######OpenITI# #META# URI: 1383CabbasMahmudCaqqad.FiBayti.Hindawi36484638 #META# Tags: biographies :: literature #META# ID: 36484638 #META# Title: في بيتي #META# AuthorID: 64642852 #META# Author: عباس محمود العقاد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # في بيتي‏ # في بيتي‏ # | في بيتي # | في بيتي # تأليف # عباس محمود العقاد # «في بيته»، نظرة إلى تمثالين للبومة التي كان العقاد يتحدي عن طريقها ~~التشاؤم. # | في بيتي # قلت لك يا صاحبي: إنني أحب مدينة الشمس؛ لأنني أحب النور. # أحبه صافيا وأحبه مزيجا، وأحبه مجتمعا وأحبه موزعا، وأحبه مخزونا كما يخزن في ~~الجواهر، وأحبه مباحا كما يباح إلى العيون على الأزاهر، وأحبه في العيون وأحبه من العيون ~~وأحبه إلى العيون. # ويوم سكنت في هذا المكان، ونظرت من هذه النافذة، أعجبني أنني أفتحها فلا أرى منها إلا ~~النور والفضاء. # والحق أنه لا فضاء حيث يكون النور. # وكيف يكون فضاء، ما يملأ العينين، ويملأ الروح ويصل الأرض بالسماء؟ # قلت لك يا صاحبي: إنني أحببت النور، فسكنت في مدينة النور! # وأود أن تفهمني حين أقول لك: إنني أحب النور. # فإنني لا أحبه لأنه يريني الدنيا وما فيها، أو لأنه هو واسطة الرؤية وأداتها، ولكنني أحبه ~~لأراه ولو لم أر شيئا من الأشياء. # وقديما كنت أقول: إن الأرواح تخف في النور كما تخف الأجساد في الماء، كأنما هي تسبح فيه ~~وتطفو عليه. ~~«في حجرة المكتبة» العقاد في جلسة أمام قسم الأدب الإنجليزي في ~~بيته. # وكنت أقول: # النور سر الحياة # النور سر النجاة # ألمحه بالروح لا # لمح العيون الخواة # ما تبصر العين من # معناه إلا أداة # وكنت أحسبه «روحانية» ترى العين و... # أرى الأرض روحانية في جمالها # وإلا فما بال النفوس بها تسمو # إذا فاض منها النور هزت قلوبنا # سعادة روح ليس يعرفها الجسم # ولو أنها من لذة الحس عفتها # كما قد يعاف اللمح والسمع والشم # كرهت من الدهر الكثير ولم يزل # بقلبي من شمس النهار هوى جم # ترى كل يوم وهي عندي كأنها # غريب عرا لم يدر وصف له واسم # عجبت لأرض تخطر الشمس فوقها # وتشرق فيها، كيف يطرقها الغم # فلا أتكلم بالمجاز حين أقول لك يا صاحبي: إنني أراه من عالم الروحانيات، وإنني أشبع منه ~~الروح والعين ولا أشبع منه العين وكفى، وإنه شيء ms01 يرى ويرى ويرى ولا تمل رؤيته ولا يشبع من ~~النظر إليه، وليس هو الشيء الذي غاية ما يكفيك منه أنه يريك الأشياء. # قال صاحبي: هذا من عمل النشأة الأولى، هذا من عمل أسوان! قلت: أوتظن ذلك؟ ولم لا تظن أن ~~النشأة الأولى تزهدنا فيما هو مبذول لدينا، بل فيما هو مسلط علينا؟ # هل رأيت شاعرا من شعراء الصحراء يتغنى بالشمس المجيدة، أو الشمس الفاخرة أو الشمس ~~الباهرة كما يتغنى بها أبناء الفيوم أو أبناء الشمال؟ # لست معك يا صاحبي فيما قدرت، ولعلي كنت أقدر معك هذا التقدير لو أنني نشأت في أسوان ~~أحب الظلال، وأكره سطوة النور وأحسبه من قضاء الله الذي يطاق، ولو في بعض المواسم ~~الساعات. # في حجرة المكتبة. # ولكنني - على ما رأيت - أستطيع أن أقول لك: بل إنني لأحب النور على الرغم من النشأة في ~~أسوان، وإنني أحبه حين أنظره وأحبه حين أنظر به، وأحبه حين أهتدي به في عالم البصر، وأحبه ~~حين أهتدي به في عالم البصيرة؛ لأنني أحسبه سر الأسرار، أو أحسبه سبيل الهداية إلى سر ~~الأسرار أوشكت أن أؤمن بهذا الحسبان كل الإيمان. # قال صاحبي: ما أعجب أن يكون أظهر الأشياء هو أخفى الأشياء! # قلت: يا صاحبي لا عجب أن يكون أظهر الأشياء هو المظهر للخفاء في كل معانيه، ولا أحسب أن ~~حجابا من الحجب الكونية سيرتفع في مجال العلم، أو مجال الحكمة من طريق غير طريق النور، ~~مهما يطل الزمان. # وكنا نتحدث في المكتبة، فتناولت بعض الكتب التي تبحث في الروح والمادة، وقلت لصاحبي: ~~أعرفت حجة السياسي الفيلسوف «أرثر بلفور» في نفي الصلة بين عالم المادة وعالم الروح؟ إنه ~~يقول: إن الروح لن تؤثر في الأجساد إلا بجسد مثلها، فكيف يكون هذا التأثير؟ إن الروح تخالف ~~الجسم في تكوينه، فكيف تعمل فيه عملها! وما هي الأداة الجسدية التي تتلقى عنها دوافعها! ~~فإما أنهما شيئان منفصلان فلا تتأتى بينهما صلة على وجه من الوجوه، وإما أنهما شيئان ~~متشابهان فلا اختلاف إذن بين تكوين الأرواح ms02 ، وتكوين الأجساد! # قال صاحبي: إخاله قوي الحجة في مقاله. # قلت: وكذلك إخاله، ولكننا إذا شككنا في أحد العنصرين عنصر المادة وعنصر الروح - فأيهما ~~أولى بالشك فيما تراه؟ # قال: على كل حال لا أستطيع الشك في المادة، وهي تحيط بي وتصدني وتصدمني، إذا أنا غالطت ~~نفسي فيها. # قلت: بل في المادة تستطيع أن تشك وتفرط في الشك، قبل أن تواتيك دواعي الشك في عالم ~~الروح. # وإنما ساء فهم المادة والروح معا من تصور الأقدمين هذه وتلك، إذ وضعوهما موضع النقيضين، ~~وجعلوا المادة كثافة لا حركة فيها، وجعلوا الروح حركة لا كثافة فيها. # فهل المادة كذلك؟ # هل هذه الكثافة التي تصدمها بقدمك، وتضربها بيدك هي الحقيقة التي لا تستطيع ~~إنكارها؟ # أقول لك: كلا، إنك حين تضرب الأرض بقدمك، فتزعم أنك صدمت الحقيقة التي لا تقبل المراء، ~~إنما تصدم شيئا غير الكثافة أو الجرم الذي يحسب عند بعض الناس وجودا لا يقبل الإنكار، ~~فإنما الوهم كل الوهم هذه الكثافة، وإنما الوجود الحق هو ما وراءها من قوة تصدم القوى، ~~فتصدم الحواس. # هذه الكثافة المادية لا شيء يا صاحبي لولا القوة التي تكمن في أطوائها. وإن شئت مصداقا ~~لذلك، فافرض أن يدك التي تقف عند هذه الخشبة قد زادت قوتها ألف ضعف أو عشرة آلاف، ثم عد إلى ~~لمس الخشبة بتلك القوة المضاعفة، فهل تقف عندها؟ كلا، إنها لا تقف عندها بل تعبرها كما تعبر ~~الماء أو كما تعبر الهواء. # أو تعال إلى الماء والهواء وهما مثال التخلخل في تلك الكثافة المادية، فادفع الماء بقوة ~~من بعض العيون؛ إنك إذن لتضربه بالسيف القاطع فلا يمضي فيه ويرتد إليك، وادفع الهواء بقوة ~~من بعض الفوهات؛ إنك إذن لا تثبت أمامه على قدميك. # فليست الكثافة المادية هي الحقيقة التي لا مراء فيها، بل القوة هي الحقيقة الكامنة في تلك ~~الكثافة، وفي كل مادة ملموسة ومحسوسة. # قال صاحبي: مهلا، مهلا، وأين هذا من النور؟ وأين هذا من سر الأسرار؟ # قلت: صبرا يا صاح، إن كل جسم من ms03 الأجسام يتألف من الذرات، وكل ذرة من هذه الذرات تتألف ~~من النواة والكهارب، ثم من الحركة أو من طاقة الإشعاع والنور، تملصت كثافة المادة كلها ~~ووصلنا إلى الشعاع والإشعاع؛ وصلنا إلى النور، واقتربنا ولا نزال نقترب كثيرا من عالم ~~الحركة التي لا كثافة فيها، وابتعدنا ولا نزال نبتعد كثيرا من عالم الكثافة التي لا حركة ~~فيها، إننا هبطنا بالكثافة المادية إلى أدناها، إننا نظرناها بالأحداق ثم دقت حتى عن النظر ~~بالأحداق. نعم، إننا لم نصل إلى طرف الروح الأقصى، ولكننا وصلنا إلى طرف المادة الأقصى، أو ~~لعلنا قد عرفنا طريق القنطرة بين العدوتين إن لم يكن قد أقمناها، وشرعنا في العبور عليها، ~~ماذا بقي من المادة الغليظة الجاسية؟ ماذا بقي من الجرم الجاثم الذي يناقض الروحانية؟ إننا ~~نقترب، إننا نقترب، إننا نقترب، إننا مع النور نصل إلى الملتقى الموعود، ولعلنا لا نصل إليه ~~- إن وصلنا - من طريق غير هذه الطريق. # قل: إن الكون حركة لا مادة فيه، ذلك أيسر لك من أن تقول: إن الكون جرم لا روح فيه! # قل: إن الكون نور، قل: إن الله نور السموات والأرض، فإذا قصر بك الحس عن نور الله فثق أن ~~هذا الضياء الذي يملأ الفضاء هو النور الإلهي، الذي كتب لابن الفناء أن يراه. ~~••• # وكان النهار بساما مدلا بشمسه، مزهوا بنوره، كأنما يحس روعته في الأنظار وبهجته في ~~الأرواح، وكأنما يتوهج من نظر العيون إليه كما تتوهج الوجنة الصبوح تحت لمحات الأحداق، كان ~~نهارا مبتكرا عليه جدة لا تحسبها قد مضت عليها سويعة من يوم! خلقا مبتكرا يخيل إليك أنه ~~يتلألأ في فضائه الأول للمرة الأولى، وهل هنالك من فارق بين نور نهارنا هذا وبين النور في ~~أبعد مكان من الفضاء، وفي أبعد فترة من الزمان؟ ها هنا شيء على الأقل تستطيع أن تقول: إنه ~~لم يفتك أن تراه قبل ألف ألف من السنين، وأنك تذهب معه إلى أبعد من مذهب أبي العلاء حين سأل ~~الفرقدين: # واسأل الفرقدين عمن أحسا # من قبيل ms04 وآنسا من بلاد # كم أقاما على بياض نهار # وأنارا لمدلج في سواد # العقاد يستمع إلى المذياع في حجرة الصالون. # إن الفرقدين وأخواتهما في السماء لأطفال تلعب في حجر هذا الشيخ السرمدي، يلوح لك من جدته ~~اليوم كأنه لم تنقض عليه ساعة من نهار! # قال صاحبي وهو يرسل الطرف في السماء، ولا نهاية لمد البصر تصعيدا ولا تصويبا ولا من ~~يمين ولا شمال: قصرت عين تحسب وهي تنظر إلى هذا النور أنها تنظر إلى شيء مكشوف لا عمق فيه، ~~ولا طوية وراءه: كاشف الخفاء هذا هو ينبوع الخفاء! # وشاء أن يتكلم بلغة المكان، لغة المكتبة، لغة المجازيين والبلغاء، فقال: # ونحن إذن في برزخ الأنوار، وراء الجدران نور الشمس في مدينة الشمس الخالدة، وبين ~~الجدران نور القرائح ونور الحكمة ونور البيان! # قلت: مجاز حسن وإن طال به عهد أصحاب المجاز، الكتب علم، والعلم نور، ولكنني لا أحسبه ~~مجازا يجري في النفس كما يجري في لفظ اللسان. فهل من الحق أننا نواجه المكتبة كما نواجه ~~النور؟ وهل خطر لك قط أن تسأل نفسك: كيف تبده الكتب الكثيرة - مجتمعة في مكان واحد - من ~~يدخل عليها لأول مرة؟ كيف يقع ألف كتاب أو عشرة آلاف كتاب موقعها ممن يفجأ بها ويعرف ما هي، ~~وإن لم يعرف معناها؟ إننا في هذه الحضارة قد تعودنا منظر الكتب متجمعات بالمئات والألوف، ~~ولكننا خلقاء أن نتجرد من فعل العادة ولو لحظة عابرة لننظر إلى هذه الظاهرة من جانب غرابتها ~~لا من جانب ألفتها، فكيف تبدهنا رؤية الكتب لمئات من أصحاب القرائح والعقول محشوة في بضعة ~~رفوف؟ # إنني لا أسأل عن أولئك القراء والدارسين الذين ألفوا عشرات الكتب بالليل والنهار، إن ~~هؤلاء ينظرون إلى كتبهم كما ينظر الجوهري إلى الثروات المخزونة عنده في صناديق البلور من ~~نوادر الفصوص والأحجار الكريمة، أو كما ينظر البستاني إلى أحواض الزهر، وهي تترعرع أو تذبل ~~بين يديه، أو كما ينظر صاحب القصر إلى أسراب الحسان المقصورات فيه، أو كما ينظر المهندس إلى ~~الأزرار التي ms05 في لوحته وقد ينطلق كل زر منها بما يحرك مدينة بأسرها، وكلهم يملكون زمامهم، ~~أو زمام تلك المرئيات وهم يحسون بها، وكلهم يحضرون منها ما ألفوه وتعودوه وكرروه، وقد يغيب ~~عنهم منها جانب المفاجأة والغرابة، ولكنني أحب من حين إلى حين أن أستغرب ما آلف وأن آلف ما ~~أستغرب، ويثير هذا الشوق في خاطري أن أشهد وقع هذه الغرابة مرتجلا في بعض النفوس، ولا سيما ~~النفوس التي تقارب الكتب من بعيد. # قال صاحبي: وماذا وقع من صورتها في نفسك كلما استغربت ما ألفت منها؟ # قلت: لا أحدثك بهذا الآن، وإنما أحدثك بما شهدت وعاينت، ثم أحدثك بما استدرجني إليه ~~الخيال كلما ألقيت بمقادتي إليه. # لا أنسى وهلة فتاة ذكية حين دخلت هذه المكتبة عرضا في بعض الأيام. # كانت على شيء من التعليم، وكانت تميل إلى القراءة كلما اتفقت لها قصة سائغة أو قصيدة ~~شائقة، ولكنها فوجئت بهذه الكتب المتجمعة، فصاحت على غير روية منها، يا سلام، كتب، كتب كتب، ~~كل هذا كتب، شيء يدوخ! ومالت برأسها كأنها تهرب من دوار ينذرها بإغماء. # ألا ترى يا صاحبي أن هذه الفتاة قد عرفت الكتب فلم تعرفها جلودا وأوراقا وألوانا تشوق ~~العيون، ولكنها عرفتها كما هي في الحقيقة زحمة من الأفكار والمعارف تشفق منها على رأسها ~~الصغير؟ # لقد عجبت يومئذ من هذه الوهلة؛ لأنني أعلم على التحقيق أن الفتاة شاهدت المكتبات في ~~المدرسة وشاهدتها في السوق. فسألتها: أهذه أول مكتبة رأيتها في حياتك؟ # تعجبت هي أيضا معي من هذه الوهلة، ولم تزد على أن تقول: رأيت غيرها كثيرا، ولكني لا ~~أدري لماذا «دخت» وأنا أنظر إليها هنا. # ثم راجعت نفسي في تفسير ذلك، فلم أعجب من وهلة الفتاة كما عجبت من صدق حاستها، أو من ~~مبادرة هذه الحاسة إلى التفرقة بين الأشياء المتشابهة حين يتفرق بها المكان. # فإنما تختلف الأشياء عندنا بما يقترن بها من تداعي الخواطر، وما توحيه من اللوازم ~~والملابسات، فالكتب في السوق بضاعة للبيع، والكتب في المدرسة موزعة بين أيدي ms06 الأساتذة ~~والطلاب، ولعلهم مئات ولعلهم ألوف، فلا توحي إلى الخاطر تلك «الزحمة» التي ترهق الرءوس. أما ~~الكتب في حجرة واحدة في بيت رجل واحد فللفتاة العذر إذا أجفلت منها تلك الجفلة، وخافت منها ~~على رأسها الدوار. # إننا نمر بالمائدة في الفندق العامر فلا نستغربها وإن امتلأت بطعام جيش، ولكننا إذا رأينا ~~هذه المائدة بعينها أمام ضيف واحد خطرت لنا التخمة أو خطر لنا الغثيان، ولنا المعذرة في هذه ~~التفرقة بين المائدتين! ~~••• # واحتجنا يوما إلى نقل بعض الرفوف من هذه الحجرة إلى الحجرة التي تليها، ريثما نصلحها ~~ونفرغ من طلائها، فاستعنا بقريب لبواب المنزل يومئذ على النقل مع خدم البيت، وكان ريفيا ~~أميا يزور قريبه أو يزور «آل البيت» على التعبير الصحيح، أو لعلها أول زياراته للقاهرة في ~~طلب الخدمة، وطلب البركة على السواء، ولم يكن له علم بالأحرف العربية، ولا بالأحرف ~~الإفرنجية، فإذا رأى كتابا في هذه الأحرف أو في تلك فكله كتاب، وكله مما يقرأه ~~المطهرون. # البيت الذي سكنه العقاد طوال حياته، وهو يحمل رقم 13 شارع السلطان سليم ~~بضاحية مصر الجديدة. # فلما اقترب من باب المكتبة خلع نعليه، وتهيب أن يمد يده إلى الكتب؛ لأنه كما قال لم يكن ~~على وضوء! # أليس لهذا الريفي الأمي منطق صادق فيما فعل على البداهة؟ إنه تعود أن يقرن صورة الرجل ~~العالم بصورة رجل الدين، فما باله لا يقرن كتاب العلم بالقداسة الدينية؟ وهل يكون الكتاب ~~لغير علم أو لغير قداسة؟! # لقد أكبرت تحية الجهل للعلم في مسلك هذا الريفي الصالح، وأستغفر الله؛ لأنني أفسدت سمعة ~~الكتب في رأيه على الكره مني، فأعلمته أنها كأبناء آدم وحواء فيها الصالح والطالح وفيها ~~الطيب والخبيث، وأنها لا تحرم في جميع الأحوال على اللمس بغير وضوء، فلم أجرئه على حرمتها ~~ولا أقنعته بلمسها حتى أريته على غلاف بعضها صور التماثيل العارية، وفي صفحات بعضها صور ~~السادة والسيدات، فتحلل من حرج وأقدم بعد إحجام. # ولا أخال هذه «الهيبة» للكتاب بعيدة جدا من هيبة «المكتوب» عند القبائل ms07 الفطرية ، كما ~~أنبأنا عنها رواد المجاهل الأفريقية، فإنهم لا يفهمون هناك كيف يقرأ الرجل الورقة ويفهمها ~~ويعمل بما فيها دون أن يكون فيها روح مرصد أو طائف من الجان. وقد روى بعض الرحالين أنه أرسل ~~خادمه الأسود إلى زوجته على مسيرة ساعات ليطلب بعض الأمتعة والأدوات من بيته، فكتب له ورقة ~~وأمره أن يأتيه بجوابها، فحمل الورقة مطمئنا ولم يلق إليها كبير اكترث، ولكنه لما رأى ~~السيدة تقرأها وتراجعها كلما أسلمته أداة من الأدوات المطلوبة فيها خامره الشك، وأيقن أنها ~~تستوحي بمراجعة الورقة روحا تفقه عنها ما تسأل عنه في صمت ووقار، فلما أسلمته السيدة تلك ~~الأدوات تقبلها وحملها ولم يوجس منها، ولكنه تردد وأوجس حين أسلمته الورقة بالجواب! وحملها ~~كمن يحمل ثعبانا يخاف أذاه أو شيطانا يخاف سخطه وغضبه، وأدى الأمانة بتمامها؛ لأنه في ~~حراسة رقيب ينقل عنه ما يظهره ويخفيه. # قال صاحبي: ويح الأسود المسكين لو انطلق عليه روح من وراء كل كلمة مخزونة في هذه الرفوف! ~~إن عفاريت الآجام جميعها لتصبحن عنده من ملائكة الرحمة بالقياس إلى هذه العفاريت، وإن ~~سحرة أفريقية على بكرة أبيها لا ينقذونه من وبال هذا السحر المخيف! # قلت: أو لم يحصل؟ بلى قد حصل وفرغنا من محصوله! وقد انهزم السحرة المساكين في وجه هذه ~~الأرواح، وهربت عفاريت الآجام من سطوة هذه العفاريت، وهل المعركة بين القارة السوداء وبين ~~الواغلين عليها إلا المعركة بين الكتاب وتعويذة السحر القديم؟ # والتفت صاحبي إلى الرفوف يتصفح عناوينها، ويسألني: ولا يزعجك بعض الأحيان أن تخلع على ~~الكتب هذه الصورة، وأن تراها حاضرة الأرواح جياشة الحركة بحياة مؤلفيها؟ # قلت: بل أنا لا أراها إلا على هذه الصورة كلما أعرضت عن صورتها الممثلة في الجلود ~~والأوراق: أرواح في انتظار الطلسم، أو مردة في قماقم سليمان، وأين برج بابل من لهجات رف ~~واحد ها هنا لو تحركت له ألسنة وتفتحت له أفواه؟ وأين الجحيم كلها لو انبعثت المردة من ~~أرصادها، وتمردت على الطلسم الأعظم الذي يحبسها في قماقمها؟ # قال صاحبي: ms08 خير للكتب وأولى، نعم، خير للكتب ألف مرة أن تكون أرصادا للأرواح، أو قماقم ~~للمردة من أن تكون على تلك الصورة التي يصورها لنا أصحاب المائدة وصحاف الطعام! ولست أدري ~~لم يحضرني خاطر الطعام المخزون في العلب كلما تحدثوا عن الكتب وما فيها من طعام العقول؟ ~~فما القول في رأس فيلسوف مجفف لساعة الحاجة إليه؟ وما القول في هذه الأغذية المحنطة على ~~الرفوف لطول البقاء واجتناب الفساد؟ هي ولا ريب أفضل ما اخترع الإنسان من صناعات الخزن ~~والتجفيف، وأحسن ما استودع من وسائل الصيانة والتعقيم، ليت الثمرات كلها تصان وتظفر ~~بالتعقيم والتجفيف على هذا المنوال، ولكننا لا نشتهي طعام العقول للعقول حين نعرض لها ~~الرءوس المجففة، والثمرات المحنطة ليوم القراءة، أو ليوم التغذية المشتهاة، لا، لا، إننا لا ~~نود أن نشتهي الكتب هكذا لنأكلها برءوسنا وأدمغتنا، وإنما نؤثرها مردة في قماقم وأرواحا في ~~أرصاد، فعلى بركة الله فلنمض معها في سياحتنا إلى حيث تلقي بنا في آماد المكان والزمان؛ ~~ولنطلقها فرادى إن عز علينا أن نطلقها أسرابا وجماعات، على بركة الله! # قلت: نطلق ماذا يرحمك الله؟ وإلى أين المنتهى إذا ابتدأنا معها واحدا واحدا أو سربا ~~سربا إلى حيث تستطيع المسير؟ هذا يا صاحبي مارد يحملنا إلى قطب الشمال، وبجانبه مارد مثله ~~يحملنا إلى قطب الجنوب! وها هنا مارد ثالث يتعدى بنا أقطاب الأرض إلى الشعري اليمانية، وما ~~وراء السديم، فمع أيها نسير ومتى المعاد إن سرنا مع هذا أو ذاك؟ وإنك لتعلم أنها قديرة على ~~السفر في رحاب الزمان قدرتها على السفر في رحاب المكان، فهذا يحملك إلى القرن الأول للهجرة، ~~وهذا يحملك إلى القرن الأول للميلاد، وغير هذا وذاك يحملك إلى ما قبل الهجرة والميلاد من ~~أزمنة يضل فيها التاريخ، وقلما يهتدي فيها الخيال، وخطوة من هنا تلاقيك بهوميروس وخطوة من ~~هناك تلاقيك بامرئ القيس، وخطوة أخرى تجمعك بآدم وأبنائه الأولين، فأين المنتهى بعد هذا ~~ومتى القرار؟ لا يا صاحبي يرحمك الله، لا نهاية لانطلاق هذه المردة في ms09 مداها فرادى ولا ~~مجتمعات، فدعها في قماقمها وانظر إليها ومعك أرصادها، فليس هذا أوانها وليست سياحتنا هذه ~~بالسياحة السرمدية التي لا نرقب نهايتها، فعلينا بالأفق الذي نحن فيه نلزمه ولا نتعداه، ~~وحذار أن تفتح القماقم مجتمعات ولا متفرقات، ولك عندها بعد ذلك ما تشاء. # فالتفت صاحبي إلى القماقم يتصفح عناوينها، ونظر هنا ونظر هناك على غير اطراد كأنه يرتجح ~~ولا يملك الانبعاث في طريقه دون أن يرجع إلى حيث كان، ثم هتف بي سائلا: ما هذه المفارقات؟ ~~بل ما هذه المقارنات؟ شعر وتاريخ وفن ودين وسير وطبائع حشرات تصاحبها طبائع عظماء، وخليط ~~من المطالب لا تعرف لها وحدة ولا يطرد لها نظام، فهل هي مكتبة قارئ واحد أو هي مكتبات شتى ~~أعددتها لمن يشاء؟ # قلت: بل هي مكتبة واحدة أعددتها لقارئ واحد، ولا أحسب أن مكتبة القارئ الواحد تتفق على ~~غير هذا النظام؛ لأنك تعد الكتب في مطلب واحد لمئات القراء الذين يشتغلون به ويرجعون إلى ~~مصادره، ولكنك لا تحصر القارئ في مكتبة واحدة إلا إذا نوعتها له وأغنيته بها عن غيرها، ولا ~~بد للقارئ الواحد على الأقل من مطلبين مختلفين: أحدهما للصناعة والعمل، والآخر للمتعة ~~والتسلية، فإن كانت صناعته الكتابة فقد تعدد ما يقرأ للعمل والصناعة وتعدد ما يقرأ للمتعة ~~والتسلية، وكثيرا ما يكون التعدد مع ذلك في العناوين لا في بواعث القراءة، فإن القارئ قد ~~ينظر في خمسة موضوعات أو ستة أو سبعة لباعث واحد ونزعة واحدة، وليس أقرب من بواعث القراءة ~~في بعض الأحايين، مع تباعد الموضوعات والعناوين. # خذ لذلك مثلا هذين الموضوعين الغريبين: طبائع الحشرات وما وراء الطبيعة، أيبتعد عنوانان ~~قط أبعد من هذا الابتعاد؟ أيفترق شيئان في ظاهر الأمر كما يفترق البحث في الكون والسماء ~~والخلود، والبحث في جحور النمال ومباءة الجراثيم؟ ومع هذا يتقاربان جد الاقتراب حين يهديك ~~كلاهما إلى بداية الحياة أو نهاية الحياة، وربما فسرت لك طبائع الحشرات «تصميم» بناء الحياة ~~تفسيرا تعجز عنه عقول الفلاسفة والحكماء، وربما عرفت من دوافعها وجواذبها ms10 وأنت ترقب الحشرة ~~الضئيلة في أطوارها المتعاقبة ما لست تعرفه من مقاييس المنطق وتقديرات البديهة، ودراسة ~~المذاهب والتأويلات. # وخذ مثلا آخر هذين الموضوعين الغريبين: الشعر والدين! إنهما ليبدوان في الغرابة كما يبدو ~~لك منظر الناسك في الصومعة، وإلى جانبه منظر الشاعر في مجال الأنس والسرور، ولكنهما يلتقيان ~~أقرب لقاء حين يعبر الشاعر عن نفسه ويريك جمال الخالق في خلقه، وحين يبرز لك الإنسان من ~~وراء مسوح الزهاد، فإذا هو شاعر مستتر أو شاعر موثق بسلاسل العبادة، وإذا العبادة لا تخرج ~~به من نطاق الشعور، ولا تنكر له فتنة الحياة بل تمثلها له قوية مخيفة يتقيها بالمجانبة، ~~فيشعر بها كما يشعر بها من يواقعها ولا يتقيها، وإذا الفراش الذي يقع في النار والفراش ~~الذي يهرب من النار؛ كلاهما فراش! # ولقد سألت نفسي عن البواعث المتوافقة وراء هذه النقائص المفترقة، فأجابتني عنها جوابا ~~أرتضيه ولعلك ترتضيه، ولخصته لي في كلمات معدودة: هي «الاستزادة من الحياة.» # ولك أن تستزيد من الحياة بتعميقها أو بتوسيعها أو بتفسيرها، ولك أن تتوسل إلى ذلك كله ~~بقصيدة من عيون الشعر، أو بنظرة في عجائب حشرة ضئيلة تخالها من أسرار الصناعة المكتومة، بل ~~من «مسودات» الخلق الأولى، أو باستقصاء آماد الحياة فيما وراء الغيب، وفيما بعد الموت وقبل ~~الميلاد، أو بالمقابلة بين سير العظماء على ضروب شتى من العظمة، وبين سير الصغراء على ضروب ~~شتى من الصغار، فكل أولئك بباعث واحد مختلف العناوين، وكله صحاف تعطيك ألوانا شتى من الطعم ~~والمذاق، ولكنها لا تعطيك في النهاية غير دم واحد ينبض في العروق. ومعذرة بعد من هذه اللفتة ~~إلى الطعام وأنت لا تحب ذكر الطعام في هذا المقام. ~~••• # قال: لا عليك من المعذرة بعد هذه الفترة، فقد أوشكت الساعة أن أستطيب التشبيه الذي كنت ~~أعافه منذ برهة، وأوشكت مع هذا أن أؤمن بأن الثبات على الرأي في البلاغة غير الثبات على ~~الرأي في الأخلاق، فقديما قيل لنا: إن الثبات فضيلة، وأخشى أن أكون اليوم قد أخللت بهذه ~~الفضيلة، لولا ms11 باب من الرحمة في هذا الخلاف بين شرعة البلاغة وشرعة الأخلاق، وليست هي مسألة ~~فكرة تقاس بالرأي بل هي شيء أحسه الساعة، ولا أبالي أن أفكر فيه، فما أرتضيه من البلاغة، ~~وأنا شبعان مكظوظ لا أرتضيه منها وأنا جائع أتلمس الطعام، وأنت لا تشهي الكتب إلي حين ~~تشبهها بالمائدة، وأنا من الكظة أعاف المائدة وأحاديثها، ولكنك تشهيها إلي حين تصفها ~~بهذه الصفة، وأنا متفتح المعدة والرأس لكل غذاء. # قلت: هو ما قالوه قديما وأصابوا فيه أكثر مما أرادوا، فالبلاغة هي «مراعاة مقتضى الحال»، ~~ولقد كنت بليغا في إشارتك هذه، فلك عندي من المكافأة عليها مائدة غير مائدة أفلاطون وأشباه ~~مائدة أفلاطون! # وعدنا نستطيب القماقم والأرصاد بعد هنيهة، ولكن على أن نتركها بسلام، فلا نطلقها فرادى ~~ولا جماعات، وحسبنا منها العناوين والرفوف. # ثم راح يجول ببصره جولة الطائر فيما يعبره وهو يقول: ما أصغر نصيب القصص من هذه ~~الرفوف! # قلت: نعم، وإنه لو نقص بعد هذا لما أحسست نقصه؛ لأنني - ولا أكتمك الحق - لا أقرأ قصة حيث ~~يسعني أن أقرأ كتابا أو ديوان شعر، ولست أحسبها من خيرة ثمار العقول. قال: كيف؟ أليس في ~~الرواة والقصاصين عبقريون نابهون كالعبقريين النابهين في الشعر وسائر فنون الآداب؟ # قلت: بلى، ولكن الثمار العبقرية طبقات على كل حال، وقد يكون الراوية أخصب قريحة، وأنفذ ~~بديهة من الشاعر أو الناثر البليغ، ولكن الرواية تظل بعد هذا في مرتبة دون مرتبة الشعر، ~~ودون مرتبة النقد أو البيان المنثور، والمثل هنا أقرب إلى الإيضاح من سوق القضية بغير ~~تمثيل: إن الحديقة التي تنبت التفاح لا يلزم أن تكون في خصبها ووفرة ثمراتها أوفى من ~~الحديقة التي تنبت الجميز أو الكراث، ولكن الجميز والكراث لا يفضلان التفاح، وإن نبتا في ~~أرض أخصب من الأرض التي تنبته وتزكيه. # ونحن نقرأ القصص التي تجود بها قرائح العباقرة من أمثال ديكنز وتولستوي ودستيفسكي وبوجريه ~~وبروست وبراندلو، فتؤمن بتلك العبقريات التي لا تجارى في هذا المضمار، ولكن إيماننا بها لا ~~يلزمنا أن نضع ms12 القصة في الذروة العليا من أبواب الآداب، ولا يمنعنا أن نقدم عليها غيرها في ~~التقدير والتمييز. # قال: وما المقياس الذي نرتب به هذه الرتب يا ترى؟ # قلت: لعله مقاييس شتى لا مقياس واحد، ولعل الناس يختلفون فيها كاختلافهم في كل شيء يرجع ~~إلى المشرب والتعبير، غير أنني أعتمد في ترتيب الآداب على مقياسين يغنياني عن مقاييس أخرى، ~~وهما الأداة بالقياس إلى المحصول، ثم الطبقة التي يشيع بينها كل فن من الفنون. # فكلما قلت الأداة وزاد المحصول ارتفعت طبقة الفن والأدب، وكلما زادت الأداة وقل المحصول ~~مال إلى النزول والإسفاف. # وما أكثر الأداة وأقل المحصول في القصص والروايات؟ إن خمسين صفحة من القصة لا تعطيك ~~المحصول، الذي يعطيكه بيت كهذا البيت: # وتلفتت عيني فمذ بعدت # عني الطلول تلفت القلب # أو هذا البيت: # كأن فؤادي في مخالب طائر # إذا ذكرت ليلى يشد به قبضا # أو هذا البيت: # ليس يدرى أصنع أنس لجن # سكنوه أم صنع جن لإنس # أو هذا البيت: # أعيا الهوى كل ذي عقل فلست ترى # إلا صحيحا له حالات مجنون # أو هذا البيت: # وقد تعوضت عن كل بمشبهه # فما وجدت لأيام الصبا عوضا # لأن الأداة هنا موجزة سريعة والمحصول مسهب باق، وكذلك لا تصل في القصة إلى مثل هذا ~~المحصول إلا بعد مرحلة طويلة في التمهيد والتشعيب، وكأنها الخرنوب الذي قال التركي عنه فيما ~~زعم الرواة: إنه قنطار خشب ودرهم حلاوة! أما مقياس الطبقة التي يشيع بينها الفن، فهو أقرب ~~من هذا المقياس إلى أحكام الترتيب والتمييز، ولا خلاف في منزلة الطبقة التي تروج بينها ~~القصة دون غيرها من فنون الأدب، سواء نظرنا إلى منزلة الفكر أو منزلة الذوق، أو منزلة السن ~~أو منزلة الأخلاق، فليس أشيع من ذوق القصة، ولا أندر من ذوق الشعر والطرائف البليغة، وليس ~~أسهل من تحصيل ذوق القصة، ولا أصعب من تحصيل الذوق الشعري الرفيع حتى بين النخبة من ~~المثقفين. # قال صاحبي: على أنهم قد أثاروا في أوائل هذا القرن ضجة حول القصة بالغوا فيها ms13 أيما ~~مبالغة، وخيلوا إلى الناس أن فنون الأدب كلها عالة عليها، وأنه لا كتابة لمن ليست له ~~قصة. # قلت: لقد فعلوها حقا، وكان ذلك على أثر ضجة أخرى هي ضجة الكلام الكثير في الدراسات ~~النفسية و«السيكولوجية» بأنواعها، فبدا لبعضهم أن القصة هي المعرض الوحيد لتطبيق هذه ~~الدراسات في الكتابة الأدبية، وأنها هي الوسيلة القريبة لفهم العلاقات بين النفوس البشرية، ~~وتفسير المواقف والمشكلات التي تنجم عن غرائب الطباع، ولم تخل ضجة القصة من أسباب قوية غير ~~«السيكولوجية» وكثرة الكلام فيها، فإن شيوع القراءة بين الدهماء قد أشاع معها القصة التي ~~تفهمها الدهماء، وتؤثرها على غيرها من الفنون الأدبية، وجاء شيوع الصور المتحركة بعد شيوع ~~القراءة، فأملى للدهماء في هذه النزعة، أو هذه «الهواية» حتى غلبت عليهم وسرت منهم إلى ~~النقاد الذين يتبعون الجماهير، ويسمون نزواتها بروح العصر، وهي نزوات بغير روح! وجاء بعد ~~شيوع القراءة، وشيوع الصور المتحركة شيوع آخر هو شيوع الدعوة الشيوعية بين طائفة من طلاب ~~الهدم والانقلاب، فعند هؤلاء أن القصة أشرف أبواب الأدب؛ لأنها تكتب للجهلاء وتصلح لبث ~~الدعاية الشيوعية. وعندهم أنها لا ينبغي أن تدار على موضوع غير موضوع القضايا الاجتماعية، ~~كأنهم يضربون الجهل على الفقير ضربة لازب، أو كأنما هذا الفقير لا يكفيه الضنك الذي يضنيه ~~في ساعات العمل أو في طلاب العيش، فلا يزال في ضنكه حين يفتح الكتاب، وحين يقرأ الصحيفة ~~وحين يحلم وحين يناجي ضميره، وحين يحب أن يعرف له من خصائص الإنسانية شيئا غير المعدة ~~والزاد. # قال صاحبي: هان ذلك كله لو أنهم دبروا الزاد للفقير. # قلت: كلا يا صاح، لا هان ذلك ولا جعله الله يهون على الفقراء ولا على الأغنياء، فليس من ~~البر بالفقير أن يسلب الكرامة الإنسانية، أو يسلب الحرية الفردية كأنها حلية يزدان بها ~~الغني وحده، ولا يحفل بها الفقير، وليس بالصحيح على كل فرض من الفروض، وكل ظن من الظنون أن ~~الشيوعية تدبر الزاد للفقير بفضل ما تقوم عليه من الأسس، وما تشتمل عليه من الآراء ms14 ، فكل ~~مذهب يدعو إليه الدعاة الاجتماعيون يستطيع أن يدبر الزاد للعاملين في سنوات معدودات إذا صرف ~~النظر عن الغايات البعيدة، وانحصر همه فيما بين يديه، لقد دبرته النازية حين حصرت همها في ~~صنع السلاح، وأدارت المصانع على العدد الحربية والمطالب العسكرية، وقد دبرته الفاشية في ~~إيطاليا على قلة مواردها حين حصرت همها في هذا المطلب العاجل، وهذه السياسة الوبيلة، فلم ~~يبق في إيطاليا ولا في ألمانيا عامل بغير عمل موقوت، ولم تبق فيها مشكلة للمتعطلين، وكان ~~ثراثرة الاجتماع ينظرون إلى ذلك، فينعونه على الديمقراطية، ويؤكدون به ما يعيبونه عليها من ~~بطء الوسائل وتردد العزائم وطول المطال، ولكن الديمقراطية أيضا قد سبقت النازية والفاشية ~~معا في المضمار، فخلقت الأعمال لعشرات الملايين في بلادها وغير بلادها، حين أدارت مصانعها ~~على الذخيرة والسلاح، وظهر أنها حيلة لا تعيي أحدا يقبلها على علاتها ويأخذها بتبعاتها، ~~وما تبعاتها إلا الخراب والفساد، وغشيان الأرض كلها بطائف من الفزع والحسرة تهون معه مشكلة ~~البطالة، وكل مشكلة مثلها من مشكلات الاجتماع، ويخطئ كل الخطأ من يحسب وعود الشيوعية في هذا ~~المطلب بشارة جديدة من داع جديد، فليس أقدم من هذه البشارة، ولا أسبق من هذا الداعي في ~~تاريخ الدعايات. # وشك صاحبي غير قليل ثم تمتم سائلا كأنه يسأل نفسه: أو ليست هي بشارة «علمية» كما يقول ~~كارل ماركس وأتباعه حين يميزون بين دعوات الإصلاح، التي يسمونها بالدعوات العاطفية والخلقية ~~وبين دعوتهم «الجديدة» التي يسمونها بالدعوة العلمية؟ إنهم يزعمون أنهم قدروا عواقبها، ~~وقاسوا مراحلها كما يفعل الفلكي حين يرصد مدار السيارات، ويحسب مواعيد الشروق والغروب ~~وساعات الكسوف والخسوف! # قلت: هذه هي الخرافة التي لا ينبغي أن نصدقها أيها الرفيق، فليس أقدم في هذا العالم ~~الإنساني من الدعوة إلى إنصاف الضعفاء، ولا من الوعد بأمنية النعيم المقيم، ولا من إثارة ~~النفوس على الشيطان الرجيم، ولا من تثبيت العقائد بالحماسة والكفاح، وهذه الدعوة التي ~~يزعمونها «علمية» هي تبشير لا يعوزه شبح الشيطان، ولا الفردوس ولا العقيدة العمياء، وغاية ~~الفرق بينها وبين ms15 سابقاتها أن الشيطان هنا هو «الرأسمالية» التي ترجع إليها جميع الخبائث ~~والشرور، وأن الفردوس هو العصر الموعود الذي يسود فيه الصعاليك، وأن حماسة العقيدة هنا هي ~~حماسة المعدات والأحقاد، وليس أكذب ممن يزعم أنه يخاطب العقل، وهو يخاطب المعدة ويخاطب ~~الحسد والحفيظة، فلا إقناع هنا ولا إقناع في غير هذا من ضروب الحماسة والبغضاء، وليس ~~الإقناع بالمعدة بعد الإقناع بالروح تقدما نغبط عليه. # إن صاحبهم كارل ماركس ليزعم أنه يتنبأ عن مصير الأحياء الإنسانية، وهو لم يحي في زمانه قط ~~حياة إنسان، ولم يشعر قط إلا بشعور الجداول والأرقام حيثما كان يجمعها في المتحف البريطاني ~~صباح مساء؛ ولهذا حسب أن الآدميين آلات تقاس حركاتها بالأرقام كما تقاس حركات السكك ~~الحديدية والسيارات، فلا يزال أصحاب الأموال يزدادون ثروة، ولا يزال العمال يزدادون جوعا ~~حتى يصبح العامل، وما في يديه غير القيود وما في جوفه غير الجوع، فيثور ويجازف بالحياة؛ لأن ~~الموت أحب إليه من هذه الحال، ولكن ما القول إذا كان العامل إنسانا حيا ولم يكن آلة ~~جامدة تدار بالحساب؟ ما القول إذا كان هذا العامل يحس بالظلم قبل أن يبلغ مداه، ويحس ~~بالقدرة على دفع الظلم قبل أن يقتله الجوع؟ ما القول إذا كان العمال في الأمم الصناعية ~~يزدادون أجرا، ولا ينقصون منذ مائة عام، وكان في البلاد الأميريكية اليوم عمال يطلبون ~~العلاوة في اليوم الواحد ثلاثة ريالات؟ القول إذن أن النبوءات عن مصير اللحم والدم تحتاج ~~إلى عامل آخر غير عامل الحساب، وتسبقنا إلى نتيجة أخرى غير نتيجة الجمع والطرح والقسمة على ~~القرطاس، وهذا الذي قد حدث فانقطعت بحدوثه تلك السلسلة «العلمية» التي وصل صاحبنا كارل ~~ماركس حلقاتها، فتراجع من أجر قليل إلى أجر أقل منه إلى حرمان ملازم إلى جوع كافر لا يعبأ ~~بشيء، ولا يدفعه إلى الحركة غير اليأس والقنوط! # وهذه الحركة التي قيل: إنها لا تأتي من غير اليأس والقنوط من ذا الذي يقول: إنها حكمة ~~العقل، وإنها مفتاح النعيم المقيم، وأنها خير ما تهتدي إليه ms16 الإنسانية، وتتجه إليه ~~العقول؟ # هب يا صاحبي أن النتيجة المزعومة - وهي الثورة الشيوعية - هي المصير المحتوم الذي يهدينا ~~إليه الحساب العلمي الصحيح، فمن ذا الذي يقول: إنه إذن هو المصير السعيد الذي نسعى إليه؟ ~~ألا يجوز أن أعرف خط القطار، وأن أحسب حركاته فإذا هي تنتهي إلى هاوية ليس لها قرار؟ أإذا ~~جمعت المسافة، وقسمتها على تلك السرعة، وأرضيت «التقدير العلمي» بهذا فانتهى بنا إلى تلك ~~الهاوية كان حتما لزاما علي أن أسوق القطار إليها، وأن أستعجل دواليبه للنزول بها قبل ~~فوات الفرصة الغراء؟ # فقال صاحبي: أليست الثورة الروسية بعد الحرب العالمية الماضية كانت على كل حال نبوءة من ~~هذه النبوءات «العلمية»؟ # فبادرته قائلا: بل حماك الله وحمانا أن نغتر بهذه اللجاجة التي أوضع فيها بعض الفارغين ~~ممن لا يعقلون ما يقولون، فما كانت تلك الثورة الروسية إلا ثورة كسائر الثورات التي سبقتها ~~منذ آلاف السنين! ظلم يثور عليه مظلومون وتمالئهم قوة عسكرية، فينتصرون على الظالمين، كذلك ~~ثار الناس منذ عرفت الثورة في التاريخ، فإن كان للنبوءات الماركسية فضل بعد هذا في ثورة ~~الروس، فذلك هو الفضل المعكوس؛ لأن المؤمنين بها حاولوا تطبيقها كما آمنوا بها، فضيعوا ~~عشرين سنة في هذه التجارب المخيبة، وضاعت معها ملايين الأرواح التي فنيت بالسلاح أو فنيت ~~بالقحط والوباء، ثم آل بهم الأمر إلى إقرار ما أنكروه وحاربوه وقتلوا الملايين من أجله، وهو ~~اقتناء الملك وإيداع المال في المصارف وتوريث الأبناء وإباحة الفروق في المعاش، وإعلان ~~العصبية الوطنية، ولو لم يؤمنوا ذلك الإيمان بالنبوءات الماركسية لبلغوا هذا المطلب في سنة ~~واحدة، وعافوا أنفسهم وعافوا الناس معهم من شرور تلك «التجارب»، وخطوب تلك ~~المحاولات. # قال صاحبي: وأنت على مقتك هذا للماركسية لا إخالك تبرئ نظام رأس المال، كما نراه من عيوب ~~وآثام يمقتها كل من يحب الخير لبني الإنسان. # قلت: إن الماركسيين لا يستطيعون أن يمقتوا تلك العيوب كما أمقتها؛ لأنهم يؤمنون بالمادة ~~ولا يؤمنون بغيرها، ومن آمن بالمادة هذا الإيمان لم يستطع أن يلوم عشاقها ms17 كل اللوم، أو ~~يعذرهم في عشقها بعض المعذرة، غير أنني بعد هذا كله أقول: إن جشع المستغلين شر ولكن ~~الشيوعية ليست بخير، وإن رأس المال محنة للأخلاق، ولكن الشيوعية محو للأخلاق لا تقوم لها ~~فيه قائمة، وسيأتي يوم يزدري فيه الناس المستغلين في المجتمع الإنساني كما كانوا يزدرون ~~قطاع الطريق، بعد أن كانوا في بعض الأزمان عنوان الشرف ومناط الحمد والثناء، فإذا بلغوا تلك ~~المرتبة كان بلوغهم إياها نموا ورشدا يستحقان كل ثمن تفرضه عليهم سنة الارتقاء، ولم يكن ~~ضرورة من ضرورات العجز والحرمان. أما الشيوعية فما سبيلها إلى إبطال السرقة، وإبطال القسوة ~~في تجميع المال؟ إن بلغت ما تريده، وصح لها ما تزعم وامتنعت السرقة في ظلها على ما ترجوه؛ ~~فإنما تمتنع لأن الناس لا ينتفعون بالمال إذا سرقوه، فلا يملكون به أرضا ولا يودعونه في ~~مصرف، ولا يتركونه بعدهم لوريث، فهم يكفون عن سرقته؛ لأنهم عاجزون عن الانتفاع به؛ لا ~~لأنهم عفوا عن الظلم أو تنزهت ضمائرهم عن العدوان أو ارتقوا قليلا أو كثيرا في سلم ~~المروءة والأخلاق، وتلك فضيلة المسجون أو فضيلة المضطر إلى العفاف، وليست هي بخير من محنة ~~الأخلاق التي تمحصها التجارب، ويتعفف عنها الناس وهم قادرون. # قال صاحبي: وهل يرتقي الناس يوما هذا المرتقى؟ وهل يرتفعون إليه في مئات السنين بل في ~~ألوف السنين؟ # قلت: إننا لم نستكثر على طبيعة الحياة أن تنقل الكلب من وحش لئيم يفترس الأطفال والغنم ~~إلى حارس أمين يفتدي الأطفال والغنم بحياته، فلماذا تستكثر عليها أن تنقل الإنسان من حال ~~إلى حال، وقد نقلته كما رأينا وعلمنا بين شتى الأحوال؟ أما طول العلاج يا صاحبي فهو خير من ~~علاج سريع يتبعه موت سريع. أنسيت علاج العاطلين في مستشفى الأطباء المشعوذين؟ أنسيت علاج ~~النازيين والفاشيين للمتبطلين؟ أعطوهم القوت أياما ليسلبوهم ويسلبوا من يعولونهم الحرية، ~~ثم يسلبوهم جميعا أنفاس الحياة، وقد كان الجوع حينا بعد حين خيرا من الموت والفزع ~~والاستعباد، ومهما يكن من الشك في طب النفوس، فأحق الأطباء بالشك ms18 في طبهم أولئك الذين ~~ينشئون مذهبهم من اليأس وقلة الحيلة، ويعلمون فضائلهم باليأس وقلة الحيلة، ويحسبون أن الشر ~~قد زال؛ لأنه محبوس وراء الأقفاص والسدود. # وكانت في صاحبي على ما يظهر عادة كثير من الناس بل عادة أكثر الناس، وهي أنهم يكرهون ~~المرض الذي جربوه ولا يكرهون المرض الذي لم يجربوه حتى يجربوه! فيسمعون ذم الدمل الذي يقض ~~مضاجعهم، ويعرضون عن ذم السرطان وهو بعيد منهم. فقد كان يوازن بين مساوئ الجشع والاستغلال، ~~ومساوئ الشيوعية والحكم المطلق كما يوازن بين الوقائع والفروض. وليس السرطان الذي لم يصب ~~به الإنسان فرضا من الفروض! # قال: ألا يجوز أن تكون عيوب الشيوعية عيوب المجال الضيق والحوض المحدود؟ ألا يمكن أن ~~تنصلح فيها هذه العيوب إذا عمت أجزاء العالم، وشملت جميع أوطانه وشعوبه؟ # قلت: بل إخال يا صاحبي أن الشيوعية في وطن واحد، أو بضعة أوطان شيء يجوز في الحسبان، أما ~~الشيء الذي لا يجوز في حسباني فهو الشيوعية عامة شاملة بلا أوطان وبلا حدود، إذ ما العمل في ~~تنظيم خطوط المواصلات بين أنحاء العالم؟ وما العمل في تنظيم صادراته ووارداته؟ وما العمل في ~~تنظيم الزراعة والصناعة بين أقطاره؟ وأي حكومة هي تلك الحكومة العالمية التي تحمل وطنا من ~~الأوطان على أن يزرع، أو يصنع لوطن غيره، وهي قد أبطلت من النفوس حوافز المصلحة الشخصية، ~~وحوافز المصلحة الوطنية على السواء؟ وإن بقيت الحكومات المتعددة في أنحاء العالم، فعلى أي ~~أساس تقوم الحدود والفوارق بين الأوطان؟ وعلى أي أساس من الأسس يقوم توزيع المصالح وتقسيم ~~الأعمال؟ فربما كانت الشيوعية في الوطن الواحد حقيقة ممكنة بما فيها من العيوب والآفات، ~~ولكنها في العالم بأسره هي ولا ريب أسطورة الأساطير. # ولو انتظمت للعالم حكومة واحدة تسوس أعماله، وتقرر منها المفيد وغير المفيد لكان هذا هو ~~البلاء فوق كل بلاء؛ لأن هذه الحكومة قد تشل دوافع الحياة في النفوس، وهي تزعم أنها تقتلع ~~منها الحماقة والغرور، ولو أننا رجعنا إلى تواريخ بني الإنسان لننزع منها آثار الحماقة ~~والغرور ms19 كلها لانتزعنا نصف الحضارة الإنسانية، وذهب النصف الآخر بذهابه كما يذهب البيت كله ~~إذا انهار نصف الجدران! # ما الولع ببناء القصور وفي الكوخ سعة لساكنيه؟ إنه حماقة وغرور. # ولكن أين كان يذهب العلم بالهندسة والعلم بمسالك البحار والأرضين، والبصر بطبائع القبائل ~~والشعوب لولا طواف الناس في طلب الحجارة والأخشاب لبناء تلك القصور؟ # ما الولع بالثناء يكذب فيه الشاعر كما كذب شاعرنا حين قال: # لو تعقل الشجر التي لاقيتها # مدت محيية إليك الأغصنا؟ # إنه حماقة وغرور! # ولكن أين يذهب الأدب والشعر وبليغ الكلام، وبديع القرائح لولا هذه الحماقة، وهذا الغرور ~~في ذلك الممدوح؟ ومتى كان للأدب في تلك الأزمنة عائل غير هؤلاء الحمقى والمغرورين من أشباه ~~ذلك الممدوح؟ # ما التوابل والأفاوية التي كانت تشق من أجلها البحار، وتقتحم من أجلها مخاطر ~~الأسفار؟ # إنها حماقة وغرور! وفي سبيل هذه الحماقة والغرور كشفت القارة الأمريكية، واتصلت جوانب ~~الكرة الأرضية، وخرج كولمبس بسفينته لينتهي إلى الهند من غياهب بحر الظلمات، فلم يكن هذا ~~الخاطر كله إلا حماقة وغرورا تنبعث من حماقة وغرور. # ومع هذا يهون على بني الإنسان أن يعصف الزمن بكل ما كان في عصر كولمبس من الرشد؛ ليبقى ~~لهم ضلال هذه الحماقة وذلك الغرور. # اذكر هذا يا صاحبي واذكر ما كان يلقاه كولمبس لو أنه مثل في «مكتب شيوعي»؛ ليستأذن في ~~السفر بمن معه من النواتية والعمال، أكان بعيدا أن يدور بين كولمبس ورئيس المكتب المسئول ~~حوار كهذا الحوار، وأن يكون مصيره بعد ذلك إلى لهب النار أو جوف البحار؟ ~~- إلى أين تذهب يا هذا؟ ~~- إلى الهند من طريق المغرب! ~~- وهل ترجو الوصول حقا من هذا الطريق؟ ~~- لي في ذلك عظيم الرجاء! ~~- وهبك في حل من أن تغرر بنفسك، فهل يحل لك أن تغرر بهؤلاء النواتية المساكين وهؤلاء ~~الأجراء المرهقين؟ في أي سبيل يحل كل هذا التغرير؟ # في سبيل الحرائر والأبازير التي انقطع ورودها من طريق المشرق، وعز انقطاعها على الموسرين ~~والأغنياء! # لو نجا كولمبس من هذا الحوار بكلمة «مرفوض» دون غيرها ms20 لعددناه من السعداء، وكيف كان ينجو ~~بها دون غيرها وهو ذلك الشيطان الرجيم، الذي يغرر بحياة النواتية والأجراء؛ ليستطيب الحمقى ~~والمغرورون لبس الحرير، وأكل الأبازير! # حذار يا صاحبي أن تسلم دوافع الحياة إلى مسيطر عادل أو جائر، وأن تقيدها بحكمة حكيم أو ~~شهوة شهوان، إنك على أمن حين تمنع الجريمة والعدوان وتسلم زمامهما إلى القانون، ولكنك ترى ~~كيف تكون العاقبة حين نسلم ما نسميه بحماقة الحمقى إلى ما نسميه بحكمة الحكماء، أو صلاح ~~العلماء، فكيف تكون الحال لو سيطر الغباء على الذكاء، أو تصرف الضلال بالرشاد؟ ~~••• # وأخذ صاحبي يقلب في كتب الشيوعية والشيوعيين، فتوقف بعد قليل، وسألني مستغربا: ما هذا؟ ~~خطب هتلر إلى جانب رسائل لنين، وكتاب عن تاريخ الشيوعية يجاور كتابا عن العنصر المختار من ~~الآريين؟ ألا تتوخى ترتيبا لهذه الكتب أو هذه الرفوف؟ # قلت: بلى، ترتيب ولا ترتيب، فأما الترتيب المفصل فلم أقصده ولم أشعر بالحاجة إليه، وأما ~~المجمل فالذي تراه مثال لما أتوخاه. # دع هذه الرفوف مثلا وانظر إلى هذه الرفوف التي تليك، مؤلف صيني حديث معه مؤلف قديم، ~~وشاعر من بني اليونان يصحبه ناقد من أبناء العالم الحديث، والجامعة بينهم كلهم أنهم شعراء، ~~أو ينقدون الشعر، أو يتكلمون عن الشعراء. # ودع هذه الرفوف وانظر ناحية منها إلى الرف الذي يليه: لعله أعجب وأبعد في المقاربة - أو ~~في المباعدة - بين الجيران والخلطاء، فهذا سفر عن بيتهوفن، تجاوره موسوعة عن الموسيقى، ~~وينزل معهما سجل عن الطير ومجلد تفتحه، فلا تقرأ فيه كله صفحات مطبوعة، وإنما تسمع من بعض ~~صفحاته أصوات الأحياء في المواسم المختلفة، وفي حالات الغضب والرضى والنفرة والحنين؛ لأنها ~~صفحات من قوالب الحاكي لا من سطور الكتاب والشعراء، وعلى مقربة منها جميعا عالم يتكلم عن ~~الرياضة والطبيعة والأوزان، وكلها من عالم واحد هو عالم الأصوات والأنساق والألحان، وما أنا ~~بقادر على ترتيب لها يهديني إليها أقرب ولا أوفق من هذا الترتيب. # أما الجوار بين الشيوعية والنازية فيا له من جوار؛ هو جوار لو انتقل إلى عالم ms21 المحسوس ~~لانبعث من هذه الرفوف القليلة فرقعة، لا تسمعها من ألف طربيد ولا من ألف غيمة تومض بالبروق ~~والرعود، ولكنها لو انتقلت إلى عالم المعنى لكان الحوار بينها أقرب جوار وأوفق جوار. # قال صاحبي كالمستنكر: أجوار الشيوعيين والنازيين أقرب جوار وأوفق جوار! # قلت: نعم؛ لأن الفارق بين المذاهب الاجتماعية أو المذاهب السياسية - إن شئت أن تسميها ~~بالسياسية - هو فارق واحد يهديك بينها جميعا، ولو بلغت المئات والألوف: هو الفارق في ~~الحرية الفردية، أو هو الفارق في التبعة التي يحملها الفرد في علاقته بأمته، وبعالم الإنسان ~~على اتساعه، فاحسبها مائة مذهب أو ألف مذهب أو ما فوق هذا أو ما دون ذاك، فإنما هي في ~~النهاية مذهبان اثنان: مذهب يقدس الحرية الفردية ومذهب يستخف بها تقديسا لسلطان الدولة أو ~~سيادة الزعيم، ولا عبرة باختلاف الأسماء والعناوين. # وإن شئت أن تعلم لأيهما الرجحان ولأيهما الغلب على طول الزمان، فالموازين التي توزن بها ~~هذه المذاهب لا تحصى، وليس بينهما ما هو أصدق من ميزان التاريخ وميزان الأخلاق. # قال: وما ميزان التاريخ أو ميزان الأخلاق في هذه القضية؟ # قلت: إن التاريخ لم يستقم قط في اتجاه واحد كما استقام في اتجاه الحرية الفردية، أو في ~~اتجاه النهوض بالتبعة، وكذلك الأخلاق، فمنذ آمن الإنسان بروحه وعلم أنه مثاب على عمله لم ~~يكن له تقدم قط إلا في هذا الاتجاه، ولم تقم على غير هذا الطريق قائمة من الأديان والأخلاق، ~~والحركات الاجتماعية في كل زمان وبين كل قبيلة، فما تفاضل عصران ولا امتاز شعبان ولا فردان ~~ولا خلقان إلا استطعت أن تحكم بينهما بميزان التبعة أو الحرية الفردية، ولن يكون الراجح ~~منهما إلا أوفر الطرفين نصيبا من تلك التبعة أو من تلك الحرية؛ من أفضل الفريقين الطفل أو ~~الرجل؟ العبد أو السيد؟ الجاهل أو العالم؟ المجنون أو العاقل؟ الهمجي أو المتحضر؟ الغالب أو ~~المغلوب؟ الحيوان أو الإنسان؟ لا اختلاف في جواب هذه الأسئلة جمعاء، ولا اختلاف كذلك في أن ~~الحرية أو التبعة تكونان حيث يكون الراجح ms22 المفضل من الفريقين. # قال صاحبي: إنه لميزان عادل، ولكنه يزن بين النازية والشيوعية من جهة وبين غيرهما من ~~المذاهب الاجتماعية من جهة أخرى، فكيف يكون وزنه بين النازية والشيوعية يا ترى؟ # قلت يا صاحبي: كلاهما شر وفي الشر خيار، وإنما المقابلة بينهما تعلو بهذه مرة وتهبط بتلك ~~مرة، كما يكون العلو والهبوط في المقابلة بين الحسد والغرور. # فالنازية في لبابها قائمة على خليقة الغرور؛ لأنها لن تقوم إن لم يقم معها غرور الزعيم ~~بتفوقه على سائر الناس، وغرور العنصر بتفوقه على سائر العناصر، وغرور الأتباع بما يتاح لهم ~~من مظاهر الزهو والخيلاء. # والشيوعية في لبابها قائمة على خليقة الحسد؛ لأنك لا ترى شيوعيا إلا رأيته حاسدا ~~للممتازين من خلق الله كيفما كان سبيل الامتياز، وليس منهم من يشعر بالعطف على الضعيف أو ~~الفقير، ولكنهم جميعا يحقدون على القوي والغني وعلى كل صاحب فضل يشيد به الآخرون، وليست ~~التفرقة عندهم بين الناس تفرقة بين من يحمد أو يذم، ولا تفرقة بين من يحب أو يكره، ولا ~~تفرقة بين من يكرم أو يلؤم؛ وإنما هي على الجملة تفرقة بين من يحسد أو لا يحسد كائنا ما ~~كان مثار الحسد عليه، وإنك لتستطيع أن تعلم مع من الخصمين يكون الشيوعي كلما علمت من منهما ~~الراجح، ومن منهما المرجوح؛ فهم في صف المرأة إذا نازعت الرجل، وفي صف الولد إذا نازع ~~الوالد، وفي صف الجاهل إذا نازع العالم، وفي صف الخامل إذا نازع المشهور، وفي صف الدهماء ~~إذا نازعوا أبطال التاريخ، ولن ترى شيوعيا يسلم من الحسد بحال من الأحوال، وبهذا وحده ~~تفسر كل لغز يعرض لك من ألغازهم حين ترى فيهم من تظنه غريبا عنهم، وفيهم أصحاب الأموال ~~والأحساب. # قال: والله لقد وددت حقا أن أعرف لم يكون صاحبنا فلان من الشيوعيين، وهو سليل بيت ~~قديم وصاحب مال موفور؟ # قلت: تعرف ذلك حين تعرف أنه يحسد أمثاله وينقم على الدنيا؛ لأنه لا يحسب منهم حين يحسب ~~ذوو الكلمة أو ذوو الرأي أو ذوو ms23 المنصب والجاه، وعلى قدر طمعه في ذلك، وتوافر وسائله عنده ~~يكون حقده وحسده، واشتياقه إلى التقويض والتخريب. # وقس على ذلك إخوانه ممن تستغرب نخوتهم الشيوعية، وهم موسرون أو مرابون يمتصون دماء ~~الضعفاء قبل الأقوياء: أرأيت إلى المرابي فلان وثروته كلها مجموعة ممن يقترض الجنيه ~~والجنيهين، ويؤدي الفائدة ضعفين أو فوق الضعفين؟ # استمع إليه - أتسمعه يوما يذكر إنسانا من الأقدمين أو المحدثين بحمد أو ثناء، فما له لا ~~يكون شيوعيا والشيوعية تمكنه من شتم «أكبر عدد مستطاع» من خلق الله؟ يشتم الرسل؛ لأن ~~الشيوعية تنكر الأديان؛ ويشتم الأبطال لأن الشيوعية تنكر الأوطان، ويشتم دعاة الحرية؛ لأنهم ~~«برجوازيون» يخدمون رءوس الأموال من وراء الستار، ويشتم حتى «غاندي» المسكين؛ لأنه يخدر ~~أعصاب المساكين، ويعلمهم ترك العدوان ولا قيام للشيوعية بغير الثورة وسفك الدماء. ثروة من ~~الشتائم يستمتع بها لسانه في ظل المذهب «المظلوم»، وثروة من الأحقاد تخيل إليه أنه يمتص ~~دماء الضعفاء؛ لأنهم لا يستحقون الرحمة، وليس لما فيه من لؤم وكنود. # قال صاحبي: أوكلهم ذلك الرجل؟ أوليس فيهم من رجل رشيد! # قلت: إلا من عصم ربك، وهم القليل، أو هم الاستثناء في هذه القاعدة، والأغلب أن يكون هؤلاء ~~من الشبان الذين تنبض قلوبهم بحماسة الفتوة وحب النخوة، ويسمعون وعود الماركسيين فيصدقونها ~~ولا يدركون عقباها، أو يفطنون إلى محظوراتها، فمن لم يكن من هؤلاء فهم السيئون المتعجلون؛ ~~لأنهم يتعجلون الصعود ويعجزون عنه فيودون لو يهبط الصاعدون، ويحبون إلغاء الفروق بين الناس ~~ليصبح الأعلياء كالأدنياء، لا ليصبح الأدنياء كالأعلياء. # قال لي العالم الحكيم الدكتور يعقوب صروف منشئ «المقتطف» مرة: إنه شهد الصبية يلعبون كرة ~~اليد، فرأى منهم من يعدو ليلقف الكرة، ومن يعدو ليجذب الأول من قفاه ويرده إلى الوراء، فلا ~~هو يلقف الكرة ولا يطيب له أن يلقفها غيره! وهاتان الطائفتان من الخلق موجودتان في كل ميدان ~~من ميادين الجد، ولا تقصران على هذا الميدان الصغير من ميادين اللعب، فإن رأيت فتى في مقتبل ~~عمره يهوي الشيوعية، غير مخدوع في وعودها، فهو بعض ms24 هؤلاء الذين لا يلقفون الكرة ولا يسرهم ~~أن يلقفها السابقون. # وأود يا صاحبي أن نعطي هذه البواعث النفسية حقها في تفسير إقبال الناس على المذاهب أو ~~إعراضهم عنها؛ لأن تفسيرهما بدرجات الفهم أو بأحوال المعيشة لن يغنينا عن تفسيرهما بتلك ~~البواعث النفسية في وجهتها الكبرى، ويزعم الماركسيون أن الأحوال الاقتصادية هي كل شيء في ~~تفسير حركات التاريخ ومذاهب الدعاة، ولكنهم لا يذكرون حركة واحدة من تلك الحركات المعروفة، ~~إلا كان الأمر فيها موقوفا على مسألة شعور قبل كل شيء وبعد كل شيء. # وخذ لذلك مثلا هجرة الناس إلى القارة الأمريكية بعد كشفها فرارا من الفاقة، أو من الحجر ~~على ضمائر المعتقدين، فلماذا هاجر أناس وبقي أناس لو لم يكن فرق الشعور هو الفرق الأكبر بين ~~الباقين وبين المهاجرين؟ ولماذا رضيت طائفة بالذل والحجر، فسكنت واستكانت، ولم ترض طائفة ~~أخرى فودعت الديار، واقتحمت مجاهل البحار ومخاطر الأسفار؟ وما تعليل «المادة» لهذا الفارق ~~في الشعور والمهاجرون ينتمون إلى كل طبقة وحالة الضيق شاملة لهؤلاء وهؤلاء؟ إن آفة هذا ~~المذهب البغيض أنه لا يرى أكرم العلتين للحادث الواحد إلا حاد عنها إلى أحقر العلتين، وأنه ~~لو وضع لعالم من الحيوان لما احتاج إلى تضييق ولا تقصير، ولا إعادة تفصيل أو تحرير؛ لأنه لا ~~يفهم من الإنسان إلا جانب الحيوان. # وكان صاحبي من أولئك الذين يعلقون أحكامهم على الخطأ حتى يتبين لهم وجه الصواب فيه، وكأنه ~~لا يعرف أن هذا الوجه دميم إلا إذا عرف أن ذلك الوجه وسيم، ولا يصدق أن هذا العلاج قاتل إلا ~~إذا صدق أن ذلك الدواء محقق الشفاء. فشك طويلا بعد ما سمع من مساوئ الشيوعية والنازية ثم ~~عاد يسأل: ولكن ما العمل؟ إن شيئا لا بد أن يعمل ولا أحسبك إلا قد خرجت من هذا التيه ~~المتراكب بزاوية تنفذ إلى طريق، ولو لم يفض بنا الطريق إلى الغاية المأمولة إلا بعد حين، ~~فالشيوعية حسد والنازية غرور، فأين يكون سواء الأخلاق وصلاح الأمور؟ # قلت: وهبنا لم نعرف طريق الصلاح ms25 ، أفيمنعنا هذا أن نحذر طريق الفساد؟ على أنني أعتقد يا ~~صاحبي أن الطريق الوحيد الذي فتح لنا بين هذه المتاهات، هو طريق كتبت عليه كلمة واحدة لا ~~تتبدل في مشكلة من المشكلات: وهي كلمة «التعاون». # فلا خلاص للعالم بعد اليوم إلا بهذا الترياق الوحيد، حيثما أعضلت عليه مشكلة في السياسة ~~أو في المعيشة، أو في الحكومة أو في الأخلاق. # التعاون بين الأمم كبارها وصغارها، والتعاون بين الطبقات غنيها وفقيرها، والتعاون بين ~~السلطات، والتعاون بين الأفراد ولا اختيار للناس في تعاطي هذا «الترياق»؛ لأنهم مدفوعون ~~إليه مقسورون عليه، بعد نزاع بين الأمم، ونزاع بين الطبقات، ونزاع بين الحكماء ~~والمحكومين. # قال: وماذا يجدي التعاون في مشكلات الفقر والغنى؟ # قلت: يجدي ما ليس يجديه حل آخر من الحلول التي جرت قبل الآن أو ستجري بعد الآن. # خذوا الضرائب من الأثرياء وزيدوا الأجور للعاملين، فإذا بكم قد حققتم غرض الشيوعية ولم ~~تمسخوا الطبيعة الإنسانية؛ لأن المالك الذي يؤخذ منه معظم ربحه ضريبة للدولة إنما هو موظف ~~في ملكها لا يتقاضى من الربح أكبر من أجر الوكيل المؤتمن على مصلحة غيره، وكأنما ملكت ~~الدولة مرافق البلاد كلها، ولم تحرم المالكين ذلك الحافز «الفردي» الذي يحث المرء على العمل ~~لغيره، كأنه يعمل لنفسه ولأبنائه، وما من شيء يستنهض الهمم للتجويد والافتنان، كما تستنهضها ~~هذه الحوافز التي تخلو الحياة من كل طعم إذا خلت منها. # وانشروا سنة التعاون في التجارة وتدبير أسباب المعيشة، فإذا بكم قد أعدتم على الشاري ~~فوائد الرخص والغلاء، ووقفتم الاستغلال عند حده الذي يرضاه المنتفعون بالبيع ~~والشراء. # ولا أعزم لك أن هذا «التعاون» سيبطل كل شكاية، ويوفر كل مطلب وينصف كل محروم، فإن نظاما ~~من النظم لن يكفل هذا «الفردوس» لبني الإنسان أبد الأبيد وآخر الزمان، ولو أنه كفله لكان ~~وبالا عليهم؛ لأن الأمان من كل قلق مدعاة للتواكل والقنوع، ولأن الناس ما عملوا قط إلا وفي ~~جوانحهم بعض الخوف وبعض النزوع إلى التغيير، وهب أن بعض القلق لا يفيد هذه الفائدة في ms26 حياة ~~الأفراد والجماعات، فهل يكون القلق اليسير ثمنا كبيرا لحرية الفرد، وإطلاق المجال لسباق ~~الهمم والآمال؟ ففي السجون يأمن السجناء على المأكل والمسكن والكساء والدواء، ولكنهم شر من ~~الطلقاء الذين يشبعون ويجوعون، ويلبسون ويعرون، ويدبرون لأنفسهم أمر المسكن والصحة إذا ~~احتاجوا إليها. # قال صاحبي: وهل يقبل المستغلون من ذوي الجشع وطلاب التخمة سنة التعاون! # قلت: إن سنة التعاون لا تنتظم في هذه الدنيا؛ لأن المستغنين يقبلونها أو لا يقبلونها، ~~ولكنها تنتظم على مقدار الحاجة إليها والإيمان بها، وغلبة المصالح التي توافقها على المصالح ~~التي تناقضها وتقف في طريقها. # وربما تهيأت في وطن ولم تتهيأ في غيره، وربما أسرعت هنا وأبطأت هناك، وربما تعرضت دونها ~~الصعوبات حينا ولم تتعرض في حين آخر، على أنها إذا انتظمت بعد ذلك، فإنما تنتظم للدوام ~~والتمكن والهداية كما تنتظم فضائل الرشد بعد فضائل القصور، أو أدب الرجولة الناضجة بعد أدب ~~الطفولة الفجة، وإنك لتمنع الطفل أن يمرض وتحميه أن يؤذي نفسه بيديه، ولكنه لا يمتنع عن ~~المرض باختياره ولا يحتمي من الأذى بنفسه إلا بعد خبرة عسيرة وتجربة طويلة، من يحرمه منها ~~يحرمه صفوة وجوده وقوام كيانه، ولا يقال: إنه رءوف به عامل لخيره متعجل لنموه ورشاده، ولو ~~أن الثورة الشيوعية قضت عشرين سنة في طلب التعاون والإيمان بلزومه لبلغته، ونهجت به منهجا ~~يتقدم العمل فيه ولكان ذلك خيرا من تلك السنين العشرين، التي قضتها في المحاولة وإهدار ~~الجهود والدماء، ثم ختمت المطاف بالعدول عنها وإقزار ما كانت تنكره وتأباه! وعلى أي شيء ~~ختمت المطاف؟ على إقرار الملكية والاعتراف بالدين والوطنية، والسماح بالميراث وخزن الأموال ~~وتفاوت الأجر والمعيشة، وسلب العامل حريته في الانتقال من مصنع إلى مصنع، وتحريم الاحتجاج ~~والإضراب عليه، وقد كان يحتج ويضرب في عهد القيصرية الجائرة، فأما اليوم فلا احتجاج ولا ~~إضراب، ولا غنى له عن بطاقة الخروج من المصنع إذا ضاق به وتحول عنه، فإن لم تكن بيده هذه ~~البطاقة، فلا حق في بطاقة السكن، ولا بطاقة الطعام ولا بطاقة الحقوق ms27 المدنية في شيء، أو ~~حضور جلسات! وهو حر كما يقال؛ ومن أجل حريته هذه فاضت دماء، وتقوضت مدن وضاعت أيام ~~وأعوام! # وإنني لأوكد لك أنني لو ملكت الفصل قولا وعملا في قضية المذاهب الاجتماعية لأوجزت ~~الحكم، وحسمت الخلاف من أوجز طريق: ألف عامل في بلاد الشيوعية وألف عامل في بلاد ~~الديمقراطية الصناعية يتبادلون المكان خمسة أعوام، وليس يخامرني الشك طرفة عين أيهما يسرع ~~إلى الصريخ والعويل، ويلحف بعد قليل في التبديل والتحويل. # قال صاحبي وهو يتلفت كأنما يتعوذ من شيطان يسمع ما يقول: ويح هذه القماقم الهوجاء، لقد ~~شغلتنا وهي مغلولة مسجاة، فكيف لو انطلقت من عقالها؟ # قلت: وحسنا صنعت، فما أعلم أن موضوعا في هذا العصر هو أولى بأن يشغلنا في موضوعها، وما ~~أحسب أن الإنسانية قد احتاجت إلى التفرقة بينها وبين البهيمية منذ فارقت الغابة والكهف ~~للمرة الأولى، كما احتاجت إليها في هذه الآونة. # ونظرت إلى صاحبي فإذا هو يضم ما بين الخنصر والبنصر، ويقول: ها نحن أولاء نقلب صفحة جديدة ~~أو نفتح كتابا جديدا، وها نحن أولاء نتكلم بالقول الصريح وبالقول المستعار في وقت واحد، ~~فما أبعد النقلة ما بين الخنصر والبنصر في عالم الكتب، ما أبعد النقلة بين الأرض والسماء ~~وبين المعاش والمعاد، وبين فلسفة كارل ماركس وفلسفة ما وراء الطبيعة! # قلت: كلاهما يتصدى لعمل واحد، وهو تفسير الكون وترتيب المعاش في هذه الدنيا على هذا ~~التفسير. # وكان صاحبي قد انتقل كما قال، فيما بين الخنصر والبنصر إلى عالم السماء: عالم البحث في ~~الله، وسر الوجود، وأصل الحياة وما قبل الحياة وما بعد الحياة. # وكان على ديدن الكثيرين يرى أن هذا البحث فيما وراء الطبيعة من الوقت الضائع أو فضول ~~القول، فسألني وهو يتحرج قليلا؛ لأنه يعلم أنني لا أستضيع وقتا أنفقه في بحث هذه الأمور: ~~ما فائدة هذا كله وهو غموض في غموض وفروض من وراء فروض؟ ألا يمكن أن يعيش الإنسان على هذه ~~الأرض، وهو في غنى عن هذه الفلسفة التي يسمونها سر الوجود ms28 ؟ # وأردت ألا أتخلف عنه في جرأة الرأي، فقلت: بل هي آخر شيء يستغني عنه الإنسان، وما أنت ~~مستطيع أن تطل من هذه النافذة، أو تبدأ عملك في الصباح ما لم تكن لك «فلسفة وجود» على نحو ~~من الأنحاء. # قل لي: ماذا تستبيح وماذا تحرم وأنت تنظر من هذه النافذة؟ أتستبيح أن تملأ عينيك من شيء ~~غيرك، كما قال الأديب الحجازي؟ وإذا استبحته فلماذا تستبيحه؟ وإذا حرمته فلماذا تحرمه؟ وما ~~حدود المتاع بالنظر فيما تراه؟ أله حدود أم ليست له حدود؟ # وأنت تذهب إلى عملك كل يوم في الصباح، فلماذا تعمل أو لماذا تهمل عملك؟ أعليك واجب؟ أمناط ~~هذا الواجب مصلحتك أم مصلحة الأمة؟ ومشيئة الخالق أم مشيئة المخلوق؟ وإن آمنت بهذه المشيئة ~~أو بتلك فلماذا آمنت؟ وإن لم تؤمن بهذه أو بتلك فلماذا كفرت؟ وإن لم تكفر في شيء من ذلك، ~~فهل أنت إذن مثل حسن للآخرين! # مرحلة الحياة يا صاحبي كجميع المراحل التي نقطعها من مكان إلى مكان، لا تركب القطار حتى ~~تحصل على التذكرة، ولا تحصل على التذكرة حتى تعرف الغاية التي تسير إليها، غاية ما هنالك من ~~فرق بين راكبين أن أحدهما يقرأ التذكرة والثاني لا يقرأها، أو أن أحدهما يؤدي ثمنها من ماله ~~والثاني يؤدى له الثمن من مال غيره، وإن أبيت المجازات فأحد الراكبين في مرحلة الحياة يبحث ~~عن غايتها بنفسه، والآخر توصف له غايتها بلسان غيره، لا بد يا صاحبي من هذه الفلسفة التي ~~تريد أن تلقي بها في اليم وأنت على الشاطئ، وثق يا صاحبي أنها آخر شيء يلقيه راكب السفينة ~~حين تلعب به الأعاصير في البحار اللجية، بل هي الشيء الذي لا يتركه ولو ترك السفينة أو ~~تركته إلى الأعماق، ألم تسمع قولهم في الأمثال: «إنهم كالنواتية لا يذكرون الله إلا ساعة ~~الغرق؟» فاعلم يا صاحبي أن هذا الذكر هو فلسفة الحياة التي تبقى مع راكب السفينة بعد كل ~~بضاعة يستغني عنها، وبعد السفينة نفسها إذا حان حينها! # قال صاحبي: وهل وصلت ms29 قط من فلسفة حياتك إلى شيء؟ # قلت: نعم، إن الله موجود. # قال: باسم الفلسفة تتكلم أو باسم الدين؟ # قلت: باسم الفلسفة أتكلم الآن، والفلسفة تعلمنا أن العدم معدوم فالموجود موجود، موجود بلا ~~أول ولا آخر؛ لأنك لا تستطيع أن تقول: كان العدم قبله أو يكون العدم بعده! وموجود بلا نقص؛ ~~لأن النقص يعتري الوجود من جانب عدم ولا عدم هناك، موجود بلا بداية ولا نهاية ولا نقص ولا ~~قصور ... والوجود الكامل الأمثل هو الله. # قال: وكيف توفق بين الوجود الأمثل وبين الشرور والآلام في هذه الحياة؟ # قلت: هذا سؤال غير يسير؛ لأننا نحن الفانين لن نرى إلا جانبا واحدا من الصورة الخالدة ~~في فترة واحدة من الزمان، ومن يدرينا أن هذا السواد الذي يصادفنا هنا وهناك هو جزء لازم ~~للصورة كلزوم النقوش الزاهية والخطوط البيضاء؟ وماذا تستطيع أن تصنع لو ملكت الأمر، وتأتي ~~لك أن تقذف بالشرور من الحياة؟ بغير الألم والخسارة ما الفرق بين الشجاع والجبان وبين ~~الصبور والجزوع؟ وبغير الشر والسوء ما الفرق بين الهدى والضلالة، وبين النبل والنذالة؟ ~~وبغير الموت كيف تتفاضل النفوس وكيف تتعاقب الأجيال؟ وبغير المخالفة بينك وبين عناصر ~~الطبيعة من حولك كيف يكون لك وجود مستقل عنها منفصل عن موافقاتها ومخالفاتها؟ وبغير الثمن ~~كيف تغلو النفائس والأعلاق؟ # قال صاحبي: أليس عجزا أن نشقى وفي الوسع ألا نشقى! أليس عيبا أن نقصر عن الكمال، وفي ~~الوسع أن نبلغ الكمال؟ # قلت: وكيف يكون في الوسع أن يكمل المتعددون؟ إنما يكون الكمال للواحد الدائم الذي لا ~~يزول. # قال صاحبي: قل ما شئت، فليس الألم مما يطاق، وليس الألم من دلائل الرحمة وآيات الخلود ~~الرحيم. # قلت: على معنى واحد إن هذا لصحيح! # إنه لصحيح إذا كانت حياة الفرد هي نهاية النهايات، وهي المقياس كل المقياس لما كان وما ~~يكون، لكن إذا كانت حياة الفرد عرضا من الأعراض في طويل الأزمان والآباد - فما قولك في ~~بكاء الأطفال؟ إن الأطفال أول من يضحك لبكائهم حين يعبرون الطفولة، وإنهم أول من ms30 يمزح في ~~أمر ذلك الشفاء، وليس أسعد الرجال أقلهم بكاء في بواكير الأيام. # يا صاحبي: هذا كون عظيم، هذا كل ما نعرف من العظم، وبالبصر أو البصيرة إذا نظرنا حولنا لا ~~نعرف العظم إلا من هذا الكون، ماذا وراء الكون العظيم مما نقيسه به أو نقيسه عليه؟ فإن لم ~~نسعد به فالعيب في السعادة التي ننشدها، ولك أن تجزم بهذا قبل أن تجزم بأن العيب عيب الكون ~~وعيب تدبيره وتصريفه، وما يبديه وما يخفيه، ولك أن تنكر منه ما لا تعرف، ولكن ليس لك أن ~~تزعم أنه منكر؛ لأنه مجهول لديك. # وبسط صاحبي ذراعيه وهو ينظر حوله بالبصر وبالبصيرة معا في أجواز الفضاء السرمد، ويخيل ~~إلى من يراه في تلك الساعة أنه يفتح بصيرته وسعها كما يفتح المشدوه عينيه وسع الأجفان، ~~حين يحب أن يملأ العينين مما تريان، وكأنه أغمض بعد إعياء من التأمل والاستقصاء، فقال: هذه ~~آفاق شاسعة! هذه أغوار لا يسبر لها قرار. وتساءل: أليس إلى معرفة الحقيقة من طريق غير هذه ~~الطريق؟ أليس للرياضة الروحانية مسلك إلى هذه الآفاق والأغوار؟ إن نساك الهند على ما يبدو ~~لي لأخبر بهذه المسالك، وأهدى في هذه الدروب؟ إنهم لا يصدعون رءوسهم بالبحوث والفروض ولكنهم ~~يعرفون! # قلت: بل أحسب أن الطريقين مختلفان، إن نساك الهند لا يطلبون المعرفة، ولا يجعلونها غاية ~~الغايات، فإن المعرفة قد تنال من إقرار الجسد كما تناله من إنكاره، وقد تنجم من الإقبال على ~~الدنيا كما تنجم من الإعراض عنها، ولكنهم طلبوا الطمأنينة والراحة أو طلبوا الرضوان، وشتان ~~بين من يطلب الرضوان، ومن يطلب المعرفة حيثما وصل إليها أو وصلت إليه. # قال: أي رضوان وأي راحة؟ إنهم ليعذبون أبدانهم ويقدعون نفوسهم ويشلون أعضاءهم بمشيئتهم، ~~فكيف ينشدون الرضوان والراحة بهذا العذاب؟ # قلت: هل يعذبون أبدانهم إلا لأنهم راضون بهذا العذاب ومطمئنون إلى عقباه؟ وهل شاء الإنسان ~~أمرا لا يشاؤه أو يختار أمرا لا يختاره، أو يرضى بأمر لا يرضاه؟ # لعمري لئن لم يفتح النساك فتحا عظيما في جانب ms31 المعرفة، لقد فتحوا أعظم الفتوح في جانب ~~الأخلاق، بل أقاموا الأخلاق على أوثق أساس حين علموا الإنسان أن رضوان النفس مطلب يهون في ~~سبيله كل عذاب، وأنه لا جزاء أوفى من رضوانها، ولا عذاب أنكأ لها من سلب ذلك الرضوان، وأي ~~فهم لمعنى الثواب والعقاب أكمل وأفضل من هذا الفهم، الذي لم يأت من جانب البحوث والفروض؟ ~~لا عذاب للنفس أنكأ لها من شعورها بالنقص، ولا نعيم لها أنعم من شعورها بالرضوان، فكفى بهذا ~~الفتح انتصارا في معترك الأخلاق، وإن لم ننسك كما ينسكون ولم نتعذب كما يتعذبون. # قال صاحبي: الحق أنني لم أشق في حياتي بشقاء أمر وأوجع من اتهامي لنفسي وسوء الظن ~~بطويتي، ولو لم يكن هذا الشقاء أمر الشقاء على الطبيعة البشرية، لما تحصنت منه بحصن ~~الغرور، وهو أعم الخلائق في البشر أجمعين. # قلت: إن الغرور هو الجوهر الزائف الذي نتحلى به كلما أعوزنا الجوهر الصحيح، وإنه على هذا ~~لحصن مطروق لا يستعصم كل الاستعصام من ذلك الرقيب الحسيب. فربما اغتر الإنسان فكبرت قيمته ~~عنده ولم يقنع بما دونها، فآلمه النقص وفاتته نعمة الرضوان. # ولقد قال اليونان قديما: اعرف نفسك، فإذا قلنا معهم: نعم، وارض عن نفسك أيضا بلغنا كمال ~~العلم وكمال الأخلاق. ترى هل يطلب الناس أجرا؛ لأنهم يلبسون حلل الحرير ولا يلبسون ~~الكرابيس؟ ترى هل يأكل الناس الطعام المريء اللذيذ، ويصدفون عن الطعام المسقم الخسيس لأنهم ~~يخشون العذاب؟ فإذا عرفوا الكمال وعرفوا النقص، فهل تراهم يطلبون أجرا؛ لأنهم تجنبوا النقص ~~وتعلقوا بالكمال؟ وإذا عرفوا صحة النفس، فهل تراهم يلتمسون الأجر على الصحة كما يلتمس ~~الأطفال أجرهم على تناول الدواء؟ إنما الخوف من النقص هو أمر العذاب، والرضوان عن الكمال هو ~~أحسن الجزاء، وقد يتعذب الإنسان في طلب الكمال وهو راض، وقد يرفض النعمة فرارا من النقص ~~وهو لا يخشى العقاب، فارض عن نفسك وأنت في غنى بعد هذا عن الوعد والوعيد في نشدان الكمال؛ ~~لأنك لا تحتاج إلى الوعد والوعيد لتستطيب ما أنت شاعر بطيبه ms32 ، وتنفر مما تعاف. # قال صاحبي: أكبر الظن أن «الذوق» هنا قد يغني ما ليست تغنيه المعرفة، أو تغنيه التقاليد ~~والموروثات، وهنا يستوي الفن الجميل في مكانه إلى جانب المعرفة وإلى جانب الدين. # وكان صاحبي يداعب على القرب رفا أمامه يقرأ عليه عناوين الكتب في تماثيل اليونان، ~~ومدارس الفن القديم والحديث، فما هو إلا أن طرأ اسم الفن الجميل على لسانه حتى تناول واحدا ~~منها، ثم تناول ثانيا وثالثا ورابعا، وهو يقلب صفحاتها ويقابل بين صورها، ويقرأ سطورا ~~هنا وسطورا هناك في التعقيب على تلك الصورة أو ذلك التمثال، ولم يفته أن يدرك ما أدركته ~~الأجيال بداهة وارتجالا من ذلك الفضل السابق على جميع الأفضال في باب التماثيل: وهو فضل ~~الإغريق الأقدمين. فراح يقول: صدق الذين أطنبوا في شأن هؤلاء الإغريق، ووصفوهم بأنهم تراجمة ~~الطبيعة الصادقون في كل باب، ولا سيما باب التماثيل وباب التمثيل، فما يبصر الإنسان تمثالا ~~إغريقيا إلا اتصل بصره بالطبيعة على بساطتها بغير حائل وبغير حجاب، وما يقرأ قصة من قصصهم ~~المسرحية إلا اتصل بصره بالطبيعة كما يعيش فيها، وتسيطر عليها العناصر والأقدار. # واختطف كلمة في هذا الكتاب وكلمة في ذاك عن فن مريون وفيدياس وليسبس ومن تلاهم من ~~المتخلفين، فإذا الفن أيضا مظهر لبروز الفرد الإنساني من الغمار الشامل إلى مكان التخصيص ~~والتمييز، فالتمثال القديم نموذج للشكل والقالب والقوام يتساوى فيه كل ذي خلق سوي من الناس، ~~ولكنه شامل عام لا تتميز فيه الملامح والتعبيرات ولا يتمثل فيه التخصص والانفراد، ثم تتعاقب ~~صور الأفراد بروزا وتباينا حتى ينسى الناظر إليها النماذج الشاملة، ويتناولها بالتقسيم ~~والتفصيل، ويظهر هذا في تماثيل العصور الإغريقية؛ لأنهم صدقوا وصف الطبيعة وصدقوا الشعور ~~بها على السواء، وكأنهم حين يمثلون الأبطال الأقدمين يمثلون عناوين شتى لكل نموذج من نماذج ~~البطولة، يصنع على غراره قالب باق وتتعدد منه أنماط متكررات. # ولم ينته صاحبي من تقليب تلك الصور إلا وهو يقول: فن جميل، نعم فن جميل. ولكن ما غناء ~~الفنون الجميلة في عصرنا هذا عصر ms33 العلوم والصناعات! وأية أمة في عصرنا هذا تفرغ للفن كما ~~فرغ له الإغريق، وعليها ذلك الإلحاح الدائم من حاجتها إلى العلم وحاجتها إلى ~~الصناعة؟ # وتذكرت في تلك اللحظة سؤالا سمعه الناس، ولا يزالون يسمعونه منذ ظهرت بينهم الصناعة ~~الحديثة والعلم الحديث، وقد سألته مرات وسئلته مرات، وأحببت في هذا المقام أن أكون أنا ~~السائل قبل أن أكون المسئول، فقلت لصاحبي: وأيهما أحق بالعناية والتقديم؟ وأيهما أجدر ~~بالأمم أن تفخر به وترعاه؟ # قال: وهل في ذلك جدال؟ أحقها بالعناية والتقديم هو الذي تحتاج إليه ولا تستغني ~~عنه! # قلت: ولكن هذا المقياس يا صاحبي أخطأ مقياس للتفضيل بين شيئين يتعلقان بالإنسان؛ لأن الذي ~~لا نستغني عنه دائما هو الضرورات الحيوانية التي تقارب بيننا وبين من دوننا من الأحياء، ~~والذي نحسبه من الكماليات هو الكمال الذي تتفاضل به منازل الناس، فدع الحاجة ومقاييسها يا ~~صاحبي، فليست هي بمقياس صحيح، وكيف يكون مقياسا للاختيار ما يسلبك الاختيار، وينزلك على ~~حكم الضرورة والإكراه! # قال: فماذا ترى أنت؟ # قلت: إذا لم يكن في الأمر اضطرار، فنحن إذن قادرون على أن نختار، وعلينا إذن أن نختار بين ~~أمة جاهلة ناقصة الأداة، وأمة مريضة أو يوشك أن تموت. # فالأمة بغير علم أمة جاهلة، ولكنها قد تكون على جهلها وافية الخلق والشعور، والأمة بغير ~~صناعة أمة تعوزها أداة العمل، ولكنها على هذا قد تكون صحيحة الحس صحيحة التفكير، والأمة ~~بغير تعبير أمة مهزولة أو مشرفة على الموت، وكذلك تكون الأمم التي خلت من الفنون؛ لأن ~~الفنون هي تعبير الأمم عن الحياة. # ولا أكتمك يا صاح أن الاختيار بين هذه المقاصد الثلاثة خليق أن يعنت المختار؛ لأن الفن ~~والعلم والصناعة ليست بديلا من بديل، وليست قرينا يقاس إلى قرين، وما أعطي الإنسان ~~التعبير؛ ليبادل بينه وبين العلوم أو بينه وبين الصناعات، فإنما التعبير جزء من حياة ~~الإنسان، والعلم حالة من حالاته، والصناعة أداة من أدواته ... ولا محل للمفاضلة بين جزء لا ~~ينفصل من النفس الإنسانية، وحالة من حالاتها التي قد ms34 تنفصل عنها، ولا محل للمفاضلة بين ~~هاتين وبين عصا يحملها المرء في يده، أو فأس يضرب بها الأرض أو مطية يركبها، أو شيء من هذه ~~الأشياء المصنوعة على الإجمال. وما ظنك برجل يقول لك: تعال يا فلان! إنك حي تعبر عن سرورك ~~وألمك وتقول: إني أحب وإني أبغض، وإني أرجو وإني أخاف، وإني أبتهج لتلك الروضة، وأنقبض لتلك ~~المتاهة، وأعجب بهذا البطل الجسور، وأهيم بذلك الوجه الصبوح، تعال يا فلان! إنك تستطيع أن ~~تقول هذا فلا تقله، وخذ في مكانه العلم أو خذ في مكانه عشر سيارات وبضع طيارات، ومصنعا ~~للحديد ومنسجا للحرير ... ما قولك في هذا الرجل يا صاح! هل تراه قد عرض عليك الخيار في أمر ~~يصلح للخيار؟ وهل تراك قادرا على أن تجيبه، ولو طاب لك أن تأخذ البدل المعروض، وتعطيه ~~التعبير المزهود فيه؟ # ذلك هو شأن الذين يفاضلون بين الفنون والعلوم والصناعات، يخيرون الناس في غير موضع ~~للخيار، ويسألونهم عن الأسعار في غير موضع للبيع والشراء. أما إن كان المقصد من هذه ~~التسعيرة تقويم القيم والعلم بأقدارها، فليعلموا إذن ما شاءوا أن يعلموه؛ ليعلموا أن للأصبع ~~قيمة، وأن للمصباح قيمة، وأن للسيف قيمة وأن للرغيف قيمة، ولكن المبادلة بينها لا تقبل في ~~سوق الاختيار، وليس في سوق البيوع الجبرية مجال للإيجاب والقبول! # ووقعت يد صاحبي على مجلدات الصور التي تسمى بصور المدارس الحديثة، وهي أشكال وألوان من ~~المستقبليين إلى فوق الواقعيين إلى الاحساسيين الغلاة، إلى أشباه ذلك من البقع والخطوط ~~والأصباغ التي تحمل عنوان التصوير، وليست هي من التصوير في شيء؛ لأنها في استطاعة كل من ~~يتناول الريشة ويغمسها في الألوان، وليست بالفن الذي تعرف له أصول، وتدرس له مبادئ ويمتاز ~~به الفنان بين سائر الناس. # نظر صاحبي إلى تلك الصور، فاشتدت عليه النقلة من فنون الأقدمين ونظرائهم المحدثين إلى هذا ~~الهراء الذي يشبه هذيان المجانين، فقال: إن كان الفن تصويرا فليس هذا بتصوير، وإن كان هذا ~~الفن الذي يسمونه بالحديث تصويرا فلنبحث عن اسم آخر ms35 لذلك الفن القديم، لن يجمع الفنين اسم ~~واحد بأية حال. # قلت: لا حاجة إلى البحث عن اسم آخر للفن القديم، فهو هو التصوير الذي يصنعه المصورون، أما ~~هذا فهو ألغاز وأحاجي كتلك الألغاز والأحاجي التي تنشر في صحف التسلية عن الحروف المتقطعة، ~~والأرقام المثلثة أو المربعة، أو عن العيون التي ليست لها آناف، والآناف التي ليست لها ~~عيون، وكلها من عمل الملغزين والمفسرين فلا اختصاص بها للمصورين والنحاتين دون غيرهم من ~~العالمين. # قال صاحبي: ونستغفر الألغاز والأحاجي قبل هذا التشبيه بين الفنين، فإن الألغاز والأحاجي ~~ترجع إلى تفسير يتفق عليه كل من يفهمها بلا استثناء، أما هذه البقع والخطوط والأصباغ، فهي ~~شيء لا يفهمه غير صاحبه، ولا يستطيع أن يعمم فهمها بين طائفة من الناس، فكل صورة هنا كلمة ~~من لغة لا يعلمها إلا إنسان واحد، إن صح أنها شيء معلوم. وقد كانت الفنون لغة إنسانية عامة ~~يفهمها على البداهة من لا يتفاهمون باللغات، فأصبحت على أيدي هؤلاء المجان خرافة سرية في ~~ذهن رجل واحد لا يمثلها مرتين على نمط معروف. # ثم أومأ صاحبي إلى صحائف الإحساسيين، فقال: هؤلاء هم الذين فتحوا الباب - جزاهم ~~الله! # قلت: أصبت، إنهم هم الذين فتحوا باب التصرف في الأصول الموروثة، ولكنهم أصابوا في فتحه، ~~وهؤلاء دخلوا فيه ولكنهم دخلوا واغلين. # لقد كان الأساتذة الأقدمون يصورون ما يعلمون ويحسون، فجاء من بعدهم أساتذة المدرسة ~~«الإحساسية»؛ ليصوروا ما يحسون وما يشهدون. # كان الأستاذ القديم يعلم وهو يصور الشجرة أن لها غصونا وأوراقا، فيصورها ذات غصون ~~وأوراق مفروزة كما يعلمها، وإن كان يراها من حيث يجلس لتصويرها لونا أخضر، لا تنفصل ورقة ~~فيه عن سائر الأوراق. # وكان الأستاذ القديم يحسب الظل سوادا؛ لأنه نقيض البياض، وإن كان ليضرب أحيانا إلى لون ~~البنفسج أو الرماد. # فجاء الإحساسيون فأصلحوا هذا وذاك وكان لهم الفضل والتوفيق في هذا الابتداء. # وكأنما حسب الذين خلفوهم أن التصرف مقصود لغير غرض مقصود، فوصلوا إلى ما هم فيه من هذيان ~~المجانين. # كان الأقدمون يصورون ms36 ما يعلمون ويحسون، وكان الإحساسيون الصادقون يصورون ما يحسون ~~ويشهدون، فجاء من بعدهم من يصورون ما يتوهمون، وجاء من بعد هؤلاء من يصورون ما يزعمون أنهم ~~توهموه، وهم كاذبون. # توهم مزعوم، فماذا يكون وراء الوهم الملفق والزعم المكذوب؟ # لن يكون إلا هذه البقع والخطوط والأصباغ، ولن تكون فنا يتولاه فنان؛ لأنها في مقدور كل ~~يد تصبغ الألوان. # انظر إلى هذا الكلب الذي صوره رجل من المستقبليين! أرأيت كلبا قط له اثنتا عشرة قدما ~~وذيلان أو ثلاثة ذيول؟ إن هذا «المستقبلي» يصوره كذلك؛ لأنه يزعم أن الكلب وهو يجري قد يرى ~~له هذا العدد من الأقدام والذيول! فمن الذي أنبأه أن فن التصوير قد خلق لتصوير الكلاب وهي ~~واقفة لا تنقل قدما في قصارى شوطها، فلم يجهل أحد رآها أنها تعدو غاية العدو، وأن الحركة ~~شيء داخل في صناعة المصورين، ولو جرى المصورون على هذا المذهب لما جاز أن يرسم إنسان ~~بعينين اثنتين، لأنه يقلب عينيه ذات اليمين وذات الشمال، ويرفعهما إلى أعلى ويصوبهما إلى ~~أسفل، فلا تستقران في لمحتين! # وانظر إلى هذا المنكود من غلاة الواقعيين كيف يصور الفتاة؟ أفهذه فتاة أم جثة غريقة ~~وارمة؟ أم جلد آدمي محشو كما تحشى جلود الحيوان؟ # ولكنه يقول لك: إنه يصور ما يراه الوعي الباطن ولا يصور ما تراه العينان، فمن قال له: إن ~~الوعي الباطن مخلوق في هذه السنوات التي سميناه فيها باسمه؟ ومن قال له: إن الأساتذة ~~الأقدمين كانوا يعيشون في هذه الدنيا بغير وعي باطن، وبغير أوهام وأحلام؟ إنه سمع اسما ~~جديدا فظنه خلقا جديدا يرينا الدنيا على صورة لم تكن لها في الزمن القديم. ثم جاء ~~المتجرون بالغرائب فسخروه وشجعوه، ووقع في الفخ من يدعون غير ما يعلمون، ومن يخافون أن يقال ~~عنهم: إنهم قوم متخلفون، لا يفقهون الجديد ولا يجرون مع العصر الذي يعيشون فيه. # قال صاحبي: ترى لو تمثل صاحبنا في وعيه الباطن صورة السيارة، كأنها الفتاة الحسناء اللعوب ~~- أيؤمن بوعيه الباطن هذا فيلقي بنفسه تحت قدمها ms37 ، أو يقف في طريقها ليغازلها ويسعد ~~بقربها. # قال صاحبي: ليتهم يصدقون الوعي الباطن هذا التصديق، فيلحقوا بالوعي الباطن في عالم ~~الخفاء وتسلم القرائح والأذواق؛ لكنهم عند الجد قوم عقلاء، ينظرون بالعين التي ينظر بها ~~الناس، ولا يرون السيارة إلا سيارة، ولا الرجل إلا رجلا ولا الفتاة إلا فتاة! # وألقى من يده تلك المجاميع ليتناول مجموعة من صور التماثيل التي صنعها الأقدمون ~~والمحدثون، وحفظت أصولها في دور الفنون والآثار، بعضها في متحفنا المصري، وبعضها في العواصم ~~الأوروبية، فبدرت منه هتفة إعجاب بنخبة من تماثيل الملوك والملكات والكهان في عصور ~~الفراعنة، وأدهشه ما يمثله الحجر - ثم تمثله الصورة المأخوذة عن الحجر - من قوة الخلق ودقة ~~الملامح، وبروز السمات على خلاف ما توسم في تماثيل الإغريق. # قال: ما كنت أحسب أن المصريين برعوا الإغريق في هذه الفنون، ولا سيما في النحت ~~والتصوير. # قلت: كان ينبغي أن تحسب ذلك بداهة قبل أن تلمحه بالعيان، فالمصري القديم كان يعنيه ~~التخليد قبل أن يعنى بالنقل عن نماذج الطبيعة، ومن عني بنقل النماذج العامة أغناه الوصف ~~المشترك بينها عن السمات الخاصة والملامح الشخصية، ولكن المصري الذي كان يصنع التمثال كما ~~يحنط المومياء لتخليد صاحبها، ودوام جسده ومقومات شخصه لم يكن له معدى عن تمييز معارفه، ~~والتدقيق في تمثيل صفاته، فمن ثم كان المصريون الأقدمون أبرع من الإغريق الأقدمين في نقل ~~الملامح والقسمات، ولولا أن الإغريق أطلقوا الدنيا، وأن المصريين قيدوا دنياهم بآخرتهم لجاء ~~فن الإغريق بعد فن الفراعنة الأقدمين بأشواط فساح. # قال: ولعلهم من أجل هذا قربوا الصلة بين قيود الفن وقيود الأخلاق. # فندر في صورهم العري وعرض المفاتن المثيرة، وتعمدوا أن يستروا من الأجسام ما تقضي الأخلاق ~~بستره، خلافا للسنة الشائعة في رسم الصور ووضع التماثيل. # قلت: إنهم في الواقع أقرب إلى ستر الأعضاء من غيرهم، فلم يكشفوا من عورات الأجسام إلا ما ~~صنعوه لآلهة التناسل في المحاريب المزوية، ولكني لا إخال المسألة هنا مسألة حياء اتصف به ~~قدماء المصريين وتجرد عنه الآخرون، وإنما كانت تماثيل ms38 المصريين الأقدمين تماثيل أشخاص ~~معروفين لا تماثيل أجسام يتخذونها نموذجا للجسم القوي والجسم الجميل، ولا حاجة إلى عرض ~~خفايا الجسم في تماثيل الأعلام المعروفة: أما نماذج القوة ونماذج الجمال، فيختلف الحكم ~~عليها بعض الاختلاف - فإن إظهار العضلات والألواح، وإظهار الزوايا والمدارات، قد يتمم ~~النموذج ويلزم المثال في أداء عمله أشد من لزوم الوجوه والرءوس. # ثم قلت: وعلى هذا ربما أدهشك كما أدهشني، حين قرأت لأول مرة، أن الأصل في ستر الأعضاء، ~~إنما يرجع إلى الأنفة من وظائفها لا إلى الحياء من شهواتها، وأنهم كانوا يعافونها فيسترونها ~~ولم يستروها؛ لأنهم يخشون فتنتها، فما أعجب أصول الأخلاق، وما أعجب منبت الحياء. # قال صاحبي: وكان من الذين يتحرجون ولا يمنعهم تحرجهم أن يسمعوا وجهات الأنظار: من أي منبت ~~نبت فهو اليوم فضيلة من كبريات الفضائل، أو لعله اليوم أصل الفضائل جميعا؛ فلماذا يكشفون ~~ما ينبغي أن يستر، ولماذا يلزمون تماثيل الناس قلة الحياء، وهم يطلبون الحياء من الأصل ~~الأصيل! # قلت: أولى لهم أن يستروا ما يعاب كشفه ولا حاجة إلى إبدائه، وعلى أن المثالين قد خدموا ~~الأخلاق من حيث لا يريدون، حين عودوا الناس أن ينظروا إلى الجسد الواحد نظرات متعددات؛ لأن ~~النظر للشهوة وحدها معيب كعيب الخلاعة والابتذال، وما زال العزل بين أنواع الشعور ثروة لنفس ~~الإنسان تخرجها من فاقة الطبع إلى غناه، فالطبيب ينظر إلى جسد المرأة الحسناء، فينسى الجمال ~~والشهوة ويذكر الطب والرحمة، والرجل ينظر إلى أخته أو ابنته، فينسى أنها امرأة من جنس ~~النساء ويذكر الحنان والمودة، والممثل يقبل الممثلة وينسى لذة التقبيل ليذكر براعة ~~التجويد والإتقان، والعينان اللتان تبصران ألف جسد على شاطئ البحر في كساء الحمام لا ~~تفتنان كما تفتنان بجسد واحد في مثل هذا الكساء بين الجدران، فإذا تعود الناس أن ينظروا ~~إلى التمثال، فيذكروا جماله واتساق أعضائه، وتناسق أوصاله ينسيهم ذلك أنهم من ذوي الشهوات ~~بضع لحظات، فهم كاسبون في الأخلاق فضلا عن الأذواق، وليسوا بخاسرين. # وعاد صاحبي إلى ترتيب المكتبة الذي بدا لأول وهلة ms39 أنه لا يعجبه، ولا يريحه ولا يتيح له أن ~~يجد طريقه فيه؛ لأنه أعرض عن كتب الصور والتماثيل، ومد يده إلى بعض الكتب التي تجاورها على ~~رفها، فإذا هي في المنطق وما إليه. قال: ما هذا؟ أمن بيكاسو وأروزكو وبراك وتماثيل الفراعنة ~~والجرمان إلى أرسطو وكانت وهيوم؟ لم أر موضوعا أبعد عن المنطق من موضعه في هذا ~~المكان. # وكانت هذه الملاحظة وأشباهها ما تفتأ تعاد من كل زائر طرق هذه الحجرة، ونظر في كتبها ~~ورفوفها، ولم تكن بي حاجة إلى بيان عنها؛ لأن البيان الوحيد أنني أجددها كل حين، ولا أملك ~~أن أرتبها كل حين، وأنني مع هذا لا أضل فيها عن طريق كتاب أريده منها، فما حاجتي إلى ترتيب ~~لها غير هذا الترتيب؟ # ولكنني رجعت بصاحبي إلى المنطق الذي احتكم إليه، فقلت: وهل يقضي المنطق بغير ما تراه؟ ما ~~الحاجة إلى عناء الترتيب والتبويب إن كنت بغير ترتيب ولا تبويب تدرك ما تريد؟ وأي ترتيب ~~ينتظم في هذه الحجرة من ناحية إلا ليختل من ناحية أخرى؟ أترتيب الحجم أو الموضوع أم تاريخ ~~الاقتناء أم المؤلفين! ولم العناء؟ إن المنطق الذي تحتكم إليه أسباب وعلل؟ فهل من سبب وهل ~~من علة؟ # قال: لست على المنطق بغيور، فاصنع به ما تشاء وضعه حيث تشاء، وما جدوى المنطق في المكتبة، ~~وما في الحياة من منطق يعقله العقلاء. # قلت: أما هذا يا صاحبي فلا، وإننا لعلى شرطنا الأول أن ندع المردة في قماقمها ولا نطلقها، ~~ولكننا قادرون - وهي حبيسة - أن نقول في أمان: إن المنطق والحياة لا يفترقان! وإن الآفة ~~فيمن لا يفهمون المنطق أنهم لا يحسونه، وفيمن لا يحسون الحياة أنهم لا يفهمونها، فما من شيء ~~في هذه الحياة يناقض المنطق بحال، فإن فهمناه فهو مفسر بأسبابه ومقدماته، وإن لم نفهمه فليس ~~لنا أن نناقض بينه وبين المنطق أو القياس. # قال: عجبا! أو كذلك؟ إننا لنرى كل يوم أمورا لا نفهمها، ولا يراها الناقدون لا تجري إلا ~~على خلاف وجهها ونقيض استقامتها ms40 ، هذا الغني بخيل وذلك الفقير كريم، هذا الفتى المقبل على ~~الحياة يقدم على الموت في شجاعة وخيلاء، وذلك الشيخ الذي شبع من الحياة يجبن ويخاف، هذا ~~الذكي محروم وهذا الغني مجدود، فأي منطق في هذا وأي قياس؟ # قلت: كل المنطق وكل القياس، إن الذكي لا يصنع مقاديره فيصيب فيها بذكائه، وإن الغني لا ~~يصنع مقاديره فيخطئ فيها بغبائه، وإننا لنضع المنطق في غير موضعه حين نجعله حسبة أرقام ~~وأعوام، فإن الفتى الذي يقدم على الموت لا يفعل ذلك؛ لأنه يحسب الأعوام التي عاشها والأعوام ~~التي ينبغي أن يعيشها، ولا يقدم على الموت لأنه يريد أن يقدم عليه، ولكن الوضع الصحيح أن ~~نضع دوافع الحياة التي تحفزه إلى المجد والغلبة والثناء، وتخجله من العار والمهانة والعقاب، ~~ثم نضع أمامها دواعي الحرص والحذر والإشفاق، فإذا كانت تلك الدوافع أقوى من هذه الدواعي، ~~فالمنطق الصحيح إذن أن يقدم على الموت، ولا يستسلم للحذر والمخافة، وإذا كان الشيخ على نقيض ~~ذلك قد تغلبت فيه المخاوف على دوافع الشباب، فالمنطق الصحيح أن يتشبث بالحياة التي يرفضها ~~ذلك الشاب وهو في مقتبل صباه، وما من غرابة إلا وهي مفهومة معقولة منطقية قياسية حين نضعها ~~في وضعها الصحيح، وإنما نخطئ المنطق لأننا نخطئ الإحساس، فلا تصدق خصيان العقول والنفوس حين ~~يزعمون أنهم من ذوي الإحساس لأنهم لا يفكرون ولا يقيسون، فإنما الإحساس القويم هو الفارق ~~الوحيد بين المنطق القوي والمنطق الضعيف، وإنما الخطأ في المنطق خطأ في الإحساس بالأمور على ~~حقائقها النفسية. أتعرف أولئك النظامين الذين يحفظون التفاعيل ليحسنوا وزن الشعر، فلا ~~تستقيم لهم التفاعيل ولا تستقيم لهم الأوزان؟ لو أحسوا بآذانهم لصححوا التفاعيل، وصححوا ~~الأوزان معها، وكذلك الذين صفرت نفوسهم، فلا يشعرون بالحياة على حقائقها يتهمون المنطق وهو ~~براء، وهم الذين لا ينطقون ولا يحسون. # ترى هل يخطئ المخطئون فيحسبون الغني أولى بالسخاء والفقير أولى بالضنانة؛ لأنهم يحسون ولا ~~يفكرون، أو لأنهم لا يحسون ولا يضعون شعورا أمام شعور، بل أرقاما أمام أرقام! ترى لو ~~أحسوا ms41 ماذا يختلج في نفس الغني فيبخل، وماذا يختلج في نفس الفقير فيجود؟ أكانوا يخطئون في ~~المنطق ويضلون عن سواء السبيل؟ # إننا نتكلم في الغنى والفقر، فلنمض في القافية ولا ندع الكلمتين قبل أن نقول: إن فقر ~~العقول لم يكن قط شهادة بغنى النفوس، وإن ثروة النفس لا تحرم صاحبها ثروة العقل بل تعينه ~~عليها وتزيده منها، وهذا فيما أحسب فصل الخطاب في قضية الفقراء المنطقيين، الذين يثبتون ~~غناهم في الحس والشعور بشهادة فقر في باب المنطق والتفكير. # وقبل أن يتقدم صاحبي إلى ركن الشعر والشعراء، وهو ربع المكتبة، بادرته بالشرط المعهود: لا ~~تفتح القماقم ولا تتجاوز العناوين! # قال: نعم، الشرط فيما أرى، فما نحن بخارجين من هذه الحجرة لو أطلقنا ماردا واحدا هنا، ~~وانطلق وراءه إخوانه المتحفزون، ولا أخفي عليك أنني لست على مذهبك في الحفاوة بالشعر؛ لأنه ~~فضول شبعنا منه نحن الشرقيين، وطال اشتياقنا إلى تعويد أبنائنا ملكة العمل بعد ملكة ~~الكلام! # قلت: لك رأيك في الحفاوة بالشعر والشعراء، أما الحقيقة فهي أننا كنا عاملين عندما كنا ~~قائلين، وأنه لم توجد قط أمة عرفت كيف تعمل إلا عرفت كذلك كيف تقول، فلا تناقض بين القدرة ~~على العمل والقدرة على القول، وما يستطيع إنسان أن يعمل حسنا، أو يقول حسنا إلا بوعي ~~صحيح، والوعي الصحيح قسط مشترك بين ملكة العمل وملكة الشعر، ولولا أن الشعراء يحتاجون إلى ~~صناعة التعبير، ويفرغون لإتقانها لما منعهم الشعر أن يكونوا أقدر العاملين. # أتحسب العرب كانوا متخلفين في ميادين الأعمال لأنهم كانوا سباقين في ميادين القصيد زمنا ~~من الأزمان؟ أرأيت اليونان قد نبغ فيهم القادة والساسة والمدبرون إلا حين نبغ فيهم الشعراء ~~والمنشدون؟ أتعلم أمة من أمم الأرض في العصور الحديثة أطبع على مراس الواقع والعناية بالفكر ~~العملي، والخلائق العملية من أمة الإنجليز؟ فهل رأيت أمة من جيرانهم ومنافسيهم سبقتهم في ~~مضمار الشعر، وأنجبت نصف ما أنجبوه من عباقرة الشعراء؟ # زعمونا - أو زعمنا لأنفسنا نحن الشرقيين - أننا خياليون، وأننا لو أصبحنا واقعيين لنفضنا ~~عنا غبار ms42 الخمول. والحق الذي لا مرية فيه عندي أننا واقعيون فاشلون في الواقعيات، فليست ~~قصور ألف ليلة وليلة ولا حسانها وجواهرها وموائد طعامها وشرابها خيالا يحتاج إلى ملكة من ~~ملكات التصور والإدراك، ولكنها كلها واقع ناقص أو واقع موقوف التنفيذ، فإذا حصل التنفيذ حصل ~~الواقع الذي يلمس ويرى ويشم ويذاق، واليوم الذي نتخيل فيه فنحسن التخيل هو اليوم الذي ننفض ~~فيه غبار الخمول؛ لأننا نحسن الوعي بهذا التخيل، ونطبع الصورة الصادقة في بدائهنا من صور ~~الوجود، ولن تنطبع في النفس صورة صادقة لما حولها، وهي راكدة قاعدة أو عازفة عن الحركة ~~والسعي والاستجابة لتحول الأحوال. # فكن على رأيي أو رأي غيري في الحفاوة بالشعر والشعراء، ولكن لا تجعل الشعراء مقياسك الذي ~~تقيس به قدرة العمل؛ لأنهم يتفرغون للتعبير فيفوتهم التفرغ لما عداه من الشئون، واتخذ ~~مقياسك من الأمم العاملة القائلة تجد أن الشعر الأصيل، والعمل الأصيل يرجعان معا إلى فرد ~~مقياس، وهو الوعي الأصيل. # وهممنا أن نترك الحجرة التي قضينا فيها معظم هذه السياحة، فأنصفناها أعدل الإنصاف؛ لأننا ~~في الواقع نقضي فيها معظم الحياة. # وعدل صاحبي عن الرفوف إلى الجدران، فقال: إننا دخلنا هذه الحجرة، ونحن نقول: إن النور ~~أخفى الأشياء؛ لأنه أظهر الأشياء بل مظهر الأشياء، وها نحن أولاء نغضي عن الجدران الظاهرة، ~~ونبحث عن الرفوف والصفوف، فمن هذا وما ذاك وما هنالك على هذه الجدران التي رأيناها أول ما ~~رأينا؟ ألم تكن أحق منا بالسؤال عنها أول ما سألنا؟ # وكانت على الجدران صورة فنية واحدة لا ثانية لها من نوعها، وهي صورة الفتاة الحزينة على ~~قبر حبيبها الدفين، وقد كتبت عنها في ساعة من الساعات بين الكتب، فلم يكن السؤال بحاجة إلى ~~جواب. أما سائر الصور فقد كانت أوضح من أن تحتاج إلى توضيح، جمال الدين ومحمد عبده وسعد ~~زغلول وكارليل وبيتهوفن، وصورتان من صنع الفنان النابغ صلاح الدين طاهر؛ إحداهما صورتي بعد ~~الأربعين والأخرى صورتي بعد الخمسين! # ولقد تجمعت هذه الصور في أماكنها بمحض الاتفاق في نيف وعشرين ms43 سنة، فلم أعرف لها وحدة ~~تجمعها إلا بعد أن تجمعت وحدها، وساءلت نفسي عن تلك «الوحدة» كما كان يسألني الناظرون ~~إليها. # قال صاحبي وهو يومئ إلى الصور واحدة بعد واحدة: هذا موسيقي ألماني، وهذا حكيم إنجليزي، ~~وهذا مصلح أفغاني، وهذا وزير وهذا مفت، وهما مصريان! فما الذي جمعهم في صعيد واحد وهم بهذا ~~التفرق في المواطن والشواغل والأهداف؟ # قلت: الجد والكفاح ونبل السليقة وقلة الاستخفاف. # فهؤلاء الثلاثة شرقيون من رجال العمل والحركة، وأعمالهم فيها النهضة الاجتماعية والثقافية ~~الدينية والثورة الوطنية، ولكنهم كلهم مجدون مكافحون نبلاء، لا يستخفون بما يعملون، ولا ~~يدينون بشريعة الاستخفاف التي يتراءى بها بعض الساخرين من الحكماء. # قال: لكأني بك لا تحب الساخرين. # قلت: كلا، بل أحبهم ساخرين وجادين مكافحين. ومن أعجبه كارليل وبيتهوفن لا يكره السخر بل ~~لا يكره السخط أحيانا على الحياة، ولكن شتان سخط وسخط وشتان رضوان ورضوان. # أتعلم يا صاحبي ماذا أحب وماذا أبغض من مذاهب السخرية، بل من مذاهب السخط ~~والتشاؤم؟ # إن النظرة إلى المرأة هنا هي مقياس النظرة إلى الحياة، فإنك لا تسخط عليها إلا لأنك ~~تكبرها، ولا تترك السخط عليها والسخرية منها إلا لأنها هينة عليك حقيرة في عينيك. # الزوجة تغضبك وتقيمك وتقعدك، ولكن البغي المستباحة لا تثير منك غضبة ولا تكلفك حسابا ولا ~~عناية، فإذا اقترن السخط بالجد والاهتمام، فالحياة شريفة مرعية تلقاك منها المغضبات بغير ما ~~تتوقعه وما تتمناه، وإذا بطل السخط وبطل معه السخر اللاذع، فالحياة جثة مستباحة بلا عرض ولا ~~كرامة، وهذا الذي أوثر عليه سخط الساخطين وسخر الساخرين. # وإني لأسمع من هذه النافذة بين حين وحين صوت امرأة لا تني تنذر وليدها بالخيبة وسوء ~~المآل؛ أأنت تفلح في شيء قط؟ والله ما أنت بمفلح ولا بمقلع عما أنت فيه! خيبني الله إن لم ~~أرك خائبا هكذا بين أبناء الأمهات. # وهذا سخط كسخط فريق من الفلاسفة المتشائمين على الدنيا ومن فيها، ولكنه سخط من يريد الخير ~~ومن يسوءه صدق ما يقول، ومن هو أول الفرحين والمستبشرين ms44 لو جرى الأمر على غير النبوءة التي ~~يقسم عليها جاهدا، ويخيل إليك أنه قد جزم بها كل الجزم، وفرغ منها غاية الفراغ. # هذا سخط من يعنيه أن يسخط ويعنيه أن يرضى، هذا سخط من يسخط على نفسه وهو ساخط؛ أو من يسخط ~~لأنه يحاول أن يرضى فما استطاع. # أما أولئك الفلاسفة الراضون بالدنيا؛ لأنهم يلتذون عيوب الإنسان ويبحثون عنها بحث المحبور ~~بالنقص المحزون بالكمال؛ فبينهم وبين أولئك الساخطين بون بعيد، بين هؤلاء وهؤلاء ما بين ~~الأم التي تنعي خيبة وليدها والعدو الذي ينعي خيبة عدوه، فتلك تنعي وهي كارهة آسفة، وهذا ~~ينعي وهو راض قرير، وتلك تحفز إلى العمل والصلاح، وهذا يصد عن العمل والصلاح. # أولئك المتشائمون أصدقاء الحياة والإنسان، وهؤلاء المتشائمون أعداء الحياة ~~والإنسان. # وليست العبرة في مذاهب الحكمة بالأسماء والعناوين، ولكنما العبرة حق العبرة بالبواعث ~~والنيات، وربما نظرت إلى البواعث والنيات فرأيت بعض المتشائمين أقرب إلى حب الحياة والإشادة ~~بفضائل الأحياء من بعض المازحين والضاحكين. # قال صاحبي: إن كثيرا من الناس ليفهمون قولنا حين نقول لهم: إن كارليل فيلسوف متشائم، ~~ولكن كم منهم يفهموننا حين نقول: إن بيتهوفن موسيقار متشائم أو مناضل؟ وكم من الناس في ~~الشرق خاصة يرى في صناعة الألحان متسعا لآراء المتفائلين وآراء المتشائمين وآراء ~~المناضلين؟! إنما يحسبون ذلك وقفا على التعبير بالكلام، دون التعبير بالألحان، فإن وصفوا ~~لحنا بالتشاؤم، فأول ما يسبق إلى أخلادهم أنه لحن جنازة أو لحن شجن وأنين ... وإنما يسوغ ~~التعبير الموسيقي في معاني المذاهب الفلسفية عند طبائع الغربيين، ولا يسوغ عند طبائعنا نحن ~~الشرقيين. أوليس هذا هو الفارق بين موسيقى الغرب وموسيقى الشرق التي ورثناها عن الآباء منذ ~~عهد بعيد؟ # قلت: لا أحب أن أظلم الطبائع الشرقية، ولا أود أن أفرد الطبائع الغربية دون سواها بتلك ~~الفضيلة، فإن الموسيقى الغربية لم تكن من قديم الزمان على هذا الطراز الذي نسمعه من بيتهوفن ~~وأمثاله، وإنما اتخذت منهجها الحديث حين نشأت في ظل القداسة الدينية، ثم عبرت عن مسائل ~~الروح وأسرار الوجود ms45 التي تشتمل عليها الأديان، ثم استولت عليها المذاهب الكونية حين استولت ~~في الغرب على تراث الدين كله، وعلى مسائل الروح بما رحبت، فلم ينعزل الموسيقيون عن الفلاسفة ~~والشعراء، وباعثي النخوة في صدور الأمم يوم تعاقبت بينهم نهضات الإصلاح والحرية. وقديما ~~كان في اليونان، وفي بلاد الجرمان منشدون وملحنون، فلم ينهجوا على هذا المنهج الحديث، ولم ~~يرتفعوا بالموسيقى كثيرا عن منزلة الطرب، وتمليق الحواس وتمثيل الشعور المحدود. # ولعلنا نقترب إلى الإنصاف وندنو من التحقيق حين نقسم الموسيقى إلى نهجين يختلفان باختلاف ~~الذوق والبديهة، ولا نقسمها إلى إقليمين «جغرافيين» بين أناس في الشرق وأناس في الغرب، أو ~~أناس في الشمال وأناس في الجنوب. # فهناك موسيقى الحس المحدود، وهي التي تؤدي لنا وظيفة الجارية والنديم، وتسلينا بأنغام ~~الفرح حين نفرح، وأنغام الشجن حين ننوح. # وهناك موسيقى الروح، وهي التي تخاطبنا من منبر الإلهام وشرفات الغيب، وتجلس لنا مجلس ~~المفسرين والهداة، وتقول لنا ما يعجز عنه الكلام؛ لأن الألحان لا تقصر عن وصف الأسرار حين ~~تقصر عنها المعاني والحروف. # ولدينا من جهة أخرى موسيقى الحس الحي التي تطربنا وتشجونا كما يختلج الطرب والشجو بالجسم ~~القوي الصحيح. # ولدينا من جهة أخرى موسيقى الحس المريض، التي تطرب من تطرب وتشجو من تشجو كأنها السم ~~المخدر، أو الشهوة السقيمة التي تترهل بها الأجسام في مخادع اللذات. # وقد تقترن الموسيقى بالسعة والضيق وبالسمو والهبوط، على حسب السامع المصغي إليها والمتعقب ~~لأنغامها. # فمن الآذان الشعرية مثلا ما ليس يتسع لغير القافية الواحدة في القصيد الطويل. # ومنها ما يسمع القصيدة الواحدة وفيها عشر قواف تتكرر في أماكنها، فتحسن انتظارها حين ~~تعود وتجري مع كل قافية منها في مدار. # وكذلك الأوزان الموسيقية في آذان السامعين، ربما أتعبت أناسا بتكرارها وأراحت أناسا ~~بهذا التكرار، وإنما المعول في الحالتين على الأذن التي تتعقب، وتحسن التعقب ~~والتعقيب. # أترى اليدين اللتين تلعبان بخمس كرات وسكينتين وبيضات مع الكرات، والسكينتين لا ~~تزالان تقذفها اليمين، وتتلقاها الشمال أو تقذفها الشمال وتتلقاها اليمين؟ إنهما يدان من ~~لحم ودم ms46 كتينك اليدين اللتين تكسران البيضة الواحدة إذا تناولتاها على غشم وجفاء. فإذا مرنت ~~البديهة الصاغية، فقد تداول بين عشرين وزنا تتلقاها في مواقيتها، ولا تحار بين واحدة منها ~~وواحدة كلما رجعت إليها، وإذا أخطأتها هذه المرانة - أو هذه القدرة - فقد يعنتها الوزن ~~الواحد في غير ميقاته المحدود. ولا خطأ في الموسيقى هنا وهناك، وإنما هو الخطأ في التناول ~~والاتباع. # قال صاحبي مبتسما: وإخالها لعبة عسرة على آذان المستمعين عندنا. # خمس كرات وبضع بيضات وسكينتان في يدين اثنتين، هذا كثير على سامعي العود والقانون في هذا ~~الشرق «اللطيف»، إني ليائس من اليوم الذي يتجمع فيه لسماع الموسيقى العالية جمهور يعد ~~بالمئات والألوف، كذلك الجمهور الذي يتجمع لها في أندية الأوروبيين. # قلت: إن أجلنا اليأس فلا ضير في تأجيله، فإن الأغاني الشعبية عندنا لا تزال سليمة من ~~مرض الترهل والغواية، وهي لا تحتاج إلى مرانة كبيرة في المنشدين ولا في المستمعين، فأما ~~الموسيقى التي لا غنى فيها عن مرانة الآذان والأذواق، فهي تلك الموسيقى العالية التي نتمنى ~~لنا نصيبا منها كنصيب الأوروبيين أو أوفى من ذلك النصيب. وليس لنا أن نيأس من عقباها بيننا ~~حتى نؤدي واجب المرانة المطلوبة في الجيل الناشئ تمهيدا لما بعده من الأجيال، فإذا حسنت ~~هذه المرانة جيلا واحدا، ولم تثمر في الشرق ثمرتها المنشودة، فهناك مجال لليأس أو للشروع ~~فيه. # ويخيل إلينا أننا لم نبدأ هذه المرانة على وجهها المفيد؛ لأننا خلقاء ألا نترقب فنا ~~موسيقيا عاليا قبل أن نفصل بين الذوق الفني وبين المتعة الجنسية أو المتعة الجسدية، ونحن ~~لا نزال نقبل على مجلس السماع جنسيين جسديين، يتعصب الذكور منا للمغنيات الإناث، ويتعصب ~~الإناث منا للمغنين الذكور. # قال: وما آية هذا الفصل بين ذوق الفن وبين الغريزة الجنسية؟ # قلت: آيته أن ترى السامعين يحيون السماع بغير ما ألفناه من التصدية والتصفيق، وبغير ذلك ~~الأسلوب الناشز من الخبط والصريخ، فإن الصفة الأولى التي لا تنفصل من الموسيقى والغناء هي ~~صفة الانسجام والتناسب بين الأصوات، ولن تسيغ الأذن ms47 الموسيقية زعيقا ولا اقتضابا، وهي ~~تصغي إلى تناسب وانسجام. إنما السامع المصغي إلى الغناء الذي يصيح تلك الصيحات المزعجة ~~حيوان لذعته الغريزة فجمح في غير أناة، وليس هو بإنسان يملكه جمال النسق وتستهويه متابعة ~~النغم، ويسالك الألفة والنظام، وليس في وسع الأذن أن تكون أذنا موسيقية، ثم تنتقل من ~~الفوضى إلى النسق، ومن النسق إلى الفوضى في لمحة عين، وليس في وسعها أن تسيغ الفن وتسيغ ~~نقيضه في آنة واحدة، وهل الفن إلا أوزان؟ وهل نقيضه إلا الأصداء والأخلاط التي تنطلق بغير ~~عنان؟ # فالصاحب الذي تلذعه الغريزة، فيصيح ويقتضب الغناء معقول ومفهوم. # أما الذي لا يفهم ولا يعقل، فهو ذو نظام وذو فوضى ينطلقان في لحظة واحدة، ولا يزالان كذلك ~~متقلبين مترددين في شخص واحد ساعة أو بضع ساعات. # قال: كأنما الذنب ذنب المستمعين. # قلت: ليس في فنون الجماهير ذنب واحد، بل ذنوب تشمل المسمعين ومن يستمعون إليهم، ومن لا ~~يسمعون ولا يستمعون! # وكانت صورة بيتهوفن تنحني إلينا كأنها تصغي إلى حديثنا. فقال صاحبي: ما كان أعظم فجيعة ~~المسكين بسمعه وهو السفير بينه وبين عالم الأصداء والأصوات، لو كان هو الذي أمامنا ولم تكن ~~تلك صورته لما سمع من حديثنا أكثر مما سمعت هذه الصورة الصماء، فماذا كان على الدنيا لو ~~أسمعت هذا الذي أسمعها من أقصاها إلى أقصاها، ولا يزال يسمعها إلى اليوم! # قلت: هي محنة تمثلت فيها نزاهة الفن وخلوصه من ظاهرة الحس القريب. فقد سمعنا من نقاد ~~الغرب من يقول: إن رافائيل لو ولد مقطوع اليدين لكان هو في ملكة التصوير روفائيل الذي ~~علمناه. فإن كان هؤلاء النقاد قد بالغوا بعض المبالغة، فقد شاء القدر أن نرى أعظم ~~الموسيقيين مقفل الأذنين لا يسمع ما يوحيه لأنه يتلقاه من عالم النسب المحض التي لم تترجمها ~~الأصوات. وما يتفق هذا لأصحابنا أصحاب العود والقانون وربع المقام؛ لأنهم كالمرأة التي تنظر ~~إلى مرآتها ولا تفارقها، فإن فاتهم أن يسمعوا أنفسهم فقرة بعد فقرة لم يحسنوا إسماع ~~الآخرين. # وتهيأ صاحبي لسؤال ms48 يتردد فيه، فقال وهو ينقل بصره بين الصور المتجاورات: إنك لم تجمعها ~~عمدا على هذا التفاوت البعيد فيما بينها، فأما وقد اجتمعت على غير قصد منك، فهل خطر لك قط ~~أن توازن بين أصحابها، وأن تسأل نفسك أيهم أعظم وأيهم أحق بالإكبار والإعجاب؟ # قلت: لا يخطر لك على أية حال أنني أنزل بقدر الموسيقي العظيم عن قدر المصلح العظيم أو ~~الزعيم العظيم، إن الأئمة الموسيقيين أندر في العالم من أئمة الاجتماع وأئمة السياسة، فلا ~~تحسبنه حتما لزاما أن يكون زعماء الاجتماع أو السياسة أعظم من زعماء الفنون؛ لأن المعول ~~على الكفاءة اللازمة للعبقرية لا على أثرها في مواطن الجاه والسلطان، وليست حاجة الناس إلى ~~الشيء هي مقياس العظمة فيه؛ لأن الناس يحتاجون إلى سنابل القمح ويستغنون عن اللؤلؤ، وليس ~~القمح بأجمل ولا أبدع في التكوين، ولا أغلى في الثمن من الجوهر الذي لا نحتاج تلك الحاجة ~~إليه. # قال: وهؤلاء الثلاثة العاملون، من أعظمهم في موازين الرجال؟ # وأشار إلى جمال الدين ومحمد عبده وسعد زغلول. # قلت: أعظمهم أثرا في قطر واحد هو سعد زغلول، وأعظمهم أثرا في جميع الأقطار هو جمال ~~الدين، وأعظمهم نفسا فيما أرى هو محمد عبده، أوسط الاثنين. # قال: وبم كان أعظمهم في موازين النفوس؟ # قلت: إن عظماء البطولة الإنسانية لا يوزنون بغير الصفة العليا التي تتجلى في البطولة، وهي ~~الإيثار. # فإذا تعادلت كفاءات العقل واللسان وكفاءات العزم والعمل، فليس في الميزان الإنساني أصدق ~~من وزنة الإيثار للمفاضلة بين المتقاربين في الأعمال والأقدار. # قال صاحبي متعجبا: ومحمد عبده الذي تسنم المناصب، ولم يحرم نفسه متعة الأبوة والزواج ~~أعظم إيثارا من جمال الدين؟ # قلت: قد تكون العزوبة مزيدا من الاعتداد ب «الشخصية»، وقد تكون الأبوة مزيدا من ~~الإيثار. # قال: عليهم سلام الله أجمعين، سابقين ولاحقين، وراجحين ومرجوحين، فليس بالمرجوح من له ~~الرجحان على الألوف وألوف الألوف، وإن سبقه بالرجحان أستاذ أو مريد. # وتحول صاحبي إلى صورتي، فقال وهو يردد النظر بيني وبينها: لقد سألتك عن صور غيرك، فما لي ms49 ~~لا أسألك عن صورتك؟ كيف ترى صديقك الفنان قد مثلك في هذه الأصباغ والألوان؟ # قلت: على شرطي في كل تمثيل. # وشرطي في الممثل القدير - على المسرح - أنه هو الممثل الذي يمثل لك ما لا يقال، أو هو ~~الممثل الذي يشغل فراغ القول بين عبارة وعبارة من كلمات المؤلفين؛ لأن مصاحبة الكلمة ~~الضاحكة بالمنظر الضاحك، أو مصاحبة الكلمة الباكية بالمنظر المحزن فن لا يعسر على الكثيرين، ~~وإنما يعسر عليهم أن يمثلوا لك ما لا يقال بين الكلمتين أو بين المنظرين، يصعب عليهم أن ~~يمثلوا لك ما تدركه أنت، ولا يقوله المؤلف بلسانه ولا تسمعه أنت بأذنيك. # وكذلك أرى صورتي كما صورها صديقنا الأستاذ صلاح؛ لأنه يمثل القابليات، قبل تمثيل الملامح ~~والمحسوسات، فليس في الصورة حالة محسوسة عني بها دون غيرها، ولكن ما من حالة قد تطرأ على ~~النفس إلا نظرت إلى الصورة، فرأيتها قابلة لها موافقة للتعبير عنها، وهذه هي ملكة الإيحاء ~~التي تشترط في جميع الفنون، فما تحسبه الكلمات والأصباغ من المعاني أو الملامح أقل في العمل ~~الفني مما ينطق به الخيال، أو يسترسل فيه تداعي الخواطر والأفكار. # وكان آخر ما ودعه صاحبي من المكتبة نخبة من الكتب في فن الغذاء وأقوال المحدثين عن وحدات ~~الحرارة والفيتامينات، وأول ما استقبله وهو منصرف عنها باب المطبخ على اليمين، فنظر فيه ~~ضاحكا، وبادرته سائلا: إنك الآن تضحك؛ لأنك في حل من المقارنة بين طعام العقول وطعام ~~الجسوم! # قال: غير هذا قد خطر ببالي حين ضحكت، وإنما ذكرت قولة لصديق لي كان يستعيدها في مناسباتها ~~كما تستعاد الحكم المحفوظة، ولست أدري كيف أطبقها في هذا البيت، فإنها غير قابلة فيه ~~للتطبيق. # قلت: طبقها ولا حرج عليك. # قال: ... إنها لا تنطبق هنا بحال من الأحوال؛ لأن صاحبي كان يقول ويزهي بالعلم الذي أوحي ~~إليه حين يقول: إن خطبت فتاة فلا تسأل عن أبيها ولا أمها ولا تسأل عن مالها ولا أدبها، ~~وإنما تحتال حتى تلقي نظرة فاحصة على مطبخ بيتها، ثم تخطبها إذا أعجبك ms50 نظام المطبخ وأنت ~~مغمض العينين. # قلت: لم يعد صاحبك الصواب، ولو شاء لعمم هذا الحكم المصيب على الأمم، فقال: إن أردت أن ~~تخبر أمة من الأمم فلا تسأل عن نسبها ولا حسبها، ولا تسأل عن مالها ولا أدبها، وإنما تسأل ~~عن «مطبخها» فيغنيك العلم به عن كل سؤال. # قال: وكأني بهذا الرأي - لو صح - يتيح لنا أن نقول: إننا نحن الشرقيين سادة العالم وقادة ~~الشعوب؛ لأننا أساتذة الشعوب في المطبخ والمخدع باتفاق الآراء، وما ينازعنا القوم في ~~الأستاذية إلا حين يذكرون المعمل والمدرسة، أو حين يذكرون العلوم والصناعات. # قلت: وهنا أراك قد أخطأت التطبيق يا صاحبي في حكمة صاحبك الأديب، فإن المطبخ «المثالي» هو ~~المطبخ الذي يستخدم للغذاء، وليس بالمطبخ الذي يستخدم للذة الطعام أو لذة النوم، وقد يكون ~~الطعام اللذيذ سما في باب الغذاء، ويكون الطعام وافر التغذية وهو قليل اللذة، أو لا لذة ~~فيه. # ولا ينكر علينا أحد أننا برعنا في مطبخ اللذة، وورثنا في هذا الفن تركات روما وبيزنطة ~~ومنف وبغداد وفارس والهند والصين ... وعرفنا كيف نطبخ الطبخة التي تمتع، والطبخة التي تكظ ~~البطون، والطبخة التي تهيج الأكباد، والطبخة التي تعين على الشراب، وجرب ذلك الغربيون ~~فشهدوا لنا بالسبق في المجال من النساء والرجال. # كتبت «إيزادورا دنكان» أجمل الراقصات في العصر الحديث تاريخا لرحلاتها في الغرب والشرق، ~~فذكرت أكلة لها في قطر من أقطار أوروبا الشرقية، فلم تنس أن تقول: إنها أكلتها ونامت ~~فاستيقظت وهي تعلم يومئذ كيف يستيقظ الرجال من النوم، ويخرجون من البيوت! # وهذه البراعة في المطبخ الشرقي الفاخر لا نزاع عليها، ولا تخلو من الدلالة مع هذا على ~~نصيب الأمة من شواغل العيش ومطالب الحياة، ولكنها تقف بنا دون البغية المرموقة إذا طمحنا ~~بها إلى مقام الأستاذية بين الشعوب، وإنما كتب «سوء التغذية» على أغنيائنا وفقرائنا على ~~السواء بهذا المطبخ اللذيذ، وربما كان داء الغني المستمتع بهذا المطبخ أوبل من داء الفقير ~~المحروم. # وأعرف من فتياننا الموسرين فتى تزوج فأراد أن يستعين على المخدع ms51 بالمطبخ، فأصيب بداء ~~السكر في أقل من شهرين، وكان مصابه بالمطبخ المعين قبل مصابه بالمخدع المستعان عليه؛ لأنه ~~أقبل على الدسم والتوابل والمشهيات فأرهق الكبد وأجحف بالبدن كله من حيث أراد له الصحة ~~والمتاع، فبئس المطبخ مطبخ اللذة، ونعم مطبخ الغذاء، وأعني مطبخ الفرد والأمة على ~~السواء. # قال صاحبي وهو يصطنع المزاح، ولعله أقرب إلى الجد منه إلى المزاح: إنك تخيفني الساعة بهذا ~~التمهيد، أترانا مقبلين على مائدة لا تلذ الآكلين؟ أتحسبني أطيق أن نقلب صفحة من صفحات هذه ~~الكتب الملعونة كلما أقبلنا على صفحة من الصحاف؟ # قلت: هونا هونا أيها الصديق، فمهما يكن من حكم هذه الكتب الملعونة، فكن على يقين أننا ~~في هذه الحجرات المعدودات لا نعرف كتابا يطاع كل الطاعة، ولا إماما يتبع كل الاتباع، ولك ~~أن تطمئن فيها بعض الاطمئنان إلى غاندي، وإن عز عليك أن تطمئن كل الاطمئنان إلى ~~أبيقور. # زاهد الهند نعى الدنيا وصام # أنا أنعاها ولكن لا أصوم # طامع الغرب رعى الدنيا وهام # أنا أرعاها، ولكن لا أهيم # بين هذين لنا حد قوام # وليلم من كل حزب من يلوم # إن هذه الكتب الملعونة - كتب الغذاء والفيتامين - حقيقة أن تراجع وتستشار، وليست بحقيقة ~~أن تسيطر على العقول والأجساد؛ لأنها تعطي الجسد ما يحتاج إليه بمقدار ما يحتاج إليه، ~~فتسلبه بذلك ألزم خصائص الجسم الحي وهي طبيعة التعويض والتمثيل والتصحيح، وخير من هذا أن ~~نعطي أجسامنا شيئا ناقصا في هذه الوجبة، وشيئا زائدا في تلك فتبقى للجسم قدرته على ~~تعويض النقص، وتوجيه الزيادة إلى وجهتها، ونعامله معاملة الراشد الذي يعمل لنفسه، ولا ~~يكلفنا أن نعمل له كل لقمة وكل جرعة وكل طبخة، ولست ممن يرتضي القصور للعقول ولا للأجسام، ~~فكلاهما في القصور معيب، وكلاهما في الرشد جميل. # قال صاحبي: وإن جسمي لمن أرشد الأجسام في ساعة الطعام. # قلت: إنك الساعة تخيفني أشد مما أخفتك يا صاح بذلك التمهيد. # واستقبلنا في ركن من أركان ردهة المائدة الصغيرة صندوقا مربعا يوحي إلى الناظر باسمه ~~المتفق عليه، وهو ms52 التابوت! سماه باسم التابوت المقدس كل من رآه؛ لأنه يشبه في منظره وموقعه ~~توابيت القديسين في أركان المزارات، ولم أنكر التسمية؛ لأن التابوت فيه تقديس وفيه تخليد، ~~وماذا على الموسيقى التي اشتمل عليها التابوت أن تتصف بالتقديس والتخليد؟ # كان هذا التابوت مشتملا على حاك قديم وبضع مئات من القوالب الموسيقية، أو الغنائية ~~المختارة من مسموعات الشرق والغرب، ومنها توقيعات على بعض الآلات السماعية العجيبة، التي ~~تختلف بسلمها الموسيقي عن السلم الشائع في معظم البلدان، كتوقيعات أهل الصين. # ومزح صاحبي مزحة ليست بالأولى من نوعها؛ لأنها كذلك من وحي المقام، فقال: إن هؤلاء ~~العازفين في موضعهم هنا؛ لأنهم يعزفون لك على الطعام، فلا يفوتك حظ الخواقين والشاهات في ~~قصور البذخ والسلطان! # وأجبته كما كنت أجيب هذه المزحة في كل حين: إن الإنسان يا أخانا لا يأكل أكلتين في لحظة ~~واحدة: أكلة روح وأكلة معدة، وما من كرامة الموسيقى الرفيعة أن تشتغل بشيء آخر وأنت تستمع ~~إليها، فإنها شاغل كاف لمن يستوعبها ويتقصاها، ويتأمل في معانيها وإشاراتها، وليست تلك ~~الموسيقى التي تتحدث وتأكل وتتشاغل عنها، وأنت تسمعها إلا بمنزلة الجارية المستعبدة من ~~السيدة المطاعة؛ لأنها تسليك وتلهيك ولا تخاطب روحك وخيالك ووجدانك، فتستدعيك إلى الإصغاء ~~والمبالاة. # لا يا أخانا وكرامة! إنني أختار لهذا التابوت أحيانا ساعات كساعات التهجد في جنح الظلام، ~~فإن كان الوقت شتاء فأكثر ما أرجع إلى هذا التابوت في ساعات اليقظة الباكرة بعد هدأة النوم ~~الأولى. ويطول الليل وتثقل المطالعة في الهزيع الثاني أو الهزيع الثالث من ليل الشتاء ~~المديد، إن قبلت هذا التقسيم والترتيب للهزع الليلية، فإذا بي معرضا عن رفوف الكتب متوجها ~~إلى هذا التابوت، لا علالة من الأرق ولا بديلا من الورق، ولكن تلبية لنجوى العبقريات في ~~وقت لا يسمع فيه غيرها، ولا يحوي فيه السكون السابغ على الكون بغير وصية الإصغاء، كأي من ~~مدلج في الطريق تتسرب إليه الأصداء غير مفسرة ولا متصلة، فيخالها من همسات الأرواح والأشباح ~~في غفلة الأنس وناشئة الصباح. # وتعمدت العبث ms53 والدعابة، فقلت لصاحبي: إننا لن نسمعها في أيام إذا سمعنا أناشيدها أنشودة ~~أنشودة، فليتنا نسمعها دفعة واحدة في وقت واحد! ترى كيف تتلقاها المسامع التي تطرب لها ~~متفرقة؟ أليس من حقها أن تسر بالكثير أضعاف سرورها بالقليل؟ # قال صاحبي: ما أحسب أن أحسن الأنغام إذا قيلت معا تفضل أسوأ الأصوات وأنكرها في ~~الآذان. # قلت: ألا نستخلص من ذلك عبرة من عبر الحياة العظمى؟ أليس الذين يتعجلون النغم، فيخيل ~~إليهم أن ازدحامها خير من تفرقها وأجمع لمحاسنها؛ يخطئون كما يخطئ الذين يتعجلون النغم، ~~فيحسبون أن مائة لحن في وقت واحد خير من اللحن الفرد وأوفى؟ # شيء واحد في وقت واحد، وجميع الأشياء في جميع الأوقات، وهذا هو نظام العيش وقوام الجمال ~~في كل نفع وكل سرور. # قال صاحبي: وهل تسمعها في الصيف كما تسمعها في الشتاء؟ # قلت: الحق أقول لك يا صاحبي إنني أود أن أسمعها صيفا وشتاء كلما انتبهت في هذا الموعد، ~~وقلما تمضي ليلة لا أتنبه فيها، ولكن الشتاء مقفل مستور والصيف مفتح مكشوف، ومنظر رجل يستمع ~~إلى الحاكي في الساعة الثالثة بعد منتصف الليل منظر يرشحني لسمعة الجنون المطبق بعد ليلتين ~~أو ثلاث، ولن تؤمنني من هذه السمعة اللازبة ألف شركة من شركات التأمين، لو نصبت الشركات ~~للتأمين على العقول. # كلا: إنني أسمعها في ذلك الموعد من الصيف، ولكنني أستعيض منها بجلسة في الشرفة ونظرة إلى ~~الطريق، وقد يبلغني الإصغاء إلى السكون أحيانا ما يبلغنيه الإصغاء إلى أنبياء ~~النشيد. # إننا نكبر بالليل جدا يا صاح. # إن الليل هو عالم النفس، وأما النهار فهو عالم العيون والأسماع والأبدان. # إننا بالنهار جزء صغير من العالم الواسع الكبير، ولكن العالم الواسع الكبير كله جزء من ~~مدركاتنا حين ننظر إليه بالليل، وهو في غمرة السبات أو في غمرة الظلام. # ذلك النجم البعيد الذي تلمحه بالليل هو منظور من منظوراتك، ووجود منفرد بك أمام ~~وجودك! # ذلك الصمت السابغ على الكون هو شيء لك أنت وحدك رهين بما تملأه به من خيالك وفكرك، ومن ms54 ~~ضميرك وشعورك. # تلك المدينة الصاخبة التي نضيع فيها إذا أضاءتها الشمس هي شبح مسحور يلقيه رصد الليل تحت ~~عينيك، وهي ضائعة كلها إذا لم تأخذها في حوزة نفسك، ومجال بصرك، وكأنما هي من تلك المدن ~~التي تسحرها لنا الأساطير، فكلها مفقود في غيبوبة الأرصاد، إلا السائح الذي ساقه إليها ~~القدر: وهو ساهر الظلام! # أنت عالم النفس بالليل، كأنما توازن وحدك عالم الأنظار والأبدان. # وأنت تشمل الدنيا بالليل، وهي تشملك بالنهار. # وأنت في حضرة أعظم من حضرة الحس حين لا حس يشغلك عن عالم السريرة. # أنت في حضرة الخالق حين لا تكون في حضرة المخلوقات. # ومن سعد بهذه النشوة في ساعة من ساعات الهزيع الأخير، فلا ضير عليه أن تفوته نشوة ~~السماع. # وكنا قد فرغنا من الطعام وقضينا سويعة في أشباه هذا الكلام، فاذا بصاحبي ينهض من المائدة ~~وهو يقول: هذه المائدة، وهذا التابوت! # قلت: وهذه المزامير! # وسمعنا بعض أدوار المطربين وشيئا من أغاني الصعيد ولبنان، ثم نقلت صاحبي نقلة بعيدة، ~~فأسمعته بعض الألحان التي لا تعذب في جميع الآذان. # وسألته، أفهمت شيئا مما سمعت؟ # قال: لا والله! # قلت: وأنا مثلك، هذا موسيقار الغرب الأشهر ولهلم فاجنر، وأنا لا أفهم منه إلا أقل من ~~القليل، ولكنه عند نقادهم موسيقار جليل وعبقري نادر المثيل. # قال: وهل يفهمه الغربيون كلهم، وهو مغلق على أناس منا كل هذا الإغلاق؟ # قلت: بل يسخر بعض الغربيين بهذه الموسيقى وأمثالها، كما نسخر نحن منها، ولهم في التندر ~~عليها قفشات تذكرنا بقفشات أولاد البلد؛ لأنها تجري على أسلوبها. هذا يزعم أن القرن النحاسي ~~اعتدل من النفخ فيه بأمثال هذه الأنغام، وذاك يزعم أن طبيبا أخذ مريضه الأصم إلى فرقة من ~~هذه الفرق ليشفيه بضجيجها، فسمع المريض وصم الطبيب! # فليست كل موسيقى مفهومة عند كل سامع، ولو كان الموسيقيون والسامعون من بلد واحد. وليس من ~~اللازم أن يستطيب محب الغناء كل غناء، ولا أن يستطيب محب الشعر كل قصيد، ولو كان من نظم ~~أجود الشعراء. # قال: ولماذا لا نلغيه ms55 من عداد الموسيقيين كما ألغينا أولئك المبتدعين المحدثين من عداد ~~المصورين؟ # قلت: أولئك فهمنا أنهم سخفاء، أما هذا فنحن لا نفهمه ولا ندينه بما لا نفهم، ولو كنا نحيط ~~بكل سر من أسرار الموسيقى، ونتلبس بكل مزاج من أمزجتها لصح أن نقضي عليه وعلى المعجبين به ~~وبفنه، فقصارانا أن نقضي فيه بأنه عندنا نحن «غير مفهوم!» # وامتدت السياحة خطوة فإذا نحن في حجرة النوم. # وحجرة النوم في بيت الرجل الأعزب كحجرة الاستقبال وحجرة المائدة وحجرة المكتب، ليس عليها ~~حجاب. # غير أنني قلت لصاحبي: إن هذه الحجرة تعنيني ولا تعني أحدا غيري من الناس، اللهم إلا ~~بعض الصور الفنية التي فيها، وكلها منسوخة من أصولها المحفوظة في متاحفها، فليس فيها من ~~صورة أصيلة أو تحفة غالية، ما عدا واحدة بمفردها هي بينها آية الاستثناء في كل قاعدة من ~~قواعد التعميم. # هذه شالومة أو سلامة، صاحبة هيرود، من تصوير الفرنسي بروسيير؛ كان ثمن رقصتها في زمانها ~~رأس نبي من أنبياء بني إسرائيل. ولا تزال رقصات الفاتنات من خليقاتها تكلف الناس كثيرا من ~~الرءوس، وإن لم تكن رءوس أنبياء: فإن هذا الصنف قد انقطع عن الدنيا منذ زمن بعيد! # وهذه صورة الزهرة من تصوير الإسباني فيلاسكيه، جسد بديع وقوام ساحر ومعاطف منسوقة، لولا ~~أمانة فيلاسكيه المشهورة لحسبناها من تنسيق الخيال، شغل بها المصور فمثلها على تمامها، ولم ~~يمثل لنا الوجه إلا في مرآة رفعها رب الحب أمام ربة الجمال. # وهذه صورة تاييس وهي تهدم إيمان الناسك المسكين، وقف أمامها وقد تبادلا الفتنة، فأخذها ~~بوعظة وأخذته بغواية جسدها، ولبس هو طيلسان الأثرياء وخلعت هي كل طيلسان، وكأنما شاء المصور ~~أن يعقد المقارنة بين هذه الفاكهة الشهية وبين ثمرات البساتين، فجود ما شاء في العنب والموز ~~والبرتقال، ولكنه تركها إلى جانب هذا البستان الحافل كأنها الماء الذي لا طعم له ولا لون، ~~ولا يروي الظمآن إلا شراب ذلك البستان. # قوتان متناجزتان لم تشغل الميدان قوتان أكبر منهما منذ تصارعت في هذه الأرض قوتان؛ عقيدة ~~وشهوة ms56 ، نسك وفتنة، جسد تمرد من فرط الحرمان وروح تمردت من فرط المتاع بالشهوات. # ولقد رزقت المرأة فتنة قوية، ولم ترزق عظمة قوية، فلم يزل عزيزا عليها أن تنخذل بالفتنة ~~أمام العظمة، ولم يزل من دأبها أن تجرب هذا السلاح أمام كل سلاح، فجربته في كفاح الوفاء ~~وكفاح البطولة وكفاح النسك والزهادة، وشاءت في هذه الجولة أن تضرب أقوى ضرباتها؛ لأنها آخر ~~ضرباتها، فلما ضربتها سقطت من الإعياء ساجدة، فكانت سجدة العمر إلى الممات، وخرجت الراقصة ~~عابدة من ميدان صراع. # وانتصر الخصمان وهما منهزمان أكبر انهزام: راقصة تفتن ناسكا وناسك يصلح راقصة، وذلك أقصى ~~مدى الهزيمة والانتصار. # فلما انجلى الغبار كانت الراقصة راهبة في الدير، وكان الراهب مفتونا يهيم في وادي ~~الغواية، وكلاهما صارع مصروع، ومفلح مخفق، وصامد هارب من الميدان. # وهذه صورة لسوق الرقيق في عاصمة من عواصمنا الشرقية، تعجبني منها عصبية الفنان لوطنه، وإن ~~لم تعجبني منها حيدته عن الحقيقة في هذه العصبية. # فهذه السمراء الشرقية تراها مزهوة بعرض محاسنها كأنها ترحب بنظرات سيدها الذي أوشك أن ~~يشتريها، ولا يعنيها الخجل كما يعنيها أن تظفر في هذا الموقف المخجل بنظرة استحسان. # وهذه البيضاء الغربية تداري وجهها بيديها، وتطرق برأسها وتدع الأنظار ترتع في محاسنها، ~~كأنها تتلقاها على الرغم منها. # وفي الشرق خفر كثير لأنه وطن الحجاب، وفي الغرب جرأة كثيرة لأنه وطن السفور، فإذا وجدت ~~شرقية واحدة وغربية واحدة في سوق واحدة، فهل من الحتم أن تكون الشرقية مثلا للتهتك الوقاح ~~والغربية مثلا للخفر الخجول؟ # قال صاحبي: أو لا يجوز للفنان أن يتعصب لوطنه؟ # قلت: بلى يجوز، بل يجب في كثير من الأحيان، ولكن على أن يصدق البيان ولا يتكفل بتشويه ~~الحقيقة؛ لأن الفن جمال، والجمال عدو لكل تشويه. # وتلي صورة الجواري في سوق الرقيق صورة الينبوع العذب الصافي البرود، تكاد برودته تتراءى ~~من صفاته في مجراه، وقد جعله «أنجرز» صبية كاعبا تنضح بالصباحة والطهارة وبراءة المحيا ~~ونقاوة القسمات، وأعطاه عمرا وحياة كأنه لم يبلغ بعد سن الينابيع الكبار ms57 ، وكأنه بين موارد ~~الماء الفياضة تلك الصبية الكاعب بين أمهاتها وجداتها من النساء. # وأصبحنا أمام الصورة الأصلية التي انفردت بين هذه النسخ المنقولة. # قال صاحبي: إنني أفهمها وإن لم أعلم بخبرها. # قلت: إنها لا تحتمل غير معنى واحد: فطيرة حلوة يشتهيها الجائع والشبعان، بل يشتهيها ~~المتخوم والمكظوظ، وعليها صرصور وذباب يحوم، وفي القدح الذي يفرغ عليها الحلاوة عسل يضطرب ~~فيه بعض الذباب ويموت، فلا يأكل من الفطيرة الحلوة على هذه الصورة شبعان ولا جوعان، بل تعزف ~~النفس حين تراها عن كل طعام. # وقيمة الصورة أن تاريخ الفن كله - بل تاريخ العبادة من أوائله - مرتبط بالباعث على ~~تمثيلها في هذه الرموز. # فقد وجد الفن في الدنيا؛ لأن النفوس تمتلئ بالشعور وتشتغل به كل الاشتغال، فلا تقنع به ~~شعورا بل تطلبه حسا منظورا، ولا تشاء أن تظل فيها حاسة من حواسها فارغة من غير مملوءة ~~بمثاله، ومن هنا نشأ التصوير ونشأ التجسيم، ومن هنا نشأت هذه الصورة اليوم كأنها أول اختراع ~~لفن التصوير. # وكانت جولة الوداع في حجرة الاستقبال. # قال صاحبي وهو يستقر فيها: لقد سمعت عن حديقة الحيوان، وقرأت في وحي الأربعين عنها أنها ~~«لا تجمع إلا الفنان أو المحب للفنون، سمي كل زميل من زملائها باسم حيوان يلاحظ في اختياره ~~اتفاق الشبه في الملامح والعادات، وقد جمعها الفن كما كان أورفيوس المعروف في أساطير ~~اليونان يجمع الأحياء حين يغني ويعزف، فتقبل عليه من كل فصيلة، وهي لا تشعر بخوف أو تهم ~~بعدوان»، فهل لي مكان في جوار أورفيوس؟ # قلت: إن طال استقرارك ظفرت بمكان، بعد الموافقة والامتحان، ولا تحسبن الطموح إلى هذه ~~المنزلة من يسير الأمور التي تبلغ بغير عناء، فأولى لك أن تحسبه من الادعاء الذي يتطلب ~~التزكية والشهادة، ولا تحسبه من التواضع الذي يقبل بغير تزكية ولا شهادة، فهل تدري من هم ~~أكثر الناس حرصا على مظاهر الوجاهة، وشارات الثروة، وعناوين الفخار؟ إنهم أحدث الناس نعمة، ~~وأقربهم إلى الضياع في غمار الوضعاء، والأذلاء إن لم يتميزوا أبدا بتلك ms58 المظاهر وتلك ~~الشارات وتلك العناوين، وكذلك مقياس الإنسانية عندنا في هذه الحديقة؛ أصحاب الإنسانية ~~المحدثة هم أحرص على مظاهرها وشاراتها وعناوينها، وأشبه الناس بالأحياء الدنيا من ينخلع عنه ~~شعار الإنسانية باسم وعنوان، وإنما يقاس نصيب المرء من الإنسانية بمقدار عطفه على الحيوان، ~~واقترابه من فهمه وفهم شعوره، فمن قام بينه وبين معاطفة الحيوان حجاز حاجب، فذلك حجاز بينه ~~وبين الفهم والعطف والشعور، وهي أكرم مزايا الإنسان. قال صاحبي: أنا لا أنكر شيئا في ~~الحديقة وترشيحاتها، ولكني أود أن أعرف كيف جمعتموها، وكيف جاءت هذه التسمية أو كيف ~~اخترتموها؟ # قلت: أحسبها تسمية ترجع إلى مرجعين لا إلى مرجع واحد، أحدهما قريب ظاهر والآخر بعيد باطن، ~~فأقرب هذين المرجعين هو فن المحاكاة عند صديق من أصدقائنا الأعزاء، فما تقع عينه على أحد ~~يلفت النظر إلا أسرع إلى تشبيهه ومحاكاته، فإذا هو شبه محكم، ومحاكاة تطابق الشبه من جميع ~~وجوه المطابقة، ولا يعفي من هذه العادة ألصق الناس به وأقربهم إليه، بل هؤلاء هم في الغالب ~~هدفه الأول، وإصابته المسددة، وخلقته هو على هذا القياس هي أول ما يستهدف وأول ما ~~يصيب. # فإذا تألب عليه الصحاب تندرا وسخرية ومزاحا شهر عليهم هذا السلاح، وأسكتهم عنه بالبدء ~~بنفسه والعدل في توجيه نقمته. ومن دلائل عدله أنه لا يطلق على أحد شبها من الأشباه إلا ~~وافقه الحاضرون جميعا ما عدا صاحب الشبه؛ فإنه قد يمانع هنيهة ثم يلقي يد السلم، ويعترف ~~«بالخلعة السنية» التي خلعت عليه. # أما المرجع الآخر فاحسبني أنا المسئول عنه من حيث أريد أو لا أريد، فإن عادة عندي - بل ~~أقوى من عادة - أن أشعر بوحدة الخلق كله، وأن أنظر إلى جميع الأحياء كأنها تجربة واحدة ~~تنجلي عن مقصد واحد، وإننا ربما فهمنا مقصد التجربة من مسوداتها الأولى قبل أن نفهمه من ~~النسخة المنقحة المصقولة. # وإن كانت النسخة المنقحة المصقولة أجود في التعبير وأفصح في الأداء. # وما قرأت قط خرافات الأقدمين عن وشائج الأحياء، إلا خيل إلي أنها تنطوي على أكثر من ms59 ~~خرافة أو لعبة خيال، وتساءلت قبل نيف وثلاثين سنة عن مغزى تلك الأساطير، التي تحكي عن أناس ~~لهم أجسام آدميين ووجوه كلاب، أو مغزى تلك التماثيل التي تجمع بين أجسام الوحوش ورءوس ~~الآدميين، فقلت من كتاب الفصول: «ما مغزى هذا الإجماع والتواتر؟ وماذا في طي هذا الاعتقاد ~~بأن الإنسان يتحول أحيانا من هيئته إلى هيئة حيوان أدنأ منه، أو أن في عالم الحياة مخلوقا ~~بعضه إنسان وبعضه حيوان؟ هذا شعور لم يرد إلينا من ناحية الحواس ولكنا لا نجهله، وصحيح أن ~~الخيال مفطور على مزج أشكال الحس، وإلباس الموجودات لباس الإنسانية، ولكن لماذا فطر الخيال ~~على ذلك؟ أكان يستحيل أن يفطر على غير هذه الفطرة؟ وهل لو خلق الإنسان من غير عنصره ~~المعروف كان يتخيل هذا الخيال بعينه؟ ألا يجوز أن يكون مغزى هذا الإجماع والتواتر أن في ~~جبلة الإنسان شعورا راسخا بوحدة الخلق، وتلاحم سلسلة المخلوقات شعورا أعمق من الفكر لا ~~بل أعمق من الخيال نفسه، يتكلم باللسان فيكني ويلفق ويتكلم بالبديهة فيصرخ ويصدق؟ ولماذا ~~ننفي وجود شعور كهذا يصل الإنسان على وجه ما بشيء من أسرار الحياة مع علمنا أن الإنسان قد ~~اتصل بالحياة قبل أن يصله بها عقله وحواسه؟ أليس ترجيح وجود هذا الشعور أولى وأحرى بقدم ~~العلاقة بين الأحياء والطبيعة؟ فلا يبلغن من قصور العقل ألا يصدق إلا بالعقل وحده، ولا ~~يبلغن من ضيق النظر أن نقسر حواس النفس كلها على أن تنمو نمو الحواس الخمس، كأن الإنسان لا ~~يتصل بالدنيا إلا بها، وكأنما الخيال ليس جزءا من الإنسان كما هي جزء منه ...» # وهذا الشعور الكمين لا أحسبه كان غائبا عني يوم نشرت خلاصة اليومية، وكتبت في تصديرها ~~«إن الإنسان حيوان راق ولكنه لا يزال حيوانا» ويوم كتبت مجمع الأحياء وعقدت فيه مؤتمر ~~الحياة بين الحمامة والأسد والنمر والقرد والثعلب والإنسان والمرآة وسائر الأحياء، ثم يوم ~~رثيت كلبي بيجو وجعلته شاهدي على بعض المذاهب في التربية، والدراسات النفسية. فإذا كانت ~~«حديقة الحيوان» فكاهة من فكاهات المجالس ms60 ، فليست هي من الفكاهات العابرة ولا من الفكاهات ~~الرخيصة؛ لأن لها أصلا أصيلا من الجد بعيد القرار. # ونظر صاحبي إلى يمينه وأوشك أن يجفل جفلة الخوف؛ لأنه رأى هنالك تمثالي بومتين دقيقتين، ~~يحفان بالساعة الصغيرة عن اليمين وعن الشمال، وقال: رب هذا من ذاك! ثم قال ترى لو دخل ~~صاحبك ابن الرومي هذه الحجرة، ونظر إلى هذين التمثالين المخيفين؛ ماذا كان يصنع يا ~~ترى؟ # قلت: لا شك أنه كان ناكصا على عقبيه على الأثر، وإن كنت قد وضعت هذين التمثالين في ~~موضعهما، وتحديت الشؤم كله لأجله هو جزاه الله. # لاحقه الشؤم في حياته وقل منصفوه بعد مماته، وضل معظم النقاد في أمره؛ لأنه من طراز غير ~~الطراز الذي يقيسون عليه، فهو عندي - بغير خلجة من الشك - وحيد شعراء العالم من مشرقه إلى ~~مغربه، ومن قديمه إلى حديثه في ملكة «الوعي والتصوير»؛ وهي أنفس الملكات التي يرزقها رجال ~~الفنون، فلا يضارعه في هذه الملكة شاعر عربي ولا شاعر أعجمي، ولا يناظره فيها فحل من فحول ~~التشبيه والتصوير في أدب اليونان والرومان، ولا في أدب الغربيين المحدثين، ولم أعرف بين ~~أدباء الأمم الأخرى التي اشتهرت بدقة التشبيه - كأدباء الصين واليابان - من يجري في غباره ~~أو ينسج على غراره، ومثل واحد يغني عن مئات الأمثال، وهو وصفه لحقل الكتان حيث يقول في ~~بيتين اثنين: # وجلس من الكتان أخضر ناعم # توسنه داني الرباب مطير # إذا اطردت فيه الشمال تتابعت # ذوائبه حتى يقال: غدير # فالواعية الفنية وحدها هي التي تغريه بوصف حقل من حقول الكتان، التي مرت بألف شاعر منذ ~~الخليقة ولم يلتفتوا إليها؛ لأن حقل الكتان لا يحسب من موضوعات الوصف التقليدية بين شعراء ~~التقليد، فليس هو بروضة من رياض الورد والياسمين، وليس هو بستانا من بساتين الفاكهة ~~والثمرات، ولا هو بمنزه من منازه الحسان أو موعد من مواعد الغرام. فانظر كيف علق هذا المنظر ~~بوعيه اللاقط المستوعب، وكيف أحصى عليه كل ما يحصيه التصوير في شرط النقد الحديث، بعد طول ~~المشاهدة والمراجعة لآيات ms61 الأساتذة من نوابغ التصوير، واذكر كيف صنع ذلك بداهة وابتداعا ~~غير عامد ولا متنبه، وهم يتعمدون ما يسجلون من ملاحظات النقد ويتنبهون إليه. # فالنقد الحديث يشترط على المصور النافذ البصر والبصيرة أن يستوعب المنظر، فلا يفوته اللون ~~ولا الملمس ولا الزمان ولا جو المكان، ولا الحركة التي تشيع فيه إن كانت فيه حركة، أو ~~السكون الذي يشمله إن كان به سكون. # وكل أولئك تجده في البيتين الاثنين مطبوعا منقولا إليك نقل البداهة عن تلك الواعية ~~المستوعبة، التي لا تفوتها مدركة من مدركات الحس والخيال: لمح اخضرار اللون، ونعومة الملمس، ~~وأحاط بوقت الصورة كما مثلت أمامه فهو وقت الوسن، وأحاط بجو المكان فهو المكان الذي يظل ~~عليه رباب مسف فويق الأرض يؤذن بالمطر القريب، وأحاط بالحركة وبمصدرها من ريح الشمال، فإذا ~~رءوس الشجر تموج بالحركة الذاهبة الآيبة فكأنها صفحة غدير، لا موضع لنقص في الصورة ولا محل ~~فيها لزيادة، وليس أصدق من الوعي الذي أحسن اللقط، وأحسن التمثيل في لمحة عين وفي بيتين ~~اثنين. # مثل هذا المقياس الذي تقاس به الواعية الفنية لم يكن مقياس أولئك النقاد، الذين جهلوا فضل ~~ابن الرومي وأشادوا بفضل سواه، ولو أنهم تتبعوا مئات الأبيات من شعره - بل ألوفها - على هذا ~~المنوال لعلموا أنه مغبون - جد مغبون - حين يقرن بشاعر من شعراء العالم ما كان في هذه ~~الملكة الفريدة، فكيف بالغبن الذي يصيبه إذا قدموهم وأخروه، وأشادوا بفضلهم وأنكروه. # أثارني هذا الظلم فآليت لأدفعنه عنه، فإذا بصحبي يثنونني عن إنصافه وهم وجلون، ولئن كانوا ~~غير جادين لقد كانوا كذلك غير مازحين، فما لقيني أحدهم مشتغلا به إلا صاح بي! حذار حذار، ~~إنه مركب غير مأمون العثار! والرجل موصوف ببأسه في شؤمه، فلا شأن لك بإنصافه وظلمه، ودعه ~~لقضائه، واقنع بأنك من قرائه، فقد يتحداك شقاؤه المعهود إذا تهجمت على حرمة شقائه! # وكانت ثورة فأصبحت ثورتين؛ لقد ذل من يخاف ذلك الشؤم المعتز بجبروته، ولقد طغى ذلك الشؤم ~~الذي يسطو على فريسته في حياتها وبعد مماتها، ثم ms62 ينذر بالنقمة من يتصدى لغوثها، فإذا أنصفنا ~~الشاعر المغبون وغضب الشؤم الواقف له بالمرصاد، فليصنع الشؤم إذن ما يشاء. # وسكنت هذا البيت ورقمه ثلاثة عشر، ووضعت فيه التليفون ورقمه يومئذ مبدوء بثلاثة عشر، ~~وجعلت أسأل الشؤم في كل دعوى من دعاويه، وأولها دعواه الكبرى على البومة المسكينة، ما لهذه ~~الطريدة المظلومة وهي قد تركت الدنيا والنهار للإنسان ولاذت منه بالليل والخلاء؟ وما عيبه ~~عليها وهي أوفى الطيور في عشرة الأليف منها للأليف؟ أليست هي إحدى الأحياء النادرة، التي ~~يسكن الزوج منها إلى زوجه مدى الحياة؟ أليست هي التي تغني لنور القمر ولعزلة الليل، ولا ~~تقتحم صوتها على من يأباه؟ ألم تكن عند الأثينيين - وهم عباد الجمال - رمزا للمدينة ~~ينقشونه على الدراهم مع أغصان الزيتون؟ فإذا جنى الظلم على سمعتها ولاحقها الظلم في خلوتها، ~~فليصنع ما بدا له فإننا نتلقاه منها باثنتين لا بواحدة؛ لأنها لا تحب الفراق، وإن زعموها ~~نذير الفراق. # قال صاحبي: وكيف رأيت العاقبة؟ # قلت: خير بعد شر، فلاح بعد كفاح، فلا أخفي عليك يا صاحبي أن أمر ابن الرومي في سمعته تلك ~~أمر عجيب مفرط في العجب، وأنني لو صدقت خرافة من الخرافات لصدقت خرافة الشؤم والتشاؤم، ~~وصدقتها في ابن الرومي هذا قبل غيره، فما حدث منه قد شهدته بنفسي وخبرته في صحبي، ولم أعتمد ~~فيه على رواية الأقدمين ولا على مبالغات المتندرين؛ لأنني تعاقدت على طبع كتابي عنه مع مدير ~~المطبعة، فمات هو وسجنت أنا قبل الفراغ من ملازم الكتاب الأول، وكان وزير المعارف «أحمد ~~حشمت» قد أوصى بطبع ديوانه، وأقام على تصحيحه مفتش اللغة العربية في الوزارة، فعزل الوزير ~~والمفتش وماتا قبل الفراغ من جزئه الثاني، وكتب المازني فصولا عنه فكسرت رجله، ونشر صاحب ~~الثمرات قصائد من ديوانه فكسرت رجله، وهم صاحب البيان بنشر مطولاته والعناية بأخباره ~~فتعطلت مجلة البيان، فلو كانت هذه المصادفات أسبابا يؤخذ بها وترتبط بنتائجها لكان الشؤم ~~المزعوم حقيقة من الحقائق العلمية التي لا شك فيها، ولكنها مصادفات سيئة تقترن بها ms63 مصادفات ~~حسنة، ولا يجوز لنا أن نركن إلى هذه ولا إلى تلك على انفراد، فقد أنجزت كتابي عن ابن ~~الرومي، فكانت السنة التي ظهر فيها من أسعد السنوات في حياتي الخاصة، وأبرزها في حياتي ~~العامة، وسلك الكتاب سبيله بين مراجع الأدب المعدودة في هذا الجيل، فإن كان الشؤم على صولته ~~التي يتخيلونها فقد تحديناه، ونجحنا في تحديه بحمد الله. # ولم يكن في الحجرة شيء سبقته إلى سكن هذا البيت منذ سكنته قبل زهاء عشرين سنة، فكل ما ~~فيها قد دخل البيت يوم دخلته وبقي هناك كما بقيت، إلا بعض الصور، والمذياع! # ففيها صورة للقصر المعروف باسم «أنس الوجود» من صنع الفنان التركي القدير الأستاذ هدايت، ~~تلمح من نظرة واحدة إليها غرابة الجو المصري والألوان المصرية الوضاءة على آثارنا الخالدة، ~~كما تبدو في عيني الفنان الغريب عن الديار. # وفيها صورة لي من صنع الأستاذ «أحمد صبري»، وهو من أساطين فن التصوير في هذا البلد، وله ~~ريشة ثابتة وألوان صحيحة وطريقة مأثورة عن عباقرة المدرسين الأقدمين، لا تستهويه البدع ~~المستحدثة ولا يروقه من ملامح الوجوه إلا ما ينم على جد واهتمام. # وفيها صورة لشاطئ الزمالك من صنع المصور الموهوب الأستاذ شعبان زكي، وهو فنان ينظر ويحلم ~~ويسبغ من أحلامه كثيرا على المناظر الطبيعية، أو الحوادث التاريخية التي يسجلها، ومن آثاره ~~التي تتجلى فيها أحلام التصوير والأدب صورة امرئ القيس والعذارى، وهو مرابط لهن على حافة ~~الغدير. # وفيها صورة لترعة المحمودية من صنع الفنان المطلع الأستاذ صلاح الدين طاهر، وهو لاشتغاله ~~بتصوير الوجوه والأشخاص واطلاعه على الدراسات النفسية قد سرت إلى مناظره الطبيعية عدوى ~~عنايته بالوجوه والنفوس، فلا تخلو مناظره من ملامح «سيكولوجية»، على غير الأحياء. # وفيها صورة «أبي قير» لفقيد الفن الأستاذ لبيب تادرس، وهو فنان مجتهد عوجل في شبابه قبل ~~أوانه، وكان له اقتداء بالمدرسة الإحساسية في التلوين وتمثيل الأشياء والأشخاص من ~~بعيد. # وهناك تمثال نصفي أهداه إلي بعض الهواة ممن يشتغلون بغير النحت، ولا يظهرون آثارهم ~~الفنية. # أما المذياع فلم ms64 يكن ذاع يوم سكنت هذه الدار، ولم أكن أرى منه في مصر الجديدة إلا أدوات ~~عاجلة يركبها بعض الكهربائيين على أيديهم، وتسمع أو لا تسمع كالمركب الشراعي الذي يسير أو ~~لا يسير «حسب التسهيل». # قال صاحبي: إن نقل الصوت من المكان البعيد معجزة كافية، فكيف إذا أضيفت إلى هذه المعجزة ~~معجزة النقل من زمان بعيد؟ إنهم يزعمون ذلك في الإمكان، ويقولون: إن استخلاص أصوات الأقدمين ~~كما نطقوا بها في حياتهم ليس بالمستحيل؛ لأنها محفوظة في بعض طبقات الجو البعيد، لا يؤثر ~~عليها الاختلاط إلا كما يؤثر الاختلاط على أصوات المحدثين. # قلت لو كان لي لسانان لقال أحدهما مرحى! وقال الآخر في الوقت نفسه: أعوذ بالله! # إننا نحب أن نسمع الأنبياء وهم يخطبون والأبطال وهم يناضلون، والشعراء وهم ينشدون، وأصحاب ~~الأغاني وهم يترنمون ... ولكن من من هؤلاء الأبطال يرضى أن تسمعه وهو في خاصة وقته بين أهله ~~أو ندمائه! ومن من الناس في عصرنا يحب أن تنقل عنه كل كلمة قالها، وكل سر همس به وكل آهة ~~من آهات الضعف فارقت شفتيه؟ إن الاستعاذة بالله هنا تحتاج إلى مائة لسان إذا كان الترحيب ~~يكفيه لسان واحد، فليكن «وعيد» العلماء إذن من المستحيل، وإلا أصابهم منه ما يصيبون به ~~الآمنين في القبور. # عشرون سنة بين هذه الجدران الأربعة! # قالها صاحبي وهو يؤذن بانتهاء السياحة التي أرادها أو أرادها الناشرون، وكأنها لم تكن ~~ستقضي في حجرة أخرى من حجرات الاستقبال في بيت من البيوت؟ # قلت: أكثيرة هي على هذه الجدران؟ فعلى أي الجدران هي ليست بالكثيرة؟ # قال: لعلها كانت أولى أن تنقضي في التنقل من مكان إلى مكان، ومن حي إلى حي، ومن دار إلى ~~دار. # قلت: إن السياحة يا صاحبي لها حجتها الناهضة، فما هي بحاجة منا إلى حجة جديدة، ولكن المكث ~~في المكان الواحد أيضا له حجته التي تضارع حجة السياحة ولا تقصر عن شأوها، فإذا كانت ~~مشاهدة الأمصار ومداولة الديار تعلمنا الحكمة وتبصرنا بألوان الحياة، فاعلم يا صاحبي أنني ~~لا ms65 أعرف شيئا ينفذ بنا إلى حقائق الآمال والمخاوف، وبواطن الأفراح والأحزان، كمراسنا لها ~~في المكان الواحد الذي يقل فيه التغيير. # إذا وجل القلب فهذا الكرسي يعلمني أن الخوف عبث، وأن الذي أخافه قد يخطئني ويسبقه إلي ~~الذي أرجوه، فكم من مرة جلست عليه أطول النظر في أعقاب الأمور، وأقلب الظنون في كل وجه من ~~الوجوه، ثم جاء الوقت المحذور ولم يجئ معه ما حذرناه! # وإذا تقطعت النفس حسرات على نعمة من نعم العيش، فهذه الشرفة تقول لي: بل انتظر طويلا أو ~~قصيرا فسنرى كما رأينا، وسنعلم كما علمنا أنك ستعيش بغير هذه النعمة التي كنت تقرنها ~~بالحياة، كما عشت الشهور والسنين بعد تلك النعم التي أدبرت، ثم زالت وكنت تترقب - بل تتمنى ~~- أن تزول الحياة قبل أن تزول. # وإذا رجوت أو قنطت ذكرني هذا المقام أن القنوط يخدع كما يخدع الرجاء، وأن رجاء اليوم ~~وقنوطه، كرجاء الأمس وقنوطه، كلاهما في طبائع الصدق والكذب سواء. # وبعض هذا يحبب إلي البقاء حيث بقيت. # ولكنني لو سئلت: لم بقيت أول الأمر حتى طال بي البقاء، فلست أدري ما أقول، وقد أجيب كما ~~أجبت السؤال الذي سئلته في الصحف: «إنها الكتب وما أعانيه في نقلها وترتيبها من العناء ~~الذي لا يوكل إلى آخرين.» # ثم أقول كما قلت: «وهو سبب وجيه ولا جدال، ولكني أحس كلما أجبت به أنه طبقة من الأسباب ~~وراءها طبقات، ولعلي أوجز الحقيقة كلها ببيت حافظ إبراهيم الذي قاله في مثل هذا المسكن، وإن ~~لم تطل مدته فيه كهذا الطول: # كم مر لي فيه عيش لست أذكره # ومر لي فيه عيش لست أنساه # فهذا البيت قد كتبت فيه خير كتبي وأحبها إلي، وقد عشت فيه تلك الكتب عيشا حيا باقي ~~الآثار قبل أن أنقلها من عالم النفس إلى عالم الأوراق، وهذا المسكن قد صعدت سلالمه ثلاثا ~~ثلاثا ثم صعدتها اثنتين اثنتين، ثم أصعده درجة درجة على غير عجلة ولا اكتراث، وهذا المسكن ~~قد نزلت به والشعرات البيض يتوارين في السواد، وما ms66 زلت أنزل به والشعرات السود يتوارين في البياض # 1 ~~...» # وقد استقبلت فيه آمالا، واستحييت فيه ذكريات، ومن غار على ذخيرة آماله وبواطن ذكرياته، ~~فقد يغار على مواطنها أن تستباح بعده لكل من يشاء. # تلك يا صاحبي سياحتي التي أردتها في بيتي، وأردت أن تحيط بما يحوطني فيها من شاغل أو عمل ~~أو مقال، أطلعتك منها على ما يعني الناس، وتتصل فيه حياة الكاتب بين العالم والدار، فأما ~~الذي يعنيني ولا يعني أحدا غيري فلأن أقول أنا إنه لا يعنيهم خير من أن يقرأه قارئ فيسأل ~~قارئا آخر: وما الذي يعنينا نحن من هذا المقال؟ ثم يتفقان على الجواب! # في حجرة المكتب وفي حديث خاطف مع أحد زائريه. # وإذا شاء القارئ فلتكن هذه دعواي لإبداء ما أبديت وإخفاء ما أخفيت، إذ الواقع أنني لا ~~أحسب القارئين اللذين يتفقان على الجواب يكثران بين أفراد الناس؛ لأن الفضول قد يغري ~~الأكثرين بما نخفيه دون ما نبديه. # والآن وقد مضت السنون العشر، ماذا تغير وماذا بقي فلم يتغير على مر تلك السنين؟ # تغير الكثير من أمور العالم، وتغير الكثير من أمور مصر، وتغيرت من الناس أمور يراها من ~~كان يعرفها، فلا يعرفها الآن. # وبيتي هذا هو بيتي هذا، لم أغيره ولم يغيرني، ولم يطرأ عليه وجه غريب إلا ريثما ~~يغيب. # وكل ما جد فيه فهو رابطة جديدة توثق من روابطه الأولى، كتب تزداد حتى ليتعسر انتقالها من ~~موضع إلى موضع، وذكريات نزداد حتى لتجور على عالم الحاضر، وعالم المآل، وعالم ~~الآمال! # والسلالم التي صعدتها مثنى مثنى وواحدة واحدة، قد تغير عليها شيء قليل في أيام ~~قليلة. # مع السيدة درية شفيق في حجرة المائدة وترى الكتب تحتل أركان البيت ~~جميعها. # صعدتها بعكاز، بعد تلك العثرة التي أقعدتني في الإسكندرية قرابة شهرين، ثم ها هو ذا في ~~ركنه أنظر إليه كلما هبطت السلالم أو صعدت عليها؛ ليجنبني مرآه مزالق العثرات. # لي قصيدة ألقي فيها على لسان «مسكن للإيجار» أبياتا يقولها في ساكن من نزلائه بعد ساكن، ms67 ~~فيذكر منهم من يذكره بالخير، ويذكر منهم من لا يأسى عليه. # في ذمة الغد شاعر يلقي على هذا المسكن رأيه في هذا المقيم؛ المطيل، أتراه يحمد منه أنه ~~ارتقى به من ابتذال التنقل إلى كرامة البقاء والاستقرار؟ أم يضجر منه ويشيعه بالمذمة بعد ~~هذا المكث الطويل؟ # ليقل ما سيقول، ذلك الشاعر المجهول. ms68