######OpenITI# #META# URI: 1383CabbasMahmudCaqqad.FatimaZahraWaFatimiyyun.Hindawi37942742 #META# Tags: biographies :: history #META# ID: 37942742 #META# Title: فاطمة الزهراء والفاطميون #META# AuthorID: 64642852 #META# Author: عباس محمود العقاد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تمهيد‏ # القسم الأول: فاطمة الزهراء‏ # 1 - أم الزهراء‏ # 2 - نشأتها‏ # 3 - زواجها‏ # 4 - بلاغتها‏ # 5 - في الحياة العامة‏ # 6 - وفاتها‏ # 7 - شخصية الزهراء‏ # 8 - الذرية الفاطمية‏ # القسم الثاني: ... والفاطميون‏ # 9 - الفاطميون‏ # 10 - النسب‏ # 11 - الباطنية‏ # 12 - الباطنية الفاطمية‏ # 13 - حسن بن الصباح‏ # 14 - السرية الباطنية‏ # 15 - بناة وهدامون ومهدومون‏ # 16 - المعز لدين الله‏ # 17 - حضارة متحضرة‏ # تمهيد‏ # القسم الأول: فاطمة الزهراء‏ # 1 - أم الزهراء‏ # 2 - نشأتها‏ # 3 - زواجها‏ # 4 - بلاغتها‏ # 5 - في الحياة العامة‏ # 6 - وفاتها‏ # 7 - شخصية الزهراء‏ # 8 - الذرية الفاطمية‏ # القسم الثاني: ... والفاطميون‏ # 9 - الفاطميون‏ # 10 - النسب‏ # 11 - الباطنية‏ # 12 - الباطنية الفاطمية‏ # 13 - حسن بن الصباح‏ # 14 - السرية الباطنية‏ # 15 - بناة وهدامون ومهدومون‏ # 16 - المعز لدين الله‏ # 17 - حضارة متحضرة‏ # | فاطمة الزهراء والفاطميون # | فاطمة الزهراء والفاطميون # تأليف # عباس محمود العقاد # | تمهيد # ترد الإشارة إلى الوراثة في مواضع شتى من هذه الصفحات التالية، ونعول عليها في مناسبات ~~شتى لتفسير بعض الأطوار. ومنها أطوار الجماعات أو أطوار الحركات التاريخية. # وأراني أهم بأن أضرب المثل فأبدأ بنفسي وبأثر الوراثة في كتابة هذه الصفحات وكتابة كثير ~~من الصفحات في الموضوعات الإسلامية، وما اتصل منها بالعترة # 1 # النبوية على التخصيص، ومن أمثالنا في الصعيد الأعلى ما معناه: أن البيت إذا ~~احتاج إلى الخبز فهو أولى به من الجامع. # ولدت لأبوين من أهل السنة: أبي على مذهب الشافعي وأمي على مذهب أبي حنيفة، وفتحت عيني ~~على الدنيا وأنا أراهما يصليان ويتيقظان قبل الفجر لأداء صلاة الصبح حاضرة، وربما زارنا أحد ~~أخوالي في تلك الساعات المبكرة ذاهبا إلى المسجد القريب أو عائدا منه إلى داره. # وفتحت أذني كما فتحت عيني على عبارات الحب الشديد للنبي عليه السلام وآله، فمولد ~~النبي حفلة سنوية في البيت نترقبها نحن الصغار ونفرح بها؛ لأننا نحن القائمون بالخدمة فيها. ~~وأسماء النبي وآله تتردد بين جوانب البيت ليل نهار؛ لأنها أسماء إخوتي أجمعين: محمد ~~وإبراهيم والمختار ومصطفى وأحمد والطاهر ويس، وشقيقتي الوحيدة اسمها فاطمة، واسمي أنا منسوب ~~إلى عم النبي لا ms001 إلى الأمير الأسبق: عباس حلمي الثاني كما كان يتوهم بعض معارفي؛ لأنني ولدت ~~قبل ولايته، وأبيت في المدرسة أن ألقب بلقب «حلمي» جريا على ما تعودته المدارس في تلك ~~الحقبة، وبقيت منسوبا إلى اسم «محمود » وهو كذلك من أسماء النبي، ولم يكن لأبي إخوة، وإنما ~~كانت أختاه الشقيقتان تسميان باسم نفيسة واسم زينب، وأولادهم ينادون بالأسماء التي تغلب ~~عليها هذه النسبة الشريفة. # ورثت هذا الحب الشديد للنبي وآله عليهم سلام الله ورضوانه، وليس هذا الحب الشديد ~~بالمستغرب من أهل السنة؛ لأنهم يدينون بدستور السنة النبوية، ولكنه كان في بيتنا أشبه ~~بالعاطفة النفسية منه بالآداب المذهبية، فاستفدت منه كثيرا في دراسة تاريخ الإسلام. # استفدت منه أنني كنت شديد التريث في سماع كل دعوى من دعاوى السياسة القديمة التي كانت ~~تقوم على إنكار حق، أو إنكار فضل؛ أو إنكار نسب، أو إنكار ما من ضروب الإنكار التي تمس ~~تواريخ أهل البيت النبوي من بعيد أو قريب. # ولم أستفد منه بحمد الله كراهية أحد ذي حق أو ذي فضل؛ لأن قداسة العظمة الإنسانية تحجب ~~عندي جميع هذه الصغائر التي تمس تواريخ العظماء أجمعين، وولعي بدراسة تواريخ العظماء من ~~طفولتي الباكرة عصمني بحمد الله من غوائل # 2 # هذا الصغار. # 3 # ومن أثر هذه الوراثة في ذهني أنني لم أصدق ما كان في حكم الواقع المقرر عن سياسة الإمام، ~~وأنه لم يكن له في السياسة نصيب، فبحثتها بحث الإشاعات، ولم أعطها من بادئ الرأي شأنا أكبر ~~من الإشاعات التي تسري على الأفواه بغير دليل، أو يجيئها الدليل المختلق من صنع أصحاب ~~المنافع والمآرب في سياسة الحاكم الغالب، فهم مدافعون عن أنفسهم باتهام الآخرين. ~~••• # ومن أثر هذه الوراثة في ذهني أنني قارنت سير العظماء الإسلاميين و«النبويين» لأرضي ~~ذهني، ولم يقنعني أن أرضى بها عاطفة لا أستمد من ذهني شواهدها وآياتها؛ فعظماء الإسلام عندي ~~أعلام إنسانية باذخة تخولها مكان العظمة مناقب يكبرها المسلم وغير المسلم، وليست ~~غاية الأمر فيهم أنهم أضرحة للتبرك وتلاوة الفاتحة والسلام. # وبهذه النزعة ms002 الموروثة أطرق باب الكلام في حياة الزهراء؛ فإنها - سلام الله عليها ~~- قد تكتب لها ترجمة لأنها بنت محمد، أو تكتب لها ترجمة ~~لأنها زوج علي، أو تكتب لها ترجمة لأنها أم الحسن والحسين وبنيهما الشهداء، ولكنها مع هذه ~~الكرامة قد تكتب لها ترجمة لأنها هي فاطمة؛ ولأنها هي مصدر من مصادر القوة التاريخية التي ~~تتابعت آثارها في دعوات الخلافة من صدر الإسلام إلى الزمن الأخير. ~~••• # وهذا الذي قصدت إليه بكتابة هذه السيرة، وبالبحث عن مكان الصلة بينها وبين المنتسبين إلى ~~فاطمة، وعلى قلة الأخبار التي حفظت عن شخص فاطمة - عليها السلام - أرجو أن أكون على نهج ~~التوفيق فيما أمكنني أن أستخلصه من ملامح هذه السيرة المباركة ومعالمها. # ونعود إلى الوراثة فنقول: إن أول ما نضيفه إلى بيان قوة اليقين، أو بيان القوة الإيمانية ~~في نفس الزهراء، أنها ورثتها من أم وأب، وقد غطى ميراثها من أبيها على كل ميراث، ولكنه إذا ~~اقترن بالميراث من أمها فقد بلغت أصالته مدى متصل الآثار فيما ورثته هي، وفيما توارثه ~~الأعقاب من بعدها، وما أخلده من ميراث! # القسم الأول # | فاطمة الزهراء # الفصل الأول # | أم الزهراء # حفظ التاريخ لنا قليلا من أخبار السيدة خديجة - أم الزهراء - رضي الله عنهما، ولكن ~~هذا القليل كاف للتعريف بها، وبما يمكن أن تورثه بنيها من الخلائق والسجايا؛ لأنه ~~يعطينا منها صورة كاملة لا تزيدها الإفاضة في الأخبار إلا في التفصيل. # ومن جملة الأخبار القليلة التي حفظت لنا نعلم أن الزهراء أنجبتها أم ذات فطنة ~~ورجاحة، وأنها رضي الله عنها كانت غنية اليد غنية النفس بأكرم العواطف الأنثوية: عاطفة ~~المحبة الزوجية، وعاطفة الأمومة، وعاطفة الإيمان. # كانت تسمى في الجاهلية بالطاهرة وسيدة نساء قريش؛ لأنها جمعت إلى مكانة النسب العريق ~~مكانة الثروة الوافرة ومكانة الخلائق الموقرة، وأهلها جميعا لم يحفظ التاريخ سيرة أحد ~~منهم إلا كان علما في الحكمة والدراية، أو في الشجاعة والشمم، كورقة بن نوفل وأسرة ~~الزبير بن العوام. # ولدت لأبوين كلاهما من أعرق الأسر في الجزيرة العربية، وكلاهما ms003 ينتهي نسبه إلى لؤي بن ~~غالب بن فهر؛ بل كانت أمها تنتسب من ناحية أمها كذلك إلى هذا النسب المعرق في النبل ~~والسيادة، فهي فاطمة بنت هالة التي ينتهي نسبها كذلك إلى لؤي بن غالب، وهالة بنت قلابة ~~التي ينتهي نسبها إلى ذلك الجد الأعلى، وقد اجتمع لها مع النبل مكانة الثروة الوافرة ~~كما تقدم، فكانت قافلتها إلى الشام تعدل قوافل قريش أجمعين في كثير من ~~الأعوام. # وأهم من هذا جميعه بالنسبة إلى زوجة نبي، وإلى جدة الأئمة من بيت النبوة، أنها كانت ~~مفطورة على التدين وراثة وتربية. # فأبوها خويلد هو الذي نازع تبعا الآخر حين أراد أن يحتمل الركن الأسود معه إلى ~~اليمن، فتصدى له ولم يرهب بأسه غيرة على هذا المنسك # 1 # من مناسك دينه. وقال السهيلي في الروض الأنف: «إن تبعا روع في منامه ~~ترويعا شديدا حتى ترك ذلك وانصرف عنه» فلا يبعد أن روعة خويلد ومرآه وهو ينذر العاهل ~~بالغضب الإلهي إذا أقدم على فعلته قد شغل قلب التبع فتراءى له من المخوفات في منامه ~~ما أرهبه وثناه عن عمله. # وابن عم السيد خديجة هو ورقة بن نوفل الذي رجعت إليه حين بدا لها من اضطراب النبي ~~عليه السلام عند مفاجأته بالوحي ما أزعجها، فركبت إلى ورقة تسأله لعلمه بالدين وعكوفه ~~على دراسة كتب النصارى واليهود، ولم تكن الكهانة الدينية وظيفة ينتفع بها صاحبها؛ إذ لم ~~يكن في مكة مسيحيون يرجعون بأمرهم إلى كاهن أو كنيسة، وإنما كان عكوف الرجل على دراسة ~~الدين لطبيعة فيه توحي إليه الشك في عبادة الأصنام، وتجنح به إلى البحث والمراجعة عسى ~~أن يهتدي إلى عقيدة أفضل من هذه العقيدة. وينسب إليه شعر كان يقوله في الجاهلية يشبه ~~شعر أمية بن أبي الصلت، ويروي كتاب السيرة أنه استغرب علم السيدة خديجة باسم جبريل ~~حين ذكرته له، وقال لها: «إنه السفير بين الله وبين أنبيائه، وإن الشيطان لا يجترئ أن ~~يتمثل به ولا يتسمى باسمه.» # وقد جاء حديث ورقة مع السيدة خديجة ms004 على روايات مختلفة، لا يعنينا أن نستقصيها؛ لأن ~~المهم في الأمر هو وجود هذا الشغف بمدارسة الأديان بين بني عم السيدة الأقربين، فهذا ~~وانفراد أبيها بين زعماء مكة بالوقوف لعاهل اليمن والمخاطرة بنفسه غيرة منه على مناسك ~~الكعبة كافيان للإبانة عن طبيعة التدين التي ورثتها الأسرة، من كان منهم على الجاهلية، ~~ومن تحول عنها إلى النصرانية. # ويؤخذ من أخبار السيدة خديجة الأخرى أنها كانت على علم بكل من يطالع كتب المسيحية ~~والإسرائيلية؛ لأنها لم تكتف بسؤال ابن عمها بل سألت غيره ممن كانت لهم شهرة بالاطلاع ~~على التوراة وكتب الأديان. # وقد روي عنها كلام قالته للنبي عليه السلام حين فاجأه الوحي فعاد إليها، وقال ~~لها: «لقد خشيت على نفسي!» فكان كلامها - الذي أرادت أن تسري به عنه وتثبت به ~~جنانه - آية على العلم بلباب الدين علما يستكثر على الناشئين في أديان الجاهلية، فإن ~~الدين لا يعدو أن يكون عندهم كهانة وسحرا، ولكنها أدركت من حقيقة الدين ما لا يدركه ~~عامة قومها، فعلمت أنه فضيلة، وأن النبي الجدير أن يندب له هو الرجل الذي اتسم ~~بالفضيلة، وقالت للنبي وقد آمنت أنه وحي وليس بعارض من عوارض الجنة: «كلا! والله ~~ما يخزيك الله أبدا؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، # 2 # وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، وتصدق الحديث، وتؤدي ~~الأمانة.» # علامات للنبوة لا يدركها كل من يسمع بالدين، ولولا أنها عرفت من أبناء عمومتها من كان ~~يفهم النبوة هذا الفهم لما كانت هذه علاماتها لتصديق الدعوة وصرف الوجل والخشية عن نفس ~~زوجها الكريم. # وهي على هذا طبيعة مميزة، وليست طبيعة منساقة إلى السماع والتقليد، فمما نقل عنها ~~أنها طلبت إلى النبي عليه السلام أن يخبرها إذا جاءه جبريل، فلما أخبرها قالت له: «قم ~~فاجلس على فخذي اليسري» ففعل، فقالت: «هل تراه؟» قال: «نعم». قالت: «فتحول إلى فخذي ~~اليمنى» وسألته: «هل تراه؟» قال: «نعم». فألقت خمارها # 3 # وسألته، فقال: «الآن لا أراه». قالت: «يا ابن العم اثبت وأبشر، فإنه ملك ~~وما ms005 هو بشيطان.» # وهذا الاختبار غاية ما كان ينتظر من سيدة في عصرها أن تمتحن به حقيقة الوحي. ولا ~~غرابة فيه عند المسلم وعند غير المسلم في العصر الحاضر، فإن البديهة لا تشتغل بالوحي ~~الديني والنظر إلى جسد الأنثى في وقت واحد، ولا سيما بعد الحوار وإعادة السؤال مرة بعد ~~مرة، فلا موجب إذن لشك المتشككين من المتحذلقين في صحة هذه الأحاديث. # وقد رزقت هذه السيدة البارة صباحة الوجه مع ما رزقته من الخلق الجميل والحسب الأثيل # 4 # والمال الجزيل، وصدق من قال: إن السعادة لا تتم، فإن هذه السيدة التي تم ~~لها غاية ما تتمناه المرأة لم تتم لها نعمة السعادة في حياتها الزوجية، فإنها تزوجت في ~~صباها برجل من هامات # 5 # مكة هو أبو هالة بن زرارة، فمات ولها منه ولد صغير سمي باسم هند (لعله ~~دفعا لأذى الحسد)، وهو الذي تربى مع السيدة فاطمة وقتل في جيش الإمام في وقعة الجمل ~~على أرجح الأقوال، ويؤثر عنه أوفى وصف للنبي رواه سبطه الحسن عليهما صلوات ~~الله. # ثم بنى بها عتيق بن عائذ بن عبد الله المخزومي، واختلفوا في أي زوجيها كان الأول، ~~ولكنه على كل حال زواج لم يكتب له الدوام، وقد أعرضت عن الزواج بعد هذين الزوجين حتى ~~عرض لها في حياتها الرجل الذي أصبحت بفضله علما من أعلام النساء في التاريخ، ولا شيء ~~أدل على رجاحة لبها من أناتها # 6 # في اختيار زوجها، مع تهافت الخطاب عليها ورجوع الأمر إليها فيما ~~تختار. # أما كيف اتصل النبي عليه السلام بالعمل في تجارتها، فتكاد الأقوال تتفق على أنه كان ~~بمشورة من عمه أبي طالب، وأن أبا طالب قال له في سنة من السنين: «يا ابن أخي، أنا رجل ~~لا مال لي وقد اشتد علينا الزمان، وهذه عير قومك قد حضر خروجها إلى الشام، وخديجة بنت ~~خويلد تبعث رجالا من قومك في عيرها فلو جئتها فعرضت نفسك عليها لأسرعت إليك.» وقد تردد ~~النبي في مفاتحتها بهذا الطلب فذهب إليها أبو ms006 طالب، فأجابته على رضى وكرامة، وقالت له: ~~«لو سألت ذلك لبعيد بغيض لأجبناك، فكيف وقد سألت لقريب حبيب؟» # وقد سافر النبي إلى الشام وباع واشترى وربح لها أضعاف ما كانت تربح في كل عام، ~~وأعجبها منه أنه حين عاد من السفر وكل إلى غلامها ميسرة - الذي كان بصحبته ~~- أن يسبقه ليبشرها بعودة القافلة ووفرة كسبها، ~~فأكبرت منه مروءته وأمانته وحذقه، وأحبته وودت لو يخطبها مع الخطاب، وعرضت له بذلك ~~في حديث أقرب إلى التلميح منه إلى التصريح. # وأحجم النبي حياء، وأحجمت هي عن التصريح، ثم أوعزت إلى صديقة لها - هي نفيسة بنت منية ~~- أن تشجعه على الخطبة، فسألته نفيسة ذات يوم: «ما يمنعك أن تتزوج؟» قال: «قلة ~~المال». قالت: «فإن كفيت ودعيت إلى المال والجمال والكفاءة؟» قال: «ومن تكون؟» قالت: ~~«خديجة!» قال: «فاذهبي فاخطبيها.» # وروى الزهري صاحب أقدم السير أن «رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قال لشريكه الذي كان يتجر ~~معه في مال خديجة: «هلم فلنتحدث عند خديجة»، وكانت تكرمهما وتتحفهما، فلما قاما من ~~عندها جاءت امرأة مستنشئة # 7 ~~- هي الكاهنة - فقالت له: جئت خاطبا يا محمد؟ فقال: «كلا». فقالت: ولم؟ ~~فوالله ما في قريش امرأة - وإن كانت خديجة - إلا تراك كفؤا لها.» # وأشبه الأشياء بأن يكون - بين الروايات المتعددة - أن النبي عليه السلام كاشف رئيس ~~أسرته أن يتقدم لخطبتها ففعل وخطبها خطبة عزيز قوم لعزيزة قوم، وقال وهو يفاتح عمها في ~~الأمر: «إن محمدا ممن لا يوازن به فتى من قريش إلا رجح به شرفا ونبلا وفضلا ~~وعقلا، وإن كان في المال قلا فإنما المال ظل زائل وعارية مسترجعة، وله في خديجة بنت ~~خويلد رغبة ولها فيه مثل ذلك» فقال عمها عمرو، أو ابن عمها ورقة بن نوفل في رواية أخرى: ~~«هو الفحل الذي لا يقدع أنفه». # 8 # وكانت أول امرأة تزوجها رسول الله، ولم يتزوج عليها في حياتها إلى أن قارب ~~الخمسين. # ومن خديجة ولد للنبي جميع أبنائه ما عدا إبراهيم ابنه من مارية القبطية، وهم: ~~القاسم، ms007 والطاهر، والطيب، وزينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة، أصغرهم باتفاق معظم ~~الأقوال. # وكان النبي عليه السلام عند زواجه بالسيدة خديجة في نحو الخامسة والعشرين من عمره، ~~أما السيدة خديجة فمن كتاب السيرة من يقول: إنها كانت في الأربعين أو الخامسة ~~وأربعين، ومنهم ابن عباس يقول : «إنها كانت في الثامنة والعشرين ولم تجاوزها». وأحرى ~~بهذه الرواية أن تكون أقرب الروايات إلى الصحة؛ لأن ابن عباس كان أولى الناس أن يعلم ~~حقيقة عمرها، ولأن المرأة في بلاد كجزيرة العرب يبكر فيها النمو ويبكر فيها الكبر لا ~~تتصدى للزواج بعد الأربعين، ولا يعهد في الأغلب الأعم أن تلد بعدها سبعة أولاد، عدا من ~~جاء في بعض الروايات أنهم ولدوا مع من ذكرنا أسماءهم. # وقد يرجح تقدير ابن عباس غير هذا أن مثل خديجة تتزوج في نحو الخامسة عشرة أو قبلها ~~لجمالها ومالها وعراقة بيتها وطمأنينة أهلها، فلا تتجاوز الخامسة والعشرين بعد زواجين ~~لم يكتب لهما طول الأمد، وإن كنا لا نعرف على التحقيق كم من السنين دام زواجها من أبي ~~هالة ومن عتيق بن عائذ، فمن الكلام عن ذريتها منهما يبدو أن أيامها معهما لم تزد على ~~بضعة أعوام. # وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير ~~لكم ~~. # وأمامنا ألف مصداق على هذه الآية في سيرة الرسول العظيم الذي تنزلت عليه تلك الحكمة ~~الإلهية. # لقد تأخرت به قلة المال فلم يتزوج قبل العشرين، خلافا لما جرى عليه العرف بين علية ~~القوم، وهو من تلك العلية في الذؤابة # 9 # العليا. # ولقد عزت الهناءة الزوجية على السيدة الغنية الوضيئة # 10 # الذكية، فتأيمت # 11 # في نحو الثلاثين. # ولو كثر مال محمد لعله كان يبني قبل العشرين بكريمة معشر تصغره ببضع سنين، وكان هذا ~~هو الحظ السعيد في عرف كل إنسان عاقل رشيد. # ولو تيسرت الهناءة الزوجية لخديجة لعلها كانت في غنى عمن يتجر لها ويؤتمن على قوافلها ~~بين الحجاز والشام، ولكان لها من مالها ومال زوجها عون في الرحلة والمقام، وكان هذا هو ~~الحظ السعيد في عرف كل إنسان ms008 عاقل رشيد. # أيهما كان خيرا؟ # هذا الذي كان كما كان، أو ذاك الذي كان يحسبه كل عاقل رشيد صفوة الحظ الحسن ~~الرشيد؟! # لم تمض سنوات على هذه الآصرة # 12 # القدسية التي جمعت بين الزوجين الكريمين حتى طرأ طارئ لم يدخل لهما في ~~حساب، واستجاش الغيب نفس رسوله فتحفزت لأداء الأمانة الجلى التي جاشت بها جوانح ~~الدنيا مئات السنين. # فلم يجد محمد إلى جانبه فتاة غريرة تفزع ولا تدري ما تصنع، بل وجد إلى جانبه قلبا ~~كريما وروحا عظيما وسكنا تهدأ عنده جائشة ضميره وتطمئن إليه خشية فؤاده، ولم يكن ~~قصارى الأمان عند حليلته التي سكن إليها أنها حنكة السن وحنان الأمومة، ولكنه أمان الذي ~~يعرف من نشأته ونشأة آله ما الرسالة وما أمانة الحق والفضيلة، وما عاقبة الصبر على العرواء # 13 # التي تندك لها عزائم وتطيش لها أحلام، ولا يتلقاها كما يتلقى البشارة ~~المفرحة إلا من هو كفؤ لها من بني آدم وحواء. # وكل ما علمناه من سيرة خديجة عليها الرضوان خليق على قلته أن يجعلها بحق سيدة ~~نساء قريش، ولكن هذا القليل الذي علمناه لو ذهب كله ولم يبق منه إلا أيام حضانتها ~~لبشائر النبوة في طلعتها لضمن لها أن تتبوأ مقام السيادة بين نساء العالمين. # وقد بقي محمد يذكر لها تلك الأيام إلى مختتم أيامه، وظل يتفقدها ~~ويتفقد مواطن ذكراها أعواما بعد أعوام، لقد كان فيها الشغل الشاغل عن أطيب ~~الأيام وأصعب الأيام. وإن وفاء كهذا لهو وحده كفاية المستقصي في التعريف بحقها من زوجة ~~بارة وأم رءوم، فما من شهادة لإنسانة هي أصدق من دوام الوفاء لها في قلب إنسان ~~عظيم. # الفصل الثاني # | نشأتها # إذا وصفت نشأة الزهراء بكلمة واحدة تغني عن كلمات فالجد هو تلك الكلمة ~~الواحدة. # درجت في دار أبويها، والدار يومئذ مقبلة على أمر جلل لم تتجمع بوادره في غير تلك ~~الدار، وغار حراء. # أمر جلل لا تقف جلالته عند جدران الدار، ولا عند أبواب المدينة التي اشتملت عليها، ~~ولا عند حدود الجزيرة العربية ms009 بعمارها وقفارها، بل هو الأمر الجلل الذي يطبق العالم ~~بأسره عصورا وراء عصور؛ لأنه هو أمر الدعوة الإسلامية التي كانت يومئذ تختلج في صدر ~~واحد، هو صدر أبي الزهراء عليه السلام. # ما هذه الصلوات والتسبيحات؟ ما هذه الهينمة # 1 # بين الأبوين؟ ما هذا الوجل وما هذا القنوت؟ # 2 # أكبر الظن أن الطفلة الصغيرة لم تستغرب شيئا من هذا؛ لأن الطفل لا يستغرب الأمر إلا ~~إذا رأى ما يخالفه، وهي لم تفتح عينيها على غير هذه البوادر والمقدمات. # أكبر الظن أن الزهراء الصغيرة لم تستغرب شيئا مما كان يحيط بها وهي تدرج في مهدها، ~~ولكن الطفل الذي يحسب هذه المشاهد من مألوفاته ينفرد بمألوفات لا تتكرر من حوله، ويتخذ ~~له قياسا للألفة والغرابة منفردا بين أقيسة النفوس. # وأكبر الظن أنه ينشأ منطويا على نفسه، مستخفا بما يخف له الناس من حوله، متطلبا من ~~عادات النفوس وطبائعها غير ما يتطلبون. # وقد أوشكت الزهراء أن تنشأ نشأة الطفل الوحيد في دار أبويها؛ لأنها لم تجد معها غير ~~أخت واحدة ليست من سنها، وغير أخيها هند، وهو أكبر منها ومن أختها، ولم يكن من عادة ~~الطفولة العربية أن يلعب البنات لعب الصبيان. # وأوشكت عزلة الطفلة الوحيدة أن تكبر معها؛ لأنها لم تكن تسمع عن ذكريات إخوتها الكبار ~~إلا ما يحزن ويشغل؛ ماتوا صغارا وخلفوا في نفوس الأبوين لوعة كامنة وصبرا مريرا، أو ~~تزوج من الأخوات الأحياء من تزوج وخطب من خطب، ثم لم تلبث الخطبة أن ردت إلى ~~أختين؛ لأنهما خطبتا إلى ولدي أبي لهب، ثم أصبح أبو لهب عدوا للأبوين يمقتهما ~~ويمقتانه، فانتهت خطبة الأختين الشقيقتين بهذا العداء. # جد من كل جانب تركن إليه، وانطواء على النفس لا تستغربه ولا تحب أن تتبدله، ملاذها ~~في كل هذا حنان أبوين لا كالآباء: حنان جاد رصين، ونكاد نقول: بل حنان صابر حزين، ~~يشملها به الأب الذي مات أبناؤه ولا عزاء له من بعدهم غير عبء النبوة الذي تأهب له ~~زمنا ونهض به زمنا، ولا يزال ms010 يعاني من حمله ما تنوء به الجبال، وتشملها به الأم التي ~~جاوزت الأربعين وبقيت لها في خدرها هذه البنية الدارجة صغرى ذريتها، والحنان على الصغرى ~~من الذرية بعد فراق الذرية كلها بالموت أو بالرحلة حنان لعمر الحق صابر ~~حزين. # ولقد نعمت الزهراء بهذا الحنان من قلبين كبيرين: حنان أحرى به أن يعلم الوقار ولا ~~يعلم الخفة والمرح والانطلاق. # وتعلمت الزهراء في دار أبويها ما لم تتعلمه طفلة غيرها في مكة: آيات من القرآن وعادات ~~يأباها من حولهم العابدون وغير العابدين. # ولكنها قد تعلمت كذلك كل ما يتعلمه غيرها من البنات في حاضرة الجزيرة العربية، فلا ~~عجب أن نسمع عنها بعد ذلك أنها كانت تضمد جراح أبيها في غزوة أحد، وأنها كانت تقوم ~~وحدها بصنيع بيتها ولا يعينها أحد في أكثر أيامها. # ويبدو لنا انطواء الزهراء على نفسها من الأحاديث المروية عنها، فلم تعرض قط لشيء غير ~~شأنها وشأن بيتها، ولم تتحدث قط في غير ما تسأل عنه أو يلجئها إليه حادث لا ملجأ منه، ~~فلا فضول هنالك في عمل ولا في مقال. # وسواء صح ما جاء في الأنباء عن محاجتها للصديق بالقرآن الكريم أو كان فيه ~~مجال للمراجعة، فالصحيح الذي لا مراجعة فيه أنها سمعت القرآن الكريم من النبي وسمعته من ~~علي، وأنها صلت به ووعت أحكام فرائضه، وأنها وعت كل ما وعته فتاة عربية أصيلة العرق ~~والنسب، وزادت عليه ما لا يعيه غيرها من الأصيلات المعرقات. # لقد نشأت نشأة جد واعتكاف: # 3 # نشأة وقار واكتفاء، وعلمت مع السنين أنها سليلة شرف لا منازع لها فيه من ~~واحدة من بنات حواء فيمن تراه، فوثقت بكفاية هذا الشرف الذي لا يدانى، وشبت بين ~~انطوائها على نفسها واكتفائها بشرفها كأنها في عزلة بين أبناء آدم وحواء. # سكنت هذه النفس القوية جثمانا يضيق بقوتها، وقلما رزق الراحة من اجتمع له النفس ~~القوية والجثمان الضعيف، فإنهما مزيج متعب للنفس والجسم معا، لا قوام له بغير راحة ~~واحدة: هي راحة الإيمان، وهذا هو التوفيق الأكبر ms011 في نشأة الزهراء، فإنها نشأت في مهد ~~الإيمان؛ إذ هو ألزم ما يكون لها بين قوة نفسها ونحول جثمانها. # الفصل الثالث # | زواجها # قال الزرقاني في شرح المواهب اللدنية: «إن عبد الله بن حسن دخل على هشام بن عبد ~~الملك وعنده الكلبي، فقال هشام لعبد الله: يا أبا محمد! كم بلغت فاطمة من السن؟ قال: ~~ثلاثين سنة. فقال الكلبي: خمسا وثلاثين. فقال هشام: اسمع ما يقول، وقد عني بهذا ~~الشأن. فقال: يا أمير المؤمنين: سلني عن أمي وسل الكلبي عن أمه.» # وتوافق هذه الرواية روايات متعددة، اتفقت على أن الزهراء ولدت في سنة بناء الكعبة قبل ~~البعثة المحمدية ببضع سنوات، فأصح الأقوال بين الأخبار المتضاربة أنها عليها السلام قد ~~تزوجت وهي في نحو الثامنة عشرة. # ومن جملة الأخبار يتضح أن النبي عليه السلام كان يبقيها لعلي رضي الله عنه؛ فقد ~~خطبها أبو بكر وعمر، فردهما وقال لكل منهما: أنتظر بها القضاء، أو قال: إنها صغيرة كما ~~جاء في سنن النسائي. # وفي أسد الغابة أنها لما خطبها أبو بكر وعمر وأبى رسول الله قال عمر: «أنت لها يا ~~علي!» فقال علي: «ما لي من شيء إلا درعي أرهنها»، فزوجه رسول الله فاطمة، فلما بلغ ~~ذلك فاطمة بكت، ثم دخل عليها رسول الله فقال: «مالك تبكين يا فاطمة! فوالله لقد أنكحتك ~~أكثرهم علما وأفضلهم حلما وأولهم سلما.» # وفي رواية أن عليا لما سأله النبي: «هل عندك من شيء؟» قال: «كلا». فقال له: «وأين ~~درعك الحطمية؟» أي التي تحطم السيوف، وكان النبي قد أهداه إياها، فباعها وباع أشياء ~~غيرها كانت عنده، فاجتمع له منها أربعمائة درهم. # جاء في أنساب الأشراف للبلاذري: «فباع بعيرا له ومتاعا فبلغ من ذلك أربعمائة ~~وثمانين درهما، ويقال: أربعمائة درهم، فأمره أن يجعل ثلثها في الطيب وثلثها في المتاع ~~ففعل.» # ثم استطرد صاحب الأنساب إلى رواية أخرى، يرتفع سندها إلى علي نفسه قال: سمعت عليا ~~عليه السلام يقول: «أردت أن أخطب إلى رسول الله # صلى الله عليه وسلم # ابنته، فقلت: ms012 والله ما لي شيء، ~~ثم ذكرت صلته وعائدته فخطبتها إليه». فقال: «وهل عندك من شيء؟» قلت: «لا» قال: «فأين ~~درعك يوم كذا؟ فقلت: هي عندي! قال: فأعطها إياها.» # وفي طبقات ابن سعد أن رسول الله قال لما خطب أبو بكر وعمر فاطمة: «هي لك يا علي! لست ~~بدجال» يعني لست بكذاب. وذلك أنه كان وعد عليا بها قبل أن يخطبها. # ويروى عن النبي أنه قال لفاطمة: «ما أليت # 1 # أن أزوجك خير أهلي.» # وجهزت وما كان لها من جهاز غير سرير مشروط ووسادة من أدم حشوها ليف ونورة من أدم ~~(إناء يغسل فيه) وسقاء ومنخل ومنشفة وقدح ورحاءان وجرتان. # وعن أنس بن مالك أن النبي قال له: انطلق وادع لي أبا بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير ~~وبعدتهم من الأنصار، قال: فانطلقت فدعوتهم، فلما أخذوا مجالسهم قال # صلى الله عليه وسلم ~~: «الحمد ~~لله المحمود بنعمته، المعبود بقدرته، المطاع لسلطانه، المهروب إليه من عذابه، النافذ ~~أمره في أرضه وسمائه، الذي خلق الخلق بقدرته، وميزهم بأحكامه، وأعزهم بدينه، وأكرمهم ~~بنبيه محمد # صلى الله عليه وسلم ~~. إن الله عز وجل جعل المصاهرة نسبا لا حقا ولا أمرا مفترضا ~~وحكما عادلا وخيرا جامعا، أوشج # 2 # بها الأرحام، وألزمها الأنام. فقال الله عز وجل: # وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا ~~وكان ربك قديرا ~~، وأمر الله يجري إلى قضائه، وقضاؤه يجري إلى ~~قدره، ولكل أجل كتاب، يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب، ثم إن الله تعالى ~~أمرني أن أزوج فاطمة من علي، وأشهدكم أني زوجت فاطمة من علي، على أربعمائة مثقال ~~فضة إن رضي بذلك على السنة القائمة والفريضة الواجبة، فجمع شملهما وبارك لهما وأطاب ~~نسلهما، وجعل نسلهما مفاتيح الرحمة ومعادن الحكمة وأمن الأمة، أقول قولي هذا وأستغفر ~~الله لي ولكم.» # قال أنس: «وكان علي عليه السلام غائبا في حاجة لرسول الله # صلى الله عليه وسلم # قد بعثه فيها. ~~ثم أمر لنا بطبق فيه تمر فوضع بين أيدينا، فقال: انتبهوا. فبينما نحن ms013 كذلك إذ أقبل ~~علي فتبسم إليه رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وقال: «يا علي! إن الله أمرني أن أزوجك فاطمة، ~~وإني زوجتكها على أربعمائة مثقال فضة»، فقال علي: رضيت يا رسول الله! ثم إن عليا ~~خر ساجدا شكرا لله، فلما رفع رأسه قال الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~: «بارك الله لكما وعليكما، ~~وأسعد جدكما، وأخرج منكما الكثير الطيب».» # قال أنس: «والله لقد أخرج منهما الكثير الطيب.» # ومن المرجح جدا أن الزهراء قد استشيرت في زواجها على عادة النبي عليه السلام في ~~تزويج كل بنت من بناته كما جاء في مسند ابن حنبل، فيقول لها: فلان يذكرك، فإن سكتت أمضى ~~الزواج، وإن نقرت الستر علم أنها تأباه، وفي زواج الزهراء قال لها: يا فاطمة! إن عليا ~~يذكرك. فسكتت، وفي روايات أخرى أنه وجدها باكية، فذاك حيث قال رسول الله: «ما لك تبكين ~~تبكين يا فاطمة! فوالله لقد أنكحتك أكثرهم علما، وأفضلهم حلما، وأولهم سلما.» # ولم يجمع كتاب السيرة على الوقت الذي تم فيه الزواج، ولكنهم قالوا: إنه كان بعد ~~الهجرة، وبعد غزوة بدر. وأرجح الأقوال كما قدمنا أنها كانت في نحو الثامنة عشرة، وزوجها ~~أكبر منها ببضع سنوات. # توخينا في اقتباس هذه الأخبار أن نرجح منها الأوسط الأمثل بين أقوال الرواة ~~والمحدثين، فما من خبر من هذه الأخبار وصل إلينا في كتب السيرة على رواية واحدة، وقد ~~يبلغ الفرق في بعض المسائل التي تتعلق بالزمن خمس سنوات أو أكثر، ويبلغ الفرق في بعض ~~المسائل التي تتعلق بالأقوال والأعمال أن تتناقض مناقضة القبول والإباء والرضى ~~والإنكار، فلا مناص من الأخذ بالأوسط الأمثل بين جميع هذه الأقوال. # ونحن نعني بالأوسط الأمثال أن يكون الترجيح قائما على المقابلة والموازنة والرجوع ~~إلى حوادث الزمن وعادات أهله، وإلى الأحرى أن يصدر ممن أسند إليهم القول أو نسب ~~إليهم العمل؛ فإن الأخبار إذا تساوت رجح بينها ما هو أشبه بالزمن وأهله وأصحاب السيرة ~~فيه. # فمن المعقول مثلا أن يؤثر النبي عليا بفاطمة وهما ربيبان في بيئة ms014 واحدة، ومن ~~المعقول أن يؤثر زواجها من علي على مشاركتها في بيت أبي بكر وعمر لزوجات الشيخين، ومن ~~المعقول أن يتردد علي في خطبتها لفقره. ولا يخالف المعقول ولا المألوف أن يقدم بعد ~~تردد، لشعوره بأنه مخصوص بها وأنه ينبغي عليه أن يقطع الشك باليقين ويعمل من عنده ما لا ~~بد له من عمله ، ولا يخالف المعقول ولا المألوف كذلك أن يتأخر الزواج إلى ما بعد الهجرة؛ ~~لأن حياة المسلمين في مكة - قبل الهجرة إلى المدينة - لم تكن حياة أمن ولا استقرار، ولم ~~يكن من النادر أن يهاجر المسلمون بزوجاتهم إلى بلد بعيد كالحبشة كلما ملكوا وسائل ~~الهجرة، فمن كان متزوجا قبل اشتداد العنت على المسلمين فلا حيلة له في الزواج، ومن لم ~~يكن فليس أخلق به من إرجاء الزواج إلى حين. # ذلك كله هو المعقول المألوف، وهو الأوسط الأمثل إذا تساوت الأخبار ووجبت الموازنة ~~والترجيح. # إلا أن التاريخ يكتب للاعتبار، ولا يقصد من الاعتبار به شيء أهم من تصحيح النظر إلى ~~الحوادث والناس، واستخلاص الحقيقة عما يقع ولا يقع وعما يجوز ولا يجوز. # وها هنا محل لعبرتين كأهم العبر في كتابة التاريخ: كتابته في الأزمنة الغابرة، ~~وكتابته في الزمن الحديث. # فأهم العبر التي تستخلص من تواريخ عصر البعثة المحمدية أن يقتصد ذوو الأحكام ~~التاريخية في المسائل الكبرى، فلا يرتبوا حكما قاطعا في مسألة كبيرة على أرقام السنين ~~وألفاظ الروايات، فما كان من الأخبار مجمعا عليه أو مقاربا للإجماع فهو جدير ~~باتخاذ الأحكام الجازمة فيه، وما كان ميزان الحكم فيه كلمة تقابلها كلمات، أو فرضا ~~تقابله فروض، أو رقما ويوما تقابله أرقام وأيام بل أعوام، فليس من القصد أن يعطى فوق ~~معياره من الجزم واليقين، وبخاصة حين ينبني عليه اتهام أو قضاء لا يقوم في مسائل كل يوم ~~بغير بينة تنفي كل شبهة وتبطل كل محال. # أما العبرة في تاريخنا العصري فمرجعها إلى كتابة طائفة من العصريين يزعمون أنهم ~~يطبقون روح العصر على تاريخنا القديم وأنهم يصححونه بهذا التطبيق، وليس ms015 أعجز منهم عن ~~تحقيق هذه الدعوى؛ لأنهم أثبتوا فيما كتبوه أنهم يزنون بميزانين وينظرون بعينين، ~~ويختلقون أسباب التشويه والتحريف. # أولئك هم طائفة المستشرقين الذين يجمعون بين الاستشراق والتبشير، فمن هؤلاء من يطالع ~~في الكتب الدينية التي يصدقها، فيقرأ فيها من أخبار الدعاة والأدعياء أمورا لا شك في ~~أنها من العيوب فلا يحسبها عيوبا، ولا يتأفف منها، بل يعنت فكره ويعنتها ~~تخريجا وتعويجا حتى يقبلها، ويفرض قبولها على الناس. # فإذا طالع كتبا عن أصحاب دين غير دينه لم يأخذ نفسه بمثل هذا التحسين والتزيين، بل ~~أخذها على النقيض من ذلك بالمسخ والتشويه وتحويل المحاسن إلى عيوب، أو بالتنقيب في كل ~~مكان عما يعاب إن لم يجد ما يعيبه في ظاهر السطور والحروف. # وما من شيء يمسخ الدين ويمسخ العلم معا كما يمسخهما هذا الخلق الذميم، فإن الدين لا ~~يعلم الإنسان شيئا إن لم يعلمه حب الصدق واجتناب التمحل # 3 # والافتراء، وإن العلم شر من الجهل إن كان يسوم الإنسان أن يغمض عينيه لكيلا ~~يرى ويوصد أذنيه لكيلا يسمع، فليس هذا جهلا يزول بكشف الحقيقة، ولكنه مرض يتعمد حجب ~~الحقيقة عن صاحبه وهي مكشوفة لديه، فهو شر من الجهل بلا مراء. # وفي تاريخ الزهراء مثال للعبرة التي تستخلص من كتب هؤلاء «العلماء» الذين هم شر من ~~الجهلاء، وأحدهم قد خصص كتابا لتاريخ الزهراء يحاول فيه جهده أن «يطبق» ذلك العلم ~~العصري المقلوب، فإذا هو منقلب عليه. # يؤلف رجل من رجال الدين المستشرقين الذين عاشوا زمنا في الشرق - كتابا عن الزهراء ~~ليرضي فيه ذلك «العلم العصري» المقلوب، ويبحث عن العيوب حيث لا عيوب، فإذا العيب هو ~~في الإسفاف، وكم في الإسفاف من عيوب، بل من ذنوب! # ومن تفاهاته وسفاسفه # 4 # أنه يحاول جهده أن يثبت أن السيدة فاطمة لم تتزوج قبل الثامنة عشرة؛ لأنها ~~كانت محرومة من الجمال، ولم تصدق أن أحدا يخطبها بعد تلك السن، ثم يقول: إنها لما ~~عرض عليها النبي الزواج من علي سكتت هنيهة ولكنها لم تسكت خجلا بل ms016 دهشة من أن يخطبها ~~خاطب، ثم تكلمت فشكت؛ لأنها تزوج من رجل فقير. # لو كان السند الذي استند إليه هذا «العالم» واضحا ملزما لقلنا: إنها أمانة العلم، ~~ولا حيلة للعالم في الأمانة العلمية. # لكن السند كله قائم على أن السيدة فاطمة تزوجت في الثامنة عشرة من عمرها، وتقابله ~~أسناد أخرى تنقضه وتتراءى للمؤلف حيثما نظر حوله ولكنه لا يحب أن يراها؛ لأنه يحب أن ~~يرى ما يعيب ولا يحب أن يرى ما لا عيب فيه. # فالمشهور المتواتر أن السيدة فاطمة ولدت لأبوين جميلين، وأن أخواتها تزوجن من ذوي غنى ~~وجاه، كأبي العاص بن الربيع وعثمان بن عفان. # وليس من المألوف أن يكون الأبوان والأخوات موصوفين بالجمال وأن تحرمه إحدى ~~البنات! # والمشهور المتواتر أن السيدة فاطمة بلغت سن الزواج والدعوة المحمدية في إبانها، ~~والمسلمون بين مهاجر أو مقيم غير آمن، والحال قد تبدلت بعد الدعوة المحمدية فأصبحت خطبة ~~المسلمات مقصورة على المسلمين، وهؤلاء المسلمون قلة، منهم المتزوج ومنهم من لا طاقة له ~~بالزواج، فلا حاجة بالمؤلف إلى البحث الطويل ليهتدي إلى السبب الذي يؤخر زواج بنت النبي ~~إلى الثامنة عشرة، ولو كانت أجمل الجميلات. # وفي وسعه كذلك أن يتصور أن النبي يخص بها ابن عمه، وينتظر بها يوم البت حين تهدأ ~~الحال ويستعد ابن عمه للزواج ويستقر على حال بينه وبين آله الذين لا يزالون على دين ~~الجاهلية، فلا هم في ذلك الوقت ذووه ولا هم بعداء عنه. # كل ذلك قريب كان في وسع «العالم المحقق» أن يراه تحت عينيه، قبل أن يذهب إلى العلة ~~التي اعتلها لتأخير الزواج، فلا يرى له من علة غير فقدان الجمال. ولكن الأسباب الواضحة ~~القريبة لا يلتفت إليها؛ لأنها لا تعيب، والسبب الخفي البعيد تشوبه غضاضة، # 5 # فهو الجدير إذن بالالتفات. # وكأنما كان «العالم المحقق» في حاجة إلى جهالة فوق جهالته، فهو يفهم من بكاء السيدة ~~فاطمة أنه شكاية من فقر علي بن أبي طالب، ويسند هذا الفهم إلى رواية البلاذري في أنساب ~~الأشراف، بعد ms017 زعمه أن فاطمة أبلغت زواجها بعلي فسكتت من الدهشة لا من الخجل، وإنما ~~دهشت؛ لأنها لم تكد تصدق أن أحدا يخطبها بعد أن قاربت العشرين. # أفمن المألوف أو من التطبيق العلمي أن تكون الفتاة يائسة من الزواج، مدهوشة من خطبة ~~الخطيب، ثم تتعلل العلل وتفرض الشروط وتستعظم نفسها على بني عمومتها الفقراء، وليست هي ~~يومئذ من الأغنياء ؟ # كلا! ليس ذلك بالمألوف ولا بالتطبيق العلمي، ولكنه تمحل للظن فضيلته الكبرى أنه ~~يشتمل على مساس بفاطمة وعلي. فهو إذن أحق بالترجيح من كل تقدير مألوف. # والبلاذري - بعد - لم يذكر شيئا من هذا، وليس في كلامه عن مناقب علي أو فاطمة شيء من ~~قبيل الجواب الذي ينسب إلى الزهراء غير روايته الحديث بسنده وهو: «حدثنا عبد الله بن ~~صالح عن شريك عن أبي إسحاق عن حبشي بن جنادة قال: لما زوج رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أرعدت، ~~فقال: «اسكتي! فقد زوجتك سيدا في الدنيا، وإنه في الآخرة لمن الصالحين».» # هذا ما وجدناه في النسخة المنقولة من مخطوطة الأستانة، ومن المطبوعة في أوربا، فتفسير ~~«الرعدة» بذلك المعنى إنما هو من إبداع المؤلف الحصيف! # هذا مثال من تحقيق هؤلاء المحققين حين يكتبون عن تاريخ أعلام الشرق وحوادثه، نمر ~~به لعبرته النافعة في وزن التواريخ العصرية المزعومة، ولا ننبه إليه لقول قائل: إن ~~السيدة فاطمة كانت محرومة من الجمال. فإنه لو صح لما كان فيه مهانة على سيدة شرفتها ~~أكرم الأبوات كما شرفتها أكرم البنوات، ولكننا ننبه إليه؛ لأنه عبرة المعتبرين فيما ~~يصنعه العقل بنفسه حين يمسخه مرض الأهواء، فيفتري على العلم والدين ما تأباه أمانة ~~العلم، ويعافه أدب الدين. # ونعود إلى قياس الأخبار بالموازنة أو بما هو مألوف ومعقول، فنقول: إننا بحثنا عن خبر ~~من أخبار زواج البنات في آل محمد وآل علي، فلم تجد في عصر النبوة غير واحد على قبيل ~~الخبر الذي قيل فيه: إن السيدة فاطمة أشارت إلى فقر علي حين بلغت خطبته لها، وهو تزوج ~~السيدة أم كلثوم. # وبين الخبرين، ms018 مع هذا، بون بعيد. # جاء في أسد الغابة عن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب أنه قال: «لما تأيمت أم كلثوم ~~من عمر بن الخطاب دخل عليها حسن وحسين أخواها فقالا: «إنك ممن قد عرفت سيدة نساء ~~المسلمين وبنت سيدتهن، وإنك والله إن أمكنت عليا من رمتك لينكحك بعض أيتامه، وإن ~~أردت أن تصيبي بنفسك مالا عظيما لتصيبنه»، فوالله ما قاما حتى طلع علي يتكئ على عصاه، ~~فجلس فحمد الله وأثنى عليه وذكر منزلتهم من رسول الله وقال: قد عرفتم منزلتكم عندي يا ~~بني فاطمة وأثرتكم على سائر ولدي لمكانكم من رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، فقالوا: صدقت ~~رحمك الله، فجزاك الله عنا خيرا. فقال: أي بنية! إن الله عز وجل قد جعل أمرك ~~بيدك، فأنا أحب أن تجعليه بيدي. فقالت: أي أبة! إني امرأة أرغب فيما يرغب فيه النساء، ~~وأحب أن أصيب مما تصيب النساء من الدنيا، وأنا أريد أن أنظر في أمر نفسي. فقال: لا ~~والله يا بنية! ما هذا من رأيك. ما هو إلا رأي هذين! ثم قام فقال: والله لا أكلم رجلا ~~منهما أو تفعلين، فأخذا بثيابه فقالا: اجلس يا أبة، فوالله ما على هجرتك من صبر. اجعلي ~~أمرك بيده. فقالت: قد فعلت! قال: فإني قد زوجتك من عون بن جعفر، وإنه لغلام، وبعث لها ~~بأربعة آلاف درهم.» # هذه المؤامرة المحببة بين أخوين وأختهما ليسعداها بزواج أرغد من الزواج الذي يختاره ~~أبوهم - تنتهي بطاعة الحب للأب الذي لا يصبر على غضبه، وتدل في سرها وعلانيتها على أجمل ~~ما يكون بين الإخوة والآباء من عطف وتوقير. وليس فيها من الشبه برواية البلاذري غير ~~إشفاق الفتاة من عيشة الضنك دون أن يكون هناك خطيب معروف تقابل خطبته بالاعتراض ~~والمراجعة، وشتان مقال أم كلثوم وما رواه الرواة عن أمها البتول. # 6 # فإذا كان للخبر الذي جاء في أنساب الأشراف أصل يعول عليه فأصله فيما هو مألوف ومعقول ~~أن يكون النبي عليه السلام قد وجد الزهراء باكية ms019 وليس في ذلك من غرابة؛ لأننا لا نتخيل ~~فتاة في مثل موقفها لا يبكيها ما تثيره في نفسها ذكرى أمها ووداع بيت أبيها، وقد ~~فارقتها أمها وهي صبية تدرك ما فقدته من عطفها وبرها وإلطافها لها في رخائها وعسرها، ثم ~~يكون يوم الفصال في غربة من البيت الذي لزمتها فيه ومن البلد الذي يحتويه، فإن جهدنا أن ~~نتخيل فتاة لا تبكي حي تحوم بنفسها تلك الذكريات، وتقترب من اليوم الفاصل بين معيشتها ~~في كنف أبيها ومعيشتها في غير كنفه، فموضوع الغرابة أن نتخيلها بعد الجهد غير باكية ~~وغير آسية، ولا سيما من كانت مثل الزهراء مجبولة على مزاج حزين وأسى دفين على أمها ~~العزيزة لم يفارقها مدى السنين. # ومثل النبي الذي كانت كبرى فضائله أنه إنسان عظيم، وأنه كان أبا مكلوم الفؤاد، لن ~~يفوته ذلك الخاطر في ذلك اليوم، ولن يسكت عنه إلا عامدا عالما بما يلعجه # 7 # في النفس من الحزن والشجن، فمن اللطف بالفتاة الحزينة أن يتحاشاه وأن يجعل ~~عزاءه لها ما قاله عليه السلام: «مالك تبكين يا فاطمة! فوالله لقد أنكحتك أكثرهم علما، ~~وأفضلهم حلما، وأولهم سلما.» # ولم يمض غير قليل حتى تبين لنا سبب من الأسباب التي أطالت بقاء فاطمة في بيت أبيها، ~~فإنه عليه السلام كان يحنو عليها لضعفها وحزنها ولا يصبر على فراقها، فلما تحولت عن ~~داره بعد زواجها لم تمض أيام حتى ذهب إليها فقال لها: إني أريد أن أحولك إلي. فقالت: ~~فكلم حارثة بن النعمان أن يتحول عني. قال رسول الله: قد تحول حارثة بن النعمان عنا حتى ~~استحيت منه. فبلغ ذلك حارثة فتحول وجاء النبي فقال: يا رسول الله! إنه بلغني أنك تحول ~~فاطمة إليك، وهذه منازلي، وهي أسقب بيوت بني النجار بك، وإنما أنا ومالي لله ولرسوله، ~~والله يا رسول الله للمال الذي تأخذ مني أحب إلي من الذي تدع. فقال رسول الله: ~~صدقت. بارك الله عليك! فحولها رسول الله إلى بيت حارثة. # جاء في كتاب السمهودي عن أخبار دار ms020 المصطفى: «إن بيت فاطمة رضي الله عنها في الزور ~~الذي في القبر بينه وبين بيت النبي # صلى الله عليه وسلم # خوخة. # 8 # وكانت فيه كوة إلى بيت عائشة رضي الله عنها، فكان رسول الله # صلى الله عليه وسلم # إذا قام اطلع من الكوة إلى فاطمة فعلم خبرهم، وإن فاطمة رضي الله عنها قالت لعلي: ~~إن ابني أمسيا عليلين، فلو نظرت لنا أدما نستصبح به؛ فخرج علي إلى السوق فاشترى لهم ~~أدما وجاء به إلى فاطمة، فاستصبحت. فأبصرت عائشة المصباح عندهم في جوف الليل - وذكر ~~كلاما وقع بينهما - فلما أصبحوا سألت فاطمة النبي # صلى الله عليه وسلم # أن يسد الكوة ~~فسدها.» # إلى أن قال ما خلاصته من جملة أسانيده: «إنه # صلى الله عليه وسلم # كان يأتي باب علي وفاطمة وحسن ~~وحسين كل يوم عند صلاة الصبح حتى يأخذ بعضادتي # 9 # الباب ويقول: السلام عليكم أهل البيت، ويقول: الصلاة! ثلاث مرات، إنما يريد ~~الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا. وكان النبي # صلى الله عليه وسلم # إذا قدم من سفر ~~بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين، ثم يثني بفاطمة، ثم يأتي بيوت نسائه.» # وأسند يحيى عن محمد بن قيس قال: «كان النبي # صلى الله عليه وسلم # إذا قدم من سفر أتى فاطمة فدخل ~~عليها وأطال عندها المكث، فخرج مرة في سفر وصنعت فاطمة مسكتين # 10 # من ورق # 11 ~~(بكسر الراء) وقلادة وقرطين وسترت باب البيت لقدوم أبيها وزوجها، فلما قدم ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # دخل عليها وقف أصحابه على الباب لا يدرون أيبقون أم ينصرفون لطول ~~مكثه عندها، فخرج رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وقد عرف الغضب في وجهه حتى جلس على المنبر، ~~ففطنت فاطمة أنه فعل ذلك لما رأى من المسكتين والقلادة والستر. فنزعت قرطيها وقلادتها ~~ومسكتيها ونزعت الستر وبعثت به إلى رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وقالت للرسول: قل له: تقرأ عليك ~~ابنتك السلام وتقول لك: اجعل هذا في سبيل الله. فلما أتاه قال: قد فعلت، ms021 فداها أبوها، ~~ثلاث مرات، ليست الدنيا من محمد ولا من آل محمد، ولو كانت الدنيا تعدل عند الله من ~~الخير جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء.» # وانتظمت الحياة في السكن الجديد الذي أوى إلى ظل النبي على مثال من حياة النبي في ~~بيته: عيشة كفاف وخدمة يتعاون عليها رب البيت وربته، إذ كان رزق علي من وظيفة ~~الجندي، ووظيفته من فيء الجهاد، وقد كان قليلا في حياة النبي، وهو مقصور على الجزيرة ~~العربية، فكان نصيب علي منه أقل من أن يتسع لأجرة الخدم، وكلما رزق وليدا جاءته حصته ~~على قدر شأنه كشأن كل أب من المسلمين. # وما لبث البيت الصغير أن سعد بالذرية، وقد رزق الأبوان الفقيران نصيبا صالحا من ~~البنين والبنات: الحسن والحسين ومحسن، وزينب وأم كلثوم. # وكان أسعد ما يسعدان به عطف الأب الأكبر الذي كان يواليهم به جميعا ولا يصرفه عنه ~~شاغل من شواغله الجسام في محتدم الدعوة والجهاد، وقد أوشكت كل كلمة قالها في تدليل ~~كل وليد أو الترحيب به أن تصبح تاريخا محفوظا في الصدور والأوراق. # فلما ولد الحسن سماه والداه حربا، فجاء رسول الله فقال: أروني ابني، ما سميتموه؟ ~~قالوا: حرب! قال: بل هو حسن، وهكذا عند مولد الحسين، وعند مولد المحسن، وقد مات وهو ~~صغير. # وكان يدلل الطفل منهم ويستدرجه، فربما شوهد وهو يعلو بقدمه الصغيرة حتى يبلغ بها صدر ~~النبي، والنبي يرقصه ويستأنسه ويداعب صغره وقصره بكلمات حفظها الأبوان، ولم يلبث أن ~~حفظها المشرقان: «حزقة # 12 # حزقة. ترق، ترق عين بقة.» # وربما شوهد النبي عليه السلام ساجدا وطفل من هؤلاء الأطفال راكب على كتفيه، فيتأنى ~~في صلاته ويطيل السجدة لكيلا يزحزحه عن مركبه، وفي إحدى هذه السجدات يقول عمر بن الخطاب ~~للطفل السعيد: المطية مطيتك! # بل ربما كان على المنبر، فيقبل الحسن والحسين يمشيان ويتعثران، فيسبقه حنانه إليهما ~~وينزل من المنبر ليحملهما، وهو يقول: «صدق الله العظيم! إنما أموالكم وأولادكم ~~فتنة!» # وكان إذا سمع أحدهما يبكي نادى فاطمة وقال لها: ms022 «ما بكاء هذا الطفل؟ ألا تعلمين أن ~~بكاءه يؤذيني؟» # وقد جعل من عادته أن يبيت عندهم حينا بعد حين، ويتولى خدمة الأطفال بنفسه وأبواهم ~~قاعدان. ففي إحدى هذه الليالي سمع الحسن يستسقي فقام صلوات الله عليه إلى قربة فجعل ~~يعصرها في القدح ثم جعل يعبعبه، فتناول الحسين فمنعه وبدأ بالحسن، قالت فاطمة: كأنه أحب ~~إليك؟ قال: إنما استسقى أولا! # وقد يلفهم جميعا في برد واحد فيقول لهم: «أنا وأنتم يوم القيامة في مكان ~~واحد.» # وكانت هذه الأبوة الكبيرة أعز عليهم جميعا من أبوة الأب الصغير، فكانت فاطمة تقول ~~إذا رقصت طفلها: # وا بأبي شبه النبي # لست شبيها بعلي # وكانوا يتغايرون على هذا تغاير المحبين الذين يتنافسون على حب لا يمنع بعضهم بعضا أن ~~يتنافسوا عليه. ~~••• # حياة سعيدة مع الشظف والفاقة؛ سعيدة بالعطف في قلوب كبار، ما كان حطام الدنيا عندها ~~ليساوي مثقال ذرة من هباء. # ولم تخل هذه الحياة، وما خلت حياة آدمي قط، من ساعات خلاف وساعات شكاية، فربما شكت ~~فاطمة وربما شكا علي، وربما أخذت فاطمة على قرينها بعض الشدة، وما هي بشدة، فما كان رجل ~~مثل علي ليعنف بنت رسول الله وهو يعلم مكانها من قلب رسول الله؛ إنما هو اعتزاز فاطمة ~~بنفسها وإباؤها أن تهمل حيث كانت، وإنما هو الحنان الذي تعودته من أبيها فلا تستريح إلى ~~ما دونه، وكل حنان بعد حنان ذلك القلب الكبير فكأنه قسوة أو قريب من القسوة عند من ~~يتفقده فلا يجد نظيره في قلب إنسان. # وكان الأب الأكبر يتولى صلحهما في كل خلاف، وربما ترك مجلسه بين الصحابة ليدخل إلى ~~الأخوين المتخاصمين فيرفع ما بينهما من جفاء. والصحابة الذين يتتبعون في وجه النبي كل ~~خالجة من خوالج نفسه، ويبيحون أنفسهم أن يسألوه؛ لأنه لا يملك من ضميره ما يضن به على ~~المتعلم والمتبصر، يجرون معه على عادتهم كلما دخل البيت مهموما وخرج منه منطلق ~~الأسارير، فيسألونه فيجيب: «ولم لا وقد أصلحت بين أحب الناس إلي!» # ومرة من هذه المرات، بلغ ms023 العتاب غاية ما يبلغه من خصومة بين زوجين، ونمى إلى فاطمة أن ~~عليا يهم بالزواج من بنت هشام بن المغيرة، فذهبت إلى أبيها باكية تقول: «يزعمون أنك ~~لا تغضب لبناتك؟» # كلمة تعلم وقعها في نفس أبيها الذي ما زعمت هي قط أنه يرضى بما يغضبها، وقد عرف أبوها ~~ما تعني؛ لأن بني هشام بن المغيرة استأذنوه في تزويج بنتهم من زوج فاطمة، فصعد المنبر ~~والغضب باد عليه، وقال على ملأ من الحاضرين: «ألا إن بني هشام بن المغيرة استأذنوني في ~~أن ينكحوا ابنتهم عليا، ألا وإني لا آذن، ثم لا آذن، ثم لا آذن، إنما فاطمة بضعة مني ~~يريبني ما رابها.» # ولا نعلم نحن من شرح هذه الخطبة غير ما جاء في رواياتها المختلفة، ولكننا نعلم أن هذه ~~الفتاة أسلمت وبايعت النبي وحفظت عنه، فلعلها قد خيف عليها الفتنة أن تتزوج بغير كفء من ~~المسلمين، وأهلها هم من هم في المكانة والحسب لا يرضيهم من هو دون ابن أبي طالب من ذوي ~~قرابتها، أو لعلها غضبة من غضبات علي على أنفة من أنفات فاطمة، أو لعلها نازعة من ~~نوازع النفس البشرية لم يكن في الدين ما يأباها، وإن أباها العرف في حالة المودة ~~والصفاء. # ولا نحسب أن حياة الزهراء والإمام تعرضت لخلاف غير الذي أشرنا إليه، فإن كتب السيرة ~~تستقصي كل جليل ودقيق من الحديث عن ذرية النبي. وهي وأبناؤها كل ذرية النبي الذين عاشوا ~~بعده، ولم يطل بها العمر فلحقت بالنبي صلوات الله عليه بعد وفاته ببضعة أشهر، وكان علي ~~قد عاهد نفسه لا يغضبنها وقد غابت عنها عين أبيها، فلم يغضبها بعد ذلك حتى في أمر ~~الخلافة، وهو يومئذ أجل الأمور. # الفصل الرابع # | بلاغتها # قال الإمام أبو الفضل أحمد بن طاهر في كتاب بلاغات النساء: «لما أجمع أبو بكر رضي ~~الله عنه على منع فاطمة بنت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فدك، وبلغ ذلك فاطمة لاثت خمارها على ~~رأسها، وأقبلت في لمة من حفدتها تطأ ذيولها، ما ms024 تخرم من مشية رسول الله # صلى الله عليه وسلم # شيئا حتى دخلت على أبي بكر وهو في حشد من ~~المهاجرين والأنصار، فنيطت دونها ملاءة ثم أنت أنة أجهش القوم لها بالبكاء وارتج ~~المجلس، فأمهلت حتى سكن نشيج القوم وهدأت فورتهم، فافتتحت الكلام بحمد الله والصلاة على ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فعاد القوم في بكائهم، فلما أمسكوا عادت في كلامها فقالت: « # قد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما ~~عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم ~~، فإن ~~تعزوه تجدوه أبي دون نسائكم، وأخا ابن عمي دون رجالكم، فبلغ ~~الرسالة صادعا بالنذارة، مائلا عن مدرجة المشركين، ضاربا لثجنهم # 1 # آخذا بكظمهم، يهشم الأصنام، وينكت الهام، حتى هزم الجمع وولوا الدبر، ~~وتفرى الليل عن صبحه، وأسفر الحق عن محضه، ونطق زعيم الدين، وخرست شقائق ~~الشياطين، وكنتم على شفا حفرة من النار، مذقة الشارب، ونهزة الطامع، وقبسة ~~العجلان، وموطئ الأقدام، تشربون الطريق # 2 # وتقتاتون القد، أذلة خاشعين، تخافون أن يتخطفكم الناس من حولكم، فأنقذكم ~~الله برسوله # صلى الله عليه وسلم # بعد اللتيا والتي، وبعد ما مني ببهم الرجال وذؤبان ~~العرب ومردة أهل الكتاب، كلما حشوا نارا للحرب أطفأها، ونجم قرن للضلال، ~~وفغرت فاغرة من المشركين قذف بأخيه في لهواتها، فلا ينكفئ حتى يطأ صماخها بخمصه، ~~ويخمد لهيبها بسيفه، مكدودا في ذات الله، قريبا من رسول الله، سيدا في أولياء الله، ~~وأنتم في بلهنية وادعون آمنون، حتى إذا اختار الله لنبيه دار أنبيائه، ظهرت خلة ~~النفاق، وسمل جلباب الدين، ونطق كاظم الغاوين، ونبغ خامل الآفلين، وهدر فنيق # 3 # المبطلين، فخطر في عرصاتكم، وأطلع الشيطان رأسه من مغرزه، صارخا ~~بكم، فوجدكم لدعائه مستجيبين، وللغرة فيه ملاحظين، فاستنهضكم فوجدكم خفافا، وأحمشكم ~~فألفاكم غضابا، فوسمتم غير إبلكم، وأوردتموها غير شربكم، هذا والعهد قريب، والكلم ~~رحيب، والجرح لما يندمل».» # إلى أن قالت: «وأنتم الآن تزعمون أن لا إرث لنا! أفحكم الجاهلية تبغون؟! # ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ~~؟! ~~أيها المسلمة المهاجرة، أأبتز إرث أبي؟ أفي الكتاب أن ms025 ترث أباك ولا أرث ~~أبي؟ # لقد جئت شيئا فريا ~~، فدونكها مخطومة ~~مرحولة تلقاك يوم حشرك، فنعم الحكم الله، والزعيم محمد، والموعد القيامة، وعند ~~الساعة يخسر المبطلون، و # لكل نبإ مستقر وسوف ~~تعلمون ~~.» # ثم انحرفت إلى قبر النبي # صلى الله عليه وسلم # وهي تقول: # قد كان بعدك أنباء وهنبثة # لو كنت شاهدهم لم تكثر الخطب # إنا فقدناك فقد الأرض وابلها # واختل قومك فاشهدهم ولا تغب # هذه رواية لخطاب الزهراء، وفي الكتاب نفسه رواية أخرى مخالفة في لفظها ومعناها ~~للرواية السابقة، وقبل إيراد الروايتين قال أبو الفضل: ذكرت لأبي الحسين زيد بن علي بن ~~الحسين بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم كلام فاطمة عليها السلام، وقت له: إن هؤلاء ~~- يشير إلى قوم في زمانه يغضون من قدر آل البيت - يزعمون أنه مصنوع وأنه من كلام أبي ~~العيناء، فقال لي: رأيت مشايخ آل أبي طالب يروونه عن آبائهم، ويعلمونه أبناءهم، وقد ~~حدثنيه أبي عن جدي يبلغ به فاطمة عليها السلام على هذه الحكاية، ورواه مشايخ الشيعة ~~وتدارسوه بينهم قبل أن يولد جد أبي العيناء، وقد حدث به الحسن بن علوان عن عطية العوفي ~~أنه سمع عبد الله بن الحسن يذكره عن أبيه. ثم قال أبو الحسن: وكيف يذكر هذا من كلام ~~فاطمة فينكرونه وهم يروون من كلام عائشة عند موت أبيها ما هو أعجب من كلام فاطمة، ~~يتحققونه لولا عداوتهم لنا أهل البيت؟ # ونسبت إلى السيدة فاطمة أبيات من الشعر قالتها بعد موت أبيها صلوات الله عليه، وأنها ~~بعد دفنه أقبلت على أنس بن مالك فقالت: «يا أنس! كيف طابت أنفسكم أن تحثوا # 4 # على رسول الله التراب؟» ثم بكت ورثته قائلة: # اغبر آفاق السماء وكورت # 5 # شمس النهار وأظلم العصران # فالأرض من بعد النبي كئيبة # أسفا عليه كثيرة الرجفان # فليبكه شرق البلاد وغربها # ولتبكه مضر وكل يمان # وليبكه الطود المعظم جوده # والبيت ذو الأستار والأركان # يا خاتم الرسل المبارك ضوءه # صلى عليك منزل القرآن # ووقفت على قبر النبي وأخذت قبضة ms026 من تراب القبر فوضعها على عينيها وبكت وأنشأت ~~تقول: # ماذا على من شم تربة أحمد # أن لا يشم مدى الزمان غواليا # 6 # صبت علي مصائب لو أنها # صبت علي الأيام صرن لياليا # وقالت على قبره أيضا: # إنا فقدناك فقد الأرض وابلها # وغاب مذ غبت عنا الوحي والكتب # فليت قبلك كان الموت صادفنا # لما نعيت وحالت دونك الكثب # 7 # ومضى آنفا أنها تمثلت بعد خطابها عن فدك ببيتين من البحر والقافية مع تكرار شطر ~~منهما وهما: # قد كان بعدك أنباء وهنبثة # لو كنت شاهدهم لم تكثر الخطب # أنا فقدناك فقد الأرض وابلها # واختل قومك فاشهدهم ولا تغب # وفيهما كما يرى القارئ إقواء، لأن الباء مضمومة في روي البيت الأول مكسورة في ~~روي البيت الثاني، ولعل شطرا منهما حل محل شطر في نقل الرواية. ~~••• # نقول: إن الخلاف في أمر هذه الخطب وهذا الشعر كثير، ولا نحب أن نخوض فيه؛ لأنه خلاف ~~على غير طائل، وقد يحسمه أن نذكر في هذا الباب ما يقل فيه الخلاف بين جميع النقاد، فإنه ~~أجدى من اللهو في جدال لا سند له، يسلمه جميع المخالفين. # فيقل الخلاف ولا شك حين نذكر أن ذلك الخطاب ليس مما يبدر من اللسان عفو الخاطر، وإن ~~قائله يعده في نفسه قبل إلقائه كما كان يصنع الخطباء قبل استخدام الكتابة في ~~التحضير. # ويقل الخلاف ولا شك حين نذكر أن سامع هذا الخطاب لا يستظهره عند سماعه، فإن حفظه ~~فإنما يحفظه منقولا أو مكتوبا بعد حفظه. # فإذا قل الخلاف في هذا فعلام إذن يكثر الخلاف؟ # أتراه يكثر حين يقال: إن السيدة فاطمة تحسن هذه البلاغة وتستطيعها حين تحتفل لها ~~وتعدها في خلدها؟ # إن هذا النصيب من البلاغة إذا استكثر على السيدة فاطمة فما من أحد في عصرها لا ~~يستكثر عليه. # لقد نشأت وهي تسمع كلام أبيها أبلغ البلغاء، وانتقلت إلى بيت زوجها فعاشت سنين تسمع ~~الكلام من إمام متفق على بلاغته بين محبيه وشانئيه، وسمعت القرآن يرتل في الصلوات وفي ~~سائر الأوقات، وتحدث ms027 الناس في زمانها بمشابهتها لأبيها في مشيتها وحديثها وكلامها، ~~ومنهم من لا يحابيها ولا ينطق في أمرها عن الهوى. # جاء في الجزء الثالث من العقد الفريد عن «الرياشي عن عثمان بن عمرو عن إسرائيل بن ~~ميسرة بن حبيب، عن المنهال بن عمرو، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين أنها ~~قالت: «ما رأيت أحدا من خلق الله أشبه حديثا وكلاما برسول الله # صلى الله عليه وسلم # من فاطمة، ~~وكانت إذا دخلت عليه أخذ بيدها فقبلها ورحب بها وأجلسها في مجلسه، وكان إذا دخل عليها ~~قامت إليه ورحبت به وأخذت بيده وقبلتها، فدخلت عليه في مرضه الذي توفى فيه، فأسر ~~إليها فبكت، ثم أسر إليها فضحكت، فقلت: كنت أحسب لهذه المرأة فضلا على النساء فإذا هي ~~واحدة منهن، بينما هي تبكي إذا هي تضحك. فلما توفى رسول الله # صلى الله عليه وسلم # سألتها فقالت: ~~أسر إلي فأخبرني أنه ميت فبكيت، ثم أسر إلي إني أول أهل بيته لحوقا به ~~فضحكت».» # وما قالته السيدة عائشة عن المشابهة بين الزهراء وأبيها قيل على ألسنة الثقات جميعا، ~~ويزاد عليه في حديث السيدة عائشة أن امرأة في فضلها واعتزازها بنفسها كانت ترى للزهراء ~~فضلا على سائر النساء في حلمها ورصانتها. ففيم يكثر الخلاف على مثل ذلك النصيب من ~~البلاغة إذا نسب إليها؟ ولماذا تستعظم البلاغة على من نشأت سامعة لحديث محمد مطبوعة على ~~مشابهته في حديثه؟ ولماذا تستعظم على زوجة الإمام الذي كان المتفقون على بلاغته أكثر ~~من المتفقين على شجاعته، وهي مضرب الأمثال؟ ولماذا تستعظم على سامعة القرآن الكريم ~~بالليل والنهار مع الذكاء واللب الراجح؟ # أما نسبة الشعر إلى الزهراء فالخطب فيه أهون من ذلك، فهو لا يسلكها في الشاعرات إن ~~ثبت، ولا يضيرها إن لم يثبت، ونحن إلى جانب الشك الكبير فيه أقرب منا إلى جانب القبول، ~~وليس بعيدا على غير الشاعر أو الشاعرة أن يدير في فمه أبياتا يحكي بها حزنه وبثه، فإن ~~النظم هنا أقرب إلى لغة العاطفة وعادة النحيب، ms028 ولكن السيدة فاطمة كان لها من الاعتبار ~~بآيات من القرآن في مقام الموت غني عن نظم الأبيات أو التمثل بها في مقام العبرة ~~والرثاء. # الفصل الخامس # | في الحياة العامة # مضت السنون والسيدة فاطمة على دأبها الذي عهدناه عاكفة على بيتها، تزيدها عكوفا عليه ~~تربية الأبناء وخدمة البيت التي تنفرد بها ولا تجد معينا عليها في كثير من الأيام غير ~~زوجها. # ثم توفي النبي صلوات الله عليه، فأقامتها الحوادث فجأة على غير مرادها في معترك ~~الحياة العامة أو الحياة السياسية كما نسميها في أيامنا، ولم يكن لها منصرف عن ذلك ~~المعترك في تلك الآونة؛ لأن الخلاف فيها كان خلافا على ميراث أبيها، ميراث الخلافة، ~~وميراث التركة القليلة التي أعقبها. # ومسألة الخلافة في يوم وفاة النبي إحدى المسائل التي طال فيها الجدل، ولا يعسر على ~~المنصفين أن يخرجوا من ذلك الجدل الطويل على رأي متفق عليه، وذاك أن الخطر الأكبر في ~~ذلك اليوم إنما كان من فتنة السقيفة: سقيفة بني ساعدة، حيث اجتمعت قبائل الخزرج بزعامة ~~شيخها سعد بن عبادة، تطلب الإمارة، ثم نصح لهم عويم بن ساعدة باختيار أبي بكر للخلافة، ~~فأعرضوا عنه ونبذوه، ثم خطر لذي رأي منهم أن يقسمها شطرين: أمير من الأنصار وأمير من ~~المهاجرين، وما برح سعد بن عبادة على جلالة شأنه في قومه نافرا من البيعة لأبي بكر بعد ~~انعقادها وهو يأبى إلا أن «يستبد الأنصار بهذا الأمر دون الناس؛ فإنه لهم دون الناس». ~~ثم أصر على إبائه حين انفض جمع السقيفة وجاءه الرسل يدعونه للمبايعة فعاوده الغضب ~~وقال لهم: «أما والله حتى أرميكم بما في كنانتي من نبل وأخضب سنان رمحي»، وناشدوه أن لا ~~يشق عصا الجماعة فعاد يقول: «إني ضاربكم بسيفي ما ملكته يدي، مقاتلكم بولدي وأهل بيتي ~~ومن أطاعني من قومي. وايم الله لو أن الجن اجتمعت لكم مع الإنس ما بايعتكم حتى أعرض ~~على ربي.» # ثم كان ثمة خطر لا يقل عن هذا الخطر في حاضره ولا في مغبته لو لم يعجل ms029 له العاملون ~~بما يقطع دابره، # 1 # وهو خطر الفتنة التي راح أبو سفيان يحضأ # 2 # نارها بين علي والعباس، وبين بني هاشم وسائر بطون قريش، يعد قوما بنصرة ~~بني أمية ونصرة قريش من ورائها، ويوسوس لقوم آخرين بمثل هذا الوعد أو بمثل هذا الوعيد، ~~وما كان من همه أن ينصف بني هاشم ولا أن يؤيد الأنصار، وإنما أراد الوقيعة التي يخذلهم ~~بها جميعا ويخرج منها بالسيادة الأولى التي كانت له على قريش في الجاهلية. # وما من شك في خطر هذه الفتنة من أبي سفيان ولا خطر تلك الفتنة من سقيفة بني ساعدة، ~~فانحسمت الفتنة بانعقاد البيعة لأبي بكر، ولم يطلبها، بل كان مشتغلا بدفن الرسول. ~~ودعي إلى السقيفة مرتين وهو لا يعلم فيم يدعى ويعتذر باشتغاله ويغضب لدعوته، حتى هم ~~عمر بمبايعة أبي عبيدة بن الجراح قبل أن ينشعب الجمع في السقيفة بين الخزرج والأوس ~~والأنصار والمهاجرين، وقبل أن تنجح المسعاة من أبي سفيان في خفائها، وقد كاد أن ~~يعلنها. # وكان علي في تلك الساعة العصيبة إلى جوار الجثمان الطاهر المسجى في حجرته، فدخل عليه ~~أبو سفيان قائلا: «يا أبا الحسن! هذا محمد قد مضى إلى ربه، وهذا تراثه لم يخرج عنكم، ~~فابسط يدك أبايعك!» # ويقول عمه العباس: «يا ابن أخي، هذا شيخ قريش قد أقبل، فامدد يدك أبايعك ويبايعك معي. ~~فإنا إن بايعناك لم يختلف عليك أحد من بني عبد مناف، وإذا بايعك عبد مناف لم يختلف عليك ~~قريشي، وإذا بايعتك قريش لم يختلف عليك بعدها أحد من العرب.» # فيجيبه علي: «لا والله يا عم! إني لأكره أن أبايع من وراء رتاج.» # ولقد كان أحكم في جوابه هذا من شيخ الدهاة من بني هاشم وشيخ الدهاة من بني أمية، فما ~~للخلافة معدى عنه إن كانت ولاية عهد يعلمها جميع المسلمين، وما للبيعة هناك جدوى إن ~~تمت وراء رتاج وانشقت بعدها عصا المبايعين والمعارضين. # ولقد تمت البيعة على الوجه الذي عرفه التاريخ، فإن يكن هناك جدال فلا جدال بين ~~المنصفين ms030 في فضل الأئمة الذين أدركوا الفتنة قبل مسعاها من السقيفة ومسعاها من دار أبي ~~سفيان، ولا جدال بين المنصفين فيما ابتغوه من خير وحكمة، فما ابتغى أبو بكر ولا عمر ولا ~~أبو عبيدة نفعا لأنفسهم، وما قصروا بعد يوم البيعة في نصرة دينهم، وما كان في وسع أحد ~~أن يبلي أجمل من بلائهم في دفع الغائلة عن الإسلام من فتنة الردة ومن غارة الفرس ~~والروم، ولا أن يفتح للإسلام في العراق والشام وفارس ومصر فتحا أعظم وأقرب مما ~~فتحوه. # وآمن علي بحقه في الخلافة، ولكنه أراده حقا يطلبه الناس ولا يسبقهم إلى طلبه، ولم ~~تمنعه البيعة لغيره أن يعينه بالرأي والسيف ويصدق العون لأبي بكر وعمر كأنه في عون رسول ~~الله وهو بقيد الحياة. # وقد اختلف الصديق والفاروق والإمام يوما أو أياما بعد وفاة النبي عليه السلام، ~~فمن شاء فليأخذ بحجة هذا ومن شاء فليأخذ بحجة ذاك، ولكن الحجة الناهضة لهم جميعا أنهم ~~لم يكدحوا لأنفسهم ولا لذويهم، ولم يقفوا دون الغاية في خدمة دينهم، ولم يحي أحد ~~منهم حياة تريب في صدقه وصدق طويته وحسن بلائه، وما مات أحد منهم وله من الدنيا نصيب ~~يأسى عليه. # وكانت السيدة فاطمة ترى حق علي في الخلافة، أو ترى أن قرابة النبي أحق المسلمين ~~بخلافته، وأن بلاء علي في الجهاد وعلمه المشهود به يؤهلانه لمقام الخلافة. وكان هذا رأي ~~طائفة من الصحابة الصالحين أدهشهم أن يجري الأمر على غير هذا المجرى، فاجتمعوا عندها ~~واجتمعوا في غير بيتها يتشاورون فيما بينهم، أيبايعون أم يتخلفون، ولم نطلع على رواية ~~واحدة ذات سند يعول عليه ترمي أحدهم بشق عصا الجماعة أو بالسعي في تأليب الناس على نقض ~~البيعة. وبعد مساجلات بينهم وبين أبي بكر وعمر سفرت الفتنة عن مقصدها وتكشفت الدسيسة ~~التي بيتها أبو سفيان، فقد عاد أبو سفيان يعرض مبايعته على علي ويتحفز للوقيعة. فصده ~~علي وعرض له بذكر الغششة والمخادعين، ثم قال له: «إنك تريد أمرا لسنا من أصحابه»، فلما ~~يئس من هذا ms031 الباب طرق بابا آخر لعله يلج منه إلى مأربه، وذهب إلى العباس يقول له: ~~«امدد يدك يا أبا الفضل أبايعك فلا يختلف عليك القوم». ثم يقول: «إنك والله لأحق بميراث ~~ابن أخيك»، فيرده العباس كما رده علي، ويكاد الخلاف ينتهي عند هذا وينطوي بانطواء ~~الكلام في مسألة الخلافة، لولا مسألة «فدك» أو مسألة الميراث التي اختلف فيها سند أبي ~~بكر وسند فاطمة مرة أخرى، وأوشك أبو بكر أن يستقيل المسلمين من بيعتهم، مخافة السخط من ~~بنت رسول الله. # وخلاصة الحديث في أمر «فدك» أنها قرية كان النبي يقسم فيئها بين آل بيته وفقراء ~~المسلمين، فلما قضى عليه السلام أرسلت فاطمة إلى أبي بكر تسأله ميراثها فيها وفيما بقى ~~من خمس خيبر! فقال أبو بكر: «إن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # كان يقول: «إننا معشر الأنبياء لا ~~نورث. ما تركناه صدقة». وإني والله لا أغير شيئا من صدقة رسول الله عن حالها ~~التي كان عليها» ويقال: إن الزهراء احتجت عليه بقوله تعالى عن نبي من أنبيائه - زكريا - ~~«يرثني ويرث من آل يعقوب» وقوله تعالى: «وورث سليمان داود». وإن أبا بكر قال لها: «يا ~~بنت رسول الله! أنت عين الحجة ومنطق الرسالة، لا يد لي بجوابك، ولا أوقعك عن صوابك، ~~ولكن هذا أبو الحسن بيني وبينك، هو الذي أخبرني بما تفقدت، وأنبأني بما أخذت ~~وتركت.» # وجاء في شرح ابن أبي الحديد على نهج البلاغة «إن أبا بكر قال: يا ابنة رسول الله! ~~والله ما ورث أبوك دينارا ولا درهما وإنه قال: إن الأنبياء لا يورثون. فقالت: ~~إن فدك وهبها لي رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، قال: فمن يشهد بذلك؟ فجاء علي بن أبي طالب فشهد، ~~وجاءت أم أيمن فشهدت أيضا، فجاء عمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف فشهدا أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # كان يقسمها. فقال أبو بكر: صدقت يا بنت رسول الله، وصدق علي، وصدقت أم أيمن، ~~وصدق عمر، وصدق عبد الرحمن بن عوف، وذلك أن ms032 مالك لأبيك، كان رسول الله يأخذ من فدك ~~قوتكم ويقسم الباقي ويحمل منه في سبيل الله، فما تصنعين بها؟ قالت: أصنع بها كما يصنع ~~بها أبي! قال: فلك على الله أن أصنع كما يصنع فيها أبوك، قالت: الله لتفعلن؟ قال: ~~الله لأفعلن. قالت: اللهم اشهد. وكان أبو بكر يأخذ غلتها فيدفع إليهم منها ما يكفيهم ~~ويقسم الباقي، وكان عمر كذلك، ثم كان عثمان كذلك، ثم كان علي كذلك.» # وفي خلال الخلاف على هذه القضية قال عمر لأبي بكر: «انطلق بنا إلى فاطمة فإنا قد ~~أغضبناها». فانطلقا فاستأذنا عليها فلم تأذن لهما، فأتيا عليا فكلماه، فأدخلهما. فلما ~~قعدا عندها حولت وجهها إلى الحائط، فسلما عليها فلم ترد عليهما السلام، فتكلم أبو بكر ~~فقال: «يا حبيبة رسول الله، والله إن قرابة رسول الله أحب إلي من قرابتي، وإنك لأحب إلي ~~من عائشة ابنتي، ولوددت يوم مات أبوك أني مت ولا أبقى بعده، أفتراني عرفك وأعرف فضلك ~~وشرفك وأمنعك حقك وميراثك من رسول الله؟ ألا إني سمعت أباك رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يقول: ~~«لا نورث. ما تركناه فهو صدقة.» فقالت: «أرأيتكما إن حدثتكما حديثا عن رسول الله ~~تعرفانه وتعملان به؟» قالا: «نعم». فقالت: «نشدتكما الله ألم تسمعا رسول الله يقول: ~~رضاء فاطمة من رضائي وسخطها من سخطي؟» قالا: «نعم سمعناه من رسول الله.» قالت: «فإني ~~أشهد الله وملائكته أنكما أسخطتماني وما أرضيتماني، ولئن لقيت النبي لأشكونكما إليه.» ~~فقال أبو بكر: «أنا عائذ بالله تعالى من سخطه وسخطك يا فاطمة»، ثم انتحب يبكي حتى كادت ~~نفسه تزهق. ثم خرج فاجتمع إليه الناس فقال لهم: «يبيت كل رجل منكم معانقا خليلته ~~مسرورا بأهله وتركتموني وما أنا فيه؟ لا حاجة لي في بيعتكم. أقيلوني بيعتي».» # والحديث في مسألة فدك هو كذلك من الأحاديث التي لا تنتهي إلى مقطع للقول متفق عليه. ~~غير أن الصدق فيه لا مراء أن الزهراء أجل من أن تطلب ما ليس لها بحق، وأن الصديق أجل ~~من أن يسلبها حقها ms033 الذي تقوم البينة عليه، ومن أسخف ما قيل: إنه إنما منعها فدك مخافة ~~أن ينفق علي من غلتها على الدعوة إليه، فقد ولى الخلافة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ولم ~~يسمع أن أحدا بايعهم لمال أخذه منهم، ولم يرد ذكر شيء من هذا في إشاعة ولا في خبر ~~يقين، وما نعلم من تزكية لذمة الحاكم في عهد الخليفة الأول أوضح بينة من حكمه في مسألة ~~فدك، فقد كان يكسب برضى فاطمة ويرضي الصحابة برضاها، وما أخذ من فدك شيئا لنفسه فيما ~~ادعاه عليه مدع، وإنما هو الحرج في ذمة الحكم بلغ أقصاه بهذه القضية بين هؤلاء ~~الخصوم الصادقين المصدقين، رضوان الله عليهم أجمعين. ~~••• # ولعلنا نجمل ما وقر في أذهان المسلمين الثقات من أمر فدك بكلمة قالها عدل من أعظم ~~العدول بعد ثمانين سنة أو نحوها، بعيدا من الخصومة، بعيدا من زمانها، بعيدا من ~~الشبهة فيها؛ لأنه قال كلمته وفدك في يديه ينزل عنها باختباره، لا يدعوه إلى ذلك داع ~~غير وحي ضميره. # ذلك هو عمر بن عبد العزيز القائل في مستهل عهده بالخلافة: «إن فدك كانت مما أفاء الله ~~على رسوله ولم يوجف # 3 # المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فسألته فاطمة إياها فقال: ما كان لك أن ~~تسأليني وما كان لي أن أعطيك، فكان يضع ما يأتيه منها في أبناء السبيل، ثم ولي أبو بكر ~~وعمر وعثمان وعلي فوضعوا ذلك بحيث وضعه رسول الله، ثم ولي معاوية فأقطعها مروان بن ~~الحكم، فوهبها مروان لأبي ولعبد الملك، فصارت لي وللوليد وسليمان، فلما ولي الوليد ~~سألته حصته منها فوهبها لي، وسألت سليمان حصته منها فوهبها لي، فاستجمعتها، وما كان لي ~~من مال أحب إلي منها، فاشهدوا أنني قد رددتها إلى ما كانت عليه.» # في هاتين المسألتين نرى السيدة فاطمة على غير مألوفها من العكوف على شئون بنيها ~~والابتعاد من الحياة العامة؛ لأن كلتا المسألتين تدور حول حقها ووشيجة # 4 # قرباها، وهما مسألة الخلافة بعد النبي ومسألة الميراث من فيئه، وإحداهما ~~مما نسميه ms034 في لغة عصرنا بالسياسة العليا، والأخرى مما نسميه بسياسة الحكومة المالية أو ~~الاقتصادية، ولكل منها جوانب متفرعة يعالجها مؤرخ الحوادث والسياسة من نحوها. أما في ~~الدراسات النفسية فالمهم فيهما وفي غيرهما هو ما تترجمان عنه من خلائق صاحبة السيرة، ~~وما تترجمان عنه حين نوجزه هو قوة إيمان بحقها تثبت عليها و«شخصية» مستقلة لا يهمل لها ~~حساب. # الفصل السادس # | وفاتها # قلنا في «عبقرية محمد»: # حفظ النوع سر من أسرار الحياة الكبرى التي دقت عن الفهم وحارت في تعليلها ~~عقول الأساطين من أهل العلم والحكمة، وهو لا ريب يجري على قانون مطرد في جميع ~~طبقات الأحياء، وإن كنا لا نعلم كنهه ولا نسبر عمقه ولا نزيد على استقصاء بعض ~~الملاحظات التي تقارب الحقيقة، أو هي أقرب ما نستطيع الوصول إليه. # وأهم هذه الملاحظات التقريبية أنه يجري على سنة المكافأة والتعويض في معظم حالاته، ~~فيقابل النقص في جانب بالزيادة في جانب آخر، ويقابل القصور في مزية من المزايا بالإتقان ~~في مزية أخرى. ~~••• # فالأحياء السفلى عرضة للعطب الكثير في طور الولادة والحضانة، فيقابل هذا أن الأحياء ~~السفلى ترسل ذرياتها بالألوف وألوف الألوف، فيبقى منها القليل الكافي لدوام النوع بعد ~~فناء الكثير. # والأحياء العليا يقل عدد المولود منها في البطن الواحد، فيقابل هذا أن تطول حضانتها ~~والعناية بها، وتجد من وسائل الصيانة ما يعوض الكثرة في الأحياء السفلى. # ويغلب أن يزيد النسل حين تكون زيادة النسل هي الوسيلة الوحيدة التي يستطيعها الفرد ~~لخدمة نوعه وضمان دوامه، فإذا تيسرت للفرد وسائل مختلفة لخدمة نوعه فقد يجود ذلك على ~~نسله وينتقص من قسمة في أبنائه، كأنما خدمة النوع ضريبة مفروضة على كل فرد في صورة من ~~الصور، فإذا أداها في صورة أعفى منها في الصور الأخرى، أو كأنما هي مواهب وأرزاق لا ~~يستوفيها الفرد الواحد إلا بثمن غال يحسب عليه، ويؤدي حسابه للنوع على نحو من ~~الأنحاء. # والإنسان أقدر المخلوقات الحية على خدمة نوعه بوسائل كثيرة لا تنحصر في تجديد النسل ~~وزيادة عدده. # فهل يجوز لنا أن ms035 نقول: إن العظماء الذين حرموا النسل قد أدوا ضريبتهم بإصلاح شئون ~~الناس، فلم يبق من اللازم المفروض عليهم أن يؤدوا هذه الضريبة من طريقة الذرية؟ # إن قلنا ذلك فإنما نقوله على سبيل الملاحظة التقريبية التي أشرنا إليها، ولا نبلغ ~~بتلك الملاحظة فوق مبلغها من اليقين الذي تستحقه؛ فغاية مبلغها عندنا أنها تستوقف النظر ~~للتأمل والمراجعة ولا تفضي بنا إلى الجزم أو إلى التغليب. # فبعض العظماء من أكبر خدام النوع لم يتزوجوا، وفيهم أنبياء معظمون لا شك في سيرتهم من ~~هذه الناحية، كعيسى عليه السلام. # وبعض العظماء الذين تزوجوا لم يرزقوا الذرية، أو رزقوا ذرية كلها إناث، أو رزقوا ذرية ~~من الإناث والذكور ولم يعيشوا، أو عاشوا ولم يعمروا ولا كانوا على حالة مستحبة من الصحة ~~والنجابة. # وتواريخ العظماء في جميع نواحي العظمة، وفي جميع الأمم، وفي جميع العصور، حافلة ~~بالشواهد التي تعزز تلك الملاحظة وتجعلها خليقة بالتأمل والمراجعة، يدخل فيهم القديسون ~~كما يدخل فهم الحكماء، ويدخل فيهم العلماء كما يدخل فيهم رجال الفنون والمخترعون، ويدخل ~~فيهم القادة العسكريون. ولا يصعب على أحد أن يدير بصره إلى فترة من الزمن في بلد قريب ~~يعرفه حق المعرفة ليشاهد مصداق ذلك في نفر من عظمائه ومشهوريه، وحسبنا في مصر أسماء ~~جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وسعد زغلول وعبد الله نديم ومصطفى كامل ومصطفى فهمي ~~ومحمود سامي البارودي وحافظ إبراهيم. # فإذا جاز لنا أن نقف عند الملاحظة وأن نتأمل مغزاها، وجاز لنا أن نفهم أن إصلاح شئون ~~النوع الإنساني ضريبة تغني عن ضريبة الذرية في بعض الأحوال، فأين ترانا نجد تلك الضريبة ~~في أرفع حالة وأغلى قيمة إن لم نجدها في رسالة نبوية تتناول الأجيال وتتناول الملايين ~~في كل جيل؟ وأي أبوة روحانية تغني عن أبوة اللحم والدم كما تغني أبوة النبي الذي يتكفل ~~بتربية الأرواح في أمته، وفي أمم لا يلقاها في زمانه، وأمم لا تزال تستجد بعد زمانه إلى ~~أقصى الزمان؟! # نذكر هذا حين نذكر حظ محمد من الأبوة الروحية ومن الأبوة ms036 النوعية، ونرى تكافؤا في ~~الجانبين جديرا بالملاحظة والاعتبار. ~~••• # نعم ونذكر هذا حين نذكر وفاة الزهراء في زهرة الشباب، في الثلاثين أو ما دون ~~الثلاثين. # مات الذكور من ذرية محمد صغارا لم يجاوزوا سن الرضاع، وعاش الإناث من ذريته ولم ~~يرزقن طول العمر، ومنهن من لم ترزق قوة البنية في عنفوان الشباب. # وكانت الزهراء نحيلة سمراء، يمازج لونها شحوب في كثير من الأوقات، وقد رآها النبي ~~عليه السلام في مرض وفاته فقال لها إنها أسرع أهله لحوقا به، فلم تمض ستة أشهر، وقيل ~~أقل من ذلك، حتى لحقت به في تلك السن التي تستقبل فيها الحياة. # وكانت تشكو حينا بعد حين، ويعودها النبي يواسيها في مرضها، فإذا هو يواسيها كذلك في ~~حاجتها، زارها يوما وهي مريضة فقال لها: «كيف تجدينك يا بنية؟» فقالت: «إني ~~لوجعة». ثم قالت: «وإنه ليزيدني أني ما لي طعام آكله.» فاستعبر عليه السلام وقال: ~~«يا بنية! أما ترضين أنك سيدة نساء العالمين!» # وزارها يوما وهي تطحن بالرحى وعليها كساء من وبر الإبل، فبكى وقال: «تجرعي يا فاطمة ~~مرارة الدنيا لنعيم الآخرة.» # ولم يكن صلوات الله عليه يضن على فاطمة بما يملك من الأنفال، # 1 # فكان يخصها بالقسم الأوفى من حصته كلما فرق رزقا بين ذويه وزوجاته، ولكنها ~~كانت فاقة تعمهم جميعا حين لا يجد النبي ما يفرقه بينهم، وقد شكت زوجاته تلك الفاقة ~~فخيرهن بين التسريح لينعمن بالحياة الدنيا وزينتها، أو يردن الله ورسوله فيصبرن على ما ~~هو صابر عليه! # الله أكبر! ~~••• # مثل محمد يعلو على إشفاق المشفقين، ومن كان في قدرته أن ينعم من الدنيا بما يقطع قلوب ~~الحاسدين حسدا، ثم يرضى لنفسه وآله منزلة الإشفاق، فذلك هو الإعظام غاية الإعظام وذلك ~~هو المرتقى الذي قيل فيه: # وبعيد بلوغ هاتيك جدا # تلك عليا مراتب الأنبياء # أن محمدا يبكي؛ لأنه يرى أحب الناس وأقربهم منه جائعة مرهقة، ثم لا يملك لها ما ~~يشبعها ويعفيها من عنائها، وهو يملك كل شيء في الجزيرة العربية. ويسأل السائلون من ~~زعانفة ms037 المعطلين والمتعصبين أعداء كل دين «وما برهان النبوة عند محمد؟!» # الله أكبر، إن لم يكن هذا برهان النبوة فبرهان أي شيء يكون؟ ~~••• # ولم يكن بالزهراء من سقم كامن يعرف من وصفه؛ فإن العرب لوصافون، وإن من كان حولها ~~من آل بيتها لمن أقدر العرب على وصف الصحة والسقم، فما وقفنا من كلامهم وهم يصفونها في ~~أحوال شكواها على شيء يشبه أعراض الأمراض التي تذهب بالناس في مقتبل الشباب، وكل ما ~~يتبين من كلامهم أنه الجهد والضعف والحزن، وربما اجتمع إليها إعياء الولادة في غير ~~موعدها، إن صح إنها أسقطت «محسنا» بعد وفاة النبي كما جاء في بعض الأخبار. # ونعود فنقول: إنها ضريبة النبوة، وكم للهداية من ضريبة تضاعف على الهداة مرات بعد ~~مرات! ~~••• # وحضرها الموت، وخذلتها جوارحها، وعزيمتها في مواجهة الموت حاضرة لا تخذلها، فتولت ~~أمر غسلها وحملها على النعش بنفسها، وقالت لصاحبتها أسماء بنت عميس بعد أن اغتسلت كأحسن ~~ما كانت تغتسل: «يا أمه! ائتيني بثيابي الجدد»، فلبستها ثم قالت: «قد اغتسلت، فلا ~~يكشفن لي أحد كنفا»، # 2 # وشكت نحول جسمها فقالت لصاحبتها: «أتستطيعين أن تواريني بشيء؟» قالت: «إني ~~رأيت الحبشة يعملون السرير للمرأة ويشدون النعش بقوائم السرير.» فعمل لها نعشها قبل ~~وفاتها، ونظرت إليه فقالت: «سترتموني ستركم الله.» وتبسمت، ولم تر مبتسمة بعد وفاة ~~أبيها إلا ساعتها. ~~••• # وكانت وفاتها، على القول الأشهر، ليلة الثلاثاء لثلاث خلون من رمضان سنة إحدى عشرة ~~للهجرة، ودفنت ليلا حسب وصايتها كما دفن رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~. # في كل دين صورة للأنوثة الكاملة المقدسة يتخشع بتقديسها المؤمنون كأنما هي آية الله ~~فيما خلف من ذكر وأنثى. # فإذا تقدست في المسيحية صورة مريم العذراء، ففي الإسلام لا جرم تتقدس صورة فاطمة ~~البتول. # الفصل السابع # | شخصية الزهراء # من الواضح البين أن الزهراء أخذت مكانها الرفيع بين أعلام النساء في التاريخ؛ ~~لأنها بنت نبي، وزوجة إمام، وأم شهداء. # ولكن لا يتضح هذا الوضوح، ولا يبين هذا البيان، أنها تأخذ مكانها هذا «بحقها الشخصي» ~~أو ms038 بصفتها التي كان لها أثر في حوادث التاريخ. # وهذا الذي نحب أن نقرره في الكتابة عن الزهراء، فهي أصل قوي من أصل الدعوة التي ثبتت ~~في مجرى الزمن أجيالا طوالا ولم تزل لها آثارها في عصرنا هذا، وفيما يلي من ~~العصور. # لم يعرف التاريخ نظيرا لثبات بني علي وفاطمة على حقهم في الإمامة، أو في ~~الخلافة. # حوربوا فيها زمنا، وتولاها من لا شك عندهم ولا عند الناس في فضلهم عليه، كيزيد بن ~~معاوية، فأنفوا أن يتركوها استخذاء وخضوعا، وحاربوا فيها كما حوربوا، وصمدوا للطلب ~~الحثيث طالبين ومطلوبين مائة سنة، ثم مائتين، ثم ثلاثمائة سنة، حتى دانت لهم الخلافة ~~باسمهم في عهد الدولة الفاطمية. # لولا خصال فيهم تعين على هذا النضال لما ثبتوا عليه هذا الثبات، ولا استطاعوا أن ~~يصمدوا للعسف والعنت من بني أمية ثم من بني العباس، ومعهم في المشرق والمغرب أعوان ~~وأتباع، وقد جدوا غاية الجد في نكالهم بأبناء علي وفاطمة في كل مكان، وصنعوا بهم ما كان ~~خليقا أن يستأصلهم استئصالا أو يرغمهم على اليأس والتسليم. # ولكنهم نجوا من الاستئصال بقضاء لا حيلة فيه للحاكمين المسيطرين، وخطر لهم كل خاطر ~~إلا أن يستكينوا ويسلموا للسيف، ويقعدوا مع الخالفين. # ولولا خصال فيهم لما كان هذا منهم. # فإذا كان مرجع هذه الخصال إلى وراثة، ولا بد لها من نصيب من الوراثة، فقد ورثوها عن ~~فاطمة كما ورثوها عن علي، بل هي إلى ميراثهم من الزهراء أقرب منها إلى ميراثهم من ~~الإمام. # بعض الأخبار يفيد إن صح وإن لم يصح، ومن هذه الأخبار خبر الرواة الذين قالوا: إن ~~عليا جامل فاطمة فلم يبايع أبا بكر إلا بعد وفاتها. # إن صح هذا الخبر أو لم يصح فدلالته صحيحة، وهي اعتقاد الناس في ذلك العصر أن القضية ~~قضية الزهراء وأن الإمام يجاملها فلا يغضبها، وأنه كان يرى أن الخلافة أحق بأن نطلبه ~~معرفة بحقه، فإن لم تعرف له هذا الحق فما هو بالحريص على الشغل بها والتدبير لطلبها ~~والسعي إليها. ~~••• # وفي غير ms039 هذا الخبر ما يدل هذه الدلالة، وربما كان من تلك الأخبار ما يعبره المؤرخ ولا ~~يلقى إليه بالا، وهو في هذا الباب أدل من كثير، كالخبر الذي روي عن الحسن عليه ~~السلام وهو بعد طفل صغير. # رووا أن الصديق رضي الله عنه قام على المنبر يخطب الناس، فما هو إلا أن حمد الله وأخذ ~~في خطبته حتى سمع وسمع الحاضرون معه صوتا نحيلا يهتف: «ليس هذا منبر أبيك، انزل عن ~~منبر أبي.» # والتفتوا فإذا بالصائح هو الحسن بن علي، ولما يبلغ الثامنة، فابتسم الصديق وقال ~~والحنو يشيع في نفسه: «ابن بنت رسول الله؟ صدقت والله. ما كان لأبي منبر، وإنه لمنبر ~~أبيك.» # وسمع علي بالخبر فأرسل إلى أبي بكر رسولا يقول له: «اغفر ما كان من الغلام، فإنه ~~حدث، ولم نأمره.» # قال أبو بكر: «إني أعلم، وما اتهمت أبا الحسن.» # وليست الزهراء ولا ريب هي التي أمرت الغلام الصغير أن يقول هذا المقال. ولكن الطفل ~~يفهم عن أمه في هذه السن ما يغنيه عن الأمر والإيحاء، ولعل الحسن كان قد سمع نقاشا ~~يتكرر بين أبويه في هذا الأمر، فوقر في نفسه أن يثور تلك الثورة الصغيرة، ثم نهي عنها ~~فلم يعاودها. ~~••• # في خلائق السيدة فاطمة مدد صالح للثبات على الحق الذي يعتقده صاحبه، أو يذاد عنه فلا ~~ينكص عنه على رغم. # كانت شديدة الاعتزاز بانتسابها إلى أبيها، وكانت مفطورة على يقين التدين، وكانت ذات ~~إرادة لا تهمل في حساب شأن من شئونها، فظهر منها في المواقف القليلة التي نقلت عنها ~~أنها كانت ذات إرادة لا تنسى في الحساب. # كان من اعتزازها بالانتساب إلى أبيها أنها كانت تسر بمشابهة أبنائها لأبيها، وكانت ~~تذكر ذلك حين تدللهم وتلاعبهم، فلم يكن أحب إليها من أن يقال لها: إن أسباط رسول الله ~~يشبهون رسول الله. # وكانت فطرة التدين فيها وراثة من أبوين: كان حسبها ما ورثته من خاتم الأنبياء وما ~~تعلمته منه بالتربية والمجاورة، ولكنها أضافت إليه ما ورثته من أمها؛ أمها بنت خويلد ms040 ~~الذي تصدى لعاهل اليمن غيرة منه على الكعبة، وابنة عم ورقة بن نوفل الذي شغل بالدين في ~~الجاهلية حتى فرغ له حياته، غير مدعو ولا مأمور. ~~••• # ومن فطرة التدين في وريثة محمد وخديجة أنها شديدة التحرج # 1 # فيما اعتقدته من أوامر الدين، حتى وهمت أن أكل الطعام المطبوخ يوجب الوضوء، ~~يظهر ذلك من حديث الحسن بن الحسن عن فاطمة حيث قالت: «دخل رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فأكل عرقا # 2 # فجاء بلال بالأذان، فقام ليصلي، فأخذت بثوبه فقلت: يا أبة! ألا تتوضأ؟ قال: ~~مم أتوضأ يا بنية؟ فقلت: مما مست النار. فقال لي: أو ليس أطيب طعامكم ما مست ~~النار؟» # فهي فيما تجهله تتحرج ولا تترخص # 3 # وتؤثر الشدة مع نفسها على الهوادة معها. # وقد ذكر غير واحد من الصحابة، وذكرت السيدة عائشة، أنها كانت أشبه الناس بمحمد في ~~مشيتها وحديثها وكلامها، وزادت عائشة فقالت: ما رأيت أفضل من فاطمة غير أبيها، واستغربت ~~مرة أن تكون فاطمة كسائر النساء حين رأتها تبكي ثم تضحك إلى جوار رسول الله # صلى الله عليه وسلم # في ~~مرض وفاته، ثم علمت أنها ضحكت؛ لأنها سمعت من أبيها أنها لاحقة به عما قريب. # أما أنها كانت رضي الله عنها ذات إرادة لا تهمل، فقد بدا ذلك في أمر زواجها، وفي ~~محاجتها لزوجها، ومحاجتها لأبي بكر وعمر، وفيما كان يتوخاه علي من مرضاتها بصدد ~~المبايعة قبل وفاتها. # وقد يكون من دلائل الإرادة في المرأة خاصة أنها تلزم الصمت ولا تكثر الكلام، وقد كان ~~من عادة الزهراء أنها لا تتكلم حتى تسأل، وأنها لا تعجل إلى الحديث فيما تعلم فضلا ~~عما لا تعلم، ولهذا انحصرت أحاديثها عن أبيها فيما كانت تسمعه منه بين البيت والمسجد، ~~ولم تزد عليه. # ولا ننسى أن الزهراء قد غوضرت # 4 # وهي في الثلاثين أو قبل الثلاثين، فإذا ظهر منها هذا الجد وهذا اليقين وهذه ~~العزة وهذه الإرادة وهي في تلك السن الباكرة فذاك ولا شك دليل على قوة كامنة يرجع إليها ms041 ~~حين يفسر المفسرون خلائق بنيها، وما عساهم قد استمدوه من هذا الميراث المكين. # الفصل الثامن # | الذرية الفاطمية # كانت العرب أمة نسابة، يعنيها النسب؛ لأنها تعتمد عليه في مفاخرها كما تعتمد عليه ~~في مصائرها، فهو الذي يعين لها أصول قبائلها وأصول ذوي الرئاسة فيها، وهو كذلك يعين لها ~~من يطالبونه بثأر ويحاسبونه على جريرة، # 1 # ومن يلحق بهم عاره ويبرأون منه أو يخلعونه، فالخليع عندهم من لا خلاق له، # 2 # فلا هو يبالي بشيء ولا يبالي به أحد، ولا يوجد من يسأل عن دمه أو يحفل ~~بحياته وموته. # إن الخليع عندهم هو القطيع عن نسبه. # ولهذا حفظوا أنسابهم في الجاهلية ما استطاعوا وجاءهم الخطأ فيها من تقادم العهد وكثرة ~~الرحلة وجهل الكتابة والقراءة. # وبعد الإسلام وجب حفظ الأنساب، ولجأوا إليه في تدوين الدواوين كما لجأوا إليه في ~~ميادين القتال، فكلما حمى وطيس # 3 # القتال نودي في القوم: انتسبوا. ليستحي المرتد من الهزيمة التي يلحق عارها ~~به وبذريته ما بقيت لهم سيرة في ذاكرة. ~~••• # وعظمت العناية خاصة بذرية النبي عليه السلام، صونا للنسب الشريف، ودفعا للأدعياء من ~~طلاب الخلافة، فلم يقع لبس قط في نسب أبناء فاطمة مدى الصدر الأول من الإسلام. ولم ~~ينهض منهم قط إمام مشكوك في نسبه على عهد الدولة الأموية، ولم يكن الشك في النسب مطعنا ~~في دعوى أحد منهم بعد قيام الدولة العباسية، ولم يزل أمرهم كذلك إلى أن قامت لهم دولة ~~بالمغرب وسميت بالدولة الفاطمية. أما قبل ذلك فقد كان دعاة الدولة العباسية يناقشونهم ~~الحجة في حق الخلافة مع اعترافهم بانتسابهم إلى السيدة فاطمة، ولا ينكرون عليهم صحة ~~الانتساب إليها رضي الله عنها. # من ذاك ما روي عن المأمون أنه قال يوما لعلي بن موسى الرضا: «بم تدعون هذا ~~الأمر؟ قال: بقرابة علي من رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وبقرابة فاطمة رضي الله عنها، فقال له ~~المأمون: إن لم يكن ها هنا إلا القرابة فقد خلف رسول الله # صلى الله عليه وسلم # من كان أقرب ms042 إليه من ~~علي أو من في مثل قدره، وإن كان بقرابة فاطمة من رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فإن الحق بعد فاطمة ~~للحسن والحسين، وليس لعلي في هذا الأمر حق وهما حيان، فإن كان الأمر كذلك فإن ~~عليا قد ابتزهما حقهما وهما صحيحان واستولى على ما لا يجب له.» # قال رواة هذا الحديث: «فما أجابه علي بن موسى بشيء.» # وظاهر أن علي بن موسى قد لزم الصمت هنا على حد قول أبي العلاء: # تلوا باطلا وجلوا صارما # وقالوا: صدقنا؟ فقلنا: نعم! # وإلا فما كان لحجة من أبناء علي وفاطمة - وقد رزقوا اللسن والفصاحة - أن يعجز في هذا ~~المقام عن الكلام الذي يقال في الرد على كلام المأمون، وأقربه على اللسان أن عليا إن ~~كان قد استولى على حقه فهم ورثته، وإن كان قد استولى على غير حقه فهم أصحاب الحق، وقد ~~سمع خلفاء بني العباس كلاما كهذا وأشد من هذا من الخارجين عليهم باسم العلويين ~~والفاطميين، وأيسره أن أحدا من جدود بني العباس في حياة الحسن والحسين لم يطلب الخلافة ~~حين طلباها. # إلا أن دعاة الدولة العباسية إنما كانوا يدعون دعوى العلويين بمثل حجة المأمون ولا ~~يتعرضون لصحة النسبة ولا يجسرون على محاربة الولاء للمنتسبين إلى الزهراء، إلا أن ~~يدعوا عليه أنه حمل السيف وخرج للقتال أو أعلن العصيان. # قال العتبي: «كان بين شريك القاضي والربيع حاجب المهدي معارضة، فكان الربيع يحمل عليه ~~المهدي فلا يلتفت إليه، حتى رأى المهدي في منامه شريكا القاضي مصروفا وجهه عنه، فلما ~~استيقظ من نومه دعا الربيع وقص عليه رؤياه فقال: يا أمير المؤمنين؟ إن شريكا مخالف لك، ~~وإنه فاطمي محض. قال المهدي: علي به! فلما دخل عليه قال له: يا شريك بلغني أنك ~~فاطمي؟ قال شريك: أعيذك بالله يا أمير المؤمنين أن تكون غير فاطمي. إلا أن تعني فاطمة ~~بنت كسرى! قال: ولكني أعني فاطمة بنت محمد # صلى الله عليه وسلم ~~. قال شريك: أفتلعنها يا أمير ~~المؤمنين؟ قال المهدي: معاذ الله! قال: ms043 فماذا تقول فيمن يلعنها؟ قال: عليه لعنة الله؟ ~~قال فالعن هذا - وأشار إلى الربيع - فإنه يلعنها. قال الربيع: والله يا أمير ~~المؤمنين ما ألعنها. فقال شريك: يا ماجن! فما ذكرك لسيدة نساء العالمين وابنة سيد ~~المرسلين في مجلس الرجال؟ قال المهدي: دعني من هذا. فإني رأيتك في منامي كأنك مصروف عني ~~وقفاك إلي، وما ذلك إلا بخلاف علي، ورأيت في منامي كأني أقتل زنديقا؟ قال شريك: إن ~~رؤياك يا أمير المؤمنين ليست برؤيا يوسف الصديق صلوات الله على محمد وعليه، وإن الدماء ~~لا تستحل بالأحلام، وإن علامة الزندقة بينة. قال: وما هي: شرب الخمر والرشى في الحكم ~~ومهر البغي. قال: صدقت، والله يا أبا عبد الله، أنت والله خير من الذي حملني ~~عليك.» ~~••• # وحدث مثل هذا في معارض كثيرة، فوشي بأناس أنهم يوالون أبناء فاطمة فلم يجسر ~~الخلفاء على المساس بهم، واضطروا إلى التعلل لهم بغير تلك العلة. # ثم هجمت الدعوة الفاطمية على الدولة العباسية بما لا طاقة لها بدفعه مع الاعتراف بنسب ~~أصحاب الدعوة، فانتقلوا من المناقشة بالحجة في حق العم وابن العم، والموازنة بين حق ~~العباس عم النبي وحق علي ابن عمه، إلى إنكار النسب بتة، وساعدهم على ذلك تفرقة ~~الأئمة الفاطميين في الأرجاء، واستتارهم بالدعوة، ووقوع اللبس في الكنى والألقاب، ~~فطعنوا في انتساب الفاطميين إلى السيدة فاطمة، وأذاعوا عنهم ذلك المنشور الذي سيأتي ~~ذكره في القسم الثاني من الكتاب، واشترك في هذه المنابذات # 4 # أناس من علماء النسابين شملتهم غواية السياسة كما شملت غيرهم، وكان من ~~عبرتهم أن هوى السياسة لا يؤمن على عقل الحكيم ولا على علم العليم. # مثال هذا أن صاحب كتاب جمهرة الأنساب، وهو الفيلسوف الحكيم ابن حزم، لم يسلم من ~~فتنة هذه الغواية، فقال وهو يتكلم عن ذرية إسماعيل بن جعفر الذي ينتسب إليه الفاطميون ~~ويسمون من أجل ذلك بالإسماعيلية: «وادعى عبيد الله القائم بالمغرب أنه أخو الحسن البغيض ~~هذا، وشهد له بذلك رجل من بني البغيض، وشهد له بذلك جعفر بن محمد ms044 بن الحسين بن أبي الحر ~~علي بن محمد الشاعر ابن علي بن إسماعيل بن جعفر، ومرة ادعى أنه ولد الحسين بن محمد بن ~~إسماعيل بن جعفر، وكل هذه دعوى مفتضحة؛ لأن محمد بن إسماعيل بن جعفر لم يكن له قط ولد ~~اسمه الحسين، وهذا كذب فاحش؛ ولأن هذا النسب لا يخفى على من له أقل علم بالنسب ولا يجهل ~~أهله إلا جاهل.» ~~••• # ونحن نخص ابن حزم بالذكر في هذا المعرض؛ لأنه مثل للنقيضين المتقابلين فيما يوجب ~~الثقة وما يوجب الشك غاية الشك في مؤلف واحد ونسابة واحد. # فعلم ابن حزم بالأسانيد والأنساب معروف، ولكنه في هذا المعرض خاصة عرضة للهوى كأشد ~~ما يكون الهوى، حتى ليكون تكذيبه لرواية داعية من دواعي احتمالها وقبولها. # كان ابن حزم أمويا غاليا في التشيع للأموية، وكانت دولتهم في الأندلس على خطر من ~~الدعوة الإسماعيلية، وبلغ من كراهته للإسماعيليين أنه تحول من المذهب الشافعي إلى ~~المذهب الظاهري؛ أي المذهب الذي يأخذ بظاهر النص ويرفض التأويل؛ لأن مذهب الإسماعيليين ~~يقول بالتأويل وبأنه من حق الإمام. # بل قد بلغ من كراهته القوم أنه لا يطيق أن يذكر الرجل منهم بلقبه المتعارف عليه، ~~فيلقبه بالبغيض بدلا من الحبيب، ولعله لم يضع كتابه في جمهرة أنساب العرب إلا ليثبت حق ~~بني أمية في الخلافة؛ لأنهم من قريش، فصعد بحق الخلافة إلى جد الأمويين والهاشميين، ~~وقال في مقدمة كتابه: «ومن الغرض في علم النسب أن يعلم المرء أن الخلافة لا تجوز إلا في ~~ولد فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، ولو وسع جهل هذا لأمكن ادعاء الخلافة لمن لا تحل ~~له، وهذا لا يجوز أصلا.» وقد ترقى ابن حزم من الحديث عن الفاطميين إلى المناقشة في ~~معنى الحديث القائل أن فاطمة سيدة النساء، وأنه لا يعني أنها أفضل نساء ~~العالمين! ~~••• # ونحن ننزه ابن حزم عن تعمد الافتراء، ولكننا نقول: إن هواه قد جنح به إلى قبول ما ليس ~~بحجة في إثبات نسب أو دفع نسب، ولولا ذلك لوقف على ms045 الأقل موقف التردد بين النفي ~~والإثبات. # وفيما يلي كلام يتناول هذا الموضوع ببعض التفاصيل، ونسلف القول في تلخيصه فنقول: إننا ~~لا نزعم أننا وقفنا على الدليل القاطع الذي يثبت نسب عبيد الله رأس الدولة الفاطمية، ~~ولكننا لم نقف على دليل قاطع ينفي ذلك النسب، ووقفنا على شبهات كثيرة توجب الشك في ~~مطاعن الطاعنين، وهذه الشبهات في روايات نسابة كابن حزم نموذج لما وقفنا عليه. # القسم الثاني # | ... والفاطميون # الفصل التاسع # | الفاطميون # كل أبناء السيدة فاطمة الزهراء فاطميون، ولكن اسم الفاطميين يطلق في تاريخ الدول على ~~أبناء إسماعيل ابن الإمام جعفر الصادق، ويسمون من أجل هذا بالإسماعيليين. # وقد كان أبناء الزهراء يعرفون أحيانا باسم آل البيت، فلما استأثر العباسيون بالخلافة ~~غلب عليه اسم العلويين. # وجاء الفاطميون ففضلوا الانتماء إلى الزهراء؛ لأنهم يقيمون حقهم في الخلافة على أنهم ~~أسباط النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وأنهم أبناء الوصي علي بن أبي طالب، ولكن العباسيين ينازعونهم ~~دعوى الوصاية وينكرونها، ويقولون: إن الانتساب إلى النبي من جانب عمه العباس أقرب من ~~جانب علي ابن عمه أبي طالب، ومن أجل هذا يتسمى الفاطميون بهذا الاسم؛ لأن بنوة الزهراء ~~نسب لا يدعيه العباسيون. # أما تغليب اسم الإسماعيليين عليهم فمرجعه انتماؤهم إلى إسماعيل بن جعفر الصادق، ~~وقولهم: إنه هو الإمام بعد أبيه، وبهذا الاسم يتميزون من أبناء السيدة فاطمة الآخرين، ~~وهم ذرية موسى الكاظم، وهو الأحق بالإمامة في مذهب الإماميين الاثني عشريين. # وقد كان الإمام جعفر الصادق وصى بالإمامة بعده لابنه الأكبر إسماعيل، ثم نحاه ~~عنها ووصى بها لابنه موسى الكاظم، وقيل في أسباب ذلك: إنه علم أن إسماعيل يشرب الخمر، ~~وقيل: إن إسماعيل مات في حياة أبيه فانتقلت ولاية العهد إلى أخيه. # أما الإسماعيليون فمذهبهم أن تحويل الولاية لا يجوز؛ لأن الولاية أمر من الله يتلقاه ~~الإمام المعصوم، والبداء لا يجوز على الله، ويعنون بالبداء أن يبدو لله أمر فيعدل ~~عما أمر به قبل ذلك. # ومن الإسماعيليين من ينفي موت إسماعيل في حياة أبيه، ويقولون: إنه شوهد بعد ms046 تاريخ ~~الإشهاد على وفاته، وإنما أشهده أبوه على وفاته خوفا عليه من الغيلة ومن تربص الخلفاء ~~العباسيين به، كما كانوا يصنعون بالعلويين المرشحين للدعوة، واستدلوا على هذا بالإشهاد ~~على وفاته وتوقيع الشهود عليه؛ إذ لم تجر العادة بمثل هذا الإشهاد لولا الحيطة ~~والتقية. # والخلاف بين الإسماعيليين وبين سائر الفاطميين قائم على إمامة إسماعيل، والإماميون ~~الذين لا يسلمون الإمامة لإسماعيل وذريته طوائف متعددة، أهمها وأكبرها طائفة الإماميين ~~المعروفين بالاثنى عشريين؛ لأنهم ينتهون بالإمامة إلى محمد المنتظر ابن الإمام حسن ~~العسكري، وعندهم أنه سيظهر في زمانه الموعود؛ ولهذا يدعون بتعجيل فرجه كلما ~~ذكروه. # ويتفق الإماميون على اعتقادهم عصمة الإمام في تبليغ شئون الإمامة؛ لأنه موئل السؤال ~~والفتوى في أحكام الدين والدنيا؛ فلا يجوز الخطأ عليه في هذه الأحكام. # ويضيف الإسماعيليون إلى أسباب العصمة عقيدة التأويل، فإن أحكام الدين عندهم لها ظاهر ~~وباطن، ولا يعلم تأويلها غير الله والراسخين في العلم، والأئمة هم الراسخون في العلم، ~~وهم أولى الناس أن يعلموا ما ليس يعلمه المؤتمون. # ولهذا يسمى الإسماعيليون بالباطنيين، ومنهم من لا يقصر أمور الباطن على أحكام الدين ~~وآيات الكتاب، بل يقولون: إن كل موجود على الأرض له نظير في الفلك الأعلى، وإن مقادير ~~هذه الموجودات تابعة للمقادير التي تجري على نظرائها في السماء. # ولما استتر الأئمة شاع بينهم علم النجوم والرياضة والفلسفة على العموم، وكان ~~الإماميون من عهد علي رضي الله عنه يؤمنون بإلهامه واطلاعه على أسرار كتاب الجفر وما ~~إليه من كتب النجوم، ولكن الأئمة الإسماعيليين أمعنوا في دراسة هذه العلوم؛ لأنهم لاذوا ~~بالخفاء في عهد انتشارها وازدهارها، وأصبح علمهم بالأسرار خاصة مطلوبا منهم فوق علمهم ~~الراسخ بشئون الإمامة في الدنيا والدين، فإذا سأل السائلون عن أمر مستور فأولى الناس ~~بعلمه الإمام المستور الذي يعلم مواطن السر والجهر ويتحين أوقات الفلك لإظهار ما خفي من ~~أمور الدعوة وأمور الإمامة، وكل أمر ترتبط به مصالح العباد. # ودخل عدد الأئمة نفسه في خصائص الأعداد، فمن قديم الزمن يعتقد أصحاب النجوم سرا ~~خاصا في ms047 عدد السبعة وعدد الاثني عشر، ويستشهدون على ذلك بعدد الأفلاك السبعة وعدد ~~أيام الأسبوع وعدد فتحات الوجه، كما يستشهدون عليه بعدد الشهور وعدد البروج السماوية ~~وعدد أسباط بني إسرائيل، وعلى هذا يدور الخلاف بين المهتمين بالتنجيم على عدد الأئمة؛ ~~أهو سبعة أم اثنا عشر. ولكل منهم فيه كلام طويل. # وللإماميين فروق يبسطونها بين النبي والإمام والحجة والنقيب؛ فالنبي يبعث في زمان بعد ~~زمان، والإمام قائم في كل زمان، وقد يكون الإمام إماما مستقرا فهو صاحب الحق في ~~التوصية لخليفته من بعده، أو إماما مستودعا فهو يحمل أمانة لضرورة موقوتة، ثم يردها ~~إلى صاحبها ولا حق له في التوصية لغيره. أما الحجة فهو لازم في الخفاء إذا كان الإمام ~~ظاهرا في العلانية؛ لأن الإمام الظاهر عرضة للضرورات فلا بد معه من حجة يرجع إليها ~~لاستبانة الحقائق بمعزل عن ضرورات السياسة، أما إذا استتر الإمام فلا بد له من حجة ~~ظاهرة، وقد يسمون الإمام بالناطق أو بالصامت تبعا للظهور والخفاء والمجاهرة بالحكم ~~والتأويل فيه. # أما النقباء فالغالب أنهم دعاة أو وكلاء، ولا بد لهم من أئمة يرجعون إليهم في كل ~~زمان. # أعلنت وفاة إسماعيل في حياة أبيه كما تقدم، فانعقدت الإمامة بعده لابنه محمد، وارتحل ~~محمد من الحجار إلى الري؛ إما لأنه لم يطق منافسة عمه موسى الكاظم على زعامة ~~العلويين؛ وإما لأنه آثر الانزواء والتستر ودفع الأذى من جانب العباسيين، وقد لقب ~~بالإمام المكتوم؛ لأنه لم يعلن دعوته وأخذ في بثها خفية وهو يتنقل من بلد إلى بلد ومن ~~قطر إلى قطر كلما تنبهت إليه العيون ولاحقته الظنون، ثم ضاق المشرق كله بخلفائه فهجره ~~عبيد الله إلى المغرب، وكان أول من نودي له بالخلافة الفاطمية. # ونسبه كما يقره المعترفون بهذا النسب هو عبيد الله بن أحمد بن إسماعيل الثاني بن محمد ~~بن إسماعيل بن جعفر الصادق. أما القائلون بانتسابه إلى ميمون ~~القداح - كما سيلي - فهو في زعمهم محمد بن عبد الله ~~بن ميمون بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق. # ويوفق ms048 المؤرخ الهندي «مأمور» # 1 # بين الروايتين توفيقا محتملا حد الاحتمال فيقول: إن محمدا المكتوم كان ~~يخفي نفسه ويتعاطى طب العيون مداراة لحقيقته، وإن اسم «ميمون» كان من الأسماء التي ~~انتحلها في حال استتاره، والقداح هو لقب الطبيب الذي يعالج العيون. # ولا نهاية للروايات والتخريجات التي تعلل سفره من المشرق إلى المغرب، فمن الرواة من ~~يزعم أنه علم بتآمر القرامطة عليه فخرج من سلمية حيث كان مقيما بجوار حمص ورحل إلى مصر ~~وهو يوري بالرحلة إلى اليمن، ومن قائل: إن بعض جلساء الخليفة العباسي ممن يدينون ~~بالمذهب الإسماعيلي سرا قد علم بعزم الخليفة على اعتقاله وقتله فبادر إلى تحذيره، ومن ~~قائل: إنه تلقى البشارة من كبير دعاته في المغرب بانتشار البيعة له بين القبائل ~~المغربية، فرحل إلى المغرب ليتولى الأمر بنفسه في هذه الفترة الحاسمة. وتتفق الروايات ~~على أنه حينما سافر إلى مصر وانتقل منها إلى المغرب كان مطاردا وكان على رأسه جعل # 2 # لمن يأتي به حيا أو ميتا حيث كان. # والروايات تتفق كذلك على أن الدعوة كانت موكولة في المغرب إلى أبي عبيد الله الصنعاني ~~من صنعاء اليمن، واسمه الكامل هو الحسن بن أحمد بن زكريا، وكان من ولاة الحسبة # 3 # في بغداد. # جاء في وصفه من كتاب «البيان المغرب في أخبار المغرب» لابن عذارى المراكشي، وهو من ~~أعداء الإسماعيليين: «فاختاروا منهم رجلا ذا فهم وفصاحة وجدال ومعرفة يسمى أبا عبد ~~الله الصنعاني. فسار أبو عبد الله هذا إلى موسم الحج ليجتمع به مع من يحج تلك السنة من ~~أهل المغرب ويذوق أخلاقهم ويطلع على مذاهبهم ويتحيل على نيل الملك بضعيف الحيل. ورأى في ~~الموسم قوما من أهل المغرب فلصق بهم وخالطهم وكانوا عشرة رجال من قبيلة كتامة ملتفين ~~على شيخ منهم، فسألهم عن بلادهم فأخبروه بصفتها، وسألهم عن مذهبهم فصدقوه عنه. ولم ~~يزل يستدرجهم ويخلبهم بما أوتي من فضل اللسان والعلم بالجدل إلى أن سلبهم عقولهم ~~بسحر بيانه، فلما حان رجوعهم إلى بلادهم سألوه عن أمره وشأنه فقال ms049 لهم: أنا رجل من أهل ~~العراق، وكنت أخدم السلطان، ثم رأيت أن خدمته ليست من أفعال البر فتركتها وصرت أطلب ~~المعيشة من المال الحلال، فلم أر لذلك وجها إلا تعليم القرآن للصبيان، فسألت: أين ~~يتأتى ذلك تأتيا حسنا؟ فذكر لي بلاد مصر. فقالوا له: ونحن سائرون إلى مصر وهي ~~طريقنا، فكن في صحبتنا إليها، ورغبوا منه في ذلك، فصحبهم في الطريق، فكان يحدثهم ويميل ~~بهم إلى مذهبه ويلقى إليهم الشيء بعد الشيء إلى أن أشربت قلوبهم محبته، فرغبوا منه أن ~~يسير إلى بلادهم ليعلم صبيانهم، فاعتذر لهم ببعد الشقة، وقال لهم: إن وجدت بمصر ~~حاجتي أقمت بها، وإلا فربما أصحبكم إلى القيروان، فلما وصلوا إلى مصر غاب عنهم فيها ~~كأنه يطلب بغيته، ثم اجتمعوا به وسألوه فقال لهم: لم أجد في هذه البلاد ما أريد، فرغبوه ~~أن يصحبهم فأنعم لهم بذلك.» # ولا يتسع الكلام في هذا المجال لسرد أعمال أبي ~~عبيد الله في المغرب، فالذي عنيناه هنا هو الإشارة إلى أساليب هؤلاء الدعاة في دخول ~~البلاد التي يقصدونها بالدعوة، وأول هذه الأساليب أن يكون الداعية مطلوبا لا طالبا، ~~وأن يكون له حماة وأتباع من أبناء البلد قبل دخوله إذا استطاع، وقد سار أبو عبيد الله ~~الشيعي على هذا الأسلوب حتى تمكن من القبائل واستمال إليه قبيلة كتامة القوية بعددها ~~وشجاعة رجالها، فاتخذ الحول بعد الحيلة وجرد السيف وهزم دولة الأغالبة أعوان العباسيين، ~~وضمن لمولاه النجاح فاستقدمه فوصل إلى جبال الأطلس قبيل انتهاء القرن الثالث للهجرة ~~(سنة 296). # كذلك يطول الكلام لو تتبعنا أعمال المهدي وخططه التي رسمها لإقامة عرشه في إفريقية ~~وبسط كلمته من ورائها إلى الأقطار الإسلامية، فإن ملك المهدي في المغرب قد دام أربعا ~~وعشرين سنة إلى أن توفي (سنة 322 للهجرة)، فخلفه ابنه القائم، وخلف القائم ابنه ~~المنصور، وخلف المنصور ابنه المعز (سنة 341 للهجرة)، وهو الذي فتحت مصر في عهده وانتقلت ~~من خلافة العباسيين إلا خلافته (سنة 356 للهجرة)، فجاءوها كعادتهم مطلوبين ممهدا لهم ~~الطريق في الداخل ms050 والخارج بالدعوة والسلاح. ~~••• # إن تاريخ الدولة الفاطمية جدير أن تفرد له المجلدات الضخام؛ لأنه تاريخ يغني عن ~~التواريخ؛ إذ كانت هذه الدولة نموذجا يقاس عليه ويعرض فيه ما لا يعرض في قيام الدول ~~الأخرى من العبر والأطوار وصنوف التدبير والمصادفة. فهي الدولة التي قامت بين ست دول ~~أو أكثر من ست دول إسلامية وأجنبية تحاربها وتخشى عاقبة قيامها، وأسست حقها على دعوة ~~يتألب الخصوم من حولها على إنكارها، واعتمدت في الدعوة على وسائل لم يسبقها إليها سابق ~~ولم يلحقها نظير لها في تلك الوسائل إلى هذا القرن العشرين. فمن تلك الوسائل فن التخذيل ~~أو «الطابور الخامس» كما يسمى في العصر الحديث، ومنها تسخير العلم والفن والفلسفة ~~والقصص في نشر الدعوة الظاهرة والخفية، ومنها الاستعانة بالجماعات السرية وترتيب ~~الأدوار المنظمة لإنفاذ سياسة بعد أخرى، ومنها المواكب والمواسم والمحافل والأعياد ~~والعادات الاجتماعية، وكانت تثابر على الدعوة ولا تهمل معها أركان الملك من تشييد المدن ~~وتنظيم الدواوين وترتيب الرتب وتدريب الجيوش وبناء الأساطيل وفتح المدارس والجامعات ~~وتزويدها بالمكتبات، وتشويق الناس إليها بمجالس المحاضرة والمناظرة في أيام محدودة ~~يشهدها الرجال والنساء. ~~••• # فقيام الدولة الفاطمية في الواقع نموذج لقيام الدول بالحول والحيلة، ولو استغنى ~~التاريخ بدولة واحدة عن دول كثيرة لكانت هذه الدولة حسبه من عبره وأطواره وتدبيراته ~~ومصادفاته. ولسنا في صدد الإفاضة في هذه الدراسة بتفصيلاتها وفروعها، ولكننا نطرق منها ~~في هذه العجالة ما له علاقة بالانتساب إلى الزهراء، وما له علاقة بآثارها الباقية في ~~هذا البلد؛ لأنه البلد الذي شهد من الدولة الفاطمية أهم أدوارها وأفخم عهودها، وكانت ~~مخلفاتها فيه أبقى المخلفات في تاريخها الحديث. # الفصل العاشر # | النسب # الدعوى المنتظرة هي أقوى الدعاوي، وهي كذلك - ومن أجل ذلك - أضعفها وأولاها بالتشكك ~~والمراجعة. # والمقصود بالدعوى المنتظرة كل دعوى تمليها البواعث النفسية أو البواعث السياسية ~~والاجتماعية، وهي قوية لأنها لا تأتي عفوا، ولا يكتفي المدعون فيها بإبدائها وترك ~~السامعين وشأنهم في قبولها أو الإعراض عنها، بل هم يدعونها ويحتالون على إيرادها مورد ~~الصدق وتمثيلها في ms051 صورة الكلام السائغ المحقق، ثم يكررونها ويلحون في تكريرها، ~~ويتحينون الفرص لنشرها في مظان الإصغاء إليها والرغبة في إثباتها. # وإذا كانت البواعث التي تمليها متعددة متجددة كان ذلك خليقا أن يزيدها قوة على قوة ~~وإلحاحا على إلحاح، فهي تتوارد من جهات كثيرة وترجع إلى الظهور كرة بعد أخرى، كلما ~~حيف عليها أن تضعف، وكلما تعاظم الرجاء في التحدث بها والالتفات إليها. # إن الدعوى المنتظرة قوية من أجل هذا. # وهي من أجل هذا بعينه ضعيفة متهمة. # لأن البواعث التي تمليها تريب السامع حين تنكشف له، وقد يكون الإلحاح فيها مشككا ~~لمن يسمعها وكاشفا للغرض والهوى من ورائها. # وإذا تعددت البواعث كان ذلك أحرى أن يسوق التناقض والاختلاط إلى الروايات والأقاويل، ~~فلا يتفق مروجوها على اختراعها ولا على نقلها، ومن لم يكن منهم مخترعا لروايته لم ~~يجهد ذهنه في التوفيق بين النقائض والتقريب بين الأسانيد، فتصاب الدعوى بالضعف من جراء ~~تعدد البواعث كما تأتيها القوة والمثابرة لهذا السبب، وتخسر من هنا كما تكسب من ~~هناك. ~~••• # وقد كان اتهام الفاطميين في نسبهم دعوى منتظرة، وكانت البواعث إليها متعددة متجمدة، ~~فلا جرم تكون في وقت واحد أقوى الدعوات، ثم لا تلبث أن تعود أضعف الدعوات. # كان الفاطميون يطلبون الخلافة ويعتمدون في طلبها على النسب. # وكانوا يهددون بمساعيهم في طلب الخلافة خصوما كثيرين يملكون الدول في المشرق والمغرب ~~ولا يريدون النزول عما ملكوه، أو لا يريدون بعبارة أخرى أن يسلموا للفاطميين صحة النسب ~~الذي يعتمدون عليه. # فلم يكن أقرب إلى الذهن من مهاجمتهم في نسبهم وتجريدهم من الحجة التي يؤيدون بها ~~مسعاهم، فهذه هي الدعوى المنتظرة التي تعددت بواعثها في المشرق والمغرب، وتوافقت ~~الأغراض على ترويجها وتثبيتها بين الخائفين على عروشهم من نسب الفاطميين، وكلهم ذوو ~~سلطان وذوو براعة وافتنان، ومن ورائهم من يرغبون في بقائهم أو يتلقون دعواهم بالتصديق ~~والإيمان. # كان الفاطميون يطلبون الخلافة ويعتمدون في طلبها على انتسابهم إلى النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، ~~وكان هذا النسب حجة معتمدة لا يماري فيها الأكثرون ms052 من أتباع الدول الإسلامية الذين تسري ~~بينهم دعوى آل البيت، غير مستثنى منهم أتباع الدولة العباسية في ذلك العهد على الخصوص، ~~وهو عهد النقص والأدبار الذي يكثر فيه طلاب الزوال أو طلاب العلل بالحق وبالباطل، وعلى ~~الإنصاف الواضح أو على الجور الصراح. # كان مصير الخلافة إلى الفاطميين نذيرا بزوال عروش كثيرة، منها عروش العباسيين في ~~بغداد والإخشيديين في مصر والأغالبة في إفريقية الشمالية والأمويين في الأندلس، ~~والأمراء الصغار المنبثين في هذه الرقعة هنا وهناك ممن يطيب لهم القرار على ما هم فيه ~~ولا يطيب لهم التبديل والانتقال. # وكان هؤلاء المالكون غرباء عن أهل البيت ما عدا العباسيين، ولكن العباسيين في ذلك ~~العهد خاصة كانوا أخوف الخائفين من نسب الفاطميين، بعد أن كانت دعوة أهل البيت تشملهم ~~أجمعين منذ ثلاثة قرون. # عندما ضعفت دولة بني أمية قويت دعوة آل البيت التي كان يقوم بها العلويون ~~والعباسيون. # ولكن العباسيين أخذوا بزمام الدولة الجديدة على اعتقاد الأكثرين أنهم كانوا يدعون إلى ~~خلافة العلويين أبناء فاطمة وعلي أحق الناس باسم آل البيت في رأي أتباع الدولة ~~الجديدة. وبلغ من إيمان أتباع الدولة الجديدة بهذا الرأي أن خلفاء بني العباس أظهروا ~~العزم على الوصاية بعدهم لولاة عهد العلويين، كما فعل الرشيد والأمين. ثم استحكم العداء ~~بين بني العباس وبني علي حتى لجأ الأئمة العلويون إلى الاختفاء، وشاعت يومئذ العقيدة في ~~الإمام المستور، ثم شاعت الدعوة إلى العلويين باسم الفاطميين؛ لأنها أقرب الدعوات إلى ~~بنوة محمد عليه السلام. فقد يقال: إن العباسيين أبناء العباس عم النبي، وإن العلويين ~~أبناء علي ابن عمه أبي طالب! أما الانتماء إلى فاطمة الزهراء، فهو انتماء إلى بيت النبي ~~نفسه، وليس إلى الأعمام ولا أبناء الأعمام. # في أوائل الدولة العباسية، كانت دعوة آل البيت تشمل العلويين والعباسيين، وكان الخلاف ~~يسيرا بين الفريقين على أمل التوفيق بينهما بعد حين، وكانت قوة الدولة في نشأتها تصمد ~~لهذا الخلاف الذي هان أمره ولم يبلغ أشده في أول عهده، وكان يكفي أن يقال عند اشتداده: ms053 ~~إن وراثة الأعمام أقرب من وراثة أبناء الأعمام. # ولكن الدولة العباسية بقيت حتى تضعضعت وكثر الساخطون عليها والمتبرمون بها والراغبون ~~في زوالها، وكثر كذلك شهداؤها من آل البيت أبناء علي وفاطمة، وزال عنها عطف العاطفين ~~عليها لقرابتها من بيت النبوة، فتحول عطفهم إلى الشهداء المظلومين المشردين في أرجاء ~~البلاد، وأصبح تشردهم الذي يظن به أنه يضعفهم مددا لهم من أمداد العطف والولاء، وأصبحت ~~دعوة «الفاطميين» وقفا على هؤلاء المشردين المظلومين لا يشركهم فيها العباسيون؛ لأن ~~العباسيين هنا هم الخصوم المحاسبون على الظلم والنكال واختلال حبل الأمور. # ومن الفاطميين هؤلاء يأتي الخطر الأكبر على بني العباس، ومن نسبتهم إلى فاطمة الزهراء ~~يأتي امتيازهم بحق الخلافة، وبهذا الحق يطلبون النصفة للشهداء والمضطهدين، فأي شيء أقرب ~~إلى مألوف السياسة من دفع الخطر بإنكار هذا النسب، ومن حصر الولاء لأهل البيت في ~~القائمين بالأمر من بني العباس؟ # وقد أنكر العباسيون نسب الفاطميين وزعموا أنهم ينتسبون إلى ميمون القداح ابن ديصان ~~الثنوي القائل بالإلهين، وتلقف التهمة كل ناقم على الفاطميين، وهم صنوف ينتمون إلى كل ~~مذهب ونحلة، # 1 # منهم كما أسلفنا الإخشيديون والأغالبة والأمويون والأندلسيون، وزاد عليهم ~~من كان تابعا للفاطميين ثم تمحل # 2 # المعاذير للخروج عليهم كوالي مكة وبعض رؤساء العشائر في الجزيرة العربية، ~~بل قيل: إن أناسا من العلويين شهدوا عليهم بادعائهم النسب في علي وفاطمة عليهما ~~السلام، ونسب إلى الشريف أبي الحسين محمد بن علي المشهور بأخي محسن الدمشقي أنه كتب ~~رسالة في تنفيذ دعواهم ينكرها المقريزي وينسبها إلى عبد الله بن رزام. # ويروى عن سبب نشاط القادر بالله إلى كتابة الإشهاد ببطلان نسب الفاطميين أنه سمع ~~أبياتا نظمها الشريف الرضي يقول فيها: # ما مقامي على الهوان وعندي # مقول صارم وأنف حمي # أليس الذل في بلاد الأعادي # وبمصر الخليفة العلوي # من أبوه أبي ومولاه مولا # ي إذا ضامني البعيد القصي # لف عرقي بعرقه سيد النا # س جميعا محمد وعلي # إن ذلي بذلك الجد عز # وأوامى # 3 # بذلك الربع ري # فأرسل إلى أبيه ms054 الشريف أبي أحمد الموسوي يقول: إنك قد عرفت منزلتك منا وما تقدم لك في ~~الدولة من مواقف محدودة، ولا يجوز أن تكون أنت على خليفة ترضاه ويكون ولدك على ما يضاد ~~ما لا نزال عليه من الاعتداد بك لصدق الموالاة منك. وقد بلغنا أنه قال شعرا - هو هذه ~~الأبيات - فيا ليت شعري على أي مقام ذل أقام وهو ناظر في النقابة - نقابة الأشراف - ~~والحج، وهما من أشرف الأعمال ولو كان بمصر لكان كبعض الرعايا. # فأحضر أبو أحمد ولده الرضي فأنكر الشعر، فأمره أن يكتب بخطه إلى القادر بالاعتذار ~~وإنكار نسب الحاكم بأمر الله ، فأبى، فقال له أبوه: «أتكذبني في قولي؟» فقال: «كلا ما ~~أكذبك، ولكني أخاف من الديلم ومن الدعاة في البلاد» فقال له أبوه: «أتخاف من هو بعيد ~~عنك وتسخط من هو قريب منك، وهو قادر عليك وعلى أهل بيتك؟!» وغضب أبوه وحلف لا يقيم ~~معه في بلد، فلما بلغ الأمر بينهما هذا المبلغ حلف الرضي أنه لم يقل تلك الأبيات، وكتب ~~بخطه في محضر الأفكار، وشاع الزعم بعد كتابة ذلك المحضر أن المهدي الفاطمي لم يكن يسمى ~~عبيد الله، وأن اسمه الصحيح «سعيد بن أحمد بن عبد الله القداح بن ميمون بن ~~ديصان». # وقد اختلفوا في نسبته تارة إلى المجوس وتارة إلى اليهود. واختلفوا في الجد الذي كان ~~مجوسيا أو يهوديا؛ فقيل: إن عبيد الله كان ابن حداد يهودي مات عن زوجة فبنى بها ~~الحسين بن أحمد بن عبد الله بن ميمون وتبنى عبيد الله، وقيل: إن عبيد الله قتل في سجن ~~سجلماسة بالمغرب فأشفق داعيه «أبو عبد الله الشيعي» فسماه عبيد الله وبايعه بالخلافة، ~~وقيل: إن أمة للإمام جعفر الصادق علق بها يهودي فولدت منه عبيد الله ونشأ في بيت ~~الإمام منتميا إلى أهل البيت. # وقد كانت لهجة البيان العباسي غاية في العنف تنم على الغيظ وتخلو من الدليل، ومنه: ~~«إن هذا الناجم بمصر هو منصور بن نزار المتلقب بالحاكم - حكم الله عليه بالبوار والدمار ~~- ابن معد ms055 بن إسماعيل بن محمد ابن سعيد - لا أسعده الله - وإن من تقدمه من سلفه ~~الأرجاس الأنجاس عليهم لعنة الله ولعنة اللاعنين خوارج لا نسب لهم في ولد علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه، وإن ما ادعوه من الانتساب إليه زور وباطل، وإن هذا الناجم في مصر ~~وهو وسلفه كفار فساق ملحدون معطلون، وللإسلام جاحدون، أباحوا الفروج وأحلوا الخمور ~~وسبوا الأنبياء وادعوا الربوبية.» # ولم يقصر المؤرخون المنكرون عن القوم في العنف والسباب؛ فقال صاحب كتاب الروضتين في ~~أخبار الدولتين عن الفاطميين: «إن المعروف عنهم أنهم بنو عبيد، وكان والد عبيد هذا من ~~نسل القداح الملحد المجوسي، وقيل: كان والد عبيد هذا يهوديا من أهل سلمية من بلاد ~~الشام، وكان حدادا، وعبيد هذا كان اسمه سعيدا، فلما دخل المغرب تسمى بعبيد الله ~~وزعم أنه علوي فاطمي، ثم ترقت به الحال إلى أن ملك وتسمى بالمهدي، وكان زنديقا ~~خبيثا عدوا للإسلام متظاهرا بالتشيع متسترا به حريصا على إزالة الملة الإسلامية، ~~قتل من الفقهاء والصالحين جماعة كثيرة، وكان قصده إعدامهم من الوجود ليبقى العالم ~~كالبهائم فيتمكن من إفساد عقائدهم، ونشأت ذريته على ذلك منطوين يجهرون به إذا أمكنتهم ~~الفرصة وإلا أسروه، والدعاة منبثون لهم في البلاد، وبقى هذا البلاء على الإسلام من ~~أول دولتهم إلى آخرها، وفي أيامهم كثرت الرافضة وأفسدت عقائد طوائف من أهل الجبال ~~الساكنين بثغور الشام، وأخذت الإفرنج أكثر البلاد بالشام والجزيرة إلى أن من الله على ~~المسلمين بظهور البيت الأتابكي وتقدمه مثل صلاح الدين فاستردوا البلاد وأزالوا هذه ~~الدولة.» # ومن اعتدل من المؤرخين في الإنكار والسباب، كابن خلكان، أيد التهمة بالقصص التي ~~تؤكدها لو أنها ثبتت؛ كالقصة التي اشتهرت عن سيف المعز وذهبه، وأن ابن طباطبا سأل المعز ~~عند وصوله عن نسبه فسل سيفه، فقال: «هذا نسبي» ثم نثر عليهم الذهب وقال: «وهذا حسبي» ~~وقنع منه الحاضرون بما سمعوه وشهدوه. # وظاهر بغير عناء أن الوثيقة العباسية لا قيمة لها من الوجهة التاريخية؛ لأن الذين ~~وقعوها من الأشراف العارفين بالأنساب ms056 قد أكرهوا على توقيعها، ومن وقعها غيرهم من ~~فقهاء القصر والحاشية لم يكن أحد منهم حجة في مسائل النسب والتاريخ، وقد أضعفوا دعواهم ~~غاية الضعف بنسبة جد الفاطميين إلى ديصان الثنوي، وهو من أبناء القرن الثالث للميلاد، ~~ذهب إلى التوفيق بين المسيحية والزرادشتية قبل البعثة الإسلامية بنحو أربعة قرون، ولم ~~يظهر أحد بهذا الاسم على عهد العباسيين غير من يسميه المؤرخون حينا بديدان وحينا ~~بزندان أو دندان ولا شأن له بنشأة الثنوية ولا بالدعوة إليها في قول أحد من أولئك ~~المؤرخين، وإنما قيل عنه: إنه كان على ثروة كبيرة وعاون إسحاق بن إبراهيم بن مصعب على ~~الثورة في عهد الخليفة المأمون. # وادعاء الموقعين للوثيقة أن خلفاء الفاطميين أباحوا المحرمات واستحلوا الموبقات لم ~~يقم عليه دليل قط من وقائع التاريخ، بل ثبت من هذه الوقائع أن بعض هؤلاء الخلفاء اكتفى ~~بزوجة واحدة ولم يبح لنفسه ما كان يباح في قصور الخلفاء من التسري واقتناء الإماء، وقد ~~خولط الحاكم بأمر الله في عقله فجنح إلى التنطس # 4 # في الطعام، وحرم المباح منه بدلا من إباحة الحرام! # ولعله لا يخفى على أحد من النظرة الأولى قصة التبشيع والتشنيع في نسبة الفاطميين تارة ~~إلى المجوس وتارة إلى اليهود، فكأنه لا يكفي أن تسقط دعواهم في الخلافة حتى تسقط دعواهم ~~في الإسلام وترجع نسبتهم إلى أبعد الملل عن الديانة الإسلامية في عرف ذلك العصر على ~~الخصوص، ثم يقال عنهم ما لا يقال في جميع المجوس واليهود من استباحة المحرمات والتهافت ~~على الشهوات. # والقصة التي رويت عن سيف المعز وذهبه غنية عن التكذيب؛ لأن ابن طباطبا الذي قيل: إنه ~~سأل المعز عن نسبه عند وصوله إلى مصر قد توفى قبل قدوم المعز إليها بأربع عشرة سنة، ~~وابن خلكان صاحب القصة هو الذي ذكر تاريخ وفاته فلم يكذب القصة بل قال: لعله أمير ~~آخر. مع أن اسم «المعز» هو الذي دار عليه مثل السيف والذهب المشهور، وليس من المعقول ~~بأية حال أن يقيم الفاطميون دعواهم على النسب ms057 ثم يعجزون عن ذكر هذا النسب حين يسألون ~~عنه، فكل جواب أيسر وأنفع من الجواب الذي وضعوه على لسان المعز لدين الله، ولا معنى له ~~إلا الاعتراف الصريح بأنه مدخول النسب دعي في الخلافة. # وقد روى ابن خلكان أيضا أن العزيز بالله صعد المنبر فوجد فيه ورقة كتبت عليها هذه ~~الأبيات: # إنا سمعنا نسبا منكرا # يتلى على المنبر في الجامع # إن كنت فيما تدعي صادقا # فاذكر أبا بعد الأب الرابع # وإن ترد تحقيق ما قلته # فانسب لنا نفسك كالطائع # أو فدع الأنساب مستورة # وادخل بنا في النسب الواسع # فإن أنساب بني هاشم # يقصر عنها طمع الطامع # فإن صحت هذه الرواية فالتحدي فيها بإظهار النسب قبل الأب الرابع صادر من خبير بموضع ~~الخلاف؛ لأن تاريخ النسب قبل الأب الرابع يوافق التاريخ الذي عمد فيه الأئمة العلويون ~~إلى الاختفاء والتنكر بأسماء غير أسمائهم، وائتمان الدعاة دون غيرهم من أسرار ذريتهم ~~وأولياء عهودهم، وإنما العجيب في الأمر أن يكون العزيز بالله هو الذي يتحداه المتحدي ~~بإظهار نسب كنسب «الطائع» العباسي، مع أن الطائع نفسه قد علم بكتابة وزيره عضد الدولة ~~إلى العزيز وحمله الهدايا إليه واعترافه بنسبه، وإنه تلقى منه الشكر «لإخلاصه في ولاء ~~أمير المؤمنين ومودته ومعرفته نحو إمامته ومحبته لآبائه الطاهرين.» # وقد تواتر أن عضد الدولة هم بالخطبة في بغداد للخلفاء الفاطميين فرده أحد الدهاة ~~من أصحابه عن هذا العزم، وقال له: «إنك مع خليفة تعتقد أنت وأصحابك أنه ليس من أهل ~~الخلافة، ولو أمرتهم بقتله لقتلوه مستحلين دمه، ولكنك إذا أقمت علويا في الخلافة ~~كان معك من تعتقد أنت وأصحابك صحة خلافته، فلو أمرهم بقتلك لاستحلوا دمك ~~وقتلوك.» # وقد أشار صاحب «الروضتين في أخبار الدولتين» إلى قيام الدولة الأيوبية بعد الدولة ~~الفاطمية، ولكنه يعلم أن صلاح الدين الأيوبي أذن بالخطبة في يوم الجمعة للخليفة ~~الفاطمي، وأنه إنما حول الخطبة إلى الخليفة العباسي بعد وفاة العاضد آخر خلفاء ~~الفاطميين، وأنه أطاع في ذلك أمر رئيسه نور الدين بن زنكي، ولم يكن ms058 لصحة النسب أو ~~بطلانه شأن في هذا التغيير، ومرجعه الأهم إلى الخلاف بين مذهب الشيعة ومذهب أهل السنة؛ ~~إذ كان الأيوبيون سنيين يشتدون في اتباع مذهب أهل السنة، وزادهم فيه شدة ما كان بين ~~الكرد والديلم من النفور والنزاع، وكان الديلم شيعيين والكرد سنيين، وقد تفاقم النزاع ~~بين رؤسائهم حتى سرى إلى الألقاب، فكان بنو بويه من الديلم يتلقبون بألقاب معز ~~الدولة وركن الدولة وعضد الدولة، وكان الأيوبيون من الكرد يتلقبون بألقاب نجم الدين ~~وعماد الدين وصلاح الدين. # ومما يلاحظ أن بعض المؤرخين يحيلون على البعد في كتابتهم عن الدعوة الفاطمية ودعاتها ~~كلما خلطوا بين هذه الدعوة والدعوة الباطنية؛ فأبو المعالي الفارسي يقول في كتابه «بيان ~~الأديان»: إن ميمونا القداح من مصر. وجملة المؤرخين يقولون عنه: إنه من فارس. وكل منهم ~~يحيل إلى المكان البعيد حيث يتعذر عليه تحقيق الرواية بالسند الصادق في مكان ~~قريب. # وصح من أجل هذا قول ابن خلدون: إن شهادة الشاهدين بالطعن في نسب القوم كانت على ~~السماع، وأصاب المقريزي حين قال عن العلويين: «إنهم على غاية من وفور العدد وجلال القدر ~~عند الشيعة، فما الحامل لشيعتهم على الإعراض عنهم والدعاء لابن مجوسي أو لابن يهودي؟ ~~هذا ما لا يفعله مخلوق ولو بلغ الغاية في الجهل والسخف.» # والمقريزي وابن خلدون قد أرخا للمهدي الفاطمي بعد عهده بزمن طويل - وهما سنيان غير ~~متشيعين - ولكنهما نظرا في مطاعن أعدائه نظرة المؤرخ المحقق فلم يجدا فيها حجة مقبولة، ~~وقامت عندهما حجة النسب الصحيح مقام التغليب والترجيح، وقد عاصر المهدي مؤرخ أندلسي - ~~هو عريب بن سعد - وكان ممن يوالون الأمويين، فلم يقدح في نسب الرجل ولم يسمع من أمراء ~~أمية في الأندلس قدحا فيه. # وغاية ما ننتهي إليه في هذه المسألة - مسألة النسب الفاطمي - أن المطاعن لم تمسسه ~~بدليل واحد يعول عليه، وأن مطاردة عبيد الله عند اتجاهه إلى المغرب دليل على أن ~~العباسيين أنفسهم كانوا يخشون دعوته، وأن مبايعة الشيعة لأبنائه - سواء شيعة الديلم في ~~بغداد أو شيعة الزيديين ms059 خاصة في اليمن - ترجح صدق انتسابهم إلى السيدة فاطمة الزهراء ~~إن لم تؤكد كل التوكيد، وقد كانت دعوى المنكرين عليهم كما قدمنا في صدر هذا الفصل ~~أضعف الدعوات؛ لأنها الدعوى المنتظرة التي تمليها البواعث المتعددة، فلا يتخيل أحد أن ~~يتصدى الفاطميون لطلب الخلافة بحق ذلك النسب ثم لا يتعرضوا لإنكاره عليهم ما وسع ~~المنكرين أن ينكروه. # الفصل الحادي عشر # | الباطنية # كان المنتفعون بالطعن في نسب الفاطميين كثيرين متعددين، كلهم كما تقدم من ذوي السلطان ~~أو أتباع ذوي السلطان، وقد استعانوا بالحول والحيلة في ترويج مطاعنهم واختراع أقاويلهم ~~فاستمالوا إليهم في البلاد الإسلامية من لا مصلحة له في مطاعنهم، ولكننا نحسب - بعد ~~مراجعة أخبار العصر وحوادثه - أن المطاعن في النسب لم تكسب على المصدقين إلا القليل ~~الذين ينظرون إلى الأمر كله بغير اكتراث، أو يكترثون له ولكنهم عيال على الحوادث لا ~~يقدمون ولا يؤخرون. أما الأثر البالغ في تنفير الناس من الفاطميين فإنما جاء من ربط ~~الحركة الفاطمية بالحركة الباطنية، وادعاء الخصوم أن الباطنيين جميعا إسماعيليون ممن ~~ينتمون إلى إسماعيل بن جعفر الصادق جد القائمين بالدعوة الفاطمية. # فمن زمن والناس في المشرق يفهمون أن الإسماعيلية هي كلمة مرادفة للباطنية، ويلصقون ~~بالإسماعيلية كل ما لصق بالباطنية من المساوئ والمنكرات، ومن الفضائح والقبائح، وهي في ~~الواقع كثيرة منفرة لا تحتاج إلى جهد كبير في التنفير والتشهير. # وساعد على لصوق التهمة بالفاطميين أن بعض المجاهرين بالإباحة والاجتراء على مناسك ~~الدين الإسلامي كالقرامطة في البحرين كانوا يعلنون التشيع للإسماعيليين، أو بعبارة أخرى ~~للفاطميين، فوقر في الأذهان أن دعاة الإسماعيلية جميعا إباحيون، وأن الباطنية هي إخفاء ~~المنكرات وإعلان التشيع للتغرير والتضليل. # وقد قيل: إن رجلا من دعاة الباطنية يدعى «علي بن فضل» ادعى النبوة وأباح جميع ~~المحرمات، وقال شاعره في روايات مختلفة: # خذي الدف يا هذه والعبي # وغني هزازيك ثم اطربي # تولى نبي بني هاشم # وهذا نبي بني يعرب # أحل البنات مع الأمها # ت، ومن فضله زاد حل الصبي # وقد حط عنا فروض الصلا # ة وحط ms060 الصيام فلم يتعب # إذا الناس صلوا فلا تنهضي # وإن صوموا فكلي واشربي # ولا تطلبي السعي عند الصفا # ولا زورة القبر في يثرب # ولا تمنعي نفسك المعرس # ين من الأقربين أو الأجنبي # فكيف حللت لهذا الغر # يب وصرت محرمة للأب # أليس الغراس لمن ربه # ورواه في الزمن المجدب # وقيل على الجملة: إن الباطنيين يظهرون الإسلام ليكيدوا له ويدسوا عقائد الشرك ~~والضلال بين أهله، وإنهم في الأصل مجوس منطوون على بغض شديد للعرب ودينهم، لم يقدروا ~~على هذا الدين وتقويض دولة العرب بالقوة، فاحتالوا على مأربهم بالدسيسة والمكيدة، ~~وأنشأوا نحلتهم لاستدراج المسلمين وتحويلهم شيئا فشيئا من عقائدهم إلى التعطيل ~~والإباحة والكفر بالبعث والمعاد وإنكار الفرائض والعقائد والأديان. # قالوا: وإن الإسماعيلية خاصة يبثون دعوتهم على درجات، ويأخذون المواثيق والأيمان ~~على مريديهم ألا يفشوا لهم سرا ولا يظاهروا عليهم أحدا، ثم يتدرجون بهم من التشكيك ~~وطلب المزيد من العلم على أيدي الأئمة المعصومين، ثم تلقين بعض الرموز التي تروق المريد ~~وتشوقه إلى المزيد من الأسرار، ثم تعريفه بنظام الدعوة ومن يتولاها، ثم تأويل النصوص ~~وتحريف الألفاظ على ظواهر معانيها، ثم الخوض في المذاهب الفلسفية التي تنتهي في الدرجة ~~التاسعة من درجات الكشف والزلفى إلى تأليه الإمام على مذهب الحلول، وأنه هو روح الله ~~حلت في جسد إنسان، ولعمري ماذا في وسع عشرة أو عشرين من «الواصلين» إلى هذه الدرجة في ~~أرذل العمر أن يصنعوه حين يعلمون سرا بإباحة الشهوات ورفض الأديان؟! # وآفة الباحثين في هذه الألغاز والإشاعات أنهم جعلوها كلها مسألة أخبار وروايات، ~~وراحوا يعنتون أنفسهم في جمع هذه الأخبار، فإذا هي تتناقض ولا تستقر على قرار. # هؤلاء المؤرخون الورقيون أو الحرفيون لا يصلحون لبحث هذه المسائل التي يبدأ البحث ~~الصحيح فيها وينتهي في السريرة الإنسانية وما يجوز فيها وما لا يجوز، وما يجب أن يرفض ~~بداهة، فلا يطول البحث فيه بعد ذلك إلا لتطبيق أصول النقد واتخاذ الأمثلة على حقائق ~~التاريخ وأباطيله كما تعرضها عليها الأخبار والروايات. # فمن الطريف حقا أن يقيد المريدون ms061 بالأيمان والأقسام ليكتموا السر، ثم يأتي السر ~~المكتوم فإذا هو سر يحلهم من جميع تلك الأيمان والأقسام على سبيل اليقين ولا يضمن نقلهم ~~إلى يقين جديد! # وأطرف منه أن يقال عن رجل: إنه معطل منكر للمعاد منكر للأديان، منكر للوعود الإلهية ~~ثم يقال عنه: إن كراهة دين من الأديان تبعثه إلى الجهاد سرا وعلانية والاستماتة في ~~الجهاد حتى يتعرض للقتل والتشريد؛ أملا في يوم من الأيام يزول فيه هذا الدين ويشهد هو ~~زواله أو لا يشهده بعد سنوات أو بعد أحقاب وقرون. # إنما يعمل هذا العمل لهدم دين من الأديان من يؤمن بدين غيره ، ويعمل لقيام دولة من ~~أبناء دينه، فأما المنكر المعطل لكل عقيدة فلن يبقى في نفسه من الحماسة الروحية ما ~~يهون عليه المشقة والخطر ويقيمه ويقعده كراهة؛ لأن دين قومه وغيره من الأديان عنده ~~سواء. # كان تصديق هذا مفهوما في القرون الوسطى؛ لأنهم كانوا يومئذ يعتقدون أن الكافر يكفر ~~في سبيل الشيطان، وأنه يرى الشيطان بعينه ويسمع وسواسه بأذنه ويساومه ويشارطه ويبيعه ~~روحه ويأخذ منه السطوة والمتعة بديلا من نعيم السماء، وكانوا يومئذ يقولون عن أناس ~~بأعيانهم: إنهم على صلة بالشيطان وإنهم تعلموا على يديه السحر الأسود، واطلعوا منه على ~~أسرار النجوم والوجود واستهواهم مكره فعقدوا معه صفقة المغبون في حساب ~~المؤمنين. # أما في عصرنا هذا فمن العسير أن يتخيل الإنسان ملحدا ينكر كل شيء، ويتجرد لأهوال ~~الدعوة الباطنية لأجل شيء من الأشياء كائنا ما كان، إلا أن يكون ذلك الشيء سطوة يطلبها ~~لنفسه في حياته أو في بيته، ولا يعقل حينئذ أنه يتدرج بالأتباع والمريدين من الجهل ~~بحقيقة إلى العلم بتلك الحقيقة والاطلاع على دسائسه وغوايته التي يلبسها على الناس ~~بتلبيس من ألغاز العقائد وأسرار الديانات. # وقد شغلت طائفة المؤرخين الأقدمين والمحدثين بدعوة القرامطة وأشباههم في اليمن وفارس ~~وادعائهم النسبة إلى الإسماعيلية في المغرب مع مجاهرتهم بالمعاصي واجترائهم على مناسك ~~الحج وتمثيلهم بالحجاج من الرجال والنساء، فخطر لهذه الطائفة من المؤرخين أن علاقة ~~النسب بين القرامطة ms062 والإسماعيليين جد تحتمل البحث، ويؤدي البحث فيها إلى ثبوت العلاقة ~~بين هؤلاء وهؤلاء. # وأغرب الغرائب أن أحدا من أولئك المؤرخين لم يخطر له أن يسأل: لماذا لم يظهر في ~~المغرب - حيث تقوم الدولة الفاطمية كلها - أناس من دعاة الإباحية والعصيان، كالذين ~~ظهروا في البحرين واليمن وفارس وبعض بقاع الشام؟ # فمن نظرة سريعة يمكن أن يتبين الناظر في التاريخ أن الانتماء إلى الإسماعيليين مفهوم ~~من أناس يقيمون في بلاد الدولة العباسية ويعلنون الخروج عليها، فهم في حاجة إلى سلطان ~~مشروع يقاومون به سلطانها المخلوع، وانتماؤهم إلى الفاطميين أو الإسماعيليين هو السند ~~الذي يركنون إليه في محاربة الدولة العباسية وإنكار حقها في الطاعة والولاء، ولو كان ~~نشر الدعوة الفاطمية يتولاه دعاة العصيان والمعاصي لكان أولى البلاد أن تظهر فيه طوائف ~~الإباحة هي بلاد المغرب حيث دان القوم لخلافة الفاطميين. # ولقد حدث فعلا أن القرامطة خلعوا البيعة الفاطمية ورجعوا إلى الدعاء على المنابر ~~باسم الخليفة العباسي حين وقعت النبوة # 1 # بينهم وبين الخليفة الفاطمي في القاهرة، وسول لهم الطمع أنهم قادرون على ~~فتح مصر بعد أن جربوا قوتهم وحيلتهم في فتح أطراف من بلاد الشام. # وقد يكون أغرب من هذا أن يقال من جهة: إن الإباحة هي الدرجة السابعة أو الثامنة التي ~~يصل إليها المريد المترقي في كشف الحجب وعلم الأسرار، ثم يقال من جهة أخرى: إن هذه ~~الإباحة سر مباح في الطريق يعكف عليها المؤمن جهرة ويردده الشعراء ويتغنى به ~~القيان. # لم ينفصل علم النفس وعلم التاريخ في بحث من البحوث كما انفصلا في بحث قضية ~~الإسماعيلية والباطنية، ولهذا كثر فيه التخبط وقل فيه الثبوت والوضوح، ونحسب أن محنة ~~التاريخ هنا أصعب من كل محنة؛ لأن المؤرخ هنا يعمل عملين ولا يستقل بعمل واحد: يعمل ~~لمعرفة الحقيقة ويعمل لاستخلاصها من الأباطيل التي تحجبها عن عمد وتدبير، وواحد من هذين ~~العملين كثير على مؤرخي الورق والحروف. # إننا عرفنا ألوانا من النظم السرية التي اصطلحت عليها الجماعات المتسترة في العصور ~~القديمة، وبعضها ديني يتخذ ms063 له أغراضا سياسية كالجماعات الأورفية والجماعات ~~الفيثاغورية، ولا ندري الآن كيف تكشفت هذه النظم المزعومة، بل لا ندري هل هي في الحق ~~كانت موجودة متبعة أو هي أوهام وتخمينات من وحي الاستطلاع والاستنباط. # ولكننا إذا سمعنا عن نظم سرية في عصور التاريخ القريب فلا معنى في هذه الحالة للإحالة ~~على القدم أو للخبط في الظنون؛ إذ يحق لنا في هذه الحالة أن نسأل عن المريد الذي تدرج ~~في مراتب الباطنية حتى وصل إلى قيادة الدعوة ثم خانها وأفشى أسرارها، أو يحق لنا أن ~~نسأل عن الحاكم الذي تعقب الجماعة بعيونه وجواسيسه حتى كشف عن بواطنها ، أو يحق لنا أن ~~نسأل عن الأوراق المطوية التي نشرت بعد العثور عليها في إبانها أو بعد انقضاء زمانها. ~~ولسنا نذكر فيما اطلعنا عليه من أخبار الباطنية أن أحدا تحدث عن مريد واحد صعد على ~~مراتبها من درجة التلميذ المبتدئ إلى درجة الحجة المطلع على جميع خفاياها، ولا أن ~~أوراقا لها فصلت فيها نظمها وأسرارها وأذيعت في أوانها أو بعد أوانها، بل زعم الرواة ~~أن الذي فضح الجماعة وأنكر على جعفر الصادق نفسه دعواه، قبل دعوى إسماعيل ابنه وخلفائه، ~~هو عبد الله بن ميمون القداح. ومن هو عبد الله بن ميمون القداح؟ هو واضع النظام كله ~~ومرتب الدرجات كلها ومصطنع التخفي والتنكر لبلوغ مقصده من الدعوة باسم إسماعيل بن ~~جعفر الصادق جد الإماميين أجمعين. # فعبد الله هذا هو الذي قال فيما زعم الرواة: # هات اسقني الخمرة يا سنبر # فليس عندي أنني أنشر # أما ترى الشيعة في فتنة # يغرها عن دينها جعفر # قد كنت مغرورا به برهة # ثم بدا لي خبر يستر # ولم تكفه قطعة واحدة ينظمها حتى نقل عنه الرواة قطعة أخرى يقول فيها: # مشيت إلى جعفر حقبة # فألقيته خادعا يخلب # يجر العلاء إلى نفسه # وكل إلى حبله يجذب # فلو كان أمركم صادقا # لما ظل مقتولكم يسحب # ولا غض منكم «عتيق» ولا # سما «عمر» فوقكم يخطب # وما كانت خلافة عمر ولا أنباء القتلى من آل ms064 فاطمة وعلي سرا مجهولا يوجب الشك إن لم ~~تجزم باليقين من بطلان الخبر وتلفيقه. وخير من هذه الأسرار وغيرها أنه عدل عن الدعوة ~~الإسماعيلية فيما تواترت به أخباره في المشرق والمغرب، فما زالت دعوة القداح إلى ختام ~~حياته قائمة على المبايعة بالخلافة لإسماعيل وأبناء إسماعيل. # وعلى هذا النحو يتتبع المؤرخ ما شاء من أخبار الباطنية، فلا يمضي مع خبر منها خطوة أو ~~خطوتين حتى يصطدم بالعقل أو الواقع صدمة توجب الشك إن لم تجزم باليقين من بطلان الخبر ~~وتلفيقه. وخير من هذه «الورقيات والنصيات» أن نطمئن إلى مقياس واحد لا شبهة عليه من ~~أهواء السياسة ، ثم نعرض عليه الأخبار مما يوافقه أو لا يوافقه عسى أن نخلص منها إلى قول ~~صحيح أو نقد صحيح. # ذلك المقياس هو الحالة النفسية الاجتماعية التي كانت شائعة في العالم الإسلامي من ~~القرن الثالث إلى القرن الخامس للهجرة، ونخص منها بالنظر ما يرجع إلى مطالب الحكم من ~~جهة ومساعي التكتم والمداراة من جهة أخرى. # فالدولة العباسية دخلت في دور الضعف والتفكك منذ أواخر القرن الثالث للهجرة، فاختلت ~~قواعد الحكم وضاعت الثقة في الحكومة القائمة وكثر المنفصلون عن الدولة والمنتقضون ~~عليها، وكان الدين هو حجة المطالبين بالحكم وحجة الخارجين عليه. فمن خرج على بني العباس ~~أنكر عليهم حق الخلافة باسم النبي مع وجود عترة النبي من أبناء علي وفاطمة، ومن اعترف ~~لبني العباس بالحق الشرعي في الخلافة زعم أن الحكم في دولتهم لغيرهم من وزراء الترك أو ~~الديلم أو كتاب الدواوين الذين يتواطأون مع الولاة على انتهاب الأموال وبذلها للصنائع ~~والأعوان، وأصبح دهماء الشعب على استعداد لإنكار الخلافة على القائمين بها والاستسلام ~~للأدعياء الواثبين عليها، وتتابع المنتحلون للمعاذير الدينية في طلب الحكم أو عصيان ~~الحاكمين من المغتصبين أو المستضعفين. # وفي تاريخ شاعر مشهور بالطموح مثلا لادعاء الحكم باسم الدين مرة وباسم الكتابة ~~والأدب مرة أخرى أو مرات، ذلك الشاعر هو أبو الطيب المتنبي الذي نسب في بعض الروايات ~~باسم أحمد بن الحسين بن الحسن ونشأ بين ms065 العلويين في الكوفة؛ فإنه ادعى النبوة أو ~~المهدية في بادية السماوة، وبلغ من تفاقم دعوته أن خافه والي حمص من قبل الإخشيد ~~فاعتقله ولم يطلقه إلا وقد عدل عن دعواه، ومن أحاديث المعجزات التي طولب بها كما جاء في ~~«رسالة الغفران» أنهم قالوا له في بني عدي: «ها هنا ناقة صعبة، فإن قدرت على ركوبها ~~أقررنا أنك مرسل. فمضى إلى تلك الناقة وهي رائحة في الإبل وتحيل حتى وثب على ظهرها، ~~فنفرت ساعة وتنكرت برهة ثم سكن نفارها ومشت مشي المسمحة # 2 # وورد بها الحلة وهو راكب عليها فعجبوا له كل العجب وصار ذلك من دلائله ~~عندهم.» # قال أبو العلاء بعد ذلك: «وحدثت أيضا أنه كان في ديوان اللاذقية، وأن بعض الكتاب ~~انقلبت على يده سكين الأقلام فجرحته جرحا مفرطا، وأن أبا الطيب تفل عليها من ريقه وشد ~~عليها غير منتظر لوقته، وقال للمجروح: لا تحلها في يومك، وعد له أياما وليالي، فبرئ ~~الجرح، فصاروا يعتقدون في أبي الطيب أعظم اعتقاد، ويقولون: إنه كمحيي الأموات. وحدث ~~رجل كان أبو الطيب قد استخفى عنده في اللاذقية، أو في غيرها من السواحل، إنه أراد ~~الانتقال من موضع إلى موضع فخرج بالليل ومعه ذلك الرجل، ولقيهما كلب ألح عليهما في ~~النباح، ثم انصرف، فقال أبو الطيب لذلك الرجل وهو عائد: إنك ستجد ذلك الكلب قد مات، ~~فلما عاد الرجل ألفى الأمر كما ذكر.» # وقد كانت دعوى النبوة أو المهدية في عنفوان شباب أبي الطيب، فلما أوفى على الشيخوخة ~~كان قد عدل زمنا عن دعواه، ولم يعدل عن طلب الولاية من كافور الذي كان خصيا ~~مملوكا فاستبد بالعرش وأصبح فيما زعم: «دون الله يعبد في مصر!» # قال داعي الدعاة يصف حال الناس في تلك الأزمنة من كتاب أرسله إلى أبي العلاء المعري: ~~«إنني شققت بطن الأرض من أقصى دياري إلى مصر وشاهدت الناس بين رجلين: إما منتحلا ~~لشريعة صبأ إليها ولهج بها إلى الحد الذي إن قيل له من أخبار شرعه: إن فيلا طار ms066 أو ~~جملا باض لما قابله إلا بالقبول والتصديق، ولكان يكفر من يرى غير رأيه فيه ويسفهه ~~ويلعنه، فالعقل عند من هذه سبيله في مهواة ومضيعة. أو منتحلا للعقل يقول: إنه حجة ~~الله تعالى على عباده، مبطلا لجميع ما للناس فيه، مستخفا بأوضاع الشرائع، معترفا مع ~~ذلك بوجوب المساعدة عليها وعظم المنفعة بمكانها، لكونها مقمعة للجاهلين، ولجاما على ~~رءوس المجرمين المجازفين، لا على أنها ذخيرة للعقبى أو منجاة في الدار الأخرى. فلما ~~رمت بي المرامي إلى ديار الشام ومصر سمعت عن الشيخ، وفقه الله، بفضل في الأدب والعلم ~~قد اتفقت عليه الأقاويل ووضح به البرهان والدليل، ورأيت الناس فيما يتعلق بدينه ~~مختلفين، وفي أمره متبلبلين، فكل يذهب فيه مذهبا ويتبعه من تقاسيم الظنون سببا، ~~وحضرت مجلسا جليلا أجري فيه ذكره، فقال الحاضرون فيه غثا وسمينا، فحفظته ~~بالغيب، وقلت: إن المعلوم من صلابته في زهده يحميه من الظنة والريب، وقام في نفسي أن ~~عنده من حقائق دين الله سرا قد أسبل عليه من التقية سترا، وأمرا تميز به عن قوم ~~يكفر بعضهم بعضا، ويلعن بعضهم بعضا، ولما سمعت البيت: # غدوت مريض الدين والعقل فالقني # لتسمع أنباء الأمور الصحائح # وثقت من خلدي فيما حدست عقوده، وتأكدت عهوده، وقلت: إن لسانا يستطيع بمثل هذه ~~الدعوى نطقا، ويفتق من هذا العظيم رتقا، للسان صامت عنده كل ناطق، وناطق من ذروة ~~جبل من العلم شاهق، فقصدته قصد موسى عليه السلام للطور، أقتبس منه نارا، وأحاول أن ~~أرفع بالفخر منارا، بمعرفة ما تخلف عن معرفته المتخلفون واختلف في حقيقته ~~المختلفون.» # وداعي الدعاة صاحب هذا الخطاب هو «أبو نصر هبة الله بن موسى بن أبي عمران» صاحب أكبر ~~منصب من مناصب الدعوة في الدولة الفاطمية، كتب رسائله إلى حكيم المعرة يناقشه في تحريمه ~~اللحوم على نفسه ويسائله عن البعث والقيامة، مستعظما على المتقولين أن يتهموا ~~بإنكارهما حكيما كأبي العلاء، وقد استعار من اسمه «موسى بن أبي عمران» تفسيرا لوقوفه ~~من رهين المحبسين موقف المقتبس من نار الطور. # وعلى ms067 ذكر أبي العلاء واعتقاد الناس في أسرار الحكمة وقوتها الخفية ننقل ما رواه ابن ~~الوردي حيث ذكر في تاريخه: «إن حساده أغروا به وزير حلب فجهز لإحضاره خمسين فارسا ~~ليقتله، فأنزلهم أبو العلاء في مجلس له بالمعرة، واجتمع بنو عمه وتألموا لذلك، فقال: إن ~~لي ربا يمنعني، ثم قال كلاما منه ما لا يفهم، وقال: الضيوف الضيوف. الوزير الوزير. ~~فوقع المجلس على الخمسين فارسا فماتوا، ووقع الحمام على الوزير بحلب فمات، فمن الناس ~~من زعم أنه قتلهم بدعائه وتهجده، ومنهم من زعم أنه قتلهم بسحره ورصده.» # وروى صاحب الكوكب الثاقب هذه القصة بزيادة تفصيل فذكر عن الغزالي أنه قال: «حدثني ~~يوسف بن علي بأرض الهركار قال: دخلت معرة النعمان وقد وشى وزير محمود بن صالح صاحب ~~حلب إليه بأن المعري زنديق لا يرى إفساد الصور، ويزعم أن الرسالة تحصل بصفاء العقل، ~~فأمر محمود بحمله إليه من المعرة، وبعث خمسين فارسا ليحملوه، فأنزلهم أبو العلاء دار ~~الضيافة، فدخل عليه عمه مسلم بن سليمان وقال له: يا ابن أخي! قد نزلت بنا هذه الحادثة، ~~والملك محمود يطلبك، فإن منعناك عجزنا وإن أسلمناك كان عارا علينا عند ذوي الذمام ~~ويركب تنوخ الذل والعار، فقال: هون عليك يا عم ولا بأس عليك، فلي سلطان يذب عني. ثم قام ~~فاغتسل وصلى إلى نصف الليل، ثم قال لغلامه: انظر إلى المريخ أين هو؟» فقال: في منزلة ~~كذا وكذا، فقال: زنه واضرب تحته وتدا، وشد في رجلي خيطا واربطه إلى الوتد، ففعل ~~غلامه ذلك، فسمعناه وهو يقول: يا قديم الأزل! يا علة العلل! يا صانع المخلوقات! وموجد ~~الموجودات! أنا في عزك الذي لا يرام وكنفك الذي لا يضام، الضيوف الضيوف. الوزير الوزير. ~~ثم ذكر كلمات لا تفهم، وإذا بهدة عظيمة، فسأل عنها فقيل: وقعت الدار على الضيوف الذين ~~كانوا بها فقتلت الخمسين، وعند طلوع الشمس وقعت بطاقة من حلب على جناح طائر ألا تزعجوا ~~الشيخ فقد وقع الحمام على الوزير. قال يوسف بن علي: فلما شاهدت ذلك ms068 دخلت على المعري ~~فقال: من أين أنت؟ فقلت: من أرض الهركار. فقال: زعموا أنني زنديق، ثم قال: اكتب. وأملي ~~علي أبياتا من قصيدة أولها: # أستغفر الله في أمني وأوجالي # من غفلتي وتوالي سوء أعمالي # 3 # هذه الحالة النفسية التي عمت أرجاء العالم الإسلامي في القرن الرابع خاصة خليقة أن ~~ينجم فيها عشرات ممن يستهوون الناس بالأسرار الباطنة؛ لأن عالم الباطن مستودع كل أمنية ~~وبغية كل طالب: طالب الدين وطالب الدنيا، طالب المعرفة وطالب السحر والعيافة، # 4 # أو طالب العلم الأبيض وطالب العلم الأسود، وخليق أن يقف النظر طويلا عند ~~قول داعي الدعاة أنه يطلب سرا من أبي العلاء ، وأنه قام في نفسه أن عند أبي العلاء «من ~~حقائق دين الله سرا قد أسبل عليه من التقية سترا». فإنه قد يكون في هذا القول مادحا ~~أو مازحا ولكنه أبان عن سمة العصر كله من «الباطنية» التي يفرضها على نفسه العارف ~~بأسرار الدين. # وأخلق من هذا أن يستوقف النظر أن هذا الكلام صادر من داعي الدعاة في الدولة الفاطمية، ~~وهو الرجل الذي ينتهي إليه كل سر، ويصل إليه التلميذ بعد درجات ليسمع منه - فيما زعم ~~الزاعمون - أن الدين لغو، وأن القيامة وهم، وأن المحرمات مستباحة للعارفين، فلو كانت ~~هذه رسالته التي ينتهي إليها كل متقدم في درجات الأسرار فما حاجته إلى محاسبة أبي ~~العلاء على الظنون التي تذاع عنه في أمر الحلال والحرام وأمر البعث والحساب؟ لقد كان ~~الرضى عن مذاهب الزندقة جميعا أولى به من التعرض لذويها ومحاسبتهم عليها، فإنهم ~~يتبرعون بما يجتهد له ويرتب المراتب ويحتال الحيل للوصول إليه بعد طول العناء. # إلا أن الخلاصة الثابتة في ذلك العصر أن «الباطنية» الواقعية حالة من الحالات التي لا ~~تستغرب من دعاته المخلصين وأدعيائه المغرضين، فهناك «باطنية» يفرضها الناس على أنفسهم ~~قبل أن يفرضها عليهم نظام مقرر أو مذهب منظم، وادعاء الأسرار في تلك البيئة أمر منتظر ~~مترقب لا غرابة فيه، وأقرب ما يكون هذا الادعاء إلى من يطلب المنفعة لنفسه أو ms069 يطلب ~~المكانة بما يعمله ويتعلمه منه غيره، وفاقا لشرطه وتدبيره. # وقد صار المجتمع الإسلامي إلى تلك الحالة في القرن الرابع وما تلاه بعد تمهيدات ~~متلاحقة بعضها من فعل السياسة وبعضها من فعل الثقافة والعادة المستحدثة. # فأما التمهيدات التي هي من فعل السياسة فهي ما اسلفناه من تزعزع الثقة بحق السلطان ~~القائم على اختلاف الحاكمين والحكومات، وأما التمهيدات التي هي من فعل الثقافة والعادة ~~المستحدثة فهي انتشار الفلسفة ونشأة البحوث العقلية في علوم الدين ومنها علم الكلام ~~والتوحيد، ومنها اقتباس الحضارات الغربية وانقسام الأمر فيها بين المحافظة والتجديد ~~والاسترسال مع العرف الطارئ في غير بحث ولا مبالاة. # وقد كان أنصار السلطان القائم محافظين؛ لأنهم يبغضون التغيير ويحافظون على كل ~~قديم. # وقد كان أنصار البحث والاستطلاع أقرب إلى التجديد والتغيير، وكانوا مظنة للتهم من ~~أنصار القديم، فكان من الطبيعي الذي لا غرابة فيه أن يصطنعوا التقية ويظهروا للناس غير ~~ما يبطنون، سواء كانوا من المتصوفة الذين يلتمسون النجاة عند «الواصلين» المتمكنين من ~~بواطن الأسرار، أو كانوا من الفلاسفة الذين يشفقون من رجمات الظنون ولا يأمنون العامة ~~ولا ذوي السلطان المتوجسين من كل جديد، أو كانوا من غير المتصوفة والفلاسفة أقواما ~~يعالجون من المعارف ما يشبه السحر والكهانة، وهي علوم التنجيم والتماس الأسرار عند ~~النجوم. # ولم يكن الفارق بين علم النجوم الصحيح وعمل النجوم الزائف قد حسم في ذلك العصر على ~~وجه يمنع اللبس والاختلاط بين المطلبين، فإن الفلاسفة الذين كانوا يتحدثون عن العقول ~~العشرة كانوا يربطون بين هذه العقول العشرة وبين الأفلاك، ويقولون بغلبة الأرواح ~~النورانية التي لا تقبل الفساد على كواكب السماء، وأن الصلة بينها وبين الإنسان تتوقف ~~على الرياضة والصفاء، وقد كان المتصوفة يؤمنون بالتجلي ولا يمنعون أن ينكشف الغطاء عن ~~البصر والبصيرة، فتلمح في العالم العلوي ما أودعه الله فيه من الدلائل ~~والإشارات. # وإذا كانت «الباطنية الواقعية» قد سولت لشاعر أن يطلب السلطان بدعوى النبوة أو ~~المهدية، وقد أوقعت في النفوس أن ناسكا ضريرا يسيطر على الوزراء والجنود بقوة ms070 الغيب ~~أو بقوة النجوم، فمن الخلط أن يقال: إن الباطنية كلها وليدة الدعوة الفاطمية، وإن هذه ~~الدعوة مسئولة عن كل ما كان يستباح في الخفاء، وكل ما تذرع به الطامعون في الحكم من ~~ذرائع الدنيا والدين. # الفصل الثاني عشر # | الباطنية الفاطمية # وكانت للفاطميين على هذا باطنية فاطمية أو إسماعيلية، إلى جانب هذه الباطنية ~~الواقعية. # لم يقم الدليل على انتماء الباطنية الفاطمية أو الإسماعيلية إلى داعية من المجوس أو ~~اليهود دبرها تدبيرا ولفقها تلفيقا لهدم الإسلام خاصة وهدم الديانات عامة، وتلقين ~~«الواصلين» دروس الكفر والتعطيل وإنكار البعث والحساب واستباحة المحرمات والمنكرات، ~~كراهة للعرب ودولتهم، وانتقاما منهم بالدسيسة وقد عجزوا عن الانتقام منهم بالقهر ~~والعدوان. # فالتهمة ضعيفة؛ لأنها جاءت من مغرضين غرضهم معروف، وهي ضعيفة بعد هذا؛ لأنها مضطربة ~~متناقضة لا تثبت على زعم واحد ولا تستقيم على وجهة واحدة، فأصل الدعوة تارة من المجوس ~~وتارة من اليهود، ومرة يرجع أصلها إلى ديصان الذي ظهر قبل الإسلام، ومرة أخرى يرجع إلى ~~ابن القداح الذي يتبين من شعره أنه مسلم وأنه شك في الإمام جعفر بعد أن لاذ به وتتلمذ ~~عليه؛ لأن أئمة الشيعة يقتلون وينهزمون. # وفي التهمة من الضعف فوق هذا وذاك أنها تجري جري المألوف من طبائع النفوس، فإن الرجل ~~الذي يكفر بالدين عامة لا تملكه الحماسة لهدم دين، ولا تبلغ منه هذه الحماسة أن يصبر ~~للجهاد الطويل ويستهين بالخطر على الروح والراحة وهو يحارب السلطان ويحارب إجماع الناس ~~من حوله على اختلاف النحل والأديان. # ومن المشكوك فيه بعد هذا جميعه أن ينهدم الدين إذا كفر به في كل عصر طائفة من ~~«الواصلين» معدودين على الأصابع يستبيحون المحرمات في الخفاء على انفراد أو بين زمرة من ~~الأصحاب والنظراء، فما خلا عصر قط من أمثال هؤلاء بغير دعوة من داع وبغير سعي أو سعاية ~~من ساع، ولم يزل الشك يتسرب إلى آحاد من الحائرين والمترددين يحفظون شكهم لأنفسهم أو ~~يطلعون عليه أمثالهم وذوي خاصتهم؛ ثم يذهبون والدين باق لم ينهدم بين العلية ms071 ولا بين ~~السواد. # وربما تشيع للفاطميين أناس خبطوا في العقائد خبط عشواء وجهروا بمذهب من مذاهب الفلسفة ~~أو التصوف ينكره الإسلام الصحيح، ولكن التشيع من هذا القبيل قديم لم ينقطع قط من عهد ~~الإمام عليه السلام إلى عهدنا الذي نحن فيه، ولم يكن هذا التشيع الممقوت حجة على الإمام ~~علي ولا على أحد من بنيه الأبرار الذين سمعوا به فأنكروه أو سكتوا عنه ولم ~~يرتضوه. # ففي حياة الإمام علي كان عبد الله بن سبأ وأصحابه يؤلهون عليا ويؤمنون بحياته بعد ~~مقتله، ويقولون برجعة النبي وينشرون مذهب الحلول وتناسخ الأرواح. وبعد مقتل الإمام نشط ~~أصحاب النحلة الكيسانية وأعادوا مثل هذا القول في حياة «محمد ابن الحنفية». وقيل عن ~~المختار الثقفي داعية القوم: أنه ادعى النبوة ونظم له قرآنا يعارض به القرآن الكريم ~~ويفرضه على صحبه في الصلوات. ومكان الإمام وابنه محمد في الإسلام أرفع من أن يتطاول ~~إليه من أجل هذا عدو يلج في عدوانه فضلا عن الولي والصديق. وقد بقى المرجئون ~~والقائلون بالرجعة والحلول يتمادون في ضلالتهم بعد أن برئ منهم الإمام علي وعاقبهم ~~بالحريق، وبعد أن كذبهم ابنه وأعرض عنهم وأقام في الحجاز وتركهم بالعراق يلجون في ~~الادعاء له والادعاء عليه. # ولم يخل عصر الإمام جعفر الصادق - أبي إسماعيل رأس الإسماعيلين - من داعية يفتري على ~~الأئمة العلويين، وهم أحياء، كما فعل أبو الخطاب الأسدي الذي كان يقول بتشخيص الجنة ~~والنار، وزعم في مبدأ أمره أن أولاد الحسن والحسين أنبياء الله، ثم زعم أنهم أرباب وأن ~~الإمام جعفرا إله يعبد فلعنه جعفر الصادق وبرئ منه ونفاه. قال أبو منصور البغدادي ~~صاحب كتاب الفرق بين الفرق «فادعى بعد ذلك في نفسه أنه الإله، قال أتباعه: إن جعفرا ~~الإله. غير أن أبا الخطاب أفضل منه وأفضل من علي وجوزوا شهادة الزور على ~~مخالفيهم». # وكان غيرهم كذلك يجوزون شهادة الزور على المخالفين، ومن شهادة الزور ما نحلوه لأصحاب ~~المذاهب من الشيعيين والسنيين. # وقد دعا القرامطة للفاطميين كما دعا عبد الله بن سبأ للإمام ms072 علي وكما دعا المختار ~~لابنه محمد ابن الحنفية، فأنكرهم الخليفة الفاطمي حين خرجوا على الدين وأغاروا على ~~الحجاز واعتدوا على الحجاج، وكتب الخليفة القائم وهو بالمغرب إلى داعية القرامطة يقول ~~له: «العجب من كتبك إلينا ممتنا علينا بما ارتكبته واجترمته باسمنا من حرم الله ~~وجيرانه بالأماكن التي لم تزل الجاهلية تحرم إراقة الدماء فيها وإهانة أهلها، ثم تعديت ~~ذلك وقلعت الحجر الذي هو يمين الله في الأرض يصافح بها عباده، وحملته إلى أرضك ورجوت أن ~~نشكرك، فلعنك الله ثم لعنك، والسلام على من سلم المسلمون من لسانه ويده!» # وعلى خلاف ما قيل عن إباحة المحرمات في المذهب الفاطمي ، ثبت من نصائح أئمة فيهم أنهم ~~كانوا يقصدون في الحلال المباح ويأمرون أتباعهم ومريديهم بالقصد فيه. وقد أوصى المعز ~~أتباعه من زعماء كتامة بالمغرب فقال عن الزوجات: «الزموا الواحدة التي تكون لكم، ولا ~~تشرهوا إلى التكثر منهن والرغبة فيهن فيتنغص عيشكم وتعود المضرة عليكم وتنهكوا أبدانكم ~~وتذهب قوتكم وتضعف نحائزكم، # 1 # فحسب الرجل الواحد الواحدة.» # وعلى خلاف دعوى الربوبية كان المعز هذا - وهو أعلمهم بالتنجيم - يقول كما روى عنه ~~القاضي النعمان في كتاب «المجالس والمسايرات»: «من نظر في النجامة ليعلم عدل السنين ~~والحساب ومواقيت الليل والنهار وليعتبر بذلك عظيم قدرة الله جل ذكره، وما في ذلك من ~~الدلائل على توحيده لا شريك له فقد أحسن وأصاب، ومن تعاطى بذلك علم غيب الله والقضاء ~~بما يكون فقد أساء وأخطأ.» # وكان العزيز كالمعز في هذا المعتقد كما قال أخوه تميم في إحدى قصائده: # ولما اختلفنا في النجوم وعلمها # وفي أنها بالنفع والضر قد تجري # فمن مؤمن منا بها ومكذب # ومن مكثر فيها الجدال وما يدري # ومن قائل تجري بسعد وأنحس # وتعلم ما يأتي من الخير والشر # فعلمتنا تأويل ذلك كله # بما فيه من سر وما فيه من جهر # عن الطاهر المنصور جدك ناقلا # وكان بها دون البرية ذا خبر # فأخبرتنا أن المنجم كاهن # بما قال والكهان من شيعة الكفر # وأن جميع الكافرين مصيرهم # إلى ms073 النار في يوم القيامة والحشر # فجمعتنا بعد اختلاف ومرية # 2 # وألفتنا بعد التنافر والزجر # وأوضحت فيها قول حق مبرهن # يجلي ظلام الشك عن كل ذي فكر # فعدنا إلى أن الكوكب زينة # وفيها رجوم للشياطين إذ تسرى # مسخرة مضطرة في بروجها # تسير بتدبير الإله على قدر # وأن جميع الغيب لله وحده # تبارك من رب ومن صمد وتر # وما علمت منه الأئمة إنما # رووه عن المختار جدهم الطهر # وقد خولط خليفة من خلفاء الفاطميين في عقله - وهو الحاكم بأمر الله - فلم يثبت من ~~تصرفه أنه تلقن من آبائه وأسلافه مذهب الإباحة وادعاء الربوبية، وأنه وريث قوم من ~~اليهود أو المجوس مندسين على الإسلام ليفسدوه وينقضوه، بل ظهر أنه يحرم المباح ويطارد ~~اليهود تارة ويغضي عنهم تارة أخرى على كراهية ونفور، وأنه كان يمنع تقبيل الأرض بين ~~يديه ولا يرضى أن تلثم يداه وركابه، وأمر ألا يزيد الناس في السلام حين يدخلون إليه على ~~قولهم: «السلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته.» # ويجوز أن يقال عن هذا الخليفة: إنه كان في تخليطه وتجديفه # 3 # فريسة المضللين من وزرائه ولا يجوز أن يقال: إنه تولى العرش وهو يعلم أنه ~~يهودي أو مجوسي يستدرج المسلمين إلى الكفر والإباحة، وأنه يهدم دولته ودولة الإسلام كله ~~وفاقا لما تآمر عليه آباؤه وأضمروه. # ولم يثبت مع هذا كل ما قيل عن أوامر الحاكم وزواجره وكل ما شاع عن نقائضه وبداوته، ~~فإن التشنيع بالمضحكات والمبالغات مألوف في القاهرة لذلك العهد وما تلاه. # وقد وضع كتاب عن «قره قوش» صوره للناس في صورة الطاغية الذي لا يبالي ما يأمر به من ~~المستحيلات والغرائب، وغفل الكثيرون عن موضع الفكاهة من تلفيقات الرواة، فحسبوها كلها ~~جدا لا مرية فيه، وتناقلوها وأضافوا إليها، ولم يزالوا يرددونها على هذا الفهم الخاطئ ~~إلى زمن قريب، وقد كان «قره قوش» على خلاف ما صورته الروايات عنه مثلا في الحزم ~~وأصالة الرأي وحسن التدبير. # وعند ابن خلدون أن الاختلاق ظاهر فيما ادعوه على الحاكم من الدعاوى الدينية، ms074 وأنه كان ~~مضطربا في الجور والعدل والإخافة والأمن والنسك والبدعة، وأما ما يروى عنه من الكفر ~~فغير صحيح ولا يقوله ذو عقل، ولو صدر من الحاكم بعض ذلك لقتل لوقته، وأما مذهبه في ~~الرافضة فمعروف، ولقد كان مضطربا فيه، ومع ذلك فكان يأذن لأهل السنة من المصريين في ~~صلاة التراويح ثم ينهي عنها. # على أن الأقاويل عن الحاكم - صحت أو لم تصح - إنما تروى عنه ويعلم رواتها أنهم ~~يتكلمون عن رجل مخالط في علقه لا يعول له على سر أو علانية. # ونحب هنا أن نوضح ما نستبعد نسبته إلى الدعوة الفاطمية في صميمها على حسب ما انتهينا ~~إليه من الشواهد النفسية والتاريخية. # فنحن لا نستبعد أن يكون من الدعاة الفاطميين أناس قد استخرجوا لأنفسهم من دراساتهم في ~~التصوف أو الفلسفة أو التنجيم مذهبا ينكره علماء الدين من السنيين والشيعيين. # ولا نستبعد أن يكون منهم أناس خدموا القضية الفاطمية كلها خدمة لأنفسهم، ولصقوا بها ~~كما يلصق طلاب المنافع والنهازون للفرص بكل دعوة كبيرة تتسع لخدمة المنافع الخاصة مع ~~خدمة المنافع العامة. # ولا نستبعد أن يعاب على الدولة الفاطمية ما يعاب على الدول في دور التأسيس أو في دور ~~الانحلال. # ليس شيء من ذلك بعيدا ولا موجبا لاستبعاده نظرا إلى أحكام العقل أو شواهد ~~التاريخ. # ولكن الذي نستبعده ونرى أنه مناقض للواقع وللمألوف من الدواعي النفسية أن يكون هناك ~~تواطؤ مبيت بين الناس من المعطلين على إنشاء دولة لهدم الدين الإسلامي والدولة ~~الإسلامية معه، وأن يشمل هذا التواطؤ أقواما في المغرب والمشرق ويدوم من قرن إلى قرن ~~قبل نجاح الدعوة وبعد نجاحها بزمن طويل. # هذا هو البعيد عقلا والبعيد في دعوى المدعين الذين لم يسندوه قط بدليل يقرب إلى ~~العقل ذلك الزعيم البعيد. # أما ما عدا ذلك من شؤون الدعوة الفاطمية، أو شؤون الدعوة العلوية في جملتها فقد سار ~~في التاريخ مطردا على النهج الذي ينبغي أن يسير عليه. # إن الإيمان بالإمامة واطلاع الإمام على الأسرار التي تخفى على غيره أمر لازم ms075 من لوازم ~~الدعوة العلوية في نشأتها التاريخية. # فإن المؤمن بحق علي وأبنائه في الإمامة يسأل نفسه: لم لا ينصره الله على أدعياء ~~الإمامة والخلافة؟ # إنه يؤمن بالله وقدرته وقدره، فلا جواب لذلك السؤال عنده إلا أنها حكمة يعلمها الله، ~~وأن الإمامة العلوية منذورة لزمان غير هذا الزمان، وأن الإمام الحق يعلم زمانه أو ينبغي ~~أن يعلمه بإلهام من الله. # وقد آمن شيعة علي بهذا وآمنوا معه بعرفانه لعلوم الجفر وتأويل الكتاب، وكلما تباعدت ~~المسافة بين إمامة الواقع وإمامة الحق تباعدت معها المسافة بين إمامة الظاهر وإمامة ~~الباطن. ثم جاء الزمان الذي أصبحت فيه إمامة الباطن مستورة حتما، فأصبح فيه علم الدين ~~والدنيا مرهونا بما يتعلمه الطالب من الإمام المستور ومن دعاته الذين يخلصون إليه ~~ويعلمون مكانه ويفسرون أقواله وإشاراته، ولا بد من هؤلاء الدعاة ولا مناص من هذا ~~التعليم. # وإذا كان السلطان صاحب الجند والصولة يعتمد في قيام دولته على الشريعة والقضاء وعلى ~~السيف والشرطة، فعلام يعتمد الإمام المستور الذي لا سلطان له من شرطة ولا جند ولا ~~قضاء؟ # إنه لن يعتمد على شيء غير الطاعة والثقة التي لا تتزعزع، فلا جرم يطيعه المطيع وهو ~~يؤمن بعصمته على الأقل في شئون إمامته، ويؤمن بهلاك روحه إن خرج على حكم الطاعة وخان ~~أمانة الدنيا والآخرة، ونقض العهود وحنث باليمين. # كل هذا بديه ولا حاجة به إلى رصف أوراق أو رص أسانيد؛ لأنه لن يكون إلا هكذا حيثما ~~كان، وقد كان. # ولا ننسى أن الأئمة أنفسهم يؤمنون بما يؤمن به أتباعهم ومريدوهم: يؤمنون بحقهم ~~ويؤمنون بيومهم الموعود ويؤمنون بالسر الذي يروضون أنفسهم بالعبادة والعلم على أن ~~يستلهموه من هداية الله. # ومن التوفيقات التي نسميها بتوفيقات «الموقف» أن الباطنية الواقعية والباطنية ~~الفاطمية أو الإمامية على الجملة تتلاقى هنا - بحكم الموقف الواحد - في كثير من ~~الأمور. # فالدراسات المستورة أو المكتومة تتلاقى في جانب واحد. وإن كانت متعددة المطالب ~~والموضوعات. # وقد كان المحافظون على الواقع الراهن ينكرون هذه الدراسات ويمنعونها على درجات من ~~المنع تتفاوت ms076 في العنف والصرامة. # فكان «الموقف الواحد يجمع بين أصحاب الدراسات المستورة أو الممنوعة التي لا يرتاح ~~إليها أنصار الواقع والمحافظة على القديم». # وليس من مجرد المصادفة أن فلاسفة المشرق كانوا من الشيعة بتفكيرهم كما كان منهم أناس ~~متشيعون بنشأتهم وميراثهم من بيوتهم. فكان الكندي والفارابي وابن سينا من الشيعة، وكان ~~إخوان الصفاء كذلك من الشيعة. ومن كان من الفلاسفة سنيا كالفخر الرازي فمذهبه الفلسفي ~~في صفات الله يوافق مذهب الإسماعيليين وأئمة الفاطميين؛ إذ كان يرى أن الإيمان بتعدد ~~الصفات واستقلال كل صفة منها عن الأخرى تعديد لا يوافق التوحيد. # والذي نستخلصه من المذهب الفاطمي أن فلاسفتهم أخذوا بمذهب الفيض الإلهي الذي تعلمه ~~المشرقيون باسم الحكيم أفلاطون، وهو ينتمي في حقيقته إلى الحكيم أفلوطين. # نستخلص هذا من قول ابن سينا أن أباه كان يذهب في الكلام عن العقل والنفس مذهب ~~الإسماعيلية. # ونستخلصه من رسائل إخوان الصفا وهم من القائلين بمذهب الفيض الذي كان يقول به ~~أفلوطين. # بل نستخلصه من خلط الخالطين في هذا المذهب؛ لأنه هو المذهب الذي يتعرض لهذا الخلط في ~~كل مكان، وقد تعرض له في الشرق كما تعرض له بين الأوربيين في القرون الوسطى، ولا يزال ~~يتعرض له في العصر الحديث. # وعلى نقيض ما قيل عن الإباحة في مذهب الإسماعيليين، يمتاز مذهب الفيض الإلهي ~~بالمبالغة في التطهر والإعراض عن الشهوات والترفع عن غواية الدنيا التي يتهالك عليها ~~الجهلاء، والجاهل عندهم هو من يتعلق بشيء من الأشياء غير معرفة الحقيقة الإلهية والبحث ~~عنها في كل ظاهرة من ظواهر هذا الوجود. # وقد نبه إخوان الصفاء في غير موضع من رسائلهم إلى وجوب التطهر على الحكيم الخالص ~~للحكمة في حياته الخاصة والعامة، وقالوا غير مرة: إن الاستسلام لشهوات البدن يقطع ~~الإنسان عن آخرته ومعاده، ومن ذلك قولهم في رسالة الجسمانيات والطبيعيات: «اعلم أن ~~الاستغراق في الشهوات في هذه الدنيا ينسي الإنسان أمر الآخرة ويشككه وييئسه منها، كما ~~قال قائلهم في هذا المعنى: # هي الدنيا وقد وعدوا بأخرى # وتسويف الظنون من السوام ms077 # وقيل أيضا في هذا المعنى شعرا: # خذوا بنصيب من نعيم ولذة # وكل وإن طال المدى يتصرم # وقال آخر وقد كان ساهيا عن أمر الآخرة: # ما جاءنا أحد يخبر أنه # في جنة مذ مات أو في نار # وأشعارهم كثيرة في مثل هذه الظنون والشكوك والحيرة التي وقعوا فيها عقوبة لهم عندما ~~تركوا وصية ربهم ونصيحة أنبيائهم واتباع علمائهم والحكماء فيما يدعونهم إليه ويرغبون ~~فيه من نعيم الآخرة، ويأمرونهم به من الزهد في الدنيا وينهونهم عنه من الغرور بشهواتهم ~~وعاجل حلاوتها.» # ومنذ القدم عرف عن هذا المذهب الفلسفي أنه مذهب نسك وعفة وعزوف عن الماديات وترفع ~~إلى عالم الروح، وكان أفلوطين صاحبه قدوة لأبناء عصره في العفة والزهد والانقطاع عن ~~شواغل الثروة والجاه، وكان من تلاميذه من يبيع قصوره ونفائسه ليلازمه في معهده ويعيش ~~على مثاله. # ولا غنى عن خلاصة لهذا المذهب ننقلها هنا كما أوردناها في رسالتنا عن الشيخ الرئيس ~~ابن سينا وهي كما يلي: # إنه يتجاوز - أرسطو - أشواطا بعيدة في التنزيه والتجريد، فيرى أن الله - أو ~~الأحد - من وراء الوجود ومن وراء الصفات، لا يعرف ولا يوصف، ولا يوجد في مكان ~~ولا يخلو منه مكان، وكماله هو الكمال الذي نفهمه بعض الفهم بنفي النقص عنه، ~~وهيهات أن نفهمه بإثبات صفة من الصفات؛ لأننا نستطيع أن نقول: إنه لا يكون هكذا ~~ولا نستطيع أن نقول: إنه هكذا يكون. # وقد يتصل به الإنسان في حالة الكشف والتجلي حين تتجاوز الروح جسدها كما يقول، ~~ولكنها حالة لا تقبل التأمل والتفكير، فإذا انقضت فقد يثوب الإنسان بعدها إلى ~~عقله فيتأمل ويفكر وينحدر بذلك من مقام الأحد إلى مقام العقل الذي هو دونه، لأن ~~الأحد فوق العقل وفوق المعقول. ويقول أفلوطين كما يقول أرسطو: إن الله أو ~~«الأحد» لا يشغل بغير ذاته؛ لأنه مستغن بذاته كل الاستغناء. أما العالم فقد نشأ ~~من صدور العقل عن الأحد وصدور النفس عن العقل من هذا التأمل، وإن العقل يعقل ~~الأحد فهو أحد مثله، وإن كان دونه في مرتبة ms078 الوجدانية، ثم يعقل ذاته فينشأ من ~~عقله لذاته عقل دونه وهو النفس أو هو القوة الخالقة التي أبدعت هذه ~~المحسوسات. # ومن البديه أن صدور الجسم من الجسم ينقصه ويخرج شيئا منه ينتقل من المعطي ~~إلى الآخذ فينقص بانتقاله، أما صدور الفكرة من العقل فلا تنقصه ولا تجرده من ~~شيء فيه، ومن هذا المثال نفهم صدور العقل عن الأحد الذي لا يعتريه نقص بحال من ~~الأحوال. # والنفس - وهي المرتبة الثالثة في الوجود عند أفلوطين - تتجه إلى العقل فتنجسم ~~معه في مقام التجريد والتنزيه، وتتجه إلى الهيولي فتبتعد عن التجريد والتنزيه، ~~ولهذا تخلق الأجسام وتضفى عليها الصور على سبيل التذكر لما كانت تتأمله وهي في ~~عالم القدرة الكاملة أو عالم الصور المجردة، فهذه المحسوسات هي كالظلال ~~للمعقولات قبل أن تبرزها النفس في عالم المحسوسات، أو هي كأطياف الحالم وهو ~~يستعيد بالرؤيا ما كان يبصره بالعيان. # فالمحسوسات كلها أوهام وأحلام، وكلها غشاء باطل يزداد بعدا من الحقيقة كلما ~~ابتعد من العقل وانحدر في اتصاله بالهيولي طبقة دون طبقة، فإن العقل دون الأحد، ~~والنفس دون العقل، والمحسوسات دون النفس، وهكذا تهبط الموجودات طبقة بعد طبقة ~~حتى تنحدر إلى الهيولي التي لا نفس معها، وهي معدن الشر في العالم؛ لأنها سلب ~~محض يحتاج أبدا إلى الخلق، وهو الإيجاد أو الإيجاب. # وقد صدرت النفس الفردية من النفس الكلية، ولها كالنفس الكلية التي صدرت منها ~~اتجاهات. فهي باتجاهها إلى النفس الكلية إلهية صافية، وباتجاهها إلى المحسوسات ~~والأجساد حيوانية شهوية. وليست النفس عند أفلوطين ملازمة للجسد كما يقول أرسطو، ~~بل هي جوهر منفصل عنه سابق له كالمثل الأفلاطونية، فلا تقبل الفناء ولا يحصرها ~~الزمان والمكان. وهي تصدر من النفس الكلية اضطرارا كما صدرت النفس الكلية من ~~العقل الأول، مستجيبة لطبيعة الإصدار في ذلك العقل، وللشوق الهيولاني الذي ~~يترفع بالهيولي إلى منزلة المحسوسات فالمعقولات. # والشر في العالم هو الهيولي؛ لأنها سالبة تنزل بالمعقولات والروحيات التي لا ~~تلابسها، ولا محيد عن الشر مع وجود الهيولي وقدمها وضرورة الملابسة بينها وبين ms079 ~~العقل والنفس في دور من أدوارها. وعلى النفس أن تجاهدها وتنتصر عليها وعلى ~~شهواتها، فإن أفلحت عادت إلى النفس الكلية خالصة مخلصة، وإن لم تفلح عادت إلى ~~الجسد مرة أخرى ولقيت في كل مرة جزاءها على الذنوب التي اقترفتها في حياتها ~~الجسدية الماضية. # ولا حرية للإنسان كما رأيت؛ لأن وجوده ضرورة يستلزمها الصدور وملابسة ~~الهيولي، ولكنه يقاوم تلك الضرورة بجهاد الشهوات، فيترقى من مرتبة الحس إلى ~~مرتبة التأمل إلى مرتبة الكشف، وينتقل من شتات الحس إلى استجماع العقل إلى وحدة ~~الأحد ورضوان الكمال، فتجزيه ضرورة الارتقاء عن ضرورة الانحدار، ولا محل بينها ~~لشيء من الاختيار، وإن قال به أفلوطين في بعض الأحيان. # هذه خلاصة وجيزة جدا لأصول مذهب الفيض كما شرحه تلاميذ أفلوطين، نعتمد فيها على ~~المراجع الأوروبية الحديثة التي نقلت مباشرة من اليونانية. وقد نقل هذا المذهب مجملا ~~في بعض الأوقات