إثبات وجود الله فهي جماع الفلسفات التي تمخضت عنها أقوال الحكماء في ~~هذا الباب. # وأشهر الحجج التي اعتمدت عليها الفلسفة الإلهية ثلاث؛ وهي: برهان الخلق المعروف عند ~~الأوروبيين بالبرهان الكوني: # Cosmological Argument # وبرهان ~~النظام المعروف عندهم ببرهان الغاية أو القصد # Teleological ~~Argument ~~. # وبرهان الاستعلاء والاستكمال المعروف عندهم ببرهان القديس أنسلم أو # Onthological Argument ~~. # وفحوى برهان الخلق أو البرهان الكوني أن المتحركات لا بد لها من محرك لا تجوز عليه ~~الحركة، وأن الممكنات لا بد لها من موجد واجب الوجود، وإلا لزم التسلسل إلى غير انتهاء، ~~وهذا الموجد الواجب الوجود هو الله. # وفحوى برهان القصد أن نظام العالم يدل على إرادة محيطة بما فيه من الأسباب ~~والغايات. # وفحوى برهان المثل الأعلى أن العقل إذا تصور شيئا عظيما تصور ما هو أعظم منه، وإلا تطلب ~~موجبا للوقوف عند حد من العظمة لا تتعداه، وكلما عظم شيء فهناك ما هو أعظم منه وأعظم حتى ~~تنتهي بالتصور إلى العظمة التي لا مزيد عليها، والعظمة التي لا مزيد ms073 عليها لا تكون مجرد ~~تصور يقع في الوهم ولا يوجد في الواقع؛ لأن العظمة الموجودة فوق العظمة الموهومة أو ~~المتصورة، فالله إذن موجود؛ لأنه أعظم الموجودات. # والقرآن الكريم يكرر هذه البراهين في غير موضع، ويقيم الحجة بوجود المخلوقات على وجود ~~الخالق، وبنظام الكون على وجود المدبر المريد، وبإثبات المثل الأعلى لله فوق كل مثل معروف ~~أو معقول. # الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل ~~الظلمات والنور ~~. # 15 # فخلق فسوى ~~. # 16 # ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز ~~الرحيم * الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق ~~الإنسان من طين * ثم جعل نسله من سلالة من ~~ماء مهين * ثم سواه ونفخ فيه من روحه ~~وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما ~~تشكرون ~~. # 17 # أمن خلق السماوات والأرض وأنزل ~~لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان ~~لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله ~~. # 18 # ومن آياته خلق السماوات والأرض ~~واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات ~~للعالمين ~~. # 19 # وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج ~~. # 20 # فاطر السماوات والأرض جعل لكم من ~~أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه ليس ~~كمثله شيء وهو السميع البصير ~~. # 21 # وقد تكرر في القرآن الكريم برهان خلق الزوجين تكرارا متجدد الأساليب والمعارض دليلا على ~~القصد والتدبير في سنن هذا الوجود، وهو لا ريب أقوى البراهين على القصد وابتداع الوسيلة ~~إليه؛ لأن ظهور الحياة في وسط المادة عجيب، وأعجب منه أن تتهيأ الأسباب في جسدين مختلفين ~~لدوامها وانتقال خصائصها وصيانة ولائدها بين عناصر الطبيعة وآفاتها، وقد عرض الآن من أسرار ~~التوليد ما لم يكن معروفا بين الناس عند نزول القرآن الكريم، فإذا هو أعجب وأعجب من ظهور ~~الحياة ومن اختلاف وظائف الجنسين: عرف الآن أن الناسلات التي يتولد منها الجنس البشري كله ~~يمكن أن تجمع في قمع من أقماع الخياطة أقل من نصف فنجال، ويتسع هذا الحيز الصغير - كما قلنا ~~في كتابنا «الله» - «لكل ما في النفوس من الأحاسيس والحوافز والأسرار، ولكل ما في العقول من ~~الأفكار ms074 والفلسفات والمبتكرات ولكل ما في الضمائر من العقائد والأخلاق والأشواق، ولكل ما في ~~الأجسام من الوظائف والمحاسن والأشباه، ولكل ما بين هؤلاء من الأواصر والوشائج ~~والعلاقات». # وخليق بهذا أن يبين لنا - كما قلنا هناك - «أن الحياة قوة من عالم العقل لا من عالم ~~المكان والزمان؛ لأن الحيز الذي يحتوي الناسلة هو الحيز الذي يحتوي على كل ذرة في حجمها من ~~الذرات المادية، ولكنه يتسع لآفاق من القوى لا أثر لها في ذرات الأجساد». ~~••• # وتوكيد القرآن الكريم لوحدانية الله كتوكيده لوجود الله، بل هو أشد وألزم في عقيدة ~~الإسلام؛ لأن الإيمان بالإله الأحد ألزم من الإيمان بالعقيدة الإلهية على إطلاقها؛ إذ كان ~~الإيمان بأكثر من إله واحد مفسدا لفهم الكون ومفسدا لفهم الضمير، ومفسدا لفهم الواجبات ~~الأدبية والفرائض الدينية، ومفسدا لعلم الإنسان بحقيقة الإنسان. # وحجج القرآن على الوحدانية قاطعة، وإن قال بعض المتكلمين: إنها جرت مجرى الأدلة الخطابية ~~لتوجيه القول فيها إلى الخاصة والعامة، وإلى العلماء والجهلاء. # لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ~~. # 22 # قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا ~~لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا ~~. # 23 # والذين قالوا بغلبة الدليل الخطابي على الدليل القاطع في هذه الحجة زعموا أن الاختلاف بين ~~الإلهين الاثنين أو بين الآلهة الكثيرة غير لازم عقلا لجواز الاتفاق. # وهو زعم مردود ظاهر البطلان؛ لأن الكمال المطلق لا يكون كمالين، ولأن الأبد لا يكون ~~أبدين، ولأن الوجودين اللذين يتفقان في البداية والنهاية وفي تقدير كل شيء وتصريف كل عمل، ~~ولا يختلفان في وصف من الأوصاف ولا في لازمة من لوازم هذه الأوصاف، هما وجود واحد لا ~~وجودان، وليس بينهما من فاصل الذات عن الذات ما يجعلهما ذاتين اثنتين. # أما الآلهة المتعددة فهي إن أطاعت الله ولم تخرج عن قضائه وقدره فحكمها حكم المخلوقات، ~~وإن كانت لا تطيعه فهي تنازعه وتبتغي # إلى ذي العرش ~~سبيلا # فلا يستقيم على ذلك أمر الوجود. ~~••• # ومتى ثاب المسلم إلى هذه الحكمة القرآنية في أمر الإله فقد تزود من كتاب دينه ms075 بعقيدة تصحح ~~أخطاء الديانات كما تصحح أخطاء الفلاسفة؛ إذ كانت الديانات قائمة على الإيمان، ولا أحق ~~بالإيمان من إله أحد صمد سميع مجيب ليس كمثله شيء وهو محيط بكل شيء، وإذ كانت الفلسفة قائمة ~~على القياس، ولا يصح القياس ما لم يثبت في مقياسه كل فارق بين وجود الأبد ووجود ~~الزمان. # | مسألة الروح # ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي ~~وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ~~. # 1 # مسألة الروح أعضل مسائل العلم والفلسفة ومذاهب التفكير على التعميم منذ فكر الإنسان في ~~حقائق الأشياء، بين أصحاب النحل والآراء في جميع العصور. # وسواء فهمنا من الروح أنها جوهر مجرد تقوم به حياة الأجساد، أو فهمنا كما يفهم الماديون ~~أنها ظاهرة الحياة في تركيبة من تراكيب المادة - فلا يزال العلم بحقيقتها قليلا أو أقل من ~~القليل. # لأن الماديين الذين يعتبرونها قوة من قوة المادة لم يخرجوا بها عن تسجيل الحس كما يرونه، ~~ولم يستطيعوا قط تعليل الفارق بين الخلية المادية والخلية الحية بعلة من العلل المادية ~~نفسها فضلا عن العلل التي تتجاوز المادة إلى ما وراءها، ولم ينكروا أن الفارق عظيم وأنه ~~أبعد فارق بين شيئين من هذه الأشياء التي تقع في الكون المحسوس أو الكون المعقول. # فمن معجزات القرآن أنه وضعها هذا الموضع الصحيح من الفلسفة والعلم، وجعلها أعضل المعضلات ~~التي يتساءل عنها الناس بغير استثناء. # ويزيد في تقدير هذه المعجزة أن القرآن لم يستكثر على الفكر الإنساني أن يخوض في المسألة ~~الإلهية، وأن يصل إلى الإيمان بالله من طريق البحث والاستدلال والنظر في آيات الخلق وعجائب ~~الطبيعة. # فالعقل يهتدي إلى وجود الله من النظر في وجود الأشياء ووجود الأحياء. # ولكنه لا يهتدي إلى حقيقة الروح من هذا الطريق، ولا يذهب فيها مذهبا أبعد ولا أعمق من ~~الإحالة إلى مصدر الموجودات جميعا؛ وهي إرادة الله، أو أمر الله. # وقد عجب بعض المفسرين لذلك وراحوا يتساءلون: أتكون مسألة الروح أكبر من المسألة الإلهية ~~وهي غاية الغايات في سبح العقول؟! # ولكنهم في الواقع ms076 يرجعون بالعجب إلى غير مرجعه الأصيل؛ لأن المعضلة الفكرية لا تبلغ مبلغ ~~الإعضال بمقدار عظمتها واتساعها، بل بمقدار دقتها وخفائها ... وقد تكون عوارض الشمس أوضح في ~~رأي العلماء من عوارض الذرة الخفية، وبينهما من التفاوت في القدر ذلك الأمد البعيد. # وقد أجمل الإمام الرازي أسباب هذا الإعضال في مسألة الروح فقال: «... إنهم سألوا عن الروح ~~وإنه صلوات الله عليه وسلامه أجاب عنه على أحسن الوجوه، وبيانه أن المذكور في الآية أنهم ~~سألوه عن الروح والسؤال يقع على وجوه»: # أحدها: # أن يقال: ما ماهيته؟ هل هو متحيز، أو حال في المتحيز، أو موجود غير متحيز ~~ولا حال فيه؟ # وثانيها: # أن يقال: أهو قديم، أو حادث؟ # وثالثها: # أن يقال: هل هو يبقى بعد فناء الأجسام، أو يفنى؟ # ورابعها: # أن يقال: ما حقيقة سعادة الأرواح وشقاوتها؟ ~~«وبالجملة»: فالمباحث المتعلقة بالروح كثيرة، وليست في الآية دلالة على أنهم عن أي هذه ~~المسائل سألوا، إلا أنه تعالى ذكر في الجواب: # قل الروح من ~~أمر ربي ~~، وهذا الجواب لا يليق إلا بمسألتين: # إحداهما: # السؤال عن الماهية؛ أهو عبارة عن أجسام موجودة في داخل البدن متولدة عن ~~امتزاج الطبائع والأخلاط؟ أو عبارة عن نفس هذا المزاج والتركيب، أو عن عرض ~~آخر قائم بهذه الأجسام، أو عن موجود يغاير هذه الأشياء؟ فأجاب الله تعالى ~~بأنه موجود مغاير لهذه الأشياء، بل هو جوهر بسيط مجرد لا يحدث إلا بمحدث؛ ~~قوله: كن، فيكون، فهو موجود يحدث من أمر الله وتكوينه وتأثيره في إفادة ~~الحياة للجسد، ولا يلزم من عدم العلم بحقيقته المخصوصة نفيه مطلقا؛ وهو ~~المقصود من قوله: # وما أوتيتم من العلم ~~إلا قليلا ~~. # وثانيتهما: # السؤال عن قدمها وحدوثها؛ فإن لفظ الأمر قد جاء بمعنى الفعل كقوله تعالى: # وما أمر فرعون برشيد ~~، ~~فقوله: # من أمر ربي ~~، معناه: من فعل ~~ربي، فهذا الجواب يدل على أنهم سألوه عن قدمه وحدوثه فقال: بل هو حادث، ~~وإنما حصل بفعل الله وتكوينه، ثم احتج على حدوثه بقوله: # وما أوتيتم من العلم إلا ~~قليلا ~~، يعني ms077 أن الأرواح في مبدأ الفطرة خالية من العلوم كلها، ~~ثم تحصل فيها المعارف والعلوم، فهي لا تزال متغيرة من حال إلى حال، والتغير ~~من أمارات الحدوث. # وتلخيص الإمام الرازي للمعضلة شامل لجوانبها المتعددة: كما بدت للمفكرين من الفلاسفة ~~الأقدمين، وبخاصة علماء الكلام. # ولا نظن أن المحدثين جاءوا بفرض من الفروض في تفسير الروح لم يسبقهم إليه الأقدمون، مع ~~ملاحظة الفارق في بحوث علم الحياة ووظائف الأعضاء بين علماء اليوم وعلماء الزمن ~~القديم. # فمن المفكرين الأقدمين من قال: إن الروح أجسام لطيفة سارية في البدن سريان ماء الورد في ~~الورد، باقية من أول العمر إلى آخره لا يتطرق إليه تخلل ولا تبدل، حتى إذا قطع عضو من البدن ~~انقبض ما فيه من تلك الأجزاء إلى سائر الأعضاء. # ومنهم من قال: إنه جزء لا يتجزأ في القلب، أو قال: إنه جسم هوائي في القلب، أو قال: إنه ~~جسم هوائي في الدماغ، أو قال: إنه قوة في الدماغ وهو مبدأ الحس والحركة، أو قال: إنه أجزاء ~~نارية وهي المسماة بالحرارة الغريزية، أو قال: إنه الدم المعتدل تقوى الحياة باعتداله وتفنى ~~بفنائه، أو قال: إنه جسم بخاري يتكون من لطافة الأخلاط وبخاريتها كتكون الأخلاط من كثافتها، ~~وهو الحامل للقوى الثلاث؛ وهي: قوة الروح الحيواني، وقوة الروح النفساني، وقوة الروح ~~الطبيعي، ومنهم من قال بأن الروح جوهر مجرد يتفاوت في التجرد والصفاء: فهو في العارفين ~~الخالصين أصفى منه في غيرهم من ذوي الأرواح. # ومنهم من قال غير ذلك ولم يخرج عن فحوى فرض من تلك الفروض كما أحصاها صاحب كشاف إصطلاحات ~~الفنون في مادة الروح. ~~••• # أما المفكرون المحدثون فهم في الجملة بين قولين: قول بنشوء الحياة من جوهر مجرد، وقول ~~بنشوئها من استعداد في المادة يظهر مع التطور والتركيب. # وليس بين القائلين بالجوهر المجرد من الأقدمين والمحدثين اختلاف كبير في غير أسلوب ~~التعبير. # فالمحدثون يقولون: إن الجسم لا ينشئ الحياة، ولا طاقة للمادة بتوليد القوة الحيوية، ~~ولكنها إذا بلغت مبلغا معلوما من الاستعداد صلحت لحلول ms078 الروح فيها وتهيأت لخدمتها، مثلها ~~في ذلك مثل الجهاز الذي يصلح بالتركيب لقبول الكهرباء؛ فإن أجزاءه المتفرقة لا تتحرك ولا ~~تقبل العمل الكهربائي إذا بقيت على تفرقها، أو اجتمعت على نحو غير النحو الصالح لاستقبال ~~التيار وتلبية حركاته، وكذلك الأعضاء الجسدية لا تخلق الحياة ولكنها تصلح لاستقبالها وتلبية ~~حركاتها متى تم تركيبها على النحو المعروف. # والأقدمون يقولون بمثل ذلك، ولكنهم يعبرون عنه بأسلوبهم المنطقي الذي يستخدمونه للتمييز ~~بين الصور والأجسام؛ فالروح عندهم «كمال أول لجسم طبيعي آلي». # والكمال عندهم هو الذي تتحقق به ماهية الشيء؛ وهو قسمان: قسم يصدر منه الفعل؛ وهو الكمال ~~الأول، وقسم الفعل نفسه وهو الكمال الثاني. # والإنسان جسم آلي لا تتحقق له الإنسانية إلا بحلول الروح فيه، فلا تتحقق له الإنسانية ~~بمجرد وجود الأعضاء فيه بل باستقبال هذه الأعضاء لمصدر فعلها وحركتها، وهو الروح، فالروح ~~إذن هي الكمال الأول لتركيب جسم الإنسان. # ودليل الأقدمين على أن الروح جوهر مجرد يلخصه الشهرستاني في كتاب «نهاية الإقدام في علم ~~الكلام»؛ إذ يقول: «إن العلم المجرد الكلي لا يجوز أن يحل في جسم، وكل ما لا يجوز أن يحل في ~~جسم، فإذا حل ففي غير جسم، فالعلم المجرد الكلي إذا حل حل في غير جسم» ويؤيد ذلك أنه غير ~~قابل للانقسام. # ويوشك الأقدمون والمحدثون أن يتلاقوا في توضيح المشكلة التي تنجم عن القول بتجرد الروح ثم ~~القول بتأثيرها في الأجسام. # فالأقدمون يجعلون الجواهر المجردة درجات في التلبس بالمادة وقابلية الاشتراك معها في ~~عملها، فلا يؤثر الجوهر المجرد في المادة مباشرة بل يؤثر فيها بواسطة جوهر يقاربه من جهة، ~~ويقارب المادة من جهة أخرى. # والمحدثون يقيمون هذه القنطرة بين العالمين - عالم الروح وعالم المادة - بفروض كثيرة؛ ~~منها: أن الغدة الصنوبرية في الدماغ هي ملتقى الروح بالجسد، ومنها: أن يرتفعوا بالمادة ~~الجسدية إلى غايتها من الصفاء؛ لكي تتقبل الأثر من عالم الروح، ومنها: أن يزيلوا العجب من ~~تأثير الأرواح في الأجسام بقولهم: إن تأثير الروح في الجسد ليس بأعجب من هذه ms079 المؤثرات التي ~~نراها تقع من الأجسام، فلا داعي للجزم بامتناع أثر الجوهر المجرد في صور المادة على ~~اختلافها بين الجوامد والأحياء. # وكل فرض من هذه الفروض لا يزعم صاحبه أنه قال في معضلة الروح قولا يغنيه عن التمثل في ~~هذه المعضلة بالآية القرآنية الكريمة: # قل الروح من أمر ~~ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ~~. ~~••• # والماديون الذين يقولون بنشأة الحياة من المادة لا ينيبون - بطبيعة الحال - إلى علم الله ~~في معضلة من المعضلات، ولكنهم ينيبون على الرغم منهم إلى رأي في تعليل الحياة هو أعجز وأبلغ ~~في التسليم من إنابة المؤمنين؛ لأن قصارى ما ذهبوا إليه أن الحياة حصلت؛ لأنها حصلت، أو ~~لأنها قابلة للحصول! # فهم يعترفون بالفارق البعيد بين الذرة المادية والخلية الحية، ولكنهم يقولون: إن الخلية ~~الحية قد تترقى بالتطور والتركيب المتلاحق إلى اكتساب خصائص الحياة. # ويمثلون لذلك بالعناصر التي تتركب فتظهر فيها بعد التركيب خصائص لم تكن لعنصر من عناصرها ~~على انفراد. # وهكذا يترقى التركيب بالمادة إلى مرتبة النبات فالحيوان فالإنسان العاقل، فما فوق الإنسان ~~مع تطاول الزمان. # ولكنهم لا يذكرون دليلا واحدا على حدوث الحياة من مثل هذا التركيب ... ولا يذكرون سببا ~~ماديا معقولا لالتزام المادة سلم الارتقاء طبقة فوق طبقة منذ الأزل الذي لا يعرف له ~~ابتداء، ولا يذكرون سببا ماديا واحدا يوجب أن تنفرد بعض الذرات المادية بهذا التطور دون ~~بعضها وهي سواء في الكنه والحركة وقوانين الوجود، ولا يشعرون بقصور هذا الفرض عن تفسير ~~الخصائص التي تتوزع بين ألوف الخلايا التي تتولد منها الأنواع الحية، وفي كل خلية منها قدرة ~~على التجدد والتعويض ونقل طبائع النوع كله، وهي في دقتها أخفى من أن تتراءى الألوف منها ~~للعين بغير منظار. # فإن الناسلات التي تنشئ النوع الإنساني كله يمكن أن تجمع في قمع صغير من أقماع الخياطة، ~~وفي هذا القمع الصغير تكمن جميع الخصائص التي يختلف بها ملايين البشر في الأفكار والعادات ~~والأعضاء والألوان، وتكمن جميع الموروثات التي تلقاها سكان الكرة الأرضية عن آبائهم ~~وأجدادهم ms080 منذ مئات الألوف من السنين، وجميع الموروثات التي يخلفونها لأعقابهم إلى مئات ألوف ~~أخرى بغير انتهاء. # فإذا كانت الحياة معاني تقوم على الوعي الذي لا يوجد في المادة ويكفيها مثل هذا الحيز من ~~الامتداد وهو أقرب إلى المعقولات منه إلى المحسوسات، فماذا أبطل الماديون من القول بقوة ~~الروح المعنوية؟ أو ماذا أبطلوا من القول بتوسط هذه المعاني بين الوجود المجرد والوجود ~~المحسوس؟ # إذا كانت الحياة لا توجد في كل مادة، وكانت المادة الخاصة التي توجد فيها تتلقاها معاني ~~لا يحصرها الحس، وتأخذ منها كل هذه الأجسام التي تملأ فضاء الكرة الأرضية، فهل هذا هو تفسير ~~السر المغلق، أو هذا هو السر المغلق الذي يدق عن العقول؟ # وأي أجسام بل أي آكام من الأجسام؟ أهي أجسام وكفى تتساوى في جميع الأشكال ~~والأحجام؟ # كلا، بل هي أجسام تختلف كل ذرة منها عن كل ذرة، ولا تنوب واحدة منها عن الأخرى أو تختلط ~~شخصية منها بشخصية سواها، فأين يبتدئ التلغز والتخمين إذا كان هذا نهاية التفسير ~~والتبيين؟ ~~••• # وإذا كان الماديون قد بلغوا بتجريد قوة الحياة أقصى ما يستطيعه المادي من صفات التجريد، ~~فإن القول بالتجريد المطلق لا يقطع الكلام في مسألة الروح ولا يتركه بغير بقية طويلة تستتبع ~~الأسئلة الكثيرة بغير جواب. # فهل الجوهر المجرد البسيط يقبل الفناء؟ وهل كان معدوما قبل أن يوجد؟ # إن فريقا من الفلاسفة يقول: إن الجوهر البسيط لا يتغير ولا يفنى؛ لأن الانحلال إنما يأتي ~~من جهة التركيب وليس في الجوهر البسيط مركب، وما ليس بقابل للفناء غير قابل للإيجاد بعد ~~عدم، وليس له ابتداء ولا انتهاء. # وبعض المتدينين يقول بقدم العالم كله؛ لأنه لا يخلق في زمان، والجواهر البسيطة من باب ~~أولى قديمة على هذا الاعتبار، وقد يستشهد هؤلاء على قدم الروح بأنها من روح الله # ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم * الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان ~~من طين * ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ~~* ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل ms081 لكم ~~السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون ~~. # 2 # فالروح من روح الله، وهو أزلي وأبدي بلا أول ولا آخر ولا زمان ولا مكان، ومنهم من يقول ~~بحدوث الروح، ويعني بذلك أنها غير قديمة، وينكر قدم العالم على الإجمال. # وهنا يرد على الخاطر سؤال عن تساوي الأرواح في القدم أو تساويها في الحدوث. # فهل وجدت أرواح الآباء والأبناء والأحفاد في وقت واحد؟ أو وجدت على تفاوت في الترتيب؟ وهل ~~تنقطع صلة الأبوة بين الأرواح؟ أو هناك أرواح توصف بالأبوة وأرواح توصف بالبنوة على النحو ~~الذي نشهده في الحياة؟ وما الفارق بين أرواح الآباء والأمهات وأرواح الذكور والإناث؟ # ويرد على الخاطر سؤال آخر عن علاقة الروح بالجسد بعد دخوله والامتزاج بأعضائه: هل تأتي ~~بالمعرفة معها من عالم الأرواح، أو هي تتلقى المعرفة من ملامسة الأعضاء وحس الحواس التي ~~تتألف من البصر والسمع واللمس والشم والذوق وما إليها؟ وهل تحمل معرفتها معها بعد فراق ~~الجسد أو تتركها وراءها بعد انقطاع الصلة بينها وبين الإحساس بالحواس؟ # ويرد على الخاطر سؤال غير هذين السؤالين في مسألة الثواب والعقاب؛ فهل تخلص الروح من ~~الجسد كما دخلته مبرأة من الذنوب؟ وهل يلصق شيء من الجسد بشيء من الروح؟ وإذا كانت قبل ~~نزولها فيه وخروجها منه خالصة من تلك الذنوب؛ فكيف يكون العقاب؟ أو كيف تعاقب الأجساد بمعزل ~~عن الأرواح؟ أو كيف تعاقب الأرواح بمعزل عن الأجساد؟ # والذين قالوا بدخول الروح في الأجساد أكثر من مرة يسألون: لماذا ينسى الروح حياته الأولى ~~في الجسد القديم بعد دخوله في الجسد الجديد؟ وهل يعود إلى التذكر بعد التجرد من الحياة ~~الجسدية؟ أو هو في كل مرة يرجع إلى ما كان عليه قبل الحياة الجسدية كأنه لم يتلبس قط ~~بالأجساد! وماذا تفيد الروح من تكرر الحياة إذا كانت تبقى بعد موت كل جسد كما كانت قبل ~~حياتها فيه؟ # ولا يقل عن هذه الأسئلة في الإعضال سؤال السائلين: هل الروح والنفس والعقل شيء واحد، أو ~~هي أشياء مختلفات؟ وهل هي فردية، أو ms082 عامة في جميع الأحياء العاقلة؟ # فمنهم من يقول: إن العقل والروح والجسد كلها هي قوام العنصر المجرد في الإنسان، وإن ما ~~عداها عنصر جسدي قابل للانحلال. # ومنهم من يقول: إن العقل وحده هو العنصر المجرد، وإن النفس درجات والروح في أعلى هذه ~~الدرجات، ثم تنحدر درجات النفس فتلتقي بالجسد في الحياة الحيوانية، ولا يختلف شأنها في هذه ~~الحالة عن شأن الدم الذي تنبعث منه حركة الأعضاء، أو شأن الأبخرة اللطيفة التي تتخلل تلك ~~الأعضاء. # والقائلون بذلك يقولون: إن العقل عام في جميع العقلاء، وإنه غير متوقف على الأفراد؛ لأن ~~أحكامه واحدة في جميع العقول، وقضاياه ثابتة في جميع الأحوال. # وذلك على خلاف النفس التي تختلف بأذواقها ومشتهياتها بين فرد وفرد، وبين حال وحال. # فالعقل إذن هو الخالد الباقي الذي لا يفنى بفناء أجساد الأحياء، أما النفس فشأنها شأن ~~الجسد في التميز والتحيز وقبول الفناء. ~~••• # ومن الماديين من يأتي وسطا بين المجردين والمجسدين؛ فعندهم أن وجود الروح لاحق لوجود ~~الجسد، وأن الجسد إذا ترقى في التركيب نشأت من تركيبه وحدة معنوية أو شخصية مستقلة صالحة ~~للبقاء بمعزل عنه، وكانت وجودا جديدا لا ينعدم؛ لأن الموجود لا يقبل العدم، ولا فرق في ~~ذلك بين وجود الكيفية ووجود الكم أو المقدار. # وأقرب ما يمثلون به لذلك وجود القصيدة في قريحة الشاعر، أو وجود اللحن الموسيقي في قريحة ~~الموسيقار، أو وجود الفكرة في قريحة الفيلسوف. # فهذه الوحدات المعنوية من عمل الشاعر والموسيقار والفيلسوف، ولكنها استقلت بوجود قابل ~~للبقاء بعد زوال من خلقوها وانفردوا بخلقها بين أصحاب القرائح التي لا تحصى. # وتمثيلهم هذا تمثيل تقريب وليس بتمثيل تحقيق؛ لأنهم يقصدون أن «الشخصية الروحية» التي ~~يتمخض عنها تركيب الجسد أو تركيب الدماغ خاصة هي كيان قائم بذاته وليس بالكيان الذي يتوقف ~~على غيره كقصيدة الشاعر ولحن الموسيقار وفكرة الفيلسوف، وكل منها لا يقوم إلا بسامع أو ~~معين. ~~••• # وإذا أردنا أن نشمل بالكلام في الروح أحاديث القائلين بتحضير الأرواح؛ فالأسئلة هنا ~~تتوارد من أصحاب الدين كما تتوارد ms083 من أصحاب العلم وأصحاب الفلسفة. # فلك أن تسأل: هل السيطرة على الأرواح مسألة قدسية إلهية؟ أو هي مسألة آلية صناعية؟ # إن كانت قدسية إلهية فما هذه الآلات والأشعة والمصورات والمحركات؟ وما هذا الارتباط بين ~~تحضير الأرواح الحديث والمخترعات الحديثة؟ وما هذه السيطرة على الأرواح بسلطان تلك الآلات ~~والمخترعات في أيدي قوم لم تعرف عنهم قداسة ضمير أو رياضة نسك وصلاح؟ # وإن كانت صناعية فأي تغليب للمادة على الروح أقوى من هذا التغليب الذي ينوط كشف الأرواح ~~بتقدم الصناعات والمخترعات؟ ويجعل عالم الروح كعالم المادة تابعا لآلة تدار أو مخترع جديد ~~لم يكن معروفا قبل القرن العشرين؟ وكيف نفسر أن عالم الروح كله لم يستطع بجهوده وبواعثه أن ~~ينفذ إلى عالم المادة، وأن عالم المادة استطاع ببعض الأجهزة أن ينفذ إلى عالم الروح؟ وهل ~~سعت الأرواح إلينا فعجزت في مسعاها؟ أو هي لم تسع قط ونحن الذين أرغمناها على الظهور لنا ~~والتحدث إلينا؟ وما معنى قدرتنا وعجزها في هذه الجهود التي لا قوة لنا فيها لغير أدوات ~~التحضير؟ ~~••• # وإلى هنا خصصنا الروح بالمعنى الذي يقصد به قوام الحياة - أو قوام الحياة والعقل ~~- في الشخصية الإنسانية. # ولكن الروح عممت في القرآن لغير هذا المعنى، فسمي جبريل بالروح الأمين، ونسبت إلى الله ~~روح بمعنى الرحمة تارة وبمعنى القوة أو الحياة تارة، وبمعنى العلم القدسي في غير هذه ~~المواضع: # رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من ~~أمره على من يشاء من عباده ~~، # 3 # وكذلك أوحينا إليك روحا من ~~أمرنا ~~. # 4 # وبهذه المعاني كلها ترتفع الروح من الوجود المادي إلى الوجود المنزه عن المادة وخصائصها، ~~وقد تلحق بالوجود الإلهي الذي لا شبيه له في الموجودات. # ولكن الاصطلاح الذي لا يتعرض أصحابه للحصر والتحقيق يطلق الروح أحيانا على معنى الحياة ~~في كل ذي حياة فيقولون: «كل ذي روح» ويقصدون به عالم الحيوان، ويجمعون بين الروح والنفس في ~~معنى واحد، ثم ينحلون النبات نفسا ويفرقون بينها وبين نفس الحيوان ونفس الإنسان ببعض ~~الخصائص التي تجعل معنى الكائنات ms084 «النفسية» أحيانا بمعنى الكائنات العضوية في اصطلاح العلم ~~الحديث. # والذين يطلقون الاصطلاح هذا الإطلاق فيهم المؤمنون بالدين، وفيهم من تقدم الأديان ~~الكتابية، وفيهم من ظهر بعدها وأنكرها كما ينكرها الدهريون الذين قالوا: إنها حياتنا الدنيا ~~نموت فيها ونحيا! # فصاحب الهدية السعيدية المولوي محمد فضل الماتريدي يلخص معاني النفس فيقول: «إن المركب ~~الذي له مزاج وليس من المعدنيات يكون ذا نفس أرضية، والنفس الأرضية إما نفس نباتية أو نفس ~~حيوانية أو نفس ناطقة ... وعرفوا النفس النباتية بأنها كمال أول لجسم طبيعي آلي من حيث يتغذى ~~وينمو.» # ثم يقول عن النفس الإنسانية: «إن النفس جوهر مجرد واحد ولها وجه إلى البدن، ويجب أن يكون ~~هذا الوجه غير قابل لأثر من جنس مقتضى طبيعة البدن، ووجه إلى المبادئ العالية، ويجب أن يكون ~~دائم القبول عما هناك والتأثير منه - فمن الجهة السفلية يتولد الأخلاق؛ لأنها تؤثر في البدن ~~الموضوع لتصرفها مكملة إياه تأثيرا اختياريا وتسمى قوة عملية وعقلا عمليا، ومن ~~الجهة الفوقانية يتولد العلوم؛ لأنها تتأثر عما فوقها مستكملة في جوهرها بحسب استعدادها ~~وتسمى قوة نظرية وعقلا نظريا، فالقوة النظرية من شأنها أن تنطبع بالصورة الكلية المجردة ~~من المادة، فإن كانت مجردة فلا يحتاج في أخذها إلى تجريدها، وإن لم تكن فتصير النفس مجردة ~~بتجريدها حتى لا يبقى فيها من علائق المادة ...» # فإذا أغضينا عن فوارق الأسلوب ففي هذا الكلام مواطن اتفاق كثيرة بين الأقدمين والمحدثين، ~~وبين الفلاسفة والعلماء، وبين أصحاب الدين وغيرهم من المفكرين. # فجميع هؤلاء متفقون على التفرقة بين الجسد العضوي، والجسد الذي لا تعضي فيه. # وجميع هؤلاء متفقون على إلحاق النبات بعالم الحياة في خصائصها التي تميزها من المادة على ~~الإطلاق. # وجميع هؤلاء متفقون على أن «النطق» أو «العقل» خاصة إنسانية تميز الإنسان من ~~الحيوان. # ولكنهم إذا جاءوا إلى الصفة التي تكسب الحي قدرة المعرفة وقع بينهم أكبر اختلاف يقع بين ~~مختلفين. # فتوزع القوى المدركة في النفس على حسب الاتجاه العلوي أو السفلي كلام يسيغه بعض الفلاسفة ~~وبعض المتكلمين، ولا يسيغه ms085 الآخرون. # وتدرج القوة العاقلة من الحيوان إلى الإنسان كلام ينكره الدينيون، ولا يتفق عليه علماء ~~الطبيعة الذين يجعلون العقل من عنصر غير عنصر الغريزة أو البداهة الحيوانية. # وينتهون جميعا إلى «علم قليل» في هذا المبحث العويص الذي لا يدانيه في اعتياصه مبحث آخر ~~من مباحث الطبيعة أو ما وراء الطبيعة. # ولسنا نسرد هذه الخلافات لنقطع فيها بقول فصل لا خلاف عليه، فليس إلى ذلك من سبيل. # ولسنا كذلك نسردها لنعود فيها إلى تلخيص القول في الخالق والمخلوقات ومكان الروح والحياة ~~من تلك المخلوقات، فهذا بحث عرضنا له عند الكلام على وجود الله بما اتسع له المقام. # ولكننا نسردها ونكتفي بمجرد سردها؛ لأن مجرد السرد كاف لبيان إعجاز القرآن في وضع هذه ~~المعضلة موضعها الصحيح بين معضلات الفلسفة الكبرى في جميع الأزمان. # فالرجل الأمي الذي تعلم من البادية كلها غاية علمها، أو تعلم من عصره كله غاية علمه، لا ~~يتأتى له أن يبسط أمامه مشكلات العقل في حقائق القوة التي تقوم بها حياة الشخصية الإنسانية ~~أو يقوم بها تفكيرها، ثم يحيط بما فيها من العقد وما يرد عليها من الأشكال والاستدراك، وما ~~تنفرد به من المغلقات بين مسألة كالمسألة الإلهية أو كمسألة الوجود بجملته في السر ~~والعلانية . # فإذا تتبع معضلة الروح إلى مداها، وعلم غاية ما يتاح للإنسان أن يستقصيه من حقيقتها، فما ~~يعلم ذلك بوحي البادية أو بوحي القرن السادس أو السابع للميلاد، وإنما يعلمه بوحي من ~~الله. # | القدر # يظهر أن الإيمان بالقدر ملازم للإيمان بالمعبود منذ أقدم العصور. # فقبل الأديان الكتابية، وقبل الأديان الكبرى التي آمنت بها أمم الحضارة في العصور ~~القديمة، كان الإنسان في جهالته الأولى يؤمن بالأرباب والأرواح ويعبدها؛ لأنها تتصرف في ~~شئونه وتمنحه بعض ما يحب وتبتليه ببعض ما يكره، وتتدخل بإرادتها فيما يريد وما لا ~~يريد. # فلم يكن في وسعه أن يجهل منذ أقدم القدم أنه محدود الحرية، مغلوب الإرادة، محتاج إلى ~~رياضة القوى التي تحيط به وتملك إعطاءه ومنعه تارة بالقرابين والصلوات، وتارة بالرقى ms086 ~~والتعاويذ. # ينتظر المطر فلا يسقط المطر، ويخرج إلى الصيد فيجده تارة على وفرة وتارة على نزارة، ولا ~~يجده حيث ابتغاه تارات، فيعلم أنه خاضع لإرادة تقدر له نصيبه من النجاح والخيبة، ويعلم أن ~~إرادته وحده ليست هي الشيء الوحيد فيما يشتهيه أو فيما يخشاه. # ذلك هو القدر في معناه الساذج القديم. # ولكنه قدر لا يستلزم في خلد الهمجي الأول نظاما مرسوما لتدبير الأكوان ولا خطة مقررة ~~لتوجيه الإنسان، ذلك فهم للقدر لا يتأتى قبل فهم الكون أو فهم الظواهر الطبيعية وما يربط ~~بعضها ببعض من القوانين أو العلاقات. # وكل ما كان يستلزمه فهم القدر على النحو الذي تخيله الهمجي الأول أنه سيطرة مرهوبة تملك ~~الإنعام والحرمان، وتتحكم في الإنسان تحكم القوي الذي يمضي على هواه، ولا يعرف قانونا ~~يتبعه فيما ينكره أو فيما يرضاه. # وربما خطر للهمجي أن الأرباب أو الأرواح التي يعبدها تلتذ تسخيره وتخويفه ويحلو لها أن ~~تذله وتعتز بقوتها عليه، فهو لا يعرف ما تريد ولا ما ينبغي أن تريد، ولكنه يعرف أنها في ~~حاجة إلى التمليق والمداهنة والاسترضاء؛ لتعطيه ما يريد. ~~••• # ولما أدرك الإنسان شيئا من نظام الأكوان ترقى بالقدر من معنى الهوى الجامح إلى معنى ~~التنظيم والتدبير، وأدخل في سلطان القدر كل موجود في الأرض والسماء، ومنها الإنسان، بل منها ~~الآلهة والأرباب قبل الإنسان. # فالهنود الأقدمون كانوا يؤمنون بسيطرة «الكارما» أو القدر على الزمان والمكان وعلى الخالق ~~والمخلوق، وأنه يعيد الكون مرة بعد مرة على نظام واحد يتكرر فيه كل موجود من أكبر الكواكب ~~إلى أصغر دقائق الأجسام، ولا حيلة للقدر نفسه في تغيير شيء من هذه الأشياء؛ لأنه لا يعي ما ~~يفعل، بل يقع منه الفعل كما ينبغي أن يقع ولا بد له من الوقوع، وكلما تمت دورة من دورات ~~الوجود كان تمامها نهاية الوجود وبداية الفناء، ويبقى القدر مع هذا ليعيد الفناء وجودا ~~متكررا متجددا على النحو الذي ابتدأ منه وانتهى إليه. ~~••• # والبابليون كانوا كما نعلم أصحاب نجوم وأرصاد، فعرفوا الإيمان بالقدر على ms087 ما يظهر من طريق ~~الإيمان بالتنجيم. # لأنهم آمنوا بسيطرة الكواكب على مقادير الأحياء، وغير الأحياء، فكل مولود يولد فإنما