######OpenITI# #META# URI: 1383CabbasMahmudCaqqad.FalsafatGhazali.Hindawi47470505 #META# Tags: philosophy #META# ID: 47470505 #META# Title: فلسفة الغزالي #META# AuthorID: 64642852 #META# Author: عباس محمود العقاد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # محاضرة السيد الأستاذ عباس محمود العقاد‏ # محاضرة السيد الأستاذ عباس محمود العقاد‏ # | فلسفة الغزالي # | فلسفة الغزالي # تأليف # عباس محمود العقاد # | محاضرة السيد الأستاذ عباس محمود العقاد # فلسفة الغزالي موضوع واسع الأطراف، بعيد الغور، إذا أردنا به تفصيل مذهبه في حقائق ~~الوجود ومطالب المعرفة؛ لأنه بحث مع الفلاسفة كما بحث مع المتكلمين والمعتزلة، ومع ~~الفقهاء والمتصوفة، ومع علماء الدين الإسلامي وغيرهم من علماء الأديان، وكان له في كل ~~بحث من هذه البحوث اجتهاد من عنده وتعقيب على قول غيره، وموافقات تقترن بها مخالفات ~~لكثير ممن ناقشهم وناقشوه، تتعذر الإحاطة بها في الحديث الواحد، بل يتعذر الإلمام بها ~~في الحديث الواحد، إلا أن يكون من قبيل الفهارس التي تسرد العناوين ولا تتعداها إلى ~~شرح واف أو إجمال مفيد. # ولكنني لم أقصد بفلسفة الغزالي هذا القصد، وإنما قصدت بها «تفلسف» الغزالي أو ملكته ~~الفلسفية، أو قدرته على بحث المسائل من الوجهة الفلسفية، وهو موضوع على اتساعه يتقبل ~~التلخيص في مثل هذا الحديث، ويجزئنا فيه أن نعرف الملكة الضرورية للفيلسوف، وأن نعرف ~~دلائل هذه الملكة في الإمام الكبير وهي ظاهرة بينة في منهجه الذي يتوخاه كلما عرض ~~لمسألة من مسائل الوجود، ولا سيما المسائل التي اصطلح الباحثون على تسميتها بمسائل ~~«ما بعد الطبيعة». # لو سئل الغزالي رحمه الله: هل أنت فيلسوف؟ فما عسى أن يكون جوابه يا ترى؟ # أكبر الظن أنه كان يجيب بالنفي، ولا يعدو الحقيقة في نفيه شبهة الفلسفة عن نفسه، إذ ~~كان للفلسفة في ذلك العصر مدلول غير مدلولها الذي نفهمه الآن في العصر الحاضر، وغير ~~مدلولها الذي أراده من وضعوا الكلمة تواضعا منهم، ولم يشاءوا أن يصفوا أنفسهم ~~بالحكمة فقنعوا بمحبة الحكمة، وهي معنى كلمة الفلسفة باليونانية كما هو معلوم. # لقد كان معناها في عصر الغزالي أنها كلام يستحق منه الرد، ويظهر تهافته من المناقشة ~~بالحجة والبينة، ولولا ذلك لما اختار لمناقشته اسم «تهافت الفلاسفة» كأنه يعني به ~~تهافت الفلسفة على الإطلاق. # فلو سئل الغزالي: هل أنت فيلسوف؟ لأنكر انتسابه ms01 إلى القوم الذين يبطل حجتهم ويدحض ~~آراءهم ويقضي على أقوالهم بالتهافت، وهو الضعف الذي لا يقوى المتصف به على التماسك ~~والثبوت. # لكننا ننظر الآن إلى أقوال الغزالي في مناقشته للفلاسفة فنعلم أنه ناقش الفلسفة ~~بالفلسفة، وحطم السلاح بسلاح مثله، بيد أنه أنفذ وأمضى، فهو على هذا فيلسوف أقدر من ~~الفلاسفة الذين أبطل حجتهم، أو هو فارس في هذا الميدان