######OpenITI# #META# URI: 1383CabbasMahmudCaqqad.HadhihiShajara.Hindawi40706146 #META# Tags: literature #META# ID: 40706146 #META# Title: هذه الشجرة #META# AuthorID: 64642852 #META# Author: عباس محمود العقاد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # هذه الشجرة‏ # غواية المرأة‏ # جمال المرأة‏ # تفاوت الجنسين‏ # تناقض المرأة‏ # حب المرأة‏ # أخلاق المرأة‏ # حقوق المرأة‏ # الجنس‏ # الحب‏ # معاملة المرأة‏ # هذه الشجرة‏ # غواية المرأة‏ # جمال المرأة‏ # تفاوت الجنسين‏ # تناقض المرأة‏ # حب المرأة‏ # أخلاق المرأة‏ # حقوق المرأة‏ # الجنس‏ # الحب‏ # معاملة المرأة‏ # | هذه الشجرة # | هذه الشجرة # تأليف # عباس محمود العقاد # | هذه الشجرة # ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة ~~فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه ~~الشجرة فتكونا من الظالمين * ~~فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري ~~عنهما من سوآتهما وقال ما نهاكما ربكما ~~عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو ~~تكونا من الخالدين * وقاسمهما ~~إني لكما لمن الناصحين * ~~فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت ~~لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ~~ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما ~~عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان ~~لكما عدو مبين ~~[الأعراف: 19-22]. # وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك ~~الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا ~~تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين * فأزلهما الشيطان عنها ~~فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا ~~بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ~~ومتاع إلى حين ~~[البقرة: 35، 36]. # رأت المرأة أن الشجرة جيدة للأكل وأنها بهجة للعيون شهية للنظر، فأخذت من ثمرها ~~وأكلت وأعطت رجلها أيضا معها فأكل، فانفتحت أعينهما وعلما أنهما عريانان ... ~~ونادى الرب آدم وقال له: أين أنت؟ فقال: سمعت صوتك في الجنة فخشيت لأني عريان ~~فاختبأت. فقال: من أعلمك أنك عريان؟ هل أكلت من الشجرة التي أوصيتك ألا تأكل ~~منها؟ فقال آدم: المرأة التي جعلتها معي، هي أعطتني من الشجرة فأكلت. فقال ~~الرب للمرأة: ما هذا الذي فعلت؟ فقالت المرأة: الحية غرتني فأكلت. فقال الرب ~~للحية: لأنك فعلت هذا ملعونة أنت من جميع البهائم ومن جميع وحوش البرية، ~~على بطنك تسعين وترابا تأكلين كل أيام حياتك، وأضع عداوة بينك وبين ~~المرأة وبين نسلك ونسلها، هو يسحق رأسك وأنت تسحقين عقبه. # العهد القديم «الإصحاح الثالث، سفر التكوين» # هي القصة الخالدة في الأديان الكتابية. # وهي الرمز الخالد إلى طبيعة المرأة التي ms01 لا تتغير: هي تفعل ما تنهى عنه وهي تغري ~~الرجل، وفي كل من هذين الخلقين دليل مجمل على خلائق أخرى مفصلة تنطوي في ذلك ~~الرمز الكبير. ~~••• # قال الشاعر الجاهلي طفيل الغنوي: # إن النساء كأشجار نبتن لنا # منها المرار، وبعض المر مأكول # إن النساء متى ينهين عن خلق # فإنه واجب لا بد مفعول # وقد ألهم هذا الشاعر البدوي - ابن الفطرة وابن البادية - خلاصة قصة الشجرة في بيتيه ~~المطبوعين، وخلاصتها أن المرأة تغري بأكل المر الذي لا يساغ أو لا يسوغ، وأنها تفعل ~~ما تنهى عنه، فهو عندها «واجب لا بد مفعول». # وكل خلق كامن في المرأة يظهر من هذا الولع بالممنوع. # فلم كانت كذاك؟ ألأنها ضعيفة؟ لا، إن قبل ذلك خطوة نخطوها ثم نصل منها إلى هذه ~~الخطوة التالية. # قبل ذلك أنها محكومة، ثم هي محكومة لأنها ضعيفة، وما زال من دأب المحكوم أن يحن إلى ~~التمرد والعصيان، وأن يلتذ المخالفة للمسيطرين عليه؛ لأنه بهذه المخالفة يثبت وجوده ~~أو يستوفي حياته، فهي عنده ضرب من حب الحياة. # وأحب شيء إلى الإنسان ما منعا # كما قيل. # نعم إلى الإنسان كافة لا إلى المرأة خاصة، ولكن المرأة قد خصت بهذه الشهوة لأنها ~~محكومة لا تحكم غيرها إلا من طريق الإغراء، أو تنبيه النفوس إلى ما هو «شهي، بهجة ~~للعيون» كما جاء في العهد القديم. ~~••• # كل خلق من أخلاق المرأة مرموز إليه في قصة «هذه الشجرة»، ومن هنا اخترنا الإشارة ~~إليها عنوانا لهذا الكتاب. # فالولع بالممنوعات خلاصة طبائع المرأة التي تنمي إلى أسباب كثيرة ولا تنحصر في سبب ~~واحد. # ولكن السبب الأكبر منها أنها تؤمر وتنهى كثيرا، وأنها تؤمر وتنهى لأنها أضعف من ~~آمرها وناهيها، ولا تزال معه أبدا بين لذة الخضوع ولذة العصيان، ولعلها لا تعصي ~~إلا لتعود كرة أخرى إلى خضوع أعمق وأشهى من خضوع البداية والارتجال. # ولا تولع المرأة بالممنوع لأنها محكومة وكفى، أو لأنها محكومة لضعفها واعتمادها على ~~من يمنعها. # بل هي تولع بالممنوع لأنها تتدلل، ولأنها تسيء الظن، ولأنها ms02 تعاند ، ولأنها تجهل ~~وتستطلع، ولأنها موهونة الإرادة لا تطيق الصبر على محنة الغواية والامتناع. # وكل أولئك عنوان لخصلة أخرى من ورائها: هي خصلة الضعف الأصيل. # هي تتدلل لأن قيمتها موقوفة على غيرها، أو معلقة بنظرة غيرها إليها؛ فهي تحب أن تعرف ~~قيمتها، ولا تعرف قيمتها إلا بمقدار ما تكلف الرجل من الصبر عليها واحتمال الدالة ~~المحببة منها. # والدلال نوع من الإباء، أو نوع من المخالفة والعصيان، وإغراء بتكرار الطلب وتكرار ~~الممانعة ... ويتمنعن وهن الراغبات! # ولو لم تكن قيمتها معلقة بمشيئة غيرها لما كانت بها حاجة إلى الدلال، ولا إلى توابع ~~الدلال من المكابرة والولع بالممنوع. ~~••• # وهي تسيء الظن كما تسيء الظن كل رعية محكومة. # فالرعية التي طال عليها عهد التسلط والحكم تحسب كل أمر من الحاكم شيئا يفيده ولا ~~يعنيها، وتحسب كل نهي من الحاكم مصلحة تهمه ولا تهمها، واجتنابا لمحظور يسوءه ولا ~~يسوءها. # فينبعث منها سوء الظن بداهة وفطرة كلما دعيت إلى فريضة أو نهيت عن ~~محظور. # وتلج بها رغبة المخالفة بغير بحث ولا روية، بل تخالف ولها منفعة في الطاعة؛ لأن ~~المخالفة هوى والمنفعة تفكير، وما زال الهوى في النفوس أقوى عليها من التفكير. # فالمرأة تحسب أبدا أن سيدها ينهاها لأنه يريد أن يستأثر بها ويخشى من المزاحمة ~~عليها، فتلك رغبته إذن لا رغبتها، ومتعته إذن لا متعتها، وهي إذن تنصف نفسها كلما ~~تمردت عليه، وتحقق غرضا لها كلما فوتت عليه غرضا من أغراضه، أو هكذا توحي إليها ~~بداهة المخالفة بغير روية ولا بحث مفيد في حقائق الأسباب. ~~••• # ثم هي تعاند عناد الضعيف. # وعناد الضعيف شيء آخر غير تمرد المحكوم، وإن كان كلاهما قريبا من قريب في العنصر ~~الأصيل. # فالضعيف يتشبث بالحياة لأنه مهدد في الحياة، ومن تشبثه بالحياة تشبثه بالهوى، ~~وتشبثه بالعادة التي يدرج عليها، ويخيل إليه أن الفناء في التحول عنها. # وفي الطفولة تشبث كثير. # وفي الشيخوخة تشبث كثير. # وفي الأنوثة تشبث كثير. # والخاسر على مائدة اللعب يتشبث بالبقاء عليها ولا يطيب له أن يفارقها، وكل ms03 أولئك باب ~~من أبواب العناد المطبوع غير عناد المحكوم، أو غير الولع في الخاضع الذليل بالعصيان ~~والإباء. # فهذا العناد وليد الخوف، وذاك العناد وليد الغضب، وليس الخائف كالغاضب في بواعث ~~الشعور. ~~••• # ثم هي تولع بالممنوع لأنها تجهل وتستطلع وتشبه الطفل الناشئ في غريزة الجهل ~~والاستطلاع. # والجهل والاستطلاع مولعان بالهدم قبل الولع بالبناء. # فهما لا يذعنان إلا بعد معرفة يطول تحصيلها، وقبل الوصول إلى تلك المعرفة يأبيان ~~الإذعان ويستريحان إلى الممانعة والتعويق والتحطيم. ~~••• # أما ضعف الإرادة فهو عذاب بين يدي الغواية لا يخلص منه الضعيف إلا بمقارفة الشيء ~~الممنوع، فينتهي بذلك عذاب الفتنة والإغراء والمصابرة والامتناع. # فإذا وضع بين يدي الضعيف قدح من الماء القراح وقيل له: لا تشرب منه، شرب منه وهو ~~غير ظمآن. # لأنه يريد أن يمتنع فتنازعه الرغبة، ويريد أن يكبح الرغبة فيعذبه الكبح، ويريد أن ~~يحتمل العذاب فيعييه الاحتمال. فهو ضعيف مع الرغبة، ضعيف مع الكبح، ضعيف مع العذاب، ~~ضعيف مع هذا التردد كله لا يريحه منه إلا أن يفعل ما نهي عنه، ويفض المشكلة بهذه ~~النهاية. # فهو يشرب الماء القراح لأنه يفض مشكلة الامتناع عنه، لا لأنه ظمآن إلى الماء ~~القراح. # والشيطان حين قال لآدم وحواء: # ما نهاكما ربكما عن ~~هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من ~~الخالدين ~~[الأعراف: 20]، قد ألهب في حواء كل علة من علل المخالفة ~~والولع بالممنوع، وسول لها الغواية والإغراء. # فأكلت وزينت لآدم أن يأكل مثلها. # فتمت بذلك صفات الضعف كلها؛ لأن الإغراء علامة المشيئة التي تصل إلى بغيتها من طريق ~~التحسين وإثارة الشهوة في غيرها، لا من طريق الأمر والإخضاع أو من طريق الغلبة ~~بالشهوة الطاغية على شهوة أخرى. # وكأنما لسان الحال الذي تنطق به المرأة في هذا المقام: إنك أيها الرجل تخضعني وأنا ~~أغريك! أنت تخضعني بسلطانك، وأنا أخضعك بما أتيح لك من «شهوة النظر وبهجة ~~العيون». ~~••• # فهذه الشجرة ... # هذه الشجرة التي أكلت منها المرأة لأنها نهيت عنها، والتي طعمت منها ثم أطعمت آدم ~~معها ... # هذه الشجرة هي ms04 عنوان ما في المرأة من خضوع يؤدي إلى لذة العصيان، ومن دلال يؤدي إلى ~~لذة الممانعة، ومن سوء ظن، وعناد ضعف، واستطلاع جهل، ومن عجز عن المغالبة، وعجز عن ~~الغلبة بغير وسيلة التشهية والتعرض والإغراء. # وهذه هي قصة «الأنثى الخالدة» كلها في كلمتين. # | غواية المرأة # والولع بالإغراء والإغواء أخو الولع بالمخالفة والعصيان. # كلاهما دليل على رجوع الأمر إلى الآخرين. # فالمخالفة دليل على أن المخالف محكوم لغيره، والإغواء دليل على أنه يرجع إلى غيره في ~~العمل ويعتمد عليه. # فهما ثمرتان من «هذه الشجرة» أو هما خصلتان من خصال الأنوثة الخالدة في ~~الصميم. # تتعرض المرأة وتنتظر، والرجل يطلب ويسعى. # والتعرض هو الخطوة الأولى في طريق الإغراء، فإن لم يكف فوراءه الإغواء بالتنبيه ~~والحيلة والتوسل بالزينة والإيماء، وكل أولئك معناه تحريك إرادة الآخرين، ~~والانتظار. # فإرادة المرأة تتحقق بأمرين: النجاح في أن تراد، والقدرة على الانتظار. # ولهذا كانت إرادة المرأة سلبية في الشئون الجنسية على الأقل، إن لم نقل في جميع ~~الشئون. # ولعل كلمة «لا» سابقة لكل نية تمتحن بها المرأة إرادتها وصبرها، فأحوج ما تكون إلى ~~الإرادة والصبر حين تنوي ألا تتقدم ولا تسلم ولا تجيب ولا تطيع. # وهنا تتصل هذه الخليقة فيها بخليقة العناد التي سبقت الإشارة إليها. # وقوام العناد كله أن يقاوم المعاند رغبة الآخرين وعمل الآخرين. # فالإرادة التي تتمثل في العزيمة مذكرة، والإرادة التي تتمثل في العناد مؤنثة، أو هذا ~~هو شأن الإرادتين في غالب الأحوال. ~~••• # وليس للمرأة أن تريد غير هذا النوع من الإرادة لأسباب عميقة في أصول التركيب ~~والتكوين. # وموقف الجنسين من الاستجابة لمطالب النوع يهدينا إلى حكمة هذا الفارق من طريق ~~قريب. # فالذكور من جميع الحيوان قد أعطيت القدرة - بتركيبها الجسدي - على إكراه الإناث ~~لاستجابة مطالب النوع طائعات أو مقسورات. # ولا يتأتى ذلك للإناث على حال من الحالات الجسدية؛ فغاية ما عندهن من وسيلة أن يهجن ~~الرغبة في الذكور، وأن يجعلنهم يريدون ولا يستطيعون الامتناع عن الإرادة. # فهذا الفارق ملحوظ في أعمق أعماق التركيب الجسدي من كلا ms05 الجنسين ، منذ نشأ الفارق بين ~~ذكر وأنثى في عالم الحيوان. # وحكمته ظاهرة كل الظهور؛ لأنها هي الحكمة التي توافق بقاء النوع وارتقاء الأفراد ~~جيلا بعد جيل. # فالإغواء كاف للأنثى ولا حاجة بها إلى الإرادة القاسرة. # بل من العبث تزويدها بالإرادة التي تغلب بها الذكور عنوة؛ لأنها متى حملت كانت هذه ~~الإرادة مضيعة طوال مدة الحمل بغير جدوى. # على حين أن الذكور قادرون إذا أدوا مطلب النوع مرة أن يؤدوه مرات بلا عائق من ~~التركيب والتكوين، وليس هذا في حالة الأنثى بميسور على وجه من الوجوه. # وإكراه الأنثى على تلبية إرادة الذكر لا يضير النوع ولا يؤذي النسل الذي ينشأ من ذكر ~~قادر على الإكراه وأنثى مزودة بفتنة الإغواء، فهنا تتم للزوجين أحسن الصفات الصالحة ~~لإنجاز النسل من قوة الأبوة وجمال الأمومة، ويتم للنوع مقصد الطبيعة من غلبة الأقوياء ~~الأصحاء القادرين على ضمان نسلهم في ميدان التنافس والبقاء. # وعلى نقيض ذلك لو أعطيت الأنثى القدرة على الإرادة والإكراه لكان من جراء ذلك أن ~~يضمحل النوع ويضار النسل؛ لأنه قد ينشأ في هذه الحالة من أضعف الذكور الذين ينهزمون ~~للإناث. # وكيفما نظرنا إلى مصلحة النوع وجدنا من الخير له أبدا أن يتكفل الذكور بالإرادة ~~والقوة، وأن تتكفل الإناث بالإغواء والتلبية، بل وجدنا أن فوارق البنية قد جعلت ~~السرور في كل من الجنسين قائما على هذا الأساس العميق في الطباع، فلا سرور للرجل في ~~إكراهه على مطلب النوع، بل هو منغص له مضعف من لذة حسه. أما المرأة فقد يكون ~~استسلامها لغلبة الرجل عليها باعثا من أكبر بواعث سرورها، ولعله أن يكون مطلوبا ~~لذاته كأنه غرض مقصود، بل هو في الواقع غرض مقصود لما فيه من الدلالة على توفق ~~الأنثى إلى إغواء أقوى الذكور، ومن البداهات الفطرية أن تتظاهر المرأة بالألم ~~والانكسار في استجابتها للنوع لأنها تفطن ببداهتها الأنثوية إلى هذا الفارق الأصيل في ~~خصائص الجنسين. # وليس بنا أن ننظر في العدل الطبيعي بين خصائص الذكور وخصائص الإناث، وإنما نسجل هذه ~~الحقائق بالملاحظة ms06 الصادقة والدلالة الواضحة ولا يعنينا أن ننصب لها ميزان العدل في ~~توزيع الطبائع والملكات. # ولكننا مع هذا القول نعود فنقول: إن العدل هنا بين الجنسين غير مفقود، وإن القسمة هنا ~~ليست بالقسمة الضيزى. # فإذا قيل: إن الحمل قد جنى على المرأة لأنه خصها بالألم وجعل الإرادة من نصيب الرجل، ~~فلا ينبغي أن ننسى أن الحمل قد أتاح للمرأة مزية فطرية لا تتاح لزوجها على وجه ~~اليقين، وهي ضمان نسلها بغير دخل ولا ارتياب، فكل من ولدت المرأة فهو وليدها الذي ~~يستحق عطفها وحنانها، وليس ذلك شأن الآباء فيمن ينسب إليهم من الأبناء. # وما من أم تسأل عن ألم الحمل إلا تبين من شعورها أنها تستعذبه ولا تتبرم به، وأنها ~~قد تشعر بغبطة من الألم لا يعرفها الرجال الذين يثورون على الآلام، ومن امتزاج الألم ~~بطبيعة المرأة أصبحت التفرقة بين ألمها ولذتها في رعاية الأبناء من أصعب ~~الأمور. ~~••• # وعلى هذا يعتز الرجل بأن يريد المرأة ولا تعتز المرأة بأن تريده؛ لأن الإغواء هو محور ~~المحاسن في النساء، والإرادة الغالبة هي محور المحاسن في الرجال. # ولهذا زودت الطبيعة المرأة بعدة الإغواء وعوضتها بها عن عدة الغلبة والعزيمة، بل ~~جعلتها حين تغلب هي الغالبة في تحقيق مشيئة الجنسين على السواء. # ولكن التفرقة في عدة الغواية واجبة بين ما هو من صفات الجنس كله وما هو من صفات هذه ~~المرأة أو تلك من أفراد النساء. # فقد تكون المرأة من النساء أذكى وأبرع من هذا الرجل أو ذاك، فتأخذه بالحيلة والدهاء ~~كما يغلب الأذكياء الجهلاء في كل مجال يتصاولون فيه. # إلا أنها صفة فردية لا يقاس عليها عند بيان الصفات الجنسية التي خصت بها «المرأة» على ~~التعميم. # وهذه الصفات الجنسية هي التي تعنينا في هذا المقام؛ لأنها التراث المشترك بين جميع ~~بنات حواء في مواجهة الجنس الآخر، وهو جنس الرجال. # فالذي يساعد المرأة من قبل الطبيعة على إغراء الرجل هو «الهوى الجنسي» في تركيب الرجل ~~نفسه؛ فلولا هذا الهوى لكانت حيلتها معه من أضعف الحيل ms07 وسلطانها عليه كأهون ~~سلطان. # ومما يرينا أن الطبيعة هي العاملة هنا وليست المرأة هي التي تعمل بقدرتها واحتيالها ~~أن هواها في نفس الرجل شبيه بكل هوى ينمو فيه بحكم العادة أو الفطرة، فهو يعاني ~~مقاومة التدخين أو معاقرة الخمر عناء يجهده ويغلبه على مشيئته في كثير من الأحيان، ~~ولو كان للتبغ أو للخمر لسان يتكلم لجاز أن يتحدث الناس عن لسانهما المعسول الذي يخلب ~~العقول، وعن حيلتهما النافذة التي تسلب الرشاد. # والأداة البالغة من أدوات الإغواء والإغراء هي قدرة المرأة على الرياء والتظاهر بغير ~~ما تخفيه. # فهذه الخصلة قد تسمو فيها حتى تبلغ رتبة الصبر الجميل والقدرة على ضبط الشعور ومغالبة ~~الأهواء، وقد تسفل حتى تعافها النفوس كما تعاف أقبح الختل والنفاق. # أعانتها عليها روافد شتى من صميم طبيعة الأنوثة التي يوشك أن يشترك فيها جميع ~~الأحياء. # فمن أسباب هذه القدرة على الرياء أو هذه القدرة على ضبط الشعور أن المرأة قد ريضت ~~زمنا على إخفاء حبها وبغضها لأنها تخفي الحب أنفة من المفاتحة به والسبق إليه ~~وهي التي خلقت لتتمنع وهي راغبة، وتخفي البغض لأنها محتاجة إلى المداراة كاحتياج ~~كل ضعيف إلى مداراة الأقوياء. # ومن أسباب القدرة على الرياء أو القدرة على ضبط الشعور أن الأنوثة «سلبية» في موقف ~~الانتظار، فليس من شأن رغباتها أن تسرع إلى الظهور والتعبير، أو ليس من شأنها أن تفلح ~~بالظهور والتعبير كما تفلح رغبات الذكور. # ومن أسباب القدرة على الرياء أو القدرة على ضبط الشعور أن مغالبة الآلام قد عودتها ~~مغالبة الخوالج النفسية ما دامت في غنى عن مطاوعتها والكشف عنها. # ومنها أن اصطناع الزينة الذي استقر في خليقتها إنما هو في لبابه اصطناع لكل ظاهر يحس ~~بالأبصار والأسماع أو يحس بالضمائر والأفهام، وفي اللغة العربية توفيقات كثيرة في ~~الجمع بين الحقيقة المادية والحقيقة المجازية بكلمة واحدة، ومنها كلمة «التجمل» ~~التي تفيد معنى التزين لمرأى العيون كما تفيد معنى التزين لمرأى النفوس. # ولرسوخ هذه الطبيعة الأنثوية في تكوين المرأة، شغفت بالرياء لغرض تعنيه ms08 ولغير غرض ~~تعنيه في كثير من الأحوال كأنها وظيفة حيوية تستمتع بالمعالجة والرياضة كما تستمتع ~~الأعضاء بالحركة والنشاط؛ فالغش عند المرأة - كما قلنا في رواية سارة: «كالعظمة عند ~~فصائل الكلاب، يعضها الكلب المدلل ويدخرها حيث يعود إليها وإن شبع جوفه من اللبن ~~واللحم والأغذية المشتهاة؛ لأن ألوفا من السنين قد ربت أسنانه وفكيه على قضم ~~العظام وعرقها، فهو يطلبها ليجهد أسنانه وفكيه في القضم والعرق ولو لم تكن به حاجة ~~إلى أكلها. وألوف من السنين قد غبرت على المرأة وهي تخاف وتحتال وتراوغ وترائي وتلعب ~~بمواطن الضعف في الرجال حتى أصبح بعض النساء ممن قويت فيهن عناصر الوراثة وبرزت في ~~طباعهن عقابيل الرجعة ينشدن الغش التذاذا به وشحذا للأسنان القديمة التي نبتت عليه، ~~ويسرهن أن يصنعن الشيء ويخفينه ولو لم تكن بهن حاجة إلى صنعه ولا إخفائه لأن المرأة ~~من هؤلاء تشتهي العظمة بجوع عشرين ألف سنة، وتشتهي اللحم واللبن بجوع ساعات.» ~~••• # وقد يعين المرأة على الرجل - غير الهوى وغير الخداع - خلق آخر هو في الحقيقة خلق ~~يعين الرجل على نفسه، وليس عمل المرأة فيه إلا من قبيل الإذكاء والتنبيه. # فالمرأة «سكن» للرجل كما جاء في القرآن الكريم. # ولا يطيب للإنسان أن يحذر من سكنه أو يتجافى عن الهدوء والطمأنينة فيه، ولا تتم ~~سعادته به إلا أن ينفي عنه الحذر ويقبل عليه بجمع فؤاده وطوية ضميره، فهو الذي يغمض ~~عينيه بيديه ويستنيم إلى الرقاد هربا من السهاد. ونصف ما يقبله من الخداع إنما هو ~~الخداع الذي نسجه بيمينه وزخرفه بتلفيقه، وكذلك المرأة إذا تعلقت بالرجل كانت أسبق ~~منه إلى التصديق وكان خداعه إياها أسهل من خداعها إياه. # ومن غوايات المرأة الكبرى أنها قصبة السبق في حلبة التنافس بين الرجال. # فالظفر بها يرضي كل شعور يحيك بقلب الرجل، سواء منه ما يتناوله بإدراكه ووعيه وما ~~ليس يدركه ولا يعيه. # وقد اختلف أصحاب المذاهب الفلسفية في تعليل نوازع الحياة التي تفسر بها أعمال الناس ~~وترد إليها، فقال بعضهم إنها طلب القوة، وقال ms09 غيرهم إنها طلب البقاء، وزعم غير هؤلاء ~~وهؤلاء أنها طلب اللذة، وجاء آخرون في العصر الحاضر فتغلغلوا بالنوازع الجنسية وراء ~~كل غريزة ونفذوا بها إلى كل سرداب من سراديب النفس الخفية. # وأيا كان موضع الصدق من هذه النوازع فالمرأة معها جميعا تطلق شعور القوة وشعور ~~البقاء وشعور اللذة وتتقصى وشائج الجنس إلى جذورها الكامنة في أعرق بواطن ~~الحياة. # وما الظن بقصبة السبق التي تستطيع أن تستدني من تشاء وتنأى عمن تشاء؟ # إن المتسابقين ليتناحرون على القصبة الخرساء وهي لا تحكم لهم بشيء ولا تفاضل بين يمين ~~ويمين، فالمرأة - تلك القصبة التي تحابي وتجافي - حرية ألا تبقي في عزيمة عاد ~~بقية من نوازع السباق. ~~••• # تلك هي بعض عناصر الغواية الأنثوية التي تملكها المرأة من حيث تدري ولا تدري. # وكذلك تنبت الثمرة الثانية «هذه الشجرة». # فالمرأة مزودة بوسائل الغواية، موكلة بالمخالفة والامتناع. # هي تغوي لأنها ينبغي أن تراد، ولا ينبغي أن تريد. # وهي تشتهي المخالفة لأنها تؤمر وتنهى، أو لأنها رهينة بإرادة الآخرين. # وهذا وذاك ثمرتان على شجرة واحدة، هي «هذه الشجرة». # | جمال المرأة # ما الجمال؟ # الجمال كما بيناه في غير هذا الكتاب هو الحرية. # وليس بنا في هذا الكتاب أن نتوسع في شرح معاني الجمال من الوجهة الفلسفية ولا من ~~الوجهة العلمية؛ لأن هذا التوسع يخرج بنا إلى آفاق «ما وراء الطبيعة» وينتهي بنا إلى ~~التنكير والتجهيل بدلا من التعريف والتقريب. # فحسبنا من توضيح الصلات بين الجمال والحرية ملاحظة وجيزة تغني عن كثير، ولا غنى عنها ~~للتمهيد إلى معرفة الجمال كما يتجلى في وظائف الأعضاء، أو كما يتجلى في المرأة على ~~التخصيص. # فمن المتفق عليه أننا لا نعرف شعورا إنسانيا يناقض الشعور بالجمال كما يناقضه ~~الشعور بالحرج والامتناع، واحتباس الفكر والخاطر والإحساس. # ولا نعرف شعورا إنسانيا يوافق الشعور بالجمال كما يوافقه الشعور بالانطلاق ~~والاسترسال، واطراد الفكر والخاطر والإحساس. # فلا يكون الجمال أبدا في معناه بعيدا من الحرية. # ولا تكون الحرية أبدا في معناها بعيدة من الجمال. # وقد تقارب الموضوع من الطرف ms10 الآخر إذا ذكرنا أن الحرية المقصودة هنا هي نقيض الفوضى، ~~كما أن الجمال نقيض الاضطراب والاختلاط، فالحرية تستلزم الاختيار والمشيئة. # وليس للفوضى اختيار ولا مشيئة ولا غاية. # وهذا التباين بين الجمال والفوضى من طرف وبين الجمال والحجر من الطرف الآخر، هو الذي ~~يرجع بنا إلى التوحيد بين الجمال والحرية، لأن الحرية كذلك تناقض الحجر وتناقض ~~الفوضى. ~~••• # ونزيد الأمر توضيحا فنقول: إن الحرية التي تمثل الجمال هي الحرية المقرونة بالأوزان ~~والقوانين. # فالحرية بغير أوزان وبغير قوانين هي الفوضى بعينها، أو هي ليست بحرية على الإطلاق؛ ~~لأن الحر هو صاحب الاختيار أو صاحب المشيئة أو صاحب الغاية. # وليس للفوضى غاية، وليس للمرء فيها اختيار ولا مشيئة. # وإنما يتبين لك مقدار حريتك إذا عملت بين الأوزان والقوانين؛ فاللاعب الماهر صاحب ~~مشيئة وصاحب قدرة إذا سار على الحبل الممدود واستطاع المسير في خفة وطلاقة، والشاعر ~~صاحب مشيئة وصاحب قدرة إذا عبر عن معناه في الأوزان والألحان، واستطاع مع ذلك أن ~~يقول ما يريد. # لأن الأوزان والقوانين هنا هي معيار حريته الذي يبين لنا ما عنده من قدرة وحرية في ~~الحركة. # وهذا هو الفرق بين القيود الذميمة والأوزان المستحبة: القيود تقضي على الحرية، ~~والأوزان تبرزها في صورتها التي تعزز المشيئة والاختيار. # وهذا أيضا هو الفرق بين الحرية والفوضى؛ لأن الفوضى حركة لا غاية لها ولا مشيئة، ومن ~~ثم لا حرية لها ولا معنى. # ولا تعريف - من ثم - للجمال أقرب من تعريفه بأنه هو كل ما يملي للنفس في الشعور ~~بالحرية الموزونة، وكل ما يجنبها الشعور بالفوضى أو الشعور بالامتناع ~~والتقييد. ~~••• # قيل: إن الجمال هو التناسب، وهو قول صحيح ولكنه يحتاج إلى قول صحيح آخر يتمه وينتقل ~~به خطوة أخرى إلى طريق الصواب. # فالجمال يوجد مع التناسب كما يوجد في غير التناسب، والجامع بين الجمالين هو حرية ~~الحركة في كلتا الحالتين. # لا تناسب في كلب الصيد الأعجف المعقوف الهزيل، ولكنه يعطينا الحركة الخفيفة ~~الموزونة في تركيبه هذا فهو جميل. # ولا تناسب في شكل الزرافة بالقياس إلى ms11 غيرها من الحيوان، ولكنك إذا تصورتها كالحصان ~~أو كالأسد تصورت عائقا لها عن تدبير أمرها وتناول طعامها من فوق رأسها ومن تحت ~~قدميها، وهذا العائق يناقض شعور الجمال، فإذا زال لم يكن بينك وبين الشعور بجمال ~~الزرافة عائق من المقابلة بين شكلها وأشكال غيرها من الحيوان. # وهنا قد يسأل السائل: هل معنى ذلك أن الجمال هو أداء وظائف الأعضاء؟ # والجواب لا، ليس الجمال هو أداء وظائف الأعضاء، ولكن وظائف الأعضاء في الجسم الحي ~~كالوزن في القصيدة وكالحبل تحت قدمي اللاعب وكالألحان في الغناء، فهي التي تقيم لنا ~~الفارق بين الحرية والفوضى، وهي المعيار الذي نعرف به حرية الحياة في الانتقاء ~~والتوفيق بينها وبين ما تبغيه. # فلولا وظائف الأعضاء لكانت الحياة حركة فوضى لا غاية لها ولا حرية فيها. # ولكنها - بوظائف الأعضاء - هي حركة لها حرية ولها وزن ولها جمال كلما طابقت في حركتها ~~معنى الحرية الموزونة. ~~••• # وقيل: إن الجمال وليد الغريزة الجنسية، كما أشرنا إلى ذلك في كتابنا ~~«المراجعات». # وأصحاب هذا الرأي جماعة من الأطباء والعلماء الطبيعيين يمثلهم ماكس نوردو حيث يقول: # كل أثر ينبه في الدماغ - بأي شكل من الأشكال - مركز التناسل سواء أكان ~~هذا التنبيه مباشرا أم آتيا من تداعي الفكر وتساوق الخواطر فهو الأثر ~~الجميل، وصورة الجمال الأول في نظر الرجل هي المرأة في سن النضج الجنسي ~~والاستعداد لتجديد النسل، أي المرأة في عنفوان الشباب والصحة. # ففي محضر هذا المرأة يختلج مركز الغريزة النوعية من نفس الرجل بأقوى ~~الإحساسات وأشد الخواطر، وتثير رؤية (الظاهرة) وتصورها عنده أقوى بواعث ~~السرور التي يمكن أن تستفاد من مجرد النظر أو التصور. وقد تعود الطبع ~~أن يقرن بين صورة المرأة وفكرة الجمال؛ فيغريه السرور الذي يستمده من ذلك ~~بأن يصور كل ما يروقه أو يرى فيه معنى من معاني الجمال في صورة امرأة، ~~فالإمة والشهرة والصداقة والمحبة والحكمة وغيرها وغيرها إنما تمثل الحواس ~~في هيئة مؤنثة، ولكن لا أثر لكل ذلك فيما تدركه المرأة وتتصوره؛ لأن رؤية ~~شخص من جنسها لا ms12 تحرك بأي شكل من الأشكال مركز النسل من غريزتها، ولا تجد ~~المثل الأعلى للجمال إلا في الرجل. أما ما يشاهد من أن المرأة تكاد تقيس ~~الجمال كله بمقياس الرجل فسببه أن الرجل لتفوقه عليها في القوة يستطيع أن ~~يوحي إليها برأيه وأن يسيطر على أفكارها التي تخالف فكره، ومع هذا نرى ~~في الواقع فكرة الجمال عند الجنسين تتقارب ولا تتماثل كل التماثل، ولو ~~أتيحت للمرأة القدرة على الاستقلال بالنظر وتحليل ما تشعر به ووصف ما ~~يدور بوجدانها لأثبتت منذ زمن بعيد أن مذهبها في الجمال يختلف من وجوه ~~أساسية شتى عن مذهب الرجل فيه. # وهذا الرأي تبطله ملاحظات وجيزة لأنه أقرب الآراء التي قيست في تعليل الجمال إلى ~~البطلان. # فلا يمكن أن تكون الغريزة الجنسية هي الجمال؛ لأن الغريزة الجنسية نفسها تستعين ~~بالجمال لتمييز امرأة من امرأة وتفضيل أنثى على أنثى. # ولا يمكن أن تكون الغريزة الجنسية هي الجمال؛ لأن الغريزة الجنسية واحدة والجمال حتى ~~في الجارحة الواحدة أشكال وألوان. # ولا يمكن أن تكون الغريزة الجنسية هي الجمال؛ لأن الغريزة الجنسية هي واسطة تجديد ~~الحياة، ولن تكون الحياة نفسها خلوا من الجمال قبل ما يساورها من طلب ~~التجديد. # ولا يمكن أن تكون الغريزة الجنسية هي الجمال؛ لأن حظ الأحياء من الجمال أو من الفطنة ~~له ليس على مقدار حظهم من الغريزة الجنسية. # ولا يمكن أن تكون الغريزة الجنسية هي الجمال؛ إذ المرأة ليست بالجميلة لأنها امرأة، ~~وإنما هي امرأة ثم يضاف إليها وصف الجمال. # وقد عرضنا لمذهب نوردو المتقدم في فصل من فصول كتابنا «المراجعات» وأتينا ببعض ~~الملاحظات التي توجب مخالفته ثم قلنا: «إن الغريزة الجنسية لا ريب من أقوى الغرائز ~~تفرعا وتوزعا في جوانب الإحساس ودخائل التفكير، وإنها ولا جدال على اتصال وثيق ~~بشعور الجمال ومطالب الفنون لا نراها منعزلة عنها فيما ينظمه الشعراء ويمثله المصورون ~~ويغنيه المنشدون، ولكن ليس معنى ذلك أنها هي أصل كل شعور بالجمال وأن الحياة نفسها لا ~~جمال لها إلا من حيث إنها علاقة ms13 بين ذكر وأنثى ووسيلة لإعطاء الحياة لمخلوق جديد، فإن ~~الحياة غاية الغريزة الجنسية وليست هي الجسر الذي نعبره إلى الحب والجمال. فإن كانت ~~الحياة في ذاتها خلوا من معنى جميل أو مقضيا عليها بالحرمان من رؤية الكون في هيئة ~~تسرها وترضيها وتوسع لها من أكناف الأمل وتضاعف لها من بهجة الوجود فأي شيء يزيد ~~عليها من انقسام الأحياء إلى قسمين أو جنسين؟ ثم ما فضل البقاء المشوه الذي نتوسل ~~إليه باختلاف ذينك القسمين أو ذينك الجنسين؟ # أما أننا نتصور الإمة والشهرة والصداقة والمحبة والحكمة وغيرها في صورة مؤنثة فإنما ~~يدل على أن للجمال في أذهاننا معاني كثيرة غير معنى الأنوثة، وأننا نصور تلك المعاني ~~في صورة المرأة لأنها «الشخص المحسوس المحبوب» الذي تقدر الفنون على إبرازه للعيان. ~~ولولا ذلك لما جاز التشابه بين مثال المعاني في الذهن ومثال المرأة في النظر، ما دامت ~~المرأة قد استأثرت بكل صفات الجمال في هذه الحياة. # ويقابل هذا أننا نصور الخواطر القوية في هيئة الرجولة ولا نستخلص من تصويرها كذلك أن ~~العلاقة بين الرجل والمرأة هي أصل كل ما في الحياة من بأس وقوة، وسبب كل ما يتصوره ~~العقل من قدرة ونفاذ. على أن تماثيل الرجال في الفن اليوناني والروماني لا تقل عن ~~تماثيل النساء، والإعجاب الفني بجمال جسم الرجل لا ينقص عن الإعجاب الفني بجمال جسم ~~المرأة، فلماذا يعجب الفنانون بأمثلة الجمال في أجسام الرجال إن كان في غريزتهم ألا ~~يحبوا الجمال ولا يتخيلوه إلا في أجسام النساء؟» ~~••• # غير أننا إذا نفينا أن الغريزة الجنسية هي الجمال أو هي مصدر الشعور بالجمال فلا ~~يستلزم ذلك أن ننفي العلاقة بين شعور الجمال ووظائف الأعضاء. # لأن الرجوع إلى وظائف الأعضاء لازم لقياس حرية الحياة في أداء تلك الوظائف على وجه لا ~~نقصان فيه ولا زيادة. # ومثلها في هذا - كما قدمنا - هو مثل الأوزان والبحور التي تقاس بها حرية الشاعر ~~في التعبير وقدرته على التصرف بالمعاني والألفاظ. # أو هو مثل كل وزن وكل نظام مطرد في ms14 فن من الفنون الجميلة: ليس مكانه أنه قيد عائق ~~معطل للحرية، بل مكانه أنه مقياس للحرية الذي يميز بينها وبين الفوضى المطلقة بغير ~~وزن أو نظام وإلى غير غاية أو استقامة. # ومتى عرفنا أن وظائف الأعضاء هي مقياس الحرية والجمال في جسم الإنسان؛ عرفنا كيف يكون ~~جمال المرأة أو كيف ينبغي أن يكون. # فجسم المرأة جسم تابع وليس بالجسم المستقل الذي لا ينظر في تكوينه إلى غيره. # جسم الرجل الجميل جميل التكوين لذاته لا لأنه منظور فيه إلى مخلوق آخر يتوقف ~~عليه. # هو الجمال في صورة الاستقلال. # أما جسم المرأة ففيه الثديان، وفيه الرحم الذي يحمل الجنين، وفيه تركيب الحوض الذي ~~يختلف به قوام المرأة وقوام الرجل في نماذج الجمال، مع اختلافهما بالكتفين والصدر ~~والتنفس تبعا لذلك الاختلاف، ومع اختلافهما تبعا لذلك الاختلاف أيضا بما تحت ~~البشرة من طبقة دهنية لا شك أنها مفضلة في جسم المرأة لحماية الجنين. # فهذه التبعية واجبة في ملاحظة جمال المرأة والحكم عليه. # وتحضرنا في هذا الصدد نماذج ثلاثة للجمال لعلها هي النماذج الإنسانية التي تستحق ~~العناية بها عند كل بحث فيه. # وهي النموذج العصري، ونموذج العرب، ونموذج اليونان. # فالعصر الحاضر عصر الخفة والآلة السريعة والقصد في الوصول إلى الغاية، يميل إلى ~~التخفيف من جسم المرأة ويبالغ فيه، وتؤدي به المبالغة أحيانا إلى الخطأ والعجلة ~~ونسيان الفروق الطبيعية في سبيل المظاهر الصناعية؛ فيكاد أن يسوي بين قوام المرأة ~~وقوام الرجل وهي تسوية تقرب به من التشويه لإهمالها النظر إلى وظائف الأعضاء. ويكاد ~~أن يحصر الجمال النسائي كله في قالب واحد يشبه القوالب الثابتة التي جمد عليها فن ~~الفراعنة في أطوار الركود والاضمحلال. # والعرب أصح ذوقا من المجملين المحترفين في العصر الحاضر؛ لأنهم يصفون المرأة ~~الجميلة كما ينبغي أن تكون. # فكعب بن زهير أصح من معاهد الجمال العصرية حين يقول في وصف مثال الحسناء عنده وهي ~~«سعاد»: # هيفاء مقبلة عجزاء مدبرة # لا يشتكى قصر منها ولا طول # ومثله عمر بن أبي ربيعة حين يقول: # إني رأيتك ms15 غادة خمصانة # ريا الروادف عذبة مبشارا # محطوطة المتنين أكمل خلقها # مثل السبيكة بضة معطارا # أو حين يقول: # أبت الروادف والثدي لقمصها # مس البطون وأن تمس ظهورا # فالذوق العربي أصح من ذوق الآلة السريعة في العصر الحاضر كما أسلفنا في كتاب «شاعر ~~الغزل» حيث قلنا: إنهم «... كانوا يستحسنون من جمال المرأة الوضاحة والهيف والرشاقة ~~والخفر ويشيدون بهذه الشمائل في كل ما روي عنهم من غزل البداوة، وكانوا يحبون مع ~~الهيف والرشاقة أن تكون المرأة بارزة النهود والروادف، وهو ذوق لا يخرج بهم عن سواء ~~الفطرة كما يثبته لنا حب الجمال وعلم وظائف الأعضاء؛ فهم في ذلك أصح ذوقا من أساتذة ~~التجميل المعاصرين الذين أوشكوا أن يسووا بين قامة المرأة الجميلة وقامة الرجل الجميل ~~في استواء الأعضاء، فمما يعيب المرأة عضويا - أو فزيولوجيا - أن تكون رسحاء ضئيلة ~~الردفين، إنها خلقت بحوض عريض ملحوظ فيه تكوين الجنين، فإذا كانت صحيحة البنية سوية ~~الخلق وجب أن تكتسي عظام فخذيها وعجيزتها، وأن يمتلئ فيها هذا الجانب من جسمها، وإلا ~~أشار هزاله إلى آفة في تكوين الجسم لا توافق حاسة الجمال. وكذلك يستحسن الخصر الدقيق ~~في المرأة؛ لأن ضخامة المعدة قد تؤذي الجنين وتضغط عليه في الرحم وتشير إلى التزيد في ~~الطعام فوق ما تستدعيه وظائف الحياة في جسم الإنسان». # أما الذوق اليوناني فقد نظر إلى التكوين المتين وميزه على التكوين الرشيق، فكان ~~وسطا بين المثل الأعلى لجمال المرأة عند العرب والمثل الأعلى لجمالها عند ~~المعاصرين. # وقد تلتقي الأذواق إذا تركنا المثل الأعلى جانبا، ونظرنا إلى الأمثلة الشائعة في ~~عصور الحضارة عند هذه الأمم جمعاء. # فالترف وحب الظهور بالوفر والراحة قد حبب إلى العرب نماذج البضاضة والرخاصة، فوصفوا ~~لنا أحيانا مثلا من الجمال الكسل المتثاقل يعاب في الذوق السليم. # واليونان قد حفظوا لنا تماثيل رشيقة لجسم المرأة؛ لأنهم مزجوها بالرشاقة الغلامية ~~التي كانوا يحمدونها في أجسام فتية الرياضة وألعاب الفروسية. # ومجاميع الصور المشهورة في العصر الحاضر لا تستغني فيما تعرضه بين حين وحين عن نماذج ~~العرب ms16 ونماذج اليونان. # ومن الواجب على كل حال أن نذكر أن الجسم الجميل غير الجسم اللذيذ وغير الجسم الصحيح ~~وغير الجسم القوي وغير الجسم النافع؛ لأن الجسم قد يكون نافعا أو قويا أو صحيحا ~~أو لذيذا وهو في كل ذلك غير جميل. # قيل لبعض الحكماء: إن فلانة كبيرة البطن ضخمة الثديين، فقال: «نعم، حتى تدفئ الضجيع ~~وتروي الرضيع.» فهذا وصف صادق للجسم النافع ولكنه لا يستلزم جمال الجسم الموصوف، كما ~~يقال: إن هذا الكساء يدفئ صاحبه ويعيش سنوات ولا يستلزم ذلك جماله فيما يكون به جمال ~~الكساء. # ووصفت في الشعر العربي وأشعار الأمم كافة نماذج من الأجسام المشتهاة، كما مثلت هذه ~~الأجسام كثيرا في الصور والتماثيل. # فإذا كان هذا وأشباهه وصفا لشيء فهو وصف للجسم الشهي أو الجسم اللذيذ، وليس بوصف ~~للجسم الجميل على اعتبار الجمال معنى من المعاني التي تقاس بالإدراك، كما يقاس معنى ~~البيت البليغ، ومعنى الصورة البارعة، ومعنى التمثال المتقن، ومعنى الخيال المجرد، ~~ومعنى الحلم البعيد. # ولا ننسى أن الجسم الجميل يشتهى، ولكننا نريد أن نذكر من ينسى أنه ليس بالجميل لأنه ~~مشتهى أو مرض للغريزة الجنسية، بل هو جميل لمطابقته معنى الجمال في الإدراك، وهو ~~الحرية الموزونة. # والرجال في تفضيل الجسم الشهي أو الجسم اللذيذ مذهبان مختلفان: رجل عنده عادة ~~الاستحسان كعادة التدخين، فهو يألف طرازا واحدا من المرأة كما يألف المدخن لفيفته ~~المعهودة، فلا يغيرها ولو كان الخلاف بينها وبين غيرها كالخلاف بين علامة الجمل ~~وعلامة الخلطة السعيدة، وهما من أصل واحد! # فهذا الرجل إذا استحسن المرأة الطويلة لم تعجبه القصيرة، ولو كانت لها ملاحة ونضارة ~~ومتعة وحلاوة. # وإذا استحسن السمراء لم تعجبه البيضاء، أو استحسن بنت العشرين لم تعجبه بنت الثلاثين، ~~أو استحسن المصرية لم تعجبه الإنجليزية أو الروسية، وهما معجبتان. # والمذهب الآخر في تفضيل الجسم الشهي أن يستحسن الرجل النساء كما يستحسن الفاكهة أو ~~كما يستحسن صحاف الطعام، والمعول على صناعة الطاهي وغواية الأوان. # فالتفاح مقبول، والبرقوق كذلك مقبول، والتين لا يرفض والجميز لا ms17 يعاف ، والشواء ~~مستطاب، والسمك المملح له وقت يجوز اشتهاؤه فيه! ~~••• # وتنبغي التفرقة على كل حال بين هذه الأجسام حين ينظر إليها اللذة وهذه الأجسام حين ~~ينظر إليها للجمال. # لأن الجميل واللذيذ قد يتفقان، ولكن الجمال واللذة قد يتناقضان، فتكون اللذة ~~تغليبا لجسد ويكون الجمال تغليبا لمعنى، وهو كذلك في كل مظهر وفي كل حال. # فالجسم الجميل هو الذي تتزن فيه وظائف الحياة بغير زيادة ولا نقصان؛ لأن الزيادة فضول ~~غير مطلوب يشير إلى دافع واغل لا تستدعيه وظائف الحياة، ولأن النقصان آفة مكروهة ~~تشير إلى تقصير وتقييد. # وآية الجسم الجميل أن تنهض أعضاؤه حرة سلسة ميسورة الحركة لا ترى عضوا منها عالة على ~~سائر الأعضاء، يخيل إليك أن كل عضو فيه يحمل نفسه غير محمول على سواه. # ومن هنا جمال الرأس الطامح، والجيد المشرئب، والصدر البارز، والخصر المرهف الممشوق، ~~والساق التي يبدو لك من خفتها وانطلاقها واستوائها أنها لا تحمل شيئا من الأشياء، ~~ولا تنهض بعبء من الأعباء. # بل من هنا جمال الحيوان الأعجم، وجمال المهر الكريم وقد اختال بعنقه وشال بذنبه وضمر ~~بدنه، وأصبح في الجملة كالكلام المختصر المفيد، والكلام المختصر البليغ؛ لأنه يبلغ ~~حيث شاء. # والجسم الجميل الذي نشهده على هذا المنوال تراه العين ولا تحس أنها أدركته، لأنها إذا ~~أدركته تأملت فيه وسرحت في معانيه، فإذا هي بعيد بعيد ... أبعد من الفراش الذي يقع عليه ~~الطفل فإذا هو على الغصن، ويثب إليه في غصنه فإذا هو في الهواء. # هو مدرك نفوس وأرواح وليس بمدرك نظرات ولمسات؛ ومن هنا قلنا: إن الجمال واللذة قد ~~يتناقضان؛ لأن الجمال معنى تفرغه على جسد، واللذة جسد قبل كل شيء. # ولن يتمثل هذا الفارق في شيء كما يتمثل في الحركة الجميلة من الجسم الجميل؛ أي في ~~الرقص الفني الرفيع. # فالراقصة وهي تتمايل كما تريد على أطراف أصابعها ترتفع بالجسم إلى عالم المعاني التي ~~تسخر المادة لحركاتها ولا تحفل بقانون الجذب الذي يتسلط على الأجساد الأرضية من ~~الأحياء وغير الأحياء. # فهي هنا كالشاعر ms18 الذي يخطر له المعنى فيلتمس له جسما من الألفاظ مطيعا لمعناه، أو ~~كالمثال الذي يشيع في نفسه الجمال فيلتمس له قالبا من الدمى الحسان يفرغه ~~عليه، وكالخاطر الذي ينطلق من عالم الأثقال والضرورات إلى عالم لا ثقل فيه ولا ~~ضرورة. # أو هي تطوع الجسد للحركة الحرة، وهي حرة لأنها موزونة تدل على المشيئة، ولو لم تكن ~~موزونة لما كانت لها غاية ولا مشيئة ولا كانت لها حرية ولا جمال، وإنما تكون هي ~~«الفوضى» بغير وزن ولا اختيار ولا جمال. # هذه الحركة الجميلة من ذلك الجسم الجميل تطلق الناظر إليها من عالم الأجساد إلى عالم ~~المعاني والأفكار. # وعلى نقيض ذلك حركة الجسم الذي يستهوي اللذة فينفي المعاني والأفكار ويقيدها بالحس ~~والمادة والأبدان. # ويختلط الأمر في هذه الفوارق بين الأجسام الجميلة والأجسام اللذيذة كلما هبطت الأمم ~~من أوج الحرية إلى حضيض المهانة والخضوع. # فالمصريون في عظمتهم الأولى قبل آلاف السنين كانوا يستجملون من الأجسام كل حر رشيق ~~ويجعلون الأمثلة العليا للجمال تلك الصور التي يوشك أن تطير من الخفة، كما نراها على ~~بقايا الآثار. # ثم هبطوا من أوج الحرية إلى حضيض المهانة والخضوع فركدوا ركود البطء والكسل، وأصبحت ~~الكثافة الواهنة عندهم مقياس الملاحة والقسامة، وأصبح جمل المحمل أو «التختروان» مثال ~~الحسن المطلوب في النساء: تعلو المرأة السمينة وتهبط في مشيتها وما تنتقل شبرا ~~واحدا في أقل من خطوتين، والمقرظون من حولها يهللون ويكبرون ويباركون الخلاق ~~العظيم، ويعوذون هذا الجرم الذي لا تمضي فيه السيوف من لحظات العيون ومن حسد ~~الحاسدين! # ثم ثاب العالم كله إلى مذهب المصريين الأقدمين في جمال النحافة والرشاقة والنسج ~~الدقيق، وشاع هذا المذهب بعد الحرب العالمية الماضية أشد من شيوعه في زمن من الأزمان، ~~حتى غلا بعضهم فأوشك أن يلتمس الجمال في الهياكل العظمية، وهي على أية حال أقرب إلى ~~الجمال من هياكل الشحوم واللحوم! # وما نحسبها نفحة من نفحات الفن العلوي هبت فجأة على أذواق الناس في العالم كله ~~فأصبحوا جميعا من صاغة التماثيل الملهمين؛ فإن هذه ms19 النفحات أغلى وأرفع من أن تكال ~~جزافا للملايين من الخلق في المغارب والمشارق، وبين الأذكياء والأغنياء، وعند من ~~يحسون ولا يحسون. # ولكنها «الطيارة» قد أتمت مذهب السرعة في كل