######OpenITI# #META# URI: 1383CabbasMahmudCaqqad.FransisBakun.Hindawi36395794 #META# Tags: biographies #META# ID: 36395794 #META# Title: فرنسيس باكون #META# AuthorID: 64642852 #META# Author: عباس محمود العقاد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تقدمة‏ # عن باكون‏ # من باكون؟‏ # تقدمة‏ # عن باكون‏ # من باكون؟‏ # | فرنسيس باكون # | فرنسيس باكون # تأليف # عباس محمود العقاد # | تقدمة # في الصفحات التالية تعريف بالمفكر الباحث الفيلسوف فرنسيس باكون، الذي ينسب إليه بناء ~~العلم الحديث على أساس التجربة والاستقصاء. # وينقسم القول فيها إلى قسمين: قسم «عن باكون»، ويشمل النظر في عصره ونشأته وأخلاقه ~~ورسالته الفكرية ومكانته الأدبية. # وقسم «من باكون» ويشمل المختارات من كتبه، التي يخلد بها بين رجال القلم، ولا تنقضي ~~قيمتها الفكرية أو الأدبية بانقضاء فترة من فترات الثقافة الإنسانية أو الثقافة ~~الأوروبية. # وكلا القسمين متمم للآخر في التعريف بالمفكر الكبير، ولكن في حدود هذه الصفحات التي تكفي ~~لإجمال الجوهري من عمله وأثره، ولا ترمي إلى استيعاب النوافل والزيادات، وإن كانت تومئ ~~إليها أقرب إيماء. # وحسبنا من هذه الصفحات أنها تعرف به من لا يعرفه، وأنها تضيف شيئا - ولو يسيرا - إلى ~~هذه الناحية أو تلك من وجهات النظر العديدة إليه، في رأي عارفيه. # عباس محمود العقاد # فرنسيس باكون. # | عن باكون # عصر الرشد # نشأ فرنسيس باكون في إبان عصر الرشد، بعد تمهيد غير قصير في طريق اليقظة والاستطلاع ~~والكشف والتجربة. # ونسميه عصر الرشد؛ لأن العصور التي قبله كانت عصورا قاصرة يفكر فيها العقل البشري ~~بهيمنة من الوحي المسيطر عليه، ولا يجرؤ على التفكير لنفسه والاستقلال برأيه ~~وعمله. # فلما نشأ باكون كانت القارة الأوروبية قد مضت شوطا بعيدا في التفكير المستقل والبحث ~~الطريف والاستطلاع الذي لا يحجم عن مسلك من المسالك في عالم المجهول أيا كان وحيثما ~~كان: في السماء أو في الأرض، وفي أعماق الفكر، أو في أغوار الضمير. # كان كوبرنيكوس وجاليليو قد عرفا سر الشمس، ووضعا الأرض في مكانها من السماء أو من ~~المنظومة الشمسية. # وكان كولمبس قد كشف الأرض لنفسها، وجمع بين شطريها بعد طول افتراق وانفصال. # وكانت النهضة قد عمت القارة الأوروبية بين شرقها وغربها، وهجمت عليها هجوم الجيش ~~المحاصر من جميع منافذها: فمن الشرق جاءها الرهبان بعد فتح القسطنطينية يحملون كتب ~~الإغريق وكتب العرب وسائر الكتب ms001 التي اجتمعت لطلاب المعرفة من نساك الأديرة في العصور ~~الطويلة، ومن الجنوب جاءتها فلول الصليبيين تنقل عن الشرق كل ما اقتبسته من صناعاته ~~ومصنوعاته، ومن الغرب سرت فيها بقايا الحضارة الأندلسية، بعد أن تفرق مريدوها وتلاميذها ~~في الأقطار الأوروبية، ومنهم قسيسون ورهبان، ومرتابون في العقائد والأديان. # وعكف الإنسان على أغوار ضميره ينقب فيها، ويكشف عن خوافيها ... فاستنقذ ضميره من سلطان ~~الجمود الديني، ونهج له نهجا في محاسبة نفسه وانتظار الحساب من ربه يخالف ما درج عليه ~~الأولون مئات السنين، وتلك هي الحركة المعروفة باسم الإصلاح، وما تفرع عليها من المذاهب ~~والنظم والأخلاق. # فهو كما أسلفنا كشف شامل لأجواز السماء وأرجاء الأرض، وفجاج الفكر ودخائل ~~الضمير. # وهو عصر الرشد الذي يرى فيه الإنسان بعينيه بعد أن رأى طويلا بعيني أبويه، وهما ~~مغلقتان لا تبصران. # وكان للبلاد الإنجليزية شأن في ذلك العصر غير سائر الشئون. # لأن الطرق العالمية تحولت من الشرق إلى الغرب، وانكشفت للملاحين شواطئ أفريقية ~~الغربية، وما هو أبعد منها غربا في القارة الأمريكية، فأصبحت الجزر البريطانية وهي ~~محور الحركة الدائمة بين أوروبا وأمريكا وأفريقية، وسائر أقطار المعمورة، وانفردت هذه ~~الجزر بالإشراف على جميع هذه الأنحاء بعد انتصار الإنجليز على الأسبان في المعارك ~~البحرية المشهورة، فجاشت هنالك الخواطر وتحفزت الهمم ونشطت بواعث الكشف والاستطلاع في ~~شتى نواحيه، ولاح على العالم كله بين سمائه، وأرضه، وبحره، وبره، وضميره، وفكره كأنه ~~خلق جديد. # وإنه يومئذ لخلق جديد بغير مراء. # لأن العالم الذي يراه الرجل الرشيد غير العالم الذي يراه الطفل القاصر، والعالم الذي ~~تراه العينان معصوبتين غير العالم الذي تريانه مفتوحتين بصيرتين. # كان الإنسان لا يختبر شيئا لنفسه إلا بإذن من وليه، وهو بين أمين جاهل أو عاقل غير ~~أمين، فأصبح جريئا على الاختبار الميسر له لا يقف به عند شأن من شئون عقله، ولا جسده، ~~ولا عمل من أعمال دنياه أو أعمال دينه. # وكان كل شيء حراما عليه حتى يقال له: إنه حلال، فأصبح كل شيء حلالا له حتى يتبين له ms002 ~~أنه حرام. # ومن خصائص الآداب والفنون أنها تعرض هذه الأحوال عرضا لا شبهة فيه؛ لأنه يصدر من ~~طوايا النفس عفوا بلا روية ولا اصطناع، فإذا أخطأ التاريخ أو ضلت الأفكار، فلا خوف على ~~الآداب والفنون في هذا المجال من خطأ أو ضلال. # وآداب اللغة الإنجليزية في ذلك العصر - عصر الرشد - أصدق مرآة لأحوال النفوس والأفكار ~~في جيل باكون الرجل، وجيل باكون الفيلسوف. # فهو القائل: إن المعرفة قوة، وإني «أحسب أن ميداني يتناول المعرفة كلها على ~~أنواعها». # وهذا الذي قاله الفيلسوف قصدا قد جاء من طريق الإلهام الشعري أو الأدبي على لسان كل ~~شاعر أو كاتب أو أديب تمخض عنه ذلك العصر العجيب. # فشكسبير في رواياته وقصائده لا يدع سريرة من سرائر النفس البشرية إلا غاص فيها وترجم ~~عنها، ولا يدع صفحة من صفحات الكون إلا نظر في مرآتها، وبسط مثال النفس البشرية عليها، ~~ومن كلامه على لسان هملت في فضائل العقل وأغوار الضمير: # إن الإنسان قطعة من الخلق ما أعجبها! ما أنبله في الفكر! وما أوسع آفاقه في ~~الملكات والمواهب والكيان والحركة! وما أمضاه وأحقه بالإعجاب في العمل، وما ~~أشبهه بالملك في القريحة! ما أقربه إلى صورة الأرباب! إنه لجمال الدنيا والقدوة ~~المثلى في عالم الأحياء! # وقد أصاب النقاد الذين خصوا الشاعر مارلو ~~“Marlowe” # بالتنويه في تعبيره عن ذلك العصر الطامح إلى القوة والبسطة في كل شعبة من شعب الحياة؛ ~~لأنه في الواقع قد تناول جوانب القوة الإنسانية جميعا، فوزعها جانبا جانبا على ~~رواياته الثلاث، وهي تيمور وفوست واليهودي من مالطة. # فالقوة في تيمور هي قوة الملك والسلطان، حيث يقول بلغة الوثنية: «إن الأرباب في ~~السماء ليس لها من المجد ما للملك على الأرض، وليس من حظها في عليين أن تنعم بمسرات ~~الملوك على هذه الغبراء، إنهم يلبسون التاج المرصع باللؤلؤ والنضار، الذي تناط به ~~الحياة والموت، وإنهم ليسألون ويأخذون، وإنهم ليأمرون ويطاعون!» # والقوة في فوست هي قوة السيطرة على عناصر الطبيعة بالسحر، والمعرفة، ومحالفة الشيطان، ~~وهو القائل: «أية دنيا ms003 من الغنم والمسرة، ومن القوة والشرف والعظمة، موعودة للباحث ~~العليم! كل هذا الذي يتحرك بين القطبين الساكنين سيصبح رهينا بأمري، وإنما يطاع ~~العواهل والملوك في دولهم وأقطارهم ولا قبل لهم فيها بإرسال الريح أو شق السحاب، ولكن ~~السلطان الذي يملكه الحاذق بهذه الفنون ينبسط إلى حيث يمتد عقل الإنسان.» # والقوة في اليهودي من مالطة هي قوة الرجل الذي يفعل الأعاجيب بماله، ويقبض على أعنة ~~الحوادث برشوة نضاره وجوهره ولجينه، وما من قوة تتاح للمخلوق الآدمي في هذه الدنيا وراء ~~هذه القوى الثلاث: قوة الملك وقوة المعرفة وقوة المال، اللهم إلا قوة الجمال وليس هو ~~بالذي ينال بالسعي والتحصيل. # وظاهر من هذا وأشباهه أن العقل البشري لم ينطلق من عقاله في ذلك العصر العجيب؛ ليطلب ~~المعرفة في الأوراق أو يستحيل إلى دودة من ديدان الكتب، كما يكني الأوروبيون عن طلاب ~~المعرفة، الذين يعتزلون الحياة ويعيشون ويموتون بين الشروح والمتون. # كلا! إنما انطلق العقل البشري من عقاله في ذلك العصر العجيب؛ ليقبل على كل مجهول ~~وينعم بكل متعة، وينهل ويعل من كل مورد، ويفكر ليعيش ويعيش ليفكر على السواء. # فكان معيبا على الباحث الدارس في ذلك العصر أن يغشى المجامع، ولا يشارك الناس في ~~الرقص والعزف والغناء وسائر ما يتعاطاه الخاصة والعامة من الملاهي والأسمار، وفي ~~الثالوث الروائي المعروف بالعودة من برناسس # The Return form Parnasus ~~، الذي صنفه أدباء كامبردج يصفون العالم القح بأنه ذلك ~~المخلوق «... الذي له ملكة خاصة في السعال، ورخصة في البصاق ... أو الذي يوصف نفيا بأنه ~~ذلك المخلوق الذي «لا» يحسن الخطو و«لا» الأكل النظيف و«لا» ركوب الجياد، ولا تحية ~~المرأة وهو ناظر إلى عينيها». # وتحدث توماس مورلي في كتابه «مقدمة الموسيقى العملية» عن عالم يذكر كيف دعوه في بعض ~~المحافل إلى مشاركتهم في الغناء، فأنكروا منه أن يعتذر بالجهل وعدوها منه قلة أدب! ~~وتساءلوا: أين يا ترى تربى هذا المخلوق؟ # ولعل الشاعر سبنسر قد وصف النموذج الأدبي قبيل ذلك حين وصف سير فيليب سدني # Sidney ~~، فقال: «إنه ms004 لخفيف في الصراع سريع في العدو، ~~سديد في الرماية، قوي في السباحة، حسن العدة للضرب والقذف والوثب والرفع، وكل ما يزاوله ~~الرعاة من رياضة ولعب». ~~••• # ولقد كانت هذه النزعات الحية تتمثل في الشعائر العامة والعادات الشعبية، كما تتمثل في ~~الشعر والآثار الأدبية. # فمن العادات التي كانت شائعة في بيئة الفقهاء والأدباء عادة البلاط الأدبي، الذي ~~كانوا يعقدونه بعلم من الحكومة ومساهمة منها في بعض الأحيان، فينصبون لهم أميرا ~~يمنحونه لقب الإمارة، ويقضون برئاسته بضعة أسابيع في محاكاة البلاط ومراسمه وعرض ~~فكاهاته وأضاحيكه، ويطوفون المدينة في موكب حافل يرحب به عمدتها، ويدعوه إلى وليمة ~~فاخرة يشهدها العلية، ورجال الحاشية الملكية ونساؤها، وهي عادة مقتبسة من المغرب ~~العربي، ولا تزال لها بقية مشهودة في موكب سلطان الطلبة، الذي يؤلفه الطلبة بالبلاد ~~المراكشية بموافقة السلطان وتشجيعه، ويظهر أن العادة من نشأتها الأولى عربية مغربية ~~وصلت إلى الإنجليز وغيرهم من هذا الطريق، واسم هذه المواكب في اللغات الأوروبية عربي ~~بلفظه ومعناه؛ لأن كلمة مسكراد # masquerade # التي تدل ~~عليه مأخوذة من كلمة مسخرة أو مسخرات، وهي تتناول مظاهر الحكاية والسخرية، ومحافل البسط ~~والقصف وما إليها. # ويقضي هذا البلاط الملفق بتنصيب بعض النبلاء، وحملة الألقاب، ولكنه يشترط فيمن يستحق ~~ألقابه أن يطلع على جميع المؤلفات المشهورة، ويتردد على المسرح ويحسن نظم المقطوعات ~~الشعرية، التي تستخدم للتحية أو الفكاهة في المجالس العامة، ثم يشترط في هذا النبيل ~~الأديب أن يكون على رضى العصر من صفات الأدب والكياسة، فلا يكتفي منها بالعلم والاطلاع ~~دون الكياسة الاجتماعية والخبرة بآداب الخطاب والسلوك والإشراف على المآدب والمراقص، ~~وسهرات السمر والغناء، وعليه - من واجباته المختلفة - أن يتصدر إحدى الولائم، ويدير ~~فيها الحديث، ويتكفل بتحية المدعوين والمدعوات. # ومن دأب العصور التي تشيع فيها هذه النزعات الحية أن تتبرم بتعليم المدارس والجامعات، ~~ولا ترى فيه الكفاية لتنشئة الرجل المهذب والعامل الناجح في مطالب الحياة؛ لأنهم ينشدون ~~الملكات التي ترشحهم لارتقاء المناصب الرفيعة، وتحصيل الثراء والعتاد ومزاولة الأعمال، ~~ومداورة الفرص واجتناء اللذات، ولم يكن تعليم ms005 تلك العصور كفيلا بشيء من هذا؛ لأنه ~~مقصور على حشو الأذهان بالنصوص والشروح، وتخريج علماء العزلة وحفاظ الدفاتر ~~والأوراق. # وقد ينظر العالم من هؤلاء إلى رجل قليل النصيب من العلم المدرسي، ولكنه مزاول مداور ~~حول قلب ببداهة الحياة وتجارب الأيام، فيراه خيرا منه وأوفر نصيبا من مطالب ~~الحياة في تلك الأيام، وفي سائر الأيام، فيداخله الشك في العلم الذي تعلمه أو يغتر به ~~غرورا لا يجديه في غير السلوى والعزاء. # ولهذا ساء ظن الأذكياء بالعلوم التي كانت تدرسها الجامعات في ذلك الحين، وتحدث بذلك ~~طلاب الجامعات قبل سواهم كما جاء في رواية الحج إلى پارنساس التي أنشأها أدباء جامعة ~~كمبردج، وكنوا فيها عن جامعتهم باسم پارنساس القديم، وهو الجبل اليوناني المقدس الذي ~~كانوا يزعمون أن أبولون رب الفنون، يأوي إليه مع عرائس الشعر والموسيقى والرقص ~~والتمثيل. # ففي تلك الرواية شابان يقبلان على الپارنساس طمعا في المجد والجاه، فيلقاهما أستاذ ~~معوز ناقم على العلم والتعليم، فيثنيهما عن هذه النية الخادعة، ويقول لهما: إن رب ~~الفنون أپولون قد أفلس من الذهب والفضة إلا ذهب الكلام الموشى، وفضة الروائع الناصعة، ~~وأما الذهب النفيس والفضة الغالية، فهما من نصيب النساجين وبائعي الحلل والأحذية ~~وسماسرة الأسواق، وإن هوبسون - ساعي كامبردج المعروف - يجمع من المال في ذيول اثنتي ~~عشرة جارية ما يعز على الأستاذ أن يجمعه من مائتي كتاب. # ولم يبالغ أستاذ الرواية في وصف بؤس العلماء وقلة جدواهم من أدب الكتب والدفاتر، فإن ~~المسرحية - وهي عمل نافع في السوق - كانت تباع يومئذ بعشرة جنيهات أو دون ذلك، وكان ~~قصارى ما يطمع فيه الكاتب المسرحي من المورد السنوي، لا يتجاوز الستين أو السبعين من ~~الجنيهات، ولولا الهبات التي كانت تصل إلى الشعراء والأدباء من حماة الآداب ونصرائها ~~لهجروا هذه الصناعة، أو عاشوا في لجة ذلك الرخاء عيشة العظماء والمترفين. ~~••• # ليس أقرب إلى العقل البشري في عصر كهذا من التوجه إلى علم جديد غير علم العزلة وديدان ~~الأوراق، وهو العلم المفيد الذي يمتزج بالمعيشة، ويعين الأفراد والأمم ms006 على الحياة، وهذا ~~هو لباب الفلسفة الباكونية، ولباب العصر كله بعلمه وعمله وأخلاقه ومساعيه. # وكانت في العصر بواعث أخرى أعانت طلاب العلوم والمعارف على الطموح إلى المجد الدنيوي، ~~والتطلع إلى المناصب العليا والخوض بعلومهم ومعارفهم في غمار الحياة: # منها أن مناصب الدولة العليا كانت قبل ذلك وقفا على كبار رجال الدين، أو كبار رجال ~~السيف من النبلاء ووراث الألقاب، فلما تحولت البلاد الإنجليزية عن سلطان الكنيسة ~~البابوية خلا مكان الكهان والكرادلة في تلك المناصب، واتسع فيها الأمل لرجال المعرفة ~~والذكاء. # وكانت المجالس النيابية قد أخذت في محاسبة الملوك على الضرائب، ونفقات الخزانة وحقوق ~~الامتياز المشروعة أو غير المشروعة، فاحتاجت الحكومة إلى وزراء من رجال الفقه والمال، ~~وقادة المجالس النيابية، وخلا كذلك مكان الأكثرين ممن كانوا يرتقون إلى كراسي الوزارة ~~من طريق الوظائف العسكرية دون سواها. # وعمت فتنة الذهب والكسب السريع بعد فتح الطريق إلى الهند من المغرب، وبعد الهجرة إلى ~~القارة الأمريكية، فتهافت الناس على الثراء، وأصبحت القناعة عارا على القانعين واسما ~~آخر من أسماء الكسل والعجز وسقوط الهمة، فكان الطموح والاستطلاع سمة العصر كله، وكان ~~العلم المنشود يومئذ بابا من أبواب الطموح والاستطلاع. ~~••• # وتنبه العصر - بطبيعة ما أشرج عليه من الطموح والاستطلاع - إلى أسلوب من أساليب العلم ~~والتثقيف هو بلا ريب من أنفع الأساليب لتوسيع النظر، وترويض العقل على حسن المقابلة بين ~~الأمور، والنفاذ إلى دخائل العادات والشعائر القومية، ونعني به السياحة، وهي أشبه ~~أساليب التعليم والتهذيب بعصر الحركة والكشف، واستقصاء النظر في الأرض والسماء. # فكانت الرحلة إلى إيطاليا وأسبانيا وفرنسا وهولندة وغيرها من الأقطار الأوروبية، وبعض ~~الأقطار الشرقية فرضا على كل فتى مستطيع من أبناء العلية وذوي اليسار؛ وشجعتها الحكومة ~~لأنها كانت في أوائل عصر التوسع والاتصال بالأقطار الأجنبية، فكانت تعول أكبر التعويل ~~على أخبار أولئك السائحين، وهم عائدون إلى بلادهم من تلك الأقطار، وكثيرا ما رشحتهم ~~للسفارة ومناصب السلك السياسي بما تتوسم فيهم من سداد الملاحظة وسرعة الخاطر وصدق ~~الغيرة الوطنية في مشاهداتهم الخارجية. # وكان أبناء الأمة ms007 الإنجليزية يكبرون أولئك السائحين، ويتهمونهم بالترفع والحذلقة في ~~نقد عادات البلاد، وتكلف المعيشة على غير السنن التي ألفوها من قديم. وهو اتهام لا يخلو ~~من الإكبار، أو من الاعتراف بما للسياحة من قدرة على تحسين العادات، وإقناع السائحين ~~بارتفاعهم عن البيئة، التي درجوا عليها قبل التنقل في مختلف الأقطار. # هذه وأمثالها هي أساليب العصر في التعليم ومباشرة الحياة؛ لأنه كما أسلفنا عصر طموح ~~واستطلاع، ولكنها في الواقع لم تكن لتروج في عصر من العصور ما لم تكن فيها موافقة ~~لخلائق السكان، ومجاراة لنزعاتهم الحية التي فرضتها عليهم طبيعة المكان، فلم يعرف عن ~~سكان الجزر البريطانية قط في عصر من العصور، أنهم جنحوا إلى المعيشة الراكدة، وتعلقوا ~~بالمعارف النظرية والدراسات الكلامية التي تنعزل بصاحبها عن معترك الحياة، ولكنهم نشئوا ~~على الملاحة والصيد واللعب في المروج الفيح، والمرانة على الفروسية وفنون الرياضة، ~~والتأهب لبرد الشتاء بحرارة العمل وحركة الأعضاء، وهيأتهم هذه النشأة لتلبية مطالب ~~العصر، الذي وسم قبل سائر العصور بسمة الطموح والاستطلاع. ~~••• # وكل أولئك لم يكن ليغني شيئا لو لم يكن طموح الفكر منطلقا إلى مراميه بغير عائق من ~~حجر ذوي السلطان، سواء كانوا من رجال الحكم أو من رجال الكنيسة. # وقد انطلق طموح الفكر إلى مراميه في ذلك العصر بغير عائق من هذا السلطان أو ذاك؛ لأن ~~الكنيسة كانت مشغولة بالدفاع عن وجودها فترة طويلة، ولم تزل في هذا الشاغل حتى تغلب ~~عليها سلطان التاج، والحكومة النيابية، فاستكانت في حدودها إلى حين، وشاء عصر الطموح أن ~~تتجرد الكنيسة من الرجال الأشداء، الذين يبسطون مشيئتهم بقوة العارضة ومضاء العزيمة ~~وسعة الحيلة، ولو لم يكن لهم سلطان من الوظيفة أو الصفة الدينية؛ لأن معيشة الكنيسة ~~الوادعة وأجورها القانعة لم تكن في ذلك العصر مما يغري أمثال أولئك الرجال الأقوياء ~~بالركون إليها والبقاء فيها، فمن بقي في الكنيسة يومئذ فهو غير ذي طموح وغير ذي عزيمة، ~~ومن كان كذلك لم يخش منه الحجر على حرية الفكر، ولا الوقوف في وجه التيار وهو في ms008 أوائله ~~جارف عنيف. # أما سلطان الحكومة فقد كانت له رقابة على الكتب والمطبوعات، ولكنها لم تكن من الصرامة ~~والضيق بحيث تحول بين الكتاب وإظهار ما يكتبون، وقلما كانت الحكومة تلتفت إلى حملات ~~الكتاب حتى تكون قد صدرت من المطبعة، وتداولتها الأيدي ولغط بها الناس، وكان لها الأثر ~~المحذور الذي يستوجب الالتفات. فإذا صدر الكتاب من المطبعة مشحونا بما شاء صاحبه من ~~التنديد والتشهير، ولم يلغط به أحد ولا ثارت حوله الضجة المحذورة، فكثيرا ما تغفل عنه ~~الحكومة أو تتغافل عنه، ثم تهمل التأليف والمؤلف كما أهملتهما جمهرة القراء. ~~••• # على أنه كان عصرا من عصور التاريخ يسري عليه ما يسري على جميع العصور، فما من عصر من ~~العصور في تاريخ الإنسان خلا كل الخلو من بعض عوامل الضعف والنكسة، أو بعض عوامل التهيؤ ~~للانتقال والتبديل. # ولم يكتب لعصر باكون شذوذ عن هذه القاعدة التي لا شذوذ فيها، فقد كمنت فيه عوامل شتى ~~للتبدل والانتقال، وجاء بعضها من القوة والطموح، كما جاء بعضها من النكسة ~~والجمود. # فازداد سلطان التاج بعد الغلبة على الكنيسة، والغلبة على نظراء الدولة من الأمم ~~الأجنبية، وخيل إلى أنصار الحكم المطلق أنهم قادرون على إطلاق ما تقيد منه، وتوسيع ما ~~ضاق من حدوده، فجمعوا إليهم الأنصار وأكثروا لهم الرشى والهبات، وكلفهم ذلك طلب المال ~~وإرهاق الرعية بالضرائب والإتاوات، وليس إلى كسب الأنصار في عصر كذلك العصر من سبيل ~~بغير العطاء الجزيل، وليس لهذا الإرهاق من مغبة غير النقمة فالثورة والانتقاض. # وكان قمع الكنيسة على كره من الأتقياء المتنطسين، وهم غير قليلين في البلاد ~~الإنجليزية، ولعلهم كانوا يطيقون هذا القمع لو حسنت الأخلاق الدينية، وروعيت الآداب ~~المسيحية، ولكنهم نظروا فيما حولهم فأنكروا الترف والبذخ، والتهافت على المتعة ~~والمغالاة بالحطام والإباحة في مغامسة اللذات، فقرنوا بين ذلك وبين قمع الكنيسة، وحسبوا ~~أن الأمر محتاج في تقويمه إلى حماسة دينية، وتنطس شديد في التحريم والتحليل، فجاءت ثورة ~~المتطهرين مشفوعة بثورة المتمردين على المستبدين. # وجاء الطموح والفتوح بنظام جديد في توزيع الثروة، ms009 فاختل النظام القديم وتصدعت أركان ~~البناء العريق، وكل اختلال فلا مناص فيه من شكاية وقلق واستياء. # وغلا الناس في الطموح فعرض لهم ما يعرض لكل غلو في الرجاء من خيبة وصدمة، واتهام ~~للواقع وطلب للتبدل. # فكان الطموح في عنفوانه، وكانت هذه العوامل الكامنة في بدايتها، ولكنها لم تحتجب عن ~~بديهة الشعر والحكمة في زمانها، فتراءت في وساوس هملت ونقمة تيمون، ويأس لير كما ~~تخيلها شكسبير، وتراءت في تلميح باكون إلى القلاقل والثورات خلال مقالاته، وفي أطواء ~~صفحاته التاريخية. # وجملة ما يقال عنه أنه كان عصرا لا يوجد في عصور التاريخ ما هو أولى منه بتخريج ~~باكون؛ لأننا نلمس مراجع العصر في أخلاقه كما نلمسها في أفكاره وكتبه، فهو عصر يصدف عن ~~علم النظر والعزلة، ويقبل على علم المزاولة والقوة، ويأنف من التسليم بكل شيء، ويتشوف ~~إلى تجربة كل شيء والتذوق من كل شيء، ويركب كل مركب في سبيل الكشف والاستطلاع، ويستسهل ~~كل عسير في سبيل المال والمتاع، وكذلك كان باكون الذي جرب العلم والحياة، واستباح في ~~سبيل المال والمنصب ما لا يباح. # نشأة باكون # كان عصر الرشد - عصر باكون - عاملا مهما في توجيه سيرته وإخراج فلسفته، ولكنه لم ~~يكن بالعامل الوحيد في هذا ولا ذاك، بل أعانه على الأقل عاملان آخران: بنيته وبيته ~~... # فلم يكن الرجل قط من أصحاب الخلق الوثيق والبنيان الركين، سواء في صباه أو بعد صباه، ~~ولم يتفق له ما اتفق لكثيرين غيره من تصحيح بنيتهم بعد الشعور بالهزال، أو التوعك في ~~إبان الشباب. # وكانت أمه تحذر أخاه الأكبر - أنتوني - أن يحذو في معيشته حذو أخيه الأصغر، وتوصيه أن ~~يذهب إلى الصلاة مرتين كل يوم، ولا يقتدي بأخيه الذي يهمل هذا الجانب ولا يقوم بفرائضه، ~~وتقول: إنها تحسب ضعف الهضم عنده آتيا من اختلال مواعيده واضطراب عاداته، وذهابه ~~مبكرا إلى الفراش ثم سهره على التفكير والقراءة، ثم بقائه في فراشه طويلا بعد تيقظ ~~الناس في الصباح. # وإذا ضعفت البنية واشتد الطموح، وتفوق الذكاء فالطريق مرسوم: طريق الظهور ms010 في ميدان ~~الفكر الهادئ، والحيلة الوادعة، والمناصب السلسة المؤاتية، لا طريق المغامرات العنيفة، ~~والشهوات الجامحة والصراع المرهوب. # ويبدو من سيرة باكون أن ضعف بنيته قد تناول شهوات جسده، فملكها ولم تملكه، وعاش حياته ~~كلها ولم تغلبه قط نزوة من نزوات الشباب، أو دسيسة من دسائس الهوى في الكهولة ~~والشيخوخة، وتوجه به عصر المتاع بالحياة إلى ناحية من نواحي هذا المتاع لا يعوقها ضعف ~~البنية، وهي ناحية الوجاهة والبذخ والرئاسة المرموقة بالأنظار. وربما كان مصيبا حين ~~وصف نفسه في أوائل شبابه، فقال من خطابه إلى رئيس الوزراء: «إنني أعترف بأنني على قدر ~~اتساع مطامعي الفكرية تعتدل بي مطامعي المدنية.» ويقصد بها ما نسميه اليوم بالمطامع ~~السياسية والمظاهر الاجتماعية. # أما العامل الآخر وهو بيته فأثره في حياته كبير طويل الأمد، سواء بالوراثة أو ~~بالتلقين والاختبار. # ولد بلندن في أوائل سنة 1561، في بيت من بيوت الرئاسة من جانبي أبيه وأمه، فكان أبوه ~~السير نيقولاس باكون حامل أختام الملكة في عهد اليصابات، وكانت أمه بنت السير أنتوني ~~كوك الذي كان مربيا لإدوارد السادس، وركنا من أركان الإصلاح الديني في زمانه، وكانت ~~سيدة مثقفة تحسن اللاتينية واليونانية، وتتشيع لمذهب كلڨن وتغلو في التشبث بآراء ~~المتطهرين والمتنطسين، الذين يمقتون التيسير والسماحة في مسائل الدين. # فكان تأثير هذه النشأة الدينية مزدوجا في سيرة باكون وتفكيره: بعضه في اتجاه بيته ~~وبعضه مناقض لهذا الاتجاه. # فالبحث في مسائل الدين وحقائق الإيمان، وأصول الجزاء والثواب كانت بابا مطروقا - ~~بطبيعة الحال - في ذلك البيت خلال تلك الفترة، التي كثرت فيها المنازعات بين النحل ~~والمذاهب الدينية، فنشأ باكون في صباه معود الذهن على البحث في هذه الأمور وما يتصل ~~بها ويجري في مجراها. # وكان الغلو في التنطس بقية من بقايا عصر مضى، لا تطرد مع النزعة الغالبة في عصر ~~الطموح والاستطلاع والتهافت على المال والمتاع، فلم يكن لهذا التنطس البيتي ثبات في وجه ~~العصر وجمحاته ودواعيه، ولعله كان من شأنه أن يضاعف الاندفاع مع العصر في كل ما يقتضيه ~~من غواية، وكل ms011 ما تتسع له القدرة والمزاج من مجاراة. # وكتب على باكون أن يتلقى أثرا آخر من بيته وذوي قرباه، يخيل إلينا أنه أبلغ الآثار ~~المكسوبة في توجيه أخلاقه، وإبراز كوامنه وتغليب أطوار مزاجه، فإنه لقي العقبة الكبرى، ~~بل العقبات الكبار جميعا من ذوي قرباه، فكانت الوزارة في أيديهم والبلاط رهنا ~~بمشورتهم، أو غير معرض عن توسلهم ورجائهم، وكان للناشئ باكون أن يطمع بحق في معاونتهم ~~وكلاءتهم، ويصعد إلى أرفع المراتب بأعينهم وعلى أيديهم، ولكنهم صدموه في آماله ولم ~~يزالوا يصدمونه من عنفوان صباه إلى أن شارف الكهولة، وبلغ من مناوأتهم إياه أنهم كانوا ~~لا يساعدونه، ولا يتركون غيرهم يساعده بما يستطيع، فوقفوا له بالمرصاد كأنهم ألد ~~الأعداء، وشوهوا عقيدته في الناس، وفي استقامة الأخلاق من حيث يشعر ولا يشعر، ومن حيث ~~يشعرون ولا يشعرون. # أرسل فرنسيس إلى كامبردج وهو في الثانية عشرة من عمره، وكان يتردد على أبيه في ~~البلاط، فكانت الملكة تداعبه كلما رأته وتدعوه باسم «حامل أختامها الصغير»، فكان ذلك ~~مما يملي له في الثقة بالارتقاء إلى أرفع المناصب يوم يحين أوانها، وقد لاح له في بادئ ~~الأمر أنه جد قريب. # ففي السادسة عشرة ترقى في سلك طلاب العلم إلى طبقة الراشدين أو الأقدمين، كما كانوا ~~يسمونهم في ذلك الحين، وفتح له أول باب من أبواب المناصب، أو أبواب العلم السياسي الذي ~~يتزودون به يومئذ لتلك المناصب، فذهب إلى باريس في صحبة السير أمياس پوليت # Amyas paulet # سفير إنجلترا لدى البلاط الفرنسي، ~~وتنقل بين المدن الفرنسية تنقل الدارس المستفيد، ومضت عليه قرابة ثلاث سنوات وهو يتهيأ ~~ويتحفز للترقي في مناصب الدولة بمعونة أبيه، ولكنه فوجئ بموته وهو على أشد ما يكون ثقة ~~بمعونته وحاجة إلى الاعتماد عليه، فمات أبوه سنة 1579 وهو في الثامنة عشرة من عمره، ~~وعوجل بالموت قبل أن ينجز لولده ما كان يفكر فيه من أمر توظيفه وأمر ميراثه، فقد كان في ~~نيته أن يوصي له بضيعة تغنيه أو تكفيه، وتتيح له أن يظهر بين أقرانه ms012 بالمظهر الذي ~~يرضيه. فأصبح فرنسيس بعد موته خلوا من الوظيفة المأمولة وخلوا من الميراث الموعود، ~~إلا القليل الذي يقع من نصيب الولد الثاني في بلاد الإنجليز. # وكان اللورد برجلي # Burghly # رئيس الوزراء من أقرب ~~ذويه، فألقى اعتماده عليه ووثق من أخذه بيده في مراتب الدولة مرتبة بعد مرتبة ومقاما ~~فوق مقام، ولكنه لم يلبث أن تطامن في رجائه وكفكف من غلوائه، وعلم أنه الطريق الموصد ~~العسير، وليس كما كان يحسبه بالطريق الممهد اليسير. # وأعاد الرجاء كرة بعد كرة، وأفضى إلى قريبه بغاية ما يرجوه لو شاء أن يصغي إليه، وهو ~~منصب معتدل المورد يعينه على الدرس ويكفيه لنفقة أمثاله، فوعده بوظيفة كاتب المجلس ~~الخاص بعد خلوها، وهي قلما تخلو مرة في كل عشرين سنة! # ويحار المؤرخون في تعليل هذا العداء العجيب الذي لا يعرف له سبب، ولم ينقل من كلام ~~باكون ولا كلام أقربائه ما يفسره ويبطل الحيرة فيه، فالذين يحسنون الظن باللورد برجلي ~~يردونه إلى شكه في ولاء فرنسيس واعتقاده - من لمحات أخلاقه في صباه - أنه ليس بالولي ~~الذي يركن إليه ويؤتمن على صنيعة، ويضاف إلى ذلك سوء ظن الساسة بأصحاب الأقلام، وعشاق ~~الكتب والدروس، ونظرتهم إليهم - فطرة - تلك النظرة التي تمتزج فيها السخرية ~~بالارتياب. # والذين يسيئون الظن برئيس الوزارة يعزون عداءه المستور لقريبه الناشئ إلى خوفه من ~~منافسته لولده روبرت، وهو من أقران فرنسيس في السن والدراسة، ولا يخفى على الوالد الفطن ~~فرق ما بينه وبين فرنسيس في الذكاء، والحيلة، وذرائع الوصول. # وأيا كان سر هذا العداء فقد علم الحكيم الصغير بعد قليل أن المساعدة الثانوية هي ~~قصارى ما يرجوه من أقربائه، ووزراء زمانه، فهم لا يضنون عليه بالمساعدة في أعمال ~~المحاماة، أو الانتخاب لمجلس النواب أو بسداد ديونه إذا أحرجه الدائنون، وقد أحرجوه ~~مرتين، وساقوه إلى السجن في هاتين المرتين، فوفى روبرت دينه في المرة الثانية وقسطه ~~عليه. # أما المناصب التي ترجى وتخشى فقد صدوه عنها، وصدوا من يعينه عليها من كبراء الدولة، ~~ولجوا في الحيلولة بينه ms013 وبينها حتى جرت بينهم وبين أنصاره في سبيلها ملاحاة عنيفة قلما ~~تجري بين الكبراء. # ففي سنة 1584 دخل مجلس النواب عن مالكومب ~~رجيس # Malcombe Regis ~~، وعاد فدخله مرة ثانية نائبا عن ليفربول سنة 1588، وهي سنة ~~انتصار الإنجليز على الأسبان في معركة «الأرمادا» المشهورة. # وتيسرت له وظيفة «محام مستشار» لا مرتب لها ولا عمل في الحكومة، ولكنها من وظائف ~~الشرف التي يستعين الوزراء بأصحابها في تحضير بعض التهم أو ترتيب بعض القضايا أو مناقشة ~~بعض الخصوم. # وفي سنة 1593 خلت وظيفة النائب العام، فظن باكون أن أقرباءه لا يحولون بينه وبينها في ~~هذه المرة، بعد أن تمرس بالنيابة والمحاماة، وشئون القضاء برهة تحسب لمثله في ذكائه ~~ووفرة محصوله. # فإذا هم وقوف له بالمرصاد. # وكان يؤيده في طلب هذه الوظيفة لورد إسكس # Essex # الفارس النبيل الجميل صديق الملكة المشهور، وصديق العلماء والأدباء. # فاشتدت الملاحاة بينه وبين رئيس الوزراء وابنه روبرت سسل في ترشيح باكون لتلك ~~الوظيفة، وغضب إسكس حين اعتذر روبرت سسل بشباب باكون، وحاجة الوظيفة المطلوبة إلى السن ~~والدربة، فقال مجبها له: إنك مثله في السن، وأنت تشغل من مناصب الدولة منصبا أرفع ~~وأحوج إلى السن والدربة من منصب النائب العام. # وقيل غير مرة للورد إسكس، وهو يلح في ترشيح باكون لذلك المنصب: إنهم يدخرون له وكالة ~~النائب العام، فهي حسبه في الثانية والثلاثين من عمره وفي بداية ارتقائه لسلم المناصب ~~الكبيرة، وخيل إلى اللورد إسكس هنيهة أنهم جادون فيما يعدون، ولكنه ما لبث أن علم أنهم ~~وعدوا بما ليس في اليد؛ لأن الوكالة قد كانت مشغولة في ذلك الحين، فلما خلت بعد قليل ~~إذا هم يضنون على صديقه بوظيفة الوكيل، كما ضنوا من قبل بوظيفة الرئيس! # وقد كان اللورد إسكس رجلا ذكيا كريما شريف الخصال شجاعا مفرطا في الشجاعة ~~محبوبا في الجيش والأمة، وسيم الطلعة يفتن النساء بوسامته ونخوته، وعلو صيته، ولم يكن ~~يعاب في أخلاقه إلا بفرط الشجاعة والخيلاء، وقلة الدهاء في عصر لا تصان فيه حوزة بغير ~~الدهاء، ms014 وكانت الملكة اليصابات تعجب بشجاعته وجماله، ولكنها لا تركن إلى رأيه وتدبيره، ~~ولعلها كانت تستريح إلى مخالفته في بعض المطالب معاندة له أو تدللا عليه؛ لتكف من تيهه ~~وتذكره بقيمة الزلفى لديها، وتذكي الغيرة بينه وبين منافسيه، وتجعل رجحانه عليهم أبدا ~~في يديها، فتملكه على الدوام بهذا الزمام، وكانت في نفسها موجدة على صاحبه باكون لكلمات ~~قالها بمجلس النواب جاوز بها حدود الصراحة التي ترضاها في مناقشة حقوق الملكة، وحقوق ~~المجالس النيابية، وهي ولا ريب كانت تدخر وظائف الأبناء لمرضاة الآباء والأسر الكبيرة، ~~التي ينتمون إليها، فإذا كانت أسرة باكون ترضى بتأخيره ولا ترضى بتقديمه، فهي إذن في حل ~~من تحويل الوظيفة عنه إلى الرجل الذي ترشحه أسرته وترشحه أسرة باكون على السواء، فتغنم ~~بذلك موظفا كفؤا ورضى أسرتين، ولا تخسر إلا رضى باكون وهو مأمون العداوة مرجو الخدمة ~~في كل حين. # وكذلك انقضى العام في المنافسة على الترشيح بغير جدوى، ثم انتهت هذه المنافسة الطويلة ~~بتعيين «إدوارد كوك» للوظيفة المطلوبة بتزكية رئيس الوزراء ورهطه، وجماعة من ذوي ~~النفوذ، وخرج باكون من هذه المنافسة الطويلة بشيء واحد لا يحسد عليه، وهو عداوة كوك ~~وسوء نيته من نحوه مدى الحياة، وقد جرت عليه هذه العداوة مصائب كثيرة، منها النكبة ~~الأخيرة التي قضت عليه. # ثم فاتته وظيفة الوكيل كما فاتته وظيفة الرئيس، وكان كوك أشد معارضيه في هذه المرة ~~كراهة له، وتوجسا من وكيل كان ينافسه على الرئاسة، ولا يرجى منه الإخلاص في المعاونة، ~~وساعده اللورد إسكس هنا ما استطاع كما ساعده ما استطاع في المنافسة الأولى، فلما أخفق ~~هنا كما أخفق هناك خجل أن يعده مرتين ولا ينجز له وعده، وأنف أن يعجز عن تعيينه وعن ~~تعويضه ... فوهب له ضيعة حسنة تسوم بألف وثمانمائة جنيه، وتغل للمنتفع بها ريعا لا يستخف ~~به في ذلك الزمان. # وانقضى عهد الملكة اليصابات التي كانت تدعوه بحامل أختامها الصغير، وليس له نصيب في ~~عهدها من الوظائف العامة، التي كان يحلم بها، ويتمناها كما كان يحلم ms015 بها ويتمناها كل ~~فتى من نظرائه في عصره، اللهم إلا تلك الوظيفة الاستشارية المهملة في عالم المحاماة ~~بغير مرتب مقدور، ولا عمل معروف. وليتهم مع هذا قد حرموه هذه الوظيفة كما حرموه غيرها، ~~إذن لسلم تاريخه من أقبح وصمة خلقية حسبت عليه. # ذلك أن اللورد إسكس نصيره ووليه قد ساءت مكانته عند الملكة في هذه الفترة، وتمكن ~~أعداؤه ومنافسوه في البلاط من الكيد له، وتكدير الصفاء الذي بين الملكة وبينه، فندبته ~~لولاية أيرلندة في أحرج الأزمات التي مرت بتاريخ تلك البلاد، ولم تكن سياسة الأمم ~~الثائرة من ملكات اللورد المغامر الجسور، فعصفت الفتنة بكل حيلة من حيله، وتعمد منافسوه ~~في البلاط أن يشلوا يديه ويعرقلوا سعيه، ويقطعوا الصلة ما بينه وبين الملكة كلما حاول ~~أن ينهي إليها أمرا من الأمور. # وعاد اللورد محنقا خائبا إلى العاصمة تسبقه سمعة الفشل والغشم، وسوء التدبير وقلة ~~الولاء، فخيل إليه أنه لا يزال بمكانته التي عهدها في قلب الملكة ونظرها، وأبى إلا أن ~~يقسرها على إقصاء منافسيه عن البلاط، وعقابهم على الدس والتقصير في خدمة الدولة وتشجيع ~~الفتنة، فلم تصغ الملكة إليه ولم تصفح عنه، ولا غضبت على منافسيه، فجن جنونه من الغضب، ~~وعول على الثورة المسلحة لإكراه الملكة على ما يريده، ثم ثار وانهزم بعد مقاومة ليست ~~بذات بال. # كانت ثورته بينة وكانت العقوبة عليها مقررة معروفة، ولكن الملأ الإنجليزي في ذلك ~~العصر - على كثرة ما شهد من القضايا السياسية - لم يشهد قط من بينها قضية، كانت أعقد ~~ولا أغرب ولا أشد اختلافا بين بواطنها وظواهرها من هذه القضية. # فلم يكن أحد في البلاد الإنجليزية يريد للورد المحبوب أن يلقى جزاءه، الذي استحقه ~~بحكم القانون والشريعة الموروثة، بعد استثناء أعدائه ومنافسيه. # كانت الملكة صاحبة القسم الأوفى والحق الأكبر في القصاص؛ لأنها هي صاحبة السلطان الذي ~~اجترأ اللورد إسكس عليه، ولكنها مع هذا لم تكن تكره أن ينجو اللورد من عقابه بحجة من ~~الحجج، التي تحفظ الصور والأشكال، فقصارى ما كانت تتقيه أن تظهر ms016 بالوهن والخطل في صفحها ~~عن اللورد الثائر، وأن يجترئ أحد مثل اجترائه، ثم يفلت من الجزاء بغير علة راجحة من علل ~~القانون أو السياسة، فأما إذا حوكم وجاءه العفو أو التخفيف من قضائه ومحاميه، ولم تكن ~~هي المتهمة فيه بالوهن والخطل، فقد رضيت ورضي القانون والسياسة، وأراحت نفسها من ذلك ~~الندم الذي كانت تخشاه وترهبه، وقيل: إنه غام على عقلها الحصيف بعد موت اللورد المحكوم ~~عليه، فجعلها تفترش الأرض ليالي متواليات من برح الألم ولجاجة اليأس والتكفير. # وكان جمهور الشعب يأبى أن يدان اللورد الجميل المقدام، وإن كانت عقوبته مما لا تختلف ~~فيه العلية والجماهير، ولكن أبطال الجماهير قلما يخسرون سمعتهم بينها بعمل من أعمال ~~الإقدام. # وكان الجيش يحبه ويعجب به، ولا يسيء الظن بثورته وبذوات طبعه، ويعزوها إلى الحدة ~~والمجازفة ولا يعزوها إلى الكنود والخيانة، ويتمنى لو نظر إليها قضاته بهذه العين، ~~فسرحوه بريئا أو التمسوا له تخفيف الجزاء. # وكان النائب العام إدوارد كوك - منافس باكون - يلمح هذه الطوايا الملكية والشعبية، ~~فيقتصد كثيرا أو قليلا في تقرير التهمة، وتعزيز الأدلة وتضييق الخناق على الثائر ~~المحبوب، ولا يزال يطاول في المحاكمة ويرخي الحبل ويفسح طريق النجاة، لعله ينتهي في ~~خاتمة المطاف إلى مخرج يرضي الملكة، ويرضي الشعب والحق ولا يغضب القانون. # وهنا اتجهت الأفكار إلى باكون صديق «إسكس» الحميم! # فهل اتجهت الأفكار إليه لإنقاذ صديقه الحميم والدفاع عنه، وتفريج فسحة النجاة بين ~~يديه؟ # لا، بل لتأييد التهمة وشد الوثاق الذي أرخاه كوك، أو حسبوا من قبل أنه سيرخيه! # فعمد خصوم اللورد إسكس، إلى الرجل الوحيد الذي ينبغي له أن يتنحى عن هذا العمل كائنا ~~ما كان سر الدعوة إليه، فندبوه له وظفروا منه بقبوله بغير عناء. # ندبوا فرنسيس باكون لاتهام صديقه إسكس بالخيانة العظمى التي عقوبتها الموت، ~~فأجاب! # ولم يحدث قط أن رجلا من هيئة المحاماة الاستشارية ندب لمثل هذه المهمة في قضية من ~~قضايا السياسة العليا، ولم يندب باكون بعد ذلك في قضية أخرى على كثرة القضايا السياسية، ~~التي ms017 أعقبت هذه القضية المشئومة. # فلماذا ندبوه؟ ولماذا أجاب؟ # ندبوه لأنهم علموا أن اللورد المتهم محبوب بين سواد الأمة، فإذا جاءت تهمته من بعض ~~أصحابه المقربين، فذلك قمين أن يفت في أعضاد المتشيعين، ويريهم أن إدانة الرجل أمر متفق ~~عليه بين الأنصار والخصوم، وفيه ما فيه من غصة للعدو اللدود الذي يتعقبونه بالكيد ~~والإيلام إلى الرمق الأخير، فليس أغص للمخذول من أن يخذله أعوانه ومريدوه. # أما هو فقد أجاب الدعوة - على ما يظهر - لأنها الفرصة السانحة لتحقيق الطمع الذي عز ~~عليه منذ سنين؛ ولأنه قد برم بالناس والعهود وغشيته غاشية من التجني على بني آدم، فخيل ~~إليه أنهم في معونتهم ومناوأتهم سواء لا يخدمون إلا مآربهم ولباناتهم، ولا يرضون إلا ~~غرورهم وكبرياءهم، وأن إسكس نفسه قد خدمه وأعانه غلبة لخصومه؛ واعتزازا بمكانه ولم ~~يخدمه للبر به والحدب عليه. # ولا نستبعد أن يدخل في حساب باكون وهو يقبل الدعوة إلى اتهام إسكس أن الحكم عليه - ~~بالغا ما بلغ من الصرامة - متبوع بالعفو أو بالتخفيف لا محالة، لما يعلمه من عطف ~~الملكة على اللورد المتهم؛ ورغبة الأمة في الصفح عنه. # وليس مما ينسى لباكون في هذا المقام أنه قد حاول جهده أن يصلح بين الملكة واللورد ~~إسكس، بعد أوبته بالخيبة من البلاد الأيرلندية، وأن قد حاول جهده أن يثني اللورد عن ~~عزيمة الثورة، حين هجست في نفسه هواجسها، وكاشف بها بعض المقربين إليه، فهذا وذاك مما ~~يحسب لباكون من شفاعة المعذرة في تلك المعابة الموصومة التي تورط فيها لغير ضرورة ~~حازبة، ولكنها معذرة لا ترحض عنه الوصمة ولا تبرئه من المذمة، وإن غناءها عنه لقليل ~~كلما ذكر إلى جانبها ذلك اللدد الذي ظهر منه في محاسبة وليه ونصيره، وتلك الجهود التي ~~بذلها في حصر التهمة، وإغلاق منافذ الرحمة، ومنها الكذب المتعمد فيما يعلم هو قبل غيره ~~أنه كذب صراح. # ففي رسائل باكون التي كان يكتبها إلى اللورد إسكس كلام كثير عن مكائد الحساد، وفخاخ ~~الأعداء الواقفين له بالمرصاد، وقد كانت هذه المكائد عذرا ms018 يلتمسه المدافعون عن اللورد ~~إسكس؛ لتهوين جريمة الثورة، وتمثيل التهمة في صورة العداء بين الأنداد والقرناء، فطفق ~~باكون في اتهامه يسخر من دعوى الكيد والاستثارة، ويحسبها من المزاعم التي لا تقوم عليها ~~بينة صادقة ... حتى ضاق اللورد المتهم بهذه المكابرة التي لا موجب لها، وقاطعه قائلا: إن ~~مستر باكون في رسائله يدحض ما يقوله مستر باكون في اتهامه! # ثم زاد باكون على اللدد في الاتهام لددا في تشويه السمعة بعد الممات، فأساء إلى ~~اللورد المحكوم عليه في ذكراه كما أساء إليه في حياته، وأتبع موته ببيان مستفيض عن ~~غلطاته ومثالبه، وما استحق به الجفوة من مليكته ثم القضاء عليه بالموت، وكان هذا البيان ~~مطلوبا لتهدئة الشعب الذي تلقى نفاذ الحكم في بطله المحبوب بالوجوم والإعراض عن البلاط ~~وحاشيته أيما إعراض. # وقد عجب نقاد هذه القضية من نشاط باكون وبراعته القانونية، ومن هفوات كوك وغفلته عن ~~المآخذ الظاهرة في تسيير الدعوى وتوجيه التهمة، ومن أسباب عجبهم أن باكون على فضله في ~~العلم والأدب لم يكن ندا لكوك في أفانين المحاكم ومسائل القضاء! وإنما جاء العجب من ~~المقابلة بين متسابقين يجري أحدهما ملء خطوه، ويظلع الآخر باختياره، ويحسب السبق بينهما ~~على باكون، ولا يحسب على مسابقه القدير المتواني بمشيئته في هذا المضمار. # وشاءت المقادير أن ينقضي حكم اليصابات كما أسلفنا، وليس لباكون نصيب فيه من الوظائف ~~أو الألقاب، ألعله حقد منها عليه لجده في اتهام الثائر المحبوب؟ يجوز. وإن لم يجز فالذي ~~لا نشك فيه أن باكون قد عومل يومئذ معاملة البغيض المحقود عليه. # وكل ما أصابه من جزاء على جهوده المضنية في هذه القضية حصة من الأموال، التي جمعت من ~~مصادرة أملاك الثائرين ووزعت على المشتركين في اتهامهم، وإنفاذ الأحكام فيهم، وبلغت هذه ~~الحصة ألفا ومائتي جنيه هي دون ما أخذه طواعية من اللورد القتيل، ولو بلغت أضعاف ذلك ~~لما حسبت من الرزق المريء، ولا من الرزق الكريم. # لا بل أصابه من جزاء على تلك الجهود ظل كثيف من المعابة قد ms019 ران على سمعته، ولا يزال ~~يرين عليها بعد ثلاثة قرون، وأغرى به من العداوات ما تجاوز السمعة إلى الضرر في المنصب ~~والمال، فلم تخل نكبته الأخيرة من عقابيل هذا الخطأ الجسيم. # إن الناس لا يفهمون خيانة من الخيانات كما يفهمون الخيانة بين الأصدقاء، وربما دق ~~عليهم فهم الخيانة الوطنية لالتباس الرأي فيها بالتفاصيل الفقهية التي لا يفقهونها، أو ~~لانطوائها في غمرة الخصومات الحزبية والعصبيات المذهبية ... بل يدق عليهم أحيانا فهم ~~الخيانة في العرض لما يحيط بها من الاستهواء القصصي، والعلاقات الشعرية أو المسرحية، ~~التي تمتزج بأحاديث الغرام. أما خيانة الأصدقاء فهي من الخيانات المفهومة في كل بيئة ~~وعلى كل حالة، وعند الإنجليز خاصة يكبرون كلمة الولاء حتى يقرنوها في ألفاظهم بالإيمان، ~~ويقرنوا الكفر بمعنى من معاني «عدم الولاء» ... فإن عجبت في أمر باكون، فاعجب لسقطات ~~الذكاء كيف تزل بصاحبها هذه الزلة تحت بروق المطامع، التي هي شر من الظلام الدامس على ~~السالكين فيه. ~~••• # وأقبل عهد جيمس الأول بشيء من الرجاء في استدراك ما فات على عهد الملكة اليصابات، وقد ~~أوشك في بدايته أن يعصف بهذا الرجاء القليل، فيتصل العهدان بسلسلة من الحرمان والتسويف؛ ~~لأن الملك جيمس كان يعطف على أسرة اللورد إسكس، ويرغب في إقالة عثرتها واستحياء نفوذها، ~~ولم يكد يستوي على عرشه حتى أحس الناس منه هذه الرغبة، فانطلقت الألسنة من عقالها تثني ~~على اللورد القتيل، وتقدح في أعدائه وأصدقائه المنقلبين عليه، ولكن الملك جيمس كان يسلك ~~نفسه في زمرة العلماء والأدباء، ويحب أن يعطف عليهم عطف الزملاء على الزملاء، وكان ~~باكون قد أثبت إلى جانب ذلك أنه رجل يعول عليه في ساحة القضاء وقاعة مجلس النواب، ~~ويستفاد منه ما يساوي ثمن اللقب أو الوظيفة إذا التمس البلاط هذه الفائدة في يوم من ~~الأيام، ولم يكد يبقى في زمرة المحامين أحد من طبقة باكون، لم ينعم عليه في مستهل العهد ~~الجديد بلقب من ألقاب التشريف، ولم يقصر باكون في الطلب، ولا ترك لأحد من ذوي النفوذ ~~مندوحة للرفض والاعتذار، ms020 فكتب إلى كل ذي طالع مرجو في العهد الجديد يعرض عليه خدمته ~~وولاءه وصدق بلائه ، وكتب إلى قريبه روبرت سسل فيمن كتب إليهم يسأله الوساطة في تشريفه ~~بلقب من الألقاب أسوة بأقرانه وأصحابه، وتمهيدا للزواج بفتاة ذات مال يصلح به شأنه، ~~ولعلها في يسارها ومنزلتها لا ترضاه بغير لقب وبغير مال! # وقد أنعم عليه في سنة 1603 بلقب فارس، فأصبح يدعى السير فرنسيس باكون، وتوالى الإنعام ~~عليه بالألقاب حتى ارتقى إلى رتبة الفيكونت # Viscount of st. ~~Albans # في سنة 1621. # وترقى في الوظائف كما ترقى في الألقاب، فتم تعيينه لوكالة النائب العام في سنة 1607، ~~ولمنصب النائب العام في سنة 1612، وارتفع في خلال ست سنوات إلى منصب قاضي القضاة، وهو ~~أكبر المناصب القضائية في الدولة الإنجليزية. # وقد جوزي بهذه الألقاب وبهذه الترقيات على خدمته للبلاط، وتأييده لامتيازاته في ~~مناقشات مجلس النواب، وعلى التوفيق بين المجلس والبلاط في أزمات النزاع حول حقوق العرش ~~وحقوق الأمة، وإن كان توفيقا من توفيقات المصالحة التي تقف عند الصيغ، ولا تتعداها إلى ~~الجوهر واللباب. # لكنه في مناصب القضاء قد أباح لنفسه من التزلف للبلاط ما لم يكن يستبيحه وهو نائب عن ~~الأمة، ولعله توسع في الزلفى وهو في مناصب القضاء؛ لأنه منفرد فيها عن الأصوات والآراء، ~~وأحجم في زلفاه وهو نائب؛ لأنه مقيد بأصوات المئات من النواب بين معارضين أو ~~مؤيدين. # ففي قضية «أوليفر سان جون» الذي أنكر على الملك حق فرض الخيرات والصدقات، وحكم عليه ~~بالسجن من أجل هذا الإنكار كان باكون يتولى الاتهام والمطالبة بالعقاب! # وفي قضية القس بيشام الذي حوكم لأنه كتب موعظة مناقضة لامتيازات الملك، ولم يلقها ولا ~~اهتم بنشرها - كان باكون يساوم القضاة؛ ليوعز إليهم بإدانة ذلك الشيخ المسكين على خلاف ~~ما اعتقدوه. # هذه خطة يمضي عليها الرئيس المشهور زمنا طويلا، وهو آمن على منصبه من عقباها لو كان ~~منيع الحوزة، أو كان في حصن حصين من الشبهات والأقاويل ... لكن باكون لم يكن كذلك في ~~أعمال القضاء! كانت حوله شبهات جمة، وكان ms021 حوله خصوم متربصون، وكان إسرافه الذي يتجاوز ~~مورده المحدود أول وأقوى هذه الشبهات. # كان مورده المحدود دون الثلاثة الآلاف من الجنيهات، وكانت نفقاته تربى على خمسة أضعاف ~~هذا المقدار؛ لأنه كان يقبل الهدايا والرشى على سنة القضاة في ذلك الزمان، وكان يغضي عن ~~أتباعه ومرءوسيه؛ لأنهم يتوسطون في حمل الرشوة إليه. # واتفق غير مرة أنه أخذ الرشوة من طرفي الخصومة، فأغضب الخصم الذي لم يحكم له وإن لم ~~يكن له حق في دعواه، فتألب عليه فريق من هؤلاء المدعين الموتورين، واستمدوا الجرأة في ~~الاتهام من تحريض أعدائه وممالأتهم في جمع الأدلة، وتشجيع الشهود وإذكاء العيون ~~والأرصاد. # وأبى البلاط أن يحميه؛ لأن التهم والشبهات استفاضت في البلاد، فتهيب حماته أن يستروه ~~ويتعرضوا لسير التحقيق والمحاكمة؛ مخافة الاتهام بالتواطؤ والمشاركة أو الاعتراف ~~بالافتيات على حقوق الأمة، وبذل الحماية لمن يسخرونهم في تلك السياسة. # فجرى التحقيق مجراه، وأسفرت المحاكمة عن ثلاث وعشرين تهمة اعترف بها باكون، غير التهم ~~التي كان يعوزها الدليل القاطع والشهود المقبولون. # فلم يسع قضاته النبلاء إلا أن يحكموا عليه بأقسى ما في وسعهم من الأحكام، وضاعف في ~~قسوة حكمهم أنهم كانوا على يقين من الإعفاء والمسامحة من جانب البلاط، فقضوا بتغريمه ~~أربعين ألف جنيه وسجنه في البرج بإذن الملك، حتى يأمر بالإفراج عنه، وحرمانه الجلوس في ~~دار النيابة وولاية الوظائف العامة في الدولة الإنجليزية، فأعفاه الملك من هذه الأحكام ~~جميعا إلا العزل وتحريم النيابة والولاية، وظل هذا الحكم نافذا حتى قضى نحبه في سنة ~~1626 بعد خمس سنوات. # قال باكون في الدفاع عن نفسه: «لقد كنت أعدل قاض في الديار الإنجليزية منذ خمسين ~~سنة، ولكنها رقابة البرلمان التي كانت أعدل رقابة عرفت قط في مدى مائتي سنة.» # وليس هذا القول في الواقع بغريب، فإن قضاة باكون أثبتوا عليه الرشوة، ولم يثبتوا عليه ~~قط أنه حكم في قضية واحدة بما يخالف العدل والحقيقة، ومن أظرف الفكاهات أن يعتذر ~~المعتذرون للقاضي الفيلسوف بأنه كان يحكم بالعدل؛ لأنه كان يقبل الهدايا من ms022 الطرفين، ~~وكان قبول الهدايا سنة شائعة بين جميع القضاة في أيامه! ولكنه اعتذار يستحق أن يقال ~~لفكاهته وطرافته، إن لم يكن للحق الذي فيه! ~~••• # ذلك موجز من سيرة باكون في نشأته المدنية، كما كان يسميها، أو نشأة المطامع والمناصب ~~والألقاب، وتلحق بها نشأته البيتية بعد الزواج؛ لأنها لم تكن في الواقع إلا خطوة من ~~خطوات هذا الطريق، ومظهرا عنده من مظاهر البذخ والوجاهة الاجتماعية. # وتشاء المصادفات أن تتم المطابقة بين النشأتين: نشأة البيت ونشأة المجتمع، كما تتم ~~المطابقة بين النموذج الصغير والصورة الكبيرة. # فكما خطب المنصب النافع كذلك خطب الفتاة النافعة، التي يرجو من البناء بها تيسير حاله ~~ولو بعض التيسير، وكما توسط له اللورد إسكس في المنصب كذلك توسط له خطبة تلك الفتاة، ~~وكتب إلى أهلها يقول: إنه لم يكن يشير على نفسه بغير ما أشار عليهم من قبول باكون ~~لفتاتهم، لو كانت الخطيبة أخته أو قريبته أو كان ذا ولاية عليها ... وكما أخفق إسكس في ~~خطبة المنصب أخفق كذلك في خطبة الفتاة ... وكما سبقه منافسه إدوارد كوك إلى منصب النائب ~~العام، كذلك سبقه إلى قلب هذه الخطيبة، أو إلى عقلها فتركت باكون وآثرته عليه. # وينتهي هنا الوفاق بين النموذج والصورة، ويبدأ الاختلاف بينهما، فإن إدوارد كوك قد ~~أسدى لمنافسه أجل مأثرة، وأراحه من أفدح مصاب كما قال اللورد ماكولي في رسالته القيمة ~~عن الفيلسوف؛ لأنه حمل عنه البلاء الذي شقي به طول حياته، وكانت الجائزة التي استبق ~~إليها الندان المتنافسان ربة جحيم في مسلاخ ربة بيت، وهي تلك اللادي هاتون التي خاب ~~معها باكون خيبته السعيدة. # ثم تم بناؤه (في سنة 1606) بأليس برنهام # Alice ~~Barnham # بنت بعض الوجهاء، وذات حظ من المال والجمال، ولكنه لم يسعد ~~بها كما تمنى، وإن لم يشق بها شقاء منافسه بنصيبه! وتبين من وصيته ما كان مفهوما خلال ~~حياته من قلق ضميره، وقلة اطمئنانه لهذا الزواج. # وكان يوم الزفاف معرضا لصفات باكون، التي لازمته طول حياته في سيرته الاجتماعية، وهي ~~البذخ والإسراف وحب ms023 الأبهة والعلو على الأقران في هذا المضمار، فذهب إلى الكنيسة هو ~~وزوجته غارقين في حلل الحرير، وحلي الذهب والفضة والجواهر النفيسة، وعاش على هذه البزة ~~وهذه الشارة بقية أيامه إلى أن قضى نحبه في نحو الخامسة والستين. # ولا يبدو من وصيته أنه كان على عسر في معيشته، وإن ركبته الديون آونة بعد آونة، وعده ~~بعضهم من الفقراء بالقياس إلى منزلته ولقبه، فقد عاش في سعة ونافس الأمراء في حله ~~وترحاله، وكتب وصيته قبل أشهر من وفاته وهو يذكر جياده المطهمة ومركباته الفاخرة، ~~ويتكفل بكرسيين للمحاضرة في الجامعات، وبمائتي جنيه في السنة للإنفاق على المباحث ~~الطبيعية. # ونحن نكتفي بالموجز المفيد من نشأته المدنية؛ لأنها ولا ريب هي الصفحة التي يستريح ~~القارئ إلى الإسراع بطيها في سجل هذه الحياة الحافلة. # ومتى طويت هذه الصفحة، فليس في السجل كله إلا ما هو جدير بالنشر والإعجاب والتذكار، ~~إذ ليس في السجل كله بعد ذلك إلا الأمانة، التي لا تعدلها أمانة في خدمة العلم، ونصح ~~بني الإنسان، وليس بين حكماء الأرض من يعرض لنا في هذا الباب صفحة هي أنصع وأخلد من ~~صفحة هذا الحكيم، الذي جمع الحكمة كلها في قلمه، وضيعها كلها في تصرفه وعيشه. # فكانت غيرته الصادقة في ميدان البحث والعلم على قدر تفريطه الخادع في ميدان الجاه ~~والمال، وكان حبه للحق وهو يفكر ويكتب على قدر هوان الحق عليه وهو يعالج العيش، ويزاول ~~مرافقه ومرافق الناس. # فمنذ الصبا الباكر نشأ هذا الرجل العجيب - أو الرجل المزدوج، كما قال بعض ناقديه - ~~نشأة عالم أمين خلق لتمحيص الحقيقة العلمية دون سواها، حتى لتعجب كيف اتسعت هذه الطبيعة ~~لتلك النقائض، التي لا تحيك بها إلا خلقة منعزلة عن العلوم والتفكير في العلوم. ~~••• # كان في العاشرة من عمره يفتح على الدنيا عيني عالم صغير، وانسل يوما من بين رفقته ~~اللاعبين إلى قبو في حقول سان جيمس يسمع منه صداه العجيب ويتقصاه، ويسأل عنه معناه، ~~وشغل منذ الثانية عشرة بحيل الحواة والمشعوذين؛ لما فيها من المشابهة للسحر ms024 والعلم ~~والصناعة في وقت واحد، ونفرت سليقته وهو دون السادسة عشرة من تعليم الجامعات، الذي ~~كانوا يعزونه يومئذ إلى آراء أرسطو وهو من أكثرها براء، وفصل القول ولما يبلغ الثامنة ~~عشرة في مشكلات أوروبا السياسية ذلك التفصيل الذي يعيي عقول بعض الكهول ممن لم يرزقوا ~~تلك الفطنة وذلك الإلهام، ولم يقنع وهو في الثلاثين بما دون تبديل الأسس العلمية ~~والفلسفية جميعا كما كانوا يستقرون عليها في تلك العصور، فطفق يفكر ويعيد التفكير في ~~قسطاس شامل لجميع المعارف البشرية، التي كانت معروفة يومئذ، والتي كان يرجى أن تعرف ~~بالقياس على ذلك القسطاس، وسماه ذلك الاسم الفخم الذي يشير إلى آفاقه ومراميه، وهو ~~«البناء الأعظم للفلسفة الصادقة» ... وظهر الجزء الأول منه (في سنة 1605) باسم ترقية ~~المعرفة أو التعليم، ثم وسعه وتممه وأضاف إليه، وأصدر منه نسخة لاتينية في سنة 1623، ~~وظهر الجزء الثاني من هذا السفر الضخم باسم القانون الجديد أو القياس الجديد # Novum Organum # وهو مرجع فلسفته الأكبر بين مراجعه ~~الأخرى، ومنها شذرات لم تستوعب موضوعها؛ لأنها أكبر من أن يضطلع بها جهد رجل واحد في ~~ذلك الزمان، الذي يصعب فيه التعاون العلمي الميسور في عصرنا الحديث، فقضى عليه أن يفارق ~~«البناء الأعظم» وهو ناقص الشرفات والطباق، ولكنه على هذا كامل الدعائم ~~والأركان. # وقد مات في ميدان العلم وهو يحمل سلاحه، ولا يبالي الحيطة التي تفرضها عليه بنيته ~~الهزيلة في مثل سنه، فخرج في الشتاء؛ ليجرب وقاية الثلج للأجسام الحيوانية من العفونة ~~في جسم دجاجة مذبوحة لساعتها، فسرت إليه قشعريرة لم تمهله غير أيام، ومات ميتة العالم ~~وإن لم يعش عيشته على الدوام. # هذه النشأة - نشأة العالم - هي التي يكتب من أجلها عن فرنسيس باكون، ويغتفر من أجلها ~~عيب الرجل في نشأته الأخرى: نشأة المطامع والمناصب والألقاب. # وحق له أن يودع الدنيا «وهو يترك اسمه وذكراه للألسنة الخيرة، وللأمم الغريبة ~~وللأجيال القادمة». # وللألسنة الخيرة ولا جدال مقال طيب في ذكراه جدير أن يقال. # أخلاقه # يندر جدا أن يشتهر رجل أو يرتقي سلم ms025 المناصب الرفيعة، ثم لا يكون للعصر أثر في ~~أخلاقه إن لم تكن أخلاقه كلها مشابهة لأخلاق عصره؛ لأن الشهرة أو ارتقاء المناصب تجاوب ~~بين الرجل وأهل زمانه، وقلما يتأتى هذا التجاوب بغير مماثلة أو مقابلة بين الشيئين ~~المتجاوبين. # وأثر العصر في أخلاق باكون واضح كل الوضوح؛ لأنه لم ينفرد فيه بداهة بحب الظهور، ولا ~~بالتهافت على المال والحطام، ولم يعرف عنه شيء من ذلك إلا وقد عرف مثله عن قرنائه ~~ونظرائه، ومن هم فوقه ومن هم دونه. # وحسبنا أن الثورة التي نشبت بعد زمانه بأقل من قرن واحد إنما نشبت لأن الملوك كانوا ~~يفرطون في طلب المال، ويرهقون الرعية بالضرائب والإتاوات ... فلم يكن إذن في ذلك العصر من ~~يتعفف عن جمع المال والمجازفة بالعواقب في هذا السبيل، سيان في ذلك من رزقوه أو لم ~~يرزقوه، وسيان في ذلك صاحب المكان الأول، وصاحب المكان الأخير. # وليس باكون بدعا في هذه الخليقة، وإن جنت عليه الشهرة فحفظت نقائصه، ولم تحفظ نقائص ~~المئات ممن يماثلونه في الأقدار والأخطار. # وربما كان للعصر أثر آخر في أخلاقه من جانب يخصه، ولا يعم نظراءه في المنصب والمكانة، ~~فإنه قد كان ولا جدال أكبر أبناء أمته في ذلك العصر عقلا، وأثبتهم نظرا وأقدرهم على ~~فهم مرامي القوام وأطوار الأقوام، فدعاه اليقين من صوابه في هذه الشئون إلى إسداء النصح ~~طواعية لكل من يملك تصريفها، ويقبض على مقاليدها، فكتب نصائحه إلى الملكة اليصابات في ~~سياسة الكنيسة والشعب والنواب، وكتب نصائحه إلى الملك جيمس في السياسة الأوروبية، ~~والسياسة الداخلية، ومحض النصح للورد إسكس واللورد بكنجهام واللورد سالسبري في مسائلهم ~~ومسائل الأمة، فكان من العجب أنهم أعرضوا عنه، وأصموا آذانهم عن نصحه، ولم يقبلوا منه ~~إلا الملق والنفاق. ومن دأب هذه الصدمات في النفوس التي لا تقوى عليها أن تضعف عندها ~~قيمة النصح والإخلاص، وتغريها بالغش ومجاراة الأهواء ... ففي هذه على الأقل جدوى لمن يغش ~~ويجاري أهواء الأعلياء، وأما النصح الخالص فقد يلوح لهم أنه لا جدوى فيه للناصح ولا ms026 ~~للمنصوح، حيثما تعرض الأسماع وتجمع الأهواء. # ففي هذه الخلائق وما شاكلها كان عذر باكون ذنب عصره، أو كان عذره أن ذنوبه هي ذنوب ~~مئات وألوف ، ولم يكن تجنبها من اليسير عليه، وماذا تقول في عصر كان اسم مكيافلي فيه ~~أشهر الأسماء بين حكماء السياسة، ومعلمي الأمراء والوزراء؟ # لكن الأخلاق لا ترجع كلها إلى العصور، حتى ما كان منها سمة من سمات تلك العصور؛ لأن ~~الإنسان يأخذ منها أو يدع على حسب طبعه الموروث أو الأصيل فيه، وقد ينبذها كلها ويثور ~~عليها لفرط المناقضة بينه وبينها، كلما بلغت هذه المناقضة حدا يتعذر فيه ~~التوفيق. # وباكون كان فيه جرثومة الخلق الذي أنماه العصر وأرسخ جذوره، وكان فيه مع هذا ضعف ~~مقاومة، وقلة جلد وإشفاق من مأزق العراك والمجازفة، وكل أولئك مما يعجل به إلى ~~الاستسلام، ويزين له سلوك السهول دون الوعور. # ونحسبه قد ورث هذه الطبيعة من أبيه؛ لأن أباه كان يتخذ له شعارا لاتينيا يكتبه على ~~باب بيته، فحواه أن الاعتدال أبقى، وكان يشفق في سياسته من المخاطر ولو كان من ورائها ~~كبار المغانم، فلبث في منصبه نيفا وعشرين سنة لاجتنابه المقاحم التي تزلزل الأقدام في ~~ذلك العصر القلب، وذلك البلاط المحشو بالدسائس والمنافسات. # ويبدو لنا أن النوازع الحيوية كلها في طبيعة باكون لم تبلغ من القوة والامتلاء مبلغا ~~يدفعه إلى المقاومة والمجازفة في أي مطلب، وقد نرد إلى ذلك ولعه بالأبهة والمواكب ~~والأزياء، وكل ما يلفت الأنظار، فالغالب في هذا الولع أنه يشغل في النفس مكان اللذات ~~الحيوية والشهوات العارمة، على سبيل التعويض في الشعور، فإذا فاته سرور الشعور بنفسه ~~أحب أن يعوضه بسرور من قبيله، وهو شعور الناس به واعتقادهم فيه الغبطة ~~والاستمتاع. # ويعزز عندنا هذا الظن أنه لم تذكر له علاقة بالنساء على شيوع العلاقات الغرامية في ~~زمانه، ولم تكن له سعادة بالزواج ولا بالذرية، ولم يشتهر عنه قط شغف بطعام أو شراب، ~~فطلب المال عنده ضرورة لطلب المظاهر الخلابة، وطلب المظاهر الخلابة عنده ضرورة لتعويض ~~الشعور باللذات ms027 والشهوات، وكل أولئك له حافز من عادات الزمن ومغرياته لا تسهل مقاومته ~~على المستعد للمقاومة، فضلا عمن يشفق منها ويتعمد اجتنابها. # فالجهد ثقيل على طبع باكون سواء في الخيرات أو في الشرور، وحب الإعفاء والمعافاة صارف ~~له عن تكليف نفسه ما لا يطيق؛ ولهذا كان ينصح بالخير ثم ينصح بغيره إذا لم يقبلوه منه، ~~وكان يؤثر السلم والمسالمة ولا يقابل النقمة بمثلها، ولم يكن في طبعه الضغن على مسيء ~~وإن بالغ في الإساءة إليه، فلم يحقد على الملكة اليصابات بعد موتها مع حرمانها إياه ~~وإصرارها على إنكار حقه وتقريب منافسيه، وكتب عنها أجمل ما يكتبه عنها مستفيد من حظوتها ~~ورعايتها، وليس له نفع مرجو من هذه الكتابة في عهد خلفها، الذي كان لا يحبها ولا يستريح ~~إلى الثناء عليها، وقد ندب للوصاية على تركته الأدبية رجلا كان يرميه بالاحتيال ~~ومخادعة الدائنين، وهو الأسقف وليامز عدوه في محنته وصديقه قبيل موته بأعوام قليلة، ~~فليس من خلقه الإضرار المقصود ولو بأعدائه وثالبيه. # ويصعب أن يقال إنه كانت له شرور كبيرة من شرور الطبائع الجارمة والخلائق الضارية، ~~وإنما كانت آفته كلها الطبع المغلوب لا الطبع الغلاب، أو كان يصدر في سيئاته كلها عن ~~إشفاق وتوجس لا عن اقتحام وصولة، ولم تحص عليه سيئة واحدة تخرج عن هذا الطراز من ~~السيئات. # فأشهر أخطائه المسجلة عليه هي حادثة إسكس، ومسألة الرشوة واتضاعه الشائن لاسترضاء ~~بكنجهام. # وفي حادثة إسكس كان الباعث الأكبر له هو الإشفاق من إغضاب الأقوياء، واغتنام الفرصة ~~لبلوغ الرجاء، ويساق له مساق العذر أنه يتقيد بخدمة صديقه وحده حين أحسن إليه هذا ~~بالوصايا والهبات، بل صارحه بأن الوفاء له على سنة رجال القانون يقتضي العدل في الوفاء ~~للدولة والتاج وأقطاب البلاد، فكتب له من بداية الأمر رسالة يقول فيها: # مولاي! إني أرى أنني أدين لك بالوفاء، وأضع يدي على أرض من هبة يديك، ولكن ~~أتعلم يا مولاي كيف يجري عهد الوفاء في عرف القانون؟ إنه يكون أبدا برعاية ~~الولاء للتاج ونبلائه الآخرين، ومن ms028 ثم لا يسعني يا مولاي أن أكون لك أكثر مما ~~كنت ... # ثم يساق له بعد هذا مساق العذر أنه حذر صديقه من ولاية أيرلندة؛ لأنها تبعده من ~~البلاط وتمهد لأعدائه سبيل الوقيعة بينه وبين الملكة في غيابه، ولا أمل له في إخضاع ~~الأيرلنديين المتمردين؛ لأنه سيلقى منهم ما لقيه يوليوس قيصر من الغاليين والبريطان ~~والجرمان ... قيل: إنه نصح له بهذه النصيحة ثم أنس منه الرغبة الشديدة في الولاية، ~~فأدركته طبيعة الإشفاق أن يفقد مودة الرجل وحسن ظنه، فعدل عن التحذير إلى الإغراء، وكتب ~~له يقول: إنه لكفيل بتمدين هؤلاء المستوحشين، كما تمدن المستوحشون من قبل على أيدي قادة ~~الرومان! # ومهما يكن من الشك في إزجاء النصيحة الأولى، فالذي لا شك فيه أن باكون سعى في الصلح ~~بين الملكة وصديقه، ثم عالج ما استطاع أن يثنيه عن عزمه على حمل السلاح، وإكراه الملكة ~~عنوة في ميدان القتال، ثم كان له أمل - بل كانت له ثقة - في عفو الملكة عن ذلك الصديق، ~~لما ذاع وشاع بين الخاصة والعامة من إعجابها به وإعزازها إياه. # أما الرشوة فقد كانت شائعة بين قضاة زمانه، وكانت كالهدايا التي يتبادلها أصحاب ~~المصالح المشتركة، وإن لم تكن مباحة في القانون، ويساق له مساق العذر كما قدمنا أنه كان ~~يحكم بالعدل ولم يثبت عليه حكم واحد بالظلم مع ثبوت الرشوة عليه في نيف وعشرين ~~قضية. # وأضعف ما يعاب به خنوعه المزري للورد بكنجهام، حين نمى إليه أنه غاضب عليه، فذهب إلى ~~قصره يومين متواليين، ولبث طوال الوقت في حجرة الانتظار بين الخدم والأتباع، وارتضى ~~لنفسه وهو شيخ وقور وموظف من أكبر موظفي الدولة، أن يخر على ركبتيه أمام الفتى ~~المتعجرف؛ ليهوي على قدمه فيقبلها ... ويقسم لا ينهض من مجثمه الذليل حتى يسمع من اللورد ~~كلمة الغفران! وكل ذلك؛ لأن اللورد بكنجهام كان يبحث لأخيه عن زوجة غنية، فوقع اختياره ~~على بنت إدوارد كوك منافس باكون القديم، ورضي الأب ونفرت الأم من هذا الزواج، فأعان ~~باكون الأم على زوجها وأوعز ms029 إلى النائب العام أن يؤيد حقها، ثم اتصل به أن هذا القران ~~«المالي» يهم اللورد بكنجهام أقرب المقربين إلى الملك جيمس وصاحب الكلمة النافذة في ~~البلاط، فأسرع إلى الزوجة ينفض يديه من مساعدتها، ويبلغها أنه لا يستطيع شيئا في ~~قضيتها، وتراجع في قراره وأوعز إلى النائب العام بالتراجع في دعواه، ثم لم يكفه هذا ~~التكفير عن خطئه، حتى أمعن في التذلل والخنوع ذلك الإمعان المهين. # ومن الإنصاف لباكون أن نذكر له فضله على أبناء عصره في أخلاقه الوطنية أو أخلاقه ~~الدستورية، فإن الرجل لم يكن خاضعا لآداب عصره، في كل شعبة من شعب الأخلاق، وكل مظهر ~~من مظاهر الحياة الاجتماعية، وكان على قدر خضوعه لآداب العصر في مسائل البذخ والطمع ~~رجلا ممتازا على الكثيرين من معاصريه في الآداب الوطنية، أو الآداب الدستورية كما ~~نسميها في العصر الحاضر. فلم تمنعه مداورته الفطرية أن يتحرج أشد الحرج من المساس بحقوق ~~المجلس النيابي في صميمها، وكل ما صنعه لمرضاة البلاط لم يتجاوز حدود المجاملة بالصيغ ~~والعبارات، أو حدود المراسم والتحيات، فلما شرعت الملكة في طلب المزيد من الامتيازات ~~والحقوق المالية على أثر المؤامرة الأسبانية التي كشفت في إسكوتلاندة كان باكون معارضا ~~لهذا الطلب، وكانت معارضته المفحمة سببا لتراجع اللوردات في اللحظة الأخيرة، وظلت ~~الملكة غاضبة عليه من أجل ذلك طوال حياتها، وإن أطعمته بالرضى بين حين وحين. # ولما حل جيمس أول مجلس نواب جرى انتخابه في زمانه، وأراد أن يكل تقدير الضرائب إلى ~~لجنة عليا، يشترك فيها باكون وبعض زملائه، لم يتوان باكون عن النصح له بالتريث والعدول ~~عن هذا الخاطر الوبيل، وقد يقال على الجملة: إنه أسدى إلى البلاط في مسائل الدستور ~~نصائح شتى لعلها كانت مجدية في اتقاء الثورة، التي تراءت نذرها في ذلك العصر لو قوبلت ~~بالإصغاء والقبول. # وقد عرف له الناخبون هذا الفضل، فأعادوا انتخابه في كل مجلس من دوائر كثيرة في المدن ~~والأقاليم، وعرفه له النواب فمنحوه حقا تفرد به بين كبار الموظفين في زمانه، وذلك هو ~~حق ms030 البقاء في المجلس مع قيامه بمنصب النائب العام، وتحريم ذلك على من يلي هذا المنصب ~~بعده من النواب. # وعلى كل هذا كان زملاؤه النواب أحيانا يجهلون ما يعلم، ويقصرون عن النظر إلى العواقب ~~التي يلمحها من بعيد، فأحبطوا سعيه في التوحيد بين إنجلترة وإسكوتلاندة، على الرغم من ~~ذلك الخطاب الطنان الذي ألقاه عليهم في أوائل سنة 1607، واشترك النواب ورجال البلاط في ~~إحباط سعيه للتوفيق بين العرش والأمة، وحسم مادة النزاع الدائم على الامتيازات والضرائب ~~والإتاوات. وكان قد اقترح لحسم هذا النزاع أن ينزل الملك عن حقوقه الإقطاعية، وأن تخصص ~~له الدولة من خزانتها مائتي ألف جنيه كل عام، وهذا هو الأساس الذي تم عليه الاتفاق ~~والتوفيق بعد فوات الوقت ونزول القضاء، ولكنهم جهلوه واستخفوا به في حينه وأبوا إلا ~~التورط في الجرائر، التي حاول أن يعفيهم منها وهم من حوله صم بكم لا يفقهون. # ومن عجائب التناقض في أخلاق هذا «الفيلسوف» أن حماسته الوطنية، كانت تغلب حماسة ذوي ~~الحق الأول فيها على الأقل في مسائل الفتوح والمطامع الخارجية. فكانت سياسته وطنية ~~غالية يوم كان الملك جيمس يمضي على نهج السياسة العالمية، كلما طرأت له علاقة بالدول ~~الأخرى، وسر ذلك أن باكون كان يعتقد - كما نرى في مقالاته - أن الدول لا تستقر لها ~~سيادة بغير النزعة العسكرية، وأن ولاة الأمر مطالبون بإحياء هذه النزعة، والتحريض ~~عليها، وإلا ركنت الأمم إلى السلم والدعة وشاع فيها الجبن والتفريط، وانتظرت ساعة ~~الهزيمة والخضوع، وإن طال بها أمد الانتظار. # وإذا أشار مرة بالمسالمة والتحكيم، فإنما يشير بذلك أهبة للنزال والقتال، فاغتنم فرصة ~~التمهيد للمصاهرة بين الأسرتين الإنجليزية والأسبانية، وبنى على ذلك خطة دولية رفعها ~~إلى الملك لجمع الدول المسيحية إلى حلف عام، وتوحيد كلمتها على مرجع واحد للتحكيم، ~~والتأهب بعد ذلك لمقاتلة الترك، وتجديد الحروب الصليبية، وكان من المعجبين بالترك؛ ~~لأنهم أمة حرب يشبون ويشيبون في ميادين القتال، فكان يوصي بمناجزتهم وإحياء روح الشجاعة ~~بمساجلتهم، كما يتصدى الأقران للأقران في ساحة الصراع. # ولا ينبغي أن ms031 يفهم مما تقدم أن حماسته الدينية أو المذهبية تضارع حماسته الوطنية أو ~~القومية، فإنه في الواقع إنما أوصى بهذه الخطة؛ لأنها خطة وطنية تؤدي إلى سيادة قومه ~~على القارة الأوروبية، وقيادتهم للدول الأخرى في سياستهم الخارجية، كما تؤدي إلى إحياء ~~حافز الحرب في طباعهم، وهو عنده ضرورة من ضرورات السيادة والاستعلاء. # أما في الدين فقد كان أقرب إلى الفلسفة منها إلى الغيرة الحماسية، فكان على نشأته في ~~أسرة من المتطهرين المتنطسين يميل إلى الاعتدال بين المذاهب، ويرى لكل مذهب محاسنه ~~ومواضع نقصه، وكان إذا اشتد في محاربة مذهب منها، فإنما يشتد في ذلك لمحاربة السلطان ~~الأجنبي والدسائس الخارجية، فحارب الأساقفة والكرادلة؛ لأنهم أتباع البابوية وأشياع ~~الدولة الأسبانية، كأنه يعرف العداء في سبيل الوطن، ولا يعرف العداء في سبيل ~~الدين. # وليس في هذا ولا ذاك عجب إذا رجعنا بهما إلى أسباب عصره، فإن حرية البحث التي غلبت ~~على عقول المفكرين في عصر الرشد كانت تصد العقول عن مذهب التنطس، والغلو في تقديس ~~النصوص، وتجنح بها إلى قبول المحاسبة في العقائد الموروثة وكف الحماسة عن تقييد الفكر ~~والضمير، وبين هذه الحرية وبين الحماسة والغلواء حائل لا غرابة فيه. # أما عصر الغلبة والفتوح وارتياد البحار والأمصار، فهو عصر الفخر الوطني لطلاب الفخر ~~في كل شيء، وهو عصر النعرة الوطنية ومجد الأفراد والأقوام، فلا يمنع الفيلسوف أن ينشد ~~المجد لأمته، ويفخر مع الناس بفخر وطنه، وبخاصة حين يكون المجد والفخر طلبة العلية ~~والسواد، وبغية العلماء والجهلاء أجمعين. # ومفصل القول في أخلاق باكون أنه كان ابن عصره في كل ما ينحو به إلى الفخر والوجاهة ~~والخيلاء، وكان مدينا لعصره بهذه الغيرة الوطنية، وإن سبق المعاصرين فيها بالنظر ~~الصائب والرأي الحصيف، وكان مدينا له بحب الاستطلاع والهيام بالمجهول، وكلتا الخصلتين ~~مما يحسب لعصره دينا عليه. # ولكنه لم يكن باكون العظيم بهذا ولا بذاك، وإنما كان عظيما بالشيء الذي لا يستمده من ~~العصر ولا يضارعه فيه جميع المعاصرين، وذاك هو العقل القدير وأمانة التفكير. # رسالة باكون # كل ms032 رسالة في عالم الفكر أو الروح، فهي رسالة توكيد وتقرير أو رسالة توسيع وتحويل، ~~ويندر جدا أن نرى في عالم الفكر والروح رسالة ابتداء وابتداع لم يسبق لها تمهيد ~~طويل. # ونزيد هذه الحقيقة توضيحا، فنقول: إن الرسالات الفكرية أو الروحية تسبقها رسالات من ~~قبيلها تتناول أطرافها ومبادئها، وتهيئ الأذهان لانتشارها والتوسع فيها، فكل رسالة ~~كبيرة فهي بمثابة كتاب من أجزاء متعددة تترقى من البداية إلى النهاية جزءا بعد جزء ~~ودرجة بعد درجة، ولم يحدث قط أن رسالة فكرية أو روحية تعم الإنسانية ولدت فجأة، أو خلقت ~~خلقا بغير سابقة تمهد لها الطريق وتهيئ لها الأذهان. # ورسالة باكون ليست بدعا بين جميع هذه الرسالات الفكرية. # فالذين يطلبون منه أن يقول شيئا لم يقله أحد من قبله، أو يقتحم طريقا لم يسبقه ~~الرواد إلى سلوكه، إنما يطلبون منه أن يكون فردا بغير مثيل في عالم الفكر والروح، أو ~~يطلبون بدعة ليس لها في العالم نظير؛ لأنها بدعة الطفرة التي قيل بحق: إنها ~~محال. # وتتلخص رسالة باكون في غرضين هما تحويل العلم إلى منفعة بني الإنسان، وإقامة العلم ~~على أساس الاستقراء بعد قيامه زمنا على أساس التقدير والقياس؛ لتفسير الطبيعة وتسخيرها ~~بمطاوعة قوانينها، لا بفرض الأحكام السابقة عليها وجهلها تلك القوانين. # وكلا هذين الغرضين لم يبدعه باكون في زمانه كل الإبداع، بل جاء عمله في كل منهما بعد ~~تمهيد وارتياد واستطراد. # فالانتفاع بالعلم في الحياة هو الخطوة الكبرى التي خطاها عصر النهضة كله يوم فرق بين ~~اللاهوت والفلسفة، وبين علوم الآخرة وعلوم الدنيا، ويوم عرف الناس أن العلم كله لا يدور ~~على ما بعد الموت، وأن علم السماء نفسه يعود بنا إلى الأرض؛ لنعرف منها ما لم نكن نعرفه ~~ونحن على متنها وبين فجاجها ... وذاك علم الفلك وأثره في هداية الناس إلى حقيقة الأرض، قد ~~سبق عصر باكون رائدا في طريق المعرفة الدنيوية، ورجح في منافعه بجهود رواد ~~كثيرين. # فكان من آثار حقائق الفلك والجغرافية أن علم الناس بكرية الأرض، وخرج الرواد غربا ms033 ~~يطلبون الشرق السحيق، فكشفوا القارة الأمريكية، وكشفوا الطرق التي تقاربها وانتفعوا ~~بالعلم السماوي أكبر المنافع الأرضية أو المنافع الدنيوية، وأصبحت علاقة المعرفة ~~بالمعيشة، وعلاقة الفكر بمصلحة الجسد شيئا محسوسا يجري في الضمائر مجرى البداهة ~~المحفوظة، وينتظر اللسان الذي يفهم عنه والداعية الذي يقرره في صيغة المذاهب ~~والدراسات. # مما نرجحه نحن أن رسالة باكون بغرضيها معا موصولة بهذه الواقعة العظمى في تاريخ ~~الأرض والسماء. # فقد أسلفنا أن رسالته تشتمل على غرضين هما انتفاع الإنسان بالعلم، وإقامة العلم على ~~أساس الاستقراء، بعد قيامه زمنا على أساس القياس. # وقد كان مذهب أرسطو يخالف مذهب كوبر نيكوس في دوران الأرض، ومركزها من أفلاك السماء، ~~فإذا كان دوران الأرض وشكلها «الكري» قد ثبت للعيان بالخبرة والاستقراء، فالخاطر الأول ~~الذي يرد على الذهن أن القياس عرضة للخطأ، وأن اختبار الواقع هو أوجز طريق إلى العلم ~~الصحيح. # وهذا هو ابتداء الثورة على تفكير أرسطو بالحق وبغير الحق على السواء، ونقول: «بغير ~~الحق» لأن القياس في عرف أرسطو هو باب من أبواب المعرفة يحتاج إلى التكميل والإتقان، ~~وليس هو المعرفة التي تطوى فيها جميع المعارف الإنسانية كما وهم بعض الجامدين من شراحه ~~وتابعيه، وإن أرسطو نفسه لعلى استعداد لأن يقول مع باكون: «إن القياس فروض والفروض ~~كلمات والكلمات رموز وخواطر، فإذا التبست الخواطر فالبناء الذي يقوم عليها مضطرب ~~الأساس.» # نعم إن أرسطو لعلى استعداد لأن يقرر في هذا المعنى ما قرره باكون بنصه وحرفه، وقد قرر ~~ما يماثله وهو يبني قواعد المنطق السليم، ويفرق فيه بين المنطق الأعوج والمنطق ~~المستقيم، واعتمد على الاستقراء قبل اعتماده على القياس في مراقبة الأحياء وتمحيص ~~الأخلاق، فكان واضع علم «البيولوجي»، وعلم «السيكولوجي» غير مدافع بين الأقدمين، ولم ~~ينشأ بين المحدثين من أقام هذين العلمين على أساس أصح من أساسهما القديم. # ومهما يكن من أثر الكشف الأمريكي، أو مذاهب الفلك والجغرافية في الثورة على أرسطو، ~~وأسلوب القياس، فالواقع أن خطوة باكون الطويلة في هذا السبيل، قد سبقتها خطوات قصار كان ~~مقدورا لها أن ms034 تنتهي إلى هذه النهاية في وقت من الأوقات. # وجاءت الخطوة الأولى من أرسطو قبل غيره، فإنه لم يجزم قط بكفاية التفسير الذي فسر به ~~نظام الأفلاك، ولا بصواب التقسيم الذي اتخذه للمدارات العلوية، بل قال: إنه تقسيم يوافق ~~المشاهدات في زمانه، وقد يهتدي العقل إلى تقسيم أوفق منه إذا انكشفت له مشاهدات أخرى، ~~وكان أساتذة جامعة باريس في القرن الرابع عشر ينكرون آراء أرسطو في علم الفلك، كما ~~ينكرون أصول الحركة التي بني عليها تقسيم الأفلاك والمدارات، وتقدمهم في ذلك بعض أساتذة ~~أكسفورد، الذين تلقوا علوم العرب في المدارس الأندلسية، وقد قال البارون كارادي فو # Baron Cara De Vaux # في الفصل الذي عقده على ~~تراث الإسلام في الرياضة والفلك: «إن هؤلاء العلماء كانت لهم عقول طليقة مولعة بالبحث ~~عن الحقيقة، فلم يحجموا عن نقد بطليموس، وصرحوا مع ابن رشد بمناقضتهم لمذهب تداخل ~~الأفلاك وتركزها، وإيثارها لما هو أبسط وأقرب إلى الطبيعة، وقرر البيروني آنفا أن ~~النظريات الفلكية كلها نسبية، وأنه في الوسع كما قال ارستراخس الساموسي وسليقس البابلي ~~قبل كوبر نيكوس بألفي سنة، أو كما قرر بعض الهنود في زمن لا يبلغ هذا المبلغ من القدم، ~~أن تنسب دورة النهار والليل إلى حركة الأرض حول محورها، وأن نجعلها تدور حول الشمس في ~~الفضاء.» ~~••• # فمن المفروغ منه إذن أن باكون لم يكن أول من علم الناس منفعة العلم في خدمة الإنسان، ~~ولا أول من أقامه على أساس التجربة والاستقراء، ولا يقدح ذلك في فضل رسالته؛ لأن أصحاب ~~الرسالات الفكرية جميعا يصدق عليهم ما يصدق عليه. # وحسبه فضلا أنه عرف الحقائق التي عرفها غيره، ولكنه هو وحده قد اهتدى إلى الموضع ~~الحري منها بالتوكيد والتقرير، وبشر بالفكرة التي يستدعيها الزمن الحاضر والزمن ~~المستقبل من بعده، وكانت بحق طليعة الكشوف المتوالية في العلم الحديث. # ومما لا شك فيه أن باكون بالغ في تعزيز غرضيه، كما يبالغ أصحاب المذاهب جميعها في ~~ترجيح مذاهبهم، وتغليبها على سواها. # فمن الناس اليوم من يتردد كثيرا في القول ms035 مع باكون بأن المنفعة غاية المعرفة ~~الإنسانية، وأن الأقيسة مضلة للعقل في تيه الفرض والتخمين. # ولكن توكيد هذين الغرضين في زمان باكون كان من ألزم الأمور؛ لأن الإفراط في إهمالهما ~~كان مدعاة للإفراط في ذلك التوكيد، ويحتاج المرء لا جرم إلى رفع الصوت طويلا حين يطول ~~الإعراض وتصدف الأسماع. # وقد كان الناس يحتقرون الانتفاع بالعلم؛ لاعتقادهم أن الآخرة هي محور كل علم، وأن ~~الزهد في الدنيا هو صبغة العلماء، ومنهم من يدين في ذلك بمذهب بعض الفلاسفة النساك، ~~الذين لا ينظرون إلى الزهد من ناحيته الدينية، وعلى رأسهم فيلسوف المتقشفين فيثاغوراس ~~الذي ظهر في القرن السادس قبل الميلاد، فإنه على اشتغاله بالسفارة السياسية كان يرى أن ~~حياة التأمل هي حياة السعادة والكمال، وأن أفضل الناس لا يكونون من أهل البيع والشراء، ~~ولا من السابقين في المضمار والميدان، ولكنهم هم المفكرون والمتأملون ... وعلى هذا القول ~~يجيب باكون فيقول: إن الدنيا مسرح لا يملك الإنسان أن يتفرج عليه؛ لأنه هو اللاعب فيه، ~~وإنما يقف منه موقف المتفرج ملائكة السماء. # فمن الزهد إلى مزج العلم بالدنيا مرحلة لا غنى فيها عن التوكيد والمبالغة، وهذه هي ~~المرحلة التي كتب على باكون أن يتحول بالأجيال الإنسانية إليها، وأن يبالغ في النداء ~~بها كما يبالغ كل مناد على الضالين في الطريق. # فجعل هجيراه أن يقرر غرضا واحدا للمعرفة الإنسانية، وهو تسخير الطبيعة وتوجيه ~~قوانينها إلى مصالح الجماعات والأفراد، وكان يقول في شيء من السخر: إن المعرفة ليست ~~بالقنبرة التي تعلو في طباق الجو لتهتف وتغني، ولا تصنع شيئا غير الهتاف والغناء، ~~ولكنها هي الصقر الذي يحلق في الجو ليرى موقع الفريسة، وينقض إلى الأرض بين حين ~~وحين. # وقد أشار ببناء البيوت العلمية للبحث عن قوانين الطبيعة، وخصائص المادة في البر ~~والبحر والهواء، وأغوار الأرض وأجساد الأحياء، ووصف في كتابه «طوبى الجديدة» أو أطلانطي ~~الجديدة بيتا من هذه البيوت سماه بيت سليمان، ويعتبره مؤرخو العلم قدوة لمعامل العصر ~~الحديث المعنية بالتحليل والتطبيق، ومثالا للمجامع أو الأكاديميات الحاضرة ms036 تحتذيه، ولا ~~تتجاوز المقاصد التي رسمها في ذلك الكتاب. # وسبيل الوصول إلى ذلك عنده هو إحصاء المشاهدات العامة، والانتقال بها من طبقة إلى ~~طبقة في التخصيص والتوحيد، حتى ننتهي بها إلى جامعة واحدة تجمعها فيما يسميه ال # form # أي: النمط أو السنة أو النوع، وعنده أن هذه ~~الأنواع معدودات لا تتجاوز العشرات، وهي كما يسميها أبجدية الطبيعة التي تنحصر فيها ~~حروفها، وإن تعددت كلماتها حتى بلغت الألوف وعشرات الألوف. # ولا يرى باكون بداهة أن إحصاء المشاهدات جميعا مستطاع، أو لازم للوصول إلى تقرير ~~النمط أو السنة أو النوع، فالاختيار هنا - على نظام من النظم المطردة - ضرورة لا محيص ~~عنها للباحث عن حقائق العلوم من وراء المشاهدات، وإلا كان - على حد قوله - كمن يحاول أن ~~يحوش الصيد في أرض فضاء بغير حدود، أو بغير حيز مسدود. # وطبقات الحصر والغربلة عند باكون تسمى بالجداول، وهي ثلاثة: الجدول الأول، وهو يشتمل ~~على الأشياء التي بينها وجوه مشابهة في عوارض الظاهرة الطبيعية، التي يراد البحث عنها، ~~والجدول الثاني وهو يشتمل على الاختلاف بين تلك الأشياء، والجدول الثالث وهو يشتمل على ~~المقارنة بين درجات الاختلاف زيادة ونقصا، وقوة وضعفا؛ ليعرف الباحث من الزيادة في ~~بعض العوارض والنقص في بعضها أين يتجه السبب الصحيح، وتكمن العلة الحقيقية، فإذا تساوى ~~سببان في القوة والبروز، فسبيل باكون في هذه الحالة أن يرجع إلى ظاهرة أخرى لعله يصيب ~~فيها أسبابا مقابلة ترفع اللبس، وتدل على معالم الطريق؛ ولهذا يسميها أسباب المعالم؛ ~~لأنها تقف على المفترق وتشير للسالك إلى مسلكه، حيث يلتبس عليه طريقان أو أكثر من ~~طريقين. # وقد ضرب المثل بالحرارة في الجزء الثاني من كتاب القانون على طريقة المقارنة ~~والاستثناء، فقال بعنوان: «المثل على الاستثناء والرفض من طبائع نموذج الحرارة». ~~(1) # فيما يتعلق بأشعة الشمس تستثنى طبيعة العناصر (يريد العناصر الأربعة ~~المعروفة عند الأقدمين). ~~(2) # فيما يتعلق بالنار الشائعة - ولا سيما النار الباطنية في جوف الأرض، وهي ~~أبعد ما تكون وأشد تفرقا عن الأجرام السماوية - تستثنى الأجرام ~~السماوية. ~~(3) # فيما يتعلق ms037 بالسخونة التي تسري من مقاربة النار إلى جميع الأجسام على ~~السواء - كالمعادن والخضر وجلود الحيوانات، والماء والزيت والهواء وغيرها - ~~تستثنى الأنسجة الدقيقة، والتركيب المميز في الأجسام. ~~(4) # فيما يتعلق بالحديد الملتهب وغيره من المعادن، التي تعطي الأجسام الأخرى ~~حرارة، ولا تفقد شيئا من وزنها ومادتها - يستثنى الانتقال أو المزج من ~~مادة جسم آخر فيه حرارة. ~~(5) # فيما يتعلق بالماء الغالي أو الهواء الحار أو يتعلق بالمعادن والأجسام ~~الصلبة، التي تتلقى الحرارة ولكن إلى ما دون درجة الاتقاد والاحمرار، ~~وتستثنى الإضاءة واللمعان. ~~(6) # فيما يتعلق بأشعة القمر وغيره من الأجرام العلوية عدا الشمس، تستثنى كذلك ~~الإضاءة واللمعان. ~~(7) # بالمقارنة بين الحديد المتقد ولهيب روح الخمر، حيث يظهر أن الحديد أكثر ~~حرارة وأقل لمعانا، وأن روح الخمر أقل حرارة وأكثر لمعانا - تستثنى كذلك ~~الإضاءة واللمعان. ~~(8) # فيما يتعلق بالذهب المتقد والمعادن الأخرى، التي اختصت بأعظم مقدار من ~~الكثافة على الجملة تستثنى الخفة. ~~(9) # فيما يتعلق بالهواء الذي يحس أحيانا باردا مع خفته، وقلة كثافته ~~تستثنى كذلك الخفة. ~~(10) # فيما يتعلق بالحديد المتقد الذي لا يتضخم حجمه، ويظل في حدوده الأولى ~~تستثنى حركة الجسم الموضعية أو الامتدادية في الجملة. ~~(11) # وكذلك تستثنى حركة الجسم الموضعية أو الامتدادية فيما يتعلق بالهواء ~~المحفوظ في الأوعية الزجاجية، حيث يتمدد ولا ترتفع درجة الحرارة ~~فيه. ~~(12) # فيما يتعلق بسهولة إحماء الأجسام بغير تلف أو تغير ملحوظ، تستثنى طبيعة ~~التلف أو الاتصال العنيف بطبيعة أخرى. ~~(13) # فيما يتعلق بالاتفاق والتطابق بين الآثار المتشابهة، التي تؤثرها الحرارة ~~أو البرودة، تستثنى حركة الجسم في الجملة سواء كانت امتدادية أو ~~انقباضية. ~~(14) # فيما يتعلق بالحرارة التي تتولد من تماس الأجسام، تستثنى الطبيعة ~~الأساسية أو الأصلية، وأعني بالطبيعة الأساسية أو الأصلية تلك التي توجد في ~~الأشياء مستقرة فيها، ولا تنتقل إليها من طبيعة غريبة عنها. # وهناك طبائع أخرى غير ما تقدم؛ لأن هذه الجداول إنما قصد بها التمثيل، ولم يقصد بها ~~الحصر والاستيفاء. # وجميع هذه الطبائع التي ذكرت فيما تقدم ليس لها نمط الحرارة، ويتحرر الإنسان منها ~~جميعا في تجارب البحث عنها ... ~~••• # ذلك ms038 مثال لأسلوب باكون في المضاهاة والمقابلة بين العوارض المثبتة، والنافية لإقصاء ~~الأسباب الوهمية، والنفاذ إلى الأسباب الصحيحة التي تعلل بها كل ظاهرة طبيعية. # وهي خطوة تسبقها في رأيه خطوة لازمة لإعداد الذهن، وإبرائه من عوائق البحث الصادق ~~والملاحظة الرشيدة، أو تخليصه من تلك الآفات التي اصطلح باكون على تسميتها بالأوثان # Idols ~~، وعنى بها العقائد والموروثات التي تنحرف به ~~عن قصده، وتميل به إلى السخف والضلالة. # وقد أطلق عليها ألقابا مجازية على طريقته في المزج بين صيغة العلم وصيغة البلاغة، ~~وسماها (1) أوثان القبيلة و(2) أوثان الكهف و(3) أوثان السوق و(4) أوثان المسرح، وهي ~~تطوي في هذه العناوين الأربعة كل ما هنالك من بواعث الخطأ والانحراف. ~~(1) # فأوثان القبيلة هي نزعات العقل الطبعية، التي تصور الأشياء على صورة سابقة لا ~~برهان عليها من التجربة والمشاهدة، كميل الأقدمين إلى القول بدوران الأفلاك في ~~دوائر كاملة كالتي يرسمها المهندس بالبركار، ولا مسوغ من التجربة ولا المشاهدة ~~لهذه الصورة الشائعة في العقول، أو كميل الأقدمين إلى القول بأن نسبة الكثافة ~~في العناصر المزعومة كنسبة عشرة إلى واحد، أو كاستراحة العقل إلى صورة من ~~الصور، وتطبيق كل شيء عليها واجتهاده في لي الحقائق لموافقتها معرضا عما ~~يخالفها، أو ينبهه إلى خطئه في الاستراحة إليها، وهذه الأوثان - أوثان القبيلة ~~- مما يفسر لنا ولع الإنسان بالعيافة والتطير، وتصديق الخرافات والأكاذيب ~~الملفقة من خداع الحس أو الخيال. ~~(2) # وأوثان الكهف هي خلة القصور، التي يمنى بها الفرد على حدة من جراء الوراثة أو ~~النشأة، أو علل الفطرة التي فطر عليها، فما من إنسان إلا وهو محصور في كهف من ~~هذه الكهوف يأوي إليه، ولا يأذن بطروقه إلا لما يوائمه من الخواطر والأحاسيس ~~والمذاهب الفكرية، وتشمل هذه الأوثان خصائص الأمزجة كمزاج العالم، ومزاج ~~الفيلسوف، ومزاج الناشد ومزاج الفنان ومزاج الصانع، وكل منها مطبوع على إدراك ~~الأمور من جانب من الجوانب، والإعراض عنها إذا قابلته من غير ذلك الجانب، وفيهم ~~السريع إلى التصديق، أو السريع إلى الشك والمعتدل أو المفرط في الشعور. ~~(3) # وأوثان ms039 السوق هي شر هذه الأوثان؛ لأنها تلحق الأفكار بالكلمات التي جرت على ~~ألسنة العامة، وتداولوها بغير تمحيص ولا اقتدار على الفهم الدقيق. ومتى اجتمع ~~الناس كما يجتمعون في السوق فهم يتبادلون الأفكار بألفاظ لم توضع للدرس ~~والعناية بالحقيقة، وإنما وضعت للمقايضة والمساومة، والتفاهم على سفساف الأمور. ~~فلا مناص في هذه اللغة من التشويه والاختزال. ~~(4) # وأوثان المسرح قد تسربت إلى عقول الناس من قضايا الفلاسفة، وأخطائهم في ~~القياس والاستدلال، فهذه النظم الفلسفية والمذاهب العقلية التي تلقيناها عن ~~الأقدمين إن هي إلا عوالم مسرحية، كعوالم الروايات التي يخلقها الشعراء ~~للتمثيل. ومن الأساليب التي ألحقها باكون بأوثان المسرح أسلوب أرسطو، الذي يصوغ ~~القواعد على حسب الأقيسة، ثم يبحث عن مصداقها في ظواهر الطبيعة، وأسلوب أفلاطون ~~الذي يجعل العالم المحسوس تابعا للعالم المتخيل قبل وجوده، وأسلوب جلبرت الذي ~~بنى على تجاربه في المغناطيس فلسفة واسعة تحيط بالعالم كله، وأسلوب الكيميين ~~والتجريبيين الذين سبقوا باكون إلى مذهب التجربة، ولم يقيموه على أساس، ولم ~~يتخذوا له الحيطة من الخطأ والالتباس. # فإذا انطلق الذهن البشري من عقال هذه الأوثان الأربعة، وقارب الظواهر الطبيعية على ~~ذلك النحو الذي انتحاه باكون من المضاهاة والمقابلة، والتخصيص بعد التعميم، فهو على ثقة ~~من إصابة الهدف وتسجيل الحقيقة، فهذه الطريقة على أهون ما يصفها به باكون هي كإبرة ~~المغناطيس للملاحة، ولا تكشف الإبرة الفكرية لهداية العقل والحس في بحار الأفكار ... وهذه ~~العبارة وأشباهها من كلام باكون هي بعض الأدلة على الأثر العظيم، الذي كان للكشف ~~الأمريكي في تفكيره ومعيشته، وصوغ مذهبه وتقرير نظرته إلى العلم ومقاصد المعرفة ~~الإنسانية. فأثر العلم في فتوح الملاحة شاخص بين عينيه في كل ما كتب وما تخيل، وكتابه ~~عن «طوبى الجديدة» إن هو إلا محاكاة لرحلة كولمبس في عالم المجهول للعبور إلى شاطئ ~~المعرفة والحكمة المتمناة. ~~••• # ويعتقد باكون أن اجتناب تلك الأوثان، واتباع تلك الوصايا كفيلان بتمكين كل عقل من ~~نشدان الحقيقة العلمية، والإفضاء إليها على اختلاف حظوظ العقول من الفطنة والثقافة، ~~كأنه قد زود العقل البشري ms040 بمقياس واحد كمقاييس الأجسام التي يتساوى القياس بها في كل يد ~~وكل نظر، وقد سوغ هذا الاعتقاد لنقاد كثيرين أن يرموا أسلوب باكون بالآلية، وتجاهل ~~الملكات العقلية، إذ الواقع أن أساليب البحث بالغة ما تبلغ من الدقة لن تمحو الفوارق ~~بين الذكاء والغباء والحس والبلادة والمثابرة والإهمال، ولن يزال نصيب الألمعي اليقظ ~~الدءوب من التوفيق في البحث عن حقائق العلم، والمعرفة أعظم وأوفى من نصيب الذين لا ~~يساوونه في هذه الملكات، ولكنها على ما أسلفنا مبالغة الدعاة في توكيد ما يبدءون ~~بالدعوة إليه، وزيادتهم التي لا مناص لهم من التفرد بها قبل استقرار المذهب، وبطلان ~~الحماسة النفسية في تأييده والإقناع به، ثم تأخذ تلك الزيادة في النقصان حتى ليخشى أن ~~يندفع المخالفون إلى الغض منه وتهوين شأنه، كما حدث بعد باكون بجيل واحد في وطنه، وفي ~~غيره من الأوطان. # وليس ذلك بالغلو الوحيد في تقرير طريقته، والإنحاء على الأقيسة والقضايا المنطقية وما ~~شاكلها، فإن التعويل على التجربة والإحصاء عند باكون قد سول له أن يستخف بكل معرفة لا ~~تصل إلى الذهن من طريق التجربة والإحصاء، ومن ثم أنكر على كبار الفلكيين أن يطبقوا ~~قضايا الرياضة على علم الفلك، وما يرتبط به من المعارف الأرضية، وهذا مع تسليمه ببعض ~~المعارف التي تدرك بالبديهة كمعرفة الناس مثلا أن أجزاء الشيء لا تكون أكبر منه، وأن ~~إضافة المتساوي إلى المتفاوت ينتج عنه كم لا يتساوى، وما يترقى من هذه الحقائق إلى ~~منزلة القواعد الهندسية، ولكنه كان في انصرافه إلى طريقة التجربة يعطيها من الشأن ما ~~يسلبه من كل طريقة أخرى؛ لأن الدعاة كالعشاق لا يحبون معشوقين على قوة واحدة في ~~المحبة. # وعلى هذا الغلو في تعظيم قدرة الطريقة التجريبية على الوصول إلى حقائق العلم لم يصل ~~باكون إلى قانون علمي ينسب إليه؛ ولهذا شك بعض ناقديه في ملكته العلمية ولم يحسبوه من ~~عباقرة العلم الطبيعي أو عباقرة الاختراع، ولا يدعي أحد لباكون أنه اخترع صناعة أو أنه ~~استكنه سرا من أسرار الطبيعة، وإن ms041 كان قد تسلف مبادئ القول بالمذهب الذري في تكوين ~~المادة، وحرارة الأجسام الباردة، وخصائص العناصر المتعددة، ولكن تجريده من العبقرية شيء ~~وقلة مخترعاته العلمية أو الصناعية شيء آخر، فإن ذهنه ولا ريب ذهن لماح بضوء العبقرية ~~الذي لا يخفى، وليس هو من معدن الأذهان التي تفهم ما تفهمه بالدأب دون الطبع أو ~~المحاولة، التي يستطيعها جميع الناس دون الملكة التي تولد مع الإنسان. # وقد أصيب باكون بالخصومة لشخصه ولكتبه، سواء في حياته أو بعد مماته، ولكن الحكم بقلة ~~حظه من الابتكار لم ينحصر في خصومه والمنكرين عليه، بل تعداهم إلى المعجبين به ~~والمعنيين بشرح كتبه، فقال سبدنج # Spedding ~~: إنه لم يخط ~~خطوة واحدة في الطريق التي تقدم فيها العلم تقدمه الصحيح، وإنه كان في بحثه كمن يسلك ~~المتاهة الدائرة، فلا يزال يتأخر كلما تقدم ليفضي إلى وجهته المقصودة. وشك أليس # Ellis # في إمكان الوصول من طريقة باكون إلى أسرار الطبيعة، ~~سواء على يده أو يد غيره، بل تعدى الحكم على حظه من الابتكار نخب المعجبين به إلى ما ~~قاله هو عن نفسه وعن قيمة سعيه، فإنه كان يقول: إنه كمن ينفخ في البوق ولا يخوض ~~المعركة! وقال في كتابه تقدم المعرفة: إنه كالصورة التي تشير إلى وجهة المسير، ولكنها ~~لا تستطيع المسير إليها. # وأفرط الناقدون فزعموا أنه مدين بكل شيء لسابقيه ... أما أنه استفاد من سابقيه كثيرا، ~~فذلك ما لا ريب فيه ولا غرابة ولا هو مما يقال عنه دون غيره من رواد العلوم والآداب، ~~ولكن لا ريب أيضا في أنه «شيء جديد» إلى جانب سابقيه، وأن أشد المنكرين عليه لا يستطيع ~~أن يزعم بحق أن ظهوره وعدمه يستويان، فظهور باكون شيء جديد في تاريخ الحركة الفكرية ما ~~في ذلك جدال، ولا يطلب من المبتكرين المفيدين في تاريخ هذه الحركة أثر غير ذاك، على ~~تفاوت الآثار في القوة والمقدار. # ويحضرنا هنا خاطر عبر بنا في صدد الكلام على باكون وأسلوبه التجريبي، فحواه أنه اقتدى ~~بعلماء العرب في تنظيم هذا الأسلوب. ms042 # والذي لا نشك فيه أن سلف باكون وسميه روجرز باكون قد كان يقتدي بعلماء العرب، ويصرح ~~بذلك في مصنفاته ومحاضراته، وأن فرنسيس باكون قد استفاد من سلفه وسميه، كما استفاد ~~علماء الإنجليز جميعا بعد القرن الثاني عشر من ذلك القس الغيور على أمانة العلم ~~والتفكير، وقد أشار باكون في كتابه «طوبى الجديدة» إلى العرب، وذكر فيه بعض الأسماء ~~العربية، ولكننا لم نجد في كتبه كلها دليلا على استفادة مباشرة من مطالعة الكتب ~~العربية المترجمة إلى اللغات الأوروبية، وكل ما استفاده من هذه الكتب، فهو منقول من ~~المصادر الأخرى كما ينقل التابعون عن السابقين، شاعرين بذلك أو غير شاعرين. ~~••• # ولا يقال: إن باكون «شيء جديد» في تاريخ الحركة الفكرية من قبيل الاعتراف بمكانه ~~الملحوظ في تلك الحركة وكفى، ولكنه «شيء جديد» من قبيل النوع الذي يضاف إليه بين ذوي ~~المكانة الملحوظة في حركات الفكر البشري عامة؛ لأن نوع هذه المكانة مبهم ككلمة «الشيء» ~~التي تشمل كل شيء! # ففي أي طائفة من طوائف رسل الثقافة والمعرفة تسلكه وتستبقيه؟ أهو فيلسوف؟ أهو شاعر؟ ~~أهو عالم؟ أهو مؤرخ؟ أهو فقيه؟ أهو خطيب؟ أهو أديب؟ فيه من كل هؤلاء شيء وليس هو بشيء ~~مستقل بين جميع هؤلاء. # فيه قبس من الفيلسوف؛ لأنه يبحث ويعلل ويعمم ويراجع مذاهب الفلاسفة، ويصحح منها ما ~~يراه موضعا للتصحيح، ولكنه لم يخلق للفلسفة كما خلق لها رجل مثل فيثاغوراس في ~~الأقدمين، أو رجل مثل كانت أو هيوم في المحدثين. وقد تجنب علل الحقائق الأولى وأعفى ~~عقله من الكد في الأصول الأبدية، التي شغل بها الفلاسفة من قديم الزمان، ويشغلون بها ~~إلى آخر الزمان. وأدركه في ذلك ما كان يدركه دائما من حب الدعة، وإيثار للإيمان الذي ~~يرجى الفراغ من بحثه على وجه من الوجوه العملية النافعة، فأسلم عقله للإيمان الديني كما ~~كان يفهمه كل رجل من طبقته في زمانه. ويحسب مؤرخوه أنه فارق الدنيا وهو يظنها بنية ~~تاريخية لا تتجاوز من العمر خمسة آلاف عام، على ما جاء في ظاهر ms043 نصوص التوراة. # وفيه قبس من الشاعرية؛ لأنه يتخيل ويأنق للمعاني الجميلة ويستخدم فنون المجاز، ولكنه ~~لم يكن بين الشعراء في طبقة ملتون أو بيرون بل في طبقة دريدن أو بوب؛ لأنه دون هؤلاء في ~~اشتعال النفس وحماسة الروح وجيشان العاطفة، واتساع آفاق الخيال. # وفيه ملكة العالم، ولكنه كما قدمنا لم يكشف قانونا من قوانين العلم، ولم يحاول فيه ~~محاولات العلماء المطبوعين من أمثال باستور وفراداي، وقصارى ما عنده من الملكة العلمية ~~أنه علم المشتغلين بالعلوم كيف يبحثون فيها عن طريقته، وقد يتركون طريقته مع هذا ~~ويبحثون ويوفقون. # وهو مؤرخ أو كاتب في التاريخ والسير، ولكنه لا يدرك في هذا الباب شأو جيبون أو ~~بلوتارك، ولا يزال تاريخه ضربا من التعليقات الفكرية، التي تحيط بكل موضوع من موضوعات ~~الحاضر والماضي على السواء. # وهو فقيه من فقهاء زمانه المقدمين، ولعله في هذا الباب أقرب ما يكون إلى التمام ~~والاستقلال بالقياس إلى فقه ذلك الزمان، ولكنه هو نفسه لم يكن معتدا بمكانته من ~~الفقه، ولم يحفل بنشر قضاياه أو بحوثه القانونية في حياته. # وهو خطيب فصيح اللهجة حسن البيان لا يمل سامعوه الإصغاء إليه وإن أطال، ولكنه لو لم ~~يصنع شيئا غير الخطابة لما بقي له ذكر بين رسل المعرفة والبيان؛ لأن خطبه جميعا طويت ~~قبل موته، ولم تعلق بها ذاكرة أحد من سامعيه في مجلس النواب أو ساحة القضاء. # وهو أديب ولا سيما في باب الكتابة النثرية، وعنده في هذا الباب من الشهرة المستقلة ما ~~يغنيه في تاريخ الآداب، ولكنه مع هذا أكبر من قدرته الأدبية، وأعظم ممن يضارعونه في ~~أصالة المعنى وبلاغة الأسلوب. # فهو «شيء جديد»؛ لأنه يشترك في جميع هذه الأشياء، ولا يستوعب كله في واحد منها، ولا ~~ينتظم مرة واحدة تحت عنوان واحد من هذه العناوين. # مثله في ذلك مثل النخبة القيمة من الجواهر فيها اللؤلؤ والياقوت والزمرد والمرجان ~~وغيرها من معادن الجوهر النفيس، ولكنها لا تلبس جميعا في عقد واحد، وليس في مفرداتها ~~من صنف واحد ما ينضد ms044 في حلية معروفة بين الصاغة، وهي مع ذلك قيمة بين الصيارف ما في ~~قيمتها جدال. ~~••• # قلت في تذكار جيتي: «من العبقريين من تعرف مداه بكتاب واحد أو قصيدة واحدة؛ لأنه ~~يرتقى إلى أوجه في بعض أعماله فيأتي بخير ما عنده أو بكل ما عنده، وتصرفه حق عرفانه فلا ~~تحتاج إلى تجربة له بعدها، ولا تصيب في التجربة الجديدة إلا تكرارا لا جديد ~~فيه.» ~~«ومنهم من يعطيك جزءا من عبقريته في كل جزء من كتاباته، فبعضها لا يدل على مداها ~~كلها، وتكرار القراءة فيها ينتهي بك كل يوم إلى جديد، فلا غنى لك عن التجربة لسبر غورها ~~والإحاطة بمداها، والحكم عليها في جميع أحوالها.» ~~«وجيتي من هؤلاء العبقريين الذين لا ينبئ قليلهم عن كثيرهم؛ لأنه لم يجمع نفسه في ~~قطعة واحدة ولا موضوع واحد، فهو كثير الجوانب كثير التجزئة: الموضوع الواحد عنده لا يدل ~~على كل موضوعاته، والجزء الصغير لا يدل على جملة الموضوع، فكل فكرة له هي أصغر من الرجل ~~في جميع أفكاره، كما أن اليوم الواحد في غمار أيامه هو أصغر لا محالة من سنيه ~~الثمانين.» # والذي يصدق على جيتي يصدق على باكون مع اختلاف العبقريتين في المعدن والمحصول، بل هو ~~يصدق على باكون قبل أن يصدق على جيتي لكثرة الأجزاء التي لم تتم في كتبه الكبيرة، ~~ولغلبة المتفرقات على آثاره الأدبية والعلمية والفكاهية، كأنما هي كلها من باب الفصول ~~والشذرات. # أما ذكراه الأدبية اليوم فهي قائمة على المقالات قبل غيرها كما ذكرنا في غير هذا ~~الفصل من الكتاب، وله عدا المقالات كتابان يقرآن ويستعادان للبحث، أو لمتعة المطالعة في ~~بعض الأحيان، وهما الكتابان اللذان عارض بأحدهما أرسطو وعارض بالآخر أفلاطون، وهما ~~القسطاس الجديد أو القانون الجديد # Novum Organum ~~، وطوبى ~~الجديدة # The New Atlantis ~~. # والقسطاس الجديد - كما يدل عليه اسمه - مقياس جديد يعارض به مقياس أرسطو في البحث عن ~~الحقائق، وتصحيح الأخطاء الفكرية، وهو جزء من الموسوعة الضخمة التي أزمع أن يضم إليها ~~جميع آرائه وتوجيهاته في أساليب البحث، ms045 وتمحيص العلوم، ولكنه لم يتمه، وظهر هذا الجزء ~~منه في سنة 1620، وبه يذكر المؤلف بين أصحاب المذاهب والدعوات، ولا سيما الكتاب الأول ~~منه وهو أنفع ما فيه. # وطوبى الجديدة # New Atlantis # هي رحلة خيالية إلى جزيرة ~~سماها «بني سالم» وحكى بها القارة الضائعة، التي ذكرها أفلاطون في أحلام الفلسفة، وقد ~~أوحاها إليه أفلاطون وكولمبس على السواء، وكان من أحلامه أو نبوءاته فيها إشارات سباقة ~~إلى الطائرات والغواصات والتليفون، ومكبرات الصوت والأغذية المركبة، واختراع صنوف جديدة ~~من المعادن والأشجار، وقد تحققت على الوجه الذي نراه اليوم، ولم تتحقق معها إشاراته ~~السباقة إلى الفتوح الأخلاقية والفضائل الاجتماعية، التي خيل إليه أنها مساوقة في غده ~~المنظور لتقدم العلوم والصناعات، ويرى ولز # Wells # الكاتب ~~الإنجليزي المعاصر أن طوبى هذه أعظم خدمات باكون للعلم، وأصدق موحياته لمن اتبعوه في ~~هذه الطريق، وقد نشره باكون قبل موته بسنتين. # ومن كتبه التي تراجع الآن للتنقيب في تاريخ الحركات الفكرية كتابه ترقية المعارف # Advancement of learning ~~، وهو جزء من تلك ~~الموسوعة الضخمة التي سبقت الإشارة إليها، وقد أدمجه في كتاب باللغة اللاتينية أسماه # De augmentis Seientarium ~~، وتناول فيه المعارف ~~البشرية من تاريخ وشعر وأخلاق وعلوم طبيعية وسياسية، مرتبا لها أماكنها ومقوما لها ~~قيمها، وجاريا في ذلك على مجراه من تسخير العلوم لمنفعة البشر، وقياس الأخلاق بمقياس ~~هذه المنفعة العامة، واعتبار الغرض الأسمى للسياسة أن تعنى الحكومة بالسيطرة على ~~الطبيعة لا على الناس، تحقيقا للغرض الأخير من جميع المعارف والمساعي والجهود، وهو ~~زيادة المسرة والراحة، ونقص الألم والعناء. # ومن كتبه العلمية التي لا تقرأ الآن إلا للتنقيب عن الآثار الماضية كتاب # Sylva Sylvarum ~~، الذي قصره على موضوعات أربعة: هي ~~تاريخ الرياح، والحياة والموت، والكثافة والخفة، والصوت والسماع. # وأطرف كتبه بعد المقالات والأمثال التي ستأتي ترجمة بعضها كتاب ممتع عن حكمة القدماء، ~~نشره في سنة 1610، وحاول فيه أن يفسر الأساطير القديمة تفسيرا يعبر عن غرض من أغراض ~~الحكمة على سبيل الرمز والكناية، وفي مقالاته التالية نماذج منه تدل على سائره، ms046 وتغني ~~عن التوسع في نقله. # وقد شغل في أواخر أيامه بالتاريخ، فتوفر على إخراج كتاب عن تاريخ هنري السابع في سنة ~~1622، ونقلنا في مختاراته شذرة منه تشير إلى منحاه. # ولم يشغله كثيرا أن يذيع آثاره القانونية مع اشتغاله بالقضاء والمحاماة، كأنه كان ~~يهملها ولا يعتمد على سمعتها بين رجال القانون، فنشرت حكم القانون # Maxims of law # بعد موته سنة 1630، ونشرت كذلك طبعة ثانية من كتابه عن ~~تطبيق القانون بعنوان آخر هو «عناصر القانون العام» # The elements the ~~common law ~~. # ولا تعرف لباكون رسالة في عالم العقيدة الدينية، كرسالته في العلم ولا كرسالته ~~المحدودة في السياسة والقانون، وإنما كان الرجل متدينا كثير التلاوة للتوراة والإنجيل ~~كما يؤخذ من كتاباته عامة، ومن مقالاته خاصة، ولم يعن بالكتابة في الشئون الدينية إلا ~~لمصلحة الدولة، وعلاج مشكلات الكنيسة، ومشكلات الحكومة التي ترجع إليها، ولم يزل يتهيب ~~الخوض في الأسرار الدينية، ويحيلها على أربابها من علماء الكنيسة، ويؤثر الدعة واتقاء ~~القيل والقال، ويقارب هذه المسائل وما شابهها من مسائل السياسة، وهو يعلم - كما قال - ~~أن أوضع الملق هو الملق للسواد والغوغاء. ~~••• # ونحسب أننا ننصف الرجل بلسانه، ولا نستطيع أن نجمل القول في رسالته بأصدق ولا أوجز من ~~إجماله حين قال: إنه كالصورة التي تهدي إلى الطريق ولكنها لا تسلكه، وإنه كمن ينفخ في ~~البوق للمناضلين، ولا يقتحم ميادين النضال. # باكون الأديب # هل يعد باكون من أدباء اللغة الإنجليزية؟ قد أجبنا عن هذا السؤال بعض الجواب في صدد ~~الكلام عن رسالته الفكرية. # أما هو فإذا سألناه رأيه فلا شك أنه يسلك نفسه في عداد العلماء والحكماء، بل في عداد ~~الساسة والفقهاء، قبل أن يخطر له الدخول باسمه وعمله في زمرة الأدباء، وأكبر الظن أنه ~~كان يأبى أن يحسب من أدباء اللغة الإنجليزية خاصة؛ لأنه كان على سنة علماء عصره يعول ~~في الكتابة الرفيعة على اللغات القديمة، كاللاتينية واليونانية، دون «هذه اللغات ~~الحديثة» التي تعرض العقل للإفلاس كما قال! وبلغ من سوء ظنه بمصير ما يكتب في ms047 هذه ~~اللغات الحديثة أنه عني بترجمة مقالاته إلى اللاتينية، واعتقد أن هذه الترجمة هي التي ~~تبقى له في سجل الأدب الخالد ما خلدت كتابة بين الناس ... فنسيت الترجمة اللاتينية بعد ~~أعوام، وبقيت المقالات الإنجليزية وحدها عمادا لشهرته الأدبية بين جميع ما كتب من ~~أسفار وفصول ومقطوعات. # ورأي باكون في كتاباته - أو في حقها من الشهرة - مثل من الأمثلة الكثيرة على تلك ~~الحقيقة المتواترة التي لا شك فيها، وهي أن الكاتب أو الشاعر ليس بالحجة في نقد نفسه، ~~وإن كان حجة في نقد غيره، فلو كان الكتاب والشعراء لا يستحقون الشهرة إلا بما قدروه ~~وتمنوه لكان أكثر النابهين اليوم من الخاملين المنسيين. # فعلى خلاف رأي باكون في مقالاته يعد ولا جدال من كبار الأدباء الناثرين باللغة ~~الإنجليزية، ولا سيما مقالاته التي ظهرت منقحة في طبعاتها الأخيرة. # ولقد أوشك بعض النقاد أن يرفعوه إلى منزلة ليس يعلوها مكان في عالم الكتابة ~~الإنسانية؛ لأنهم زعموا أنه هو صاحب روايات شكسبير أو صاحب كل ما ينسب إلى شكسبير من ~~منظوم ومنثور، ومن كان كذلك فقد تعدى قدره مرتبة الخلاف على حسبانه من أدباء اللغة ~~الإنجليزية، وأصبح وحده الأديب الأول غير مدافع بين الشعراء والكتاب في جميع ~~اللغات. # أول من زعم هذا الزعم العجيب كان قسا إنجليزيا من أبناء وارويكشاير # Warwickshire # في أواخر القرن الثامن عشر، حوالي سنة ~~1785 يدعى جيمس ويلموت # James Wilmot ~~. # وكانت حجته وحجة اللاحقين به في زعمه شيوع الترادف بين كتابة باكون، وكتابة شكسبير في ~~مواضع شتى من الروايات والمقالات، وأن تربية شكسبير في صباه لا تؤهله للإحاطة بتلك ~~المعلومات العالية، التي تزخر بها منظوماته ومنثوراته، ولا تفسر لنا كيف سافر في طلب ~~الثقافة الفنية والعلمية إلى البلاد الإيطالية والفرنسية، وهي عادة لم تكن معهودة ولا ~~ميسورة لغير العلية من أبناء السروات والنبلاء. # وتدفع هذه الحجة حجة مثلها في القوة أو تزيد، وفحواها أن باكون على مكانته من العلم ~~والثقافة لم يكن ليخطئ تلك الأخطاء التاريخية، التي ترددت في مصنفات شكسبير، ms048 ومن ~~أمثلتها ذكر الساعة الدقاقة في عهد يوليوس قيصر، واستشهاد هكتور بكلمات أرسطو وإشارة ~~كوريولانس إلى كاتو، وغير ذلك من الأخطاء الجغرافية والتاريخية، التي لا يقع فيها ~~المتعلمون بالجامعات. # على أنها حجة لها حجة أخرى تناقضها وتماثلها في القوة أو تزيد! # فقد وقع أدباء الجامعات فعلا في أخطاء كثيرة من هذا القبيل، وألف شاپمان العالم ~~الأديب مترجم هومر إلى الإنجليزية مسرحية عن «متسول الإسكندرية الضرير» في زمن ~~البطالسة، فإذا هو يذكر المسدسات والتبغ وأشجار البلاد الإنجليزية، ويجري اسم الإله ~~أوزيريس على الألسنة متبوعا بالدعاء لله والسيد المسيح! # بل قد أخطأ باكون نفسه مثل تلك الأخطاء التي أحصيت على شكسبير، فقال في الطرائف ~~والأجوبة: «إن تمستوكليس أصاب حين قال لملك الفرس: إن الكلام كمنسوجات أراس حين تفتح ~~وتعرض للأنظار لترى فيها النقوش والرسوم، أما الفكر فهو كتلك المنسوجات، وهي مطوية في ~~الصرر والكارات.» # وأين منسوجات آراس يومذاك في عهد تمستوكليس وحروب الفرس واليونان؟! # فالأخطاء التي يقع فيها المتعلمون أو غير المتعلمين لا تذهب بنا بعيدا في فض هذا ~~الخلاف. # وكذلك تشابه الكلمات والمترادفات لا يذهب بنا إلى أبعد من ذلك الأمد، سواء نظرنا فيه ~~إلى شكسبير وباكون أو إلى غيرهما من المعاصرين؛ لأن العصر الواحد كثيرا ما تسري فيه ~~المصطلحات والصيغ المتشابهة حتى تتكرر بنصها في كلام عشرة من الكتاب والشعراء، ولعلنا ~~نلمس ذلك لمسا فيما تنشره الصحف كل يوم، وما يردده المؤلفون بين حين وحين في كل ~~كتاب. # وكل ما تقدم لا ينتهي بنا إلى الجزم بنسبة الروايات إلى باكون، أو إلى الجزم بنسبتها ~~إلى شكسبير. # ولكننا مع ذلك نجزم كل الجزم أن الروايات لم يكتبها باكون، وكتبها شكسبير دون ~~غيره. # ودليلنا على ذلك طبيعة كل من الرجلين، كما تتجلى معزولة مفصولة في تواليف هذا ~~وذاك. # فروايات شكسبير هي روايات الرجل الذي عاش كما عاش شكسبير، وأحس كما أحس شكسبير، وليست ~~هي روايات باكون الذي لم تضطرب نفسه قط بخالجة من تلك الخوالج المقيمات المقعدات في ~~نفوس الشعراء. وقد صدق ms049 كارليل حين قال: «إن كل ما تجده في باكون من الذكاء هو من طبقة ~~دون ذاك: طبقة مادية إذا قيست إليه.» أي: إلى ذكاء شكسبير. # وفي شعر شكسبير ونثره - عدا هذا الفارق - عشرات من الإشارات الشخصية إلى ماضيه وحوادث ~~زواجه، وخصوماته ومنافساته، وعلاقاته ببعض الرجال وبعض النساء، مما لا نظير له في سيرة ~~باكون أو سيرة أحد من معاصريه، فضلا عن لغة الفقراء والعامة، التي تشيع فيمن حوله، ولا ~~تشيع فيمن حول باكون من الخاصة المترفعين قليلي الخلطاء بين جمهرة العوام. # ومن أين مع هذا كان لباكون ذلك الوقت، الذي يتسع لكتابة هذه الروايات وهو مشغول ~~بمناصبه وبحوثه ومساعيه ومطالب عيشه؟ ومن أين له بعد هذا كل ذلك العلم الدخيل بحرفة ~~التمثيل، وأفانين المسرح، وترتيب مواقف الأبطال؟ # إن السير هنري أرفنغ # Henry Irving # ثقة في هذا الباب؛ ~~لأنه يحكم فيه حكم الممثل الدارس الخبير، ومن رأيه القاطع الذي استشهد له بكثير من ~~الشواهد «أنه لا يستطيع غير الممثل أن يكتب تلك الروايات». # فأيا كان مقطع القول في هذه القضية، فليس مما يرضاه المؤرخ الناقد أن يجعل روايات ~~شكسبير مناط الحكم على مكانة باكون الأديب، فهو لن يدخل إلى عالم الأدب آمنا مطمئنا ~~إلا بمقالاته وفصوله الأخرى التي تشبهها في السياق والتعبير. ~~••• # وقد كانت له مزية الرائد الأول في هذه المقالات، فإن فن المقالة اليوم في اللغة ~~الإنجليزية فن كامل متقن مستفيض النتاج كثير الكتاب والقراء، ومن الكتاب عندهم من يسمون ~~بالمقاليين؛ لأنهم لا يطرقون بابا من الكتابة غير باب المقالة على نمطها الحديث، الذي ~~وصلت إليه بعد ثلاثة قرون في التعديل والتخصيص، والفصل بين أدب المقالة وغيره من نماذج ~~الآداب. ولكنها قبل هذه القرون الثلاثة لم تكن شيئا معروفا باللغة الإنجليزية، ولم ~~يكن لباكون فيها قدوة مترسمة من الأدباء الإنجليز، وإنما نظر فيها إلى الحكيم الفرنسي ~~مونتين # Montaigne # الذي سبقه إلى نشر مقالاته بسبع ~~عشر سنة، ثم لم يكن بينهما من الوحدة فيها غير وحدة القالب دون سواه. # فمونتين فياض ms050 مسترسل كثير الأغراض متعدد الملامح الشخصية، قريب في أسلوبه إلى أساليب ~~المقاليين المحدثين، ولكن باكون - على دأبه في جميع حالاته - كان أقرب إلى الاحتجاز ~~والتركيز، ودسومة المادة الفكرية، واجتناب الألوان الشخصية، والملامح الخاصة التي تنم ~~عليه وعلى الجانب الإنساني فيه. # ومما يقال في شروط المقالة الحديثة أنها ينبغي أن تكتب على نمط المناجاة، والأسمار ~~وأحاديث الطريق بين الكاتب وقرائه، وأن يكون فيها لون من ألوان الثرثرة والإفضاء ~~بالتجارب الخاصة، والأذواق الشخصية، وهذا هو الشرط الذي لم يستطعه باكون قط في عمل من ~~أعماله الكتابية؛ لأن الجانب الإنساني فيه مكبوح لا ينطلق زمامه يوما من يديه، ولم ينس ~~قط أنه «معلم وقور»، وأنه سائس مسئول، وأنه فقيه مطالب بالسمت والرصانة. ولم يحاول ~~الرجل قط أن يكون غير ما كان، أو أن يخالف بالموضوع ظاهر العنوان، فإنه كتب مقالاته ~~وذكر في عنوانها أنها نصائح مدنية وخلقية، فبر بوعده الذي تضمنه هذا الوصف الوجيز. وصدق ~~من قال في وصف مقالاته - ولا سيما الأوائل منها: إنها أشبه الأشياء بالمذكرات التي ~~يدونها صاحبها للمراجعة، وأقرب الكتابة إلى أسلوب «جوامع الكلم»، وأصول الحكم ورءوس ~~العظات، وخليق بأسلوب باكون في هذا الفن خاصة أن يجلو الفارق العظيم بين سليقته، وسليقة ~~شكسبير في المنظوم والمنثور، فما من صفحة من صفحات شكسبير تخلو من لمحة شخصية، ولون من ~~ألوان حياته الداخلية، وما من صفحة في كتب باكون جميعا تنم على أثر من ذلك إلا بعد جهد ~~جهيد في المراجعة والاستنباط، حتى هذا الفن الذي يتفتح طواعية في قديم الزمن وحديثه ~~للمناجاة، والتبسط بين الكتاب والقراء! # ولم يكن لمقالات باكون أسلوب واحد بل أسلوبان؛ لأنه نشر منها في مبدأ الأمر عشرا ~~(سنة 1597)، ثم زادها إلى ثمان وثلاثين سنة 1612، ثم بلغت بعد التهذيب والإضافة ثمانيا ~~وخمسين في طبعة 1625؛ أي بعد ثماني عشرة سنة من ظهورها لأول مرة. # وقد لاحظ النقاد بحق أنها كانت في صيغتها الأخيرة أحفل بالبلاغة والزخرف وفنون التخيل ~~والتشويق منها في صيغتها الأولى، واستطرد بعضهم من هذا إلى ms051 ملاحظة عجلى ليس فيها بصائب؛ ~~لأنه حسب أن هذا الاختلاف بين أسلوب الشباب وأسلوب الشيخوخة ظاهرة مستغربة لا تجري مع ~~المعهود من طبائع القرائح الإنسانية، فإن القرائح في الناس عامة أخصب بالخيال والرونق ~~أيام الشباب، خلافا لما بدا من أسلوب باكون في حالتيه على رأي أولئك النقاد. # ولا حاجة هنا على ما نرى إلى مجاراتهم في اختراع بدعة غريبة من بدع القرائح الإنسانية ~~عامة ، إذ المألوف في الواقع أن يكون الشباب أقرب إلى تكلف الوقار؛ لأنه مظنة الخفة، وأن ~~تكون الشيخوخة أقرب إلى تكلف الخفة؛ لأنها مظنة الفتور والجمود. # وثمة سبب آخر نرجع إليه قبل الوثوب إلى البدع والخوارق التي لا تشاهد في جميع ~~الأحوال. # فمما لا شك فيه أن باكون قد بدأ تجربته الأولى في فن المقالة، وهو مترفع عنه ناظر ~~إليه نظرة المتحفظ الذي لا يوليه جهده من العناية والاحتفال، وقد كانت له قبل كتابة ~~المقالات فصول تفيض بالتخيل والرونق، كما تفيض بها مقالاته الأخيرة بعد أن عاودها وهو ~~معنى بها محتفل بتنميقها، فليس في قريحته من هذه الناحية ظاهرة جديدة أو غريبة تخالف ~~المعهود والمألوف. # وإنما هو اكتراث بعد تهاون، وإقبال بعد تردد، وما كان هذا التحول من التردد إلى ~~الإقبال بالمستغرب بعد شيوع المقالات، وتسابق الخاصة والعامة إلى مطالعتها والاستزادة ~~منها، وتلاحق ترجماتها بالفرنسية واللاتينية والإيطالية في سنوات قليلة، فقد تغير تقدير ~~باكون لمقالاته تبعا لتقدير القراء والنقاد، وبدا منه الارتياح إلى رواجها، والإعجاب ~~بها في معارض شتى، فأشار مغتبطا إلى تكرار طبعها، وقال في خطابه إلى أسقف ونشستر: «إنه ~~لا يجهل أن هذا الضرب من الكتابة يضيف إلى اسمه سمعة وسطوعا فوق ما استفاده من الكتب ~~الأخرى مع قلة العناء فيه.» وقال في رسالته إلى دوق بكنجهام: «إن المقالات أروج أعماله؛ ~~لأنها على ما يظهر أدنى إلى شواغل الناس وطواياهم.» وقدر لها أن تبقى ما بقيت الكتب في ~~الدنيا، وإن كانت نسختها اللاتينية هي التي قدر لها هذا البقاء! لأنها اللغة العالمية ~~التي يتفق عليها ms052 خاصة القراء. # فقد كان الاحتفال إذن بالأسلوب على قدر العناية والتقدير، ولم يكن على قدر الملكة ~~البلاغية التي صحبته ولم تفارقه في الشباب، ولا في الشيخوخة، فأودع فيها كل فنه بعد أن ~~كان يوليها منه الطرف اليسير. # ولكنه الطرف اليسير في الأداء لا في التأمل والتفكير، فإنه قد وفاها حقها من النضج ~~والتمحيص، سواء ما كتبه منها في الكهولة وما كتبه في الشباب. # إنه لنسيج واحد في الأسلوبين، ونصيبهما من الجودة والنظافة وجمال الهندام واحد لا ~~تباين فيه، وإنما التباين كله في التحلية والترصيع، وفي الوشي والتنسيق. ~~••• # فمقالات باكون في بواكيرها كانت طوائف من المتفرقات الفكرية، تجمعها سلسلة الموضوع ~~والعنوان في إيجاز شديد غير محتفل فيه بالتفصيل والتوضيح، كأنما يكتبها الكاتب لنفسه ~~فهو غني عن تفصيلها وتوضيحها لعلمه بمقصده منها حين الحاجة إليه، أو كأنما هو يكتبها ~~بلغة الاختزال الفكري التي يفهمها المرتاضون على قراءة هذا الضرب من الاختزال، ويجهد في ~~شرحها غير المرتاضين عليه. # ثم جنحت في صيغتها الأخيرة إلى التسمح بعد التزمت، والسخاء بعد الضنانة، والتفسير بعد ~~الإيماء والاقتضاب، وازدانت في هذه الصيغة بأجمل ما يزدان به النثر البليغ من براعة ~~التشبيه، وطرافة الأمثولة، واختيار الشواهد من المأثورات اللاتينية واليونانية في ~~سياقها الملائم، وموقعها المنتظر، وتم العجب في أمر باكون خاصة بين كتاب العلية ~~المختارين، فإن الشائع في عالم الأدب أن الجمهور يوجه الكاتب إلى وجهته، ويرى له ~~أحيانا غير ما يراه لنفسه إذا كان من كتاب الجماهير، ولكنه - أي الجمهور - يعجز عن ~~توجيه العلية بين الكتاب في باب من الأبواب، فينقاد لهم أو يتركهم لما يحلو لهم ويحلو ~~لقرائهم الممتازين، فإذا بكاتب العلية الأول - فرنسيس باكون - يقدم لنا أندر الأمثلة ~~على تجاوب الفهم والشعور بين القراء والكتاب كافة من كل طبقة، ومن كل طراز، ويرينا في ~~غير شك ولا غموض أن الجمهور لا يقف بتوجيهه عند كتابه المنقطعين له، والمقصورين عليه، ~~بل يتعداهم أحيانا إلى صفوة العلية بين الحكماء والأدباء، فيوجههم تارة إلى الحسن ~~المحمود، وتارة إلى ms053 الشائن المعيب ... وقد كان توجيهه لباكون في أسلوب المقالات خاصة إلى ~~خير مما اختاره لنفسه الحكيم الأريب. # فقد استخلص منه - بفضل الفهم والإقبال - نخبة ما أبدع واستحق به البقاء، وعاش به بين ~~العلية والسواد على السواء، فخرجت المقالات على صورتها المهذبة ذخرا لا يفوقه ذخر أدبي ~~في وفرة جواهر البلاغة، ونصاعة خواطر التفكير، وكثرة ما يصلح منها للاقتباس؛ حتى ليوشك ~~أن تتلاحق العبارات كلها صالحة للتمثيل والاستشهاد، وهي على تكرار بعض الشواهد ~~والأماثيل فيها ليست مما تمل فيه الإعادة لوقوع كل تكرار في موقعه الذي لا يغني فيه ~~سواه. # وليقل من شاء ما شاء في شروط المقالة كما اصطلح عليها النقاد والكتاب المقاليون، فهذه ~~المقالات تؤخذ على نمطها الفريد ولا يضيرها أن تخالف به سائر الأنماط، وليس من اللازم ~~أن تتوافى المقالات جميعا على السنة الشائعة في عرف النقاد والقراء، ففي غير النمط ~~الشائع مجال للخصوصيات المتفردة على حسب القرائح والطبائع والموضوعات. # وإذا كان باكون قد ابتعد بالمقالة عن نمط الحديث والفكاهة، فإنه قد علا بها صعدا ولم ~~يهبط بها إلى قرار دون ذلك القرار؛ لأنه اقترب بها من ترتيل الذاكرين وتنسيق الشعراء، ~~فكان نثره أجدر كلام أن ينسقه شاعر مبين. # ليس باكون بشاعر على التحقيق. # أو هو ليس بالشاعر حين يكون الشعر جيشانا في الحس، وقلقا في البديهة، ونفاذا إلى ~~أغوار الضمير، وخيالا يحلق في السماوات ويغوص إلى الأعماق. # ولكنه شاعر لا ريب حين يكون الشعر لمعانا في الخاطر، وجمالا في التشبيه وانتظاما ~~في النسق، ويقظة في البديهة، وكذلك كان في أسلوب المقالات. # وكذلك كان فيما نظم من القصيد، وهو قليل. # ومن هذا القليل قصيدة نترجمها هنا؛ لأن ترجمتها تفسر لنا ما عنيناه بذلك القسط الشعري ~~في كلامه المنثور، فلا فرق بين ترجمة شعره ونثره، إذا زال الوزن والقافية من قصيدة ~~المترجم إلى لغة أخرى؛ لأن بلاغته الشعرية كلها مما يسهل تحصيله في النثر ~~البليغ. # قال من قصيدة عنوانها «الدنيا فقاعة» حين جرب تقلب الأقدار وطوارق الأخطار: # الدنيا فقاعة، ms054 وحياة الإنسان أقصر من مدى الشبر! وضيع في حمله ووضيع من رحم ~~أمه إلى مثواه، وعليه اللعنة من مهده حيث يتربى مع السنين على الهموم والدموع! ~~فهل من يركن إلى الفناء الهزيل، إلا كمن ينقش على الماء أو يخط على ~~التراب؟ ~~*** # لكنك تسأل: أي الحياة - ونحن مثقلون هنا بالأحزان - خير وأشهى؟ # فالقصور مدارس يلغو بها أطفال العقول. # والريف جحور لأناس من الوحوش. # وأين هي المدينة التي عرت من أدران الفساد. # حتى لا يقال فيها: إنها وايم الحق لشر الثلاث؟ ~~*** # هموم البيت تقض على الزوج مضجعه، أو توجع رأسه. # والذين يعشون في العزوبة يحسبونها نقمة، أو يصنعون ما هو شر وأدهى، وأناس ~~يتمنون الذرية، وأناس عندهم الذرية ويضجون منها أو يسألون لها الزوال. # فما العزوبة إذن وما الزواج، إلا العزلة الموحشة أو العناء المضاعف. ~~*** # المقام في الدار داء، والرحلة إلى الغربة خطر وعناء. # والحروب ترعبنا بوغاها، والسلم نحن فيه أضل سبيلا. # فماذا بقي لنا بعد إلا أن نصيح وجلين: # ليتنا لم نولد، أو ليتنا إذ ولدنا نموت! # وليس في هذا الشعر - بعد تجريده من الوزن والقافية - معنى لا تحتويه مقالة أو كلام ~~منثور. ~~••• # ولعل باكون كان يتمنى لقريحته نصيبا شعريا أوفى من هذا النصيب؛ لأنه عظم الشعر كما ~~لم يعظمه أحد من علماء زمانه وذوي الرئاسة بين أقرانه، فقال في بعض وصاياه إلى اللورد ~~«إسكس» صديقه أولا وغريمه بعد ذاك: «إن قصائد الشاعر تعيش ولا تضيع منها كلمة بعد أن ~~تنطوي الدول والحكومات، بأجيال وراء أجيال ... وإنها لتصعد على مرتقى من الزمن يستكشف ~~المقبل من الزمان.» # ولا نخال باكون قد صرف هذا التعظيم إلى الشعر الذي ينسب إليه ومنه تلك القصيدة التي ~~قدمناها. ولكنه عظم به ما كان يقدره من كلام غيره، وما كان يتمناه لنفسه ولا يصل ~~إليه. # وكفى بتلك القصيدة وحدها دليلا على الفارق الواضح بين الكاتب باكون، والشاعر شكسبير، ~~أو دليلا على المكان الذي يتبوءه الكاتب باكون من ديوان الأدب الخالد، وهو مكان ~~الأديب الموهوب والناثر البليغ، والشاعر ms055 اللبق فيما يحتويه النثر الجميل ولا يزيد ~~عليه. # | من باكون؟ # (1) مقالات # الحق # ما الحق؟ # سؤال سأله بيلاطس مازحا ولم ينتظر جوابه، ومن البين أن كثيرا من الطبائع ~~القلب والعقول الواهية تحسب الثبات على العقيدة قيدا، كما يحسبه أناس حجرا على ~~المشيئة الحرة في التفكير والعمل على السواء. # وقد تولت مدرسة أولئك الفلاسفة، الذين ينظرون تلك النظرة، وبقي بعدهم أناس من ~~أصحاب العقول المزعزعة يجرون على منوالهم، وليست لهم متانة معدنهم ولا نفاذ حجتهم، ~~إلا أننا نرى أنه لا المشقة التي يعالجها الناس في الوصول إلى الحق، ولا القيود ~~التي يفرضها الحق على النفس بعد الوصول إليه، هما العلة المغرية بالكذب والباطل، ~~وإنما هناك علة أخرى من هوى الطبائع تطلب الكذب حبا للكذب، وتهوى الباطل غراما ~~بالباطل. # وقد بحث بعض المتأخرين من فلاسفة اليونان - يعني لوسيان - في هذا الذي يولع بعض ~~الناس بالكذب، وليس فيه سور فني كما في خيال الشعراء، ولا مغنم منشود كما في ~~مساومات التجار. # ولست أدري ولا إخالني أدري، فقد يلوح لي أن الحق في وضوحه كضوء النهار البين الذي ~~لا يروق الأنظار بعض ما تروقها أضواء الشموع في الملاعب والمساخر، ومواكب المقنعين ~~وذوي البراقع. # أو يصح أن يقال: إن الحق كاللؤلؤ الذي يرى أحسن ما يرى بالنهار، ولكنه ليس كالماس ~~أو العقيق، اللذين يريان أحسن ما يريان على اختلاف الأضواء. # وهل يرتاب أحد أنه لو خلت العقول الآدمية من خواطر الغرور، وملق الآمال وزيف ~~الأقدار والقيم، وهواجس التخيل على حسب الهوى والمشيئة، ونظائر ذلك من التعاليل، ~~لانقبضت تلك العقول وامتلأت بالكدر والسوداء؟ # قال بعضهم: «إن الشعر خمر الشيطان.» لأنه يملأ الخواطر، وهو ظل الأكاذيب ولكن ~~الأكذوبة التي تعبر بالعقل لا تضيره، وإنما تضيره الأكذوبة التي تتغلغل فيه، وتستقر ~~في أطوائه. # والحق بعد ليس له من ميزان يوزن به غير ميزانه، وبه وحده نعلم أن طلب الحق - وهو ~~خطبة جماله - وعرفان الحق - وهو وصله وحضوره، والإيمان بالحق - وهو المتعة به ~~واحتواؤه، ذلك هو الخير الأوفى والرفعة العليا ms056 في طبيعة بني الإنسان. # وقد كان نور الحس أول خلائق الله في الأيام الستة، وكان ختامها نور العقل ~~والرشاد، وكان يوم السبت - يوم الراحة - نور البصيرة والروح. # ففي بداية الأمر بث - سبحانه وتعالى - نوره على وجه الماء أو العماء، ثم بث نوره ~~على وجه الإنسان، ولا يزال - جل جلاله - يبث نوره في وجوه المختارين من ~~عباده. # وكان الشاعر الذي زان أصحابه - الأبيقوريين - على تخلفهم بالقياس إلى غيرهم يقول: ~~«جميل أن تقف على شاطئ البحر، وتنظر إلى السفن غاديات رائحات عليه، وجميل أن تقف ~~على شرفات القلعة وتنظر إلى حومة الحرب وما يجري فيها، ولكنه لا جمال يعدل جمال ~~الوقوف على ساحة الحق، حيث يصفو الجو ويعتدل أبدا لينكشف لك الخطأ والضلال، وما ~~هنالك من الغواشي والأعاصير تحت قدميك.» # وينبغي أن يضاف إلى ذلك أن يكون نظر الإنسان إلى ما يراه هنالك، بعين الرحمة ~~والعطف، لا بعين الزهو والكبرياء، فإنه لكالسماء على الأرض أن يمضي عقل الإنسان في ~~الخير، ويستريح في الحكمة، ويدور أبدا حول قطب من الحقيقة. # وإذا تحولنا من حقائق العقائد الدينية والآراء الفلسفية إلى حقائق المعيشة ~~والعمل، رأينا الاعتراف عاما بين من يمضي على هذه السنة ومن يحيد عنها بأن ~~المعاملة الصراح هي شرف الطبيعة الإنسانية، وأن الخلط والتمويه إنما هما كالمعدن، ~~الذي يشاب به الذهب والفضة، فتروج بهما العملة ولكنها تخس وتنقص، وما كان التلوي ~~والاعوجاج إلا كحركة الثعبان، الذي يزحف على بطنه ولا يتحرك على القدمين، وما من ~~رذيلة تجلل صاحبها بالعار كافتضاحه بالكذب والخيانة، وقد أصاب مونتين حين تساءل: ما ~~بال الكلمة الكاذبة تعاب هذا العيب وتزري بصاحبها هذه الزراية، فقال: «حين يقال: إن ~~رجلا يكذب، فكأنما قيل: إنه جريء على الله جبان بين يدي خلقه؛ لأنه يواجه الله ~~بالكذب، ويفر به من الناس.» # وإن الشر الذي تنطوي عليه الخيانة، لن يتجلى في عبارة كتجليه في العلم بأنها هي ~~النذير الأخير، الذي تستحق به أجيال البشر قضاء الله يوم القيامة، فقد جاء في ~~التنزيل أن ms057 المسيح يعود إلى الأرض حين تفارقها الأمانة والإيمان. # الحب # المسرح أحفل بالحب من حياة الناس؛ لأن الحب في المسرح مادة للمهازل، ومن حين إلى ~~حين مادة للمآسي، أما في حياة الناس فهو عظيم الأذى يبدو تارة كالحورية، وتارة ~~كالجنية المتشيطنة. # وقد نلاحظ أنه لم يكن قط بين العظماء وذوي الخطر من النابهين، سواء من حضر منهم ~~ومن غبر، رجل فرد قد أصيب بلوثة الحب ، أو طوح به الحب إلى درجة الولع والهيام، مما ~~يدل على أن الأفكار الكبيرة والهمم الجادة تظل بنجوة من هذه الخالجة ~~الضعيفة. # ولكنك خليق أن تستثني مع هذا رجلا مثل ماركوس أنطونيوس، الذي كان قسيم السلطان ~~في الدولة الرومانية، ورجلا مثل أبيوس كلوديوس أحد الأقطاب العشرة المشترعين في ~~تلك الدولة، وقد كان أولهما شهوان لا يملك زمام نفسه، ولكن ثانيهما كان رجلا موفور ~~الجد والحكمة، فكأنما الحب وشيك - ولو في الفرط النادر - أن يجد سبيله إلى القلوب ~~المحصنة لا إلى القلوب المباحة وحدها، إذا هي لم تأخذ حذرها وتحكم حراستها. # وما أضعف قول أبيكتيتس حين يقول: «إن فينا بعضنا لبعض ما هو حسبنا من رواية ~~كبيرة.» كأنما هذا الإنسان الذي خلق للتأمل في السماوات، وفي جلائل الأشياء لا عمل ~~له إلا أن يركع على قدميه أمام صنم صغير، ثم يستعبد نفسه لعينه لا لفمه كشأن ~~العجماوات، وما خلقت العين إلا لما هو أرفع من هذه الأغراض. # وعجيب أمر الشطط في هذا الهوى الذي يجمح بالطبيعة ويتجاوز الحدود ... ولا يتراءى ~~شطط من أمر، كما يتراءى من استغراب الناس الكلام المفخم الطنان في كل سياق إلا في ~~سياق الغرام، وليس الأمر هنا أمر الكلام وكفى، فإن الإنسان كما قيل أكثر ما يكون ~~ملقا لنفسه، وخداعا لعقله في تعظيم قدره، ولكن العاشق يذهب في الخديعة وراء ذلك؛ ~~لأنه ما من أحد يضل في تعظيم قدره كما يضل العاشق في تعظيم معشوقه وتجميل صفاته، ~~ومن ثم قيل بحق: إنه لا يجتمع عقل وغرام. # ولا ينكشف هذا الضلال للآخرين وحدهم، بل ms058 هو منكشف للمعشوق نفسه قبل غيره، ما لم ~~يكن الحب تبادلا بين العاشقين، إذ المتفق عليه أن العشق إما أن يقابل بعشق مثله، ~~أو يقابل بازدراء مكتوم، فما أحرى الإنسان إذن أن يحترس من هذا الهوى، الذي لا ~~يقتصر الأمر فيه على فقدان ما سواه، بل هو فاقد نفسه مع سائر مفقوداته. # أما ما عدا ذلك من المفقودات، فالشاعر قد أشار إليها حين قال : «إن الذي يفضل ~~هيلانة عليه أن يستغني عن عطايا جونو وپالاس.» وفحوى ذلك أن الغلو في قيمة الحب ~~يبخس عند المرء قيمة المال، وقيمة الحكمة. # ومن المشاهد أن هذا الهوى يستوفي فيضه إبان الضعف في حالتيه، وهما حالة الرغد ~~وحالة البأساء، وإن كانت هذه الحالة أندر من الأولى. # وكلتاهما تلهب الحب وتذكي أواره، وترينا بذلك أنه وليد الحمق والغفلة. # وخير ما يصنعه المرء إذا لم يكن له بد من الحب أن يكبحه، ويفصل ما بينه وبين شئون ~~جده وشواغل حياته؛ لأنه لم يتسرب قط إلى أعمال امرئ إلا أوقع الاضطراب في حظوظه، ~~وحال بينه وبين الصمود إلى غاياته. # ولست أدري ما بال رجال الحرب يحبون أن يحبوا، إلا من قبيل حبهم الخمر والتماس ~~الجزاء على الخطر بالمسرات. # بيد أن الإنسان مطبوع في خفايا قلبه على طلب العلاقة بغيره، وهو ميل إن لم ينصرف ~~إلى فرد أو بضعة أفراد انصرف عفوا نحو الكثيرين، فألهم النفس خصال المودة والعطف، ~~وصنع الخيرات والحسنات، كما يشاهد في النساك وإخوان الدين. # إن الحب الزوجي يوجد بني آدم، وحب الصداقة يكملهم ويهذبهم، أما حب اللهو فهو ~~مفسدة لهم وإسفاف. # الحظ # مما لا نكران له أن الحوادث، التي تقع في هذه الدنيا ترجع كثيرا إلى الحظ ~~والمصادفة، كالحظوة والفرصة وموت الآخرين، وتوافق الأحوال وصلاح المناسبات للملكات ~~والكفاءات. # إلا أن المعول عليه أن الإنسان يسبك قالب حظه بيديه، أو كما قال الشاعر: «في يد ~~كل إنسان أن يؤسس حظه ويقيم بناءه.» # ومن أشهر الأسباب العارضة في خلق الحظوظ أن يستفيد رجل من زلات الآخرين، ms059 فلم يحدث ~~قط أن أحدا علا به الحظ فجأة، كما يعلو به من جراء زلة يجترحها غيره. وقد جاء في ~~الأمثال أن الحية لا تصبح تنينا حتى تبتلع حية أخرى! # وهنالك مناقب ظاهرة تجلب لصاحبها المدح والثناء، ولكن الصفات التي تجلب لصاحبها ~~الحظ أخفى من ذاك، وقد اجتمع بعضها في الكلمة الأسبانية التي يعنون بها «الكياسة»، ~~ولطف التناول والمعاملة. # وقلما وجدت حالة من حالات الإنسان إلا وهو قادر على أن ينوط فيها دولاب فكره ~~بدولاب الحظ حيث دار. وقد قال ليفي بعد أن وصف كاتو الكبير: «إن الرجل العظيم خليق ~~حيثما ولد في بيئات الحياة أن ينشئ له سمعة وذكرا.» # فلينظر من شاء نظرة العناية والإنعام، وهو ولا ريب قادر على أن يرى ربة الحظ في ~~مدارها. # فهي وإن كانت عمياء، لا تخفى على المبصرين. # وإن طريق الحظ لأشبه الأشياء بطريق المجرة في السماء، إذ هي نجوم صغار لا تضيء ~~الواحدة منها على انفرادها، ولكنها تضيء معا مجتمعات. # كذلك توجد في الناس صفات متفرقات قلما تبدو الواحدة منها للعيان، أو هي جملة من ~~العادات والملكات توفق صاحبها إلى الجد والسعادة. # والإيطاليون يشيرون إلى بعضها، حيث لا تخطر على بال، فيقولون عمن يلازمه النجاح ~~ولا تخيب رمية من رمياته: إنه قد ظفر بمسحة من توفيق الجنون. # والواقع أننا لا نعرف خلتين هما أدنى إلى النجاح كأن يرزق الإنسان قليلا من ~~الجنون ولا يرزق كثيرا من الأمانة. # ولهذا لم يكن الغيورون على أوطانهم أو سادتهم قط مجدودين محظوظين، ولا يتأتى أن ~~يكونوا كذاك؛ لأن الرجل الذي يعلق أفكاره بغيره لا يحسن أن يمضي لغايته ويسلك على ~~جادته ومنهاجه. # وإن الحظ العجل ليخلق الرجل المغامر القلق الذي تتداوله الأطماع. أما الرجل ~~القدير الركين، فإنما يخلقه الحظ الذي يجري على سنة الرياضة والتدريب. # والحظ حقيق بالتشريف والتقدير إن لم يكن لشيء، فلولديه الضمير والصيت، والأول في ~~نفس الإنسان والثاني في نظرة الناس إليه. # على أن العقلاء كثيرا ما يتجنبون الحسد على فضائلهم بنسبتها إلى ms060 العناية، أو إلى ~~الحظ والتوفيق؛ لأنهم بهذه النسبة يقدرون على التحلي بها واتخاذها ... فضلا عن ~~العظمة التي يبلغها المرء، حين يكون أهلا للرعاية والاختصاص من مقادير ~~السماء. # وهكذا قال قيصر للربان عند هياج العاصفة: إنك تحمل قيصر وحظه، واختار