أو في عدة من سائر الفرسان، ~~ولو أنه تصدى لهذه الصناعة بغير أداتها لما وضحت حجته بين الحجج ولا استطاع أن يكشف ~~بطلانهم ولو كانوا مبطلين. # والواقع أن حجة الإسلام رضي الله عنه لم تكمل له أداة قط كما كملت له أداة الفلسفة، ~~فهو عالم، وهو فقيه، وهو متكلم، وهو صوفي ولا مراء، ولكن هذه المطالب لا تستغرق ~~كل ملكاته ووسائله إلى المعرفة، وقد يبلغ فيها غايتها ببعض تلك الملكات والوسائل، ~~وتبقى له بعدها ملكة لا ضرورة لها في غير الفلسفة وحدها، وأوجز ما يقال عنها بكلمة ~~واحدة: أنها هي ملكة التجريد. # إن المفكرين يختلفون في مناهج التفكير كما يختلفون في غايات التفكير، وإذا أردنا أن ~~نعبر عن الفوارق بينهم بلغة العصر الحاضر قلنا: إن بعضهم قد يصلح للعلم التجريبي ولا ~~يصلح للرياضة، وإن بعضهم قد يصلح للرياضة ولا يصلح لعلم من العلوم التجريبية، وإن ~~العلماء التجريبيين والرياضيين قد يبلغون الغاية في مجالهم ولكنهم يقصرون عن متابعة ~~البحث الفلسفي إلى غايته؛ لأن التفكير في كل باب من هذه الأبواب له أداته التي يتم ~~بها ولكنها لا تغنيه عن أداة التفكير في غير ذلك الباب. # ونعود هنا إلى إجمال الفوارق بينهم في أهم مناهج التفكير التي نعرفها في زماننا، أو ~~التي نعرف نظائرها فيما تقدم من الأزمنة. # فالتفكير العلمي يكفي فيه أن تكون للباحث قدرة على ملاحظة التجارب المحسوسة والمقابلة ~~بين المتشابه منها والمختلف، والإفضاء من هذه المقابلة إلى نتيجة عامة محسوسة، قلما ~~تتعدى الوصف والإحصاء. # والتفكير الرياضي يكفي فيه أن يتفهم الباحث علاقات المدركات الذهنية التي يسلمها ~~العقل فرضا وتقديرا ولو ms02 لم يكن لها وجود في الخارج، وأكثر ما تكون الحقائق الرياضية ~~تقديرات ذهنية لا ترى بالحواس، بل لا يتصورها العقل نفسه إلا من قبيل التسليم بفرض ~~لا بد منه، كالنقطة الهندسية التي لا طول لها ولا عرض ولا عمق ولا امتداد، أو كالبسيط ~~الذي يخالف المركب في الأشكال والأبعاد فإن الذهن الرياضي يعقل من هذه الفروض ما لا ~~وجود له في الطبيعة، ولا دليل عليه إلا أنه مستلزم بحكم البداهة، وليس هذا الفرض من ~~ضروب التفكير التي يطبع عليها من طبع على جمع المعلومات بالمشاهدة والتجريب. # والتفكير الفلسفي ملكة أخرى لا تشبه كل الشبه ملكة العلم التجريبي أو ملكة الفروض ~~الرياضية، ولكنها تشترك فيها بنصيب لا غنى عنه، وقوامها الأكبر أن تحسن الفهم في ~~المسائل المجردة، أو المفارقة، كما يقول المتقدمون، وهي بهذا قد تشبه الرياضة إلى حد ~~بعيد لولا أن الرياضة تنتهي إلى الفرض ولا يعنيها أن تتصوره أو تحوم حوله بوجدان أو ~~إلهام، وقد يتعذر على الرياضي أن يفصل بين الممكن والمستحيل، وبين الجائز والواجب، ~~إذا تلبس الأمر بالمألوفات والمتكررات التي تلازم التصور وتلازم التخيل وراء الحس ~~المتفق عليه. # هذه القدرة على تجريد الذهن من قيود