تكون ~~ولادته تحت طالع من الطوالع التي تتعلق بكوكب من كواكب السماء، والأرض نفسها وجدت تحت طالع ~~من هذه الطوالع زعموا أنه طالع الشمس في برج الحمل، ثم تقاسمت الكواكب خلائق الأرض وأيامها ~~ومواقيت الزرع والعمل فيها، فلا يجري في الأرض حدث من الأحداث إلا بحساب مرقوم في سجل ~~الأفلاك والبروج. # وكانوا يعتقدون بالسعود والنحوس، فمن النجوم ما يسعد ويعطي، ومنها ما يشقي ويحرم، ولا ~~مهرب للإنسان من طالعه الذي يلاحقه بالسعد أو بالنحس مدى حياته، ولكن المنجمين قد يعلمون ~~مجرى هذه الطوالع فيعالجونها بالحساب كما نعالج قوانين الطبيعة اليوم بما نعلم من أحوالها ~~وما نملك من توجيه تلك الأحوال إلى جانب النفع دون جانب الإضرار. ~~••• # ومن الراجح جدا أن القول بالثنوية - أو نسبة أقدار الوجود إلى مشيئة ربين اثنين - ~~إنما كان حلا لمشكلة القدر عند حكماء المجوس الأقدمين، بعد أن بلغوا بصفات الإله الأكبر ~~مبلغا لا يوافق إرادة النقص ولا إرادة الشقاء. # فجعلوا تقدير الخير لإله، وتقدير الشر لإله، وقسموا العالم شطرين بين النور والظلام، وبين ~~الإيجاد والإفناء، وحدوا قدرة الخير؛ ليتجنبوا القول بأن إله الخير يريد الشر ويجريه في ~~قضائه على العباد. ~~••• # أما المصريون الأقدمون فكانوا وسطا بين الإيمان بحرية الإنسان والإيمان بسيطرة الأرباب؛ ~~لأنهم آمنوا بالثواب والعقاب في العالم الآخر، فكان إيمانهم هذا كالإيمان بأن الإنسان يعمل، ~~وأن الأرباب تتولى جزاءه على عمله بعد ذلك، فهي قادرة لا شك في قدرتها، ولكن الإنسان قادر ~~على أن يعمل ما يرضيها ويستحق ثوابها، أو ما يغضبها ويستحق عقابها، وقد جاء في صلواتهم ما ~~يدل على تصريف الآلهة أحوال العالم وأسباب الحياة ولكن الكلام في التقدير عندهم أقل ما عرف ~~في أديان الزمن القديم. ~~••• # واقتبس اليونان شيئا من البابليين وشيئا من المصريين: اقتبسوا التنجيم وطوالع الكواكب ~~من بابل، واقتبسوا عقيدة الثواب والعقاب من مصر، ولكنهم لم يحفلوا - أو يستطيعوا أن يحفلوا ms088 ~~- كما فعل المصريون بإعداد الأجساد للحياة الأخرى، وتزويدها بما تحتاج إليه في تلك الحياة ~~من مقومات البقاء. # وقد كان القدر عندهم غالبا على الآلهة والبشر على السواء، وكانوا كثيرا ما يصورونه في ~~أساطيرهم ورواياتهم غاشما ظالما يتجنى الذنوب على الناس، ويستدرجهم إلى الزلل والغلط؛ ~~ليوقع بهم ما يحلو له من العقاب، وكانت عندهم للنقمة ربة يسمونها «نمسيس» تأخذ الجار بذنب ~~الجار، وتقتص من الأبناء والأحفاد لجرائر الآباء والأجداد، وتلاحقهم بالغضب ملاحقة اللدد ~~والإصرار من مكان إلى مكان، ومن جيل إلى جيل. # وكانت صورة «زيوس» رب الأرباب في شعر هوميروس أقرب إلى الجماح والكيد وإلى سوء النية ~~الذي يغريه بإذلال البشر وترويعهم وأن ينفس عليهم حظوظهم ويردهم إلى القناعة والصغار، ثم ~~ترقى به الشاعر هزيود إلى نمط من العدل في محاسبة الناس بميزان يزن الحساب في ميزان الحسنات ~~والسيئات، فيعطف على من أحسن ويسخط على من أساء. ~~••• # ولكن المساهمة في مسألة القضاء والقدر تحسب لليونان في ميدان الفلسفة والتفكير ولا تحسب ~~في ميدان الدين والعقيدة؛ لأنهم طرقوا باب البحث في هذه المسألة فجاءوا بخلاصة الأقوال التي ~~تلاحقت في مباحث الفلاسفة بعدهم إلى العصر الأخير، ولا نعني باليونان هنا يونان السلالة ~~والوطن، وإنما نعني بهم كل من تشملهم الثقافة اليونانية في وطنهم وفي غيره من ~~الأوطان. # وأول ما يتجه الذهن من الفلسفة اليونانية إلى رأي الحكيمين الكبيرين اللذين يحيطان بأطراف ~~الموضوعات في أكثر مسائل التفكير؛ وهما: أفلاطون الملقب بالإلهي، وأرسطو الملقب بالمعلم ~~الأول! # فأفلاطون يتابع أستاذه سقراط بعض المتابعة في نسبة الشر إلى الجهل وقلة المعرفة، ويرى ~~أن الإنسان لا يختار الشر وهو يعرفه، بل يساق إليه بجهله أو بعوارض المرض والفساد فيه، ~~ولكنه لا يساق إليه بتقدير الآلهة؛ لأن الآلهة خير لا يصدر عنها إلا الخير، وإنما يساق إليه ~~باعتراض الكثافة المادية - أو الهيولى - في سبيل مطالبه الروحية، وأن هذه الكثافة المادية ~~لازمة - مع هذا - لتمحيص الخير وتحقيق معناه؛ فإن الحياة الإنسانية التي تكون خيرة؛ لأنها ~~كذلك ولا يمكن أن تكون ms089 غير ذلك ليست بخير يغبط عليه الإنسان، ولكنها تكون خيرة لها فضل في ~~خيرها إذا اعترضها الشر فجاهدته وانتصرت عليه في هذه المجاهدة، فلا خير في الدنيا إذا زال ~~منها الشر بالنظر إلى الإنسان. # وكل شيء من أشياء هذا العالم له - في رأي أفلاطون - صورة مثالية أو صورة كاملة في عقل ~~الإله، فهذه الأشياء الموجودة في الحس هي محاولة لمحاكاة صورها الخالدة التي لا نقص فيها؛ ~~وإنما يشوبها النقص في عالم الحس لاعتراض المادة دون تحقيق الصورة المثلى، وقد تجري محاولة ~~الخلق على أيدي أرواح دون الله في القدرة والخير فيظهر النقص في عملها؛ لأنها لم تبلغ مع ~~الإله كماله المطلق المنزه عن الشرور. # فالشر موجود في هذا العالم، ولكنه ليس من تقدير الإله، ووجوده لازم مع وجود الخير؛ لأن ~~الخير الاضطراري لا قيمة له، ولا دلالة فيه على فضيلة فاعلة، وحرية الإنسان في طلب الكمال ~~لا يحدها قدر مقدور من الإله الأعظم، بل تحدها عوائق الكثافة المادية أو الهيولى، وهي كذلك ~~عائق في سبيل تحقيق الكمال الذي يريده الله. ~~••• # ومذهب أرسطو في القدر يلائم مذهبه في صفة الإله؛ فإن إله أرسطو بمعزل عن الكون وعن كل ما ~~فيه من حي وجماد، فلا يقدر له أمرا ولا التقدير من شأنه الذي يوافق صفة الكمال المطلق في ~~رأي المعلم الأول؛ لأن الكامل المطلق الكمال لا يحتاج إلى شيء غير ذاته، فلا يريد شيئا ولا ~~يفكر في شيء غير تلك الذات، وما كانت علاقة الإله بالكون إلا علاقة المحرك الأول الذي لا ~~يتحرك؛ لأنه لو تحرك للزم أن نبحث عن مبدأ حركته وسببها وغايته منها، وكل أولئك لا يتفق عند ~~أرسطو مع صفات الكائن الكامل الذي لا بداية له ولا نهاية، ولا غاية له من وراء عمل يعمله، ~~بل لا عمل له غير أن يعقل ذاته في نعيم سرمدي لا يعرفه العاملون؛ لأن العمل حركة واختلاف من ~~حال إلى حال، ولا اختلاف في طبيعة الكائن الذي بلغ التمام في أحسن الأحوال، وليس ms090 المراد ~~بأنه هو المحرك الأول أنه عمل شيئا لتحريك جميع هذه المتحركات، وإنما المراد به أنه مصدر ~~العقل وأن العقل يوحي إلى الأشياء أن تتسامى إلى مصدرها فتتحرك من صورة إلى صورة في طلب ~~الكمال؛ لأنها هي المحتاجة إلى الحركة واستكمال الصور في ارتقائها، دون صاحب الصورة المثلى ~~أو الصورة المحض التي لا تمتزج بالهيولى أي امتزاج. # ومذهب أرسطو في القدر يلائم هذا المذهب في صورة الإله، فلا قدر هناك ولا تقدير، وكل إنسان ~~حر فيما يختاره لنفسه، فإن لم يستطع أن يفعل فهو على الأقل مستطيع أن يمتنع، وغاية الإنسان ~~وغير الإنسان من هذه الكائنات أن تحقق ما ينبغي لوجودها على الوجه الذي يناسب ذلك ~~الوجود. ~~••• # ولفلاسفة اليونان - غير أفلاطون وأرسطو - مذاهب في القدر تتراوح بين مذهب الجبر ومذهب ~~الحرية، وتتوسط بينهما أحيانا في القول بالاضطرار أو القول بالاختيار. # فعند ديمقريطس أن الموجودات كلها تتألف من الذرات، وأن الإنسان مثلها ذرات؛ تتألف فيحيا، ~~وتندثر فيموت. # وعند هيرقليطس أن النظام قوام الأشياء، وأن الاختلاف ضرورة من ضرورات النظام، وأن العدل ~~في طبيعة الوجود يعود بالأشياء إلى قوامها كلما طغى مزاج منها على مزاج، وأن الشر من صفات ~~الأجزاء وليس من صفات الكل المحيط بجميع هذه الأجزاء ، فيخضع الإنسان له؛ لأنه جزء ناقص لا ~~فكاك له من ضرورة النقص المحيق به وبغيره، ولا حيلة له في ذلك ولا للإله أو «الكلمة» التي ~~ترادف عندهم معنى الإله، ولكنها تطرد مع قضاء النظام الشامل وتجري معه مجراه، إلى أن يدركها ~~الاختلال فيردها سواء العدل إلى الاعتدال. # وعند فيثاغوراس كل شيء محسوب؛ لأن العدد هو قوام الوجود، فما من صفة نصف بها الموجودات ~~إلا نراها مفارقة لها في طور من أطوارها، ما عدا العدد؛ فهو الصفة التي لا تفارق موجودا ~~من الموجودات في طور من الأطوار، ولا يتضح رأي فيثاغوراس فيمن يحسب الحساب لتركيب هذه ~~الأعداد، لكنه مقارب لمذهب أهل الهند في تعليق كل شيء بالحساب السرمدي أو القانون الأبدي ~~المسمى عندهم «بالكارما» كما ms091 تقدم، ومرجعه إليه في مسألة القدر كمرجعه إليهم في مذهبه كله ~~على التعميم. # وعند زينون وأتباعه الرواقيين أن الناموس يقضي قضاءه في جميع المخلوقات، فقولهم بالجبر ~~أرجح جدا من قولهم بالاختيار. # وعند أبيقور أن الذرات هي قوام الموجودات، وأن الذرات إذا تركبت في روح الإنسان ملك بعض ~~الحرية التي لا يملكها الجماد؛ لأن ذرات الروح ألطف من ذرات الجسم الجامد وأقدر منها على ~~التصرف والاختيار، ولكن الآلهة لا تقدر للناس عند الأبيقوريين؛ لأنها سعيدة في سماواتها، ~~ولا حاجة بالسعيد إلى التفكير في نفسه ولا في غيره! أما القدر الأعمى كما تمثله أساطير ~~اليونان فهو عند أبيقور خرافة أصعب على التصديق من خرافات الأمساخ والغيلان، فهناك قدر في ~~النظام لا يأتي من الأرباب ولا من ربة القضاء الأعمى، ولكنه يأتي من طبيعة الأشياء بمقدار ~~ما فيها من تناسق الأجزاء. ~~••• # وأهم الفلاسفة بعد أفلاطون وأرسطو رأيا في موضوع القضاء والقدر هو بلا ريب أفلوطين، إمام ~~الأفلاطونية الحديثة الذي ولد بإقليم أسيوط واستفاد معظم دراساته من مدرسة الإسكندرية، ~~وإنما يهم رأي أفلوطين في هذا الموضوع؛ لأنه على اتصال شديد بالمذاهب الدينية ومذاهب التصوف ~~على الخصوص بين أصحاب الأديان. # ويؤخذ من أقوال أفلوطين المتعددة أن الإنسان في حياته الأرضية خاضع لقضاء سابق من أزل ~~الآزال، وأنه يعاد إلى الحياة مرات كثيرة ويجزى في كل مرة على أعماله في حياته السابقة جزاء ~~العين بالعين والسن بالسن والمثل بالمثل قيد الشعرة في كل جليل ودقيق، فمن فقأ عين إنسان ~~فقئت عينه في دور من أدوار الحياة المتلاحقة في عالم الجسد، ومن ضرب أمه عاد إلى الحياة في ~~جسد امرأة، وولد له البنون، واقتص منه أحدهم بضربه كتلك الضربة، يكفر بها عما جناه. # ولكن من الذي يقدر هذا القدر ويكتبه في سجله للحساب والقصاص؟ # ليس هو الإله الأحد؛ لأن مذهب أفلوطين في الإله على غرار مذهب أرسطو في التنزيه والتجريد، ~~ويتجاوزه كثيرا في عزل الوجود الإلهي عن هذا الوجود المحسوس. # فعند أفلوطين أن «الأحد» أرفع من الوجود، ms092 وأرفع من الوعي، وأرفع من التقدير، وأنه لا يحس ~~ذاته؛ لأنه واحد لا يتجزأ، فلا يكون فيه بعض يتأمل بعضا، كما يحدث في حالة الإحساس. # وعنده أن المادة أو الهيولى لا تعقل ولا تقدر، ولا تقيم ميزان الحساب. # فإذا أردنا أن نسمي القدر في مذهب أفلوطين باسم مطابق لمراده فهو على الأصح قدر الضرورة ~~التي لا محيص عنها في عالم الأرواح، أو في عالم الأجساد. # فالخلق يصدر من الله ضرورة؛ لأن الخالق يفيض بالإنعام، ضرورة من ضرورات الخير التي لا ~~تنفصل عن آثارها، ولا بد لها من أثر. # والأرواح تصدر من الخالق ضرورة، على طبقات تتعالى وتتدانى، على حسب اقترابها من مصدرها ~~الأصيل. # وكل روح يتصل بالمادة حتما؛ لأنه يقتبس طبيعة الخلق من مصدره الأول فيمتزج بالمادة؛ ~~ليحكي فيها قدرة الخالق على الإعطاء والإنعام والتكوين. # ومتى اتصل بالمادة فهو يغالبها وتغالبه، وينتصر عليها أو تنتصر عليه. # فإذا غلبها ارتفع حتما في معارج الروح، وإذا غلبته بقي حتما في إرهاق الهيولى وحدث له ~~حتما ما يحدث لكل روح وهيولى في مثل ذلك المزيج، كما يحدث التحول حتما في مزيج العناصر ~~المادية، كلما امتزجت على نحو مقدور. ~~••• # ومن المناسب أن نستطرد في تلخيص آراء الفلاسفة في القدر من ذلك العصر إلى العصر الحديث، ~~قبل أن ننتقل إلى مذاهب الأديان ومذاهب العلماء الذين عرضوا للمسألة من جانب العلوم ~~الطبيعية كما عرفت في القرن العشرين. # ونتخطى هنا الفلاسفة الدينيين؛ لنعود إليهم بعد الكلام على مذاهب الأديان، ونبدأ ~~بالفلاسفة الذين عرضوا للمسألة من جانب البحث الفلسفي بمعزل عن المذاهب الدينية. # فالفيلسوف الإنجليزي «توماس هوب» يرى أن الإنسان يعمل ما يريد، ولكنه لا يريد ما يريد، بل ~~يريد ما فرضته عليه الوراثة، وطبيعة البيئة، وعادات المكان والزمان، فهو بين الرغبة ~~والامتناع يقدم أو يحجم، وكل إقدام أو إحجام فله باعث مفروض عليه، وما الإرادة إلا الرغبة ~~الأخيرة من هذه الرغبات تأتي في النهاية مسبوقة بأسباب بعد أسباب. # والفيلسوف الفرنسي «ديكارت» يقول: إن الجسد محكوم بقوانين الطبيعة ms093 كسائر الأجسام المادية، ~~ولكن الروح طليقة من سلطان هذه القوانين وعليها أن تجاهد الجسد، وتلتمس العون من الله ~~بالمعرفة والقداسة في هذا الجهاد. # ومن تلاميذه من يقول: إن الإنسان حرف في كل فعل من أفعاله، ولكن الله يعلم منذ الأزل ما ~~سيفعله كل إنسان؛ لأنه عليم خبير. # ويرى سبنوزا أن كل شيء يقع في الدنيا فلا بد أن يقع كما وقع، ولا يتخيل العقل وقوعه على ~~نحو آخر؛ لأن كل شيء يصدر من طبيعة «الجوهر السرمدي»؛ وهو الله. # وما في الدنيا من خير وشر على السواء هو من إرادة الله، ولكنه يبدو لنا شرا؛ لأننا ~~محدودون، ننقص من ناحية، ونتلقى الشر من حيث ننقض، أما الجوهر السرمدي فلا يعرض له النقص ~~ولا تتصل به الأشياء إلا على وجه الكمال. # ومذهب ليبنتز يطابق مذهبه المعروف عن الوحدات، فكل موجود في الكون «وحدة» مستقلة لا تتأثر ~~بوحدة أخرى، ولكنها قد تتفق في الحركة كما تتفق الساعات في الإشارة إلى الوقت، دون أن تتأثر ~~ساعة منها بغيرها، وكل وحدة من هذه الوحدات، فهي محتوية على ذاتها، محاكية في وجودها للوجود ~~الأعلى؛ وهو الله ... ولكنها تتفاوت في الكمال على حسب التفاوت في هذه المحاكاة، فإذا أصابها ~~النقص فهو يصيبها من داخلها ولا يصيبها مما هو خارج عنها، وهي هي مناط قضائها وقدرها بغير ~~سلطان عليها من سائر الموجودات، وكل ما هنالك أن الشر يعرض لها؛ لأنها ناقصة، ويقل فيها ~~كلما زاد نصيبها في محاكاة الله. # والفيلسوف الألماني الكبير «عمانويل كانت» يقرر ضرورة الأسباب في عالم التجارب المحسوسة، ~~ولكنه يرى هنالك عالما أعلى من عالم المحسوس؛ هو عالم الحقائق الأدبية، وحرية الإرادة ~~حقيقة من هذه الحقائق عند الفيلسوف ... فإن لم نجد لها برهانا من ترابط الأسباب في التجارب ~~الحسية فيكفي أن نعلم أن الإيمان بحرية الإرادة لازم لتقرير الأخلاق البشرية والتكاليف ~~الأدبية، ولزومه هذا هو أقوى دليل نستمده من الحس على صدق الإيمان بها، ووجوب العمل على ~~مقتضى هذا الإيمان. # ويتلخص مذهب هيجل كله في ms094 الفلسفة التاريخية التي تقرر «أن تاريخ العالم بأجمعه إنما هو ~~ترويض الإرادة الطبيعية الجامحة حتى تخضع من ثم لقاعدة كونية عامة تتولد منها الحرية ~~الذاتية». # فالقوى الطبيعية جامحة لا تعرف الحدود، وخضوع هذه القوى لقاعدة عامة هو الذي يكف هذا ~~الجماح، ويخلق الحرية الأدبية، وفحوى ذلك أن الإنسان مسوق إلى الحرية بسلطان ذلك القانون، ~~فهو يتلقى الحرية نفسها من طريق الاضطرار. # ويقوم مذهب شوبنهور على الإرادة والفكرة، ولكن الإرادة عنده هي مصدر الشر كله في الكون ~~وفي الإنسان، والإرادة في الكون توحي إلى إرادة الإنسان أن يستأثر لنفسه بالمتعة ويعاني ما ~~يعانيه من الطلب والكفاح، ولا يزال أسيرا لهذه الإرادة التي تعزله عن كل ما حوله حتى يخلص ~~إلى عالم الفكرة فينجو من الأثرة الفردية، وينتقل إلى عالم السكينة و«العموم» الذي لا تنازع ~~فيه بين أجزاء وأجزاء، ولا بين إرادة وإرادة. # فكلما كانت هناك إرادة فهناك شر، وكل تقدير في رأيه فهو على هذا تقدير شرور لا يتأتى ~~الفكاك منه بغير الخروج من عالم التقدير. ~~••• # ولا يزال فلاسفة العصر يخوضون في مباحث