شيء، والسرعة والخفة لا تفترقان، والخفة ~~والسمنة لا تتفقان. # وهكذا تعلمنا الآلات أحيانا كيف نشعر وكيف نتذوق الجمال، وكيف نصحح ~~الأذواق! ~~••• # والمرأة الجميلة - بعد هذا - ليست بشيء واحد يقاس بمقياس واحد في كل ما تبديه وكل ما ~~تحتويه؛ لأنها جملة مجتمعة من الأشكال والألوان والحركات والمعاني يقاس كل منها ~~بمقياس الجمال الذي قدمناه، وهو الحرية الموزونة، ونستطيع أن نقول: «الحرية» وكفى؛ ~~لأن الحرية كما قدمنا تستدعي الوزن والقانون، لتظهر فيها المشيئة والغاية، وهما قوام ~~الاختيار الذي لا تكون الحرية بغيره، وليتضح الفرق بينها وبين الفوضى وهي أقرب إلى ~~العدم منها إلى الوجود. # ولكننا نقول الحرية الموزونة تقريرا لهذا المعنى وتبيينا للقدرة التي هي معيار ~~الحرية ومعراج الارتقاء فيها، فالقائل الذي يعبر عن شعوره في النظم الموزون أقدر ~~على القول وأبين عن حرية التصرف فيه ممن يقول هذا القول بعينه في الكلام ~~المنثور. # ويقاس كل جميل في المرأة بهذا المقياس: فأجمل الوظائف هي الوظيفة التي تجري إلى ~~غايتها في جسم لا فضول ولا نقص فيه، وأجمل الحركات والألوان، أو أجمل الحركات ~~والأشكال تجمل وترتقي إلى عالم المعاني كلما أطلقت في النفس شعور الحرية بين الأوزان، ~~أي كلما ابتعدت بنا من شعور الفوضى وشعور التقييد. # فإذا اتفق للمرأة لون جميل وشكل جميل وحركة جميلة فتلك غاية الغايات التي قلما تدرك ~~في العالم المحسوس، وقد يتفرع اللون على ألوان والشكل على أشكال والحركة على حركات، ~~فلا ينبغي أن ترجع بها جميعا إلى مقياس واحد؛ لأن المرأة في اللغة مخلوق واحد يعرف ~~بهذه اللفظة الواحدة. # ومتى أحضرنا هذا في أخلادنا فقد حسبنا للتناقض حسابه في بعض الأحكام على جمال النساء، ~~فقد تكون المرأة على جملتها موصوفة بالجمال وفيها جانب يخالف معنى الحرية والاتزان، ~~فإنما الحكم الصحيح على جمالها أن يقاس هذا الجانب بمقياسه ولو خالف ms20 في الحرية ~~والاتزان ما عداه. # وكذلك يقال في قياس النقص أو العيب كلما شعرنا به ورجعنا إلى سببه، فلن يكون سببه إلا ~~أننا نشعر إزاءه بشيء من التقييد واختلال الميزان. # فتعاب المرأة القصيرة، وإن تمت لها محاسن الوجه والحركة؛ لأنها توحي إلينا الشعور ~~بعائق يصدها عن بلوغ القوام المعهود في النساء. # والمرأة التي تطول كفاها أو قدماها تعاب؛ لأن طول الكف أو طول القدم يوحي إلى ~~النفس أن تتمنى قواما أطول من هذا القوام، فتشعر بالعائق المانع حين تنظر إلى القوام ~~فإذا هو دون ما تتمناه. وليست قلة التناسب هنا هي علة النقص والعيب كما يخطر للذين ~~يحسبون أن التناسب هو الجمال؛ فإن قلة التناسب لا تضايقنا إذا هي لم تقترن بشعور ~~التعويق والامتناع، كما قد رأينا في مثال الزرافة وكلب الصيد. # والقوام الجميل حسن في البياض والسواد على السواء حيثما نظرنا إلى الشكل والحركة دون ~~الألوان والشيات، فإذا تجاوزنا الشكل والحركة إلى الألوان والشيات فالبياض الذي لا ~~يحتبس به شعاع من النور، ولا صبغة من اللون أجمل من البياض. ~~••• # وصفوة القول في ذلك جميعه أن الشعور بالحرية الموزونة هو الشعور بالجمال. # وأن وظائف الأعضاء هي الميزان الذي توزن به الحرية في أجسام الأحياء، من الرجال ~~والنساء. # وأن تكوين المرأة على حسب وظائف أعضائها ملحوظ فيه تكوين المخلوق الذي تحمله في ~~أحشائها، وتكوين المخلوق الذي تستهويه بصلاحها لخدمة نوعها، فجمالها على هذا جمال ~~تابع مضاف وليس بالجمال الذي استقل بالكفاية والتمام. ~~••• # ويلحق بالكلام على جمال المرأة كلام متصل به عن شعور المرأة بالجمال. # فمن سهو الفكر أن يعتقد بعض الناس أن المرأة أخبر بذوق الجمال؛ لأنها جميلة في أعين ~~الرجال. # وموضع هذا السهو ظاهر لا يحتاج إلى تأمل طويل، فليس باللازم من اتصاف الشيء بالجمال ~~أن يتصف بذوق الجمال أو يشعر به أحسن شعور أو أقل شعور. # فالجواهر جميلة ولا حس لها ولا حياة، وفي الحيوان ما هو جميل ولا دراية له بفنون ~~الجمال، ومنه ما يغني ولا يفقه أسرار ms21 الغناء . # فجمال المرأة في عيني الرجل لا يستلزم تفوقها في حس الجمال وتمييز شياته وألوانه، ~~ولعل تمييز الجمال لا يعني إناث الإنسان كما يعني ذكوره؛ لأن المرأة تستمال بقوة ~~الرجل قبل أن تستمال بمحاسن وجهه ومرآه، فإنما تعنيها منه الصحة والقوة وتميز ~~ملامحه، كل لمحة منها على انفراد، خلافا للرجل الذي يؤخذ بأثر ملامح المرأة في ~~جملتها قبل أن ينظر إلى تفصيلها. # وهو فارق معقول على حسب الفارق بين موقف الرجل وموقف المرأة في تلبية الغريزة ~~الجنسية؛ فالرجل عليه أن يلتفت لأنه هو الذي عليه أن يختار، ومن ثم كان من الضروري ~~لالتفاته أن يلمح جمال المرأة وأن يؤخذ بأثره على الإجمال. # والمرأة - ولا سيما المرأة على فطرتها الأولى - تنتظر دورها الطبيعي وهو التسليم ~~للغالب السابق من الرجال، فسواء لديها أن تتأثر بملامحه أو لا تتأثر بها بعد أن تأثرت ~~بقوته وغلبه، وإنما يبقى لها أن تميز ملامحه على حسب صحتها ومنفعتها لا على حسب أثرها ~~الخاطف في عينيها، فتعرف مثلا جمال العين وجمال الأنف وجمال الفم كل منها على حدة ~~ولو لم يكن لها أثر خلاب وهي منظورة في جملتها. # ويندر أن ترى رجلا ينسى الأثر المجمل من النظرة الأولى في سبيل جمال الأعضاء ~~والجوارح على التفصيل. # وعلى نقيض ذلك يندر أن ترى امرأة تنسى جمال الأعضاء والجوارح على التفصيل في سبيل ~~الأثر المجمل بالغا ما بلغ من الروعة والاستهواء. # وتصدق هذه الملاحظة على الجمال في معانيه الفنية كما تصدق على الجمال في صورته ~~الجسدية، فتمييز المرأة له محدود لم يبلغ قط مرتبة الإبداع والخلق والتفنن في ~~غير فئة قليلة جدا من النساء وعلى طبقة لم ترتفع قط إلى أرفع الطبقات. # فيندر جدا في النساء من تبدع الجمال في فن من الفنون، سواء كان الشعر أو التصوير أو ~~الموسيقى أو التمثيل. # وقد تبرع في التمثيل لأنه يوافق عندها سليقة الرياء والتظاهر والاصطناع، ولكن التمثيل ~~تمثيلان متفاوتان في القدرة الفنية وعمل القريحة الإنسانية: وهما تمثيل الخلق ~~والإنشاء وتمثيل المحاكاة والتقليد، ms22 وندر جدا في كبار الممثلات من تجاوزت دور ~~المحاكاة والتقليد إلى دور الخلق والإنشاء. # ومن الخطأ أن يقال إن تخلف المرأة في الفنون الجميلة قد نشأ من الحجر عليها في عصور ~~الجهالة الأولى. # ففي عصور الجهالة الأولى كان الحجر شاملا للضعفاء من الرجال والنساء على السواء، ~~ومع هذا نبغ الشعراء والفنانون من طبقة العبيد والسوقة، ولم يكن عدد الحاكمين ~~المسيطرين الذين نبغوا في الشعر والفنون على اختلافها مربيا على عدد النابغين من ~~المحكومين المسخرين، سواء منهم السفلة الأذلاء والأوساط الذين لا يصيبهم الظلم ~~كما يصيب من دونهم في الطبقة الاجتماعية. # وأيا كان القول في عموم الحجر على الجنسين أو على جنس واحد فالذي لا ريب فيه أن ~~المرأة لم يحجر عليها في الغناء والعزف على الآلات كما لاحظ بعض الباحثين، ومضى دهر ~~طويل على الأمم الشرقية والغربية وهي تحسب الغناء صناعة نسائية وتأخذ المغنين ~~والعازفين من الذكور أن يرسلوا الشعور ويتزيوا بزي النساء، ولم يتجاوز حظ المرأة من ~~الغناء طبقة الأداء الحسن إلى طبقة الخلق والإبداع. # ويقال في صناعة التطريز ما يقال في صناعة الغناء والموسيقى على التعميم، فقد شغلت ~~بها المرأة من عصور البداوة وثابرت عليها في عصور الحضارة، ولم تساو الرجال ~~الممتازين بإبداع الطرز والنماذج والأشكال. # فشعور المرأة بالجمال محدود، وقد تكون تابعة فيه أو خاضعة للإيحاء والشهرة سواء من ~~الجماعات أو الأفراد، وفي وسع فرد واحد أن يوحي إلى المرأة شعورها بجماله إذا تسلط ~~عليها بإرادته، فتؤمن من طريق الإيحاء أنه لجميل، ولا يمنعه أن يوحي إليها هذا الشعور ~~إلا أن يكون شنيع الدمامة لا تجوز المغالطة في قبحه من النظرة الأولى، وإلا فهو بالغ ~~من إقناعها ما يريد. # وميل المرأة إلى الرجل المشهور بجماله يخالف في طبيعته ميل الرجل إلى المرأة المشهورة ~~بجمالها. # فشهرة المرأة بالجمال تشحذ في نفس الرجل طبيعة غير الطبيعة التي تشحذها في نفس المرأة ~~شهرة الرجل بالجمال. # وهذا الفارق بين هاتين الطبيعتين هو الفارق كل الفارق بين الجنسين في كل ما يختلفان ms23 ~~فيه . # إن المرأة التي تتصدى بجمالها لأعين الرجال تبعث في نفوسهم حب المسابقة والتنافس ~~وتمنيهم بلذة الظفر والغلبة على الأقران، وقد تكون متعتهم بالوصول إليها ~~وتنحية الأقران عنها أعظم وأروح من متعتهم بشمائلها ومحاسن جسدها ومحياها. # أما المرأة فشهرة الرجل بالجمال عندها تؤكد الإيحاء والتكرار وتملكها من ناحية ~~التنويم وشل الإرادة والتمييز فهي تنقاد هنا لأن الناس يقولون، ولأن ما يقولونه يخامر ~~يقينها كما يخامر المنوم بالتوكيد والتكرار يقين المنومين. # فالظفر بالجميلة المشهورة يرضي في الرجل طبيعة الزهو والثقة، والظفر بالجميل ~~المشهور يرضي في المرأة طبيعة التسليم والخضوع، وهذا هو الفارق بين الجنسين في كل ~~شيء. # وصفوة ما يقال في شعور المرأة بالجمال أنه شعور ينقاد للقوة والإيحاء، ولا يرتقي إلى ~~طبقة الخلق والإنشاء. # أما جمالها فالرجل هو الذي يميزه لأنه هو المقصود به ليلتفت إليه ويسعى سعيه في ~~الغلبة عليه. # وهو غواية المرأة التي تقابل بها إرادة الرجل منذ حيل بينها وبين أن تريد وأن تصرح ~~بما تريد. # وهو على سلطانه الذي يغالب الإرادة ويغلبها في كثير من الأحايين إنما هو أظهر غوايات ~~المرأة وليس بكل ما عندها من أسباب الإغراء، كما أسلفنا في الكلام على غوايتها ~~وأسبابها. # ولا نبعد بالتشبيه إذا قلنا: إنه كالنور الذي ترفعه الطبيعة على حانوتها لتعلن عنه ~~وتجذب الأنظار إليه، أو كالغلاف المزخرف الذي تلف به طعمتها لتفتح اللهوات وتسعر أوار ~~السغب في كل أوان. # وقد منحت المرأة الجمال الذي يستهوي الرجل؛ لأن الرجل يطلب الحرية ويختار، والجمال هو ~~الحرية التي يكلف بها من يكلف بالاختيار. # وليس من المصادفة التي خلت من المعنى أن تستهوى المرأة بالخضوع للقوة وأن يستهوى ~~الرجل بحب الجمال. # فهما الحرية والتسليم، يتقابلان كما يتقابل الجنسان. # | تفاوت الجنسين # إلى هنا وضح الفارق الأصيل الذي تدور حوله جميع الفوارق الفطرية بين الجنسين، ونعني ~~به الفارق بين الإرادة والإغواء. # وتتعلق بالإرادة جميع ملكات الابتداء والإنشاء والابتداع في المسائل الحسية والمسائل ~~الذهنية والنفسية على السواء. # فالمرأة لا تبتدئ ولا تبتدع في صناعة من ms24 الصناعات أو فن من الفنون، وإن طال عملها فيه ~~وانقطعت له أحقابا بعد أحقاب، فإذا شاركها الرجل في الطهي أو الخياطة أو النسيج أو ~~التزيين والتجميل - وهي صناعاتها التي غبرت على مزاولتها مئات الأحقاب - كان له السبق ~~بالتجويد والافتنان، واستطاع في هذه الصناعات نفسها أن يستأثر بإقبال المرأة وثقتها ~~دون من ينافسه فيها من النساء. # ومنذ القدم كانت المرأة تنوح وتبكي وتطيل الرثاء والحداد على الأموات، ولكنها لم تنظم ~~في الرثاء قصيدة واحدة تضارع قصائد الفحول من الشعراء الذين لم ينقطعوا للرثاء ولم ~~ينظموا فيه إلا عرضا في الآونة بعد الآونة، كلما ألعجهم الحزن على فقيد ~~عزيز. # ولا ينكشف قصور المرأة عن الابتداء والابتداع في فن من الفنون كما ينكشف في فن الغناء ~~والموسيقى على الإجمال. # فقد ظن خطأ أن الغناء صناعة نسائية ينبغي أن تحذقها المرأة كما يحذقها الرجل أو تربى ~~عليه، وقد سنحت لها فرص الحذق والإتقان في هذا الفن بين القصور وفي الأكواخ والأسواق ~~فلم يؤثر لها ابتكار في التلحين ولا اختراع في الآلات ولا افتنان في معاني التعبير ~~بالألحان والأصوات. # والخطأ هنا من سهو الفكر كالخطأ في تمييز الجمال وذوق الحسن والاستحسان؛ إذ الواقع أن ~~الابتداء بالغناء أيضا خاصة من خواص الرجل الجنسية لا معنى لتفوق النساء فيها، ولهذا ~~يستوفي صوت الرجل نماءه بعد البلوغ ويعظم تجويف صدره وتكمل أوتار حنجرته، وتتم له عدة ~~المخارج الصوتية حينما تتم له مقومات الرجولة وملكاتها، وينعكس الأمر إذا سلب هذه ~~المقومات والملكات، فتضعف حنجرته وتضيق كتفاه ويشتبه صوته بأصوات النساء والأطفال، ~~وقلما يلحظ التغيير على مخارج المرأة الصوتية بعد المراهقة أو بلوغها مبلغ ~~النساء. # وعلة ذلك ظاهرة، وهي العلة التي قدمناها في هذا الفصل وفي الفصول السابقة، ونعني بها ~~أن الرجل هو الذي يريد وهو الذي يطلب المرأة ويسمعها نداء الرجولة دعاء وغناء ~~فيقترن تمام الصوت فيه بتمام صفات الرجال. # والفارق في التركيب كاف وحده لإدراك الفارق بين الجنسين في الملكات والقرائح وفنون ~~الابتداء والابتكار. # ولكن الواقع المشهود من ms25 قديم الزمن يغني في بيان هذا الفارق ما ليس يغنيه اختلاف ~~التركيب. # لأن الواقع فعلا أن المرأة لم تبتكر في صناعة من الصناعات، غير مستثنى منها تلك ~~الصناعات التي انقطعت لها وتوفرت عليها أحقابا طوالا قبل أن يتوفر عليها ~~الرجال. # ومن السخف أن يقال إنها قد تخلفت في هذا المجال؛ لأن الرجل قد حجر عليها وقيدها بما ~~يرضي هواه دون ما يرضي ملكاتها وأذواقها، فإن الرجل لم يحجر عليها في الطهي ولا في ~~الخياطة ولا في الغناء ولا في الرثاء، وإن حجره عليها هو نفسه دليل على نقصها في ~~القدرة البدنية والقدرة الذهنية، وأنها بالقياس إليه في المرتبة التالية على كل ~~حال. # وقد عاش بعض الراهبات كمعيشة الرجال الرهبان في القرون الوسطى بين الأديرة والمعاهد ~~الدينية والعلمية، وانقطع هؤلاء انقطاع هؤلاء للعبادة والتلاوة ونسخ الكتب وترجمتها ~~والتفكير فيها، فلم يعرف لامرأة راهبة فضل في القراءة أو النسخ أو الترجمة كالفضل ~~الذي عرف لمئات من الرهبان، وعزي إليه إحياء نهضة العلوم بعد القرون ~~الوسطى. # فهذا الفارق بين الجنسين من الفوارق التي يشهد بها التركيب كما يشهد بها الواقع ~~المتواتر في جميع الأمم القديمة والحديثة. # ومداه واسع جدا لا ينحصر في مزايا القريحة، ولكنه يتخطاها كثيرا إلى مزايا الروح ~~والأخلاق. # ولنضرب لذلك مثلا نصيب الرجل ونصيب المرأة من الزواجر الأدبية والروادع ~~النفسية. # فهذه الزواجر أو هذه الروادع ترجع إلى مصادر ثلاثة يخيل إلى المتعجل أنها واحدة ~~ولكنها متفرقة المعادن والأصول: زاجر الدين، وزاجر العرف، وزاجر الأخلاق. # وليس معنى التفرق في معادن هذه المصادر وأصولها أنها تتناقض ولا تتفق على نهج واحد، ~~بل معناه أن الإنسان قد يمتنع عن المحرم بوازع من الأخلاق ووازع من الدين ووازع من ~~العرف في وقت معا، وقد يمتنع عنه بوازع منها دون الوازعين الآخرين. # فالمرأة نصيبها الذي يبرز فيها من هذه الزواجر هو نصيب العرف والدين، ولا سيما الدين ~~الذين يرجع إلى الخوف والتسليم. وكثير من دين الجهلاء لا يرتفع إلى الحب والفهم كدين ~~الخاصة وذوي الرأي ms26 والدراية . # أما الرجل فنصيبه الذي يبرز فيه من هذه الزواجر هو نصيب الأخلاق؛ لأن الأخلاق هي ~~الزواجر التي يفرضها المرء على نفسه ولا يفرضها عليه العرف الشائع أو العقيدة ~~المصدقة، أو سلطان القادة والرؤساء. # والأخلاق من ثم صفة من يريد. # والعرف والخوف الديني صفة من يراد وينقاد. # فالرجل كائن أخلاقي، والمرأة كائن طبيعي يجري على حكم البيئة الطبيعية، وليس لها ~~أخلاق بل عادات وشعائر وأحكام. # على أنها هي العادات والشعائر والأحكام التي تساير الغريزة الجنسية - أو الطبيعة ~~الأولى - حيث تسير. # فمنذ القدم أمر الدين المرأة بالصيام عن الطعام في موسم من مواسمه المرعية، فلم ~~تصبر على الصيام كما صبر عليه الرجل، ولم تزل تراوغ حكم الدين وهي في سن الشباب إلى ~~أن يتجافاها الجمال ويعرض عنها الرجال. # ولكن المرأة الحديثة تتجشم من الصوم ما لم يتجشمه كثير من النساك لإعجاب الأعين ~~واجتذاب الأهواء، وتجتنب الطعام اللذيذ والشراب المشتهى لتجتنب السمنة التي يعافها ~~الرجل في هذا الزمان، وليس اجتناب المطاعم والمشارب بالأمر الهين عندها وهي حسية ~~جسدية في ميولها ولذاتها، ولكن الظفر بالاستحسان عندها فردوس يهون في طلابه كل هذا ~~الصيام الثقيل. # والصلوات، التي تنصلت منها ما استطاعت، هي شيء هين بالقياس إلى حركات الرياضة ~~والتدليك ومتاعب الكساء الضيق والتلوين والتزويق، ولكنها لا تثقل عليها كما تثقل ~~الصلاة، إذا كان وراء هذه المتاعب جزاؤها السريع من نظرة إعجاب أو كلمة إطراء. ~~••• # ولا يسيطر تركيب المرأة على إرادتها من هذه الناحية دون غيرها. # بل هو مسيطر عليها من نواح شتى غير هذه الناحية، ومنها - على التخصيص - ذلك التناقض ~~القوي بين الحزم وطبيعة الأنوثة في صميمها، وهي الطبيعة التي تفرض عليها الحمل ~~والرضاع والحضانة وألا تبالي بعواقبها وإنها لمرهقة معنتة شاقة على النفس والجسد، وقد ~~كانت في الآباد الغابرة خطرة قاتلة تنهك من لا تميت. # فالحزم هو أن ينسى المرء العاجل في سبيل الآجل، وأن يبعد النظر إلى الغد ولا يقصره ~~على الحاضر الذي هو فيه. # ولو رزقت المرأة هذا الحزم لما استجابت ms27 مرة من عشر مرات لضريبة النسل المفروضة ~~عليها، فالذي رزقته إذن هو نقيض الحزم وهو نسيان الآجل في سبيل العاجل وإيثار ~~السرور القريب على الغنم البعيد، أو هو استجابة الأثر الحسي والإعراض عن نذير الحكمة ~~والروية وهداية التأمل والتفكير. # وإذا بدا منها الحزم في موقف من المواقف فامتنعت عن لذة تغريها فتفسير ذلك لذة أخرى ~~مركزة لديها غالبة على تلك اللذة التي امتنعت عنها. # فترفض مثلا الطعام لأنها مغرمة بالكساء، وترفض المال لأنها مشغولة بشعور الأمومة، أو ~~ترفض الوسامة لأنها منقادة لقوة، أو ترفض كل هذه الغوايات لأنها لا تحس بإغرائها إلا ~~عند مسيس الحاجة إليها، ولا تحفل بحاجة الغد ما دامت غنية عنها في يومها. # فحزمها هو مقاومة إغراء بإغراء، أو تسويف وإرجاء إلى ساعة الشعور بالإغراء. # وربما كانت رحمة المرأة في لبابها - وهي أشهر أخلاقها - مزيجا من نقص الشعور بالألم ~~ومن التذاذ الشعور به كما رجح بعض الباحثين في فضائل النساء والرجال. # فالمرأة تطيق التمريض على رأي هؤلاء الباحثين لأنها بليدة الحس، كليلة الخيال، لا ~~تثير فيها رؤية الألم تلك الصور المتلاحقة التي تخلقها مخيلات الرجال، ولو كانت ~~تفزع للعذاب وتشفق منه على المتعذب لما استراحت إلى ملازمته والنظر إليه واستماع ~~أنينه وشكواه. # ولا تخفى وجاهة هذا التعليل الذي ذهب إليه أولئك الفلاسفة ولكنه على غير ذلك قاطع في ~~تأويله؛ لأن صبر المرأة على رؤية العذاب قد يفسر بالاستغراق في عاطفة الرحمة، وأن هذا ~~الاستغراق يعين على الاحتمال ويملي للمرأة في مجاراة الآلام، ولا سيما المرأة التي ~~تنبعث فيها عاطفة الأمومة وتجيش في قلبها فاجعة من فواجعها. # ومع هذا لا ينفي استغراق المرأة في عاطفة الرحمة أنها تلتذ الألم وتجتره وترتضيه، ~~وأنها كليلة الخيال قلما تتولى الألم بالتصوير والتكبير كما تتولاه مخيلات ~~الرجال. # ولا تنتهي أقوال الكتاب وأصحاب المذاهب الفلسفية والعلمية في تأويل أسباب التفاوت بين ~~الجنسين؛ لأن تعدد التأويلات هنا مسألة مزاج كما هو مسألة فكر ودراسة، وليس أكثر من ~~تعدد أبناء آدم في المزاج والدرس والتفكير. ms28 # لكن التفاوت قائم وإن اختلفت الأقوال في تأويله، وقيامه حقيقة عيانية وحقيقة علمية ~~وحقيقة منطقية في وقت واحد؛ إذ كل قول بالتشابه بين الرجل والمرأة أو بالتساوي بينهما ~~هو في مؤداه قول برجحان المرأة على الرجل وتفوقها عليه لجمعها بين وظائفها ووظائفه في ~~بنية واحدة، وذلك هو الرجحان الذي لا يسيغه منطق سليم. # وما من أحد له مصلحة في إنكار التفاوت بتة بين الجنسين كمصلحة الماركسيين أو ~~الشيوعيين في إنكاره وإثبات المساواة أو المماثلة التامة بين الذكور والإناث؛ لأنهم ~~ينظرون إلى المرأة كأنها وحدة اقتصادية يمكن استغلالها إذا بطل استغلال الرجال، فلا ~~يريدون أن يثبتوا بينها وبين الرجل فرقا يسمح بهذا الاستغلال في دولة رأس ~~المال. # ولكنهم على هذه الرغبة الملحة عندهم في تقرير المساواة بين الجنسين والإغضاء عن ~~الحقائق التي تنفيها لم يقدروا على المماراة طويلا في هذه المغالطة الموائمة ~~لمذهبهم، وأعلنوا في نشرة الأخبار الحكومية التي أذيعت في أوائل السنة الماضية أن ~~تجاربهم الطويلة في تعليم الصبيان والبنات قد دلت على فارق واضح بينهم يلاحظ عليهم ~~في الثانية عشرة أو الثالثة عشرة وما حولها، فكانت النتائج تختلف اختلافا بينا مع ~~وحدة السن والمجهود، ويظهر هذا الاختلاف في طاقة العمل عند الصبي والبنت مع تعدد ~~التجارب والبيئات. # ولا يخفى أن عدد الصبيان والبنات الذي يقع تحت الملاحظة الحكومية بمدارس الشيوعيين هو ~~أكبر عدد يتيسر لأصحاب مذاهب التربية في قطر من