المألوف قد بلغت أتمها وأقواها في الإمام الغزالي ~~رضوان الله عليه، ولا يعرف من مفكري المشرق ولا المغرب من هو أتم منه أداة ولا من هو ~~أقدر منه على محو مألوفاته في هذا الضرب من التفكير. # وقد يظن أن طبيعة التصوف وطبيعة الفلسفة لا تتلاقيان، وقد يصح ذلك في التصوف الذي ~~يقوم على رياضة الأخلاق وتهذيب السلوك ولا يتجه إلى البحث في معضلات الطبيعة وما بعد ~~الطبيعة، إلا أنه لا يصح في التصوف الذي يقوم على التأمل الطويل والبحث العويص ويذهب ~~بالفكر إلى غاية أشواطه لكي يلاقي بعد ذلك بين حدود الفكر وحدود الإلهام، فإن هذا ~~التصوف مدد للفلسفة يتمم لها أداتها ولا ينقصها، ووسيلة ناجعة للتغلب على الذاتية أو ~~«الأنانية» فضلا عن المألوفات التي تلصق بالذات وتحصر الإنسان فيما هو فيه ms03 . # ولقد عرف الغزالي أن التصوف هو: (قطع علائق القلب عن الدنيا بالتجافي عن دار الغرور ~~والإنابة إلى دار الخلود ... والهرب من الشواغل والعلائق ... وأن يصير القلب إلى حالة ~~يستوي فيها وجود كل شيء وعدمه) ... # وبهذه القدرة على التجرد من النفس وعاداتها ومألوفاتها أصبح الغزالي أقدر على ~~(التجريد الذهني) من المتصوف الذي لا يشغل فكره باستقصاء البحث، ومن الفيلسوف الذي لا ~~يروض نفسه على الفرار من تحكم (الذاتية) ولوازم الأشياء التي لا تفارقها في حسه وفي ~~إدراكه، فلا جرم، كانت السليقة الصوفية فيه أداة يغلب بها الفيلسوف الذي لا تصوف ~~عنده، وكان التفكير المنتظم عنده أداة تعينه على الفهم حيث يقنع المتصوف بالتسليم ~~ويستريح إليه. # وقد تمكن بملكته النادرة بين أصحاب الفلسفة وأصحاب التصوف أن يواجه المعضلات التي ~~حيرت جمهرة الفلاسفة فلم تطل حيرته فيها، ولم يلبث أن وضعها في موضعها الصحيح من ~~التفكير الإنساني، لأنه وجد (الممكن) حيث غم الأمر على سواه فلم يجدوا ثمة غير ~~المستحيل. # وأكبر هذه المعضلات التي شقت على عقول الفلاسفة قضية القدم والحدوث، وقضية الخلق ~~وقضية السببية، وقضية البعث، وهي جميعا محل الخلاف الشديد بين جمهرة الفلاسفة وجمهرة ~~الفقهاء كافة من علماء الدين في كل ملة. # فالغالب على الفلاسفة أنهم يقولون بقدم العالم، ويستوجبون هذا القدم لأنهم لا ينتزعون ~~فكرة الزمن من أخلادهم ومخيلاتهم، ويعتقدون أن وجود الزمن لزوم عقلي لا مفر منه، ولا ~~يقدرون أن إدراك الزمن كما يدركه الخلق المحدودون إنما هو لزوم ضرورة بالنسبة إلى ~~المخلوق المحدود، كأنه ضرورة إدراك الألوان لهذه الهزات الضوئية في الأثير، ويجوز أن ~~تدرك على غير هذا النحو إذا اختلف تركيب العين. # قالوا: إن العالم ليس بحادث، وإنه لا يكون قبله زمن فهو قديم منذ الأزل، وانقسموا في ~~جملتهم قسمين: منكرون دهريون وهم يقولون: إنه - لقدمه - لا يحتاج إلى خالق محدث، ~~ومؤمنون وهم يقولون: إنه واجب الوجود، ويفرقون بين واجب الوجود بذاته وهو الخالق جل ~~وعلا، وواجب الوجود بغيره وهو العالم المخلوق، وعندهم أنه لا يلزم من ms04 القول بخلقه أنه ~~محدث، وكل ما يلزم منه أن له فاعلا في القدم، وفاعله هو الله. # كل ذلك لأنهم لم يستطيعوا أن يخرجوا مألوف الزمن من حسابهم، وأن يسألوا: وماذا كان ~~قبله إن كان حادثا؟ وليس للقول بالقبل والبعد مدلول غير الزمان. # أما الغزالي، فهو لا يستلزم من حدوث العالم حيث كان إلا وجود ذات بعد ذات، فهما ذاتان ~~ولا ثالث هناك، وهذا في الحق كل ما يستلزمه العقل بغير توهم لذات ثالثة، لا موجب لها ~~عقلا إلا العجز عن التجرد من فكرة الزمان. # قال في تهافت الفلاسفة: «معنى قولنا: إن الله متقدم على العالم والزمان أنه سبحانه ~~وتعالى كان ولا عالم، ثم كان ومعه عالم، ومفهوم قولنا: كان ولا عالم وجود ذات الباري ~~وعدم ذات العالم فقط، ومفهوم قولنا: كان ومعه عالم وجود الذاتين فقط، فنعني بالتقدم ~~انفراده بالوجود فقط، والعالم كشخص واحد، فلو قلنا: كان الله ولا عيسى مثلا، ثم كان ~~الله وعيسى معه، لم يتضمن اللفظ إلا وجود ذات وعدم وجود ذات ثم وجود ذاتين، وليس من ~~ضرورة ذلك تقدير شيء ثالث، وإن كان الوهم لا يسكت عن تقدير شيء ثالث وهو الزمان - فلا ~~التفات إلى أغاليط الأوهام.» # نعم، وعنده أننا لو سألنا: ماذا كان خارج العالم؟ بدلا من سؤالنا: ماذا كان قبله؟ ~~ذهبت فكرة القبلية والبعدية، وتحولت مشكلة الزمان إلى مشكلة المكان، فماذا يكون خارج ~~المكان؟ أمكان آخر؟ أخلاء غير الفضاء فهو العدوم الذي لا يوجد؟ أم ملاء وراء ملاء؟ ~~فهو العالم إذن يمتد وراء امتداده، وقولنا في أمر المكان: إنه لا خلاء وراءه كقولنا ~~في أمر الزمان: إنه لا حركة قبله، وإنما هناك الخالق في وجوده الذي لا يتقيد بالزمان ~~ولا بالمكان. # فالوهم وحده هو الذي يخلط بين الوجود الأبدي والوجود الزمني، فيحسب أن الأبد زمن ~~ممتد وأن الزمن قطعة من الأبد، وهما في الحقيقة شيئان مختلفان جد الاختلاف، فنحن لا ~~نتصور الزمن بغير حركة، ولا نتصور الحركة مع الأبد الذي لا أول له يتحرك ms05 منه ولا آخر ~~له يتحرك إليه، ولا أجزاء فيه يتحرك بعضها إلى بعض. # ومتى كان العقل لا يستلزم وجود الزمن أبدا سرمدا فالوهم كما قال الغزالي رحمه الله ~~هو الذي يتطلب زمانا قبل الزمان. # ومشكلة الخلق عند الفلاسفة قريبة من مشكلة القدم والحدوث، بل هي مشكلة تابعة لها ~~متفرعة عليها. # يقولون: كيف يكون خلق العالم من العدم؟ أيوجد العدم؟ فإن كان لا يوجد فكيف يوجد شيء ~~منه؟ # والمشكلة كلها أنهم يخلطون بين عدم العالم وبين العدم المطلق، فعدم العالم ليس بالعدم ~~المطلق كما يقول حجة الإسلام، بل هو عدم العالم وكفى. # وما دام الوجود المطلق لا شك فيه - وهو وجود الله الفرد الدائم الصمد - فلا محل للعدم ~~المطلق ولا استحالة في الخلق، بل هي آية قدرة الله، ولا بد للقدرة من معنى، وخلق ~~العالم هو معنى قدرة الله القدير. # وهنا يسعف التصوف عقل إمامنا الكبير حيث تتعثر العقول الكبار، ومنها عقل أرسطو الذي ~~يندر مثاله بين عقول بني الإنسان. # يقول أرسطو: إن الخلق يحدث من سعي الهيولى إلى الله؛ لأن الهيولى ناقصة تطلب الكمال، ~~ولأن الله كامل لا يسعى إلى غاية وراء كماله، وهو فوق كل غاية. # ونحسب أن طبيعة التصوف هونت على الغزالي هذه المعضلة التي غاص فيها جبروت أرسطو فلم ~~ينته منها إلى قرار. # إن قطع العلائق والغايات على ديدن المتصوفة هو الذي هداه إلى عمل الله بغير غاية، ~~فإذا كان العبد يعمل بغير غاية فأحرى بالمعبود أن يعمل لأنه قدير منعم، ولا بد للقدرة ~~من عمل، ولا بد للإنعام من عطاء يفيض به المنعم سبحانه وتعالى ويتلقاه المخلوق، صنيعة ~~الإنعام. ~~••• # وآية الملكة الفلسفية عند الغزالي الفيلسوف رأيه في السببية وقدرته على التخلص من ~~خداع التكرار، ولو تتابع من أول الزمان، فلا يلزم من سبق صياح الديك لطلوع الفجر أنه ~~سببه الذي لا ينفك عنه، ولو تكرر كل يوم في كل مكان، وكل ما يلزم أنهما يحدثان معا، ~~وأنهما قرينان متتابعان، وهكذا كل قرينين، وكل متتابعين في جميع ms06 الحوادث التي يقال: ~~إنها أسباب ومسببات، أو كما يقول: «إن الاقتران بين ما يعتقد في العادة سببا، وما ~~يعتقد مسببا ليس ضروريا عندنا بل كل شيئين ليس هذا ذاك ولا ذاك هذا، ولا إثبات ~~أحدهما متضمن لإثبات الآخر، ولا نفيه متضمن لنفي الآخر، فليس من ضرورة وجود أحدهما ~~وجود الآخر، ولا من ضرورة عدم أحدهما عدم الآخر.» # إلى أن يقول ما فحواه: إن هذه الظواهر قد ترجع إلى مقارنات أخرى تخفى علينا، ونص ~~عبارته: «من أين يأمن الخصم أن يكون في المبادئ للوجود علل وأسباب تفيض منها هذه ~~الحوادث عند حصول ملاقاة بينها، إلا أنها ثابتة ليست تنعدم، ولا هي أجسام متحركة ~~فتغيب، ولو انعدمت أو غابت لأدركنا التفرقة وفهمنا أن ثم سببا وراء ما شاهدناه ~~وهذا لا نخرج منه على قياس أصلهم.» # رحم الله أبا حامد. ما أبعد نظره! وما أوسع رحابه! وما أقدره على الفرض المحتمل! بل ~~على الفرض الصحيح الذي أثبته العلم بعده وسبق هو شأو العلم فرآه في أطوائه بعين ~~البديهة الصادقة، والفهم النافذ واللب الرجيح! # لقد كان الأقدمون يذكرون خواص النار، والهواء، والماء، والتراب، ويلزمونها صفات الخفة ~~والثقل، وصفات الرطوبة واليبوسة، وصفات الحركة والسكون؛ ويرجعون في ذلك إلى اقتران ~~الريح باللهب، واقتران الماء بالبلل، واقتران العلويات بالسفليات، إلى غير هذه ~~المقارنات التي يحسبونها أسبابا ومسببات، وما هي إلا دليل على حصول شيء مع شيء، ولا ~~دليل فيها على حصوله بسببه وفعله الذي لا ينفك عنه. # فما الذي ظهر بعد ذلك بحكم العلم والتجربة؟ ظهر أن في المبادئ - كما قال أبو حامد - ~~عللا وأسبابا تفيض منها هذه الحوادث غير اقتران النار والهواء واقتران الماء ~~والتراب. # ظهر أن هذه الظواهر جميعا من أثر موجودات أخرى تسمى النوى والكهارب، وظهر أنها لا ~~تنعدم ولا تغيب في حركات الرياح والأمواء والأتربة والنيران، ولهذا لم تنقطع عن ~~مشاهديها انقطاعا يريهم الفارق بين وجودها ومغيبها. # وسيظهر غدا وراء النوى والكهارب حقائق أخرى عن المغناطيسية والكهرباء والجاذبية ~~ترينا أن الفعل لشيء آخر ms07 في تركيب العناصر غير كهاربها ونواها وغير سالبها وموجبها، ~~وغير ذريراتها وأمواجها. # ولهذا بادر العلماء المحققون في عصرنا هذا فقرروا أن العلوم الطبيعية وصفية ~~استعراضية، وليست مفسرة ولا ~~تعليلية # Describtive not ~~Demonstrative # واستفاد البحث من هذا القرار ولا يزال يستفيد. # فرأي الغزالي في السببية ليس من شأنه أن يعطل العقل عن البحث كما فهم بعض الجاهلين ~~بقدره وأقدارهم، ولكنه الرأي الذي يفتح الأبواب المغلقة بحكم المألوف المسيطر على ~~العقول فتنفذ منها إلى ظواهر أصدق من ظواهر، ومقارنات ألزم من مقارنات، وأصول - في ~~المبادئ - أثبت من أصول. # وينبغي أن نفرق هنا بين السببية في رأي الغزالي، والسببية في رأي غيره من القاصرين عن ~~البحث وعن إدراك الممكنات من وراء حجب العادة والتقاليد. # فقبل الغزالي قال أناس: إن الله جل وعلا هو مسبب الأسباب ووقفوا بهذا القول عند حدود ~~التسليم والإيمان، فلا بحث هنا ولا تفرقة بين الظواهر والخفايا ولا بين الأصول ~~والفروع. # وغير هذا رأي الغزالي التفرقة بين القول بالسبب والمسبب والقول بالظواهر المقترنة ~~التي تحصل إحداها بفعل أخرى، فإنه رأي الباحث الذي وصل ببحثه إلى ما وراء أمد ~~الباحثين، ولم يقف في أول الطريق مساويا بين الفهم والتسليم بل جعل للتسليم سندا من ~~الفهم يصحح أخطاء الباحثين. # وما منع الغزالي قط أن نراقب الظواهر ونحصيها ونبني عليها علمنا بترتيبها واشتراكها ~~(فاستمرار العادة بها - مرة بعد مرة أخرى - يرسخ في أذهاننا جريانها على وفق العادة ~~الماضية ترسيخا لا ينفك عنه). إلا أنه يقول: إننا لم ندع وجوب هذه الأمور بل هي ~~ممكنة يجوز أن تقع ويجوز ألا تقع ... وأن الله تعالى خلق لنا علما بما لم يقع منها ~~وبما هو محتمل الوقوع. # وهذا العلم بجواز أسباب غير الأسباب الظاهرة لا يعطل البحث ولا ينقض المعرفة، بل هو ~~الذي يفتح الباب للتعليل بعناصر النوى والكهارب بعد التعليل بعناصر النار والهواء ~~والماء والتراب. ~~••• # أيسر من هذه المعضلات جدا معضلة البعث بالأنفس المجردة أو البعث بالأنفس والأجسام، ~~فإن الغزالي لا ينكر قول بعض الفلاسفة ms08 باستحالة البعث بالأجسام ، لاعتقاده أن البعث ~~بالأنفس لا يجوز في العقول، ولكنه ينكر منهم الحكم باستحالته تعجيزا لله سبحانه ~~وتعالى عن فعله، واقتدارا منه على تجريد الحقائق من المألوفات حيث يقصرون عنه، فإن ~~الشخصية الإنسانية، تثبت لصاحبها في الأربعين وقلما تبقى له بقية في جسمه في الخامسة ~~أو العاشرة، فإذا جاز بقاء هذه الشخصية بعد انحلال جسدها مرات فليس بالمستحيل على ~~الله أن يعيدها بعد الممات. # وآية الغزالي هنا كآيته في معضلة الأسباب، لقد كان الفلاسفة القدم يخبطون في التفرقة ~~بين الجوهر البسيط والجسم المركب خبطا لا يستندون فيه إلى غير الظنون، وفرقوا من أجل ~~ذلك بين بساطة النور التي لا تقبل الانحلال وبين تركيب الأجسام المادية التي تنحل ولا ~~تقبل البقاء، فماذا بقي اليوم من هذه الفوارق بعد العلم بأن الأجسام جميعا من ذرات ~~وأن الذرات جميعا من شعاع وتصير إلى شعاع؟! وما أصدق ذلك النظر الذي سبق العلم قبل ~~ألف سنة فأبطل هذه التفرقة بين المركب والبسيط، وبين ما ينحل ولا يقبل البقاء وما ~~يبقى ولا يقبل الانحلال! # وبعد، فهذه أمثلة تدل على فلسفة الغزالي - أي على ملكته الذهنية التي يعالج بها ~~معضلات ما وراء الطبيعة ويصيب فيها المحز حيث يضرب غيره ولا يقطع، أو حيث يقطع في غير ~~مفصل، ومن هذه الأمثلة نرى أن الغزالي لم يعطل عمل العقل في مباحث العقيدة، بل كان ~~عمل العقل فيها على أقواه وأنفعه في كل ما تشتغل به العقول من هذه المعضلات. # وللفلسفة - كما نعلم - معنى آخر يشيع في مباحث الأخلاق، عند الذين يتكلمون عن ~~الفيلسوف ويريدون به الحكيم، ويريدون بحكمته طريقته في أدب السلوك ومزاولة العيش أو ~~معاملة الناس ... فالغزالي الحكيم في هذه الفلسفة كذلك لا يعطل عمل العقل ولا يستضعف ~~الفائدة التي يجنيها العابد والعالم والسالك في سبيل دينه ودنياه من احتكامه إلى ~~تفكيره، ولا بد أن يحتكم إليه إمام مسلم يعلم من آيات كتابه وأحاديث نبيه أن التفكير ~~فريضة واجبة في الإسلام. # ولعلنا نقرب الأمر بالتشبيه المحسوس ms09 لإدراك موقف الغزالي من العقل، وموقف ~~المعطلين للعقل من القائلين باستلهام الكشف بغير مقدمات من التفكير. # فإذا جاز أن يقال عن هؤلاء الكشفيين: إن الكشف عندهم جناح يغنيهم عن سلم العقل، ~~فالعقل عند الغزالي درج يرتفع به إلى درج أرفع منه، وأدنى إلى أن يبلغ به أسباب ~~السماء. # ويخطئ الذين حسبوه في رياضته لنفسه قد تجافى عن العقل وراض نفسه على قمع خواطره كما ~~راض نفسه على قمع أهوائه وشهواته، فأتى في اجتهاده وتعليمه لنفسه بسنة غير سنن ~~التفكير المستقيم، أو سنن الحياة العملية في مصطلحات العصر الحديث. # من ذاك أنه كان يدمن الخلوة ويزاول العمل المهين مما تعافه النفوس ويمعن في التقشف ~~والاشتداد على الجسد، ويهرب كما قال من الشواغل والعلائق، ويكاد يخرج من عالمه ما ~~وسعه الخروج منه وهو بقيد الحياة. # هذه خطة من الرياضة الخلقية لا يرتضيها الكثيرون من (المفكرين العمليين) بمصطلح العصر ~~الحديث، وليس عليهم أن يرتضوها إذا بدا لهم أنهم يملكون رياضة الأخلاق ومعالجة ~~الأهواء على غير منحاه. # ولكننا إذا تتبعنا أقوال الغزالي وأعماله قبل هذه الرياضة وأثناء هذه الرياضة