هذا الموضوع على تفاوت كبير بين القول بالجبر، ~~والقول بالحرية الإنسانية، ومنهم من يقول بأن الإنسان يشترك في التقدير، ويخضع له؛ لأنه جزء ~~من عناصر الطبيعة التي تفعل فعلها في الأحداث الكونية، ولا يقتصر أمرها كله على ~~الانفصال. # ولكن الفلسفة لا تستأثر بمباحث هذا الموضوع في القرون الأخيرة؛ لأن نهضة العلوم الطبيعية ~~قد أدخلت هذه المباحث في نطاقها، ولا سيما علم النفس الذي يعتمد على تجارب تلك ~~العلوم. # وقد كان أول مدخل للعلوم الطبيعية في هذه المباحث الفلسفية من جانب علم الفلك، أو جانب ~~الرياضة على الإجمال، بعد القول بدوران الأرض حول الشمس واعتبارها سيارا من السيارات ~~الشمسية يجري عليها ما يجري على غيرها من أفلاك السماء ولا تخص بالوقوف في مركز الكون كله ~~سواء في المكان أو في جلالة الشأن وحساب الخلق والتقدير. # فأخذ العلماء منذ القرن السادس عشر يقررون أن «القانون الآلي» هو ملاك النظام في ms095 هذا ~~الوجود، وأن هذا القانون عام شامل لا يأذن باختلاف ولا استثناء، فلا محل فيه لتصرف الأقدار ~~بالتبديل والتحويل. # ولكن «القانون الآلي» مع هذا لم يبطل القول بالعناية الإلهية أو بالتقدير الإلهي عند ~~المؤمنين من العلماء الرياضيين أو الطبيعيين الذين يقبلون القول بالنظم الإلهية، والقوانين ~~الشاملة لفلك الأرض وسائر الأفلاك. # فكان ديكارت يفصل بين عالم المادة وعالم الروح، ويرجع بقوانين الكون الحسي إلى المادة ~~والحركة، ولكنه يعزل عالم الروح عن سلطان هذه القوانين. # وكان نيوتن يفسر حركات الأفلاك بقانون الجاذبية وبعض قوانين الحركة، ولكنه يسمي الجاذبية ~~نفسها روحا # spirit # تسري بين الأجرام سريان الأرواح ~~الخفية، وإن كانت لها آثار تقدر وتقاس. # ولما ظهر علم النفس على النهج الحديث لم يحسم هذا الخلاف بين الجبر والحرية ~~الإنسانية. # فالقائلون بالمادة وحدها قالوا: إن أعمال الإنسان كلها آلية يستطاع تفسيرها بالتفاعل بين ~~وظائف البدن وأخلاطه، ولا فرق في أساس هذا التفسير بين تصرف الإنسان وتصرف الحيوان. # والقائلون بالعقل أنكروا إمكان تفسير الظواهر العقلية كلها بالحركات الآلية التي تعمل في ~~الأجسام، وقالوا بحرية العقل أو بحرية الإرادة الإنسانية في كثير من الأعمال. # وحلت الحتمية الحديثة # Determinism # محل الجبرية القديمة # Fatalism # في اصطلاح العلماء. # فالقائلون بالحتمية يقولون بها؛ لأنهم يؤمنون بالنظم الآلية وحدها ولا يؤمنون بإرادة ~~إلهية تتعرض لتلك النظم بالتبديل والتحويل. # ومن ثم أصبح القول بالحتمية مناقضا للقول بالجبرية في كلام علماء الأديان؛ لأن الجبرية ~~تحصر الإرادة كلها في الإله المعبود، أما الحتمية فهي على الأقل لا تستلزم وجود إله إلى ~~جانب القوانين التي يفسرون بها حركات الوجود. # وتعاقبت الكشوف في ميادين العلوم الطبيعية، وكل منها يرجع إلى قانون يزعم أصحابه أنه صالح ~~لتفسير كل ظاهرة من ظواهر الطبيعة بغير حاجة على الإطلاق إلى مدد مما وراء الطبيعة، ولا فرق ~~في ذلك بين ظواهر المادة العضوية، وظواهر المادة غير العضوية، أو بين الحي والجماد، فكان كل ~~كشف من هذه الكشوف المتعاقبة يرجح بكفة الحتمية على كفة الاختيار من جانب الله، أو من جانب ~~الإنسان. ms096 # ثم تقدمت الكشوف الذرية في أوائل القرن العشرين. # فإذا بكشف منها يضرب الحتمية ضربة قاصمة، ويفتح الباب واسعا للقول بالحرية ~~والاختيار. # وذلك هو الكشف الذي جاء به العالم الدنمركي نيلز ~~بوهر # Niels Bohr # صاحب جائزة نوبل للعلوم في سنة 1922. # فمن المعلوم أن الذرة قد وصفت في أقوال العلماء الطبيعيين بأنها منظومة كالمنظومة ~~الشمسية، تشتمل على نواة كالشمس وكهارب تدور في فلك النواة كما تدور السيارات على وجه ~~التمثيل والتقريب، وأن الإشعاع إنما يحدث من انتقال كهرب من فلك عامل إلى فلك آخر أقل منه ~~عملا أو أقل منه في الطاقة على حسب تعبير الطبيعيين. # فجاء بوهر وقرر أن الكهرب يتنقل من فلك إلى فلك بغير قانون معلوم، وأن ألوف التنقلات لا ~~يشبه بعضها بعضا ولا يمكن التنبؤ عن وقوعها ولا عن سبب وقوعها على أي أساس يمكن أن يسمى ~~باسم القانون المطرد المعاد. # وجاء بعده أوجست هيزنبرج العالم الجرماني صاحب جائزة نوبل في سنة 1932 فذهب في إنكار ~~الحتمية مذهبا أبعد من هذا وأفعل في إثارة الشكوك القوية من حولها، فقرر أن التجارب ~~الطبيعية لا تتشابه على الإطلاق ولا تأتي تجربة منها وفاقا للتجربة الأخرى تمام ~~الموافقة، ولو اتحدت الآلات والظروف، وسمى مذهبه هذا «باللاحتمية» # Indeterminacy ~~؛ لأنه ناقض به قول الحتميين كل ~~المناقضة في صميم تركيب المادة، وهو تركيب الذرة وحركة الإشعاع. # وبلغ من وثوق بعض العلماء بصحة هذه التجارب أن عالما كبيرا كالسير آرثر أدنجتون أعلن أن ~~الأمر فيها قلما يحتمل الخلاف، فقال: «لا أعتقد أن هناك انقساما ذا بال في رأي القائلين ~~بهبوط مذهب الحتمية؛ فإن كان هناك انقسام في هذا الصدد بين المشتغلين بالعلوم فإنما هو ~~انقسام الراضين والآسفين، فأما الآسفون فهم بطبيعة الحال يرجون أن تعود الحتمية إلى مثل ~~مكانها الذي كانت تشغله في العلوم الطبيعية، ولعلهم لا يرجون المستحيل، ولكني لا أرى سببا ~~لتوقع رجعتها في أي شكل وعلى أية صورة.» # ويضاف إلى هذا جميعه أن المادة قد انتهت إلى شعاع، وأن الإشعاع أوشك أن ms097 يدخل في حساب ~~الحركة المجردة التي يرصد جانب منها بالحساب ويدق جانبها الأكبر عن الحساب ~~والتخمين. ~~••• # فالحتمية العلمية لا تثبت لقوانين المادة أنها تنفرد بتفسير كل سر من أسرار الطبيعة وكل ~~حركة من حركات الأجسام، ولا تزال تعمل حيث تعمل ومعها متسع كبير للاختيار في أصغر الذرات ~~فضلا عن أعظم الأجرام، وهي لا تمنع المؤمن أن يقول مع العلم كما يقول مع الدين: # عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في ~~السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا ~~في كتاب مبين ~~، # 1 # وليس معنى هذا أن الكون يجري على غير نظام، وإنما معناه أن النظام لا يمنع ~~الاختيار ولا يغلق الباب على الإيمان. ~~••• # وإلى هنا ندع العلم والفلسفة في موقفهما الأخير من مسألة القدر، ونعود إلى إجمال هذه ~~المسألة كما عرضت في الأديان الكتابية؛ وهي: الموسوية، والمسيحية، والإسلام. ~~••• # فالكلام على التقدير الإلهي قديم في الكتب اليهودية، وردت الإشارة إليه من أول الأسفار ~~المعتمدة إلى آخرها، ولكن على درجات في أساليب التقدير باختلاف الصورة التي كانوا يفرضونها ~~للإله، أو باختلاف نصيبه عندهم من عظمة المشيئة، وعظمة القدرة، وعظمة الصفات. # وكانت الصورة الأولى للإله عندهم صورة الملك المطلق الذي يريد أن يستأثر لنفسه بالمعرفة ~~والخلود والسلطان، ويكره من الإنسان أن يتسامى إلى منازعته في هذه الصفات، فيبتليه بالعجز ~~والحرمان ويحد من حظوظه في النعمة والحياة. # فالنوع الإنساني على هذه الصورة رعية متمردون يخضعون للقوة، ويتملصون منها بالحيلة ~~والعصيان كلما وجدوا لهم سبيلا إلى التملص والاحتيال. # وعلى هذه الصورة وقعت الخطايا الأولى التي جرت عليهم غضب الله وحرمتهم نعمة الخلود، ~~وهي الأكل من الشجرة، والعيث في الأرض بالفساد. # وقد غضب الله كما جاء في سفر التكوين؛ لأن الإنسان أكل من الشجرة التي نهي عنها، وهي شجرة ~~معرفة الخير والشر، أو شجرة المعرفة الإلهية، فقال الرب الإله: «هو ذا الإنسان قد صار كواحد ~~منا، عارفا الخير والشر، والآن لعله يمد يده ويأخذ من شجرة الحياة أيضا ويأكل ويحيا إلى ~~الأبد ms098 ...» # ومن هنا حاقت اللعنة بالإنسان؛ لأنه أكل من الشجرة، وبالمرأة؛ لأنها استمعت إلى غواية ~~الحية، وبالحية؛ لأنها سولت لهما هذا العصيان، وكان قضاء مبرما على نوع الإنسان كله بعد ~~آدم، فقال الرب الإله للحية: «لأنك فعلت هذا؛ ملعونة أنت من جميع البهائم ومن جميع وحوش ~~البرية، وعلى بطنك تسعين، وترابا تأكلين كل أيام حياتك، وأضع عداوة بينك وبين المرأة ~~وبين نسلك ونسلها: هو يسحق رأسك وأنت تسحقين عقبه. وقال للمرأة تكثيرا أكثر أتعاب حبلك، ~~بالوجع تلدين أولادا، وإلى رجلك يكون اشتياقك وهو يسود عليك، وقال لآدم: لأنك سمعت لقول ~~امرأتك وأكلت من الشجرة التي أوصيتك قائلا: لا تأكل منها، ملعونة الأرض بسببك، بالتعب تأكل ~~منها كل أيام حياتك ... بعرق وجهك تأكل خبزا حتى تعود إلى الأرض التي أخذت منها؛ لأنك تراب، ~~وإلى تراب تعود.» # ولم يكن الإنسان بالمتمرد الوحيد على إرادة الله؛ فإن أبناء الله سكان السماء - ويراد بهم ~~الملائكة - نظروا إلى بنات الناس فرأوا أنهن حسنات فاتخذوا منهن نساء، وغضب الرب فقال: «لا ~~يدين روحي في الإنسان إلى الأبد؛ لزيغانه، وهو بشر وتكون أيامه مائة وعشرون سنة!» # وبعد ذلك أيضا: «دخل بنو الله على بنات الناس وولدن لهم أولادا، وهؤلاء هم الجبابرة ~~المشهورون ...!» «فرأى الرب أن شر الإنسان قد كثر في الأرض ، وأن تصور أفكار قلبه إنما هو شرير ~~كل يوم، فحزن الرب أنه عمل الإنسان في الأرض، وتأسف قلبه، فقال الرب: أمحو عن وجه الأرض ~~الإنسان الذي خلقته: الإنسان مع بهائم ودبابات وطيور السماء؛ لأني حزنت أنني عملته، وأما ~~نوح فوجد نعمة في عين الرب!» # ويمكن أن يقال على هذا: إن الخطيئة الكبرى هي طموح الإنسان إلى العلم والخلود اللذين ~~استأثر بهما الله، فالله على هذه الصورة مالك يكره من رعاياه أن ينفسوا عليه أسرار الحكم ~~والبقاء، وهو يملك التقدير والتدبير، ولكن كما يملك الحاكم فرض الشرائع وفرض الجزاء ~~والعقاب، وقد يراجع نفسه فيما قضاه فيبطله ويلغيه ويندم عليه، كما يفعل الملوك في سياسة ~~الرعايا المحكومين. # وقد جاء ms099 في الأسفار المتعددة كلام صريح عن تقسيم الحظوظ بين الآحاد وبين الشعوب من قبل ~~الميلاد، فمن ذلك تمييز بني إسرائيل على غيرهم وتمييز يعقوب على عيسى، وذرية يعقوب على ذرية ~~عيسى، وكلاهما جنين في بطن أمه ... «وتراحم الولدان في بطنها ... فمضت تسأل الرب، فقال لها ~~الرب: في بطنك أمتان، ومن أحشائك يفترق شعبان، شعب يقوى على شعب، وكبير يستعبده ~~صغير». # وترقى الوعاظ والأنبياء في فهم عظمة الله، فدعا أشعيا إلى عبادة الله الذي علم الأشياء ~~منذ القدم وهو «المخبر منذ البدء بالأخير». # ولكن «القدر» لم يزل عند بني إسرائيل مشيئة حاكم يأمر وينهى ويرجع عما أمر به وقضاه، ولم ~~يفهموا القدر قط على أنه نظام شامل للوجود محيط بالأكوان، لا يكل عملا من أعماله إلى الغيب ~~المجهول؛ ليمضي فيه بعد ذلك أو يرجع عنه رجوع الندم وخطأ الحساب. # ففي كتاب أشعيا يوصف الله بأنه جابل الإنسان، وينهى الإنسان عن مراجعته في قضائه؛ لأنه ~~«خزف بين أخزاف الأرض، هل يقول الطين لجابله: ماذا تصنع؟ أو يقول: عملك ليس له ~~يدان؟» # ولكن هذا الخزف يجبل ويعاد جبله ولا يستقر رأي الخزاف على حفظه أو تحطيمه، فيحطم بعد حفظ ~~ويحفظ بعد تحطيم، وكذلك قال أرميا: «قم انزل إلى بيت الفخاري وهناك اسمع كلامي، فنزلت إلى ~~بيت الفخاري وإذا هو يصنع عملا على الدولاب، ففسد الوعاء الذي كان يصنعه من الطين بيد ~~الفخاري، فعاد وعمله وعاء آخر كما حسن في عين الفخاري أن يصنعه، فعاد إلى كلام الرب قائلا: ~~أما أستطيع أن أصنع بكم كهذا بيدي يا بيت إسرائيل، يقول الرب: هو ذا كالطين بين الفخار أنتم ~~كهذا بيدي يا بيت إسرائيل، تارة أتكلم على أمة وعلى مملكة بالقلع والهدم والإهلاك، فترجع ~~تلك الأمة التي تكلمت عليها عن شرها، فأندم على الشر الذي قصدت أن أصنع بها، وتارة أتكلم ~~على أمة وعلى مملكة بالبناء والغرس فتفعل الشر في عيني فلا تسمع لصوتي، فأندم على الخير ~~الذي قلت: إني أحسن إليها به.» ~~••• # وربما حسن لليهود ms100 أن يتشبثوا بفهم القدر الإلهي على هذه الصورة؛ لأنهم علقوا آمالهم كلها ~~في الخلاص على «إله» يتحيز لهم، ويتحول من الغضب إلى الرضا؛ لإنقاذهم من سطوة أعدائهم، ~~فأصروا على تصوير القدر لأنفسهم بهذه الصورة، على الرغم من تقدم العقيدة الإلهية في عهد ~~الفلسفة وعهد الديانات السرية. # وقد أراحهم هذا الفهم من مشكلة القضاء والقدر عند أصحاب الديانات الأخرى؛ لأن المشكلة ~~إنما تأتي من محاولة التوفيق بين إرادة إلهية، محيطة بكل شيء مقدرة لكل حساب، وبين فعل ~~الإنسان للشر؛ طوعا لتلك الإرادة، فإذا آمن الإنسان بإله يمكن أن يقابله الإنسان بالطاعة ~~والعصيان، ويمكن مع هذا أن يعدل عن العقاب إلى الثواب، وعن الثواب إلى العقاب، فلا مشكلة ~~هناك ولا موجب من ثم لمحاولة التوفيق بين إحاطة القدر بكل كبيرة وصغيرة، وبين حرية ~~الإنسان. # ولهذا سهل على رجل مثل يوسفيوس أن يقول: «إن الأمور كلها تجري بقدر مقدور، ولكنه لا ينتزع ~~من الإنسان حريته في فعل ما يختار؛ لأن الله أيضا شاء أن يمزج بين القدر ومشيئة الإنسان؛ ~~ليتاح له عمل الخير والشر كما يريد.» # وهذا بطبيعة الحال فحوى العقيدة الإسرائيلية من بدايتها الأولى، وهو غير المعنى الذي ~~تصوره فيلون الفيلسوف الإسرائيلي الذي نشأ في الإسكندرية واقتبس عقيدته من الفلسفة ~~وأسرار الديانة المصرية، فإنه يعترف بالشر في الوجود، ولكنه يرجع به إلى امتزاج الروح ~~بالمادة، ومغالبة الحرية بضرورات الهيولى الجسدية، فهو ينقل المسألة من صورة الحاكم ~~والمحكوم إلى صورة المبدأين المختلفين اللذين يقومان على اختلاف العقل والهيولى، ومهما يكن ~~من تشابه بين الرأيين في النتيجة الظاهرة فالمصدر الذي يصدران عنه على أبعد ما يكون ~~المصدران المتعارضان. ~~••• # ثم بدأت الدعوة المسيحية في عصر فيلون ويوسفيوس، وذكر السيد المسيح الأرواح الشريرة التي ~~تسكن جسد الإنسان، ولكنه لم يذكر قط شيئا يدل على أصول الشر التي وردت في الكتب ~~الإسرائيلية الأولى. # وإنما فصلت العقائد القانون الإلهي والخطيئة الإنسانية والكفارة عن هذه الخطيئة على لسان ~~«بولس» الرسول في عظاته ومحاوراته، ولا سيما رسالته المفصلة إلى أهل ms101 رومية. # ففي تلك الرسالة يقرر «بولس» الرسول أن أصل الشر في الإنسان هو عصيان آدم أمر ربه وأكله ~~من الشجرة المحرمة، وأن الإنسان يعمل الشر؛ لوراثته هذه الخطيئة من أبيه، ولا كفارة لها غير ~~الموت الذي يحل الجسد منها، ولكنه لا يحل الروح إلا بكفارة أخرى؛ هي كفارة السيد المسيح، ~~فالذين يؤمنون بهذه الكفارة يستحقون الحياة الأبدية، ولكنه لا يقصر ذلك على اليهود أو بني ~~إسرائيل، بل يعم أبناء آدم وحواء أجمعين، فكل وارث للخطيئة يشمله الخلاص بالنعمة الإلهية، ~~وقضاء الله وحده هو الذي يفصل بين الأشرار والأخيار، وهو الذي يختار العباد للخلاص الأبدي ~~أو للهلاك الدائم كما يشاء. # وقد عاد بولس في هذه الرسالة إلى مثل الخزف والخزاف؛ لينفي الظلم عن إرادة الله تعالى، ~~فماذا نقول؟ ألعل عند الله ظلما؟ حاشا لله؛ لأنه يقول لموسى: أرحم من أرحم وأترأف على من ~~أترأف، فإذن ليس الأمر لمن يشاء أو لمن يسعى، بل الله الذي يرحم ... ومن أنت أيها الإنسان حتى ~~تجاوب الله؟ ألعل الجبلة تقول لجابلها: لماذا صنعتني هكذا؟ أليس للخزاف سلطان على الطين ~~أن يصنع من كتلة واحدة إناء للكرامة وآخر للهوان؟ فماذا إن كان الله - وهو يريد أن يظهر ~~غضبه ويبين قوته - احتمل بأناة كثيرة آنية غضب مهيأة للهلاك، ولكي يبين غنى مجده على آنية ~~رحمة قد سبق فأعدها للمجد ... ليس من اليهود فقط، بل من الأمم أيضا كما يقول في هوشع أيضا: ~~«سأدعو الذي ليس شعبي شعبي، والتي ليست محبوبة محبوبة.» # ولكن المسيحية ظهر فيها بعد بولس الرسول طائفتان من المدافعين عن عقائدها وقضاياها، هما ~~طائفة المجادلين، وطائفة المسوغين أو المعتذرين. # فانصرف المجادلون - أو كادوا - إلى مناقشة أبناء الأمم الأخرى، وانصرف المسوغون - أو ~~كادوا - إلى مناقشة اليهود والمعترضين من المسيحيين. # وكانت أكبر حجة للمجادلين أن الله الكامل لا يسأل عن الشر ولا يحبه، وأن الإنسان إذن هو ~~مصدر الخطيئة وعليه وزر جزائها. # وكانت أكبر حجة للمسوغين على مثال ما تقدم في رسالة بولس الرسول وهي الرجوع إلى ms102 الأقوال ~~المشابهة لعقائد المسيحيين في كتب أنبياء بني إسرائيل. # ووجد مع هذا من الآباء المسيحيين من أنكر وراثة الخطيئة، وقرر أن الموت نتيجة طبيعية ~~للحياة، وأن الإنسان يموت ولو لم تقع خطيئة آدم، وأن باب الخلاص مفتوح لكل من تلقى نعمة ~~السماء، وآمن بالسيد المسيح، وأشهر هؤلاء القس البريطاني «بلاجيوس» الذي نشأ في أواخر القرن ~~الرابع، وتنقل بين رومة وإفريقية الشمالية وفلسطين، ونادى بدعوته في كل مكان؛ فأنكرتها ~~مجامع المسيحية كلها في ذلك الحين، ومنها مجمع قرطاجنة ومجمع مليف ومجمع أفسس الثالث الذي ~~ختم القرار في هذه المسائل سنة 431. # وعلى هذا أصبح من الباطل في عرف أصحاب تلك المجامع أن يؤمن المسيحي بأن (1) آدم كان سيموت ~~ولو لم يخطئ. و(2) بأن خطيئة آدم أصابته وحده، ولم تورث بعد في سلالته البشرية. و(3) بأن ~~الأطفال المولودين لهم من البراءة ما كان لآدم قبل اقتراف الخطيئة. و(4) بأن أبناء آدم ~~جميعا يستحقون البعث لمجرد بعث المسيح. و(5) بأن الأطفال يستحقون الحياة الأبدية بغير ~~عماد. و(6) بأن الإنسان قد يخلو من الخطيئة باتباع الوصايا الصالحة، واجتناب الخطايا ~~الممنوعة. # وقد أصدرت هذه المجامع قرارها في عصر القديس أغسطين الفيلسوف المسيحي المشهور، ولم يشهد ~~واحدا منها، ولكنه أقرها جميعا على ما ذهبت إليه، وألف كتابه عن «عقاب الخطيئة وغفرانها»؛ ~~لتوضيح الفكرة من ناحية الدين، ومن ناحية الفلسفة، وخلاصتها: أن آدم كان حرا في مشيئة، ~~فقادته هذه الحرية إلى الخطيئة، وأن أبناءه ورثوا عنه الخطيئة، ولكن العدل الإلهي لم يحرمهم ~~وسيلة الخلاص منها؛ وهي كفارة الصليب! # وليس اعتقاد ذلك بالسهل على الذهن الفلسفي ولو كان له إيمان كإيمان القديس «أغسطين» ... فلم ~~يزل يلقى من جراء التفكير في هذا الاعتقاد أو في هذه العقدة عنتا شديدا عبر عنه في كتاب ~~الاعترافات؛ حيث قال: «ولكنني إلى ذلك الحين، وإن كنت أؤمن بأنك أنت يا ربنا الإله الحق ~~الذي لم يخلق أرواحنا فحسب، بل خلق أجسادنا، ولم يخلق أرواحنا وأجسادنا فحسب، بل خلق جميع ~~الكائنات وجميع الأشياء منزها عن ms103 النقص والتبدل، وعن كل اختلاف وتحول، إلا أنني لم أكن ~~أفهم بغير مشقة أو غموض سبب وجود الشر في العالم، وأرهقت نفسي لكي أفقه ما كنت قد سمعته من ~~أن الإرادة الحرة كانت هي سبب العمل السيئ منا، وهي سبب آلامنا وأوجاعنا، فلم أقدر على ~~إدراك ذلك إدراكا جليا لا يشوبه الغموض، وكلما حاولت أن أنشل نفسي وأرتفع برؤياي من تلك ~~الهاوية عدت إليها فغرقت فيها، ثم أكرر المحاولة وأكرر العودة إليها، ولكن هذه الجهود ~~رفعتني قليلا إلى ضيائك حتى عرفت أنني أريد كما أنني أحيا، وأنني عندما أقبل شيئا أو ~~أرفضه فإنما أنا نفسي الذي أقبل أو أرفض ولا أحد سواي، وبدا لي حينئذ أن هذا هو سبب ~~الخطيئة، وكل ما صنعته على خلاف مشيئتي أدركت إذن أنني أحتمله أكثر مما أفعله، وأنه ليس في ~~الواقع غلطتي، بل عقابي، وأرى لعدلك معترفا به أنني لم أعاقب ظلما وبغير جريرة، إلا أنني ~~أثوب فأقول: ومن الذي خلقني هكذا؟ أليس هو الله الذي لا يوصف بأنه كريم فحسب، بل هو الكرم ~~المحض والخير كله؟ فمن أين لي إذن أن أريد الشر ولا أريد الخير فأعاقب عدلا بهذا؟ من أودع ~~ذلك طبيعتي وغرس فيها بذور المرارة وقد خلقت بيد الله الحلو الذي لا مرارة فيه ؟ وإن كان ~~الشيطان هو السبب فمن أين أتى الشيطان؟ وإن كان ذلك الشيطان أيضا قد انحدر بطبيعته السيئة ~~من ملك كريم إلى شيطان رجيم فمن أين جاءته تلك المشيئة التي عكست طبيعته فجعلته ~~شيطانا؟» # ولكنه اعتقد بعد هذا القلق أنه استراح من وسواسه هذا بالتوفيق بين النقائض على النحو الذي ~~قدمناه، وكان مدار راحته النفسية أن سبق العلم بعمل الأخيار وعمل الأشرار صفة لا تنفصل عن ~~الذات الإلهية، وأن الله علم ما سيكون كما سيكون، ولا بد أن يعلمه العلم الصحيح، ويقدر ~~تقديره على حسب علمه المحيط بجميع الكائنات. # وأكبر الفلاسفة الدينيين في المسيحية بعد القديس أغسطين هو القديس توما الأكويني، وهو ~~يوافق أستاذه القديم، ويروي أن ms104 الإنسان يقود نفسه، ولا يقاد كما تقاد الدواب، وأن الإرادة ~~تتبع العقل، والعقل من نعم الله على الإنسان، وغاية التقدير عنده كغاية التقدير عند أستاذه ~~أنه علم سابق من الله، ولكنه كان يخالف أغسطين في نصيب الأطفال من الرحمة ويقول: إن الخطيئة ~~أضعفت جانب الخير في الإنسان ولم تطمسه كل الطمس، وأن هذا الجانب هو الذي يعينه على تقبل ~~الكفارة والخلاص. # وظل الفقهاء الدينيون يقولون بأن السقوط الذي أصاب الإنسان في الخطيئة هو سقوط من عالم ~~«ما فوق الطبيعة» إلى عالم الطبيعة، فلما قام لوثر بدعوته فسر السقوط بأنه مسخ للطبيعة وزيغ ~~فيها، وعزاه إلى الشيطان، خلافا لكلفن # Calvin # الذي عزاه ~~إلى مشيئة الله؛ لحكمة يعلمها في سابق أزله. # على أن مجمع ترنت # Trent # الذي انعقد في أواسط القرن ~~السادس عشر، قد عرض لمسألة الخطيئة، فقرر أن حسنات الوثنيين ومن لا يدينون بالمسيحية لا ~~تعتبر من الخطايا ولا تكفي العقيدة وحدها للتكفير عن الخطيئة، وسمحت حرية البحث في العصور ~~الحديثة لبعض الفقهاء أن ينكروا مسألة الخطيئة، وأن يعلن رجل كالدكتور كيرلس ألنجتون في ~~كتابه «قال الأحمق»: «إن إدانة أجيال قبل أن تولد من جراء خطيئة آدم عسير أن توصف بالعدل، ~~وإن كانت هذه هي العقيدة المسيحية، فعسير علينا أن ننظر في تزكيتها أمام ضمير ~~الأمة .» # ولكن قرار الكنائس في هذا الصدد شيء وبحوث الفقهاء من أتباع الكنائس شيء آخر؛ لأنها آراء ~~يدينون بها ويستندون فيها إلى المنطق العلمي قبل استنادهم إلى نصوص الدين. # ولما ظهرت الدعوة الإسلامية نهض المسلمون بالحصة الكبرى في مباحث القضاء والقدر؛ لأنها ~~طرحت للبحث من جوانب متفرقة يتلاقى فيها أصحاب الدين والتفسير، وأصحاب السياسة والخلافة، ~~وأصحاب العلم والفلسفة، وأصحاب الجدل والمناظرة مع أبناء الأديان الكتابية وغير الكتابية، ~~وقد اختلط بهم المسلمون في كل بقعة من بقاع الدولة الإسلامية. # ولا نحسب أن قولا من الأقوال في مسألة القدر لم يرد له ذكر بنصه، أو بعد التعديل ~~والتنقيح فيه، على لسان طائفة من طوائف المسلمين، ولكنا نجمل ذلك ms105 كله في المذاهب الثلاثة ~~التي ينقسم إليها المتكلمون في كل مسألة من المسائل الكبرى، وهم جماعة الغلاة في الإثبات، ~~وجماعة الغلاة في الإنكار، وجماعة المعتدلين المجتهدين في التوفيق بين هؤلاء وهؤلاء. # أو هم في مسألة القدر خاصة جماعة الجبريين، وجماعة القدريين الذين سموا بهذا الاسم؛ لأنهم ~~يقولون باختيار الإنسان مع القدر خلافا لما يسبق إلى الذهن من مدلول هذه التسمية، ثم جماعة ~~المعتدلين من أهل السنة المتوسطين، بين القول بالجبر والقول بالاختيار. # وأول القائلين بالجبر في صدر الدولة الأموية جهم بن صفوان وأتباعه ومريدوه. # كانوا يقولون: إن الله خلق العباد وخلق لهم أفعالهم كما خلق لهم أعضاءهم وألوانهم، وزعموا ~~- كما قال الشريف المرتضى - أن ما يكون في العبد من كفر وإيمان ومعصية فالله فاعله كما فعل ~~لونه وسمعه وبصره وحياته ... وأن لله تعالى أن يعذبه من ذلك على ما يشاء ويثيبه على ما يشاء ... ~~وكان جهم يقول على ذلك: إن الله خلق في العبد قوة بها كان فعله، كما خلق له غذاء به قوام ~~بدنه، ولا يجعل العبد فاعلا لشيء على حقيقة الفعل والإرادة. # ومذهب أبي الحسن الأشعري قريب من مذهب جهم بن صفوان؛ لأن خلاصة مذهبه أنه لا تأثير لقدرة ~~العبد في مقدوره أصلا، بل القدرة والمقدور واقعان بقدرة الله تعالى، ويرى الأشعري أن العبد ~~مكتسب لأفعاله بقدرة يملكها ساعة الفعل ولا تسبقه، ولكنه لا يخرج بذلك عن مذهب الجبر؛ لأنه ~~ينفي قدرة التأثير عن العباد، ويرجع بها إلى تفسير واحد؛ هو إرادة الله. # سأل أستاذه أبا علي الجبائي: ما تقول في ثلاثة إخوة: اخترم الله أحدهم قبل البلوغ، وبقي ~~الاثنان، فآمن أحدهما وكفر الآخر، فأين يذهب الصغير؟ فقال الجبائي: إنه يذهب إلى مكان لا ~~سعادة فيه ولا عذاب ... فسأله الأشعري: لماذا يذهب إلى ذلك المكان، وهو لم يأت شرا ولا ~~خيرا؟ فأجابه: إنه اختبر، ولأنه علم أنه لو بلغ لكفر! فقال الأشعري: فقد أحيا أحدهم فكفر، ~~فلماذا لم يمته صغيرا؟ فسكت الجبائي عن الجواب. # ومراد الأشعري بهذه الأسئلة ms106 أنه مهما يقل القائلون في تعليل التفرقة بين أهل الطاعة وأهل ~~العصيان فمرجع ذلك، في النهاية، إلى علة واحدة؛ هي إرادة الله. # ويرى بعض الجبريين المعتدلين أن الفعل، من حيث هو، واقع بقدرة الله، وأنه واقع بقدرة ~~العبد من حيث كونه طاعة ومعصية. # وهذا قريب من نفي صفات الخير والشر والحمد والذم عن جميع الأفعال في حال صدورها من الله؛ ~~لأن الخير والشر إنما يصحان في حق من يزيد وينقص، ومن يتغير ويتبدل، ولكنهما لا يصحان في حق ~~الواحد الأبدي الذي تنزه عن جميع الغير، وعن جميع أحوال الاختلاف. # ولكل فريق من أصحاب الأقوال في القدر حجج وأسانيد من آيات القرآن الكريم يعتمد عليها في ~~إثبات دعواه. # فمن الآيات التي يعتمد عليها الجبريون: # والله خلقكم وما ~~تعملون ~~، # 2 # إن هو إلا ذكر للعالمين * لمن شاء منكم أن يستقيم * وما تشاءون إلا أن ~~يشاء الله ~~، # 3 # إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ~~ربه سبيلا * وما تشاءون إلا أن يشاء الله ~~، # 4 # ولو شاء ربك لآمن من في الأرض ~~كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا ~~مؤمنين ~~، # 5 # ختم الله على قلوبهم ~~، # 6 # بل زين للذين كفروا مكرهم وصدوا ~~عن السبيل ومن يضلل الله فما له من هاد ~~، # 7 # ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ~~. # 8 # أما القدريون فهم من المعتزلة، ويسمون أنفسهم بأصحاب العدل والتوحيد؛ لأنهم يزعمون أنهم ~~ينفون الظلم عن الله ويقولون بأن الإنسان حر فيما يفعل من خير وشر؛ لأن الله لا يجبره على ~~الشر ثم يعاقبه عليه فيظلمه ويجزيه على غير عمله. # وعند القدريين أن سوء الاختيار الذي علم به الله في سابق علمه الأزلي هو الذي أوجب ما قضى ~~به الله عليهم من طاعة أو عصيان، ولو لم يكن الإنسان قادرا على الفعل والترك لما وجب ~~التكليف، وهم يفرقون بين الأفعال التي يختار فيها الإنسان كالتحرك يمنة ويسرة، والأفعال ~~التي لا اختيار له فيها كالارتفاع بجسمه في الفضاء بغير رافع، ويؤمنون بأن الله لم يكلف ~~أحدا ms107 فعلا من هذا القبيل، وإنما التكليف كله من قبيل الأفعال التي تفعل أو تترك ~~بالاختيار. # ومن الآيات التي يعتمدون عليها في إثبات دعواهم: # وما ربك ~~بظلام للعبيد ~~، # 9 # وما الله يريد ظلما للعباد ~~، # 10 # ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة ~~أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ~~، # 11 # كل امرئ بما كسب رهين ~~، # 12 # اليوم تجزون ما كنتم تعملون ~~، # 13 # وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم ~~الهدى ~~، # 14 # ود كثير من أهل الكتاب لو ~~يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند ~~أنفسهم ~~، # 15 # لبئس ما قدمت لهم أنفسهم ~~، # 16 # ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر ~~لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ~~، # 17 # رب إني ظلمت نفسي ~~، # 18 # قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي ~~وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي ~~، # 19 # وقال الشيطان لما قضي الأمر إن ~~الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي ~~عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا ~~تلوموني ولوموا أنفسكم ~~. # 20 # ولا يخفى أن المعتزلة المتأخرين نظروا في آراء فلاسفة اليونان وعرفوا صفات الله عندهم، ~~ولا سيما صفة الله عند أرسطو معلمهم الأول، وهي صفة المحرك الذي لا يتحرك، أو الإله الخارج ~~عن هذا الكون المحسوس، فلم يجدوا صعوبة في القول بحرية الإنسان وعمله بمعزل عن القضاء ~~والقدر، وإن كان التكليف ينقض رأي أرسطو كما ينقضه القول بالثواب والعقاب. ~~••• # أما المعتدلون من أهل السنة فيقولون بإرادة الله، ويقولون باختيار الإنسان فيما يقع عليه ~~الجزاء، ولكنهم يفرقون بين الإرادة على الحتم والقسر، والإرادة على الأمر والتكليف. # فالله قال: # كونوا قوامين بالقسط ~~. # 21 # والله يقول لكل شيء: # كن فيكون ~~. # 22 # وكلا القولين إرادة من الله، ولكن إرادة الأمر تجاب بالطاعة أو العصيان، وإرادة الحتم ~~والقسر تنفذ كما قضى بغير خلاف. # ومن الآيات التي يستشهدون بها: # إن الله لا يأمر ~~بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون ~~، # 23 # ولا يرضى لعباده الكفر ~~. # 24 # ويذكرون أن آيات القرآن أنكرت حجة الجبريين؛ إذ حكت عنهم ms108 أنهم: # سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ~~ولا حرمنا من شيء ~~، # 25 # إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم ~~وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان ~~. # 26 # أما استشهاد الجبريين بأن الله يقول: # والله خلقكم وما ~~تعملون ~~، # 27 # فالكلام فيه موجه إلى قوم إبراهيم؛ إذ قال لهم: # أتعبدون ما تنحتون * والله خلقكم وما ~~تعملون ~~، # 28 # أي خلقكم وخلق هذه الأصنام التي تنحتونها، وليس المقصود به نسبة معاصي العباد ~~إلى الله. # ويتفق أهل السنة والمعتزلة على التفرقة بين حركات الجبر وحركات الاختيار في الإنسان ~~فيقولون: إن الإنسان ليس بأقل عقلا، ولا أقل اختيارا من الدابة التي يركبها، أو كما قال ~~أبو الهذيل العلاف متهكما مفندا: «إن حمار بشر أعقل من بشر؛ لأن حمار بشر لو أتيت به إلى ~~جدول صغير وضربته فإنه يطفره، ولو أتيت به إلى جدول كبير وضربته فإنه لا يطفره ويروغ عنه؛ ~~لأنه فرق بين ما يقدر على طفره وبين ما لا يقدر عليه، وبشر لا يفرق بين المقدور له وغير ~~المقدور.» ~~••• # هذه خلاصة وجيزة لأطراف القول في مسألة القضاء والقدر بين الفرق الإسلامية، ومن البين أن ~~القول الفصل في هذه المسألة الجلي ليس لمذهب واحد من بين جميع المذاهب، ولا نحسب أنه تجمع ~~لمذهب واحد على الإطلاق فيما علمناه وفيما هو شبيه بما علمناه؛ لأن المرجع في سر القضاء ~~والقدر إلى حكمة الله، وحكمة الله تتعلق بالأبد لا ابتداء له ولا انتهاء، ولا تتعلق بهذه ~~الحقيقة أو بتلك الحقيقة في الزمن الذي يحيط به المخلوقات. # وليس من دعوانا هنا ولا من عرضنا أن نأتي بالقول الفصل في مسألة من المسائل التي تتسع ~~لاختلاف الآراء ولا تنتهي إلى قرار؛ لأن الغرض الأول من هذا الكتاب هو تقرير مكان الفلسفة ~~القرآنية من الدعوات الدينية التي تنتظم عليها حياة الجماعات البشرية، ومكان الفلسفة ~~الإسلامية بين تلك الدعوات واضح محدود. # فليس في الإسلام ما في اليهودية من صورة الإله الذي ينافس البشر وينافسونه، ويقدر لهم ~~حسابهم فيخطئ الحساب؛ ms109 لأن قدر الله في الإسلام بكل شيء: # قد جعل ~~الله لكل شيء قدرا ~~، # 29 # وكل شيء عنده بمقدار ~~، # 30 # وخلق كل شيء فقدره ~~، # 31 # الذي له ملك السماوات والأرض ولم ~~يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء ~~فقدره تقديرا ~~. # 32 # وليس في الإسلام ما في المسيحية من كفارة أحد عن أحد، ولا في القول بالخطيئة الموروثة ~~بغير جريرة للمولود فيها؛ لأن القرآن يقول: # ولا تزر وازرة ~~وزر أخرى ~~، # 33 # وما كنا معذبين حتى نبعث ~~رسولا ~~. # 34 # أما مسألة التكليف، فالقرآن يجمع فيها بين القول باستطاعة الإنسان أن يتلقى الأمر والنهي ~~وبتقدير كل شيء، ولا تناقض بين القولين في حكم العقل فضلا عن حكم الدين. # ولبيان ذلك نفرض كل فرض مستطاع في مسألة التكليف؛ لنرى أي الفروض أحق بالاعتقاد وأولى ~~بالقبول في العقل والضمير. # فإما عالم لا تكليف فيه ولا جزاء. # وإما عالم يتساوى فيه التكليف ويتساوى فيه العمل ويتساوى فيه الجزاء. # وإما عالم يقع فيه التكليف والتقدير على اختلاف كما نرى في اختلاف العالم الذي نحن ~~فيه. # فالعالم الذي لا تكليف فيه ولا جزاء لم يتخيله أحد من أصحاب الأديان، ولا من المفكرين ~~المنكرين. # وقد تخيل أرسطو إلها لا تصريف له في الكون ولا شأن له بالخلق في كثير ولا قليل. # وهو إله لا يستقيم الإيمان به من الوجهة الدينية، ولا من الوجهة الاجتماعية، ولا يستقيم ~~الإيمان به من الوجهة الفلسفية على حال من الأحوال. # وإنما قصر أرسطو عمل الإله على الحركة الأولى؛ لأنه اعتقد أن واجب الوجود أشرف الموجودات، ~~وأن أشرف الموجودات يعقل أشرف المعقولات؛ وهو ذاته، فكل تفكير فيما دون ذلك فهو تفكير لا ~~يصح عنده في حق الإله. # فكيف اتفقت هذه الحركة الأولى التي وقف عندها عمل الإله؟ هل جاءت من الكون شوقا إلى ~~الله؟ أو جاءت من الله تشويقا للكون إليه؟ # لا يستقيم القول على كلا الرأيين؛ فإن كان الكون قادرا على التحرك فقد بطل القول بالمحرك ~~الأول، وإن كانت الحركة من ms110 قبل الله فحركة واحدة كألف حركة، بل كجميع الحركات من أكبر ~~الموجودات إلى أصغر الخليات. # ومع هذا لا تناقض بتة بين تفكيره في الخلق وتفكيره في أشرف الموجودات؛ لأن أشرف وجود هو ~~الوجود الذي يليق بالإله الخالق المنعم القادر على كل شيء، ولن يكون الإله خالقا بغير خلق، ~~ولا منعما بغير إنعام، ولا قادرا بغير تقدير. # وإذا تركنا الجانب الفلسفي، وحصرنا مسألة التكليف في حدودها الاجتماعية، فالقائلون ~~بالمؤثرات الطبيعية أنفسهم يوجبون التكليف مع إنكارهم لوجود الله، ولا يمنعون مجازاة ~~الإنسان بعمله إلا أن يكون «إنسانا غير مسئول عن عمله»؛ كالمجنون والمريض والمكره على ~~الإجرام، وهم لا يخرجون بذلك عن حكم القرآن الذي يقول: # لا يكلف ~~الله نفسا إلا وسعها ~~، # 35 # ويقول: # ليس على الأعمى حرج ولا على ~~الأعرج حرج ولا على المريض حرج ~~، # 36 # ويعفي الجاني المكره على جنايته # إلا من أكره ~~وقلبه مطمئن بالإيمان ~~، # 37 # فمن اضطر غير باغ ولا عاد ~~، # 38 # ثم يرضى عن الآثم بالتوبة والإصلاح: # إلا الذين ~~تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم ~~. # 39 # ومهما يقل القائلون باضطرار الإنسان؛ لانطباعه على عمله بحكم الوراثة أو بحكم البيئة أو ~~بحكم المزاج، فهم لا يقولون ببطلان فائدة التكليف على الإطلاق؛ لأن المشاهد أن الإنسان ~~يستسهل الإثم الذي لا عقاب عليه، ويستصعب الإثم الذي يخشى عليه العقاب، وأنه لا يعلم ما ~~ينطوي عليه من القدرة على الإحسان واجتناب الإساءة، فلا يزال بحاجة إلى الحافز والوازع ~~لاستبطان تلك القدرة، واستخراج غاية ما تنطوي عليه. # ونعود بعد هذا وذاك فنقول: إن الإله الذي لا يكلف ولا يصرف، إله ملغي من حساب البشر، فلا ~~يصلح لهم في مجال الإيمان ولا مجال التفكير. # أما العالم الذي يتساوى فيه التكليف، ويتساوى فيه العمل، ويتساوى فيه الجزاء، فليس بعالم ~~موجود. # فالعالم الذي يتساوى فيه كل شيء لا شيء فيه. # لأن «التشيؤ» معناه تمييز شيء عن شيء، ووقوع الاختلاف بين أشياء وأشياء. # ولو تساوت الأشياء لاختلف بها الزمان، ولو تساوى الزمان لما كان ms111 هناك معنى لاختلاف شيء ~~منها عن شيء، وهي على تعددها تتشابه في جميع الخصائص وفي جميع الأعمال، وفي جميع ~~الأوقات. # فامتناع الاختلاف بالنسبة للأشياء عدم. # والمساواة بينها على تجدد الاختلاف بينها خلل وظلم ومباينة للمعقول. # فإذا حدث العالم المخلوق فلا بد فيه من اختلاف. # وإذا حدث فيه الاختلاف فلا بد من اختلاف التقدير واختلاف التكليف واختلاف الأعمال. # أما أن نبطل المخلوق، ونبطل ما يلزمه من صفات المخلوق، فمعنى ذلك أن يخلق الله خالقا ~~مثله في الكمال والدوام بغير ابتداء ولا انتهاء. # وذلك محال. # وأقل ما فيه من فارق أن يكون هناك فضل للإله الخالق على الإله المخلوق. # ثم يلزم من ذلك ما لزم عند أصحاب القول بالعقول العشرة، أو بتوالي الموجودات من واجب ~~الوجود إلى العقل الأول إلى سائر العقول والنفوس التي تتوالى من مصدر إلى مصدر في عالم ~~الإمكان. # فالإله المخلوق سيخلق إلها دونه في صفات الكمال، والإله الذي خلقه سيخلق ما دونه حتى ~~ينتهي الأمر إلى مخلوقات كهذه المخلوقات التي نراها على اختلاف كبير في العمل ~~والتقدير. # فالعالم الذي لا اختلاف فيه لا شيء فيه. # والعالم الذي تختلف فيه الأشياء محال أن يتفق فيه التقدير والتكليف. ~~••• # فلم يبق من فروض الإلهية الدينية غير فرض واحد يقبله العقل ويستقيم عليه الاعتقاد؛ وهو ~~فرض الإله الذي يخلق الخلق على اختلاف في التقدير والتكليف. # ولا اعتراض على هذا الفرض الوحيد إلا أن يقال: إن التفرقة بين الناس بقضاء السعادة لقوم ~~وقضاء الشقاوة لآخرين ظلم يناقض صفة العدل التي يتصف بها الإله القدير الرحيم. # ولكنه اعتراض لا يصمد للنظر طويلا دون أن يتبين له أنه لم يثبت على أساس متين؛ لأن العدل ~~الأعظم هو العدل الذي يناط به قوام الموجودات، ولا قوام للموجودات كما أسلفنا مع المساواة ~~المطلقة في التقدير والتكليف. # ولأن عدل الإله السرمدي إنما يتعلق بالأبد كله، ولا ينحصر في حالة من الحالات التي تتتابع ~~بها الأزمان، وفي مجال الأبد متسع للتصحيح والتعديل، وبقية دائمة للموازنة والمراجعة، ~~وللتسوية بين الأقدار ms112 والأطوار، إلى انتهاء مقدور، أو إلى غير انتهاء. # ومن أراد من الأبد أن يحصر حكمته في لحظة واحدة أو في عصر واحد أو كوكب واحد من هذه ~~العوالم - التي لا نعرف عدادها - فقد أخطأ في حكم العقل، ولم يكن قصاراه أنه أخطأ في حكم ~~الدين. # ومع هذا نستطيع أن نلحظ في التقديرات الزمنية بعض الدلائل على الحكمة الأبدية التي تقصر ~~على الإحاطة بها مدارك أبناء الفناء. # فوجود الله لم يحرم الناس حرية كانت تكون لهم بغير وجود الله. # وقد أعطاهم الله حظوظا من الحرية هي هذه الحظوظ التي يملكونها في هذه الحياة. # ولكن المنكرين قد تعودوا أن يسخروا من هذا القول، وأن يصوغوه في الصيغة التي يحسبونها ~~مواتية للسخرية، التفنيد، فيقولوا: نعم، إن الله قد خلق للناس الحرية ... أي أنه اضطرهم أن ~~يكونوا أحرارا مختارين ... # يقولون ذلك ويحسبونه غاية الغايات في السخرية والتفنيد؛ ولو استطاعوا أن يقابلوه بصيغة ~~واحدة تسلم من الإحالة لحق لهم أن يسخروا منه، ولا يطمئنوا إليه. # فإذا كان الله قد اضطر الناس أن يكونوا أحرارا فقد أصبحوا أحرارا كما أراد، وهذا هو ~~الذي يعنينا من الحرية كيفما كان السبيل إليها. # ولا مقابل لهذا القول إلا أن يقال: بل ينبغي أن يخلق الناس الحرية لأنفسهم كما يريدون، ~~وأن تطيعهم الأكوان في كل ما أرادوه، وأن تطيع كلا منهم على حدة في كل خاطرة تخطر لأحدهم ~~وكل رغبة تهجس في ضمير هذا أو ضمير ذاك. # وليس هذا هو القول الذي ينجو بصاحبه من السخرية والتفنيد؛ لأنه حالة من حالات الوهم، لا ~~تصح في الخيال فضلا عن صحة التفكير أو صحة الاعتقاد. # ومتى رجعنا إلى الله بخلق الحرية؛ فكيف تكون هذه الحرية التي يخلقها الله؟ # أيخلق الله لكل إنسان حرية إله فعال لما يريد؟ # ذلك محال. # أم يخلق لهم حرية المساواة في الأقدار والأعمال؟ # ذلك أمر لا يقوم به قوام للموجودات في عالم الحدود. # فإذا لم تكن حرية آلهة ولا حرية تنفي الفوارق والأقدار، فهي إذن هذه الحظوظ من ms113 الحرية ~~التي رأيناها للخلق في هذه الحياة. # وقد ساء ظنا وساء فهما من يرى أن الله قد أعطى الخلق قوامه بهذه الحظوظ، وهذه القسم، ~~وهذه الأقدار، ثم يفوته أن قوام الخلق لا ينتهي إلى ظلم واختلال، وهو في ذمة الغيب وذمة ~~الأبد، ولا يمكن أن يكون في الحاضر، ولا في ذمة العلم الذي يحيط به أبناء الفناء. # وعلى هذا يستطيع المسلم أن يؤمن بكل حكم من أحكام القرآن في مسألة القضاء والقدر على تعدد ~~الجوانب التي تناولتها هذه الأحكام؛ لأنه يؤمن عقلا بأن وجود الله يبطل قيام التكليف، وأن ~~قيام التكليف لا يبطل اختلاف الحظوظ والأقدار، وأن اختلاف الحظوظ والأقدار لا يختم قدرة ~~الله في الأبد الأبيد على تحقيق العدل فيما قضاه. # وهنا محل الإيمان بما يرجع إلى الغيب ولا تحصره الشهادة. # ولكن الإيمان بالغيب إيمانان: إيمان بما لا يعقل، وهو تسليم مزعزع الأساس. # وإيمان بما ينتهي إليه العقل حين يبلغ مداه، وهكذا يكون الإيمان إن كان لا بد من ~~إيمان. # ولا بد من إيمان. # | الفرائض والعبادات # الفريضة الدينية أدب يراد به صلاح الفرد أو صلاح الجماعة. # ومن محاسن الفرائض الإسلامية أن كل فريضة منها تؤدي إلى المقصدين، وتجعل لإنسان ذي ~~ضمير، ولجماعة ذات ضمير. # فصلاة الجماعة - في يوم الجمعة - واجب على المسلمين مقدم على البيع والشراء ومطالب ~~المعاش: # يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من ~~يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم ~~خير لكم إن كنتم تعلمون ~~. # 1 # نعم، خير من مطالب المعاش، ولا شك أن تعلو الجماعة سرا وعلانية - في يوم من الأيام - عن ~~صغائر الشح والجشع وهموم الدنيا؛ لتخرج من ضيق هذه الشواغل المحصورة، وتعرف لحياتها غاية ~~أرفع من هذه الغاية، وقسطاسا أقوم من هذا القسطاس، وتذكر ما ينفعها ذكره كلما ~~استغرقها ذكر المنافع والغوايات، وترى عظماءها وصغراءها معا في ساحة واحدة، بين يدي العظمة ~~الإلهية التي تطامن من كبرياء العظيم، وترفع من رجاء الصغير. # وإذا صلى المسلم منفردا في سائر الأيام فهو في ms114 انفراده لا يغيب عنه شعوره بآصرة القربى ~~بينه وبين الجماعة الإسلامية في أقطار الأرض من شمال إلى جنوب ومن مشرق إلى مغرب؛ لأنه يعلم ~~أنه في تلك اللحظة يتجه وجهة واحدة مع كل مسلم على ظهر الأرض يؤدي فريضة الصلاة، ويستقبل ~~معه قبلة واحدة، ويدعو بدعاء واحد، وإن تباعدت بينهم الديار. # وحسبه أن يقف بين يدي الله خمس مرات من مطلع الشمس إلى مغيبها؛ لتمتزج حياته بالعنصر ~~الإلهي، ويتمثل الوازع الأعلى نصب عينيه ما بين كل صلاة وصلاة ... # إن ~~الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ~~، # 2 # ولا شيء أقمن بالنهي عنهما من الشعور بوزرهما كلما تمرست النفس بالدنيا بضع ~~ساعات من ليل أو نهار. ~~••• # والزكاة مصلحة للجماعة؛ لأنها تقيم دعائم التعاون بين المجدودين والمحرومين، وتعالج مشكلة ~~الفقر والحاجة علاجا يقوم على التعاطف والولاء بين من يعول ومن يعال، وهي إلى هذا رياضة ~~للنفس يأخذ منها الواهب كما يأخذ الموهوب؛ لأنها تعودها نبل التضحية بالمال العزيز على ~~النفوس، وتعلمها مغالبة الحرص والسماح بالبذل والإيثار، وتلقي في روعها أنها مسئولة عن ~~غيرها فيما تكسبه بسعيها وتدبيرها، فتشعر بتكافل الجماعة شعورا يخرجها من ضيق الأثرة ~~والانفراد. ~~••• # والحج «مؤتمر عالمي» يعقده المسلمون مرة في موعده المعلوم من كل عام، يجتمعون فيه إلى ~~صعيد واحد، فيتعارفون ويتشاورون، ويفضي بعضهم إلى بعض بما يعلمون من أحوالهم وما يشكون من ~~متاعبهم ورزاياهم، ويستعيدون ماضيهم كرة بعد كرة، فلا يصبرون طويلا على حاضر دون ذلك ~~الماضي العظيم، ونعم العمل المشترك عمل لا ينقطع عاما من الأعوام، ولا يزال حافزا للهمم ~~باعثا للذكرى كلما تجدد على مر السنين. # أما الفرد فله من الحج رياضة على المشقة ومنشط من طول اللبث والجمام، وعلم بما يجهله ~~المقيم في مكانه، وهو علم يستفاد من السياحة ولا يستفاد من غيرها، ويحث عليه القرآن الكريم؛ ~~لأنه يفتح البصائر والقلوب، ويقشع عمى الأبصار، وحجاب الأسماع: # أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو ~~آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى ~~القلوب التي ms115 في الصدور ~~. # 3 # والصيام في مظهره الاجتماعي يعطينا مظهر أسرة عظيمة - من مئات الملايين - تنتشر في جوانب ~~الأرض وتقترن شعائرها الدينية كل يوم بأمس ما يحس الإنسان في معيشته اليومية؛ وهو أمر ~~الطعام والشراب ومتع الأجساد؛ ملايين من الناس في جوانب الأرض يطعمون على نظام واحد ويمسكون ~~عن الطعام على نظام واحد، ويستقبلون ربهم على نظام واحد، وقلما انتظمت أسرة بين جدران بيت ~~على مثل هذا النظام. # أما الفرد فيستفيد منه خير ما يستفيده الإنسان في حياته الروحية أو حياته الخلقية؛ وهو ~~ضبط النفس وشحذ عزيمتها وقدرتها على الفكاك من أسر العادات وتطويع الجسد لدواعي العقل ~~والروح. # والصيام الإسلامي هو أجدى ضروب الصيام في تحقيق هذا المقصد؛ لأنه يجدد القدرة على ذلك كل ~~يوم مدى شهر من شهور السنة، ولا يكون قصاراه نقلة واحدة من عادة شهور إلى عادة شهور. # ويقول بعض المتعللين بقواعد الصحة: إن الصيام على هذا النحو يخل بوظائف الهضم وما يتصل ~~بها من الوظائف الجسدية! وهو قول لا يؤيده الواقع المشاهد في اختلاف أحوال البنية الحية في ~~تدبير طعامها وشرابها على اختلاف المنبت والإقليم وعادات المعيشة، وما رأينا الناس قد ~~احتاجوا قط إلى تربية اجتماعية قوية أو تربية فردية عالية، إلا كان قوامها ترويض الجسد على ~~طعام غير طعامه المألوف وتعريضه لطوارئ من تقلبات الجو وتقلبات المعيشة غير التي تعرض لها ~~ونشأ عليها، كذلك تربى الجيوش، وكذلك يربى الملوك والأمراء. # وتلحق «بفكرة» الفرائض الدينية فكرة العيدين في الإسلام؛ وهما: عيد الفطر، وعيد الأضحى، ~~فعيد الفطر تحية للواجب، وعيد الأضحى تحية للفداء، وليس للنفس الإنسانية غاية من الأدب بعد ~~رياضتها على الواجب ورياضتها على الفداء. # ومدار هذه الفرائض كلها على السماحة واليسر لا على العسر والإرهاق. # ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه ~~سبيلا ~~. # 4 # وما جعل عليكم في الدين من ~~حرج ~~. # 5 # يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم ~~العسر ~~. # 6 # تلك رءوس الفرائض التي تعلمها المسلمون من كتابهم. ~~••• # إن كانت للجماعة البشرية عقيدة دينية ms116 فلا بد للعقيدة الدينية من شعائر، وليس بين هذه ~~الشعائر ما هو خير للمعتقدين من شعائر الإسلام. # | التصوف # من آراء بعض الباحثين - سواء في الشرق والغرب - أن التصوف دخيل على الدين الإسلامي، وأن ~~اسمه نفسه مقتبس من كلمة يونانية هي كلمة الثيوسوفي # Theosophy # أي الحكمة الإلهية. # واختلفوا في أصل التسمية فاستبعد بعضهم اقتباسها من اليونانية، وردوها تارة إلى أهل ~~الصفة، وتارة إلى لبس الصوف، وتارة إلى الصفاء. # ومنهم من قسم التصوف قسمين: قسم يقوم على طلب المعرفة؛ وهو في رأيهم من بقايا مدارس ~~الفلسفة اليونانية، ولا سيما مدرسة الإسكندرية، وقسم يقوم على تصفية النفس بالعبادة ~~والانقطاع عن الدنيا و«الفناء» في الله، ومرجعه إلى أهل الهند الذين يؤمنون «بالنرفانا» ~~ويعتبرونها غاية الغايات في الاتصال بالذات الإلهية. # ومما لا شك فيه أن بعض التصوف دخيل في الإسلام؛ وهو التصوف الذي يقول بالحلول ووحدة ~~الوجود، ويغلب على النساك والمتفلسفة الذين جاوروا الهند، وأطراف البلاد الفارسية. # ومما لا شك فيه كذلك أن تخوم الهند وأطراف البلاد الفارسية كانت أصلح لانتشار بعض الطرق ~~«السرية» التي لا ترضى عنها الدولة ولا سيما في عهد بني أمية؛ فإن الطرق السرية كانت تعلم ~~الناس الإيمان بالإمام المستور، وإنكار السلطان الظاهر، وكان الغضب من السلطان الظاهر على ~~أشده بين «الشعوبيين» أو بين غير العرب من المسلمين؛ لأن العرب