سلا # Sylla # لقب السعيد دون لقب العظيم. # لا جرم كان من المشاهد المتواتر أن الذين يعزون الفضل الكثير إلى عقولهم، ~~وتدبيراتهم يخذلهم الحظ في النهاية، وقيل : إن تيموتين الأثيني لم يفلح في عمل قط ~~بعد أن قام يؤدي الحساب عن حكومته للأثينيين، فطفق يقول: وهذا لم يكن للحظ فيه ~~نصيب! # ولا ريب أن بعض الحظ كبعض الشعر في سهولته وسريانه، على نحو ما نرى في شعر هومير ~~بالقياس إلى غيره من الشعراء. وإلى هذا المعنى أشار بلوتارك حين قابل بين حظوظ ~~تيموليون واجيسلاس وايبامننداس. ومرجع هذا كله ولا مراء إلى خاصة في طبيعة ~~الإنسان. # الحسد # ليس في الأحاسيس ما له من السحر والتأثير ما لهذين الإحساسين: الحب ~~والحسد. # فكلاهما عنيف المطالب سريع الامتزاج بتراكيب الخيال، وتواليف الخاطر، يبتدر إلى ~~العين وتنم عليه النظرة، ولا سيما في حضرة من هو محبوب أو محسود، وكل أولئك مما ~~يملي له في سلطان سحره، إن كان للسحر وجود. # وفي التنزيل نرى أن الحسد يسمى بالعين الرديئة أو النظرة السيئة، ويقول المنجمون ~~عن النحس، الذي تتسلط به الكواكب على الناس: إنه طوالع مشئومة، وهو ما يتضمن ~~الاعتراف بسريان شيء من النظر عند وقوع الحسد في موقعه. بل هناك من بلغت به الغرابة ~~في هذا الصدد أن يعتقد أن المحسود لا يستهدف للإصابة من الأعين في حالة من حالاته، ~~كما يستهدف لها وهو في أوج فخاره وانتصاره؛ لأنه يشحذ نصال الحسد في هذه الحالة، ~~ويستخرج كل ما فيه من روح باطن إلى مظاهره المكشوفة، فيتلقى بها الضربة من ~~قريب! # ولكننا ندع هذه الغرائب - وإن لم تكن غير أهل للاعتبار في موطن بحثها - ونتناول ~~البحث في أولئك الأناسي، الذين هم خلقاء أن يحسدوا الآخرين، وفي أولئك الأناسي ~~الذين ms061 هم عرضه للحسد الخاص والحسد العام بين جمهرة الناس. # فمن حرم المزية خليق أن يحسدها فيمن رزقها وتحلى بها؛ لأن عقول الناس تتغذى بما ~~يصيبها من الخيرات، أو بما يصيب غيرها من الشرور، ومن فاته أحد النصيبين ابتغى ~~العوض منه في النصيب الآخر، ومن يئس من بلوغ المزية التي يملكها غيره، فسبيله أن ~~يسعى إلى مساواته بسلبه إياها وتجريده منها. # وكل طلعة مشغول بأمور الخلق ، فهو على الأرجح حسود بالفطرة؛ لأن استطلاع أحوال ~~الخلق لا يعنيه في خاصة شئونه وأعماله، فهو يعنيه إذن للتطلع إلى الحظوظ والأقسام، ~~ومن كان مشغولا بشئونه وأعماله فقلما يتسع له مجال للحسد والضغينة؛ لأن الحسد شعور ~~فضولي جوال يتردد في الطرقات، ولا يأوي إلى المنازل، وأصاب من قال: «قلما يشغل أحد ~~بالاستطلاع والتحري إلا وهو منطوي الصدر على كراهية وبغضاء.» # وقد لوحظ أن المعرقين في الحسب ينظرون بعين الحسد إلى النابغين في إبان صعودهم؛ ~~لأن المسافة بينهم تتغير وتقترب، وما زال من خداع البصر أن يحسب أنه يتأخر كلما رأى ~~غيره يتقدم إليه. # والمشوهون والخصيان والشيوخ والأنغال حاسدون؛ لأن اليائس من إصلاح حاله يبذل ما ~~في وسعه لإفساد حال سواه، إلا أن تحيق تلك العيوب بنفوس طبعت على البطولة والرفعة، ~~فتجعل تلك العيوب سببا من أسباب فخارها والثناء عليها، كما اتفق لبعض الخصيان ~~والعرج أن تسمو بهم الهمم إلى خوارق الأعمال، ومنهم الخصي نارسس والأعرجان اجيسلاس ~~وتيمور. # ويشاهد الحسد في أولئك الرجال الذين يرتفعون بعد النكبات والمصائب؛ لأنهم يسيئون ~~الظن بالدنيا، ويرون أضرار الناس عوضا لهم عما تجشموه ... # والحسد من لوازم أولئك الذين يطمحون إلى التفوق في كثير من الأمور، طيشا منهم أو ~~ولعا بالفخار الكاذب؛ لأنهم لا يعدمون سببا للحسد كلما تفوق عليهم أحد في مطلب من ~~المطالب الكثيرة، التي يطمحون إليها، وكذلك كان الإمبراطور أدريان في جلالة سلطانه ~~يحسد الشعراء والمصورين والحذاق في الصناعات التي كان يشتهي أن يتفوق فيها. # كذلك يشاهد الحسد بين الأقارب والزملاء والناشئين معا في بيئة واحدة، فهم يحسدون ms062 ~~أمثالهم كلما جاوزوهم وارتفعوا عليهم، إذا كان هذا الارتفاع غاضا من حظوظهم ~~موجها الأبصار إلى قصورهم وتخلفهم كثير الورود على خواطرهم والتنبيه لخواطر غيرهم. ~~وما زال الحسد ينمو بالقيل والقال والشهرة التي تشغل البال، وقد كان حسد قابيل ~~لأخيه أخس وألأم حين قبلت ضحيته، ولم يكن هنالك من ينظر إليه. # ذلك جملة ما يقال فيمن يحسدون. # أما الذين هم مستهدفون للحسد على كثرة أو قلة ، فأولهم أصحاب المزايا الخطيرة ... ~~وهم كلما ثبتوا في مزاياهم قل حسد الحاسدين إياهم؛ لأن مزاياهم تلوح يومئذ كأنها حق ~~من حقوقهم، وصفة لاصقة بتكوينهم، وقل في الناس من يحسد صاحب الدين إذا ظفر ~~بدينه، وإنما يوكل الحسد بالغنائم والمكافآت. # كذلك يوكل الحسد بالمقارنة، فلا حسد حيث لا مقارنة؛ ولهذا لا يحسد الملوك إلا ~~الملوك. # وعلى هذا يلاحظ أن الذين لا خلاق لهم إنما يحسدون في أوائل ظهورهم، ثم يضعف الحسد ~~لهم بعد ذلك، وهو خلاف ما يلاحظ في أمر الأكفاء وذوي الجدارة، فإنهم كلما دامت لهم ~~حظوظهم تفاقم حسد الحاسدين إياهم، إذ يسهل إنكار فضلهم مع بقائه، كما كان بعد بزوغ ~~الحظوظ الأخرى التي تغض من حقوقهم. # والمعرقون في النسب أقل نصيبا من حسد الحاسدين عند علوهم، كأنهم فيما يبدو للناس ~~ينالون حق ميلادهم، ولا يبدو للناس مع ذلك أنهم قد أضيف إليهم شيء كثير فوق ما كان ~~لديهم. # والحسد كنور الشمس أحر ما يكون في السفوح الصاعدة، وأقل ما يكون حرارة في البطاح ~~المبسوطة؛ ولهذا يقل حسد الناس لمن يبلغ حظه درجة بعد درجة، ويشتد حسدهم لمن يثب ~~إلى الحظ في سرعة مفاجئة. # والذين يقرنون نجاحهم بالرحلات البعيدة والمغامرات الخطرة، والهموم اللاعجة هم ~~أقل من غيرهم نصيبا من حسد الحاسدين؛ لأن الناس يعلمون أنهم قد جهدوا جهدهم قبل ~~نجاحهم، وقد يشفقون عليهم ويرثون لهم، وما زالت الشفقة دواء شافيا للحسد والغيرة، ~~ومن ثم ترى الدهاة من الساسة على قدر حظهم من الدهاء يبالغون في ذكر متاعبهم ~~والشكاية من أوصابهم؛ لا لأنهم يشعرون بذلك حقا ms063 في طوايا قلوبهم، ولكن ليفلوا ~~غرب الحسد ويكبحوا طغيان النقمة والضغينة. # إنما ينبغي أن نذكر هنا أن المشاق التي تفل غرب الحسد هي المشاق التي تفرض على ~~أصحابها فرضا، وليست هي تلك التي ينتزعونها من غيرهم انتزاعا، فما من شيء يضرم ~~الحسد كتضخيم الأعمال وتوسيع المطامع، وما من شيء يطفئ سورته كاستبقاء ذوي المناصب ~~العالية جميع مرءوسيهم في مواضعهم، وتزويدهم بجميع حقوقهم، فيقومون إذن حواجز كثيرة ~~تحول بينهم وبين أعين الحاسدين. # وبعد فإن أكثر الناس تعرضا للحسد كله أولئك الذين يحملون حظوظهم الكبيرة في صلف ~~وعجرفة، ولا يهدأ لهم بال حتى يعرضوا للأنظار مبلغهم من العظمة، إما بالفخفخة ~~الطنانة أو بقمع ما يعترضهم من المناوأة والمنافسة، على حين يتعمد العقلاء أن ~~يقدموا القرابين للحسد بقبول التخطي والإهمال أحيانا، فيما ليس له عندهم كبير ~~طائل. # ومع هذا يحسن أن نذكر أن التجمل بسمت العظمة في غير صلف، ولا عجرفة يعفي صاحبه من ~~الحسد الذي يصيب المتحيلين والمراوغين في إظهار عظمتهم؛ لأن المراوغة معناها هرب ~~الإنسان من الاعتراف بحقه في العظمة، وتسليمه باغتصاب ما هو في حوزته من الحظوظ، ~~فيوحي إلى الآخرين بالقدوة له أن يحسدوه. # ونختم هذا الجزء من المقال بما أشرنا إليه في مستهله، حيث قلنا: إن الحسد ينطوي ~~فيه على شيء من السحر، فعلاجه وعلاج السحر سواء. # أما هذا العلاج فهو نقل الآفة من موضوع إلى موضوع، أو من هدف إلى هدف (كما يصنع ~~السحرة حين يتخذون تعويذة ينقلون إليها فعل المكيدة السحرية). # وكذلك كان عقلاء النابهين حريصين أبدا على أن يبرزوا على المسرح بعض الشخوص؛ ~~لتتلقى عنهم إصابة الحساد، من قبيل الأعوان والخدام تارة، ومن قبيل الزملاء ~~والعشراء تارة أخرى، ولا يعدمون يوما طائفة من أصحاب الطبائع الهحامة يقبلون هذا ~~لقاء ما هم طامحون إليه من السطوة والنفوذ. # ونعود إلى الحسد العام أو الحسد بين جمهرة الأمة، فنقول: إنه لا يخلو من النفع ~~إذا كان الحسد الخاص قد خلا منه بتة، إذ كان حسد الأمم ضربا من الفتوى ms064 التي تصدرها ~~الشعوب لعقوبة العظماء، فهو كابح لهم من الغلواء، ومذكر لهم بالتزام الحدود، ويصيب ~~الرجال كلما تجاوزوا في العظمة أقصى الحدود. # وأصل كلمة الحسد في اللغة اللاتينية مشتق من النظر أو الإصابة بالعين، وهو في ~~معنى الحسد العام يقابل عندنا معنى التذمر والسخط، وانقلاب الرأي العام الذي ~~سنتناوله بالبحث عند الكلام في الفتنة والهياج. # وإنه لكالمرض المعدي حين يظهر في الأمة؛ لأن العدوى هي إصابة السليم من السقيم، ~~وهكذا الحسد العام أو التذمر حين يصيب جمهرة الأمة من شأنه أن يسري إلى أحسن ~~الأعمال، فيلوثها بسوء القالة، وقلما يجدي هنالك أن تمتزج الأعمال الذميمة بالأعمال ~~الحميدة؛ لأنها تلوح للناس كأنها محاولة للوقاية والنجاة، وكثيرا ما يكون الجهد في ~~اتقاء العدوى من أسباب الإصابة. # ويبدو أن الحسد العام موكل بكبار الرؤساء وأصحاب المناصب دون الملوك والدول ~~أنفسها، ولكنها قاعدة لا ريب فيها أنه حين يشتد الحنق على وزير من الوزراء وهو قليل ~~التبعة فيه، أو حين يعم الحنق جميع الوزراء ولا يخص أحدا منهم فهو في الواقع موجه ~~إلى الدولة في صميمها، وإن لم تصرح به الظواهر لأول وهلة. # وحسبنا هذا في موضوع الحسد العام والفرق بينه وبين الحسد الخاص، وإنما نضيف إلى ~~ما تقدم كله أن الإحساس بالحسد هو أشد الأحاسيس إلحاحا وأقواها على المثابرة؛ لأن ~~الأحاسيس الأخرى تعتري صاحبها نوبة بعد نوبة. أما الحسد فهو كما قيل في المثل: ~~«يعمل بغير إجازة أو بغير عطلة.» # ومن ثم يذبل الحاسد والعاشق، ويلح عليهما الضنى والهزال، على خلاف المعهود في ~~غيرهما من الأحاسيس؛ لأنها لا تدوم هذا الدوام ولا تلح هذا الإلحاح. # وإن الحسد فوق هذا لمن أخس الأحاسيس وأرذلها، فلا جرم يعزى إلى الشيطان الذي يدعى ~~بالرجل الشرير «يدس الزوان بين القمح في جنح الظلام»، وهكذا كان الحاسد أبدا من ~~العاملين في الخفاء لإفساد الطيبات، والقمح مثل لهذه الطيبات. # الحمد والثناء # الحمد هو ظل الفضيلة أو انعكاس شعاعها، ولكنه يشبه الزجاجة أو الجسم الذي يعكس ~~الشعاع. # فإن كان من ms065 سواد العامة فهو في الأغلب الأعم كاذب فارغ، وأكثر ما يكون من قسمة ~~أصحاب الغرور دون أصحاب الفضيلة. # لأن الذي يستجلب الحمد منهم إنما هو أحط أنواع المزايا، فأما المزايا الوسطى فهي ~~تدهشهم، وتثير عجبهم أو إعجابهم، وأما ما فوق ذلك من المزايا فلا قدرة لهم على ~~إدراكها بتة، ولا يعرفون منها إلا صورتها ومرآها، ويصدق عليهم هنا قول القائل: إنهم ~~يؤخذون بما يلوح لهم أنه فضيلة لا بما هو فضيلة في الجوهر. # والحق أن الصيت كالنهر الذي يحمل ما خف وانتفخ، ويغرق ما صلب ورجح وزنه، ولكنه ~~إذا اتفق عليه أولو الرأي والجدارة كان كما جاء في التنزيل: «خيرا من الدهن ~~الطيب.» يملأ جميع ما حوله ولا يزول سريعا؛ لأن نفحة الطيب أبقى من عبير ~~الأزهار. # وثمة ضروب شتى من الحمد والثناء حتى ليحق للإنسان أن يتلقاها بالحذر والريبة، ~~فمنها ما يأتي من الملق وهو مختلف على حسب أصحابه، فإن جاء من بعض العامة فهو لا ~~يعدو إسناد الفضائل الشائعة، التي تصلح لكل ممدوح، وإن جاء من ذي حيلة وفطنة، فهو ~~يحذو فيه حذو المتملق الأعظم وهو الممدوح نفسه. # فحيث يتعاظم رأي الممدوح في نفسه وظنه في مزاياه، فمن ثم يأخذه المتملق وتشتد ~~قبضته عليه، إلا أن يكون متملقا وقاحا فيعمد إلى مواطن الضعف التي يحسها الممدوح ~~من نفسه، فيغلو في الثناء عليها فيبدو له كأنه يسخر منه، وينبه إلى نقائصه ~~وعيوبه. # ويصدر بعض الثناء من نية حسنة ومقصد شريف، كالثناء على الملوك والعظماء، وربما ~~كان القصد به التعليم والإرشاد من طريق الإطراء والمديح. # ويصدر بعض الثناء للإيذاء والمضرة من طريق إثارة الحسد والضغينة، وفي هذا يصدق ~~تاسيتس، حيث يقول: إن أخس الأعداء هو العدو الذي يثني ويمدح. # وقد كان من أمثال اليونان أن الرجل الذي يمدحه المادحون لضرره خليق أن ينبت له ~~بثرة على أنفه، وهو شبيه بما نقوله نحن عن الكاذب الذي تنبت له بثرة على ~~لسانه! # بيد أن المدح المعتدل في مناسباته ومعارضه يفيد وينفع، وسليمان ms066 الحكيم يقول: إن ~~من يرفع عقيرته بالثناء على قريبه في بكرة الصباح «يحسب له لعنا»؛ لأن الإغراق في ~~التعظيم يغري بالمناقضة ويثير الحسد والسخرية، وثناء المرء على نفسه غير لائق به ~~إلا في أندر أحواله، ولكنه يستطيع أن يثني على وظيفته أو على صناعته بشيء من ~~اللياقة وحسن النية. # وقد تعود كرادلة روما، وهم الفقهاء والعلماء، أن يطلقوا كلمة «المستخدم» على جميع ~~العاملين في الوظائف المدنية من رجال الحرب والسفارات والشرائع على سبيل الزراية ~~والاستخفاف، ولكن هؤلاء «المستخدمين» كثيرا ما يعملون في نطاق وظائفهم ما هو أجل ~~وأنفع من تلك السبحات العالية! # وكان القديس بولس يقول حينما افتخر بنفسه: «إنني أتكلم كالحمقى.» ولكنه كان إذا ~~أشار إلى رسالته قال: «بما أني رسول للأمم أمجد خدمتي.» # الشباب والشيخوخة # قد يكون الرجل الصغير في سنيه كبيرا في ساعاته إن لم يفرط في شيء من وقته، ولا ~~يتفق ذلك إلا في الندرة. # والغالب أن الشباب كالفكرة الأولى التي ليس فيها من الحكمة ما في الفكرة الثانية؛ ~~لأن الشباب يكون في الأفكار كما يكون في الأعمار. # إلا أن مبتكرات الشباب أنضر من مبتكرات الشيخوخة، والأخيلة إلى أذهانهم أسرع ~~وأقرب إلى النفحات العلوية. # والطبائع التي تغلب عليها الحدة، وتستولي عليها الشهوات العنيفة لا تنضج للعمل ~~حتى تجاوز منتصف حياتها كما كان يوليوس قيصر وسبتيموس سفيروس، الذي قيل فيه إنه قضى ~~عمرا مفعما بالأخطاء، بل بالجنون، وكان مع هذا أقدر العواهل جميعا أو ~~يكاد. # ولكن الطبائع الهادئة قد تحسن العمل في الشباب، كما كان أوغسطس والدوق قسموس أمير ~~فلورنسه وجاستون دي فوا وآخرون. # على أن الحدة والنشاط في الشيخوخة من أصلح الخصال للنهوض بالأعمال. # والشبان أصلح للإبداع منهم للحكم والتقدير، وللتنفيذ منهم للمشورة، وللخطط ~~الجديدة منهم للسنن المقررة. # والشيوخ يسددون خطاهم فيما يتناولونه من أعمالهم، ولكنهم يسيئون توجيههم فيما هو ~~جديد مبتكر. # على أن غلطة الشباب وبال على العمل، ولكن غلطة الشيخوخة لا يبلغ منها إلا أنها ~~تتطلب المزيد من القدرة أو المزيد من السرعة. # ومن ms067 دأب الشبان في سياسة الأمور أنهم يحيطون بأكثر مما يقدرون على حمله، ويحركون ~~أكثر ما يقدرون على تسكينه، ويندفعون إلى الغاية دون مبالاة منهم بالوسائل ~~والدرجات، ويعتمدون على قليل من المبادئ التي اتفقت لهم بغير روية، ويعتسفون ~~المسائل التي تقحمهم في العواقب المجهولة، ويبدءون بالعلاج الحاسم من الوهلة ~~الأولى، ويضاعف أغلاطهم أنهم لا يعترفون بها ولا يرجعون فيها، كالجواد الجامح الذي ~~لا يقف ولا يلتفت يمنة ويسرة. # أما الشيوخ فيعترضون كثيرا ويتشاورون طويلا ويقتحمون قليلا، ويسرعون إلى الندم ~~والنكوص، وقلما يدفعون الأمور إلى أقصى غاياتها، بل يقنعون من النجاح بالخطة ~~الوسطى. # ومن الحسن ولا ريب أن يتلاقى النهجان؛ لأن تلاقيهما خير للحاضر إذ تتكفل فضائل كل ~~سن بتصحيح نقائص الأخرى، وخير للمستقبل إذ يصبح الشبان متعلمين حين يكون الشيوخ ~~عاملين، وخير لآثار الأعمال فيما يراه الناس؛ لأن الثقة والحجة تقفوان أثر الشيوخ ~~والحظوة والشهرة تقفوان أثر الشبان. # ولعل الشبان أحق بالرجحان في مسائل الأخلاق، حيث يكون الشيوخ أحق بالرجحان في ~~مسائل السياسة، وقد جاء في أقوال بعض الربانيين: «إن شبانكم سيبصرون الرؤى وشيوخكم ~~سيحملون الأحلام.» مما يفيد أن الشبان أقرب إلى جوار الله من الشيوخ؛ لأن الرؤى في ~~باب الوحي أوضح وأصدق من الأحلام. # والواقع أنه كلما شرب الرجل من هذه الدنيا أسكرته، وإنما يستفيد الشيوخ على ~~الأرجح من جانب مدارك الفهم فوق ما يستفيدون من جانب حسن المشيئة والشعور. # ومن الناس من يعجل إليهم النضج ويعجل بهم الذواء والذبول، وهم أصحاب العقول ~~القصمة، كأنها الحد المشحوذ الذي يتثلم من بضع ضربات. # كذلك كان هرموجينس الخطابي الذي جاءت قريحته بمصنفات بلغت الغاية من الدقة ولطف ~~المدخل، ثم تثلمت قريحته وغلب عليها التبلد والكلال. # وهناك طراز آخر من ذوي الملكات تجمل ملكاتهم في الشباب، ولا تجمل في الشيخوخة، ~~ومنها ملكة الكلام الذلق المزخرف وهو مقبول من الشباب غير مقبول من الشيوخ. # وقد قال شيشرون عن مزاحمه هورتنسيوس: «لم يتغير وقد كان في التغير له ~~صلاح.» # والطراز الثالث من أصحاب الملكات بعد ms068 هؤلاء وهؤلاء يثب الوثبة العالية في ~~البداية، ثم يعجز عن ملاحقتها بما هو أهل لها في الشيخوخة، وكذلك قال لسمي المؤرخ ~~عن سيبيو # Seipio # الأفريقي: «إن بدايته كانت أعظم ~~من منتهاه.» # الدراسة # الدراسة تراد للسرور أو للزينة أو للقدرة. # وهي للسرور في العزلة والانفراد، وللزينة في الحديث ومطارحة الآراء، وللقدرة في ~~تصريف الأعمال وتدبير الأمور. # وقد يستطيع ذوو الخبرة الذين عرفوا أعمالهم بالمرانة أن ينجزوا العمل ، بل أن ~~يتأملوه في تفصيلاته، منفردين كل منهم على حدة. # أما المشاورات العامة والخطط المرسومة ومراجعة المسائل وعرض الشئون، فإنما تكون ~~على أتمها وأحسنها إذا تولاها ذوو العلم والدراسة. # والإسراف في وقت الدراسة كسل، والإسراف في التزين بها تكلف وادعاء، والتعويل ~~عليها وحدها في تقدير الأشياء هو شنشنة معهودة في الحفاظ والعلماء. # فالدراسة في الواقع تصقل الطبيعة والخبرة تصقل الدراسة، وما الملكات المطبوعة إلا ~~ككل ما تنبت الطبيعة محتاجة إلى التشذيب من يد الصناعة والمعرفة. # والدراسة تكيل لنا المعارف كيلا جزافا، فهي من جانبها محتاجة إلى ضابط من ~~الخبرة والتجربة. ~~••• # إن الأذكياء يستخفون بالدراسة، والسذج يعجبون بها، والعقلاء يستخدمونها؛ لأنها لا ~~تؤدي إلى وسائل استخدامها بغير عقل مستقل عنها مستفاد من الملاحظة ~~والاستنباط. # ولا تقرأ لتعارض وتجادل، ولا لتسلم وتستسلم، ولا لتطرق بابا من أبواب الأحاديث ~~والأقاويل؛ ولكن لتزن وتفكر وتعيد النظر فيما قرأت. # ومن الكتب ما يذاق، ومنها ما يزدرد، ومنها - وهو أقلها - ما يمضغ ويهضم. # وفحوى ذلك بعبارة أخرى أن بعض الكتب يتصفحه القارئ جزءا من هنا وجزءا من هناك، ~~وبعضها يتصفحها القارئ بغير اشتياق أو عناية، وبعضها يستوعبه القارئ جميعا بما في ~~وسعه من جلد ومثابرة وانتباه. # كذلك من الكتب ما تنيب عنك غيرك في الإلمام بمضامينه، واقتباس شواهده ومختاراته، ~~وهي من الكتب المرجوحة في القيمة والمرتبة الفكرية. وما زال من دأب الكتب المستقطرة ~~أن تشبه السوائل المستقطرة التي لا طعم لها ولا نكهة. # إن المطالعة تنشئ الرجل المتمم، والمشاورة تنشئ الرجل المستعد، والكتابة تنشئ ~~الرجل المحكم؛ ولهذا يحتاج الرجل إلى ms069 ذاكرة كبيرة إذا كان قليل الكتابة، وإلى بديهة ~~حاضرة إذا كان قليل المشاورة، وإلى حيلة كبيرة إذا كان قليل القراءة، فيتسنى له أن ~~يبدي من العلم والمعرفة ما ليس لديه. ~~••• # والقراء يقتبسون الحكمة من التواريخ، والفطنة من الأشعار، والدقة من الرياضيات، ~~والعمق والرصانة والخلق والمنطق، وقوة المعارضة من الفلسفة الطبيعية والعلوم ~~التجريبية. # وما من عقبة في التفكير إلا وفي وسعك أن ترفعها، وتذللها بمعالجة الدراسة شأن ~~الفكر في ذلك شأن الجسد، إذ يعالج النقص فيه بالرياضة والتمرين، فتعالج العروق ~~والمفاصل بكرة المضارب، وتعالج الرئة والصدر بالرماية، وتعالج المعدة بالسير ~~الرفيق، ويعالج الرأس بالركوب، إلى أشباه ذلك من ضروب العلاج بالرياضة ~~والتمرين. # وعلى هذا النسق يعالج شرود الذهن بالرياضيات؛ لأن المشتغل بالرياضة يضطر إلى ~~البدء من أول المسألة إذا شرد ذهنه ولو لمحة قصيرة. # كما يعالج العجز عن التفرقة بين الأشياء بمتابعة الفطاحل المتبحرين من علماء ~~الكلام؛ لأنهم يشقون نقير الحبة شقين! # وكذلك يعالج ضعف الاستدلال واستحضار الأمثلة والشواهد بدراسة قضايا المحامين، وقس ~~على ذلك كل قصور في الذهن، فهو ميسور العلاج برياضة ذهنية من هذا القبيل. # الإلحاد # لأهون علي أن أصدق جميع الأعاجيب التي في كتب الأولين وفي التلمود والقرآن من ~~أن أصدق أن هذه البنية الكونية خلو من العقل. # وأرى أن الله لم يخلق قط معجزة لإقناع الملحدين؛ لأن خلقته العامة حرية أن تقنعهم ~~إن كان بهم مقنع. # والحق أن قليلا من الفلسفة يجنح بالإنسان إلى الإلحاد، ولكن التعمق في الفلسفة ~~يرد العقول إلى حظيرة الإيمان. # وإذا وكل العقل بالأسباب الثانوية، وهي مبعثرة ولا تناسق بينها وقف هنالك أحيانا ~~ولم يتجاوزها إلى ما وراءها. # ولكنه متى لمح التسلسل بين حلقاتها والاتصال بين أجزائها لم يكن له بد من اللياذ ~~بالقدرة الخالقة والحكمة الإلهية. # لا بل يأتي الدليل على صدق الإيمان من أكثر المدارس الفلسفية عرضة للاتهام ~~بالإلحاد، ونعني بها مدرسة ليوسبس وديمقريطس وأبيقور؛ ولأن يقال: إن العناصر ~~الأربعة المتغيرة والعنصر الخامس الذي لا يتغير تستغني عن الله بما فيها ms070 من قدرة ~~التألف والتركيب - ذلك أدنى إلى القبول من أن يقال إن هذا الجيش الذي لا يحصى من ~~الذرات الصغيرة ينتظم على هذا الوضع الجميل بغير قيادة إلهية. # والتنزيل يقول: «إن الأحمق قال في نفسه أن لا إله.» ولم يقل: إنه فكر في ~~نفسه. # فإنه ليهجس بها على هواه، ولكنه لا يستطيع أن يؤمن بها حقا وصدقا أو يبلغ بها ~~من عقله مبلغ الإقناع. وما من أحد ينكر وجود الله إلا أولئك الذين يوافقهم أن يكون ~~الله غير موجود. # ولا يظهر من شيء من الأشياء أن الإلحاد على الشفاه وليس في صميم القلوب كما يظهر ~~ذلك من لفظ الملحدين حين يتحدثون برأيهم، كأنهم ضعفوا عن احتماله في قرارة أنفسهم، ~~فهم يبغون القوة عليه من موافقة الآخرين. # وأكثر من ذلك أن ترى الملحدين يسعون في جمع المريدين حولهم، كما ينبغي للطوائف ~~المؤمنة، وأكثر من هذا وذاك أنهم يحتملون التضحية في سبيل الإلحاد ولا ينكصون عنه. ~~فما بالهم يشقون أنفسهم إن كانوا يحسبون حقا أن لا إله؟ # ويعزى إلى أبيقور أنه كان يتوخى المصانعة بما لا يعيبه حين قرر ما قرر عن الطبائع ~~المباركة، التي تستوفي متعتها دون التفات إلى حكومة العالم العليا، ويزعمون أنه كان ~~يداور ويراوغ وهو في سريرته لا يؤمن بوجود الله، ولكنه على التحقيق مظلوم فيما اتهم ~~به؛ لأن كلماته نبيلة قدسية إذ يقول: «ليس من الرجس أن تنكر أرباب العامة، وإنما ~~الرجس أن تعزو أقوال العامة إلى الأرباب.» # فلو كان أفلاطون قائل هذه الكلمات لما زاد، وإنه وإن بلغت به الثقة أنه ينكر ~~التدبير لم تبلغ به القوة أن ينكر الطبيعة. # وقد اتخذ أقوام كهنود أمريكا الأسماء لأربابهم الخاصة، وإن لم يتخذوا اسما ~~واحدا لله. فهم على ديدن الوثنيين الأقدمين، حيث كانوا يدعون من أربابهم جوبيتر ~~وأبولو ومارس، ولا يدعون اسم الله الأعظم، ويؤخذ من ذلك أنه حتى القبائل البربرية ~~تدرك الفكرة وإن لم تصل إلى متسع آفاقها، فكأنما اجتمع على إدحاض الملحدين أعرق ~~الناس في الهمجية ms071 وأقدر الفلاسفة على الفهم والنفاذ إلى الحقيقة. # وإن الملحدين المفكرين لقليلون، تلقى منهم دياجوراس وبيون ولوسيان وواحدا هنا أو ~~هناك، ولكنهم مبالغ في أمرهم ... إذ كان الناس يحسبون كل من ينكر ربا خاصا أو ~~عقيدة خاصة من الملحدين. # أما كبار الملحدين فمنافقون لا يزالون يمسون القدسيات بغير شعور، حتى ينتهي بهم ~~الأمر إلى فساد الضمير. # ومن دواعي الإلحاد كثرة الشيع في الأديان، فإن شيعة من الشيع الكبيرة عسية أن ~~تلهب حماسة العقيدة في قلوب الشيعة الأخرى. أما الشيع الكثيرة فمجلبة للشك ~~والإلحاد. # ومن دواعيه فضائح رجال الدين، حين يبلغ من سوء حالهم أن يقال فيهم كما قال القديس ~~برنارد: «كانوا في القديم يقولون: كيفما يكون الشعب يكون قسيسوهم. أما اليوم فليس ~~هذا مما يقال لأن الشعب خير من القسيسين.» # وداع ثالث للإلحاد تعود بعض الناس ألا يتورعوا عن التهزئة بالشعائر المقدسة، فلا ~~يزال ذلك دأبا لهم حتى يعصف في نفوسهم بهيبة الدين. # وإذا شاع التعلم - ولا سيما في أيام الرغد والرخاء - فذلك داع آخر من دواعي ~~الإلحاد؛ لأن أيام العسر والمحنة تلوذ بعقول الناس إلى حظيرة الدين. # ولتعلم أن الذين ينكرون الله يهدمون كرامة الإنسان، إذ كان الإنسان بجسده قريبا ~~من الحيوان، فإن لم يكن بروحه قريبا من الله فهو مخلوق لئيم خسيس. # كذلك يهدم من ينكرون الله مروءة الإنسان وما في طبعه من سمو وشرف، ولنراقب ذلك في ~~مثال الكلب وما يتمثل فيه من الكرم والشجاعة حين تشمله رعاية مولاه، وهو عنده بديل ~~من الإله، أو طبيعة عليا بالقياس إليه، وما كانت لتخامر مخلوقا مثله تلك الشجاعة ~~لولا اعتماده على طبيعة خير من طبيعته تكلؤه وترعاه. # والإنسان على هذا المنوال يستجمع القوة واليقين الذي لا قبل للطبيعة الآدمية به ~~حين يركن إلى العناية الإلهية والرعاية السماوية. # فالإلحاد وهو خلة بغيضة من شتى الوجوه يزداد بغضا بهذه الجناية التي تحرم ~~الطبيعة الآدمية وسائل الترفع عن ضعتها والسمو على ضعفها. # وشأن الأفراد في ذلك شأن الأمم والأقوام، وما تناهت النخوة بآل ms072 رومة إلا من ذاك، ~~كما قال شيشرون وهو يخاطب أبناء قومه: «سادتي، إننا نكبر أنفسنا ما نشاء، ولكننا ~~على أية حال لا نفوق الأسبان في الكثرة ولا الغاليين في القوة، ولا القرطجنيين في ~~الحيلة، ولا الإغريق في الفن، بل لا نفوق الإيطاليين واللاتين في الغرام الفطري ~~بهذا الوطن وهذه الأمة، ولكننا في التقوى أو الحاسة الدينية، أو في تلك الحكمة ~~الخاصة التي ترجع بتدبير جميع الأشياء وهدايتها إلى العناية الإلهية - نحسبنا قد ~~تفوقنا ولا ريب على جميع الأمم وجميع الأقوام.» # الظن # الظنون بين الأفكار كالخفافيش بين الطيور، لا تطير إلا في غسق المساء. # ومن الحق أن تكبح أو تراقب على حذر؛ لأنها تغيم على العقل وتضيع الأصدقاء وتعطل ~~العمل، فلا يجري في مجراه على استقامة وسهولة. # وهي تغري الملوك بالطغيان والأزواج بالغيرة والحكماء بالتردد والوجوم، وهي عيوب ~~في الرءوس لا في القلوب؛ لأنها تتسل إلى أقوى الطبائع كما رأينا في مثال هنري ~~السابع ملك هذه البلاد، فلم يكن قط رجل أقوى منه ولا أميل منه مع الظنون، وذاك الذي ~~يعصم بعض العصمة، فلا ينجم من الظن إلا اليسير من الأضرار؛ لأنه لا يؤخذ على علاته ~~ولا يقبل إلا بعد امتحان وترجيح. # ولكنه سريع التمكن في الطبائع التي يملكها الخوف، ولا شيء يدعو إلى إفراط في الظن ~~من الإقلال في العلم اليقيني، فمن التمس دواء للظن فليلتمسه في زيادة العلم ~~واستقصائه، ولا يقنع بكظمه والسكوت عليه. # وماذا يبغي الناس يا ترى؟ أيحسبون أولئك الذين يستخدمونهم أو يعاملونهم قديسين ~~وملائكة؟ أيخفى عليهم أنهم ينشدون مآربهم ولباناتهم، ويخلصون لأنفسهم فوق إخلاصهم ~~لغيرهم؟ # فخير ما نكفكف به من جماح الظنون، ونردها به إلى الاعتدال أن ننظر إليها كأنها ~~صادقة لا غرابة فيها، وأن نصدها كأنها كاذبة لا دليل عليها، ومن حسب الظنون صدقا ~~كان ذلك أحرى أن يمنع ضررها ويسبقه بالحيطة والوقاية. ~~••• # إن الظنون التي يلفقها الذهن طنين، أما الظنون المصطنعة التي تنفثها في الرءوس ~~همسات النمامين وأراجيف الوشاة فهي حمة لاسعة، وخير ما ms073 يصنع في هذه الحالة أن يعمد ~~الظان إلى الصراحة، فيواجه النمام بمن ينم عليه، ويعرف إذن من حقيقة الأمر ما غاب ~~عنه، ويصدم النمام فلا يعود إلى الوشاية والاختلاق. # إلا أنها خطة لا تحمد مع السفلة والوضعاء؛ لأنهم إذا انكشفوا بالتهمة لم يخلصوا ~~قط بعد ذلك، والإيطاليون يقولون في أمثالهم: «إن الاتهام يحل من عهد الولاء» ... ~~كأنما الظن يبطل دواعي الإخلاص وهو في الواقع قمين أن يمهد لها سبيل التبرئة ~~والانتصاف. # الخرافة # لأن يتجرد الإنسان من كل فكرة عن الله خير من أن تكون له فكرة سيئة فيه؛ لأن ~~الأولى نقص في العقيدة، أما الأخرى فهي ذم ومعابة. # فالخرافة عيب في حق الذات الإلهية. # وقد أحسن بلوتارك حين قال: «أحب إلي كثيرا أن يقول الناس: لم يوجد قط إنسان ~~يدعي بلوتارك من أن يقولوا: إنه وجد وكان يأكل أولاده عند وضعهم!» كما يتحدث ~~الشعراء عن زحل في الأرباب. # والعيب في الله أعظم، فالخطر فيه أعظم على الناس. # إن الإلحاد يدع للعقل سبيلا إلى تأمل الفلسفة والتقوى الطبيعية، والمبالاة ~~بالقوانين والسمعة، وهي صالحة لهدايته إلى ضرب من الفضيلة الظاهرة، وإن لم ينتفع ~~بهداية الدين. # ولكن الخرافة تنزع هذا كله، وتسيطر على العقول، ولم يحدث قط من أجل هذا أن اضطربت ~~دعائم الدول من أجل الإلحاد؛ لأنه يفتح أعينهم لأنفسهم ولا يعدوها، وقد كانت ~~الحضارة مستقرة في بعض العصور الجانحة إلى الإلحاد، كما كان عصر القيصر أوغسطس بين ~~الرومان. # أما الخرافة فقد طالما أقلقت الدول، وطغت على جوانب الحكومة بأجمعها ~~فعطلتها. # وصاحب السلطان في الخرافة هو الشعب الجاهل والحكماء تبع له في هذا السبيل، فهي ~~تعكس وضع الأمور وتقلب عمل العقول. # وقد قال بعض الكهان بحق في مجمع ترنت، حيث شاعت آراء علماء الكلام: إن علماء ~~الكلام هؤلاء يشبهون الفلكيين الذين يرسمون الأفلاك والمدارات والمراكز للسيارات ~~والكواكب لتفسير حركاتها، حيث لا وجود في الخارج لتلك الرسوم، وكذلك علماء الكلام ~~قد رسموا في عالم الدين طائفة دقيقة من الشعائر والمعالم؛ لتيسير مهمة ~~الكنيسة. ms074 # وتنجم الخرافة من عناصر كثيرة منها المحافل والمراسم الرائقة، ومنها الإفراط في ~~مظاهر التقوى المموهة، ومنها الإسراف في تعظيم الموروثات القديمة التي تثقل لا ~~محالة على كاهل الكنيسة، ومنها احتيال رجال الدين لمنافعهم الخاصة، ومطامعهم ~~الشخصية، والمغالاة في المقاصد الحسنة التي تفتح الباب للبدع، والأفانين المستحدثة، ~~وإشراك التخمين الآدمي في الحكم الربانية مما هو خليق أن يضلل الخواطر ويبلبل ~~الأذهان. # ومن عناصر الخرافة عصور البربرية، وبخاصة تلك العصور التي يرهقها العسر ~~والبلاء. # والخرافة السافرة شيء مشوه ممسوخ. # ومما يزيد في تشويه القرد أنه يشبه الإنسان، وكذلك شبه الخرافة بالشعائر الدينية، ~~يزيدها مسخا على مسخ وتشويها على تشويه. # واللحم إذا فسد تولدت منه الديدان الصغيرة، وكذلك الشعائر الحسنة إذا فسدت تولدت ~~منها تلك الشعوذات الصغيرة، والتقاليد المسفة التي لا طائل وراءها. # ومن الخرافة ما يدعو إليه اجتناب الخرافة، وذاك حين ينزع الإنسان الخرافة فيغلو ~~في انتزاعها. # ولهذا وجب الحذر في هذا الباب كما وجب الحذر في كل تنظيف وانتقاء؛ لئلا يذهب ~~الحسن مع القبيح، فلا يبقى هذا ولا ذاك، كما يتفق كثيرا حين يتصدى الشعب لمهمة ~~الإصلاح. # الجمال # الفضيلة كالجوهر النفيس، أجمل ما يرى في التركيب البسيط، ولا شك أن الفضيلة ترى ~~على أجملها في الجسد القويم، الذي لم تهزله رقة الملامح والقسمات، والذي يغلب فيه ~~وقار السمت على وسامة الصورة، فقليلا ما يكون فرط الجمال مقرونا برجحان الفضيلة، ~~كأنما الطبيعة كانت وهي تنشئ أصحاب الجمال الرائع في شاغل بإتقانه، واجتناب الخطأ ~~في صنعه عن تحري الكمال في غير هذه المزية. # ومن ثم يبدو عليهم الصقل والتهذيب، وقلما يبدو منهم عظم المقدرة وعلو الهمة. ~~فيملكون زمام السلوك ولا يملكون زمام الفضيلة. # على أنها قاعدة لا تطرد في جميع الأحوال، فقد كان أوغسطس وتيتوس فسباسيوس وفيليب ~~الجميل ملك فرنسا وإدوارد الرابع وإسماعيل الصفوي جميعا من أقدر الرجال، ومن ~~أجملهم في زمانهم. # والتعبير في الجمال مقدم على اللون والرشاقة فيه مقدمة على التعبير، بحيث يكون ~~أجمل الجمال ذلك الجانب الذي لا تقوى الصور ms075 على تمثيله، بل لا تستوعبه العين لأول ~~نظرة. # وما من جمال فائق قط يخلو من غرابة التناسب بين أجزائه، ولا ندري لهذا أي ~~المصورين أسخف وأهزل في فنه: زيكوس اليوناني أو ألبرت دورر الألماني، فذاك يعمد إلى ~~النسب الهندسية في تصويره، وهذا يجمع شتى المحاسن من الوجوه المختلفة؛ ليتقن منها ~~تصوير وجه واحد، فلا يستحق صنعهم الإعجاب من غيرهم فيما أرى، وإنما المصور ~~كالموسيقي حين يستهوي الأسماع بوحي روحه، وإلهام سليقته لا بتوفيق الأنغام من ~~القواعد والأوزان. # وقد تلمح العين وجها تتأمله قسمة قسمة، فلا ترى في كل قسمة منه ما يروق ويونق، ~~ولكنه مع هذا في جملته رائق المحيا وسيم الطلعة. # وإذا صح ما قيل من أن قوام الجمال رشاقة الحركة، فلا عجب أن ترى الناس مع السن ~~يزدادون في السمت والوسامة، كما قيل في المثل القديم: جميل خريف الجميل. # فالسمت في الشباب لا يتاح بغير تجميل ومجاوزة، والسمت فيه مدين لسن ~~الشباب. # والجمال بعد كفاكهة الصيف يسرع إليها العطب، ولا يقسم لها الدوام، ويتفق كثيرا ~~أن يقود الشباب إلى العربدة، ويخل باتزان الشيخوخة، ولكنه مع هذا يزيد بهاء ~~الفضيلة، ويحجب دمامة الرذيلة حين يصان عن الابتذال. # الانتقام # الانتقام ضرب من العدل الآبد الجموح، كلما هجمت عليه طبيعة الإنسان وجب على ~~القانون أن يمحوه ويقتلعه، فإن العدوان الأول لا يتجاوز أن يكون إساءة إلى القانون، ~~أما الانتقام لذلك العدوان فهو يعطل عمل القانون وينزع وظيفته من بين يديه. # والمنتقم ند للمعتدى عليه، ولكن المسامح الغفور أعلى منه وأكرم، وما زال من شأن ~~الأمراء أن يهبوا العفو والغفران، وقد قال سليمان الحكيم: «مجد الإنسان أن يمر ~~بالإساءة مر الكرام.» # وما مضى فات ولا يعود، وحسب العقلاء ما يشغلهم من شئون الحاضر والمستقبل، وإنما ~~يعبث في حق نفسه من يعنيها بما مضى من أوقاته وشئونه. # وما من أحد يبغي أن يسيء حبا للمساءة، وإنما يسيء المسيء طلبا لمنفعة أو مسرة ~~أو رفعة، فما بالي أغضب على إنسان لأنه يحب نفسه فوق ms076 حبه إياي؟ أما الذي يسيء لأنه ~~مطبوع على الإساءة، فالغضب منه أعجب؛ لأن مثله كمثل الشوك الذي يخدش ويطعن؛ لأنه لا ~~يحسن غير ذلك. # إن أدنى الانتقام إلى القبول لذاك الانتقام للإساءات التي لا يصلحها القانون، ~~ولكن على المنتقم في هذه الحال أن يجعل انتقامه كذلك، بحيث لا يعاقب القانون عليه، ~~وإلا كان عدوه راجحا عليه، وقد بادله واحدة باثنتين! # ومن الناس من إذا انتقموا أحبوا أن يعرف غريمهم من أين جاءته النقمة، وهو أدنى ~~إلى الكرم والنخوة، إذ لا تكون غبطة المنتقم بمحض الضرر، بل بحمل غريمه على الندم، ~~إلا أن الطبائع اللئيمة الماكرة ترسل انتقامها كالسهم الذي ينطلق في الظلام. # وقد كانت لكوسموس دوق فلورنسة كلمة يائسة يقولها عن أصدقائه الخونة، كأنه يرى أن ~~أشباه هذه الأخطاء لا تقبل الغفران، فكان يقول: «إننا أمرنا بأن نغفر لأعدائنا ولم ~~نؤمر بأن نغفر لأصدقائنا.» # ولكن سجية أيوب قد ارتفعت إلى نغم أجمل وأفضل حين قال: أنأخذ من يد الله ما يسر، ~~ولا نرضى أن نأخذ منها ما يسوء؟ # وهكذا يكون القول في الأصدقاء على قدرهم. # ومن المحقق أن الرجل الذي يفكر في الانتقام يبقي جراحه مفتوحة دامية، وهو لولا ~~ذلك أحرى أن تندمل وتبرأ. # والانتقام العام على الأرجح مقرون بالتوفيق، كالانتقام لموت قيصر وبرتيناكس وهنري ~~الثالث الفرنسي وغيرهم كثيرون. # أما الانتقام الخاص فالأمر فيه على خلاف ذلك؛ لأن الرجل الحقود الذي لا يصفح يعيش ~~عيشة السواحر بين الأذى والكيد والبأساء. # الشدة # كانت كلمة عالية من سنيكا على نمط الحكماء الرواقيين، حيث قال: «إن حسنات الرخاء ~~موضع رغبة، أما حسنات الشدة فموضع إعجاب.» # والمعجزات - إذا كانت هي السيطرة على الطبيعة - فهي إذن أظهر ما تكون في أيام ~~الشدة والبلاء. # وأعلى من تلك الكلمة - أعلى جدا مما ينتظر من وثني - قوله: «إن العظمة الحقيقية ~~أن يكون لك ضعف إنسان ومنعة إله.» # وإنها لكلمة أحق بالشعر المنظوم، حيث تسوغ هذه المبالغات، وقد شغل الشعراء حقا ~~بهذا المعنى، وهو الملحوظ في تلك الأسطورة التي ms077 لا تخلو من سر وتعد من أقرب ~~الأساطير إلى روح المسيحية، ونعني بها أسطورة هرقل حين ذهب لإطلاق برومثيوس، فعبر ~~البحر اللجي في قدرة من فخار، وكأنما تمثل هذه الأسطورة عزيمة المسيحي الذي يعبر ~~أمواج هذه الدنيا في زورق واهن من اللحم والدم. # ونهبط من شاهق المبالغات فنقول: إن فضيلة الرخاء هي الاعتدال، وفضيلة الشدة هي ~~الصبر والعزم الجليد، وهي في مراتب الأخلاق أسمى وأشبه بالبطولة . # والرخاء بركة العهد القديم، أما الشدة فهي بركة العهد الجديد الذي هو طبقة من ~~هداية الله أرفع، ومن وحي الله أوضح وأصفى. # على أنك - حتى في العهد القديم - تسمع من مزامير داود نوح المآتم كما تسمع أناشيد ~~الأعراس، وقد كانت عناية الكتاب بتفصيل محنة أيوب أكبر من عنايته بمتع ~~سليمان. # وما خلا الرخاء قط من محاذر ومشنوءات، ولا خلت الشدة قط من سلوة ورجاء. # وقد نتبين العبرة في مصنوعات الوشي والتطريز، حيث نرى أن الظهارة المفرحة على ~~البطانة القاتمة أسر وآنق من الظهارة القاتمة على البطانة المفرحة، وخليق بهذا أن ~~يطرد في الحكم على مسرة القلوب، كما يطرد في مسرة العيون. # والحق أن الفضيلة كالعطر النفسي أجمل ما يسطع حين يحرق أو يعرك، ومن شأن الرخاء ~~أنه أصلح ما يكون لكشف الخسة والرذيلة، أما الفضيلة والعظمة فلا يكشفهما شيء ~~كالمحنة والبلاء. # الموت # يخاف الناس الموت كما يخاف الأطفال ولوج الظلام، ويزداد خوفهم بالأحاديث ~~والروايات كما يزداد خوف الأطفال. # والتأمل في الموت كأنه «أجرة الخطيئة»، ومجاز العالم الآخر ورع وصلاح، ولكن الخوف ~~منه - كأنه حق على طبيعة الأحياء - جبن وخور. # وقد جاء في كلام رجال الدين عن الموت مزيج من الوهم والغرور، فأنت تقرأ في بعض ~~كتبهم عن صرعات الموت أن الإنسان قمين أن يعرف ما فيها من الألم إذا أصيب في طرف ~~إصبعه، فيقيس عليه ألم الجسم كله حين يعمه الفساد والانحلال، مع أن الموت كثيرا ما ~~يحل بالإنسان وألمه أهون من ألم جارحة من الجوارح، وليست أهم الأعضاء أسرعها حسا، ~~بل حقيقة الأمر ms078 أن حواشي الموت أرهب من الموت نفسه، كما يفقه من هو فيلسوف وعالم ~~بطبائع الأشياء، فإن الأنين والاختلاج وبكاء الإخوان ولباس الحداد، ومشهد الجنازة ~~وما شباهها لهي التي تظهر لنا الموت في ذلك المظهر المفزع المرهوب. # وحقيق بالالتفات أنه ما من سورة في نفس الإنسان إلا وهي كفؤ، بل غالبة للخوف من ~~الموت، فلا يكونن الموت إذن ذلك العدو المرهوب حيث يكون الإنسان في هذه الصحبة - ~~صحبة السورات النفسية - التي تتيح له مناجزته والغلبة عليه! # فالانتقام يغلب الموت، والحسب يستهين به، والشرف يتطلع إليه، والحزن يطير إليه، ~~والخوف يذهل عنه، بل نحن نعلم من تاريخ العاهل «أوتو» أن كثيرا من الناس قتلوا ~~أنفسهم حنوا ورحمة حين ذبح مليكهم نفسه، وهم من أصدق رعاياه. # ويضيف «سنيكا» رونقا إلى المعنى حين يقول: «قد يموت الرجل وليس بشجاع ولا بائس، ~~إنما يموت سآمة من حياة يكرر فيها الشيء بعد الشيء مرات.» # ومما هو أجدر مما تقدم بالالتفات أن نلاحظ ضآلة ما يحدثه الموت من التغير في جأش ~~بعض المحتضرين، الذين يظلون على حالهم من الثبات إلى الرمق الأخير، فمات أوغسطس وهو ~~يحيي زوجته قائلا: «ليفيا! تذكري حياتنا الزوجية وعيشي واسعدي.» # ومات طيبريوس كما قال المؤرخ تاسيتس، وهو يهبط في قوة الجسد ولا يهبط في قوة ~~الدهاء والمواربة، ومات فسباسيان مازحا وهو يجلس على المقعد قائلا: «أحسبني سأصير ~~إلها.» ومد غلبا رقبته وهو يصيح بالجلاد: اضرب إن كان في ذلك خير لأمة الرومان، ~~وقال سبتيموس سفيروس: انظر هل بقي لي ما أعمل! # إلى كثير من أمثال ذلك. # ولقد غلا الرواقيون في العناية بأمر الموت حتى ضاعفوا الرهبة منه بكثرة التأهب له ~~والعناية به، وأحسن من ذلك أن يقال: إن الرقدة الأخيرة تحسب من نعم الحياة، ومن ~~الطبيعي أن يموت الإنسان كما يولد، بل ربما كان كلاهما للطفل الصغير على درجة واحدة ~~من الألم. # إن الذي يموت في مسعى مجد حثيث لكالذي يجرح في حمية الجهاد لا يحس ساعة الجرح ~~بألمه، ومن ثم يستطيع العقل ms079 المستغرق في العمل النافع أن يتجنب مخاوف الموت، وصدقني ~~أن أعذب الأنغام لهي نغمة المنشدين: «الآن تظلل عبدك يا سيد حسب قولك بسلام.» حينما ~~يبلغ الإنسان غاية مسعاه، ويحقق الرجاء فيه. # ومن مزايا الموت أنه يفتح الباب للذكر الحسن، ويخمد جذوة الحسد كما قيل: إنك ستحب ~~حين تموت. # حكمة المعاش «أو حكمة المرء لنفسه» # النملة مخلوق حكيم في شئون نفسه، ولكنه خبيث في شأن البستان أو الحديقة، وكذلك ~~الحكماء من الناس في أمور أنفسهم يهدرون المصالح العامة في سبيلها. # والواجب أن تقسم بين حب النفس وحقوق المجتمع قسمة رشيدة، وليكن من صدق إخلاصك ~~لنفسك ألا تكون غاشا لغيرك، ولا سيما الملك والوطن. # وإنه لمحور ضئيل أن يدور عمل الإنسان كله حول أثرته وهواه، تلك نزعة أرضية لا ~~تعرف غير مركزها، على حين تدور الكائنات التي لها قبس من السماء جميعا حول كائن ~~آخر تتحرى موافقته. # والرجوع بكل شيء إلى «الذات» خصلة ترتضى من الأمير المالك؛ لأن ذاته في الواقع ~~ليست بذاته وكفى، وإنما يعود خيره وشره على حظوظ الأمة بأسرها. # أما أن تكون هذه الأثرة في نفس رجل من رعايا الملك، أو خادم من خدام الجمهورية ~~فذلك هو الشر الموبق، إذ ما من قضية تمر بيديه في هذه الحالة إلا وجهها إلى وجهته، ~~التي تختلف كثيرا لا محالة عن وجهة سيده وحكومته. # ولهذا وجب على الأمراء والحكومات أن يختاروا أعوانهم من غير أصحاب هذا الخلق، إلا ~~أن تكون وجهتهم التي يخدمونها تالية في اعتبارهم للوجهة العامة، فمما يضاعف الشر أن ~~خلق الأثرة في الأعوان يخل بحدود التناسب كل الإخلال؛ لأن تقديم مصلحة التابع على ~~مصلحة المتبوع فيه الكفاية من الإخلال بتناسب الأمور، فإذا تمادى به الشطط حتى يجعل ~~مصلحته الصغيرة مقدمة على مصالح سيده الكبرى، فذلك هو النهاية في قلب ~~الأوضاع. # وتلك هي حال أعوان السوء من الولاة والخزنة والسفراء والقادة وغيرهم من خونة ~~الموظفين والمستخدمين، الذين ينقادون لمآربهم ومنافساتهم، ويهدرون في سبيلها أهم ~~المصالح الموكولة إليهم من سادتهم، وهذا ms080 فضلا عن أن النفع الذي يأخذونه شبيه ~~بأقدارهم، وأن الضرر الذي يبذلونه في لقائه شبيه بأقدار أولئك السادة، ويصدق فيهم ~~حينئذ أنهم كالذي يحرق البيت كله ليشوي على الحريق بيضات لطعامه. # ومن العجب أن أمثال هؤلاء يظفرون أحيانا بالحظوة عند سادتهم؛ لأنهم يصرفون همهم ~~كله إلى مرضاة السادة ومنفعة أنفسهم، وينسون مصلحة العمل في سبيل هذين ~~الغرضين. # وعلى هذا يقال: إن حكمة المرء لنفسه شيء معيب ، وفيه مشابهة لحكمة الجرذان التي ~~تستوثق من هجر المنزل قبل سقوطه، أو حكمة الثعلب الذي يطرد السرعوب الذي يأويه في ~~حجره، أو حكمة التمساح الذي يذري الدمع وهو يلتهم فريسته! # وجدير بالتنبه إليه ها هنا أن أولئك الذين يصفهم شيشرون بأنهم «محبو أنفسهم بغير ~~مزاحم» هم من وجوه عدة تعسون، يضحون بكل شيء لإسعاد حظهم، ثم يصبحون في نهايتهم ~~ضحية نزوة من نزوات الحظ القلب الذي خيل إليهم أنهم قبضوا على جناحيه. # المكر # المكر في عرفنا ضرب من الحكمة العسراء أو الحكمة العرجاء، والفرق كبير بين رجل ~~حكيم ورجل ماكر، ولا نعني الفرق في النزاهة وحسب، بل نتجاوزها إلى الفرق في المقدرة ~~والكفاءة. # وقد يحسن الرجل تنضيد الورق ولكنه لا يحسن اللعب، وعلى هذا النحو يحسن الرجل الدس ~~والمكيدة، وهو فيما عدا ذلك عاجز ضعيف. # ولنعلم أن فهم النفوس شيء وفهم المسائل والأمور شيء آخر، فكم من رجل ذي حظوة مع ~~الناس لا يضطلع بعمل كبير، وهو في الغالب نمط الرجال الذين درسوا الناس فوق دراسة ~~الكتب والعلوم، وأمثال هؤلاء هم أصلح للحيلة والمداراة منهم للمشورة والنصيحة، ولا ~~يصلحون مع ذلك إلا في البيئات التي درجوا عليها، فلا يلبثون أن يضلوا الطريق إذا ~~وضعتهم بين رفاق غير رفاقهم ومعشر غير معشرهم، ومن ثم لا تصدق عليهم كلمة الأول ~~الذي قال: «إن أردت أن تعرف الأحمق من الكيس، فأرسلهما عاريين وانظر ماذا ~~يصنعان.» # وإنما هؤلاء المكرة كالبائع الطواف الذي يلفق في تجارته البخسة بين بعض السلع ~~الصغيرة، فليس من العسير أن تفضح هنا سر بضاعتهم ms081 المزجاة. # فمن ضروب المكر أن تطيل النظر بعينيك إلى من تحدثه على دأب اليسوعيين، وكأي من ~~عاقل له قلب مكنون وطلعة صافية! وقد يحدث ذلك بالإغضاء أحيانا في حياء ووداعة كدأب ~~اليسوعيين كذاك. # ومن ضروبه حين تكون حريصا على بلوغ مأرب هام أن تلهي من لديه هذا المأرب بأحاديث ~~أخرى في غير هذا الصدد؛ لكيلا يتيقظ للاعتراض والمناقشة، وقد عرفت مستشارا من ~~أمناء السر لم يمثل قط بين يدي الملكة اليصابات لتوقيع بعض الأوراق، إلا بدأ الحديث ~~في معارض شتى من أحوال الدولة؛ ليصرف اهتمامها عن تلك الأوراق. # وشبيه بهذه المفاجأة أن تبعث المسائل لصاحب الشأن وهو في عجل لا يتيح له أن ينعم ~~النظر فيما هو معروض عليه. # وإذا أحب أحد أن يعرقل عملا يتوقع من غيره أن يعرضه على نحو مقبول، فعليه هو أن ~~يصطنع الغيرة على إنجازه، ويبادر بعرضه على النحو الذي يستوجب إحباطه والنفرة ~~منه. # واعلم أن اقتضابك الحديث كأنك هممت بقول، وعدلت عنه هو من دواعي الفضول في نفس ~~محدثك، ويضاعف اشتياقه إلى المزيد. # وأجدى لك أن تلقي الكلام بعد سؤالك عنه من أن تتبرع به غير مسئول، فعليك أن تطرح ~~لمحدثك طعما للسؤال بتغيير سحنتك التي تعودها منك، فينفتح أمامه الباب لسؤالك عن ~~علة هذا التغير، كما صنع نحميا «يوم أراد أن يسأله الملك في الأمر الذي يعنيه، فبدا ~~مكمدا أمامه على غير مألوفه». فبادر الملك إلى سؤاله: «لماذا وجهك مكمد وأنت غير ~~مريض؟» # ويحسن في الأمور الحساسة المسيئة أن ترود الطريق أولا بكلام ليس بذي بال، وتؤجل ~~الكلام الخطير إلى أن يأتي عرضا كأنه غير مقصود. # كما صنع نرجس حين قص على العاهل كلوديوس نبأ بناء زوجته مسالينا بزوج آخر في ~~حياته هو الشيخ سيليوس # Silius ~~. # ويحسن في المسائل التي يحب المرء أن يواري فيها بواطنه أن يستعير لسان الدنيا ~~ليقول ما يريد، فيقول مثلا: إن «الدنيا كلها تتحدث بهذا، وإنه قد شاع على الألسنة ~~كيت وكيت.» # وقد عرفت رجلا كلما أرسل كتابا ms082 في مسألة تعنيه أضافها إلى ذيل الحاشية، كأنها ~~جاءت بغير اكتراث. # وعرفت آخر كلما تهيأ للكلام تخطى ما يعنيه خاصة، ومضى إلى غيره، ثم عاد إليه كأنه ~~قد أوشك أن ينساه. # وآخرون يهيئون لمن يقصدونهم فرصة مفاجأتهم وفي أيديهم خطاب أو عمل مستغرب منهم، ~~حتى يساقوا إلى البوح بما هم راغبون في بيانه. # ومن ضروب المكر أن توحي إلى غيرك بكلام يقوله بدلا منك، ثم تستفيد من نسبته ~~إليه. # وقد عرفت رجلين كانا يتنافسان على منصب من مناصب أمانة السر عند الملكة اليصابات، ~~ولكنهما بقيا على وفاق بينهما يتشاوران في المسألة، ولا يظهران المنافسة، فقال ~~أحدهما لصاحبه: إن أمانة السر في عهد إدبار الدولة عمل محرج فهو لا يتطلع إليها، ~~فذهب صاحبه يعيد هذه الكلمات مع رفاقه، ويقول: إنه لا يجد باعثا له إلى طلب أمانة ~~السر في عهد الإدبار، فأسرع منافسه وعني بإبلاغ الملكة هذا الكلام على لسان غيره، ~~فغضبت الملكة أشد الغضب من وصف عهدها بالعهد المدبر، ولم تكن من ساعتها تطيق ترشيح ~~الرجل لتلك الوظيفة. # وفي إنجلترا ضرب من المكر يصطلحون على تسميته «بتقليب القرص في المقلاة»، وفحواه ~~أن يفضي الرجل بكلام إلى محدثه، ثم يزعم أن محدثه هو الذي أفضى به إليه، ولا ريب ~~أنه لمن أعسر الأمور إذا كان مدار الحديث بين اثنين أن تعرف من منهما المبدئ به ومن ~~المعيد. # ومن أساليب إلقاء الشبهات عند بعض الناس أن يعمدوا إلى ذكرها بصيغة النفي ~~والتلميح! كذلك فعل تيجلينس # Tigellinus # وزير ~~نيرون، إذ التفت إلى برهوس # Burrhus ~~، وقال: «إنني ~~لا أرى موضعا للخلاف إلا من حيث تمس سلامة الإمبراطور.» # ومن الناس من لا يزالون على استعداد بصنوف من الحكايات والنوادر، بحيث لا يومئون ~~إلى شيء أو يوعزون به إلا استطاعوا أن يضمنوه حكاية أو نادرة، فيجمعون بين الاحتراس ~~في الحديث وبين الإفضاء به في قالب يسر سامعيه. # ويعد من أفانين المكر الناجح أن يصوغ المرء الجواب الذي يريده في قالبه هو ~~وتعبيره، فيقل التشبث به من ms083 الطرف الآخر. # وأغرب ما يلاحظ أن تراقب بعضهم كم يطول انتظارهم للوقت الذي يفوهون فيه بطواياهم، ~~وكم يحومون ويحومون حول الغاية التي يتعمدونها، وكم يطرقون من المواضع البعيدة؛ ~~ليقتربوا من تلك الغاية ... إنه لصبر عجيب ولكنه غير قليل. # ويتفق كثيرا أن يؤدي السؤال الجريء المفاجئ إلى استطارة الإنسان وفتح مغاليقه، ~~ومن هذا القبيل ذاك الذي بدل اسمه وخرج يتمشى، فغافله بعضهم من ورائه وناداه على ~~غرة باسمه الصحيح، فنسي نفسه واستدار على عجل إليه. # ولا نهاية لهذه الأفانين الصغيرة من بضاعة المكرة، وحبذا لو تيسر إحصاؤها جميعا ~~في سجل محفوظ، إذ ليس أضر بالدول من الاغترار بالمكرة، وحسبانهم حكماء ~~وعقلاء. # على أن بعضهم قد يعرف ضروب المكر، ولا يعرف مع هذا مداخلها ومخارجها، مثلهم مثل ~~البيت الذي حسنت أبوابه وسلالمه، ولم تحسن حجرة واحدة من حجراته، فتراهم ينتهون إلى ~~حلول مقبولة، ولكنهم لا يقدرون على بحث المسائل ومناقشتها، ويروقهم كثيرا مع عجزهم ~~هذا أن يحسبوا من ذوي القدرة على العبث بالآخرين وتسخيرهم، ويعتمدون على غش الآخرين ~~دون المبالاة بصواب تصرفاتهم، ولكن سليمان الحكيم يقول: «حكمة الذكي فهم طريقه ~~وغباوة الجهال غش ... والغبي يصدق كل كلمة، والذكي يتنبه إلى خطواته.» # الفتن والقلاقل # رعاة الشعوب أحوج الناس أن يعرفوا علامات العواصف، التي تهب على الحكومات، وتشيع ~~عندما تزول الفوارق وتتقارب الأقدار، كما تشيع عواصف الطبيعة عندما يتساوى الليل ~~والنهار، وللدول علامات قبل هبوب العواصف عليها كتلك العلامات التي تشاهد في انطلاق ~~الهواء وجيشان الماء قبل هبوب الأعاصير، وكثيرا ما تنذرنا الشمس - كما قال فرجيل - ~~بما في الغيب من قلاقل هوجاء وحروب خفية. # ومن تلك العلامات شيوع الحملات والمثالب التي ترمى بها الحكومات، ووفرة الأخبار ~~الكاذبة التي تحوم حول الحكومات وتتلقاها الأسماع بالقبول السريع، وقد نسب ڨرجيل ~~الشهرة أو الإشاعة فقال: إنها أخت الجبابرة والعمالقة، وإن الأرض أوغرها الغضب على ~~السماء، فأخرجت الشهرة أو الإشاعة من جوفها وكانت آخر الذرية. # وكأنما الإشاعات بقايا فتن مضت، وهي في الحقيقة طلائع فتن ستأتي من عالم ms084 الغيب، ~~على أنه قد أحسن التشبيه حيث رأى أن الإشاعات والقلاقل لا تختلف فيما بينها، إلا ~~كاختلاف الشقيقة من الشقيق والذكر من الأنثى، ولا سيما حين يصل الأمر إلى الحد الذي ~~يساء فيه الظن بأجمل أعمال الحكومات وأدعاها إلى الرضى والثناء، وذاك كما قال ~~«تاسيتس»: إن الشهرة السيئة إذا استعاض أمرها، واشتعل لهيبها كان سيئ الأعمال ~~وحسنها على السواء من دواعي المقت والاستياء. # ولا يلزم من هذا أن الفتن تتقى بالصرامة المفرطة في قمع الإشاعات السيئة، إذ كانت ~~هذه الإشاعات من علامات الفتنة، فإن احتقارها في كثير من الأحيان ربما كان أدعى إلى ~~انقضائها، من حيث يطول أجلها بمحاولة القضاء عليها. # وينبغي الارتياب أيضا في ذلك الضرب من الطاعة، الذي تحدث عنه تاسيتس، حيث قال: ~~«إنهم يؤدون واجباتهم، ولكنهم يؤدونها مع هذا وبودهم لو ينقدون رؤساءهم ولا ينقادون ~~لهم.» # فإن اللجاجة والاتهام واللغط في حديث الأوامر والتدبيرات كلها نوع من نفض النير ~~عن الأعناق ومحاولة العصيان، ولا سيما يوم يلاحظ أن الذين يدافعون عن الأوامر ~~والتوجيهات يدافعون عنها هامسين هيابين، وأن الذين ينكرونها يعلنون إنكارها مجترئين ~~غير حافلين. # وقد أحسن ماكيافيلي الملاحظة بانتباهه إلى سوء العاقبة، إذ يجنح الأمراء إلى جانب ~~من جوانب الشعب، وهم أحجى أن يكونوا آباء لجميع أحزابه على السواء، فتلك أشبه ~~الأحوال بحال الزورق الذي يوشك أن ينقلب لثقل الوسق فيه على جانب دون جانب، ومثل ~~ذلك حدث في عهد هنري الثالث ملك فرنسا، إذ تحالف مع بعض رعاياه لاستئصال الطائفة ~~البروتستانتية، ثم انقلب هذا الحلف عليه بعيد ذلك بقليل، وذاك أن سلطان الملوك إذا ~~أصبح تابعا لقضية من القضايا، وأصبحت هناك قيود أوثق رباطا من رباط السيادة ~~الملكية، فقد تزعزع مكانهم، ووهنت قبضتهم على زمام الأمور. # وعلامة من علامات فقدان الحكومة هيبتها أن تجري المنازعات والشحناء علانية وبغير ~~تقية ومبالاة، فإن حركات عظماء الدولة ينبغي أن تجري على مثال حركات الكواكب ~~والسيارات في المذهب القديم، إذ يرى أصحاب ذلك المذهب أن هذه الكواكب ينبغي أن ms085 تسرع ~~الاستجابة لمصدر الحركة الأولى، وأن تتحرك هي حركتها الذاتية في رفق وسهولة. # فإذا شوهد أن عظماء الدولة في حركتهم الذاتية يعنفون بها ذلك العنف الذي ينزع ~~منهم خشية ملوكهم كما قال تاسيتس، فتلك علامة الخروج من مدارها واضطراب أمرها، وما ~~زال توقير الملوك هو الحزام الإلهي الذي يؤيدهم به الله ويحله متى شاء. # وعلى الناس أن يسألوا الله السلامة كلما اضطربت دعامة من دعائم الدولة الأربع، ~~وهي الدين والقضاء والمشورة والخزانة. # ولندع هذا الحديث عن علامات الفتن لنزيده إيضاحا فيما يلي، ونأخذ أولا في ~~الحديث عن مادة الفتنة، ثم بواعثها ثم وسائل علاجها. # فأما مادة الفتنة فشيء لا غنى عن دراسته مذ كان خير الوسائل لاتقاء الفتنة، حيثما ~~اتسع الوقت لاتقائها أن تنزع منها مادتها، ونحن لا نعلم - والوقود حاضر مهيأ ~~للاشتعال - متى تنقدح الشرارة التي تلهب فيه النار. # وعلى هذا نقول: إن مادة الفتنة على نوعين: أحدهما الفاقة، وثانيهما فرط السخط ~~والتذمر، وقد تبينت هذه الحقيقة من مراقبة الكثير من الدول الدائلة والأحوال ~~الحائلة، وقد لاحظ الشاعر لوكان # Lucan # أحسن ~~الملاحظة طوالع الفتنة في رومة قبل الحرب الأهلية، فقال: «وهكذا نجم الربا وجشع ~~المغانم فضياع الأمانة فالحرب التي يرجو منافعها كثيرون.» # فالحرب التي يرجو منافعها كثيرون علامة صادقة لا تخطئ من علامات الدول التي تتحفز ~~فيها الفتن والقلاقل، فإذا اقترنت هذه الزعازع المالية بالضنك والحاجة الملجة في ~~الطبقة الفقيرة فالخطر داهم عظيم؛ لأن ألعن الثورات ثورة البطون. # أما عناصر السخط والتذمر فهي في البنية السياسية، مثلها مثل الأخلاط في البنية ~~الجسدية، كلما طغت عليها الحمى في حرارة لا تطيقها. # ولا يكن هم الملوك يومئذ أن يقيسوا الخطر بمقدار ما في الشكاية من الحق والباطل؛ ~~لأن ذلك معناه أن الشعوب تحتكم إلى العقل والرشد، وهي في أحيان كثيرة تطأ على ~~منافعها بقدميها من حيث لا تدري. # ولا يكن من همهم كذلك أن يقيسوا الخطر بكبر الشكاية التي من أجلها يثورون أو ~~صغرها، فإن أخطر الشكايات لتلك التي يربى فيها ms086 الخوف على الألم كما قال پيتي في ~~رسائله: «إن الألم له حدود، أما الخوف فليس له حدود.» # وعدا هذا يشاهد في المظالم الكبرى أن الأمور التي تبتلي الصبر تحد الشجاعة ~~والجرأة في الوقت نفسه، وليس الأمر في الخوف والتوجس كذلك. # ولا يخطرن للملوك أن يأمنوا الاستياء؛ لأنه تكرر أحيانا وطال في أحيان أخرى دون ~~أن تنجم عنه الفتنة، فإنه لصحيح ولا ريب أن الزوبعة لا تأتي من كل دخان أو بخار ، ~~ولكنه صحيح كذلك ولا ريب أن الزوبعة تأتي في النهاية وإن تبدد الدخان حينا بعد ~~حين، وصدق الأسبان إذ يقولون في أمثالهم: «إن الحبل ينقطع أخيرا بأضعف ~~شدة!» # أما أسباب الفتن وبواعثها فهي البدع في الدين والضرائب، وتبديل الشرائع والعادات، ~~وانتهاك الحقوق وحرمات الامتيازات، والظلم الشامل، والوفيات، وتسريح الجيوش ~~واستيئاس الطوائف والأحزاب، وكل ما كان من شأنه الإساءة إلى الناس أن يجمعهم ويقرب ~~بينهم في قضية عامة. # ولعلاج الفتن أصول عامة يمكن الكلام فيها، أما الشفاء الحق فلا مناص من الرجوع ~~فيه إلى المرض الخاص، الذي يحسن تركه للبحث والمشورة، ولا توضع له الأصول والقواعد ~~العامة. # وأول علاج أو وقاية هو أن تزال بجميع الوسائل الميسورة مادة الفتنة، وهي الضنك ~~والفاقة، ويعتمد في ذلك على حسن الموازنة في التجارة وإحياء الصناعة، ومحاربة الكسل ~~والبطالة، ومنع التبديد والإسراف بالقوانين الحازمة، وتحسين التربة الزراعية ~~واستصلاحها، وتنظيم أسعار السلع المتداولة، والاعتدال في الضرائب والإتاوات وما ~~إليها. # وتجب الحيطة أولا لعدد السكان في المملكة - وبخاصة تلك الممالك التي لم تستنفدها ~~الحروب - لكيلا يتجاوز طاقة الإنتاج في البلد الذي يحتويهم، وليس المعول في ذلك على ~~إحصاء العدد وحده؛ لأن العدد القليل الذي ينفق الكثير قد يستنفد الموارد قبل العدد ~~الكثير الذي ينفق القليل، وازدياد النبلاء وذوي المكانة على القدر الملائم للعامة ~~وسواد الشعب وشيك أن يصيب الدولة بالفاقة، ويقال مثل ذلك في زيادة الكهان ورجال ~~الدين الذين لا يضيفون إلى إنتاج الأمة، وعلى هذا النحو زيادة المشتغلين بالعلم ~~والدراسة على القدر الصالح للمنفعة. # ولا ms087 يغب عن الذاكرة أيضا أن الزيادة في ثروة بلد إنما تؤخذ من الأجنبي عنه، ولا ~~توجد مع هذا إلا ثلاثة أصناف تباع بين أمة وأخرى، وهي الثمرات كما تخرجها الطبيعة ~~والمصنوعات وجهد العمل والتوصيل، فإذا انتظمت هذه الموارد فاضت الثروة كما يفيض ~~الجدول من الينبوع، ولا يندر أن يكون جهد العمل وتوصيله مربيا في القيمة على ~~المادة نفسها وأجلب منها لغنى الدولة، كما يشاهد في الأمة الهولندية التي لها من ~~المناجم فوق الأرض ما لا نظير له في الأرض كلها. # والسياسة الحسنة مقدمة في هذا الصدد على كل شيء، فلا يصح أن تجمع ثروات الدولة ~~وأموالها في أيد قليلة، فيتفق في هذه الحالة أن تجوع الأمة ولديها الوفرة من الزاد، ~~ومن صفة المال أنه كالسماد أصلج ما يكون إذا انتشر، وسبيل الوصول إلى ذلك أن تبسط ~~يد الرقابة على الربا الفاحش والضياع الواسعة، التي تحول من الزرع إلى المرعى، وما ~~جرى مجراها. # وإزالة أسباب السخط يرجع فيها إلى عاملين في كل دولة، وهما العلية وسواد ~~الناس. # فحيثما يكون السخط مقصورا على فريق منهما دون فريق فالخطر غير عظيم؛ لأن سواد ~~الناس بطيئون إلى الحركة ما لم يستنفرهم العلية؛ ولأن العلية قليلون لا يستقلون ~~بحركة، اللهم إلا أن يكون سواد الناس على استعداد للحركة بغير تحريض من غيرهم، ~~فهنالك الخطر الذي لا يملك فيه العلية إلا أن يتربصوا حتى تتدفق الأمواج الثائرة، ~~ثم يتجهوا بعد ذلك وجهتهم. # وفي أخيلة الشعراء أن الأرباب قد ائتمرت بينها على تقييد كبيرها جوبيتر، فأشار ~~عليه بالاس أن يرسل في طلب المارد بريارس # Briareus ~~؛ لينجده بأيديه المائة ... وهو رمز يدل الملوك على مبلغ السلامة ~~في التعويل على حسن النية والإخلاص في السواد من الناس. # والحرية المعتدلة في التفريج عن الشكايات وأسباب السخط والاستياء وسيلة طيبة في ~~اتقاء الفتنة ما لم تتجاوزه حدها إلى القحة والاجتراء، فإن حبس الأخلاط ورد القيح ~~إلى الجوف يخلقان الدمامل والأدواء. ~~••• # إن دور أبيمثيوس ليصلح لبرومثيوس في أحوال السخط والتذمر، إذ ليس ms088 ثمة عدة أصلح ~~لاتقائها، فلما طارت الشرور من الحق عمد أبيمثيوس أخيرا إلى الغطاء، فحفظ الرجاء ~~في قرارة الحق وأبقاه. # ومما لا مراء فيه أن استخدام السياسة والمحاولة في تغذية الآمال، وحمل الناس من ~~أمل إلى أمل، هو من خير ما يتخذ ترياقا مانعا لسموم السخط والشكاية، وآية من ~~الآيات على حسن تدبير الحكومة وسداد تصرفها، فتستولي على قلوب الرعايا بالأمل حيث ~~يئودها أن تستولي عليها بالكفاية، وتعالج الأمور علاجا لا يأذن لشر من الشرور أن ~~يستفحل، حتى لا تنفرج منه ندحة للرجاء، وذلك أهون الصعوبتين؛ لأن الأفراد والطوائف ~~يجدون ثمة وسائل للعزاء وتمليق أنفسهم، أو يموهون على أنفسهم ما هم مرتابون ~~فيه. # ومن الحيطة الحسنة والوقاية النافعة ألا يكون ثمة رأس صاح لاتفاق الناس حوله، ~~والالتفاف به في أيام السخط والشكاية، ونعني بالرأس الصالح من له عظمة وسمعة ~~وللساخطين به ثقة ورجاء، فيتطلعون إليه وهم يعلمون أنهم مثلهم ساخط من أجل شئونه ~~التي تعنيه. # وأمثال هؤلاء الرجال إما أن تستميلهم الدولة وتسترضيهم جدا وحقا، وإما أن ~~تقاومهم بنظراء لهم في الجماعة فيقسمونها عليهم. # وعلى الجملة لا تعد الحيلة في تفريق الطوائف التي تعادي الحكومة وإقصاء نفوذها ~~وبث الوقيعة بينها محاولة غير محمودة عند الضرورة الميئسة، وهذه الضرورة هي ~~ابتلاء الحكومة بالشقاق في أعمالها، وملاقاتها لخصوم متساندين بينهم متفقين ~~عليها. # وأذكر أن بعض الأقوال اللاذعة البراقة التي يلفظ بها الأمراء كثيرا ما تلهب ~~نيران الفتن والقلاقل، فقيصر قد أضر بنفسه غاية الضرر بقوله عن سولا: (إنه لا يعرف ~~الكتابة ولذلك يملي إرادته.) لأن هذه التورية قد أيأست الناس من تخليه يوما من ~~الأيام عن سلطان الاستبداد، وأساء غلبا Galba إلى نفسه، حيث قال: إنه لا يشتري ~~جنوده ولكنه يكبتهم، فأيأس منه الجنود وأمثالهم. # فعلى الملوك في الأيام الحرجة والمسائل الحساسة أن يحاسبوا ألسنتهم على ما تلفظ ~~به، ولا سيما تلك الكلمات القصار التي تنبعث انبعاث السهام، وتكشف للناس عن ~~طواياهم؛ لأن الأحاديث الفياضة شيء عريض لا يمسك ولا يعلق بالذاكرة. ms089 # والقول الأخير: إن الملوك حريون أن يجعلوا حولهم رجلا أو رجالا من أولي الشجاعة ~~العسكرية لقمع الفتن في أوائلها، وبغير ذلك يخشى أن يقع في البلاط عند ابتداء ~~الفتنة، أكثر مما ينبغي من القلق والإحجام، وتتعرض الحكومة للخطر الذي أشار إليه ~~تاسيتس، حيث قال بعد مقتل غلبا بأيدي جنوده: «لقد كان قليلون يجسرون على هذه الفعلة ~~وكثيرون يتمنونها، وجميعهم يرضون بها ويقرونها.» # ومن اللازم لهؤلاء الرجال أولي الشجاعة الذين يحفون بالملوك أن يكونوا على ~~اطمئنان وسمعة حسنة، لا أن يكونوا حزبيين أو ذوي شهرة شعبية، وأن تعمر الصلة بينهم ~~وبين عظماء الدولة الآخرين، وإلا كان الدواء شرا من الداء. # المناصب الرفيعة # الرجال في مناصبهم الرفيعة خدم مثلثو الخدمة: خدم لملك الدولة، وخدم للسمعة، وخدم ~~للعمل والمصلحة، فلا حرية لهم في أنفسهم ولا في أعمالهم ولا في أوقاتهم. # وأعجب الرغبات أن يرغب الإنسان في السيطرة ويفقد الحرية، أو أن يطلب السلطان على ~~الآخرين ولا سلطان له على نفسه. # إن الصعود إلى المناصب الرفيعة لمشقة مجهدة، ومن ألم ينتقل المرء إلى ألم أشد منه ~~وأضنى، وكثيرا ما يتوسل المرء بالخسة إلى الرفعة، وينشد الكرامة بالتفريط في ~~الكرامة. # وإن الوقوف في الطريق مزلقة، أما الرجوع فهو إما سقوط أو احتجاب وكسوف، وهو محزنة ~~مجلبة للأسى، وقد قال شيشرون: «إذا أصبحت غير ما كنت فلا معنى لأن تعيش.» # على أن المرء لا يعتزل المنصب كما يريد، ولا يعتزله بحكم العقل والحكمة، ولكنه ~~برم بالعزلة حتى في الشيخوخة والسقم الذي يتطلب الظل والمأوى، كأنه «ابن البلد»، ~~الذي يظل على عادته من الجلوس في الطريق أمام داره وإن عرض شيخوخته للسخرية. # وأحسب الرجال في مناصبهم الرفيعة مفتقرين إلى آراء غيرهم؛ ليخيل إليهم أنهم ~~سعداء، فإنهم إذا رجعوا إلى آرائهم لم يجدوا السعادة هناك، إنما يفكرون في أفكار ~~الناس عنهم، وإن غيرهم يود لو يدركهم فيخامرهم الشعور بالسعادة، كأنه إصابة العدوى، ~~أما في ضمائرهم فهم قد يعرفون منها نقيض ما يعرفه غيرهم؛ لأن المرء أول من يشعر ms090 ~~بحزنه وإن لم يكن أول من يشعر بخطئه. # والحق أن الرجال في المناصب الرفيعة غرباء عن أنفسهم، ولا يزالون في شغلهم ~~مشغولين عن تعهد صحتهم، سواء من جانب الجسد أو من جانب الفكر والقريحة، وقد قال ~~سنيكا: «إن الموت يهبط ثقيلا على من يموت، وهو لا يدري وغيره يدرون جد ~~الدراية.» # ويستطيع صاحب المنصب الرفيع أن يفعل الخير والشر، وفعل الشر لعنة، فإن أحسن ~~الحالات بالنظر إليه ألا تريده، وتليه الحالة اللاحقة وهي ألا تستطيعه. # لكن استطاعة الخير هي المسوغ الحق الجميل للطموح إلى الرفعة؛ لأن النيات الخيرة - ~~وإن كانت مقبولة عند الله - ليست في حسبان الناس إلا كالأحلام ما لم تخرج من حيز ~~النية إلى النفاذ، ولا يتسنى ذلك إلا بقوة المنصب الذي يشرف منه الرجل على ~~سواه. # وللمرء في جهده غاية هي الأفضال وصالح الأعمال، وإن رؤية هذه الغاية تتحقق لهي ~~الرضا والغبطة، ومن تشبه بالله في الخلق حري أن يتشبه به في النظر إلى آثاره، وقد ~~جاء في التنزيل: «أنه - جل شأنه - نظر إلى صنع يديه فإذا هو كله جميل بالغ في ~~الجمال»، ومن ثم جاء «السبت» والرضى «بعد ستة أيام من الخلق والتكوين». # وعليك في تصريف أعمالك أن تتخذ القدوة لأنها هداية، ثم تتخذ نفسك مقياسا لك بعد ~~فترة من الزمن؛ لترى هل كان صنيعك في البداية خيرا من ذاك، ولا تنس أمثلة الذين ~~أساءوا الصنيع في مثل مكانك؛ لتجتنب الإساءة لا لتنحي باللائمة عليها. # فكن إذن مصلحا بغير زهو ولا ملامة للأزمنة السابقة أو الرجال السابقين، وليكن ~~همك أن تنشئ السوابق الحسنة لمن يليك، كما تتبع السوابق الحسنة ممن تقدم ~~عليك. # وارجع بالأمور إلى أصولها لتنظر كيف حاق بها النقص والإدبار، واقتبس العبرة من ~~كلا الزمنين: من الزمن السابق فيما هو الأكمل، ومن الزمن الأخير فيما هو الأصلح ~~والأوفق والميسور بالقياس إليه. # واجعل عملك على وتيرة منتظمة ليعرف الناس سلفا ما يترقبون منك، ولكن لا تلتزم ~~الجزم والجمود على حال، وحسبك إذا انحرفت عن جادتك ms091 أن تحسن الإبانة عن علة هذا ~~الانحراف. # واحفظ لمنصبك حقه، ولكن في غير حاجة إلى إثارة النصوص القانونية، وإنما تحفظ له ~~حقه في سكون، وبالعمل الواقع دون اللجاجة والدعوى. # واحفظ كذلك حق ما دونك من المناصب، واعتبر أنه لأشرف لك أن توجه مرءوسيك وأنت في ~~مكان الرئاسة من أن تتولى أعمالهم كلها بيديك. # واطلب المعونة والنصيحة فيما يمس منصبك، ولا تقص عنك أولئك الذين يتطوعون لك ~~بأخبارهم ومعلوماتهم كأنهم فضوليون، بل تقبل منهم أحسن قبول. # وللسلطان آفات أشهرها أربع: وهي التراخي والفساد والصلف والمحاباة. # وعلاج التراخي تسهيل الوصول إليك وتعيين المواعيد، وإتمام ما في يدك، واجتناب ~~المداخلة بين الأعمال إلا للضرورة التي لا محيد عنها. # وعلاج الفساد لا ينحصر في كف يدك أو أيدي أعوانك عن الأخذ، بل ينبغي مع ذلك أن ~~تكف أيدي الطلاب وأصحاب الحاجات عن العطاء، فإن النزاهة المفهومة تؤدي أحد هذين ~~الغرضين، ولكن النزاهة المصرح بها في مقت واضح للرشاوى تؤدي الغرض الآخر، ولا يكن ~~قصاراك أن تتجنب الغلطة دون أن تتجنب معها المظنة. # ومن مظنة الرشوة والفساد تقلب الخطط واختلافها البين بغير سبب بين؛ ولهذا يجمل بك ~~كلما غيرت رأيك أن تجهر بتغييره وبالسبب الذي دعاك إليه، ولا تفعل ذلك خلسة في ~~الخفاء. # ومن مظنة الرشوة والفساد أن يكون لك تابع في موضع الثقة والسر، ولا يرى له من ~~الجدارة ما يفسر هذا التقريب. # أما الصلف والخشونة فهما مجلبة للشكاية في غير ضرورة، وإذا كانت الصرامة تبعث ~~الخوف فإن الصلف ليبعث الكراهية، بل حتى اللوم من الرئيس في معرض العقاب ينبغي أن ~~يقترن بالوقار، ولا يتجاوز ذلك إلى التعيير والإيجاع. # أما المحاباة فهي شر من الرشوة؛ لأن الرشوة تأتي بين حين وحين، ولكن الرجل الذي ~~يحابي ويجامل لا يزال بمعزل عن الإنصاف، كما قال سليمان الحكيم: «محاباة الوجوه ~~ليست صالحة فيذنب الإنسان لأجل كسرة خبز.» # وصدق الأقدمون حيث قالوا: «إن المنصب يكشف الرجال بعضهم لما هو أجمل وبعضهم لما ~~هو أقبح» ... وقد قال تاسيتس عن ms092 غلبا: إنه كان مرشحا لولاية الملك بالإجماع لو لم ~~يتول الملك فعلا ... «وقال عن فسبسيان: إنه الإمبراطور الوحيد الذي تبدل بعد الولاية ~~خيرا مما كان.» وإن كان الكاتب قد عنى الكفاية في ذاك، وآداب المعاملة والأخلاق في ~~هذا. # وإنها لعلامة من علامات النبل في الطبيعة أن تنصلح ببلوغ الشرف والجاه؛ لأن مكان ~~الشرف والجاه هو مكان الكفاءة، وكما يشاهد في الطبيعة أن الأشياء عنيفة الحركة حين ~~تندفع إلى أماكنها، ولكنها قليلة العنف حين تتحرك في أماكنها، كذلك الكفاءة تتحرك ~~مع الطموح عنيفة وعند الوصول إلى مكانها هادئة رصينة. # وسلالم الصعود إلى المناصب الرفيعة كلها حلزونية لفافة ... فإن كانت هناك شيع فمن ~~الحسن للمرء أن يتحيز وهو صاعد، وأن يلتزم الحيدة وهو واصل. # وعليك أن تنصف ذكرى الأسلاف؛ لأنك إن تجافيت سنة الإنصاف، فاعلم أنه دين عليك سوف ~~يتقاضاك إياه من يليك. # واحترم زملاءك واعلم أنه لخير لك معهم أن يلقوك حيث لا يترقبونك من أن يتفقدوك ~~وهم مترقبوك. # ولا تذكر مكانك الرفيع في أحاديثك وأجوبتك لأصحاب الحاجات إليك، بل دعهم يقولون: ~~إنك في مكانك إنسان غير ذلك الإنسان. # الصداقة # لقد كان عسيرا عليه - ذاك الذي نطق بهذه الكلمات - أن يجمع من الحق والباطل في ~~كلمات قليلة، مثل ما جمعه في كلماته تلك، حيث قال: «من سرته الوحدة فهو أحد اثنين: ~~إما حيوان آبد أو إله.» # فإنه من الحق الذي لا مراء فيه أن نفور الإنسان من المجتمع وبغضه إياه فيهما شيء ~~من الحيوانية المستوحشة، ولكن ليس من الحق أن هذه الخلة تمت بشيء إلى الصفات ~~الإلهية، إلا أن يكون حب الوحدة لغرض غير السرور بالوحدة، وهو رياضة النفس على سلوك ~~في الحياة أرفع وأقوم، كما كان بعض الوثنيين يصنع خطأ وتمويها فيما زعموا من ~~الروايات عن أبيمنديس الكندي، ونوما الروماني، وأمبيد كليس الصقلي وأبولنيوس ~~التياني، أو كما كان بعض آباء الكنيسة الأولين وبعض النساك يصنعون عن صدق ~~وحقيقة. # على أن الناس قلما يفهمون المقصود بالوحدة أو مداها، فإن الزحام لا ms093 يحسب صحبة، ~~والوجوه المنظورة ما هي إلا معرض من معارض الصور، وأصداء الكلام ما هي إلا رنين ~~أجوف حين يخلو من المودة، وصدق المثل اللاتيني القائل: «إنه كلما ازداد سكان ~~المدينة ازدادت الوحدة.» لأن الصحاب في المدن الكبيرة يتفرقون فلا تنعقد بينهم تلك ~~الآصرة التي تكون بين أهل الجيرة الواحدة. # ونخطو بعد هذا خطوة فنقول: إن الوحدة التي تعوزك فيها الصحبة الصادقة هي بؤس ~~ونكد؛ لأن الدنيا بغير الصحبة الصادقة قفر موحش لا أنس فيه، ومن كان في هذه الوحشة ~~محروما بفطرته من الشعور بالصداقة، فهو إنما يستمد فطرته من طبيعة الوحش لا من ~~طبيعة الإنسان. # وأهم ثمرات الصداقة أن يفرغ الصديق فؤاده لصديقه ميلا طبيعيا توحي به، وتدعو ~~إليه كل عاطفة وكل شعور، وقد علمنا أن أمراض الاحتباس والاختناق هي شر الأمراض ~~الجسدية، وهي كذلك شر الأمراض العقلية. # وقد تتناول العشبة المغربية لإطلاق الكبد، وبرادة الحديد لإطلاق المرارة، ومسحوق ~~الكبريت للرئة والجندباوستر للدماغ، ولكن القلب لا يطلقه دواء كدواء الاطمئنان إلى ~~صديق صادق تبثه شكاتك وأفراحك ومخاوفك وآمالك، وشكوكك ومشوراتك، وكل ما يثقل على ~~القلب ويجرحه، كأنك تؤدي مراسم الاعتراف. # ومن الغرائب التي تلاحظ في هذا الصدد أن ترى مبلغ تقويم الملوك العظماء لهذه ~~الثمرة من ثمرات الصداقة؛ فإنها لذات قيمة عزيزة جدا عليهم مذ كانوا يشترونها ~~أحيانا مجازفين بسلامتهم ورفعة شأنهم، فلا قبل لهم - لبعد المسافة بين أقدارهم ~~وأقدار رعاياهم - أن يصلوا إلى تلك الثمرة إلا بتقريب بعض أولئك الرعايا؛ لاختصاصهم ~~بالملازمة والصحبة على سنة المساواة في بعض الأحايين، مما ينجم عنه كثيرا ضرر ~~وامتعاض. # واللغات الحديثة تسمي هؤلاء بالندماء وأصحاب الحظوة، كأنما المسألة مسألة مسامرة ~~ومؤانسة ... ولكن الاسم الذي يطلقه الرومان عليهم أصح في الدلالة على وظيفتهم وسبب ~~اختيارهم، وهو اسم «شركاء الهموم». # فهذه التسمية هي التي تحكم ربط العقدة كما يقولون. # ونرى واضحا أن هذا الاختيار لا يختاره الضعفاء من الأمراء وحسب، بل هو من خيرة ~~أقوى الأمراء وألبقهم وأدهاهم بين من تولوا الملك على الإطلاق، ms094 فكانوا يصطفون ~~خدامهم أناسا يبادلونهم اسم الصديق، ويسمحون لغيرهم أن يسموهم هذه التسمية، ~~ويستخدمون في ذلك ألفاظ الخطاب التي يتداولها سائر الناس. # فلما كان سولا يحكم روما رفع إلى هذا المقام پومپي الذي عرف بعد بلقب العظيم، ~~فعامله معاملة النظير في تبجح وثقة، وبلغ من ذاك أنه رشح للقنصلية رجلا لا يرضاه ~~سولا، فأنكر سولا عمله بعض الإنكار وارتفع بلهجة الخطاب والتعاظم والاستعلاء، فلم ~~يكن من پومپي إلا أن استدار له وأمره في الواقع بالسكوت قائلا: إن الذين يعبدون ~~الشمس الطالعة أكثر ممن يعبدون الشمس في مغربها. # وفي عهد يوليوس قيصر بلغ ديسماس پروتس هذه المنزلة، فرشحه للوراثة في وصيته بعد ~~ابن بنت أخته أوكتافيوس، وكان پروتس هو الرجل الذي تمكن بنفوذه أن يسوقه إلى حتفه، ~~ولما خطر لقيصر أن يحل مجلس الشيوخ تشاؤما من بعض النذر، ومنها حلم امرأته ~~كلبورنيا، رفعه پروتس برفق من كرسيه آخذا بذراعه، ونصح له أن يرجئ حل المجلس حتى ~~تعود امرأته فترى في منامها حلما أفضل من حلمها الأول! # والظاهر أن سلطانه على قيصر كان من القوة بالمنزلة التي جعلت أنطونيوس يصفه في ~~رسالة له أثبتها شيشرون بأنه الساحر ... كأنه خلب قيصر برقية في سحره. # ورفع أوغسطس أجريبا # Agrippa # من مولده الوضيع إلى ~~مثل هذه القمة، حتى إنه شاور ماسنياس يوما في تزويج بنته جوليا، فاجترأ هذا على أن ~~يشير عليه بأن يزوجها باجريبا أو ينتزع حياته ولا ثالث للأمرين؛ لأنه جعله ~~عظيما. # وصعد سيجانوس إلى هذه القمة مع طيبريوس قيصر، فكانا يدعوان بالصديقين الحميمين، ~~وكتب طيبريوس إلى سيجانوس مرة، فقال: «إنني لم أخف هذه المسألة إكراما لصداقتنا.» ~~وبنى مجلس الشيوخ مذبحا للصداقة - كأنها ربة من الربات - تحية للصداقة العزيزة ~~التي بينهما. # ومثل هذه الصداقة - وأوثق منها - كان بين سپتيموس سفيروس ويلوبيانوس؛ لأنه أكره ~~ابنه الأكبر على البناء ببنت بلوتيانوس، وطالما نصر هذا على ابنه كلما أساء إليه ~~وتطاول عليه، وقد كتب إلى مجلس الشيوخ في رسالة يقول: «إنني أحب الرجل حبا جعلني ~~أتمنى ms095 له عمرا أطول من عمري.» # ولو كان هؤلاء الأمراء من قبيل طراجان أو ماركس أو ريليوس لخطر في البال أنهم ~~صنعوا ما صنعوا لفرط الطيبة والمسالمة، أما وهم من هم من قوة العقل والجد وصرامة ~~الخلق والأثرة البالغة، فإن ذلك لدليل واضح على أنهم شعروا في نعمتهم بنقص لا ~~يتمه إلا الصديق، وكانوا مع ذلك أمراء ذوي أزواج وأبناء وإخوة وأخوات، فلم يغنهم ~~ذلك كله من لذة الصداقة. # ولا ننس ما لاحظ كومينس # Comineus # على سيده الأول ~~الدوق شارل الجليد من كتمانه الشديد لأسراره؛ حتى لا يبوح بها لكائن من كان، وحتى ~~كان من جراء ذلك في أخريات أيامه أن جنى هذا الكتمان الشديد على صوابه، وغام على ~~تفكيره. # ولو شاء كومينس لقال مثل هذا المقال عن سيده الثاني لويس الحادي عشر الذي كان ~~كتمانه مصدر عذابه، وقول الفيلسوف فيثاغوراس في أمثولته: «لا تأكل قلبك بهمومك.» ~~مظلم ولكنه صحيح، ولو أننا قسونا في التعبير بعض الشيء لقلنا: إن أولئك الرجال ~~الذين يعوزهم الأصدقاء الذين يفتحون لهم صدورهم لهم كأولئك الهمج المستوحشين ممن ~~يأكلون لحوم البشر، ولكنهم لا يأكلون قلوبهم! # على أني أختم هذه العجالة عن ثمرات الصداقة بشيء من العجب بمكان، وهو أن إفضاء ~~الرجل إلى صديقه بسريرة فؤاده يأتي بالنقيضين، فيضاعف السرور ضعفين ويشطر الحزن ~~شطرين، وما من صديق يبث صديقه مسراته إلا ازداد سرورا على سروره، وما من صديق يبث ~~صديقه حزنه إلا قل حزنه بعد بثه إياه. ويصدق على العقل في هذا المعنى ما يزعمه ~~أصحاب الكيمياء لأحجارهم من جمع النقيضين في علاج الأجساد، ولكن لفائدة الطبيعة ~~وصلاحها. ولا حاجة بنا في الحقيقة إلى مدد من أصحاب الكيمياء؛ لأن الأمر واضح كل ~~الوضوح في مجرى الطبيعة المألوف، إذ لا يزال ملحوظا أن اتحاد الأجسام يزيد القوة، ~~وينعشها، ويضعف أثر الصدمات ويهونها، وكذلك اتحاد العقول. # وثمرة أخرى من ثمرات الصداقة أنها مصححة لازمة للفهم، كما أن الثمرة الأولى التي ~~قدمنا الكلام عليها مصححة لازمة للشعور، فإذا كانت الصداقة ms096 ترد نهار الشعور صحوا ~~من الزوابع والأعاصير، فهي في عالم الفهم نهار ساطع يبدد ظلام الحيرة والاختلاط، ~~ولا نريد بهذا أن نشير إلى النصيحة الخالصة التي يتلقاها الرجل من صديقه الأمين ~~وكفى، ولكننا قبل الوصول إلى معرض النصيحة نلاحظ أن الفكر المثقل بشتى الهموم تسلس ~~خواطره، وتتضح وتتناسق، وهو يتحدث بها إلى غيره، فيسهل له عرضها ويتمثلها وهي مفرغة ~~في قالب الكلام، ويخرج من ثم أعقل مما كان فإذا هو قد استفاد من ساعة في الحديث ما ~~لا يستفاد من يوم في التأمل والتفكير. # وقد أحسن تيموستكليس إذ قال لملك الفرس: إن الحديث كنسيج أراس الذي تبدو نقوشه ~~حين يبسط، ولكن الفكر يطويها كما تنطوي في الكارات والأضابير. # وليست هذه الثمرة الثانية من ثمرات الصداقة مقصورة على الأصدقاء، الذين يستطيعون ~~إسداء النصيحة الحسنة والمشورة الصالحة، وإن كان هؤلاء خيرا وأجدى ولا مراء، ولكنه ~~- بغير هذا - يعلم حقيقة نفسه ويعرض أفكاره للنور، ويشحذ قريحته كما يشق الحجر ~~النصول وهو بنفسه غير قاطع، وعلى الجملة إنه لخير للإنسان أن يناجي تمثالا أو صورة ~~من أن يخنق أفكاره ويحتبسها. # ولإتمام فضل هذه الثمرة نذكر تلك المزية المشهورة التي يفطن لها العامة مع ~~الخاصة، وهي مزية النصيحة الخالصة من الصديق الأمين. # وقد أصاب هرقليطس في قوله: «إن النور الجاف أفضل وأنقى ...» فلا مراء أن النور الذي ~~يتلقاه المرء بالمشورة من غيره أجف من النور الذي يتلقاه من ذهنه وحكمه، وهما أبدا ~~مبللان مشبعان بالأهواء والعادات، وإن الفرق بين مشورة الصديق ومشورة المرء لنفسه، ~~لكالفرق بين الصاحب المخلص والصاحب الملق المتزلف، فليس هنالك من هو أكثر ملقا ~~للمرء من ذات نفسه، ولا دواء لهذا الملق أنجع من حرية صديق. # والنصيحة ضربان: نصيحة في شئون السلوك والآداب، ونصيحة في شئون المرافق ~~والمعاملات، ففي شئون السلوك والآداب ليس أصح للعقل ولا أعظم وقاية من العتب الخالص ~~على لسان صديق، إذ كان إلحاف المرء على نفسه في الحساب دواء يوجع ويضني، وكانت ~~قراءة كتب الأخلاق الجيدة لا تخلو ms097 من الفتور والتفاهة، وكانت مراقبة أخطائنا في ~~الآخرين لا تجمل بنا في بعض الأحايين، إلا عتب الصديق فإنه لأجدى من ذلك كله، وأعني ~~بالأجدى هنا ما هو أجدى في التناول وأجدى في العلاج. # ولقد نعجب كم من الأخطاء الجسام والسخافات البالغات يقع فيها الكثيرون - ولا سيما ~~العظماء - من جراء فقدان الصديق الذي ينبههم إليها، وفي ذلك ما فيه من ضير على ~~سمعتهم ومصالحهم، فما أشبه هؤلاء بمن قال فيهم القديس جيمس: إنهم ينظرون إلى وجوههم ~~في المرآة فينسونها! # أما في شئون المرافق والمعاملات فليقل من شاء: إن عينين لا تبصران خير من عين ~~واحدة، وإن اللاعب يرى ما لا يراه المتفرج، وإن الرجل الغاضب له من العقل ما للرجل ~~الذي قرأ الدروس ووعاها، وإن البندقية تنطلق وهي على الذراع كما تنطلق وهي على سائر ~~الجسد، وأشباه ذلك من الأخيلة والتمثيلات التي تزين لمن يرددها أنه هو كل شيء ولا ~~شيء سواه، فلا شبهة بعد كل ما يقال في نفع المشورة لتقويم الأعمال، وإذا خطر لبعضهم ~~أن يتلقى النصيحة، ولكن مجزأة من هذا في عمل ومن غيره في عمل آخر، فأجدى عليه فيما ~~نرى ألا يلتمس النصح على الإطلاق؛ لأنه يتعرض لخطرين؛ أحدهما ألا يظفر بالنصح ~~الخالص وهو نادر جدا ما لم يكن من صديق وفي كامل الصداقة، فيأتيه النصح معوجا ~~ملتويا موجها إلى مأرب يبغيه من أشار عليه، والخطر الآخر أن يزجي إليه النصح ~~ضارا غير مأمون ولو عن حسن نية ممن أزجاه إليه، فيمتزج فيه العلاج بالأذى كمن ~~يستشير طبيبا خبيرا بعلاج الداء الذي يشكو منه المريض، ولكنه لا علم له بطبيعة ~~جسده، فيشفيه لساعته من دائه ولكنه يخل بسلامة البنية من ناحية أخرى، فيشفي المرض ~~ويقتل المريض! # بيد أن الصديق العليم بدخيلة صديقه قمين أن يحذر وهو يخدم المصلحة الحاضرة من ~~تعريض مصلحة غيرها للحيف والضياع، وهذا الذي يوجب عليك ألا تعول على النصائح ~~المتفرقة، التي هي إلى التضليل والتشتيت أقرب منها إلى الراحة والتوجيه. # وتأتي الثمرة الأخيرة ms098 بعد هاتين الثمرتين الجليلتين، وهما سلام النفس ومعونة ~~العقل، وتلك ثمرة كأنها في الثمار الرمانة التي تحتوي الواحدة منها المئات من ~~الفواكه الصغار؛ لأنها تحتوي فيها المساعدة والمشاركة في شتى الأعمال والمناسبات، ~~ولن نحصيها إلا إذا أحصينا تلك المقاصد الكثيرة، التي لا يستقل بها المرء وحده، ~~فنعلم يومئذ أن الأقدمين قصروا في وصفهم حين قالوا: إن الصديق نفس أخرى؛ لأنه في ~~الواقع أقوم من نفس أخرى. # فللإنسان مداه في الحياة، وإنه ليعاني الموت مرات في اشتهاء كل ما يشتهيه من صميم ~~قلبه، كتربية الأبناء وإنجاز الأعمال، وغير ذلك من المطالب المختلفة، فإذا كان له ~~صديق وفي، فإنه لخليق أن يستريح إلى ضمان هذه الأمور من بعده، بحيث يصح أن يقال: ~~إنه مزود في هذه الدنيا بحياتين. # وللإنسان جسد يحتويه مكان واحد، وحيثما توجد الصداقة فهناك يتسنى له أن يعمل في ~~أماكن عدة بنفسه وبمعونة صديقه. # وكم من شيء لا يستطيع المرء أن يقوله أو يعمله، وهو موفور الكرامة والحياء! فليس ~~في وسعه أن يبدي فضائله ومزاياه وهو محتفظ بحيائه فضلا عن الإشادة بها وتمجيدها، ~~وليس في وسعه أحيانا أن ينزل إلى التوسل والرجاء، وأشباه ذلك كثير. # إلا أن ذلك وأشباهه يقوله الصديق وهو متجمل بوفائه، من حيث لا يفوه به المرء إلا ~~وهو خجل متهيب. # ولكل امرئ صلات وعلاقات لا يستطيع أن يتجاهلها أو يتخطى حدودها، فلا يسعه أن يكلم ~~ابنه إلا كلام والد، أو زوجه إلا كلام زوج، أو عدوه إلا على شروط وقيود، أما الصديق ~~ففي وسعه أن يتكلم حيث شاء بما تقضي به المناسبة غير مقيدة في كلامه بذلك ~~الاعتبار. # ولا نهاية لإحصاء هذه الفوائد والمزايا، فحسبنا أن نضع القاعدة على الإجمال، وأن ~~نعلم أن الذي يعييه أن يقوم بمطالبه على الوجه الأمثل، فعليه أن يخلي الميدان ما لم ~~يكن له صديق أمين. # عظمة الممالك والدول # كانت كلمات تمستوكليس - على ما فيها من الغطرسة والتعظيم لنفسه - تشتمل على ~~ملاحظات خطيرة، وحكم جليلة ينتفع بها الآخرون. # سئل في ms099 وليمة أن يعزف على عود فقال: إنه لا يحسن أن يجس الأوتار، ولكنه قادر على ~~أن يجعل البلد الصغير مدينة عظيمة. # وهي كلمات إذا أجريناها مجرى الرمز والتمثيل، تبدي لنا نوعين من الكفاءة في أولئك ~~الذين يتولون أعمال الحكومات، فإننا إذا عرضنا سير الساسة والمشيرين وجدنا منهم في ~~الندرة من يقدرون على أن يجعلوا الحكومة الصغيرة دولة عظيمة، ولكنهم لا يقدرون على ~~جس الأوتار، ومنهم من يحسنون جس الأوتار ويبرعون فيها ولا يجعلون من الحكومة ~~الصغيرة دولة عظيمة، كأنما تتجه قدرتهم إلى الوجهة الأخرى، وهي الهبوط بالدول ~~العامرة إلى حضيض الدمار والدثور. # والحق أن هاتيك الصناعات المسفة التي ينال بها بعض المشيرين والحكام حظوة عند ~~ساداتهم، وإعجابا من الغوغاء لا تستحق في جملتها أن تسمى باسم آخر غير اسم اللعب ~~بالأوتار، إذ هي أمور تسر في حينها وتجمل في ذاتها، ولا تؤدي إلى منفعة أو تقدم ~~للحكومات التي تخدمها. # وهناك ولا ريب حكام ومشيرون يوصفون بأنهم قادرون على حسن التدبير، واتقاء المزالق ~~والمآزق، ولكنهم أبعد ما يكونون عن القدرة على توسيع الدولة وتزويدها بالقوة والعدة ~~واليسار. # وندع العاملين كيف كانوا وننظر إلى العمل المقصود، وهو عظمة الدول الحقيقية ~~ووسائل تلك العظمة، وهو مبحث جدير ألا يغرب عن بال الأمراء العظماء؛ لكيلا يدفعهم ~~الغلو في تقدير سطوتهم إلى استنفاد جهودهم في المساعي الباطلة، أو يدفعهم الشك في ~~تلك القوة، والنزول بها عن قدرها إلى الجبن والشح في الرأي والمشورة. # إن عظمة الدولة في سعة أقطارها تدخل في تقدير القياس، كما تدخل عظمة أموالها ~~وخزانتها في تقدير الحساب. # وقد تمثل كثرة السكان بالصور والنماذج، وتمثل ضخامة المدن بالبطاقات والرسوم، ~~ولكننا لا نرى شيئا قط في مسائل السياسة يشيع فيه الغلط، كتقدير قوة الدولة ~~ومنفعتها. # إن مملكة السماء لم تشبه بنواة أو جوزة كبيرة، بل شبهت بحبة الخردل وهي من ~~أصغر الحبوب، ولكنها تمتاز بالخاصة النادرة التي تهيئ لها سرعة النمو ~~والانتشار. # كذلك الحكومات منها ما هو واسع، ولكنه غير قابل للعظمة والسلطان، ms100 ومنها ما هو ~~صغير، ولكنه قابل لأن تؤسس عليه أعظم الممالك. # إن المدن المسورة والمسالح المملوءة والعدد الكثيرة والخيل الأصائل، ومركبات ~~الحرب والفيلة والمدافع وما شاكلها - كل أولئك إنما هي كالخراف في جلود الأسود ما ~~لم تكن في طبيعة الشعب صلابة الحرب والجهاد، ولا قيمة لوفرة العدد في الجيوش حيث ~~يبتلى الشعب بالخور، ويحرم فضيلة الشجاعة. وقد قال ڨرجيل: إن الذئب لا يبالي كم ~~يبلغ قطيع الضأن من العدد! وقد كان جيش الفرس في ساحة أربيلا كالبحر الزاخر مما هال ~~قواد الإسكندر، فأشاروا عليه بأن يدهمهم ليلا وهم غافلون، فكان جوابه لهم أنه لا ~~يختلس النصر، ثم جاءت الهزيمة على أيسر ما يكون. # ولما نظر تيجران ملك الأرمن - وهو معسكر على التل في أربعمائة ألف رجل - فرأى أن ~~جيش الرومان لا يربى على أربعة عشر ألفا سخر بهم وقال: إنهم أكبر من أن يكونوا وفد ~~سفارة، وأصغر من أن يكونوا جيش قتال، فلم تغرب الشمس حتى تبين فيهم الكفاية لدحره ~~ومطاردته، والإثخان بالقتل في جحفله العظيم. # والأمثلة كثيرة على التفاوت بين العدد والشجاعة، فلا يتردد الإنسان في الجزم بأن ~~عظمة الدولة التي تتقدم في الأهمية على كل عظمة هي أن تشتمل على شعب مليء ~~بالقتال. # وليس المال بعصب الحرب كما يجري خطأ على بعض الألسنة، فإن الأمة لتضمحل وعندها ~~المال إذا وهن عصب الرجال، وقد أحسن صولون حيث قال لقارون، وهو يعرض عليه ذهبه: ~~«سيدي! إن جاءك من عنده حديد خير من حديدك، بسط يديه على ذهبك.» # فليحذر الأمير أن يغتر بقوته ما لم تكن له عدة من شجاعة جنوده، وليعرف الأمير ~~حقيقة بأسه من الناحية الأخرى إذا اطمأن إلى النزعة العسكرية في قومه، إن لم يكن ~~بهم قصور في غير هذا الباب. # أما الجنود المرتزقة التي يستعان بها في هذه الأحوال، فالأمثلة كلها شاهدة بأن ~~الأمير الذي يلقي كل اعتماده عليها قد ينشر جناحيه إلى مدى، ولكنه لا يلبث أن ~~يطويهما بعد حين، ولن تتلاقى بركة يهودا وبركة يساكر، ms101 فتصبح الأمة الواحدة في وقت ~~واحد شبل أسد وحمارا لحمل الأثقال، أو تصبح الأمة المثقلة بالضرائب أمة شجعان ~~مقاتلين. # وصحيح أن الضرائب التي تفرض بالرضى والموافقة أقل مساسا بشجاعة السكان، كما ~~يشاهد في البلاد الواطئة «أثناء الحرب الأسبانية»، أو كما يشاهد على نحو ما في ~~تبرعات الشعب الإنجليزي لعرش بلاده، فالقلب - وليس الكيس - هو مناط الأمر في هذه ~~الحالة، وإذا كانت الضريبة التي تجبى قسرا والضريبة التي تجبى طوعا سواء في عرف ~~الكيس فهي في عرف القلب غير سواء، ومن ثم يجوز لك أن تقرر أن الأمة التي ترهقها ~~الضرائب لا تصلح للسيادة وسعة السلطان. # وعلى الدول التي تنزع إلى العظمة ألا تغفل عن سرعة تكاثر العلية من طبقاتها؛ لأن ~~كثرتها تسقط العامة إلى مرتبة الفعلة الأخساء الذين لا قلب لهم ولا همة، ولا شأن ~~لهم إلا أنهم عبيد السادة النبلاء، وقد رأينا أن الأشجار إذا كثفت في الأدغال هزل ~~النبات الذي تحتها، فلا ينجم منه إلا العشب الشاحب الهزيل، وهكذا الأمم كلما كثر ~~نبلاؤها خست عامتها، ورذلت منزلتها. وكن على يقين في هذه الحالة أن مائة رأس لا ~~تكون كفاء خوذة واحدة، ولا سيما في المشاة الذين هم عصب الجيوش وعضلها، فيكثر عدد ~~السكان وتنقص قوة الجيوش. # ولا يشاهد مصداق ذلك في شيء كما يشاهد في المقابلة بين إنجلترا وفرنسا، فإن ~~إنجلترا على قلة اتساعها وقلة سكانها لا تقوم لها فرنسا ندا في ميدان الكفاح، إذ ~~كان أبناء الطبقة الوسطى فيها جندا صالحا لا ينهض له الفلاحون من أبناء البلاد ~~الفرنسية، ويتضح هنا أن خطة هنري السابع - الذي توسعت في شرح سيرته - كانت بعيدة ~~الأمد حقيقة بالإعجاب، حين عني بتوزيع البيوت والمزارع على نحو يكفل لمن يعيشون ~~فيها أن ينعموا باليسر ولا تنحدر بهم الحال إلى الضنك والمذلة، وأن يظل المحراث في ~~أيدي مالكه لا في أيدي الأجير المسخر لغيره، وبذلك يصح فيها وصف ڨرجيل للإقليم الذي ~~توافرت له صلابة السلاح ورخاء الأديم. # وهناك طبقة (لعلها مقصورة على إنجلترا ms102 إذا استثنينا بولندة)، نعني بها طبقة الخدم ~~والأتباع الذين يلحقون بالنبلاء والسراة، وهي لا تقل صلاحا لحمل السلاح عن طبقة ~~ملاك الأرض والزراع، ومما لا جدال فيه أن الأبهة، وسعة الحاشية والكرم الذي يتسم ~~به النبلاء ويصبح في حكم العادة الموروثة خصال تنزع إلى العظمة العسكرية ونقيضها ~~البخل والضيق في معيشة النبلاء، فإنهما يحيفان على الطبيعة العسكرية في الحاشية ~~والأتباع. ~~••• # وعلى أية حال تنبغي العناية بأن تكون ساق شجرة «نبوخذنصر» - شجرة الملك - من ~~المتانة، بحيث تحمل الفروع والأغصان، ونعني بذلك أن يكون سكان المملكة الأصلاء على ~~عدد كاف بالقياس إلى عدد الرعايا الغرباء المحكومين في الدولة، وكل حكومة سمحة في ~~تبني رعاياها الغرباء، فهي حكومة صالحة لاتساع الملك وسياسة الإمبراطورية، إذ إن ~~الفئة القليلة - وإن كانت على أعظم نصيب من الشجاعة والسياسة في العالم - قد تحيط ~~بملك يتسع إلى حين، ولكنه وشيك أن يخفق فجاءة. # وقد كان الإسبرطيون شعبا سمحا في مسألة التبني والتجنيس يوم كانوا في حيز ~~نطاقهم، فلما تجاوزوا هذا الحيز وأربت فروع الشجرة على طاقة الساق عصفت بهم العاصفة ~~على حين غرة. # وما فتحت أمة صدرها قط للتبني والتجنيس كما فعل الرومان، فوافقتهم هذه الخصلة كل ~~الموافقة، وبلغوا الغاية من سعة السلطان، وقد كان من خطتهم أن يمنحوا الحق المدني ~~في أوسع حدوده وأرفعها، فلا يقتصرون على منح حق الاتجار أو حق الزواج أو حق ~~الوراثة، بل يضيفون إلى هذه الحقوق حق الانتخاب وحق ولاية المناصب العامة، ولا ~~يخصون بذلك أفرادا قلائل معدودين، بل يعمون الأسر بل المدن بل الأمم في بعض ~~الأحوال، يضاف إلى ما تقدم تعودهم أن ينشئوا الجاليات الرومانية، حيث ينتقل الرومان ~~إلى التربة الأجنبية، فإذا قرنت بين الخطتين ساغ لك أن تقول: إن الرومان لم ينتشروا ~~في الدنيا، بل الدنيا هي التي انتشرت في رومة، وهذا هو الضمان الوثيق للعظمة ~~والسلطان. # ولقد عجبت أحيانا لأسبانيا كيف انبسطت على كل هذه المدن من المستعمرات بفئة ~~قليلة من الأسبان الأصلاء، ولكن نطاق أسبانيا ولا ريب ms103 ساق أعرض وأضخم من ساقي رومة ~~وإسبرطة، ثم هي على تشددها في تبني الأجناس الأخرى قد فعلت ما يتلو التبني في ~~الفائدة، وهو قبول كل الأجناس جنودا في جيشها، وضباطا أو قادة في بعض الأحايين، ~~ومع هذا يشعر الأسبان الآن بحاجتهم إلى مضاعفة السكان، كما يظهر من قانون تشجيع ~~الزواج والنسل الذي أصدروه. # ومن المحقق أن صناعات الجلوس أو الصناعات البيتية الدقيقة، التي تحتاج إلى ~~الإصبع، ولا تحتاج إلى الذراع من دأبها أن تناقض النزعة العسكرية في طبيعتها، وقد ~~جرت العادة بأن تجنح الشعوب العسكرية إلى الكسل، وتؤثر خطر الجهاد على مجهود العمل، ~~وليس من اللازم الإفراط في صرفها عن هذه العادة للمحافظة على حميتها. # ولهذا كان من الملائم جدا في إسبرطة وأثينا ورومة وغيرها أنهم كانوا يستخدمون ~~العبيد الأرقاء في الاشتغال بأمثال تلك الصناعات، إلا أن شريعة المسيحية قد غيرت ~~هذا النظام. # وأقرب نظام إلى ذلك النظام أن تترك تلك الصناعات في جملتها للغرباء، الذين يجب أن ~~يتيسر تبنيهم وتجنيسهم لهذا الغرض، وأن توزع جمهرة الوطنيين من الغوغاء بين هذه ~~الأعمال الثلاثة: وهي فلاحة الأرض، والخدمة الحرة، وصناعات الرجولة القوية كالحدادة ~~والبناء والنجارة وما إليها، وهذا عدا الجنود المحترفين. # وفوق كل شيء نعد أهم الأمور لعظمة الدولة أن تجعل الأمم شرفها الأكبر في حمل ~~السلاح ودراسة فنونه والانتساب إلى صناعته، فكل ما تقدم إنما هو وسائل إلى هذه ~~الصناعة، وماذا عسى أن تجدي الوسائل بغير القصد والعمل؟ وقد قيل رواية أو رمزا: إن ~~روميلوس أرسل بعد موته إلى قومه يوصيهم أن يعنوا بالسلاح، فيصبحوا من ثم أعظم دول ~~العالم بأسره، وكان محور دولار الحكومة في إسبرطة يدور بها كلها للاتجاه إلى هذه ~~الوجهة وحدها، وإن أخطأتها الحكمة في تحقيقها، واهتم بها الفرس والمقدونيون لمحة ~~والغاليون والجرمان والغوط والسكسون والنورمان زمنا، والترك في هذه الأيام وإن غلب ~~عليهم الاضمحلال. # أما في أوروبا المسيحية فالأسبان وحدهم في الواقع معنيون بهذه الوجهة، وإنه لمن ~~الوضوح بحيث لا يحتمل الإطالة في البيان أن ms104 المرء يستفيد من الشيء على قدر عنايته ~~به، وحسبنا أن نقول: إنه ما من أمة تقصر في اتخاذ صناعة السلاح، ثم تسقط لها العظمة ~~لقمة باردة في أفواهها، وبخلاف ذلك الأمم التي تطيل مراس هذه الصناعة كما فعل ~~الرومان والترك على التخصيص، فإنها تأتي بالأعاجيب. أما الأمم التي اتخذتها زمنا ~~فقد بلغت بها العظمة مع ذلك، وضمنت لها بقاءها طويلا بعد تخليها عن تلك الصناعة أو ~~تعرضها فيها للتأخر والانحدار. # ومما يساعد على هذه الوجهة أن تتاح للأمة تلك القوانين والعادات، التي تهيئ لها ~~أسبابا عادلة للحرب في دعواها، فإن في طبائع الإنسان حاسة العدل، التي تأبى عليه ~~دخول الحرب وما فيها من الويلات لغير سبب مفهوم للنزاع، فالترك لديهم السبب الحاضر ~~في أيديهم للحرب، وهو نشر دينهم وشريعتهم، والرومان على اعتبارهم توسيع تخومهم ~~شرفا عظيما يسبغونه على قادتهم بعد ظفرهم في الحروب، لم يتخذوا قط هذه الغاية ~~وحدها سببا للقتال. # فعلى الأمم التي تطمح إلى العظمة أن تنمي الإحساس بالغضب لكل إساءة يلقاها سكان ~~تخومها، أو تجارها أو المندوبون السياسيون عنها، ولا تصبر طويلا على التحدي ~~والاستثارة، وعليها إلى جانب هذا أن تكون على أهبة دائمة لنجدة حلفائها، كما كان ~~دأب الرومان الأقدمين، حتى لقد كانوا يبادرون إلى نجدة الحلفاء لأول دعوة وإن كان ~~حليفهم مرتبطا بعهود الدفاع مع حكومات عدة، فلا يكلون شرف النجدة قبلهم إلى واحدة ~~من تلك الحكومات. ~~••• # على أننا لا ندري كيف يتيسر المسوغ الحسن للحروب، التي كانت تشن قديما لنصرة ~~جانب من الجوانب أو لتشابه الأنظمة الحكومية، كالحرب التي شنها الرومان لتحرير ~~جراسيا، أو الحرب التي شنها اللقدميون والأثينيون لتأييد الديمقراطيات وحكومات ~~العلية أو تقويضها، أو الحروب التي كان يشنها الأجانب وهم يدعون إنقاذ رعايا الدول ~~الأخرى من الظلم والطغيان، وما شاكل ذلك. ويكفي أن نذكر أنه ما من دولة يحق لها أن ~~تطمح إلى العظمة ما لم تكن ملبية لكل سبب عادل يحفزها إلى حمل السلاح. # ما من بنية تغنم الصحة بغير رياضة، ms105 سواء في ذلك البنية الحيوانية والبنية ~~السياسية، ولا ريب أن الحرب العادلة هي أفضل الرياضات للدول والحكومات. # إن للحرب الأهلية حرارة كحرارة الحمى، ولكن الحرب الخارجية تبث في بنية الأمة ~~حرارة كحرارة الرياضة، وتحفظ عليها صحتها في حين أن السلم الراكد يبتلي الشجاعة ~~بالتأنث والأخلاق بالفساد. # وإذا نظرنا إلى السعادة دون العظمة، فمن دواعي السعادة ولا ريب تعزيز السلاح، فإن ~~قيام جيش قوي عريق (وإن كبرت تكاليفه)؛ ليصون القانون أو يصون على الأقل سمعة الأمة ~~بين جيرانها ، كما يرى ذلك جيدا في أسبانيا، حيث تحتفظ في جانب منها أبدا بجيش ~~قائم عريق، يوشك أن يظل قائما على الدوام، وقد مضى الآن زهاء مائة وعشرين ~~سنة. # وسيادة البحر حياطة للدولة، ومن كلام شيشرون عن استعداد پومبي لقيصر: «إن سياسة ~~پومبي هي - على ما هو جلي ظاهر - سياسة ثمستوكليس؛ لأنه يرى أن الرجل الذي يملك ~~البحر يملك الموقف ...» ولقد كان پومبي خليقا أن يضني قيصر، لولا أنه لفرط الغرور ~~والثقة قد عدل عن هذه الخطة. # وإننا لنبصر أمامنا عظم النتائج التي تعقب الحروب البحرية، فقد كان لوقعة أكتيوم ~~القول الفصل في سيادة العالم، وقد صدت وقعة لبانتو سطوة الترك. والأمثلة كثيرة على ~~المعارك البحرية التي كان لها الحسم في الحروب كلما انصرفت إليها همة الملوك ~~والأمراء. ومهما يكن من قول فالأمر الذي لا نزاع فيه أن المسيطر على البحر يملك ~~حريته، ويستطيع أن يأخذ من الحرب أو يدع منها كثيرا أو قليلا على حسب مشيئته، ~~خلافا للأقوياء في البر وحده، فإنهم مستهدفون للحرج في كثير من الأحايين. # وفي عصرنا هذا - بين أهل أوروبا - يبدو جليا أن مزية السيادة البحرية (وهي مهر ~~هذه المملكة الإنجليزية) جد عظيم؛ لأن ممالك أوروبا أولا معظمها بري وله شواطئ ~~بحرية تحيط بجزء كبير من حدوده؛ ولأن ثروة الهندين (هند آسيا وأمريكا) هي ثانيا في ~~متناول سيد البحار إلى حد كبير. # ويلوح على الحروب الحديثة أنها ألقيت في الظل إلى جانب الأنوار، التي كانت تسطع ~~على رجال الحروب ms106 القديمة، فعندنا اليوم لتشجيع الروح العسكري بعض رتب الفروسية ~~وأنواطها توهب مع هذا للجنود وغير الجنود، وبعض الرموز والشارات على التروس ~~والدروع، ومستشفيات للجرحى والمشوهين وغير ذلك من هذا القبيل. أما في الزمن القديم ~~فقد كانت عندهم الأبراج والأقواس، التي تشاد على مكان المعركة، وكانت عندهم مراثي ~~الفخار، وأضرحة الذكرى لمن قضي عليهم في القتال، وكانت عندهم التيجان والأكاليل، ~~ولقب الإمبراطور الذي استعاره بعدهم ملوك العالم، ومواكب النصر للقواد العائدين من ~~الحروب، والهبات السخية للجنود عند تسريحها وغير ذلك من المكافآت التي تلهب الحماسة ~~في جميع الصدور. # ولم تكن هذه المراسم مظهرا كاذبا أو فخفخة باطلة، بل كانت نظاما من أحكم ~~الأنظمة التي عرفت؛ لأنها جمعت بين ثلاثة أمور: تشريف القادة، وثروة الخزانة، وهبات ~~الجنود. # إلا أن هذا التشريف على ما يظهر لم يكن موافقا للملوك ما لم يكن التشريف للملك ~~نفسه وأبنائه، كما حدث في أيام الرومان، إذ كان الملوك يجتنون لأنفسهم ولأبنائهم ~~معالم النصر الحقيقية في الحروب التي حضروها، ويتركون للحروب التي انتصر فيها ~~القواد علامات تشريف لا تزيد على الحلل والشارات. # ونختتم الكلام بأن نذكر ما جاء في الكتاب، إذ يقول: إن الإنسان لا يستطيع أن يزيد ~~بجهد من المجهود قيراطا على قامته، فنقول: إن هذا الذي لا يستطاع في بنية الإنسان ~~يستطيعه الملوك في سمعة الممالك ومجدها، فيضيفون إليها السعة والعظمة ويخلفون ~~لأعقابهم - باتخاذ تلك النظم والعادات التي ألمعنا إليها - مجدا باقيا وعزة ~~موروثة، ولكنها أمور لا تلاحظ على العموم وتترك للمصادفات. # مقتبسات من مقالات # الإنفاق # من عهد في نفسه السرف في باب من الأبواب فهو محتاج إلى القصد في باب آخر. ~~فإن كان مسرفا في المائدة فليكن مقتصدا في الكساء، وإن كان مسرفا في الردهة ~~فليكن مقتصدا في الإسطبل. وقس على ذلك؛ لأنه إذا أسرف في جميع الأبواب فقلما ~~يسلم من البوار. # الطبيعة الإنسانية ~~... لا يطيلن أحد قسر نفسه على عادة من العادات، وليداخل بين ذلك قليلا؛ لأن ~~الفترة التي يعفي فيها نفسه من القسر ms107 تعزز العادة الجديدة، ومن كان به نقص وهو ~~قائم بعمل فهو حري أن يزاول فضائله كما يزاول نقائصه، ويراوح بين هذه وتلك، ولا ~~سبيل إلى ذلك إلا بالمداخلة في حينها الملائم، ولا يغلون أحد في الثقة بانتصاره ~~على طبعه؛ لأن الطبع يكمن زمنا ثم ينبعث مع الفرصة أو الإغراء، على نحو ما جاء ~~في خرافات أيسوب عن الفتاة التي كانت قطة فأصبحت إنسانة حسناء، فما لبثت وهي ~~جالسة على المائدة في خفرها وحيائها أن بصرت بالفأر فوثبت إليه. # الغضب # الغضب ولا ريب نقص في الخليقة؛ لأنه لا يظهر على أكثره إلا في الضعفاء ~~كالأطفال والنساء والشيوخ، وخليق بالشيوخ إن غضبوا أن يجعلوا غضبهم إلى السخر ~~أقرب منه إلى الخوف، حتى يبدو عليهم أنهم فوق الإساءة لا دونها، ولا يصعب ذلك ~~على الإنسان إذا راض نفسه على ضبط عنانه. # وبعد، فإن أسباب الغضب على الأكثر ثلاثة: «أولها» أن يكون الإنسان حساسا ~~للإساءة، إذ لا يغضب الإنسان ما لم يشعر بأنه قد أسيء إليه؛ ولهذا يتعرض أصحاب ~~المزاج الرقيق كثيرا للغضب لتعدد ما يزعجهم من الأمور التي لا يحسها أصحاب ~~الطبائع الخشنة القوية، و«ثانيها»: أن تكون الإساءة مفرغة في قالب الازدراء؛ ~~لأن الازدراء يشحذ الغضب ويوقد ضرامه ويبلغ من إثارة النفس ما لا تبلغه الإساءة ~~والمضرة، فمن كانت في طباعه يقظة لعوارض السخرية والازدراء، واعتقاد سوء النية ~~فيها فهم أشد الناس اشتعال غضب، واضطرام سورة، و«آخرها»: كل قول له مساس بسمعة ~~المرء وأحدوثة الناس عنه، فإنه يمتهي غوارب الغضب وينضوها، وإنما العلاج أن ~~يجعل المرء كرامته وسمعته من بنيته أقوى وأصلب على المغامز، كما تعود جونسالڨو ~~أن يقول. ~~(2) سطور من فصول (متفرقات) # مقتبسات متفرقة من كتب باكون المختلفة # كل معرفة أو عجب (وهو بذرة المعرفة) هي في لبابها مما يقع في النفس موقع ~~السرور. # إذا بدأ المرء باليقين فهو منته إلى الشك، ولكنه إذا اكتفى بالشك في ~~البداية وصل في النهاية إلى اليقين. # معرفة الإنسان كالماء: بعضه يهبط من السماء، وبعضه يتفجر ms108 من الأرض؛ ~~وإحداهما تصل إلينا بنور الطبيعة، والأخرى توحي إلينا بتنزيل من ~~الله. # نحن أميل كثيرا إلى ماكيافلي وأمثاله ممن يقولون ما يعمله الإنسان، لا ~~ما ينبغي أن يعمله. # كل فلسفة أخلاقية حسنة فهي وصيفة للديانة. # من مبادئ ليساندر أن الأطفال يخدعون بالحلوى والرجال بالأقسام. # طرق الحياة كطرق المكان، أقصرها كثيرا ما يكون أقذرها، وليس أجملها ~~بالقريب منك في كل حين. # في الطبيعة ينابيع من العدل تنبثق منها القوانين كالجداول. # ينبغي أن تتبع الكتب العلوم، لا أن تتبع العلوم الكتب. # الوجه الجميل توصية صامتة. # الرجاء إفطار حسن ولكنه عشاء رديء. # كان الونسو الأرغواني يقول في مدح القدم: إنه يبدو خيرا وأفضل في أربعة ~~أشياء: الحطب القديم ليحرق، والخمر القديمة لتشرب، والأصدقاء القدامى ليوثق ~~بهم، والمؤلفون الأقدمون ليقرءوا. # لما فر ديمستين من المعركة وليم على ذلك قال: إن الذي يفر مرة يقاتل مرة ~~أخرى. # لما هنأ بيرهوس أصدقاؤه بانتصاره على الرومان بقيادة فابريكوس بعد مقتلة ~~عظيمة في جيشه قال: نعم! ولكنا إذا انتصرنا هكذا مرة أخرى قضي ~~علينا. # الثروة خادمة جميلة ولكنها أقبح سيدة. # في صوت الشعوب شيء من الربانية، وإلا فكيف تتفق كل هذه الأنفس على رأي ~~واحد؟ # الصمت فضيلة الحمقى. # ليس لخطة اعتدال قط قبول عند الغوغاء. # القول بأن الأشياء كلها تتغير، وأنه لا شيء في الحقيقة يفنى وأن مقدار ~~المادة يبقى أبدا كما كان - هو يقين واف. # تتفق الألوان جميعا في الظلام. # من كانت له زوجة وأولاد، فقد أعطى الرهائن للأقدار؛ لأنهم عقبة في طريق ~~كل عمل عظيم للخيرات كان أو للشرور. # الزوجات خلائل الشباب، ورفيقات الكهولة، وممرضات الشيخوخة. # كما يكون المواليد عند وضعهم قباح المنظر كذلك البدع عند ظهورها تقبح في ~~العيون؛ لأنها مواليد الزمان. # من لم يتخذ العلاج الجديد عليه أن يتوقع الداء الجديد؛ لأن الزمن أبو ~~البدع ومنشئ الجديد. # في الدنيا صداقة قليلة، وبخاصة بين الأكفاء. # الفرصة تخلق اللص. # لا نستطيع أن نسيطر على الطبيعة إلا بطاعتها. # المعرفة قوة. # من أشبع غيره منه رخص. # اختيار ms109 الوقت قصد في الوقت. # في الطبيعة الإنسانية من الأحمق فوق ما فيها من الحكيم. # الفرنسيون أعقل مما يظهرون، والأسبان يظهرون أعقل مما هم في ~~الحقيقة. # البيوت جعلت للسكن لا للنظر، فلنقدم فيها الفائدة على النسق، ما لم تتفق ~~لها المزيتان. # الشعر (من كتاب «ترقية المعارف») # الشعر جزء من المعرفة في قالب كلمات مقيدة بعض التقييد، ولكنها فيما عدا ذلك غاية ~~في الترخص والطلاقة، ومرجعها الأصيل إلى الخيال الذي لا تربطه قوانين المادة، ولهذا ~~يصل كما يشاء بين ما فصلته الطبيعة ويفصل بين ما وصلته، ويزاوج ويطلق بين الأشياء ~~على غير السنة المشروعة كما قيل: «إن الرسامين والشعراء قد أبيح لهم دائما ما ~~يرومون.» # ويؤخذ الشعر على مأخذين في كلماته أو مادته، فهو على أحدهما نسق من الأسلوب يرجع ~~إلى صناعات الكلام، ولا شأن لنا بها فيما نحن بصدده الآن، وهو على المأخذ الآخر - ~~كما قيل - قسم من أقسام المعرفة الهامة، لا يعدو أن يكون في الحقيقة نمطا من ~~التاريخ الرمزي يدخل في المنثور كما يدخل في المنظوم. # وغرض هذا التاريخ الرمزي هو أن يعطي العقل الإنسان ظلا من الرضى في تلك ~~الأحوال، التي تضن طبيعة الأشياء بإرضائه فيها. # فالدنيا في وضعها بمرتبة دون مرتبة الروح، ويحدث من أجل ذلك أن تحس الروح بعظمة ~~أوسع، وخير أحكم وتنوع أعم وأكبر مما تحتويه طبائع الأشياء. # ولما كانت حوادث التاريخ الصحيح لا ترتقي في مداها إلى مرضاة العقل الإنساني، ~~فالشعر يمثل له أعمالا وحوادث أرفع وأقرب إلى البطولة؛ لأن التاريخ الصحيح يعرض ~~لنا الأعمال والحوادث المألوفة التي يقل التنوع فيها، فيهب لها الشعر ندرة وتنوعا ~~غير متوقع أو معهود، وهو ما يظهر منه أن الشعر ينزع إلى الطيبات، ومحاسن الأخلاق ~~وبهجة الخواطر، وبهذه المثابة يعتقد دائما أن له حظا من الإلهام الإلهي مذ كان ~~يرفع العقول ويقومها، من حيث يربطها المنطق بطبائع الأشياء ويثنيها لسلطانها، وبهذه ~~الإيحاءات والمطابقات بين طبيعة الإنسان والسرور مع مجاراتها للنغم الموسيقي والصوت ~~الموزون كان للشعر مدخل وتقدير في ms110 عصور البربرية الخشنة، لم يكن لباب آخر من أبواب ~~المعرفة والتعليم. # وللشعر أقسام يشارك فيها التاريخ كتمثيل الأخبار والسير، وتمثيل الرسائل والخطب ~~وما إليها، ولكنه فيما عدا ذلك ينقسم أفضل تقسيم إلى فروع ثلاثة: وهي الشعر القصصي، ~~وشعر التصوير والتشبيه، وشعر الرمز والإيماء أو الكناية. # فالشعر القصصي إن هو إلا محاكاة للتاريخ مع الغلو والتزيد، اللذين أشرنا إليهما ~~فيما تقدم، وموضوعاته على الإجمال هي الحرب والحب والسياسة نادرا، والسرور واللهو ~~في بعض الأحيان. # وشعر التصوير والتشبيه هو التاريخ الشاخص المنظور، أو هو صور الحوادث، كأنها ~~حاضرة من حيث يكون التاريخ صورا لها في الطبيعة كما هي - أي كما مضت. # وشعر الرمز والكناية هو سرد يراد به التعبير عن بعض الأغراض الخاصة أو التورية، ~~وقد كانت هذه الحكمة الرمزية شائعة في الأزمنة القديمة على أمثلة خرافات أيسوب ~~ومأثورات الحكماء السبعة، وما يظهر من استخدام الكتابة الهيروغليفية، وعلة ذلك ~~ضرورتها للتعبير عن المرامي التي هي أدق وأخفى على فهم الغوغاء في تلك العصور؛ لأن ~~الناس في تلك العصور كان يعوزهم تنويع المثل ودقة التورية، وكما سبقت رسوم ~~الهيروغليفية الحروف، كذلك كانت الأماثيل سابقة للحجج والبراهين، وهي حتى الآن وفي ~~كل زمان، تشتمل على حياة جمة ونشاط وافر؛ لأن المنطق لا يساويها في التنبيه ~~والأمثلة الحية. # ولكن للشعر الرمزي بعد هذا غرضا يقابل ذلك الغرض الذي قدمناه؛ لأنه يرسي في سياق ~~التعليم إلى الشرح من طريق المواربة والتلبيس بين الظاهر والباطن، كما يحدث في ~~أسرار الديانة وخفاياها، أو في السياسة أو الفلسفة حين تطوي في خلال الخرافات ~~والأماثيل، واستخدام ذلك في الدين جائز مرخص به كما رأينا، وكان استخدام الخرافات ~~على عهود الوثنية كثيرا ما يفيض في سهولة وخفة، ومن أمثلته تلك الخرافة التي تقول: ~~إن المردة قهروا في حربهم مع الآلهة، فأخرجت أمهم الأرض «الإشاعة» من أحشائها على ~~سبيل الانتقام، فإن هذه الخرافة ترينا أن الأمراء والملوك حين يقمعون الثورات ~~والقلاقل العلنية تعمد ضغينة الجماهير - وهي أم الثورات - إلى خلق النمائم ~~والإشاعات ms111 والتهم، التي هي من مادة الثورة ولكنها مؤنثة. # كذلك الخرافة التي تقول: إن الأرباب قد ائتمرت برئيسها جوبيتر؛ لتوثقه وتحد من ~~سطوته، فاستدعى پالاس Pallas # إليه برياروس # Briareus # بأيديه المائة لمعونة الإله الأكبر، فإن ~~هذه الخرافة ترينا أن الملوك حريون ألا يبالوا بانتقاض رعاياهم الأقوياء على ~~سلطانهم ما أمكنهم بالرأي والتدبير أن يملكوا قلوب شعوبهم الذين ينضوون إليهم ~~لمعونتهم. # وكذلك الخرافة التي تقول: إن أشيل تربى برعاية السنتاؤر شيرون، وهو نصف إنسان ~~ونصف دابة، فإن هذه الخرافة تعلمنا ما أجاد ماكيافلي في شرحه وإن أفسده، حيث يتجلى ~~أن تعليم الأمراء وتدريبهم ينبغي أن يتوخى فيهما اقتدار الأمير على القيام بدور ~~الأسد في العنف والثعلب في الحيلة، كما يتوخى فيهما القيام بدور الإنسان في الفضيلة ~~والعدالة. # على أنني أميل إلى الاعتقاد - في أشباه هذه الخرافات - أن الخرافة وضعت أولا، ثم ~~جاء بعدها الشرح والتفسير، ولا أعتقد أن المغزى وضع أولا ثم جاءت بعده الخرافة، ~~وقديما أولع الغرور كريسپس # Chrysippus # بإجهاد ~~نفسه في عنت شديد؛ لتعليق آراء الفلاسفة الرواقيين على خرافات الشعراء ~~الأقدمين. # أما أن جميع الخرافات والقصص التي نظمها الشعراء كانت لهوا، ولم تكن رموزا ~~وعظات، فذلك ما أمسك عن إبداء الرأي فيه، ومن هؤلاء الشعراء الذين بقيت آثارهم ~~هومير نفسه ... وقد جعله المتأخرون من أساتذة اليونانية ضربا من التنزيل! فلا صعوبة ~~في القول بأن خرافاته لا تنطوي على دخائل المعاني التي تنسب إليها، وليس من السهل ~~مع ذلك أن نجزم بمراميها؛ لأنه هو لم يكن مخترع الكثير منها. # وفي هذا الجزء الثالث من المعرفة - وأعني به الشعر - لا أستطيع أن أشير إلى نقص ~~أو آفة، فإنه كالشجرة التي نبتت من شهوة الأرض بغير بذرة سابقة، فأصابت من النمو ~~والجزالة ما لم تصبه شجرة أخرى، وعلينا أن نعطيها حقها ونوفي لها قسطها، ففي ~~التعبير عن الخوالج، والأهواء، والمفاسد، والعادات نلجأ إلى آثار الشعراء أكثر من ~~لجوئنا إلى آثار الفلاسفة، وليس التجاؤنا إليها بأقل كثيرا من التجائنا إلى آثار ~~الخطباء في معارض ms112 الفطنة والفصاحة. # وبعد فلا يحسن بنا أن نسهب طويلا في هذا المجال، فلننتقل منه إلى مجال القضاء، ~~فنقبل عليه ونستجليه بوقار أعظم وعناية أوفى. # الملك هنري السابع # هذا الملك - إذا تكلمنا عنه بما هو أهل له - كان عجبا من أحسن العجب؛ لأنه كان ~~عجبا لذوي الحكمة والذكاء، وكانت في كل من فضائله وحظوظه جوانب مختلفة هي أصلح ~~للتأمل منها للعرض المشاع. # كان تقيا في شعوره وسلوكه، ولكنه لنفاذ بصره في الأوهام بالقياس إلى زمنه، كانت ~~تغلب عليه السياسة البشرية بين حين وحين. # كان يقدم رجال الكنيسة، وكان رفيقا بمزايا المعابد وحقوقها، وإن أصابه منها بعض ~~الأذى، وقد بنى كثيرا من العمائر الدينية وأنفق عليها عدا مستشفاه التذكاري بسفوا، ~~وكان إلى ذلك محسنا في الخفاء مما يدل أن أعماله في العلانية إنما كانت لمجد الله ~~لا لمجده. # وكان هجيراه أن يعيش في سلام، وتعود في تقديم معاهداته أن ينص على أن السيد ~~المسيح يوم جاء إلى الأرض ارتفعت الأناشيد بالسلام، ويوم فارقها خلف بعده وصية ~~السلام، ولم تأت هذه الفضيلة من خوف أو نعومة؛ لأنه كان شجاعا عالي الهمة موفور ~~النشاط، فهذا الخلق منه لا ريب من الدين ومكارم الأخلاق. # على أنه قد عرف أن سبيل السلام لا يقتضي الإحجام عن الحروب، ومن ثم كان ينذر ~~بالحرب، وينشر أحاديثها وإرهاصها حتى يسوي أحوال السلام، وإنه لعظيم أن يكون الرجل ~~الذي أحب السلام ذلك الحب سعيدا موفقا في الحرب، إذ كانت جيوشه سواء في خارج ~~بلاده أو في الحروب الأهلية لم تمن قط بسوء الطالع، ولم تعرف قط ما هي ~~الهزيمة. # ذي رڤنج # REVENGE ~~(من تعليقات على الحرب ~~الأسبانية) # في سنة 1591 اشتركت سفينة إنجليزية باسم رڨنج (الانتقام) في قتال باقي الأثر ~~بقيادة السير رتشارد جرنفيل، ونقول باقي الأثر فوق كل كلام وإلى ذروة من البطولة ~~تشبه بطولة الأساطير، وقد كانت هزيمة، ولكنها أرفع من النصر والغلبة ... كأنما هي ~~ضربة شمشون، التي قتل بها في موته أضعاف من قتل وهو بقيد الحياة. ms113 # لبثت خمس عشرة ساعة كالأيل بين كلاب الصيد التي تقف له بالمرصاد، وأحاطت بها خمس ~~عشرة سفينة أسبانية تناضلها من أسطول تبلغ عدة قطعه خمسا وخمسين، وقفت بقيته تتربص ~~من بعيد، وكانت بين السفن المقاتلة تلك السفينة الكبرى المعروفة باسم القديس فيليب، ~~وحمولتها نحو ألف وخمسمائة طن، وهي سيدة الاثنتي عشرة المعروفة في الأسطول الأسباني ~~برسل البحار، فحمدت الله على السلامة حين تحولت عن ذي رڨنج! # وقد كانت هذه السفينة الباسلة لا تقل أكثر من مائتي جندي وبحار، بينهم ثمانون ~~مرضى في الفراش، ومع هذا غرق حولها سفينتان بعد قتال دام خمس عشرة ساعة، وعطبت سفن ~~أخرى وقتل فيها خلق كثير، ولم تستسلم قط بل أخذت بالوفاق والمصالحة بين الإعجاب ~~العظيم من العدو بقائدها وسيرتها الفاجعة في جملتها. ~~(3) الطرائف والأجوبة # جمع باكون في هذا الكتيب اللطيف نتفا من مطالعاته الواسعة في الأدب والتاريخ، ونوادر ~~من محفوظاته ومسموعاته التي وردت عليه في بيئته وبيئة ذويه وخاصة صحبه، وسماه ~~بالإنجليزية ~~“A collection of Apothegms” ~~، وهي كلمة ~~تقابل عندنا معاني كثيرة نطلقها على الطرائف وجوامع الكلم، وما شاكلها من الأمثال ~~السائرة والأجوبة المسكتة، والمأثورات النادرة، واخترنا لها عنوان الطرائف والأجوبة؛ ~~لأنه أنسب العناوين لموضوعها كما سيرى القارئ من هذه المختارات المتفرقة، وهي في رأينا ~~أدل ما كتب باكون على أهوائه وأحاديثه في مباذله، وأدلها من ثم على الناحية الإنسانية ~~فيه، فإذا كان «القانون الجديد» وطوبى الجديدة وترقية التعليم أو المعرفة ترجمان باكون ~~العالم، وكانت مقالاته وفصوله ترجمان باكون الأديب، فهذه الطرائف والأجوبة ولا ريب ~~ترجمان باكون الإنسان، حيث يعيش لنفسه وبين جلسائه ومسامريه، وهي من هذه الوجهة تضم إلى ~~قيمتها الأدبية قيمة أخرى في باب الترجمة له والتعريف بنفسه وهواه. # وقد جمعها من ذاكرته في أواخر أيامه، وأشار في التمهيد لها إلى عناية يوليوس قيصر ~~بجمع الطرائف والأجوبة من قبيلها، كأنه يعتذر من اشتعاله بمثلها، وهي في الواقع من خير ~~ما ترك وأمتعه للقارئ الذي ينشد التسلية أو يستفيد. # وهذه نماذج منها تلم ms114 بجميع موضوعاتها وأغراضها، وتنبئ القارئ عما توخاه فيها. # دعت الملكة آن بولين ~~“Ann bulin” # إليها رجلا من ~~حاشية الملك، وهي تساق في البرج إلى الموت، وقالت له: «اذكرني عند الملك وقل له بلساني: ~~إنه كان مثابرا على سنته في الارتفاع بي من منزلة إلى ما فوقها، فقد نهض بي من امرأة ~~بين السيدات عامة إلى رتبة المركيزة، ثم نهض بي من رتبة المركيزة إلى عرش الملكات، وها ~~هو ذا اليوم - إذ لم تبق أمامه منزلة على الأرض يرفعني إليها - قد ثابر على سنته، فتوج ~~براءتي بمجد الشهيدات.» ~~«كان قائد عظيم من قواد فرنسا على خطر من ضياع منصبه الكبير، فلم تزل قرينته بشتى ~~الحيل والوسائل ساعية في خلاصه حتى حفظت له ذلك المنصب المهدد بالضياع، فقال بعض ~~الظرفاء: لقد سحق ولكنه احتمى من السحق تحت قرنين!» # توجه أعضاء المجلس الخاص إلى الملكة اليصابات بكثير من النصائح؛ لتنبيهها إلى مكائد ~~المتربصين بحياتها، وقيل لهم: إنهم قد اعتقلوا أخيرا بعض المجرمين وهو متأهب في شر حال ~~للفتك بها، وأروها السلاح الذي أعده لاغتيالها، ثم أشاروا عليها باجتناب الخروج في ذلك ~~الحرس القليل، الذي تعودت أن تخرج به لرياضتها، فأصغت إليهم ثم أجابتهم قائلة: «إنها ~~تفضل أن تموت ميتة القتلى على أن تعيش عيشة السجناء.» # كانت ملكة هنري الرابع - عاهل فرنسا - حاملا في أوائل حملها، وكان الكونت سواسون ~~يتطلع إلى العرش من بعد هنري الرابع، فكان يقول كلما علا بطن الملكة: إنما هي وسادة! ~~فنمى كلامه إلى الملك فأسره في نفسه حتى أوشكت الملكة أن تضع حملها، ثم استدعى الكونت ~~سواسون وقال له وهو يضع يده على بطنها: ألا تزال تحسبها وسادة يا ابن العم؟ فلم يتلعثم ~~الكونت، بل قال على الفور: «نعم يا مولاي! إنها وسادة تركن إليها فرنسا بأسرها!» # كانت الملكة اليصابات تقول عن أوامرها لكبار موظفيها: إنها كالحلة التي تلبس مستقيمة ~~في جدتها، ثم تتثنى وتسترخي يوما بعد يوم. # زارت الملكة اليصابات منزل السير نيكولاس باكون حامل خاتم المملكة وهي ms115 عابرة في ~~طريقها، فقالت له: أيها اللورد! ما أصغر منزلك هذا؟ # قال السبير نيكولاس باكون: «مولاتي: إن منزلي حسن، ولكنك يا مولاتي أنت التي جعلتني ~~أضخم من أن يتسع لي منزل كهذا.» # كان طاليس الفيلسوف ينظر إلى النجوم فسقط في الماء وهو لا يراه، فقيل في هذا المعنى: ~~لو أن الفيلسوف نظر إلى الماء لكان خليقا أن يرى النجوم فيه، ولكنه نظر إلى النجوم ~~ففاته أن يرى الماء. # ندب بعض الضباط لمهمة مهلكة زوده القائل لها بعدد من الجند قليل لا يكفي لإنجازها، ~~فلم يطلب المزيد بل قال لقائده: زودني يا مولاي بنصف هذا العدد وكفى، فعجب القائد ~~وسأله: ولم؟ فقال الضابط: نعم يا سيدي، فإنه كلما قل عدد القتلى كان ذلك خيرا ~~وأبقى! # من أمثال الأسبان: إن الحب الذي لا غاية له ليست له غاية ... يريدون بذلك أن الحب لغير ~~غرض يبقى ولا يعجل بالانتهاء. # كان رجل شديد الغيرة على امرأته، فجعل يتبعها حيث تسير، ويتعقب أخبارها في كل مكان، ~~فلما ضجرت من غيرته قالت له في كلام صريح لا مواربة فيه: أولى لك أن تعدل عن هذا التعقب ~~المضجر، وإلا أثبت لك على جبينك قرنين يصدانك عن الخروج من كل باب! # كان ميخائيل أنجلو - المصور المشهور - يرسم صورة جهنم في كنيسة البابا، فوضع في الرسم ~~مع الأرواح الملعونة المؤبدة في الجحيم صورة كاردينال كان يبغضه ويعاديه، فلم يخف منظره ~~على أحد رآه. # فتوسل الكاردينال إلى الحبر الأعظم في ذلك وضراعة أن يأمر بمسح تلك الصورة من رسم ~~الجحيم، فأجابه الحبر الأعظم باسما: ومن أين لي ذاك؟ أنت تعلم حق العلم أن لي سلطانا ~~على الأرواح التي في الأعراف ولا سلطان لي على الأرواح التي دخلت النار. # مات رجل مثقلا بالديون، فاجتمع دائنوه يقول أحدهم: لئن ذهب إلى الدار الآخرة، لقد ~~حمل معه خمسمائة دينار من مالي، ويقول غيره: وحمل من مالي إلى الدار الآخرة مائتي ~~دينار، ويعدد الآخرون ديونهم عليه، فقاطعهم بعض الحاضرين قائلا: الآن علمت أن الراحل ms116 ~~من الدنيا لا يحمل منها شيئا من ماله، ولكنه قادر على أن يحمل معه كثيرا من أموال ~~الناس! # هجر مصور صناعة الرسم وسلك نفسه بين الأطباء، فقال له ظريف: لقد أصبت فيما صنعت، فقد ~~كانت أخطاؤك منظورة فصارت مدفونة في التراب! # كان السلطان سليم العثماني أول من حلق لحيته من سلاطين آل عثمان، فسأله أحد الباشوات: ~~لم بدلت يا مولاي عادة الآباء والأجداد؟ # قال السلطان: لكيلا تسحبوني معشر الباشوات منها كما كنتم تسحبون أولئك الآباء ~~والأجداد. # كان مستر بتنهام القارئ في خان جراي يقول: إن الثروة كالسماد يشتم منه العفن إذا ~~تراكم في موضع واحد، ولكنها تثمر أحسن الثمرات إذا هي انتشرت على أديم الغبراء. # كان بين قيصر بورجيا وسادات رومان خلاف قديم، لم يزل يحتال عليهم حتى سواه وأصلح ما ~~بينهم وبينه، فعاهدوه عهدا اشترطوا فيه ألا يدعوهم كلهم في جمع واحد إليه، مخافة أن ~~يتمكن منهم مجتمعين فيبطش بهم أجمعين، ولكنه ما برح يتلطف إليهم ويتسلل إلى مكان الثقة ~~من نفوسهم، حتى اطمأنوا إليه، ثم دعاهم إلى الاجتماع حيث استأصلهم ولم يبق منهم أحدا، ~~وأبلغ بعض الكرادلة أباه هذه الفعلة على أنها فعلة موفقة ولكنها غادرة، فقال البابا ~~ألكسندر: إنهم هم الذين نقضوا العهد فحضروا إليه جماعة! # كان كاتو الأكبر يقول: إن الرومان كالخراف ... سوق قطيع منها أيسر من سوق خروف. # سيق بيون الملحد في بعض الموانئ إلى هيكل نبتون، حيث أروه ألواحا شتى عليها رسوم ~~أصحاب النذور، الذين نجوا من العواصف بالتوسل إلى إله البحار، ثم تحدوه سائلين: وما ~~قولك الآن؟ ألا تعترف الآن بقدرة الآلهة؟ # فأسرع مجيبا: بلى، ولكني أسألكم: أين أجد الألواح التي يرسم عليها الغرقى من أصحاب ~~النذور؟ # ابتهى جندي بندوب وجهه من أثر جراح الحرب أمام يوليوس قيصر، وكان قيصر يعرف فيه الجبن ~~والكذب، فقال له: خليق بك إذن ألا تلتفت وراءك وأنت هارب. # كان طراجان يسخر بغيرة الأمراء ممن يخلفهم، ويعجب من محاولتهم إخفاء أمرهم أو ~~إقصاءهم، ويقول: لم يوجد قط ملك ms117 قتل خليفته من بعده! # سئل فيليب المقدوني أن ينفي رجلا يسيء المقالة عنه في غيبته، فقال: خير لنا أن يتكلم ~~حيث نحن كلانا معروفان من أن يتكلم حيث لا يعرفه ولا يعرفني أحد. # هزئ اشينس بالخطيب ديمستين قائلا في وصف خطبه: إنها تنفث منها رائحة الشمع ... كناية ~~عن الجهد والسهر في تحضيرها، فقال ديمستين: نعم، والفرق مع ذلك عظم بين ما يعمله كلانا ~~على ضوء الشموع. # من أقوال فيلو جودس ~~“Philo judeus” ~~: إن العقل كالشمس ~~(يعني في مسائل العقيدة والإيمان)، إذ تحجب كواكب السماء وترينا صفحة الأرض، وهو يستر ~~عنا الأمور السماوية ، ويكشف لنا الأمور الأرضية. # وهب داريوس للإسكندر هبات طائلة بعد معركة «جرانيكوم»، فشاور قواده في أمرها، فقال ~~پارمنيو: لو كنت أنا الإسكندر لقبلتها، فقال الإسكندر: وكذلك أنا لو كنت ~~پارمنيو. # تزوج كاتو الأكبر في شيخوخته بامرأة بعد زوجته المتوفاة، فجاءه ولده يعاتبه قائلا ~~له: بم أسأت إليك يا أبت حتى أدخلت على بيتنا هذه الضرة، فقال كاتو: كلا! يا بني، إنك ~~لم تسئ إلي بل أحسنت؛ ولذلك التمست المزيد من الأبناء. # فرق الإسكندر بين قواده وأولى حظوته عطايا عظيمة بعد اقتحامه البلاد الآسيوية، فسأله ~~پارمنيو: وماذا أبقيت لنفسك؟ فأجابه بكلمة واحدة: الأمل. # عرض قارون كنوزه على صولون الحكيم، فقال له الحكيم: لئن جاءك ملك حديده أفضل من ~~حديدك ليذهبن غدا بكل ذهبك. # ليم اريستپس على الإسراف والبذخ، وكان لائمه من الفقراء؛ لأنه اشترى سمكة صغيرة بستة ~~دنانير، فسأله اريستپس: وبكم كنت تشتريها أنت! فقال الفقير: بدراهم معدودة، قال ~~اريستپس: وستة دنانير لا تساوي عندي أكثر من دراهم معدودة. # بعث القرطجنيون بزعيمهم هاني مندوبا للصلح بعد الحرب القرطجنية الثانية، فأفلح في ~~عقده، ولكن شيخا من شيوخ المجلس الروماني قال له في أثناء المفاوضة: إنك كثيرا ما ~~أقسمت وحنثت في قسمك، فبأي الآلهة يا ترى تقسم الآن! فأجابه هاني: بالآلهة نفسها التي ~~رأيتم عقابها الصارم للحنث في أيمانها! # كان ديوجنيس يقول إذا أحاطت به الفيران وهو يأكل: حتى ديوجنيس يطعم ms118 الطفيليين. # سن الرومانيون قانونا يحرم الرشوة وقبول الهدية على حكام الأقاليم، فألقى شيشيرون ~~خطابا على الشعب قال فيه: إنه يحسب أن الأقاليم سوف تتوسل إلى حكومة روما لإلغاء هذا ~~القانون، فإن الحكام كانوا قبل سنة يأخذون من الرشاوي والهدايا ما يكفيهم، ولكنهم الآن ~~لا يقنعون بذلك حتى يأخذوا معه ما يكفي القضاة المحلفين، ومراجع الرئاسة! # كان شيلون يقول: إن الذهب يمتحن بمحك المعدن، والرجال يمتحنون بالذهب. # كان مستر پوڨام رئيسا لمجلس النواب قبل أن يصبح رئيسا للقضاة، واتفق في تلك السنة ~~أن المجلس أطال الجلسات على غير جدوى، فلما لقي الملكة اليصابات سألته : ماذا قضيتم يا ~~حضرة الرئيس في مجلس النواب؟ # فقال الرئيس: سبعة أسابيع إذا سمحت يا مولاتي! # فتن ثمستوكليس في أيام خصاصته بفتى جميل كان يعرض عنه ويسخر منه، فلما عظم قدره جاءه ~~الفتى يسعى لمرضاته، فأعرض عنه ثمستوكليس وقال: أرى يا صاح أننا كلينا قد تعلمنا ~~الحكمة، ولكن بعد الأوان. # خرج بيون في سياحة بحرية، فلم يلبث أن هاجت بسفينته الأعاصير، وتعالى أصوات النواتية ~~معه بالدعاء إلى الآلهة - وكانوا من شرار الناس - فصاح بهم: صه! لا تدعوا الآلهة تعرف ~~بمكانكم في هذه السفينة! # كان پاس النديم قد حرم لقاء الملكة اليصابات لسلاطة لسانه في نكاته، فشفع له بعض رجال ~~الحاشية، وأكدوا للملكة أنه سيمسك لسانه ولا يتجاوز حده، فلما مثل بين يديها قالت له: ~~هلم يا باس، حدثنا الآن عن عيوبنا ونقائصنا، فما ملك النديم أن قال: لم أتعود يا مولاتي ~~أن أخوض في الحديث المعاد ... وأن أكرر ما يتحدث به جميع الناس! # قال بعض السلف: الفرق الوحيد بين موت الشيوخ وموت الشبان أن الشيوخ يذهبون إلى الموت، ~~وأن الموت يذهب إلى الشبان. # كان ديمترويوس ملك مقدونية يعتزل العمل، ويعكف على اللهو ويدعي المرض وهو محتجب عن ~~الناس، فزاره أبوه أنتيجونس يوما من هذه الأيام، وهو يزعم أنه محموم، فرأى فتى مليحا ~~رشيقا يخرج من حجرته، فلما رأى الملك أباه فوجئ فقال معتذرا: إن الحمى فارقتني ~~الساعة! ms119 # قال أبوه: نعم رأيتها خارجة من هنا! # من أقوال كاتو الكبير: إن العقلاء يتعلمون من المجانين أضعاف ما يتعلم المجانين من ~~العقلاء. # قيل لانكسا جوارس: إن الأثينيين حكموا عليك بالموت، فقال: وبالموت حكمت عليهم ~~الطبيعة. # سئل انتيستنس ~~“Antisthenes” ~~: أي العلوم أجدى على ~~الإنسان في حياته أن يعيه في ذهنه؟ فقال: أن يخرج من ذهنه ما لا يفيد. # أنفذ الترك جيشا إلى بلاد الفرس، فوقفوا عند جبال أرمينية ومضايقها الوعرة يتساءلون: ~~كيف السبيل إلى الدخول؟ وسمع الباشوات من حضر مجلسهم، فقال لهم: عجبا، لقد سمعتكم ~~جميعا تسألون كيف الدخول، ولم أسمع واحدا يسأل: كيف الخروج ؟ # لما اقترح فيليب على ابنه الإسكندر أن ينزل في سباق الأولمب؛ ليظفر بجائزة العدو ~~لسرعة عدوه، قال الإسكندر: نعم ولكني أجري إن جريت في حلبة ملوك. # من أقوال اريستيبس: إن الذين يتعلمون العلوم ويهملون الفلسفة لأشبه الناس بخطاب ~~پنيلوب حين تقدموا بالغزل إلى جاريتها! # فرض أنطونيوس على آسيا الصغرى فريضة مضاعفة، فجاءه سفراؤهم يقولون: إنهم يؤدون في ~~السنة ضريبتين إذا سمح لهم في السنة بربيعين وحصادين. # قال خطيب أثيني لديمستين: إن الأثينيين قاتلوك لا محالة في ساعة جنون، فقال ديمستين: ~~وهم قاتلوك لا محالة في ساعة رشاد. # قال اپكتيتس: إن العامي يلوم غيره في كل خطأ يصيبه، وطالب الحكمة يلوم نفسه، وأما ~~الحكيم الواصل فلا يلوم نفسه، ولا يلوم الآخرين. # أقام الرومانيون تماثيل كثيرة لمشاهيرهم، فسأل أحدهم كاتو الكبير: ما بالهم لم يرفعوا ~~له تمثالا كغيره، فقال: أحب إلي أن يسأل الناس لم لم يرفعوا له تمثالا من أن ~~يسألوا: لم رفعوا له هذا التمثال؟ # تعب صديق للسير توماس مور في تأليف كتاب ينشره، وهو شديد الإعجاب بذكائه، على قلة ~~الموافقين له على رأيه في نفسه، وجاء بالكتاب إلى السير توماس مور ليقرأه ويصارحه برأيه ~~فيه، فلم يجد السير توماس في الكتاب ما يستحق عناء النشر، وقال لصاحبه: حبذا لو كان ~~نظما وليس بنشر! فسرعان ما أخذه الرجل وعاد به منظوما بعد فترة وجيزة، فكان تعقيب ms120 ~~السير توماس عليه في المرة الثانية أنه قال للمؤلف المخدوع في جد واهتمام: الآن هو شيء؛ ~~لأنه على الأقل موزون، أما من قبل فلم يكن بالمعقول ولا بالموزون. # كان أحد الحكماء السبعة يقول: إن القوانين كنسج العنكبوت تقع فيه صغار الطير وتعصف به ~~كبارها. # كان فوسيون الأثيني رجلا صارما لا يلين لعامة الناس، ووقف يخطب يوما فهتف له ~~السامعون، فالتفت إلى أقرب أصحابه، وسأله: فيم أخطأت يا ترى؟ # قال ديوجين لفتى متهم النسب رآه يرمي بالحجارة بين الجمهور: حذار يا هذا فربما أصبت ~~أباك. # كان بلوتارك يقول عن صغار الناس في كبار المناصب: إنهم كالتماثيل الصغيرة التي تضؤل ~~في النظر كلما ارتفعت قواعدها. # من عادة فرنسيس باكون أن يقول عن الرجل الذي يكظم غيظه، فلا يتحرك لسانه بالمسبة: إن ~~تفكيره أسوأ من مقاله، وعن الرجل الذي يسب إذا غضب: إن مقاله أسوأ من تفكيره. # درجت الملكة اليصابات على أن تسأل عن كل موظف كبير من رجال الدين أو الدنيا؛ لتعرف ما ~~يقال عن تقواه واستقامته وعلمه، فإذا علمت من ذلك ما يرضيها عنيت بالنظر إلى شخصه ~~وسيماه، وتفضلت في موطن من هذه المواطن، فقالت لي: باكون! كيف يكون للقاضي سلطان إن لم ~~تكن له هيبة ووقار؟ # تكلم بعضهم عن إصلاح الكنيسة الإنجليزية، بحيث لا تصبح في الحق كنيسة إذا عمل برأيه، ~~وكان سير فرنسيس باكون يميل إلى الاعتدال في هذه الشئون، فقال للمتكلم: سيدي! إن ~~الموضوع الذي تتكلم فيه هو عين البلاد الإنجليزية، ومن الحسن إذا رأينا في العين قذاة ~~أو اثنتين أن نخرجهما. ولكنه طبيب عيون عجيب، ذلك الذي يخرج العين كلها؛ لينقيها من ~~قذاها. # كان لورد سانت البان - باكون نفسه - قلما يتعجل إثبات القضايا العامة، بل يخطو إليها ~~خطوا وئيدا من طريق التجربة، فقال يوما لبعض الفلاسفة الذين لا يرون رأيه: إن ~~الطبيعة كالمتاهة - لا بيرنت - كلما أسرعت فيها ضللت الطريق. # ينتصر مرتين من ينتصر على نفسه في ساعة الغلب. # إذا كانت الرذيلة مجدية، فالفضلاء هم الخاطئون. # ينام ms121 نوما طيبا من لا يشعر أنه ينام نوما رديئا. # الألم يخلق الكذوب حتى من الرجل البريء. # أصغر شعرة لها ظل. # يموت الإنسان عداد من يفقد من الأصدقاء. # يتهم نبتون - إله البحار - ظلما من تجنح به سفينته للمرة الثانية. ms122