ومفصلا في أوقات أخرى إلى اللغة العربية، ووقع في نقله خطأ إسناد وخطأ ~~تفسير. فنسب الناقلون فصولا منه إلى أفلاطون ونسبوا مبادئ منه إلى أرسطو، ولكن ~~المتصوفة الإسلاميين وفلاسفة الإسلام في المشرق قبلوا منه ما يوافق الدين الإسلامي، وهو ~~تنزيه الأحد وعقيدة التجلي على الخلصاء من العباد والمتأملين، ورفضوا منه على التخصيص ~~قوله بتناسخ الأرواح وعقوبة الأنفس في هذه الدنيا بردها إلى الأجساد التي تشقى فيها، أو ~~مكافأتها بردها إلى الأجساد التى تترقى فيها إلى مرتبة فوق مرتبتها. # ووجد الفلاسفة والمتصوفة معا ما يوافقهم في أقوال أفلوطين، فقال بالكشف وقدرة النفس ~~على الخوارق طائفة من المفكرين لا يحسبون بين أهل الطريق ولا يدعون لأنفسهم صفة الإمامة ~~الدينية، وإنما قالوا بالكشف والقدرة على الخوارق أخذا بالأقيسة الفكرية، واستدل ابن ~~سينا على إمكان الكشف بأن النفس الصالحة تتلقى في الرؤيا الأنباء بالمغيبات عنها وعن ~~غيرها، فلا مانع من تلقيها العلم يقظة متى تهيأت له بالرياضة وصفاء السريرة، وإن نفس ~~الإنسان تتصرف في مادة الجسد فلا مانع أن تتصرف في مادة الكون بقدرة تستمدها من علة ~~العلل التي تتصرف في جميع ms080 الأشياء. # وطائفة من أصحاب المآرب وجدوا في تناسخ الأرواح ما يعينهم على دعواهم، ومنهم من كان ~~يدعي انه ابن الإمام علي بالتسلسل الروحاني مع اعترافه بأنه من غير نسله في السلالة ~~الجسدية، زاعما أن النبوة تحصل بالانتماء إلى الروح كما تحصل بالانتماء إلى الجسد، ولم ~~يكن في هؤلاء أحد من الفاطميين ولا كانت بهم حاجة إلى هذه الدعوى؛ لأنهم يصححون نسبهم ~~جميعا إلى الإمام علي بغير وسيلة هذا التناسخ المزعوم. # ولا شك أن العلامة الشهرستاني كان يلخص طرفا من مذهب أفلوطين كما وصل إلى المشرق حين ~~قال في تلخيصه لكلام الباطنية عن الصفات: «إن الله لما وهب العلم للعالمين قيل: هو ~~عالم، ولما وهب القدرة للقادرين قيل: هو قادر، فهو عالم قادر بمعنى أنه وهب العلم ~~والقدرة لا بمعنى أنه قام به العلم والقدرة أو وصف بالعلم والقدرة. وأنه أبدع بالأمر ~~العقل الأول الذي هو تام بالفعل، ثم بتوسطه أبدع النفس الذي هو غير تام. ولما اشتاقت ~~النفس إلى كمال العقل احتاجت إلى حركة من النفس إلى الكمال واحتاجت الحركة إلى آلة ~~الحركة إلخ إلخ.» # فهذا المذهب في الصفات الإلهية يوافق مذهب أفلوطين في جملته، وفحواه بلا إغراب ولا ~~إبهام. إننا حين نصف الله بالعلم لا ندرك من كنه العلم إلا ما يعطينا إياه، وإننا حين ~~نصف الله بالقدرة لا ندرك من كنه القدرة إلا ما نقدر عليه بأمر الله، وهكذا في سائر ~~الصفات مما لا يجوز أن يفهم منه أنه إنكار لعلم الله وقدرته؛ إذ كان أصحاب الفيض الإلهي ~~ينكرون نقائض الكمال ويرتفعون بالكمال الإلهي مرتفعا تعجز عن إدراكه العقول. # لكن هذا المذهب كما أسلفنا عرضة للخلط في فهمه ممن يهرفون بما لا يعرفون، فإن هؤلاء ~~يخلطون بينه وبين مذهب الحلول وهو يناقض مذهب الحلول أشد المناقضة وينكره غاية الإنكار، ~~فإن الخلاص من أوهاق # 4 # المادة الجسدية عند أفلوطين هو غاية التنزيه والتطهير، ولا يتفق هذا مع ~~القول بحلول الله سبحانه وتعالى في الأجسام. # كذلك يخلطون بينه وبين وحدة ms081 الوجود وهما مذهبان متناقضان. فإن القائلين بوحدة الوجود ~~يسبغون الصفة الإلهية على الموجودات جميعا، وهو قول ينفيه أفلوطين جد النفي؛ تنزيها ~~لله «الأحد» عن جميع المحسوسات والمتعددات. # ويسمع السامع أن حكمة الخلق تتجلى في أناس بعد أناس فيخيل إليه أن اللاحق أفضل من ~~السابق أو أن قيام مشيئة الله في كل عصر رسالة كرسالة الأنبياء. # هذا الخلط في فهم المذهب قد جنى على الحقيقة في غير طائل، وجر إلى الخبط في الظنون ~~لغير علة لولا الحماقة وخفة العقل وحب الحذلقة والادعاء. # وقد كان ابن هانئ الأندلسي من هؤلاء الذين يتعاطون الفلسفة ويهرفون # 5 # فيها بما لا يعرفون، ولم تكن حذلقته مقصورة على مذهب الإسماعيلية بل هي ~~طبيعة نشأت معه في موطنه، ولغط بالفلسفة وهو يتصل بصاحب إشبيلية فأقصاه خوفا من اتهامه ~~بمشاركته في أضاليله وخزعبلاته، ولما مدح المعز الفاطمي بقصيدته الرائية التي قال في ~~مطلعها: # ما شئت لا ما شاءت الأقدار # فاحكم فأنت الواحد القهار # لم يكن يريد أن يقول: إن المعز أقدر من الله وإلا لما قال بعد ذلك: # وكأنما أنت النبي محمد # وكأنما أنصارك الأنصار # وإنما أراد أن يتحذلق بما سمع عن صفات القدرة والعلم، وأن الله يوصف بالقدرة؛ لأنه ~~يعطيها، وأن مشيئته سبحانه وتعالى تقوم بمن يندبه لإمضاء تلك المشيئة، فخلط وخبط، ~~واتهمه الناس ولهم العذر فيما اتهموه به، ولم تكن به ولا بممدوحه حاجة إليه. # إلا أننا إذا صرفنا النظر عن هذا وأشباهه من ضروب الحذلقة والمبالغة في الشعر خاصة لم ~~نجد في كلام القوم ما لم يألفه المتصوفة وأبناء الطريق من عبارات المجاز والكناية، وليس ~~فيما روي عن ثقات الفاطميين شيء لم يسمع مثله من إمام كبير كمحيي الدين بن عربي في كتب ~~التأويل أو كتب الترسل الصريح، وقد كتب محيي الدين إلى فخر الدين الرازي رسالة يقول ~~فيها: «للربوبية سر لو ظهر لبطلت النبوة، وللنبوة سر لو كشف لبطل العلم، وللعلماء بالله ~~سر لو ظهر لبطلت الأحكام، فقوام الإيمان واستقامة الشرع يكتم السرية. إلى ms082 آخر ما قال عن ~~التوحيد والاتحاد والوحدانية والأحدية. وفوق كل ذي علم عليم.» # وهذا كلام لولا ولع المتصوفة بالإغراب لقال قائله: إن النبوة لازمة؛ لأن الناس لا ~~يكشفون سر الغيب بغيرها، وإن العلم لازم؛ لأن النبوة لا تصل إلى الناس أجمعين، وإن ~~الأحكام لازمة؛ لأن العالم يزجره العلم والجاهل تزجره الأحكام. ولكن الإغراب في أساليب ~~المتصوفة والحذلقة في أساليب من يسمعون ولا يفقهون أو من يفقهون القليل ويحبون أن ~~يظهروا الفقه الكثير - كل أولئك يقود إلى الظنون حيث لا موجب للظنون. # وجملة القول: إن الباطنية الفاطمية لو لم تقترن بالدعوة إلى قيام دولة تحارب الدول ~~القائمة لما استغربها الناس ذلك الاستغراب، ولا اضطربت حولها التهم والأقاويل ذلك ~~المضطرب، فقد كان كل مذهب في ذلك العصر «باطنيا» على نحو من الأنحاء، وأوشك أن يتساوى ~~في هذا أهل السنة وأصحاب التصوف وطلاب الفلسفة وإخوان الصفاء ممن يتذاكرون العلم بينهم، ~~ويظهرون منه حينا بعد حين ما طاب لهم أن يظهروه. # فالإمام الغزالي - وهو من أقطاب أهل السنة ومبغضي الفلسفة - كان يؤلف للعامة غير ما ~~يؤلفه للخاصة. وكان من كتبه ما يضن به على غير أهله، والإمام ابن عربي المتصوف كان يدين ~~بالسرية ويرى أنها تمام العلم والمعرفة، وأبو العلاء المعري الشاعر الحكيم كان في رأي ~~داعي الدعاة يخفي ما يعلم عن أناس يلعن بعضهم بعضا بالكفر والمروق من الدين، وشعارهم ~~جميعا: # خل جنبيك لرام # وامض عنه بسلام # مت بداء الصمت خير # لك من داء الكلام # إلا أن يكون مندوبا لعمل لا حيلة له فيه، أو متجردا لرسالة يهون فيها عنده أن يقول ~~وأن يقال فيه. # ومن المحقق أن الباطنية الفاطمية إليها أضيف الكثير بعد دخول الحسن بن الصباح الذي ~~سيأتي ذكره في زمرتها، ومن هذا الكثير أنظمة لم تعهدها من قبل، وعقائد لم تكن لازمة لها ~~ولا معقولة منها، وأهم هذه الأنظمة نظام الفدائيين الذين كانوا عدة الرؤساء في حوادث ~~الغيلة والهجوم على المخاطر، فهؤلاء لم يظهر لهم عمل في خدمة الباطنية إلا ms083 بعد نشوء ~~الدولة الفاطمية بأكثر من مائة سنة، ولو كان للخلفاء الفاطميين جند من هذا النظام لما ~~استبد بهم الوزراء أحيانا من غير مذهبهم، ولا من المجاملين لطوائف الإسماعيلية المخلصة ~~لأولئك الخلفاء. ~~••• # فقد استبد الأمير بدر الجمالي بالأمر دون الخليفة - وهو أمير الجيوش الذي ينسب إليه ~~حي مرجوش والجمالية - وجاء ابنه الأفضل من بعده وسار مع الخليفة الآمر على خطة أبيه، ~~وكان بدر وابنه الأفضل على مذهب من مذاهب الشيعة غير مذهب الإسماعيلية، فصادروا ~~الإسماعيليين ونفوا أناسا من قادتهم وغلاتهم من الديار المصرية، وضاق الخليفة الآمر ~~بوزيره ذرعا فتحدث إلى ابن عمه في قتله عند دخوله إليه بقصر الخلافة، ووافقه ابن عمه ~~على وجوب الخلاص من الوزير المستبد، ولكنه أشفق على سمعة القصر من جرائر اغتيال الوزراء ~~والكبراء في رحابه، وأشار عليه بتحريض رجل من صنائع الوزير نفسه على قتله، وإغرائه ~~بمنصب سيده مكافأة له على طاعته، واتفقا على اختيار المأمون ابن البطائحي لهذه المهمة، ~~فقبل هذا ما أمروه به طمعا في الوزارة، ولم يجد البطائحي من يعينه على مهمته غير أعداء ~~الوزير الذين نفاهم من مصر ثم تسللوا إليها خفية. وشجعهم على الانتقام منه إغراء ~~البطائحي لهم ووعدهم بالعفو عنهم وإسناد الوظائف إليهم متى آلت إليه وزارة الدولة، ولو ~~كان نظام الفدائيين معروفا يومئذ في الدولة الفاطمية لما استطاع الوزير الأرمني ~~المخالف لمذهب الإسماعيلية أن يستبد بالإمام المطاع، ولا احتاج الإمام المطاع إلى ~~التفكير في اغتيال الوزير بين يديه بقصر الخلافة، ولا إلى تدبير تلك المؤامرة التي ~~اعتمد فيها على الوعد والإغراء والاستعانة بذوي المطامع والترات. # 6 # ولا شك أن الحسن بن الصباح لم يعمد إلى نظام الفدائيين إلا بعد استيلائه - كما سيلي - ~~على قلعة «آلموت» واضطراره إلى حماية نفسه من دول حوله تجرد الجيوش لقتاله، وهو في ~~قلعته بغير جيش يقاوم تلك الجيوش الزاحفة عليه بمثل عدتها وعددها في ميادين ~~القتال. # وقد تغيرت الدعوة كلها حين تغير موضوعها وتغيرت وسائلها، وأمعنت في التخفي أو في ~~«الباطنية» الواقعية، حين ms084 أمعنت في الهجوم على خصومها وأمعن خصومها في الهجوم ~~عليها. ~~••• # أما قبل دخول ابن الصباح في زمرة الباطنية فقد كان استخفاء الدعاة وأتباع الدعاة ~~ضرورة لا محيد عنها لانتشار أصحاب الدعوة في بلاد واسعة تدين بالطاعة لحكومات متوجسة، ~~تسرع إلى التنكيل بكل ما يخالفها ويناصر أعداءها. ولم يكن هذا الاستخفاء لترويج الدسيسة ~~التي تمالأ عليها «مجوس أو يهود» بيتوا النية على هدم الدين وتضليل المسلمين، بل كان ~~لزاما لأصحاب تلك الحكومات ولا شك أن يشركوا رعاياهم معهم في الخوف من الإسماعيلية، ~~فلو أنهم قالوا لأولئك الرعايا: إن الإسماعيليين طلاب ملك ينتزعونه من ملوك ذلك الزمن، ~~لما تحركت لأولئك الرعايا ساكنة في حربهم والدلالة على مكانهم؛ إذ كان أكثر الرعايا ~~يعلمون أن الحكم في أيدي أناس لا يستحقونه بعلمهم وعملهم وإن استحقوه بنسبتهم، وأن ~~أصحاب السلطان الفعال من أجناد الديلم والترك دخلاء على العباسيين كما كانوا دخلاء على ~~الفاطميين، فإن لم يكن خطر الإسماعيلية خطرا على الدين وعلى المسلمين جميعا فهو خطر ~~لا يهم الناس في كثير ولا قليل، ما دام مقصورا على أصحاب العروش والدسوت. # 7 # ولهذا راجت خرافة النسب إلى المجوس واليهود، وهي خرافة تنكرها الحقائق النفسية ولا ~~تؤيدها الشواهد التاريخية، وكل ما ثبتت نسبته إلى أصحاب الباطنية الفاطمية فهو من ~~المسائل التي يختلف عليها طوائف المسلمين من سنين وشيعيين، بل يختلف عليها الشيعيون ~~الإماميون أنفسهم بين القائلين بإمامة موسى والقائلين بإمامة إسماعيل من أبناء جعفر ~~الصادق، وليس وراء ذلك كله دسيسة لهدم الإسلام كله وتضليل المسلمين أجمعين. ~~••• # ومحصل القول في المذهب الإسماعيلي من الوجهة الفلسفية أنه هو مذهب الفيض الإلهي كما ~~اعتقده المتصوفة المسلمون من أصحاب الدعوات السياسية وغير أصحاب الدعوات السياسية، يضاف ~~إليه القول بعصمة الإمام وأنه وحده القادر على التأويل الصحيح والإحاطة ببواطن التنزيل، ~~وينبغي أن نذكر هنا أن القول بالعصمة الواجبة لكل إمام كان مذهبا من مذاهب الفلسفة في ~~حكومة المدينة الفاضلة، فإن الفيلسوف الفارابي الذي كان يلقب بالمعلم الثاني قد طلب ~~لإمام المدينة الفاضلة ms085 كمال العقل والعلم والخيال والذوق والخلق والخلقة، ولعله لهذا ~~كان قريبا من الشيعة محبا للمتشيعين. # وقد كان القول بعصمة الأئمة لا يوجب على المؤمنين به سب كل خليفة غير الإمام علي ~~وأبنائه الأكرمين، ولكن سب الخلفاء جرى على ألسنة طائفة من غلاة الفاطميين وغير ~~الفاطميين، فاستنكره عقلاؤهم وحكماؤهم، واستنكره أدبا من لا ينكره اعتقادا ولا يرى ~~الخلافة لأحد غير الإمام علي وبنيه، ولا عذر من المسبة الباطلة على كل حال، ولكن الخلاف ~~القبيح الذي أطلق الألسنة بلعن علي على المنابر ستين أو سبعين سنة، هو الخلاف القبيح ~~الذي أطلق الألسنة بعد ذلك بالجرأة على أقدار الأئمة الآخرين رضوان الله عليهم ~~أجمعين. # الفصل الثالث عشر # | حسن بن الصباح # أشرنا في الفصل السابق إلى التغير الذي طرأ على نظام الدعوة الإسماعيلية بعد دخول ~~الحسن بن الصباح في زمرتها، وسنرى من جملة الأخبار والأعمال التي رويت عن ابن الصباح أن ~~الرجل من أصحاب تلك الشخصيات التي لا تتصدى لدعوة من الدعوات إلا أضافت إليها شيئا من ~~عندها وطبعتها بطابعها، وأنه لم يكن من أولئك الذين يتعلقون بدولاب كبير يديرهم إلى ~~وجهته، بل كان من الذين يديرون الدولاب إلى وجهتهم حين يتعلقون به، ولا يدفعهم إلى ~~التعلق به إلا أنهم لا يستطيعون أن يخلقوا لأنفسهم دولابا مستقلا يتعلق به ~~الآخرون. # واتفقت الأخبار الصادقة والكاذبة التي رويت عن الرجل على صفة واحدة فيه يثبتها الخبر ~~الصحيح والخبر الكاذب على السواء، وهي الجنون بالسيطرة والغلبة، ونتعمد أن نسميها ~~الجنون بالسيطرة ولا نسميها حبا للسيطرة ولا رغبة فيها؛ لأنه كان مغلوبا لدفعه نفسه ~~أو كان أول من غلبته تلك النزعة فمضى معها مسوقا لها غير قادر على الوقوف بها ولا ~~الراحة معها. # والسيطرة محبوبة لكل إنسان، ولكن الفرق عظيم بين من يهيم بالسيطرة؛ لأنه لا يطيق ~~العيش بغيرها، وبين من يطلبها؛ لأنه يفضلها على عيشة بغير سيطرة أو يفضلها على عيشة ~~الطاعة والإذعان للمسيطرين. # ذلك مضطر إلى طلب السيطرة، وهذا مختار في المفاضلة بين الحصول عليها والاستغناء ms086 عنها، ~~وقد يفضل الاستغناء عنها إذا جشمه الطلب فوق ما يطيق. # وكان الرجل داهيا ولكنه لم يكن من الدهاء بحيث يستر مطامعه ولا يثير المخاوف فيمن ~~حوله. # أو لعله كان داهيا عظيم الدهاء، ولكن هيامه بالسيطرة واندفاعه إليها كانا أعظم من ~~دهائه. فانكشفت غايته على كره منه وحيل بينه وبين بلوغ تلك الغاية من كل طريق ينافسه ~~فيه المنافسون. # ومما لا ريب فيه أن الرجل لم يكن من الغفلة بحيث يصدق كل خرافة من الخرافات التي كان ~~يذيعها ويتولى نشرها والدعوة إليها، ولكن التواريخ والشواهد لم تحفظ لنا خبرا واحدا ~~يدل على أنه كان من السمو الفكري بحيث يسلم من جميع الخرافات ويتبطن ما وراءها من ~~الحقائق، ولا سيما إذا كان التصديق هو طريقه إلى السلطان والغلبة وقهر الخصوم والانتصار ~~على النظراء. فمن مألوف النفوس - أو من مألوف هذه النفوس خاصة - أن تعتقد ما يواتيها ~~على هواها ويعزز إيمانها بمطمعها، كما يفعل المحب الذي يؤذيه الشك ويؤذيه العلم بعيوب ~~محبوبه فيروض طبعه على اليقين وتجميل العيوب؛ لأنها أريح له وأعون له على هواه من عذاب ~~الشكوك وانكشاف العيوب. # وهذه الطبيعة المعهودة في أمثاله دون غيرها هي التي تفسر لنا أعمالا شتى يبدو فيها ~~خادعا مخدوعا في وقت واحد، فهو حصيف لا شك في حصافته، ولكن كيف يقع الحصيف في مثل ذلك ~~السخف الذي لج به حتى يسول له البطش بأقرب الناس إليه ومنهم ولده أو ولداه؟ # يقع الحصيف في مثل ذلك السخف، وفيما هو أسخف منه، إذا كان مغلوبا على أمره مضطرا ~~إلى تسويغ دفعته بعقيدة تجملها في نظره وتلبسها ثوب الواجب الذي لا محيد عنه ولا هوادة ~~فيه. ~~••• # أما أن حسن بن الصباح كان مغلوبا على أمره في طلب السلطان فحياته كلها سلسلة من ~~الشواهد على طبيعة لا تطيق العيش بغير سلطان أو بغير السعي إلى السلطان، فإنه ما اتصل ~~بأحد قط إلا خافه على مكانته وتوجس منه على الرغم من دهائه وفطنته، ولو لم يكن طمعه ~~أقوى من ms087 دهائه وفطنته لما تكشف منه دفعه الطمع في كل علاقة وفي كل مكان. # سمع في شبابه عن الشيخ موفق النيسابوري أن تلاميذه جميعا يرتفعون ببركة تعليمه في ~~مراتب الدولة، وكان ابن الصباح شيعيا ومدرسة الشيخ الموفق معهد السنة في نيسابور، فلم ~~يمنعه ذلك أن يختارها للتعليم فيها على أمل في الجاه والسلطان. # ومن الذين ذكروه من محبيه رشيد الدين بن فضل الله صاحب «جامع التواريخ». وفي روايته ~~عن صباه يقول: إن سبب العداء بينه وبين الوزير نظام الملك أنه كان يتتلمذ معه في مدرسة ~~نيسابور فتعاهدا على المعونة إذا وصل أحدهما إلى منصب من مناصب الرئاسة، وأن ابن الصباح ~~قد استنجز الوزير وعده فخيره بين ولاية الري وولاية أصفهان، وكان ابن الصباح عالي ~~الهمة فلم يقنع بإحدى هاتين الولايتين، فاستبقاه نظام الملك في الديوان عسى أن يترقى ~~فيه إلى مكانة أكبر من مكانة الولاة. # والرواية على هذه الصورة عرضة للنقد والمناقشة، ولكنها على كل حال يصح منها شيء واحد: ~~وهو علم المؤرخين للرجل - من محبيه فضلا عن مبغضيه - أنه كان بعيد المطامع منذ ~~صباه. # وحدث، وهو في الديوان أنه تصدى لعمل من أعمال نظام الملك فوعد الملك بإنجازه قبل أن ~~ينجزه الوزير، فاحتال هذا على إحباط سعيه وأوصد عليه الباب الذي أراد أن يندفع منه إلى ~~منصبه فوق كتفيه. # وقيل في تعليل سفره إلى مصر للقاء الخليفة الفاطمي: إنه استوعب كل ما تعلمه من الدعاة ~~فاستصغره إلى جانب علمه بأسرار الدعوة، فأراد المزيد من العلم بالشخوص إلى دار الحكمة ~~في القاهرة، لعله يستوفي هناك علوم الإسماعيليين التي غابت عن دعاة العراق. # ومن الواضح أن الشخوص إلى عاصمة الخلافة الفاطمية هو المسعى الذي لا تنصرف عنه همة ~~طامع في مناصب الدولة، فليس له مطمع في بغداد وليس له بين السلجوقيين مقام محمود، ولم ~~يبق له إلا أمل واحد لا منصرف عنه، وهو بلوغ المنصب المرموق في عاصمة الخلافة ومرجع ~~الدعوة والدعاة. # ولكنه لسوء حظه بلغ القاهرة وقد تحكم فيها رجل قوي ms088 الشكيمة # 1 # كبير المطامع يتولى القيادة والوزارة ولا يقنع بهما دون الإمارة والملك لو ~~تمهد إليهما السبيل، ومن ثم زوج بنته للأمير المستعلي، ابن الخليفة، وأكره الخليفة أو ~~زين له أن يختار المستعلي لولاية عهده، أملا في الملك إن استطاعه لنفسه أو في توطيد ~~الملك لذريته من بعده. # ذلك هو أمير الجيوش بدر الجمالي الذي سبقت الإشارة إليه، وذلك هو الند الذي تحفز ابن ~~الصباح لمصاولته ومداورته بعد وصوله إلى القاهرة، فاختار نزارا لولاية العهد واحتال ~~جهده أن يحول بين المستعلي وعرش الخلافة، واستمد من أساس المذهب الإسماعيلي كل حجة يدعم ~~بها ترشيح نزار للخلافة بعد أبيه، فزعم أنه مثل بين يدي الخليفة المستنصر، فوكل إليه ~~الخليفة أن يدعو إليه وإلى ولي عهده بين الأمم الإسلامية. قال: فسألته ومن ولي العهد؟ ~~فأشار إلى نزار. # تلك قصة تشبه قصة الولاية التي صارت إلى إسماعيل بن جعفر الصادق، وثبتت له بعد عدول ~~أبيه عن ولايته وإسنادها لأخيه موسى، فإن الإسماعيليين يرفضون تبديل ولاية العهد؛ لأن ~~الولاية بأمر الله، والله يتنزه عن البداء. # فلما أراد الحسن بن الصباح أن يثبت الولاية لنزار أقام لها أساسا كالأساس الذي قامت ~~عليه الدعوة الإسماعيلية من مبدئها، وروى تلك القصة عن الخليفة المستنصر (والأرجح عند ~~أناس من ثقات المؤرخين أن الخليفة لم يدعه إلى لقائه، بل أنزله منزل الكرامة في دار ~~الضيافة، ثم أبقاه على أمل يتردد بين التقريب والإقصاء)، ولكن ابن الصباح قد طال عليه ~~الانتظار وأحس الخطر من أمير الجيوش فنجا بحياته من مصر، ولما يصدق بالنجاة، وراح بعد ~~الإفلات من الخطر ينشئ له دعوة جديدة في المذهب الإسماعيلي، وهي الدعوة إلى إمامة ~~نزار. # وراح الحسن يطوف في بلاد الشام والعراق وفارس لينشر دعوته الجديدة حيث يأمن الرصد ~~والمطاردة، ويبدو أن حوافز النفس الغلابة كانت في تلك الفترة على أشد ما تكون غلبة ~~عليه، حرجا بما لقيه وضيقا بالمطمع الذي ينازعه ولا يعلم المخرج إليه، فقال يوما ~~لأحد أصدقائه في أصفهان: لو أن معي صديقين ms089 أركن إليهما لانتزعت من هؤلاء السلاجقة ~~عرشهم. فظن به صديقه الجنون وأوصى طباخه أن يتخير لضيفه ما لطف من الطعام وطاب غذاؤه، ~~وأدرك الحسن أن صديقه قد خامره الشك في عقله فتركه ومضى لسبيله. # والظاهر من مساعيه وحركته في هذا التطواف أنه كان يبحث عن أستاذه القديم في الدعوة ~~الإسماعيلية عبد الملك بن عطاش، وكان ابن عطاش قد ولاه الوكالة عنه ثم زين له السفر إلى ~~القاهرة، وأطلعه قبل سفره إليها على أسماء بعض الدعاة المستترين الذين يلقاهم في طريقه، ~~ولكنه لم يعرف من أستاذه مكامن الأموال المدخرة لبث الدعوة ولا عرف بطبيعة الحال كلمة ~~السر التي تمكنه من أخذها وتكون علامة له عند المؤتمنين عليها ، فما زال الحسن يتعقب ابن ~~عطاش حتى ظفر بلقائه ووثق من اطمئنانه إليه، ولعله استطلعه أسرار الودائع المخبوءة ~~فأطلعه عليها. # وواضح أن تجارب الحسن في رحلاته بين بلاد السلاجقة وخلفاء بني العباس وخلفاء الدولة ~~الفاطمية قد أيأسته من الوثبة إلى السلطان من طريق الولاية، ولكنها لم تيئسه من الوثبة ~~إلى السلطان حيث كان لاستقرار هواه في طبعه، فطمحت به همته إلى معقل من المعاقل في ~~أطراف الدولة ينفرد بحكمه ولا تمتد إليه فيه يد ملك أو خليفة. وتخير الأطراف فلم يجد ~~منها ما هو أصلح لمطلبه من بلاد الديلم، فخرج إليها مع رهط من صحبه وأتباعه، وقيل: إنه ~~تلقى من مصر في هذه الأثناء ولدا لنزار بايعه بالإمامة وعمل باسمه ودعا إليه، حتى ~~انتهى به المطاف إلى قلعة يقيم فيها زعيم من العلويين، فاستضافه، فأنزله على الرحب ~~والسعة وتغاضى عنه وهو ينشر الدعوة لمذهبه ويجمع الأنصار حوله، ثم أحكم أمره كما يقول ~~ابن الأثير فطرد صاحب القلعة واستولى عليها وعلى القلاع التي تجاورها. وساعده على ~~انتزاعها أنه خيل إلى أهل الإقليم أن مجموعة حروفها بحسب الجمل توافق تلك السنة ~~الهجرية: سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة (483) وهي مجموعة حروف الألف واللام والهاء والألف ~~والميم والواو والتاء التي تتألف منها كلمة الهاموت، وأتم الحيلة في أذهان القوم ms090 أنه ~~فسرها لهم بمعنى النسر المعلم من «إله» بضم اللام بمعنى النسر في الفارسية و«اموهث» # 2 # بمعنى المعلوم أو المعلم، إيماء من الغيب بتعليم الدين من قمة النسر ~~الشاهقة، والدين في مذهب الباطنية تعليم لا يستغني عن الإمام في كل زمان! ~~••• # وقد تحدث المؤرخون والسياح عن أسرار تلك القلعة العجيبة التي تزجى # 3 # الأحاديث عنها بين الناس فيصدقونها؛ لأنهم يحبون الاستماع إلى العجب ~~والتحدث بالعجب، ويصعب عليهم بعد العثور على حديث عجيب أن يفرطوا فيه كما يصعب عليهم ~~التفريط في كل قنية عجيبة أو كل تحفة نادرة. # من هذه الأعاجيب أن الحسن بن الصباح عرف سر الحشيش من أستاذه الطبيب ابن عطاش فسخره ~~في نشر دعوته، وأنه توسل به لإقناع أتباعه برؤية الجنة عيانا؛ لأنه كان يدير عليهم ~~دواخين الحشيش ثم يدخلهم إلى حديقة عمرت بمجالس الطرب التي يتغنى فيها القيان، وتتلاعب ~~فيها الراقصات، ثم يخرجهم منها وهم في غيبوبة الخدر ويوقع في وهمهم ساعة يستيقظون أنه ~~قد نقلهم إلى جنة الفردوس وأنه قادر على مرجعهم إليها حين يشاء، وأنهم إذا ماتوا في ~~طاعته ذاهبون بشهادة أعينهم إلى السماء. # قالوا: وإن هذا الإقناع أو هذا «الإيمان العياني» يفسر طاعة أتباعه الذين كان يأمرهم ~~بالهجوم على أعوانه من الوزراء والأمراء بين حاشيتهم وأجنادهم، فيهجمون عليهم ~~ويغتالونهم غير وجلين ولا نادمين، وإن كلمة «أساسين» # Assasin # التي أطلقت في الغرب على قتلة الملوك ~~والعظماء ترجع إلى كلمة الحشاشين أو الحسنيين نسبة إلى الحسن بن الصباح، وقالوا: إن ~~الفتى من أتباع شيخ الجبل كان يبلغ من طاعته لمولاه أن يشير إليه الشيخ بإلقاء نفسه من ~~حالق فيلقي بنفسه ولا يتردد، وإن أحدهم كان يقيم بين جند الأمير المقصود بالنقمة ويتكلم ~~لغتهم حتى لا يميزوه منهم، وأنه يفعل فعلته ويتعمد أن يفعلها جهرة ولا يجتهد في الهرب ~~من مكانها، وإن أمهات هؤلاء الفدائيين كن يزغردن إذا سمعن خبر الفداء ويبكين إذا عاد ~~الأبناء إليهن ولم يفلحوا في اغتيال أولئك الأعداء. # وظل الحديث بهذا وأشباهه يتعاقب ms091 ويتناثر بين الأمم، ويروى عن الحسن كما يروى عن ~~خلفائه إلى عهد الرحالة البرتغالي، «ماركوبولو» الذي ساح في المشرق في أوائل القرن ~~الثالث عشر للميلاد، ولا يزال هذا التفسير الخرافي مقبولا في القرن العشرين بين ~~الأكثرين من المؤرخين والقراء. # ونحن نستبعد جدا أن يكون للجنة المزعومة أصل في قلعة حسن بن الصباح، فإن التكذيب ~~أرجح من التصديق في كل خيط من الخيوط التي نسجت منها القصة ذلك النسيج الواهي ~~المريب. # إن الحسن بن الصباح كان معروفا بالصرامة والشدة على نفسه وعلى أتباعه، وكان يتنسك ~~ويتقشف رياضة أو رياء أمام أتباعه وتلاميذه، ولم يكن من اليسير في تلك القلاع المنفردة ~~أن يخفى أمر القيان ومجالس الراقصات والغناء زمنا طويلا دون أن يطلع عليه المقربون إن ~~لم يطلع عليه جيرة القلعة أجمعون، وليس من المعروف عن مدخني الحشيش أن يحفظوا وعيهم ~~ويفقدوه في وقت واحد، وأن يتلبس عليهم كلهم أمر العيان والسمع هذا الالتباس، وليس من ~~المعروف عن الحشيش أنه يهيئ صاحبه لموقف الإقدام على المخاطر والإصرار عليها شهورا أو ~~سنوات. # ومن المحقق أن شيخ الجبل لم يطلع أحدا على سره، وأن أحدا من المؤرخين لم يشهد تلك ~~الجنة بنفسه ولم يسمع روايتها من شاهد بعينه، فهل من العسير أن يتتبع مصدر هذا الخيال ~~من روايات الزمن الذي نشأت فيه وسرت منه إلى ما بعده من أزمنة القرون الوسطى؟ ~~••• # إن روايات هذا الخيال قد نشأت بين الصليبيين ولم تنشأ بين المشارقة، وقد كان ~~الصليبيون في حاجة إلى تأويل شجاعة المسلمين، وهم في عرفهم قوم هالكون لا يؤمنون بالدين ~~الصحيح، فخطر لهم وقالوا وكرروا: إنهم يستميتون في الجهاد؛ لأنهم موعودون بالجنة التي ~~تجري تحتها الأنهار وترقص فيها الحور الحسان، إذا استحبوا الشهادة في سبيل الله. # واستغراب الشجاعة من الفدائيين هو الذي أحوجهم إلى سبب كذلك السبب أو أغرب من ذلك ~~السبب، وقد كان ماركوبولو في روايته يقول: إن الفدائيين صدقوا شيخ الجبل كما كان ~~المجاهدون من العرب يصدقون النبي عليه السلام، وكأنه يقول: ms092 إنهم لهذا يقبلون الموت وهم ~~قوم هالكون، فهم في شجاعتهم مخدوعون. # إن القوم قد عجبوا كيف يطيع الفدائيون شيخهم هذه الطاعة وكيف يقدمون بأمره على الموت ~~المحتوم. فلم يتخيلوا لذلك سببا غير الجنة الموعودة، وعرفوا الحشيش، فالتمسوا فيه سر ~~الجنة التي ترى في هذه الدنيا رأي العيان. وقد جاء ذكر الحشيش في كلام مؤرخي الشرق، ~~وذكر بعضهم أن أناسا من شيوخ الطرق كانوا يستبيحونه ولا يحسبونه من المسكرات المحرمة، ~~وذكر البندري مؤرخ آل سلجوق جماعة الحشاشين وعنى بهم طائفة الإسماعيليين، أما جنة ~~«آلموت» المزعومة فهي من مخترعات الغرب لا نعلم أنها وردت في كلام مؤرخ إسلامي قديم، ~~ولا أن أحدا من مؤرخي الغرب أسندها إلى مصدر من المصادر الإسلامية. ولو كان لها مصدر ~~من المشرق الإسلامي لكانت كتب الشرق أولى بابتداعها من كتب الأوروبيين. # وأول دلائل البطلان في هذه الخرافة أن وجه الغرابة الذي دعاهم إلى اختراعها غير غريب، ~~فإن النخوة الدينية كانت أقرب شيء إلى أتباع الأئمة في ذلك الزمن، ولا تصلح رؤية الجنة ~~عيانا لتفسير تلك النخوة في عجائز الفناء فضلا عن الفتيان المجردين للفداء. فإذا كان ~~أولئك الفتيان يستهينون بالموت؛ لأنهم شهدوا الجنة عيانا، فالعجب لأمهاتهم اللائي كن ~~يفرحن بفقدهم وينتحبن لنجاتهم كيف ملكن جأشهن بغير تلك الآية التي رآها أبناؤهن رأى ~~العيان؟! ~~••• # لقد كان الأمل في ظهور المهدي المنتظر رجاء كل نفس وحديث كل لسان في ذلك العصر من ~~المؤمنين بالمهدية، وكانت فتن العصر أشبه شيء بفتن آخر الزمان أو بأشراط الزمن الذي ~~يظهر فيه المهدي المنتظر؛ ليملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا وينجو بأتباعه ومصدقيه إلى ~~حظيرة الخلد والسلام، وكان شيخ الجبل يتخير لتربية الفدائيين فتيانا أشداء يتفرس فيهم ~~العزيمة والمضاء ولما يبلغوا الحلم، ثم يأخذ في تدريبهم على المشقة والطاعة وهم دون ~~الثانية عشرة، وأكثرهم من أبناء الجبال في تلك الأطراف التي نشأ أبناؤها على الفطرة ~~وعلى استعداد للتصديق والإيمان. # وكان الإيمان بالدعوة العلوية قد شاع في تلك الأطراف فخرج منها الأمراء والوزراء ~~الديلميون ms093 الذين بايعوا خلفاء القاهرة وهم في بغداد؛ وكانت لشيخ الجبل إرادة من حديد ~~تتسلط على أجناده تسلط «المنوم المغناطيسي» على المدربين عنده على التنويم، فلم يكن ~~في طاعة هؤلاء وإقدامهم على الاستشهاد من غرابة ولا من حاجة إلى رؤية الجنة بالعين، ~~وتأتي الحروب الصليبية فتلهب ما فتر من النخوة التي أذكاها الصراع بين الدول والفرق ~~والطوائف والخلفاء والسلاطين. فلا يحتاج الفتى المدخر للاستشهاد إلى دافع أو حافز، بل ~~لعله يحتاج إلى الوازع والرقيب. # والمؤرخون الأوروبيون الذين كتبوا عن خداع القادة لأتباعهم في الجماعات السرية ~~كثيرون، منهم من يحسن التفسير ومنهم من يسيئه، ومنهم من يسرع إلى الاتهام ومنهم من ~~يتريث فيه، فمن الذين أحسنوا التفسير إيفانون الروسي صاحب كتاب «مؤسس الإسماعيلية ~~المزعوم» # The Alleged Founder of Ismailism ~~، وهو ممن ~~يصححون نسب الفاطميين ويرجحون الاختلاف من قبل «الأساتذة المربين» الذين يختارون ~~لتعليم الأمراء وتثقيفهم في العلوم وفقه الدين، وقد عم الدعاة بالخداع من عهد عبد ~~الله بن ميمون وخص بالذكر أئمة «آلموت» من «المهدي حسن بن الصباح ورشيد الدين سنان»، ~~وسائر هؤلاء الدعاة. # فأما أن حسن بن الصباح كان يسوق أتباعه بالخداع فذلك ما لا ريب فيه عند الخصوم ولا ~~عند الأنصار، فهل يصدق القول عليه أنه هو يخدع ولا ينخدع وأنه هو يسوق ولا يساق؟ ~~••• # الراجح عندنا أن هذا «المهدي» لم يكن خلوا من الإيمان بدعوته على وجه من الوجوه، وأن ~~عمله في الدعوة عمل جاد غير هازل وصامد غير متردد، ولا داعي للشك في إيمانه بعمله وإن ~~كان هناك شك كبير في إيمانه بكل ما يقول لسامعيه ومتبعيه. # وما بالنا نتخيله خلوا من الإيمان منصرفا كل الانصراف إلى التضليل والخداع؟ أليس من ~~دواعي الإيمان أن يكون الإنسان مدفوعا إلى عمله غير قادر على تركه؟ أليس من دواعي ~~الإيمان أن يكون اعتقاد الإنسان في عمله خيرا من اعتقاده في أعمال الآخرين؟ أليس من ~~دواعي الإيمان أن يقنع نفسه برسالة صالحة وأن يستمد من عمله حجة لتلك الرسالة؟ # إن «التنويم الذاتي» ms094 معروف متواتر، وإنه لأقوى ما يكون حين تندفع إليه النفس ضرورة لا ~~حيلة لها فيها، وذريعة لها عذر من أحوال الزمن ودواعيه. # وربما بدأت عقيدة ابن الصباح في رسالته سلبية قبل أن ترسخ في طويته بالإقناع الموجب ~~واضحا أو وسطا بين الوضوح والغموض. # ونعني بالرسالة السلبية أنه آمن إيمانا لا مثنوية فيه بفساد العصر وضلال ذوي السلطان ~~فيه، وأنه مهما يفعل في حربهم واستئصال فسادهم فهو على صواب. # وتقترن بهذه الرسالة السلبية دفعة فطرية إلى السيادة والسلطان، فماذا يصنع بهذه ~~الدفعة إن لم يعمل بها عملا قويا متصل العزيمة والثبات؟ # إما أن يستكين إلى سيادة غيره والموت أحب إلى أصحاب هذه النفوس الغالبة المغلوبة من ~~استكانة الخضوع، وإما أن يمضي قدما ولا بد له من مسوغ وبرهان وليس أسرع إلى السريرة ~~من المسوغ والبرهان حين ينجوان من الغرق في لجج اليأس والانكسار وظلمات الفشل ~~والهوان. # وقد قال داعي الدعاة في ذلك العصر: إن الناس كانوا بين رجلين، رجل لو قيل له: إن ~~فيلا طار أو جملا باض لما قابله إلا بالقبول والتصديق «أو منتحل للعقل يقول: إنه حجة ~~الله تعالى على عباده، مبطل لجميع ما الناس فيه، مستخف بأوضاع الشرائع معترف مع ذلك ~~بوجوب المساعدة عليها وعظم المنفعة بمكانها، لكونها مقمعة للجاهلين ولجاما على رءوس ~~المجرمين المجازفين.» ~~••• # وهذه عقيدة قوم لا دفعة في طبائعهم إلى طلب السيادة والسلطان، وليس في طويتهم ما ~~يثيرهم إلى الحركة إذا آثروا السكون، فإذا كانت هذه العقيدة في طوية رجل لا يهدأ ولا ~~يستكين ولا يرى في نفسه إلا أنه أهل للقيادة والإمامة، وأن الذين حوله أهل للقمع ~~والنكال، فمن اليسير عليه أن يسوغ لنفسه خداع العامة والخاصة لتحقيق غاية على يديه، هي ~~أصلح مما هم فيه، وأصلح مما يحققونه على أيدي سواه. # وقد سوغ أفلاطون في جمهوريته خداع الدهماء وخداع المتعلمين الناشئين، وسوغ فيثاغوراس ~~من قبله حجب الحقيقة عن بعض العيون وتقريب الأمر إلى المريدين بالرموز والإشارات، ~~وأباحا ذلك وليس واحد منهما مأخوذا بدفعة ms095 السيادة، وليس في زمانها دعوة سرية عامة ~~كالدعوة التي لفت حسن بن الصباح من رأسه إلى قدميه. فلم لا يسوغ هذا المذهب في قيادة ~~الدهماء لحسن بن الصباح؟ وهل من البعيد أنه اطلع على أفلاطون وفيثاغوراس كما اطلع على ~~أفلوطين؟ إن القول باقتباس الباطنية من هذين الحكيمين راجح متواتر، فليس مما يخل بحكمة ~~الحكيم أن ينصب نفسه للهداية ويسلم نفسه ورسالته إلى عناية الله يتوجه به حيث ~~أراد. ~~••• # إن المؤمنين الخالصين للإيمان بغير مواربة ولا مراجعة أندر من الندرة بين بني آدم ~~وحواء، وما من أحد آمن بعقيدة إلا عرف في بعض حالاته كيف يوفق بين الشك والاعتقاد وكيف ~~يسلم الأمر لله ويستلهمه اليقين. # وتسعون في كل مائة، إن لم نقل أكثر من ذلك، يؤمنون بالعقيدة إيمان الوقاية أو إيمان ~~الرغبة فيما يعدون به أنفسهم أو يعدهم به الهداة، وإذا استطاعت قوة الاعتقاد أن تقنع ~~الملايين بالتسليم لقائد منجد أو دليل مرشد، فأحرى بهذه القوة أن تقنع وتبسط يده على ~~خصومه مستحقين لعقابه، وعلى أصحابه مستحقا منهم الطاعة والتسليم. # لم يكن حسن بن الصباح خلوا من الإيمان بعمله فيما نرى، ولم يكن عسيرا عليه أن يركن ~~إلى دعوة تغريه بها ضرورة الفطرة، ويحضه عليها فساد الزمن وسهولة المسوغ للخروج على ~~المفسدين فيه، ولا يعز عليه أن يعززها بعلامة من علمه الواضح أو من علمه الغامض، وما ~~يلتمع فيه من بريق يثبت عليه بالإلهام حينا بعد حين، فما عاش الرجل بقية حياته غائبا ~~عن صوابه ولا مالكا لكل وعيه، وبين هذا وذاك منزلة الغالب والمغلوب والخادع ~~والمخدوع. # استولى الحسن على قلعة «آلموت» في سنة 483 هجرية ومات في سنة 518 هجرية، فظل مالكا ~~لتلك القلعة باسطا نفوذه على ما حولها خمسا وثلاثين سنة، لعله كان خلالها أقوى رجل في ~~الديار الإسلامية من مراكش إلى تخوم الصين. # وولى عهده، وتسمى بالمهدي وانتحل البنوة الروحية للانتساب إلى الإمام، واستعان ~~بتعدد المراجع في المذهب، فانفتحت أمام الحسن أبواب الدعوة لنفسه باسم «نزار». # ومات «المستنصر» ms096 الخليفة الفاطمي سنة 487 للهجرة، فساعد ذلك الإسماعيلي على انتحال ~~المرجع الذي يروقه أن يدعيه، فهو حجة ومهدي وإمام كما يشاء. ~~••• # وقد اعتمد في توطيد سلطانه على ثلاث: الحيلة، والغيلة، والفتنة الدخيلة. فمن الحيلة ~~أن السلطان السلجوقي ملكشاه سير إليه فرقة لمحاصرته بعد استيلائه على قلعة آلموت ~~بسنتين، ولم يستكثر من الجند كما أوصاه وزير نظام الملك استخفافا بشأن القلعة ~~وحاميتها، فلما أحاطت الفرقة بالقلعة بين الجبال الجرداء والقفار الموحشة وطال على ~~جنودها العهد بلهو العواصم والحواضر أمر الحسن بقافلة تحمل الخمور فيما تحمل من المتاع ~~فسيرت على مرأى من الجيش المحاصر، فما وقعت أيديهم على زقاق # 4 # الخمر حتى أفرغوها في أجوافهم وانطلقوا يقصفون # 5 # ويهزجون، فانقضت عليهم حامية القلعة وأمعنت فيهم قتلا ونهبا وتشريدا من ~~دون أن تصاب الحامية بخسارة ذات بال. # وأعاد ملكشاه الكرة وقد أصاخ إلى نصيحة وزيره في هذه المرة، فضيق المحاصرون مسالك ~~القلعة وساكنيها وبطلت الحيلة فاعتمد الرجل على الغيلة، وأرسل إلى الوزير فتى من فتيانه ~~الفدائيين فقتله، فعاد الجيش الذي سيره الوزير إلى حيث استدعاه ملكشاه، لحاجته إليه في ~~اتقاء الفتنة واتقاء الغارة من المغول. # وتساعد الرجل مصادفات الحوادث. فيموت ملكشاه ويزعم الأتباع والأشياع أنها كرامة ~~المهدي تنجيه من أعدائه واحدا بعد واحد، ويتنبه الرجل إلى مواقع الفرص فلا تفوته منها ~~فائتة. فلما نشبت الفتنة بين ولدي ملكشاه جعل همه أن ينصر أحدهما على الآخر حتى يوشك أن ~~يظفر بأخيه، فيسلط على الجيش المنتصر سلاح الغيلة أو سلاح الفتنة الدخيلة. ومن أساليبه ~~في هذه الفتنة أن يترك المحاربين في شك ممن هو معهم ومن هو عليهم، وقد يشيع عن أحد ~~أعدائه في دولة الأمير أنه من الإسماعيليين «الصباحيين» المستترين، وقد يوهم الأمير غير ~~ذلك فيقرب إليه ويظهر العداء لابن الصباح ومتبعيه. # فلما آل العرش إلى السلطان سنجر بن ملكشاه، وكان من أقوى الملوك وأغناهم في عصره، لم ~~يجد بدا من مصالحة ابن الصباح. وقيل في أسباب المصالحة: إنه كان من أهمها شك السلطان ms097 ~~في حاشيته وقواده وأجناده، وتخوفه من أن تكون الدعوة السرية قد قلبت عليه أقرب الناس ~~إليه وهو لا يعلم، فتعاقد مع ابن الصباح على المسألة وترك له جباية الضرائب والإتاوات # 6 # في إقليمه. ويروى أنه وجد في طريقه إلى حصار «آلموت» خنجرا مغروسا في ~~فراشه مكتوبا عليه: إن الذي غرسه هنا قادر على أن يغمده في صدرك، وأنه سمع عن أمراء ~~الحصون أنهم يضمرون العقيدة الباطنية ويعلنون الطاعة للسلاجقة في انتظار الأمر من شيخ ~~الجبل، فآثر المسألة على القتال. ~~••• # ولم يبال شيخ الجبل بالانقطاع عن الدعوة الفاطمية، بل لم يبال بسقوط الخلاف الفاطمية ~~ولم يحجم عن تهديد خلفائها علانية وخفية، وهمه قبل كل شيء أن يكون أتباعه خالصين لطاعته ~~والثقة به في غير مشاركة ولا هوادة، فانقسمت الدعوة الإسماعيلية على نفسها وأصبح لها في ~~البلاد الفارسية والعراقية معسكران متنازعان: أحدهما معسكر ابن الصباح يدعو إلى نزار، ~~ويدعي المهدية لشيخ الجبل ويحارب المعسكر الآخر من الإسماعيليين، والثاني يدعو إلى ~~المستعلي وأبنائه. وبقيت منها اليوم طائفة الإسماعيليين المعروفين باسم البهرة، يقولون: ~~إن المهدي المنتظر سيظهر عما قريب من سلالة الخليفة «الآمر» الفاطمي، وإنه يحضر موسم ~~الحج في كل عام، فمن رأى الحجاج جميعا في موسم من مواسم الحج فقد رآه. # وحيرة المؤرخين والباحثين النفسانيين هي حياة الرجل في السنوات الأخيرة من مقامه ~~بقلعة آلموت. إنه لم يكد يفارقها بعد دخولها، ولم تكن له أسرة فيها غير امرأته وولديه. ~~وهذا الزعيم «الباطني» الذي قيل عن مذهبه: إنه ذريعة إلى استباحة المحرمات والتهالك على ~~اللذات قد اتفق الكاتبون عنه على زهده واعتكافه وعزوفه عن المباح من الأطايب، فضلا عن ~~الحرام، وزعم بعض المؤرخين حين قتل ابنه أنه قتله لمخالفته إياه في شرب الخمر على ~~الخصوص، ولم يقتل ولدا واحدا بل قتل ولديه الاثنين وهو في شيخوخة لا مطمع له بعدها في ~~الذرية، وهذه هي حيرة أخرى من حيرات لا تحصى في مسلك هذا الإنسان العجيب كله، وفي مسلكه ~~قبيل وفاته على الخصوص. ~~••• # هل هو ms098 مجنون مطبق الجنون؟ إن المجنون المطبق الجنون لا يستغرب منه قتل أبنائه في شباب ~~ولا شيخوخة، وتزول بهذا غرابة القتل، ولكنها تزول لتخلفها غرابة أعضل وأدهى، وتلك هي ~~قدرة المجنون المطبق الجنون على التدبير المحكم عاما بعد عام، وقدرته على حفظ مكانه ~~ومكانته بين وزرائه وأعوانه ومنهم الأذكياء والدهاة وفيهم الشجاعة والهمة ~~والإقدام! # هل له عقيدة يصبر في سبيلها على الشظف والضنك ويستبيح من أجلها إراقة الدماء، دماء ~~الأبناء كدماء الأعداء؟ # إنه خلق العقيدة النزارية خلقا فمن البعيد أن يخلق العقيدة وينخدع بها ويصبر في ~~سبيلها على ما صبر عليه ويستبيح في سبيلها ما استباح. # والذي يبطل الحيرة في اعتقادنا هو التفسير المقبول لطبيعة هذا الإنسان العجيب. # ونبدأ فنقول: إننا ينبغي أن نستغرب من حسن بن الصباح ما هو غريب منه لا ما هو غريب من ~~غيره، ولو كانوا معظم الناس. # فالغريب في طباع الناس تجردهم من الحنان الأبوي أو فتور هذا الحنان فيهم، ولكن هل خلا ~~الجنس البشري من آحاد يهون عندهم الحنان في جانب النوازع القوية التي لها السلطان عليهم ~~وليس لهم عليها سلطان؟ هل خلا الجنس البشري من آحاد نراهم بيننا تستهويهم الشهوات ~~الصغار فضلا عن الشهوات الكبار، فلا يبالون ما يصيب أبناءهم من جراء تلك ~~الشهوات؟ # وهل من البعيد أن يكون ابن الصباح هذا من أولئك الذين تملكهم نازعة تطغى على حنان ~~الأبوة؟ # كلا! ليس هذا بالبعيد على الإطلاق، بل هو دأب الطامحين من أمثاله إلى السيطرة، ودأب ~~الذين يهون عليهم شظف العيش ولا يهون عليهم الخضوع والبقاء في زوايا الإهمال. وقد يكون ~~الولدان اللذان أمر بقتلهما قد تآمرا عليه مع بعض أعوانه المتطلعين إلى مكانه كما جاء ~~في بعض الروايات، وقد يكون أحدهما هو الذي تآمر عليه كما هو الأرجح، ويكون ظنه بالآخر ~~أنه لا يفلح ولا يؤمن على مصير الدولة بعده. وقد يكون بطشه بابنه في سبيل رسالته هو ~~المسوغ المقبول أمام ضميره لإقدامه على البطش بالغرباء في هذا السبيل. ~~••• # فإذا كان الظن بجنونه ms099 المطبق حيرة، وكان الظن بغفلته حيرة مثلها، فأنفى الظنون للحيرة ~~أنه أطاع طبعه في طلب الغلبة على الرغم منه، وأنه اتخذ من فساد زمانه حجة على وجوب ~~رسالته وقداستها، وأنه راض نفسه على شدائد تلك الرسالة لتكون الشدائد التي يضطلع بها ~~حجة له على صدقه ومطاوعة طبعه، وأنه كان عرضة لسورة الغضب ونوبة الفتك في أزمات طبعه ~~ولكنها سورات # 7 # نوبات دون الجنون المطبق في جميع الأحوال، وهذا كله جائز غير مستغرب. أما ~~المستحيل فهو أنه مصاب بالجنون المطبق أو خادع لا عمل له ولا غواية من وراء عمله غير ~~الخداع والتضليل، أو أنه مغفل لا يدري موضع الغفلة من سريرته، وهو يتسلل بالإقناع إلى ~~سرائر المئات والألوف، ومنهم الأذكياء والألباء والحصفاء. # الفصل الرابع عشر # | السرية الباطنية # ولعل سيرة شيخ الجبل في نقائضها المعلومة هي ألزم السير للتعريف بمعنى السرية ~~الباطنية أو السرية الإسماعيلية على التخصيص، فهذه السرية كانت تشتد وتتراخى تبعا ~~للعمل الذي ينوطه الإمام بدعاته، لا تبعا للفكرة أو للعقيدة التي يخالفون بها أصحاب ~~الفكر والمعتقدات الأخرى. # كانت السرية تشتد كلما خشى دعاة الإمام في بلاد اعدائهم على أنفسهم وعلى رؤسائهم ~~وأئمتهم، وكانت تشتد كلما كان الكتمان أنجح لمهمتهم وأعون على تشتيت أعدائهم وتبلبل ~~الأفكار فيما حولهم. وكانت تتراخى حتى لا سرية على الإطلاق حيث تكون الدولة دولتهم ~~والأمور مؤاتية لهم ولسياستهم. وقد يعقدون المجالس ويحاضرون في الأندية العامة لإعلان ~~آرائهم وإقناع معارضيهم كلما اطمأن بهم المقام في ديارهم. ~~••• # ومن الجائز أن تكون تلك الأعمال مرتبطة بالعقيدة الخاصة في الإمام حين يكون تعظيم ~~الإمام وتقديسه لازمين لإقناع الداعية أو الفدائي بالهجوم على الخطر ومواجهة المصاعب ~~والأهوال في غير إشفاق على حياته أو حذر من عاقبة أمر، ففي هذه الحالة يتصف الإمام ~~بالقداسة التي توجب على المريد طاعته وتضمن له النجاة في هذه الدنيا أو في الدار ~~الآخرة. وكثيرا ما يستغني الإمام عن المغالاة بقداسته في الأزمنة العصبية التي تلتهب ~~فيها الحماسة الدينية، ويشيع فيها الأمل باقتراب الأوان الموعود ms100 وتوالي العلامات ~~والأشراط التي تؤذن بظهور المهدي، وانتصار زمرته على أعدائهم وأعدائه. فإذا شاع في ~~النفوس هذا الأمل فلا حاجة بالإمام إلى عقائد المبالغة والمغالاة في أمره، وحسبه أنه ~~قائد مصدق مطاع يأتمر بدعوته جند مصدقون مطيعون. # وإذا أردنا التوسع الذي يشمل جميع المذاهب وينتظم مذاهب السنة والشيعة جميعا ولا يخص ~~الإسماعيلية أو النزارية وحدها فالخلاف على الإمامة هو محور كل خلاف بين جميع المذاهب ~~من جانب السنة أو من جانب الشيعة. فكل ما عزز ضرورة الإمام الحي فهو من عقائد الشيعة. ~~وكل اختلاف أردنا أن نعرف عقيدة الشيعة فيه فلنرجع بجانبي الرأي إلى محور الخلاف كله، ~~فأيهما كان أقرب إلى ضرورة الإمام الحي فهو من مذهب الشيعة، بغير حاجة إلى البحث الطويل ~~والاستقصاء البعيد. ~~••• # وقد لخص الغزالي هذا الفارق في كتاب المنقذ من الضلال فقال: «الصواب أنه لا بد من ~~الاعتراف بالحاجة إلى معلم، وأنه لا بد أن يكون المعلم معصوما، ولكن معلمنا المعصوم هو ~~محمد # صلى الله عليه وسلم ~~: فإذا قالوا هو ميت فنقول: ومعلمكم غائب، فإذا قالوا: معلمنا قد علم ~~الدعاة وبثهم في البلاد وهو ينتظر مراجعتهم إن اختلفوا أو أشكل عليهم مشكل، فنقول: ~~ومعلمنا قد علم الدعاة وبثهم وأكمل التعلم؛ إذ قال الله تعالى: # اليوم أكملت لكم دينكم # وبعد كمال التعليم لا يضر موت ~~المعلم كما لا تضر غيبته. يبقى قولهم: كيف يحكمون فيما لم يسمعوه؟ أفبالنص ولم يسمعوه، ~~أم بالاجتهاد بالرأي وهو مظنة الخلاف؟ فنقول: نفعل ما فعله معاذ - رضي الله عنه - لما ~~بعثه رسول الله # صلى الله عليه وسلم # إلى اليمن؛ إذ كان يحكم بالنص عند وجوده وبالاجتهاد عند عدمه، ~~بل كما يفعله دعاتهم إذا بعدوا عن الإمام إلى أقاصي الشرق؛ إذ لا يمكنهم أن يحكموا ~~بالنص فإن النصوص المتناهية لا تستوعب الوقائع غير المتناهية، ولا يمكنهم الرجوع في كل ~~واقعة إلى بلدة الإمام، وإلى أن يقطع المسافات ويرجع يكون المستفتي قد مات أو فات ~~الانتفاع بالرجوع، فمن أشكلت عليه القبلة ليس له طريق ms101 إلا أن يصلي باجتهاده؛ إذ لو سافر ~~إلى بلدة الإمام ليعرفه القبلة لفات وقت الصلاة. فإذا أجيزت الصلاة على غير القبلة بناء ~~على الظن - ويقال: إن المخطئ في الاجتهاد له أجر واحد وللمصيب أجران - فكذلك في جميع ~~المجتهدات.» # ومهما يكن من قول في تفصيلات الشعائر أو الفرائض فما كان منه أقرب إلى تعليم الإمام ~~المعصوم فهو قول الشيعة وما عداه فهو قول السنيين، وجميع المقربين للإمامة على مذهبهم ~~كالزيديين. وهذا هو الذي يؤيد أن مرجع السرية كله هو الرأي في الإمامة لا عقائد مستورة ~~أو خلائق مخالفة لأدب الدين أو العرف بين المسلمين وغير المسلمين. ~~••• # خذ لذلك مثلا إعلان بدء الصيام، فإن رؤية الهلال فيه كافية على مذهب السنيين، ولكن ~~هذا الرأي يغني عن إعلان الإمام للصيام فلا يأخذ به الإماميون، بل يقولون: إن المسلمين ~~كانوا في حياة النبي - عليه السلام - يصومون حين يصوم، فلما أزمع السفر سألوه عن موعد ~~الصيام فقال لهم: «صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته»، ولم يكلهم إلى الرؤية قبل ذلك وهو ~~مقيم معهم يصوم فيصومون. # ووجود علم مستور يتعلمه الناس من الإمام دون غيره هو العقيدة التي لا محيد عنها لمن ~~يقولون بالإمامية، وإنما يختلف العلم المستور باختلاف الأئمة والأوقات والسائلين، فقد ~~يكون العلم المستور هو تأويل القرآن، وإجابة كل سائل عنه بما يقدر عليه، وقد يكون العلم ~~المستور سياسة محكمة لا تكشف لكل طالب ولا يجوز التردد في طاعتها توقفا على فهمها، ~~فإنها لو كشفت في بعض الأزمنة لحاق الضرر بمن تشملهم تلك السياسة أجمعين. # وقد فسر ابن الصباح اسم قلعته بمعنى النسر المعلم، فهي مرجع المؤمنين من أتباعه لا ~~يستغنون بالابتعاد عنها، وقد ترخص بعض الإماميين في أمر العصمة الواجبة للإمام، فأباح ~~بعضهم نقد الإمام كما فعل حسن بن الصباح في نقد الخليفة المستنصر، بل كما فعل داعي دعاة ~~الخليفة نفسه هبة الله الشيرازي الذي سبقت الإشارة إليه، ولكنهم يقولون: إن الإمام يصيب ~~وهو مختار، ويجري مع الخطأ وهو مكره، ولا سيما في اختياره لولي ms102 عهده وصاحب الإمامة من ~~بعده، فإن من اختاره طائعا فهو الصواب المطاع. ~~••• # لقد صحبنا منشئ «الإسماعيلية الجديدة» من عهد بروزه في ميدان الدعوة الفاطمية، ولم ~~نبدأ بسيرته من نشأته الأولى؛ لأن حياته العامة لا تتوقف على أخباره في أوائل نشأته. ~~فما مر خبر منها متفق عليه حتى اسمه وموطنه ونحلته، فهو ينتسب إلى اليمن، ويذكر من ~~نسبته أنه الحسن بن علي بن محمد بن جعفر بن حسن بن محمد الصباح الحميري، ومنكرو دعواه ~~يقولون: إنه قروي من خراسان، ومنهم من يقول: إن أباه كان يعمل في الصياغة، صناعة ~~الصابئة على شواطئ بحر العجم. ~~••• # والثابت أنه مات ولم يظهر له في حياته ولا بعد مماته أحد من ذوي قرابته، وأن دعوته لم ~~تفلح في بلاد اليمن، بل أفلحت فيها دعوة الطيب ابن الآمر التي كانت تناقض الدعوة إلى ~~نزار أمام الحسن المختار، وقد أوصى الحسن بعده لرجل فارسي غريب عنه لا تربطه به نسبة، ~~ولعله من أقربائه المستورين إن صح أنه من الفرس وليس من أهل اليمن. # ورويت عن صباه تلك القصة التي جمعت بينه وبين الخيام ونظام الملك بمدرسة نيسابور، ~~ولكنها قصة يرتاب فيها طائفة من ثقات المؤرخين؛ لأن نظام الملك ولد سنة (408 للهجرة)، ~~فإذا كان ابن الصباح والخيام من لداته فقد بلغا إذن أكثر من مائة سنة، ولو قدرنا أنهما ~~أصغر من نظام الملك ببضع سنوات، وفي ذلك موضع للشك غير ضعيف. # وأيا كان الخبر الذي يثبت من أخبار صباه فهو لا يغير شيئا من ملامح «الشخصية» التي ~~برز بها في التاريخ، وهي شخصية المغامر صاحب الدعوة التي انقطعت عن جذورها واتصلت به ~~وبغاياته ومراميه. # وهذه بعد شخصية أثبت في ملامحها من شخصية ميمون القداح وأحدث في الدعوة الفاطمية، ~~وعلى دعوتها تقاس الدعوات التي اقترنت بالفاطمية في تاريخها المعلوم أو تاريخها ~~المجهول. # الفصل الخامس عشر # | بناة وهدامون ومهدومون # ينسب قيام الدولة الفاطمية إلى جهود الدعاة الذين انبثوا في المشرق والمغرب، ~~وافتنوا في تبليغ الدعوة سرا وجهرا إلى كل ms103 طائفة بالوسيلة التي تلائمها، ويغلو بعض ~~المؤرخين في شأن هذه الجهود حتى يخيلوا لمن يقرؤهم أن غير هذه الجهود لم يكن له في ~~إقامة الدولة الفاطمية شأن ذو بال. # ولا شك في براعة الدعوة الفاطمية وقوة أثرها في التمهيد لقيام الدولة، ولكننا لا ننسى ~~أن بعض هذه الدعوة كان يسيء إلى القضية ولا يحسن. وأن فريقا من الدعاة كانوا يخدمون ~~أنفسهم ويضرون قضيتهم. وأن الدعوة لو انصرفت كلها إلى الخدمة والتمهيد لم ينصرف شيء ~~منها للإساءة والتنفير - لما بلغت غايتها إن لم يكن جو العالم الإسلامي متهيئا لقبول ~~نظام جديد والإعراض عن نظام قديم. # والواقع أن جو العالم الإسلامي قد تهيأ في القرن الثالث لقبول هذا التبديل في نظامه، ~~وكان هذا التهيؤ من شقين: شق ينكر النظام القائم، وشق يرحب بالنظام المنتظر ويعطف ~~عليه. # وكانوا يسمون ذلك دلالات النجوم، فيربطون بين مشيئة الإنسان ومشيئة الكون كله، ويلوح ~~لهم حين يريدون التغيير أن التغيير كائن ولو لم يريدوه، ولو لم يعملوا لتحقيق ما ~~أرادوه. # وتوجد الكلمة التي تحفظ حين تلفظ، ويسمع الناس: «إن الشمس ستشرق من مغربها» فيهمس بها ~~بعضهم إلى بعض، ويعجب السامع مما سمع فلا ينساه. # وقد كان علم النجوم قد استفاض في كل مكان، وليس أكثر من مقارنات الفلك التي يحسب ~~المنجمون أنها علامة الغيب على الغير والأحداث، وطلاب التغيير هم المستبشرون دائما ~~بتلك العلامات وهم الذين يركنون إليها ويترقبونها، ولا سيما حين يكون علم النجوم علما ~~يحبه المجددون ويمارسونه، ويبغضه المحافظون ويتشاءمون به ولا يترقبون الخير من ~~ورائه. # وما كان أبو تمام ينظم قصيدة من قصائد المدح وحسب، حين قال عن النجم ذي الذنب في ~~زمانه: # أين الرواية بل أين النجوم وما # صاغوه من زخرف فيها ومن كذب # قد صيروا الأبرج العليا مرتبة # ما كان منقلبا أو غير منقلب # وخوفوا الأرض من دهياء داهية # إذا بدا الكوكب الغربي ذو الذنب # ولكنه في الواقع كان ينظر في أوائل القرن الثالث إلى الوجهتين المتقابلتين: وجهة ~~الراضين عن نبوءات النجوم ms104 ووجهة المتبرمين بها، وما زالت الوجهتان تنفرجان حتى شهدت ~~نهاية القرن غاية التفاؤل وغاية التشاؤم بعلامات النجوم. # قال صاحب زهر المعاني: «وكان أهل النجوم والحساب يذكرون ظهور المهدي بالله ويبشرون ~~بدولته، ثم إن الملوك والأضداد أيقنوا بذلك، وإن صاحب الزمان تقدم للهجرة إلى المغرب ~~والمهدي في كنفه؛ حتى يكون أوان ظهوره وطلوع نوره. وأن يكنوه بالشمس ~~الطالعة.» # وكان المهدي نفسه على علم بمراصد النجوم، فكان يتفاءل بمقارناتها ويبشر بها أتباعه، ~~وهم بغير هذه البشارة مصدقوه، فإذا علموا أن الكون كله يتأهب «لطلوع الشمس من المغرب» ~~فقد بلغ التصديق غاية اليقين. # وقد أثر عن حفيد موسى الكاظم - كما جاء في المقريزي - أنه قال في سنة اثنتين وخمسين ~~ومائتين: إن الإمام المنتظر سيظهر بعد اثنتين وأربعين سنة، ونظم الفهري هذه النبؤة ~~فقال: # ألا يا شيعة الحق # ذوي الإيمان والبر # ومن هم نصرة الله # على التخويف والزجر # فعند الست والتس # عين قطع القول في العذر # وظل المتربصون بالدولة العباسية يقرأون في أرصاد النجوم علامات زوالها إلى ما بعد ~~نهاية القرن الثالث وبعد بداية القرن الرابع، فقال أبو طاهر القرمطي: # أغركم مني رجوعي إلى هجر # فعما قريب سوف يأتيكم الخبر # إذا طلع المريخ في أرض بابل # وقارنه النجان، فالحذر الحذر # فمن مبلغ أهل العراق رسالة # بأني أنا المرهوب في البدو والحضر # أنا الداع للمهدي لا شك أنني # أنا الضيغم الضرغام والحية الذكر # وقد تقدم أن الناس ظنوا بأبي العلاء المعري أنه من رصدة النجوم، فإذا بلغ بزمان أن ~~يترقب فيه الضرير أرصاد السماء فهو زمان تفعل فيه العلامات الفلكية فعلها، سواء أكان حب ~~التغيير هو الذي علق الأبصار والبصائر بمسالك الكواكب، أم كانت مسالك الكواكب هي التي ~~شحذت في نفوسهم حبهم للتغيير وتطلعهم إلى الغيب من بصير وضرير. # وفحوى ذلك كله أن السماء والأرض في عرف أبناء القرن الثالث للهجرة كانتا تتطلعان إلى ~~شيء، وأن الناس كانوا يتفاءلون بذلك ويتشاءمون، وأحرى الناس أن يتفاءلوا بعلامات ~~التغيير هم طلاب التغيير. # وجاءت الدعوة الفاطمية إلى قوم ms105 متبرمين أو قوم غير مكترثين للدفاع عن النظام القائم ~~أو دفع النظام الجديد. # كان بين خدام الدولة العباسية نفسها من يبغضونها أو ينكرون حقها، ومن كان منهم لا ~~ينكر حق الخلفاء العباسيين فهو منكر لسلطان الترك والديلم، معتقد أن أهل البيت المقبلين ~~خير من أهل البيت المولين، أو أهل البيت الذين تولت عنهم الولاية عجزا وسفها فليس لهم ~~منها غير الأسماء. ~~••• # وكان بطش العباسيين بأبناء علي من أسباب الكراهة لأصحاب الحكم وأسباب العطف على ~~طلابه. فكان مع العباسيين من خدامهم وأعوانهم من يقدسون صاحب الدعوة العلوية ويمقتون ~~أصحاب العروش في بغداد. ولولا عامل من عمال بني العباس في الرملة لاعتقل المهدي وقتل ~~قبل أن يصل إلى المغرب حيث أقام الدولة. يقول جعفر الحاجب في سيرته: «وصلنا إلى الرملة ~~فنزلنا بها عند عاملها، وكان مأخوذا عليه فلم يدر من السرور برؤية مولانا المهدي كيف ~~يخدمه، ورفع المهدي فوق رأسه وقبل يديه ورجليه.» # ثم قال: إن النجاب وصل من دمشق إلى الرملة يصف له المهدي ويأمره بالبحث عنه والمهدي ~~في داره، فانكب الرجل على رجلي المهدي يقبلهما ويبكي، فطمأنه المهدي قائلا: «طب ~~نفسا وقر عينا، فوالذي نفسي بيده لا وصلوا إلي أبدا، ولنملكن أنا وولدي نواصي # 1 # بني العباس.» # وتبين غير مرة أن النجابين الإسماعيليين كانوا أسرع إلى تبليغ المهدي وأعوانه من ~~النجابين الذين تعقبوه، وهم موعودون بالجزاء الجزيل على اعتقاله وتسليمه. واستخدم ~~الحمام الزاجل في تبليغ الرسائل إلى المهدي وهو في طريقه كما جاء في روايات مختلفة، فإن ~~صح هذا فهو دليل على ولاء عجيب وإيمان برسالة المهدي على طول طريقه من الشام إلى ~~المغرب، وإن لم يصح فقد صح ما هو أغرب منه وهو نجاة المهدي من عشرات الولاة والعمال في ~~الشام ومصر والمغرب، بل نجاته بعد دخوله الحبس حيث اعتقل قبل مصيره إلى المغرب ~~الأقصى. # وربما كان ولاء عامل تابع للأمراء أقل في باب العجب من ولاء أمير قائم على عرش دولة ~~كالدولة المصرية، لا تعترف لخلفاء بغداد من ms106 بني العباس بغير الدعاء على المنبر في يوم ~~الجمعة، فقد روي عن كافور الإخشيدي أن الشريف أبا جعفر مسلم بن عبيد الله ناوله سوطه - ~~وقد سقط منه - فاستعظم كافور هذا التواضع منه ومال على يده يقبلها وهو يقول: «نعيت إلى ~~نفسي، بعد أن ناولني ولد رسول الله # صلى الله عليه وسلم # سوطي غاية يتشرف لها.» # هذه هي أشراط الساعة وعلامات الزمان التي وافتها دعوة الدعاة الفاطميين على قدر، ولو ~~لم تقترن دعوة الدعاة بهذه الأشراط التي تجمعت من فعل الحوادث التاريخية والبواعث ~~النفسية لما تمكن الدعاة وحدهم من إقامة الدولة ولا تمكنوا من الإقناع وهو أهم أعمال ~~الدعاة. ~~••• # ونتابع الأمر إلى غاياته فنقول: إن الدعوة والحوادث التاريخية والبواعث النفسية كلها ~~كانت خليقة أن تذهب سدى بغير نتيجة لو لم يقيض للدولة بناة وموطدون من أصحاب السلطان ~~فيها، يأخذون بزمام الأمور ويحسنون قيادتها على نهجها القويم إلى أن تثبت دعائم الملك ~~وتصمد البنية الجديدة لغواشي الزمن، وهي بعد التأسيس عرضة لطوارئ الهدم ~~والتوهين. # وقد جرت العادة في كل دولة جديدة أن يكون لها مؤسس وموطد: مؤسس هو رأس الأسرة، وموطد ~~هو خلف له يتناول منه الملك، لما يستقر قراره فيمنعه أن ينهار قبل أن يبلغ التمام، ثم ~~يتمه ويتركه لمن يأتون بعده بناة أو مسترسلين أو هدامين ينقضون ما بناه الأولون. # ولم تكن دولة الفاطميين شذوذا من هذه القاعدة، فأسسها المهدي عبيد الله ووطدها المعز ~~لدين الله، وكان كلاهما على نصيب وافر من الخلائق التي تنبغي لبناة الدول وموطدي ~~العهود، فلو تتابعت أعمال الدعاة ودواعي الزمن دون أن يتاح للدولة هذان البانيان لما ~~برز لها من الأرض ركن ولا أساس. # اتصف عبيد الله بقوة البنية وجمال السمت والهيبة، كما اتصف باليقظة مع سعة الحيلة ~~ورباطة الجأش، وعرف بالحزم وأصالة الرأي وشدة المراس واستعصاء المقاد على المكابرة ~~والعناد، واجتمع له حسن التصريف، فلم يفته قط أن يختار الوقت الملائم والرجل الملائم ~~للعمل المطلوب كما ينبغي أن يكون، وأعان ذلك كله بحب العمارة ms107 والتنظيم، فوجدت الدولة ~~الجديدة منه مؤسسا قليل النظراء. # قيل في قوة بنيته: أنه كان بقوة عشرة رجال. # وليست هذه القوة نادرة في أبناء علي من السيدة الزهراء ومن غيرها، فقد روي عن محمد ~~ابن الحنفية أنه جلد الأرض بمصارع الروم الذي جاء إلى دمشق يتحدى الأقوياء في بلاد ~~المسلمين كما تحداهم في بلاده. ولم تزل هذه القوة معهودة فيهم بعد الجيل الخامس، فقيل ~~عن يحيى بن عمر الملقب بالشهيد: أنه «كان له عمود حديد ثقيل يكون معه في منزله، وربما ~~سخط على العبد أو الأمة من حشمه، فيلوي العمود في عنقه فلا يقدر أحد أن يحله عنه حتى ~~يحله بيده.» # وليست قوة البنية شرطا في أصحاب العروش، ولكن مؤسس الدولة يحتاج إليها إذا وجبت عليه ~~الرحلة أحيانا من مكان إلى مكان فجأة وعلى غير استعداد، ووجب عليه أن يصبر على متاعب ~~الاستخفاء ومتاعب الحاجة، وأن يصرع المطارد ويسبق المتعقب ويبرز للقتال، ولا يزال على ~~أهبته لمقاومة أعدائه ومقاومة أنصاره المنشقين عنه، فإذا تصدى لهذا ولم يرزق ضلاعة ~~الأركان أوشك أن ينقطع بالمسعى دون غاية الطريق. # أسعفته هذه البنية الوثيقة في مآزقه وفي أيام سلطانه، وأسعفته معها مهابة يعنو لها ~~المؤمن به ومن يحاربه ولا يضمر مودته، فلما كان أسيرا في المغرب الأقصى كان صاحب ~~«سجلماسة» ينكل بأعوانه ولا يجسر على مجابهته بما يسوءه، وكان يعمل في مغيبه ما لم يكن ~~يجترئ على عمله وهو ناظر إليه. # وقد تمت له المسعفات في مآزق الحرج باليقظة الجريئة والحلة التي لا تفارقها رباطة ~~الجأش وعزة الكرامة. فلما خرج من الشام إلى مصر هربا من خلفاء بغداد سيروا الأدلاء ~~إلى كل بلد في الطريق ينادون على الناس بأوصافه ويبرئون الذمة ممن يراه ولا يدل عليه، ~~ويجعلون لمن يسلمه عشرة آلاف دينار وزلفى تنفعه عند الخلفاء والأمراء. واتفق أنه صلى ~~الصبح يوما في جامع عمرو فعرفه بعض المصلين بوصفه وهو يهم بالخروج من المسجد وضرب بيده ~~على كم الإمام وقال له: «لقد حصلت لي عشرة ms108 آلاف دينار.» ~~••• # ولو رجل غيره في مثل ذلك الموقف العصيب لساخت به الأرض من الفزع، ولكنه التفت إلى ~~الرجل غير مكترث وسأله كأنه خلو الذهن من كل خبر: وكيف ذلك؟ قال: لأنك أنت الرجل ~~المطلوب. فضحك المهدي وعاد مع الرجل إلى المسجد وهو يقول له: «عليك عهد الله وغليظ ~~ميثاقه أنني إذا جمعت بينك وبين الرجل الذي تطلبه كان لي عليك ولصديقي هذا خمسة آلاف ~~دينار!» ولعله تفرس في الرجل الغفلة فأخذه إلى حلقة قد اجتمع الناس فيها، وأدخله من ~~جانبها وراغ منه. وأجمع النية في تلك اللحظة على فراق مصر والمبادرة بالمسير إلى ~~المغرب. # وفي مسيره إلى المغرب تعقبه والي مصر وأدركه وتردد في وصفه فأطلقه، ولاح عليه أنه ~~يحدث نفسه بلحاقه إذا تثبت من حقيقته، فما عتم المهدي أن عاد بعد انطلاقه يبحث عن كلب ~~من كلاب الصيد يتعلق به ابنه - وكانت تربيته لابنه كما تقول في مصطلح هذه الأيام تربية ~~رياضية - فوقع في نفس الوالي أن رجلا يعود بعد النجاة في طلب كلب لا يظن به أنه خائف ~~على حياته وأنه خارج في طلب الخلافة، وقال لأصحابه: «قبحكم الله. أردتم أن تحملوني على ~~قتل هذا حتى آخذه. فلو كان يطلب ما يقال، أو كان مريبا، لكان يطوي المراحل ويخفي نفسه، ~~ولا كان رجع في طلب كلب.» # وقد يكون الوالي أطلقه لمال أخذه منه كما يقول عريب بن سعد في تاريخه، وأنه خشي من ~~أصحابه أن يرتابوا فيه ويرفعوا أمره إلى رؤسائه وأن يلحقوا من ورائه بالمهدي وركبه، ~~فكانت حكاية الكلب هذه حيلة لتضليل أولئك الأصحاب وصرفهم عن المطاردة وعن الوشاية ~~بالوالي إلى بغداد. # ومن حزمه بعد مبايعته بالخلافة أنه بادر على الأثر إلى تجديد نظام الدعوة في المغرب ~~وفي مصر واليمن والعراق وخراسان، وحمله على هذا التجديد أن أمر الدعوة لم يكن مجتمعا ~~في يديه أيام استتاره، فتولى الدعاة ندب أعوانهم بغير مراجعة المهدي في اختيارهم، وتعود ~~هؤلاء الأعوان أن يتلقوا أوامرهم من الدعاة الذين ندبوهم واختاروهم، ms109 ولم تكن عاقبة هذا ~~النظام مأمونة على الخليفة الجديد ولا على الخلافة الناشئة، فإنه خليق أن يجعله عالة ~~على أتباعه، وأن يطمع هؤلاء في الاستبداد به وعصيان حكمه. فنقض نظام الدعوة وعزل رؤساء ~~الدعاة ولم يستثن أكبرهم - داعي اليمن ابن حوشب - ~~فعزله وهو الذي كان أستاذ دعاته في الأقاليم، وكان منهم عبد الله الشيعي الذي سبق ~~المهدي إلى المغرب واستقدمه إليها بعد التمهيد له وجمع القبائل على عهده، وقد رابه من ~~الشيعي هذا وأخيه العباس أنهما على اتصال خفي بزعماء القبائل، وأنهما يستكثران على ~~الخليفة أن يحصر السلطان في يديه، ونمى إليه أنهما يأتمران به ويبيتان النية مع زعماء ~~القبائل على قتله، فأمر بقتلهما وأظهر الرضى عن غيرهما ممن ظن فيهم الظنون، فجعل يفرقهم ~~في المناصب النائية كأنه يكافئهم ويعتمد عليهم، وهو في الواقع يقصيهم عن مواطن الخطر ~~ويوقع بينهم الحذر والمنافسة. ~~••• # وأطلق دعاته الجدد ومن أبقى عليه من الأقدمين يجوسون خلال الديار الإسلامية؛ ليبشروا ~~به ويخذلوا الأنصار حول أعدائه، فانطلق رسله إلى بلاد الأمويين بالأندلس وبلاد الأدارسة ~~بالمغرب، ونشط رسله في مصر واليمن والعراق وخراسان، وأخذ بيديه أزمة الثورات في كل ~~إقليم من تلك الأقاليم، فاستمهل أعوانه كلما تعجلوا الثورة وظنوا أنهم قادرون عليها وأن ~~الأوان قد آن للجهر بها، ورأى هو بثقاب نظره أن ثورة الأطراف قبل فتح مصر، أو قبل ~~المسير إليها، تغرير بالثوار، وأن الثورة بعد فتح مصر تتمة منتظرة قد تأتي عفوا وقد ~~تنشب دفعة واحدة مع سقوط هيبة الدولة العباسية، فلا يعيي الثوار بالخروج عليها في غير ~~حذر ولا ندم. وقد صح تقديره بعد تسيير الحملة على مصر وتجربة الموقف مرتين. # والراجح من المقابلة بين برامج المهدي أنه كان مقسور اليد في حملاته على مصر؛ كان ~~يوصي بالأناة والتريث حيث يفرغ العمل في التخذيل وكسب الأنصار، ثم يضرب القدر ضربة من ~~ضرباته التي تأتي على غير انتظار فيموت خليفة بغداد ويستحكم الشقاق بين قواده ووزرائه ~~ويغتنم الثائرون الفرصة قبل تمام الأهبة، وتتوارد الكتب إلى ms110 المهدي بالحض على الهجوم ~~فلا يملك القعود والاكتفاء بالنظر إلى هذه الأحداث من بعيد، ولا يبلغ من ثقته بجدوى ~~الهجوم أن يجمع له قوته ويترك المغرب خلوا من الجند مطمعة للمغيرين عليه والمنتقضين ~~ممن بايعوه على دخل في أول عهده، فينفذ إلى المشرق حملة اضطرار لا حملة اختيار، ~~كالحملة التي عقد لواءها للزعيم البربري حباسة، ثم حمله تبعة الإخفاق فيها والهرب ~~منها بعد أن وصل إلى الإسكندرية. ~~••• # أما الخطة التي يبدو أنه كان يؤثرها ويختارها فهي إرجاء الحملة على مصر إلى أن يفرغ ~~من شأن المغرب ويقضي على فتنه ومشاغباته، ويبتني فيه المدينة التي أزمع أن يتخذها حصنا ~~له ويحتمي به من المغيرين والمنتقضين، وقد شغلته فتن المغرب زمنا وأحرجته أيما إحراج ~~بعد مؤامرة عبد الله الشيعي وأخيه، فقمع الفتنة قمعا عنيفا لا رحمة فيه، ولم يسكن إلى ~~مقره بالمغرب إلا بعد الفراغ من بناء المهدية حوالي سنة خمس بعد الثلاثمائة، فقال ~~يومئذ: «لقد أمنت الآن على الفاطميات.» # ولم تفارقه طبيعة الحيطة والدهاء في بنائه للمهدية، فانتقى لها موقعا يحيط به البحر ~~من جهات ثلاث، وأقام عليها سورا من الغرب له بابان من الحديد زنة الواحد منهما ألف ~~قنطار، وبنى فيها الصهاريج وأجرى فيها القنوات، وجعل للمؤن أقبية تسع ميرة الحامية عدة ~~شهور، وانتحى جانبا ثم بنى على مقربة من المهدية مدينة أخرى سماها باسم زويلة إحدى ~~قبائل البربر التي تواليه، وخصص زويلة لدكاكين التجار ومخازنهم تخفيفا عن المهدية ~~وعزلا بين السكان ومرافقهم، وأفضى إلى خاصته بأنه إنما فعل ذلك ليأمن غائلتهم. قال: ~~«إن أموالهم عندي وأهاليهم هناك. فإن أرادوني بكيد وهم بزويلة كانت أموالهم عندي فلا ~~يمكنهم ذلك، وإن أرادوني بكيد وهم بالمهدية خافوا على حرمهم هناك، وبنيت بيني وبينهم ~~سورا وأبوابا فأنا آمن منهم ليلا