الأقطار؛ ففي بلادهم مائة وخمسون ~~مليونا يذهب أبناؤهم وبناتهم جميعا إلى المدارس من سنواتهم الباكرة، وينشأ هؤلاء ~~الأبناء والبنات في بيئات الشمال والجنوب، وفي مدن الصناعة وقرى الزراعة، وبين الشعوب ~~الأوروبية والآسيوية من عناصر شتى. # وقد كان أناس من أساطين علم النفس بين علماء العصر الحديث يقاربون هذه المسألة ~~الجلى - مسألة تعليم الجنسين - بعناية دون العناية التي تنبغي لأمثالها وتنبغي لهم ~~وهم يطرقون المباحث التي تتصل بتهذيب النفوس ومصير الأجيال، ومنهم من في طبقة «ألفرد ~~أدلر» الذي خطر له أن يناظر «فرويد» في دراساته النفسية المشهورة، وهي فتح عظيم ms29 في ~~تاريخ المعرفة الإنسانية. فأدلر يقول في موضوع تعليم الجنسين من كتابه عن فهم الطبيعة ~~الإنسانية: «إن أهم المنشآت التي أقيمت لتحسين العلاقات بين الجنسين هي التي أنشئت ~~للتعليم المشترك بينهما.» ثم يقول: «إن هذه المنشآت لا تقابل باتفاق الآراء، لأن لها ~~خصوما كما لها أصدقاء.» # ولكنه هو يقطع بالرأي في ثنايا عرضه لأقوال الأصدقاء والخصوم حيث يقول: «إن أصدقاءها ~~يجعلون أقوى برهان لهم على صلاحها أن الجنسين - خلال التعليم المشترك بينهما - تنفسح ~~لهما الفرص ليفهم كل منهما صاحبه في السن الباكرة، فيقضي هذا التفاهم على الموروثات ~~الوهمية ويمنع عواقبها الضارة جهد المستطاع. أما خصومها فيجيبون عادة بأن الصبيان ~~والبنات يكونون في سن المدرسة قد بلغوا من الاختلاف حدا يزيد الشعور به والانتباه ~~إليه عند الاختلاط في معهد واحد؛ لأن الصبيان يحسون أنهم مرهقون، ويداخلهم هذا ~~الإحساس مما يشاهد على البنات من أنهن أسرع في النمو الذهني خلال هذه السن الباكرة، ~~فإذا اضطر هؤلاء الصبيان إلى المحافظة على مزيتهم وإقامة البرهان على تفوقهم بدا ~~لهم فجأة لا محالة أن مزيتهم في الحقيقة إن هي إلا فقاعة صابون ما أسهل ما تنفجر ~~وتزول. # ويقول بعض الباحثين غير هؤلاء: إن الصبيان في المعاهد المشتركة يقلقون أمام البنات ~~ويفقدون كرامتهم في نظر أنفسهم ... ولا محل للشك في اشتمال هذه الأقوال على نصيب من ~~الصدق والرجاحة، ولكنها لن تصمد للاختبار إلا إذا نظرنا إلى تعليم الجنسين معا كأنه ~~ميدان للتنافس بينهما على قصب السبق في الملكة والكفاءة، وهي نظرة وبيلة إن كان هذا ~~هو غرض التعليم عند الأساتذة والتلاميذ. وما لم نوفق إلى أساتذة يرون في التعليم ~~المشترك رأيا أفضل من اعتقادهم أنه سبيل إلى التدرب على التنافس أو التنازع ~~المقبول بين الجنسين في المجتمع؛ فكل محاولة للتعليم المشترك فاشلة إذن لا محالة، ولن ~~يرى خصومه من النتائج المحتومة إلا دليلا على صوابهم بما أصابه من إخفاق.» # ثم يستطرد أدلر فيقول: «وما أحوجنا إلى خيال شاعر لتصوير الحالة كلها في صورتها ~~الصحيحة، فلنقنع من ms30 ثم بالإشارة إلى المواضع البارزة منها، ومنها أن الفتاة ~~الناشئة تتصرف فعلا تصرف من يشعر بالضعة، ويصدق عليها تماما ما قلناه آنفا عن ~~الرغبة في التعويض عند ابتلاء الإنسان بذلك الشعور، وإنما الفارق هنا أن شعور الضعة ~~مفروض على الفتاة بحكم بيئتها، وأنها تساق إلى هذا الاتجاه سوقا حثيثا يدعو ~~الباحثين ذوي النظر الثاقب أحيانا إلى تصديق هذه الضعة فيها، وليس لهذا الوهم من ~~نتيجة إلا النتيجة العامة التي يندفع إليها الجنسان حين يتعجلان خطط التزاحم والتنافس ~~التي تشغل كلا منهما بغير ما يعنيه وما يصلح له.» # وقرار المشرفين على تعليم الجنسين بالمدارس الروسية مفيد في استدراك هذه التخريجات ~~والتعليلات التي ذهب إليها أدلر قبل أن توغل في طريقها إلى تلك النتائج ~~المزعومة. # إذ لا يمكن أن يقال: إن فصل الجنسين بالمدارس الروسية ناشئ من شعور الضعة المفروض على ~~الفتاة أو البنت الصغيرة؛ لأن النساء الروسيات من سن الأربعين فنازلا قد نشأن على ~~عقيدة التساوي بين الجنسين ولم تفرض عليهن البيئة عقيدة غيرها منذ فتحن أعينهن إلى ~~الآن، ولو غلا الدعاة الروسيون إلى أحد الطرفين لجاز أن يكون غلوهم في تقرير هذه ~~العقيدة وتوكيدها لا في إدحاضها وإضعافها، فليست هناك ضعة مفروضة على الفتاة بحكم ~~بيئتها ولا يوجد هناك من يسوقها إلى هذا الاتجاه سوقا حثيثا يوهم الباحثين ذلك ~~الوهم الذي توهمه أدلر من بعيد. # ومع هذا سجل الباحثون الروسيون أن الفرق حاصل بين الجنسين في أدوار التعليم، وتبين ~~لهم أن الصبي من سن العاشرة إلى الرابعة عشرة يعاني من تجميع القوى في بنيته عناء ~~يثقل عليه فيبطئ نموه بعض الإبطاء، وعلى خلاف هذا يطرد النمو في البنات بين ~~العاشرة والرابعة عشرة فيزدن في الوزن والطول فضلا عن استعداد الفهم ~~والمعرفة. # ثم يأتي دور الصبيان بين الرابعة عشرة والسابعة عشرة، فإذا هم الذين يسبقون البنات في ~~الوزن والطول والاستعداد للفهم والمعرفة، فلا يتأتى - وهذه هي الفوارق بين الجنسين من ~~العاشرة إلى السابعة عشرة - أن يتلقوا معا دروسا واحدة ويجاري بعضهم ms31 بعضا في مضمار ~~واحد. # ثم يأتي دور آخر وهو دور التفكير في الفوارق بين عمل الرجل وعمل المرأة في الحياة؛ إذ ~~ليس من المستطاع أن يناط بهما عمل واحد يؤديانه على نحو واحد من القابلية ~~والكفاءة. # فالرجال يعدون للجندية ويدربون على فنون من الدربة الرياضية العسكرية وهم ~~فتيان صغار، ولا يقال: إن النساء أيضا يعملن للدفاع عن أوطانهن في الجيوش. فإن ~~الواقع أن الوظائف موزعة بين الرجال والنساء حتى في ميادين القتال، فلا تناط بالنساء ~~إلا الأعمال التي توائمهن كأعمال التموين والمواصلات والتمريض وما يشاكلها مما ~~يباشرنه وراء خطوط النار. # وكذلك لا تناط بهن في تحضير الذخيرة والأسلحة إلا الأعمال التي يطقنها دون الأعمال ~~الكبرى التي لا يصلحن لها ولا تناط بغير الرجال. # وكما ينبغي أن يعد الرجال للجندية ينبغي أن يعد النساء للأمومة وما يتصل بها ~~من فنون التربية والتنشئة والعناية بالصحة والغذاء، ومهما يكن من التسوية بين الآباء ~~والأمهات في تبعة الأبوة والأمومة فلن تلغي هذه التسوية كل فارق بين الأب والأم في ~~النشأة والاستعداد. # ولقد جرب فصل الجنسين بضعة أشهر فظهر أثر هذه التجربة في زيادة التجانس والتوازن ~~بين صفوف المتعلمين والمتعلمات، وأمكن أن يستفيد الصبيان والبنات خير فائدة من كل ~~فترة يتشابهون فيها ولا يتفاوتون. # ولم يزل أساتذة التربية هناك حريصين على مذهبهم المعهود من التسوية بين الجنسين وهما ~~مفترقان، فقال «سولوخين» مدير إحدى المدارس بموسكو: إن هذه التفرقة لا تفيد التفضيل ~~والتمييز «لأن البنات والصبيان في مدارسنا يتلقون وسيتلقون طبقة واحدة من التدريب ~~والتعليم، ويؤهبون أهبة متساوية لنصيبهما من عمل الحياة، وينشأون على عقيدة ~~التكافؤ بين الجنسين». # ونقول نحن: إن عقيدة التكافؤ لا تهم في هذا الموضوع ما بقي الفارق بين الرجل والمرأة ~~في البنية والوظيفة محسوبا له حسابه الصميم في مراحل التعليم من الطفولة إلى ~~الشباب. # فليست المسألة التي نحن بصددها مسألة تقدير المنازل والمراتب في ديوان من دواوين ~~التشريفات، ولكنها هي مسألة القيام بأعمال الرجال وأعمال النساء على الوجه الصالح لكل ~~من الجنسين. ms32 # وقد يفرط القائلون بالتساوي كما يفرط القائلون بالتفاوت ذلك الإفراط الذي يلامس ~~الفكاهة والمزاح وإن لم يقصد به قائلوه شيئا من فكاهة أو مزاح. # فهذا الإلحاح على مسألة التساوي لا يقل في سخفه وهزله عن ذلك الرأي الذي ذهب إليه ~~عالم من علماء الطبيعة وهو لا يمزح ولا يهزل، ولكنه يقول جادا: إن اتساع الهوة بين ~~إدراك الرجل والمرأة يرجح لديه أنها أنثى حيوان آخر لجأ الإنسان إلى اغتصابها في غابر ~~العصور على أثر آفة جائحة ألمت بالإناث الإنسانية فانقرضت وهي في بقعة محدودة من ~~الأرض، قبل انتشار الآدميين على وجه العالم المعمور؛ فذلك أقرب التعليلات عنده لهذا ~~التفاوت البعيد بين أسلوب الرجال وأسلوب النساء في الفهم والتصور، فضلا عن القوة ~~العاقلة والبداهة الذهنية! # وفي تخيل هذا العالم غلو يلامس الفكاهة كما أسلفنا، إلا أننا لا نعدو حدود ~~المقررات الفكرية ولا نلامس الفكاهة حين نقول: إن الأنثى الإنسانية ليست هي المقصودة ~~باستقلال الخلقة والتكوين، وإن الغرائز الجنسية تلقي في روعنا أن الرجل هو المقصود ~~باستقلال الخلقة من طريق هذه الغرائز، كما استدللنا على ذلك في بعض فصول كتابنا ~~«المطالعات» فقلنا: «إن المرأة تعشق الرجل لتأتي برجل على مثاله أي لتكرره وتعيد ~~خلقه، ولكن الرجل لا يعشق المرأة ليأتي بامرأة على مثالها ويكررها وإنما يعشقها ليكرر ~~نفسه ويأتي بولد له على مثاله هو من طريق المرأة التي تصلح لذلك في نظره وهواه، ~~والمرأة تعشق لتسليم نفسها في نهاية الأمر فدورها في العشق هو دور التسليم دائما. ~~أما الرجل فيعشق ليظفر بالمرأة فدوره في العشق هو دور الظافر دائما، وليس في مضامين ~~الغرائز الجنسية - وهي أصدق مقياس لما يتناوله الاختلاف من وظائف الجنسين - ما يؤخذ ~~منه أن المرأة أعظم من الرجل شأنا أو أنها مقدمة عليه في مقصد من مقاصد ~~الطبيعة.» # | تناقض المرأة # كتب تولستوي الأديب الروسي الكبير في يومياته بتاريخ الثالث من شهر أغسطس سنة 1898: ~~«إن المرأة لأداة الشيطان، إنها غبية في جملة حالاتها، ولكن الشيطان يعيرها دماغه ~~حين تعمل في ms33 طاعته . انظر إليها فهي تأتي بالمعجزات من التدبير والنظر البعيد ~~والمثابرة لتفضي من ثم إلى عمل خبيث، ولكنك تنظر إليها حين يطلب منها عمل غير ~~خبيث فإذا هي عاجزة عن فهم أصغر الأمور لا تنظر إلى ما وراء لحظتها الحاضرة ولا ترى ~~لها من عزيمة ولا جلد.» ~~••• # والذي قاله تولستوي عن تناقض المرأة في التدبير يقال كثيرا عن تناقضها في الفهم ~~والشعور: تخلص ثم تخون، وتشتد في الحب ثم تشتد في الكراهية، وتقول لا وهي تعني نعم ~~وهي لا تعني ما تقول، وتصبر على التضحية بالراحة والعافية ولا تصبر على خسارة ~~دريهمات، ولا تزال تنتظر منها شيئا وتفجؤك بغير ما تنتظر، وتحسب عندها حسابا وتلقاك ~~بما لم يكن لك في حساب. # وبعض هذا التناقض في طبيعة الناس من الإناث كانوا أم من الذكور، وفي الشئون الجنسية ~~يعرض لنا أم في غير هذه الشئون. # لكن التناقض - بعد هذا - خلة لا مناص منها في تكوين المرأة خاصة؛ لأنها خلة ملازمة ~~للأنوثة في ألزم لوازمها، وهما الأمومة والحب بشتى معانيه. # فاللذة والألم نقيضان في الكائن الحي على الإجمال، ولكنهما يمشيان معا في إحساس ~~المرأة فتجمع بينهما اضطرارا من حيث تريد ومن حيث لا تريد. # أسعد ساعات المرأة هي الساعة التي تتحقق فيها أنوثتها الخالدة وأمومتها المشتهاة، ~~وتلك ساعة الولادة. # في تلك الساعة يغمرها فرح لا يوصف إذ هي تنجب ذلك المخلوق الحي الذي صبرت على حمله ~~حتى أسلمته إلى الدنيا راضية مرضية، ولكنها مع هذا هي أشد ساعات الآلام والأوجاع في ~~جسد الأم الطريح بين الموت والحياة. # فالنقيضان في إحساسها يتلاقيان ويتجاوران، ويمتزجان أحيانا فلا ينفصلان، ومن هنا ~~تراها في غبطة وهي تعاني الألم وتراها في ألم وهي تختلج بالسرور. # وأسعد ساعات المرأة كرة أخرى هي ساعة التسليم والخضوع للرجل الذي يستحق عندها مذلة ~~التسليم والخضوع. # لا مناص عندها من السعادة في تلك الساعة وهي راغمة؛ لأن أمنيتها القصوى هي أن تظفر ~~بالقرين الذي تستكين إلى بأسه وتشعر بغلبته، ولا سعادة لها مع ms34 الرجل الضعيف لأنه أب ~~غير صالح وزوج غير نافع ورجل غير موفور الرجولة، فإذا شعرت بقصارى رجولته شعرت بقصارى ~~غلبته في وقت واحد. # والشعور بالخضوع مؤلم مذل للكائن الحي على الإجمال، ولكنها هي الكائن الحي الذي ~~يحقق لها الخضوع غرض الأنوثة الأقوى، ولا غرض للأنوثة أقوى من الظفر بالغلابين من ~~الرجال. # فهي في ألمها راضية وفي خضوعها ظافرة، وهي على الرغم منها تجمع بين النقيضين: الظفر ~~والهزيمة، والنجاح والتسليم. # هي أبدا بين نقيضين في أمومتها وفي حبها، وذلك هو التناقض الذي لا حيلة لها فيه، ولا ~~يفجأ الرجال منها إلا كما يفجؤها هي على غير ما تنتظر، وعلى غير ما يقع لها في ~~تدبير. # فمن الخطأ أن يرد على الخاطر أن التناقض من دهاء المرأة وتدبيرها، أو من ختلها ~~وخداعها؛ فهي مخدوعة به قبل أن تخدع سواها، وهي في قبضته فريسة لا تملك ما ~~تريد. # ولا بد من التناقض في طبع الأنثى لأنها شخصية حية خاضعة للمؤثرات التي تتناوبها من ~~عدة جهات، وهي كما أسلفنا في الفصل السابق مستجيبة للأثر الحاضر، وقد تبدهها الآثار ~~الحاضرة من كل صوب لا من صوب واحد. # فالمرأة من جهة ثانية عضو في بيئة اجتماعية هي الأمة أو المدينة أو القبيلة، فهي هنا ~~زوجة أو بنت أو أخت أو صاحبة عمل تجمعها بتلك البيئة الاجتماعية صلة العرف أو ~~الشريعة. # والمرأة من جهة غير هذه وتلك أنثى لها تركيب حيوي يربطها بمخلوق آخر لا يتم وجودها ~~بغيره. # والمرأة من جهة أخرى أم تحب أبناءها بالغريزة والألفة وتصبر في سبيلهم على مشقات ~~وآلام يئودها الصبر عليها في غير هذه السبيل، وهي بعد هذا كله كائن حي من حيث هي ~~وليدة الحياة في جملتها أيا كان النوع الذي تنتمي إليه، والأمة التي تعيش بينها ~~والعلاقة التي تجمعها بالزوج أو العاشق أو الأهل أو البنين. # وقد تختلف عليها هذه الوجهات جميعا فلا مفر لها من التناقض معها؛ لأن مقاصد ~~الفرد المستقل والأنثى المفتونة والأم التي تنسى نفسها في حنانها، ms35 والكائن الاجتماعي ~~الذي يرعى مطالب العرف والشريعة، أو الكائن الحي الذي تهزه الحياة بهذه النوازع كما ~~تهزه بما عداها، كل أولئك يختلف ويتناقض لا محالة، ولا يتأتى التوفيق بينه إلا في ~~الندرة العارضة. # فها هنا مثلا فرد يريد بفطرته الفردية أن يستقل عن جميع الأفراد الآخرين سواء كانوا ~~من الآباء أو الأمهات أو الأزواج، فلا يلبث أن يستقر فيه هذا الشعور الطبيعي حتى ~~ينازعه فيه شعور الأنثى التي تريد أن تنضوي إلى رجل تهواه، وقد ينازعها شعوران بل ~~أكثر من شعورين إذا تعددت الصفات التي تستهويها من الرجال وتفرقت بينهم على نحو يضلل ~~الإرادة ويشتت الأهواء. # ولا تلبث أن تنسى استقلالها الفردي وتطاوع نزعتها الأنثوية حتى يبرز لها المجتمع بحكم ~~يخالف حكمها في الاختيار والترجيح، فيقودها إلى الجاه والمال وهي تنقاد إلى الفتوة ~~والجمال، أو يلزمها الوفاء للزوج وهي تنظر إلى رجل آخر نظرة الأنثى التي سبقت بفطرتها ~~قوانين الأمم وقواعد الآداب. # ولا تلبث أن تحتال على هذه البواعث أو هذه الوساوس حتى يغلبها حنو الأمومة ~~ليربطها بمكان لا تود البقاء فيه، أو ينهض الكائن الحي في نفسها نهضة لا تطيع ~~باعثا غير بواعث الحياة، بمعزل عن نزوة الأنثى وقانون المجتمع وغرائز ~~الأمهات. # فلا عجب في هذا التناقض ولا مباينة فيه للمعقول، ثم يضاف إليه تناقض آخر يرجع إلى ~~تعدد الدواعي في كل صفة من الصفات التي أشرنا إليها. # ونكتفي بصفة واحدة على سبيل التمثيل؛ لأن شرح الصفات جميعها في تعددها وتباينها من ~~وراء الحصر والإحصاء. # فالمرأة في صفة الأنوثة - وهي تنضوي إلى الذكورة - تحب الرجل الكريم لأنه يغمرها ~~بالنعمة ويريحها من شدائد العيش ويخصها بالزينة التي تزهيها وترضي كبرياءها بين ~~نظيراتها، فضلا عما في الكرم من معنى العظمة والاقتدار. # ولكنك قد ترى هذه المرأة بعينها تتعلق ببخيل لا ينفق ماله على زينة أو متاع، فهل هي ~~مناقضة لطبيعتها في هذا الانحراف العجيب؟ # كلا، بل هي لا تناقض طبيعة الكبرياء نفسها التي ترضيها عن كرم الكريم. # لأن المرأة يجرح كبرياءها ms36 أن ترى رجلا يستكثر المال في سبيل مرضاتها، ومتى جرحت ~~المرأة في كبريائها أقبلت باهتمامها وحيلتها وغوايتها من حيث أصابها ذلك الجرح ~~المثير، وليس أقرب من تحول الاهتمام إلى التعلق في طبائع النساء. # فالنزعة الواحدة قد تكون سبيلا إلى النقيضين في ظاهر الأعمال ولكنهما نقيضان لا ~~يلبثان أن يتفقا ويتوحدا عند المنبع الأصيل، متى عرفنا كيف تنتهي الردة ~~إليه. # وكلما ذكرنا نقائص المرأة وجب ألا ننسى مصدرا آخر للتناقض في أخلاق النساء يفسر لنا ~~كثيرا من نقائضهن حيثما توقعنا شيئا من المرأة وأسفرت التجربة عن سواه. # ذلك المصدر هو درجات الأنوثة وأطوارها بين الظهور والضمور. # فللأنوثة صفات كثيرة لا تجتمع في كل امرأة ولا تتوزع على نحو واحد في جميع ~~النساء. # فليست كل امرأة أنثى من فرع رأسها إلى أخمص قدمها، أو أنثى مائة في المائة كما يقول ~~الأوروبيون، بل ربما كانت فيها نوازع الأنوثة ونوازع غيرها إلى الذكورة، وربما كانت ~~أنوثتها رهنا بقوة الرجل الذي يظهرها فلا تتشابه مع جميع الرجال، وربما كانت في بعض ~~عوارضها الشهرية وما شابهها من عوارض الحمل والولادة أقرب إلى الأنوثة الغالبة أو ~~أقرب إلى الذكورة الغالبة. وقد كانوا فيما مضى يحسبون هذا التراوح بين الذكورة ~~والأنوثة ضربا من كلام المجاز، فأصبح اليوم حقيقة علمية من حقائق الخلايا وفصلا ~~مدروسا من فصول علم الأجنة ووظائف الأعضاء. # وليس التناقض لهذا السبب مقصورا على النساء دون الرجال. # فإن الرجل أيضا يصدق عليه ما يصدق على المرأة من تفاوت درجات الرجولة؛ إذ ليس كل ~~رجل ذكرا من فرع رأسه إلى أخمص قدمه، أو ذكرا مائة في المائة كما يقال في اصطلاح ~~الأوروبيين، ولكن التناقض لهذا السبب يبدو في المرأة أغرب وأكثر لامتزاجه بأسباب ~~التناقض الأخرى ومحاولة الرجل أن يفهمها على استقامة المنطق كدأبه في تفهم جميع ~~الأمور. # ولا ريب أن «الشخصية الإنسانية» في حالي الذكورة والأنوثة عرضة لكثير من النقائض ~~المحيرة للعقول: عقول الرجال وعقول النساء. # وكم يقول النساء عن تناقض الرجال ولا يخطئن المقال! كم يقلن ms37 إن الرجل «كالبحر ~~المالح» لا يعرف له صفاء من هياج! وكم يقلن إن فلانا كشهر أمشير لا تدري متى تهب ~~فيه الأعاصير! وكم تقول إحداهن للأخرى: حبيبك في ليلك عقرب في ذيلك! وكم لهن من أمثال ~~هذه الأمثال مما لا يحفل به الرجال! # إنهن لا يعنين بمقاربة الرجل من طريق الفهم كما يعنين بمقاربته من طريق التأثير، ولو ~~حاولن فهمه كما يحاولن التأثير فيه لخرجن به لغزا من الألغاز وأعجوبة من أعاجيب ~~البحار في قديم الأسفار. ~~«فالشخصية» كلمة واحدة في اللغة ولكننا نخطئ أبعد الخطأ إذا تصورناها شيئا واحدا ~~لأنها تنطوي تحت عنوان واحد؛ إذ هي أشياء لا تحصى من الغرائز والمدارك والأحاسيس ~~وعلاقات المجاوبة بينها وبين العالم الذي تعيش فيه، وهي بهذا الخليط الواسع في حركة ~~دائمة لا تستقر على وجهة واحدة برهة من الزمن، ولا تعهدها في الصحة ولا في الشباب كما ~~تعهدها في المرض أو في الهرم، ولا تصدر فيها النزعة الواحدة من مصدر واحد في جميع ~~الأوقات والأحوال. # فهي تختلف بين حالة وحالة، وتختلف بين سن وسن، وتختلف على حسب العلاقة بينها ~~وبين هذا الإنسان وذاك الإنسان، وتختلف على حسب العلل والبواعث التي تحركها إلى ~~الأعمال. # والمرأة كالرجل «شخصية إنسانية» تتعرض للنقائض من جراء هذا التعدد وهذا التقلب في ~~عناصر كل «شخصية» تحمل عنوانا واحدا وتشتمل على شتى العناصر التي لا يقر لها ~~قرار. # ولكنها انفردت بأسبابها المقصورة عليها، وانفردت بمراقبة الرجل إياها ومحاولة التوفيق ~~بين غرائبها وبدواتها. # وعندها في صميم هذه الأسباب المقصورة عليها حالتان تضاعفان ظهور التناقض فلا يخفى كما ~~يخفى تناقض الرجل على النظرة الأولى. # إحدى هاتين الحالتين طبيعة المراوغة التي وصفن بها؛ إذ «يتمنعن وهن ~~الراغبات». # والأخرى طبيعة الاستغراق في الساعة التي هي فيها ونسيان ما قبلها وما بعدها، فيبلغ ~~العجب أشده بمن يراقبها أن يراها تنتقل بين أطوارها كما ينتقل الممثل بين أدواره ولا ~~يخلط بينها أو لا يستبقي من سوابقها بقية في تواليها. # فمن المشاهد أن الرجل إذا قضى يوما ms38 أو أسبوعا في مناداة اسم من الأسماء - ولا سيما ~~نداء المفاجأة - أخطأ فسبق به لسانه في جلسة أخرى لا يود أن يذكره فيها، بل لعله يود ~~أن يكتمه ولا يومئ إليه. # وقلما يشاهد هذا في محادثات المرأة ولو تلاحقت بين ساعة وساعة؛ لأن الساعة التي هي ~~فيها تستولي عليها فلا يزل لسانها بالإشارة إلى غيرها، ولأنها تستعين هنا بطبيعتين ~~أصيلتين فيها، وهما طبيعة النفاق وطبيعة الاستغراق. # ولم يزل التناقض بابا من أبواب الحيرة واختلال الحساب، ولكن التناقض الذي يفهم سببه ~~يريح من الحيرة على الأقل عند البحث عنه والتفكير فيه، وإن لم تكن به راحة من معاناة ~~النقائض وابتلاء متاعبها، ولا عتب في معظمها على المرأة لأنها لا تقصدها كلما لجأت ~~إليها، وقد تكون هي ضحية من ضحاياها. # | حب المرأة # يجتمع في حب المرأة كل ما تفرق من نقائضها وأسرار خلقها لأن الحب هو محور ~~الوظائف الجنسية التي خلقت فيها نقائضها وأسرارها؛ فهي لا تتناقض في