استأثروا بدولة بني أمية، ~~وصبغوها بالصبغة القومية، فكان هناك أكثر من عامل واحد لرواج التصوف بين الفرس وأبناء الأمم ~~الإسلامية غير العربية، ومن ثم شاع القول بأن التصوف دخيل على الإسلام من أساسه، وأنه بقية ~~من بقايا الفلسفة الهندية أو اليونانية ولا سيما «الأفلوطونية» وهي مزيج من عبادات مصر ~~وعقائد الهند وفلسفة اليونان. # لكن التصوف في الحقيقة غير دخيل في العقيدة الإسلامية؛ لأنه كما قلنا في كتابنا عن أثر ~~العرب في الحضارة الأوروبية مبثوث في آيات القرآن الكريم، مستكن بأصوله في عقائده الصريحة، ~~فالمسلم يقرأ في كتابه أن # ليس كمثله شيء وهو ~~السميع البصير ~~، # 1 # فيقرأ خلاصة العلم الذي يعلمه دارس ms117 الحكمة الإلهية، ويقرأ في كتابه: # ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين ~~، # 2 # فيعلم ما يعلمه تلاميذ المتصوفة البوذيين حين يؤمنون بأن ملابسة العالم تكدر ~~سعادة الروح، وأن الفرار منه أو الفرار إلى الله هو باب النجاة، ويقرأ في كتابه أن الله # هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو ~~بكل شيء عليم ~~، # 3 # و # كل شيء هالك إلا وجهه ~~، # 4 # فلا يزيده المتصوفة شيئا حين يقولون له: إن الله أزلي أبدي، قديم بغير زمان ~~ولا مكان، عليم بالكليات والجزئيات، ويقرأ في كتابه أن # الله نور ~~السماوات والأرض ~~، # 5 # ولله المشرق والمغرب فأينما ~~تولوا فثم وجه الله ~~، # 6 # ونحن أقرب إليه من حبل ~~الوريد ~~، # 7 # فلا يزيد المتصوفة إلا التفسير حين يقولون: إن الوجود الحقيقي هو وجود الله، ~~وأنه أقرب إلى الإنسان من نفسه؛ لأنه قائم في كل مكان يصلي له كل كائن # وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون ~~تسبيحهم ~~. # 8 # ومن القرآن الكريم يعلم المسلم الخلاف بين عالم الظاهر وعالم الباطن أو عالم الحقيقة ~~وعالم الشريعة؛ لأنه يقرأ مثلا واضحا لهذا الخلاف فيما كان بين الخضر وموسى عليهما السلام ~~من خلاف ... # فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة ~~من عندنا وعلمناه من لدنا علما * قال له ~~موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا * قال إنك لن تستطيع معي صبرا * ~~وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا * قال ~~ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا * ~~قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ~~ذكرا * فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة ~~خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا ~~* قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا * قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري ~~عسرا * فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله قال ~~أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا * قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا * قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد ms118 ~~بلغت من لدني عذرا * فانطلقا حتى إذا أتيا ~~أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا ~~فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لاتخذت ~~عليه أجرا * قال هذا فراق بيني وبينك ~~سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا * ~~أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن ~~أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا * وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن ~~يرهقهما طغيانا وكفرا * فأردنا أن يبدلهما ~~ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما * وأما ~~الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز ~~لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ~~ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري ~~ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا ~~. # 9 # فالمسلم الذي يقرأ هذه الآيات - وهو مطبوع على التصوف والبحث عن خفايا الآثار ودقائق ~~الحكمة - يجد فيها غناء من الأصول الصوفية، ولا يفوته إذا اكتفى بها أن ينشئ منها مدرسة ~~صوفية إسلامية تلتقي بالمدارس الأخرى في كثير، وتنفصل عنها في كثير، ولكنها لا تنعزل عن ~~لباب التصوف «بالطبع والفطرة» كما يرى بعض المعقبين على الصوفية الإسلامية التي يستمدها ~~المسلم من الدين. # ولكن القرآن حين يفتح للمسلم أبواب الحياة الروحية يحرم عليه أن يوصد بيديه أبواب الحياة ~~الجسدية، وينهاه أن يترك العمل لينقطع عن الدنيا وينسى نصيبه منها. # وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس ~~نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ ~~الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين ~~. # 10 # يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا ~~طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب ~~المعتدين ~~. # 11 # يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ~~ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ~~. # 12 # يا أيها الناس كلوا مما في الأرض ~~حلالا طيبا ~~. # 13 # فالحياة الروحية في الإسلام تجري على سنن القصد الصالح للحياة البشرية، لا استغراق في ~~الجسد، ولا انقطاع عنه في سبيل الآخرة، قوام بين هذا وذاك. # وإذا كان الإسلام قد عرف ms119 أناسا من «النساك» الذين تفرغوا للمطالب الروحية فإنما كان ذلك ~~على سنة التخصص في كل مطلب من مطالب الحياة الإنسانية، ولم يكن من قبيل الإلغاء أو التعطيل ~~لمطلب من هذه المطالب الضرورية. # فليس في تخصيص إنسان لعلم الطب مثلا إلغاء أو تعطيل لغيره من العلوم الشريفة التي يتم ~~بها قوام المعارف الإنسانية، وليس في التخصص إيجاب واستنكار وإنما هو سبيل التعميم ~~والاستفادة من كل ملكة في الذهن والذوق والروح، ولا يوجب الإسلام التنسك على جميع المسلمين؛ ~~لأن أناسا منهم تخصصوا له وفضلوه على مطالب الروح أو مطالب الجسد الأخرى، ولكنه يجيزه ~~بالقدر الذي بيناه، وهو القدر الذي لا غنى عنه في تدبير حياة الإنسان. # فالملكات الإنسانية أكثر وأكبر من أن ينالها إنسان واحد، ولكنها ينبغي أن تنال، فكيف يمكن ~~أن تنال؟ # إنها لا تنال إلا بالتخصص والتوزيع، ولا يتأتى هذا التخصص أو هذا التوزيع إذا سوينا بينها ~~جميعا في التحصيل وألزمنا كل أحد أن تكون له أقساط منها جميعا على حد سواء. # ولا نقصر القول هنا على الملكات العقلية أو الروحية التي لا يسهل إحصاؤها ولا تحصيلها، ~~ولكنا نعم به هذه الملكات ومعها ملكات الحس والجسد، وهي محدودة متقاربة في جميع ~~الناس. # فهذه الملكات الجسدية - فضلا عن الملكات العقلية والروحية - قابلة للنمو والمضاعفة إلى ~~الحد الذي لا يخطر لنا على بال ولا نصدقه إلا إذا شهدناه. # وقد رأينا ورأى معنا ألوف من الناس رجلا أكتع يستخدم أصابع قدمه في أشياء يعجز ~~الكثيرون عن صنعها بأصابع اليدين؛ يكتب بها، ويشعل عيدان الثقاب، ويصنع بها القهوة ويصبها ~~في الأقداح ويشربها ويديرها على الحاضرين، ويسلك الخيط في سم الإبرة ويخيط الثوب الممزق، ~~ويوشك أن يصنع بالقدم كل ما يصنع باليمنى أو باليسرى. # ورأينا ورأى معنا ألوف من الناس لاعبي البليارد في المسابقات العامة يتسلمون العصا ثم لا ~~يتركونها إلا بعد مائة وخمسين إصابة أو تزيد، ولعلهم لا يتركونها إلا من تعب أو مجاملة ~~للاعبين الآخرين، وهم يوجهون بها الأكر إلى حيث يريدون ويرسلونها ms120 بين خطوط مرسومة لا تدخل ~~الأكر في بعضها ولا تحسب اللعبة إذا لم تدخل في بعضها الآخر، بحيث لو قال لك قائل: إن هؤلاء ~~اللاعبين يجرون الأكر بسلك خفي لجاز لك أن تصدق ما يقول. # ورأينا من يقذف بالحربة على مسافات فتقع حيث شاء، ورأينا من ينظر في آثار الأقدام ~~فيخرج منها أثرا واحدا بين عشرات، ولو تعدد وضعه بين المئات، ورأينا من يرمي ~~بالأنشوطة في الحبل الطويل فيطوق بها عنق الإنسان أو الحيوان على مسافة أمتار. # هذه هي الملكات الجسدية المحدودة، وهذه هي آماد الكمال الذي تبلغ إليه بالتخصيص والمرانة ~~والتوزيع. # فما القول إذا حكمنا على الناس جميعا أن يكسبوا أعضاءهم ملكة من هذه الملكات؟ إننا نخطئ ~~بهذا أيما خطأ ونعطلهم به عن العمل المفيد، ولكننا نخطئ كذلك كل الخطأ إذا حجرنا على ~~إنسان؛ لأنه أتقن ملكة من هذه الملكات الجسدية، ولو جار في نفسه على ملكات أخرى يتقنها ~~الآخرون. # فإذا كنا جاوزنا بالقوى الجسدية حدودها المعهودة بالمرانة والتخصيص، فما الظن بالقوى ~~الروحية أو العقلية وهي لا تتقارب في الناس هذا التقارب ولا تقف عند هذه الحدود؟ # وإذا كان طالب القوة الروحية يؤثرها على جسده فلماذا نلومه، وننحي عليه، ونحن لا ننحي على ~~اللاعب إذا آثر المهارة في اللعب على المهارة في فنون العقل أو الكمال في مطالب ~~الروح؟ # إذا لمنا من يجور على جسده؛ لأنه يضر الناس إذا اقتدوا به أجمعين فمن واجبنا أن نلوم كل ~~ذي ملكة وكل ذي عمل وكل ذي فن وكل ذي رأي من الآراء، فما من واحد بين هؤلاء إلا وهو يضر ~~الناس إذا اقتدوا به أجمعين! # ومما لا جدال فيه أن نوازع الجسد تحجب الفكر عن بعض الحقائق الاجتماعية فضلا عن الحقائق ~~الكونية المصفاة. # ومما لا جدال فيه أن شواغل العيش وهموم الأسرة عائق عن بعض مطالب الإصلاح في الحياة ~~اليومية، فضلا عن الحياة الإنسانية الباقية على مر الدهور. # ومما لا جدال فيه أن طالب القوة الروحية كطالب القوة البدنية، له حق ms121 كحق المصارع والملاكم ~~وحامل الأثقال في استكمال ما يشاء من ملكات الإنسان، ولسنا على حق إذا أخذنا عليه أنه جار ~~على جسده أو لذات عيشه؛ لأننا لا نلوم المصارع إذا نقصت فيه ملكة الفن أو ملكة العلم أو ~~ملكة الروح. # لو أصبح كل الناس مصارعين لفسد كل الناس، ولكن لا بد من المصارعة مع هذا، ولا بد من ~~المتفرغين لها إذا أردنا البقاء. # ولو أصبح الناس كلهم متصوفين معرضين عن شواغل الدنيا لفسدت الدنيا وبطل معنى الحياة ومعنى ~~الزهد في الحياة، ولكن لا بد من هذه النزعة في بعض النفوس، وإلا قصرنا عن الشأو الأعلى في ~~مطالب الروح وفقدنا ثمرة «التخصص»، أو ثمرة «القصد الحيوي» الذي ينظم لنا ثروة الروح وثروة ~~العقول وثروة الأبدان. ~~«القصد الحيوي» مكفول بشريعة القرآن في كل مطلب من هذه المطالب الروحية؛ فهي مباحة لمن ~~يطيقها، وهي لا تفرض على جميع المسلمين. # ولا بد من هذه الإباحة، ولا بد من هذا الإعفاء؛ فإنهما يجريان بالقدر الذي يفيد ويمنع ~~الضرر في كلتا الحالتين. # | الحياة الأخرى # الأديان الكتابية على اتفاق في الإيمان بالحياة بعد الموت، وإن اختلفت بينها بعض ~~الاختلاف في تمثيل تلك الحياة. # وقد آمن الفلاسفة بالحياة الأخرى قبل الأديان الكتابية جميعا وبعدها. # فمن أشهر المؤمنين بها من الفلاسفة السابقين أفلاطون، ومن أشهرهم في العصر الحديث عمانويل ~~كانت، وهما يجمعان أطراف الآراء الفلسفية في سبب الإيمان ببقاء النفس بعد الموت. # فالنفس في مذهب أفلاطون جوهر مجرد بسيط لا يقبل التجزئة ولا الانحلال، وهي قوام الحياة، ~~وما هو حياة لا يمكن أن يعود «لاحياة» كما أن «اللاحياة» لا يمكن أن تحيي المادة ~~الصماء. # ولكن النفس تتلبس بالمادة في معارج الترقي والتطهير، وتخلص من المادة - طورا بعد طور - ~~لتعود إلى عنصرها الأول من الحرية والصفاء. # وبقاء النفس في مذهب «كانت» مرتبط برأيه في «القانون الأخلاقي» الذي تدين به فطرة ~~الإنسان، ويدل على إرادة إلهية فوق إرادة الآحاد والجماعات؛ فإن الإنسان مفطور على أن يفهم ~~الواجب، وأن يفهم أن الواجب ms122 هو العمل الذي يصلح للاقتداء به، وأنه يتخذ قاعدة عامة تطلب من ~~جميع الناس. # وليس من المعقول أن يغرس في النفس قانون كهذا ثم يشقى من يدين به ويسعد من ينبذه ويخرج ~~عليه، فالحكمة التي غرست هذا القانون في الطباع خليقة أن ترد الأمر إلى نصابه في حياة بعد ~~هذه الحياة؛ لأن الجزاء العدل لا يتم كله في حظوظ هذه الحياة. # ونريد من الإشارة الموجزة إلى رأي هذين الفيلسوفين، أن يذكر الناظرون في مسألة الحياة بعد ~~الموت أنها مسألة بحث وتفكير، وليس قصاراها أنها مسألة اعتقاد وإيمان. # فالعقل لا يخرجها من متناول بحثه، وأصحاب العلم التجريبي أنفسهم لا يملكون من أسانيدهم ~~العلمية ما يسوغ لهم بإغلاق الباب فيها؛ لأنهم لم يحصروا قط طبيعة الحياة، ولم يثبتوا قط ~~أنها وليدة المادة الصماء، فليس لهم أن ينقضوا ويبرءوا في طبيعة شيء ليس بالمحصور في عملهم ~~وليس مقطوعا لديهم بأصل تكوينه وغاية مصيره. # لكن العقل نفسه يستلزم فارقا لا بد منه بين تمثيل الحقيقة للبحث والتفكير، وتمثيل هذه ~~الحقيقة بعينها للتدين والاعتقاد. # فالحقيقة الاعتقادية لا بد أن تمتزج بتصور المؤمنين بها؛ لأن الخطاب فيها موجه إلى ملايين ~~من البشر منهم العارف والجاهل، ومنهم الذكي والغبي، ومنهم كبير النفس وصغيرها، ورفيع الحس ~~ووضيعه، ومنهم من يطلب الكمال ومن لا يعرف كمالا يطمح إليه. # فلا بد من توضيح الحقيقة الاعتقادية بالمحسوسات في كثير من الأحوال، وعلى هذا ينبغي أن ~~يروض فكره كل من ينظر إلى عقيدة الحياة الأخرى في القرآن الكريم. # فالقرآن الكريم يفرض على المؤمنين عقيدة البعث والحساب، ويدعوهم إلى الإيمان بالنعيم ~~والعذاب. # والجنة هي مقر النعيم. # والنار هي مقر العذاب. # وفي القرآن أوصاف محسوسة للجنة كما وصفت في سورة الواقعة: # في ~~جنات النعيم * ثلة من الأولين * ~~وقليل من الآخرين * على سرر موضونة * متكئين عليها متقابلين * يطوف ~~عليهم ولدان مخلدون * بأكواب وأباريق ~~وكأس من معين * لا يصدعون عنها ولا ينزفون ~~* وفاكهة مما يتخيرون * ولحم ~~طير مما يشتهون * وحور عين * ~~كأمثال اللؤلؤ المكنون * جزاء بما ms123 كانوا ~~يعملون * لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما * إلا قيلا سلاما سلاما ~~. # 1 # وفي القرآن أوصاف محسوسة للنار كما وصفت في سورة الفرقان: # بل ~~كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا * إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا ~~وزفيرا * وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين ~~دعوا هنالك ثبورا ~~. # 2 # ولكن من المتفق عليه بنص القرآن ونص الحديث النبوي الشريف أن هذه الموصوفات غير ما يرى ~~ويعهد في هذه الحياة: # فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من ~~قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ~~، # 3 # والنبي عليه السلام يقول: «فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب ~~بشر.» # والواقع أن المسلمين يفهمون من هذه الصفات معنى النعيم ومعنى العذاب ولا يخل فهمهم لهذا ~~أو لذلك بالغرض المقصود من وعد الله ووعيده بالمثوبة والعقاب. # فالإمام فخر الدين الرازي مثلا يقول في تفسير الاتكاء على السرر الموضونة: «معناه أن كل ~~أحد يقابل كل أحد في زمان واحد، ولا يفهم هذا إلا فيما لا يكون فيه اختلاف جهات، وعلى هذا ~~فيكون معنى الكلام أنهم أرواح ليس لهم أدبار وظهور، فيكون المراد من السابقين هم الذين ~~أجسامهم أرواح نورانية جميع جهاتهم وجه، كالنور الذي يقابل كل شيء.» # وهذا فهم فيلسوف باحث في الجواهر والأعراض، وفي مطالب الأرواح والأجسام. # ويفهم المتصوفة أن نعيم الحياة الباقية كله هو الوصول إلى الله، ولا يتطلعون إلى جزاء غير ~~هذا الجزاء. # سمعت رابعة العدوية قارئا يتلو قوله تعالى: # وفاكهة مما ~~يتخيرون * ولحم طير مما يشتهون ~~، # 4 # فقالت: نحن إذن صغار حتى نفرح بالفاكهة والطير. # وسمع الشبلي قوله تعالى: # منكم من يريد الدنيا ومنكم ~~من يريد الآخرة ~~، # 5 # فصاح صيحة عظيمة وقال: فأين الذين يريدون الله تعالى؟ وكان يقول في قوله تعالى: # كلوا واشربوا ~~: # 6 ~~«إن كان ظاهره إنعاما فباطنه انتقام وابتلاء واختبار؛ لينظر تعالى من هو معه ~~ومن هو من حظ نفسه.» ~~••• # فوصف الحقائق بالمحسوسات - كما رأينا - تعبير يفهمه الخواص الذين يرتفعون بالفهم وبمطالب ~~النفس الباقية ms124 عن طبقة الجهلاء. # ولكن هل التعبير بالمعاني المجردة والحقائق المثالية مفهوم عند هؤلاء الجهلاء؟ إننا نعلم ~~جميعا أن أحوج الناس إلى الإيمان بالحساب - بل أحوجهم إلى وازع الدنيا كله ~~- هم طبقة الجهلاء الذين تستغرقهم المحسوسات ولا يخلصون ~~منها إلى تجريد المعاني والشعور بحب الحقيقة وتقديس الكمال، وهؤلاء لا يعتقدون إلا بما ~~يحسون ويفقهون، فإما عقيدة تمتزج عندهم بشعورهم وتصورهم، وإما إباق من كل عقيدة وفكاك من كل ~~تكليف، وبهذا تبطل كلمة العقيدة في الجماعات البشرية كل البطلان. # ولا معدى إذن من إحدى صورتين لعقائد الجماعات البشرية. # إما أسلوب يحقق الحكمة من العقيدة عند جميع الناس خاصة وعامة، ولا بد فيه من التعبير عن ~~المعاني بالمحسوسات. # وإما أسلوب يترك الخاصة لأنفسهم، وينفي العامة عن حظيرة الاعتقاد، وهو لا يحقق الحكمة من ~~العقيدة بحال. # في ذلك الأسلوب لا خسارة على أحد من الخاصة أو العامة وفي هذا الأسلوب لا فائدة للخاصة ~~ولا للعامة؛ لأن الخاصة متروكون لأنفسهم يفهمون ما يفهمون بمعزل عن الوحي والرسالة؛ ولأن ~~العامة محجوبون عن الوحي والرسالة بكل حجاب. # وقد ضلل بعض المغرضين من دعاة الأديان عقولا كثيرة في شتى الأقطار حين زعموا أن الخطاب ~~بالمحسوسات في أمر الجنة والنار مقصور على العقيدة الإسلامية، وأن المؤمنين بالدين لا ~~يؤمنون به إلا إذا كانوا من المؤمنين بالقرآن. # فالأنبياء والقديسون في جميع الأديان الكتابية قد تمثلوا المحسوس في رضوان الله ووضعوه ~~على هذه الصفة في كتب العهد القديم والعهد الجديد، وفي كتب التراتيل والدعوات. # ففي العهد القديم يصغي أشعياء يوم الرضوان في الإصحاح الخامس والعشرين من سفره فيقول: ~~«يضع رب الجنود لجميع الشعوب في هذا الجبل وليمة سمائن: وليمة خمر على دردي سمائن ممخة: ~~دردي مصفى ويفنى في هذا الجبل وجه النقاب. النقاب الذي على كل الشعوب والغطاء المغطى به على ~~كل الأمم، يبلغ الموت إلى الأبد ويمسح السيد الرب الدموع من كل الوجوه.» # وفي العهد الجديد يقول يوحنا الإلهي في الإصحاح الرابع من رؤياه: «بعد هذا نظرت وإذا باب ~~مفتوح ms125 في السماء والصوت الأول الذي سمعته كبوق يتكلم معي قائلا: اصعد إلى هنا فأريك ما لا ~~بد أن يصير بعد هذا، وللوقت صرت في الروح وإذا عرش يعرض علي في السماء وعلى العرش جالس، ~~وكان الجالس في المنظر شبه حجر اليشب والعقيق وقوس قزح، حول العرش في المنظر شبه الزمرد، ~~وحول العرش أربعة وعشرون عرشا، ورأيت على العروش أربعة وعشرين شيخا جالسين متسربلين بثياب ~~بيض، وعلى رءوسهم أكاليل من ذهب، ومن العرش يخرج بروق ورعود وأصوات، وأمام العرش سبعة ~~مصابيح، نار متقدة هي سبعة أرواح الله، وقدام العرش بحر زجاج شبه البلور، وفي وسط العرش ~~وحول العرش أربعة حيوانات مملوءة عيونا من قدام ومن وراء، والحيوان الأول شبه الأسد، ~~والحيوان الثاني شبه عجل، والحيوان الثالث له وجه إنسان، والحيوان الرابع شبه نسر طائر ~~...» # ويقول في الإصحاح العشرين: «متى تمت الألف السنة يحل الشيطان من سجنه ويخرج ليضل الأمم ~~الذين في أربع زوايا الأرض: يأجوج ومأجوج؛ ليجمعهم للحرب، وعددهم مثل رمل البحر ... فنزلت نار ~~من عند الله من السماء وأكلتهم ... وإبليس الذي كان يضلهم طرح في بحيرة النار والكبريت ... وكل ~~من لم يوجد مكتوبا في سفر الحياة في بحيرة النار.» # ويقول في الإصحاح الحادي والعشرين: «ثم رأيت سماء جديدة وأرضا جديدة؛ لأن السماء الأولى، ~~والأرض الأولى مضيتا، والبحر لا يوجد فيما بعد، وأنا يوحنا رأيت المدينة المقدسة أورشليم ~~الجديدة نازلة من السماء من عند الله مهيأة كعروس مزينة لرجلها، وسمعت صوتا عظيما من ~~السماء قائلا: هو ذا مسكن الله مع الناس.» # وكانت آمال النعيم المحسوس تساور قلوب القديسين في صدر المسيحية فضلا عن عامة العباد بين ~~غمار الدهماء، ومن أشهر هؤلاء الأقطاب المعدودين رجل عاش في سورية في القرن الرابع للميلاد ~~وترك بعده تراتيل مقروءة يتغنى بها طلاب النعيم، وهو القديس إفرايم الذي يقول في إحدى هذه ~~التراتيل: «ورأيت مساكن الصالحين، رأيتهم تقطر منهم العطور ويفوح منهم العبير، تزينهم ضفائر ~~الفاكهة والريحان ... وكل من عف عن خمر الدنيا تعطشت إليه خمور ms126 الفردوس، وكل من عف عن الشهوات ~~تلقته الحسان في صدر طهور.» # واتفق أحبار المغرب وأحبار المشرق في وصف النعيم بهذه الصفة، فقال القديس أرنيوس # Arenius # أسقف ليون في القرن الثاني: إن السيد المسيح أنبأ ~~يوحنا الإلهي: أن ستأتي أيام يكون فيها كروم، لكل كرمة منها عشرة آلاف غصن، ولكل غصن عشرة ~~آلاف فرع، ولكل فرع عشرة آلاف عنبة، وتعصر العنبة منها فتدر من الخمر، مائتين وخمسة وسبعين ~~رطلا. ~~••• # هذه الصفات وأمثالها كثيرة فيما كتب وسجل، وفيما وقع في الخواطر والأخلاد بغير كتابة ~~وتسجيل، وكل ما يعنينا منها أنها تعم المعتقدين عموما لا يتأتى إغفاله في خطاب يتجه إلى ~~جميع المعتقدين، ولا يبلغ في النفوس مبلغ اليقين إلا إذا تخلل الشعور وتغلغل في ~~الضمير. ~~••• # وقد رأينا في أول هذا الفصل أن الفلاسفة الذين قالوا ببقاء النفس بعد الموت يقولون بذلك؛ ~~لأنهم وجدوا القول به ضرورة عقلية يستلزمها اختلاف النفوس وحاجة كل منها إلى التطهر والتكمل ~~في حياة بعد هذه الحياة، ووجوب هذا التطهر والتكمل لاستقامة قضاء العدل الإلهي بين الأخيار ~~والأشرار. # فهذا المعنى ملحوظ في تقدير العذاب الذي يبتلى به المذنبون بعد الموت كما قضت به شريعة ~~القرآن الكريم؛ فإن المفسرين كادوا أن يجمعوا على انتهاء عذاب الآخرة إلى الغفران، وأن ~~الخلود والأبد يفيدان الزمان الطويل ولا يفيدان البقاء بغير انتهاء، ويؤيد هذا المعنى حديث ~~رواه البخاري يفصله بأسلوب الخطاب الذي يشرح المعاني بالمحسوسات، ومنه يقول عليه السلام: «... ~~وإذا رأوا أنهم قد نجوا في إخوانهم يقولون: ربنا إخواننا كانوا يصلون معنا، ويصومون معنا، ~~ويعملون معنا، فيقول الله تعالى: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من إيمان فأخرجوه، ~~ويحرم الله صورهم على النار ... فيأتونهم وبعضهم قد غاب في النار إلى قدمه وإلى أنصاف ساقيه، ~~فيخرجون من عرفوا، ثم يعودون، فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار فأخرجوه، ~~فيخرجون من عرفوا ... فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون، فيقول الجبار: بقيت شفاعتي، فيقبض ~~قبضة من النار فيخرج أقواما قد امتحشوا فيلقون في نهر ms127 بأفواه الجنة، يقال له ماء الحياة، ~~فينبتون في حافيته كما تنبت الحبة في حميل السيل قد رأيتموها إلى جانب الصخرة إلى جانب ~~الشجرة، فما كان إلى الشمس منها كان أخضر، وما كان إلى الظل منها كان أبيض، فيخرجون كأنهم ~~اللؤلؤ، فيجعل في رقابهم الخواتيم فيدخلون الجنة، فيقول أهل الجنة، هؤلاء عتقاء الرحمن ~~...» # وللنبي عليه السلام أحاديث أخرى في معنى ما تقدم، فحواها جميعا أن العذاب تطهير وتكفير، ~~وأن الأنفس جميعا تتلاقى في حظيرة الرضوان. # فإذا أعطينا أسلوب العقيدة حقه من التعبير، ففي العالم الآخر كما يدين به المسلم رضا ~~للوازع الأخلاقي، ورضا لدواعي التفكير، ورضا لعقيدة الدين. # | خاتمة # منذ الحرب العالمية الأولى كثرت في أوروبة وأمريكا مجموعات الفصول التي يبسط فيها كاتبوها ~~آراءهم في العقائد والأديان، ويلخص كل منهم فيها عقيدته التي استخلصها لنفسه، وأحس أنها ~~تناسب تفكيره وعلمه وشعوره بالعالم الذي يعيش فيه وبما يقتضيه أمر الاعتقاد في عصر العلوم ~~«الوضعية» وتجارب الإنسانية الحديثة. # وتشتمل هذه المجموعات غالبا على آراء رجال ونساء، ينظرون إلى الحياة من جوانب شتى، فمنهم ~~العالم والفيلسوف، ومنهم الفنان والمخترع، ومنهم السياسي وصاحب الأعمال، ومنهم من ينظر إلى ~~العالم نظرة وسطى تتلاقى فيها جميع الطوائف، وجميع مذاهب الحس والتفكير. # وبعض هؤلاء قد اتخذ له «إلها» اصطفاه على حسب المثل العليا التي يتمثل بها الإله. # وبعضهم يدين بعقيدة بشرية أرضية لا محل فيها لما وراء الطبيعة، ولا تخرج عن كونها نخبة من ~~قواعد الأخلاق وبرامج الإصلاح. # وبعضهم يفسر الدين الذي يؤمن به قومه تفسيرا يوائمه ويخالف ما اعتقده قومه من المراسم ~~والعبادات. # وكلهم - في جملة آرائهم ومذاهبهم - يدلون على شيء واحد: وهو أن الإيمان - كما قلنا في ~~خاتمة كتابنا عن الله - ظاهرة طبيعية في هذه الحياة؛ «لأن الإنسان غير المؤمن إنسان غير ~~طبيعي فيما نحسه من حيرته واضطرابه ويأسه وانعزاله عن الكون الذي يعيش فيه، فهو الشذوذ وليس ~~هو القاعدة في الحياة الإنسانية وفي الظواهر الطبيعية، ومن أعجب العجب أن يقال: إن الإنسان ~~خلق في هذا ms128 الكون ليستقر على إيمان من الوهم المحض أو يسلب القرار.» # وقد راجعنا كثيرا من هذه العقائد المبتدعة أو العقائد الفردية فما وجدنا بينها عقيدة ~~واحدة يدعي لها صاحبها أكثر من دعواه أنها تناسبه وتريحه، أو أنها خير ما يناسبه ويريحه، إن ~~لم يكن بد من الاعتقاد، ولكنهم لا يدعون لها أنها عقيدة صالحة للجماعات البشرية، في أطوار ~~متعددة، وأجيال متعاقبة، ولا يدعون أن هذه الجماعات البشرية تستغني عن كل اعتقاد موروث؛ ~~لأنهم - وهم آحاد - بحثوا لأنفسهم عن اعتقاد، أو شعروا بخيبة الرجاء؛ لفوات حظهم من ~~الاعتقاد. # وكل مقابلة بين العقائد الفردية التي من هذا القبيل وبين عقائد الجماعات البشرية تنتهي ~~بنا إلى التفرقة بينها بهذه الفوارق التي لا مناص منها؛ وهي: أن عقيدة الفرد ترجع إليه في ~~تفسيره وتوضيحه وأسلوبه في فهم الأمور بالحقيقة أو المجاز. # أما عقيدة الجماعة فلا مناص فيها من ملاحظة شرائط لا تدعو الضرورة إليها كلها في تلك ~~العقائد الفردية. # ومنها أن دين الجماعة لا يخلو من المجاز؛ لأنه يوحي إليها بالمغيبات المحجوبة، ويقرب ~~إليها المعاني الأبدية التي تمتزج بالضمير، ولا تستجيش الحس إلا إذا اشتملت على مخيلاتهم ~~واقترنت بما يعهدونه من المألوفات والمشاهدات. # ومنها أن دين الجماعة يعم الخاصة والعامة والمجتهدين والمقلدين، ولا يؤدي غرضه الأسمى إذا ~~قطع فريقا من هؤلاء عن فريق. # ومنها أن دين الجماعة لأجيال كثيرة وليس لجيل واحد، وفي هذه الأجيال الكثيرة يتسع المجال ~~لكثير من المستحدثات في العلم، وكثير من الغير والأطوار في مبادئ الأخلاق ومشارب ~~الأذواق. # وللجماعات البشرية فرص كثيرة لاستحداث العلوم ومتابعة الكشوف والمخترعات تستطيع أن تأخذ ~~منها ما تشاء إن لم تأخذها من نصوص الدين، ولكنها لا تستطيع أن تأخذ الدين من غير مصادر ~~الاعتقاد، وحسبها منه أنه يحضها على التعلم، ولا يصدها عن سبيل المعرفة، حين تتاح لها مع ~~الزمن بوسائل البحث والاستطلاع. # ونحن في هذا الكتاب قد تعرضنا للكلام عن الفلسفة القرآنية من حيث هي عقيدة للجماعات ~~الإسلامية؛ لنعرض هذه العقيدة عرضا حديثا يلبي مطالب ms129 أبناء العصر الحديث. # ولم يكن غرضنا في الكتاب - كما ألمعنا في مستهله - أن نستشهد للقرآن من مذاهب الفلسفة؛ ~~فإن كثيرا من الفلاسفة الأقدمين والمحدثين يوافقون الفلسفة القرآنية، فلا يهمنا من ذلك إلا ~~أن يعلم المفرقون بين مجال الدين، ومجال العلم والحكمة، أن الأوامر والنواهي التي في القرآن ~~قد عرضت للحكماء في مجال المباحث الاجتماعية، كما عرضت لهم في مجال العقائد الدينية، فلم ~~يكن فيها إعنات للفكر في سبيل إرضاء الضمير؛ لأنها من شأن الفكر ومن شأن الضمير. # مثال ذلك أنهم زعموا أن تحريم الربا أضعافا مضاعفة مسألة اجتماعية أو اقتصادية قد عرض ~~لها القرآن، فأتى فيها بحكم قد يرضاه المتدينون، ولكنها لا ترضي علماء الاجتماع أو خبراء ~~الاقتصاد! # لكن الفلاسفة الأقدمين والمحدثين قد عرضوا لهذه المسألة فوافقوا فيها عقيدة المسلم الذي ~~يدين بأوامره ونواهيه، فأرسطو قد حرم الربا؛ لأنه يجعل المال نفسه تجارة وهو وسيلة التبادل ~~في التجارة، وأعداء الاستغلال من فلاسفة الاقتصاد المحدثين يردون مصائب الاجتماع كلها إلى ~~تسخير الناس باستغلال رءوس الأموال، ولم تتناول هذه المسألة قريحة أدبية عالية تقيسها ~~بمقياس الشعور الإنساني والكرامة النفسية إلا وصمت الربا بوصمة الخسة والمعابة، كما ~~قال شكسبير: «إنه صدأ المعدن الخسيس.» # فحكم القرآن في الربا حكم لا يجافي الفكر ولا يعطي الضمير حقا أكبر من حقه المقدور في ~~تقرير المحللات والمحرمات، وهذا كل ما يعنينا من الموافقة بين مسألة فكرية، وحكم من الأحكام ~~التي اشتملت عليها الفلسفة القرآنية. # ولم نشأ أن نستدل على قداسة القرآن بما ظهر من نظريات العلم الحديث؛ إذ القرآن كما أسلفنا ~~«لا حاجة به إلى مثل هذا الادعاء؛ لأنه كتاب عقيدة يخاطب الضمير، وخير ما يطلب من كتاب ~~العقيدة في مجال العلم أن يحث على التفكير ولا يتضمن حكما من الأحكام يشل حركة العقل في ~~تفكيره، أو يحول بينه وبين الاستزادة من العلوم حينما استطاع.» # ومن الخطأ أن نتلقى كل نظرية علمية كأنها حقيقة دائمة نحملها على معاني القرآن؛ لأن ~~النظريات العلمية لا تثبت على قرار بين ms130 جيل وجيل. # ومن أمثلة ذلك ما قيل عن النظرية السديمية، وما قيل في التوفيق بينها وبين آيات من القرآن ~~الكريم؛ منها: # أولم ير الذين كفروا أن السماوات ~~والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل ~~شيء حي ~~. # 1 # وقد رجح بعض علماء الطبيعة - والفلك خاصة - أن المنظومات الفلكية نشأت كلها من السديم ~~الملتهب، وأن هذا السديم تختلف فيه الحرارة فيتشقق، أو ينفصل بعض عن بعضه من أثر التمدد ~~فيه، فتدور الأجرام الصغيرة منه حول الأجرام الكبيرة، وتنشأ المنظومات الشمسية وما شابهها ~~من هذا التشقق وهذا الدوران. # ولكن النظرية السديمية لا تعدو أن تكون فرضا من الفروض، يقبل النقص والزيادة، بل يقبل ~~النقض والتفنيد، ولم ينته - بعد - بين علماء الطبيعة إلى قرار متفق عليه. # فلنا أن نسأل: هل كان الفضاء كله خلوا من الحرارة، وكانت الحرارة الكونية كلها مركزة في ~~السدم وما إليها؟ # ولنا أن نسأل: من أين جاءت الحرارة للسديم دون غيرها من موجودات هذا الفضاء؟ ألا يجوز أن ~~يظهر في المستقبل مذهب يرجع بالحرارة إلى الفضاء في حالة من حالاته؟! أليس خلو الفضاء من ~~الحرارة - إذا صح هذا الخلو - عجبا يحتاج إلى تفسير؟ أليس انحصار الحرارة في السدم دون ~~غيرها أحوج من ذلك إلى التفسير؟ ألا يقول بعض العلماء اليوم: إن الفضاء هو الأثير، وإن ~~الإشعاع هو أصل المادة؟ وإن الإشعاع كله حالة من حالات الأثير؟ # فالقول المأمون في تفسير الآية القرآنية أن السماوات والأرضين كانتا رتقا فانفتقتا في ~~زمن من الأزمان ... أما أن يكون المرجع في ذلك إلى النظرية السديمية فهو المجازفة بالرأي في ~~غير علم، وفي غير حيطة، وبغير دليل. ~~••• # ومتى استوفى العقل والضمير حظهما من سعة القرآن على هذا النهج القويم، فلا حاجة به إلى ~~موافقة النظريات المستحدثة، كلما ظهر منها فرض جديد. # وعلى هذا النهج نقرر أن الفلسفة القرآنية خير ما تتكفل به الأديان القائمة من عقيدة تعمر ~~الضمير وتطلق للعقل عنانه في سبيل الخير والمعرفة وسعادة الأرواح والأبدان، ونحسب أننا ~~وفينا القصد حين نقنع ms131 من يقرأ هذه الصفحات بالحقيقة التي أردناها؛ وهي: أن جماعة المسلمين ~~لا يستغنون عن عقيدة، وأنهم لا يصطفون لأنفسهم عقيدة ميسرة سمحة خيرا لهم مما ~~اعتقدوه. # عباس محمود العقاد ms132