وبعدها، ~~علمنا أنها خطة واحدة معقولة، ومسلك واحد يتأدى بعضه إلى بعض، وتجربة متلاحقة تلائم ~~فلسفة التفكير، كما تلائم فلسفة النسك والرياضة، وتقوم على أساس واحد وتمضي إلى غاية ~~واحدة وهي القدرة على التجرد أو على التجريد. # يقول رضي الله عنه: «أقل درجات العالم أن يتميز عن العامي الغمر، فلا يعاف العسل وإن ~~وجده في محجمة الحجام، ويتحقق أن المحجمة لا تغير ذات العسل، فإن نفرة الطبع منه ~~مبنية على جهل عامي منشؤه أن المحجمة إنما صنعت للدم المستقذر، فيظن أن الدم مستقذر ~~لكونه في المحجمة ولا يدري أنه مستقذر لصفة في ذاته، فإذا عدمت هذه الصفة في العسل ~~فكونه في ظرفه لا يكسبه تلك الصفة فلا ينبغي أن يوجب له استقذار، وهذا وهم باطل وهو ~~غالب على أكثر الخلق، فمهما نسبت الكلام وأسندته إلى قائل حسن فيه اعتقادهم قبلوه وإن ~~كان باطلا، وإن أسندته ms10 إلى من ساء فيه اعتقادهم ردوه وإن كان حقا ...» # تلك أقل درجات العالم، أن يفصل بين العسل وظرفه. # وعلى هذه الدرجات بعينها يرتقي ويمضي مصعدا في ارتقائه حتى يجرد الفكر من ملازمات ~~الصور المألوفة، ويعلم الوهم الباطل في الملازمة بين الزمان والوجود، فقد يكون وجود ~~ولا زمان ... وما استلزام وجود الزمان أبدا إلا من أباطيل الأوهام كما قال. # ولقد أحس أن قمعه لذاته خطوة لازمة - عقلا - لانتزاع الفكر من مألوفاته وتجريد ~~المعاني من ظواهرها، والإفضاء من قرائن الأسباب إلى حقائق الأسباب. # وبهذا التجريد الصوفي - والفلسفي معا - انتهى من طريق العزلة إلى العمل، واستفاد ~~غاية ما يستفاد من خلوص المعرفة وسداد الفكر والإعراض عن العرض طلبا للجوهر، أو كما ~~قال مفرقا بين تعليمه الناس قبل العزلة وعودته إلى تعليمهم بعد رياضة قلبه وفكره ~~ومغالبة أهوائه ومطامعه قال: # وكنت في ذلك الزمان أنشر العلم الذي يكسب الجاه وأدعو إليه بقولي وعملي وكان ~~ذلك قصدي ونيتي، أما الآن فأدعو إلى العلم الذي به يترك الجاه ويعرف به سقوط ~~رتبة الجاه، وهذا هو الآن نيتي وقصدي وأمنيتي يعلم الله ذلك مني، وأنا أبغي أن ~~أصلح نفسي وأصلح غيري. # فما كانت الرياضة إذن إلا تربية عقلية ودراسة علمية، تمت بما استفاده من التجرد عن ~~ضلال (الأنانية) وأباطيل المألوف والمعهود، فذاك هو اقتداره الفلسفي على التفكير ~~المجرد، وهو هو اقتداره الصوفي على التجرد من معرفة الجاه، خلوصا إلى معرفة الحقيقة، ~~ومن شواغل الحياة إلى شواغل الخلود. ~~••• # ونختتم هذه الكلمة سائلين: هل كان إمامنا رضي الله عنه فيلسوفا أو متصوفا؟ # فلعلنا نستطيع أن نجيب قائلين: إنه كان قدوة للفلاسفة، ونموذجا من نماذج التفكير ~~الرفيع، نتعلم منه أن للفلسفة أداة لا تتم بغير قسط من التصوف؛ لأن التصوف قدرة على ~~انتزاع النفس من المألوف، وتلك قدرة لا يستغني عنها الفيلسوف المفكر ولا الفيلسوف ~~الحكيم. # والسلام عليكم ورحمة الله. ms11