خالجة من الخوالج ~~كما تتناقض في هذه الخالجة الكبرى، ولا تستوفي أنوثتها في نزعة من النزعات كما ~~تستوفيها وهي تستقبل بها رجولة الرجل الذي تهواه. # ومما يضاعف نقائض الحب أن المرأة في الحب نماذج كثيرة على حسب الطبيعة الغالبة ~~عليها من طبائع الأنوثة. # فليس حب المرأة المشغولة بالأمومة كحب المرأة المشغولة بالزوجية، وحب المرأة المشغولة ~~بالعشق وعلاقاته، أو المرأة المشغولة بالمتعة الحيوانية أو المشغولة باللعب والعبث ~~والتصدي لكل من تلقاه من الرجال. # ولا نهاية للشواغل التي تختلف بها أهواء النساء ولا أهواء المرأة الواحدة، ولكننا ~~نردها إلى نماذجها العامة فتخلص لنا منها تلك النماذج الخمسة التي أجملنا الإشارة ~~إليها فيما تقدم، وهي: نموذج المرأة الأم، ونموذج المرأة الزوج، ونموذج المرأة ~~العاشقة، ونموذج المرأة الهلوك، ونموذج المرأة اللعوب. # وكل نموذج من هذه النماذج يخالف الآخر في حبه واختياره للرجل الذي يوائمه، وفي علاقته ~~بمن يختار. # فالمرأة الأم تصدر في حبها عن بواعث الحنان والتضحية، وقد تعطف على الرجل لمتاعبه ~~وآلامه فتحبه وتهواه؛ إذ يهيئ لها ms39 منفذا لعاطفة الأمومة الغالبة عليها، فترعاه في ~~معيشتها معه رعاية الأم لوليدها، وتصبر معه على الضنك والحرمان؛ لأنها مطبوعة على ~~التضحية وإنكار النفس في سبيل الذرية، ومتى طبعت المرأة على إنكار النفس في هذا ~~السبيل فهي تنكر نفسها كلما أحبت واستجاش الحب في طواياها بواعث العطف ~~والرعاية. # والمرأة الزوج يستهويها الرجل من ناحية المعيشة المنزلية والمظاهر الاجتماعية وعلاقات ~~الأهل والأسرة وألفة المزاوجة التي تستغرق طبائع بعض الآدميين، كما نشاهدها مستقرة ~~في بعض الطيور أو بعض الفقاريات التي تألف المزاوجة مدى الحياة. # والمرأة العاشقة تحب الرجل الذي يثير حسها ويشعل كوامن نفسها ويملك إعجابها، وتختلف ~~النساء العاشقات فيما يثير الحس ويشعل كوامن النفس ويملك الإعجاب، فمنهن من يستهويها ~~الرجل بشبابه وجماله وسمته، ومنهن غير أولئك ألوان وأشكال يختلفن في عشقهن كاختلاف ~~الرجال في المحاسن والمزايا أو الخصال. # والمرأة الهلوك تحب الرجل للشهوة الحيوانية ولا يعنيها الرجال إلا من هذه الناحية دون ~~غيرها، ويخلو هذا الحب من الوفاء والإخلاص والشفقة والمودة والمعاني الأدبية التي ~~توجد بين المحبين؛ لأنه يشبه الشغف بالطعام والشراب لا صلة فيها بين الآكل والمأكول ~~أو الشارب والمشروب غير صلة الشبع والجوع وصلة الري والظمأ، ولا تحفل المرأة التي تحب ~~هذا الحب بشخص الرجل ولا تقنع بواحد إذا استطاعت أن تستكثر من العشراء، ولكنها قد ~~تشاهد على حالة من التعلق برجل واحد تلتبس بحالة الوفاء والإخلاص وهي ليست من الوفاء ~~والإخلاص في شيء، وإنما سببها الاختلاف بين الرجل والمرأة في طلب الجنس الآخر ~~واحتجازه. # فالرجل ترضي شهوته كل امرأة اتصلت بينه وبينها صلة جنسية، ولا يعيبه أن يطلب المرأة ~~ولا المرأة تعافه لأنه يطلبها، ويندر من الرجال من يقبل علانية أن تحتجزه امرأة ~~لشهواتها وتتكفل بالنفقة عليه. # ولكن المرأة على نقيض ذلك لا يرضي شهوتها كل رجل تتصل بينها وبينه صلة جنسية، ويعيبها ~~جدا أن تسعى كل حين في طلب رجل جديد، ولا يعيبها أن يحتجزها الرجل وينفق عليها كما ~~يعيبه هو أن تحتجزه وتنفق عليه. # فإذا عثرت المرأة ms40 الهلوك بالرجل الذي يرضي شهوتها ويقبل احتجازها وتلبية هواها فهي ~~تتعلق به وتقتصر عليه؛ لأنها طلبة لا تتكرر بمشيئتها، ولو كانت تتكرر بمشيئتها لما ~~فرغت من تغيير الرجال وتبديلهم كل يوم. # ولهذا قد تكون المرأة الشهوانية أدوم النساء على رجل واحد مع أنها لا تعرف الوفاء ~~والمودة والحنان، وذاك الذي يلوح للنظرة الأولى كأنه تناقض عجيب من خلق النساء، وإنما ~~علته ما قدمناه. # أما المرأة اللعوب فهي تحب الرجل الذي يرضي فيها طبيعة اللعب والدعابة والغزل الصاخب ~~المتجدد، وقد تحب الدعابة للدعابة لا لأنها طريق الشهوة أو الصلات الجنسية والعلاقات ~~الزوجية. # وأدعى ما يكون من دواعي الحيرة في تناقض النساء في حبهن أن غلبة نموذج من هذه النماذج ~~على طبيعتهن لا يمحو منها النماذج الأخرى. # فالمرأة اللعوب قد يراجعها عطف الأمومة في بعض أطوارها، والمرأة الأم قد تطرب للدعابة ~~والعبث وتؤخذ بهما، والمرأة الهلوك قد تضمر العشق حينا من أحيانها، والمرأة ~~العاشقة قد تركن إلى الزواج الدائم، والمرأة الزوج قد تعشق زوجها طويلا كما يتعاشق ~~المحبان المغرمان. # لأن غلبة عنصر من عناصر الطباع لا يجتث العناصر الأخرى سواء في نفوس النساء أو نفوس ~~الرجال. # والحب كما لا يحفى علاقة بين شخصيتين لا بين جنسين. # وتفسير ذلك أن العلاقة التي تكون بين كل ذكر وبين كل أنثى هي وظيفة جسدية وليست علاقة ~~نفسية أو روحية كالعلاقة التي تكون بين المحبين. # وإنما تسمى العلاقة بين الذكر والأنثى حبا إذا تميزت فيها شخصية من جنس الرجال ~~وشخصية من جنس النساء، فلا يغني عن كل منهما بديل من جنسه، إلا إذا وهنت العلاقة التي ~~بينهما. # والسنة العامة في الحب هي التوحيد والاكتفاء بمحبوب واحد في حينه، ولكنه قد يجري ~~على غير هذه السنة في بعض أحواله الغريبة، فتحب المرأة غير رجل وقد تحب عدة رجال؛ ~~لأن «شخصية» الرجل الواحد لا تنحصر فيها جميع المزايا التي تستهوي النساء من الرجال، ~~وقد تبرز مزية واحدة كل البروز فلا يسع المرأة أن تغفل عنها، وتضمر فيها المزايا ms41 ~~الأخرى فلا تصبر المرأة عن نشدانها في «شخصية» أخرى. # وقد تشعر المرأة بالحاجة إلى حب رجلين اثنين متناقضين: أحدهما تكبره وتكبر ~~نفسها إذا علمت أنها كبيرة في نظره، والآخر تصغره ولا تبالي أن تكشف له صغائرها ~~وتطلعه على مذلاتها، وتستريح إلى محادثته لأنه من الجنس الآخر ولا تشعر بمثل هذه ~~الراحة إلى محادثة صديقة من جنسها. # والمزايا التي تستهوي النساء من الرجال لا تحصى في تعدد أنواعها ودرجاتها، فمنها ~~القوة والجمال والشهوة واللباقة والظرف وعلو المكان وبسطة الجاه، ومنها ما يرضي ~~غرورها وما يرضي جسدها وما يرضي ذوقها وما يرضي فؤادها. وكلها تتطلب الإرضاء ولا ~~تتلاقى في «شخصية» واحدة، فلا يندر من أجل هذا أن تتعلق المرأة بأكثر من رجل واحد ~~تعلقا صحيحا لا رياء فيه، وتعينها على ذلك سليقة الاستغراق التي تهون عليها ~~الانتقال من حال إلى حال في حضرة كل محبوب، فلا ينكشف سرها إلا بانتباه شديد؛ لأن ~~المرأة قد تنكشف حين تبغض وتداهن من تبغضه، ولكنها لا تنكشف حين تحب وتظهر المحبة وإن ~~أضمرت غيرها في اللحظة بعينها، وهذه هي العقدة التي يحسبها بعضهم لغزا كاللغز الذي ~~يصادفه العلماء النفسانيون في أصحاب «الشخصية» المتعددة، وليست هي باللغز على هذا ~~الاعتبار؛ لأن الشخصية المتعددة غير الشخصية الفذة التي تمر بحالة بعد حالة وتستغرق ~~في كل منها فترة تقصر أو تطول. # وفي حب المرأة مجال للتناقض - غير ما تقدم - يرجع إلى تفاوت درجات الأنوثة الذي ~~سبقت الإشارة إليه. # فمن التعبيرات المجازية التي تقارب الحقيقة العلمية كل المقاربة أن المرأة والرجل لا ~~يكمل الوفاق بينهما إلا إذا كان فيهما معا ذكر كامل وأنثى كاملة، أو مائة في المائة ~~من الذكورة ومائة في المائة من الأنوثة كما يقال في الاصطلاح الأوروبي الحديث. # ولكن المرأة التي تكمل فيها مائة في المائة من الأنوثة غير موجودة، والرجل الذي تكمل ~~فيه مائة في المائة من الرجولة غير موجود. # فالمرأة التي تغلب عليها الأنوثة يصلح لها قرين تغلب عليه الرجولة، فإذا انحرفت ~~المرأة نحو طباع ms42 الرجال فأصلح القرناء لها رجل منحرف نحو طباع النساء. # وقد تسيطر المرأة على رجل وتخضع لرجل غيره، تبعا لاختلاف نصيبهما من الفحولة وصعوبة ~~المراس. # وهذا التفاوت في درجات الأنوثة هو سبب الانحراف في علاقات الجنس بين بعض النساء ~~المعروفات «بالسافيات» نسبة إلى الشاعرة اليونانية سافوا التي تغزلت في بعض أناشيدها ~~بالفتيات. # كأنما تفقد المرأة سرورها بمصاحبة الرجال فهي تلتمس هذا السرور بمصاحبة بنات جنسها ~~الذي خرجت منه بالمزاج وإن بقيت فيه بتركيب الأعضاء. # ومن المقارنات التي تتكرر في كل جيل تلك المقارنة الخالدة بين الرجال والنساء في الحب ~~أيهما أقوى فيه وأيهما أوفى وأيهما أقرب إلى الروحانية والقداسة. # بعض الأقدمين زعموا أن المرأة أقوى شهوة من الرجل، وزعموا أنهم قاسوا هذا الفارق ~~بمقياس الحساب، فوجدوا أن نصيب النساء تسعة وتسعون والواحد الباقي من نصيب ~~الرجال. # وبعض المحدثين زعموا أن الحب أهم للمرأة من الرجل؛ لأن شواغل الرجل قد تلهيه عن ~~الاستغراق فيه. # ولا بد من فارق في الحب بين الجنسين على كل حال. # لأن هدف المرأة من الحب هو الرجل وهدف الرجل من الحب هو المرأة، وهما مختلفان في ~~الصفة والغاية والوسيلة. # لا بد من فارق بين الحب المعبر والحب الكتوم، فالحب المعبر - وهو حب الرجل - ~~يتسامى بتعبيره أحيانا إلى خلق الجمال في الفنون كما يصنع المغرم الذي ينشد القصيد ~~أو يبدع التماثيل أو ينطلق بالغناء. # والحب الكتوم - وهو حب المرأة - قد يتوارى عن الأنظار ويتغلغل في الأسرار ويعمد إلى ~~الرقى والتعاويذ وإلى السحر الأسود يستميل به من لا يميل ومن لا يرفع المرأة في نظره ~~أنه يستمال عنوة وجهرة، كما يفعل الرجل حين يستميل من يهواها من النساء. # فالفن الجميل شفيع حب الرجل، والسحر الأسود شفيع المرأة؛ لأن هذا مجذوب إلى الخفاء ~~وذاك مجذوب إلى الضياء، وإن وجد كلاهما أصلا لغرض غير هذين الغرضين. # وإن الفجوة بعيدة بين الوجهتين. # وشتان بين الحب الناطق الذي يكرمه أن يطلب ويعبر، وبين الحب الصامت الذي يكرمه أن ~~يصمت وينتظر؛ فهما ولا ريب ms43 جنسان متباينان كما يتباين الجنسان المحبان. # كذلك لا يتشابه الحبان، هذا خلق في طبيعة تنقاد للمؤثرات ولا تبالي ما وراءها ولا ~~تزال في حاجة إليها وهي معشوقة وزوج وأم ذات بنين، وهذا خلق في طبيعة تملي تلك ~~المؤثرات وتتسلط بها على الطبيعة المقابلة لها، وهي مدعوة إلى التسلط عليها. # فأحد الحبين ينبع من الإحساس، والآخر ينبع من العزيمة النافذة والعارضة القوية، وإن ~~جاز أن يصطبغ كلاهما بغير صبغته كلما جاوز المنبع وجرى مطردا أو غير مطرد في ~~مجراه. # ولا يتشابه كذلك حب يقترن بحب المجد والكفاح ونتاج الفكر والإلهام، وحب تفرغ له النفس ~~أو تكاد، ولا تطلب المفاخر معه إلا من طريقه أو من جوار ذلك الطريق. # والحب يعد من جانب المرأة طلب حماية وتسليم، ومن جانب الرجل طلب هجوم وظفر، فلولا ~~أنهما يدوران على محور واحد لقيل إنهما متناقضان. # والحب كما قيل عند المرأة شغل شاغل وصناعة دائمة، وعند الرجل رياضة فراغ وسكن من ~~جهاد. # فهو يستولي على المرأة كلها ولا يستولي من الرجل إلا على الجانب الذي يتوق إلى ~~الرياضة وابتغاء الراحة، ومن الرياضة رياضة القريحة ورياضة الروح. # فأيهما إذن أحرى أن يدوم؟ # ظاهر الأمر أن الحب الذي يستولي على النفس كلها هو أحرى بالدوام، وحقيقة الأمر أن ~~الحب الذي يبلغ هذا المبلغ هو أقرب الحبين إلى الخطر وأدناه إلى التبدل؛ لأن ~~النفس الإنسانية لا تدوم طويلا على حالة الاستغراق أو الشبع والامتلاء، وقد يضمن ~~الدوام للحب الذي يستريح من جانب إلى جانب ولا يكلف الطبع جهدا عظيما في موالاته ~~بالمدد والتجديد، ولكنه لا ضمان للحب الذي يحتاج أبدا إلى مدد يكفل له كل استغراق ~~وامتلاء، ولا يصبر على فراغ بعضه إلا نزع إلى حالة أخرى من حالات الاستغراق ~~والامتلاء. ~~••• # وتعريف الحب - ولو فيما نراه نحن - قد يعين على فصل هذين الحبين ولمس مواقع الالتباس ~~بينهما، إذا وقع هذا الالتباس. # فالحب - ولو فيما نراه نحن - هو اتصال شخصيتين - لا مجرد ذكر وأنثى - تتغلب فيه ~~العادة على الإرادة، وقد ms44 يتفق لأكثر من شخصيتين اثنتين مع اختلاف الباعث والغرض ~~والقوة. # وهنا تلعب العوارض النفسية لعبها الذي يخلط بين الشكول حتى ليوشك أن يخلط بين ~~الأصول. # فالرجل أقوى إرادة من المرأة ولكنه لا يشعر بالعيب وهو يريد المرأة ويلاحقها ويحرص ~~على احتجانها واستبقائها، ما لم يكن في ذلك مساس بالنخوة والمروءة، فيريد أحيانا وهو ~~يبدو للوهلة الأولى كأنه مقسور. # والمرأة أضعف إرادة من الرجل، ولكنها تشعر بالعيب من ملاحقته واحتجانه، فتصد عنه ~~وتعتصم في صدها بحظ المرأة من الإرادة، وهو العناد أو الإرادة السلبية: إرادة ~~الامتناع. # وهذا الذي يبدو منه لأول وهلة أن المرأة في الحب أقوى إرادة من الرجل. # وقد قالت إحدى ذكيات المعلمات في معرض الموازنة بين ذكاء الجنسين أن النساء أذكى من ~~الرجال؛ لأنهم يريدون معا سرورا واحدا والرجل هو الذي يؤدي ثمنه ويسعى ~~إليه. # وذلك هو التباس الشكول الذي لا يسري إلى الأصول. # فإن المسألة هنا ليست مسألة الإرادة وإنما هي مسألة الشعور بالعيب بين الجنسين، ولا ~~يعيب الذكور ما يعيب الإناث. # نعم، ولا يعيب الكفيل أن يسعى في رعاية المكفول، بل يبلغ من ذلك أن الطفل الصغير ~~يقسرنا على رشوته ومصانعته ليقبل على تجرع الدواء، وهو أحوج إلى معاطاته وفي خطر من ~~الإعراض عنه. ~~••• # وكل ما تقدم فهو حديث عن الرجل الذي أحب والمرأة التي أحبت، وليس بحديث عن ~~كل رجل وكل امرأة من الجنسين. # فليس لأحد أن ينظر إلى الرجال عامة والنساء عامة ثم يسأل أين هي نوازع الرجال الذين ~~تعنونهم؟ وأين هي نوازع النساء اللاتي تعنونهن؟ فإن من يسأل هذا السؤال كمن يلتمس ~~الماء في غير مورد، وأخلق بالباحث عن عوارض النفوس أن يبحث عنها في أطوار التعرض ~~لها والإصابة بها كما يبحث عن عوارض الأبدان. # فهي تعرف حيث توجد، ولا تعرف حيث تنعدم أو تكمن في الانتظار، وكم من الرجال والنساء ~~يقضون العمر ولا يعيشون، ويلبسون الحياة في ذيل ثوب الحياة! # | أخلاق المرأة # الأخلاق ضوابط جسدية ونفسية تعم الأحياء جميعا ولا تخص نوع ms45 الإنسان . # ومن العسير أن نفصل بين الأخلاق الإنسانية والأخلاق الحيوانية بحجاز حاسم يقال عن هذا ~~الشطر إنه إنساني لا حيوانية فيه، وعن ذلك الشطر إنه حيواني لا إنسانية فيه. # ولكن الفصل بينهما قد يتيسر على وجه التقريب بمقياس يصدق في معظم الأحوال، إن لم يصدق ~~في جميع الأحوال. # فالخلق الإنساني هو الخلق الذي يعتمد على المبدأ والضمير ويتفاضل الأفراد فيه على ~~حسب التفاضل بينهم في العقل والنبل والنشأة والعادة والتعليم. # والخلق الحيواني هو الخلق الذي يعتمد على الغريزة والوظائف الحيوية ويجري على وتيرة ~~الحركة الآلية التي لا تحتمل التفاضل البعيد بين فرد وفرد وبين فصيلة وفصيلة. # ذاك فردي روحي. # وهذا نوعي جسدي على وجه التقريب بذلك القياس الذي قلنا إنه قد يصدق على معظم الأحوال ~~وإن لم يصدق على جميع الأحوال. # وهذا المقياس بعينه هو المقياس الذي يرجع إليه في التفرقة بين أخلاق الرجال وأخلاق ~~النساء: كل ما هو فردي روحي أو اختياري إرادي فهو أقرب إلى خلق الرجل، وكل ما هو نوعي ~~جسدي أو آلي إجباري فهو أقرب إلى خلق المرأة؛ فمداره على وحي الغريزة أولا ثم على ~~وحي الفهم والضمير. # والأخلاق التي يسمو بها الإنسان إلى مرتبة التبعة والحساب أو مسئولية الأدب ~~والشريعة والدين، هي كما لا يخفى أخلاق تكليف وإرادة وليست أخلاق إجبار ~~وتسخير. # ومن هنا صح أن يقال إن المرأة كائن طبيعي وليست بالكائن الأخلاقي على ذلك المعنى الذي ~~يمتاز به خلق الإنسان ولا يشترك فيه مع سائر الأحياء. # ملاك الأخلاق الأول عند المرأة هو الاحتجاز الجنسي الذي ألمعنا إليه فيما تقدم، وهو ~~من الغريزة التي يتساوى فيها إناث الحيوان وليس من الإرادة التي يتميز بها نوع ~~الإنسان بجنسه. # فالمرأة تستعصم بالاحتجاز الجنسي؛ لأن الطبيعة قد جعلتها جائزة للسابق المفضل من ~~الذكور، فهي تنتظر حتى يسبقهم إليها من يستحقها فتلبيه تلبية يتساوى فيها الإكراه ~~والاختيار. # كذلك تصنع إناث الدجاج وهي تنتظر ختام المعركة بين الديكة أو تنتظر مشيئتها بغير ~~صراع. # وكذلك تصنع الهرة وهي تتعرض للهر ms46 وتعدو أمامه ليلحق بها، وتصنع العصفورة وهي تفر من ~~فرع إلى فرع ليدركها العصفور السريع، وتصنع الكلبة والفرس والأتان وهي مضطرة إلى ~~الاحتجاز؛ لأنه الحكم القاهر الذي فرضته عليها وظائف الأعضاء. # والبون بعيد جدا بين هذا الاحتجاز الجنسي وبين فضيلة الحياء التي تعد من فضائل ~~الأخلاق الإنسانية. # فالحياء مفاضلة بين ما يحسن وما لا يحسن وبين ما يليق وما لا يليق وما هو أعلى وما ~~هو أدنى. # والاحتجاز الجنسي غريزة عامة بين الإناث ترجع إلى القهر والإجبار كائنا ما كان ~~التفاوت بينها في درجة القهر والإجبار. # ومتى بلغ هذا الاحتجاز الجنسي مبلغه الذي قصدت إليه الطبيعة فقد بلغت الأخلاق ~~الأنثوية غايتها ولم يبق منها ما يلتبس بالحياء في صورته ولا في معناه. # ومن ضلال الفهم أن يخطر على البال أن الحياء صفة أنثوية، وأن النساء أشد استحياء من ~~الرجال؛ فالواقع كما لاحظ شوبنهور أن المرأة لا تعرف الحياء بمعزل عن تلك الغريزة ~~العامة، وأن الرجال يستحون حيث لا يستحي النساء، فيستترون في الحمامات العامة، ولا ~~تستتر المرأة مع المرأة إلا لعيب جسدي تواريه. # ولم يكن عمر بن أبي ربيعة مبالغا حين قال: إن الوجوه يزهوها الحسن أن تتقنع. بل هو ~~لو شاء لقال عن الأجسام ما قال عن الوجوه؛ فلا تستر الأنثى الفطرية شيئا يمكنها أن ~~تبديه إذا كان في عرضه مجلبة للنظر والاستحسان، ومن شهد الحمامات العامة على شواطئ ~~البحر رأى كيف تهمل الأكسية ذات الرفارف المسبلة ليبدو للأنظار ما استتر من محاسن ~~الأجسام. # فالخلق الذي تتحلى به المرأة بداهة هو خلق الغريزة الذي يوشك أن يشمل إناث ~~الحيوان. # وكل خلق «إرادي» تتخلق به بعد ذلك فهو فريضة عليها من الرجال تجاريهم فيه على ديدن ~~المحاكاة والمطاوعة سواء فهمته أو جهلت كنهه ومرماه؛ ولهذا يكثر في النساء من ~~يتقيدن بالعرف القديم؛ لأن قوام العرف القديم عادات ومصطلحات هي أقرب إلى الغريزة ~~الآلية من فضائل الفهم والإرادة، ويندر بينهن جدا من تتحدى العرف بفضيلة واحدة من ~~فضائل الاختيار. # جرى حديث ms47 متنقل في مجلس يضم رهطا من الرجال والنساء على قسط شائع من التعليم والعرف ~~والآداب الخلقية، فانساق الحديث إلى سيرة رجل يتجاوز الخمسين ذاع عنه أنه يستدرج ~~الفتيات الغريرات إلى داره فيلهو بهن ويظهر معهن في المحافل العامة، ويدفعهن إلى ~~سهرات العبث والمجون، فكان النساء أقل من حضر المجلس اشمئزازا من سيرة ذلك الخليع، ~~كأنهن لا يرين نقصا في رجل من الرجال بعد أن تكمل له تلك الفحولة الحيوانية، أو ~~كأنهن لا يصدقن أن الفتيات الغريرات يسقطن في شراكه مخدوعات مغلوبات على مشيئتهن، ~~ولكنهن راضيات مسرورات بما أتيح لهن من فرص المتعة والابتهاج. # وكل ما بدا عليهن بعد ذلك من الاشمئزاز فقد سرى إليهن مستعارا ممن كان بالمجلس من ~~الرجال، فقد كانوا في هذا المجتمع الخاص كما كانوا في المجتمع العام كله «مصدر ~~السلطات على حد قولهم» في لغة الدساتير. # ومتى سقط سلطان الرجال في الأمة سقط معه سلطان الأخلاق سواء منها أخلاق العرف وأخلاق ~~الإرادة. # فالأمم المهزومة يشاهد فيها طوائف من النساء يجهرن بمخادنة الجنود الفاتحين، ولا ~~يكرثهن أنهم قاتلوا الإخوة والأزواج والآباء، لأن الخضوع للغلبة ألصق بطبيعة الأنوثة ~~الفطرية أو الحيوانية من جميع هذه الأواصر والآداب. # والعبرة التي تستفاد من هذه الحقيقة أن النساء يوكلن إلى الفطرة في أخلاق الغرائز ~~والعادات، ولكن لا يصح أن يتركن في الأخلاق الأخرى - أخلاق الإرادة والضمير - ~~بغير إيحاء شديد، بل إكراه يتجاوز حدود الإيحاء. # والغريزة القاهرة تعلل محاسن المرأة كما تعلل نقائصها، فتمهد لها العذر بين يدي ~~الطبيعة وإن لم تمهده لها بين يدي القانون والأخلاق. # فالتضحية هي أسمى فضائل الإنسان. # وهي فضيلة لا يقدم عليها المرء كل يوم ولا يقدم عليها بغير دافع شديد من وحي الفطرة ~~أو من وحي الضمير. # ولكنها من وحي الفطرة أعم وأنفذ من وحي الضمير؛ لأن سلطان اللحم والدم عميق القرار في ~~بواعث النفوس. # ومن ثم كانت المرأة أقرب من الرجل إلى التضحية في وظائفها النوعية؛ لأنها تستمد ~~تضحيتها من غرائز الأمومة، وتموت في سبيل الذرية ms48 كما تموت بعض إناث الحيوان، ولا تسهل ~~التضحية على الرجل هذه السهولة إلا إذا ارتقى فيه وحي الضمير إلى مرتبة الدوافع ~~الفطرية المودعة منذ الأزل في غرائز الأحياء، وتلك مرتبة يعز بلوغها على أبناء آدم ~~فلا تزال فيهم من فضائل الأنبياء وأشباه الأنبياء، أو كما قال ابن الرومي: # وعزيز بلوغ هاتيك جدا # تلك عليا فضائل الأنبياء # إنما يقدم الرجل على التضحية في جملة أحوالها العامة بغريزة أخرى مغروسة في طبيعة ~~النوع ولكنها أحدث وأقرب إلى الإرادة، وهي غريزة القطيع التي نشأت مع الخلائق ~~الاجتماعية ولم تنشأ بداءة مع الولادة كما نشأت الغرائز الأنثوية في جميع إناث ~~الأحياء، فإذا تصدى الرجل للقتال في الجيش أو الكتيبة تحرك بإرادة القطيع كله وتغلب ~~بها على الخوف وحب السلامة. ولكنه قد ينفرد بالتضحية التي يدفعه إليها وحي الضمير ~~فيعلو على فضائل الأنواع والجماعات ويعرج بروحه صعدا في طراز رفيع من الفضائل: هو ~~فضائل الأفراد والأفذاذ. ~~••• # والغرائز المختلفة التي تعلل لنا محاسن المرأة تعلل لنا نقائصها التي تعاب عليها من ~~بعض جهاتها، وقد لخصها المتنبي ولخص كل ما قيل في معناها؛ حيث قال: # فمن عهدها ألا يدوم لها عهد # فهي تتقلب وتراوغ وترائي وتكذب وتخون وتميل مع الهوى وتنسى في لحظة واحدة عشرة ~~السنين الطوال. # وهي مسوقة إلى ذلك بالفطرة الجنسية التي خلقت فيها قبل نشأة الآداب الاجتماعية ~~والآداب الدينية بألوف السنين؛ فقد أغرتها الفطرة الجنسية بالميل إلى الأقدر الأكمل ~~من الرجال لتنجب للعالم أحسن الأبناء من أحسن الآباء. # فلم يكن مما يوافق هذه الفطرة في العصور السحيقة أن تحفظ العهد لرجل واحد ومن حولها ~~رجال كثيرون يتقاتلون عليها، وقد يغلب أحدهم رجلها الذي تحفظ له العهد أو يطالبها ~~بحفظه. # وكانت الحرب في بداية الحياة الإنسانية هي مقياس القدرة والرجحان بين الرجال في ~~قبيلتهم أو في جميع القبائل المحيطة بها. # فكان من شأن المرأة أن تسلم لظافر بعد ظافر وشجاع بعد شجاع، كلما دارت رحى الحرب ~~بين غالب ومغلوب وبين الشجاع القوي ومن هو أشجع ms49 منه وأقوى. # ثم أصبح المال مقياس القدرة والرجحان بين الرجال، وكان مقياسا صحيحا في العصور ~~الغابرة، وظل كذلك ألوفا من السنين؛ لأنهم كانوا يكسبون المال غنيمة في حومة الحرب ~~أو ربحا من أرباح التجارة التي تقحم أصحابها في مجاهل الأرض وتهدفهم لأخطار القتل ~~والاستلاب وتلجئهم إلى الحيلة تارة وإلى الحول تارات وتشهد لهم بمقياس القدرة ~~والرجحان عن جدارة واضحة تغني المرأة عن التفكير، وهي لا تعمد كثيرا إلى التفكير قبل ~~الاختيار. # قلنا في الفصل الذي عقدناه على رأي المعري في المرأة من كتابنا «المطالعات»: «والذي ~~نقوله في جملة واحدة: إن المرأة وفية صادقة، وفية للحياة لا لهذا الرجل أو لذاك، ~~وصادقة في الحب لا في إرضاء أهواء من تحب، ولو أنعمنا النظر لعرفنا أن المرأة تخون ~~نفسها كما تخون الرجل في سبيل الأمانة للحياة، وتكذب على نفسها كما تكذب على محبيها ~~في صيانة عهد الحب؛ فهي وفية بالفطرة رضيت أم لم ترض، وهي صادقة بالإلهام حيث أرادت ~~وحيث لا تريد ...». # إلى أن قلنا: «تحب المرأة الشباب ومن ذا الذي لا يحب الشباب؟ إن الشباب نفحة الخلود ~~وروح من روح الله. تصور الأقدمون الآلهة فلم يفرقوا بينهم وبين الشباب وأسبغوا عليهم ~~كساء سرمديا من نسجه وبهاء متجددا من صنعه، شعورا منهم بأن الشباب سمة الحياة ~~الخالدة وروح المعاني الإلهية، وترجيحا لخير الشباب على شره ولمحاسنه على ~~عيوبه.» ~~«... ثم تحب المرأة المال ومن ذا الذي يكره المال؟ غير أننا قد نرى للمرأة سببا غير ~~سائر الأسباب التي تغري بحب المال وإعظام أصحابه، نرى أن كسب المال كان ولا يزال أسهل ~~مسبار لاختبار قوة الرجل وحيلته، وأدعى الظواهر إلى اجتذاب القلوب والأنظار واجتلاب ~~الإعجاب والإكبار؛ فقد كان أغنى الرجال في القرون الأولى أقدرهم على الاستلاب وأجرأهم ~~على الغارات وأحماهم أنفا وأعزهم جارا، فكان الغنى قرين الشجاعة والقوة والحمية ~~وعنوانا على شمائل الرجولة المحببة إلى النساء أو التي يجب أن تكون محببة إليهن. ~~ثم تقدم الزمان فكان أغنى الرجال أصبرهم على احتمال المشاق وتجشم ms50 الأخطار ~~والتمرس بأهوال السفر وطول الاغتراب وأقدرهم على ضبط النفس وحسن التدبير، فكان ~~الغنى في هذا العصر قرين الشجاعة أيضا وقوة الإرادة وعلو الهمة وصعوبة المراس، ثم ~~تقدم الزمان فصار أغنى الرجال أبعدهم نظرا وأوسعهم حيلة وأكيسهم خلقا، وأصلبهم على ~~المثابرة، وأجلدهم على مباشرة الحياة ومعاملة الناس، فكان الغنى في هذا العصر قرين ~~الثبات والنشاط ومتانة الخلق وجودة النظر في الأمور ...». # كان هذا كله في العصور الأولى قبل تشعب الحياة الاجتماعية وتعدد الملكات ~~والصفات التي تكفل الرجحان والتقدم للرجال. # ثم تعددت هذه الملكات والصفات فقام في طبيعة المرأة «برج بابل» مخيف من اختلاط ~~الأصوات والدعوات. # كان رجحان الرجل بسيط المظهر، وكانت فطرة المرأة البسيطة قادرة على تمييزه بغير إعنات ~~للفكر ولا إطالة للروية. # ثم تشعبت الملكات والصفات ووجد في العالم رجال ممتازون بأكبر المزايا، وليس للمرأة ~~من فطرتها البسيطة معين على تقدير مزاياهم وعرفان أقدارهم، والترجيح بينهم وبين من ~~دونهم من أصحاب المزايا الفطرية التي تنكشف للنظرة الأولى ولا تحتاج إلى إنعام نظر أو ~~موازنة بين أنواع وأشكال: رجل الحرب الذي يظفر بالقوة والخدعة، ورجل المال الذي يكسب ~~بالقوة والخدعة، وكلاهما مفهوم واضح مكشوف على ظواهر الأشباه. # ثم انفصلت الحرب عن الشجاعة في بعض المواقف، وانفصل المال عن القدرة الراجحة في كثير ~~من المواقف، فأغنى السلاح والكثرة ما لا تغنيه الشجاعة، وكسب المال بالإسفاف والدناءة ~~وخدمة الشهوات؛ فهذا هو برج بابل الذي لا تدري المرأة فيه من تسمع ومن تجيب، والذي ~~تحار فيه قبل التمييز والتفضيل وقد كانت قبل ذلك لا تحار في تمييز أو تفضيل. # وزاد برج بابل طبقة على طبقاته الكثيرة أن الآداب الاجتماعية وآداب الأسرة ظهرت بين ~~الناس وفرضت على المرأة أدبا جديدا غير الأدب القديم، أدبا يطالبها بالوفاء ~~والأمانة ومغالبة الميول إذا تناضل من حولها الرجال، فزاد في الحيرة والتبلبل ولم ~~يخلق بإزائه في فطرة المرأة معين على التمييز والاهتداء، إلا ما تقتبسه بالتعليم ~~والتلقين والإيحاء، وهو ضعيف محدود لا يقوم لإيحاء الفطرة القديم إذا اشتجر ms51 النزاع ~~واضطربت الأهواء. # فانقسم النساء أقساما شتى في الأخلاق الفطرية والأخلاق الاجتماعية: قسم مع الفطرة ~~القديمة وقسم مع الأدب الجديد، بل أصبحت كل امرأة مجالا لتعدد هذه الأقسام تميل مع ~~هذا أو ذاك كلما مالت بها دواعيه. # فنحن إذ نقول إن المرأة تطيع الغرائز الجنسية في التقلب والمراوغة وخيانة القرناء ~~لا نقول ذلك لنعذرها كل العذر أو لنسقط عنها واجب التغلب على هذه الميول التي تغيرت ~~وجهاتها مع الزمن ولا تزال عرضة لكثير من التغير، فإن الأخلاق لم تجعل لإبقاء الفطرة ~~على عيوبها، وإنما جعلت لتهذيب تلك العيوب ورياضتها وشد أزر النفس بالمثل ~~الأدبية التي تعينها على عيوبها. ولكننا نقول ما نقول لنذكر أبدا أن فهم الغرائز ~~الجنسية ضروري لفهم الأخلاق التي تتصل بها، فلا فائدة من البحث في رياضتها بالأدب ~~الاجتماعي قبل البحث فيما يقابلها من أصول الفطرة التي تعم جميع الأحياء، وليس عمومها ~~بين جميع الأحياء بمانع من إصلاحها بالرياضة والتقويم، بل هو الذي يسوغ ذلك الإصلاح ~~ويوجبه ويبشر بفلاحه؛ لأن الإنسان قد علا فوق سائر الأحياء، فمن الواجب إذن - ومن ~~المستطاع أيضا - أن يعلو فوقها بالآداب والأخلاق. # ومن مفارقات العصور المتأخرة أن ينجم فيها طائفة من الدعاة وأصحاب الآراء يستخفون ~~بالاحتجاز الجنسي الذي كان عصام المرأة من جماح الأهواء زمنا طويلا ويستخفون معه ~~بما عداه من الحواجز الجنسية المغروسة في طباع الأحياء؛ لأنها في رأيهم بقية لا ضرورة ~~لها من بيئات المعيشة الحيوانية الأولى. # فعندهم مثلا أن حرية المرأة في العصر الحديث تبيح لها ما حرم عليها في العصور ~~القديمة، فلا يعيبها أن تبدأ الرجل وتلاحقه لتستولي عليه، كأنما كان تركيب الجسم ~~الأصيل في الأنوثة والذكورة مسألة من مسائل الحريات التي يذهب بها نظام ويأتي نظام ~~ويبرمها قانون وينقضها قانون. # وعندهم أن الحيوانات لم تقتصر على موسم واحد في التناسل إلا لأنها تشبع من الطعام في ~~هذا الموسم فتمتلئ أجسادها بفيض من الثورة الحيوية يدعوها إلى طلب الذرية. # وليس أجهل بأسرار الحياة - وسر الجنس أكبر أسرار الحياة ms52 - ممن يقنع في تفسيرها ~~وردها إلى أصولها بمثل هذا التعليل القريب. # فإن هذا التعليل القريب لا يكفي على الأقل لتفسير الظاهرة التي أشار إليها أولئك ~~الدعاة؛ إذ إن الثمرات النباتية تتوالد في الموسم بعينه وهي الغذاء الذي تعتمد عليه ~~آكلات العشب من الحيوان، ومتى زادت قوة التوالد في النبات فأحرى أن تزيد قوة التوالد ~~في الأحياء لغير ذلك السبب الذي ذكروه وعلقوه بزيادة الثمرات. # ومن الحيوان ما يعتمد على اللحوم دون العشب ويأكل منها طوال العام، ومنها الأسماك ~~التي لا مواسم عندها للنبات، وهي مع هذا تعرف لها مواسم للتناسل وتخرج إلى الأنهار ~~القصية قبل الأوان الملائم للقاح بين جراثيم الذكورة والأنوثة. # وقد تختلف الأوابد والدواجن في موسم التناسل ولكنها على التعميم لا تقارب الأنثى بعد ~~حملها، ولا تعبث بغريزة النوع للذة الأفراد، فالسر أعمق مما يظنون بكثير. # وحواجز الجنس ودوافعه لا تفسر كلها بأمثال ذلك التعليل الهزيل. # ومما لا شك فيه أن الأخلاق الجنسية كسائر الأخلاق قوامها ضبط النفس وهو لا يوافق ~~الذهاب مع الهوى حيثما تعرض المرء للاستهواء، ولا بد من ضبط النفس والقدرة على ~~الامتناع لتحقيق كل خلق كريم يصلح للأفراد أو للأقوام أو للأنواع. # والإنسان أحوج إلى الحواجز الجنسية من الحيوان، وليس بأغنى منه عن تلك الحواجز ~~تقدما مع الحرية كما يخيل إلى أولئك الثراثرة السطحيين. # فالحيوان يتشابه ويتماثل ويصعب التفريق بين أفراده في الصفات المشتركة في سلالة النوع ~~كله؛ فلا ضير على النوع أن يتلاقى أي ذكر بأي أنثى أو ينتجا أمثالهما من الذكور ~~والإناث. # لكن الأنواع كلما ارتقت تعددت الصفات التي يكمل بها الفرد ذكرا كان أو أنثى، ويبلغ ~~تعدد الصفات أقصاه في النوع الإنساني سواء بين الذكور أو بين الإناث، حتى ليكاد الفرق ~~بين رجل ورجل، والفرق بين امرأة وامرأة أن يلحق بالفرق بين نقيضين أو مخلوقين من ~~نوعين مختلفين. # فليس كل رجل بديلا من كل رجل، وليست كل امرأة بديلا من كل امرأة، ويجب على الرجل ~~إذن أن يمتنع حتى تتاح له ms53 المرأة التي تلائمه، وعلى المرأة أن تتمنع حتى يتاح لها ~~الرجل الذي يلائمها. # وأن يتعلق الأمر «بالشخصية» المميزة لا بمجرد امرأة كائنة ما كانت أو بمجرد رجل ~~كائنا ما كان، كما يغني كل فرد عن مثيله في الأنواع الوضيعة بين الأحياء. # وفي هذه الحالة لا ينتفع النوع بكل اتصال تتحقق به المتعة الجنسية، بل ينفعه الاتصال ~~الذي تتم به الشخصيات وتتوافر فيه أتم صفات الرجال وأتم صفات النساء. # ثم تنشأ الآداب الاجتماعية وحقوق الأسرة وأمانة النسل، فإذا هي قد ألزمت الرجال ~~والنساء آدابا من حقها أن تطاع وأن يحسب لها أوفى حساب. # نعم إن هذه الآداب صناعية أو مبتدعة من أحكام البيئة التي خلقها الناس، ولكنها - ~~كجميع الآداب والفروض - تستند إلى أساس فطري عريق في الطبيعة وهو ضبط النفس وقوة ~~البنية على مقاومة النوازع والأهواء. # ونضرب لذلك مثلا صغيرا من المحرمات التي جاءت بها الآداب الدينية أو العرفية بعد ~~ظهورها في المجتمعات الإنسانية؛ فإن تحريم القمار أو الخمر أو السرقة لم يعرف في آداب ~~الناس إلا بعد ظهور هذه الآفات، ولكن ضبط النفس الذي يناط به الامتناع عنها هو خلقة ~~طبيعية لم تنشأ من العرف أو الاصطلاح، فلا يزال الفرق بين إنسان يستطيع أن يمتنع عنها ~~وإنسان لا يستطيع الامتناع فرقا في صميم التكوين الذي لا ينشئه العرف ولا ينسب إلى ~~الأوضاع الصناعية. # وكذلك الحواجز الجنسية التي يفرضها المجتمع أو توجبها مصلحة الأسرة هي حواجز لا يقدح ~~في أصالتها أنها حدثت بعد حدوث الحاجة إليها، لأن القدرة عليها فضيلة من فضائل ~~التكوين الأصيل. # والرجل الذي يقدر عليها هو رجل ممتاز في خلقته الطبيعية كالمرأة التي تقدر عليها، ~~وكلاهما زوج أصلح من غيره للبقاء وإنجاب الأبناء. # فأسخف السخف أن يظن بالحضارة المدنية أنها رخصة تبيح التهافت على المتعة ونسيان ~~الحواجز الجنسية؛ لأن التهافت نقص في الخلقة قبل أن يكون نقصا في الآداب الاجتماعية، ~~وهذا النقص معيب وخيم العقبى وإن لم تحرمه الآداب. # وسيطول التبديل والتعديل في العرف والتشريع والشمائل المحبوبة بين ms54 الناس كلما تطاولت ~~الأجيال، وسيقول كل ذي رأي قوله الذي يجوز فيه الجدال، ويبقى حكم واحد لا تبديل له ~~وقول واحد لا يجوز الجدال فيه، وهو أن الاحتجاز قوام أخلاق الأنوثة، وأن المرأة التي ~~تنساه هي حيوان ناقص في تكوينه، وليس قصارى القول فيها أنها فرد مقصر في حقوق ~~المجتمع والأسرة، وأن مساك الأخلاق جميعا - ما أوجبته الفطرة وما أوجبه المجتمع - هو ~~ضبط النفس والترفع عن مطاوعة كل عارضة من عوارض الأهواء. # | حقوق المرأة # كلما ذكرت حقوق المرأة في العصر الأخير بدرت إلى الذهن حقوقها السياسية التي يطالب ~~بها بعضهن ويدور البحث عليها بين أصحاب المذاهب الاجتماعية الحديثة: هل لها حق في ~~ولاية الحكم؟ هل لها حق في الانتخاب؟ هل لها حق في الوظائف العامة وتدبير المتاجر ~~والمصانع وأسباب الثروة على اختلافها؟ # ونحن في هذا الكتاب لا يهمنا تفصيل القول في هذه الحقوق من الناحية الفقهية أو ~~الناحية السياسية؛ لأن المهم عندنا أن ننظر إلى طبيعتها وإلى الفوارق الطبيعية بينها ~~وبين الرجل لا إلى تلك الحقوق أو هذه الفوارق التي يجيء بها تشريع ويذهب بها تشريع، ~~وتعرفها أمة وتنكرها أمة، وتحتمل التعديل والتبديل بما يسنح للفلاسفة والساسة من ~~الخواطر والبرامج والبدوات. # ولا يمنع العقل أو الخلق أن تظفر المرأة بما تشاء من الحقوق السياسية أو الحقوق ~~الاجتماعية التي تتغير وتتبدل مع نظم الثروة ونظم المجتمع وأساليب المعاملات. # فلها كل حق لا يخرجها عن واجبها الأول؛ لأنه واجبها الذي لا تحسن غيره ولا يحسنه ~~غيرها، وهو البيت والجيل الجديد. # تنشئ في قلب هذا العالم الصاخب مأوى تسكن إليه البشرية فترة من الزمن من زحام ~~الحياة. # وتنشئ للعالم الجيل الذي يقوى في غده على هذا الزحام، وليس هذا ولا ذاك عمل ~~الآباء، فليكن هو إذن عمل الأمهات؛ لأنهن إذا تركنه لم يحسن خيرا منه، ولم ~~يحسنه غيرهن خيرا منهن؛ ففي تركه تضييع بغير تعويض. ~~••• # قال شوبنهور: إن «أرسطو شرح في سياسته ما حاق بأهل اسبرطة من جراء تساهلهم مع نساء ~~عشيرتهم وتخويلهن ms55 حق الوراثة والبائنة ومنحهن قسطا كبيرا من الحرية، وبين كيف أن ~~هذا التساهل كان سببا من أسباب سقوط اسبرطة واضمحلالها». # ثم قال: «وما لنا لا نقول نحن إن نفوذ النساء الذي أخذ يمتد ويشتد في فرنسا منذ أيام ~~لويس الثالث عشر كان سر ذلك الخلل الذي ألم بالبلاط والحكومة تدريجا، وما زال ~~بها حتى أفضى إلى الثورة الأولى وما جرت إليه من القلاقل والأهوال؟» # والحقيقة أن المرأة التي خضعت طائعة أو كارهة طوال آماد التاريخ وما قبل التاريخ قد ~~يدعى لها كل شيء إلا السيطرة على الحياة العامة وتوجيه الدول والحكومات. # فليس في تجارب العصور ما يثبت ذلك وفيه الكثير مما يدحضه وينفيه، ومن العبث أن ~~نستشهد على هبة الحكم عند المرأة بالملكات اللاتي جلسن على العروش الوراثية في ~~الأزمنة القديمة فإنهن مجهولات المواهب والمناقب مطويات في حجب الأساطير والأوهام، ~~مشتركات في الحكم غير منفردات حتى في تلك الأزمنة التي كان حكم الفرد فيها مرضيا ~~عنه غير منصوص على بغضه في الكتب والدساتير. ولكننا إذا استشهدنا على هبة الحكم ~~بالملكات المعروفات في العصور الحديثة قبل قيام الحكومات الشعبية فهن أبدا بين ~~اثنتين: امرأة مفسدة أو امرأة صلحت بمقدار ما نقص فيها من صفات الأنوثة وزاد فيها من ~~صفات الرجولة، وبمقدار من أعانها من المشيرين والخبراء، والمثل البارز على ذلك مثل ~~«أليصابات» ملكة الإنجليز على عهد شكسبير. # لقد كانت الأمم المستعبدة تدين بالملك لإحدى الملكات اللاتي اشتهرن بالعزم والمثابرة ~~من طراز كاترين الثانية في البلاد الروسية، فتصلح كما يصلح الملوك الرجال وتفسد كما ~~يفسد الملوك الرجال، ولكن الأمر الذي يفوت بعض المؤرخين أن البلاد الروسية لم تكن ~~لتحتمل فساد عشر ملكات متواليات من طراز كاترين كما احتملت فساد عشرات من الملوك ~~الذين توالوا على عرشها القديم؛ لأن فساد جيل واحد في حكم كاترين الثانية قد هدم نظام ~~جيشها وعرضه للهزائم مدى أجيال. # وما لم يكن أنصار الحقوق النسائية يزعمون للمرأة أنها أقدر على الحكم من الرجل، ~~فقصارى ما يزعمونه أن الرجل ms56 مثلها وأنها هي مثله في سياسة الحكومة، فلا ضير إذن من ~~تفرد الرجل بالحكم؛ لأنه سيحكم كما تحكم ولا يهبط بالسياسة إلى ما دونها، وإنما الضير ~~أن تنصرف هي عن تنظيم البيت وتنشئة الجيل المقبل وهي صاحبة هذا العمل وأولى به وأقدر ~~عليه. # واعتقادنا أن الطريق يطول بنا قبل الوصول إلى نتيجة من سؤالنا عن مساواة المرأة للرجل ~~في الحقوق السياسية، وهل لها حقوق هذه المساواة أو ليست لها هذه الحقوق؟ # لكننا ننتهي إلى الغاية قبل ذلك إذا سألنا: هي تفيدها هذه الحقوق؟ وهل تساوي فائدتها ~~الشمائل البيتية إذا توفرت عليها النساء؟ # واعتقادنا هنا أيضا أنه لا النساء ولا الرجال يصلحون المجتمع بالقوانين والأصوات ~~الانتخابية، وأن القانون المستقيم يعوج في المجتمعات العوجاء، ويساء تطبيقه وتنفيذه ~~ولو أفرغ في قالب الكمال، فإذا صلح تطبيق القانون وجرى تنفيذه على سنة العدل ~~والإنصاف فلا بد لذلك من صلاح سابق وتمهيد شامل يبدأ من البيت والمدرسة ويعم الشارع ~~والحانوت. # وعند المرأة حقوق غير حقوق الانتخاب تصل بها إلى التوجيه والطلب والإيحاء، وهي حقوق ~~الأم وحقوق الزوج وحقوق الخطيبة وحقوق الصديقة الموحية إلى الذهن والعاطفة والخيال، ~~فإن كانت هذه الحقوق مشلولة في يديها فذلك هو إفلاس الأنوثة الذي لا يعوضها عنه عوض ~~قط يأتي من جانب التشريع وأصوات الانتخاب. # ولسنا نعرف كلمة وزنت حقوق المرأة كما وزنها التشريع الإسلامي حيث جاء في القرآن ~~الكريم: # ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ~~وللرجال عليهن درجة ~~[البقرة: 228]. # فميزان حقوق المرأة الخاصة هو واجباتها الخاصة. # وواجباتها الخاصة هي الواجبات التي تحسنها ولا يحسنها غيرها ولا تحسن عملا أفضل ~~منها. # وهي الأمومة وتنظيم الحياة البيتية، عمل إذا تركته لم يخلفها الرجل عليه ولم تتول ~~عملا آخر أجدر منه بولايتها. # ذلك هو ميزان واجباتها وحقوقها. # وللرجال عليهن درجة الإشراف على الحياة العامة التي انفردوا بها منذ نشأت في العالم ~~حقوق أو واجبات اجتماعية، وانفردوا بها بحكم الفوارق التي بينهم وبين النساء في تركيب ~~الأجسام وخصائص الخلق والتفكير. # نعم إن زحام العيش في ms57 العصر الحديث يلجئ المرأة إلى كسب الرزق بالعمل ولا يغنيها ~~بالحياة البيتية عن المشاركة في الحياة الخارجية، ولكن المرأة كانت في الحقيقة تعمل ~~للرزق منذ كانت ولم تبدأ العمل للرزق في العصور الأخيرة. # فإذا كانت هذه العصور كفؤا لمقابلة الضرورات التي تواجهها فمهمتها الكبرى هي تقسيم ~~العمل بين القادرين عليه بحيث لا يجور عمل المرأة على رسالتها في الحياة، وهي رسالة ~~الأمومة والبيت والأسرة. # وكم من عمل تستطيعه المرأة ولا يجور على تلك الرسالة؟ # بل كم من عمل يتمم أعمال تلك الرسالة ويوافقها ويجري في أثرها كأنه جزء منها! # فهناك تربية الطير والدواجن وصناعات الألبان والفاكهة والرياحين، ومشاركة الأزواج ~~والآباء فيما يقدرون عليه من أعمال الريف والزراعة الخفيفة، والاشتغال بصنوف كثيرة من ~~الصناعات الدقيقة التي قد تجيدها الريفية والحضرية على السواء، ومنها النسج والتطريز ~~وتنسيق التحف وسائر الحرف اليدوية التي تمارسها يد المرأة منذ عهد الحضارة الأولى، ~~كله عدا التعليم والتطبيب والمؤاساة في البيوت ودور العلاج. # فالذي يضن على المرأة بالعمل في غير هذه الميادين لا ينكر عليها حقا من الحقوق، ~~ولكنه يحيلها إلى واجبها الأصيل أو يوفق بين حقوقها ورسالتها الوحيدة في العصر ~~الحديث على التخصيص؛ لأنه عصر يشتد فيه الكفاح، والعصر الذي يشتد فيه الكفاح لا ~~يستغني عن حضانة المرأة الرفيقة بل هو أحوج إليها، ولا يلغي البيت ويهدمه بل هو أحرى ~~أن يدعمه ويحرس حماه، ولا يجند المرأة لاقتحام الزحام بل يجندها لتهوين هذا ~~الاقتحام. # وقد قيل كثيرا عن استغلال المرأة في العصور الحديثة، وليس كل ما قيل بالكذب، وليس كل ~~ما قيل بالصحيح. # ولكننا لا نعرف استغلالا للمرأة هو شر من استغلال قضيتها في ترويج المذاهب ~~الاجتماعية التي تهدم الأسرة وتبطل مزية المرأة باسم المساواة بين النساء ~~والرجال. # فتقسيم المزايا بين النساء والرجال أفاد الإنسانية قيما من الأخلاق والعواطف يمحوها ~~التشابه المزعوم بين الجنسين، والمساواة المدعاة بين الفطرتين. # ولم يزل من دأب الطبيعة أن تقسم الوظائف وتغنم منها المزيد من التنويع والتحسين في ~~صور الأخلاق وألوان ms58 الإحساس . # فانقسام النوع الإنساني إلى جنسين قد زاد ثروته من صور الأخلاق وألوان الإحساس، بما ~~خص النساء من صفات لا تكمل في الرجال وما خص الرجال من صفات لا تكمل في النساء، ~~وهذه هي القيم الحيوية التي لا يفرط فيها أحد يعلم ما معنى التقدم والارتقاء في ~~أطوار الحياة. # ونشأة الأسرة قد أنشأت بين الناس تلك الأواصر التي هي أساس العلاقات الاجتماعية وأساس ~~الشعور بالألفة والمعاطفة، أو الشعور بسجية الولاء والإيثار والتضحية، أو الشعور ~~بالتوقير والحنان والرفق والإيناس، وأشباه ذلك من ألوان الشعور التي ما كان لها من ~~أصل تتفرع عليه لولا أصل الأسرة القديمة، حيث اتصل الآباء والأمهات والأبناء والأزواج ~~والزوجات بتلك الوشائج النفسية فتعددت في طوية الإنسان ألوان المودة وتفرعت من الأسرة ~~إلى البعداء فالأبعدين، ولا تزال تسري وتتفرع إلى غير انتهاء. # تلك هي القيم الحيوية التي استفادتها البشرية من تقسيم الوظائف بين الجنسين، ومن قيام ~~الأسرة وهي تحوي الكبار والصغار من كلا الجنسين، فتحوي العلاقات بين جميع الأسنان ~~والمدارك والخوالج وضروب الطاقة والاقتدار. # فهذه القيم التي هي مكسب الحياة النفيس من مخلفات الزمن القديم، هي الثروة التي يعصف ~~بها بعض الدعاة حين ينكرون الأسرة وينكرون الفوارق بين الرجال والنساء، ثم يبنون ~~حياتهم الاجتماعية على محو هذه الفوارق وإلقاء ما كسبناه من تنويعها في عرض ~~الطريق. # وإنهم ليفعلون ذلك لأنهم يريدون إثبات مذهبهم وتأييده لا لأنهم ينظرون إلى حقائق ~~الدنيا ويحسون في طويتهم حسها السليم ويغارون على ثروة الحياة من القيم والمغانم ~~الروحية، وأفانين الشعور والتفكير. # فأتباع كارل ماركس - وهم أصحاب هذه الدعوة - يفرضون المماثلة بين النساء والرجال؛ ~~لأنهم لو قصروا الكلام على العمال في مواجهة رأس المال بقي النساء وخشوا أن يقوم رأس ~~المال على العاملات، فوجب عندهم على هذا أن يصبح النساء مثيلات للرجال ليتاح لهم ~~التغلب على رأس المال. # ولولا أن هذه المماثلة لازمة لتأييد مذهب الماركسيين لما سلكوا بهذا هذا المسلك ولا ~~استغلوها لدعوتهم ذلك الاستغلال. ~~••• # في الهند تكثر القردة ويكثر من قديم الزمن ms59 من يستغلون ذكاءها وقدرتها على التعلم ~~فيعلمونها بعض الحيل المضحكة وبعض الحركات البهلوانية ويطوفون بها على الناس؛ ليعرضوا ~~عليهم حيلها وحركاتها ويكسبوا القوت النزر من هذه الصناعة المزدراة. # فخطر لبعض المستغلين على طراز العصر الحديث أن يستغلوا هذه القدرة فيما هو أنفع ~~وأجدى، وأن يجربوا تدريب القدرة على تحريك أنوال النسيج وهو أسهل وأبسط من الحركات ~~البهلوانية المعقدة التي تحذقها ولا تخطئ فيها بعد المرانة عليها، ففعلوا ونجحت ~~القردة في إدارة مصنع صغير يشتمل على عدة أنوال ... ولكنهم لاحظوا أنها إذا اجتمعت معا ~~في بقعة واحدة غلبت عليها طبيعة اللعب التي ركبت فيها فتركت العمل أو عبثت به ~~وأفسدته، فعالجوا ذلك بالرقابة والإرهاب، ووكلوا بها حارسا يحمل سيفا مصلتا كلما ~~ونى من القردة وان أو عبث عابث أهوى عليه بالسيف فطاح برأسه، فإذا هي قد نفضت عنها ~~العبث وهرولت إلى العمل، وجدت فيه فلم تنزل جادة غاية الجد برهة من الوقت حتى تنسى ~~الرأس الطائح فيعاد عليها الدرس المخيف من جديد. ~~••• # لو علم كارل ماركس وأتباعه بقصة هذه القردة، وعلموا أن شيوعها مستطاع في معامل النسيج ~~الحديثة وغيرها من المعامل التي تشبهها لما كان بعيدا منهم أن يعمموا الحقوق ~~والمشابهات قليلا أو كثيرا حتى تنطوي فيها فصائل القردة، ولا تنطوي على نوع الإنسان ~~وحده من العاملين والعاملات بين الرجال والنساء. # لأن المذهب عندهم ليس بحق لأنه حق، وليس بباطل لأنه باطل، ولكنه حق بمقدار ما يثبت من ~~دعوتهم ويمهد لها، وباطل بمقدار ما ينقص من دعوتهم ويعترض في سبيلها، ولولا ذلك لما ~~عموا عن الفوارق في الخلق وعن فائدة الإنسانية من تنويع هذه الفوارق وخسارتها بمحوها ~~وتعفية آثارها. ~~••• # ولقد سلكوا في نظرتهم إلى الأسرة مثل هذا المسلك فأنكروا فصلها في خلق الأواصر ~~والعواطف وتوليد الحقوق والواجبات بين الأفراد من الأقرباء والبعداء، ولم يعرفوا لها ~~إلا أنها أعانت الاستغلال في عصور الإقطاع خاصة، فارتبط بها نظام الميراث، وقامت ~~عليها قواعد الملك والادخار والتوريث وتعاقب السادة من النبلاء والفرسان، وخلطوا ~~كدأبهم بين ms60 كراهة الطبقة كأنها جزء من نظام الثروة العامة وبين كراهة الطبقة كأنها ~~جزء من الإنسانية يعمل عمله في توليد تراثها وتزويدها بالقيم الأدبية، ويترك لها ~~محصوله من هذه القيم، فيتعين عليها أن تصونه وتضيف إليه كما صانت المخترعات والآلات ~~ولم تقل إنها تنبذها وتعفي على آثارها، لأنها من توليد عصور الإقطاع أو عصور ~~المرابين والمستغلين. # فإذا كانت القرائح الذهنية قد أبدعت الصناعات والآلات التي أعانت على تسخير الضعفاء ~~وطغيان الأقوياء، فمن الحسن أن تذهب السخرة حيثما أمكن ذهابها وليس من الحسن أن تذهب ~~القرائح الذهنية ولا أن تذهب الصناعات والآلات أو تحتقر القدرة التي تسنى بها الإبداع ~~والاختراع. # وإذا كانت عواطف الأسرة قد أخرجت للناس قانونا يضير أو سنة تعاب أو عادة تتخلف عن ~~أوانها، فمن الحسن أن تذهب القوانين والسنن والعادات وليس من الحسن أن تذهب عواطف ~~الأسرة ولا أن ترجع إلى مصادرها من فوارق الطباع والخوالج بين الأزواج والزوجات ~~والآباء والأبناء، فننعاها ونسفه أحلام المعتزين بها ونبطل هذه الفوارق من معدنها ~~ونقول: إن وشائج الرحم بين الأنوثة والذكورة فضول من بقايا عهد الإقطاع أو بقايا عهد ~~الرعاة أو بقايا عهد الربا والاستغلال. فكل لون من ألوان الوشائج الإنسانية فهو قيمة ~~نفسية نجمعها ونقتنيها ونضيفها إلى ذخائرنا الحيوية، ولا نفرط فيها كما لم نفرط في ~~القيم الصناعية والقيم الذهنية، فليست كل ثروة الإنسان ثروة مصنوعات ومخترعات، وليس ~~الزاد الإنساني - زاد الإحساس والعاطفة وأفانين الشعور والخلجات - هو الزاد الرخيص ~~الذي يستوي أن يبقى أو يذهب من حيث جاء. # وستنال المرأة من حقوقها الصحيحة أو المزعومة كل ما تستطيع المرأة أن تأخذه، وكل ما ~~يستطيع الرجال أن يمنحوه أو ينزلوا عنه. # ولكن الحقوق التي تقوم على محو الفوارق بين الجنسين في تكاليف الأسرة والحياة ~~الاجتماعية هي من بداية الأمر ليست بحقوق كما يسميها المتحدثون بها؛ لأن الحقوق لا ~~تناقض طبيعة التكوين. # وهي بعد هذا ليست مما يملكه الرجال لينزلوا عنه طائعين أو كارهين، وليست مما تأخذه ~~المرأة لأنها لا تزيد في ms61 الخلق ولا تنقص منه ما تشاء، ومحو الفوارق قضاء بيد الطبيعة ~~لا بأيدي الأمم أو أيدي الحكومات ومجالس التشريع. # وربما استقرت الحقوق الاجتماعية طويلا على ظلم المرأة؛ لأن ظلم الضعيف سنة ~~معهودة في الطبيعة لم تبطل قط، ولا نخالها تبطل كل البطلان في حياة الحيوان ولا في ~~حياة الإنسان. # ولكن الحقوق الاجتماعية لا تستقر طويلا على ظلم الرجل؛ لأنه اختلال ينقض سنة ~~العدل وسنة الطبيعة على السواء. # ومن ظلم الرجل ألا تكون له مزية في الحقوق الاجتماعية وهو أقدر عليها من المرأة ~~كيفما تقلبت الآراء، فمهما يبلغ من غلو المتحدثين بالمساواة فهم على الأقل لا ~~ينكرون أن الرجل يقدر على أعمال كثيرة في خارج بيته لا تقدر عليها المرأة ولو في بعض ~~الأوقات التي تشغل فيها بالحمل والحضانة وتدبير البيت. # ومن ظلم الرجل ألا تكون رقابته على المرأة أوفى من رقابة المرأة عليه؛ لأنها إذا فرطت ~~في حقوقه ألحقت به نسلا غير نسله، وهو إذا فرط في حقوقها لم يلحق بها نسلا غير ~~نسلها ولم يخالف بذلك قوام خلقه الأصيل في جميع الذكور، فإذا الذكر يؤدي فريضة النوع ~~إذا اتصل بأكثر من أنثى واحدة، وليس للأنثى فريضة نوعية تؤديها إذا اتصلت بأكثر من ~~ذكر واحد، إلا أن تكون شهوة خائنة أو تحللا من متانة الأخلاق. # ومن ظلم الرجل أن تنكر عليه العزيمة والإرادة وما يتبعهما من وجوب الطاعة في بعض ~~الشئون إن لم يكن معظم الشئون، فتركيب خلقه هو تركيب المريد، وتركيب خلق المرأة هو ~~تركيب الملبية أو الموافقة للإرادة الأخرى. وما كمن في دخيلة الجنس منذ الأزل هيهات ~~تبدله أقوال المجالس وصفحات الكتب ونصوص الدساتير. # وكل نظام اجتماعي يبنى على هذا «الظلم» عبث وضلالة ولو طغت به نوبة من نوبات المذاهب ~~المغرضة إلى حين؛ فلعل صلاح المذاهب للدوام لا يعرف من دليل حاسم كما يعرف من دليل ~~الفوارق السرمدية بين الجنسين، ومن مبلغ الجور على حدود الطبيعة إزاء الرجال وإزاء ~~النساء. # ومن لغو القول أن يسهب الباحثون في حقوق ms62 المرأة بعد أن تتيسر لها رعاية البيت وتنشئة ~~الجيل الجديد؛ فهذه الحقوق فضول لا تريده المرأة ولا ترحب به إذا جاءها بغير سعي ~~منها، بل هو وهم لا يجيء بسعي في مقدور ساع أو ساعية، وإن المرأة تطالب المجتمع ~~والرجال بما يملك المجتمع أن يعطيه وبما يملك الرجال أن يعطوه، وليس إلغاء الفوارق ~~ونتائجها مما يعطى بقوة أو بحيلة، أو مما يساغ فيه الأخذ والعطاء. # | الجنس # ظواهر الجنس أعرق وأهم وأشيع في دنيانا من أن يتركها الإنسان تمضي به ذلك الزمن ~~الطويل بغير فهم أو بغير تفهم يحاول به التحقيق من طريق التخمين والتوفيق، إن ~~أعوزته وسائل العلم إلى الفهم الصحيح. # وقد خمن وأصاب. # فقال قديما بلغة الأساطير ما يقوله الباحثون اليوم بلغة العلم والتفكير، ولمس ~~الحقيقة بخيال الشاعر وفطنة الساحر قبل أن يلمسها بمبضع الجراح ومجهر ~~الكشاف. # وخلاصة ما يقوله العلم اليوم: إن الحياة التي لا جنس لها سابقة للحياة التي انقسمت ~~إلى جنسين ذكر وأنثى، وإن صفات الجنسين موزعة بينهما في أصولها الأولى، وإن هذا ~~التوزيع في أرفع الأنواع الحية لم يبلغ من الحسم مبلغه الذي يمنع كل تماثل ويدفع كل ~~التباس. # وقديما لمحت الأساطير إلى هذه المعاني برموزها التي تطوي الحقائق لينشرها من يريد ~~كما يريد. # في أسطورة من أساطير اليونان القديمة أن الذكر والأنثى كانا بنية واحدة فشقها الآلهة ~~شقين لأنهم أوجسوا خيفة من تمردها وعصيانها، وأنها لا تفتأ منذ انشقت نصفين يبحث كل ~~منهما عن صاحبه ليتم به ويرجع معه إلى أصله. # وفي أسطورة أخرى هي أعمق الأساطير في معناها إشارة إلى اختلاط الصفات الجنسية على نحو ~~لا يقال في لغة الرموز ما هو أصدق منه ولا أبين عن الحقيقة. وفحوى هذه الأسطورة أن ~~ربا من الأرباب وكل إليه أن يصنع جمهرة من الذكور وجمهرة من الإناث، ثم دعي إلى ~~وليمة في الأولمب فسكر وعربد، وذهب إلى مصنعه مخمورا لا يعي من الخمار وأمامه عمل ~~النهار ولم يصنع منه شيئا وليس له أن يرجئه إلى ms63 غده ؛ لأن الأقدار تصنع كل شيء بميعاد ~~لا يختلط بغيره. وكان قد أعد الأعضاء والجوارح والخوالج والأحاسيس ونوى أن يميزها ~~ويقسمها قسمين قبل أن يضعها في أهبها وتراكيبها، فلما أعجل عن التمييز والتقسيم؛ إذا ~~هو يتناول الإهاب فيلقي فيه بما اتفق له من الأعضاء والخصائص والطباع، فيقذف قلب رجل ~~في إهاب امرأة ويضع رأس امرأة على عنق رجل، ويمنح فتاة عضلات فتى أو يمنح فتى أعطاف ~~فتاة، فلم يأت الموعد الموقوت حتى كان قد فرغ من عمله وصنع كل ما عنده من الذكور ~~والإناث، ولكنها هذه الصنعة المختلطة التي يلتبس فيها النظر وتختلف فيها الأسماء ~~والمسميات، فلا يندر أن ترى امرأة لها صلابة رجل أو رجلا له رقة امرأة، ولا يتفق لك ~~دائما أن ترى رجلا بحتا كله رجولة أو امرأة بحتا كلها أنوثة، ولا أن توافق ~~المسميات ما أطلق عليها من الأسماء أو ما أودعته من الجوارح والأعضاء. # وجاءت الفلسفة في القرن الماضي فأعادت هذه الأسطورة بالصيغة الفلسفية التي اختارها ~~النابغة الألماني «أوتوفيننجر» في كتاب «الجنس والأخلاق»، ومجمل رأيه كما لخصناه في ~~كلامنا على حب المرأة من كتابنا «ساعات بين الكتب»: «أنه لا ذكورة ولا أنوثة على ~~الإطلاق، وإنما هي نسب تتآلف وتتخالف على مقاديرها في كل إنسان، ولا عبرة فيها ~~بظواهر الجوارح والأعضاء، فإذا فرضنا مثلا أن صفات الذكورة مائة في المائة فأين هو ~~الرجل الذي تتم له المائة جميعها بلا زيادة ولا نقصان، وتتآلف ذرات تكوينه واحدة ~~واحدة بلا نشوز ولا انحراف؟ وكيف تجتمع له هذه الصفات المتفرقة بحيث لا تتخلف صفة ~~ولا تحل واحدة محل أخرى؟ وكذلك النساء أين منهن المرأة التي هي مثل أعلى لجنسها جامع ~~لكل ما هو نسائي في الجمال والعقل والعاطفة والأعضاء والهندام؟ إن هذا الاتفاق لا ~~يجيء به الواقع؛ لأن التمام من وراء ما يبلغه الإنسان أو كائن سواه في هذه الحياة، ~~ولكنها أمور نسبية تدخل فيها صفات الرجولة والأنوثة كما تدخل فيها صفات سائر الأشياء، ~~فليس في الدنيا رجل هو ms64 الرجولة كلها وليس في الدنيا امرأة هي الأنوثة كلها، وهيهات أن ~~تقع على إنسان فيه كل صفات جنسه في جميع أخلاقه وأطواره كما تقع كل يوم على قطرة ماء ~~فيها كل صفات المائية التي لا بد منها لتكوين كل قطرة؛ فإن العناصر هنا مقيدة محدودة، ~~أما عناصر الطبائع والأخلاق والمواهب والأجسام فمما لا يقيده الحد ولا يحده ~~التقدير.» # وعلى هذا «يحب الرجل المرأة أو تحب المرأة الرجل على حسب ما بينهما من التوافق ~~والتباين في تلك العناصر والصفات؛ فالرجل الذي فيه ثمانون في المائة من الرجولة ~~وعشرون في المائة من الأنوثة تتممه امرأة فيها ثمانون في المائة من الأنوثة وعشرون في ~~المائة من الرجولة، ويجوز على هذا أن توجد امرأة ليس لها من جنسها إلا ظواهره، فتكون ~~هي التي فيها الثمانون في المائة من الرجولة وهي التي تنشد الرجل الذي فيه عشرون في ~~المائة من صفات جنسه؛ ومن هنا تنشأ الميول الشاذة في الجنسين وتنبو الطبائع عما خلقت ~~له في سواء التكوين ...». # والعلم الحديث يعرف هذه المعالم الجنسية ويعرف هذا الاختلاط في توزيعها بين الجنسين، ~~ولكنه يعرف ذلك على نهجه لا على نهج الشاعر في أسطورته ولا على نهج الفيلسوف في حدسه ~~وتقديره ... وسينتهي إلى الحقيقة الممحصة حيثما بدأ من البداهة النافذة والواقع ~~المشاهد، وهما لا يأذنان له بالضلال عن سواء النهج وإن تشعبت مسالك الناهجين ~~عليه. # ومن الثقات الراسخين في علم الحياة اثنان يعتمد على ذكائهما كما يعتمد على تجربتهما ~~في هذا الموضوع، وهما سير آرثور ~~ثومسون # Arthur Thomson # وسير باتريك ~~جيدس Patrick Geddes # صاحبا كتاب تطور ~~الجنس # Evolution of sex # وغيره من المراجع المعتد بها في علم الحياة. # فهذان العالمان الجليلان ينزلان بالفارق بين الجنسين إلى قرارة المادة الحية التي ~~تتمثل في النبات، ويوشك أن يجعلا في الأنوثة شيئا من النباتية التي تمكث في موضعها، ~~وفي الذكورة شيئا من الحيوانية التي تنفق من مادتها بالحركة. # ويمكن أن نتوسع في شرح رأيهما فنقول: إن التفرقة عندهما بين الأنوثة والذكورة ms65 ~~كالتفرقة بين التجميع والتصريف، أو بين الاختزان والاحتراق ، أو بين الاحتجاز ~~والاندفاع. # ففي كل كائن حي عملان كيميان يتقابلان ويتكافآن، وهما البناء والتصريف، أو جمع الغذاء ~~وحرق ما اجتمع منه. # ويتبين هذا في الورقة الخضراء التي يعرضها النبات للشمس فيجري فيها بناء مادة من ~~السكر وما شابهه، وذاك فيما يرى العالمان الجليلان أهم عمل كيمي في الخليقة؛ لأن ~~جزءا من قوة شعاع الشمس يستخدم لصنع مركبات الكربون من ثاني أكسيد الكربون الذي في ~~الهواء وفي ماء التربة. # ولوفرة المادة التي يبنيها النبات لغذائه يستطيع أن يعتمد عليها كما يعتمد معه آكلو ~~العشب من جميع الأحياء. # إلا أن الحي الذي يتحرك ويعمل يحرق جزءا من مركبات الكربون فيه وتنطلق القوة منه كما ~~تنطلق من الآلة البخارية. # فالذكورة هي حالة البنية التي تتطلب احتراقا أعنف وأكثر وأقرب إلى الاطراد من ~~الأنوثة، والأنوثة هي حالة البنية التي تتطلب تجميعا للغذاء أهدأ وأقرب إلى القرار ~~من الذكور. # أو هما كما أسلفنا يفترقان بالقدرة على التجميع والقدرة على التصريف، ويفترقان بنزعة ~~الاحتجاز ونزعة الاندفاع، ولنا أن نترجمها في لغة الأدب والواقع المشاهد بالتفرقة ~~بين التلبية والاقتحام! # وكأنما قال العالمان: إن الرجل حي النزعة في مجمل صفاته، وإن المرأة نباتية النزعة في ~~مجمل صفاتها. # وهي هي لا تزال منذ درجت من الحياة الأولى «تلك الشجرة» التي تبسط زهرتها وهي في ~~مكانها لتتلقى فيها اللقاح على جناح الهواء. # وكل بنية حية فيها النزعتان متقابلتين متكافئتين، فحيث زادت القدرة على التجميع فثم ~~أنوثة ولو حملت غير اسمها، وحيث زادت القدرة على التصريف فثم ذكورة ولو حملت غير ~~اسمها، وعود على بدء إذن إلى أسطورة الرب السكران. ~~••• # وأيا كان تعليل العلم لنشأة الفوارق الجنسية في قرارها فالعلماء المحدثون المعنيون ~~بمسائل الجنس يرجعون بالاختلاف بين مزاج الذكورة ومزاج الأنوثة في جسدي الرجل والمرأة ~~إلى الهرمون الذي تفرزه الغدد الصماء، وهو سائل شفاف يسري في الجسم من غدد ثلاث توجد ~~في أجسام الأحياء الفقارية، إحداها: الغدة الدرقية في الحلق، والثانية: الغدة ms66 ~~النخامية في أسفل الدماغ، والثالثة: الغدة الكظرية على مقربة من الكليتين، وهي عظيمة ~~الأثر فيما يشاهد من الاختلاف بين أجسام الذكور والإناث بعد سن البلوغ، ومتى تشخصت ~~الذكورة والأنوثة ظهر الفارق الأكبر في تركيب الخصية وتركيب المبيض، فاختص الرجل ~~بإفراز المني واختصت المرأة بإفراز البويضات. # ومن التجارب في بعض الحيوان كالجرذان يلاحظ أن استئصال الغدد المنوية يميل بالحيوان ~~إلى مزاج الأنوثة، ولكنه إذا استئصل منه المبيض لا يستعير مزاج الذكورة إلا بإضافة ~~الغدد المنوية إليه. # وقد يتفق أن يكون في الإنسان خصية ومبيض بدلا من الخصيتين، فيسري في جسده إفرازان ~~يميل به أحدهما إلى الذكورة ويميل به الآخر إلى الأنوثة، ويشاهد في مثل هذا الإنسان ~~أحيانا مشابه من المرأة في الصدر وبعض الأعضاء الداخلية. # على أن الحيوانات الدنيا تتناوب الذكورة والأنوثة كما في بعض الحالات النادرة، فتكون ~~المحارة البالغة ذكرا، ثم تنقلب أنثى، ثم تعود ذكرا مرة أخرى، وهي لا تلد البويضات ~~إلا إذا ارتفعت الحرارة حولها إلى درجة معلومة؛ ففي الدرجة من عشرين إلى اثنتين ~~وعشرين تنقلب المحارة أنثى مرة في كل سنة، وفي الدرجة الرابعة عشرة إلى السادسة عشرة ~~تنقلب أنثى مرة كل ثلاث سنوات أو أربع سنوات، ولا تنقلب أنثى فيما دون هذه الدرجة على ~~الإطلاق. # وتشاهد هذه الظاهرة في بعض الأسماك الصغرى وبعض الحشرات المائية، فيحدث فيها التحول ~~على نحو يشبه التحول في المحار، ولا يشترط فيه تفاوت الحرارة بذلك المقدار. # فالفوارق بين الجنسين تتقارب كلما هبط الحيوان في سلم الخلق حتى تزول الفوارق جميعا ~~في الخلية الأولى، ولكنها تتشعب وتتعدد ويصبح التحول بينهما فلتة من فلتات الخوارق ~~كلما ارتقى الحيوان في سلم الخلق، حتى تبلغ هذه الفوارق قصاراها من التنوع والتكافؤ ~~في بنية الإنسان. ~~••• # ومع هذا يوجد الفارق بين الخلايا المنوية والخلايا البيضية محسوسا مميزا لمن يكشفه ~~بالمجهر، فتختلف الخلية المنوية من الخلية البيضية بالحركة والشكل والتركيب. # والخلايا المنوية في الحيوانات اللبون هي التي تقرر جنس الجنين ذكرا يكون أو أنثى؛ ~~لأن الذكر يفرز نوعين ms67 من الخلايا أحدهما يشبه خلية الأنثى والآخر خاص بالذكورة لا ~~يشبه البويضات الأنثوية، فإذا امتزجت عند اللقاح خليتان متشابهتان فالمولود أنثى، ~~وإذا امتزجت خليتان مختلفتان فالمولود ذكر؛ لأن الخلية المختلفة هي التي تعطيه صفة ~~الذكورة، وقد لوحظ أن خلية الذكر تتألف على الأكثر من نواة تميل إلى الحركة وتقل فيها ~~المادة الغذائية الأخرى التي تكثر في الخلية الأنثوية، وتقبل مادة النواة الاصطباغ ~~فيسهل تمييزها بألوانها؛ ولذلك سميت في اللغات الأوروبية # Chromosoms # نسبة إلى الصبغ والتلوين. # وفي كل خلية عدد من هذه الصبغيات يتساوى في خلايا النوع كله، أقله صبغيان اثنان كما ~~في الدودة الخيطية التي تعلق بالخيل، وأكثر ما شوهد منه في خلية الإنسان؛ حيث يبلغ ~~عدد الصبغيات ثمانية وأربعين، ولكن هذا العدد ليس بالمهم في الدلالة على ارتقاء ~~النوع؛ لأن بعض الحشرات الحلزونية تشتمل خلاياها على مثل هذا العدد. # إنما المهم أن عدد الصبغيات بعينه يتكرر في كل خلية من خلايا الجسم كله، وأن الخلية ~~المنوية تشتمل على نصفه فقط، وكذلك الخلية البيضية، كأنما الملحوظ من البداية أن ~~النصفين يكونان