ونهارا؛ لأني أفرق بينهم وبين أموالهم ليلا وبين ~~حرمهم نهارا.» # بعد هذا استعد للحملة الكبرى على مصر وعقد لواءها لولي عهده القائم فدخل الإسكندرية ~~سنة (307 للهجرة)، وتقدم إلى الجيزة واحتل الفيوم، ثم ms111 دهم الوباء جيشه وفتك بالألوف من ~~جنده وحيل بينه وبين المدد من المغرب بعد انهزام أسطوله؛ لأنه كان أضعف من أسطول ~~العباسيين. # ثم كانت الحملة الثالثة (سنة 321) وهو في وهن الشيخوخة، وقيل: إنه مات قبل أن يحكم ~~تدبيرها، وبلغ من هيبته بين أهل المغرب أن خليفته القائم كتم خبر وفاته سنة كاملة، ~~مخافة الانتقاض ممن أدنوا للحكم الجديد مهابة للمهدي ورهبة من نقمته. ~~••• # مات المهدي في سنة (322 للهجرة) وولد في تاريخ مختلف عليه بين (سنة 255 وسنة 260 ~~للهجرة) وبويع له بالخلافة وهو في نحو الأربعين، فكانت مدة حكمه أربعا وعشرين سنة، ترك ~~الدولة بعدها وقد استقر بنيانها ورسخت أركانها ودانت لها الدول التي كانت تنازعه في ~~المغرب وصقلية من الأغالبة والأدارسة ومن يؤازرهم من الأمويين بالأندلس والعباسيين ~~ببغداد، ولم يعرف عنه طوال أيامه بالمغرب حاكما أو غير حاكم أنه فرغ لمناعم نفسه أو ~~غفل يوما عن سياسة ملكه، وكانت له زوجة واحدة، وانقضت حياته وفي سيرته رد بلسان الحال ~~لا بلسان المقال على الذين رموه بالانتماء إلى أعداء الدين، بل أعداء الأديان وأنه ~~تواطأ سرا مع رسل الفساد والغواية لاستباحة المحرمات والإغراء بالفجور. ولو لم يكن ~~كذلك لما أبقى بعده ملكا مؤسسا يغالب عوادي الدهر من أول القرن الرابع إلى نهاية ~~القرن السادس، أو يغالبها بآثاره الباقية إلى اليوم. # الفصل السادس عشر # | المعز لدين الله # واحتاجت الدولة إلى التوطيد بعد التأسيس فقام بالقسط الأوفى من هذه المهمة ابن حفيده ~~الملقب بالمعز لدين الله، وهو الخليفة الذي فتحت مصر وبنيت القاهرة في عهده، ونقل مقر ~~الملك إليها بعد انقضاء أربعين سنة على وفاة جده الكبير، وقيل: إنها كانت نبوءة ممن ~~يحسبون الأوقات في مراحل التاريخ بالأربعينات. # تولى الملك بعد المهدي ابنه «القائم بأمر الله» ثم المنصور بأمر الله، وكلاهما جدير ~~بأمانة ميراثه وإن لم يبلغ من العظمة مبلغ المؤسس من قبله أو مبلغ الموطد من بعده، فعزز ~~القائم الأسطول واحتل الشواطئ الإيطالية حتى ثغر جنوة؛ حماية لبلده من غارة ms112 القراصنة، ~~ومات قبل التمكن من صد الخوارج الذين أطمعهم فيه موت أبيه، ولولا اعتصامه بالمهدية ~~لدالت الدولة كلها في عشرة أعوام. وارتقى ابنه المنصور إلى العرش فاجتاح الخوارج أمامه ~~وأسر زعيمهم القوي ابن كنداد وشتت جموعه، ثم تردد بين صد الأمويين الذي أغاروا على ~~مراكش في هذه الأثناء وبين صد الإفرنج الذين خيف منهم على شواطئه، فوزع قواه بين هؤلاء ~~وهؤلاء ليقف زحفهم ولا يخلي الطريق أمام أحدهم. ومات مجهدا في سنة (341 للهجرة)، ~~فارتقى العرش ابنه «معد أبو تميم» المعز لدين الله الذي كان بحق صاحب دور التوطيد بعد ~~انتهاء دور التأسيس. ~~••• # قلنا في كتاب «عبقرية خالد»: «إن ولاية أبي عبيدة على الشام كانت لازمة بعد ولاية ~~خالد؛ لأن الدول تحتاج بعد دور الفتح إلى غصن الزيتون مع السيف.» # وقد كان هذا شأن المعز في المغرب بعد جده. فإنه كان يحسن المجاملة إلى جانب البأس ~~والصرامة، وكانت نشأته نشأة علم وفروسية أو نشأة غلبة بالبرهان وغلبة بالسيف ~~والصولجان. # كان المعز يحضر دروسه على أساتذته والحرب قائمة والمهدية محصورة، فكان يتلقى دروس ~~الفروسية علما وعملا ولما يفرغ من مراجعة الطروس والأسفار، وتعلم لغات الأمم التي ~~تتصل بالخلافة الفاطمية جميعا، فكان يحسن البربرية والرومية والإيطالية والنوبية، ~~ويتوسع في علوم العربية، وكان له شعر ونثر يميل فيهما إلى المحسنات؛ لانتشارها على ~~الألسنة والأقلام في تلك الأيام. # ويروى عن أنفته من الجهل أنه سمع من بعض خدمه كلمة صقلية لا يعرفها واعتقد أنها كلمة ~~شتم ومهانة فحفظها، وأنف أن يسأل عن معناها ولم يبرح حتى أتقن علم تلك اللهجة فإذا ~~بالكلمة من أرذل شتائمها، وقد أنف من جهلها فأصبح يأنف من أن يواجهه أحد بمثلها. # وبويع له بالخلافة وهو في الرابعة والعشرين، فهمه أول الأمر أن يستوثق من أمنع ~~المعاقل التي يعتصم بها الخارجون على الدولة، فصعد إلى جبل أوراس وفيه من القبائل من لم ~~يكن قد دخل في طاعة آبائه فبايعوه، وأسرع إليه المخالفون يتقربون إليه لما أنسوه من ~~مودته وكرمه. # وأظهر ms113 ما ظهر من خصال المعز التي يتصف بها بناة الدول أنه كان حريصا على الانتفاع ~~بالتجارب والعبر، وأنه كان يحسن اصطناع الرجال، وأنه كان يجيد الفراسة في أحوال الأمم ~~واغتنام الفرصة من بينها لما يترقبه ويعقد العزيمة عليه. # فلم ينس هزيمة الأسطول في الحملة على مصر، ولم يزل حتى أمن على شواطئه واستطاع بقوته ~~البحرية أن يرد أساطيل الروم عن بلاده وعن جزر البحر الخاضعة لحكمه. ثم جدد حفر ~~الآبار في الطريق إلى مصر؛ ليأمن قطع الزاد والماء عن جيشه. # ومن اصطناعه للرجال أنه كان يستخلص الخدام والأعوان ولا يغار من تعظيمهم بين يديه، بل ~~يأمر الشعراء أن ينظموا القصائد في مدحهم ويأذن لهم أن يخاطبوهم بها في حضرته. وكذلك ~~أمر شعراءه أن يمدحوا قائده جوهر الصقلي، وأمر العظماء والكبراء أن يترجلوا عند توديعه، ~~ولما تم لجوهر فتح مصر وأرسل وكيله الكتامي جعفر بن فلاح لفتح الشام تخطى الوكيل جوهرا ~~عند تبليغ بشارة الفتح إلى المعز، فلم يبدأ بإبلاغه إلى رئيسه «المباشر» ليبلغها من ~~جانبه إلى الخليفة، فغضب المعز على جعفر بن فلاح ورد إليه كتبه ليعيدها من طريق جوهر ~~إليه. # ومن اصطناعه للرجال أنه كان يعفو عن الشجعان من أعدائه ويوقع في نفوسهم الأمن ~~والطمأنينة بالتجربة بعد التجربة؛ حتى يمحضوه الطاعة خالصة بغير ريبة. ومن المشهور عنه ~~أنه كان إذا لقى أحدا من مخالفيه تركه ينصرف وهو يحسبه من حزبه ورأيه، ولعل هذا كان ~~سبب الإشاعة التي تواترت بين الرهبان والقسوس بتنصره وبقائه على النصرانية، فإن الخبر ~~الذي جاء في كتاب «الخريدة # 1 # النفيسة في تاريخ الكنيسة»، لأحد الرهبان يقول: إنه اعتزل الملك وترهب ~~ومات فدفن في مقبرة أبي سيفين، ويقال في سر ذلك: إنه تحدى البطرق إيرام أن يزحزح الجبل ~~فجاءه بمن زحزحه على ملأ من الأمراء والكبراء وقادة الجند ورؤساء الدواوين. # والثابت من الأخبار يغني عن هذه الإشاعات، فإن الخليفة المعز أمر قائده جوهرا ألا ~~يتعرض لمخالف في الدين ولا في المذهب بما يعطل شعائر دينه أو ms114 مذهبه، وأطاع جوهر مولاه، ~~فبنى الدير الذي عرف بدير الخندق بديلا من الدير الذي أصابه الهدم عند تمهيد الأرض ~~لبناء القاهرة، وجاء المعز فجدد كل ما تهدم من الصوامع والبيع # 2 # وجدد كنيسة «مركوريوس» التي تسمى بكنيسة أبي سيفين؛ (لأن القديس كان يرسم ~~على صهوة جواد وفي يديه سيفان). وقيل: إنه أمر بإقامة البناء على المجذوب الذي أثار ~~الدهماء استنكارا لبنائها وآلى ليبقين في حفرة الأساس حتى يقام عليه، فلم ينقذه من ~~مصيره إلا شفاعة البطرق له عند الخليفة. # فهذا وما جبل عليه المعز من المجاملة وما تعوده من الترحيب في مجلسه بالمتناظرين في ~~الأديان والمذاهب هو على التحقيق أصل تلك الإشاعة عن مدفنه في مقبرة الكنيسة، ولعلها ~~إشاعة نبتت بعد عصر المعز بعدة سنين، يوم كانت هذه الإشاعة وما إليها موئل العزاء في ~~أيام الخليفة الحاكم المخبول، لمن كان يضطدهم من المخالفين وبينهم مسيحيون ومسلمون من ~~الشيعة والسنيين. ~~••• # ومن تفرسه في استطلاع أحوال الأمم واغتنام الفرص أنه عول من اللحظة الأولى على فتح ~~مصر ونشر فيها العيون والدعاة. وجاءه من مصر وزراء يستعجلونه ويستحثونه، وتلاحقت ~~الأنباء بسوء الحال واشتداد الغلاء وفتك الوباء، فلم يعجله ذلك كله كما أعجله ما سمعه ~~عن تدهور الأخلاق بين ولاة الأمر. ومنه في رواية المقريزي أن صبية عرضت في مصر للبيع ~~وطلب فيها البائع ألف دينار، «فحضر إليه في بعض الأيام امرأة شابة على حمار لتطلب ~~الصبية فساومته فيها وابتاعتها منه بستمائة دينار، فإذا هي ابنة الإخشيد محمد بن طغج ~~وقد بلغها خبر هذه الصبية، فلما رأتها شغفتها حبا فاشترتها لتستمتع بها.» # قال المقريزي: «فعاد الوكيل إلى المغرب وحدث المعز بذلك فأحضر الشيوخ وأمر الوكيل ~~فقص عليهم خبر ابنة الإخشيد مع الصبية إلى آخره، فقال المعز: يا إخواننا! انهضوا لمصر ~~فلن يحول بينكم وبينها شيء، فإن القوم قد بلغ بهم الترف إلى ان صارت امرأة من بنات ~~الملوك فيهم تخرج بنفسها وتشتري جارية لتتمتع بها، وما هذا إلا من ضعف نفوس رجالهم ~~وذهاب غيرتهم، ms115 فانهضوا لمسيرنا إليهم.» # وقد كان الفاطميون يحبون المواسم والمواكب ويبتدعونها ويشجعون الرعية عليها، ولكن ~~المعز - على خلاف المعهود من سياسة أسرته - حظر الاحتفال بالنوروز بعد وصوله إلى مصر ~~منعا للتبذل الذي شاع فيه على آخر أيام الإخشيديين؛ وتطهيرا للأخلاق مما أصابها في ~~تلك الأيام وأدرك منه المعز أنه نذير بزوال ملك بني الإخشيد. # وقدم جوهر إلى مصر في سنة (358 للهجرة)، فاشترط عليه وجوه الأمة ورؤساؤها قبل ~~التسليم أن يؤمنهم على عقائدهم ومألوفاتهم، فكتب لهم عهد أمانه الذي قال فيه: «ذكرتم ~~وجوها التمستم ذكرها في كتاب أمانكم، فذكرتها إجابة لكم وتطمينا لأنفسكم، فلم يكن في ~~ذكرها معنى ولا في نشرها فائدة؛ إذ كان الإسلام سنة واحدة وشريعة متبعة، وهي إقامتكم ~~على مذهبكم وأن تتركوا على ما كنتم عليه من أداء المفروض في العلم والاجتماع عليه في ~~جوامعكم ومساجدكم وثباتكم على ما كان عليه سلف الأمة من الصحابة - رضي الله عنهم - ~~والتابعين بعدهم. ولكم علي أمان الله التام العام الدائم المتصل الشامل الكامل ~~المتجدد المتأكد على الأيام وكرور الأعوام.» # ووضع جوهر أساس القاهرة، ولم يشأ المؤرخون أن ينسوا شهرة الفاطميين برصد النجوم - وهي ~~شهرة صحيحة - فقالوا: إنها سميت بالقاهرة؛ لأن المهندسين أقاموا على أسسها حبالا ~~وعلقوا في الحبال أجراسا ليسمعها العمال عند حلول الرصد المطلوب، وإن غرابا وقع على ~~الحبال والمريخ في الفلك فاهتزت الحبال وأخذ العمال في وضع الحجارة، فسميت المدينة باسم ~~القاهر الذي يطلقه المنجمون على المريخ؛ لأنه كان في معتقد الأولين إله ~~الحروب! ~~••• # هذه القصة «أولا» تروى عن بناء الإسكندرية. # وهي «ثانيا» لا تعقل؛ لأن النجوم ترصد ليلا والغربان لا تطير بالليل، ولو طارت ~~ليلا أو نهارا لما كانت وقعة غراب على حبل كافية لدق الأجراس على جميع الأسوار، ولو ~~كانت الأجراس تدق بهذه السهولة لدقت قبل وقوع الغراب على الحبل لأسباب كثيرة تحرك ~~الحبال كما تحركها هزة الغراب، ولو كان تحقيق الرصد مبنيا على العلم لا على الرؤية ~~لأمكن أن يبدأ التأسيس في ساعة معلومة بغير حاجة ms116 إلى الأجراس. # ثم من قال: إنه غراب وهو مجهول؟ وكيف عرفوه، والمظنون أن المهندسين هم الذين حركوا ~~الحبال؟ ولم لا يكون طيرا آخر أو جملة من الطير؟ # وقد رويت القصة وتناقلها المؤرخون وتقبلها الكثيرون، وفي التنبيه إلى ما فيها من الإحالة # 3 # عبرة لمن يصدق السمعة التي تخلقها الأقاويل من هذا القبيل. # واتبع جوهر سنة دولته في تخطيط المدن وتشييد العمائر، فإنهم تعودوا أن يبدأوا ~~بتجديد المعالم والشارات؛ ليستشعر الناس ألفة العهد الجديد بالنظر والسمع شيئا فشيئا ~~قبل مطالبتهم بتغيير ما توارثوه وثبتوا عليه، فشرع جوهر في بناء مسجد العاصمة الجديدة ~~(359 للهجرة)، وسماه الجامع الأزهر على اسم الزهراء في أرجح الأقوال، وكأنه أراد أن ~~يستغني بالعاصمة الجديدة ومسجدها عن القطائع عاصمة الطولونيين ومسجدها المشهور بمسجد ~~ابن طولون، وعن الفسطاط ومسجدها المشهور بالمسجد العتيق، وكلتاهما - أي القطائع ~~والفسطاط - كانت عاصمة للقطر في أوانها، واستحدث الأمراء بعد خراب القطائع عاصمة خارج ~~الفسطاط سموها العسكر، ثم أنشأ الفاطميون القاهرة معقلا ومقاما كدأبهم في تجديد ~~المعالم والشارات على ما ألمعنا إليه. ~~••• # وبعد فراغ جوهر من بناء القصور التي أعدت لإقامة الخلفاء أبلغ المعز فقدم إلى ~~الإسكندرية (شعبان 362 للهجرة)، وجلس لاستقبال رؤساء المدينة والوافدين إليها للتسليم ~~عليه، ثم خطبهم قائلا: إنه لم يقصد إلى مصر طمعا في زيادة ملك أو مال؛ وإنما قصد ~~إليها لتأمين الأنفس وحماية طريق الحج ودرء الغارة عن ديار الإسلام، وهو كلام يقول مثله ~~كل فاتح، ولكنه كان في برنامج المعز خطة تمليها الضرورة عليه؛ لأن تأمين الطريق إلى ~~الحجاز كان ضمانا لاستقرار الدولة الفاطمية ودفع الشبهات عنها؛ إذ كان القرامطة يعملون ~~باسمها وكان أعداء الدعوة الفاطمية يشيعون عن القوم أنهم يقطعون طريق الحج عملا بمذهب ~~الإسماعيليين ويزعمون أن الإسماعيليين يسقطون الحج من الفرائض، فكان تأمين طريق الحجاز ~~من قبل مصر والشام خطة تقضي بها مصلحة الحاكم والمحكوم، ولم يلبث المعز في القاهرة سنة ~~واحدة حتى تفاقم خطب النزاع بينه وبين القرامطة، وأعلن البراءة منهم وأعلنوا الخروج ~~عليه، وزحفت ms117 جموعهم إلى مصر ومعها قبائل البادية التي تطلب الغنيمة وتخشى من عواقب ~~تأمين الطريق، فاستعد لهم المعز بعدة الحيلة حقنا للدماء، وأرسل إلى زعيم القبائل ~~البدوية حسان بن الدراج الطائي من يطمعه بالمال إذا تراجع وتنحى عن أصحابه، ووعده بمائة ~~ألف دينار، فقبل الصفقة، وخرج المعز للقتال على اتفاق بينه وبين ابن الجراح أن ينهزم ~~هذا بجموعه عند التقاء الصفوف، وقد فعل وحمل معه أكياس الدنانير، ولكنها لم تحو من ~~الدنانير الصحاح غير مئات تبدو على وجه الأكياس ومن تحتها قطع النحاس المذهبة يخفيها ~~الزعيم المخدوع جميعا عن شركائه، ودارت الدائرة على القرامطة في ذلك اليوم فقنعوا من ~~الغنيمة بالإياب، ودبت المخاوف والشكوك بينهم وبين أصحابهم فلم يرجعوا بعدها إلى ~~غاراتهم على مصر. # ولم ينته عهد التوطيد بانتهاء عهد المعز (في سنة 365 للهجرة)، فإن ابنه العزيز الذي ~~تولى الملك بعده كان من كفاة الملوك، وكانت طاعته غالبة على المغرب ومصر وجزيرة العرب، ~~لا تخرج عليه خارجة فيها إلا عجل بقمعها وأعاد الأمور في أرجاء الدولة إلى نصابها، ~~ولكنه مات (سنة 386). وقد بدأت في أيامه دسائس القصور وسياسة الحريم، وتناثرت هنا وهناك ~~بذور الانحلال التي اختفت إلى حين في إبان نضرة الدولة وزهوها، ثم برزت وتفرعت مع إدبار ~~الأمور وتعاقب الضعفاء من الأمراء. # الحاكم بأمر الله # قام بعد العزيز على سرير مصر أسطورة في شخص إنسان، لو لم يكن تاريخه خبرا يقينا ~~لشك فيه المؤرخون أو جزموا بإنكاره؛ إذ كان مجموعة من النقائض والغرائب يكذب بعضها ~~بعضا ولا يتصور العقل لأول وهلة أنها تصدر من إنسان واحد. # ذلك هو الحاكم بأمر الله. # كان يعمر ويخرب، وكان يلين ويقسو، وكان ينهي عن المراسم ثم يفرض منها ما يشبه ~~العبادة، وكان يجيز شعائر أهل السنة وأهل الذمة ثم يمنعها ويبطش بمن يعلنها. وكان ~~يحرم المباح ويبيح الكفر البواح، وكان يبدل الليل بالنهار والنهار بالليل، فمن ~~فتح دكانا بالنهار جلده ومن أغلق دكانا بالليل رماه بالعصيان، وكان يعتق العبيد ~~والإماء ويفرق عليهم الهبات ms118 والأرزاق ثم يستعبد الأحرار ويدينهم بما يأنف منه ~~الأرقاء، كان يخرج إلى غيران الجبل في الظلام ويختبئ في حجرات قصره منذ مشرق ~~الشمس إلى المغيب، وكان يدعي علم الغيب ويعاقب من يحرس ماله ومتاعه كأنه يشك فيه، ~~ثم يحاسب على الصغائر التي يغفرها المتنطسون. # قال ابن خلدون: «إن حاله كان مضطربا في الجور والعدل، والإخافة والأمن، والنسك ~~والبدعة». وقال ابن خلكان: «إنه كان جوادا سمحا، خبيثا ماكرا، رديء الاعتقاد، ~~سفاكا للدماء، قتل عددا من كبراء دولته صبرا، وكان عجيب السيرة يخترع كل وقت ~~أمورا وأحكاما يحمل الرعية عليها.» # ولم يذكر عن ملك في أحوال العقيدة ما ذكر عن هذا الحاكم بأمر الله، وبأمره، وبأمر ~~المأمورين والأمراء. # فمن مؤرخي القبط من يقول: إنه مات على النصرانية، ومنهم من يقول: إنه كان يعبد ~~المريخ ويتوهم أنه يراه ويتحدث إليه، ومن مؤرخي السنة من يقول: إنه ادعى الربوبية، ~~ومن أتباعه اليوم من ينفي الموت عنه ويزعم أنه صعد إلى السماء ليعود إلى الأرض في ~~آخر الزمان، وأطبقت النقائض على تاريخ حياته بتاريخ وفاته، فلم يعلم أحد متى مات ~~وكيف مات. # وفي رأينا بعد هذا أن سيرة الحاكم هي أعجب السير وأوضح السير في وقت واحد. # هي أعجبها في موازين النصوص والأوراق، وهي أقلها عجبا في ميزان علم النفس الذي ~~لم ينفصل عن التاريخ قط في الكلام عن دولة كما انفصل عنه في الكلام على ملوك هذه ~~الدولة. # واضح من تطبيق علم النفس على أعراض هذا الرجل أنها حالة من حالات الهوس بالأسرار ~~أو الحالات التي تعرف بهوس الغموض # Mystic ~~Hallucinosis ~~. # وأصحاب هذه الحالة مستغمضون مولعون بالأسرار، يفرطون في التفاؤل والتشاؤم ~~لإيمانهم بالرموز، واعتقادهم أن الغيب يتحدث إليهم عن مكنوناته بتلميحات من الحوادث ~~والمعاني المزدوجة التي تحمل في أطوائها ما ينم عليه ظاهرها للعارفين، وإذا غلا ~~الظن بأصحاب هذه الحالة كانت من الحالات التي تختلط بمرض الاضطهاد، فيقع في روع ~~المريض أن الناس يضمرون له الشر، ويتعقبهم بالتجسس والاستطلاع، وينتقم منهم للوهم ~~العارض والشبهة ms119 الكاذبة؛ لأنه يصدق كل خبر عنهم غير الخبر الصراح. # ويسكن المتهوسون بالأسرار إلى مناظر الظلام، ويستهويهم الليل بخفاياه، وتروقهم ~~الوحدة في الخلوات. # وليس المصاب بهذه الحالة مجنونا ذاهل الحس عما حوله في جميع الأوقات؛ بل هي ~~نوبات تعتريه ولا تمنعه أن يبدع إبداع العباقرة والموهوبين في بعض الفنون. # أما علة هذا المرض فأنصار فرويد يرجعون بها كعادتهم إلى صدمات الطفولة وأزماتها ~~التي ترتبط بالجنس على الخصوص، فتكمن في الوعي الباطن وتتمكن منه على غير علم من ~~ضحيتها، حتى تنفجر دفعة واحدة أو رويدا رويدا في مقتبل الشباب. # وغير «الفرويديين» يعللونها باضطراب الحواس ولا سيما حاسة السمع وحاسة البصر، ~~فيتوهم المريض أنه يرى ويسمع ما ليس يراه الأصحاء ولا يسمعونه، ويحدث أحيانا أن ~~ينظر إلى الشيء الماثل فلا يراه، ويصغي إلى الصوت البين فلا يسمعه، وقد يتفقون مع ~~جماعة فرويد في الرجوع بالعلة إلى صدمات الطفولة وأزماتها دون أن يربطوها بالمسائل ~~الجنسية. # هذه الأعراض كلها ظاهرة فيما روي عن الحاكم من شتى المصادر، ولم يكن الحاكم بمعزل ~~عن البيئة التي تندس فيها الآفات إلى نفس الطفل الناشئ؛ فقد نشأ الحاكم كما أسلفنا ~~في عهد دسائس القصور وسياسة الحريم، وتركه أبوه وهو في الحادية عشرة من عمره، وأقام ~~على وصايته ثلاثة متنافسين هم المملوك برجوان والقاضي محمد بن النعمان والحسن بن ~~عمار زعيم قبائل البربر من كتامة، وأول هؤلاء برجوان كان غارقا في دسائس القصور ~~وسياسة الحريم. # وقد أحاطت هذه الدسائس بالحاكم وهو في سن الخطر؛ لأنه لم يكن من الطفولة بحيث ~~يجهل ما حوله، ولم يكن من الفتوة بحيث يدرك ما يحاط به ويملك الوسائل إلى استطلاعه. ~~كان في الحادية عشرة، وكانت كل خفية من خفايا الدسائس تغريه بالتطلع وتوسوس له ~~بالريبة والتساؤل. فإذا كان مع هذا قد نشأ في بيئة التنجيم وكبر وهو يصغي إلى ~~أحاديث الباطن والظاهر وأسرار الغيوب التي تنكشف للواصلين من الأئمة، فلا عجب في ~~ابتلائه بتلك الآفة، آفة الهوس بالأسرار أو الولع بوساوس الغموض، ثم يجهز ms120 على ~~البقية الباقية من عقله أولئك الوزراء والعشراء الذين يتلمسون مواطن الضعف في نفوس ~~الأمراء الناشئين فيمعنون في استغلالها ويبالغون في تحسينها وتزيينها، كما فعل ~~الدرزي والأخرم من حاشية الحاكم المقربين؛ إذ قيل: إنهم وسوسوا له بمذهب الحلول ~~وخاطبوه مخاطبة الأرباب، وأطبقت آفة الاطلاع المضلل على آفة الاستطلاع ~~المكبوت. # ولم يكن الحاكم من المسرفين في الشهوات فتختل أعصابه من قبل الإسراف، ولم يكن ~~يعاقر الخمر أو يستطيبها بل كان يحرمها وينهى عنها، ولم يشرب النبيذ إلا بإلحاح ~~طبيبه الذي خطر له أن يعالجه بإدخال السرور إلى نفسه في مجالس الغناء مع يسير من ~~الشراب، وإنما «عرض له - كما قال الطبيب يحيى الأنطاكي في تاريخه - تشنج من سوء ~~مزاج يابس في دماغه، وهو مزاج المرضى الذي يحدث في المالنخوليات، واحتاج في مداواته ~~منه إلى جلوسه في دهن البنفسج وترطيبه به، وإن كثرة سهره أيضا وشغفه بمواصلة ~~الركوب والهيمان الدائم مما يقتضيه هذا السوء المتقدم ذكره، وإن أبا يعقوب إسحاق بن ~~إبراهيم بن أنسطاس لما خدمه استماله إلى أن تسامح في شرب النبيذ وسماع الأغاني بعد ~~هجره لها ومنع الكافة منها، فانصلحت أخلاقه وترطب مزاج دماغه واستقام أمر جسمه، ~~ولما مات أبو يعقوب وعاد إلى الامتناع عن شرب النبيذ ومن سماع الغناء رجع إلى ما ~~كان عليه.» # تلك هي خلائق الحاكم كما يصورها علم النفس، ولا يصور لنا فيها شيئا من تلك ~~الأعاجيب التي يستغربها مؤرخو النصوص والأوراق؛ فإن طفلا يصاب بالتشنج وتحيط به في ~~سن المراهقة دسائس القصور التي تحيط بالملوك الصغار، وينشأ وهو يسمع الأحاديث عن ~~التنجيم وأسرار البواطن والغيوب، ثم يبتلى من حوله بالمتزلفين والمنقبين عن مواطن ~~الضعف في نفسه الحائرة - غير بدع أن يصاب بهوس الأسرار، وأن تصدر منه تلك ~~النقائص التي ينساق فيها على الرغم منه، أو التي ينساق فيها مختارا؛ لأنه يتوهم ~~أنه يروض نفسه بالتقشف والتهجد، # 4 # وحمل الناس عليها، والتقرب إلى الله بعقاب من ينحرف عنها، فتنكشف له ~~الحجب التي لا تزال مسدلة دونه، ms121 ويتهم نفسه كلما خفيت عليه مساتيرها بنقص في ~~الرياضة وقصور في العبادة، فلا يزال دهره بين خشوع العابد ومحاولة اليائس، وقلق ~~الحائر وإيمان المستريح إلى الظنون، ودعوى المصدق لما يلقى عليه مما يستريح ~~إليه. # وسواء صح أن نكبة الحاكم كانت إحدى جرائر «الحريم» ودسائس القصور، أو كانت نكبته ~~جريرة المرض وحده؛ فقد صدقت فراسة المعز في عاقبة التكثر من الزوجات والجواري، ~~وأخذت سياسة القصور تتشعب وتستشري # 5 # حتى تناولت كل شيء في الدولة والمجتمع، وكانت جرائرها آخر الأمر شرا ~~قائما بذاته وشرا محسوبا عليه سائر الشرور؛ لأنه كان حائلا دون اتقائها ~~ومنعها، كما كان حائلا دون معالجتها بعد وقوعها. # فمن جراء دسائس القصور تعددت قوى الجيش وشجرت # 6 # بينها نوازع الشقاق تبعا لاختلاف الأحزاب في كل حريم، فكان للدولة قوة ~~من الترك وقوة من السودان إلى جانب القوة التي كانت لها من البربر والعرب، وأصبح ~~حراس الأمن أول المزعجين للآمنين ولأنفسهم وللقادة والحكام. # ولم يمض غير جيل واحد على قيام الدولة في مصر حتى ابتليت بسياسة «البيروقراطية» ~~أو تحكم الدواوين، فوق ما ابتليت به من سياسة الحريم. # وسبب هذه الآفة ولاية بعض الخلفاء في سن الطفولة وولاية خلفاء آخرين كالأطفال وإن ~~بلغوا مبلغ الرجال؛ فقد ركنوا إلى ترف القصور وقنعوا من الوزراء بجلب المال إليهم ~~كلما طلبوه، فقبض الجباة ورؤساء الدواوين والوزراء على أزمة الثروة وعلى أزمة ~~السياسة، وطمعوا لأنفسهم ولسادتهم فاستباحوا المصادرة وجمع الإتاوات من الرشوة ~~والإرهاب؛ عدا ما يجمعون من الضرائب في غير موعد. # والمصائب لا تأتي فرادى كما يقال؛ فإن المجاعة من الداخل وهجوم الصليبيين وغير ~~الصليبيين من الخارج قد أصاب الدولة بعجز فوق عجز حتى تعذر عليها التماسك والدفاع، ~~فحق عليها القول. # وقد سمي عصر الخليفة «المستنصر» بالعصر الذهبي في الدولة الفاطمية مع ما كان ~~يتخلله من القحط والمجاعة والوباء، وما سمي عصره بهذا الاسم لأنه صنع فيه شيئا ~~خلال ستين سنة قضاها على العرش منذ جلس عليه وهو في السابعة (سنة 427 هجرية) إلى أن ms122 ~~مات وهو يدلف # 7 # إلى السبعين، ولكنه كان عصرا كموسم الحصاد الذي تبرز فيه الثمرات ~~والأشواك، وتنضج فيه السنابل وما يحملها من الهشيم الذي ستذروه الرياح عما قريب أو ~~تطعمه النار ذات الوقود. # فلما مات تعاقب بعده على الخلافة من لا يحسب من البناة ولا من الهادمين، وإنما هو ~~مهدوم تتداعى تحته قواعد الملك، وقد يفارقها وهو قتيل. # وكان بنو أيوب قد أخذوا بزمام السلطان في مصر قبيل انتهاء الدولة الفاطمية، فلما ~~استقر الرأي في أيام صلاح الدين على الدعاء للخليفة العباسي بدلا من الخليفة ~~الفاطمي الملقب بالعاضد، تجاوبت المنابر بالدعاء الجديد، ولم يعلم به الخليفة الذي ~~تحول عنه الدعاء؛ لأنه كان يجود بنفسه في مرض الوفاة، فكانت سنة سبع وستين وخمسمائة ~~للهجرة هي خاتمة الأجلين: أجل الخليفة الذي عمر إحدى وعشرين سنة، وأجل الدولة ~~التي عمرت بين المغرب ومصر مائتي سنة وسبعين. # وقد عزل أمراء الدولة بعد موت عميدها منفردين لينقرضوا بغير عقب، وقال المقريزي ~~عن صلاح الدين والخليفة الأخير: «وأضعف العاضد باستنفاد ما عنده من الأموال، فلم ~~يزل أمره في ازدياد وأمر العاضد في نقصان. ومنع العاضد من التصرف حتى تبين للناس ما ~~يريده من إزالة الدولة. فلم يبق للعاضد سوى إقامة ذكره في الخطبة. هذا وصلاح الدين ~~يوالي الطلب منه كل يوم ليضعفه، فأتى على المال والخيل والرقيق وغير ذلك حتى لم يبق ~~عند العاضد غير فرس واحد فطلبه منه وألجأه إلى إرساله، وأبطل ركوبه من ذلك الوقت ~~وصار لا يخرج من القصر.» # هذه قسوة لم يحسبها التاريخ على صلاح الدين؛ لأنها من قسوة الزمن وجناية الأسلاف ~~على الأخلاف، أو هو قد حسبها في حساب الموازنة بين المناقب والمعائب، وبين حكم ~~المروءة وحكم السياسة المشنوءة # 8 # وبين القضاء الذي يجريه صاحبه، والقضاء الذي يجري على قاضيه فيجزيه ~~وكأنه يعاقبه، فرجحت كفة الإقبال وهو دائم الرجحان، ودالت دولة الزوال فشالت # 9 # كفتها في ميزان الزمان. # الفصل السابع عشر # | حضارة متحضرة # إذا استثنينا الحضارات المصرية الأولى في أيام الفراعنة ms123 جاز أن يقال: إن حضارة مصر في ~~عهد الفاطميين لم يعرف لها نظير بعد الميلاد، ولا استثناء لعهد البطالسة؛ لأنه عهد غلبت ~~فيه الصبغة الأجنبية على الصبغة الوطنية، خلافا للحضارة في أيام الفاطميين، فإن صبغتها ~~المصرية كانت غالبة على كل صبغة، ومن ثم لم تتكرر في وطن آخر على هذه الصورة، وبقيت مصر ~~على مذهبها الديني الذي كانت عليه قبل قيام الدولة بين ربوعها. # وتصدق كلمة الحضارة هنا على كل حضارة تقاس بمقياس الثقافة أو مقياس الصناعة أو مقياس ~~الثروة أو مقياس الشئون الاجتماعية. # فلم توجد في مكتبة بعد مكتبة الإسكندرية خزائن للكتب كالخزائن التي وجدت في القصر ~~الشرقي، وتفاوت تقديرها بين ستمائة ألف مجلد ومليونين، حسب اختلاف التقدير على ما يظهر ~~بين عدد الكتب وعدد النسخ، وقد كان فيها لبعض الكتب عشرات من النسخ للإعارة أو ~~الاطلاع. # وتنافست القصور في اقتناء الكتب النادرة، فكان في كل قصر مكتبة تحتوي عشرات الألوف من ~~كتب الفقه والأدب والرياضة والطب وسائر العلوم. # وكان الخليفة يزور المكتبة العامة من حين إلى حين فيترجل ويخلع نعله، وتعرض عليه ~~الكتب الواردة ليأذن بوضعها في الرفوف. # وأنشئت دار الحكمة ودار العلم، هذه للمعلمين وتلك للمتعلمين، وفتحت فيهما مجالس ~~المناظرة والمحاضرة، يخصص منها قسم للرجال وقسم للنساء، وتنقل المناظرة أحيانا إلى قصر ~~الخليفة فيشترك فيها أو يشرف عليها، ويأذن لكل ذي رأي أن يدلي برأيه فيها، وإن خالف به ~~إجماع الآراء. # وشاعت بين العامة ثقافتهم التي ترضيهم من ملاحم التاريخ المنثور أو المنظوم؛ فلم يكن ~~مجلس من مجالس السمر العامة يخلو من القصاصين أو الشعراء المنشدين، يسمعون جمهرة الناس ~~طرفا من التاريخ الشعبي والقصص الشعبية، عدا مجالس الوعظ والتفقيه التي تفتح للقصاد في ~~المعاهد أو المساجد من صلاة الفجر إلى صلاة العشاء. # وفي عهدهم أصلحت الدواوين، ونظمت وسائل الري، وأعيدت مساحة الأرض، وفكروا في بناء ~~الخزان عند أسوان. # وتقدمت الفنون والصناعات، وتنافس الفنانون والصناع في هندسة البناء، وفي النقش على ~~الجدران والحفر على الحجارة الكريمة، وشوهدت رسوم ms124 على النسيج تحاكي اللوحات الفنية في ~~دقة التصوير وجمال التلوين، وبلغ فن التصوير البارز والتصوير الغائر غاية ما يبلغه في ~~عصر من العصور، وصيغت التماثيل من المعادن والجواهر فأوشكت قيمة المعدن المرتخص أن ~~تناظر قيمة المعدن النفيس بفضل الصناعة والإتقان. # وقد ألف الوصافون إذا بالغوا في وصف العجائب أن يشبهوها بعجائب ألف ليلة وليلة، ولكن ~~عجائب ألف ليلة وليلة كانت كالنسخة المنقولة من ذخائر القصور في تلك الحضارة، لولا أن ~~نسخة الحقيقة كانت هي الأعجب والأبدع من نسخة الخيال. # وكانت التجارة مددا للصناعة لا ينقطع ولا يزال يعطيها كلما أخذ منها، ويحثها على ~~التوسع والمزيد: تأتي السفن من بحار المغرب وبحار الهند والصين بالخامات وتعود ببدائع ~~المصنوعات، أو تأتي ببدائع المصنوعات وتعود بما هو أبدع وأغلى، دواليك في مواسم العام ~~كله لا تني ذاهبة آتية على مدى الصيف والشتاء. # وتعددت المواسم والمحافل الاجتماعية، وحافظت الدولة الجديدة على مواسم الأزمنة ~~الغابرة وأضافت إليها، فبعد إلغاء النوروز عند مقدم الخليفة المعز إلى القاهرة عادوا ~~إلى الاحتفال به وأضافوا إليه الاحتفال بالغطاس وخميس العهد وأعياد الربيع، وأحصي من ~~مواسم العام غير رأس السنة ويوم عاشوراء ومولد النبي ومولد الإمام ومولد آل البيت، ~~وليالي الوقود وهي ليال من رجب وشعبان يحتفل بها قبل نوافل # 1 # الصيام. # وتناظرت محافل الليل ومحافل النهار، ولا سيما في شهر رمضان وليالي الأعياد، وعود ~~الخلفاء الشعب أن يستضيفوه ويمدوا له الأسمطة # 2 # ويخرجوا إليه يحيونه ويتلقون منه التحية، وأصبح الوافدون إلى مصر يحسبونها ~~أمة فرغت للمواكب والمحافل والأسمار. # ولم يكن قصارى ما في تلك المواكب أنها مظاهر لهو وفراغ تعطل فيها الأعمال وتنسى فيها ~~تكاليف المعيشة، بل هي كانت في حقيقتها معارض للفنون والصناعات، يسير فيها أصحاب كل فن ~~وصناعة على نظام معلوم، ويتقدم كل طائفة نقيبها وأساتذتها يترنمون بمفاخر فنونهم ~~وصناعاتهم ويعلنون عنها ويدلون عليها، ومن هذه المواكب ما بقى إلى اليوم في زفة رمضان ~~وزفة جبر البحر، ومن تلك المحافل ما بقى في طلعة رجب ونصف شعبان ms125 وغيرها من ليالي الذكرى ~~للأموات والزيارة للأحياء. # لا جرم كانت مصر إبان هذه الحضارة ملتقى الرواد والقصاد، ولا جرم تحفل قصور الخلفاء ~~والكبراء بمن يقصدون رحاب ذوي السلطان في كل زمان ومكان، وأولهم السياح ~~والشعراء. # فما من رحالة أنجبه العالم الإسلامي لم يتخذ من مصر مقاما أو مزارا في تلك الأيام، ~~وما من قصر من قصور الملك في المشرق والمغرب عمر في ذلك العصر بمثل ما عمرت به القصور ~~الفاطمية من الشعراء والأدباء. # وأوصى الخلفاء والأمراء شعراءهم بالإيجاز لازدحام القالة وكثرة المقال، وزادوهم في ~~الجزاء لكيلا يقال: إنه قصد في العطاء لا قصد في الثناء، فقال أحدهم ابن مفرج، يخاطب ~~الخليفة الحافظ: # أمرتنا أن نصوغ المدح مختصرا # لم لا أمرت ندى كفيك يختصر # ومن شعراء العصر من كان على خلاف مذهب الشيعة وكان يجهر بهذه المخالفة، كعمارة اليمني ~~الذي قال: # مذاهبهم في الجود مذهب سنة # وإن خالفوني في اعتقاد التشيع # وهو الذي بخع # 3 # نفسه على آثارهم وأوردها مورد الهلاك أملا في نصرتهم واستعادة مجدهم؛ فهو ~~أحق الناس برثائهم، وقصيدته التي قيل فيها: إنها أبلغ ما نظم في رثاء دولة هي أحق ما ~~نودع به عمرانهم المهجور: # لهفي ولهف بني الآمال قاطبة # على فجيعتها في أكرم الدول # قدمت مصر فأولتني خلائفها # من المكارم ما أربى على الأمل # مررت بالقصر والأركان خالية # من الوفود وكانت قبلة القبل # فملت عنها بوجهي خوف منتقد # من الأعادي ووجه الود لم يمل # أسلت من أسفي دمعي غداة خلت # رحابكم وغدت مهجورة السبل # أبكي على ما تراءت من مكارمكم # حال الزمن عليها وهي لم تحل # دار الضيافة كانت أنس وافدكم # واليوم أوحش من رسم ومن طلل # وكسوة الناس في الفصلين قد درست # ورث منها جديد عندهم وبلي # وموسم كان في يوم الخليج لكم # يأتي تجملكم فيه على الجمل # وأول العام والعيدين كان لكم # فيهن من وبل جود ليس بالوشل # 4 # والأرض تهتز في يوم الغدير كما # يهتز ما بين قصريكم من الأسل # والخيل تعرض في وشي ms126 وفي شية # مثل العرائس في حلى وفي حلل # وما حملتم قرى الأضياف من سعة الأ # طباق إلا على الأكتاف والعجل # وما خصصتم ببر أهل ملتكم # حتى عممتم به الأقصى من الملل # كانت رواتبكم للذمتين وللض # يف المقيم وللطاري من الرسل # ثم الطراز بتنيس الذي عظمت # منه الصلات لأهل الأرض والدول # باب النجاة هم دنيا وآخرة # وحبهم فهو أصل الدين والعمل # والله ما زلت عن حبي لهم أبدا # ما أخر الله لي في مدة الأجل # ولم يؤخر له في الأجل، فانقضى أجل الدولة في سنة سبع وستين وخمسمائة، وانقضى أجل ~~شاعرها في سنة تسع وستين وخمسمائة. # قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من ~~تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من ~~تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء ~~قدير ~~. ms127