خلية واحدة هي التي يتخلق منها الجنين. # ومن عجائب الاختلاف العريق بين خصائص الذكورة وخصائص الأنوثة أن عدد هذه الصبغيات في ~~خلية الذكر سبعة وأربعون وفي خلية الأنثى ثمانية وأربعون، والذي يحدث عند اللقاح أن ~~خلية الذكر تنقسم نصفين وخلية الأنثى تنقسم نصفين، ثم يتقابل نصف من هذه ونصف من تلك، ~~فإذا كانا عند الامتزاج يؤلفان ثمانية وأربعين، فالمولود الذي يتخلق من هذه الخلية ~~أنثى، وإذا كانا يؤلفان سبعة وأربعين فالمولود الذي يتخلق من الخلية ذكر، وكأنما ~~النواة الكثيرة الحركة هي العوض في خلية الذكر من الصبغي الناقص فيها. # ما أعجب بداهة الأساطير في النفاذ إلى حقائق الحياة! # ففي الأسطورة التي أشرنا إليها زعموا أن الذكر ~~والأنثى كانا في النوع الإنساني بنية واحدة فأوجست الآلهة منهما متحدين متفقين ~~فسطرتهما شطرين، فهما منذ تلك اللحظة يبحث كل منهما عن النصف الآخر ليتم به نقصه ويجد ~~فيه لفقه الذي يسكن إليه. ms68 # وتلك هي الحقيقة في ظلمات الرحم تشطر الذكر والأنثى نصفين، ثم تطلق كلا منهما يبحث ~~عن لفقه حتى يسكن إليه، ثم تطلقهما بعد ذلك نصفين في كل منهما حنين إلى النصف الآخر ~~يبحث عنه حتى يلقاه. ~~••• # خلاصة هذه جميعه أن الجنس محدود الفوارق منذ الخلية الأولى، وأن هذه الفوارق - كائنا ~~ما كان اسمها - ترجع إلى فارق واحد يلخصها بأجمعها، وهو مزيد من الإقدام في جانب ~~الذكورة ومزيد من الإحجام في جانب الأنوثة، أو مزيد من الإرادة يقابله مزيد من ~~التلبية، أو مزيد من التصريف والحركة يقابله مزيد من التجميع والدعة، ثم يتفرق هذا ~~الفارق الوحيد على مئات من الصور في كل من الجنسين. # والباحثون المعنيون بالجنس يسجلون درجات من الفوارق بين الرجل والمرأة تتفاوت في ~~الظهور بين ما هو ظاهر من اللمحة الأولى إلى ما يظهر بعد كثير من البحث أو قليل، ~~وأشهر من تكلم في هذه الفوارق الباحث الإنجليزي # Havelook ~~Ellis # في كتبه الكثيرة وبخاصة كتابه «الرجل والمرأة ودراسة ~~الخصائص الثانية والثالثة بينهما». # Man and woman: A Study of Secondary and Tertiary sexual ~~characters. # وهو كتاب جامع تناول فيه الفوارق التي تبدو من المشاهد والفوارق التي تبدو بعد الفحص ~~والتحليل في كل جزء من أجزاء البنية الإنسانية، فاستقصى ذلك أحسن استقصاء مما يضيق ~~بنا المقام هنا لو شرحناه أو لخصناه. # ولكننا نلم بالفوارق الذهنية أو الفوارق النفسية العامة فنجتزئ منها ببعض ~~الملاحظات التي تدل على سائرها: # فمنها - ولعله أهمها - أن النساء الموسومات بالعبقرية لم ينبغن مستقلات بأنفسهن أو ~~بمعزل عن رجل يعتمدن عليه؛ فمدام كوري أشهر النابغات في ميدان العلم كانت زوجة رجل من ~~كباء العلماء يشاركها أو تشاركه في بحوثها وآرائها، ومسز بروننج الشاعرة الإنجليزية ~~نظمت أجمل قصائدها وهي زوجة للشاعر روبرت بروننج، وجورج إليوت كتبت أفضل رواياتها وهي ~~في عشرة لويس صديقها المأثور لديها، والليدي ديلك # Dilke # كتبت في الدراسة العلمية حين كانت زوجة للعالم الأديب مارك ~~باتيسون Pattison # وكتبت في السياسة والإدارة حين ~~أصبحت زوجة رجل ms69 من رجال السياسة والإدارة. # وأشار هافلوك أليس إلى تجارب الباحثين بأنحاء القارة الأوروبية فيما بين الرجل ~~والمرأة من الفوارق الذهنية والنفسية، فكانت خلاصتها أن المرأة مطبوعة على الوصول إلى ~~النتائج بالحيلة والتحسس وخفة التناول والتنفيذ، وأن الرجل يقابل ذلك بالاتجاه الصريح ~~والنفاذ والتصميم. # وممن درس هذا الموضوع على الطريقة العلمية الأستاذ إرنست كرتشمر أستاذ الأمراض ~~النفسية والعصبية بجامعة ماربورج # Ernst Kretschmer ~~، ~~فألمع في كتابه «نفسيات العباقرة» إلى النساء اللائي اشتغلن بالفنون، ولخص رسالة ~~موبياس # Mobius # الذي خص القول بالموسيقيات؛ لأن ~~المرأة لم تعطل قط عن تعلم الموسيقى والعزف على آلاتها. قال: ومع هذا لم يبق من ~~أسماء نابغات الموسيقى إلا الأسماء التي كانت تتصل ببعض الرجال كاسم كلارا شومان زوجة ~~شومان الموسيقي العالمي المعروف، وفاني مندلسن أخت مندلسن وكورونا شروتر صديقة جيتي، ~~وغيرهن على هذا المنوال. # وذكر الشاعرة الألمانية فون درست هلشوف # Anette von droste ~~Hulshoff ~~. # فقال: إنها كانت أقرب إلى الرجولة في مزاجها وكلامها، وكانت تتزيا بأزياء الرجال ~~وتتمنى في بعض شعرها لو كانت صيادا منطلقا بالعراء أو جنديا مقاتلا أو رجلا على ~~الأقل. ولم تنظم قط في عواطف الأمومة أو وصف الطفولة أو حنين المرأة إلى الحب والألفة ~~وما شابه ذلك من معارض الشعر التي يكلف بها النساء، وأضاف إلى ذلك أن هذا النزوع إلى ~~التشبه بالرجال والتزيي بأزيائهم مشهود مطرد في نساء التاريخ المشهورات مثل ~~أليصابات ملكة إنجلترا وكاترين قيصرة الروس وكرستينا ملكة السويد؛ فهن ينبغن في ~~اقتدارهن على بعض أعمال الرجال بمقدار ما ينقص فيهن من صفات الأنوثة، لا بمقدار ما ~~يزيد ويفضل عن الحاجة إليه. ~~••• # وأسلم ما يقال في هذا الباب ولا يقبل الخلاف عليه أن فاصل الجنس موجود، وأن هناك صفات ~~ذكورة وصفات أنوثة لا التباس بينها حين تنعزل وتتمادى إلى طرفيها، ومن خير بني ~~الإنسان أن يصان لهم هذا التنويع في الصفات على اختلاف ألوانها وظلالها ودرجاتها ~~وطبقاتها؛ لأن التنويع زيادة في ثروة الإحساس وزيادة في ثروة الحياة وزيادة في ~~الأعمال التي تستطاع ms70 في كل حالة من هذه الأحوال، وترتقي إلى غايتها من الإتقان كما ~~يرتقي كل شيء إلى غايته بالتخصيص وتوزيع العمل فيه. # وأن الجنس لم يخلق ليزول ويتشابه الجنسان. # ولكنه خلق ليبقى ويتعاون جانباه على إتمام حياة الإنسان. # | الحب # نرانا مرة أخرى أمام تضليل اللغة لنا عن فهم الحقيقة أو أمام جناية الأسماء على ~~المدارك الإنسانية. # فالأسماء قد حصرت المعاني فأفادت؛ لأنها جمعتها من الفوضى والشتات، وحصرتها فأضرت لأن ~~المعاني أوسع من أن تقبل الحصر ولكل منها حالات مثلها لا تحصى. # ومن هذه الأسماء اسم «الحب» لذلك العالم الزاخر الذي لا نهاية لمعانيه. # فهو اسم واحد ولكنه ليس بشيء واحد. # ويضل من أجل هذا عن حقيقته كل من ينتظر شيئا واحدا حين ينظر إليه. # لأنه على أية حال ليس بشيء واحد موجز المعاني كلفظه الوجيز الذي يدل عليه. ~~••• # في كل حب بين رجل وامرأة شيء من حاسة الجمال، وشيء من الأثرة وحب الاحتجان، وشيء من ~~الغريزة النوعية والخصائص الجنسية، وشيء من الرغبة في المتعة الحسية والنفسية، وشيء ~~من التجميل وزخرفة الخيال والتطلع إلى المثل الأعلى، وشيء من الألفة التي تحبب ~~إلينا كل مألوف أو توحشنا من بعده والمعيشة بدونه، وشيء من الخوف والقلق والرجاء ~~والحيلة والمحاولة وكل ما يدور في سريرة الإنسان حول تلك العناصر التي تشتمل عليها ~~تلك الكلمة الصغيرة ذات الحرفين الاثنين. # وهذه الخصائص توجد في حب الرجل والمرأة وتوجد في غيره من العلاقات. # فالإنسان يألف المرأة التي أحبها ويألف الموطن الذي أطال الإقامة فيه. # ويلجأ إلى التجميل وزخرفة الخيال إذا فتن بالعظمة والنبوغ كما يلجأ إلى التجميل ~~وزخرفة الخيال إذا فتن بالمعشوقة الحسناء. # ويروقه الجوهر النفيس فيتمنى أن يملكه ويستأثر به دون غيره، وكذلك يفعل حين يروقه ~~جمال المرأة التي يهواها. # ويحس الغريزة النوعية حين يحب ولا يحب، وتتيقظ فيه الخصائص الجنسية وهو بعيد من ~~المرأة أو قريب منها. # ويستمتع بحاسة الجمال وهو ينظر إلى الشفق وإلى الريحانة وإلى الصورة وإلى ~~التمثال. # فهي عناصر تتفرق في الدنيا وتتجمع ms71 في عاطفة الحب كما تتجمع العناصر القليلة في صور لا ~~تقبل الحصر ولا تحدها الأسماء. # ومن الأمثلة التي تقرب لنا هذه الحقيقة أن عناصر المادة تعد بالعشرات، ولكن ~~الصور التي نراها في هذا العالم تربى على الألوف وألوف الألوف. # وإن حروف الهجاء لا تتم العشرات الثلاث ومنها الكلمات التي تضيق بها المجلدات في جميع ~~اللغات. # فلا نهاية لألوان الحب التي تتجمع من تلك العناصر القليلة؛ لأنها تتباين في الترتيب، ~~وتتباين في القوة، وتتباين في المقادير، وتتباين أبعد التباين على حسب المحبين، وعلى ~~حسب الأعمار والأطوار النفسية في المحب الواحد. # ولا وجه للمقابلة بينها، كما لا وجه للمقابلة بين كلام وكلام؛ لأنهما مركبان من حروف ~~متشابهة، فحب هذا الإنسان لا يشبه حب ذاك الإنسان، وما يشاهد من محب في عنفوان هواه ~~لا يلزم على وجه من الوجوه أن يشاهد من سائر المحبين. # إنما العنصر الذي لا تخلو منه عاطفة الحب بالغة ما بلغت ألوانه ودواعيه هو تميز ~~شخصية بين سائر أفراد الجنسين؛ حيث لا يوجد رجل مميز بين الرجال وامرأة مميزة بين ~~النساء فلا حب ولا علاقة ولكنها شهوة كشهوة الطعام يشبعها كل غذاء، ولذة كلذة الحس ~~من متاع اللمس والسمع والرؤية ولو في جماد. # ولا يزال الأمر في حدود الاستحسان والروعة والرغبة في الحب حتى تمتاز بين أفراد الجنس ~~شخصية لا تغني عنها شخصية أخرى، وإن شاركتها في مجمل صفاتها أو زادت عليها في ~~محاسنها. فإذا امتازت هذه «الشخصية» فذلك هو الحب وذلك هو الغرام، وفي اسمه بالعربية ~~شرح لأطواره وشروطه وأولها الألفة واللجاجة والعكوف. # وقد يولد الحب من النظرة الأولى. # ولكنه ينمو بعد ذلك - لا محالة - حتى يستوفي نموه بعد التمييز والألفة والافتنان ~~في صور الخيال. # وإنما يولد الحب من نظرة واحدة إذا استولى بتلك النظرة على حاسة الجمال أو أثار ~~الغريزة أو أذكى حمية الغيرة والشوق إلى الحيازة والاحتجان، ولكنه لا يكون أقوى ~~الحب حتما؛ لأنه ولد على عجل أو جاش في النفوس قويا من نظرة واحدة، فربما ms72 أبطأ ~~الحب وسرى في الضمير غير محسوس به ولا ملتفت إليه، ثم يشعر به المحب يوما، فإذا ~~هو أقوى من كل حب تثيره المفاجأة وتعجل به النظرة الخاطفة. # ودأب الحب في ذلك كدأب الخوالج الإنسانية في أطوار السرعة والزوال، وأطوار الأناة ~~والبقاء. # وقد يلتقي الرجل بالمرأة فيعرض عنها وينفر منها، ثم يلتقي بها في حالة غير تلك ~~الحالة فيألفها ويتعشقها ويصمد على هواها؛ لأن المعول في هذه الحالات على الابتداء ~~وتسلسل البواعث الأخرى، فإذا حسنت البداءة تبعتها البواعث التالية في نسق مقبول حتى ~~تبلغ مداها. # ولو كان الحب شيئا واحدا لما اختلف وقعه بين نظرة ونظرة وبين مقابلة ومقابلة وبين ~~الرجل في آونة من الزمن والرجل نفسه في غير تلك الآونة. # هو في عناصره كألوان الطيف الشمسي لا تنطبق على عدها أصابع اليدين، ولا تكفي ~~أرقام الحساب كلها لإحصاء ما يتألف منها ويتفرع عليها من الظلال والشيات ~~والأصباغ. # ولهذا لا نسأل عنه سؤالنا عن خصلة واحدة أو خصال محدودة، كما لا نسأل عن الألوان ~~والأصباغ على هذا الأسلوب. # فمن ضيق النظر إلى الحب أن يقول قائل: إنه ينطفئ بالاتصال بين الجسدين، أو إنه يستلزم ~~الاتصال ولا يذكو بغيره. # ومن ضيق النظر أن يقال: إن الحب يكون عذريا أو لا يكون، أو يستدل عليه بهذه الصلة ~~ولا يستدل عليه بصلة سواها. # لأن الحب قد وجد بين الجنسين قبل أن توجد الأواصر الاجتماعية التي تحرم الاتصال ~~بين الرجل والمرأة بغير عقد مشروع. # فإذا سئل عن الحب العذري فليس السؤال: هل يوجد أو لا يوجد، وهل هو مشروط في طبيعة ~~الحب أو غير مشروط فيها؟ وإنما السؤال: هل المحبان قد غلبت عليهما نزعة الفطرة، أو ~~غلبت عليهما آداب الجماعة أو أوامر الدين؟ وقد يستتبع هذا السؤال سؤالا تاليا وهو: ~~هل جمحت الغريزة بصاحبها، أو لا تزال في قبضة العنان التي يقدر عليها الأقوياء، أو ~~يقدر عليها بعض الضعفاء إذا هان أمر الجماح؟ # وعلى هذا يوجد الحب العذري ولا يوجد، ويعهد في بيئة ولا ms73 يعهد في بيئة غيرها، ولا ~~يعدو أن يكون لونا من ألوان الحب يستطاع في علاقات وتنوء به الطاقة في غيرها من ~~العلاقات. # وكذلك السؤال عن الحب: هل هو سعادة أو هو شقاء؟ فقصارى القول فيه أنه هو حب سواء قلت ~~حب شقي أو حب سعيد، فإذا اتفقت جوانبه الكثيرة فهو أقرب إلى السعادة وإن كان لا ~~يستغني عن قلق يغليه ويعيد الأمن به والسكون إليه بعد المخافة عليه، وإذا افترقت ~~جوانبه الكثيرة فهو أقرب إلى الشقاء، وإن كان هذا الشقاء لا يخلو من دواعي الإغراء ~~والإعزاز؛ لأنه هو التكاليف التي تقوم بها قيم الشعور. # ولكنه - لكثرة عناصره - أقرب إلى الشقاء منه إلى السعادة؛ لأنه عرضة لافتراق الهوى ~~في النفس الواحدة حين تتناقض الرغبة والكرامة، أو تتناقض أسباب الألفة وأسباب النفور، ~~وعرضة لافتراق الهوى بين نفسين اثنين لا تزول الحواجز بينهما كل الزوال وإن أفرطا في ~~المودة والوفاء، وعرضة لافتراق الهوى بين تينك النفسين وبين البيئة التي يعيشان فيها، ~~وعرضة لافتراق الهوى من تقادم العهد وتبدل الإحساس وتجدد العلاقات التي يتعرض ~~لها كل هؤلاء. # وإنما كان له هذا الشأن الأكبر بين العواطف الإنسانية؛ لأنه هو العاطفة التي تنفذ إلى ~~جميع العواطف والتجربة التي تمتحن بها النفس في جميع طواياها، والشعور الذي تتأهب له ~~بنيتان وطويتان بكل ما أودع فيهما من نوازع الجنس العريقة في أعمق جذور الحياة من ~~الخلية الأولى إلى فطرة الإنسان. # ولا يقال إن امرءا عرف نفسه وسبر أغوار ضميره ما لم يسبرها في هذه العاطفة مرات؛ ~~لأنها لا تتغلغل إلى أنحاء الضمير جميعا من نوبة واحدة ولا تزال لكل نوبة رسالتها ~~التي تحملها إلى قرار في أغوار الضمير لم يكن بالمعروف ولا بالميسور، وقد تطلع المرء ~~على أخس ما فيه كما تطلعه على أنبل ما فيه. # فهي بوتقة لا نظير لها، وهي بوتقة تدخلها معادن لا تحصى، وقد يدخلها المعدن ذهبا ~~تارة وقصديرا تارة أخرى، على حسب الشخصيتين، وعلى حسب النوازع التي تثار في العلاقة ~~بين تينك الشخصيتين. ms74 # ولا يلزم أن تكون الضعة في إحدى الشخصيتين ضعة في العاطفة وتعبيراتها، لأن هذه الضعة ~~قد تحيي في النفس مناعتها وتستجيش محاسن العطف والرحمة فيها، كما تحيي الجرثومة ~~مناعة البنية التي تداخلها وتستنفر حراسها وحماتها. # وعلى هذا النحو لا يلزم أن تكون الرفعة في إحدى الشخصيتين رفعة في العاطفة نفسها، فمن ~~الرفعة ما تلقاه النفس بالإعجاب ولا تلقاه بالفطرة الثائرة التي ترجها وتزلزلها ~~وتستخلص منها ذخيرتها وكوامن قواها. # إنما هو تفاعل بين شخصين، وكثيرا ما يتفق في العواطف البشرية كما يتفق في الكيمياء ~~أن يكون للمادة الخسيسة فعل مفيد وأثر نفيس في المادة التي تفاعلها، ولا بد من ~~التفاعل بين النقائض والمتشابهات في بوتقة النفس وفي بوتقة الكيمياء. # | معاملة المرأة # إذا كانت هذه هي المرأة في جملة صفاتها ومزاياها ونقائصها وحقوقها فكيف نعاملها؟ أو ~~كيف نهتدي بمجمل هذه الآراء والمشاهدات في معاملتها؟ # ولا ينصرف هذا السؤال إلى معاملة المرأة في الأندية ومجالس البيوت والمحافل العامة؛ ~~لأن هذه المعاملة تجري على سنة المجاملة التي تفرضها آداب كل أمة، وتجري على ~~سنة المراسم التي يرعاها من يدين بها ويتقيد بعرفها ونكرها. # وهو أيضا لا ينصرف إلى معاملة المرأة في القوانين والدساتير؛ لأن جميع ءالقوانين ~~والدساتير سواء ما لم تدرأ المرأة عن حوزتها الأولى وفريضتها العليا، وهي الإشراف على ~~مملكة البيت وعلى تنشئة الجيل المقبل وصيانة الأسرة. # إنما ينصرف السؤال إلى «المرأة الطبيعية» لا سيدة النادي ولا عضو المجتمع ولا صاحبة ~~الحقوق في القانون والدستور. # وأوجز ما يقال في جواب السؤال على هذا المعنى أن الرجل الذي يحسن معاملة «المرأة ~~الطبيعية» هو الرجل الذي يشغل إحساسها، وأن الذي يشغل إحساسها ولو بالسخط والغضب ~~والإثارة أقرب إليها ممن يتركها فاترة النفس لا تغضب ولا ترضى ولا تميل ولا تنفر ولا ~~تشكر ولا تنطوي على حقد أو موجدة. # وقد شوهد نساء كن يحسبن من السعيدات المنعمات؛ لأن أزواجهن كانوا يغدقون عليهن ~~النعمة ويتأدبون غاية الأدب في خطابهن ولا يزالون معهن على ديدن الكياسة في الخلوة ms75 ~~والاجتماع كأنهم يعيشون معهن الدهر على ملأ من نبلاء القرون الوسطى! فلم تنقض عليهن ~~مدة حتى طلبن الطلاق وألحفن في طلبه، وذهبن إلى أزواج يمزجون الرضا بالغضب واللين ~~بالخشونة، فأخلدن إلى العيش معهم وآثرنه على تلك المجاملات التي لا انقطاع لها في ~~خلوة ولا اجتماع. # وشوهد نساء يشكون بين الجد والمزاح أن أزواجهن يسرعون إلى استجابة كل إشارة لهن، ~~وإنجاز كل رغبة من رغباتهن، وسمعت من هؤلاء النساء من تقول: بودي لو يخالفني يوما ~~فيأبى أن يذهب إلى دور الصور المتحركة حين أقترح عليه الذهاب إليها، وبودي حين يقبل ~~الذهاب أن يخالفني ولو في اختيار الدار التي أدعوه إليها. # وفي هذه الأمنية من جد أكثر مما فيها من مزاح. # لأن المرأة تستريح إلى الشعور «بالحماية» وتنوط بهذا الشعور طمأنينتها وتسند إليه ~~ضعفها، وهي لا يخلص لها الشعور بالحماية إذا انطلقت بغير وازع يمنعها بعض المنع ~~ويردها إلى الطاعة من حين إلى حين. وقد تخالف الرجل فتسعد بالنجاح في المخالفة، ~~ولكنها تشيع هذا النجاح بالندم وتود لو حبطت مخالفتها وتعوضت منها الشعور بالقوة ~~التي تردها إلى طاعتها. # وشغل الإحساس ضرورة للمرأة لا محيص لها عنها أو ضريبة مفروضة عليها لا نجاة لها منها، ~~وكفى من بواعثها إلى شغل إحساسها أنها تمتحن في كل دورة قمرية بثورة لا تكبحها أو ~~بهمود لا ينقذها منه إلا ثورة تلعجها وتحرك رواكدها، وإنه مع هذا لسبب عارض يزاد على ~~السبب الدائم الذي جعل حياتها منوطة بالمؤثرات الحاضرة غير حافلة بما ~~يعقبها. # ومن المتواتر في أقوال بعض الرجال من عشراء النساء الطبيعيات أن المرأة تحب الرجل ~~الذي يضربها ويهينها، وتؤثره على الرجل الذي يكرمها ولا يزال يترضاها. # وقد يكون في هذا القول تقديم وتأخير: تقديم للضرب والإهانة على الحب، وأحرى أن يتقدم ~~الحب على الضرب والإهانة؛ فإن المرأة تقبلهما ممن تحبه لتزداد شعورا بحبه وغلو ~~قيمته لديها، وقد يسرها أن تعلم كيف أصبحت أثيرة عند الرجل حتى أثارته غيرة عليها أو ~~اهتماما بشأنها؛ لأن قلة الاكتراث ms76 هي أخوف ما تخافه من الرجل الذي يعنيها. # ولكن التقديم والتأخير في ذلك القول لا يجردانه من الصدق الذي تعرف له علة معقولة؛ ~~فإن المرأة يلذ لها الخضوع إذا وجدت من يخضعها لأنه يحقق لها أنوثتها بين يدي الفحولة ~~الغالبة عليها، وإنها ليلذ لها الألم أحيانا لأن الألم مقترن بأحب الوظائف إلى ~~طبيعتها وهي طبيعة الأمومة، ومتى لذ لها الخضوع والألم فلا عجب أن يلذ لها الضرب ~~والهوان ممن يعنيها. # ويشبه هذا القول أن المرأة تعرض عمن يقبل عليها وتقبل على من يعرض عنها؛ لأن ~~المرأة تتهم نفسها إذا أعرض عنها الرجل فلا يهدأ بالها حتى تدفع عنها التهمة وتسترد ~~إليها الثقة بفتنتها وغوايتها. وقد تشعر أنها بلغت من الرجل كل ما توده إذا هي لمحت ~~منه الإعجاب بها، فلا حاجة بها إلى المبالاة به؛ لأنها عرفت قيمتها لديه، إلا أن يكون ~~الرجل قد أعجبها فهي تتخذ من إعجابه بها وسيلة إلى استبقائه في أثرها. # وذاك الذي يصدق على المرأة في هذه الخلة يصدق على كل ضعيف يلتمس قيمته في نظرات ~~الناس إليه؛ فإنه ليقنع ويتعالى إذ لمح المبالاة به، وإنه ليخنع ويتردد إذا لمح ~~الإعراض عنه. ومهما تكن المرأة جميلة فاتنة فهي تتهم جمالها وفتنتها إذا عجزت عن غزو ~~رجل من الرجال بهما، ويقع في خاطرها على الأثر أنه يهملها؛ لأنه يعرف من النساء من هي ~~أجمل وأفتن. فيكون رضاه أحب إليها من رضا المعجبين بها والحائمين حولها. # ومن المحقق أن المرأة لا تضن براحة ولا سمعة ولا كرامة في سبيل الرجل الذي تتبعل ~~له تبعل الأنثى لفحلها، وقد تأنف من معاشرة الضرة مع رجل لا يملكها بفحولة طبعه ~~ومتانة أسره، ولكنها تقبل معاشرة الضرات طيعة راضية إذا صادفها الرجل الذي يملكها ~~بفحولة طاغية على مشيئتها، وتسرها يومئذ ساعة الحظوة لديه بين ضراتها كأنها نعمة ~~منتزعة من السماء، تظل تحلم بها وكأنها لا تصل إليها إلا أن يسعدها الحظ عند مالكها ~~ومولاها. # وقد تقول «سيدة النادي» غير ذلك بلسانها، ms77 ولكنها لا تقول غير ذلك لا بلسانها ولا ~~بقلبها إذا حلت فيها «المرأة الطبيعية» محل السيدة الاجتماعية، وإنما تحل فيها ~~«المرأة الطبيعية» محل سيدة النادي بين يدي «الرجل الطبيعي» الذي ينفذ بها من شعائر ~~العرف المصطنع إلى ما وراءها. # والمرأة بعد لا تتطلع من الرجل إلى شعور أحب إليها من شعور الحماية المحيطة بها ~~والقوة الغالبة عليها؛ ولهذا يرضيها أن يمتزج بمعاملتها شيء من معاملة الطفلة المدللة ~~ولو من ابنها وأخيها. فأحب الرجل إلى المرأة هو الرجل الذي تسكن إليه طفلة مطمئنة ~~تقبل حنانه وتخاف غضبه وتتوخى رضاه ولا تأنف من تأنبيه وتعذيبه. # تلك هي حواء، في قرارة الوقائع والآراء، لا تتبدل حتى تتبدل الأرض والسماء. ms78